{"ً":{"ٌ":853,"ٍ":"الأبواب والتراجم لصحيح البخاري","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"https://archive.org/download/abwtrjm/","files":["01-02_131461.pdf|1","01-02_131461.pdf|2","03_131462.pdf","04_131463.pdf","05_131464.pdf","06_131465.pdf"]},"ّ":"الكتاب: الأبواب والتراجم لصحيح البخاري\nالمؤلف: محمد زكريا بن يحيى الكاندهلوي (ت ١٤٠٢)\nحققه وعلق عليه: د. ولي الدين بن تقي الدين الندوي\nبإشراف: الأستاذ الدكتور تقي الدين الندوي\nالناشر: دار البشائر الإسلامية للطباعة، بيروت - لبنان\nالطبعة: الأولى، ١٤٣٣ هـ - ٢٠١٢ م\nعدد الأجزاء: ٦\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"[الأبواب والتراجم لصحيح البخاري - محمد زكريا الكاندهلوي]\n\nيشرح مقاصد الإمام البخاري في عقد تراجمه للأبواب","ٓ":"1.0","ٔ":2415,"ٕ":7,"ٖ":1770155909,"ٗ":88},"٘":{"ٙ":["1","2","3","4","5","6"],"ٚ":[{"title":"مقدمة التحقيق","level":1,"page":1},{"title":"كلمة فضيلة الشيخ المحدث الأستاذ الدكتور تقي الدين الندوي حفطه الله ورعاه","level":2,"page":1},{"title":"مقدمة الكتاب بقلم فضيلة الشيخ محمد الرابع الحسني الندوي رئيس جامعة ندوة العلماء، لكنهو (الهند)","level":2,"page":5},{"title":"تقديم فضيلة الأستاذ الشيخ سعيد الأعظمي الندوي","level":2,"page":9},{"title":"مقدمة المحقق","level":2,"page":13},{"title":"عملي في هذا الكتاب","level":3,"page":14},{"title":"تمهيد في عصر الإمام الشيخ محمد زكريا الكاندهلوي","level":3,"page":18},{"title":"أ - الحالة السياسية","level":4,"page":18},{"title":"ب - الحالة العلمية","level":4,"page":22},{"title":"الفرع الأول: مدرسة الأحناف","level":4,"page":23},{"title":"الفرع الثاني: مدرسة أهل الحديث (الذين يرون عدم التقليد للأئمة الأربعة)","level":4,"page":24},{"title":"المبحث الأول: نشأته وحياته","level":3,"page":25},{"title":"اسمه ونسبه","level":4,"page":25},{"title":"لقبه","level":4,"page":25},{"title":"مولده","level":4,"page":26},{"title":"أسرته","level":4,"page":26},{"title":"نشأته وطلبه العلم","level":4,"page":27},{"title":"تدريسه","level":4,"page":28},{"title":"استفادته من شيخه لتأليف الكتب الحديثية","level":4,"page":30},{"title":"وفاة والده","level":4,"page":31},{"title":"رحلته إلى الحرمين","level":4,"page":31},{"title":"أعماله اليومية","level":4,"page":32},{"title":"التفاني في حب الله ورسوله","level":4,"page":33},{"title":"زواجه","level":4,"page":34},{"title":"أولاده","level":4,"page":34},{"title":"صفاته الخلقية والخلقية","level":4,"page":34},{"title":"زهده وتوكله على الله","level":4,"page":35},{"title":"وفاته","level":4,"page":37},{"title":"ثناء العلماء عليه","level":4,"page":37},{"title":"المبحث الثاني: شيوخه وتلاميذه ومؤلفاته","level":3,"page":40},{"title":"أ - شيوخه","level":4,"page":40},{"title":"١ - الشيخ محمد إلياس بن الشيخ محمد إسماعيل الكاندهلوي","level":5,"page":40},{"title":"٢ - الشيخ عبد اللطيف البرقاضوي","level":5,"page":41},{"title":"٣ - والده الشيخ محمد يحيى","level":5,"page":41},{"title":"٤ - المحدث خليل أحمد السهارنفوري","level":5,"page":42},{"title":"٥ - مولانا الشيخ عنايت إلهي","level":5,"page":43},{"title":"ب - تلاميذه","level":4,"page":43},{"title":"ج - مؤلفاته","level":4,"page":44},{"title":"أسماء كتب الشيخ حسب العلوم والفنون","level":5,"page":46},{"title":"أ - التفسير والتجويد","level":6,"page":46},{"title":"ب - الحديث وعلومه","level":6,"page":46},{"title":"جـ - الفقه وأصوله","level":6,"page":49},{"title":"د - التاريخ والسير","level":6,"page":49},{"title":"هـ - العقيدة","level":6,"page":51},{"title":"و- الزهد والرقاق","level":6,"page":51},{"title":"ز - الصرف والنحو والمنطق","level":6,"page":52},{"title":"حـ - الفرق والحركات","level":6,"page":52},{"title":"المبحث الثالث: آثاره في علم الحديث الشريف","level":3,"page":53},{"title":"أ - الكتب المطبوعة","level":4,"page":53},{"title":"١ - أوجز المسالك إلى موطأ الإمام مالك","level":5,"page":53},{"title":"٢ - لامع الدراري على جامع البخاري","level":5,"page":54},{"title":"٣ - كتاب \"الأبواب والتراجم\" للبخاري","level":5,"page":59},{"title":"٤ - الكوكب الدري على جامع الترمذي","level":5,"page":59},{"title":"٥ - حجة الوداع وعمرات النبي - ﷺ -","level":5,"page":60},{"title":"٦ - تعليقات على كتاب بذل المجهود في حل أبي داود","level":5,"page":61},{"title":"٧ - الفيض السمائي على سنن النسائي","level":5,"page":63},{"title":"٨ - تعليقات على شمائل الترمذي","level":5,"page":63},{"title":"٩ - حواشي المسلسلات (العربية)","level":5,"page":64},{"title":"ب - الكتب المخطوطة","level":4,"page":64},{"title":"١ - أصول الحديث على مذهب الحنفية","level":5,"page":64},{"title":"٢ - أوليات القيامة","level":5,"page":64},{"title":"٣ - تبويب تأويل مختلف الحديث","level":5,"page":65},{"title":"٤ - تبويب مشكل الآثار (العربية)","level":5,"page":65},{"title":"٥ - تخريج الجامع (العربية)","level":5,"page":65},{"title":"٦ - تقارير كتب الحديث (الأردية)","level":5,"page":65},{"title":"٧ - تقرير مشكاة (شرح مشكاة المصابيح) (العربية)","level":5,"page":65},{"title":"٨ - تلخيص \"البذل\" (العربية)","level":5,"page":66},{"title":"٩ - جامع الروايات والأجزاء (العربية)","level":5,"page":66},{"title":"١٠ - جزء إنما الأعمال بالنيات (العربية)","level":5,"page":66},{"title":"١١ - جزء أنكحته - ﷺ - (العربية)","level":5,"page":66},{"title":"١٢ - جزء أفضل الأعمال (العربية)","level":5,"page":67},{"title":"١٣ - جزء تخريج حديث عائشة - ﵂ - (العربية)","level":5,"page":67},{"title":"١٤ - جزء الجهاد (العربية)","level":5,"page":67},{"title":"١٥ - جزء رفع اليدين (العربية)","level":5,"page":67},{"title":"١٦ - جزء صلاة الاستسقاء (العربية)","level":5,"page":67},{"title":"١٧ - جزء صلاة الخوف (العربية)","level":5,"page":68},{"title":"١٨ - جزء صلاة الكسوف (العربية)","level":5,"page":68},{"title":"١٩ - جزء ما جاء في شرح ألفاظ الاستعاذة (العربية)","level":5,"page":68},{"title":"٢٠ - جزء ما يشكل على الجارحين (العربية)","level":5,"page":68},{"title":"٢١ - جزء ما قال المحدثون في الإمام الأعظم (العربية)","level":5,"page":68},{"title":"٢٢ - جزء المبهمات في الأسانيد والروايات (العربية)","level":5,"page":69},{"title":"٢٣ - جزء المعراج (العربية)","level":5,"page":69},{"title":"٢٤ - حواشي وذيل \"التهذيب\" (العربية)","level":5,"page":69},{"title":"٢٥ - ذيل التيسير (العربية)","level":5,"page":69},{"title":"٢٦ - شذرات أسماء الرجال","level":5,"page":70},{"title":"٢٧ - شذرات الحديث (العربية)","level":5,"page":70},{"title":"٢٨ - مختصات المشكاة (الأردية والعربية)","level":5,"page":70},{"title":"٢٩ - معجم رجال تذكرة الحفاظ للذهبي (العربية)","level":5,"page":71},{"title":"٣٠ - معجم الصحابة الذين أخرج عنهم أبو داود الطيالسي في مسنده (العربية)","level":5,"page":71},{"title":"٣١ - معجم المسند للإمام أحمد (العربية)","level":5,"page":71},{"title":"٣٢ - مقدمات كتب الحديث (العربية)","level":5,"page":71},{"title":"٣٣ - ملتقط الرواة عن المرقاة (العربية)","level":5,"page":72},{"title":"٣٤ - ملتقط المرقاة (العربية)","level":5,"page":72},{"title":"تقديم أبي الحسن الندوي","level":2,"page":75},{"title":"مقدمة المؤلف","level":1,"page":88},{"title":"فصل في بيان التراجم","level":2,"page":94},{"title":"الأولى في ذكر بعض من صنف في ذلك تآليف مستقلة من السلف والخلف","level":3,"page":95},{"title":"الفائدة الثانية في أصول التراجم التي ذكرها شراح الحديث والمشايخ في كتبهم مجملة","level":3,"page":99},{"title":"أصول التراجم عند الإمام ولي الله الدهلوي","level":4,"page":107},{"title":"أصول التراجم عند شيخ الهند","level":4,"page":111},{"title":"الفائدة الثالثة في تفاصيل الأصول من الأصول المذكورة في كلام الشراح أو المشايخ المذكورين، أو من كلامهم في الشروح أو الدروس من غير ما ذكر سابقا، أو مما كان خاطري أبا عذره","level":3,"page":115},{"title":"١ - الأول: يترجم بحديث مرفوع ليس على شرطه","level":4,"page":115},{"title":"٢ - الثاني: الترجمة بنوع من الدلالات","level":4,"page":117},{"title":"٣ - الثالث: من قال كذا","level":4,"page":118},{"title":"٤ - الرابع: عدم جزم الحكم في الروايات المختلفة","level":4,"page":119},{"title":"٥ - الخامس: تطبيق","level":4,"page":120},{"title":"٦ - السادس: باب في باب","level":4,"page":120},{"title":"٧ - السابع: \"باب\" مكان (ح)","level":4,"page":122},{"title":"٨ - الثامن: الحديث بضد الترجمة","level":4,"page":123},{"title":"١٠ - العاشر: التمرن","level":4,"page":125},{"title":"١١ - الحادي عشر: الاشارة إلى بعض طرق الحديث","level":4,"page":125},{"title":"١٢ - الثاني عشر: [ما يترجم لأمر ظاهر قليل الجدوى]","level":4,"page":130},{"title":"الثالث عشر: [تعقبات على مصنف عبد الرزاق وابن أبي شيبة]","level":4,"page":130},{"title":"١٤ - الرابع عشر: الآداب والعادات المسلوكة","level":4,"page":133},{"title":"١٥ - الخامس عشر: ذكر الشواهد من الآيات لإرادة الخصوص من العموم","level":4,"page":133},{"title":"١٦ - السادس عشر: الترجمة بكل محتمل","level":4,"page":134},{"title":"١٧ - السابع عشر: تعدد الطرق","level":4,"page":135},{"title":"١٨ - الثامن عشر: إرادة العام بالترجمة الخاصة","level":4,"page":136},{"title":"١٩ - التاسع عشر: الإثبات بالأولوية","level":4,"page":138},{"title":"٢٠ - العشرون: باب بلا ترجمة للفصل","level":4,"page":139},{"title":"١/ ٢١ - الحادي والعشرون: المدلول اللفظي","level":4,"page":141},{"title":"٢/ ٢٢ - الثاني والعشرون تكرار الترجمة","level":4,"page":142},{"title":"٣/ ٢٣ - الثالث والعشرون: الترجمة الشارحة","level":4,"page":143},{"title":"٤ - * المعنى الخفي للترجمة","level":4,"page":145},{"title":"٥ - * الترجمة بإشارة خفية","level":4,"page":145},{"title":"٦ - * قد يذكر في الباب حديثا لا يوافق الترجمة","level":4,"page":146},{"title":"٧/ ٢٤ - الرابع والعشرون: ذكر الآثار لأدنى مناسبة","level":4,"page":146},{"title":"٨/ ٢٥ - الخامس والعشرون: حذف الترجمة تشحيذا للأذهان","level":4,"page":148},{"title":"٨/ ٢٦ - السادس والعشرون: حذف الترجمة لتعدد الفوائد","level":4,"page":149},{"title":"٩/ ٢٧ - السابع والعشرون: حذف الحديث لذكره قريبا","level":4,"page":149},{"title":"١٠/ ٢٨ - الثامن والعشرون: تكرار التراجم لفوائد شتى","level":4,"page":151},{"title":"١١ - * القليل الجدوى","level":4,"page":152},{"title":"١٢ - * لا تكفي لإثبات المقصود","level":4,"page":152},{"title":"١٣ - * لا يورد الحديث إلا لواحد منهما","level":4,"page":152},{"title":"١٤/ ٢٩ - التاسع والعشرون: الاستطراد للحديث الأول","level":4,"page":152},{"title":"١٥/ ٣٠ - الثلاثون: الترجمة مطلقة والحديث مقيد","level":4,"page":154},{"title":"٣١ - الحادي والثلاثون: الاستدلال بالمجموع على المجموع","level":4,"page":155},{"title":"٣٢ - الثاني والثلاثون: الترجمة بقوله: هل","level":4,"page":157},{"title":"٣٣ - الثالث والثلاثون: فيه عن فلان","level":4,"page":159},{"title":"٣٤ - الرابع والثلاثون: زيادة لفظ: \"أو غيرها\"","level":4,"page":160},{"title":"٣٥ - الخامس والثلاثون: عدم الجزم لاختلاف العلماء","level":4,"page":161},{"title":"٣٦ - السادس والثلاثون: التعليل بالعلة البعيدة تاركا العلة القريبة","level":4,"page":163},{"title":"٣٧ - السابع والثلاثون: باب بلا ترجمة، تنبيه على اختلاف طرق الرواية","level":4,"page":164},{"title":"٣٨ - الثامن والثلاثون: عدم الذكر لأحد جزئي الترجمة إشارة إلى ما ورد","level":4,"page":164},{"title":"٣٩ - التاسع والثلاثون: عدم الذكر لأحد جزئي الترجمة إشارة إلى عدم الثبوت","level":4,"page":165},{"title":"٤٠ - الأربعون: يؤخذ مختار البخاري من الآثار","level":4,"page":167},{"title":"٤١ - الحادي والأربعون: يقوي حديثا بالترجمة ليس على شرطه","level":4,"page":169},{"title":"٤٢ - الثاني والأربعون: ترجمة غير متعلقة بالكتاب","level":4,"page":171},{"title":"٤٣ - الثالث والأربعون: الترجمة بخلاف لفظ الحديث","level":4,"page":173},{"title":"٤٤ - الرابع والأربعون: التوافق بجزء من الترجمة","level":4,"page":174},{"title":"٤٥ - الخامس والأربعون: ما يذكر بصيغة التمريض","level":4,"page":175},{"title":"٤٦ - السادس والأربعون: بت الحكم مع الاختلاف","level":4,"page":178},{"title":"٤٧ - السابع والأربعون: عدم الجزم للتوسع","level":4,"page":179},{"title":"٤٨ - الثامن والأربعون: الإشارة إلى حديث آخر لهذا الصحابي","level":4,"page":180},{"title":"٤٩ - التاسع والأربعون: الإثبات بالعادة","level":4,"page":181},{"title":"٥٠ - الخمسون: الاستدلال بالعموم","level":4,"page":183},{"title":"٥١ - الحادي والخمسون: المبدوء بباب كيف كان","level":4,"page":185},{"title":"٥٢ - الثاني والخمسون: إثبات الأبواب العديدة بحديث واحد","level":4,"page":189},{"title":"٥٣ - الثالث والخمسون: إثبات الترجمة بالنظير والقياس","level":4,"page":191},{"title":"٥٤ - الرابع والخمسون: الإشارة إلى وقائع مخصوصة","level":4,"page":193},{"title":"٥٥ - الخامس والخمسون: الترجمة بحديث لا يثبت إشارة إلى أنه لم يجد فيه حديثا","level":4,"page":196},{"title":"٥٦ - السادس والخمسون: تقييد الأحاديث المطلقة","level":4,"page":198},{"title":"٥٧ - السابع والخمسون: باب بلا ترجمة رجوع إلى الأصل","level":4,"page":199},{"title":"٥٨ - الثامن والخمسون: الإشارة إلى حديث في تفسير الآية","level":4,"page":200},{"title":"٥٩ - التاسع والخمسون: الإشارة إلى مبدأ الحكم","level":4,"page":202},{"title":"٦٠ - الستون: التراجم المثبتة للترجمة السابقة","level":4,"page":203},{"title":"٦١ - الحادي والستون: تغيير الترجمة على حديث","level":4,"page":205},{"title":"٦٢ - الثاني والستون: تغيير الترتيب الوجودي","level":4,"page":208},{"title":"٦٣ - الثالث والستون: إدخال الباب الأجنبي في التراجم المناسبة","level":4,"page":210},{"title":"٦٤ - الرابع والستون: تبديل لفظ الحديث في الترجمة لبديعة","level":4,"page":213},{"title":"٦٥ - الخامس والستون: لا يترجم على بعض أجزاء الحديث لعدم أخذه به","level":4,"page":215},{"title":"٦٦ - السادس والستون: بعض التراجم تفصيل لما أجمل أولا","level":4,"page":216},{"title":"٦٧ - السابع والستون: التراجم في غير محلها","level":4,"page":218},{"title":"٦٨ - الثامن والستون: عدم الجزم للاحتمال","level":4,"page":221},{"title":"٦٩ - التاسع والستون: ذكر الأضداد","level":4,"page":223},{"title":"٧٠ - السبعون: التراجم المستقلة على أجزاء الحديث الواحد","level":4,"page":223},{"title":"الفائدة الرابعة في الوجوه العامة الشائعة على ألسنة المشايخ المسطورة في الشروح من غلط النساخ، أو الوهم من الإمام البخاري، أو عدم تبييضه للكتاب، لما قد اخترمته المنية قبل التبييض، أو وصل الرواة لما كان في الأصل من البياضات، وغير ذلك من الأمور التي اضطروا إليها عند العجز عن التوافق بين الترجمة والحديث","level":3,"page":225},{"title":"الجدول رقم (١) التراجم المجردة المحضة (التي ليس فيها حديث، ولا ذكر مع الترجمة شيئا من الآيات والآثار)","level":4,"page":234},{"title":"الجدول رقم (٢) التراجم المجردة (لكن جعل الآية ترجمة)","level":4,"page":235},{"title":"الجدول رقم: (٣) التراجم غير المجردة التي ليس فيها حديث مسند، لكن ذكر في الترجمة آية أو حديثا أو أثرا","level":4,"page":236},{"title":"الجدول رقم: (٤) أبواب بلا ترجمة","level":4,"page":240},{"title":"١ - كتاب الوحي","level":1,"page":253},{"title":"(١ - باب)","level":2,"page":253},{"title":"٢ - كتاب الإيمان","level":1,"page":308},{"title":"(٢ - باب قول النبي - ﷺ -: بني الإسلام على خمس. . .) إلخ","level":2,"page":310},{"title":"(٣ - باب أمور الإيمان)","level":2,"page":324},{"title":"(٤ - باب المسلم من سلم. . .) إلخ","level":2,"page":329},{"title":"(٥ - باب أي الإسلام أفضل)","level":2,"page":330},{"title":"(٦ - باب إطعام الطعام)","level":2,"page":331},{"title":"(٧ - باب من الإيمان)","level":2,"page":331},{"title":"(٨ - باب حب الرسول من الإيمان. . .) إلخ","level":2,"page":333},{"title":"(٩ - باب حلاوة الإيمان)","level":2,"page":335},{"title":"(١٠ - باب علامة الإيمان حب الأنصار)","level":2,"page":336},{"title":"(١١ - باب)","level":2,"page":337},{"title":"(١٢ - باب من الدين الفرار من الفتن)","level":2,"page":345},{"title":"(١٣ - باب قول النبي - ﷺ -: أنا أعلمكم بالله)","level":2,"page":346},{"title":"(١٤ - باب من كره أن يعود في الكفر. . .) إلخ","level":2,"page":348},{"title":"(١٥ - باب تفاضل أهل الإيمان)","level":2,"page":349},{"title":"(١٦ - باب الحياء من الإيمان)","level":2,"page":351},{"title":"(١٧ - باب ﴿فإن تابوا﴾ الآية)","level":2,"page":352},{"title":"(١٨ - باب من قال: إن الإيمان هو العمل)","level":2,"page":353},{"title":"(١٩ - باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة)","level":2,"page":355},{"title":"(٢٠ - باب إفشاء السلام)","level":2,"page":360},{"title":"(٢١ - باب كفران العشير وكفر دون كفر)","level":2,"page":362},{"title":"(٢٢ - باب المعاصي من أمر الجاهلية. . .) إلخ","level":2,"page":364},{"title":"(٢٣ - باب ظلم دون ظلم)","level":2,"page":366},{"title":"(٢٤ - باب علامة المنافق)","level":2,"page":369},{"title":"(٢٥ - باب قيام ليلة القدر)","level":2,"page":373},{"title":"(٢٦ - باب الجهاد من الإيمان)","level":2,"page":375},{"title":"(٢٧ - باب تطوع قيام رمضان)","level":2,"page":375},{"title":"(٢٨ - باب صوم رمضان. . .) إلخ","level":2,"page":376},{"title":"(٢٩ - باب الدين يسر)","level":2,"page":376},{"title":"(٣٠ - باب الصلاة من الإيمان)","level":2,"page":379},{"title":"(٣١ - باب حسن إسلام المرء)","level":2,"page":383},{"title":"(٣٢ - باب أحب الدين إلى الله أدومه)","level":2,"page":384},{"title":"(٣٣ - باب زيادة الإيمان ونقصانه)","level":2,"page":385},{"title":"(٣٤ - باب الزكاة من الإسلام)","level":2,"page":390},{"title":"(٣٥ - باب اتباع الجنائز من الإيمان)","level":2,"page":391},{"title":"(٣٦ - باب خوف المؤمن أن يحبط عمله)","level":2,"page":392},{"title":"(٣٧ - باب سؤال جبرئيل النبي - ﷺ - عن الإيمان، والإسلام، والإحسان، وعلم الساعة، وبيان النبي - ﷺ - له. . .) إلخ","level":2,"page":397},{"title":"(٣٨ - باب)","level":2,"page":400},{"title":"(٣٩ - باب فضل من استبرأ لدينه)","level":2,"page":402},{"title":"(٤٠ - باب أداء الخمس من الإيمان)","level":2,"page":403},{"title":"(٤١ - باب ما جاء أن الأعمال بالنية)","level":2,"page":405},{"title":"(٤٢ - باب قول النبي - ﷺ -: الدين النصيحة. . .) إلخ","level":2,"page":408},{"title":"٣ - كتاب العلم","level":1,"page":411},{"title":"قوله: (بسم الله الرحمن الرحيم)","level":2,"page":412},{"title":"(١ - باب فضل العلم)","level":2,"page":412},{"title":"(٢ - باب من سئل علما. . .) إلخ","level":2,"page":414},{"title":"(٣ - باب من رفع صوته. . .) إلخ","level":2,"page":415},{"title":"(٤ - باب قول المحدث: أخبرنا. . .) إلخ","level":2,"page":416},{"title":"(٥ - باب طرح الإمام المسألة. . .) إلخ","level":2,"page":417},{"title":"(٦ - باب ما جاء في العلم)","level":2,"page":418},{"title":"(- باب القراءة والعرض على المحدث)","level":2,"page":419},{"title":"(٧ - باب ما يذكر في المناولة)","level":2,"page":420},{"title":"(٨ - باب من قعد حيث ينتهي به المجلس)","level":2,"page":422},{"title":"(٩ - باب رب مبلغ أوعى له من سامع)","level":2,"page":424},{"title":"(١٠ - باب العلم قبل القول والعمل)","level":2,"page":425},{"title":"(١١ - باب ما كان النبي - ﷺ - يتخولهم بالموعظة والعلم. . .) إلخ","level":2,"page":427},{"title":"(١٢ - باب من جعل لأهل العلم. . .) إلخ","level":2,"page":428},{"title":"(١٣ - باب من يرد الله به خيرا)","level":2,"page":429},{"title":"(١٤ - باب الفهم في العلم)","level":2,"page":431},{"title":"(١٥ - باب الاغتباط في العلم والحكمة)","level":2,"page":432},{"title":"(١٦ - باب ما ذكر في ذهاب موسى. . .) إلخ","level":2,"page":434},{"title":"(١٧ - باب قول النبي - ﷺ -: اللهم علمه الكتاب)","level":2,"page":437},{"title":"(١٨ - باب متى يصح سماع الصغير؟)","level":2,"page":438},{"title":"(١٩ - باب الخروج في طلب العلم)","level":2,"page":440},{"title":"(٢٠ - باب فضل من علم وعلم)","level":2,"page":442},{"title":"(٢١ - باب رفع العلم. . .) إلخ","level":2,"page":443},{"title":"(٢٢ - باب فضل العلم)","level":2,"page":446},{"title":"(٢٣ - باب الفتيا وهو واقف على. . .) إلخ","level":2,"page":448},{"title":"(٢٤ - باب من أجاب الفتيا بإشارة اليد والرأس)","level":2,"page":450},{"title":"(٢٥ - باب تحريض النبي - ﷺ -)","level":2,"page":452},{"title":"(٢٦ - باب الرحلة في المسألة النازلة)","level":2,"page":453},{"title":"(٢٧ - باب التناوب في العلم)","level":2,"page":454},{"title":"(٢٨ - باب الغضب في الموعظة)","level":2,"page":455},{"title":"(٢٩ - باب من برك على ركبتيه)","level":2,"page":456},{"title":"(٣٠ - باب من أعاد الحديث ثلاثا ليفهم)","level":2,"page":457},{"title":"(٣١ - باب تعليم الرجل أمته. . .) إلخ","level":2,"page":459},{"title":"(٣٢ - باب عظة الإمام. . .) إلخ","level":2,"page":461},{"title":"(٣٣ - باب الحرص على الحديث)","level":2,"page":462},{"title":"(٣٤ - باب كيف يقبض العلم)","level":2,"page":462},{"title":"(٣٥ - باب هل يجعل للنساء يوما. . .) إلخ","level":2,"page":464},{"title":"(٣٦ - باب من سمع شيئا. . .) إلخ","level":2,"page":465},{"title":"(٣٧ - باب ليبلغ العلم الشاهد. . .) إلخ","level":2,"page":467},{"title":"(٣٨ - باب إثم من كذب على النبي - ﷺ -. . .) إلخ","level":2,"page":469},{"title":"(٣٩ - باب كتابة العلم)","level":2,"page":471},{"title":"(٤٠ - باب العلم والعظة بالليل)","level":2,"page":476},{"title":"(٤١ - باب السمر بالعلم)","level":2,"page":477},{"title":"(٤٢ - باب حفظ العلم)","level":2,"page":479},{"title":"(٤٣ - باب الإنصات للعلماء)","level":2,"page":481},{"title":"(٤٤ - باب ما يستحب للعالم. . .) إلخ","level":2,"page":482},{"title":"(٤٥ - باب من سأل وهو قائم. . .) إلخ","level":2,"page":485},{"title":"(٤٦ - باب السؤال والفتيا. . .) إلخ","level":2,"page":486},{"title":"(٤٧ - باب قوله تعالى: ﴿وما أوتيتم من العلم إلا قليلا﴾)","level":2,"page":487},{"title":"(٤٨ - باب من ترك بعض الاختيار)","level":2,"page":488},{"title":"(٤٩ - باب من خص بالعلم قوما. . .) إلخ","level":2,"page":490},{"title":"(٥٠ - باب الحياء في العلم)","level":2,"page":490},{"title":"(٥١ - باب من استحيا فأمر غيره. . .) إلخ","level":2,"page":491},{"title":"(٥٢ - باب ذكر العلم. . .) إلخ","level":2,"page":492},{"title":"(٥٣ - باب من أجاب السائل. . .) إلخ","level":2,"page":493},{"title":"٤ - كتاب الوضوء","level":1,"page":495},{"title":"(١ - باب في الوضوء وما جاء. . .) إلخ","level":2,"page":495},{"title":"(٢ - باب لا تقبل صلاة بغير طهور)","level":2,"page":497},{"title":"(٣ - باب فضل الوضوء والغر المحجلون)","level":2,"page":498},{"title":"(٤ - باب لا يتوضأ من الشك)","level":2,"page":498},{"title":"(٥ - باب التخفيف في الوضوء)","level":2,"page":499},{"title":"(٦ - باب إسباغ الوضوء)","level":2,"page":500},{"title":"(٧ - باب غسل الوجه باليدين. . .) إلخ","level":2,"page":500},{"title":"(٨ - باب التسمية على كل حال. . .) إلخ","level":2,"page":501},{"title":"(٩ - باب ما يقول عند الخلاء)","level":2,"page":507},{"title":"(١٠ - باب وضع الماء عند الخلاء)","level":2,"page":508},{"title":"(١١ - باب لا تستقبل القبلة. . .) إلخ","level":2,"page":508},{"title":"(١٢ - باب من تبرز على لبنتين)","level":2,"page":509},{"title":"(١٣ - باب خروج النساء إلى البراز)","level":2,"page":510},{"title":"(١٤ - باب التبرز في البيوت)","level":2,"page":511},{"title":"(١٥ - باب الاستنجاء بالماء)","level":2,"page":512},{"title":"(١٦ - باب من حمل معه الماء)","level":2,"page":514},{"title":"(١٧ - باب حمل العنزة مع الماء)","level":2,"page":514},{"title":"(١٨ - باب النهي عن الاستنجاء باليمين)","level":2,"page":515},{"title":"(١٩ - باب لا يمسك ذكره بيمينه إذا بال)","level":2,"page":515},{"title":"(٢٠ - باب الاستنجاء بالحجارة)","level":2,"page":516},{"title":"(٢١ - باب لا يستنجى بروث)","level":2,"page":516},{"title":"(٢٢ - باب الوضوء مرة مرة)","level":2,"page":517},{"title":"(٢٣ - باب الوضوء مرتين)","level":2,"page":518},{"title":"(٢٤ - باب الوضوء ثلاثا ثلاثا)","level":2,"page":518},{"title":"(٢٥ - باب الاستنثار في الوضوء)","level":2,"page":521},{"title":"(٢٦ - باب الاستجمار وترا)","level":2,"page":521},{"title":"(٢٧ - باب غسل الرجلين. . .) إلخ","level":2,"page":522},{"title":"(٢٨ - باب المضمضة. . .) إلخ","level":2,"page":523},{"title":"(٢٩ - باب غسل الأعقاب. . .) إلخ","level":2,"page":524},{"title":"(٣٠ - باب غسل الرجلين في النعلين. . .) إلخ","level":2,"page":525},{"title":"(٣١ - باب التيمن في الوضوء. . .) إلخ","level":2,"page":526},{"title":"(٣٢ - باب التماس الوضوء. . .) إلخ","level":2,"page":526},{"title":"(٣٣ - باب الماء الذي يغسل به شعر الإنسان. . .) إلخ","level":2,"page":528},{"title":"(باب إذا شرب الكلب. . .) إلخ","level":2,"page":529},{"title":"(٣٤ - باب من لم ير الوضوء إلا من المخرجين)","level":2,"page":531},{"title":"(٣٥ - باب الرجل يوضئ صاحبه)","level":2,"page":535},{"title":"(٣٦ - باب قراءة القرآن بعد الحدث وغيره)","level":2,"page":536},{"title":"(٣٧ - باب من لم يتوضأ إلا من الغشي المثقل)","level":2,"page":538},{"title":"(٣٨ - باب مسح الرأس كله)","level":2,"page":540},{"title":"(٣٩ - باب غسل الرجلين)","level":2,"page":541},{"title":"(٤٠ - باب استعمال فضل وضوء الناس. . .) إلخ","level":2,"page":542},{"title":"(باب)","level":2,"page":543},{"title":"(٤١ - باب من مضمض. . .) إلخ","level":2,"page":544},{"title":"(٤٢ - باب مسح الرأس مرة)","level":2,"page":545},{"title":"(٤٣ - باب وضوء الرجل مع امرأته)","level":2,"page":546},{"title":"(٤٤ - باب صب الوضوء على المغمى عليه)","level":2,"page":547},{"title":"(٤٥ - باب الغسل والوضوء في المخضب. . .) إلخ","level":2,"page":548},{"title":"(٤٦ - باب الوضوء من التور)","level":2,"page":550},{"title":"(٤٧ - باب الوضوء بالمد)","level":2,"page":551},{"title":"(٤٨ - باب المسح على الخفين)","level":2,"page":553},{"title":"(٤٩ - باب إذا أدخل رجليه. . .) إلخ","level":2,"page":555},{"title":"(٥٠ - باب من لم يتوضأ من لحم الشاة. . .) إلخ","level":2,"page":555},{"title":"(٥١ - باب من مضمض من السويق. . .) إلخ","level":2,"page":557},{"title":"(٥٢ - باب هل يمضمض من اللبن)","level":2,"page":558},{"title":"(٥٣ - باب الوضوء من النوم. . .) إلخ","level":2,"page":559},{"title":"(٥٤ - باب الوضوء من غير حدث)","level":2,"page":562},{"title":"(٥٥ - باب من الكبائر. . .) إلخ","level":2,"page":562},{"title":"(٥٦ - باب ما جاء في غسل البول)","level":2,"page":563},{"title":"(باب)","level":2,"page":564},{"title":"(٥٧ - باب ترك النبي - ﷺ -)","level":2,"page":565},{"title":"(٥٨ - باب صب الماء على البول في المسجد)","level":2,"page":566},{"title":"(باب يهريق الماء على البول)","level":2,"page":567},{"title":"(٥٩ - باب بول الصبيان)","level":2,"page":568},{"title":"(٦٠ - باب البول قائما وقاعدا)","level":2,"page":569},{"title":"(٦١ - باب البول عند صاحبه. . .) إلخ","level":2,"page":570},{"title":"(٦٢ - باب البول عند سباطة قوم)","level":2,"page":571},{"title":"(٦٣ - باب غسل الدم)","level":2,"page":572},{"title":"(٦٤ - باب غسل المني وفركه. . .) إلخ","level":2,"page":572},{"title":"(٦٥ - باب إذا غسل الجنابة أو غيرها)","level":2,"page":574},{"title":"(٦٦ - باب أبوال الإبل. . .) إلخ","level":2,"page":575},{"title":"(٦٧ - باب ما يقع من النجاسة في السمن والماء)","level":2,"page":576},{"title":"(٦٨ - باب البول في الماء الدائم)","level":2,"page":579},{"title":"(٦٩ - باب إذا ألقي على ظهر المصلي. . .) إلخ","level":2,"page":580},{"title":"(٧٠ - باب البزاق والمخاط ونحوه. . .) إلخ","level":2,"page":582},{"title":"(٧١ - باب لا يجوز الوضوء بالنبيذ. . .) إلخ","level":2,"page":583},{"title":"(٧٢ - باب غسل المرأة أباها الدم)","level":2,"page":586},{"title":"(٧٣ - باب السواك. . .) إلخ","level":2,"page":587},{"title":"(٧٤ - باب دفع السواك إلى الأكبر)","level":2,"page":588},{"title":"(٧٥ - باب فضل من بات على الوضوء)","level":2,"page":588},{"title":"٥ - كتاب الغسل","level":1,"page":590},{"title":"(١ - باب الوضوء قبل الغسل)","level":2,"page":590},{"title":"(٢ - باب غسل الرجل مع امرأته)","level":2,"page":591},{"title":"(٣ - باب الغسل بالصاع ونحوه)","level":2,"page":593},{"title":"(٤ - باب من أفاض على رأسه ثلاثا)","level":2,"page":594},{"title":"(٥ - باب الغسل مرة واحدة)","level":2,"page":594},{"title":"(٦ - باب من بدأ بالحلاب والطيب. . .) إلخ","level":2,"page":595},{"title":"(٧ - باب المضمضة والاستنشاق. . .) إلخ","level":2,"page":597},{"title":"(٨ - باب مسح اليد بالتراب. . .) إلخ","level":2,"page":598},{"title":"(٩ - باب هل يدخل الجنب يده. . .) إلخ","level":2,"page":599},{"title":"(١٠ - باب من أفرغ بيمينه. . .) إلخ","level":2,"page":601},{"title":"(١١ - باب تفريق الغسل والوضوء)","level":2,"page":602},{"title":"(١٢ - باب إذا جامع ثم عاد. . .) إلخ","level":2,"page":603},{"title":"(١٣ - باب غسل المذي والوضوء منه)","level":2,"page":604},{"title":"(١٤ - باب من تطيب ثم اغتسل. . .) إلخ","level":2,"page":606},{"title":"(١٥ - باب تخليل الشعر. . .) إلخ","level":2,"page":606},{"title":"(١٦ - باب من توضأ في الجنابة. . .) إلخ","level":2,"page":608},{"title":"(١٧ - باب إذا ذكر في المسجد أنه جنب. . .) إلخ","level":2,"page":609},{"title":"(١٨ - باب نفض اليدين من غسل الجنابة)","level":2,"page":609},{"title":"(١٩ - باب من بدأ بشق رأسه. . .) إلخ","level":2,"page":610},{"title":"(٢٠ - باب من اغتسل عريانا وحده. . .) إلخ","level":2,"page":611},{"title":"(٢١ - باب التستر في الغسل عند الناس)","level":2,"page":612},{"title":"(٢٢ - باب إذا احتلمت المرأة)","level":2,"page":613},{"title":"(٢٣ - باب عرق الجنب. . .) إلخ","level":2,"page":613},{"title":"(٢٤ - باب الجنب يخرج. . .) إلخ","level":2,"page":614},{"title":"(٢٥ - باب كينونة الجنب في البيت. . .) إلخ","level":2,"page":615},{"title":"(٢٦ - باب نوم الجنب)","level":2,"page":616},{"title":"(٢٧ - باب الجنب يتوضأ ثم ينام)","level":2,"page":616},{"title":"(٢٨ - باب إذا التقى الختانان)","level":2,"page":617},{"title":"(٢٩ - باب غسل ما يصيب من فرج المرأة)","level":2,"page":619},{"title":"٦ - كتاب الحيض","level":1,"page":621},{"title":"(١ - باب كيف كان بدء الحيض. . .) إلخ","level":2,"page":621},{"title":"(باب الأمر بالنفساء إذا نفسن)","level":2,"page":622},{"title":"(٢ - باب غسل الحائض رأس زوجها. . .) إلخ","level":2,"page":623},{"title":"(٣ - باب قراءة الرجل في حجر امرأته. . .) إلخ","level":2,"page":624},{"title":"(٤ - باب من سمى النفاس حيضا)","level":2,"page":626},{"title":"(٥ - باب مباشرة الحائض)","level":2,"page":628},{"title":"(٦ - باب ترك الحائض الصوم)","level":2,"page":629},{"title":"(٧ - باب تقضي الحائض المناسك كلها. . .) إلخ","level":2,"page":630},{"title":"(٨ - باب الاستحاضة)","level":2,"page":630},{"title":"(٩ - باب غسل دم الحيض)","level":2,"page":632},{"title":"(١٠ - باب اعتكاف المستحاضة)","level":2,"page":632},{"title":"(١١ - باب هل تصلي المرأة في ثوب. . .) إلخ","level":2,"page":633},{"title":"(١٢ - باب الطيب للمرأة. . .) إلخ","level":2,"page":634},{"title":"(١٣ - باب دلك المرأة نفسهما. . .) إلخ","level":2,"page":635},{"title":"(١٤ - باب غسل المحيض)","level":2,"page":638},{"title":"(١٥ - باب امتشاط المرأة. . .) إلخ","level":2,"page":638},{"title":"(١٦ - باب نقض المرأة شعرها)","level":2,"page":639},{"title":"(١٧ - باب قول الله - ﷿ -: ﴿مخلقة وغير مخلقة﴾)","level":2,"page":639},{"title":"(١٨ - باب كيف تهل الحائض)","level":2,"page":641},{"title":"(١٩ - باب إقبال المحيض وإدباره. . .) إلخ","level":2,"page":642},{"title":"(٢٠ - باب لا تقضي الحائض الصلاة)","level":2,"page":643},{"title":"(٢١ - باب النوم مع الحائض. . .) إلخ","level":2,"page":643},{"title":"(٢٢ - باب من اتخذ ثياب الحيض. . .) إلخ","level":2,"page":644},{"title":"(٢٣ - باب شهود الحائض العيدين. . .) إلخ","level":2,"page":645},{"title":"(٢٤ - باب إذا حاضت في شهر. . .) إلخ","level":2,"page":645},{"title":"(٢٥ - باب الصفرة والكدرة)","level":2,"page":649},{"title":"(٢٦ - باب عرق الاستحاضة)","level":2,"page":650},{"title":"(٢٧ - باب المرأة تحيض بعد الإفاضة)","level":2,"page":652},{"title":"(٢٨ - باب إذا رأت المستحاضة الطهر)","level":2,"page":652},{"title":"(٢٩ - باب الصلاة على النفساء وسنتها)","level":2,"page":655},{"title":"(٣٠ - باب)","level":2,"page":657},{"title":"٧ - كتاب التيمم","level":1,"page":659},{"title":"(٢ - باب إذا لم يجد ماء ولا ترابا)","level":2,"page":660},{"title":"(٣ - باب التيمم في الحضر)","level":2,"page":660},{"title":"(٤ - باب هل ينفخ في يديه. . .) إلخ","level":2,"page":662},{"title":"(٥ - باب التيمم للوجه والكفين)","level":2,"page":664},{"title":"(٦ - باب الصعيد الطيب. . .) إلخ","level":2,"page":665},{"title":"(٧ - باب إذا خاف الجنب على نفسه. . .) إلخ","level":2,"page":667},{"title":"(٨ - باب التيمم ضربة)","level":2,"page":668},{"title":"(٩ - باب)","level":2,"page":668},{"title":"٨ - كتاب الصلاة","level":1,"page":670},{"title":"(١ - باب كيف فرضت الصلاة)","level":2,"page":671},{"title":"(٢ - باب وجوب الصلاة. . .) إلخ","level":2,"page":673},{"title":"(٣ - باب عقد الإزار)","level":2,"page":675},{"title":"(٤ - باب الصلاة في الثوب الواحد ملتحفا)","level":2,"page":676},{"title":"(٥ - باب إذا صلى في الثوب الواحد. . .) إلخ","level":2,"page":676},{"title":"(٦ - باب إذا كان الثوب ضيقا)","level":2,"page":676},{"title":"(٧ - باب الصلاة في الجبة الشامية. . .) إلخ","level":2,"page":677},{"title":"(٨ - باب كراهية التعري)","level":2,"page":678},{"title":"(٩ - باب الصلاة في القميص. . .) إلخ","level":2,"page":679},{"title":"(١٠ - باب ما يستر من العورة)","level":2,"page":681},{"title":"(١١ - باب الصلاة بغير رداء)","level":2,"page":681},{"title":"(١٢ - باب ما يذكر في الفخذ)","level":2,"page":682},{"title":"(١٣ - باب في كم تصلي المرأة من الثياب)","level":2,"page":684},{"title":"(١٤ - باب إذا صلى في ثوب له أعلام. . .) إلخ","level":2,"page":685},{"title":"(١٥ - باب إن صلى في ثوب مصلب. . .) إلخ","level":2,"page":686},{"title":"(١٦ - باب من صلى في فروج حرير)","level":2,"page":688},{"title":"(١٧ - باب في الثوب الأحمر. . .) إلخ","level":2,"page":689},{"title":"(١٨ - باب الصلاة في السطوح والمنبر)","level":2,"page":690},{"title":"(١٩ - باب إذا أصاب ثوب المصلي امرأته)","level":2,"page":692},{"title":"(٢٠ - باب الصلاة على الحصير)","level":2,"page":693},{"title":"(٢١ - باب الصلاة على الخمرة)","level":2,"page":695},{"title":"(٢٢ - باب الصلاة على الفراش)","level":2,"page":696},{"title":"(٢٣ - باب السجود على الثوب. . .) إلخ","level":2,"page":698},{"title":"(٢٤ - باب الصلاة في النعال)","level":2,"page":699},{"title":"(٢٥ - باب الصلاة في الخفاف)","level":2,"page":699},{"title":"(٢٦ - باب إذا لم يتم السجود)","level":2,"page":700},{"title":"(٢٧ - باب يبدي ضبعيه. . .) إلخ","level":2,"page":701},{"title":"(٢٨ - باب فضل استقبال القبلة)","level":2,"page":701},{"title":"(٢٩ - باب قبلة أهل المدينة. . .) إلخ","level":2,"page":703},{"title":"(٣٠ - باب قول الله - ﷿ -: ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾ [البقرة: ١٢٥])","level":2,"page":705},{"title":"(٣١ - باب التوجه نحو القبلة. . .) إلخ","level":2,"page":706},{"title":"(٣٢ - باب ما جاء في القبلة. . .) إلخ","level":2,"page":707},{"title":"(٣٣ - باب حك البزاق)","level":2,"page":709},{"title":"(٣٤ - باب حك المخاط بالحصى. . .) إلخ","level":2,"page":710},{"title":"(٣٥ - باب لا يبصق عن يمينه)","level":2,"page":712},{"title":"(٣٦ - باب ليبصق عن يساره. . .) إلخ","level":2,"page":715},{"title":"(٣٧ - باب كفارة البزاق في المسجد)","level":2,"page":715},{"title":"(٣٨ - باب دفن النخامة في المسجد)","level":2,"page":715},{"title":"(٣٩ - باب إذا بدره البزاق. . .) إلخ","level":2,"page":716},{"title":"(٤٠ - باب عظة الإمام الناس. . .) إلخ","level":2,"page":717},{"title":"(٤١ - باب هل يقال: مسجد بني فلان)","level":2,"page":718},{"title":"(٤٢ - باب القسمة وتعليق القنو. . .) إلخ","level":2,"page":719},{"title":"(٤٣ - باب من دعى لطعام في المسجد. . .) إلخ","level":2,"page":720},{"title":"(٤٤ - باب القضاء واللعان في المسجد. . .) إلخ","level":2,"page":721},{"title":"(٤٥ - باب إذا دخل بيتا. . .) إلخ","level":2,"page":722},{"title":"(٤٦ - باب المساجد في البيوت)","level":2,"page":724},{"title":"(٤٧ - باب التيمن في دخول المسجد وغيره)","level":2,"page":724},{"title":"(٤٨ - باب هل ينبش قبور مشركي الجاهلية. . .) إلخ","level":2,"page":725},{"title":"(٤٩ - باب الصلاة في مرابض الغنم)","level":2,"page":727},{"title":"(٥٠ - باب الصلاة في مواضع الإبل)","level":2,"page":728},{"title":"(٥١ - باب من صلى وقدامه تنور. . .) إلخ","level":2,"page":729},{"title":"(٥٢ - باب كراهية الصلاة في المقابر)","level":2,"page":731},{"title":"(٥٣ - باب الصلاة في مواضع الخسف)","level":2,"page":732},{"title":"(٥٤ - باب الصلاة في البيعة)","level":2,"page":733},{"title":"(٥٥ - باب)","level":2,"page":733},{"title":"(٥٦ - باب قول النبي - ﷺ -: جعلت لي الأرض. . .) إلخ","level":2,"page":734},{"title":"(٥٧ - باب نوم المرأة في المسجد)","level":2,"page":734},{"title":"(٥٨ - باب نوم الرجال في المسجد)","level":2,"page":735},{"title":"(٥٩ - باب الصلاة إذا قدم من سفر)","level":2,"page":736},{"title":"(٦٠ - باب إذا دخل أحدكم المسجد. . .) إلخ","level":2,"page":736},{"title":"(٦١ - باب الحدث في المسجد)","level":2,"page":737},{"title":"(٦٢ - باب بنيان المسجد)","level":2,"page":738},{"title":"(٦٣ - باب التعاون في بناء المسجد)","level":2,"page":739},{"title":"(٦٤ - باب الاستعانة بالنجار والصناع. . .) إلخ","level":2,"page":740},{"title":"(٦٥ - باب من بنى مسجدا)","level":2,"page":741},{"title":"(٦٦ - باب يأخذ بنصول النبل. . .) إلخ","level":2,"page":741},{"title":"(٦٧ - باب المرور في المسجد)","level":2,"page":741},{"title":"(٦٨ - باب الشعر في المسجد)","level":2,"page":743},{"title":"(٦٩ - باب أصحاب الحراب في المسجد)","level":2,"page":743},{"title":"(٧٠ - باب ذكر البيع والشراء)","level":2,"page":744},{"title":"(٧١ - باب التقاضي والملازمة في المسجد)","level":2,"page":745},{"title":"(٧٢ - باب كنس المسجد)","level":2,"page":746},{"title":"(٧٣ - باب تحريم تجارة الخمر في المسجد)","level":2,"page":746},{"title":"(٧٤ - باب الخدم للمسجد)","level":2,"page":747},{"title":"(٧٥ - باب الأسير أو الغريم. . .) إلخ","level":2,"page":748},{"title":"(٧٦ - باب الاغتسال إذا أسلم. . .) إلخ","level":2,"page":748},{"title":"(٧٧ - باب الخيمة في المسجد للمرضى وغيرهم)","level":2,"page":750},{"title":"(٧٨ - باب إدخال البعير في المسجد)","level":2,"page":750},{"title":"(٧٩ - باب)","level":2,"page":751},{"title":"(٨٠ - الخوخة والممر في المسجد)","level":2,"page":753},{"title":"(٨١ - باب الأبواب والغلق للكعبة. . .) إلخ","level":2,"page":754},{"title":"(٨٢ - باب دخول المشرك في المسجد)","level":2,"page":754},{"title":"(٨٣ - باب رفع الصوت في المسجد)","level":2,"page":755},{"title":"(٨٤ - باب الحلق والجلوس في المسجد)","level":2,"page":756},{"title":"(٨٥ - باب الاستلقاء في المسجد. . .) إلخ","level":2,"page":756},{"title":"(٨٦ - باب المسجد يكون في الطريق. . .) إلخ","level":2,"page":757},{"title":"(٨٧ - باب الصلاة في مسجد السوق)","level":2,"page":758},{"title":"(٨٨ - باب تشبيك الأصابع. . .) إلخ","level":2,"page":759},{"title":"(٨٩ - باب المساجد التي على طرق المدينة)","level":2,"page":761},{"title":"(٩٠ - باب سترة الإمام. . .) إلخ","level":2,"page":762},{"title":"(٩١ - باب قدر كم ينبغي. . .) إلخ","level":2,"page":763},{"title":"(٩٢ - باب الصلاة إلى الحربة)","level":2,"page":765},{"title":"(٩٣ - باب الصلاة إلى العنزة)","level":2,"page":766},{"title":"(٩٤ - باب السترة بمكة)","level":2,"page":766},{"title":"(٩٥ - باب الصلاة إلى الأسطوانة)","level":2,"page":767},{"title":"(٩٦ - باب الصلاة بين السواري. . .) إلخ","level":2,"page":768},{"title":"(٩٧ - باب)","level":2,"page":769},{"title":"(٩٨ - باب الصلاة إلى الرحلة. . .) إلخ","level":2,"page":770},{"title":"(٩٩ - باب الصلاة إلى السرير)","level":2,"page":770},{"title":"(١٠٠ - باب ليرد المصلي. . .) إلخ","level":2,"page":771},{"title":"(١٠١ - باب إثم المار. . .) إلخ","level":2,"page":771},{"title":"(١٠٢ - باب استقبال الرجل الرجل. . .) إلخ","level":2,"page":772},{"title":"(١٠٣ - باب الصلاة خلف النائم)","level":2,"page":773},{"title":"(١٠٤ - باب التطوع خلف المرأة)","level":2,"page":774},{"title":"(١٠٥ - باب من قال: لا يقطع الصلاة شيء)","level":2,"page":775},{"title":"(١٠٦ - باب إذا حمل جارية صغيرة. . .) إلخ","level":2,"page":776},{"title":"(١٠٧ - باب إذا صلى إلى فراش. . .) إلخ","level":2,"page":777},{"title":"(١٠٨ - باب هل يغمز الرجل امرأته. . .) إلخ","level":2,"page":777},{"title":"(١٠٩ - باب المرأة تطرح عن المصلي. . .) إلخ","level":2,"page":778},{"title":"٩ - كتاب مواقيت الصلاة","level":1,"page":779},{"title":"(١ - باب مواقيت الصلاة وفضلها)","level":2,"page":779},{"title":"(٢ - باب قول الله - ﷿ -: ﴿منيبين. . .﴾ إلخ)","level":2,"page":783},{"title":"(٣ - باب البيعة على إقامة الصلاة)","level":2,"page":784},{"title":"(٤ - باب الصلاة كفارة)","level":2,"page":785},{"title":"(٥ - باب فضل الصلاة لوقتها)","level":2,"page":785},{"title":"(٦ - باب الصلوات الخمس. . .) إلخ","level":2,"page":785},{"title":"(٧ - باب في تضييع الصلاة عن وقتها)","level":2,"page":787},{"title":"(٨ - باب المصلي يناجي ربه)","level":2,"page":787},{"title":"(٩ - باب الإبراد بالظهر. . .) إلخ","level":2,"page":788},{"title":"(١٠ - باب الإبراد بالظهر في السفر)","level":2,"page":789},{"title":"(١١ - باب وقت الظهر عند الزوال)","level":2,"page":789},{"title":"(١٢ - باب تأخير الظهر إلى العصر)","level":2,"page":790},{"title":"(١٣ - باب وقت العصر)","level":2,"page":791},{"title":"(١٤ - باب إثم من فاتته العصر)","level":2,"page":792},{"title":"(١٥ - باب إثم من ترك العصر)","level":2,"page":794},{"title":"(١٦ - باب فضل صلاة العصر)","level":2,"page":794},{"title":"(١٧ - باب من أدرك ركعة من العصر)","level":2,"page":794},{"title":"(١٨ - باب وقت المغرب)","level":2,"page":795},{"title":"(١٩ - باب من كره أن يقال للمغرب: العشاء)","level":2,"page":796},{"title":"(٢٠ - باب ذكر العشاء والعتمة. . .) إلخ","level":2,"page":797},{"title":"(٢١ - باب وقت العشاء. . .) إلخ","level":2,"page":797},{"title":"(٢٢ - باب فضل العشاء)","level":2,"page":798},{"title":"(٢٣ - باب ما يكره من النوم. . .) إلخ","level":2,"page":799},{"title":"(٢٤ - باب الثوم قبل العشاء لمن غلب)","level":2,"page":799},{"title":"(٢٥ - باب وقت العشاء إلى نصف الليل)","level":2,"page":800},{"title":"(٢٦ - باب فضل صلاة الفجر والحديث)","level":2,"page":801},{"title":"(٢٧ - باب وقت الفجر)","level":2,"page":803},{"title":"(٢٨ - باب من أدرك من الفجر ركعة)","level":2,"page":803},{"title":"(٢٩ - باب من أدرك من الصلاة ركعة)","level":2,"page":803},{"title":"(٣٠ - باب الصلاة بعد الفجر. . .) إلخ","level":2,"page":804},{"title":"(٣١ - باب لا تتحرى الصلاة قبل غروب الشمس)","level":2,"page":804},{"title":"(٣٢ - باب من لم يكره الصلاة إلا بعد العصر والفجر. . .) إلخ","level":2,"page":806},{"title":"(٣٣ - باب ما يصلى بعد العصر من الفوائت ونحوها. . .) إلخ","level":2,"page":806},{"title":"(٣٤ - باب التبكير بالصلاة في يوم غيم)","level":2,"page":808},{"title":"(٣٥ - باب الأذان بعد ذهاب الوقت)","level":2,"page":809},{"title":"(٣٦ - باب من صلى بالناس جماعة. . .) إلخ","level":2,"page":809},{"title":"(٣٧ - باب من نسي صلاة. . .) إلخ","level":2,"page":810},{"title":"(٣٨ - باب قضاء الصلوات الأولى فالأولى)","level":2,"page":811},{"title":"(٣٩ - باب ما يكره من السمر. . .) إلخ","level":2,"page":812},{"title":"(٤٠ - باب السمر في الفقه والخير. . .) إلخ","level":2,"page":812},{"title":"(٤١ - باب السمر مع الأهل والضيف)","level":2,"page":812},{"title":"١٠ - كتاب الأذان","level":1,"page":815},{"title":"(١ - باب بدء الأذان وقوله تعالى: ﴿وإذا ناديتم. . .﴾ [المائدة: ٥٨] إلخ)","level":2,"page":815},{"title":"(٢ - باب الأذان مثنى مثنى)","level":2,"page":816},{"title":"(٣ - باب الإقامة واحدة. . .) إلخ","level":2,"page":817},{"title":"(٤ - باب فضل التأذين)","level":2,"page":817},{"title":"(٥ - باب رفع الصوت بالنداء)","level":2,"page":817},{"title":"(٦ - باب ما يحقن بالأذان من الدماء)","level":2,"page":818},{"title":"(٧ - باب ما يقول: إذا سمع المنادي)","level":2,"page":818},{"title":"(٨ - باب الدعاء عند النداء)","level":2,"page":819},{"title":"(٩ - باب الاستهام في الأذان. . .) إلخ","level":2,"page":819},{"title":"(١٠ - باب الكلام في الأذان)","level":2,"page":820},{"title":"(١١ - باب أذان الأعمى إذا كان له من يخبره)","level":2,"page":821},{"title":"(١٢ - باب الأذان بعد الفجر)","level":2,"page":822},{"title":"(١٣ - باب الأذان قبل الفجر)","level":2,"page":822},{"title":"(١٤ - باب كم بين الأذان والإقامة)","level":2,"page":823},{"title":"(١٥ - باب من انتظر الإقامة)","level":2,"page":823},{"title":"(١٦ - باب بين كل أذانين صلاة لمن شاء)","level":2,"page":824},{"title":"(١٧ - باب من قال: ليؤذن في السفر مؤذن واحد)","level":2,"page":824},{"title":"(١٨ - باب الأذان للمسافر إذا كانوا جماعة. . .) إلخ","level":2,"page":825},{"title":"(١٩ - باب هل يتتبع المؤذن فاه ههنا وههنا)","level":2,"page":826},{"title":"(٢٠ - باب قول الرجل: فاتتنا الصلاة. . .) إلخ","level":2,"page":827},{"title":"(٢١ - باب ما أدركتم فصلوا. . .) إلخ","level":2,"page":828},{"title":"(٢٢ - باب متى يقوم الناس. . .) إلخ","level":2,"page":828},{"title":"(٢٣ - باب لا يقوم إلى الصلاة مستعجلا. . .) إلخ","level":2,"page":829},{"title":"(٢٤ - باب هل يخرج من المسجد لعلة)","level":2,"page":829},{"title":"(٢٥ - باب إذا قال الإمام: مكانكم انتظروه)","level":2,"page":830},{"title":"(٢٦ - باب قول الرجل: ما صلينا)","level":2,"page":830},{"title":"(٢٧ - باب الإمام تعرض له الحاجة. . .) إلخ","level":2,"page":831},{"title":"(٢٨ - باب الكلام إذا أقيمت الصلاة)","level":2,"page":832},{"title":"(٢٩ - باب وجوب صلاة الجماعة. . .) إلخ","level":2,"page":832},{"title":"(٣٠ - باب فضل صلاة الجماعة)","level":2,"page":833},{"title":"(٣١ - باب فضل صلاة الفجر في جماعة)","level":2,"page":833},{"title":"(٣٢ - باب فضل التهجير إلى الظهر. . .) إلخ","level":2,"page":834},{"title":"(٣٣ - باب احتساب الآثار)","level":2,"page":834},{"title":"(٣٤ - باب فضل صلاة العشاء في الجماعة)","level":2,"page":835},{"title":"(٣٥ - باب اثنان فما فوقهما جماعة)","level":2,"page":835},{"title":"(٣٦ - باب من جلس في المسجد. . .) إلخ","level":2,"page":836},{"title":"(٣٧ - باب فضل من خرج إلى المسجد ومن راح)","level":2,"page":836},{"title":"(٣٨ - باب إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)","level":2,"page":837},{"title":"(٣٩ - باب حد المريض أن يشهد الجماعة)","level":2,"page":838},{"title":"(٤٠ - باب الرخصة في المطر والعلة أن يصلى في رحله)","level":2,"page":839},{"title":"(٤١ - باب هل يصلي الإمام بمن حضر؟. . .) إلخ","level":2,"page":840},{"title":"(٤٢ - باب إذا حضر الطعام وأقيمت الصلاة. . .) إلخ","level":2,"page":842},{"title":"(٤٣ - باب إذا دعي الإمام إلى الصلاة. . .) إلخ","level":2,"page":843},{"title":"(٤٤ - باب من كان في حاجة أهله. . .) إلخ","level":2,"page":843},{"title":"(٤٥ - باب من صلى بالناس. . .) إلخ","level":2,"page":843},{"title":"(٤٦ - باب أهل العلم والفضل أحق بالإمامة)","level":2,"page":844},{"title":"(٤٧ - باب من قام إلى جنب الإمام لعلة)","level":2,"page":845},{"title":"(٤٨ - باب من دخل ليؤم الناس. . .) إلخ","level":2,"page":845},{"title":"(٤٩ - باب إذا استووا في القراءة. . .) إلخ","level":2,"page":846},{"title":"(٥٠ - باب إذا زار الإمام قوما فأمهم)","level":2,"page":847},{"title":"(٥١ - باب إنما جعل الإمام ليؤتم به. . .) إلخ","level":2,"page":848},{"title":"(٥٢ - باب متى يسجد من خلف الإمام. . .) إلخ","level":2,"page":849},{"title":"(٥٣ - باب إثم من رفع رأسه قبل الإمام)","level":2,"page":850},{"title":"(٥٤ - باب إمامة العبد والمولى. . .) إلخ","level":2,"page":850},{"title":"(٥٥ - باب إذا لم يتم الإمام وأتم من خلفه)","level":2,"page":852},{"title":"(٥٦ - باب إمامة المفتون والمبتدع)","level":2,"page":853},{"title":"(٥٧ - باب يقوم عن يمين الإمام بحذائه. . .) إلخ","level":2,"page":854},{"title":"(٥٨ - باب إذا قام الرجل عن يسار الإمام)","level":2,"page":854},{"title":"(٥٩ - باب إذا لم ينو الإمام أن يؤم. . .) إلخ","level":2,"page":855},{"title":"(٦٠ - باب إذا طول الإمام وكان للرجل حاجة)","level":2,"page":855},{"title":"(٦١ - باب تخفيف الإمام في القيام. . .) إلخ","level":2,"page":856},{"title":"(٦٢ - باب إذا صلى لنفسه فليطول ما شاء)","level":2,"page":857},{"title":"(٦٣ - باب من شكا إمامه إذا طول. . .) إلخ","level":2,"page":858},{"title":"(٦٤ - باب الإيجاز في الصلاة وإكمالها)","level":2,"page":858},{"title":"(٦٥ - باب من أخف الصلاة عند بكاء الصبي)","level":2,"page":858},{"title":"(٦٦ - باب إذا صلى ثم أم قوما)","level":2,"page":859},{"title":"(٦٧ - باب من أسمع الناس تكبير الإمام)","level":2,"page":860},{"title":"(٦٨ - باب الرجل يأتم بالإمام. . .) إلخ","level":2,"page":860},{"title":"(٦٩ - باب هل يأخذ الإمام إذا شك. . .) إلخ","level":2,"page":862},{"title":"(٧٠ - باب إذا بكى الإمام في الصلاة)","level":2,"page":863},{"title":"(٧١ - باب تسوية الصفوف. . .) إلخ","level":2,"page":863},{"title":"(٧٢ - باب إقبال الإمام على الناس. . .) إلخ","level":2,"page":864},{"title":"(٧٣ - باب الصف الأول)","level":2,"page":864},{"title":"(٧٤ - باب إقامة الصف من تمام الصلاة)","level":2,"page":864},{"title":"(٧٥ - باب ثم من لم يتم الصفوف)","level":2,"page":865},{"title":"(٧٦ - باب إلزاق المنكب بالمنكب)","level":2,"page":866},{"title":"(٧٧ - باب إذا قام الرجل عن يسار الإمام. . .) إلخ","level":2,"page":866},{"title":"(٧٨ - باب المرأة وحدها تكون صفا)","level":2,"page":868},{"title":"(٧٩ - باب ميمنة المسجد والإمام)","level":2,"page":869},{"title":"(٨٠ - باب إذا كان بين الإمام وبين القوم حائط)","level":2,"page":870},{"title":"(٨١ - باب صلاة الليل)","level":2,"page":871},{"title":"(٨٢ - باب إيجاب التكبير وافتتاح الصلاة)","level":2,"page":872},{"title":"(٨٣ - باب رفع اليدين في التكبيرة الأولى. . .) إلخ","level":2,"page":873},{"title":"(٨٤ - باب رفع اليدين إذا كبر. . .) إلخ","level":2,"page":874},{"title":"(٨٥ - باب إلى أين يرفع يديه)","level":2,"page":875},{"title":"(٨٦ - باب رفع اليدين إذا قام من الركعتين)","level":2,"page":875},{"title":"(٨٧ - باب وضع اليمنى على اليسرى)","level":2,"page":876},{"title":"(٨٨ - باب الخشوع في الصلاة)","level":2,"page":876},{"title":"(٨٩ - باب ما يقرأ بعد التكبير)","level":2,"page":877},{"title":"(٩٠ - باب)","level":2,"page":878},{"title":"(٩١ - باب رفع البصر إلى الإمام في الصلاة)","level":2,"page":879},{"title":"(٩٢ - باب رفع البصر إلى السماء. . .) إلخ","level":2,"page":881},{"title":"(٩٣ - باب الالتفات في الصلاة)","level":2,"page":881},{"title":"(٩٤ - باب هل يلتفت لأمر ينزل به)","level":2,"page":882},{"title":"(٩٥ - باب وجوب القراءة للإمام والمأموم. . .) إلخ","level":2,"page":882},{"title":"(٩٦ - باب القراءة في الظهر)","level":2,"page":884},{"title":"(٩٧ - باب القراءة في العصر)","level":2,"page":885},{"title":"(٩٨ - باب القراءة في المغرب)","level":2,"page":885},{"title":"(٩٩ - باب الجهر في المغرب)","level":2,"page":885},{"title":"(١٠٠ - باب الجهر في العشاء)","level":2,"page":885},{"title":"(١٠١ - باب القراءة في العشاء بالسجدة)","level":2,"page":886},{"title":"(١٠٢ - باب القراءة في العشاء)","level":2,"page":886},{"title":"(١٠٣ - باب يطول في الأوليين. . .) إلخ","level":2,"page":886},{"title":"(١٠٤ - باب القراءة في الفجر)","level":2,"page":887},{"title":"(١٠٥ - باب الجهر بقراءة صلاة الفجر)","level":2,"page":887},{"title":"(١٠٦ - باب الجمع بين السورتين في ركعة. . .) إلخ","level":2,"page":888},{"title":"(١٠٧ - باب يقرأ في الأخريين بفاتحة الكتاب)","level":2,"page":890},{"title":"(١٠٨ - باب من خافت القراءة في الظهر والعصر)","level":2,"page":890},{"title":"(١٠٩ - باب إذا أسمع الإمام الآية)","level":2,"page":891},{"title":"(١١٠ - باب يطول في الركعة الأولى)","level":2,"page":891},{"title":"(١١١ - باب جهر الإمام بالتأمين)","level":2,"page":892},{"title":"(١١٢ - باب فضل التأمين)","level":2,"page":895},{"title":"(١١٣ - باب جهر المأموم بالتأمين)","level":2,"page":895},{"title":"(١١٤ - باب إذا ركع دون الصف)","level":2,"page":897},{"title":"(١١٥ - باب إتمام التكبير في الركوع)","level":2,"page":897},{"title":"(١١٦ - باب إتمام التكبير في السجود)","level":2,"page":898},{"title":"(١١٧ - باب التكبير إذا قام من السجود)","level":2,"page":898},{"title":"(١١٨ - باب وضع الأكف على الركب)","level":2,"page":899},{"title":"(١١٩ - باب إذا لم يتم الركوع)","level":2,"page":899},{"title":"(١٢٠ - باب استواء الظهر في الركوع)","level":2,"page":900},{"title":"(١٢١ - باب حد إتمام الركوع. . .) إلخ","level":2,"page":901},{"title":"(١٢٢ - باب أمر النبي - ﷺ - الذي لا يتم ركوعه بالإعادة)","level":2,"page":902},{"title":"(١٢٣ - باب الدعاء في الركوع)","level":2,"page":903},{"title":"(١٢٤ - باب ما يقول الإمام ومن خلفه. . .) إلخ","level":2,"page":903},{"title":"(١٢٥ - باب فضل اللهم ربنا ولك الحمد)","level":2,"page":905},{"title":"(١٢٦ - باب)","level":2,"page":906},{"title":"(١٢٧ - باب الطمأنينة حين يرفع رأسه من الركوع)","level":2,"page":906},{"title":"(١٢٨ - باب يهوي بالتكبير حين يسجد. . .) إلخ","level":2,"page":907},{"title":"(١٢٩ - باب فضل السجود)","level":2,"page":908},{"title":"(١٣٠ - باب يبدي ضبعيه. . .) إلخ","level":2,"page":908},{"title":"(١٣١ - باب يستقبل بأطراف رجليه القبلة)","level":2,"page":908},{"title":"(١٣٢ - باب إذا لم يتم سجوده)","level":2,"page":909},{"title":"(١٣٣ - باب السجود على سبعة أعظم)","level":2,"page":909},{"title":"(١٣٤ - باب السجود على الأنف)","level":2,"page":911},{"title":"(١٣٥ - باب السجود على الأنف في الطين)","level":2,"page":911},{"title":"(١٣٦ - باب عقد الثياب وشدها. . .) إلخ","level":2,"page":911},{"title":"(١٣٧ - باب لا يكف شعرا)","level":2,"page":913},{"title":"(١٣٨ - باب لا يكف ثوبه في الصلاة)","level":2,"page":913},{"title":"(١٣٩ - باب التسبيح والدعاء في السجود)","level":2,"page":914},{"title":"(١٤٠ - باب المكث بين السجدتين)","level":2,"page":914},{"title":"(١٤١ - باب لا يفترش ذراعيه في السجود. . .) إلخ","level":2,"page":914},{"title":"(١٤٢ - باب من استوى قاعدا. . .) إلخ","level":2,"page":915},{"title":"(١٤٣ - باب كيف يعتمد على الأرض)","level":2,"page":915},{"title":"(١٤٤ - باب يكبر وهو ينهض من السجدتين)","level":2,"page":917},{"title":"(١٤٥ - باب سنة الجلوس في التشهد)","level":2,"page":918},{"title":"(١٤٦ - باب من لم ير التشهد الأول واجبا. . .) إلخ","level":2,"page":920},{"title":"(١٤٧ - باب التشهد في الأولى)","level":2,"page":921},{"title":"(١٤٨ - باب التشهد في الآخرة)","level":2,"page":922},{"title":"(١٤٩ - باب الدعاء قبل السلام)","level":2,"page":922},{"title":"(١٥٠ - باب ما يتخير من الدعاء بعد التشهد)","level":2,"page":923},{"title":"(١٥١ - باب من لم يمسح جبهته وأنفه حتى صلى)","level":2,"page":924},{"title":"(١٥٢ - باب التسليم)","level":2,"page":925},{"title":"(١٥٣ - باب يسلم حين يسلم الإمام. . .) إلخ","level":2,"page":925},{"title":"(١٥٤ - باب من لم يرد السلام على الإمام)","level":2,"page":926},{"title":"(١٥٥ - باب الذكر بعد الصلاة)","level":2,"page":927},{"title":"(١٥٦ - باب يستقبل الإمام. . .) إلخ","level":2,"page":929},{"title":"(١٥٧ - باب مكث الإمام في مصلاه بعد السلام)","level":2,"page":930},{"title":"(١٥٨ - باب من صلى بالناس فذكر حاجته فتخطاهم)","level":2,"page":931},{"title":"(١٥٩ - باب الانفتال والانصراف. . .) إلخ","level":2,"page":932},{"title":"(١٦٠ - باب ما جاء في الثوم الني والبصل)","level":2,"page":933},{"title":"(١٦١ - باب وضوء الصبيان. . .) إلخ","level":2,"page":935},{"title":"(١٦٢ - باب خروج النساء إلى المساجد. . .) إلخ","level":2,"page":936},{"title":"(١٦٤ - باب صلاة النساء خلف الرجال)","level":2,"page":936},{"title":"(١٦٥ - باب سرعة انصراف النساء من الصبح. . .) إلخ","level":2,"page":937},{"title":"(١٦٦ - باب استئذان المرأة زوجها. . .) إلخ","level":2,"page":938},{"title":"١١ - كتاب الجمعة","level":1,"page":939},{"title":"(١ - باب فرض الجمعة لقول الله تعالى: ﴿إذا نودي للصلاة. . .﴾ الآية [الجمعة: ٩])","level":2,"page":940},{"title":"(٢ - باب فضل الغسل يوم الجمعة)","level":2,"page":941},{"title":"(٣ - باب الطيب للجمعة)","level":2,"page":942},{"title":"(٤ - باب فضل الجمعة)","level":2,"page":943},{"title":"(٥ - باب)","level":2,"page":943},{"title":"(٦ - باب الدهن للجمعة)","level":2,"page":944},{"title":"(٧ - باب ما يلبس أحسن ما يجد)","level":2,"page":944},{"title":"(٨ - باب السواك يوم الجمعة)","level":2,"page":945},{"title":"(٩ - باب من تسوك بسواك غيره)","level":2,"page":945},{"title":"(١٠ - باب ما يقرأ في صلاة الفجر)","level":2,"page":945},{"title":"(١١ - باب الجمعة في القرى والمدن. . .) إلخ","level":2,"page":946},{"title":"(١٢ - باب هل على من لا يشهد الجمعة غسل. . .) إلخ","level":2,"page":947},{"title":"(١٤ - باب الرخصة إن لم يحضر الجمعة في المطر)","level":2,"page":949},{"title":"(١٥ - باب من أين تؤتى الجمعة، وعلى من تجب؟. . .) إلخ","level":2,"page":949},{"title":"(١٦ - باب وقت الجمعة إذا زالت الشمس. . .) إلخ","level":2,"page":951},{"title":"(١٧ - باب إذا اشتد الحر يوم الجمعة)","level":2,"page":951},{"title":"(١٨ - باب المشي إلى الجمعة. . .) إلخ","level":2,"page":952},{"title":"(١٩ - باب لا يفرق بين اثنين يوم الجمعة)","level":2,"page":953},{"title":"(٢٠ - باب لا يقيم الرجل أخاه. . .) إلخ","level":2,"page":954},{"title":"(٢١ - باب الأذان يوم الجمعة)","level":2,"page":954},{"title":"(٢٢ - باب المؤذن الواحد يوم الجمعة)","level":2,"page":954},{"title":"(٢٣ - باب يجيب الإمام على المنبر إذا سمع النداء)","level":2,"page":956},{"title":"(٢٤ - باب الجلوس على المنبر عند التأذين)","level":2,"page":956},{"title":"(٢٥ - باب التأذين عند الخطبة)","level":2,"page":956},{"title":"(٢٦ - باب الخطبة على المنبر. . .) إلخ","level":2,"page":957},{"title":"(٢٧ - باب الخطبة قائما)","level":2,"page":957},{"title":"(٢٨ - باب استقبال الناس الإمام إذا خطب)","level":2,"page":958},{"title":"(٢٩ - باب من قال في الخطبة بعد الثناء: أما بعد. . .) إلخ","level":2,"page":958},{"title":"(٣٠ - باب القعدة بين الخطبتين يوم الجمعة)","level":2,"page":959},{"title":"(٣١ - باب الاستماع إلى الخطبة)","level":2,"page":959},{"title":"(٣٢ - باب إذا رأى الإمام رجلا جاء وهو يخطب)","level":2,"page":960},{"title":"(٣٣ - باب من جاء والإمام يخطب. . .) إلخ","level":2,"page":960},{"title":"(٣٤ - باب رفع اليدين في الخطبة)","level":2,"page":960},{"title":"(٣٥ - باب الاستسقاء في الخطبة)","level":2,"page":961},{"title":"(٣٦ - باب الإنصات يوم الجمعة. . .) إلخ","level":2,"page":961},{"title":"(٣٧ - باب الساعة التي في يوم الجمعة)","level":2,"page":961},{"title":"(٣٨ - باب إذا نفر الناس عن الإمام. . .) إلخ","level":2,"page":962},{"title":"(٣٩ - باب الصلاة بعد الجمعة وقبلها)","level":2,"page":963},{"title":"(٤٠ - باب قول الله - ﷿ -: ﴿فإذا قضيت الصلاة﴾ الآية [الجمعة: ١٠])","level":2,"page":964},{"title":"(٤١ - باب القائلة بعد الجمعة)","level":2,"page":964},{"title":"١٢ - أبواب صلاة الخوف","level":1,"page":965},{"title":"(١ - [باب صلاة الخوف] وقول الله - ﷿ -: ﴿وإذا ضربتم في الأرض﴾ الآية [النساء: ١٠١])","level":2,"page":965},{"title":"(٢ - باب صلاة الخوف رجالا وركبانا)","level":2,"page":966},{"title":"(٣ - باب يحرس بعضهم بعضا)","level":2,"page":967},{"title":"(٤ - باب الصلاة عند مناهضة الحصون. . .) إلخ","level":2,"page":968},{"title":"(٥ - باب صلاة الطالب والمطلوب راكبا. . .) إلخ","level":2,"page":969},{"title":"(٦ - باب التكبير والغلس بالصبح. . .) إلخ","level":2,"page":971},{"title":"١٣ - كتاب العيدين","level":1,"page":972},{"title":"(١ - باب ما جاء في العيدين والتجمل فيهما)","level":2,"page":972},{"title":"(٢ - باب الحراب والدرق يوم العيد)","level":2,"page":972},{"title":"(٣ - باب سنة العيدين لأهل الإسلام)","level":2,"page":973},{"title":"(٤ - باب الأكل يوم الفطر قبل الخروج)","level":2,"page":974},{"title":"(٥ - باب الأكل يوم النحر)","level":2,"page":975},{"title":"(٦ - باب الخروج إلى المصلى بغير منبر)","level":2,"page":975},{"title":"(٧ - باب المشي والركوب إلى العيد. . .) إلخ","level":2,"page":976},{"title":"(٨ - باب الخطبة بعد العيد)","level":2,"page":977},{"title":"(٩ - باب ما يكره من حمل السلاح. . .) إلخ","level":2,"page":978},{"title":"(١٠ - باب التبكير للعيد. . .) إلخ","level":2,"page":979},{"title":"(١١ - باب فضل العمل في أيام التشريق)","level":2,"page":979},{"title":"(١٢ - باب التكبير أيام منى)","level":2,"page":981},{"title":"(١٣ - باب الصلاة إلى الحربة يوم العيد)","level":2,"page":982},{"title":"(١٤ - باب حمل العنزة أو الحربة بين يدي الإمام يوم العيد)","level":2,"page":982},{"title":"(١٥ - باب خروج النساء والحيض إلى المصلى)","level":2,"page":983},{"title":"(١٦ - باب خروج الصبيان إلى المصلى)","level":2,"page":983},{"title":"(١٧ - باب استقبال الإمام الناس. . .) إلخ","level":2,"page":983},{"title":"(١٨ - باب العلم بالمصلى)","level":2,"page":984},{"title":"(١٩ - باب موعظة الإمام النساء)","level":2,"page":984},{"title":"(٢٠ - باب إذا لم يكن لها جلباب. . .) إلخ","level":2,"page":984},{"title":"(٢١ - باب اعتزال الحيض المصلى)","level":2,"page":985},{"title":"(٢٢ - باب النحر والذبح يوم النحر بالمصلى)","level":2,"page":985},{"title":"(٢٣ - باب كلام الإمام والناس في خطبة العيد. . .) إلخ","level":2,"page":986},{"title":"(٢٤ - باب من خالف الطريق إذا رجع يوم العيد)","level":2,"page":986},{"title":"(٢٥ - باب إذا فاته العيد يصلي ركعتين)","level":2,"page":986},{"title":"(٢٦ - باب الصلاة قبل العيد وبعدها. . .) إلخ","level":2,"page":988},{"title":"١٤ - أبواب الوتر","level":1,"page":989},{"title":"(١ - باب ما جاء في الوتر)","level":2,"page":989},{"title":"(٢ - باب ساعات الوتر)","level":2,"page":990},{"title":"(٣ - باب إيقاظ النبي - ﷺ - أهله بالوتر)","level":2,"page":991},{"title":"(٤ - باب ليجعل آخر صلاته وترا)","level":2,"page":992},{"title":"(٥ - باب الوتر على الدابة)","level":2,"page":992},{"title":"(٦ - باب الوتر في السفر)","level":2,"page":993},{"title":"(٧ - باب القنوت قبل الركوع وبعده)","level":2,"page":993},{"title":"١٥ - أبواب الاستسقاء","level":1,"page":996},{"title":"(١ - باب الاستسقاء وخروج النبي - ﷺ -. . .) إلخ","level":2,"page":996},{"title":"(٢ - باب دعاء النبي - ﷺ -: اجعلها سنين. . .) إلخ","level":2,"page":997},{"title":"(٣ - باب سؤال الناس الإمام. . .) إلخ","level":2,"page":999},{"title":"(٤ - باب تحويل الرداء في الاستسقاء)","level":2,"page":999},{"title":"(٥ - باب انتقام الرب - ﷿ -)","level":2,"page":1000},{"title":"(٦ - باب الاستسقاء في المسجد الجامع)","level":2,"page":1001},{"title":"(٧ - باب الاستسقاء في خطبة الجمعة. . .) إلخ","level":2,"page":1002},{"title":"(٨ - باب الاستسقاء على المنبر)","level":2,"page":1003},{"title":"(٩ - باب من اكتفى بصلاة الجمعة في الاستسقاء)","level":2,"page":1003},{"title":"(١٠ - باب الدعاء إذا تقطعت السبل. . .) إلخ","level":2,"page":1003},{"title":"(١١ - باب ما قيل: إن النبي - ﷺ - لم يحول رداءه. . .) إلخ","level":2,"page":1004},{"title":"(١٢ - باب إذا استشفعوا إلى الإمام. . .) إلخ","level":2,"page":1005},{"title":"(١٣ - باب إذا استشفع المشركون بالمسلمين عند القحط)","level":2,"page":1005},{"title":"(١٤ - باب الدعاء إذا كثر المطر. . .) إلخ","level":2,"page":1006},{"title":"(١٥ - باب الدعاء في الاستسقاء قائما)","level":2,"page":1006},{"title":"(١٦ - باب الجهر بالقراءة في الاستسقاء)","level":2,"page":1006},{"title":"(١٧ - باب كيف حول النبي - ﷺ - ظهره إلى الناس)","level":2,"page":1007},{"title":"(١٨ - باب صلاة الاستسقاء ركعتين)","level":2,"page":1007},{"title":"(١٩ - باب الاستسقاء في المصلى)","level":2,"page":1008},{"title":"(٢٠ - باب استقبال القبلة في الاستسقاء)","level":2,"page":1008},{"title":"(٢١ - باب رفع الناس أيديهم مع الإمام. . .) إلخ","level":2,"page":1008},{"title":"(٢٢ - باب رفع الإمام يده في الاستسقاء)","level":2,"page":1009},{"title":"(٢٣ - باب ما يقال إذا مطرت. . .) إلخ","level":2,"page":1009},{"title":"(٢٤ - باب من تمطر في المطر. . .) إلخ","level":2,"page":1010},{"title":"(٢٥ - باب إذا هبت الريح)","level":2,"page":1011},{"title":"(٢٦ - باب قول النبي - ﷺ -: نصرت بالصبا)","level":2,"page":1011},{"title":"(٢٧ - باب ما قيل في الزلازل والآيات)","level":2,"page":1011},{"title":"(٢٨ - باب قول الله تعالى: ﴿وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون﴾ [الواقعة: ٨٢] قال ابن عباس - ﵄ -: شكركم)","level":2,"page":1012},{"title":"(٢٩ - باب لا يدري متى يجيء المطر إلا الله)","level":2,"page":1013},{"title":"١٦ - أبواب الكسوف","level":1,"page":1014},{"title":"(١ - باب الصلاة في كسوف الشمس)","level":2,"page":1014},{"title":"(٢ - باب الصدقة في الكسوف)","level":2,"page":1015},{"title":"(٣ - باب النداء بـ \"الصلاة جامعة\" في الكسوف)","level":2,"page":1016},{"title":"(٤ - باب خطبة الإمام في الكسوف)","level":2,"page":1017},{"title":"(٥ - باب هل يقول: كسفت الشمس. . .) إلخ","level":2,"page":1018},{"title":"(٦ - باب قول النبي - ﷺ -: يخوف الله عباده. . .) إلخ","level":2,"page":1020},{"title":"(٧ - باب التعوذ من عذاب القبر. . .) إلخ","level":2,"page":1021},{"title":"(٨ - باب طول السجود في الكسوف)","level":2,"page":1022},{"title":"(٩ - باب صلاة الكسوف جماعة. . .) إلخ","level":2,"page":1022},{"title":"(١٠ - باب صلاة النساء مع الرجال. . .) إلخ","level":2,"page":1023},{"title":"(١١ - باب من أحب العتاقة في كسوف الشمس)","level":2,"page":1023},{"title":"(١٢ - باب صلاة الكسوف في المسجد)","level":2,"page":1024},{"title":"(١٣ - باب لا تنكسف الشمس لموت أحد. . .) إلخ","level":2,"page":1024},{"title":"(١٤ - باب الذكر في الكسوف)","level":2,"page":1024},{"title":"(١٥ - باب الدعاء في الكسوف. . .) إلخ","level":2,"page":1025},{"title":"(١٦ - باب قول الإمام في خطبة الكسوف: أما بعد!. . .) إلخ","level":2,"page":1025},{"title":"(١٧ - باب الصلاة في كسوف القمر)","level":2,"page":1025},{"title":"(١٧ م - باب صب المرأة على رأسها الماء. . .) إلخ","level":2,"page":1027},{"title":"(١٨ - باب الركعة الأولى في الكسوف أطول)","level":2,"page":1028},{"title":"(١٩ - باب الجهر بالقراءة في الكسوف)","level":2,"page":1028},{"title":"١٧ - أبواب سجود القرآن","level":1,"page":1030},{"title":"(٢ - باب سجدة ﴿تنزيل﴾ السجدة)","level":2,"page":1031},{"title":"(٣ - باب سجدة ص)","level":2,"page":1031},{"title":"(٤ - باب سجدة النجم. . .) إلخ","level":2,"page":1032},{"title":"(٥ - باب سجود المسلمين مع المشركين)","level":2,"page":1032},{"title":"(٦ - باب من قرأ السجدة ولم يسجد)","level":2,"page":1034},{"title":"(٧ - باب سجدة ﴿إذا السماء انشقت﴾)","level":2,"page":1035},{"title":"(٨ - باب من سجد لسجود القارئ)","level":2,"page":1035},{"title":"(٩ - باب ازدحام الناس إذا قرأ الإمام السجدة)","level":2,"page":1036},{"title":"(١٠ - باب من رأى أن الله - ﷿ - لم يوجب السجود)","level":2,"page":1036},{"title":"(١١ - باب من قرأ السجدة في الصلاة فسجد بها)","level":2,"page":1036},{"title":"(١٢ - باب من لم يجد موضعا للسجود. . .) إلخ","level":2,"page":1037},{"title":"١٨ - أبواب تقصير الصلاة","level":1,"page":1038},{"title":"(١ - باب ما جاء في التقصير، وكم يقيم حتى يقصر)","level":2,"page":1038},{"title":"(٢ - باب الصلاة بمنى)","level":2,"page":1040},{"title":"(٣ - باب كم أقام النبي - ﷺ - في حجته؟)","level":2,"page":1041},{"title":"(٤ - باب في كم تقصر الصلاة. . .) إلخ","level":2,"page":1041},{"title":"(٥ - باب يقصر إذا خرج من موضعه)","level":2,"page":1042},{"title":"(٦ - باب يصلي المغرب ثلاثا في السفر)","level":2,"page":1043},{"title":"(٧ - باب صلاة التطوع على الدواب. . .) إلخ","level":2,"page":1043},{"title":"(٨ - باب الإيماء على الدابة)","level":2,"page":1045},{"title":"(٩ - باب ينزل للمكتوبة)","level":2,"page":1045},{"title":"(١٠ - باب صلاة التطوع على الحمار)","level":2,"page":1046},{"title":"(١١ - باب من لم يتطوع في السفر دبر الصلاة وقبلها)","level":2,"page":1046},{"title":"(١٢ - باب من تطوع في السفر. . .) إلخ","level":2,"page":1048},{"title":"(١٣ - باب الجمع في السفر بين المغرب والعشاء)","level":2,"page":1048},{"title":"(١٤ - باب هل يؤذن أو يقيم إذا جمع بين المغرب والعشاء)","level":2,"page":1049},{"title":"(١٥ - باب يؤخر الظهر إلى العصر. . .) إلخ","level":2,"page":1049},{"title":"(١٦ - باب إذا ارتحل بعد ما زاغت الشمس. . .) إلخ","level":2,"page":1050},{"title":"(١٧ - باب صلاة القاعد)","level":2,"page":1050},{"title":"(١٨ - باب صلاة القاعد بالإيماء)","level":2,"page":1051},{"title":"(١٩ - باب إذا لم يطق قاعدا صلى على جنب)","level":2,"page":1052},{"title":"(٢٠ - باب إذا صلى قاعدا ثم صح. . .) إلخ","level":2,"page":1052},{"title":"١٩ - كتاب التهجد","level":1,"page":1053},{"title":"(١ - باب التهجد بالليل. . .) إلخ","level":2,"page":1053},{"title":"(٢ - باب فضل قيام الليل)","level":2,"page":1054},{"title":"(٣ - باب طول السجود في قيام الليل)","level":2,"page":1054},{"title":"(٤ - باب ترك القيام للمريض)","level":2,"page":1055},{"title":"(٥ - باب تحريض النبي - ﷺ - على قيام الليل. . .) إلخ","level":2,"page":1056},{"title":"(٦ - باب قيام النبي - ﷺ - حتى ترم قدماه. . .) إلخ","level":2,"page":1057},{"title":"(٧ - باب من نام عند السحر)","level":2,"page":1057},{"title":"(٨ - باب من تسحر فلم ينم حتى صلى الصبح)","level":2,"page":1058},{"title":"(٩ - باب طول الصلاة في قيام الليل)","level":2,"page":1058},{"title":"(١٠ - باب كيف صلاة الليل. . .) إلخ","level":2,"page":1059},{"title":"(١١ - باب قيام النبي - ﷺ - بالليل. . .) إلخ","level":2,"page":1060},{"title":"(١٢ - باب عقد الشيطان على قافية الرأس. . .) إلخ","level":2,"page":1061},{"title":"(١٣ - باب إذا نام ولم يصل بال الشيطان في أذنه)","level":2,"page":1062},{"title":"(١٤ - باب الدعاء والصلاة من آخر الليل. . .) إلخ","level":2,"page":1063},{"title":"(١٥ - باب من نام أول الليل وأحيا آخره)","level":2,"page":1063},{"title":"(١٦ - باب قيام النبي - ﷺ - بالليل في رمضان وغيره)","level":2,"page":1063},{"title":"(١٧ - باب فضل الطهور بالليل والنهار وفضل الصلاة عند الطهور. . .) إلخ","level":2,"page":1064},{"title":"(١٨ - باب ما يكره من التشديد في العبادة)","level":2,"page":1065},{"title":"(١٩ - باب ما يكره من ترك قيام الليل)","level":2,"page":1065},{"title":"(٢٠ - باب)","level":2,"page":1066},{"title":"(٢١ - باب فضل من تعار من الليل)","level":2,"page":1066},{"title":"(٢٢ - باب المداومة على ركعتي الفجر)","level":2,"page":1067},{"title":"(٢٣ - باب الضجعة على الشق الأيمن. . .) إلخ","level":2,"page":1067},{"title":"(٢٤ - باب من تحدث بعد الركعتين. . .) إلخ","level":2,"page":1068},{"title":"(٢٥ - باب ما جاء في التطوع مثنى مثنى)","level":2,"page":1068},{"title":"(٢٦ - باب الحديث بعد ركعتي الفجر)","level":2,"page":1069},{"title":"(٢٧ - باب تعاهد ركعتي الفجر)","level":2,"page":1069},{"title":"(٢٨ - باب ما يقرأ في ركعتي الفجر)","level":2,"page":1069},{"title":"(٢٩ - باب التطوع بعد المكتوبة)","level":2,"page":1070},{"title":"(٣٠ - باب من لم يتطوع بعد المكتوبة)","level":2,"page":1071},{"title":"(٣١ - باب صلاة الضحى في السفر)","level":2,"page":1071},{"title":"(٣٢ - باب من لم يصل الضحى ورآه واسعا)","level":2,"page":1072},{"title":"(٣٣ - باب صلاة الضحى في الحضر. . .) إلخ","level":2,"page":1073},{"title":"(٣٤ - باب الركعتين قبل الظهر)","level":2,"page":1073},{"title":"(٣٥ - باب الصلاة قبل المغرب)","level":2,"page":1074},{"title":"(٣٦ - باب صلاة النوافل جماعة)","level":2,"page":1074},{"title":"(٣٧ - باب التطوع في البيت)","level":2,"page":1075},{"title":"٢٠ - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة","level":1,"page":1076},{"title":"(١ - باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة)","level":2,"page":1076},{"title":"(٢ - باب مسجد قباء)","level":2,"page":1076},{"title":"(٣ - باب من أتى مسجد قباء. . .) إلخ","level":2,"page":1076},{"title":"(٤ - باب إتيان مسجد قباء راكبا وماشيا)","level":2,"page":1077},{"title":"(٥ - باب فضل ما بين القبر والمنبر)","level":2,"page":1077},{"title":"(٦ - باب مسجد بيت المقدس)","level":2,"page":1077},{"title":"٢١ - أبواب العمل في الصلاة","level":1,"page":1078},{"title":"(١ - باب استعانة اليد في الصلاة. . .) إلخ","level":2,"page":1078},{"title":"(٢ - باب ما ينهى من الكلام في الصلاة)","level":2,"page":1079},{"title":"(٣ - باب ما يجوز من التسبيح والحمد. . .) إلخ","level":2,"page":1080},{"title":"(٤ - باب من سمى قوما أو سلم في الصلاة. . .) إلخ","level":2,"page":1080},{"title":"(٥ - باب التصفيق للنساء)","level":2,"page":1081},{"title":"(٦ - باب من رجع القهقرى في صلاته. . .) إلخ","level":2,"page":1081},{"title":"(٧ - باب إذا دعت الأم ولدها. . .) إلخ","level":2,"page":1081},{"title":"(٨ - باب مسح الحصى في الصلاة)","level":2,"page":1083},{"title":"(٩ - باب بسط الثوب في الصلاة. . .) إلخ","level":2,"page":1083},{"title":"(١٠ - باب ما يجوز من العمل في الصلاة)","level":2,"page":1083},{"title":"(١١ - باب إذا انفلتت الدابة في الصلاة)","level":2,"page":1083},{"title":"(١٢ - باب ما يجوز من البصاق والنفخ في الصلاة)","level":2,"page":1084},{"title":"(١٣ - باب من صفق جاهلا من الرجال. . .) إلخ","level":2,"page":1085},{"title":"(١٤ - باب إذا قيل للمصلي: تقدم أو انتظر. . .) إلخ","level":2,"page":1086},{"title":"(١٥ - باب لا يرد السلام في الصلاة)","level":2,"page":1087},{"title":"(١٦ - باب رفع الأيدي في الصلاة. . .) إلخ","level":2,"page":1087},{"title":"(١٧ - باب الخصر في الصلاة)","level":2,"page":1088},{"title":"(١٨ - باب تفكر الرجل الشيء. . .) إلخ","level":2,"page":1088},{"title":"٢٢ - كتاب السهو","level":1,"page":1090},{"title":"(١ - باب ما جاء في السهو. . .) إلخ","level":2,"page":1090},{"title":"(٢ - باب إذا صلى خمسا)","level":2,"page":1090},{"title":"(٣ - باب إذا سلم في ركعتين. . .) إلخ","level":2,"page":1091},{"title":"(٤ - باب من لم يتشهد في سجدتي السهو. . .) إلخ","level":2,"page":1091},{"title":"(٥ - باب يكبر في سجدتي السهو)","level":2,"page":1092},{"title":"(٦ - باب إذا لم يدر كم صلى. . .) إلخ","level":2,"page":1092},{"title":"(٧ - باب السهو في الفرض والتطوع)","level":2,"page":1092},{"title":"(٨ - باب إذا كلم وهو يصلي. . .) إلخ","level":2,"page":1093},{"title":"(٩ - باب الإشارة في الصلاة)","level":2,"page":1093},{"title":"٢٣ - كتاب الجنائز","level":1,"page":1095},{"title":"(١ - باب ما جاء في الجنائز، ومن كان آخر كلامه. . .) إلخ","level":2,"page":1095},{"title":"(٢ - باب الأمر باتباع الجنائز)","level":2,"page":1096},{"title":"(٣ - باب الدخول على الميت. . .) إلخ","level":2,"page":1097},{"title":"(٤ - باب الرجل ينعى إلى أهل الميت بنفسه)","level":2,"page":1098},{"title":"(٥ - باب الإذن بالجنازة)","level":2,"page":1099},{"title":"(٦ - باب فضل من مات له ولد)","level":2,"page":1100},{"title":"(٧ - باب قول الرجل للمرأة عند القبر: اصبري)","level":2,"page":1100},{"title":"(٨ - باب غسل الميت ووضوئه)","level":2,"page":1100},{"title":"(٩ - باب ما يستحب أن يغسل وترا)","level":2,"page":1102},{"title":"(١٠ - باب يبدأ بميامن الميت)","level":2,"page":1103},{"title":"(١١ - باب مواضع الوضوء من الميت)","level":2,"page":1103},{"title":"(١٢ - باب هل تكفن المرأة في إزار الرجل)","level":2,"page":1103},{"title":"(١٣ - باب يجعل الكافور في الأخيرة)","level":2,"page":1105},{"title":"(١٤ - باب نقض شعر المرأة. . .) إلخ","level":2,"page":1105},{"title":"(١٥ - باب كيف الإشعار للميت)","level":2,"page":1106},{"title":"(١٦ - باب هل يجعل شعر المرأة ثلاثة قرون)","level":2,"page":1106},{"title":"(١٧ - باب يلقى شعر المرأة خلفها. . .) إلخ","level":2,"page":1108},{"title":"(١٨ - باب الثياب البيض للكفن)","level":2,"page":1108},{"title":"(١٩ - باب الكفن في ثوبين)","level":2,"page":1108},{"title":"(٢٠ - باب الحنوط للميت)","level":2,"page":1109},{"title":"(٢١ - باب كيف يكفن المحرم)","level":2,"page":1110},{"title":"(٢٢ - باب الكفن في القميص الذي يكف أو لا يكف. . .) إلخ","level":2,"page":1110},{"title":"(٢٣ - باب الكفن بغير قميص)","level":2,"page":1113},{"title":"(٢٤ - باب الكفن بلا عمامة)","level":2,"page":1114},{"title":"(٢٥ - باب الكفن من جميع المال)","level":2,"page":1114},{"title":"(٢٦ - باب إذا لم يوجد إلا ثوب واحد)","level":2,"page":1115},{"title":"(٢٧ - باب إذا لم يجد كفنا إلا ما يواري رأسه أو قدميه. . .) إلخ","level":2,"page":1115},{"title":"(٢٨ - باب من استعد الكفن في زمن النبي - ﷺ -. . .) إلخ","level":2,"page":1116},{"title":"(٢٩ - باب اتباع النساء الجنازة)","level":2,"page":1117},{"title":"(٣٠ - باب إحداد المرأة على غير زوجها)","level":2,"page":1118},{"title":"(٣١ - باب زيارة القبور)","level":2,"page":1119},{"title":"(٣٢ - باب قول النبي - ﷺ -: \"يعذب الميت ببعض بكاء أهله\")","level":2,"page":1120},{"title":"(٣٣ - باب ما يكره من النياحة على الميت)","level":2,"page":1124},{"title":"(٣٤ - باب)","level":2,"page":1126},{"title":"(٣٥ - باب ليس منا من شق الجيوب)","level":2,"page":1126},{"title":"(٣٦ - باب رثاء النبي - ﷺ -)","level":2,"page":1126},{"title":"(٣٧ - باب ما ينهى من الحلق عند المصيبة)","level":2,"page":1127},{"title":"(٣٨ - باب ليس منا من ضرب الخدود)","level":2,"page":1127},{"title":"(٣٩ - باب ما ينهى من الويل. . .) إلخ","level":2,"page":1127},{"title":"(٤٠ - باب من جلس عند المصيبة)","level":2,"page":1127},{"title":"(٤١ - باب من [لم] يظهر حزنه عند المصيبة)","level":2,"page":1128},{"title":"(٤٢ - باب الصبر عند الصدمة الأولى)","level":2,"page":1129},{"title":"(٤٣ - باب قول النبي - ﷺ -: \"إنا بك لمحزونون\")","level":2,"page":1130},{"title":"(٤٤ - باب البكاء عند المريض)","level":2,"page":1130},{"title":"(٤٥ - باب ما ينهى عن النوح والبكاء والزجر عن ذلك)","level":2,"page":1130},{"title":"(٤٦ - باب القيام للجنازة)","level":2,"page":1131},{"title":"(٤٧ - باب متى يقعد إذا قام للجنازة؟)","level":2,"page":1131},{"title":"(٤٨ - باب من تبع جنازة فلا يقعد حتى توضع عن مناكب الرجال. . .) إلخ","level":2,"page":1132},{"title":"(٤٩ - باب من قام لجنازة يهودي)","level":2,"page":1133},{"title":"(٥٠ - باب حمل الرجال الجنازة دون النساء)","level":2,"page":1133},{"title":"(٥١ - باب السرعة بالجنازة)","level":2,"page":1134},{"title":"(٥٢ - باب قول الميت وهو على الجنازة: قدموني)","level":2,"page":1136},{"title":"(٥٣ - باب من صف صفين أو ثلاثة)","level":2,"page":1137},{"title":"(٥٤ - باب الصفوف على الجنازة)","level":2,"page":1138},{"title":"(٥٥ - باب صفوف الصبيان مع الرجال. . .) إلخ","level":2,"page":1139},{"title":"(٥٦ - باب سنة الصلاة على الجنازة)","level":2,"page":1140},{"title":"(٥٧ - باب فضل اتباع الجنائز. . .) إلخ","level":2,"page":1141},{"title":"(٥٨ - باب من انتظر حتى يدفن)","level":2,"page":1143},{"title":"(٥٩ - باب صلاة الصبيان مع الناس. . .) إلخ","level":2,"page":1144},{"title":"(٦٠ - باب الصلاة على الجنائز بالمصلى والمسجد)","level":2,"page":1144},{"title":"(٦١ - باب ما يكره من اتخاذ المسجد على القبور)","level":2,"page":1145},{"title":"(٦٢ - باب الصلاة على النفساء إذا ماتت في نفاسها)","level":2,"page":1146},{"title":"(٦٣ - باب أين يقوم من المرأة والرجل؟)","level":2,"page":1147},{"title":"(٦٤ - باب التكبير على الجنازة أربعا)","level":2,"page":1148},{"title":"(٦٥ - باب قراءة فاتحة الكتاب. . .) إلخ","level":2,"page":1148},{"title":"(٦٦ - باب الصلاة على القبر بعد ما يدفن)","level":2,"page":1149},{"title":"(٦٧ - باب الميت يسمع خفق النعال)","level":2,"page":1149},{"title":"(٦٨ - باب من أحب الدفن في الأرض المقدسة أو نحوها)","level":2,"page":1151},{"title":"(٦٩ - باب الدفن بالليل. . .) إلخ","level":2,"page":1152},{"title":"(٧٠ - باب بناء المسجد على القبر)","level":2,"page":1153},{"title":"(٧١ - باب من يدخل قبر المرأة)","level":2,"page":1153},{"title":"(٧٢ - باب الصلاة على الشهيد)","level":2,"page":1154},{"title":"(٧٣ - باب دفن الرجلين أو الثلاثة في قبر واحد. . .) إلخ","level":2,"page":1155},{"title":"(٧٤ - باب من لم ير غسل الشهداء)","level":2,"page":1156},{"title":"(٧٥ - باب من يقدم في اللحد. . .) إلخ","level":2,"page":1157},{"title":"(٧٦ - باب الإذخر والحشيش في القبر)","level":2,"page":1157},{"title":"(٧٧ - باب هل يخرج الميت من القبر واللحد لعلة؟)","level":2,"page":1158},{"title":"(٧٨ - باب اللحد والشق في القبر)","level":2,"page":1158},{"title":"(٧٩ - باب إذا أسلم الصبي فمات. . .) إلخ","level":2,"page":1159},{"title":"(٨٠ - باب إذا قال المشرك عند الموت: لا إله إلا الله)","level":2,"page":1163},{"title":"(٨١ - باب الجريد على القبر. . .) إلخ","level":2,"page":1164},{"title":"(٨٢ - باب موعظة المحدث عند القبر. . .) إلخ","level":2,"page":1168},{"title":"(٨٣ - باب ما جاء في قاتل النفس)","level":2,"page":1168},{"title":"(٨٤ - باب ما يكره من الصلاة على المنافقين. . .) إلخ","level":2,"page":1169},{"title":"(٨٥ - باب ثناء الناس على الميت)","level":2,"page":1170},{"title":"(٨٦ - باب ما جاء في عذاب القبر)","level":2,"page":1171},{"title":"(٨٧ - باب التعوذ من عذاب القبر)","level":2,"page":1172},{"title":"(٨٨ - باب عذاب القبر من الغيبة والبول)","level":2,"page":1173},{"title":"(٨٩ - باب الميت يعرض عليه مقعده بالغداة والعشي)","level":2,"page":1173},{"title":"(٩٠ - باب كلام الميت على الجنازة)","level":2,"page":1174},{"title":"(٩١ - باب ما قيل في أولاد المسلمين)","level":2,"page":1174},{"title":"(٩٢ - باب ما قيل في أولاد المشركين)","level":2,"page":1175},{"title":"(٩٣ - باب)","level":2,"page":1177},{"title":"(٩٤ - باب موت يوم الاثنين)","level":2,"page":1178},{"title":"(٩٥ - باب موت الفجاءة البغتة. . .) إلخ","level":2,"page":1179},{"title":"(٩٦ - باب ما جاء في قبر النبي - ﷺ - وأبي بكر وعمر. . .) إلخ","level":2,"page":1180},{"title":"(٩٧ - باب ما ينهى من سب الأموات)","level":2,"page":1181},{"title":"(٩٨ - باب ذكر شرار الموتى)","level":2,"page":1181},{"title":"٢٤ - كتاب الزكاة","level":1,"page":1183},{"title":"(١ - باب وجوب الزكاة وقول الله - ﷿ -: ﴿وأقيموا الصلاة. . .﴾) إلخ","level":2,"page":1184},{"title":"(٢ - باب البيعة على إيتاء الزكاة. . .) إلخ","level":2,"page":1185},{"title":"(٣ - باب إثم مانع الزكاة. . .) إلخ","level":2,"page":1186},{"title":"(٤ - باب ما أدي زكاته فليس بكنز. . .) إلخ","level":2,"page":1186},{"title":"(٥ - باب إنفاق المال في حقه)","level":2,"page":1187},{"title":"(٦ - باب الرياء في الصدقة. . .) إلخ","level":2,"page":1188},{"title":"(٧ - باب لا يقبل الله صدقة من غلول. . .) إلخ","level":2,"page":1188},{"title":"(٨ - باب الصدقة من كسب طيب. . .) إلخ","level":2,"page":1188},{"title":"(٩ - باب الصدقة قبل الرد)","level":2,"page":1189},{"title":"(١٠ - باب اتقوا النار ولو بشق تمرة)","level":2,"page":1190},{"title":"(١١ - باب فضل صدقة الشحيح الصحيح. . .) إلخ","level":2,"page":1190},{"title":"(باب)","level":2,"page":1191},{"title":"(١٢ - باب صدقة العلانية. . .) إلخ","level":2,"page":1192},{"title":"(١٣ - باب صدقة السر. . .) إلخ","level":2,"page":1193},{"title":"(١٤ - باب إذا تصدق على غني. . .) إلخ","level":2,"page":1193},{"title":"(١٥ - باب إذا تصدق على ابنه وهو لا يشعر)","level":2,"page":1194},{"title":"(١٦ - باب الصدقة باليمين)","level":2,"page":1195},{"title":"(١٧ - باب من أمر خادمه بالصدقة. . .) إلخ","level":2,"page":1196},{"title":"(١٨ - باب لا صدقة إلا عن ظهر غنى. . .) إلخ","level":2,"page":1196},{"title":"(١٩ - باب المنان بما أعطى. . .) إلخ","level":2,"page":1197},{"title":"(٢٠ - باب من أحب تعجيل الصدقة من يومها)","level":2,"page":1197},{"title":"(٢١ - باب التحريض على الصدقة والشفاعة فيها)","level":2,"page":1198},{"title":"(٢٢ - باب الصدقة فيما استطاع)","level":2,"page":1199},{"title":"(٢٣ - باب الصدقة تكفر الخطيئة)","level":2,"page":1199},{"title":"(٢٤ - باب من تصدق في الشرك ثم أسلم)","level":2,"page":1199},{"title":"(٢٥ - باب أجر الخادم إذا تصدق. . .) إلخ","level":2,"page":1200},{"title":"(٢٦ - باب أجر المرأة إذا تصدقت. . .) إلخ","level":2,"page":1201},{"title":"(٢٧ - باب قول الله - ﷿ -: ﴿فأما من أعطى. . .﴾ [الليل: ٥]) إلخ","level":2,"page":1201},{"title":"(٢٨ - باب مثل المتصدق والبخيل)","level":2,"page":1201},{"title":"(٢٩ - باب صدقة الكسب والتجارة. . .) إلخ","level":2,"page":1202},{"title":"(٣٠ - باب على كل مسلم صدقة. . .) إلخ","level":2,"page":1203},{"title":"(٣١ - باب قدر كم يعطى من الزكاة والصدقة. . .) إلخ","level":2,"page":1203},{"title":"(٣٢ - باب زكاة الورق)","level":2,"page":1205},{"title":"(٣٣ - باب العرض في الزكاة)","level":2,"page":1205},{"title":"(٣٤ - باب لا يجمع بين متفرق. . .) إلخ","level":2,"page":1206},{"title":"(٣٥ - باب ما كان من خليطين. . .) إلخ","level":2,"page":1207},{"title":"(٣٦ - باب زكاة الإبل)","level":2,"page":1208},{"title":"(٣٧ - باب من بلغت عنده صدقة بنت مخاض. . .) إلخ","level":2,"page":1208},{"title":"(٣٨ - باب زكاة الغنم)","level":2,"page":1209},{"title":"(٣٩ - باب لا يؤخذ في الصدقة هرمة. . .) إلخ","level":2,"page":1209},{"title":"(٤٠ - باب أخذ العناق في الصدقة)","level":2,"page":1210},{"title":"(٤١ - باب لا تؤخذ كرائم أموال الناس في الصدقة)","level":2,"page":1211},{"title":"(٤٢ - باب ليس فيما دون خمس ذود صدقة)","level":2,"page":1211},{"title":"(٤٣ - باب زكاة البقر. . .) إلخ","level":2,"page":1211},{"title":"(٤٤ - باب الزكاة على الأقارب. . .) إلخ","level":2,"page":1212},{"title":"(٤٥ - باب ليس على المسلم في فرسه صدقة)","level":2,"page":1212},{"title":"(٤٦ - باب ليس على المسلم في عبده صدقة)","level":2,"page":1213},{"title":"(٤٧ - باب الصدقة على اليتامى)","level":2,"page":1213},{"title":"(٤٨ - باب الزكاة على الزوج والأيتام في الحجر. . .) إلخ","level":2,"page":1214},{"title":"(٤٩ - باب قول الله تعالى: ﴿وفي الرقاب والغارمين. . .﴾ [التوبة: ٦٠]) إلخ","level":2,"page":1214},{"title":"(٥٠ - باب الاستعفاف عن المسألة)","level":2,"page":1216},{"title":"(٥١ - باب من أعطاه الله شيئا. . .) إلخ","level":2,"page":1216},{"title":"(٥٢ - باب من سأل الناس تكثرا)","level":2,"page":1216},{"title":"(٥٣ - باب قول الله تعالى: ﴿لا يسألون الناس إلحافا﴾ [البقرة: ٢٧٣])","level":2,"page":1217},{"title":"(٥٤ - باب خرص التمر)","level":2,"page":1218},{"title":"(٥٥ - باب العشر فيما يسقى. . .) إلخ","level":2,"page":1220},{"title":"(٥٦ - باب ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة)","level":2,"page":1222},{"title":"(٥٧ - باب أخذ صدقة التمر. . .) إلخ","level":2,"page":1223},{"title":"(٥٨ - باب من باع ثماره أو نخله. . .) إلخ","level":2,"page":1223},{"title":"(٥٩ - باب هل يشتري صدقته. . .) إلخ","level":2,"page":1224},{"title":"(٦٠ - باب ما يذكر في الصدقة للنبي - ﷺ - وآله)","level":2,"page":1225},{"title":"(٦١ - باب الصدقة على موالي أزواج النبي - ﷺ -)","level":2,"page":1226},{"title":"(٦٢ - باب إذا تحولت الصدقة)","level":2,"page":1226},{"title":"(٦٣ - باب أخذ الصدقة من الأغنياء)","level":2,"page":1227},{"title":"(٦٤ - باب صلاة الإمام ودعائه. . .) إلخ","level":2,"page":1228},{"title":"(٦٥ - باب ما يستخرج من البحر. . .) إلخ","level":2,"page":1229},{"title":"(٦٦ - باب في الركاز الخمس. . .) إلخ","level":2,"page":1229},{"title":"(٦٧ - باب قول الله تعالى: ﴿والعاملين عليها﴾. . . [التوبة: ٦٠]) إلخ","level":2,"page":1232},{"title":"(٦٨ - باب استعمال إبل الصدقة وألبانها. . .) إلخ","level":2,"page":1233},{"title":"(٦٩ - باب وسم الإمام إبل الصدقة بيده)","level":2,"page":1233},{"title":"(٧٠ - باب فرض صدقة الفطر)","level":2,"page":1234},{"title":"(٧١ - باب صدقة الفطر على العبد وغيره من المسلمين)","level":2,"page":1236},{"title":"(٧٢ - باب صدقة الفطر صاع من شعير)","level":2,"page":1237},{"title":"(٧٣ - باب صدقة الفطر صاع من طعام)","level":2,"page":1237},{"title":"(٧٤ - باب صدقة الفطر صاع من تمر)","level":2,"page":1238},{"title":"(٧٥ - باب صاع من زبيب)","level":2,"page":1238},{"title":"(٧٦ - باب الصدقة قبل العيد)","level":2,"page":1240},{"title":"(٧٧ - باب صدقة الفطر على الحر والمملوك. . .) إلخ","level":2,"page":1240},{"title":"(٧٨ - باب صدقة الفطر على الصغير. . .) إلخ","level":2,"page":1241},{"title":"٢٥ - كتاب المناسك","level":1,"page":1242},{"title":"(١ - باب وجوب الحج وفضله. . .) إلخ","level":2,"page":1244},{"title":"(٢ - باب قول الله تعالى: ﴿يأتوك رجالا وعلى كل ضامر. . .﴾ [الحج: ٢٧]) إلخ","level":2,"page":1245},{"title":"(٣ - باب الحج على الرحل. . .) إلخ","level":2,"page":1246},{"title":"(٤ - باب فضل الحج المبرور)","level":2,"page":1247},{"title":"(٥ - باب فرض مواقيت الحج والعمرة)","level":2,"page":1247},{"title":"(٦ - باب قول الله تعالى: ﴿وتزودوا. . .﴾) إلخ","level":2,"page":1249},{"title":"(٧ - باب مهل أهل مكة للحج والعمرة)","level":2,"page":1250},{"title":"(٨ - باب ميقات أهل المدينة ولا يهلوا قبل ذي الحليفة)","level":2,"page":1251},{"title":"(٩ - ١٠ - باب مهل أهل الشام وباب مهل أهل نجد)","level":2,"page":1252},{"title":"(١١ - باب مهل من كان دون المواقيت)","level":2,"page":1252},{"title":"(١٢ - باب مهل أهل اليمن)","level":2,"page":1253},{"title":"(١٣ - باب ذات عرق لأهل العراق)","level":2,"page":1253},{"title":"(١٤ - باب الصلاة بذي الحليفة)","level":2,"page":1254},{"title":"(١٥ - باب خروج النبي - ﷺ - على طريق الشجرة)","level":2,"page":1255},{"title":"(١٦ - باب قول النبي - ﷺ -: العقيق واد مبارك)","level":2,"page":1256},{"title":"(١٧ - باب غسل الخلوق ثلاث مرات من الثياب)","level":2,"page":1256},{"title":"(١٨ - باب الطيب عند الإحرام)","level":2,"page":1258},{"title":"(١٩ - باب من أهل ملبدا)","level":2,"page":1261},{"title":"(٢٠ - باب الإهلال عند مسجد ذي الحليفة)","level":2,"page":1262},{"title":"(٢١ - باب ما لا يلبس المحرم من الثياب)","level":2,"page":1263},{"title":"(٢٢ - باب الركوب والارتداف في الحج)","level":2,"page":1263},{"title":"(٢٣ - باب ما يلبس المحرم من الثياب. . .) إلخ","level":2,"page":1263},{"title":"(٢٤ - باب من بات بذي الحليفة)","level":2,"page":1264},{"title":"(٢٥ - باب رفع الصوت بالإهلال)","level":2,"page":1264},{"title":"(٢٦ - باب التلبية)","level":2,"page":1265},{"title":"(٢٧ - باب التحميد والتسبيح والتكبير قبل الإهلال)","level":2,"page":1266},{"title":"(٢٨ - باب من أهل حين استوت به راحلته)","level":2,"page":1267},{"title":"(٢٩ - باب الإهلال مستقبل القبلة. . .) إلخ","level":2,"page":1267},{"title":"(٣٠ - باب التلبية إذا انحدر في الوادي)","level":2,"page":1267},{"title":"(٣١ - باب كيف تهل الحائض. . .) إلخ","level":2,"page":1268},{"title":"(٣٢ - باب من أهل في زمن النبي - ﷺ -. . .) إلخ","level":2,"page":1268},{"title":"(٣٣ - باب قول الله تعالى: ﴿الحج أشهر معلومات﴾. . .) إلخ","level":2,"page":1269},{"title":"(٣٤ - باب التمتع والإقران والإفراد. . .) إلخ","level":2,"page":1270},{"title":"(٣٥ - باب من لبى بالحج وسماه)","level":2,"page":1272},{"title":"(٣٦ - باب التمتع على عهد النبي - ﷺ -)","level":2,"page":1273},{"title":"(٣٧ - باب قول الله - ﷿ -: ﴿ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام﴾)","level":2,"page":1273},{"title":"(٣٨ - باب الاغتسال عند دخول مكة)","level":2,"page":1275},{"title":"(٣٩ - باب دخول مكة نهارا وليلا)","level":2,"page":1275},{"title":"(٤٠ - باب من أين يدخل مكة؟)","level":2,"page":1276},{"title":"(٤١ - باب من أين يخرج من مكة؟)","level":2,"page":1277},{"title":"(٤٢ - باب فضل مكة وبنيانها. . .) إلخ","level":2,"page":1278},{"title":"(٤٣ - باب فضل الحرم. . .) إلخ","level":2,"page":1278},{"title":"(٤٤ - باب توريث دور مكة وبيعها وشرائها. . .) إلخ","level":2,"page":1279},{"title":"(٤٥ - باب نزول النبي - ﷺ - مكة. . .) إلخ","level":2,"page":1280},{"title":"(٤٦ - باب قول الله تعالى: ﴿وإذ قال إبراهيم رب اجعل﴾. . .) إلخ","level":2,"page":1281},{"title":"(٤٧ - باب قول الله تعالى: ﴿جعل الله الكعبة البيت الحرام﴾. . .) إلخ","level":2,"page":1281},{"title":"(٤٨ - باب كسوة الكعبة)","level":2,"page":1282},{"title":"(٤٩ - باب هدم الكعبة)","level":2,"page":1283},{"title":"(٥٠ - باب ما ذكر في الحجر الأسود)","level":2,"page":1284},{"title":"(٥١ - باب إغلاق البيت. . .) إلخ","level":2,"page":1284},{"title":"(٥٢ - باب الصلاة في الكعبة)","level":2,"page":1285},{"title":"(٥٣ - باب من لم يدخل الكعبة. . .) إلخ","level":2,"page":1285},{"title":"(٥٤ - باب من كبر في نواحي الكعبة)","level":2,"page":1286},{"title":"(٥٥ - باب كيف كان بدء الرمل)","level":2,"page":1287},{"title":"(٥٦ - باب استلام الحجر الأسود حين يقدم مكة. . .) إلخ","level":2,"page":1287},{"title":"(٥٧ - باب الرمل في الحج والعمرة)","level":2,"page":1288},{"title":"(٥٨ - باب استلام الركن بالمحجن)","level":2,"page":1288},{"title":"(٥٩ - باب من لم يستلم إلا الركنين اليمانين. . .) إلخ","level":2,"page":1289},{"title":"(٦٠ - باب تقبيل الحجر)","level":2,"page":1290},{"title":"(٦١ - باب من أشار إلى الركن إذا أتى عليه)","level":2,"page":1291},{"title":"(٦٢ - باب التكبير عند الركن)","level":2,"page":1291},{"title":"(٦٣ - باب من طاف بالبيت إذا قدم مكة. . .) إلخ","level":2,"page":1292},{"title":"(٦٤ - باب طواف النساء مع الرجال)","level":2,"page":1293},{"title":"(٦٥ - باب الكلام في الطواف)","level":2,"page":1293},{"title":"(٦٦ - باب إذا رأى سيرا أو شيئا يكره في الطواف قطعه)","level":2,"page":1294},{"title":"(٦٧ - باب لا يطوف بالبيت عريان. . .) إلخ","level":2,"page":1295},{"title":"(٦٨ - باب إذا وقف في الطواف)","level":2,"page":1295},{"title":"(٦٩ - باب طاف النبي - ﷺ - وصلى لسبوعه ركعتين. . .) إلخ","level":2,"page":1296},{"title":"(٧٠ - باب من لم يقرب الكعبة. . .) إلخ","level":2,"page":1297},{"title":"(٧١ - باب من صلى ركعتي الطواف خارجا من المسجد. . .) إلخ","level":2,"page":1297},{"title":"(٧٢ - باب من صلى ركعتي الطواف خلف المقام)","level":2,"page":1298},{"title":"(٧٣ - باب الطواف بعد الصبح والعصر. . .) إلخ","level":2,"page":1299},{"title":"(٧٤ - باب المريض يطوف راكبا)","level":2,"page":1300},{"title":"(٧٥ - باب سقاية الحاج)","level":2,"page":1301},{"title":"(٧٦ - باب ما جاء في زمزم. . .) إلخ","level":2,"page":1302},{"title":"(٧٧ - باب طواف القارن)","level":2,"page":1303},{"title":"(٧٨ - باب الطواف على وضوء)","level":2,"page":1304},{"title":"(٧٩ - باب وجوب الصفا والمروة)","level":2,"page":1305},{"title":"(٨٠ - باب ما جاء في السعي بين الصفا والمروة. . .) إلخ","level":2,"page":1305},{"title":"(٨١ - باب تقضي الحائض المناسك كلها. . .) إلخ","level":2,"page":1306},{"title":"(٨٢ - باب الإهلال)","level":2,"page":1306},{"title":"(٨٣ - باب أين يصلي الظهر في يوم التروية؟)","level":2,"page":1307},{"title":"(٨٤ - باب الصلاة بمنى)","level":2,"page":1308},{"title":"(٨٥ - باب صوم يوم عرفة)","level":2,"page":1309},{"title":"(٨٦ - باب التلبية والتكبير إذا غدا من منى إلى عرفة)","level":2,"page":1310},{"title":"(٨٧ - باب التهجير بالرواح يوم عرفة)","level":2,"page":1310},{"title":"(٨٨ - باب الوقوف على الدابة بعرفة)","level":2,"page":1312},{"title":"(٨٩ - باب الجمع بين الصلاتين بعرفة. . .) إلخ","level":2,"page":1312},{"title":"(٩٠ - باب قصر الخطبة بعرفة)","level":2,"page":1313},{"title":"(باب التعجيل إلى الموقف)","level":2,"page":1314},{"title":"(٩١ - باب الوقوف بعرفة)","level":2,"page":1314},{"title":"(٩٢ - باب السير إذا دفع من عرفة)","level":2,"page":1315},{"title":"(٩٣ - باب النزول بين عرفة وجمع)","level":2,"page":1315},{"title":"(٩٤ - باب أمر النبي - ﷺ - بالسكينة. . .) إلخ","level":2,"page":1315},{"title":"(٩٥ - باب الجمع بين الصلاتين بالمزدلفة)","level":2,"page":1316},{"title":"(٩٦ - باب من جمع بينهما ولم يتطوع)","level":2,"page":1316},{"title":"(٩٧ - باب من أذن وأقام لكل واحدة منهما)","level":2,"page":1317},{"title":"(٩٨ - باب من قدم ضعفة أهله. . .) إلخ","level":2,"page":1318},{"title":"(٩٩ - باب متى يصلي الفجر بجمع)","level":2,"page":1320},{"title":"(١٠٠ - باب متى يدفع من جمع)","level":2,"page":1320},{"title":"(١٠١ - باب التلبية والتكبير غداة النحر حين يرمي جمرة العقبة. . .) إلخ","level":2,"page":1320},{"title":"(١٠٢ - باب ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج﴾. . .) إلخ","level":2,"page":1321},{"title":"(١٠٣ - باب ركوب البدن لقوله: ﴿والبدن جعلناها لكم﴾. . .) إلخ","level":2,"page":1321},{"title":"(١٠٤ - باب من ساق البدن معه)","level":2,"page":1322},{"title":"(١٠٥ - باب من اشترى الهدي من الطريق)","level":2,"page":1323},{"title":"(١٠٦ - باب من أشعر وقلد بذي الحليفة. . .) إلخ","level":2,"page":1324},{"title":"(١٠٧ - باب فتل القلائد للبدن والبقر)","level":2,"page":1325},{"title":"(١٠٨ - باب إشعار البدن. . .) إلخ","level":2,"page":1325},{"title":"(١٠٩ - باب من قلد القلائد بيده)","level":2,"page":1326},{"title":"(١١٠ - باب تقليد الغنم)","level":2,"page":1327},{"title":"(١١١ - باب القلائد من العهن)","level":2,"page":1327},{"title":"(١١٢ - باب تقليد النعل)","level":2,"page":1328},{"title":"(١١٣ - باب الجلال للبدن. . .) إلخ","level":2,"page":1328},{"title":"(١١٤ - باب من اشترى هديه من الطريق وقلدها)","level":2,"page":1329},{"title":"(١١٥ - باب ذبح الرجل البقر عن نسائه. . .) إلخ","level":2,"page":1329},{"title":"(١١٦ - باب النحر في منحر النبي - ﷺ - بمنى)","level":2,"page":1331},{"title":"(١١٧ - باب من نحر بيده)","level":2,"page":1331},{"title":"(١١٨ - باب نحر الإبل المقيدة)","level":2,"page":1332},{"title":"(١١٩ - باب نحر البدن قائمة)","level":2,"page":1332},{"title":"(١٢٠ - باب لا يعطى الجزار من الهدي شيئا)","level":2,"page":1332},{"title":"(١٢١ - باب يتصدق بجلود الهدي)","level":2,"page":1333},{"title":"(١٢٢ - باب يتصدق بجلال البدن)","level":2,"page":1334},{"title":"(١٢٣ - باب ﴿وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت﴾. . .) إلخ","level":2,"page":1334},{"title":"(١٢٥ - باب الذبح قبل الحلق)","level":2,"page":1336},{"title":"(١٢٦ - باب من لبد رأسه عند الإحرام وحلق)","level":2,"page":1337},{"title":"(١٢٧ - باب الحلق والتقصير عند الإحلال)","level":2,"page":1338},{"title":"(١٢٨ - باب تقصير المتمتع بعد العمرة)","level":2,"page":1339},{"title":"(١٢٩ - باب الزيارة يوم النحر. . .) إلخ","level":2,"page":1339},{"title":"(١٣٠ - باب إذا رمى بعد ما أمسى. . .) إلخ","level":2,"page":1340},{"title":"(١٣١ - باب الفتيا على الدابة عند الجمرة)","level":2,"page":1342},{"title":"(١٣٢ - باب الخطبة أيام منى)","level":2,"page":1343},{"title":"(١٣٣ - باب هل يبيت أصحاب السقاية أو غيرهم بمكة. . .) إلخ","level":2,"page":1344},{"title":"(١٣٤ - باب رمي الجمار. . .) إلخ","level":2,"page":1345},{"title":"(١٣٥ - باب رمي الجمار من بطن الوادي)","level":2,"page":1346},{"title":"(١٣٦ - باب رمي الجمار بسبع حصيات. . .) إلخ","level":2,"page":1346},{"title":"(١٣٧ - باب من رمى جمرة العقبة وجعل البيت عن يساره)","level":2,"page":1347},{"title":"(١٣٨ - باب يكبر مع كل حصاة. . .) إلخ","level":2,"page":1348},{"title":"(١٣٩ - باب من رمى جمرة العقبة ولم يقف. . .) إلخ","level":2,"page":1348},{"title":"(١٤٠ - باب إذا رمى الجمرتين يقوم مستقبل القبلة ويسهل)","level":2,"page":1349},{"title":"(١٤١ - باب رفع اليدين عند الجمرة الدنيا والوسطى)","level":2,"page":1350},{"title":"(١٤٢ - باب الدعاء عند الجمرتين)","level":2,"page":1351},{"title":"(١٤٣ - باب الطيب بعد رمي الجمار والحلق قبل الإفاضة)","level":2,"page":1351},{"title":"(١٤٤ - باب طواف الوداع)","level":2,"page":1352},{"title":"(١٤٥ - باب إذا حاضت المرأة بعد ما أفاضت)","level":2,"page":1353},{"title":"(١٤٦ - باب من صلى العصر يوم النفر بالأبطح)","level":2,"page":1354},{"title":"(١٤٧ - باب المحصب)","level":2,"page":1355},{"title":"(١٤٨ - باب النزول بذي طوى قبل أن يدخل مكة والنزول بالبطحاء التي بذي الحليفة)","level":2,"page":1356},{"title":"(١٤٩ - باب من نزل بذي طوى إذا رجع من مكة)","level":2,"page":1357},{"title":"(١٥٠ - باب التجارة أيام الموسم. . .) إلخ","level":2,"page":1357},{"title":"(١٥١ - باب الادلاج من المحصب)","level":2,"page":1357},{"title":"٢٦ - أبواب العمرة","level":1,"page":1359},{"title":"(١ - باب وجوب العمرة وفضلها. . .) إلخ","level":2,"page":1359},{"title":"(٢ - باب من اعتمر قبل الحج)","level":2,"page":1360},{"title":"(٣ - باب كم اعتمر النبي - ﷺ -؟)","level":2,"page":1361},{"title":"(٤ - باب عمرة في رمضان)","level":2,"page":1363},{"title":"(٥ - باب العمرة ليلة الحصبة)","level":2,"page":1364},{"title":"(٦ - باب عمرة التنعيم)","level":2,"page":1364},{"title":"(٧ - باب الاعتمار بعد الحج بغير هدي)","level":2,"page":1365},{"title":"(٨ - باب أجر العمرة على قدر النصب)","level":2,"page":1366},{"title":"(٩ - باب المعتمر إذا طاف طواف العمرة. . .) إلخ","level":2,"page":1367},{"title":"(١٠ - باب يفعل بالعمرة ما يفعل بالحج)","level":2,"page":1367},{"title":"(١١ - باب متى يحل المعتمر؟. . .) إلخ","level":2,"page":1367},{"title":"(١٢ - باب ما يقول إذا رجع من الحج. . .) إلخ","level":2,"page":1368},{"title":"(١٣ - باب استقبال الحاج القادمين والثلاثة على الدابة)","level":2,"page":1368},{"title":"(١٤ - باب القدوم بالغداة)","level":2,"page":1370},{"title":"(١٥ - باب الدخول بالعشي)","level":2,"page":1370},{"title":"(١٦ - باب لا يطرق أهله)","level":2,"page":1371},{"title":"(١٧ - باب من أسرع ناقته)","level":2,"page":1371},{"title":"(١٨ - باب قول الله تعالى: (﴿وأتوا البيوت من أبوابها﴾ [البقرة: ١٨٩])","level":2,"page":1371},{"title":"(١٩ - باب السفر قطعة من العذاب)","level":2,"page":1372},{"title":"(٢٠ - باب المسافر إذا جد به السير ويعجل إلى أهله. . .) إلخ","level":2,"page":1372},{"title":"٢٧ - كتاب المحصر","level":1,"page":1374},{"title":"(باب المحصر وجزاء الصيد. . .) إلخ","level":2,"page":1374},{"title":"(١ - باب إذا أحصر المعتمر)","level":2,"page":1375},{"title":"(٢ - باب الإحصار في الحج)","level":2,"page":1376},{"title":"(٣ - باب النحر قبل الحلق في الحصر)","level":2,"page":1377},{"title":"(٤ - باب من قال ليس على المحصر بدل. . .) إلخ","level":2,"page":1378},{"title":"(٥ - باب قول الله: ﴿فمن كان منكم مريضا﴾ [البقرة: ١٩٦])","level":2,"page":1379},{"title":"(٦ - باب قول الله: ﴿أو صدقة. . .﴾ [البقرة: ١٩٦]) إلخ","level":2,"page":1379},{"title":"(٧ - باب الإطعام في الفدية نصف صاع)","level":2,"page":1380},{"title":"(٨ - باب النسك شاة)","level":2,"page":1380},{"title":"(٩ - باب قول الله - ﷿ -: ﴿فلا رفث﴾ [البقرة: ١٩٧])","level":2,"page":1381},{"title":"(١٠ - باب قول الله تعالى: ﴿ولا فسوق ولا جدال في الحج﴾ [البقرة: ١٩٧])","level":2,"page":1382},{"title":"٢٨ - كتاب جزاء الصيد","level":1,"page":1383},{"title":"(١ - باب جزاء الصيد ونحوه. . .) إلخ","level":2,"page":1383},{"title":"(٢ - باب وإذا صاد الحلال فأهدى للمحرم. . .) إلخ","level":2,"page":1384},{"title":"(٣ - باب إذا رأى المحرمون صيدا)","level":2,"page":1385},{"title":"(٤ - باب لا يعين المحرم الحلال. . .) إلخ","level":2,"page":1386},{"title":"(٥ - باب لا يشير المحرم إلى الصيد. . .) إلخ","level":2,"page":1387},{"title":"(٦ - باب إذا أهدى للمحرم حمارا وحشيا حيا)","level":2,"page":1387},{"title":"(٧ - باب ما يقتل المحرم من الدواب)","level":2,"page":1388},{"title":"(٨ - باب لا يعضد شجر الحرم)","level":2,"page":1390},{"title":"(٩ - باب لا ينفر صيد الحرم)","level":2,"page":1391},{"title":"(١٠ - باب لا يحل القتال بمكة. . .) إلخ","level":2,"page":1391},{"title":"(١١ - باب الحجامة للمحرم. . .) إلخ","level":2,"page":1393},{"title":"(١٢ - باب تزويج المحرم)","level":2,"page":1393},{"title":"(١٣ - باب ما ينهى من الطيب للمحرم. . .) إلخ","level":2,"page":1394},{"title":"(١٤ - باب الاغتسال للمحرم. . .) إلخ","level":2,"page":1395},{"title":"(١٥ - باب لبس الخفين للمحرم إذا لم يجد النعلين)","level":2,"page":1396},{"title":"(١٦ - باب إذا لم يجد الإزار فليلبس السراويل)","level":2,"page":1396},{"title":"(١٧ - باب لبس السلاح للمحرم)","level":2,"page":1398},{"title":"(١٨ - باب دخول الحرم ومكة بغير إحرام. . .) إلخ","level":2,"page":1398},{"title":"(١٩ - باب إذا أحرم جاهلا وعليه قميص. . .) إلخ","level":2,"page":1399},{"title":"(٢٠ - باب المحرم يموت بعرفة. . .) إلخ","level":2,"page":1400},{"title":"(٢١ - باب سنة المحرم إذا مات)","level":2,"page":1401},{"title":"(٢٢ - باب الحج والنذور عن الميت والرجل يحج عن المرأة)","level":2,"page":1402},{"title":"(٢٣ - باب الحج عمن لا يستطيع الثبوت على الراحلة)","level":2,"page":1404},{"title":"(٢٤ - باب حج المرأة عن الرجل)","level":2,"page":1406},{"title":"(٢٥ - باب حج الصبيان)","level":2,"page":1406},{"title":"(٢٦ - باب حج النساء)","level":2,"page":1407},{"title":"(٢٧ - باب من نذر المشي إلى الكعبة)","level":2,"page":1407},{"title":"٢٩ - أبواب فضائل المدينة","level":1,"page":1409},{"title":"(١ - باب حرم المدينة)","level":2,"page":1409},{"title":"(٢ - باب فضل المدينة وأنها تنفي الناس)","level":2,"page":1411},{"title":"(٣ - باب المدينة طابة)","level":2,"page":1412},{"title":"(٤ - باب لابتي المدينة)","level":2,"page":1413},{"title":"(٥ - باب من رغب عن المدينة)","level":2,"page":1413},{"title":"(٦ - باب الإيمان يأرز إلى المدينة)","level":2,"page":1413},{"title":"(٧ - باب إثم من كاد أهل المدينة)","level":2,"page":1414},{"title":"(٨ - باب آطام المدينة)","level":2,"page":1415},{"title":"(٩ - باب لا يدخل الدجال المدينة)","level":2,"page":1415},{"title":"(١٠ - باب المدينة تنفي الخبث)","level":2,"page":1415},{"title":"(باب)","level":2,"page":1415},{"title":"(١١ - باب كراهية النبي - ﷺ - أن تعرى المدينة)","level":2,"page":1416},{"title":"(١٢ - باب)","level":2,"page":1416},{"title":"٣٠ - كتاب الصوم","level":1,"page":1418},{"title":"(١ - باب وجوب صوم رمضان. . .) إلخ","level":2,"page":1419},{"title":"(٢ - باب فضل الصوم)","level":2,"page":1421},{"title":"(٣ - باب الصوم كفارة)","level":2,"page":1422},{"title":"(٤ - باب الريان للصائمين)","level":2,"page":1422},{"title":"(٥ - باب هل يقال: رمضان أو شهر رمضان؟. . .) إلخ","level":2,"page":1423},{"title":"(باب رؤية الهلال)","level":2,"page":1424},{"title":"(٦ - باب من صام إيمانا واحتسابا. . .) إلخ","level":2,"page":1425},{"title":"(٧ - باب أجود ما كان النبي - ﷺ -. . .) إلخ","level":2,"page":1425},{"title":"(٨ - باب من لم يدع قول الزور والعمل به)","level":2,"page":1427},{"title":"(٩ - باب هل يقول: إني صائم إذا شتم)","level":2,"page":1427},{"title":"(١٠ - باب الصوم لمن خاف على نفسه العزوبة)","level":2,"page":1428},{"title":"(١١ - باب قول النبي - ﷺ -: إذا رأيتم الهلال فصوموا. . .) إلخ","level":2,"page":1429},{"title":"(١٢ - باب شهرا عيد لا ينقصان)","level":2,"page":1430},{"title":"(١٣ - باب قول النبي - ﷺ -: لا نكتب ولا نحسب)","level":2,"page":1431},{"title":"(١٤ - باب لا يتقدم رمضان بصوم يوم أو يومين. . .) إلخ","level":2,"page":1432},{"title":"(١٥ - باب قول الله: ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث﴾. . .) إلخ","level":2,"page":1433},{"title":"(١٦ - باب قول الله: ﴿وكلوا واشربوا﴾ الآية)","level":2,"page":1433},{"title":"(١٧ - باب قول النبي - ﷺ -: لا يمنعكم من سحوركم أذان بلال)","level":2,"page":1433},{"title":"(١٨ - باب تعجيل السحور)","level":2,"page":1434},{"title":"(١٩ - باب قدر كم بين السحور وصلاة الفجر)","level":2,"page":1434},{"title":"(٢٠ - باب بركة السحور من غير إيجاب. . .) إلخ","level":2,"page":1435},{"title":"(٢١ - باب إذا نوى بالنهار صوما. . .) إلخ","level":2,"page":1436},{"title":"(٢٢ - باب الصائم يصبح جنبا)","level":2,"page":1436},{"title":"(٢٣ - باب المباشرة للصائم)","level":2,"page":1437},{"title":"(٢٤ - باب القبلة للصائم)","level":2,"page":1437},{"title":"(٢٥ - باب اغتسال الصائم)","level":2,"page":1437},{"title":"(٢٦ - باب الصائم إذا أكل أو شرب ناسيا)","level":2,"page":1438},{"title":"(٢٧ - باب السواك الرطب واليابس للصائم)","level":2,"page":1440},{"title":"(٢٨ - باب قول النبي - ﷺ -: إذا توضأ فليستنشق بمنخره. . .) إلخ","level":2,"page":1441},{"title":"(٢٩ - باب إذا جامع في رمضان. . .) إلخ","level":2,"page":1443},{"title":"(٣٠ - باب إذا جامع في رمضان ولم يكن له شيء. . .) إلخ","level":2,"page":1445},{"title":"(٣١ - باب المجامع في رمضان هل يطعم. . .) إلخ","level":2,"page":1445},{"title":"(٣٢ - باب الحجامة والقيء للصائم)","level":2,"page":1446},{"title":"(٣٣ - باب الصوم في السفر والإفطار. . .) إلخ","level":2,"page":1447},{"title":"(٣٤ - باب إذا صام أياما من رمضان. . .) إلخ","level":2,"page":1448},{"title":"(٣٥ - باب)","level":2,"page":1449},{"title":"(٣٦ - باب قول النبي - ﷺ - لمن ظلل عليه. . .) إلخ","level":2,"page":1449},{"title":"(٣٧ - باب لم يعب أصحاب النبي - ﷺ -. . .) إلخ","level":2,"page":1450},{"title":"(٣٨ - باب من أفطر في السفر ليراه الناس)","level":2,"page":1450},{"title":"(٣٩ - باب ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية﴾. . .) إلخ","level":2,"page":1450},{"title":"(٤٠ - باب متى يقضى قضاء رمضان. . .) إلخ","level":2,"page":1451},{"title":"(٤١ - باب الحائض تترك الصوم. . .) إلخ","level":2,"page":1452},{"title":"(٤٢ - باب من مات وعليه صوم)","level":2,"page":1453},{"title":"(٤٣ - باب متى يحل فطر الصائم. . .) إلخ","level":2,"page":1453},{"title":"(٤٤ - باب يفطر بما تيسر بالماء وغيره)","level":2,"page":1454},{"title":"(٤٥ - باب تعجيل الإفطار)","level":2,"page":1454},{"title":"(٤٦ - باب إذا أفطر في رمضان ثم طلعت الشمس)","level":2,"page":1454},{"title":"(٤٧ - باب صوم الصبيان)","level":2,"page":1455},{"title":"(٤٨ - باب الوصال. . .) إلخ","level":2,"page":1456},{"title":"(٤٩ - باب التنكيل لمن أكثر الوصال)","level":2,"page":1456},{"title":"(٥٠ - باب الوصال إلى السحر)","level":2,"page":1457},{"title":"(٥١ - باب من أقسم على أخيه ليفطر. . .) إلخ","level":2,"page":1457},{"title":"(٥٢ - باب صوم شعبان)","level":2,"page":1458},{"title":"(٥٣ - باب ما يذكر من صوم النبي - ﷺ - وإفطاره)","level":2,"page":1458},{"title":"(٥٤ - باب حق الضيف في الصوم)","level":2,"page":1458},{"title":"(٥٥ - باب حق الجسم في الصوم)","level":2,"page":1459},{"title":"(٥٦ - باب صوم الدهر)","level":2,"page":1459},{"title":"(٥٧ - باب حق الأهل في الصوم)","level":2,"page":1460},{"title":"(٥٨ - باب صوم يوم وإفطار يوم)","level":2,"page":1461},{"title":"(٥٩ - باب صوم داود - ﵇ -)","level":2,"page":1461},{"title":"(٦٠ - باب صيام البيض. . .) إلخ","level":2,"page":1462},{"title":"(٦١ - باب من زار قوما فلم يفطر عندهم)","level":2,"page":1463},{"title":"(٦٢ - باب الصوم من آخر الشهر)","level":2,"page":1464},{"title":"(٦٣ - باب صوم الجمعة. . .) إلخ","level":2,"page":1464},{"title":"(٦٤ - باب هل يخص شيئا من الأيام؟)","level":2,"page":1465},{"title":"(٦٥ - باب صوم يوم عرفة)","level":2,"page":1465},{"title":"(٦٦ - باب صوم يوم الفطر)","level":2,"page":1466},{"title":"(٦٧ - باب صوم يوم النحر)","level":2,"page":1467},{"title":"(٦٨ - باب صيام أيام التشريق)","level":2,"page":1467},{"title":"(٦٩ - باب صيام يوم عاشوراء)","level":2,"page":1468},{"title":"٣١ - كتاب صلاة التراويح","level":1,"page":1470},{"title":"(١ - باب فضل من قام رمضان)","level":2,"page":1470},{"title":"٣٢ - كتاب فضل ليلة القدر","level":1,"page":1472},{"title":"(١ - باب فضل ليلة القدر، وقول الله تعالى. . . الآية)","level":2,"page":1472},{"title":"(٢ - باب التمسوا ليلة القدر في السبع الأواخر)","level":2,"page":1473},{"title":"(٣ - باب تحري ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر)","level":2,"page":1474},{"title":"(٤ - باب رفع معرفة ليلة القدر. . .) إلخ","level":2,"page":1475},{"title":"(٥ - باب العمل في العشر الأواخر من رمضان)","level":2,"page":1476},{"title":"٣٣ - أبواب الاعتكاف","level":1,"page":1477},{"title":"(١ - باب الاعتكاف في العشر الأواخر. . .) إلخ","level":2,"page":1477},{"title":"(٢ - باب الحائض ترجل المعتكف)","level":2,"page":1479},{"title":"(٣ - باب المعتكف لا يدخل البيت إلا لحاجة)","level":2,"page":1479},{"title":"(٤ - باب غسل المعتكف)","level":2,"page":1480},{"title":"(٥ - باب الاعتكاف ليلا)","level":2,"page":1480},{"title":"(٦ - باب اعتكاف النساء)","level":2,"page":1480},{"title":"(٧ - باب الأخبية في المسجد)","level":2,"page":1481},{"title":"(٨ - باب هل يخرج المعتكف لحوائجه إلى باب المسجد؟)","level":2,"page":1482},{"title":"(٩ - باب الاعتكاف وخروج النبي - ﷺ - صبيحة عشرين)","level":2,"page":1482},{"title":"(١٠ - باب اعتكاف المستحاضة)","level":2,"page":1483},{"title":"(١١ - باب زيارة المرأة زوجها في اعتكافه)","level":2,"page":1484},{"title":"(١٢ - باب هل يدرأ المعتكف عن نفسه؟)","level":2,"page":1484},{"title":"(١٣ - باب من خرج من اعتكافه عند الصبح)","level":2,"page":1485},{"title":"(١٤ - باب الاعتكاف في شوال)","level":2,"page":1486},{"title":"(١٥ - باب من لم ير على المعتكف صوما)","level":2,"page":1487},{"title":"(١٦ - باب إذا نذر في الجاهلية أن يعتكف ثم أسلم)","level":2,"page":1487},{"title":"(١٧ - باب الاعتكاف في العشر الأوسط. . .) إلخ","level":2,"page":1488},{"title":"(١٨ - باب من أراد أن يعتكف ثم بدا له أن يخرج)","level":2,"page":1488},{"title":"(١٩ - باب المعتكف يدخل رأسه البيت للغسل)","level":2,"page":1489},{"title":"٣٤ - كتاب البيوع","level":1,"page":1490},{"title":"(١ - باب ما جاء في قول الله - ﷿ -: ﴿فإذا قضيت الصلاة﴾ الآية [الجمعة: ١٠])","level":2,"page":1492},{"title":"(٢ - باب الحلال بين، والحرام بين. . .) إلخ","level":2,"page":1492},{"title":"(٣ - باب تفسير المشبهات)","level":2,"page":1493},{"title":"(٤ - باب يتنزه من الشبهات)","level":2,"page":1494},{"title":"(٥ - باب من لم ير الوساوس ونحوها من الشبهات)","level":2,"page":1494},{"title":"(٦ - باب قول الله: ﴿وإذا رأوا تجارة أو لهوا﴾ [الجمعة: ١١])","level":2,"page":1495},{"title":"(٧ - باب من لم يبال من حيث كسب المال)","level":2,"page":1495},{"title":"(٨ - باب التجارة في البز وغيره. . .) إلخ","level":2,"page":1495},{"title":"(٩ - باب الخروج في التجارة وقول الله تعالى: ﴿فانتشروا في الأرض﴾ الآية [الجمعة: ١٠])","level":2,"page":1496},{"title":"(١٠ - باب التجارة في البحر)","level":2,"page":1496},{"title":"(١١ - باب قول الله: ﴿وإذا رأوا تجارة أو لهوا﴾ الآية [الجمعة: ١١])","level":2,"page":1497},{"title":"(١٢ - باب قول الله تعالى: ﴿أنفقوا من طيبات ما كسبتم﴾ [البقرة: ٢٦٧])","level":2,"page":1497},{"title":"(١٣ - من أحب البسط في الرزق)","level":2,"page":1498},{"title":"(١٤ - باب شراء النبي - ﷺ - بالنسيئة)","level":2,"page":1499},{"title":"(١٥ - باب كسب الرجل وعمله بيده)","level":2,"page":1500},{"title":"(١٦ - باب السهولة والسماحة في الشراء والبيع. . .) إلخ","level":2,"page":1501},{"title":"(١٧ - باب من أنظر موسرا)","level":2,"page":1502},{"title":"(١٨ - باب من أنظر معسرا)","level":2,"page":1503},{"title":"(١٩ - باب إذا بين البيعان ولم يكتما. . .) إلخ","level":2,"page":1503},{"title":"(٢٠ - باب بيع الخلط من التمر)","level":2,"page":1504},{"title":"(٢١ - باب ما قيل في اللحام والجزار)","level":2,"page":1505},{"title":"(٢٢ - باب ما يمحق الكذب والكتمان في البيع)","level":2,"page":1506},{"title":"(٢٣ - باب قول الله - ﷿ -: ﴿ياأيها الذين آمنوا﴾ الآية [آل عمران: ١٣])","level":2,"page":1507},{"title":"(٢٤ - باب آكل الربا وشاهده. . .) إلخ","level":2,"page":1507},{"title":"(٢٥ - باب مؤكل الربا)","level":2,"page":1508},{"title":"(٢٦ - باب ﴿يمحق الله الربا﴾ الآية [البقرة: ٢٧٦])","level":2,"page":1508},{"title":"(٢٧ - باب ما يكره من الحلف في البيع. . .) إلخ","level":2,"page":1508},{"title":"(٢٨ - باب ما قيل في الصواغ. . .) إلخ","level":2,"page":1509},{"title":"(٢٩ - باب ذكر القين والحداد)","level":2,"page":1510},{"title":"(٣٠ - باب الخياط)","level":2,"page":1511},{"title":"(٣١ - باب النساج)","level":2,"page":1511},{"title":"(٣٢ - باب النجار)","level":2,"page":1511},{"title":"(٣٣ - باب شراء الإمام الحوائج بنفسه)","level":2,"page":1512},{"title":"(٣٤ - باب شراء الدواب والحمير. . .) إلخ","level":2,"page":1512},{"title":"(٣٥ - باب الأسواق التي كانت في الجاهلية. . .) إلخ","level":2,"page":1512},{"title":"(٣٦ - باب شراء الإبل الهيم. . .) إلخ","level":2,"page":1512},{"title":"(٣٧ - باب بيع السلاح في الفتنة. . .) إلخ","level":2,"page":1514},{"title":"(٣٨ - باب في العطار وبيع المسك)","level":2,"page":1515},{"title":"(٣٩ - باب ذكر الحجام)","level":2,"page":1515},{"title":"(٤٠ - باب التجارة فيما يكره لبسه للرجال والنساء)","level":2,"page":1516},{"title":"(٤١ - باب صاحب السلعة أحق بالسوم)","level":2,"page":1516},{"title":"(٤٢ - باب كم يجوز الخيار؟)","level":2,"page":1517},{"title":"(٤٣ - باب إذا لم يوقت الخيار. . .) إلخ","level":2,"page":1518},{"title":"(٤٤ - باب البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، وبه قال. . .) إلخ","level":2,"page":1519},{"title":"(٤٥ - باب إذا خير أحدهما صاحبه بعد البيع)","level":2,"page":1519},{"title":"(٤٦ - باب إذا كان البائع بالخيار. . .) إلخ","level":2,"page":1520},{"title":"(٤٧ - باب إذا اشترى شيئا فوهب من ساعته)","level":2,"page":1520},{"title":"(٤٨ - باب ما يكره من الخداع في البيع)","level":2,"page":1522},{"title":"(٤٩ - باب ما ذكر في الأسواق)","level":2,"page":1522},{"title":"(٥٠ - باب كراهية الصخب في السوق)","level":2,"page":1523},{"title":"(٥١ - باب الكيل على البائع والمعطي)","level":2,"page":1524},{"title":"(٥٢ - باب ما يستحب من الكيل)","level":2,"page":1525},{"title":"(٥٣ - باب بركة صاع النبي - ﷺ -)","level":2,"page":1525},{"title":"(٥٤ - باب ما يذكر في بيع الطعام والحكرة)","level":2,"page":1526},{"title":"(٥٥ - باب بيع الطعام قبل أن يقبض. . .) إلخ","level":2,"page":1529},{"title":"(٥٦ - باب من رأى إذا اشترى طعاما جزافا. . .) إلخ","level":2,"page":1530},{"title":"(٥٧ - باب إذا اشترى متاعا أو دابة. . .) إلخ","level":2,"page":1531},{"title":"(٥٨ - باب لا يبيع على بيع أخيه. . .) إلخ","level":2,"page":1534},{"title":"(٥٩ - باب بيع المزايدة)","level":2,"page":1534},{"title":"(٦٠ - باب النجش. . .) إلخ","level":2,"page":1535},{"title":"(٦١ - باب بيع الغرر وحبل الحبلة)","level":2,"page":1537},{"title":"(٦٢ - باب الملامسة. . .) إلخ","level":2,"page":1538},{"title":"(٦٣ - باب بيع المنابذة. . .) إلخ","level":2,"page":1538},{"title":"(٦٤ - باب النهي للبائع أن لا يحفل الإبل. . .) إلخ","level":2,"page":1538},{"title":"(٦٥ - باب إن شاء رد المصراة. . .) إلخ","level":2,"page":1540},{"title":"(٦٦ - باب بيع العبد الزاني. . .) إلخ","level":2,"page":1540},{"title":"(٦٧ - باب البيع والشراء مع النساء)","level":2,"page":1542},{"title":"(٦٨ - باب هل يبيع حاضر لباد بغير أجر. . .) إلخ","level":2,"page":1543},{"title":"(٦٩ - باب من كره أن يبيع حاضر لباد بأجر)","level":2,"page":1545},{"title":"(٧٠ - باب لا يشتري حاضر لباد بالسمسرة. . .) إلخ","level":2,"page":1546},{"title":"(٧١ - باب النهي عن تلقي الركبان. . .) إلخ","level":2,"page":1546},{"title":"(٧٢ - باب منتهى التلقي)","level":2,"page":1547},{"title":"(٧٣ - باب إذا اشترط في البيع شروطا لا تحل)","level":2,"page":1548},{"title":"(٧٤ - باب بيع التمر بالتمر)","level":2,"page":1549},{"title":"(٧٥ - باب بيع الزبيب بالزبيب والطعام بالطعام)","level":2,"page":1550},{"title":"(٧٦ - باب بيع الشعير بالشعير)","level":2,"page":1551},{"title":"(٧٧ - باب بيع الذهب بالذهب)","level":2,"page":1551},{"title":"(٧٨ - وباب بيع الفضة بالفضة)","level":2,"page":1551},{"title":"(٧٩ - باب بيع الدينار بالدينار نساء)","level":2,"page":1552},{"title":"(٨٠ - باب بيع الورق بالذهب نسيئة)","level":2,"page":1552},{"title":"(٨١ - باب بيع الذهب بالورق يدا بيد)","level":2,"page":1553},{"title":"(٨٢ - باب بيع المزابنة)","level":2,"page":1554},{"title":"(٨٣ - باب بيع الثمر على رؤوس النخل)","level":2,"page":1554},{"title":"(٨٤ - باب تفسير العرايا. . .) إلخ","level":2,"page":1555},{"title":"(٨٥ - باب بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها. . .) إلخ","level":2,"page":1555},{"title":"(٨٦ - باب بيع النخل قبل أن يبدو صلاحها)","level":2,"page":1556},{"title":"(٨٧ - باب إذا باع الثمار قبل أن يبدو صلاحها. . .) إلخ","level":2,"page":1558},{"title":"(٨٨ - باب شراء الطعام إلى أجل)","level":2,"page":1558},{"title":"(٨٩ - باب إذا أراد بيع تمر بتمر. . .) إلخ","level":2,"page":1559},{"title":"(٩٠ - باب قبض من باع نخلا قد أبرت)","level":2,"page":1559},{"title":"(٩١ - باب بيع الزرع بالطعام كيلا)","level":2,"page":1560},{"title":"(٩٢ - باب بيع النخل بأصله)","level":2,"page":1561},{"title":"(٩٣ - باب بيع المخاضرة)","level":2,"page":1562},{"title":"(٩٤ - باب بيع الجمار وأكله)","level":2,"page":1562},{"title":"(٩٥ - باب من أجرى أمر الأمصار. . .) إلخ","level":2,"page":1563},{"title":"(٩٦ - باب بيع الشريك من شريكه)","level":2,"page":1565},{"title":"(٩٧ - باب بيع الأرض والدور) إلخ","level":2,"page":1566},{"title":"(٩٨ - باب إذا اشترى شيئا لغيره بغير إذنه فرضي)","level":2,"page":1567},{"title":"(٩٩ - باب الشراء والبيع مع المشركين وأهل الحرب)","level":2,"page":1568},{"title":"(١٠٠ - باب شراء المملوك من الحربي. . .) إلخ","level":2,"page":1569},{"title":"(١٠١ - باب جلود الميتة قبل أن تدبغ)","level":2,"page":1570},{"title":"(١٠٢ - باب قتل الخنزير. . .) إلخ","level":2,"page":1571},{"title":"(١٠٣ - باب لا يذاب شحم الميتة ولا يباع ودكه)","level":2,"page":1572},{"title":"(١٠٤ - باب بيع التصاوير التي ليس فيها روح، وما يكره من ذلك)","level":2,"page":1573},{"title":"(١٠٥ - باب تحريم التجارة في الخمر)","level":2,"page":1573},{"title":"(١٠٦ - باب إثم من باع حرا)","level":2,"page":1573},{"title":"(١٠٧ - باب أمر النبي - ﷺ - اليهود ببيع أرضيهم. . .) إلخ","level":2,"page":1574},{"title":"(١٠٨ - باب بيع العبيد بالعبد والحيوان بالحيوان نسيئة)","level":2,"page":1575},{"title":"(١٠٩ - باب بيع الرقيق)","level":2,"page":1577},{"title":"(١١٠ - باب بيع المدبر. . .) إلخ","level":2,"page":1577},{"title":"(١١١ - باب هل يسافر بالجارية قبل أن يستبرئها)","level":2,"page":1578},{"title":"(١١٢ - باب بيع الميتة والأصنام)","level":2,"page":1579},{"title":"(١١٣ - باب ثمن الكلب. . .) إلخ","level":2,"page":1579},{"title":"٣٥ - كتاب السلم","level":1,"page":1581},{"title":"(١ - باب السلم في كيل معلوم)","level":2,"page":1583},{"title":"(٢ - باب السلم في وزن معلوم)","level":2,"page":1584},{"title":"(٣ - باب السلم إلى من ليس عنده أصل)","level":2,"page":1585},{"title":"(٤ - باب السلم في النخل)","level":2,"page":1586},{"title":"(٥ - باب الكفيل في السلم)","level":2,"page":1588},{"title":"(٦ - باب الرهن في السلم)","level":2,"page":1589},{"title":"(٧ - باب السلم إلى أجل معلوم)","level":2,"page":1589},{"title":"(٨ - باب السلم إلى أن تنتج الناقة)","level":2,"page":1590},{"title":"٣٦ - كتاب الشفعة","level":1,"page":1592},{"title":"(١ - باب الشفعة فيما لم يقسم. . .) إلخ","level":2,"page":1593},{"title":"(٢ - باب عرض الشفعة)","level":2,"page":1594},{"title":"(٣ - باب أي الجوار أقرب؟)","level":2,"page":1595},{"title":"٣٧ - كتاب الإجارة","level":1,"page":1597},{"title":"(١ - باب استئجار الرجل الصالح. . .) إلخ","level":2,"page":1597},{"title":"(٢ - باب رعي الغنم على قراريط)","level":2,"page":1599},{"title":"(٣ - باب استئجار المشركين عند الضرورة)","level":2,"page":1600},{"title":"(٤ - باب إذا استأجر أجيرا ليعمل له. . .) إلخ","level":2,"page":1601},{"title":"(٥ - باب الأجير في الغزو)","level":2,"page":1603},{"title":"(٦ - باب من استأجر أجيرا فبين له الأجل)","level":2,"page":1603},{"title":"(٧ - باب إذا استأجر أجيرا على أن يقيم حائطا. . .) إلخ","level":2,"page":1604},{"title":"(٨ - باب الإجارة إلى نصف النهار)","level":2,"page":1604},{"title":"(٩ - باب الإجارة إلى صلاة العصر)","level":2,"page":1605},{"title":"(١٠ - باب إثم من منع أجر الأجير)","level":2,"page":1605},{"title":"(١١ - باب الإجارة من العصر إلى الليل)","level":2,"page":1606},{"title":"(١٢ - باب من استأجر أجيرا فترك أجره. . .) إلخ","level":2,"page":1607},{"title":"(١٣ - باب من آجر نفسه ليحمل على ظهره ثم تصدق منه)","level":2,"page":1608},{"title":"(١٤ - باب أجر السمسرة. . .) إلخ","level":2,"page":1609},{"title":"(١٥ - باب هل يؤاجر الرجل نفسه من مشرك. . .) إلخ","level":2,"page":1611},{"title":"(١٦ - باب ما يعطى في الرقية على أحياء العرب)","level":2,"page":1612},{"title":"(١٧ - باب ضريبة العبد، وتعاهد ضرائب الإمام)","level":2,"page":1614},{"title":"(١٨ - باب خراج الحجام)","level":2,"page":1615},{"title":"(١٩ - باب من كلم موالي العبد أن يخففوا عنه من خراجه)","level":2,"page":1616},{"title":"(٢٠ - باب ما جاء في كسب البغي والإماء. . .) إلخ","level":2,"page":1616},{"title":"(٢١ - باب عسب الفحل)","level":2,"page":1616},{"title":"(٢٢ - باب إذا استأجر أرضا فمات أحدهما)","level":2,"page":1617},{"title":"٣٨ - كتاب الحوالة","level":1,"page":1619},{"title":"(١ - باب في الحوالة، وهل يرجع في الحوالة؟. . .) إلخ","level":2,"page":1620},{"title":"(٢ - باب إذا أحال على ملي فليس له رد. . .) إلخ","level":2,"page":1621},{"title":"(٣ - باب إذا أحال دين الميت على رجل جاز)","level":2,"page":1622},{"title":"٣٩ - كتاب الكفالة","level":1,"page":1624},{"title":"(١ - باب الكفالة في القرض والديون بالأبدان. . .) إلخ","level":2,"page":1624},{"title":"(٢ - باب قول الله - ﷿ -: ﴿والذين عقدت أيمانكم﴾. . .) إلخ [النساء: ٣٣]","level":2,"page":1627},{"title":"(٣ - باب من تكلف عن ميت دينا فليس له أن يرجع. . .) إلخ","level":2,"page":1628},{"title":"(٤ - باب جوار أبي بكر الصديق في عهد النبي - ﷺ -)","level":2,"page":1629},{"title":"٤٠ - كتاب الوكالة","level":1,"page":1631},{"title":"(١ - باب في وكالة الشريك الشريك)","level":2,"page":1631},{"title":"(٢ - باب إذا وكل المسلم حربيا. . .) إلخ","level":2,"page":1632},{"title":"(٣ - باب وكالة الصرف والميزان. . .) إلخ","level":2,"page":1633},{"title":"(٤ - باب إذا أبصر الراعي أو الوكيل شاة. . .) إلخ","level":2,"page":1633},{"title":"(٥ - باب وكالة الشاهد والغائب جائزة)","level":2,"page":1634},{"title":"(٦ - باب الوكالة في قضاء الديون)","level":2,"page":1636},{"title":"(٧ - باب إذا وهب شيئا لوكيل أو شفيع قوم جاز. . .) إلخ","level":2,"page":1636},{"title":"(٨ - باب إذا وكل رجلا أن يعطي شيئا. . .) إلخ","level":2,"page":1637},{"title":"(٩ - باب وكالة المرأة الإمام في النكاح)","level":2,"page":1637},{"title":"(١٠ - باب إذا وكل رجلا فترك الوكيل شيئا. . .) إلخ","level":2,"page":1638},{"title":"(١١ - باب إذا باع الوكيل شيئا. . .) إلخ","level":2,"page":1640},{"title":"(١٢ - باب الوكالة في الوقف. . .) إلخ","level":2,"page":1641},{"title":"(١٣ - باب الوكالة في الحدود)","level":2,"page":1642},{"title":"(١٤ - باب الوكالة في البدن وتعاهدها)","level":2,"page":1645},{"title":"(١٥ - باب إذا قال الرجل لوكيله: ضعه حيث أراك الله)","level":2,"page":1645},{"title":"(١٦ - باب وكالة الأمين في الخزانة ونحوها)","level":2,"page":1646},{"title":"٤١ - أبواب الحرث والمزارعة","level":1,"page":1647},{"title":"(١ - باب فضل الزرع والغرس. . .) إلخ","level":2,"page":1647},{"title":"(٢ - باب ما يحذر من عواقب الاشتغال بآلة الزرع)","level":2,"page":1648},{"title":"(٣ - باب اقتناء الكلب للحرث)","level":2,"page":1649},{"title":"(٤ - باب استعمال البقر للحراثة. . .) إلخ","level":2,"page":1649},{"title":"(٥ - باب إذا قال: اكفني مؤونة النخل أو غيره. . .) إلخ","level":2,"page":1650},{"title":"(٦ - باب قطع الشجر والنخل. . .) إلخ","level":2,"page":1651},{"title":"(٧ - باب)","level":2,"page":1652},{"title":"(٨ - باب المزارعة بالشطر ونحوه. . .) إلخ","level":2,"page":1652},{"title":"(٩ - باب إذا لم يشترط السنين في المزارعة)","level":2,"page":1654},{"title":"(١٠ - باب)","level":2,"page":1655},{"title":"(١١ - باب المزارعة مع اليهود)","level":2,"page":1656},{"title":"(١٢ - باب ما يكره من الشروط في المزارعة)","level":2,"page":1656},{"title":"(١٣ - باب إذا زرع بمال قوم بغير إذنهم. . .) إلخ","level":2,"page":1656},{"title":"(١٤ - باب أوقاف أصحاب النبي - ﷺ - وأرض الخراج. . .) إلخ","level":2,"page":1657},{"title":"(١٥ - باب من أحيا أرضا مواتا. . .) إلخ","level":2,"page":1659},{"title":"(١٦ - باب)","level":2,"page":1659},{"title":"(١٧ - باب إذا قال رب الأرض: أقرك ما أقرك الله. . .) إلخ","level":2,"page":1661},{"title":"(١٨ - باب ما كان أصحاب رسول الله - ﷺ - يواسي بعضهم بعضا)","level":2,"page":1662},{"title":"(١٩ - باب كراء الأرض بالذهب والفضة. . .) إلخ","level":2,"page":1663},{"title":"(٢٠ - باب)","level":2,"page":1664},{"title":"(٢١ - باب ما جاء في الغرس)","level":2,"page":1664},{"title":"٤٢ - كتاب المساقاة","level":1,"page":1666},{"title":"(باب في الشرب)","level":2,"page":1667},{"title":"(١ - باب من رأى صدقة الماء وهبته. . .) إلخ","level":2,"page":1668},{"title":"(٢ - باب من قال: إن صاحب الماء أحق بالماء)","level":2,"page":1669},{"title":"(٣ - باب من حفر بئرا في ملكه. . .) إلخ","level":2,"page":1669},{"title":"(٤ - باب الخصومة في البئر والقضاء فيها)","level":2,"page":1670},{"title":"(٥ - باب إثم من منع ابن السبيل من الماء)","level":2,"page":1670},{"title":"(٦ - باب سكر الأنهار)","level":2,"page":1670},{"title":"(٧ - باب شرب الأعلى قبل الأسفل)","level":2,"page":1671},{"title":"(٨ - باب شرب الأعلى إلى الكعبين)","level":2,"page":1672},{"title":"(٩ - باب فضل سقي الماء)","level":2,"page":1673},{"title":"(١٠ - باب من رأى أن صاحب الحوض أو القربة أحق بمائه)","level":2,"page":1673},{"title":"(١١ - باب لا حمى إلا لله ولرسوله - ﷺ -)","level":2,"page":1674},{"title":"(١٢ - باب شرب الناس وسقي الدواب من الأنهار)","level":2,"page":1675},{"title":"(١٣ - باب بيع الحطب والكلأ)","level":2,"page":1675},{"title":"(١٤ - باب القطائع)","level":2,"page":1676},{"title":"(١٥ - باب كتابة القطائع)","level":2,"page":1677},{"title":"(١٦ - باب حلب الإبل على الماء)","level":2,"page":1678},{"title":"(١٧ - باب الرجل يكون له ممر أو شرب في حائط أو نخل)","level":2,"page":1678},{"title":"٤٣ - كتاب في الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس","level":1,"page":1680},{"title":"(١ - باب من اشترى بالدين وليس عنده ثمنه. . .) إلخ","level":2,"page":1680},{"title":"(٢ - باب من أخذ أموال الناس يريد أداءها أو إتلافها)","level":2,"page":1681},{"title":"(٣ - باب أداء الديون) (وقول الله تعالى: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات﴾ الآية [النساء: ٥٨])","level":2,"page":1682},{"title":"(٤ - باب استقراض الإبل)","level":2,"page":1682},{"title":"(٥ - باب حسن التقاضي)","level":2,"page":1683},{"title":"(٦ - باب هل يعطى أكبر من سنه؟)","level":2,"page":1683},{"title":"(٧ - باب حسن القضاء)","level":2,"page":1684},{"title":"(٨ - باب إذا قضى دون حقه أو حلله. . .) إلخ","level":2,"page":1684},{"title":"(٩ - باب إذا قاص أو جازفه في الدين. . .) إلخ","level":2,"page":1684},{"title":"(١٠ - باب من استعاذ من الدين)","level":2,"page":1685},{"title":"(١١ - باب الصلاة على من ترك دينا)","level":2,"page":1686},{"title":"(١٢ - باب مطل الغني ظلم)","level":2,"page":1686},{"title":"(١٣ - باب لصاحب الحق مقال)","level":2,"page":1686},{"title":"(١٤ - باب إذا وجد ماله عند مفلس. . .) إلخ","level":2,"page":1687},{"title":"(١٥ - باب من أخر الغريم إلى الغد أو نحوه)","level":2,"page":1688},{"title":"(١٦ - باب من باع مال المفلس أو المعدم. . .) إلخ","level":2,"page":1688},{"title":"(١٧ - باب إذا أقرضه إلى أجل مسمى)","level":2,"page":1689},{"title":"(١٨ - باب الشفاعة في وضع الدين)","level":2,"page":1690},{"title":"(١٩ - باب ما ينهى عن إضاعة المال)","level":2,"page":1690},{"title":"(٢٠ - باب العبد راع في مال سيده)","level":2,"page":1692},{"title":"٤٤ - في الخصومات","level":1,"page":1693},{"title":"(١ - باب ما يذكر في الإشخاص والخصومة. . .) إلخ","level":2,"page":1693},{"title":"(٢ - باب من رد أمر السفيه)","level":2,"page":1694},{"title":"(٤ - باب كلام الخصوم بعضهم في بعضهم)","level":2,"page":1695},{"title":"(٥ - باب إخراج أهل المعاصي والخصوم من البيوت بعد المعرفة)","level":2,"page":1695},{"title":"(٦ - باب دعوى الوصي للميت)","level":2,"page":1696},{"title":"(٧ - باب التوثق ممن يخشى معرته)","level":2,"page":1696},{"title":"(٨ - باب الربط والحبس في الحرم)","level":2,"page":1696},{"title":"(٩ - باب في الملازمة)","level":2,"page":1697},{"title":"(١٠ - باب التقاضي)","level":2,"page":1697},{"title":"٤٥ - كتاب اللقطة","level":1,"page":1698},{"title":"(١ - باب إذا أخبره رب اللقطة بالعلامة)","level":2,"page":1699},{"title":"(٢ - باب ضالة الإبل)","level":2,"page":1699},{"title":"(٣ - باب ضالة الغنم)","level":2,"page":1701},{"title":"(٤ - باب إذا لم يوجد صاحب اللقطة بعد سنة فهي لمن وجدها)","level":2,"page":1701},{"title":"(٥ - باب إذا وجد خشبة في البحر. . .) إلخ","level":2,"page":1702},{"title":"(٦ - باب إذا وجد تمرة في الطريق)","level":2,"page":1704},{"title":"(٧ - باب كيف تعرف لقطة أهل مكة؟)","level":2,"page":1704},{"title":"(٨ - باب لا تحلب ماشية أحد بغير إذن)","level":2,"page":1705},{"title":"(٩ - باب إذا جاء صاحب اللقطة بعد سنة ردها عليه)","level":2,"page":1706},{"title":"(١٠ - باب هل يأخذ اللقطة ولا يدعها. . .) إلخ","level":2,"page":1708},{"title":"(١١ - باب من عرف اللقطة ولم يدفعها إلى السلطان)","level":2,"page":1708},{"title":"(١٢ - باب)","level":2,"page":1709},{"title":"٤٦ - أبواب المظالم والقصاص","level":1,"page":1711},{"title":"(باب في المظالم والغصب)","level":2,"page":1711},{"title":"(١ - باب قصاص المظالم)","level":2,"page":1712},{"title":"(٢ - باب قول الله تعالى: ﴿ألا لعنة الله على الظالمين﴾ [هود: ١٨])","level":2,"page":1712},{"title":"(٣ - باب لا يظلم المسلم المسلم ولا يسلمه)","level":2,"page":1713},{"title":"(٤ - باب أعن أخاك ظالما أو مظلوما)","level":2,"page":1713},{"title":"(٥ - باب نصر المظلوم)","level":2,"page":1714},{"title":"(٦ - باب الانتصار من الظالم)","level":2,"page":1714},{"title":"(٧ - باب عفو المظلوم)","level":2,"page":1715},{"title":"(٨ - باب الظلم ظلمات يوم القيامة)","level":2,"page":1715},{"title":"(٩ - باب الاتقاء والحذر من دعوة المظلوم)","level":2,"page":1716},{"title":"(١٠ - باب من كانت له مظلمة عند الرجل. . .) إلخ","level":2,"page":1716},{"title":"(١١ - باب إذا حلله من ظلمه فلا رجوع فيه)","level":2,"page":1717},{"title":"(١٢ - باب إذا أذن له أو حلله له ولم يبين كم هو؟)","level":2,"page":1718},{"title":"(١٣ - باب إثم من ظلم شيئا من الأرض)","level":2,"page":1719},{"title":"(١٤ - باب إذا أذن إنسان لآخر شيئا جاز)","level":2,"page":1719},{"title":"(١٥ - باب قول الله تعالى ﴿وهو ألد الخصام﴾ [البقرة: ٢٠٤])","level":2,"page":1720},{"title":"(١٦ - باب إثم من خاصم في باطل)","level":2,"page":1720},{"title":"(١٧ - باب إذا خاصم فجر)","level":2,"page":1720},{"title":"(١٨ - باب قصاص المظلوم إذا وجد مال ظالمه. . .) إلخ","level":2,"page":1721},{"title":"(١٩ - باب ما جاء في السقائف)","level":2,"page":1722},{"title":"(٢٠ - باب لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة في جداره)","level":2,"page":1723},{"title":"(٢١ - باب صب الخمر في الطريق)","level":2,"page":1723},{"title":"(٢٢ - باب أفنية الدور والجلوس فيها. . .) إلخ","level":2,"page":1724},{"title":"(٢٣ - باب الآبار على الطريق إذا لم يتأذ بها)","level":2,"page":1724},{"title":"(٢٤ - باب إماطة الأذى. . .) إلخ","level":2,"page":1725},{"title":"(٢٥ - باب الغرفة والعلية المشرفة)","level":2,"page":1725},{"title":"(٢٦ - باب من عقل بعيره على البلاط، أو باب المسجد)","level":2,"page":1726},{"title":"(٢٧ - باب الوقوف والبول عند سباطة قوم)","level":2,"page":1727},{"title":"(٢٨ - باب من أخذ الغصن وما يؤذي الناس في الطريق فرمى به)","level":2,"page":1727},{"title":"(٢٩ - باب إذا اختلفوا في الطريق الميتاء)","level":2,"page":1728},{"title":"(٣٠ - باب النهبى بغير إذن صاحبه. . .) إلخ","level":2,"page":1729},{"title":"(٣١ - باب كسر الصليب وقتل الخنزير)","level":2,"page":1729},{"title":"(٣٢ - باب هل تكسر الدنان. . .) إلخ","level":2,"page":1730},{"title":"(٣٣ - باب من قتل دون ماله)","level":2,"page":1732},{"title":"(٣٤ - باب إذا كسر قصعة أو شيئا لغيره)","level":2,"page":1733},{"title":"(٣٥ - باب إذا هدم حائطا فليبن مثله)","level":2,"page":1734},{"title":"٤٧ - كتاب الشركة","level":1,"page":1735},{"title":"(١ - باب الشركة في الطعام والنهد)","level":2,"page":1735},{"title":"(٢ - باب ما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما)","level":2,"page":1737},{"title":"(٣ - باب قسمة الغنم)","level":2,"page":1737},{"title":"(٤ - باب القران في التمر بين الشركاء. . .) إلخ","level":2,"page":1738},{"title":"(٥ - باب تقويم الأشياء بين الشركاء. . .) إلخ","level":2,"page":1739},{"title":"(٦ - باب هل يقرع في القسمة؟ والاستهام فيه)","level":2,"page":1739},{"title":"(٧ - باب شركة اليتيم وأهل الميراث)","level":2,"page":1740},{"title":"(٨ - باب الشركة في الأرضين وغيرها)","level":2,"page":1740},{"title":"(٩ - باب إذا اقتسم الشركاء الدور وغيرها. . .) إلخ","level":2,"page":1741},{"title":"(١٠ - باب الاشتراك في الذهب والفضة)","level":2,"page":1741},{"title":"(١١ - باب مشاركة الذمي والمشركين في المزارعة)","level":2,"page":1742},{"title":"(١٢ - باب قسمة الغنم والعدل فيها)","level":2,"page":1742},{"title":"(١٣ - باب الشركة في الطعام وغيره)","level":2,"page":1744},{"title":"(١٤ - باب الشركة في الرقيق)","level":2,"page":1744},{"title":"(١٥ - باب الاشتراك في الهدي)","level":2,"page":1745},{"title":"(١٦ - باب من عدل عشرة من الغنم)","level":2,"page":1746},{"title":"٤٨ - كتاب الرهن","level":1,"page":1747},{"title":"(٢ - باب من رهن درعه)","level":2,"page":1748},{"title":"(٣ - باب رهن السلاح)","level":2,"page":1748},{"title":"(٤ - باب الرهن مركوب ومحلوب)","level":2,"page":1749},{"title":"(٥ - باب الرهن عند اليهود وغيرهم)","level":2,"page":1749},{"title":"(٦ - باب إذا اختلف الراهن والمرتهن. . .) إلخ","level":2,"page":1749},{"title":"٤٩ - كتاب العتق","level":1,"page":1750},{"title":"(١ - باب في العتق وفضله وقول الله تعالى. . .) إلخ","level":2,"page":1750},{"title":"(٢ - باب أي الرقاب أفضل؟)","level":2,"page":1751},{"title":"(٣ - باب ما يستحب من العتاقة)","level":2,"page":1752},{"title":"(٤ - باب إذا أعتق عبدا بين اثنين أو أمة بين الشركاء)","level":2,"page":1752},{"title":"(٥ - باب إذا أعتق نصيبا في عبد وليس له. . .) إلخ","level":2,"page":1753},{"title":"(٦ - باب الخطإ والنسيان في العتاقة والطلاق. . .) إلخ","level":2,"page":1754},{"title":"(٧ - باب إذا قال لعبده هو لله. . .) إلخ","level":2,"page":1756},{"title":"(٨ - باب أم الولد)","level":2,"page":1757},{"title":"(٩ - باب بيع المدبر)","level":2,"page":1757},{"title":"(١٠ - باب بيع الولاء وهبته)","level":2,"page":1758},{"title":"(١١ - باب إذا أسر أخو الرجل أو عمه هل يفادى)","level":2,"page":1758},{"title":"(١٢ - باب عتق المشرك)","level":2,"page":1759},{"title":"(١٣ - باب من ملك من العرب رقيقا فوهب. . .) إلخ","level":2,"page":1760},{"title":"(١٤ - باب فضل من أدب جاريته)","level":2,"page":1761},{"title":"(١٥ - باب قول النبي - ﷺ -: \"العبيد إخوانكم. . .\") إلخ","level":2,"page":1762},{"title":"(١٦ - باب العبد إذا أحسن عبادة ربه. . .) إلخ","level":2,"page":1762},{"title":"(١٧ - باب كراهية التطاول على الرقيق. . .) إلخ","level":2,"page":1762},{"title":"(١٨ - باب إذا أتى أحدكم خادمه بطعامه)","level":2,"page":1763},{"title":"(١٩ - باب العبد راع في مال سيده)","level":2,"page":1763},{"title":"(٢٠ - باب إذا ضرب العبد فليجتنب الوجه)","level":2,"page":1763},{"title":"٥٠ - كتاب المكاتب","level":1,"page":1765},{"title":"(باب إثم من قذف مملوكه)","level":2,"page":1766},{"title":"(١ - باب المكاتب ونجومه في كل سنة نجم. . .) إلخ","level":2,"page":1766},{"title":"(٢ - باب ما يجوز من شروط المكاتب. . .) إلخ","level":2,"page":1767},{"title":"(٣ - باب استعانة المكاتب وسؤاله الناس)","level":2,"page":1767},{"title":"(٤ - باب بيع المكاتب إذا رضي. . .) إلخ","level":2,"page":1768},{"title":"(٥ - باب إذا قال المكاتب: اشترني وأعتقني. . .) إلخ","level":2,"page":1769},{"title":"٥١ - كتاب الهبة","level":1,"page":1770},{"title":"(٢ - باب القليل من الهبة)","level":2,"page":1770},{"title":"(٣ - باب من استوهب من أصحابه شيئا)","level":2,"page":1770},{"title":"(٤ - باب من استسقى. . .) إلخ","level":2,"page":1771},{"title":"(٥ - باب قبول هدية الصيد)","level":2,"page":1771},{"title":"(٧ - باب قبول الهدية)","level":2,"page":1772},{"title":"(٨ - باب من أهدى إلى صاحبه، وتحرى بعض نسائه)","level":2,"page":1773},{"title":"(٩ - باب ما لا يرد من الهدية)","level":2,"page":1774},{"title":"(١٠ - باب من رأى الهبة الغائبة جائزة)","level":2,"page":1774},{"title":"(١١ - باب المكافأة في الهبة)","level":2,"page":1776},{"title":"(١٢ - باب الهبة للولد. . .) إلخ","level":2,"page":1777},{"title":"(١٣ - باب الإشهاد في الهبة)","level":2,"page":1778},{"title":"(١٤ - باب هبة الرجل لامرأته. . .) إلخ","level":2,"page":1778},{"title":"(١٥ - باب هبة المرأة لغير زوجها. . .) إلخ","level":2,"page":1779},{"title":"(١٦ - باب بمن يبدأ بالهدية؟)","level":2,"page":1780},{"title":"(١٧ - باب من لم يقبل الهدية لعلة)","level":2,"page":1781},{"title":"(١٨ - باب إذا وهب هبة أو وعد. . .) إلخ","level":2,"page":1781},{"title":"(١٩ - باب كيف يقبض العبد والمتاع؟)","level":2,"page":1784},{"title":"(٢٠ - باب إذا وهب هبة فقبضها الآخر. . .) إلخ","level":2,"page":1785},{"title":"(٢١ - باب إذا وهب دينا على رجل. . .) إلخ","level":2,"page":1785},{"title":"(٢٢ - باب هبة الواحد للجماعة)","level":2,"page":1786},{"title":"(٢٣ - باب الهبة المقبوضة وغير المقبوضة)","level":2,"page":1788},{"title":"(٢٤ - باب إذا وهب جماعة لقوم. . .) إلخ","level":2,"page":1789},{"title":"(٢٥ - باب من أهدي له هدية وعنده جلساؤه فهو أحق بها. . .) إلخ","level":2,"page":1790},{"title":"(٢٦ - باب إذا وهب بعيرا لرجل. . .) إلخ","level":2,"page":1791},{"title":"(٢٧ - باب هدية ما يكره لبسها)","level":2,"page":1791},{"title":"(٢٨ - باب قبول الهدية من المشركين. . .) إلخ","level":2,"page":1792},{"title":"(٢٩ - باب الهدية للمشركين وقول الله تعالى: ﴿لا ينهاكم الله. . .﴾ [الممتحنة: ٨] إلخ","level":2,"page":1793},{"title":"(٣٠ - باب لا يحل لأحد أن يرجع في هبته. . .) إلخ","level":2,"page":1793},{"title":"(٣١ - باب)","level":2,"page":1794},{"title":"(٣٢ - باب ما قيل في العمرى والرقبى. . .) إلخ","level":2,"page":1794},{"title":"(٣٣ - باب من استعار من الناس الفرس. . .) إلخ","level":2,"page":1796},{"title":"(٣٤ - باب الاستعارة للعروس عند البناء)","level":2,"page":1797},{"title":"(٣٥ - باب فضل المنيحة)","level":2,"page":1798},{"title":"(٣٦ - باب إذا قال: أخدمتك هذه الجارية. . .) إلخ","level":2,"page":1798},{"title":"(٣٧ - باب إذا حمل رجلا على فرس. . .) إلخ","level":2,"page":1800},{"title":"٥٢ - كتاب الشهادات","level":1,"page":1802},{"title":"(١ - باب ما جاء في البينة. . .) إلخ","level":2,"page":1802},{"title":"(٢ - باب إذا عدل رجل أحدا فقال: لا نعلم إلا خيرا. . .) إلخ","level":2,"page":1803},{"title":"(٣ - باب شهادة المختبئ)","level":2,"page":1804},{"title":"(٤ - باب إذا شهد شاهد بشيء فقال آخرون: ما علمنا ذلك)","level":2,"page":1805},{"title":"(٥ - باب الشهداء العدول. . .) إلخ","level":2,"page":1806},{"title":"(٦ - باب تعديل كم يجوز؟)","level":2,"page":1808},{"title":"(٧ - باب الشهادة على الأنساب. . .) إلخ","level":2,"page":1809},{"title":"(٨ - باب شهادة القاذف والسارق والزاني. . .) إلخ","level":2,"page":1810},{"title":"(٩ - باب لا يشهد على شهادة جور إذا أشهد)","level":2,"page":1812},{"title":"(١٠ - باب ما قيل في شهادة الزور)","level":2,"page":1813},{"title":"(١١ - باب شهاة الأعمى وأمره ونكاحه. . .) إلخ","level":2,"page":1814},{"title":"(١٢ - باب شهادة النساء)","level":2,"page":1815},{"title":"(١٣ - باب شهادة الإماء والعبيد)","level":2,"page":1815},{"title":"(١٤ - باب شهادة المرضعة)","level":2,"page":1816},{"title":"(١٥ - باب تعديل النساء بعضهن بعضا)","level":2,"page":1817},{"title":"(١٦ - باب إذا زكى رجل رجلا كفاه. . .) إلخ","level":2,"page":1818},{"title":"(١٧ - باب ما يكره من الإطناب في المدح. . .) إلخ","level":2,"page":1818},{"title":"(١٨ - باب بلوغ الصبيان وشهادتهم)","level":2,"page":1818},{"title":"(١٩ - باب سؤال الحاكم المدعي: هل لك بينة؟. . .) إلخ","level":2,"page":1820},{"title":"(٢٠ - باب اليمين على المدعى عليه. . .) إلخ","level":2,"page":1820},{"title":"(باب)","level":2,"page":1822},{"title":"(٢١ - باب إذا ادعى أو قذف. . .) إلخ","level":2,"page":1824},{"title":"(٢٢ - باب اليمين بعد العصر)","level":2,"page":1825},{"title":"(٢٣ - باب يحلف المدعى عليه حيث ما وجبت عليه اليمين. . .) إلخ","level":2,"page":1826},{"title":"(٢٤ - باب إذا تسارع القوم في اليمين)","level":2,"page":1827},{"title":"(٢٥ - باب قول الله - ﷿ -: ﴿إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم. . .﴾ إلخ [آل عمران: ٧٧])","level":2,"page":1827},{"title":"(٢٦ - باب كيف يستحلف؟. . .) إلخ","level":2,"page":1828},{"title":"(٢٧ - باب من أقام البينة بعد اليمين. . .) إلخ","level":2,"page":1828},{"title":"(٢٨ - باب من أمر بإنجاز الوعد. . .) إلخ","level":2,"page":1829},{"title":"(٢٩ - باب لا يسأل أهل الشرك عن الشهادة وغيرها. . .) إلخ","level":2,"page":1829},{"title":"(٣٠ - باب القرعة في المشكلات)","level":2,"page":1830},{"title":"٥٣ - كتاب الصلح","level":1,"page":1832},{"title":"(١ - باب ما جاء في الإصلاح بين الناس. . .) إلخ","level":2,"page":1832},{"title":"(٢ - باب ليس الكاذب الذي يصلح بين الناس)","level":2,"page":1833},{"title":"(٣ - باب قول الإمام لأصحابه: اذهبوا بنا نصلح)","level":2,"page":1834},{"title":"(٤ - باب قول الله: (﴿أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير﴾ [النساء: ١٢٨])","level":2,"page":1835},{"title":"(٥ - باب إذا اصطلحوا على صلح جور. . .) إلخ","level":2,"page":1835},{"title":"(٦ - باب كيف يكتب. . .) إلخ","level":2,"page":1836},{"title":"(٧ - باب الصلح مع المشركين)","level":2,"page":1837},{"title":"(٨ - باب الصلح في الدية)","level":2,"page":1838},{"title":"(٩ - باب قول النبي - ﷺ - للحسن بن علي: \"ابني هذا سيد. . .\") إلخ","level":2,"page":1839},{"title":"(١٠ - باب هل يشير الإمام بالصلح؟)","level":2,"page":1839},{"title":"(١١ - باب فضل الإصلاح بين الناس. . .) إلخ","level":2,"page":1840},{"title":"(١٢ - باب إذا أشار الإمام بالصلح فأبى. . .) إلخ","level":2,"page":1840},{"title":"(١٣ - باب الصلح بين الغرماء)","level":2,"page":1841},{"title":"(١٤ - باب الصلح بالدين والعين)","level":2,"page":1841},{"title":"٥٤ - كتاب الشروط","level":1,"page":1842},{"title":"(١ - باب ما يجوز من الشروط في الإسلام. . .) إلخ","level":2,"page":1842},{"title":"(٢ - باب إذا باع نخلا قد أبرت)","level":2,"page":1843},{"title":"(٣ - باب الشروط في البيع)","level":2,"page":1844},{"title":"(٤ - باب إذا اشترط البائع ظهر الدابة. . .) إلخ","level":2,"page":1844},{"title":"(٥ - باب الشروط في المعاملة)","level":2,"page":1845},{"title":"(٦ - باب الشروط في المهر عند عقدة النكاح. . .) إلخ","level":2,"page":1845},{"title":"(٧ - باب الشروط في المزارعة)","level":2,"page":1845},{"title":"(٨ - باب ما لا يجوز من الشروط في النكاح)","level":2,"page":1845},{"title":"(٩ - باب الشروط التي لا تحل في الحدود)","level":2,"page":1845},{"title":"(١٠ - باب ما يجوز من شروط المكاتب)","level":2,"page":1845},{"title":"(١١ - باب الشروط في الطلاق. . .) إلخ","level":2,"page":1846},{"title":"(١٢ - باب الشروط مع الناس بالقول)","level":2,"page":1846},{"title":"(١٣ - باب الشروط في الولاء)","level":2,"page":1847},{"title":"(١٤ - باب إذا اشترط في المزارعة. . .) إلخ","level":2,"page":1847},{"title":"(١٥ - باب الشروط في الجهاد. . .) إلخ","level":2,"page":1848},{"title":"(١٦ - باب الشروط في القرض. . .) إلخ","level":2,"page":1848},{"title":"(١٧ - باب المكاتب وما لا يحل من الشروط)","level":2,"page":1849},{"title":"(١٨ - باب ما يجوز من الاشتراط والثنيا في الإقرار)","level":2,"page":1849},{"title":"(١٩ - باب الشروط في الوقف)","level":2,"page":1850},{"title":"٥٥ - كتاب الوصايا","level":1,"page":1851},{"title":"(١ - باب الوصايا وقول النبي - ﷺ -: \"وصية الرجل مكتوبة عنده. . .\") إلخ","level":2,"page":1852},{"title":"(٢ - باب أن يترك ورثته أغنياء. . .) إلخ","level":2,"page":1853},{"title":"(٣ - باب الوصية بالثلث. . .) إلخ","level":2,"page":1853},{"title":"(٤ - باب قول الموصي لوصيه: تعاهد ولدي. . .) إلخ","level":2,"page":1853},{"title":"(٥ - باب إذا أومأ المريض برأسه. . .) إلخ","level":2,"page":1854},{"title":"(٦ - باب لا وصية لوارث)","level":2,"page":1855},{"title":"(٧ - باب الصدقة عند الموت)","level":2,"page":1855},{"title":"(٨ - باب قول الله - ﷿ -: (﴿من بعد وصية يوصي بها أو دين .. . .﴾ [النساء: ١١])","level":2,"page":1855},{"title":"(٩ - باب تأويل قوله: ﴿من بعد وصية يوصي بها أو دين. . .﴾ إلخ [النساء: ١١])","level":2,"page":1857},{"title":"(١٠ - باب إذا وقف أو أوصى لأقاربه)","level":2,"page":1858},{"title":"(١١ - باب هل يدخل النساء والولد في الأقارب)","level":2,"page":1860},{"title":"(١٢ - باب هل ينتفع الواقف بوقفه؟. . .) إلخ","level":2,"page":1861},{"title":"(١٣ - باب إذا وقف شيئا فلم يدفعه إلى غيره. . .) إلخ","level":2,"page":1862},{"title":"(١٤ - باب إذا قال: داري صدقة لله. . .) إلخ","level":2,"page":1863},{"title":"(١٥ - باب إذا قال: أرضي أو بستاني صدقة. . .) إلخ","level":2,"page":1863},{"title":"(١٦ - باب إذا تصدق أو أوقف بعض ماله. . .) إلخ","level":2,"page":1864},{"title":"(١٧ - باب من تصدق إلى وكيله. . .) إلخ","level":2,"page":1865},{"title":"(١٨ - باب قول الله - ﷿ -: ﴿وإذا حضر القسمة أولو القربى. . .﴾ [النساء: ٨]) إلخ","level":2,"page":1865},{"title":"(١٩ - باب ما يستحب لمن توفي فجاءة. . .) إلخ","level":2,"page":1866},{"title":"(٢٠ - باب الإشهاد في الوقف والصدقة)","level":2,"page":1867},{"title":"(٢١ - باب قول الله تعالى: ﴿وآتوا اليتامى أموالهم. . .﴾ [النساء: ٢]) إلخ","level":2,"page":1868},{"title":"(٢٢ - باب قول الله تعالى: ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح﴾ [النساء: ٦])","level":2,"page":1868},{"title":"(٢٣ - باب قول الله تعالى: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى. . .﴾ [النساء: ١٠]) إلخ","level":2,"page":1869},{"title":"(٢٤ - باب قول الله - ﷿ -: ﴿ويسألونك عن اليتامى. . .﴾ [البقرة: ٢٢٠]) إلخ","level":2,"page":1869},{"title":"(٢٥ - باب استخدام اليتيم في السفر والحضر. . .) إلخ","level":2,"page":1870},{"title":"(٢٦ - باب إذا وقف أرضا ولم يبين الحدود. . .) إلخ","level":2,"page":1870},{"title":"(٢٧ - باب إذا وقف جماعة أرضا مشاعا. . .) إلخ","level":2,"page":1871},{"title":"(٢٨ - باب الوقف كيف يكتب؟)","level":2,"page":1871},{"title":"(٢٩ - باب الوقف للفقير والغني والضيف)","level":2,"page":1872},{"title":"(٣٠ - باب وقف الأرض للمسجد)","level":2,"page":1873},{"title":"(٣١ - باب وقف الدواب والكراع. . .) إلخ","level":2,"page":1873},{"title":"(٣٢ - باب نفقة القيم للوقف)","level":2,"page":1874},{"title":"(٣٣ - باب إذا وقف أرضا أو بئرا أو اشترط لنفسه. . .) إلخ","level":2,"page":1875},{"title":"(٣٤ - باب إذا قال الواقف: لا نطلب ثمنه إلا إلى الله. . .) إلخ","level":2,"page":1875},{"title":"(٣٥ - باب قول الله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا شهادة بينكم. . .﴾ [المائدة: ١٠٦]) إلخ","level":2,"page":1876},{"title":"(٣٦ - باب قضاء الوصي ديون الميت بغير محضر من الورثة)","level":2,"page":1877},{"title":"٥٦ - كتاب الجهاد","level":1,"page":1878},{"title":"(١ - باب فضل الجهاد والسير. . .) إلخ","level":2,"page":1880},{"title":"(٢ - باب أفضل الناس مؤمن مجاهد بنفسه. . .) إلخ","level":2,"page":1881},{"title":"(٣ - باب الدعاء بالجهاد والشهادة للرجال والنساء. . .) إلخ","level":2,"page":1882},{"title":"(٤ - باب درجات المجاهدين في سبيل الله. . .) إلخ","level":2,"page":1882},{"title":"(٥ - باب الغدوة والروحة في سبيل الله. . .) إلخ","level":2,"page":1883},{"title":"(٦ - باب الحور العين. . .) إلخ","level":2,"page":1883},{"title":"(٧ - باب تمني الشهادة)","level":2,"page":1883},{"title":"(٨ - باب فضل من يصرع في سبيل الله فمات. . .) إلخ","level":2,"page":1884},{"title":"(٩ - باب من ينكب ويطعن في سبيل الله)","level":2,"page":1884},{"title":"(١٠ - باب من يجرح في سبيل الله)","level":2,"page":1885},{"title":"(١١ - باب قول الله - ﷿ -: ﴿قل هل تربصون بنا. . .﴾ [التوبة: ٥٢]) إلخ","level":2,"page":1885},{"title":"(١٢ - باب قول الله - ﷿ -: ﴿من المؤمنين رجال صدقوا. . .﴾ [الأحزاب: ٢٣]) إلخ","level":2,"page":1886},{"title":"(١٣ - باب عمل صالح قبل القتال. . .) إلخ","level":2,"page":1886},{"title":"(١٤ - باب من أتاه سهم غرب. . .) إلخ","level":2,"page":1887},{"title":"(١٥ - باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا)","level":2,"page":1888},{"title":"(١٦ - باب من اغبرت قدماه في سبيل الله. . .) إلخ","level":2,"page":1888},{"title":"(١٧ - باب مسح الغبار عن الرأس)","level":2,"page":1888},{"title":"(١٨ - باب الغسل بعد الحرب والغبار)","level":2,"page":1889},{"title":"(١٩ - باب فضل قول الله تعالى: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا. . .﴾ [آل عمران: ١٦٩]) إلخ","level":2,"page":1889},{"title":"(٢٠ - باب ظل الملائكة على الشهيد)","level":2,"page":1889},{"title":"(٢١ - باب تمني المجاهد أن يرجع إلى الدنيا)","level":2,"page":1890},{"title":"(٢٢ - باب الجنة تحت بارقة السيوف. . .) إلخ","level":2,"page":1890},{"title":"(٢٣ - باب من طلب الولد للجهاد. . .) إلخ","level":2,"page":1890},{"title":"(٢٤ - باب الشجاعة في الحرب والجبن)","level":2,"page":1891},{"title":"(٢٥ - باب ما يتعوذ من الجبن)","level":2,"page":1891},{"title":"(٢٦ - باب من حدث بمشاهده. . .) إلخ","level":2,"page":1891},{"title":"(٢٧ - باب وجوب النفير، وما يجب من الجهاد. . .) إلخ","level":2,"page":1892},{"title":"(٢٨ - باب الكافر يقتل المسلم ثم يسلم. . .) إلخ","level":2,"page":1893},{"title":"(٢٩ - باب من اختار الغزو على الصوم)","level":2,"page":1893},{"title":"(٣٠ - باب الشهادة سبع سوى القتل)","level":2,"page":1893},{"title":"(٣١ - باب قول الله: ﴿لا يستوي القاعدون. . .﴾ الآية [النساء: ٩٥])","level":2,"page":1894},{"title":"(٣٢ - باب الصبر عند القتال)","level":2,"page":1895},{"title":"(٣٣ - باب التحريض على القتال)","level":2,"page":1895},{"title":"(٣٤ - باب حفر الخندق)","level":2,"page":1895},{"title":"(٣٥ - باب من حبسه العذر عن الغزو)","level":2,"page":1895},{"title":"(٣٦ - باب فضل الصوم في سبيل الله)","level":2,"page":1895},{"title":"(٣٧ - باب فضل النفقة في سبيل الله)","level":2,"page":1896},{"title":"(٣٨ - باب فضل من جهز غازيا أو خلفه بخير)","level":2,"page":1897},{"title":"(٣٩ - باب التحنط عند القتال)","level":2,"page":1897},{"title":"(٤٠ - باب فضل الطليعة)","level":2,"page":1898},{"title":"(٤١ - باب هل يبعث الطليعة وحده)","level":2,"page":1898},{"title":"(٤٢ - باب سفر الاثنين)","level":2,"page":1899},{"title":"(٤٣ - باب الخيل معقود في نواصيها الخير. . .) إلخ","level":2,"page":1899},{"title":"(٤٤ - باب الجهاد ماض مع البر والفاجر. . .) إلخ","level":2,"page":1900},{"title":"(٤٥ - باب من احتبس فرسا في سبيل الله. . .) إلخ","level":2,"page":1900},{"title":"(٤٦ - باب اسم الفرس والحمار)","level":2,"page":1900},{"title":"(٤٧ - باب ما يذكر من شؤم الفرس)","level":2,"page":1901},{"title":"(٤٨ - باب الخيل لثلاثة)","level":2,"page":1902},{"title":"(٤٩ - باب من ضرب دابة غيره في الغزو)","level":2,"page":1903},{"title":"(٥٠ - باب الركوب على دابة صعبة)","level":2,"page":1903},{"title":"(٥١ - باب سهام الفرس. . .) إلخ","level":2,"page":1904},{"title":"(٥٢ - باب من قاد دابة غيره في الحرب)","level":2,"page":1905},{"title":"(٥٣ - باب الركاب والغرز للدابة)","level":2,"page":1905},{"title":"(٥٤ - باب ركوب الفرس العري)","level":2,"page":1906},{"title":"(٥٥ - باب الفرس القطوف)","level":2,"page":1906},{"title":"(٥٦ - باب السبق بين الخيل)","level":2,"page":1906},{"title":"(٥٧ - باب إضمار الخيل للسبق)","level":2,"page":1907},{"title":"(٥٨ - باب غاية السبق للخيل المضمرة)","level":2,"page":1907},{"title":"(٥٩ - باب ناقة النبي - ﷺ -. . .) إلخ","level":2,"page":1908},{"title":"(٦٠ - باب بغلة النبي - ﷺ -. . .) إلخ","level":2,"page":1909},{"title":"(٦١ - باب جهاد النساء)","level":2,"page":1909},{"title":"(٦٢ - باب غزوة المرأة في البحر)","level":2,"page":1910},{"title":"(٦٣ - باب حمل الرجل امرأته في الغزو دون بعض نسائه)","level":2,"page":1911},{"title":"(٦٤ - باب غزو النساء وقتالهن مع الرجال)","level":2,"page":1911},{"title":"(٦٥ - باب حمل النساء القرب إلى الناس. . .) إلخ","level":2,"page":1912},{"title":"(٦٦ - باب مداواة النساء الجرحى)","level":2,"page":1912},{"title":"(٦٧ - باب رد النساء الجرحى والقتلى)","level":2,"page":1912},{"title":"(٦٨ - باب نزع السهم من البدن)","level":2,"page":1913},{"title":"(٦٩ - باب الحراسة في الغزو في سبيل الله - ﷿ -)","level":2,"page":1913},{"title":"(٧٠ - باب فضل الخدمة في الغزو)","level":2,"page":1914},{"title":"(٧١ - باب فضل من حمل متاع صاحبه في السفر)","level":2,"page":1915},{"title":"(٧٢ - باب فضل رباط يوم في سبيل الله)","level":2,"page":1915},{"title":"(٧٣ - باب من غزا بصبي للخدمة)","level":2,"page":1916},{"title":"(٧٤ - باب ركوب البحر)","level":2,"page":1916},{"title":"(٧٥ - باب من استعان بالضعفاء والصالحين في الحرب)","level":2,"page":1916},{"title":"(٧٦ - باب لا يقال: فلان شهيد. . .) إلخ","level":2,"page":1917},{"title":"(٧٧ - باب التحريض على الرمي. . .) إلخ","level":2,"page":1917},{"title":"(٧٨ - باب اللهو بالحراب ونحوها)","level":2,"page":1918},{"title":"(٧٩ - باب المجن ومن تترس بترس صاحبه)","level":2,"page":1919},{"title":"(٨٠ - باب)","level":2,"page":1919},{"title":"(٨١ - باب الدرق)","level":2,"page":1919},{"title":"(٨٢ - باب الحمائل وتعليق السيف بالعنق)","level":2,"page":1920},{"title":"(٨٣ - باب ما جاء في حلية السيوف)","level":2,"page":1920},{"title":"(٨٤ - باب من علق سيفه بالشجر في السفر. . .) إلخ","level":2,"page":1921},{"title":"(٨٥ - باب لبس البيضة)","level":2,"page":1921},{"title":"(٨٦ - باب من لم ير كسر السلاح عند الموت)","level":2,"page":1921},{"title":"(٨٧ - باب تفرق الناس عن الإمام. . .) إلخ","level":2,"page":1923},{"title":"(٨٨ - باب ما قيل في الرماح. . .) إلخ","level":2,"page":1924},{"title":"(٨٩ - باب ما قيل في درع النبي - ﷺ -)","level":2,"page":1924},{"title":"(٩٠ - باب الجبة في السفر والحرب)","level":2,"page":1925},{"title":"(٩١ - باب الحرير في الحرب)","level":2,"page":1925},{"title":"(٩٢ - باب ما يذكر في السكين)","level":2,"page":1926},{"title":"(٩٣ - باب ما قيل في قتال الروم)","level":2,"page":1927},{"title":"(٩٤ - باب قتال اليهود)","level":2,"page":1928},{"title":"(٩٥ - باب قتال الترك)","level":2,"page":1928},{"title":"(٩٦ - باب قتال الذين ينتعلون الشعر)","level":2,"page":1929},{"title":"(٩٧ - باب من صف أصحابه عند الهزيمة. . .) إلخ","level":2,"page":1929},{"title":"(٩٨ - باب الدعاء على المشركين بالهزيمة والزلزلة)","level":2,"page":1930},{"title":"(٩٩ - باب هل يرشد المسلم أهل الكتاب. . .؟)","level":2,"page":1930},{"title":"(١٠٠ - باب الدعاء للمشركين بالهدى. . .) إلخ","level":2,"page":1931},{"title":"(١٠١ - باب دعوة اليهود والنصارى، وعلى ما يقاتلون. . .) إلخ","level":2,"page":1931},{"title":"(١٠٢ - باب دعاء النبي - ﷺ - إلى الإسلام والنبوة. . .) إلخ","level":2,"page":1933},{"title":"(١٠٣ - باب من أراد غزوة فورى بغيرها. . .) إلخ","level":2,"page":1934},{"title":"(١٠٤ - باب الخروج بعد الظهر)","level":2,"page":1935},{"title":"(١٠٥ - باب الخروج آخر الشهر)","level":2,"page":1935},{"title":"(١٠٦ - باب الخروج في رمضان)","level":2,"page":1936},{"title":"(١٠٧ - باب التوديع عند السفر)","level":2,"page":1936},{"title":"(١٠٨ - باب السمع والطاعة للإمام. . .) إلخ","level":2,"page":1936},{"title":"(١٠٩ - باب يقاتل من وراء الإمام ويتقى به)","level":2,"page":1936},{"title":"(١١٠ - باب البيعة في الحرب على أن لا يفروا وقال بعضهم: على الموت)","level":2,"page":1937},{"title":"(١١١ - باب عزم الإمام على الناس فيما يطيقون)","level":2,"page":1938},{"title":"(١١٢ - باب كان النبي - ﷺ - إذا لم يقاتل أول النهار. . .) إلخ","level":2,"page":1938},{"title":"(١١٣ - باب استئذان الرجل الإمام. . .) إلخ","level":2,"page":1938},{"title":"(١١٤ - باب من غزا وهو حديث عهد بعرسه. . .) إلخ","level":2,"page":1939},{"title":"(١١٥ - باب من اختار الغزو بعد البناء)","level":2,"page":1939},{"title":"(١١٦ - باب مبادرة الإمام عند الفزع)","level":2,"page":1940},{"title":"(١١٧ - باب السرعة والركض عند الفزع)","level":2,"page":1940},{"title":"(١١٨ - باب الخروج في الفزع وحده)","level":2,"page":1940},{"title":"(١١٩ - باب الجعائل والحملان في السبيل. . .) إلخ","level":2,"page":1941},{"title":"(١٢٠ - باب الأجير. . .) إلخ","level":2,"page":1942},{"title":"(١٢١ - باب ما قيل في لواء النبي - ﷺ -)","level":2,"page":1943},{"title":"(١٢٢ - باب قول النبيﷺ -: \"نصرت بالرعب. . .\") إلخ","level":2,"page":1943},{"title":"(١٢٣ - باب حمل الزاد في الغزو)","level":2,"page":1944},{"title":"(١٢٤ - باب حمل الزاد على الرقاب)","level":2,"page":1945},{"title":"(١٢٥ - باب إرداف المرأة خلف أخيها)","level":2,"page":1945},{"title":"(١٢٦ - باب الارتداف في الغزو والحج. . .) إلخ","level":2,"page":1945},{"title":"(١٢٧ - باب الردف على الحمار)","level":2,"page":1945},{"title":"(١٢٨ - باب من أخذ بالركاب ونحوه)","level":2,"page":1946},{"title":"(١٢٩ - باب كراهية السفر بالمصاحف إلى أرض العدو. . .) إلخ","level":2,"page":1946},{"title":"(١٣٠ - باب التكبير عند الحرب)","level":2,"page":1948},{"title":"(١٣١ - باب ما يكره من رفع الصوت في التكبير)","level":2,"page":1948},{"title":"(١٣٢ - باب التسبيح إذا هبط واديا)","level":2,"page":1949},{"title":"(١٣٣ - باب التكبير إذا علا شرفا)","level":2,"page":1949},{"title":"(١٣٤ - باب يكتب للمسافر مثل ما كان يعمل في الإقامة)","level":2,"page":1949},{"title":"(١٣٥ - باب السير وحده)","level":2,"page":1949},{"title":"(١٣٦ - باب السرعة في السير. . .) إلخ","level":2,"page":1950},{"title":"(١٣٧ - باب إذا حمل على فرس)","level":2,"page":1950},{"title":"(١٣٨ - باب الجهاد بإذن الأبوين)","level":2,"page":1950},{"title":"(١٣٩ - باب ما قيل في الجرس. . .) إلخ","level":2,"page":1951},{"title":"(١٤٠ - باب من اكتتب في جيش. . .) إلخ","level":2,"page":1952},{"title":"(١٤١ - باب الجاسوس. . .) إلخ","level":2,"page":1952},{"title":"(١٤٢ - باب الكسوة للأسارى)","level":2,"page":1953},{"title":"(١٤٣ - باب فضل من أسلم على يديه رجل)","level":2,"page":1953},{"title":"(١٤٤ - باب الأسارى في السلاسل)","level":2,"page":1953},{"title":"(١٤٥ - باب فضل من أسلم من أهل الكتابين)","level":2,"page":1953},{"title":"(١٤٦ - باب أهل الدار يبيتون. . .) إلخ","level":2,"page":1955},{"title":"(١٤٧ - باب قتل الصبيان في الحرب)","level":2,"page":1955},{"title":"(١٤٨ - باب قتل النساء في الحرب)","level":2,"page":1956},{"title":"(١٤٩ - باب لا يعذب بعذاب الله)","level":2,"page":1956},{"title":"(١٥٠ - باب ﴿فإما منا بعد وإما فداء﴾ [محمد: ٤]) إلخ","level":2,"page":1957},{"title":"(١٥١ - باب هل للأسير أن يقتل أو يخدع. . .) إلخ","level":2,"page":1958},{"title":"(١٥٢ - باب إذا حرق المشرك المسلم هل يحرق؟)","level":2,"page":1959},{"title":"(١٥٣ - باب)","level":2,"page":1959},{"title":"(١٥٤ - باب حرق الدور والنخيل)","level":2,"page":1959},{"title":"(١٥٥ - باب قتل النائم المشرك)","level":2,"page":1960},{"title":"(١٥٦ - باب لا تمنوا لقاء العدو)","level":2,"page":1961},{"title":"(١٥٧ - باب الحرب خدعة)","level":2,"page":1961},{"title":"(١٥٨ - باب الكذب في الحرب)","level":2,"page":1962},{"title":"(١٥٩ - باب الفتك بأهل الحرب)","level":2,"page":1963},{"title":"(١٦٠ - باب ما يجوز من الاحتيال والحذر. . .) إلخ","level":2,"page":1963},{"title":"(١٦١ - باب الرجز في الحرب. . .) إلخ","level":2,"page":1964},{"title":"(١٦٢ - باب من لا يثبت على الخيل)","level":2,"page":1964},{"title":"(١٦٣ - باب دواء الجرح بإحراق الحصير. . .) إلخ","level":2,"page":1964},{"title":"(١٦٤ - باب ما يكره من التنازع والاختلاف في الحرب. . .) إلخ","level":2,"page":1964},{"title":"(١٦٥ - باب إذا فزعوا بالليل)","level":2,"page":1965},{"title":"(١٦٦ - باب من رأى العدو فنادى بأعلى صوته: \"يا صباحاه\")","level":2,"page":1965},{"title":"(١٦٧ - باب من قال: خذها وأنا ابن فلان. . .) إلخ","level":2,"page":1966},{"title":"(١٦٨ - باب إذا نزل العدو على حكم رجل)","level":2,"page":1966},{"title":"(١٦٩ - باب قتل الأسير، وقتل الصبر)","level":2,"page":1966},{"title":"(١٧٠ - باب هل يستأسر الرجل؟ ومن لم يستأسر. . .) إلخ","level":2,"page":1967},{"title":"(١٧١ - باب فكاك الأسير)","level":2,"page":1967},{"title":"(١٧٢ - باب فداء المشركين)","level":2,"page":1968},{"title":"(١٧٣ - باب الحربي إذا دخل دار الإسلام بغير أمان)","level":2,"page":1968},{"title":"(١٧٤ - باب يقاتل عن أهل الذمة ولا يسترقون)","level":2,"page":1970},{"title":"(١٧٥ - باب هل يستشفع إلى أهل الذمة ومعاملتهم؟)","level":2,"page":1971},{"title":"(١٧٦ - باب جوائز الوفد)","level":2,"page":1972},{"title":"(١٧٧ - باب التجمل للوفد)","level":2,"page":1972},{"title":"(١٧٨ - باب كيف يعرض الإسلام على الصبي)","level":2,"page":1972},{"title":"(١٧٩ - باب قول النبي - ﷺ - ليهود: \"أسلموا تسلموا\". . .) إلخ","level":2,"page":1973},{"title":"(١٨٠ - باب إذا أسلم قوم في دار الحرب. . .) إلخ","level":2,"page":1973},{"title":"(١٨١ - باب كتابة الإمام للناس)","level":2,"page":1974},{"title":"(١٨٢ - باب إن الله يؤيد الدين بالرجل الفاجر)","level":2,"page":1975},{"title":"(١٨٣ - باب من تأمر في الحرب بغير إمرة. . .) إلخ","level":2,"page":1975},{"title":"(١٨٤ - باب العون بالمدد)","level":2,"page":1976},{"title":"(١٨٥ - باب من غلب العدو فأقام على عرصتهم ثلاثا)","level":2,"page":1976},{"title":"(١٨٦ - باب من قسم الغنيمة في غزوه وسفره. . .) إلخ","level":2,"page":1977},{"title":"(١٨٧ - باب إذا غنم المشركون مال المسلم. . .) إلخ","level":2,"page":1978},{"title":"(١٨٨ - باب من تكلم بالفارسية والرطانة)","level":2,"page":1979},{"title":"(١٨٩ - باب الغلول، وقوله تعالى: ﴿ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة﴾ [آل عمران: ١٦١])","level":2,"page":1981},{"title":"(١٩٠ - باب القليل من الغلول. . .) إلخ","level":2,"page":1982},{"title":"(١٩١ - باب ما يكره من ذبح الإبل والغنم في المغانم)","level":2,"page":1982},{"title":"(١٩٢ - باب البشارة في الفتوح)","level":2,"page":1983},{"title":"(١٩٣ - باب ما يعطى البشير. . .) إلخ","level":2,"page":1984},{"title":"(١٩٤ - باب لا هجرة بعد الفتح)","level":2,"page":1984},{"title":"(١٩٥ - باب إذا اضطر الرجل إلى النظر في شعور أهل الذمة. . .) إلخ","level":2,"page":1985},{"title":"(١٩٦ - باب استقبال الغزاة)","level":2,"page":1985},{"title":"(١٩٧ - باب ما يقول إذا رجع من الغزو)","level":2,"page":1985},{"title":"(١٩٨ - باب الصلاة إذا قدم من سفر)","level":2,"page":1986},{"title":"(١٩٩ - باب الطعام عند القدوم. . .) إلخ","level":2,"page":1986},{"title":"٥٧ - كتاب فرض الخمس","level":1,"page":1988},{"title":"(٢ - باب أداء الخمس من الدين)","level":2,"page":1990},{"title":"(٣ - باب نفقة نساء النبي - ﷺ - بعد وفاته)","level":2,"page":1990},{"title":"(٤ - باب ما جاء في بيوت أزواج النبي - ﷺ -. . .) إلخ","level":2,"page":1991},{"title":"(٥ - باب ما ذكر من درع النبي - ﷺ -. . .) إلخ","level":2,"page":1992},{"title":"(٦ - باب الدليل على أن الخمس لنوائب رسول الله - ﷺ -. . .) إلخ","level":2,"page":1993},{"title":"(٧ - باب قول الله تعالى: ﴿فأن لله خمسه وللرسول. . .﴾) إلخ","level":2,"page":1996},{"title":"(٨ - باب قول النبي - ﷺ -: \"أحلت لكم الغنائم\". . .) إلخ","level":2,"page":1997},{"title":"(٩ - باب الغنيمة لمن شهد الوقعة)","level":2,"page":1997},{"title":"(١٠ - باب من قاتل للمغنم هل ينقص من أجره؟. . .) إلخ","level":2,"page":1999},{"title":"(١١ - باب قسمة الإمام ما يقدم عليه)","level":2,"page":2000},{"title":"(١٢ - باب كيف قسم النبي - ﷺ - قريظة والنضير)","level":2,"page":2000},{"title":"(١٣ - باب بركة الغازي في ماله حيا وميتا. . .) إلخ","level":2,"page":2001},{"title":"(١٤ - باب إذا بعث الإمام رسولا في حاجته. . .) إلخ","level":2,"page":2002},{"title":"(١٥ - باب من قال: ومن الدليل على أن الخمس لنوائب المسلمين)","level":2,"page":2002},{"title":"(١٦ - باب ما من النبي - ﷺ - على الأسارى. . .) إلخ","level":2,"page":2003},{"title":"(١٧ - باب ومن الدليل على أن الخمس للإمام. . .) إلخ","level":2,"page":2004},{"title":"(١٨ - باب من لم يخمس الأسلاب. . .) إلخ","level":2,"page":2005},{"title":"(١٩ - باب ما كان النبي - ﷺ - يعطي المؤلفة قلوبهم. . .) إلخ","level":2,"page":2007},{"title":"(٢٠ - باب ما يصيب من الطعام في أرض الحرب)","level":2,"page":2009},{"title":"٥٨ - كتاب الجزية","level":1,"page":2010},{"title":"(٢ - باب إذا وادع الإمام ملك القرية. . .) إلخ","level":2,"page":2013},{"title":"(٣ - باب الوصاة بأهل ذمة رسول الله - ﷺ -)","level":2,"page":2014},{"title":"(٤ - باب ما أقطع النبي - ﷺ - من البحرين. . .) إلخ","level":2,"page":2014},{"title":"(٥ - باب إثم من قتل معاهدا بغير جرم)","level":2,"page":2016},{"title":"(٦ - باب إخراج اليهود من جزيرة العرب)","level":2,"page":2016},{"title":"(٧ - باب إذا غدر المشركون بالمسلمين هل يعفى عنهم؟)","level":2,"page":2017},{"title":"(٨ - باب دعاء الإمام على من نكث عهدا)","level":2,"page":2017},{"title":"(٩ - باب أمان النساء وجوارهن)","level":2,"page":2017},{"title":"(١٠ - باب ذمة المسلمين وجوارهم واحدة. . .) إلخ","level":2,"page":2017},{"title":"(١١ - باب إذا قالوا: صبأنا، ولم يحسنوا أسلمنا. . .) إلخ","level":2,"page":2018},{"title":"(١٢ - باب الموادعة والمصالحة مع المشركين بالمال وغيره)","level":2,"page":2019},{"title":"(١٣ - باب فضل الوفاء بالعهد)","level":2,"page":2021},{"title":"(١٤ - باب هل يعفى عن الذمي إذا سحر؟)","level":2,"page":2021},{"title":"(١٥ - باب ما يحذر من الغدر)","level":2,"page":2022},{"title":"(١٦ - باب كيف ينبذ إلى أهل العهد. . .) إلخ","level":2,"page":2022},{"title":"(١٧ - باب إثم من عاهد ثم غدر)","level":2,"page":2023},{"title":"(١٨ - باب)","level":2,"page":2023},{"title":"(١٩ - باب المصالحة على ثلاثة أيام. . .) إلخ","level":2,"page":2024},{"title":"(٢٠ - باب الموادعة من غير وقت وقول النبي - ﷺ -. . .) إلخ","level":2,"page":2024},{"title":"(٢١ - باب طرح جيف المشركين في البئر. . .) إلخ","level":2,"page":2024},{"title":"(٢٢ - باب إثم الغادر للبر والفاجر)","level":2,"page":2025},{"title":"٥٩ - كتاب بدء الخلق","level":1,"page":2028},{"title":"(١ - باب ما جاء في قول الله - ﷿ -: ﴿وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده﴾ [الروم: ٢٧])","level":2,"page":2029},{"title":"(٢ - باب ما جاء في سبع أرضين)","level":2,"page":2032},{"title":"(٣ - باب في النجوم)","level":2,"page":2035},{"title":"(٤ - باب صفة الشمس والقمر بحسبان)","level":2,"page":2036},{"title":"(٥ - باب ما جاء في قوله تعالى: ﴿وهو الذي أرسل الرياح بشرا. . .﴾ [الفرقان: ٤٨]) إلخ","level":2,"page":2037},{"title":"(٦ - باب ذكر الملائكة)","level":2,"page":2038},{"title":"(٧ - باب إذا قال أحدكم: آمين. . .) إلخ","level":2,"page":2039},{"title":"(٨ - باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة. . .) إلخ","level":2,"page":2040},{"title":"(٩ - باب صفة أبواب الجنة. . .) إلخ","level":2,"page":2041},{"title":"(١٠ - باب صفة النار وأنها مخلوقة)","level":2,"page":2043},{"title":"(١١ - باب صفة إبليس وجنوده. . .) إلخ","level":2,"page":2045},{"title":"(١٢ - باب ذكر الجن وثوابهم وعقابهم. . . . . .) إلخ","level":2,"page":2046},{"title":"(١٣ - باب قوله - ﷿ -: ﴿وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن﴾ [الأحقاف: ٢٩])","level":2,"page":2049},{"title":"(١٤ - باب قول الله تعالى: ﴿وبث فيها من كل دابة﴾ [البقرة: ١٦٤]. . . إلخ)","level":2,"page":2050},{"title":"(١٥ - باب خير مال المسلم غنم يتبع بها. . .) إلخ","level":2,"page":2051},{"title":"(١٦ - باب خمس من الدواب فواسق. . .) إلخ","level":2,"page":2052},{"title":"(١٧ - باب إذا وقع الذباب في شراب أحدكم. . .) إلخ","level":2,"page":2052},{"title":"٦٠ - كتاب الأنبياء على نبينا وعليهم الصلاة والسلام","level":1,"page":2053},{"title":"(١ - باب خلق آدم وذريته)","level":2,"page":2055},{"title":"(٢ - باب الأرواح جنود مجندة. . .) إلخ","level":2,"page":2058},{"title":"(٣ - باب قول الله - ﷿ -: ﴿ولقد أرسلنا نوحا﴾ [هود: ٢٥]. . .) إلخ","level":2,"page":2059},{"title":"(٤ - باب ﴿وإن إلياس لمن المرسلين. . .﴾ [الصافات: ١٢٣]) إلخ","level":2,"page":2060},{"title":"(٥ - باب ذكر إدريس وقول الله - ﷿ -: ﴿ورفعناه مكانا عليا﴾ [مريم: ٥٧])","level":2,"page":2061},{"title":"(٦ - باب قول الله - ﷿ -: ﴿وإلى عاد أخاهم هودا﴾ [الأعراف: ٦٥]. . .) إلخ","level":2,"page":2062},{"title":"(٧ - باب قصة يأجوج ومأجوج. . .) إلخ","level":2,"page":2063},{"title":"(باب قول الله - ﷿ -: ﴿ويسألونك عن ذي القرنين﴾ [الكهف: ٨٣])","level":2,"page":2065},{"title":"(٨ - باب قول الله - ﷿ -: ﴿واتخذ الله إبراهيم خليلا﴾ [النساء: ١٢٥])","level":2,"page":2067},{"title":"(٩ - باب ﴿يزفون﴾: النسلان في المشي)","level":2,"page":2068},{"title":"(١١ - باب قوله تعالى: ﴿ونبئهم عن ضيف إبراهيم﴾ [الحجر: ٥١]. . .) إلخ","level":2,"page":2069},{"title":"(١٢ - باب قول الله - ﷿ -: ﴿واذكر في الكتاب إسماعيل. . .﴾ [مريم: ٥٤]) إلخ","level":2,"page":2070},{"title":"(١٣ - باب قصة إسحاق بن إبراهيم)","level":2,"page":2071},{"title":"(١٤ - باب قوله تعالى: ﴿أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب. . .﴾ [البقرة: ١٣٣]) إلخ","level":2,"page":2073},{"title":"(١٥ - باب ﴿ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة. . .﴾ [الأعراف: ٨٠]) إلخ","level":2,"page":2073},{"title":"(١٦ - باب قوله: ﴿فلما جاء آل لوط المرسلون (٦١) قال إنكم قوم منكرون﴾ [الحجر: ٦١، ٦٢]. . .) إلخ","level":2,"page":2074},{"title":"(١٧ - باب قول الله - ﷿ -: ﴿وإلى ثمود أخاهم صالحا﴾ [الأعراف: ٧٣])","level":2,"page":2075},{"title":"(١٨ - باب ﴿أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت. . .﴾ [البقرة: ١٣٣]) إلخ","level":2,"page":2076},{"title":"(١٩ - باب قول الله - ﷿ -: ﴿لقد كان في يوسف وإخوته﴾ [يوسف: ٧])","level":2,"page":2077},{"title":"(٢٠ - باب قول الله - ﷿ -: ﴿وأيوب إذ نادى ربه﴾ [الأنبياء: ٨٣])","level":2,"page":2079},{"title":"(٢١ - باب ﴿واذكر في الكتاب موسى. . .﴾ [مريم: ٥١]) إلخ","level":2,"page":2080},{"title":"(٢٢ - باب قول الله - ﷿ -: ﴿وهل أتاك حديث موسى. . .﴾ [طه: ٩]) إلخ","level":2,"page":2081},{"title":"(٢٣ - باب ﴿وقال رجل مؤمن من آل فرعون. . .﴾ [غافر: ٢٨]) إلخ","level":2,"page":2082},{"title":"(٢٤ - باب قول الله - ﷿ -: ﴿وهل أتاك حديث موسى﴾ [طه: ٩]. . .) إلخ","level":2,"page":2082},{"title":"(٢٥ - باب قول الله - ﷿ -: ﴿وواعدنا موسى ثلاثين ليلة. . .﴾ [الأعراف: ١٤٢]) إلخ","level":2,"page":2083},{"title":"(٢٦ - باب طوفان من السيل، ويقال للموت. . .) إلخ","level":2,"page":2084},{"title":"(٢٧ - باب حديث الخضر مع موسى - ﵉ -)","level":2,"page":2084},{"title":"(٢٨ - باب)","level":2,"page":2086},{"title":"(٢٩ - باب قوله: ﴿يعكفون على أصنام لهم. . .﴾ [الأعراف: ١٣٨]) إلخ","level":2,"page":2086},{"title":"(٣٠ - باب ﴿وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم. . .﴾ [البقرة: ٦٧]) إلخ","level":2,"page":2087},{"title":"(٣١ - باب وفاة موسى - ﵇ - وذكره بعد)","level":2,"page":2087},{"title":"(٣٢ - باب قول الله - ﷿ -: ﴿وضرب الله مثلا. . .﴾ [التحريم: ١١]) إلخ","level":2,"page":2088},{"title":"(٣٣ - باب قوله: ﴿إن قارون كان من قوم موسى. . .﴾ [القصص: ٧٦]) إلخ","level":2,"page":2090},{"title":"(٣٤ - باب قول الله - ﷿ -: ﴿وإلى مدين أخاهم شعيبا. . .﴾ [الأعراف: ٨٥]) إلخ","level":2,"page":2091},{"title":"(٣٥ - باب قول الله - ﷿ -: ﴿وإن يونس لمن المرسلين﴾ [الصافات: ١٣٩]) إلخ","level":2,"page":2092},{"title":"(٣٦ - باب قوله: ﴿واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر. . .﴾ [الأعراف: ١٦٣]) إلخ","level":2,"page":2094},{"title":"(٣٧ - باب قول الله - ﷿ -: ﴿وآتينا داوود زبورا. . .﴾ [الإسراء: ٥٥]) إلخ","level":2,"page":2094},{"title":"(٣٨ - باب أحب الصلاة إلى الله صلاة داود. . .) إلخ","level":2,"page":2096},{"title":"(٣٩ - باب ﴿واذكر عبدنا داوود ذا الأيد. . .﴾ [ص: ١٧]) إلخ","level":2,"page":2096},{"title":"(٤٠ - باب قول الله - ﷿ -: ﴿ووهبنا لداوود سليمان. . .﴾ [ص: ٣٠]) إلخ","level":2,"page":2097},{"title":"(٤١ - باب قول الله - ﷿ -: ﴿ولقد آتينا لقمان الحكمة. . .﴾ [لقمان: ١٢]) إلخ","level":2,"page":2097},{"title":"(٤٢ - باب قول الله تعالى: ﴿واضرب لهم مثلا أصحاب القرية. . .﴾ [يس: ١٣]) إلخ","level":2,"page":2099},{"title":"(٤٣ - باب قوله: ﴿ذكر رحمت ربك عبده زكريا﴾ [مريم: ٢]. . .) إلخ","level":2,"page":2100},{"title":"(٤٤ - باب قوله: ﴿واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها. . .﴾ [مريم: ١٦]) إلخ","level":2,"page":2100},{"title":"(٤٥ - باب ﴿وإذ قالت الملائكة يامريم إن الله اصطفاك .. . .﴾ [آل عمران: ٤٢]) إلخ","level":2,"page":2101},{"title":"(٤٦ - باب قوله تعالى: ﴿إذ قالت الملائكة يامريم إن الله يبشرك﴾ [آل عمران: ٤٥]) إلخ","level":2,"page":2102},{"title":"(٤٧ - باب قوله تعالى: ﴿ياأهل الكتاب لا تغلوا في دينكم. . .﴾ [النساء: ١٧١]) إلخ","level":2,"page":2102},{"title":"(٤٨ - باب قول الله - ﷿ -: ﴿واذكر في الكتاب مريم. . .﴾ [مريم: ١٦]) إلخ","level":2,"page":2102},{"title":"(٤٩ - باب نزول عيسى ابن مريم)","level":2,"page":2103},{"title":"(٥٠ - باب ما ذكر عن بني إسرائيل)","level":2,"page":2107},{"title":"(٥١ - باب حديث أبرص وأقرع وأعمى. . .) إلخ","level":2,"page":2107},{"title":"(٥٢ - باب قوله تعالى: ﴿أم حسبت أن أصحاب الكهف. . .﴾ [الكهف: ٩]) إلخ","level":2,"page":2107},{"title":"(٥٣ - باب حديث الغار)","level":2,"page":2109},{"title":"(٥٤ - باب)","level":2,"page":2109},{"title":"٦١ - كتاب المناقب","level":1,"page":2110},{"title":"(١ - وقول الله تعالى: ﴿ياأيها الناس إنا خلقناكم﴾ الآية [الحجرات: ١٣]. . .) إلخ","level":2,"page":2111},{"title":"باب","level":2,"page":2112},{"title":"(٢ - باب مناقب قريش)","level":2,"page":2113},{"title":"(٣ - باب نزل القرآن بلسان قريش)","level":2,"page":2114},{"title":"(٤ - باب نسبة اليمن إلى إسماعيل - ﵇ -)","level":2,"page":2115},{"title":"٥ - (باب)","level":2,"page":2116},{"title":"(٦ - باب ذكر أسلم وغفار ومزينة وجهينة وأشجع)","level":2,"page":2116},{"title":"(٧ - باب ذكر قحطان)","level":2,"page":2117},{"title":"(٨ - باب ما ينهى عنه من دعوة الجاهلية)","level":2,"page":2118},{"title":"(٩ - باب قصة خزاعة)","level":2,"page":2119},{"title":"(١٠ - باب قصة إسلام أبي ذر)","level":2,"page":2119},{"title":"(١٢ - باب جهل العرب)","level":2,"page":2120},{"title":"(١٣ - باب من انتسب إلى آبائه)","level":2,"page":2121},{"title":"(١٤ - باب ابن أخت القوم ومولى القوم منهم)","level":2,"page":2121},{"title":"(١٥ - باب قصة الحبش)","level":2,"page":2122},{"title":"(١٦ - باب من أحب أن لا يسب نسبه)","level":2,"page":2122},{"title":"(١٧ - باب ما جاء في أسماء رسول الله - ﷺ -. . .) إلخ","level":2,"page":2123},{"title":"(١٨ - باب خاتم النبيين)","level":2,"page":2125},{"title":"(١٩ - باب وفاة النبي - ﷺ -)","level":2,"page":2125},{"title":"(٢٠ - باب كنية النبي ﷺ تسليما كثيرا كثيرا)","level":2,"page":2126},{"title":"(٢١ - باب)","level":2,"page":2127},{"title":"(٢٢ - باب خاتم النبوة)","level":2,"page":2127},{"title":"(٢٣ - باب صفة النبي - ﷺ -)","level":2,"page":2128},{"title":"(٢٤ - باب كان النبي - ﷺ - تنام عينه. . .) إلخ","level":2,"page":2129},{"title":"(٢٥ - باب علامات النبوة في الإسلام)","level":2,"page":2129},{"title":"(٢٦ - باب قول الله تعالى: ﴿يعرفونه كما يعرفون أبناءهم﴾ الآية [البقرة: ١٤٦])","level":2,"page":2131},{"title":"(٢٧ - باب سؤال المشركين أن يريهم النبي - ﷺ - آية. . .) إلخ","level":2,"page":2132},{"title":"(٢٨ - باب)","level":2,"page":2133},{"title":"٦٢ - كتاب فضائل الصحابة","level":1,"page":2134},{"title":"(١ - باب فضائل أصحاب النبي - ﷺ -. . .) إلخ","level":2,"page":2134},{"title":"(٢ - باب مناقب المهاجرين وفضلهم) ومنهم أبو بكر عبد الله بن أبي قحافة - ﵃ -","level":2,"page":2137},{"title":"(٣ - باب قول النبي - ﷺ -: \"سدوا الأبواب إلا باب أبي بكر. . .\") إلخ","level":2,"page":2139},{"title":"(٤ - باب فضل أبي بكر بعد النبي - ﷺ -)","level":2,"page":2139},{"title":"(٥ - باب قول النبي - ﷺ -: \"لو كنت متخذا خليلا. . .\") إلخ","level":2,"page":2140},{"title":"(باب)","level":2,"page":2140},{"title":"(٦ - باب مناقب عمر بن الخطاب - ﵁ -)","level":2,"page":2141},{"title":"(٧ - باب مناقب عثمان بن عفان أبي عمرو القرشي - ﵁ -)","level":2,"page":2143},{"title":"(٨ - باب قصة البيعة والاتفاق على عثمان بن عفان. . .) إلخ","level":2,"page":2144},{"title":"(٩ - باب مناقب علي بن أبي طالب كرم الله وجهه)","level":2,"page":2146},{"title":"(١٠ - باب مناقب جعفر بن أبي طالب الهاشمي. . .) إلخ","level":2,"page":2147},{"title":"(١١ - باب ذكر عباس بن عبد المطلب)","level":2,"page":2148},{"title":"(١٢ - باب مناقب قرابة رسول الله - ﷺ -)","level":2,"page":2149},{"title":"(١٣ - باب مناقب الزبير بن العوام. . .) إلخ","level":2,"page":2150},{"title":"(١٤ - ذكر طلحة بن عبيد الله. . .) إلخ","level":2,"page":2150},{"title":"(١٥ - باب مناقب سعد بن أبي وقاص الزهري)","level":2,"page":2151},{"title":"(١٦ - باب ذكر أصهار النبي - ﷺ -. . .) إلخ","level":2,"page":2152},{"title":"(١٧ - باب مناقب زيد بن حارثة. . .) إلخ","level":2,"page":2153},{"title":"(١٨ - باب ذكر أسامة بن زيد)","level":2,"page":2153},{"title":"(١٩ - باب مناقب عبد الله بن عمر)","level":2,"page":2153},{"title":"(٢٠ - باب مناقب عمار وحذيفة)","level":2,"page":2154},{"title":"(٢١ - باب مناقب أبي عبيدة بن الجراح)","level":2,"page":2155},{"title":"(٢٢ - باب مناقب الحسن والحسين)","level":2,"page":2156},{"title":"(٢٣ - باب مناقب بلال بن رباح. . .) إلخ","level":2,"page":2157},{"title":"(٢٤ - باب مناقب ابن عباس)","level":2,"page":2158},{"title":"(٢٥ - باب مناقب خالد بن الوليد)","level":2,"page":2160},{"title":"(٢٦ - باب مناقب سالم مولى أبي حذيفة)","level":2,"page":2160},{"title":"(٢٧ - باب مناقب عبد الله بن مسعود)","level":2,"page":2161},{"title":"(٢٨ - باب ذكر معاوية)","level":2,"page":2162},{"title":"(٢٩ - باب مناقب فاطمة)","level":2,"page":2163},{"title":"(٣٠ - باب فضل عائشة)","level":2,"page":2164},{"title":"٦٣ - كتاب مناقب الأنصار","level":1,"page":2166},{"title":"(١ - باب مناقب الأنصار)","level":2,"page":2166},{"title":"(٢ - باب قول النبي - ﷺ -: \"لولا الهجرة لكنت من الأنصار\")","level":2,"page":2166},{"title":"(٣ - باب إخاء النبي - ﷺ - بين المهاجرين والأنصار)","level":2,"page":2167},{"title":"(٤ - باب حب الأنصار)","level":2,"page":2167},{"title":"(٥ - باب قول النبي - ﷺ - للأنصار: \"أنتم أحب الناس إلي\")","level":2,"page":2167},{"title":"(٦ - باب أتباع الأنصار)","level":2,"page":2168},{"title":"(٧ - باب فضل دور الأنصار)","level":2,"page":2168},{"title":"(٨ - باب قول النبي - ﷺ - للأنصار: \"اصبروا حتى تلقوني على الحوض\")","level":2,"page":2168},{"title":"(٩ - باب دعاء النبي - ﷺ -: \"أصلح الأنصار والمهاجرة\")","level":2,"page":2169},{"title":"(١٠ - باب قوله: ﴿ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة﴾ [الحشر: ٩])","level":2,"page":2169},{"title":"(١١ - باب قول النبي - ﷺ -: \"اقبلوا من محسنهم. . .\") إلخ","level":2,"page":2169},{"title":"(١٢ - باب مناقب سعد بن معاذ)","level":2,"page":2170},{"title":"(١٣ - باب منقبة أسيد بن حضير وعباد بن بشر)","level":2,"page":2170},{"title":"(١٤ - باب مناقب معاذ بن جبل)","level":2,"page":2171},{"title":"(١٥ - باب منقبة سعد بن عبادة)","level":2,"page":2171},{"title":"(١٦ - باب مناقب أبي بن كعب)","level":2,"page":2172},{"title":"(١٧ - باب مناقب زيد بن ثابت)","level":2,"page":2173},{"title":"(١٨ - باب مناقب أبي طلحة)","level":2,"page":2173},{"title":"(١٩ - باب مناقب عبد الله بن سلام)","level":2,"page":2174},{"title":"(٢٠ - باب تزوج النبي - ﷺ - خديجة وفضلها)","level":2,"page":2174},{"title":"(٢١ - باب ذكر جرير بن عبد الله البجلي)","level":2,"page":2176},{"title":"(٢٢ - باب ذكر حذيفة بن اليمان العبسي)","level":2,"page":2177},{"title":"(٢٣ - باب ذكر هند بنت عتبة بن ربيعة)","level":2,"page":2177},{"title":"(٢٤ - باب حديث زيد بن عمرو بن نفيل)","level":2,"page":2178},{"title":"(٢٥ - باب بنيان الكعبة)","level":2,"page":2180},{"title":"(٢٦ - باب أيام الجاهلية)","level":2,"page":2180},{"title":"(٢٧ - القسامة في الجاهلية)","level":2,"page":2182},{"title":"(٢٨ - باب مبعث النبي - ﷺ -)","level":2,"page":2183},{"title":"(٢٩ - باب ذكر ما لقي النبي - ﷺ - وأصحابه من المشركين بمكة)","level":2,"page":2186},{"title":"(٣٠ - باب إسلام أبي بكر الصديق - ﵁ -)","level":2,"page":2186},{"title":"(٣١ - باب إسلام سعد)","level":2,"page":2187},{"title":"(٣٢ - باب ذكر الجن)","level":2,"page":2187},{"title":"(٣٣ - باب إسلام أبي ذر)","level":2,"page":2189},{"title":"(٣٤ - باب إسلام سعيد بن زيد)","level":2,"page":2190},{"title":"(٣٥ - باب إسلام عمر بن الخطاب - ﵁ -)","level":2,"page":2191},{"title":"(٣٦ - باب انشقاق القمر)","level":2,"page":2192},{"title":"(٣٧ - باب هجرة الحبشة)","level":2,"page":2194},{"title":"(٣٨ - باب موت النجاشي)","level":2,"page":2195},{"title":"(٣٩ - باب تقاسم المشركين على النبي - ﷺ -)","level":2,"page":2196},{"title":"(٤٠ - باب قصة أبي طالب)","level":2,"page":2198},{"title":"(٤١ - حديث الإسراء. . .) إلخ","level":2,"page":2198},{"title":"(٤٢ - باب المعراج)","level":2,"page":2199},{"title":"(٤٣ - باب وفود الأنصار إلى النبي - ﷺ - بمكة)","level":2,"page":2201},{"title":"(٤٤ - باب تزويج النبي - ﷺ - عائشة - ﵂ -)","level":2,"page":2202},{"title":"(٤٥ - باب هجرة النبي - ﷺ -)","level":2,"page":2204},{"title":"(٤٦ - باب مقدم النبي - ﷺ - وأصحابه المدينة)","level":2,"page":2206},{"title":"(٤٧ - باب إقامة المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه)","level":2,"page":2209},{"title":"(٤٨ - باب)","level":2,"page":2210},{"title":"(٤٩ - باب قول النبي - ﷺ -: \"اللهم أمض لأصحابي هجرتهم\")","level":2,"page":2212},{"title":"(٥٠ - باب كيف آخى النبي - ﷺ - بين أصحابه. . .) إلخ","level":2,"page":2212},{"title":"(٥١ - باب)","level":2,"page":2213},{"title":"(٥٢ - باب إتيان اليهود النبي - ﷺ - حين قدم المدينة)","level":2,"page":2214},{"title":"(٥٣ - باب إسلام سلمان الفارسي - ﵁ -)","level":2,"page":2215},{"title":"٦٤ - كتاب المغازي","level":1,"page":2218},{"title":"(١ - باب غزوة العشيرة أو العسيرة)","level":2,"page":2219},{"title":"(٢ - باب ذكر النبي - ﷺ - من يقتل ببدر)","level":2,"page":2224},{"title":"(٣ - باب قصة غزوة بدر)","level":2,"page":2225},{"title":"(٤ - باب قول الله تعالى: ﴿إذ تستغيثون ربكم﴾ الآية [الأنفال: ٩])","level":2,"page":2227},{"title":"(٥ - باب)","level":2,"page":2228},{"title":"(٦ - باب عدة أصحاب بدر)","level":2,"page":2228},{"title":"(٧ - باب دعاء النبي - ﷺ - على كفار قريش. . .) إلخ","level":2,"page":2228},{"title":"(٨ - باب قتل أبي جهل)","level":2,"page":2229},{"title":"(٩ - باب فضل من شهد بدرا)","level":2,"page":2231},{"title":"(١٠ - باب)","level":2,"page":2232},{"title":"(١١ - باب شهود الملائكة بدرا)","level":2,"page":2232},{"title":"(١٢ - باب)","level":2,"page":2233},{"title":"(١٣ - باب تسمية من سمي من أهل بدر)","level":2,"page":2234},{"title":"(١٤ - باب حديث بني النضير)","level":2,"page":2237},{"title":"(١٥ - باب قتل كعب بن الأشرف)","level":2,"page":2240},{"title":"(١٦ - باب قتل أبي رافع. . .) إلخ","level":2,"page":2242},{"title":"(١٧ - باب غزوة أحد. . .) إلخ","level":2,"page":2244},{"title":"(١٨ - باب قوله تعالى: ﴿إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا. . .﴾ [آل عمران: ١٢٢]) إلخ","level":2,"page":2244},{"title":"(١٩ - باب قوله تعالى: ﴿إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان﴾ [آل عمران: ١٥٥])","level":2,"page":2245},{"title":"(٢٠ - باب ﴿إذ تصعدون ولا تلوون على أحد﴾ الآية [آل عمران: ١٥٣])","level":2,"page":2246},{"title":"(٢١ - باب قوله تعالى: ﴿ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا﴾ الآية [آل عمران: ١٥٤])","level":2,"page":2247},{"title":"(٢٢ - باب ﴿ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم﴾ الآية [آل عمران: ١٢٨])","level":2,"page":2247},{"title":"(٢٣ - باب ذكر أم سليط)","level":2,"page":2248},{"title":"(٢٤ - باب قتل حمزة)","level":2,"page":2248},{"title":"(٢٥ - باب ما أصاب النبي - ﷺ - من الجراح يوم أحد)","level":2,"page":2250},{"title":"(٢٦ - باب)","level":2,"page":2250},{"title":"(٢٧ - باب ﴿الذين استجابوا لله والرسول﴾ [آل عمران: ١٧٢])","level":2,"page":2250},{"title":"(٢٨ - باب من قتل من المسلمين يوم أحد)","level":2,"page":2251},{"title":"(٢٩ - باب أحد يحبنا)","level":2,"page":2253},{"title":"(٣٠ - باب غزوة الرجيع ورعل وذكوان وبئر معونة. . .) إلخ","level":2,"page":2253},{"title":"(٣١ - باب غزوة الخندق وهي الأحزاب. . .) إلخ","level":2,"page":2257},{"title":"(٣٢ - باب مرجع النبي - ﷺ - من الأحزاب)","level":2,"page":2259},{"title":"(٣٣ - باب غزوة ذات الرقاع)","level":2,"page":2259},{"title":"(٣٤ - باب غزوة بني المصطلق من خزاعة. . .) إلخ","level":2,"page":2263},{"title":"(٣٣ - باب غزوة أنمار)","level":2,"page":2265},{"title":"(٣٤ - باب حديث الإفك)","level":2,"page":2267},{"title":"(٣٥ - باب غزوة الحديبية. . .) إلخ","level":2,"page":2269},{"title":"(٣٦ - باب قصة عكل وعرينة)","level":2,"page":2273},{"title":"(٣٧ - باب غزوة ذات القرد)","level":2,"page":2274},{"title":"(٣٨ - باب غزوة خيبر)","level":2,"page":2275},{"title":"(٣٩ - باب استعمال النبي - ﷺ - على أهل خيبر)","level":2,"page":2277},{"title":"(٤٠ - باب معاملة النبي - ﷺ - أهل خيبر)","level":2,"page":2277},{"title":"(٤١ - باب الشاة التي سمت للنبي - ﷺ -. . .) إلخ","level":2,"page":2277},{"title":"(٤٢ - باب غزوة زيد بن حارثة)","level":2,"page":2278},{"title":"(٤٣ - باب عمرة القضاء)","level":2,"page":2279},{"title":"(٤٤ - باب غزوة مؤتة من أرض الشام)","level":2,"page":2280},{"title":"(٤٥ - باب بعث النبي - ﷺ - أسامة بن زيد إلى الحرقات)","level":2,"page":2280},{"title":"(٤٦ - باب غزوة الفتح)","level":2,"page":2282},{"title":"(٤٧ - باب غزوة الفتح في رمضان)","level":2,"page":2283},{"title":"(٤٨ - باب أين ركز النبي - ﷺ - الراية. . .) إلخ","level":2,"page":2284},{"title":"(٤٩ - باب دخول النبي - ﷺ - من أعلى مكة)","level":2,"page":2285},{"title":"(٥٠ - باب منزل النبي - ﷺ - يوم الفتح)","level":2,"page":2285},{"title":"(٥١ - باب)","level":2,"page":2285},{"title":"(٥٢ - باب مقام النبي - ﷺ - بمكة زمن الفتح)","level":2,"page":2286},{"title":"(باب)","level":2,"page":2287},{"title":"(٥٤ - باب قول الله تعالى: ﴿ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم﴾ [التوبة: ٢٥] إلخ","level":2,"page":2287},{"title":"(٥٥ - باب غزوة أوطاس)","level":2,"page":2288},{"title":"(٥٦ - باب غزوة الطائف. . .) إلخ","level":2,"page":2289},{"title":"(٥٧ - باب السرية التي قبل نجد)","level":2,"page":2291},{"title":"(٥٨ - باب بعث النبي - ﷺ - خالد بن الوليد إلى بني جذيمة)","level":2,"page":2292},{"title":"(٥٩ - باب سرية عبد الله بن حذافة السهمي. . .) إلخ","level":2,"page":2292},{"title":"(٦٠ - باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن)","level":2,"page":2294},{"title":"(٦١ - باب بعث علي بن أبي طالب وخالد بن الوليد إلى اليمن)","level":2,"page":2295},{"title":"(٦٢ - باب غزوة ذي الخلصة)","level":2,"page":2297},{"title":"(٦٣ - باب غزوة ذات السلاسل. . .) إلخ","level":2,"page":2298},{"title":"(٦٤ - باب ذهاب جرير إلى اليمن)","level":2,"page":2300},{"title":"(٦٥ - باب غزوة سيف البحر. . .) إلخ","level":2,"page":2301},{"title":"(٦٦ - باب حج أبي بكر بالناس في سنة تسع)","level":2,"page":2303},{"title":"(٦٧ - باب وفد بني تميم)","level":2,"page":2304},{"title":"(٦٨ - باب، قال ابن إسحاق: غزوة عيينة بن حصن. . .) إلخ","level":2,"page":2305},{"title":"(٦٩ - باب وفد عبد القيس)","level":2,"page":2306},{"title":"(٧٠ - باب وفد بني حنيفة وحديث ثمامة بن أثال)","level":2,"page":2307},{"title":"(٧١ - باب قصة الأسود العنسي)","level":2,"page":2308},{"title":"(٧٢ - باب قصة أهل نجران)","level":2,"page":2309},{"title":"(٧٣ - باب قصة عمان والبحرين)","level":2,"page":2310},{"title":"(٧٤ - باب قدوم الأشعريين وأهل اليمن)","level":2,"page":2311},{"title":"(٧٥ - باب قصة دوس والطفيل بن عمرو الدوسي)","level":2,"page":2312},{"title":"(٧٦ - باب قصة وفد طيئ)","level":2,"page":2312},{"title":"(٧٧ - باب حجة الوداع)","level":2,"page":2313},{"title":"(٧٨ - باب غزوة تبوك وهي غزوة العسرة)","level":2,"page":2316},{"title":"(٧٩ - باب حديث كعب بن مالك)","level":2,"page":2318},{"title":"(٨٠ - باب نزول النبي - ﷺ - الحجر)","level":2,"page":2320},{"title":"(٨١ - باب)","level":2,"page":2320},{"title":"(٨٢ - باب كتاب النبي - ﷺ - إلى كسرى وقيصر)","level":2,"page":2321},{"title":"(٨٣ - باب مرض النبي - ﷺ - ووفاته. . .) إلخ","level":2,"page":2322},{"title":"(٨٤ - باب آخر ما تكلم النبي - ﷺ -)","level":2,"page":2326},{"title":"(٨٥ - باب وفاة النبي - ﷺ -)","level":2,"page":2327},{"title":"(باب)","level":2,"page":2328},{"title":"(٨٧ - باب بعث النبي - ﷺ - أسامة بن زيد. . .) إلخ","level":2,"page":2329},{"title":"(٨٨ - باب)","level":2,"page":2330},{"title":"(٨٩ - باب كم غزا النبي - ﷺ -)","level":2,"page":2330},{"title":"٦٥ - كتاب التفسير","level":1,"page":2334},{"title":"(١) سورة الفاتحة","level":2,"page":2338},{"title":"(١ - باب ما جاء في فاتحة الكتاب. . .) إلخ","level":3,"page":2338},{"title":"(٢ - باب ﴿غير المغضوب عليهم. . .﴾ إلخ)","level":3,"page":2340},{"title":"(٢) سورة البقرة","level":2,"page":2341},{"title":"(١ - باب قول الله تعالى: ﴿وعلم آدم. . .﴾ [البقرة: ٣١]) إلخ","level":3,"page":2341},{"title":"(٢ - باب)","level":3,"page":2342},{"title":"(٣ - باب قوله تعالى: ﴿فلا تجعلوا لله أندادا. . .﴾ [البقرة: ٢٢])","level":3,"page":2342},{"title":"(٤ - باب قوله تعالى: ﴿وظللنا عليكم الغمام. . .﴾ [البقرة: ٥٧])","level":3,"page":2342},{"title":"(٥ - باب ﴿وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها. . .﴾) إلخ","level":3,"page":2343},{"title":"(٦ - قوله: ﴿من كان عدوا لجبريل. . .﴾ الآية [البقرة: ٩٧])","level":3,"page":2344},{"title":"(٧ - قوله: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها. . .﴾ [البقرة: ١٠٦])","level":3,"page":2344},{"title":"(٨ - باب قوله: ﴿وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه﴾ [البقرة: ١١٦])","level":3,"page":2345},{"title":"(٩ - قوله: ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾ [البقرة: ١٢٥])","level":3,"page":2345},{"title":"(١٠ - باب قوله: ﴿وإذ يرفع إبراهيم القواعد﴾ [البقرة: ١٢٧])","level":3,"page":2347},{"title":"(١١ - باب قوله الله تعالى: ﴿قولوا آمنا بالله. . .﴾ الآية [البقرة: ١٣٦])","level":3,"page":2347},{"title":"(١٢ - باب ﴿سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم﴾ الآية [البقرة: ١٤٢])","level":3,"page":2348},{"title":"(١٣ - باب قوله: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا. . .﴾ [البقرة: ١٤٣])","level":3,"page":2348},{"title":"(١٤ - باب قوله: ﴿وما جعلنا القبلة التي كنت عليها﴾ [البقرة: ١٤٣])","level":3,"page":2349},{"title":"(١٥ - باب قوله: ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء﴾ [البقرة: ١٤٤])","level":3,"page":2349},{"title":"(١٦ - باب قوله: ﴿ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية. . .﴾ [البقرة: ١٤٥]) إلخ","level":3,"page":2350},{"title":"(١٧ - باب قوله: ﴿الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم﴾ [البقرة: ١٤٦])","level":3,"page":2350},{"title":"(١٨ - باب قوله تعالى: ﴿ولكل وجهة هو موليها﴾ [البقرة: ١٤٨])","level":3,"page":2352},{"title":"(١٩ - باب ﴿ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾ الآية [البقرة: ١٤٩])","level":3,"page":2352},{"title":"(٢٠ - باب ﴿ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام. . .﴾ الآية [البقرة: ١٥٠])","level":3,"page":2352},{"title":"(٢١ - باب قوله: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله. . .﴾ [البقرة: ١٥٨]) إلخ","level":3,"page":2353},{"title":"(٢٢ - باب قوله: ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا. . .﴾ الآية [البقرة: ١٦٥])","level":3,"page":2354},{"title":"(٢٣ - باب ﴿ياأيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص﴾ الآية [البقرة: ١٧٨])","level":3,"page":2354},{"title":"(٢٤ - باب ﴿ياأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام. . .﴾ [البقرة: ١٨٣] إلخ)","level":3,"page":2356},{"title":"(٢٥ - باب قوله: ﴿أياما معدودات فمن كان منكم مريضا. . .﴾ [البقرة: ١٨٤]) إلخ","level":3,"page":2356},{"title":"(٢٦ - باب قوله: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ الآية [البقرة: ١٨٥])","level":3,"page":2359},{"title":"(٢٧ - باب قوله: ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث. . .﴾ الآية [البقرة: ١٨٧])","level":3,"page":2360},{"title":"(٢٨ - باب قوله: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض. . .﴾ [البقرة: ١٨٧]) إلخ","level":3,"page":2361},{"title":"(٢٩ - باب قوله: ﴿وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى﴾ [البقرة: ١٨٩] الآية [البقرة: ١٨٩])","level":3,"page":2361},{"title":"(٣٠ - باب قوله: ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله. . .﴾ [البقرة: ١٩٣]) إلخ","level":3,"page":2362},{"title":"(٣١ - باب قوله: ﴿وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم. . .﴾ [البقرة: ١٩٥]) إلخ","level":3,"page":2363},{"title":"(٣٢ - باب قوله: ﴿فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه. . .﴾ [البقرة: ١٩٦]) إلخ","level":3,"page":2364},{"title":"(٣٣ - باب قوله: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج﴾ [البقرة: ١٩٦])","level":3,"page":2364},{"title":"(٣٤ - باب قوله: ﴿ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم﴾ [البقرة: ١٩٨])","level":3,"page":2365},{"title":"(٣٥ - باب قوله: ﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس﴾ [البقرة: ١٩٩])","level":3,"page":2365},{"title":"(٣٦ - باب قوله: ﴿ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا. . .﴾ [البقرة: ٢٠١]) إلخ","level":3,"page":2366},{"title":"(٣٧ - باب قوله: ﴿وهو ألد الخصام﴾ [البقرة: ٢٠٤])","level":3,"page":2366},{"title":"(٣٨ - باب قوله: ﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة. . .﴾ [البقرة: ٢١٤]) إلخ","level":3,"page":2367},{"title":"(٣٩ - باب قوله: ﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم. . .﴾ الآية [البقرة: ٢٢٣])","level":3,"page":2367},{"title":"(٤٠ - باب قوله: ﴿وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن. . .﴾ الآية [البقرة: ٢٣١])","level":3,"page":2369},{"title":"(٤١ - باب قوله: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا. . .﴾ [البقرة: ٢٣٤]) إلخ","level":3,"page":2369},{"title":"(٤٢ - باب قوله: ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى. . .﴾ [البقرة: ٢٣٨])","level":3,"page":2372},{"title":"(٤٣ - باب قوله: ﴿وقوموا لله قانتين﴾ [البقرة: ٢٣٨] مطيعين)","level":3,"page":2374},{"title":"(٤٤ - باب قوله - ﷿ -: ﴿فإن خفتم فرجالا أو ركبانا. . .﴾ إلخ، [البقرة: ٢٣٩])","level":3,"page":2375},{"title":"(٤٥ - باب قوله: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا﴾ [البقرة: ٢٤٠])","level":3,"page":2376},{"title":"(٤٦ - باب قوله: ﴿وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحي الموتى﴾ الآية [البقرة: ٢٦٠])","level":3,"page":2377},{"title":"(٤٧ - باب قوله: ﴿أيود أحدكم أن تكون له جنة. . .﴾ [البقرة: ٢٦٦]) إلخ","level":3,"page":2377},{"title":"(٤٨ - باب قول الله تعالى: ﴿لا يسألون الناس إلحافا﴾ [البقرة: ٢٧٣] يقال: ألحف علي. . .) إلخ","level":3,"page":2378},{"title":"(٤٩ - باب قول الله: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾ [البقرة: ٢٧٥])","level":3,"page":2379},{"title":"(٥٠ - باب قوله: ﴿يمحق الله الربا﴾ [البقرة: ٢٧٦] قال أبو عبد الله: يذهبه)","level":3,"page":2379},{"title":"(٥١ - باب قوله: ﴿فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله﴾ [البقرة: ٢٧٩] فاعلموا)","level":3,"page":2380},{"title":"(٥٢ - باب قوله: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾ [البقرة: ٢٨٠])","level":3,"page":2380},{"title":"(٥٣ - باب قوله: ﴿واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله﴾ الآية [البقرة: ٢٨١])","level":3,"page":2381},{"title":"(٥٤ - باب قوله: ﴿وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه. . .﴾ [البقرة: ٢٨٤]) إلخ","level":3,"page":2382},{"title":"(٥٥ - باب قوله: ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه﴾ [البقرة: ٢٨٥])","level":3,"page":2383},{"title":"(٣) سورة آل عمران","level":2,"page":2383},{"title":"(١ - باب: ﴿منه آيات محكمات﴾ [آل عمران: ٧] وقال مجاهد: الحلال والحرام. . .) إلخ","level":3,"page":2384},{"title":"(٣ - باب قوله: ﴿إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم. . .﴾ [آل عمران: ٧٧] لا خير. . .) إلخ","level":3,"page":2385},{"title":"(٤ - باب قوله: ﴿قل ياأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم. . .﴾ الآية [آل عمران: ٦٤])","level":3,"page":2386},{"title":"(٥ - باب قوله: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ [آل عمران: ٩٢])","level":3,"page":2387},{"title":"(٦ - باب قوله: ﴿قل فأتوا بالتوراة فاتلوها﴾ الآية [آل عمران: ٩٣])","level":3,"page":2387},{"title":"(٧ - باب قوله: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾ [آل عمران: ١١٠])","level":3,"page":2389},{"title":"(٨ - باب قوله: ﴿إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا﴾ [آل عمران: ١٢٢])","level":3,"page":2390},{"title":"(٩ - باب قوله: ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ [آل عمران: ١٢٨])","level":3,"page":2391},{"title":"(١٠ - باب قوله: ﴿والرسول يدعوكم في أخراكم﴾ [آل عمران: ١٥٣] وهو تأنيث آخركم)","level":3,"page":2391},{"title":"(١١ - باب قوله: ﴿أمنة نعاسا﴾ [آل عمران: ١٥٤])","level":3,"page":2392},{"title":"(١٢ - باب قوله: ﴿الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح﴾ [آل عمران: ١٧٢])","level":3,"page":2393},{"title":"(١٣ - باب ﴿إن الناس قد جمعوا لكم﴾ الآية [آل عمران: ١٧٣])","level":3,"page":2394},{"title":"(١٤ - باب قوله: ﴿ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله﴾ الآية [آل عمران: ١٨٠])","level":3,"page":2394},{"title":"(١٥ - باب قوله: ﴿ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب. . .﴾ [آل عمران: ١٨٦]) إلخ","level":3,"page":2395},{"title":"(١٦ - باب قوله: ﴿لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا﴾ الآية [آل عمران: ١٨٨])","level":3,"page":2396},{"title":"(١٧ - باب قوله: ﴿إن في خلق السماوات والأرض. . .﴾ [آل عمران: ١٩٠]) إلخ","level":3,"page":2397},{"title":"١٨ - باب قوله: ﴿الذين يذكرون الله قياما وقعودا﴾ الآية [آل عمران: ١٩١])","level":3,"page":2398},{"title":"(١٩ - باب قوله: ﴿ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته﴾ الآية [آل عمران: ١٩٢])","level":3,"page":2398},{"title":"(٢٠ - باب قوله: ﴿ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان﴾ الآية [آل عمران: ١٩٣])","level":3,"page":2399},{"title":"(٤) سورة النساء","level":2,"page":2400},{"title":"(١ - باب: ﴿وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى﴾ الآية [النساء: ٣])","level":3,"page":2401},{"title":"(٢ - باب قوله: ﴿ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف﴾ [النساء: ٦])","level":3,"page":2401},{"title":"(٣ - باب قوله: ﴿وإذا حضر القسمة أولو القربى﴾ الآية [النساء: ٨])","level":3,"page":2402},{"title":"(٤ - باب قوله: ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ [النساء: ١١])","level":3,"page":2402},{"title":"(٥ - باب قوله: ﴿ولكم نصف ما ترك أزواجكم﴾ [النساء: ١٢])","level":3,"page":2404},{"title":"(٦ - باب قوله: ﴿لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها﴾ الآية [النساء: ١٩])","level":3,"page":2405},{"title":"(٧ - باب قوله: ﴿ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون﴾ الآية [النساء: ٣٣])","level":3,"page":2405},{"title":"(٨ - باب قوله: ﴿إن الله لا يظلم مثقال ذرة﴾ [النساء: ٤٠] يعني: زنة ذرة)","level":3,"page":2406},{"title":"(٩ - باب قوله: ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد﴾ الآية [النساء: ٤١])","level":3,"page":2408},{"title":"(١٠ - باب قوله: ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط﴾ الآية [النساء: ٤٣])","level":3,"page":2408},{"title":"(١١ - باب قوله: ﴿وأولي الأمر منكم﴾ [النساء: ٥٩] ذوي الأمر)","level":3,"page":2409},{"title":"(١٢ - باب قوله: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم﴾ [النساء: ٦٥])","level":3,"page":2411},{"title":"(١٣ - باب قوله: ﴿فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم﴾ الآية [النساء: ٦٩])","level":3,"page":2411},{"title":"(١٤ - باب قوله: ﴿وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله﴾ الآية [النساء: ٧٥])","level":3,"page":2412},{"title":"(١٥ - باب قوله: ﴿فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم﴾ الآية [النساء: ٨٨])","level":3,"page":2412},{"title":"(باب قوله: ﴿وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به. . .﴾ [النساء: ٨٣] أفشوه) إلخ","level":3,"page":2412},{"title":"(١٦ - باب قوله: ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم﴾ [النساء: ٩٣])","level":3,"page":2414},{"title":"(١٧ - باب قوله: ﴿ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا﴾ [النساء: ٩٤])","level":3,"page":2415},{"title":"(١٨ - باب: ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين﴾ ﴿والمجاهدون في سبيل الله﴾ [النساء: ٩٥])","level":3,"page":2416},{"title":"(١٩ - باب قوله: ﴿إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم﴾ [النساء: ٩٧])","level":3,"page":2416},{"title":"(٢٠ - باب قوله: ﴿إلا المستضعفين من الرجال والنساء﴾ الآية [النساء: ٩٨])","level":3,"page":2417},{"title":"(٢١ - باب قوله: ﴿فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم﴾)","level":3,"page":2418},{"title":"(٢٢ - باب قوله تعالى: ﴿ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر﴾ الآية [النساء: ١٠٢])","level":3,"page":2418},{"title":"(٢٣ - باب قوله: ﴿ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن﴾ [النساء: ١٢٧])","level":3,"page":2419},{"title":"(٢٤ - باب قوله: ﴿وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا﴾ [النساء: ١٢٨])","level":3,"page":2419},{"title":"(٢٥ - باب قوله: ﴿إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار﴾ الآية [النساء: ١٤٥])","level":3,"page":2420},{"title":"(٢٦ - باب قوله: ﴿إنا أوحينا إليك﴾ إلى قوله: ﴿ويونس وهارون وسليمان﴾ [النساء: ١٦٣])","level":3,"page":2422},{"title":"(٢٧ - باب قوله: ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة﴾ [النساء: ١٧٦])","level":3,"page":2422},{"title":"(٥) سورة المائدة","level":2,"page":2423},{"title":"(٢ - باب قوله: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ [المائدة: ٣])","level":3,"page":2426},{"title":"(٣ - باب قوله: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا. . .﴾ [المائدة: ٦]) إلخ","level":3,"page":2428},{"title":"(٤ - باب قول الله: ﴿فاذهب أنت وربك فقاتلا﴾ الآية [المائدة: ٢٤])","level":3,"page":2428},{"title":"(٥ - باب قوله: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله. . .﴾ [المائدة: ٣٣]) إلخ","level":3,"page":2428},{"title":"(٦ - باب قوله: ﴿والجروح قصاص﴾ [المائدة: ٤٥])","level":3,"page":2430},{"title":"(٧ - باب قوله: ﴿ياأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك﴾ [المائدة: ٦٧])","level":3,"page":2431},{"title":"(٨ - باب قوله: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم﴾ الآية [المائدة: ٨٩])","level":3,"page":2431},{"title":"(٩ - باب قوله: ﴿ياأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم. . .﴾ [المائدة: ٨٧]) إلخ","level":3,"page":2431},{"title":"(١٠ - باب قوله: ﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام﴾ الآية [المائدة: ٩٠])","level":3,"page":2433},{"title":"(١١ - باب قوله: ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا﴾ الآية [المائدة: ٩٣])","level":3,"page":2433},{"title":"(١٢ - باب قوله: ﴿لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم﴾ [المائدة: ١٠١])","level":3,"page":2434},{"title":"(١٣ - باب قوله: ﴿ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة. . .﴾ [المائدة: ١٠٣]) إلخ","level":3,"page":2435},{"title":"(١٤ - باب قوله: ﴿وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني. . .﴾ [المائدة: ١١٧]) إلخ","level":3,"page":2438},{"title":"(١٥ - باب قوله: ﴿إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم﴾ [المائدة: ١١٨])","level":3,"page":2439},{"title":"(٦) سورة الأنعام","level":2,"page":2439},{"title":"(١ - باب قوله: ﴿وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو﴾ [الأنعام: ٥٩])","level":3,"page":2442},{"title":"(٢ - باب قوله: ﴿قل هو القادر على أن يبعث عليكم﴾ الآية [الأنعام: ٦٥])","level":3,"page":2443},{"title":"(٣ - باب قوله: ﴿ولم يلبسوا إيمانهم بظلم﴾ [الأنعام: ٨٢])","level":3,"page":2443},{"title":"(٤ - باب قوله: ﴿ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين﴾ [الأنعام: ٨٦])","level":3,"page":2443},{"title":"(٥ - باب قوله: ﴿أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده﴾ [الأنعام: ٩٠])","level":3,"page":2444},{"title":"(٦ - باب قوله: ﴿وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر﴾ [الأنعام: ١٤٦])","level":3,"page":2444},{"title":"(٧ - باب قوله: ﴿ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن﴾ [الأنعام: ١٥١])","level":3,"page":2445},{"title":"(٩ - باب قوله: ﴿هلم شهداءكم. . .﴾ [الأنعام: ١٥٠]) إلخ","level":3,"page":2446},{"title":"(١٠ - باب: ﴿لا ينفع نفسا إيمانها﴾ [الأنعام: ١٥٨])","level":3,"page":2447},{"title":"(٧) سورة الأعراف","level":2,"page":2447},{"title":"(١ - باب قول الله - ﷿ -: ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش. . .﴾ [الأعراف: ٣٣]) إلخ","level":3,"page":2450},{"title":"(٢ - باب قوله: ﴿ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه﴾ الآية [الأعراف: ١٤٣])","level":3,"page":2450},{"title":"(باب قوله: ﴿المن والسلوى﴾ [الأعراف: ١٦٠])","level":3,"page":2451},{"title":"(٣ - باب قوله: ﴿قل ياأيها الناس إني رسول الله إليكم﴾ الآية [الأعراف: ١٥٨])","level":3,"page":2451},{"title":"(باب قوله: ﴿وخر موسى صعقا﴾ [الأعراف: ١٤٣] فيه أبو سعيد وأبو هريرة. . .) إلخ","level":3,"page":2452},{"title":"(٤ - باب قوله: ﴿وقولوا حطة﴾ [الأعراف: ١٦١])","level":3,"page":2452},{"title":"(٥ - باب قوله: ﴿خذ العفو وأمر بالعرف﴾ [الأعراف: ١٩٩])","level":3,"page":2453},{"title":"(٨) سورة الأنفال","level":2,"page":2454},{"title":"(١ - باب: ﴿إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون﴾ [الأنفال: ٢٢])","level":3,"page":2456},{"title":"(٢ - باب قوله: ﴿ياأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول﴾ الآية [الأنفال: ٢٤])","level":3,"page":2456},{"title":"(٣ - باب قوله: ﴿وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر﴾ الآية [الأنفال: ٣٢])","level":3,"page":2457},{"title":"(٤ - باب قوله: ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم﴾ الآية [الأنفال: ٣٣])","level":3,"page":2457},{"title":"(٥ - باب قوله: ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة. . .﴾ [الأنفال: ٣٩]) إلخ","level":3,"page":2458},{"title":"(٦ - باب قول الله: ﴿ياأيها النبي حرض المؤمنين على القتال﴾ [الأنفال: ٦٥])","level":3,"page":2459},{"title":"(٧ - باب قوله: ﴿الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا﴾ الآية [الأنفال: ٦٦])","level":3,"page":2459},{"title":"(٩) سورة براءة","level":2,"page":2460},{"title":"(١ - باب قوله: ﴿براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم﴾ الآية [التوبة: ١])","level":3,"page":2462},{"title":"(٢ - باب قوله: ﴿فسيحوا في الأرض أربعة أشهر﴾ [التوبة: ٢])","level":3,"page":2462},{"title":"(٣ - باب قوله: ﴿وأذان من الله ورسوله إلى الناس. . .﴾ [التوبة: ٣]) إلخ","level":3,"page":2463},{"title":"(٤ - باب قوله: ﴿إلا الذين عاهدتم من المشركين﴾ [التوبة: ٤])","level":3,"page":2464},{"title":"(٥ - باب قوله: ﴿فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم﴾ [التوبة: ١٢])","level":3,"page":2464},{"title":"(٦ - باب قوله: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة﴾ الآية [التوبة: ٣٤])","level":3,"page":2464},{"title":"(٧ - باب قوله - ﷿ -: ﴿يوم يحمى عليها في نار جهنم﴾ الآية [التوبة: ٣٥])","level":3,"page":2465},{"title":"(٨ - باب قوله: ﴿إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا﴾ الآية [التوبة: ٣٦])","level":3,"page":2465},{"title":"(٩ - باب قوله: ﴿ثاني اثنين إذ هما في الغار﴾ [التوبة: ٤٠])","level":3,"page":2465},{"title":"(١٠ - باب قوله: ﴿والمؤلفة قلوبهم. . .﴾ [التوبة: ٦٠]) إلخ","level":3,"page":2467},{"title":"(١١ - باب قوله: ﴿الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين. . .﴾ [التوبة: ٧٩]) إلخ","level":3,"page":2468},{"title":"(١٢ - باب قوله: ﴿استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة﴾ الآية [التوبة: ٨٠])","level":3,"page":2468},{"title":"(١٣ - باب قوله: ﴿ولا تصل على أحد منهم مات أبدا﴾ [التوبة: ٨٤])","level":3,"page":2468},{"title":"(١٤ - باب قوله: ﴿سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم﴾ الآية [التوبة: ٩٥])","level":3,"page":2470},{"title":"(١٥ - باب قوله: ﴿يحلفون لكم لترضوا عنهم. . .﴾ [التوبة: ٩٦]) إلخ","level":3,"page":2470},{"title":"(١٦ - باب قوله: ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين﴾ الآية [التوبة: ١١٣])","level":3,"page":2471},{"title":"(١٧ - باب قوله: ﴿لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة﴾ الآية [التوبة: ١١٧])","level":3,"page":2472},{"title":"(١٨ - باب قوله: ﴿وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض﴾ الآية [التوبة: ١١٨])","level":3,"page":2472},{"title":"(١٩ - باب قوله: ﴿ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾ [التوبة: ١١٩])","level":3,"page":2473},{"title":"(٢٠ - باب قوله: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ماعنتم﴾ الآية [التوبة: ١٢٨])","level":3,"page":2473},{"title":"(١٠) سورة يونس","level":2,"page":2474},{"title":"(٢ - باب قوله: ﴿وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتبعهم فرعون﴾ الآية [يونس: ٩٠])","level":3,"page":2476},{"title":"(١١) سورة هود","level":2,"page":2478},{"title":"(١ - باب: ﴿ألا إنهم يثنون صدورهم﴾ الآية [هود: ٥])","level":3,"page":2478},{"title":"(٢ - باب قوله: ﴿وكان عرشه على الماء﴾ [هود: ٧])","level":3,"page":2479},{"title":"(٤ - باب قوله: ﴿ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا﴾ الآية [هود: ١٨])","level":3,"page":2481},{"title":"(٥ - باب قوله: ﴿وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى. . .﴾ الآية [هود: ١٠٢])","level":3,"page":2481},{"title":"(٦ - باب قوله: ﴿وأقم الصلاة طرفي النهار. . .﴾ [هود: ١١٤]) إلخ","level":3,"page":2482},{"title":"(١٢) سورة يوسف","level":2,"page":2482},{"title":"(١ - باب قوله: ﴿ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب. . .﴾ [يوسف: ٦]) إلخ","level":3,"page":2485},{"title":"(٢ - باب قوله: ﴿لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين﴾ [يوسف: ٧])","level":3,"page":2486},{"title":"(٣ - باب قوله: ﴿قال بل سولت لكم أنفسكم﴾ [يوسف: ١٨])","level":3,"page":2486},{"title":"(٤ - باب قوله: ﴿وراودته التي هو في بيتها عن نفسه. . .﴾ [يوسف: ٢٣]) إلخ","level":3,"page":2487},{"title":"(٥ - باب قوله: ﴿فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك﴾ الآية [يوسف: ٥٠])","level":3,"page":2488},{"title":"(٦ - باب قوله: ﴿حتى إذا استيأس الرسل﴾ [يوسف: ١١٠])","level":3,"page":2489},{"title":"(١٣) سورة الرعد","level":2,"page":2490},{"title":"(١ - باب قول الله: ﴿يعلم ما تحمل كل أنثى. . .﴾ [الرعد: ٨]) إلخ","level":3,"page":2492},{"title":"(١٤) سورة إبراهيم","level":2,"page":2492},{"title":"(باب قال ابن عباس: هاد داع. . .) إلخ","level":3,"page":2492},{"title":"(١ - باب قوله: ﴿كشجرة طيبة أصلها ثابت﴾ الآية [إبراهيم: ٢٤])","level":3,"page":2493},{"title":"(٢ - باب: ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت﴾ [إبراهيم: ٢٧])","level":3,"page":2493},{"title":"(٣ - باب قوله: ﴿ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت الله كفرا﴾ [إبراهيم: ٢٨] ألم تعلم كقوله: ﴿ألم تر كيف. . .﴾) إلخ","level":3,"page":2494},{"title":"(١٥) سورة الحجر","level":2,"page":2495},{"title":"(١ - باب قوله: ﴿إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين﴾ [الحجر: ١٨])","level":3,"page":2496},{"title":"(٢ - باب قوله: ﴿ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين﴾ [الحجر: ٨٠])","level":3,"page":2496},{"title":"(٣ - باب قوله: ﴿ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم﴾ [الحجر: ٨٧])","level":3,"page":2497},{"title":"(٤ - باب قوله: ﴿الذين جعلوا القرآن عضين﴾ [الحجر: ٩١])","level":3,"page":2498},{"title":"(٥ - باب قوله: ﴿واعبد ربك حتى يأتيك اليقين﴾ [الحجر: ٩٩] قال سالم: اليقين الموت)","level":3,"page":2498},{"title":"(١٦) سورة النحل","level":2,"page":2499},{"title":"(١ - باب قوله: ﴿ومنكم من يرد إلى أرذل العمر﴾ [النحل: ٧٠])","level":3,"page":2502},{"title":"(١٧) سورة بني إسرائيل","level":2,"page":2502},{"title":"(٣ - باب قوله: ﴿أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام﴾ [الإسراء: ١])","level":3,"page":2503},{"title":"(٤ - باب قوله: ﴿ولقد كرمنا بني آدم. . .﴾ [الإسراء: ٧٠]) إلخ","level":3,"page":2504},{"title":"(باب قوله: ﴿وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها. . .﴾ [الإسراء: ١٦]) إلخ","level":3,"page":2506},{"title":"(٥ - باب قوله: ﴿ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدا شكورا﴾ [الإسراء: ٣])","level":3,"page":2506},{"title":"(٦ - باب قوله: ﴿وآتينا داوود زبورا﴾ [الإسراء: ٥٥])","level":3,"page":2508},{"title":"(٧ - باب قوله: ﴿قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا﴾ [الإسراء: ٥٦])","level":3,"page":2508},{"title":"(٨ - باب قوله: ﴿أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة﴾ الآية [الإسراء: ٥٧])","level":3,"page":2509},{"title":"(٩ - باب قوله: ﴿وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس﴾ [الإسراء: ٦٠])","level":3,"page":2509},{"title":"(١٠ - باب قوله: ﴿إن قرآن الفجر كان مشهودا﴾ [الإسراء: ٧٨] قال مجاهد: صلاة الفجر)","level":3,"page":2510},{"title":"(١١ - باب قوله: ﴿عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا﴾ [الإسراء: ٧٩])","level":3,"page":2510},{"title":"(١٢ - باب قوله: ﴿وقل جاء الحق وزهق الباطل. . .﴾ [الإسراء: ٨١]) إلخ","level":3,"page":2510},{"title":"(١٣ - باب قوله: ﴿ويسألونك عن الروح﴾ [الإسراء: ٨٥])","level":3,"page":2511},{"title":"(١٤ - باب قوله: ﴿ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها﴾ [الإسراء: ١١٠])","level":3,"page":2513},{"title":"(١٨) سورة الكهف","level":2,"page":2513},{"title":"(١ - باب قوله: ﴿وكان الإنسان أكثر شيء جدلا﴾ [الكهف: ٥٤])","level":3,"page":2515},{"title":"(٢ - باب قوله: ﴿وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ﴾ الآية [الكهف: ٦٠])","level":3,"page":2517},{"title":"(٣ - باب قوله: ﴿فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما﴾ [الكهف: ٦١])","level":3,"page":2518},{"title":"(٤ - باب قوله: ﴿فلما جاوزا قال لفتاه آتنا غداءنا﴾ الآية [الكهف: ٦٢])","level":3,"page":2520},{"title":"(٥ - باب قوله: ﴿قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا﴾ [الكهف: ١٠٣])","level":3,"page":2522},{"title":"(٦ - باب: ﴿أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه﴾ الآية [الكهف: ١٠٥])","level":3,"page":2523},{"title":"(١٩) [سورة] كهيعص","level":2,"page":2523},{"title":"(١ - باب قوله: ﴿وأنذرهم يوم الحسرة﴾ [مريم: ٣٩])","level":3,"page":2525},{"title":"(٢ - باب قوله: ﴿وما نتنزل إلا بأمر ربك﴾ [مريم: ٦٤])","level":3,"page":2526},{"title":"(٣ - باب قوله: ﴿أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا﴾ [مريم: ٧٧]","level":3,"page":2527},{"title":"(٤ - باب قوله: ﴿أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا﴾ [مريم: ٧٨]) قال: موثقا)","level":3,"page":2527},{"title":"(٥ - باب قوله: ﴿كلا سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب مدا﴾ [مريم: ٧٩])","level":3,"page":2528},{"title":"(٦ - باب قوله: ﴿ونرثه ما يقول ويأتينا فردا﴾ [مريم: ٨٠])","level":3,"page":2528},{"title":"(٢٠) طه","level":2,"page":2528},{"title":"(١ - باب قوله: ﴿واصطنعتك لنفسي﴾ [طه: ٤١])","level":3,"page":2530},{"title":"(٢ - باب قوله: ﴿أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي﴾ الآية [طه: ٧٧])","level":3,"page":2530},{"title":"(٣ - باب قوله: ﴿فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى﴾ [طه: ١١٧])","level":3,"page":2531},{"title":"(٢١) سورة الأنبياء","level":2,"page":2531},{"title":"(١ - باب قوله: ﴿كما بدأنا أول خلق﴾ [الأنبياء: ١٠٤])","level":3,"page":2532},{"title":"(٢٢) سورة الحج","level":2,"page":2532},{"title":"(١ - باب قوله: ﴿وترى الناس سكارى﴾ [الحج: ٢])","level":3,"page":2534},{"title":"(٢ - باب قوله: ﴿ومن الناس من يعبد الله على حرف﴾ [الحج: ١١])","level":3,"page":2535},{"title":"(٣ - باب قوله: ﴿هذان خصمان اختصموا في ربهم﴾ [الحج: ١٩])","level":3,"page":2535},{"title":"(٢٣) سورة المؤمنين","level":2,"page":2536},{"title":"(٢٤) سورة النور","level":2,"page":2536},{"title":"(١ - باب قوله: ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ الآية [النور: ٦])","level":3,"page":2537},{"title":"(٢ - باب قوله: ﴿والخامسة أن لعنت الله عليه إن كان من الكاذبين﴾ [النور: ٧])","level":3,"page":2537},{"title":"(٣ - باب قوله: ﴿ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله﴾ الآية [النور: ٨])","level":3,"page":2538},{"title":"(٤ - باب: ﴿والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين﴾ [النور: ٩])","level":3,"page":2539},{"title":"(٥ - باب قوله: ﴿إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم﴾ [النور: ١١]. . .) إلخ","level":3,"page":2540},{"title":"(٦ - باب ﴿لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم﴾ [النور: ١٢] إلى قوله: ﴿الكاذبون﴾ ﴿ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا﴾ الآية [النور: ١٦])","level":3,"page":2540},{"title":"(٧ - باب قوله: ﴿ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم في ما أفضتم فيه عذاب عظيم﴾ [النور: ١٤]. . .) إلخ","level":3,"page":2542},{"title":"(٨ - باب قوله: ﴿إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم﴾ [النور: ١٥])","level":3,"page":2542},{"title":"(باب قوله: ﴿ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا﴾ الآية [النور: ١٦])","level":3,"page":2543},{"title":"(٩ - باب قوله: ﴿يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا﴾ الآية [النور: ١٧])","level":3,"page":2543},{"title":"(١٠ - باب قوله: ﴿ويبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم﴾ [النور: ١٨])","level":3,"page":2545},{"title":"(١١ - باب قوله: ﴿إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا﴾ [النور: ١٩])","level":3,"page":2545},{"title":"(١٢ - باب قوله: ﴿وليضربن بخمرهن على جيوبهن﴾ [النور: ٣١])","level":3,"page":2547},{"title":"(٢٥) سورة الفرقان","level":2,"page":2547},{"title":"(١ - باب قوله: ﴿الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم﴾ [الفرقان: ٣٤])","level":3,"page":2549},{"title":"(٢ - باب قوله: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلها آخر﴾ الآية [الفرقان: ٦٨])","level":3,"page":2550},{"title":"(٣ - باب قوله: ﴿يضاعف له العذاب يوم القيامة﴾ [الفرقان: ٦٩]. . .) إلخ","level":3,"page":2550},{"title":"(٤ - باب قوله: ﴿إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا﴾ [الفرقان: ٧٠])","level":3,"page":2551},{"title":"(٥ - باب قوله: ﴿فسوف يكون لزاما﴾ [الفرقان: ٧٧]: هلكة)","level":3,"page":2552},{"title":"(٢٦) سورة الشعراء","level":2,"page":2552},{"title":"(١ - باب قوله: ﴿ولا تخزني يوم يبعثون﴾ [الشعراء: ٨٧])","level":3,"page":2555},{"title":"(٢ - باب قوله: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين (٢١٤) واخفض جناحك﴾ [الشعراء: ٢١٤، ٢١٥]: ألن جانبك)","level":3,"page":2555},{"title":"(٢٧) سورة النمل","level":2,"page":2557},{"title":"(٢٨) القصص","level":2,"page":2558},{"title":"(١ - باب قوله: ﴿إنك لا تهدي من أحببت﴾ [القصص: ٥٦])","level":3,"page":2559},{"title":"(٢ - باب قوله تعالى: ﴿إن الذي فرض عليك القرآن﴾ [القصص: ٨٥])","level":3,"page":2561},{"title":"(٢٩) العنكبوت","level":2,"page":2562},{"title":"(٣٠) - الم غلبت الروم","level":2,"page":2563},{"title":"(باب قوله: ﴿لا تبديل لخلق الله﴾ [الروم: ٣٠]: لدين الله، ﴿خلق الأولين﴾ [الشعراء: ١٣٧] دين الأولين)","level":3,"page":2567},{"title":"(٣١) لقمان","level":2,"page":2568},{"title":"(١ - باب قوله تعالى: ﴿لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم﴾ [لقمان: ١٣])","level":3,"page":2569},{"title":"(٢ - باب قوله: ﴿إن الله عنده علم الساعة﴾ [لقمان: ٣٤])","level":3,"page":2569},{"title":"(٣٢) سورة تنزيل السجدة","level":2,"page":2569},{"title":"(١ - باب قوله: ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم﴾ [السجدة: ١٧])","level":3,"page":2570},{"title":"(٣٣) الأحزاب","level":2,"page":2572},{"title":"(باب قوله: ﴿ادعوهم لآبائهم﴾ [الأحزاب: ٥])","level":3,"page":2572},{"title":"(٣ - باب قوله: ﴿فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر﴾ [الأحزاب: ٢٣]. . .) إلخ","level":3,"page":2573},{"title":"(٤ - باب قوله: ﴿قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا﴾ [الأحزاب: ٢٨])","level":3,"page":2574},{"title":"(٥ - باب قوله: ﴿وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة﴾ [الأحزاب: ٢٩])","level":3,"page":2575},{"title":"(٦ - باب قوله: ﴿وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس﴾ [الأحزاب: ٣٧])","level":3,"page":2576},{"title":"(٧ - باب قوله: ﴿ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء. . .﴾ الآية [الأحزاب: ٥١])","level":3,"page":2578},{"title":"(٨ - باب قوله: ﴿لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم﴾ [الأحزاب: ٥٣]","level":3,"page":2579},{"title":"(٩ - باب قوله: ﴿إن تبدوا شيئا أو تخفوه فإن الله كان بكل شيء عليما﴾ [الأحزاب: ٥٤])","level":3,"page":2582},{"title":"(١٠ - باب قوله: ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي﴾ الآية [الأحزاب: ٥٦])","level":3,"page":2582},{"title":"(٣٤) سبأ","level":2,"page":2583},{"title":"(١ - باب قوله: ﴿فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم﴾ [سبأ: ٢٣]. . .) إلخ","level":3,"page":2585},{"title":"(٢ - باب قوله: ﴿إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد﴾ [سبأ: ٤٦])","level":3,"page":2586},{"title":"(٣٥) الملائكة","level":2,"page":2586},{"title":"(٣٦) سورة يس","level":2,"page":2587},{"title":"(١ - باب قوله: ﴿والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم﴾ [يس: ٣٨])","level":3,"page":2588},{"title":"(٣٧) والصافات","level":2,"page":2590},{"title":"(١ - باب قوله: ﴿وإن يونس لمن المرسلين﴾ [الصافات: ١٣٩])","level":3,"page":2591},{"title":"(٣٨) ص","level":2,"page":2591},{"title":"(١ - باب قوله: ﴿وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي﴾ الآية [ص: ٣٥])","level":3,"page":2594},{"title":"(٢ - باب قوله: ﴿وما أنا من المتكلفين﴾ [ص: ٨٦])","level":3,"page":2595},{"title":"(٣٩) الزمر","level":2,"page":2595},{"title":"(١ - باب قوله: ﴿قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم﴾ الآية [الزمر: ٥٣])","level":3,"page":2596},{"title":"(٢ - باب قوله: ﴿وما قدروا الله حق قدره﴾ الآية [الزمر: ٦٧])","level":3,"page":2598},{"title":"(٣ - باب قوله: ﴿والأرض جميعا قبضته يوم القيامة﴾ [الزمر: ٦٧])","level":3,"page":2599},{"title":"(٤ - باب قوله: ﴿ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله﴾ [الزمر: ٦٨])","level":3,"page":2599},{"title":"(٤٠) المؤمن","level":2,"page":2602},{"title":"(٤١) حم السجدة","level":2,"page":2603},{"title":"(١ - باب قوله: ﴿وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم﴾ الآية [فصلت: ٢٢])","level":3,"page":2605},{"title":"(٢ - باب قوله: ﴿وذلكم ظنكم﴾ الآية [فصلت: ٢٣])","level":3,"page":2605},{"title":"(٣ - باب قوله: ﴿فإن يصبروا فالنار مثوى لهم﴾ الآية [فصلت: ٢٤])","level":3,"page":2605},{"title":"(٤٢) حم عسق","level":2,"page":2606},{"title":"(١ - باب قوله: ﴿إلا المودة في القربى﴾ [الشورى: ٢٣])","level":3,"page":2607},{"title":"(٤٣) حم الزخرف","level":2,"page":2609},{"title":"(١ - باب قوله تعالى: ﴿ونادوا يامالك ليقض علينا ربك﴾ [الزخرف: ٧٧])","level":3,"page":2610},{"title":"(٤٤) الدخان","level":2,"page":2611},{"title":"(١ - باب: ﴿فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين﴾ [الدخان: ١٠])","level":3,"page":2611},{"title":"(٢ - باب قوله تعالى: ﴿يغشى الناس هذا عذاب أليم﴾ [الدخان: ١١])","level":3,"page":2612},{"title":"(٣ - باب قوله: ﴿ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون﴾ [الدخان: ١٢])","level":3,"page":2612},{"title":"(٤ - باب قوله: ﴿أنى لهم الذكرى وقد جاءهم رسول مبين﴾ [الدخان: ١٣])","level":3,"page":2613},{"title":"(٥ - باب قوله: ﴿ثم تولوا عنه وقالوا معلم مجنون﴾ [الدخان: ١٤])","level":3,"page":2613},{"title":"(باب قوله: ﴿إنا كاشفو العذاب قليلا إنكم عائدون﴾ [الدخان: ١٥]. . .) إلخ","level":3,"page":2613},{"title":"(٤٥) الجاثية","level":2,"page":2613},{"title":"(باب: ﴿وما يهلكنا إلا الدهر﴾ [الجاثية: ٢٤])","level":3,"page":2614},{"title":"(٤٦) الأحقاف","level":2,"page":2615},{"title":"(١ - باب قوله: ﴿والذي قال لوالديه أف لكما أتعدانني﴾ [الأحقاف: ١٧]. . .) إلخ","level":3,"page":2616},{"title":"(٢ - باب قوله: ﴿فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم﴾ الآية [الأحقاف: ٢٤])","level":3,"page":2617},{"title":"(٤٧) الذين كفروا","level":2,"page":2618},{"title":"(١ - باب قوله: ﴿وتقطعوا أرحامكم﴾ الآية [محمد: ٢٢])","level":3,"page":2620},{"title":"(٤٨) سورة الفتح","level":2,"page":2620},{"title":"(١ - باب: ﴿إنا فتحنا لك فتحا مبينا﴾ [الفتح: ١])","level":3,"page":2621},{"title":"(٢ - باب قوله: ﴿ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ [الفتح: ٢]. . .) إلخ","level":3,"page":2622},{"title":"(٣ - باب قوله: ﴿إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا﴾ [الفتح: ٨])","level":3,"page":2623},{"title":"(٤ - باب قوله: ﴿هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين﴾ [الفتح: ٤])","level":3,"page":2624},{"title":"(٥ - باب قوله: ﴿إذ يبايعونك تحت الشجرة﴾ [الفتح: ١٨])","level":3,"page":2624},{"title":"(٤٩) الحجرات","level":2,"page":2625},{"title":"(باب ﴿تنابزوا﴾ يدعى بالكفر بعد الإسلام. . .) إلخ","level":3,"page":2626},{"title":"(١ - باب قوله: ﴿لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي﴾ الآية [الحجرات: ٢])","level":3,"page":2627},{"title":"(٢ - باب قوله: ﴿إن الذين ينادونك من وراء الحجرات﴾ الآية [الحجرات: ٤]. . .) إلخ","level":3,"page":2628},{"title":"(باب قوله تعالى: ﴿ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم﴾ [الحجرات: ٥])","level":3,"page":2629},{"title":"(٥٠) سورة ﴿ق﴾","level":2,"page":2629},{"title":"(١ - باب قوله: ﴿وتقول هل من مزيد﴾ الآية [ق: ٣٠])","level":3,"page":2630},{"title":"(٢ - باب قوله: ﴿وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب﴾ [ق: ٣٩])","level":3,"page":2631},{"title":"(٥١) ﴿والذاريات﴾","level":2,"page":2632},{"title":"(٥٢) ﴿والطور﴾","level":2,"page":2633},{"title":"(٥٣) ﴿والنجم﴾","level":2,"page":2634},{"title":"(باب قوله: ﴿فكان قاب قوسين أو أدنى﴾ [النجم: ٩])","level":3,"page":2635},{"title":"(باب قوله: ﴿فأوحى إلى عبده ما أوحى﴾ [النجم: ١٠])","level":3,"page":2636},{"title":"(باب قوله: ﴿لقد رأى من آيات ربه الكبرى﴾ [النجم: ١٨])","level":3,"page":2636},{"title":"(٢ - باب قوله: ﴿أفرأيتم اللات والعزى﴾ [النجم: ١٩])","level":3,"page":2637},{"title":"(٣ - باب قوله: ﴿ومناة الثالثة الأخرى﴾ [النجم: ٢٠])","level":3,"page":2637},{"title":"(٤ - باب قوله: ﴿فاسجدوا لله واعبدوا﴾ [النجم: ٦٢])","level":3,"page":2638},{"title":"(٥٤) ﴿اقتربت الساعة﴾","level":2,"page":2638},{"title":"(١ - باب قوله: ﴿وانشق القمر (١) وإن يروا آية يعرضوا﴾ [القمر: ١، ٢])","level":3,"page":2639},{"title":"(٢ - باب قوله: ﴿تجري بأعيننا جزاء لمن كان كفر﴾ الآية [القمر: ١٤])","level":3,"page":2639},{"title":"(٣ - باب: ﴿ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر﴾ [القمر: ٢٢])","level":3,"page":2640},{"title":"(٤ - باب قوله: ﴿أعجاز نخل منقعر (٢٠) فكيف كان عذابي ونذر﴾ [القمر: ٢٠، ٢١])","level":3,"page":2641},{"title":"(٥ - باب قوله: ﴿فكانوا كهشيم المحتظر﴾ الآية [القمر: ٣١])","level":3,"page":2641},{"title":"(٦ - باب قوله: ﴿ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر﴾ [القمر: ٣٨])","level":3,"page":2641},{"title":"(٧ - باب قوله: ﴿ولقد أهلكنا أشياعكم فهل من مدكر﴾ [القمر: ٥١])","level":3,"page":2642},{"title":"(٨ - باب قوله: ﴿سيهزم الجمع ويولون الدبر﴾ [القمر: ٤٥])","level":3,"page":2643},{"title":"(٩ - باب قوله: ﴿بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر﴾ [القمر: ٤٦])","level":3,"page":2643},{"title":"(٥٥) سورة الرحمن","level":2,"page":2644},{"title":"(١ - باب قوله: ﴿ومن دونهما جنتان﴾ [الرحمن: ٦٢])","level":3,"page":2646},{"title":"(٢ - باب قوله: ﴿حور مقصورات في الخيام﴾ [الرحمن: ٧٢])","level":3,"page":2647},{"title":"(٥٦) الواقعة","level":2,"page":2647},{"title":"(١ - باب قوله: ﴿وظل ممدود﴾ [الواقعة: ٣٠])","level":3,"page":2648},{"title":"(٥٧) الحديد","level":2,"page":2648},{"title":"(٥٨) المجادلة","level":2,"page":2649},{"title":"(٥٩) الحشر","level":2,"page":2650},{"title":"(١ - باب قوله: \" ﴿ما قطعتم من لينة﴾ [الحشر: ٥] نخلة ما لم تكن عجوة أو برنية)","level":3,"page":2651},{"title":"(٢ - باب قوله: ﴿وما أفاء الله على رسوله﴾ [الحشر: ٧])","level":3,"page":2652},{"title":"(٣ - باب قوله: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه﴾ [الحشر: ٧])","level":3,"page":2653},{"title":"(٤ - باب قوله: ﴿والذين تبوءوا الدار والإيمان﴾ [الحشر: ٩]. . .) إلخ","level":3,"page":2653},{"title":"(٥ - باب قوله: ﴿ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة﴾ الآية [الحشر: ٩])","level":3,"page":2653},{"title":"(٦٠) الممتحنة","level":2,"page":2654},{"title":"(١ - باب: ﴿لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء﴾ الآية [الممتحنة: ١])","level":3,"page":2655},{"title":"(٢ - باب قوله: ﴿إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات﴾ [الممتحنة: ١٠])","level":3,"page":2657},{"title":"(٣ - باب قوله: ﴿إذا جاءك المؤمنات يبايعنك﴾ [الممتحنة: ١٢])","level":3,"page":2657},{"title":"(٦١) سورة الصف","level":2,"page":2658},{"title":"(١ - باب ﴿يأتي من بعدي اسمه أحمد﴾ [الصف: ٦])","level":3,"page":2659},{"title":"(٦٢) الجمعة","level":2,"page":2659},{"title":"(١ - باب قوله: ﴿وآخرين منهم لما يلحقوا بهم﴾ الآية [الجمعة: ٣])","level":3,"page":2659},{"title":"(٢ - باب قوله: ﴿وإذا رأوا تجارة﴾ [الجمعة: ١١])","level":3,"page":2660},{"title":"(٦٣) ﴿إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله﴾ إلى ﴿لكاذبون﴾ [المنافقون]","level":2,"page":2661},{"title":"(١ - باب قوله: ﴿اتخذوا أيمانهم جنة﴾ يجتنون بها [المنافقون: ٢])","level":3,"page":2661},{"title":"(٢ - باب قوله: ﴿ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم﴾ الآية [المنافقون: ٣])","level":3,"page":2662},{"title":"(٣ - باب قوله: ﴿وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم﴾ الآية [المنافقون: ٤])","level":3,"page":2662},{"title":"(٤ - باب قوله: ﴿خشب مسندة﴾ [المنافقون: ٤])","level":3,"page":2663},{"title":"(٥ - باب قوله: ﴿وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله﴾ الآية [المنافقون: ٥])","level":3,"page":2663},{"title":"(٦ - باب قوله: ﴿سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم﴾ الآية [المنافقون: ٦])","level":3,"page":2664},{"title":"(٧ - باب قوله: ﴿هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله﴾ الآية [المنافقون: ٧])","level":3,"page":2665},{"title":"(٨ - باب قوله: ﴿يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل﴾ الآية [المنافقون: ٨])","level":3,"page":2666},{"title":"(٦٤) سورة التغابن","level":2,"page":2666},{"title":"(٦٥) سورة الطلاق","level":2,"page":2668},{"title":"(١ - باب قوله: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ الآية [الطلاق: ٤])","level":3,"page":2668},{"title":"(٦٦) سورة المتحرم","level":2,"page":2670},{"title":"(١ - باب: ﴿ياأيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك﴾ الآية [التحريم: ١])","level":3,"page":2670},{"title":"(باب ﴿تبتغي مرضات أزواجك والله غفور رحيم﴾ [التحريم: ١])","level":3,"page":2672},{"title":"(٢ - باب: ﴿تبتغي﴾ بذلك ﴿مرضات أزواجك﴾","level":3,"page":2672},{"title":"(٣ - باب: ﴿وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا﴾ [التحريم: ٣]. . .) إلخ","level":3,"page":2673},{"title":"(٤ - باب قوله: ﴿إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما﴾ [التحريم: ٤])","level":3,"page":2674},{"title":"(باب ﴿وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه﴾ الآية [التحريم: ٤])","level":3,"page":2674},{"title":"(٥ - باب قوله: ﴿عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا﴾ الآية [التحريم: ٥])","level":3,"page":2675},{"title":"(٦٧) ﴿تبارك الذي بيده الملك﴾","level":2,"page":2676},{"title":"(٦٨) ﴿ن والقلم﴾","level":2,"page":2676},{"title":"(١ - باب قوله: ﴿عتل بعد ذلك زنيم﴾ [القلم: ١٣])","level":3,"page":2677},{"title":"(٢ - باب قوله: ﴿يوم يكشف عن ساق﴾ [القلم: ٤٢])","level":3,"page":2677},{"title":"(٦٩) ﴿الحاقة﴾","level":2,"page":2678},{"title":"(٧٠) ﴿سأل سائل﴾","level":2,"page":2679},{"title":"(٧١) ﴿إنا أرسلنا﴾","level":2,"page":2680},{"title":"(١ - باب: ﴿ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا﴾ [نوح: ٢٣])","level":3,"page":2680},{"title":"(٧٢) ﴿قل أوحي إلي﴾","level":2,"page":2682},{"title":"(٧٣) ﴿المزمل﴾","level":2,"page":2683},{"title":"(٧٤) ﴿المدثر﴾","level":2,"page":2684},{"title":"(١ - باب قوله: ﴿قم فأنذر﴾ [المدثر: ٢])","level":3,"page":2685},{"title":"(٢ - باب قوله: ﴿وربك فكبر﴾ [المدثر: ٣])","level":3,"page":2685},{"title":"(٣ - باب قوله: ﴿وثيابك فطهر﴾)","level":3,"page":2686},{"title":"(٤ - باب قوله: ﴿والرجز فاهجر﴾. . .) إلخ","level":3,"page":2687},{"title":"(٧٥) سورة ﴿القيامة﴾","level":2,"page":2688},{"title":"(١ - باب: ﴿إن علينا جمعه وقرآنه﴾ [القيامة: ١٧])","level":3,"page":2689},{"title":"(٢ - باب قوله: ﴿فإذا قرأناه فاتبع قرآنه﴾ [القيامة: ١٨])","level":3,"page":2689},{"title":"(٧٦) ﴿هل أتى على الإنسان﴾","level":2,"page":2690},{"title":"(٧٧) ﴿والمرسلات﴾","level":2,"page":2692},{"title":"(١ - باب قوله: ﴿إنها ترمي بشرر كالقصر﴾ [المرسلات: ٣٢])","level":3,"page":2692},{"title":"(٢ - باب قوله: ﴿كأنه جمالت صفر﴾ [المرسلات: ٣٣])","level":3,"page":2693},{"title":"(٣ - باب قوله: ﴿هذا يوم لا ينطقون﴾ [المرسلات: ٣٥])","level":3,"page":2694},{"title":"(٧٨) ﴿عم يتساءلون﴾","level":2,"page":2694},{"title":"(١ - باب قوله: ﴿يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجا﴾ [النبأ: ١٨]: زمرا)","level":3,"page":2694},{"title":"(٧٩) ﴿والنازعات﴾","level":2,"page":2695},{"title":"(٨٠) ﴿عبس﴾","level":2,"page":2695},{"title":"(٨١) ﴿إذا الشمس كورت﴾","level":2,"page":2698},{"title":"(٨٢) ﴿إذا السماء انفطرت﴾","level":2,"page":2699},{"title":"(٨٣) ﴿ويل للمطففين﴾","level":2,"page":2701},{"title":"(٨٤) ﴿إذا السماء انشقت﴾","level":2,"page":2701},{"title":"(١ - باب قوله: ﴿لتركبن طبقا عن طبق﴾ [الانشقاق: ١٩])","level":3,"page":2702},{"title":"(٨٥) ﴿البروج﴾","level":2,"page":2703},{"title":"(٨٦) ﴿الطارق﴾","level":2,"page":2704},{"title":"(٨٧) ﴿سبح اسم ربك﴾","level":2,"page":2705},{"title":"(٨٨) ﴿هل أتاك حديث الغاشية﴾","level":2,"page":2705},{"title":"(٨٩) ﴿والفجر﴾","level":2,"page":2706},{"title":"(٩٠) ﴿لا أقسم﴾","level":2,"page":2708},{"title":"(٩١) ﴿والشمس وضحاها﴾","level":2,"page":2709},{"title":"(٩٢) ﴿والليل إذا يغشى﴾","level":2,"page":2709},{"title":"(١ - باب: ﴿والنهار إذا تجلى﴾ [الليل: ٢])","level":3,"page":2710},{"title":"(٢ - باب قوله: ﴿وما خلق الذكر والأنثى﴾ [الليل: ٣])","level":3,"page":2710},{"title":"(٣ - باب قوله: ﴿فأما من أعطى واتقى﴾ [الليل: ٥])","level":3,"page":2711},{"title":"(٤ - باب قوله: ﴿وصدق بالحسنى﴾ [الليل: ٦])","level":3,"page":2712},{"title":"(٥ - باب قوله: ﴿فسنيسره لليسرى﴾ [الليل: ٧])","level":3,"page":2712},{"title":"(٦ - باب قوله: ﴿وأما من بخل واستغنى﴾ [الليل: ٨])","level":3,"page":2712},{"title":"(٧ - باب قوله: ﴿وكذب بالحسنى﴾ [الليل: ٩])","level":3,"page":2712},{"title":"(٨ - باب قوله: ﴿فسنيسره للعسرى﴾ [الليل: ١٠])","level":3,"page":2713},{"title":"(٩٣) سورة ﴿والضحى﴾","level":2,"page":2714},{"title":"(١ - باب ﴿ما ودعك ربك وما قلى﴾ [الضحى: ٣])","level":3,"page":2714},{"title":"(٢ - باب قوله: ﴿ما ودعك ربك وما قلى﴾ [الضحى: ٣])","level":3,"page":2716},{"title":"(٩٤) سورة ﴿ألم نشرح﴾","level":2,"page":2717},{"title":"(٩٥) ﴿والتين والزيتون﴾","level":2,"page":2719},{"title":"(٩٦) سورة ﴿اقرأ باسم ربك﴾","level":2,"page":2721},{"title":"(١ - باب)","level":3,"page":2722},{"title":"(٢ - باب قوله: ﴿خلق الإنسان من علق﴾ [العلق: ٢])","level":3,"page":2724},{"title":"(٣ - باب قوله: ﴿اقرأ وربك الأكرم﴾ [العلق: ٣])","level":3,"page":2724},{"title":"(٤ - باب قوله: ﴿الذي علم بالقلم﴾ [العلق: ٤])","level":3,"page":2724},{"title":"(٥ - باب قوله: ﴿كلا لئن لم ينته لنسفعا بالناصية﴾ الآية [العلق: ١٥])","level":3,"page":2725},{"title":"(٩٧) ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾","level":2,"page":2726},{"title":"(٩٨) سورة ﴿لم يكن﴾","level":2,"page":2727},{"title":"(٩٩) ﴿إذا زلزلت﴾","level":2,"page":2729},{"title":"(١ - باب قوله: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره﴾ [الزلزلة: ٧])","level":3,"page":2729},{"title":"(٢ - باب قوله: ﴿ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره﴾ [الزلزلة: ٨])","level":3,"page":2730},{"title":"(١٠٠) ﴿والعاديات﴾","level":2,"page":2730},{"title":"(١٠١) سورة ﴿القارعة﴾","level":2,"page":2731},{"title":"(١٠٢) ﴿ألهاكم﴾","level":2,"page":2732},{"title":"(١٠٣) ﴿والعصر﴾","level":2,"page":2733},{"title":"(١٠٤) ﴿ويل لكل همزة لمزة﴾","level":2,"page":2734},{"title":"(١٠٥) سورة ﴿ألم تر كيف فعل ربك﴾","level":2,"page":2735},{"title":"(١٠٦) ﴿لإيلاف قريش﴾","level":2,"page":2736},{"title":"(١٠٧) ﴿أرأيت﴾","level":2,"page":2737},{"title":"(١٠٨) ﴿إنا أعطيناك الكوثر﴾","level":2,"page":2738},{"title":"(١٠٩) ﴿قل ياأيها الكافرون﴾","level":2,"page":2740},{"title":"(١١٠) سورة ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾","level":2,"page":2741},{"title":"(١ - باب قوله: ﴿ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا﴾ [النصر: ٢])","level":3,"page":2742},{"title":"(٢ - باب قوله: ﴿فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا﴾ [النصر: ٣])","level":3,"page":2743},{"title":"(١١١) ﴿تبت يدا أبي لهب﴾","level":2,"page":2744},{"title":"(١ - باب قوله: ﴿. . . وتب﴾ [المسد: ١])","level":3,"page":2745},{"title":"(٢ - باب قوله: ﴿سيصلى نارا ذات لهب﴾ [المسد: ٣])","level":3,"page":2745},{"title":"(٣ - باب قوله: ﴿وامرأته حمالة الحطب﴾ [المسد: ٤])","level":3,"page":2746},{"title":"(١١٢) ﴿قل هو الله أحد﴾","level":2,"page":2747},{"title":"(١ - باب قوله: ﴿الله الصمد﴾ [الإخلاص: ٢])","level":3,"page":2748},{"title":"(١١٣) ﴿قل أعوذ برب الفلق﴾","level":2,"page":2748},{"title":"(١١٤) ﴿قل أعوذ برب الناس﴾","level":2,"page":2749},{"title":"٦٦ - كتاب أبواب فضائل القرآن","level":1,"page":2754},{"title":"(١ - باب كيف نزل الوحي وأول ما نزل. . .) إلخ","level":2,"page":2755},{"title":"(٢ - باب نزل القرآن بلسان قريش)","level":2,"page":2757},{"title":"(٣ - باب جمع القرآن)","level":2,"page":2758},{"title":"(٤ - باب كاتب النبي - ﷺ -)","level":2,"page":2760},{"title":"(٥ - باب أنزل القرآن على سبعة أحرف)","level":2,"page":2761},{"title":"(٦ - باب تأليف القرآن)","level":2,"page":2762},{"title":"(٧ - باب كان جبريل يعرض القرآن على النبي - ﷺ -)","level":2,"page":2763},{"title":"(٨ - باب القراء من أصحاب النبي - ﷺ -)","level":2,"page":2764},{"title":"(٩ - باب فضل فاتحة الكتاب)","level":2,"page":2764},{"title":"(١٠ - فضل البقرة)","level":2,"page":2765},{"title":"(١١ - باب فضل سورة الكهف)","level":2,"page":2766},{"title":"(١٢ - باب فضل سورة الفتح)","level":2,"page":2767},{"title":"(١٣ - باب ﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص: ١] فيه عمرة عن عائشة. . .) إلخ","level":2,"page":2767},{"title":"(١٤ - باب فضل المعوذات)","level":2,"page":2768},{"title":"(١٥ - باب نزول السكينة والملائكة عند قراءة القرآن)","level":2,"page":2769},{"title":"(١٦ - باب من قال: لم يترك النبي - ﷺ - إلا ما بين الدفتين)","level":2,"page":2769},{"title":"(١٧ - باب فضل القرآن على سائر الكلام)","level":2,"page":2770},{"title":"(١٨ - باب الوصاة بكتاب الله)","level":2,"page":2772},{"title":"(١٩ - باب من لم يتغن بالقرآن)","level":2,"page":2772},{"title":"(٢٠ - باب اغتباط صاحب القرآن)","level":2,"page":2774},{"title":"(٢١ - باب خيركم من تعلم القرآن وعلمه)","level":2,"page":2775},{"title":"(٢٢ - باب القراءة عن ظهر القلب)","level":2,"page":2777},{"title":"(٢٣ - باب استذكار القرآن وتعاهده)","level":2,"page":2778},{"title":"(٢٤ - باب القراءة على الدابة)","level":2,"page":2778},{"title":"(٢٥ - باب تعليم الصبيان القرآن)","level":2,"page":2779},{"title":"(٢٦ - باب نسيان القرآن)","level":2,"page":2779},{"title":"(٢٧ - باب من لم ير بأسا أن يقول: سورة البقرة وسورة كذا)","level":2,"page":2781},{"title":"(٢٨ - باب الترتيل في القراءة)","level":2,"page":2782},{"title":"(٢٩ - باب مد القراءة)","level":2,"page":2782},{"title":"(٣٠ - باب الترجيع)","level":2,"page":2783},{"title":"(٣١ - باب حسن الصوت بالقراءة)","level":2,"page":2784},{"title":"(٣٢ - باب من أحب أن يسمع القرآن من غيره)","level":2,"page":2784},{"title":"(٣٣ - باب قول المقرئ للقارئ: حسبك)","level":2,"page":2785},{"title":"(٣٤ - باب في كم يقرأ القرآن، وقول الله تعالى: ﴿فاقرءوا ما تيسر منه﴾ [المزمل: ٢٠])","level":2,"page":2785},{"title":"(٣٥ - باب البكاء عند قراءة القرآن)","level":2,"page":2787},{"title":"(٣٦ - باب من رايا بقراءة القرآن)","level":2,"page":2789},{"title":"(٣٧ - باب اقرؤوا القرآن ما ائتلفت قلوبكم)","level":2,"page":2790},{"title":"٦٧ - كتاب النكاح","level":1,"page":2792},{"title":"(١ - الترغيب في النكاح لقول الله تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ [النساء: ٣])","level":2,"page":2794},{"title":"(٢ - باب قول النبي - ﷺ -: من استطاع منكم الباءة. . .) إلخ","level":2,"page":2795},{"title":"(٣ - باب من لم يستطع الباءة فليصم)","level":2,"page":2796},{"title":"(٤ - باب كثرة النساء)","level":2,"page":2797},{"title":"(٥ - باب من هاجر أو عمل خيرا لتزويج امرأة فله ما نوى)","level":2,"page":2798},{"title":"(٦ - باب تزويج المعسر الذي معه القرآن والإسلام، فيه سهل بن سعد)","level":2,"page":2798},{"title":"(٧ - باب قول الرجل لأخيه: انظر أي زوجتي شئت حتى أنزل لك عنها)","level":2,"page":2799},{"title":"(٨ - باب ما يكره من التبتل والخصاء)","level":2,"page":2800},{"title":"(٩ - باب نكاح الأبكار)","level":2,"page":2800},{"title":"(١٠ - باب تزويج الثيبات)","level":2,"page":2801},{"title":"(١١ - باب تزويج الصغار من الكبار)","level":2,"page":2802},{"title":"(١٢ - باب إلى من ينكح وأي النساء خير. . .) إلخ","level":2,"page":2803},{"title":"(١٣ - باب اتخاذ السراري)","level":2,"page":2803},{"title":"(باب من جعل عتق الأمة صداقها)","level":2,"page":2805},{"title":"(١٤ - باب تزويج المعسر)","level":2,"page":2806},{"title":"(١٥ - باب الأكفاء في الدين)","level":2,"page":2807},{"title":"(١٦ - باب الأكفاء في المال)","level":2,"page":2809},{"title":"(١٧ - باب ما يتقى من شؤم المرأة)","level":2,"page":2810},{"title":"(١٨ - باب الحرة تحت العبد)","level":2,"page":2810},{"title":"(١٩ - باب لا يتزوج أكثر من أربع، لقوله تعالى: ﴿مثنى وثلاث ورباع﴾)","level":2,"page":2812},{"title":"(٢٠ - باب: ﴿وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم﴾ [النساء: ٢٣])","level":2,"page":2813},{"title":"(٢١ - باب من قال: لا رضاع بعد حولين)","level":2,"page":2813},{"title":"(٢٢ - باب لبن الفحل)","level":2,"page":2816},{"title":"(٢٣ - باب شهادة المرضعة)","level":2,"page":2817},{"title":"(٢٤ - باب ما يحل من النساء وما يحرم وقوله تعالى: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ [النساء: ٢٣]. . .) إلخ","level":2,"page":2817},{"title":"(٢٥ - باب قوله: ﴿وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن﴾ [النساء: ٢٣])","level":2,"page":2819},{"title":"(٢٦ - باب قوله: ﴿وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف﴾ [النساء: ٢٣])","level":2,"page":2820},{"title":"(٢٧ - باب لا تنكح المرأة على عمتها)","level":2,"page":2821},{"title":"(٢٨ - باب الشغار)","level":2,"page":2822},{"title":"(٢٩ - باب هل للمرأة أن تهب نفسها لأحد)","level":2,"page":2823},{"title":"(٣٠ - باب نكاح المحرم)","level":2,"page":2825},{"title":"(٣١ - باب نهى رسول الله - ﷺ - عن نكاح المتعة أخيرا)","level":2,"page":2825},{"title":"(٣٢ - باب عرض المرأة نفسها على الرجل الصالح)","level":2,"page":2829},{"title":"(٣٣ - باب عرض الإنسان ابنته أو أخته على أهل الخير)","level":2,"page":2830},{"title":"(٣٤ - باب قول الله - ﷿ -: ﴿ولا جناح عليكم فيما عرضتم به﴾ الآية [البقرة: ٢٣٥])","level":2,"page":2830},{"title":"(٣٥ - باب النظر إلى المرأة قبل التزويج)","level":2,"page":2831},{"title":"(٣٦ - باب من قال: لا نكاح إلا بولي)","level":2,"page":2833},{"title":"(٣٧ - باب إذا كان الولي هو الخاطب)","level":2,"page":2835},{"title":"(٣٨ - باب إنكاح الرجل ولده الصغار)","level":2,"page":2836},{"title":"(٣٩ - باب تزويج الأب ابنته من الإمام)","level":2,"page":2838},{"title":"(٤٠ - باب السلطان ولي. . .) إلخ","level":2,"page":2838},{"title":"(٤١ - باب لا ينكح الأب وغيره البكر والثيب إلا برضاها)","level":2,"page":2839},{"title":"(٤٢ - باب إذا زوج ابنته وهي كارهة فنكاحه مردود)","level":2,"page":2841},{"title":"(٤٣ - باب تزويج اليتيمة، لقوله تعالى: ﴿وإن خفتم ألا تقسطوا﴾ الآية [النساء: ٣])","level":2,"page":2842},{"title":"(٤٤ - باب إذا قال الخاطب: زوجني فلانة. . .) إلخ","level":2,"page":2844},{"title":"(٤٥ - باب لا يخطب على خطبة أخيه حتى ينكح أو يدع)","level":2,"page":2845},{"title":"(٤٦ - باب تفسير ترك الخطبة)","level":2,"page":2846},{"title":"(٤٧ - باب الخطبة)","level":2,"page":2847},{"title":"(٤٨ - باب ضرب الدف في النكاح والوليمة)","level":2,"page":2848},{"title":"(٤٩ - باب قول الله تعالى: ﴿وآتوا النساء صدقاتهن نحلة. . .﴾ [النساء: ٤]) إلخ","level":2,"page":2851},{"title":"(٥٠ - باب التزويج على القرآن وبغير صداق)","level":2,"page":2853},{"title":"(٥١ - باب المهر بالعروض وخاتم من حديد)","level":2,"page":2855},{"title":"(٥٢ - باب الشروط في النكاح)","level":2,"page":2856},{"title":"(٥٣ - باب الشروط التي لا تحل في النكاح)","level":2,"page":2858},{"title":"(٥٤ - باب الصفرة للمتزوج)","level":2,"page":2859},{"title":"(٥٥ - باب)","level":2,"page":2860},{"title":"(٥٦ - باب كيف يدعى للمتزوج)","level":2,"page":2860},{"title":"(٥٧ - باب الدعاء للنساء اللاتي يهدين العروس)","level":2,"page":2861},{"title":"(٥٨ - باب من أحب البناء قبل الغزو)","level":2,"page":2862},{"title":"(٥٩ - باب من بنى بامرأة وهي بنت تسع)","level":2,"page":2862},{"title":"(٦٠ - باب البناء في السفر)","level":2,"page":2862},{"title":"(٦١ - باب البناء بالنهار بغير مركب ولا نيران)","level":2,"page":2863},{"title":"(٦٢ - باب الأنماط ونحوها للنساء)","level":2,"page":2863},{"title":"(٦٣ - باب النسوة اللاتي يهدين المرأة إلى زوجها)","level":2,"page":2864},{"title":"(٦٤ - باب الهدية للعروس)","level":2,"page":2865},{"title":"(٦٥ - باب استعارة الثياب للعروس وغيرها)","level":2,"page":2865},{"title":"(٦٦ - باب ما يقول الرجل إذا أتى أهله)","level":2,"page":2866},{"title":"(٦٧ - باب الوليمة حق)","level":2,"page":2867},{"title":"(٦٨ - باب الوليمة ولو بشاة)","level":2,"page":2868},{"title":"(٦٩ - باب من أولم على بعض نسائه أكثر من بعض)","level":2,"page":2869},{"title":"(٧٠ - باب من أولم بأقل من شاة)","level":2,"page":2869},{"title":"(٧١ - باب حق إجابة الوليمة والدعوة)","level":2,"page":2870},{"title":"(٧٢ - باب من ترك الدعوة فقد عصى الله ورسوله)","level":2,"page":2873},{"title":"(٧٣ - باب من أجاب إلى كراع)","level":2,"page":2873},{"title":"(٧٤ - باب إجابة الداعي في العرس وغيرها)","level":2,"page":2874},{"title":"(٧٥ - باب ذهاب النساء والصبيان إلى العرس)","level":2,"page":2875},{"title":"(٧٦ - باب هل يرجع إذا رأى منكرا في الدعوة)","level":2,"page":2875},{"title":"(٧٧ - باب قيام المرأة على الرجال في العرس وخدمتهم بالنفس)","level":2,"page":2876},{"title":"(٧٨ - باب النقيع والشراب الذي لا يسكر في العرس)","level":2,"page":2877},{"title":"(٧٩ - باب المداراة مع النساء. . .) إلخ","level":2,"page":2877},{"title":"(٨٠ - باب الوصاة بالنساء)","level":2,"page":2877},{"title":"(٨١ - باب قوله تعالى: ﴿قوا أنفسكم وأهليكم نارا﴾ [التحريم: ٦])","level":2,"page":2878},{"title":"(٨٢ - باب حسن المعاشرة مع الأهل)","level":2,"page":2879},{"title":"(٨٣ - باب موعظة الرجل ابنته لحال زوجها)","level":2,"page":2880},{"title":"(٨٤ - باب صوم المرأة بإذن زوجها تطوعا)","level":2,"page":2881},{"title":"(٨٥ - باب إذا باتت المرأة مهاجرة فراش زوجها)","level":2,"page":2882},{"title":"(٨٦ - باب لا تأذن المرأة في بيت زوجها إلا بإذنه)","level":2,"page":2882},{"title":"(٨٧ - باب)","level":2,"page":2883},{"title":"(٨٨ - باب كفران العشير وهو الزوج وهو الخليط، من المعاشرة)","level":2,"page":2883},{"title":"(٨٩ - باب لزوجك عليك حق)","level":2,"page":2884},{"title":"(٩٠ - باب المرأة راعية في بيت زوجها)","level":2,"page":2884},{"title":"(٩١ - باب قول الله تعالى: ﴿الرجال قوامون على النساء﴾ [النساء: ٣٤])","level":2,"page":2885},{"title":"(٩٢ - باب هجرة النبي - ﷺ - نساءه في غير بيوتهن)","level":2,"page":2886},{"title":"(٩٣ - باب ما يكره من ضرب النساء)","level":2,"page":2887},{"title":"(٩٤ - باب لا تطيع المرأة زوجها في معصية)","level":2,"page":2888},{"title":"(٩٥ - باب قوله: ﴿وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا﴾ [النساء: ١٢٨])","level":2,"page":2888},{"title":"(٩٦ - باب العزل)","level":2,"page":2888},{"title":"(٩٧ - باب القرعة بين النساء إذا أراد سفرا)","level":2,"page":2889},{"title":"(٩٨ - باب المرأة تهب يومها من زوجها لضرتها)","level":2,"page":2890},{"title":"(٩٩ - باب العدل بين النساء ﴿ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء. . .﴾ [النساء: ١٢٩]) إلخ","level":2,"page":2891},{"title":"(١٠٠ - باب إذا تزوج البكر على الثيب)","level":2,"page":2892},{"title":"(١٠١ - باب إذا تزوج الثيب على البكر)","level":2,"page":2892},{"title":"(١٠٢ - باب من طاف على نسائه في غسل واحد)","level":2,"page":2894},{"title":"(١٠٣ - باب دخول الرجل على نسائه في اليوم)","level":2,"page":2894},{"title":"(١٠٤ - باب إذا استأذن الرجل نساءه في أن يمرض في بيت بعضهن فأذن له)","level":2,"page":2895},{"title":"(١٠٥ - باب حب الرجل بعض نسائه أفضل من بعض)","level":2,"page":2895},{"title":"(١٠٦ - باب المتشبع بما لم ينل، وما ينهى من افتخار الضرة)","level":2,"page":2896},{"title":"(١٠٧ - باب الغيرة)","level":2,"page":2896},{"title":"(١٠٨ - باب غيرة النساء ووجدهن)","level":2,"page":2897},{"title":"(١٠٩ - باب ذب الرجل عن ابنته في الغيرة والإنصاف)","level":2,"page":2897},{"title":"(١١٠ - باب يقل الرجال ويكثر النساء)","level":2,"page":2898},{"title":"(١١١ - باب لا يخلون رجل بامرأة إلا ذو محرم، والدخول على المغيبة)","level":2,"page":2898},{"title":"(١١٢ - باب ما يجوز أن يخلو الرجل بالمرأة عند الناس)","level":2,"page":2899},{"title":"(١١٣ - باب ما ينهى من دخول المتشبهين بالنساء على المرأة)","level":2,"page":2899},{"title":"(١١٤ - باب نظر المرأة إلى الحبش ونحوهم من غير ريبة)","level":2,"page":2900},{"title":"(١١٥ - باب خروج النساء لحوائجهن)","level":2,"page":2903},{"title":"(١١٦ - باب استئذان المرأة زوجها في الخروج إلى المسجد وغيره)","level":2,"page":2903},{"title":"(١١٧ - باب ما يحل من الدخول والنظر إلى نسائه في الرضاع)","level":2,"page":2904},{"title":"(١١٨ - باب لا تباشر المرأة المرأة فتنعتها لزوجها)","level":2,"page":2904},{"title":"(١١٩ - باب قول الرجل: لأطوفن الليلة على نسائه)","level":2,"page":2904},{"title":"(١٢٠ - باب لا يطرق أهله ليلا إذا طال الغيبة مخافة أن يخونهم)","level":2,"page":2905},{"title":"(١٢١ - باب طلب الولد)","level":2,"page":2906},{"title":"(١٢٢ - باب تستحد المغيبة وتمتشط)","level":2,"page":2906},{"title":"(١٢٣ - باب ﴿ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن﴾ [النور: ٣١])","level":2,"page":2906},{"title":"(١٢٤ - باب ﴿والذين لم يبلغوا الحلم﴾ [النور: ٥٨])","level":2,"page":2907},{"title":"(١٢٥ - باب قول الرجل لصاحبه: هل أعرستم الليلة؟)","level":2,"page":2907},{"title":"٦٨ - كتاب الطلاق","level":1,"page":2909},{"title":"(٢ - باب إذا طلقت الحائض يعتد بذلك الطلاق)","level":2,"page":2912},{"title":"(٣ - باب من طلق وهل يواجه الرجل امرأته بالطلاق)","level":2,"page":2913},{"title":"(٤ - باب من أجاز طلاق الثلاث)","level":2,"page":2914},{"title":"(٥ - باب من خير نساءه)","level":2,"page":2916},{"title":"(٦ - باب إذا قال: فارقتك أو سرحتك)","level":2,"page":2917},{"title":"(٧ - باب من قال لامرأته: أنت علي حرام)","level":2,"page":2918},{"title":"(٨ - باب ﴿لم تحرم ما أحل الله لك﴾ [التحريم: ١])","level":2,"page":2922},{"title":"(٩ - باب لا طلاق قبل النكاح)","level":2,"page":2922},{"title":"(١٠ - باب إذا قال لامرأته وهو مكره: هذه أختي. . .) إلخ","level":2,"page":2923},{"title":"(١١ - باب الطلاق في الإغلاق. . .) إلخ","level":2,"page":2924},{"title":"(١٢ - باب الخلع وكيف الطلاق فيه)","level":2,"page":2932},{"title":"(١٣ - باب الشقاق)","level":2,"page":2934},{"title":"(١٤ - باب لا يكون بيع الأمة طلاقا)","level":2,"page":2934},{"title":"(١٥ - باب خيار الأمة تحت العبد)","level":2,"page":2935},{"title":"(١٦ - باب شفاعة النبي - ﷺ - في زوج بريرة)","level":2,"page":2936},{"title":"(١٧ - باب)","level":2,"page":2936},{"title":"(١٨ - باب قول الله تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن﴾ [البقرة: ٢٢١])","level":2,"page":2936},{"title":"(١٩ - باب نكاح من أسلم من المشركات وعدتهن)","level":2,"page":2939},{"title":"(٢٠ - باب إذا أسلمت المشركة أو النصرانية تحت الذمي والحربي)","level":2,"page":2940},{"title":"(٢١ - باب قوله تعالى: ﴿للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر﴾ الآية [البقرة: ٢٢٦])","level":2,"page":2942},{"title":"(٢٢ - باب حكم المفقود فيى أهله وماله)","level":2,"page":2944},{"title":"(٢٣ - باب ﴿قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها﴾ [المجادلة: ١])","level":2,"page":2946},{"title":"(٢٤ - باب الإشارة في الطلاق والأمور. . .) إلخ","level":2,"page":2947},{"title":"(٢٥ - باب اللعان)","level":2,"page":2949},{"title":"(٢٦ - باب إذا عرض بنفي الولد)","level":2,"page":2951},{"title":"(٢٧ - باب إحلاف الملاعن)","level":2,"page":2953},{"title":"(٢٨ - باب يبدأ الرجل بالتلاعن)","level":2,"page":2954},{"title":"(٢٩ - باب اللعان ومن طلق بعد اللعان)","level":2,"page":2954},{"title":"(٣٠ - باب التلاعن في المسجد)","level":2,"page":2955},{"title":"(٣١ - باب قول النبي - ﷺ -: لو كنت راجما بغير بينة. . .) إلخ","level":2,"page":2956},{"title":"(٣٢ - باب صداق الملاعنة)","level":2,"page":2956},{"title":"(٣٣ - باب قول الإمام للمتلاعنين: إن أحدكما كاذب. . .) إلخ","level":2,"page":2956},{"title":"(٣٤ - باب التفريق بين المتلاعنين)","level":2,"page":2957},{"title":"(٣٥ - باب يلحق الولد بالملاعنة)","level":2,"page":2957},{"title":"(٣٦ - باب قول الإمام: اللهم بين)","level":2,"page":2958},{"title":"(٣٧ - باب إذا طلقها ثلاثا ثم تزوجت بعد العدة زوجا غيره فلم يمسها)","level":2,"page":2958},{"title":"٦٨ م - كتاب العدة","level":1,"page":2960},{"title":"(٣٨ - باب قوله: ﴿واللائي يئسن من المحيض من نسائكم﴾ [الطلاق: ٤])","level":2,"page":2960},{"title":"(٣٩ - باب ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ [الطلاق: ٤])","level":2,"page":2962},{"title":"(٤٠ - باب قول الله: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ [البقرة: ٢٢٨])","level":2,"page":2963},{"title":"(٤١ - باب قصة فاطمة بنت قيس. . .) إلخ","level":2,"page":2964},{"title":"(٤٢ - باب المطلقة إذا خشي عليها في مسكن زوجها. . .) إلخ","level":2,"page":2967},{"title":"(٤٣ - باب قول الله: ﴿ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن﴾ [البقرة: ٢٢٨] من الحيض والحمل)","level":2,"page":2968},{"title":"(٤٤ - باب قوله: ﴿وبعولتهن أحق بردهن﴾ [البقرة: ٢٢٨])","level":2,"page":2969},{"title":"(٤٥ - باب مراجعة الحائض)","level":2,"page":2970},{"title":"(٤٦ - باب تحد المتوفى عنها أربعة أشهر وعشرا)","level":2,"page":2970},{"title":"(٤٧ - باب الكحل للحادة)","level":2,"page":2971},{"title":"(٤٨ - باب القسط للحادة عند الطهر)","level":2,"page":2973},{"title":"(٤٩ - باب تلبس الحادة ثياب العصب)","level":2,"page":2973},{"title":"(٥٠ - باب ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن﴾ الآية [البقرة: ٢٣٤])","level":2,"page":2974},{"title":"(٥١ - باب مهر البغي والنكاح الفاسد)","level":2,"page":2974},{"title":"(٥٢ - باب المهر للمدخول عليها وكيف الدخول)","level":2,"page":2975},{"title":"(٥٣ - باب المتعة للتي لم يفرض لها)","level":2,"page":2976},{"title":"٦٩ - كتاب النفقات","level":1,"page":2980},{"title":"(١ - باب فضل النفقة على الأهل)","level":2,"page":2980},{"title":"(٢ - باب وجوب النفقة على الأهل والعيال)","level":2,"page":2981},{"title":"(٣ - باب حبس الرجل قوت سنة على أهله وكيف نفقات العيال)","level":2,"page":2981},{"title":"(٤ - باب قوله: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن﴾ [البقرة: ٢٣٣])","level":2,"page":2982},{"title":"(٥ - باب نفقة المرأة إذا غاب عنها زوجها)","level":2,"page":2984},{"title":"(٦ - باب عمل المرأة في بيت زوجها)","level":2,"page":2985},{"title":"(٧ - باب خادم المرأة)","level":2,"page":2985},{"title":"(٨ - باب خدمة الرجل في أهله)","level":2,"page":2986},{"title":"(٩ - باب إذا لم ينفق الرجل فللمرأة أن تأخذ. . .) إلخ","level":2,"page":2986},{"title":"(١٠ - باب حفظ المرأة زوجها في ذات يده والنفقة عليه)","level":2,"page":2988},{"title":"(١١ - باب كسوة المرأة بالمعروف)","level":2,"page":2988},{"title":"(١٢ - باب عون المرأة زوجها في ولده)","level":2,"page":2988},{"title":"(١٣ - باب نفقة المعسر على أهله)","level":2,"page":2989},{"title":"(١٤ - باب ﴿وعلى الوارث مثل ذلك﴾ [البقرة: ٢٣٣])","level":2,"page":2989},{"title":"(١٥ - باب قول النبي - ﷺ -: من ترك كلا أو ضياعا فإلي)","level":2,"page":2990},{"title":"(١٦ - باب المراضع من المواليات وغيرهن)","level":2,"page":2991},{"title":"٧٠ - كتاب الأطعمة","level":1,"page":2992},{"title":"(١ - باب التسمية على الطعام والأكل باليمين)","level":2,"page":2993},{"title":"(٢ - باب الأكل مما يليه)","level":2,"page":2994},{"title":"(٣ - باب من تتبع حوالي القصعة)","level":2,"page":2994},{"title":"(٤ - باب التيمن في الأكل وغيره)","level":2,"page":2995},{"title":"(٥ - باب من أكل حتى شبع)","level":2,"page":2995},{"title":"(٦ - باب ﴿ليس على الأعمى حرج﴾ [النور: ٦١]","level":2,"page":2996},{"title":"(٧ - باب الخبز المرقق والأكل على الخوان والسفرة)","level":2,"page":2997},{"title":"(٨ - باب السويق)","level":2,"page":2998},{"title":"(٩ - باب ما كان النبي - ﷺ - لا يأكل حتى يسمى له)","level":2,"page":2999},{"title":"(١٠ - باب طعام الواحد يكفي الاثنين)","level":2,"page":2999},{"title":"(١١ - باب المؤمن يأكل في معى واحد)","level":2,"page":3000},{"title":"(١٢ - باب المؤمن يأكل في معى واحد. . .) إلخ","level":2,"page":3000},{"title":"(١٣ - باب الأكل متكئا)","level":2,"page":3001},{"title":"(١٤ - باب الشواء)","level":2,"page":3002},{"title":"(١٥ - باب الخزيرة)","level":2,"page":3002},{"title":"(١٦ - باب الأقط)","level":2,"page":3003},{"title":"(١٧ - باب السلق والشعير)","level":2,"page":3003},{"title":"(١٨ - باب النهش وانتشال اللحم)","level":2,"page":3003},{"title":"(١٩ - باب تعرق العضد)","level":2,"page":3004},{"title":"(٢٠ - باب قطع اللحم بالسكين)","level":2,"page":3004},{"title":"(٢١ - باب ما عاب النبي - ﷺ - طعاما قط)","level":2,"page":3004},{"title":"(٢٢ - باب النفخ في الشعير)","level":2,"page":3005},{"title":"(٢٣ - باب ما كان النبي - ﷺ - وأصحابه يأكلون)","level":2,"page":3005},{"title":"(٢٤ - باب التلبينة)","level":2,"page":3006},{"title":"(٢٥ - باب الثريد)","level":2,"page":3006},{"title":"(٢٦ - باب شاة مسموطة والكتف والجنب)","level":2,"page":3006},{"title":"(٢٧ - باب ما كان السلف يدخرون في بيوتهم وأسفارهم من الطعام. . .) إلخ","level":2,"page":3007},{"title":"(٢٨ - باب الحيس)","level":2,"page":3007},{"title":"(٢٩ - باب الأكل في إناء مفضض)","level":2,"page":3008},{"title":"(٣٠ - باب ذكر الطعام)","level":2,"page":3008},{"title":"(٣١ - باب الأدم)","level":2,"page":3009},{"title":"(٣٢ - باب الحلواء والعسل)","level":2,"page":3009},{"title":"(٣٣ - باب الدباء)","level":2,"page":3009},{"title":"(٣٤ - باب الرجل يتكلف الطعام لإخوانه)","level":2,"page":3010},{"title":"(٣٥ - باب من أضاف رجلا إلى طعام وأقبل هو على عمله)","level":2,"page":3011},{"title":"(٣٦ - باب المرق)","level":2,"page":3012},{"title":"(٣٧ - باب القديد)","level":2,"page":3012},{"title":"(٣٨ - باب من ناول أو قدم إلى صاحبه على المائدة شيئا)","level":2,"page":3012},{"title":"(٣٩ - باب الرطب بالقثاء)","level":2,"page":3013},{"title":"(٤٠ - باب الحشف)","level":2,"page":3013},{"title":"(٤١ - باب الرطب والتمر)","level":2,"page":3014},{"title":"(٤٢ - باب أكل الجمار)","level":2,"page":3015},{"title":"(٤٣ - باب العجوة)","level":2,"page":3015},{"title":"(٤٤ - باب القران في التمر)","level":2,"page":3016},{"title":"(٤٥ - باب بركة النخلة)","level":2,"page":3016},{"title":"(٤٦ - باب القثاء)","level":2,"page":3016},{"title":"(٤٧ - باب جمع اللونين أو الطعامين بمرة)","level":2,"page":3017},{"title":"(٤٨ - باب من أدخل الضيفان عشرة عشرة. . .) إلخ","level":2,"page":3018},{"title":"(٤٩ - باب ما يكره من الثوم والبقول)","level":2,"page":3019},{"title":"(٥٠ - باب الكباث)","level":2,"page":3019},{"title":"(٥١ - باب المضمضة بعد الطعام)","level":2,"page":3019},{"title":"(٥٢ - باب لعق الأصابع ومصها. . .) إلخ","level":2,"page":3020},{"title":"(٥٣ - باب المنديل)","level":2,"page":3021},{"title":"(٥٤ - باب ما يقول إذا فرغ من طعامه)","level":2,"page":3021},{"title":"(٥٥ - باب الأكل مع الخادم)","level":2,"page":3021},{"title":"(٥٦ - باب الطاعم الشاكر مثل الصائم الصابر)","level":2,"page":3022},{"title":"(٥٧ - باب الرجل يدعى إلى طعام فيقول: وهذا معي)","level":2,"page":3022},{"title":"(٥٨ - باب إذا حضر العشاء فلا يعجل عن عشائه)","level":2,"page":3022},{"title":"(٥٩ - باب قول الله - ﷿ -: ﴿فإذا طعمتم فانتشروا﴾ [الأحزاب: ٥٣])","level":2,"page":3024},{"title":"٧١ - كتاب العقيقة","level":1,"page":3025},{"title":"(١ - باب تسمية المولود غداة يولد لمن لم يعق عنه)","level":2,"page":3027},{"title":"(٢ - باب إماطة الأذى عن الصبي في العقيقة)","level":2,"page":3027},{"title":"(٣ - باب الفرع)","level":2,"page":3028},{"title":"(٤ - باب العتيرة)","level":2,"page":3029},{"title":"٧٢ - كتاب الذبائح والصيد","level":1,"page":3030},{"title":"(١ - باب صيد المعراض)","level":2,"page":3031},{"title":"(٢ - باب ما أصاب المعراض بعرضه)","level":2,"page":3032},{"title":"(٣ - باب صيد القوس)","level":2,"page":3032},{"title":"(٤ - باب الخذف والبندقة)","level":2,"page":3034},{"title":"(٥ - باب من اقتنى كلبا ليس بكلب صيد أو ماشية)","level":2,"page":3034},{"title":"(٦ - باب إذا أكل الكلب. . .) إلخ","level":2,"page":3034},{"title":"(٧ - باب الصيد إذا غاب عنه يومين أو ثلاثة)","level":2,"page":3035},{"title":"(٨ - باب إذا وجد مع الصيد كلبا آخر)","level":2,"page":3037},{"title":"(٩ - باب ما جاء في التصيد)","level":2,"page":3037},{"title":"(١٠ - باب التصيد على الجبال)","level":2,"page":3038},{"title":"(١١ - باب قول الله تعالى: ﴿أحل لكم صيد البحر﴾ [المائدة: ٩٦])","level":2,"page":3039},{"title":"(١٢ - باب أكل الجراد)","level":2,"page":3041},{"title":"(١٣ - باب آنية المجوس)","level":2,"page":3042},{"title":"(١٤ - باب التسمية على الذبيحة ومن ترك متعمدا. . .) إلخ","level":2,"page":3042},{"title":"(١٥ - باب ما ذبح على النصب والأصنام)","level":2,"page":3043},{"title":"(١٦ - باب قول النبي - ﷺ -: \"فليذبح على اسم الله\")","level":2,"page":3043},{"title":"(١٧ - باب ما أنهر الدم من القصب والمروة والحديد)","level":2,"page":3044},{"title":"(١٨ - باب ذبيحة الأمة والمرأة)","level":2,"page":3045},{"title":"(١٩ - باب لا يذكى بالسن والعظم والظفر)","level":2,"page":3045},{"title":"(٢٠ - باب ذبيحة الأعراب ونحوهم)","level":2,"page":3046},{"title":"(٢١ - باب ذبائح أهل الكتاب وشحومها من أهل الحرب وغيرهم)","level":2,"page":3047},{"title":"(٢٢ - باب ما ند من البهائم. . .) إلخ","level":2,"page":3048},{"title":"(٢٣ - باب النحر والذبح)","level":2,"page":3049},{"title":"(٢٤ - باب ما يكره من المثلة)","level":2,"page":3050},{"title":"(٢٥ - باب لحم الدجاج)","level":2,"page":3050},{"title":"(٢٦ - باب لحوم الخيل)","level":2,"page":3051},{"title":"(٢٧ - باب لحوم الحمر الإنسية)","level":2,"page":3051},{"title":"(٢٨ - باب أكل كل ذي ناب من السباع)","level":2,"page":3052},{"title":"(٢٩ - باب جلود الميتة)","level":2,"page":3053},{"title":"(٣٠ - باب المسك)","level":2,"page":3053},{"title":"(٣١ - باب الأرنب)","level":2,"page":3054},{"title":"(٣٢ - باب الضب)","level":2,"page":3054},{"title":"(٣٣ - باب إذا وقعت الفأرة في السمن الجامد أو الذائب)","level":2,"page":3055},{"title":"(٣٤ - باب العلم والوسم في الصورة)","level":2,"page":3056},{"title":"(٣٥ - باب إذا أصاب قوم غنيمة فذبح بعضهم غنما. . .) إلخ","level":2,"page":3058},{"title":"(٣٦ - باب إذا ند بعير لقوم. . .) إلخ","level":2,"page":3058},{"title":"(٣٧ - باب أكل المضطر)","level":2,"page":3058},{"title":"٧٣ - كتاب الأضاحي","level":1,"page":3061},{"title":"(١ - باب سنة الأضحية)","level":2,"page":3062},{"title":"(٢ - باب قسمة الإمام الأضاحي بين الناس)","level":2,"page":3063},{"title":"(٣ - باب الأضحية للمسافر والنساء)","level":2,"page":3064},{"title":"(٤ - باب ما يشتهى من اللحم يوم النحر)","level":2,"page":3065},{"title":"(٥ - باب من قال: الأضحى يوم النحر)","level":2,"page":3066},{"title":"(٦ - باب الأضحى والنحر بالمصلى)","level":2,"page":3067},{"title":"(٧ - باب أضحية النبي - ﷺ - بكبشين. . .) إلخ","level":2,"page":3067},{"title":"(٨ - باب قول النبي - ﷺ - لأبي بردة: \"ضح بالجذع من المعز. . .\") إلخ","level":2,"page":3069},{"title":"(٩ - باب من ذبح الأضاحي بيده)","level":2,"page":3070},{"title":"(١٠ - باب من ذبح ضحية غيره. . .) إلخ","level":2,"page":3071},{"title":"(١١ - باب الذبح بعد الصلاة)","level":2,"page":3071},{"title":"(١٢ - باب من ذبح قبل الصلاة أعاده)","level":2,"page":3071},{"title":"(١٣ - باب وضع القدم على صفح الذبيحة)","level":2,"page":3072},{"title":"(١٤ - باب التكبير عند الذبح)","level":2,"page":3073},{"title":"(١٥ - باب إذا بعث بهديه ليذبح لم يحرم عليه شيء)","level":2,"page":3073},{"title":"(١٦ - باب ما يؤكل من لحوم الأضاحي)","level":2,"page":3073},{"title":"٧٤ - كتاب الأشربة","level":1,"page":3075},{"title":"(١ - باب أن الخصر من العنب)","level":2,"page":3076},{"title":"(٢ - باب نزل تحريم الخمر وهي من البسر والتمر)","level":2,"page":3077},{"title":"(٣ - باب الخمر من العسل وهو البتع)","level":2,"page":3077},{"title":"(٤ - باب ما جاء في أن الخمر ما خامر العقل. . .) إلخ","level":2,"page":3078},{"title":"(٥ - باب ما جاء فيمن يستحل الخمر ويسميه بغير اسمه)","level":2,"page":3079},{"title":"(٦ - باب الانتباذ في الأوعية والتور)","level":2,"page":3080},{"title":"(٧ - باب ترخيص النبي - ﷺ - في الأوعية. . .) إلخ","level":2,"page":3080},{"title":"(٨ - باب نقيع التمر ما لم يسكر)","level":2,"page":3081},{"title":"(٩ - باب الباذق ومن نهى عن كل مسكر من الأشربة)","level":2,"page":3081},{"title":"(١٠ - باب من رأى أن لا يخلط البسر والتمر. . .) إلخ","level":2,"page":3082},{"title":"(١١ - باب شرب اللبن)","level":2,"page":3084},{"title":"(١٢ - باب استعذاب الماء)","level":2,"page":3085},{"title":"(١٣ - باب شرب اللبن بالماء)","level":2,"page":3085},{"title":"(١٤ - باب شراب الحلواء والعسل)","level":2,"page":3086},{"title":"(١٥ - باب الشرب قائما)","level":2,"page":3086},{"title":"(١٦ - باب من شرب وهو واقف على بعيره)","level":2,"page":3088},{"title":"(١٧ - باب الأيمن فالأيمن في الشرب)","level":2,"page":3088},{"title":"(١٨ - باب هل يستأذن الرجل من عن يمينه في الشرب)","level":2,"page":3089},{"title":"(١٩ - باب الكرع في الحوض)","level":2,"page":3089},{"title":"(٢٠ - باب خدمة الصغار الكبار)","level":2,"page":3090},{"title":"(٢١ - باب تغطية الإناء)","level":2,"page":3091},{"title":"(٢٢ - باب اختناث الأسقية)","level":2,"page":3091},{"title":"(٢٣ - باب الشرب من فم السقاء)","level":2,"page":3091},{"title":"(٢٤ - باب النهي عن التنفس في الإناء)","level":2,"page":3092},{"title":"(٢٥ - باب الشرب بنفسين أو ثلاثة)","level":2,"page":3092},{"title":"(٢٦ - باب الشرب في آنية الذهب)","level":2,"page":3093},{"title":"(٢٧ - باب آنية الفضة)","level":2,"page":3094},{"title":"(٢٨ - باب الشرب في الأقداح)","level":2,"page":3094},{"title":"(٢٩ - باب الشرب من قدح النبي - ﷺ -)","level":2,"page":3095},{"title":"(٣٠ - باب شرب البركة والماء المبارك)","level":2,"page":3096},{"title":"٧٥ - كتاب المرضى","level":1,"page":3097},{"title":"(١ - باب ما جاء في كفارة المرض)","level":2,"page":3097},{"title":"(٢ - باب شدة المرض)","level":2,"page":3099},{"title":"(٣ - باب أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل الأول فالأول)","level":2,"page":3099},{"title":"(٤ - باب وجوب عيادة المريض)","level":2,"page":3100},{"title":"(٥ - باب عيادة المغمى عليه)","level":2,"page":3101},{"title":"(٦ - باب فضل من يصرع من الريح)","level":2,"page":3102},{"title":"(٧ - باب فضل من ذهب بصره)","level":2,"page":3102},{"title":"(٨ - باب عيادة النساء الرجال)","level":2,"page":3103},{"title":"(٩ - باب عيادة الصبيان)","level":2,"page":3103},{"title":"(١٠ - باب عيادة الأعراب)","level":2,"page":3103},{"title":"(١١ - باب عيادة المشرك)","level":2,"page":3103},{"title":"(١٢ - باب إذا عاد مريضا فحضرت الصلاة فصلى بهم)","level":2,"page":3104},{"title":"(١٣ - باب وضع اليد على المريض)","level":2,"page":3104},{"title":"(١٤ - باب ما يقال للمريض وما يجيب)","level":2,"page":3105},{"title":"(١٥ - باب عيادة المريض راكبا وماشيا وردفا)","level":2,"page":3105},{"title":"(١٦ - باب قول المريض: إني وجع)","level":2,"page":3105},{"title":"(١٧ - باب قول المريض: قوموا عني)","level":2,"page":3106},{"title":"(١٨ - باب من ذهب بالصبي المريض ليدعى له)","level":2,"page":3107},{"title":"(١٩ - باب نهي تمني المريض الموت)","level":2,"page":3107},{"title":"(٢٠ - باب دعاء العائد للمريض)","level":2,"page":3108},{"title":"(٢١ - باب وضوء العائد للمريض)","level":2,"page":3108},{"title":"(٢٢ - باب من دعا برفع الوباء والحمى)","level":2,"page":3108},{"title":"٧٦ - كتاب الطب","level":1,"page":3110},{"title":"(١ - باب ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء)","level":2,"page":3112},{"title":"(٢ - باب هل يداوي الرجل المرأة)","level":2,"page":3112},{"title":"(٣ - باب الشفاء في ثلاث)","level":2,"page":3113},{"title":"(٤ - باب الدواء بالعسل وقول الله تعالى: ﴿فيه شفاء للناس﴾ [النحل: ٦٩])","level":2,"page":3113},{"title":"(٥ - باب الدواء بألبان الإبل)","level":2,"page":3114},{"title":"(٦ - باب الدواء بأبوال الإبل)","level":2,"page":3114},{"title":"(٧ - باب الحبة السوداء)","level":2,"page":3115},{"title":"(٨ - باب التلبينة للمريض)","level":2,"page":3115},{"title":"(٩ - باب السعوط)","level":2,"page":3115},{"title":"(١٠ - باب السعوط بالقسط الهندي والبحري)","level":2,"page":3115},{"title":"(١١ - باب أي ساعة يحتجم)","level":2,"page":3116},{"title":"(١٢ - باب الحجم في السفر)","level":2,"page":3116},{"title":"(١٣ - باب الحجامة من الداء)","level":2,"page":3116},{"title":"(١٤ - باب الحجامة على الرأس)","level":2,"page":3117},{"title":"(١٥ - باب الحجامة من الشقيقة والصداع)","level":2,"page":3117},{"title":"(١٦ - باب الحلق من الأذى)","level":2,"page":3117},{"title":"(١٧ - باب من اكتوى أو كوى غيره وفضل من لم يكتو)","level":2,"page":3118},{"title":"(١٨ - باب الإثمد والكحل من الرمد)","level":2,"page":3119},{"title":"(١٩ - باب الجذام)","level":2,"page":3119},{"title":"(٢٠ - باب المن شفاء للعين)","level":2,"page":3120},{"title":"(٢١ - باب اللدود)","level":2,"page":3120},{"title":"(٢٢ - باب)","level":2,"page":3121},{"title":"(٢٣ - باب العذرة)","level":2,"page":3122},{"title":"(٢٤ - باب دواء المبطون)","level":2,"page":3122},{"title":"(٢٥ - باب لا صفر وهو داء يأخذ البطن)","level":2,"page":3122},{"title":"(٢٦ - باب ذات الجنب)","level":2,"page":3123},{"title":"(٢٧ - باب حرق الحصير ليسد به الدم)","level":2,"page":3123},{"title":"(٢٨ - باب الحمى من فيح جهنم)","level":2,"page":3124},{"title":"(٢٩ - باب من خرج من أرض لا تلائمه)","level":2,"page":3125},{"title":"(٣٠ - باب ما يذكر في الطاعون)","level":2,"page":3126},{"title":"(٣١ - باب أجر الصابر في الطاعون)","level":2,"page":3126},{"title":"(٣٢ - باب الرقى بالقرآن والمعوذات)","level":2,"page":3127},{"title":"(٣٣ - باب الرقى بفاتحة الكتاب)","level":2,"page":3127},{"title":"(٣٤ - باب الشرط في الرقية بقطيع من الغنم)","level":2,"page":3128},{"title":"(٣٥ - باب رقية العين)","level":2,"page":3128},{"title":"(٣٦ - باب العين حق)","level":2,"page":3128},{"title":"(٣٧ - باب رقية الحية والعقرب)","level":2,"page":3129},{"title":"(٣٨ - باب رقية النبي - ﷺ -)","level":2,"page":3129},{"title":"(٣٩ - باب النفث في الرقية)","level":2,"page":3129},{"title":"(٤٠ - باب مسح الراقي في الوجع بيده اليمنى)","level":2,"page":3130},{"title":"(٤١ - باب المرأة ترقي الرجل)","level":2,"page":3130},{"title":"(٤٢ - باب من لم يرق)","level":2,"page":3131},{"title":"(٤٣ - باب الطيرة)","level":2,"page":3131},{"title":"(٤٤ - باب الفأل)","level":2,"page":3132},{"title":"(٤٥ - باب لا هامة)","level":2,"page":3132},{"title":"(٤٦ - باب الكهانة)","level":2,"page":3132},{"title":"(٤٧ - باب السحر وقول الله تعالى: ﴿ولكن الشياطين كفروا. . .﴾ [البقرة: ١٠٢]) إلخ","level":2,"page":3133},{"title":"(٤٨ - باب الشرك والسحر من الموبقات)","level":2,"page":3135},{"title":"(٤٩ - باب هل يستخرج السحر؟)","level":2,"page":3135},{"title":"(٥٠ - باب السحر)","level":2,"page":3138},{"title":"(٥١ - باب من البيان سحر)","level":2,"page":3139},{"title":"(٥٢ - باب الدواء بالعجوة للسحر)","level":2,"page":3140},{"title":"(٥٣ - باب لا هامة)","level":2,"page":3140},{"title":"(٥٤ - باب لا عدوى)","level":2,"page":3142},{"title":"(٥٥ - باب ما يذكر في سم النبي - ﷺ -)","level":2,"page":3144},{"title":"(٥٦ - باب شرب السم والدواء به وما يخاف منه والخبيث)","level":2,"page":3145},{"title":"(٥٧ - باب ألبان الأتن)","level":2,"page":3147},{"title":"(٥٨ - باب إذا وقع الذباب في الإناء)","level":2,"page":3148},{"title":"٧٧ - كتاب اللباس","level":1,"page":3150},{"title":"(١ - باب قول الله: ﴿قل من حرم زينة الله﴾ الآية [الأعراف: ٣٢])","level":2,"page":3151},{"title":"(٢ - باب من جر إزاره من غير خيلاء)","level":2,"page":3152},{"title":"(٣ - باب التشمر في الثياب)","level":2,"page":3152},{"title":"(٤ - باب ما أسفل من الكعبين ففي النار)","level":2,"page":3153},{"title":"(٥ - باب من جر ثوبه من الخيلاء)","level":2,"page":3154},{"title":"(٦ - باب الإزار المهدب)","level":2,"page":3155},{"title":"(٧ - باب الأردية)","level":2,"page":3155},{"title":"(٨ - باب لبس القميص وقال يوسف: ﴿اذهبوا بقميصي هذا. . .﴾ [يوسف: ٩٣] إلخ)","level":2,"page":3156},{"title":"(٩ - باب جيب القميص من عند الصدر وغيره)","level":2,"page":3156},{"title":"(١٠ - باب من لبس جبة ضيقة الكمين في السفر)","level":2,"page":3157},{"title":"(١١ - باب لبس جبة الصوف في الغزو)","level":2,"page":3157},{"title":"(١٢ - باب القباء وفروج حرير)","level":2,"page":3158},{"title":"(١٣ - باب البرانس)","level":2,"page":3158},{"title":"(١٤ - باب السراويل)","level":2,"page":3159},{"title":"(١٥ - باب العمائم)","level":2,"page":3159},{"title":"(١٦ - باب التقنع)","level":2,"page":3160},{"title":"(١٧ - باب المغفر)","level":2,"page":3161},{"title":"(١٨ - باب البرود)","level":2,"page":3162},{"title":"(١٩ - باب الأكسية والخمائص)","level":2,"page":3162},{"title":"(٢٠ - باب اشتمال الصماء)","level":2,"page":3162},{"title":"(٢١ - باب الاحتباء في ثوب واحد)","level":2,"page":3163},{"title":"(٢٢ - باب الخميصة السوداء)","level":2,"page":3163},{"title":"(٢٣ - باب الثياب الخضر)","level":2,"page":3164},{"title":"(٢٤ - باب الثياب البيض)","level":2,"page":3164},{"title":"(٢٥ - باب لبس الحرير وافتراشه للرجال وقدر ما يجوز منه)","level":2,"page":3164},{"title":"(٢٦ - باب مس الحرير من غير لبس)","level":2,"page":3166},{"title":"(٢٧ - باب افتراش الحرير)","level":2,"page":3167},{"title":"(٢٨ - باب لبس القسي)","level":2,"page":3168},{"title":"(٢٩ - باب ما يرخص للرجال من الحرير للحكة)","level":2,"page":3169},{"title":"(٣٠ - باب الحرير للنساء)","level":2,"page":3171},{"title":"(٣١ - باب ما كان النبي - ﷺ - يتجوز من اللباس والبسط)","level":2,"page":3172},{"title":"(٣٢ - باب ما يدعى لمن لبس ثوبا جديدا)","level":2,"page":3173},{"title":"(٣٣ - باب التزعفر للرجال)","level":2,"page":3174},{"title":"(٣٤ - باب الثوب المزعفر)","level":2,"page":3175},{"title":"(٣٥ - باب الثوب الأحمر)","level":2,"page":3177},{"title":"(٣٦ - باب الميثرة الحمراء)","level":2,"page":3180},{"title":"(٣٧ - باب النعال السبتية وغيرها)","level":2,"page":3180},{"title":"(٣٨ - باب يبدأ بانتعال اليمنى)","level":2,"page":3182},{"title":"(٣٩ - باب ينزع النعل اليسرى)","level":2,"page":3182},{"title":"(٤٠ - باب لا يمشي في نعل واحدة)","level":2,"page":3182},{"title":"(٤١ - باب قبالان في نعل)","level":2,"page":3183},{"title":"(٤٢ - باب القبة الحمراء من أدم)","level":2,"page":3184},{"title":"(٤٣ - باب الجلوس على الحصير ونحوه)","level":2,"page":3185},{"title":"(٤٤ - باب المزرر بالذهب)","level":2,"page":3185},{"title":"(٤٥ - باب خواتيم الذهب)","level":2,"page":3186},{"title":"(٤٦ - باب خاتم الفضة)","level":2,"page":3188},{"title":"(٤٧ - باب)","level":2,"page":3189},{"title":"(٤٨ - باب فص الخاتم)","level":2,"page":3190},{"title":"(٤٩ - باب خاتم الحديد)","level":2,"page":3191},{"title":"(٥٠ - باب نقش الخاتم)","level":2,"page":3193},{"title":"(٥١ - باب الخاتم في الخنصر)","level":2,"page":3194},{"title":"(٥٢ - باب اتخاذ الخاتم ليختم به الشيء أو ليكتب به. . .) إلخ","level":2,"page":3196},{"title":"(٥٣ - باب من جعل فص الخاتم في بطن كفه)","level":2,"page":3197},{"title":"(٥٤ - باب قول النبي - ﷺ -: لا ينقشن على نقش خاتمه)","level":2,"page":3198},{"title":"(٥٥ - باب هل يجعل نقش الخاتم ثلاثة أسطر)","level":2,"page":3199},{"title":"(٥٦ - باب الخاتم للنساء. . .) إلخ","level":2,"page":3199},{"title":"(٥٧ - باب القلائد والسخاب للنساء)","level":2,"page":3200},{"title":"(٥٨ - باب استعارة القلائد)","level":2,"page":3201},{"title":"(٥٩ - باب القرط للنساء)","level":2,"page":3202},{"title":"(٦٠ - باب السخاب للصبيان)","level":2,"page":3202},{"title":"(٦١ - باب المتشبهين بالنساء والمتشبهات بالرجال)","level":2,"page":3203},{"title":"(٦٢ - باب إخراجهم)","level":2,"page":3203},{"title":"(٦٣ - باب قص الشارب)","level":2,"page":3203},{"title":"(٦٤ - باب تقليم الأظفار)","level":2,"page":3206},{"title":"(٦٥ - باب إعفاء اللحى)","level":2,"page":3208},{"title":"(٦٦ - باب ما يذكر في الشيب)","level":2,"page":3210},{"title":"(٦٧ - باب الخضاب)","level":2,"page":3211},{"title":"(٦٨ - باب الجعد)","level":2,"page":3214},{"title":"(٦٩ - باب التلبيد)","level":2,"page":3214},{"title":"(٧٠ - باب الفرق)","level":2,"page":3216},{"title":"(٧١ - باب الذوائب)","level":2,"page":3216},{"title":"(٧٢ - باب القزع)","level":2,"page":3217},{"title":"(٧٣ - باب تطييب المرأة زوجها بيديها)","level":2,"page":3218},{"title":"(٧٤ - باب الطيب في الرأس واللحية)","level":2,"page":3218},{"title":"(٧٥ - باب الامتشاط)","level":2,"page":3219},{"title":"(٧٦ - باب ترجيل الحائض زوجها)","level":2,"page":3220},{"title":"(٧٧ - باب الترجل)","level":2,"page":3220},{"title":"(٧٨ - باب ما يذكر في المسك)","level":2,"page":3220},{"title":"(٧٩ - باب ما يستحب من الطيب)","level":2,"page":3221},{"title":"(٨٠ - باب من لم يرد الطيب)","level":2,"page":3221},{"title":"(٨١ - باب الذريرة)","level":2,"page":3221},{"title":"(٨٢ - باب المتفلجات للحسن)","level":2,"page":3222},{"title":"(٨٣ - باب الوصل في الشعر)","level":2,"page":3222},{"title":"(٨٤ - باب المتنمصات)","level":2,"page":3225},{"title":"(٨٥ - باب الموصولة)","level":2,"page":3225},{"title":"(٨٦ - باب الواشمة)","level":2,"page":3226},{"title":"(٨٧ - باب المستوشمة)","level":2,"page":3226},{"title":"(٨٨ - باب التصاوير)","level":2,"page":3227},{"title":"(٨٩ - باب عذاب المصورين يوم القيامة)","level":2,"page":3228},{"title":"(٩٠ - باب نقض الصور)","level":2,"page":3228},{"title":"(٩١ - باب ما وطئ من التصاوير)","level":2,"page":3228},{"title":"(٩٢ - باب من كره القعود على الصور)","level":2,"page":3229},{"title":"(٩٣ - باب كراهية الصلاة في التصاوير)","level":2,"page":3231},{"title":"(٩٤ - باب لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة)","level":2,"page":3231},{"title":"(٩٥ - باب من لم يدخل بيتا فيه صورة)","level":2,"page":3232},{"title":"(٩٦ - باب من لعن المصور)","level":2,"page":3233},{"title":"(٩٧ - باب)","level":2,"page":3233},{"title":"(٩٨ - باب الارتداف على الدابة)","level":2,"page":3234},{"title":"(٩٩ - باب الثلاثة على الدابة)","level":2,"page":3235},{"title":"(١٠٠ - باب حمل صاحب الدابة غيره بين يديه)","level":2,"page":3235},{"title":"(١٠١ - باب)","level":2,"page":3235},{"title":"(١٠٢ - باب إرداف المرأة خلف الرجل)","level":2,"page":3236},{"title":"(١٠٣ - باب الاستلقاء ووضع الرجل على الأخرى)","level":2,"page":3236},{"title":"٧٨ - كتاب الأدب","level":1,"page":3238},{"title":"(١ - باب قوله: ﴿ووصينا الإنسان بوالديه﴾ [العنكبوت: ٨])","level":2,"page":3238},{"title":"(٢ - باب من أحق الناس بحسن الصحبة)","level":2,"page":3239},{"title":"(٣ - باب لا يجاهد إلا بإذن الأبوين)","level":2,"page":3240},{"title":"(٤ - باب لا يسب الرجل والده)","level":2,"page":3240},{"title":"(٥ - باب إجابة دعاء من بر والديه)","level":2,"page":3240},{"title":"(٦ - باب عقوق الوالدين من الكبائر. . .) إلخ","level":2,"page":3241},{"title":"(٧ - باب صلة الوالد المشرك)","level":2,"page":3241},{"title":"(٨ - باب صلة المرأة أمها ولها زوج)","level":2,"page":3241},{"title":"(٩ - باب صلة الأخ المشرك)","level":2,"page":3242},{"title":"(١٠ - باب فضل صلة الرحم)","level":2,"page":3242},{"title":"(١١ - باب إثم القاطع)","level":2,"page":3242},{"title":"(١٢ - باب من بسط في الرزق لصلة الرحم)","level":2,"page":3243},{"title":"(١٣ - باب من وصل وصله الله)","level":2,"page":3243},{"title":"(١٤ - باب تبل الرحم ببلالها)","level":2,"page":3243},{"title":"(١٥ - باب ليس الواصل بالمكافئ)","level":2,"page":3244},{"title":"(١٦ - باب من وصل رحمه في الشرك ثم أسلم)","level":2,"page":3244},{"title":"(١٧ - باب من ترك صبية غيره حتى تلعب به)","level":2,"page":3245},{"title":"(١٨ - باب رحمة الولد وتقبيله ومعانقته)","level":2,"page":3245},{"title":"(١٩ - باب)","level":2,"page":3246},{"title":"(٢٠ - باب قتل الولد خشية أن يأكل معه)","level":2,"page":3247},{"title":"(٢١ - باب وضع الصبي في الحجر)","level":2,"page":3247},{"title":"(٢٢ - باب وضع الصبي على الفخذ)","level":2,"page":3247},{"title":"(٢٣ - باب حسن العهد من الإيمان)","level":2,"page":3248},{"title":"(٢٤ - باب فضل من يعول يتيما)","level":2,"page":3248},{"title":"(٢٥ - باب الساعي على الأرملة)","level":2,"page":3249},{"title":"(٢٦ - باب الساعي على المسكين)","level":2,"page":3249},{"title":"(٢٧ - باب رحمة الناس والبهائم)","level":2,"page":3249},{"title":"(٢٨ - باب الوصاية بالجار)","level":2,"page":3250},{"title":"(٢٩ - باب إثم من لا يأمن جاره بوائقه)","level":2,"page":3250},{"title":"(٣٠ - باب لا تحقرن جارة لجارتها)","level":2,"page":3250},{"title":"(٣١ - باب من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره)","level":2,"page":3250},{"title":"(٣٢ - باب حق الجوار في قرب الأبواب)","level":2,"page":3251},{"title":"(٣٣ - باب كل معروف صدقة)","level":2,"page":3251},{"title":"(٣٤ - باب طيب الكلام)","level":2,"page":3251},{"title":"(٣٥ - باب الرفق في الأمر كله)","level":2,"page":3252},{"title":"(٣٦ - باب تعاون المؤمنين بعضهم بعضا)","level":2,"page":3252},{"title":"(٣٧ - باب ﴿من يشفع شفاعة حسنة﴾ الآية [النساء: ٨٥])","level":2,"page":3252},{"title":"(٣٨ - باب لم يكن النبي - ﷺ - فاحشا ولا متفحشا)","level":2,"page":3252},{"title":"(٣٩ - باب حسن الخلق والسخاء وما يكره من البخل)","level":2,"page":3253},{"title":"(٤٠ - باب كيف يكون الرجل في أهله)","level":2,"page":3253},{"title":"(٤١ - باب المقة من الله)","level":2,"page":3254},{"title":"(٤٢ - باب الحب في الله)","level":2,"page":3254},{"title":"(٤٣ - باب قول الله: ﴿ياأيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم﴾ الآية [الحجرات: ١١])","level":2,"page":3255},{"title":"(٤٤ - باب ما ينهى عن السباب واللعن)","level":2,"page":3255},{"title":"(٤٥ - باب ما يجوز من ذكر الناس نحو قولهم: الطويل والقصير. . .) إلخ","level":2,"page":3256},{"title":"(٤٦ - باب الغيبة وقول الله تعالى ﴿ولا يغتب بعضكم بعضا. . .﴾ [الحجرات: ١٢]) إلخ","level":2,"page":3256},{"title":"(٤٧ - باب قول النبي - ﷺ -: خير دور الأنصار)","level":2,"page":3259},{"title":"(٤٨ - باب ما يجوز من اغتياب أهل الفساد والريب)","level":2,"page":3260},{"title":"(٤٩ - باب النميمة من الكبائر)","level":2,"page":3260},{"title":"(٥٠ - باب ما يكره من النميمة)","level":2,"page":3261},{"title":"(٥١ - باب قول الله: ﴿واجتنبوا قول الزور﴾ [الحج: ٣٠])","level":2,"page":3261},{"title":"(٥٢ - باب ما قيل في ذي الوجهين)","level":2,"page":3262},{"title":"(٥٣ - باب من أخبر صاحبه بما يقال فيه)","level":2,"page":3262},{"title":"(٥٤ - باب ما يكره من التمادح)","level":2,"page":3263},{"title":"(٥٥ - باب من أثنى على أخيه بما يعلم)","level":2,"page":3263},{"title":"(٥٦ - باب قول الله: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان﴾ [النحل: ٩٠])","level":2,"page":3263},{"title":"(٥٧ - باب ما ينهى عن التحاسد والتدابر وقوله تعالى: ﴿ومن شر حاسد. . .﴾ [الفلق: ٥]) إلخ","level":2,"page":3264},{"title":"(٥٨ - باب قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن﴾ [الحجرات: ١٢])","level":2,"page":3264},{"title":"(٥٩ - باب ما يكون في الظن)","level":2,"page":3264},{"title":"(٦٠ - باب ستر المؤمن على نفسه)","level":2,"page":3266},{"title":"(٦١ - باب الكبر)","level":2,"page":3266},{"title":"(٦٢ - باب الهجرة)","level":2,"page":3267},{"title":"(٦٣ - باب ما يجوز من الهجران لمن عصى)","level":2,"page":3267},{"title":"(٦٤ - باب هل يزور صاحبه كل يوم أو بكرة وعشيا)","level":2,"page":3269},{"title":"(٦٥ - باب الزيارة)","level":2,"page":3270},{"title":"(٦٦ - باب من تجمل للوفود)","level":2,"page":3270},{"title":"(٦٧ - باب الإخاء والحلف)","level":2,"page":3271},{"title":"(٦٨ - باب التبسم والضحك)","level":2,"page":3271},{"title":"(٦٩ - باب قول الله ﴿اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾ [التوبة: ١١٩])","level":2,"page":3272},{"title":"(٧٠ - باب الهدي الصالح)","level":2,"page":3272},{"title":"(٧١ - باب الصبر والأذى وقول الله: ﴿إنما يوفى الصابرون﴾ [الزمر: ١٠])","level":2,"page":3273},{"title":"(٧٢ - باب من لم يواجه الناس بالعتاب)","level":2,"page":3273},{"title":"(٧٣ - باب من أكفر أخاه بغير تأويل فهو كما قال)","level":2,"page":3274},{"title":"(٧٤ - باب من لم ير إكفار من قال ذلك متأولا أو جاهلا)","level":2,"page":3275},{"title":"(٧٥ - باب ما يجوز من الغضب والشدة لأمر الله تعالى. . .) إلخ","level":2,"page":3276},{"title":"(٧٦ - باب الحذر من الغضب لقوله تعالى: ﴿والذين يجتنبون﴾ الآية [الشورى: ٣٧])","level":2,"page":3276},{"title":"(٧٧ - باب الحياء)","level":2,"page":3276},{"title":"(٧٨ - باب إذا لم تستحي فاصنع ما شئت)","level":2,"page":3277},{"title":"(٧٩ - باب ما لا يستحي من الحق للتفقه في الدين)","level":2,"page":3278},{"title":"(٨٠ - باب قول النبي - ﷺ -: يسروا ولا تعسروا)","level":2,"page":3278},{"title":"(٨١ - باب الانبساط إلى الناس)","level":2,"page":3278},{"title":"(٨٢ - باب المداراة مع الناس)","level":2,"page":3279},{"title":"(٨٣ - باب لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين، وقال معاوية: لا حلم إلا عن تجربة)","level":2,"page":3280},{"title":"(٨٤ - باب حق الضيف)","level":2,"page":3282},{"title":"(٨٥ - باب إكرام الضيف)","level":2,"page":3282},{"title":"(٨٦ - باب صنع الطعام والتكلف للضيف)","level":2,"page":3283},{"title":"(٨٧ - باب ما يكره من الغضب والجزع عند الضيف)","level":2,"page":3284},{"title":"(٨٨ - باب قول الضيف لصاحبه: لا آكل حتى تأكل. . .) إلخ","level":2,"page":3285},{"title":"(٨٩ - باب إكرام الكبير ويبدأ الأكبر بالكلام والسؤال)","level":2,"page":3285},{"title":"(٩٠ - باب ما يجوز من الشعر والرجز)","level":2,"page":3286},{"title":"(٩١ - باب هجاء المشركين)","level":2,"page":3288},{"title":"(٩٢ - باب ما يكره أن يكون الغالب على الإنسان الشعر. . .) إلخ","level":2,"page":3288},{"title":"(٩٣ - باب قول النبي - ﷺ -: \"تربت يمينك\" و\"عقرى حلقى\")","level":2,"page":3288},{"title":"(٩٤ - باب ما جاء في زعموا)","level":2,"page":3289},{"title":"(٩٥ - باب ما جاء في قول الرجل: ويلك)","level":2,"page":3290},{"title":"(٩٦ - باب علامة الحب في الله لقوله تعالى: ﴿إن كنتم تحبون الله. . .﴾ [آل عمران: ٣١]) إلخ","level":2,"page":3290},{"title":"(٩٧ - باب قول الرجل للرجل: اخسأ)","level":2,"page":3292},{"title":"(٩٨ - باب قول الرجل: مرحبا. . .) إلخ","level":2,"page":3292},{"title":"(٩٩ - باب يدعى الناس بآبائهم)","level":2,"page":3292},{"title":"(١٠٠ - باب لا يقل: خبثت نفسي)","level":2,"page":3293},{"title":"(١٠١ - باب لا تسبوا الدهر)","level":2,"page":3294},{"title":"(١٠٢ - باب قول النبي - ﷺ - إنما الكرم قلب المؤمن. . .) إلخ","level":2,"page":3294},{"title":"(١٠٣ - باب قول الرجل: فداك أبي وأمي. . .) إلخ","level":2,"page":3295},{"title":"(١٠٤ - باب قول الرجل: جعلني الله فداك)","level":2,"page":3296},{"title":"(١٠٥ - باب أحب الأسماء إلى الله، وقول الرجل لصاحبه: يا بني)","level":2,"page":3297},{"title":"(١٠٦ - باب قول النبي - ﷺ -: سموا باسمي ولا تكتنوا بكنيتي)","level":2,"page":3299},{"title":"(١٠٧ - باب اسم الحزن)","level":2,"page":3300},{"title":"(١٠٨ - باب تحويل الاسم إلى اسم هو أحسن منه)","level":2,"page":3301},{"title":"(١٠٩ - باب من سمى بأسماء الأنبياء)","level":2,"page":3301},{"title":"(١١٠ - باب تسمية الوليد)","level":2,"page":3302},{"title":"(١١١ - باب من دعا صاحبه فنقص من اسمه حرفا)","level":2,"page":3303},{"title":"(١١٢ - باب الكنية لصبي قبل أن يولد للرجل)","level":2,"page":3304},{"title":"(١١٣ - باب التكني بأبي تراب وإن كانت له كنية أخرى)","level":2,"page":3305},{"title":"(١١٤ - باب أبغض الأسماء إلى الله ﵎)","level":2,"page":3306},{"title":"(١١٥ - باب كنية المشرك)","level":2,"page":3308},{"title":"(١١٦ - باب المعاريض مندوحة عن الكذب)","level":2,"page":3309},{"title":"(١١٧ - باب قول الرجل للشيء: ليس بشيء، وهو ينوي أنه ليس بحق. . .) إلخ","level":2,"page":3310},{"title":"(١١٨ - باب رفع البصر إلى السماء. . .) إلخ","level":2,"page":3310},{"title":"(١١٩ - باب من نكت العود بين الماء والطين)","level":2,"page":3311},{"title":"(١٢٠ - باب الرجل ينكت الشيء بيده في الأرض)","level":2,"page":3312},{"title":"(١٢١ - باب التكبير والتسبيح عند التعجب)","level":2,"page":3312},{"title":"(١٢٢ - باب الخذف)","level":2,"page":3313},{"title":"(١٢٣ - باب الحمد للعاطس)","level":2,"page":3314},{"title":"(١٢٤ - باب تشميت العاطس إذا حمد الله)","level":2,"page":3315},{"title":"(١٢٥ - باب ما يستحب من العطاس وما يكره من التثاؤب)","level":2,"page":3316},{"title":"(١٢٦ - باب إذا عطس كيف يشمت)","level":2,"page":3316},{"title":"(١٢٧ - باب لا يشمت العاطس إذا لم يحمد الله)","level":2,"page":3317},{"title":"(١٢٨ - باب إذا تثاوب فليضع يده على فيه)","level":2,"page":3317},{"title":"٧٩ - كتاب الاستئذان","level":1,"page":3319},{"title":"(١ - باب بدء السلام)","level":2,"page":3320},{"title":"(٢ - باب ﴿ياأيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا .. . .﴾ [النور: ٢٧]) إلخ","level":2,"page":3321},{"title":"(٣ - باب السلام اسم من أسماء الله. . .) إلخ","level":2,"page":3322},{"title":"(٤ - باب تسليم القليل على الكثير)","level":2,"page":3323},{"title":"(٥ - باب يسلم الراكب على الماشي)","level":2,"page":3323},{"title":"(٦ - باب يسلم الماشي على القاعد)","level":2,"page":3324},{"title":"(٧ - باب يسلم الصغير على الكبير)","level":2,"page":3324},{"title":"(٨ - باب إفشاء السلام)","level":2,"page":3324},{"title":"(٩ - باب السلام للمعرفة وغير المعرفة)","level":2,"page":3325},{"title":"(١٠ - باب آية الحجاب)","level":2,"page":3325},{"title":"(١١ - باب الاستئذان من أجل البصر)","level":2,"page":3326},{"title":"(١٢ - باب زنا الجوارح دون الفرج)","level":2,"page":3326},{"title":"(١٣ - باب التسليم والاستئذان ثلاثا)","level":2,"page":3327},{"title":"(١٤ - باب إذا دعي الرجل فجاء هل يستأذن)","level":2,"page":3327},{"title":"(١٥ - باب التسليم على الصبيان)","level":2,"page":3328},{"title":"(١٦ - باب تسليم الرجال على النساء، والنساء على الرجال)","level":2,"page":3329},{"title":"(١٧ - باب إذا قال: من ذا؟ فقال: أنا)","level":2,"page":3331},{"title":"(١٨ - باب من رد فقال: عليك السلام. . .) إلخ","level":2,"page":3331},{"title":"(١٩ - باب إذا قال: فلان يقرئك السلام)","level":2,"page":3332},{"title":"(٢٠ - باب التسليم في مجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين)","level":2,"page":3333},{"title":"(٢١ - باب من لم يسلم على من اقترف ذنبا ولم يرد سلامه حتى تتبين توبته)","level":2,"page":3334},{"title":"(٢٢ - باب كيف الرد على أهل الذمة السلام)","level":2,"page":3335},{"title":"(٢٣ - باب من نظر في كتاب من يحذر على المسلمين ليستبين أمره)","level":2,"page":3336},{"title":"(٢٤ - باب كيف يكتب إلى أهل الكتاب)","level":2,"page":3337},{"title":"(٢٥ - باب بمن يبدأ في الكتاب)","level":2,"page":3338},{"title":"(٢٦ - باب قول النبي - ﷺ -: قوموا إلى سيدكم)","level":2,"page":3339},{"title":"(٢٧ - باب المصافحة)","level":2,"page":3341},{"title":"(٢٨ - باب الأخذ باليدين وصافح حماد. . .) إلخ","level":2,"page":3343},{"title":"(٢٩ - باب المعانقة وقول الرجل: كيف أصبحت؟)","level":2,"page":3344},{"title":"(٣٠ - باب من أجاب بلبيك وسعديك)","level":2,"page":3346},{"title":"(٣١ - باب لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه)","level":2,"page":3347},{"title":"(٣٢ - باب قول الله تعالى: ﴿إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس. . .﴾ [المجادلة: ١١]) إلخ","level":2,"page":3348},{"title":"(٣٣ - باب من قام من مجلسه أو بيته. . .) إلخ","level":2,"page":3348},{"title":"(٣٤ - باب الاحتباء باليد)","level":2,"page":3349},{"title":"(٣٥ - باب من اتكأ بين يدي أصحابه. . .) إلخ","level":2,"page":3351},{"title":"(٣٦ - باب من أسرع في مشيه لحاجة)","level":2,"page":3352},{"title":"(٣٧ - باب السرير)","level":2,"page":3352},{"title":"(٣٨ - باب من ألقي له وسادة)","level":2,"page":3353},{"title":"(٣٩ - باب القائلة بعد الجمعة)","level":2,"page":3353},{"title":"(٤٠ - باب القائلة في المسجد)","level":2,"page":3353},{"title":"(٤١ - باب من زار قوما فقال عندهم)","level":2,"page":3354},{"title":"(٤٢ - باب الجلوس كيفما تيسر منه)","level":2,"page":3354},{"title":"(٤٣ - باب من ناجى بين يدي الناس. . .) إلخ","level":2,"page":3355},{"title":"(٤٤ - باب الاستلقاء)","level":2,"page":3356},{"title":"(٤٥ - باب لا يتناجى اثنان دون الثالث. . .) إلخ","level":2,"page":3356},{"title":"(٤٦ - باب حفظ السر)","level":2,"page":3357},{"title":"(٤٧ - باب إذا كانوا أكثر من ثلاثة فلا بأس بالمسارة)","level":2,"page":3358},{"title":"(٤٨ - باب طول النجوى)","level":2,"page":3358},{"title":"(٤٩ - باب لا تترك النار في البيت عند النوم)","level":2,"page":3359},{"title":"(٥٠ - باب إغلاق الأبواب بالليل)","level":2,"page":3359},{"title":"(٥١ - باب الختان بعد ما كبر)","level":2,"page":3360},{"title":"(٥٢ - باب كل لهو باطل إذا شغله عن طاعة الله)","level":2,"page":3362},{"title":"(٥٣ - باب ما جاء في البناء)","level":2,"page":3362},{"title":"٨٠ - كتاب الدعوات","level":1,"page":3364},{"title":"(١ - باب قول الله تعالى ﴿ادعوني أستجب لكم﴾ [غافر: ٦٠])","level":2,"page":3365},{"title":"(٢ - باب ولكل نبي دعوة مستجابة)","level":2,"page":3366},{"title":"(٣ - باب أفضل الاستغفار. . .) إلخ","level":2,"page":3367},{"title":"(٤ - باب استغفار النبي - ﷺ - في اليوم والليلة)","level":2,"page":3367},{"title":"(٥ - باب التوبة)","level":2,"page":3368},{"title":"(٦ - باب الضجع على الشق الأيمن)","level":2,"page":3368},{"title":"(٧ - باب إذا بات طاهرا وفضله)","level":2,"page":3369},{"title":"(٨ - باب ما يقول إذا نام)","level":2,"page":3371},{"title":"(٩ - باب وضع اليد تحت الخد اليمنى)","level":2,"page":3371},{"title":"(١٠ - باب النوم على الشق الأيمن)","level":2,"page":3372},{"title":"(١١ - باب الدعاء إذا انتبه من الليل)","level":2,"page":3373},{"title":"(١٢ - باب التسبيح والتكبير عند المنام)","level":2,"page":3373},{"title":"(١٣ - باب التعوذ والقراءة عند النوم)","level":2,"page":3373},{"title":"(١٤ - باب)","level":2,"page":3374},{"title":"(١٥ - باب الدعاء نصف الليل)","level":2,"page":3374},{"title":"(١٦ - باب الدعاء عند الخلاء)","level":2,"page":3375},{"title":"(١٧ - باب ما يقول إذا أصبح)","level":2,"page":3375},{"title":"(١٨ - باب الدعاء في الصلاة)","level":2,"page":3375},{"title":"(١٩ - باب الدعاء بعد الصلاة)","level":2,"page":3376},{"title":"(٢٠ - باب قول الله تعالى: ﴿وصل عليهم. . .﴾ [التوبة: ١٠٣]) إلخ","level":2,"page":3378},{"title":"(٢١ - باب ما يكره من السجع في الدعاء)","level":2,"page":3379},{"title":"(٢٢ - باب ليعزم المسألة فإنه لا مكره له)","level":2,"page":3380},{"title":"(٢٣ - باب يستجاب للعبد ما لم يعجل)","level":2,"page":3380},{"title":"(٢٤ - باب رفع الأيدي في الدعاء)","level":2,"page":3381},{"title":"(٢٥ - باب الدعاء غير مستقبل القبلة)","level":2,"page":3381},{"title":"(٢٦ - باب الدعاء مستقبل القبلة)","level":2,"page":3382},{"title":"(٢٧ - باب دعوة النبي - ﷺ - لخادمه بطول العمر. . .) إلخ","level":2,"page":3382},{"title":"(٢٨ - باب الدعاء عند الكرب)","level":2,"page":3383},{"title":"(٢٩ - باب التعوذ من جهد البلاء)","level":2,"page":3383},{"title":"(٣٠ - باب دعاء النبي - ﷺ -: اللهم الرفيق الأعلى)","level":2,"page":3384},{"title":"(٣١ - باب الدعاء بالموت والحياة)","level":2,"page":3385},{"title":"(٣٢ - باب الدعاء للصبيان بالبركة ومسح رؤوسهم)","level":2,"page":3385},{"title":"(٣٣ - باب الصلاة على النبي - ﷺ -)","level":2,"page":3385},{"title":"(٣٤ - باب هل يصلى على غير النبي - ﷺ -؟)","level":2,"page":3387},{"title":"(٣٥ - باب قول النبي - ﷺ -: \"من آذيته فاجعله له زكاة ورحمة\")","level":2,"page":3388},{"title":"(٣٦ - باب التعوذ من الفتن)","level":2,"page":3388},{"title":"(٣٧ - باب التعوذ من غلبة الرجال)","level":2,"page":3389},{"title":"٣٨ - باب التعوذ من عذاب القبر)","level":2,"page":3389},{"title":"(٣٩ - باب التعوذ من فتنة المحيا والممات)","level":2,"page":3389},{"title":"(٤٠ - باب التعوذ من المأثم والمغرم)","level":2,"page":3389},{"title":"(٤١ - باب التعوذ من الجبن والكسل)","level":2,"page":3390},{"title":"(٤٢ - باب التعوذ من البخل)","level":2,"page":3390},{"title":"(٤٣ - باب التعوذ من أرذل العمر)","level":2,"page":3391},{"title":"(٤٤ - باب الدعاء برفع البلاء والوجع)","level":2,"page":3391},{"title":"(٤٥ - باب الاستعاذة من أرذل العمر)","level":2,"page":3391},{"title":"(٤٦ - باب الاستعاذة من فتنة الغنى)","level":2,"page":3392},{"title":"(٤٧ - باب التعوذ من فتنة الفقر)","level":2,"page":3392},{"title":"(٤٨ - باب الدعاء بكثرة المال مع البركة)","level":2,"page":3392},{"title":"(٤٩ - باب الدعاء بكثرة الولد مع البركة)","level":2,"page":3392},{"title":"(٥٠ - باب الدعاء عند الاستخارة)","level":2,"page":3392},{"title":"(٥١ - باب الوضوء عند الدعاء)","level":2,"page":3393},{"title":"(٥٢ - باب الدعاء إذا علا عقبة)","level":2,"page":3394},{"title":"(٥٣ - باب الدعاء إذ هبط واديا فيه حديث جابر)","level":2,"page":3394},{"title":"(٥٤ - باب الدعاء إذا أراد سفرا فيه يحيى بن أبي إسحاق عن أنس)","level":2,"page":3394},{"title":"(٥٥ - باب الدعاء للمتزوج)","level":2,"page":3395},{"title":"(٥٦ - باب ما يقول إذا أتى أهله)","level":2,"page":3395},{"title":"(٥٧ - باب قول النبي - ﷺ -: \"آتنا في الدنيا حسنة\")","level":2,"page":3395},{"title":"(٥٨ - باب التعوذ من فتنة الدنيا)","level":2,"page":3396},{"title":"(٥٩ - باب تكرير الدعاء)","level":2,"page":3396},{"title":"(٦٠ - باب الدعاء على المشركين)","level":2,"page":3397},{"title":"(٦١ - باب الدعاء للمشركين)","level":2,"page":3397},{"title":"(٦٢ - باب قول النبي - ﷺ -: \"اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت\")","level":2,"page":3398},{"title":"(٦٣ - باب الدعاء في الساعة التي في يوم الجمعة)","level":2,"page":3398},{"title":"(٦٤ - باب قول النبي - ﷺ -: \"يستجاب لنا في اليهود\". . .) إلخ","level":2,"page":3398},{"title":"(٦٥ - باب التأمين)","level":2,"page":3399},{"title":"(٦٦ - باب فضل التهليل)","level":2,"page":3399},{"title":"(٦٧ - باب فضل التسبيح)","level":2,"page":3400},{"title":"(٦٨ - باب فضل ذكر الله تعالى)","level":2,"page":3400},{"title":"(٦٩ - باب قول \"لا حول ولا قوة إلا بالله\")","level":2,"page":3401},{"title":"(٧٠ - باب \"لله تعالى مائة اسم غير واحد\")","level":2,"page":3401},{"title":"(٧١ - باب الموعظة ساعة بعد ساعة)","level":2,"page":3402},{"title":"٨١ - كتاب الرقاق","level":1,"page":3403},{"title":"(١ - باب قول النبي - ﷺ -: \"لا عيش إلا عيش الآخرة\")","level":2,"page":3404},{"title":"(٢ - باب مثل الدنيا في الآخرة، وقوله: ﴿إنما الحياة الدنيا لعب ولهو﴾ الآية [محمد: ٣٦])","level":2,"page":3404},{"title":"(٣ - باب قول النبي - ﷺ -: \"كن في الدنيا كأنك غريب. . .\") إلخ","level":2,"page":3404},{"title":"(٤ - باب في الأمل وطوله. . .) إلخ","level":2,"page":3404},{"title":"(٥ - باب من بلغ ستين سنة فقد أعذر الله إليه في العمر. . .) إلخ","level":2,"page":3405},{"title":"(٦ - باب العمل الذي يبتغى به وجه الله. . .) إلخ","level":2,"page":3406},{"title":"(٧ - باب ما يحذر من زهرة الدنيا)","level":2,"page":3406},{"title":"(٨ - باب ﴿ياأيها الناس إن وعد الله حق﴾ [فاطر: ٥])","level":2,"page":3407},{"title":"(٩ - باب ذهاب الصالحين)","level":2,"page":3407},{"title":"(١٠ - باب ما يتقى من فتنة المال. . .) إلخ","level":2,"page":3407},{"title":"(١١ - باب قول النبي - ﷺ -: \"هذا المال حلوة خضرة. . .\") إلخ","level":2,"page":3407},{"title":"(١٢ - باب ما قدم من ماله فهو له)","level":2,"page":3408},{"title":"(١٣ - باب المكثرون هم الأقلون. . .) إلخ","level":2,"page":3408},{"title":"(١٤ - باب قول النبي - ﷺ -: \"ما أحب أن لي أحدا ذهبا\")","level":2,"page":3408},{"title":"(١٥ - باب الغنى غنى النفس)","level":2,"page":3409},{"title":"(١٦ - باب فضل الفقر)","level":2,"page":3409},{"title":"(١٧ - باب كيف كان عيش النبي - ﷺ - وأصحابه. . .) إلخ","level":2,"page":3410},{"title":"(١٨ - باب القصد والمداومة على العمل)","level":2,"page":3410},{"title":"(١٩ - باب الرجاء مع الخوف)","level":2,"page":3411},{"title":"(٢٠ - باب الصبر عن محارم الله)","level":2,"page":3411},{"title":"(٢١ - باب ﴿ومن يتوكل على الله فهو حسبه﴾ [الطلاق: ٣])","level":2,"page":3412},{"title":"(٢٢ - باب ما يكره من قيل وقال)","level":2,"page":3412},{"title":"(٢٣ - باب حفظ اللسان. . .) إلخ","level":2,"page":3413},{"title":"(٢٤ - باب البكاء من خشية الله)","level":2,"page":3413},{"title":"(٢٥ - باب الخوف من الله)","level":2,"page":3413},{"title":"(٢٦ - باب الانتهاء عن المعاصي)","level":2,"page":3413},{"title":"(٢٧ - باب قول النبي - ﷺ -: \"لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا. . .\" إلخ)","level":2,"page":3414},{"title":"(٢٨ - باب حجبت النار بالشهوات)","level":2,"page":3414},{"title":"(٢٩ - باب الجنة أقرب إلى أحدكم. . .) إلخ","level":2,"page":3415},{"title":"(٣٠ - باب لينظر إلى من هو أسفل منه. . .) إلخ","level":2,"page":3416},{"title":"(٣١ - باب من هم بحسنة أو سيئة)","level":2,"page":3416},{"title":"(٣٢ - باب ما يتقى من محقرات الذنوب)","level":2,"page":3417},{"title":"(٣٣ - باب الأعمال بالخواتيم وما يخاف منها)","level":2,"page":3417},{"title":"(٣٤ - باب العزلة راحة من خلاط السوء)","level":2,"page":3417},{"title":"(٣٥ - باب رفع الأمانة)","level":2,"page":3418},{"title":"(٣٦ - باب الرياء والسمعة)","level":2,"page":3418},{"title":"(٣٧ - باب من جاهد نفسه في طاعة الله)","level":2,"page":3419},{"title":"(٣٨ - باب التواضع)","level":2,"page":3419},{"title":"(٣٩ - باب قول النبي - ﷺ -: \"بعثت أنا والساعة كهاتين. . .\") إلخ","level":2,"page":3420},{"title":"(٤٠ - باب)","level":2,"page":3420},{"title":"(٤١ - باب من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه)","level":2,"page":3421},{"title":"(٤٢ - باب سكرات الموت)","level":2,"page":3422},{"title":"(٤٣ - باب نفخ الصور)","level":2,"page":3422},{"title":"(٤٤ - باب يقبض الله الأرض. . .) إلخ","level":2,"page":3423},{"title":"(٤٥ - باب كيف الحشر)","level":2,"page":3423},{"title":"(٤٦ - باب ﴿إن زلزلة الساعة شيء عظيم. . .﴾ [الحج: ١]) إلخ","level":2,"page":3424},{"title":"(٤٧ - باب ﴿ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون (٤) ليوم عظيم﴾ [المطففين: ٤، ٥])","level":2,"page":3424},{"title":"(٤٨ - باب القصاص يوم القيامة، وهي الحاقة. . .) إلخ","level":2,"page":3425},{"title":"(٤٩ - باب من نوقش الحساب عذب)","level":2,"page":3425},{"title":"(٥٠ - باب يدخل الجنة سبعون ألفا بغير حساب)","level":2,"page":3425},{"title":"(٥١ - باب صفة الجنة والنار)","level":2,"page":3426},{"title":"(٥٢ - باب الصراط جسر جهنم)","level":2,"page":3427},{"title":"٨١ م - كتاب الحوض","level":1,"page":3428},{"title":"(٥٣ - باب قول الله: ﴿إنا أعطيناك الكوثر﴾. . .) إلخ","level":2,"page":3430},{"title":"٨٢ - كتاب القدر","level":1,"page":3432},{"title":"(١ - باب جف القلم على علم الله. . .) إلخ","level":2,"page":3433},{"title":"(٢ - باب الله أعلم بما كانوا عاملين)","level":2,"page":3434},{"title":"(٣ - باب قوله: ﴿وكان أمر الله قدرا مقدورا﴾ [الأحزاب: ٣٨])","level":2,"page":3434},{"title":"(٤ - باب العمل بالخواتيم)","level":2,"page":3434},{"title":"(٥ - باب إلقاء النذر العبد إلى القدر)","level":2,"page":3434},{"title":"(٦ - باب لا حول ولا قوة إلا بالله. . .) إلخ","level":2,"page":3435},{"title":"(٧ - باب المعصوم من عصم الله. . .) إلخ","level":2,"page":3435},{"title":"(٨ - باب قول الله: ﴿وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون﴾ [الأنبياء: ٩٥]) إلخ","level":2,"page":3436},{"title":"(٩ - باب ﴿وما جعلنا الرؤيا التي أريناك﴾ الآية [الإسراء: ٦٠])","level":2,"page":3436},{"title":"(١٠ - باب تحاج آدم وموسى عند الله تعالى)","level":2,"page":3437},{"title":"(١١ - باب لا مانع لما أعطى الله)","level":2,"page":3437},{"title":"(١٢ - باب من تعوذ بالله من درك الشقاء)","level":2,"page":3437},{"title":"(١٣ - باب يحول بين المرء وقلبه)","level":2,"page":3437},{"title":"(١٤ - باب ﴿قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا. . .﴾ [التوبة: ٥١] قضى) إلخ","level":2,"page":3438},{"title":"(١٥ - باب قوله: ﴿وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. . .﴾ [الأعراف: ٤٣]) إلخ","level":2,"page":3438},{"title":"٨٣ - كتاب الأيمان والنذور","level":1,"page":3439},{"title":"(١ - باب قول الله: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم﴾ الآية [البقرة: ٢٢٥])","level":2,"page":3439},{"title":"(٢ - باب قول النبي - ﷺ -: وأيم الله)","level":2,"page":3440},{"title":"(٣ - باب كيف كان يمين النبي - ﷺ -. . .) إلخ","level":2,"page":3441},{"title":"(٤ - باب لا تحلفوا بآبائكم)","level":2,"page":3441},{"title":"(٥ - باب لا يحلف باللات والعزى ولا بالطواغيت)","level":2,"page":3443},{"title":"(٦ - باب من حلف على الشيء وإن لم يحلف)","level":2,"page":3444},{"title":"(٧ - باب من حلف بملة سوى الإسلام. . .) إلخ","level":2,"page":3444},{"title":"(٨ - باب لا يقول: ما شاء الله وشئت. . .) إلخ","level":2,"page":3445},{"title":"(٩ - باب قول الله: ﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم. . .﴾ [الأنعام: ١٠٩]) إلخ","level":2,"page":3446},{"title":"(١٠ - باب إذا قال: أشهد بالله أو شهدت بالله)","level":2,"page":3447},{"title":"(١١ - باب عهد الله)","level":2,"page":3448},{"title":"(١٢ - باب الحلف بعزة الله وصفاته وكلامه. . .) إلخ","level":2,"page":3449},{"title":"(١٣ - باب قول الرجل: لعمر الله. . .) إلخ","level":2,"page":3450},{"title":"(١٤ - باب ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم﴾ الآية [البقرة: ٢٢٥])","level":2,"page":3450},{"title":"(١٥ - باب إذا حنث ناسيا في الأيمان. . .) إلخ","level":2,"page":3452},{"title":"(١٦ - باب اليمين الغموس. . .) إلخ","level":2,"page":3453},{"title":"(١٧ - باب قول الله: ﴿إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم﴾ الآية [آل عمران: ٧٧])","level":2,"page":3454},{"title":"(١٨ - باب اليمين فيما لا يملك وفي المعصية وفي الغضب)","level":2,"page":3454},{"title":"(١٩ - باب إذا قال: والله لا أتكلم اليوم. . .) إلخ","level":2,"page":3456},{"title":"(٢٠ - باب من حلف أن لا يدخل على أهله شهرا. . .) إلخ","level":2,"page":3457},{"title":"(٢١ - باب إن حلف أن لا يشرب نبيذا. . .) إلخ","level":2,"page":3457},{"title":"(٢٢ - باب إذا حلف أن لا يأتدم فأكل تمرا بخبز. . .) إلخ","level":2,"page":3459},{"title":"(٢٣ - باب النية في الأيمان)","level":2,"page":3460},{"title":"(٢٤ - باب إذا أهدى ماله على وجه النذر والتوبة)","level":2,"page":3461},{"title":"(٢٥ - باب إذا حرم طعاما. . .) إلخ","level":2,"page":3461},{"title":"(٢٦ - باب الوفاء بالنذر)","level":2,"page":3462},{"title":"(٢٧ - باب إثم من لا يفي بالنذر)","level":2,"page":3464},{"title":"(٢٨ - باب النذر في الطاعة. . .) إلخ","level":2,"page":3464},{"title":"(٢٩ - باب إذا نذر أو حلف أن لا يكلم إنسانا في الجاهلية ثم أسلم)","level":2,"page":3464},{"title":"(٣٠ - باب من مات وعليه نذر. . .) إلخ","level":2,"page":3465},{"title":"(٣١ - باب النذر فيما لا يملك وفي معصية)","level":2,"page":3466},{"title":"(٣٢ - باب من نذر أن يصوم أياما فوافق النحر أو الفطر)","level":2,"page":3466},{"title":"(٣٣ - باب هل يدخل في الأيمان والنذور الأرض والغنم. . .) إلخ","level":2,"page":3467},{"title":"٨٤ - كتاب كفارات الأيمان","level":1,"page":3469},{"title":"(١ - باب كفارات الأيمان)","level":2,"page":3469},{"title":"(٢ - باب قوله: ﴿قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم﴾ الآية [التحريم: ٢])","level":2,"page":3470},{"title":"(٣ - باب من أعان المعسر في الكفارة)","level":2,"page":3471},{"title":"(٤ - باب يعطى في الكفارة عشرة مساكين. . .) إلخ","level":2,"page":3471},{"title":"(٥ - باب صاع المدينة ومد النبي - ﷺ - وبركته)","level":2,"page":3472},{"title":"(٦ - باب قول الله: ﴿وتحرير رقبة﴾ [النساء: ٩٢])","level":2,"page":3474},{"title":"(٧ - باب عتق المدبر وأم الولد والمكاتب. . .) إلخ","level":2,"page":3474},{"title":"(٨ - باب إذا أعتق عبدا بينه وبين آخر أو أعتق في الكفارة لمن ولاؤه)","level":2,"page":3475},{"title":"(٩ - باب الاستثناء في الأيمان)","level":2,"page":3476},{"title":"(١٠ - باب الكفارة قبل الحنث وبعده)","level":2,"page":3477},{"title":"٨٥ - كتاب الفرائض","level":1,"page":3479},{"title":"(١ - باب قول الله: ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ الآيتين [النساء: ١١])","level":2,"page":3479},{"title":"(٢ - باب تعليم الفرائض)","level":2,"page":3480},{"title":"(٣ - باب قول النبي - ﷺ -: لا نورث. . .) إلخ","level":2,"page":3481},{"title":"(٤ - باب قول النبي - ﷺ -: \"من ترك مالا فلأهله\")","level":2,"page":3482},{"title":"(٥ - باب ميراث الولد من أبيه وأمه)","level":2,"page":3482},{"title":"(٦ - باب ميراث البنات)","level":2,"page":3483},{"title":"(٧ - باب ميراث ابن الابن إذا لم يكن ابن. . .) إلخ","level":2,"page":3483},{"title":"(٨ - باب ميراث ابنة ابن مع ابنة)","level":2,"page":3484},{"title":"(٩ - باب ميراث الجد مع الأب والإخوة)","level":2,"page":3484},{"title":"(١٠ - باب ميراث الزوج مع الولد وغيره)","level":2,"page":3485},{"title":"(١١ - باب ميراث المرأة والزوج مع الولد وغيره)","level":2,"page":3485},{"title":"(١٢ - باب ميراث الأخوات مع البنات عصبة)","level":2,"page":3485},{"title":"(١٣ - باب ميراث الإخوة والأخوات)","level":2,"page":3486},{"title":"(١٤ - باب ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة﴾ [النساء: ١٧٦])","level":2,"page":3486},{"title":"(١٥ - باب ابني عم أحدهما أخ لأم والآخر زوج. . .) إلخ","level":2,"page":3486},{"title":"(١٦ - باب ذوي الأرحام)","level":2,"page":3487},{"title":"(١٧ - باب ميراث الملاعنة)","level":2,"page":3489},{"title":"(١٨ - باب الولد للفراش حرة كانت أو أمة)","level":2,"page":3490},{"title":"(١٩ - باب الولاء لمن أعتق وميراث اللقيط)","level":2,"page":3490},{"title":"(٢٠ - باب ميراث السائبة)","level":2,"page":3492},{"title":"(٢١ - باب إثم من تبرأ من مواليه)","level":2,"page":3493},{"title":"(٢٢ - باب إذا أسلم على يديه. . .) إلخ","level":2,"page":3493},{"title":"(٢٣ - باب ما يرث النساء من الولاء)","level":2,"page":3494},{"title":"(٢٤ - باب مولى القوم من أنفسهم)","level":2,"page":3494},{"title":"(٢٥ - باب ميراث الأسير)","level":2,"page":3495},{"title":"(٢٦ - باب لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم)","level":2,"page":3496},{"title":"(٢٧ - باب ميراث العبد النصراني)","level":2,"page":3496},{"title":"(٢٨ - باب من ادعى أخا أو ابن أخ)","level":2,"page":3497},{"title":"(٢٩ - باب من ادعى إلى غير أبيه)","level":2,"page":3498},{"title":"(٣٠ - باب إذا ادعت المرأة ابنا)","level":2,"page":3498},{"title":"(٣١ - باب القائف)","level":2,"page":3499},{"title":"٨٦ - كتاب الحدود","level":1,"page":3500},{"title":"(١ - باب ما يحذر من الحدود)","level":2,"page":3500},{"title":"(٢ - باب الزنا وشرب الخمر)","level":2,"page":3501},{"title":"(٣ - باب ما جاء في ضرب شارب الخمر)","level":2,"page":3501},{"title":"(٤ - باب من أمر بضرب الحد في البيت)","level":2,"page":3502},{"title":"(٥ - باب الضرب بالجريد والنعال)","level":2,"page":3503},{"title":"(٦ - باب ما يكره من لعن شارب الخمر. . .) إلخ","level":2,"page":3503},{"title":"(٧ - باب السارق حين يسرق)","level":2,"page":3504},{"title":"(٨ - باب لعن السارق إذا لم يسم)","level":2,"page":3504},{"title":"(٩ - باب الحدود كفارة)","level":2,"page":3504},{"title":"(١٠ - باب ظهر المؤمن حمى إلا في حد أو في حق)","level":2,"page":3505},{"title":"(١١ - باب إقامة الحدود والانتقام لحرمات الله)","level":2,"page":3506},{"title":"(١٢ - باب إقامة الحدود على الشريف والوضيع)","level":2,"page":3506},{"title":"(١٣ - باب كراهية الشفاعة في الحد إذا رفع إلى السلطان)","level":2,"page":3507},{"title":"(١٤ - باب قول الله: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما. . .﴾ [المائدة: ٣٨]) إلخ","level":2,"page":3507},{"title":"(١٥ - باب توبة السارق)","level":2,"page":3509},{"title":"٨٦ م - كتاب المحاربين من أهل الكفر والردة","level":1,"page":3510},{"title":"(١٦ - باب لم يحسم النبي - ﷺ - المحاربين. . .) إلخ","level":2,"page":3511},{"title":"(١٧ - باب لم يسق المرتدون المحاربون حتى ماتوا)","level":2,"page":3512},{"title":"(١٨ - باب سمر النبي - ﷺ - أعين المحاربين)","level":2,"page":3512},{"title":"(١٩ - باب فضل من ترك الفواحش)","level":2,"page":3513},{"title":"(٢٠ - باب إثم الزناة)","level":2,"page":3513},{"title":"(٢١ - باب رجم المحصن)","level":2,"page":3514},{"title":"(٢٢ - باب لا يرجم المجنون والمجنونة)","level":2,"page":3517},{"title":"(٢٣ - باب للعاهر الحجر)","level":2,"page":3517},{"title":"(٢٤ - باب الرجم بالبلاط)","level":2,"page":3518},{"title":"(٢٥ - باب الرجم بالمصلى)","level":2,"page":3519},{"title":"(٢٦ - باب من أصاب ذنبا دون الحد)","level":2,"page":3519},{"title":"(٢٧ - باب إذا أقر بالحد ولم يبين)","level":2,"page":3521},{"title":"(٢٨ - باب هل يقول الإمام للمقر: لعلك لمست. . .) إلخ","level":2,"page":3521},{"title":"(٢٩ - باب سؤال الإمام المقر هل أحصنت)","level":2,"page":3522},{"title":"(٣٠ - باب الاعتراف بالزنا)","level":2,"page":3523},{"title":"(٣١ - باب رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت)","level":2,"page":3523},{"title":"(٣٢ - باب البكران يجلدان وينفيان. . .) إلخ","level":2,"page":3524},{"title":"(٣٣ - باب نفي أهل المعاصي والمخنثين)","level":2,"page":3525},{"title":"(٣٤ - باب من أمر غير الإمام بإقامة الحد غائبا عنه)","level":2,"page":3525},{"title":"(٣٥ - باب قول الله: ﴿ومن لم يستطع منكم طولا. . .﴾ [النساء: ٢٥]. . .) إلخ","level":2,"page":3526},{"title":"(٣٥ م - باب إذا زنت الأمة)","level":2,"page":3527},{"title":"(٣٦ - باب لا يثرب على الأمة إذا زنت ولا تنفى)","level":2,"page":3528},{"title":"(٣٧ - باب أحكام أهل الذمة وإحصانهم. . .) إلخ","level":2,"page":3529},{"title":"(٣٨ - باب إذا رمى امرأته أو امرأة غيره. . .) إلخ","level":2,"page":3531},{"title":"(٣٩ - باب من أدب أهله أو غيره دون السلطان)","level":2,"page":3532},{"title":"(٤٠ - باب من رأى مع امرأته رجلا فقتله. . .) إلخ","level":2,"page":3533},{"title":"(٤١ - باب ما جاء في التعريض)","level":2,"page":3534},{"title":"(٤٢ - باب كم التعزير والأدب)","level":2,"page":3535},{"title":"(٤٣ - باب من أظهر الفاحشة والتلطخ والتهمة بغير بينة)","level":2,"page":3536},{"title":"(٤٤ - باب رمي المحصنات. . .) إلخ","level":2,"page":3537},{"title":"(٤٥ - باب قذف العبيد)","level":2,"page":3537},{"title":"(٤٦ - باب هل يأمر الإمام رجلا فيضرب الحد غائبا عنه. . .) إلخ","level":2,"page":3538},{"title":"٨٧ - كتاب الديات","level":1,"page":3540},{"title":"(١ - باب قول الله - ﷿ - ﴿ومن أحياها﴾ [المائدة: ٣٢])","level":2,"page":3542},{"title":"(٢ - باب قوله: ﴿ياأيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى﴾ [البقرة: ١٧٨])","level":2,"page":3543},{"title":"(٣ - باب سؤال القاتل حتى يقر. . .) إلخ","level":2,"page":3544},{"title":"(٤ - باب إذا قتل بحجر أو بعصا)","level":2,"page":3545},{"title":"(٥ - باب قول الله: ﴿أن النفس بالنفس﴾ الآية [المائدة: ٤٥])","level":2,"page":3546},{"title":"(٦ - باب من أقاد بحجر)","level":2,"page":3546},{"title":"(٧ - باب من قتل له قتيل فهو بخير النظرين)","level":2,"page":3548},{"title":"(٨ - باب من طلب دم امرئ بغير حق)","level":2,"page":3549},{"title":"(٩ - باب العفو في الخطأ بعد الموت)","level":2,"page":3549},{"title":"(١٠ - باب قول الله تعالى: ﴿وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ﴾ الآية [النساء: ٩٢])","level":2,"page":3551},{"title":"(١١ - باب إذا أقر بالقتل مرة قتل به)","level":2,"page":3551},{"title":"(١٢ - باب قتل الرجل بالمرأة)","level":2,"page":3552},{"title":"(١٣ - باب القصاص بين الرجال والنساء في الجراحات)","level":2,"page":3553},{"title":"(١٤ - باب من أخذ حقه أو اقتص دون السلطان)","level":2,"page":3555},{"title":"(١٥ - باب إذا مات في الزحام أو قتل)","level":2,"page":3556},{"title":"(١٦ - باب إذا قتل نفسه خطأ فلا دية له)","level":2,"page":3557},{"title":"(١٧ - باب إذا عض رجلا فوقعت ثناياه)","level":2,"page":3558},{"title":"(١٨ - باب السن بالسن)","level":2,"page":3558},{"title":"(١٩ - باب دية الأصابع)","level":2,"page":3559},{"title":"(٢٠ - باب إذا أصاب قوم من رجل. . .) إلخ","level":2,"page":3559},{"title":"(٢١ - باب القسامة)","level":2,"page":3561},{"title":"(٢٢ - باب من اطلع في بيت قوم ففقؤوا عينه فلا دية له)","level":2,"page":3567},{"title":"(٢٣ - باب العاقلة)","level":2,"page":3568},{"title":"(٢٤ - باب جنين المرأة)","level":2,"page":3569},{"title":"(٢٥ - باب جنين المرأة وأن العقل على الوالد. . .) إلخ","level":2,"page":3571},{"title":"(٢٦ - باب من استعار عبدا أو صبيا. . .) إلخ","level":2,"page":3572},{"title":"(٢٧ - باب المعدن جبار)","level":2,"page":3573},{"title":"(٢٨ - باب العجماء جبار)","level":2,"page":3574},{"title":"(٢٩ - باب إثم من قتل ذميا بغير جرم)","level":2,"page":3576},{"title":"(٣٠ - باب لا يقتل المسلم بالكافر)","level":2,"page":3576},{"title":"(٣١ - باب إذا لطم المسلم يهوديا عند الغضب)","level":2,"page":3577},{"title":"٨٨ - كتاب استتابة المعاندين والمرتدين وقتالهم. . . إلخ","level":1,"page":3580},{"title":"(٢ - باب حكم المرتد والمرتدة)","level":2,"page":3582},{"title":"(٣ - باب قتل من أبى قبول الفرائض)","level":2,"page":3584},{"title":"(٤ - باب إذا عرض الذمي وغيره بسب النبي - ﷺ -)","level":2,"page":3586},{"title":"(٥ - باب)","level":2,"page":3590},{"title":"(٦ - باب قتال الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم. . .) إلخ","level":2,"page":3590},{"title":"(٧ - باب من ترك قتال الخوارج للتألف وإلا ينفر الناس عنه)","level":2,"page":3592},{"title":"(٨ - باب قول النبي - ﷺ -: لن تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان. . .) إلخ","level":2,"page":3593},{"title":"(٩ - باب ما جاء في المتأولين)","level":2,"page":3594},{"title":"٨٩ - كتاب الإكراه","level":1,"page":3595},{"title":"(١ - باب قول الله - ﷿ -: ﴿إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾ [النحل: ١٠٦])","level":2,"page":3596},{"title":"(١ م - باب من اختار الضرب والقتل والهوان على الكفر)","level":2,"page":3597},{"title":"(٢ - باب في بيع المكره ونحوه في الحق وغيره)","level":2,"page":3598},{"title":"(٣ - باب لا يجوز نكاح المكره. . .) إلخ","level":2,"page":3601},{"title":"(٤ - باب إذا أكره حتى وهب عبدا أو باعه لم يجز)","level":2,"page":3603},{"title":"(٥ - باب من الإكراه. . .) إلخ","level":2,"page":3605},{"title":"(٦ - باب إذا استكرهت المرأة على الزنا فلا حد عليها. . .) إلخ","level":2,"page":3606},{"title":"(٧ - باب يمين الرجل لصاحبه إنه أخوه)","level":2,"page":3607},{"title":"٩٠ - كتاب الحيل","level":1,"page":3613},{"title":"(١ - باب في ترك الحيل)","level":2,"page":3616},{"title":"(٢ - باب في الصلاة)","level":2,"page":3617},{"title":"(٣ - باب في الزكاة)","level":2,"page":3618},{"title":"(٤ - باب)","level":2,"page":3620},{"title":"(٥ - باب ما يكره من الاحتيال في البيوع)","level":2,"page":3624},{"title":"(٦ - باب ما يكره من التناجش)","level":2,"page":3624},{"title":"(٧ - باب ما ينهى عنه من الخداع في البيع)","level":2,"page":3624},{"title":"(٨ - باب ما ينهى من الاحتيال للولي في اليتيمة. . .) إلخ","level":2,"page":3625},{"title":"(٩ - باب إذا غصب جارية فزعم أنها ماتت. . .) إلخ","level":2,"page":3625},{"title":"(١٠ - باب)","level":2,"page":3626},{"title":"(١١ - باب في النكاح)","level":2,"page":3626},{"title":"(١٢ - باب ما يكره من احتيال المرأة مع الزوج والضرائر. . .) إلخ","level":2,"page":3627},{"title":"(١٣ - باب ما يكره من الاحتيال في الفرار من الطاعون)","level":2,"page":3627},{"title":"(١٤ - باب في الهبة والشفعة)","level":2,"page":3628},{"title":"(١٥ - باب احتيال العامل ليهدى له)","level":2,"page":3631},{"title":"٩١ - كتاب التعبير","level":1,"page":3633},{"title":"(١ - باب أول ما بدئ به رسول الله - ﷺ - من الوحي. . .) إلخ","level":2,"page":3635},{"title":"(٢ - باب رؤيا الصالحين)","level":2,"page":3636},{"title":"(٣ - باب الرؤيا من الله)","level":2,"page":3636},{"title":"(٤ - باب الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة)","level":2,"page":3637},{"title":"(٥ - باب مبشرات)","level":2,"page":3638},{"title":"(٦ - باب رؤيا يوسف - ﵇ -)","level":2,"page":3639},{"title":"(٧ - باب رؤيا إبراهيم - ﵇ -. . .) إلخ","level":2,"page":3640},{"title":"(٨ - باب التواطؤ على الرؤيا)","level":2,"page":3640},{"title":"(٩ - باب رؤيا أهل السجون والفساد)","level":2,"page":3640},{"title":"(١٠ - باب من رأى النبي - ﷺ - في المنام)","level":2,"page":3641},{"title":"(١١ - باب رؤيا الليل)","level":2,"page":3644},{"title":"(١٢ - باب الرؤيا بالنهار وقال ابن عون. . .) إلخ","level":2,"page":3644},{"title":"(١٣ - باب رؤيا النساء)","level":2,"page":3645},{"title":"(١٤ - باب الحلم من الشيطان)","level":2,"page":3645},{"title":"(١٥ - باب اللبن)","level":2,"page":3645},{"title":"(١٦ - باب إذا جرى اللبن في أطرافه أو أظافيره)","level":2,"page":3646},{"title":"(١٧ - باب القميص في المنام)","level":2,"page":3646},{"title":"(١٨ - باب جر القميص في المنام)","level":2,"page":3646},{"title":"(١٩ - باب الخضر في المنام)","level":2,"page":3647},{"title":"(٢٠ - باب كشف المرأة في المنام)","level":2,"page":3647},{"title":"(٢١ - باب الحرير في المنام)","level":2,"page":3647},{"title":"(٢٢ - باب المفاتيح في اليد)","level":2,"page":3648},{"title":"(٢٣ - باب التعليق بالعروة والحلقة)","level":2,"page":3648},{"title":"(٢٤ - باب عمود الفسطاط تحت وسادته)","level":2,"page":3648},{"title":"(٢٥ - باب الاستبرق ودخول الجنة في المنام)","level":2,"page":3649},{"title":"(٢٦ - باب القيد في المنام)","level":2,"page":3650},{"title":"(٢٧ - باب العين الجارية في المنام)","level":2,"page":3650},{"title":"(٢٨ - باب نزع الماء من البئر حتى يروى الناس)","level":2,"page":3650},{"title":"(٢٩ - باب نزع الذنوب والذنوبين. . .) إلخ","level":2,"page":3650},{"title":"(٣٠ - باب الاستراحة في المنام)","level":2,"page":3651},{"title":"(٣١ - باب القصر في المنام)","level":2,"page":3651},{"title":"(٣٢ - باب الوضوء في المنام)","level":2,"page":3651},{"title":"(٣٣ - باب الطواف بالكعبة في المنام)","level":2,"page":3651},{"title":"(٣٤ - باب إذا أعطى فضله غيره في المنام)","level":2,"page":3651},{"title":"(٣٥ - باب الأمن وذهاب الروع في النوم)","level":2,"page":3651},{"title":"(٣٦ - باب الأخذ على اليمين في النوم)","level":2,"page":3652},{"title":"(٣٧ - باب القدح في النوم)","level":2,"page":3652},{"title":"(٣٨ - باب إذا طار الشيء في المنام)","level":2,"page":3652},{"title":"(٣٩ - باب إذا رأى بقرا تنحر)","level":2,"page":3653},{"title":"(٤٠ - باب النفخ في المنام)","level":2,"page":3653},{"title":"(٤١ - باب إذا رأى أنه أخرج الشيء من كورة)","level":2,"page":3654},{"title":"(٤٢ - باب المرأة السوداء)","level":2,"page":3654},{"title":"(٤٣ - باب المرأة الثائرة الرأس)","level":2,"page":3654},{"title":"(٤٤ - باب إذا رأى أنه هز سيفا في المنام)","level":2,"page":3655},{"title":"(٤٥ - باب من كذب في حلمه)","level":2,"page":3655},{"title":"(٤٦ - باب إذا رأى ما يكره فلا يخبر بها ولا يذكرها)","level":2,"page":3656},{"title":"(٤٧ - باب من لم ير الرؤيا الأول عابر إذا لم يصب)","level":2,"page":3656},{"title":"(٤٨ - باب تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح)","level":2,"page":3658},{"title":"٩٢ - كتاب الفتن","level":1,"page":3659},{"title":"(١ - باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم﴾ [الأنفال: ٢٥])","level":2,"page":3659},{"title":"(٢ - باب قول النبي - ﷺ -: \"سترون بعدي أمورا تنكرونها\")","level":2,"page":3660},{"title":"(٣ - باب قول النبي - ﷺ -: \"هلاك أمتي على يدي أغيلمة سفهاء\")","level":2,"page":3661},{"title":"(٤ - باب قول النبي - ﷺ -: \"ويل للعرب من شر قد اقترب\")","level":2,"page":3662},{"title":"(٥ - باب ظهور الفتن)","level":2,"page":3663},{"title":"(٦ - باب لا يأتي زمان إلا الذي بعده شر منه)","level":2,"page":3664},{"title":"(٧ - باب قول النبي - ﷺ -: \"من حمل علينا السلاح فليس منا\")","level":2,"page":3666},{"title":"(٨ - باب قول النبي - ﷺ -: \"لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض\")","level":2,"page":3666},{"title":"(٩ - باب قول النبي - ﷺ -: \"تكون فتنة القاعد فيها خير. . .\") إلخ","level":2,"page":3667},{"title":"(١٠ - باب إذا التقى المسلمان بسيفيهما. . .) إلخ","level":2,"page":3668},{"title":"(١١ - باب كيف الأمر إذا لم تكن جماعة)","level":2,"page":3668},{"title":"(١٢ - باب من كره أن يكثر سواد الفتن والظلم)","level":2,"page":3669},{"title":"(١٣ - باب إذا بقي في حثالة من الناس)","level":2,"page":3669},{"title":"(١٤ - باب التعرب في الفتنة)","level":2,"page":3669},{"title":"(١٥ - باب التعوذ من الفتن)","level":2,"page":3670},{"title":"(١٦ - باب قول النبي - ﷺ -: الفتنة من قبل المشرق)","level":2,"page":3670},{"title":"(١٧ - باب الفتنة تموج كموج البحر. . .) إلخ","level":2,"page":3671},{"title":"(١٨ - باب)","level":2,"page":3671},{"title":"(١٩ - باب إذا أنزل الله بقوم عذابا)","level":2,"page":3671},{"title":"(٢٠ - باب قول النبي - ﷺ - للحسن بن علي: إن ابني هذا سيد. . .) إلخ","level":2,"page":3672},{"title":"(٢١ - باب إذا قال عند قوم شيئا ثم خرج فقال بخلافه)","level":2,"page":3673},{"title":"(٢٢ - باب لا تقوم الساعة حتى يغبط أهل القبور)","level":2,"page":3674},{"title":"(٢٣ - باب تغير الزمان حتى تعبد الأوثان)","level":2,"page":3675},{"title":"(٢٤ - باب خروج النار. . .) إلخ","level":2,"page":3675},{"title":"(٢٥ - باب)","level":2,"page":3676},{"title":"(٢٦ - باب ذكر الدجال)","level":2,"page":3677},{"title":"(٢٧ - باب لا يدخل الدجال المدينة)","level":2,"page":3679},{"title":"(٢٨ - باب يأجوج ومأجوج)","level":2,"page":3679},{"title":"٩٣ - كتاب الأحكام","level":1,"page":3680},{"title":"(١ - باب قول الله: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ الآية [النساء: ٥٩])","level":2,"page":3681},{"title":"(٢ - باب الأمراء من قريش)","level":2,"page":3681},{"title":"(٣ - باب أجر من قضى بالحكمة. . .) إلخ","level":2,"page":3682},{"title":"(٤ - باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية)","level":2,"page":3683},{"title":"(٥ - باب من لم يسأل الله الإمارة أعانه الله)","level":2,"page":3683},{"title":"(٦ - باب من سأل الإمارة وكل إليها)","level":2,"page":3684},{"title":"(٧ - باب ما يكره من الحرص على الإمارة)","level":2,"page":3684},{"title":"(٨ - باب من استرعي رعية فلم ينصح)","level":2,"page":3684},{"title":"(٩ - باب من شاق شاق الله عليه)","level":2,"page":3685},{"title":"(١٠ - باب القضاء والفتيا في الطريق)","level":2,"page":3685},{"title":"(١١ - باب ما ذكر أن النبي - ﷺ - لم يكن له بواب)","level":2,"page":3686},{"title":"(١٢ - باب الحاكم يحكم بالقتل على من وجب عليه دون الإمام الذي فوقه)","level":2,"page":3687},{"title":"(١٣ - باب هل يقضي الحاكم أو يفتي وهو غضبان)","level":2,"page":3689},{"title":"(١٤ - باب من رأى للقاضي أن يحكم بعلمه في أمر الناس. . .) إلخ","level":2,"page":3690},{"title":"(١٥ - باب الشهادة على الخط المختوم. . .) إلخ","level":2,"page":3691},{"title":"(١٦ - باب متى يستوجب الرجل القضاء. . .) إلخ","level":2,"page":3693},{"title":"(١٧ - باب رزق الحاكم والعاملين عليها. . .) إلخ","level":2,"page":3695},{"title":"(١٨ - باب من قضى ولاعن في المسجد)","level":2,"page":3696},{"title":"(١٩ - باب من حكم في المسجد حتى إذا أتى على حد أمر أن يخرج. . .) إلخ","level":2,"page":3697},{"title":"(٢٠ - باب موعظة الإمام للخصوم)","level":2,"page":3698},{"title":"(٢١ - باب الشهادة تكون عند الحاكم في ولايته القضاء)","level":2,"page":3698},{"title":"(٢٢ - باب أمر الوالي إذا وجه أميرين إلى موضع)","level":2,"page":3699},{"title":"(٢٣ - باب إجابة الحاكم الدعوة)","level":2,"page":3700},{"title":"(٢٤ - باب هدايا العمال)","level":2,"page":3700},{"title":"(٢٥ - باب استقضاء الموالي واستعمالهم)","level":2,"page":3701},{"title":"(٢٦ - باب العرفاء للناس)","level":2,"page":3702},{"title":"(٢٧ - باب ما يكره من ثناء السلطان وإذا خرج قال غير ذلك)","level":2,"page":3702},{"title":"(٢٨ - باب القضاء على الغائب)","level":2,"page":3703},{"title":"(٢٩ - باب من قضى له بحق أخيه)","level":2,"page":3704},{"title":"(٣٠ - باب الحكم في البئر ونحوها)","level":2,"page":3705},{"title":"(٣١ - باب القضاء في قليل المال وكثيره سواء. . .) إلخ","level":2,"page":3706},{"title":"(٣٢ - باب بيع الإمام على الناس أموالهم. . .) إلخ","level":2,"page":3706},{"title":"(٣٣ - باب من لم يكترث لطعن من لا يعلم في الأمراء)","level":2,"page":3707},{"title":"(٣٤ - باب الألد الخصم)","level":2,"page":3708},{"title":"(٣٥ - باب إذا قضى الحاكم بجور أو خلاف أهل العلم فهو رد)","level":2,"page":3708},{"title":"(٣٦ - باب الإمام يأتي قوما فيصلح بينهم)","level":2,"page":3709},{"title":"(٣٧ - باب ما يستحب للكاتب أن يكون أمينا عاقلا)","level":2,"page":3709},{"title":"(٣٨ - باب كتاب الحاكم إلى عماله والقاضي إلى أمنائه)","level":2,"page":3709},{"title":"(٣٩ - باب هل يجوز للحاكم أن يبعث رجلا وحده للنظر في الأمور؟)","level":2,"page":3710},{"title":"(٤٠ - باب ترجمة الحكام. . .) إلخ","level":2,"page":3710},{"title":"(٤١ - باب محاسبة الإمام عماله)","level":2,"page":3711},{"title":"(٤٢ - باب بطانة الإمام وأهل مشورته. . .) إلخ","level":2,"page":3712},{"title":"(٤٣ - باب كيف يبايع الإمام الناس)","level":2,"page":3712},{"title":"(٤٤ - باب من بايع مرتين)","level":2,"page":3712},{"title":"(٤٥ - باب بيعة الأعراب)","level":2,"page":3712},{"title":"(٤٦ - باب بيعة الصغير)","level":2,"page":3713},{"title":"(٤٧ - باب من بايع ثم استقال البيعة)","level":2,"page":3713},{"title":"(٤٨ - باب من بايع رجلا لا يبايعه إلا للدنيا)","level":2,"page":3713},{"title":"(٤٩ - باب بيعة النساء)","level":2,"page":3714},{"title":"(٥٠ - باب من نكث بيعة)","level":2,"page":3714},{"title":"(٥١ - باب الاستخلاف)","level":2,"page":3715},{"title":"(٥٢ - باب)","level":2,"page":3715},{"title":"(٥٣ - باب إخراج الخصوم وأهل الريب من البيوت. . .) إلخ","level":2,"page":3715},{"title":"(٥٤ - باب هل للإمام أن يمنع المجرمين. . .) إلخ","level":2,"page":3716},{"title":"٩٤ - كتاب التمني","level":1,"page":3717},{"title":"(١ - باب ما جاء في التمني ومن تمنى الشهادة)","level":2,"page":3717},{"title":"(٢ - باب تمني الخير)","level":2,"page":3718},{"title":"(٣ - باب قول النبي - ﷺ -: \"لو استقبلت من أمري ما استدبرت\")","level":2,"page":3718},{"title":"(٤ - باب قوله - ﷺ -: \"اليت كذا وكذا\")","level":2,"page":3718},{"title":"(٥ - باب تمني القرآن والعلم)","level":2,"page":3718},{"title":"(٦ - باب ما يكره من التمني. . .) إلخ","level":2,"page":3718},{"title":"(٧ - باب قول الرجل: لولا الله ما اهتدينا)","level":2,"page":3719},{"title":"(٨ - باب كراهية تمني لقاء العدو)","level":2,"page":3720},{"title":"(١٠ - باب ما يجوز من الـ \"لو\". . .) إلخ","level":2,"page":3720},{"title":"٩٥ - كتاب أخبار الآحاد","level":1,"page":3722},{"title":"(١ - باب ما جاء في إجازة خبر الواحد. . .) إلخ","level":2,"page":3722},{"title":"(٢ - باب بعث النبي - ﷺ - الزبير طليعة وحده)","level":2,"page":3725},{"title":"(٣ - باب قول الله: ﴿لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم. . .﴾ [الأحزاب: ٥٣]) إلخ","level":2,"page":3725},{"title":"(٤ - باب كان النبي - ﷺ - يبعث من الأمراء والرسل واحدا بعد واحد)","level":2,"page":3726},{"title":"(٥ - باب وصاة النبي - ﷺ - وفود العرب. . .) إلخ","level":2,"page":3727},{"title":"(٦ - باب خبر المرأة الواحدة)","level":2,"page":3727},{"title":"٩٦ - كتاب الاعتصام","level":1,"page":3729},{"title":"(١ - باب الاعتصام بالكتاب والسنة)","level":2,"page":3730},{"title":"(١ م - باب قول النبي - ﷺ -: بعثت بجوامع الكلم)","level":2,"page":3731},{"title":"(٢ - باب الاقتداء بسنن رسول الله - ﷺ -)","level":2,"page":3732},{"title":"(٣ - باب ما يكره من كثرة السؤال. . .) إلخ","level":2,"page":3732},{"title":"(٤ - باب الاقتداء بأفعال النبي - ﷺ -)","level":2,"page":3733},{"title":"(٥ - باب ما يكره من التعمق والتنازع والغلو في الدين والبدع)","level":2,"page":3734},{"title":"(٦ - باب إثم من آوى محدثا)","level":2,"page":3735},{"title":"(٧ - باب ما يذكر من ذم الرأي وتكلف القياس)","level":2,"page":3735},{"title":"(٨ - باب ما كان النبي - ﷺ - يسأل مما لم ينزل عليه الوحي. . .) إلخ","level":2,"page":3737},{"title":"(٩ - باب تعليم النبي - ﷺ - أمته من الرجال والنساء)","level":2,"page":3738},{"title":"(١٠ - باب قول النبي - ﷺ -: \"لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق\")","level":2,"page":3739},{"title":"(١١ - باب قول الله: ﴿أو يلبسكم شيعا﴾ [الأنعام: ٦٥])","level":2,"page":3739},{"title":"(١٢ - باب من شبه أصلا معلوما بأصل مبين)","level":2,"page":3740},{"title":"(١٣ - باب مما جاء في اجتهاد القضاء بما أنزل الله. . .) إلخ","level":2,"page":3741},{"title":"(١٤ - باب قول النبي - ﷺ -: \"لتتبعن سنن من كان قبلكم\")","level":2,"page":3742},{"title":"(١٥ - باب إثم من دعا إلى ضلالة. . .) إلخ","level":2,"page":3742},{"title":"(١٦ - باب ما ذكر النبي - ﷺ - وحض على اتفاق أهل العلم. . .) إلخ","level":2,"page":3743},{"title":"(١٧ - باب قول الله تعالى: ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ [آل عمران: ١٢٨])","level":2,"page":3745},{"title":"(١٨ - باب قوله: ﴿وكان الإنسان أكثر شيء جدلا. . .﴾ [الكهف: ٥٤]) إلخ","level":2,"page":3746},{"title":"(١٩ - باب قوله: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا. . .﴾ [البقرة: ١٤٣]) إلخ","level":2,"page":3746},{"title":"(٢٠ - باب إذا اجتهد العامل أو الحاكم فأخطأ. . .) إلخ","level":2,"page":3747},{"title":"(٢١ - باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ. . .) إلخ","level":2,"page":3749},{"title":"(٢٢ - باب الحجة على من قال: إن أحكام النبي - ﷺ - كانت ظاهرة)","level":2,"page":3750},{"title":"(٢٣ - باب من رأى ترك النكير من النبي - ﷺ - حجة. . .) إلخ","level":2,"page":3751},{"title":"(٢٤ - باب الأحكام التي تعرف بالدلائل. . .) إلخ","level":2,"page":3753},{"title":"(٢٥ - باب قول النبي - ﷺ -: لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء. . .) إلخ","level":2,"page":3754},{"title":"(٢٦ - باب نهي النبي - ﷺ - عن التحريم إلا ما تعرف إباحته)","level":2,"page":3756},{"title":"(٢٧ - باب كراهية الاختلاف)","level":2,"page":3757},{"title":"(٢٨ - باب قول الله: ﴿وأمرهم شورى بينهم. . .﴾ [الشورى: ٣٨]) إلخ","level":2,"page":3758},{"title":"٩٧ - كتاب الرد على الجهمية وغيرهم","level":1,"page":3760},{"title":"(١ - باب ما جاء في دعاء النبي - ﷺ - أمته إلى توحيد الله. . .) إلخ","level":2,"page":3764},{"title":"(٢ - ﴿قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى﴾ [الإسراء: ١١٠])","level":2,"page":3765},{"title":"(٣ - باب قول الله: (إني أنا الرزاق ذو القوة المتين) [الذاريات: ٥٨])","level":2,"page":3766},{"title":"(٤ - باب قول الله: ﴿عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا﴾ [الجن: ٢٦])","level":2,"page":3767},{"title":"(٥ - باب قول الله: ﴿السلام المؤمن. . .﴾ [الحشر: ٢٣]) إلخ","level":2,"page":3768},{"title":"(٦ - باب قول الله: ﴿ملك الناس. . .﴾) إلخ","level":2,"page":3768},{"title":"(٧ - باب قول الله ﴿وهو العزيز الحكيم﴾)","level":2,"page":3769},{"title":"(٨ - باب قول الله - ﷿ -: ﴿وهو الذي خلق السماوات. . .﴾) إلخ","level":2,"page":3769},{"title":"(٩ - باب قوله: ﴿وكان الله سميعا بصيرا﴾ [النساء: ١٣٤])","level":2,"page":3770},{"title":"(١٠ - باب قوله: ﴿قل هو القادر. . .﴾ [الأنعام: ٦٥]) إلخ","level":2,"page":3771},{"title":"(١١ - باب مقلب القلوب)","level":2,"page":3771},{"title":"(١٢ - باب أن لله مائة اسم إلا واحدا. . .) إلخ","level":2,"page":3772},{"title":"(١٣ - باب السؤال بأسماء الله تعالى والاستعاذة بها. . .) إلخ","level":2,"page":3773},{"title":"(١٤ - باب ما يذكر في الذات والنعوت وأسامي الله)","level":2,"page":3774},{"title":"(١٥ - باب قول الله: ﴿ويحذركم الله نفسه﴾ [آل عمران: ٢٨]) إلخ","level":2,"page":3775},{"title":"(١٦ - باب قوله تعالى: ﴿كل شيء هالك إلا وجهه. . .﴾ [القصص: ٨٨]) إلخ","level":2,"page":3776},{"title":"(١٧ - باب قوله: ﴿ولتصنع على عيني. . .﴾ [طه: ٣٩]) إلخ","level":2,"page":3777},{"title":"(١٨ - باب قول الله: ﴿هو الله الخالق البارئ المصور﴾ [الحشر: ٢٤])","level":2,"page":3778},{"title":"(١٩ - باب قول الله تعالى: ﴿لما خلقت بيدي﴾ [ص: ٧٥])","level":2,"page":3778},{"title":"(٢٠ - باب قول النبي - ﷺ -: لا شخص أغير من الله. . .) إلخ","level":2,"page":3779},{"title":"(٢١ - باب ﴿قل أي شيء أكبر شهادة. . .﴾ [الأنعام: ١٩]) إلخ","level":2,"page":3781},{"title":"(٢٢ - باب قوله: ﴿وكان عرشه على الماء. . .﴾ [هود: ٧]) إلخ","level":2,"page":3781},{"title":"(٢٣ - باب قول الله: ﴿تعرج الملائكة والروح إليه. . .﴾ [المعارج: ٤]) إلخ","level":2,"page":3782},{"title":"(٢٤ - باب قول الله: ﴿وجوه يومئذ ناضرة (٢٢) إلى ربها ناظرة﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣]) إلخ","level":2,"page":3784},{"title":"(٢٥ - باب ما جاء في قول الله: ﴿إن رحمت الله قريب من المحسنين﴾ [الأعراف: ٥٦])","level":2,"page":3786},{"title":"(٢٦ - باب قول الله: ﴿إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا. . .﴾ [فاطر: ٤١]) إلخ","level":2,"page":3786},{"title":"(٢٧ - باب ما جاء في تخليق السماوات والأرض. . .) إلخ","level":2,"page":3787},{"title":"(٢٨ - باب قوله: ﴿ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين﴾ [الصافات: ١٧١])","level":2,"page":3789},{"title":"(٢٩ - باب قول الله تعالى: ﴿إنما قولنا لشيء﴾ [النحل: ٤٠])","level":2,"page":3790},{"title":"(٣٠ - باب قول الله: ﴿قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي. . .﴾ [الكهف: ١٠٩]) إلخ","level":2,"page":3791},{"title":"(٣١ - باب في المشيئة والإرادة. . .) إلخ","level":2,"page":3792},{"title":"(٣٢ - باب قوله: ﴿ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له. . .﴾ [سبأ: ٢٣]) إلخ","level":2,"page":3793},{"title":"(٣٣ - باب كلام الرب مع جبرئيل ونداء الله الملائكة. . .) إلخ","level":2,"page":3795},{"title":"(٣٤ - باب قوله: ﴿أنزله بعلمه والملائكة يشهدون. . .﴾ [النساء: ١٦٦]) إلخ","level":2,"page":3796},{"title":"(٣٥ - باب قول الله: ﴿يريدون أن يبدلوا كلام الله﴾ [الفتح: ١٥])","level":2,"page":3797},{"title":"(٣٦ - باب كلام الرب يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم)","level":2,"page":3798},{"title":"(٣٧ - باب قوله: ﴿وكلم الله موسى تكليما﴾ [النساء: ١٦٤])","level":2,"page":3799},{"title":"(٣٨ - باب كلام الرب مع أهل الجنة)","level":2,"page":3801},{"title":"(٣٩ - باب ذكر الله بالأمر وذكر العباد بالدعاء. . .) إلخ","level":2,"page":3802},{"title":"(٤٠ - باب قول الله: ﴿فلا تجعلوا لله أندادا. . .﴾ [البقرة: ٢٢]) إلخ","level":2,"page":3802},{"title":"(٤١ - باب قوله: ﴿وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم. . .﴾ [فصلت: ٢٢]) إلخ","level":2,"page":3803},{"title":"(٤٢ - باب قول الله: ﴿كل يوم هو في شأن﴾ [الرحمن: ٢٩]. . .) إلخ","level":2,"page":3804},{"title":"(٤٣ - باب قول الله: ﴿لا تحرك به لسانك﴾ [القيامة: ١٦]. . .) إلخ","level":2,"page":3805},{"title":"(٤٤ - باب قوله تعالى: ﴿وأسروا قولكم أو اجهروا به. . .﴾ [الملك: ١٣]) إلخ","level":2,"page":3806},{"title":"(٤٥ - باب قول النبي - ﷺ -: رجل آتاه الله. . .) إلخ","level":2,"page":3807},{"title":"(٤٦ - باب قوله تعالى: ﴿ياأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك. . .﴾ [المائدة: ٦٧]) إلخ","level":2,"page":3808},{"title":"(٤٧ - باب قول الله: ﴿قل فأتوا بالتوراة فاتلوها. . .﴾ [آل عمران: ٩٣]) إلخ","level":2,"page":3809},{"title":"(٤٨ - باب وسمى النبي - ﷺ - الصلاة عملا. . .) إلخ","level":2,"page":3811},{"title":"(٤٩ - باب قوله: ﴿إن الإنسان خلق هلوعا﴾ [المعارج: ١٩])","level":2,"page":3811},{"title":"(٥٠ - باب ذكر النبي - ﷺ - وروايته عن ربه)","level":2,"page":3812},{"title":"(٥١ - باب ما يجوز من تفسير التوراة. . .) إلخ","level":2,"page":3813},{"title":"(٥٢ - باب قول النبي - ﷺ -: الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة)","level":2,"page":3814},{"title":"(٥٣ - باب ﴿فاقرءوا ما تيسر من القرآن﴾ [المزمل: ٢٠])","level":2,"page":3815},{"title":"(٥٤ - باب قول الله: ﴿ولقد يسرنا القرآن﴾ [القمر: ١٧]. . .) إلخ","level":2,"page":3815},{"title":"(٥٥ - باب قول الله: ﴿بل هو قرآن مجيد (٢١) في لوح محفوظ﴾ [البروج: ٢١، ٢٢]) إلخ","level":2,"page":3816},{"title":"(٥٦ - باب قول الله: ﴿والله خلقكم وما تعملون﴾ [الصافات: ٩٦])","level":2,"page":3818},{"title":"(٥٧ - باب قراءة الفاجر والمنافق. . .) إلخ","level":2,"page":3819},{"title":"(٥٨ - باب قول الله: ﴿ونضع الموازين. . .﴾ [الأنبياء: ٤٧]) إلخ","level":2,"page":3821}],"ٛ":{"1,5":1,"1,6":2,"1,7":3,"1,8":4,"1,9":5,"1,10":6,"1,11":7,"1,12":8,"1,13":9,"1,14":10,"1,15":11,"1,16":12,"1,17":13,"1,18":14,"1,19":15,"1,21":16,"1,22":17,"1,23":18,"1,24":19,"1,25":20,"1,26":21,"1,27":22,"1,28":23,"1,29":24,"1,30":25,"1,31":26,"1,32":27,"1,33":28,"1,34":29,"1,35":30,"1,36":31,"1,37":32,"1,38":33,"1,39":34,"1,40":35,"1,41":36,"1,42":37,"1,43":38,"1,44":39,"1,45":40,"1,46":41,"1,47":42,"1,48":43,"1,49":44,"1,50":45,"1,51":46,"1,52":47,"1,53":48,"1,54":49,"1,55":50,"1,56":51,"1,57":52,"1,58":53,"1,59":54,"1,60":55,"1,61":56,"1,62":57,"1,63":58,"1,64":59,"1,65":60,"1,66":61,"1,67":62,"1,68":63,"1,69":64,"1,70":65,"1,71":66,"1,72":67,"1,73":68,"1,74":69,"1,75":70,"1,76":71,"1,77":72,"1,78":73,"1,81":74,"1,83":75,"1,84":76,"1,85":77,"1,86":78,"1,87":79,"1,88":80,"1,89":81,"1,90":82,"1,91":83,"1,92":84,"1,93":85,"1,94":86,"1,95":87,"1,97":88,"1,98":89,"1,99":90,"1,100":91,"1,101":92,"1,102":93,"1,103":94,"1,104":95,"1,105":96,"1,106":97,"1,107":98,"1,108":99,"1,109":100,"1,110":101,"1,111":102,"1,112":103,"1,113":104,"1,114":105,"1,115":106,"1,116":107,"1,117":108,"1,118":109,"1,119":110,"1,120":111,"1,121":112,"1,122":113,"1,123":114,"1,124":115,"1,125":116,"1,126":117,"1,127":118,"1,128":119,"1,129":120,"1,130":121,"1,131":122,"1,132":123,"1,133":124,"1,134":125,"1,135":126,"1,136":127,"1,137":128,"1,138":129,"1,139":130,"1,140":131,"1,141":132,"1,142":133,"1,143":134,"1,144":135,"1,145":136,"1,146":137,"1,147":138,"1,148":139,"1,149":140,"1,150":141,"1,151":142,"1,152":143,"1,153":144,"1,154":145,"1,155":146,"1,156":147,"1,157":148,"1,158":149,"1,159":150,"1,160":151,"1,161":152,"1,162":153,"1,163":154,"1,164":155,"1,165":156,"1,166":157,"1,167":158,"1,168":159,"1,169":160,"1,170":161,"1,171":162,"1,172":163,"1,173":164,"1,174":165,"1,175":166,"1,176":167,"1,177":168,"1,178":169,"1,179":170,"1,180":171,"1,181":172,"1,182":173,"1,183":174,"1,184":175,"1,185":176,"1,186":177,"1,187":178,"1,188":179,"1,189":180,"1,190":181,"1,191":182,"1,192":183,"1,193":184,"1,194":185,"1,195":186,"1,196":187,"1,197":188,"1,198":189,"1,199":190,"1,200":191,"1,201":192,"1,202":193,"1,203":194,"1,204":195,"1,205":196,"1,206":197,"1,207":198,"1,208":199,"1,209":200,"1,210":201,"1,211":202,"1,212":203,"1,213":204,"1,214":205,"1,215":206,"1,216":207,"1,217":208,"1,218":209,"1,219":210,"1,220":211,"1,221":212,"1,222":213,"1,223":214,"1,224":215,"1,225":216,"1,226":217,"1,227":218,"1,228":219,"1,229":220,"1,230":221,"1,231":222,"1,232":223,"1,233":224,"1,234":225,"1,235":226,"1,236":227,"1,237":228,"1,238":229,"1,239":230,"1,240":231,"1,241":232,"1,242":233,"1,243":234,"1,244":235,"1,245":236,"1,246":237,"1,247":238,"1,248":239,"1,249":240,"1,250":241,"1,251":242,"1,252":243,"1,253":244,"1,254":245,"1,255":246,"1,256":247,"2,257":248,"2,258":249,"2,259":250,"2,260":251,"2,261":252,"2,263":253,"2,264":254,"2,265":255,"2,266":256,"2,267":257,"2,268":258,"2,269":259,"2,270":260,"2,271":261,"2,272":262,"2,273":263,"2,274":264,"2,275":265,"2,276":266,"2,277":267,"2,278":268,"2,279":269,"2,280":270,"2,281":271,"2,282":272,"2,283":273,"2,284":274,"2,285":275,"2,286":276,"2,287":277,"2,288":278,"2,289":279,"2,290":280,"2,291":281,"2,292":282,"2,293":283,"2,294":284,"2,295":285,"2,296":286,"2,297":287,"2,298":288,"2,299":289,"2,300":290,"2,301":291,"2,302":292,"2,303":293,"2,304":294,"2,305":295,"2,306":296,"2,307":297,"2,308":298,"2,309":299,"2,310":300,"2,311":301,"2,312":302,"2,313":303,"2,314":304,"2,315":305,"2,316":306,"2,317":307,"2,318":308,"2,319":309,"2,320":310,"2,321":311,"2,322":312,"2,323":313,"2,324":314,"2,325":315,"2,326":316,"2,327":317,"2,328":318,"2,329":319,"2,330":320,"2,331":321,"2,332":322,"2,333":323,"2,334":324,"2,335":325,"2,336":326,"2,337":327,"2,338":328,"2,339":329,"2,340":330,"2,341":331,"2,342":332,"2,343":333,"2,344":334,"2,345":335,"2,346":336,"2,347":337,"2,348":338,"2,349":339,"2,350":340,"2,351":341,"2,352":342,"2,353":343,"2,354":344,"2,355":345,"2,356":346,"2,357":347,"2,358":348,"2,359":349,"2,360":350,"2,361":351,"2,362":352,"2,363":353,"2,364":354,"2,365":355,"2,366":356,"2,367":357,"2,368":358,"2,369":359,"2,370":360,"2,371":361,"2,372":362,"2,373":363,"2,374":364,"2,375":365,"2,376":366,"2,377":367,"2,378":368,"2,379":369,"2,380":370,"2,381":371,"2,382":372,"2,383":373,"2,384":374,"2,385":375,"2,386":376,"2,387":377,"2,388":378,"2,389":379,"2,390":380,"2,391":381,"2,392":382,"2,393":383,"2,394":384,"2,395":385,"2,396":386,"2,397":387,"2,398":388,"2,399":389,"2,400":390,"2,401":391,"2,402":392,"2,403":393,"2,404":394,"2,405":395,"2,406":396,"2,407":397,"2,408":398,"2,409":399,"2,410":400,"2,411":401,"2,412":402,"2,413":403,"2,414":404,"2,415":405,"2,416":406,"2,417":407,"2,418":408,"2,419":409,"2,420":410,"2,421":411,"2,422":412,"2,423":413,"2,424":414,"2,425":415,"2,426":416,"2,427":417,"2,428":418,"2,429":419,"2,430":420,"2,431":421,"2,432":422,"2,433":423,"2,434":424,"2,435":425,"2,436":426,"2,437":427,"2,438":428,"2,439":429,"2,440":430,"2,441":431,"2,442":432,"2,443":433,"2,444":434,"2,445":435,"2,446":436,"2,447":437,"2,448":438,"2,449":439,"2,450":440,"2,451":441,"2,452":442,"2,453":443,"2,454":444,"2,455":445,"2,456":446,"2,457":447,"2,458":448,"2,459":449,"2,460":450,"2,461":451,"2,462":452,"2,463":453,"2,464":454,"2,465":455,"2,466":456,"2,467":457,"2,468":458,"2,469":459,"2,470":460,"2,471":461,"2,472":462,"2,473":463,"2,474":464,"2,475":465,"2,476":466,"2,477":467,"2,478":468,"2,479":469,"2,480":470,"2,481":471,"2,482":472,"2,483":473,"2,484":474,"2,485":475,"2,486":476,"2,487":477,"2,488":478,"2,489":479,"2,490":480,"2,491":481,"2,492":482,"2,493":483,"2,494":484,"2,495":485,"2,496":486,"2,497":487,"2,498":488,"2,499":489,"2,500":490,"2,501":491,"2,502":492,"2,503":493,"2,504":494,"2,505":495,"2,506":496,"2,507":497,"2,508":498,"2,509":499,"2,510":500,"2,511":501,"2,512":502,"2,513":503,"2,514":504,"2,515":505,"2,516":506,"2,517":507,"2,518":508,"2,519":509,"2,520":510,"2,521":511,"2,522":512,"2,523":513,"2,524":514,"2,525":515,"2,526":516,"2,527":517,"2,528":518,"2,529":519,"2,530":520,"2,531":521,"2,532":522,"2,533":523,"2,534":524,"2,535":525,"2,536":526,"2,537":527,"2,538":528,"2,539":529,"2,540":530,"2,541":531,"2,542":532,"2,543":533,"2,544":534,"2,545":535,"2,546":536,"2,547":537,"2,548":538,"2,549":539,"2,550":540,"2,551":541,"2,552":542,"2,553":543,"2,554":544,"2,555":545,"2,556":546,"2,557":547,"2,558":548,"2,559":549,"2,560":550,"2,561":551,"2,562":552,"2,563":553,"2,564":554,"2,565":555,"2,566":556,"2,567":557,"2,568":558,"2,569":559,"2,570":560,"2,571":561,"2,572":562,"2,573":563,"2,574":564,"2,575":565,"2,576":566,"2,577":567,"2,578":568,"2,579":569,"2,580":570,"2,581":571,"2,582":572,"2,583":573,"2,584":574,"2,585":575,"2,586":576,"2,587":577,"2,588":578,"2,589":579,"2,590":580,"2,591":581,"2,592":582,"2,593":583,"2,594":584,"2,595":585,"2,596":586,"2,597":587,"2,598":588,"2,599":589,"2,600":590,"2,601":591,"2,602":592,"2,603":593,"2,604":594,"2,605":595,"2,606":596,"2,607":597,"2,608":598,"2,609":599,"2,610":600,"2,611":601,"2,612":602,"2,613":603,"2,614":604,"2,615":605,"2,616":606,"2,617":607,"2,618":608,"2,619":609,"2,620":610,"2,621":611,"2,622":612,"2,623":613,"2,624":614,"2,625":615,"2,626":616,"2,627":617,"2,628":618,"2,629":619,"2,630":620,"2,631":621,"2,632":622,"2,633":623,"2,634":624,"2,635":625,"2,636":626,"2,637":627,"2,638":628,"2,639":629,"2,640":630,"2,641":631,"2,642":632,"2,643":633,"2,644":634,"2,645":635,"2,646":636,"2,647":637,"2,648":638,"2,649":639,"2,650":640,"2,651":641,"2,652":642,"2,653":643,"2,654":644,"2,655":645,"2,656":646,"2,657":647,"2,658":648,"2,659":649,"2,660":650,"2,661":651,"2,662":652,"2,663":653,"2,664":654,"2,665":655,"2,666":656,"2,667":657,"2,668":658,"2,669":659,"2,670":660,"2,671":661,"2,672":662,"2,673":663,"2,674":664,"2,675":665,"2,676":666,"2,677":667,"2,678":668,"2,679":669,"2,680":670,"2,681":671,"2,682":672,"2,683":673,"2,684":674,"2,685":675,"2,686":676,"2,687":677,"2,688":678,"2,689":679,"2,690":680,"2,691":681,"2,692":682,"2,693":683,"2,694":684,"2,695":685,"2,696":686,"2,697":687,"2,698":688,"2,699":689,"2,700":690,"2,701":691,"2,702":692,"2,703":693,"2,704":694,"2,705":695,"2,706":696,"2,707":697,"2,708":698,"2,709":699,"2,710":700,"2,711":701,"2,712":702,"2,713":703,"2,714":704,"2,715":705,"2,716":706,"2,717":707,"2,718":708,"2,719":709,"2,720":710,"2,721":711,"2,722":712,"2,723":713,"2,724":714,"2,725":715,"2,726":716,"2,727":717,"2,728":718,"2,729":719,"2,730":720,"2,731":721,"2,732":722,"2,733":723,"2,734":724,"2,735":725,"2,736":726,"2,737":727,"2,738":728,"2,739":729,"2,740":730,"2,741":731,"2,742":732,"2,743":733,"2,744":734,"2,745":735,"2,746":736,"2,747":737,"2,748":738,"2,749":739,"2,750":740,"2,751":741,"2,752":742,"2,753":743,"2,754":744,"2,755":745,"2,756":746,"2,757":747,"2,758":748,"2,759":749,"2,760":750,"2,761":751,"2,762":752,"2,763":753,"2,764":754,"2,765":755,"2,766":756,"2,767":757,"2,768":758,"2,769":759,"2,770":760,"2,771":761,"2,772":762,"2,773":763,"2,774":764,"2,775":765,"2,776":766,"2,777":767,"2,778":768,"2,779":769,"2,780":770,"2,781":771,"2,782":772,"2,783":773,"2,784":774,"2,785":775,"2,786":776,"2,787":777,"2,788":778,"2,789":779,"2,790":780,"2,791":781,"2,792":782,"2,793":783,"2,794":784,"2,795":785,"2,796":786,"2,797":787,"2,798":788,"2,799":789,"2,800":790,"2,801":791,"2,802":792,"2,803":793,"2,804":794,"2,805":795,"2,806":796,"2,807":797,"2,808":798,"2,809":799,"2,810":800,"2,811":801,"2,812":802,"2,813":803,"2,814":804,"2,815":805,"2,816":806,"2,817":807,"2,818":808,"2,819":809,"2,820":810,"2,821":811,"2,822":812,"2,823":813,"2,824":814,"2,825":815,"2,826":816,"2,827":817,"2,828":818,"2,829":819,"2,830":820,"2,831":821,"2,832":822,"2,833":823,"2,834":824,"2,835":825,"2,836":826,"2,837":827,"2,838":828,"2,839":829,"2,840":830,"2,841":831,"2,842":832,"2,843":833,"2,844":834,"2,845":835,"2,846":836,"2,847":837,"2,848":838,"2,849":839,"2,850":840,"2,851":841,"2,852":842,"2,853":843,"2,854":844,"2,855":845,"2,856":846,"2,857":847,"2,858":848,"2,859":849,"2,860":850,"2,861":851,"2,862":852,"2,863":853,"2,864":854,"2,865":855,"2,866":856,"2,867":857,"2,868":858,"2,869":859,"2,870":860,"2,871":861,"2,872":862,"2,873":863,"2,874":864,"2,875":865,"2,876":866,"2,877":867,"2,878":868,"2,879":869,"2,880":870,"2,881":871,"2,882":872,"2,883":873,"2,884":874,"2,885":875,"2,886":876,"2,887":877,"2,888":878,"2,889":879,"2,890":880,"2,891":881,"2,892":882,"2,893":883,"2,894":884,"2,895":885,"2,896":886,"2,897":887,"2,898":888,"2,899":889,"2,900":890,"2,901":891,"2,902":892,"2,903":893,"2,904":894,"2,905":895,"2,906":896,"2,907":897,"2,908":898,"2,909":899,"2,910":900,"2,911":901,"2,912":902,"2,913":903,"2,914":904,"2,915":905,"2,916":906,"2,917":907,"2,918":908,"2,919":909,"2,920":910,"2,921":911,"2,922":912,"2,923":913,"2,924":914,"2,925":915,"2,926":916,"2,927":917,"2,928":918,"2,929":919,"2,930":920,"2,931":921,"2,932":922,"2,933":923,"2,934":924,"2,935":925,"2,936":926,"2,937":927,"2,938":928,"2,939":929,"2,940":930,"2,941":931,"2,942":932,"2,943":933,"2,944":934,"2,945":935,"2,946":936,"2,947":937,"2,948":938,"3,5":939,"3,6":940,"3,7":941,"3,8":942,"3,9":943,"3,10":944,"3,11":945,"3,12":946,"3,13":947,"3,14":948,"3,15":949,"3,16":950,"3,17":951,"3,18":952,"3,19":953,"3,20":954,"3,21":955,"3,22":956,"3,23":957,"3,24":958,"3,25":959,"3,26":960,"3,27":961,"3,28":962,"3,29":963,"3,30":964,"3,31":965,"3,32":966,"3,33":967,"3,34":968,"3,35":969,"3,36":970,"3,37":971,"3,38":972,"3,39":973,"3,40":974,"3,41":975,"3,42":976,"3,43":977,"3,44":978,"3,45":979,"3,46":980,"3,47":981,"3,48":982,"3,49":983,"3,50":984,"3,51":985,"3,52":986,"3,53":987,"3,54":988,"3,55":989,"3,56":990,"3,57":991,"3,58":992,"3,59":993,"3,60":994,"3,61":995,"3,62":996,"3,63":997,"3,64":998,"3,65":999,"3,66":1000,"3,67":1001,"3,68":1002,"3,69":1003,"3,70":1004,"3,71":1005,"3,72":1006,"3,73":1007,"3,74":1008,"3,75":1009,"3,76":1010,"3,77":1011,"3,78":1012,"3,79":1013,"3,80":1014,"3,81":1015,"3,82":1016,"3,83":1017,"3,84":1018,"3,85":1019,"3,86":1020,"3,87":1021,"3,88":1022,"3,89":1023,"3,90":1024,"3,91":1025,"3,92":1026,"3,93":1027,"3,94":1028,"3,95":1029,"3,96":1030,"3,97":1031,"3,98":1032,"3,99":1033,"3,100":1034,"3,101":1035,"3,102":1036,"3,103":1037,"3,104":1038,"3,105":1039,"3,106":1040,"3,107":1041,"3,108":1042,"3,109":1043,"3,110":1044,"3,111":1045,"3,112":1046,"3,113":1047,"3,114":1048,"3,115":1049,"3,116":1050,"3,117":1051,"3,118":1052,"3,119":1053,"3,120":1054,"3,121":1055,"3,122":1056,"3,123":1057,"3,124":1058,"3,125":1059,"3,126":1060,"3,127":1061,"3,128":1062,"3,129":1063,"3,130":1064,"3,131":1065,"3,132":1066,"3,133":1067,"3,134":1068,"3,135":1069,"3,136":1070,"3,137":1071,"3,138":1072,"3,139":1073,"3,140":1074,"3,141":1075,"3,142":1076,"3,143":1077,"3,144":1078,"3,145":1079,"3,146":1080,"3,147":1081,"3,148":1082,"3,149":1083,"3,150":1084,"3,151":1085,"3,152":1086,"3,153":1087,"3,154":1088,"3,155":1089,"3,156":1090,"3,157":1091,"3,158":1092,"3,159":1093,"3,160":1094,"3,161":1095,"3,162":1096,"3,163":1097,"3,164":1098,"3,165":1099,"3,166":1100,"3,167":1101,"3,168":1102,"3,169":1103,"3,170":1104,"3,171":1105,"3,172":1106,"3,173":1107,"3,174":1108,"3,175":1109,"3,176":1110,"3,177":1111,"3,178":1112,"3,179":1113,"3,180":1114,"3,181":1115,"3,182":1116,"3,183":1117,"3,184":1118,"3,185":1119,"3,186":1120,"3,187":1121,"3,188":1122,"3,189":1123,"3,190":1124,"3,191":1125,"3,192":1126,"3,193":1127,"3,194":1128,"3,195":1129,"3,196":1130,"3,197":1131,"3,198":1132,"3,199":1133,"3,200":1134,"3,201":1135,"3,202":1136,"3,203":1137,"3,204":1138,"3,205":1139,"3,206":1140,"3,207":1141,"3,208":1142,"3,209":1143,"3,210":1144,"3,211":1145,"3,212":1146,"3,213":1147,"3,214":1148,"3,215":1149,"3,216":1150,"3,217":1151,"3,218":1152,"3,219":1153,"3,220":1154,"3,221":1155,"3,222":1156,"3,223":1157,"3,224":1158,"3,225":1159,"3,226":1160,"3,227":1161,"3,228":1162,"3,229":1163,"3,230":1164,"3,231":1165,"3,232":1166,"3,233":1167,"3,234":1168,"3,235":1169,"3,236":1170,"3,237":1171,"3,238":1172,"3,239":1173,"3,240":1174,"3,241":1175,"3,242":1176,"3,243":1177,"3,244":1178,"3,245":1179,"3,246":1180,"3,247":1181,"3,248":1182,"3,249":1183,"3,250":1184,"3,251":1185,"3,252":1186,"3,253":1187,"3,254":1188,"3,255":1189,"3,256":1190,"3,257":1191,"3,258":1192,"3,259":1193,"3,260":1194,"3,261":1195,"3,262":1196,"3,263":1197,"3,264":1198,"3,265":1199,"3,266":1200,"3,267":1201,"3,268":1202,"3,269":1203,"3,270":1204,"3,271":1205,"3,272":1206,"3,273":1207,"3,274":1208,"3,275":1209,"3,276":1210,"3,277":1211,"3,278":1212,"3,279":1213,"3,280":1214,"3,281":1215,"3,282":1216,"3,283":1217,"3,284":1218,"3,285":1219,"3,286":1220,"3,287":1221,"3,288":1222,"3,289":1223,"3,290":1224,"3,291":1225,"3,292":1226,"3,293":1227,"3,294":1228,"3,295":1229,"3,296":1230,"3,297":1231,"3,298":1232,"3,299":1233,"3,300":1234,"3,301":1235,"3,302":1236,"3,303":1237,"3,304":1238,"3,305":1239,"3,306":1240,"3,307":1241,"3,308":1242,"3,309":1243,"3,310":1244,"3,311":1245,"3,312":1246,"3,313":1247,"3,314":1248,"3,315":1249,"3,316":1250,"3,317":1251,"3,318":1252,"3,319":1253,"3,320":1254,"3,321":1255,"3,322":1256,"3,323":1257,"3,324":1258,"3,325":1259,"3,326":1260,"3,327":1261,"3,328":1262,"3,329":1263,"3,330":1264,"3,331":1265,"3,332":1266,"3,333":1267,"3,334":1268,"3,335":1269,"3,336":1270,"3,337":1271,"3,338":1272,"3,339":1273,"3,340":1274,"3,341":1275,"3,342":1276,"3,343":1277,"3,344":1278,"3,345":1279,"3,346":1280,"3,347":1281,"3,348":1282,"3,349":1283,"3,350":1284,"3,351":1285,"3,352":1286,"3,353":1287,"3,354":1288,"3,355":1289,"3,356":1290,"3,357":1291,"3,358":1292,"3,359":1293,"3,360":1294,"3,361":1295,"3,362":1296,"3,363":1297,"3,364":1298,"3,365":1299,"3,366":1300,"3,367":1301,"3,368":1302,"3,369":1303,"3,370":1304,"3,371":1305,"3,372":1306,"3,373":1307,"3,374":1308,"3,375":1309,"3,376":1310,"3,377":1311,"3,378":1312,"3,379":1313,"3,380":1314,"3,381":1315,"3,382":1316,"3,383":1317,"3,384":1318,"3,385":1319,"3,386":1320,"3,387":1321,"3,388":1322,"3,389":1323,"3,390":1324,"3,391":1325,"3,392":1326,"3,393":1327,"3,394":1328,"3,395":1329,"3,396":1330,"3,397":1331,"3,398":1332,"3,399":1333,"3,400":1334,"3,401":1335,"3,402":1336,"3,403":1337,"3,404":1338,"3,405":1339,"3,406":1340,"3,407":1341,"3,408":1342,"3,409":1343,"3,410":1344,"3,411":1345,"3,412":1346,"3,413":1347,"3,414":1348,"3,415":1349,"3,416":1350,"3,417":1351,"3,418":1352,"3,419":1353,"3,420":1354,"3,421":1355,"3,422":1356,"3,423":1357,"3,424":1358,"3,425":1359,"3,426":1360,"3,427":1361,"3,428":1362,"3,429":1363,"3,430":1364,"3,431":1365,"3,432":1366,"3,433":1367,"3,434":1368,"3,435":1369,"3,436":1370,"3,437":1371,"3,438":1372,"3,439":1373,"3,440":1374,"3,441":1375,"3,442":1376,"3,443":1377,"3,444":1378,"3,445":1379,"3,446":1380,"3,447":1381,"3,448":1382,"3,449":1383,"3,450":1384,"3,451":1385,"3,452":1386,"3,453":1387,"3,454":1388,"3,455":1389,"3,456":1390,"3,457":1391,"3,458":1392,"3,459":1393,"3,460":1394,"3,461":1395,"3,462":1396,"3,463":1397,"3,464":1398,"3,465":1399,"3,466":1400,"3,467":1401,"3,468":1402,"3,469":1403,"3,470":1404,"3,471":1405,"3,472":1406,"3,473":1407,"3,474":1408,"3,475":1409,"3,476":1410,"3,477":1411,"3,478":1412,"3,479":1413,"3,480":1414,"3,481":1415,"3,482":1416,"3,483":1417,"3,484":1418,"3,485":1419,"3,486":1420,"3,487":1421,"3,488":1422,"3,489":1423,"3,490":1424,"3,491":1425,"3,492":1426,"3,493":1427,"3,494":1428,"3,495":1429,"3,496":1430,"3,497":1431,"3,498":1432,"3,499":1433,"3,500":1434,"3,501":1435,"3,502":1436,"3,503":1437,"3,504":1438,"3,505":1439,"3,506":1440,"3,507":1441,"3,508":1442,"3,509":1443,"3,510":1444,"3,511":1445,"3,512":1446,"3,513":1447,"3,514":1448,"3,515":1449,"3,516":1450,"3,517":1451,"3,518":1452,"3,519":1453,"3,520":1454,"3,521":1455,"3,522":1456,"3,523":1457,"3,524":1458,"3,525":1459,"3,526":1460,"3,527":1461,"3,528":1462,"3,529":1463,"3,530":1464,"3,531":1465,"3,532":1466,"3,533":1467,"3,534":1468,"3,535":1469,"3,536":1470,"3,537":1471,"3,538":1472,"3,539":1473,"3,540":1474,"3,541":1475,"3,542":1476,"3,543":1477,"3,544":1478,"3,545":1479,"3,546":1480,"3,547":1481,"3,548":1482,"3,549":1483,"3,550":1484,"3,551":1485,"3,552":1486,"3,553":1487,"3,554":1488,"3,555":1489,"3,556":1490,"3,557":1491,"3,558":1492,"3,559":1493,"3,560":1494,"3,561":1495,"3,562":1496,"3,563":1497,"3,564":1498,"3,565":1499,"3,566":1500,"3,567":1501,"3,568":1502,"3,569":1503,"3,570":1504,"3,571":1505,"3,572":1506,"3,573":1507,"3,574":1508,"3,575":1509,"3,576":1510,"3,577":1511,"3,578":1512,"3,579":1513,"3,580":1514,"3,581":1515,"3,582":1516,"3,583":1517,"3,584":1518,"3,585":1519,"3,586":1520,"3,587":1521,"3,588":1522,"3,589":1523,"3,590":1524,"3,591":1525,"3,592":1526,"3,593":1527,"3,594":1528,"3,595":1529,"3,596":1530,"3,597":1531,"3,598":1532,"3,599":1533,"3,600":1534,"3,601":1535,"3,602":1536,"3,603":1537,"3,604":1538,"3,605":1539,"3,606":1540,"3,607":1541,"3,608":1542,"3,609":1543,"3,610":1544,"3,611":1545,"3,612":1546,"3,613":1547,"3,614":1548,"3,615":1549,"3,616":1550,"3,617":1551,"3,618":1552,"3,619":1553,"3,620":1554,"3,621":1555,"3,622":1556,"3,623":1557,"3,624":1558,"3,625":1559,"3,626":1560,"3,627":1561,"3,628":1562,"3,629":1563,"3,630":1564,"3,631":1565,"3,632":1566,"3,633":1567,"3,634":1568,"3,635":1569,"3,636":1570,"3,637":1571,"3,638":1572,"3,639":1573,"3,640":1574,"3,641":1575,"3,642":1576,"3,643":1577,"3,644":1578,"3,645":1579,"3,646":1580,"3,647":1581,"3,648":1582,"3,649":1583,"3,650":1584,"3,651":1585,"3,652":1586,"3,653":1587,"3,654":1588,"3,655":1589,"3,656":1590,"3,657":1591,"3,658":1592,"3,659":1593,"3,660":1594,"3,661":1595,"3,662":1596,"3,663":1597,"3,664":1598,"3,665":1599,"3,666":1600,"3,667":1601,"3,668":1602,"3,669":1603,"3,670":1604,"3,671":1605,"3,672":1606,"3,673":1607,"3,674":1608,"3,675":1609,"3,676":1610,"3,677":1611,"3,678":1612,"3,679":1613,"3,680":1614,"3,681":1615,"3,682":1616,"3,683":1617,"3,684":1618,"3,685":1619,"3,686":1620,"3,687":1621,"3,688":1622,"3,689":1623,"3,690":1624,"3,691":1625,"3,692":1626,"3,693":1627,"3,694":1628,"3,695":1629,"3,696":1630,"3,697":1631,"3,698":1632,"3,699":1633,"3,700":1634,"3,701":1635,"3,702":1636,"3,703":1637,"3,704":1638,"3,705":1639,"3,706":1640,"3,707":1641,"3,708":1642,"3,709":1643,"3,710":1644,"3,711":1645,"3,712":1646,"3,713":1647,"3,714":1648,"3,715":1649,"3,716":1650,"3,717":1651,"3,718":1652,"3,719":1653,"3,720":1654,"3,721":1655,"3,722":1656,"3,723":1657,"3,724":1658,"3,725":1659,"3,726":1660,"3,727":1661,"3,728":1662,"3,729":1663,"3,730":1664,"3,731":1665,"4,5":1666,"4,6":1667,"4,7":1668,"4,8":1669,"4,9":1670,"4,10":1671,"4,11":1672,"4,12":1673,"4,13":1674,"4,14":1675,"4,15":1676,"4,16":1677,"4,17":1678,"4,18":1679,"4,19":1680,"4,20":1681,"4,21":1682,"4,22":1683,"4,23":1684,"4,24":1685,"4,25":1686,"4,26":1687,"4,27":1688,"4,28":1689,"4,29":1690,"4,30":1691,"4,31":1692,"4,32":1693,"4,33":1694,"4,34":1695,"4,35":1696,"4,36":1697,"4,37":1698,"4,38":1699,"4,39":1700,"4,40":1701,"4,41":1702,"4,42":1703,"4,43":1704,"4,44":1705,"4,45":1706,"4,46":1707,"4,47":1708,"4,48":1709,"4,49":1710,"4,50":1711,"4,51":1712,"4,52":1713,"4,53":1714,"4,54":1715,"4,55":1716,"4,56":1717,"4,57":1718,"4,58":1719,"4,59":1720,"4,60":1721,"4,61":1722,"4,62":1723,"4,63":1724,"4,64":1725,"4,65":1726,"4,66":1727,"4,67":1728,"4,68":1729,"4,69":1730,"4,70":1731,"4,71":1732,"4,72":1733,"4,73":1734,"4,74":1735,"4,75":1736,"4,76":1737,"4,77":1738,"4,78":1739,"4,79":1740,"4,80":1741,"4,81":1742,"4,82":1743,"4,83":1744,"4,84":1745,"4,85":1746,"4,86":1747,"4,87":1748,"4,88":1749,"4,89":1750,"4,90":1751,"4,91":1752,"4,92":1753,"4,93":1754,"4,94":1755,"4,95":1756,"4,96":1757,"4,97":1758,"4,98":1759,"4,99":1760,"4,100":1761,"4,101":1762,"4,102":1763,"4,103":1764,"4,104":1765,"4,105":1766,"4,106":1767,"4,107":1768,"4,108":1769,"4,109":1770,"4,110":1771,"4,111":1772,"4,112":1773,"4,113":1774,"4,114":1775,"4,115":1776,"4,116":1777,"4,117":1778,"4,118":1779,"4,119":1780,"4,120":1781,"4,121":1782,"4,122":1783,"4,123":1784,"4,124":1785,"4,125":1786,"4,126":1787,"4,127":1788,"4,128":1789,"4,129":1790,"4,130":1791,"4,131":1792,"4,132":1793,"4,133":1794,"4,134":1795,"4,135":1796,"4,136":1797,"4,137":1798,"4,138":1799,"4,139":1800,"4,140":1801,"4,141":1802,"4,142":1803,"4,143":1804,"4,144":1805,"4,145":1806,"4,146":1807,"4,147":1808,"4,148":1809,"4,149":1810,"4,150":1811,"4,151":1812,"4,152":1813,"4,153":1814,"4,154":1815,"4,155":1816,"4,156":1817,"4,157":1818,"4,158":1819,"4,159":1820,"4,160":1821,"4,161":1822,"4,162":1823,"4,163":1824,"4,164":1825,"4,165":1826,"4,166":1827,"4,167":1828,"4,168":1829,"4,169":1830,"4,170":1831,"4,171":1832,"4,172":1833,"4,173":1834,"4,174":1835,"4,175":1836,"4,176":1837,"4,177":1838,"4,178":1839,"4,179":1840,"4,180":1841,"4,181":1842,"4,182":1843,"4,183":1844,"4,184":1845,"4,185":1846,"4,186":1847,"4,187":1848,"4,188":1849,"4,189":1850,"4,190":1851,"4,191":1852,"4,192":1853,"4,193":1854,"4,194":1855,"4,195":1856,"4,196":1857,"4,197":1858,"4,198":1859,"4,199":1860,"4,200":1861,"4,201":1862,"4,202":1863,"4,203":1864,"4,204":1865,"4,205":1866,"4,206":1867,"4,207":1868,"4,208":1869,"4,209":1870,"4,210":1871,"4,211":1872,"4,212":1873,"4,213":1874,"4,214":1875,"4,215":1876,"4,216":1877,"4,217":1878,"4,218":1879,"4,219":1880,"4,220":1881,"4,221":1882,"4,222":1883,"4,223":1884,"4,224":1885,"4,225":1886,"4,226":1887,"4,227":1888,"4,228":1889,"4,229":1890,"4,230":1891,"4,231":1892,"4,232":1893,"4,233":1894,"4,234":1895,"4,235":1896,"4,236":1897,"4,237":1898,"4,238":1899,"4,239":1900,"4,240":1901,"4,241":1902,"4,242":1903,"4,243":1904,"4,244":1905,"4,245":1906,"4,246":1907,"4,247":1908,"4,248":1909,"4,249":1910,"4,250":1911,"4,251":1912,"4,252":1913,"4,253":1914,"4,254":1915,"4,255":1916,"4,256":1917,"4,257":1918,"4,258":1919,"4,259":1920,"4,260":1921,"4,261":1922,"4,262":1923,"4,263":1924,"4,264":1925,"4,265":1926,"4,266":1927,"4,267":1928,"4,268":1929,"4,269":1930,"4,270":1931,"4,271":1932,"4,272":1933,"4,273":1934,"4,274":1935,"4,275":1936,"4,276":1937,"4,277":1938,"4,278":1939,"4,279":1940,"4,280":1941,"4,281":1942,"4,282":1943,"4,283":1944,"4,284":1945,"4,285":1946,"4,286":1947,"4,287":1948,"4,288":1949,"4,289":1950,"4,290":1951,"4,291":1952,"4,292":1953,"4,293":1954,"4,294":1955,"4,295":1956,"4,296":1957,"4,297":1958,"4,298":1959,"4,299":1960,"4,300":1961,"4,301":1962,"4,302":1963,"4,303":1964,"4,304":1965,"4,305":1966,"4,306":1967,"4,307":1968,"4,308":1969,"4,309":1970,"4,310":1971,"4,311":1972,"4,312":1973,"4,313":1974,"4,314":1975,"4,315":1976,"4,316":1977,"4,317":1978,"4,318":1979,"4,319":1980,"4,320":1981,"4,321":1982,"4,322":1983,"4,323":1984,"4,324":1985,"4,325":1986,"4,326":1987,"4,327":1988,"4,328":1989,"4,329":1990,"4,330":1991,"4,331":1992,"4,332":1993,"4,333":1994,"4,334":1995,"4,335":1996,"4,336":1997,"4,337":1998,"4,338":1999,"4,339":2000,"4,340":2001,"4,341":2002,"4,342":2003,"4,343":2004,"4,344":2005,"4,345":2006,"4,346":2007,"4,347":2008,"4,348":2009,"4,349":2010,"4,350":2011,"4,351":2012,"4,352":2013,"4,353":2014,"4,354":2015,"4,355":2016,"4,356":2017,"4,357":2018,"4,358":2019,"4,359":2020,"4,360":2021,"4,361":2022,"4,362":2023,"4,363":2024,"4,364":2025,"4,365":2026,"4,366":2027,"4,367":2028,"4,368":2029,"4,369":2030,"4,370":2031,"4,371":2032,"4,372":2033,"4,373":2034,"4,374":2035,"4,375":2036,"4,376":2037,"4,377":2038,"4,378":2039,"4,379":2040,"4,380":2041,"4,381":2042,"4,382":2043,"4,383":2044,"4,384":2045,"4,385":2046,"4,386":2047,"4,387":2048,"4,388":2049,"4,389":2050,"4,390":2051,"4,391":2052,"4,392":2053,"4,393":2054,"4,394":2055,"4,395":2056,"4,396":2057,"4,397":2058,"4,398":2059,"4,399":2060,"4,400":2061,"4,401":2062,"4,402":2063,"4,403":2064,"4,404":2065,"4,405":2066,"4,406":2067,"4,407":2068,"4,408":2069,"4,409":2070,"4,410":2071,"4,411":2072,"4,412":2073,"4,413":2074,"4,414":2075,"4,415":2076,"4,416":2077,"4,417":2078,"4,418":2079,"4,419":2080,"4,420":2081,"4,421":2082,"4,422":2083,"4,423":2084,"4,424":2085,"4,425":2086,"4,426":2087,"4,427":2088,"4,428":2089,"4,429":2090,"4,430":2091,"4,431":2092,"4,432":2093,"4,433":2094,"4,434":2095,"4,435":2096,"4,436":2097,"4,437":2098,"4,438":2099,"4,439":2100,"4,440":2101,"4,441":2102,"4,442":2103,"4,443":2104,"4,444":2105,"4,445":2106,"4,446":2107,"4,447":2108,"4,448":2109,"4,449":2110,"4,450":2111,"4,451":2112,"4,452":2113,"4,453":2114,"4,454":2115,"4,455":2116,"4,456":2117,"4,457":2118,"4,458":2119,"4,459":2120,"4,460":2121,"4,461":2122,"4,462":2123,"4,463":2124,"4,464":2125,"4,465":2126,"4,466":2127,"4,467":2128,"4,468":2129,"4,469":2130,"4,470":2131,"4,471":2132,"4,472":2133,"4,473":2134,"4,474":2135,"4,475":2136,"4,476":2137,"4,477":2138,"4,478":2139,"4,479":2140,"4,480":2141,"4,481":2142,"4,482":2143,"4,483":2144,"4,484":2145,"4,485":2146,"4,486":2147,"4,487":2148,"4,488":2149,"4,489":2150,"4,490":2151,"4,491":2152,"4,492":2153,"4,493":2154,"4,494":2155,"4,495":2156,"4,496":2157,"4,497":2158,"4,498":2159,"4,499":2160,"4,500":2161,"4,501":2162,"4,502":2163,"4,503":2164,"4,504":2165,"4,505":2166,"4,506":2167,"4,507":2168,"4,508":2169,"4,509":2170,"4,510":2171,"4,511":2172,"4,512":2173,"4,513":2174,"4,514":2175,"4,515":2176,"4,516":2177,"4,517":2178,"4,518":2179,"4,519":2180,"4,520":2181,"4,521":2182,"4,522":2183,"4,523":2184,"4,524":2185,"4,525":2186,"4,526":2187,"4,527":2188,"4,528":2189,"4,529":2190,"4,530":2191,"4,531":2192,"4,532":2193,"4,533":2194,"4,534":2195,"4,535":2196,"4,536":2197,"4,537":2198,"4,538":2199,"4,539":2200,"4,540":2201,"4,541":2202,"4,542":2203,"4,543":2204,"4,544":2205,"4,545":2206,"4,546":2207,"4,547":2208,"4,548":2209,"4,549":2210,"4,550":2211,"4,551":2212,"4,552":2213,"4,553":2214,"4,554":2215,"4,555":2216,"4,556":2217,"4,557":2218,"4,558":2219,"4,559":2220,"4,560":2221,"4,561":2222,"4,562":2223,"4,563":2224,"4,564":2225,"4,565":2226,"4,566":2227,"4,567":2228,"4,568":2229,"4,569":2230,"4,570":2231,"4,571":2232,"4,572":2233,"4,573":2234,"4,574":2235,"4,575":2236,"4,576":2237,"4,577":2238,"4,578":2239,"4,579":2240,"4,580":2241,"4,581":2242,"4,582":2243,"4,583":2244,"4,584":2245,"4,585":2246,"4,586":2247,"4,587":2248,"4,588":2249,"4,589":2250,"4,590":2251,"4,591":2252,"4,592":2253,"4,593":2254,"4,594":2255,"4,595":2256,"4,596":2257,"4,597":2258,"4,598":2259,"4,599":2260,"4,600":2261,"4,601":2262,"4,602":2263,"4,603":2264,"4,604":2265,"4,605":2266,"4,606":2267,"4,607":2268,"4,608":2269,"4,609":2270,"4,610":2271,"4,611":2272,"4,612":2273,"4,613":2274,"4,614":2275,"4,615":2276,"4,616":2277,"4,617":2278,"4,618":2279,"4,619":2280,"4,620":2281,"4,621":2282,"4,622":2283,"4,623":2284,"4,624":2285,"4,625":2286,"4,626":2287,"4,627":2288,"4,628":2289,"4,629":2290,"4,630":2291,"4,631":2292,"4,632":2293,"4,633":2294,"4,634":2295,"4,635":2296,"4,636":2297,"4,637":2298,"4,638":2299,"4,639":2300,"4,640":2301,"4,641":2302,"4,642":2303,"4,643":2304,"4,644":2305,"4,645":2306,"4,646":2307,"4,647":2308,"4,648":2309,"4,649":2310,"4,650":2311,"4,651":2312,"4,652":2313,"4,653":2314,"4,654":2315,"4,655":2316,"4,656":2317,"4,657":2318,"4,658":2319,"4,659":2320,"4,660":2321,"4,661":2322,"4,662":2323,"4,663":2324,"4,664":2325,"4,665":2326,"4,666":2327,"4,667":2328,"4,668":2329,"4,669":2330,"4,670":2331,"4,671":2332,"4,672":2333,"5,5":2334,"5,6":2335,"5,7":2336,"5,8":2337,"5,9":2338,"5,10":2339,"5,11":2340,"5,12":2341,"5,13":2342,"5,14":2343,"5,15":2344,"5,16":2345,"5,17":2346,"5,18":2347,"5,19":2348,"5,20":2349,"5,21":2350,"5,22":2351,"5,23":2352,"5,24":2353,"5,25":2354,"5,26":2355,"5,27":2356,"5,28":2357,"5,29":2358,"5,30":2359,"5,31":2360,"5,32":2361,"5,33":2362,"5,34":2363,"5,35":2364,"5,36":2365,"5,37":2366,"5,38":2367,"5,39":2368,"5,40":2369,"5,41":2370,"5,42":2371,"5,43":2372,"5,44":2373,"5,45":2374,"5,46":2375,"5,47":2376,"5,48":2377,"5,49":2378,"5,50":2379,"5,51":2380,"5,52":2381,"5,53":2382,"5,54":2383,"5,55":2384,"5,56":2385,"5,57":2386,"5,58":2387,"5,59":2388,"5,60":2389,"5,61":2390,"5,62":2391,"5,63":2392,"5,64":2393,"5,65":2394,"5,66":2395,"5,67":2396,"5,68":2397,"5,69":2398,"5,70":2399,"5,71":2400,"5,72":2401,"5,73":2402,"5,74":2403,"5,75":2404,"5,76":2405,"5,77":2406,"5,78":2407,"5,79":2408,"5,80":2409,"5,81":2410,"5,82":2411,"5,83":2412,"5,84":2413,"5,85":2414,"5,86":2415,"5,87":2416,"5,88":2417,"5,89":2418,"5,90":2419,"5,91":2420,"5,92":2421,"5,93":2422,"5,94":2423,"5,95":2424,"5,96":2425,"5,97":2426,"5,98":2427,"5,99":2428,"5,100":2429,"5,101":2430,"5,102":2431,"5,103":2432,"5,104":2433,"5,105":2434,"5,106":2435,"5,107":2436,"5,108":2437,"5,109":2438,"5,110":2439,"5,111":2440,"5,112":2441,"5,113":2442,"5,114":2443,"5,115":2444,"5,116":2445,"5,117":2446,"5,118":2447,"5,119":2448,"5,120":2449,"5,121":2450,"5,122":2451,"5,123":2452,"5,124":2453,"5,125":2454,"5,126":2455,"5,127":2456,"5,128":2457,"5,129":2458,"5,130":2459,"5,131":2460,"5,132":2461,"5,133":2462,"5,134":2463,"5,135":2464,"5,136":2465,"5,137":2466,"5,138":2467,"5,139":2468,"5,140":2469,"5,141":2470,"5,142":2471,"5,143":2472,"5,144":2473,"5,145":2474,"5,146":2475,"5,147":2476,"5,148":2477,"5,149":2478,"5,150":2479,"5,151":2480,"5,152":2481,"5,153":2482,"5,154":2483,"5,155":2484,"5,156":2485,"5,157":2486,"5,158":2487,"5,159":2488,"5,160":2489,"5,161":2490,"5,162":2491,"5,163":2492,"5,164":2493,"5,165":2494,"5,166":2495,"5,167":2496,"5,168":2497,"5,169":2498,"5,170":2499,"5,171":2500,"5,172":2501,"5,173":2502,"5,174":2503,"5,175":2504,"5,176":2505,"5,177":2506,"5,178":2507,"5,179":2508,"5,180":2509,"5,181":2510,"5,182":2511,"5,183":2512,"5,184":2513,"5,185":2514,"5,186":2515,"5,187":2516,"5,188":2517,"5,189":2518,"5,190":2519,"5,191":2520,"5,192":2521,"5,193":2522,"5,194":2523,"5,195":2524,"5,196":2525,"5,197":2526,"5,198":2527,"5,199":2528,"5,200":2529,"5,201":2530,"5,202":2531,"5,203":2532,"5,204":2533,"5,205":2534,"5,206":2535,"5,207":2536,"5,208":2537,"5,209":2538,"5,210":2539,"5,211":2540,"5,212":2541,"5,213":2542,"5,214":2543,"5,215":2544,"5,216":2545,"5,217":2546,"5,218":2547,"5,219":2548,"5,220":2549,"5,221":2550,"5,222":2551,"5,223":2552,"5,224":2553,"5,225":2554,"5,226":2555,"5,227":2556,"5,228":2557,"5,229":2558,"5,230":2559,"5,231":2560,"5,232":2561,"5,233":2562,"5,234":2563,"5,235":2564,"5,236":2565,"5,237":2566,"5,238":2567,"5,239":2568,"5,240":2569,"5,241":2570,"5,242":2571,"5,243":2572,"5,244":2573,"5,245":2574,"5,246":2575,"5,247":2576,"5,248":2577,"5,249":2578,"5,250":2579,"5,251":2580,"5,252":2581,"5,253":2582,"5,254":2583,"5,255":2584,"5,256":2585,"5,257":2586,"5,258":2587,"5,259":2588,"5,260":2589,"5,261":2590,"5,262":2591,"5,263":2592,"5,264":2593,"5,265":2594,"5,266":2595,"5,267":2596,"5,268":2597,"5,269":2598,"5,270":2599,"5,271":2600,"5,272":2601,"5,273":2602,"5,274":2603,"5,275":2604,"5,276":2605,"5,277":2606,"5,278":2607,"5,279":2608,"5,280":2609,"5,281":2610,"5,282":2611,"5,283":2612,"5,284":2613,"5,285":2614,"5,286":2615,"5,287":2616,"5,288":2617,"5,289":2618,"5,290":2619,"5,291":2620,"5,292":2621,"5,293":2622,"5,294":2623,"5,295":2624,"5,296":2625,"5,297":2626,"5,298":2627,"5,299":2628,"5,300":2629,"5,301":2630,"5,302":2631,"5,303":2632,"5,304":2633,"5,305":2634,"5,306":2635,"5,307":2636,"5,308":2637,"5,309":2638,"5,310":2639,"5,311":2640,"5,312":2641,"5,313":2642,"5,314":2643,"5,315":2644,"5,316":2645,"5,317":2646,"5,318":2647,"5,319":2648,"5,320":2649,"5,321":2650,"5,322":2651,"5,323":2652,"5,324":2653,"5,325":2654,"5,326":2655,"5,327":2656,"5,328":2657,"5,329":2658,"5,330":2659,"5,331":2660,"5,332":2661,"5,333":2662,"5,334":2663,"5,335":2664,"5,336":2665,"5,337":2666,"5,338":2667,"5,339":2668,"5,340":2669,"5,341":2670,"5,342":2671,"5,343":2672,"5,344":2673,"5,345":2674,"5,346":2675,"5,347":2676,"5,348":2677,"5,349":2678,"5,350":2679,"5,351":2680,"5,352":2681,"5,353":2682,"5,354":2683,"5,355":2684,"5,356":2685,"5,357":2686,"5,358":2687,"5,359":2688,"5,360":2689,"5,361":2690,"5,362":2691,"5,363":2692,"5,364":2693,"5,365":2694,"5,366":2695,"5,367":2696,"5,368":2697,"5,369":2698,"5,370":2699,"5,371":2700,"5,372":2701,"5,373":2702,"5,374":2703,"5,375":2704,"5,376":2705,"5,377":2706,"5,378":2707,"5,379":2708,"5,380":2709,"5,381":2710,"5,382":2711,"5,383":2712,"5,384":2713,"5,385":2714,"5,386":2715,"5,387":2716,"5,388":2717,"5,389":2718,"5,390":2719,"5,391":2720,"5,392":2721,"5,393":2722,"5,394":2723,"5,395":2724,"5,396":2725,"5,397":2726,"5,398":2727,"5,399":2728,"5,400":2729,"5,401":2730,"5,402":2731,"5,403":2732,"5,404":2733,"5,405":2734,"5,406":2735,"5,407":2736,"5,408":2737,"5,409":2738,"5,410":2739,"5,411":2740,"5,412":2741,"5,413":2742,"5,414":2743,"5,415":2744,"5,416":2745,"5,417":2746,"5,418":2747,"5,419":2748,"5,420":2749,"5,421":2750,"5,422":2751,"5,423":2752,"5,424":2753,"5,425":2754,"5,426":2755,"5,427":2756,"5,428":2757,"5,429":2758,"5,430":2759,"5,431":2760,"5,432":2761,"5,433":2762,"5,434":2763,"5,435":2764,"5,436":2765,"5,437":2766,"5,438":2767,"5,439":2768,"5,440":2769,"5,441":2770,"5,442":2771,"5,443":2772,"5,444":2773,"5,445":2774,"5,446":2775,"5,447":2776,"5,448":2777,"5,449":2778,"5,450":2779,"5,451":2780,"5,452":2781,"5,453":2782,"5,454":2783,"5,455":2784,"5,456":2785,"5,457":2786,"5,458":2787,"5,459":2788,"5,460":2789,"5,461":2790,"5,462":2791,"5,463":2792,"5,464":2793,"5,465":2794,"5,466":2795,"5,467":2796,"5,468":2797,"5,469":2798,"5,470":2799,"5,471":2800,"5,472":2801,"5,473":2802,"5,474":2803,"5,475":2804,"5,476":2805,"5,477":2806,"5,478":2807,"5,479":2808,"5,480":2809,"5,481":2810,"5,482":2811,"5,483":2812,"5,484":2813,"5,485":2814,"5,486":2815,"5,487":2816,"5,488":2817,"5,489":2818,"5,490":2819,"5,491":2820,"5,492":2821,"5,493":2822,"5,494":2823,"5,495":2824,"5,496":2825,"5,497":2826,"5,498":2827,"5,499":2828,"5,500":2829,"5,501":2830,"5,502":2831,"5,503":2832,"5,504":2833,"5,505":2834,"5,506":2835,"5,507":2836,"5,508":2837,"5,509":2838,"5,510":2839,"5,511":2840,"5,512":2841,"5,513":2842,"5,514":2843,"5,515":2844,"5,516":2845,"5,517":2846,"5,518":2847,"5,519":2848,"5,520":2849,"5,521":2850,"5,522":2851,"5,523":2852,"5,524":2853,"5,525":2854,"5,526":2855,"5,527":2856,"5,528":2857,"5,529":2858,"5,530":2859,"5,531":2860,"5,532":2861,"5,533":2862,"5,534":2863,"5,535":2864,"5,536":2865,"5,537":2866,"5,538":2867,"5,539":2868,"5,540":2869,"5,541":2870,"5,542":2871,"5,543":2872,"5,544":2873,"5,545":2874,"5,546":2875,"5,547":2876,"5,548":2877,"5,549":2878,"5,550":2879,"5,551":2880,"5,552":2881,"5,553":2882,"5,554":2883,"5,555":2884,"5,556":2885,"5,557":2886,"5,558":2887,"5,559":2888,"5,560":2889,"5,561":2890,"5,562":2891,"5,563":2892,"5,564":2893,"5,565":2894,"5,566":2895,"5,567":2896,"5,568":2897,"5,569":2898,"5,570":2899,"5,571":2900,"5,572":2901,"5,573":2902,"5,574":2903,"5,575":2904,"5,576":2905,"5,577":2906,"5,578":2907,"5,579":2908,"5,580":2909,"5,581":2910,"5,582":2911,"5,583":2912,"5,584":2913,"5,585":2914,"5,586":2915,"5,587":2916,"5,588":2917,"5,589":2918,"5,590":2919,"5,591":2920,"5,592":2921,"5,593":2922,"5,594":2923,"5,595":2924,"5,596":2925,"5,597":2926,"5,598":2927,"5,599":2928,"5,600":2929,"5,601":2930,"5,602":2931,"5,603":2932,"5,604":2933,"5,605":2934,"5,606":2935,"5,607":2936,"5,608":2937,"5,609":2938,"5,610":2939,"5,611":2940,"5,612":2941,"5,613":2942,"5,614":2943,"5,615":2944,"5,616":2945,"5,617":2946,"5,618":2947,"5,619":2948,"5,620":2949,"5,621":2950,"5,622":2951,"5,623":2952,"5,624":2953,"5,625":2954,"5,626":2955,"5,627":2956,"5,628":2957,"5,629":2958,"5,630":2959,"5,631":2960,"5,632":2961,"5,633":2962,"5,634":2963,"5,635":2964,"5,636":2965,"5,637":2966,"5,638":2967,"5,639":2968,"5,640":2969,"5,641":2970,"5,642":2971,"5,643":2972,"5,644":2973,"5,645":2974,"5,646":2975,"5,647":2976,"5,648":2977,"5,649":2978,"5,650":2979,"5,651":2980,"5,652":2981,"5,653":2982,"5,654":2983,"5,655":2984,"5,656":2985,"5,657":2986,"5,658":2987,"5,659":2988,"5,660":2989,"5,661":2990,"5,662":2991,"6,5":2992,"6,6":2993,"6,7":2994,"6,8":2995,"6,9":2996,"6,10":2997,"6,11":2998,"6,12":2999,"6,13":3000,"6,14":3001,"6,15":3002,"6,16":3003,"6,17":3004,"6,18":3005,"6,19":3006,"6,20":3007,"6,21":3008,"6,22":3009,"6,23":3010,"6,24":3011,"6,25":3012,"6,26":3013,"6,27":3014,"6,28":3015,"6,29":3016,"6,30":3017,"6,31":3018,"6,32":3019,"6,33":3020,"6,34":3021,"6,35":3022,"6,36":3023,"6,37":3024,"6,38":3025,"6,39":3026,"6,40":3027,"6,41":3028,"6,42":3029,"6,43":3030,"6,44":3031,"6,45":3032,"6,46":3033,"6,47":3034,"6,48":3035,"6,49":3036,"6,50":3037,"6,51":3038,"6,52":3039,"6,53":3040,"6,54":3041,"6,55":3042,"6,56":3043,"6,57":3044,"6,58":3045,"6,59":3046,"6,60":3047,"6,61":3048,"6,62":3049,"6,63":3050,"6,64":3051,"6,65":3052,"6,66":3053,"6,67":3054,"6,68":3055,"6,69":3056,"6,70":3057,"6,71":3058,"6,72":3059,"6,73":3060,"6,74":3061,"6,75":3062,"6,76":3063,"6,77":3064,"6,78":3065,"6,79":3066,"6,80":3067,"6,81":3068,"6,82":3069,"6,83":3070,"6,84":3071,"6,85":3072,"6,86":3073,"6,87":3074,"6,88":3075,"6,89":3076,"6,90":3077,"6,91":3078,"6,92":3079,"6,93":3080,"6,94":3081,"6,95":3082,"6,96":3083,"6,97":3084,"6,98":3085,"6,99":3086,"6,100":3087,"6,101":3088,"6,102":3089,"6,103":3090,"6,104":3091,"6,105":3092,"6,106":3093,"6,107":3094,"6,108":3095,"6,109":3096,"6,110":3097,"6,111":3098,"6,112":3099,"6,113":3100,"6,114":3101,"6,115":3102,"6,116":3103,"6,117":3104,"6,118":3105,"6,119":3106,"6,120":3107,"6,121":3108,"6,122":3109,"6,123":3110,"6,124":3111,"6,125":3112,"6,126":3113,"6,127":3114,"6,128":3115,"6,129":3116,"6,130":3117,"6,131":3118,"6,132":3119,"6,133":3120,"6,134":3121,"6,135":3122,"6,136":3123,"6,137":3124,"6,138":3125,"6,139":3126,"6,140":3127,"6,141":3128,"6,142":3129,"6,143":3130,"6,144":3131,"6,145":3132,"6,146":3133,"6,147":3134,"6,148":3135,"6,149":3136,"6,150":3137,"6,151":3138,"6,152":3139,"6,153":3140,"6,154":3141,"6,155":3142,"6,156":3143,"6,157":3144,"6,158":3145,"6,159":3146,"6,160":3147,"6,161":3148,"6,162":3149,"6,163":3150,"6,164":3151,"6,165":3152,"6,166":3153,"6,167":3154,"6,168":3155,"6,169":3156,"6,170":3157,"6,171":3158,"6,172":3159,"6,173":3160,"6,174":3161,"6,175":3162,"6,176":3163,"6,177":3164,"6,178":3165,"6,179":3166,"6,180":3167,"6,181":3168,"6,182":3169,"6,183":3170,"6,184":3171,"6,185":3172,"6,186":3173,"6,187":3174,"6,188":3175,"6,189":3176,"6,190":3177,"6,191":3178,"6,192":3179,"6,193":3180,"6,194":3181,"6,195":3182,"6,196":3183,"6,197":3184,"6,198":3185,"6,199":3186,"6,200":3187,"6,201":3188,"6,202":3189,"6,203":3190,"6,204":3191,"6,205":3192,"6,206":3193,"6,207":3194,"6,208":3195,"6,209":3196,"6,210":3197,"6,211":3198,"6,212":3199,"6,213":3200,"6,214":3201,"6,215":3202,"6,216":3203,"6,217":3204,"6,218":3205,"6,219":3206,"6,220":3207,"6,221":3208,"6,222":3209,"6,223":3210,"6,224":3211,"6,225":3212,"6,226":3213,"6,227":3214,"6,228":3215,"6,229":3216,"6,230":3217,"6,231":3218,"6,232":3219,"6,233":3220,"6,234":3221,"6,235":3222,"6,236":3223,"6,237":3224,"6,238":3225,"6,239":3226,"6,240":3227,"6,241":3228,"6,242":3229,"6,243":3230,"6,244":3231,"6,245":3232,"6,246":3233,"6,247":3234,"6,248":3235,"6,249":3236,"6,250":3237,"6,251":3238,"6,252":3239,"6,253":3240,"6,254":3241,"6,255":3242,"6,256":3243,"6,257":3244,"6,258":3245,"6,259":3246,"6,260":3247,"6,261":3248,"6,262":3249,"6,263":3250,"6,264":3251,"6,265":3252,"6,266":3253,"6,267":3254,"6,268":3255,"6,269":3256,"6,270":3257,"6,271":3258,"6,272":3259,"6,273":3260,"6,274":3261,"6,275":3262,"6,276":3263,"6,277":3264,"6,278":3265,"6,279":3266,"6,280":3267,"6,281":3268,"6,282":3269,"6,283":3270,"6,284":3271,"6,285":3272,"6,286":3273,"6,287":3274,"6,288":3275,"6,289":3276,"6,290":3277,"6,291":3278,"6,292":3279,"6,293":3280,"6,294":3281,"6,295":3282,"6,296":3283,"6,297":3284,"6,298":3285,"6,299":3286,"6,300":3287,"6,301":3288,"6,302":3289,"6,303":3290,"6,304":3291,"6,305":3292,"6,306":3293,"6,307":3294,"6,308":3295,"6,309":3296,"6,310":3297,"6,311":3298,"6,312":3299,"6,313":3300,"6,314":3301,"6,315":3302,"6,316":3303,"6,317":3304,"6,318":3305,"6,319":3306,"6,320":3307,"6,321":3308,"6,322":3309,"6,323":3310,"6,324":3311,"6,325":3312,"6,326":3313,"6,327":3314,"6,328":3315,"6,329":3316,"6,330":3317,"6,331":3318,"6,332":3319,"6,333":3320,"6,334":3321,"6,335":3322,"6,336":3323,"6,337":3324,"6,338":3325,"6,339":3326,"6,340":3327,"6,341":3328,"6,342":3329,"6,343":3330,"6,344":3331,"6,345":3332,"6,346":3333,"6,347":3334,"6,348":3335,"6,349":3336,"6,350":3337,"6,351":3338,"6,352":3339,"6,353":3340,"6,354":3341,"6,355":3342,"6,356":3343,"6,357":3344,"6,358":3345,"6,359":3346,"6,360":3347,"6,361":3348,"6,362":3349,"6,363":3350,"6,364":3351,"6,365":3352,"6,366":3353,"6,367":3354,"6,368":3355,"6,369":3356,"6,370":3357,"6,371":3358,"6,372":3359,"6,373":3360,"6,374":3361,"6,375":3362,"6,376":3363,"6,377":3364,"6,378":3365,"6,379":3366,"6,380":3367,"6,381":3368,"6,382":3369,"6,383":3370,"6,384":3371,"6,385":3372,"6,386":3373,"6,387":3374,"6,388":3375,"6,389":3376,"6,390":3377,"6,391":3378,"6,392":3379,"6,393":3380,"6,394":3381,"6,395":3382,"6,396":3383,"6,397":3384,"6,398":3385,"6,399":3386,"6,400":3387,"6,401":3388,"6,402":3389,"6,403":3390,"6,404":3391,"6,405":3392,"6,406":3393,"6,407":3394,"6,408":3395,"6,409":3396,"6,410":3397,"6,411":3398,"6,412":3399,"6,413":3400,"6,414":3401,"6,415":3402,"6,416":3403,"6,417":3404,"6,418":3405,"6,419":3406,"6,420":3407,"6,421":3408,"6,422":3409,"6,423":3410,"6,424":3411,"6,425":3412,"6,426":3413,"6,427":3414,"6,428":3415,"6,429":3416,"6,430":3417,"6,431":3418,"6,432":3419,"6,433":3420,"6,434":3421,"6,435":3422,"6,436":3423,"6,437":3424,"6,438":3425,"6,439":3426,"6,440":3427,"6,441":3428,"6,442":3429,"6,443":3430,"6,444":3431,"6,445":3432,"6,446":3433,"6,447":3434,"6,448":3435,"6,449":3436,"6,450":3437,"6,451":3438,"6,452":3439,"6,453":3440,"6,454":3441,"6,455":3442,"6,456":3443,"6,457":3444,"6,458":3445,"6,459":3446,"6,460":3447,"6,461":3448,"6,462":3449,"6,463":3450,"6,464":3451,"6,465":3452,"6,466":3453,"6,467":3454,"6,468":3455,"6,469":3456,"6,470":3457,"6,471":3458,"6,472":3459,"6,473":3460,"6,474":3461,"6,475":3462,"6,476":3463,"6,477":3464,"6,478":3465,"6,479":3466,"6,480":3467,"6,481":3468,"6,482":3469,"6,483":3470,"6,484":3471,"6,485":3472,"6,486":3473,"6,487":3474,"6,488":3475,"6,489":3476,"6,490":3477,"6,491":3478,"6,492":3479,"6,493":3480,"6,494":3481,"6,495":3482,"6,496":3483,"6,497":3484,"6,498":3485,"6,499":3486,"6,500":3487,"6,501":3488,"6,502":3489,"6,503":3490,"6,504":3491,"6,505":3492,"6,506":3493,"6,507":3494,"6,508":3495,"6,509":3496,"6,510":3497,"6,511":3498,"6,512":3499,"6,513":3500,"6,514":3501,"6,515":3502,"6,516":3503,"6,517":3504,"6,518":3505,"6,519":3506,"6,520":3507,"6,521":3508,"6,522":3509,"6,523":3510,"6,524":3511,"6,525":3512,"6,526":3513,"6,527":3514,"6,528":3515,"6,529":3516,"6,530":3517,"6,531":3518,"6,532":3519,"6,533":3520,"6,534":3521,"6,535":3522,"6,536":3523,"6,537":3524,"6,538":3525,"6,539":3526,"6,540":3527,"6,541":3528,"6,542":3529,"6,543":3530,"6,544":3531,"6,545":3532,"6,546":3533,"6,547":3534,"6,548":3535,"6,549":3536,"6,550":3537,"6,551":3538,"6,552":3539,"6,553":3540,"6,554":3541,"6,555":3542,"6,556":3543,"6,557":3544,"6,558":3545,"6,559":3546,"6,560":3547,"6,561":3548,"6,562":3549,"6,563":3550,"6,564":3551,"6,565":3552,"6,566":3553,"6,567":3554,"6,568":3555,"6,569":3556,"6,570":3557,"6,571":3558,"6,572":3559,"6,573":3560,"6,574":3561,"6,575":3562,"6,576":3563,"6,577":3564,"6,578":3565,"6,579":3566,"6,580":3567,"6,581":3568,"6,582":3569,"6,583":3570,"6,584":3571,"6,585":3572,"6,586":3573,"6,587":3574,"6,588":3575,"6,589":3576,"6,590":3577,"6,591":3578,"6,592":3579,"6,593":3580,"6,594":3581,"6,595":3582,"6,596":3583,"6,597":3584,"6,598":3585,"6,599":3586,"6,600":3587,"6,601":3588,"6,602":3589,"6,603":3590,"6,604":3591,"6,605":3592,"6,606":3593,"6,607":3594,"6,608":3595,"6,609":3596,"6,610":3597,"6,611":3598,"6,612":3599,"6,613":3600,"6,614":3601,"6,615":3602,"6,616":3603,"6,617":3604,"6,618":3605,"6,619":3606,"6,620":3607,"6,621":3608,"6,622":3609,"6,623":3610,"6,624":3611,"6,625":3612,"6,626":3613,"6,627":3614,"6,628":3615,"6,629":3616,"6,630":3617,"6,631":3618,"6,632":3619,"6,633":3620,"6,634":3621,"6,635":3622,"6,636":3623,"6,637":3624,"6,638":3625,"6,639":3626,"6,640":3627,"6,641":3628,"6,642":3629,"6,643":3630,"6,644":3631,"6,645":3632,"6,646":3633,"6,647":3634,"6,648":3635,"6,649":3636,"6,650":3637,"6,651":3638,"6,652":3639,"6,653":3640,"6,654":3641,"6,655":3642,"6,656":3643,"6,657":3644,"6,658":3645,"6,659":3646,"6,660":3647,"6,661":3648,"6,662":3649,"6,663":3650,"6,664":3651,"6,665":3652,"6,666":3653,"6,667":3654,"6,668":3655,"6,669":3656,"6,670":3657,"6,671":3658,"6,672":3659,"6,673":3660,"6,674":3661,"6,675":3662,"6,676":3663,"6,677":3664,"6,678":3665,"6,679":3666,"6,680":3667,"6,681":3668,"6,682":3669,"6,683":3670,"6,684":3671,"6,685":3672,"6,686":3673,"6,687":3674,"6,688":3675,"6,689":3676,"6,690":3677,"6,691":3678,"6,692":3679,"6,693":3680,"6,694":3681,"6,695":3682,"6,696":3683,"6,697":3684,"6,698":3685,"6,699":3686,"6,700":3687,"6,701":3688,"6,702":3689,"6,703":3690,"6,704":3691,"6,705":3692,"6,706":3693,"6,707":3694,"6,708":3695,"6,709":3696,"6,710":3697,"6,711":3698,"6,712":3699,"6,713":3700,"6,714":3701,"6,715":3702,"6,716":3703,"6,717":3704,"6,718":3705,"6,719":3706,"6,720":3707,"6,721":3708,"6,722":3709,"6,723":3710,"6,724":3711,"6,725":3712,"6,726":3713,"6,727":3714,"6,728":3715,"6,729":3716,"6,730":3717,"6,731":3718,"6,732":3719,"6,733":3720,"6,734":3721,"6,735":3722,"6,736":3723,"6,737":3724,"6,738":3725,"6,739":3726,"6,740":3727,"6,741":3728,"6,742":3729,"6,743":3730,"6,744":3731,"6,745":3732,"6,746":3733,"6,747":3734,"6,748":3735,"6,749":3736,"6,750":3737,"6,751":3738,"6,752":3739,"6,753":3740,"6,754":3741,"6,755":3742,"6,756":3743,"6,757":3744,"6,758":3745,"6,759":3746,"6,760":3747,"6,761":3748,"6,762":3749,"6,763":3750,"6,764":3751,"6,765":3752,"6,766":3753,"6,767":3754,"6,768":3755,"6,769":3756,"6,770":3757,"6,771":3758,"6,772":3759,"6,773":3760,"6,774":3761,"6,775":3762,"6,776":3763,"6,777":3764,"6,778":3765,"6,779":3766,"6,780":3767,"6,781":3768,"6,782":3769,"6,783":3770,"6,784":3771,"6,785":3772,"6,786":3773,"6,787":3774,"6,788":3775,"6,789":3776,"6,790":3777,"6,791":3778,"6,792":3779,"6,793":3780,"6,794":3781,"6,795":3782,"6,796":3783,"6,797":3784,"6,798":3785,"6,799":3786,"6,800":3787,"6,801":3788,"6,802":3789,"6,803":3790,"6,804":3791,"6,805":3792,"6,806":3793,"6,807":3794,"6,808":3795,"6,809":3796,"6,810":3797,"6,811":3798,"6,812":3799,"6,813":3800,"6,814":3801,"6,815":3802,"6,816":3803,"6,817":3804,"6,818":3805,"6,819":3806,"6,820":3807,"6,821":3808,"6,822":3809,"6,823":3810,"6,824":3811,"6,825":3812,"6,826":3813,"6,827":3814,"6,828":3815,"6,829":3816,"6,830":3817,"6,831":3818,"6,832":3819,"6,833":3820,"6,834":3821,"6,835":3822,"6,836":3823,"6,837":3824,"6,838":3825,"6,839":3826,"6,840":3827},"ٜ":{"1":[5,256],"2":[257,948],"3":[5,731],"4":[5,672],"5":[5,662],"6":[5,840]},"ٝ":["1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,81","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","2,257","2,258","2,259","2,260","2,261","2,263","2,264","2,265","2,266","2,267","2,268","2,269","2,270","2,271","2,272","2,273","2,274","2,275","2,276","2,277","2,278","2,279","2,280","2,281","2,282","2,283","2,284","2,285","2,286","2,287","2,288","2,289","2,290","2,291","2,292","2,293","2,294","2,295","2,296","2,297","2,298","2,299","2,300","2,301","2,302","2,303","2,304","2,305","2,306","2,307","2,308","2,309","2,310","2,311","2,312","2,313","2,314","2,315","2,316","2,317","2,318","2,319","2,320","2,321","2,322","2,323","2,324","2,325","2,326","2,327","2,328","2,329","2,330","2,331","2,332","2,333","2,334","2,335","2,336","2,337","2,338","2,339","2,340","2,341","2,342","2,343","2,344","2,345","2,346","2,347","2,348","2,349","2,350","2,351","2,352","2,353","2,354","2,355","2,356","2,357","2,358","2,359","2,360","2,361","2,362","2,363","2,364","2,365","2,366","2,367","2,368","2,369","2,370","2,371","2,372","2,373","2,374","2,375","2,376","2,377","2,378","2,379","2,380","2,381","2,382","2,383","2,384","2,385","2,386","2,387","2,388","2,389","2,390","2,391","2,392","2,393","2,394","2,395","2,396","2,397","2,398","2,399","2,400","2,401","2,402","2,403","2,404","2,405","2,406","2,407","2,408","2,409","2,410","2,411","2,412","2,413","2,414","2,415","2,416","2,417","2,418","2,419","2,420","2,421","2,422","2,423","2,424","2,425","2,426","2,427","2,428","2,429","2,430","2,431","2,432","2,433","2,434","2,435","2,436","2,437","2,438","2,439","2,440","2,441","2,442","2,443","2,444","2,445","2,446","2,447","2,448","2,449","2,450","2,451","2,452","2,453","2,454","2,455","2,456","2,457","2,458","2,459","2,460","2,461","2,462","2,463","2,464","2,465","2,466","2,467","2,468","2,469","2,470","2,471","2,472","2,473","2,474","2,475","2,476","2,477","2,478","2,479","2,480","2,481","2,482","2,483","2,484","2,485","2,486","2,487","2,488","2,489","2,490","2,491","2,492","2,493","2,494","2,495","2,496","2,497","2,498","2,499","2,500","2,501","2,502","2,503","2,504","2,505","2,506","2,507","2,508","2,509","2,510","2,511","2,512","2,513","2,514","2,515","2,516","2,517","2,518","2,519","2,520","2,521","2,522","2,523","2,524","2,525","2,526","2,527","2,528","2,529","2,530","2,531","2,532","2,533","2,534","2,535","2,536","2,537","2,538","2,539","2,540","2,541","2,542","2,543","2,544","2,545","2,546","2,547","2,548","2,549","2,550","2,551","2,552","2,553","2,554","2,555","2,556","2,557","2,558","2,559","2,560","2,561","2,562","2,563","2,564","2,565","2,566","2,567","2,568","2,569","2,570","2,571","2,572","2,573","2,574","2,575","2,576","2,577","2,578","2,579","2,580","2,581","2,582","2,583","2,584","2,585","2,586","2,587","2,588","2,589","2,590","2,591","2,592","2,593","2,594","2,595","2,596","2,597","2,598","2,599","2,600","2,601","2,602","2,603","2,604","2,605","2,606","2,607","2,608","2,609","2,610","2,611","2,612","2,613","2,614","2,615","2,616","2,617","2,618","2,619","2,620","2,621","2,622","2,623","2,624","2,625","2,626","2,627","2,628","2,629","2,630","2,631","2,632","2,633","2,634","2,635","2,636","2,637","2,638","2,639","2,640","2,641","2,642","2,643","2,644","2,645","2,646","2,647","2,648","2,649","2,650","2,651","2,652","2,653","2,654","2,655","2,656","2,657","2,658","2,659","2,660","2,661","2,662","2,663","2,664","2,665","2,666","2,667","2,668","2,669","2,670","2,671","2,672","2,673","2,674","2,675","2,676","2,677","2,678","2,679","2,680","2,681","2,682","2,683","2,684","2,685","2,686","2,687","2,688","2,689","2,690","2,691","2,692","2,693","2,694","2,695","2,696","2,697","2,698","2,699","2,700","2,701","2,702","2,703","2,704","2,705","2,706","2,707","2,708","2,709","2,710","2,711","2,712","2,713","2,714","2,715","2,716","2,717","2,718","2,719","2,720","2,721","2,722","2,723","2,724","2,725","2,726","2,727","2,728","2,729","2,730","2,731","2,732","2,733","2,734","2,735","2,736","2,737","2,738","2,739","2,740","2,741","2,742","2,743","2,744","2,745","2,746","2,747","2,748","2,749","2,750","2,751","2,752","2,753","2,754","2,755","2,756","2,757","2,758","2,759","2,760","2,761","2,762","2,763","2,764","2,765","2,766","2,767","2,768","2,769","2,770","2,771","2,772","2,773","2,774","2,775","2,776","2,777","2,778","2,779","2,780","2,781","2,782","2,783","2,784","2,785","2,786","2,787","2,788","2,789","2,790","2,791","2,792","2,793","2,794","2,795","2,796","2,797","2,798","2,799","2,800","2,801","2,802","2,803","2,804","2,805","2,806","2,807","2,808","2,809","2,810","2,811","2,812","2,813","2,814","2,815","2,816","2,817","2,818","2,819","2,820","2,821","2,822","2,823","2,824","2,825","2,826","2,827","2,828","2,829","2,830","2,831","2,832","2,833","2,834","2,835","2,836","2,837","2,838","2,839","2,840","2,841","2,842","2,843","2,844","2,845","2,846","2,847","2,848","2,849","2,850","2,851","2,852","2,853","2,854","2,855","2,856","2,857","2,858","2,859","2,860","2,861","2,862","2,863","2,864","2,865","2,866","2,867","2,868","2,869","2,870","2,871","2,872","2,873","2,874","2,875","2,876","2,877","2,878","2,879","2,880","2,881","2,882","2,883","2,884","2,885","2,886","2,887","2,888","2,889","2,890","2,891","2,892","2,893","2,894","2,895","2,896","2,897","2,898","2,899","2,900","2,901","2,902","2,903","2,904","2,905","2,906","2,907","2,908","2,909","2,910","2,911","2,912","2,913","2,914","2,915","2,916","2,917","2,918","2,919","2,920","2,921","2,922","2,923","2,924","2,925","2,926","2,927","2,928","2,929","2,930","2,931","2,932","2,933","2,934","2,935","2,936","2,937","2,938","2,939","2,940","2,941","2,942","2,943","2,944","2,945","2,946","2,947","2,948","3,5","3,6","3,7","3,8","3,9","3,10","3,11","3,12","3,13","3,14","3,15","3,16","3,17","3,18","3,19","3,20","3,21","3,22","3,23","3,24","3,25","3,26","3,27","3,28","3,29","3,30","3,31","3,32","3,33","3,34","3,35","3,36","3,37","3,38","3,39","3,40","3,41","3,42","3,43","3,44","3,45","3,46","3,47","3,48","3,49","3,50","3,51","3,52","3,53","3,54","3,55","3,56","3,57","3,58","3,59","3,60","3,61","3,62","3,63","3,64","3,65","3,66","3,67","3,68","3,69","3,70","3,71","3,72","3,73","3,74","3,75","3,76","3,77","3,78","3,79","3,80","3,81","3,82","3,83","3,84","3,85","3,86","3,87","3,88","3,89","3,90","3,91","3,92","3,93","3,94","3,95","3,96","3,97","3,98","3,99","3,100","3,101","3,102","3,103","3,104","3,105","3,106","3,107","3,108","3,109","3,110","3,111","3,112","3,113","3,114","3,115","3,116","3,117","3,118","3,119","3,120","3,121","3,122","3,123","3,124","3,125","3,126","3,127","3,128","3,129","3,130","3,131","3,132","3,133","3,134","3,135","3,136","3,137","3,138","3,139","3,140","3,141","3,142","3,143","3,144","3,145","3,146","3,147","3,148","3,149","3,150","3,151","3,152","3,153","3,154","3,155","3,156","3,157","3,158","3,159","3,160","3,161","3,162","3,163","3,164","3,165","3,166","3,167","3,168","3,169","3,170","3,171","3,172","3,173","3,174","3,175","3,176","3,177","3,178","3,179","3,180","3,181","3,182","3,183","3,184","3,185","3,186","3,187","3,188","3,189","3,190","3,191","3,192","3,193","3,194","3,195","3,196","3,197","3,198","3,199","3,200","3,201","3,202","3,203","3,204","3,205","3,206","3,207","3,208","3,209","3,210","3,211","3,212","3,213","3,214","3,215","3,216","3,217","3,218","3,219","3,220","3,221","3,222","3,223","3,224","3,225","3,226","3,227","3,228","3,229","3,230","3,231","3,232","3,233","3,234","3,235","3,236","3,237","3,238","3,239","3,240","3,241","3,242","3,243","3,244","3,245","3,246","3,247","3,248","3,249","3,250","3,251","3,252","3,253","3,254","3,255","3,256","3,257","3,258","3,259","3,260","3,261","3,262","3,263","3,264","3,265","3,266","3,267","3,268","3,269","3,270","3,271","3,272","3,273","3,274","3,275","3,276","3,277","3,278","3,279","3,280","3,281","3,282","3,283","3,284","3,285","3,286","3,287","3,288","3,289","3,290","3,291","3,292","3,293","3,294","3,295","3,296","3,297","3,298","3,299","3,300","3,301","3,302","3,303","3,304","3,305","3,306","3,307","3,308","3,309","3,310","3,311","3,312","3,313","3,314","3,315","3,316","3,317","3,318","3,319","3,320","3,321","3,322","3,323","3,324","3,325","3,326","3,327","3,328","3,329","3,330","3,331","3,332","3,333","3,334","3,335","3,336","3,337","3,338","3,339","3,340","3,341","3,342","3,343","3,344","3,345","3,346","3,347","3,348","3,349","3,350","3,351","3,352","3,353","3,354","3,355","3,356","3,357","3,358","3,359","3,360","3,361","3,362","3,363","3,364","3,365","3,366","3,367","3,368","3,369","3,370","3,371","3,372","3,373","3,374","3,375","3,376","3,377","3,378","3,379","3,380","3,381","3,382","3,383","3,384","3,385","3,386","3,387","3,388","3,389","3,390","3,391","3,392","3,393","3,394","3,395","3,396","3,397","3,398","3,399","3,400","3,401","3,402","3,403","3,404","3,405","3,406","3,407","3,408","3,409","3,410","3,411","3,412","3,413","3,414","3,415","3,416","3,417","3,418","3,419","3,420","3,421","3,422","3,423","3,424","3,425","3,426","3,427","3,428","3,429","3,430","3,431","3,432","3,433","3,434","3,435","3,436","3,437","3,438","3,439","3,440","3,441","3,442","3,443","3,444","3,445","3,446","3,447","3,448","3,449","3,450","3,451","3,452","3,453","3,454","3,455","3,456","3,457","3,458","3,459","3,460","3,461","3,462","3,463","3,464","3,465","3,466","3,467","3,468","3,469","3,470","3,471","3,472","3,473","3,474","3,475","3,476","3,477","3,478","3,479","3,480","3,481","3,482","3,483","3,484","3,485","3,486","3,487","3,488","3,489","3,490","3,491","3,492","3,493","3,494","3,495","3,496","3,497","3,498","3,499","3,500","3,501","3,502","3,503","3,504","3,505","3,506","3,507","3,508","3,509","3,510","3,511","3,512","3,513","3,514","3,515","3,516","3,517","3,518","3,519","3,520","3,521","3,522","3,523","3,524","3,525","3,526","3,527","3,528","3,529","3,530","3,531","3,532","3,533","3,534","3,535","3,536","3,537","3,538","3,539","3,540","3,541","3,542","3,543","3,544","3,545","3,546","3,547","3,548","3,549","3,550","3,551","3,552","3,553","3,554","3,555","3,556","3,557","3,558","3,559","3,560","3,561","3,562","3,563","3,564","3,565","3,566","3,567","3,568","3,569","3,570","3,571","3,572","3,573","3,574","3,575","3,576","3,577","3,578","3,579","3,580","3,581","3,582","3,583","3,584","3,585","3,586","3,587","3,588","3,589","3,590","3,591","3,592","3,593","3,594","3,595","3,596","3,597","3,598","3,599","3,600","3,601","3,602","3,603","3,604","3,605","3,606","3,607","3,608","3,609","3,610","3,611","3,612","3,613","3,614","3,615","3,616","3,617","3,618","3,619","3,620","3,621","3,622","3,623","3,624","3,625","3,626","3,627","3,628","3,629","3,630","3,631","3,632","3,633","3,634","3,635","3,636","3,637","3,638","3,639","3,640","3,641","3,642","3,643","3,644","3,645","3,646","3,647","3,648","3,649","3,650","3,651","3,652","3,653","3,654","3,655","3,656","3,657","3,658","3,659","3,660","3,661","3,662","3,663","3,664","3,665","3,666","3,667","3,668","3,669","3,670","3,671","3,672","3,673","3,674","3,675","3,676","3,677","3,678","3,679","3,680","3,681","3,682","3,683","3,684","3,685","3,686","3,687","3,688","3,689","3,690","3,691","3,692","3,693","3,694","3,695","3,696","3,697","3,698","3,699","3,700","3,701","3,702","3,703","3,704","3,705","3,706","3,707","3,708","3,709","3,710","3,711","3,712","3,713","3,714","3,715","3,716","3,717","3,718","3,719","3,720","3,721","3,722","3,723","3,724","3,725","3,726","3,727","3,728","3,729","3,730","3,731","4,5","4,6","4,7","4,8","4,9","4,10","4,11","4,12","4,13","4,14","4,15","4,16","4,17","4,18","4,19","4,20","4,21","4,22","4,23","4,24","4,25","4,26","4,27","4,28","4,29","4,30","4,31","4,32","4,33","4,34","4,35","4,36","4,37","4,38","4,39","4,40","4,41","4,42","4,43","4,44","4,45","4,46","4,47","4,48","4,49","4,50","4,51","4,52","4,53","4,54","4,55","4,56","4,57","4,58","4,59","4,60","4,61","4,62","4,63","4,64","4,65","4,66","4,67","4,68","4,69","4,70","4,71","4,72","4,73","4,74","4,75","4,76","4,77","4,78","4,79","4,80","4,81","4,82","4,83","4,84","4,85","4,86","4,87","4,88","4,89","4,90","4,91","4,92","4,93","4,94","4,95","4,96","4,97","4,98","4,99","4,100","4,101","4,102","4,103","4,104","4,105","4,106","4,107","4,108","4,109","4,110","4,111","4,112","4,113","4,114","4,115","4,116","4,117","4,118","4,119","4,120","4,121","4,122","4,123","4,124","4,125","4,126","4,127","4,128","4,129","4,130","4,131","4,132","4,133","4,134","4,135","4,136","4,137","4,138","4,139","4,140","4,141","4,142","4,143","4,144","4,145","4,146","4,147","4,148","4,149","4,150","4,151","4,152","4,153","4,154","4,155","4,156","4,157","4,158","4,159","4,160","4,161","4,162","4,163","4,164","4,165","4,166","4,167","4,168","4,169","4,170","4,171","4,172","4,173","4,174","4,175","4,176","4,177","4,178","4,179","4,180","4,181","4,182","4,183","4,184","4,185","4,186","4,187","4,188","4,189","4,190","4,191","4,192","4,193","4,194","4,195","4,196","4,197","4,198","4,199","4,200","4,201","4,202","4,203","4,204","4,205","4,206","4,207","4,208","4,209","4,210","4,211","4,212","4,213","4,214","4,215","4,216","4,217","4,218","4,219","4,220","4,221","4,222","4,223","4,224","4,225","4,226","4,227","4,228","4,229","4,230","4,231","4,232","4,233","4,234","4,235","4,236","4,237","4,238","4,239","4,240","4,241","4,242","4,243","4,244","4,245","4,246","4,247","4,248","4,249","4,250","4,251","4,252","4,253","4,254","4,255","4,256","4,257","4,258","4,259","4,260","4,261","4,262","4,263","4,264","4,265","4,266","4,267","4,268","4,269","4,270","4,271","4,272","4,273","4,274","4,275","4,276","4,277","4,278","4,279","4,280","4,281","4,282","4,283","4,284","4,285","4,286","4,287","4,288","4,289","4,290","4,291","4,292","4,293","4,294","4,295","4,296","4,297","4,298","4,299","4,300","4,301","4,302","4,303","4,304","4,305","4,306","4,307","4,308","4,309","4,310","4,311","4,312","4,313","4,314","4,315","4,316","4,317","4,318","4,319","4,320","4,321","4,322","4,323","4,324","4,325","4,326","4,327","4,328","4,329","4,330","4,331","4,332","4,333","4,334","4,335","4,336","4,337","4,338","4,339","4,340","4,341","4,342","4,343","4,344","4,345","4,346","4,347","4,348","4,349","4,350","4,351","4,352","4,353","4,354","4,355","4,356","4,357","4,358","4,359","4,360","4,361","4,362","4,363","4,364","4,365","4,366","4,367","4,368","4,369","4,370","4,371","4,372","4,373","4,374","4,375","4,376","4,377","4,378","4,379","4,380","4,381","4,382","4,383","4,384","4,385","4,386","4,387","4,388","4,389","4,390","4,391","4,392","4,393","4,394","4,395","4,396","4,397","4,398","4,399","4,400","4,401","4,402","4,403","4,404","4,405","4,406","4,407","4,408","4,409","4,410","4,411","4,412","4,413","4,414","4,415","4,416","4,417","4,418","4,419","4,420","4,421","4,422","4,423","4,424","4,425","4,426","4,427","4,428","4,429","4,430","4,431","4,432","4,433","4,434","4,435","4,436","4,437","4,438","4,439","4,440","4,441","4,442","4,443","4,444","4,445","4,446","4,447","4,448","4,449","4,450","4,451","4,452","4,453","4,454","4,455","4,456","4,457","4,458","4,459","4,460","4,461","4,462","4,463","4,464","4,465","4,466","4,467","4,468","4,469","4,470","4,471","4,472","4,473","4,474","4,475","4,476","4,477","4,478","4,479","4,480","4,481","4,482","4,483","4,484","4,485","4,486","4,487","4,488","4,489","4,490","4,491","4,492","4,493","4,494","4,495","4,496","4,497","4,498","4,499","4,500","4,501","4,502","4,503","4,504","4,505","4,506","4,507","4,508","4,509","4,510","4,511","4,512","4,513","4,514","4,515","4,516","4,517","4,518","4,519","4,520","4,521","4,522","4,523","4,524","4,525","4,526","4,527","4,528","4,529","4,530","4,531","4,532","4,533","4,534","4,535","4,536","4,537","4,538","4,539","4,540","4,541","4,542","4,543","4,544","4,545","4,546","4,547","4,548","4,549","4,550","4,551","4,552","4,553","4,554","4,555","4,556","4,557","4,558","4,559","4,560","4,561","4,562","4,563","4,564","4,565","4,566","4,567","4,568","4,569","4,570","4,571","4,572","4,573","4,574","4,575","4,576","4,577","4,578","4,579","4,580","4,581","4,582","4,583","4,584","4,585","4,586","4,587","4,588","4,589","4,590","4,591","4,592","4,593","4,594","4,595","4,596","4,597","4,598","4,599","4,600","4,601","4,602","4,603","4,604","4,605","4,606","4,607","4,608","4,609","4,610","4,611","4,612","4,613","4,614","4,615","4,616","4,617","4,618","4,619","4,620","4,621","4,622","4,623","4,624","4,625","4,626","4,627","4,628","4,629","4,630","4,631","4,632","4,633","4,634","4,635","4,636","4,637","4,638","4,639","4,640","4,641","4,642","4,643","4,644","4,645","4,646","4,647","4,648","4,649","4,650","4,651","4,652","4,653","4,654","4,655","4,656","4,657","4,658","4,659","4,660","4,661","4,662","4,663","4,664","4,665","4,666","4,667","4,668","4,669","4,670","4,671","4,672","5,5","5,6","5,7","5,8","5,9","5,10","5,11","5,12","5,13","5,14","5,15","5,16","5,17","5,18","5,19","5,20","5,21","5,22","5,23","5,24","5,25","5,26","5,27","5,28","5,29","5,30","5,31","5,32","5,33","5,34","5,35","5,36","5,37","5,38","5,39","5,40","5,41","5,42","5,43","5,44","5,45","5,46","5,47","5,48","5,49","5,50","5,51","5,52","5,53","5,54","5,55","5,56","5,57","5,58","5,59","5,60","5,61","5,62","5,63","5,64","5,65","5,66","5,67","5,68","5,69","5,70","5,71","5,72","5,73","5,74","5,75","5,76","5,77","5,78","5,79","5,80","5,81","5,82","5,83","5,84","5,85","5,86","5,87","5,88","5,89","5,90","5,91","5,92","5,93","5,94","5,95","5,96","5,97","5,98","5,99","5,100","5,101","5,102","5,103","5,104","5,105","5,106","5,107","5,108","5,109","5,110","5,111","5,112","5,113","5,114","5,115","5,116","5,117","5,118","5,119","5,120","5,121","5,122","5,123","5,124","5,125","5,126","5,127","5,128","5,129","5,130","5,131","5,132","5,133","5,134","5,135","5,136","5,137","5,138","5,139","5,140","5,141","5,142","5,143","5,144","5,145","5,146","5,147","5,148","5,149","5,150","5,151","5,152","5,153","5,154","5,155","5,156","5,157","5,158","5,159","5,160","5,161","5,162","5,163","5,164","5,165","5,166","5,167","5,168","5,169","5,170","5,171","5,172","5,173","5,174","5,175","5,176","5,177","5,178","5,179","5,180","5,181","5,182","5,183","5,184","5,185","5,186","5,187","5,188","5,189","5,190","5,191","5,192","5,193","5,194","5,195","5,196","5,197","5,198","5,199","5,200","5,201","5,202","5,203","5,204","5,205","5,206","5,207","5,208","5,209","5,210","5,211","5,212","5,213","5,214","5,215","5,216","5,217","5,218","5,219","5,220","5,221","5,222","5,223","5,224","5,225","5,226","5,227","5,228","5,229","5,230","5,231","5,232","5,233","5,234","5,235","5,236","5,237","5,238","5,239","5,240","5,241","5,242","5,243","5,244","5,245","5,246","5,247","5,248","5,249","5,250","5,251","5,252","5,253","5,254","5,255","5,256","5,257","5,258","5,259","5,260","5,261","5,262","5,263","5,264","5,265","5,266","5,267","5,268","5,269","5,270","5,271","5,272","5,273","5,274","5,275","5,276","5,277","5,278","5,279","5,280","5,281","5,282","5,283","5,284","5,285","5,286","5,287","5,288","5,289","5,290","5,291","5,292","5,293","5,294","5,295","5,296","5,297","5,298","5,299","5,300","5,301","5,302","5,303","5,304","5,305","5,306","5,307","5,308","5,309","5,310","5,311","5,312","5,313","5,314","5,315","5,316","5,317","5,318","5,319","5,320","5,321","5,322","5,323","5,324","5,325","5,326","5,327","5,328","5,329","5,330","5,331","5,332","5,333","5,334","5,335","5,336","5,337","5,338","5,339","5,340","5,341","5,342","5,343","5,344","5,345","5,346","5,347","5,348","5,349","5,350","5,351","5,352","5,353","5,354","5,355","5,356","5,357","5,358","5,359","5,360","5,361","5,362","5,363","5,364","5,365","5,366","5,367","5,368","5,369","5,370","5,371","5,372","5,373","5,374","5,375","5,376","5,377","5,378","5,379","5,380","5,381","5,382","5,383","5,384","5,385","5,386","5,387","5,388","5,389","5,390","5,391","5,392","5,393","5,394","5,395","5,396","5,397","5,398","5,399","5,400","5,401","5,402","5,403","5,404","5,405","5,406","5,407","5,408","5,409","5,410","5,411","5,412","5,413","5,414","5,415","5,416","5,417","5,418","5,419","5,420","5,421","5,422","5,423","5,424","5,425","5,426","5,427","5,428","5,429","5,430","5,431","5,432","5,433","5,434","5,435","5,436","5,437","5,438","5,439","5,440","5,441","5,442","5,443","5,444","5,445","5,446","5,447","5,448","5,449","5,450","5,451","5,452","5,453","5,454","5,455","5,456","5,457","5,458","5,459","5,460","5,461","5,462","5,463","5,464","5,465","5,466","5,467","5,468","5,469","5,470","5,471","5,472","5,473","5,474","5,475","5,476","5,477","5,478","5,479","5,480","5,481","5,482","5,483","5,484","5,485","5,486","5,487","5,488","5,489","5,490","5,491","5,492","5,493","5,494","5,495","5,496","5,497","5,498","5,499","5,500","5,501","5,502","5,503","5,504","5,505","5,506","5,507","5,508","5,509","5,510","5,511","5,512","5,513","5,514","5,515","5,516","5,517","5,518","5,519","5,520","5,521","5,522","5,523","5,524","5,525","5,526","5,527","5,528","5,529","5,530","5,531","5,532","5,533","5,534","5,535","5,536","5,537","5,538","5,539","5,540","5,541","5,542","5,543","5,544","5,545","5,546","5,547","5,548","5,549","5,550","5,551","5,552","5,553","5,554","5,555","5,556","5,557","5,558","5,559","5,560","5,561","5,562","5,563","5,564","5,565","5,566","5,567","5,568","5,569","5,570","5,571","5,572","5,573","5,574","5,575","5,576","5,577","5,578","5,579","5,580","5,581","5,582","5,583","5,584","5,585","5,586","5,587","5,588","5,589","5,590","5,591","5,592","5,593","5,594","5,595","5,596","5,597","5,598","5,599","5,600","5,601","5,602","5,603","5,604","5,605","5,606","5,607","5,608","5,609","5,610","5,611","5,612","5,613","5,614","5,615","5,616","5,617","5,618","5,619","5,620","5,621","5,622","5,623","5,624","5,625","5,626","5,627","5,628","5,629","5,630","5,631","5,632","5,633","5,634","5,635","5,636","5,637","5,638","5,639","5,640","5,641","5,642","5,643","5,644","5,645","5,646","5,647","5,648","5,649","5,650","5,651","5,652","5,653","5,654","5,655","5,656","5,657","5,658","5,659","5,660","5,661","5,662","6,5","6,6","6,7","6,8","6,9","6,10","6,11","6,12","6,13","6,14","6,15","6,16","6,17","6,18","6,19","6,20","6,21","6,22","6,23","6,24","6,25","6,26","6,27","6,28","6,29","6,30","6,31","6,32","6,33","6,34","6,35","6,36","6,37","6,38","6,39","6,40","6,41","6,42","6,43","6,44","6,45","6,46","6,47","6,48","6,49","6,50","6,51","6,52","6,53","6,54","6,55","6,56","6,57","6,58","6,59","6,60","6,61","6,62","6,63","6,64","6,65","6,66","6,67","6,68","6,69","6,70","6,71","6,72","6,73","6,74","6,75","6,76","6,77","6,78","6,79","6,80","6,81","6,82","6,83","6,84","6,85","6,86","6,87","6,88","6,89","6,90","6,91","6,92","6,93","6,94","6,95","6,96","6,97","6,98","6,99","6,100","6,101","6,102","6,103","6,104","6,105","6,106","6,107","6,108","6,109","6,110","6,111","6,112","6,113","6,114","6,115","6,116","6,117","6,118","6,119","6,120","6,121","6,122","6,123","6,124","6,125","6,126","6,127","6,128","6,129","6,130","6,131","6,132","6,133","6,134","6,135","6,136","6,137","6,138","6,139","6,140","6,141","6,142","6,143","6,144","6,145","6,146","6,147","6,148","6,149","6,150","6,151","6,152","6,153","6,154","6,155","6,156","6,157","6,158","6,159","6,160","6,161","6,162","6,163","6,164","6,165","6,166","6,167","6,168","6,169","6,170","6,171","6,172","6,173","6,174","6,175","6,176","6,177","6,178","6,179","6,180","6,181","6,182","6,183","6,184","6,185","6,186","6,187","6,188","6,189","6,190","6,191","6,192","6,193","6,194","6,195","6,196","6,197","6,198","6,199","6,200","6,201","6,202","6,203","6,204","6,205","6,206","6,207","6,208","6,209","6,210","6,211","6,212","6,213","6,214","6,215","6,216","6,217","6,218","6,219","6,220","6,221","6,222","6,223","6,224","6,225","6,226","6,227","6,228","6,229","6,230","6,231","6,232","6,233","6,234","6,235","6,236","6,237","6,238","6,239","6,240","6,241","6,242","6,243","6,244","6,245","6,246","6,247","6,248","6,249","6,250","6,251","6,252","6,253","6,254","6,255","6,256","6,257","6,258","6,259","6,260","6,261","6,262","6,263","6,264","6,265","6,266","6,267","6,268","6,269","6,270","6,271","6,272","6,273","6,274","6,275","6,276","6,277","6,278","6,279","6,280","6,281","6,282","6,283","6,284","6,285","6,286","6,287","6,288","6,289","6,290","6,291","6,292","6,293","6,294","6,295","6,296","6,297","6,298","6,299","6,300","6,301","6,302","6,303","6,304","6,305","6,306","6,307","6,308","6,309","6,310","6,311","6,312","6,313","6,314","6,315","6,316","6,317","6,318","6,319","6,320","6,321","6,322","6,323","6,324","6,325","6,326","6,327","6,328","6,329","6,330","6,331","6,332","6,333","6,334","6,335","6,336","6,337","6,338","6,339","6,340","6,341","6,342","6,343","6,344","6,345","6,346","6,347","6,348","6,349","6,350","6,351","6,352","6,353","6,354","6,355","6,356","6,357","6,358","6,359","6,360","6,361","6,362","6,363","6,364","6,365","6,366","6,367","6,368","6,369","6,370","6,371","6,372","6,373","6,374","6,375","6,376","6,377","6,378","6,379","6,380","6,381","6,382","6,383","6,384","6,385","6,386","6,387","6,388","6,389","6,390","6,391","6,392","6,393","6,394","6,395","6,396","6,397","6,398","6,399","6,400","6,401","6,402","6,403","6,404","6,405","6,406","6,407","6,408","6,409","6,410","6,411","6,412","6,413","6,414","6,415","6,416","6,417","6,418","6,419","6,420","6,421","6,422","6,423","6,424","6,425","6,426","6,427","6,428","6,429","6,430","6,431","6,432","6,433","6,434","6,435","6,436","6,437","6,438","6,439","6,440","6,441","6,442","6,443","6,444","6,445","6,446","6,447","6,448","6,449","6,450","6,451","6,452","6,453","6,454","6,455","6,456","6,457","6,458","6,459","6,460","6,461","6,462","6,463","6,464","6,465","6,466","6,467","6,468","6,469","6,470","6,471","6,472","6,473","6,474","6,475","6,476","6,477","6,478","6,479","6,480","6,481","6,482","6,483","6,484","6,485","6,486","6,487","6,488","6,489","6,490","6,491","6,492","6,493","6,494","6,495","6,496","6,497","6,498","6,499","6,500","6,501","6,502","6,503","6,504","6,505","6,506","6,507","6,508","6,509","6,510","6,511","6,512","6,513","6,514","6,515","6,516","6,517","6,518","6,519","6,520","6,521","6,522","6,523","6,524","6,525","6,526","6,527","6,528","6,529","6,530","6,531","6,532","6,533","6,534","6,535","6,536","6,537","6,538","6,539","6,540","6,541","6,542","6,543","6,544","6,545","6,546","6,547","6,548","6,549","6,550","6,551","6,552","6,553","6,554","6,555","6,556","6,557","6,558","6,559","6,560","6,561","6,562","6,563","6,564","6,565","6,566","6,567","6,568","6,569","6,570","6,571","6,572","6,573","6,574","6,575","6,576","6,577","6,578","6,579","6,580","6,581","6,582","6,583","6,584","6,585","6,586","6,587","6,588","6,589","6,590","6,591","6,592","6,593","6,594","6,595","6,596","6,597","6,598","6,599","6,600","6,601","6,602","6,603","6,604","6,605","6,606","6,607","6,608","6,609","6,610","6,611","6,612","6,613","6,614","6,615","6,616","6,617","6,618","6,619","6,620","6,621","6,622","6,623","6,624","6,625","6,626","6,627","6,628","6,629","6,630","6,631","6,632","6,633","6,634","6,635","6,636","6,637","6,638","6,639","6,640","6,641","6,642","6,643","6,644","6,645","6,646","6,647","6,648","6,649","6,650","6,651","6,652","6,653","6,654","6,655","6,656","6,657","6,658","6,659","6,660","6,661","6,662","6,663","6,664","6,665","6,666","6,667","6,668","6,669","6,670","6,671","6,672","6,673","6,674","6,675","6,676","6,677","6,678","6,679","6,680","6,681","6,682","6,683","6,684","6,685","6,686","6,687","6,688","6,689","6,690","6,691","6,692","6,693","6,694","6,695","6,696","6,697","6,698","6,699","6,700","6,701","6,702","6,703","6,704","6,705","6,706","6,707","6,708","6,709","6,710","6,711","6,712","6,713","6,714","6,715","6,716","6,717","6,718","6,719","6,720","6,721","6,722","6,723","6,724","6,725","6,726","6,727","6,728","6,729","6,730","6,731","6,732","6,733","6,734","6,735","6,736","6,737","6,738","6,739","6,740","6,741","6,742","6,743","6,744","6,745","6,746","6,747","6,748","6,749","6,750","6,751","6,752","6,753","6,754","6,755","6,756","6,757","6,758","6,759","6,760","6,761","6,762","6,763","6,764","6,765","6,766","6,767","6,768","6,769","6,770","6,771","6,772","6,773","6,774","6,775","6,776","6,777","6,778","6,779","6,780","6,781","6,782","6,783","6,784","6,785","6,786","6,787","6,788","6,789","6,790","6,791","6,792","6,793","6,794","6,795","6,796","6,797","6,798","6,799","6,800","6,801","6,802","6,803","6,804","6,805","6,806","6,807","6,808","6,809","6,810","6,811","6,812","6,813","6,814","6,815","6,816","6,817","6,818","6,819","6,820","6,821","6,822","6,823","6,824","6,825","6,826","6,827","6,828","6,829","6,830","6,831","6,832","6,833","6,834","6,835","6,836","6,837","6,838","6,839","6,840"],"ٞ":{"1":[1,2],"5":[3],"9":[4],"13":[5],"14":[6],"18":[7,8],"22":[9],"23":[10],"24":[11],"25":[12,13,14],"26":[15,16],"27":[17],"28":[18],"30":[19],"31":[20,21],"32":[22],"33":[23],"34":[24,25,26],"35":[27],"37":[28,29],"40":[30,31,32],"41":[33,34],"42":[35],"43":[36,37],"44":[38],"46":[39,40,41],"49":[42,43],"51":[44,45],"52":[46,47],"53":[48,49,50],"54":[51],"59":[52,53],"60":[54],"61":[55],"63":[56,57],"64":[58,59,60,61],"65":[62,63,64,65,66],"66":[67,68,69,70],"67":[71,72,73,74,75],"68":[76,77,78,79,80],"69":[81,82,83,84],"70":[85,86,87],"71":[88,89,90,91],"72":[92,93],"75":[94],"88":[95],"94":[96],"95":[97],"99":[98],"107":[99],"111":[100],"115":[101,102],"117":[103],"118":[104],"119":[105],"120":[106,107],"122":[108],"123":[109],"125":[110,111],"130":[112,113],"133":[114,115],"134":[116],"135":[117],"136":[118],"138":[119],"139":[120],"141":[121],"142":[122],"143":[123],"145":[124,125],"146":[126,127],"148":[128],"149":[129,130],"151":[131],"152":[132,133,134,135],"154":[136],"155":[137],"157":[138],"159":[139],"160":[140],"161":[141],"163":[142],"164":[143,144],"165":[145],"167":[146],"169":[147],"171":[148],"173":[149],"174":[150],"175":[151],"178":[152],"179":[153],"180":[154],"181":[155],"183":[156],"185":[157],"189":[158],"191":[159],"193":[160],"196":[161],"198":[162],"199":[163],"200":[164],"202":[165],"203":[166],"205":[167],"208":[168],"210":[169],"213":[170],"215":[171],"216":[172],"218":[173],"221":[174],"223":[175,176],"225":[177],"234":[178],"235":[179],"236":[180],"240":[181],"253":[182,183],"308":[184],"310":[185],"324":[186],"329":[187],"330":[188],"331":[189,190],"333":[191],"335":[192],"336":[193],"337":[194],"345":[195],"346":[196],"348":[197],"349":[198],"351":[199],"352":[200],"353":[201],"355":[202],"360":[203],"362":[204],"364":[205],"366":[206],"369":[207],"373":[208],"375":[209,210],"376":[211,212],"379":[213],"383":[214],"384":[215],"385":[216],"390":[217],"391":[218],"392":[219],"397":[220],"400":[221],"402":[222],"403":[223],"405":[224],"408":[225],"411":[226],"412":[227,228],"414":[229],"415":[230],"416":[231],"417":[232],"418":[233],"419":[234],"420":[235],"422":[236],"424":[237],"425":[238],"427":[239],"428":[240],"429":[241],"431":[242],"432":[243],"434":[244],"437":[245],"438":[246],"440":[247],"442":[248],"443":[249],"446":[250],"448":[251],"450":[252],"452":[253],"453":[254],"454":[255],"455":[256],"456":[257],"457":[258],"459":[259],"461":[260],"462":[261,262],"464":[263],"465":[264],"467":[265],"469":[266],"471":[267],"476":[268],"477":[269],"479":[270],"481":[271],"482":[272],"485":[273],"486":[274],"487":[275],"488":[276],"490":[277,278],"491":[279],"492":[280],"493":[281],"495":[282,283],"497":[284],"498":[285,286],"499":[287],"500":[288,289],"501":[290],"507":[291],"508":[292,293],"509":[294],"510":[295],"511":[296],"512":[297],"514":[298,299],"515":[300,301],"516":[302,303],"517":[304],"518":[305,306],"521":[307,308],"522":[309],"523":[310],"524":[311],"525":[312],"526":[313,314],"528":[315],"529":[316],"531":[317],"535":[318],"536":[319],"538":[320],"540":[321],"541":[322],"542":[323],"543":[324],"544":[325],"545":[326],"546":[327],"547":[328],"548":[329],"550":[330],"551":[331],"553":[332],"555":[333,334],"557":[335],"558":[336],"559":[337],"562":[338,339],"563":[340],"564":[341],"565":[342],"566":[343],"567":[344],"568":[345],"569":[346],"570":[347],"571":[348],"572":[349,350],"574":[351],"575":[352],"576":[353],"579":[354],"580":[355],"582":[356],"583":[357],"586":[358],"587":[359],"588":[360,361],"590":[362,363],"591":[364],"593":[365],"594":[366,367],"595":[368],"597":[369],"598":[370],"599":[371],"601":[372],"602":[373],"603":[374],"604":[375],"606":[376,377],"608":[378],"609":[379,380],"610":[381],"611":[382],"612":[383],"613":[384,385],"614":[386],"615":[387],"616":[388,389],"617":[390],"619":[391],"621":[392,393],"622":[394],"623":[395],"624":[396],"626":[397],"628":[398],"629":[399],"630":[400,401],"632":[402,403],"633":[404],"634":[405],"635":[406],"638":[407,408],"639":[409,410],"641":[411],"642":[412],"643":[413,414],"644":[415],"645":[416,417],"649":[418],"650":[419],"652":[420,421],"655":[422],"657":[423],"659":[424],"660":[425,426],"662":[427],"664":[428],"665":[429],"667":[430],"668":[431,432],"670":[433],"671":[434],"673":[435],"675":[436],"676":[437,438,439],"677":[440],"678":[441],"679":[442],"681":[443,444],"682":[445],"684":[446],"685":[447],"686":[448],"688":[449],"689":[450],"690":[451],"692":[452],"693":[453],"695":[454],"696":[455],"698":[456],"699":[457,458],"700":[459],"701":[460,461],"703":[462],"705":[463],"706":[464],"707":[465],"709":[466],"710":[467],"712":[468],"715":[469,470,471],"716":[472],"717":[473],"718":[474],"719":[475],"720":[476],"721":[477],"722":[478],"724":[479,480],"725":[481],"727":[482],"728":[483],"729":[484],"731":[485],"732":[486],"733":[487,488],"734":[489,490],"735":[491],"736":[492,493],"737":[494],"738":[495],"739":[496],"740":[497],"741":[498,499,500],"743":[501,502],"744":[503],"745":[504],"746":[505,506],"747":[507],"748":[508,509],"750":[510,511],"751":[512],"753":[513],"754":[514,515],"755":[516],"756":[517,518],"757":[519],"758":[520],"759":[521],"761":[522],"762":[523],"763":[524],"765":[525],"766":[526,527],"767":[528],"768":[529],"769":[530],"770":[531,532],"771":[533,534],"772":[535],"773":[536],"774":[537],"775":[538],"776":[539],"777":[540,541],"778":[542],"779":[543,544],"783":[545],"784":[546],"785":[547,548,549],"787":[550,551],"788":[552],"789":[553,554],"790":[555],"791":[556],"792":[557],"794":[558,559,560],"795":[561],"796":[562],"797":[563,564],"798":[565],"799":[566,567],"800":[568],"801":[569],"803":[570,571,572],"804":[573,574],"806":[575,576],"808":[577],"809":[578,579],"810":[580],"811":[581],"812":[582,583,584],"815":[585,586],"816":[587],"817":[588,589,590],"818":[591,592],"819":[593,594],"820":[595],"821":[596],"822":[597,598],"823":[599,600],"824":[601,602],"825":[603],"826":[604],"827":[605],"828":[606,607],"829":[608,609],"830":[610,611],"831":[612],"832":[613,614],"833":[615,616],"834":[617,618],"835":[619,620],"836":[621,622],"837":[623],"838":[624],"839":[625],"840":[626],"842":[627],"843":[628,629,630],"844":[631],"845":[632,633],"846":[634],"847":[635],"848":[636],"849":[637],"850":[638,639],"852":[640],"853":[641],"854":[642,643],"855":[644,645],"856":[646],"857":[647],"858":[648,649,650],"859":[651],"860":[652,653],"862":[654],"863":[655,656],"864":[657,658,659],"865":[660],"866":[661,662],"868":[663],"869":[664],"870":[665],"871":[666],"872":[667],"873":[668],"874":[669],"875":[670,671],"876":[672,673],"877":[674],"878":[675],"879":[676],"881":[677,678],"882":[679,680],"884":[681],"885":[682,683,684,685],"886":[686,687,688],"887":[689,690],"888":[691],"890":[692,693],"891":[694,695],"892":[696],"895":[697,698],"897":[699,700],"898":[701,702],"899":[703,704],"900":[705],"901":[706],"902":[707],"903":[708,709],"905":[710],"906":[711,712],"907":[713],"908":[714,715,716],"909":[717,718],"911":[719,720,721],"913":[722,723],"914":[724,725,726],"915":[727,728],"917":[729],"918":[730],"920":[731],"921":[732],"922":[733,734],"923":[735],"924":[736],"925":[737,738],"926":[739],"927":[740],"929":[741],"930":[742],"931":[743],"932":[744],"933":[745],"935":[746],"936":[747,748],"937":[749],"938":[750],"939":[751],"940":[752],"941":[753],"942":[754],"943":[755,756],"944":[757,758],"945":[759,760,761],"946":[762],"947":[763],"949":[764,765],"951":[766,767],"952":[768],"953":[769],"954":[770,771,772],"956":[773,774,775],"957":[776,777],"958":[778,779],"959":[780,781],"960":[782,783,784],"961":[785,786,787],"962":[788],"963":[789],"964":[790,791],"965":[792,793],"966":[794],"967":[795],"968":[796],"969":[797],"971":[798],"972":[799,800,801],"973":[802],"974":[803],"975":[804,805],"976":[806],"977":[807],"978":[808],"979":[809,810],"981":[811],"982":[812,813],"983":[814,815,816],"984":[817,818,819],"985":[820,821],"986":[822,823,824],"988":[825],"989":[826,827],"990":[828],"991":[829],"992":[830,831],"993":[832,833],"996":[834,835],"997":[836],"999":[837,838],"1000":[839],"1001":[840],"1002":[841],"1003":[842,843,844],"1004":[845],"1005":[846,847],"1006":[848,849,850],"1007":[851,852],"1008":[853,854,855],"1009":[856,857],"1010":[858],"1011":[859,860,861],"1012":[862],"1013":[863],"1014":[864,865],"1015":[866],"1016":[867],"1017":[868],"1018":[869],"1020":[870],"1021":[871],"1022":[872,873],"1023":[874,875],"1024":[876,877,878],"1025":[879,880,881],"1027":[882],"1028":[883,884],"1030":[885],"1031":[886,887],"1032":[888,889],"1034":[890],"1035":[891,892],"1036":[893,894,895],"1037":[896],"1038":[897,898],"1040":[899],"1041":[900,901],"1042":[902],"1043":[903,904],"1045":[905,906],"1046":[907,908],"1048":[909,910],"1049":[911,912],"1050":[913,914],"1051":[915],"1052":[916,917],"1053":[918,919],"1054":[920,921],"1055":[922],"1056":[923],"1057":[924,925],"1058":[926,927],"1059":[928],"1060":[929],"1061":[930],"1062":[931],"1063":[932,933,934],"1064":[935],"1065":[936,937],"1066":[938,939],"1067":[940,941],"1068":[942,943],"1069":[944,945,946],"1070":[947],"1071":[948,949],"1072":[950],"1073":[951,952],"1074":[953,954],"1075":[955],"1076":[956,957,958,959],"1077":[960,961,962],"1078":[963,964],"1079":[965],"1080":[966,967],"1081":[968,969,970],"1083":[971,972,973,974],"1084":[975],"1085":[976],"1086":[977],"1087":[978,979],"1088":[980,981],"1090":[982,983,984],"1091":[985,986],"1092":[987,988,989],"1093":[990,991],"1095":[992,993],"1096":[994],"1097":[995],"1098":[996],"1099":[997],"1100":[998,999,1000],"1102":[1001],"1103":[1002,1003,1004],"1105":[1005,1006],"1106":[1007,1008],"1108":[1009,1010,1011],"1109":[1012],"1110":[1013,1014],"1113":[1015],"1114":[1016,1017],"1115":[1018,1019],"1116":[1020],"1117":[1021],"1118":[1022],"1119":[1023],"1120":[1024],"1124":[1025],"1126":[1026,1027,1028],"1127":[1029,1030,1031,1032],"1128":[1033],"1129":[1034],"1130":[1035,1036,1037],"1131":[1038,1039],"1132":[1040],"1133":[1041,1042],"1134":[1043],"1136":[1044],"1137":[1045],"1138":[1046],"1139":[1047],"1140":[1048],"1141":[1049],"1143":[1050],"1144":[1051,1052],"1145":[1053],"1146":[1054],"1147":[1055],"1148":[1056,1057],"1149":[1058,1059],"1151":[1060],"1152":[1061],"1153":[1062,1063],"1154":[1064],"1155":[1065],"1156":[1066],"1157":[1067,1068],"1158":[1069,1070],"1159":[1071],"1163":[1072],"1164":[1073],"1168":[1074,1075],"1169":[1076],"1170":[1077],"1171":[1078],"1172":[1079],"1173":[1080,1081],"1174":[1082,1083],"1175":[1084],"1177":[1085],"1178":[1086],"1179":[1087],"1180":[1088],"1181":[1089,1090],"1183":[1091],"1184":[1092],"1185":[1093],"1186":[1094,1095],"1187":[1096],"1188":[1097,1098,1099],"1189":[1100],"1190":[1101,1102],"1191":[1103],"1192":[1104],"1193":[1105,1106],"1194":[1107],"1195":[1108],"1196":[1109,1110],"1197":[1111,1112],"1198":[1113],"1199":[1114,1115,1116],"1200":[1117],"1201":[1118,1119,1120],"1202":[1121],"1203":[1122,1123],"1205":[1124,1125],"1206":[1126],"1207":[1127],"1208":[1128,1129],"1209":[1130,1131],"1210":[1132],"1211":[1133,1134,1135],"1212":[1136,1137],"1213":[1138,1139],"1214":[1140,1141],"1216":[1142,1143,1144],"1217":[1145],"1218":[1146],"1220":[1147],"1222":[1148],"1223":[1149,1150],"1224":[1151],"1225":[1152],"1226":[1153,1154],"1227":[1155],"1228":[1156],"1229":[1157,1158],"1232":[1159],"1233":[1160,1161],"1234":[1162],"1236":[1163],"1237":[1164,1165],"1238":[1166,1167],"1240":[1168,1169],"1241":[1170],"1242":[1171],"1244":[1172],"1245":[1173],"1246":[1174],"1247":[1175,1176],"1249":[1177],"1250":[1178],"1251":[1179],"1252":[1180,1181],"1253":[1182,1183],"1254":[1184],"1255":[1185],"1256":[1186,1187],"1258":[1188],"1261":[1189],"1262":[1190],"1263":[1191,1192,1193],"1264":[1194,1195],"1265":[1196],"1266":[1197],"1267":[1198,1199,1200],"1268":[1201,1202],"1269":[1203],"1270":[1204],"1272":[1205],"1273":[1206,1207],"1275":[1208,1209],"1276":[1210],"1277":[1211],"1278":[1212,1213],"1279":[1214],"1280":[1215],"1281":[1216,1217],"1282":[1218],"1283":[1219],"1284":[1220,1221],"1285":[1222,1223],"1286":[1224],"1287":[1225,1226],"1288":[1227,1228],"1289":[1229],"1290":[1230],"1291":[1231,1232],"1292":[1233],"1293":[1234,1235],"1294":[1236],"1295":[1237,1238],"1296":[1239],"1297":[1240,1241],"1298":[1242],"1299":[1243],"1300":[1244],"1301":[1245],"1302":[1246],"1303":[1247],"1304":[1248],"1305":[1249,1250],"1306":[1251,1252],"1307":[1253],"1308":[1254],"1309":[1255],"1310":[1256,1257],"1312":[1258,1259],"1313":[1260],"1314":[1261,1262],"1315":[1263,1264,1265],"1316":[1266,1267],"1317":[1268],"1318":[1269],"1320":[1270,1271,1272],"1321":[1273,1274],"1322":[1275],"1323":[1276],"1324":[1277],"1325":[1278,1279],"1326":[1280],"1327":[1281,1282],"1328":[1283,1284],"1329":[1285,1286],"1331":[1287,1288],"1332":[1289,1290,1291],"1333":[1292],"1334":[1293,1294],"1336":[1295],"1337":[1296],"1338":[1297],"1339":[1298,1299],"1340":[1300],"1342":[1301],"1343":[1302],"1344":[1303],"1345":[1304],"1346":[1305,1306],"1347":[1307],"1348":[1308,1309],"1349":[1310],"1350":[1311],"1351":[1312,1313],"1352":[1314],"1353":[1315],"1354":[1316],"1355":[1317],"1356":[1318],"1357":[1319,1320,1321],"1359":[1322,1323],"1360":[1324],"1361":[1325],"1363":[1326],"1364":[1327,1328],"1365":[1329],"1366":[1330],"1367":[1331,1332,1333],"1368":[1334,1335],"1370":[1336,1337],"1371":[1338,1339,1340],"1372":[1341,1342],"1374":[1343,1344],"1375":[1345],"1376":[1346],"1377":[1347],"1378":[1348],"1379":[1349,1350],"1380":[1351,1352],"1381":[1353],"1382":[1354],"1383":[1355,1356],"1384":[1357],"1385":[1358],"1386":[1359],"1387":[1360,1361],"1388":[1362],"1390":[1363],"1391":[1364,1365],"1393":[1366,1367],"1394":[1368],"1395":[1369],"1396":[1370,1371],"1398":[1372,1373],"1399":[1374],"1400":[1375],"1401":[1376],"1402":[1377],"1404":[1378],"1406":[1379,1380],"1407":[1381,1382],"1409":[1383,1384],"1411":[1385],"1412":[1386],"1413":[1387,1388,1389],"1414":[1390],"1415":[1391,1392,1393,1394],"1416":[1395,1396],"1418":[1397],"1419":[1398],"1421":[1399],"1422":[1400,1401],"1423":[1402],"1424":[1403],"1425":[1404,1405],"1427":[1406,1407],"1428":[1408],"1429":[1409],"1430":[1410],"1431":[1411],"1432":[1412],"1433":[1413,1414,1415],"1434":[1416,1417],"1435":[1418],"1436":[1419,1420],"1437":[1421,1422,1423],"1438":[1424],"1440":[1425],"1441":[1426],"1443":[1427],"1445":[1428,1429],"1446":[1430],"1447":[1431],"1448":[1432],"1449":[1433,1434],"1450":[1435,1436,1437],"1451":[1438],"1452":[1439],"1453":[1440,1441],"1454":[1442,1443,1444],"1455":[1445],"1456":[1446,1447],"1457":[1448,1449],"1458":[1450,1451,1452],"1459":[1453,1454],"1460":[1455],"1461":[1456,1457],"1462":[1458],"1463":[1459],"1464":[1460,1461],"1465":[1462,1463],"1466":[1464],"1467":[1465,1466],"1468":[1467],"1470":[1468,1469],"1472":[1470,1471],"1473":[1472],"1474":[1473],"1475":[1474],"1476":[1475],"1477":[1476,1477],"1479":[1478,1479],"1480":[1480,1481,1482],"1481":[1483],"1482":[1484,1485],"1483":[1486],"1484":[1487,1488],"1485":[1489],"1486":[1490],"1487":[1491,1492],"1488":[1493,1494],"1489":[1495],"1490":[1496],"1492":[1497,1498],"1493":[1499],"1494":[1500,1501],"1495":[1502,1503,1504],"1496":[1505,1506],"1497":[1507,1508],"1498":[1509],"1499":[1510],"1500":[1511],"1501":[1512],"1502":[1513],"1503":[1514,1515],"1504":[1516],"1505":[1517],"1506":[1518],"1507":[1519,1520],"1508":[1521,1522,1523],"1509":[1524],"1510":[1525],"1511":[1526,1527,1528],"1512":[1529,1530,1531,1532],"1514":[1533],"1515":[1534,1535],"1516":[1536,1537],"1517":[1538],"1518":[1539],"1519":[1540,1541],"1520":[1542,1543],"1522":[1544,1545],"1523":[1546],"1524":[1547],"1525":[1548,1549],"1526":[1550],"1529":[1551],"1530":[1552],"1531":[1553],"1534":[1554,1555],"1535":[1556],"1537":[1557],"1538":[1558,1559,1560],"1540":[1561,1562],"1542":[1563],"1543":[1564],"1545":[1565],"1546":[1566,1567],"1547":[1568],"1548":[1569],"1549":[1570],"1550":[1571],"1551":[1572,1573,1574],"1552":[1575,1576],"1553":[1577],"1554":[1578,1579],"1555":[1580,1581],"1556":[1582],"1558":[1583,1584],"1559":[1585,1586],"1560":[1587],"1561":[1588],"1562":[1589,1590],"1563":[1591],"1565":[1592],"1566":[1593],"1567":[1594],"1568":[1595],"1569":[1596],"1570":[1597],"1571":[1598],"1572":[1599],"1573":[1600,1601,1602],"1574":[1603],"1575":[1604],"1577":[1605,1606],"1578":[1607],"1579":[1608,1609],"1581":[1610],"1583":[1611],"1584":[1612],"1585":[1613],"1586":[1614],"1588":[1615],"1589":[1616,1617],"1590":[1618],"1592":[1619],"1593":[1620],"1594":[1621],"1595":[1622],"1597":[1623,1624],"1599":[1625],"1600":[1626],"1601":[1627],"1603":[1628,1629],"1604":[1630,1631],"1605":[1632,1633],"1606":[1634],"1607":[1635],"1608":[1636],"1609":[1637],"1611":[1638],"1612":[1639],"1614":[1640],"1615":[1641],"1616":[1642,1643,1644],"1617":[1645],"1619":[1646],"1620":[1647],"1621":[1648],"1622":[1649],"1624":[1650,1651],"1627":[1652],"1628":[1653],"1629":[1654],"1631":[1655,1656],"1632":[1657],"1633":[1658,1659],"1634":[1660],"1636":[1661,1662],"1637":[1663,1664],"1638":[1665],"1640":[1666],"1641":[1667],"1642":[1668],"1645":[1669,1670],"1646":[1671],"1647":[1672,1673],"1648":[1674],"1649":[1675,1676],"1650":[1677],"1651":[1678],"1652":[1679,1680],"1654":[1681],"1655":[1682],"1656":[1683,1684,1685],"1657":[1686],"1659":[1687,1688],"1661":[1689],"1662":[1690],"1663":[1691],"1664":[1692,1693],"1666":[1694],"1667":[1695],"1668":[1696],"1669":[1697,1698],"1670":[1699,1700,1701],"1671":[1702],"1672":[1703],"1673":[1704,1705],"1674":[1706],"1675":[1707,1708],"1676":[1709],"1677":[1710],"1678":[1711,1712],"1680":[1713,1714],"1681":[1715],"1682":[1716,1717],"1683":[1718,1719],"1684":[1720,1721,1722],"1685":[1723],"1686":[1724,1725,1726],"1687":[1727],"1688":[1728,1729],"1689":[1730],"1690":[1731,1732],"1692":[1733],"1693":[1734,1735],"1694":[1736],"1695":[1737,1738],"1696":[1739,1740,1741],"1697":[1742,1743],"1698":[1744],"1699":[1745,1746],"1701":[1747,1748],"1702":[1749],"1704":[1750,1751],"1705":[1752],"1706":[1753],"1708":[1754,1755],"1709":[1756],"1711":[1757,1758],"1712":[1759,1760],"1713":[1761,1762],"1714":[1763,1764],"1715":[1765,1766],"1716":[1767,1768],"1717":[1769],"1718":[1770],"1719":[1771,1772],"1720":[1773,1774,1775],"1721":[1776],"1722":[1777],"1723":[1778,1779],"1724":[1780,1781],"1725":[1782,1783],"1726":[1784],"1727":[1785,1786],"1728":[1787],"1729":[1788,1789],"1730":[1790],"1732":[1791],"1733":[1792],"1734":[1793],"1735":[1794,1795],"1737":[1796,1797],"1738":[1798],"1739":[1799,1800],"1740":[1801,1802],"1741":[1803,1804],"1742":[1805,1806],"1744":[1807,1808],"1745":[1809],"1746":[1810],"1747":[1811],"1748":[1812,1813],"1749":[1814,1815,1816],"1750":[1817,1818],"1751":[1819],"1752":[1820,1821],"1753":[1822],"1754":[1823],"1756":[1824],"1757":[1825,1826],"1758":[1827,1828],"1759":[1829],"1760":[1830],"1761":[1831],"1762":[1832,1833,1834],"1763":[1835,1836,1837],"1765":[1838],"1766":[1839,1840],"1767":[1841,1842],"1768":[1843],"1769":[1844],"1770":[1845,1846,1847],"1771":[1848,1849],"1772":[1850],"1773":[1851],"1774":[1852,1853],"1776":[1854],"1777":[1855],"1778":[1856,1857],"1779":[1858],"1780":[1859],"1781":[1860,1861],"1784":[1862],"1785":[1863,1864],"1786":[1865],"1788":[1866],"1789":[1867],"1790":[1868],"1791":[1869,1870],"1792":[1871],"1793":[1872,1873],"1794":[1874,1875],"1796":[1876],"1797":[1877],"1798":[1878,1879],"1800":[1880],"1802":[1881,1882],"1803":[1883],"1804":[1884],"1805":[1885],"1806":[1886],"1808":[1887],"1809":[1888],"1810":[1889],"1812":[1890],"1813":[1891],"1814":[1892],"1815":[1893,1894],"1816":[1895],"1817":[1896],"1818":[1897,1898,1899],"1820":[1900,1901],"1822":[1902],"1824":[1903],"1825":[1904],"1826":[1905],"1827":[1906,1907],"1828":[1908,1909],"1829":[1910,1911],"1830":[1912],"1832":[1913,1914],"1833":[1915],"1834":[1916],"1835":[1917,1918],"1836":[1919],"1837":[1920],"1838":[1921],"1839":[1922,1923],"1840":[1924,1925],"1841":[1926,1927],"1842":[1928,1929],"1843":[1930],"1844":[1931,1932],"1845":[1933,1934,1935,1936,1937,1938],"1846":[1939,1940],"1847":[1941,1942],"1848":[1943,1944],"1849":[1945,1946],"1850":[1947],"1851":[1948],"1852":[1949],"1853":[1950,1951,1952],"1854":[1953],"1855":[1954,1955,1956],"1857":[1957],"1858":[1958],"1860":[1959],"1861":[1960],"1862":[1961],"1863":[1962,1963],"1864":[1964],"1865":[1965,1966],"1866":[1967],"1867":[1968],"1868":[1969,1970],"1869":[1971,1972],"1870":[1973,1974],"1871":[1975,1976],"1872":[1977],"1873":[1978,1979],"1874":[1980],"1875":[1981,1982],"1876":[1983],"1877":[1984],"1878":[1985],"1880":[1986],"1881":[1987],"1882":[1988,1989],"1883":[1990,1991,1992],"1884":[1993,1994],"1885":[1995,1996],"1886":[1997,1998],"1887":[1999],"1888":[2000,2001,2002],"1889":[2003,2004,2005],"1890":[2006,2007,2008],"1891":[2009,2010,2011],"1892":[2012],"1893":[2013,2014,2015],"1894":[2016],"1895":[2017,2018,2019,2020,2021],"1896":[2022],"1897":[2023,2024],"1898":[2025,2026],"1899":[2027,2028],"1900":[2029,2030,2031],"1901":[2032],"1902":[2033],"1903":[2034,2035],"1904":[2036],"1905":[2037,2038],"1906":[2039,2040,2041],"1907":[2042,2043],"1908":[2044],"1909":[2045,2046],"1910":[2047],"1911":[2048,2049],"1912":[2050,2051,2052],"1913":[2053,2054],"1914":[2055],"1915":[2056,2057],"1916":[2058,2059,2060],"1917":[2061,2062],"1918":[2063],"1919":[2064,2065,2066],"1920":[2067,2068],"1921":[2069,2070,2071],"1923":[2072],"1924":[2073,2074],"1925":[2075,2076],"1926":[2077],"1927":[2078],"1928":[2079,2080],"1929":[2081,2082],"1930":[2083,2084],"1931":[2085,2086],"1933":[2087],"1934":[2088],"1935":[2089,2090],"1936":[2091,2092,2093,2094],"1937":[2095],"1938":[2096,2097,2098],"1939":[2099,2100],"1940":[2101,2102,2103],"1941":[2104],"1942":[2105],"1943":[2106,2107],"1944":[2108],"1945":[2109,2110,2111,2112],"1946":[2113,2114],"1948":[2115,2116],"1949":[2117,2118,2119,2120],"1950":[2121,2122,2123],"1951":[2124],"1952":[2125,2126],"1953":[2127,2128,2129,2130],"1955":[2131,2132],"1956":[2133,2134],"1957":[2135],"1958":[2136],"1959":[2137,2138,2139],"1960":[2140],"1961":[2141,2142],"1962":[2143],"1963":[2144,2145],"1964":[2146,2147,2148,2149],"1965":[2150,2151],"1966":[2152,2153,2154],"1967":[2155,2156],"1968":[2157,2158],"1970":[2159],"1971":[2160],"1972":[2161,2162,2163],"1973":[2164,2165],"1974":[2166],"1975":[2167,2168],"1976":[2169,2170],"1977":[2171],"1978":[2172],"1979":[2173],"1981":[2174],"1982":[2175,2176],"1983":[2177],"1984":[2178,2179],"1985":[2180,2181,2182],"1986":[2183,2184],"1988":[2185],"1990":[2186,2187],"1991":[2188],"1992":[2189],"1993":[2190],"1996":[2191],"1997":[2192,2193],"1999":[2194],"2000":[2195,2196],"2001":[2197],"2002":[2198,2199],"2003":[2200],"2004":[2201],"2005":[2202],"2007":[2203],"2009":[2204],"2010":[2205],"2013":[2206],"2014":[2207,2208],"2016":[2209,2210],"2017":[2211,2212,2213,2214],"2018":[2215],"2019":[2216],"2021":[2217,2218],"2022":[2219,2220],"2023":[2221,2222],"2024":[2223,2224,2225],"2025":[2226],"2028":[2227],"2029":[2228],"2032":[2229],"2035":[2230],"2036":[2231],"2037":[2232],"2038":[2233],"2039":[2234],"2040":[2235],"2041":[2236],"2043":[2237],"2045":[2238],"2046":[2239],"2049":[2240],"2050":[2241],"2051":[2242],"2052":[2243,2244],"2053":[2245],"2055":[2246],"2058":[2247],"2059":[2248],"2060":[2249],"2061":[2250],"2062":[2251],"2063":[2252],"2065":[2253],"2067":[2254],"2068":[2255],"2069":[2256],"2070":[2257],"2071":[2258],"2073":[2259,2260],"2074":[2261],"2075":[2262],"2076":[2263],"2077":[2264],"2079":[2265],"2080":[2266],"2081":[2267],"2082":[2268,2269],"2083":[2270],"2084":[2271,2272],"2086":[2273,2274],"2087":[2275,2276],"2088":[2277],"2090":[2278],"2091":[2279],"2092":[2280],"2094":[2281,2282],"2096":[2283,2284],"2097":[2285,2286],"2099":[2287],"2100":[2288,2289],"2101":[2290],"2102":[2291,2292,2293],"2103":[2294],"2107":[2295,2296,2297],"2109":[2298,2299],"2110":[2300],"2111":[2301],"2112":[2302],"2113":[2303],"2114":[2304],"2115":[2305],"2116":[2306,2307],"2117":[2308],"2118":[2309],"2119":[2310,2311],"2120":[2312],"2121":[2313,2314],"2122":[2315,2316],"2123":[2317],"2125":[2318,2319],"2126":[2320],"2127":[2321,2322],"2128":[2323],"2129":[2324,2325],"2131":[2326],"2132":[2327],"2133":[2328],"2134":[2329,2330],"2137":[2331],"2139":[2332,2333],"2140":[2334,2335],"2141":[2336],"2143":[2337],"2144":[2338],"2146":[2339],"2147":[2340],"2148":[2341],"2149":[2342],"2150":[2343,2344],"2151":[2345],"2152":[2346],"2153":[2347,2348,2349],"2154":[2350],"2155":[2351],"2156":[2352],"2157":[2353],"2158":[2354],"2160":[2355,2356],"2161":[2357],"2162":[2358],"2163":[2359],"2164":[2360],"2166":[2361,2362,2363],"2167":[2364,2365,2366],"2168":[2367,2368,2369],"2169":[2370,2371,2372],"2170":[2373,2374],"2171":[2375,2376],"2172":[2377],"2173":[2378,2379],"2174":[2380,2381],"2176":[2382],"2177":[2383,2384],"2178":[2385],"2180":[2386,2387],"2182":[2388],"2183":[2389],"2186":[2390,2391],"2187":[2392,2393],"2189":[2394],"2190":[2395],"2191":[2396],"2192":[2397],"2194":[2398],"2195":[2399],"2196":[2400],"2198":[2401,2402],"2199":[2403],"2201":[2404],"2202":[2405],"2204":[2406],"2206":[2407],"2209":[2408],"2210":[2409],"2212":[2410,2411],"2213":[2412],"2214":[2413],"2215":[2414],"2218":[2415],"2219":[2416],"2224":[2417],"2225":[2418],"2227":[2419],"2228":[2420,2421,2422],"2229":[2423],"2231":[2424],"2232":[2425,2426],"2233":[2427],"2234":[2428],"2237":[2429],"2240":[2430],"2242":[2431],"2244":[2432,2433],"2245":[2434],"2246":[2435],"2247":[2436,2437],"2248":[2438,2439],"2250":[2440,2441,2442],"2251":[2443],"2253":[2444,2445],"2257":[2446],"2259":[2447,2448],"2263":[2449],"2265":[2450],"2267":[2451],"2269":[2452],"2273":[2453],"2274":[2454],"2275":[2455],"2277":[2456,2457,2458],"2278":[2459],"2279":[2460],"2280":[2461,2462],"2282":[2463],"2283":[2464],"2284":[2465],"2285":[2466,2467,2468],"2286":[2469],"2287":[2470,2471],"2288":[2472],"2289":[2473],"2291":[2474],"2292":[2475,2476],"2294":[2477],"2295":[2478],"2297":[2479],"2298":[2480],"2300":[2481],"2301":[2482],"2303":[2483],"2304":[2484],"2305":[2485],"2306":[2486],"2307":[2487],"2308":[2488],"2309":[2489],"2310":[2490],"2311":[2491],"2312":[2492,2493],"2313":[2494],"2316":[2495],"2318":[2496],"2320":[2497,2498],"2321":[2499],"2322":[2500],"2326":[2501],"2327":[2502],"2328":[2503],"2329":[2504],"2330":[2505,2506],"2334":[2507],"2338":[2508,2509],"2340":[2510],"2341":[2511,2512],"2342":[2513,2514,2515],"2343":[2516],"2344":[2517,2518],"2345":[2519,2520],"2347":[2521,2522],"2348":[2523,2524],"2349":[2525,2526],"2350":[2527,2528],"2352":[2529,2530,2531],"2353":[2532],"2354":[2533,2534],"2356":[2535,2536],"2359":[2537],"2360":[2538],"2361":[2539,2540],"2362":[2541],"2363":[2542],"2364":[2543,2544],"2365":[2545,2546],"2366":[2547,2548],"2367":[2549,2550],"2369":[2551,2552],"2372":[2553],"2374":[2554],"2375":[2555],"2376":[2556],"2377":[2557,2558],"2378":[2559],"2379":[2560,2561],"2380":[2562,2563],"2381":[2564],"2382":[2565],"2383":[2566,2567],"2384":[2568],"2385":[2569],"2386":[2570],"2387":[2571,2572],"2389":[2573],"2390":[2574],"2391":[2575,2576],"2392":[2577],"2393":[2578],"2394":[2579,2580],"2395":[2581],"2396":[2582],"2397":[2583],"2398":[2584,2585],"2399":[2586],"2400":[2587],"2401":[2588,2589],"2402":[2590,2591],"2404":[2592],"2405":[2593,2594],"2406":[2595],"2408":[2596,2597],"2409":[2598],"2411":[2599,2600],"2412":[2601,2602,2603],"2414":[2604],"2415":[2605],"2416":[2606,2607],"2417":[2608],"2418":[2609,2610],"2419":[2611,2612],"2420":[2613],"2422":[2614,2615],"2423":[2616],"2426":[2617],"2428":[2618,2619,2620],"2430":[2621],"2431":[2622,2623,2624],"2433":[2625,2626],"2434":[2627],"2435":[2628],"2438":[2629],"2439":[2630,2631],"2442":[2632],"2443":[2633,2634,2635],"2444":[2636,2637],"2445":[2638],"2446":[2639],"2447":[2640,2641],"2450":[2642,2643],"2451":[2644,2645],"2452":[2646,2647],"2453":[2648],"2454":[2649],"2456":[2650,2651],"2457":[2652,2653],"2458":[2654],"2459":[2655,2656],"2460":[2657],"2462":[2658,2659],"2463":[2660],"2464":[2661,2662,2663],"2465":[2664,2665,2666],"2467":[2667],"2468":[2668,2669,2670],"2470":[2671,2672],"2471":[2673],"2472":[2674,2675],"2473":[2676,2677],"2474":[2678],"2476":[2679],"2478":[2680,2681],"2479":[2682],"2481":[2683,2684],"2482":[2685,2686],"2485":[2687],"2486":[2688,2689],"2487":[2690],"2488":[2691],"2489":[2692],"2490":[2693],"2492":[2694,2695,2696],"2493":[2697,2698],"2494":[2699],"2495":[2700],"2496":[2701,2702],"2497":[2703],"2498":[2704,2705],"2499":[2706],"2502":[2707,2708],"2503":[2709],"2504":[2710],"2506":[2711,2712],"2508":[2713,2714],"2509":[2715,2716],"2510":[2717,2718,2719],"2511":[2720],"2513":[2721,2722],"2515":[2723],"2517":[2724],"2518":[2725],"2520":[2726],"2522":[2727],"2523":[2728,2729],"2525":[2730],"2526":[2731],"2527":[2732,2733],"2528":[2734,2735,2736],"2530":[2737,2738],"2531":[2739,2740],"2532":[2741,2742],"2534":[2743],"2535":[2744,2745],"2536":[2746,2747],"2537":[2748,2749],"2538":[2750],"2539":[2751],"2540":[2752,2753],"2542":[2754,2755],"2543":[2756,2757],"2545":[2758,2759],"2547":[2760,2761],"2549":[2762],"2550":[2763,2764],"2551":[2765],"2552":[2766,2767],"2555":[2768,2769],"2557":[2770],"2558":[2771],"2559":[2772],"2561":[2773],"2562":[2774],"2563":[2775],"2567":[2776],"2568":[2777],"2569":[2778,2779,2780],"2570":[2781],"2572":[2782,2783],"2573":[2784],"2574":[2785],"2575":[2786],"2576":[2787],"2578":[2788],"2579":[2789],"2582":[2790,2791],"2583":[2792],"2585":[2793],"2586":[2794,2795],"2587":[2796],"2588":[2797],"2590":[2798],"2591":[2799,2800],"2594":[2801],"2595":[2802,2803],"2596":[2804],"2598":[2805],"2599":[2806,2807],"2602":[2808],"2603":[2809],"2605":[2810,2811,2812],"2606":[2813],"2607":[2814],"2609":[2815],"2610":[2816],"2611":[2817,2818],"2612":[2819,2820],"2613":[2821,2822,2823,2824],"2614":[2825],"2615":[2826],"2616":[2827],"2617":[2828],"2618":[2829],"2620":[2830,2831],"2621":[2832],"2622":[2833],"2623":[2834],"2624":[2835,2836],"2625":[2837],"2626":[2838],"2627":[2839],"2628":[2840],"2629":[2841,2842],"2630":[2843],"2631":[2844],"2632":[2845],"2633":[2846],"2634":[2847],"2635":[2848],"2636":[2849,2850],"2637":[2851,2852],"2638":[2853,2854],"2639":[2855,2856],"2640":[2857],"2641":[2858,2859,2860],"2642":[2861],"2643":[2862,2863],"2644":[2864],"2646":[2865],"2647":[2866,2867],"2648":[2868,2869],"2649":[2870],"2650":[2871],"2651":[2872],"2652":[2873],"2653":[2874,2875,2876],"2654":[2877],"2655":[2878],"2657":[2879,2880],"2658":[2881],"2659":[2882,2883,2884],"2660":[2885],"2661":[2886,2887],"2662":[2888,2889],"2663":[2890,2891],"2664":[2892],"2665":[2893],"2666":[2894,2895],"2668":[2896,2897],"2670":[2898,2899],"2672":[2900,2901],"2673":[2902],"2674":[2903,2904],"2675":[2905],"2676":[2906,2907],"2677":[2908,2909],"2678":[2910],"2679":[2911],"2680":[2912,2913],"2682":[2914],"2683":[2915],"2684":[2916],"2685":[2917,2918],"2686":[2919],"2687":[2920],"2688":[2921],"2689":[2922,2923],"2690":[2924],"2692":[2925,2926],"2693":[2927],"2694":[2928,2929,2930],"2695":[2931,2932],"2698":[2933],"2699":[2934],"2701":[2935,2936],"2702":[2937],"2703":[2938],"2704":[2939],"2705":[2940,2941],"2706":[2942],"2708":[2943],"2709":[2944,2945],"2710":[2946,2947],"2711":[2948],"2712":[2949,2950,2951,2952],"2713":[2953],"2714":[2954,2955],"2716":[2956],"2717":[2957],"2719":[2958],"2721":[2959],"2722":[2960],"2724":[2961,2962,2963],"2725":[2964],"2726":[2965],"2727":[2966],"2729":[2967,2968],"2730":[2969,2970],"2731":[2971],"2732":[2972],"2733":[2973],"2734":[2974],"2735":[2975],"2736":[2976],"2737":[2977],"2738":[2978],"2740":[2979],"2741":[2980],"2742":[2981],"2743":[2982],"2744":[2983],"2745":[2984,2985],"2746":[2986],"2747":[2987],"2748":[2988,2989],"2749":[2990],"2754":[2991],"2755":[2992],"2757":[2993],"2758":[2994],"2760":[2995],"2761":[2996],"2762":[2997],"2763":[2998],"2764":[2999,3000],"2765":[3001],"2766":[3002],"2767":[3003,3004],"2768":[3005],"2769":[3006,3007],"2770":[3008],"2772":[3009,3010],"2774":[3011],"2775":[3012],"2777":[3013],"2778":[3014,3015],"2779":[3016,3017],"2781":[3018],"2782":[3019,3020],"2783":[3021],"2784":[3022,3023],"2785":[3024,3025],"2787":[3026],"2789":[3027],"2790":[3028],"2792":[3029],"2794":[3030],"2795":[3031],"2796":[3032],"2797":[3033],"2798":[3034,3035],"2799":[3036],"2800":[3037,3038],"2801":[3039],"2802":[3040],"2803":[3041,3042],"2805":[3043],"2806":[3044],"2807":[3045],"2809":[3046],"2810":[3047,3048],"2812":[3049],"2813":[3050,3051],"2816":[3052],"2817":[3053,3054],"2819":[3055],"2820":[3056],"2821":[3057],"2822":[3058],"2823":[3059],"2825":[3060,3061],"2829":[3062],"2830":[3063,3064],"2831":[3065],"2833":[3066],"2835":[3067],"2836":[3068],"2838":[3069,3070],"2839":[3071],"2841":[3072],"2842":[3073],"2844":[3074],"2845":[3075],"2846":[3076],"2847":[3077],"2848":[3078],"2851":[3079],"2853":[3080],"2855":[3081],"2856":[3082],"2858":[3083],"2859":[3084],"2860":[3085,3086],"2861":[3087],"2862":[3088,3089,3090],"2863":[3091,3092],"2864":[3093],"2865":[3094,3095],"2866":[3096],"2867":[3097],"2868":[3098],"2869":[3099,3100],"2870":[3101],"2873":[3102,3103],"2874":[3104],"2875":[3105,3106],"2876":[3107],"2877":[3108,3109,3110],"2878":[3111],"2879":[3112],"2880":[3113],"2881":[3114],"2882":[3115,3116],"2883":[3117,3118],"2884":[3119,3120],"2885":[3121],"2886":[3122],"2887":[3123],"2888":[3124,3125,3126],"2889":[3127],"2890":[3128],"2891":[3129],"2892":[3130,3131],"2894":[3132,3133],"2895":[3134,3135],"2896":[3136,3137],"2897":[3138,3139],"2898":[3140,3141],"2899":[3142,3143],"2900":[3144],"2903":[3145,3146],"2904":[3147,3148,3149],"2905":[3150],"2906":[3151,3152,3153],"2907":[3154,3155],"2909":[3156],"2912":[3157],"2913":[3158],"2914":[3159],"2916":[3160],"2917":[3161],"2918":[3162],"2922":[3163,3164],"2923":[3165],"2924":[3166],"2932":[3167],"2934":[3168,3169],"2935":[3170],"2936":[3171,3172,3173],"2939":[3174],"2940":[3175],"2942":[3176],"2944":[3177],"2946":[3178],"2947":[3179],"2949":[3180],"2951":[3181],"2953":[3182],"2954":[3183,3184],"2955":[3185],"2956":[3186,3187,3188],"2957":[3189,3190],"2958":[3191,3192],"2960":[3193,3194],"2962":[3195],"2963":[3196],"2964":[3197],"2967":[3198],"2968":[3199],"2969":[3200],"2970":[3201,3202],"2971":[3203],"2973":[3204,3205],"2974":[3206,3207],"2975":[3208],"2976":[3209],"2980":[3210,3211],"2981":[3212,3213],"2982":[3214],"2984":[3215],"2985":[3216,3217],"2986":[3218,3219],"2988":[3220,3221,3222],"2989":[3223,3224],"2990":[3225],"2991":[3226],"2992":[3227],"2993":[3228],"2994":[3229,3230],"2995":[3231,3232],"2996":[3233],"2997":[3234],"2998":[3235],"2999":[3236,3237],"3000":[3238,3239],"3001":[3240],"3002":[3241,3242],"3003":[3243,3244,3245],"3004":[3246,3247,3248],"3005":[3249,3250],"3006":[3251,3252,3253],"3007":[3254,3255],"3008":[3256,3257],"3009":[3258,3259,3260],"3010":[3261],"3011":[3262],"3012":[3263,3264,3265],"3013":[3266,3267],"3014":[3268],"3015":[3269,3270],"3016":[3271,3272,3273],"3017":[3274],"3018":[3275],"3019":[3276,3277,3278],"3020":[3279],"3021":[3280,3281,3282],"3022":[3283,3284,3285],"3024":[3286],"3025":[3287],"3027":[3288,3289],"3028":[3290],"3029":[3291],"3030":[3292],"3031":[3293],"3032":[3294,3295],"3034":[3296,3297,3298],"3035":[3299],"3037":[3300,3301],"3038":[3302],"3039":[3303],"3041":[3304],"3042":[3305,3306],"3043":[3307,3308],"3044":[3309],"3045":[3310,3311],"3046":[3312],"3047":[3313],"3048":[3314],"3049":[3315],"3050":[3316,3317],"3051":[3318,3319],"3052":[3320],"3053":[3321,3322],"3054":[3323,3324],"3055":[3325],"3056":[3326],"3058":[3327,3328,3329],"3061":[3330],"3062":[3331],"3063":[3332],"3064":[3333],"3065":[3334],"3066":[3335],"3067":[3336,3337],"3069":[3338],"3070":[3339],"3071":[3340,3341,3342],"3072":[3343],"3073":[3344,3345,3346],"3075":[3347],"3076":[3348],"3077":[3349,3350],"3078":[3351],"3079":[3352],"3080":[3353,3354],"3081":[3355,3356],"3082":[3357],"3084":[3358],"3085":[3359,3360],"3086":[3361,3362],"3088":[3363,3364],"3089":[3365,3366],"3090":[3367],"3091":[3368,3369,3370],"3092":[3371,3372],"3093":[3373],"3094":[3374,3375],"3095":[3376],"3096":[3377],"3097":[3378,3379],"3099":[3380,3381],"3100":[3382],"3101":[3383],"3102":[3384,3385],"3103":[3386,3387,3388,3389],"3104":[3390,3391],"3105":[3392,3393,3394],"3106":[3395],"3107":[3396,3397],"3108":[3398,3399,3400],"3110":[3401],"3112":[3402,3403],"3113":[3404,3405],"3114":[3406,3407],"3115":[3408,3409,3410,3411],"3116":[3412,3413,3414],"3117":[3415,3416,3417],"3118":[3418],"3119":[3419,3420],"3120":[3421,3422],"3121":[3423],"3122":[3424,3425,3426],"3123":[3427,3428],"3124":[3429],"3125":[3430],"3126":[3431,3432],"3127":[3433,3434],"3128":[3435,3436,3437],"3129":[3438,3439,3440],"3130":[3441,3442],"3131":[3443,3444],"3132":[3445,3446,3447],"3133":[3448],"3135":[3449,3450],"3138":[3451],"3139":[3452],"3140":[3453,3454],"3142":[3455],"3144":[3456],"3145":[3457],"3147":[3458],"3148":[3459],"3150":[3460],"3151":[3461],"3152":[3462,3463],"3153":[3464],"3154":[3465],"3155":[3466,3467],"3156":[3468,3469],"3157":[3470,3471],"3158":[3472,3473],"3159":[3474,3475],"3160":[3476],"3161":[3477],"3162":[3478,3479,3480],"3163":[3481,3482],"3164":[3483,3484,3485],"3166":[3486],"3167":[3487],"3168":[3488],"3169":[3489],"3171":[3490],"3172":[3491],"3173":[3492],"3174":[3493],"3175":[3494],"3177":[3495],"3180":[3496,3497],"3182":[3498,3499,3500],"3183":[3501],"3184":[3502],"3185":[3503,3504],"3186":[3505],"3188":[3506],"3189":[3507],"3190":[3508],"3191":[3509],"3193":[3510],"3194":[3511],"3196":[3512],"3197":[3513],"3198":[3514],"3199":[3515,3516],"3200":[3517],"3201":[3518],"3202":[3519,3520],"3203":[3521,3522,3523],"3206":[3524],"3208":[3525],"3210":[3526],"3211":[3527],"3214":[3528,3529],"3216":[3530,3531],"3217":[3532],"3218":[3533,3534],"3219":[3535],"3220":[3536,3537,3538],"3221":[3539,3540,3541],"3222":[3542,3543],"3225":[3544,3545],"3226":[3546,3547],"3227":[3548],"3228":[3549,3550,3551],"3229":[3552],"3231":[3553,3554],"3232":[3555],"3233":[3556,3557],"3234":[3558],"3235":[3559,3560,3561],"3236":[3562,3563],"3238":[3564,3565],"3239":[3566],"3240":[3567,3568,3569],"3241":[3570,3571,3572],"3242":[3573,3574,3575],"3243":[3576,3577,3578],"3244":[3579,3580],"3245":[3581,3582],"3246":[3583],"3247":[3584,3585,3586],"3248":[3587,3588],"3249":[3589,3590,3591],"3250":[3592,3593,3594,3595],"3251":[3596,3597,3598],"3252":[3599,3600,3601,3602],"3253":[3603,3604],"3254":[3605,3606],"3255":[3607,3608],"3256":[3609,3610],"3259":[3611],"3260":[3612,3613],"3261":[3614,3615],"3262":[3616,3617],"3263":[3618,3619,3620],"3264":[3621,3622,3623],"3266":[3624,3625],"3267":[3626,3627],"3269":[3628],"3270":[3629,3630],"3271":[3631,3632],"3272":[3633,3634],"3273":[3635,3636],"3274":[3637],"3275":[3638],"3276":[3639,3640,3641],"3277":[3642],"3278":[3643,3644,3645],"3279":[3646],"3280":[3647],"3282":[3648,3649],"3283":[3650],"3284":[3651],"3285":[3652,3653],"3286":[3654],"3288":[3655,3656,3657],"3289":[3658],"3290":[3659,3660],"3292":[3661,3662,3663],"3293":[3664],"3294":[3665,3666],"3295":[3667],"3296":[3668],"3297":[3669],"3299":[3670],"3300":[3671],"3301":[3672,3673],"3302":[3674],"3303":[3675],"3304":[3676],"3305":[3677],"3306":[3678],"3308":[3679],"3309":[3680],"3310":[3681,3682],"3311":[3683],"3312":[3684,3685],"3313":[3686],"3314":[3687],"3315":[3688],"3316":[3689,3690],"3317":[3691,3692],"3319":[3693],"3320":[3694],"3321":[3695],"3322":[3696],"3323":[3697,3698],"3324":[3699,3700,3701],"3325":[3702,3703],"3326":[3704,3705],"3327":[3706,3707],"3328":[3708],"3329":[3709],"3331":[3710,3711],"3332":[3712],"3333":[3713],"3334":[3714],"3335":[3715],"3336":[3716],"3337":[3717],"3338":[3718],"3339":[3719],"3341":[3720],"3343":[3721],"3344":[3722],"3346":[3723],"3347":[3724],"3348":[3725,3726],"3349":[3727],"3351":[3728],"3352":[3729,3730],"3353":[3731,3732,3733],"3354":[3734,3735],"3355":[3736],"3356":[3737,3738],"3357":[3739],"3358":[3740,3741],"3359":[3742,3743],"3360":[3744],"3362":[3745,3746],"3364":[3747],"3365":[3748],"3366":[3749],"3367":[3750,3751],"3368":[3752,3753],"3369":[3754],"3371":[3755,3756],"3372":[3757],"3373":[3758,3759,3760],"3374":[3761,3762],"3375":[3763,3764,3765],"3376":[3766],"3378":[3767],"3379":[3768],"3380":[3769,3770],"3381":[3771,3772],"3382":[3773,3774],"3383":[3775,3776],"3384":[3777],"3385":[3778,3779,3780],"3387":[3781],"3388":[3782,3783],"3389":[3784,3785,3786,3787],"3390":[3788,3789],"3391":[3790,3791,3792],"3392":[3793,3794,3795,3796,3797],"3393":[3798],"3394":[3799,3800,3801],"3395":[3802,3803,3804],"3396":[3805,3806],"3397":[3807,3808],"3398":[3809,3810,3811],"3399":[3812,3813],"3400":[3814,3815],"3401":[3816,3817],"3402":[3818],"3403":[3819],"3404":[3820,3821,3822,3823],"3405":[3824],"3406":[3825,3826],"3407":[3827,3828,3829,3830],"3408":[3831,3832,3833],"3409":[3834,3835],"3410":[3836,3837],"3411":[3838,3839],"3412":[3840,3841],"3413":[3842,3843,3844,3845],"3414":[3846,3847],"3415":[3848],"3416":[3849,3850],"3417":[3851,3852,3853],"3418":[3854,3855],"3419":[3856,3857],"3420":[3858,3859],"3421":[3860],"3422":[3861,3862],"3423":[3863,3864],"3424":[3865,3866],"3425":[3867,3868,3869],"3426":[3870],"3427":[3871],"3428":[3872],"3430":[3873],"3432":[3874],"3433":[3875],"3434":[3876,3877,3878,3879],"3435":[3880,3881],"3436":[3882,3883],"3437":[3884,3885,3886,3887],"3438":[3888,3889],"3439":[3890,3891],"3440":[3892],"3441":[3893,3894],"3443":[3895],"3444":[3896,3897],"3445":[3898],"3446":[3899],"3447":[3900],"3448":[3901],"3449":[3902],"3450":[3903,3904],"3452":[3905],"3453":[3906],"3454":[3907,3908],"3456":[3909],"3457":[3910,3911],"3459":[3912],"3460":[3913],"3461":[3914,3915],"3462":[3916],"3464":[3917,3918,3919],"3465":[3920],"3466":[3921,3922],"3467":[3923],"3469":[3924,3925],"3470":[3926],"3471":[3927,3928],"3472":[3929],"3474":[3930,3931],"3475":[3932],"3476":[3933],"3477":[3934],"3479":[3935,3936],"3480":[3937],"3481":[3938],"3482":[3939,3940],"3483":[3941,3942],"3484":[3943,3944],"3485":[3945,3946,3947],"3486":[3948,3949,3950],"3487":[3951],"3489":[3952],"3490":[3953,3954],"3492":[3955],"3493":[3956,3957],"3494":[3958,3959],"3495":[3960],"3496":[3961,3962],"3497":[3963],"3498":[3964,3965],"3499":[3966],"3500":[3967,3968],"3501":[3969,3970],"3502":[3971],"3503":[3972,3973],"3504":[3974,3975,3976],"3505":[3977],"3506":[3978,3979],"3507":[3980,3981],"3509":[3982],"3510":[3983],"3511":[3984],"3512":[3985,3986],"3513":[3987,3988],"3514":[3989],"3517":[3990,3991],"3518":[3992],"3519":[3993,3994],"3521":[3995,3996],"3522":[3997],"3523":[3998,3999],"3524":[4000],"3525":[4001,4002],"3526":[4003],"3527":[4004],"3528":[4005],"3529":[4006],"3531":[4007],"3532":[4008],"3533":[4009],"3534":[4010],"3535":[4011],"3536":[4012],"3537":[4013,4014],"3538":[4015],"3540":[4016],"3542":[4017],"3543":[4018],"3544":[4019],"3545":[4020],"3546":[4021,4022],"3548":[4023],"3549":[4024,4025],"3551":[4026,4027],"3552":[4028],"3553":[4029],"3555":[4030],"3556":[4031],"3557":[4032],"3558":[4033,4034],"3559":[4035,4036],"3561":[4037],"3567":[4038],"3568":[4039],"3569":[4040],"3571":[4041],"3572":[4042],"3573":[4043],"3574":[4044],"3576":[4045,4046],"3577":[4047],"3580":[4048],"3582":[4049],"3584":[4050],"3586":[4051],"3590":[4052,4053],"3592":[4054],"3593":[4055],"3594":[4056],"3595":[4057],"3596":[4058],"3597":[4059],"3598":[4060],"3601":[4061],"3603":[4062],"3605":[4063],"3606":[4064],"3607":[4065],"3613":[4066],"3616":[4067],"3617":[4068],"3618":[4069],"3620":[4070],"3624":[4071,4072,4073],"3625":[4074,4075],"3626":[4076,4077],"3627":[4078,4079],"3628":[4080],"3631":[4081],"3633":[4082],"3635":[4083],"3636":[4084,4085],"3637":[4086],"3638":[4087],"3639":[4088],"3640":[4089,4090,4091],"3641":[4092],"3644":[4093,4094],"3645":[4095,4096,4097],"3646":[4098,4099,4100],"3647":[4101,4102,4103],"3648":[4104,4105,4106],"3649":[4107],"3650":[4108,4109,4110,4111],"3651":[4112,4113,4114,4115,4116,4117],"3652":[4118,4119,4120],"3653":[4121,4122],"3654":[4123,4124,4125],"3655":[4126,4127],"3656":[4128,4129],"3658":[4130],"3659":[4131,4132],"3660":[4133],"3661":[4134],"3662":[4135],"3663":[4136],"3664":[4137],"3666":[4138,4139],"3667":[4140],"3668":[4141,4142],"3669":[4143,4144,4145],"3670":[4146,4147],"3671":[4148,4149,4150],"3672":[4151],"3673":[4152],"3674":[4153],"3675":[4154,4155],"3676":[4156],"3677":[4157],"3679":[4158,4159],"3680":[4160],"3681":[4161,4162],"3682":[4163],"3683":[4164,4165],"3684":[4166,4167,4168],"3685":[4169,4170],"3686":[4171],"3687":[4172],"3689":[4173],"3690":[4174],"3691":[4175],"3693":[4176],"3695":[4177],"3696":[4178],"3697":[4179],"3698":[4180,4181],"3699":[4182],"3700":[4183,4184],"3701":[4185],"3702":[4186,4187],"3703":[4188],"3704":[4189],"3705":[4190],"3706":[4191,4192],"3707":[4193],"3708":[4194,4195],"3709":[4196,4197,4198],"3710":[4199,4200],"3711":[4201],"3712":[4202,4203,4204,4205],"3713":[4206,4207,4208],"3714":[4209,4210],"3715":[4211,4212,4213],"3716":[4214],"3717":[4215,4216],"3718":[4217,4218,4219,4220,4221],"3719":[4222],"3720":[4223,4224],"3722":[4225,4226],"3725":[4227,4228],"3726":[4229],"3727":[4230,4231],"3729":[4232],"3730":[4233],"3731":[4234],"3732":[4235,4236],"3733":[4237],"3734":[4238],"3735":[4239,4240],"3737":[4241],"3738":[4242],"3739":[4243,4244],"3740":[4245],"3741":[4246],"3742":[4247,4248],"3743":[4249],"3745":[4250],"3746":[4251,4252],"3747":[4253],"3749":[4254],"3750":[4255],"3751":[4256],"3753":[4257],"3754":[4258],"3756":[4259],"3757":[4260],"3758":[4261],"3760":[4262],"3764":[4263],"3765":[4264],"3766":[4265],"3767":[4266],"3768":[4267,4268],"3769":[4269,4270],"3770":[4271],"3771":[4272,4273],"3772":[4274],"3773":[4275],"3774":[4276],"3775":[4277],"3776":[4278],"3777":[4279],"3778":[4280,4281],"3779":[4282],"3781":[4283,4284],"3782":[4285],"3784":[4286],"3786":[4287,4288],"3787":[4289],"3789":[4290],"3790":[4291],"3791":[4292],"3792":[4293],"3793":[4294],"3795":[4295],"3796":[4296],"3797":[4297],"3798":[4298],"3799":[4299],"3801":[4300],"3802":[4301,4302],"3803":[4303],"3804":[4304],"3805":[4305],"3806":[4306],"3807":[4307],"3808":[4308],"3809":[4309],"3811":[4310,4311],"3812":[4312],"3813":[4313],"3814":[4314],"3815":[4315,4316],"3816":[4317],"3818":[4318],"3819":[4319],"3821":[4320]},"ٟ":[1,2,3,4,5,6,7,8,9,10,11,12,13,14,15,16,17,18,19,20,21,22,23,24,25,26,27,28,29,30,31,32,33,34,35,36,37,38,39,40,41,42,43,44,45,46,47,48,49,50,51,52,53,54,55,56,57,58,59,60,61,62,63,64,65,66,67,68,69,70,71,72,73,74,75,76,77,78,79,80,81,82,83,84,85,86,87]},"pages":[{"text":"<span data-type='title' id=toc-2>كلمة فضيلة الشيخ المحدِّث الأستاذ الدكتور تقي الدين الندوي حفطه الله ورعاه</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nالحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين محمد، وآله وأصحابه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان ودعا بدعوتهم إلى يوم الدين، وبعد:\nفإن كتاب \"الأبواب والتراجم للجامع الصحيح للبخاري\"، تأليف شيخنا الإمام الحافظ شيخ الحديث والمحدثين، العلامة محمد زكريا الكاندهلوي المدني (المتوفى سنة ١٤٠٢ هـ بالمدينة المنورة - على صاحبها ألف ألف صلاة وسلام -) هو كتاب جامع للنفائس العلمية، والمباحث اللطيفة، والتحقيقات العجيبة، لبيان أسرار الأبواب والتراجم للجامع الصحيح للإمام البخاري، بيَّن فيه الربط بين الحديث الوارد في الباب والآثار الواردة في الأبواب وبين الترجمة.\nولا شك أن \"الجامع الصحيح المسند المختصر من حديث رسول الله - ﷺ -\"، للإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري، أصح كتاب بعد كتاب الله العزيز، وقام أعيان العلماء والمحدِّثون في كل عصر إلى اليوم بشرحه والتعليق عليه، وشرح تراجمه، وبيان أسراره وفوائده، ولطائفه، حديثًا وفقهًا وعربيةً وبلاغة وما إلى ذلك، ولم تعتن الأمة الإسلامية بعد الاعتناء بكتاب الله العزيز الحكيم مثل الاعتناء بـ \"صحيح البخاري\"، فبلغوا غاية الجهد في إبراز علومه ومعانيه من خزائنه.","vol":"1","page":5},{"text":"قال سماحة الشيخ العلامة أبي الحسن الندوي في \"مقدمة لامع الدراري\": \"لا نعلم كتابًا من كتاب البشر في المكتبة الإسلامية العالمية، تناوله العلماء والمؤلفون بالشرح والتحشية والتعليق مثل ما تناولوا هذا الكتاب\".\nوقد ذكر الشيخ عصام الحسيني ما تيسَّر به من الشروح والتعليقات على \"صحيح البخاري\"، فعدد ما بلغ (٣٧٥) مؤلَّفًا في كتاب له بعنوان \"إتحاف القاري بمعرفة جهود العلماء على صحيح البخاري\" (^١)، ربما يكون عددها أكثر من هذا، وفي الزوايا خفايا لم تقع عليها عين ولم تطلع عليها شمس.\nولا شك أنَّ لكل تأليف في الصِّحاح الستّة من المزايا والخصائص، ولكن كتاب الإمام البخاري \"الجامع الصحيح\" لا يلحقه غيره كائنًا من كان من أصحاب الأمهات.\nقال العلَّامة ابن خلدون (المتوفى سنة ٨٠٨ هـ) في \"مقدمة تاريخه\"، (ص ٢٥٤): \"قد سمعت كثيرًا من شيوخنا يقولون: (شرح كتاب البخاري دَين على علماء الأمة)، يعنون أن أحدًا من علماء الأمة لم يوف ما يجب له بهذا الاعتبار\".\nوادَّعى الإمام السخاوي في \"الضوء اللامع\" أنَّ شيخَنا شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر العسقلاني (المتوفى سنة ٨٥٢ هـ) قد قضى هذا الدَّين بتأليف كتاب \"فتح الباري\".\nوأما تراجم \"صحيح البخاري\" فأودع فيها الإمام البخاري من الأسرار والمعاني ما حُيِّرت به الأفكار وأدهشت العقول والأبصار، وإنما بلغت هذه المرتبة وفازت بهذه الحظوة لسبب عظيم أوجب عظمها أن الإمام البخاري حوَّل تراجم جامعه يعني بيَّضها بين قبر النبي - ﷺ - ومنبره، وكان يصلي لكل ترجمة ركعتين (^٢).\n_________\n(^١) طبع الكتاب في سنة ١٤٠٧ هـ في بيروت.\n(^٢) انظر: مقدمة \"فتح الباري\" (ص ١٣).","vol":"1","page":6},{"text":"ولأهمية هذه التراجم في \"صحيح البخاري\" وصعوبة فهمها، اعتنى شرَّاح البخاري بشرحها في مؤلفاتهم قديمًا وحديثًا، وقام بعض أجلَّة المحدِّثين وفحول العلماء بتأليف مؤلَّفات لبيان مقاصد التراجم (^١)، ولكن لم يكن منها كتاب شامل لجميع الأبواب والتراجم.\nوذكر العلَّامة محمد يوسف البنوري في تقديم \"لامع الدراري\": كان شيخنا - هو العلامة المحدِّث محمد أنور الكشميري - يقول: إن دَيْن التراجم لا يزال باقيًا على رقاب الأمة لم يقضه أحد إلى اليوم، وكنت قديمًا أقول: إن كتاب \"شرح الأبواب والتراجم\" لشيخ الهند لو تم لقضي هذا الدَّين، ولكنه للأسف لم يتم.\nوكانت الحاجة ماسَّة إلى تأليفٍ أكملَ وأشملَ وأجمع، يفي بالهدف المطلوب لأداء دَيْن شرح التراجم الباقي على علماء هذه الأمة.\nفالله - ﷾ - وفَّق شيخنا الإمام المحدِّث محمد زكريا الكاندهلوي لهذا العمل الجليل، فألَّف كتابًا لبيان هذه التراجم وتحقيق مزاياها، وبيان ما وهبه سبحانه من العلوم والأسرار في هذا الصدد.\nفقد فصل أصول التراجم في بداية الكتاب، واستفاد ما تبيَّن من كلام الشارحين المبعثر في الكتب من غير مظانِّها، وما وقف عليه من كلام مشايخه أو مشايخ مشايخه في الدروس، أو منَّ الله سبحانه على المؤلف، فشرح صدره لإبداعها، فبلغت أصول هذه التراجم إلى سبعين أصلًا، وقد استقصى هذه الأصول من الكتب المؤلفة في هذا الموضوع قديمًا وحديثًا، ومن شروح البخاري، وضمَّ إليها أصولًا جديدةً ألهمه الله إياها بطول ممارسته لهذا الفن الشريف، ومباشرته لتدريس هذا الكتاب الجليل مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩].\n_________\n(^١) وقد ذكر شيخنا الشيخ محمد زكريا الكاندهلوي أسماء هذه المؤلَّفات في مقدمة هذا الكتاب.","vol":"1","page":7},{"text":"ثم تصدَّى لشرح أبواب الكتاب وتراجمه بابًا بابًا، وترجمةً ترجمةً، ما ترك بابًا ولا أثرًا إلا تكلَّم عليه، وذكر غرض الباب ومناسبة الأثر بالترجمة، فأصبح هذا الكتاب موسوعة في ما يتصل بالأبواب والتراجم في \"الجامع الصحيح\".\nلذا قال العلامة محمد يوسف البنوري في تقديم \"لامع الدراري\": إن هذه السعادة الأزلية كانت مقضية بأن يقوم الشيخ محمد زكريا، ويقضي هذا الدَّين، فأرجو أن يكون هذا الدَّيْن قد قُضي بخدمته لشرح \"الأبواب والتراجم\" إن شاء الله تعالى.\nولما اشتغلت بخدمة حاشية الإمام المحدِّث أحمد علي السهارنفوري مع المقارنة بعشر نسخ خطية، منها نسخة الصَّغاني (المتوفى ٦٥٠ هـ)، أردت أن أُدخل هذه الدُّرر والغُرر من \"الأبواب والتراجم\" لشيخنا في ثنايا شرح الأبواب، ولكني كنت خائفًا أن يثقل هذا الكتاب، وربما يقع الخلل في حاشية الكتاب، فلهذا قررت أن يُنشر هذا الكتاب مستقلَّا بحاله، وكلَّفت لهذا العمل ولدي العزيز الدكتور ولي الدين الندوي أستاذ الحديث وعلومه المشارك بكلية الدراسات الإسلامية بدبي، فبذل جهدًا كبيرًا في تحقيق وإخراج هذه الموسوعة العلمية الشاملة لشرح أبواب صحيح البخاري وتراجمه، وقام بهذا العمل الجليل تحت إشرافنا بالتعاون مع مركز الشيخ أبي الحسن الندوي للبحوث والدراسات الإسلامية.\nوفي الختام، نسأل الله أن يتقبل منه ومن جميع من ساهم في إخراج هذا الكتاب، وأن يجعل هذا الكتاب نبراسًا للباحثين والدارسين.\nوالله ولي التوفيق\n\nالأستاذ الدكتور تقي الدين الندوي\nمدينة العين\n٢٥/ ٢/ ١٤٣٢ هـ - ٣٠/ ١/ ٢٠١١ م","vol":"1","page":8},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3>مقدمة الكتاب بقلم فضيلة الشيخ محمد الرابع الحسني الندوي رئيس جامعة ندوة العلماء، لكنهو (الهند)</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:\nفإن كلام الرسول - ﷺ - وعمله وتقريره مصدر ثان للشريعة الإسلامية بعد مصدرها الأول وهو كتاب الله العزيز والفرقان الحميد الذي هو وحي من الله متلو، وجاء على أثره الوحي غير المتلو الذي هو حديثُ آخِر رسل الله تعالى وأنبيائه محمد بن عبد الله الأمين، الذي أكمل الله عليه الدين، وأتم عليه نعمته التي ينال بها الإنسان خيري الدنيا والآخرة بالأخذ مما اشتمل عليه هذان المصدران للشريعة الإسلامية - كتاب الله تعالى، وحديث رسوله الكريم - ﷺ -، ويؤدي بذلك المسؤولية العظمى التي كلف الله تعالى بها الإنسان، وجعل فوزه وفلاحه تابعًا لأدائه الأمانة التي وضعها رب العالمين عِليه بقوله: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢].\nوقد وعد الله تعالى بحفظ وحيه المتلو - القرآن المجيد - ليعرف الإنسان من كلامه الصراط المستقيم لحياته، وجعل المصدر الثاني - حديث الرسول الكريم - ﷺ - معاونًا له، وأمر اللهُ تعالى العمل به أيضًا مثل عمله بكتابه العزيز.","vol":"1","page":9},{"text":"ولأهمية هذا المصدر الثاني أيضًا جعل الله تعالى حفظه تابعًا لحفظ المصدر الأول، وهيأ لحفظه أيضًا أسبابًا قوية مع تهيئته أسباب الحفظ للمصدر الأول القرآن الكريم، فقد سخَّر الله تعالى لحفظ هذا المصدر الثاني - الحديث النبوي الشريف - رجالًا من الأمة الإسلامية كرَّسوا حياتهم لخدمة روايات الحديث الشريف تحقيقًا وتنقيحًا ليكون موثوقًا كاملًا، ومصدرًا واسعًا جامعًا لهذا الدين؛ فاهتم العلماء بخدمة حديث الرسول - ﷺ - منذ وصوله إليهم، فجمعه الرواة الثقات في كتب من الصحاح عديدة، وكذلك قاموا بتنقيح رواياته وتحقيق متونه مهتمين بذلك اهتمامًا لا يوجد له نظير في أي دين أو أمة في التاريخ الإنساني.\nوقد بلغ عمل تنقيح الروايات وتحقيق صحتها إلى أعلى مكانة الثقة والكمال في كتاب إمام المحدثين أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري الجعفي (١٩٤ هـ - ٢٥٦ هـ) من بين كتب الحديث الصحاح الموثوق بها الأخرى.\nولا شك أن لكل تأليف في الصحاح الست من المزايا والخصائص ما تستحق كل تقدير، ولكن كتاب الإمام البخاري الجامع الصحيح لا يلحقه في الصحة غيره من أمهات الكتب، فقد حل بذلك هذا الكتاب درجة أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى.\nوالمنهج الذي اختاره الإمام البخاري في كتابه الصحيح امتاز بخصائص تمتاز على ما في كتب الأحاديث الأخرى، ومنها ذكر تراجم الأبواب لما رواه من أحاديث الرسول - ﷺ -، يشير بها إلى معان مفيدة، ويشرح مفهوم الحديث الشريف مدعمًا بآيات من كتاب الله العزيز، وقد أودع فيها الإمام البخاري من الأسرار والمعاني ما يحير العقول والأفكار، فالدارس لكتابه الصحيح يستفيد من تراجم أبوابه أيضًا كما يستفيد من متون الحديث الشريف وروايته.","vol":"1","page":10},{"text":"وقد اعتنى العلماء بهذه التراجم لقيمتها العلمية، وألفوا كتبًا في شرحها وإيضاحها، فمنها كتاب العلامة الكبير المحدث الجليل سماحة الشيخ محمد زكريا الكاندهلوي ﵀ رحمة واسعة، الرئيس السابق لقسم علوم الحديث الشريف في جامعة مظاهر العلوم بسهارنفور، فإنه ألف كتابًا قيمًا في تراجم الأبواب لصحيح الإمام البخاري، ذكر فيه ما تبين له من خصائصها وفوائدها خلال تدريسه لصحيح الإمام البخاري مدة طويلة، وما اطلع عليه في كتب شروح الحديث ومؤلفات أخرى، فإنه ذكر أصول التراجم هذه في بداية الكتاب، ثم ذكرها بتفصيل، وجمع فيه كلام الشارحين لكتب الحديث المختلفة، وكذلك مما سمعه من مشايخه في الدرس، وما منّ الله به عليه وشرح صدره لفهمها، فشرح فيه أبواب الكتاب وتراجمه بابًا بابًا وترجمة ترجمة، وذكر فيه غرض الباب ومناسبة الأثر بالترجمة، وذكر أصول التراجم، وبَلغ عددها نحو سبعين أصلًا، فجاء كتابه كموسوعة في هذا الصدد.\nواقتفى أثر سماحة الشيخ محمد زكريا الكاندهلوي في تحقيق الحديث تلميذه البار الباحث لعلم الحديث الدكتور تقي الدين الندوي، فصدرت بتحقيقه كتب عديدة في الحديث الشريف، وأراد إصدار أفضل نسخة لكتاب الإمام البخاري، فاعتنى بحاشية العلامة المحدث أحمد علي السهارنفوري، ولا يزال الدكتور الشيخ مشتغلًا في عمله على هذه النسخة الجليلة (^١)، وكان يريد أن يقوم أيضًا بعمل التحقيق والتعليق على كتاب العلامة المحدث الشيخ محمد زكريا الكاندهلوي في بحث الأبواب والتراجم لصحيح البخاري، فلم يجد في وقته فسحة لهذا العمل، فأسند العمل إلى نجله الدكتور ولي الدين الندوي أستاذ الحديث الشريف وعلومه بكلية الدراسات الإسلامية بدبي، وهو باحث محقق أيضًا، أدى أعمالًا علمية مختلفة،\n_________\n(^١) بحمد الله قد طبع الكتاب في خمسة عشر مجلدًا من دار البشائر الإسلامية - بيروت.","vol":"1","page":11},{"text":"وصدرت كتب عديدة بتحقيقه، فقد تربى على والده المحدث الجليل فضيلة الدكتور الشيخ تقي الدين الندوي، فقام الدكتور ولي الدين بالتعليقات والتحقيقات المفيدة على هذا الكتاب تحت إشرافه، فجاء هذا الكتاب بتحقيق وتعليق مفيدين، فسيكون الانتفاع به انتفاعًا واسعًا.\nأرجو أن يكون عمله هذا مساعدًا كبيرًا للاستفادة من كتاب سماحة الشيخ محمد زكريا الكاندهلوي في تراجم أبواب الصحيح للإمام البخاري، تقبل الله تعالى عمله هذا وجزاه خير الجزاء.\n\n٢٠/ ٨/ ١٤٣٢ هـ - ٢٣/ ٧/ ٢٠١١ م\n\nمحمد الرابع الحسني الندوي\nرئيس جامعة ندوة العلماء، لكهنؤ الهند","vol":"1","page":12},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4>تقديم فضيلة الأستاذ الشيخ سعيد الأعظمي الندوي</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nظلَّ الجامع الصحيح للبخاري موضع اعتناء واهتمام كبيرين منذ القرن الثالث الهجري من خلال البحث والتحقيق في مجال السُّنَّة ومكانتها، فقد توفي الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الجعفي في عام ٢٥٦ هـ، وكان قد وفِّق من الله تعالى إلى جمع الأحاديث الصحيحة في كتاب واحد، سمَّاه: \"الجامع الصحيح\" للبخاري ولا يخفى على علماء الحديث ومؤرِّخيه مكانة الإمام البخاري في تنقية الأسانيد والتحديث بما كان يتصل إلى النبي - ﷺ -، وتحقيق ما صدر من الرواة الأمناء والرجال الموفقين من الله تعالى لهذا العمل العظيم.\nكان الإمام البخاري مُلْهَمًا من الله تعالى لإنجاز هذا المشروع الحديثي الجليل، وذلك هو السبب فيما وضعه الله تعالى له من القبول العام، وأحلَّه مكان الصدارة بين دواوين الأحاديث الصحيحة، والجوامع والسنن والمسانيد، قد اجتمع حوله جماعة كبيرة من التلاميذ الذين قرأوا عليه هذا الجامع الصحيح، وروَوه إلى الآخرين.\nوكان من بين من قرأ عليه: المحدِّث الثقة أبو عبد الله محمد بن يوسف بن مطر بن صالح بن بشر الفِرَبري (ت ٣٢٠ هـ)، وقد سمع منه بطريق مباشر مرتين، مرة في مدينة فربر سنة ٢٤٨ هـ، ومرة ببخارى سنة ٢٥٢ هـ، وهو من أشهر رواة الجامع الصحيح، ومنه استفاد عدد كثير من المحدثين.\nونحن الآن في بيان \"الأبواب والتراجم\" التي وضعها الإمام البخاري لاستنباط المسائل والأفكار الحديثية، التي توجد عليها دلالة من أي جهة","vol":"1","page":13},{"text":"وطريق، ولذلك نرى أنه يعقد الأبواب والتراجم بحسب ما يظهر له في الحديث من النواحي الفكرية والقضايا العلمية، ويذكر حديثًا واحدًا تحت تراجم وأبواب عديدة، وفق ما بدا له في حديث واحد من الدلالات المنوّعة والمعاني اللطيفة، لذلك نراه أنه يذكر حديثًا واحدًا في مواضع متعددة من الجامع الصحيح، وتحت أبواب وتراجم مختلفة.\nوما هذا إلا على سبيل الذكر فحسب، فإن علماء الهند وغيرهم ممن كان لهم شغف كبير بدراسة وتدريس الجامع الصحيح للبخاري ألَّفوا شروحًا للجامع الصحيح مع الإشارة إلى أسرار الأبواب والتراجم للبخاري، ضمن الأبواب والتراجم.\nهذا، والموضوع يتطلب التعمق في معاني الحديث ومفاهيم السُّنَّة النبوية، ويفرض على كل شخص يريد أن يبدي آراءه حول الأبواب والتراجم للبخاري، أن يكون على جانب كبير من التذوق والمناسبة الكاملة لدراسة وتدريس علوم النبوة وشرح مفاهيم السُّنَّة السَّنِيَّة.\nوقد كان شيخنا الجليل علَّامة الهند المحدث الشهير، حضرة شيخنا محمد زكريا بن محمد يحيى الكاندهلوي - صاحب \"أوجز المسالك إلى موطأ الإمام مالك\"، ومؤلفات كثيرة أخرى، مما يتصل بموضوع الحديث، والتحقيق والتعليق لكتب الحديث ودواوينه - أكرمه الله تعالى بالتوفيق الكامل لدراسة وتدريس \"الجامع الصحيح\" للبخاري إلى حد أنه تفانى في خدمة أحاديث النبي - ﷺ - دراسة وتدريسًا وتعليقًا وشرحًا، وبيانًا، فكان ممن يُشد إليه الرحال لقراءة الحديث الشريف عليه، والحصول على الإجازة منه في رواية الحديث.\nثم لما سافر إلى المدينة المنوَّرة للاستنشاق من رياحها وعطرها الذي يملؤ الأجواء؛ جاء إليه العلماء وتلاميذ الأحاديث النبوية الشريفة لكي يتمتعوا برؤية محيَّاه والاستغراف من بحر العلم الذي يموج في جوانبه، ومن حبِّ النبي - ﷺ - الذي يشغل قلبه، ومن المعرفة والإحسان - «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك» - الذي يمثله بظاهره","vol":"1","page":14},{"text":"وباطنه، وكلما رأيته أنا شخصيًّا ذكرت ما جاء في صفة النبي - ﷺ -: \"من رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبَّه\"، ولقد ألهم الله في قلبه أثناء إقامته في مدينة الرسول - ﷺ - تكميل \"كتاب حجة الوداع وعمرات النبي - ﷺ -\"، كما خطر بباله أن يعيد النظر على ما كان ألقاه على تلاميذه أيام تدريس الجامع الصحيح للبخاري حول تراجمه، فأتمَّ الله - ﷾ - بمجرد فضله ونعمته هذين الكتابين، وطُبعا في تلكم الأيام، وقد كان من حسن حظي أن الله ﷾ أسعدني وشرفني بطبع هذين الكتابين في مطابع ندوة العلماء بحروف حديدية واضحة جميلة.\nإن كتاب \"الأبواب والتراجم للبخاري\" تم طبعه في عام ١٣٩١ هـ، الموافق ١٩٧١ م، ونال إعجاب العلماء والمحدثين في الهند وخارجها، ذاك أنه يحتوي على الأبواب والتراجم التي عقدها الإمام البخاري في الجامع الصحيح لغايات مهمة قد لا يتفطن إليها القارئ ما لم يتعمق في دراستها، وفي الإتيان بحديث واحد تحت أبواب وتراجم متعددة.\nولبيان أهمية الموضوع يسعدني أن أقتطف عبارة لشيخنا العلامة المحدث الكبير، والمربِّي الجليل، الإمام محمد زكريا بن يحيى الكاندهلوي من خلال ما كتب في هذا الكتاب في بيان التراجم فقال:\n\"إن موضوع التراجم من أهم مقاصد الإمام البخاري في صحيحه، حتى أجمع العلماء كلهم سلفًا وخلفًا أن معظم مقصود البخاري في صحيحه مع الاهتمام بصحة الأحاديث: استخراج المعاني الكثيرة من المتون؛ ولذا كرر الأحاديث في كتابه في الأبواب المختلفة، وذكر بعضًا من الأحاديث أكثر من عشرين مرة؛ كحديث عائشة في قصة بريرة وغير ذلك، وفي الكثرة على العشرة كثيرة، ولذا اشتهر قول جمع من العلماء: فقه البخاري في تراجمه.\nوسيأتي في الفائدة الثانية عن الكرماني أن هذا قسم عجز عنه الفحول البوازل من الأعصار، والعلماء الأفاضل من الأمصار، فتركوها بأعذار، ولذلك اهتم جمع من السلف والخلف ببيان تراجمه وأفردوا لها التصانيف واجتهدوا في بيان المناسبات وإبداء الاحتمالات الكثيرة في التراجم.","vol":"1","page":15},{"text":"وأخيرًا بدا لصديقنا الكريم العلَّامة المحدث، التلميذ المحبب للمحدِّث الإمام الشيخ محمد زكريا الكاندهلوي - ﵀ - الأستاذ الدكتور تقي الدين الندوي، أن يجدد طبع هذا الكتاب تحقيقًا وتخريجًا وتعليقًا، فأسند هذا العمل المهم إلى نجله العزيز فضيلة الأستاذ الدكتور ولي الدين الندوي أستاذ الحديث الشريف وعلومه المشارك بكلية الدراسات الإسلامية والعربية بدبي، فقام بذلك خير قيام، وتحدث في مقدمة الكتاب عن المؤلفات التي أفردت بتراجم وأبواب صحيح البخاري وهي تتجاوز ثلاثة عشر مؤلفًا، ومن أهمها كتاب شيخ المشايخ العلامة المحدث محمد زكريا الكاندهلوي المهاجر المدني، وذكر التميزات التي يتميز بها هذا المؤلَّف الجليل، وسيقرؤها القارئ الكريم في مقدمة المحقق.\nوالكتاب يتحلى بمقدمة ضافية لسماحة أستاذنا وشيخنا العلَّامة الإمام السيد الشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي يرحمه الله (رئيس ندوة العلماء سابقًا)، كتبها للطبعة الثانية لهذا الكتاب الجليل، كما قد وفق صديقنا الجليل العلامة المحدث تقي الدين الندوي لتقديم هذا الكتاب، وكتابة مقدمة نافعة، تكون نبراسًا للمشتغلين بالحديث، أساتذة وطلابًا.\nوإنني إذ أهنئه ونجله الكريم على هذه المنزلة العالية الموهوبة من الله تعالى في مجال السُّنَّة الشريفة وعلوم الحديث، أتمنى على الله تعالى أن يوسع نطاق الإفادة والاستفادة والتعليم والدراسة عن طريق هذه المجهودات العلمية الحديثية التي أكرمهما الله تعالى بمجرد فضله وأتم عليهما نعمته، فقد قال الله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ٢٦٩].\n\nكتبه العبد العاجز الضعيف\nالمفتقر إلى فضل الله تعالى\nسعيد الأعظمي الندوي\nمدير دار العلوم ندوة العلماء لكهنؤ\nرئيس تحرير مجلة \"البعث الإسلامي\"\n\n١٥/ ٤/ ١٤٣٢ هـ - ٢٠/ ٣/ ٢٠١١ م","vol":"1","page":16},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5>مُقدّمةُ المُحَقِّق</span>\nإنَّ الحمدَ لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يُضلله فلا هادي له، وأشهد أن لا إله الله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\nأما بعد:\nفإن كتاب \"الجامح الصحيح\" لأمير المؤمنين أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري - ﵀ -، يُعد أصحَّ الكتب بعد كتاب الله - ﷿ -، لذا عني العلماء والمحدِّثون به عناية كبيرةً، وظهرت حوله دراسات كثيرة في مختلف الجوانب، ولا تزال هذه الدراسات قائمة وجارية، وقد ذكرت في بحثي المنشور في حولية كلية أصول الدين بالأزهر الشريف أن الكتب التي أُفردت بالتأليف حول تراجم وأبواب صحيح البخاري هي أكثر من ثلاثة عشر كتابًا، ومن أهم هذه الكتب كتاب شيخ مشايخنا، المحدث محمد زكريا الكاندهلوي المدني رحمه الله تعالى، الذي يتميز بعدة أمور من أهمها:\nأولًا: إن المحدث الكاندهلوي جمع في كتابه هذا ما كتبه الأئمة، منهم: الحافظ ابن حجر في \"فتح الباري\"، والعيني في \"عمدة القاري\" والقسطلاني في \"إرشاد الساري\"، والإمام الشاه ولي الله الدهلوي في كتابه \"شرح تراجم البخاري\"، والشيخ محمود حسن الملقب بـ \"شيخ الهند\" في كتابه \"الأبواب والتراجم\"، وعمله هذا ليس مجرد نقل وتلخيص، وإنما تظهر شخصيته فيما يذكره من آراء العلماء، وما يناقشه مع ترجيح ما يراه صوابًا أو قريبًا منه.","vol":"1","page":17},{"text":"ثانيًا: ألمَّ المحدِّث الكاندهلوي بجميع الأبواب والتراجم، لذا أصبح هذا العمل سِفرًا عظيمًا.\nثالثًا: يميطُ المحدِّث الكاندهلوي اللثام عن المسائل العويصة التي يتحير فيها كثير من المحدِّثين وشرَّاح الحديث، ويحيلون ذلك على خطأ النساخ، فبيّن فقهَ البخاري وحكمته في وضع هذه التراجم والأبواب كما صنع في \"باب صلاة الليل\".\n\nنتيجة لهذه الأهمية الكبيرة، توجَّه والدي الجليل المحدِّث الأستاذ الدكتور تقي الدين الندوي حفظه الله لتحقيق هذا الكتاب، لكن حال دون عمله هذا تحقيق كتاب صحيح البخاري بحاشية المحدث السهارنفوري، فكلَّفني أن أقوم بخدمة هذا الكتاب، وساعدني على ذلك بعض الإخوان الذين يعملون في مركز الشيخ أبي الحسن الندوي للبحوث والدراسات الإسلامية بالهند، فجزاهم الله الخير في الدارين.\nفعزمت وتوكلت على الله ربي، حامدًا ومصليًا، فهو حسبي ونعم الوكيل.\n\n<span data-type='title' id=toc-6>عملي في هذا الكتاب</span>\n١ - كتبت ترجمةً وافيةً للمحدِّث الدهلوي، وذكرت تعريفًا موجزًا لمؤلفاته في علم الحديث.\n٢ - عزوتُ نصوصَ الكتاب لمصادرها بقدر الإمكان.\n٣ - علَّقت على مواضعَ في الكتاب لمزيد من الفائدة.\n٤ - خرَّجت الأحاديث التي تحتاج إلى التخريج.\n٥ - صحَّحت الأخطاء المطبعية.\n٦ - رتّبت الكتب والأبواب ورقّمتها على ترتيب وترقيم محمد فؤاد عبد الباقي.\n\nكتبه\nد. وليّ الدّين بن تقي الدّين النّدوي\nيوم الجمعة - مدينة العين\n١٨/ ٢/ ٢٠١١ م","vol":"1","page":18},{"text":"الإمام المحدِّث\nمحمّد زكريا الكاندهلوي\nوآثاره في علم الحديث الشريف\n\nبقلم\nد. وليّ الدّين النّدوي","vol":"1","page":19},{"text":"مقدمة\nالحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:\nفهذه دراسة عن الإمام المحدث محمد زكريا الكاندهلوي، وعن مؤلفاته وآثاره في علم الحديث الشريف، ولا شك أن الهند أصبحت في العصور الأخيرة مركزًا كبيرًا للحديث الشريف، وعُرف علماء الهند بشغفهم بالعلوم الدينية، وانتهت إليهم رئاسة التدريس والتأليف في فنون الحديث وشرح متونه، حتى قال العلامة محمد رشيد رضا في تقديمه لكتاب \"مفتاح كنوز السُّنَّة\": \"لولا عناية إخواننا علماء الهند بعلوم الحديث في هذا العصر لقضي عليها بالزوال في أمصار الشرق، وقد ضعفت في مصر والشام منذ القرن العاشر الهجري\".\nولا شك أن الإمام المحدث محمد زكريا الكاندهلوي يُعد من أعلام المحدثين في الهند، وله إسهام كبير في خدمة السُّنَّة، فلذلك أردت أن أقدم دراسة عن حياته ومؤلفاته.\nوقسَّمت هذه الدراسة إلى تمهيد وثلاثة مباحث:\nتمهيد في عصره:\nأ - الحالة السياسية.\nب - الحالة العلمية.\nالمبحث الأول: نشأته وحياته.","vol":"1","page":21},{"text":"تتبعت فيه مراحل حياته؛ فذكرت اسمه ونسبه ولقبه ونشأته العلمية ووفاته والثناء عليه.\nوالمبحث الثاني: شيوخه وتلاميذه ومؤلفاته.\nذكرت فيه شيوخه الذين تلقى عنهم العلم أو حصل منهم على إجازات، ثم تلاميذه، ثم ذكرت مؤلفاته في علوم وفنون شتى مع بيان المخطوط منها والمطبوع.\nالمبحث الثالث: آثاره في علم الحديث الشريف.\nذكرت فيه مؤلفات هذا الإمام مع التعريف بكل منها.\nوإني لأرجو الله - ﷿ - أن يحقق الغاية من البحث وينفع به، إنه خير مسؤول.\n* * *","vol":"1","page":22},{"text":"<span data-type='title' id=toc-7>تمهيد في عصر الإمام الشيخ محمد زكريا الكاندهلوي</span>\n<span data-type='title' id=toc-8>أ - الحالة السياسية:</span>\nعاش الإمام الشيخ محمد زكريا الكاندهلوي في الحقبة التي تعد من أخطر العصور في تاريخ الهند السياسي، حيث عاصر استقلال الهند من الاحتلال الإنجليزي الغاشم وتقسيم الهند إلى دولتين: الهند وباكستان.\nولقد اشترك المسلمون والهندوس في تحرير البلاد من سيطرة الاستعمار، وأقاموا لذلك ثورة عام ١٨٥٧ م لكنها باءت بالإخفاق. ثم لما قام المؤتمر الوطني عام ١٨٨٤ م شاركوا فيه، وشاركوا في حركة عدم التعاون، أو العصيان المدني عام ١٩٢١ م، التي نادى بها غاندي مع جميع الطوائف من شعب الهند، ورأت البلاد عهدًا من الألفة والمحبة والتعاون، لم يمر مثله في تاريخها (^١).\nهنا اختار الإنجليز طريقة \"فرِّق تسد\"، وبثوا سموم التفرقة بين الهندوس والمسلمين وسلّطوا هذا السلاح الرهيب على الشعب حتى لا تعود البلاد إلى وحدتها (^٢).\nيقول الشيخ أبو الحسن الندوي: أقنع الحاكم العام الإنجليزي ورجال الحكومة أحد الزعماء الوطنيين الهنادك بضرورة الدعوة إلى الديانة\n_________\n(^١) انظر: \"كفاح المسلمين في تحرير الهند\" (ص ١٣٩).\n(^٢) انظر: المصدر السابق.","vol":"1","page":23},{"text":"الهندوكية، وإرجاع من دخل من أهل البلاد في الدين الإسلامي إلى ديانتهم القديمة، وتنظيم الشعب الهندوكي على أساس ديني قومي حزبي، ومن هنا ظهرت الدعوة والتبشير بالديانة البرهمية والآرية، وانتشر دعاتهم في الهند، وظهرت إزاء ذلك حركة الدعوة إلى الإسلام وتنظيم المسلمين على أساس مستقل، وبدأت المناظرات الدينية والخطب العاطفية والحماسية، وانفجرت الاضطرابات الطائفية في شبه القارة الهندية، واستمرت الاضطرابات، وعنفت حتى كان في سنة ١٩٢٧ م في بضعة شهور فقط خمسة وعشرون اضطرابًا (^١).\nوهنا بدأ المسلمون يبتعدون شيئًا فشيئًا عن المؤتمر باعتباره مؤسسة هندوسية، وإن كان فيها بعض عناصر من المسلمين، إلا أنها لم تستطع إيقاف الدافع العدواني على المسلمين من الهندوس (^٢).\nوأما علماء الهند المسلمون فلم يكونوا بمعزل عن الاستقلال، بل شاركوا حركة التحرير مشاركة قيادية فعالة، فمن العلماء البارزين الذين شاركوا في التحرير العلامة محمود حسن الملقب بـ \"شيخ الهند\"، والعلامة حسين أحمد المدني، والشيخ عزيز كل - وقد أسرتهم الحكومة الإنجليزية ونفتهم وزملاءهم وتلاميذهم إلى جزيرة مالطا -، ومولانا عبد الباري الفرنجي محلي، ومولانا محمد علي، ومولانا شوكت علي، ومولانا أبو الكلام آزاد وغيرهم (^٣).\nلكن لما حان وقت الاستقلال اختلف المسلمون والهندوس في التقاسم على السلطة، وأدى هذا الاختلاف إلى اضطرابات طائفية شديدة بين المسلمين والهندوس، ووقعت المذابح التي راحت ضحيتها الآلاف\n_________\n(^١) \"المسلمون في الهند\" (ص ١٦٤).\n(^٢) \"كفاح المسلمون في تحرير الهند\" (ص ١٥١).\n(^٣) انظر: \"المسلمون في الهند\" (ص ١٦٢)، وانظر: \"مسيرة الحياة\" لأبي الحسن الندوي (١/ ١٦٩).","vol":"1","page":24},{"text":"من الطرفين، ولم يعد هناك مفر من التسليم بالأمر الواقع، والخضوع لفكرة التقسيم، التي أصبحت عقيدة المسلمين وحياتهم (^١).\nواختلف العلماء والناس في قضية التقسيم، فبعضهم كان لا يرى تقسيم الهند مفيدًا وضروريًّا؛ بل سيكون أضرارًا وأخطارًا كبيرة على الدعوة الإسلامية، وسيُفقد المسلمين نفوذهم السياسي وتأثيرهم الديني في الهند.\nورأى البعض الآخر أن التقسيم لا بد منه؛ لأن السلطة ستكون للمسلمين فقط لا يشاركهم فيها غيرهم، ويعيش المسلمون فيه حياة العز والكرامة.\nفمن العلماء الذين أيدوا فكرة التقسيم وبذلوا جهودًا كثيرة في تأسيس دولة إسلامية: شيخ الإسلام مولانا ظفر أحمد التهانوي، ومولانا شبير أحمد العثماني، والمفتي محمد حسن الأمر تسري وغيرهم (^٢).\nفبدأ الناس يهاجرون من الهند إلى باكستان، ووقعت حينئذٍ الاضطرابات الطائفية الدموية التي تقشعر الجلود من سماع أحوالها في دلهي، وبنجاب الشرقية والمدن الأخرى.\nواجتمع الشيخ المجاهد حسين أحمد المدني، والشيخ الرباني عبد القادر الرائي فوري، والشيخ محمد زكريا الكاندهلوي، وقرروا عدم الهجرة إلى باكستان وعزموا على البقاء في الهند والموت فيها، وكانوا يحثون الناس على الثبات والبقاء في الهند مهما كلّفهم ذلك من ثمن، وكانوا يحرِّضونهم على تحمل الشدائد والمكاره، والإيمان بالله، فقرر كثير من الذين آثروا الهجرة أن يتخلوا عن نيتها (^٣)، وأبدى هؤلاء العلماء ثباتًا لا نظير له، مع الهمة العالية والثقة الكاملة بوعد الله - ﷾ -.\n_________\n(^١) انظر: \"باكستان في ماضيها وحاضرها\" (ص ٥١).\n(^٢) انظر: \"آب بيتي\" (في الأردية) (٥/ ٢٦).\n(^٣) انظر: \"آب بيتي\" (في الأردية) (٥/ ٢٩).","vol":"1","page":25},{"text":"وقد ترك هذا التقسيم في نفوس مسلمي الهند اليأس وعدم الثقة، يقول العلامة أبو الحسن الندوي: عدنا في أواخر يناير/ كانون الثاني ١٩٣٨ م - حيث كان في الحجاز عند التقسيم -؛ فوجدنا الدنيا غير الدنيا، والأوضاع غير الأوضاع، ورأينا البقية الباقية من المسلمين في الهند - وقد كان عددهم كبيرًا جدًا - مصابين - إلا من رحم ربك - باليأس ومُركب النقص، فقد خذلهم قادتهم القوميون فأصبحوا يجهلون رسالتهم ودعوتهم ونفعهم، كأنهم يعيشون في ظلام قاتل لا يبصرون شيئًا من النور، تسودهم الدهشة والحيرة (^١).\nوهبّ علماء المسلمين للدفاع عن الإسلام والمسلمين ولإيجاد الثقة فيهم، فهذا المجاهد الشيخ حسين أحمد المدني والشيخ حفظ الرحمن السيوهاروي، والمفتي كفاية الله، ومولانا أبو الكلام آزاد، وغيرهم وقفوا مع قادة الأكثرية كالند للند، وكانت هذه المواجهة البطولية مضربًا للأمثال، وكان لها دورٌ كبيرٌ وفائدةٌ لا تنكر في إيجاد الثقة والاعتماد (^٢).\nونشطت الدعوة الإسلامية بكل قوة وصرامة، فهذا الشيخ محمد يوسف - أمير جماعة التبليغ - وأتباعه خرجوا في طول الهند وعرضها، بل تجاوزوا إلى باكستان والدول الأخرى، لبثِّ الشعور الديني فيهم وإثارة عاطفة الخشوع والإنابة والتوجه إلى الله، وكان الشيخ محمد يوسف يقول: إن قلوبهم في هذا الوقت منكسرة، فإن أنابوا إلى الله وتابوا إليه توبة نصوحًا فإن هذه السحب الكثيفة التي تتراكم ستنقشع ويرفع الله العذاب عنهم (^٣).\nوأما الشيخ المحدث محمد زكريا الكاندهلوي، فقد كان مشرفًا على جماعة التبليغ وموجهًا لها، حيث كان يقيم في مركزها في نظام الدين بدلهي\n_________\n(^١) \"مسيرة الحياة\" لأبي الحسن الندوي (١/ ٢٠٣).\n(^٢) انظر في: \"مسيرة الحياة\" للندوي (١/ ٢٠٥)، و\"المسلمون في الهند\" (ص ١٦٧).\n(^٣) \"تذكرة الشيخ محمد يوسف\" (بالأردية) (ص ٢٨٥).","vol":"1","page":26},{"text":"عدة أيام، يوجه الجماعة ويشرف على المدارس الإسلامية الأهلية التي كانت قائمة، والتي أقيمت في عصره، ويسافر إليها ليتفقد أحوالها ويوجهها بآرائه السديدة (^١)، وكذا قام بالرد على الملحدين والفرق الباطلة ردًا علميًا وفكريًا مقنعًا، فمن ذلك كتابه \"إسلام المشرقي\"، و\"القاديانية\".\n\n<span data-type='title' id=toc-9>ب - الحالة العلمية:</span>\nيعد الإمام ولي الله الدهلوي مسند الهند بإجماع العلماء، سافر الإمام الدهلوي إلى الحجاز، وأخذ الحديث عن الشيخ أبي طاهر محمد بن إبراهيم المدني الكردي (^٢) (ت ١١٤٥ هـ)، وغيره من علماء الحديث، وعاد إلى الهند وقصر همته على نشر الحديث الشريف، وأقام دولة الحديث في هذه البلاد، وأصبحت المدرسة الرحيمية التي أسسها والده الشاه عبد الرحيم الدهلوي أكبر مدرسة حديثية في الهند، تهافت عليها طلاب علم الحديث من كل أنحاء الهند وأصقاعها تهافت الفراش على النور (^٣)، وخرّج علماء ورجالًا، يقومون بهذه المهمة، فقام بعده نجله الأكبر سراج الهند الشيخ عبد العزيز الدهلوي (^٤) (ت ١٢٣٩ هـ) فدرَّس وألَّف، وخرّج وخلّف التلاميذ الكبار والعلماء الفحول في الحديث الشريف، من أشهرهم سبطه الشيخ إسحاق بن محمد أفضل العمري المتوفى سنة (١٢٦٢ هـ)، قال المؤرخ عبد الحي الحسني: أخذ عنه ناس كثير، حتى لم يبق في الهند سند للحديث غير هذا السند، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء (^٥).\n_________\n(^١) انظر: \"آب بيتي\" (٥/ ١٩)، و\"تذكرة الشيخ محمد زكريا\" (ص ٢٢٦).\n(^٢) انظر ترجمته في: \"إنسان العين في مشايخ الحرمين\" للدهلوي (ص ١٣)، و\"سلك الدرر\" للمرادي (٤/ ٢٧).\n(^٣) \"رجال الفكر والدعوة\" لسماحة الشيخ أبي الحسن الندوي (٤/ ١٤٩).\n(^٤) \"نزهة الخواطر\" للسيد عبد الحي الحسني (٧/ ٥٩).\n(^٥) \"نزهة الخواطر\" (٧/ ٥٩، ٦٠).","vol":"1","page":27},{"text":"ثم تفرعت مدرسة الإمام ولي الله الدهلوي بعد الشيخ إسحاق إلى فرعين يمثلان مدرستين فكريَّتين رئيسيتين في الهند:\n\n<span data-type='title' id=toc-10>الفرع الأول: مدرسة الأحناف:</span>\nوكان على رأسها الشيخ عبد الغني المهاجر المدني (ت ١٢٩٦ هـ) (^١)، أخذ الحديث عن الشيخ إسحاق الدهلوي، وكان من أشهر تلاميذه المصلح الكبير العلَّامة رشيد أحمد الكنكوهي (ت ١٣٢٣ هـ) (^٢)، والإمام محمد قاسم النانوتوي (ت ١٢٩٨ هـ) (^٣) من مؤسسي جامعة دار العلوم ديوبند، وأخذ عنه إجازة رواية الحديث المحدث خليل أحمد السهارنفوري (ت ١٣٤٦ هـ) صاحب \"بذل المجهود\"، والعلَّامة محمود حسن الديوبندي الملقب بشيخ الهند (ت ١٣٣٩ هـ) (^٤)، والعلَّامة المحدث أنور شاه الكشميري (ت ١٣٥٢ هـ) (^٥) صاحب \"فيض الباري شرح صحيح البخاري\"، والمحدث شبير أحمد العثماني (ت ١٣٦٩ هـ) (^٦) صاحب \"فتح الملهم في شرح صحيح مسلم\"، والمحدث ظفر أحمد التهانوي (ت ١٣٩٤ هـ) (^٧)، صاحب \"قواعد في علوم الحديث\"، والمحدث فخر الدين أحمد المرادآبادي (ت ١٣٩٢ هـ) (^٨)، وغيرهم من العلماء.\n_________\n(^١) انظر ترجمته في: \"نزهة الخواطر\" (٨/ ١٦٣).\n(^٢) \"نزهة الخواطر\" (٧/ ٣٢٠).\n(^٣) انظر ترجمته في: \"نزهة الخواطر\" (٨/ ٤٨٠).\n(^٤) انظر ترجمته في: \"نزهة الخواطر\" (٨/ ٤٩١).\n(^٥) انظر ترجمته في: \"نفحة العنبر في حياة إمام العصر الشيخ أنور\" للمحدث محمد يوسف البنوري، و\"العناقيد الغالية\" (ص ١٢٩)، و\"تراجم ستة من فقهاء العالم الإسلامي\" للشيخ عبد الفتاح أبو غدة (ص ١٣ - ٨١).\n(^٦) انظر: \"العناقيد الغالية\" (ص ٥٦).\n(^٧) \"العناقيد الغالية\" (ص ٢٥٠)، ومقدمة \"قواعد في علوم الحديث\" للشيخ عبد الفتاح أبو غدة.\n(^٨) انظر ترجمته في: \"العناقيد الغالية\" (ص ٦٠).","vol":"1","page":28},{"text":"<span data-type='title' id=toc-11>الفرع الثاني: مدرسة أهل الحديث (الذين يرون عدم التقليد للأئمة الأربعة):</span>\nوكان على رأسها الشيخ نذير حسين الدهلوي (ت ١٣٢٠ هـ) الذي أخذ الحديث عن الشيخ إسحاق الدهلوي، والمحدث محمد بشير السهسواني (ت ١٣٢٣ هـ) (^١)، والمحدث شمس الحق العظيم آبادي (ت ١٣٢٩ هـ) صاحب \"غاية المقصود شرح سنن أبي داود\"، والمحدث عبد الرحمن المباركفوري (ت ١٣٥٣ هـ) (^٢) صاحب كتاب \"تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي\"، والشيخ عبيد الله المباركفوري (١٣٢٧ - ١٤١٤ هـ) (^٣) صاحب كتاب \"مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح\"، وغيرهم من العلماء.\nوأما في العلوم والمعارف الأخرى، فقد برز كل من الشيخ المصلح الكبير والمربي الشهير مولانا أشرف علي التهانوي (ت ١٣٦٢ هـ) (^٤)، والعلامة محمود حسن خان التونكي (ت ١٣٦٦ هـ) (^٥) صاحب \"معجم المصنفين\"، والعلامة مناظر أحسن الكيلاني (ت ١٣٧٥ هـ)، وغيرهم من العلماء الربانيين (^٦).\nوعلى الرغم من انحطاط المسلمين سياسيًا واقتصاديًا وتدهور الحالة الاجتماعية، فقد نشطت الحركة العلمية بوجود هؤلاء العلماء تدريسًا وتأليفًا في هذا العصر، وكان لهم الفضل في إنشاء العديد من مدارس العلوم الشرعيّة، في الهند التي لها آثارها إلى اليوم.\n_________\n(^١) انظر ترجمته في: \"نزهة الخواطر\" (٨/ ٤٣٧).\n(^٢) انظر ترجمته في: \"نزهة الخواطر\" (٨/ ٢٥٩).\n(^٣) انظر ترجمته في: مقدمة \"مرعاة المفاتيح\" (ص ٩)، وانظر: جريدة \"الرائد\" أول مارس/ آذار ١٩٨٩ م، ومجلة \"البعث الإسلامي\" عدد رقم (١) مجلد رقم (٣٤).\n(^٤) انظر ترجمته في: \"نزهة الخواطر\" (٨/ ٦٥).\n(^٥) انظر ترجمته في: \"نزهة الخواطر\" (٨/ ٤٩٠).\n(^٦) \"المسلمون في الهند\" (ص ٣٧).","vol":"1","page":29},{"text":"<span data-type='title' id=toc-12>المبحث الأول: نشأته وحياته</span>\n<span data-type='title' id=toc-13>اسمه ونسبه:</span>\nهو محمد زكريا بن محمد يحيى بن محمد إسماعيل بن الطبيب غلام حسين بن كريم بخش بن الطبيب غلام محيي الدين بن محمد ساجد بن فيض محمد بن شاه محمد شريف بن محمد أشرف بن جمال محمد بن نور محمد المعروف بابن شاه بن بهاء الدين بن شيخ محمد (^١)، ينتهي نسبه إلى سيدنا أبي بكر الصديق - ﵁ - (^٢)\n\n<span data-type='title' id=toc-14>لقبه:</span>\nلُقِّب \"بشيخ الحديث\"، وذلك لعمق نظره في الحديث الشريف وعلومه، لقّبه به شيخه خليل أحمد السهارنفوري لما رأى فيه من دقة النظر وسعة الاطلاع في الحديث وعلومه (^٣).\n_________\n(^١) \"تذكرة شيخ الحديث كي أجداد\" (أجداد شيخ الحديث) مجلة الفرقان ١٩٨٢ م، (ص ٣٩)، وانظر: \"حالات مشايخ كاندهلة\" (ص ١٠٠٩)، وانظر: مقدمة \"أوجز المسالك\" (ص ٥٦).\n(^٢) انظر: \"الداعية الكبير الشيخ محمد إلياس الكاندهلوي\" للشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي (ص ٩)، و\"مجلة أحوال وآثار كاندهلة\" (بالأردية) (ص ٤٤).\n(^٣) مجلة الفرقان \"مقال عاشق رسول\" لزين العابدين سجاد الميرتهي (ص ١٩١).","vol":"1","page":30},{"text":"<span data-type='title' id=toc-15>مولده:</span>\nولد الشيخ محمد زكريا في قرية \"كاندهله\" (^١) (kandhala)  لعشر خلون من رمضان سنة خمس عشرة وثلاثمائة وألف (١٣١٥ هـ)، الموافق ١٢/ فبراير/ شباط ١٨٩٨ م ليلة الخميس في الساعة الحادية عشرة، فسُمي باسمين: محمد موسى ومحمد زكريا، فغلب الآخر على الأول (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-16>أسرته:</span>\nأسرة الشيخ محمد زكريا مشهورة بالعلم والتدين والصلاح والورع، فقد كان والده الشيخ محمد يحيى من كبار العلماء في الهند في المنقول والمعقول، وكان حاملًا لعلوم شيخه رشيد أحمد الكنكوهي، فجمع أماليه التي أملاها في أثناء تدريس \"صحيح البخاري\"، و\"جامع الترمذي\"، وغيرهما من الكتب الستة.\nدرَّس في مدرسة مظاهر العلوم بسهارنفور مدة من الزمن، ولم يأخذ أجرة على هذا العمل، بل أنشأ مكتبة تجارية سمَّاها: \"محمد يحيى تاجر كتب دينية\" ليعود نفعها عليه (^٣).\nقال الشيخ أبو الحسن الندوي: ولد - أي: الشيخ محمد زكريا - في بيت عريق في العلم والدين، وامتاز رجاله وأسلافه بعلو الهمة وشدة المجاهدة، والتمسك بالدين والصلابة فيه، أشهرهم في الأولين الشيخ العلامة المفتي إلهي بخش الكاندهلوي (١١٦٢ - ١٢٤٥ هـ) تلميذ الشيخ\n_________\n(^١) وهي إحدى القرى الجامعة في مديرية مظفر نجر في ولاية أترابراديش بالهند، ينسب الشيخ إلى هذه القرية فيقال له: الكاندهلوي.\n(^٢) \"تذكرة شيخ الحديث مولانا محمد زكريا\" (ص ٤٩) (بالأردية)، وانظر: مقدمة \"أوجز المسالك\" (ص ٥٦).\n(^٣) انظر: \"سيرة مولانا يحيى\" لمحمد عزير الندوي (ص ١٦٦)، و\"تذكرة الخليل\" لعاشق إلهي الميرتهي (ص ٢٠٢).","vol":"1","page":31},{"text":"عبد العزيز بن ولي الله الدهلوي، وخليفة المجاهد الشهير السيد أحمد الشهيد البريلوي، وأشهرهم في الآخرين الداعي إلى الله المشهور في الآفاق عمّه الشيخ محمد إلياس الكاندهلوي صاحب دعوة \"التبليغ\" (ت ١٣٦٣ هـ)، ودرَّس وجاهد في سبيل الله غير واحد من أفراد هذه الأسرة، وجده الشيخ محمد إسماعيل (١٣١٥ هـ) من الذين اتفقت الألسنة على إخلاصه وصلاحه وزهده (^١).\nوأما جدته صفية بنت ضياء الحسن فكانت حافظةً للقرآن، وقد حفظته بعد الزواج، حين كان ابنها الشيخ محمد يحيى رضيعًا، كانت تتلو القرآن كله وعشرة أجزاء زيادة عليه في كل يوم من شهر رمضان المبارك، وعلى ذلك كانت تتلو القرآن في كل رمضان أربعين مرة، وذلك بجانب القيام بشؤون البيت ووظائفه (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-17>نشأته وطلبه العلم:</span>\nنشأ الإمام في بيت علم ودين وصلاح، وانتقل مع والده إلى قرية \"كنكوه\" في مديرية \"سهارنفور\" بأترابراديش، حيث حمله والده إلى العالم الرباني المصلح رشيد أحمد الكنكوهي، وسعد بحنانه وعطفه الأبوي لما بينه وبين والده من اختصاص، فلما بلغ الثامنة من عمره توفي الشيخ رشيد الكنكوهي (ت ١٣٢٣ هـ) فنشأ في هذه البيئة العلمية الدينية، وبدأ بتعلُّم حروف الهجاء على الطبيب عبد الرحمن المظفر نكري - وكان من أصحاب الشيخ الكنكوهي - وحفظ القرآن على والده، وقرأ الكتب الفارسية على عمِّه الشيخ محمد إلياس - مؤسس جماعة التبليغ - وكتب الصرف والنحو على والده (^٣).\n_________\n(^١) مقدمة \"الأوجز\" (ص ١٦).\n(^٢) \"الشيخ محمد إلياس الكاندهلوي\" لأبي الحسن الندوي (ص ١٠).\n(^٣) انظر: \"ولي كامل\" للمفتي عزيز الرحمن (ص ١٢١)، و\"تذكرة شيخ الحديث محمد =","vol":"1","page":32},{"text":"قال الشيخ أبو الحسن الندوي: نشأ في بيئة من أفضل البيئات في ذلك الزمان وأكثرها محافظة على الآداب والسنن، وأبعدها عن الفساد الذي بدأ ينتشر في البلاد (^١).\nولما بلغ اثني عشر عامًا من عمره انتقل مع والده إلى \"سهارنفور\" المركز العلمي الكبير، وهنا بدأ يقرأ على والده أكثر الكتب في الصرف والنحو والأدب والمنطق.\nثم توجه إلى أخذ الحديث من والده سنة (١٣٣٢ هـ)، فاغتسل الشيخ محمد يحيى وصلّى ركعتين وبدأ تدريس \"مشكاة المصابيح\"، ثم دعا دعاءً طويلًا لنفسه ولولده، من ذلك اليوم أصبح الحديث غايته ومقصده، وقرأ الكتب الستة على والده - ما عدا السنن لابن ماجه - ثم قرأ \"صحيح البخاري\"، و\"سنن الترمذي\" على العالم الجليل الشيخ خليل أحمد السهارنفوري (^٢)، وكان يهتم بأن لا يقرأ أي رواية دون وضوء (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-18>تدريسه:</span>\nعُين مدرسًا في مدرسة \"مظاهر علوم\" بسهارنفور في المحرم سنة ١٣٣٥ هـ، وفوِّض إليه تدريس كتب في النحو والصرف والفقه، وبعض\n_________\n= زكريا\" لأبي الحسن الندوي (ص ٥٤)، و\"تذكرة شيخ الحديث مولانا محمد زكريا\" للشيخ يوسف اللدهيانوي (ص ٨٦)، و\"آب بيتي\" (٢/ ٢٧).\n(^١) مقدمة \"الأوجز\" (ص ١٧).\n(^٢) هو من كبار العلماء الصالحين، وكبار الفقهاء والمحدِّثين، وحصل على الإجازة من كبار المشايخ والمسندين كالشيخ محمد مظهر النانوتوي، والشيخ عبد القيوم البُدهانوي، والشيخ عبد الغني المجددي، التقى به الشيخ رشيد رضا المصري وتأثر بشخصيته وأثنى على علماء الهند، توفي سنة (١٣٤٦ هـ) في المدينة المنورة. انظر: \"نزهة الخواطر\" (٨/ ١٤٥).\n(^٣) انظر: \"تذكرة شيخ الحديث مولانا محمد زكريا\" لأبي الحسن الندوي (ص ٦١)، وكتاب \"تذكرة شيخ الحديث\" للدهيانوي (١/ ٩٧)، و\"آب بيتي\" (٢/ ٦٠).","vol":"1","page":33},{"text":"الكتب في اللغة العربية، ثم فوِّض إليه بعض الكتب المهمة في الأدب والفقه، وفي سنة ١٣٤١ هـ فُوِّض إليه تدريس ثلاثة أجزاء من \"صحيح البخاري\" بأمر من الشيخ خليل أحمد السهارنفوري وإلحاحه، وظل يُدرس \"مشكاة المصابيح\" إلى سنة ١٣٤٤ هـ (^١).\nقال الشيخ أبو الحسن الندوي: وهو من أصغر الأساتذة، وأُسند إليه تدريس كتب لا تسند عادةً إلى أمثاله في العمر، ولا في أول التدريس، وأثبت المدرِّس الشاب جدارته وقدرته على التدريس (^٢).\nثم سافر سنة ١٣٤٥ هـ إلى الحجاز وأقام هناك لمدة عام، ودرّس في المدينة المنورة بمدرسة العلوم الشرعية \"سنن أبي داود\" لبعض الطلبة من بلاد المغرب (^٣) وغيرها.\nورجع من الحجاز في ١٨ صفر ١٣٤٦ هـ، وبدأ تدريس \"سنن أبي داود\"، و\"سنن النسائي\"، و\"الموطأ\" برواية الإمام محمد، والنصف الثاني من \"صحيح البخاري\" في مدرسة \"مظاهر علوم\"، ثم انتقل إليه \"صحيح البخاري\" كله بعد وفاة مدير المدرسة الشيخ عبد اللطيف الذي كان يقوم بتدريس النصف الآخر من \"صحيح البخاري\"، فدرّس الشيخ محمد زكريا إلى سنة ١٣٨٨ هـ، ثم توقف عن التدريس بسبب نزول الماء في عينيه، وقد درّس في هذه المدة \"سنن الترمذي\"، و\"الجامع الصحيح\" لمسلم، و\"شمائل\" الترمذي، وغيرها من الكتب (^٤).\n_________\n(^١) انظر: \"تذكرة شيخ الحديث مولانا محمد زكريا\" لأبي الحسن الندوي (ص ٦٧)، \"ولي كامل\" (ص ٣٦)، و\"مجلة الفرقان\" (ص ٢٣٢).\n(^٢) مقدمة \"الأوجز\" (ص ١٨).\n(^٣) \"مجلة الفرقان\" (ص ٢٣٣)، وانظر: \"علماء مظاهر علوم وخدماتهم العلمية والتأليفية\" (ص ٣٠٢).\n(^٤) \"مجلة الفرقان\" (ص ٣٣).","vol":"1","page":34},{"text":"ودرّس المجلد الأول من \"صحيح البخاري\" خمسًا وعشرين مرة، و\"صحيح البخاري\" كاملًا ست عشرة مرة، و\"سنن أبي داود\" ثلاثين مرة.\nولم يكن يُدرس الحديث فقط مثل عامة الأساتذة، بل صار الحديث ذوقه وروحه وغذاءه، حيث شغفه حبه واختلط بلحمه ودمه (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-19>استفادته من شيخه لتأليف الكتب الحديثية:</span>\nكان مما أكرمه الله به أن شيخه أبدى رغبته وحرصه الشديد على وضع شرحٍ لسنن أبي داود، وطلب من الشيخ محمد زكريا أن يساعده في ذلك، وأن يكون له فيه عضده الأيمن وقلمه الكاتب، وكان ذلك مبدأ سعادته وإقباله ووسيلة وصوله إلى الكمال، واختصاص لا مزيد عليه بالشيخ، فكان الشيخ خليل أحمد يرشده إلى المظان والمصادر العلمية التي يلتقط منها المواد، فيجمعها الشيخ محمد زكريا ويعرضها على شيخه، فيأخذ منها ما يشاء، ويترك ما يشاء، ثم يُملي عليه الشرح فيكتبه، وهكذا تمّ تأليف كتاب، \"بذل المجهود في حَلّ سنن أبي داود\".\nوفتح ذلك قريحته في التأليف والشرح، ووسَّع نظره في فن الحديث، ثم اهتم بطبعه في المطابع الهندية، والعناية بتصحيحه وإخراجه بإخلاص كامل، ومجاهدة شديدة، فنال بذلك رضا شيخه وحاز ثقته، حتى انتهى ذلك إلى ما انتهى إليه من خلافة ونيابة، وإقبال القلوب والنفوس إليه، وما وُفق له من بعد من جلائل الأعمال وفضائل الأخلاق (^٢).\nوقد ذكر ذلك المحدِّث خليل أحمد السهارنفوري في مقدمة \"بذل المجهود\" (^٣) فقال: \"وأعانني عليه بعض أحبائي، منهم عزيزي وقرة عيني وقلبي، الحاج الحافظ المولوي محمد زكريا بن مولانا الحافظ المولوي محمد يحيى الكاندهلوي - ﵀ -، فإني كنت لا أقدر على الكتابة ولا على\n_________\n(^١) \"العناقيد الغالية من الأسانيد العالية\" (ص ١١٩).\n(^٢) مقدمة \"أوجز المسالك\" (ص ١٧).\n(^٣) (ص ٤٠).","vol":"1","page":35},{"text":"التتبع، لرعشة حدثت في يدي وضعف في دماغي وبصري، فكنت أملي عليه وهو يكتب، ويتتبع المباحث المشكلة من مظانها، فيَسهُل عليَّ إملاؤها، فشكر الله سعيه وأحسن جزاءه، وما بذل فيه من جهد، وأكرمه الله تعالى بعلومه الباطنة والظاهرة النافعة في الدنيا والآخرة، وبالأعمال المبرورة المتقبلة الزاهرة\".\nفكان لهذا أكبر الأثر في تكوين شخصيته العلمية، وفتح له الطريق في مستقبل حياته حتى صدرت عنه مؤلفات كثيرة وتحقيقات نادرة.\n\n<span data-type='title' id=toc-20>وفاة والده:</span>\nفي ١٠ من ذي القعدة سنة ١٣٣٤ هـ، انتقل والده الشيخ محمد يحيى إلى رحمة الله، ونزلت هذه الكارثة كالصاعقة على الشيخ، وكان لها أكبر الأثر في نفسه، حيث لم يكن والدًا له فحسب، بل كان والدًا ومربيًا وأستاذًا، فحزن لذلك حزنًا شديدًا لم يفارقه قط (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-21>رحلته إلى الحرمين:</span>\nوفقه الله - ﷾ - للحج أكثر من مرة، ففي شعبان سنة ١٣٣٨ هـ لما أراد الشيخ خليل أحمد السهارنفوري أن يسافر للحج، وبلغ الشيخ محمد زكريا هذا الخبر، ثار فيه الحنين إلى الحج، وكان يحول بينه وبين تلك الأمنية العزيزة اللذيذة عوائق وصعوبات في مقدمتها توفير النفقة وما تكلفه الرحلة الكريمة، ولكن الله الحكيم يسَّر له المهمة، وذلَّل له الصعاب، ووفَّر له كل سهولة، واستطاع أن يحوز هذه السعادة ويتمتع بمعية شيخه ومربيه (^٢).\nواستفاد الشيخ بهذه الرحلة المباركة فوائد كثيرة روحيًا وعلميًّا.\n_________\n(^١) انظر كتاب: \"ولي كامل\" (ص ١١٨) (بالأردية).\n(^٢) انظر: \"الشيخ محمد زكريا\" لأبي الحسن الندوي (ص ٧٣) (بالأردية)، و\"آب بيتي\" (٤/ ٢٣٤).","vol":"1","page":36},{"text":"وقد عثر الشيخ خليل أحمد السهارنفوري على نسخة خطية لـ \"مصنَّف عبد الرزاق\"، فأراد أن يشتريها فطلب صاحبها ثمنًا باهظًا؛ فتركها الشيخ خليل أحمد لعدم وجود نقود كافية لشرائها، فلما عرف الشيخ محمد زكريا هذا طلب من صاحب المخطوطة السماح بنسخها فأجازه؛ لأنه رأى أنه لم يبق للسفر - أي: للرجوع إلى الهند - إلا عشرة أيام تقريبًا، فهم لا يستطيعون نسخها، فأخذ الشيخ المخطوطة إلى مقره وجعل ينقل هذه المخطوطة، وشاركه بعض زملائه حتى أنهم أكملوا نسخها ومراجعتها كاملة خلال عشرة أيام، فتعجب الشيخ السهارنفوري من علو همة تلميذه ونباهته وجهده، ودعا له (^١).\nثم سافر للحج في شوال سنة ١٣٤٤ هـ في رفقة الشيخ خليل أحمد السهارنفوري أيضًا، واستفاد من شيخه في هذا السفر الميمون، وهنا تم تأليف كتاب \"بذل المجهود\" الذي صبَّ فيه الشيخ السهارنفوري مهجة نفسه، وعُصارة عمله، وحصيلة دراسته، ثم توفي في الحجاز سنة ١٣٤٦ هـ ودفن في البقيع.\nوفي المدينة المنورة على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم، بدأ الشيخ بتأليف كتابه \"أوجز المسالك إلى موطأ الإمام مالك\"، وهو في التاسعة والعشرين من عمره (^٢). وقد تشرف الشيخ محمد زكريا بزيارة الحرمين الشريفين أكثر من مرة، وكان لذلك أكبر الأثر في تكوين شخصيته.\n\n<span data-type='title' id=toc-22>أعماله اليومية:</span>\nرتَّب الشيخ أوقاته وحافظ عليها بكل دقة وشدة، حيث كان يستيقظ قبل أذان الفجر بساعة ويشتغل بالتهجد والتلاوة، ثم يصلّي صلاة الفجر، وبعد الصلاة يشتغل بحزبه وورده حتى الشروق، ثم يخرج إلى بيته، ويجلس\n_________\n(^١) انظر: \"آب بيتي\" (٤/ ٢٣٤).\n(^٢) انظر: \"شخصيات وكتب\" لأبي الحسن الندوي (ص ٤٤).","vol":"1","page":37},{"text":"مع الناس ويتناول الشاي دون فطور وأكل، ويكثر عدد الناس في هذا الوقت، ثم يصعد إلى غرفة مطالعته، فيشتغل بالمطالعة والتأليف، ولا يزوره في هذا الوقت إلا من يطلبه أو من يكون مستعجلًا من الضيوف، فإذا كان وقت الغداء نزل وجلس مع الضيوف الذين هم عادة من طبقات شتى، فيؤنسهم ويكرمهم، ثم يقيل، فإذا صلَّى الظهر اشتغل بإملاء الرسائل والرد عليها قليلًا، يتراوح عدد الرسائل التي تأتيه من أنحاء مختلفة بين أربعين وخمسين رسالة، ثم يخرج إلى الدرس، وكان يشتغل به ساعتين كاملتين قبل العصر، فإذا صلَّى العصر جلس للناس، وقدَّم لهم الشاي وهم في عدد كبير، فإذا صلَّى المغرب اشتغل طويلًا بالتطوع والأوراد، ولا يتناول العَشاء عادة إلا إكرامًا لضيف كبير (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-23>التفاني في حب الله ورسوله:</span>\nكان الشيخ حريصًا على اتباع السُّنَّة في كل أمر صغير وكبير، حرصًا يندر وجوده في كثير من العلماء، وكان لديه حبٌّ شديد للرسول - ﷺ - ولمدينته، فكلَّما ذُكر شيء من أخبار الرسول - ﷺ - والصحابة أو الأولياء، أو أُنشد بيت رقيق مرقق فاضت عيناه، وتملَّكه البكاء وهو يغالبه ويخفيه، فتنمُّ عنه الدموع، وليس الحديث له صناعة وعلمًا فحسب، بل هو ذوق وحال يعيش به ويعيش فيه (^٢).\nويقول الشيخ أبو الحسن الندوي: سافر على جناح الشوق والحنين المرة الخامسة إلى الحجاز في صفر ١٣٨٩ هـ، وكأنه مدفوع إلى ذلك لا يملك صبرًا ولا قرارًا، وقد نذر صوم شهرين متتابعين شكرًا على هذه النعمة.\nواستطرد الشيخ الندوي قائلًا: وقد أسعد الله كاتب هذه السطور\n_________\n(^١) انظر: مقدمة \"الأوجز\" (ص ١٩).\n(^٢) مقدمة \"الأوجز\" (ص ٢٠).","vol":"1","page":38},{"text":"بمرافقته في هذه الرحلة، فرأى من علوِّ همته وقوة إرادته، وشدة أدبه مع الرسول - ﷺ -، وشدة حبه له وشوقه إليه، ومن علوِّ استعداده ومداركه، وما أكرمه الله به في هذه المدة من القرب والاختصاص، ما جدَّد ذكرى الأقدمين، وصدّق ما جاء في كتب أخبار السلف الصالحين (^١).\nوقد ذكر تلامذته أنه كلما جاء ذكر وفاة النبي - ﷺ - في أثناء تدريسه لسنن أبي داود أو البخاري، اغرورقت عيناه وغصَّ صوته وخضع للبكاء، وكان لبكائه تأثير سريع، فيقول تلامذته: فكنا نحن الشباب نبكي بصوت عال (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-24>زواجه:</span>\nتزوج الشيخ محمد زكريا مرتين: المرة الأولى كان زواجه من بنت الشيخ رؤوف الحسن في \"كاندهله\"، ولكنها توفيت في ٥ ذي الحجة ١٣٥٥ هـ.\nثم تزوج بعدها ببنت الشيخ محمد إلياس الكاندهلوي، مؤسس جماعة التبليغ في ٨ ربيع الآخر سنة ١٣٥٦ هـ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-25>أولاده:</span>\nرزقه الله من زوجته الأولى خمس بنات وثلاثة ذكور، ورُزق من زوجته الثانية بنتين وذكرًا، وهو الشيخ محمد طلحة الكاندهلوي (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-26>صفاته الخَلقية والخُلقية:</span>\nذكر العلامة أبو الحسن الندوي صفاته فقال: هو مربوع القامة، جسيم وسيم، أبيض اللون مشرب بالحمرة، كأنما فُقِء في وجنتيه حب الرمان،\n_________\n(^١) مقدمة \"الأوجز\" (ص ٢٠).\n(^٢) انظر: \"تاريخ جامعة مظاهر علوم\" (ص ٧٨).\n(^٣) انظر: \"آب بيتي\" (٣/ ٨٧، ٣/ ١٦١، ١٦٢).\n(^٤) انظر: \"مجلة الفرقان\" (ص ٢٩).","vol":"1","page":39},{"text":"كثير النشاط لا يعرف الكسل، خفيف الروح، بشوش ودود، كثير الدُّعابة مع الذين يأنسهم أو يحب أن يؤنسهم (^١).\nفنرى في الإمام الخلق الحسن، والتسامح مع الناس، والتواضع النادر، وأن تكون تلك الخلال والصفات محكومة بالإيمان والاحتساب، منسجمة مع مبادئ الإسلام متوافقة مع روح الشريعة المطهرة، فذاك شيء من القلة بالمكان الذي يصعب مناله.\n\n<span data-type='title' id=toc-27>زهده وتوكله على الله:</span>\nورث الشيخ محمد زكريا الزهد والورع والتوكل والأخلاق الحميدة من والده - ﵀ -. وقد عُرضت عليه عدة وظائف للتدريس براتب كبير يزيد على راتبه الرمزي في \"مظاهر علوم\" بأَضعاف مضاعفة، وكان امتحانًا شديدًا لإخلاصه وعلو همته، فقد كانت هذه الوظائف مما يتنافس فيها المتنافسون، ويتهالك عليها الطالبون، فاعتذر عنها في صرامة وعزم، وفي ثقة وإيمان، أذكرها بإيجاز:\n١ - كانت لأسرة الشيخ محمد زكريا علاقة بجامعة \"عليكراه\" (^٢) من يوم تأسيسها؛ لأن مؤسِّس هذه الجامعة السيد أحمد خان كان تلميذًا للشيخ نور الحسن الكاندهلوي (^٣)، وقد التحق كثير من الشباب الأذكياء بهذه الجامعة لإكمال دراستهم في تلك الأيام، وكان منهم الشيخ بدْر الحسن الذي تخرج في هذه الجامعة وكان في سنّ الشيخ محمد زكريا ومن أقربائه وبلغ في وظيفته إلى درجة القاضي، وصار عضوًا في مجلس الأمناء لجامعة عليكراه، فلما علم أن راتب الشيخ خمس عشرة روبية، وهي لا تكفي\n_________\n(^١) مقدمة \"الأوجز\" (ص ٢٠).\n(^٢) هي جامعة مدنية حكومية تحت إشراف المسلمين.\n(^٣) وهو من أسرة الإمام محمد زكريا الكاندهلوي، انظر ترجمته في: \"أحوال وآثار كاندهلة\" (ص ٢٨).","vol":"1","page":40},{"text":"أسرته ذات المكانة الكبيرة، ألحَّ على الشيخ محمد زكريا أن يستعد للتقدم للاختبارات في العلوم الجديدة، فإن اجتازها تمكن من الحصول على وظيفة راتبها ثلاثمائة روبية، وقد أيَّد هذه الفكرة كثير من أقربائه، لكن الشيخ رفض هذا الاقتراح وخاطبهم بقوله: \"إنني لا أستطيع أن أغير منهج حياتي واشتغالي بتدريس العلوم الشرعية والرزق بيد الله هو الذي يعطي الرزق ويمنحه\". فلما رأى الشيخ بدر الحسن توكل الشيخ وعزيمته القوية فرح بذلك وتركه على حاله.\n٢ - وقد وقع في حياته ابتلاء آخر وهو أنه قد صار معروفًا في تدريسه وهو شاب، بسبب مشاركته في تأليف \"بذل المجهود في حل سنن أبي داود\"، ثم تدريسه \"سنن أبي داود\"، فقرر مجلس الأمناء لدائرة المعارف بحيدرآباد أن يطلب الشيخ محمد زكريا لتحقيق بعض كتب السُّنَّة ويكون راتبه ثلاثمائة روبية مع سيارة وسكن مؤثث، وكل سنة تكون له علاوة، ولما وصل هذا الطلب إلى الشيخ اعتذر وكتب إلى المجلس: \"إني لا أستطيع أن أترك هذا المركز العلمي\".\n٣ - كذلك طلبت المدرسة العالية في \"كلكته\"، وهي تعد جامعة رسمية، أن يكون الشيخ فيها على وظيفة \"شيخ الحديث\"، وقرر المجلس راتب الشيخ بمقدار ألف ومائتي روبية، وأرسلوا رسالة ثم برقية للاستعجال، فرد الشيخ على برقيتهم: \"إني لست أهلًا لذلك، ومن رشح اسمي وأثنى عليّ فهو بسبب حُسن الظن بي، أرجو قَبول اعتذاري عن ذلك\".\nولم يأخذ الشيخ محمد زكريا مرتبًا على اشتغاله بالتدريس طول حياته، بل عمل طوال هذه المدة تطوعًا وتبرعًا، لم يأخذ أجرًا ولا جزاء، وقد ثبت أنه أخذ مرتبًا قليلًا في بداية حياته التدريسية من المدرسة، ثم قام بحساب هذا المبلغ ورده إلى المدرسة بمجموعه.\nيقول العلَّامة أبو الحسن الندوي: بهذا الإيثار والتوكل وأسلوب","vol":"1","page":41},{"text":"الحياة رفع الله شأنه وصار عَلَمًا من أعلام المحدثين والربَّانيين في الهند (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-28>وفاته:</span>\nكان يتمنَّى من الله ﷾ أن يلقى ربه في جوار رسول الله - ﷺ -، ويجد مكانًا في البقيع بجوار الصحابة وأهل البيت الكرام، وقد حقَّق الله - ﷾ - أمنيته، إذ وفقه للإقامة بالمدينة المنورة، وانتقل إلى جوار رحمة الله تعالى فيها، وذلك يوم الاثنين غرَّة شعبان المعظم ١٤٠٢ هـ، الموافق ٢٤/ ٥/ ١٩٨٢ م وصلَّى عليه صلاة الجنازة عبد الله زاحم إمام الحرم المدني، وشُيِّعت جنازته في جم غفير، ودفن بالبقيع بجوار شيخه المحدث خليل أحمد السهارنفوري غفر الله ورفع درجاته (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-29>ثناء العلماء عليه:</span>\nأثنى عليه كثير من علماء العرب والعجم، واعترفوا بعلمه وفضله.\nقال العلامة المحدث محمد يوسف البنوري: إن هناك بقايا من السلف ظهروا في عهد الخلف، وُفقوا لجهود مشكورة في أبواب العلم والفقه، يمثلون عهد سلف، قد مضوا بعلمهم وفضلهم وورعهم وتقواهم، ويذكرون ذلك العهد الميمون المبارك، ومن هؤلاء العلماء شخصية فذة مغتبطة بكمالاته العلمية والعملية، صاحب التأليفات النافعة الجيدة، والتعليقات الممتعة في غاية الحسن والجمال، حضرة مولانا الشيخ محمد زكريا الكاندهلوي السهارنفوري، نزيل المدينة المنورة زادها الله نورًا، المدعو بـ \"شيخ الحديث\"، زاحم القدماء من المحدثين والفقهاء في التأليف (^٣).\n_________\n(^١) انظر: \"تذكرة الشيخ محمد زكريا\" للندوي (ص ٥٧)، و\"علماء مظاهر العلوم وخدماتهم العلمية والتأليفية\" (ص ١٦٧).\n(^٢) \"مجلة الفرقان\" (ص ٣٥).\n(^٣) انظر: مقدمة \"جزء حجة الوداع\" (ص ٢٨).","vol":"1","page":42},{"text":"وقال الشيخ سعيد أحمد الأكبر آبادي رئيس قسم الدراسات الإسلامية في جامعة عليكراه: الشيخ المحدث محمد زكريا، يتضح لمن اطلع على مؤلفاته أنه كان في نبوغ العلم وكثرة التأليفات مثل الإمام ابن الجوزي والإمام الغزالي في هذا العصر! ولا أعرف أحدًا من علماء عصره مثيلًا له في هذا إلا الإمام عبد الحي الفرنكي محلي اللكنوي (^١).\nوقال الشيخ عبد الفتاح أبو غدة عنه: الشيخ الإمام الجليل، والفقيه المحدث النبيل، ريحانة الهند والحجاز، ولسان أهل الحقيقة والمجاز، مولانا وبركتنا (^٢).\nوقال الدكتور السيد محمد بن علوي المالكي: صاحب الفضيلة العلامة المحدث، وبقية السلف وزينة الخلف، البركة الإمام الداعي إلى الله، سيدي وشيخي الشيخ محمد زكريا (^٣).\nووصفه المحدث الحافظ التيجاني بقوله: شيخ الحديث، حضرة العلامة محمد زكريا الكاندهلوي، العلامة الفاضل، المدقق المحقق (^٤).\nوذكره العلامة السيد سليمان الندوي في رحلته إلى الحجاز فقال: إني قابلت في سنة ١٣٦٩ هـ في الحرم المكي فضيلة الشيخ السيد علوي المالكي وهو يثني على \"أوجز المسالك\" ومؤلفه، ويقول: لا نظير لهذا الشرح في كتب المتقدمين (^٥).\nوذكر الشيخ أبو الحسن الندوي أن الشيخ علوي المالكي كان يقول: إن مؤلف الكتاب حينما يذكر مذهب المالكية وأقوالهم وأدلتهم، نستغرب نحن المالكية ونتعجب من هذا النقل الصحيح الموصوف بالدقة والأمانة،\n_________\n(^١) انظر: \"مجلة الفرقان\" عدد سبتمبر/ أيلول إلى ديسمبر/ ك ١ ١٩٨٥ م (ص ٩٩).\n(^٢) \"تأليفات الشيخ\" (١/ ٨٢).\n(^٣) المصدر السابق (١/ ٣٤٦).\n(^٤) انظر: تقريظه على \"بذل المجهود\" (١٣/ ٦٩٢).\n(^٥) \"تأليفات الشيخ\" (١/ ٤٥).","vol":"1","page":43},{"text":"ويقول: ولو لم يذكر المؤلف في مقدمة كتابه أنه حنفي، فإني لا أعرف أنه حنفي، بل أقول إنه مالكي؛ لأنه نقل في \"الأوجز\" فروع المالكية من كتبهم التي لا نحصل عليها فيها بسهولة (^١).\nوقال الشيخ أبو الحسن الندوي عنه: \"وليس الحديث له صناعة وعلمًا فحسب، بل هو ذوق وحال يعيش به ويعيش فيه\" (^٢).\nوقال الشيخ عبد الوهاب عبد اللطيف: له \"أوجز المسالك\" في ستة مجلدات، وفيه جهد كبير لجمعه وتوسعه في النقل من كتب الحديث والفقه، مما جعل صاحبه يستحق الثناء (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) انظر: \"تذكرة الداعي إلى الله الشيخ محمد يوسف الكاندهلوي\" (ص ١٣٧)، ومقدمة \"حجة الوداع\" (ص ١٨)، و\"تذكرة شيخ الحديث\" لأبي الحسن الندوي (ص ٢٤٣).\n(^٢) مقدمته على \"أوجز المسالك\" (١/ ٣٩).\n(^٣) مقدمة \"موطأ الإمام محمد\" (ص ٢١).","vol":"1","page":44},{"text":"<span data-type='title' id=toc-30>المبحث الثاني: شيوخه وتلاميذه ومؤلفاته</span>\n<span data-type='title' id=toc-31>أ - شيوخه</span>\nسبق أن ذكرت أن الشيخ محمد زكريا لم يأخذ العلم إلا عن أساتذة معدودين، لكن قلة شيوخه لم يؤثر في مكانته العلمية؛ لأن أساتذته الذين أخذ عنهم العلم كانوا في القمة، علمًا وتحقيقًا، وتأليفًا وتدريسًا، وورعًا وتقى، ثم البيئة التي عاش فيها كانت من أفضل البيئات في تلك الأيام علمًا وعملًا.\nومن الأساتذة المشهورين الذين تلقى الشيخ عنهم العلم:\n\n١ -<span data-type='title' id=toc-32> الشيخ محمد إلياس بن الشيخ محمد إسماعيل الكاندهلوي:</span>\nهو عم الإمام محمد زكريا، درس عند شقيقه الشيخ محمد يحيى وغيره من العلماء، وتخرَّج في التزكية على المصلح الكبير الشيخ رشيد أحمد الكنكوهي، والشيخ خليل أحمد السهارنفوري، وأخذ الحديث الشريف من العلامة الشيخ محمود حسن المعروف بـ \"شيخ الهند\"، وقد أسَّس حركة التبليغ والدعوة لما رأى ما أصاب المسلمين من التحلل والإفلاس في الإيمان والشعور الديني، وما أثرت فيهم الحكومة الإنجليزية والحضارة الغربية، والتعليم المدني، وغفلة الدعاة، والاشتغال الزائد بالحياة والانهماك في المادة.\nتوفي في ١١ رجب سنة ١٣٦٣ هـ، ودفن في مركز جماعة","vol":"1","page":45},{"text":"التبليغ بدهلي (^١).\nقرأ عليه الإمام الكتب العربية الابتدائية.\n\n٢ -<span data-type='title' id=toc-33> الشيخ عبد اللطيف البرقاضوي:</span>\nولد - ﵀ - في أواخر القرن الثالث عشر الهجري، وقرأ الكتب الابتدائية على والده، ثم التحق بمدرسة \"مظاهر علوم\" وأخذ الحديث الشريف من المحدث خليل أحمد السهارنفوري، والشيخ عنايت علي السهارنفوري، وغيرهما من العلماء، ثم عُيّن مدرسًا في مظاهر علوم، وأخيرًا مديرها، فظل يفيد ويدرِّس إلى آخر حياته، وتوفي في ٢/ ذي الحجة سنة ١٣٧٣ هـ بسهارنفور (^٢).\nقرأ عليه الإمام محمد زكريا علم المعقول.\n\n٣ -<span data-type='title' id=toc-34> والده الشيخ محمد يحيى:</span>\nولد في سنة ١٢٨٧ هـ، وحفظ كتاب الله وكان عمره سبع سنين، أمره والده أن يقرأ القرآن المجيد من أوله إلى آخره كل يوم، وقرأ الكتب العربية على والده وعلى الشيخ يد الله السنبهلي، ثم قرأ الحديث على العالم الربَّاني الشيخ رشيد أحمد الكنكوهي، ودرَّس كتب الحديث وغيرها في مدرسة مظاهر علوم بسهارنفور، وتوفي فيها في العاشر من ذي القعدة سنة ١٣٣٤ هـ.\nوكان للشيخ محمد يحيى طريقة خاصة في التعليم والتربية، فلم يكن يُدرّس في المراحل الابتدائية الكتب الدراسية، بل كان يملي القواعد والمبادئ الصرفية والنحوية، على الترتيب والتدريج، وكان يركز على اللغة والأدب والتضلع منهما منذ البداية، وكان يهتم بتعميق القدرة العلمية وغرس\n_________\n(^١) انظر ترجمته في \"الداعية الكبير الشيخ محمد إلياس الكاندهلوي\" للشيخ أبي الحسن الندوي.\n(^٢) انظر ترجمته في \"العناقيد الغالية\" (ص ١١٥)، و\"تاريخ مظاهر علوم\" (ص ١٠٨).","vol":"1","page":46},{"text":"حب الدراسة في قلب الطالب، ولم يعتن بإنهاء المقررات الدراسية، بل كان يهتم بتقريب المادة إلى ذهن الطالب، ولم يكن ينتقل من كتاب إلى آخر إلا حين يطمئن إلى أنه أصبح يقدر على فهم وتفهيم صفحات الكتاب دون مساعدة من أستاذه، ويولي عناية خاصة لإتقان اللغة العربية وتكوين القدرة العلمية لدى الطالب، من هنا كان المتخرج عليه يتمتع بالإتقان والتعمق والكفاءة العلمية (^١).\nقرأ الشيخ محمد زكريا عليه كتب السُّنَّة وغيرها، وحصلت له منه إجازة الحديث.\nوقد أخذ الشيخ محمد يحيى الحديث الشريف عن الإمام المحدث رشيد أحمد الكنكوهي، الذي أخذ الحديث عن الشيخ المحدث عبد الغني المجددي، وقد أخذ الحديث عن الشاه أبي سعيد الدهلوي، الذي أخذ الحديث عن الشاه عبد العزيز الدهلوي، والأخير أخذ الحديث عن الشاه ولي الله الدهلوي (^٢).\n\n٤ -<span data-type='title' id=toc-35> المحدث خليل أحمد السهارنفوري:</span>\nولد في \"نانوته\" من أعمال سهارنفور في سنة تسع وستين ومائتين وألف من الهجرة، وقرأ العلم على خاله الشيخ يعقوب بن مملوك العلي النانوتوي والشيخ محمد مظهر النانوتوي، وعلى غيرهما من العلماء في \"دار العلوم\" ديوبند، و\"مظاهر علوم\".\nوأخذ الحديث عن الشاه عبد الغني المجددي، والشيخ عبد القيوم البدهانوي، وقد أخذ الحديث عن الشاه إسحاق الدهلوي تلميذ الشاه عبد العزيز الدهلوي.\n_________\n(^١) \"تذكرة الشيخ محمد إلياس\" لأبي الحسن الندوي (ص ١٢).\n(^٢) \"العناقيد الغالية\" (ص ١٣٤)، وانظر أسانيد الشيخ محمد زكريا وإجازاته في \"مقدمة الأوجز\" (ص ٦٠).","vol":"1","page":47},{"text":"كذلك حصل على إجازة الحديث من الشيخ محمد مظهر النانوتوي، الذي تصل سلسلة إسناده إلى الشاه عبد العزيز الدهلوي، درّس الحديث الشريف في \"دار العلوم\" ديوبند، و\"مظاهر علوم\"، قال المؤرخ عبد الحي الحسني عنه: \"كانت له الملكة القوية والمشاركة الجيدة في الفقه والحديث، واليد الطولى في الجدل والرسوخ التام في علوم الدين\" (^١).\nوتخرَّج على يده جمعٌ من العلماء والمشايخ، منهم: الشيخ محمد إلياس الكاندهلوي، والشيخ عاشق إلهي الميرتهي، ولازمه الشيخ محمد زكريا مدة من الزمن، وحصل منه على إجازة الحديث.\nألَّف الشيخ السهارنفوري مؤلفات عديدة من أهمها \"بذل المجهود\"، و\"المهند على المفند\".\nتوفي في المدينة المنورة يوم الأربعاء في السادس عشر من ربيع الآخر سنة ١٣٤٦ هـ، ودفن بالبقيع.\n\n٥ -<span data-type='title' id=toc-36> مولانا الشيخ عنايت إلهي:</span>\nوحصل الشيخ محمد زكريا على الإجازة من الشيخ مولانا عنايت إلهي، عن الشيخين الجليلين مولانا محمد مظهر النانوتوي، وشارح \"صحيح البخاري\" مولانا أحمد علي المحدث السهارنفوري رحمهم الله تعالى (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-37>ب - تلاميذه</span>\nأما تلاميذه الذين نهلوا من علمه واستفادوا منه فعددهم كثير، وما زالوا يخدمون الإسلام والمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، ويجدهم السائح في المدارس الإسلامية، ولا سيما في الهند وباكستان، وبنغلاديش وإنكلترة وكندا، وأمريكا، وجنوب إفريقيا، وغيرها من البلدان.\n_________\n(^١) \"نزهة الخواطر\" (٨/ ١٤٧)، وانظر ترجمته في \"العناقيد الغالية\" (ص ١٢٤)، و\"بذل المجهود\" (٢٠/ ٢٤٥، ١/ ٢٥ - ٣٤)، ومقدمة \"أوجز المسالك\" (ص ٥٩).\n(^٢) مقدمة \"أوجز المسالك\" (ص ٦٠).","vol":"1","page":48},{"text":"وقد برز منهم في الحديث:\nالداعية المحدث محمد يوسف الكاندهلوي (ت ١٣٨٤ هـ) صاحب كتاب \"أماني الأحبار شرح معاني الآثار\" للطحاوي (^١).\nوالشيخ إنعام الحسن الكاندهلوي (ت ١٤١٦ هـ) صاحب كتاب \"الأبواب والتراجم للبخاري\" (^٢).\nوالشيخ عبد الجبار الأعظمي صاحب كتاب \"إمداد الباري شرح صحيح البخاري\".\nوالمفتي محمود حسن الكنكوهي (ت ١٤١٧ هـ).\nوالشيخ تقي الدين الندوي المظاهري.\nوالشيخ محمد يونس الجونفوري، شيخ الحديث بجامعة مظاهر علوم.\nوالشيخ محمد عاقل السهارنفوري وغيرهم.\nوأخذ عنه إجازة الحديث كثير من العلماء وطلبة العلم، من أشهرهم:\nالدكتور مصطفى السباعي.\nوالشيخ عبد الفتاح أبو غدة.\nوالدكتور محمد علوي المالكي.\nوالشيخ محمد طه البركاتي وغيرهم (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-38>ج - مؤلفاته</span>\nألَّف الشيخ في أكثر الفنون، وشتى العلوم، مؤلفات تدل على غزارة علمه، ورجاحة عقله، وعلو منزلته، وتتميز كتبه بالضبط التام، والتحقيق\n_________\n(^١) انظر ترجمته في: \"تذكرة الداعي إلى الله الشيخ محمد يوسف الكاندهلوي\" للشيخ الشريف محمد الثاني الحسني.\n(^٢) قاد حركة جماعة التبليغ من ١٣٨٤ هـ إلى ١٤١٦ هـ.\n(^٣) \"علماء مظاهر علوم وخدماتهم العلمية والتأليفية\" (ص ٣٠٣).","vol":"1","page":49},{"text":"والإتقان والدقة، وعمق البحث والاستيفاء والإنصاف، والاعتدال والتواضع البابغ، والصبر والأناة، وكثرة المصادر وتنوع المعارف.\nوقد اهتم الشيخ بالتأليف كما اهتم بالتدريس، فيرى المتتبع لأحوال حياته أنه لم ينقطع عن التأليف في حله وترحاله ومرضه، وهذا كتابه \"حجة الوداع\" أكمله في يوم وليلة ونصف ليلة، عدا عن الحواشي التي أضافها في الأوقات المتفرقة (^١)، وأكمل كتابه \"شرح الشمائل للترمذي\" خلال يومين أو ثلاثة (^٢).\nويلاحظ المتتبع لحياته أنه بدأ يؤلف في أيام دراسته، فكان أول كتاب ألَّفه \"شرح ألفية ابن مالك\" في علم النحو في ثلاثة أجزاء بـ \"اللغة الأردية\"، وكان عمره حينئذ نحو ثلاث عشرة سنة (^٣).\nولعل أبلغ ما يشير إلى ذلك كثرة مؤلفاته التي تجاوزت المائة، مما يدل دلالة واضحة على اهتمام الشيخ محمد زكريا بتأليف الكتب وتصنيفها منذ الصغر.\nكذلك يلاحظ القارئ عند مطالعته لكتبه أنه معترف بفضل المتقدمين، وإن اختلف معهم اختلف بكل أدب واحترام.\nيقول العلامة الندوي: يمتاز كتابه بمعرفته لفضل المتقدمين، والأدب معهم، وإيتاء كل ذي حق حقه، والتصريح بأسمائهم، وبالمصادر التي ينقل عنها، والرد عليهم، ويُبين بعض أوهامهم في أدب جم، وتواضع ظاهر، وأسلوب علمي نزيه، وذلك شعار العلماء المتقدمين في كل عصر وطبقة (^٤).\nوقد قرر الشيخ أن لا يأخذ حقوق الطبع من دور النشر التي نشرت كتبه، وأعلن في الجرائد والصحف أنه ألَّف هذه الكتب ابتغاء لوجه الله\n_________\n(^١) انظر: \"حجة الوداع\" (ص ٢٠٥).\n(^٢) \"آب بيتي\" (٢/ ١٣١).\n(^٣) \"آب بيتي\" (٢/ ١٢٥).\n(^٤) مقدمة \"حجة الوداع\" لأبي الحسن الندوي (ص ٨١).","vol":"1","page":50},{"text":"تعالى، فلا يطلب عوضًا ماليًا من الجهة التي قامت بطباعة كتبه، ويجيز لكل من يريد طباعة كتبه، بشرط أن لا يغيّر موضوعات الكتاب، ويهتم بالتصحيح (^١).\nلذلك نرى أن كتبه وجدت رواجًا وقبولًا بين الناس في العرب والعجم، وقد تُرجمت إلى عدة لغات في العالم، ومنها: كتابه \"فضائل القرآن\" الذي ترجم إلى إحدى عشرة لغة، و\"فضائل الصلاة\" إلى خمس عشرة لغة، و\"فضائل رمضان\" إلى اثنتي عشرة لغة، وهكذا كتبه الأخرى الكثيرة، ونفع الله بها خلائق لا يُحْصَون (^٢).\nألَّف الشيخ في علوم وفنون شتى، واختار لذلك اللغة الأردية والعربية، فكان له نحو مائة مؤلف، منها ما هو للمختصِّين، ومنها ما هو لعامة الناس.\n\n<span data-type='title' id=toc-39>أسماء كتب الشيخ حسب العلوم والفنون </span>(^٣):\n<span data-type='title' id=toc-40>أ - التفسير والتجويد:</span>\n١ - تحفه الإخوان في بيان أحكام تجويد القرآن (الأردية)، مطبوع.\n٢ - تبويب أحكام القرآن، ذكره الشيخ في (آب بيتي) (^٤).\n٣ - تفسير موجز للقرآن (العربية)، مطبوع.\n٤ - شرح الجزرية (العربية)، مخطوط.\n\n<span data-type='title' id=toc-41>ب - الحديث وعلومه:</span>\n١ - الأبواب والتراجم لصحيح البخاري (العربية)، مطبوع.\n_________\n(^١) \"تذكرة شيخ الحديث\" للدهيانوي (١/ ٢٠٢).\n(^٢) انظر: \"تذكرة شيخ الحديث\" للدهيانوي (١/ ٢٠٠).\n(^٣) انظر: \"آب بيتي\" (٢/ ١٦٩)، و\"مجلة الفرقان\" (ص ١٢٥).\n(^٤) (/ ١٦٩).","vol":"1","page":51},{"text":"٢ - أوجز المسالك إلى موطأ مالك (العربية)، مطبوع.\n٣ - أصول الحديث على مذهب الحنفية (مخطوط).\n٤ - أوليات القيامة (العربية)، مخطوط.\n٥ - تبويب تأويل مختلف الحديث (العربية)، مخطوط.\n٦ - تبويب مشكل الآثار (العربية)، مخطوط.\n٧ - تخريج الجامع (العربية)، مخطوط.\n٨ - تقارير كتب الحديث (الأردية)، مخطوط.\n٩ - تقرير مشكاة (شرح مشكاة المصابيح) (العربية)، مخطوط.\n١٠ - تقرير نسائي (المسمَّى: الفيض السمائي على سنن النسائي) (العربية) مطبوع.\n١١ - تلخيص \"بذل المجهود\" (العربية)، مخطوط.\n١٢ - جامع الروايات والأجزاء (العربية)، مخطوط.\n١٣ - جزء أفضل الأعمال (العربية)، مخطوط.\n١٤ - جزء أنْكحته - ﷺ - (العربية)، مخطوط.\n١٥ - جزء إنما الأعمال بالنيات (العربية)، مخطوط.\n١٦ - جرء تخريج حديث عائشة - ﵂ -.\n١٧ - جزء الجهاد (العربية)، مخطوط.\n١٨ - جزء روايات الاستحاضة (العربية)، مخطوط.\n١٩ - جزء رفع اليدين (العربية)، مخطوط.\n٢٠ - جزء صلاة الاستسقاء (العربية)، مخطوط.\n٢١ - جزء صلاة الخوف (العربية)، مخطوط.\n٢٢ - جزء صلاة الكسوف (العربية)، مخطوط.\n٢٣ - جزء ما جاء في شرح ألفاظ الاستعاذة (العربية)، مخطوط.","vol":"1","page":52},{"text":"٢٤ - جزء ما قاله المحدثون في الإمام الأعظم (العربية)، مخطوط.\n٢٥ - جزء ما يشكل على الجارحين (العربية)، مخطوط.\n٢٦ - جزء المبهمات في الأسانيد والروايات (العربية)، مخطوط.\n٢٧ - جزء مُكفرات الذنوب (العربية)، مخطوط.\n٢٨ - جزء المعراج (العربية)، مخطوط.\n٢٩ - حجة الوداع وعمرات النبي - ﷺ - (العربية)، مطبوع.\n٣٠ - حواشي المسلسلات (العربية)، مطبوع.\n٣١ - حواشي وتعليقات بذل المجهود (العربية)، مطبوع.\n٣٢ - حواشي ذيل التهذيب، مخطوط.\n٣٣ - ذيل التيسير (تيسير الوصول إلى جامع الأصول) (العربية)، مخطوط.\n٣٤ - شذرات الحديث (وهي تعليقات على بعض كتب الحديث) (العربية)، مخطوط.\n٣٥ - شذرات أسماء الرجال (العربية)، مخطوط.\n٣٦ - فضائل زبان عربي (فضائل اللغة العربية) (الأردية)، مطبوع.\n٣٧ - الكوكب الدرِّي على جامع الترمذي (العربية)، مطبوع.\n٣٨ - لامع الدراري على جامع البخاري (العربية)، مطبوع.\n٣٩ - معجم الصحابة الذين أخرج عنهم أبو داود الطيالسي في مسنده (العربية)، مخطوط.\n٤٠ - ملتقط الرواة عن المرقاة (العربية)، مخطوط.\n٤١ - مختصات المشكاة (العربية)، مخطوط.\n٤٢ - معجم رجال تذكرة الحفاظ للذهبي (^١).\n_________\n(^١) ذكره الشيخ في: \"آب بيتي\" (٢/ ١٦٨).","vol":"1","page":53},{"text":"٤٣ - معجم المسند للإمام أحمد (^١).\n٤٤ - مقدمات كتب الحديث (العربية)، بعضها مطبوعة وبعضها مخطوطة.\n\n<span data-type='title' id=toc-42>جـ - الفقه وأصوله:</span>\n١ - اختلاف الأئمة (الأردية)، مطبوع.\n٢ - جزء المناط (العربية)، مخطوط.\n٣ - جزء خلاف الأئمة في الصلاة (العربية)، مخطوط.\n٤ - جزء رفع يدين (العربية)، مخطوط.\n٥ - شذرات - أي: تعليقات - على \"الهداية\"، و\"نور الأنوار\"، و\"الدر المختار\"، و\"الحسامي\"، وهذه مجموعة من المذكرات كتبها الشيخ باللغة العربية، وهي مخطوطة.\n٦ - وجوب إعفاء اللحية (الأردية) و(العربية)، مطبوع.\n\n<span data-type='title' id=toc-43>د - التاريخ والسير:</span>\n١ - أبجد الوقائع (الأردية)، مخطوط.\n٢ - أكابر كا رمضان (الأردية)، مطبوع.\n٣ - آب بيتي (مسيرة الحياة) (الأردية)، مطبوع.\n٤ - أكابر علماء ديوبند (أي: تراجم كبار علماء ديوبند) (الأردية)، مطبوع.\n٥ - تاريخ مشايخ جشت (الأردية)، مطبوع.\n٦ - تاريخ مظاهر العلوم (الأردية)، مطبوع.\n٧ - تذكرة القراء السبعة (العربية)، مطبوع.\n_________\n(^١) ذكره الشيخ في: \"آب بيتي\" (٢/ ١٦٣).","vol":"1","page":54},{"text":"٨ - جزء أمراء المدينة المنورة (العربية)، مخطوط.\n٩ - جزء طرق المدينة المنورة (العربية)، مخطوط.\n١٠ - جزء وفاة النبي - ﷺ - (العربية)، مخطوط.\n١١ - الحواشي على الإشاعة في أشراط الساعة (^١) (العربية)، مطبوع.\n١٢ - حكايات الصحابة (العربية)، مطبوع.\n١٣ - خصائل نبوي (شرح الشمائل) (الأردية)، مطبوع.\n١٤ - رسائل استرائك (رسالة فيما يتعلق بإضراب الطلبة عن الدراسة) (الأردية)، مطبوع.\n١٥ - سيرة الصدِّيق - ﵁ - (الأردية)، مطبوع.\n١٦ - قرآن عظيم أور جبرية تعليم (الأردية)، مطبوع.\n١٧ - مجددين ملت (مجددو الدين) (العربية)، مخطوط (^٢).\n١٨ - مشايخ التصوف (الأردية)، مخطوط.\n١٩ - ميري محسن كتابين (كتب عشت فيها) (الأردية)، مخطوط.\n٢٠ - المؤلفات والمؤلفون (فهرس المؤلفات والمؤلفين من كتب الأخبار والمحدثين) (العربية)، مخطوط.\n٢١ - نظام مدرسة مظاهر علوم (الأردية)، مخطوط.\n٢٢ - المؤلفات والمؤلفون (فهرس المؤلفات والمؤلفين من كتب الأخبار والمحدثين).\n٢٣ - نتائج حج (أثر الحج) (الأردية)، مطبوع.\n٢٤ - الوقائع والدهور (العربية)، مخطوط.\n_________\n(^١) ذكره الشيخ في: \"آب بيتي\" (٢/ ١٦١).\n(^٢) ذكره الشيخ في: \"آب بيتي\" (٢/ ١٦٥).","vol":"1","page":55},{"text":"<span data-type='title' id=toc-44>هـ - العقيدة:</span>\n١ - إسلام لا نـ كا طريقه (طريقة الدخول في الإسلام) (الأردية)، مطبوع.\n٢ - التقدير (مخطوط) (^١).\n٣ - تين مكتوب (ثلاث رسائل) (الأردية)، مطبوع.\n٤ - موت كي ياد (ذكر الموت) (الأردية)، مطبوع.\n\n<span data-type='title' id=toc-45>و- الزهد والرقاق:</span>\n١ - شريعت وطريقت كا تلازم (الأردية)، مطبوع، وطبع باللغة العربية باسم (الشريعة والطريقة).\n٢ - ضمائم خوان خليل (الأردية)، مطبوع.\n٣ - فضائل التجارة (الأردية)، وترجم إلى اللغات الأخرى.\n٤ - فضائل درود شريف (الأردية) مطبوع، وترجم إلى العربية باسم (فضائل الصلاة على النبي - ﷺ -) كما ترجم إلى لغات أخرى.\n٥ - فضائل الذكر (الأردية)، مطبوع.\n٦ - فضائل القرآن (الأردية) مطبوع، وترجم إلى العربية واللغات الأخرى.\n٧ - فضائل الحج (الأردية)، مطبوع.\n٨ - فضائل التبليغ (الأردية)، مطبوع.\n٩ - فضائل الصدقات (الأردية)، مطبوع، وترجم إلى اللغات المختلفة.\n١٠ - فضائل الصلاة (الأردية)، مطبوع، وترجم إلى اللغات الأخرى.\n_________\n(^١) ذكره الشيخ في: \"آب بيتي\" (٢/ ١٥٩).","vol":"1","page":56},{"text":"١١ - نسبت وإجازات (النسبة والإجازة) (الأردية)، مطبوع.\n١٢ - وصايا وتعليمات (العربية والأردية)، مطبوع.\n\n<span data-type='title' id=toc-46>ز - الصرف والنحو والمنطق:</span>\n١ - إضافة بر أشكال إقليدس (إضافة على أشكال أقليدس) (الأردية)، مخطوط.\n٢ - شرح ألفية ابن مالك (الأردية)، مخطوط.\n٣ - شرح سُلَّم العلوم (الأردية)، مخطوط.\n\n<span data-type='title' id=toc-47>حـ - الفرق والحركات:</span>\n١ - الاعتدال في مراتب الرجال (الأردية)، مطبوع.\n٢ - تبليغي جماعت بر اعتراضات كي جوابات (انتقادات الناس على جماعة التبليغ والجواب عنها) (الأردية)، مطبوع.\n٣ - فوائد حسيني (العربية)، مخطوط.\n٤ - فتنة مودوديت (الأردية) مطبوع، وترجم إلى العربية باسم (الأستاذ المودودي ونتائج بحوثه وأفكاره).\n٥ - مشرقي كا إسلام (^١) (إسلام المشرقي)، ألَّفه الشيخ في الرد على عناية الله المشرقي الملحد.\n٦ - مطالعة قادنيت (الرد على القاديانية) (الأردية)، مخطوط.\n* * *\n_________\n(^١) ذكره الشيخ في: \"آب بيتي\" (٢/ ١٦٦).","vol":"1","page":57},{"text":"<span data-type='title' id=toc-48>المبحث الثالث: آثاره في علم الحديث الشريف</span>\nلمَّا كان موضوع البحث \"المحدث محمد زكريا وآثاره في علم الحديث\"، فقد أفردت لآثاره الحديثة عنوانًا مستقلًا كي أفصِّل القول فيها حتى يقف القارئ على جهوده في هذا الجانب المهم.\nوأذكر هنا أولًا الكتب المطبوعة ثم الكتب المخطوطة:\n\n<span data-type='title' id=toc-49>أ - الكتب المطبوعة</span>\n١ -<span data-type='title' id=toc-50> أوجز المسالك إلى موطأ الإمام مالك:</span>\nيعد هذا الكتاب أوفى شرح للموطأ حديثًا وفقهًا، وخدمة للقارئ، وتوضيحًا للمراد، وهو مؤلَّف جامع يغني عن كثير من الشروح والحواشي، ويمكن عدَّه موسوعة ضخمة في علم الحديث النبوي على صاحبه أفضل الصلاة والسلام، تعلن دون غموض سعة علم المؤلف وصفاء ذهنه، ورحابة صدره في ذكر الدلائل والحجج، وتحرِّيه للصحة والدقة في نقل المذاهب، وفهمه العميق، وهو يستوفي شرح أسماء الرجال، وبيان المذاهب الأربعة وما عداها في المسائل الخلافية من كتب موثوقة عند أهلها، ويهتم في شرح الحديث، ويذكر أقوال مشايخه وأعيان المحدثين في الهند (^١).\nوعليه مقدمة ضافية ذكر فيها المصنف أولًا سبب تأليف هذا الشرح مع بيان خطته فيها.\n_________\n(^١) انظر: مقدمة \"أوجز المسالك\" (١/ ٩).","vol":"1","page":58},{"text":"ثم قسَّم مقدمته إلى سبعة أبواب، وأدرج تحتها فوائد عديدة.\nفجعل الباب الأول في علم الحديث الشريف، ذكر فيه تعريف علم الحديث رواية ودراية، وشرافة هذا العلم وأهله والثناء عليه، ثم تطرق لبيان كتابة السُّنَّة في العهد النبوي وتدوينها.\nوأما الباب الثاني، ففيه فصلان: جعل الفصل الأول في ترجمة إمام دار الهجرة مالك بن أنس رضي الله تعالى عنه، فذكر فيه اسمه ونسبه ونسبته وولادته ووفاته وصفاته الخلقية ولباسه وأولاده وثناء العلماء عليه، ثم ذكر مشايخه الذين أخذ عنهم العلم وتلامذته الذين نهلوا من علمه، وختم هذا الفصل بذكر مؤلفاته غير الموطأ.\nوجعل الفصل الثاني في بيان أفضلية الموطأ وثناء العلماء عليه، وسبب تسميته بالموطأ، ومنهجه فيه، ثم تطرق إلى بيان تعريف رواة الموطأ ونسخه، وأهمية نسخة يحيى بن يحيى المصمودي الأندلسي، مع بيان عدد روايات الموطأ، ثم ذكر المراسيل، والبلاغات الواردة فيه مع بيان حكمها، ثم ذكر الكتب التي أُلفت حول الموطأ مع تعريف وجيز للمؤلِّف والمؤلَّف.\nوأما الباب الثالث: فخصَّصه للتعريف بنفسه وشيوخه، وذكر أسانيده بالتفصيل، مع تعريف بكبار علماء الهند.\nوجعل الباب الرابع: في ترجمة الإمام أبي حنيفة وشيوخه وتلاميذته والدفاع عنه، وذكر في الباب الخامس بعض أصول الحديث المهمة.\nوأما الباب السادس: فجعله في بيان آداب المحدِّث ومراتب أهل الحديث، وآداب الطالب، وطرق التحمل والأداء.\nوأما الباب السابع: فجعله في بيان نُكت في علوم الحديث.\nوطبع الكتاب بتحقيق والدنا الأستاذ الدكتور تقي الدين الندوي في (١٨) مجلدًا.\n\n٢ -<span data-type='title' id=toc-51> لامع الدراري على جامع البخاري:</span>\nهو مجموعة من الإفادات الثمينة، والتحقيقات النادرة، للإمام الربَّاني، شيخ الفقهاء والمحدثين في عصره، رشيد أحمد الكنكوهي،","vol":"1","page":59},{"text":"المتوفى سنة ١٣٢٣ هـ، في أثناء تدريس \"الجامع الصحيح\" للإمام البخاري، قيَّدها تلميذه النجيب الوفي الشيخ محمد يحيى بن محمد إسماعيل الكاندهلوي المتوفى سنة ١٣٣٤ هـ، وهو عُصارة دراسات الشيخ ولباب تأملاته، وعكوفه الطويل على علم الحديث دراسة وتدريسًا.\nوقد جاء دور الشيخ محمد زكريا فنقَّحها وهذَّبها، وتناولها بالشرح والإيضاح، والكشف والإبانة، وضمَّ إليها ما فتح الله به عليه من نكت بديعة، وإشارات لطيفة، وتحقيقات نادرة، وتطبيقات فائقة، وسمَّاه: \"لامع الدراري على جامع البخاري\"، وألَّف على الكتاب مقدمة ضافية، ذكر فيها أولًا لتعريف بالشيخ رشيد أحمد الكنكوهي، وطريقة تدريسه للكتب الستة، وإجازاته لطلبة الحديث، ثم بيَّن سبب تأليف هذا الكتاب.\nثم قسَّم المقدمة إلى أربعة فصول:\nأما الفصل الأول: فخصَّصه لدراسة حياة الإمام البخاري من نواح شتى بكل إتقان وإنصاف، وأبرز الجوانب المهمة من حياته، ومن ذلك قوله في بيان مذهبه الفقهي بعد ذكر آراء العلماء فيه: كذلك الإمام البخاري المعروف أنه شافعي، ولذا عدّوه في الشافعية، والأوجه عندي أنه مجتهد مستقل كما يظهر من إمعان النظر في \"الصحيح\"، فإن إيراداته على الشافعية ليست بأقل من إيراداته على فروع الحنفية، إلا أنه إذا أورد على الحنفية يشدد الكلام لعوارض معلوماته (^١).\nوعندما تعرَّض الإمام لذكر شيوخ البخاري، قال بعد ذكر شيوخه من الحنفية: أكثر ثلاثيات البخاري من شيوخه الحنفية (^٢).\nوأما في الفصل الثاني: فتناول فيه التعريف بكتابه \"الصحيح\"، فذكر\n_________\n(^١) مقدمة \"لامع الدراري\" (ص ٥٩)، وهنا ذكر الإمام بحثًا لطيفًا في \"مذاهب أئمة الحديث الفقهية\".\n(^٢) مقدمة \"لامع الدراري\" (ص ٦٢).","vol":"1","page":60},{"text":"اسمه والباعث على تأليفه وثناء العلماء عليه، وشروطه وخصائصه، ومنهجه في الأبواب والكتب والأحاديث المكررة، ومكانة الصحيح بين كتب الحديث، وكتب الحديث التي أُلِّفت قبل البخاري، وغيرها من الأمور المهمة.\nثم تحدث عن أنواع كتب الحديث والتعريف بكل نوع منها، وعن رواة البخاري والأحاديث المنتقدة في البخاري والجواب عنها.\nوأما الفصل الثالث: فجعله دراسة عن تراجم صحيح البخاري، فذكر خصائصها والكتب المؤلفة فيها، وغيرها من الأمور التي تتعلق بهذه التراجم.\nوفي الفصل الرابع: تحدث عن الكتب والشروح التي ألفت حول صحيح البخاري والتي بلغت مائة وواحدًا وثلاثين كتابًا حسب إحصائية الإمام (^١).\nمن أجل هذا كله أصبحت هذه المقدمة موسوعة عن الإمام البخاري وكتابه \"الصحيح\"، وتستحق أن تكون كتابًا مستقلًا كما قال العلامة أبو الحسن الندوي: لقد أصبحت هذه المقدمة كتابًا مستقلًا مفيدًا يستحق أن ينشر بمفرده، فقد أصبحت مقدمة ضافية في علوم الحديث، ودائرة معارف فيما يتصل بالإمام البخاري وسيرته وأخباره، ودقائق حياته وجلائلها، ومنهجه في التأليف، وما التزمه من التزامات وشروط في وضع الكتاب، وبما تلقمه هذه الأمة من اعتناء به وقَبول (^٢).\nوعندما توجَّه الإمام إلى شرح صحيح البخاري، جعل إفادات الإمام الكنكوهي أصلًا ومتنًا، ثم علَّق واستدرك عليها، ولم يتطرق الكنكوهي في إفاداته إلى الخلافات المذهبية، والتعريف بالرواة، وبيان غريب الحديث وغيرها، إنما تطرق إلى شرح الأبواب والأحاديث من حيث المراد\n_________\n(^١) مقدمة \"لامع الدراري\" (ص ٥ و٤٧٠).\n(^٢) مقدمة \"لامع الدراري\" (ص ٢).","vol":"1","page":61},{"text":"والمفهوم، من ذلك قول البخاري: باب إدخال البعير في المسجد لعلة (^١)، قال الكنكوهي: يعني ذلك أنهم ينهون عنه لما فيه من احتمال تلويث المسجد، فإذا احتيج إلى إدخال شيء من الدواب فيه أو حصل الأمن من بوله وروثه لكونه مدرَّبًا فلا بأس (^٢).\nوعلَّق عليه الإمام الكاندهلوي بقوله: أشار الشيخ بذلك إلى أن لفظ العلة في الترجمة معناه الحاجة، قال الحافظ (^٣): قوله: للعلة، أي: الحاجة، وفهم بعضهم أن المراد بالعلة الضعف، وقال العيني (^٤): قوله: للعلة، أي: للحاجة، وهي أعم من أن تكون للضعف وغيره.\nومن ذلك قوله في شرح ألفاظ الحديث: ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾، قال الكنكوهي: والصيغة لما فيها من المبالغة لا تَصْدُق إلا على الغُسل (^٥).\nوعلَّق عليه الإمام الكاندهلوي بقوله: قال العيني (^٦): ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾، أي: اغسلوا أبدانكم على وجه المبالغة.\nوقال الحافظ: قدَّم الآية التي في سورة المائدة على الآية التي في سورة النساء لدقيقة وهي أن لفظ الآية التي في المائدة ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾ في إجمال، ولفظ التي في النساء فيه تصريح بالاغتسال وبيان للتطهير المذكور، فدلَّ على أن المراد بقوله تعالى: ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾، هو: فاغتسلوا.\nأكثر ما اعتنى به الشيخ الكنكوهي في إفادته هو شرح تراجم البخاري وبيان المقصود منها، من ذلك قوله في \"باب رفع اليدين في التكبيرة الأولى مع الافتتاح سواء\": \"لا يُقدم الرفع على التكبير ولا يؤخره عنه، ودلالة الرواية عليه لكون الرفع في الرواية قد وقع طرفًا للافتتاح أو جزءًا له، وأيًّا ما كان فالاتصال ثابت\".\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (١/ ١١٦).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (١/ ٤٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١/ ٥٥٨).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (٢/ ٥١٩).\n(^٥) \"لامع الدراري\" (٢/ ٢٠٧).\n(^٦) \"عمدة القاري\" (٣/ ٣).","vol":"1","page":62},{"text":"وأما الإمام الكاندهلوي (^١) فشرح هذه الترجمة بقوله: الأوجه عندي أن الإمام البخاري أشار بالترجمة إلى مسألتين خلافيتين شهيرتين، الأولى: رفع اليدين عند افتتاح الصلاة، أشار إليها بالجزء الأول، هذا الرفع فيه اختلاف معروف وإن كان مجمعًا عليه عند الجمهور حتى حُكي عليه الإجماع.\nثم شرح الكاندهلوي الجزء الثاني من الترجمة وهو \"الافتتاح سواء\" بقوله: قال الحافظ (^٢): يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، وفي رواية شعيب الآتية بعد باب \"يرفع يديه حين يكبّر\": فهذا دليل المقارنة. . إلخ.\nنستنتج من هذا كله أن الإمام الكاندهلوي أكمل علوم العلَّامة الكنكوهي وفسَّرها واستدرك عليها، ولذلك أصبحت تعليقات الإمام الكاندهلوي خمسة أضعاف إفادات الكنكوهي، أودع فيها الفوائد الحديثية والفقهية والنكت اللطيفة.\nقال العلَّامة محمد يوسف البنوري في تقديم \"لامع الدراري\": \"اللامع\" مختص بحل مشكلات البخاري، وما يتعلق بأحاديثه في غير الخلافيات الفقهية، وجاء البحث عنها نادرًا، نعم استدرك هذا صاحب التعليقات إكمالًا لفوائدها، وشفاء لغليل الرواد الذين اقتصرت أنظارهم على اللامع، فإذن \"اللامع\" بتعليقاته اللامعة، وأبحاثه الساطعة أصبح شرحًا وافيًا بالمقصود من كل جهة في الباب (^٣).\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٢/ ٢٥٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٢١٨).\n(^٣) مقدمة \"لامع الدراري\" (ص ط)، أقول: وقد طبع الكتاب في ثلاثة مجلدات كبار من القطع الكبير طباعة حجرية بالهند، ثم أعيدت طباعته في باكستان في عشرة مجلدات من القطع المتوسط.\nوقد قرر صاحب المكتبة الإمدادية بمكة المكرمة طبع هذا الكتاب مع متن \"صحيح البخاري\"، وصدر بإذن الله في أربعة وعشرين مجلدًا باسم \"الكنز المتواري\".","vol":"1","page":63},{"text":"٣ -<span data-type='title' id=toc-52> كتاب \"الأبواب والتراجم\" للبخاري:</span>\nهذا هو الكتاب الذي نحن بصدد تحقيقه، يحتوي على بحث واف لكل ما يتصل بالأبواب والتراجم للبخاري، كان المؤلف - ﵀ - ذكر في كتابه كل ما جاء من أصول الإمام المحدث ولي الله الدهلوي، والقواعد الكليَّة للتطبيق بين الأبواب والتراجم، وأبواب لا ترجمة لها، وكذلك كل ما جاء في رسالة العلامة محمود حسن الديوبندي، وكل ما وجد من فوائد في دروس الإمام الرباني مولانا رشيد أحمد الكنكوهي، والمحدّث الجليل أحمد السهارنفوري، وما وجد من أصول وقواعد في كلام شرّاح البخاري فاستوعبها وزاد عليها مما كان خاطرة أبا عذرته، ولم يسبق إليه، حتى بلغ عدد هذه الأصول والقواعد الكلية سبعين أصلًا وقاعدة.\n\n٤ -<span data-type='title' id=toc-53> الكوكب الدري على جامع الترمذي:</span>\nهذا الكتاب مجموع إفادات وأمالي المحدّث الرباني رشيد أحمد الكنكوهي.\nوهو بالمذكرات أشبه منه بشرح ضافٍ وافٍ لجامع الترمذي، وعلى وجازته وقلة حجمه وعدم استيفائه شَرَح الكتاب من أوله إلى آخره، يشتمل على فوائد كثيرة لا يعرف قيمتها إلا من اشتغل بتدريس الجامع طويلًا، وعرف مواضع الدقة والغموض التي لا يرتاح فيها المدرس الحاذق والطالب الذكي، إلى ما جاء في عامة الشروح والتعليقات، ويتوق فيها ويتطلع إلى ما يحل العقدة، ويروي الغلة بكلام فصل لا فضول فيه ولا تقصير، هذا إضافة إلى فوائد في اللغة وغريب الحديث وعلم الرجال والأصول ومقاصد الشريعة، وفيه بعض النكت التي يعين عليها صفاء النفس وإشراق القلب والحب، والقول السديد في ترجيح بعض الوجوه على بعض، وتعيين معنى من المعاني بالذوق والممارسة، وجواب للإيراد على المذهب الحنفي.\nوقد علَّق على هذا الكتاب الإمام المحدث محمد زكريا الكاندهلوي","vol":"1","page":64},{"text":"وأضاف إلى صلب الكتاب (^١) ما جاء من فوائد في شروح للكتب الأخرى كـ \"بذل المجهود\"، و\"لامع الدراري\" وغيرهما، وسماه: \"الكوكب الدري على جامع الترمذي\" (^٢). وطبع الكتاب في مطبعة ندوة العلماء بالهند عام ١٣٩٥ هـ (١٩٧٥ م)، ثم طبع عام ١٤٠٧ هـ من إدارة القرآن بباكستان في أربعة مجلدات.\n\n٥ -<span data-type='title' id=toc-54> حجة الوداع وعمرات النبي - ﷺ </span>-:\nهذا الكتاب موسوعة صغيرة فيما يتصل بحجة النبي - ﷺ - التي تسمَّى \"حجة الوداع\".\nويمتاز هذا الكتاب أولًا بالاستيعاب الشامل لكل ما يتصل بهذه الرحلة المباركة والركن العظيم من قريب أو بعيد، من بيان المناسك ونقل المذاهب، واختلاف الأئمة وآراء الشراح ومباحث المحدثين والفقهاء، وتحديد المنازل وتعيين أسمائها ومواضعها في ضوء العلم الحديث، والتغيرات التي طرأت عليها، واقتباس أحسن ما كتب في هذا الموضوع في القديم والحديث، واستعراض النقول المفيدة عن كتب المتقدمين حتى يحار القارئ ويملكه العجب من الاستقصاء.\nوالكتاب يقع في جزئين، تناول الإمام في الجزء الأول حجته - ﷺ -، والجزء الثاني جعله في عمراته - ﷺ - وعددها وتحديدها وتفاصيلها، وما اشتملت عليه من أحكام فقهية وبحوث تاريخية وفوائد علمية وتحقيقات حديثية.\nوقد لخص الإمام في \"كتاب حجة الوداع\" رحلة حجه - ﷺ - بكل دقة، وجعلها متنًا لهذا الكتاب، ثم شرح هذا المتن، فمن ذلك قوله في المتن: \"ولبَّد رسول الله - ﷺ - رأسه\" (^٣)، وقال الكاندهلوي في شرح هذه الجملة (^٤):\n_________\n(^١) مقدمة \"الكوكب الدري\" (ص ٩).\n(^٢) مقدمة \"الكوكب الدري\" (ص ١٨).\n(^٣) أخرجه أبو داود (رقم ١٧٤٨) من حديث ابن عمر، ورجاله ثقات.\n(^٤) (ص ٤١).","vol":"1","page":65},{"text":"كذا في \"الهدي\" (^١)، و\"مرآة الحرمين\"، وظاهر سياقهما أن التلبيد كان بعد الإحرام، وإليه يظهر ميل الحافظَين ابن حجر والعيني (^٢).\nطبع ونشر هذا الكتاب بتحقيقنا من وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بأبو ظبي عام ١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م.\n\n٦ -<span data-type='title' id=toc-55> تعليقات على كتاب بذل المجهود في حَلِّ أبي داود:</span>\nسبق أن ذكرت أن الشيخ شارك أستاذه خليل أحمد المدني في تأليف \"بذل المجهود\"، لكنه أضاف بعد ذلك بعض التعليقات، وهي مستفادة من الكتب التي لم تطبع في حياة شيخه، أو لم يتسنَّ الوصول إليها.\nفجاءت هذه الاستدراكات والتعليقات من نواح شتى، من أهمها:\nأولًا: المباحث الفقهية التي فاتت المحدِّث السهارنفوري، ومن ذلك قوله في مسألة الطهارة للصلاة: قلت: هناك بحث آخر ذكر في \"عارضة الأحوذي\" (^٣)، وهو أن الكافر إذا أسلم هل يجب عليه الغسل؟ قال أحمد ومالك: نعم، لهذا الحديث (^٤)، وقال الشافعي: يستحب، وقال أبو حنيفة: لا (^٥).\nومن ذلك أيضًا قوله في \"باب تخليل اللحية\" (^٦): قال في \"عارضة الأحوذي\": للعلماء فيه أربعة أقوال: لا يستحب، به قال مالك، يستحب، به قال ابن حبيب، الثالث: إن كانت كثيفة لم يجب وإلا يجب إيصال الماء، الرابع: يغسل وجوبًا ما قابَلَ الذقن وما تحته استحبابًا.\n_________\n(^١) \"زاد المعاد\" (٢/ ١٤٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" و\"عمدة القاري\" (٥/ ٩/ ١٥٩).\n(^٣) (١/ ٩).\n(^٤) ما رواه الترمذي رقم (٥) من حديث ابن عمر عن النبي - ﷺ - قال: \"لا تقبل صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول\".\n(^٥) \"بذل المجهود\" (١/ ١٥٠).\n(^٦) \"بذل المجهود\" (١/ ٣٥٥)، \"عارضة الأحوذي\" (١/ ٤٩).","vol":"1","page":66},{"text":"ثانيًا: تناول الكاندهلوي في هذه التعليقات بعض المباحث الحديثية، ومن ذلك تعليقه على الراوي المجهول: اختلف في قبول روايته، فقيل: يقبل مطلقًا، وقيل: لا مطلقًا، وقيل: فيه تفصيل، وهو إن كان ممن لا يروي إلا عن عدل يقبل، وإلا فلا (^١).\nومن ذلك قوله في تعليقه على سند من طريق موسى بن إسماعيل، نا حماد بن سلمة بن دينار، قال السيوطي (^٢): إن موسى إذا أطلق حمادًا أراد به ابن سلمة لأنه قليل الحديث عن ابن زيد، حتى قيل: إنه لم يرو عن حماد بن زيد إلا حديثًا واحدًا، فقط (^٣).\nثالثًا: أحيانًا يشير إلى ضبط الأسماء والأنساب، فمن ذلك قوله: \"التبوذكي\" (^٤)، بفتح التاء، نسب إليه لأنه اشترى بتبوذك دارًا فنُسب إليه، وقال: إني مولى بني منقر، إنما نزل داري قوم من تبوذك فسمُّوني التبوذكي.\nرابعًا: أحيانًا يبيِّن درجة الصحة والضعف (^٥).\nخامسًا: اهتم بشرح الألفاظ الغريبة (^٦).\nسادسًا: إنه قارن نسخ سنن أبي داود وبيّن الاختلاف فيها، وهي كثيرة (^٧).\nوهي تعليقات ذات قيمة علمية (^٨).\n_________\n(^١) \"بذل المجهود\" (١/ ٧).\n(^٢) \"عون المعبود\" (١/ ٢٠).\n(^٣) \"بذل المجهود\" (١/ ٦).\n(^٤) انظر: \"بذل المجهود\" (١/ ١، ٦/ ٢٤٨).\n(^٥) انظر: \"بذل المجهود\" (١/ ١، ٨/ ٢، ٦٩/ ٣، ٢٨٣/ ٣٠٤).\n(^٦) \"بذل المجهود\" (٢/ ٢٦٠، ٢/ ٢، ٢٩٢/ ٣٨٨).\n(^٧) انظر: (١/ ٢٦٢، ٢٦٤، ٢٦٨، ٢٧٣) وغيرها.\n(^٨) طبعت مع كتاب \"بذل المجهود\" في القاهرة ١٩٧٣ م.","vol":"1","page":67},{"text":"٧ -<span data-type='title' id=toc-56> الفيض السمائي على سنن النسائي:</span>\nهو مجموع إفادات أفادها الإمام الربَّاني الشيخ رشيد أحمد الكنكوهى، وقد زاد عليها العلامة المحدث محمد زكريا، ولكنه ترك بياضًا في كثير من المواضع، فأكملها الشيخ محمد عاقل وهو من أرشد تلاميذ الشيخ، فجاء الكتاب في أحسن صورة من التحقيق والتعليق، وهذه إشارة إلى خصائصه:\n١ - يذكر اختلاف نسخ الكتاب وأحيانًا يرجع بعضها على بعض (^١).\n٢ - اعتنى ببيان مطابقة الأحاديث لترجمة الباب (^٢).\n٣ - حقق بعض رجال الإسناد حيث كانت الحاجة ماسة إليه، لأجل اختلاف الروايات أو لأجل اختلاف الناسخين (^٣).\n٤ - اعتنى بحل العبارات الغامضة والمشكلة في الكتاب، وكثير منها لم يتعرض لها السندي والسيوطي (^٤).\n٥ - أحيانًا يذكر مذاهب الأئمة الأربعة مع بيان أدلتهم (^٥).\n\n٨ -<span data-type='title' id=toc-57> تعليقات على شمائل الترمذي:</span>\nعلَّق على هذا الكتاب تعليقات أنيقة، ثم نقل الكتاب إلى اللغة الأردية وطبع باسم \"خصائل نبوي\"، وعلى هوامشه هذه التعليقات (^٦).\n_________\n(^١) انظر: (١٠٤ و١١٦ و١٢٥ و٢٠٣) وغيرها.\n(^٢) انظر: (٩١ و٩٥ و١٣٤ و١٨٤ و٢١٠ و٢٢٤).\n(^٣) انظر: (١٠١ و٧٦ و٩٩ و٦٨ و١١١ و١١٦ و١١٧ و٩٤ و٩٦) وغيرها.\n(^٤) انظر: (٦٦ و٧٨ و١٠٥ و٩٦).\n(^٥) انظر: (١٠١ و١٤٣ و١٤٤ و١٥٢ و١٥٤ و١٨٨ و١٩٨) وغيرها. أقول: وقد طبع الجزء الأول من الكتاب، والأجزاء البقية ستصدر قريبًا بإذن الله.\n(^٦) طبع هذا الكتاب في الهند وباكستان مرارًا.","vol":"1","page":68},{"text":"٩ -<span data-type='title' id=toc-58> حواشي المسلسلات (العربية):</span>\nألَّف الإمام الشاه ولي الله الدهلوي ثلاث رسائل في الأحاديث المسلسلة: الأولى: الفضل المبين في المسلسلات من حديث النبي الأمين - ﷺ -، والثانية: الدر الثمين في مبشرات النبي الأمين - ﷺ -، والثالثة: النوادر من أحاديث سيد الأوائل والأواخر - ﷺ -.\nوكان من عادة الشيخ وشيوخه أنهم يهتمون بقراءتها بعد ختم البخاري، فرأى الشيخ الإمام أن هناك بعض الأمور تحتاج إلى شرح، وعمل فهرس للأحاديث والرجال، وإضافة بعض الأحاديث المسلسلة التي لم تذكر في هذه الرسائل الثلاث، فقام بهذا العمل (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-59>ب - الكتب المخطوطة </span>(^٢)\n١ -<span data-type='title' id=toc-60> أصول الحديث على مذهب الحنفية:</span>\nحاول الإمام فيه جمع القواعد الحديثية على مذهب الحنفية كما هو واضح من مسمَّى الكتاب، بدأ الإمام تأليفه في ٨/ جمادى الأولى سنة ١٣٤٣ هـ، لكنه لم يكتمل.\n\n٢ -<span data-type='title' id=toc-61> أوليات القيامة:</span>\nحاول الإمام في هذه الرسالة جمع الأحاديث التي تتحدث عن أول أمر يُسأل عنه العبد في يوم القيامة، من ذلك قوله - ﷺ -: \"أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة، وأول ما يُسأل العبد يوم القيامة عن النعيم. .\"، يبدو من مخطوط الكتاب أنه لم يكتمل.\n_________\n(^١) وطبع الكتاب بمكتبة إشاعة العلوم بسهارنفور، الهند.\n(^٢) هذه الكتب المخطوطة موجودة في المكتبة الخاصة بالإمام الكاندهلوي في سهارنفور بالهند، والتي يشرف عليها ابنه الوحيد الشيخ محمد طلحة الكاندهلوي.","vol":"1","page":69},{"text":"٣ -<span data-type='title' id=toc-62> تبويب تأويل مختلف الحديث:</span>\nرتَّب الإمام فيه الأحاديث الواردة في كتاب \"مختلف الحديث\" لابن قتيبة على الأبواب الفقهية، فجاء الكتاب في عشر صفحات من القطع المتوسط، ولكنه لم يكتمل، ألَّفه في ليلة الجمعة بتاريخ ٥/ جمادى الأولى سنة ١٣٤٢ هـ (^١).\n\n٤ -<span data-type='title' id=toc-63> تبويب مشكل الآثار (العربية):</span>\nرتَّب الإمام فيه موضوعات كتاب \"مشكل الآثار\" للطحاوي على الأبواب الفقهية، وقد جاء الكتاب في أربع وثلاثين صفحة بالقطع المتوسط، لكنه لم يكتمل ولم يهذَّب.\n\n٥ -<span data-type='title' id=toc-64> تخريج الجامع (العربية):</span>\nبدأ الإمام بتخريج أحاديث جامع الأصول للإمام ابن الأثير الجزري (ت ٦٠٦ هـ)، والتعليق عليه عند استفادته منه، لكنه لم يكتمل.\n\n٦ -<span data-type='title' id=toc-65> تقارير كتب الحديث (الأردية):</span>\nحينما قرأ الإمام كتب الحديث على شيخه ووالده محمد يحيى الكاندهلوي كتب الإمام إفاداته وضبطها، كذلك إفادات الشيخ خليل أحمد السهارنفوري عند قراءته كتب الحديث عليه (^٢).\n\n٧ -<span data-type='title' id=toc-66> تقرير مشكاة (شرح مشكاة المصابيح) (العربية):</span>\nوهو شرح لـ \"مشكاة المصابيح\"، جمع فيه أمالي شيوخه الذين قرأ عليهم الكتاب، ثم أضاف إليها تعليقاته حينما بدأ يدرس \"المشكاة\" حتى بلغ أكثر من ألف صفحة بالقطع المتوسط، وقد استفاد من هذه المذكرة\n_________\n(^١) \"آب بيتي\" (٢/ ١٦٨).\n(^٢) \"تأليفات\" (١/ ٢٢٠).","vol":"1","page":70},{"text":"العلمية كثير من الطلبة والأساتذة (^١).\n\n٨ -<span data-type='title' id=toc-67> تلخيص \"البذل\" (العربية):</span>\nسبق أن ذكرنا أدن الإمام كان خير مُعين لشيخه في تأليف كتاب \"بذل المجهود في حل سنن أبي داود\"، فكلّما كتب الشيخ خليل أحمد السهارنفوري في هذا الكتاب كان الإمام يقوم بتلخيصه في ألفاظه وأسلوبه، حتى جاء تلخيصه في أربعة مجلدات ضخام، فرغ من للخيصه في ٢٥/ ربيع الأول ١٣٤٣ هـ (^٢).\n\n٩ -<span data-type='title' id=toc-68> جامع الروايات والأجزاء (العربية):</span>\nحاول المؤلف في جمع أطراف الحديث من كتب السُّنَّة، و\"موطأ الإمام مالك\"، و\"الموطأ\" برواية الإمام محمد، و\"مستدرك الحاكم\"، و\"السنن الكبرى\" للبيهقي، وغيرها من الكتب، لكنه لم يكتمل.\n\n١٠ -<span data-type='title' id=toc-69> جزء إنما الأعمال بالنيات (العربية):</span>\nتناول الإمام فيه بالشرح الحديث: \"إنما الأعمال بالنيات\"، فذكر طرقه وأهميته وما يستفاد منه من الأحكام، يبدو من المخطوط أن الإمام لم يهذبه ولم يكمله (^٣).\n\n١١ -<span data-type='title' id=toc-70> جزء أنكحته - ﷺ - (العربية):</span>\nجمع فيه الإمام الروايات التي وردت في زواجه - ﷺ -، وكذلك خطبته - ﷺ - بعض النساء وإن لم يتم الزواج، بدأ الإمام تأليفه في ٢٣/ ذي الحجة ١٣٤٥ هـ، ولكنه لم يهذب ولم يكتمل (^٤).\n_________\n(^١) \"تأليفات\" (١/ ١٩٧).\n(^٢) \"آب بيتي\" (٢/ ٢٤١).\n(^٣) \"تأليفات\" (١/ ٢٦٧).\n(^٤) \"آب بيتي\" (٢/ ١٦٥).","vol":"1","page":71},{"text":"١٢ -<span data-type='title' id=toc-71> جزء أفضل الأعمال (العربية):</span>\nجمع فيه الإمام الروايات والأحاديث التي وردت في بيان \"أفضل الأعمال\" كقوله - ﷺ -: \"أفضل الأعمال الحب في الله والبغض في الله\"، وقد بلغت هذه الروايات ثلاثين رواية (^١).\n\n١٣ -<span data-type='title' id=toc-72> جزء تخريج حديث عائشة - ﵂ - (العربية):</span>\nجمع الإمام فيه الروايات التي تتعلق بالصحابية بريرة - ﵂ -، وخاصة رواية عائشة - ﵂ -، وحاول الجمع بين الأحاديث المختلفة (^٢)\n\n١٤ -<span data-type='title' id=toc-73> جزء الجهاد (العربية):</span>\nجمع فيه المؤلف الروايات التي تتعلق بالجهاد، ثم بيّن شرطه وجوازه، وحكم مشاركة النساء في الجهاد، وآداب الجهاد وغيرها من المباحث، يبدو من مخطوط الكتاب أنه لم يكتمل (^٣).\n\n١٥ -<span data-type='title' id=toc-74> جزء رفع اليدين (العربية):</span>\nتناول فيه المؤلف مسألة رفع اليدين في الصلاة، فجمع الروايات الواردة فيه من كتب الصحاح والسنن والمسانيد مع دراسة أسانيد تلك الروايات، ورجح فيه ما ذهب إليه الحنفية (^٤).\n\n١٦ -<span data-type='title' id=toc-75> جزء صلاة الاستسقاء (العربية):</span>\nذكر فيه الروايات الواردة في صلاة الاستسقاء مع دراسة هذه الروايات، وكذلك تعرَّض لبيان المذاهب الفقهية في هذه المسألة.\nجاء هذا الكتاب في ست عشرة صفحة بالقطع المتوسط (^٥).\n_________\n(^١) \"آب بيتي\" (٢/ ١٥٦).\n(^٢) \"آب بيتي\" (٢/ ١٥٧).\n(^٣) \"آب بيتي\" (٢/ ١٦٥).\n(^٤) \"آب بيتي\" (٢/ ١٥٧).\n(^٥) \"آب بيتي\" (٢/ ١٥٦)، \"تأليفات\" (١/ ٢٧٣).","vol":"1","page":72},{"text":"١٧ -<span data-type='title' id=toc-76> جزء صلاة الخوف (العربية):</span>\nأورد فيه الروايات التي وردت في مشروعية صلاة الخوف، وتعرض لبيان المواضع والغزوات التي أقيمت فيها صلاة الخوف، يشتمل هذا الكتاب على ست عشرة صفحة، بالقطع المتوسط (^١).\n\n١٨ -<span data-type='title' id=toc-77> جزء صلاة الكسوف (العربية):</span>\nذكر فيه الأحاديث التي تدل على مشروعية صلاة الكسوف مع بيان اختلاف الروايات ومذاهب العلماء فيها (^٢).\n\n١٩ -<span data-type='title' id=toc-78> جزء ما جاء في شرح ألفاظ الاستعاذة (العربية):</span>\nجمع فيه أحاديث الاستعاذة، مع دراسة هذه الأحاديث من حيث القبول والرد، وشرح ألفاظ الحديث.\n\n٢٠ -<span data-type='title' id=toc-79> جزء ما يشكل على الجارحين (العربية):</span>\nجمع فيه التعارض الذي وقع في كلام بعض أئمة الجرح والتعديل في شأن بعض الرواة وحاول إزالته، من ذلك قول الذهبي في \"ميزان الاعتدال\" في ترجمة الحسن بن عمارة: قد بلغه أن الأعمش يقع فيه فبعث إليه بكسوة، فلما كان بعد ذلك مدحه الأعمش (^٣).\n\n٢١ -<span data-type='title' id=toc-80> جزء ما قال المحدثون في الإمام الأعظم (العربية):</span>\nجعل المؤلف هذه الرسالة في جزئين:\nالجزء الأول: تناول فيه ما قاله المحدثون من جرح وتعديل في شأن الإمام أبي حنيفة - ﵁ - مع دراسة لهذه الأقوال والآراء.\n_________\n(^١) \"تأليفات\" (١/ ٢٧٣).\n(^٢) \"آب بيتي\" (٢/ ١٥٦).\n(^٣) \"ميزان الاعتدال\" للذهبي (١/ ٥١٤).","vol":"1","page":73},{"text":"الجزء الثاني: جعله فيما قاله المؤرخون في شأن الإمام أبي حنيفة، أكمل المؤلف هذه الرسالة في أربعين صفحة بالقطع المتوسط.\n\n٢٢ -<span data-type='title' id=toc-81> جزء المبهمات في الأسانيد والروايات (العربية):</span>\nبيّن فيه الإمام الأسماء المبهمة التي وقعت في كثير من الأحاديث والآثار في السند أو في المتن، بدأ تأليفه في شوال عام ١٣٤١ هـ، يحتوي هذا الكتاب على سبعين صفحة بالقطع المتوسط.\n\n٢٣ -<span data-type='title' id=toc-82> جزء المعراج (العربية):</span>\nجمع فيه المصنّف الروايات والآثار التي وردت في ذكر الإسراء والمعراج مع دراسة المتون والأسانيد، بدأ تأليفه في ربيع الآخر سنة ١٣٤٤ هـ، ولكنه لم يكمل ولم يهذّب.\n\n٢٤ -<span data-type='title' id=toc-83> حواشي وذيل \"التهذيب\" (العربية):</span>\nأراد الإمام أن يكتب ذيلًا لتهذيب التهذيب لكنه لم يتمكن، إنما علَّق على بعض المواضع منه، وقد استفاد من هذه التعليقات الوجيزة الشيخ محمد أيوب المظاهري في كتابه \"تصويب التقليب الواقع في تهذيب التهذيب\" (^١).\n\n٢٥ -<span data-type='title' id=toc-84> ذيل التيسير (العربية):</span>\nألَّف الإمام ابن الأثير الجزري (ت ٦٠٦ هـ) كتابه المشهور \"جامع الأصول\"، ثم لخصه الإمام ابن الديبع الشيباني (ت ٩٤٤ هـ) وسمَّاه: \"تيسير الأصول إلى جامع الأصول\" (^٢)، وقد استفاد الشيخ الإمام من كتاب \"تيسير الأصول\" عند تأليف \"بذل المجهود\"، وأراد أن يعمل ذيلًا على كتاب\n_________\n(^١) \"آب بيتي\" (٢/ ١٥٣).\n(^٢) \"الرسالة المستطرفة\" للكتكاني (ص ١٤٢).","vol":"1","page":74},{"text":"\"التيسير\"، واستدراكًا عليه، لكنه لم يتمكن من ذلك، فعلَّق على مواضع متفرقة من الكتاب.\n\n٢٦ -<span data-type='title' id=toc-85> شذرات أسماء الرجال:</span>\nمثلما اختلف المحدِّثون في ثبوت السماع لبعض الرواة عن بعض، كذلك اختلفوا في بيان الأنساب لبعض الرواة، فألَّف الإمام هذا الكتاب لدراسة مثل هذه المواضيع، ودفع التعارض بين الأقوال المختلفة.\nيشتمل هذا الكتاب على مائة صفحة من القطع المتوسط، لكن الشيخ ترك بياضًا في بعض الصفحات، وكأنه لم يستطع أن يكمل بعض الموضوعات.\n\n٢٧ -<span data-type='title' id=toc-86> شذرات الحديث (العربية):</span>\nحينما بدأ الإمام مساعدة شيخه في تأليف \"بذل المجهود\"، خصَّص كرَّاسة لكل من البخاري، ومسلم، وأبي داود، والترمذي، و\"مستدرك الحاكم\"، وابن ماجه، و\"الموطأ\" برواية محمد، و\"الموطأ\" برواية يحيى المصمودي، و\"شرح معاني الآثار\" للطحاوي، و\"سنن النسائي\"، ورَمز لكل منهم؛ فالبخاري رمز له (شيخ)، والمراد به شذرات البخاري، ومسلم رمز له (شم)، والمراد به شذرات مسلم، وهكذا عمل في غيرهما من الكتب.\nوكان الغرض من ذلك تخريج الأحاديث والآثار وشرحها وتعريف الرجال والأماكن وغيرها، وكان الإمام يسجل هذه الأمور في هذه الكرَّاسة، فجاءت كرَّاسة شذرات البخاري في عدة أجزاء، والتي ضُمَّت إلى \"لامع الدراري\" و\"الأبواب التراجم\"، وكراسة غيره من الكتب جاءت مختصرة مفيدة، وكراسة شذرات الترمذي وصلت إلى اثني عشر جزءًا.\n\n٢٨ -<span data-type='title' id=toc-87> مختصَّات المشكاة (الأردية والعربية):</span>\nدرَّس الإمام \"مشكاة المصابيح\" مدة طويلة، فقد كان في أثناء تحضيره","vol":"1","page":75},{"text":"لدرس المشكاة يستفيد من كتب شروح الحديث، وقد أشار الإمام فيه إلى الموضوعات التي كانت تهمه مع ذكر المصادر والمراجع، وتناول هذه الموضوعات أحيانًا بالأردية، وأحيانًا كثيرة بالعربية.\n\n٢٩ -<span data-type='title' id=toc-88> معجم رجال تذكرة الحفاظ للذهبي (العربية):</span>\nعمل الإمام فهرسًا لرواة الذين ترجم لهم الإمام في \"تذكرة الحفاظ\" ورتّبهم على حروف التهجِّي (^١).\n\n٣٠ -<span data-type='title' id=toc-89> معجم الصحابة الذين أخرج عنهم أبو داود الطيالسي في مسنده (العربية):</span>\nهذا الكتاب فهرسٌ لأسماء الصحابة الذين أخرج عنهم أبو داود الطيالسي في كتابه \"المسند\"، فرغ الإمام من ترتيبه وتصحيحه في الثامن من ذي القعدة سنة ١٣٣٩ هـ.\n\n٣١ -<span data-type='title' id=toc-90> معجم المسند للإمام أحمد (العربية):</span>\nعمل الإمام فهرسًا لأحاديث \"المسند\" لكل صحابي أخرج حديثه، مع ذكر الصفحة والجزء (^٢).\n\n٣٢ -<span data-type='title' id=toc-91> مقدمات كتب الحديث (العربية):</span>\nكَتَبَ الإمام مقدمات عديدة على كتب شروح الحديث وكتب السُّنَّة، بعضها مخطوطة وبعضها مطبوعة، تناول فيها الإمام تعريف الكتاب وأهميته وخصائصه والتعريف بمؤلفه، وغير ذلك من الأمور المهمة.\nمن ذلك مقدمة علم الحديث التي طُبعت مع \"أوجز المسالك\"،\n_________\n(^١) \"آب بيتي\" (٢/ ١٦٨).\n(^٢) \"تأليفات\" (٣/ ٣٦٠)، \"آب بيتي\" (٢/ ١٦٣).","vol":"1","page":76},{"text":"ومقدمة البخاري التي طبعت مع \"مقدمة لامع الدراري\"، وكذلك مقدمة \"بذل المجهود\" التي طبعت مع \"بذل المجهود\" (^١).\nوأما مقدماته التي لم تطبع فمقدمته على الترمذي وشمائله، ومقدمته على النسائي، ومقدمته على الطحاوي.\n\n٣٣ -<span data-type='title' id=toc-92> ملتقط الرواة عن المرقاة (العربية):</span>\nعمل فيه المؤلف فهرس الرواة الذين ترجم لهم أو عرَّفهم العلامة نور الدين مُلَّا علي القاري (ت ١٠١٤ هـ) في كتابه: \"مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح\"، مع ذكر الصفحة والجزء، ووقع هذا الكتاب في عشرين صفحة بالقطع المتوسط.\n\n٣٤ -<span data-type='title' id=toc-93> ملتقط المرقاة (العربية):</span>\nلخَّص فيه الإمام بعض الموضوعات من كتاب: \"مرقاة المفاتيح\" تلخيصًا مختصرًا.\nهذا ما تيسَّر لي من الكلام على\nحياة شيخ الحديث محمد زكريا الكاندهلوي وآثاره\nولعله يكون مقدمة لدراسة أشمل وأعمق، ومن الله التوفيق.\n* * *\n_________\n(^١) وذلك بالمكتبة الخليلية بسهارنبور، الهند.","vol":"1","page":77},{"text":"الجزء الأول\nمن\nالأبواب والتراجم للبُخاري","vol":"1","page":78},{"text":"١\nالأَبْوَابُ وَالتَّرَاجِمُ\nلِصَحِيْحِ البُخَارِيِّ\nتأليف\nالإمامِ المحدّث محمّد زكريّا بن يحيى الكاندهلوي\nالمتوفى ١٤٠٢ هـ\nحَقَّقَهُ وَعَلَّقَ عَلَيْهِ\nد. وليّ الدّين بن تقي الدّين النّدوي\nبإشْرَافِ\nللأستاذ الدكتور تقيِّ الدّين النَّدوي","vol":"1","page":81},{"text":"<span data-type=\"title\">تقديم الكتاب </span>\nبقلم\nالعلامة أبي الحسن علي الحسني الندوي - ﵀ -\n\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nالحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وخاتم النبيين محمد وآله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:\nفممَّا تقرر عند المشتغلين بصناعة الحديث تدريسًا وتصنيفًا، وشرحًا وتحقيقًا، أن الأبواب والتراجم في \"الجامع الصحيح\" لأمير المؤمنين في الحديث محمد بن إسماعيل البخاري - ﵀ -، من أدقِّ البحوث والمطالب، ومن أعمقها غورًا، وأبعدها مدى، حتى اشتهر بين العلماء أن فقه البخاري في تراجمه، وأصبح ذلك شعارًا لهذا الكتاب، يتميز به عن أقرانه الصحاح على جلالة قدرها، وفخامة شأنها.\nوأصبح مقياسًا لفطنة العلماء، وتوقد ذكائهم، وسيلان ذهنهم، وبُعد غورهم، واقتدارهم على فهم هذا الكتاب الجليل، وحلّ غوامضه، وفتح أغلاقه، والتوصل إلى مقاصد المؤلِّف؛ لا يشهد لمؤلِّفٍ أو مدرِّسٍ ببراعةٍ في العلم، وتفوق في التدريس، وسعة اطلاع على الشروح والحواشي، وأقوال الأئمة والفحول من المحدثين، وطول ممارسة لتدريس هذا الكتاب الشريف، وإضناء القوى، وإفناء العمر في ذلك، حتى يجتمع له الشيء الكثير من هذا الباب.","vol":"1","page":83},{"text":"وينفرد بتوجيهات، وتعليلات تنحل بها الألغاز، وتنفتح بها الأقفال، وتخلو عنها بطون الأسفار.\nولذلك عُني بهذا الموضوع العلماء قديمًا وحديثًا، وأجالوا فيه قداحهم، وأركضوا في هذا السباق جيادهم، واعتصروا في ذلك عقولهم الراجحة، وعلومهم الراسخة، ولا نعرف أديبًا أو لغويًا تعمَّق في فهم بيت من الأبيات، ومعرفة معنى من المعاني الشعرية والوصول إلى غايات الشعراء، مثل تعمق شراح \"الجامع الصحيح\" والمشتغلين بتدريسه في فهم مقاصد المؤلف، وشرح كلامه.\nولا نعرف - على طول اشتغالنا بالتاريخ العلمي - مؤلَّفًا من مؤلَّفات العلماء أو الحكماء عُني به رجال ذلك الفن، وعكفوا على حلِّ غوامضه، وفكِّ مشكلاته، حتى شقّوا فيه الشَّعْرَة، مثل ما عُني علماء الحديث بـ \"الجامع الصحيح\"، وما ذلك إلا لإخلاص مؤلفه لعلم الحديث الشريف، وانقطاعه إليه، وجهاده في سبيله، وتفانيه في ذلك، كما بيَّنا ذلك في تقديمنا لمقدمة \"لامع الدراري\".\nوما ذلك كذلك إلا لشدة اعتناء الأمة الإسلامية بكل ما يتَّصل بالحديث النبوي، ويتَّصل بالشخصية النبوية، التي ضَمِنَ الله لها برفع الذكر، وتخليد الأثر، وارتفاع المنار، ولسان صدق في العالمين، حتى تخطَّت هذه البركة وسرت إلى من اتصل بها عن قريب أو بعيد، فأدركت كل من انخرط في سلك الرواة على مدى العصور والأجيال، فرفعت عنه اللثام، وأزالت عنه لوثة النكارة، أو وصمة الجهالة، فدوِّن في كتب أسماء الرجال اسمه واسم أبيه، وذُكر كثير من أخباره، وبُحث عن نسبه ونسبته، ودراسته ونشأته، وأمانته وعدالته، حتى أصبح عَلَمًا يعرف، ومعرفةً لا تنكر، وفاق في ذلك على كثير من المصلحين في أمم أخرى، وكثير من العظماء والأبطال، ومؤسِّسي الحكومات، حتى قال أحد المستشرقين الكبار وهو العالم الألماني المعروف بـ \"اسبرنجر\" في مقدمته بالإنجليزية على كتاب","vol":"1","page":84},{"text":"\"الإصابة\" المطبوع في كلكته سنة ١٨٥٣ - ١٨٦٤ م: \"لم تكن فيما مضى أمة من الأمم السالفة - كما أنه لا توجد الآن أمة من الأمم المعاصرة -، أتت في علم أسماء الرجال بمثل ما جاء به المسلمون في هذا العلم العظيم الخطر، الذي يتناول أحوال خمس مائة ألف رجل وشؤونهم\" (^١).\nلم يقتصر هذا البر والرفد على الأولياء والمحبِّين من أمته، والخادمين لدينه وعلمه، بل تعدَّى ذلك إلى الأعداء الكاشحين، والمناوئين لدينه، فعرف به العالم كثيرًا من أعدائه الألداء ممن طوتهم الجاهلية وطمستهم الأيام، فبقيت أسماؤهم، وكثير من أخبارهم بفضل السيرة النبوية والحديث النبوي، ولولاهما لذهبت أخبارهم أدراج الرياح، وطارت بأسمائهم العنقاء، فلا عجب إذا كان العصر الغابر، والتاريخ الماضي يتمثلان ببيت الشاعر العربي (^٢)، ويخاطبان هذه السحابة التي مرت بهما فأفاضت عليهما الحياة والنماء، وينشدان:\nفَاذْهَبْ كما ذهبَتْ غَوادِي مُزُنَة … أَثْنى عَلَيْهَا السَّهْلُ وَالْأَوْعَارُ\nونعود إلى الحديث فنقول:\nوكان مظهرًا من مظاهر هذه العناية الفائقة بهذا الكتاب الفذِّ، عناية العلماء بتراجم الأبواب في \"الجامع الصحيح\"، فتناوله كل من شرح هذا الكتاب، أو علَّق عليه، أو عكف على تدريسه، وأفرد بعضهم له تأليفات فات كثيرًا من المؤرخين أسماؤها شأن العلوم الأخرى.\nومن المؤلَّفات التي حُفظت أسماؤها، وجاءت الإشارة إليها، ثلاثة مؤلفات في هذا الموضوع، ذكرها الكاتب الجلبي المشهور باسم الحاج\n_________\n(^١) \"الرسالة المحمدية\" لأستاذنا العلَّامة السيد سليمان الندوي، (تعريب الأستاذ محمد ناظم الندوي) [طُبعت مرارًا].\n(^٢) هو مسلم بن الوليد، قاله في رثاء يزيد بن مزيد، انظر: \"وفيات الأعيان\" (٦/ ٣٣٩).","vol":"1","page":85},{"text":"خليفة (ت ١٠٦٧ هـ) في كتابه الشهير \"كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون\" (^١)، وهي:\n١ - كتاب للإمام ناصر الدين أحمد بن محمد بن منصور بن أبي القاسم المعروف بـ \"ابن المنُيِّر\" الإسكندراني، المتوفى سنة (٦٨٣ هـ) (^٢)، سمَّاه \"المتواري على تراجم أبواب البخاري\" (^٣).\n٢ - \"ترجمان التراجم\" لأبي عبد الله محمد بن عمر بن رُشَيد الفهري السبتي، المتوفى سنة (٧٢١ هـ) (^٤)، قال الجلبي: وهو على أبواب الكتاب، ولم يكمله.\n٣ - \"فك أغراض البخاري المبهمة في الجمع بين الحديث والترجمة\"، وهي مائة ترجمة، للفقيه أبي عبد الله محمد بن منصور بن حمامة المغراوي السِّجلْماسِيّ، المتوفى سنة (٣٧٠ هـ).\n٤ - وأضاف إلى هذه الكتب الثلاثة مسند الهند وأستاذ الأساتذة فيها الشيخ عبد العزيز بن ولي الله الدهلوي (م ١٢٣٩ هـ) كتابًا رابعًا في كتابه المفيد \"بستان المحدثين\"، وهو \"تعليق المصابيح على أبواب الجامع الصحيح\" لأبي عبد الله بن محمد بن أبي بكر عمر القرشي المخزومي الإسكندراني الملقب ببدر الدين المعروف بالدمامينى المتوفى سنة (٨٢٨ هـ) (^٥).\n_________\n(^١) \"كشف الظنون\" (ص ٣٦٥).\n(^٢) ترجمته في \"شذرات الذهب\" (٥/ ٣٨١)، و\"الوافي بالوفيات\" (١/ ١٤٩).\n(^٣) طبع هذا الكتاب باسم: \"المتواري على تراجم أبواب البخاري\" بتحقيق علي حسن علي في المكتب الإسلامي بيروت سنة ١٤١١ هـ، وبتحقيق صلاح الدين مقبول أحمد في مكتبة المعلا الكويت سنة ١٤٠٧ هـ.\n(^٤) ترجمته في \"الإحاطة\" لابن الخطيب (٣/ ١٣٥)، و\"الديباج المذهب\" (١/ ٣١٠).\n(^٥) قال الشيخ عبد الحي الحسني في ترجمة الدماميني في \"نزهة الخواطر\" (الجزء الثالث): وله شرح على \"صحيح البخاري\"، سمَّاه \"مصابيح الجامع\"، أوَّله: \"الحمد لله الذي في خدمة السُّنَّة النبويّة أعظم سيادة\"، ذكر فيه أنه ألّفه للسلطان =","vol":"1","page":86},{"text":"هذا ما أُثر عن المتقدمين والأئمة المحققين في البلاد الإسلامية العربية (^١).\nومن المعروف أن علماء الهند قد سمت همتهم في خدمة علم الحديث، وتفنَّنوا فيها كل تفنُّن، فكانت لهم في كل فنٍّ من فنونه، وغرض من أغراضه، جولة، وقد انتهت إليهم رئاسة علم الحديث، والصدارة في تدريسه ونشره في العصر الأخير، فلا بد أن تكون لهم مؤلفات لم تصل إلينا أسماؤها.\nوجزى الله عنا وعنهم مؤلف كتاب: \"الثقافة الإسلامية في الهند\"؛ إذ حفظ لنا الشيء الكثير من مؤلفات علماء الهند في علم الحديث، واستقصاها استقصاءً كبيرًا، ولكنه لم يذكر بما ألف في موضوع الأبواب والتراجم، إلا رسالة (^٢) لشيخ مشايخ الهند، وأستاذ الأساتذة، وناشر علم الحديث في هذه الديار، الإمام ولي الله بن عبد الرحيم الدهلوي (^٣)، المتوفى سنة (١١٧٦ هـ)، وهي رسالة وجيزة المباني غزيرة المعاني، تكاد تكون كلها أصولًا كلية، ونكتًا حِكَمية، واللُّبُّ اللُّباب في فهم التراجم والأبواب، شأنه في كل موضوع يطرقه، وبحث يتناوله.\n_________\n= أحمد شاه المذكور، وعلّق على أبواب منه ومواضع يحتوي على غريب وإعراب وتنبيه، وقد دخل ابن الدماميني مدينة أحمد آباد سنة ٨٢٠ هـ، ولا بد أن يكون هذا الكتاب قد ألف بين سنتي ٨٢٠ هـ و٨٢٨ هـ. [وقد طبع هذا الكتاب من دار النوادر بدمشق سنة ٢٠١٠ م].\n(^١) ويوجد تأليف العلَّامة بدر الدين بن جماعة (المتوفى ٧٣٣ هـ) باسم: \"مناسبات تراجم أبواب البخاري\" أيضًا، وهو مطبوع بالهند.\n(^٢) طبعتها باسم \"رسالة شرح تراجم صحيح البخاري\" دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد سنة ١٣٢٣ هـ، وهي تقع في ١٢٩ صفحة بالقطع المتوسط. [وطبعت في القاهرة وبيروت أيضًا سنة ١٤٢٠ هـ].\n(^٣) هو الإمام الهمام حجة الله بين الأنام، شيخ الإسلام قطب الدين ولي الله أحمد بن عبد الرحيم العمري الدهلوي، انظر ترجمته في \"نزهة الخواطر\" (٦/ ٣٩٨ - ٤١٥).","vol":"1","page":87},{"text":"ومن المرجَّح أن مؤلف \"الثقافة\" (^١) لم يطَّلع على رسالة (^٢) العلامة الشيخ محمود حسن الديوبندي (م ١٨ ربيع الأول سنة ١٣٣٩ هـ) المعروف بشيخ الهند، فإنما طُبعت بعد وفاة مؤلف \"الثقافة\" (م سنة ١٣٤١ هـ).\nوهذا جُلُّ ما انتهى إلينا من أخبار الكتب والرسائل في موضوع الأبواب والتراجم للبخاري في الماضي.\n* وسرُّ الغموض في هذه الأبواب والتراجم: تنوُّع مقاصد المؤلف الإمام، وبُعد مراميه، وفرط ذكائه وحِدَّة ذهنه، وتعمُّقه في فهم الحديث، وحرصه على الاستفادة منه أكبر استفادة ممكنة، فهو كنحلة حريصة توَّاقة، تجتهد أن تتشرَّب من الزهرة آخر قطرة من الرحيق، ثم تحولها إلى عسل مصفًّى فيه شفاء للناس.\nوشأن الإمام البخاري مع الحديث النبوي شأن العاشق الصادق، والمحب الوامق، مع الحبيب الذي أسبغ الله عليه نعمة الجمال والكمال، وكساه ثوبًا من الروعة والجلال، فهو لا يكاد يملأ عينيه منه، وهو كلَّما نظر إليه اكتشف جديدًا من آيات جماله، فازداد افتتانًا وهُيامًا، ورأى جماله يتجدَّد في كل حين، وإذا الوجه غير الوجه، والجمال غير الجمال، فلا قديم في الحب، ولا إعادة عند المحب، وصدق الشاعر:\nيَزِيْدُكَ وَجْهُهُ حُسنًا … إِذَا مَا زِدْتَهُ نَظَرًا\nولذلك نرى الإمام البخاري لا يكاد يشبع من استخراج المسائل، واستنباط الفوائد، والنزول إلى أعماق الحديث، والتقاط الدرر منه، والخروج على قرائه بها، حتى يذكر حديثًا واحدًا أكثر من عشرين مرة.\n_________\n(^١) هو كتاب \"الثقافة الإسلامية في الهند\"، للمؤرخ العلَّامة عبد الحي الحسني، المتوفى سنة ١٣٤١ هـ، وطبع هذا الكتاب من المجمع العلمي بدمشق.\n(^٢) والكتاب يقع في (٧٢) صفحة، وهو في اللغة الأردية، وفي آخره نحو أربع صفحات بالعربية، وهو بمذكرات معلم أشبه منه بكتاب مستقل، طبع في مطبعة الأمان في نكَينه (بجنور).","vol":"1","page":88},{"text":"وقد روى حديث بريرة عن عائشة أكثر من اثنتين وعشرين مرة، واستخرج [منه] أحكامًا وفوائد جديدة.\nوروى حديث جابر قال: \"كنت مع النبي - ﷺ - في غزوة فأبطأ بي جملي وأعيا\" الحديث، أكثر من عشرين مرة.\nوروى حديث عائشة: أن النبي - ﷺ - اشترى طعامًا من يهودي إلى أجل ورهنه درعًا من حديد، في أحد عشر موضعًا، وعقد له أبوابًا وتراجم لها (^١).\nوروى قصة موسى والخضر في أكثر من عشرة مواضع.\nوأخرج حديث كعب بن مالك في تخلُّفه من غزوة تبوك في أكثر من عشرة مواضع، وفوائده أكثر من خمسين.\nوروى حديث أسماء في كسوف الشمس وخطبته - ﷺ - في عشرة مواضع.\nوروى حديث: \"إن من الشجر لشجرة لا يسقط ورقها\" الحديث، واستخرج منه فوائد جديدة (^٢).\nفكأنه تأخذه النشوة والطرب عند رواية الحديث، فلا يملُّ من إعادته، وينشد بلسان الحال:\nأَعِدْ ذِكْرَ نَعْمَانٍ لَنَا إِنَّ ذِكْرَهُ … هُوَ الْمِسْكُ مَا كَرَّرْتَهُ يَتَضَوَّعُ\nوكأنه يتمثل ببيت الشاعر:\nوَحَدَّثْتنَا يا سَعْدُ عَنْهُمُ فَزِدْتَنَا … شُجُونًا فَزِدْنَا مِنْ حَدِيثِكَ يا سَعْدُ\nثم يشتعل ذكاؤه - الذي ضرب فيه بسهم وافر - ويتوقد ذهنه، وتسيل\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" للعلَّامة العيني (٥/ ٤١٥).\n(^٢) نشكر لهذه الإحصائيات فضيلة الشيخ عبد الستار الأعظمي [المعروفي]، مدرِّس الحديث الشريف في دار العلوم، ندوة العلماء.","vol":"1","page":89},{"text":"قريحته، فيفلت زمام التأليف، ويرسل النفس على سجِيَّتها، ويستخرج من حديث واحد نتائج وفوائد لا تدور بِخَلَدِ (^١) كثير من الأذكياء، وما ذلك إلا لحدَّة ذهنه، وإفراط حبِّه، ولم يزل الحب مُلْهِمًا للبدائع، مُلهبًا للقرائح، والمحبُّ يقع على ما لا يقع عليه المتأمل، المرهق لجسمه، المُتعِب لعقله.\n* وسرٌّ آخر للغموض في تراجم الأبواب: أن المؤلفَ الإمام غير خاضع للأساليب التأليفية، والقوانين الوضعية، التي جرى عليها المؤلفون في فنِّ الحديث في عصره وبعد عصره، بل هو واضع طريقة خاصة في التأليف، وإمام مذهب خاص، وهو لم يقتصر على ما يتبادر إليه الذهن من الأحكام الفقهية المستخرجة من الأحاديث، شأن أقرانه ومن سبقه من المؤلفين في علم الحديث والفقه، بل يستخرج من الأحاديث فوائد علمية وعملية لا تدخل تحت باب من أبواب الفقه المعروفة.\nوقد أحسن الإشارة إلى ذلك أكبر شُرَّاح كتابه، وأعرفهم بمراده، العلامة الحافظ ابن حجر العسقلاني في مقدمة كتابه الفريد \"فتح الباري\" حيث قال: \"ثم رأى أن لا يخليه من الفوائد الفقهية والنكت الحِكَمية، فاستخرج بفهمه من المتون معاني كثيرة، فرَّقها في أبواب الكتاب بحسب تناسبها، واعتنى فيه بآيات الأحكام، فانتزع منها الدلالات البديعة، وسلك في الإشارة إلى تفسيرها السبل الوسيعة.\nقال الشيخ محيي الدين - نفع الله به -: ليس مقصود البخاري ألاقتصار على الأحاديث فقط، بل مراده الاستنباط منها، والاستدلال لأبواب أرادها، ولهذا المعنى أخلى كثيرًا من الأبواب عن إسناد الحديث، واقتصر فيه على قوله: \"فيه فلان عن النبي - ﷺ -\"، أو نحو ذلك، وقد يذكر المتن بغير إسناد، وقد يورده معلَّقًا.\nوإنما يفعل هذا؛ لأنه أراد الاحتجاج للمسألة التي ترجم لها، وأشار\n_________\n(^١) خَلَدٌ: القلب والبال.","vol":"1","page":90},{"text":"إلى الحديث لكونه معلومًا، وقد يكون مما تقدم وربما تقدم قريبًا.\nويقع في كثير من أبوابه الأحاديث الكثيرة، وفي بعضها ما فيه حديث واحد، وفي بعضها ما فيه آية من كتاب الله، وبعضها لا شيء فيه البتة، وقد ادَّعى بعضهم أنه صنع ذلك عمدًا، وغرضه أن يبيِّن أنه لم يثبت عنده حديث بشرطه في المعنى الذي ترجم عليه، ومن ثمة وقع في بعض من نسخ الكتاب ضمُّ باب لم يذكر فيه حديث إلى حديث لم يذكر فيه باب، فأشكل فهمه على الناظر فيه\" (^١).\nوقد زاد على ذلك حكيم الإسلام الشيخ ولي الله الدهلوي، فأحسن وأجاد، وأوضح التفاوت الواقع بين أفهام العلماء ومقاصد المؤلف الإمام، وكأنه يقول بلسان الشاعر:\nنَزَلُوا بِمَكَّةَ فِيْ قَبَائِلَ هَاشِمٍ … وَنَزَلَتْ بِالْبَيْدَاءِ أَبْعَدَ مَنْزِلِ\nقال - ﵀ -: وكثيرًا ما يستخرج الآداب المفهومة بالعقل، من الكتاب والسُّنَّة، والعادات الكائنة في زمانه - ﷺ -، ومثل هذا لا يدرك حُسنه إلا من مارسَ كتب الآداب، وأجال عقله في ميدان آداب قومه، ثم طلب لها أصلًا من السُّنَّة (^٢).\nومن أكثَرَ قراءةَ \"الجامع الصحيح\" درسًا وتدريسًا، وأنعمَ النظر فيه، شهد بصدق شيخ الإسلام فيما قاله، وإصابته الصميم، ووجد شيئًا كثيرًا مما يتأدَّب به، ويتخلَّق بأخلاق الرسول - ﷺ -، وعادات الصحابة، منثورًا في ثنايا هذا الكتاب العظيم، حتى يستطيع أن يستخرج منه كتابًا آخر، ويسميه: \"الأدب المفرد\" أو بما شاء، وقد يستهين المختص بالفقه والحديث بقيمة هذه الثروة العظيمة، وقد يلتوي عليه فهمها وحكمة وضعها في هذا الكتاب الذي أفرد لجمع الأحاديث الصحيحة على شروط الإمام البخاري، ولكن\n_________\n(^١) مقدمة \"فتح الباري\" (ص ٨).\n(^٢) \"شرح تراجم أبواب صحيح البخاري\" (ص ٥)، طبع في حيدر آباد ١٣٢٣ هـ.","vol":"1","page":91},{"text":"نظر المحب يختلف عن نظر غيره، وقد أراد الإمام البخاري أن يكون هذا الكتاب نبراسًا للساري، وصورة لما كان عليه الصحابة والمسلمون في عصر النبوة.\nوالسبب الثاني لتعقُّد بعض ما أورده في هذا الكتاب من الأبواب والتراجم، والتوائها على فَهم كثير من الشرَّاح والمدرِّسين - حتى قال الكرماني (^١): \"إن هذا قسمٌ عجز الفحول البوازل (^٢) في الأعصار، والعلماء الأفاضل من الأمصار، فتركوها [واعتذروا عنها] بأعذار\" - هو عدم اطلاع أكثرهم على ما كان يسود في عصره من آراء وأقوال يشتدُّ حولها الخصام، ويكثر فيها القيل والقال، وما ذهب إليه بعض معاصريه، ومن تقدمه بقليل من مذاهب، فإنه يعقد بابًا ويأتي بترجمة، وما قصده من ذلك إلا نقض ما انتشر في الناس، وجرى عليه العامة، أو نقل عن عالم، وهو عنده مخالف للحديث وما ثبت من السُّنَّة، فهو يُوَرِّي بذلك، أو ينظر إليه من طرف خفي، ولا يستملح (^٣) ذلك، ولا يفهم سر إيراده له، إلا من اتَّسع علمه، وأحاط بأكثر ما كان يوجد في عصره من الأخلاق والعادات، والأقوال والآراء، وكذلك اطلع على كتب معاصريه، أو من سبقه بقليل، كـ \"مصنف عبد الرزاق\" و\"مصنف ابن أبي شيبة\" وغيرهما.\nوقد أشار إلى هذه النكتة الشيخ ولي الله الدهلوي في بعض مباحثه في كتابه المتقدم ذكره، إذ قال: \"وأكثر ذلك تعقبات وتبكيتات على عبد الرزاق، وابن أبي شيبة في تراجم مصنفيهما، إذ شواهد الآثار تروى عن الصحابة والتابعين في مصنَّفَيهما، ومثل هذا لا ينتفع به إلا من مارس الكتابين، واطلع على ما فيهما\" (^٤).\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري بشرح الكرماني\" (١/ ٤).\n(^٢) البازل: الرجل الكامل في تجربته.\n(^٣) كذا في الأصل، والظاهر: \"ولا يستلمح\".\n(^٤) \"رسالة شرح التراجم\" للشاه ولي الله الدهلوي (ص ٥).","vol":"1","page":92},{"text":"وسبب آخر لهذا الغموض والتعقد، وعجز العلماء والشرَّاح عن حلَّه، ومعاناتهم في ذلك الشدة والمشقة، حتى التجأ كثير منهم إلى تأويلات وتكلُّفات لا يُسيغها الذوق السليم، حتى قال الباجي: وإنما أوردت هذا ههنا لما عني به أهل بلدنا من طلب معنى يجمع بين الترجمة والحديث الذي يليها، وتكلفهم في ذلك من تعسُّف التأويل ما لا يسوغ، هو أن الكتاب لم يزل في دور التنقيح والتهذيب، والحذف والزيادة، شأن الكتب التي يُعنى بها أصحابها أشد عناية، ويَصُبُّون فيها علمهم، ويعتبرونها عمدة بضاعتهم ورأس مالهم، وزادهم في الآخرة، وشأن العلماء الذين لا يزال عقلهم في نبوغ، وعلمهم في نمو، فلا يزال عقلهم مشغولًا بهذا الكتاب، ولا يزال قلمهم يتناوله بالتحسين والتحبير، وحياة الإمام البخاري لم يكن فيها هدوء واستقرار، بل كان ينتقل من بلد إلى بلد، ومن محنة إلى محنة، ومن جفاء إلى جفاء، حتى لقي ربَّه.\nويدلُّ على ذلك ما نقله الإمام أبو الوليد الباجي المالكي في مقدمة كتابه في \"أسماء رجال البخاري\"، فقال: \"أخبرني الحافظ أبو ذر عبد الرحيم بن أحمد الهروي، قال: حدثنا الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد المستملي، قال: انتسخت كتاب البخاري من أصله الذي كان عند صاحبه محمد بن يوسف الفربري، فرأيت فيه أشياء لم تتم، وأشياء مبيَّضة، منها تراجم لم يثبت بعدها شيئًا، ومنها أحاديث لم يترجم لها، فأضفنا بعضَ ذلك إلى بعض\"، قال الباجي: \"ومما يدلّ على صحة هذا القول: أن رواية أبي إسحاق المستملي، ورواية أبي محمد السَّرَخسي، ورواية أبي الهيثم الكُشميهني، ورواية أبي زيد المروزي مختلفة بالتقديم والتأخير، مع أنهم انتسخوا من أصل واحد، وإنما ذلك بحسب ما قدر كل واحد منهم فيما كان في طُرة أو رُقعة مضافة أنه من موضع ما، فأضافه إليه، ويبين ذلك أنك تجد ترجمتين وأكثر من ذلك متصلة ليس بينها أحاديث\" (^١).\n_________\n(^١) مقدمة \"فتح الباري\" (ص ٨).","vol":"1","page":93},{"text":"وأيَّده العلامة الحافظ ابن حجر صاحب \"فتح الباري\" فقال: \"وهذه قاعدة حسنة يُفزع إليها حيث يتعسَّر وجه الجمع بين الترجمة والحديث، وهي مواضع قليلة جدًّا\" (^١).\nوعلى كلٍّ، فهذه بعضُ أسباب لتعقُّد الأبواب والتراجم في هذا الكتاب الذي اعتنت به الأمة أشدَّ اعتناءٍ بعد كتاب الله، وصلت إليها دراسة قاصرة لمن لم يكن صاحب اختصاص في فنِّ الحديث، وقد يكون أكثر من ذلك، ولا آخر في عالَم التأمل والبحث، وفوق كل ذي علم عليم.\nولم يزل الموضوع غضًّا طريًّا يطرقه كل باحث في علم الحديث، وكل دارس ومدرِّس لـ \"الجامع الصحيح\"، وكان الموضوع في حاجة - بعد ضياع كتب المتقدمين الأربعة التي تقدم ذكرها - إلى كتاب أكمل وأشمل، وأجمع وأوعى، فجاء هذا الكتاب - والحمد لله - وافيًا بالغرض، مُسعِفًا بالحاجة، يصدِّق قولَ الأولين: (كم ترك الأول للآخر).\nوكان المؤلف - بارك الله في حياته - قد ذكر في كتابه \"مقدمة كتاب لامع الدراري\": كل ما جاء من أصول الشيخ الإمام ولي الله الدهلوي، والقواعد الكلية للتطبيق بين الأبواب والتراجم، وأبواب لا ترجمة لها، وكذلك كل ما جاء في رسالة الشيخ العلامة محمود حسن الديوبندي، وكل ما وجد من فوائد في دروس الشيخ الكبير مولانا رشيد أحمد الكَنكَوهي، وكذلك كل ما وجده من أصول وقواعد في كلام الحافظ ابن حجر، والقسطلاني، والحافظ العيني، فاستوعبها، وزاد عليها مما كان خاطره أبا عذره، ولم يسبق إليه، حتى بلغ عدد هذه الأصول والقواعد الكلية إلى سبعين أصلًا وقاعدة، فاحتوى على علم غزير، لم نجده في كتاب واحد - والغيب عند الله -، فاقترحت على المؤلف، كما اقترح كثير من تلاميذه تجريد هذا الجزء وطبعه ككتاب مستقل، فقبل هذا الاقتراح مشكورًا محسنًا\n_________\n(^١) مقدمة \"فتح الباري\" (ص ٨).","vol":"1","page":94},{"text":"إلى المشتغلين بتدريس هذا الكتاب العظيم بصفة خاصة، والخادمين لعلم الحديث بصفة عامة، مستحقًّا ثناءهم وتقديرهم ودعواتهم الصالحة، وما عند الله أوفى وأبقى، وأعظم وأجل.\nوكان قد تناول كل كتاب من كتب \"الجامع الصحيح\"، وتكلم على أبوابها وتراجمها بابًا بابًا، وترجمة ترجمة، فجاء الكتاب سفرًا ضخمًا قد يقع في عدة أجزاء، وأصبح الكتاب موسوعة أو دائرة معارف بالتعبير الحديث في كل ما يتصل بالأبواب والتراجم في \"الجامع الصحيح\" للبخاري مغنيًا عن غيره، وبذلك أغنى طلبة علم الحديث، ومدرسيه عن تتبع هذا الموضوع في كل كتاب، والتقاط الدرر من كل بحر، ووفر عليهم وقتًا طويلًا وعناءً كبيرًا، ولا يعرف قيمة هذا الكتاب وما فتح الله به على مؤلفه من الرأي السديد، والقول الصواب، وما أتى به فيه من لباب النقول، وصفوة الأقوال، ومحصول العقول والألباب، إلا من مارس هذه الصناعة، واشتغل بتدريس الكتاب مدة طويلة، ولقي الجهد والعناء في حلِّ غوامضه، وفكِّ مشكلاته، وقد قال القائل:\nإِنَّمَا يَعْرِفُ ذَا الْفَضْلِ … مِنَ النَّاسِ ذَوُوهُ\nوندعو الله أن ينفع بهذا الكتاب طلبة العلم، وأساتذة الحديث، كما نفع بمؤلفاته الأخرى، وأن يبارك في حياته، وينفع به المسلمين، ويعزّ به العلم والدين.\nوفي الأخير نعترف لزميلنا العزيز الأستاذ سعيد الأعظمي الندوي بالإخلاص وبذل الجهد في طبع هذا الكتاب، والإشراف على تصحيحه شأنه في مؤلفات الشيخ الأخرى التي سعد بنشرها وطبعها في مطبعة ندوة العلماء، وتقبَّل الله سعيه وجزاه خيرًا.\nأبو الحسن علي الحسني الندوي\nالمسجد الجامع رأي بريلي - الهند\nيوم الأربعاء، ١١ جُمادى الآخرة ١٣٩١ هـ","vol":"1","page":95},{"text":"<span data-type='title' id=toc-95>مقدمة المؤلف</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nنحمده ونصلي على رسوله الكريم\nالحمدُ لله الذي قال وما أصدق قوله الكريم: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤].\nوالصلاة والسلام الأتمَّان الأكملان على من قال الله عزَّ اسمُه في حقه: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]، وقال عزَّ اسمُه تبجيلًا له: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى: ٥]، وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم القيامة الهداة للدين المتين.\nوبعد:\nفيقول العبد المفتقر إلى رحمة ربه الجليل، عبدهُ زكريا بن يحيى بن إسماعيل: إن هذا العاجزَ مكث بفضل الله وكرمه من آخر سنة إحدى وثلاثين وثلاث مائة وألف، إلى سنة ثمان وثمانين وثلاث مائة وألف من الهجرة مشغولًا بالحديث الشريف درسًا وتدريسًا، وتصنيفًا وتأليفًا، ومن فضل الله تعالى وكرمه وإحسانه أنه جعلني مع أدناسي وأنجاسي الظاهرة والباطنة مشتغلًا بكلام رسوله المطهَّر المبارك.\nولكنه لكثرة الأمراض الروحانية والبدنية في سنة ثمان وثمانين في العاشر من ربيع الأول عند الفراغ من تأليف \"لامع الدراري\" حرمت","vol":"1","page":97},{"text":"من التصنيف والتأليف، وفي شوال من السنة المذكورة لشدة نزول الماء بالعين الذي كان بدؤه منذ عشر سنين حُرمت من تدريس \"صحيح البخاري\" كذلك، فقدمت متأسفًا على حرماني من الاشتغال بالحديث النبوي إلى المدينة المنورة رجاء التمتع ببركاتها.\nوفي أثناء إقامتي ها هنا جاشَ خاطري لطبع تأليفي القديم \"جزء حجة الوداع\" الذي كتبته سنة اثنتين وأربعين كما ذكرت ذلك مفصَّلًا في اختتام التأليف المذكور، وعند رجوعي إلى الهند سمعته من بعض أعزّائي، كما ذكر في اختتامه أيضًا، فبعد توضيح مجملاته وتفصيل إشاراته طبع مرتين في سنة تسعين بمجرد لطف الله وكرمه مع إلحاق جزء العمرات إليه (^١).\nثم في أواخر سنة تسعين قُدِّر لي الحضور عند الأقدام العالية، فجال بخاطري مستبركًا بهذه البقعة المباركة أن أستمع الملاحظات التي جمعتها عند تدريسي لـ \"صحيح البخاري\" مما يتعلق بتراجمه من عزيزي الحاج المولوي عبد الحفيظ المكي سلَّمه الله تعالى، والرجاء من الباري الكريم أن يقدر لطباعته سبيلًا، فيكون هذا أيضًا نافعًا إن شاء الله تعالى، فإن \"جزء حجة الوداع\" أيضًا هكذا أسمعنيه بعض أصدقائي فقد طبع، وبهذا الرجاء شرعت في استماعه اليوم الساعة الرابعة ضحى الأربعاء في الثامن والعشرين من ذي الحجة سنة تسعين وثلاث مائة وألف عند أقدامه العالية المباركة الشريفة في المسجد النبوي على صاحبه ألف ألف صلاة وتحية، ولو كمل هذا السعي الجميل فلا يستبعد أن يكون تأويل رؤياي التي رأيتها بالمدينة المنورة في أوائل سنة أربع وثمانين وثلاث مائة وألف من الهجرة، وسيأتي تفصيلها حيث نذكر الكلام على عدم ذكر الإمام البخاري الحمد والصلاة في بداية كتاب \"الجامع الصحيح\" إن شاء الله تعالى.\n_________\n(^١) وقد طبع هذا الكتاب بتحقيقنا على نفقة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بدولة الإمارات العربية المتحدة.","vol":"1","page":98},{"text":"ورأيت المناسب ها هنا أن أدرج أولًا الأصول السبعين المتعلقة بتراجم البخاري المستنبطة من كلام المشايخ التي ذكرتها في \"مقدمة لامع الدراري\" حتى تجتمع مواد التراجم كلها في موضع واحد، وقد ذكرت في بدايتها أن المشايخ قد ألَّفوا في تراجم البخاري تأليفات كثيرة، ولكن في يومنا هذا ليست لدينا إلا رسالتين فقط، إحداهما تأليف أستاذ الأساتذة مسند الهند الشاه ولي الله الدهلوي، رسالة وجيزة مسماة \"بشرح تراجم البخاري\"، وستأتي جملة ما بها من المعاني في مواضعها من هذا التأليف إن شاء الله تعالى، والرسالة الثانية من تأليف أستاذ الهند شيخ المشايخ مولانا الحاج محمود حسن المعروف بشيخ الهند، رئيس المدرسين بالجامعة القاسمية المعروفة بدار العلوم بديوبند، المسمَّاة بـ \"الأبواب والتراجم\"، وقد شرح التراجم إلى آخر كتاب العلم إلا الترجمة الأخيرة منها باللغة الأردية، وقد أدرجتها بأسرها في هذه الرسالة، وأيضًا قد ذكر حضرة شيخ الهند في رسالته بتحقيقه وتنقيحه وتفحُّصه فهرسًا لبعض أبواب البخاري، وليس فيها شيء من كلامه، إنما هي إشارات فقط، وسيأتي تفصيلها في موضعها إن شاء الله تعالى.\nوقد استوعبت بتوضيح تراجم شيخ الهند قُدِّس سرُّه لرؤيا رأيتها في بداية دراسة البخاري، فإني قد قرأت \"صحيح البخاري\" وأكثر كتب الحديث مرتين، كما ذكرت ذلك في بداية مقدمة \"لامع الدراري\" في ذيل أسانيد هذا الفقير، أولًا: في سنة أربع وثلاثين من الهجرة على والدي المرحوم قدّس الله سرّه العزيز، وثانيًا: من سنة خمس وثلاثين في سنين متفرقة على شيخي ومرشدي حضرة مولانا الحاج خليل أحمد المحدث السهارنفوري المهاجر المدني شارح أبي داود قدّس الله سرّه العزيز، وقد ذكرت تفصيل ذلك في رسالتي المسمَّاة بآب بيتي (يعني: قصة حياتي) باللغة الأردية، وهذا تعريبه مختصرًا:\nإني كنت قد عزمت أولًا أن أقرأ جامعَي البخاري والترمذي على شيخي المكرم حضرة المحدث السهارنفوري؛ إذ كان - ﵀ - مختصًا","vol":"1","page":99},{"text":"بتدريسهما بالجامعة الشهيرة بمظاهر العلوم بسهارنفور، والكتب الباقية كان يدرِّسها والدي المرحوم، فلما شرعت في القراءة على والدي كتب الحديث سوى البخاري والترمذي فتركتهما للشيخ - ﵀ -؛ لأنه كان أولًا في سفره للحجاز المقدس، ثم أسرته الحكومة الإنجليزية وحبسته في سجن \"نَيْني تال\" (^١) مدة لقيامه بحركة تحرير بلاده ضد الاستعمار الغاشم، ولكن بعدئذ نبَّهني بعض أقربائي على أن والدي متألم لعدم قراءتي عليه الجامعَيْن، فحرَّضني ذلك على قراءتهما عليه أيضًا.\nوقد اهتم والدي نوَّر الله مرقده بتدريس البخاري اهتمامًا بليغًا حتى إنه وسع في وقت تدريس البخاري بضم ساعة [سنن] النسائي إليه، وجعل يدرِّس النسائي يوم الجمعة، وأنا أيضًا بالغت في الاهتمام به حتى إنه لم يفتني أي حديث، ولم أقرأ حديثًا إلا على وضوء، وقد التزمت في ذلك الزمان أن أصلي العشاء بوضوء الظهر.\nثم إن والدي - ﵀ - رحمة واسعة لبَّى داعي ربه في ذي القعدة من تلك السنة فازداد قلبي حبًا وشغفًا به، وقد جرت العادة بأن المرء يعرف قدر النعمة بعد زوالها كما قيل:\nفَقَدْتُ زَمَانَ الْوَصْلِ وَالْمَرْءُ جَاهِلٌ … بِقَدْرِ لَذِيذِ الْعَيْشِ قَبْلَ المْصَائِبِ\nوكنت عازمًا في حياة والدي أن لا أقرأ جامعَي البخاري والترمذي إلا على شيخي حضرة المحدث السهارنفوري، ولذا لم أشرع فيهما عند والدي رحمه الله تعالى في أول الأمر كما تقدم، ثم كما ذكرت آنفًا أني اضطررت في القراءة عليه، ولكنه درَّسنيهما بصورة استأصلَتْ كل فكرة عن دراستهما مرة أخرى عند غيره رحمه الله تعالى، وبعد وفاته زاد هذا الأثر، حتى ثبت عكس ما قال في البداية.\n_________\n(^١) بفتح نون وسكون مثناة تحتية ونون مكسورة بعدها مثناة تحتية وتاء مثناة فوقية ثم ألف ثم لام: مصيف معروف في الهند.","vol":"1","page":100},{"text":"ثم إنه لما قدم حضرة المحدث السهارنفوري من سجن \"نيني تال\" بعد وفاة والدي بشهر، أمرني أن أقرأ عليه جامعَي البخاري والترمذي مرة أخرى، فشرعت فيهما ممتثلًا لأمره الكريم، وأثناء هذه الدراسة رأيت في المنام أن حضرة شيخ الهند مولانا محمود حسن الديوبندي قدّس الله سرّه العزيز يقول لي: \"اقرأ عليَّ البخاري\" فتحيرت من هذه الرؤيا العجيبة جدًّا؛ لأن حضرة شيخ الهند - ﵀ - كان حينئذ أسيرًا في مالطه (مالتا) حيث سجنه الاستعمار البريطاني لقيادة حركة التحرير ضده، فذكرتها لسيدي حضرة الشيخ خليل أحمد المحدث السهارنفوري، فقال: تأويلها أن تقرأ عليَّ البخاري، وكان هذا التأويل في محله ولا شك فيه؛ إذ لا يكون مصداق شيخ الهند في الحديث إلا سيدي حضرة المحدث السهارنفوري في ذاك الزمان بالهند.\nولكن الآن عند استماعي لهذه التراجم، خطر ببالي أن الأخد بتراجم حضرة شيخ الهند - ﵀ - ونشرها، إنما هو في حكم القراءة عليه - ﵀ -، فيمكن أن يكون هذا أيضًا من جملة تعبير تلك الرؤيا، ويناسب هذا على قول أحد أعزائي المخلصين عزيزي المولوي محمد يوسف متالا: إن الزمان الذي رأيت فيه هذه الرؤيا كان حضرة شيخ الهند - ﵀ - حينئذ يصنِّف فيه هذه التراجم في سجن مالطة.\nولا يذهب عليك أنه قد ذكر في مقدمة \"لامع الدراري\" بحث طويل عن التراجم، لا بد من نقله ها هنا تكميلًا للفائدة، ومما يجب التنبيه عليه ما قال النووي (^١): معنى الترجمة فهو التعبير عن لغة بلغة، قال الشيخ ابن الصلاح: ليست الترجمة مخصوصة بتفسير لغة بلغة أخرى، فقد أطلقوا على قولهم باب كذا اسم الترجمة لكونه يعبّر عما يذكر بعده، انتهى.\nوفي هامش \"اللامع\" (^٢): إن التراجم بكسر الجيم، أي: ما ترجم به\n_________\n(^١) \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (١/ ٢٢١).\n(^٢) (١/ ٤٨٩).","vol":"1","page":101},{"text":"من الكتب والأبواب، جمع ترجمة، وسُمِّي ما ذكر تراجم؛ لأنه مترجِم عما بعده؛ لأن ما يذكر في الباب مثلًا تنبئ عنه الترجمة وتُبَيِّنُهُ [كذا في \"نيل الأماني شرح مقدمة القسطلاني\"]، وفي \"شرح الإقناع\": التراجم إن كان في تراجم المصنفين فتكسر فيه الجيم، وإن كان في الرمي بالحجارة مثلًا فتضم الجيم، انتهى.\nقلت: لأن الآخر تفاعل من الرجم الثلاثي، والأول رباعي كما أشار إليه المجد (^١)، إذ قال في باب الميم وفصل التاء: التُّرْجُمانُ، كزَعْفَرَانٍ وعُنْفُوَانٍ وَرَيْهُقَانٍ: المُفَسِّر للسان، وقد ترجمه، وعنه، والفعل يدلُّ على أَصَالةِ التاء\"، انتهى.\n* * *\n_________\n(^١) \"القاموس\" (ص ٩٧٦).","vol":"1","page":102},{"text":"<span data-type='title' id=toc-96>فَصْلٌ في بيان التراجم</span>\nإن موضوعَ التراجم من أهم مقاصد الإمام البخاري في \"صحيحه\"، حتى أجمع أهل العلم كلُّهم سلفًا وخلفًا أن معظم مقصود البخاري في \"صحيحه\" - مع اهتمامه بصحة الأحاديث - استخراج المعاني الكثيرة من المتون، ولذا كرر الأحاديث في كتابه في الأبواب المختلفة وذكر بعضًا من الأحاديث أكثر من عشرين مرة؛ كحديث عائشة في قصة بريرة وغير ذلك، وفي الكثرة على العشرة كثرة، ولذا اشتهر قول جمع من العلماء: \"فقه البخاري في تراجمه\".\nوسيأتي في الفائدة الثانية عن الكرماني: أن هذا قسم عجز عنه الفحول البوازل في الأعصار، والعلماء الأفاضل من الأنصار، فتركوها واعتذروا عنها بأعذار، انتهى.\nولذلك اهتم جمعٌ من السلف والخلف لبيان تراجمه، وأفردوا لها التصانيف، واجتهدوا في بيان المناسبات وإبداء الاحتمالات الكثيرة في التراجم.\nفأفردت لذلك فصلًا مستأنفًا محتويًا على أربع فوائد:\n* * *","vol":"1","page":103},{"text":"<span data-type='title' id=toc-97>الأولى في ذكر بعض من صنف في ذلك تآليف مستقلة من السلف والخلف</span>\nمنهم: الإمام ناصر الدين أحمد بن محمد بن المنيِّر الإسكندراني، شرح البخاري في تأليف كبير نحو عشرة مجلدات، وصنف رسالة مستقلة في الكلام على التراجم سماها: \"المتواري على تراجم أبواب البخاري\" ذكرها صاحب \"كشف الظنون\"، وقال القسطلاني في مقدمة \"شرحه\" (^١): ولابن المنيِّر حواش على ابن بطال، وله أيضًا كلام على التراجم سمّاه: \"المتواري\".\nومنهم: أبو عبد الله محمد بن عمر بن رُشيد الفهري السبتي، المتوفى سنة (٧٢١ هـ)، ألَّف رسالة في التراجم سمَّاها: \"ترجمان التراجم\"، وهي على أبواب الكتاب ولم تكمل، كذا في \"الكشف\"، وذكرها أيضًا القسطلاني في مقدمة \"شرحه\" بقوله: وكذا لأبي عبد الله بن رُشيد \"ترجمان التراجم\"، انتهى.\nقلت: وذكر ابن فهد في \"لحظ الألحاظ\" (^٢) ترجمة ابن رُشيد هذا فقال: هو الإمام المحدث ذو الفنون، محب الدين أبو عبد الله محمد بن عمر بن محمد بن عمر، إلى أن أوصل بوسائط إلى رُشيد الفهري السبتي عالي الإسناد صحيح النقل تام العناية بصناعة الحديث، مولده سنة (٦٥٧ هـ)، توفي في محرم (٧٢١ هـ)، وعدَّ في مؤلفاته \"ترجمان التراجم على أبواب البخاري\"، قال: أطال فيه النفس ولم يكمل، قلت: وسيأتي في كلام الحافظ أنها وصلت إلى كتاب الصيام بسط ترجمة ابن رشيد صاحب \"الديباج\" (^٣).\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١/ ٧٤).\n(^٢) \"لحظ الألحاظ\" (١/ ٩٧).\n(^٣) \"الديباج المذهب\" (٢/ ٢٩٧).","vol":"1","page":104},{"text":"ومنهم: الفقيه أبو عبد الله محمد بن منصور بن حمامة المغراوي السِّجِلْمَاسي، ألَّف رسالة سمَّاها: \"حل الأغراض المبهمة في الجمع بين الحديث والترجمة\"، شرح فيها مائة ترجمة للبخاري، ذكرها القسطلاني في مقدمة \"شرحه\" (^١)، وكذا ذكرها صاحب \"كشف الظنون\" (^٢) وغيره، وسيأتي في كلام الحافظ، وسمَّاها: \"فك أغراض البخاري\".\nومنهم: القاضي بدر الدين بن جماعة، كما سيأتي في كلام الحافظ.\nوذكر في \"بستان المحدثين\" (^٣): \"تعليق المصابيح على أبواب الجامع الصحيح\"، لأبي عبد الله بن محمد بن أبي بكر عمر القرشي المخزومي الإسكندراني الملقب ببدر الدين المعروف بالدماميني، ويظهر من اسمه أنه على تراجم الأبواب، ولم يذكره صاحب \"الكشف\"، بل ذكره في شروح البخاري إذ قال (^٤): ومنها شرح العلامة بدر الدين محمد بن أبي بكر الدماميني، المتوفى سنة (٨٢٨ هـ)، سمَّاه \"مصابيح الجامع\"، أوله: الحمد لله الذي جعل في خدمة السُّنَّة النبوية أعظم سيادة، إلى آخره، ذكر أنه ألفه للسلطان أحمد شاه ابن محمد بن مظفر شاه من ملوك الهند، وعلَّقه على أبواب منه، ومواضع تحتوي على غريب [وإعراب] وتنبيه.\nقلت: لم يذكر الدماميني في ديباجة شرحه هذا الذي نقله المؤلف، لكن قال في آخر نسخة قديمة: وكان انتهاء هذا التأليف بزَبيد من بلاد اليمن، قبل ظهر يوم الثلاثاء العاشر من شهر ربيع الأول سنة (٨٢٨ هـ)، على يد مؤلفه محمد بن أبي بكر عمر بن أبي بكر الدماميني المخزومي، انتهى ما في \"الكشف\" (^٥).\nولا يبعد أن يكون له تأليفان: \"المصابيح في شرح البخاري\" و\"تعليق المصابيح على التراجم\".\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١/ ٤٧)، وفيه: \"فكّ الأغراض. . .\" إلخ.\n(^٢) انظر: \"كشف الظنون\" (١/ ٥٥١).\n(^٣) (ص ٣١٠).\n(^٤) انظر: \"كشف الظنون\" (١/ ٥٤٩).\n(^٥) انظر: \"مصابيح الجامع\" (١٠/ ٢٨١).","vol":"1","page":105},{"text":"قال الحافظ في مقدمة \"الفتح\" (^١): وقد جمع العلامة ناصر الدين أحمد بن المنيِّر خطيب الإسكندرية من ذلك أربع مائة ترجمة، وتكلم عليها، ولخَّصها القاضي بدر الدين بن جماعة (^٢)، وزاد عليها أشياء، وتكلم على ذلك أيضًا بعض المغاربة، وهو محمد بن منصور بن حمامة السجلماسي، ولم يكثر من ذلك، بل جملة ما في كتابه نحو مائة ترجمة، وسمَّاه: \"فك أغراض البخاري المبهمة في الجمع بين الحديث والترجمة\"، وتكلَّم أيضًا على ذلك زين الدين علي بن المنيِّر أخو العلامة ناصر الدين في شرحه على البخاري، وأمعن في ذلك، ووقفت على مجلد من كتاب اسمه: \"ترجمان التراجم\" لأبي عبد الله بن رُشيد السبتي يشتمل على هذا المقصد، وصل فيه إلى كتاب الصيام، ولو تم لكان في غاية الإفادة، وإنه لكثير الفائدة مع نقصه، انتهى.\nولا يوجد في ديارنا إلا رسالتان مختصرتان:\nإحداهما: \"رسالة شرح تراجم البخاري\" للعارف الرباني شيخ المشايخ مسند الهند الشاه ولي الله الدهلوي، المولود سنة (١١١٤ هـ)، المتوفى سنة (١١٧٦ هـ)، تقدمت ترجمته مختصرًا في مقدمة \"الأوجز\" (^٣).\nومما يجب التنبيه عليه أن في دهلي رجلًا آخر معروفًا بالشيخ ولي الله الدهلوي طالما يلتبس أحدهما بالآخر، قال مولانا السيد عبد الحي في \"نزهة الخواطر\" (^٤): الشيخ الفاضل، ولي الله الحنفي الدهلوي، أحد العلماء المشهورين، كان سبط الشيخ عبد الأحد السرهندي، برع في الشعر والتصوف والتفسير، وسمَّى نفسه \"اشتياق\" في الشعر على طريق الشعراء، له مصنفات منها تفسير القرآن الكريم، وقد ظن شبلي الأعظم كَرهي في حاشيته على \"كَلشن هند\" أنه هو الشيخ ولي الله بن عبد الرحيم الدهلوي، وهذا خطأ فاحش، فإن الشيخ ولي الله بن عبد الرحيم الدهلوي، وإن كان\n_________\n(^١) \"هدي الساري\" (ص ١٤).\n(^٢) وسمَّاها: \"مناسبات تراجم البخاري\"، وطبع في الدار السلفية بومباي، الهند سنة ١٤٠٤ هـ.\n(^٣) \"أوجز المسالك\" (١/ ١٥٧).\n(^٤) (٦/ ٨٥٨).","vol":"1","page":106},{"text":"شاعرًا لكن اسمه في الشعر \"أمين\"، وهذا الشيخ ولي الله وإن كان محدثًا لكنه كان من أسباط الشيخ عبد الأحد، وكان يسكن بـ \"كوتله فيروز شاه\"، وأين هذا من ذاك؟ توفي هذا في سنة خمسين ومائة وألف، انتهى مختصرًا.\nوذكر في موضع آخر (^١) وفاة الشاه ولي الله بن عبد الرحيم حجة الإسلام يوم السبت سلخ شهر الله المحرم سنة ست وسبعين ومائة وألف.\nو\"رسالة تراجم البخاري\" لمسند الهند حجة الإسلام هذا الثاني دون الأول، وهي رسالة وجيزة بلسان عربي، طُبعت (^٢) ببلدة حيدر آباد دكن في سنة (١٣٢٣ هـ)، ذكر المؤلف قُدِّس سرُّه فيها أولًا أصولًا جامعة مطردة للتراجم، سيأتي ذكرها في الفائدة الثانية قريبًا، ثم تكلم على تراجم الأبواب مفصَّلة بالاختصار من أول الكتاب إلى آخره.\nوالثانية: رسالة وجيزة في اللغة الأردية لشيخ المشايخ مولانا الحاج محمود حسن (^٣) المعروف بشيخ الهند، رئيس المدرسين بدار العلوم ديوبند، المولود سنة ثمان وستين وألف ومائتين، المتوفى صبيحة يوم الثلاثاء في الثامن عشر من أولى الربيعتين سنة تسع وثلاثين بعد ألف وثلاث مائة في دهلي، المدفون صبيحة يوم الأربعاء في ديوبند سنة (١٣٣٩ هـ)، طبعت في الهند، ذكر فيها أيضًا خمسة عشر أصلًا مجملة، ثم شرع الكلام على التراجم بالتفصيل، لكن الأسف كل الأسف على أنه اخترمته المنية قبل تكميلها ولم يزد على \"باب من أجاب السائل بأكثر مما سأله\" من كتاب العلم، وذكر في آخرها عدة أصول مجملة بالعربية، وبعد ذلك ذكرها فهرس الأبواب مُعْلِمًا عليها بالإشارات المشعرة إلى أغراض المصنف لا سيما في الأبواب الخالية عن التراجم، وستأتي مفصلة في أواخر الأصل العشرين، والله الموفق لما يحب ويرضى.\n_________\n(^١) انظر \"نزهة الخواطر\" (٦/ ٣٩٨).\n(^٢) وطبعت أيضًا من دار الكتاب المصري القاهرة، ومن دار الكتاب اللبناني بيروت، سنة ١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦ م.\n(^٣) انظر ترجمته في \"نزهة الخواطر\" (٨/ ١٣٧٧)، و\"العناقيد الغالية\" (ص ٩٤ - ٩٨).","vol":"1","page":107},{"text":"<span data-type='title' id=toc-98>الفائدة الثانية في أصول التراجم التي ذكرها شرَّاح الحديث والمشايخ في كتبهم مجملة</span>\nوتقدم في الفائدة الثالثة من الفصل الثاني (^١) ما قال الحافظ في مقدمة \"الفتح\" (^٢) في موضوع \"كتاب البخاري\" والكشف عن مغزاه فقال:\n\"تقرر أنه التزم فيه الصحة وأنه أصل موضوعه، ثم رأى أن لا يخليه من الفوائد الفقهية والنكت الحِكَمية، فاستخرج بفهمه من المتون معاني كثيرة فرَّقها في أبواب الكتاب بحسب تناسبها، واعتنى فيه بآيات الأحكام فانتزع منها الدلالات البديعة، وسلك في الإشارة إلى تفسيرها السبل الوسيعة.\nقال الشيخ محيي الدين - نفع الله به -: ليس مقصود البخاري الاقتصار على الأحاديث فقط، بل مراده الاستنباط منها والاستدلال لأبواب أرادها، ولهذا المعنى أخلى كثيرًا من الأبواب عن إسناد الحديث، واقتصر فيه على قوله: \"فيه فلان عن النبي - ﷺ -\" أو نحو ذلك، وقد يذكر المتن بغير إسناد، وقد يورده معلَّقًا.\nوإنما يفعل هذا لأنه أراد الاحتجاج للمسألة التي ترجم لها، وأشار إلى الحديث لكونه معلومًا، وقد يكون مما تقدم وربما تقدم قريبًا، ويقع في كثير من أبوابه الأحاديث الكثيرة، وفي بعضها ما فيه حديث واحد، وفي بعضها ما فيه آية من كتاب الله؛ وبعضها لا شيء فيه البتة، وقد ادَّعى بعضهم أنه صنع ذلك عمدًا، وغرضه أن يبين أنه لم يثبت عنده حديث بشرطه في المعنى الذي ترجم عليه.\nومن ثمة وقع من بعض من نسخ الكتاب ضمُّ باب لم يذكر فيه حديث إلى حديث لم يذكر فيه باب، فأشكل فهمه على الناظر فيه.\n_________\n(^١) راجع: مقدمة \"لامع الدراري\" (١/ ٨٥).\n(^٢) \"هدي الساري\" (ص ٨).","vol":"1","page":108},{"text":"وقد أوضح السبب في ذلك الإمام أبو الوليد الباجي المالكي في مقدمة كتابه في \"أسماء رجال البخاري\" (^١)، فقال: أخبرني الحافظ أبو ذر عبد الرحيم بن أحمد الهروي قال: حدثنا الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد المستملي قال: انتسخت \"كتاب البخاري\" من أصله الذي كان عند صاحبه محمد بن يوسف الفربري، فرأيت فيه أشياء لم تتم، وأشياء مبيضة، منها تراجم لم يثبت بعدها شيئًا، ومنها أحاديث لم يترجم لها، فأضفنا بعض ذلك إلى بعض (^٢).\nقال الباجي: ومما يدل على صحة هذا القول (^٣)، أن رواية أبي إسحاق المستملي، ورواية أبي محمد السرخسي، ورواية أبي الهيثم الكشميهني، ورواية أبي زيد المروزي، مختلفة بالتقديم والتأخير، مع أنهم انتسخوا من أصل واحد، وإنما ذلك بحسب ما قدر كل واحد منهم فيما كان في طرة أو رقعة مضافة أنه من موضع ما، فأضافه إليه، ويبيِّن ذلك أنك تجد ترجمتين وأكثر من ذلك متصلة ليس بينها أحاديث.\nقال الباجي: وإنما أوردت هذا ههنا لما عني به أهل بلدنا من طلب معنى يجمع بين الترجمة والحديث الذي يليها، وتكلُّفهم في ذلك من تعسف التأويل ما لا يسوغ\".\n_________\n(^١) سمَّاه الكرماني في أول \"شرحه\": \"كتاب التعديل والتجريح لرجال البخاري\" (ز). [قلت: قد طبع هذا الكتاب باسم: \"التعديل والتجريح لمن خرج له البخاري في الجامع الصحيح\" في ثلات مجلدات، في الرياض، سنة ١٤٠٦ هـ].\n(^٢) انظر: \"كتاب التعديل والتجريح\" (١/ ٢٨٧).\n(^٣) ويشكل عليه أن ما تقدم من كلام المستملي لا يدل على التقديم والتأخير بل يدل على ضم أبواب بعضها إلى بعض بدون ترك البياض، نعم يوافقه ما حكى شيخ المشايخ في تراجمه في (باب إذا لم يتم السجود)، نقل عن الضريري [كذا في الأصل، والصواب على الظاهر: \"الفربري\"] أن بعض أوراق الكتاب كان غير ملتصق بالكتاب، فوقع الخطأ من بعض النساخ في إلحاق تلك الأوراق فألحقوها في غير محلها، إلى آخر ما قال. . . . (ز).","vol":"1","page":109},{"text":"قال الحافظ: \"وهذه (^١) قاعدة حسنة يُفزع إليها؛ حيث يتعسر وجه الجمع بين الترجمة والحديث، وهي مواضع قليلة جدًا.\nثم ظهر لي أن البخاري مع ذلك فيما يورده من تراجم الأبواب على أطوار، إن وجد حديثًا يناسب ذلك الباب ولو على وجه خفي، ووافق شرطه، أورده فيه بالصيغة التي جعلها مصطلحة لموضوع كتابه، وهي \"حدثنا\" وما قام مقام ذلك، و\"العنعنة\" بشرطها عنده، وإن لم يجد فيه إلا حديثًا لا يوافق شرطه مع صلاحيته للحجة كتبه في الباب مغايرًا للصيغة التي يسوق بها ما هو من شرطه، ومن ثَمَّ أورد التعاليق، وإن لم يجد فيه حديثًا صحيحًا لا على شرطه ولا على شرط غيره، وكان مما يُستأنس به ويقدمه قوم على القياس استعمل لفظ ذلك ومعناه ترجمةَ باب، ثم أورد في ذلك إما آية من كتاب الله تشهد له، أو حديثًا يؤيد عموم ما دل على ذلك الخبر.\nوعلى هذا فالأحاديث التي فيه على ثلاثة أقسام، وسيأتي تفصيل ذلك مشروحًا.\nثم قال بعيد ذلك (^٢):\n\"ولنذكر ضابطًا يشتمل على بيان أنواع التراجم فيه، وهي: ظاهرة وخفية.\nأما الظاهرة:\nفليس ذكرها من غرضنا هنا، وهي أن تكون الترجمة دالَّة بالمطابقة لما يورد في مضمنها، وإنما فائدتها الإعلام بما ورد في ذلك الباب من غير اعتبار لمقدار تلك الفائدة، كأنه يقول: هذا الباب الذي فيه كيت وكيت، أو باب ذكر الدليل على الحكم الفلاني مثلًا.\n_________\n(^١) قلت: وأورد عليها القسطلاني في \"مقدمة شرحه\" (١/ ٤٣) إذ قال: وهذا الذي قاله الباجي فيه نظر من حيث إن الكتاب قرئ على مؤلفه، ولا ريب أنه لم يقرأ عليه إلا مرتبًا مبوبًا، فالعبرة بالرواية لا بالمسوَّدة التي ذكر صفتها، وسيأتي كلام الباجي هذا في الفائدة الرابعة أيضًا، (ز).\n(^٢) \"هدي الساري\" (ص ١٣).","vol":"1","page":110},{"text":"١ - وقد تكون الترجمة بلفظ المترجم له أو بعضه أو بمعناه:\nوهذا في الغالب قد يأتي من ذلك ما يكون في لفظ الترجمة احتمال لأكثر من معنى واحد، فيعيِّن أحد الاحتمالين بما ذكر تحتها من الحديث.\n٢ - وقد يوجد فيه ما هو بالعكس من ذلك، بأن يكون الاحتمال في الحديث والتعيين في الترجمة:\nوالترجمة ههنا بيان لتأويل ذلك الحديث نائبة مناب قول الفقيه مثلًا: المراد بهذا الحديث العام المخصوص، أو بهذا الحديث الخاص العموم، إشعارًا بالقياس لوجود العلة الجامعة، أو أن ذلك الخاص المراد به ما هو أعم مما يدل عليه ظاهره بطريق الأعلى أو الأدنى، ويأتي في المطلق والمقيد نظير ما ذكرنا في الخاص والعام، وكذا في شرح المشكل، وتفسير الغامض، وتأويل الظاهر، وتفصيل المجمل.\nوهذا الموضع هو معظم ما يشكل من تراجم هذا الكتاب، ولهذا اشتهر من قول جمع من الفضلاء: فقه البخاري في تراجمه.\n٣ - وأكثر ما يفعل البخاري ذلك إذا لم يجد حديثًا على شرطه في الباب ظاهر المعنى في المقصد الذي ترجم به ويستنبط الفقه منه.\n٤ - وقد يفعل ذلك لغرض شحذ الأذهان في إظهار مُضْمَره واستخراج خبيئه.\n٥ - وكثيرًا ما يفعل ذلك، أي: هذا الأخير (^١)، حيث يذكر الحديث المفسِّر لذلك في موضع آخر متقدمًا أو متأخرًا، فكأنه يحيل عليه ويومئ بالرمز والإشارة إليه.\n٦ - وكثيرًا ما يترجم بلفظ الاستفهام (^٢) كقوله: \"باب هل يكون كذا،\n_________\n(^١) يريد تفسير الغامض وتأويل الظاهر، كذا في شرح \"مقدمة القسطلاني\"، وسيأتي ذلك في الأصل السابع والعشرين، (ز).\n(^٢) سيأتي ذلك في الأصل الثاني والثلاثين، (ز).","vol":"1","page":111},{"text":"أو من (^١) قال كذا؟ \" ونحو ذلك:\nوذلك حينئذ لا يتجه له الجزم بأحد الاحتمالين، وغرضه بيان هل يثبت ذلك الحكم أو لم يثبت، فيترجم على الحكم، ومراده ما يتفسر (^٢) بعد من إثباته أو نفيه أو أنه محتمل لهما.\n٧ - وربما كان أحد الاحتمالين أظهر:\nوغرضه أن يبقى للنظر مجالًا، وينبه على أن هناك احتمالًا أو تعارضًا يوجب التوقف حيث يعتقد أن فيه إجمالًا، أو يكون المدرك مختلفًا في الاستدلال به.\n٨ - وكثيرًا ما يترجم بأمر ظاهره قليل الجدوى، لكنه إذا حقَّقه المتأمل كان أجدى:\nكقوله: \"باب قول الرجل: ما صلينا\"، فإنه أشار به إلى الرد على من كره ذلك، ومنه قوله: \"باب قول الرجل: فاتتنا الصلاة\"، وأشار بذلك إلى الرد على من كره إطلاق هذا القول.\n٩ - وكثيرًا ما بترجم بأمر مختص ببعض الوقائع لا يظهر في بادي الرأي:\nكقوله: \"باب استياك الإمام بحضرة رعية\"، فإنه لما كان الاستياك قد يظن أنه من أفعال المهنة، فلعل بعض الناس يتوهم أن إخفاءه أولى مراعاة للمروءة، فلما وقع في الحديث أن النبي - ﷺ - استاك بحضرة الناس، دلَّ على أنه من باب التطيب لا من الباب الآخر، نبّه على ذلك ابن دقيق العيد (^٣).\n_________\n(^١) سيأتي هذا في الأصل الثالث.\n(^٢) كذا في الأصل، وفي \"مقدمة القسطلاني\" بدله \"ما يفسر\" وهو أوضح، (ز) [انظر: \"إرشاد الساري\" (١/ ٤٤)].\n(^٣) زاد في \"مقدمة القسطلاني\" بعد ذلك قال الحافظ ابن حجر: ولم أر هذا في البخاري، فكأنه ذكره على سبيل المثال، انتهى [انظر: \"إرشاد الساري\" (١/ ٤٤)]، هكذا فيه، وليس هذا الكلام في مقدمة \"الفتح\" التي بأيدينا، والكلام صحيح، =","vol":"1","page":112},{"text":"١٠ - وكثيرًا ما يترجم بلفظ يومئ إلى معنى حديث لم يصح على شرطه، أو يأتي بلفظ الحديث الذي لم يصح على شرطه صريحًا في الترجمة، ويورد في الباب ما يؤدِّي معناه تارة بأمر ظاهر، وتارة بأمر خفي:\nمن ذلك قوله: \"باب الأمراء من قريش\"، وهذا لفظ حديث (^١) يروى عن علي، وليس على شرط البخاري، وأورد فيه حديث (^٢) \"لا يزال والٍ من قريش\".\nومنها قوله: \"باب اثنان فما فوقهما جماعة\" (^٣)، وهذا حديث (^٤) يروى عن أبي موسى الأشعري، وليس على شرط البخاري، وأورد فيه: \"فأذّنا وأقيما\" (^٥).\n١١ - وربما اكتفى أحيانًا بلفظ الترجمة التي هي لفظ حديث لم يصح على شرطه، وأورد معها أثرًا أو آية:\nفكأنه يقول: لم يصح في الباب شيء على شرطي.\nوللغفلة عن هذه المقاصد الدقيقة اعتقد من لم يمعن النظر أنه ترك الكتاب بلا تبييض، ومن تأمل ظفر، ومن جدَّ وجد، انتهى.\nوذكر الحافظ في بادي الرأي أحد عشر أصلًا في كلامه هذا، لكنه يتضمن أكثر من أحد عشر كما يظهر في الفائدة الثالثة.\n_________\n= فإن هذه الترجمة لم أرها أيضًا في البخاري، نعم ترجم النسائي في \"سننه\": \"باب هل يستاك الإمام بحضرة رعيته؟ \"، انتهى، وسيأتي البسط في ذلك في الأصل الرابع والخمسين، (ز).\n(^١) أخرجه أبو يعلى في \"مسنده\" (١/ ٤٢٥) (رقم ٥٦٤)، والبزار في \"مسنده\" (٧٥٩).\n(^٢) أخرجه البخاري في الأحكام (ح: ٧١٤٠).\n(^٣) انظر: \"صحيح البخاري\" \"كتاب الأذان\"، باب ٣٥.\n(^٤) أخرجه ابن ماجه (ح: ٩٧٢)، والبيهقي في \"الكبرى\" (٣/ ٦٩)، وأبو يعلى في \"مسنده\" (١٣/ ١٨٩).\n(^٥) أخرجه البخاري في \"الأذان\" (ح: ٦٥٨).","vol":"1","page":113},{"text":"وحكى كلامَ الحافظِ هذا القسطلانيُّ في مقدمته، سواء مع التغيير في حرف أو زيادة قول نبهت عليهما في الحاشية، زاد القسطلاني في آخره (^١): \"وللغفلة عن هذه المقاصد الدقيقة اعتقد من لم يمعن النظر أنه ترك الكتاب بلا تبييض (^٢)، وبالجملة فتراجمه حيَّرت الأفكار، وأدهشت العقول والأبصار، ولقد أجاد القائل:\nأعيا فحول العلم حل رموز ما … أبداه في الأبواب من أسرار\nوإنما بلَغَت هذه المرتبة، وفازت بهذه المنقبة، لما روي أنه بيَّضها بين قبر النبي - ﷺ - ومنبره، وأنه كان يصلي لكل ترجمة ركعتين\"، انتهى.\nوقال السندي (^٣) في أول \"شرحه\":\nاعلم أن تراجم \"الصحيح\" على قسمين:\nقسم يذكره للاستدلال بحديث الباب عليه.\nوقسم يذكره ليجعل كالشرح لحديث الباب، ويبين به محمل حديث الباب مثلًا، لكون حديث الباب مطلقًا قد عُلم تقييده بأحاديث أخر، فيأتي بالترجمة مقيدة، لا ليستدل عليها بالحديث المطلق، بل ليبين أن محمل الحديث هو المقيد، فصارت الترجمة كالشرح للحديث (^٤)، والشرَّاح جعلوا الأحاديث كلها دلائل لما في الترجمة، فأشكل عليهم الأمر في مواضع، ولو جعلوا بعض التراجم كالشرح خلصوا عن الإشكال في مواضع.\nوأيضًا كثيرًا ما يذكر بعد الترجمة آثارًا لأدنى خاصية بالباب (^٥)، وكثير من الشرَّاح يرونها دلائل للترجمة فيأتون بتكلُّفات باردة لتصحيح الاستدلال\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١/ ٤٥).\n(^٢) في الأصل: \"بلا تمييز\"، والتصويب من القسطلاني.\n(^٣) \"حاشية السندي على صحيح البخاري\" (١/ ٥).\n(^٤) هو الأصل الثالث والعشرون من الأصول الآتية في الفائدة الثالثة، (ز).\n(^٥) هذا هو الأصل الرابع والعشرون، (ز).","vol":"1","page":114},{"text":"بها على الترجمة، فإن عجزوا عن وجه الاستدلال عدُّوه اعتراضًا على صاحب \"الصحيح\"، والاعتراض في الحقيقة متوجه عليهم، حيث لم يفهموا المقصود.\nوأيضًا كثيرًا ما يكون ظاهر الترجمة معنًى فيحملون الترجمة عليه (^١)، والحديث لا يوافقه، فيعدّون ذلك إيرادًا على صاحب \"الصحيح\"، مع أنه قصد معنًى يوافقه الحديث قطعًا (^٢)، وقد يكون معنى الترجمة ما فهموا ولكن تطبيق الحديث عليه يحتاج إلى فضل تدقيق، فكثيرًا ما يغفلون عنه ويعدّونه اعتراضًا، وأنت إذا حفظت وراعيت ما ذكرنا لك، لَسَهُلَ عليك مواضع عديدة مما صعبت عليهم\"، انتهى.\nوقال الكرماني في أول \"شرحه\" (^٣): وبيَّنت - أي: في شرحي - مناسبة الأحاديث التي في كل باب لما ترجم عليه، ومطابقتها بما عقد له وأشير إليه، وهو قسم عجز عنه الفحول البوازل في الأعصار، والعلماء الأفاضل من الأمصار (^٤)، فتركوها واعتذروا عنها بأعذار، من جملتها ما قال القاضي أبو الوليد الباجي، فذكر كلامه المذكور قريبًا في كلام الحافظ ابن حجر.\nثم قال الكرماني: والبخاري - ﵀ -، وإن كان من أعلم الناس بصحيح الحديث وسقيمه، فليس ذلك من علم المعاني وتحقيق الألفاظ بسبيل، كيف وفيها روى أبو إسحاق العلة في ذلك - كما تقدم في كلام الباجي - وبيَّنَها: أن الحديث يلي الترجمة ليس بموضوع لها، وإنما هو موضوع ليأتي قبل ذلك بترجمة، ويأتي للترجمة التي قبله من الحديث بما يليق بها، انتهى.\n_________\n(^١) كذا فيه، (ز).\n(^٢) هذا هو الأصل الرابع والخامس من أصول شيخ الهند الآتية في الفائدة الثالثة، (ز).\n(^٣) (١/ ٥).\n(^٤) كذا في الأصل، وفي \"الكرماني\": \"من الأنصار\"، والظاهر ما في الأصل.","vol":"1","page":115},{"text":"<span data-type='title' id=toc-99>أصول التراجم عند الإمام ولي الله الدهلوي</span>\nوذكر شيخ مشايخنا الشاه ولي الله الدهلوي في أول رسالته في التراجم أصولًا بالإجمال، وهذا نصُّه، فقال بعد الحمد والصلاة:\nيقول الفقير إلى رحمة الله الكريم، أحمد المدعو بولي الله بن عبد الرحيم - كان الله لهما -:\nأول ما صنَّف أهل الحديث في علم الحديث جعلوه مدوَّنًا في أربعة فنون:\nفن السنة، أعني الذي يقال له: الفقه، مثل: \"موطأ مالك\"، و\"جامع سفيان\".\nوفن التفسير، مثل: \"كتاب ابن جريج\".\nوفن السير، مثل: \"كتاب محمد بن إسحاق\".\nوفن الزهد والرقاق، مثل: \"كتاب ابن المبارك\".\nفأراد البخاري أن يجمع الفنون الأربعة في كتاب، ويجرده لما حكم له العلماء بالصحة قبل البخاري وفي زمانه، ويُجرِّده للحديث المرفوع المُسْند، وما فيه من الآثار وغيرها إنما جاء به تبعًا لا أصالة، ولهذا سمَّى كتابه بـ \"الجامع الصحيح المسند\".\nوإنما أراد أيضًا أن يفرغ جهده في الاستنباط من حديث رسول الله - ﷺ -، ويستنبط من كل حديث مسائل كثيرة جدًا، وهذا أمر لم يسبق إليه غيره، غير أنه استحسن أن يفرق الأحاديث في الأبواب، ويودع في تراجم الأبواب سر الاستنباط.\nوجملة تراجم أبوابه تنقسم أقسامًا:\n١ - منها: أنه يترجم بحديث مرفوع ليس على شروطه، ويذكر في الباب حديثًا شاهدًا له على شرطه.\n٢ - ومنها: أنه يترجم بمسألة استنبطها من الحديث، بنحوٍ من الاستنباط من نصِّه، أو إشارته، أو عمومه، أو إيمائه.","vol":"1","page":116},{"text":"٣ - ومنها: أن يترجم بمذهب من ذهب إليه قبل، ويذكر في الباب ما يدل عليه بنحو من الدلالة شاهدًا، ويكون له في الجملة من غير قطع بترجيح ذلك المذهب، فيقول: باب من قال كذا.\n٤ - ومنها: أنه يترجم بمسألة اختلفت فيها الأحاديث، فيأتي بتلك الأحاديث على اختلافها ليقرب إلى الفقيه من بعده أمرها. مثاله: \"باب خروج النساء إلى البراز\" (^١)، جمع فيه حديثين مختلفين.\n٥ - ومنها: أنه قد تتعارض الأدلة، ويكون عند البخاري وجه التطبيق بينها بحمل كل واحد على محمل، فيترجم بذلك المحمل إشارةً إلى وجه التطبيق. مثاله: \"باب خوف المؤمن أن يحبط عمله، وما يحذر من الإصرار على النفاق (^٢) والعصيان\"، ذكر فيه حديث: \"سباب المسلم فسوق وقتاله كفر\" (^٣).\n٦ - ومنها: أنه قد يجمع في باب أحاديث كثيرة، كل واحد منها يدل على الترجمة، ثم يظهر له في حديث واحد فائدة أخرى سوى الفائدة المترجم عليها، ويُعْلِمُ على ذلك الحديث علامة الباب، وليس غرضه أن الباب الأول قد انقضى بما فيه، وجاء الباب الآخر برأسه، ولكن قوله: \"باب\" هنالك بمنزلة ما يكتب أهل العلم على الفائدة المهمة لفظ: \"تنبيه\"، أو لفظ: \"فائدة\"، أو لفظ: \"قف\". مثاله: قوله في \"كتاب بدء الخلق\": \"باب قول الله تعالى: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ [البقرة: ١٦٤] \"، ثم قال بعد أسطر: \"باب خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال\" وأخرج هذا الحديث (^٤) بسنده، ثم ذكر حديث: \"والفخر والخيلاء في أهل الخيل\"، ثم ما ليس فيه ذكر الغنم، فكأنه أعلم على هذا الحديث بأنه مع دخوله في الباب فيه فائدة أخرى مع منقبة للغنم.\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" \"كتاب الوضوء\"، باب (١٣).\n(^٢) في الأصل: \"التقاتل\" وهو تحريف.\n(^٣) صحيح البخاري (ح: ٤٨).\n(^٤) \"صحيح البخاري\" (ح: ٣٣٠٠).","vol":"1","page":117},{"text":"٧ - ومنها: أنه قد يكتب لفظة \"باب\" مكان قول المحدثين: \"وبهذا الإسناد\"، وذلك حيث جاء حديثان بإسناد واحد، كما يكتب (ح) حيث جاء حديث بإسنادين.\nمثاله: \"باب ذكر الملائكة\"، أطال فيه الكلام حتى أخرج حديث: \"الملائكة يتعاقبون: ملائكة بالليل وملائكة بالنهار\" (^١) برواية شعيب عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، ثم كتب: \"باب إذا قال: آمين، والملائكة في السماء: آمين، فوافقت إحداهما الأخرى، غفر له ما تقدم من ذنبه\"، ثم أخرج حديث: \"إن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة\" (^٢)، ثم ما ليس فيه ذكر آمين إلا بعد كثير، قال الإسماعيلي في موضع الباب: \"وبهذا الإسناد\"، كأنه يشير إلى أن لفظة \"باب\" علامة لقوله: \"وبهذا الإسناد\".\n٨ - ومنها: أنه قد يترجم بمذهب بعض الناس، وبما كان يذهب إليه بعضهم، أو بحديث لم يثبت عنده، ثم يأتي بحديث يستدل به على خلاف ذلك المذهب والحديث، إما بعمومه أو غير ذلك.\n٩ - ومنها: أنه يذهب في كثير من التراجم إلى طريقة أهل السير في استنباطهم خصوصيات الوقائع والأحوال من إشارة طرق الحديث، وربما يتعجَّب الفقيه من ذلك لعدم ممارسته لهذا الفن، ولكن أهل السير لهم اعتناء شديد بمعرفة تلك الخصوصيات.\n١٠ - ومنها: أنه يقصد التمرن على ذكر الحديث وفق المسألة المطلوبة، ويهدي طالب الحديث على هذا النوع.\nمثاله: ذكر \"الصواغ\" في \"باب ذكر الحناط\" (^٣)، وقد فرق البخاري\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (ح: ٣٢٢٣).\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (ح: ٣٢٢٤).\n(^٣) نبه المؤلف في الأصل العاشر على ذلك وقال: لم أجد هذا الباب فيما عندي من نسخة الجامع الصحيح، فلعله يكون في نسخة الشيخ قدس سره، قلت: يوجد في النسخ المطبوعة: \"الخياط\".","vol":"1","page":118},{"text":"في تراجم الأبواب علمًا كثيرًا من شرح غريب القرآن، وذكر آثار الصحابة، والأحاديث المعلقة.\n١١ - وقد يذكر حديثًا لا يدخل هو بنفسه على الترجمة أصلًا، لكن له طرق، وبعض طرقه يدل عليها إشارةً أو عمومًا، وقد أشار بذكر الحديث إلى أنَّ له أصلًا صحيحًا يتأكد به ذلك الطريق، ومثل هذا لا ينتفع به إلا المهرة من أهل الحديث.\n١٢ - وكثيرًا ما يترجم لأمر ظاهر قليل الجدوى، ولكنه إذا تحقق المتأمل أجدى، كقوله: \"باب قول الرجل: ما صلينا\"، فإنه أشار به إلى الرد على من كره ذلك.\nقلت: وأكثر ذلك تعقُّبات وتبكيتات على عبد الرزاق وابن أبي شيبة في تراجم \"مصنفيهما\"؛ إذ شواهد الآثار تروى عن الصحابة والتابعين في \"مصنفيهما\"، ومثل هذا لا ينتفع به إلا من مارس الكتابين، واطلع على ما فيهما.\n١٣ - وكثيرًا ما يستخرج الآداب المفهومة بالعقل من الكتاب والسُّنَّة بنحو من الاستدلال والعادات الكائنة في زمانه - ﷺ -.\nومثل هذا لا يدرك حسنه إلا من مارس كتب الآداب، وأجال عقله في ميدان آداب قومه، ثم طلب لها أصلًا من السُّنَّة.\n١٤ - وكثيرًا ما يأتي بشواهد الحديث من الآيات، ومن شواهد الآية بالأحاديث تظاهرًا، ولتعيُّن بعض المجملات دون البعض. فيكون كقول المحدث: المراد بهذا العام المخصوص، أو بهذا الخاص العموم، ونحو ذلك.\nومثل هذا لا يدرك إلا بفهم ثاقب، وقلب حاضر.\nفهذه مقدمة لا بد من حفظها لمن أراد أن يقرأ \"البخاري\" ويفهم.\nوالحمد لله أولًا وآخرًا، انتهى كلام شيخ المشايخ.","vol":"1","page":119},{"text":"<span data-type='title' id=toc-100>أصول التراجم عند شيخ الهند</span>\nوذكر شيخ الهند قُدِّس سرُّه خمسة عشر أصلًا بالبسط في اللغة الأردية في مبدأ تراجمه، يأتي بيانها في الفائدة الثالثة مفصلًا معربًا، وذكر في آخرها عدة أصول في العربية، وهذا نصه، فقال:\nاعلم أن المؤلف - ﵀ - مرّة يصرِّح بالترجمة، لكن غرضه لا يكون ظاهر العبارة، بل ما يثبت بالالتزام أو بالإشارة، جليًّا كان أو خفيًّا، يظهر مقصوده بعد التأمل في أحاديث الباب، فمن لم يتأمل وقصر على الظاهر يقع في التكلف والتخبُّط.\nمثلًا: قال - ﵀ -: \"باب من أدرك ركعة من العصر قبل الغروب\"، وذكر فيه حديث (^١) استئجار أهل الكتابين واستئجار هذه الأمة، فأشكل التطبيق على الشرَّاح، وتكلفوا فيه.\nوالتحقيق: أن غرض المؤلف من هذه الترجمة بيان آخر وقت العصر، فظهر التطبيق، فافهم، ولو قال: \"باب تأخير العصر إلى الغروب\" كما صرح في الصفحة السابقة: \"باب تأخير الظهر إلى العصر\"، ما تكلف أحد هذه التكلفات البعيدة.\nوهكذا قال بعد ورقة: \"باب من أدرك من الفجر ركعة\"، فالمقصود منه أيضًا بيان آخر وقت الفجر لا ظاهر الترجمة، والله أعلم.\nوهكذا قال في محل آخر: \"باب ما يقول بعد التكبير\"، وأدخل فيه حديث الكسوف (^٢) أيضًا، فأشكل التوفيق فتكلَّفوا.\nوالوجه عندنا أن بعد التأمل في أحاديث الباب يُفهم أن غرض المؤلف في هذا الباب إثبات التوسع في دعاء الافتتاح وتركه رأسًا، وعدم تعيين الدعاء المخصوص لزومًا، وأن الدعاء ثابت بعد التكبير متصلًا ومنفصلًا، فحينئذ ينطبق جميع الأحاديث المذكورة في الباب، فافهم، والله أعلم، وليس غرضه من هذا الباب تعيين الدعاء.\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (ح: ٤٤٨).\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (ح: ٧٤٨).","vol":"1","page":120},{"text":"وتارة يذكر الباب (^١) بلا ترجمة، ويذكر فيه حديثًا، فالشرَّاح - ﵏ - يذكرون في مثل هذا المقال احتمالات أكثرها بعيدة عن شأن المؤلِّف والمؤلَّف كليهما، كما لا يخفى على المهرة، وأحسن أعذارهم أنه كالفصل من الباب السابق، لكن هذا العذر أيضًا لا يتمشَّى في بعض المواضع.\nمثلًا قال في الأبواب المتعلقة بأحكام البول: \"باب من الكبائر أن لا يستتر من بوله\"، وذكر فيه حديث إنسانين يعذبان في قبورهما، ثم قال بعده: \"باب ما جاء في غسل البول\"، وذكر في الترجمة هذا الحديث (^٢)، ثم بعد ذلك الباب قال: \"باب\" بلا ترجمة، وذكر فيه هذا الحديث أيضًا، فكيف يقال: إنه كالفصل من الباب السابق؟ لأن هذا يمكن إذا كان الثاني مغايرًا للأول بوجه، وههنا لا تغاير أصلًا، فافهم.\nوعندنا لا بد أن يقال: إن المؤلف أحيانًا يترك الترجمة عمدًا ويذكر حديثًا، ومقصوده أني أخرجت من هذا الحديث حكمًا أو أحكامًا، فينبغي أن تخرجوا منه حكمًا غير ذلك بشرط أن يكون مناسبًا لتلك الأبواب، ويفعل هكذا تشحيذًا للأذهان، وتنبيهًا وإيقاظًا للناظرين، كما هو دأبه في أمور كثيرة.\nفعندنا - والله أعلم - هذا الاحتمال أقوى وأليق. وأنفع مهما أمكن.\nنعم، إذا كان مانع منه في موضع ما، فلا بدَّ أن يتوجَّهوا إلى احتمال آخر يناسب ذلك المقام.\nفعلى هذا يقال ههنا مثلًا: ينبغي أن تكون الترجمة كون البول موجبًا لعذاب القبر وما يماثلها، والله أعلم بالصواب، لا يقال: إن في أبواب القبر يقول: \"باب عذاب القبر من الغيبة والبول\"، فتتكرر الترجمة؛ لأنا نقول: المقصود هناك بيان حكم القبر، وها هنا المقصود ذكر حكم البول، فأين التكرار؟\n_________\n(^١) سيأتي في الأصل الخامس والعشرين، (ز).\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (ح: ٢١٨).","vol":"1","page":121},{"text":"ونظائره كثيرة عند المؤلف لا تخفى على الناظرين، مثلًا: قال في أبواب الإيمان: \"أداء الخمس من الإيمان\"، ثم قال في أبواب الخمس: \"أداء الخمس من الدِّين\"، وهكذا قال المؤلف - ﵀ - في آخر أبواب التيمم: \"باب\" بلا ترجمة، ثم ذكر حديث عمران بن حصين - ﵁ -: أن رسول الله - ﷺ - رأى رجلًا معتزلًا لم يصل في القوم، فقال: \"يا فلان ما منعك أن تصلي في القوم؟ \"، فقال: يا رسول الله أصابتني جنابة ولا ماء، قال: \"عليك بالصعيد، فإنه يكفيك\" (^١).\nفعلى ما ذكرنا سابقًا يفهم من التراجم المذكورة في هذه الأبواب، أن الترجمة ههنا ينبغي أن تكون: \"إذا لم يجد الجنب ماء يتيمم\"، ولا حاجة إلى سهو الناسخين، أو عدم توفيق المؤلف - ﵀ -.\nوتارة يذكر بابًا (^٢) مع الترجمة، لكن لا يذكر حديثًا عكس الصورة الأولى، وفيه وجهان، مرة يذكر تحت الترجمة آية، أو حديثًا، أو قولًا من الصحابة والتابعين دالًّا على الترجمة، وهو كثير، ومرة لا يذكر شيئًا منها أيضًا، كما لا يذكر حديثًا مسندًا بل يذكر الترجمة فقط، فيحمله الشرَّاح على سهو الناسخين، أو سهو المؤلف، أو عدم تيسر إرادته بوجه من الوجوه، ولا يخفى استبعاده.\nوالتحقيق عندنا في هذه المواضع التفصيل:\nأما الصورة الأولى: فظاهر أن الترجمة مدلَّلة بالآية أو الحديث أو غيرهما المذكور في ذيل الترجمة، فالترجمة تثبت ما تركها غير ثابتة، واكتفى المؤلف بهذا القدر بوجه ما، إما لأن حديثًا على شرط المؤلف ليس عنده، وإما لقصد التمرين.\nوأما الصورة الثانية: فلا يختارها المؤلف إلا في موضع يكون دليل الترجمة مذكورًا قبلها في الباب السابق أو بعدها، مع أن هذه الصورة قليلة\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (ح: ٣٤٨).\n(^٢) يأتي في الأصل السابع والعشرين، (ز).","vol":"1","page":122},{"text":"جدًا، فلا تكون الترجمة غير ثابتة، بل ثابتة بالدليل المذكور في الكتاب، وإن لم يذكر مع الترجمة لقصد التمرين والتنبيه وغيرها من الأسباب.\nنعم، وجدنا في جملة الكتاب بابًا أو بابين، جعل - ﵀ - الآية فيه ترجمة، واكتفى بها، ولم يذكر معها حديثًا ولا قولًا، فالأَولى أن يقال: لما جعل الترجمة آية القرآن وهو دليل فوق جميع الأدلة، فهذه الترجمة دعوى دليلها معها، لا يحتاج إلى دليل آخر، فاكتفى بها، فلا يقال: الدعوى بقيت بلا دليل، ولا يحتاج إلى أن يجعل حديثًا أو قولًا المذكور في الأبواب السابقة أو اللاحقة دليلًا لها، فالله أعلم.\nهذا ما عندنا من التفصيل، فعليك بالتأمل الصادق والإنصاف اللائق، فإن كان حقًا فمن العزيز الرحيم، وإلا فمني ومن الشيطان الرجيم، انتهى.\nوأشار الكرماني في مواضع من \"شرحه\" (^١): أن الإمام البخاري يقتفي مشايخه في تراجم \"صحيحه\".\nوتعقبه الحافظ في \"الفتح\" (^٢) ورد عليه في \"باب طرح الإمام المسألة\" إذ قال: وأما دعوى الكرماني أنه لمراعاة صنيع مشايخه في تراجم مصنفاتهم فإنها غير مقبولة، ولم نجد عن أحد ممن عرف حال البخاري وسعة علمه، وجودة تصرفه، حكى أنه كان يقلِّد في التراجم، ولو كان كذلك لم يكن له مزية على غيره، وقد توارد النقل عن كثير من الأئمة أن من جملة ما امتاز به كتاب البخاري دقة نظره في تصرفه في تراجم أبوابه، والذي ادَّعاه الكرماني يقتضي أنه لا مزية له في ذلك؛ لأنه مقلد فيه لمشايخه، وأعاد الكرماني هذا الكلام في \"شرحه\" مرارًا، ولم أجد له سلفًا في ذلك، والله المستعان، انتهى مختصرًا.\n* * *\n_________\n(^١) انظر: \"صحيح البخاري بشرح الكرماني\" (٢/ ١٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ١٤٨).","vol":"1","page":123},{"text":"<span data-type='title' id=toc-101>الفائدة الثالثة في تفاصيل الأصول من الأصول المذكورة في كلام الشرَّاح أو المشايخ المذكورين، أو من كلامهم في الشروح أو الدروس من غير ما ذكر سابقًا، أو مما كان خاطري أبا عُذْرَه</span>\nونقدم من تلك الأصول الخمسة عشر التي تقدمت في كلام شيخ المشايخ الشاه ولي الله الدهلوي قُدِّس سرُّه مع الزيادة عليها من كلامه - ﵀ - في تراجمه، ثم بعد ذلك الأصول الخمسة العشر (^١) التي ذكرها شيخ الهند - ﵀ - باللغة الأردية في مبدأ تراجمه، ثم الأصول الأُخَر التي ظفرت بها.\nولما أردت أن أذكر كلام الشيخين الجليلين المذكورين مسلسلًا وقع التفريق في بيان الأصول المتناسبة التي كان حقها أن تذكر مسلسلة كما سترى في التفصيل:\n\n١ -<span data-type='title' id=toc-102> الأول: يترجم بحديث مرفوع ليس على شرطه:</span>\nمن الأصول التي ذكرها شيخ المشايخ في مبدأ تراجمه -:\nأنه يترجم بحديث مرفوع ليس على شروطه، ويذكر هنا حديثًا شاهدًا له على شرطه، انتهى.\nوهذا أصل مطَّرد، كثير الشيوع في \"صحيحه\"، وتقدم هذا الأصل في كلام الحافظ في \"مقدمته\" (^٢) الذي رقمت عليه (١٠)، ومثَّل له الحافظ بـ \"باب الأمراء من قريش\"، وبـ \"باب الاثنان فما فوقهما جماعة\"، وتبع القسطلاني في \"مقدمته\" (^٣) في ذلك الأصل الحافظ.\n_________\n(^١) هكذا في الأصل، وقد تقدم أن أصول التراجم عند الإمام ولي الله الدهلوي أربعة عشر أصلًا، فتدبَّر.\n(^٢) انظر: \"هدي الساري\" (ص ١٤).\n(^٣) انظر: \"إرشاد الساري\" (١/ ٤٥).","vol":"1","page":124},{"text":"قلت: ومن أمثلته:\n\"باب سترة الإمام سترة لمن خلفه\" حديث لـ \"الأوسط\" (^١) بضعف، ذكر له البخاري شاهدًا.\nو\"باب الأذان مثنى مثنى\"، قال الحافظ (^٢): لفظ [هذه] الترجمة في حديث مرفوع لابن عمر - ﵄ - أخرجه الطيالسي. . . إلخ.\nو\"باب الإقامة واحدة\"، قال الحافظ (^٣): ولم يقل واحدة واحدة مراعاة للفظ الخبر الوارد في ذلك، وهو عند ابن حبان في حديث ابن عمر - ﵄ - ولفظه: \"الأذان مثنى والإقامة واحدة\" (^٤).\nو\"باب الصعيد الطيب وضوء المسلم\"، قال الحافظ (^٥): هذه الترجمة لفظ حديث أخرجه البزار (^٦) بسنده عن أبي هريرة مرفوعًا. . . إلخ.\nو\"باب من قال لا يقطع الصلاة شيء\"، قال الحافظ (^٧): الجملة المترجم بها أخرجها الدارقطني (^٨) مرفوعًا لكن إسنادها ضعيف. . . إلخ.\nو\"باب إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة\"، قال الحافظ (^٩): هذه الترجمة لفظ حديث أخرجه مسلم وأصحاب السنن (^١٠). . . إلخ.\nقلت: ونظائره كثيرة في الكتاب، ولا يلتبس هذا الأصل بالأصل الحادي والأربعين الآتي في محله.\n_________\n(^١) \"المعجم الأوسط\" (١/ ١٤٧) (رقم ٤٦٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٧٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٢/ ٨٤).\n(^٤) أخرجه ابن حبان في \"صحيحه\" (رقم ١٦٧٧).\n(^٥) \"فتح الباري\" (١/ ٤٤٦).\n(^٦) \"مسند البزار\" (٩/ ٣٨٧) (رقم ٣٩٧٣).\n(^٧) \"فتح الباري\" (١/ ٥٨٨).\n(^٨) \"سنن الدارقطني\" (١/ ٢٦٨).\n(^٩) \"فتح الباري\" (٢/ ١٤٩).\n(^١٠) \"صحيح مسلم\" (ح: ٧٠٩)، و\"سنن النسائي\" (ح: ٨٦٥)، و\"سنن أبي داود\" (ح: ٥٧٢)، و\"سنن الترمذي\" (ح: ٣٢٧)، و\"سنن ابن ماجه\" (ح: ٧٧٥).","vol":"1","page":125},{"text":"٢ -<span data-type='title' id=toc-103> الثاني: الترجمة بنوع من الدلالات:</span>\nأنه يترجم بمسألة استنبطها من الحديث بنحو من الاستنباط من نصِّه، أو إشارته، أو عمومه، أو إيمائه، انتهى.\nذكره شيخ المشايخ أصلًا واحدًا فاقتفينا أثره، وإلا فهو أصل متضمن لأربعة أصول كما لا يخفى، وأشار الحافظ في \"الفتح\" (^١) في آخر \"باب فضل صلاة الفجر في جماعة\" إلى هذ الأصل، وبه أثبت المناسبة بالروايات.\nوأثبت شيخ المشايخ في تراجمه بهذا الأصل مناسبة كثير من الروايات، كما قال في \"باب الماء الذي يغسل به شعر الإنسان. . .\" إلخ: إنه - ﵁ - أثبت ذلك بحديثي الباب بالدلالة الالتزامية، وقال في \"باب الوضوء من النوم\": استدل المؤلف بظاهر الحديث. . . إلى أن قال: وأمثال هذه الاستدلالات للمؤلف كثيرة، فاحفظ فإنه ينفعك.\nوكذا في \"باب عرق الجنب\"، وكذا في \"باب من صلى في الثوب الذي يجامع فيه\"، إذ قال: احتاج في هذا الباب إلى هذا النوع من الاستدلال بالإيماءات والإشارات الخفية؛ لأنه لم يرد فيه نص يدل عليه، انتهى.\nوكذا في \"باب ذكر البيع والشراء في المسجد\"، وكذا في \"باب سُنَّة الصلاة على الجنازة\"، وكذا في \"باب المزايدة\"، و\"باب إيجاب التكبير\"، أثبت بعضها بالإشارة أو الدلالة أو الاقتضاء.\nوهذه الأنواع وسيعة في تراجم الإمام البخاري، وأخذ بذلك العيني في المواضع الكثيرة، مثلًا: قال (^٢) في حديث أبي موسى في \"باب من أدرك ركعة من العصر\": مطابقته للترجمة بطريق الإشارة لا بالتصريح. وكذا قال في الباب الذي بعده \"باب وقت المغرب\".\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (٢/ ١٣٨).\n(^٢) انظر: \"عمدة القاري\" (٤/ ٥٧ و٧٧).","vol":"1","page":126},{"text":"٣ -<span data-type='title' id=toc-104> الثالث: من قال كذا:</span>\nأنه يترجم بمذهب ذهب إليه قبل، ويذكر في الباب ما يدل عليه بنحو من الدلالة من غير قطع بترجيح ذلك المذهب، فيقول: \"باب من قال كذا\"، انتهى.\nقلت: هذا أصل معروف عند المشايخ جارٍ على ألسنتهم كثيرًا، وتقدمت الإشارة إليه في كلام الحافظ فيما رقمت عليه السادس، إذ قال: وكتيرًا ما يترجم بلفظ الاستفهام كقوله: \"باب هل يكون كذا؟ أو من قال كذا\"، ونحو ذلك؛ وذلك حينئذ لا يَتجه له الجزم بأحد الاحتمالين. . . إلى آخر ما تقدم من كلامه.\nولذا قال الحافظ في \"الفتح\" (^١) في \"باب من انتظر الإقامة\": أوردها مورد الاحتمال تنبيهًا على اختصاص ذلك بالإمام، انتهى.\nوتبعه القسطلاني أيضًا في هذا الأصل في مقدمة \"شرحه\" (^٢).\nولا يذهب عليك الفرق بين كلام شيخ المشايخ - إذ قال: إنه إشارة إلى مذهب من غير قطع بترجيحه -، وبين كلام الحافظ - إذ قال: إنه لعدم الجزم بأحد الاحتمالين -، ومع ذلك كله فليس هذا الأصل بمطَّرد، فإنه طالما يترجم بذلك في الإجماعيات، كما في \"باب من بنى مسجدًا\"، وفي \"باب من قال: إن صاحب الماء أحق بالماء\"، و\"باب من قال: لم يترك النبي - ﷺ - إلا ما بين الدفتين\".\nنعم، ما قال الحافظ: إن غرضه بذلك التنبيه على الثبوت متجه في أكثرها، فإن المبدوء بلفظ: \"باب من قال كذا\" في جميع الكتاب عشرة أبواب (^٣)، والتنبيه على الثبوت محتمل في أكثرها بل كلها.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ١٠٩).\n(^٢) انظر: \"إرشاد الساري\" (١/ ٤٤).\n(^٣) بل اثنا عشر بابًا.","vol":"1","page":127},{"text":"٤ -<span data-type='title' id=toc-105> الرابع: عدم جزم الحكم في الروايات المختلفة:</span>\nقد يترجم بمسألة اختلفت فيها الأحاديث، فيأتي بتلك الأحاديث على اختلافها ليقرب إلى الفقيه من بعده أمرها.\nمثاله: \"باب خروج النساء إلى البراز\"، جمع فيه حديثين مختلفين، انتهى.\nقلت: هذا أصل مطَّرد معروف عند الشرَّاح، يعبِّرون عنه بأن الروايات التي لا تترجّح إحداهما على الأخرى عند المصنف لا يجزم بالحكم في الترجمة. وأخذ شيخ المشايخ في تراجمه في \"باب إذا حنث ناسيًا في الإيمان\"، إذ قال: جمع البخاري في هذا الباب أحاديث، بعضها يدل على أن الناسي والجاهل لا يؤاخذان بما فعلا، ومن قضيتها أن لا تجب الكفارة. وبعضها يدل على أنهما يؤاخذان ببعض فعلهما، إلى آخر ما قال. وبهذا الأصل جزم ابن المنيِّر في الباب المذكور إذ قال: أورد الأحاديث المتجاذبة ليفيد الناظر مظانَّ النظر، ومن ثَمَّ لم يذكر الحُكم في الترجمة، بل أفاد مراد الحكم، والأصول التي تصلح أن يقاس عليها، إلى آخر ما في \"الفتح\" (^١).\nويدخل في هذا الأصل عندي: \"باب الصلاة على الشهيد\"، إذ لم يجزم فيه المصنف بالحكم، وأورد فيه حديثين متعارضين، و\"باب رفع الصوت في المسجد\" لم يجزم فيه بحكم، وأورد الروايتين المختلفتين، ولا يلتبس عليك هذا الأصل بالأصل الخامس والثلاثين؛ لظهور الفرق بينهما؛ فإن عدم جزم الحكم ها هنا لمكان اختلاف الروايات وهناك لمكان اختلاف أهل العلم، وكذا لا يلتبسان هذان بالأصل السابع والأربعين، فإن عدم الجزم بالحكم فيه للتوسع في الحكم، فتميّز كل أصل عن أخويه، ولا تلتبس الثلاثة بالثامن والستين، فإن عدم الجزم فيه لمجرد الاحتمال.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١١/ ٥٥١).","vol":"1","page":128},{"text":"٥ -<span data-type='title' id=toc-106> الخامس: تطبيق:</span>\nأنه قد تتعارض الأدلة ويكون عند البخاري وجه التطبيق بينها بحمل كل واحد على محمل.\nمثاله: \"خوف المؤمن أن يحبط عمله وما يحذر من الإصرار على النفاق\" (^١)، كما تقدم مفصلًا في كلام شيخ المشايخ.\nوهذا الأصل مطَّرد كثير الشيوع في الكتاب، أخذ به شيخ المشايخ في عدة مواضع من تراجمه، فقال في \"باب قوله (^٢): لا تستقبل القبلة بغائط. . .\" إلخ: في هذه المسألة القول معارض للفعل، فأشار المصنف بضم الاستثناء في الترجمة إلى وجه الجمع إلى أن القول في الصحراء، والفعل بالأبنية.\nوكذا قاله الشيخ قُدِّس سرُّه في \"باب قول النبي - ﷺ -: يعذب الميت ببكاء أهله\"، قال: غرضه من هذا الباب الجمع بين ما روي عن عمر بن الخطاب وأمية - ﵄ -، وبين ما ناقضت به عائشة - ﵂ -، على طبق ما حكي عن الشافعي - ﵀ - من وجه الجمع بينهما، انتهى.\nقلت: ومن ذلك \"باب النوم قبل العشاء لمن غلب. . .\" إلخ، و\"باب من سأل الناس تكثرًا\".\n\n٦ -<span data-type='title' id=toc-107> السادس: باب في باب:</span>\nأنه يجمع في باب أحاديث كثيرة دالة على الترجمة، ثم يظهر له في حديث فائدة أخرى سوى الفائدة المترجم عليها، فيُعلم على ذلك الحديث بعلامة: الباب، وليس غرضه أن الباب الأول قد انقضى بما فيه، إلى آخر ما تقدم من كلامه مفصلًا.\n_________\n(^١) في الأصل: \"التقاتل\" وهو تحريف.\n(^٢) \"قوله\" كذا في الأصل، وهو مقحم، انظر: \"صحيح البخاري\"، \"كتاب الوضوء\".","vol":"1","page":129},{"text":"وهذا أصل مطَّرد كثير الوقوع في كتابه، أخذ بذلك جمع من المشايخ، معروف في ألسنتهم بـ \"باب في باب\"، ونظائره في \"صحيحه\" لا سيما في \"كتاب بدء الخلق\" في \"باب قوله تعالى: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ [البقرة: ١٦٤] \" كثيرة، والعجب من عامة الشرَّاح أنهم لا يأخذون بهذا الأصل، ولذا مال الحافظ في \"الفتح\"، والعيني والقسطلاني في \"شرحيهما\" إلى أن الأَولى حذف هذه الأبواب، ولا حاجة إلى ذلك، فإنه أصل معروف ومطَّرد، ولا يضطر على قَبول هذا الأصل المطَّرد إلى تغليط النسَّاخ في ذكر الأبواب الكثيرة من هذا النوع في \"الصحيح\".\nولذا أورد عليهم شيخ المشايخ في تراجمه في \"باب من مضمض من السويق\" إذ قال: هذا الباب من قبيل الباب في الباب؛ لأنه يشتمل على ما عقد له الباب السابق مع فائدة أخرى إلى أن قال: فاحفظ هذا التقرير فإنه ينفعك في مواضع من البخاري، وأكثر الشرَّاح في أمثال هذا المقام قد خبطوا كثيرًا، انتهى.\nوبذلك جزم في \"باب الأسير أو الغريم يربط في المسجد\"، إذ قال: دلالة الحديث على جواز ذلك ظاهرة، والحديث الذي في الباب الثاني أظهر في ذلك، ولهذا ينبغي أن يقال: إنه باب في الباب على نحو ما مرَّ سابقًا في مواضع عديدة، إلى آخر ما قال، وقال في \"باب فضل صلاة الفجر في جماعة\": هذا الباب في الباب، فلا إشكال في ربط الحديثين الآخرين فيه مع الترجمة فتدبر، انتهى، وقال في \"باب المدبر\": هذا باب في باب، انتهى.\nوالشرَّاح لما لم يأخذوا بهذا الأصل المطَّرد، جهدوا بربط هذين الحديثين بالترجمة جهدًا شديدًا، وذكروا في المطابقة توجيهات بعيدة، ثم لا يذهب عليك أن هذا الأصل المذكور غير الآتي في التاسع والخمسين.","vol":"1","page":130},{"text":"٧ -<span data-type='title' id=toc-108> السابع: \"باب\" مكان (ح):</span>\nقد يكتب لفظ الباب مكان قول المحدثين: \"بهذا الإسناد\"، كما يكتبون (ح)، إلى آخر ما تقدم من كلامه قُدس سرُّه مفصَّلًا (^١).\nوهذا الأصل وضعه الشيخ - ﵀ - لهذا الموضع خاصة، وليس له نظير آخر في نظري القاصر في جميع الكتاب، وليس الباب ههنا في نسخة الحافظ، وقال في \"شرحه\" (^٢): ووقع في كثير من النسخ ههنا: \"باب إذا قال أحدكم آمين\" إلى آخر الحديث، فصار ترجمة بغير حديث، وصارت الأحاديث التي تتلوه لا تعلى لها به، فأشكل أمره جدًا، وسقط لفظ الباب من رواية أبي ذر فخفف الإشكال، لكن لو قال: وبهذا الإسناد، أو: وبه قال، أو نحو ذلك، لزال الإشكال، وقد صنع ذلك الإسماعيلي فإنه ساق حديث \"يتعاقبون\"، فلما فرغ قال: وبهذا الإسناد \"إذا قال أحدكم\"، فساقه من طريقين عن أبي الزناد كذلك، وظهر بهذا أن الحديث وما بعده من الأحاديث بقية ترجمة ذكر الملائكة، انتهى.\nقلت: وبصنيع الإسماعيلي أخذ الشيخ قُدِّس سرُّه هذا الأصل، وما يخطر في بال هذا العبد الضعيف أن هذا الباب ليس بمثبَت - بفتح الموحدة - حتى يحتاج له إلى حديث، بل هو مثبِت - بكسر الموحدة - كأنه أشار إلى أن \"باب قوله - ﷺ -: إذا قال أحدكم: آمين\" بجميع رواياته المروية بالألفاظ المختلفة مثبِت للترجمة السابقة، وهي \"ذكر الملائكة\"، فلو جعل هذا أيضًا [أصلًا] مستقلًا، وهو أنه قد يترجم بباب، لا لإثباته بل هو مثبت للباب السابق، كان جديرًا لتفنن طبع المصنف قُدِّس سرُّه.\nثم رأيت أن السِّندي قد مال إلى ذلك التوجيه الذي سنح في خاطر هذا الفقير، فللَّه الحمد والمنة.\n_________\n(^١) انظر (ص ٢٠).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (٦/ ٣١٤).","vol":"1","page":131},{"text":"قال السندي (^١): قوله: \"باب إذا قال أحدكم: آمين\" لعل مراده أن من جملة الأدلة على وجود الملائكة هذا الباب، أي: ما ذكر فيه وما يتعلق به من الأحاديث، فلم يأت بالباب ليذكر أحاديثه، والله أعلم، نعم ذكر بعض أحاديثه ليستدل به على وجود الملائكة فيما بعد أيضًا في جملة سائر الأحاديث لهذا المطلوب، والله تعالى أعلم، انتهى.\nوحينئذ فلم يبق لي مانع أن أذكره أصلًا مستقلًّا، ولذا ذكرته أصلًا مستقلًّا كما سيأتي في الأصل الستين، وسيأتي هناك بعض أمثلته.\n\n٨ -<span data-type='title' id=toc-109> الثامن: الحديث بضد الترجمة:</span>\nأنه قد يترجم بمذهب بعض الناس، وبما كان يذهب إليه بعضهم، أو بحديث لم يثبت عنده، ثم يأتي بحديث يستدل به على خلاف ذلك المذهب والحديث، إما بعمومه أو غير ذلك، انتهى.\nكذا في مبدأ تراجم الشيخ قدِّس سرُّه ولم يمثل له بمثال، وما ذكر هذا الأصل في موضع من تراجمه المفصلة، ومع ذلك هذا أصل مشهور على ألسنة المشايخ.\nويمكن عندي أن يمثل له بـ \"باب إنما جعل الإمام ليؤتم به\"، وهو قطعة من حديث معروف، وذكر بعده الإمام البخاري: \"وصلى النبي - ﷺ - في مرضه الذي توفي فيه بالناس وهو جالس\"، ثم أورد في الباب حديثًا (^٢) طويلًا في مرضه - ﷺ -، وفيه: \"فجعل أبو بكر - ﵁ - يصلي وهو قائم بصلاة النبي - ﷺ - وهو قاعد\"، قال الشيخ في \"التراجم\": قوله: \"وصلى النبي - ﷺ -. . .\" إلخ، أشار بإيراد هذا القول في تعاليق الباب إلى نسخ هذا القدر من الحكم، انتهى.\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" بحاشية السندي (٢/ ٧٤).\n(^٢) أخرجه البخاري (ح: ٦٨٧).","vol":"1","page":132},{"text":"ويمكن أيضًا أن يمثل له بـ \"باب جهر المأموم بالتأمين\"؛ إذ أورد فيه حديث تأمين المأموم (^١) مطلقًا بدون قيد الجهر، فكأنه لم يجهر المأموم بالتأمين على إحدى التوجيهات العديده في توافق الحديث بالترجمة.\nوهكذا ترجم بـ \"باب بيع العبد الزاني\"، وأورد فيه حديث (^٢) زنا الأَمَة، على إحدى التوجيهات.\nوكذا ترجم بـ \"باب [وقت] الجمعة إذا زالت الشمس\"، وأورد فيه حديث (^٣) التبكير بها والقيلولة بعدها.\nوترجم بـ \"باب من كفن بغير قميص\"، وأورد فيه حديث (^٤) ابن أُبَي المنافق الدال على القميص.\nوترجم بـ \"باب تحري ليلة القدر في الوتر\"، وأورد فيه عن ابن عباس (^٥): \"التمسوا في أربع وعشرين\".\nوهذا الأصل غير الأصول الآتية في ٤٣ و٥٥ و٦٤، فلا تلتبس الأربعة، وكذلك هذا الأصل بمعزل من الأصل الثالث كما لا يخفى.\n٩ - التاسع: استنباط الأحوال التاريخية:\nيذهب في كثير من التراجم إلى طريقة أهل السير في استنباطهم خصوصيات الوقائع والأحوال من إشارة طرق الحديث، وربما يتعجب الفقيه من ذلك. . .، إلى آخر ما قال.\nويوضح كلامه هذا ما تقدم من كلامه مبسوطًا في آخر الفائدة الثالثة عشرة في \"باب ذكر قحطان\".\nويمكن عندي أن يمثل له بـ \"باب كيف كان بدء الحيض\"؛ إذ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (ح: ٧٨٠).\n(^٢) أخرجه البخاري (ح: ٢١٥٢).\n(^٣) أخرجه البخاري (ح: ٩٠٥).\n(^٤) أخرجه البخاري (ح: ١٢٦٩).\n(^٥) أخرجه البخاري (ح: ٢٠٢٢).","vol":"1","page":133},{"text":"استنبط الإمام - ﵁ - كونه من زمن آدم - ﵇ - بحديث (^١) عائشة - ﵂ - في الحج.\nوهذا الأصل بمعزل من الآتي في الرابع والخمسين والتاسع والخمسين.\n\n١٠ -<span data-type='title' id=toc-110> العاشر: التمرن:</span>\nما قال قُدِّس سرُّه: قد يقصد التمرن على ذكر الحديث وفق المسألة المطلوبة، ويهدي طالب الحديث إلى هذا النوع.\nمثاله ذكر الصوَّاغ في \"باب ذكر الحناط\"، هكذا أفاد الشيخ، ولا ريب في قصد التمرن من الإمام البخاري في جميع كتابه، ومع ذلك لم أجد هذا الباب فيما عندي من نسخة \"الجامع الصحيح\"، فلعله يكون في نسخة الشيخ قُدِّس سرُّه.\n\n١١ -<span data-type='title' id=toc-111> الحادي عشر: الاشارة إلى بعض طُرق الحديث:</span>\nقد يذكر حديثًا لا يدل هو بنفسه على الترجمة أصلًا، لكن له طرق، وبعض طرقه يدل عليها إشارةً أو عمومًا، وقد أشار بذكر الحديث إلى أن له أصلًا يتأكد به ذلك الطريق. ومثل هذا لا ينتفع به إلا المهرة من أهل الحديث، انتهى.\nهكذا أفاد الشيخ قُدِّس سرُّه، وجعل كله أصلًا واحدًا، وإلا ففي الحقيقة هما أصلان مطَّردان كثيرا الوقوع في \"الجامع\":\nالأول: أنه يشير به إلى بعض طرقه الواردة في \"الصحيح\" في الموضع الآخر، وأشار إلى ذلك الشيخ بأول كلامه.\nوالثاني: أن يشير بذلك إلى بعض طرقه الواردة في الكتب الأخر\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (ح: ٢٩٤).","vol":"1","page":134},{"text":"من غير \"الجامع\"، وإليه أشار الشيخ بآخر كلامه بقوله: أشار على أن له أصلًا صحيحًا. . . إلخ.\nوجعلهما شيخ الهند - ﵀ - أيضًا في أصول تراجمه أصلًا واحدًا، وباتّباعهما قُدِّس سرُّهما جعلته أصلًا واحدًا، وإلا فهما أصلان متغايران جدًّا، جديران بأن يُفْرَدَ كلُّ واحد منهما عن الآخر.\nوبسَطَ الكلام على ذلك شيخ الهند - ﵀ - في الأصل السادس من أصول تراجمه إذ قال: قد يذكر المصنف في الباب حديثًا لا تعلق له بالترجمة أصلًا، لكنه - ﵀ - يذكر هذا الحديث في باب آخر من \"صحيحه\"، ويكون فيه ما يثبت الترجمة الأولى صريحًا، ومن لم يعرف ذلك يتكلف في التطبيق بين الترجمة الأولى وحديثها تكلفات باردة.\nمثاله: أنه ترجم في أول كتابه \"باب السمر في العلم\"، وأورد فيه حديث ابن عباس (^١): \"بِتُّ في بيت خالتي ميمونة - ﵂ -. . .\" إلخ، ولا ذكر فيه للسمر أصلًا، فاضطر الشرَّاح في ذلك إلى تأويلات باردة كلها بمعزل من الحقيقة.\nوأجاد في ذلك الحافظ ابن حجر - ﵀ - في \"شرحه\" إذ قال: إن المصنف أخرج الحديث في كتاب التفسير، وفيه زيادة وهي قوله: \"فتحدث رسول الله - ﷺ - مع أهله ساعة\" (^٢)، وهذه الجملة نص في إثبات الترجمة الأولى، انتهى.\nقلت: وتمام كلام الحافظ (^٣) في الباب المذكور بعد ذكره التوجيهات العديدة عن الشرَّاح الأخر، وكل ذلك معترض، والأَولى من هذا كله أن مناسبة الترجمة مستفادة من لفظ آخر في هذا الحديث بعينه من طريق أخرى، وهذا يصنعه المصنف كثيرًا، يريد به تنبيه الناظر في كتابه على\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (ح: ١١٧).\n(^٢) أخرجه البخاري (ح: ٤٥٦٠).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١/ ٢١٣).","vol":"1","page":135},{"text":"الاعتناء بتتبع طرق الحديث، والنظر في مواقع ألفاظ الرواة؛ لأن تفسير الحديث بالحديث أولى من الخوض فيه بالظن.\nوإنما أراد البخاري ههنا ما وقع في بعض طرق هذا الحديث مما يدل صريحًا على حقيقة السمر، وهو ما أخرجه في التفسير بلفظ: \"تحدث رسول الله - ﷺ - مع أهله ساعة، ثم رقد. . .\" الحديث، فصحَّت الترجمة صريحًا - بحمد الله - من غير حاجة إلى تعسف ولا رجم بالظن، انتهى مختصرًا.\nقلت: هو كذلك فإن الإمام البخاري - ﵀ - أخرج بهذه الزيادة في باب قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٤].\nثم قال شيخ الهند - ﵀ - في هذا الأصل السادس المذكور: وتارة يكون الحديث الذي فيه جملة مثبتة للترجمة لا يكون على شرط المؤلف وإن كان صحيحًا، لكنه لمَّا لم يكن على شرطه لا يذكره المؤلف في \"صحيحه\"، ولا يظفر بذلك إلا من تتبع كتب الحديث، انتهى مختصرًا.\nوهذان الأصلان مطَّردان في \"صحيحه\" قد أخذ بهما الحافظ ابن حجر في المواضع التي لا تحصى من \"شرحه\"، منها: ما قال في \"باب كنس المسجد والتقاط الخرق والقذى والعيدان\": الذي يظهر لي من تصرُّف البخاري أنه أشار بذلك إلى ما ورد في بعض طرقه صريحًا (^١)، ثم ذكر الطرق المصرِّحة بذلك، وقال في \"باب دلك المرأة. . .\" إلخ: جرى على عادته في الترجمة بما تضمَّنه بعض طرق الحديث (^٢)، وقال في \"باب أمور الإيمان، وقول الله - ﷿ - ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا﴾ الآية [البقرة: ١٧٧] \": وجه الاستدلال بهذه الآية ومناسبتها لحديث الباب تظهر من الحديث الذي رواه عبد الرزاق (^٣) وغيره، ورجاله ثقات، ولم يسقه\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (١/ ٥٥٣).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (١/ ٤١٤).\n(^٣) \"مصنف عبد الرزاق\" (رقم ٢٠١١٠).","vol":"1","page":136},{"text":"المصنف؛ لأنه ليس على شرطه، فإن قيل: ليس من المتن ذكر التصديق، أجيب: بأنه ثابت في أصل هذا الحديث كما أخرجه مسلم وغيره، والمصنف يكثر الاستدلال بما اشتمل عليه المتن الذي يذكر أصله ولم يسقه تامًّا (^١)، انتهى ملخصًا، وهذا من الأصل الثاني من هذين الأصلين.\nوقال أيضًا في \"باب الفتيا وهو واقف على الدابة\" في \"كتاب العلم\": فإن قيل: ليس في سياق الحديث ذكر الركوب، فالجواب أنه أحال به على الطريق الأخرى التي أوردها في الحج (^٢) فقال: \"كان على ناقته\" ترجم له: \"باب الفتيا على الدابة\" (^٣)، انتهى، وهذا من الأصل الأول من الأصلين المذكورين.\nوالعجب من العلَّامة العيني قُدِّس سرُّه أنه أورد على الحافظ في الباب المذكور، إذ قال (^٤): وأجاب بعضهم بأنه أحال به على الطريق الأخرى التي أوردها في الحج، وبُعد هذا الجواب كبُعد الثرى من الثريا، فكيف يعقد باب بترجمة ثم يحال ما يطابق ذلك على حديث يأتي في باب آخر؟ انتهى.\nوأشد التعقب على الحافظ في \"باب السمر في العلم\" فقال رادًّا على كل جزء من كلامه (^٥): وأما قوله: والأَولى من هذا كله إلى آخره، فكلام ليس له توجيه أصلًا، فضلًا عن أن يكون أولى من غيره، لأن من يعقد بابًا بترجمة ويضع فيه حديثًا هل يقال: مناسبة الترجمة في هذا الباب تستفاد من ذلك الحديث الموضوع في باب آخر؟ فما أبعد هذا الكلام، وأبعد من هذا البعيد أنه علَّله بقوله: لأن تفسير الحديث بالحديث أولى من الخوض فيه بالظن، فسبحان الله، هؤلاء ما فسَّروا الحديث، بل ذكروا مطابقة الحديث بالترجمة، وما ذكره هو الرجم بالظن، انتهى ملخصًا.\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (١/ ٥١).\n(^٢) انظر: \"صحيح البخاري\" (ح: ١٧٣٦).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١/ ١٨٠).\n(^٤) انظر: \"عمدة القاري\" (٢/ ١٢٢).\n(^٥) انظر: \"عمد القاري\" (٢/ ٢٥١).","vol":"1","page":137},{"text":"ومع هذا كله، فقد أخذ بهذا الأصل بنفسه أيضًا، إذ قال في \"باب من حمل جارية صغيرة على عنقه\": وقد أخرج فيه البخاري حديث أبي قتادة في صلاته - ﷺ - حاملًا أُمامة بنت زينب، فقال العيني (^١): مطابقته ظاهرة، فإن قلت: أين الظهور وقد خص الحمل بكونه على العنق، ولفظ الحديث أعم من ذلك؟ قلت: كأنه أشار بذلك إلى أن الحديث له طرق أخرى، منها لمسلم (^٢) من طريق بكر، وصرَّح فيه \"على عنقه\"، وكذا لأبي داود وأحمد (^٣) من طريق أخرى، انتهى مختصرًا.\nوهكذا أخذ العلامة العيني بذلك في \"باب تسوية الصفوف عند الإقامة وبعدها\" إذ قال (^٤): مطابقته للترجمة في لفظ التسوية ظاهرة وليس فيه ما يطابق بقوله: \"عند الإقامة وبعدها\"، ولكنه أشار بذلك إلى ما في بعض طرق الحديث ما يدل على ذلك.\nوقال في \"باب التقاضي والملازمة\": وجه مطابقة الحديث للترجمة في التقاضي ظاهر (^٥)، وأما في الملازمة فبوجهين، ثانيهما: أنه أخرج هذا الحديث (^٦) في عدة مواضع، منها في \"باب الصلح\" و\"باب الملازمة\" بلفظ: \"فلزمه\" فكأنه أشار بالملازمة إلى الحديث المذكور على أن ما ذكره في عدة مواضع كلها حديث واحد، وله عادة في بعض المواضع يذكر التراجم بهذه الطريقة، انتهى ملخصًا.\nفجُملة الكلام أن هذين الأصلين مطَّردان في \"صحيحه\"، أخذهما الشرَّاح قاطبةً، ولا يلتبس عليك هذا الأصل بالأصل الثامن والثلاثين ولا الحادي والأربعين.\n_________\n(^١) \"عمد القاري\" (٣/ ٦٠٤).\n(^٢) \"صحيح مسلم\" (ح: ٨٤٦).\n(^٣) \"سنن أبي داود\" (ح: ٩٢٠ و٩٢١)، \"مسند أحمد\" (٥/ ٣١٠).\n(^٤) \"عمد القاري\" (٤/ ٣٥٢).\n(^٥) \"عمدة القاري\" (٣/ ٥٠٢).\n(^٦) أخرجه في: باب الصلح (ح: ٢٧٠٦، ٢٧١٠)، وفي: باب الملازمة (ح: ٢٤٢٤).","vol":"1","page":138},{"text":"١٢ -<span data-type='title' id=toc-112> الثاني عشر: [ما يترجم لأمر ظاهر قليل الجدوى]:</span>\nوكثيرًا ما يترجم لأمرٍ ظاهر قليل الجدوى، لكنه إذا تحقق المتأمل أجدى.\nكقوله: \"باب قول الرجل: ما صلينا\"، فإنه أشار به إلى الردِّ على من كره ذلك، انتهى.\nقلت: أخذ الشيخ قُدِّس سرُّه هذا الأصل من كلام الحافظ المذكور فيما سبق عن المقدمة (^١)، ورقمت عليه \"الثامن\"، وزاد الحافظ في مثاله: ومنه قوله: \"باب قول الرجل: فاتتنا الصلاة\"، وأشار بذلك إلى الرد على من كره إطلاق هذا القول، انتهى.\nوتبعه القسطلاني في \"مقدمة شرحه\" (^٢) في ذكر هذا الأصل، وهو أصل مطَّرد، ويظهر بالتأمل وتفتيش المذاهب والآثار الواردة في ابن أبي شيبة وعبد الرزاق وغيرهما.\nوذكر هذا الأصل شيخ الهند - ﵀ - أيضًا في الأصل الحادي عشر، ووجَّهه بوجوه كما سيأتي في محله.\n\n<span data-type='title' id=toc-113>الثالث عشر: [تعقبات على مصنف عبد الرزاق وابن أبي شيبة]:</span>\nما قال: وأكثرها تعقبات على مصنف عبد الرزاق وابن أبي شيبة في تراجم مصنفَيهما، ومثله لا ينتفع به إلا من مارس الكتابين واطَّلع على ما فيهما، انتهى.\nقلت: وهو كذلك، ويظهر ذلك بمطالعة \"فتح الباري\" والعيني، فإنهما يصرِّحان بذلك في كثير من التراجم أن غرضه الرد على قول فلان، أخرجه فلان، وذكره شيخ الهند - ﵀ - أيضًا، لكنه لم يذكره أصلًا مستقلًّا،\n_________\n(^١) انظر: \"هدي الساري\" (ص ١٤).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١/ ٤٤).","vol":"1","page":139},{"text":"بل أدمجه في الأصل الثاني عشر المذكور فيما سبق، وذكره شيخ الهند - ﵀ - في الأصل الحادي عشر من أصوله، وأضاف فيه احتمالات أُخر أيضًا.\nوقال الحافظ في \"باب السترة بمكة\" بعد ذكر توجيه ابن المنيّر: والذي أظن أنه أراد أن يُنَكِّتَ على ما ترجم به عبد الرزاق حيث قال: \"باب لا يقطع الصلاة بمكة شيء\"، إلى آخر ما بسط الحافظ (^١).\nوقال أيضًا في \"باب الصلاة على الحصير\" (^٢): النكتة في ترجمة الباب: الإشارة إلى ما رواه ابن أبي شيبة وغيره من طريق شُريح بن هانئ أنه سأل عائشة - ﵂ -: \"أكان النبي - ﷺ - يصلِّي على الحصير، والله يقول: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨]، فقالت: لم يكن يصلي على الحصير\" (^٣)، فكأنه لم يثبت عند المصنف، أو رآه شاذًّا مردودًا لمعارضة ما هو أقوى منه، إلى آخر ما قال.\nوقال العيني (^٤) في \"باب الاستنجاء بالماء\": قصد بهذه الترجمة الرد على من كره الاستنجاء بالماء، وعلى من نفى وقوعه من النبي - ﷺ - لما رواه ابن أبي شيبة (^٥) بأسانيد صحيحة إلى آخر ما ذكر.\nوقال الحافظ (^٦) في \"باب أذان الأعمى\": روى ابن أبي شيبة\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٥٧٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٤٩١).\n(^٣) أخرجه أبو يعلى في \"مسنده\" (٧/ ٤٢٦) (رقم ٤٤٤٨)، وذكره ابن حجر في \"المطالب العالية\" (ح ٣٦٤).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (٢/ ٤٠٨).\n(^٥) انظر: \"مصنف ابن أبي شيبة\"، \"باب من كان لا يستنجي بالماء ويجتزئ بالحجارة\".\n(^٦) \"فتح الباري\" (٢/ ٩٩).","vol":"1","page":140},{"text":"وابن المنذر عن ابن مسعود وابن الزبير وغيرهما أنهم كرهوا أن يكون المؤذن أعمى.\nوقال الحافظ (^١) في \"باب من قال: ليؤذن في السفر مؤذن واحد\": كأنه يشير إلى ما رواه عبد الرزاق (^٢) بإسناد صحيح: \"أن ابن عمر - ﵄ - كان يؤذن للصبح في السفر أذانين\".\nوقال (^٣) في \"باب الأذان للمسافرين. . .\" إلخ: وقد روى عبد الرزاق بإسناد صحيح عن ابن عمر - ﵄ - أنه كان يقول: إنما التأذين لجيش أو ركب عليهم أمير، فينادى بالصلاة ليجتمعوا لها، وأما غيرهم فإنما هي الإقامة، وحكي نحو ذلك عن مالك، انتهى.\nوهذا الأصل يختصُّ بالكتابين المذكورين، بل الإمام البخاري كثيرًا ما يترجم في \"صحيحه\" على رد الروايات التي لا تصح عنده، سواء كانت في الكتابين المذكورين أو غيرهما من كتب السنن وغيرها، وخصَّ الشيخ قُدِّس سرُّه الكتابين المذكورين لكثرة التعقبات عليهما، ولا يمتري في ذلك من مارس التراجم، وأمعن النظر في الكتابين المذكورين.\nقال الحافظ (^٤) في \"باب الدفن بالليل\": أشار بهذه الترجمة إلى الرد على منع ذلك محتجًا بحديت جابر: \"أن النبي - ﷺ - زجر أن يقبر الرجل ليلًا، إلا أن يضطر إلى ذلك\"، أخرجه ابن حبان (^٥)، إلى آخر ما قال.\nقلت: ويدخل في ذلك الأصل: \"باب موت الفجأة\" على ما قال ابن رُشيد كما حكاه عنه في \"الفتح\" (^٦).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ١١٠).\n(^٢) \"مصنف عبد الرزاق\" (رقم ١٨٩٧).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٢/ ١١١).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٣/ ٢٠٧).\n(^٥) \"صحيح ابن حبان\" (ح: ٣١٦٨).\n(^٦) \"فتح الباري\" (٣/ ٢٥٤).","vol":"1","page":141},{"text":"١٤ -<span data-type='title' id=toc-114> الرابع عشر: الآداب والعادات المسلوكة:</span>\nما قال: وكثيرًا ما يستخرج الآداب المفهومة بالعقل من الكتاب والسُّنَّة والعادات الكائنة في زمانه - ﷺ -، ومثل هذا لا يدرك حُسنه إلا من مارس كتب الآداب، وأجال عقله في ميدان آداب قومه، ثم طلب لها أصلًا من السُّنَّة، انتهى.\nقلت: وهو كذلك، لا مراء في ذلك ولا امتراء، ويتضح ذلك بمطالعة الأبواب مفصلًا، لا سيما في كتاب العلم والجهاد والنكاح والأطعمة والآداب وغيرها، ويمثل له بالأبواب المسلسلة في \"كتاب العلم\" من \"باب من سئل علمًا وهو مشتغل. . .\" إلخ، و\"من رفع صوته بالعلم\"، و\"طرح الإمام المسألة\"، و\"القراءة [والعرض] على المحدث\"، و\"من قعد حيث ينتهي به المجلس\"، و\"ما كان النبي - ﷺ - يتخوَّلهم بالموعظة\"، و\"من جعل لأهل العلم أيامًا معلومة\"، و\"الفتيا على الدابة\"، و\" [من أجاب] الفتيا بإشارة اليد والرأس\"، و\"الغضب في الموعظة\"، و\"من برك على ركبتيه\"، وغير ذلك من الأبواب الكثيرة في الكتب المتفرقة.\n\n١٥ -<span data-type='title' id=toc-115> الخامس عشر: ذكر الشواهد من الآيات لإرادة الخصوص من العموم:</span>\nما قال: وكثيرًا ما يأتي بشواهد الحديث من الآيات، ومن شواهد الآية من الأحاديث تظاهرًا، ولتعيُّن بعض المجملات دون البعض، فيكون كقول المحدث: المراد بهذا العام المخصوص، أو بهذا الخاص العموم ونحو ذلك.\nذكره شيخ المشايخ قُدِّس سرُّه أصلًا واحدًا، وإلا ففي الحقيقة هي ثلاثة أصول مختلفة:","vol":"1","page":142},{"text":"أحدها: التظاهر.\nوالثاني: إرادة العام بالخصوص.\nوالثالث: عكسه.\nوقد تقدم نحو ذلك في كلام الحافظ (^١) المذكور في الفائدة الثانية، ورقمت عليه (١) و(٢)، لكنه خصَّه بالترجمة، ولذا أدخلته في الأصل الثلاثين.\nولا يلتبس هذا بالأصل الأربعين لجزم الحكم ههنا، وعدم جزمه في الأربعين لإظهار اختيار المؤلف، والشواهد ههنا لتعيين محتملات الحديث، وفي الأربعين لإظهار اختيار المؤلف، وكذا الفرق بينه وبين الثامن عشر واضح، لإرداة الخصوص بالعموم ههنا وعكسه في الثامن عشر، فالجملة ههنا عدة أصول متقاربة يظهر الفرق بينها بالتأمل، وهي (١٨) و(٢٤) و(٤٠) و(٥٣)، والمقصود ههنا ذكر الشواهد من الآيات للتظاهر أو لتعيين بعض المحتملات.\nفهذه خمسة عشر أصلًا (^٢)، ذكرها شيخ المشايخ الشاه ولي الله الدهلوي قُدِّس سرُّه في مبدأ تراجمه.\nوأخذ في ذيل تراجمه عدة أصول أُخر، نُلحقها بكلامه، منها:\n\n١٦ -<span data-type='title' id=toc-116> السادس عشر: الترجمة بكلِّ محتمل:</span>\nأن من دأب الإمام البخاري الاستدلال بكل المحتمل.\nقال شيخ المشايخ (^٣) في \"باب الرجل يأتم بالإمام. . .\" إلخ: هذا يحتمل معنيين، وذهب المؤلف إلى كلا الاحتمالين. . . إلخ.\n_________\n(^١) انظر: \"هدي الساري\" (ص ١٣).\n(^٢) لكنه ذكر أربعة عشر أصلًا فقط.\n(^٣) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٢٢٧).","vol":"1","page":143},{"text":"وقال في \"باب الْعَلَم بالمصلى\": ولما كان ظاهر لفظ الحديث يحتمل أن يكون العلم في زمانه - ﷺ - بنى المؤلف عقد الباب عليه، انتهى (^١).\nوقال في \"باب إذا قيل للمصلي: تقدم. . .\" إلخ: استنباط المؤلف مستصعَب عند الشرَّاح غاية الصعوبة، وحله عندي أن دأب البخاري أن يستدل بكلا احتماليه، وهذا في كتابه كثير، انتهى.\nوكذا قال في \"باب العرض في الزكاة\": من أن قوله: \"وأما خالد. . .\" إلخ (^٢)، استدلال ببعض محتملاته. . . إلخ.\nقال الشيخ أيضًا في \"باب من نام عند السحر\": استدل المؤلف بقول عائشة على ترجمة الباب استدلالًا ببعض محتملاته، وهذا من دأبه، يفعله كثيرًا في كتابه، وأخذ الشيخ قُدِّس سرُّه أيضًا بهذا الأصل في \"باب العرض في الزكاة\" إذ قال: واستدلال المؤلف بقول النبي - ﷺ -: \"وأما خالد. . .\" إلخ، استدلال ببعض محتملاته، إلى آخر ما أفاده، وهذا الأصل جارٍ على ألسنة المشايخ كثيرًا.\n\n١٧ -<span data-type='title' id=toc-117> السابع عشر: تعدد الطرق:</span>\nما قال في \"باب حك المخاط بالحصى\": وههنا توجيه آخر مطَّرد في أكثر المواضع، وهو أجود التوجيهات عندي، وهو: أنه من دأب المصنف أن يورد حديثًا واحدًا متعدد الطرق مرارًا متعددة، ويعقد كل ترجمة بلفظ آخر واقع في ذلك الحديث، ومقصوده ليس إلا إكثار طرق الحديث، كما وقع في هذا المقام، انتهى.\n_________\n(^١) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٢٨٥)، وانظر: \"فتح الباري\" (٢/ ٥٣٩).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (٣/ ٣١٣)، و\"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٣١٥).","vol":"1","page":144},{"text":"وأخذ بذلك الأصل في \"باب صلاة التطوع على الحمار\" أيضًا.\nقلت: ويستأنس هذا الأصل مما قالت الشرَّاح في \"باب طرح الإمام المسألة على أصحابه\": فإن مؤدَّى كلام الكرماني (^١) وتبعه العيني وغيره، أن المقصود ذكر الحديث بطريقيه اللتين سمعهما عن شيخيه.\nويستأنس ذلك أيضًا عمَّا قال الحافظ في \"باب الصلاة على الخُمرة\" (^٢)، أفردها بترجمة لكون شيخه أبي الوليد حدَّثه بالحديث مختصرًا، وبذلك جزم العيني (^٣) في \"باب إتيان مسجد قباء راكبًا وماشيًا\": لو قلنا: إفراد هذه الترجمة لبيان تعدد سنده لكان فيه الكفاية، انتهى.\nوإلى ذلك الأصل أشار الحافظ في \"مقدمته\" (^٤) مجيبًا عن تكرار الروايات: أن الرواة ربما اختلفت عباراتهم، فحدَّث راوٍ بحديث فيه كلمة تحتمل معنى، وحدَّث آخر، فعبَّر عن تلك الكلمة بعينها بعبارة أخرى تحتمل معنى آخر، فيورده بطرقه إذا صحَّت على شرطه، ويفرد لكل لفظ بابًا مفردًا، انتهى.\n\n١٨ -<span data-type='title' id=toc-118> الثامن عشر: إرادة العام بالترجمة الخاصة:</span>\nما قال في \"باب رفع البصر إلى الإمام\": عقد هذا الباب لما تقرر أن الأولى أن ينظر المصلي في صلاته إلى موضع سجوده، ومع ذلك لو رأى إلى إمامه ولم ينظر إلى ذلك الموضع لم تفسد عليه صلاته.\nوقد مر غير مرة أن البخاري ربما يعقد الترجمة لأمر خاص من بين\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري بشرح الكرماني\" (٢/ ١٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٤٩١).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٥/ ٥٧٤).\n(^٤) \"هدي الساري\" (ص ١٥).","vol":"1","page":145},{"text":"العام، مع أن مراده إثبات ذلك العام، وذلك لتعيين صورة من بين صوره المحتملة كما قلنا ههنا، فإن مراده - ﵀ - نفي لزوم النظر إلى موضع السجود وهو عام، ومن صوره المحتملة اختيار صورة خاصة وهي حالة النظر إلى الأمام مع أن الغرض إثبات العام، فاحفظ هذا التحقيق فإنه مما ينفعك في مواضع شتّى من هذا الكتاب، انتهى.\nوإلى ذلك الأصل أشار الحافظ في \"الفتح\" (^١) في \"باب غسل المرأة أباها الدم\"، إذ قال: هذه الترجمة معقودة لبيان أن إزالة النجاسة ونحوها يجوز الاستعانة فيها، وبهذا يظهر مناسبة أثر أبي العالية، انتهى.\nوبذلك الأصل أخذ شيخ المشايخ في \"باب من دعي لطعام في المسجد\" إذ قال: غرضه من عقد هذا الباب جواز الكلام المباح في المسجد، إلى آخر ما قاله.\nوكذا في \"باب هل يَتَتَبَّعُ المؤذِّن فاه؟. . .\" إلخ إذ قال: غرضه أن الأذان غير ملحق بالصلاة في الأحكام، ولا يشترط فيه الاستقبال، وبهذا تتحقق المناسبة بين الترجمة والآثار، انتهى (^٢).\nوبذلك أخذ في \"باب الرجل ينعى إلى أهل الميت\" إذ قال: ذكر الأهل لمجرد تصوير صورة، والمقصود إثبات جواز النعي مطلقًا.\nوبذلك أخذ في \"باب الصدقة باليمين\" إذ قال: مقصود الترجمة الإعطاء بنفسه، فلا خفاء لمناسبة الحديث الثاني، انتهى.\nوالأوجه عندي أن هذا الباب من الأصل السادس والخمسين، وقد عرفت في الخامس عشر أن ههنا عدة أصول متقاربة فلا تلتبس عليك، لا سيما هذا الأصل بالأصل الثلاثين.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٣٥٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٢/ ١١٥).","vol":"1","page":146},{"text":"١٩ -<span data-type='title' id=toc-119> التاسع عشر: الإثبات بالأولوية:</span>\nأن الإمام البخاري يذكر في الترجمة أمرين، يثبت أحدهما بالنص، والآخر بالأولوية، كما أفاده شيخ المشايخ في \"باب ما يذكر في المناولة. . .\" إلخ، إذ قال: ذكر في الترجمة أمرين: المناولة، وكتاب أهل العلم بالعلم إلى البلدان، وأثبت بحديثي الباب الأمر الثاني، فثبوت الأمر الأول بالطريق الأَولى فافهم، انتهى.\nقلت: قد أخذ شيخ المشايخ بهذا الأصل في عدة مواضع من تراجمه فقال في \"باب التيمُّن في الوضوء والغسل\": ثبت بأول حديث الباب التيمُّن في غسل الميت، فثبت التيمُّن في غسل الحي بالطريق الأولى لكونه الأصل.\nوذكره في \"باب البول قائمًا وقاعدًا\": أثبت بالحديث الأَولَ، والثانيَّ بالطريق الأولى، وهكذا قرره الشرَّاح، ثم ذكر توجيهًا آخر، واختاره ههنا خاصّةً.\nوما حكاه الشيخ عن الشرَّاح حكاه الحافظ في \"الفتح\" (^١) عن ابن بطَّال: دلالة الحديث على القعود بالطريق الأولى؛ لأنه إذا جاز قائمًا فقاعدًا أجوز، وأخذ شيخ المشايخ بهذا الأصل في \"باب التسمية على كل حال. . .\" إلخ، إذ قال: لمَّا لم يكن الحديث الذي روى في باب التسمية قبل الوضوء على شرط المؤلف، أثبت التسمية للوضوء بالحديث الذي أورده في الباب لدلالته على الاستحباب في الوضوء بالطريق الأَولى، انتهى مختصرًا ملخصًا.\nوأخذ العيني (^٢) هذا الأصل في الباب المذكور بوجه آخر، وهو أن إثبات التسمية عند الوقاع نص، وعلى كل حال بالأَولى، وحكاه الحافظ في\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٣٢٨).\n(^٢) انظر: \"عمد القاري\" (٢/ ٣٧٨).","vol":"1","page":147},{"text":"\"باب وجوب القراءة\" تحت حديث قصة سعد عن الكرماني إذ قال (^١): وأبدى الكرماني لتخصيص العشاء بالذكر حكمة، وهو أنه لما أتقن فعل هذه الصلاة التي وقتها وقت الاستراحة، كان ذلك في غيرها بطريق الأولى، انتهى.\nوذكر شيخ الهند - ﵀ - أيضًا في مبدأ تراجمه هذا الأصل، لكنه - ﵀ - ذكر له وجهًا آخر، إذ قال في الأصل الثالث عشر: إنه قد يذكر في الترجمة أمران، والوارد فيه مُثْبِت للواحد فقط، فيتوهم منه أن الأمر الثاني لم يثبت، وليس كذلك، بل يكون مقصود المؤلف جزءًا واحدًا لا الآخر، لظهوره واتفاق العلماء عليه، فيذكره تبعًا واستطرادًا، انتهى ما قاله معربًا مختصرًا.\nوأخذ شيخ الهند قُدِّس سرُّه عن العيني إذ اختاره في الباب المذكور، أي: \"البول قائمًا وقاعدًا\" بعد التعقب على توجيه ابن بطال: والأحسن أن يقال: لما ورد في الباب جواز البول قائمًا وقاعدًا بأحاديث كثيرة، أورد البخاري حديث الفصل الأول، وفي الترجمة أشار إلى الفصلين، إما اكتفاءً بشهرة الفصل الثاني وعمل أكثر الناس به، أو إشارة إلى أنه اقتصر على أحاديث الفصل الأول لكونها على شرطه (^٢)، انتهى مختصرًا.\nوهذا الأصل غير الأصلين الآتيين في ٣٨ و٣٩، وغير الذي تقدم في الحادي عشر كما لا يخفى.\n\n٢٠ -<span data-type='title' id=toc-120> العشرون: باب بلا ترجمة للفصل:</span>\nما اختاره في تراجمه مرارًا، أن الباب الخالي عن الترجمة يكون بمنزلة الفصل عن الباب السابق.\nذكره الشيخ في \"باب\" خال عن الترجمة بعد \"باب إدخال البعير في\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (٢/ ٢٣٨).\n(^٢) انظر: \"عمدة القاري\" (٢/ ٦٢٠).","vol":"1","page":148},{"text":"المسجد\"، وفي \"باب\" بعد \"باب الصلاة بين السَّواري\".\nوقال العيني (^١): إن البخاري جرت له عادة أنه إذا ذكر لفظ \"باب\" مجرد عن الترجمة، يدل ذلك على أن الحديث الذي يذكر بعده ليكون له مناسبة بأحاديث الباب الذي قبله، انتهى.\nوقال الحافظ في الباب المذكور (^٢): كذا في الأصل بلا ترجمة، وكأنه بيَّض له فاستمر كذلك، وأما قول ابن رُشيد: إن مثل ذلك إذا وقع للبخاري كان كالفصل من الباب، فهو حسن حيث يكون بينه وبين الباب الذي قبله مناسبة بخلاف مثل هذا الموضع، وكذا قال شيخ المشايخ في \"باب\" بعد \"باب الصلاة بين السواري\": إن هذا الباب لا ترجمة له فهو كفصل الباب الأول.\nوقال الحافظ في الباب المذكور (^٣): كذا للأكثر بلا ترجمة، وهو كالفصل من الباب الذي قبله، انتهى.\nوالجملة أن هذا الأصل مطَّرد معروف في الشروح، ذكره الشرَّاح مرارًا في شروحه، وذكره شيخ الهند - ﵀ - أيضًا في أصول تراجمه في الموضعين، الأول في الأصل الثامن، ثم أعاده في آخر كتابه في الأصول العربية، وحكى عن الشرَّاح هذا الذي تقدم، لكنه - ﵀ - أبدع له وجهًا آخر أيضًا نذكره في الأصل الخامس والعشرين والسادس والعشرين، وينظر ٣٧ و٥٧.\nهذه عشرون أصلًا ذكرها شيخ المشايخ الشاه ولي الله الدهلوي في تراجمه.\nوذكر شيخ الهند - ﵀ - في مبدأ رسالته في التراجم في اللغة الأردية خمسة عشر أصلًا نذكرها على ترتيبها، إلا أن بعضًا منها تقدم في كلام شيخ المشايخ، فلا نذكره إلا مجملًا تكميلًا لعدده، وإبقاءً لترتيب كلامه،\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٣/ ٥٢١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٥٥٨).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١/ ٥٧٩).","vol":"1","page":149},{"text":"ولا نذكر له رقم العدد في عدادنا للتكرار، فالعدد الأول يكون لشيخ الهند، والثاني لعدادنا.\nوسيأتي قريبًا في الأنواع الثلاثة من الأبواب المجردة في كلام شيخ الهند - ﵀ - أنه جعل مثل هذه الأبواب ثلاثة أنواع سيأتي تفصيلها في محلها.\n\n١/ ٢١ -<span data-type='title' id=toc-121> الحادي والعشرون: المدلول اللفظي:</span>\nأن الإمام البخاري - ﵀ - كثيرًا ما يترجم بجزء من الحديث أو بكلام آخر، ولا يريد بلفظ الترجمة مدلوله الأصلي اللفظي الصريح، بل يريد مدلوله الالتزامي الثابت بالإشارة والإيماء.\nفما يورد في الباب يكون موافقًا للثاني، ومن أراد تطبيقه بالأول، أي: المدلول اللفظي يقع في التخبط، كما يظهر من أول أبوابه \"باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله - ﷺ -\"، فإنه - ﵀ - ذكر فيه ستة أحاديث ليس في بعضها ذكر الوحي أصلًا، وليست كيفية البدء إلا في حديث واحد، وهو حديث حِراء، ولذا اضطر بعض الشرَّاح إلى قولهم: إن كثيرًا من أحاديث الباب لا يتعلق إلا بالوحي لا ببدء الوحي، فكيف جعل الترجمة \"باب بدء الوحي\"، وتكلف بعضهم في التوجيهات الباردة.\nوالحق أن غرض الترجمة لم يكن ما هو ظاهر من اللفظ، بل الغرض كان بيان عظمة الوحي، وكونه واجب الاتباع، وخلوَّه عن الخطأ والسهو، وغير ذلك من الأمور التي تناسب عظمة الوحي، انتهى.\nقلت: وبسط الشيخ الكلام على ذلك في ذيل تراجمه أيضًا، وبسطه أشد البسط، وذكر الأصل المذكور في آخر كتابه أيضًا كما تقدم كلامه العربي في الفائدة الثانية مفصلًا، ومثَّل له هناك بـ \"باب من أدرك ركعة من العصر\"، وغير ذلك كما تقدم كلامه بلفظه.","vol":"1","page":150},{"text":"٢/ ٢٢ -<span data-type='title' id=toc-122> الثاني والعشرون تكرار الترجمة:</span>\nأن من المسلَّمات المجمع عليها، أن الإمام البخاري لا يكرِّر عمدًا في \"صحيحه\" حديثًا ولا ترجمة، ومع ذلك فإن ظهر في موضع تكرار الترجمة - مثلًا ذَكَرَ \"باب فضل العلم\" في الموضعين من \"كتاب العلم\" -، فلا بد من أن يجعل لهما محملًا يميزهما. ولذا أجمعوا على أن المراد بالفضل في أحدهما غير المراد في الثاني.\nوأيضًا لا يخرج عن التكرار تغير السياق والألفاظ، كما ترجم بـ \"باب كيف كان بدء الوحي. . .\" إلخ في أول كتابه، وبـ \"باب كيف نزول الوحي\"، و\"أول ما نزل\" في \"كتاب فضائل القرآن\"، فهذا تغير السياق لا يخرجه عن التكرار حتى يفرق بينهما بغرض الترجمة ومقصودها، انتهى ملخَّصًا معربًا.\nوهذا واضح، ولذا اضطر الشرَّاح في شروحهم، والمشايخ في دروسهم، إلى بيان الفرق بين التراجم المكررة لفظًا، وهي كثيرة في \"الصحيح\"، مثلًا:\nترجم بـ \"السمر بالعلم\" في \"كتاب العلم\"، ثم ترجم بـ \"السمر في الفقه والخير\" قبيل \"كتاب الأذان\".\nوترجم بـ \"السؤال والفتيا عند رمي الجمار\" في \"كتاب العلم\"، ثم ترجم بـ \"الفتيا على الدابة عند رمي الجمار\" في \"كتاب الحج\".\nوترجم بـ \"المرأة تحيض بعد الإفاضة\" في \"كتاب الحيض\"، ثم ترجم في الحج \"إذا حاضت المرأة بعد ما أفاضت\".\nوترجم بـ \"شهود الحائض العيدين ودعوة المسلمين\"، ثم ترجم في العيد \"خروج النساء الحيَّض إلى المصلى\".","vol":"1","page":151},{"text":"وترجم بـ \"الصلاة بمنى\" في \"أبواب تقصير الصلاة\"، ثم ترجم بذلك اللفظ في \"الحج\".\nوترجم بـ \"الصلاة\" على النفساء وسُنَّتها\" في \"الحيض\"، ثم ترجم بـ \"الصلاة على النفساء\" في \"الجنائز\".\nوترجم بـ \"التكبير أيام منى\"، و\"إذا غدا إلى عرفة\" في \"العيدين\"، ثم ترجم في \"الحج\" بـ \"التلبية والتكبير إذا غدا من منى إلى عرفة\".\nوترجم في \"الصلح\" بـ \"قول الإمام: اذهبوا بنا نُصْلِح\"، ثم ترجم في \"الأحكام\" بـ \"الإمام يأتي قومًا فيصلح بينهم\".\nوترجم في \"الجمعة\" \"لا يقيم الرجل أخاه يوم الجمعة ويقعد في مكانه\"، ثم ترجم في \"الاستئذان\" بـ \"باب لا يُقيم الرجل الرجل من مجلسه. . .\" إلخ، وترجم بلفظ: \"لا هامة\" في موضعين من \"كتاب الطب\"، وترجم فيه أيضًا بـ \"باب السحر\" في موضعين. قال الحافظ (^١): كذا وقع للكثير، وسقط لبعضهم وهو الصواب. . . إلخ. وغير ذلك من الأبواب الكثيرة المكررة ظاهرًا.\nويستأنس ذلك الأصل من كلام شيخ المشايخ في \"باب صلاة التطوع على الحمار\"، إذ قال: إنه ترجم بذلك لزيادة الاهتمام.\n\n٣/ ٢٣ -<span data-type='title' id=toc-123> الثالث والعشرون: الترجمة الشارحة:</span>\nأن الأصل في التراجم أن تكون دعاوى والأحاديث الواردة في الباب تكون دلائلها مثبتة للترجمة، لكن الإمام البخاري كثيرًا ما يترجم بما يكون بمنزلة شرح للحديث، كما تقدم بسط ذلك في الفائدة الثانية من كلام\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ١٨٥).","vol":"1","page":152},{"text":"السِّندي إذ قال: إن تراجم \"الصحيح\" على قسمين: قسمٌ يذكره للاستدلال بحديث الباب، وقسمٌ يذكره ليجعل كالشرح لحديث الباب، والشرَّاح جعلوا الأحاديث كلها دلائل للترجمة، فأشكل عليهم الأمر، إلى آخر ما تقدم في كلام السندي.\nوذكر السندي أيضًا في \"باب أحب الأسماء إلى الله - ﷿ -\"، ومثَّل له شيخ الهند - ﵀ - بـ \"باب الصفرة والكدرة في غير أيام الحيض\" فقال: إن زيادة لفظ \"غير أيام الحيض\" بمنزلة الشرح للحديث جمعًا بينه وبين حديث عائشة - ﵂ -: \"لا، حتى ترين القصة البيضاء\"، انتهى.\nقلت: كون بعض التراجم شارحة معروفة مطَّردة عند الشرَّاح، كثيرة الوقوع في \"الصحيح\"، ومع ذلك المثال الذي أفاده شيخ الهند قُدِّس سرُّه من \"باب الصفرة\" لو جعل داخلًا في الأصل الخامس لكان أوضح.\nوشيخ الهند قُدِّس سرُّه لما أدخل المذكور في هذا الأصل تبعًا للسندي صحَّ تمثيله قُدِّس سرُّه بذلك على أصله.\nويمثّل لذلك الأصل بـ \"باب مسح اليد بالتراب لتكون أنقى\"، فقوله: \"لتكون أنقى\" بيَّن بذلك علة مسح اليد بالتراب مع الإشارة إلى الاختلاف في ذلك.\nوكقوله: \"باب الطيب للمرأة عند غسلها من المحيض\"، أشار بذلك إلى عدم التخصيص بالمسك.\nوكقوله: \"باب الإقامة واحدة. . .\" إلخ، شرح بذلك قوله في الحديث: \"يوتر الإقامة\".\nوكقوله: \"باب الذكر بعد الصلاة\"، شرح بذلك لفظ \"الدبر\" الوارد في أحاديث الأدعية ردًّا على من قال بأن هذه الأدعية في التشهد قبل السلام للفظ الدبر.","vol":"1","page":153},{"text":"وترجم بـ \"باب كلام الميت على الجنازة\" شرح بذلك لفظ الجنازة الواردة في الحديث.\nوكقوله: \"باب بركة السحور من غير إيجاب\"، فإن هذا القيد نبّه على أن الأوامر الواردة فيه للاستحباب.\nوكقوله: \"باب رفع معرفة ليلة القدر\"، فإن لفظ المعرفة نبّه على معنى قوله - ﷺ -: \"رفعت\" ردًّا على من قال: \"إن ليلة القدر رفعت\".\n\n٤ - *<span data-type='title' id=toc-124> المعنى الخفيّ للترجمة:</span>\nذكر شيخ الهند - ﵀ - أصلًا رابعًا: أن الترجمة قد يكون لها معنى ظاهر واَخر خفي. فالشرَّاح لما حملوها على الأول اضطربوا في التطبيق.\nوالحق أن مراد المصنف كان معنًى خفيًّا، ومثَّل له بـ \"باب ما يقول بعد التكبير\"، فإنهم لما حملوا الترجمة على الدعاء بعد تكبير الافتتاح تكلفوا في ذلك، والحق أن مراد المؤلف - ﵀ - كان التوسع في الدعاء، وبسط في ذلك، وبسطه أيضًا في كلامه العربي في آخر التراجم، كما تقدم مفصلًا في الفائدة الثانية.\nولما لم يظهر لي فرق واضح بينه وبين ما تقدم في (١/ ٢١) الأصل الأول من أصوله، لم أجعل له عددًا مستقلًا.\nوهذا الأصل والذي بعده مأخوذان من كلام العلَّامة السندي، كما تقدم في كلامه من قوله: وكثيرًا ما يكون لظاهر الترجمة معنًى فيحملون الترجمة عليه، والحديث لا يوافقه فيعدون ذلك إيرادًا على صاحب \"الصحيح\"، مع أنه قصد معنًى يوافقه الحديث، وقد يكون معنى الترجمة ما فهموا ولكن تطبيق الحديث به يحتاج إلى فضل تدقيق، انتهى.\n\n٥ - *<span data-type='title' id=toc-125> الترجمة بإشارة خفية:</span>\nوهكذا ذكر شيخ الهند قدِّس سرُّه أصلًا خامسًا، وهو: أن يكون معنى الترجمة ظاهرًا، لكن الاستدلال بالحديث يكون بإشارة خفية.","vol":"1","page":154},{"text":"ومثَّل له بـ \"باب ما يذكر في الفخذ\"، والاستدلال فيه بحديث زيد بن ثابت.\nولما دخل هذا الأصل في الأصل الثاني من أصول شيخ المشايخ لم أجعل له عددًا مستأنفًا.\n\n٦ - *<span data-type='title' id=toc-126> قد يذكر في الباب حديثًا لا يوافق الترجمة:</span>\nوذكر الشيخ قُدِّس سرُّه أصلًا سادسًا أنه قد يذكر في الباب حديثًا لا يوافق الترجمة، لكن يأتي في باب آخر ما يثبت به الترجمة.\nومثَّل له بـ \"باب السمر في العلم\"، ولما تقدم هذا الأصل في الأصل الحادي عشر من أصول شيخ المشايخ لم أجعل له أيضًا عددًا مستقلًا.\n\n٧/ ٢٤ -<span data-type='title' id=toc-127> الرابع والعشرون: ذكر الآثار لأدنى مناسبة:</span>\nما ذكره شيخ الهند - ﵀ - في الأصل السابع أن الإمام البخاري - ﵀ - كثيرًا ما يذكر في الترجمة آثار الصحابة وغيرها، فمنها ما يكودن مثبِتًا للترجمة، ومنها ما يذكر لأدنى مناسبة، فإن الشيء بالشيء يذكر، فمن جعل كلها دلائل وقع في التكلفات الباردة، انتهى.\nقلت: أخذه الشيخ قُدِّس سرُّه من كلام السِّندي كما تقدم في الفائدة الثانية إذ قال: وأيضًا كثيرًا ما يذكر بعد الترجمة آثارًا لأدنى خاصيَّة بالباب، وكثير من الشرَّاح يرونها دلائل للترجمة، فيأتون بتكلُّفات باردة لتصحيح الاستدلال بها على الترجمة، فإن عجزوا عن وجه الاستدلال عدوُّه اعتراضًا على صاحب \"الصحيح\"، والاعتراض في الحقيقة متوجه عليهم حيث لم يفهموا المقصود، انتهى.\nوأخذ الإمام الكَنكَوهي هذا الأصل بمواضع من \"تقريره\"، منها في","vol":"1","page":155},{"text":"\"باب تقضي الحائض المناسك كلها\"، إذ قال (^١): ويمكن إيرادها - أي: الآثار - ههنا لمناسبة ما جرى من ذكر صوم الحائض وصلاتها. . . إلخ.\nوبذلك جزم شيخ المشايخ في تراجمه في الباب المذكور، إذ قال: أورد تعليقات الباب لأدنى مناسبة كما لا يخفى، ومثل هذا كثير عند المؤلف، انتهى.\nوبذلك أخذ العيني في الآثار المذكورة في هذا الباب إذ قال (^٢): وإذا وجد التطابق بأدنى شيء يكتفى به، والتطويل فيه يؤول إلى التعسف، انتهى.\nقلت: وهكذا قال بعضهم في الآثار الواردة في \"باب قراءة القرآن بعد الحدث وغيره\"، وإلى ذلك أشار الكرماني في الآثار الواردة في \"باب وضوء الرجل مع امرأته\" إذ قال (^٣): غرض البخاري ليس منحصرًا في ذكر المتون. . .، إلى آخر ما قال، [فقصد ههنا بيان التوضؤ بالماء الذي مسَّته النار دفعًا لما قال مجاهد، وبالماء الذي من بيت النصرانية ردًّا لما قال: إن الوضوء بسؤرها مكروه].\nوقال العيني (^٤) في الآثار الواردة في \"باب هل يتتبع المؤذن فاه ههنا وههنا\": وأدنى المناسبة كافٍ؛ لأن المقام إقناعيٌّ غير برهاني، انتهى.\nوقال شيخ المشايخ في \"الصلاة في مسجد السوق\": ولهذا القدر من المناسبة أورد المؤلف تعليقات الأبواب بل بأدنى من ذلك، انتهى.\nولا يلتبس عليك هذا الأصل بالخامس عشر الماضي، ولا بالأربعين الآتي.\n_________\n(^١) انظر: \"لامع الدراري\" (٢/ ٢٥١).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٣/ ١٢١).\n(^٣) \"صحيح البخاري بشرح الكرماني\" (٣/ ٤٠).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (٤/ ٢٠٨).","vol":"1","page":156},{"text":"٨/ ٢٥ -<span data-type='title' id=toc-128> الخامس والعشرون: حذف الترجمة تشحيذًا للأذهان:</span>\nما ذكره شيخ الهند - ﵀ - في الأصل الثامن، وأعاده في آخر رسالته في العربية أيضًا، إذ قال: إن المصنف قد يذكر الباب بلا ترجمة، والشرَّاح يذكرون في ذلك احتمالات أكثرها بعيدة عن شأن المؤلِّف والمؤلَّف كليهما، وأكثر أعذارهم أنه كالفصل من الباب السابق، لكن هذا لا يتمشَّى في بعض المواضع، إلى آخر ما تقدم من كلامه مفصلًا في آخر الفائدة الثانية، ورقمت عليه (٢).\nفقال مثلًا: ترجم بـ \"باب\" بلا ترجمة بعد \"باب ما جاء في غسل البول\"، وذكر فيه الحديث المذكور سابقًا، فكيف يقال: إنه كالفصل من الباب السابق؛ لأن هذا يمكن إذا كان الثاني مغايرًا للأول بوجه، وههنا لا تغاير أصلًا.\nوعندنا لا بد أن يقال: إن المؤلف أحيانًا يترك الترجمة عمدًا، ومقصوده: أني أخرجت من هذا الحديث حكمًا أو أحكامًا، فينبغي أن تخرجوا منه حُكمًا غير ذلك مناسبة لتلك الأبواب، ويفعل هكذا تشحيذًا للأذهان، وتنبيهًا وإيقاظًا للناظرين، كما هو دأبه في أمور كثيرة، فعندنا هذا الاحتمال أقوى وأليق وأنفع.\nمثلًا: تكون الترجمة ههنا \"كون البول موجبًا لعذاب القبر وما يماثلها\"، وكذلك في \"باب\" بلا ترجمة في آخر أبواب التيمم، ينبغي أن تكون الترجمة: \"إذا لم يجد الجنب ماءً وتيمم\"، انتهى ملخصًا.\nواقتصرت التلخيص؛ لأن كلامه هذا تقدم في الفائدة الثانية بلفظه، وزاد في هذا الأصل الثامن في الأردية، فمهما يوجد \"باب\" بلا ترجمة، ننظر أولًا: هل له مناسبة بالباب السابق؟ فإن كان فهو المرام، وإلا فنجعل له ترجمة مستقلة بشرطين:","vol":"1","page":157},{"text":"أحدهما: أنها لا تتكرر بترجمة المصنف.\nوالثاني: أن تكون مناسبةً للمقام، وطالما يظهر بالتدبر أن الحديث محتمل لعدة تراجم جديدة، فحينئذ يحتمل أن المؤلف حذفها تكثيرًا للفائدة، انتهى ملخصًا.\nوهذا الأخير أجعله أصلًا مستأنفًا كما سيأتي، ولا يلتبس عليك هذا الأصل بالعشرين الماضي، فإن حذف الترجمة فيه كان على ما هو المشهور عند الشرَّاح والمشايخ لكونه فصلًا من الباب السابق في هذا الأصل تشحيذًا للأذهان، تنبيهًا على وضع الترجمة الجديدة، وفي الآتي تكثيرًا للفائدة، ووضعًا لعدة تراجم، فتميز الأصول الثلاثة.\n\n٨/ ٢٦ -<span data-type='title' id=toc-129> السادس والعشرون: حذف الترجمة لتعدد الفوائد:</span>\nذكره شيخ الهند - ﵀ - استطرادًا في الأصل الثامن، وهو أجدر أن يُعَدَّ أصلًا مستأنفًا، وهو: أن الإمام البخاري قد يحذف الترجمة تكثيرًا للفوائد، فإن الحديث الوارد في الباب تستنبط منه مسائل عديدة مناسبة لهذا المحل، فيحذف الترجمة تشحيذًا للأذهان، وتنبيهًا وإيقاظًا للناظرين أن يُخرجوا منه تراجم عديدة مناسبة لهذه الأبواب.\nوأخذ شيخ الهند - ﵀ - بهذا الأصل في تراجمه أيضًا، وما في \"باب\" بلا ترجمة بعد \"باب سؤال جبرئيل النبي - ﷺ - عن الإيمان والإسلام. . .\" إلخ، فقال بعد بسط التقرير في ذلك: إنه يحتمل أن حذف المصنف الترجمة يكون لتعدد الفوائد.\n\n٩/ ٢٧ -<span data-type='title' id=toc-130> السابع والعشرون: حذف الحديث لذكره قريبًا:</span>\nما ذكره شيخ الهند - ﵀ - في الأصل التاسع، وذكره في آخر رسالته في العربية أيضًا، وتقدم في آخر الفائدة الثانية، ورقمت عليه (٣).","vol":"1","page":158},{"text":"إذ قال: وتارة يذكر بابًا مع الترجمة، لكن لا يذكر فيه حديثًا.\nوفيه وجهان: مرة يذكر تحت الترجمة آية، أو حديثًا، أو قولًا من الصحابة والتابعين، دالًّا على الترجمة، فالترجمة مثبتة بذلك.\nواكتفى المصنف بذلك، إما لأن حديثًا على شرطه ليس عنده، أو لقصد التمرين.\nومرة لا يذكر في الباب شيئًا منها ولا حديثًا فيحمله الشرَّاح على سهو الناسخين أو سهو المصنف، أو عدم تيسر إرادته بوجه من الوجوه، ولا يخفى استبعاده.\nوالتحقيق عندنا أن المؤلف لا يفعل ذلك إلا في موضع يكون دليل الترجمة مذكورًا قبلها في الباب السابق أو بعدها، مع أن هذه الصورة قليلة جدًا، فلا تكون الترجمة غير ثابتة، بل ثابتة بالدليل المذكور وإن لم يذكره مع الترجمة لقصد التمرين، انتهى مختصرًا، تقدم كلامه بلفظ في الفائدة الثانية، وبسطه في الأصل التاسع في الأردية، وذكر أن مثل هذه المواقع قريب من عشرة فقط.\nويستأنس هذا الأصل من كلام الحافظ المذكور في الفائدة الثانية، ورقمت عليه (٥).\nقلت: وعلى هذا الأصل يحمل ما قال شيخ المشايخ في تراجمه: قوله: قال إبراهيم: اكتفى في هذا الباب بإيراد الحديث المعلق؛ لأنه سيذكر في موضع آخر يتعلق به هذا الحديث تعليقًا شديدًا، وإنما قلنا: هذا معلق؛ لأن إبراهيم بن طهمان ليس من شيوخ المؤلف، ومثل هذا يفعل المؤلف كثيرًا، انتهى.\nومما يجب التنبيه عليه أن مراد الشيخ من قوله: سيذكره، هو حديث مال البحرين (^١)؛ فقد أخرجه البخاري في المغازي (^٢)، وأما تعليق البخاري\n_________\n(^١) انظر: \"صحيح البخاري\" (رقم ٤٢١، ٣٠٤٩، ٣١٦٥).\n(^٢) بل في الجهاد والسير، انظر (رقم ٣٠٤٩، ٣١٦٥).","vol":"1","page":159},{"text":"فلم يصله المصنف، بل وصله الحاكم وغيره كما في \"الفتح\" (^١) ومقدمته، وعلى ذلك حمل شيخ المشايخ \"باب الصلاة بعد الجمعة وقبلها\" إذ قال: والمؤلف اكتفى بحديث الباب؛ لأن راتبة قبل الجمعة قد علم سنِّيتها سابقًا صريحًا عن حديث جابر - ﵁ - أنه دخل رجل يوم الجمعة والنبي - ﷺ - يخطب، انتهى، وبنحو ذلك استدل في \"باب حمل الرجال الجنازة\"، والفرق بين هذا الأصل والآتي في الثاني والخمسين ظاهر، فتأمل.\n\n١٠/ ٢٨ -<span data-type='title' id=toc-131> الثامن والعشرون: تكرار التراجم لفوائد شتى:</span>\nمنها: إثبات دعوى واحد:\nما ذكره شيخ الهند - ﵀ - في الأصل العاشر: أن الإمام البخاري - ﵀ -، طالما يكرر التراجم لفوائد شتى، كالإجمال في ترجمة سابقة، والتفصيل في أخرى، أو إثباتها في الأولى بغير حديث مسند، وفي الثانية بحديث مسند، وتارة ما يكرر التراجم لإثبات دعوى واحدة، وقد يكون في إثبات المدعى بالحديث الوارد في الترجمة الأولى نوع تقصير فيتداركه بالترجمة الثانية، وقد يكون في الحديث الوارد في الترجمة الأولى مسألة مستأنفة يترجم لها الثانية ولا يذكر الحديث اكتفاء بالأولى، وقد يذكر في الترجمة أمورًا متعددةً، ويذكر الحديث متعلقًا ببعضها اكتفاءً بالآثار الواردة في الباب، أو إشارةً إلى إثباتها بالقياس، وقد يكون في الترجمة بعض إجمال يوضحه الحديث الوارد فيها، انتهى ملخصًا معربًا.\nوأنت خبير بأن هذا الأصل يتضمَّن أصولًا عديدةً يأتي بيان بعضها في الأصول الآتية، ونأخذ من هذا كله أصلًا واحدًا، وهو: أن الإمام كثيرًا ما يعالج لإثبات مسألة واحدة مهمَّة عنده بالتراجم العديدة المختلفة، كما فعل في أبواب الخُمس في أن النبي - ﷺ - لم يكن مالكًا لخُمسه، بل كان له\n_________\n(^١) انظر، \"هدي الساري\" (ص ٢٥)، و\"فتح الباري\" (١/ ٥١٦).","vol":"1","page":160},{"text":"قسمه، وكما فعل في آخر الكتاب في مسألة خلق القرآن، ويستأنس ذلك بمسألة طهارة بول ما يؤكل لحمه، وهذا غير الأصل المتقدم في السابع عشر.\n\n١١ - *<span data-type='title' id=toc-132> القليل الجدوى:</span>\nذكر شيخ الهند - ﵀ - في الأصل الحادي عشر: أن الإمام البخاري كثيرًا ما يترجم بأمر قليل الجدوى، لا فائدة في ذكرها على الظاهر.\nويكون ذلك لعدة وجوه، منها: ما أفاده الشاه ولي الله - ﵀ - أنه أراد الرد على \"مصنف ابن أبي شيبة\" و\"عبد الرزاق\"، وطالما يكون الغرض دفع توهم ناشٍ في ذلك المحل، أو تكون الإباحة ظاهرًا، لكنه يشير إلى ندبه أو إثبات الحكم بالنص فقط، ولم أذكر ذلك مستقلًا؛ لأنه تقدم في الأصل الثاني عشر والثالث عشر من كلام شيخ المشايخ.\n\n١٢ - *<span data-type='title' id=toc-133> لا تكفي لإثبات المقصود:</span>\nوذكر شيخ الهند - ﵀ - الأصل الثاني عشر: أن الإمام البخاري قد يترجم مقصودةً له، لكن الروايات الواردة فيها لا تشفي الغليل، ولا تكفي لإثبات المقصود، فيكرر الترجمة.\nقلت: وهذا داخل في الأصل العاشر من كلامه - ﵀ - فلم أذكر له عددًا.\n\n١٣ - *<span data-type='title' id=toc-134> لا يورد الحديث إلا لواحد منهما:</span>\nوذكر شيخ الهند - ﵀ - الأصل الثالث عشر: أن البخاري قد يذكر في الترجمة أمرين، ولا يورد الحديث إلا لواحد منهما.\nوتقدم ذلك في الأصل التاسع عشر.\n\n١٤/ ٢٩ -<span data-type='title' id=toc-135> التاسع والعشرون: الاستطراد للحديث الأول:</span>\nما ذكره شيخ الهند - ﵀ - في الأصل الرابع عشر: أن الإمام البخاري","vol":"1","page":161},{"text":"قد يورد بعد الترجمة حديثًا يوافقها، ثم يذكر بعد ذلك حديثًا لا يوافقها، بل قد يخالفها، ويكون ذكر هذا الحديث الثاني لمصلحة الحديث الأول، كتوضيح إجمال ما في الحديث الأول.\nوذكر هذا الأصل الإمام الكَنكَوهي قُدِّس سرُّه أيضًا في مبدأ \"تقريره\" كما سيأتي في أول باب منه، إذ قال (^١): إن المؤلف كثيرًا ما يورد من الروايات ما لها أدنى مناسبة بالحديث الوارد في الباب، وإن لم يكن لها مناسبة بالباب والترجمة، انتهى.\nوأخذ بذلك الأصل شيخ المشايخ في تراجمه كثيرًا، كما أوضحت أمثلته في حاشية \"اللامع\"، منها: ما قال في \"باب ترك القيام للمريض\" من أن حديث أبي نعيم الذي أورده أولًا في هذا الباب يدل صريحًا على الترجمة، وأما الحديث الثاني، أي: حديث محمد بن كثير، فليس له دلالة ظاهرة على ما يناسب الترجمة، وإنما أورده ههنا إشارةً إلى أن الرواة اختلفوا على سفيان، إلى آخر ما قال.\nوإلى ذلك أشار الحافظ في \"الفتح\" (^٢) إذ قال: استشكل أبو القاسم بن الورد مطابقة حديث جندب للترجمة، وتبعه ابن التين فقال: احتباس جبرئيل ليس ذكره في هذا الباب في موضعه، انتهى. قال الحافظ: وقد ظهر بسياق تكملة المتن وجه المطابقة، وذلك أنه أراد أن ينبه على أن الحديث واحد لاتحاد مخرجه، إلى آخر ما قال.\nوكذلك قال العيني (^٣): إن المطابقة للترجمة من حيث إن هذا من تتمة الحديث السابق، ويدفع بهذا ما قاله ابن التين. . . إلخ.\nوكذلك أخذ بذلك الأصل شيخ المشايخ في \"باب النهي عن تلقي الركبان\" إذ قال: قوله: \"عياش بن الوليد\" إنما أتى بهذا\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (١/ ٤٨٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٩).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٥/ ٤٥١).","vol":"1","page":162},{"text":"الحديث في هذا الباب، إشارةً إلى مسألة حديثية في حديث ابن عباس المذكور سابقًا، وهي: أنه اختُلف في هذا الحديث على معمر، فعبد الواحد عنه يذكر: \"لا تلقوا الركبان\"، وعبد الأعلى عنه لا يذكره. وذكر الاختلاف من مهمات مسائل المحدثين، والبخاري يعتني به في هذا الكتاب كثيرًا، انتهى.\nوقال الحافظ في \"الفتح\" (^١): وليس فيه للتلقي ذكر، وكأنه أشار - على عادته - إلى أصل الحديث، فقد سبق قبل بابين من وجه آخر عن معمر، وفي أوله: \"ولا تلقوا الركبان\"، انتهى.\nقلت: وعلى ما قاله الحافظ يكون الحديث من الأصل الحادي عشر بخلاف ما أفاده شيخ المشايخ.\n\n١٥/ ٣٠ -<span data-type='title' id=toc-136> الثلاثون: الترجمة مطلقة والحديث مقيد:</span>\nما ذكره شيخ الهند في الأصل الخامس عشر: أن الإمام البخاري كثيرًا ما يأتي بالترجمة مطلقة، ويذكر الحديث مقيدًا، فطالما يظهر ذلك وضوحًا، وقليلًا ما يخفى ذلك على الناظرين، فيوردون على البخاري عدم انطباق الحديث بالترجمة، فينبغي إذ ذاك أن يلاحظ في الترجمة قيدًا مناسبًا للحديث، انتهى.\nقال الكرماني (^٢) في \"باب ليبصق عن يساره\": فإن قلت: الترجمة مطلقة والحديث مقيَّد بكونه في الصلاة عكس الباب المتقدم، فإن ترجمته مقيدة بالصلاة، والحديث الذي فيه مطلق! قلت: المطلق محمول على المقيد في الموضعين عملًا بالدليلين. فإن قلت: لفظة الترجمة مقيدة بالقدم إليسرى، ولفظ القدم في الحديث لا تقييد فيه! قلت: تقيد به عملًا بالقاعدة المقررة من تقييد المطلق. فإن قلت: كان المناسب أن يذكر هذا الحديث\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٣٧٤).\n(^٢) \"صحيح البخاري بشرح الكرماني\" (٤/ ٧٣).","vol":"1","page":163},{"text":"في ذلك الباب، وذلك الحديث في هذا الباب! قلت: لعل غرضه بعد معرفة نفس الأحكام بيان استخراج الأحكام ومعرفة طرق استنباطها أيضًا تكثيرًا للفائدة، إلى آخر ما قاله.\nوطرق الاستنباط من أهم أصول البخاري كما تقدم في الأصل الثاني.\nقلت: ولم يمثل شيخ الهند قُدِّس سرُّه لأصله هذا بمثال، ويمكن عندي أن يمثل بـ \"باب إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة\"، فأتى بالترجمة مطلقة، وذكر الحديث فيه مقيدًا بصلاة الفجر، ولذا أشكل على الشرَّاح التطابق، ووجَّهوه بوجوه، وعلى الأصل المذكور ينبغي أن يلاحظ القيد في الترجمة.\nويستأنس ذلك من كلام الحافظ إذ قال (^١): ويحتمل أن تكون اللام في الترجمة عهدية فيتفقان، انتهى، أي: يتفق الحديث مع الترجمة، إذ أريدت في الترجمة أيضًا صلاة الفجر.\nقلت: وأشار إلى ذلك الأصل الحافظ في مقدمة \"الفتح\" (^٢) أيضًا كما حكيت كلامه في الفائدة الثانية، ورقمت عليه (١)، وحاصله: الاحتمال في الترجمة، والتقييد في الحديث. وهذا آخر الأصول التي ذكرها شيخ الهند قُدِّس سرُّه في مبدأ تراجمه، وقد وجد في كلام الشرَّاح والمشايخ العظام قُدِّست أسرارهم أصول كثيرة غير ما سبق بها.\n\n٣١ -<span data-type='title' id=toc-137> الحادي والثلاثون: الاستدلال بالمجموع على المجموع:</span>\nما أفاده شيخ الشيوخ الإمام الكَنكَوهي قُدِّس سرُّه في مبدأ تقريره هذا: أن المقصود كثيرًا ما يحصل بالنظر إلى مجموع الروايات الموردة في الباب، ولا تستقل كل رواية بإفادة ما وضعت عليه الترجمة، وعلى هذا\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ١٤٩).\n(^٢) انظر: \"هدي الساري\" (ص ١٤).","vol":"1","page":164},{"text":"فلا إشكال فيما يورده المؤلف من الروايات التي لا تنطبق على الترجمة، بأسرها (^١)، انتهى.\nقلت: وهذا أصل مطَّرد معروف عند الشرَّاح، أخذوا به في كثير من التراجم.\nقال الكرماني في \"باب هل يصلي الإمام بمن حضر؟. . .\" إلخ (^٢): ولا يخفى أنه لا يلزم أن يدل كل حديث في الباب على كل الترجمة، بل لو دل البعض بحيث تُعلم كل الترجمة من كل ما في الباب لكفاه، انتهى.\nوبه أخذ في حديث هرقل في أول الكتاب إذ قال (^٣): فإن قلت: هذا في آخر عهد البعثة، فما مناسبته لما ترجم عليه الباب وهي كيفية بدء الوحي! قلت: المراد منه أن يعلم من جميع ما في الباب لا من كل حديث منه، انتهى مختصرًا.\nوبه أخذ في \"باب من قال: إن الإيمان هو العمل\" مجيبًا عن إشكال عدم التطابق، قلت: المراد به المجموع، والاستدلال عليه بمجموع الآيات والحديث، إذ يدل كل واحد من القرآن والسُّنَّة على بعض الدعوى بحيث يدل الكل على الكل، انتهى (^٤)، ونظائره في شرحه كثيرة.\nوذكره العلامة العيني بحثًا في أول باب \"الصحيح\" (^٥): أو المراد بالباب بجملته بيان كيفية بدء الوحي، لا من كل حديث منه، فلو علم من مجموع ما في الباب كيفية بدء الوحي من كل حديث شيء مما يتعلق به صحَّت الترجمة، انتهى.\n_________\n(^١) انظر: \"لامع الدراري\" (١/ ٤٨٩).\n(^٢) \"صحيح البخاري بشرح الكرماني\" (٥/ ٥٥ - ٥٦).\n(^٣) \"صحيح البخاري بشرح الكرماني\" (١/ ٥٤).\n(^٤) \"صحيح البخاري بشرح الكرماني\" (١/ ١٢٤).\n(^٥) \"عمدة القاري\" (١/ ٣٦).","vol":"1","page":165},{"text":"وأخذ بذلك الأصل في مواضع من \"شرحه\"، منها: ما قال في حديث هرقل في الأسئلة والأجوبة: الأول ما قيل: إن قصة أبي سفيان مع هرقل إنما كانت في أواخر عهد البعثة، فما مناسبة ذكرها لما ترجم عليه الباب وهو كيفية بدء الوحي؟ أجيب: بأن كيفية بدء الوحي تعلم من جميع ما في الباب، وهو ظاهر لا يخفى، انتهى.\nوبذلك جزم الحافظ في \"باب من قال: إن الإيمان هو العمل\" (^١) إذ قال: مطابقة الآيات والحديث لما ترجم له بالاستدلال بالمجموع على المجموع؛ لأن كل واحد منها بمفرده دالٌّ على بعض الدعوى، ثم بسط في تطابق الأجزاء بالأجزاء، وإلى ذلك أشار في \"باب ما يقع من النجاسات. . .\" إلخ، إذ قال (^٢): وهذا الذي يظهر من مجموع ما أورده في الباب من أثر وحديث، وبذلك جزم في \"باب الحلوى والعسل\"، إذ قال (^٣): ولا يشترط أن يشتمل كل حديث في الباب على جميع ما تضمَّنته الترجمة، بل يكفي التوزيع، انتهى.\nوبذلك طابق السندي روايات \"باب فضل صلاة الفجر في جماعة\" إذ قال: هذا الحديث يدل على عظم فضل الجماعة، فإذا ضم ذلك إلى فضل صلاة الفجر المعلوم بالحديث المتقدم، يلزم أن لصلاة الفجر في الجماعة فضلًا عظيمًا، انتهى، والجملة أن هذا الأصل أخذه جميع الشرَّاح مرارًا في شروحه.\n\n٣٢ -<span data-type='title' id=toc-138> الثاني والثلاثون: الترجمة بقوله: هل:</span>\nما تقدم من كلام الحافظ في \"مقدمته\" (^٤)، ورقمت عليه (٦): أن الإمام البخاري كثيرًا ما يترجم بلفظ الاستفهام، كقوله: \"باب هل يكون\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٧٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٣٤٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٩/ ٥٥٨).\n(^٤) \"هدي الساري\" (ص ١٤).","vol":"1","page":166},{"text":"كذا (^١)، أو من قال: كذا\"، ونحو ذلك، وذلك حينئذ لا يتجه له الجزم بأحد الاحتمالين، وغرضه: بيان هل يثبت ذلك الحكم أو لم يثبت؟ فيترجم على الحكم ومراده ما يفسر بعد من إثباته أو نفيه، أو أنه محتمل لهما، انتهى.\nوأخذ بذلك الأصل الحافظ في شرحه كثيرًا، كما قال في \"باب المتيمم هل ينفخ فيهما؟ \" (^٢): إنما ترجم بلفظ الاستفهام ليُنَبِّهَ على أن فيه احتمالًا كعادته؛ لأن النفخ يحتمل أن يكون لشيء علق بيده.\nوقال في \"باب هل يقال: مسجد بني فلان؟ \" (^٣): إنما أورد المصنف الترجمة بلفظ الاستفهام ليُنَبِّهَ على أن فيه احتمالًا، إلى آخر ما بسطه.\nوقال في \"باب هل على من لم يشهد الجمعة غسل؟ \" (^٤): كأنه استعمل الاستفهام في الترجمة للاحتمال.\nوقال في \"باب هل تكفن المرأة في إزار رجل؟ \" (^٥): قال ابن رُشيد: أشار بقوله: \"هل\" إلى تردد عنده في المسألة، فكأنه أومأ إلى احتمال اختصاص ذلك بالنبي - ﷺ -. . .، إلى آخر ما بسطه من الاحتمالات العديدة.\nوترجم البخاري \"باب هل يبيت أصحاب السقاية أو غيرهم بمكة؟ \"، وبسط الحافظ في الاحتمالات الكثيرة في هذه المسألة، تظهر بمراجعة \"الفتح\" (^٦).\nوترجم بـ \"باب هل يشتري الرجل صدقته؟ \"، قال الزين بن المنير: أوردها بالاستفهام؛ لأن تنزيل [حديث] الباب على سببه يضعف معه تعميم المنع؛ لاحتمال تخصيصه بالشراء بدون القيمة؛ لقوله: \"وظننت أنه يبيعه برخص\"، إلى آخر ما في \"الفتح\" (^٧).\n_________\n(^١) تقدم ذلك في الأصل الثالث، (ز).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٤٤٣).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١/ ٥١٥).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٢/ ٣٨٢).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٣/ ١٣).\n(^٦) \"فتح الباري\" (٣/ ٥٧٩).\n(^٧) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٥٣).","vol":"1","page":167},{"text":"وترجم بـ \"باب من أين تؤتى الجمعة. . .\" إلخ، قال الحافظ (^١): يعني أن الآية ليست صريحة في بيان الحكم المذكور، فلذلك أتى في الترجمة بصيغة الاستفهام.\nويدخل في هذا الأصل عندي \"باب هل ينبش قبور مشركي الجاهلية، وتتخذ مكانها مساجد؟ \"، فإن الشرَّاح قاطبة جعلوا لفظ \"هل\" ههنا بمعنى \"قد\"؛ لأن الرواية الواردة في الباب نصٌّ في نبش قبور المشركين، والأوجه عندي أن لفظ \"هل\" ههنا بمعناه، وزاده الإمام البخاري على هذا الأصل الذي نحن بصدده، وذلك لأن مقتضى حديث الباب وهو نبش القبور ظاهر، لكن القصة لمبدأ الهجرة، السنة الأولى منها، وما سيأتي قريبًا من \"باب الصلاة في مواضع الخسف والعذاب\" وقعت السَّنَة التاسعة في غزوة تبوك، فالظاهر عندي أن الإمام البخاري لَمَحَ بلفظ \"هل\" إلى ذلك؛ فإن قبور المشركين محل العذاب لا محالة.\n\n٣٣ -<span data-type='title' id=toc-139> الثالث والثلاثون: فيه عن فلان:</span>\nما قال القسطلاني في مقدمة شرحه (^٢) في بيان موضوعه وتفرُّده بمجموعه، وتراجمه البديعة المثال، والمنيعة المنال: إنه رحمة الله عليه التزم مع صحة الأحاديث استنباط الفوائد الفقهية والنكت الحكمية، فاستخرج بفهمه الثاقب من المتون معاني كثيرة فرّقها في أبوابه بحسب المناسبة، وانتزع منها الدلالات البديعة، وسلك في الإشارات إلى تفسيرها السبل الوسيعة، ومن ثَمَّ أخلى كثيرًا من الأبواب عن ذكر إسناد الحديث، واقتصر فيه على قوله: فلان عن النبي - ﷺ -، ونحو ذلك؛ انتهى مختصرًا.\nقال الشارح: قوله: و\"من ثم أخلى\" أي: من كون غرضه الاستنباط منها، والاستدلال لأمور أرادها، لا خصوص ذكر الأحاديث فقط، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٣٨٥).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١/ ٤٣).","vol":"1","page":168},{"text":"قلت: أخذ القسطلاني هذا من كلام الحافظ كما تقدم من كلامه في أول الفائدة الثالثة من الفصل الثاني، وهذا الأصل مطَّرد معروف في \"الصحيح\" كثير الشيوع في كتابه؛ فإنه - ﵀ - اقتصر في \"باب استواء الظهر في الركوع\" على قوله: \"وقال أبو حميد في أصحابه: ركع النبي - ﷺ - (^١)، ثم هصر ظهره\" فقط، واقتصر في \"باب يستقبل بأطراف رجليه القبلة\" على قوله: \"قال أبو حميد: عن النبي - ﷺ -\" (^٢)، وقال في \"باب الصلح مع المشركين\": \"فيه عن أبي سفيان\" (^٣)، انتهى.\nواقتصر في \"باب من غزا وهو حديث [عهد] بعرسه\" على قوله: \"فيه جابر عن النبي - ﷺ -\" (^٤)، وفي \"باب من اختار الغزو بعد البناء\" على قوله: \"فيه أبو هريرة عن النبي - ﷺ -\" (^٥)، وقال في \"باب تزويج اليتيمة\": \"فيه سهل عن النبي - ﷺ -\" (^٦)، وغير ذلك من الأبواب الكثيرة.\n\n٣٤ -<span data-type='title' id=toc-140> الرابع والثلاثون: زيادة لفظ: \"أو غيرها</span>\":\nما قال حافظ الحديث مولانا السيد أنور شاه في \"فيض الباري\" في \"باب الفتيا وهو واقف على ظهر الدابة أو غيرها\" (^٧): قد استفدت من عادة البخاري أن الحديث إذا اشتمل على جزء مخصوص، ويكون الحكم عامًّا\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" ١٠ - \"كتاب الأذان\"، (١٢٠)، باب استواء الظَّهر في الركوع.\n(^٢) \"صحيح البخاري\" ١٠ - \"كتاب الأذان\"، (١٣١)، باب يستقبل بأطراف رجليه القبلة.\n(^٣) \"صحيح البخاري\" ٥٣ - \"كتاب الصلح\" (٧)، باب الصلح مع المشركين.\n(^٤) \"صحيح البخاري\" ٥٦ - \"كتاب الجهاد والسير\" (١١٤)، باب من غزا وهو حديث عهد بعرسه.\n(^٥) \"صحيح البخاري\" ٥٦ - \"كتاب الجهاد والسير\" (١١٥)، باب من اختار الغزو بعد البناء.\n(^٦) \"صحيح البخاري\" ٦٧ - \"كتاب النكاح\" (٤٤)، باب تزويج اليتيمة.\n(^٧) \"فيض الباري\" (١/ ٢٦٤).","vol":"1","page":169},{"text":"عنده، فيصنع البخاري هناك هكذا، ويضع لفظ \"أو غيرها\" دفعًا لإيهام التخصيص، وإفادةً للتعميم، ثم لا يخرج له دليلًا فيما بعد.\nفالمصنف رحمة الله عليه ههنا أخرج من الحديث مسألة الدابة فقط، وإنما أضاف \"أو غيرها\" إفادة لتعميم الحكم، فهذا فقه وبيان مسألةٍ احتراسًا، فطلب الدليل على هذا الجزء في كلامه بعيد عندي، انتهى.\nقلت: وهذا الأصل قريب مما تقدم في الأصل الثالث والعشرين، وأفردته بالذكر؛ لأن تبويب الإمام البخاري بلفظ \"غيره\" مطَّرد شائع في كتابه، وأيضًا فرق ما بين شرح الحديث بالترجمة وبين الإشارة إلى عدم التخصيص بلفظ \"غيره\" في الترجمة، وهذا السياق كثير الشيوع في البخاري.\nمثلًا: ترجم \"إذا غسل الجنابة أو غيرها فلم يذهب أثره\" قال الحافظ (^١): استدل البخاري على أن بقاء الأثر بعد زوال العين في إزالة النجاسة وغيرها لا يضر، فلذا ترجم: \"إذا غسل الجنابة أو غيرها. . .\" إلخ. وترجم \"باب الإهلال من البطحاء وغيرها. . .\" إلخ، إشارةً إلى عدم التخصيص بالبطحاء. وترجم: \"هل يبيت أصحاب السقاية أو غيرهم. . .؟ \" إلخ، إشارة إلى عدم التخصيص بأصحاب السقاية. وترجم \"باب العمرة ليلة الحسبة وغيرها\"، إشارة إلى عدم التخصيص بليلة الحسبة، وإن كانت عمرة عائشة - ﵂ - فيها. وكقوله: \"باب الفطر بما تيسر بالماء وغيره\".\n\n٣٥ -<span data-type='title' id=toc-141> الخامس والثلاثون: عدم الجزم لاختلاف العلماء:</span>\nما قال الحافظ في \"الفتح\" (^٢) في \"باب كتابة العلم\": طريقة البخاري في الأحكام التي يقع فيها الاختلاف، أن لا يجزم فيها بشيء، بل يوردها على\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٣٣٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٢٠٤).","vol":"1","page":170},{"text":"الاحتمال، وهذه الترجمة من ذلك؛ لأن السلف اختلفوا في ذلك عملًا وتركًا، وإن كان الأمر استقر، والإجماع انعقد على جواز كتابة العلم إلى آخره.\nوقال في \"باب إذا صلى ثم أمَّ قومًا\": قال الزين ابن المنيِّر: لم يذكر جوابَ \"إذا\" جريًا على عادته في ترك الجزم بالحكم المختلف فيه (^١)، انتهى.\nوقال في \"باب إذا دعت الأم ولدها في الصلاة\"، أي: هل يجب إجابتها أم لا؟ وإذا وجبت هل تبطل الصلاة أو لا؟ في المسألتين خلاف، ولذلك حذف المصنف جواب الشرط (^٢)، انتهى.\nويمثل هذا أيضًا بـ \"باب الوضوء من غير حديث\" لمكان الاختلاف فيه في السلف، كما بسطه الحافظ (^٣): وإن استقر الإجماع بعدُ على عدم الوجوب.\nوهذا الأصل مطَّرد كثير الشيوع في \"الصحيح\"، وهذا غير الأصل الرابع، كما لا يخفى؛ فإنه تقدم فيه أنه - ﵀ - لا يجزم بالحكم لاختلاف العلماء، ولا يأتي بالروايات المختلفة، كما ترى في هذه الأمثلة، فإنه لم يذكر في هذه الأبواب إلا روايةً واحدةً، كما في \"باب إذا صلى ثم أمَّ قومًا\".\nوكتب مولانا الشيخ محمد حسن المكي عن شيخه الإمام الكَنكَوهي قَدَّس الله أسرارهما: إن الدأب الشائع للبخاري الروايات، فيأتي بالروايات على اختلافها، وها هنا عدم الجزم إشارة إلى اختلاف أنه يضع الترجمة ولا يذكر معها الحكم، إما لاشتباه الحكم عليه، أو للإحالة إلى فهم الناظر، ثم يورد لها أحاديث متفقة على حكم واحد، أو متعارضة من غير تطبيق بينها، فيذكرها على سبيل التعداد، ويحيل التطبيق إلى فهم الناظر،\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٠٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٧٨).\n(^٣) انظر: \"فتح الباري\" (١/ ٢٣٢، ٣١٦).","vol":"1","page":171},{"text":"فكأنه يختبره، فلذلك ذكر \"باب سؤر الكلب\" مطلقًا، ثم أورد فيه مذهب الزهري، ثم أورد حديثًا منابذًا له؛ وهو قوله - ﷺ -: \"فليغسله سبعًا\"، ثم أورد حديثين معارضين لذلك الحديث مؤيدين لمذهب الزهري، وهما: حديث الخف، وقوله - ﷺ -: \"فكل. . .\" إلخ، يعني حديث الصيد الآتي في الباب الثاني، وكلامه قُدِّس سرُّه هذا يشتمل أصولًا، منها هذا الأصل والأصل الرابع، لقوله: ثم يأتي لها أحاديث متفقة أو متعارضة، فتأمل.\nوأدخل شيخ المشايخ في هذا الأصل \"باب الصلاة على الشهيد\"، إذ قال: فيه اختلاف العلماء، وإنما عقد المؤلف الباب للإشارة إلى أن الدلائل في هذا الباب متعارضة، فمن مثبت ومن ناف، ومن دأبه الإشارة إلى تعارض أدلة المسألة أيضًا، وعقد الباب لمجرد ذلك، كما لا يخفى على متتبع كتابه حق التتبع، انتهى.\nوالأوجَه عندي أن هذا الباب من الأصل الرابع لذكر الروايتين المختلفتين في ذلك، وإن كان فيه اختلاف العلماء أيضًا.\n\n٣٦ -<span data-type='title' id=toc-142> السادس والثلاثون: التعليل بالعلة البعيدة تاركًا العلةَ القريبةَ:</span>\nما أفاده شيخ المشايخ في تراجمه في \"باب الوضوء من النوم\".\nوحاصله: أن التعليل بالعلة البعيدة تاركًا العلةَ القريبةَ، دليل على أن العلة القريبة غير مؤثرة، قال: وأمثال هذه الاستدلالات للمؤلف كثيرة، فاحفظ فإنه ينفعك، انتهى.\nوسيأتي تمام كلام الشيخ في هامش \"التقرير\" (^١) في هذا الباب.\n_________\n(^١) انظر: \"لامع الدراري\" (٢/ ١٦٢).","vol":"1","page":172},{"text":"٣٧ -<span data-type='title' id=toc-143> السابع والثلاثون: باب بلا ترجمة، تنبيه على اختلاف طرق الرواية:</span>\nما قال العيني (^١) في \"باب\" بلا ترجمة بعد \"باب ما جاء في غسل البول\"، وقد ذكر فيه البخاري حديث الرجلين يعذبان في القبر: هذا الحديث في نفس الأمر هو الحديث الذي ترجم له البخاري بقوله: \"باب من الكبائر أن لا يستتر من بوله\"؛ لأن مخرجهما واحد، غير أن الاختلاف في السند وبعض المتن؛ لأن هناك عن مجاهد عن ابن عباس، وها هنا عن مجاهد عن طاوس عن ابن عباس. . . إلى آخر ما قال.\nوحاصله: أنه ذكر الباب بلا ترجمة تنبيهًا على الاختلاف في الرواية، والفرق بينه وبين الأصول العشرين، والخامس والعشرين، والسابع والخمسين لا يخفى، وهكذا هذه كلها بمعرض من الأصل السابع.\n\n٣٨ -<span data-type='title' id=toc-144> الثامن والثلاثون: عدم الذكر لأحد جزئي الترجمة إشارة إلى ما ورد:</span>\nإن من دأب البخاري المطَّرد في كتابه أنه طالما يترجم بترجمتين، ولا يذكر الحديث إلا لواحد منهما، ويترك الأخرى سدى.\nوميل الحافظ في هذه الأبواب: أنه - ﵀ - أشار بالترجمة الثانية إلى روايات ليست على شرطه؛ فقد قال في \"باب غسل المني وفركه. . .\" إلخ: لم يُخرِّج البخاري حديث الفرك، بل اكتفى بالإشارة إليه في الترجمة على عادته (^٢)، انتهى.\nوقال في \"باب البول قائمًا وقاعدًا\"، ولم يذكر البخاري حديث الجزء الثاني، فقال (^٣): ويحتمل أن يكون أشار بذلك إلى حديث\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٢/ ٦٠٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٣٣٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١/ ٣٢٨).","vol":"1","page":173},{"text":"عبد الرحمن بن حسنة الذي أخرجه النسائي وابن ماجه وغيرهما، انتهى. وقد حمله ابن بطَّال على الأصل التاسع عشر، كما تقدم.\nوقال الحافظ (^١) في \"باب إذا غسل الجنابة أو غيرها\": ذكر في الباب حديث الجنابة، وألحق غيرها بها قياسًا، أو أشار بذلك إلى ما رواه أبو داود (^٢) وغيره من حديث أبي هريرة في سؤال خولة عن ثوب الحيض.\nوقال (^٣) في \"باب كنس المسجد والتقاط الخرق والقذى والعيدان\": والذي يظهر لي من تصرُّف البخاري، أنه أشار بكل ذلك إلى ما ورد في بعض طرقه صريحًا - ثم ذكر الروايات المصرحة بهذه الأجزاء - وقال في آخره: وتكلف من لم يطلع على ذلك، فزعم أن حكم الترجمة يؤخذ من إتيان النبي - ﷺ - القبر حتى صلى عليه، قال: فيؤخذ من ذلك الترغيب في تنظيف المسجد.\nوقال في \"باب الصلاة بعد الجمعة وقبلها\": ولم يذكر البخاري حديثًا قبلها، فقال الحافظ (^٤) بعد ذكر توجيهات الشرَّاح الأخر: والذي يظهر أن البخاري أشار إلى ما وقع في بعض طرق حديث الباب، وهو ما رواه أبو داود وابن حبان، فذكر الحديث.\nونظائرها كثيرة في \"الفتح\"، ولا يلتبس عليك هذا الأصل بالأصل الحادي عشر، والتاسع عشر، فإن الفرق بينها واضح.\n\n٣٩ -<span data-type='title' id=toc-145> التاسع والثلاثون: عدم الذكر لأحد جزئي الترجمة إشارة إلى عدم الثبوت:</span>\nما قالوا في النوع المذكور - يعني: إذا ذكر جزئين في الترجمة ولم\n_________\n(^١) قلت: ذكر الحافظ قوله هذا في: باب غسل المني وقوله. . . إلخ لا في: باب إذا غسل الجنابة. . . إلخ، انظر: \"فتح الباري\" (١/ ٣٣٤).\n(^٢) \"سنن أبي داود\" (ح: ٣٦٥).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١/ ٥٥٣).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٢/ ٤٢٦).","vol":"1","page":174},{"text":"يذكر الحديث إلا لواحد منها -: أن الإمام البخاري يشير بذلك إلى أن أحد الجزئين ثابت والثاني لا يثبت، فكأن البخاري رد عليه بالترجمة وأنكره.\nجزم بذلك الكرماني في \"باب غسل المني وفركه\"، إذ قال (^١): فإن قلت: الحديث لا يدل على الفرك، قلت: عُلم من الغسل عدم الاكتفاء بالفرك، والمراد من الباب حكم المني غسلًا وفركًا في أن أيهما ثبت في الحديث وما الواجب منهما، انتهى.\nوعلى ذلك حمل الشيخ ابن القيم في \"الهدي\" (^٢) ترجمة البخاري \"باب الصلاة قبل الجمعة وبعدها\"، وبسط الكلام على أن لا صلاة قبل الجمعة، قال: ولم يرد البخاري إثبات السُّنَّة قبل الجمعة، وإنما مراده: هل ورد في الصلاة قبلها أو بعدها شيء؟ ثم ذكر هذا الحديث، أي: أنه لم يرو عنه فعل السُّنَّة إلا بعدها، ولم يرد قبلها شيء، انتهى.\nويدخل في ذلك \"باب الصلاة على الجنائز بالمصلى والمسجد\"، إذ أورد الحديث للأول دون الثاني، وأشكل على الشرَّاح إثبات الثاني.\nوقال العيني (^٣): لعل غرض البخاري - ﵀ - أن لا يصلى عليها في المسجد. . . إلى آخر ما قال.\nوإلى ذلك الأصل أشار العيني في \"باب البول قائمًا وقاعدًا\" احتمالًا، إذ قال (^٤): وإما إشارة إلى أنه وقف على أحاديث الفصلين، ولكنه اقتصر على أحاديث الفصل الأول لكونها على شرطه، انتهى.\nيعني: أحاديث الفصل الثاني لم تكن على شرطه، ولا يلتبس هذا بالأصل الخامس والخمسين.\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري بشرح الكرماني\" (٣/ ٨١).\n(^٢) \"زاد المعاد\" (١/ ٤٣٣).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٦/ ١٨٢).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (٢/ ٦٢٠).","vol":"1","page":175},{"text":"٤٠ -<span data-type='title' id=toc-146> الأربعون: يؤخذ مختار البخاري من الآثار:</span>\nما يستنبط من كلام الحافظ في باب \"في كم تصلي المرأة من الثياب؟ \": أن من عادة البخاري أنه طالما لا يذكر في الترجمة حكمًا، لكن مختاره يظهر عمَّا ذكر في الباب من الآثار.\nإذ قال بحثًا: إنه لم يصرح بشيء، إلا أن اختياره يؤخذ في العادة من الآثار التي يودِعها في الترجمة (^١)، انتهى.\nوتبعه القسطلاني (^٢) في ذلك، وبذلك الأصل أخذ العيني (^٣) في الباب المذكور، إذ قال: واختياره يؤخذ في عادته من الآثار التي يترجم بها، انتهى.\nوإلى ذلك أشار الحافظ في \"باب سؤر الكلب\"، إذ قال (^٤): والظاهر من تصرُّف المصنف أنه يقول بطهارته، انتهى.\nوقريب من ذلك ما قال (^٥) في \"باب أبواب الإبل والدواب\": لم يفصح المصنف بالحكم كعادته في المختلف فيه، لكن ظاهر إيراده حديث العُرنيين يشعر باختياره الطهارة، انتهى.\nوقلت: قريب من ذلك؛ لأنه ليس فيه الأثر بل الحديث، لكنه مُشعر إلى الأصل المذكور، ويدخل في ذلك عندي \"باب الصلاة في الجبة الشامية. . .\" إلخ؛ فإنه يحتمل مسألة النجاسة ومسألة التشبه، لكن الآثار التي أوردها في الباب تؤيد الثاني، قال الحافظ (^٦): هذه الترجمة معقودة لجواز الصلاة في ثياب الكفار ما لم يتحقق نجاستها، انتهى.\nقلت: ويؤيده أثر معمر، وبذلك الأصل أخذ الحافظ في \"باب وجوب\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٤٨٢).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٢/ ٣٩).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٣/ ٣٠٩).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١/ ٢٨٢).\n(^٥) \"فتح الباري\" (١/ ٣٣٥).\n(^٦) \"فتح الباري\" (١/ ٤٧٣).","vol":"1","page":176},{"text":"صلاة الجماعة\"، إذ قال (^١): أطلق الوجوب، وهو أعم من كونه وجوب عين أو كفاية، إلا أن الأثر الذي ذكره عن الحسن يُشعر بكونه يريد أنه وجوب عين، انتهى.\nوهذا اللفظ - أي: تعيين المراد بالوجوب - عنده غرضي ههنا بذكر كلامه، وإلَّا فقد تقدم كلامه في الخامس عشر لأصل آخر.\nوقال الكرماني (^٢) في \"باب هل يتتبع المؤذن فاه. . .\" إلخ في قول البخاري: \"ويُذْكر عن بلال أنه جعل إصبعيه في أذنيه\"، وكان ابن عمر لا يجعل: ميل البخاري إلى عدم الجعل؛ لأن التعليق الأول ذكره بصيغة التمريض، والثاني بصيغة التصحيح، انتهى.\nوسيأتي قول الكرماني هذا في الأصل الخامس والأربعين لغرض آخر.\nوهكذا قال العيني (^٣): يعني ذكر الأول بصيغة التمريض، والثاني بصيغة التصحيح، فكان ميله إليه.\nوقال الحافظ في \"باب كيف الإشعار للميت\"، وقال الحسن. . . إلخ: وبقول الحسن قال زفر. وكأن المصنف أشار بذلك إلى موافقة قول زفر (^٤)، انتهى.\nوقال الحافظ (^٥): عادة البخاري في موضع الاختلاف مهما صدَّر به من النقل عن صحابي أو تابعي فهو اختياره، انتهى.\nوالفرق بين هذا الأصل وبين الأصول التي ذكرت في الأصل الخامس عشر واضح لا يخفى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ١٢٥).\n(^٢) \"صحيح البخاري بشرح الكرماني\" (٥/ ٢٩). وحديث بلال أخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" (١/ ٤٦٧) (رقم ١٨٠٦) وحديث ابن عمر أخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" (١/ ٤٧٠) (رقم ١٨١٦) وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١/ ٢١٠).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٤/ ٢٠٦).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٣/ ١٣٣).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٩/ ٣٧٤).","vol":"1","page":177},{"text":"نعم، الفرق بين ذلك وبين ما تقدم في الخصيصة السادسة من خصائص البخاري في الفائدة الثانية من الفصل الثاني دقيق، ذُكر هناك.\n\n٤١ -<span data-type='title' id=toc-147> الحادي والأربعون: يقوي حديثًا بالترجمة ليس على شرطه:</span>\nمن عادته المستمرة المعروفة أنه - ﵀ - كثيرًا ما يقوي بالترجمة معنى حديث ليس على شرطه، لكن معناه صحيح عنده، فيستدل بالرواية التي هي على شرطه على صحة معنى حديث ليس على شرطه.\nوالفرق بين هذا الأصل وبين الأصل الأول من هذه الأصول، أن المذكور في الترجمة هناك كان لفظ الحديث، وههنا الترجمة ليست بلفظ حديث، بل ههنا أشار بالترجمة إلى صحة معناه.\nوتقدمت الإشارة إلى ذلك الأصل في كلام الحافظ في \"مقدمته\" (^١) الذي حكيته في الفائدة الثانية، ورقمت عليه العاشر، إذ قال: وكثيرًا ما يُترجم بلفظ يُومئ إلى معنى حديث لم يصح على شرطه، أو يأتي بلفظ الحديث الذي لم يصح على شرطه، إلى آخر ما قال: فهذا الثاني تقدم في الأصل الأول، والأول من نوعي الحافظ.\nهذا، ويمثل لذلك بما قاله شيخ المشايخ في تراجمه في \"باب صيام أيام البيض\": ثبت حديث الترجمة في السنن، وليس على شرط البخاري، فاستخرج له حديثًا على شرطه يشهد له، كذا للزركشي، انتهى.\nقلت: ولفظ الترجمة مروي بألفاظ مختلفة ذكرها الحافظ في \"الفتح\" (^٢).\nقلت: ويمثل لذلك الأصل بـ \"باب كم بين الأذان والإقامة\"، فإن المعروف أنه - ﵀ - أشار بذلك إلى رواية جابر - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال لبلال: \"اجعل بين أذانك وإقامتك قدر ما يفرغ الآكل من أكله\"،\n_________\n(^١) \"هدي الساري\" (ص ١٤).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (٤/ ٢٢٦).","vol":"1","page":178},{"text":"الحديث أخرجه الترمذي والحاكم (^١)، لكن إسناده ضعيف، وله شواهد ذكرها الحافظ (^٢).\nويمثل لذلك أيضًا بـ \"باب الصلاة في النعال\"، قال الحافظ (^٣): روى أبو داود والحاكم من حديث شداد بن أوس مرفوعًا (^٤): \"خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم. . .\" إلخ، ثم ترجم الإمام البخاري بـ \"باب الصلاة في الخفاف\"، قال الحافظ (^٥): يحتمل أنه أراد الإشارة إلى حديث شدَّاد بن أوس المذكور لجمعه بين الأمرين.\nوترجم الإمام البخاري بـ \"باب المساجد في البيوت\" وهو عندي إشارة إلى حديثي عائشة وسمرة - ﵄ - أخرجهما أبو داود في \"سننه\" (^٦)، وترجم عليهما بـ \"باب اتخاذ المساجد في البيوت\"، فيهما الأمر ببنائها في الدور.\nوترجم البخاري بـ \"باب يلبس أحسن ما يجد\"، وقد ورد في معنى ذلك عدة روايات ذكرها الحافظ في \"الفتح\" (^٧).\nوترجم \"باب من تمطر في المطر. . .\" إلخ، قال الحافظ (^٨): لعله أشار إلى ما أخرجه مسلم (^٩) عن أنس قال: \"حسر رسول الله - ﷺ - ثوبه حتى أصابه المطر، وقال: لأنه حديث عهد بربه\".\nوترجم بـ \"باب الثياب البيض للكفن\"، قال الحافظ (^١٠):\n_________\n(^١) انظر: \"سنن الترمذي\" (ح: ١٩٥)، و\"المستدرك\" (١/ ٣٢٠).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (٢/ ١٠٦).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١/ ٤٩٤).\n(^٤) أخرجه أبو داود في \"سننه\" (ح: ٦٥٢)، والحاكم في \"المستدرك\" (١/ ٢٦٠).\n(^٥) \"فتح الباري\" (١/ ٤٩٤).\n(^٦) \"سنن أبي داود\" (ح: ٤٥٥، ٤٥٦).\n(^٧) \"فتح الباري\" (٢/ ٣٧٤).\n(^٨) \"فتح الباري\" (٢/ ٥٢٠).\n(^٩) \"صحيح مسلم\" (ح: ٨٩٨).\n(^١٠) \"فتح الباري\" (٣/ ١٣٥).","vol":"1","page":179},{"text":"كأن البخاري لم يثبت على شرطه الحديث الصريح في الباب، وهو ما رواه أصحاب السنن (^١) من حديث ابن عباس، بلفظ: \"البسوا ثياب البيض، فإنها أطهر وأطيب، وكفنوا فيها موتاكم\"، صحَّحه الترمذي والحاكم، وله شاهد من حديث سمرة، ذكره الحافظ.\nوترجم \"باب حمل الرجال الجنازة دون النساء\"، قال الحافظ (^٢): لعله أشار إلى ما أخرجه أبو يعلى (^٣) من حديث أنس فذكره.\nوترجم بـ \"باب ما ذكر في الحجر الأسود\"، قال الحافظ (^٤): أورد فيه حديث عمر - ﵁ -، وكأنه لم يثبت عنده فيه على شرطه شيء غير ذلك، وقد ورد فيه أحاديث فبسطها.\nوترجم بـ \"باب ما جاء في زمزم\"، قال الحافظ (^٥): كأنه لم يثبت عنده في فضلها حديث، إلى آخر ما قال.\nوالفرق بين هذا الأصل، وبين الحادي عشر، واضح لا يخفى.\n\n٤٢ -<span data-type='title' id=toc-148> الثاني والأربعون: ترجمة غير متعلقة بالكتاب:</span>\nأن من دأبه المعروف المطَّرد، أنه قد يُنَبِّه بالترجمة على مسألة مهمة غير متعلقة بالكتاب استطرادًا، فيشكل على الناظرين توفيق هذه الترجمة بالكتاب.\nمثلًا: ترجم في أبواب المساجد \"باب الاغتسال إذا أسلم\"، وأشكل على الشرَّاح قاطبة إدخاله في \"أبواب المساجد\".\n_________\n(^١) \"سنن أبي داود\" (ح: ٤٠٦١، ٣٨٧٨)، و\"سنن ابن ماجه\" (ح: ١٤٧٢، ٣٥٦٦)، و\"سنن الترمذي\" (ح: ٩٩٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ١٨٢).\n(^٣) مسند أبي يعلى (رقم ٤٠٥٦، ٤٢٧٤).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٣/ ٤٦٢).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٣/ ٤٩٣).","vol":"1","page":180},{"text":"قال الحافظ (^١): الاغتسال إذا أسلم لا تعلق له بأحكام المساجد إلا على بُعْدٍ، وهو أن يقال: الكافر جُنُب غالبًا، وهو ممنوعٌ من المسجد إلا لضرورة، فلما أسلم لم تبق ضرورة للُبثه في المسجد جنبًا، فاغتسل لتسوغ له الإقامة في المسجد، إلى آخر ما بسط من التوجيهات البعيدة، حتى قال: يحتمل أن يكون بيَّض للترجمة فَسَدَّ بعضهم البياض بما ظهر له، وحكى عن بعضهم ههنا التراجم، ولو أمعنوا النظر في عادات المصنف تخلصوا عن الإشكال.\nفالأوجه عندي أن يقال: إن الحديث من الباب السابق، ولذا نبَّه عليه بربط الأسير أيضًا، وذكر مسألة الاغتسال استطراد اهتمامًا بشأنها لشدة اختلاف الأئمة الأربعة في تلك المسألة حتى لم يتفق اثنان منهم على قول واحد، بل لكل واحد من الأربعة مسلك مستقل في تلك المسألة.\nولما كانت المسألة مستنبطة بحديث الباب، نَبَّهَ عليها بالترجمة كالتنبيه، ثم رأيت أن هذا الأصل أخذه مولانا السيد أنور شاه نوَّر الله مرقده أيضًا، فللَّه الحمد والمنة، فقد قال في \"فيض الباري\" (^٢) في \"باب فضل صلاة الفجر والحديث\": هذا من عادات المصنف رحمه الله تعالى: أن الحديث إذا اشتمل على فائدة ويريد أن ينبِّه عليها، فإنه يذكرها في الترجمة وإن لم يناسب سلسلة التراجم، أعني به: أن التراجم إذًا تكون عنده مسلسلة، ثم تبدو له فائدة في الأحاديث المستخرجة ويراها مهمة، فلا ينتظر أن يبوِّب لها [بابًا] مستقلًّا، ولكن يفرِّغ عنها في ذيول هذه التراجم، وأسمِّيه: إنجازًا.\nفقوله: \"والحديث\"، أي: الحديث بعد العشاء وإن لم يناسب ذكره ههنا؛ لأنه عقد الترجمة لفضل صلاة الفجر، ولا مناسبة بينه وبين الحديث بعد العشاء، إلا أنه لما كان مذكورًا في الحديث المترجم له ذكره إنجازًا، وقد اضطرب في توجيهه الشارحون، ولم يأتوا بشيء، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٥٥٥).\n(^٢) \"فيض الباري\" (٢/ ١٧٤).","vol":"1","page":181},{"text":"قلت: وما وجَّه - أي: الشيخ الكشميري رحمة الله عليه - للفظ الحديث، يأتي الكلام عليه في محله من \"اللامع\" (^١)، وما اختاره في توجيهه هو أقرب التوجيهات عند هذا العبد الضعيف أيضًا، لكن مع التفحُّص الكثير لم أجد بعدُ في رواية نصًّا بأن هذا الكلام كان بعد العشاء فليتفحَّص، وعلى هذا الأصل حمل شيخ المشايخ في تراجمه \"باب نفض اليدين من الغسل\"، إذ قال: وغرضه عندي إثبات طهارة الغسالة، إذ النفض لا يخلو عن إصابة الرشاش بالبدن، انتهى.\n\n٤٣ -<span data-type='title' id=toc-149> الثالث والأربعون: الترجمة بخلاف لفظ الحديث:</span>\nأن من دأبه المعروف أنه كثيرًا ما يذكر الترجمة بخلاف لفظ الحديث، ويكون الغرض منه الإشارة إلى اختلاف ألفاظ الرواية الواردة في الباب.\nوهذا مطَّرد في كتابه، وأمثلته كثيرة في \"الصحيح\"، منها: أنه ترجم بـ \"باب من أدرك من الصلاة ركعة\"، وأورد فيه حديث أبي هريرة بلفظ: \"من أدرك ركعة من الصلاة\"، قال الحافظ (^٢): أخرجه البيهقي وغيره (^٣) بلفظ ترجمة الباب، قدّم قوله: \"من الصلاة\" على قوله: \"ركعة\".\nوقد وضح لنا بالاستقراء أن جميع ما يقع في تراجم البخاري مما يترجم بلفظ الحديث، لا يقع فيه شيء مغاير للفظ الحديث الذي يورده، إلا وقد ورد من وجه آخر بذلك اللفظ المغاير، فللَّه درُّه ما أكثر اطلاعه، انتهى.\n_________\n(^١) انظر: \"لامع الدراري\" (٣/ ٥٩)، فيه كلام لطيف.\n(^٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٥٧).\n(^٣) انظر: \"صحيح مسلم\" (ح: ٦٠٧)، و\"سنن النسائي\" الكبرى (ح: ١٧٤٢)، و\"سنن أبي داود\" (ح: ١١٢١)، و\"السنن الكبرى\" للبيهقي (١/ ٣٨٦) (رقم ١٦٨٤).","vol":"1","page":182},{"text":"قلت: ولا يلتبس عليك هذا الأصل بالأصل الآتي: الرابع والستين.\n\n٤٤ -<span data-type='title' id=toc-150> الرابع والأربعون: التوافق بجزء من الترجمة:</span>\nما اختاره العيني في \"شرحه\" (^١) في كثير من التراجم أن التوافق بجزء من الترجمة يكفي للمطابقة، كما قال في \"باب فضل صلاة الفجر في الجماعة\" في ذيل حديث أم الدرداء.\nفإن قلت: الترجمة في فضل الصلاة بالجماعة في الفجر: والذي يفهم من الحديث أعم من ذلك، فكيف يكون التطابق؟\nقلت: إذا طابق جزء من الحديث الترجمة يكفي، ومثل هذا وقع له كثيرًا في هذا الكتاب، انتهى.\nوقال في \"باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره\" (^٢): مطابقة حديث ابن عمر للترجمة في أحد جزئيها، واكتفى البخاري بدلالته على بعض الترجمة حيث دل حديث أبي هريرة على تمامها، ثم قال بعد ذلك في حديث أبي موسى: مطابقته للترجمة في أحد جزئيها، كما قلنا في حديث ابن عمر - ﵄ -، انتهى.\nوقال في \"باب الأذان للمسافرين. . .\" إلخ، بعد حديث أبي ذر (^٣): إن قلت: لا دلالة ههنا على الإقامة، والترجمة مشتملة على الأذان والإقامة معًا! قلت: المقصود هو الدلالة في الجملة، ولا يلزم الدلالة صريحًا على كل جزء من الترجمة، انتهى.\nوبهذا الأصل أثبت مناسبة حديث ابن عباس بـ \"باب الخطبة بعد العيد\"، إذ قال (^٤): مطابقته للترجمة تأتي بالتكلف من حيث إن الترجمة\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٤/ ٢٣٥).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٣/ ٥٤٩، ٥٤٧).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٤/ ٢٠٢).\n(^٤) \"عمد القاري\" (٥/ ١٧٥).","vol":"1","page":183},{"text":"مشتملة على العيد، والمراد منه صلاة العيد، وأشار بالحديث إلى أن صلاة العيد ركعتان، انتهى.\nوإن كان عندي في وجه المطابقة ههنا ما قاله الكرماني (^١) من أن الأمر للنساء بالصدقة من تتمة الخطبة أوجه مما قاله العيني، لكن العيني طابق الحديث بجزء الترجمة.\nوقال الحافظ في \"باب هل يصلي الإمام بمن حضر. . .\" إلخ (^٢): وحديث أنس - ﵁ - لا ذكر للخطبة فيه، ولا يلزم أن يدل كل حديث في الباب على كل ما في الترجمة، انتهى.\nوأخذ بذلك أيضًا في \"باب التجارة فيما يكره لبسه للرجال والنساء\" إذ قال (^٣): وحاصله: أن حديث ابن عمر يدل على بعض الترجمة، وحديث عائشة على جميعها، انتهى.\nوأخذ بذلك الأصل شيخ المشايخ في \"باب مسح الرأس كله\"، إذ قال: وتعلق قول ابن المسيب بالباب إنما هو لمجرد ذكر المسح فيه، ولا تعلق له بخصوص الترجمة، ومثل ذلك في تعاليق البخاري كثير، انتهى.\n\n٤٥ -<span data-type='title' id=toc-151> الخامس والأربعون: ما يذكر بصيغة التمريض:</span>\nما هو المعروف في الشروح جُلَّة، وعلى ألسنة المشايخ قاطبةً: أن ما يذكره البخاري في تراجمه بصيغة التمريض إشارة إلى ضعفه.\nقال النووي في مبدأ شرحه: قال العلماء المحققون من المحدثين وغيرهم: إذا كان الحديث ضعيفًا لا يقال فيه: قال رسول الله - ﷺ -، أو فعل،\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري بشرح الكرماني\" (٦/ ٧٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٢/ ١٨٥).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٤/ ٣٢٥).","vol":"1","page":184},{"text":"أو أمر، أو نهى، أو شبه ذلك من صيغ الجزم، وكذا لا يقال: روى أبو هريرة، أو ذكر، أو قال شبه ذلك، وكذا لا يقال ذلك في التابعين ومن بعدهم فيما كان ضعيفًا، فلا يقال شيء من ذلك بصيغة الجزم، وإنما يقال في الضعيف بصيغة التمريض، فيقال: روي عنه، أو نُقِلَ، أو ذُكِرَ، أو يُروى، أو يحكى، أو جاء عنه، أو بلغنا عنه.\nقالوا: وإذا كان الحديث أو غيره صحيحًا أو حسنًا، عيّن المضاف إليه بصيغة الجزم، ودليل ذلك: أن صيغة الجزم تقتضي صحته عن المضاف إليه، فلا يطلق إلا على ما صح وإلا فيكون في معنى الكاذب.\nوهذا التفصيل مما يتركه كثير من المصنفين في الفقه والحديث وغيرهما، وقد اشتد إنكار الإمام البيهقي فيمن خالف هذا من العلماء: هذا التساهل من فاعله قبيح جدًا، فإنهم يقولون في الصحيح بصيغة التمريض، وفي الضعيف بالجزم، وهذا حيدٌ عن الصواب.\nوقد اعتنى البخاري - ﵀ - بهذا التفصيل في \"صحيحه\"، فيقول في الترجمة الواحدة بعض كلامه بتمريض، وبعضه بجزم، مراعيًا ما ذكرنا، وهذا مما يزيدك اعتقادًا في جلالته وتحرِّيه، وورعه واطلاعه، وتحقيقه وإتقانه، انتهى.\nقلت: هذا هو المعروف في عامة الشروح، لكن الحافظ في \"مقدمته\" (^١) بسط الكلام على ذلك الأصل بسطًا كثيرًا لا يسعه هذا المختصر، وذكر عدة أمثلة للأنواع المختلفة من الجزم والتمريض، وبسط الكلام عليهما.\n_________\n(^١) انظر: (ص ١٩).","vol":"1","page":185},{"text":"وقال في \"باب الرجل يأتم بالإمام\" (^١): قوله: ويذكر عن النبي - ﷺ -: \"ائتموا بي\"، الحديث، هذا طرف من حديث أبي سعيد الخدري قال: \"رأى رسول الله - ﷺ - في أصحابه تأخرًا. . .\" الحديث، أخرجه مسلم وأصحاب السنن (^٢)، قيل: وإنما ذكره البخاري بصيغة التمريض؛ لأن أبا نضرة ليس على شرطه لضعف فيه.\nوهذا عندي ليس بصواب، لأنه لا يلزم من كونه على شرطه أنه لا يصلح عنده للاحتجاج به، بل قد يكون صالحًا للاحتجاج به عنده، وليس هو على شرط \"صحيحه\" الذي هو أعلى شروط الصحة. والحق أن هذه الصيغة لا تختص بالضعيف، بل قد تستعمل في الصحيح أيضًا، بخلاف صيغة الجزم، فإنها لا تستعمل إلا في الصحيح، انتهى.\nوتعقب العيني إذ قال (^٣): قال الكرماني: \"ويُذكر\" تعليق بلفظ التمريض. . .، ثم ذكر العيني قول الحافظ، ثم قال: قلت: وهذا الذي ذكره يخرم قاعدته؛ لأنه إذا لم يكن على شرطه كيف يحتج به؟ وإلا فلا فائدة لذلك الشرط، إلى آخر ما ذكره.\nوالجملة أن المعروف عند الشرَّاح ما يذكره البخاري بصيغة التمريض إشارة إلى ضعفه، ولا أقل من أنه إشارة إلى أنه ليس على شرطه.\nوأخذ الحافظ أيضًا بهذا الأصل في مواضع من شرحه، قال في \"باب الجمع بين السورتين في ركعة\" في قوله: \"ويُذكر عن عبد الله بن السائب\" بعد ما ذكر الاختلاف في إسناده على ابن جريج: وكأن البخاري علقه بصيغة \"ويذكر\" لهذا الاختلاف (^٤)، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٠٤).\n(^٢) \"صحيح مسلم\" (ح: ٤٣٨)، و\"صحيح ابن خزيمة\" (رقم ١٦١٢)، و\"سنن أبي داود\" (ح: ٦٨٠)، و\"سنن النسائي\" (ح: ٧٩٥)، و\"سنن ابن ماجه\" (ح: ٩٧٨).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٤/ ٣٤٨).\n(^٤) انظر: \"فتح الباري\" (٢/ ٢٥٦).","vol":"1","page":186},{"text":"ولذلك جزم العيني إذ قال (^١): وذكره البخاري على صيغة المجهول، وهو صيغة التمريض؛ لأن في إسناده اختلافًا، ثم ذكر الاختلاف، وأمثلة ذلك في الشروح كثيرة.\nقال الكرماني: في \"باب هل يتبع المؤذن فاه ههنا\"، ويذكر عن بلال أنه جعل أصبعيه في أذنيه، وكان ابن عمر - ﵄ - لا يجعل. . . إلخ: ميل البخاري إلى عدم الجعل؛ لأن التعليق الأول ذكره بصيغة التمريض، والثاني بصيغة التصحيح (^٢)، انتهى.\nتقدم قول الكرماني هذا في الأصل الأربعين لغرض آخر، وهو بيان ميل البخاري، وههنا بصيغتي التمريض والتصحيح.\nويقرب منه ذكر الإمام البخاري التراجم بصيغة التمريض، كما في قوله: \"باب ما يذكر في المناولة\"، وله نظائر كثيرة في التراجم، والفرق بين هذا وبين ما تقدم: أن التمريض فيما تقدم كان في ذكر الحديث وههنا في الترجمة.\n\n٤٦ -<span data-type='title' id=toc-152> السادس والأربعون: بتّ الحكم مع الاختلاف:</span>\nأن الإمام البخاري طالما يبتّ الحكم في الترجمة في مسألة خلافية شهيرة أيضًا، لثبوت الجزم عنده في هذه، كما قالوا في \"باب وجوب صلاة الجماعة\".\nقال الحافظ (^٣): هكذا بتّ الحكم في هذه المسألة، وكأن ذلك لقوة دليلها عنده.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٤/ ٤٨٧).\n(^٢) \"صحيح البخاري بشرح الكرماني\" (٥/ ٢٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٢/ ١٢٥).","vol":"1","page":187},{"text":"وقال في \"باب التيمم للوجه والكفين\" (^١): أتى بذلك بصيغة الجزم مع شهرة الاختلاف؛ لقوة دليله.\nوقال في \"باب وقت الجمعة إذا زالت الشمس\" (^٢): جزم بهذه المسألة مع وقوع الخلاف فيه؛ لضعف دليل المخالف عنده.\nوهكذا قالوا في \"باب التكبير على الجنازة أربعًا\"، قال الزين ابن المنيِّر: أشار بهذه الترجمة إلى أن التكبير لا يزيد على أربع، ولذلك لم يذكر ترجمة أخرى، ولا خبرًا بالباب، وقد اختلف السلف في ذلك، كما حكى أقوالهم الحافظ في \"الفتح\" (^٣).\nوقد أكثر الحافظ بهذا الأصل في شرحه.\n\n٤٧ -<span data-type='title' id=toc-153> السابع والأربعون: عدم الجزم للتوسع:</span>\nأن الإمام البخاري كثيرًا لا يجزم بالحكم في الترجمة إشارة إلى التوسع في ذلك، فيذكر الروايات المختلفة في الباب إشارةً إلى جواز كل ذلك، ذكر هذا الأصل مولانا الشيخ محمد حسن المكي عن شيخه الإمام الكَنكَوهي قُدِّس سرُّهما في \"باب ما يقرأ بعد التكبير\"، كما سيأتي في محله (^٤).\nوعلى هذا الأصل يُحمل قول ابن المنذر في \"باب ما يقول إذا سمع المنادي\"، قال الحافظ (^٥): قال ابن المنذر: يحتمل أن يكون ذلك من الاختلاف المباح، فيقول: تارة كذا وتارة كذا، انتهى.\nقلت: ويدخل في ذلك \"باب ما جاء في الوتر\"، لم يجزم في الترجمة بحكم وارد في الباب ما يدل على الوصل والفصل معًا، وأخذ بذلك الأصل شيخ الهند - رحمة الله عليه - أيضًا في أصوله، كما\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٤٤٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٣٨٧).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٣/ ٢٠٢).\n(^٤) انظر: \"لامع الدراري\" (٣/ ٢٤٦).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٢/ ٩١).","vol":"1","page":188},{"text":"تقدم في الأصل الرابع من أصوله، إلا أنه جعل عنوان الأصل معنى خفيًا للترجمة، كما تقدم في كلامه، ولا يلتبس هذا بالأصل الثامن والستين.\n\n٤٨ -<span data-type='title' id=toc-154> الثامن والأربعون: الإشارة إلى حديث آخر لهذا الصحابي:</span>\nما قالوا: إن الإمام البخاري قد يشير بذكر حديثٍ لصحابي لا يناسب الترجمة إلى حديث آخر لذلك الصحابي مناسب للترجمةِ، وهذا من أشد تشحيذاته للأذهان.\nفقد ترجم البخاري في \"صحيحه\" \"باب طول القيام في صلاة الليل\"، وأورد في آخره حديث حذيفة - ﵁ -: \"أن النبي - ﷺ - كان إذا قام للتهجد من الليل يشوص فاه بالسواك\"، وأشكل على الشرَّاح قاطبةً مناسبة هذا الحديث بالباب.\nقال الحافظ (^١): استشكل ابن بطال دخوله في هذا الباب فقال: لا مدخل له ههنا؛ لأن التسوك بالليل لا يدل على طول الصلاة، قال: ويمكن أن يكون ذلك من غلط الناسخ، فكتبه في غير مواضعه، أو أن البخاري أعجلته المنية قبل تهذيب كتابه، فإن فيه مواضع مثل هذا تدل على ذلك.\nثم قال الحافظ بعد ذكر عدة توجيهات عن الشرّاح: وقال بدر بن جماعة: يظهر لي أن البخاري أراد بهذا الحديث استحضار حديث حذيفة الذي أخرجه مسلم (^٢) \"أنه صلى مع النبي - ﷺ - ليلة فقرأ البقرة وآل عمران والنساء في ركعة، وكان إذا مرَّ بآية فيها تسبيح سبَّح، أو سؤال سأل، أو تعوُّذ تعوَّذ، ثم ركع نحوًا مما قال. . .\" إلى آخر الحديث، قال: وإنما لم يخرجه البخاري لكونه على غير شرطه، فإما أن يكون أشار إلى أن الليلة واحدة، أو نَبَّهَ بأحد حديثي حذيفة على الآخر، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ١٩).\n(^٢) \"صحيح مسلم\" (ح: ٧٧٢).","vol":"1","page":189},{"text":"قلت: وعلى هذا الأصل يمكن أن يقال: إن الإمام البخاري نَبَّهَ بذكر حديث أنس \"أن النبي - ﷺ - وأبا بكر وعمر كانوا يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين\"، في \"باب ما يقرأ بعد التكبير\"، إلى حديث أنس في \"الاستفتاح بسبحانك اللهم\"، قال العيني (^١): وفي الباب عن أنس أخرجه الدارقطني، قال: \"كان رسول الله - ﷺ - إذا افتتح الصلاة كبر، ثم رفع يديه حتى يحاذي بإبهاميه أذنيه، ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك\"، ثم قال - أي: الدارقطني -: ورجال إسناده كلهم ثقات، انتهى.\nوفي \"المغني\" (^٢) في ذكر تخريج هذا الحديث: ورواه أنس، ورجال إسناد حديثه كلهم ثقات، رواه الدارقطني، انتهى، ولا فرق بين هذا وبين ما اختاره البدر بن جماعة.\n\n٤٩ -<span data-type='title' id=toc-155> التاسع والأربعون: الإثبات بالعادة:</span>\nأن الشرَّاح كثيرًا ما يثبتون الترجمة بالعادة المعروفة عنه - ﷺ -.\nوأخذ بذلك الأصل شيخ المشايخ في التراجم في \"باب دفع السواك إلى الأكبر\"، إذ قال: وجه الدلالة من الحديث: أن عادته - ﷺ - إذا أتي بشيء يسير أن يعطيه صغير السن، وإذا أهدي إليه شيء ذو خطر أن يعطيه الكبير، وأعطى السواك أولًا نظرًا إلى الظاهر الصغير، فقيل له: كَبِّر، ففهم منه فضيلة السواك وكونه ذا خطر، انتهى.\nوقال الحافظ تحت حديث ابن مسعود في \"باب طول القيام في صلاة الليل\" (^٣): كذا للأكثر، وللحموي والمستملي: \"باب طول الصلاة في قيام\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٤/ ٤١٢).\n(^٢) \"المغني\" (٢/ ١٤٤).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٣/ ١٩).","vol":"1","page":190},{"text":"الليل\"، وحديث الباب موافق لهذا؛ لأنه دال على طول الصلاة لا طول القيام بخصوصه، إلا أن طول الصلاة يستلزم طول القيام؛ لأن غير القيام - كالركوع مثلًا - لا يكون أطول من القيام، كما عُرف بالاستقراء من صنيعه - ﷺ -، انتهى، هكذا أفاد الحافظ رحمة الله عليه.\nوالأوجه عندي: أنَّ الترجمة ههنا واضحة، والغرض: أن الحافظ استعمل الأصل المذكور ههنا، وقال أيضًا في حديث حذيفة في هذا الباب: استشكل ابن بطال دخوله في هذا الباب، فقال: لا مدخل له ههنا.\nثم حكى الحافظ التوجيهات العديدة من الشرَّاح، ومن جملتها: قال ابن رُشيد: الذي عندي أن البخاري إنما أدخله لقوله: \"إذا قام للتهجد\"، أي: إذا قام لعادته، وقد تبيَّنت عادته في الحديث الآخر.\nثم قال الحافظ بعد ذكر التوجيهات الأخر: وأقربها توجيه ابن رُشيد، انتهى.\nوقال العيني (^١) في حديث جابر بن سمرة قال: شكا أهل الكوفة سعدًا إلى عمر - ﵁ -. . . الحديث، أخرجه البخاري في \"باب وجوب القراءة\": قال: قال الكرماني: فإن قلت: ما وجه تعلقه بالترجمة؟ قلت: وجهه أن ركود الإمام يدل على قراءته عادة، انتهى.\nوتبعه القسطلاني (^٢) في ذلك، إذ قال: والركود يدل على القراءة عادة، كما سيأتي في هامش \"اللامع\" (^٣).\nوقال الحافظ (^٤) في \"باب هل يصلي الإمام بمن حضر؟ \": أما مطابقة حديث أبي سعيد فمن جهة أن العادة في يوم المطر أن يتخلف بعض الناس. . . إلخ.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٤/ ٤٣٨).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٢/ ٤٥٢).\n(^٣) انظر: \"لامع الدراري\" (٣/ ٢٥٧).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٢/ ١٥٨).","vol":"1","page":191},{"text":"وقال العيني (^١) في \"باب كيف حَوّل النبي - ﷺ - ظَهرَه إلى الناس\" بعد ذكر توجيهات الشرَّاح الأخر: قلت: يمكن أن تؤخذ الكيفية من حال النبي - ﷺ -؛ فإنه كان يعجبه التيمن في شأنه كله. . . إلخ.\nوأخذ بذلك الأصل شيخ المشايخ في \"باب التماس الوضوء. . .\" إلخ، وابن بطال في \"باب يلبس أحسن ما يجد، أي: في الجمعة\".\n\n٥٠ -<span data-type='title' id=toc-156> الخمسون: الاستدلال بالعموم:</span>\nما هو معروف مطَّرد عند الشرَّاح والمشايخ أن الإمام البخاري - ﵀ - كثيرًا ما يستدل على الترجمة بالعموم، وأخذ بذلك الأصل الإمام الكَنكَوهي قُدِّس سرُّه بمواضع من \"تقريره\"، منها: ما قال في \"باب وجوب القراءة للإمام\": استدل على مدعاه بأن الوارد مطلق عن تقييد بشيء من الصلوات أو المصلين، (^٢) انتهى.\nوأخذ بذلك الأصل الحافظ ابن حجر أيضًا في الباب المذكور، إذ قال (^٣): وقد يؤخذ السفر والحضر من إطلاق قوله - ﷺ -: \"فإنه لم يفصل بين الحضر والسفر\"، انتهى.\nوأخذه الشيخ قُدِّس سرُّه أيضًا في \"باب التشهد في الآخرة\"، إذ قال (^٤): دلالة الرواية عليه من حيث إن المذكور فيها غير مقيد بالأولى والآخرة فلا يتقيد بشيء منهما. . . إلخ.\nوقال العيني (^٥) في \"باب التيمن في دخول المسجد في حديث\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٥/ ٢٧٧).\n(^٢) انظر: \"لامع الدراري\" (٣/ ٢٦٠).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٣٩).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٣/ ٢٦٩).\n(^٥) \"عمدة القاري\" (٣/ ٤٢٣).","vol":"1","page":192},{"text":"عائشة - ﵂ -: \"كان النبي - ﷺ - يحب التيمن ما استطاع\"، الحديث: مطابقته للترجمة من حيث عمومه؛ لأن عمومه يدل على البداية باليمين في دخول المسجد، انتهى.\nوبذلك الأصل أخذ النووي أحاديث \"باب الدعاء قبل السلام\"، كما حكى عنه الحافظ (^١)، إذ قال بعد ذكر أقوال الشرَّاح الأخر: وقال النووي: استدلال البخاري صحيح؛ لأن قوله: \"في صلاتي\" يعم جميعها، ومن مظانه هذا الموطن، انتهى.\nوقال الحافظ (^٢) في \"باب فضل صلاة الفجر في جماعة\": تفنَّن المصنف بإيراد الأحاديث الثلاثة في الباب، إذ تؤخذ المناسبة من حديث أبي هريرة بطريق الخصوص، ومن حديث أبي الدرداء بطريق العموم، ومن حديث أبي موسى بطريق استنباط، انتهى.\nوقال شيخ المشايخ (^٣) في \"باب ما جاء في غسل البول\": قوله: \"إذا تبرز لحاجته. . .\" إلخ، التبرز وإن كان في متفاهم العرف يحمل على الغائط، لكن الصحابي لما حكى فعله وهو الذهاب إلى الفضاء، والذهاب إليه قد يكون للبول أيضًا، فبالنظر إلى هذا العموم استدل البخاري بالحديث على ثبوت الغسل من البول، ومثل هذا الاستدلال كثير شائع عند المؤلف، كما نبَّهناك مرارًا، انتهى.\nويدخل في هذا الأصل أيضًا، ما قال في \"باب ذكر البيع والشراء في المسجد\": إذ استدل بذكرهما النبي - ﷺ - على جواز البيع في المسجد بدون إحضار المبيع بعموم اللفظين، وقال: مثل هذه الاستدلالات كثيرة في \"البخاري\"، كما مر غير مرة، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٣٢٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ١٣٨).\n(^٣) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٩٣).","vol":"1","page":193},{"text":"٥١ -<span data-type='title' id=toc-157> الحادي والخمسون: المبدوء بباب كيف كان:</span>\nأن الإمام البخاري رحمه الله تعالى ترجم في \"صحيحه\" بـ \"باب كيف كان\" أصالة: ثلاثون ترجمة، عشرون منها في النصف الأول، وعشر في النصف الثاني.\nوالمراد بقولي: أصالةً: أن المترجم بذلك تبعًا في الأبواب الأخر، وراء من ذلك، ولا تثبت الكيفية في أكثر هذه التراجم، واضطربت أقوال الشرَّاح في إثبات الكيفية من أحاديث هذه الأبواب.\nوالأوجه عندي في هذه الأبواب الخالية عن بيان الكيفية أن الإمام البخاري لم يرد في هذه الأبواب إثبات الكيفية، بل أراد إثبات ما بعد لفظ كيف، نَبَّهَ بلفظ كيف على الاختلاف الوأرد في كيفية هذه الأمور.\nمثلًا ترجم بـ \"باب كيف كان بدء الحيض؟ \" وليس في الحديث بيان كيفية بدئه، بل الوارد فيه الاختلاف في وقت بدئه، وعلى ذلك حمل عامة المشايخ الترجمة، والأوجه عندي أن الإمام البخاري أشار بذلك إلى اختلافهم في كيفية البدء، هل كان بدؤه مصلحة أو عذابًا.\nواستنبط ذلك من كلام شيخ المشايخ في تراجمه أيضًا، إذ قال: قوله: \"كتبه الله. . .\" إلخ: أنه شيء كتبه الله على بنات آدم تغذية لأجنَّتهن. خلافًا لبعضهم، إذ قالوا: أول ما أرسل الحيضر على نساء بني إسرائيل ابتلاء لهن. . . إلخ.\nوترجم \"كيف تهل الحائض بالحج والعمرة؟ \"، قال شيخ المشايخ في \"التراجم\": قال الشارح القسطلاني (^١) في معناه: ليس المراد بالكيفية الصفة، بل بيان صحة إهلال الحائض، وعندي أنه على الظاهر، والغرض إثبات صفة الإهلال إذا أهلت الحائض، وهي أن يكون إهلالها مقرونًا\n_________\n(^١) انظر: \"إرشاد الساري\" (١/ ٦٥١).","vol":"1","page":194},{"text":"بالغسل، وإن كان ذلك الغسل في أثناء الحيض، وغسل عائشة - ﵂ - يحتمل ذلك، انتهى.\nقلت: ما حكاه الشيخ قُدِّس سرُّه عن الشارح أخذه الشارح المذكور عن \"الفتح\" (^١)، إذ قال: مراده بيان صحة إهلال النبي - ﷺ -، ومعنى \"كيف\" في الترجمة: الإعلام بالحال بصورة الاستفهام، لا الكيفية التي يراد بها الصفة.\nوبهذا التقرير يندفع اعتراض من زعم أن الحديث غير مناسب للترجمة، إذ ليس فيها ذكر صفة الإهلال، انتهى.\nوقال العيني (^٢): المراد من الكيفية الحال من الصحة والبطلان والجواز وغير الجواز، فكأنه قال: باب صحة إهلال الحائض بالحج. . . إلخ.\nومؤدَّى كلام هؤلاء المشايخ كلهم أن لفظ \"كيف\" حشو في كلام الإمام الهمام، وأنت خبير بأن هذا بعيد كل البعد عن جلالة شأنه ودقائق تدبُّره.\nفالأوجه عندي على الأصل المذكور أن الإمام البخاري رحمه الله تعالى نَبَّهَ بذلك على الاختلاف الواقع في كيفية هذا الغسل باعتبار الحكم، هل هو سُنَّةٌ مؤكدةٌ كما عند مالك، أو مستحب كما عند بقية الأئمة الثلاثة.\nففي \"الأوجز\" (^٣): هذا الغسل سُنَّة مؤكدة عند مالك وأصحابه، لا يرخص في تركه إلا لعذر، وهو آكد اغتسالات الحج إلى آخر ما بسط فيه، ومال ابن حزم إلى أن هذا الغسل فرض للحائض المتمتع والنفساء، قال العيني (^٤): قال ابن حزم: لا يلزم الغسل فرضًا في الحج إلا المرأة تُهِلُّ بعمرة تريد التمتع فتحيض قبل الطواف بالبيت، فهذه تغتسل، ولا بدّ والمرأة\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (١/ ٤١٩).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٣/ ١٥٢).\n(^٣) \"أوجز المسالك\" (٦/ ٣٣٩).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (٧/ ٨٣).","vol":"1","page":195},{"text":"تلد قبل أن تهل بالعمرة أو بالقران، ففرض عليها أن تغتسل وتُهل، انتهى.\nوترجم بـ \"باب كيف يعتمد على الأرض إذا قام من الركعة؟ \"، وليس في حديث الباب بيان كيفية الاعتماد، ولذا تكلف الشرَّاح في إثبات الكيفية من الحديث ولا يثبت، فالأوجه عندي أن الإمام البخاري لم يُرد بالباب إثبات الكيفية، بل أراد إثبات الاعتماد على الأرض فقط، وأما لفظ \"كيف\" فلمجرد التنبيه على اختلاف العلماء في كيفية الاعتماد.\nوهكذا ترجم الإمام البخاري \"باب كيف حوَّل النبي - ﷺ - ظهره إلى الناس؟ \"، وأتى فيه بحديث لا يدل على كيفية التحويل بل فيه ذكر التحويل فقط، ولذا اضطربت أقوال الشرَّاح في إثبات الكيفية من الحديث.\nوالأوجه عندي أن المقصود بالترجمة هو التحويل فقط، وهو ثابت بالحديث نصًّا وأشار بلفظ \"كيف\" إلى الاختلاف الواقع في كيفية ذلك التحويل باعتبار وقته، فعند الصاحبين من الحنفية: بعد الخطبتين، وعند الشافعية: إذا مضى الثلث من الخطبة الثانية، وعند المالكية في المشهور: بعد الخطبتين، وقال الباجي: اختلف فيه قول مالك فذكر القولين في ذلك، وعند الحنابلة: خطبة الاستسقاء واحدة على الأصح، ويستقبل القبلة في أثنائه، كما بسط اختلاف الأئمة في ذلك في \"الأوجز\" (^١).\nفالأوجه عندي أن البخاري لم يرد في ترجمته إثبات الكيفية، حتى يضطر إلى إثباتها بالحديث، بل نَبَّهَ بلفظ \"كيف\" على الاختلاف في الكيفية، هل يحوِّل ظهره في أثناء الخطبة أو بعدها عند الدعاء، أو عند الخطبة؟ وغير ذلك كما في \"الأجز\" (^٢).\nونظير ذلك عندي قوله: \"باب متى يقوم الناس إذا رأوا الإمام عند الإقامة\" وتحير الشرَّاح في لفظ \"متى\" ههنا، وأي معنى للسؤال.\n_________\n(^١) انظر: \"أوجز المسالك\" (٤/ ١٣٨).\n(^٢) انظر: \"أوجز المسالك\" (٤/ ١٢٨).","vol":"1","page":196},{"text":"وقال شيخ المشايخ في \"التراجم\" (^١): أظهر تأويلات هذه الترجمة أن يقال: إن قوله: \"إذا رأوا الإمام\" جواب \"متى\" يعني: يقومون إذا رأوا الإمام عند الإقامة، انتهى.\nولا مراء في أن ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه أقرب مما قالت الشرَّاح في ذلك.\nوعند هذا المبتلى بالسيئات، والمعترف بالتقصيرات، الراجي واهب الحسنات بدل السيئات، أن لفظ \"متى\" ليس للإثبات حتى يحتاج إلى التوجيهات، بل الترجمة \"يقوم الناس. . .\" إلخ، وزاد لفظ \"متى\" كزيادة لفظ \"كيف\" تنبيهًا على الاختلاف الوارد في أنهم متى يقومون؟ مع الإقامة ومع رؤية الإمام أيضًا، فالمعروف عند المالكية من أول الإقامة، وعند الشافعية بعد تمام الإقامة، وعند الحنفية على قول المؤذن: \"حي على الصلاة\"، وعند الحنابلة على قوله: \"قد قامت الصلاة\". كما بسطت تلك الأقوال في \"الأوجز\" (^٢)، عند قول الإمام مالك رحمه الله تعالى: لم أسمع فيه بحد [يقام له] إلا أَنِّي أرى ذلك على قدر طاقة الناس، فإن منهم الثقيل والخفيف، ولا يستطيعون أن يكونوا كرجل واحد، انتهى.\nوهكذا ترجم \"باب كيف الإشعار للميت\"، وذكر فيه: قال الحسن: الخرقة الخامسة، قال الحافظ (^٣): وقول الحسن في الخرقة الخامسة، قال به زفر، وقالت طائفة: تُشَدُّ على صدرها لتضم أكفانها، وكأن المصنف أشار إلى موافقة قول زفر، انتهى.\nوذكر ابن عابدين (^٤) الاختلاف في ذلك، ثم قال: ومفاد هذه العبارات الاختلاف في عرضها، وفي محل وضعها، وفي زمانه، فتأمل، انتهى.\n_________\n(^١) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٢٣) ط: الهند.\n(^٢) انظر: \"أوجز المسالك\" (٢/ ٤٦).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٣/ ١٣٣).\n(^٤) \"رد المحتار\" (٣/ ٩٩).","vol":"1","page":197},{"text":"وهكذا ذكر الاختلاف فيه غير الحنفية أيضًا، قال الموفق (^١): فعلى قول الخرقي: تُشَدُّ الخرقة على فخذيها أولًا، ثم تؤزّر بمئزر،. . . إلخ.\nفالأوجه عندي أن الإمام البخاري نَبَّهَ بلفظ \"كيف\" على الاختلاف، فلا بد للتدبر في الأبواب المبدوءة بلفظ \"كيف\" من الوقوف على اختلاف العلماء في كيفية هذه الأمور، واختلاف الأئمة المجتهدين - ﵏ وشكر سعيهم - وخاطري أبو عذرة هذا الأصل.\n\n٥٢ -<span data-type='title' id=toc-158> الثاني والخمسون: إثبات الأبواب العديدة بحديث واحد:</span>\nما ظهر أيضًا لهذا الفقير المحتاج إلى رحمة ربه العليا، أن الإمام البخاري طالما يجمع الأبواب العديدة، ويأتي بعد تلك الأبواب بحديث واحد يُثبت الأبواب السابقة كلها، ويفعل ذلك تشحيذًا للأذهان.\nومن لم يُمعن النظر في ذلك يعدّ الأبواب السابقة خالية عن الحديث، ويأتي لذلك بتوجيهات بعيدة، كسهو المؤلف، أو عدم وجدانه للحديث، أو تحريف من الناسخ، وغير ذلك من التوجيهات العامة المعروفة.\nومثال ذلك: أنه رحمه الله تعالى ترجم بـ \"باب الرياء في الصدقة\"، ثم ترجم بـ \"باب لا يقبل الله صدقة من غُلول، ولا يقبل إلا من كسب طيب\"، ثم ترجم بـ \"باب الصدقة من كسب طيب\"، ولم يذكر حديثًا في الأولين، وذكر في الثالث؛ ولم يتعرض لذلك الشرَّاح إلا بقولهم: تخلو الترجمة عن الحديث، اقتصارًا على الاستدلال بالآية، انتهى، وهذا الذي اختاره شيخ الهند قُدِّس سرُّه في الأصل التاسع من أصوله، وتقدم في الأصل السابع والعشرين من هذه الأصول.\nوالأوجه عندي أن الإمام البخاري رحمه الله تعالى، أثبت بالحديث\n_________\n(^١) \"المغني\" (٣/ ٣٩١).","vol":"1","page":198},{"text":"الوارد بعد الباب الثالث البابين السابقين أيضًا، فإنه - ﵀ - أورد فيه حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، فإن الله تعالى يتقبلها [بيمينه]، ثم يُرَبِّيها لصاحبه\" (^١) الحديث، فإن قوله: \"من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب\" ثالث التراجم، وقوله: \"لا يقبل الله إلا الطيب\" ثانيها، وقوله: \"فإن الله ﵎ يربيها حتى تكون مثل الجبل\"، يشير إلى أولها بالضد، فإن التربية تنافي الإبطال، والاستدلال بالأضداد من أصول التراجم، كما في التاسع والستين.\nوسيأتي في أول \"الجنائز\" (^٢) عن ابن مسعود - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من مات يشرك بالله دخل النار\"، قلت: من مات لا يشرك بالله دخل الجنة، فهذا ابن مسعود - ﵁ - استنبط الثاني لكونه ضد الأول.\nومن ذلك الأصل أن الإمام البخاري ترجم \"باب صدقة العلانية\"، ثم \"باب صدقة السر\"، وذكر فيه حديثًا معلقًا، ثم \"باب إذا تصدق على غني وهو لا يعلم\"، ولم يأت بالحديث مسندًا للأولين، وأتى في الباب الثالث بحديث أبي هريرة: \"قال رجل: لأتصدقن بصدقة. . .\" الحديث، وقال الحافظ وتبعه غيره في الباب الأول (^٣): سقطت هذه الترجمة للمستملي وثبتت للباقين، وبه جزم الإسماعيلي، ولم يثبت فيها لمن أثبتها حديث، وكأنه أشار إلى أنه لم يصح فيها شيء على شرطه، انتهى، وهكذا قال العيني وغيره.\nوالأوجه عندي: أنه ثبتت بحديث أبي هريرة المذكور التراجم الثلاثة، الصدقة على الغني ظاهر، ولما لم يكن في بعض النسخ الباب الثالث مستقلًّا وأدمجه بالباب الثاني، فوجَّه الحافظ مناسبة حديث أبي هريرة بالباب\n_________\n(^١) أخرجه البخاري ب (رقم ١٤١٠).\n(^٢) انظر: \"صحيح البخاري\" (ح: ١٢٣٨).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٣/ ٢٨٩).","vol":"1","page":199},{"text":"الثاني؛ بقوله: إن الصدقة بالمذكورة وقعت بالليل، لقوله في الحديث: \"فأصبحوا يتحدثون\"، بل وقع في \"صحيح [مسلم] \" التصريح بذلك، لقوله فيه: \"لأتصدقن الليلة\"، فدل على أن صدقته كانت سرًّا، إلى آخر ما قال.\nقلت: ولما أصبحوا يتحدثون صارت علانية باعتبار المآل، فثبتت التراجم الثلاث.\nولا يلتبس هذا الأصل بالأصل السابع والعشرين، فإنه ليس فيه تسلسل الأبواب وذكر الحديث بعدها.\n\n٥٣ -<span data-type='title' id=toc-159> الثالث والخمسون: إثبات الترجمة بالنظير والقياس:</span>\nمن عادة الإمام البخاري الشائعة في كتابه، كثيرَ الوقوع في تراجمه، أنه كثيرًا ما يثبت الترجمة بالنظير والقياس.\nوهذا الأصل معروف عند المشايخ والشرَّاح، أخذ بذلك الأصل الإمام الكَنكَوهي قُدِّس سرُّه بمواضع من إفادته، منها: ما قال في \"باب القراءة في الظهر\" (^١): دلالة الرواية على الترجمة على تقدير نسخة العشي ظاهرة، وعلى النسخة المكتوبة في المتن، وهو قوله: \"صلاتي العشاء\"، فالمدعى حاصله بالقياس، انتهى.\nوقال العيني في \"باب الدخول على الميت [بعد الموت] أدرج في أكفانه\"، وقد ذكر فيه البخاري حديث دخول أبي بكر على النبي - ﷺ -، وهو مُسَجًّى ببردةٍ.\nفقال العيني (^٢): مطابقته للترجمة ظاهرة؛ قيل: لا نُسَلِّم الظهور؛ لأن الترجمة في الدخول [على الميت] إذا أدرج في الكفن، ومتن الحديث: \"وهو مُسَجًّى ببردةٍ\"، لم يكن حينئذٍ غسل، فضلًا عن أن يكون مدرجًا في\n_________\n(^١) انظر: \"لامع الدراري\" (٣/ ٢٦٦).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٦/ ١٨).","vol":"1","page":200},{"text":"الكفن!! وأجيب: بأن كشف الميت بعد تسجيته مساوٍ لحاله بعد تكفينه. . . إلخ.\nوقال الحافظ في الباب المذكور (^١): دلالة الحديث الأول، وهو حديث أبي بكر المذكور، والحديث الثالث وهو حديث جابر قال: \"لما قتل أبي جعلت أكْشِفُ الثوبَ عن وجهه. . .\" الحديث، مشكلة؛ لأن أبا بكر إنما دخل قبل الغسل فضلا عن التكفين، ولأن جابرًا كَشَفَ الثوبَ قبل تكفينه؛ فقال بعد ذكر الأجوبة المختلفة: وقال ابن رُشيد: المعنى الذي في الحديثين من كشف الميت بعد تسجيته مساوٍ لحاله بعد تكفينه، انتهى.\nوقال الحافظ (^٢) أيضًا في \"باب القسمة وتعليق القنو في المسجد\": لم يذكر البخاري في الباب حديثًا في تعليق القنو، فقال ابن بطال: أغفله، وقال ابن التين: أُنسيه. وليس كما قالا، بل أخذه من جواز وضع المال في المسجد، بجامع أن كلًّا منهما وُضِع لأخذ المحتاجين منه، انتهى.\nوقال أيضًا في \"باب فضل صلاة الفجر في جماعة\"، وقد أورد فيه البخاري حديث أبي موسى قال: قال النبي - ﷺ -: \"أعظم الناس أجرًا في الصلاة أبعدهم فأبعدهم مشيًا. . .\" الحديث (^٣)، فقال الحافظ (^٤): استشكل إيراد حديث أبي موسى في هذا الباب؛ لأنه ليس فيه لصلاة الفجر ذكر، بل آخره يشعر بأنه في صلاة العشاء، ووجَّهه ابن المنيّر وغيره بأنه دل على أن السبب في زيادة الأجر وجود المشقة بالمشي إلى الصلاة، إلى آخر ما قال.\nوأيضًا ترجم البخاري رحمه الله تعالى \"باب الخطبة أيام منى\"، وأورد في جملة أحاديثه حديث ابن عباس - ﵄ - قال: \"سمعت النبي - ﷺ - يخطب بعرفات\".\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ١١٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٥١٦).\n(^٣) \"صحيح البخاري\" (ح: ٦٥١).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٢/ ١٣٨).","vol":"1","page":201},{"text":"قال الحافظ (^١) ناقلًا عن ابن المنير: أراد البخاري أن يبين أن الراوي قد سمَّاها خطبة، كما سمَّى التي وقعت في عرفات خطبة، وقد اتفقوا على مشروعية الخطبة بعرفات، فكأنه ألحق المختلف فيه بالمتفق عليه، انتهى.\nوقال شيخ المشايخ في \"التراجم\" (^٢) في \"باب تفريق الغسل\": أي: التفريق في أفعال الوضوء والغسل، إشارة إلى جوازه، خلافًا لمن اشترط الموالاة، ويثبت بالحديث التفريق في الوضوء، فثبت في الغسل أيضًا بالمقايسة، إذ لا فرق بينهما في الأركان والآداب، انتهى.\nوقال (^٣): في \"باب تقضي الحائض المناسك كلها\": قوله: وقال الله تعالى. . . إلخ، هذا بمنزلة المقدمة الثانية للدليل، يعني أن الذبح جائز مع الجنابة، مع أنه لا يجوز بدون ذكر الله، وحكم الجنابة والحيض سواء بالإجماع، انتهى.\nوحكى شيخ المشايخ في \"تراجمه\" في \"باب الصلاة بعد الجمعة وقبلها\" أنه قال: يعلم راتبة قبل الجمعة من حديث الباب بالقياس على راتبة الظهر.\n\n٥٤ -<span data-type='title' id=toc-160> الرابع والخمسون: الإشارة إلى وقائع مخصوصة:</span>\nما تقدم في كلام الحافظ في المقدمة، ورقمت عليه \"التاسع\": أن الإمام البخاري كثيرًا ما يترجم بأمر مختص ببعض الوقائع لا يظهر في بادئ الرأي، كقوله: \"باب استياك الإمام بحضرة رعيته\"، فإنه لما كان الاستياك قد يظن أنه من أفعال المهنة، فلعل بعض الناس يتوهم أن إخفاءه أولى مراعاة للمروءة، فلما وقع في الحديث أن النبي - ﷺ - استاك بحضرة الناس، دلَّ على أنه من باب التطيُّب لا من الباب الآخر، نبّه على ذلك ابن دقيق\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٥٧٤).\n(^٢) (ص ١١٢).\n(^٣) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ١٢٤).","vol":"1","page":202},{"text":"العيد (^١)، انتهى.\nهكذا في مقدمة \"الفتح\"، وحكاه القسطلاني في مقدمته وزاد فيه (^٢): قال الحافظ ابن حجر: لم أر هذا في \"البخاري\"، فكأنه ذكره على التمثيل، انتهى.\nقلت: هو كذلك، لم أره أيضًا في \"البخاري\"، نعم ترجم النسائي في \"سننه\" \"باب هل يستاك الإمام بحضرة رعيته؟ \"، انتهى.\nولو أدخل هذا الأصل في الأصل الثاني عشر كان كافيًا، إلا أن الحافظ في \"المقدمة\" ذكرهما أصلين مستقلين، كما تقدم في كلامه.\nويمثل لذلك الأصل عندي بـ \"باب دفع السواك إلى الأكبر\"، فإنه إشارة إلى واقعة خاصة في اليقظة أو في المنام.\nوترجم البخاري \"باب علامة المنافق\"، وأورد فيه حديث: \"آية المنافق ثلاث\".\nحكى الخطابي (^٣) عن بعضهم: أن الحديث ورد في رجل بعينه منافق، وكان النبي - ﷺ - لا يواجههم بصريح القول، فيقول: فلان منافق، إنما يشير إشارة، انتهى. كذا في \"البيان والتعريف في أسباب ورود الحديث\".\nويمكن أن يدخل فيه باب \"علامة المنافق\"، وذكر فيه حديث أبي هريرة: \"آية المنافق ثلاث\".\nوفي \"البيان والتعريف\": أخرجه أحمد والشيخان وغيرهم، عن أبي هريرة، وحكى الخطابي عن بعضمهم أن الحديث ورد في رجل بعينه منافق، وكان النبي - ﷺ - لا يواجههم بصريح القول، فيقول: فلان منافق، إنما يشير إشارةً، كقوله: \"ما بال أقوام يفعلون كذا\"، انتهى.\n_________\n(^١) انظر: \"هدي الساري\" (ص ١٤).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١/ ٤٤).\n(^٣) \"أعلام السنن\" (١/ ١٤١).","vol":"1","page":203},{"text":"وترجم الإمام البخاري \"باب الأرواح جنود مجندة\"، وذكر فيه حديث عائشة - ﵂ - مرفوعًا بذلك اللفظ، ويمكن التلويح بذلك إلى ما في \"البيان والتعريف\"، إذ قال: أخرجه الحاكم عن سلمان، والشيخان بلفظ \"الأرواح جنود مجندة. . .\" الحديث، وسببه عنه أن امرأة كانت تُضحك النساء بمكة قدمت المدينة، فنزلت على امرأة تُضحك النساء بالمدينة، فأُخبر النبي - ﷺ - بذلك، فقال: \"الأرواح. . .\"، فذكره، انتهى.\nويشكل عليه أن الحافظ في \"الفتح\" (^١) ذكر قصة المرأة هذه بلفظ آخر، برواية \"مسند أبي يعلى\" (^٢) عن عمرة قالت: كانت امرأة بمكة مزَّاحة فنزلت على امرأة مثلها بالمدينة، فبلغ ذلك عائشة قالت: \"صدق حِبِّي، سمعته - ﷺ -\"، فذكر مثله، انتهى. وفيه أن الأول من حديث سلمان، والثاني من حديث عائشة.\nولا يبعد عندي أيضًا، أن يمثَّل هذا الأصل بـ \"باب المؤمن يأكل في مِعًى واحد\"، فإن هذه الترجمة بوَّب لها البخاري بابين، ويشكل على الشراح تكرار الترجمة، واختلفت التوجيهات في التكرار، حتى مال كثير منهم إلى غلط النساخ، ولا يبعد عندي أن الإمام أشار بإحدى الترجمتين إلى أمر مختص ببعض الوقائع.\nقال الحافظ (^٣): وقع في \"مسلم\" (^٤) عن أبي هريرة: \"أن رسول الله - ﷺ - ضافه ضيف وهو كافر، فأمر له بشاة فحلبت فشرب حلابها، ثم أخرى، ثم أخرى، حتى شرب حلاب سبع شياه، ثم إنه أصبح فأسلم، فأمر له بشاة فشرب حلابها، ثم بأخرى فلم يستتمّها. . .\" الحديث، وهذا الرجل يُشبه أن يكون جهجاه الغفاري.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٣٧٠).\n(^٢) \"مسند أبي يعلى\" (رقم ٤٣٨١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٩/ ٥٣٨).\n(^٤) \"صحيح مسلم\" (ح: ٢٠٦٣).","vol":"1","page":204},{"text":"فأخرج ابن أبي شيبة وأبو يعلى (^١) وغيرهما عنه أنه قدم في نفر من قومه يريدون الإسلام، فحضروا مع رسول الله - ﷺ -[المغرب]، فلمَّا سلَّم قال: \"ليأخذ كل رجل بيد جليسه\"، فلم يبق غيري، وكنت رجلًا عظيمًا طويلًا لا يقدم عليَّ أحدٌ، فذهب بي رسول الله - ﷺ - إلى منزله، فحلب لي عنزًا فأُتيتُ عليه، ثم [حلب لي] آخر، حتى حلب لي سبعة أعنز؛ فأُتيتُ عليها، ثم أُتيت بصنيع بَرمة فأَتيت عليها، فقالت أم أيمن: أجاع الله من أجاع رسول الله - ﷺ -، فقال: \"مه يا أم أيمن، أكَلَ رزقه، ورِزقُنا على الله\".\nفلما كانت الليلة الثانية وصلّينا المغرب صنع ما صنع في التي قبلها، فحلب لي عنزًا ورويت وشبعت، فقالت أم أيمن: أليس هذا ضيفنا؟ قال: \"إنه أكل في مِعًى واحد الليلة وهو مؤمن، وأكل قبل ذلك في سبعة أمعاء، الكافر يأكل في سبعة أمعاء، والمؤمن يأكل في مِعًى واحد\"، ثم ذكر قصة أخرى بنحوها. فلا يبعد عندي أن الإمام البخاري أشار بإحدى الترجمتين إلى وقعة مخصوصة في ذلك.\n\n٥٥ -<span data-type='title' id=toc-161> الخامس والخمسون: الترجمة بحديث لا يثبت إشارة إلى أنه لم يجد فيه حديثًا:</span>\nما تقدم أيضًا في كلام الحافظ عن \"المقدمة\" (^٢)، ورقمت عليه الحادي عشر، ولفظه: وربما اكتفى أحيانًا بلفظ الترجمة التي هي لفظ حديث لم يصح على شرطه، وأورد معها أثرًا أو آية، فكأنه يقول: لم يصح في الباب شيء على شرطي.\nوللغفلة من هذه المقاصد الدقيقة اعتقد من لم يمعن النظر أنه ترك الكتاب بلا تبييض، انتهى.\n_________\n(^١) انظر: \"مسند ابن أبي شيبة\" (٢/ ١٠٩) (رقم ٦٠٥)، و\"مسند أبي يعلى\" (رقم ٩١٦)، و\"الآحاد والمثاني\" (٢/ ٢٤٤).\n(^٢) انظر: \"هدي الساري\" (ص ١٤).","vol":"1","page":205},{"text":"قلت: وبذلك جزم في \"باب فضل العلم، وقول الله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ﴾ الآية\" [المجادلة: ١١]، إذ قال بعد ذكر أقوال الشرَّاح الأُخر: وعن بعض أهل العراق: أنه تعمَّد بعد الترجمة عدم إيراد الحديث؛ إشارة إلى أنه لم يثبت فيه شيء على شرطه.\nوالذي يظهر لي أن هذا محله حيث لم يورد فيه آية ولا أثرًا، أما إذا أورد [آية أو أثرًا] فهو إشارة منه إلى ما ورد في تفسير تلك الآية، وأنه لم يثبت فيه شيء على شرطه، وما دلت عليه الآية كاف في الباب (^١)، انتهى.\nوقريب من ذلك: ما قال الحافظ في \"باب صدقة العلانية، وقوله - ﷿ -: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٤] \"، قال: سقطت هذه الترجمة للمستملي وثبتت للباقين، وبه جزم الإسماعيلي، ولم يثبت فيها لمن أثبتها حديث، وكأنه أشار إلى أنه لم يصح فيها على شرطه شيء (^٢)، انتهى.\nوقلت: قريب من ذلك؛ لأن لفظ الترجمة ليس لفظ حديث، وكذا قوله: \"باب صدقة الكسب والتجارة، لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٦٧] \"، ولم يذكر فيه حديثًا؛ كأنه لم يجده على شرطه، وترجم بـ \"باب زكاة البقر\"، ولم يذكر في الباب حديثًا نصًّا على ذلك.\nحكى الحافظ عن الزين بن المنيِّر (^٣): لم يذكر في الباب شيئًا مما يتعلق بنصابها لكون ذلك لم يقع على شرطه، انتهى.\nوترجم \"باب العدل بين النساء: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ﴾ الآية [النساء: ١٢٩] \"، ولم يذكر فيه حديثًا، كأنه لم يجده على شرطه.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ١٤١).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (٣/ ٢٨٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٢٤).","vol":"1","page":206},{"text":"قال الحافظ (^١): وقد أخرج الأربعة عن عائشة - ﵂ -: \"أن النبي - ﷺ - كان يقسم بين نسائه فيعدل. . .\" الحديث (^٢).\nوهذا الأصل ضد الأصل الأول.\nوالفرق بين هذا الأصل والأصل الثامن أيضًا واضح، فإن المذكور في الثامن كان ذكر الحديث بخلاف الترجمة، وههنا عدم ذكر الحديث إشارة إلى أنه لم يجد فيه حديثًا على شرطه، كما رأيت في كلام الحافظ.\nوأيضًا الفرق بين هذا وبين التاسع والثلاثين أيضًا واضح، فإن المذكور فيه كان أمرين، والاستدلال فيه كان لأحد الجزئين فقط، كما تقدمت أمثلته.\n\n٥٦ -<span data-type='title' id=toc-162> السادس والخمسون: تقييد الأحاديث المطلقة:</span>\nما قال الحافظ (^٣) في \"باب قول النبي - ﷺ -: يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه. . .\" إلخ، قال: هذا تقييد من المصنف لمطلق الحديث، وحملٌ منه لرواية ابن عباس المقيدة بالبعضية على رواية ابن عمر المطلقة، كما ساقه في الباب عنهما، وتفسير منه للبعض المبهم في رواية ابن عباس بأنه النَّوح، انتهى.\nوهذا غير الأصل الخامس، فإن التطبيق بين الروايتين غير حمل المطلق على المقيد؛ لأن فيه بقاء الحديث المقيد على حاله، ويقيد به الحديث المطلق، بخلاف حمل الحديثين معًا على محمل، وهذا معروف عند المشايخ.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٣١٣).\n(^٢) أخرجه أبو داود (ح: ٢١٣٤)، والترمذي (ح: ١١٤٠)، والنسائي في \"الكبرى\" (رقم ٨٨٩١)، وابن ماجه (رقم ١٩٧١)، وابن حبان في \"صحيحه\" (رقم ٤٢٠٥)، والحاكم في \"المستدرك\" (رقم ٢٧٦١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٣/ ١٥٢).","vol":"1","page":207},{"text":"وبذلك الأصل أخذ الحافظ في \"باب ما جاء في غسل البول\"، إذ قال (^١): قال ابن بطال: أراد البخاري أن المراد بقوله في رواية الباب: \"كان لا يستتر من البول\" بول الناس لا بول سائر الحيوان، فلا يكون فيه حجة لمن حمله على العموم في بول جميع الحيوان، وكأنه أراد الرد على الخطابي حيث قال: فيه دليل على نجاسة الأبوال كلها، ومحصل الرد أن العموم في رواية من البول أريد به الخصوص، لقوله: \"من بوله\"، أو الألف واللام بدل من الضمير، انتهى.\nويمكن أن يدخل في هذا الأصل \"باب الصدقة باليمين\"، فكأنه أشار بالترجمة إلى تقييد الأحاديث المطلقة باليمين للروايات المقيدة.\n\n٥٧ -<span data-type='title' id=toc-163> السابع والخمسون: باب بلا ترجمة رجوع إلى الأصل:</span>\nما هو المعروف على ألسنة المشايخ أن الباب بلا ترجمة كثيرًا ما يكون رجوعًا إلى الأصل.\nوأخذ بذلك الحافظ في \"باب\" بلا ترجمة، بعد \"باب فضل ربنا لك الحمد\"، إذ قال (^٢): كذا للجميع بلا ترجمة إلا للأصيلي فحذفه، والراجح إثباته؛ لأن الأحاديث المذكورة فيه لا دلالة فيها على فضل \"اللّهم ربنا لك الحمد\" إلا بتكلف، فالأولى أن يكون بمنزلة الفصل من الباب الذي قبله، كما تقدم في عدة مواضع، وذلك أنه لما قال أولًا: \"باب ما يقول الإمام ومن خلفه. . .\" إلخ، وذكر فيه قوله - ﷺ -: \"اللهم ربنا لك الحمد\"، استطرد إلى ذكر فضل هذا القول بخصوصه، ثم فصل بلفظ \"باب\" لتكميل الترجمة الأولى، فأورد بقية ما ثبت على شرطه مما يقال في الاعتدال، انتهى.\nويدخل في ذلك أيضًا \"باب\" بلا ترجمة، بعد \"باب قطع الشجر\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٣٢١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٨٤).","vol":"1","page":208},{"text":"والنخل\"؛ فإنه ذكر في هذا الباب حديث رافع بن خديج، ولا تعلق له بقطع الشجر أصلًا، فهو رجوع على ما قبله من \"باب المزارعة\"، وهو \"باب إذا قال: اكفني. . .\" إلخ.\nويدخل في ذلك أيضًا \"باب\" بلا ترجمة بعد \"باب حديث الخضر مع موسى - ﵇ -\"، فإن المذكور بعد الباب الثاني لمَّا لم يكن له تعلقٌ ما بقصة الخضر، بل كان له تعلق بقصة موسى - ﵇ - وبني إسرائيل، نَبَّهَ على ذلك بـ \"باب\" بلا ترجمة رجوعًا إلى الأصل.\nونظائره كثيرة في \"الصحيح\".\nوهذا غير الأصل العشرين، والفرق بينهما واضح، فإن المذكور في العشرين كالفصل لما سبق، فإن مؤدَّاه أن له تعلقًا بالباب السابق، وميّز عنه بالباب لنوع من الفرق، بخلاف هذا فإنه رجوع إلى الباب الذي تقدم قبل ذلك.\nوهكذا الفرق بين هذا الأصل وبين الخامس والعشرين والسابع والثلاثين ظاهر.\n\n٥٨ -<span data-type='title' id=toc-164> الثامن والخمسون: الإشارة إلى حديث في تفسير الآية:</span>\nما يستنبط من كلام الحافظ في \"باب قوله - ﷿ - ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾ الآية [الأحقاف: ٢٩] \"، أن الإمام البخاري أشار بذكر الآية إلى حديث تفسيرها، إذ قال (^١): لم يذكر المصنف في هذا الباب حديثًا، واللائق به حديث ابن عباس الذي تقدم في صفة الصلاة في توجه النبي - ﷺ - إلى عكاظ واستماع الجن لقراءته، وقد أشار عليه المصنف بالآية التي صدَّر بها هذا الباب، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٣٤٧).","vol":"1","page":209},{"text":"وقال أيضًا في \"باب أمور الإيمان، وقول الله - ﷿ -: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ الآية [البقرة: ١٧٧] \": وجه الاستدلال بهذه الآية، ومناسبتها لحديث الباب تظهر من الحديث (^١) الذي رواه عبد الرزاق وغيره: أن أبا ذر سأل النبي - ﷺ - عن الإيمان فتلا عليه: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ﴾ الآية (^٢)، انتهى.\nوقال أيضًا في \"باب فضل العلم، وقول الله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ﴾ الآية [المجادلة: ١١] \"، بعد ذكر أقوال الشرَّاح الأُخر: والذي يظهر لي أن هذا - أي: الذي قالته الشرَّاح - محلّه حيث لم يورد فيه آية ولا أثرًا، أما إذا أورد آية أو أثرًا، فهو إشارة منه إلى ما ورد في تفسير تلك الآية، وأنه لم يثبت فيه شيء على شرطه (^٣)، انتهى.\nوقال أيضًا في \"باب صدقة الكسب والتجارة، لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا﴾ الآية [البقرة: ٢٦٧] \"، هكذا أورد هذه الترجمة مقتصرًا على الآية بغير حديث، وكأنه أشار إلى ما رواه شعبة عن الحكم عن مجاهد في هذه الآية، قال: من التجارة الحلال، إلى آخر ما بسطه (^٤).\nوقال العيني (^٥) في \"باب قوله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢] \": وجه إدخال هذه الترجمة في أبواب الاستسقاء؛ لأن هذه الآية فيمن قالوا: الاستسقاء بالأنواء؛ على ما روى عبد بن حميد الكشي في تفسيره، فذكر الحديث عن ابن عباس بسنده.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" (رقم ٢٠١١٠)، والحاكم في \"المستدرك\" (رقم ٣٠٧٧).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (١/ ٥٠).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١/ ١٤١).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٠٧).\n(^٥) \"عمدة القاري\" (٥/ ٢٩٢).","vol":"1","page":210},{"text":"٥٩ -<span data-type='title' id=toc-165> التاسع والخمسون: الإشارة إلى مبدأ الحكم:</span>\nما ظهر لهذا الفقير إلى مغفرة ربه أن الإمام البخاري كثيرًا ما يذكر في مبدأ الكتاب ما يدل على مبدأ الحكم المذكور في الكتاب، كما قال في مبدأ \"كتاب الصلاة\": \"باب كيف فرضت الصلاة في الإسراء\"، وقال ابن عباس: حدثني أبو سفيان في حديث هرقل. . . إلخ، قال الحافظ (^١): وفيه إشارة إلى أن الصلاة فرضت بمكة قبل الهجرة؛ لأن أبا سفيان لم يلق النبي - ﷺ - بعد الهجرة إلى الوقت الذي اجتمع فيه بهرقل لقاءً يتهيأ له معه أن يكون آمرًا له بطريق الحقيقة، انتهى.\nوترجم الإمام البخاري في مبدأ \"كتاب الوضوء\": \"باب ما جاء في قوله الله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٦] \"، وبسط الحافظ الاختلاف الكثير في تفسير الآية ومبدأ حكم الوضوء، وقال في ذيل ذلك: وتمسَّك بالآية من قال: إن الوضوء أول ما فرض بالمدينة، إلى آخر ما بسطه (^٢)، وترجم \"كتاب التيمم\"، وذكر فيه حديث بدء التيمم مفصَّلًا.\nوترجم في مبدأ \"كتاب الجمعة\": \"باب فرض الجمعة لقول الله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ﴾ الآية [الجمعة: ٩] \"، قال الحافظ (^٣): استدلال البخاري بهذه الآية على فرضية الجمعة سبقه إليه الشافعي في \"الأم\"، واختلف في وقت فرضيتها، فالأكثر على أنها فرضت بالمدينة، وهو مقتضى ما تقدم أن فرضيتها بالآية المذكورة وهي مدنية، انتهى.\nقلت: وهذا وإن كان مخالفًا للحنفية، فإنها فرضت عندهم بمكة، لكن الإمام البخاري ليس بمقلد للحنفية، فإشارته بتلك الآية إلى ما هو المختار عنده واضح.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٤٦٠).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (١/ ٢٣٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٢/ ٣٥٤).","vol":"1","page":211},{"text":"وترجم بـ \"كتاب الزكاة\"، وذكر في مبدئه أيضًا حديث ابن عباس في قصة هرقل، وعلى ما تقدم قريبًا في كلام الحافظ في مبدأ الصلاة يستأنس ههنا أيضًا الإشارة إلى مبدأ فرضيتها.\nوقال في مبدأ \"كتاب الحج\": \"باب وجوب الحج، وقول الله - ﷿ -: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ﴾ الآية [آل عمران: ٩٧] \"، ففيه إشارة إلى فرضية الحج بعد الهجرة ردًّا على من قال بفرضيتها قبل الهجرة؛ لأن سورة آل عمران مدنية.\nوبدأ \"كتاب الصوم\" بـ \"باب وجوب صوم رمضان، وقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ الآية [البقرة: ١٨٣] \"، قال الحافظ (^١): أشار بذلك إلى مبدأ فرض الصيام، انتهى.\nقلت: والبقرة أيضًا مدنية، ولا يلتبس عليك هذا الأصل بالأصل التاسع، ولا بالرابع والخمسين، فإن الأصول الثلاثة متمايزة.\n\n٦٠ -<span data-type='title' id=toc-166> الستون: التراجم المثبتة للترجمة السابقة:</span>\nما يظهر من التدبر في تراجمه، أنه قد يذكر ترجمة لإثبات الترجمة السابقة، فهي تكون مثبِتة - بكسر الموحدة لا بفتحها - حتى يحتاج لها إلى دليل.\nوقد جزم بذلك السندي أيضًا، كما تقدم من كلامه في الأصل السابع، وأدخل السندي في هذا الأصل \"باب إذا قال أحدكم: آمين\"، كما تقدم، وهو الأوجه عندي في هذه الترجمة.\nوكذا يدخل في هذا الأصل عندي التراجم الواردة في \"باب وجوب الثياب\" من قوله: \"ومن صلَّى ملتحفًا في ثوب واحد\"، فإن الشرَّاح اضطربوا\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ١٠٣).","vol":"1","page":212},{"text":"في إثباتها بالحديث، وأتوا لذلك بتوجيهات عديدة لإثباتها ولدفع التكرار عنها، فإن هذه الترجمة ستأتي قريبًا مستقلة، وليست الترجمة عندي مثبَتة - بفتح الموحدة - حتى يقال فيها ما قالوا، بل هي مثبِتة - بكسر الموحدة - لوجوب الثياب.\nوكذلك قوله: \"ومن صلى في الثوب الذي يجامع فيه\" مثبت لما سبق، فلا يحتاج لإثباته إلى دليل.\nوهكذا قوله: \"وأمر النبي - ﷺ - أن لا يطوف بالبيت عريان\"، يشكل عليه بوجهين:\nأحدهما: عدم ثبوته بالحديث الوارد في الباب، والثاني: أن المسألة من \"كتاب الحج\"، وسيأتي في محله \"باب لا يطوف بالبيت عريان\"، وعلى ما اخترته في ذلك من أنه ليس بمقصود بالذكر، بل ذكره مبالغةً في وجوب الثياب للصلاة، فإنه - ﷺ - منع الطواف بالبيت عريانًا، والطواف بالبيت صلاة حكمًا، فكيف بالصلاة حقيقة.\nوهكذا ترجم الإمام البخاري \"باب فضل استقبال القبلة\"، وذكر فيه قوله: \"يستقبل بأطراف رجليه القبلة\"، وأورد عليه بوجوهٍ، منها: عدم الثبوت، وأيضًا أي تعلق لاستقبال الأطراف بفضل الاستقبال.\nوأشدّ منهما أن الترجمة ستأتي مستقلة في محلِّها في \"صفة الصلاة\".\nوتزول الإشكالات كلها على ما اخترته من أن الترجمة مثبِتة لفضل الاستقبال، بأنه إذا روعي الاستقبال في أطراف الرِّجلين أيضًا فما بال استقبال الوجه، وأما إثباتها فسيأتي في محلها من \"صفة الصلاة\".\nوهكذا ترجم الإمام البخاري \"باب هل ينبش قبور المشركين؟. . .\" إلخ، وذكر فيه: وما يكره من الصلاة في القبور.\nويشكل هذا الجزء على الشرَّاح جدًّا لوجهين:\nالأول: عدم الثبوت بالحديث الوارد فيه.","vol":"1","page":213},{"text":"والثاني: التكرار، فإنه سيأتي قريبًا \"باب كراهية الصلاة في المقابر\".\nووجّهوا لدفع هذين الإيرادين بوجوه عديدة بعيدة عندي من دقة نظر الإمام البخاري.\nومنشأ الإيرادات كلها أنهم - ﵃ أجمعين - جعلوا عطفه على قوله: \"هل ينبش\"، وجعلوه ترجمة مستقلة، فأشكل الأمر عليهم.\nوالأوجه عند هذا العبد الفقير إلى رحمة ربه: أنه معطوف على لفظ قوله النبي - ﷺ - تحت اللام، فهو دليل للترجمة السابقة، أي: ينبش قبور المشركين لقوله - ﷺ -، ولما يكره من الصلاة في القبور، وهو واضح عندي.\nولا يرد عليه حينئذ إيراد أصلًا حتى يحتاج لدفعه إلى توجيهات، ولا يذهب عليك أن لفظة \"هل\" في الترجمة بمعنى \"قد\" عند الشرَّاح، وهو في معناه عند هذا العبد الضعيف، كما تقدم في الأصل الثاني والثلاثين.\n\n٦١ -<span data-type='title' id=toc-167> الحادي والستون: تغيير الترجمة على حديث:</span>\nما ظهر أيضًا لهذا المبتلى بالسيئات - غفر الله له الزلَّات -: أن الإمام البخاري قد يغيّر سياق التراجم على الأحكام الواردة في الأحاديث على نسق واحد.\nمثلًا: وردت في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها الروايات على سياقين:\nأحدهما: النهي عن الصلاة عند الطلوع والغروب مطلقًا كما في حديث ابن عباس عن عمر - ﵃ -: \"أن النبي - ﷺ - نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس، وبعد العصر حتى تغرب\" (^١)، وهكذا ورد في روايات عديدة.\nوالسياق الثاني ما أورد عن ابن عمر - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -:\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (ح: ٥٨١).","vol":"1","page":214},{"text":"\"لا تحرّوا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها\" (^١).\nوالإمام البخاري - ﵁ - أورد السياقين معًا في \"صحيحه\"، لكنه ترجم على النهي عند الطلوع بالإطلاق، فقال: \"باب الصلاة بعد الفجر حتى ترتفع الشمس\"، وترجم على الثاني \"باب لا تتحرى الصلاة عند غروب الشمس\"، ولم يتعرض لذلك الشرَّاح، إلا ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٢) أنه رحمه الله تعالى نبَّه بذلك إلى اختلاف المذاهب، ومال السندي إلى توجيه أحاديث التحرِّي إلى أحاديث الإطلاق.\nوالأوجه عندي: أن ذلك فعله الإمام البخاري قصدًا وتنبيهًا، على أنه لم يرد في أحاديث الصلاة عند الطلوع ما يخالف حديث النهي، فرجَّح في ذلك أحاديث الإطلاق، ووقع في الصلاة بعد العصر ما سيأتي في \"باب ما يصلى بعد العصر\" من ثبوت الصلاة بعد العصر على شرط البخاري، فرجَّح الإمام في الجزء الأول - أي: الفجر - أحاديث النهي مطلقًا، ورجح في الجزء الثاني أحاديث التحرِّي.\nوهكذا روى الإمام البخاري - ﵀ - عن ابن عباس قال: \"أُمر النبي - ﷺ - أن يَسجد على سبعة أعظم، ولا يكفّ شعره ولا ثوبه\" (^٣) بسياق واحد في الفعلين، وغيَّر الإمام البخاري سياق الترجمتين، فترجم \"باب لا يكفّ شعرًا\" و\"باب لا يكفّ ثوبه في الصلاة\" تنبيهًا على الاختلاف في الثاني، هل هو مقيّد بالصلاة أو لا؟ كما بسط في الشروح، وهكذا ورد في الأحاديث أن النبي - ﷺ - قال: \"من لم يجد النعلين فليلبس الخفين، ومن لم يجد إزارًا فليلبس السراويل\" (^٤)، هكذا ورد في روايات عديدة ذكر النبي - ﷺ - الأمرين على سياق واحد.\nوغيّر الإمام البخاري سياق الترجمتين، فترجم أولًا \"باب لبس الخفين\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (ح: ٥٨٢).\n(^٢) انظر: \"لامع الدراري\" (٣/ ٦٤).\n(^٣) \"صحيح البخاري\" (ح: ٨١٥).\n(^٤) انظر: \"صحيح البخاري\" (ح: ٥٨٠٤)، و\"صحيح مسلم\" (ح: ١١٧٩).","vol":"1","page":215},{"text":"للمحرم إذا لم يجد النعلين\"، وترجم ثانيًا \"باب إذا لم يجد الإزار فليلبس السراويل\"، وحملوا ذلك على تفنن الإمام - ﵀ -، وليس كذلك، بل لما كان لبس الخفين لمن لم يجد النعلين اختيارًا، إن شاء لبس وإن شاء لم يلبس، ولا مانع في الاحتفاء، ترجم عليه الإمام البخاري ما يدل على الجواز، وكان لبس السراويل لمن لا يجد الإزار حتمًا واجبًا لوجوب ستر العورة، ترجم على ذلك بلفظ \"فليلبس\" الدال على الوجوب.\nونظائر هذا الأصل - الذي خاطري أبو عذره - كثيرة في \"الصحيح\"، تظهر من التدبر في تراجمه.\nمثلًا: ترجم \"باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة\"، وذكر فيه حديث شدّ الرحال إلى ثلاثة مساجد، ولم يذكر في الترجمة الصلاة ببيت المقدس مع كونها في الحديث، ثم ترجم \"باب مسجد بيت المقدس\"، ولم يذكر في الترجمة لفظ الصلاة، وذكر فيه أيضًا حديث شدّ الرحال إلى ثلاثة مساجد.\nومثلًا: ترجم \"باب الجمع في السفر بين المغرب والعشاء\" مطلقًا، ولم يقيده بقيد، وترجم للجمع بين الظهر والعصر مفصلًا بترجمتين، فترجم \"باب يؤخر الظهر إلى العصر إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس\"، ثم ترجم \"باب إذا ارتحل بعد ما زاغت الشمس صلى الظهر ثم ركب\".\nوالمسألة خلافية شهيرة ليس هذا محلها، وغرضي من ذلك التنبيه على تغير سياق التراجم على الأحكام الواردة في الأحاديث بنسق واحد، كما ترجم \"باب أجر الخادم إذا تصدق بأمر صاحبه غيرَ مفسد\"، ثم ترجم \"باب أجر المرأة إذا تصدقت. . .\" إلخ، فقيَّد الأولى بأمر صاحبه دون الثانية، مع اتحاد سياق الرواية من التراجم الكثيرة في \"الصحيح\" تظهر بأدنى تأمل.\nويقرب من ذلك الأصل، وإن لم يكن داخلًا فيه، تغيُّر التراجم في الخطب، إذ ترجم في الجمعة \"باب استقبال الناس الإمام إذا خطب\" وفي \"العيد\" \" [باب] استقبال الإمام الناس في خطبة العيد\"، وفي \"الاستسقاء\" \"باب استقبال القبلة في الاستسقاء\"، ووجوه تلك كلها واضحة.","vol":"1","page":216},{"text":"٦٢ -<span data-type='title' id=toc-168> الثاني والستون: تغيير الترتيب الوجودي:</span>\nما ظهر أيضًا، أن الإمام البخاري طالما يغيّر الترتيب الوجودي لمصلحة شحذ الأذهان ليتدبر في ذلك الناظر، ولم أر من نَبَّهَ على ذلك الأصل من كلام المشايخ المذكورين في الفائدة الثانية.\nمثاله: أنه ترجم \"باب الأذان بعد الفجر\" على الأذان قبل الفجر، قال الزين بن المنيِّر: قدَّم المصنف ترجمة الأذان بعد الفجر على ترجمة الأذان قبل الفجر، فخالف الترتيب الوجودي؛ لأن الأصل في الشرع أن لا يؤذن إلا بعد دخول الوقت، فقدم ترجمة الأصل على ما ندر عنه، وأشار ابن بطال إلى الاعتراض على الترجمة، بأنه لا خلاف بينه وبين الأئمة، وإنما الخلاف في جوازه قبل الفجر.\nوالذي يظهر لي أن مراد المصنف بالترجمتين أن يُبَيِّن أن المعنى الذي كان يؤذَّن لأجله قبل الفجر غير المعنى الذي كان يؤذَّن لأجله بعد الفجر، وأن الأذان قبل الفجر لا يكتفى به عن الأذان بعده، كذا في \"الفتح\" (^١).\nوهذا هو الوجه عندي: أن الأذان بعد الفجر لما كان أصل أذان الصلاة بخلاف الأذان قبل الفجر - فإنه لم يكن للصلاة، بل لمصالح أُخر، الواردة في الأحاديث - قدم الذي هو الأصل.\nومن ذلك الأصل: أنه قدم الرواتب البعدية على الرواتب القبلية سوى ركعتي الفجر، فإنه - ﵀ - ترجم أولًا \"باب التطوع بعد المكتوبة\"، ثم ترجم \"باب الركعتين قبل الظهر\"، ونَبَّهَ على ذلك الحافظ إذ قال (^٢): \"باب التطوع بعد المكتوبة\"، ترجم أولًا بما بعد المكتوبة، ثم ترجم بعد ذلك بما قبل المكتوبة، انتهى. كذا قال، ولم يذكر الحافظ له وجهًا.\nوالأوجه عندي أن الإمام البخاري نَبَّهَ بذلك على الاختلاف في ترتيب\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (٢/ ١٠١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٥٠).","vol":"1","page":217},{"text":"الأفضلية في الرواتب بعد اتفاقهم على أن راتبة الفجر آكدها، ولذا قدَّمها الإمام البخاري، ثم اختلفوا في الرواتب الباقية، كما بسط الاختلاف في ذلك في \"الأوجز\" (^١).\nوترجم \"باب الصلاة بعد الجمعة وقبلها\"، قدّم البعد على القبل، بخلاف \"باب الصلاة قبل العيد وبعدها\". قال الحافظ (^٢): قال ابن المنيِّر في الحاشية، كأنه يقول: الأصل استواء الظهر والجمعة حتى يدل دليل على خلافه، قال: وكانت عنايته بحكم الصلاة بعدها أكثر، ولذلك قدَّمه في الترجمة على خلاف العادة في تقديم القبل على البعد، انتهى.\nووجه العناية المذكورة ورود الخبر في البَعد صريحًا دون القبل، انتهى.\nويقرب من ذلك أنه - ﵀ - قدّم نوم المرأة في المسجد على نوم الرجال، وكان مقتضى الظاهر عكسه، ولم يتعرض لذلك الشرَّاح، والأوجه عندي أنه - ﵀ - فعل ذلك قصدًا؛ لأن الجواز في المرأة كان أبعد لاحتمال الفتنة والطمث وغير ذلك.\nويقرب من ذلك أيضًا ما قال الحافظ إذ قال: قدّم الإمام البخاري الآية التي من سورة المائدة على الآية التي من سورة النساء لدقيقة، وهي أن الكلمة التي في المائدة ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾ فيها إجمال، والكلمة التي في سورة النساء: ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾، فيها تصريح بالاغتسال وبيان للتطهير المذكور، إلى آخر ما قال الحافظ (^٣).\nوكذلك قدم \"باب الإبراد بالظهر\"، وهو صفة من صفات الأوقات على \"باب وقت الظهر\".\nوعندي في ذلك دقيقة تأتي في هامش \"اللامع\" (^٤) في محلها.\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (٣/ ٤٣٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٤٢٦).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١/ ٣٥٩).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٣/ ١٦).","vol":"1","page":218},{"text":"وهكذا أخّر \"باب زكاة البقر\" عن زكاة الإبل والغنم، فإنه ترجم أولًا للإبل ثم للغنم، ثم ترجم لزكاة البقر، وكان حقها التوسط.\nقال الزين ابن المنيِّر (^١): أخَّرها لأنها أقل وجودًا ونُصُبًا، ولم يذكر في الباب شيئًا مما يتعلق بنصابها لكون ذلك لم يقع على شرطه.\nوترجم في \"كتاب الصوم\": \"باب الحائض تترك الصوم والصلاة\" على خلاف الحديث، فقد قدّم في الحديث الصلاة على الصوم، وغير ذلك من التراجم الكثيرة.\n\n٦٣ -<span data-type='title' id=toc-169> الثالث والستون: إدخال الباب الأجنبي في التراجم المناسبة:</span>\nأنه - ﵀ - طالما يدخل الباب الأجنبي بين الأبواب المتناسقة للتنبيه على لطيفة يرشد الناظر إلى التدبر في ذلك.\nمثاله: أنه - ﵀ - أدخل \"باب الجهاد من الإيمان\" بين \"باب قيام ليلة القدر من الإيمان\"، و\"باب تطوع قيام رمضان من الإيمان\".\nقال الحافظ (^٢): أورد هذا الباب بين قيام ليلة القدر وبين قيام رمضان وصيامه، فأما مناسبة إيراده معها في الجملة فواضح لاشتراكها في كونها من خصال الإيمان، وأما إيراده بين هذين البابين مع أن تعلق أحدهما بالآخر ظاهر، فلنكتة لم أر من تعرَّض لها، بل قال الكرماني (^٣): صنيعه هذا دالٌّ على أن النظر مقطوع عن غير هذه المناسبة، يعني اشتراكها في كونها من خصال الإيمان.\nقال الحافظ: بل قيام ليلة القدر وإن كان ظاهر المناسبة لقيام رمضان، لكن للحديث الذي أورده في باب الجهاد مناسبة بالتماس ليلة\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٢٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٩٢).\n(^٣) \"صحيح البخاري بشرح الكرماني\" (١/ ١٥٩).","vol":"1","page":219},{"text":"القدر حسنة جدًا؛ لأن التماس ليلة القدر يستدعي محافظةً زائدة ومجاهدةً تامة، ومع ذلك فقد يوافقها أو لا، وكذلك المجاهد يلتمس الشهادة ويقصد إعلاء كلمة الله، وقد يحصل له ذلك أو لا، فتناسبا في أن في كل منهما مجاهدة، وفي أن كلّا منهما قد يحصل المقصود الأصلي لصاحبه أو لا، فالقائم لالتماس ليلة القدر مأجور، فإن وافقها كان أعظم أجرًا، والمجاهد لالتماس الشهادة مأجور، فإن وافقها كان أعظم أجرًا، انتهى.\nويدخل في ذلك الأصل عندي \"باب احتساب الآثار\" بين \"باب فضل التهجير إلى الظهر\" و\"باب فضل صلاة العشاء في الجماعة\"، والأوجه عندي أنه - ﵀ - ذكر \"باب الاحتساب\" بعد \"باب فضل التهجير\" تنبيهًا على أنه لا ينبغي له تطويل الأقدام والسعي لشدة الحر، فإنه ينافي الوقار والسكون في المشي إلى الصلاة، بل ينبغي له أن يمشي بتقارب الأقدام على هيئة السكون والوقار المطلوبين، المأمور بهما في قوله - ﷺ -: \"إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم السكينة والوقار، ولا تسرعوا\" الحديث، أخرجه البخاري (^١) في \"باب ما أدركتم فصلُّوا\"، وغير ذلك من الروايات العديدة المختلفة في كون الوقار والسكون مأمورين في المشي إلى الصلاة.\nوقد ترجم أبو داود \"باب الهدي في المشي إلى الصلاة\"، وأخرج فيه عن كعب بن عجرة مرفوعًا النهي عن التشبيك لمن خرج عامدًا إلى الصلاة (^٢)، وعن رجل من الأنصار قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"إذا توضأ أحدكم فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى الصلاة، لم يرفع قدمه اليمنى إلا كتب الله - ﷿ - له حسنة، ولم يضع قدمه اليسرى إلا حَطّ الله - ﷿ - عنه سيئة، فليقرب أحدكم أو ليبعد. . .\" (^٣) الحديث، فترجم الإمام البخاري بـ \"باب الاحتساب\" تنبيهًا على تقارب الخطا الموجب لكثرة الأجر.\n_________\n(^١) انظر: \"صحيح البخاري\" (ح: ٦٣٦).\n(^٢) انظر: \"سنن أبي داود\" (ح: ٥٦٢).\n(^٣) أخرجه أبو داود (ح: ٥٦٣).","vol":"1","page":220},{"text":"ويدخل في هذا الأصل عندي \"باب قوله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا﴾ \" الآية [البقرة: ١٩٧]، بين أبواب مواقيت الحج تنبيهًا على أن التقوى مطلوب في سفر الحج كله، لكنه فيما بين المواقيت أشد اهتمامًا.\nوهكذا عندي توسيط \"باب صوم الدهر\" بين أبواب الحقوق داخل في هذا الأصل.\nوهكذا إدخال \"باب رثاء النبي - ﷺ -\" بين أبواب النهي عن شق الجيوب والحلق وغيرهما.\nويقرب من ذلك الأصل عندي فصل الأبواب العديدة بين بابي \"الاستماع إلى الخطبة يوم الجمعة\" و\"الإنصات يوم الجمعة والإمام يخطب\"، فإن الجدير باتباع الآية وهي قوله تعالى: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤] كان أن يذكر البابان متصلًا، لكن الإمام البخاري - ﵀ - لعله أشار بالتفريق بينهما إلى أنهما حُكمان مستقلان، الأول للقريب، والثاني للبعيد عن الإمام، لذا بَعَّدَ الباب الثاني عن الأول.\nويستأنس ذلك من كلام شيخ المشايخ في \"تراجمه\"، إذ قال: \"باب الإنصات. . .\" إلخ، عقد المؤلف الباب السابق لاستماع الخطبة، وهذا الباب للإنصات وقت الخطبة، إذ لا تلازم بينهما؛ لأن من يكون بعيدًا عن الإمام لا يجب الاستماع عليه، وإنما يجب الإنصات، انتهى.\nوتراجم أبواب الوضوء جلّها داخلة عندي في هذا الأصل، وما أورد الشراح جلّهم على الإمام البخاري من عدم المناسبة بين أبواب الوضوء ليس بصحيح عندي، بل كلها متناسبة فيما بينها، إلا أنه - ﵀ - على دأبه في النظر إلى الدقائق يُنبِّه بذلك إلى نكات لطيفة جديرة بشأن تفنُّن البخاري.\nمثلًا: أوردوا على \"باب غسل الوجه باليدين\"، بأنه في غير محلِّه، وليس كذلك، بل الغرض منه التنبيه على تكميل الباب السابق بأن الإسباغ قد يتم بمعاونة اليدين، ولا يحتاج إلى كثرة الماء، فلذا قيده بغرفة واحدة.","vol":"1","page":221},{"text":"وهكذا أوردوا على \"باب التسمية\" بأن حقه كان التقديم على الباب السابق، وليس كذلك عندي، بل هو في محله، وإنما أراد البخاري منه التسمية عند الدخول في الخلاء، ولذا قدمه على \"باب ما يقول عند الخلاء\"، والوضوء عندي لم يشرع بعد.\nوهكذا أوردوا على \"باب غسل الأعقاب\"، فإنه في غير محلِّه جدًا، وليس كذلك عندي، بل ذكره بعد المضمضة، إشارة إلى ندب الغرغرة في المضمضة.\nوليس باب منها إلا وله مناسبة لطيفة بالمحل الذي ذكره فيه البخاري، إلا أنه إذا ذكر مسألة في محلٍّ لمناسبة لا يعيدها مرة أخرى في محله تحرزًا عن التكرار، فللَّه ما أدقّ نظره!\nوسيأتي شيء من ذلك في أول أبواب الوضوء في هامش \"اللامع\" (^١)، ولا يلتبس عليك هذا الأصل بالسابع والستين.\n\n٦٤ -<span data-type='title' id=toc-170> الرابع والستون: تبديل لفظ الحديث في الترجمة لبديعة:</span>\nما ظهر لهذا الفقير أيضًا أن الإمام البخاري قد يُغَيِّر لفظ الحديث في الترجمة لبديعة يرشد إليها الناظر شحذًا لذهنه في أنواع الاستخراج من الحديث.\nمثلًا: ورد في الحديث ولفظه للبخاري: \"من غدا إلى المسجد وراح أعدّ الله له نُزُله من الجنة كلما غدا أو راح\" (^٢)، وترجم عليه في نسخة \"الفتح\" (^٣) وغيره: \"باب فضل من غدا إلى المسجد ومن راح\"، قالوا: هذه الترجمة أقرب وأوضح لموافقة سياق الحديث.\nلكن النسخ التي بأيدينا فيها: \"باب فضل من خرج إلى المسجد\n_________\n(^١) انظر: \"لامع الدراري\" (٢/ ٩٣).\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (ح: ٦٦٢).\n(^٣) انظر: \"فتح الباري\" (٢/ ١٤٨) و\"عمدة القاري\" (٤/ ٢٥٣).","vol":"1","page":222},{"text":"ومن راح\"، وهذا السياق أوجه عندي وأجدر بشأن البخاري، وغيّر لفظ \"غدا\" الوارد في الحديث بلفظ \"خرج\" في الترجمة لبديعةٍ، وهي: أن المعروف في اللغة: الغدوة: المضي من بكرة النهار، والرواح: من الزوال.\nوعلى هذا فمقتضى الحديث: فضل من أكثر الخروج إلى المسجد، لكن الغدو قد يطلق على الخروج مطلقًا، كما هو معروف، والرَّواح قد يطلق على الرجوع.\nقال الحافظ (^١): \"باب فضل من غدا إلى المسجد ومن راح\" هكذا للأكثر موافقًا للفظ الحديث في الغدو والرواح، ولأبي ذر بلفظ \"خرج\" بدل \"غدا\". وعلى هذا، فالمراد بالغدو: الذهاب، وبالرواح: الرجوع، انتهى.\nقلت: وهذا الذي أراد البخاري عندي، وأشار بذلك إلى الفضل في الخروج إلى المسجد والرجوع منه، وكأنه أومأ بذلك إلى ما أخرجه مسلم وأبو داود (^٢) واللفظ له عن أُبَيِّ بن كعب - ﵁ - قال: \"كان رجل لا أعلم أحدًا من الناس ممن يصلي القبلة من أهل المدينة أبعد منزلًا من المسجد من ذلك الرجل، وكان لا تخطئه صلاة في المسجد، فقلت: لو اشتريت حمارًا تركبه في الرمضاء والظلمة، فقال: ما أحب أن منزلي إلى جنب المسجد، فنمي الحديث إلى رسول الله - ﷺ -، فسأله عن ذلك، فقال: أردت يا رسول الله أن يكتب لي إقبالي إلى المسجد، ورجوعي إلى أهلي إذا رجعت، فقال: أعطاك الله ذلك كله، أنطاك الله ما احتسبت كله أجمع\".\nوعزاه السيوطي في \"الدر\" (^٣) إلى ابن أبي شيبة، وأحمد، وعبد بن حميد، ومسلم، وأبي داود، وابن ماجه، وابن مردويه، ولفظه: فقال: يا رسول الله! كيما يكتب أثري وخطاي ورجوعي إلى أهلي وإقبالي وإدباري: فقال رسول الله - ﷺ -: \"أعطاك الله ذلك كله، وأعطاك ما احتسبت أجمع\".\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ١٤٨).\n(^٢) \"صحيح مسلم\" (ح: ٦٦٣)، و\"سنن أبي داود\" (ح: ٥٥٧).\n(^٣) انظر: \"الدر المنثور\" (٧/ ٤٧).","vol":"1","page":223},{"text":"فهذا الحديث لما لم يكن على شرط البخاري أشار إليه بالتغير في سياق الترجمة، ولا التباس بين هذا الأصل وبين الأصل الثالث والأربعين.\n\n٦٥ -<span data-type='title' id=toc-171> الخامس والستون: لا يترجم على بعض أجزاء الحديث لعدم أخذه به:</span>\nما هو الظاهر من النظر إلى تراجم البخاري، والروايات الواردة في هذه التراجم، أن البخاري كثيرًا ما يورد الروايات المتضمِّنة لأحكام عديدة، لكنه لا يأخذ بجملتها، فيترجم على بعضها دون بعض:\nمثلًا: أخرج رواية صدقة الفطر وذكر فيها صاعًا من طعام، وصاعًا من شعير، وصاعًا من تمر، وصاعًا من أقط، وغير ذلك، وترجم لتلك الأنواع مستقلًا، ولم يترجم للأقط.\nقال الحافظ (^١): كأن البخاري أراد بتفريق هذه التراجم الإشارة إلى ترجيح التخيير في هذه الأنواع إلا أنه لم يذكر الأقط، وهو ثابت في حديث أبي سعيد، وكأنه لا يراه مجزئًا في حال وجدان غيره، كقول أحمد، وحملوا الحديث على أن من كان يخرجه كان قوته إذ ذاك أو لم يقدر على غيره، انتهى.\nوقال العيني (^٢): ولما كان حديث أبي سعيد الخدري مشتملًا على خمسة أصناف، وضع لكل صنف ترجمةً غير الأقط تنبيهًا على جواز التخيير بين هذه الأشياء في دفع الصدقة، ولم يذكر الأقط، كأنه لا يراه مجزئًا عند وجود غيره، كما هو مذهب أحمد، انتهى.\nوأنت خبير بأن الوارد في الحديث ذكر الأقط على منوال الأصناف الأخر.\nوترجم البخاري للجمع بين المغرب والعشاء مطلقًا، وفصل الترجمتين\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٧٢).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٦/ ٥٨٦).","vol":"1","page":224},{"text":"في الجمع بين الظهرين، ولم يترجم لهما، كالجمع بين العشائين، وأغفل عن ذلك الحافظ على دأبه لكونه خلاف مسلكه.\nوكذلك لم يترجم بـ \"باب الصلاة على النبي - ﷺ -\" في أواخر التشهد مع إخراجه روايات الصلاة في \"كتاب الدعوات\" كثيرًا.\nولم يترجم لتعدد الركوع في \"أبواب الكسوف\" مع تخريجه رواية التعدد، بل الرواية التي ذكرها في \"باب الصلاة في كسوف الشمس\" من مستدلات الحنفية في عدم التعدد، وتخلَّص الحافظ عن ذلك لكونه خلاف مسلكه، بقوله: ابتدأ البخاري أبواب الكسوف بالأحاديث المطلقة في الصلاة بغير تقييد بصفة، إشارةً منه إلى أن ذلك يعطي أصل الامتثال، وإن كان إيقاعها على الصفة المخصوصة عنده أفضل (^١)، انتهى.\nوأنت ترى أي مانع كان للإمام الهمام عن التنبيه على اختيار الأفضل منه، وهكذا لم يذكر قنوت الفجر في أبواب صلاة الفجر، بل ذكر القنوت في الوتر، وهل هذا إلا إيماء منه أنه يرى القنوت في الوتر دون الفجر.\n\n٦٦ -<span data-type='title' id=toc-172> السادس والستون: بعض التراجم تفصيل لما أجمل أوَّلًا:</span>\nما ظهر لي أيضًا أن بعض تراجمه قد يكون تفصيلًا لما أجمل أولًا، فحينئذ لا يحتاج إلى توجيه تلك التراجم المفصَّلة، وإثبات غرض خاص بها.\nمثلًا: ترجم أولًا \"باب وجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات كلّها في الحضر والسفر، وما يجهر فيها وما يخافت\"، ثم ذكر الأبواب الكثيرة تفصيلًا لذلك الباب، فلا يحتاج إلى إثبات غرض لكل باب، ولا يرد ما أوردوا على الإمام في بعض الأبواب أنه لا فائدة في ذكر هذا الباب.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٥٢٩).","vol":"1","page":225},{"text":"مثلًا: ترجم بعد ذلك \"باب الجهر في المغرب\" و\"باب الجهر في العشاء\"، وقال الحافظ في \"باب الجهر في المغرب\" (^١): اعترض الزين ابن المنيِّر على هذه الترجمة والتي بعدها بأن الجهر فيهما لا خلاف فيه، وهو عجيب؛ لأن الكتاب موضوع لبيان الأحكام من حيث هي، وليس هو مقصورًا على الخلافيات، انتهى.\nوأنت خبير بأنهم إذا أجمعوا على دقائق تراجم البخاري، وعلى أن فقه الإمام في تراجمه، وأن تراجمه لا تكون مثل تراجم الكتب الأخر لمجرد إثبات الأحكام، فلا عجب في إيراد الزين ابن المنيِّر، وقد أقرّ بذلك الحافظ بمواضع من \"شرحه\"، وحكى العيني (^٢) في \"باب لا يقبل الله صدقة من غلول\" عن ابن المنيِّر عادة البخاري الاستدلال بالخفي وترك الجلي.\nوتقدم في الفائدة الثالثة من الفصل الثاني عن الحافظ (^٣): أن الإمام البخاري رأى أنه لا يخليه من الفوائد الفقهية والنكت الحِكمية، فاستخرج بفهمه من المتون معاني كثيرة، إلى آخر ما تقدم، وحكى فيه عن الشيخ محيي الدين: ليس مقصود البخاري الاقتصار على الأحاديث فقط، بل مراده الاستنباط منها والاستدلال لأبواب أرادها، وغير ذلك من أقاويل العلماء: إن غرض البخاري من تأليفه ليس مجرد ذكر الروايات، بل غرضه دقائق الاستنباط، فالتفصِّي عندي عن إيراد الزين ابن المنيِّر أن هاتين الترجمتين ليستا بمستقلتين، بل هما تفصِّلان لما أجمل أولًا.\nوهكذا ترجم أولًا \"باب فرض مواقيت الحج والعمرة\"، وهو جدير لشأن البخاري لعدة أبحاث في ذلك، ثم فصَّل ذلك بأبواب المواقيت للبلاد، فلا يحتاج حينئذ إلى إثبات وجه جديد لميقات أهل المدينة، أو أهل نجد، أو غير ذلك.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٤٨).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٦/ ٣٦٨).\n(^٣) انظر: \"هدي الساري\" (ص ٨).","vol":"1","page":226},{"text":"وكذلك ترجم \"باب قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾ [البقرة: ١٩٦] \" الآية، ثم فصَّل ذلك في عدة أبواب.\nولا ينافي ذلك أن في بعض هذه التراجم المفصَّلة أيضًا إشارات وتنبيهات ذكرها اهتمامًا بشأنها، وإلا فالغرض كان تفصيلًا لما أجمل أولًا لئلا يرد على الإمام الهمام ما أوردوا في هذه التراجم من عدم الفائدة بذكرها.\n\n٦٧ -<span data-type='title' id=toc-173> السابع والستون: التراجم في غير محلها:</span>\nما ظهر لهذا الفقير أيضًا: أن الإمام البخاري قد يذكر التراجم في غير محلِّها.\nمثلًا: ذكر بابي السجود في أبواب الثياب، وذكر بابي الثياب في أبواب صفة السجود، وحملت الشراح ذلك على وهم الإمام أو غلط النساخ.\nقال الحافظ في أبواب الثياب: قوله: \"باب إذا لم يتم السجود\" (^١)، كذا وقع عند أكثر الرواة هذه الترجمة وحديث حذيفة فيها، والترجمة الآتية، وحديث ابن بحينة (^٢) فيها موصولًا ومعلقًا، ولم يقع عند المستملي شيء من ذلك، وهو الصواب؛ لأن جميع ذلك سيأتي في مكانه اللائق به، وهو \"أبواب صفة الصلاة\"، ولولا أنه ليس من عادة المصنف إعادة الترجمة وحديثها معًا لكان يمكن أن يقال: مناسبة الترجمة الأولى لـ \"أبواب ستر العورة\" الإشارة إلى أن من ترك شرطًا لا تصح صلاته كمن ترك ركنًا، ومناسبة الترجمة الثانية: الإشارة إلى أن المجافاة في السجود لا تستلزم عدم ستر العورة فلا تكون مبطلة للصلاة، وفي الجملة إعادة هاتين الترجمتين ههنا وفي \"أبواب السجود\" الحمل فيه عندي على النساخ بدليل سلامة رواية\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٤٩٥).\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (ح ٣٩٠).","vol":"1","page":227},{"text":"المستملي من ذلك وهو أحفظهم، انتهى. وإلى ذلك مالت الشرَّاح عامة.\nوقال شيخ المشايخ في \"تراجمه\" (^١): قوله: \"باب إذا لم يتم السجود\"، نقل عن الفربري أن بعض أوراق الكتاب كان غير ملتصق بالكتاب، فوقع الخطأ من بعض النُّسَّاخ في إلحاق تلك الأوراق، فألحقوها في غير الموضع الذي أراد المصنف إلحاقها فيه في نفسه، وهذا الباب في هذا المقام من هذا القبيل، وكذا الأبواب الآتية؛ لأنها في الحقيقة من أبواب صفة الصلاة فاحفظ، انتهى.\nوأنت خبير بأن ما أورده الحافظ من تكرار الترجمة والحديث يتمشى في بابي السجود، لكن لا يتمشى في بابي الثياب، فإنه ترجم في \"صفة السجود\" بـ \"باب عقد الثياب وشدها. . .\" إلخ وبـ \"باب لا يكف ثوبه في الصلاة\"؛ فإن هذين البابين لم يتكرَّرا لا ترجمةً ولا حديثًا، فبقي الإيراد بذكرهما في صفة السجود.\nوما أفاد شيخ المشايخ يشكل عليه أيضًا أنه لو كان الأمر كما حكي عن الفربري كانت الترجمتان في موضع واحد لا في موضعين، وأيضًا يشكل عليه وعلى ما قاله الحافظ أيضًا تغيير الترتيب في الترجمتين، فإنه قدَّم في أبواب الثياب \"باب إذا لم يتم السجود\"، وأخَّرَ \"باب يبدي ضبعيه\" بخلاف ما في صفة السجود، فإنه قدم فيها الثاني وأَخَّر الأول.\nفالظاهر عندي: أن ذلك كله من بدائع دقائق البخاري، فَعَلَ كل ذلك عمدًا للطائف ليس هذا محلها، وسيأتي شيء منها في هامش \"اللامع\" (^٢).\nوهكذا ذكر الإمام البخاري في أواخر \"صفة الصلاة\" \"باب ما جاء في الثوم النِّيء والبصل والكراث. . .\" إلخ، وأورد عليه أن محله كان في \"أبواب المساجد\".\n_________\n(^١) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ١٥٩).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٣/ ٤٤٦)، وانظر: \"الكنز المتواري\" (٤/ ٧٦).","vol":"1","page":228},{"text":"وهكذا ترجم بعد ذلك \"باب وضوء الصبيان. . .\" إلخ، وأوردوا عليه أيضًا أن محله كان \"كتاب الطهارة\" لا \"أبواب صفة الصلاة\".\nوالأوجه عندي: أن الإمام البخاري لم يذكر الباب الأول في أبواب المساجد إشارةً إلى أن المنع منه لا يختص بالمساجد، وترجم بالثاني ههنا إفرادًا لمسائل الصبيان لكونهم غير مكلفين، فذكر أحكامهم المتفرقة من الطهارة والصلاة وحضورهم العيد والجنائز في باب واحد، فهو بمنزلة باب مسائل شتى أفرد أحكامهم المتعلقة بالصلاة في باب واحد، وجعله تتمةً للصلاة؛ لأن الأبواب الآتية تتعلق بصلوات خاصة من الجمعة والعيدين وغيرهما، وسيأتي شيء من ذلك في هامش \"اللامع\"، وأجاد في ترتيب هذه الأبواب من ذكر أحكام الرجال، ثم الصبيان، ثم النساء على ترتيب صفوفهم في الصلاة.\nوعلى هذا الأصل حمل شيخ المشايخ في \"تراجمه\" (^١) \"باب القنوت قبل الركوع وبعده\" إذ قال: هذا الباب في الأصل من متعلقات أبواب صلاة الفجر؛ لأن الأحاديث الواردة إنما تدل على القنوت فيها، وإيراده ههنا باعتبار أن بعض العلماء قال بالقنوت في الوتر، انتهى، كذا أفاد قُدِّس سرُّه، وقد عرفت فيما سبق أن هذا الباب عندي داخل في الأصل الخامس والستين.\nنعم! يقرب من هذا الأصل \"باب الأمر باتباع الجنائز\"، فإنه ذكره في مبدأ \"كتاب الجنائز\"، والميت لم يغسل بعد ولم يُكَفَّن، فكيف الأمر باتباعه، وسيأتي في محله \"باب فضل اتباع الجنائز\".\nفالأوجه عندي: أن المراد بالاتباع في مبدأ الكتاب ليس المشي خلف الجنازة، لئلا يرد ما تقدم من ذكره في غير محله، بل المراد فيه الاهتمام بتجهيزه، والمبادرة في غسله وتكفينه، كما يقال: الجيش يتبع السلطان،\n_________\n(^١) (ص ٢٩٣).","vol":"1","page":229},{"text":"أي: يتوخى موافقته، وإن تقدم كثير منهم في المشي والركوب، كما حمل عليه الحديث القسطلاني (^١) مجيبًا للحنفية، إذ استدلوا بالحديث على أن المشي خلفها أفضل.\nوعلى هذا، فلا يرد على الإمام البخاري أيضًا أنه ذكر الأمر باتباعها في أولها، والفضل في اتباعها بعد أبواب كثيرة؛ لأن المراد بالاتباع في الثاني المشي خلفها، فذكره في محله، والمراد بالاتباع في أول الكتاب غير المشي، وهذا وإن كان مخالفًا لما اختاره الحنفية إلا أن البخاري ليس بمقلد لهم.\nوهذا الأصل غير الأصل الثاني والأربعين والثالث والستين، فبين الثلاثة فرق واضح لا يلتبس عليك أحدها بالآخر.\n\n٦٨ -<span data-type='title' id=toc-174> الثامن والستون: عدم الجزم للاحتمال:</span>\nأن الإمام البخاري - رحمه الله تعالى -، قد لا يجزم في الترجمة بالحكم؛ شحذًا للأذهان؛ لمجرد الاحتمال الناشئ من غير دليل، فكأنه يُنَبِّهُ الناظر على أن يجيل نظره، ويسبق فكره في الاحتمالات الناشئة من النصوص.\nمثلًا: ترجم \"باب إذا اشتدّ الحر يوم الجمعة\"، ولم يذكر فيه حكمًا، وأورد فيه حديث أنس يقول: \"كان النبي - ﷺ - إذا اشتدّ البرد بكَّر بالصلاة، وإذا اشتدّ الحر أبرد بالصلاة، يعني الجمعة\" (^٢)، وقد أخرج قبل ذلك عن أنس - ﵁ - قال: \"كنا نُبَكِّر بالجمعة، ونقيل بعد الجمعة\" (^٣)، قال الحافظ (^٤): لم يجزم المصنف بحكم الترجمة للاحتمال الواقع في قوله: \"يعني الجمعة\" لاحتمال أن يكون من كلام التابعي، أو من دونه، وهو ظن\n_________\n(^١) انظر: \"إرشاد الساري\" (٣/ ٣٤٢).\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (ح: ٩٠٦).\n(^٣) \"صحيح البخاري\" (ح: ٦٠٥).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٢/ ٣٨٩).","vol":"1","page":230},{"text":"ممن قاله، والتصريح عن أنس في الرواية الماضية أنه كان يبكر بها مطلقًا، إلى آخر ما بسطه الحافظ.\nوقال أيضًا في \"باب الصلاة قبل العيد وبعدها\" (^١): أورد فيه أثر ابن عباس: أنه كره الصلاة قبل العيد، وحديثه المرفوع في ترك الصلاة قبلها وبعدها، ولم يجزم بحكم ذلك؛ لأن الأثر يحتمل أن يراد به منع التنفل أو نفي الراتبة، وعلى المنع فهل هو لكونه وقت كراهة أو لِأَعَمّ من ذلك؟ ويؤيد الأول الاقتصار على القبل، وأما الحديث فليس فيه ما يدل على المواظبة، فيحتمل اختصاصه بالإمام دون المأموم، أو بالمصلَّى دون البيت، وقد اختلف السلف في جميع ذلك، انتهى.\nكذا أفاد، وكأنه حمل عدم الجزم بالحكم على الاحتمالات الواردة في الأثر والحديث، كما صرح بذلك، لكن الأوجه عندي أن هذا الباب من الأصل الخامس والثلاثين، فإن الحافظ أقرَّ بنفسه اختلاف السلف في جميع ذلك.\nوقال الحافظ أيضًا في \"باب إذا أسلمت المشركة أو النصرانية تحت الذمِّي أو الحربي\" (^٢)، ولم يجزم بالحكم، لإشكاله. بل أورد الترجمة مورد السؤال فقط، وقد جرت عادته أن دليل الحكم إذا كان محتملًا لا يجزم بالحكم، انتهى.\nقلت: ولهذا الأصل أيضًا نظائر في \"الصحيح\"، وهذا غير الأصل الرابع، إذ عدم الجزم فيه كان لاختلاف الروايات، وغير الأصل الخامس والثلاثين أيضًا؛ لأن عدم الحكم فيه كان لاختلاف العلماء في ذلك، وكذا غير السابع والأربعين إذ فيه عدم الجزم للتوسع، فلا التباس بين الأصول الثلاثة.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٤٧٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٤٢٠).","vol":"1","page":231},{"text":"٦٩ -<span data-type='title' id=toc-175> التاسع والستون: ذكر الأضداد:</span>\nمن عادة البخاري المطَّردة في كتابه ذكر الأضداد في الكتب كما ذكر في \"كتاب الإيمان\" أبواب الكفر والنفاق، قال الحافظ في \"باب كفران العشير\"، بعد نقل بديعة عن ابن العربي في تخصيصه من بين الذنوب: يؤخذ من كلامه مناسبة هذه الترجمة لأمور الإيمان، وذلك من جهة كون الكفر ضد الإيمان (^١)، انتهى.\nوذكر في \"كتاب الاستسقاء\": \"باب دعاء النبي - ﷺ -: اجعلها سنين كسني يوسف\"، قال العيني (^٢): فإن قلت: ما وجه إدخال هذا الباب في أبواب الاستسقاء؟ قلت: للتنبيه على أنه كما شُرع الدعاء في الاستسقاء للمؤمنين، كذلك شُرع الدعاء بالقحط على الكاذبين؛ لأن فيه إضعافهم وهو أنفع للمسلمين، انتهى.\nوكذا قال الحافظ (^٣) وزاد: لما فيه من نفع الفريقين بإضعاف عَدَوِّ المؤمنين ورقّة قلوبهم ليذلّوا للمؤمنين، وقد ظهر من ثمرة ذلك التجاؤهم إلى النبي - ﷺ - أن يدعو لهم برفع القحط، كما في الحديث الثاني، ويمكن أن يقال: إن المراد أن مشروعية الدعاء على الكافرين في الصلاة تقتضي مشروعية الدعاء للمؤمنين فيها، فثبتت بذلك صلاة الاستسقاء خلافًا لمن أنكرها، انتهى.\nقلت: ولا يحتاج إلى هذه التوجيهات عندي لما علم من دأبه ذكر الأضداد، فإنَّ بضدها تتبيَّنُ الأشياء، وقد أخرج البخاري (^٤): في أول \"الجنائز\" عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من مات يشرك بالله دخل النار\"، وقلت أنا: من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة، فهذا استدلال منه - ﵁ - بالضد، واستنباط بالحديث حكم خلافه.\n\n٧٠ -<span data-type='title' id=toc-176> السبعون: التراجم المستقلة على أجزاء الحديث الواحد:</span>\nمن دأبه المطَّرد في \"صحيحه\" أنه إذا كان في حديث واحد أوامر\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٨٣).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٥/ ٢٤٦).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٢/ ٤٩٣).\n(^٤) \"صحيح البخاري\" (١٢٣٨).","vol":"1","page":232},{"text":"عديدة، أو النهي عن أمور عديدة، يترجم لكل من ذلك ترجمةً مستقلةً تنبيهًا على استقلال كل ذلك من المأمورات أو المنهيات.\nمثلًا: وَرَدَ في الحديث: \"ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية\" (^١)، فترجم الإمام لكل من تلك الأمور تراجم مستقلةً، وهكذا ورد في حديث أبي سعيد الخدري: \"كنا نخرج زكاة الفطر صاعًا من طعام، أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من تمر، أو صاعًا من أقط، أو صاعًا من زبيب\" (^٢)، فترجم الإمام لكل من تلك ترجمةً مستقلةً غير الأقط، ولم يذكر للأقط عندي للأصل الخامس والستين، وإلا فلا وجه لتركه من الجملة الواردة في الحديث، وهكذا ترجم في \"كتاب البيوع\" لجميع أجزاء حديث الربا، ونظائر ذلك في \"كتاب اللباس\" عديدة.\nوهذا آخر ما اكتفيت به من الأصول المفصَّلة رعاية لعدد السبعين المرعية في كثير من الأحاديث، وإلا فدقائق استنباطه وأصول تراجمه كثيرة غير ما تقدم، كالفرق بين المترجم له والمترجم به، كما أشار إليه الحافظ (^٣) في \"باب يهوي بالتكبير حين يسجد\"، وكاختيار أهون الأمرين، والأخذ بالاستصحاب، وإطلاق أحد اللفظين على الآخر لغةً، كإطلاق الحيض على النفاس، وغير ذلك، يظهر لمن سهر الليالي للخوض في بحر اللآلي، ومع ذلك كم من تراجم له لا يروي الغليل ما قيل فيها من الأقاويل، وإنْ أَكثَرَ العلماءُ فيها من التعاليل، كـ \"باب من بدأ بالحلاب والطيب\"، و\"باب فضل صلاة الفجر والحديث\"، و\"باب ميمنة المسجد والإمام\"، وغير ذلك من التراجم الصعبة، وإن اخترعت فيها أيضًا نكات اتباعًا للأسلاف، شكر الله سعيهم وجزاهم عني وعن سائر طلبة [صحيح] البخاري أحسن الجزاء.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (ح: ١٢٩٧)، ومسلم (ح: ١٠٣).\n(^٢) أخرجه البخاري (ح: ١٥٠٦)، ومسلم (ح: ٩٨٥).\n(^٣) انظر: \"فتح الباري\" (٢/ ٢٩١).","vol":"1","page":233},{"text":"<span data-type='title' id=toc-177>الفائدة الرابعة في الوجوه العامة الشائعة على ألسنة المشايخ المسطورة في الشروح من غلط النسَّاخ، أو الوهم من الإمام البخاري، أو عدم تبييضه للكتاب، لما قد اخترمته المنية قبل التبييض، أو وصْل الرواة لما كان في الأصل من البياضات، وغير ذلك من الأمور التي اضطروا إليها عند العجز عن التوافق بين الترجمة والحديث</span>\nولم يظهر لهذا العبد الضعيف الفقير إلى رحمة ربه العليا شيء من ذلك.\nفما من ترجمة من التراجم في \"البخاري\" إلا وهو داخل في أصل ما من الأصول السبعين المذكورة في الفائدة الثالثة، إلا أنه لما كانت هذه الأمور معروفة عند الشراح والمشايخ أفردت ذكرها في فائدة مستقلة.\nوقد تقدم في أول الفائدة الثانية ما حكى الحافظ في \"المقدمة\" (^١) عن الشيخ محيي الدين، أنه لم يقع في بعض التراجم شيء من الحديث وغيره، وقد ادَّعى بعضُهم أنه صنع ذلك عمدًا، وغرضه أن يُبَيِّن أنه لم يثبت عنده حديث بشرطه في المعنى الذي ترجم عليه، ومن ثمة وقع من بعض من نسخ الكتاب ضم باب لم يذكر فيه حديث إلى حديث لم يذكر فيه باب، فأشكل فهمه على الناظر فيه.\nوقد أوضح السبب في ذلك الإمام الباجي المالكي (^٢)، إذ حكى عن المستملي أنه قال: انتسخت البخاري من أصله الذي كان عند الفربري، فرأيت فيه أشياء لم تتم وأشياء مبيَّضة، منها تراجم لم يُثبت بعدها شيئًا، ومنها أحاديث لم يترجم لها، فأضفنا بعض ذلك إلى بعض.\n_________\n(^١) انظر: \"هدي الساري\" (ص ٨).\n(^٢) \"كتاب التعديل والتجريح لرجال البخاري\" (١/ ٣١٠).","vol":"1","page":234},{"text":"قال الباجي: ومما يدل على صحة هذا القول أن رواية المستملي والسرخسي والكشميهني وأبي زيد المروزي مختلفة بالتقديم والتأخير، مع أنهم انتسخوا من أصل واحد، وإنما ذلك بحسب ما قدر كل واحد منهم فيما كان في طرة أو رقعة مضافة أنه من موضع ما فأضافه إليه، ويبين ذلك أنك تجد ترجمتين أو أكثر من ذلك متصلةً ليس بينها أحاديث.\nقال الباجي: وإنما أوردت هذا ههنا لما عني به أهل بلدنا من طلب معنى يجمع بين الترجمة والحديث، وتكلفهم من ذلك من تعسف التأويل ما لا يسوغ، قال الحافظ: وهذه قاعدة حسنة يفزع إليها حيث يتعسر وجه الجمع بين الترجمة والحديث، انتهى مختصرًا.\nتقدم كلامه هذا في أول الفائدة الثانية من هذا الفصل، وذكرت في هامشه ما أورد القسطلاني عليه إذ قال (^١): وهذا الذي قاله الباجي فيه نظر من حيث إن الكتاب قرئ على مؤلفه، ولا ريب أنه لم يُقرأ عليه إلا مرتبًا مبوبًا، فالعبرة بالرواية لا بالمسوَّدة التي ذكر صفتها، انتهى.\nقلت: ويؤيد ذلك أيضًا ما قال القسطلاني في ترجيح نسخة (^٢) اعتمد عليها في \"شرحه\" (^٣): ولقد عوّل الناس عليه في روايات الجامع لمزيد اعتنائه وضبطه ومقابلته على الأصول المذكورة وكثرة ممارسته له، حتى إن الحافظ شمس الدين الذهبي حكى عنه أنه قابله في سنة واحدة إحدى عشرة مرة، إلى آخر ما بسط من الاهتمام في المقابلة والتصحيح.\nويؤيد الباجي ما قال شيخ المشايخ في \"تراجمه\" (^٤) في \"باب إذا لم يتم السجود\": نقل عن الفربري أن بعض أوراق الكتاب كان غير\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١/ ٤٣).\n(^٢) هي نسخة الحافظ شرف الدين اليونيني، المتوفى سنة ٧٠١ هـ.\n(^٣) \"مقدمة إرشاد الساري\" (ص ٦٨).\n(^٤) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ١٥٩).","vol":"1","page":235},{"text":"ملتصق بالكتاب، فوقع الخطأ من بعض النساخ في إلحاق تلك الأوراق، فألحقوها في غير الموضع الذي أراد المصنف إلحاقها فيه في نفسه، وهذا الباب في هذا المقام من هذا القبيل، انتهى.\nوقال الحافظ في \"باب طول القيام في صلاة الليل\" (^١)، وقد أخرج فيه البخاري حديث السواك: استشكل ابن بطال دخوله في هذا الباب فقال: لا مدخل له ههنا؛ لأن التسوك في صلاة الليل لا يدل على طول الصلاة، قال: ويمكن أن يكون ذلك من غلط الناسخ، فكتبه في غير موضعه، أو أن البخاري أعجلته المنية قبل تهذيب كتابه، فإن فيه مواضع مثل هذا تدل على ذلك، انتهى.\nوقد تقدم في الفائدة السادسة من الفصل الثاني ما قالوا في التراجم الخالية عن الأحاديث أن البخاري أراد كتابة الحديث، ولم يتفق له لعوارض، أو لم يجد على شرطه فيه، انتهى.\nوقال الحافظ (^٢) في \"باب يعكفون على أصنام لهم\": وقد أخرج البخاري فيه حديث جابر - ﵁ -: \"كنا مع رسول الله - ﷺ - نجني الكباث. . .\" الحديث، ولا تعلق له بالترجمة، فقال: والذي يهجس في خاطري أنه كان بين التفسير وبين الحديث بياض أُخلي لحديثٍ يدخل في الترجمة، ولترجمةٍ تصلح لحديث جابر، ثم وصل ذلك كما في نظائره، انتهى.\nوقال الكرماني في \"باب فضل العلم\" (^٣): واقتصر فيه البخاري على الآية، ولم يذكر فيه حديثًا، قال: فإن قلت: هذا هو ترجمة الباب فأين ما هذا ترجمته إذ لم يذكر فيه حديثًا أصلًا، فضلًا عما يدل على المترجم عليه؟ قلت: قال بعض الشاميين: بوّب البخاري الأبواب وذكر التراجم، وكان يلحق بالتدريج إليها الأحاديث المناسبة لها، فلم يتفق له أن يلحق إلى\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ١٩).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ٤٣٩).\n(^٣) \"صحيح البخاري بشرح الكرماني\" (٢/ ٢).","vol":"1","page":236},{"text":"هذا الباب ونحوه شيئًا منها، إما لأنه لم يثبت عنده حديث يناسبه بشرطه، وإما لأمر آخر، وقال بعض أهل العراق: ترجم ولم يذكر فيه شيئًا قصدًا منه ليعلم أنه لم يثبت في ذلك شيء عنده، انتهى.\nوقال الحافظ في الباب المذكور: فإن قيل: لم لم يورد في هذا الباب شيئًا من الحديث؟ فالجواب: أنه إما أن يكون اكتفى بالآيتين الكريمتين، وإما بيَّض له ليلحق فيه ما يناسبه فلم يتدبر، وإما أورد فيه حديث ابن عمر الآتي بعد \"باب رفع العلم\" ويكون وضعه هناك من تصرُّف بعض الرواة، وفيه نظر.\nونقل الكرماني عن بعض أهل الشام، فذكر ما تقدم من قوله، ثم قال: والذي يظهر لي أن هذا محله، حيث لا يورد فيه آية ولا أثرًا، أما إذا أورد آية أو أثرًا فهو إشارة منه إلى ما ورد في تفسير تلك الآية، وأنه لم يثبت فيه شيء على شرطه، وما دلت عليه الآية كافٍ في الباب، وإلى أن الأثر الوارد في ذلك يقوى به طريق المرفوع، وإن لم يصل في القوة إلى شرطه، انتهى.\nوذكر العيني (^١) ما حكى الكرماني عن بعض الشاميين والعراقيين، ثم قال: وهذا كله كلام غير سديد لا طائل تحته، إلى آخر ما قاله.\nوقال القسطلاني (^٢): اكتفى المصنف بهاتين الآيتين؛ لأن القرآن العظيم أعظم الأدلة، أو لأنه لم يقع له حديث من هذا النوع على شرطه، أو اخترمته المنية قبل أن يلحق بالباب حديثًا يناسبه؛ لأنه كتب الأبواب والتراجم، ثم كان يلحق فيها ما يناسبها من الحديث على شرطه، فلم يقع له شيء من ذلك، انتهى.\nوسيأتي قريبًا في \"اللامع\" (^٣) ما اختاره الإمام الكَنكَوهي في الباب المذكور، وفي هامشه ما اختاره هذا العبد الفقير إلى مغفرة ربه، والغرض\n_________\n(^١) انظر: \"عمدة القاري\" (٢/ ٤).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١/ ٢٦٥).\n(^٣) انظر: \"لامع الدراري\" (٢/ ٢).","vol":"1","page":237},{"text":"من سرد هذه الأقاويل أجوبتهم العامة في أمثال هذه المواقع من أنه من تصرُّف الرواة، أو كان بياضًا فلم يتفق له، أو اخترمته المنية من قبل التبييض، أو تنبيهًا على أنه لم يجد فيه شيئًا على شرطه، وقد عرفت فيما سبق أنه ليس عندي شيء من ذلك، بل كل التصرُّفات فعلها البخاري عمدًا، وكل ذلك داخل في أصل ما من الأصول السبعين المتقدمة في الفائدة الماضية، انتهى ما في مقدمة \"اللامع\".\nثم اعلم أن شيخ الهند (^١) - ﵀ - ذكر في آخر تراجمه إشاراتٍ إلى التراجم التي ليس لها حديث مسند، وجعلها ثلاثة أنواع، وهذا تعريبه:\n\"لقد ذُكرت في مواقع كثيرة مع الباب الترجمة فقط بدون ذكر الحديث المسند، فهذه سَنُعَبِّر عنها بالتراجم المجرَّدة، وقد ذكر الشرَّاح المحققون في هذه أيضًا عدة احتمالات، فحيثما تأتي التراجم المجردة يحومون حولها.\nولكن الذي يظهر بعد الخوض والفحص أن التفصيل فيها أحق بالقبول، فنقول:\nإن التراجم المجردة نوعان:\nأولهما: التراجم التي ذكرت في ذيلها آية أو حديث أو قول أحد، وإن لم يذكر فيها حديث مسند، فهذه نسمِّيها التراجم المجردة غير المحضة، ونظائرها كثيرة في الكتاب.\nوثانيهما: التراجم التي لم يذكر في ذيلها شيء، يعني: كما أنه لم يذكر في ذيلها حديثًا مسندًا، فكذلك لم يأت بأي آية أو حديث أو أثر، فما هي إلا دعوى فقط دون أي شيء آخر، فهذه نرى أن نسمِّيها التراجم المجرّدة المحضة، وهذه نظائرها قليلة جدًا.\n_________\n(^١) هو الشيخ العالم الكبير العلَّامة المحدث محمود حسن الديوبندي، أعلم العلماء في العلوم النافعة، توفي سنة ١٣٣٩ هـ، انظر ترجمته في: \"الإعلام بمن في الهند من الأعلام\" (ص ١٣٧٧).","vol":"1","page":238},{"text":"وتوجد في القسم الثاني - أي: التراجم المجردة المحضة - بعض الأبواب جعل فيها المؤلف - ﵀ - نفس الآيات ترجمة للباب.\nفأصبحت الآن التراجم المجردة ثلاثة أنواع:\nالأول: التراجم المجرَّدة غير المحضة.\nوالثاني: التراجم المجردة المحضة، التي جعلت فيها الآيات القرآنية ترجمة، وهذه نسمِّيها التراجم المحضة الصورية.\nوالثالث: التراجم المجردة المحضة، وهي التي جعل المؤلف - ﵀ - فيها قول نفسه - أي: دعواه - ترجمة، وهذه نسمِّيها التراجم المحضة الحقيقية.\nوأقول بعد هذا التفصيل:\nإن القسم الأول - أعني: التراجم المجردة غير المحضة - بما أنه يذيِّلها بآية، أو حديث، أو قول مسند صالح للاحتجاج به، فكل من هذه كافٍ جدًّا لإثبات المدَّعى، فظاهر أنه لا ينتظر من المؤلف شيء آخر لإثبات دعواه حتى يكون الإتيان بدليل آخر ضروريًا، فلا إشكال إذًا مطلقًا على اكتفاء المؤلف بالدلائل المذكورة.\nوكذا القسم الثاني - يعني: التراجم المحضة الصورية -، وإن كان في الظاهر أنه لم يذكر بذيلها دليلًا ما، ولكن لما كانت الترجمة نفسها هي آية قرآنية وهي دليل فوق كل دليل، فلا يحتاج لإثبات نفسه إلى أي دليل آخر، فهي في ظاهر النظر ترجمة محضة، ولكنها في الحقيقة مصداق قولهم: \"دعوى دليلها نفسها\"، فهذا النوع من التراجم ينبغي أن تكون حالها بدون تكلف بل بالطريق الأولى مثل حال القسم الأول كما ذكرناه.\nفمن ظَنّ أن دعوى المؤلف في هذين القسمين من غير دليل، فظنه فاسد.\nبقي أنه لِم لم يذكر في هذين القسمين الحديث المسند كعادته المستمرة واكتفى بالآية ونحوها؟","vol":"1","page":239},{"text":"فاعلم أن ذلك قد يكون لأنه لم يجد حديثًا على شرطه، وقد يكون موجودًا إلا أنه ذكره في موضع آخر، ولا يذكره حذرًا عن التكرار، وقد لا يذكر بقصد التمرين وتشحيذًا للأذهان.\nوالآن لم يبق إلا النوع الثالث، أي: التراجم المحضة الحقيقية التي لم يذكر بذيلها أيّ دليل، وهي بنفسها كذلك لا تعد حجة ولا دليلًا، فهي على الظاهر دعوى محضة لا دليل معها.\nفنقول: إننا لم نجد مثل هذه التراجم بعد تقليب الأوراق مرة بعد أخرى، إلا في مواضع قليلة معدودة لا يبلغ عددها عشرة، ويمكن أن يُزاد على هذا العدد شيءٌ ما لاحتمال قصور نظرنا ولأجل أختلاف النسخ، ولكن على هذا يمكن أن ينقص أيضًا.\nثم أكثر هذه التراجم ذكر الحديث المطابق لها صراحة، إما في الباب السابق له أو اللاحق به سوى عدة أبواب، اثنان أو أكثر من ذلك، لم يظهر لنا الحديث المطابق لها في الأبواب القريبة منها، ولكنه موجود في الأبواب البعيدة منها.\nوالراجح عندنا بعد إدارة النظر على ذلك أن المؤلف عمدًا اقتنع في هذه المواضع بالتراجم المحضة، واكتفى بتلك الأحاديث الموجودة في الأبواب القريبة منها والبعيدة احترازًا عن التكرار، أو تشحيذًا للأذهان، أو لكليهما.\nهذا ما عندنا من التفصيل، والله أعلم بالصواب وبمراد العباد\". انتهى.\nويقول العبد الفقير زكريا:\nإنه عندي أيضًا كذلك، فقد تفحَّصت فوجدت أن الأبواب التي ليس بذيل تراجمها حديث، فالأصل الكلي في أغلبها أن يكون الحديث المطابق له قريبًا قبله أو بعده، كما سيأتي ذلك في التراجم المفصَّلة في مواقعها، إن شاء الله تعالى.","vol":"1","page":240},{"text":"والظاهر عندي أيضًا أن الإمام البخاري ترك الحديث ههنا تشحيذًا للأذهان، والله تعالى أعلم بالصواب.\nوهذا جدول الأبواب التي ذكرها شيخ الهند - ﵀ - في تراجمه من الأنواع الأربعة:\nوكتب شيخ الإسلام حضرة الحاج مولانا السيد حسين أحمد المدني المبيِّض والطابع لهذه التراجم، فقال ما تعريبه:\n\"إنه وجد في مسوَّدات شيخ الهند - ﵀ -، فهرسًا متضمنًا للجداول الثلاثة الآتية، وكتب قبله: أنه لم يتيسر له إبراز ما كان عنده من الرأي بأجمعه مما يتعلق بتراجم \"البخاري\" وأغراضها.\nولكن وُجد في مسوَّداته فهرس قد أتى فيه أكثره على وجه الإجمال والرمز والإشارة.\nوهذا الفهرس ينقسم إلى ثلاثة أقسام:\nفالقسمان الأوَّلان - أي: التراجم المجردة والتراجم غير المجردة - أشير فيهما إلى مواضع التراجم برقم الصفحة والمجلد - بأن جعل رقم الصفحة فوق علامة الصفحة وهي صفـ، ورقم المجلد تحتها، مثلًا كتب بعد \"باب فضل الصدقة\" هكذا: صفـ ١٦١/ ١، ومعناه: أن هذا في المجلد - الأول من \"البخاري\" على صفـ ١٦١.\nوهذا هو حال القسم الثاني من المسمَّى بالتراجم غير المجردة.\nوأما القسم الثالث - أي: الأبواب بلا ترجمة - فتجد بإزاء بعض الأبواب رمز (نـ) وبإزاء بعضها (ـــتـ)، قد كتبها شيخ الهند قُدِّس سرُّه هكذا على وجه الرمز والإشارة ليبسطها ويفصلها إذا بلغ إليها وحان وقتها، فالباب الذي رمز بإزائه (نـ) (أي: نقطة واحدة)، فكان رأي شيخ الهند فيه أن المصنف ترك الترجمة لقصد التمرين وتشحيذًا للأذهان، والباب الذي رمز بإزائه (ـــتـ) (أي: علامة ـــتـ فوقها نقطتان)، فكان رأي الشيخ فيه أنه","vol":"1","page":241},{"text":"تركت الترجمة فيه لكون الحديث الذي فيه يتعلق بالباب السابق.\nوقد وجد في هذه المسودة رمز (ـــثـ) (أي: علامة ـــثـ فوقها ثلاث نقاط)، وقد كتب فوقها لفظ الخطأ، ولكن لم يوجد هذا الرمز في هذا الفهرس، ومقصوده واضح، وهو أن الباب الذي كتب بإزاء هذا الرمز خطأ، ولكن لا يتعين الخطأ ممن هو، والذي ينساق إليه أذهاننا أن المراد به خطأ الناسخين.\nوهذا القسم الثالث قد وضع رقم المجلد بإزاء علامة الصفحة وكتب تحتها الأبواب التي يوجد فيها هذا الباب.\nوقد قدَّمتُ أن شيخ الهند قُدِّس سرُّه لم يكن عنده إلا نسخة مطبوعة بمصر، فالذي كتبه فهو من تلك النسخة المصرية، وقد وَجَدْت في هذا الفهرس أبوابًا بلا ترجمة لم يرقم لصفحاتها، ولكن كتب بإزائها رقم المجلد، ولم يذكر رمز نقطة واحدة أو اثنتين، ووجهه ظاهر.\nوقد كان سهلًا عليَّ أن أُعلِّم بعلامة الصفحات من النسخة المصرية، ولكن لم أتجاسر عليه لأمرين:\nالأول: أنه لا يمكن تعيين مقصد شيخ الهند قُدِّس سرُّه في تلك الأبواب المتروكة التراجم، أكان يظنها متروكة الترجمة لقصد التمرين أو للتعلق بالباب المقدم؟\nوالثاني: أن قلة بضاعتي في العلم لم يأذن لي أن أتصرف في تصنيف الشيخ بنوع من التصرف.\nوبالجملة، أن هذه الرسالة إن لم تكن بدرًا كاملًا لكونها لم تتم، فلا أقلّ من أن تكون قمرَ عشرِ ليال\".\nحسين أحمد المهاجر المدني (^١)\n_________\n(^١) هو المحدث الكبير السيد حسين أحمد المدني، الشهير بشيخ الإسلام المدني، المتوفى سنة ١٣٧٧ هـ، وصلَّى عليه مؤلف الأبواب والتراجم للبخاري في جمع غفير لا يحصى، انظر: \"العناقيد الغالية\" (ص ١٠٧)، و\"نزهة الخواطر\" (٨/ ١٢٣٤).","vol":"1","page":242},{"text":"<span data-type='title' id=toc-178>الجدول رقم (١) التراجم المجردة المحضة (التي ليس فيها حديث، ولا ذكر مع الترجمة شيئًا من الآيات والآثار)</span>\n. . . . . . . . … النسخة المصرية … النسخة الهندية … النسخة المحققة (^١)\n١ … باب فضل الصدقة من كسب … ١/ ١٦١ (^٢) … ١/ ١٨٩ (^٣) … ٣/ ٤٢٢\n٢ … باب التعجيل إلى الموقف … ١/ ١٩٠ … ١/ ٢٢٦ … ٤/ ١٥\n٣ … باب الخروج في الفزع وحده … ٢/ ١٠١ … ١/ ٤١٧ … ٦/ ٢٢٩\n٤ … باب جوائز الوفد … ٣/ ١٠٩ … ١/ ٤٢٩ … ٦/ ٣٣١\n٥ … باب ذكر مصعب بن عمير (^٤) … ٢/ ١٨٥ … ١/ ٥٣٠ … -\n٦ … باب إذا أعتق عبدًا بينه وبين آخر … ٤/ ٩٩ … ٢/ ٩٩٤ … ١٣/ ١٦٩\n٧ … باب ميراث العبد النصراني والمكاتب النصراني وإثم من انتفى من ولده ٤/ ١٠٤ … ٢/ ١٠٠١ … ١٣/ ٢٣٣\n٨ … باب عمود الفسطاط تحت وسادته … ٤/ ١٣٠ … ٢/ ١٠٣٨ … ١٣/ ٦٥٠\n٩ … باب إثم من قذف مملوكه (ليس في محله) … ٤/ ٥٣ (^٥) … - … -\n_________\n(^١) زدنا صفحات النسخة الهندية للطبعة الجديدة بتحقيق والدي الأستاذ الدكتور تقي الدين الندوي - حفظه الله ورعاه - في خمسة عشر مجلدًا.\n(^٢) هكذا في تراجم شيخ الهند، وهو صفحات النسخة المصرية، والأسف على أنني لم أظفر بالنسخة المصرية التي كانت عند شيخ الهند قُدِّس سرُّه، فلم أقدر على تصحيح الصفحات التي كتبت في الأصل، وقد وقع فيها تحريف من النساخ، فلم أجد بدًّا إلا في اتباعه (ز). [كان في الأصل رقم الصفحة هكذا (صفـ) فغيرناه هكذا ١/ ١٦١ حسب الطباعة الجديدة].\n(^٣) وهي صفحات النسخة الهندية، ليست في أصل الكتاب بل زدتها تسهيلًا للطلبة الهندية (ز).\n(^٤) ليس هذا في أصل النسخ الهندية بل في هامشه (ز).\n(^٥) كذا في الأصل، ولم نجد هذا الباب في الهندية.","vol":"1","page":243},{"text":"<span data-type='title' id=toc-179>الجدول رقم (٢) التراجم المجردة (لكن جعل الآية ترجمة)</span>\n. . . . . . . … النسخة المصرية … النسخة الهندية … النسخة المحققة\n١ … باب قول الله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ … ٢/ ٨١ … ١/ ٣٨٧ … ٥/ ٧٤١\n٢ … باب ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾ … ٢/ ١٣٦ … ١/ ٤٦٥ … ٦/ ٦٦٦\n٣ … باب قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ﴾ … ١/ ١٨٢ … ١/ ٢١٦ … ٣/ ٦٦٣\n٤ … باب ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ﴾ إلخ. … ١/ ١٩٥ … ١/ ٢٣٢ (^١) … ٤/ ٧٣\n٥ … باب قول الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى﴾ … ٢/ ١٤٧ … ١/ ٤٨٠ (^٢) … ٧/ ٢٧\n٦ … باب ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾ إلخ. … ٢/ ١٥١ … ١/ ٤٨٤ … ٧/ ٦٥\n٧ … باب ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي﴾ إلخ. … ٢/ ١٥١ … ١/ ٤٨٥ … ٧/ ٧٣\n٨ … باب ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾ إلخ. … ٢/ ١٥٣ … ١/ ٤٨٧ … ٧/ ٩٥\n٩ … باب قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ﴾ إِلَى ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ … ٤/ ١١١ … ٢/ ١٠١١ … ١٣/ ٣٣٣\n١٠ … باب قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلخ. … ٤/ ١١٤ … ٢/ ١٠١٥ … ١٣/ ٣٨٣\n١١ … باب قول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ﴾ إلخ. … ٤/ ١١٥ … ٢/ ١٠١٧ … ١٣/ ٣٩٨\n١٢ … باب ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ﴾ إلخ. … ٢/ ١٥٠ … ١/ ٤٨٣ … ٧/ ٥٧\n١٣ … باب ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ﴾ … ٢/ ١٥٧ … ١/ ٤٩٢ … ٧/ ١٤٦\n١٤ … باب قول الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا﴾ إلخ. … ٣/ ١١٧ … ٢/ ٧١٨ … ٩/ ٧٥٧\n_________\n(^١) كذا في نسخة الحاشية، وفي الأصل حديث (ز).\n(^٢) في الأصل حديث، وفي الحاشية باب آخر لم يذكر فيه حديث (ز).","vol":"1","page":244},{"text":"<span data-type='title' id=toc-180>الجدول رقم: (٣) التراجم غير المجردة التي ليس فيها حديث مسند، لكن ذكر في الترجمة آيةً أو حديثًا أو أثرًا</span>\n. . . . . . . . … النسخة المصرية … النسخة الهندية … النسخة المحققة\n١ … باب كيف كان بدء الحيض … ١/ ٤١ … ١/ ٤٣ … ١/ ٥٥٧\n٢ … باب استواء الظَّهر في الركوع … ١/ ٩٤ … ١/ ١٠٩ … ٢/ ٣٩٠\n٣ … باب يستقبل بأطراف رجليه القبلة … ١/ ٩٧ … ١/ ١١٢ … ٢/ ٤١٢\n٤ … باب صلاة الطالب والمطلوب راكبًا وإيماءً … ١/ ١١١ … ١/ ١٢٩ … ٢/ ٥٧٠\n٥ … باب من صفَّق جاهلًا من الرجال. . . إلخ … ١/ ١٣٨ … ١/ ١٦٢ … ٣/ ١٦٧\n٦ … باب الرياء في الصدقة … ١/ ١٦١ … ١/ ١٨٩ … ٣/ ٤٢١\n٧ … باب لا يقبل الله صدقة من غلول … ١/ ١٦١ … ١/ ١٨٩ … ٣/ ٤٢٢\n٨ … باب صدقة العلانية … ١/ ١٦٢ … ١/ ١٩١ … ٣/ ٤٣٨\n٩ … باب صدقة السر … ١/ ١٦٢ … ١/ ١٩١ … ٣/ ٤٣٨\n١٠ … باب المنَّان بما أعطى … ١/ ١٦٣ … ١/ ١٩٢ … ٣/ ٤٥٠\n١١ … باب المُحْصَر وجزاء الصيد … ١/ ٢٠٣ … ١/ ٢٤٣ … ٤/ ١٧١\n١٢ … باب قول النبي - ﷺ -: \"إذا توضأ فليستنشق بمنخره الماء\" … ١/ ٢١٧ … ١/ ٢٥٩ … ٤/ ٣٢٦\n١٣ … باب أمر النبي - ﷺ - اليهود ببيع أرضهم … ٢/ ١٨ … ١/ ٢٩٧ … ٤/ ٤٧٦\n١٤ … باب من رمى جمرة العقبة ولم يقف … ١/ ١٩٨ … ١/ ٢٣٦ … ٤/ ١٠٩\n١٥ … باب الإهلال من البطحاء … ١/ ١٨٩ … ١/ ٢٢٤ … ٣/ ٧٣٥\n١٦ … باب إذا وقف في الطواف … ١/ ١٨٥ … ١/ ٢٢٠ … ٣/ ٦٩٨\n١٧ … باب صدقة الكسب والتجارة … ١/ ١٦٥ … ١/ ١٩٤ … ٣/ ٤٦٧\n١٨ … باب من استأجر أجيرًا فبين له الأجل. . . إلخ … ٢/ ٢١ … ١/ ٣٠١ … ٤/ ٧٢٠","vol":"1","page":245},{"text":".. النسخة المصرية … النسخة الهندية … النسخة المحققة\n١٩ … باب في الشرب (^١) … ٢/ ٣١ … ١/ ٣١٦ … ٥/ ١٠٩\n٢٠ … باب من أَخَّرَ الغَريمَ إلى الغد … ٢/ ٣٦ … ١/ ٣٢٣ … ٥/ ١٧٧\n٢١ … باب الانتصار من الظالم … ٢/ ٤١ … ١/ ٣٣١ … ٥/ ٢٤٩\n٢٢ … باب عفو المظلوم … ٢/ ٤٢ … ١/ ٣٣١ … ٥/ ٢٥٠\n٢٣ … باب إماطة الأذى … ٢/ ٤٣ … ١/ ٣٣٤ … ٥/ ٢٧٤\n٢٤ … باب ما جاء في البينة على المدعي … ٢/ ٦١ … ١/ ٣٥٩ … ٥/ ٤٩٩\n٢٥ … باب إذا وقف شيئًا فلم يدفعه إلى غيره … ٢/ ٧٩ … ١/ ٣٨٥ … ٥/ ٧٢٦\n٢٦ … باب إذا قال: داري صدقة لله … ٢/ ٨٠ … ١/ ٣٨٢ … ٥/ ٧٢٨\n٢٧ … باب قول الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ … ٢/ ٨١ … ١/ ٣٨٨ … ٥/ ٧٤٦\n٢٨ … باب من غزا وهو حديث عهد بعُرسه … ٢/ ١٠١ … ١/ ٤١٦ … ٦/ ٢٢٧\n٢٩ … باب من اختار الغزو بعد البناء … ٢/ ١٠١ … ١/ ٤١٦ … ٦/ ٢٢٧\n٣٠ … باب ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ … ٢/ ١٠٥ … ١/ ٤٢٣ … ٦/ ٢٨٤\n٣١ … باب هل للأسير أن يقتل ويخدع. . . إلخ … ٢/ ١٠٥ … ١/ ٤٢٣ … ٦/ ٢٥٨\n٣٢ … باب قول النبي - ﷺ - لليهود: \"أسلموا تسلموا\" … ٢/ ١١٠ … ١/ ٤٣٠ … ٦/ ٣٤٠\n٣٣ … باب ما يعطى البشيرُ … ٢/ ١١٢ … ١/ ٤٣٣ … ٦/ ٣٦٨\n٣٤ … باب إذا قالوا: صبأنا. . . إلخ … ٢/ ١٢٤ … ١/ ٤٥٠ … ٦/ ٥١١\n٣٥ … باب الموادعة من غير وقت … ٢/ ١٢٦ … ١/ ٤٥٢ … ٦/ ٥٣٠\n٣٦ … باب في النجوم … ٢/ ١٢٧ … ١/ ٤٥٤ … ٦/ ٥٥٠\n٣٧ … باب خلق آدم وذريته (^٢) … ٢/ ١٣٨ … ١/ ٤٦٨ … ٦/ ٦٩٣\n٣٨ … باب قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا. . .﴾ إلخ (^٣) … ٢/ ١٤٠ … ١/ ٤٧٠ … ٦/ ٧١٠\n_________\n(^١) فيه اختلاف بين المصرية والهندية في الترجمة وذكر الحديث، فليحرر (ز).\n(^٢) وفي الهندية فيه حديث مسند، فليحرر (ز).\n(^٣) وفي الهندية فيه حديث مسند، فليراجع إلى النسخة المصرية (ز).","vol":"1","page":246},{"text":".. النسخة المصرية … النسخة الهندية … النسخة المحققة\n٣٩ … باب ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ … ٢/ ١٧٠ (^١) … ١/ ٤٧٠ … ٦/ ٧١٧\n٤٠ … باب قصة إسحاق بن إبراهيم … ٢/ ١٤٦ … ١/ ٤٧٨ … ٦/ ٧٨٤\n٤١ … باب ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ﴾ … ٣/ ٧٥ … ٢/ ٦٦٠ … ٩/ ٩٩\n٤٢ … باب ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ. . .﴾ إلخ … ٣/ ٧١ … ٢/ ٦٥٥ … ٨/ ١٥٩\n٤٣ … باب ﴿هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ﴾ … ٣/ ٨٠ … ٢/ ٦٦٧ … ٩/ ١٧٧\n٤٤ … باب تفسير سورة المائدة … ٣/ ٧٦ … ٢/ ٦٦٢ … ٩/ ١٢٢\n٤٥ … باب قال ابن عباس. . . إلخ … ٣/ ٩٠ … ٢/ ٦٨١ … ٩/ ٣٤٠\n٤٦ … باب قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ﴾ … ٣/ ٦١ … ٢/ ٦٨٣ … ٩/ ٣٦٢\n٤٧ … باب ما يحل من النساء وما يحرم … ٣/ ١٤٩ … ٢/ ٧٦٥ … ١٠/ ٤٢٠\n٤٨ … باب قول الله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ. . .﴾ إلخ … ٣/ ١٥١ … ٢/ ٧٦٨ … ١٠/ ٤٤٦\n٤٩ … باب العدل بين النساء … ٣/ ١٦٠ … ٢/ ٧٨٥ … ١٠/ ٥٨٦\n٥٠ … باب إذا قال: فارقتك. . . إلخ … ٣/ ١٦٥ … ٢/ ٧٩٢ … ١٠/ ٦٥٢\n٥١ … باب لا طلاق قبل النكاح … ٣/ ١٦٦ … ٢/ ٧٩٣ … ١٠/ ٦٦٤\n٥٢ … باب إذا قال لامرأته وهو مكره. . . إلخ … ٣/ ١٦٦ … ٢/ ٧٩٣ … ١٠/ ٦٦٦\n٥٣ … باب الظهار (^٢) … ٣/ ١٦٩ … ٢/ ٧٩٧ … ١٠/ ٧٠٨\n٥٤ … باب ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ﴾ … ٣/ ١٧٢ … ٢/ ٨٠١ … ١٠/ ٧٤٩\n٥٥ … باب قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ. . .﴾ إلخ … ٣/ ١٧٢ … ٢/ ٨٠٢ … ١٠/ ٧٥٣\n٥٦ - باب وقال الله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ﴾ إلخ … ٣/ ١٧٦ … ٢/ ٨٠٧ … ١١/ ١٨\n٥٧ … باب الطاعم الشاكر. . . إلخ … ٣/ ١٨٥ … ٢/ ٨٢٠ … ١١/ ١٥٢\n_________\n(^١) كذا في الأصل (ز).\n(^٢) وفي الهندية في الحاشية: \"باب الظهار\"، وفي الأصل: \"باب قد سمع الله. . .\" إلخ، فليلاحظ، انتهى (ز).","vol":"1","page":247},{"text":". . … النسخة المصرية … النسخة الهندية … النسخة المحققة\n٥٨ … باب أكل المضطر … ٣/ ١٩٣ … ٢/ ٨٣٢ … ١١/ ٢٧٢\n٥٩ … باب رفع الأيدي في الدعاء … ٤/ ٦٥ … ٢/ ٩٣٨ … ١٢/ ٤٧٢\n٦٠ … باب الدعاء إذا هبط واديًا … ٤/ ٦٨ … ٢/ ٩٤٤ … ١٢/ ٥٢٠\n٦١ … باب رؤيا يوسف … ٤/ ١٤٧ … ٢/ ١٠٣٥ … ١٣/ ٦١١\n٦٢ … باب رؤيا إبراهيم … ٤/ ١٢٧ (^١) … ٢/ ١٠٣٥ … ١٣/ ٦١٤\n٦٣ … باب متى يستوجب الرجل القضاء … ٤/ ١٤٤ … ٢/ ١٠٦١ … ١٤/ ٤٥\n٦٤ … باب ذكر الله بالأمر. . . إلخ … ٤/ ١٨٣ … ٢/ ١١٢١ … ١٤/ ٦٦٠\n٦٥ … باب فضل العلم … ١/ ١٣ … ١/ ١٤ … ١/ ٢٨٥\n٦٦ … باب ما جاء في العلم (^٢) … ١/ ١٤ … - … -\n٦٧ … باب العلم قبل القول والعمل … ١/ ١٥ … ١/ ١٦ … ١/ ٣٠٣\n٦٨ … باب ما جاء في قول الله تعالى … ﴿إِذَا قُمْتُمْ. . .﴾ إلخ (^٣) … ١/ ٢٥ … ١/ ٢٥ … -\n_________\n(^١) كذا في الأصل.\n(^٢) ليست هذه الترجمة في الهندية.\n(^٣) هكذا في الحاشية، وفي الأصل \"باب الوضوء\"، فليلاحظ.","vol":"1","page":248},{"text":"<span data-type='title' id=toc-181>الجدول رقم: (٤) أبواب بلا ترجمة</span>\n. . . . . . . [الكتب] … النسخة المصرية … [موضعه في النسخة الهندية] … النسخة المحققة\n١ … بَابٌ … الإيمان … ١/ ٧ … نـ … ص: ٧ قبله \"بَابٌ علامة الإيمان حب الأنصار\". … ١/ ٢٢٥\n٢ … بَابٌ … الإيمان … ١/ ١٢ … نـ … ص: ١٢ قبله \"باب سؤال جبرئيل - ﵇ -\". … ١/ ٢٧٣\n٣ … بَابٌ … الوضوء … ١/ ٣١ … ـــتـ … ص: ٣١ قبله \"باب استعمال فضل وضوء الناس\". … ١/ ٤٥١\n٤ … بَابٌ … في أحكام البول … ١/ ٣٤ … نـ … ص: ٣٥ قبله \"باب ما جاء في غسل البول. . .\" إلخ. ١/ ٤٨٠\n٥ … بَابٌ … الحيض … ١/ ٤٥ … ـــتـ … ص: ٤٧ قبله \"باب الصلاة على النفساء وسُنَّتها\". … ١/ ٥٩٧\n٦ … بَابٌ … التيمم … ١/ ٤٨ … نـ … ص: ٥٠ قبله \"باب التيمم ضربة\". … ١/ ٦٢٤\n٧ … بَابٌ … مواضع الصلاة … ١/ ٥٧ … ـــتـ … ص: ٦٢ قبله \"باب الصلاة في البيعة\". … ١/ ٧٢٦\n٨ … بَابٌ … الصلاة … ١/ ٦٠ … نـ … ص: ٦٦ قبله \"باب إدخال البعير في المسجد\". … ٢/ ٢٦\n٩ … بَابٌ … أبواب السترة … ١/ ٦٤ … نـ … ص: ٧٢ قبله \"باب الصلاة بين السواري في غير جماعة\". … ٢/ ٧٣\n١٠ … بَابٌ … الركوع … ١/ ٩٥ … نـ … ص: ١٠٩ قبله \"باب فضل: اللهم ربنا لك الحمد\". … ٢/ ٣٩٥\n١١ … بَابٌ … الجمعة … ١/ ١٠٤ … نـ … ص: ١٢١ قبله \"باب فضل الجمعة\". … ٢/ ٤٩٧\n١٢ … بَابٌ … صلاة الخوف … ١/ ١١١ … ـــتـ … ص: ١٢٩ ليس في الأصل باب، ولكن في الحاشية في الهندية.\n١٣ … بَابٌ … صلاة الليل … ١/ ١٣٢ … ـــتـ … ص: ١٥٤ قبله \"باب ما يكره من ترك قيام الليل. . .\" إلخ. … ٣/ ٩٥\n١٤ … بَابٌ … الجنائز … ١/ ١٤٧ … ـــتـ … ص: ١٧٢ قبله \"باب ما يكره من النياحة على الميت\". ٣/ ٢٦٢","vol":"1","page":249},{"text":"[الكتب] … النسخة المصرية … [موضعه في النسخة الهندية] … النسخة المحققة\n١٥ … بَابٌ … الجنائز … ١/ ١٥٨ … ـــتـ … ص: ١٨٥ قبله \"باب ما قيل في أولاد المشركين\". … ٣/ ٣٧٨\n١٦ … بَابٌ … الزكاة … ١/ ١٦٢ … ـــتـ … ص: ١٩١ قبله \"باب فضل صدقة الشحيح الصحيح\"، هكذا في أصل الهندية. وفي هامشه: \"باب أي الصدقة أفضل\"، وهكذا في المصرية. … ٣/ ٤٣٦\n١٧ … بَابٌ … الحج … ١/ ١٧٥ … نـ … ص: ٢٠٧ هكذا في هامش الهندية، وفي أصلها \"باب الصلاة بذي الحليفة\".\n١٨ … بَابٌ … فضائل المدينة … ١/ ٢١٢ … نـ … ص: ٢٥٣ في هذه الصفحة بابان بلا ترجمة في المصرية والهندية كلتيهما. … ٤/ ٢٦٥، ٤/ ٢٦٨\n١٩ … بَابٌ … الصوم … ١/ ٢١٨ … نـ … ص: ٢٦١ قبله \"باب إذا صام أيامًا من رمضان ثم سافر\". … ٤/ ٣٤٠\n٢٠ … بَابٌ … المزارعة … ٢/ ٢٩ … نـ … ص: ٣١٢ قبله \"باب قطع الشجر والنخل\". … ٥/ ٧٦\n٢١ … بَابٌ … المزارعة … ٢/ ٣٠ … نـ … ص: ٣١٣ قبله \"باب إذا لم يشترط السنين في المزارعة\". … ٥/ ٨٢\n٢٢ … بَابٌ … المزارعة … ٢/ ٣١ … نـ … ص: ٣١٤ قبله \"باب من أحيا أرضًا مواتًا\". … ٥/ ٩٣\n٢٣ … بَابٌ … اللقطة … ٢/ ٤١ … نـ … ص: ٣٢٩ قبله \"باب من عرّف اللقطة\". … ٥/ ٢٣٦\n٢٤ … بَابٌ … الهبة … ٢/ ٦٠ … نـ … ص: ٣٥٧ قبله \"باب لا يحل لأحد يرجع. . .\" إلخ. … ٥/ ٤٨٢\n٢٥ … بَابٌ … الشهادات … ٢/ ٦٧ … ـــتـ … ص: ٣٦٨ في نسخة الحاشية قبله \"باب من أمر بإنجاز الوعد\". … ٥/ ٨١","vol":"1","page":250},{"text":"[الكتب] … النسخة المصرية … [موضعه في النسخة الهندية] … النسخة المحققة\n٢٦ … بَابٌ … الجهاد … ٢/ ١٠٦ … نـ … ثلاثة أبواب ص: (٤٠٧ و٤٢٤ و٤٥١) … ٦/ ١٥٢\n٢٧ … باب … بدء الخلق … ٢/ ١٥٠ … ـــتـ … ...\n٢٨ … بَابٌ … ذكر بني إسرائيل … ٢/ ١٥٧ … ـــتـ … ص: ٤٩٣ قبله \"باب حديث الغار\". … ٧/ ١٥٣\n٢٩ … بَابٌ … المناقب … ٢/ ١٦٠ … ـــتـ … ص: ٤٩٦ قبله \"باب المناقب\". … ٧/ ١٨٨\n٣٠ … بَابٌ … المناقب … ٢/ ١٦١ … نـ … ص: ٤٩٧ قبله \"نسبة اليمن إلى إسماعيل\". … ٧/ ٢٠٠\n٣١ … بَابٌ … المناقب … ٢/ ١٦٤ … نـ … ص: ٥٠١ قبله \"باب كنية النبي - ﷺ -\". … ٧/ ٢٣٧\n٣٢ … بَابٌ … فضائل أبي بكر … ٢/ ١٧٥ … ـــتـ … ص: ٥١٦ قبله \"باب قول النبي - ﷺ -: لو كنت متخذًا خليلًا\". … ٧/ ٣٨٥\n٣٣ … بَابٌ … مناقب أسامة … ٢/ ١٨٤ … ـــتـ … ص: ٤٢٨ على الحاشية.\n٣٤ … بَابٌ … هجرة النبي - ﷺ - … ٢/ ٢٠٦ … ـــتـ … ص: ٥٦١ قبله \"كيف آخى النبي - ﷺ - بين أصحابه\". … ٧/ ٧٨١\n٣٥ … بَابٌ … المغازي … ٣/ ٣ … نـ … ص: ٥٦٤ قبله \"باب قول الله: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ﴾ \" ٨/ ١٧\n٣٦ … بَابٌ … المغازي … ٣/ ٥ … ـــتـ … ص: ٥٦٧ قبله \"باب فضل من شهد بدرًا\". … ٨/ ٤٢\n٣٧ … بَابٌ … المغازي … ٣/ ٧ … ص: ٥٧٠ قبله \"باب شهود الملائكة بدرًا\". … ٨/ ٥٨\n٣٨ … بَابٌ … المغازي … ٣/ ١٦ … ـــتـ … ص: ٥٨٣ قبله \"باب ما أصاب النبي - ﷺ - من الجراح\". … ٨/ ١٥٧\n٣٩ … بَابٌ … المغازي … ٣/ ٣٩ … نـ … ص ٦١٥ قبله \"باب منزل النبي - ﷺ - يوم الفتح\". … ٨/ ٤١٦\n٤٠ … بَابٌ … المغازي … ٣/ ٤٠ … ـــتـ … ص: ٦١٥ قبله \"باب مقام النبي - ﷺ -\". … ٨/ ٤٢٢","vol":"1","page":251},{"text":". [الكتب] … النسخة المصرية … [موضعه في النسخة الهندية] … النسخة المحققة\n٤١ … بَابٌ … المغازي … ٣/ ٥٦ … نـ … ص: ٦٢٦ قبله \"باب وفد بني تميم\". … ٨/ ٥٢٣\n٤٢ … بَابٌ … المغازي … ٢/ ٦٠ … ـــتـ … ص: ٦٤١ قبله \"باب وفاة النبي - ﷺ -\". … ٨/ ٦٦٧\n٤٣ … بَابٌ … الشهادات … ٢/ ٦٦ … نـ … ص: ٣٦٧ قبله \"باب اليمين على المدعى عليه\". … ٥/ ٥٦٨\n٤٤ … بَابٌ … فضائل المدينة … ١/ ٢١٢ … نـ … هذا مكرر تقدم برقم (١٨)، ولعله من الناسخ، لأنه تقدم هناك بابان بلا ترجمة في هذه الصفحة.\n٤٥ … بَابٌ … المغازي … ٣/ ٦٠ … نـ … ص: ٦٤٢ قبله \"باب بعث النبي - ﷺ - أسامة\". … ٨/ ٦٧٠\n٤٦ … بَابٌ … سورة اقرأ … ٢/ ١٣٣ … نـ … ص: ٧٣٩ قبله سورة اقرأ. … ١٠/ ١٩٩.\n٤٧ … بَابٌ … النكاح … ٣/ ١٥٤ … نـ … ص: ٧٧٤ قبله \"باب الصفرة للمتزوج\". … ١٠/ ٤٩٥\n٤٨ … بَابٌ … النكاح … ٣/ ١٥٩ … نـ … ص: ٧٨٢ قبله \"باب لا تأذن المرأة\". … ١٠/ ٥٦٥\n٤٩ … بَابٌ … الطلاق … ٣/ ٢٥٩ … نـ … ص: ٧٩٥ قبله \"باب شفاعة النبي - ﷺ -\". … ١٠/ ٦٩١\n٥٠ … بَابٌ … ههنا بياض في الأصل … ٣ … نـ\n٥١ … بَابٌ … الطب … ٤/ ٨ … نـ … ص: ٨٥١ قبله \"باب اللدود\". … ١١/ ٤٨٧\n٥٢ … بَابٌ … اللباس … ٤/ ٢٢ … نـ … ص: ٨٧٢ قبله \"باب خاتم الفضة\". … ١١/ ٦٨٢\n٥٣ … بَابٌ … الدعوات … ٤/ ٦٣ … ـــتـ … ص: ٩٣٥ قبله \"باب التعوذ والقراءة عند النوم\". … ١٢/ ٤٤٦\n٥٤ … بَابٌ … الرقاق … ٤/ ٨٠ … نـ … ص: ٩٦٣ قبله \"باب قول النبي - ﷺ -: \"بعثت أنا والساعة\". … ١٢/ ٦٨٦\n٥٥ … بَابٌ … الفتن … ٤/ ١٣٩ … نـ … ص: ١٠٥٢ قبله \"باب الفتنه التي تموج كموج البحر\". … ١٣/ ٧٨٩\n٥٦ … بَابٌ … الحيل … ٤/ ١٢٤ … نـ … ص: ١٠٣٠ قبله \"باب إذا غصب جارية\". … ١٣/ ٥٥٤","vol":"1","page":252},{"text":"[الكتب] … النسخة المصرية … [موضعه في النسخة الهندية] … النسخة المحققة\n٥٧ … بَابٌ … الفتن … ٤/ ١٣٩ … نـ … ص: ١٠٥٢ على الحاشية قبله باب بلا ترجمة.\n٥٨ … بَابٌ … الفتن … ٤/ ١٤٠ … نـ … ص: ١٠٥٤ قبله \"باب خروج النار\". … ١٣/ ٨١٣\n٥٩ … بَابٌ … الأحكام ٤/ ١٥١ … نـ … ص: ١٠٧٢ قبله \"باب الاستخلاف\". … ١٤/ ١٤٩\n٦٠ … بَابٌ … صـ … ٤\n٦١ … بَابٌ … صـ … ٤\n٦٢ … بَابٌ … صـ … ٤\n٦٣ … بَابٌ … صـ … ٤ … انتهى ما في تراجم شيخ الهند من الجداول الأربعة.\nولا يذهب عليك أني بسطت الكلام في مقدمة \"الأوجز\" (^١) على مقدمة علم الحديث من تعريفه (حدّه) وموضوعه وشرفه وفضله، وبيان بداية كتابة علم الحديث واستمداده ومبادئ العلم، وذكرت فيه أحوال الإمامين الهُمامين أبي حنيفة ومالك، [و] من ترجمة الإمام أبي حنيفة، وبيان فضله وثناء الناس عليه والبحث عن تابعية الإمام، وبيان علو مرتبته في الحديث، وبيان سبب قلة روايته على الطريق المعروفة، والرد على ما نقم عليه، وبيان مشايخه وتلامذته، وبيان ما بنى عليه مذهبه.\nوذكرت فيها شرح ألفاظ كثر استعمالها في كتب الحديث، وبيان مصطلحاتهم:\nمنها: المتن وأنواعه الاثنا عشر.\nومنها: السند والإِسناد والإِرسال.\nوبيان المرسل وأنواعه، وحكمه من القبول والرد.\nوبيان الفرق بين التحديث، والإِخبار، وطرق التحمل الأربعة، والفرق بين مراتبها.\n_________\n(^١) (١/ ٥٣ - ١٧٢).","vol":"1","page":253},{"text":"وبيان التحويل.\nوبيان المرفوع، والموقوف، والأثر، واختلافهم في قبول رواية المجهول.\nوبيان قولهم: أُمرنا بكذا، ونُهينا عن كذا.\nوالبحث عن الرواية بالمعنى.\nوبيان الموصول والمقطوع.\nوغير ذلك من الأبحاث الكثيرة مما تتعلق بالحديث.\nوبسطت الكلام في مقدمة \"اللامع\" (^١) على ترجمة أمير المؤمنين في الحديث الإمام البخاري من ولادته وفاته، وأحواله التاريخية، وبيان مشايخه، وبيان سعة حفظه، ومناقبه، ومما ابتلي به الإمام البخاري، وبيان رد ما نقم عليه، لا سيما الكلام على مسألة خلق القرآن.\nوبيان مسالك أئمة الحديث من الاجتهاد والتقليد.\nوبيان علماء الحنفية في مشايخ البخاري، وبيان جماعة من العلماء انتقلوا من مسلك إلى مسلك آخر.\nوبيان مؤلفات الإمام البخاري غير هذا \"الجامع الصحيح\"، وفضل كتاب البخاري، وسبب تأليفه، وثناء الناس على الكتاب، وبيان موضوعه ومعظم مقصوده بالتراجم، وبيان شروط البخاري في كتابه، وبيان طبقات الرواة، وبيان خصائص \"الجامع الصحيح\"، وبيان ثلاثيات البخاري، وأنها اثنان وعشرون حديثًا، ومشايخ الإمام البخاري في العشرين منها الحنفية، وبيان قول البخاري: أردت أن أدخل فيها غير معاد (^٢)، والإيراد عليه، والجواب عنه، وبراعة الاختتام في آخر كل كتاب عند الحافظ ابن حجر نوَّر الله مرقده.\n_________\n(^١) (ص ٢٤ - ٤٨٣).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (٣/ ٥١٥).","vol":"1","page":254},{"text":"وعند هذا العبد الضعيف من أن الإشارة إلى آخر الكتاب عند الحافظ قُدِّس سرُّه، والتنبيه على تذكير الموت وهاذم اللَّذات عند هذا العبد الضعيف.\nوبيان ما اهتم به الإمام البخاري من الغسل والصلاة عند كتابة كل رواية، ومدة زمان تأليف \"الجامع الصحيح\" عند هذا العبد الضعيف، والكلام على عدد ما في البخاري من الروايات.\nوبيان مرتبة \"الجامع الصحيح\" في كتب الحديث.\nونقلت فيها رسالة تسمَّى بـ \"ما يجب حفظه للناظر\" لشيخ مشايخ الحديث في الهند الشاه عبد العزيز الدهلوي (^١) نور الله مرقده فيها بيان مراتب كتب الحديث واختلافهم في السادس من الكتب الستة.\nوبيان أنواع كتب الحديث، وأنها تسعة وعشرون نوعًا فيما تفحصت، وهي:\n١ - الجامع، و٢ - السنن، و٣ - المعجم، و٤ - المشيخة، و٥ - الأجزاء، و٦ - الرسائل، و٧ - الأربعينة، و٨ - الأفراد والغرائب، و٩ - المستدرك، و١٠ - المستخرج، و١١ - العلل، و١٢ - الأطراف، و١٣ - التراجم، و١٤ - التعاليق، و١٥ - الترغيب والترهيب، و١٦ - المسلسلات، و١٧ - الثلاثيات، و١٨ - الأمالي، و١٩ - الزوائد، و٢٠ - المختصرات، و٢١ - التخاريج، و٢٢ - شرح الآثار، و٢٣ - أسباب الحديث، و٢٤ - الترتيب، و٢٥ - التأليف على ترتيب حروف المعجم من ألفاظ الحديث، و٢٦ - الكتب المؤلفة في الموضوعات، و٢٧ - الكتب المؤلفة في الأدعية المأثورة والصلاة على النبي - ﷺ -، و٢٨ - الناسخ والمنسوخ، و٢٩ - متشابه الحديث.\nهذه تسعة وعشرون نوعًا من أنواع التأليف، ذكرت في \"مقدمة اللامع\" (^٢) الكلام المفصل على كل نوع من هذه الأنواع.\n_________\n(^١) انظر ترجمته في: \"أبجد العلوم\" (٣/ ٤٤)، و\"نزهة الخواطر\" (٧/ ٢٦٨).\n(^٢) (ص ١٤٢ - ٢٠٤).","vol":"1","page":255},{"text":"وذكرت في \"المقدمة\" أيضًا تفصيل نسخ الكتَّاب والرواة عن البخاري والأسانيد إليه.\nوبيان ما انتقد في \"الجامع الصحيح\" من الروايات.\nوفيه أيضًا: بيان ما انتقد عليه شيخي وأستاذي حضرة الحاج خليل أحمد السهارنفوري (^١) قُدِّس سرُّه مؤلف \"بذل المجهود في حل أبي داود\" وأيضًا بيان ما انتقد في \"الجامع الصحيح\" من الرواة والجواب عنه، وهذا الجواب يمشي فيما انتقد على الأئمة المجتهدين أيضًا.\nوبيان مناسبة الكتب والأبواب في \"الجامع الصحيح\" عند الحافظ ابن حجر، وعند هذا العبد الضعيف.\nوبيان شروح البخاري ومتعلقاته، وهي مائة ونيف وثلاثون، أشهرها خمسة: الفتح، والعيني، والقسطلاني، والكرماني، وقطعة من النووي، وبيان تفصيل هذه الشروح الخمسة.\nوفيها ترجمة مصدر \"لامع الدراري\" وترجمة جامعه.\nونبهت ههنا على هذه الأبحاث المذكورة في مقدمة \"الأوجز\" ومقدمة \"اللامع\" تكميلًا للفائدة، وتنبيهًا لمن أراد البسط في نوع من الأبحاث المذكورة، فليرجع إلى هاتين المقدمتين.\nوالله الموفق لما يحب ويرضى.\nتم الجزء الأول من\"الأبواب والتراجم\" للبخاري\nويتلوه الجزء الثاني، أوله:\n\"باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله - ﷺ -\".\n_________\n(^١) انظر ترجمته في: \"مقدمة بذل المجهود\" (ص ٦٧)، و\"نزهة الخواطر\" (٨/ ١٤٥).","vol":"1","page":256},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nنحمده ونصلِّي على رسوله الكريم\nاعلم أولًا: أنه وُضع تبييض هذه التراجم في الثامن من شهر الله المحرم المبارك، سنة إحدى وتسعين بعد ثلاثمائة وألف، في آخر ساعة من يوم الجمعة بعد العصر، عند الأقدام العالية في المسجد النبوي، تقبَّل الله عني بشرف البقعة المباركة، كما تقدم مفصلًا في مبدأ الجزء الأول.\nوثانيًا: أن الإمام البخاري افتتح كتابه بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ اقتداءً بالقرآن العظيم، وتخلُّقًا بأخلاق العزيز العليم، واقتفاءً للنبي الكريم حيث قال: \"كلُّ أمر ذي بال لا يبدأ [فيه] بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فهو أقطع\"، رواه الخطيب وعبد القادر الرهاوي بهذا اللفظ في كتاب \"الجامع\" (^١) كما في \"القسطلاني\" و\"الجامع الصغير\" (^٢).\nثم الباء جاء لأربعة عشر معنًى، والمناسب هنا الاستعانة، وهي متعلقة بمقدر، فقدّره البصريون: اسمًا مقدَّمًا، أي: ابتدائي به، والكوفيون: فعلًا مقدمًا، أي: أبدأ، وقَدّره الزمخشري: فعلًا مؤخَّرًا، أي: باسم الله أقرأ؛ اهتمامًا لشأن اسمه تعالى، وهو أولى وأتم شمولًا؛ لاقتضائه أن التسمية واقعة على القراءة كلها، وتقدير \"أبدأ\" يقتضي مصاحبتها لأول القراءة دون باقيها، إلى آخر ما بسطه \"القسطلاني\" (^٣).\nوأجاد في جواب ما أورد على الزمخشري من أن في تقديره لا تقع البداية باسمه: بأن مراد الحديث البداية به، وهو حصل بالفعل، ولم يقل في الحديث: كل أمر لا يقال فيه أبدأ بسم الله. . . إلى آخر ما بسطه.\n_________\n(^١) \"الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع\" (رقم ١٢٣١).\n(^٢) انظر: \"إرشاد الساري\" (١/ ٨١)، و\"الجامع الصغير\" (رقم ٦٢٨٤).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١/ ٧٩).","vol":"2","page":257},{"text":"وقال القاري (^١): لكن قالى العارف الجامي: حقيقة الابتداء باسمه سبحانه عند العارفين، أن لا يُذكر باللسان ولا يخطر بالجَنان في الابتداء غير اسمه سبحانه، لا إثباتًا ولا نفيًا، فإِن صورة نفي الغير ملاحظة للغير، فهو أيضًا ملحوظ في الابتداء، فليس الابتداء مختصًا باسمه سبحانه، فلا حاجة إلى تقدير المحذوف مؤخرًا إلا أن يكون اسم الله سبحانه في التقدير أيضًا مقدمًا كما أنه في الذكر مقدم، انتهى.\nوثالثًا: أن الإمام البخاري لم يفتتح كتابه بالحمد مع ما ورد من الحديث كما في هامش \"اللامع\" (^٢)، وهو قوله - ﷺ -: \"كل كلام لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أجزم\"، رواه أبو داود والنسائي (^٣). وفي رواية ابن ماجه (^٤): \"كل أمر ذي بال لم يُبدأ فيه بالحمد أقطع\"، ورواه ابن حبان (^٥) وأبو عوانة في \"صحيحيهما\". وقال ابن الصلاح: هذا حديث حسن بل صحيح، انتهى.\nوأجاب عنه العيني (^٦) بسبعة أوجه:\nالأول: أن الحديث ليس على شرطه.\nالثاني: أن الحديث مخصوصٌ بالخطب زجرًا عمَّا عليه أهل الجاهلية من البداية بالأشعار.\nالثالث: [أن الحديث] منسوخ؛ لما أنه - ﵇ - في صلح الحديبية اكتفى بالبسملة.\nالرابع: أن كتاب الله - ﷿ - وكُتُبَ رسوله - ﷺ - مفتتحة بالتسمية، فقاس به البخاري.\n_________\n(^١) \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ٤٤).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (١/ ٤٨٧).\n(^٣) \"سنن أبي داود\" (ح: ٤٨٤٠)، \"سنن النسائي الكبرى\" (ح: ١٠٣٣١).\n(^٤) \"سنن ابن ماجه\" (ح: ١٨٩٤).\n(^٥) \"صحيح ابن حبان\" (ح: ١).\n(^٦) \"عمدة القاري\" (١/ ٣٤ - ٣٥).","vol":"2","page":258},{"text":"الخامس: أنَّ أول ما نزل من القرآن ﴿اقْرَأْ﴾ [العلق: ١]، و﴿الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١]، وهما خاليتان عن الحمد.\nالسادس: تركه عمدًا لقوله تعالى: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١]، فلم يقدِّم على كلامه - ﷺ - شيئًا من عند نفسه من الحمد وغيره.\nالسابع: أنه اكتفى بالحمد باللسان.\nثم قال بعد ما أورد على كلٍّ واحد من الأجوبة المذكورة: والأحسن ما سمعتُ عن بعض أساتذتي الكبار: أن الحمدَ موجودٌ في مسوَّدته، أسقطه بعض المبيِّضِين.\nوردَّ على هذا الأخير الحافظُ أشدَّ الردّ، إِذ قال (^١): وأبعد من ذلك كله قولُ من ادَّعى أنه ابتدأ بخطبة فيها حمد وشهادة، فحذفها بعضُ من حمل عنه الكتابَ. وكأن قائل هذا ما رأى تصانيف الأئمة من شيوخ البخاري وشيوخ شيخه وأهل عصره، كمالك في \"الموطأ\"، وعبد الرزاق في \"المصنف\"، وأحمد في \"المسند\"، وأبي داود في \"السنن\"، إلى ما لا يحصى ممن لم يقدِّم في ابتداء تصنيفه [خطبةً]، ولم يزد على التسمية، وهم الأكثر، والقليل منهم من افتتح كتابه بخطبة، أفيقال في كل من هؤلاء: إن الرواة عنه حذفوا ذلك؟ كلا، بل يُحمل ذلك من صنيعهم على أنهم حمدوا لفظًا.\nويؤيده ما رواه الخطيب في \"الجامع\" (^٢) عن أحمد أنه كان يتلفظ بالصلاة على النبي - ﷺ - إذا كتب الحديث ولا يكتبها، والحامل له على ذلك إِسراعٌ أو غيرُه، أو يحمل على أنهم رأوا ذلك مختصًّا بالخُطَب دون الكتب كما تقدم، ولهذا من افتتح كتابه منهم بخطبةٍ حَمدَ وتشَهَّد كما صنع مسلم، والله - ﷾ - أعلم بالصواب.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٩).\n(^٢) \"الجامع لأخلاق الراوي\" (رقم ٥٦٨).","vol":"2","page":259},{"text":"وقال القسطلاني (^١): لم يأت المصنف بخطبةٍ تنبئ عن مقاصد كتابه هذا مبتدَأة بالحمد والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله - ﷺ -، اقتداءً بالكتاب وعملًا بما تقدم من الحديث؛ لأنه صدَّر كتابه بترجمة \"بدء الوحي\"، وبالحديث الدالِّ على مقصوده المشتمل على أن العمل دائر مع النية، فكأنه قال: قصدت جَمْعَ وحي السُّنَّة المتلقى عن خير البرية على وجه سيظهر حسنُ عملي فيه من قصدي، وإنما لكل امرئ ما نوى؛ فاكتفى بالتلويح عن التصريح.\nوهذا ذكره الحافظ أيضًا، لكنه ذكره علَّةً لعدم ذكر الخطبة، والقسطلاني ذكره علَّةً لعدم الخطبة وعدم الحمدلة معًا، كما يدل عليه قولُه: أو اكتفى بالنطق؛ فتأمل.\nواختار الشيخ الكَنكَوهي قدَّس الله سرُّه في \"اللامع\" (^٢)، أن ذكر أوصاف الكمال من الله أو الرحمن أو الرحيم، داخل في الحمد، لا سيما فيه التأسي بما كثر وشاع من كتبه ورسائله - ﷺ -، انتهى.\nومن العجائب أني عندما قَدِمتُ للحج عام ١٣٨٤ هـ بإِصرار من العزيز المرحوم مولانا الحاج محمد يوسف (^٣) أمير التبليغ نوّر الله مرقده وأعلى مراتبه، وأقمت معه عدة أشهر بالحرمين الشريفين، فرأيت ببركته ورفاقته رؤًى كثيرة عجيبة جدًّا في تلك السفرة.\nومن جملتها أني لمَّا خرجتُ من مكةَ صبيحةَ يوم السبت، ووصلتُ إِلى بدرٍ، أقمتُ بقيةَ اليوم والليلة المقبلة بها، ثم ترحَّلْتُ فوصلتُ البلدةَ\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١/ ٨١).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (١/ ١).\n(^٣) هو: الداعية الإسلامي الكبير الشيخ محمد يوسف الكاندهلوي، صاحب \"حياة الصحابة\"، وابن العالم الرباني مؤسِّس جماعة الدعوة والتبليغ محمد إِلياس الكاندهلوي رحمهما الله، ولد سنة ١٣٣٥ هـ وتوفي سنة ١٣٨٤ هـ. انظر ترجمته في كتاب \"الشيخ محمد يوسف الكاندهلوي حياته ومنهجه في الدعوة\" للشيخ محمد الثاني الحسني.","vol":"2","page":260},{"text":"الطاهرةَ المدينةَ المنورةَ صبيحة يوم الأحد الثامن والعشرين من ذي الحجة سنة أربع وثمانين وثلاثمائة بعد الألف، فرأيت رؤيا في إقامتي بتلك البلدة المباركة كأني واقف بالمسجد النبوي بين باب السعود وباب عمر بجانب المكان الذي كان الشيخ محمد يوسف - ﵀ - يخطب فيه كل يوم خطبته التبليغية قريبًا من باب عمر، ورأيت جمعًا كثيرًا من العلماء من العرب والعجم، وكلهم يصرُّون عليّ أن أدرِّسَهم \"الجامع الصحيح\" للبخاري، وأنا لقلة بضاعتي ونقصان باعي أعتذر إليهم بأني لستُ بأهلٍ لهذا، وأيضًا لم أصحب معي الزاد العلميَّ من الكتب ونحوها؛ لأني لم أحضر بقصد القيام الطويل، بل بنية الزيارة لعدة أيام فقط.\nثم رأيت أنَّ حضرة الإمام البخاري - ﵀ - متفضِّل بالجلوس عن يميني ويقول: نعم دَرِّسْ وأنا بجوارك، وحيث تكون الحاجة سأرشدك. فجلست في موضعي تلبيةً لأمره السامي، وبدأت بتدريس \"جامع البخاري\"، وبيَّنتُ وجوهَ عدم ذكر الخطبة والحمد والصلاة، فذكرتُ الوجوهَ السبعةَ، وكذا الوجوهَ الأُخَرَ التي تُذْكَر عند الشروع في \"الكافية\" لابن حاجب، فقال حضرة الإمام البخاري: إن حقيقة الأمر في هذا: هو أني لم أؤلِّفْ هذا \"الجامع الصحيح\" على الصورة الكتابية بحيث أن يكون تأليفه من أوله إلى آخره جملةً كما هي العادة في تأليف الكتب، وإنما هي مجموعةُ كراساتٍ فيها أبواب وكتب مختلفة جُمعت بعدئذ فصارت كتابًا. انتهت الرؤيا.\nقُلتُ: لا شك أن هذا التوجيه لطيف.\n* * *","vol":"2","page":261},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n١ -<span data-type='title' id=toc-182> كتاب الوحي</span>\n(١ -<span data-type='title' id=toc-183> باب)</span>\nأصله \"بَوْبٌ\" قُلبت الواو ألفًا لفتح ما قبلها بدليل جمعه على أبواب، كذا في العيني (^١).\nقال القاري في \"شرح الشمائل\" (^٢): هو لغةً: اسم لمدخل الأمكنة كباب البلد وباب الدار، وعند البلغاء يقال لِمَا يُتوصل منه إلى المقصود، وهو ها هنا: معرفة أحاديث جاءت في هذا المعنى.\nونوقش أن الباب اسم لطائفة من الكتاب، له أول وآخر معلومان، وليس مدخلًا لشيء (^٣)، بل هي بيت من المعاني.\nنعم لو كان البابُ اسمًا للجزء الأول منها لكان له وجه، فالأوجه (^٤) أن يقال: إنه بمعنى الوجه إذ هو من معانيه، كما في \"القاموس\"، إذ قال: كل باب وجه من وجوه الكلام، سُمي بابًا للاختلاف بينه وبين باب آخر كاختلاف الوجوه.\nوالأظهر عندي أن الكتاب بمنزلة الجنس، والباب بمنزلة النوع، والفصل بمنزلة الصِّنف، ومن باب التشبيه بالمحسوس أن الكتاب بمنزلة الدار المتضمِّنة للبيوت، فكل نوع من المسائل كبيت وأوله كبابه، انتهى مختصرًا.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١/ ٣٦).\n(^٢) انظر: \"جمع الوسائل\" (١/ ٨).\n(^٣) في \"جمع الوسائل\": ليست مدخلًا في شيء.\n(^٤) كذا في الأصل، وفي\"جمع الوسائل\": فالوجه.","vol":"2","page":263},{"text":"قال القسطلاني (^١): الكتاب من الكَتْب، وهو الجمع والضم، ومن ثَم اسُتعمل جامعًا للأبواب، انتهى.\nفيطلق الكتاب على مختلف الأنواع، والباب على متَّحِد الأنواع، والفصل على متَّحِد الأصناف.\nقال الكرماني (^٢): فيه وفي نظائره ثلاثة أوجه: رفعٌ مع التنوين، أو بدون التنوين على الإضافة، وعلى هذين الوجهين هو خبر مبتدأ محذوف، أي: هذا باب، والثالث: بالوقف على سبيل التعداد، فلا إعراب له، انتهى.\nوأورد القاري في \"شرح الشمائل\" (^٣) على هذا الأخير أن التعداد في عُرف البلغاء إنما يكون لضبط العدد من غير فصل بين أجزاء المعدود بشيء آخر، فضلًا عن إيراد الأحوال الكثيرة بين المعدودات، انتهى.\nوأجمل الكلام في \"اللامع\" (^٤) على إضافة الباب إلى \"كيف كان بدء الوحي\" وقطع الإضافة، فارجع إليه.\nثم لم يترجم المصنف بلفظ الكتاب واختار لفظ الباب، بل ليس في بعض النسخ الباب أيضًا، بل بدأ بـ \"كيف كان بدء الوحي. . .\" إلخ، وذكر في هامش المطبوعة الهندية: لم يذكر كتاب بدء الوحي؛ لأنه ليس تحته أبواب.\nقال الحافظ (^٥): هكذا في رواية أبي ذر والأصيلي بغير \"باب\"، وثبت في رواية غيرهما، انتهى.\nوهذا على النسخ التي بأيدينا، وأما في نسخة \"فتح الباري\"، فليس فيها باب أيضًا، فقال في \"مقدمة الفتح\" (^٦): قال شيخنا البُلقيني: لم يقل فيه الإمام: الكتاب ولا الباب؛ لأن بدء الوحي من بعض (^٧) ما يشتمل عليه الوحي.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١/ ١٤٤).\n(^٢) \"صحيح البخاري بشرح الكرماني\" (١/ ١٣).\n(^٣) انظر: \"جمع الوسائل\" (١/ ٨).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (١/ ٤٩٠).\n(^٥) \"فتح الباري\" (١/ ٨).\n(^٦) انظر: \"هدي الساري\" (ص ٤٨٠).\n(^٧) في الأصل \"باب\"، وهو تحريف.","vol":"2","page":264},{"text":"قال الحافظ: ويظهر لي إنما عرّاه من باب؛ لأن كل باب يأتي بعده ينقسم منه، فهو أمُّ الأبواب فلا يكون قسيمًا لها، وبدأ به؛ لأنه منبع الخيرات، وبه قامت الشرائع، انتهى.\nوقد أجاد ما أفاده مولانا محمد يوسف البنوري في أول أبواب الترمذي في \"معارف السنن\" (^١) إذ قال: ويظهر فقه المحدث من تراجمه كما قيل: فقه البخاري في تراجمه.\nولهذا القول عند شيخنا - يعني: مولانا العلامة محمد أنور شاه الكشميري - محملان:\nالأول: أن المسائل التي اختارها من حيث الفقه أظهر من تراجمه.\nوالثاني: أن تفقهه وذكاءَه ودقة فكره يظهر في تراجمه.\nقال شيخنا: الإمام البخاري هو سَبّاق الغايات في وضع التراجم، بحيث ربما تنقطع دون فهمها مطامع الأفكار.\nقال: ثم يتلوه في التراجم أبو عبد الرحمن النَّسائي، وربما أرى في مواضع أن تراجمهما تتوافق كلمةً كلمةً، وأظن أن النسائي تلقَّاها من شيخه البخاري، حيث إن التوارد يُستبعد في مثل هذا، ولا سيما إذا كان البخاري من شيوخه.\nثم يتلوه تراجم أبي داود، وتراجم أبي داود أعلى من تراجم الترمذي.\nنعم، إن أسهل التراجم وأقربها إلى الفهم تراجم الترمذي.\nقال الشيخ: وأما الإمام مسلم فلم يضع [هو] نفسه التراجم، والتراجم الموجودة في كتابه من وضع شارحه الإمام النووي، انتهى.\n(كيف كان. . .) إلخ، وأشكل على تقدير إضافة الباب بأن لفظ \"كيف\"\n_________\n(^١) \"معارف السنن\" (١/ ٢٣).","vol":"2","page":265},{"text":"يقتضي الاستئناف، قال القسطلاني (^١) تبعًا للحافظ: لا تخرج بذلك عن الصدرية؛ لأن المراد من كون الاستفهام له الصدر أن يكون في صدر الجملة التي هو فيها. . . إلى آخر ما بسطه.\nقال النووي: لا بد من تقدير المضاف، أي: باب جواب \"كيف كان\"؛ لأن المذكور في الباب جواب \"كيف كان\" لا سؤال \"كيف كان\".\nثم لا يذهب عليك ما في هامش \"اللامع\" (^٢) وهو: أعلم: أن الإمام البخاري بدأ أبوابه بلفظ \"كيف\" في سائر كتابه في ثلاثين موضعًا أصالة، العشرون منها في النصف الأول، والعشرة في النصف الثاني. والمراد بقولي: \"أصالة\" إخراج ما ذكرها تبعًا، وأكثر المواضع من هذه الثلاثين خالية عن ذكر الكيفية.\nفما يخطر بالبال بمطالعة هذه الأبواب كلها أن غرض الإمام فيها ليس إِثبات الكيفية حتى يجهد في إِثبات الكيفية في كل حديث حديثٍ، بل الغرض عندي الإشارة والتنبيه إلى اختلاف العلماء، أو اختلاف الروايات في كيفية هذه الأمور التي ترجم عليها بلفظ \"كيف\"؛ فتأمل، فإِن خاطري أبو عذره.\nثم رأيت أن شيخ مشايخنا الشاه ولي الله الدهلوي [- ﵀ -] أشار إلى ذلك في تراجمه إذ قال: قوله: \"بدء الوحي\" من البداية، وتخصيصه أن إِيراد \"كيف\" في الترجمة من قبيل إيراد التنبيه في أثناء الباب إفادة زيادة فائدة على أصل المقصود من الباب، إذ المقصود إثبات أصل الوحي.\nويمكن أن يقال: إن المراد بالوحي الحديث، وبدؤه مبدؤه الذي صدر منه وهو الله تعالى.\nفمعنى \"كيف كان بدء الوحي\"، أي: كيف كان مبدؤ ما روي عنه - ﷺ -؛ فأثبت بأحاديث الباب أنه كان بالوحي وتوسُّط الملَك.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١/ ٨٢).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (١/ ٤٨٦).","vol":"2","page":266},{"text":"فكأنه أثبت أنا أخذنا الحديث عن رسول الله - ﷺ -، وهو عن جبرئيل - ﵇ -، وهو عن الله تعالى.\nفبهذين الوجهين ينحلُّ ما يورَد ههنا من أنه ليس في أكثر أحاديث الباب إثبات كيفية بدء الوحي، بل ذكر أصله، وإنما هو في حديث [واحد] فتذكر، انتهى.\nوفي تراجم شيخ الهند قُدِّس سرُّه ما تعريبه ملخصًا: أنا قد قَدَّمْنا في الأصول أن المصنف قد لا يقصد بالترجمة مدلولَها المطابقيَّ، بل يشير إلى غرض خاص يقصد إثباته بأحاديث الباب كما فعل ههنا.\nويظهر ذلك بأمرين:\nالأول: أنه صدَّر الكتاب بباب بدء الوحي، مع أنه ذكر كتاب فضائل القرآن في محله كما ذكره المحدثون في كتبهم، وأورد هناك عدة أبواب تتعلق بنزول الوحي، فما الذي ألجأه إلى إفراد هذا الباب ها هنا من تلك الأبواب؟ وما الذي حَرَّضه على اختيار هذا الطريق الجديد؟\nفالذي يظهر من أدنى عناية، أن جميع الأصول والفروع الإسلامية، حتى نبوَّة النبي، لَمّا كانت تتوقف صحتُه على الوحي، كان ذكرُه في أول الكتاب حتى قبل الإيمان والعلم أنسبَ، كما نبَّه عليه بعض الشرَّاح المحققين.\nفاستبان بذلك أن غرضَ المؤلف في هذا الباب، أن الوحي لَمّا كان مدارَ الأمور الإسلامية، وهو الدليل الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولو أن جميع العقلاء والحكماء بل جميع الخلق اجتمعوا على أن يأتوا بما يعارض حكمًا من أحكامه، لَمَا قدروا على ذلك، وهو المحك الكامل والمعيار الذي يُعرف به الجيدُ من الرديء، والصوابُ من الخطأ، فكل ما وافقه فهو الصواب، وكل ما خالفه فهو الباطل، سواء كانت العقائد، أو الأعمال، أو الفروع، أو الأصول، أو العبادات، أو المعاملات، أو الأخلاق، أو الأحوال.","vol":"2","page":267},{"text":"فالوحي هو البرهان الساطع والدليل القاطع الذي لا يعتبر بجنبه أيّ دليل، فلذا قدَّم المصنفُ الوحيَ، ويذكر صدقه وعظمته وعصمته، ثم يذكر سائر الأمور، فإن كلها مأخوذة من الوحي، حتى إن الأحوال المتعلقة بالوحي أيضًا تكون مأخوذةً من الوحي، فإنه المعتمد في الباب.\nوالأمر الثاني: أن المصنفَ أورد في الباب ستة أحاديث، ولا يناسب بظاهر الترجمة إلا حديثٌ واحد، فالذي يظهر أن غرضه ليس هو ظاهر الترجمة، بل هو أمرٌ آخر ينبغي استخراجه من النظر في أحاديث الباب، ويكون ذلك الأمر مشتركًا في الكلِّ مناسبًا بالمقام.\nفالذي يظهر بالتأمل أن المصنف بصدد بيان عظمة الوحي كما لا يخفى على المتأمِّل المتفطِّن.\nثم البدء عام: البدء الزماني والمكاني كما يظهر من الأحاديث، وكذا الوحي يعم المتلوَّ وغيرَه كما صرَّح به الشاه ولي الله، بل المقصود الأعظم هو الوحي غير المتلو، بل لو أريد به الوحي المتلو لكان منافيًا لغرض المصنف مع كونه يخلّ في المطابقة بالأحاديث، فالحذر كل الحذر.\nوالخلاصة: أن هذا الباب مقدمة الكتاب وتتلوه المقاصد، انتهى.\nوأفاد عزيزي مولانا محمد يونس شيخ الحديث بمظاهر علوم بسهارنفور ما نصُّه:\nوالذي كان يخطر ببالي منذ زمان، أن غرض الإمام البخاري بهذا الباب بيان كيفية ابتداء الوحي، وما صادف الوحي في بدئه من الأمور والوقائع والأحوال والكيفيات والأزمان، فيعم البدء ابتداءه من الله ﵎ ووصوله إلى النبي - ﷺ - وما عرض له - ﷺ - من الخوف والدهش ورجف البوادر وتحريك الشفتين وإتيان الوحي في صورة الصلصلة، وكذا يعم ما عرض للوحي بعد ظهوره في الناس من تكذيبهم ومخالفتهم وتمادي ذلك إلى صلح الحديبية، ففي البدء امتداد، وليس المراد بدءًا آنيًّا وما يتعلق بالحصة الابتدائية، كما يقال: كان الإسلام في أول أمره غريبًا لا يقبله إلا","vol":"2","page":268},{"text":"واحد بعد واحد، ويخالفهم الأكثرون، ويؤذونهم، ويخرجونهم من أوطانهم، وغير ذلك، وعلى هذا فمطابقة آية: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء: ١٦٣] ظاهرة؛ لأن قومه كذّبوه وخالفوه، وهكذا الأمم بعدهم.\nثم راجعت الكرماني؛ ففيه ما يؤيده أو يصرِّح به حيث قال: والمراد من حال ابتداء الوحي حالُه مع كل ما يتعلق بشأنه، أيَّ تعلُّقٍ كان، كما في التعلُّق الذي للحديث الهرقلي، وهو أن القصة وقعت في أحوال البعثة ومبادئها (^١)، انتهى.\n(بدء الوحي) قال الحافظُ (^٢): قال عياض: روي بالهمز مع سكون الدال من الابتداء، وبغير همز مع ضم الدال وتشديد الواو، من الظهور، قال الحافظ: ولم أره مضبوطًا في شيء من الروايات التي اتصلت بنا، إلا أنه وقع في بعضها \"كيف كان ابتداء الوحي\"، فهذا يرجح الأول.\nثم الوحي لغةً: الإعلامُ الخفيُّ، وشرعًا: إعلامٌ بالشرع، وقد يُطلق الوحي ويراد به اسم المفعول منه، أي: الموحى، وهو كلام الله تعالى المنزل على النبي - ﷺ -.\nوبسط في هامش \"اللامع\" (^٣) الكلام على أنواع الوحي.\nوقال الحليمي (^٤): أنواعه ستة وأربعون.\nوقال السهيلي (^٥): سبعة: الأولى: المنام، والثانية: كصلصلة الجرس، والثالثة: أن ينفث في روعه، والرابعة: أن يتمثل الملك رجلًا، والخامسة: أن يتراءى جبرئيل - ﵇ - في صورته التي خلقه الله تعالى عليها، له ستمائة جناح، والسادسة: أن يكلِّمه الله تعالى من وراء حجاب، السابعة: وحي إسرافيل، انتهى مختصرًا.\n_________\n(^١) \"شرح صحيح البخاري\" للكرماني (١/ ١٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٩).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (١/ ٤٩٤).\n(^٤) انظر: \"فتح الباري\" (١/ ٢٠).\n(^٥) \"الروض الأنف\" (١/ ٤٠٠).","vol":"2","page":269},{"text":"قلت: السابعة داخلة في الرابعة والخامسة، وإلا فوحي الملائكة غير إسرافيل أيضًا ثابت في الروايات، كملك الجبال وغيره، فالأوجه عندي اقتصارها على أربعة: أحدها: سماع الكلام القديم، الثانية: بواسطة الملك، الثالثة: التلقي بالقلب، الرابعة: وحي منام، وباقي الأقسام يرجع إِلى هذه الأربعة.\nوما قيل: إنها تبلغ إلى ستة وأربعين نوعًا، مستدلًا بحديث: \"الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة\" (^١) - وقد بسط الكلام على هذا الحديث في \"الأوجز\" (^٢) أشدّ البسط -؛ يشكل عليه أن هذه الرؤيا التي رُئيت ستة أشهر كانت قبل النبوة، فكيف عُدَّتْ من أجزائها؟\nويمكن التفصي عنه أنهم قالوا: بدء النبوة في ربيع الأول سنة أربعين من مولده، ففي \"الأوجز\" (^٣): وقد كان ابتداء الوحي على رأس الأربعين من عمره - ﷺ -، كما جزم به ابن إسحاق وغيره، وذلك في ربيع الأول، ونزول جبرئيل - ﵇ -[إِليه] وهو في غار حراء كان في رمضان، وبينهما ستة أشهر، انتهى.\nثم قدَّم الإمامُ الوحيَ على الإيمان أيضًا إشارةً إلى أن كل ما يأتي من العقائد والأحكام وغيرها كلها متفرِّع عن الوحي ومرتب عليه، وأيضًا فإن الوحي قطعي لكونه منه عَزّ اسمه، فالثابت به كله قطعي، ومن المناسبات أن يقال: إن المصنف صدَّر ببدء الوحي، ثم ذكر الإيمان، ثم العلم، ثم الطهارة؛ لأنه جمع في هذا الكتاب وحي السُّنَّة التي هي ينبوع الشريعة، وكان الوحي لبيان الأحكام الشرعية، صدَّره بحديث الأعمال، والعمل يحتاج إلى العلم، والعلم لا يعتبر به إلا بعد الإيمان، فلذا عقَّب الوحي بالإيمان، ثم عقبه بالعلم، ثم عقبه بالطهارة التي هي شرط لأفضل الأعمال وهي الصلاة.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (ح: ٦٩٨٩).\n(^٢) \"أوجز المسالك\" (١٧/ ١٢٠).\n(^٣) \"أوجز المسالك\" (١٧/ ١٢٧)، وانظر: \"فتح الباري\" (١٢/ ٣٦٤).","vol":"2","page":270},{"text":"ومما يجب التنبيه عليه أيضًا أنه سيأتي في آخر التفسير \"باب كيف نزل الوحي\"، قال الحافظُ: الترجمة الثانية أخص من الأولى.\nوعندي، ما أفاده الحافظُ نَوّر الله مرقده متعلق بالجزء الثاني من الترجمة.\nوالظاهر عند هذا العبد الضعيف أن بين الترجمتين - بين قوله: \"كيف كان بدء الوحي\"، وبين قوله: \"كيف نزل الوحي\" -، عمومًا وخصوصًا من وجه، فإن المنظور في الأول بدء الحديث أعم من أن يكون قرآنًا أو غيره، والمنظور هناك كيفية نزول القرآن كما يدل عليه ذكره في كتاب فضائل القرآن أعم من أن يكون بدءًا أولًا كما يظهر من ملاحظة الروايات الواردة في الباب، فتدبَّر.\nوقد تقدم في مبدأ الباب، وكذا في الأصول، أن الترجمة عند شيخ الهند من الأصل الحادي والعشرين، وليس غرضه إلا بيان عظمة الوحي على طريق الالتزام، واستنبط ذلك أيضًا من قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [النساء: ١٦٣]، إذ ذكره بلفظ صيغة الجمع الدالة على التعظيم، وقد بسط الكلام على ذلك في الأصل الحادي والعشرين من أصول التراجم.\n(إلى رسول الله - ﷺ -) الإضافة للعهد الخارجي، والمراد سيدنا محمد رسول الله - ﷺ -، والجملة وإن كانت خبريةً لكنها بمعنى الإنشاء، وينبغي الصلاة عليه - ﷺ - كُلّما ذكر، والخلاف في ذلك مشهور، والأصل الاختلافُ في مؤدَّى قوله عزّ اسمه: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٥٦] أن الأمر للتكرار أم لا؟\nوبسط الكلام على ذلك في \"الأوجز\" (^١) وفيه: قال الحافظ في \"الفتح\" (^٢): أما حكمها فحاصل ما وقفتُ عليه من كلام العلماء فيه عشرة مذاهب، انتهى.\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (٣/ ٣٩٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١١/ ١٥٢).","vol":"2","page":271},{"text":"(وقول الله - ﷿ -) بالرفع على حذف الباب عطفًا على الجملة؛ لأنها في محل الرفع، وكذا على تنوين \"باب\"، وبالجر عطفًا على \"كيف\" وإثبات \"باب\" بغير تنوين، والتقدير: باب معنى قول الله تعالى [كذا]، أو الاحتجاج بقوله تعالى كذا، ولا يصح تقدير كيفية قوله تعالى؛ لأن كلامه تعالى لا يكيَّف، قاله عياض، ويجوز الرفع على القطع وغيره، كذا في \"الفتح\" (^١).\n(﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا﴾) مناسبة الآية بالترجمة واضحة من جهة أن صفة الوحي إلى نبينا - ﷺ - توافق صفة الوحي إلى من تقدمه من النبيين، ومن جهة أن أول أحوال النبيين في الوحي بالرؤيا، كما رواه أبو نعيم في \"الدلائل\"، كذا في \"الفتح\" (^٢)، أو التشبيه في وحي الرسالة فيكون بدؤه كبدء وحيهم، كذا في \"اللامع\" (^٣)، أو احتراز عن وحي غير الرسالة، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨] كذا في حاشية \"اللامع\" عن السندي، أو بيان لمرسِلِ الوحي وهو الله - ﷿ -.\nفإن الوحي يتضمن ثلاثة أشياء: المرسِل، والواسطة، والمرسَل إليه، فهذا بيان للثلاثة، فللأول: أي مبدأ الوحي بقوله: إنا، وللثالث بقوله: إِليك، وللواسطة بقوله: كما أوحينا، فإن الوحي إلى الأنبياء كان عامًّا بواسطة الملَك.\nوعندي التشبيه في جميع أنواع الوحي - من المنام والتكلم من وراء حجاب وغيرهما -، فالمعنى: إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى جميعهم بجميع أنواع الوحي.\nوقال الكرماني (^٤): ذكر البخاري الآية الكريمة؛ لأن عادته أن يستدل للترجمة بما وقع [له] من قرآن أو سُنَّة مسندة وغيرها، وأراد أن الوحي سُنَّة الله في أنبيائه.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٩).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٩).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (١/ ٤٩١).\n(^٤) \"شرح الكرماني\" (١/ ١٤).","vol":"2","page":272},{"text":"وقال ابن بطال: معنى هذه الآية أن الله تعالى أوحى إلى محمد - ﷺ - كما أوحى إلى سائر الأنبياء وحي رسالة لا وحي إلهام؛ لأن الوحي ينقسم إلى وجوه، انتهى.\n(﴿إِلَى نُوحٍ. . .﴾ إلخ)، التشبيه بنوح لا يخرج غيره، كما أن تشبيه الأسود بالغراب لا يخرج تشبيهه بالفحم وغيره، أو التشبيه بأُولي العزم من الرسل، فإن ما قبل نوحٍ كانوا أنبياءَ، واختلف في كونهم رُسُلًا، أو التشبيه بكونه رسولًا إلى الكفار، فإِن الكفر قبل نوح لم يَشعْ كشيوعه في زمان نوح، كذا في \"اللامع\" (^١)، أو لأنه أول رسول آذاه قومُه كما وقع مثلُه لنبينا - ﷺ -، كذا في \"القسطلاني\" (^٢)، أو لأنه أول الآباء بعد الطوفان، ذكره العيني (^٣).\nأو لأن الوحي إلى نوح ومن بعده كان في الأحكام الشرعية، وقبله كان في الأحكام المدنية، والوحي إليه - ﷺ - كان من قبيل الأول دون الثاني، فإنهم قالوا: إن العالم كله بمنزلة شخص كان إلى زمن نوح زمان الطفولية، ولذا كان الوحي من قبيل الزراعة والصناعة، وكان زمن نوح ومن بعده زمان الشباب والتكليف، وزمان إبراهيم ومن بعده زمان الكهولية، ولذا خلق في هذا الزمان الفلاسفة واليونانيون، كذا أفاده شيخ الإسلام مولانا حسين أحمد المدني نوَّر الله مرقده في \"تقريره\"، وقد سبق إليه شيخ الهند في \"تراجمه\" مختصرًا.\nوفي \"الفيض\" (^٤): خص نوحًا - ﵇ - بذكر دون آدم؛ لأن الوحي قبله كان في الأمور التكوينية، ولم يكن فيه كثير من أحكام الحلال والحرام، كما ذكره الشاه ولي الله في رسالته \"تأويل الحديث\". وذكر الشاه عبد العزيز - ﵀ -: أنه لما هبط آدم - ﵇ - من الجنة أعطي بذورًا للزرع، وأكثر\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (١/ ٤٩١).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١/ ٨٣).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١/ ٤٠).\n(^٤) \"فيض الباري\" (١/ ٧٩).","vol":"2","page":273},{"text":"أحكامه كان من هذا القبيل، ثم تغيرت شاكلته من زمن نوح، فنزلت الأحكام والشرائع، كما يعلم من التفاسير: أن الكفر إنما ظهر في السبط السادس من قابيل، وأول رسول بعثه الله لِزَهْقِه هو نوح - ﵊ -، ولم يكن قبله كفرٌ، ومن هنا صار لقبه: \"نبي الله\"، فإنه أول نبي بُعِثَ لإزهاق الكفر، والناس كلهم الآن من نسلِه، فهو آدم الثاني، ومنه نشر العالم بعد لَفِّه، كذا ذكره المؤرخون، انتهى.\n(﴿وَالنَّبِيِّينَ﴾) والجمع المحلّى باللام يفيد الاستغراق، فأشار إلى أن جميع أنواع الوحي إلى جميع الأنبياء يوحى إليك.\n(حدثنا الحميدي) مصنِّفٌ مشهور: أبو بكر عبد الله بن الزبير المكي القرشي (^١)، بدأ المصنف بروايته لكونه قرشيًا، وقال ﵊: \"قَدِّموا قريشًا\" (^٢) فبدأ به، أو لكونه مكيًّا وبدأ الوحي في مكة. وثَنّى برواية مالك؛ لأنه مدني، وثنَّى الوحي في المدينة، كذا في \"الفتح\" (^٣).\nومن المناسبات في أول سند هذا الكتاب وآخر السند منه: أنهما مشتملان على مادة الحمد، فبدؤه من الحميدي، وانتهاؤه إلى أحمد بن إشكاب، فكأن فيه إشارةً إلى كون الابتداء والانتهاء محمودَيْنِ، وإشارةً إلى حسن نية المصنف في الأول والآخر، وقد يكون إشارةً إلى المداومة على الحمد ما ورد في آخر الحديث من قوله: \"سبحان الله وبحمده\"، فالإِنسان يحمده تعالى إلى أن يكون منتهاه الجنة التي دعوى أهلها: الحمد لله رب العالمين.\n_________\n(^١) انظر ترجمته في: \"سير أعلام النبلاء\" (١٠/ ٦١٦)، و\"تهذيب التهذيب\" (٥/ ٢١٤)، و\"فتح الباري\" (١/ ١٠)، و\"عمدة القاري\" (١/ ٤٢).\n(^٢) \"مسند الإمام الشافعي\" (١/ ٢٧٨)، (ح ١٣٥٤)، وقال الحافظ في \"التلخيص\" (٢/ ١٥١): وقد جمعتُ طرقَه في جزء كبير.\n(^٣) \"فتح الباري\" (١/ ١٠).","vol":"2","page":274},{"text":"(حدثنا سفيان) هو ابن عيينة المكي (^١)، يقال: إن الإمام جمع في أول سنده جميع أنواع التحمل من التحديث والإخبار والعنعنة والسماع، كذا في \"الفتح\" (^٢)، وليست العنعنة في نسخنا الهندية ولكنها موجودة في نسخة \"الفتح\" بين سفيان ويحيى بن سعيد الأنصاري، وبسط الكلام في مقدمة \"الأوجز\" (^٣) على الفرق بين ألفاظ التحمل هذه الأربعة، وبيانِ الفرق بين مراتبها من أن الإخبار والتحديث والإنباء كلها سواء في المرتبة، أو فيها فرق في الأولوية؟ فارجع إليه إن شئت التفصيل، وسيأتي شيء من الكلام على ذلك في كتاب العلم في \"باب قول المحدث: حدثنا وأخبرنا وأنبأنا. . .\" إلخ.\n(حدثنا يحيى بن سعيد الأنصاري) (^٤): هكذا في النسخ الهندية، وقد عرفت أنها في نسخة \"الفتح\" بلفظ العنعنة: عن يحيى بن سعيد، ويقال: إن الحديث متواتر عنه، فروى عنه مائتان وخمسون، وقيل: أكثر من ثلاثمائة، وقيل: سبعمائة، قال الحافظ (^٥): لكني تتبعته منذ سمعت هذا فلم يبلغ مائة، انتهى.\nقلت: الحديث غريبٌ فردٌ باعتبار أوله، مشهور باعتبار آخره، وليس بمتواتر كما قيل، فإنه لم يَرْوِه غيرُ عمر - ﵁ -، ولم يرو عنه إلا علقمةُ، ولم يرو عنه غيرُ التيمي، ولم يرو عنه غيرُ يحيى بن سعيد واشتهر عنه، كذا في العيني (^٦).\nقال الحافظ (^٧): هذا الحديث متفق على صحته، أخرجه الأئمة\n_________\n(^١) انظر ترجمته في \"سير أعلام النبلاء\" (٨/ ٤٥٤)، و\"تذكرة الحفاظ\" (١/ ٢٦٤)، و\"تهذيب التهذيب\" (٤/ ١١٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ١٠).\n(^٣) \"أوجز المسالك\" (١/ ٢١٢).\n(^٤) انظر ترجمته في \"سير أعلام النبلاء\" (٥/ ٤٦٨)، و\"تهذيب التهذيب\" (١١/ ٢٢١)، و\"شذرات الذهب\" (١/ ٢١٢).\n(^٥) \"فتح الباري\" (١/ ١١).\n(^٦) انظر: \"عمدة القاري\" (١/ ٤٥).\n(^٧) \"فتح الباري\" (١/ ١١).","vol":"2","page":275},{"text":"المشهورون إلا \"الموطأ\"، ووهم من زعم أنه في \"الموطأ\" مغترًا بتخريج الشيخين له، والنسائي من طريق مالك.\nوقال أبو جعفر الطبري: قد يكون هذا الحديث على طريقة بعض الناس مردودًا لكونه فردًا؛ لأنه لا يروى عن عمر إلا من رواية علقمة، ولا عن علقمة إلا من رواية محمد بن إبراهيم، ولا عن محمد بن إبراهيم إلا من رواية يحيى بن سعيد، وهو كما قال، فإنه إنما اشتهر عن يحيى بن سعيد وتفرَّد به مَن فوقه، وبذلك جزم الترمذي والنسائي وجماعة.\nوأطلق الخطابي نفي الخلاف بين أهل الحديث في أنه لا يُعْرَف إلا بهذا الإسناد، وهو كما قال، لكن بقيدين:\nأحدهما: الصحة؛ لأنه ورد من طرق معلولة ذكرها الدارقطني وغيره.\nقلت: بسط العيني (^١) في طرقها وأسماء الصحابة الذين روي عنهم هذا الحديث.\nوتعقب السيوطي كلام الحافظ، إذ قال في شرح \"الموطأ\" (^٢): في رواية محمد بن الحسن عن مالك، أحاديث يسيرة زائدة على سائر الموطآت، منها حديث الأعمال بالنيات، انتهى، كذا في \"السعاية\"، وهو كذلك، فالحديث في آخر \"الموطأ\" لمحمد في باب النوادر.\nوما قال الحافظ: وهم من زعم. . . إلخ، أراد به الحافظ ابن دحية.\nقال الحافظ (^٣): ثانيهما - أي: ثاني القيدين -: السياق؛ لأنه ورد في معناه عدة أحاديث صحَّتْ في مطلق النية، كحديث: \"يُبْعَثُون على نياتهم\"، وحديث: \"ولكن جهادٌ ونية\"، وحديث: \"رُبَّ قتيل بين الصفين، الله أعلم بنيته\"، وحديث: \"من غزا وهو لا ينوي إلا عقالًا فله ما نوى\"، ذكر الحافظ تخريج هذه الروايات، ثم قال: وغير ذلك مما يتعسَّر حصرُه.\nوعُرِفَ بهذا التقرير غلطُ من زعم أن حديث عمر - ﵁ - متواتر، إلا إن\n_________\n(^١) انظر: \"عمدة القاري\" (١/ ٤٦).\n(^٢) \"تنوير الحوالك\" (١/ ١٠).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١/ ١١).","vol":"2","page":276},{"text":"حُمِلَ على التواتر المعنوي فيُحتمل، نعم قد تواتر عن يحيى بن سعيد. . . إلى آخر ما بسطه.\nوقد نقل المنذري في \"الترغيب\" (^١) عن بعض المتأخرين تواتُرَه ثم ردَّه، وزعم أبو عبد الله الأُبيُّ أن ابن الصلاح ادعى تواتره، وهذا وهمٌ، فإن ابن الصلاح ادعى انحصار المتواتر في حديث: \"من كذب عليّ متعمدًا\" كما ذكره الحافظُ ابن حجر (^٢)، وتلميذه السخاوي (^٣). وقال النووي في \"شرح مسلم\" (^٤): قال الأئمة: ليس هو متواترًا وإن كان مشهورًا عند الخاصة والعامة؛ لأنه فقد شرط التواتر في أوله، انتهى.\nومن العجائب أن الحديث الأول من جامع البخاري على القول المشهور غريب كما رأيتَ، والحديث الآخر من الكتاب وهو: \"كلمتان حبيبتان إلى الرحمن\"، الحديث أيضًا غريب. كما ذكر في آخر هامش \"اللامع\" (^٥): أن الحديث تفرد به محمد بن فضيل وشيخه وشيخ شيخه وصحابيه كما في \"الفتح\" (^٦)، فلا يتوحش من ينظر كثيرًا بين سطور \"الهداية\" في الفقه الحنفي لفظ \"قلت: غريب\"؛ لأن الغرابة لا تستلزم الضعف، وإن كان الغريب قد يستعمل بمعنى الشاذ أيضًا، فتنبه لذلك.\n(على المنبر) وُضِعَ سنة سبع أو ثمان، ورجّحه في \"البذل\"، وفيه أقوال عديدة: من الثانية إلى التاسعة، بسطت في هامشي على \"البذل\" (^٧) وأكثر منها في رسالتي \"الوقائع والدهور\"، يقال: إن عمر - ﵁ - لما ذكره في الخطبة كما يدل عليه لفظ \"على المنبر\" أقام الإمام البخاري الحديث مقام خطبة الكتاب.\nقال العيني (^٨) في بيان تعلق الحديث بالترجمة: الثالث: إنما أتى به على قصد الخطبة.\n_________\n(^١) \"الترغيب\" (١/ ٥٧).\n(^٢) انظر: \"نزهة النظر\" (ص ١٨).\n(^٣) انظر: \"فتح المغيث\" (٣/ ٣٩).\n(^٤) \"شرح صحيح مسلم\" (٧/ ٦٢).\n(^٥) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٤٠٦).\n(^٦) \"فتح الباري\" (١٣/ ٥٤٠).\n(^٧) انظر: \"بذل المجهود\" (٥/ ٩٧).\n(^٨) \"عمدة القاري\" (١/ ٤٢).","vol":"2","page":277},{"text":"وقال محمد بن إسماعيل التيمي: لما كان الكتاب معقودًا على أخبار النبي - ﵇ - طلب المصنف تصديره بأول شأن الرسالة وهو الوحي، ولم ير أن يقدِّم عليه شيئًا لا خطبةً ولا غيرَها، بل أورد حديث: \"إنما الأعمال بالنيات\" بدل الخطبة.\nوقال بعضهم: ولهذه النكتة اختار سياق هذه الطريق؛ لأنها تضمنت أن عمر بن الخطاب - ﵁ - خطب بهذا الحديث على المنبر، فلما صلح أن يدخل في خطبة المنابر كان صالحًا أن يدخل في خطبة الدفاتر. ولكن تَعَقَّبَ على هذا التوجيه العينيُّ، فارجع إليه لو شئت.\nوأيضًا ورد أنه - ﵇ - خطب به حين قدم المدينة مهاجرًا، فناسب إيراده في بدء الوحي؛ لأن الأحوال التي كانت قبل الهجرة كانت كالمقدِّمة لها.\n(سمعته يقول) أي: حال كونه يقول؛ لأن \"سمعت\" لا يتعدى إلى مفعولين، واختار الفارسي أن ما بعد \"سمعت\" إن كان مما يُسْمَعُ، كسمعتُ القرآن، تَعَدَّت إلى مفعول واحد، وإلا كما هنا تَعَدَّتْ إلى مفعولين، فجملة \"يقول\" على هذا مفعولٌ ثانٍ، انتهى مختصرًا من \"القسطلاني\" (^١).\nوقال القاري في \"المرقاة\" (^٢): الأول قول الجمهور، انتهى.\n(إنما الأعمال بالنيات): كذا ها هنا بمقابلة الجمع بالجمع، يعني كل عمل بنيته، وقال بعضهم: كأنه أشار إلى أن النية أيضًا تتنوع كما تتنوع الأعمال، كمن قصد بعمله وَجْهَ الله - ﷿ -، أو تحصيلَ موعوده، أو الاتقاءَ لوعيده، ووقع في معظم الروايات بإفراد النية.\nووجهه: أن النية فعل القلب وهو واحد، ولأن النية ترجع إلى الإخلاص وهو واحد، كذا في \"الفتح\" (^٣)، ثم أورد على الإمام عدمُ المناسبة من بين الحديث والترجمة.\n_________\n(^١) انظر: \"إرشاد الساري\" (١/ ٨٩).\n(^٢) \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ١٨٨).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١/ ١٢).","vol":"2","page":278},{"text":"ووُجِّهَ بوجوه:\nفقيل: الحديث بمنزلة الخطبة كما تقدم، وقيل: لمجرد تصحيح نية القارئ، وقيل: تنبيه على أن المصنف راعى في الكتاب حسن نيته.\nوأورد على الثلاثة المذكورة أنه كان حقه أن يقدم على الترجمة.\nوأجيب: بأنه أَخَّرَ الحديث عن الوحي تنبيهًا على أن المنويَّ المذكورَ في الحديث هو الذي يعتبر عند الشارح، ومداره على الوحي، ووُجِّهَ اهتمامًا بشأن الآية.\nوقيل: من الناسخين، وتعقب: بأن النُّسَخ متوافرة على ذلك.\nووُجِّهَ: بأن الحديث أيضًا من الوحي، وتعقب: بأن الباب بدء الوحي، فالأوجه في الجواب أن الترجمة بمدلول التزاميٍّ عظمة الوحي، وثبت بالوحي لخلوص نيته - ﷺ - كما مرّ في الأصل الحادي والعشرين من الأصول السبعين.\nوأجاد في \"اللامع\" (^١) في بيان المناسبة، وبسط الكلام عليها.\nوحاصلها: أن بعض الأعمال كثيرًا ما يترتب عليها بعض الفواضل، ويدلُّك عليه قولُه - ﵊ -: \"أسلمتَ على ما أسلفتَ من خير\" (^٢).\nوعلى هذا فالحديث بيان لبدء الوحي، أن السبب في بدء الوحي إليه ما جُبِلَ عليه النبي - ﷺ - من إخلاص النية وخلوص النصيحة لله ربِّ العالمين، ولسائر خليقته، والتوجيه المذكور فيه مبني على أن لفظة \"كيف\" كما يسأل بها عن كيفية الشيء وصفته، فكذلك هي مسؤولة بها سببُ وجود الأمر وحدوثه، يقال: كيف جئتَ؟ والمقصود ليس هو استفسار كيفية مجيئه بل سبب إتيانه. . . إلى آخر ما بسط في \"اللامع\" (^٣).\n_________\n(^١) انظر: \"لامع الدراري\" (١/ ٤٩٣).\n(^٢) أخرجه مسلم (ح: ١٩٤).\n(^٣) انظر: \"لامع الدراري\" (١/ ٤٩٢).","vol":"2","page":279},{"text":"وفي الحديث مسألة شهيرة خلافية وهي: الصحة أو الإثابة، ويؤيدنا: أن إزالة النجاسة عن الثوب مثلًا لا تحتاج إِلى النية في الطهارة، وله نظائر تُنْظَر من \"القسطلاني\" (^١)، فكذا الحدث لا يحتاج إلى إزالته إلى النية عندنا بخلاف غيرنا كما هي مبسوطة في كتب الفقه.\nوكتب الشيخ في \"البذل\" (^٢): لفظ \"إنما\" للحصر، فالتقدير: إنما الأعمال تعتبر إذا كانت بنية، ولا تعتبر إذا كانت بلا نية، ولا يمكن ها هنا نفس الأعمال لثبوتها حِسًّا وصورةً من غير اقتران النية بها، فلا بد من إضمار شيء يتوجه إليه النفي، ويتعلق به الجار، فقيل: التقدير: صحيحة أو تصح، كما هو رأي الشافعي وأتباعه، وقيل: كاملة أو تكمل، على رأي أبي حنيفة وأصحابه.\nوالأظهر أن المقدَّر: معتبرة أو تعتبر، ليشمل الأعمال كلَّها، سواء كانت عباداتٍ مستقلاتٍ كالصلاة والزكاة، فإن النية تعتبر لصحَّتها إجماعًا، أو شروطًا في الطاعات كالطهارة وستر العورة، فإنها تعتبر لحصول ثوابها اتفاقًا لعدم توقف الشروط على النية في الصحة، خلافًا للشافعي في الطهارة، فعليه بيان الفرق، أو أمورًا مباحة، فإنها قد تنقلب بالنيات حسناتٍ، كما أنها قد تنقلب سيئات بلا خلاف، غاية ما في الباب أن متعلق الصحَّة والكمال يعرف من الخارج ولا محظور فيه.\nقال القاري (^٣): واستثني بعضُ الأعمال من هذا العموم كصريح الطلاق والعتاق؛ لأن تعيين الشارع هذه الألفاظَ لأجل هذه المعاني بمنزلة النية، ولا يخفى أن هذه إنما هو بالنسبة إلى الصحة والجواز، وأما بالنسبة إلى الثواب فلا بد من تصحيح النية، انتهى.\n_________\n(^١) انظر: \"إرشاد الساري\" (١/ ٩١).\n(^٢) \"بذل المجهود\" (٨/ ١٩٩).\n(^٣) \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ٩٩).","vol":"2","page":280},{"text":"والحديث المذكور أحد الأحاديث الأربعة التي انتخبها الإمام أبو داود (^١) من خمسمائة ألف، وهذا أحدها.\nوالثاني: \"لا يكون المؤمن مؤمنًا حتى يرضى لأخيه ما يرضى لنفسه\".\nوالثالث: \"من حسن إسلام المرء تركُه ما لا يعنيه\".\nوالرابع: \"الحلال بيِّن والحرام بيِّن، وبينهما أمور مشتبهة\" الحديث، وقد روي بألفاظ مختلفة، انتهى.\nوسبقه الإمام أبو حنيفة إذ انتخب من خمسمائة ألف، وزاد على الأربعة المذكورة حديثًا خامسًا، وهو: \"المسلم من سَلِمَ المسلمون\" الحديث، ولعل الإمام أبا حنيفة زاده اهتمامًا لشأنه، والإمام أبو داود حذفه لدخوله في الحديث الثاني: \"لا يكون المؤمن مؤمنًا\" الحديث، وبسط الكلام على ذلك في \"الأوجز\" (^٢).\nوفيه قال شيخ مشايخنا الشاه عبد العزيز الدهلوي في \"البستان\" (^٣) بعد قول أبي داود: هو كذلك، فإن الأول يكفي لتصحيح العبادات، والثاني لمعرفة الحقوق، والثالث لمحافظة الأوقات، والرابع لرفع الشك والتردد من اختلاف العلماء وغيره، انتهى.\nوقال الإمامان الشافعي وأحمد بن حنبل: حديث النيات ثُلُث العلم، قاله النووي في \"شرح البخاري\" (^٤).\nوقال المتأخرون: مدار الإسلام على حديث واحد وهو حديث جرير: \"الدين النصيحة\".\nكما بسط الكلام عليه في هامش \"اللامع\" (^٥) في آخر كتاب الإيمان، وفيه: قال الحافظ (^٦): هذا من الأحاديث التي قيل فيها: إنها أحد أرباع\n_________\n(^١) انظر: \"إرشاد الساري\" (١/ ٩٥).\n(^٢) انظر: \"أوجز المسالك\" (١/ ١٨٨).\n(^٣) \"بستان المحدثين\" (ص ٨١).\n(^٤) انظر: \"فيض الباري مختصر شرح صحيح البخاري\" (ص ١١).\n(^٥) \"لامع الدرارى\" (١/ ٦١٢).\n(^٦) \"فتح الباري\" (١/ ١٣٨).","vol":"2","page":281},{"text":"الدين، وممن عدَّه فيها الإمامُ محمدُ بنُ أسلم الطوسي، وقال النووي: بل هو وحده محصل لغرض الدين كله؛ لأنه منحصر في الأمور التي ذكرها، انتهى.\n(وإنما لكل امرئ ما نوى): جنح القرطبي إلى أنها مؤكِّدة للجملة الأولى، وقال غيره: بل تفيد غير ما أفادته الأولى، كما بسط الحافظ في \"الفتح\" (^١) أشد البسط.\nوالأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن الجملة الأولى: بيان لمدار الثواب على العبادة، فلا يحصل إلا بالنية، والجملة الثانية: تعميم لكثرة النية في عمل واحد، كما بسطه الشيخ قطب الدين في \"مظاهرِ حق\" (^٢) على \"المشكاة\" بالأردية أشد البسط أيضًا: أن الرجل مثلًا إذا نوى في دخول المسجد الاعتكافَ، والتجنبَ عن المعاصي، وانتظارَ الصلاة، والتبتلَ إلى الله ﵎، وتحصيلَ العلم، ومجالسةَ الصالحين، ولقاءَ المسلمين، وغيرَ ذلك من الأمور الكثيرة، فيحصل له ثواب كل ما نوى، انتهى.\nوما يَرِدُ عليه أن من صام رمضان نفلًا يقع فرضًا، بسط في جوابه القسطلاني (^٣) وقال: لا يرد على دعوى الحصر نحوُ صوم رمضان بنية قضاء أو نذر، حيث لم يقع له ما نوى؛ لعدم قابلية المحل. . . إلى آخر ما بسطه.\n(فمن كانت هجرته إلى دنيا. . .) إلخ، واختلف في أن حَذْفَ الجملة الأولى وهي قوله - ﷺ -: \"فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله\" من البخاري أو من شيخه الحميدي؟ وقد روي عن الحميدي بكلتا الجملتين كما بسطه الحافظ (^٤)، انتهى.\nوالدنيا مشتق من الدنو بمعنى القرب والدناءة.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ١٤).\n(^٢) \"مظاهر حق\" (١/ ١٨).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١/ ٩١).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١/ ١٥).","vol":"2","page":282},{"text":"واختلفوا في حقيقة الدنيا كما بسطه أهل السلوك، وقالوا: إن الدنيا غفلة عن الله ﵎، لا المال والأهل والمتاع.\nقال العارف الرومي:\nجيست دنيا از خدا غافل بودن … نى قماش ونقره وفرزند وزن\nقال النووي (^١): ذكر الإمام البخاري الحديث المذكور في سبعة مواضع من \"صحيحه\"، فذكره هنا، ثم في \"الإيمان\"، وفي \"النكاح\"، و\"العتق \"، و\"الهجرة\"، و\"ترك الحِيَل\"، و\"النذور\"، انتهى.\nقلت: ذكر الإمام الحديث في ستة مواضع بكلتا الجملتين، وحذف الأولى في الموضع الأول، وأورد عليه حبيبي المولوي بدر عالم المهاجر المدني المرحوم لَمّا حضرتُ المدينةَ المنورةَ في سنة ثلاث وثمانين، وقال: كان حق المؤلف أن يذكر الحديث في أول موضعه بتمامه ويختصر فيما بعدُ، وقال: لم أظفر على جوابٍ شافٍ لهذا، فوقع في نفسي على سؤاله أن دفع المضرة لمَّا كان أهمَّ من جلب المنفعة، وكان هذا موضع البداية، فلعل المصنف - ﵀ - أراد أن يُنَبِّهَ الطالبين على التحرز عن فساد النية في أول كتابه.\nوقد قال الحافظ (^٢): فالجواب ما قاله أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد الحافظ في أجوبة له على \"البخاري\": إن أحسن ما يجاب به هنا أن يقال: لعل البخاري قصد أن يجعل لكتابه صدرًا يستفتح به على ما ذهب إليه كثير من الناس من استفتاح كتبهم بالخطب المتضمنة لمعاني ما ذهبوا إليه من التأليف، فكأنه ابتدأ كتابه بنية ردّ علمها إلى الله تعالى، فإن علم منه أنه أراد الدنيا أو عَرَّضَ إلى شيء من معانيها فسيجزيه بنيته، ونكب عن أحد وجهَي التقسيم مجانبة للتزكية التي لا يناسب ذكرها في ذلك المقام، انتهى ملخصًا.\nوحاصله: أن الجملة المحذوفة تشعر بالقربة المحضة، والجملة المبقاة\n_________\n(^١) \"شرح صحيح مسلم\" (٧/ ٦٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ١٥).","vol":"2","page":283},{"text":"تحتمل التردد بين أن يكون ما قصده يحصل القربة أو لا، فلما كان المصنف كالمخبر عن حال نفسه في تصنيفه هذا بعبارة هذا الحديث حَذَفَ الجملة المشعرة بالقربة المحضة فرارًا من التزكية، وأبقى الجملة المترددة المحتملة تفويضًا للأمر إلى ربه المطلع على سريرته المجازي بمقتضى نيته، انتهى.\nوقد اشتُهر أن سبب هذا الحديث قصة مهاجر أم قيس، المروية في \"المعجم الكبير\" (^١) للطبراني بإِسنادٍ رجالُه ثقات: عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: \"كان فينا رجل خطب امرأة يقال لها أم قيس، فأبَتْ أن تتزوَّجه حتى يهاجِرَ، فهاجَرَ فتزوَّجها، فكنا نسميه مهاجِرَ أم قيس\".\nولم يقف ابن رجب على من خَرّجه فقال: ذكره كثير من المتأخرين في كتبهم، ولم نر له أصلًا بإسناد صحيح، هكذا قال القسطلاني (^٢)، لكن ذكر ابن رجب في \"شرح الأربعين\" حديث مهاجر أم قيس، ثم قال: رواه وكيع في كتابه، وقد اشتهر أن قصة مهاجر أم قيس هي كانت سبب قول النبي - ﷺ -: \"من كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها\"، وذكر ذلك كثير من المتأخرين في كتبهم، ولم نر لذلك أصلًا يصح، انتهى.\nومال إليه الحافظ إذ قال بعد ذكر حديث أم قيس: لكن ليس فيه أن حديث الأعمال سيق بسبب ذلك، ولم أر في شيء من الطرق ما يقتضي التصريح بذلك (^٣)، انتهى.\nواسم المرأه: قَيْلَة، وأما الرجل فلم يسمِّه أحد ممن صَنَّفَ في الصحابة، وهذا السبب وإن كان خاصَّ المورد، ولكن العبرة بعموم اللفظ، والتنصيص على المرأة من باب التنصيص على الخاص بعد العام للاهتمام، قاله النووي في \"شرح البخاري\" (^٤).\n_________\n(^١) \"المعجم الكبير\" (٨٥٤٠).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١/ ٩٤).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١/ ١٠).\n(^٤) انظر: \"إرشاد الساري\" (١/ ٩٤).","vol":"2","page":284},{"text":"(أم المؤمنين) تغليبًا، وتدخل فيه النساء، ولكن صح عن عائشة - ﵂ -: \"أنا أمُّ رجالكم لا أمُّ نسائكم\"، وهي باعتبار الشرافة والكرامة وتحريم نكاحهن لا في جواز الخلوة وتحريم نكاح بناتهن، كذا في \"القسطلاني\" (^١)، لا يقال: إن الآية: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦] قطعية، فلم تتناول جميع الأحكام؛ لأن الآية الأخرى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣] تدل على إيجاب الحجاب، فالجمع بين الآيتين يدل على ما تقدم.\nوقال ابن العربي في \"أحكام القرآن\" (^٢): اختلف الناس هل هن أمَّهات الرجال والنساء، أم هنَّ أمَّهات الرجال خاصة؟\nفقيل: ذلك عام في الرجال والنساء، وقيل: خاص للرجال؛ لأن المقصود بذلك إِنزالُهن منزلةَ أمهاتهم في الحرمة حيث يتوقع الحِلّ، والحِلّ غير متوقع بين النساء، فلا يحجب بينهن بحرمة.\nوقد روي أن امرأة قالت لعائشة: يا أماه، فقالت: لستُ لكِ بأمٍّ، إنما أنا أم رجالكم، وهو الصحيح، انتهى.\nوفي \"الطحاوي\" (^٣) عن حكّام الرازي قال: قال أبو حنيفة: كان الناس لعائشة محرمًا، انتهى. (^٤)\n(كيف يأتيك الوحي) أجاب - ﵊ - بالصورتين فقط، وقد قالوا: يأتي الوحي بسبعة أوجه أو أكثر، كما تقدم، وأجاب عنه في \"اللامع\" (^٥) بأن الاقتصار على ذكر القسمين اقتصار على معظم أنواعه، أو يكون ذكر الأقسام الباقية أيضًا، ولكنه لم يذكرها بعض الرواة، وهذا مبني على\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١/ ٩٧).\n(^٢) \"أحكام القرآن\" لابن العربي (٣/ ٥٤٢).\n(^٣) \"شرح معاني الآثار\" (٢/ ١١٦).\n(^٤) انظر: \"الإجابة لما استدركته عائشة\" (ص ١٣٢).\n(^٥) \"لامع الدراري\" (١/ ٤٩٤).","vol":"2","page":285},{"text":"أن السؤال عن كل أقسام الوحي، ولكن الظاهر أن مسألته كانت عمَّا يوحى عليه من الكيفية التي تنزَّل عليه الوحي من الله في أكثر أحيانه وغالب أزمانه.\nوالجواب إذ ذاك يمكن إيراده على ثلاثة أوجه: بيان كيفية الوحي لنفسه، أو الموحي وهو الملَك، أو الموحى إليه وهو الرسول - ﷺ -، إلى آخر ما بسط في \"اللامع\" (^١).\n(وأحيانًا يأتيني مثلُ صلصلة الجرس) أصله صوت وقْع الحديد بعضه على بعض، ثم أُطلق على كل صوت له طنين، وفي مصداقه ستة أقوال:\n١ - صوته تعالى القديم، واختاره مولانا السيد أنور شاه في \"الفيض\" (^٢).\n٢ - تخليق الصوت من الله - ﷿ - في الموحى به بكمال قدرته، كذا في \"الأوجز\" (^٣).\n٣ - الصوت الأصلي للملَك.\n٤ - صوت أجنحة جبرئيل.\n٥ - وحكي عن شيخ الإسلام المدني - ﵀ -، أنه صوت مجيء جبرئيل، كما يسمع صوت قطار سكة الحديد - رين إنجن - من المسافة البعيدة بنحو خمسة أميال بل أكثر من ذلك.\nقلت: وأورد عليه بعض الطلبة أنه لوكان كذلك لكان ينبغي أن يكون محسوسًا للكل، ويرد هذا الإيراد على الأجنحة أيضًا، ويمكن التفصِّي عنه بأن إحساسه من باب الكشف، كما ورد أن جبرئيل يبسط أجنحته ليلة القدر، ولا يكشف هذا إلا لأهل الكشف ولا يظهر لغير أهله، كما لا يسمع الأصم الصوت.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (١/ ٤٩٤، ٤٩٥).\n(^٢) \"فيض الباري\" (١/ ٢٠).\n(^٣) \"أوجز المسالك\" (٤/ ٢٥٦).","vol":"2","page":286},{"text":"٦ - ومال شيخ المشايخ الشاه ولي الله الدهلوي في \"تراجمه\" أنه أثر تعطل الحواس، إذ قال: أعلم أن من تعطلت حاسة من حواسه يظهر له في تلك الحاسة ما لا يتميز فيه، مثل من تعطلت حاسته البصرية يرى ألوانًا مختلفة متكثرة، ومن تعطلت حاسته السمعية يسمع أصواتًا ممتزجة مختلفة غير متميزة، فقوله: \"مثل صلصلة الجرس\"، عبارة عن تعطل حاسة السمع عن مسموعات عالم الشهادة، لكي يتفرغ لحفظ ما أوحي عليه، ويعيه كما هو حقه، فتدبر.\nوأشكل عليه أن صوت الجرس مذموم لصحة النهي عنه كما في \"مسلم\" و\"أبي داود\"، فكيف يشبه به ما فعله الملك مع أن الملائكة تنفر عنه؟\nوأجيب: بأنه لا يلزم من التشبيه تساوي المشبَّه والمشبَّه به في جميع الصفات، كمن شَبَّه رجلًا بالأسد فيكون التشبيه في شجاعته لا في نتن رائحة الفم، فذكر ما ألِفَ السامعون سماعه تقريبًا لأفهامهم كما قيل في توجيه العتمة.\nفإن قيل: قد روي عن عمر عند أبي داود: \"كنا نسمع عنده مثل دَويِّ النحل\" (^١)، وها هنا كصلصلة الجرس وبينهما تفاوت، أجيب: بأن ذلك بالنسبة إلى الصحابة، وهذا بالنسبة إلى النبي - ﷺ -، كذا أفاده الشراح.\nوالأوجه عندي أنه ليس بحقيقة، بل تقريب وتشبيه، فلا يخالف أيضًا ما ورد: \"إذا قضى الله في السماء أمرًا ضربَتْ الملائكةُ بأجنحتها خضعانًا لقوله كأنها سلسلة على صفوان\"، انتهى مختصرًا من \"الأوجز\" (^٢).\n(وهو أشده عليّ) لكون الصوت لم يفهم، أو لانقطاعه إلى عالم\n_________\n(^١) لم أجده في \"سنن أبي داود\"، وأخرجه النسائي في \"الكبرى\" (رقم ١٤٣٩)، والمقدسي في \"الأحاديث المختارة\" (رقم ٢٣٤)، والحاكم في \"المستدرك\" (٤٢٥١٢)، وأحمد في \"مسنده\" (١/ ٣٤).\n(^٢) انظر: \"أوجز المسالك\" (٤/ ٢٥٦، ٢٥٧)، والحديث أخرجه: \"البخاري\" (ح: ٤٧٠١)، و\"ابن حبان\" (رقم ٣٦)، و\"الترمذي\" (ح: ٣٢٢٣).","vol":"2","page":287},{"text":"الملكوت كما يعتري للذاكرين إذا أثّر الذكرُ فيهم، وذكر في هامش \"اللامع\" (^١) في بيان شدة ما يعتري النبيَّ - ﷺ - من التعب والكرب حتى يتفصَّد جبينه عرقًا، وقد قال عزّ اسمه: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: ٥].\n(فيفصم) فيه ثلاث روايات: أشهرها: فتح التحتية وكسر المهملة، والثانية: بضم أوله وكسر الثالثة، والثالثة: بضم أوله وفتح الصاد على البناء للمجهول، يقال: أفصم المطر إذا أقلع، كما في \"الأوجز\" (^٢).\n(الملك رجلًا) نصب على المصدرية، أي: تَمَثُّلَ رجلٍ، أو حال، ورجح العيني (^٣) نصبه بنزع الخافض، والملَك مشتق من الألوكة بمعنى الرسالة، هذا قول سيبويه والجمهور، وأصله: لاك، وقيل: أصله الملك بفتح ثم سكون، وهو الأخذ بالقوة، وقيل: مخفف من مالك، والبسط في هامش \"اللامع\" (^٤).\n(وإن جبينه ليتفصد عرقًا) يشكل عليه ما سيأتي من قوله: \"زَمِّلوني\" ذكر في هامش \"اللامع\" (^٥) الجمع بينهما، والأحسن أن يقال: إن قولها: \"ليتفصد عرقًا\": حالة عامة كانت في أكثر أحوال النزول، كما هو ظاهر من الأحاديث الواردة في أحوال نزول الوحي من أنه - ﷺ - كانت تأخذه الشدةُ وقت النزول حتى لو كان على بعير لبرك لشدة الثقل، وأوحي إليه مرة وفخذه على فخذ زيد بن ثابت فثقل على زيد حتى قال زيد: خفتُ أن ترضّ فخذي، وكانت تأخذه البرحاء في اليوم الشاتي حتى إِنه ليتحدر منه مثلُ الجمان، وغير ذلك من الروايات الكثيرة.\nوأما قوله - ﷺ -: \"زملوني\" فكان في أول الأمر، فإنه - ﷺ - كانت تأخذه الحمى في أول أمره فيحتاج إلى التزمُّل والتلفُّف، ثم لما اعتادت نفسه\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (١/ ٤٩٧).\n(^٢) \"أوجز المسالك\" (٤/ ٢٥٨).\n(^٣) انظر: \"عمدة القاري\" (١/ ٧٨).\n(^٤) انظر: \"أوجز المسالك\" (٤/ ٢٥٨).\n(^٥) انظر: \"لامع الدراري\" (١/ ٤٩٧).","vol":"2","page":288},{"text":"الشريفة ذهبت عنه تلك الهيبة التي كانت تأخذه الحمَّى بسببها، وأما الشدة فبقيت في أكثر أحوال النزول، والمناسبة بالترجمة بأن هذه الحالة الواردة في الحديث مبدأ لكل وحي يكون مثل هذا النوع.\n(وكان يخلو بحراء) وهو مأخذ الصوفية في التجرُّد، ولعلَّهم خصُّوه بالأربعينية لقصة موسى - ﵇ - ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى﴾ الآية [الأعراف: ١٤٢]، ولحديث النطفة والعَلَقة والمضغة، فإن التغير فيها في الأربعينات، فعُلم أن له دخلًا خاصًّا في تغير الأحوال، وبسط القسطلاني (^١) في تخصيص جبل حراء للتعبد، قال السهيلي في \"الروض\" (^٢): وهو الجبل الذي نادى رسول الله - ﷺ - حين قال له ثبير وهو على ظهره: اهبط عني فإني أخاف أن تُقْتَلَ على ظهري فأعذَّب، فناداه حراء: إليَّ إليَّ يا رسول الله - ﷺ -، انتهى.\n(فيتحنث) من التحنُّث، وهو إلقاء الحنث، فإن التفعُّل تأتي لسلب المأخذ، وقيل: هو بمعنى يتحنَّف، أي: يتبع الحنيفية وهي دين إبراهيم، والفاء تبدل ثاءً في كثير من كلامه، وقد وقع في رواية ابن هشام في \"السيرة\" يتحنَّف بالفاء، كذا في \"الفتح\" و\"القسطلاني\" (^٣).\nقال ابن هشام (^٤): تقول العرب: التَّحَنُّث والتَّحَنُف، يريدون الحنيفية، فيبدلون الفاء بالثاء، كما قالوا: جَدَفَ وجَدثَ، يريدون القبر، انتهى.\n(وهو التعبد) تفسير للتحنث من أحد الرواة وهو الزهري، كما جزم به الطيبي فسَّره به مجازًا، و\"الليالي\" ظرف ليتحنث لا التعبد، وذكرُ الليالي يتناول الأيامَ بالأَولى، فإن البارزين إلى الفلوات يرجعون إلى بيوتهم في الليالي، فلو قال: أيامًا، لأوهم الرجوع إلى البيت في الليل، ويشكل أن العبادة لم تُشرع بعدُ، فالجواب أنهم اختلفوا في كيفية تعبُّده بناءً على أنه هل كان متعبدًا بشرع سابق أو لا؟ ففيه ثلاثة أقوال:\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١/ ١٠٦).\n(^٢) \"الروض الأنف\" (٢/ ٣٩٢).\n(^٣) انظر: \"إرشاد الساري\" (١/ ١٠٥)، و\"فتح الباري\" (١/ ٢٣).\n(^٤) \"السيرة النبوية\" (١/ ٢٣٥).","vol":"2","page":289},{"text":"الأول: أنه لم يكن متعبدًا بشرع سابق، قال في \"الدر المختار\" تبعًا لصاحب \"البحر\": وهو المختار عندنا، قال ابن عابدين (^١): نسبه في \"التقرير الأكملي\" إلى محققي أصحابنا، قال: لأنه ﵊ قبل الرسالة في مقام النبوة لم يكن من أمة نبي قط، انتهى.\nقلت: وعزاه القاضي عياض، والحافظ ابن حجر، وعمر بن نجيم في \"النهر الفائق\" (^٢) إلى الجمهور.\nقال القاضي عياض في \"الشفاء\" (^٣): واحتجوا بأنه لو كان كذلك لَنُقِل، ولَمَا أمكن كتمُه وسترُه في العادة، إذ كان من مهم أمره، وأولى ما اهْتُبِلَ به من سيرته، ولفخر به أهل تلك الشريعة، وَلاحْتجوا به عليه، ولم يُؤْثَرْ شيء من ذلك جملةً.\nوالقول الثاني: الوقف، ذهب إليه إمام الحرمين، والغزالي، وابن الأنباري، وغيرهم، واختاره السبكي.\nوالقول الثالث: أنه كان متعبّدًا بشرع سابق، قال ابن بدران الحنبلي في \"المدخل\": كان نبينا - ﷺ - قبل البعثة متعبّدًا في الفروع بشرع مَن قبله عند القاضي والحلواني، وأومأ إليه أحمد، واختاره ابن الحاجب والبيضاوي وابن الهمام.\nثم اختلفوا في تعيينه، فقيل: آدم، وقيل: نوح، وقيل: إبراهيم، واختاره ابن عقيل والمجد ابن تيمية، وقيل: موسى، وقيل: عيسى، وقيل: بجميع الشرائع، حكاه بعض شراح \"المحصول\" عن المالكية، قال ابن الهمام (^٤): والمختار أنه متعبد بما ثبت أنه شرع إذ ذاك، إلا أن يثبتا متضادين فبالأخير لعدم معلومية طريقه فيما ركن إليه، انتهى.\n_________\n(^١) \"رد المحتار\" (٢/ ١٣).\n(^٢) \"النهر الفائق\" (١/ ١٥٧)، و\"فتح الباري\" (١٢/ ٣٥٥)، و\"الشفاء\" (ص ٣٢٧).\n(^٣) \"الشفاء\" (ص ٣٢٧).\n(^٤) انظر: \"تيسير التحرير\" (٣/ ١٢٩ - ١٣٠).","vol":"2","page":290},{"text":"وعلى القول الأول بماذا كان يتعبد؟ قيل: بما يُلقى إليه من أنوار المعرفة، وقيل: بما يحصل له من الرؤيا، وقيل: بالتفكر، وقيل: باجتناب رؤية ما كان يقع من قومه.\n(حتى بلغ مني الجهد): برفع الدال على الفاعلية، أي: بلغ الجهد مبلغه، وبالنصب على المفعولية، أي: بلغ الغطُّ مني جهدَه، أي: غايته، أو بلغ جبرئيل جهدَه وقوتَه.\nوأشكل بأن البشر لا يطيق غاية جهد الملك، ويزيد هذا الإشكال في قصة صك موسى - ﵇ - وَجْهَ عزرائيل - ﵇ - حتى فُقئت عينه، وقد ذكر على هذا الحديث الكلام في \"اللامع\" (^١) وهامشه في \"كتاب الجنائز\" مفصَّلًا حتى أنكر بعض الجهلة هذا الحديث، فارجع إليه لو شئت التفصيل.\nوالجواب عن أصل الإشكال: بأن من تزيَّا بزيِّ غيره فإنه تنتقل إليه جميع ميزات ذلك الشيء، لذا ترى أن الجن عندما يكونون في زي الثعابين والعقارب فإنهم يموتون بضربة أو ضربتين فقط، كما تشهد عليه الوقائع الكثيرة، مع أنها لو كانت في زيها الأصلي لما استطاع أحدٌ الوقوفَ لها البتة، فكذلك لما كان جبرئيل - ﵊ - في زيِّ رجلٍ فجهدُه لا يتعدى جهدَ الرجال المعتاد، وتحمُّلُ النبي - ﷺ - كان أكثرَ من ذلك، فلا إشكال مطلقًا، ولذا لا يشكل فقء عين عزرائيل - ﵇ - بصك موسى - ﵊ -، لكن قال القاري (^٢): لا يلزم من تشكُّلِ الملَك بصورة الآدمي وتبدُّلِه عن أصل هيئته الملَكية سلبُ القوة عنه ونفي الغلبة منه، فإن الأمر المعنوي لا يتغير بتغير الهيكل الصوري، انتهى.\nوقال الحافظ (^٣): ما المانع أن يكون قَوّاه الله على ذلك ويكون\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (١٤/ ٣٦٧ - ٣٧٠).\n(^٢) \"مرقاة المفاتيح\" (١٠/ ١٠٥).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٢/ ٣٥٧).","vol":"2","page":291},{"text":"من جملة معجزاته، ثم رجَّح الحافظ رواية الرفع فقال: والترجيح هنا متعين لاتحاد القصة، ورواية الرفع لا إشكال فيها، وهي التي ثبتت عن الأكثر فترجَّحَتْ، وإن كان للأخرى توجيه، وقد رجَّح شيخُنا البُلقينيُّ بأن فاعل \"بلغ\" هو الغط، والتقدير: بلغ مني الغطُّ جهدَه، أي: غايته، فيرجع الرفع والنصب إلى معنى واحد، وهو أولى، انتهى.\nثم التثليث إشارة إلى أن المؤدِّب لا يزيد الضربَ على ثلاثة مرَّات، حكاه السُّهيلي (^١) عن شريح القاضي التابعي، وقيل: الغطة الأولى للتخلي عن الدنيا، والثانية للتفرغ لما يوحى إليه، والثالثة للمؤانسة، كذا في \"القسطلاني\" (^٢).\nوالأوجه عندي أن الأولى لحصول النسبة الإلقائية، والثانية لحصول النسبة الإصلاحية، والثالثة: لحصول النسبة الاتحادية، فالتوجه عند العارفين أربعة أنحاء: انعكاسي، وإلقائي، وإصلاحي، واتحادي، وتفصيل هذه التوجهات الأربعة في هامش \"اللامع\" (^٣) بذيل هذا الحديث جدير بأن يُنْظَر.\nولم يحتَجْ - ﷺ - إلى الأولى؛ لأنها حصلت بمجرد لقاء جبرئيل - ﵇ - لصفاء قلبه - ﷺ - بالخلوة في حِراء ستة أشهر، ولا يقال: إِنه يلزم منه فضل جبرئيل - ﵇ - على رسول الله - ﷺ -؛ لأنه أمر ابتدائي، وأول أحواله - ﷺ -، ثم ترقَّى النبي - ﷺ - بعد ذلك كل يوم حتى سبق على جبرئيل بمراحل، إلى أن قال جبرئيل:\nاكَر يك سر موـ&gt; برتر برم … فروغِ تجلي بسوزد برم\nفلما ارتقى - ﷺ - إلى هذه المرتبة العليَّة قبل الهجرة بكثير، فما ظنك فيما ارتقى - ﵊ - بعد ذلك.\nوقد يقال: إنهم ذكروا ثلاث عوالم: الأول: عالم الناسوت، والثاني: عالم الملكوت، والثالث: عالم اللاهوت.\n_________\n(^١) انظر: \"الروض الألف\" (٢/ ٤٠٠).\n(^٢) انظر: \"إرشاد الساري\" (١٤/ ٤٧٩).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (١/ ٥٠٠).","vol":"2","page":292},{"text":"فيقال: إن النبي - ﷺ - وإن كانت النبوة كامنة فيه، ففي حديث أبي هريرة عند الترمذي وغيره: \"قالوا: يا رسول الله! متى وجبت لك النبوة؟ قال: وآدم بين الروح والجسد\" (^١)، وقد ورد في هذا المعنى أحاديث كثيرة ذكرها السيوطي في \"الخصائص\" (^٢)، ولكن كان النبي - ﷺ - قبل إتيان جبرئيل إليه في عالم الناسوت متصفًا بصفات الإنسان، فلما أتاه جبرئيل وغطّه ذهبت عنه ما هو من صفات الناسوت، ودخل في عالم الملكوت الذي هو عالم الملائكة الذي من لوازمه التجرُّدُ والانقطاعُ عن ملابسات الناس، والانخلاعُ عن لوازم البشرية، وبعد ذلك ترقَّى النبي - ﷺ - حتى وصل إلى عالم اللاهوت الذي هو كناية عن حضرة الربوبية، فحصل ما حصل مما لا يأتي في البيان، والله أعلم.\n(﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ الآية) لا يقال: فيه تكليف بما لا يطاق؛ لأنه ليس تكليف بل تلقين، كما يقول المعلِّم لتلميذه، ظنه النبي - ﷺ - تكليفًا فقال: \"ما أنا بقارئ\"، وقيل: كان في يد جبرئيل - ﵇ - ثوب حرير مكتوب عليه هذه الآيات، فالجواب إِذًا: أنه لم يكن داخلًا فيما لا يطاق، لكنه - ﷺ - ظنه كذلك هضمًا لنفسه، كذا في بعض تقارير شيخ الإسلام المدني، وقصة ثوب حرير إنما وقعت في مرسل عُبيد بن عمير الليثي عند ابن إسحاق وهو منام، كما ذكره ابن إسحاق مفصَّلًا، كما في \"الفتح\" (^٣) وغيره.\nثم مسألة تكليف ما لا يطاق خلافية: جَوَّزَتْه الأشاعرة، ومنعته الحنفية والمعتزلة، كما في \"المسايرة\" (^٤) وشروحها. وفي \"البداية\" (^٥) بهذه الآيات لطائف ذكرها الشرَّاح، ثم اختلف في أول ما نزل، والجمهور على أنه خمس آيات من ﴿اقْرَأْ﴾ إلى قوله: ﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾.\n_________\n(^١) انظر: \"سنن الترمذي\" (٣٦٠٩)، و\"المستدرك\" (٢/ ٦٠٩).\n(^٢) \"الخصائص الكبرى\" (١/ ٧).\n(^٣) انظر: \"فتح الباري\" (١/ ٢٤، ١٢/ ٣٥٦).\n(^٤) انظر: \"المسامرة\" (ص ١٩٧).\n(^٥) انظر: \"البداية والنهاية\" (٣/ ٦ وما بعدها).","vol":"2","page":293},{"text":"وورد عن علي - ﵁ -: أول ما نزل سورة الفاتحة، وقيل: أول ما نزل ﴿الْمُدَّثِّرُ﴾، والجمع أن هذه الآيات أول ما نزل مطلقًا، ثم الفاتحة، ثم المدثر باعتبار تواتر النزول، فإنه فتر الوحي قبلها ثلاث سنين، كذا في \"التفسير العزيزي\"، وبسط الكلام على ذلك في هامش \"اللامع\" (^١) في \"كتاب التفسير\" أشد البسط، والقول الأول صحَّحه القاضي ابن العربي، والقاضي عياض، وابن كثير، وابن القيم (^٢)، وقال النووي (^٣): هذا هو الصواب الذي عليه الجماهير من السلف والخلف، انتهى.\nولا يذهب عليك أنه استدل بهذا الحديث على أن البسملة ليست من السورة، وهي مسألة مشهورة أجملَ الكلام عليها في \"الأوجز\" (^٤)، وبسط في هامش \"اللامع\" (^٥).\nوحاصل المذاهب أربعة أقوال:\nالأول: أنها ليست من القرآن، وهو قول مالك، ورواية عن أحمد وطائفة من الحنفية.\nوالثاني: أنها آية من كل سورة أو بعض آية، وهو المشهور عن الشافعي.\nوالثالث: أنها آية من الفاتحة دون غيرها، وهو رواية عن الشافعي وأحمد.\nوالرابع: أنها آية مستقلة من القرآن ليست من السور، وهو قول ابن المبارك وداود، وهو المنصوص عن أحمد، وقال أبو بكر الرازي: هو مقتضى أبي حنيفة.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٩/ ١٨٤).\n(^٢) انظر: \"زاد المعاد\" (١/ ٨٤)، و\"تفسير ابن كثير\" (٤/ ٥٢٨).\n(^٣) \"شرح صحيح مسلم\" (١/ ٤٨٠).\n(^٤) \"أوجز المسالك\" (٢/ ١٤٢).\n(^٥) \"لامع الدراري\" (٩/ ١٩٦).","vol":"2","page":294},{"text":"(فرجع بها): أي: بالآيات المذكورة المحفوظة، أو بالكيفية المذكورة.\n(يرجف): لثقل القراءة، أو لغط جبرئيل - ﵇ -، أو لاتحاد الروح بالملكية، ولا يشكل عليه أن الاتحاد سبب التقوية لا الاضطراب؛ لأن الانتقال عن حالة معهودة وإن كان بسبب ما يقوي الطبع قد يفضي إلى مثل ذلك، كمن استعمل مسكًا كثيرًا، فإنه قد يُفضي إلى حالة سُكْرية وإن كان مقوّيًا غايةَ التقوية.\n(زَمِّلوني زَمِّلوني): قال ذلك لشدة ما لحقه من هول الأمر، والعادة جارية بسكون الرعدة بالتلفف، وذكر في \"الأرواح الثلاثة\": أنه سئل العارف الكبير الحاجّ إمداد الله المهاجر المكي نَوَّرَ الله مرقده عن وجه التلفُّف والتزمُّل، هل خاف النبي - ﷺ - جبرئيل - ﵇ -؟\nفقال: لا، بل لما شاهد النبي - ﷺ - جبرئيل وانكشفت عليه حقيقةُ نفسه فهابها، ولم يستطع أن يتحمَّلها لعظمتها وكبرها، فإن الحقيقة تختفي في غير الجنس، فإذا ورد أحد من أبناء جنسه تنكشف عليه حقيقته، كما اشتهر أن رجلًا اقتنى جرو أسد، فكان يصبح ويمسي في أغنامه، ويروح ويسرح، كأنه فرد منها حتى شَبّ ولم يعلم نفسه ما هو، حتى إنه رأى يومًا صورته في الماء، فعلم أنه ليس من جنس الأغنام، بل هو شيء آخر ذو هيكل مهيبٌ بسلٌ شجاعٌ، فلما تحقق ذلك دخل في الأغنام فافترس هذه، وأكل أخرى، وجرح تلك، وقتل أخرى، حتى وقع الصياح والعويل فيهن، وفررن وانتشرن.\nوكما أن رجلًا جميلًا ذا بهاء وسناء كأن وجهَه قطعةُ قمر، لو كان في بعض الجزائر التي يسكنها ذوو الأشكال البشعة القبيحة والوجوه الدميمة لما ظهر منه الدلال والغنج، وما هو من شؤون المحبوبين الحسان، حتى إذا ورد عنده رجل مثله في الحسن والجمال، وأظهر التدلل والتشكل والتغنج، فيظهر عليه حقيقة نفسه، ويظهر حينئذ شؤون المحبوبية.","vol":"2","page":295},{"text":"فالنبي - ﷺ - كان في جُهّال مكة مثل ذلك الأسد والرجل الجميل اللذَيْن لم يعرفا أنفسهما، ولم تنكشف عليه حقيقة نفسه، فلما رأى من هو من أبناء جنسه وهو جبرئيل، فإنه غُذي بلُبان العلم، ورُبِّي به، ولذا كانت سفارة الوحي إليه، كما أن الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - غُذُّوا بلُبان العلم، ورُبُّوا بتلك الصفة، فظهرت صورته، وله حقيقة في جبرئيل، وكانت في غاية العظمة والكمال، فلم يستطع أن يتحمَّلها، فخاف نفسه الشريفة، لا أنه خاف جبرئيل.\nقال مولانا أمير شاه خان - رحمه الله تعالى - ناقل ذلك: وكان مولانا محمود حسن الديوبندي المعروف بشيخ الهند يسمعه منه كرَّات ومرَّات، ويلتذ ويتمايل من الفرح والسرور.\nقال حكيم الأمة مولانا أشرف علي التهانوي قُدِّس سرُّه في حاشية \"الأرواح الثلاثة\" ما حاصله: أن هذا التوجيه للحديث على ذوق الصوفية، وليس في النصوص ما يدفعه.\nوأما توهم مصادمته لقوله - ﷺ -: \"لقد خشيت على نفسي\"، فمدفوع بأنه ليس معناه: خشيتُ جبرئيلَ، بل معناه: خشيتُ أن لا أتحمل أعباء الرسالة، فإنه يحتاج إلى قوة بليغة خاصة، وقد كانت تلك القوة مغلوبة في ذلك الوقت.\nوأما قول خديجة - ﵂ -: \"ووالله لا يخزيك الله أبدًا، إنك تَصِلُ الرحمَ. . .\" إلخ، فاستدلال عقلي على أنه - ﷺ - يُعطى من الله الكريم قوةً على تحمل ذلك، فإن هذه القوة ثمرة لتأييد الحق، وهذه الأوصاف جالبة لتأييد الحق.\nوأما ذهابها بالنبي - ﷺ - إلى ورقة، فكان لطلب تأييد هذا الاستدلال العقلي بالدليل النقلي.\nوأما ذكر ورقةَ سيدَنا موسى - ﵊ - فكان تنظيرًا منه لحصول التحمل في مثل ذلك، لا أن النبي - ﷺ - كان شاكًّا في نبوته، ثم","vol":"2","page":296},{"text":"إن الله تعالى قدَّر بحكمته البالغة طريقًا لحصول الصبر والتحمُّل بأن حبس الوحي أيامًا ففتر، واشتاقت نفسه الشريفة للوحي حتى إنه اغتمَّ بسبب الفترة غمًّا شديدًا، وذهب إلى شواهق الجبال لكي يُلقي نفسَه، ولكن تبدَّى له جبرئيل قائلًا إنك رسول الله حقًّا، فاطمئنت نفسُه، وسكن جأشُه، فلما اشتاق واشتد شوقُه وإن عليه تحملُ أعباء الرسالة، فإن الشيء يسهل تحملُه بعد اشتياق النفس إليه.\nوقد ذكر العارف الرومي في \"المثنوي المعنوي\" توجيهًا نحوه لنحو تلك القصة، وهي أن النبي - ﷺ - سأل جبرئيل أن يريه صورته الأصلية، فقال له جبرئيل: إنك لا تقدر على النظر إليّ في تلك الحال، فلما أَصَرّ عليه المصطفى - ﷺ - تَبَدَّى له جبرئيل له ستمائة جناح، قد سَدّ الأفق، فخرّ رسول الله - ﷺ - مغشيًّا عليه، فنزل جبرئيل واحتضنه حتى سكن النبي - ﷺ -.\nقال العارف الرومي ما حاصله: إن المتأثر إنما كان جسم النبي - ﷺ - لا حقيقته وروحه، بل الحقيقة المحمدية لا يقدر جبرئيل أن يتحمَّلها، ولذلك لما تقدم النبي - ﷺ - ليلة الإسراء فوق السِّدرة، وقال لجبرئيل: تَقَدَّمْ، فاعتذر إليه جبرئيل قائلًا: إنه لو تقدم مقدار شعرة لَذَابَ واحترق، والله ﵎ أعلم، انتهى معرّبًا وملخصًا.\n(لقد خشيت. . .) إلخ، اختلفوا في الخشية على اثني عشر قولًا، بسطت في \"اللامع\" (^١) وهامشه، وهي: الجنون، والهاجس، والموت، والمرض، ودوامه، والعجز عن التحمُّل، والعجز عن رؤية الملَك، وعدم الصبر على الأذى، وخوف القتل، ومفارقة الوطن، وتكذيبهم، وتعييرهم.\nوأوجه الأقوال: الثالث: الموت، أو السادس، ورجَّح شيخ المشايخ القطب الكَنكَوهي السادسَ، وكذا رجَّحه النووي في \"شرح مسلم\" (^٢)، وهي خشية عدم تحمل أعباء النبوة.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (١/ ٥٠١).\n(^٢) \"شرح صحيح مسلم\" (١/ ٤٨٠).","vol":"2","page":297},{"text":"وحاصل قول العلامة السندي (^١): أنه - ﵊ - لم يَخْشَ، بل قال ذلك القول لانعطاف رأفة خديجة - ﵂ - عليه - ﷺ - لتكون مُعينة له من أول الأمر، مخافة أن تنكر ذلك، ورجَّحه شيخ الإسلام المدني - ﵀ -.\n(فقالت خديجة: كلا والله. . .) إلخ، أفاد شيخ الهند - ﵀ - في \"تراجمه\": أن الحديث ظاهر في بداية الوحي عند الشرَّاح، وهو الظاهر، والأوجه عندي - أي: عند شيخ الهند - أن مقصود الرواية بيان هذه الأوصاف الجليلة التي تدل على أنه - ﷺ - كان بخلقته جامعًا للمَلَكات الفاضلة، والأخلاق الحميدة، والأفعال الحسنة التي هي مبدأ الوحي ومنشأ النبوة.\nقلت: والأوجه عندي أن هذه الصفات التي ذكرتها خديجة - ﵍ - في النبي - ﷺ - هي التي ذكرها ابن الدغنة في أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه عند مهاجرته إلى الحبشة، وهي أصرح دليل على حصول النسبة الاتحادية لأبي بكر مع النبي - ﷺ -، فكان قلبه على قلبه - ﷺ - سواء، وهي كانت موجبة لاتصال خلافته بالنبي - ﷺ -، كما ذكر شيء من ذلك في هامش \"اللامع\" (^٢) في كتاب الشروط في عمرة الحديبية عند قول أبي بكر: \"فاستَمْسِكْ بغَرْزِه\"، والبسط منه في \"جزء عمرات النبي\" - ﷺ - (^٣) تحت هذا القول.\n(وتكسب المعدوم) الكسب قد يتعدى إلى مفعول كقوله: كسبت المال، وقد يتعدى إلى مفعولين كما في: كسبت غيري المال، وهذا من قبيل الثاني، وروي من الإفعال فلا إشكال، وفي هامش \"الهندية\" عن الكرماني والعيني (^٤): قوله: \"تكسب\" بفتح التاء، وهو المشهور الصحيح في الرواية، والمعروف في اللغة، ورُوي بضمها.\n_________\n(^١) انظر: \"حاشية السندي على صحيح البخاري\" (١/ ٧).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٧/ ١٤٥).\n(^٣) (ص ٣٢٩).\n(^٤) انظر: \"شرح الكرماني\" (١/ ٣٦)، و\"عمدة القاري\" (١/ ٩٠).","vol":"2","page":298},{"text":"وفي معنى المضموم قولان: أصحهما: أن معناه تكسب غيرك المعدوم، أي: تعطيه له تبرعًا، ثانيهما: تعطي الناس ما لا يجدونه عند غيرك من معدومات الفوائد ومكارم الأخلاق، يقال: كسبت مالًا وأكسبت غيري. وفي معنى المفتوح قولان: أصحهما: أن معناه كمعنى المضموم، ويقال: كسبت الرجل مالًا وأكسبته مالًا، والأول أفصح وأشهر، والثاني: أن معناه تكسب المال، وتصيب منه ما يعجز غيرك عن تحصيله، ثم تجود به وتنفقه في وجوه المكارم.\nوقيل: المعدوم عبارة عن الرجل المحتاج العاجز عن الكسب، [وسماه معدومًا] لكونه كالمعدوم الميت حيث لم يتصرف في المعيشة، انتهى.\n(على نوائب الحق) قال القسطلاني (^١): النوائب تكون في الخير والباطل، ولذا قيده بالحق، أو إِشارة إلى النوائب السماوية، فإن الإعانة فيها تكون مشكلة، ومن يعين فيها يكون في نوائب الدنيا أشدَّ إعانة.\n(ابن عم خديجة) بالنصب بدلًا عن \"ورقة\"، ويجب كتابة ألف ابن، كذا في \"القسطلاني\" (^٢)، وقوله: \"ابن عم\" هكذا في \"التفسير\" في رواية أبي ذر الهروي، وفي رواية غيره: \"يا عم\" بحذف الابن، وكذا في مسلم: \"أَيْ عم\" بحذف لفظ ابن، وجمع بينهما النووي (^٣) بالتعدد، واستبعده الحافظ ابن حجر (^٤) لاتحاد مخرج الحديث، ومال إلى أن الرواية بحذف الابن وهم، وقال الزرقاني في \"شرح المواهب\" (^٥): عندي أنها قالت: \"ابن عم\" على حذف حرف النداء فتصحَّفَتْ ابن بأَيْ، انتهى.\nقلت: وهذا إنما يتمشى في رواية مسلم بلفظ: \"أي عم\"، وأما رواية البخاري فبلفظ: \"يا عم\"، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"إرشاد الساري\" (١/ ١١٠).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١/ ١١٠).\n(^٣) \"شرح صحيح مسلم\" (١/ ٤٨٢).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١/ ٢٥).\n(^٥) \"شرح المواهب\" (١/ ٣٩٨).","vol":"2","page":299},{"text":"(وكان يكتب الكتاب) بيان لمهارته وغاية اطلاعاته على مُرادات الكتب، حتى إنه كان يترجمها، إلى آخر ما بسط في \"اللامع\" (^١) وهامشه، ولا يذهب عليك أن في متن النسخة الهندية: \"وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب الإنجيل بالعبرانية\"، وفي نسخة الحاشية بدل \"بالعبرانية\": \"بالعربية\"، وهو كذلك في كتاب التفسير، ولا تعارض بين النسختين؛ لأنه كان يقدر على اللسانين.\n(الناموس) بمعنى الجاسوس، وفرَّق بعضهم بأن الأول صاحب سر الخير، والثاني: صاحب سر الشر، كما بسط في هامش \"اللامع\" (^٢)، قال البخاري في \"كتاب الأنبياء\" (^٣): الناموس صاحب السر الذي يُطْلِعُه بما يَسْتُرُه عن غيره، انتهى.\n(نزل الله على موسى) ولم يقل: على عيسى، مع كونه نصرانيًّا؛ لأن كتاب موسى - ﵇ - مشتمل على الأحكام الكثيرة ككتاب نبينا، بخلاف كتاب عيسى - ﵇ - فإنه أمثال وعِبَرٌ، أو لأن نبوة موسى مسلَّمة عند اليهود والنصارى معًا، بخلاف نبوة عيسى - ﵇ - فإنه ينكرها كثير من اليهود، كذا في \"القسطلاني\" (^٤).\nويشكل عليه: أن ورقة لم يكن نبيًّا، فكيف عَلِمَ بهذه الأمور؟\nويمكن التفصِّي عنه: بأنه عَلِمَ مِنَ الكتب السابقة، وهذا ظاهر في أنه أقرّ بنبوته - ﵊ - ولكنه مات قبل الدعوة، فيكون مثل بحيرا، لكن في إثبات صحبته نظر، ثم ذكر (^٥) الروايات الدالة على إسلامه، وأنه أول مؤمن، وهكذا ذكر الاختلاف العيني (^٦)، وبسط الروايات في إِسلامه مع الكلام عليه، وذكره الحافظ في القسم الأول من \"الإصابة\" (^٧)،\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (١/ ٥٠٣).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (١/ ٥٠٥).\n(^٣) \"صحيح البخاري\" (٣٣٩٢).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (١/ ١١١).\n(^٥) أي: القسطلاني.\n(^٦) \"عمدة القاري\" (١/ ١٠٨).\n(^٧) \"الإصابة\" (٦/ ٣١٧).","vol":"2","page":300},{"text":"وقال الحافظ (^١): خرج ورقة وزيد بن عمرو بن نفيل إلى الشام لما كَرِهَا عبادةَ الأوثان فتنصَّرَ ورقةُ، وسيأتي ذكر زيد في \"المناقب\"، انتهى.\n(بمثل ما جئت به) عبَّره بالماضي للتيقن.\n(توفي ورقة) بمكة بعد البعث بقليل، ولا يصح ما قال الواقدي: إنه خرج إلى الشام، فلما بلغه أنه - ﵊ - أُمِرَ بالقتال رجع لينصره، حتى إذا كان ببلاد لخم وجذام أخذوه فقتلوه، كذا في \"القسطلاني\" (^٢).\n(وفتر الوحي) واختلف في مدة الفترة على أربعة أقوال؛ فقيل: سنتان، وقيل: ونصف، وقيل: ثلاث سنين، واختار الحافظ ابن حجر (^٣) أنها كانت أيامًا، ثم الذي نزل بعد الفترة \"المدثر\" كما في \"الصحيحين\"، ووقع عند ابن إسحاق أنه \"الضحى\" وفيه نظر، فإنها نزلت بعد فترة أخرى كانت ليلتين أو ثلاثًا، كما هو مصرَّح في تفسير البخاري وغيره، وإنما فتر مدة كذا ليتدبر في مقتضى الآيات المنزلة مع ما في التأخير من الازدياد بالأشواق، وفي التتابع من تواتر الكَلَف عليه، فلو تتابع من أول الأمر ربما أدَّى إلى هلاكه، كما بسط في \"اللامع\" (^٤) وهامشه.\n(قال ابن شهاب): أخبرني عروة بما سبق (وأخبرني أبو سلمة) بما سيأتي فهو عطف على \"أخبرني\" المقدم.\n(تابعه عبد الله بن يوسف): الضمير يرجع إلى يحيى بن بكير، أي: عبد الله بن يوسف وأبو صالح تابعا يحيى بن بكير في الرواية عن الليث، فرواه عن الليث ثلاثة: يحيى، وعبد الله، وأبو صالح، قوله: \"وتابعه هلال\"، أي: تابع عقيلَ بنَ خالد هلالُ بنُ رَدّاد عن ابن شهاب، فالأولى: متابعة تامة، والثانية: ناقصة، والمتابعة إن كانت في أول السند تسمَّى: تامة وهي أقوى، وإن كانت في أثناء السند تسمَّى: ناقصة.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٢٥).\n(^٢) انظر: \"إرشاد الساري\" (١/ ١١٣).\n(^٣) انظر: \"فتح الباري\" (١/ ٢٧).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (١/ ٥٠٩).","vol":"2","page":301},{"text":"قال النووي: ومما يحتاج إليه المعتني بـ \"صحيح البخاري\":\nفائدة ننبه عليها: وهي أنه تارةً يقول: تابعه مالك عن أيوب، وتارة يقول: تابعه مالك، ولا يزيد، فإذا قال: مالك عن أيوب فظاهر، وأما إذا اقتصر على: تابعه مالك، فلا يُعْرَف لمن المتابعة إلا من يَعْرِف طبقات الرواة ومراتبهم.\nوقال الكرماني (^١): فعلى هذا لا يعلم أن عبد الله يروي عن الليث أو غيره.\nقلت: الطريقة في هذا أن تنظر طبقة المتابِع بكسر الباء، فتجعله متابِعًا لمن هو في طبقته بحيث يكون صالحًا لذلك، كذا في \"العيني\" (^٢)، انتهى من هامش \"الهندية\"، وبسط النووي في شرح هذا الموضع أنواع المتابعة.\n(وكان مما يحرِّك شفتيه) والحروف كلها ليست بشفوية، فكان حقه: مما يحرك لسانه، من قبيل إرادة الكل بذكر البعض، أو من باب الاكتفاء، والأوجه عندي: أن تحريكهما ظاهر بخلاف تحريك اللسان، وسيأتي في \"التفسير\" (^٣): \"وكان مما يحرك به لسانه وشفتيه\" بذكرهما معًا، فلا إشكال إِذَنْ.\n(قال ابن عباس: فأنا أحركهما. . .) يشكل أن مولد ابن عباس قبل الهجرة بثلاث سنين، والآية في بدء النزول كما يدل عليه تبويب البخاري، ولذا لم يقل ابن عباس لفظ: كما رأيت، كما قاله سعيد بن جبير، ويحتمل أنه أخبره النبي - ﷺ - أو أحد من الصحابة، كذا في \"القسطلاني\" (^٤)، والأوجه عندي: أنه يستحب للمعلم أن يمثل للمتعلم بالفعل، ويريه الصورة بفعله إذا كان فيه زيادة بيان على الوصف بالقول، انتهى.\n_________\n(^١) \"شرح الكرماني\" (١/ ٤٣).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١/ ١١٥).\n(^٣) \"صحيح البخاري\" (ح: ٤٩٢٩).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (١/ ١١٧).","vol":"2","page":302},{"text":"(لا تحرك به لسانك) لا منافاة بينه وبين ما تقدم من قول ابن عباس - ﵁ -: \"كان يحرك شفتيه\" كما بسطه القسطلاني تبعًا \"للفتح\" والكرماني والعيني، والأوجه عند هذا العبد الضعيف أن الثاني بيان لنهي قراءته - ﷺ - مع جبرئيل - ﵇ -، والقراءة تكون باللسان، والأول كان بيانًا لرؤية القراءة، والرؤية مما يتعلق بالشفتين كما تقدم.\n(جمعه لك في صدرك) وعند الفلاسفة الحافظة في الدماغ، وعند المتكلمين والأصوليين منبع الكل القلب، كذا أفاده شيخ الإسلام المدني في بعض تقاريره، وفي \"إزالة الخفاء\" (^١): أن جمعه في الصدر تفقه من ابن عباس - ﵄ -.\nوالوجه عندي: أنه إشارة إلى جمع القرآن في المصاحف، انتهى.\nويؤيده ما أخرجه الطبري (^٢) عن قتادة أن معنى ﴿جَمْعَهُ﴾ تأليفه.\n(﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾) وفسَّره غير ابن عباس ببيان ما أشكل من معانيه، وكان - ﵇ - يسأل جبرئيل عما أشكل عليه في أثناء القراءة فقال ذلك، وفي لفظ ﴿ثُمَّ﴾ دليل للجمهور على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب، وتُعقب بأن المراد تمام القرآن للضمير، وليس كله بمجمل، فالمراد الظهور، ثم تعقب عليه بأن قوله: ﴿بَيَانَهُ﴾ جنس مضاف، فيعم جميع أصنافه من إظهاره وتبيين أحكامه وما يتعلق بها من تخصيص وتقييد ونسخ وغير ذلك، وهذه المسألة خلافية شهيرة بسطها أصحاب الأصول.\nوفي \"التحرير\" وشرحه \"التقرير\" (^٣): أنه يجوز تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى الحاجة عند الجمهور، منهم أصحابنا والمالكية وأكثر الشافعية، واختاره الرازي وابن الحاجب، وعن الحنابلة، وعبد الجبار الجبائي وابنه، وبعض الشافعية كأبي إسحاق المروزي، والقاضي أبي حامد منعه، انتهى، كذا في \"القسطلاني\".\n_________\n(^١) \"إزالة الخفاء\" (١/ ٥٠).\n(^٢) انظر: \"تفسير الطبري\" (٢٠/ ٢٢٥).\n(^٣) انظر: \"التقرير والتحبير\" (٣/ ٤٩)، و\"عمدة القاري\" (١/ ١٢٣).","vol":"2","page":303},{"text":"والحاصل: أن الأول: جمعه في صدرك، والثاني: تلاوته، والثالث: توضيحه، كذا في \"القسطلاني\" وابن كثير (^١).\nوالمناسبة بجزء الترجمة وهو الوحي ظاهر، وبالبدء؛ لأن حاله هذا كان في البدء قبل نزول هذه الاية، وعلى أصل شيخ الهند كونه عزَّ اسمه محافظًا للفظه وبيانه ظاهر في عظمته، وكتب حضرة شيخ الهند في \"تراجمه\" ما تعريبه: أنه يستفاد من الحديث عدة أمور مهمة، منها: إتيان جبرئيل - ﵇ - بالوحي عليه، وكون الشدة عليه - ﷺ - عند نزول الوحي، حتى إنه - ﵊ - كان يقرأ بنفسه مع جبرئيل - ﵇ - للشدة المذكورة، وبذل جهده - ﷺ - لضبط الوحي، وقد تكفل البارئ عَزّ اسمه بفضله ورحمته جمعه وقرآنه، فقال: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧]، فسهل الأمر وارتفع خوف السهو والخطأ والنسيان عنه - ﷺ -، فحصل بذلك الاطمئنان له - ﵊ -، وعلم بأن الذات القدسية المبدأ للوحي هي المتكفلة بحفظه، فحصل الاعتماد الكلي على الوحي، انتهى.\nقلت: قال عزّ اسمه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩].\n(﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ﴾)، أي: في صدرك (﴿وَقُرْآنَهُ﴾)، أي: قراءتك إياه وجريانه على لسانك.\n(﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾)، أي: عليك بقراءة جبرئيل - ﵇ - (﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾)، أي: استمع قراءته.\n(ح) فيه ستة أقوال على ما تفحَّصت وبسطت في مقدمة \"الأوجز\" (^٢)، مرجعها إلى قولين: الأول: أنه خاء معجمة، والآخر: أنه حاء مهملة.\nوعلى الأول احتمالان: أحدهما: إشارة إلى آخر الحديث، فهو مخفف من \"إلخ\"، وثانيهما: إشارة إلى قوله بسند آخر.\n_________\n(^١) انظر: \"إرشاد الساري\" (١/ ١١٩)، و\"البداية والنهاية\" (٣/ ٢٢).\n(^٢) انظر: \"مقدمة الأوجز\" (١/ ٢١٥).","vol":"2","page":304},{"text":"وعلى الآخر فأربعة أقوال: الأول: أنه رمز الصحة يكتب دقيقًا لئلا يلتبس بالعبارة، ودفعًا لما يتوهم أن حديث هذا الإسناد سقط، والثاني: أنه مأخوذ من التحويل، والثالث: من الحائل، والرابع: إشارة إلى قولهم: الحديث.\nوالمعروف عند المحدثين أنه إذا انتهى القارئ إلى هذا الموقع يقول: ح بفتح الحاء المهملة، ويستمرّ في قراءة ما بعدها، انتهى مختصرًا.\nقال الحافظ (^١) في \"باب ظلم دون ظلم\": هكذا وقع في النسخ صورة \"ح\"، فإن كان من أصل التصنيف فهي مهملة مأخوذ من التحويل على المختار، و[إن] كانت مزيدة من بعض الرواة فيحتمل أن تكون مهملة كذلك أو معجمة مأخوذة من البخاري؛ لأنها رمزه، أي: قال البخاري: وحدثني، انتهى.\nقلت: ما أفاده الحافظ يختص بما وقع في \"البخاري\": \"ومعمر نحوه\"، والحاصل: أن عبد الله بن المبارك حدَّث عنه عبَّدان عن يونس وحده، وحدَّث [عنه] بشر عن يونس ومعمر معًا، أمَّا باللفظ: فعن يونس، وأما بالمعنى: فعن معمر، يعني: أن في لفظ \"نحوه\" إشارة إلى اختلاف بينهما في اللفظ، وهذا على ما هو المعروف عند أهل الأصول أنهم يقولون: \"مثله\" إذا اتفق الحديثان في اللفظ و\"نحوه\" إذا اتفقا في المعنى، إلى آخر ما بسط في هامش \"اللامع\" (^٢).\n(أجود الناس) ولا ينافي هذا فقره - ﵊ -؛ لأن فقره كان لشدة جوده، ولا يأتيه شيء إلا يجود به.\n(وكان أجود ما يكون) حال كونه \"في رمضان\" برفع \"أجود\" اسم \"كان\" و\"ما\" مصدرية، أي: أجود أكوانه، و\"في رمضان\" سدّ مسدَّ الخبر، أو \"أجود\" مبتدأ مضاف إلى المصدر، و\"في رمضان\" خبره، والجملة خبر\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٨٧).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (١/ ٥١١).","vol":"2","page":305},{"text":"\"كان\"، واسمه الضمير إليه - ﷺ -، أو بنصب \"أجود\" خبر \"كان\" واسمه الضمير إليه - ﷺ -، كذا في \"القسطلاني\" (^١).\nقال الطيبي (^٢): فيه تخصيص بعد تخصيص للترقي، الأول: جوده على سائر الناس، الثاني: جوده في رمضان على جوده في غيره، الثالث: جوده عند لقاء جبرئيل.\n(فيدارسه القرآن) والحكمة فيه ليكون سُنَّةً في عرض القرآن على من هو أحفظ منه، كذا في \"القسطلاني\" (^٣)، واختلف في أنه كان يدارس كل القرآن أو حسب ما نزل، والأوجه عندي الثاني، والبسط في هامش \"اللامع\" (^٤)، ثم الترجمة بعظمة الوحي من المدارسة واضح.\nوأما على ظاهر الترجمة من البدء فلا يبعد أن يكون إشارة إلى البدء الزماني بأنه كان في رمضان، إذ يقولون بأن أول نزول جبرئيل في غار حراء كان في السابع عشر من رمضان، ولا يذهب عليك أن للكلام الإلهي مناسبة خاصة بشهر رمضان، ولذا يقولون: إن صحف إبراهيم - ﵇ - نزلت في غرة رمضان، أو في الثالث منه، وأعطي داود - ﵇ - الزبورَ في الثامن عشر أو الثاني عشر من رمضان، وأعطي موسى - ﵇ - التوراةَ في السادس منه، وأعطي عيسى - ﵇ - الإنجيلَ في الثاني عشر أو في الثالث عشر، كما ذكرتُ في رسالتي \"فضائلِ رمضان\" باللسان الأردي.\nقال الحافظ (^٥): أخرج أحمد والبيهقي في \"الشعب\" عن واثلة بن الأسقع - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: \"أنزلت التوراة لِسِتٍّ مضين من رمضان، والإنجيل لثلاث عشرة خلت منه، والزبور لثمان عشرة خلت منه، والقرآن لأربع وعشرين خلت من شهر رمضان\"، وهكذا نقله السيوطي\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١/ ١٢١).\n(^٢) انظر: \"شرح الطيبي\" (٤/ ٢٠٩)، و\"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ٦٠٠).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١/ ١٢٢).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (١/ ٥١٢ - ٥١٣).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٩/ ٥).","vol":"2","page":306},{"text":"في \"الإتقان\" (^١) عن الحافظ، وزاد: وفي رواية: \"وصحف إبراهيم لأول ليلة\".\nقال السيوطي: لكن يشكل على هذا ما اشتهر من أنه - ﷺ - بُعِث في شهر ربيع، ويجاب عن هذا بما ذكروه أنه نبِّئ أولًا بالرؤيا في شهر مولده، ثم كانت مدتها ستة أشهر، ثم أوحي إليه في اليقظة، ذكره البيهقي وغيره، انتهى.\nوفي \"تراجم شيخ الهند\": أن حديث ابن عباس في مدارسته - ﷺ - مع جبرئيل في شهر رمضان الذي هو أفضل الشهور يظهر منه اختصاص واضح بالوحي برمضان، ويناسب قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، فكأن المصنف أشار به إلى البدء الزماني للوحي وأنه في رمضان، كما قد ورد ذلك في بعض الروايات التي ليست على شرط المؤلف.\nوعلم من قوله: \"كان أجود بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان\" أن كمالاته - ﷺ - كانت تتزايد كثيرًا عند نزول الوحي حتى تتعدى منافعها إلى غيره، ويظهر من جميع هذه الأمور عظمة الوحي وبركته، انتهى.\n(من الريح المرسلة) قال في \"اللامع\" (^٢): والفضيلة عليها في أنها لا تبقي ولا تذر شيئًا أتت عليه، فكذلك كان النبي - ﷺ - لا يبقي شيئًا مما هو في ملكه.\n(إن هرقل) بكسر الهاء وفتح الراء وسكون القاف على المشهور، ويقال أيضًا بكسر الهاء والقاف وسكون الراء، اسم عَلَم له فهو غير منصرف للعَلَمية والعجمية، وهو صاحب حروب الشام، ملك إحدى وثلاثين سنة، وفي ملكه مات النبي - ﷺ - ولقبه قيصر، وكذا كل من ملك الروم يقال له: قيصر، كما أن ملك فارس يسمَّى بكسرى، وملك الحبشة بالنجاشي، وملك\n_________\n(^١) \"الإتقان\" (١/ ٥٤).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (١/ ٥١٣).","vol":"2","page":307},{"text":"الترك: خاقان، وملك القبط بفرعون، وملك مصر بالعزيز، وملك حِمْير بتُبَّع، انتهى، كذا في هامش \"اللامع\" (^١) عن الكرماني، وزاد العيني (^٢) ألقابًا أُخَرَ كثيرة لسلاطين الأقطار.\nواختلف في إسلام هرقل، فالجمهور على أنه آثر المُلْكَ على الإيمان، وقد غزا مؤتة سنة ثمان من الهجرة، وكتب إليه النبي - ﷺ - من تبوك ولم يسلم، وذهب بعضهم منهم صاحب \"الاستيعاب\" أنه أسلم ولم يظهره للخوف على نفسه، والبسط في هامش \"اللامع\" (^٣).\nوهل هو الذي فتح عليه في زمن عمر - ﵁ -، فقيل: نعم، وقيل: بل هو حفيده.\nوذكر البخاري هذا الحديث مطولًا في ثلاثة مواضع: ها هنا، وفي كتاب الجهاد في \"باب دعاء النبي - ﷺ - إلى الإسلام والنبوة\"، وفي التفسير في تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ﴾ الآية [آل عمران: ٦٤]، وذكره في عشرة مواضع مختصرًا، صفحاته في المطبوعات الهندية (^٤) هي: ١٣ و٣٦٨ و٣٩٣ و٤١١ و٤١٨ و٤٥٠ و٨٨٤ و٩٢٦ و١٠٦٨ و١١٢٥.\nومناسبة حديث هرقل بالباب على ما قاله القسطلاني (^٥): لما فرغ عن بدء الوحي شرع في أوصاف الموحى إليه، وقال أيضًا: فإن قصة [هرقل] متضمِّنة كيفية حاله - ﷺ - في ابتداء الأمر.\nقال الحافظ (^٦): فإن قيل: ما مناسبة حديث أبي سفيان في قصة هرقل ببدء الوحي؟\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (١/ ٥١٤).\n(^٢) انظر: \"عمدة القاري\" (١/ ١٣٠).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (١/ ٥١٤).\n(^٤) انظر أرقامه في الطبعة الجديدة المرقمة من بيروت: (٥١، ٢٦٨١، ٢٨٠٤، ٢٩٣٦، ٢٩٧٨، ٣١٧٤، ٥٩٨٠، ٦٢٦٠، ٧١٩٦، ٧٥٤١).\n(^٥) \"إرشاد الساري\" (١/ ١٤٣).\n(^٦) \"فتح الباري\" (١/ ٤٤).","vol":"2","page":308},{"text":"فالجواب: أنها تضمَّنت كيفية حال الناس مع النبي - ﷺ - في ذلك الابتداء، ولأن الآية المكتوبة إلى هرقل للدعاء إلى الإسلام ملتئمة مع الآية التي في الترجمة، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ﴾ الآية [النساء: ١٦٣]، وقال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣]، فبان أنه أوحي إليهم كلهم أن أقيموا الدين، وهو معنى قوله تعالى: ﴿سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ الآية [آل عمران: ٦٤]، انتهى.\nوقيل: إن الأسئلة العشرة من هرقل كلها تناسب بدءَ الوحي، وقيل: هذه الأوصاف المذكورة في الأسئلة تدل على عظمته صلى الله تعالى عليه وآله وسلم المشعرة لعظمة الوحي الذي أرسل إليه.\n(في ركب) كانوا ثلاثين رجلًا، كما في \"الإكليل\" للحاكم، وعند ابن السكن: نحو من عشرين، وعند ابن أبي شيبة بسند صحيح إلى ابن المسيب أن المغيرة بن شعبة كان منهم، وتُعقب بأن إسلامه عام الخندق فيبعد أن يكون حاضرًا ويسكت، كذا في \"القسطلاني\" (^١).\nقلت: ولا استعباد عندي؛ فإن المخاطب كان أبا سفيان ولم يتكلم بكذب، بل يمكن أن يكون خوفه عن الكذب متأثرًا عن وجود المغيرة؛ فإن أبا سفيان خاف على نفسه أن يأثر المغيرة عنه الكذب.\n(وهم بإيلياء)، أي: هرقل وجماعته، وإِيلياء بتخفيف المثناة الثانية ممدودًا ومقصورًا، وبتشديد الياء مقصورًا فقط، وفي ضبطه أقوال، هو بيت المقدس، كذا في \"القسطلاني\" (^٢)، فإن إيل في العبرانية: الله، وياء بمعنى البيت.\nوبسط الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٣) في ترتيب هذه الوقائع، فقال: وكان هرقل نذر إن رَدّ الله عليه مُلْكَه من كسرى أن يأتي إيلياء، فردّ الله عليه\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١/ ١٢٥).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١/ ١٢٦).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (١/ ٥١٥).","vol":"2","page":309},{"text":"ملكه فأتاه، فبينا هو ناظرٌ ذات ليلة إذ رأى ما يذكر في الرواية (من ظهور ملك الختان)، واتفق أن بعث إليه مَلِك غسان برجل، فكتب هرقل إلى صاحب رومية، ولم يأت إليه جوابه، إذ وصل إليه كتاب رسول الله - ﷺ - فتحقق بعثته - ﷺ - عنده، وهذه الثلاث وقعت له بإيلياء، فَكَرَّ راجعًا إلى ملكه، حتى إذا وصل حمص - وهو دار السلطنة - بلغه جواب صاحب الرومية، فجمع هناك حواشيه، هكذا ينبغي ترتيب الوقائع، انتهى.\n(فقال أبو سفيان: أنا أقربهم) لأن عبد مناف الأب الرابع له وللنبي - ﷺ -، كذا في \"القسطلاني\" و\"الفتح\" (^١)، فإنه صخر بن أمية بن عبد شمس بن [عبد] مناف، وهو - ﷺ - ابن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، قال الحافظ - وسبقه القاضي عياض وغيره -: إنما خص هرقل الأقرب لأنه أحرى بالاطلاع على أموره ظاهرًا وباطنًا أكثر من غيره، ولأن الأبعد لا يؤمن أن يقدح في نسبه بخلاف الأقرب، انتهى.\n(ثم كان أول ما سألني) بنصب اللام، وبه جاءت الرواية، خبر كان واسمه ضمير الشأن، ويحتمل أن يكون \"أول ما سألني\" اسم مؤخر، كذا في \"القسطلاني\" وغيره.\n(كيف نسبه فيكم؟) كذا وقع السؤال والجواب عن النسب في \"الجهاد\"، ووقع في \"التفسير\" السؤال والجواب عن الحسب، فقال: \"كيف حسبه فيكم؟ قال: قلت: هو فينا ذو حسب\"، وهو غير النسب، فإنه الوجه الذي يحصل به الإدلاء من جهة الآباء، والحسب ما يعده المرء من مفاخر آبائه، ولم أر الحافظ تعرض عن الجواب.\nوالذي يترجح عندي السؤال عن النسب، فإن معمرًا هو الذي ذكر السؤال عن الحسب عند البخاري ومسلم، وأما شعيب بن أبي حمزة ها هنا،\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (١/ ٣٤)، و\"إرشاد الساري\" (١/ ١٢٧).","vol":"2","page":310},{"text":"وصالح في \"الجهاد\" فقالا عن الزهري: \"كيف نسبه؟ \"، والاثنان أولى بالحفظ من واحد، مع أن معمرًا قد ينفرد عن الزهري ببعض الألفاظ، ولعله عبَّر النسب بالحسب على جهة الرواية بالمعنى، فإن النسب الشريف يستلزم الحسب غالبًا، وقد قال النووي (^١): معنى قوله: \"كيف حسبه فيكم؟ \"، أي: نسبه.\nوها هنا إشكال آخر ذكره الحافظ فقال (^٢): واستشكل الجواب؛ لأنه لم يزد على ما في السؤال؛ لأن السؤال تضمَّن أن له نسبًا أو حسبًا، والجواب كذلك، وأجيب بأن التنوين يدل على التعظيم كأنه قال: هو فينا ذو نسب كبير، أو حسب رفيع، انتهى.\n(أحد قط) بتشديد الطاء لا يستعمل إلا في النفي، واستعماله ها هنا في الإثبات نادر، وقيل: إن الاستفهام يتضمن النفي، أي: هل قاله أحد أو لم يقل أحد قط، كذا في \"القسطلاني\" (^٣).\n(بل ضعفاؤهم) وتخصيص الشرف ها هنا باعتبار النخوة، لئلا يخرج (^٤) نحو العمرين وحمزة وغيرهم، وتعقبه \"العيني\" (^٥) بأن العمرين وحمزة - ﵃ - كانوا من أهل النخوة، فقول أبي سفيان يبني على الغالب، كذا في \"القسطلاني\".\n(سخطة لدينه) يخرج منه من ارتد لِحَظِّ نفسه كعُبيد الله بن جحش، كذا في \"القسطلاني\" (^٦)، وبسط الشيخ الكلام عليه في \"اللامع\" (^٧).\n_________\n(^١) \"شرح صحيح مسلم\" (٦/ ٣٤٩).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٢١٧).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١/ ١٢٨).\n(^٤) قوله: \"لئلا يخرج\" كذا في الأصل، وفي \"إرشاد الساري\": \"ليخرج\"، وهو الظاهر.\n(^٥) انظر: \"عمدة القاري\" (١/ ١٣٨).\n(^٦) \"إرشاد الساري\" (١/ ١٢٩).\n(^٧) \"لامع الدراري\" (١/ ٥٢٤).","vol":"2","page":311},{"text":"(ولم تمكنني كلمة أن أدخل فيها شيئًا)، أي: أنتقصه به، على أن التنقيص هنا أمر نسبي؛ لأن من يقطع بعدم عذره أرفع رتبة ممن يجوز وقوع ذلك منه في الجملة، وقد كان معروفًا عندهم بالاستقراء من عادته أنه لا يعدر (^١)، انتهى.\n(سجال) بالكسر جمع سَجل، وهو الدلو الكبير، أي: نوبةً ونوبةً.\n(ينال منا وننال منه)، أي: يصيب منَّا ونصيب منه، قال البلقيني (^٢): فيه أيضًا دسيسة؛ لأنه لم ينل منه قط، [و] غاية ما فيه قتل بعض الصحابة في أُحد، وتعقبه الحافظ (^٣) بأن الوقائع قبل ذلك ثلاثة: بدر وأُحد والخندق، وأصاب المسلمون في الأول وعكسه في الثاني، وأصيب قليل من الفريقين في الثالث، فصحَّ قول أبي سفيان، انتهى.\n(يطلب ملك أبيه) بالإفراد ها هنا، وسيأتي في التفسير \"ملك آبائه\"، فإِفراد الأب ها هنا على الجنسية، أو لكون من يطلب ملك أبيه أَعْذَر، كذا في \"القسطلاني\" (^٤).\n(وهم أتباع الرسل) يؤيده قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١١]، كذا في \"القسطلاني\".\n(وكذلك الرسل لا تغدر) لأنها لا تطلب حظ الدنيا الذي لا يبالي طالبه بالغدر، بخلاف من طلب الآخرة ولم يعرج [هرقل] على الدسيسة التي دسَّها أبو سفيان، قاله الحافظ (^٥)، وترك ها هنا السؤال العاشر وجوابه، وسيأتي في الجهاد في \"باب دعاء النبي - ﷺ - إلى الإسلام والنبوة\"، كذا في \"القسطلاني\" (^٦).\nقلت: وهو السؤال عن القتال وهو التاسع فيما مرَّ، وذكره بلفظ\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (١/ ٣٥).\n(^٢) انظر: \"إرشاد الساري\" (١/ ١٣٠).\n(^٣) انظر: \"فتح الباري\" (١/ ٣٦).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (١/ ١٣١).\n(^٥) \"فتح الباري\" (١/ ٣٧).\n(^٦) \"إرشاد الساري\" (١/ ١٣٣).","vol":"2","page":312},{"text":"العاشر؛ لأن العاشر موجود ها هنا فبقي واحد فهو العاشر، وبسط في هامش \"اللامع\" (^١) وجه تركه ها هنا، فارجع إليه لو شئت.\n(فلو أعلم أني أخلص إليه) لكني أخاف أن أسلم على نفسي، كما ورد، كذا في \"القسطلاني\".\n(ثم دعا بكتاب رسول الله - ﷺ -)، أي: من وكل ذلك إليه، ولذا عدَّى إلى الكتاب بالباء، وقال العيني (^٢): الأحسن أن يقال: ثم دعا من أتى بكتابه - ﷺ -، كذا في \"القسطلاني\" (^٣)، وكان - ﵇ - أرسله مع دحية الكلبي في آخر سنة ست بعد رجوعه من الحديبية، فوصل الكتاب إليه، أي: مبدأ محرم سنة سبع، كذا في \"فتح الباري\" (^٤) عن الواقدي، وقال النووي: كان بعثُ الكتاب ولقيه مع عظيم بُصرى في المحرم سنة سبع من الهجرة.\nقال السهيلي (^٥): إن هرقل وضع هذا الكتاب في قصبة من ذهب تعظيمًا له، وكانوا يتوارثونه، وحُكي أن ملك الإفرنج في دولة الملك المنصور قلاوون الصالحي أخرج لسيف الدين قليج صندوقًا مصفحًا بالذهب، واستخرج منه مقلمة من ذهب، فأخرج منه كتابًا زالت أكثر حروفه، فقال: هذا كتاب نبيكم إلى جدِّي قيصر، ما زلنا نتوارثه إلى الآن، وأوصانا آباؤنا أنه ما زال الكتاب فينا لا يزال الملك فينا، فنحن نحفظه، كذا في \"القسطلاني\" (^٦).\n(فدفعه إلى هرقل) فيه مجاز؛ لأنه أرسل به إليه صحبة عَدي بن حاتم كما في رواية ابن السكن في \"الصحابة\"، كذا في \"القسطلاني\" (^٧).\n(فقرأه) هرقل بنفسه أو الترجمان بأمره.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (١/ ٥٢٢).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١/ ١٤٨).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١/ ١٣٤).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١/ ٣٨).\n(^٥) انظر: \"الروض الأنف\" (٧/ ٣٦٥).\n(^٦) \"إرشاد الساري\" (١/ ١٣٧)، وانظر: \"فتح الباري\" (١/ ٤٤).\n(^٧) \"إرشاد الساري\" (١/ ١٣٤).","vol":"2","page":313},{"text":"وفي مرسل محمد بن كعب القرظي عند الواقدي في هذه القصة: فدعا الترجمان الذي يقرأ بالعربية فقرأه، كذا في \"القسطلاني\" (^١).\nقلت: ويؤيد الثاني ما في أول الرواية من قوله: \"ثم دعاهم ودعا ترجمانه\"؛ لأنه لو كان يعرف العربية ما دعا الترجمان.\n(فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد) فيه استحباب تصدير الكتب بالبسملة وإن كان المبعوث إليه كافرًا، فإن قلت: قد قَدَّمَ سليمان اسمه على البسملة كما في التنزيل: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: ٣٠]، أجيب: بأن سليمان - ﵇ - كتب اسمه عنوانًا بعد ختمه، كذا في \"القسطلاني\" و\"الفتح\".\nوفيه أن السُّنَّة أن يبدأ الكتاب بنفسه، وهو قول الجمهور، بل حكى فيه النحاس إجماع الصحابة، والحق إثبات الخلاف فيه، كذا في \"الفتح\" (^٢)، وسيأتي ترجمة المصنف في الاستئذان بمن يبدأ في الكتاب.\n(عظيم الروم) ذكر المدائني أن القارئ لما قرأه غَضَبَ أخو هرقل وجذب الكتاب، فقال هرقل: ما لك؟ فقال: إنه بدأ بنفسه وسمَّاك صاحب الروم، فقال هرقل: إنك لضعيف الرأي، أتريد أن أرمي بكتاب قبل أن أعلم ما فيه؟ إن كان رسول الله فهو أحق أن يبدأ بنفسه، ولقد صدق، أنا صاحب الروم، والله مالكي ومالكه، كذا في \"القسطلاني\" (^٣).\n(أسلم) بكسر اللام، (تَسْلَم) بفتحها، فيه من غاية الإيجاز والبلاغة، وهو من باب جوامع الكلم، كذا في \"الكرماني\" (^٤)، وفي \"الفتح\": فيه نوع من البديع وهو الجناس الاشتقاقي، انتهى.\n(إثم الأريسيين) فيه أربع لغات: بالهمزة، وقيل: بالياء المثناة التحتية\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١/ ١٣٤).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (١/ ٣٨)، \"إرشاد الساري\" (١/ ١٣٤).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١/ ١٣٤، ١٣٥).\n(^٤) \"شرح الكرماني\" (١/ ٦٢).","vol":"2","page":314},{"text":"المفتوحتين، وعلى كليهما قيل: بياء واحدة بعد السين، وقيل: بيائين، ولغة خامسة: بكسر الهمزة وشد الراء المكسورة وياء واحدة بعد السين، وهم الفلاحون، وقيل غير ذلك، ولا ينافي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]؛ لأن هذا إثم التسبب، كذا في \"القسطلاني\" (^١).\n(تعالوا إلى كلمة سواء) استدل به على جواز كتابة الآية أو الآيتين إلى الكافر، وتُعقب بأنه من قوله - ﷺ -، ورد بأنه لو كان كذلك لقال: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ والوارد في الحديث: \"فإن تولوا\"، كذا في \"القسطلانى\"، والبسط في هامش \"اللامع\" (^٢).\n(ابن أبي كبشة) كنية أبيه من الرضاعة.\n(وكان ابن الناطور) مقولة الزهري بالسند السابق فليس بمعلَّق كما توهم، ولا برواية عبيد الله كما توهمه آخرون، ولقيه الزهري بدمشق في زمن عبد الملك بن مروان كما بسط في هامش \"اللامع\"، و\"ابن الناطور\" روي بالطاء المهملة والمعجمة، وهو: الحافظ للزرع، إلى آخر ما بسط في هامش \"اللامع\" (^٣).\n(صاحب إيلياء)، أي: حاكمها، (وصاحب هرقل)، أي: مصاحبه.\n(سقف) اختلف في ضبطه أهو فعل أو اسم، وعلى الأول أهو من باب الإِفعال أو التفعيل، وعلى كليهما مبني للمفعول، وعلى الثاني قيل: هو بضم الهمزة وسكون السين وضم القاف وتخفيف الفاء، وقيل: بضم السين والقاف وشد الفاء منونًا، وقع هذا منصوبًا على الحالية، ومرفوعًا بأنه خبر مبتدأ محذوف.\n(يحدث) خبر بعد خبر، كذا في حاشية الهندية.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١/ ١٣٥، ١٣٦).\n(^٢) انظر: \"إرشاد الساري\" (١/ ١٣٧)، و\"لامع الدراري\" (١/ ٥٢٧).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (١/ ٥٢٨، ٥٢٩).","vol":"2","page":315},{"text":"(بطارقته) بفتح الموحدة جمع بطريق بكسر، أي: خواصه وأهل مشورته، كذا في \"القسطلاني\".\n(قد ظهر) أي: غلب، وهو كما قال؛ لأن في هذا الزمان كان بدء ظهوره بصلح الحديبية ونزول: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١]، كذا في \"القسطلاني\" و\"الفتح\" (^١).\n(ملك غسان) بالغين المعجمة والسين المهملة المشدَّدة، وغسان اسم ماء نزل عليه قوم من الأزد فنسبوا إليه، أو ماء بالمشلَّل، والملك: هو الحارث بن أبي شمر، وهو جملة ملوك اليمن، فأخبره بأنه ظهر عنده رجل يدَّعي أنه نبي، كذا في \"القسطلاني\" (^٢)، وحاشية \"الهندية\".\n(كتب هرقل إلى صاحب له) يسمى ضغاطر الأسقف، أظهر إسلامه، وخرج على الروم فدعاهم إلى الإسلام فقتلوه، كذا في \"القسطلاني\" (^٣).\n(برومية) مدينة رئاسة الروم.\n(فلم يرم حمص)، أي: لم يبرح منها، قال الداودي: أي: لم يصل إِليها وزيفوه، كذا في \"الفتح\" (^٤).\n(دسكرة) بمهملتين: الأولى مفتوحة، والثانية ساكنة: قصرٌ حوله بيوت، كذا في \"القسطلاني\".\n(فكان ذلك آخر شأن هرقل) فيما يتعلق بهذه القصة، أو فيما يتعلق بإِيمانه، كذا \"القسطلاني\" (^٥)، وقد بسطتُ الكلام على إسلامه في رسالتي \"الوقائع والدهور\"، وتقدم أيضًا إِجمال الكلام عليه في أول هذا الحديث.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٤٢)، و\"إرشاد الساري\" (١/ ١٤٠).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١/ ١٤٠).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١/ ١٤١).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١/ ٤٢).\n(^٥) \"إرشاد الساري\" (١/ ١٤٢).","vol":"2","page":316},{"text":"وفي هامش \"اللامع\" (^١) ها هنا تنبيه مفيد هذا لفظه: قال الحافظ (^٢) - ﵀ -: يؤخذ للمصنف من آخر لفظ في القصة براعة الاختتام، انتهى.\nوهذا إشارة منه - ﵀ - إلى ما تقدم في مقدمة هذه الحاشية في خصائص \"البخاري\" ما جزم به الحافظ من أن الإمام البخاري يذكر في آخر كل كتاب ما يدل على الختم، ويشير إلى اختتام الكتاب، وذكرت هناك أن الأوجه عندي أن الإمام البخاري يذكر في آخر كل كتاب ما ينبه على خاتمته ويذكره موته، وها هنا لفظ: \"ذلك آخر شأن هرقل\"، كما يشير إلى خاتمة الكتاب بلفظ آخر فهو أشد تنبيهًا إلى خاتمة كل رجل بالإِشارة إلى آخر شأن هرقل، إن صدقت نيته انتفع بها وإلا فقد خاب وخسر، انتهى.\n(قال أبو عبد الله) قال الشيخ محمد حسن المكي في \"تقريره\" عن الشيخ الكَنكَوهي قُدِّس سرُّه: نسخة الفربري رواه صالح، فلفظ أبو عبد الله نسخة ابن عساكر، وقد زيد في هذه النسخة نسخة الفربري المتداولة بين شيوخنا من نسخة غيره من الكاتبين كثيرًا، وكان حقها أن تكتب في البياض، انتهى.\nوابن عساكر وإن كان من تلامذة الفربري بثلاث وسائط، لكن له نسخة معروفة، كما ذكره الشيخ أحمد علي المحدث السهارنفوري في مقدمة حاشية \"البخاري\".\n* * *\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (١/ ٥٣٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٤٤).","vol":"2","page":317},{"text":"٢ -<span data-type='title' id=toc-184> كتاب الإيمان</span>\nوتقدم في مقدمة \"اللامع\" من كلام الحافظ ابن حجر نوَّر الله مرقده عن شيخه البلقيني المناسبة بين الكتب والأبواب للـ \"جامع الصحيح\"، فقال فيما يتعلق ببدء الوحي ما تقدم في محله، ثم قال: وقدَّم الوحي لأنه منبع الخيرات، وبه قامت الشرائع وجاءت الرسالات، ومنه عُرف الإيمان والعلوم، وكان أوله إلى النبي - ﷺ - بما يقتضي الإيمان من القراءة والربوبية وخلق الإنسان، فذكر بعده كتاب الإيمان والعلوم، وكان الإيمان أشرف العلوم فعقّبه بكتاب العلم.\nوالإيمان - بكسر الهمزة - لغةً: التصديق، وهو الإذعان، أي: إذعان لحكم المخبر وقَبوله وجعله صادقًا. وشرعًا: التصديق بما جاء به الرسول - ﷺ -. فهو كأنه إفعال من الأمن، أي: جعل غيره في الأمن من التكذيب، ثم استعمل في التصديق مطلقًا، قال عزَّ اسمه في قصة إخوة يوسف: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف: ١٧]. وفي الشرع: التصديق بما جاءت به الشريعة.\nثم قال الإمام: إن الإيمان عمل القلب واللسان معًا، والإقرار ركن أو شرط، وهو المنصوص عن الإمام الأعظم، وإِليه ذهب الأشعري في أصح الروايتين، وهو المنقول عن الماتُريدي. والمعروف عن الشافعي والمحدثين: أنه مركب من التصديق والإقرار والعمل. والخلاف لفظي بين أهل السُّنَّة، بخلاف المرجئة والخوارج كما في هامش \"اللامع\" (^١).\nوحاصل ما في هامش \"اللامع\": أن فيه أربعة مذاهب:\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (١/ ٥٣٣).","vol":"2","page":318},{"text":"١ - أهل السُّنَّة، وقد تقدم.\n٢ - والمرجئة، وقالوا: هو اعتقاد ونطق فقط.\n٣ - والخوارج، وقالوا: إن الأعمال أجزاء لحقيقة الإيمان داخلة في ماهيَّته، وإذا فات الجزء فات الكل.\n٤ - وبعض المعتزلة القائلون: إن الفاسق لا مؤمن ولا كافر، والبسط في هامش \"اللامع\".\n﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾\nقد يكتب قبل الكتاب، وقد يكتب بعده، وقد يكتب في غير محله، أي: في أثناء الكتاب، والوجه في ذلك أن الإمام البخاري حين يكتب هذا الكتاب كان يكتب ويكتب، فإذا وقف عن الكتابة بسبب المرض أو غيره من الأعذار تركها، ثم إذا شرع في الكتابة بعد الوقفة كتب البسملة، هذا هو المنقول عن المشايخ وإن كان ضعيفًا، انتهى، كذا في حاشية \"اللامع\" (^١) من تقرير مولانا محمد حسن المكي عن الشيخ الكَنكَوهي قُدِّس سرُّه.\nوفيه أيضًا:\nقلت: ولم أتحصل بعدُ وجهَ الضعف، فإن المنقول عن الأساتذة يزيل الإشكال المعروف أن الإمام طالما يذكر البسملة فيما بين الأبواب المسلسلة من كتاب واحد، كما في أبواب التهجُّد كتب البسملة قبل \"باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة\"، وبعد ذلك بيسير كتب البسملة على \"باب استقامة اليد في الصلاة\"، وليسا بكتابين مستقلين، وسيأتي ذلك في كلام الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" على \"باب فضل استقبال القبلة\"، وتقدم في مقدمة \"اللامع\" في خصائص الكتاب، ولعل وجه الضعف اختلاف النسخ في ذكر البسملة وحذفها، لكن اختلاف النسخ موجود في غير البسملة من الأبواب والتراجم وغير ذلك. نعم، بقي الإشكال في أنه قد يكتب\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (١/ ٣٦).","vol":"2","page":319},{"text":"البسملة قبل الكتاب وتارةً بعده كما ها هنا، وسيأتي جوابه في كلام \"القسطلاني\".\nقال القسطلاني (^١): ولما فرغ المؤلف من باب الوحي الذي هو كالمقدمة لهذا الكتاب الجامع شرع يذكر المقاصد الدينية وبدأ منها بالإيمان؛ لأنه ملاك الأمر كله؛ لأن الباقي مبني عليه ومشروط به، وهو أول واجب على المكلف، فقال مبتدئًا: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ كأكثر كتب هذا الجامع تبركًا وزيادة في الاعتناء بالتمسُّك بالسُّنَّة، واختلفت الروايات في تقديمها هنا على كتاب أو تأخيرها عنه، ولكلٍّ وجهٌ، ووجه الثاني: بأنه جعل الترجمة قائمة مقام تسمية السورة، ووجه الأول ظاهر، انتهى.\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-185> باب قول النبي - ﷺ -: بُنِي الإسلام على خمس. . .) إلخ</span>\nالمعروف على الألسن أن هذه الأبواب كلها ردٌّ على الحنفية القائلين ببساطة الإيمان، بخلاف المحدثين والجمهور القائلين بتركيبه. وهذا ليس بصحيح، فإنه لا خلاف بين أهل السُّنَّة في هذه المسألة أصلًا، ولذا قال مولانا الشاه ولي الله الدهلوي في \"تراجمه\" (^٢): اضطرب كلام الشرَّاح في بيان غرض القدماء من المحدِّثين في مسألة الإيمان، وذلك أنهم حكموا بأن من صدّق بقلبه وأقرّ بلسانه ولم يعمل عملًا قط فهو مؤمن، وحكموا بأن الأعمال من الإيمان، فأشكل عليهم أن الكلَّ لا يوجد بدون الجزء.\nوأفاد مولانا شيخ الهند قُدِّس سرُّه في \"تراجمه\": أن في المسألة ثلاثة مذاهب:\nأحدها: أن الأعمال أجزاء حقيقة الإيمان، وإذا فات الجزء فات الكل، هذا مذهب الخوارج والمعتزلة، وثانيها: أن لا علاقة بين الإيمان\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١/ ١٤٣).\n(^٢) (ص ٢٧).","vol":"2","page":320},{"text":"والأعمال، والإيمان قول فقط بلا عمل، وهذا مذهب المرجئة، والثالث: مذهب أهل السُّنَّة والجماعة: أن الأعمال خارجة عن حقيقة الإيمان داخلة في كماله؛ كأجزاء الإنسان من الجوارح، وما حكموا من الخلاف بين أهل السُّنَّة مبني على الخلاف اللفظي، انتهى.\nوفي حاشية الهندية: نُقل عن الشافعي أنه قال: الإيمان هو التصديق والإقرار والعمل، فالمخلُّ با لأول وحده منافق، وبالثاني وحده: كافر، وبالثالث وحده: فاسق ينجو من الخلود في النار ويدخل الجنة.\nقال الإمام: هذا في غاية الصعوبة؛ لأن العمل إذا كان ركنًا لا يتحقق الإيمان بدونه، فغير المؤمن كيف يخرج من النار؟\nأجيب عن هذا: بأن الإيمان قد جاء بمعنى أصل الإيمان كما في قوله ﵊: \"الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته\" الحديث، وقد جاء بمعنى الإيمان الكامل، وهو المقرون بالعمل كما في حديث وفد عبد القيس.\nوالإيمان بهذا المعنى الثاني هو المراد بالإيمان المنفي في قوله ﵊: \"لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن\" (^١) الحديث.\nفالخلاف لفظي راجع إلى تفسير الإيمان، ولا خلاف في المعنى، فإن الإيمان المُنجي من دخول النار هو الثاني باتفاق جميع المسلمين، والإيمان المنجي من الخلود في النار هو الأول باتفاق أهل السُّنَّة خلافًا للمعتزلة والخوارج، ويدل على ذلك حديث أبي ذر - ﵁ - \"ما من عبد قال: لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة\". قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال - ﷺ -: \"وإن زنى وإن سرق\" (^٢) الحديث.\nوقوله - ﷺ -: \"يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان\" (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (ح: ٢٤٧٥)، ومسلم (ح: ٥٧).\n(^٢) أخرجه البخاري (ح: ٥٨٢٧)، ومسلم (ح: ٩٤).\n(^٣) أخرجه الترمذي (ح: ١٩٩٩، ٢٥٩٨).","vol":"2","page":321},{"text":"فبهذا يندفع الإشكال وتجتمع الأقوال، انتهى، ملتقط من \"العيني\" (^١).\nفغرض المصنف بهذه الأبواب الردُّ على هذين الفريقين، أي: المرجئة والخوارج.\nوأفاد في \"اللامع\" و\"تراجم شيخ الهند\": أن المصنف بسط في الرد على المرجئة في هذه الأبواب أشد البسط، وإن أشار في بعضها إلى رد الخوارج أيضًا، لما أن عقائد المرجئة تسدّ أبواب الأعمال بالكلية، وزاد الشيخ الكَنكَوهي في \"اللامع\" (^٢) بأن غرض المصنف بهذه الأبواب الرد على المرجئة القائلين بأنه لا يضرّ الإسلام معصية، والمعتزلة المثبتين منزلةً بين المؤمن والكافر.\nوصرَّح في \"شرح البخاري\" (^٣) للنووي أن غرض المصنف من هذه الأبواب كلِّها الرد على المرجئة، فإن مذهب جميع أهل السُّنَّة من سلف الأمة وخَلَفها أن الإيمان قول وعمل. . .، إلى أن قال: فالحاصل أن الذي عليه أهل السُّنَّة أو جمهورهم أن من صدّق بقلبه ونطق بلسانه بالتوحيد، لكن قصَّر في الأعمال كترك الصلاة وشرب الخمر، لا يكون كافرًا خارجًا من الملة، بل هو فاسق، انتهى.\n(وهو قول وفعل) أراد بالفعل ما يعمُّ فعل القلب والجوارح، ويمكن إرادة فعل الجوارح فقط، وعلى هذا فتركُ التصديق في الذكر لاتفاق العلماء على اعتباره في الإيمان، كذا في \"اللامع\"، وبسط الكلام على ذلك في هامش \"اللامع\"، وفيه: وفي رواية الكشميهني: \"قول وعمل\"، وهو اللفظ الوارد عن السلف.\nوذكر في \"فيض الباري\" (^٤) بهذا الكلام شروحًا أربعة:\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١/ ١٦٦).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (١/ ٥٣٧).\n(^٣) انظر: \"مختصر شرح صحيح البخاري\" للنووي (ص ٤٥).\n(^٤) \"فيض الباري\" (١/ ٥٥، ٥٦).","vol":"2","page":322},{"text":"الأول: ما فهمه عامة أرباب التصانيف أن الإيمان مركب من القول والعمل، فالمخلُّ بهما كافر، والمخلُّ بالتصديق فقط منافق، والمخل بالعمل فاسق.\nوالثاني: أن الإيمان تصديقٌ يظهره اللسان والجوارح. وحاصله: أنه التصديق المساعد بالقول والعمل، وحينئذ لا يكون الإيمان إلا التصديق فقط، ويبقى القول والعمل ساعدًا ومساعدًا بالإيمان لا جزء له، فالتصديق الذي يخلو عن الإقرار والعمل كأنه ليس بتصديق.\nوالثالث: أن التصديق منسحب على القلب والجوارح، فتصديقُ القلب هو التصديق الباطني المسمَّى بالإيمان، وتصديق الجوارح يسمَّى عملًا وأخلاقًا، فالشيء واحد من هناك إلى ها هنا، وتختلف الأسامي باختلاف المواطن، فالإيمان على اللسان: قول، وعلى الجوارح: عمل.\nوالرابع: أن الإيمان اسم للتصديق الذي يعقبه القول والعمل، فينبغي أولًا أن يصدّق، ثم يُقرّ، ثم يعمل، فكان القول والعمل من مقتضيات الإيمان، انتهى ملخصًا.\n(ويزيد وينقص) قال الشيخ العارف المحدث الكَنكَوهي في \"اللامع\": وزيادة الإيمان في الروايات والآيات عندنا محمولة على زيادة المؤمن به، أو على زيادة مراتب الإيقان وكيفيات التصديق لا نفسه؛ لأنه شيء بسيط. وبسط الكلام على ذلك في هامش \"اللامع\" (^١). وما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه من قوله: \"مراتب الإيقان وكيفيات التصديق\" هو بعينه ما اختاره السلف من الزيادة والنقصان.\nوأجاد الإمام الرباني المجدد للألف الثاني كلامًا أنيقًا في مكتوباته الشريفة، نورده بنصِّه تبركًا بلفظه، قال:\n\"در زيادتي ونقصان إيمان علماء را اختلاف است، إمام أعظم كوفي - ﵁ - مي فرمايد: الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وإمام شافعي ﵀\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (١/ ٥٣٨).","vol":"2","page":323},{"text":"سبحانه مي فرمايد كه: يزيد وينقص، وشك نيست كه إيمان عبارة أز تصديق ويقين قلبي است كه زيادتي ونقصان را در آنجا كَنجائش نيست، آنجه قبول زيادتي ونقصان كند داخل دائره ظن است نه يقين.\nغاية ما في الباب: إتيان أعمال صالحه انجلاء آن يقين مي فرمايد، وأعمال غير صالحه آن يقين را مكدر مي سازد، بس زيادتي ونقصان باعتبار أعمال در انجلاء آن يقين ثابت شد، نه در نفس آن يقين جمع يقين را منجلي وروشن يافتند زياده كَفتند از ان يقيني كه آن انجلاء وروشني ندارد، كَوئياى بعضى غير منجلي يقين را يقين نه داشتند، همان بعض منجلي را يقين دانسته ناقص كَفتند، وجمع ديكَر كه حدت نظر داشتند ديدند كه اين زيادتي ونقصان راجع بصفات يقين است نه بنفس يقين.\nلا جرم يقين را غير زائد وناقص كَفتند، مثل آنكه دو آئينه برابر كه در انجلاء ونورانيت وتفاوت دارند، شخصى بيند آئينه را كه انجلاء زياده دارد ونمايندكَي درو بيشتر است كَويد كه اين آئينه زياده است از آئينه ديكَر كه آن انجلاء ونمائندكَي ندارد، وشخصى ديكَر كَويد كه دو آئينه است بس نظر شخص ثاني صائب است وبحقيقت شي نافذ، ونظر شخص أول مقصور با ظاهر است واز صفت بذات نرفته و﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١].\nازين تحقيق كه اين فقير بإظهار آن موفق شدة اعتراضات مخالفان كه بر عدم زيادتي ونقصان إيمان نموده اند زائل كَشت، وايمان عامه مؤمنان در جمع وجوه مثل إيمان أنبياء - عليهم الصلوات والتسليمات - نشد، زيرا كه إيمان أنبياء عليهم الصلوات والتسليمات كه تمام منجلي ونوراني است، ثمرات ونتائج بأضعاف زياده دارد أز إيمان عامه مؤمنان كه ظلمات وكدورات دارد على تفاوت درجاتهم، وهمجنين إيمان أبو بكر رضي الله تعالى عنه كه در وزن زياده از إيمان أمت است باعتبار انجلاء ونورانيت بايد دانست وزيادتي را راجع بصفات كامله بايد ساخت نمي بيني كه أنبياء","vol":"2","page":324},{"text":"عليهم الصلوات والتسليمات با عامه در نفس إنسانيت برابر اند، ودر حقيقت وذات همه متحد، تفاضل باعتبار صفات كامله آمده است وآنكه صفات كامله ندارد، كَوئيان أزان نوع خارج است، وأز خواص وفضائل آن نوع محروم با وجود اين تفاوت در نفس إنسانيت زيادتي ونقصان راه نمي بايد ونمي توان كَفت كه إنسانيت قابل زيادتي ونقصان است، والله - ﷾ - الملهم للصواب، انتهى.\n(وقال تعالى) في سورة الفتح: (﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾) [٤].\n(وقال تعالى) في سورة الكهف: (﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾) [١٣].\n(وقال تعالى) في سورة مريم: (﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾) [٧٦]\n(وقال تعالى) في سورة محمد: (﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾) [١٧]\n(وقال تعالى) في سورة المدثر: (﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾) [٣١].\n(وقال تعالى) في سورة براءة: (﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا﴾) [١٢٤].\n(وقال تعالى) في سورة آل عمران: (﴿فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ﴾) [١٧٣].\n(وقال تعالى) في سورة الأحزاب: (﴿وَمَا زَادَهُمْ إلا إِيمَانًا﴾) [٢٢]\n(والحب في الله) لفظ حديث رواه أبو داود من حديث أبي أُمامة (^١)، واستدل به الإمام على الزيادة والنقصان؛ لأن الحب والبغض يتفاوتان، كذا في \"القسطلاني\" (^٢).\n(وكتب عمر بن عبد العزيز) شرع في الآثار بعد ذكر الآيات والحديث، (إلى عدي بن عدي) الكندي، وهو تابعي، من أولاد الصحابة،\n_________\n(^١) قوله: \"من حديث أبي أمامة\" كذا ذكره القسطلاني، وفي \"سنن أبي داود\" (ح: ٤٥٩٩) من حديث أبي ذر.\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١/ ١٤٨).","vol":"2","page":325},{"text":"كان عامل عمر بن عبد العزيز على الجزيرة، ولذا كتب إليه، كذا في هامش \"اللامع\" (^١).\n(إن للإيمان فرائض) أي: أعمالًا مفروضة.\n(وشرائع) أي: عقائد دينية. \"وحدودًا\" أي: منهيات ممنوعة.\n(وسننًا) أي: مندوبات، كذا في \"الفتح\" و\"القسطلاني\" (^٢).\nوقال الشيخ المحدث الكَنكَوهي في \"اللامع\" (^٣): وظاهر أن الفرائض والشرائع ليست لنفس الإيمان، إذ هو اسم للتصديق عند الكل، فلا معنى لكونه ذا فرائض إلا إذا أدخل فيه العمل أيضًا، ونقل عنه أن الإيمان فرائض، وعلى هذا فدخول الأعمال فيه أظهر، ثم لا يمكن أن يكون عمر - ﵁ - هذا يكفر من أخلّ بشيء من الأعمال، كما هو اللازم من جعل الأعمال داخلةً في الإيمان لما فيه من مخالفة بيِّنة للنصوص القطعية، فلم يكن مراده إلا دخولها في الإيمان الكامل وهو عين مرادنا.\n(فقد استكمل الإيمان): استدل به الإمام البخاري على الزيادة والنقص، لا يقال: إنه لا يدل على ذلك بل يدل على خلافه إذ قال للإيمان كذا وكذا، فجعلها غير الإيمان؛ لأنا نقول: إن آخر كلامه \"فقد استكمل\" يشعر إليه، كذا في \"القسطلاني\".\nقلت: بل هو أصرح دليل لمن قال: إن هذه الأمور لاستكمال الإيمان، وبسط الكلام على ذلك في هامش \"اللامع\"، وفي آخره: قال الحافظ (^٤): فالمراد أنها من المكملات؛ لأن الشارع أطلق على مكملات الإيمان إيمانًا.\n(فسأبيِّنها لكم) أي: مفصَّلَة.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (١/ ٥٣٩).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٤٧)، \"إرشاد الساري\" (١/ ١٤٨).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (١/ ٥٣٩).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١/ ٤٧).","vol":"2","page":326},{"text":"قال القسطلاني (^١): وليس في هذا تأخير البيان عن وقت الحاجة إذ الحاجة لم تتحقق، أو أنه علم أنهم يعلمون مقاصدها ولكنه استظهر وبالغ في نصحهم وتنبيههم على المقصود، وعَرّفهم أقسام الإيمان مجملًا، وأنه سيذكرها مفصلًا إذا تفرغ لها، فقد كان مشغولًا بالأهم.\n(وقال إبراهيم) على نبينا وعليه السلام كما في سورة البقرة: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] أي: يزداد بصيرةً.\nلا يقال: إن الشك ينافي الإيمان؛ لأن المراد ها هنا ليس نفي اليقين بل التمنِّي لعين اليقين، فإن المحقق بالمشاهدة آكد من المحقق بالعلم، أو يقال: إن السؤال لم يكن عن مجرد الإحياء بل عن كيفيته، كما يدل عليه لفظ \"كيف\"، وهذا هو الذي مال إليه صاحب \"روح المعاني\" (^٢).\nوذكر النووي له أجوبة، قال (^٣): أظهرها أنه أراد الطمأنينة بعلم كيفية الإحياء مشاهدةً بعد العلم بها استدلالًا، فإِنَّ عِلْمَ الاستدلال قد تتطرق إليه الشكوكُ في الجملة، بخلاف علم المعاينة فإنه ضروري، وهذا مذهب الأزهري وغيره.\nوالثاني: سأل زيادة يقين وإن لم يكن الأول شكًّا، فسأل الترقي من علم اليقين إلى عين اليقين، فإنَّ بين العِلمين تفاوتًا، قال سهل بن عبد الله التستري: سأل كشف غطاء العيان ليزداد بنور اليقين، وذكر وجهين آخرين.\nوقال ابن الهمام في \"المسايرة\" (^٤): قيل في تأويله: طلب السيد إبراهيم - ﷺ - حصولَ القطع بالإحياء بطريق آخر، وهو البديهي الذي بداهته سببُ وقوع الإحساس به، وهذا تأويل حسن، وحاصله: أنه لما قطع بالقدرة على الإحياء اشتاق إلى مشاهدة كيفية هذا الأمر العجيب الذي جزم بثبوته،\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١/ ١٤٩).\n(^٢) \"روح المعاني\" (٢/ ٢٦).\n(^٣) \"شرح صحيح مسلم\" (١/ ٤٦١).\n(^٤) انظر: \"المسامرة بشرح المسايرة\" (ص ٣٧٥).","vol":"2","page":327},{"text":"كمن قطع بوجود دمشق وما فيها من أجِنَّة يانعة، وأنهار جارية، فنازَعَتْه نفسُه في رؤيتها والابتهاج بمشاهدتها، فإنها لا تسكن وتطمئن حتى يحصل مُنَاها، وكذا شأنُها في كل مطلوب مع العلم بوجوده، فليس تلك المنازعة والتطلب ليحصل القطع بوجود دمشق، إذ الفرض ثبوته.\nقال الكمال ابن أبي شريف (^١): وهذا التأويل يشير إلى أن المطلوب بقول السيد إبراهيم - ﷺ -: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] هو سكون قلبه عن المنازعة إلى رؤية الكيفية المطلوب رؤيتها، وهو الذي اقتصر عليه ابن عبد السلام في جواب السؤال، أو المطلوب سكونه بحصول متمنَّاه من المشاهدة المحصِّلة للعلم البديهي بعد العلم النظري، انتهى.\nولا يقال: كان المناسب للمصنف أن يذكرها في سياق الآيات؛ لأن هاتيك دلالتها على الزيادة صريحة بخلاف هذه، كذا في \"القسطلاني\" (^٢)، وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٣): وإيرادها في غير الآيات لأنها من كلام إبراهيم - ﵇ - لا من أمره تعالى، وإن كان مذكورًا في القرآن على سبيل الحكاية.\n(وقال معاذ بن جبل) كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\": كذلك [في] قول معاذ، أي: نزد الإيمان ساعة بالمذاكرة، وكذلك قول ابن مسعود، فإن كلها دليل على ما قصده المؤلف، ولا يضرُّنا شيئًا، فإن الزيادة في الكيفيات مسلَّمة.\n(اجلس بنا نُؤمِنْ ساعةً) أي: نزداد إيمانًا.\nقال النووي (^٤): أي نتذاكر الخير وأحكام الآخرة، فإن ذلك إيمان،\n_________\n(^١) هو شيخ الإسلام أبو المعالي، كمال الدين محمد بن محمد، المعروف بابن أبي شريف، صاحب \"المسامرة بشرح المسايرة\"، ولد ٨٢٢ هـ، وتوفي ٩٠٦ هـ. انظر: \"الأعلام\" للزركلي (٧/ ٥٣).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١/ ١٤٩).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (١/ ٥٤٠).\n(^٤) انظر: \"مختصر شرح صحيح البخاري\" للنووي (ص ٤٧).","vol":"2","page":328},{"text":"وقال ابن العربي: لا تعلق له للزيادة؛ لأن معاذًا إنما أراد تجديد الإيمان؛ لأن العبد في أول الأمر يكون مؤمنًا، ثم يجدد دائمًا، وتعقَّبه الحافظ بأن ما نفاه أولًا أثبته آخرًا؛ لأن تجديد الإيمان [إيمان]، كذا في \"القسطلاني\" (^١).\n(وقال ابن مسعود) طرف من أثر رواه الطبراني وتتمته: \"والصبر نصف الإيمان\"، ولفظ \"نصف\" صريح في التجزئة، كذا في \"القسطلاني\".\nقلت: ولا يبعد أن يقال: إن المصنف أشار إلى كل الأثر بذكر بعضه.\nقال الحافظ (^٢): جرى المصنف على عادته في الاقتصار على ما يدل بالإشارة، وحذف ما يدل بالصراحة، إذ لفظ النصف صريح في التجزئية، وفي \"الإيمان\" لأحمد من طريق عبد الله بن حكيم عن ابن مسعود أنه كان يقول: اللهم زدني إيمانًا ويقينًا وفقهًا، وإسناده صحيح، وهذا أصرح في المقصود، ولم يذكره المصنف لِمَا أشرتُ إليه، انتهى.\n(اليقين الإيمان كله) أَكَّدَه بكلٍّ لدلالتها على التبعيض، كذا في \"القسطلاني\"، قال الشيخ العارف المحدث الكَنكَوهي في \"اللامع\" (^٣): إن اليقين كل الإيمان، ففيه استدلالان: توكيد الإيمان بلفظ الكل، ولا يؤكد بالكل إلا ذو أجزاء وأبعاض، فلزم دخول الأعمال في الإيمان، إذ ليس في نفس الإيمان أجزاء، وحمل الإيمان على اليقين أو عكسه، ومراتب اليقين متفاوته، فلزم كون الإيمان كذلك، انتهى.\n(قال ابن عمر) هو عبد الله، وهو المعروف بهذه الكنية في جملة أبناء عمر رضي الله تعالى عنه، معروف بشدة اتباعه لرسول الله - ﷺ - حتى في الآداب.\n_________\n(^١) انظر: \"إرشاد الساري\" (١/ ١٤٩)، و\"فتح الباري\" (١/ ٤٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٤٨).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (١/ ٥٤١).","vol":"2","page":329},{"text":"(لا يبلغ العبد حقيقة التقوى) وفي الأثر إشارة إلى أن بعض المؤمنين بلغ كُنْهَ الإيمان، وبعضهم لم يبلغه، فثبتت الزيادة والنقصان، كذا في \"القسطلاني\" (^١).\nقال الشيخ في \"اللامع\" (^٢): \"حقيقة التقوى\"، فلزم أن يكون للتقوى - وهو الإيمان - مراتب بعضها أولى بتسميتها \"تقوى\" من بعض، أي: وقد علم أن أدنى درجات التقوى الاتقاء عن الشرك، وهو الإيمان نفسه، فكان أعلى درجاته أعلى درجاته، انتهى.\nوفي هامشه: في بعض الروايات بدل \"التقوى\" لفظ \"الإيمان\".\n(وقال مجاهد: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ. . .﴾) إلخ، أشار إلى آية في سورة الشورى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ الآية [الشورى: ١٣].\nقال صاحب \"الجمل\" (^٣): ﴿لَكُمْ﴾ خطاب لأمة محمد - ﷺ -، وقوله: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ فيه التفات من الغيبة إلى التكلم بنون العظمة لكمال الاعتناء بالإيحاء إليه، انتهى.\nوقال الشيخ في \"اللامع\" (^٤): تفسير مجاهد يقتضي اتحادهما مع ما علم من اختلاف بين الشرائع والأحكام، فعلم أن الدين واحد غير أن فيه زيادة ونقصانًا، ويدل عليه الرواية \"مثلي مثل من بنى دارًا\" (^٥)، فإن فيه تصريحًا بأنه - ﷺ - كمَّل من الأديان ما كان ناقصًا، إلى آخر ما بسط فيه.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١/ ١٥٠).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (١/ ٥٤٢).\n(^٣) \"الجمل\" (٤/ ٥٥، ٥٦).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (١/ ٥٤٢).\n(^٥) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" (ح: ٣٥٣٤) من حديث جابر مرفوعًا بلفظ: \"مثلي ومثل الأنبياء كرجل بنى دارًا فأكملها وأحسنها إلا موضع لبنة. . .\" إلخ، ومن حديث أبي هريرة بنحوه (ح: ٣٥٣٥)، وفيه: \"إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون: هلَّا وضعت هذه اللبنة\"، قال: \"فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين\".","vol":"2","page":330},{"text":"وقال ابن الملقن في \"التوضيح\": لا يظهر موافقة هذه الآية، أي: المذكور في قول مجاهد للترجمة، وأجاب المحدث الكبير مولانا أحمد علي السهارنفوري في حاشية \"البخاري\" (^١) بأن في آخر الآية: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ﴾، والإقامة في الدين لا تتأتى إلا بالإيمانِ بما يجب تصديقه والطاعة في أحكام الله تعالى، فكل من كان في التصديق وطاعة الأحكام أعمل كان إيمانه أكمل، فبهذا تحصل المطابقة، والله أعلم، وسيأتي شيء مما يتعلق به في ذكر قول ابن عباس إن شاء الله، وبسط شيء من الكلام عليه في هامش \"اللامع\".\n(يا محمد وإياه. . .) إلخ، أي: نوحًا، خصَّه بالذكر؛ لأنه أول من جاء بالتحريم والتحليل، وأول من جاء بتحريم الأمهات والبنات والأخوات، كذا في \"القسطلاني\" لا يقال: إن \"إياه\" تصحيف وقع في أصل البخاري، والصواب: وأنبياءه، كما عند عبد بن حميد وابن المنذر وغيرهما، وكيف يفرد مجاهدٌ الضميرَ لنوحٍ وحده مع أن في الآية ذكر جماعة من الأنبياء؟\nلأنه أجيب بأن نوحًا أُفْرِد في الآية، وبقية الأنبياء عطفٌ عليه، وهم داخلون فيما وَصّى به نوحًا في تفسير مجاهد، فليس بتصحيف بل صحيح، كذا في \"القسطلاني\" (^٢).\nقلت: ودعوى التصحيف للبُلقيني والجواب للحافظ، وغرض المصنف بذكره أنه جعل الأديان كلها دينًا واحدًا مع ما فيها من زيادة ونقص، كذا في \"اللامع\" (^٣).\n(وقال ابن عباس) في تفسير قوله تعالى في سورة المائدة (^٤): ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ﴾ أيها الأمم ﴿شِرْعَةً﴾ أي: شريعة ﴿وَمِنْهَاجًا﴾ أي: طريقًا\n_________\n(^١) (١/ ٢١٤).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١/ ١٥٠).\n(^٣) انظر: \"لامع الدراري\" (١/ ٥٤٥)، و\"فتح الباري\" (١/ ٤٨).\n(^٤) في الأصل: \"براءة\" وهو تحريف.","vol":"2","page":331},{"text":"واضحًا في الدين يمشون عليه، كذا في \"الجلالين\" (^١).\nقال صاحب \"الجمل\" (^٢): الشريعة والمنهاج عبارة عن معنى واحد، والتكرير للتأكيد، والمراد بهما الدين، وقال آخرون: بينهما فرق لطيف، وهو أن الشريعة التي أمر الله بها عباده، والمنهاج الطريق الواضح المؤدي إلى الشريعة، قال ابن عباس في تفسيرها: سُنَّة وسبيلًا، وقال قتادة: سبيلًا وسُنَّة، قال العلماء: وردت آياتٌ دالَّةٌ على عدم التباين، منها قوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا تَتَفَرَّقُوا﴾، ومنها دالَّة على حصول التباين كما في آية: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]، والجمع أن كل آية تدل على عدم التباين، فهي محمولة على أصول الدين من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، فكل ذلك لم يختلفوا فيه الرسلُ، والآيات الدالة على التباين محمولة على الفروع، انتهى.\nوفي \"اللامع\" (^٣): ولا يبعد أن يقال: إن أثر ابن عباس ومجاهد في تفسير الآيتين مجموعهما حجة واحدة، وحاصلها: أن مجاهدًا فسَّر الآية بما حاصله اتحاد الأديان جملة، وفسَّر ابن عباس الآية الثانية بما حاصله: افتراق السنن والمناهج، وليست إلا الشرائع، فلا يمكن الجمع بين الآيتين إلا بإِهدار التفاوت في فروع الإيمان، وهي الأعمال، فعُلم أن الدين واحد غير أنه ينقص حسب ما فيه من نقص لقلة الأعمال، ويزيد حسب زيادة الأعمال، إلى آخر ما فيه.\n(و﴿دُعَاؤُكُمْ﴾ إيمانكم): ذكر في هامش النسخة الهندية قبل ذاك \"باب\"، قال القسطلاني (^٤): وقع هنا في رواية أبي ذر وغيره لفظ \"باب\" بالتنوين، وهو ثابت في أصل عليه خط الحافظ قطب الدين الحلبي، لكنه ساقط في رواية الأصيلي وابن عساكر، وأيده قول الكرماني: إنه وقف على\n_________\n(^١) \"الجلالين\" (ص ١٤٥).\n(^٢) \"الجمل\" (٢/ ٢٣٣).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (١/ ٥٤٤).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (١/ ١٥٠).","vol":"2","page":332},{"text":"أصل مسموع [على] الفربري، بحذفه، بل قال النووي: وقع في كثير من النسخ هنا \"باب\" وهو غلط فاحش، والصواب حذفه؛ لأنه لا تعلق له بما نحن فيه، ولأنه ترجم بقوله - ﵇ -: \"بني الإسلام\" الحديث، ولم يذكره قبل هذا، بل ذكره بعده وليس مطابقًا للترجمة، انتهى مختصرًا.\nوقوله: (﴿دُعَاؤُكُمْ﴾ إيمانكم): من قول ابن عباس يشير به إلى قوله تعالى في آخر الفرقان: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ [الفرقان: ٧٧]، فسمَّى الدعاء: إيمانًا، والدعاء عمل، فاحتج به على أن الإيمان عمل وعطفه على ما قبله كعادته في حذف أداة العطف في التفسير حيث ينقل التفسير.\nوفي هامش النسخة الهندية عن الكرماني (^١): فسَّره ابن عباس فقال: المراد من الدعاء الإيمان، [فمعنى (﴿دُعَاءَكُمْ﴾: إيمانكم]، يعني: تفسيره في الآيتين (أي: آية ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾، وآية ﴿دُعَاؤُكُمْ﴾)، يدل على أنه قابل للزيادة والنقصان، أو أنه سمَّى الدعاء إيمانًا والدعاء عمل، وقال ابن بطال: معنى قول ابن عباس ﴿لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ الذي هو زيادة في إيمانكم، انتهى.\n(بني الإسلام على خمس. . .) إلخ: ولقائل أن يقول: هذا الحديث لا يجديكم شيئًا في دعواكم، بل الذي يثبت عنه مغايرة الإسلام للأعمال، فإن المبني غير المبني عليه.\nوالجواب: أن المغايرة تجوز أن تكون مغايرة وجود الكل لوجودات الأجزاء في أنفسها، كذا في \"اللامع\" (^٢).\nاعلم أن المصنف استدل بهذا الباب على أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، واستدلاله هذا مبنيٌّ على أن الإسلام والإيمان والدين عنده واحد، قلنا: إن أخذ الأعمال في الإيمان كالمكمل له فلا إشكال، فإن الإيمان الكامل يزيد وينقص، وقد يقال: إن المركب هو الإسلام فإنه مجموع التصديق والطاعات.\n_________\n(^١) \"شرح الكرماني\" (١/ ٧٦).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (١/ ٥٤٦).","vol":"2","page":333},{"text":"وأما الإيمان بمعنى تصديق أمور مخصوصة كما يفيده حديث جبرئيل الآتي فهو أمر بسيط، قال شيخ الهند في \"تراجمه\": والثابت من الحديث هو كون الأعمال جزءًا للإسلام لا جزءًا للإيمان، والثابت هو الزيادة والنقصان في الإسلام لا في الإيمان، ولا خلاف في ذلك بين أهل السُّنَّة والجماعة.\nقال القاري في \"المرقاة\" (^١): قوله: \"بني الإسلام\"، هو اسم للشريعة دون الإيمان، وقد يطلق على الإِذعان بالقلب والاستسلام بجميع القوى والجوارح في جميع الأحوال، وهو الذي أمر به إبراهيم ﵊ حيث قال له ربُّه: ﴿أَسْلِمْ﴾، وهذا أخص من الأول، والمراد به الإسلام الكامل؛ لأن حقيقته مبنية على الشهادتين فقط، وإنما اقتصر على بيان أركانه مع إيماء إلى بقية شُعب إيمانه، انتهى.\nقال شيخ الهند في \"تراجمه\": ثم إن المصنف أشار إلى الرد على المرجئة في أكثر أبواب كتاب الإيمان، وردَّ في بعضها على الخوارج والمعتزلة، فإن هذين الفريقين هما اللذان سلكا مسلك الإفراط والتفريط، وبالغا في مخالفة أهل الحق، فأبطل المصنف ما ذهبا إليه بالوحي المتلو وغير المتلو، ثم إنه شدد في الرد على المرجئة إما لأن مذهبهم يقتضي سد باب الأعمال لا حاجة إليها بل هي من باب الفضول، وإما لأن قولهم يباين المقصد الذي أراده المؤلف بباب بدء الوحي، انتهى.\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-186> باب أمور الإيمان)</span>\nذكر في \"التقرير\": ليس المقصود هو إثبات جزئية الأعمال أو قبول الإيمان زيادة ونقصانًا، فإن البحث قد انبرم، وإنما المقصود ها هنا تفسير بعض مقتضيات الإيمان وآثاره تنبيهًا على أن المؤمن ليس من شأنه الإخلال بها، انتهى.\n_________\n(^١) \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ١٣٥).","vol":"2","page":334},{"text":"وفي تقرير مولانا حسين علي البنجابي عن الشيخ الكَنكَوهي قُدِّس سرُّه: أورد هذا الباب لدفع وهم أن الأجزاء هو الخمس فقط، وقال: الإيمان عندهم كلِّي مشكك، وهذه الأبواب كلها تدل على زيادة الإيمان ولا يضرنا، انتهى.\nوأجمل حضرة شيخ الهند الكلام على الأبواب كلها في تراجمه فقال ما تعريبه: ثم يلاحظ أن المؤلف رحمه الله تعالى جعل في تراجم الأبواب الآتية العمل من الإيمان في بعضها، ومن الإسلام في أخرى، ومن الدين في البعض الآخر، وأتى بالآيات والأحاديث والآثار في تأييد مدعاه، ثم إنه في بعضها يأتي في الترجمة بإحدى هذه الألفاظ ويكون في الحديث لفظ آخر.\nفمثلًا ذكر الإسلام في ترجمته، والمذكور في الحديث الإيمان، أو الدين، أو عكسه، فهذه الأمور كلها لا إشكال فيها البتة، فالظاهر أن غرض المؤلف رحمه الله تعالى بيان مسلك السلف الأكابر في هذا الباب، كما صرَّح به العلامة السندهي وغيره، فأظهر المؤلف - ﵀ - أن السلف كانوا يتوسعون في إطلاق أجزاء الإيمان على الأعمال، وأن بين الإسلام والإيمان والدين ارتباطًا وثيقًا بحيث أن يصح أن يسمَّى أجزاء أحدها بأجزاء الآخر، فحصل بذلك الردُّ التامُّ على رأي المرجئة.\nثم تظهر إشارة لطيفة إلى أنه ينبغي لنا أن نتبع السلف في هذا الأمر، ولا حاجة إلى التعمق في المباحث الكلامية التي أوجدها المتأخرون، وإن كانت صحيحة ولم يخالف مسلك السلف، وهذه عادة المؤلف خصوصًا في المسائل الاعتقادية أنه يرد على أهل الأهواء صراحة وأحيانًا إشارة، وأما أهل الحق فإن المؤلف يشير إليهم بخفاء واحتياط بليغ، ولا يتنبه له إلا بالخوض الصحيح، ويظهر ذلك في كتاب الرد على الجهمية على وجه الكمال، انتهى مختصرًا.\nوعامة الشرَّاح حملوا هذه الأبواب كلها إلى تركيب الإيمان وكونه ذا","vol":"2","page":335},{"text":"أجزاء، فاختلفوا في هذه الأبواب كلها الآتية على أربعة أقوال:\nالأول: ما قالته الشرَّاح: إن المقصود من هذه الأبواب كلها الاستدلال على زيادة الإيمان بنفسه، وكون الإيمان مركبًا.\nوالثاني: قول الشيخ في \"اللامع\" (^١) إذ قال: إن البحث في ذلك قد انبرم، ومقصود هذه الأبواب تفصيل بعض مقتضيات الإيمان والآثار.\nوالثالث: مقتضى كلام شيخ الهند أن المقصود من هذه الأبواب الرد على المرجئة وإثبات مسلك السلف، كما تقدم في كلامه - ﵀ - مفصلًا.\nوالرابع: أن المقصود أن لفظ الخمس في حديث: \"بني الإسلام على خمس\" ليس للحصر، وإنما بسط المصنف في الرد على المرجئة؛ لأن مسلكهم يبطل الأعمال كلها، بخلاف مسلك الخوارج فإن مسلكهم يشدِّد في أمر الأعمال.\n(وقول الله - ﷿ -: ﴿لَيْسَ البِرَّ﴾ [البقرة: ١٧٧]) إلخ، قال القسطلاني (^٢): والآية جامعة للكمالات الإنسانية بأسرها، فإنها بكثرتها منحصرة في ثلاثة: صحة الاعتقاد، وحسن المعاشرة، وتهذيب النفس، وإليه أشار النبي - ﷺ - بقوله: \"من عمل بهذه الآية فقد استكمل الإيمان\"، وهذا وجه استدلال المؤلف بهذه الآية، وفي حديث أبي ذر بسند صحيح أنه سأل النبي - ﷺ - عن الإيمان، فتلا هذه الآية، انتهى.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): ﴿لَيْسَ البِرَّ﴾ أي: الإيمان؛ لأنه أعلى البر، وكذلك في قوله: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ﴾ [البقرة: ١٧٧]، وأنت تعلم ما فيه، فإن العطف يقتضي المغايرة كما هو أصله إلا بدليل يقوم على خلافه، فكان المعطوف على الإيمان مغايرًا له لا داخلًا فيه، إلا أن يقال: جعل الإيمان نوعين: كاملًا: وعَبَّر عنه بالبر، وهو الإيمان وما عطف عليه،\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (١/ ٥٤٩).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١/ ١٥٤).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (١/ ٥٤٨).","vol":"2","page":336},{"text":"وناقصًا: وعبر عنه بالإيمان والمعطوفات خارجة عنه، هذا ظاهر ولا ينكره أحد.\n\" ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ \" أي: فاز.\nوهذه آية أخرى استدل بها الإمام على مرامه وهو أمور الإيمان، وساق الكرماني (^١) الآية إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٩] وقال: فعُلم منها أن الإيمان الذي به الفلاح والنجاة الإيمان الذي فيه هذه الأعمال المذكورة، قال ابن بطال: التصديق أول منازل الإيمان، والاستكمال إنما هو بهذه الأمور، وأراد البخاري الاستكمال، ولهذا بوَّب أبوابه عليه فقال: \"باب أمور الإيمان\" و\"باب الجهاد\"، و\"باب الصلاة من الإيمان\" انتهى.\nوقال في \"الفتح\" (^٢): ويحتمل أن يكون ساقه تفسيرًا لقوله: ﴿هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ تقديره: المتقون هم الموصوفون بقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾، وفي رواية الأصيلي: \"وقد أفلح\" بإثبات الواو، وفي رواية ابن عساكر: \"وقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ \" وفيهما رد لما قاله في \"الفتح\" من احتمال التفسير، انتهى ما في \"القسطلاني\" (^٣).\n(الإيمان بضع) أي: كماله وأثوه، وأما نفسه فغير منقسم، كذا في \"اللامع\" (^٤).\nو\"بضع\" قال القسطلاني (^٥): بكسر الموحدة وقد تفتح، هو خاص بالعشرات إلى التسعين، فلا يقال: بضع ومائة، ولا بضع وألف، وفي \"القاموس\": هو ما بين الثلاث إلى التسع، والبسط في ذلك في هامش \"اللامع\"، وفيه: \"بضع\" بدون الهاء في بعض الأصول، وفي أكثرها بالهاء\n_________\n(^١) \"شرح الكرماني\" (١/ ٨١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٥١).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١/ ١٥٥).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (١/ ٥٥١).\n(^٥) \"إرشاد الساري\" (١/ ١٥٦).","vol":"2","page":337},{"text":"بضعة، ومعناهما القطعة، واستعملا فيه العدد، وبسط فيه الاختلاف في ستين وسبعين، وجمع بأنه ﵊ أعلم أولًا على بضع وستين ثم أخبر بزيادة عشرة، وعَدّها بعضهم بطريق الاجتهاد، وللبيهقي وعبد الجليل كتاب الشعب، انتهى.\nومطابقة حديث الباب للترجمة ظاهرة، وهذه الأعمال التي أشار إليها في الحديث هي عند المصنف من أجزاء الإيمان.\nوأما من قال: إن أصل الإيمان هو التصديق فيقول: إنه - ﷺ - شَبَّهَ الإيمان مع الأعمال بالدوحة التي لها أغصان وفروع وساق وأصل، فالتصديق كالأصل، والساق والأعمال كالأغصان، والفروع منشعبة عنه، وكأن الأعمال آثار الإيمان، أو يقال: إن الأعمال مظاهر الإيمان، فإن إيمان الرجل إنما يعرف بهذه الأعمال، فهي دلائل عليه، وكأنه أطلق عليه أنها من شعب الإيمان من جهة أن آثار الشيء يطلق عليها اسم ذلك الشيء؛ كالشمس يطلق على الجرم وعلى الضوء، والله تعالى أعلم.\nقال الشاه ولي الله رحمه الله تعالى في \"حجة الله البالغة\" (^١): وللإِيمان شُعب كثيرة، ومثله كمثل الشجرة، يقال للدوحة والأغصان والأوراق والثمار والأزهار جميعًا: إنها شجرة، فإذا قطع أغصانُها، وخُبِطَ أوراقُها، وخُرِفَ ثمارها، قيل: شجرة ناقصة، فإذا قُلِعتِ الدَّوحةُ بطل الأصل، إلى آخر ما بسطه.\nوالحاصل: أن هذه الأعمال مكملة للإيمان، قال التيمي: المراد من الحديث من وجدت فيه هذه الخصال فهو مؤمن على سبيل الكمال، ثم إيمان كل واحد بقدر وجود هذه الخصال فيه، انتهى.\n_________\n(^١) \"حجة الله البالغة\" (١/ ٥٣٣).","vol":"2","page":338},{"text":"(٤ -<span data-type='title' id=toc-187> باب المسلم من سلم. . .) إلخ</span>\nترجم بكتاب الإيمان وذكر فيه الإسلام والدين إشارة إلى أن المعتبر في الشرع هو الإيمان مع الإسلام وهو الدين، فكل واحد من هذه الثلاثة، أي: الإيمان والإسلام والدين متلازم بالآخر عند الشرع، ولذا ذكر أحدها موضع الآخر، وقد تقدم ذلك المعنى في كلام شيخ الهند مفصلًا.\n(من لسانه) ولم يذكر من كلامه ليدخل من أخرج لسانه استهزاءً لصاحبه، وقدّمه على اليد لأن إيذاءه أكثر:\nجراحات السنان لها التئام … ولا يلتام ما جرح اللسان\nكذا في \"القسطلاني\" (^١).\nقلت: وهذا أحد الأحاديث الخمسة المختارة للإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى كما تقدم في حديث: \"إنما الأعمال بالنيات\" مفصلًا.\n(ويده) خصَّه بالذكر مع أن الفعل قد يحصل بغيره؛ لأن سلطنة الأفعال إنما تظهر بها، كذا في \"القسطلاني\".\n(والمهاجر. . .) إلخ، قال ذلك لئلا يتكل المهاجرون على مجرَّد انتقال المكان، أو تطييبًا لقلوب من لم يهاجر، كذا في \"القسطلاني\" و\"الكرماني\" وغيرهما (^٢)، والتطابق ظاهر على الوجوه الأربعة المتقدمة من الشرَّاح باعتبار أن عمل اللسان واليد داخل في الإسلام، وكذا على رأي الشيخ قُدِّس سرُّه أن هذه الأمور تفصيل لمقتضيات الإيمان والآثار، وعلى رأي شيخ الهند: أن المقصود منه الرد على المرجئة، والرابع أن المقصود التنبيه على أن لفظ \"خمس\" ليس للحصر.\n(قال أبو معاوية) مراده ظاهر، وهو تصريح سماع عامر بن عبد الله،\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١/ ١٥٩).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (١/ ٥٤)، و\"شرح الكرماني\" (١/ ٨٩)، و\"إرشاد الساري\" (١/ ١٥٩).","vol":"2","page":339},{"text":"وأما غرض متابعة عبد الأعلى فالتنبيه على أن عبد الله الذي أبهم فيه هو ابن عمرو كما في الرواية السابقة.\nوفي هامش \"اللامع\" (^١) عن مولانا محمد حسن المكي عن تقرير شيخه الكَنكَوهي قُدِّس سرُّه: لما كان الشعبي تابعيًا صغيرًا فكان يختفي على بعض الناس أنه سمع من عبد الله فيكون الحديث متصلًا أم لا فيكون منقطعًا، وكان ذلك الاختفاء عليهم حقيقة، أو خاف البخاري - ﵀ - عليهم فأثبت السماع لدفع توهم الانقطاع، وكذلك أشار إلى أن الشعبي وعامرًا واحد، وكذلك عادة البخاري - ﵀ - أنه إذا روى معنعنًا وخاف فيه اختفاء السماع على الناس، أو ذكر فيه مدلسًا يثبت السماع بقدر الإمكان، وقوله: \"قال عبد الأعلى\" أورده لمجرد التقوية، انتهى.\nوما أفاده الشيخ قُدَّس سرُّه من أنه تابعي صغير مبني على أن الصغر والكبر من الأمور الإضافية، وعن الحافظ في الطبقة الثالثة عن التابعين وهي الطبقة الوسطى.\n\n(٥ -<span data-type='title' id=toc-188> باب أي الإسلام أفضل)</span>\nوشَرْطُ \"أيّ\" أن تدخل على متعدد، وهو ها هنا مقدر بذوي، أَيْ: أَيّ أصحاب الإسلام أفضل، وفي الحديث عند مسلم: \"أيّ المسلمين أفضل\"، كذا في \"القسطلاني\" (^٢).\nوقال النووي (^٣): أجاب النبي - ﷺ - في الحديث الأول بغير ما أجاب به في الحديث الثاني، قال العلماء: كان الجوابان في وقتين، فأجاب في كل وقت بما هو الأفضل في حق السامع أو أهل المجلس، انتهى.\nقال الحافظ (^٤): وإذا ثبت أن بعض خصال المسلمين المتعلقة\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (١/ ٥٥٢).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١/ ١٦٠).\n(^٣) انظر: \"شرح صحيح مسلم\" (١/ ٢٨٦).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١/ ٥٥).","vol":"2","page":340},{"text":"بالإسلام أفضل من بعض، حصل مراد المصنف بقَبول الزيادة والنقصان، فتظهر مناسبة هذا الحديث والذي قبله لما قبلهما من تعدد أمور الإيمان، إذ الإيمان والإسلام عنده مترادفان، والله أعلم.\n\n(٦ -<span data-type='title' id=toc-189> باب إطعام الطعام)</span>\nأي: من شعب الإسلام، وفي بعض النسخ بدل \"من الإسلام\" \"من الإيمان\"، وهذا عاضد لمذهبه من اتحاد الإيمان والإسلام. كذا في \"الكرماني\" (^١).\nقال الحافظ (^٢): ولما استدل المصنف على زيادة الإيمان ونقصانه بحديث الشُّعب تتبع ما ورد في القرآن والسُّنن الصحيحة من بيانها، فأورده في هذه الأبواب تصريحًا وتلويحًا، انتهى.\nقوله: \"تقرأ السلام\"، ولم يقل: وتُسَلِّم، ليعلم كتابة السلام في المكتوب.\n\n(٧ -<span data-type='title' id=toc-190> باب من الإيمان)</span>\nويرد عليه قول سليمان - ﵇ -: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ﴾ الآية [ص: ٣٥].\nويظهر الجواب بما بسطه صاحب \"الجمل\" (^٣)، وفي آخره عن الشهاب: ليس طلبه للمفاخرة بأمور الدنيا الفانية، وإنما كان هو من بيت نبوة ومُلك، وكان في زمن الجبارين وتفاخرهم بالملك، ومعجزة كل نبي ما اشتُهر في عصره، كما غلب في عهد الكليم السحرُ، فجاءهم بما يتلقف بما أتوا به، وفي عهد نبينا - ﷺ - الفصاحة، فأتاهم بكلام لم يقدروا على أقصر سورة منه، وليس المقصود بقوله: ﴿لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ استقلاله به بحيث لا يعطى أحدٌ مثله ليكون منافسة في الملك وحرصًا عليه، انتهى.\n_________\n(^١) \"شرح الكرماني\" (١/ ٩١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٥٥).\n(^٣) \"تفسير الجمل\" (٣/ ٥٧٦).","vol":"2","page":341},{"text":"وفيه أيضًا عن الكرخي: أو المراد لا ينبغي لأحد أن يسلبه مني في حياتي، كما فعل الشيطان الذي لبنس خاتمي وجلس على كرسيي، أو أن الله علم أنه لا يقوم غيره مقامه بمصالح ذلك المُلك، واقتضت حكمته تعالى تخصيصه به فألهمه سؤاله، فلا يرد كيف قال سليمان ذلك مع أنه يشبه الحسد والبخل بنعم الله تعالى على عبيده بما لا يضر سليمان، انتهى.\nقلت: وقد أخرج أبو داود (^١) في \"كتاب اللباس\" عن أبي هريرة: \"أن رجلًا أتى النبي - ﷺ - وكان رجلًا جميلًا، قال: يا رسول الله! إني رجل حُبِّبَ إِليّ الجمال، وأعطِيتُ منه ما تراه، حتى ما أُحِبّ أن يفوقني أحد - إما قال: بشراك نعلي، وإما قال: بشسع نعلي - أفمن الكبر ذلك؟ قال: لا، ولكن الكبر من بَطِرَ الحقَّ، وغَمِطَ الناس\".\nأو يقال: إن مورد الحديث هم المؤمنون، وقصد بالحديث التوجيه إلى اختيار طريق الألفة، وذلك إنما يحصل إذا كان في القلب أن الرجل يساويه في الاستحقاق، وأما إذا تنافس الناس في استحصال الفواضل أدى ذلك إلى التحاسد والتباغض والاختلاف، وأما سليمان فكان نبيًّا لا يساوقه أحد، فطلبه هذه المرتبة العليَّة لا يكون سبب المنافسة المنافرة.\n(عن حسين) عطف على شعبة؛ كأنه قال: عن شعبة وحسين كلاهما عن قتادة، وأفردهما تبعًا لشيخه، كذا في \"القسطلاني\" (^٢).\nقلت: أو لأن الأول مُعَنْعَنٌ، والثاني بالتحديث، لكن لم يكن على هذا الذكر عن أنس في الأول فائدة، لكن الإمام البخاري لا يبالي بأمثال ذلك، وهذا من وظائف مسلم وأبي داود.\n(لا يؤمن أحدكم. . .) إلخ، هذا أيضًا من الأحاديث الأربعة المنتخبة لأبي داود تبعًا للإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان رحمه الله تعالى كما تقدم في حديث: \"إنما الأعمال بالنيات\".\n_________\n(^١) \"سنن أبي داود\" (ح: ٤٠٩٢).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١/ ١٦٢).","vol":"2","page":342},{"text":"قال القسطلاني: رواة حديث الباب كلهم بصريون، و[إسناد] الحديث السابق مصريون، والذي قبله كوفيون فوقع التسلسل في الأبواب الثلاثة على الولاء.\n\n(٨ -<span data-type='title' id=toc-191> باب حب الرسول من الإيمان. . .) إلخ</span>\nعامة الشرَّاح على أن المحبة هنا عقلية، ولكن والدي نوَّر الله مرقده كان يقول: إن المحبة تعم العقلية والطبعية كليهما، ولكن المحبة الطبعية تسترها العوارض أحيانًا وتظهر عند التزاحم، ومثال ذلك: رجل يكون له ولد يحبه حُبًّا جمًّا، ولا يغفل عنه ساعة، ولكنه لو وضع هذا الطفلُ الحبيبُ قَدَمَه على القرآن الكريم فماذا سيكون؟ إن الوالد سيرمي بابنه بعيدًا ويضطرب لما حدث، هكذا لو أساء حبيبُ أحدٍ في ذات الرسول - ﷺ -، فلا يمكن لمسلم أن يتحمَّل ذلك مهما بلغت محبة الحبيب.\nوقد أخرج أبو داود والنسائي (^١) عن ابن عباس: \"أن أعمى كانت له أم ولد تشتم النبي - ﷺ - وتقع فيه، فينهاها فلا تنتهي، ويزجرها فلا تنزجر، قال: فلما كانت ذات ليلة جعلت تقع في النبي - ﷺ - وتشتمه، فأخذ المِعْولَ فوضعه في بطنها، واتكأ عليها فقتلها، فوقع بين رجليها طفل، فلطخت ما هنالك بالدم، فلما أصبح ذُكِر ذلك للنبي - ﷺ -، فجمع الناس فقال: أنشد اللهَ رجلًا فعل ما فعل، لي عليه حق إلا قام، فقام الأعمى يتخطّى الناسَ وهو يتزلزل حتى قعد بين يدي النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله! أنا صاحبها، كانت تشتمك وتقع فيك فأنهاها فلا تنتهي، وأزجرها فلا تنزجر، ولي منها ابنان مثلُ اللؤلؤتين، وكانت بي رفيقة، فلما كان البارحة جعلت تشتمك وتقع فيك، فأخذت المِعْوَلَ فوضعته في بطنها، واتكأت عليها حتى قتلتها، فقال النبي - ﷺ -: ألا اشهدُوا أنّ دمها هدر\".\nومما ينبغي التنبيه عليه ما في \"الأرواح الثلاثة\" ما تعريبه ملخصًا\n_________\n(^١) \"سنن أبي داود\" (ح: ٤٣٦١)، و\"سنن النسائي\" (ح: ٤٠٧٠).","vol":"2","page":343},{"text":"من ذكر المفاضلة بين الحب العقلي والحب العشقي، ففضّل مولانا محمد إسماعيل الشهيد رحمه الله تعالى في كتابه \"الصراط المستقيم\" الحب العقلي على الحب العشقي؛ لأن الحب العشقي يضمحل بعد وصال المحبوب، بخلاف العقلي فإنه باقٍ لبقائه، وعكسه سيد هذه الطائفة مولانا الحاج إمداد الله المهاجر المكي نوَّر الله مرقده مستدلًا بأن الحب العقلي متناهٍ لتناهي العقل، ولذا قال علي - ﵁ -: لو كشف الغطاء ما ازددت يقينًا، وإنما قاله في الحب العقلي، بخلاف الحب العشقي فإنه لا يتناهى لعدم ذات المحبوب وصفاته.\nوقال العارف المحدث الكَنكَوهي: كلا الكلامين حسنان جيدان، إلا أن الحب العشقي مع كونه معمورًا بالفضائل لا ينتظم معه الأمر، ولذا لا تبقى رعاية الحدود الشرعية معه، ولذلك أختار الحب العقلي ما دام يحتاج إلى الأعمال، وأما في وقت الوفاة فاختاروا حب غلبة الحب العشقي، انتهى.\n(من والده. . .) إلخ، قَدّمه للأكثرية؛ لأن كل أحد له والد من غير عكس، أو نظرًا إلى جانب التعظيم، أو لسبقه في الزمان، وعند النسائي بتقديم الولد لمزيد الشفقة، كذا في \"القسطلاني\" و\"الفتح\" (^١)، وفي \"التراجم\" للشاه ولي الله المحدث الدهلوي: قَدَّم الوالد للأكثرية، أو لأنه - ﷺ - في حكم الوالد (^٢)، انتهى.\nقال النووي (^٣): ذكر ابن بطال وغيره أن المحبة ثلاثة أقسام: محبة إجلال وإعظام كمحبة الوالد، ومحبة شفقة ورحمة؛ كمحبة الولد، ومحبة استحسان واستلذاذ؛ كمحبة سائر الناس، فجمع النبي - ﷺ - في هذه الألفاظ أصناف المحبة، انتهى.\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (١/ ٥٨)، و\"إرشاد الساري\" (١/ ١٦٣).\n(^٢) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٢٨).\n(^٣) \"شرح صحيح مسلم\" (١/ ٢٩١).","vol":"2","page":344},{"text":"قال القسطلاني (^١): وهل تدخل النفس في عموم الناس؟ الظاهر: نعم، وقيل: إضافة المحبة إليه تقتضي خروجه منهم، فإنك إذا قلت: جميع الناس أحب إلى زيد من غلامه، يفهم منه خروج زيد منهم، وأجيب بأن اللفظ عام، وما ذكر ليس من المخصصات، وحينئذ فلا يخرج، وقد وقع التنصيص بذكر النفس في حديث عبد الله بن هشام الآتي إن شاء الله تعالى، انتهى.\nقال النووي (^٢): قال القاضي عياض: ومن محبته - ﷺ - نصرةُ سنَّته، والذبُّ عن شريعته، وتمني حضور حياته، فيبذل ماله ونفسه دونه، انتهى.\n\n(٩ -<span data-type='title' id=toc-192> باب حلاوة الإيمان)</span>\nقال القسطلاني في آخر الباب السابق (^٣): ولما ذكر المؤلف في هذا الباب أن حبَّه ﵊ من الإيمان، أردفه بما يوجد حلاوة ذلك فقال: \"باب حلاوة الإيمان\". وقال أيضًا: والمراد أن الحلاوة من ثمراته، فهي أصل زائد عليه، انتهى.\nوفي \"تراجم شيخ الهند قُدِّس سرُّه: أن المرجئة قالت: إن الإيمان لا يحتاج إلى طاعة، ولا تضره معصية، فعقد المصنف \"باب حلاوة الإيمان\" و\"باب علامة الإيمان حب الأنصار\"، وذكر في الأول حديث: \"ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان\"، وفي الثاني حديث: \"آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار\"، فاستبان بذلك احتياجُ الإيمان إلى الحسنات واستضرارُه بالسيئات، انتهى.\n(وجد حلاوة الإيمان) وهذا الوجدان حسِّي أو معنوي، وعلى الثاني فهو على سبيل المجاز، وفيه تلميح إلى قضية المريض والصحيح؛ لأن المريض الصفراوي يجد طعم العسل مُرًّا، والصحيح يذوق حلاوته على\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١/ ١٦٤).\n(^٢) \"شرح صحيح مسلم\" (١/ ٢٩١).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١/ ١٦٥).","vol":"2","page":345},{"text":"ما هي عليه، وكلما نقصت الصحة شيئًا مّا نَقَصَ ذوقُه بقدر ذلك، فكانت هذه الاستعارة من أوضح ما يُقَوِّي استدلال المصنف على الزيادة والنقصان، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوفي \"تراجم مسند الهند\" الشاه ولي الله الدهلوي: أن حلاوة الإيمان استلذاذ الطاعات، وتحمُّل المشاق في الدين (^٢).\nوقال السندي في حاشية النسائي (^٣): قوله: \"حلاوة الإيمان\"، أي: انشراح الصدر به، ولذة في القلب له تشبه لذة الشيء إلى حصول في الفم، وقيل: الحلاوة الحسن، وبالجملة فللإيمان لذة في القلب تشبه الحلاوة الحسية، بل ربما يغلب عليها حتى يدفع بها أشد المرارات، وهذا مما يعلم به من شَرَحَ الله صدره للإسلام، اللّهم ارزقناها مع الدوام عليها، انتهى.\nاللّهم ارزقناها مع الدوام عليها.\n\n(١٠ -<span data-type='title' id=toc-193> باب علامة الإيمان حب الأنصار)</span>\nوالحب كليٌّ مشكِّك يزيد وينقص، قال القسطلاني (^٤): قال ابن المنيِّر: علامة الشيء لا يخفى أنها غير داخلة في حقيقته، فكيف تفيد هذه الترجمة مقصوده من أن الأعمال داخلة في مسمَّى الإيمان؟ وجوابه: أن المستفاد منها كون مجرد التصديق بالقلب لا يكفي حتى تنصب عليه علامة من الأعمال الظاهرة التي هي مؤازرة الأنصار وموادّتهم، انتهى.\nقلت: ولا يخفى أن السؤال أقوى من الجواب، فإن الحديث لم يتعرض عن كون التصديق كافيًا أو غير كافٍ، قال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري في \"تحفة الباري\" (^٥): ولا يقتضي الحديث أن من لم يحبهم\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٦٠).\n(^٢) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٢٨).\n(^٣) \"سنن النسائي\" (٨/ ٩٤).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (١/ ١٦٧).\n(^٥) \"تحفة الباري\" (١/ ٣٩).","vol":"2","page":346},{"text":"لا يكون مؤمنًا؛ لأنه لا يلزم من عدم العلامة عدم ما هي له، نعم يقتضي أن من أبغضهم يكون منافقًا وإن صدَّق بقلبه؛ لأن من أبغضهم لكونهم أنصار رسول الله - ﷺ - يكون منافقًا، انتهى.\nوتعقب بأن علامة الشيء يكون خارجًا عن حقيقته.\nقال القسطلاني: وإنما خصُّوا بهذه المنقبة العظيمة لما فازوا به من نصره ﵊ والسعي في إظهاره وإيوائه وإصحابه، ومؤاساتهم بأنفسهم وأموالهم، وقيامهم بحقهم حق القيام مع معاداتهم جميع من وُجِدَ من قبائل العرب والعجم، فمن ثَمّ كان حبهم علامة الإيمان وبغضهم علامة النفاق مجازاةً لهم على عملهم، والجزاء من جنس العمل، انتهى.\n\n(١١ -<span data-type='title' id=toc-194> باب)</span>\nبلا ترجمة، وهذا أول باب وُجِد بغير ترجمة، وقد تقدم في الأصول أن مثل هذا الباب يكون لمعانٍ كثيرة، منها: ما تقدم في الأصل السابع بدل حاء التحويل، وهذا خاص بباب واحد كما تقدم في موضعه.\nوالثاني: وهو الأصل العشرون: كالفصل للباب السابق، وهذا أصل مطَّرد وشائع كثير الوقوع.\nوالثالث: [وهو] الأصل الخامس والعشرون: تشحيذًا للأذهان ليترجم عليه بترجمة نفيسة مناسبة لشأن البخاري.\nوالرابع: وهو الأصل السادس والعشرون: تعميمًا وتكثيرًا للتراجم، وهذان اخترعهما شيخ الهند.\nوالخامس: وهو الأصل السابع والثلاثون: تنبيهًا على تعدد طرق الحديث كما قاله الشرَّاح.\nوالسادس: وهو الأصل السابع والخمسون: رجوع إلى الأصل، والمعروف على الألسنة أن الأكثر في مثل هذا الباب يكون له تعلق بالباب","vol":"2","page":347},{"text":"السابق، وهو أصل مطرد كما تقدم قريبًا في الأصل العشرين.\nوأفاد شيخ الهند في الأصل الثامن من أصوله: أن المصنف لا يترك الترجمة سهوًا، ولا لإرادة أن يترجم بعد ذلك، بل الأوجه أن فيه وجهين:\nالأول: أن لها تعلقًا بالترجمة السابقة، مع أن مفهوم العلاقة أيضًا وسيع عند المصنف رحمه الله تعالى، والأوجه منه: أن المصنف يفعل ذلك تشحيذًا للأذهان وترغيبًا للطالبين أن يترجموا عليه ترجمةً تُنَاسِبُ الحديثَ والتراجم التي ذُكِرَتْ قبلُ مطابقةً لشأن المصنف، وبناءً على ذلك قال: هذه الترجمة أن لها مناسبة بالباب السابق بأن الاجتناب عن الكبائر أيضًا من علامات الإيمان، كما أن حبَّ الأنصار من الإيمان، أو يقال: إنه أراد التنبيه على ترجمة جديدة مناسبة لتراجمه، مثلًا الاجتناب من الكبائر من الإيمان، أو البيعة على ترك الكبائر من الإيمان.\nوالأولى ها هنا: أن المصنف قد أثبت في تراجم عديدة كون الأعمال من الإيمان ومن الإسلام، وهذا وإن باديه مذهب المرجئة، ولكن فيه مظنة لتقوية مذهب المعتزلة والخوارج، وهو مما يختلج في الصدر، فعقد هذا الباب بلا ترجمة، وأورد فيه حديثًا ظهر به بطلان مذهب المرجئة والخوارج والمعتزلة، فنظرًا إلى هذه الأمور يلصق بالقلب أن الباعث على ترك الترجمة هو تكثير الفوائد أيضًا، انتهى.\nقلت: والأوجه عند هذا العبد الضعيف أن الباب متعلق بما سبق خاصة، والمناسبة لبيان سبب كون حبهم من الإيمان هو بيعة العقبة؛ لأن هذه البيعة كانت أصلًا وأساسًا لنصرتهم النبيّ - ﷺ - والمهاجرين، أو أن هذا بيان لبدء تلقيبهم بالأنصار، فإنهم عاهدوا في هذه الليلة بالنصرة.\nولا يذهب عليك أن هذا الباب مذكور في الجدول الرابع من جداول شيخ الهند، ورَقَمَ عليه نقطة واحدة، وذكر هذا النوع في الأبواب التي حذف المصنف ترجمتها تشحيذًا للأذهان، فينبغي أن يترجم له على أصول شيخ الهند قُدِّس سرُّه ترجمة تناسب الحديث، وقد أشرت إليه فيما سبق،","vol":"2","page":348},{"text":"مثلًا: يمكن أن تكون الترجمة ها هنا باب سبب كون حب الأنصار من الإيمان، ونحو ذلك، فلكلِّ أحد أن يترجم بما شاء، وللناس فيما يعشقون مذاهب.\n(وكان شهد بدرًا) بسط القسطلاني في إعراب هذه الجملة وما بعدها أشد البسط، وقال (^١): أشار الراوي بذلك إلى المبالغة في ضبط الحديث وأنه عن تحقيق وإتقان، ولذا ذكر أن الراوي شهد بدرًا وأنه أحد النقباء، والمراد به التقوية، فإن الرواية تترجَّح عند المعارضة بفضل الراوي وشرفه.\n(أحد النقباء) جمع نقيب وهو الناظر، وكانوا اثني عشر، كذا في \"القسطلاني\"، وذكر صاحب \"مجمع البحار\" (^٢) في الحادية العشرة النبوية أنه - ﷺ - على دأبه كان يعرض نفسه على القبائل موسم الحج ويقول: \"من ينصرني ويأخذني معه حتى أؤدي كلام ربي\"، فلقي رهطًا من الخزرج ودعاهم فآمنوا وكانوا ستة، منهم أسعد بن زرارة، وفي الثانية كانت بيعة العقبة الأولى حيث قدم من الأنصار اثنا عشر أحدهم عبادة بن الصامت، وفي الثالثة كانت بيعة العقبة الثانية وكانوا سبعين رجلًا وامرأتين، انتهى.\nوهل كانت هذه البيعة الأولى أو الثانية؟ ذكرهما في بين سطور النسخة الهندية، انتهى.\nوما يظهر من \"العيني\" (^٣) أن عُبادة كان فيهما، إذ ذكر له بيعة الثالثة بيعة الرضوان.\nوقال مسند الهند الشاه ولي الله الدهلوي في \"تراجمه\" (^٤): النقباء جمع نقيب، وهو الناظر على القوم وضمينهم.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١/ ١٧٠).\n(^٢) انظر: \"مجمع بحار الأنوار\" (٥/ ٢٧٢، ٢٧٣).\n(^٣) انظر: \"عمدة القاري\" (١/ ٢٣٤).\n(^٤) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٢٩).","vol":"2","page":349},{"text":"اعلم أن رسول الله - ﷺ - كان يعرض نفسه على القبائل في كل موسم، فبينا هو عند العقبة إذ لقي رهطًا من الخزرج فقال: \"ألا تجلسون أكلِّمكم؟ \" قالوا: بلى، فجلسوا فدعاهم إلى الله - ﷿ -، وعرض عليهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن فأجابوا، فلما انصرفوا إلى بلادهم وذكروه لقومهم فشا أمر رسول الله - ﷺ -، فأتى في العام القابل اثنا عشر رجلًا إلى الموسم من الأنصار أحدهم عبادة بن الصامت، فلقوا رسول الله - ﷺ - بالعقبة وهي بيعة العقبة الأولى فبايعوا ثم انصرفوا، وخرج في العام القابل الآخر سبعون رجلًا منهم إلى الحج، فواعدهم رسول الله - ﷺ - بالعقبة أوسط أيام التشريق، فأتى رسول الله - ﷺ - مع عمه العباس لا غير، فتكلم رسول الله - ﷺ - داعيًا إلى أمر الله مرغِّبًا إلى الإسلام تاليًا للقرآن فأجبناه للإيمان، فقلنا: ابسط يدك نبايعك عليه، فقال رسول الله - ﷺ -: \"أخرجوا إليّ منكم اثني عشر نقيبًا\"، فأخرجنا من كل فرقة نقيبًا، وكان عبادة نقيب بني عوف فبايعوه، هذه هي بيعة العقبة الثانية، انتهى.\nقوله: (وحوله عصابة من أصحابه فقال: بايعوني)، قال النووي (^١): كان ذلك في أول الأمر في ليلة العقبة قبل الهجرة من مكة، وقبل فرض الجهاد، انتهى.\nوهذا الذي جزم به النووي أن هذه البيعة بيعة العقبة قد جزم به القاضي عياض والقرطبي.\nوقال العيني (^٢): إن القاضي عياض وجماعة من الأئمة الأجلَّاء قد جزم بأن حديث عبادة هذا كان بمكة ليلة العقبة لما بايع الأنصار رسول الله - ﷺ - البيعة الأولى بمنى، ثم استدل على ذلك بأمور ذكرها.\nوأما الحافظ ابن حجر فمال إلى أنها بيعة أخرى بعد الفتح، وقال (^٣):\n_________\n(^١) \"شرح صحيح مسلم\" (٧/ ٩).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١/ ٢٤٠).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١/ ٦٦).","vol":"2","page":350},{"text":"والحق عندي أن المبايعة المذكورة في حديث عبادة على الصفة المذكورة لم تقع ليلة العقبة، وإنما نصُّ (^١) ليلة العقبة ما ذكر ابن إسحاق وغيره من أهل المغازي أن النبي - ﷺ - قال لمن حضر من الأنصار: \"أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم\" فبايعوه على ذلك، وعلى أن يرحل إليهم هو وأصحابه، وسيأتي في هذا الكتاب في كتاب الفتن، وغيره من حديث عبادة أيضًا، ثم أطال في إثبات ذلك، ولخَّص القسطلاني (^٢) تعقبَ العيني على الحافظ، ولخَّص في \"فيض الباري\" (^٣) كلام الحافظين فأجاد، فإن كانت هذه البيعة بيعة بعد فتح مكة فالحديث نصٌّ في بيعة السلوك، كما يدل عليه قول الراوي: \"وحوله عصابة من أصحابه\"؛ لأن المخاطبين حينئذ الصحابة الكرام ﵃ أجمعين، وهذه الألفاظ التي وردت في الحديث هي ألفاظ البيعة عن مشايخ السلوك، وما زاد بعضهم من بعض الألفاظ فهو لمصلحة وقتية، كما زاده النبي - ﷺ - أيضًا في بعض المواقع من عدم السؤال وعدم النياحة.\nنعم لو كانت هذه البيعة بيعة العقبة فلا حجة فيه على بيعة السلوك؛ لأنها كانت بيعة الإسلام، والأوجه عند هذا العبد الضعيف أنهما بيعتان، إحداهما: بيعة العقبة، والثانية: بيعة السلوك التي يأتي ذكرها في تفسير سورة الممتحنة، واشتركت ألفاظ البيعة في كلتيهما.\nوبسط الكلام مولانا النواب صدِّيق حسن خان القنوجي البهوفالي من علماء منكري التقليد، البحثَ في المبايعة في \"عون الباري\" (^٤) فقال: قوله: \"فبايعناه على ذلك\"، وقد صدرت مبايعات أخرى منها هذه البيعة التي في حديث الباب في الزجر عن الفواحش المذكورة، وأنها وقعت بعد فتح\n_________\n(^١) كذا في الأصل، وفي \"الفتح\": \"كان\".\n(^٢) انظر: \"إرشاد الساري\" (١/ ١٧١، ١٧٢).\n(^٣) انظر: \"فيض الباري\" (١/ ٨٧).\n(^٤) \"عون الباري\" (١/ ١٤٢، ١٤٣، ١٤٤).","vol":"2","page":351},{"text":"مكة، وفي هذا الحديث دلالة على أن البيعة سُنَّة في الدين، واستفاض عن رسول الله - ﷺ - أن الناس كانوا يبايعونه: تارةً على الهجرة والجهاد، وتارةً على إقامة أركان الإسلام، وتارةً على الثبات والقرار في معارك الكفار، وتارةً على هجر الفواحش والمنكرات كما في حديث الباب، وتارةً على التمسُّك بالسنَّة والاجتناب عن البدعة والحرص على الطاعات، كما بايع نسوة من الأنصار على أن لا يخنّ، وبايع ناسًا من فقراء المهاجرين على أن لا يسألوا الناس شيئًا، فكان أحدهم يسقط سوطه فينزل عن فرسه فيأخذه ولا يسأل أحدًا، رواه ابن ماجه (^١)، وقد نطق به الكتاب العزيز كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ١٠]، وقوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ الآية [الممتحنة: ١٢].\nومما لا شك فيه ولا شبهة أنه إذا ثبت عن رسول الله - ﷺ - فِعلٌ على سبيل العبادة والاهتمام بشأنه، فإنه لا ينزل عن كونه سُنَّةً في الدين، بقي أنه - ﷺ - كان خليفة الله في أرضه، عالمًا بما أنزله الله تعالى من القرآن والحكمة، معلّمًا للكتاب والسُّنَّة، مزكِّيًا للأمة، فما فَعَلَه على جهة الخلافة كان سُنَّةً للخلفاء، وما فعله على جهة كونه معلّمًا للكتاب والحكمة ومزكِّيًا للأمة كان سُنَّةً للعلماء الراسخين.\nوهذا \"صحيح البخاري\" شاهد على أنه - ﷺ - اشترط على جرير عند مبايعته \"والنصح لكل مسلم\" (^٢)، وأنه بايع قومًا من الأنصار فاشترط أن لا يخافوا في الله لومة لائم ويقولوا بالحق حيث كانوا، فكان أحدهم يجاهر الأمراء والملوك بالرد والإنكار إلى غير ذلك، وكل ذلك من باب التزكية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.\n_________\n(^١) \"سنن ابن ماجه\" (ح: ١٨٣٧، ٢٨٦٧)، وأخرجه أيضًا: مسلم (ح: ١٠٤٣).\n(^٢) أخرجه البخاري (ح: ٥٢٤).","vol":"2","page":352},{"text":"فالبيعة على أقسام: منها بيعة الخلافة، ومنها بيعة الإسلام، ومنها بيعة التمسك بحبل التقوى، ومنها بيعة الهجرة والجهاد، ومنها بيعة التوثق في الجهاد، وكانت بيعة الإسلام متروكة في زمن الخلفاء، أما في زمن الراشدين منهم فلأن دخول الناس في الإسلام في أيامهم كان غالبًا بالقهر والسيف، لا بالتأليف وإظهار البرهان، ولا طوعًا ولا رغبة، وأما في زمن غيرهم فلأنهم كانوا في الأكثر ظَلَمَةَ فَسَقَة لا يهتمون، وكذلك بيعة التمسك بحبل التقوى كانت متروكة، أما في زمان الخلفاء الراشدين فلكثرة الصحابة الذين استناروا بصحبة النبي - ﷺ - فتأدبوا في حضرته فكانوا لا يحتاجون إلى بيعة الخلفاء، وأما في زمن غيرهم فخوفًا من افتراق الكلمة وأن يظن بهم مبايعة الخلافة فتهيج الفتن، ثم لما اندرس هذا في الخلفاء انتهز أكابر العلماء والمشايخ الفرصةَ، وتمسَّكوا بسُنَّة البيعة، إلى آخر ما بسطه.\n(تفترونه بين أيديكم وأرجلكم) خصَّ الأيدي والأرجل بالافتراء؛ لأن معظم الأفعال تقع بهما، ويحتمل أن يكون المراد لا تبهتوا الناس كفاحًا وبعضكم يشاهد بعضًا، ويحتمل أن يكون المراد بالأيدي والأرجل القلب؛ لأنه هو الذي يترجم عنه اللسان، ويحتمل أن يكون قوله: \"بين أيديكم\" أي: في الحال، وقوله: \"وأرجلكم\" أي: في المستقبل؛ لأن السعي من أفعال الأرجل.\nوقيل: أصل هذا كان في بيعة النساء، وكنَّى بذلك - كما قال الهروي في \"الغريبين\" - عن نسبة المرأة الولد الذي تزني به أو تلتقطه إلى زوجها، ثم لما استعمل في بيعة الرجال احتيج إلى حمله على غير ما ورد فيه أولًا، انتهى من \"الفتح\" (^١) ملخصًا، وذكر شيء من الكلام عليه في \"الأوجز\" (^٢).\n(ولا تعصوني في معروف) هو ما يحسن، وهو ما لم ينه الشارع عنه، ويقال: هو ما عُرف من الشارع حسنه نهيًا وأمرًا، قاله شيخ الإسلام زكريا\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٦٥).\n(^٢) \"أوجز المسالك\" (١٧/ ٤٣٦).","vol":"2","page":353},{"text":"الأنصاري (^١)، وفي \"القسطلاني\" (^٢): وقيد به مع أن رسول الله - ﷺ - لا يأمر بغير المعروف، للتنبيه على أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وخص ما ذكر من المناهي بالذكر دون غيره للاهتمام به.\n(فهو كفارة له) بسط الكلام عليه القسطلاني، وقال: قال الجمهور: هي كفارة، وتوقف بعضهم لحديث أبي هريرة عند الحاكم وصحَّحه أنه - ﷺ - قال: \"لا أدري الحدود كفارة أم لا\"، وأَوَّلَه بأنه قبل العلم، وأشكل بقتل المرتد، فإن عقوبة المرتد القتل بلا خلاف، وقتله هذا لا يكون كفارة إجماعًا.\nقلت: يمكن التفصِّي عنه بأن المرتد ليس بأهل للكفارة لكونه خارجًا عن الإسلام، والكفارة إنما تكون على المعاصي غير الكفر، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨].\nومستدَلَّات الحنفية من النصوص الآيات والأحاديث ستأتي في كتاب الشهادات والحدود، منها قوله عزَّ اسمه: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ الآية [المائدة: ٣٨]، وفيها الحجة بوجهين: الأول: أنه جعل في الآية القطع نكالًا، وهو يكون زاجرًا، والثاني: أنه عَزَّ اسمه ذكر بعد ذلك: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ﴾ الآية [المائدة: ٣٩]، ذكر التوبة بفاء التعقيب بعد القطع، وكذا في حد القذف ذكر: ﴿إلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [آل عمران: ٨٩] أي: بعد استيفاء الحد.\nومنها آية المحاربة، وفيها: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣]، فقد جمع الله بين عذاب الدنيا والآخرة، وأسقط عذاب الآخرة بالتوبة في قوله: ﴿إلا الَّذِينَ تَابُوا﴾ الآية كما بسط في هامش \"اللامع\" (^٣) في كتاب الشهادات، وفيها بسط في الأحاديث\n_________\n(^١) انظر: \"تحفة الباري\" (١/ ٤١).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١/ ١٧١).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٧/ ٦٥).","vol":"2","page":354},{"text":"الدالة، منها حديث أبي داود (^١) في قصة لصٍّ أُتي به قد اعترف، فأمر به فقطع، وجيء به فقال: \"استغفر الله وتُبْ عليه\" [فقال: أستغفر الله وأتوب إليه]، فلم أمره - ﷺ - بالتوبة بعد القطع؟ وقد أخرج أيضًا في قصة ماعزٍ وقد رجم قال: ذهبوا يسبّونه، فنهاهم، وذهبوا يستغفرون له فنهاهم، قال: \"هو رجل أصاب ذنبًا حسيبه الله\" (^٢)، وغير ذلك من الروايات المذكورة هناك.\nوالجواب عن حديث الباب بأنها من عموم الكفارات، فإن كل أذى للمؤمن حتى الشوكة يشاكها كفارة للمؤمن، كما وردت في الروايات الكثيرة من باب ثواب المرض (^٣).\n(ثم ستره الله) يعم من تاب ومن لم يتب، وقال الجمهور: إن التوبة ترفع المؤاخذة، لكن لا اطلاع على قَبول التوبة، كذا في \"القسطلاني\" (^٤).\n\n(١٢ -<span data-type='title' id=toc-195> باب من الدين الفرار من الفتن)</span>\nوقد تقدم أن الإمام ذكر في كتاب الإيمان الإسلام والدين لاتحادهما مصداقًا، قال تعالى ذكره: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ الآية [آل عمران: ١٩]، ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا﴾ الآية [آل عمران: ٨٥]، وترجم هنا بالدين، ولم يقل \"من الإيمان\" كما قال فيما سبق رعايةً للفظ الحديث.\nوقال الطيبي: اصطلحوا على ترادف الإيمان والدين والإسلام، ولا مشاحة فيه، كذا في \"تراجم مسند الهند\" (^٥)، وأشكل في \"اللامع\" (^٦): أن الترجمة لا تطابق الحديثَ حيث دلت الترجمة على كون الفرار من الفتن\n_________\n(^١) \"سنن أبي داود\" (ح: ٤٣٨٠).\n(^٢) \"سنن أبي داود\" (ح: ٤٤٣٢).\n(^٣) انظر: \"صحيح البخاري\" (ح: ٥٦٤٠)، و\"صحيح مسلم\" (ح: ٢٥٧٢)، و\"سنن الترمذي\" (ح: ٣٠٣٨).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (١/ ١٧٢).\n(^٥) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٣٠).\n(^٦) \"لامع الدراري\" (١/ ٥٥٤).","vol":"2","page":355},{"text":"بعض أجزاء الدين وأبعاضه على ما هو مدلول من التبعيضية، وهو الذي كان المؤلف متصدِّيًا لإثباته، وسكت في \"اللامع\" عن الجواب، بل وقع البياض بعد قوله: والجواب، وذكر في هامشه كلامًا طويلًا، فارجع إليه لو شئت التفصيل.\nثم قال العيني (^١): وجه المناسبة بينه وبين الباب السابق أن البيعة من الأنصار في السابق كانت فرارًا بدينهم من الفتن.\n(شَعَف) بمعجمة ومهملة مفتوحتين جمع شعفة بالتحريك، أي: رؤوس الجبال.\n(ومواقع القطر) عطف على \"شعف\"، أي: بطون الأودية، كذا في \"القسطلاني\" (^٢).\n(يفر بدينه) فالعزلة ممدوحة إلا لقادر على إزالتها، فتجب الخلطة عينًا أو كفاية، واختلف فيها عند عدمها، فمذهب الشافعي تفضيل الصحبة، وقال آخرون بتفضيل العزلة كما بسطه القسطلاني.\nقلت: محل هذا البحث ما سيأتي من باب التعرب في الفتنة.\n\n(١٣ -<span data-type='title' id=toc-196> باب قول النبي - ﷺ -: أنا أعلمكم بالله)</span>\nأشكل إدخاله في كتاب الإيمان، والمسألة من كتاب العلم على الظاهر، وفي \"تراجم شيخ الهند\": أن الشرَّاح اختلفوا في توجيه ذلك، والمرجَّح عندي أن المصنف أراد بذلك التنبيه على الزيادة والنقصان في التصديق القلبي الذي هو فعل القلب بإثبات التفاوت في العلم الذي هو فعل القلب، وإليه أشار بقوله: \"المعرفة فعل القلب\".\nوفي تقرير مولانا محمد حسن المكي - ﵀ - أنه لما كان ورد في بعض الروايات بدله: \"أنا أعرفكم بالله\"، فسَّر المعرفة، وأشار إلى ترادف العلم\n_________\n(^١) انظر: \"عمدة القاري\" (١/ ٢٤٤).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١/ ١٧٣).","vol":"2","page":356},{"text":"والمعرفة، وتمامه في هامش \"اللامع\" (^١).\nوقال القسطلاني (^٢) في آخر الباب السابق: لما كان الفرار من الفتن لا يكون إلا على قدر قوة دين الرجل وهي تدل على قوة المعرفة شرع بذكر ذلك فقال: باب قول النبي - ﷺ -. . . إلخ.\nوظاهر كلام الكرماني أن الغرض رد على الكرَّامية القائلة بأن الإيمان هو النطق فقط.\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\": اعلم أن العلم نوعان: كسبي: وهو حاصل بالاختيار وغيره، وهو الواقع في القلب بالاضطرار، والمعتبر في الإيمان من التصديق ما كان اختيارًا منه، لا ما وقع في القلب ضرورةً وليس كسبًا له، وهو المعبَّر عنه في قوله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦].\nوالكسبي هو الممدوح عليه، فهو المراد في قوله: \"أنا أعلمكم بالله\"، ولا ريب في أنه فعل القلب لثبوت المؤاخذة عليه بالآية، فكان حاصل الترجمة أن النبي - ﷺ - لما أثبت لنفسه الأعلمية، والعلم هو الإيمان، ثبت التفاوت بين أفراد الإيمان والمؤمنين، ولما كان الإيمان هو الكسبي من العلم لا مطلقه احتج عليه بالآية، فإن المؤاخذة لما لم تكن إلا على الأفعال الاختيارية كان المأمور به هو العلم الكسبي لا العلم الضروري، وهو المراد في الرواية؛ لأنه مذكور في معرض المدح، ولا مدح إلا على الاختياري.\nوأيضًا ففي قوله: \"أتقاكم\" حجة أخرى على قَبول الإيمان الزيادة والنقصان؛ لأن التقوى هو الإيمان، أو لأن التقوى اجتناب السيئات، وهو داخل في الإيمان، فكان التفاوت فيه بالزيادة والنقصان تفاوتًا بهما في الإيمان لما أن الكل يتصف بالتغير إذا تغيرت أجزاؤه، وبسط في هامش \"اللامع\" في شرح ما ذكر الشيخ، وفيه: يشكل على المصنف إيراد هذا الباب في كتاب الإيمان، وكان حقه كتاب العلم.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (١/ ٥٥٦).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١/ ١٧٤).","vol":"2","page":357},{"text":"قال الكرماني (^١) وتبعه شيخ مشايخنا مسند الهند الدهلوي في \"التراجم\" إذ قالا: فإن قلت: ما وجه تعلق هذه الترجمة بالإيمان؟ قلت: العلم بالله، وكذا المعرفة به هو التصديق به فهو من الإيمان؛ لأن الإيمان إما التصديق أو التصديق مع العمل، فالمقصود بيان أن رسول الله - ﷺ - أشد إيمانًا منهم، وبيان أن الإيمان هو بعضه فعل القلب ردًّا على الكرَّامية، انتهى.\n\n(١٤ -<span data-type='title' id=toc-197> باب من كره أن يعود في الكفر. . .) إلخ</span>\nمن عادة المصنف ذكر الأضداد في الكتب؛ لأن بضدِّها تتبين الأشياء، ولذا ذكر الكفر في الإيمان، وذكر فيه: \"باب كفران العشير وكفر دون كفر\"، و\"باب المعاصي من أمر الجاهلية\"، و\"باب ظلم دون ظلم\"، و\"باب علامة المنافق\"، وذكر في كتاب العلم \"باب رفع العلم وظهور الجهل\"، وذكر في الاستسقاء \"باب دعاء القحط وقول النبي - ﷺ -: اجعلها سنين كسني يوسف\"، ونظائرها كثيرة.\nوفي \"تراجم شيخ الهند\": إشارة إلى أن المصنف - ﵀ - أشار بذلك إلى أن الفرار من الفتن وغيره كما هو داخل في الإيمان كذلك كراهة الكفر أيضًا من الإيمان، انتهى.\nقلت: أو هو إشارة إلى أن مجرد الكراهة للكفر لا تكفي، بل ينبغي الكراهة مثل كراهته من الإلقاء في النار، والأوجه: أنه أشار بذلك إلى أن الكراهة من القلب أيضًا داخل في الفرار من الفتن، فيكون مشعرًا إلى ما في أبي داود (^٢) مرفوعًا: \"إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فكرهها كان كمن غاب عنها\"، كذا في \"المشكاة\".\n_________\n(^١) \"شرح الكرماني\" (١/ ١١١)، \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٣١).\n(^٢) \"سنن أبي داود\" (ح: ٤٣٤٥).","vol":"2","page":358},{"text":"(١٥ -<span data-type='title' id=toc-198> باب تفاضل أهل الإيمان)</span>\nقال القسطلاني (^١): لما ذكر في الحديث السابق ثلاث خصال، والناس مختلفون فيها شرع في ذكر تفاضل الأعمال، انتهى.\nقال الحافظ (^٢): قوله: \"في الأعمال\" في ظرفية، ويحتمل أن تكون سببية، أي: التفاضل الحاصل بسبب الأعمال، انتهى.\nواختاره شيخنا الدهلوي في \"التراجم\" (^٣) إذ قال: وفي للتعليل، انتهى.\nوذكر الشيخ الكَنكَوهي قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٤): أن المصنف - ﵀ - أشار بذلك إلى إثبات ما ذهب إليه الفقهاء والمتكلمون من أن الزيادة والنقصان إنما هما باعتبار الكيفيات الزائدة والثمرات المترتبة، فأما نفس التصديق المنجي من الخلود فأمر بسيط لا يقبل الزيادة والنقصان، فزاد لفظ الأعمال في الترجمة إشارةً إلى ما ورد في الروايات مثل ذلك، كما في رواية أبي سعيد الخدري المسوقة قريبًا، فإنما هو التفاوت بحسب الأعمال، ثم إن صنيعه [هذا] وكذلك ما سلكه في أكثر الأبواب ردٌّ على المرجئة، انتهى.\nوالظاهر عند هذا العبد الضعيف أن المصنف مال إلى النقص والزيادة في التصديق القلبي أيضًا، كما هو ظاهر من عامة تراجمه، فإنه تقدم قريبًا \"المعرفة فعل القلب\"، وقرنه بقوله: \"أعلمكم\"، لكن قوله في الترجمة هذه لفظ: \"الأعمال\" يؤيد كلام الشيخ قُدِّس سرُّه، وبسط في هامش \"اللامع\" الكلام على شرح كلام الشيخ.\nوفيه: وحكى مولانا محمد حسن المكي في تقريره: قوله: \"باب\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١/ ١٧٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٧٢).\n(^٣) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٣٣).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (١/ ٥٥٧ - ٥٥٩).","vol":"2","page":359},{"text":"تفاضل أهل الإيمان\" المقصود من مثل هذا الباب كما سيجيء من قوله: \"باب المعاصي من أمر الجاهلية ولا يكفر صاحبها\"، وكذا ما مر من قوله: \"يزيد وينقص\"، أن الأعمال ليست بداخلة في أصل الإيمان وهو التصديق، وليست بأركان له، بل هي مكملة له، فهي أجزاء للإيمان الكامل، وهذا بعينه مذهب المتكلمين، فلا نزاع هنا أصلًا.\nوقوله: \"من خردل من إيمان\" وصِغَرُ إيمانه هذا باعتبار الكيفية فقط، وذلك لعدم الأعمال له أصلًا، فالحاصل: أن الإيمان يزيد كيفًا بكثرة الأعمال وينقص كيفًا بقلَّتها، حتى إن من لم يكن له أعمال أصلًا يكون إيمانه في غاية الصغر كيفًا، فثبت تفاضل أهل الإيمان في الأعمال.\nويمكن أن يقال: إن قوله في الترجمة \"في الأعمال\"، شارحة لما في الحديث \"من خردل من إيمان\"، وغرضه بيان أن المراد بالإيمان في الحديث هو الأعمال بدليل ما ورد في رواية أخرى بدله لفظ: \"من خير\"، فيكون حاصل الترجمة أن المؤمنين متفاوتون في الأعمال، فبعضهم عمله أزيد من البعض الآخر، ولكن مع ذلك مقصود البخاري واضح، فإنه بصدد إثبات الزيادة والنقصان في الإيمان، وقد أثبت فيما قبلُ كون الأعمال من الإيمان، فثبت بهذا الباب التفاضل في الإيمان، والله أعلم.\n(قال وهيب) أي: لم يشك وهيب كما شك مالك، بل ذكر لفظ الحياة بدون الشك، وروى لفظ \"خير\" بدل الإيمان، كذا في \"تراجم مسند الهند\" (^١).\n(قال: الدين) كتب الشيخ في \"اللامع\": قوله: \"الدين\"، ومقتضى زيادته لفظ \"الأعمال\" في الترجمة أن يحمل الزيادة في دين عمر، وكذلك زيادة من تضمنه الحديث الأول على أن كمالهم في الدين هذا ناشٍ من كثرة القربات، ففيه فضل تنبيه على نفي الجزئية، انتهى.\n_________\n(^١) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٣٣).","vol":"2","page":360},{"text":"وفي هامشه: وهذا ظاهر من صنيع المصنف، إذ ذكر الحديث في التفاضل بالأعمال، انتهى.\nقال الحافظ (^١): ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرة من جهة تأويل القمص بالدين، وقد ذكر أنهم متفاضلون في لبسها، فدل على أنهم متفاضلون في الإيمان، انتهى.\n\n(١٦ -<span data-type='title' id=toc-199> باب الحياء من الإيمان)</span>\nأي: يمنع صاحبه عن ارتكاب المعاصي كما يمنعه الإيمان، فسُمي إيمانًا مجازًا من باب تسمية الشيء باسم ما يقوم مقامه، كذا في \"تراجم مسند الهند\" (^٢)، وقال القسطلاني (^٣): كما ذكر في السابق تفاضل أهل الإيمان في الأعمال ذكر ههنا ما ينقص به الإيمان، انتهى.\nقلت: أو مراتب الحياء متفاوتة جدًا، فلا بد من تفاوت درجات الإيمان.\nقال النووي (^٤) في الحديث المتقدم من قوله - ﷺ -: \"الحياء شعبة من الإيمان\": قال القاضي وغيره من الشرَّاح: إنما جعل الحياء من الإيمان وإن كان غريزة؛ لأنه يكون تخلُّقًا واكتسابًا كسائر أعمال البر، وقد يكون غريزة ولكن استعماله على قانون الشرع يحتاج إلى اكتساب ونية وعلم فهو من الإيمان بهذا، ولكونه باعثًا على أفعال الخير ومانعًا من المعاصي.\nوأما كونه خيرًا كله ولا يأتي إلا بخير، فقد يستشكل من حيث إن صاحب الحياء قد يستحيي أن يواجه بالحق رجلًا يجلّه فيترك أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، وقد يحمله الحياء على الإخلال ببعض الحقوق وغير ذلك مما هو معروف في العادة.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٧٤).\n(^٢) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٣٣).\n(^٣) انظر: \"إرشاد الساري\" (١/ ١٨٤).\n(^٤) \"شرح صحيح مسلم\" (١/ ٢٨١).","vol":"2","page":361},{"text":"والجواب عن هذا الإشكال: أن هذا المانع المذكور ليس بحياء حقيقة، بل هو عجز ومهانة وضعف، وإنما تسميته حياءً من إطلاق بعض أهل العرف أطلقوه مجازًا لمشابهته الحياء الحقيقي، وإنما حقيقة الحياء خُلُق يبعث على اجتناب القبيح، ويمنع عن التقصير في حق ذي الحق، ويدل عليه ما ذكرناه عن الجنيد، انتهى.\nفقد حكى عنه قبل ذلك فقال: روينا في رسالة الإمام القشيري عن السيد الجليل أبي القاسم الجنيد رحمه الله تعالى قال: الحياء رؤية الآلاء، أي: النعم، ورؤية التقصير، فيتولد بينهما حالة تسمَّى الحياء، انتهى.\n\n(١٧ -<span data-type='title' id=toc-200> باب ﴿فَإِنْ تَابُوا﴾ الآية)</span>\nأي: عن الشرك، ليوافق الحديث الوارد فيه، وهو قوله: \"حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله\"، كذا في \"تراجم مسند الهند\" (^١).\nوفي \"اللامع\" (^٢): علق التخلية على التوبة وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، فعلم أن الإيمان لا معتبر به بحسب الكمال بدونهما، فكانتا من الأجزاء للإيمان، أي: الكامل، انتهى.\nثم حديث الباب قد اعترض عليه بوجهين:\nالأول: أنه قد استبعد قوم صحته من جهة أن هذا الحديث لو كان عند ابن عمر لما ترك أباه ينازع أبا بكر - ﵄ - في قتال مانعي الزكاة، كما ذكر الحافظ (^٣)، وذكر الجواب عنه وبسط في هامش \"اللامع\" (^٤) فيما يتعلق بمانعي الزكاة في أوائل كتاب الزكاة، وذكر هناك ما يكفي عما يتعلق بهذا الإشكال، وجواب الحافظ: أن ابن عمر لعله لم يحضر المناظرة، أو حضر ولكنه لم يستحضر الحديث، وجوابه عندي: أن الحديث وارد في\n_________\n(^١) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٣٤).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (١/ ٥٦٠).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١/ ٧٦).\n(^٤) انظر: \"لامع الدراري\" (٥/ ٧ - ١٩).","vol":"2","page":362},{"text":"الجاحدين، والمناظرة كانت في المتأولين المقرِّين بالفرضية، المنكرين لوجوب الأداء إلى الإمام.\nوالإشكال الثاني: أن مقتضى حديث الباب قتال كل من امتنع عن التوحيد، فكيف ترك قتال مؤدي الجزية والمعاهد؟\nوأجاب الحافظ عن ذلك بستة أجوبة، منها: أن يقال: إن الغرض من ضرب الجزية اضطرارهم إلى الإسلام، وسبب السبب سبب، فكأنه قال: حتى يسلموا أو يلتزموا ما يؤديهم إلى الإسلام.\n\n(١٨ -<span data-type='title' id=toc-201> باب من قال: إن الإيمان هو العمل)</span>\nيعني بذلك: أن العمل وإن كان المتبادر منه عند الإطلاق أعمال الجوارح إلا أنه كثيرًا ما يطلق على العمل القلبي أيضًا، كما استشهد عليه بالآية والرواية، فمن قال منهم في تفسير الإيمان: إنه العمل، لم يعن به عمل الجوارح حتى يرد عليه أنه كيف خالف البداهة، بل غرضه هو الإيمان والعمل القلبي، والله أعلم، كذا في \"اللامع\".\nوقال مسند الهند في \"تراجمه\" (^١): المراد بالعمل ههنا مجموع عمل اللسان والقلب والجوارح، والاستدلال عليه بمجموع الآيات والأحاديث، إذ يدل كل من القرآن والسُّنَّة على بعض الدعوى بحيث يدل الكل [على الكل]، انتهى.\nثم رأيت أن العلامة الكرماني (^٢) سبق إلى ذلك، ولا يذهب عليك أن الإمام البخاري ترجم ههنا \"باب من قال: إن الإيمان هو العمل\"، وتقدم في أول كتاب الإيمان هو قول وفعل، وظاهر ما قال شيخ الهند: أن الغرض من الأول كان إثبات أن الأعمال هي أجزاء، والمقصود ههنا أن\n_________\n(^١) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٣٤، ٣٥).\n(^٢) \"شرح الكرماني\" (١/ ١٢٤).","vol":"2","page":363},{"text":"الإيمان هو العمل، فغرض الترجمتين إثبات التلازم والعلاقة من الطرفين، أو دفع ما يتوهم من العطف في نحو قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [التين: ٦].\nوقال القسطلاني (^١) تحت قوله تعالى: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات: ٦١] أي: فليؤمن المؤمنون لا للحظوظ الدنيوية المشوبة بالآلام السريعة الانصرام، وهذا يدل على أن الإيمان هو العمل كما ذهب إليه المصنف، لكن اللفظ عام ودعوى التخصيص بلا برهان لا تقبل، نعم إطلاق العمل على الإيمان صحيح من حيث إن الإيمان هو عمل القلب، لكن لا يلزم من هذا أن يكون العمل من نفس الإيمان، وغرض البخاري من هذا الباب وغيره إثبات أن العمل من أجزاء الإيمان ردًّا على من يقول: إن العمل لا دخل له في ماهية الإيمان، فحينئذ لا يتم مقصوده على ما لا يخفى، وإن كان مراده جواز إطلاق العمل على الإيمان فلا نزاع فيه؛ لأن الإيمان عمل القلب وهو التصديق، انتهى.\nوقال السندهي (^٢): لما ورد في مواضع من كتاب الله تعالى عطف العمل على الإيمان، والعطف للمغايرة، توهم أن الإيمان لا يطلق عليه اسم العمل شرعًا، فوضع هذا الباب لإثبات أن اسم العمل شرعًا يشمل الإيمان، واستدل عليه بقوله تعالى: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ﴾ الآية [مريم: ٦٣]، لا بناءً على أن معنى ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: تؤمنون، فإنه بعيد، بل بناءً على أن الإيمان هو السبب الأعظم في دخول الجنة، فلا بد من شمول ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ له، وكذا قول عدة أهل العلم لبيان شمول العمل لقول: لا إله إلا الله، على معنى: أي حتى عن قول لا إله إلا الله، لا لبيان اقتصار العمل، والمراد - والله تعالى أعلم - عما كانوا يعملون فعلًا وتركًا، فيشمل السؤال من قال ومن ترك، وكذا قوله: ﴿لِمِثْلِ هَذَا﴾. . . إلخ، العمل فيه يشمل الإيمان، لا أن المراد به الإيمان فقط.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١/ ١٨٦).\n(^٢) \"حاشية السندي\" (١/ ١٣).","vol":"2","page":364},{"text":"والحاصل: أنه في هذه الآية وقع الاقتصار على ذكر العمل مع أن الموضع موضع ذكر الإيمان والعمل جميعًا، فلا بد من القول بشمول العمل للإيمان وهو المطلوب، وعلى هذا فما وقع في القرآن من عطف العمل على الإيمان في مواضع فهو من عطف العام على الخاص لمزيد الاهتمام بالخاص، والله تعالى أعلم، انتهى.\nويؤخذ من هذا الجوابُ لاعتراض القسطلاني على المصنف.\nومحصل الأقوال في غرض الترجمة ثلاثة:\nالأول: أن المراد بالعمل هو العمل القلبي الذي هو التصديق، وهو مختار العارف الكبير المحدث الكَنكَوهي، والعلامة الكشميري (^١).\nوالثاني: أن المراد به عمل الجوارح، والغرض دفع ما يتوهم من مغايرة العمل للإيمان بسبب العطف، واستدل على عدم التغاير بآيات أوردها، وأما العطف فمن قبيل عطف العام على الخاص لمزيد الاهتمام بالخاص، وهو مختار العلامة السندي (^٢)، وإليه مال شيخ الهند.\nوالثالث: أن المراد به أعم من عمل القلب واللسان والجوارح، وهو الذي مال إليه الشرَّاح ومسند الهند الشاه ولي الله الدهلوي، وعلى هذا فغرضه الرد على من أنكر كون العمل من الإيمان، كما صرح به القسطلاني (^٣) وابن بطال والنووي وغيرهم، وهو الغرض أيضًا على مختار السندي، والله أعلم.\n\n(١٩ -<span data-type='title' id=toc-202> باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة)</span>\nلم يتكلم على هذا الباب مسند الهند قُدِّس سرُّه، وتكلم عليه شيخ الهند في \"تراجمه\"، وشيخ المشايخ الكَنكَوهي قُدِّس سرُّه في \"لامع\n_________\n(^١) انظر: \"فيض الباري\" (١/ ١٠٩)، و\"لامع الدراري\" (١/ ٥٦١).\n(^٢) \"حاشية السندي\" (١/ ١٣).\n(^٣) انظر: \"إرشاد الساري\" (١/ ١٨٧).","vol":"2","page":365},{"text":"الدراري\"، ومآل كلامهما واحد، إلا أنهما اختلفا في التعبير والسياق، وأجاد كل منهما الكلام على ذلك، ونذكرهما تفهيمًا وتوضيحًا لتغير السياق والسباق، ونكتب أولًا ما أفاده شيخ الهند معرِّبًا لكلامه، ثم بعد ذلك نذكر كلام شيخ المشايخ من \"اللامع\".\nقال شيخ الهند قُدِّس سرُّه: اختلف العلماء في العلاقة بين الإسلام والإيمان وكيفية النسبة بينهما، وبعضهم يرون الترادف والاتحاد، والأكثر يرجِّحون المساواة، وبعضهم يقولون بالعموم والخصوص، والآيات القرآنية والأحاديث أيضًا مختلفة الظواهر، وقد ذكرها المحدثون والمتكلمون، واستدل بهما الفريقان، لذا نقل المؤلف - ﵀ - للإسلام معنيين: أحدهما: الاستسلام والانقياد الظاهري الذي يظهره صاحبه لطمع مال أو خوف قتل وأسر ونحوه، وهذا يقال له المجاز الشرعي أيضًا، والحقيقة الشرعية، أي: مجموعة الأمور الدينية كلها، فاندفع بذلك اختلاف النصوص، وأيضًا وأصبح خلاف أهل العلم فيه خلافًا لفظيًا، وكذلك الآيات والحديث مثل: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ الآية [الحجرات: ١٤]، وقوله - ﷺ -: \"أو مسلمًا\" في رواية سعد بن أبي وقاص يظهر منهما المغايرة بين الإيمان والإسلام، وهذا يخالف صراحة مدعى الأبواب السابقة؛ لأن مغايرة الإسلام يستلزم مغايرة الأعمال، فبهذا الباب زالت هذه الشبهة أيضًا.\nوتوضيح كلامه قُدِّس سرُّه أن للإسلام إطلاقين: فمرة يطلق مرادفًا للإيمان، وأخرى يطلق بمعنى الاستسلام الظاهر، والأول: هو الإسلام بالحقيقة، وهو المعتبر عند الشرع، والثاني: مثلًا أن يكون مخافة القتل والأسر أو لطمع في الغنيمة، وهو إسلام ظاهرًا، وإن لم يصحبه التصديق لم ينفعه، وهذا محمل ما يتراءى في الظاهر من الاختلافات بين النصوص، ولما كان الظاهر من بعض النصوص مخالفة الإيمان للإسلام، كما يفيد قوله - ﷺ - لسعد: \"أو مسلمًا\"، فيؤخذ منه مغايرة الإيمان للأعمال، فإن","vol":"2","page":366},{"text":"الأعمال إسلام، وقد أثبت المصنف فيما تقدم أن الأعمال داخلة في الإيمان، فدفع بهذه الترجمة هذه الشبهة أيضًا بأن الإسلام الذي يغاير الإيمان هو الذي يكون على الظاهر لا ما كان على الحقيقة.\nوقال الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^١): اعلم أن للإسلام المعتبر شرعًا لزومًا بالإيمان كما أن للإيمان ملازمة بالإسلام، ولو كان التسليم والانقياد حكمًا لا حقيقةً، وقد سبق بعض بيانه في أول كتاب الإيمان، ولما كان كذلك كان الإسلام والإيمان غير منفك أحدهما عن الآخر ولا متحقق كل منهما دون الثاني، إلا أن الإسلام كما يطلق على هذا المعنى المتلازم للإيمان فكثيرًا ما يطلق أيضًا على الانقياد الظاهري الذي لم يعتبر عند الشرع إلا في حق إجراء أحكام المسلمين على من اتصف به، وذلك لتعذر وقوف الناس على سرائر القلوب وضمائرها فيما بينهم، فلم يكن [بُدٌّ] من نصب علامة لهم يعرفون به المسلم عن غيره، وهذا الإطلاق للإسلام جار في عرف الشريعة، وفي كثير من الآيات والروايات، فبوَّب المؤلف بابًا لذلك إشارةً منه إلى أن الإسلام والإيمان المعتبرين وإن لم يتحقق أحدهما دون الآخر، إلا أنه قد يطلق في الشرع لفظ الإسلام بإطلاق آخر غير ما ذكرناه أولًا، فيشتبه الأمر على الناظر.\nوأيضًا ففي كلامه إشارة إلى أن من ذهب منهم إلى المغايرة بينهما، فإنما غرضه التغاير بحسب المفهوم لا المصاديق، فإن المسلم صفة بحسب الظاهر، والمؤمن صفة له بحسب اعتقاده، وإن كانا متلازمين وجودًا، أو قصد بالمغايرة أنهما يتغايران بحسب ذلك الإطلاق الآخر للإسلام الذي هو غير معتبر به شرعًا كما في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾، فإنهم لم يؤمروا أن ينسبوا إلى أنفسهم ذلك الإسلام الحقيقي المعتبر شرعًا، إذ لو كانوا متصفين به لما صح نفي الإيمان عنهم لِما أنهما متلازمان، بل\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (١/ ٥٦٥ - ٥٦٨).","vol":"2","page":367},{"text":"أمروا أن يسندوا إليها صورة الإسلام وظاهره، وهذا هو المراد في الرواية حيث نهى سعدًا أن يحكم على رجل بالإيمان لكونه أمرًا مبطنًا عنه خفيًا أمره عليه، وكذلك الإسلام الحقيقي.\nنعم إن له أن يحكم على من رآه آتيًا بأوامر الشرع مجتنبًا عن ارتكاب نواهيه بأنه مسلم بمعنى منقاد، وذلك لأنه متيقن به غير مشكوك فيه، وأما الحكم بالإيمان والإسلام الحقيقيين فلا يمكن إلا ظنًّا عبرةً للظاهر، وهو وإن كان جائزًا لِما أُمرنا به من بناء الحكم على ظواهر ما نراه، إلا أنه خلاف الأدب لكون الحكم بحسب الواقع على ما لم يعلم، فافهم فإن فيه دقة ما.\nثم إن كلمة \"أو\" في قوله - ﷺ -: \"أو مسلمًا\" ظاهرها أنها بمعنى \"بَل\"، حيث أراد النبي - ﷺ - رده عما قال فيه، وجزم إلى ما هو متيقن به منه وهو الانقياد الظاهري، وذلك لعدم تيقن سعد بما في قلبه من الإيمان والكفر، وإن كان النبي - ﷺ - يعلم منه أنه مؤمن كما هو الظاهر من قوله وهو: \"أحب إليّ\"، ويمكن كونها أيضًا للشك، فإنه لما لم يتبين عنده إيمانه أو نفاقه والتبس عليه فلم يكن تعيين أحد الأمرين من شأنه، فكان عليه أن يقول: إني أراه مؤمنًا إن كان باطنه كظاهره، أو مسلمًا إن لم يكن كذلك، فقوله - ﷺ -: \"أو مسلمًا\" عطف على مفعول قوله: \"أراه\" ومثل ذلك في الكلام كثير، انتهى.\nوفي هامشه: وفي تقرير الشيخ المكي - ﵀ - عن الشيخ الكَنكَوهي قُدِّس سرُّه: قوله: \"على الحقيقة\" أي: على الحقيقة الشرعية بل يكون على الحقيقة اللغوية، وجزاء الشرط محذوف: فلا يعتبر به عند الله، و\"الأعراب\" المنافقون، وقوله: \"أسلمنا\" فإطلاق الإسلام ههنا حقيقة لغوية ومجاز شرعي، إذ لا فرق في الشرع بين الإيمان والإسلام والدين إلا بالاعتبار، وبسط في هامش \"اللامع\" الكلام على هذا الباب أشد البسط، وذكر فيه","vol":"2","page":368},{"text":"أقوال الشرَّاح من السندي وغيره (^١).\n(حدثنا أبو اليمان. . .) إلخ، الأوجه عندي: أن المصنف رحمه الله تعالى أراد بالترجمة بين الآيتين اللتين ظاهرهما المخالفة، وأراد بذكر هذا الحديث الإشارة إلى أن الرجل المتروك ليس من الأول، وأن يظهر هذا من قوله - ﵇ -: \"أو مسلمًا\"، بل من الثاني لقوله - ﵇ -: \"لأعطي الرجل وغيره أحب إلي\" لكنه - ﷺ - رد على قوله: \"أراه مؤمنًا\" لأن الإيمان فعل القلب لا يظهر عليه غيره.\n(قوله: أحب إليّ. . .) إلخ، فيه دلالة على أن الإيمان يزيد وينقص؛ لأن حبه - ﷺ - تزايد بتزايد مراتب الإيمان كما دل عليه السياق، ثم لما أثبت للغير\n_________\n(^١) ثم اعلم أن الذي ظهر لي من النظر في كلام الشرَّاح والمشايخ في غرض الترجمة ثلاثة أمور:\nالأول: الجمع بين ما يفهم من التعارض بين الآيتين في إطلاق لفظ الإسلام، بأن الإسلام قد يطلق مرادفًا للإيمان، وقد يطلق بمعنى الاستسلام؛ أي: الانقياد الظاهري، وهو الذي يغاير الإيمان، هذا هو مختار شيخنا عند قراءتنا عليه \"الصحيحَ\"، وهو الذي أثبته في تراجمه.\nوالثاني: الفرق بين الإسلام النافع وغير النافع كما حكاه بعضهم.\nوالثالث: بيان أن للإسلام إطلاقين، ففي إطلاق يرادف الإيمان، وهو ما إذا كان مع الاستسلام الظاهر اعتقاد الباطن، وقد يطلق بمعنى الانقياد الظاهر، وهو ما إذا لم يصاحبه الاعتراف القلبي، وهذا هو الذي جنح إليه السندي (١/ ١٤)، والعلامة الكشميري (١/ ١١٠)، وهو المذكور في \"الفتح\" (١/ ٧٩)، ويحوم حوله كلام العارف الكَنكَوهي وغيرهما.\nفمحط النظر على الأول هو دفع التعارض، وعلى الثاني بيان كونه نافعًا وغير نافع، وعلى الثالث ذكر الإطلاقين فقط، والذي يظهر لي أن ترجمة المصنف قد حوت هذه الأمور الثلاثة كلها، إلا أن الظاهر بلفظ الترجمة هو الذي جنح إليه السندي وغيره من إثبات الإطلاقين للإسلام، وهذان الإطلاقان هما محامل النصوص المختلفة، والإسلام الحقيقي هو النافع بخلاف الإسلام الظاهري، والله أعلم، انتهى. محمد يونس عفا الله عنه.","vol":"2","page":369},{"text":"أنه أحب إليّ فكان إيمانه أزيد ممن ليس أحب إليه - ﷺ -.\nفأما مناسبة الحديث بالباب الذي وضعه فحاصلة بقوله: \"مسلمًا\"، حيث فرَّق بين الإيمان والإسلام، فجوَّز إطلاق الثاني دون الأول، وذلك بحسب ما له من المعنى الأعم من معناه المعتبر شرعًا، وهو، أي: المعنى الأعم الانقياد ظاهرًا، سواء وجد معه الإيمان أو لا، انتهى. كذا في \"اللامع\" (^١).\nقال الحافظ (^٢): مناسبة الحديث للترجمة ظاهرة من حيث إن المسلم يطلق على من أظهر الإسلام وإن لم يعلم باطنه، فلا يكون مؤمنًا لأنه ممن لم تصدق عليه الحقيقة الشرعية، وأما اللغوية فحاصلة، انتهى.\n\n(٢٠ -<span data-type='title' id=toc-203> باب إفشاء السلام)</span>\nقال العيني (^٣): وجه المناسبة بين البابين هو أن من جملة المذكور في الباب السابق أن الدين هو الإسلام، والإسلام لا يكمل إلا باستعمال خلاله، ومن جملة خلاله إفشاء السلام للعالَم، وفي هذا الباب يبين هذه الخلّة في الحديث الموقوف والمرفوع جميعًا، مع زيادة خلّة أخرى فيهما، وهي إطعام الطعام، وزيادة خلّة أخرى في الموقوف، وهي الإنصاف من نفسه، انتهى.\nقال الكرماني (^٤): فإن قلت: الحديث بعينه هو المتقدم - أي: في باب إطعام الطعام. . . إلخ - فلم ذكره مكررًا؟\nقلت: ذكره ثمة للاستدلال على أن الإطعام من الإسلام، وههنا للاستدلال على أن السلام منه.\nفإن قلت: كان يكفيه أن يقول ثمة أو ههنا: باب الإطعام والسلام\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (١/ ٥٦٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٧٩).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١/ ٢٩٥).\n(^٤) \"شرح الكرماني\" (١/ ١٣٤).","vol":"2","page":370},{"text":"من الإسلام بأن يدخلهما في سِلك واحد ويتم المطلوب؟ ثم أجاب عن ذلك بأن البخاري تبع في وضع التراجم مشايخه.\nوأنكره الحافظ ابن حجر أشد الإنكار، وقال (^١): الظاهر من صنيع البخاري أنه يقصد تعديد شعب الإيمان كما قدَّمناه، فخصَّ كل شعبة بباب تنويهًا بذكرها، وقصدُ التنويه يحتاج إلى التأكيد، فلذلك غاير بين الترجمتين، انتهى.\nقوله: (الإنصاف من نفسك. . .) إلخ، وفي هامش \"اللامع\" (^٢): وفي تقرير مولانا محمد حسن المكي: أي: إعطاء الإنصاف من نفسك بأن يقول للمظلوم: خُذْ ظُلمك مني، انتهى.\nقلت: وهذا أوجه عندي مما قالته الشرَّاح قاطبة، ففي \"القسطلاني\" (^٣) تبعًا للحافظ: قوله: \"الإنصاف\" أي: العدل من نفسك بأن لم تترك لمولاك حقًا واجبًا عليك إلا أديته، ولا شيئًا مما نُهيتَ عنه إلا اجتنبته، وأنت خبير بأن هذا الذي قالوه هو تمام الإيمان، فأي شيء بقي بعد ذلك، والوارد في الأثر: \"ثلاث من جمعهن جمع الإيمان\"، فالموافق للفظ الأثر ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه.\nقال العيني (^٤): يقال: أنصفه من نفسه، وانتصفت أنا منه، انتهى.\nقال المجد (^٥): انتصف منه: استوفي حقه منه، وتناصفوا: أنصف بعضهم بعضًا، انتهى.\n(من الإقتار) بكسر الهمزة، أي: في حالة الفقر، كذا قال القسطلاني.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٨٢).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (١/ ٥٦٩).\n(^٣) انظر: \"إرشاد الساري\" (١/ ١٩٢) و\"فتح الباري\" (١/ ٨٣).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١/ ٢٩٧).\n(^٥) \"القاموس\" (ص ٧٧١).","vol":"2","page":371},{"text":"(٢١ -<span data-type='title' id=toc-204> باب كُفْرَانِ العشير وكفرٍ دون كفرٍ)</span>\nأراد بالترجمة التنبيه على أن المراد في الرواية ليس حقيقة الكفر، بل المراد كفرٌ دون كفر.\nقال الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^١): هذا تصريح بما ذهبنا إليه من أن الأعمال ليست بداخلة في أصل الإيمان، إذ لو كان كذلك لما تحقق كفر دون كفر، بل كان مرتكب السيئات كافرًا، وغرضه من عقد الباب الرد على المعتزلة القائلين بإثبات المنزلة بين الإيمان والكفر، وأن مرتكب الكبيرة خارج من الإيمان، وحاصل الرد: أن إطلاق المؤمن على مرتكب الكبيرة شائع في الآيات والروايات، فما ورد في مثل تلك المعاصي من لفظ الكفر فالمراد به غير ما هو نقيض الإيمان، فإن الكفر أنواع بعضها أكمل من بعض، وأقصى أنواعه الكفر المقابل للإيمان، والرواية مصرِّحة بالترجمة، انتهى.\nوفي هامشه: قال بعض العلماء: الكفر أربعة أنواع: كفر إنكار، وجحود، ومعاندة، ونفاق، وهذه الأربعة من لقي الله بواحدة منها لم يغفر له، فكفر الإنكار: أن يكفر بقلبه ولسانه وأن لا يعرف ما يذكر له، وكفر الجحود: أن يعرف بقلبه ولا يقر بلسانه ككفر إبليس، وكفر المعاندة: أن يعرف بقلبه ويقر بلسانه ويأبى أن يقبل الإيمان ككفر أبي طالب، وكفر النفاق ظاهر.\nقال النووي (^٢): إن الشرع أطلق الكفر على ما سوى الأربعة ككفران الحقوق والنعم، فمن ذلك حديث الباب، وحديث: \"لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض\" وأشباهه، وهذا مراد البخاري بقوله: وكفر دون كفر، إلى آخر ما بسطه فيه.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (١/ ٥٦٩).\n(^٢) \"مختصر شرح صحيح البخاري\" للنووي (ص ٧٩).","vol":"2","page":372},{"text":"وكتب شيخ الهند قُدِّس سرُّه في \"تراجمه\" ما تعريبه: الظاهر أن لا مناسبة لترجمة الباب بكتاب الإيمان، فأشار المؤلف - ﵀ - بقوله: \"وكفر دون كفر\" إلى المناسبة بينهما وإلى الغرض من الترجمة، والظاهر أن غرض المؤلف - ﵀ - أمران:\nالأول: إثبات التشكيك في الكفر؛ لأن بإثباته يثبت التشكيك في ضده وهو الإيمان؛ لأن التشكيك في شيء تشكيك في ضده.\nوالثاني: أن المعاصي داخلة في الكفر كما أن الأعمال الصالحة داخلة في الإيمان، وسيذكر المؤلف ذلك في الترجمة الآتية واضحًا، ثم علم من التشكيك في الكفر ودخول المعاصي في الكفر [أن] النصوص التي ورد فيها إطلاق الكفر على ترك بعض الأعمال كما في ترك الصلاة والحج هي إطلاقات حقيقية، والتأويل فيها وجعلها مجازية إنما هو تكلُّف لا حاجة إليه؛ لأن إطلاق الكلي المشكك يكون على جميع أفراده القوي والضعيف حقيقيًا لا مجازيًا، ثم إنه لما كان في الكفر تشكيك، فإن هذا التشكيك مسلّم في سلب الإيمان أيضًا، وبذلك نتخلَّص من التأويلات المتنوعة في الروايات الكثيرة، فالحمد لله.\n(رأيت أكثر أهلها النساء) وظاهره أن النساء أكثر في جهنم من الرجال، ويشكل عليه ما ورد أن لكل رجل من أهل الجنة امرأتين من أهل الدنيا، ويظهر منه كثرة النساء في الجنة.\nوذَكَر هذا الإيرادَ والجوابَ الشَّيْخُ الكَنكَوهي قُدِّس سرُّه في \"الكوكب الدرِّي\" (^١) فقال: قوله: \"فرأيت أكثر أهلها النساء\"، فإن النساء في أنفسها كثيرة نسبة إلى الرجال، فما كان منها في الجنة أكثر من الرجال، وما كان منها في النار أكثر من نساء الجنة ومن رجال النار أيضًا.\nوفي هامشه: أشار الشيخ بذلك إلى جواب عن إيراد وارد على\n_________\n(^١) \"الكوكب الدري\" (٣/ ٣٢٥).","vol":"2","page":373},{"text":"الحديث، وتوضيح ذلك ما قال القاري: قد يشكل عليه ما جاء في حديث الطبراني: \"أن أدنى أهل الجنة يمسي على زوجتين من نساء الدنيا\"، فكيف يكنّ مع ذلك أكثر أهل النار وهنّ أكثر أهل الجنة؟\nوجوابه: أنهن أكثر أهلها ابتداء، ثم يخرجن ويدخلن فيصرن أكثر أهلها انتهاءً، أو المراد أنهن أكثر أهلها بالقوة، ثم يعفو الله عنهن، هذا ولا بدع أنهن يكنَّ أكثر أهلهما لكثرتهن، وتكلم على ذلك في هامش \"اللامع\" أيضًا.\nثم قال الحافظ (^١): وظاهره أنه رأى ذلك ليلة الإسراء أو منامًا وهو غير رؤية النار، وهو في صلاة الكسوف، ووهم من وحَّدهما، وقال الداودي: رأى ذلك ليلة الإسراء أو حين خسفت الشمس، كذا قال، وبسط الكلام على حديث الباب في \"الأوجز\" (^٢).\n\n(٢٢ -<span data-type='title' id=toc-205> باب المعاصي من أمر الجاهلية. . .) إلخ</span>\nكتب شيخ الهند في \"تراجمه\" ما تعريبه: في هذا الباب ترجمتان، ولكن المقصود هي الترجمة الأولى، والثانية كدفع دخل مقدر، والغرض أن المعاصي من أمر الجاهلية، يعني: داخلة في الأمور الشركية، كما أثبت في الأبواب السابقة أن أعمال الخير من الأمور الإيمانية، أي: داخلة في الإيمان، قد تحقق في الأبواب السابقة الحاجة إلى أعمال الخير، وثبت في هذا الباب قبح المعاصي ومضرتها، وبجمعها يبطل قول المرجئة بالكلية، ولكن يخشى أن يطمع الخوارج والمعتزلة من هذه الترجمة، لذا ذكر المؤلف المحقق بعدها: \"ولا يكفر صاحبها بارتكابها\"، فسدَّ بذلك بابهم، ثم قوله: \"لقول النبي - ﷺ -\" متعلق بالترجمة الأولى، \"وقول الله\" دليل الترجمة الثانية، ثم ذكر حديث أبي ذر - ﵁ - فهو بالبداهة مربوط بالترجمة الأصلية، ولما نرى أن الأحمق الجاهل أيضًا لا يمكن له أن يتكلم بحرف\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١١/ ٤١٩).\n(^٢) \"أوجز المسالك\" (٤/ ٨٤).","vol":"2","page":374},{"text":"بسبب هذه القصة في كمال إيمان أبي ذر رضي الله تعالى عنه، فحينئذ نرى مطابقتها بالأمر الثاني أيضًا، وبطل بهذا الباب قول المرجئة والخوارج والمعتزلة، وقد ذكرت مراتٍ أن المؤلف لا يصرح في كثير من المواقع بغرض التمرين وتشحيذًا للأذهان، هكذا تجده يستخدم الإشارة حيث يرى التصريح خلافًا للمصلحة، أو أنه يخالف الاحتياط.\n(إنك امرؤ فيك جاهلية) كتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): رماه بذلك وليست الجاهلية بأهون شيء، ومع ذلك فلم يأمره بتجديد الإيمان أو بغيره من أحكام الكفر، فعلم أن ارتكاب الكبائر غير مكفر.\nوفي هامشه: قال ابن بطال (^٢): يريد أنك في تعييره بأمه على خُلُق من أخلاق الجاهلية؛ لأنهم كانوا يتفاخرون بالأنساب، ولم تستحق بذلك الفعل أن تكون كأهل الجاهلية في كفرهم بالله. وغرض البخاري بهذا الردُّ على الخوارج، وروي أنه - ﷺ - قال لأبي ذر: \"أعَيَّرْتَه بأمه؟ ارفع رأسك ما أنت بأفضل مما ترى من الأحمر والأسود إلا أن تفضل في دين\" (^٣)، وقد روي: أن بلالًا كان الذي عيَّره أبو ذر بأمِّه، أي: بسوادها، فانطلق بلال إلى رسول الله - ﷺ - فشكا إليه تعييره بذلك، فأمره رسول الله - ﷺ - أن يدعوه، فلما جاء أبو ذر قال له رسول الله - ﷺ -: \"شتمت بلالًا وعيرته بسواد أمه؟ \"، قال: نعم، قال له رسول الله - ﷺ -: \"ما كنت أحسب أنه بقي في صدرك من كبر الجاهلية شيء\"، فألقى أبو ذر - ﵁ - نفسه إلى الأرض، ثم وضع خدّه على التراب، وقال: والله لا أرفع خدِّي منها إلا أن يطأ بلال خدي بقدمه، فوطأ خدّه بقدمه (^٤)، انتهى.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (١/ ٥٧١).\n(^٢) \"شرح صحيح البخاري\" لابن بطال (١/ ٨٥).\n(^٣) أخرجه إسحاق في \"مسنده\" (١/ ٤٢٧) (رقم ٤٩٣)، والطبراني في \"مسند الشاميين\" (رقم ٢٣٤٣).\n(^٤) \"شرح ابن بطال\" (١/ ٨٧، ٨٨).","vol":"2","page":375},{"text":"قال الكرماني (^١): الجاهلية زمان الفترة قبل الإسلام، سُميت بذلك بكثرة جهالاتهم، انتهى. إلى آخر ما بسطه فيه.\n(أبو بكرة) اسمه نُفيع بالنون مصغرًا، كُنِّي بها لأنه نزل يوم الطائف إلى رسول الله - ﷺ - من الحِصن في بكرة، كذا في \"العيني\" (^٢)، وفي \"التهذيب\" (^٣): وإنما قيل له أبو بكرة؛ لأنه تدلى من الحصن إلى رسول الله - ﷺ -، انتهى.\nوزاد في \"الإصابة\" (^٤): تدلى ببكرة فاشتهر بأبي بكرة، انتهى.\n(إذا التقى المسلمان. . .) إلخ، كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٥): سمَّاهم مسلمَين حين اشتغلا بالمقاتلة.\nوفي هامشه: وبذلك استدل البخاري في الترجمة في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية [الحجرات: ٩]، ولهذا ذكر الحديث لأن الإيمان والإسلام في الشرع متحدان، انتهى.\n(وعليه حُلة) كذا رواه أكثر أصحاب شعبة، وعند الإسماعيلي عن معاذ عن شعبة: \"إذا حلة عليه ثوب وعلى عبده ثوب\"، ويؤيده رواية الأعمش عن معرور الآتي في الأدب: \"رأيت عليه بردًا وعلى غلامه بردًا، فقلت: لو أخذت هذا لكانت حلة\"، ونحوه في \"مسلم\" و\"أبي داود\"، ويمكن الجمع بأن عليه بردًا جيدًا تحته برد خلِق، وهكذا على غلامه، فالمعنى لو أخذت الجديد منه لكانت عليك حلة جيدة، كذا في \"الفتح\" (^٦).\n\n(٢٣ -<span data-type='title' id=toc-206> باب ظلم دون ظلم)</span>\nكتب شيخ الهند في \"تراجمه\" ما تعريبه: أورد في هذا الباب حديث ابن مسعود الذي ذكر فيه: \"أينا لم يظلم نفسه؟ فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ \" [لقمان: ١٣].\n_________\n(^١) \"شرح الكرماني\" (١/ ١٣٧).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١/ ٣١٥).\n(^٣) \"تهذيب التهذيب\" (١٠/ ٤٦٩).\n(^٤) \"الإصابة\" (٣/ ٥٤٢).\n(^٥) \"لامع الدراري\" (١/ ٥٧٢).\n(^٦) \"فتح الباري\" (١/ ٨٦).","vol":"2","page":376},{"text":"ويظهر منه أن الظلم العظيم هو الشرك، وأما سائر المعاصي والذنوب فداخلة في مرتبة ما دون الظلم العظيم، فظهر بهذا الباب بنوع وضاحة تحقيق ما أراده المؤلف في الترجمتين السابقتين، وهما: كفر دون كفر، والمعاصي من أمر الجاهلية، وظهر أن المعاصي داخلة في الشرك والكفر، لكن لا يغفل عما قال المؤلف: \"لا يكفر صاحبها بارتكابها إلا بالشرك\"، ويجب التمسك به بقوة وإلا فيلزم خلاف ما رامه المؤلف، ونظرًا إلى هذه الخطرات لم يفصح المؤلف، بل أشار إلى مدَّعاه في أبواب شتى بتغير العنوان وتبديل البيان، والله أعلم.\n(أينا لم يظلم) كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^١): استشكل عليهم ما يتبادر من العموم حيث وقعت النكرة تحت النفي، والتجنب بأنواع الظلم بأسرها بحيث يتناول المكروهات التنزيهية والتحريمية، والصغار من المعاصي والكبار متعذر على غير الأنبياء لعصمتهم، فأجاب رسول الله - ﷺ - بأن اللبس قرينة على أن المراد بالظلم معظم أفراده وهو الشرك، وأما اللمم فليست لها في جنبة الإسلام من وجود، وكذا الكبائر من المعاصي فإنها تتلاشى في زاخر الإيمان إلا الكفر، فالآية مسوقة لبيان أن الظلم يطلق على الكفر والشرك، وأنه معظم أنواعه، وأما الجواب ففي تنكير الظلم أنه للتعظيم بقرينة اللبس، انتهى.\nوبسط في هامشه الكلامَ على أكثر كلام الشيخ قُدِّس سرُّه، وكتب على قوله: إنه للتعظيم بقرينة اللبس، فقال: لله در الشيخ ما أجاد فيما أفاد، فإن اللبس، أي: الخلط، يشعر إلى عظمة ما خالطه، فإن الشيء القليل الذي يتلاشى في البحر العظيم لا يقال فيه: الخلط، فكذا الإيمان بحر عظيم والمعاصي بجنبه أجزاء متلاشية، بخلاف الكفر فإنه مقابل للإيمان فيصدق عليه الخلط بداهة، انتهى.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (١/ ٥٧٢).","vol":"2","page":377},{"text":"وحكى صاحب \"النور الساري\" عن تقرير شيخ الهند قُدِّس سرُّه في قوله: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] إلخ: هذا الحديث مختصر، وجاء بطريق آخر أن الصحابة لما نزلت هذه الآية قالوا: أينا لم يظلم يا رسول الله؟ فقال النبي - ﷺ -: \"إن المراد من الظلم الشرك\"، وجاء الوحي أن الشرك لظلم عظيم، قيل: ما وجه فزع الصحابة من هذه الآية؟ وما وجه تخطئة النبي - ﷺ - لهم، وقوله لهم ما قال؟\nفالشرَّاح - رحمهم الله تعالى - قالوا: إن الصحابة فهموا ما فهموا من الآية بالنظر إلى القاعدة الكلية، وهو أن النكرة إذا وقعت تحت النفي تفيد العموم والاستغراق والشمول، فالظلم عام شامل للمعاصي والكفر جميعًا، فالتنوين في \"ظلم\" للتنكير، وما قال النبي - ﷺ - فهو بناءً على أن التنوين فيه للتعظيم، والظلم العظيم هو الشرك.\nلكن قال الأستاذ العلامة سلَّمه الله تعالى: إن هذا التقرير يخل بفصاحتهم وبلاغتهم، وليس من شأنهم كهذا الكلام، ومع هذا فسأل منهم ما وجه عدول النبي - ﷺ - عن القاعدة الكلية، ولا دليل على ما قال، وهذا بعيد من شأن النبي - ﷺ -، ولكن شيئًا آخر كان بينهما فعلًا للمقصود، ولما قال النبي - ﷺ - ما قال فهموا مطلبه، فقال الأستاذ العلامة سلَّمه الله تعالى: الأَولى والألصق بالقلب أن يقال كما قال مولانا الشاه عبد القادر الدهلوي في ترجمته للكلام المجيد تحت هذه الآية، خلاصته: أن الصحابة فهموا من هذه الآية الإيمان الكامل، فقال النبي - ﷺ -: \"المراد من الظلم الشرك\" بناءً على أن المراد من الإيمان التصديق واليقين، فالتباس الظلم به يكون إذا كان يراد منه الشرك.\nوقال مولانا قاسم الخيرات - أي: مولانا الشيخ محمد قاسم النانوتوي -: إن اللبس في اللغة الاختلاط في محل واحد، والصحابة - رضي الله تعالى عنهم - وقعوا في هذا، وقالوا ما قالوا؛ لأنهم فهموا معنى اللبس اتصالًا، فقالوا: أينا لم يظلم؟ فقال النبي - ﷺ -: \"إن الشرك لظلم","vol":"2","page":378},{"text":"عظيم\" يعني: أن المراد من اللبس هو الجمع في محل واحد، وهو يتحقق إذا كان يراد من الظلم الشرك، فإن للإيمان والشرك محلًّا واحدًا، وإن شئت أن يتيسر لك المقصود فعليك أن تجمع ما قالا بأن تقول: إنهم فهموا اللبس اتصالًا والإيمان كاملًا، وقال النبي - ﷺ -: إن الإيمان هو الاعتقاد واليقين، واللبس خلط شيئين في محل واحد، والله أعلم بالصواب، انتهى.\nوما أفاده حجة الإسلام النانوتوي قد سبقه إلى ذلك العلامة بهاء الدين السبكي في \"عروس الأفراح\": وكان خطر لي قديمًا أن في الآية الكريمة ما يشير إلى أن المراد بالظلم فيها الكفر، وهو قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا﴾؛ لأن الذي يلبس الإيمان هو الشرك، فإنه كالممازج له ولا تلتبس بالإيمان، وعرضت هذا المعنى على والدي بدرس الشامية بـ \"دمشق\" فارتضاه وفرح به، انتهى.\nقلت: وحاصله: أنه جعل اللبس قرينة على كون المراد بالظلم هو الشرك، فإن الخلط إنما يمكن في محل واحد، ومحل الأمرين هو القلب.\n\n(٢٤ -<span data-type='title' id=toc-207> باب علامة المنافق)</span>\nقال الحافط (^١): لما قدم أن مراتب الكفر متفاوتة وكذلك الظلم، أتبعه بأن النفاق كذلك، وقال الشيخ محيي الدين: مراد البخاري بهذه الترجمة أن المعاصي تنقص الإيمان، كما أن الطاعة تزيده، انتهى.\nوالأوجه عندي في غرض الترجمة: أن الأعمال الحسنة كما هي مكملات للإيمان وليست الإيمان نفسه، فكذلك مقابلها هذه الأعمال مكملات للكفر ليست هي الكفر نفسه.\nوكتب الشيخ الكَنكَوهي قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٢): \"باب علامة المنافق\" سردها ليتجنب عنها المسلم مع ما فيه من الاحتجاج على أن\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٨٩).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (١/ ٥٧٤).","vol":"2","page":379},{"text":"الاتصاف بها وبالذنوب سوى ذلك لا يوجب الخروج عن الإيمان، وأن النفاق في مثل تلك الروايات إنما هو نفاق العمل، أو تسميته نفاقًا بحسب صورة النفاق لا حقيقته، وذلك لأنه لم يطلق عليه لفظ المنافق، وإنما قال: إنها علامات له، فمن كانت فيه واحدة منها كان فيه من النفاق بقدرها، ومن كانت فيه زيادة منها كانت فيه زيادة منه، ولم يقل إنه منافق، وقد علم أن الإيمان غير مُتَجَزٍّ، فلا يمكن إثبات بعض الإيمان وبعض الكفر في مثل ذلك الرجل الذي فيه علامة أو علامتان أو ثلاث منها، وأيضًا: فقد ذكر فيه ما يدل على أنه لم يخرج بوجود تلك العلامات فيه من الإيمان وهو قوله: حتى يدعها، فعُلم أن نفس الموادعة والترك كافٍ ولا يفتقر إلى تجديد إيمانه، وأيضًا: ففيه دلالة على أن الإيمان يزيد وينقص؛ لأنه لما اتصف بعلائم المنافقين كان فيه نقص في الإيمان بهذا القدر، فافهم، انتهي.\nوقال حضرة شيخ الهند ﵀ في «تراجمه» ما تعريبه: «باب علامات المنافق»، بيَّن المؤلف رحمه الله تعالى النفاق بعد بيان الكفر والمعاصي والشرك، ويظهر من الترجمة أن علامات النفاق متعددة، والغرض بيانها، ثم ذكر في الحديث الأول ثلاثة علامات، وفي الثاني أربعة صراحة، فعُلم أن النفاق له مراتب عديدة أيضًا، ويزيد وينقص مثل الكفر، وما ذكر في الحديث الثاني قوله: «أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها»، يظهر منه الزيادة والنقصان في النفاق ظهور الشمس، ثم يظهر هنا أمران علاوةً على الغرض المذكور:\nالأول: أن في هذا الباب تأييد للأبواب السابقة؛ كباب ظلم دون ظلم وغيره.\nوالثاني: كما أن المعاصي من الأمور الكفرية هكذا الأفعال التي ذكرها لعلامة النفاق هي داخلة في أفعال النفاق.\nفكما صح أن يطلق على كفران العشير كفرًا هكذا يجوز أن يطلق على","vol":"2","page":380},{"text":"الكفر والخيانة نفاقًا أيضًا، وما يفعله العلماء الكرام من التأويلات المختلفة للروايات على النفاق في العمل، فبعضهم جعل النفاق قسمين: نفاق في العقيدة ونفاق في العمل، وحمل هذه الروايات على النفاق في العمل، وبعضهم يجعل مجموعة العلامات الثلاثة الموجودة في الحديث الأول ومجموعة العلامات الأربعة الموجودة في الحديث الثاني كل منهما علاقة على حدة، ويقصد أن يثبت له معني خاصًّا فيما ذكرنا لا تبقى الحاجة إلى أي ذلك، فعليك بالتأمل الصادق، والله تعالى أعلم، انتهى.\nوبسط الكلام على ذلك في هامش «اللامع» (^١)، وفيه:\nقال الكرماني (^٢): إن جماعة من العلماء عدُّوا هذا الحديث مشکلًا من حيث إن هذه الخصال قد توجد في المسلم، من أن الإجماع حاصل [على] أنه لا يحكم بكفره ولا بنفاق يجعله في الدرك الأسفل من النار، انتهى.\nقال النووي (^٣): ليس في الحديث إشكال؛ لأن معناه: هذه خصال نفاق، وصاحبها شبيه بالمنافقين [في هذه الخصال، و] متخلق بأخلاقهم، إذ النفاق إظهار ما يبطن خلافه، وهو موجود في صاحب هذه الخصال، ويكون نفاقه خاصًّا في حق من حدَّثه ووعده وائتمنه، لا أنه منافق في الإسلام مبطن للكفر.\nوأجمل الحافظ الكلام على الأجوبة، فقال بعد جواب النووي (^٤): ومحصل هذا الجواب في التسمية على المجاز، أي: صاحب هذه الخصال کالمنافق، وهو بناءً على أن المراد بالنفاق نفاق الكفر، وقد قيل في الجواب عنه: إن المراد به نفاق العمل، وهذا ارتضاه القرطبي واستدل له بقول عمر - ﵁ - لحذيفة: هل تعلم فيَّ شيئًا من النفاق؟ فإنه لم يرد بذلك نفاق الكفر، وإنما أراد نفاق العمل، ويؤيده وصفه بالخالص في الحديث الثاني بقوله: «كان منافقًا خالصًا».\n_________\n(^١) «لامع الدراري» (١/ ٥٧٥).\n(^٢) «شرح صحيح مسلم» (١/ ٣٢٣).\n(^٣) «شرح الكرماني» (١/ ١٤٨).\n(^٤) «فتح الباري» (١/ ٩٠).","vol":"2","page":381},{"text":"وقيل: المراد بإطلاق النفاق الإنذار والتحذير عن ارتكاب هذه الخصال، والظاهر غير مراد، وهذا ارتضاه الخطابي، وذكر أيضًا أنه يحتمل أن المتصف بذلك هو من اعتاد ذلك وصار له ديدنًا، قال: ويدل عليه التعبير بإذا، فإنها تدل على تكرار الفعل، كذا قال، والأولى ما قال الكرماني: إن حذف المفعول من حدّث يدل على العموم، أي: إذا حدّث في كل شيء كذب فيه، قال الكرماني (^١): ولا شك أدن مثله منافق في الدين.\nوقيل: محمول على من غلبت عليه هذه الخصال وتهاون بها واستخفّ بأمرها، فإن من كان كذلك كان فاسد الاعتقاد غالبًا، وهذه الأجوبة كلها مبنية على أن اللام في المنافق للجنس، ومنهم من ادَّعى أنها للعهد فقال: إنه ورد في حق شخص معين، وكان رسول الله - ﷺ - لا يواجههم بصريح القول فيقول: فلان منافق، بل يشير إشارة كقوله - ﷺ -: \"ما بال أقوام يفعلون كذا؟ \" فههنا إشارة بالآية إليه حتى يعرف ذلك الشخص بها.\nوقيل: ورد في حق المنافقين في عهد النبي - ﷺ -، فحدثوا بإيمانهم فكذبوا، ووعدوا في نصر الدين فأخلفوا، وائتمنوا في دنياهم فخانوا، وتمسَّك هؤلاء بأحاديث ضعيفة جاءت في ذلك لو ثبت شيء منها تعيَّن المصير إليه، وأحسن الأجوبة ما ارتضاه القرطبي، انتهى ما في \"الفتح\" بزيادة.\nقال الكرماني (^٢): فلدفع الإشكال خمسة أوجه؛ لأن اللام فيه إما للجنس فهو إما على سبيل التشبيه أو المراد الاعتياد أو معناه الإنذار، وإما للعهد من منافقي زمن رسول الله، وإما من منافق خاص، وههنا وجه سادس، وهو أن المراد نفاق العمل لا نفاق الإيمان، وأحسن الوجوه وهو السابع بأن يقال: إن النفاق: شرعي، وهو ما يبطن الكفر ويظهر الإسلام،\n_________\n(^١) \"شرح الكرماني\" (١/ ١٤٨).\n(^٢) \"شرح الكرماني\" (١/ ١٤٩).","vol":"2","page":382},{"text":"ونفاق عرفي، وهو ما يكون سره خلاف علنه، وهذا هو المراد إن شاء الله، إلى آخر ما بسط في هامش \"اللامع\".\nقوله: (حتى يدعها) فعلم أن نفس الموادعة كاف ولا يفتقر إلى تجديد إيمان، وأيضًا فيه دلالة على أن الإيمان يزيد وينقص؛ لأنه لما اتصف بعلائم المنافقين كان فيه نقص في الإيمان بهذا القدر كما تقدم عن \"اللامع\" (^١).\nوفي هامشه: وبذلك جزم النووي كما حكاه الكرماني إذ قال: مناسبة هذا الباب لكتاب الإيمان أن يبين أن هذه علامة عدم الإيمان، أو يعلم منه أن بعض النفاق كفر دون بعض.\nوقال النووي (^٢): مراد البخاري بذكر هذا الحديث أن المعاصي تنقص الإيمان كما أن الطاعة تزيده، انتهى.\n\n(٢٥ -<span data-type='title' id=toc-208> باب قيام ليلة القدر)</span>\nوفي هامش \"اللامع\": ذكر المصنف من \"باب كفر دون كفر\" خمسة أبواب تُضاد الإيمانَ، فبضدها تتبين الأشياء، ثم رجع بعد الخمسة إلى أمور الإيمان من \"باب قيام ليلة القدر\"، واختلف العلماء في المناسبات فيها بوجوه مختلفة كما ترى في كلام الشيخ وهذه الحواشي.\nقال الحافظ (^٣): لما بيَّن علامات النفاق وقبَّحها رجع إلى ذكر علامات الإيمان وحسَّنها؛ لأن الكلام على متعلقات الإيمان هو المقصود بالأصالة، وإنما يذكر متعلقات غيره استطرادًا، انتهى.\nوقال العيني (^٤): لما فرغ من الأبواب الخمسة التي هي ضد الإيمان\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (١/ ٥٧٥).\n(^٢) انظر: \"مختصر شرح صحيح البخاري\" للنووي (ص ٨٩)، و\"فتح الباري\" (١/ ٨٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١/ ٩١).\n(^٤) انظر: \"عمدة القاري\" (١/ ٣٣٤).","vol":"2","page":383},{"text":"ذكرها استطرادًا رجع إلى الأول، ولما كان آخر أبواب الإيمان \"باب السلام من الإيمان\" ذكر ليلة القدر متصلًا لقوله تعالى: ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ٥] فكان إفشاء السلام في ليلة القدر أكثر من غيرها.\nقوله: (إيمانًا واحتسابًا) مناسبة الرواية بالترجمة متوقفة على أن أثر الشيء والحاصل به يلحق به، فلما كان القيام مترتبًا على الإيمان مسببًا عنه كان ملحقًا به وجزء منه، وهذا ملحوظ في كثير من التراجم بعده، ولا يبعد أن يقال في مثل هذه التراجم: إنه غير متصد لإثبات الجزئية حتى يتكلف، وإنما قصد أن يثبت ما هو من مسببات الإيمان ومقتضياته ليقبل المسلم عليه ويفعله، كذا في \"اللامع\" (^١).\nوفي هامشه: وهذا مما مشى عليه الشيخ من \"باب أمور الإيمان\" أن غرض المصنف من هذه الأمور تحريض المسلم على الاتصاف بأمور الإيمان وشعبه.\nقال الكرماني (^٢): قوله: \"احتسابًا\" أي: إرادة وجه الله تعالى لا الرياء ونحوه، فقد يفعل الإنسان فعل الخير لكنه لا يفعله مخلصًا بل لرياء أو خوف ونحوه، وهو منصوب لأنه مفعول له، أو تمييز، ولا يصح أن يكون حالًا بمعنى مؤمنًا محتسبًا؛ لأنه لا يدل حينئذ على ترجمة الباب، إذ المفهوم فيه ليس القيام إلا في حال الإيمان.\nفإن قلت: فالتمييز والمفعول له أيضًا لا يدلان على الترجمة؟ قلت: من للابتداء، فمعناه، أن القيام منشؤه الإيمان، فيكون للإيمان أو من جملة الإيمان، انتهى مختصرًا.\nوتعقب كلامه العيني ورجَّح كونهما حالين وقال (^٣): الترجمة غير مرتبة عليه، وإنما هي مرتبة على مباشرة عمل هو سبب لغفران ما تقدم من ذنبه،\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (١/ ٥٧٨، ٥٧٩).\n(^٢) \"شرح الكرماني\" (١/ ١٥٤).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١/ ٣٣٧).","vol":"2","page":384},{"text":"وهو قيام ليلة القدر، ومباشرة مثل هذا العمل شعبة من شعب الإيمان، انتهى.\nوقال شيخ مشايخنا الدهلوي (^١): إذا قيل: قام طوعًا، فمعناه قيامًا تطوعًا، هكذا صام رمضان إيمانًا، وقام ليلة القدر إيمانًا، أي: صومًا هو الإيمان، وقيامًا هو الإيمان، فهو مفعول مطلق لحمله عليه، وإن خالف في المفهوم فطابق الترجمةَ الحديثُ، انتهى.\n\n(٢٦ -<span data-type='title' id=toc-209> باب الجهاد من الإيمان)</span>\nقال الحافظ (^٢): أورد هذا الباب بين قيام ليلة القدر وقيام رمضان وصيامه مع أنها في نسق واحد، لنكتة لم أرَ من تعرَّض لها، ثم بسطها، وحاصلها: أن التماس ليلة القدر تستدعي محافظة زائدة ومجاهدة تامة، ومع ذلك فقد يوافقها أو لا، وكذلك المجاهد يلتمس الشهادة ويقصد إعلاء كلمة الله، وقد يحصل له ذلك أو لا، فتناسب في أن كلًّا منهما مجاهدة، وفي أن كلًّا منهما قد يحصل المقصود الأصلي لصاحبه أو لا.\nثم قال: فذكر المصنف - ﵀ - فضل الجهاد لذلك استطرادًا، ثم عاد إلى ذكر قيام رمضان، وهو بالنسبة لقيام ليلة القدر عام بعد خاص، ثم ذكر بعده باب الصيام؛ لأن الصيام من التروك فأخَّره عن القيام لأنه من الأفعال، ولأن الليل قبل النهار، ولعله أشار إلى أن القيام مشروع في أول ليلة من الشهر خلافًا لبعضهم، انتهى مختصرًا.\n\n(٢٧ -<span data-type='title' id=toc-210> باب تطوع قيام رمضان)</span>\nذكر شيخ الهند في \"تراجمه\" ما تعريبه: اختلف العلماء المحدِّثون الكرام وغيرهم الذين جعلوا الأعمال داخلة في الإيمان على قولين: فجماعة\n_________\n(^١) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٣٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٩٢).","vol":"2","page":385},{"text":"تقول: إن الفرائض فقط دون التطوعات داخلة في الإيمان، والجماعة الثانية تقول: إن الفرائض والنوافل وجملة الأعمال داخلة فيه، والظاهر أن المؤلف - ﵀ - بإضافة كلمة التطوع في الترجمة أشار إلى رجحان القول الثاني.\n\n(٢٨ -<span data-type='title' id=toc-211> باب صوم رمضان. . .) إلخ</span>\nذكر مولانا فخر الدين في \"القول الفصيح\": أخَّرَه عن قيام رمضان مع أن الصوم فرض وقيام رمضان تطوع؛ لأن الصوم من التروك وقيام رمضان من الأفعال؛ ولأن القيام أول عمل الشهر بعد دخوله؛ ولأنه عمل الليل؛ ولأنه تقدمة للصيام بمنزلة السنن المؤكدات قبل الفرائض؛ ولأن بالقيام قبل الصيام دخولًا في فرض الصوم من باب السُّنَّة، قال النبي - ﷺ -: \"فرض الله عليكم صيامه وسننتُ لكم قيامه\" (^١) أو كما قال - ﵇ -.\nثم بين قيام رمضان وقيام ليلة القدر فرق، فقيام رمضان لرمضان خاصة ليس من أجل ليل القدر، بخلاف قيام ليل القدر فإنه قيام من أجل تلك الليلة المباركة فلا يختص برمضان، فقد تكون في غير رمضان أيضًا، نعم أكثر ما تكون تلك الليلة في رمضان في العشرة الثالثة في أوتارها، إلى آخر ما بسط.\n\n(٢٩ -<span data-type='title' id=toc-212> باب الدِّين يسر)</span>\nذكر شيخ الهند في \"تراجمه\" ما تعريبه: أن ترجمة الباب ومفهوم الحديث والتوافق بينهما ظاهر جدًّا، ولكن مع هذا تظهر فيه إشارة إلى أن الأعمال داخلة في الإيمان كما يفهم من الأبواب السابقة اللاحقة، كما أن فيه تعريضًا إلى تشديدات المعتزلة والخوارج أيضًا، انتهى.\nقلت: الأوجه عندي: أن هذا الباب رد على الخوارج خاصة.\n_________\n(^١) أخرجه النسائي (٢٢٠٩)، وابن ماجه (١٣٢٨).","vol":"2","page":386},{"text":"وأجاد الحافظ (^١) إذ قال بعد ذكر الحديث: ومناسبة إيراد المصنف لهذا الحديث عقب الأحاديث التي قبله ظاهرة من حيث إنها تضمَّنت الترغيب في القيام والصيام والجهاد، فأراد أن يبيِّن أن الأولى للعامل بذلك أن لا يجهد نفسه بحيث يعجز وينقطع، بل يعمل بتلطف وتدريج ليدوم عمله ولا ينقطع، ثم عاد إلى سياق الأحاديث الدالة على أن الأعمال الصالحة معدودة من الإيمان فقال: باب الصلاة من الإيمان، انتهى.\n(ولن يشاد الدين. . .) إلخ، قال شيخ المشايخ الدهلوي في \"تراجمه\" (^٢): أي: أخذه بالشدة بترك الأرفق الأيسر، وكتب الشيخ الكَنكَوهي قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٣): أي بالتزام ما هو أعلى مراتب العزيمة إلا غلبه الدين بأن لا يمكنه الجري على ما التزمه، وذلك لما في العزيمة من عسر يشق الدوام عليها مع أن مراتب العزيمة متفاوتة، ففوق كل مرتبة مزيد، وفيه دلالة على تفاوت الإيمان زيادةً ونقصانًا، فإن من تخير أعلى مراتب العزيمة كان أقواهم إيمانًا كالأنبياء، انتهى.\nوبسط الكلام في هامشه على شرح قول \"اللامع\"، وفيه: قال الحافظ (^٤): قال ابن المنيِّر: في هذا الحديث عَلَم من أعلام النبوة، فقد رأينا ورأى الناس قبلنا أن كل متنطِّع في الدين ينقطع، وليس المراد منع طلب الأكمل في العبادة فإنه من الأمور المحمودة، بل منع الإفراط المؤدي إلى الملال، أو المبالغة في التطوع المفضي إلى ترك الأفضل، أو إخراج الفرض عن وقته؛ كمن بات يصلي الليل كله ويغالب النوم إلى أن غلبته عيناه في آخر الليل فنام عن صلاة الصبح في الجماعة، أو إلى أن خرج الوقت المختار، ويستفاد من الحديث الإشارة إلى الأخذ بالرخصة الشرعية،\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٩٥).\n(^٢) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٣٧).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (١/ ٥٧٩).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١/ ٩٤).","vol":"2","page":387},{"text":"فإن الأخذ بالعزيمة في موضع الرخصة تنطُّع؛ كمن يترك التيمم عند العجز عن استعمال الماء فيفضي إلى الضرر.\nقوله: (قاربوا وأبشروا) قال شيخ المشايخ الشاه ولي الله الدهلوي في \"تراجمه\" (^١): أي: خذوا العمل القريب من الطاقة، وأبشروا، أي: بالثواب على العمل وإن قَلَّ، وكذا في \"الفتح\" (^٢) أيضًا.\nوقال التيمي: و\"قاربوا\"، إما أن يكون معناه قاربوا في العبادة ولا تباعدوا فيها، فإنكم إن باعدتم في ذلك لم تبلغوه، وإما أن يكون معناه ساعدوا، يقال: قاربت فلانًا إذا ساعدته، أي: ليساعد بعضكم بعضًا في الأمور، والأول أليق بترجمة الباب، كذا في \"الكرماني\" (^٣).\nقوله: (واستعينوا بالغدوة. . .) إلخ، قال شيخ المشايخ الدهلوي في \"تراجمه\" (^٤): الغدوة: السير أول النهار، والروحة: السير بعد الزوال، والدُّلجة: السير آخر الليل، والمعنى: استعينوا، أي: واظبوا على الطاعات في هذه الأوقات، انتهى.\nوقال الشيخ الكَنكَوهي قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٥): قوله: \"استعينوا بالغدوة. . .\" إلخ، أي: فلما لم يبق التزام أعلى مراتب العزيمة لم يجز الترك بالكلية، بل ينبغي التزام ما يمكن الدوام عليه من كثرة النوافل وغيرها من القربات في تلك الأوقات، ووجه تخصيصها غير خفي، انتهى.\nوبسط الكلام على ذلك في هامش \"اللامع\" أشد البسط، وفيه: الغدوة - بفتح الغين - ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس، والرَّواح من زوال الشمس إلى الليل، والدُّلجة - بفتح الدال وضمها - من الإدْلاج - بسكون\n_________\n(^١) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٣٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٩٥).\n(^٣) \"شرح الكرماني\" (١/ ١٦٢).\n(^٤) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٣٧).\n(^٥) \"لامع الدراري\" (١/ ٥٨٠).","vol":"2","page":388},{"text":"الدال - السير أوَّل الليل، ومن الإدِّلاج - بالدال المكسورة المشددة - سير آخر الليل.\nوأما الرواية فهو بضم الدال، وهو مثل قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: ١١٤] كأنه - ﷺ - خاطب مسافرًا يقطع طريقه إلى مقصده، فنبَّهه على أوقات نشاطه؛ لأن هذه الأوقات أفضل أوقات المسافر، بل على الحقيقة: الدنيا دار نقلة وطريق إلى الآخرة، فنبَّه أمته أن يغتنموا أوقات فرصتهم وفراغهم، إلى آخر ما بسط فيه.\nوفي \"فيض الباري\" (^١): وكان مولانا قطب العالم الشيخ الكَنكَوهي - ﵀ - يؤوِّله بالذكر في الغدوة والروحة وشيء من الدلجة، وإن ورد الحديث في الجهاد، انتهى.\n\n(٣٠ -<span data-type='title' id=toc-213> باب الصلاة من الإيمان)</span>\nلما ذكر في الحديث السابق الاستعانة بالأوقات الثلاثة في إقامة الطاعات، والصلاة أفضل العبادات، نبَّه بذلك على الصلوات الخمس، فإن الفجر: الغدوة، والظهرين: الروحة، والعشائين: شيء من الدلجة، كذا في العيني (^٢) مختصرًا.\nقوله: (﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾. . .) إلخ، [البقرة: ١٤٣]، قال الشيخ الكَنكَوهي قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٣): أيَّد به الترجمة لما فيه من إطلاق الإيمان على الصلاة إطلاق الكل على جزئه، ففيه دخول الصلاة وهي من الأعمال في الإيمان مع أن مراتب المصلين بحسب تفاوت صلواتهم في الحسن والقَبول متفاوتة، فيتطرق بذلك تفاوت في مراتب الإيمان، ولعل غرضهم - رضي الله تعالى عنهم - ليس هو السؤال عن نفس الأجر، بل المسألة إنما وقعت لأنهم لمَّا علموا أن الناسخ خير من المنسوخ\n_________\n(^١) \"فيض الباري\" (١/ ١٣١).\n(^٢) انظر: \"عمدة القاري\" (١/ ٣٥٤).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (١/ ٥٨١ - ٥٨٣).","vol":"2","page":389},{"text":"أو مثله، وقد علموا أيضًا أن إكمال الدين يومًا فيومًا يقتضي أن يكون الحكم الآتي بعد حكم أكمل منه وأفضل عند الله، وكان النبي - ﷺ - يحب أن يحوَّل إلى الكعبة، فكان ذلك أول دليل أيضًا على فضل الصلاة إليها، فاشتبه أمر الثواب المرتب على صلاتهم إلى بيت المقدس هل يساوي أجور صلاتنا إلى الكعبة أو يكون دون ذلك؟ انتهى.\nقوله: (عند البيت) وقال شيخ الهند في \"تراجمه\": الذي يحتاج إلى البيان والتوضيح هو قوله: \"عند البيت\" فإنه مما يختلج في القلب، ولذا حمله بعض الشرَّاح على التصحيف، وأَوَّلَه بعض المحققين بما لا يخلو عن تكلف، والأحسن عندنا أن لا يتكلف بأيّ تأويل، بل يجعل الظرف متعلقًا بالصلاة على ما هو الظاهر، ويكون التقدير: صلاتكم إلى البيت المقدس.\nوإنما كنا نحتاج إلى التأويل أو دعوى التصحيف لو كان المصنف قال: إلى البيت، وأما قوله: \"عند البيت\" فقرينة على أن تلك الصلوات لم لكن إلى البيت، فإذا لم تكن إلى البيت فلا بد أن تكون إلى البيت المقدس، وهذا مما لا شك فيه، ولما كانت الصلوات التي صُلِّيت قبل الهجرة عند البيت الحرام إلى البيت المقدس كثيرة، مع كونها أُدِّيت في المسجد الحرام الذي هو مقام مقدس ومكان أفضل، فيستبعد جدًّا ضياعها، فلذا وقع التصريح بها بخلاف الصلوات التي صُلِّيت إلى البيت المقدس بعد الهجرة فإنها لم تكن بتلك الكثرة، وأيضًا ما صليت في المسجد الحرام، فلم يقع الاحتياج إلى الإشارة إليها، وأيضًا هذا أوفق وألصق بشأن النزول، فتأمل ولا تعجل، انتهى.\nوقيل: هو تصحيف، والصواب: إلى غير البيت، فإنها كانت إلى بيت المقدس، وقال الحافظ (^١): لا تحريف بل المقصود دقيق، وهو أن الصلاة إلى غير البيت مع كونه عند البيت إذا لم تضع فهي مع البعد عنه إلى غير\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (١/ ١٠٧).","vol":"2","page":390},{"text":"البيت كيف تضيع، كذا في \"القسطلاني\"، انتهى. والبسط في هامش \"اللامع\" (^١).\nوقيل: المراد بالبيت مكة، وكانت الصلاة عنده إلى بيت المقدس، كذا في \"الكرماني\" (^٢).\nوقال السندي (^٣): الظرف ليس متعلقًا بالصلاة حتى يرد أنه تصحيف، والصواب: صلاتكم لغير البيت، بل هو متعلق لقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ﴾ أي: ما كان الله ليضيع صلاتكم قبل استقبال البيت، أي: لا يبطل الله صلاتكم حين استقبلتم البيت، فإن استقبال البيت خير، فلا يترتب عليه فساد الأعمال السابقة، والله أعلم.\n(أول صلاة صلاها) قال الشيخ الكَنكَوهي قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٤): والذي استظهرت عليه الروايات أن التحويلة إنما وقعت في صلاة الظهر، وباقي الروايات مؤولة، فإما أن يقال: إن راوي العصر لم يصل معه الظهر، فظن أن العصر أول صلاة صلاها إلى الكعبة، أو يكون المعنى: أول صلاة صلاها من صلوات العصر لا مطلقًا، أو غير ذلك من التأويلات، انتهى.\nقلت: واختلفت الروايات في ذلك كثيرًا، بُسطت في هامش \"اللامع\"، والبسط منه في \"الأوجز\" (^٥).\nوالحاصل: أنه اختلفت الروايات في تعيين الصلاة: أهي الظهر أو العصر؟ وفي الموضع الذي وقع فيه التحويل: أهو المسجد النبوي، أو مسجد بني سلمة مسجد القبلتين؟\nواختار الواقدي، ومحمد بن حبيب الهاشمي، وابن الجوزي في\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١/ ٢١٤)، وانظر: \"لامع الدراري\" (١/ ٥٨٢).\n(^٢) \"شرح الكرماني\" (١/ ١٦٣).\n(^٣) \"حاشية السندي\" (١/ ١٦).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (١/ ٥٨٣ - ٥٨٥).\n(^٥) انظر: \"أوجز المسالك\" (٤/ ١٨٧).","vol":"2","page":391},{"text":"\"التلقيح\": أن التحويل وقع في مسجد بني سلمة في صلاة الظهر، وقيل: وقع في المسجد النبوي في صلاة الظهر.\nوقال الحافظ ابن كثير (^١): المشهور أن أول صلاة صلاها إلى الكعبة صلاة العصر، ولهذا تأخر الخبر عن أهل قباء إلى صلاة الفجر.\nوقال الحافظ ابن حجر (^٢): التحقيق أن أول صلاة صلاها في مسجد بني سلمة - لما مات بشر بن البراء بن معرور - الظهر، وأول صلاة صلاها بالمسجد النبوي العصر، انتهى.\nوالأوجه عندي: أن أول صلاة صلاها هي العصر، وكتب مولانا الشيخ محمد حسن المكي من تقرير الشيخ الكَنكَوهي قُدِّس سرُّه كما في هامش \"اللامع\" (^٣): أن ما اشتهر أن تحويل النبي - ﷺ - كان في وسط الصلاة فكذب وغلط فاحش، بل نزل التحويل أولًا، ثم صلى الصلاة إلى البيت، انتهى.\nقوله: (وأهل الكتاب): وفي هامش الهندية بالرفع عطفًا على اليهود من عطف العام على الخاص، وقيل: المراد النصارى، وفيه نظر؛ لأنهم لا يصلون قِبَلَ بيت المقدس، فكيف تعجبهم؟ قاله السيوطي في \"التوشيح\" (^٤)، قال القسطلاني (^٥): وإعجابهم ليس لكونه قبلتهم بل بطريق التبعية لهم، انتهى.\nقال الحافظ (^٦): وفيه بُعد؛ لأنهم أشد الناس عداوة لليهود، ويحتمل أن يكون بالنصب والواو بمعنى مع، أي: يصلي مع أهل الكتاب إلى بيت المقدس.\n_________\n(^١) \"تفسير ابن كثير\" (١/ ١٩٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٩٧).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (١/ ٥٨٥).\n(^٤) \"التوشيح\" (١/ ٢٠٥).\n(^٥) \"إرشاد الساري\" (١/ ٢١٧).\n(^٦) \"فتح الباري\" (١/ ٩٧).","vol":"2","page":392},{"text":"(٣١ -<span data-type='title' id=toc-214> باب حسن إسلام المرء)</span>\nكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^١): قوله: \"فحسن إسلامه\"، وكذلك قوله: \"إلى سبعمائة ضِعف\" يدلان على زيادة الإيمان ونقصه حيث كان الحُسن متفاوتًا، وكذلك تفاوت ما بين أجور الحسنات من العشرة إلى سبعمائة ضعف ينبئ عن ذلك، وكذلك في قوله تعالى من الباب السابق: ﴿لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾، دلالة على تفاوت مراتب الإيمان حسب تفاوت مراتب الصلاة في الحسن والقبول، فإن الصلاة لما كانت إيمانًا كان تفاوت درجاتها تفاوتًا في درجات الإيمان ومراتبه، وتفاوت ما بين المصلين مستغن عن البيان، انتهى.\nوفي هامشه: قوله: تفاوت ما بين المصلين إلخ، ففي \"أبي داود\" (^٢) من حديث عمار بن ياسر رفعه: \"إن الرجل لينصرف وما كُتب له إلا عُشر صلاته، تسعها، وثمنها\" الحديث، وما أفاده الشيخ من قوله: كان الحُسن متفاوتًا إلخ، كتب في هامش \"اللامع\": بذلك جزم الحافظ دون العيني، قال القسطلاني (^٣): قول الحافظ (^٤): إن الحديث يرد على من أنكر الزيادة النقص في الإيمان؛ لأن الحُسن تتفاوت درجاته، تعقبه العيني (^٥) بأن الحسن من أوصاف الإيمان، ولا يلزم من قابلية الوصف الزيادة والنقص، قابلية الذات، إلى آخر ما ذكره.\nوفي \"القول الفصيح\": ثم لا يخفى أن الصلاة في أوقاتها آية باهرة لحسن إسلام المرء ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إلا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ الآية [البقرة: ٤٥]، فجاء تعقيب الصلاة بباب حسن إسلام المرء في غاية الحسن واللطافة، انتهى.\nقلت: لما ذكر في الباب الأول حرص الصحابة على دينهم وشفقتهم\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (١/ ٥٨٦).\n(^٢) \"سنن أبي داود\" (٧٩٦).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١/ ٢١٩).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١/ ١٠٠).\n(^٥) انظر: \"عمدة القاري\" (١/ ٣٧٤).","vol":"2","page":393},{"text":"على إخوانهم حيث اغتموا على صلواتهم السابقة، وكذا على إخوانهم الذين ماتوا على الصلاة إلى البيت المقدس قبل التحويل، وكذا وقع له نظير ذلك في تحريم الخمر، فنزل: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ إلى قوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣)﴾ [المائدة: ٩٣]، وقوله: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠] ذكر هذا الباب، فذكر الدليل على أن المسلم إذا فعل الحسنة أثيب عليها، كذا في \"الفتح\" (^١).\nوبسط الكلام في هامش \"اللامع\" (^٢) على حديث الباب، وفيه الكلام أيضًا على أن الكافر هل يثاب على حسناته إذا أسلم؟ كما مال إليه إبراهيم الحربي من الحفاظ من أصحاب أحمد بن حنبل، وابن بطال، والسهيلي، والقرطبي، وابن المنيِّر من المالكية، وجزم به النووي من الشافعية، قال في \"شرح المهذب\" (^٣): والصواب المختار أنه يثاب عليها في الآخرة، وقد نقل الإجماع عليه، ومن أطلق بخلاف ذلك فهو غالط مخالف للسُّنَّة الصحيحة التي لا معارض لها، انتهى.\nوهكذا نقل عن اللقاني من الحنفية.\n\n(٣٢ -<span data-type='title' id=toc-215> باب أحب الدين إلى الله أدومه)</span>\nوالمراد الدوام على الأعمال، ففيه إطلاق الدين على الأعمال، كذا في \"شرح النووي\" (^٤)، أو الدوام قابل للقلة والكثرة فهو غرض الترجمة، كذا في \"القسطلاني\" (^٥)، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ١٠٠).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (١/ ٥٨٨).\n(^٣) \"المجموع\" (٣/ ٤).\n(^٤) انظر: \"مختصر شرح صحيح البخاري\" للنووي (ص ١٠١).\n(^٥) \"إرشاد الساري\" (١/ ٢٢١).","vol":"2","page":394},{"text":"قال الحافظ (^١): مراد المصنف الاستدلال على أن الإيمان يطلق على الأعمال؛ لأن المراد بالدين هنا العمل، والدين الحقيقي هو الإسلام، والإسلام الحقيقي مرادف للإيمان، فيصح بهذا مقصوده، ومناسبته لما قبله من قوله: \"عليكم بما تطيقون\"، لأنه لما قدَّم أن الإسلام يحسن بالأعمال الصالحة، أراد أن ينبِّه على أن جهاد النفس في ذلك إلى حد المغالبة غير مطلوب، وقد تقدم بعض هذا المعنى في \"باب الدين يسر\"، انتهى.\nوفي \"اللامع\" (^٢): قوله: \"أحب الدين. . .\" إلخ، والحب مختلفة مراتبه، فكذا الإيمان لترتبه عليه في الرواية، وباقي المعنى ظاهر.\nوفي هامشه: قوله: \"أحب الدين\"، قال الكرماني (^٣): أي أحب الأعمال، إذ الدين هو الطاعة، ومناسبة الكتاب من جهة أن الدين والإسلام والإيمان واحد، وقال الخطابي (^٤): أحب الدين أحب الطاعة، والدينُ في كلامهم الطاعةُ، ومنه الحديث في صفة الخوارج: \"يمرقون من الدين\" (^٥)، أي: من طاعة الإمام، ويحتمل أن يكون أراد بذلك أحب أعمال الدين بحذف المضاف.\n\n(٣٣ -<span data-type='title' id=toc-216> باب زيادة الإيمان ونقصانه)</span>\nقال الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٦): أراد بذلك الزيادة والنقصان بحسب تزايد المؤمن به وتناقصه، كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، فإن هذا الإكمال لم يكن إلا إكمال الأحكام والشرائع، وهو حق لا ريب فيه، وهذا هو المراد بقوله تعالى: ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: ١٣]، وقوله تعالى: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر: ٣١]، وذلك لأنه كلما نزل حكم آمنوا به، فكانت في إيمانهم زيادة بحسب زيادة\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ١٠١).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (١/ ٥٨٩).\n(^٣) \"شرح الكرماني\" (١/ ١٧١).\n(^٤) \"أعلام الحديث\" (١/ ١٧٤).\n(^٥) أخرجه البخاري (ح: ٣٣٤٤)، ومسلم (ح: ١٠٦٤).\n(^٦) \"لامع الدراري\" (١/ ٥٩١).","vol":"2","page":395},{"text":"الأحكام، وكذلك يراد بقول المؤلف: إنه كلما ترك شيئًا من الكمال فهو ناقص، أن الدين لما كان كاملًا إذ ذاك كان الإيمان بما دونه ناقصًا نسبة إلى ذلك الذي استقر عليه الأمر وقت الإكمال وإن كان كاملًا في نفسه، فلا يلزم نقصان إيمان من مات منهم قبل إكمالها، والله أعلم، وهذا نسبة إلى الإيمان التفصيلي، فلمن آمن بعد إكمال الشرائع مزية على المؤمنين الذين ماتوا قبل الإكمال.\nوأما الإيمان الإجمالي، فكلهم سواء فيه حيث آمن الأولون بعين ما آمن به الآخرون، نعم لا ينطبق على هذا المعنى للترجمة ما أورد فيه من الرواية؛ لأنه لا يمكن التفريق والتفاوت بين المؤمنين باعتبار المؤمن به، فكيف يمكن أن يقال في قوله: \"أخرجوا من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان\" (^١): إنه تقليل باعتبار قلة المؤمن به؟ وذلك لأن الإيمان بالبعض دون البعض مما أُمرنا أن نؤمن به عين الكفر، فلا جواب إلا باعتبار التفاوت في الأعمال.\nفيكون حاصل الرواية: أن المؤمنين بعد ما آمنوا بما أمروا بالإيمان به، يتفاوتون بينهم تفاوتًا كثيرًا، فمنهم من ليس له من الخير إلا ذرة، ومنهم من له فوق ذلك، فأما إذا عمَّم في الترجمة بحيث يشمل الزيادة والنقصان بحسب الكيفية، والتفاوت بحسب المؤمن به، فالتطبيق بين الترجمة والرواية سهل، فإن مراتب الكيفيات ودرجات التصديق متفاوتة، فمنهم من أشد استيقانًا ومنهم من دون ذلك، إلا أن الكل منهم متصفون بالإيمان المتوقف عليه النجاة من الخلود في النار، وهذه المراتب من الذرة أو ما فوقها فيما فوق ذلك، انتهى.\nوبسط الكلام على ذلك في هامشه، وفيه:\nقال الحافظ (^٢): تقدم قبلُ بستة عشر بابًا \"باب تفاضل أهل الإيمان في\n_________\n(^١) أخرج البخاري (ح: ٢٢)، ومسلم (ح: ١٨٣، ١٨٤)، والنسائي (ح: ٥٠١٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ١٠٣).","vol":"2","page":396},{"text":"الأعمال\"، وأورد فيه حديث أبي سعيد الخدري بمعنى حديث أنس الذي أورده ههنا، فتعقب عليه بأنه تكرار، وأجيب عنه بأن الحديث لما كانت الزيادة والنقصان فيه باعتبار الأعمال أو باعتبار التصديق ترجم لكل من الاحتمالين، وخصَّ حديث أبي سعيد بالأعمال، لأن سياقه ليس فيه تفاوت بين الموزونات، بخلاف حديث أنس ففيه التفاوت في الإيمان القائم بالقلب من وزن الشعيرة والبُرة والذَّرة.\nقال ابن بطال: التفاوت في التصديق على قدر العلم والجهل، فمن قلَّ علمه كان تصديقه مثلًا بمقدار ذرة، والذي فوقه في العلم تصديقه بمقدار بُرة أو شعيرة، إلا أن أصل التصديق الحاصل في قلب كل مؤمن لا يجوز عليه النقصان، ويجوز عليه الزيادة بزيادة العلم والمعاينة، انتهى.\nوقال شيخ الهند قُدِّس سرُّه في \"تراجمه\" ما تعريبه:\nلقد ذكر المؤلف - ﵀ - في الترجمة الأولى من كتاب الإيمان قوله: \"يزيد وينقص\"، ثم أوضح تفاوت مراتب الإيمان في التراجم المتعددة بالعناوين المختلفة، وقد تقدم الكلام عليها في مواقعها، والآن هنا ترجم أيضًا بالزيادة والنقصان في الإيمان، ومفهومه أيضًا مفهوم الترجمة الأولى، بل إنه لم يغير العنوان أيضًا فهو تكرار الترجمة بعينها، لذا أقول: إنه قد تقدم في الأبواب السابقة أن المؤلف - ﵀ -، أثبت في الباب الأول الزيادة والنقصان في الإيمان الكامل، يعني: مجموعة التصديق والأعمال، وفي هذا الباب يظهر بعد التأمل الشديد أنه أثبت بزيادة الشرائع والأحكام، يعني: الزيادة والنقصان في الإيمان باعتبار المؤمن به، ويمكن تصديق ما قلنا - إن شاء الله - من التعمق والخوض في الآيات والأحاديث المذكورة في الباب.\nوالحاصل: أن نفس الإيمان والأعمال ومجموعهما، والمؤمن به، لكل من هذه الوجوه أثبت المؤلف التفاوتَ في الإيمان والزيادةَ والنقصانَ فيه في الأبواب المختلفة بالنصوص الصحيحة، وراعى في ذلك الاحتياط واتباع السلف، والله تعالى أعلم، انتهى.","vol":"2","page":397},{"text":"وبسط الكلام في هامش \"اللامع\" (^١) على تلك المسألة، وفيه على قول الشيخ قُدِّس سرُّه: \"وأما إذا عمَّم في الترجمة. . .\" إلخ: وحاصل ما أفاده الشيخ أن الزيادة في ترجمة الباب تَعمّ زيادة المؤمن به كما هو نص آية الإكمال وزيادةَ التصديق القلبي كما مال إليه الحافظ تحذرًا عن تكرار الترجمة، وهذا واضح، وعلى هذا فلا يبقى إشكال تكرار الترجمة، ولا إشكال عدم التوافق بين الترجمة والآية والرواية.\nقوله: (في قلبه وزن ذرة من خير) قال السيوطي (^٢): الذرة الهباء الذي يظهر في شعاع الشمس، وقيل: النملة الصغيرة، قال ابن بطال: قال المهلب: الذرة أقل الموزونات، وهي في الحديث التصديق الذي لا يجوز أن يدخله النقص، وما في البرة والشعيرة من الزيادة على الذرة فإنما هي زيادة من الأعمال يكمل التصديق بها، وليست زيادة في نفس التصديق.\nفإن قيل: لما أضاف هذه الأجزاء التي في الشعيرة والبرة الزائدة على الذرة إلى القلب دلَّ على أنها زائدة من التصديق لا من الأعمال، والجواب: أنه لما كان الإيمان التام إنما هو قول وعمل، والعمل لا يكون بنية وإخلاص من القلب، جاز أن ينسب العمل إلى القلب، إذ تمامه بتصديق القلب، وقد عبَّر عن هذه الأجزاء من الأعمال مرة بالخير ومرة بالإيمان، وكل شائع سائغ.\nوقال غير المهلب: ويحتمل أن تكون الذرة وأختاها [التي] في القلب ثلاثتها من نفس التصديق؛ لأن قول لا إله إلا الله، لا يتم إلا بتصديق القلب، والناس يتفاضلون في التصديق، إذ يجوز عليه الزيادة بزيادة العلم لقوله تعالى: ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا﴾ [التوبة: ١٢٤]، وكذا بزيادة المعاينة لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]، وقوله: ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (١/ ٥٩٣).\n(^٢) \"التوشيح\" (١/ ٢١٠)، وانظر: \"فتح الباري\" (١/ ١٠٤).","vol":"2","page":398},{"text":"الْيَقِينِ﴾ [التكاثر: ٧]، حيث جعل له مزية على علم اليقين، كذا في \"الكرماني\" (^١).\nقلت: ومال إلى الزيادة في نفس التصديق النووي (^٢)، والسيف الآمدي، والصفي الهندي، وصحَّحه الحافظ ابن رجب الحنبلي، وقال: وهو أصح الروايتين عن أحمد بن حنبل، وجمهور المتكلمين على أن نفس التصديق لا يقبل الزيادة والنقصان، وهو المشهور عن الحنفية، وقالوا: لئن سلمنا الزيادة في نفس التصديق فلا نسلم أنه بمقومات الماهية بل بغيرها، وقد صرَّح القاضي عياض بأن هذه المراتب من الشعيرة والبُرة والذرة إنما هي لشيء زائد على مجرَّد الإيمان؛ لأن مجرد الإيمان الذي هو التصديق لا يتجزأ، وإنما يكون هذا التجزُّؤ لشيء زائد عليه من عمل صالح، أو ذكر خفي، أو عمل من أعمال القلب من الشفقة على مسكين، أو خوف من الله تعالى، أو نية صادقة، والله أعلم.\nقوله: (لو نزلت علينا هذه الآية) قال القسطلاني (^٣) في أول \"كتاب الاعتصام\": قال ابن عباس: كان ذلك اليوم خمسة أعياد: جمعة، وعرفة، وعيد اليهود، والنصارى، والمجوس، ولم يجتمع أعياد أهل الملل في يوم قبله ولا بعده، انتهى.\nوما أورد عليه القاري في \"الحظ الأوفر\" ليس بوجيه عندي.\nوفي هامش \"اللامع\" (^٤) قوله: \"قد عرفنا. . .\" إلخ، وفي تقرير مولانا الشيخ محمد حسن المكي رحمه الله تعالى، عن الشيخ الكَنكَوهي قال: يعني: قد جعل الله لنا ذلك اليوم عيدًا، يعني: العيد يكون بجعل الله لا باتخاذنا كما هو زعمكم وفعلكم، انتهى.\n_________\n(^١) \"شرح الكرماني\" (١/ ١٧٥، ١٧٦).\n(^٢) انظر: \"مختصر شرح صحيح البخاري\" للنووي (ص ١٠٣).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٥/ ٢٦٣).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (١/ ٥٩٤).","vol":"2","page":399},{"text":"قلت: ويؤيد ذلك ما قال الحافظ في \"الفتح\" (^١) في جواب من قال: كيف طابق الجواب السؤال في جواب عمر بمعرفة الوقت والمكان؟ فقال: عندي أن في هذه الرواية اكتفى بالإشارة؛ لأن في رواية الطبري في \"التفسير\" والطبراني في \"الأوسط\": \"نزلت يوم جمعة يوم عرفة، وكلاهما بحمد الله لنا عيد\"، وفي أخرى لهما: \"وهما لنا عيدان\"، وفي \"الترمذي\" من حديث ابن عباس: \"نزلت في يوم عيدين: يوم جمعة ويوم عرفة\".\nقال الحافظ: فإن قيل: كيف دلَّت هذه القصة على ترجمة الباب؟ أجيب: من جهة أنها بيَّنت أن نزولها كان بعرفة، وكان ذلك في حجة الوداع التي هي آخر عهد البعثة حين تمت الشريعة وأركانها، والله أعلم، وقد جزم السدي بأنه لم ينزل بعد هذه الآية شيء من الحلال والحرام، انتهى.\n\n(٣٤ -<span data-type='title' id=toc-217> باب الزكاة من الإسلام)</span>\nوفي الحاشية الهندية (^٢): قوله: \" ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ \" [البينة: ٥] أي: المذكور من الأشياء دين الملة المستقيمة، ووجه قيام الآية بالترجمة أن الآية دلَّت على أن الزكاة من الدين، والدين عند الله الإسلام، فيكون الزكاة من الإسلام، كذا في \"التوضيح\".\nقال الحافظ (^٣): ويأتي فيه ما مضى في \"باب الصلاة من الإيمان\"، والآية دالة على ما ترجم له؛ لأن المراد بقوله: ﴿دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ دين الإسلام، والقيِّمة المستقيمة، وإنما خص الزكاة بالترجمة؛ لأن باقي ما ذكر في الآية والحديث قد أفرده بتراجم أخرى، انتهى.\nقوله: (لا أزيد على هذا. . .) إلخ، اختلف في توجيهه على أقوال بسطت\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ١٠٥).\n(^٢) (١/ ٢٦٣).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١/ ١٠٦).","vol":"2","page":400},{"text":"في الصيام من \"اللامع\" (^١)، والصلاة من \"الأوجز\" (^٢).\nوالأوجه عندي: أن ما سيأتي في صيام البخاري من قوله: \"والله لا أتطوع شيئًا ولا أنقص مما فرض\" (^٣) ينافي التأويل المشهور من التبليغ، واختلفوا في جوابه أيضًا، والأوجه فيه عندي: أن المقتصر على الواجبات دون الآتي بالتطوعات ناج بلا ريب كما صرح بذلك النووي، وسيأتي في الصيام من كلام الحافظ، ومع هذا لما كانت التطوعات مكملات للفرائض فلا بد من إتيانها، فإن إتيان الصلاة بآدابها وبكمالها عسير جدًا.\nوقد ورد عن أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا: \"أن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر، وإن انتقص من فريضته شيء قال الرب ﵎: انظروا هل لعبدي من تطوع يكمل بها ما انتقص من الفريضة؟ \"الحديث، أخرجه أبو داود وابن ماجه والترمذي (^٤)، واللفظ له، بسط الكلام على الحديث أيضًا في \"الأوجز\" (^٥).\n\n(٣٥ -<span data-type='title' id=toc-218> باب اتباع الجنائز من الإيمان)</span>\nقال الحافظ (^٦): ختم به المصنف معظم التراجم التي وقعت له في شُعب الإيمان؛ لأن ذلك آخر أحوال الدنيا، وإنما أخَّر ترجمة أداء الخمس من الإيمان لمعنى سنذكره، انتهى.\nقلت: لم نجد ما وعده الحافظ نوَّر الله مرقده من سبب تأخير باب أداء الخمس. . . إلخ فيما وعده، ومثل هذا يقع كثيرًا في \"الفتح\" أن قدوة\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (١/ ٣٣٠).\n(^٢) \"أوجز المسالك\" (٣/ ٥٩٥).\n(^٣) \"صحيح البخاري\" (ح: ١٨٩١)، وفيه: \"والذي أكرمك، لا أتطوع. . .\" إلخ.\n(^٤) \"سنن أبي داود\" (ح: ٨٦٤)، \"سنن ابن ماجه\" (ح: ١٤٢٥)، \"سنن الترمذي\" (ح: ٤١٣).\n(^٥) \"أوجز المسالك\" (٣/ ٥٦٢).\n(^٦) انظر: \"فتح الباري\" (١/ ١٠٨).","vol":"2","page":401},{"text":"المحدثين الحافظ ابن حجر نوَّر الله مرقده كثيرًا ما يَعِدُ ذكر بعض الأبحاث في موضع ثم لا نجده فيها، والظاهر أن هذا من قصور تتبعنا، ولا يبعد أنه رضي الله تعالى عنه يريد ذكره، ولما وصل إلى الموضع الموعود نسيه.\n\n(٣٦ -<span data-type='title' id=toc-219> باب خوف المؤمن أن يحبط عمله)</span>\nقال النووي في \"شرحه\" (^١): فيه رد على المرجئة في قولهم الباطل: إن الله تعالى لا يعذب على شيء من المعاصي من قال: لا إله إلا الله، ولا يحبط شيئًا من أعماله، وأن إيمان المطيع والعاصي سواء، وذكر أقوال الصحابة والتابعين الخائفين عن ذلك، انتهى.\nوقال القسطلاني (^٢): لا يقال في الباب تقوية لمذهب الإحباطية القائلين بإحباط الأعمال بالسيئات، وحكموا على العاصي بالكفر؛ لأن مراد المصنف إحباط الثواب فقط، انتهى.\nبسط الشيخ قُدِّس سرُّه على هذا الباب في \"اللامع\" (^٣) كلامًا طويلًا لا يسعه هذا المختصر، وكذا بسط في هامشه في تأييد كلام الشيخ وتوضيح أقوال السلف، وجملة ما قال الشيخ: أشار المؤلف بذلك إلى أن المؤمن ليس من شأنه أن يأمن على نفسه الحبط والكفر، فإن المرء ما دام حيًّا يُخاف عليه الفتنة، فلا بد له من دوام المراقبة.\nثم إن للحبط مراتب: أدناها: أن لا يقع عمله على أفضل ما ينبغي أن يقع عليه، وأوسطها: أن لا يكون له قبول، وأعلى مراتب الحبط: سلب الإيمان والتأدية إلى الكفر، وبحسب هذه المراتب يتفاوت الإيمان قوة وضعفًا، وإن لم يكن لأحد من المؤمنين أمن من مراتب الحبط كلها، إلا أن غالب حاله الكون في مرتبة من تلك المراتب، وبحسبه يختلف اتصافه\n_________\n(^١) انظر: \"مختصر شرح صحيح البخاري\" للنووي (ص ١١٥)، وفيه: \"ولا يحبط أعماله بشيء من الذنوب\".\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١/ ٢٣٣).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (١/ ٥٩٦).","vol":"2","page":402},{"text":"بالإيمان، وكذلك التشبيه بإيمان جبرئيل لما لم يثبت من الصحابة علم أن بين المؤمنين بحسب إيمانهم تفاوتًا، فمن مؤمن إيمانه في أعلى مراتب اليقين، ومنهم دون ذلك، وكذلك الإصرار على الكبيرة لما كان مفضيًا إلى الكفر وحبط الأعمال كان الأبعد من الإصرار أبعد من الكفر وأقوى إيمانًا ممن هو أقرب إلى الكفر بإصراره على الكبيرة.\nوالرواية التي أوردها في الباب محمولة على ما وضع عليه الترجمة، فكانت الترجمة بيانًا لما هو المراد بالكفر في الرواية، وإذا خيف على المؤمن حَبْطُ أعماله بأنواعه التي ذكرت فكان الإصرار على الكبائر مفضيًا إلى الكفر كان ذلك ردًّا على المرجئة القائلين بأن الإيمان لا يضر معه معصية، فكأن الباب مقصود له كما تدل عليه الرواية الموردة في الباب، انتهى.\nوقال شيخ الهند في \"تراجمه\" ما تعريبه:\nذكر المؤلف - ﵀ - في هذا الباب ترجمتين: الأولى: خوف المؤمن، والثانية: ما يحذر، [و] ذكر لإثبات الترجمة الأولى أقوال إبراهيم التيمي وغيره من التابعين، وللترجمة الثانية الآية القرآنية، ثم أورد روايتين يظهر علاقتهما بالترجمة الثانية واضحًا، والظاهر أن الغرض من الترجمة الأولى: هو أن المؤمن ينبغي له أن يكون خائفًا من النفاق، ومن الترجمة الثانية: المقصود فيه صريح وهو التخويف عن المعاصي.\nوالحاصل: أنه بعد الفراغ من أجزاء الإيمان ومكملاته أراد بيان المفسدات والمضرات الإيمانية، وهي شيئان:\nالأول: النفاق، والثاني: المعاصي مع الإصرار بدون توبة. ولما لم يكن في روايات الباب ذكر الإصرار بغير توبة ذكر الآية في الترجمة لإثباته، وحصل إبطال المرجئة أيضًا، والرواية الأولى صريحة في ذلك، انتهى.\nوفي \"النور الساري\": المناسبة بين هاتين الترجمتين بأن الترجمة","vol":"2","page":403},{"text":"الأولى فيه أن يخاف المؤمن من حبط الأعمال، وليس فيه وجه الحبط، ولعل في الترجمة الثانية بيان سبب حبط الأعمال ووجهه، وهو الإصرار على التقاتل والعصيان، ويحتمل أن يقال: إن الترجمة الثانية عام والأولى فرد منها، وإنما أفرد الأولى بالذكر لاهتمام شأنه، والله أعلم، انتهى.\nقال الحافظ: (^١) قوله: \"ما يحذر\" هذه ترجمة أخرى، فصل بين الترجمتين بآثار لتعلقها بالأولى فقط، وأما الحديثان فالأول منهما يتعلق بالثانية، والثاني بالأولى، ففيه لف ونشر غير مرتب، انتهى.\nقوله: (وهو لا يشعر. . .) إلخ، كأنه أشار إلى مسألة خلافية.\nقال النووي: المراد بالإحباط نقصان الإيمان وإبطال بعض العبادات لا الكفر؛ لأن الرجل لا يكفر إلا بما يفعل شيئًا عالمًا أنه الكفر، ورد عليه الكرماني (^٢)، وقال: الجمهور على أنه يكفر بموجب الكفر وإن لم يعلم أنه كفر.\nوقال ابن عابدين (^٣): قال في \"البحر\": والحاصل: أن من تكلم بكلمة الكفر هازلًا أو لاعبًا كفر عند الكل، ولا اعتبار باعتقاده، كما صرَّح به في \"الخانية\"، ومن تكلم بها اختيارًا جاهلًا بأنها كفر ففيه اختلاف، انتهى.\nقوله: (ابن أبي مليكة. . .) إلخ، كتب شيخ الهند قُدِّس سرُّه في \"تراجمه\" ما تعريبه: وأما قول ابن أبي مليكة: \"ما منهم أحد يقول: إنه على إيمان جبرئيل وميكائيل\"، فالمراد منه أن السلف لم ينقل منهم مثل هذه الكلمات، ويخشى منها المغالطة أيضًا فينبغي الاحتراز عنها، فإن الإمام أبا حنيفة - ﵀ - عند ما قال بذيل تحقيق مسألة الإيمان: إيماني كإيمان جبرئيل، أضاف بعدها: ولا أقول: إيماني مثل إيمان جبرئيل، فسدَّ بذلك باب المغلطة.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ١١١).\n(^٢) \"شرح الكرماني\" (١/ ١٨٧).\n(^٣) \"رد المحتار\" (٦/ ٣٥٨).","vol":"2","page":404},{"text":"والإمام محمد - ﵀ - عندما رأى حال الناس فأوضح وقال: لا أقول: إيماني كإيماني جبرئيل، بل أقول: آمنت بما آمن به جبرئيل، ولم يتركوا شيئًا من الاحتياط إلا وأخذوا به، ومن لم يفهم مع ذلك أيضًا فحسيبه الله.\nوانظروا الإمام البخاري نفسه مع احتياطه الكامل في مسألة خلق القرآن كم لاقى من مخالفيه ومعترضيه، وما ورد في منقبة القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦]، فقد حصل لهؤلاء الأكابر بسبب الحسَّاد من هذه المنقبة نصيبهم، انتهى.\nوفي هامش \"اللامع\" (^١): قال صاحب \"الدر المختار\" (^٢) في مسألة الطلاق: إن الكاف للتشبيه في الذات، و\"مِثْلٌ\" للتشبيه في الصفات، ولذا قال أبو حنيفة: إيماني كإيمان جبرئيل لا مثل إيمان جبرئيل، كذا في \"البحر\".\nقال ابن عابدين: لزيادته في الصفة من كونه عن مشاهدة فيحصل به زيادة الاطمئنان، كما أشير إليه في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ الآية [البقرة: ٢٦٠]، وبه يحصل زيادة القرب ورفع المنزلة، لكن ما نقل عن الإمام هنا يخالفه ما في \"الخلاصة\" من قوله: قال أبو حنيفة: أكره أن يقول الرجل: إيماني كإيمان جبرئيل، ولكن يقول: آمنت بما آمن به جبرئيل، وكذا ما قاله أبو حنيفة في كتاب \"العالم والمتعلم\": إن إيماننا مثل إيمان الملائكة؛ لأنا آمنَّا بوحدانية الله تعالى وربوبيته وقدرته، وما جاء من عند الله تعالى بمثل ما أقرت به الملائكة وصدقت به الأنبياء والرسل، فمن ههنا إيماننا مثل إيمانهم؛ لأنا آمنا بكل شيء آمنت به الملائكة مما عاينته من عجائب الله ولم نعاينه نحن، ولهم بعد ذلك علينا فضائل في الثواب على الإيمان وجميع العبادات، ولا يخفى أن بين هذه العبارات\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (١/ ٦٠٠).\n(^٢) انظر: \"رد المحتار على الدر المختار\" (٤/ ٤٩٥).","vol":"2","page":405},{"text":"الثلاث تخالفًا بحسب الظاهر، ويمكن التوفيق بحمل الأولى على العالِم، والثانية على غيره لقوله: أكره أن يقول الرجل، والثالثة على ما إذا فصَّل وصرَّح بالمؤمن به وإن كان بلفظ المثلية لعدم الإبهام بعد التصريح، فيجوز للعالم والجاهل، انتهى.\nوبسط الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^١) في شرح قول ابن أبي مليكة فقال: وقيل: هذا رد على الإمام الهمام قدوة الأنام أبي حنيفة النعمان رضي الله تعالى عنه، فيما قاله من أن إيماني كإيمان جبرئيل، فإن كان الأمر على ما زعمه صاحب القيل، فحسبنا الله ونعم الوكيل، فإن الإمام رضي الله تعالى عنه لم يرم في مقالته هذه شططًا، ولم يركب فيها زيغًا عن المحجة ولا غلطًا.\nأما أولًا: فلأن المقالة المعزية إليه في بعض التصانيف هي هذه: إيماني كإيمان جبرئيل، ولا أقول: مثل إيمان جبرئيل، وقد عُرف الفرق بينهما، فإن الأول: يقتضي مشاركة في أي وصف كان، والثاني يستدعي المماثلة والمساواة، وعلى هذا فلا ضير في تشبيه إيمانه بإيمانه باعتبار اتحاد المؤمَن به فيهما، فإن جبرئيل مؤمن بعين ما آمن به كل مؤمن، فالإيمان الإجمالي يتَّحد منهم أجمعين، وإنما الفرق والتفاضل بحسب تفاصيله، ولم يشبه إيمانه التفصيلي بإيمانه التفصيلي.\nوأما ثانيًا: فلأن الإيمان متزايد بتزايد مراتب اليقين ومتناقص بتناقصه، وهذا بعد أن يكون داخلًا في الحدِّ المعتبر شرعًا للإيمان، وأما ما دونه الذي لم يدخل تحت التصديق واليقين فلا كلام فيه، وإنما الكلام ههنا في مراتبه، فنقول: إذا كان المناط في قوة الإيمان وضعفه هو اليقين، فأي استحالة في بلوغ أحد من العباد المؤمنين ما بلغه الملائكة من الإذعان واليقين، والفرق بين علم اليقين وعين اليقين وإن كان كثيرًا شائعًا إلا أنه\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (١/ ٥٩٩ - ٦٠٢).","vol":"2","page":406},{"text":"لا منع عن بلوغ بعض درجات علم اليقين من بعضهم حدًا ينتهي إليه يقين المشاهدة والعيان من الآخرين.\nويؤيده قول علي - ﵁ -: لو كُشف الغطاء لما ازددت يقينًا، فإن ورد شيء عليه رضي الله تعالى عنه في مقالته هذه لكان وروده مسلمًا على مقالة الإمام أيضًا، إلى آخر ما بسط فيه بستة وجوه في توضيح كلام الإمام الأعظم.\nوفي هامشه: أن الإيراد المذكور على الإمام أبي حنيفة منقول عن بعض مشايخ الدرس، ولم يقل أحد من الشرَّاح المعروفين من النووي والكرماني والحافظَين - ابن حجر والعيني - والقسطلاني وغيرهم، أنه ردٌّ على الإمام أبي حنيفة، ويدل على ذلك أيضًا أن المنقول في كلام الإمام البخاري: إيماني كإيمان جبرئيل وميكائيل، وليس لفظ ميكائيل في شيء من الكتب عن الإمام أبي حنيفة، ولا يبعد أن يكون هذا قول أحد من معاصري الإمام البخاري.\n\n(٣٧ -<span data-type='title' id=toc-220> باب سؤال جبرئيل النبي - ﷺ - عن الإيمان، والإسلام، والإحسان، وعلم الساعة، وبيان النبي - ﷺ - له. . .) إلخ</span>\nقال شيخ الهند قُدِّس سرُّه في \"تراجمه\" ما تعريبه:\nذكر المؤلف رحمه الله تعالى في الترجمة ثلاثة أمور:\nالأول: سؤال جبرئيل وهي الأسئلة الأربعة، وقد أجاب الرسول - ﷺ - عن الأربعة كلها،\nوالثاني: أمره - ﷺ - لوفد عبد القيس بالإيمان وشرح الإيمان لهم.\nوالثالث: قوله - ﷾ -: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥].\nأما مقصود المؤلف - ﵀ - من الأمر الأول فقد أوضحه بقوله: \"فجعل ذلك كله دينًا\" يعني: أن الأصول والفروع، والعقائد والأعمال، والإيمان","vol":"2","page":407},{"text":"والإسلام، والإخلاص والأخلاق، كل ذلك داخل في الدين، وهذه الترجمة الأولى هي غرض المؤلف من التراجم الثلاثة، وهي التي ذكر لها الحديث المسند، فكل الأمور المذكورة في الأبواب السابقة المتفرقة جاءت في هذا الباب الواحد مع بعض الزيادة.\nوالمراد بالإيمان في هذا الحديث التصديق القلبي، والمراد بقوله: \"أن تعبد الله\" التوحيد باللسان، وتدخل فيه كلمة الشهادة كما صرَّح العلامة السندي (^١).\nوفي حديث عبد القيس سمَّى هذه الأمور إيمانًا، وفي الآية الكريمة أطلق على الإسلام دينًا، فثبت بهذه النصوص أن الإسلام والإيمان والدين يصح إطلاق أحدهما على الآخر، والسلف كانوا يحبون اتباع الإطلاقات الواردة في النصوص، ولا يرغبون إلى المباحث الكلامية التي استخرجها المتأخرون، كما صرَّح بها الشرَّاح، فظهر بهذا الباب صحة كل الأبواب السابقة التي وردت فيها مثل هذه الإطلاقات، والله تعالى أعلم.\nقوله: (كأنك تراه. . .) إلخ، أجاد الشيخ قُدِّس سرُّه في \"الكوكب\" (^٢) إذ كتب: وهذا جامع لمراتب الإحسان، فكلما زادت المراقبة حسن الإحسان، وقوله الآتي: \"فإن لم تكن تراه فإنه يراك\" بيَّنه الشارحون بحيث يكون مرتبته أدوَن من التي قبلها، فقالوا: وإن لم تقدر على ذلك فاعبده كأنه يراك، وهذا بعيد.\nأما أولًا: فلأن المراقبة في ذلك أشد؛ لأنه ﵎ لما كان ناظرًا إليه ورائيًا حاله، وراقب العبد ذلك، اشتد أمر الإحسان وزاد فيه، لا أنه يكون مرتبة دونى (^٣) نسبة إلى الأولى.\nوأما ثانيًا: فلأن المناسب حينئذ هو أن يقال: كأنه يراك، وهذا غير\n_________\n(^١) انظر: \"حاشية السندي على صحيح البخاري\" (١/ ١٨).\n(^٢) \"الكوكب الدري\" (٣/ ٣٤٠ - ٣٤٢).\n(^٣) مؤنث دون.","vol":"2","page":408},{"text":"صحيح، بل الرؤية منه سبحانه محققة قطعيَّة، إلا أن يقال: المقصود أنه تعالى وإن كان رائيًا حاله إلا أن الواجب على العابد مراعاة رؤيته، والمراعاة غير محققة قطعًا، ومع ذلك ففيه بُعد كما لا يخفى، فقوله هذا ليس دليلًا إلا على القول الأول، يعني: أن المرء إذا استبعد رؤيته الرب ﵎، قال النبي - ﷺ -: اعبد الله كأنك تراه؛ لأنك إن لم تكن تراه فإنه يراك، فكيف تغفل [عنه]؟ وكيف تصلي وقلبك في مكان وجسمك في مكان؟ وكيف تسبِّح الله بلسانك وقلبك مشغول بفلان وفلان؟ انتهى.\nوذكر القسطلاني ههنا كلامًا دقيقًا مفيدًا فقال (^١): هذا من جوامع كلمه ﵊، إذ هو شامل لمقام المشاهدة ومقام المراقبة، ويتضح ذلك بأن تعرف أن للعبد في عبادته ثلاث مقامات:\nالأول: أن يفعلها على الوجه الذي تسقط معه وظيفة التكليف باستيفاء الشرائط والأركان.\nالثاني: أن يفعلها كذلك وقد استغرق في بحار المكاشفة حتى كأنه يرى الله تعالى، وهذا مقامه - ﷺ - كما قال: \"وجعلت قرة عيني في الصلاة\" (^٢)، لحصول الاستلذاذ بالطاعة والراحة بالعبادة، وانسداد مسالك الالتفات إلى الغير باستيلاء أنوار الكشف عليه، وهو ثمرة امتلاء زوايا القلب من المحبوب واشتغال السر به، ونتيجة نسيان الأحوال من المعلوم واضمحلال الرسوم.\nالثالث: أن يفعلها وقد غلب عليه أن الله تعالى يشاهده، وهذا هو مقام المراقبة، وقوله: \"فإن لم تكن تراه\" نزول عن مقام المكاشفة إلى مقام المراقبة، أي: إن لم تعبده وأنت من أهل الرؤية المعنوية فاعبده وأنت بحيث إنه يراك، وكل من المقامات الثلاث إحسان، إلا أن الإحسان الذي هو شرط في صحة العبادة إنما هو الأول؛ لأن الإحسان بالآخرين من صفة\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١/ ٢٤١).\n(^٢) \"سنن النسائي\" (ح: ٣٩٥٠).","vol":"2","page":409},{"text":"الخواص ويتعذر من كثيرين، وإنما أخَّر السؤال عن الإحسان لأنه صفة الفعل أو شرط في صحته، والصفة بعد الموصوف، وبيان الشرط متأخر عن المشروط، قاله أبو عبد الله الأبي، انتهى.\nوبسط الكلام على معناه على طريق الصوفية في \"الأَمم لإيقاظ الهمم\" في أسانيد الكردري.\nإلى هنا انتهى استماع تراجم البخاري في المدينة المنورة يوم الخميس في الخامس والعشرين من أول الربيعين، سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة وألف، ثم بُدئ بعد الرجوع إلى سهارنفور يوم الجمعة في السادس عشر مضت من آخر الربيعين.\n\n(٣٨ -<span data-type='title' id=toc-221> باب)</span>\nبغير ترجمة، قال شيخ الهند نوَّر الله مرقده في \"تراجمه\" ما تعريبه: ذكر المؤلف ههنا بابًا بدون ترجمة، وذكر فيه جزءًا مختصرًا من حديث هرقل المذكور مطولًا في بدء الوحي، وهو قوله: \"سألتك: هل يزيدون أم ينقصون؟ فزعمت أنهم يزيدون، وكذلك الإيمان حتى يتم، وسألتك: هل يرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فزعمت أن لا، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوبَ لا يسخطه أحد\" (^١).\nوقد ذكر الشرَّاح الكرام في هذا أقوالًا مختلفة وهي موجودة في شروحهم، والمناسب المفيد في رأينا بأن المؤلف رحمه الله تعالى، قد أخاف من النفاق والحبط قريبًا في \"باب خوف المؤمن. . .\" إلخ، حتى إنه ذكر أن الاعتماد على إيمان نفسه من علامات النفاق، فأراد الآن مكافأة لذلك أن يبين أن الذي يرسخ في قلبه الإيمان مرة وينشرح صدره فهو مأمون العاقبة إن شاء الله، ولا يحصل الخلل في إيمانه، ولا يرتد إلا من لم يثبت\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (ح: ٧).","vol":"2","page":410},{"text":"الإيمان في داخل قلبه، وبعد شرح الصدر يأمن من الارتداد أيضًا بإذن الله، لكن المؤلف لم يصرح بذلك احتياطًا وسدًّا للذريعة، ولا يبعد أنه فعل ذلك لغرض التشحيذ والاحتياط.\nفالآن لو جعلت ههنا ترجمة جديدة كما ذكرنا في الأصول بذيل الأبواب بدون التراجم فالأحسن أن نجعل آية: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥]، أو آية: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ﴾ [الزمر: ٣٧]، ترجمة، فإنه يناسب المقام ونهج المؤلف.\nثم إنه ذكر في كلام هرقل لفظة: \"وكذلك الإيمان\" في موضعين، والمراد به في الأول: الدين، وفي الثاني: التصديق القلبي، فما أثبته المؤلف في الباب السابق يؤيده قول هرقل ههنا، وبهذا يمكن أن نعد هذا الباب من متعلقات الباب السابق أيضًا، ويمكن أن يكون هذا أيضًا في نظر المؤلف، وصار تعدد الفوائد موجبًا لترك الترجمة، والله - ﷾ - أعلم، انتهى.\nوهذا الباب ذكره شيخ الهند في الجدول الرابع في الأبواب الخالية عن التراجم ورقم عليه نقطة واحدة، وقد تقدم أن النقطة الواحدة إشارة إلى أن حذف الترجمة للتمرين وتشحيذًا للأذهان.\nوقال الحافظ (^١): هكذا بلا ترجمة في رواية كريمة وغيرها، وسقط الباب من رواية أبي ذر وغيره، ورجّح النووي الأول قال: لأن الترجمة السابقة - يعني: سؤال جبرئيل - لا يتعلق بها هذا الحديث، فلا يصح إدخاله فيه، قال الحافظ: نفي التعلق لا يتم بهذا؛ لأن الباب بلا ترجمة كالفصل للسابق، فلا بد له من تعلق فيقال: إنه يتعلق بقوله في الترجمة السابقة: \"وجعل ذلك كله دينًا\"، فسمَّى الدين إيمانًا في حديث هرقل، فيتم مراد المصنف بكون الدين هو الإيمان، انتهى.\nوأجاب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٢) عما يرد على الإمام البخاري\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ١٢٥).\n(^٢) انظر: \"لامع الدراري\" (١/ ٦٠٥).","vol":"2","page":411},{"text":"أنه كيف استدل بقول هرقل وهو كافر بأنه صار حجة لتقرير ﵊؛ لأن الظاهر أن أبا سفيان حكاه بحضرته، انتهى.\nوأجاب الحافظ (^١): بأنه قاله عن استقراء كتب الأنبياء، وأيضًا قاله بلسانه الرومي، وعبَّر عنه أبو سفيان بلسانه العربي، وألقاه إلى ابن عباس - وهو من علماء اللسان - فرواه عنه ولم ينكره، فدل على أنه صحيح لفظًا ومعنى، انتهى.\n\n(٣٩ -<span data-type='title' id=toc-222> باب فضل من استبرأ لدينه)</span>\nأفاد شيخ الهند نوَّر الله مرقده أن المصنف خَوّف أولًا من الإصرار عن المعاصي، فترقَّى منه إلى درجة أخرى فوق الأولى، وهي الاحتراز عن المشتبهات لحفظ الدين مع ما فيه من إشارة لطيفة إلى أنه لا ينبغي أن يرتكب أحد المعاصي اعتمادًا على التوبة، انتهى.\nوفي \"اللامع\" (^٢): والاستبراء متفاوت فيتفاوت الإيمان.\nوفي هامشه: قال الحافظ: (^٣) كأن المصنف أراد أن يبين أن الورع من مكملات الإيمان، ولهذا أورد حديث الباب في أبواب الإيمان، إلى آخر ما فيه، ويحتمل أن المصنف أراد بذلك تعليم طريق الإحسان بأنه يحصل بمراعاة أحوال القلب والاحتراز عن الشبهات قاصدًا بذلك اتباع الدين لا كما يفعله من لا دين عنده من الجوكَية وغيرهم، ويكون الباب أيضًا كالتكملة لما تقدم، والله أعلم.\nقوله: (ألا وهي القلب) قال القسطلاني (^٤): وهو محل العقل عندنا، وهو قول جمهور المتكلمين خلافًا للحنفية، انتهى.\nقلت: واختلف في محل العقل، فقال جمهور الفلاسفة ورئيسهم\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ١٢٦).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (١/ ٦٠٧).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١/ ١٢٦).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (١/ ٢٤٨).","vol":"2","page":412},{"text":"أرسطو: إنه القلب، وبه قال القاضي أبو زيد الدبوسي وشمس الأئمة السرخسي وأحمد في رواية، وترجم البخاري في \"الأدب المفرد\" (^١) \"باب العقل في القلب\" وأخرج بسند حسن عن عياض بن خليفة عن علي - ﵁ - أنه سمعه بصفين يقول: إن العقل في القلب، والرحمة في الكبد، والرأفة في الطحال، والنفس في الرئة.\nوذهب الأطباء إلى أن محله الدماغ، ويُحكى عن أبي حنيفة ومالك ومحمد بن الحسن، وهو رواية عن أحمد، وبه قال أبو المعين النسفي الحنفي، وعزاه صدر الإسلام إلى عامة أهل السُّنَّة والجماعة.\nوسبب نقل هذا القول عن أبي حنيفة ومالك ومحمد ما قالوا فيمن ضرب رأس رجل فأفسد عقله أن فيه الدية، وأجاب عنه ابن أمير الحاج الحنفي بأنه لا يمتنع زوال العقل وهو في القلب لفساد الدماغ لما بينهما من الارتباط، كما لا يمتنع عدم نبات شعر اللحية بقطع الأنثيين لما بينهما من الارتباط، وبنحوه أجاب أبو عبد الله الأبي المالكي، وقد نقل ابن تيمية عن طائفة من أصحاب أحمد أن أصل العقل في القلب فإذا كمل انتهى إلى الدماغ، والله أعلم.\n\n(٤٠ -<span data-type='title' id=toc-223> باب أداء الخمس من الإيمان)</span>\nوفي \"تراجم شيخ الهند\": لقد مرَّت مثل هذه الأبواب بكثرة في مواضع مختلفة، ولا يظهر في هذا الباب جديد أمر، بل غاية ما في الباب أن يكون قد أشار بلفظ الأداء إلى أنه كما مر \"الصلاة من الإيمان\" و\"الزكاة من الإسلام\" وغيرهما من الأبواب، يضاف إليها لفظ مناسب كلفظ الأداء ههنا، ولذا ترى أن حديث عبد القيس المذكور في هذا الباب ذكر في إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان صراحة، والله أعلم.\n_________\n(^١) \"الأدب المفرد\" (ص ٢٣٨، رقم: ٥٤٧).","vol":"2","page":413},{"text":"ثم اعلم أن الحافظ ابن حجر وعد في \"باب صلاة الجنائز من الإيمان\" أنه يذكر وجه تأخير هذا الباب عن الباب المذكور في هذا الباب، ولم أجد هذا في كلامه، وقد يوجّه - والله أعلم - أن الخمس يؤخذ من الغنائم، وحصولها لا تخلو عن سبق شهادة لرجل مجاهد، فكأن هذا الحال بعد الموت وأقرب أحوال الموت التي تكون بعده صلاة الجنازة، فلذا أخَّر عنه هذا الباب، ولكن لا يخفى أنه كان ينبغي على هذا أن يؤخِّر \"باب الجهاد من الإيمان\" أيضًا، فإنه لا تخلو عن موت وشهادة عادة، إلا أن يجاب بأن الجهاد سابق على صلاة الجنائز، وقسمة الغنائم يؤخر عن صلاة الجنازة لأنها مما أمر بالإسراع إليها بخلاف قسم الغنيمة، والله أعلم.\nوفي \"اللامع\" (^١): قوله: \"أن تعطوا من المغنم الخمس\" أدخله في الإيمان، فعلم زيادة الإيمان بزيادة الأعمال، وهذا على رأي من جعل الأمور المذكورة تفسيرًا للإيمان، وأن الثلاثة الباقية غير مذكورة ههنا، والمذكورة تفسير للإيمان الذي هو أحد الأربعة، انتهى.\nوبسط في هامشه اختلافهم أن هذه المذكورة تفسير للإيمان أو غيره.\nقوله: (أقم عندي) ذكر بين سطور الكتاب: لأنه كان يترجم لابن عباس الفارسية، انتهى.\nوالأوجه عندي: أن ذلك لرؤيا رآها أبو جمرة كما سيأتي النص بذلك في \"كتاب الحج\" في \"باب التمتع والإقران\" بلفظ: \"قال لي: أقم عندي فأجعل لك سهمًا من مالي، قال شعبة: فقلت: لِمَ؟ فقال: للرؤيا التي رأيت\" (^٢)، وستأتي الرؤيا في الباب المذكور.\nقوله: (فأمرهم بأربع) فيه إشكال معروف أن المفسر خمسة.\nوأجيب في هامش \"اللامع\" (^٣) عن هذا الإشكال بسبعة وجوه\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (١/ ٦٠٧).\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (ح: ١٥٦٧).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (١/ ٦٠٧).","vol":"2","page":414},{"text":"مبسوطة، وهكذا في \"الكوكب\" (^١) وهامشه، وما سيأتي من الروايات المصرحة بأنه - ﷺ - عقد واحدة على شهادة أن لا إله إلا الله تعيّن أنها واحدة كما سيأتي في \"باب وجوب الزكاة\"، ومن \"كتاب الجهاد\" في \"باب أداء الخمس من الدين\"، وفي \"باب عبد القيس\" من \"كتاب المغازي\"، ويشكل عليه ترجمة الإمام البخاري، وأجاب عنه ابن رُشيد: بأن المطابقة تحصل من جهة أخرى وهي أنهم سألوا عن الأعمال التي يدخلون بها الجنة، وأجيبوا بأشياء منها: أداء الخمس والأعمال التي تدخل بها الجنة هي أعمال الإيمان، فيكون أداء الخمس من الإيمان، ويشكل على الحديث أيضًا عدم ذكر الحج فيه، وأجيب عنه أيضًا بأجوبة ذكرت في هامش \"اللامع\" منها: أنه لم يكن فرض حينئذ، واعتمده الحافظ ابن حجر (^٢).\n\n(٤١ -<span data-type='title' id=toc-224> باب ما جاء أن الأعمال بالنية)</span>\nاختلفوا في غرض الترجمة، قال ابن بطال: غرض البخاري الرد على من زعم من المرجئة أن الإيمان هو القول باللسان دون عقد القلب، كذا نقله الكرماني (^٣).\nوذكر شيخ الهند ما تعريبه: ذكر المؤلف رحمه الله تعالى بابين بعد الفراغ من الإيمان والأعمال والاجتناب عن المعاصي، وجملة الأمور المتعلقة بالإيمان، والظاهر أن غرضه من الباب الأول أن جملة أعمال الخير المذكورة سابقًا - ويدخل فيه الإيمان أيضًا - مدارها على النيَّة الخالصة لوجه الله تعالى، وكذا الاجتناب من المعاصي وترك المنكرات المطلوب منه ما كان ابتغاءً لوجه الله، وبدون النية الصالحة الصادقة لا يفيد أي عمل ولا يعد من الطاعات، فإن الاهتمام بالنية أهم من كل الأمور، والله أعلم.\n_________\n(^١) \"الكوكب الدري\" (٣/ ٣٤٥ - ٣٤٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ١٣٣).\n(^٣) \"شرح الكرماني\" (١/ ٢١٤).","vol":"2","page":415},{"text":"وأفاد الحافظ وتبعه القسطلاني (^١) وغيره: أن كون الإيمان محتاجًا إلى النية إنما هو على رأي البخاري من أن الإيمان عمل، وأما الإيمان بمعنى التصديق فلا يحتاج إلى نيَّة كسائر أعمال القلوب من خشية الله وعظمته والتقرب إليه؛ لأنها متميزة لله تعالى فلا تحتاج لنية تميزها؛ لأن النية إنما تميز العمل لله تعالى عن العمل لغيره رياءً، وتميز مراتب الأعمال كالفرض عن الندب، وتميز العبادة عن العادة كالصوم عن الحِمْية، ويظهر من كلام العلامة السندي (^٢) أن هذا الباب ذكره البخاري استطرادًا فإنه قال: وكأنه ذكره ههنا لتعلق النية بالقلب الذي هو محل الإيمان، انتهى.\nوفي \"اللامع\" (^٣): قوله: إن الأعمال بالنية، يعني: بذلك ثوابها، انتهى.\nوفي هامشه: لله در الشيخ ما أجاد في هذه الجملة وملأ بحرًا عميقًا في كوزة، فأشار بالكلمة الواحدة إلى أبحاث طويلة، والمعنى: أن الإمام البخاري يريد بهذا الباب أن ثواب الأعمال بالنية كما هو رأي السادة الحنفية - شكر الله سعيهم - فإنهم قالوا: إن الثواب منوط بحسن النية، ولا يثاب الرجل على عمل بدونه، وهو الذي أراد الإمام البخاري ههنا، ولذا فسَّر النية بالحسبة.\nولله در الحنفية إذ فرقوا في الأعمال فقالوا: الأعمال التي هي عبادة محضة لا تصح بدون النية؛ لأن الأجر هو المقصود منها، والأعمال التي فيها معنى آخر غير التعبد تصح بدون النية كالوضوء وغيره، ألا ترى أن الوقف والعتق وغيرهما تصح من الكافر ولا نية له أصلًا.\nقال الحافظ (^٤): المراد بالحسبة طلب الثواب، وأيَّد الإمام البخاري\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ١٣٥)، \"إرشاد الساري\" (١/ ٢٥٤).\n(^٢) \"حاشية السندي على صحيح البخاري\" (١/ ٢٠).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (١/ ٦١٠).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١/ ١٣٥).","vol":"2","page":416},{"text":"مراده بالآية بقوله: \"شاكلته: نيته\"، وبقوله - ﷺ -: \"نفقة الرجل على أهله يحتسبها صدقة\"، ولذا ذكره في الترجمة تنبيهًا على مقصده، ثم ذكره في الروايات حجةً وإثباتًا لمرامه، ولا يمكن أن يراد في هذا الباب صحة الأعمال لحديث النفقة، أفترى من أنفق على أهله رياءً وفخرًا أفلا تسقط عنه النفقة الواجبة؟\nوأما اختلاف العلماء في صحة الأعمال على النية، فبمعزل عن هذا الباب يشير إليه الإمام البخاري في مواضعها، فإن الإمام ذكر حديث الأعمال بالنيات في سبعة مواضع من \"صحيحه\" كما تقدم ذكرها، فيظهر من النظر على هذه المواضع كلها أن المصنف يستدل بها تارة على الحسبة وأخرى على صحة الأعمال، وأراد ههنا الحسبة انتهى. وإليه أشار الشيخ.\nوقال العيني (^١): المناسبة بين البابين من حيث إن المذكور في الباب الأول هو الأعمال التي يدخل بها العبد الجنة، ولا يكون العمل عملًا إلا بالنية والإخلاص، فلذا ذكر هذا الباب عقيب الباب المذكور، انتهى.\nوالفروع التي أشار إليها البخاري في الترجمة خلافية شهيرة بسطت في محلها، وجملتها أن قوله: (والوضوء) أشار به إلى خلاف من لم يشترط فيه النية كما نقل عن الأوزاعي وأبي حنيفة والحسن بن صالح، وخالفهم الجمهور.\n(والصلاة) لا خلاف في اشتراط النية فيها.\n(والزكاة) قال النووي في \"شرح المهذب\": لا يصح أداء الزكاة إلا بالنية في الجملة، وهذا لا خلاف فيه عندنا، وإنما الخلاف في صفة النية وتفريعها، وبوجوبها قال مالك وأبو حنيفة والثوري وأحمد وأبو ثور وجماهير العلماء، وشذ عنهم الأوزاعي وقال: لا تجب ويصح أداؤها بلا نية، انتهى.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١/ ٤٥٥).","vol":"2","page":417},{"text":"(والحج) لا خلاف في اشتراط النية في الحج في الجملة، إلا فيمن نوى عن غيره ولم يحج بنفسه يقع عنه لحديث ابن عباس في قصّة رجل لَبّى عن شبرمة، أخرجه أصحاب السنن (^١)، قال ابن رجب: أخذ بذلك الشافعي وأحمد في المشهور أن حج الإسلام تسقط بنية الحج مطلقًا، سواء نوى التطوع أو غيره، لا يشترط للحج تعيين النية، انتهى.\n(والصوم) أشار به إلى خلاف من زعم أن صيام رمضان لا يحتاج إلى نية لأنه متميز بنفسه كما نقل عن زفر، كذا في \"الفتح\" (^٢).\n(والأحكام) قال الحافظ (^٣): أي المعاملات التي يدخل فيها الاحتياج، أي: المحاكمات، فيشمل البيوع والأنكحة والأقارير وغيره، وكل صورة لم تشترط فيها النية فذاك لدليل خاص، ثم ذكر عن ابن المنيِّر ضابطًا لما يشترط فيه النية مما لا يشترط.\n\n(٤٢ -<span data-type='title' id=toc-225> باب قول النبي - ﷺ -: الدين النصيحة. . .) إلخ</span>\nقال شيخ الهند نَوَّرَ الله مرقدَه: نقل المؤلف - ﵀ - في هذا الباب روايتين عن جرير بن عبد الله - ﵁ -، وورد في الأولى منهما: \"الدين النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم\"، وفي الثانية: \"والنصح لكل مسلم\" فقط، ولكن الرواية الأولى لما لم تكن على شرط المؤلف جعلها المؤلف حسب عادته ترجمة، وذكر الرواية الثانية مسندة، وما نقص أكمله بالآية.\nوغالب الظن أن غرض المؤلف الأصلي في هذا المحل بيان \"والنصح لكل مسلم\"، وهو مذكور في الروايتين المرويتين في الباب، والمقصود أن النصح والإخلاص مع المسلمين داخل في الدين والإسلام، وترك النصح موجب للخلل والنقصان، وظهر عنه مضرة الغش وخداع المسلمين، ولذا\n_________\n(^١) \"سنن أبي داود\" (ح: ١٨١١)، و\"سنن ابن ماجه\" (ح ٢٩٠٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ١٣٦).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١/ ١٣٦).","vol":"2","page":418},{"text":"ينبغي الاهتمام به أيضًا مع جملة الأمور الإيمانية، فالنصح لله ولعباده المؤمنين، وتصحيح المعاملة معهما من كمال الإيمان، والله الموفق.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): قوله: \"الدين النصيحة\" وهي متفاضلة فيتفاضل الدين وهو الإيمان، انتهى.\nوفي هامشه: نبَّه الشيخ بذلك على مناسبة الباب بكتاب الإيمان.\nوقال الكرماني (^٢): هذا حديث عظيم الشأن وعليه مدار الإسلام، وبسط الكلام على ذلك في هامش اللامع تحت حديث جرير.\nوفي \"تحفة القارئ\" للأعز المحترم مولانا محمد إدريس الكاندهلوي: ختم الكتاب بباب قول النبي - ﷺ -: \"الدين النصيحة\"، وأورد فيه حديثًا جامعًا لحقوق الله تعالى وحقوق رسوله وحقوق المسلمين، وشاملًا لجميع أمور الدين وشُعب الإيمان إجمالًا، فأشار البخاري إلى أن النصيحة شعبة عظيمة من شعب الإيمان إلى آخر ما بسطه، وتقدم شيء من ذلك في أول الكتاب تحت حديث \"إنما الأعمال بالنيات\".\nوأفاد العزيز المولوي محمد يونس - سَلّمه - في وجه تأخير هذا الباب: أن المصنف لعله لَمَحَ بتأخير هذا الباب عن الأبواب الباقية إلى أنه كأنه يقول: كل ما أوردت في هذا الكتاب من المسائل الإيمانية من أنه مركب من قول وعمل، ويزيد وينقص، وغير ذلك، إنما أردت به النصيحة لله ولرسوله وللمسلمين امتثالًا لقول النبي - ﷺ -، ولم أقصد محض الرد على أحد، بل كان مقصودي بذلك بذل المجهود في النصح للمسلمين، والله أعلم.\nقوله: (حتى يأتيكم أمير) بدل أميركم المتوفى المغيرة.\n(فإنما يأتيكم الآن) والمراد زياد، إذ وَلّاه معاويةُ بعدَ وفاةِ المغيرة الكوفةَ، أو المراد الآن حقيقة، فيكون المراد جريرًا نفسه إذ وَلّاه المغيرة\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (١/ ٦١٢).\n(^٢) \"شرح الكرماني\" (١/ ٢١٧).","vol":"2","page":419},{"text":"عند موته، كذا في \"القسطلاني\" (^١).\nوفي \"اللامع\" (^٢): إنما أمرَهم بالتقوى؛ لأن خلو البلد عن أمير أدعى لهم إلى الفساد وارتكاب المعاصي لعدم من يقيم الحدود والتعازير، فأوصاهم بتقوى الله لذلك.\nوفي هامشه: كان المغيرة واليًا على الكوفة في خلافة معاوية، وكانت وفاته سنة خمسين من الهجرة، واستناب عند موته ابنه عروة، وقيل: استناب جرير المذكور، ولهذا خطب الخطبة المذكور (^٣)، انتهى.\nوقوله: \"الآن\" منصوب على الظرفية.\nقال الكرماني (^٤): إما أن يريد به حقيقته فيكون ذلك الأمير جرير نفسه، أو يريد به المدة القريبة من الآن، فيكون ذلك الأمير زيادًا، إذ ولَّاه معاويةُ الكوفةَ، انتهى مختصرًا.\nوقال الكرماني: \"الوقار\" - بفتح الواو -: الحلم والرزانة، (والسكينة): السكون والدعة، و(باتقاء الله) إشارة إلى ما يتعلق بمصالح الدين، والوقار والسكينة إلى ما يتعلق بمصالح الدنيا، وإنما نصحهم بالحلم والسكون لأن الغالب أن وفاة الأمير تؤدي إلى الفتنة والاضطراب من الناس والهرج والمرج، وذكر الاتقاء لأنه ملاك الأمر ورأس كل خير، انتهى.\nوتقدم الكلام في المقدمة على براعة الاختتام في آخر كل كتاب، وهي ههنا عند الحافظ في قوله: (ثم استغفر ونزل) فإن النزول إشارة إلى انقراض الخطبة وختمها.\nوالأوجه عندي: في ذكر موت الأمير، فإن الموت يذكِّر الموت.\n* * *\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١/ ٢٦٢).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (١/ ٦١٣، ٦١٤).\n(^٣) انظر: \"فتح الباري\" (١/ ١٣٩).\n(^٤) \"شرح الكرماني\" (١/ ٢٢٠).","vol":"2","page":420},{"text":"٣ -<span data-type='title' id=toc-226> كتاب العلم</span>\nقال الكرماني (^١): إنما قدَّم هذا الكتاب على سائر الكتب التي بعده؛ لأن مدار تلك الكتب كلها على العلم، وإنما لم يقدم على الإيمان لوجوبه أولًا أو لشرفه عن العلم، انتهى.\nأو لأن العلم المعتبر هو المرتب على الإيمان، وإلا فهو أشد من الجهل:\nعلم كه راهِ حق نه نمايد جهالت است\nوأما تقديم كتاب الوحي فلتوقف معرفة الإيمان وجميع ما يتعلق بالدين عليه، أو لأنه أول خير نزل من السماء إلى هذه الأمة، انتهى من هامش \"اللامع\" (^٢) بزيادة.\nقال القاري في \"المرقاة\" (^٣) والعلم نور في قلب المؤمن مقتبس من مشكاة النبوة من الأقوال والأفعال والأحوال، يهتدي به إلى الله وصفاته وأفعاله وأحكامه، فإن حصل بواسطة البشر فهو كسبي، وإلا فهو العلم اللدُنِّي المنقسم إلى الوحي والإلهام والفراسة.\nفالوحي لغةً: إشارة بسرعة، واصطلاحًا: كلام إلهي منزل إلى رسول الله - ﷺ -.\nوالإلهام لغة: الإبلاع، وهو علم حق يقذفه الله من الغيب في قلوب عباده ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ﴾ [سبأ: ٤٨].\n_________\n(^١) \"شرح الكرماني\" (٢/ ٢).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٢/ ١).\n(^٣) \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ٤٤٥).","vol":"2","page":421},{"text":"والفراسة: ينكشف من الغيب بسبب تفرس آثار الصور، \"اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله\" (^١)، فالفرق بين الإلهام والفراسة أنها كشف الأمور الغيبية بواسطة تفرس آثار الصور، والإلهام كشفها بلا واسطة، والفرق بين الإلهام والوحي أنه تابع للوحي من غير عكس، انتهى.\n\n<span data-type='title' id=toc-227>قوله: (بسم الله الرحمن الرحيم)</span>\nهكذا في رواية الأكثرين، وفي رواية أبي ذر تقديم البسملة، وقدَّمنا وجهه في كتاب الإيمان، يعني: أن الثاني ظاهر، ووجه الأول أن الكتاب بمنزلة اسم السورة، والأحاديث بمنزلة الآيات، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-228> باب فضل العلم)</span>\nقال القاضي أبو بكر بن العربي: بدأ المصنف بالنظر في فضل العلم قبل النظر في حقيقته، وذلك لاعتقاده أنه في نهاية الوضوح فلا يحتاج إلى تعريف، أو لأن النظر في حقائق الأشياء ليس من فن الكتاب، وكل من القدرين ظاهر؛ لأن البخاري - ﵀ - لم يضع كتابه لحدود الحقائق وتصورها، بل هو جار على أساليب العرب القديمة، فإنهم يبدأون بفضيلة المطلوب للتشويق إليه إذا كانت حقيقته مكشوفة، كذا في \"الفتح\" (^٣).\nقال الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٤): وفضله بالآيتين ظاهر حيث أمر نبيَّه - ﷺ - أن يسأل الزيادة منه، وجعل العلم سببًا لرفع درجات العلماء، ثم إن تركه الحديث إما للإشارة إلى استنباط المسائل بالآيات، أو لعدم خطوره بباله حينئذ، ولا يبعد أن يقال على ما يخطر بالبال، والله أعلم بحقيقة الحال: إن الرواية الموردة في الباب الثاني يثبت ما هنالك، وإيراد الباب فيما بين ذلك إثبات لفائدة جديدة كما ظهر من عادة المؤلف في تراجم\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (ح: ٣١٢٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ١٤٠).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١/ ١٤٠).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٢/ ١ - ٥).","vol":"2","page":422},{"text":"عديدة، والذي يُثبِت المدعى هو قوله - ﷺ -: \"إذا وُسِّدَ الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة\" (^١)؛ لأنه موقوف على تبين مراتب الأمور وأهاليها، وتوقفه على العلم ظاهر، وكان حاصل المعنى: أن بقاء العالم بحذافيره موقوف على توسيد الأمور إلى أهلها، وهو موقوف على العلم، فكان فضل العلم بقاء نظام العالم، انتهى.\nوبسط في هامش كلام الشرَّاح في وجوه عدم ذكر الحديث من عدم وجدان الحديث على شرطه، أو بيَّض له المؤلف ليُلحق فيه ما يناسبه فلم يتيسر له.\nوقيل: ذكر فيه ههنا حديث ابن عمر الآتي بعد \"باب رفع العلم\"، ويكون وضعه هناك من تصرف الرواة، قال الحافظ (^٢): فيه نظر، أو أشار إلى ما ورد في تفسير الآيتين من الأحاديث ولم تكن على شرطه، أو إلى أن الأثر الوارد في ذلك يقوى به طريق المرفوع وإن لم يصل في القوة إلى شرطه، وتقدم الكلام على الأبواب الخالية عن الحديث في الفائدة الرابعة من الفصل الثالث في أصول التراجم.\nوقال شيخ الهند نوَّر الله مرقده في \"تراجمه\": لم يذكر المؤلف - ﵀ - في هذا الباب حديثًا مسندًا، بل اكتفى بذكر الآيتين وتكفي لإثبات الترجمة كل آية منهما على حدة كما مرَّ في الأصول، انتهى.\nقلت: وهو الأصل التاسع من أصول شيخ الهند، وهو الأصل السابع والعشرون من الأصول المذكورة في المقدمة، ثم قال الشيخ: ثم إنه توجد في كتاب العلم في مواضع مختلفة الأحاديثُ المسندةُ الدالةُ على فضل العلم، وهي كلها داخلة في الباب المذكور، انتهى.\nقلت: وهذا هو الأوجه عندي، لأن فضل العلم يثبت من الأحاديث الكثيرة الواردة في الباب بأنواع شتى، فلو ذكر في الباب حديثًا واحدًا أوهم\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (ح: ٥٩ - ٩٤٩٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ١٤١).","vol":"2","page":423},{"text":"تخصيصه بهذا الحديث، وهذا هو الوجه عندي في أمثال هذه الأبواب أن الإمام البخاري لا يذكر الحديث قصدًا تشحيذًا للأذهان.\nثم لا يذهب عليك أن الإمام ترجم بهذه الترجمة في موضعين: الأول ههنا، والثاني قريبًا بعد \"باب رفع العلم وظهور الجهل\"، وسيأتي الكلام على تكرار الترجمة هناك.\nثم اختلف العلماء في أفضل الأعمال بعد الفرائض، فذهب مالك وأبو حنيفة إلى أن الاشتغال بالعلم أفضل من النوافل بعكس ما قال الشافعي على المشهور عنه، وعن أحمد روايتان: إحداهما في فضل العلم، والأخرى في فضل الجهاد، وهو المعروف عنه كما بسط في هامش \"اللامع\" (^١) في أول كتاب الجهاد، وما ورد في الروايات من اختلاف في أفضل الأعمال محمول على اختلاف الأحوال والأشخاص والأوقات كما بسطته في رسالتي في أفضل الأعمال.\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-229> باب من سئل علمًا. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٢): أفاد بذلك أن جواب المستفتي لا يجب على فور مسألته ما لم يخف فوات وقته، انتهى.\nوفي هامشه: قال الحافظ: محصِّله التنبيه على أدب العالم والمتعلم، أما العالم فلِما تضمَّنه من ترك زجر السائل بل أدبه بالإعراض عنه أولًا حتى استوفى ما كان فيه، ثم رجع إلى جواب، وأما المتعلم فلما تضمَّنه من أدب السائل أن لا يسأل العالم وهو مشتغل بغيره، وبوَّب عليه ابن حبان \"إباحة إعفاء المسؤول عن الإجابة على الفور\"، لكن سياق القصة يدل على أنه ليس على الإطلاق.\nوفي \"تراجم شيخ المشايخ\" الشاه ولي الله: غرض الإمام من عقد هذا\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٧/ ٢٠٩).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٢/ ٦).","vol":"2","page":424},{"text":"الباب على ما استفدنا من شيخنا - دام ظلّه - أن تأخير جواب السائل لإتمام الحديث ليس من باب كتمان العلم، بل الكتمان عدم الإجابة مطلقًا، أو تأخيرها بشرط فوات وقتها (^١)، انتهى.\nوكتب شيخ الهند ما تعريبه: والمراد أن الجواب على الفور ليس بلازم، بل يمكن أن يجيب بعد الفراغ من الحاجة اللاحقة به، ثم إنه قد وردت الممانعة في بعض الروايات عن قطع حديث أهل المجلس كما في البخاري عن ابن عباس، فعرف من هذا الباب أن الممانعة حيث يقع الحرج أو يخشى السآمة على أهل المجلس يجوز الكلام المختصر للحاجة، وثبتت هذه الإجازة من تقريره - ﷺ -، والله أعلم.\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-230> باب من رفع صوته. . .) إلخ</span>\nسكت الشرَّاح عن غرض المصنف، والظاهر أنه أراد التنبيه على أدب المعلم أيضًا بأن يرفع صوته متى يحتاج ليسمع كلهم، ولا يدندن حتى لا يفهم، ويحتمل أنه أراد إثبات ندبه لما أنه وقع في عدة روايات من مدح غض الصوت والنكير على الصخب.\nوحكى الحافظ (^٢) عن ابن المنيِّر (^٣) أنه قال: في هذا التبويب رمز من المصنف إلى أنه يريد أن يبلغ الغاية في تدوين هذا الكتاب، بأن يستفرغ وسعه في حسن ترتيبه، وكذلك فعل رحمه الله تعالى، انتهى.\nوكتب الشيخ قُدّس سرُّه في \"اللامع\" (^٤): لما كان رفع الصوت وإشادتها يُعد عيبًا في العرف، وقد ورد عنه النهي في الشرع، قال الله تعالى حكاية عن لقمان: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ [لقمان: ١٩]، فكان فيه مظنة أن\n_________\n(^١) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٤١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ١٤٣).\n(^٣) كذا في الأصل، وهو سبق قلم، والصواب: \"ابن رُشيد\" كما في \"الفتح\".\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٢/ ٧، ٨).","vol":"2","page":425},{"text":"يتوهم عدم الجواز، فعقد الباب لإثبات أنه جائز ضرورة إخبار البعداء.\nوفي هامشه: وفي \"تراجم شيخ المشايخ\" (^١): مقصود المؤلف أن كونه - ﷺ - ليس بصخاب، المراد نفي كونه صخابًا في اللهو واللعب لا في إفادة العلم، انتهى.\nوفي \"تراجم شيخ الهند\": إن الجهر المفرط لما لم يكن لائقًا بشأنه - ﷺ -، ولا بشأن أهل العلم، نَبَّهَ بذلك على أنه لا بأس به عند الحاجة إليه، بل يندب بقدر الضرورة، وإنما المنكَر منه ما كان على جهة التجبر والتكبر أو قلة المبالاة.\n\n(٤ -<span data-type='title' id=toc-231> باب قول المحدث: أخبرنا. . .) إلخ</span>\nتنبيه على مسألة أصولية خلافية معروفة، والجمهور منهم الأئمة الأربعة وأكثر الحجازيين والكوفيين على أن لا فرق بينها، وإليه مَيل المصنف إذ ذكر قول ابن عيينة لا غير، ومنهم من فرَّق بينها كما هو مذهب الشافعي وأكثر أهل المشرق من تخصيص التحديث بلفظ الشيخ، والإخبار بلفظ التلميذ، والإنباء بالإجازة، كما بسطه الحافظ في \"الفتح\" (^٢).\nوفي \"اللامع\" (^٣): يعني بذلك أن كل هذه الألفاظ تبين استعمالها في القدماء، وأنهم لا يبالون أيّ هذه الألفاظ تلفظوا، فكان إطلاق أحد الألفاظ جائزًا في محل الآخر لثبوته [بالسُّنَّة]، فأما ما فيها من الفرق الاصطلاحي فلعل أحدًا لا ينكره فضلًا عن المؤلف، فكان حاصل مقالته ههنا: جواز أن يستعمل أحدها في محل الآخر شرعًا، وإن كان الأَولى هو الفرق كما هو المصطلح عليه، إلى آخر ما في \"اللامع\".\nوبسط في هامشه كلام الشرَّاح في ذلك وأسماء من لم يفرقوا بين هذه\n_________\n(^١) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٤٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ١٤٥).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٢/ ٨، ٩).","vol":"2","page":426},{"text":"الصيغ، ومنهم الأئمة الأربعة، حتى قال الطحاوي: لم نجد بين الحديث والخبر فرقًا في كتاب الله وسُنَّة رسوله - ﷺ -، وفيه أيضًا عن الكرماني (^١): فإن قلت: هل يعلم من هذا الكتاب مختار البخاري في ذلك؟ قلت: حيث نقل مذهب الاتحاد من غير رد عليه وغير ذكر مذهب المخالف أشعر بأن ميله إلى عدم الفرق، انتهى.\nقوله: (قال ابن مسعود. . .) إلخ، مراده من هذه التعاليق أن الصحابة قالوا تارة: حدثنا، وتارة: أخبرنا، فالظاهر أنهم لم يفرقوا بينها، وفيما يرويه - ﵇ - عن ربه أن العنعنة حكمها الوصل عند ثبوت اللقاء، انتهى ملخصًا من \"الفتح\" (^٢).\nقوله: (عن ابن عمر) في قصة الشجرة.\nمناسبته للترجمة يظهر إذا اجتمعت طرقه، فإن لفظه ههنا \"حدثوني\"، وفي التفسير في سورة إبراهيم، \"أخبروني\"، وفي رواية الإسماعيلي: \"أنبئوني\"، وفي \"باب الحياء في العلم\": \"يا رسول الله أخبرنا بها\"، من \"الفتح\".\n\n(٥ -<span data-type='title' id=toc-232> باب طرح الإمام المسألة. . .) إلخ</span>\nلعله أراد أن ما رواه أبو داود (^٣) من حديث معاوية مرفوعًا من النهي عن الأغلوطات، قال الأوزاعي أحد رواته: هي صعاب المسائل، فإن ذلك محمول على ما لا نفع فيه أو ما خرج على سبيل تعجيز المسؤول.\nوفي \"تراجم شيخ الهند\" ما تعريبه: علم من هذا الاعتناء بالعلم والاهتمام به، ويظهر منه الترغيب والتحريض للعلم، ثم قد روي النهي عن الأغلوطات، فكان يتوهم منه الممانعة عن الاختبار، فزال ذلك أيضًا، انتهى.\n_________\n(^١) \"شرح الكرماني\" (٢/ ٩).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ١٤٤).\n(^٣) \"سنن أبي داود\" (ح: ٣٦٥٦).","vol":"2","page":427},{"text":"وفي \"تراجم شيخ المشايخ\" (^١): مقصود ما استفدنا أن نهيه ﵊ عن الأغلوطات، أي: الكلام الذي لا يفهم منه المقصود مخصوص بموضع لا يتعلق به غرض علمي، أما إذا قصد العالم امتحان فهم المخاطبين حتى يتكلم مع كل واحد على قدر فهمه فلا بأس به، انتهى.\nقال الحافظ (^٢): دعوى الكرماني أنه لمراعاة صنيع مشايخه في تراجم مصنفاته غير مقبولة، ولم نجد أحدًا يقول: إن البخاري كان يقلد في التراجم، ولو كان كذلك لم يكن له مزية على غيره، وقد توارد النقل عن كثير من الأئمة أن من جملة ما امتاز به كتاب البخاري دقة نظره في تصرفه في تراجم أبوابه، انتهى ملخصًا.\n\n(٦ -<span data-type='title' id=toc-233> باب ما جاء في العلم)</span>\nهكذا في هامش نسخة \"الفتح\"، ولم يتعرض له في شرحه، وليس هذا الباب في النسخ الهندية، ولا في نسخة \"العيني\" أيضًا.\nوقال القسطلاني (^٣): هذا ساقط في رواية ابن عساكر والأصيلي وأبوي ذر والوقت، والباب التالي له ساقط عند الأصيلي وأبي ذر وابن عساكر، انتهى.\nولم يذكروا في هذا الباب حديثًا.\nوفي \"تراجم شيخ الهند\": إن كان هذا الباب ثابتًا، فالظاهر أن الغرض منه إثبات الضرورة والاحتياج إلى العلم بطلبه؛ لأن فضل العلم قد مرَّ سابقًا، انتهى.\n_________\n(^١) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٤٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ١٤٨).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١/ ٢٧٥).","vol":"2","page":428},{"text":"(-<span data-type='title' id=toc-234> باب القراءة والعرض على المحدث)</span>\nغاير بينهما بالعطف لما بينهما من العموم والخصوص؛ لأن الطالب إذا قرأ كان أعم من العرض وغيره، ولا يقع العرض إلا بالقراءة؛ لأنه عبارة عما يعارض به الطالب أصل شيخه معه أو مع غيره بحضرته، فهو أخص من القراءة.\nوتوسع بعضهم فأطلقه على ما إذا أحضر الأصل لشيخه ونظر فيه وأذن له بالرواية، والحق أن هذا عرض المناولة، وقد كان بعض السلف لا يعتدُّون إلا بما سمعوه من ألفاظ المشايخ دون ما يُقرأ عليهم، فلهذا بوب البخاري على جوازه، كذا في \"الفتح\" (^١)، وبذلك جزم العيني، إلى آخر ما بسط في هامش \"اللامع\" (^٢).\nولا يبعد عندي أن القراءة على المحدث ظاهر، والعرض على المحدث أن يقرأ رجل على شيخ بحضرة جماعة، فهؤلاء كلهم سوى القارئ يعرضون على المحدث.\nقوله: (يقرأ على القوم) كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\": فإنه لا يقرأه إلا القاضي أو أحد أتباعه، ومع ذلك فيقول الشهداء: أشهدنا فلان، وينسبون الإشهاد إلى المدعي أو إلى القاضي، مع أن اللفظ ليس للمدعي فيما إذا كان القارئ أحدهما غير عين أو لنائبه عينًا، وقد نسبوه إلى القاضي، إلى آخر ما فيه.\nقوله: (رواه موسى. . .) إلخ، وخولف في إسناده، فرواه حماد بن سلمة عن ثابت مرسلًا، ورجحها الدارقطني، كذا في \"الفتح\".\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ١٤٩)، وانظر: \"عمدة القاري\" (٢/ ٢٣).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٢/ ١٠).","vol":"2","page":429},{"text":"(٧ -<span data-type='title' id=toc-235> باب ما يذكر في المناولة)</span>\nقال شيخ المشايخ في \"تراجمه\" (^١): ذكر في الترجمة أمرين: المناولة، وكتاب أهل العلم بالعلم إلى البلدان، وأثبت بحديثي الباب الأمر الثاني، فثبوت الأمر الأول بالطريق الأولى، فافهم.\nوقال شيخ الهند في \"تراجمه\" ما تعريبه: غرض المؤلف إثبات المناولة الاصطلاحية بعد إثبات القراءة والعرض، ولما كان إثبات ذلك من الأحاديث فيه بعض الضيق، لذا عقد المؤلف ترجمةً أخرى بغرض إظهار الوسعة والسهولة فيه بقوله: \"وكتاب أهل العلم بالعلم إلى البلدان\"، وذكر بذيله الأحاديث المسندة، وهي تدل صراحة على الترجمة الثانية، ولكن المقصود الأصلي من كل ذلك هو إثبات الترجمة الأولى، وقد صنع المؤلف هكذا في عدة مواضع كما ذكرنا في الأصول، انتهى.\nقلت: هذا الأصل الذي أشار إلي الشيخ قُدِّس سرُّه هو الأصل الثاني عشر من أصول التراجم، وقد تقدم في المقدمة في ذيل الأصل الثامن والعشرين.\nوفي هامش \"اللامع\" (^٢): قال الكرماني (^٣): المناولة من أقسام طرق التحمل، وهي على نوعين:\nأحدهما: المناولة المقرونة بالإجازة، كما أن يدفع الشيخ إلى الطالب أصل سماعه مثلًا ويقول: هذا سماعي، فأجزت لك روايته عني، وهذه حالة محل السماع عند مالك وغيره، فيجوز إطلاق \"حدثنا\" و\"أخبرنا\" فيها، والصحيح أنه منحط عن درجته، وعليه أكثر الأئمة.\nوثانيهما: المناولة المجردة عن الإجازة، بأن يناله أصل سماعه ولا يقول له: أجزت لك الرواية عني، ولهذا لا تجوز الرواية بها على\n_________\n(^١) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٤٣، ٤٤).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٢/ ١٣).\n(^٣) \"شرح الكرماني\" (٢/ ١٩، ٢٠).","vol":"2","page":430},{"text":"الصحيح، وقال ابن أمير الحاج في \"التقرير\": إنها بدون الإجازة غير معتبرة، والإجازة بدونها معتبرة، انتهى.\nومراد البخاري من الباب القسم الأول.\nوقوله: \"إلى البلدان\" على سبيل المثال، وإلا فالحكم عام بالنسبة إلى أهل القرى والصحارى وغيرهما.\nولفظ الكتاب يحتمل عطفه على \"المناولة\" وعلى \"ما يذكر\"، والمكاتبة أيضًا من أقسام طريق نقل الحديث، وهي أن يكتب الشيخ إلى الطالب شيئًا من حديثه، وهي أيضًا نوعان: المقرونة بالإجازة والمجردة عنها، والأولى في الصحة والقوة كالمناولة المقرونة بالإجازة، أما الثانية فالصحيح المشهور فيها أنه تجوز الرواية بأن يقول: كتب إليّ فلان قال: حدثنا فلان، وقال بعضهم بجواز حدثنا وأخبرنا فيها، إلى آخر ما بسط في هامش \"اللامع\" (^١).\nوالمكاتبة من أقسام التحمُّل، وسَوّى المصنف بينها وبين المناولة، ورجح قوم المناولة لحصول المشافهة بها، كذا في \"الفتح\" (^٢).\nقلت: وفي رسالتي في أصول الحديث عن \"نور الأنوار\"، اشتراط البينة في الكتابة، وعن \"التلويح\" قائم مقام القراءة للضرورة، انتهى.\nوقال الحافظ (^٣): لم يذكر البخاري من أقسام التحمل الإجازة المجردة عن المناولة أو المكاتبة، ولا الوجادة ولا الوصية ولا الإعلام المجردات عن الإجازة، وكأنه لا يرى بشيء منها، انتهى.\nقوله: (حيث كتب لأمير السرية) هو عبد الله بن جحش أخو زينب أم المؤمنين، في السنة الثانية، وقوله: \"حتى تبلغ مكان كذا وكذا\"، هكذا في حديث جندب على الإبهام، وفي حديث عروة: \"إذا سرت يومين فافتح\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٢/ ١٣، ١٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ١٥٤).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١/ ١٥٦).","vol":"2","page":431},{"text":"الكتاب، قال: ففتحه هناك، فإذا فيه: أن امض حتى تنزل نخلةً، فتأتينا من أخبار قريش ولا تستكرهن أحدًا\"، إلى آخر ما في هامش \"اللامع\".\nوفي \"اللامع\" (^١): قوله: (أن يدفعه إلى عظيم البحرين) ففيه دلالة على جواز المكاتبة، ولو لم يكن مفيدًا للعلم لما بعث به إليه، وكذا المناولة، انتهى.\nوفي هامشه: دلالة الحديث على الجزء الثاني من الترجمة ظاهرة، وأما الجزء الأول فدل عليه الكتاب الذي ناول أمير السرية، انتهى مختصرًا.\n\n(٨ -<span data-type='title' id=toc-236> باب من قعد حيث ينتهي به المجلس)</span>\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٢): وضعه ليدفع به ما في الرجال من النخوة المانعة عن القعود في أواخر القوم، بأن من أدب العلم الجلوس حيث وجد مجلسًا، ولا يستحي من الجلوس هناك، ولا يعرض عن مجالس الذكر لمثل ذلك، انتهى.\nوفي هامشه أيَّد كلام الشيخ بكلام الكرماني (^٣)، ثم قال الشيخ: وأما الاستحياء المذكور في الرواية فمعناه الاستحياء عن أن يزدحم الناس ويرمقهم، و\"استحيا الله منه\" أي: أجزل ثوابه وأوفر حظه، وهذا أولى من أن يراد بالاستحياء الاستحياء عن الإعراض؛ لأن حمل المطلق من الروايات على مقيدها، وكذلك حمل بعضها على بعض، وإن كان أمرًا كثر شيوعه فيما بين الفقهاء والمجتهدين، إلا أنه نادر بين فرق المحدثين لا سيما البخاري، فإن هؤلاء على جعل المطلق حجة على حدة من المقيد، فلا يحمل بعضها على بعض ما دام التفصي عنه ممكنًا، انتهى.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٢/ ١٥).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٢/ ١٦).\n(^٣) انظر: \"شرح الكرماني\" (٢/ ٢٦).","vol":"2","page":432},{"text":"وبسط الشيخ قُدِّس سرُّه الكلام على هذين المعنيين للاستحياء في \"الكوكب\" (^١)، ولم يرجح أحدهما على الآخر كما رجحه ههنا، وأيضًا بسط الكلام على هذا الحديث في الجزء السادس من \"الأوجز\" (^٢).\nوفي هامش \"اللامع\" (^٣) عن الحافظ: قوله: \"فاستحيا\" أي: ترك المزاحمة كما فعل رفيقه حياءً من النبي - ﷺ - وممن حضر، قاله القاضي عياض، وقد بيَّن أنس في روايته سبب استحياء هذا الثاني، فلفظه عند الحاكم: \"ومضى الثاني قليلًا ثم جاء فجلس\" (^٤)، فالمعنى أنه استحيا من الذهاب عن المجلس كما فعل رفيقه الثالث، انتهى.\nفكأن الحافظ رجَّح الاستحياء عن الذهاب لرواية الحاكم، واختار الشيخ - ﵀ - مختار القاضي عياض، وهو مختار الباجي في شرح \"الموطأ\" كما في \"الأوجز\".\nوأشار الشيخ بقوله: \"لأن حمل المطلق. . .\" إلخ، إلى الجواب عن رواية الحاكم المذكورة في كلام الحافظ، انتهى ما في هامش \"اللامع\" مختصرًا.\nوكتب شيخ المشايخ في \"تراجمه\" (^٥) كلا المعنيين، ولم يرجح أحدهما على الآخر، فقال: يحتمل وجهين: إما مدحه بأنه استحيا من التفوق على الناس وتخطي رقابهم فاستحيا الله منه وجازاه على ذلك بما يليق به، أو ذمه بأنه استحيا عن أخذ العلم حق أخذه، فجازاه الله على ذلك بحرمانه، انتهى.\nوكتب شيخ الهند في \"تراجمه\" ما تعريبه: المقصود من هذا الباب\n_________\n(^١) \"الكوكب الدري\" (٣/ ٣٩١).\n(^٢) انظر الطبعة الجديدة: \"لأوجز المسالك\" (١٧/ ١٩٠ - ١٩٥).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٢/ ١٧)، و\"فتح الباري\" (١/ ١٥٧).\n(^٤) \"المستدرك على الصحيحين\" (٤/ ٢٨٤) (رقم ٧٦٥٣).\n(^٥) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٤٦).","vol":"2","page":433},{"text":"بيان صور الجلوس في حلقة العلم، والحاصل: أن الجلوس في الحلقة فضل من الجلوس في خارجها، وما ذكر في الحديث قوله: \"وأما الآخر فاستحيا\"، ذكر الشرَّاح له معنيين: الأول: أنه لم يرد الجلوس ولكنه جلس حياءً، وبعض الروايات تؤيد هذا المعنى، والثاني: أنه استحيا من أهل المجلس فلم يزاحمهم وجلس خلفهم، فعُلم أن الصورة الأولى - أي: الجلوس في داخل الحلقة - أفضل وأحسن من هاتين الصورتين، انتهى.\nقوله: (فرأى فرجة في الحلقة) فيه فضل سد الخلل كما في الصفوف، وجواز التخطي لسد الخلل، من \"الفتح\" (^١).\n\n(٩ -<span data-type='title' id=toc-237> باب رُبَّ مبلِّغ أوعى له من سامع)</span>\nوغرض المصنف عندي ترغيب أخذ العلم ولو من دونه، وفي مقدمة \"الأوجز\" (^٢) في رباعيات البخاري: لا يكون الرجل محدثًا كاملًا إلا بعد أن يكتب أربعًا مع أربع، إلى أن قال: يأخذ عمَّن هو فوقه، وعمَّن هو مثله، وعمَّن هو دونه، وعن كتاب أبيه، إلى آخر ما فيه، وأيضًا فيه تفسير لقوله تعالى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦]، وتنبيه على رفع درجات العلماء.\nوفي \"العيني\" (^٣): قال القطب: أراد بها المصنف الاستدلالَ على جواز الحمل على من ليس بفقيه إذا ضبط ما يحدِّث، انتهى.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٤): دفع بذلك ما اشتهر أن التلميذ يكون أقل علمًا من شيخه، انتهى.\nوفي \"تراجم شيخ الهند\" ما تعريبه: إن \"أوعى\" له معنيان: أحفظ وأفهم، ففي التبليغ فائدتان كما في عدمه مضرتان.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ١٥٧).\n(^٢) انظر: \"أوجز المسالك\" (١/ ٢٣٩).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٢/ ٤٨).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٢/ ١٧).","vol":"2","page":434},{"text":"(١٠ -<span data-type='title' id=toc-238> باب العلم قبل القول والعمل)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): دلالة الآيات على تقدم العلم على التكلم به وعظًا والعمل بمقتضاه ظاهرة، فإنه لما كان أفضل والمناط كان هو الأولى بالتقديم من غيره، وكذلك في الروايات الموردة والآثار كما يظهر بتأمل فيها، انتهى.\nوفي هامشه: اختلفوا في غرض المؤلف عن هذه الترجمة، قال الكرماني (^٢): يريد أن الشيء يعلم أولًا ثم يقال ويعمل به، فالعلم مقدم عليهما بالذات، وكذا مقدم عليهما بالشرف؛ لأنه عمل القلب وهو أشرف أعضاء البدن، انتهى.\nوقال السندي (^٣): الظاهر أن مراده بيان تقدم العلم على القول والعمل شرفًا ورتبةً لا زمانًا، انتهى.\nوالأوجه عندي: أن المصنف أراد التقدم الزماني، وإليه يشير كلام الشيخ من قوله: تقدم العلم على التكلم به وعظًا، وهو المراد بالقول: وعلى العمل بمقتضاه. ودلالة ما أورد المصنف في هذا الباب على هذا المعنى ظاهرة لا خفاء فيه، فغرض المصنف عندي دفع ما يتوهم من الوعيدات على العلم بلا عمل أن المقصر في العمل لا ينبغي له تحصيل العلم، فأثبت المصنف في هذا الباب أن العلم من حيث هو هو مقدم على العمل ذاتًا، وأما ترك العمل به بعد ذلك فأمر آخر موجب للخسارة والوعيدات المرتبة عليه، وهو الظاهر من كلام أكثر الشرَّاح.\nقال الحافظ (^٤): قال ابن المنيِّر: أراد به أن العلم شرط في صحة القول والعمل، فلا يعتبران إلا به، فهو متقدم عليهما، فنبَّه المصنف على\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٢/ ٢٠).\n(^٢) \"شرح الكرماني\" (٢/ ٢٩).\n(^٣) \"حاشية السندي على البخاري\" (١/ ٢٣).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١/ ١٦٠).","vol":"2","page":435},{"text":"ذلك حتى لا يُسبق إلى الذهن من قوله: \"إن العلم لا ينفع إلا بالعمل\"، تهوين أمر العلم والتساهل في طلبه، انتهى إلى آخر ما في هامش \"اللامع\".\nوفي \"تراجم شيخ الهند\" ما تعريبه: لقد ذكر المؤلف في هذا الباب في الترجمة عدة آيات وأحاديث وأقوال الصحابة، واكتفى بها ولم يذكر حديثًا مسندًا، ويظهر منها تأكيد فضيلة العلم والتعليم والتبليغ، وجاء بقوله: \"إنما العلم بالتعلم\" والمراد كما أن مدار القول والعمل على العلم، هكذا العلم موقوف على التعلم، فلذا يجب بذل الجد والجهد في تحصيله، ثم المراد بالقبلية في الترجمة التقدم الزماني كما هو الظاهر، أو المراد تقدم الشرف والرتبة كما يترشح من النصوص والأقوال المذكورة، والأوجه: أن نجعل القبلية عامة بالمعنيين المذكورين، فالحاصل: أن التعلم أهم وأقدم من التعليم والعمل كليهما، والله أعلم، انتهى.\nولو أريد في الترجمة بالقبلية التقدم الشَّرَفي فلا يبعد عندي أن يكون إشارة إلى خلافية شهيرة تقدمت في أول الكتاب من فضل العلم على العمل.\nثم لم يذكر المصنف في هذا الباب حديثًا مسندًا، واقتصر على ما أورد من الآيات والآثار وغير ذلك، فإما أن يكون بياضًا أو تعمد ذلك اكتفاءً بما ذكر كما في \"الفتح\" (^١).\nوالأوجه عندي: أنه أراد بذلك الإشارة إلى الروايات الواردة في الباب كما ذكرته في أول كتاب العلم، وقد تقدم الكلام مبسوطًا في المقدمة في الفائدة الرابعة من الفصل الثالث على أبواب لم يذكر فيها حديث.\nوفي تقرير مولانا محمد حسن المكي: قوله: (يُربي الناس بصغار العلم. . .) إلخ، بأن يعلم أولًا بالصرف، ثم النحو، ثم المعاني، ثم الحديث، ثم التفسير، وهكذا يرتقي من صغار العلوم إلى كبارها، كما\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ١٦٢).","vol":"2","page":436},{"text":"يؤاكل الطبيب أو الأم لطفلها أولًا اللبن، ثم الخبز، ثم اللحم، انتهى.\nوبسط الكلام على هذا القول في \"اللامع\" وهامشه أشد البسط، وفيه عن \"الفتح\" (^١): والمراد بصغار العلم ما وضح من مسائله، وبكباره: ما دق منها، وقيل: يعلمهم جزئياته قبل كلياته، أو فروعه قبل أصوله، أو مقدماته قبل مقاصده، انتهى.\n\n(١١ -<span data-type='title' id=toc-239> باب ما كان النبي - ﷺ - يتخوَّلهم بالموعظة والعلم. . .) إلخ</span>\nوفي \"تراجم (^٢) شيخ المشايخ\": التخوُّل التعهد، يعني: يعظهم ولا يديم موعظتهم، وقوله: (كيلا ينفروا) متعلق بالتخول باعتبار جزء مفهومه الأخير، انتهى.\nوقال الحافظ في \"الفتح\" (^٣): قوله: (يتخولهم) بالخاء المعجمة، أي: يتعهدهم، و\"الموعظة\" النصح والتذكير، وعطف العلم عليها من باب عطف العام على الخاص؛ لأن العلم يشمل الموعظة وغيرها، وإنما عطفه لأنها منصوصة في الحديث، وذكر العلم استنباطًا.\nوقوله في الترجمة: (لئلا ينفروا)، استعمل في الترجمة معنى الحديثين اللذين ساقهما، وتضمن ذلك تفسير السآمة بالنفور وهما متقاربان، ومناسبته لما قبله ظاهرة من جهة ما حكاه أخيرًا من تفسير الرباني؛ كمناسبة الذي قبله من تشديد أبي ذر في أمر التبليغ لما قبله من الأمر بالتبليغ، وغالب أبواب هذه الكتاب لمن أمعن النظر فيها والتأمل لا يخلو عن ذلك.\nوقد ذكر شيخ الهند في آخر الباب السابق ما تعريبه: قد ذكر المؤلف بعد هذا بابين، وترجم للأولى بقوله: \"ما كان النبي - ﷺ - يتخولهم\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ١٦٢)، وانظر: \"لامع الدراري\" (٢/ ٢٢).\n(^٢) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٤٧).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١/ ١٦٢).","vol":"2","page":437},{"text":"بالموعظة. . .\" إلخ، وترجم للثانية بقوله: \"من جعل لأهل العلم أيامًا معلومة. . .\" إلخ، والغرض منهما واحد، ذكر في كليهما رواية ابن مسعود: \"كان النبي - ﷺ - يتخولنا بالموعظة\"، والظاهر بعد ملاحظتهما أن رسول الله - ﷺ - كان يذكِّر الصحابة ويعلِّمهم مع مراعاة نشاطهم ومللهم وحوائجهم، وكذا كان عبد الله بن مسعود أيضًا بعده - ﷺ - يذكِّر أصحابه كل يوم خميس، وكان يحترز عن الموعظة كل يوم مع إصرارهم، لكيلا يمل السامعون فيتكاسلوا.\nوبالجملة: يستنبط من كل هذا، أهمية التعليم والتذكير وانتظامه والمداومة عليه، فإن أحب الدين ما داوم عليه صاحبه.\n\n(١٢ -<span data-type='title' id=toc-240> باب من جعل لأهل العلم. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^١): أخذه من فعل ابن مسعود، أو من استنباط ابن مسعود ذلك من الحديث الذي أورده، انتهى.\nقلت: والأوجه الثاني، فإن في الأول يكون استدلال الإمام البخاري بالموقوف لا بالمرفوع.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\": لما كان من المسلَّم أن التعيين الزماني والمكاني فيما لم يثبت شرعًا مما يعد بدعةً وكراهةً، دَفَعَه بأن التعيين فيه جائز، إذ لولا ذلك لأَدَّى إلى الحرج لهم، مع أن العلم واجب التحصيل لا يمكن تركه، فلا مصير إلا إلى تعيين يوم له، فيتحيَّنه الناس ويحضرونه، فلا يؤدي ذلك إلى حرج لهم في أمر معايشهم، ويحصل المقصود، والله - ﷾ - أعلم، انتهى.\nوفي هامشه: ما أفاده الشيخ واضح، فإن البدعة هو التعيين الذي يعد فيه ثواب وأجر خاص بهذا المعين، وأما التعيين لساعات الدروس مثلًا فلا يعده أحد أجرًا وثوابًا، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ١٦٤).","vol":"2","page":438},{"text":"قلت: ويمكن عند هذا العبد الضعيف في غرض الترجمة أيضًا أن مثل هذا التأخير لا يعد من التقصير في التبليغ بشيء.\n\n(١٣ -<span data-type='title' id=toc-241> باب من يُرد الله به خيرًا)</span>\nوكتب شيخ الهند في \"تراجمه\" هذا الباب والآتي متصلًا، وكتب بعد: وينبغي أن يحمل الترجمة الأولى على الفقه في الدين، والثانية على الفهم في العلم، ومفهومهما متقارب، ويظهر من الترجمة الأولى وهي بعينها لفظ الحديث المذكور في الباب أمران:\nالأول: أن الفقه في الدين خير عظيم.\nوالثاني: أن حصول الفقه في الدين هو بمحض عطاء الله - ﷿ -، حتى إن النبي - ﷺ - نَبّهَ على ذلك واعتذر عن نفسه بقوله: \"إنما أنا قاسم\" (^١)، فيظهر منه عظمة الفقه وفضيلته.\nوذكر في الترجمة الثانية وهي: الفهم في العلم، حديث ابن عمر \"إن من الشجر شجرة. . .\" إلخ، وقد مَرّ قبل عدة أبواب أيضًا.\nوالظاهر أن المؤلف - ﵀ - يريد بذلك بيان فضل الفهم، وقد اعترض على هذا بعض أهل التحقيق وقالوا: لا يوجد ههنا لفظ يدل على الفضل، ولكن هذا الاعتراض ليس بصحيح؛ لأن المؤلف قد ذكر حديث ابن عمر هذا في عدة أبواب فيما مضى وفيما يأتي، واللفظ الدال على فضل الفهم موجود في عدة روايات، منها ما سيأتي في آخر كتاب العلم، وجاء فيه قول عمر: \"لأن تكون قُلتها أحب إليّ من أن يكون لي كذا وكذا\" (^٢)، ودلالته على الفضل واضحة، وقد صنع المؤلف هكذا كثيرًا في كتابه بأنه لا يذكر اللفظ الدال على الترجمة في الحديث، فيكتفي على ما قد ذكر ذلك اللفظ في نفس الحديث في موضع آخر، كما مرَّ في الأصول، انتهى.\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (ح: ٣١١٤).\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (ح: ١٣١).","vol":"2","page":439},{"text":"قلت: ذكره شيخ الهند في الأصل السادس من أصول تراجمه، وقد مرَّ في الأصل الثالث والعشرين من الأصول السبعين المتقدمة في الجزء الأول، ثم قال شيخ الهند: وعلى هذا لم تبق الحاجة إلى ترك المعنى المعروف من لفظ الفهم في العلم والتوجه إلى المعنى الغير الظاهر، وقد علم من فهم أصغر القوم هو ابن عمر، والخفاء على الكبار، تأييد قوله - ﷺ -: \"والله يعطي\" المذكور في الباب الأول، انتهى.\nوما أفاده شيخ الهند قُدِّس سرُّه بقول بعض أهل التحقيق أشار به إلى العلامة السندي إذ قال (^١): قوله: \"باب الفهم في العلم\" أي: بيان أنه مختلف، حتى إن ابن عمر مع صغر سنه فهم ما خفي على الكبار، وليس المراد بيان فضل الفهم إذ لا دلالة للحديث عليه، انتهى.\nوقال الحافظ (^٢): ومفهوم الحديث أن من لم يتفقه في الدين، أي: بتعلم قواعد الإسلام وما يتصل بها من الفروع، فقد حرم الخير، وقد أخرج أبو يعلى من وجه آخر ضعيف، وزاد في آخره: \"ومن لم يتفقه في الدين لم يبال الله به\"، والمعنى صحيح إلى آخر ما فيه.\nقوله: (حتى يأتي أمر الله. . .) إلخ، قال القسطلاني (^٣): \"حتى\" غاية لقوله: \"لن تزال\"، واستشكل بأن ما بعد الغاية مخالف لما قبلها، إذ يلزم منه أن لا تكون هذه الأمة يوم القيامة على الحق.\nوأجيب: بأن المراد من قوله: \"أمر الله\" التكاليف، وهي معدومة فيها، أو المراد بالغاية هنا تأكيد التأبيد، على حدِّ قوله تعالى: ﴿مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [هود: ١٠٧]، أو هي غاية لقوله: \"لا يضرهم\" لأنه أقرب، ويكون المعنى حتى يأتي بلاء الله فيضرهم حينئذ، فيكون ما بعدها مخالفًا لما قبلها، انتهى.\n_________\n(^١) انظر: \"حاشية السندي على صحيح البخاري\" (١/ ٢٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ١٦٥).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١/ ٢٩٧).","vol":"2","page":440},{"text":"والأوجه: ما أفاده مولانا الحاج محمد حسن المكي في \"تقريره\" عن شيخه الكَنكَوهي إذ قال: قوله: \"أمر الله\"، وهو الريح الطيب يقبض أرواح من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، فيبقى شرار الناس، انتهى.\nوجزم به الحافظ (^١) أيضًا.\n\n(١٤ -<span data-type='title' id=toc-242> باب الفهم في العلم)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): أراد بذلك أن الفقه أعلى مراتب العلماء، فإن فاته ذلك فلا أقل من أن يسعى في تحصيل فهم المطالب، وهو ممدوح أيضًا كما وقع لابن عمر - ﵄ - حيث أَدّى ذهنه إلى النخلة، فقال له عمر: هَلَّا ذكرت ذلك، فعُلم بذلك غاية مدح ومنقبة للفهم وهو ليس بفقه؛ لأن الفقه استنباط المسائل والوقوف على دقائق الشريعة وعلل الأحكام، ويمكن أن يكون هذا الباب بيانًا؛ لأن الفقه والفهم ليسا شيئين متغايرين، وإنما هما واحد، انتهى.\nقلت: وإليه مال شيخ الهند إذ جعل البابين واحدًا كما تقدم، وفي هامش \"اللامع\": نبَّه الشيخ بذلك على جودة الإمام البخاري بأنه - ﵀ - بَوَّبَ أولًا بـ \"باب يفقهه في الدين\"، ثم ثَنّى بذلك الباب، فكأنه أشار إلى مرتبتين: مرتبة التفقه وهو أعلى، ثم مرتبة الفكر والمطالعة.\nقال الحافظ (^٣): مناسبة الحديث بالترجمة، أن ابن عمر لما ذكر النبي - ﷺ - المسألة عند إحضار الجمار إليه فهم أن المسؤول عنه النخلة، فالفهم فطنة يفهم بها صاحبها من الكلام ما يقترن به من قول أو فعل، انتهى.\nوالغرض عندي الترغيب في التدبر والمطالعة، أو التنبيه على طريقها\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (١/ ١٦٤).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٢/ ٢٤).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١/ ١٦٥).","vol":"2","page":441},{"text":"من النظر إلى المقترنات، انتهى ما في هامش \"اللامع\"، وتقدم كلام شيخ الهند على ذلك في الباب السابق.\nوالجملة أنهم اختلفوا في غرض الترجمة على خمسة أقوال:\nالأول: أن الغرض إثبات فضل الفهم في العلم، أي: العلوم، وهو الذي جزم به الحافظ، واختاره شيخ الهند، وهو ظاهر من حديث الباب من جهة أن ابن عمر استخرج من فهمه ما أراده النبي - ﷺ -، والأولى أنه شيء ذو فضيلة لما كان في استخبار النبي - ﷺ - فائدة، فاستخباره - ﷺ - دليل على كونه ذا فضل، والله أعلم.\nوالثاني: غرضه بيان أن الفهم يكون مختلفًا، حتى إن ابن عمر مع صغر سنه فَهِمَ ما خفي على الكبائر، قاله السندي (^١)، وقال: وليس المراد بيان فضل الفهم، إذ لا دلالة للحديث عليه.\nقلت: قد بيَّنا وجه الدلالة، فللَّه الحمد، وقد تقدم في الباب السابق جواب شيخ الهند.\nوالثالث: غرضه بيان أنه إن فاته الفقه الذي هو أعلى، فلا يقصِّر في الطلب حتى يفوته الأدنى، وهو فهم المراد والمطلب، وجنح إليه العارف الكَنكَوهي رحمه الله تعالى.\nوالرابع: الترغيب في التدبر والمطالعة.\nوالخامس: التنبيه على طريق المطالعة بالنظر إلى المقترنات والقياس على النظائر، وهو من مخترعاتي، والله أعلم.\n\n(١٥ -<span data-type='title' id=toc-243> باب الاغتباط في العلم والحكمة)</span>\nقال الحافظ في \"الفتح\" (^٢): فيه نظير ما ذكرنا في قوله: \"بالموعظة والعلم\"، لكن هذا عكس ذاك، أو من العطف التفسيري إن قلنا: إنهما مترادفان.\n_________\n(^١) انظر: \"حاشية السندي على صحيح البخاري\" (١/ ٢٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ١٦٦).","vol":"2","page":442},{"text":"والمقصود أن الحسد في الحديث بمعنى الغبطة لما يأتي في فضائل القرآن من زيادة قوله: \"ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان\" (^١)، الحديث، انتهى. ملخص من \"الفتح\".\nوفي \"تراجم شيخ الهند\": إن المقصود التحريض على طلب العلم، ولذا عقَّبه قول عمر بالأمر، انتهى.\nوفي \"اللامع\" (^٢): أشار بذلك إلى أن لفظ الحسد الوارد في الرواية محمول عليه، انتهى.\nوفي هامشه: الغبطة لغةً: أن يتمنى مثل حال المغبوط من غير أن يريد زوالها عنه، والحسد: أن تتمنى زوال نعمة المحسود [إليك]، إلى آخر ما بسط فيه من اختلاف تفسيرهما، وفيه: قال القسطلاني (^٣): عطف الحكمة من باب العطف التفسيري، أو من باب عطف الخاص على العام.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\": ومعنى قول عمر: \"تفقهوا قبل أن تسوَّدوا\": أن السيادة لما كانت مانعةً عن الاشتغال بالفقه لما فيها من أشغال وعلَّات مانعة عنه، فأولى أن تفقَّهوا قبل أن تقعوا فيها، ولم يرد أن لا تفقَّهوا بعدها، وإنما أراد أنه لا يتيسَّر بعدها، فقول المؤلف: \"وبعدها\" تنبيه على مراد عمر لئلا يظن أحد أنه نهى عن التعلم بعدها، انتهى.\nوبسط في هامشه الكلام في شرح كلام الشيخ قُدِّس سرُّه ومناسبة أثر عمر - ﵁ - بالترجمة، فليرجع إليه.\nقوله: (على غير ما حدثناه الزهري) قال القسطلاني (^٤): أي: على غير اللفظ الذي حدثناه الزهري المسوق روايته عند المؤلف في \"التوحيد\"، والحاصل: أن ابن عيينة روى الحديث عن إسماعيل بن خالد وساق لفظه هنا، وعن الزهري وساق لفظه في \"التوحيد\"، انتهى.\nقلت: وبينهما اختلاف يسير في اللفظ.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (ح: ٥٠٢٦).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٢/ ٢٥).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١/ ٢٩٨).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (١/ ٢٩٩).","vol":"2","page":443},{"text":"(١٦ -<span data-type='title' id=toc-244> باب ما ذكر في ذهاب موسى. . .) إلخ</span>\nوفي هامش \"اللامع\" (^١): قال الحافظ (^٢): هذا الباب معقود للترغيب في احتمال المشقة في طلب العلم؛ لأن ما يغتبط به تحتمل المشقة فيه؛ ولأن موسى - ﵇ - لم يمنعه بلوغه من السيادة المحل الأعلى من طلب وركوب البر والبحر لأجله، فظهر بهذا مناسبة هذا الباب لما قبله.\nوكتب شيخ الهند ما تعريبه: لم يذكر المؤلف مقصوده بالترجمة نصًّا، وجعل قصة موسى والخضر - ﵉ - ترجمة، ولكن لا يخفى أنه لا بد أن يكون غرضه من ذكر القصة المذكورة إثبات أمر ما يتعلق بكتاب العلم، ولا يقال لنفس القصة: إنها المقصودة في هذا الموضع، فظاهر النظر يؤدي إلى أنه أراد به إثبات السفر لطلب العلم، ولكن قد عقد بعد بابين \"باب الخروج في طلب العلم\"، وذكر فيه هذا الحديث أيضًا.\nفليس لنا إلا أن نقول: إن غرض المؤلف من هذا الباب إثبات الخروج في البحر، وفي الباب الآتي إثبات الخروج مطلقًا، ولكن الأحسن أن يكون المقصود من ذهاب موسى - ﵇ - التعلم بعد السيادة، وفي الباب الآتي الخروج في طلب العلم هو المقصود صراحة فلا حاجة إلى التكلف مطلقًا، وقد صنع هذا في مواضع أخر أيضًا بأن جعل تكميل الأمر وتحقيقه المتعلق بالباب الأول في الباب الثاني، فلأنه قد ذكر في الباب السابق قوله: \"قد تعلم أصحاب النبي - ﷺ - كبر سنهم\" بذيل الترجمة مجملًا، وهنا أكمل ذلك استقلالًا بأن موسى - ﵇ - مع كونه سيد سادات العالم، كم جَدّ واجتهد برغبته وشوقه لتعلم العلم مع كون العلم أيضًا زائدًا على العلم الضروري ومفضولًا عن علم كليم الله - ﵇ -.\nونظرًا إلى هذه الأمور، لا بد أن قد يظن أنه يمكن أن ذهاب موسى - ﵇ - لم يكن لغرض التعلم، بل رغبةً وشوقًا في لقاء الخضر - ﵇ -\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٢/ ٢٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ١٦٨).","vol":"2","page":444},{"text":"ومشاهدة علومه، فإن الرسول - ﷺ - أشار إلى هذا الشوق أيضًا بقوله: \"وددنا أن موسى - ﵇ - كان صبر حتى يقص الله علينا من خبرهما\" دفعًا لهذا الظن، ذكر المؤلف في الترجمة قول الله - ﷿ -: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ﴾ الآية [الكهف: ٦٦].\nوفي \"تراجم (^١) شيخ المشايخ\" مسند الهند: مقصود الباب إثبات الرحلة لأجل تحصيل العلم؛ لأنها ما كانت معهودة في زمان الصحابة والتابعين ومن تبعهم، بل كانو يأخذون العلم من علماء بلدانهم، فلما دوِّنت الكتب وانتشرت تلك في البلدان ارتحلوا من بلد إلى بلد وصارت تلك عادة فيما بينهم، فأثبت المؤلف أصلًا صحيحًا قويًا، انتهى.\nوفي هامش \"اللامع\" (^٢): هكذا أفاد شيخ المشايخ، ويشكل عليه ما سيأتي قريبًا من \"باب الخروج في طلب العلم\"، فإن المقصد الذي أفاده شيخ المشايخ يناسب هذا الباب الثاني.\nوالأوجه عندي: في غرض هذا الباب الأول جوازُ ركوب البحر للتعلم لدفع ما يتوهم عدم الجواز من حديث أخرجه أبو داود (^٣) عن ابن عمر - ﵄ - مرفوعًا: \"لا يركب البحر إلا حاج أو معتمر أو غاز في سبيل الله\"، فقد يتوهم من الحصر في الثلاث عدم الجواز لغيرها، ولذا يترجم المصنف في \"كتاب البيوع\" \"باب التجارة في البحر\"، انتهى.\nثم يستشكل قوله في الترجمة \"في البحر إلى الخضر\"، قال شيخ الهند ما تعريبه: إن ذهاب موسى في البحر إلى الخضر خلاف للمشهور والمنقول، فإن موسى - ﵇ - لقي الخضر بعد السفر في البر لا في البحر، وقد أوَّل الشرَّاح المحققون ذلك بعدَّة تأويلات، فحملوا حرف \"إلى\" [في] قوله: \"إلى الخضر\" بمعنى مع، أو المراد بالبحر ناحية البحر: وطرف\n_________\n(^١) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٤٨).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٢/ ٢٩).\n(^٣) \"سنن أبي داود\" (ح: ٢٤٨٩).","vol":"2","page":445},{"text":"البحر، ولكن الأسهل إن يترك \"إلى\" و\"البحر\" على ظاهرهما ويقال: إنه لم يذكر واو العطف قبل قوله: \"إلى الخضر\"، فإنه لا يذكر أحيانًا واو العطف اعتمادًا على فهم السامع، والله أعلم.\nوفي \"اللامع\" (^١): استشكل عليهم هذه الكلمة، فإن ذهاب موسى في البحر لم تكن إلى الخضر، والجواب: أن كلمة \"إلى\" بمعنى \"مع\" وهي كثيرة، أو يقال: لما أُمر موسى بالذهاب إلى الخضر كان عليه أن يصل إليه كيف ما كان في البر أو البحر، فلفظ البحر مفهوم من إطلاق أمره بالذهاب إليه، والأول أولى، انتهى.\nوفي هامشه: قال الحافظ (^٢): ظاهر التبويب أن موسى ركب البحر لما توجه في طلب الخضر، وفيه نظر؛ لأن الذي ثبت عند المصنف وغيره أنه خرج في البر، وإنما ركب البحر في السفينة هو والخضر بعد أن التقيا، فيحمل قوله: \"إلى الخضر\" على أن فيه حذفًا، أي: إلى مقصد الخضر؛ لأن موسى لم يركب البحر لحاجة نفسه، وإنما ركبه تبعًا للخضر، ويحتمل أن يكون التقدير: ذهاب موسى في ساحل البحر، فيكون فيه حذف، ويمكن أن يقال: مقصود الذهاب إنما حصل بتمام القصة، إلى آخر ما بسط فيه.\nوما في \"اللامع\" من قوله: \"إن كلمة إلى بمعنى مع. . .\" إلخ، اقتصر عليه في \"تقرير المكي\" إذ قال: \"إلى\" بمعنى \"مع\" كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢].\nقلت: واختاره ابن المنيِّر أيضًا.\nقوله: (تمارى هو والحر بن قيس) لا يذهب عليك أن في القصة تماريين: أحدهما: هذا مع الحر، في الخضر من هو؟ والثاني: الآتي في \"باب ما يستحب للعالم. . .\" إلخ، في موسى من هو، مع نوف البكالي؟\nوالصواب: أن التماري الثاني كان بين سعيد بن جبير وبين البكالي.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٢/ ٢٩، ٣٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ١٦٨).","vol":"2","page":446},{"text":"قال العيني (^١): في هذه القصة تماريان: تمار بينه وبين الحر بن قيس، أهو الخضر أم غيره؟ وتمار بينه وبين نوف البكالي في موسى، أهو موسى بن عمران الذي أنزلت عليه التوراة؟ أم موسى بن ميشا - بكسر الميم وسكون الياء -؟ هكذا قاله الكرماني (^٢) في التماري الثاني، وليس كذلك، فإن هذا التماري كان بين سعيد بن جبير وبين البكالي على ما يجيء في التفسير.\nقوله: (﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾) أي: تلاش كرتى هوئى، كذا في \"تقرير المكي\".\n\n(١٧ -<span data-type='title' id=toc-245> باب قول النبي - ﷺ -: اللهم علِّمه الكتاب)</span>\nقال الحافظ (^٣): استعمل لفظ الحديث ترجمة تمسكًا بأن ذلك لا يختص جوازه بابن عباس، والضمير على هذا لغير مذكور، ويحتمل أن يكون لابن عباس نفسه لتقدم ذكره في الحديث السابق إشارة إلى أن الذي وقع لابن عباس من غلبته للحر بن قيس إنما كان بدعاء النبي - ﷺ - له، انتهى.\nويحتمل عندي أن المصنف أشار بذلك إلى سبب الدعاء، وهو خدمته - ﷺ -، إذ وضع له وضوءًا لما دخل الخلاء، كما سيأتي في \"باب وضع الماء عند الخلاء\"، أو أدبه معه - ﷺ -، قال الحافظ: فقد أخرج أحمد عن ابن عباس في قيامه خلفه - ﷺ - في صلاة الليل فقال: \"ما بالك؟ أجعلها حذائي فتخلفني، فقلت: أو ينبغي لأحد أن يصلي حذائك [وأنت رسول الله]؟ فدعا لي أن يزيد فيَّ الله فهمًا وعلمًا\"، انتهى.\nوفي \"تراجم شيخ الهند\" ما تعريبه: وتظهر من هذه القصة عظمة العلم وفضليته، وفضل ابن عباس معًا بداهة، ولذا ذكر المؤلف - ﵀ - هذه الرواية\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٢/ ٨٩).\n(^٢) \"شرح الكرماني\" (٢/ ٤٧).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١/ ١٦٩).","vol":"2","page":447},{"text":"في \"كتاب العلم\" وفي \"مناقب ابن عباس\" أيضًا، ويُعلم منه أيضًا أن العلم من عطاء الله الخاص كما مرَّ في \"باب من يرد الله به خيرًا. . .\" إلخ، فإن المرء مهما كان ذكيًا وفهيمًا، ومهما اجتهد وبذل الوسع لتعلُّم العلم، لا يعتمد عليه، بل لا بد من التوجه والالتجاء إلى الله - ﷾ -، فلا تتيسَّر هذه النعمة إلا بإرادته - ﷿ - يعني: أن الدعاء والالتجاء إلى الله من لوازم التعلم أيضًا، فيحتاج إليه أشد الحاجة مع الفهم والسعي في العلم، انتهى.\nوفي \"اللامع\" (^١): باب قوله: \"اللهم علِّمه الكتاب\" فيه إشارة إلى أن من كان عنده علم من الكتاب كان مستفيدًا من صدر نبيه - ﷺ -، وكأنه منضم صدره إلى صدره - ﷺ -، انتهى.\nوفي هامشه: يعني في ضم صدره إلى صدره - ﷺ - إشارة لطيفة إلى ذلك.\nقلت: وهو شبيه ما تقدم في مبدأ الوحي من غط جبرئيل النبي - ﷺ -، ويحتمل أن يكون المصنف أشار بالترجمة إلى أدب العالم والأستاذ بأنه ينبغي له الدعاء لطَلَبة العلم كما دعا النبي - ﷺ - لابن عباس، وقد يكون المصنف أطلق الترجمة لتكثير الفائدة، فيدخل فيه الترغيب في دعاء العالم وفي دعاء الطالب لنفسه، والله أعلم.\n\n(١٨ -<span data-type='title' id=toc-246> باب متى يصح سماع الصغير</span>؟)\nليس هذا الباب في \"اللامع\"، لكن في هامشه عن تقرير المكي: الحاصل: أن تحمّل الصبي صحيح وإن كان صغيرًا بشرط أن يكون عالمًا مميِّزًا، لكن لا يصح تحميله إلا بعد البلوغ، انتهى.\nقال الحافظ (^٢): مقصود الباب أن البلوغ ليس شرط التحمل، وأشار بذلك إلى اختلاف وقع بين أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، رواه الخطيب\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٢/ ٣٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ١٧١).","vol":"2","page":448},{"text":"في \"الكفاية\" أن ابن معين قال: أقل سن التحمل خمس عشرة سنة لكون ابن عمر رُدّ يوم أُحد إذ لم يبلغها، فبلغ ذلك أحمد بن حنبل فقال: بل إذا عقل ما يسمع، وإنما قصة ابن عمر في القتال، ثم أورد الخطيب أشياء مما حفظها جمع من الصحابة ومن بعدهم في الصغر وحدَّثوا بها بعد ذلك وقُبلت عنهم، وهذا هو المعتمد، وقد نقل ابن عبد البر الاتفاق على قبول هذا، انتهى.\nقال عياض: إن محمودًا كان إذ ذاك ابن أربع سنين، ومن ثَمَّ صحَّح الأكثر سماع من بلغ أربعًا، لكن بالنسبة إلى ابن العربي، وأما ابن العجمي فإذا بلغ سبعًا، انتهى، كذا في \"القسطلاني\" (^١).\nوقال شيخ الهند في \"تراجمه\" ما تعريبه: وهذا ظاهر أن المراد بالسماع هنا التحمُّل، وذكر المؤلف قصتين، ولم يذكر حديثًا يدل على التحديد، ولكن يظهر بالجمع بين الروايتين أن مقصود المؤلف أن صحة التحمل والسماع ليس له حد معيّن، بل مطلق سن التميُّز والتعقل يكفي لصحة السماع، هكذا قال العلامة السندي (^٢) وغيره، انتهى.\nقوله: (أنا ابن خمس سنين. . .) إلخ، وكان عند وفاته - ﷺ - ابن خمس سنين، فالقصة في آخر سنة من حياته - ﷺ -.\nقال الحافظ (^٣): واعترض المهلَّب على البخاري لكونه لم يذكر ههنا حديث ابن الزبير في رؤيته إياه (^٤) يوم بني قريظة، وكان سِنُّه إذ ذاك ثلاث سنين أو أربعًا، فهو أصغر من محمود، وأجاب ابن المنيِّر: بأن البخاري\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١/ ٣٠٨).\n(^٢) انظر: \"حاشية على صحيح البخاري\" (١/ ٢٥).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١/ ١٧٣).\n(^٤) قوله: \"إياه\" كذا في الأصل و\"القسطلاني\" (١/ ٣٠٨)، والصواب: \"أباه\" كما يدل عليه لفظ الحافظ في \"الفتح\": \"والده\"، وحديث ابن الزبير في \"صحيح البخاري\" (ح: ٣٧٢٠): \"يا أبت رأيتك تختلف؟ قال: أَوَهَلْ رأيتني يا بنيّ؟. . .\" إلخ.","vol":"2","page":449},{"text":"أراد نقل السنن النبوية لا الأحوال الوجودية، ومحمود نقل سُنَّة مقصودة في كون النبي - ﷺ - مجَّ مجة في وجهه، بل في مجرد رؤيته إياه فائدة شرعية تثبت كونه صحابيًا، وأما قصة ابن الزبير فليس فيها نقل سُنَّة من السُّنن النبوية حتى تدخل في هذا الباب، وقد غفل البدر الزركشي، فقالى: يحتاج المهلب إلى ثبوت أن قصة ابن الزبير على شرط البخاري؛ لأن البخاري أخرج القصة في مناقب الزبير (^١)، انتهى مختصرًا.\nوالأوجه عندي في الجواب: أن في قصة ابن الزبير كان رؤيته لأبيه فهو بمنزلة الموقوف، فتأمل، ويمكن أيضًا أن يقال: إن المحدثين ذكروا أقل مدة السماع خمس سنين، فلعل الإمام البخاري أشار بذلك إلى ترجيح قولهم، وبسط الكلام على سن التحمّل والتحديث في \"مقدمة الأوجز\" (^٢).\n\n(١٩ -<span data-type='title' id=toc-247> باب الخروج في طلب العلم)</span>\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): لمَّا ورد في شأن السفر ما ورد، وقد ورد أيضًا: \"لا تشد الرحال\"، وإن كان المراد به خاصًا، دفع كل ذلك بوضع باب لجوازه للعلم، انتهى.\nوفي هامشه: وقد تقدم قريبًا في \"باب ما ذكر في ذهاب موسى. . .\" إلخ، من كلام شيخ المشايخ ما يناسب هذا الباب، وبسط الحافظ في رحلة الصحابة في طلب الحديث ولو لحديث واحد، قال الحافظ (^٤): لم يخرج المصنف فيه شيئًا مرفوعًا صريحًا، وقد أخرج مسلم (^٥) حديث أبي هريرة رفعه: \"من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهَّل الله له به طريقًا إلى الجنة\"، ولم يخرجه المصنف لاختلاف فيه، انتهى.\n_________\n(^١) انظر: \"صحيح البخاري\" (ح: ٣٧٢٠).\n(^٢) انظر: \"أوجز المسالك\" (١/ ٢٤٣).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٢/ ٣٣).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١/ ١٧٤).\n(^٥) \"صحيح مسلم\" (ح: ٢٦٩٩)، وأخرجه أيضًا: أبو داود (ح: ٣٦٤٣)، والترمذي (ح: ٢٦٤٦ - ٢٩٤٥).","vol":"2","page":450},{"text":"قلت: والأوجه: أن المصنف اكتفى بذكر قصة موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام لما فيها من خروج نبي لطلب علم، فيستنبط منها خروج آحاد الأمة بالأولوية، ثم قال العيني (^١): كان ذكر هذا الباب عقيب \"باب ما ذكر في ذهاب موسى إلى الخضر\" أنسب وأليق، انتهى.\nقلت: ويمكن أن يجاب عن الإمام البخاري أنه من دقائق نظره، فإنه ألحق ترجمة الدعاء بما سبق، لما فيها إشارة إلى سبب غلبة ابن عباس على الحر بن قيس كما تقدم، ولمَّا كان ابن عباس من الأصاغر وكانت المسألة مختلفة فيما بينهم، نَبَّهَ عليه بـ \"باب متى يصح سماع الصغير\"، فكأن البابين المتوسطين كانا من لواحق الباب الأول، أي: \"باب الخروج إلى البحر\"، فذكرهما معه، وعلى هذا لم يبق بينه وبين هذا الباب فصل بأجنبي، انتهى ما في الهامش.\nقوله: (ورحل جابر مسيرة شهر لحديث واحد)، وهو ما أخرجه المصنف في \"الأدب المفرد\" وأحمد (^٢): \"يحشر الناس يوم القيامة عراة\" الحديث، وسيأتي عند المصنف في \"التوحيد\" في باب قوله: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ﴾ الآية [سبأ: ٢٣] معلقًا مختصرًا، ويورَد على ما هو المشهور أن المصنف حيث يعلق بالجزم يكون صحيحًا، وبالتمريض يكون ضعيفًا؛ لأنه علَّقه ههنا بالجزم، وفي \"التوحيد\" بالتمريض.\nوردَّه الحافظ فقال (^٣): نظر البخاري أدق من المعترض، فإنه إذا ذكر الارتحال فقط جزم لأن الإسناد حسن، وحيث ذكر طرفًا من المتن لم يجزم لأن نسبة الصوت إلى الله تعالى لا يكفي فيه مجيء الحديث من طريق مختلف فيها، انتهى.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٢/ ١٠٢).\n(^٢) انظر: \"الأدب المفرد\" (ح: ٩٧٠)، و\"مسند أحمد\" (١/ ٢٢٩)، و\"صحيح مسلم\" (ح: ٢٨٥٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١/ ١٧٤).","vol":"2","page":451},{"text":"(٢٠ -<span data-type='title' id=toc-248> باب فضل من عَلِمَ وَعَلَّمَ)</span>\nقال الحافظ (^١): الأولى بكسر اللام الخفيفة، أي: صار عالمًا، والثانية بفتحها وتشديدها، انتهى.\nوفي \"تراجم شيخ الهند\" ما معرَّبه: سبق أن المصنف عقد عدة أبواب في التعلم، ويذكر الآن عدة أبواب في التعليم، ومفهوم الترجمة فضيلة الأمرين بمجموعهما، لا فضيلة كلٍّ على حدة، فليس المراد فضل من علِم وفضل من علَّم مستقلًا كما يظهر من رواية الباب، انتهى.\nقوله: (ونفعه بما بعثني الله) كتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): لعله من وضع المُظْهَر موضع المُضْمَر، أو من باب تنازع الفعلين، وهذا يشمل أقسامًا ثلاثة، والقسمان من المشبه مندمجان في قوله: \"فعلم وعلَّم\"؛ لأن منفعته إما متعدية إلى الغير فقط؛ كأهل الحديث الذين لم يستنبطوا المسائل، أو لنفسه ولغيره كأهل الفقه، انتهى.\nوبسط في هامشه الكلام على شرح كلام الشيخ قدّس سرّه.\nقوله: (قيلت الماء) بالتحتية بدل الموحدة، قال الأصيلي: هو تحريف، وقال غيره: بل صواب ومعناه شربت، والقيل: شُرب نصف النهار، وتعقبه القرطبي بأن المقصود لا يختص بشرب القائلة، وأجيب بأن هذا أصله ولا يمنع إطلاقه تجوزًا، كذا في \"الفتح\" (^٣).\nقوله: (قاع يعلوه. . .) إلخ، أراد أن قيعان جمع قاع، وذكر الصفصف جريًا على عادته من تفسير ألفاظ القرآن، ففي سورة طه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا﴾ [طه: ١٠٥، ١٠٦].\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ١٧٦).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٢/ ٣٤).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١/ ١٧٧).","vol":"2","page":452},{"text":"(٢١ -<span data-type='title' id=toc-249> باب رفع العلم. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^١): مقصود الباب الحث على التعلُّم، فإن العلم لا يرفع إلا بقبض العلماء، انتهى.\nوقال العيني (^٢): أي: هذا باب في بيان رفع العلم وظهور الجهل، وإنما قال: \"وظهور الجهل\" مع أن رفع العلم يستلزم ظهور الجهل، لزيادة الإيضاح، ووجه المناسبة بين البابين من حيث إن المذكور في الباب الأول فضل العالم والمتعلم، وفيه الترغيب في تحصيل العلم والإشارة إلى فضيلة العلم، وهذا الباب فيه ضد ذلك؛ لأن فيه رفع العلم المستلزم لظهور الجهل، وفيه التحذير وذم الجهل، وبالضد تتبين الأشياء، انتهى.\nوكتب شيخ الهند: غرض المؤلف أن رفع العلم وظهور الجهل من علامات القيامة، كما ذكر مصرَّحًا في الحديثين المذكورين في الباب، والاحتراز عن أشراط الساعة وسد بابها ضروري، فالاحتراز عن رفع العلم وظهور الجهل وسد بابه إنما يكون بالسعي في إشاعة العلم وتبليغه؛ لأن ظهور الجهل يكون بذهاب أهل العلم، فيبقى الجهال كما ورد في الحديث، ولا يمكن تدارك ذلك إلا بإشاعة العلم.\nوالحاصل: أن غرض المؤلف من الترجمة التعليم والتبليغ، وقد أوضحه بذكر قول ربيعة، انتهى.\nوقوله: (من أشراط الساعة أن يرفع العلم. . .) إلخ، ويؤيد بذلك ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه في \"الكوكب الدري\" (^٣): قوله: \"هذا أوان يختلس فيه العلم\"، أُري النبي - ﷺ - وقت وفاته أو وقت انتزاع العلم رأسًا، كما يكون في آخر الزمان، والمراد على الأول إنما هو انتزاع ترقيه وفيضانه من الله سبحانه، كما كان في وقت النبي - ﷺ -، واختلاس الفيضان وقت وفاته - ﷺ -\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ١٧٨).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٢/ ١١٣).\n(^٣) \"الكوكب الدري\" (٣/ ٣٦١).","vol":"2","page":453},{"text":"ظاهر، ثم لمَّا علم انقطاع فيضانه علم انقطاعه رأسًا في وقتٍ ما؛ لأن علم الصحابة أقل بكثير عن علمه - ﷺ -، كما أن علم التابعين من علم الصحابة ﵃ أجمعين، وهَلُمّ جَرّا إلى أن يأتي الزمان الذي بيَّنه في هذا الحديث، وأيًّا ما كان فالمقصود أن العلم يأخذ في التقليل إلى أن ينتفي رأسًا، انتهى.\nوفي \"فيض الباري\" (^١): وعند البخاري أن رفع العلم إنما يكون برفع العلماء ولا ينتزع انتزاعًا، وعند ابن ماجه بإسناد صحيح عن زياد بن أبي حبيب أنه ينزع من الصدور في ليلة، والتوفيق بينهما أن أول أمر الرفع يكون كما في \"البخاري\" وهو برفع العلماء، ثم إبَّان الساعة يكون كما عند ابن ماجه، أي: ينتزع عن الصدور نزعًا، فلا تعارض لاختلاف الزمانين، انتهى.\nوما حكى في \"الفيض\" عن البخاري هو يأتي في \"باب كيف يقبض العلم\"، ولم أجد الرواية في \"ابن ماجه\"، لكن ما سيأتي في الباب المذكور عن \"الإشاعة\" يؤيد ما ذكره الشيخ الأنور عن رواية ابن ماجه، وأيضًا أخرج ابن ماجه (^٢) في \"باب ذهاب القرآن والعلم\" عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"يَدْرُسُ الإسلامُ كما يَدْرُسُ وَشْيُ الثوب\" الحديث، وفيه: \"ولَيُسْرَى على كتاب الله - ﷿ - في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية\" الحديث.\n(وقال ربيعة: لا ينبغي. . .) إلخ، وقال شيخ المشايخ مسند الهند في \"تراجمه\" (^٣): أثبت بقول ربيعة: \"لا ينبغي لأحد. . .\" إلخ، أن لا يترك رواية الحديث بالاعتزال عن الناس ونحو ذلك، وكون رفع العلم وظهور الجهل مصيبة؛ لأن قول ربيعة: \"لا ينبغي. . .\" إلخ، يشعر بأنه يورث ظهور الجهل وهو مذموم.\n_________\n(^١) \"فيض الباري\" (١/ ١٧٧).\n(^٢) \"سنن ابن ماجه\" (ح: ٤٠٤٩).\n(^٣) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٥٠).","vol":"2","page":454},{"text":"وفي \"تراجم شيخ الهند\" ما تعريبه: إن المراد بإضاعة النفس هو كتمان العلم وعدم التبليغ، انتهى.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): قوله: \"أن يضيع نفسه\" بالإمساك عن العمل وتعليم الأمة، انتهى.\nوفي هامشه: وما أفاده الشيخ أحد المعاني التي قيلت في تفسير قول ربيعة شيخ مالك المشهور بربيعة الرأي، قال الحافظ (^٢): مراد ربيعة أن من كان فيه فهم وقابلية للعلم لا ينبغي له أن يهمل نفسه فيترك الاشتغال، لئلا يؤدِّي ذلك إلى رفع العلم، أو مراده: الحث على نشر العلم في أهله لئلا يموت العالم قبل ذلك فيؤدي إلى رفع العلم، أو مراده: أن يشهر العالم نفسه ويتصدى للأخذ عنه لئلا يضيع علمه، وقيل: مراده تعظيم العلم وتوقيره، فلا يهين نفسه بأن يجعله عرضًا للدنيا، وهذا معنى حسن، ولكن اللائق بتبويب المصنف ما تقدم، انتهى.\nوما ذكره الحافظ بلفظ \"أو\" أقوال للعلماء كما في \"الكرماني\" و\"العيني\" (^٣)، انتهى.\nقوله: (لا يحدثكم أحد بعدي) كتب الشيخ في \"اللامع\" (^٤): أي: من غير وسط بينه وبين النبي - ﷺ - لعدم أحد من الصحابة هناك، انتهى.\nوفي هامشه: ويؤيد توجيه الشيخ لفظ أبي عوانة الآتي قريبًا، وأشار الشيخ بقوله: \"هناك\" أن الخطاب لأهل البصرة خاصة، فإن أنسًا آخر من مات بها من الصحابة، وأما آخر الصحابة موتًا على الإطلاق فهو أبو الطفيل عامر بن واثلة توفي بمكة، قال صاحب \"التقريب\": توفي سنة ١١٠ هـ على الصحيح، وأنس توفي سنة ٩٣، وجزم غير واحد بأنه آخر من مات بالبصرة من الصحابة، إلى آخر ما بسط في الهامش، وفيه: ولأبي\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٢/ ٣٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ١٧٨).\n(^٣) انظر: \"شرح الكرماني\" (٢/ ٥٩)، و\"عمدة القاري\" (٢/ ١١٤).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٢/ ٣٩).","vol":"2","page":455},{"text":"عوانة: لا يحدثكم أحد سمعه من رسول الله - ﷺ - بعدي، وعرف أنس أنه لم يبق أحد ممن سمعه من رسول الله - ﷺ - غيره.\n\n(٢٢ -<span data-type='title' id=toc-250> باب فضل العلم)</span>\nتقدم في أول \"كتاب العلم\" أن الإمام ترجم بهذه الترجمة في موضعين: أولاهما: في أول الكتاب، والثانية: ههنا، وتقدم أيضًا أن الراجح (^١) عند العلَّامة العيني حذف هذه الترجمة من أول الكتاب فلا تكرار عنده، والمراد بها ههنا فضيلة العلم.\nقال العيني (^٢): ولئن سلمنا وجوده فالمراد هناك التنبيه على فضيلة العلماء، وههنا التنبيه على فضيلة العلم، انتهى.\nوتقدم هناك أيضًا أن الكرماني (^٣) حمل هذا الفضل الذي في الباب الثاني بمعنى الفضيلة، وتعقب عليه العيني.\nوالأوجه عندي: ما قاله الكرماني، وبه جزم غير واحد من شرَّاح الحديث والمشايخ.\nقال الحافظ (^٤): الفضل هنا بمعنى الزيادة، أي: ما فضل عنه، والذي تقدم في أول \"كتاب العلم\" بمعنى الفضيلة، فلا تكرار، انتهى.\nوعليه حمله السندي (^٥) كما في هامش \"اللامع\" (^٦)، ثم قال: فإن قلت: هل لفضل العلم تحقق في هذا العالم حتى يستقيم ما ذكرت؟ وإلا فتحققه في عالم المثال والرؤيا لا يفيد.\n_________\n(^١) قلت: ترجيح العيني وكلام الكرماني الآتي تقدم في \"لامع الدراري\" (٢/ ٣، ٤) لا في هذا الكتاب كما يظهر من كلام الشيخ رحمه الله تعالى.\n(^٢) انظر: \"عمدة القاري\" (٢/ ٥).\n(^٣) انظر: \"شرح الكرماني\" (٢/ ٣).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١/ ١٨٠).\n(^٥) انظر: \"حاشية السندي على صحيح البخاري\" (١/ ٢٦).\n(^٦) \"لامع الدراري\" (٢/ ٤١).","vol":"2","page":456},{"text":"قلت: يمكن تحققه في الكتب، فإن زادت الكتب عند رجل على قدر حاجته يؤثر به بعض أصحابه، وكذا في الانتفاع بالشيخ، فإذا بلغ الرجل مبلغ الشيخ، أو قضى حاجته منه، يتركه حتى ينتفع به غيره، ولا يشغله عن انتفاع الغير به مثلًا، انتهى.\nوعليه حمله شيخ الهند في \"تراجمه\" إذ قال ما تعريبه: قد سبقت هذه الترجمة بعينها في بداية \"كتاب العلم\"، ولذا قال الشرَّاح: إن الفضل له معنيان: الأول: الفضيلة، والثاني: الفاضل عن الحاجة، والمراد في الباب الأول المعنى الأول، وفي الثاني المعنى الثاني، وقد زال بذلك توهم التكرار.\nولكن اختلف كلام العلماء في التطبيق بين مقصود الترجمة والحديث، والراجح عندنا أن غرض المؤلف من الترجمة هو بيان حكم العلم الزائد عن الحاجة، فمثلًا: المفلس المعذور الضعيف الذي لا يستطيع على الزكاة والحج والجهاد من العبادات، وعلى المزارعة والمساقاة والرهن ونحوه من المعاملات، فلا يظن أنه يمكنه في المستقبل الوقوع فيها، فمثل هذا الشخص ما حكم تعلمه بهذه العلوم؟ وهل صرف الأوقات في تعلم ذلك والسفر لأجله داخل في العبادة أم فيما لا يعني؟ فظهر من الرواية أنه داخل في النوع الأول، غاية مما في الباب أنه لا يعمل عليها بنفسه بل يعطيها لغيره بالتعليم والتبليغ كما أعطى النبي - ﷺ - العلم الزائد عن حاجته لعمر - ﵁ -، انتهى.\nقلت: ويؤيد ذلك ما في \"ابن ماجه\" (^١) من حديث أبي ذر مرفوعًا: \"لأن تغدو فتعلَّم بابًا من العلم، عُمل به أو لم يُعمل، خير من أن تصلي ألف ركعة\"، ويحتمل عندي أيضًا أن يكون الغرض من الترجمة الترغيب في زيادة العلم لا الاكتفاء على قدر الحاجة، فإنه - ﷺ - لم يشرب اللبن بقدر\n_________\n(^١) \"سنن ابن ماجه\" (ح: ٢١٩).","vol":"2","page":457},{"text":"الحاجة بل شرب حتى خرج من أظفاره، فكأن المصنف أَيّد بالترجمة حديث \"المشكاة\" (^١) برواية البيهقي عن أنس مرفوعًا: \"منهومان لا يشبعان: منهوم في العلم لا يشبع منه\" الحديث، وفي تقرير مولانا محمد حسن المكي: أراد بهذا الباب الفضل الجزئي، وما مرَّ كان المراد به الفضل الكلي فلا تكرار، انتهى ما في هامش \"اللامع\".\nقوله: (يخرج في أظفاري. . .) إلخ، كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٢): فيه كناية ومبالغة عن سريان العلم في دواخل بدنه حتى كاد أن يقطر، وفي الحديث دلالة على أن أخذَ العلم أخذٌ بفضلة النبي - ﷺ -، وهذا هو الفضل الظاهر للعلم، فطابقت الرواية الترجمة، انتهى.\nوبذلك جزم ابن المنيِّر (^٣) كما في هامش \"اللامع\" وفيه: قلت: وعلى هذا فيمكن الجواب عن التكرار بأن الفضيلة في أول \"كتاب العلم\" كانت باعتبار رفع الدرجات، وههنا باعتبار كونه فضلة النبي - ﷺ -، وناهيك به لذةً وقدرًا وسرورًا، انتهى.\n\n(٢٣ -<span data-type='title' id=toc-251> باب الفتيا وهو واقف على. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٤): إنما افتقر إلى وضع باب لهذا المرام لما علم من ترك الوقوف على الدابة في قضاء حوائج نفسه كما ورد في الروايات، قال النبي - ﷺ -: \"إياكم أن تتخذوا ظهور دوابكم منابر\" (^٥)، وأيضًا ففيه نوع إعنات للدابة، فدفعه بأن ذلك جائز لضرورة إشاعة العلم إذ لولا وقوفه على الدابة لما سمع الخطبة غير الأدنين، انتهى.\n_________\n(^١) انظر: \"مشكاة المصابيح\" (٢٦٠)، و\"شعب الإيمان\" (رقم ١٠٢٧٩).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٢/ ٤٠).\n(^٣) انظر: \"فتح الباري\" (١/ ١٨٠).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٢/ ٤٣).\n(^٥) \"سنن أبي داود\" (ح: ٢٥٦٧) عن أبي هريرة مرفوعًا.","vol":"2","page":458},{"text":"وفي هامشه عن العيني (^١): أشار بهذا إلى جواز سؤال العالم، وإن كان مشتغلًا راكبًا وماشيًا وواقفًا على كل أحواله، ولو كان في طاعة، انتهى.\nوفي \"تراجم (^٢) شيخ المشايخ\": أي: الفتيا، وهو واقف على ظهر الدابة أو غيرها جائز ثابت الأصل، وإن كان الأحوط في هذا الزمان جلوس المفتي للإفتاء في مكان مع الاطمئنان والمشاورة مع الأصحاب، انتهى.\nوبه جزم شيخ الهند - ﵀ - في \"تراجمه\" إذ قال: إن السكون والطمأنينة لما كان من مقتضيات الإفتاء كما حُكي عن الإمام مالك وغيره من الأئمة، وهو موهم للكراهة في غير تلك الحالة، دفعها الإمام البخاري بهذه الترجمة، انتهى معربًا، إلى آخر ما في هامش \"اللامع\".\nوقوله: (وقف في حجة الوداع) وكتب الشيخ في \"اللامع\": وكان وقوفه إذ ذاك على ناقته كما هو معلوم فصحت المطابقة، انتهى.\nوفي هامشه: وبه جزم شيخ المشايخ في \"تراجمه\" (^٣) إذ قال: ولم يثبت الوقوف على الدابة بحديث الباب، لكنه اعتمد في ذلك على ثبوت وقوفه - ﵇ - على الدابة بمنى في حجة الوداع بطريق آخر، انتهى.\nوبهذا جزم الحافظ (^٤) وذكر الروايات المصرحة في ذكر الناقة، وتعقب العيني كلام الحافظ وقال (^٥): إن الترجمة بالدابة أو غيرها ولفظ الحديث \"وقف\" عام من أن يكون الوقوف على الدابة أو غيرها، انتهى ما في هامش \"اللامع\".\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٢/ ١٢٢).\n(^٢) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٥١).\n(^٣) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٥١).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١/ ١٨١).\n(^٥) \"عمدة القاري\" (٢/ ١٢٢).","vol":"2","page":459},{"text":"(٢٤ -<span data-type='title' id=toc-252> باب من أجاب الفتيا بإشارة اليد والرأس)</span>\nقال الحافظ (^١): الإشارة باليد مستفادة من الحديثين المذكورين في الباب، وبالرأس مستفادة من حديث أسماء فقط، وهو من فعل عائشة، لكنه مرفوع حكمًا؛ لأنها كانت تصلي خلف النبي - ﷺ - وكان في الصلاة يرى من خلفه فيدخل في التقرير، انتهى.\nوفي \"تراجم (^٢) شيخ المشايخ\": الغرض أنه جائز وإن كان الأحوط في هذا الزمان خلاف ذلك، انتهى.\nوفي \"تراجم شيخ الهند\": لما كان الثابت المعروف من دأبه - ﷺ - شدة الاعتناء بالتعليم والتفهيم حتى إن الصحابة ربما قالوا: ليته - ﷺ - سكت، وكان مقتضاه عدم الجواز بالإشارة، نَبَّهَ المصنف بالترجمة على الجواز، فإنه لكل مقال مقام، كذا في هامش \"اللامع\" (^٣)، وفي \"الدر المختار\" (^٤): يكتفي بالإشارة منه، أي: من المفتي لا من القاضي، انتهى.\nقوله: (فحرّفها) جعل اليد كحرف السيف للإشارة إلى هيئة إمضاء السيف حين القتل، انتهى.\nوفي هامشه: قال الحافظ (^٥): قوله: \"فحرفها\" كأن الراوي بَيَّنَ أن الإيماء كان محرفًا، وكأنه فهم من تحريف اليد وحركتها كالضارب أنه يريد القتل، انتهى.\nقوله: (حتى الجنة والنار) قال السندي (^٦): غاية لمحذوف، أي: ورأيت الأمور العظام في هذا المقام حتى الجنة والنار، إذ الجنة والنار مما\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ١٨١).\n(^٢) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٥٢).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٢/ ٤٤).\n(^٤) انظر: \"رد المختار\" (٨/ ٣١).\n(^٥) \"فتح الباري\" (١/ ١٨٢).\n(^٦) \"حاشية السندي على صحيح البخاري\" (١/ ٢٧).","vol":"2","page":460},{"text":"رآه النبي - ﷺ - قبل ذلك ليلة المعراج كما ثبت في الأحاديث، فلا يصح جعل \"حتى الجنة\" غاية لرؤية ما لم يره قبل، إلا أن يجعل غاية له بتأويل، أي: ما لم أكن أريته في العالم السفلي، ويمكن أن يقال: لعله رآهما في ذلك الوقت على صفة، أو على وجه ما سبقت الرؤية قبل ذلك على تلك الصفة، إلى آخر ما فيه.\nقوله: (بهذا الرجل) اختلفوا في ذلك على أقوال عديدة:\nالأول: أن لفظ الرجل من قول الراوي بدل محمد كما يظهر مما في \"الأوجز\" (^١)، قال عياض: يحتمل أنه مُثِّلَ للميت في قبره، والأظهر أنه سمي له، انتهى.\nالثاني: أنه - ﷺ - مُثِّل له كما تقدم في كلام عياض، وقريب منه ما قيل: إن تصويره - ﷺ - (فوىو) يكون في يد الملك، وبه بدأ الشيخ في \"الكوكب\" وهذا هو.\nالثالث: والفرق بينه وبين ما قبله أن المراد من الثاني أن صورته - ﷺ - تمثل في القبر كالمرآة.\nالرابع: ما قال الطيبي: عبراه بلفظ \"هذا الرجل\" الذي فيه تعظيم امتحانًا، كذا في \"الأوجز\"، وفي هامش \"الكوكب\": قال أبو الطيب: وإنما أبهما ولم يقولا: هذا الرسول لئلا يلقن بإكرامه وتعظيمه أن المراد به النبي - ﷺ -؛ لأن المقام مقام الامتحان، انتهى.\nالخامس: يكشف الحجابات بينه - ﷺ - وبين الميت وهما في قبريهما.\nالسادس: قال الطيبي وشرَّاح \"المصابيح\": اللام للعهد الذهني، وفي الإشارة إيماء إلى تنزيل الحاضر المعنوي منزلة الصوري مبالغة، انتهى من \"الأوجز\".\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (٤/ ١١٦).","vol":"2","page":461},{"text":"وفي \"الكوكب\" (^١): قيل: يكتفيان بهذا القول؛ لأنه لا يخطر بالبال حينئذ إلا الله ورسوله، ولا يصح إطلاق الرجل عليه - ﷾ -، فلم يبق مصداقه إلا النبي - ﷺ -، انتهى.\nالسابع: ما قيل: إنه - ﷺ - يشرف بقدومه الشريف، ولعل المشار إليه في الشعر الآتي هذه الحالة:\nكششي كه عشق دارد نكَذاردت بدين سان … بجنازه كَر نيائي بمزار خواهي آمد\n\n(٢٥ -<span data-type='title' id=toc-253> باب تحريض النبي - ﷺ </span>-)\nوفي \"تراجم شيخ الهند\" ما معربه: ولا يخفى أن المقصود من هذه الترجمة أيضًا هو بيان تأكيد التبليغ والتعليم، وهما موقوفان على الحفظ، ولذا بَيَّنَ تأكيد الحفظ أيضًا، وعلم أن أهل العلم عليهم أن لا يقصِّروا في التأكيد للمتعلم بالحفظ والتبليغ، انتهى.\nوما قيل: إن غرض الترجمة تعميم العلم وعدم تخصيص التبليغ بالآية فليس بوجيه؛ لأنه سيأتي قريبًا \"باب ليبلغ العلم الشاهد الغائب\"، وفيه تعميم العلم.\nوالأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن غرض الإمام البخاري بهذه الترجمة أن التبليغ لا يختص بالعالم، ولا يتوقف على كون المبلغ عالمًا كاملًا، بل ينبغي التبليغ للمعلوم مطلقًا ولو بأشياء معدودة، فإن النبي - ﷺ - أمرهم بأربع ونهاهم عن أربع وقال: \"احفظوه وأخبروه مَن ورائكم\"، فالنبي - ﷺ - أمرهم بتبليغ هذه الثمانية، وكانوا حديثي عهد بالإسلام، وقدموا النبي - ﷺ - سنة ثمان قبل الفتح، ولهم قدمتان: إحداهما هذه، والثانية: سنة تسع، كما بسطته في هامش \"اللامع\" (^٢)، ففيه رَدٌّ لما أوردوا على مبلِّغي\n_________\n(^١) \"الكوكب الدري\" (٢/ ٢٠٨).\n(^٢) انظر: \"لامع الدراري\" (٤/ ٢٤ - ٢٦).","vol":"2","page":462},{"text":"زماننا أنه لا يجوز لهم التبليغ لكونهم غير عالمين، فإن سادات التبليغ لا يأمرونهم إلا بتبليغ ستة أصول التي يعلمونهم بها، فما الفرق بين هؤلاء المبلغين وبين وفد عبد القيس إذ أمرهم النبي - ﷺ - بتبليغ ثمانية أمور.\nقوله: (وقال مالك بن الحويرث) الحديث سيأتي مفصلًا في \"باب الأذان للمسافر. . .\" إلخ، وغير ذلك من الأبواب الآتية بألفاظ مختلفة، والغرض من ذلك أيضًا ظاهر أن الحكم لا يختص بوفد عبد القيس، وأن التبليغ لا يختص بعالم، فإن النبي - ﷺ - عَلّم مالك بن الحويرث وأصحابه أشياء وقال: \"ارجعوا إلى أهليكم وعلِّموهم\".\nقوله: (وربما قال) أي: أبو جمرة، كذا في \"العيني\" (^١).\n(النقير) يعني: وربما لم يذكره بل اقتصر على الثلاث، وكان جازمًا بالثلاث مترددًا في الرابع، أي: النقير.\nوقوله: (وربما قال: المزفت) أي: بدل المقيَّر، وهذا غاية التوجيه، ولا يلتفت إلى غيره، وليس المعنى أنه يتردد في النقير والمزفت، فحينئذ يلزم التكرار بالمقيَّر، وتقدم الحديث في \"باب أداء الخُمس من الإيمان\"، لم يتردد فيه إلا في المزفت والمقيَّر فقط، وجزم بالنقير، وهو يؤيد ما قلته، كذا في \"الفتح\" (^٢).\n\n(٢٦ -<span data-type='title' id=toc-254> باب الرحلة في المسألة النازلة)</span>\nوفي \"تراجم شيخ الهند\" ما تعريبه: المقصود التحريض على تعلم حكم الحادثة لا أن يسكت عليها، وثبت بهذا أيضًا تأكيد التعلم والتعليم، انتهى.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): يعني: أن السفر كما جاز لكليات العلم وأصوله فكذلك جائز لجزئي وحادثة نجمت، انتهى.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٢/ ١٤٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ١٨٤).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٢/ ٤٥).","vol":"2","page":463},{"text":"وفي هامشه: قال الكرماني (^١): الرحلة - بكسر الراء - الارتحال، وأما بضم الراء فهو المرحول إليه، فإن قلت: ما الفرق بين هذا الباب والذي تقدم من \"باب الخروج في طلب العلم\"؟ قلت: الفرق بأنه لطلب العلم في مسألة خاصة وقعت للشخص ونزلت به، وذلك ليس كذلك، انتهى.\nقال الحافظ (^٢): وفي نسخة زيادة \"وتعليم أهله\"، والصواب حذفها؛ لأنها تأتي في باب آخر، انتهى.\nقلت: وما حكى الحافظ عن نسخة هي النسخة المصرية، وعليه بُنيت تراجم شيخ الهند.\nقلت: وحديث شهادة المرضعة المذكورة في الباب سيأتي في \"باب شهادة المرضعة\" [في كتاب الشهادات]، وفي \"كتاب النكاح\" (^٣)، والمسألة خلافية شهيرة، وبظاهر الحديث قال أحمد وإسحاق، وعند الحنفية رجل وامرأتان، وعند الشافعي امرأتان، وعند مالك أربع نسوة، والبسط في هامش \"اللامع\" (^٤) في \"كتاب النكاح\".\n\n(٢٧ -<span data-type='title' id=toc-255> باب التناوب في العلم)</span>\nوفي \"تراجم شيخ الهند\" ما تعريبه: غرض الترجمة أن من لا يفرغ عن حوائجه لتحصيل العلم في جميع أوقاته، فينبغي له التعلم على سبيل التناوب، وإن لم يستطع حضور مجلس العلم بنفسه، فينبغي أن يرسل إليه معتمدًا يأتي إليه بالعلم، انتهى.\nقلت: ويمكن عندي أن المقصود أن فرضية تعلم العلم لا يوجب أن لا يشتغل إذ ذاك بغيره من الحوائج.\n_________\n(^١) \"شرح الكرماني\" (٢/ ٧٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ١٨٤).\n(^٣) انظر: \"صحيح البخاري\" (٢٦٦٠ - ٥١٠٤).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٩/ ٢٧٢).","vol":"2","page":464},{"text":"وقال الحافظ (^١): في الحديث أن الطالب لا يغفل عن النظر في أمر معاشه ليستعين على أخذ العلم وغيره مع أخذه بالجزم في السؤال عما يفوته يوم غيبته، إلى آخر ما في هامش \"اللامع\" (^٢).\nقلت: وحديث عمر هذا مختصر، وسيأتي في \"المظالم\" و\"النكاح\" (^٣) مفصلًا.\n\n(٢٨ -<span data-type='title' id=toc-256> باب الغضب في الموعظة)</span>\nالظاهر أن المصنف نَبَّهَ بذلك على جوازه بل على استحسانه للواعظ والمعلم. قال الحافظ (^٤): قصر المصنف على الموعظة والتعليم دون الحكم؛ لأن الحاكم مأمور أن لا يقضي وهو غضبان، والفرق أن الواعظ من شأنه أن يكون في صورة الغضبان؛ لأن مقامه يقتضي تكلف الانزعاج؛ لأنه في صورة المنذر، وكذا المعلم إذا أنكر على المتعلم سوء فهم ونحوه؛ لأنه قد يكون أدعى للقبول منه، وليس ذلك لازمًا في حق كل أحد بل يختلف باختلاف أحوال المتعلمين، وأما الحاكم فهو بخلاف ذلك كما يأتي في بابه، إلى آخر ما في هامش \"اللامع\"، وفيه: وفي \"تراجم شيخ الهند\": أن الرفق واليسر لما كانا معروفين من دأبه - ﷺ - حتى قال في أمر من بال في المسجد \"إنما بُعثتم ميسِّرين ولم تبعثوا معسِّرين\"، نبّه المصنف بهذه الترجمة أنه قد يستحسن خلاف ذلك أيضًا، انتهى.\nقلت: وكان من دأبه الشريف التيسير كما أفاده شيخ الهند، وقد ورد في تشميت العاطس لأبي داود: \"والله ما كهرني ولا ضربني\" (^٥)، ومع ذلك\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ١٨٦).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٢/ ٤٦).\n(^٣) انظر: \"صحيح البخاري\" (ح: ٢٤٦٨ - ٥١٩١).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١/ ١٨٧).\n(^٥) أخرجه أبو داود الطيالسي (ح: ١١٠٥)، ومسلم (ح: ٥٣٧).","vol":"2","page":465},{"text":"كله قد ثبت غضبه - ﷺ - بمواضع عند الحاجة كما ذكر في هامش \"اللامع\".\nقوله: (سئل النبي - ﷺ - عن أشياء) قال الحافظ: يأتي بيانها في تفسير المائدة (^١)، انتهى.\nقلت: بل يأتي بيانها في \"كتاب الاعتصام\" في \"باب ما يكره من كثرة السؤال. . .\" إلخ.\n\n(٢٩ -<span data-type='title' id=toc-257> باب من برك على ركبتيه)</span>\nقال العيني (^٢): وجه المناسبة بين البابين من حيث إن المذكور في الباب الأول غضب العالم على السائل لعدم جريه على موجب الأدب، و[في] هذا الباب يذكر أدب المتعلم عند العالم، فتناسبا من هذه الحيثية، انتهى.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): الظاهر أن المراد بالبروك هو انتصاب النصف الأعلى منه على ركبتيه كما يفعله المشرف إلى الشيء المشرئب له حين هو جالس، ولما كان هيئته تخالف الأدب وتنافيه، أورده لإثبات جوازه عند الفزع وغيره لأجل الضرورة كما فعله عمر - ﵁ - حين وهمه ما وهم من غضب النبي - ﷺ - وموجدته عليهم، وأما إن كان المراد بالبروك هو الجلوس على التشهد، فالأمر أظهر من أن الجلوس ينبغي أن يكون كذلك عند الإمام، لكنه يرد عليه أن عمر كيف لم يعمل بهذا الأدب منذ قعد؟ فإن بروكه هذا لم يكن إلا عند مقالته تلك، إلا بأن يجاب بأن لحالة الخطاب فضل اهتمام على غيرها، فمن الواجب في طريقة الآداب أن يكون جلوسه عند الخطاب على تلك الهيئة، كما جلس جبرئيل - ﵇ - عند سؤاله عن الإيمان والإسلام، وأما في غير حالة الخطاب فهو أدب وندب، انتهى.\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (٨/ ١٨١، و١٣/ ٢٦٦).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٢/ ١٦٠).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٢/ ٤٨، ٤٩).","vol":"2","page":466},{"text":"قلت: ويحتمل عندي في غرض الترجمة أن الحديث المذكور في هذا الباب كان بمعنى الحديث المذكور في آخر الباب السابق، وكانت فيه فائدة وهي: أدب المتعلم، نَبَّهَ عليه بهذه الترجمة كما ثبت في الأصول، ويكون هذا من قبيل الباب في الباب، وهو الأصل السادس.\nقوله: (خرج فقام) قال الحافظ (^١): فيه حذف يظهر من الرواية الأخرى، والتقدير، خرج فسئل فأكثروا عليه فغضب فقال: \"سلوني\"، فقام عبد الله، انتهى.\n\n(٣٠ -<span data-type='title' id=toc-258> باب من أعاد الحديث ثلاثًا ليفهم)</span>\nقال الحافظ (^٢): بضم الياء وفتح الهاء، وفي روايتنا أيضًا بكسر الهاء، لكن في رواية الأصيلي [وكريمة] \"ليفهم عنه\"، وهو بفتح الهاء لا غير، انتهى.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): زيادة هذا التعليل مشعرة بأن التثليث حيث ما ورد في الرواية، فالمراد به تثليث ما قصد إفهامه لمزيد اعتناء واهتمام، أو لخوف عدم سماعه لمزية ازدحام، وعلى هذا فالمناسب في تأويل قوله: \"سلم ثلاثًا\" أن يقال: هذا إذا لم يسمعه المسلَّم عليه، وكان الحكم في مثله المراجعة عن الباب كما ورد في حديث أبي ذر، وأما تثليث التسليمات يحمل إحداها: على الاستئذان، والثانية: على الدخول، والثالثة: على الرجوع، فلا يناسب الترجمة، وإن كان صحيحًا في معنى الرواية في نفسها، انتهى.\nوفي هامشه: ما أفاده الشيخ من غرض الترجمة أوجه مما قالته الشرَّاح.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ١٨٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ١٨٨).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٢/ ٥٠).","vol":"2","page":467},{"text":"قال الحافظ (^١): قال ابن المنيِّر: نبّه البخاري بهذه الترجمة على الرد على من كره إعاده الحديث وأنكر على الطالب الاستعادة وعدّه من البلادة، إلى آخر ما قاله، وأنت خبير بأن هذا الغرض الذي حكاه الحافظ عن ابن المنيِّر يناسب الترجمة الآتية من \"باب من سمع شيئًا فلم يفهمه\"، وحكى الحافظ عن ابن التين أن الثلاث غاية ما يقع به الاعتذار والبيان، انتهى.\nولو كان هذا غرض المصنف، كان حقُّ هذا الباب أن يذكره بعد الباب المذكور، أي: \"باب من سمع شيئًا\".\nوتبع شيخ الهند في \"تراجمه\" القطب الكَنكَوهي إذ قال: الغرض أنه - ﷺ - كان يعيد الكلمة ثلاثًا عند الحاجة، وإلا فقد يكتفي في الجواب على الإشارة أيضًا كما تقدم قريبًا، ويؤيد الشيخين ما في هامش \"اللامع\" من كلام الخطابي، وقال السندي (^٢): الظاهر أنه محمول على المواضع المحتاجة إلى الإعادة لا على العادة، وإلا لما كان لذكر عدد الثلاث في بعض المواضع كثير فائدة، مع أنهم يذكرون في الأمور المهمة أنه - ﷺ - قالها ثلاثًا، انتهى.\nقلت: والاستدلال جيد، فإنه لو كان التثليث عادةً مستمرةً ما قالت الصحابة في الأحاديث الكثيرة: قاله ثلاثًا، كذا في هامش \"اللامع\".\nقوله: (سلم عليهم ثلاثًا)، قال الحافظ (^٣): قال الإسماعيلي: يشبه أن يكون في سلام الاستئذان، وأما إذا يمر على قوم فالمعروف عدم التكرار.\nقال الحافظ: وقد فهم المصنف هذا بعينه فأورده مقرونًا بحديث أبي موسى في قصته مع عمر كما سيأتي في الاستئذان، ولكن يحتمل أن يكون ذلك كان يقع أيضًا منه إذا خشي أنه لا يسمع [سلامه]، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ١٨٩).\n(^٢) \"حاشية السندي على صحيح البخاري\" (١/ ٢٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١/ ١٨٩).","vol":"2","page":468},{"text":"قلت: وحمل العيني (^١): تثليث السلام على الاستئذان والتحية والوداع، قلت: وفيه أنه لا يناسب إذًا الباب، وفي تقرير المكي: قوله: \"فسلم عليهم\" أي: للاستئذان ثلاثًا، ثم يرجع فيذهب إن لم يجب عليه، وهذا المعنى أنسب بترجمة الباب، انتهى.\nوفي حاشية البخاري الهندية (^٢) عن \"المجمع\": قوله: \"إذا أتى على قوم. . .\" إلخ، فسلّم، أي: الأول عطف على الشرط، وسلّم الثاني جزاؤه، انتهى.\nقوله: (ويل للأعقاب من النار مرتين أو ثلاثًا)، قال الحافظ: هو شك من الراوي، وهو يدل على أن الثلاث ليست شرطًا، بل المراد التفهيم، فإذا حصل بدونهما أجزأ.\n\n(٣١ -<span data-type='title' id=toc-259> باب تعليم الرجل أمته. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): يعني: أنه لا ينبغي له الاستنكاف عن تعليم أمته، ولا تعد ذلك في المرأة والأمة حرجًا في خدمة نفسه؛ لأنه حق عليه لهما كما أن الخدمة حق له عليهما، انتهى.\nوفي هامشه: والأوجه عندي في غرض الترجمة أن الرجل مأمور بتعليم أوله لقوله - ﷺ -: \"كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته\" (^٤)، ولما كان في الحديث تعليم الأمة فقط زاد في الترجمة لفظ: \"الأهل\" تنبيهًا على أن الحكم لا يختص بالإماء بل الحرائر داخلة فيه بالأولى، كما تقدم في الأصل التاسع عشر من أصول التراجم.\nوقال الحافظ (^٥): مطابقة الحديث بالترجمة في الأمة بالنص، وفي\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٢/ ١٦٤).\n(^٢) (١/ ٣٤٠).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٢/ ٥٢، ٥٣).\n(^٤) انظر: \"صحيح البخاري\" (٨٩٣)، و\"صحيح مسلم\" (١٨٢٩).\n(^٥) \"فتح الباري\" (١/ ١٩٠).","vol":"2","page":469},{"text":"الأهل بالقياس، إذ الاعتناء بالأهل الحرائر في تعليم الفرائض والسنن آكد من الاعتناء بالإماء، انتهى ما في هامشه.\nوقد أجمل الكلام شيخ الهند في \"تراجمه\" على الأبواب الثلاثة في محل واحد، وقد تقدم في الباب السابق كلامه المتعلق بالباب السابق مختصرًا، أو جملة كلامه \"باب من أعاد الحديث ثلاثًا ليفهم عنه\"، والمراد أنه يعيد الكلام حيث تكون الحاجة إلى الإعادة، وإلا فإنه قد ثبت التعليم بالإشارة فقط أحيانًا كما مر سابقًا، وهذا فيه إشارة إلى الاهتمام بالتعليم والتبليغ، فينبغي للمعلِّم أن يعيد المواضع المهمة مرتين وثلاثًا حتى يثبت في أذهان السامعين، ثم عقد \"باب تعليم الرجل أمته وأهله\"، ثم \"باب عظة الإمام النساء وتعليمهن\" على التوالي، ولا إشكال ولا إبهام فيهما، بل الغرض منهما هو الغرض السابق، أي: إثبات شدة الاحتياج إلى التعليم وتعميمه، ولذا أضاف في الترجمة الأولى لفظ \"وأهله\" مع أن الحديث لم يرد فيه لفظ أهله، انتهى.\nقوله: (قال عامر: أعطيناكها. . .) إلخ، قال الحافظ (^١): ظاهره أن الخطاب لصالح الراوي عنه كما جزم به الكرماني (^٢)، وليس كذلك، بل إنما خاطب بذلك لرجل من خراسان كما سنذكر ذلك في ترجمة عيسى - ﵇ -، انتهى مختصرًا.\nقلت: والحديث الذي أشار إليه الحافظ أخرجه البخاري (^٣) في \"كتاب الأنبياء\" بسنده إلى صالح بن حي: \"أن رجلًا من أهل خراسان قال للشعبي، فقال الشعبي: أخبرني أبو بردة\" فذكر الحديث، والحديث لم يتعرض الحافظ لقوله: \"خذها\" (^٤)، وليس هذا اللفظ في ترجمة عيسى، لكن\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ١٩٢).\n(^٢) انظر: \"شرح الكرماني\" (٢/ ٨٧).\n(^٣) انظر: \"صحيح البخاري\" (ح: ٣٤٤٦).\n(^٤) قلت: والحديث الذي فيه: \"خذها\"، أخرجه البخاري في \"كتاب النكاح\" (ح: ٥٠٨٣).","vol":"2","page":470},{"text":"الحديث نصَّ في أن السائل كان رجلًا من خراسان، وخاطبه الشعبي بذلك، وصالح بن حي هو صالح بن حيان منسوب إلى جده، ففي هامش البخاري الهندي (^١): صالح بن حي هو صالح بن مسلم بن حيان، ولقب حيان: حي، وقد ينسب إلى جد أبيه، كذا في \"التقريب\"، انتهى.\n\n(٣٢ -<span data-type='title' id=toc-260> باب عظة الإمام. . .) إلخ</span>\nوتقدم ما أفاده شيخ الهند في الباب السابق، وكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): لما كانت الخلوة بهن والاجتماع معهن تشعر بالمنع عن ذلك دفعه بأن حرمة ذلك للفتنة، فإذا أمن الفتنة عليه وعليها لا بأس بالنصيحة لهن، انتهى.\nوفي هامشه: قال الحافظ (^٣): نَبَّهَ بهذه الترجمة على أن ما سبق من الندب إلى تعليم الأهل ليس مختصًا بأهلهن، بل ذلك مندوب للإمام الأعظم ومن ينوب عنه، واستفيد الوعظ بالتصريح من قوله في الحديث \"فوعظهن\"، وكانت الموعظة بقوله: \"إني رأيتكن أكثر أهل النار؛ لأنكن تكثرن اللعن، وتكفرن العشير\"، واستفيد التعليم من قوله: \"وأمرهن بالصدقة\"، كأنه أعلمهن أن في الصدقة تكفيرًا لخطاياهن، انتهى إلى آخر ما فيه.\nقوله: (أو قال عطاء) قال الحافظ: معناه: أن الراوي تردَّد: هل لفظ: \"أشهد\" من قول ابن عباس أو من قول عطاء؟ وقد رواه بالشك أيضًا حماد بن زيد عن أيوب أخرجه أبو نعيم في \"المستخرج\"، وأخرجه أحمد بن حنبل عن غندر عن شعبة جازمًا بلفظ \"أشهد\" عن كل منهما، انتهى.\nقوله: (قال إسماعيل عن أيوب. . .) إلخ، قال الحافظ: هو المعروف\n_________\n(^١) (١/ ٣٤١).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٢/ ٥٣).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١/ ١٩٢).","vol":"2","page":471},{"text":"بابن عُلية، وأراد بهذا التعليق أنه جزم عن أيوب بأن لفظ \"أشهد\" من كلام ابن عباس فقط، وكذا جزم به أبو داود الطيالسي في \"مسنده\" عن شعبة، وكذا قال وهيب عن أيوب، ذكره الإسماعيلي، وأغرب الكرماني فقال (^١): يحتمل أن يكون قوله: \"وقال إسماعيل\" عطفًا على \"حدثنا شعبة\"، فيكون المراد به حدثنا سليمان بن حرب عن إسماعيل، فلا يكون تعليقًا، وهو مردود بأن سليمان بن حرب لا رواية له عن إسماعيل أصلًا، إلى آخر ما بسطه.\n\n(٣٣ -<span data-type='title' id=toc-261> باب الحرص على الحديث)</span>\nوفي \"تراجم شيخ الهند\" ما تعريبه: مقصود الترجمة بيان فضيلة الحرص على الحديث وقد ذكر في الأبواب السابقة والأحاديث الماضية العلم مطلقًا، والمقصود ههنا تخصيص الحديث، فهو تخصيص بعد تعميم، انتهى.\nقوله: (قال: قيل) قال الحافظ (^٢): كذا لأبي ذر وكريمة، وسقطت \"قيل\" للباقين وهو الصواب، ولعلها كانت \"قلتُ\" فتصحَّفت، فقد أخرجه المصنف في \"الرقاق\" كذلك، ولأبي نعيم أن أبا هريرة قال: يا رسول الله - ﷺ -! انتهى.\nقلت: والحديث الذي أشار إليه الحافظ أخرجه البخاري (^٣) في \"باب صفة الجنة والنار\"، ولفظه: \"قال: قلت: يا رسول الله! \" الحديث، قلت: ويمكن أن يوجَّه لفظ \"قيل\" بأنه عبر نفسه غائبًا، وهذا غاية تصحيح الكلام.\n\n(٣٤ -<span data-type='title' id=toc-262> باب كيف يقبض العلم)</span>\nوهذا باب ثان بلفظ \"كيف\" من الأبواب الثلاثين، والكيفية ظاهرة ههنا لا مرد فيه، أي: يقبض بقبض العلماء.\n_________\n(^١) انظر: \"شرح الكرماني\" (٢/ ٩٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ١٩٣).\n(^٣) \"صحيح البخاري\" (ح: ٦٥٧٠).","vol":"2","page":472},{"text":"وفي \"تراجم شيخ الهند\" ما تعريبه: مقصود المؤلف أن يبين كيفية قبض العلم، وقد ورد في الحديث صراحةً: \"لا يقبض انتزاعًا ولكن يقبض بقبض العلماء\"، فعلم بذلك بالبداهة أن ذهاب العلم يكون بإذهاب العلماء، وذلك لعدم الإشاعة وعدم التبليغ، فلو استمر التعليم والإشاعة مسلسلًا ما حدث كما مرَّ في \"باب رفع العلم\".\nوبالجملة: فإن غرض المؤلف - ﵀ -، بل ومنشؤ الحديث المرفوع أيضًا، هو تأكيد إشاعة العلم وتعميمه، وظهر مقصود الترجمة من قول عمر بن عبد العزيز واضحًا، وشرحت الترجمة السابقة أيضًا، وتكميل الباب الأول في الباب الثاني من عادة المؤلف كما مرَّ مرارًا، وظهر من القول المذكور أيضًا أنه يجب لإشاعة العلم أن يعقد العلماء المجالس العلمية علانيةً، وفي هذا تسهيل للمتعلمين، وسعة في الترغيب والتحريض، وتقييد التعليم بالقيود والتخصيصات فيه ضياع العلم، الحذر الحذر، انتهى.\nقال الحافظ (^١): قال ابن المنيِّر: محو العلم من الصدور جائز في القدرة، إلا أن هذا الحديث دل على عدم وقوعه، انتهى.\nقلت: وفي \"الإشاعة\" روى الديلمي عن حذيفة وأبي هريرة معًا قالا: يُسرى على كتاب الله ليلًا فيصبح الناس وليس منه آية ولا حرف في جوف إلا نسخت، وروي عن ابن عمر: لا تقوم الساعة حتى يرجع القرآن من حيث جاء، إلى آخر ما فيه.\nوفي \"الفتح\" (^٢): وعند الطبراني عن عبد الله بن مسعود قال: \"ولينزعن القرآن من بين أظهركم يسرى عليه ليلًا فيذهب من أجواف الرجال فلا يبقى في الأرض منه شيء\"، وسنده صحيح ولكنه موقوف، انتهى.\nقلت: وهذا نص في محو القرآن عن الصدور، وتقدم شيء من ذلك في \"باب رفع العلم\".\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ١٩٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٣/ ١٦).","vol":"2","page":473},{"text":"قوله: (حتى يكون العلم سرًّا) وفي تقرير مولانا حسين على اللاهوري: أي: يسرون العلماء الدقائق والمسائل حتى لا يكون أحد مثلهم، انتهى. كذا في هامش \"اللامع\" (^١).\nقال القسطلاني (^٢): قوله: \"سرًّا\" أي: خفية؛ كاتخاذه في الدار المحجورة التي لا يتأتى فيها نشر العلم بخلاف المساجد والجوامع والمدارس ونحوها، انتهى.\n(قال الفربري: حدثنا عباس. . .) إلخ، ذكر في تقرير مولانا محمد حسن المكي: اعلم أن للبخاري نسخًا كثيرة، وهذه النسخة الموجودة عندنا نسخة الفربري، وما وقع فيها من روايات غيره من تلاميذ البخاري فهو اندراج من الغير ليس في نسخة الفربري، ودأبه أنه إذا علم بالحديث عن غير البخاري كالقياس وغيره يرويه في الكتاب، انتهى. فليفتش.\nقلت: وهذا وجه ظاهر لكنه لا يتمشى ههنا؛ لأن هذا اللفظ زاده الفربري بنفسه دون غيره، فتأمل، وفيه يحتمل أن يكون هذا القول من كلام تلميذ الفربري.\n\n(٣٥ -<span data-type='title' id=toc-263> باب هل يجعل للنساء يومًا. . .) إلخ</span>\nوفي \"تراجم شيخ الهند\" ما تعريبه: المراد أنه ينبغي الاهتمام بالتعليم والتبليغ للأشخاص المعذورين عن حضور المجالس العامة العلمية كالنساء، فينبغي أن يخصص لهم أوقاتًا مناسبة لتبليغهم العلم، ولما أن تعميم التعليم أمر ضروري فينبغي أن يجعل للعام والخاص، والعالم والجاهل، والرجال والنساء، لكل واحد منهم وقتًا خاصًا ليحصِّل كل منهم نصيبه، والله أعلم، انتهى.\nقلت: يشكل على الإمام البخاري - ﵀ - أنه ترجم بجعل اليوم خاصًا\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٢/ ٥٣).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١/ ٣٤٤).","vol":"2","page":474},{"text":"للنساء، وهو موجود في الرواية نصًا، فلِمَ زاد لفظ: \"هل\" في الترجمة؟\nويمكن الجواب عنه: أن المصنف زاده؛ لأنه واقعة خاصة وقعت على سؤالهن مرة واحدة، فهل يكون هذا مطردًا أم لا؟ وقد تقدم الكلام في الأصل الثاني والثلاثين من الأصول المتقدمة على الباب المترجم بلفظ \"هل\" مفصلًا، فارجع إليه لو شئت التفصيل، والعجب أن أحدًا من المشايخ والشرَّاح لم يتعرضوا للفظ \"هل\" في هذه الترجمة.\nقوله: (حدثنا محمد بن بشار. . .) إلخ، قال الحافظ (^١): أفاد بهذا الإسناد فائدتين: إحداهما: تسمية ابن الأصبهاني المبهم في الرواية الأولى، والثانية: زيادة التقييد بعدم بلوغ الحنث، انتهى مختصرًا.\nقوله: (وعن عبد الرحمن) عطف على عبد الرحمن السابق، فشعبة يرويه عن عبد الرحمن بسندين، ووهم من ظنه تعليقًا، انتهى. كذا في \"الفتح\".\n\n(٣٦ -<span data-type='title' id=toc-264> باب من سمع شيئًا. . .) إلخ</span>\nوفي \"تراجم شيخ الهند\" ما تعريبه: المقصود بيان فضل المراجعة عند عدم الفهم، أو التنبيه على أن في المراجعة ليس سوء أدب بالعالم، ولا فيه تحقير للمتعلم، فلا ينبغي للعالم الملالُ والتضجُّر عنه، ولا للمتعلم الاستحياء من المراجعة، انتهى.\nقال الحافظ (^٢): فيحمل ما ورد من ذم من سأل عن المشكلات على من سأل تعنتًا، كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ الآية [آل عمران: ٧]، وفي حديث عائشة: \"فإذا رأيتم الذين يسألون عن ذلك فهم الذين سمَّى الله فاحذروهم\"، انتهى مختصرًا.\nوالأوجه عندي في غرض الترجمة ما تقدم قريبًا عن كلام ابن المنيِّر\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ١٩٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ١٩٧).","vol":"2","page":475},{"text":"في \"باب من أعاد الحديث ثلاثًا\"، وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^١): \"باب من سمع. . .\" إلخ، وعلم بالرواية الموردة فيه جواز ذلك على استحبابه لدوام عائشة - ﵂ - وتقرير النبي - ﷺ - لها عليها، وكان سؤالها عن قوله: \"من حوسب هلك\" مبنيًا على ما هو أصل الحنفية أن العام يجري على عمومه إلا إذا قامت قرينة، وأما ما استثناه العقل فخارج عن البحث لخروجه عقلًا، والكلام في الشرعيات، ولو كان كل عامٍّ مخصوص البعض كما هو عند الشافعية لما افتقرت إلى السؤال، وحملت الآية على هذا البعض الخارج عن عموم قوله - ﷺ -: \"من حوسب هلك\".\nوحاصل جوابه - ﷺ - عن مسألتها: أن الحساب في الآية مجاز عن العرض، سمّاه حسابًا لصورة المحاسبة فيه، وليس حسابًا حقيقةً، فإن الحساب هو استيفاء الدخل باستيفاء الخرج، ولا يكون في العرض مطالبة الحقوق الواجبة بأسرها، ولا المعاتبة على الكبائر والصغائر بتمامها، بل يقتصر على عرض أعماله من الخير والشر فحسب، انتهى.\nوفي هامشه: قوله: على ما هو أصل الحنفية، هذه مسألة أصولية مختلفة بين الأئمة، قال صاحب \"المنار\": إن العام يوجب الحكم فيما يتناوله قطعًا، قال الشارح: قوله: قطعًا، رد على الشافعي حيث ذهب إلى أن العام ظني؛ لأنه ما من عام إلا وقد خُصَّ منه البعض، فيحتمل أن يكون مخصوصًا منه البعض وإن لم نقف عليه، فيوجب العمل لا العلم؛ كخبر الواحد والقياس، ونقول: هذا احتمال ناش بلا دليل وهو لا يعتبر، وإذا خص منه البعض كان احتمالا ناشيًا عن دليل فيكون معتبرًا، فعندنا العام قطعي فيكون مساويًا للخاص، انتهى.\nوقوله: \"وحاصل جوابه - ﷺ -\" قال الكرماني (^٢): وجه المعارضة أن\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٢/ ٥٤).\n(^٢) \"شرح الكرماني\" (٢/ ١٠١).","vol":"2","page":476},{"text":"الحديث عام في تعذيب كل من حوسب، والآية تدل على عدم تعذيب بعضهم وهم أصحاب اليمين.\nوالجواب: أن المراد من الحساب العرض، وعن عائشة هو أن يعرف ذنوبه ثم يتجاوز عنه، وقوله: \"نوقش\" من المناقشة، وهي الاستقصاء في الحساب، انتهى.\nوفي \"تراجم (^١) شيخ المشايخ\": أنه - ﷺ - أشار إلى أن الحساب على نوعين: أحدهما: اللغوي وهو الذي وصف في القرآن بكونه يسيرًا، وثانيهما: العرفي وهو المناقشة، وهو المراد في الحديث، إلى آخر ما في هامش \"اللامع\".\n\n(٣٧ -<span data-type='title' id=toc-265> باب ليبلغ العلم الشاهد. . .) إلخ</span>\nالظاهر عندي في غرض الترجمة التنبيه على تعميم ما ورد: \"بلغوا عني ولو آية\"، فإنه يوهم بظاهره تبليغ القرآن لا غير، وفي \"تراجم (^٢) شيخ المشايخ\": تعلق هذا الباب بالكتاب من حيث إن مطلوب الشارع إفادة العلم وإشاعته، انتهى.\nوفي \"تراجم شيخ الهند\": فيه تأكيد تبليغ العلم وتعميمه صراحة، وعلى من حضر مجالس العلم أن يبلغ الأحكام التي سمعها للغائبين، وأما أهل العلم فيجب عليهم التبليغ استقلالًا، فلا يحتاج فيه إلى سؤال سائل، أو حاجة أحد، أو هو مسؤول عن تبليغ ما يعلمه من قليل أو كثير، انتهى.\nقوله: (لا تعيذ عاصيًا. . .) إلخ، المسألة خلافية شهيرة بسطت في \"الأوجز\" (^٣) في جامع الحج، وبسط الكلام على هذا الحديث الشيخ في \"الكوكب\" (^٤).\n_________\n(^١) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٥٤).\n(^٢) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٥٤).\n(^٣) \"أوجز المسالك\" (٨/ ٦٢٣).\n(^٤) \"الكوكب الدري\" (٢/ ٧٩ - ٨٣).","vol":"2","page":477},{"text":"وحاصل اختلاف الأئمة في ذلك أن من جنى في الحرم يُقتص منه بلا خلاف، سواء كان في النفس أو فيما دونه، وكذلك من جنى خارجه يقتص فيه فيما دون النفس، وأما في النفس فالمسألة خلافية بين الأئمة فيقتص منه في الحرم عند مالك والشافعي، ولا يقتص عند أبي حنيفة وأحمد، بل يُضْطَّرَ إلى الخروج.\nقوله: (ألا هل بلغت) قال الحافظ (^١): هذا من قول النبي - ﷺ -، وهو تكملة الحديث، واعترض قوله: \"وكان محمد\" إلى قوله: \"كان ذلك\" في أثناء الحديث، هذا هو المعتمد، فلا يلتفت إلى ما عداه، انتهى.\nوما قال ابن سيرين: صدق رسول الله - ﷺ -. . . إلخ، اختلفوا في المشار إليه بقوله: كان ذلك، فقيل: أي: إخباره ﵊ بأنه سيقع التبليغ فيما بعد، فيكون الأمر في قوله: \"ليبلغ\" بمعنى الخبر، وقيل: إشارة إلى تتمة الحديث، وهو أن الشاهد عسى أن يبلغ من هو أوعى منه، يعني: وقع تبليغ الشاهد، وقيل: إشارة إلى ما بعده، وهو التبليغ الذي في ضمن \"ألا هل بلغت\"، كذا في \"القسطلاني\" (^٢).\nوفي \"تراجم (^٣) شيخ المشايخ\": قوله: \"صدق\" أي: وقع ما أمر به، وقد جاء هذا أيضًا في استعمالاتهم.\nوالظاهر عندي: أن هذا إشارة إلى تتمة الحديث، وهو قوله: \"رب مبلغ أوعى له من سامع\" فافهم، انتهى.\nوهذا الأخير هو المتعين عندي لما يأتي في \"باب قول النبي - ﷺ -: لا ترجعوا بعدي كفارًا\" من \"كتاب الفتن\" بلفظ: \"رُبَّ مبلِّغ يبلغه من هو أوعى له، وكان كذلك\" (^٤).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ١٩٩).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١/ ٣٥٣).\n(^٣) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٥٤).\n(^٤) \"صحيح البخاري\" (ح: ٧٠٧٨).","vol":"2","page":478},{"text":"قال القسطلاني (^١): قوله: \"وكان كذلك\" أي: وقع التبليغ كثيرًا من الحافظ إلى الأحفظ، انتهى.\nويؤيده أيضًا ما في حجة الوداع بلفظ: \"لعل بعض من يبلغه أن يكون أوعى له من بعض من سمعه، فكان محمد - ﵀ - إذا ذكره يقوله: صدق محمد - ﷺ -\"، وبهذا اللفظ أخرجه في \"كتاب الأضاحي\"، وكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢) قوله: صدق رسول الله - ﷺ -، أي: فيما كان يخاف على أمته من وقعة السيوف فيهم، فكان كما أخبر إلى آخر ما بسط فيه وفي هامشه.\n\n(٣٨ -<span data-type='title' id=toc-266> باب إثم من كذب على النبي - ﷺ -. . .) إلخ</span>\nلم يتعرض الشيخ قُدِّس سرُّه لهذه الترجمة في \"اللامع\"، وزيدت في هامشه (^٣)، وفيه: زدتها تنبيهًا على أنها عندي من تكملة الترجمة السابقة، كأن المصنف قيدها بهذه الترجمة بأن الاهتمام مما لا بد منه، لكن مع شدة الاهتمام في التوقي عن الكذب عليه - ﷺ -، ثم رأيت أشار إلى ذلك شيخ الهند في \"تراجمه\" إذ قال: وعلم من الأبواب السابقة المتعددة أهمية التبليغ والتعليم والتعميم والتكثير، وفيه خطر الكذب غالبًا بإرادة كان أو بدون إرادة، ولذا نبَّه بذكر هذه الترجمة أن التبليغ والتعليم لا بد فيه من الاحتياط والاهتمام، ويحترز عن التخمين والمجازفة، انتهى معربًا.\nوفي هامش \"اللامع\" (^٤): قال الحافظ (^٥): رتَّب المصنف أحاديث الباب ترتيبًا حسنًا؛ لأنه بدأ بحديث علي وفيه مقصود الباب، وثنَّى بحديث الزبير الدالِّ على توقي الصحابة وتحرُّزهم عن الكذب عليه، وثلَّث بحديث أنس الدالِّ على أن امتناعهم إنما كان من الإكثار المفضي إلى الخطأ لا عن\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٥/ ٢٩).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٢/ ٥٦).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٢/ ٥٨).\n(^٤) انظر: \"لامع الدراري\" (٢/ ٥٨).\n(^٥) \"فتح الباري\" (١/ ٢٠٣).","vol":"2","page":479},{"text":"أصل التحديث؛ لأنهم مأمورون بالتبليغ، وختم بحديث أبي هريرة، الذي فيه الإشارة إلى استواء تحريم الكذب عليه سواء كانت دعوى السماع منه في اليقظة أو في المنام، انتهى.\nوفي \"تراجم (^١) شيخ المشايخ\": اعلم أن الكذب على النبي - ﷺ - وإن لم يمكن من الصحابي لكن في إكثار الرواية مظنة أن يقع شيء من ذلك وما يجب أن يحترز عن مظنة أيضًا، والمكثرون من الصحابة كانوا واثقين بالحفظ والضبط، مأمونين عن وقوع الكذب، ومع ذلك قصدوا نشر العلم وإشاعته، فهم مجزيُّون بنياتهم الحسنة أحسن الجزاء، والمقلُّون أيضًا مجزيُّون بنياتهم الحسنة أحسن الجزاء، ولكل وجهة هو مُوَلِّيهَا:\nوللناس فيما يعشقون مذاهب\nانتهى.\nثم لا يذهب عليك أن في الباب حديث مكي بن إبراهيم، قال الحافظ (^٢): هذا الحديث أول ثلاثي وقع في \"البخاري\"، وقد أُفردت فبلغت أكثر من عشرين، انتهى.\nقلت: هي اثنان وعشرون حديثًا، آخرها حديث خلاد بن يحيى في \"باب قوله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ \"، ومكي بن إبراهيم هذا من تلامذة الإمام أبي حنيفة كما في \"تهذيب\" (^٣) الحافظ، قال: وليس في \"البخاري\" أعلى من الثلاثيات، انتهى كذا في هامش \"اللامع\".\nوقد بسطت الكلام على ثلاثيات البخاري في مقدمة \"اللامع\" (^٤) تحت خصائص البخاري، وفيه: أن في \"البخاري\" من اثنين وعشرين حديثًا من الثلاثيات، وهم يعدونها بتلك الشدة من الاهتمام ويكتبون على هامش\n_________\n(^١) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٥٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٢٠٣).\n(^٣) \"تهذيب التهذيب\" (١٠/ ٢٦٠).\n(^٤) انظر: \"لامع الدراري\" (١/ ١٠٢).","vol":"2","page":480},{"text":"كل واحد منها: الأول من الثلاثيات، والثاني من الثلاثيات بقلم جلي، ويفردون الكلام عليها، وهي اثنان وعشرون حديثًا، العشرون منها من تلامذة الإمام الهمام أبي حنيفة النعمان أو تلامذة تلامذته، وقد أفردت الكلام على ذلك في مقدمة \"اللامع\" في خصائص البخاري، ولذا قيل: أن فقه الإمام أبي حنيفة أكثره ثنائي، فافهم.\n\n(٣٩ -<span data-type='title' id=toc-267> باب كتابة العلم)</span>\nوإيراد هذا الباب السابق في غاية الحسن، فإنه لما حذَّر في الباب السابق عن الكذب على النبي - ﷺ -، فلعل بعض الهمم متقاصر عن نقل الأحاديث وإشاعتها مخافة الوقوع في الكذب، فيفوت به المقصود الأعظم وهو التبليغ والتعليم، وقد نبّه المصنف في الكذب في كثير من أبوابه على الاهتمام بالتعليم والتبليغ والاعتناء بهما، فأورد المصنف هذه الترجمة بعده ليبين بها طريقة يسلم بها الرجل عن الوقوع في الكذب مع تحصيل المقصود بأن يكتب ما يسمع من الأحاديث والعلم ثم ينقله، والله أعلم.\nكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^١): دفع بذلك ما يتوهم من روايات النهي عن الكتابة منعها بأنه كان في أول الأمر ثم رخَّص فيها، انتهى.\nوفي هامشه: قال الحافظ (^٢): طريقة البخاري في الأحكام التي يقع فيها الاختلاف أن لا يجزم فيها بشيء بل يوردها على الاحتمال، وهذه الترجمة من ذلك؛ لأن السلف اختلفوا في ذلك تركًا وعملًا، وإن كان الأمر قد استقر والإجماع انعقد على جواز كتابة العلم، بل على استحبابه، بل لا يبعد وجوبه على من خشي النسيان ممن يتعين عليه تبليغ العلم، انتهى.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٢/ ٥٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٢٠٤).","vol":"2","page":481},{"text":"قلت: وهذا الأصل الذي ذكره الحافظ أصلٌ مطَّرد من أصول الإمام، كما تقدم في الأصل الخامس والثلاثين، لكن الأوجه عندي ههنا أن المصنف أشار بذكر الروايات الواردة إلى استحبابها، كما اختاره شيخ الهند في \"تراجمه\" إذ قال: لما كانت الكتابة مما لا بد منها لبقاء العلم وحفظه وإشاعته نبّه المصنف بالترجمة إلى استحسانها، بل رغَّب العلماء إلى الكتابة إشارة، انتهى.\nوقال شيخ المشايخ في \"تراجمه\" (^١): غرض المصنف أن كتابة الحديث وإن كانت ممنوعة في عهده - ﷺ - كيلا يختلط بالقرآن غيره، أو لئلا يتَّكل الناس على الكتابة من الحفظ، ثم شاع التدوين والتأليف، فله أصل في الحديث وقصص الصحابة؛ كعبد الله بن عمرو بن العاص أدلة عليه وشاهدات، انتهى.\nقلت: وبسطت المسألة في \"مقدمة الأوجز\" أشد البسط، وكانت المسألة خلافية شهيرة في السلف، وكانت فيها ثلاثة مذاهب: المنع والإباحة والمحو بعد الكتابة، كما بسطت أقوالهم وأسماء قائليها في \"مقدمة الأوجز\"، ثم استقر الأمر على جواز الكتابة، وقد تقدم في كلام الحافظ الإجماع على ذلك، وفي \"توضيح مقدمة القسطلاني\" لعبد الهادي بعد نقل الاختلاف في ذلك: ثم أجمعوا بعد ذلك وزال الاختلاف، انتهى.\nوكذا حكى الإجماع على ذلك السيوطي كما في \"مقدمة الأوجز\" (^٢).\nقوله: (هل عندكم كتاب) قال الحافظ (^٣): الخطاب لعلي - ﵁ -، والجمع إما لإرادته مع بقية أهل البيت أو للتعظيم، وقوله: \"كتاب\" أي: مكتوب أخذتموه عن رسول الله - ﷺ - مما أوحي إليه، ويدل على ذلك رواية المصنف في \"الجهاد\": \"هل عندكم شيء من الوحي إلا ما في كتاب الله؟ \"\n_________\n(^١) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٥٦).\n(^٢) \"أوجز المسالك\" (١/ ٦٥ - ٧٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١/ ٢٠٤).","vol":"2","page":482},{"text":"وله في \"الديات\": \"هل عندكم شيء مما ليس في القرآن؟ \" انتهى.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١) في \"كتاب الاعتصام\": قوله: \"ما عندنا من كتاب\" الحديث، رد بذلك على الرافضة القائلين بأنَّه - ﷺ - خصَّ عليًّا بصحف ورسائل ليست عند غيره، ولا يضر ذلك استثناء الصحيفة، فإن مسائلها وأحكامها كانت مشتهرة فيما بينهم معلومة لهم عامةً وإن لم تكن مكتوبة منه - ﷺ - إلا عنده خاصة، انتهى.\nوبسط الكلام على شرح كلام الشيخ في هامشه.\nقوله: (قال محمد) أي: البخاري (اجعلوه. . .) إلخ، يعني لفظ: \"أو\" للشك لا للتنويع، والشك من شيخ أبي نعيم، وغيره يقول: الفيل بالفاء والياء المثناة التحتية، كذا في \"الفتح\" (^٢) ملخصًا.\nوقوله: (ألا وإنها) أي: مكة في (ساعتي هذه) وهي بغد من الفتح، فإنه - ﷺ - خطب يوم الغد من الفتح، كما تقدم قريبًا في \"باب ليبلغ العلم الشاهد الغائب\".\nقوله: (إلا ما كان من عبد الله بن عمرو) يشكل عليه أن الموجود من روايات أبي هريرة أكثر من روايات عبد الله بن عمرو، فإن روايات أبي هريرة خمسة آلاف حديث وثلاثمائة وأربعة وسبعون حديثًا، وروايات عبد الله بن عمرو سبعمائة، وقيل: روى من المتون سوى الطرق نيفًا وخمسمائة، وأجيب عن هذا الإشكال بأجوبة عديدة في هامش \"الكوكب\" و\"اللامع\" (^٣) فإنه أقام بمصر أو الطائف ولم تكن الرحلة إليهما كالرحلة إلى المدينة - زادها الله شرافة وكرامة -.\nومنها أن عبد الله بن عمرو قد يروي عن الكتب السابقة أيضًا فتجنب الناس عن روايته لذلك، ومنها اشتغال عبد الله بن عمرو بالعبادة أكثر\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٢٨٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٢٠٦).\n(^٣) انظر: \"لامع الدراري\" (٢/ ٦٠ - ٦٢) و\"الكوكب الدري\" (٣/ ٣٦٤).","vol":"2","page":483},{"text":"من التعليم، بخلاف أبي هريرة فإنه كان متصديًا للفتوى والتحديث وتكثير الروايات إلى أن مات - ﵁ -.\nوأما قول أبي هريرة: \"ولا أكتب\" فيعارضه ما أخرجه ابن وهب من طريق الحسن بن عمرو قال: تحدث عند أبي هريرة بحديث فأخذ بيدي إلى بيته فأرانا كتبًا من حديث النبي - ﷺ - وقال: هذا هو مكتوب عندي، قال ابن عبد البر: حديث همام أصح، ويمكن الجمع بأنه كتب بعده ﵊، أو لم يكن مكتوبًا بيده بل بخط غيره (^١).\nقوله: (ائتوني بكتاب. . .) إلخ، وكان ذلك في يوم الخميس كما هو معروف، وكان وصاله - ﷺ - يوم الاثنين، يعني: في اليوم الخامس من قوله - ﷺ -، وقد أوصى بعد ذلك بوصايا كثيرة من إجازة الوفود والصلاة وما ملكت أيمانهم، ومن تجهيز جيش أسامة، وإخراج المشركين من جزيرة العرب، وأيضًا، قال: \"لا تتخذوا قبري وثنًا يعبد\" وأيضًا قال: \"لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد\" (^٢)، وفي \"البخاري\" في مرض النبي - ﷺ -: \"ثم خرج إلى الناس فصلى بهم وخطبهم\" (^٣).\nقال الحافظ (^٤): تقدم في فضل أبي بكر من حديث ابن عباس: \"أن النبي - ﷺ - خطب في مرضه\" فذكر الحديث، وقال فيه: \"لو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر\" الحديث، وفيه: \"أنه آخر مجلس جلسه\"، انتهى.\nوقد أخرج البخاري في مناقب أبي بكر عن أبي سعيد الخدري قال: خطب رسول الله - ﷺ - الناس وقال: \"إن الله خيَّر عبدًا بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ذلك العبد ما عند الله\" الحديث (^٥)، وفيه: \"إن من أَمنّ الناس عليَّ في صحبته وماله أبا بكر، ولو كنت متخذًا خليلًا غير ربي\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (١/ ٢٠٧).\n(^٢) انظر: \"صحيح البخاري\" (ح: ٤٤٤١).\n(^٣) \"صحيح البخاري\" (ح: ٤٤٤٢).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٨/ ١٤٢).\n(^٥) \"صحيح البخاري\" (ح: ٣٦٥٤).","vol":"2","page":484},{"text":"لاتخذت أبا بكر خليلًا، لكن أخوة الإسلام\" إلى آخر الحديث، وغير ذلك من الروايات الواردة في إفادته - ﷺ - في هذه الأيام، فأي مانع كان له - ﷺ - عن نص الإمارة إن كان ضروريًا، فالظاهر أنه ﵊ لم يعده مهمًا، أو رأى المصلحة في الإبهام، ثم إن كان - ﷺ - يكتب فالظاهر أنه - ﵇ - يكتب لأبي بكر رضي الله تعالى عنه كما سيأتي في \"باب الاستخلاف\" من \"كتاب الأحكام\" عن عائشة - ﵂ - قالت: قال رسول الله - ﷺ -: \"لقد هممت أو أردت أن أرسل إلى أبي بكر وابنه فأعهد، أن يقول القائلون أو يتمنى المتمنون، ثم قلت: يأبى الله ويدفع المؤمنون، أو يدفع الله ويأبى المؤمنون\" (^١).\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٢) تحت قوله: \"فخرج ابن عباس. . .\" إلخ، يعني: أن ابن عباس أراد بذلك أنه لما تبين من اختلاف الصحابة ما أدى إلى المقاتلة بين علي ومعاوية - ﵄ - تأسف على ما فعلوا من الاكتفاء بكتاب الله، فإنه - ﷺ - لو نص على خلافة الخلفاء بترتيبها لما كان لأحد مخالفة فيها، فلم تصل النوبة إلى مقاتلة بين الصحابة، وإنما حسن ذلك من عمر لما علم أنه يكتب الخلافة لأبي بكر ونحن متفقون عليه، فلا حاجة إلى تصديعه، واستحسنه النبي - ﷺ - منه، فلو كانت الكتابة واجبة من الله تعالى لما تركها بقول أحد، ودلالة الرواية على الترجمة ظاهرة، فإنه لو كتب لكتب ما ليس في القرآن من أمور يوصي بها، فعلم جواز كتابة العلم، انتهى.\nوبسط في هامشه الكلام على شرح قول الشيخ قُدِّس سرُّه، ونقل العلَّامة السندي (^٣) في هامش البخاري أنه قيل: إنما كان هذا الأمر من النبي - ﷺ - اختيارًا لأصحابه، فهدى الله عمر لمراده ومَنَعَ من إحضار\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (ح: ٧٢١٧).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٢/ ٦٣).\n(^٣) \"حاشية السندي على صحيح البخاري\" (١/ ٣٢).","vol":"2","page":485},{"text":"الكتاب، وخفي ذلك على ابن عباس، وعلى هذا فينبغي عدُّ هذا في جملة موافقة عمر ربه، إلى آخر ما بسطه أشد البسط في الإيرادات والأجوبة عنها.\nقوله: (فخرج ابن عباس. . .) إلخ، ظاهره من ذلك المكان وليس كذلك، بل من مكان التحديث بعد ذلك بزمان طويل عند وقعة الحروب بين الصحابة كما تقدم في كلام الشيخ، ويشكل على حديث ابن عباس أيضًا أن الوقعة كانت بمحضر من جماهير الصحابة بسبب اشتداد مرضه - ﷺ -، وليس في الرواية راو غير ابن عباس - ﵄ - وهو من أصاغر الصحابة، وكان في الجماعة على كثير من بني هاشم رضوان الله عليهم أجمعين هذا وقد تكلم الشراح على رواته أيضًا كما بسط في المطولات.\n\n(٤٠ -<span data-type='title' id=toc-268> باب العلم والعظة بالليل)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): يعني بذلك: أن السمر المنهي عنه إنما هو سمره في أمور الدنيا لا مطلقًا، وأن السمر لا يتحقق إلا بعد العشاء قبل النوم، فأما بعد النوم فلا يعدّ سمرًا، ووضع لكل من المرامين بابًا، انتهى.\nوفي هامشه: هذا الباب والآتي بعد ذلك متقاربان في المعنى، وفرق بينهما الشيخ بحملهما على المرامين.\nوحاصل ما أفاده الشيخ: أن الغرض من الترجمة الأولى التنبيه على أن الحديث بعد النوم لا يعدّ سمرًا، ولذا لم يترجم المصنف ههنا بلفظ السمر.\nوحاصل الترجمة الآتية: أن السمر في العلم ليس بمنهي عنه، ولذا أورد المصنف في الباب الأول الرواية الدالة على الحديث بعد النوم بخلاف الباب الثاني.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٢/ ٦٥).","vol":"2","page":486},{"text":"قال الحافظ (^١): أراد المصنف التنبيه على أن النهي من الحديث بعد العشاء مخصوص بما لا يكون في الخير، انتهى.\nقال العيني (^٢): وفي بعض النسخ: اليقظة بالليل، وهذا أنسب للترجمة، انتهى. يعني: أوفق بالحديث.\nوفي \"تراجم شيخ الهند\": أن المحصول من الروايات الكثيرة؛ كحديث ابن مسعود: \"كان يتخولنا بالموعظة. . .\" إلخ، وحديث: \"يسِّروا ولا تعسِّروا\"، وقول ابن عباس: \"لا تمل الناس هذا القرآن\"، وغير ذلك من الروايات والآثار أنه لا بد في التذكير والتعليم من مراعاة نشاط السامعين، ومعلوم أن الليل وقت نوم وراحة، فكان لمتوهم أن يقول بكراهة التعليم والتذكير في الليل، فدفعه المصنف بهذه الترجمة وأورد فيها روايةً تدل على أنه يجوز إيقاظ النائمين أيضًا لضرورة التذكير فضلًا عما قبل النوم، انتهى.\nوذكر العلم ليعم التعلم والتعليم وهما غير العظة فإنه التذكير للغير، انتهى ما في هامش \"اللامع\".\nقوله: (ح وعمرو) بالكسر عطف على معمر، وبالرفع استيناف، أي: قال ابن عيينة: حدثنا معمر، كذا في \"الفتح\" (^٣).\n\n(٤١ -<span data-type='title' id=toc-269> باب السمر بالعلم)</span>\nفي \"تراجم شيخ الهند\": أنه ذكر الممانعة من السمر بعد العشاء في الروايات، ولكن عند الحاجة وفي الأوقات المناسبة ثبت السمر في العلم، وهو مسلم وخارج عن الممانعة، انتهى.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٤): وجه الجواز فيه أن النهي عنه لأدائه\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٢١٠).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٢/ ٢٤٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١/ ٢١٠).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٢/ ٦٦).","vol":"2","page":487},{"text":"إلى فوت صلاة الفجر أو جماعتها، ولا ينجرّ السمر في العلم عادةً، مع أن حالة الوعظ بحيث يؤدي إلى ملل القوم ممنوعة أيضًا فلا يكون إلا قليلًا، بخلاف السمر في أمور الدنيا والقصص، فإن النفس تميل إليها فينجرّ فيؤدي إلى قضاء الصلاة وفواتها، مع أن السمر بالعلم والعظة يعين على الخير فينجر ما كان من تأخير الوقت في النوم بتوفيق الخير فلا يضر، والسمر باللهو يعين على التبلد ولا يعوق عن الشر لما فيه من أثر ذلك فيزداد البلاء على البلاء، انتهى.\nوفي هامشه: قال الحافظ (^١): السمر بفتح المهملة والميم، وقيل: الصواب إسكان الميم؛ لأنه اسم للفعل، ومعناه الحديث بالليل قبل النوم، وبهذا يظهر الفرق بين هذه الترجمة وبين ما قبلها، انتهى.\nوأنت خير بأن الفرق بينهما على ما تقدم في الترجمة السابقة من كلام الحافظ غير ظاهر، نعم على ما تقدم من كلام الشيخ ظاهر.\nقوله: (نام الغليم) كتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): لعل كان ذلك استفهامًا [أو إخبارًا] ليشتغل ببعض ما يفعله الرجل بأهله من الملاعبة وغيرها، انتهى.\nوفي هامشه: الغليم تصغير الغلام، وهذا تصغير الشفقة نحو: يا بُني، وقال الحافظ (^٣): قيل: الترجمة في قوله - ﷺ -: \"نام الغليم\"، وقيل: في ارتقاب ابن عباس أحواله - ﷺ -، ولا فرق بين التعليم بالقول والفعل، وقيل: ما يفهم من جعله إياه على يمينه كأنه قال: قف عن يميني، أو لأن الغالب أن الأقارب إذا اجتمعوا لا بد أن يجري بينهم حديث للمؤانسة، وحديث النبي - ﷺ - كله علم، وكل ذلك معترض، والأولى من هذا كله أن مناسبة الترجمة مستفادة من لفظ آخر في هذا الحديث بعينه من طريق أخرى، وهو\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٢١١).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٢/ ٦٧).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١/ ٢١٣).","vol":"2","page":488},{"text":"ما أخرجه في التفسير في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ وفي \"كتاب الرد على الجهمية\" في \"باب تخليق السماوات والأرض\" وفيهما: \"فتحدث رسول الله - ﷺ - مع أهله ساعة\" وهو نص، وهذا يصنعه المصنف كثيرًا، يريد به تنبيه الناظر في كتابه على الاعتناء بتتبع طرق الحديث والنظر في مواقع ألفاظ الرواية، انتهى ملخصًا من كلام الحافظ مع زيادة.\nوكتب شيخ الهند: أن هذا الحديث لا يظهر له المناسبة بالترجمة، وقد ذكر الشراح فيه عدة تأويلات، ولكن الحافظ ابن حجر استخرج بعد الخوض والفحص رواية تتعلق بهذا نصًا في كتاب التفسير، قد ورد فيها صراحة: \"فتحدث مع أهله ساعة\"، فلا حاجة إلى التأويلات مطلقًا كما ذكرنا في الأصول، انتهى.\nقلت: ذكره شيخ الهند في الأصل السادس من أصول تراجمه، وقد مرَّ في الأصل الحادي عشر من الأصول المتقدمة في الجزء الأول.\n\n(٤٢ -<span data-type='title' id=toc-270> باب حفظ العلم)</span>\nفي \"تراجم شيخ الهند\": نَبَّهَ المصنف على أنه ينبغي السعي في بقاء الحفظ بعد التعلم، فعلم بالحديث الأول أن من أسباب الحفظ الاشتغال بالعلم، وبالثاني أن قوة الحفظ أيضًا مطلوبة، وهي وإن كانت خلقية لكن لها أسبابًا مؤيدات ومضمرات، فيستحسن مراعاتها:\nشكوت إلى وكيع سوء حفظي … فأوصاني إلى ترك المعاصي\nانتهى.\nوالأوجه عندي: أن بالحديث الثاني أشار الإمام البخاري أنه لا بد لزيادة الحفظ الدعاء والتضرع إلى الله تعالى وإلى أوليائه، ومطابقة الحديث الثالث بالترجمة أن من أسباب الحفظ بثّ العلم ونشره، ثم من اللطائف أن البخاري ذكر في الباب ثلاثة أحاديث كلها من أبي هريرة، وذلك لكونه من أحفظ الصحابة.","vol":"2","page":489},{"text":"قوله: (بشبع بطنه) قال شيخ المشايخ في \"تراجمة\" (^١): هذا يحتمل وجهين:\nأحدهما: يشبع بطنه، أي: يحصل ما يشبع بطنه من القوت؛ لأنه رضي الله تعالى عنه ما كان له مال يتجر به ولا زرع يشتغل به ويأكل منه، فكان يلازم النبي - ﷺ - فيتحصل قوته.\nوثانيهما: يشبع بطنه، أي: كان يلازمه ما يريده من المدة، ولا يقوم من مجلسه حتى يستوفي حظه منه؛ كقولهم: فلان يحدث شبع بطنه، ويسافر شبع بطنه، انتهى.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): قوله: بشبع بطنه، أي: مقتنعًا به ومكتفيًا عن السعي في تحصيل الأموال لعدم أحد ممن يكون له حق عليه، وهذا بيان لشأنه وشأنهم، يبيِّن به سبب كثرة الروايات له، وليس المقصود الازدراء بشأنهم أو تحقيرهم حاشاه من ذلك، انتهى.\nوفي هامشه: أن أبا هريرة كان إذ ذاك مسكينًا من أصحاب الصفة أسلمت أمه بعد إسلامه بزمان بدعوة النبي - ﷺ -، وتزوج في زمان مروان.\nقوله: (فما نسيت شيئًا بعد) وسيأتي في أول \"كتاب البيوع\" بلفظ: \"فما نسيت من مقالة رسول الله - ﷺ - تلك من شيء\" (^٣)، وجمع بينهما بحملهما على تعدد العمل، فأفاد مرة حفظ مقالة مخصوصة، وأخرى حفظ سائر ما سمعه بعده، أو يحمل لفظة \"من\" في حديث \"كتاب البيوع\" على أنه أجلية، أي: بسبب مقالته - ﷺ -، أو يقال: إن لفظة \"من\" ابتدائية لابتداء الغاية في الزمان، والمقالة مصدر حينئذ، كما بسط في هامش \"اللامع\" (^٤) في \"كتاب البيوع\".\n_________\n(^١) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٥٧).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٢/ ٦٩).\n(^٣) \"صحيح البخاري\" (ح: ٢٠٤٧).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٦/ ٣).","vol":"2","page":490},{"text":"قوله: (وأما الآخر) كتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): حمله أهل الحقيقة على مدعاهم وليس ببعيد، انتهى.\nوبسط في هامشه الأقوال في ذلك بالبسط، منها: أن المراد به أسامي أمراء السوء وأحوالهم، ومنها: علوم الباطن والأسرار المصون عن الأغيار المختص بالعلماء بالله من أهل العرفان، وإليه أشار الشيخ قُدِّس سرُّه، ويؤيده ما في \"المسلسلات\" (^٢) للشاه ولي الله الدهلوي عن أبي هريرة مرفوعًا: \"إن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا العلماء بالله، فإذا نطقوا لا ينكره إلا أهل الغرة بالله\"، ومنها: أن المراد بها أحاديث أشراط الساعة وما عرف به - ﷺ - من فساد الدين وتغير الأحوال، ومنها: ما في تقرير الشيخ المكي، وهو ما ذكر فيه دقائق العلوم؛ كمسألة القدر ونحوها مما لا يفهمه كل أحد فيضلون فيه بآرائهم ويهلكون، ومنها: ما قال شيخ المشايخ (^٣): المراد به على الصحيح علم الفتن والواقعات التي وقعت بعد وفاته - ﷺ - من شهادة عثمان وشهادة الحسين، وكان يخاف في إفشائها وتعيين أسمائها من غلمان بني أمية، إلى آخر ما في هامش \"اللامع\".\n\n(٤٣ -<span data-type='title' id=toc-271> باب الإنصات للعلماء)</span>\nاختلفوا في غرض الإمام بالترجمة على أقوال، منها: ما قال ابن بطال: الإنصات لازم للمتعلمين؛ لأنهم ورثة الأنبياء، ومنها: ما قال العيني (^٤): ذكر في الباب السابق حفظ العلم، وبين ههنا أن العلم يحفظ من العلماء، فلا بد من الإنصات لهم حتى لا يشذ عنه شيء، ومنها: ما قال شيخ الهند: إن قول ابن عباس: \"لا ألفينّك تأتي القوم وهم في حديث من حديثهم فتقصّ عليهم فتقطع عليهم حديثهم فتملهم\" ونحو ذلك\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٢/ ١٨).\n(^٢) (ص ٨٠).\n(^٣) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٥٧).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (٢/ ٢٦٢).","vol":"2","page":491},{"text":"من الأقوال لما كانت دالة على عدم جواز قطع حديثهم نَبّه المصنف بذلك على أنه يجوز عند الضرورة، ملخصًا من هامش \"اللامع\".\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): فيه دلالة على جواز الأمر بالإنصات للعلم ولو عن الذكر، فإن الناس كانوا في التلبية وهي ذكر، ولذلك احتيج إلى عقد باب له، فإن الظاهر يأبى عن الإنصات من الذكر وتلاوة القرآن وغيرهما من الطاعات، فأثبت بالرواية أن ذلك جائز لأجل العلم والوعظ، انتهى.\nقوله: (قال له) ادعى بعضهم أن لفظ: \"له\" وهم؛ لأن جريرًا أسلم قبل وصاله ﵊ بأربعين يومًا، لكن قال ابن حبان وغيره: إنه أسلم في رمضان سنة عشر، ويقويه ما للمصنف في باب حجة الوداع التصريح بأنه ﵊ قال لجرير، كذا في \"الفتح\" (^٢).\n\n(٤٤ -<span data-type='title' id=toc-272> باب ما يستحب للعالم. . .) إلخ</span>\nقال السندي (^٣): قيل: الظرف أعني \"إذا سئل: متعلق بما بعده وليس بسديد، إذ يلزم أن الباب موضوع لبيان ما يستحب للعالم مطلقًا، وليس كذلك، كيف ولو كان كذلك لكان اللازم أن جميع ما يستحب للعالم هو أن يكل العلم إلى الله إذا سئل: أيُّ الناس أعلم؟ وهذا فاسد، وإنما هو موضوع لبيان ما يستحب له حين السؤال، فالوجه أن الظرف متعلق بيستحب، وأما قوله: \"فيكل\" جزاء شرط محذوف حذف صونًا للكلام عن صورة التكرار مع ظهور القرينة، وهذا شائع كثير، ومثل هذه الفاء تسمى فاء فصيحة، والتقدير: إذا سئل أيُّ الناس أعلم؟ فيكل العلم إلى الله، بمعنى: فليكل من وضع الخبر موضع الإنشاء، والجملة الشرطية لبيان ما يستحب له حين السؤال، انتهى.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٢/ ٧٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٢١٧).\n(^٣) \"حاشية السندي على صحيح البخاري\" (١/ ٣٥).","vol":"2","page":492},{"text":"وفي \"تراجم شيخ الهند\": يعني: أنه لا يستحب للعالم أن يقول: أنا أعلم، إذا سئل: أيُّ الناس أعلم؟ ولو تحقق كونه أعلم الناس، بل يستحب أن يجيب بقوله: الله أعلم، وهذا الأمر واضح من حديث الباب، ويظهر من هذا أن غرض المؤلف - ﵀ - أنه ينبغي للعلماء أن يتحلوا بالتواضع دائمًا خصوصًا من جهة العلم، فيلاحظوا نقصان أنفسهم وكمال الرب - ﷿ -، ولما أن أسباب الكبر والعجب تكثر فيهم، فينبغي لهم الاحتياط الشديد، انتهى.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): قوله: \"باب ما يستحب. . .\" إلخ، وإن كان يجوز له الحكم بناءً على الظاهر إلا أنه استبعد من موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام لكونه أرفع شأنًا من أن يظن بنفسه شيئًا من الكمال، وكان فيه فتح باب الكبر والإعجاب، سيما بني إسرائيل فإنهم فرسان هذا الميدان، وحملة ألوية الزهو والطغيان، وإنما بدر موسى إلى مقالته لما علم أن الرسول هو صفوة الله من عباده، ولذلك اختير للإرسال إلى بلاده، وكان مصيبًا في [ظنه] ذلك، إلا أن ذلك لا يستلزم إلا الأعملية في علم الأحكام والشرائع، مع أن للكريم ﵎ في خليقته صنائع وبدائع، وكان الظاهر من قوله: أنا أعلم، هو الإطلاق، وكونه كذلك في كل نوع من العلوم، فعوتب على ذلك، فلعل أحدًا أعلم منه باعتبار بعض العلوم وإن كان له الفضل فيما هو أعلى أقسام العلوم، أي: علم الشريعة.\nثم إن اتباع موسى - ﵇ - له لم يكن إلا بأمر منه ﵎، فكان الخضر على حق فيما يصنعه قطعًا، ومع ذلك فلم يكن لموسى - ﵇ - صبر على ما كان يصنعه، فلا حجة لمتصوفة زماننا في ترك الاعتراض عليهم فيما يأتوننا من الأمور المنكرة شرعًا، وذلك لأن خضرًا كان نبيًّا، ولو سُلِّم عدمه لكان في أمره تعالى باتباعه كفاية، فعلم أنه مصيب يقينًا، وانتفى اليقين فيما نحن فيه، فلا يجوز لأحد من أهل العلم السكوت على منكر يأتون به؛\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٢/ ٧٣).","vol":"2","page":493},{"text":"ولا يجوز لهم أن يرتكبوه أيضًا إلا أن يكون أحد يخرج عن حيطة الاختيار على نفسه، فيرتفع عنه التكليف الشرعي التحاقًا بالمجانبين، انتهى.\nقلت: ومما ينبغي أن يفتش الفرق بين هذه والترجمة الآتية: \"باب قوله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إلا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]، إذ قال شيخ الهند في غرضها أيضًا التواضع.\nقوله: (أن نوفًا البكالي) وكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): ولعل وجه توهم نوف المغايرة بين المسمِّين بموسى استبعاد أن يكون موسى وهو من أولي العزم من الرسل، وهو كليم الله أيضًا يتلمذ على خضر ويتعلم منه، أو يؤمر بذلك منه ﵎، انتهى.\nوبسط في هامشه في ترجمة نوف البكالي وموسى كليم الله.\nقوله: (كذب عدو الله) قال ابن التين: لم يرد إخراج نوف عن ولاية الله، بل قلوب العلماء تنفر إذا سمعت خلاف الحق.\nقال الحافظ (^٢): ويجوز أنه اتهمه في صحة إسلامه، ولذا لم يقل في حق الحر بن قيس هذه المقالة، انتهى. كذا في \"الفتح\".\nقلت: ولعل سبب غضب ابن عباس عليه أنه زعم أن نوفًا أخذه من التوراة، فإن نوفًا على ما في \"الكرماني\" (^٣) ابن امرأة كعب الأحبار، وقيل: ابن أخيه، ومعلوم أنه - ﷺ - غضب على عمر حين استأذنه - ﷺ - أن يكتب شيئًا من التوراة فقال: \"أمنهوكون أنتم؟ \" الحديث.\nوقال القسطلاني (^٤): قول ابن عباس خرج مخرج الزجر والتحذير لا القدح في نوف؛ لأنه قال ذلك في الغضب، وألفاظ الغضب تقع على غير الحقيقة غالبًا، انتهى. قلت: وإطلاق الكذب على الخطأ شائع في كلام العرب كما تقدم الكلام على ذلك في \"الأوجز\" (^٥) و\"البذل\" وغيرهما تحت\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٢/ ٧٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٢١٩).\n(^٣) انظر: \"شرح الكرماني\" (٢/ ١٤٠).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (١/ ٣٧٧).\n(^٥) \"أوجز المسالك\" (٢/ ٦٢٥).","vol":"2","page":494},{"text":"قول عبادة بن الصامت: كذب أبو محمد، أي: في قوله: الوتر واجب.\nقوله: (إن عبدًا من عبادي هو أعلم منك) استدل بذلك على نبوة خضر - ﵇ -؛ لأن غير نبي لا يكون أعلم، وقيل لذلك: إن موسى هذا ليس بموسى النبي، وتوهم به بعضهم أن الولي أفضل من النبي، ويمكن أن يجاب أن المراد به العلم الخاص كما سيأتي في كلام خضر، ملخصًا من \"الفتح\" (^١)، وكلام خضر قوله: \"أنت على علم من علم الله. . .\" إلخ، وكتب عليه الشيخ في \"اللامع\" (^٢): فيه دلالة على ما ذكرنا من أن أعلمية خضر كانت مخصوصة، انتهى.\nقوله: (ما نقص علمي. . .) إلخ، لفظ النقص ليس على ظاهره؛ لأن علم الله لا يدخله النقص، فقيل: معناه لم يأخذ، وهذا توجيه حسن، ويكون التشبيه واقعًا على الآخذ لا على المأخوذ منه، وأحسن منه أن المراد بالعلم المعلوم، انتهى ملخصًا من \"الفتح\" (^٣).\n\n(٤٥ -<span data-type='title' id=toc-273> باب من سأل وهو قائم. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٤): هذا الباب والذي بعده ردٌّ لما عسى أن يتوهم عدم جواز المسألة في تينك الحالتين لما فيهما من سوء أدب، ووجه الدفع أن الضرورات تبيح المحظورات، فلو انتظر السائل عن المناسك قعوده - ﷺ - وفراغه عن شغله لفات الوقت، وأيضًا ففيه دلالة على أن للسائل أن يسأل عن المسألة حين اشتغال المفتي بشيء من الطاعات التي لا ينافيها الكلام، وأما ما ينافيه الكلام كالصلاة فلا، انتهى.\nوفي هامشه: ما أفاده الشيخ واضح.\nوقال الحافظ (^٥): المراد أن العالم الجالس إذا سأله شخص قائم\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٢٢٠).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٢/ ٧٨).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١/ ٢٢٠).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٢/ ٨٠).\n(^٥) \"فتح الباري\" (١/ ٢٢٢).","vol":"2","page":495},{"text":"لا يعد من باب من أحب أن يتمثل له الرجال قيامًا، بل هو جائز بشرط الأمن من الإعجاب، انتهى.\nوفي \"تراجم شيخ الهند\": أن الغرض بيان جواز ذلك تنبيهًا على أن ما تقدم من \"باب من برك على ركبتيه. . .\" إلخ، ليس على الوجوب، انتهى.\n\n(٤٦ -<span data-type='title' id=toc-274> باب السؤال والفتيا. . .) إلخ</span>\nتقدم ما كتب الشيخ في \"اللامع\" في الباب السابق.\nوقال الحافظ (^١): يعني: أن اشتغال العالم بالطاعات لا يمنع من سؤاله عن العلم ما لم يكن مستغرقًا فيها، وأن الكلام في الرمي وغيره من المناسك جائز، انتهى.\nقلت: هذا الثاني يناسب ما سيأتي في \"كتاب الحج\" \"باب الفتيا على الدابة عند الجمرة\"؛ لأن المسألة على هذا التوجيه صارت من مسائل المناسك فصارت أنسب بكتاب الحج.\nقال الحافظ: وفيه دفع توهم أيضًا أن في السؤال والجواب عند الجمرة تضييقًا على الرامين، لكن يستثنى من المنع ما إذا كان السؤال متعلقًا بحكم تلك العبادة، انتهى.\nوفي \"تراجم شيخ الهند\": لا يخفى أن ذلك الوقت وقت الاشتغال بمناسك الحج، فعلم أن عند الضرورة لا بأس في السؤال والجواب في هذه المشاغل أيضًا، وعلم أيضًا أنه لا حرج في السؤال والجواب قائمًا، انتهى.\nقوله: (عند رمي الجمار) ليس في الحديث إلا عند الجمرة، إلا أنه أعم من أن يكون حال الرمي وغيره، كذا في \"العيني\" (^٢).\nقال الحافظ: والمصنف يستدل غالبًا بالعموم، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٢٢٣).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٢/ ٢٧٩).","vol":"2","page":496},{"text":"(٤٧ -<span data-type='title' id=toc-275> باب قوله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إلا قَلِيلًا﴾)</span>\nقال العيني (^١): أراد بهذا الباب التنبيه على أن من العلم أشياء لم يطلع الله عليها نبيًّا ولا غيره، وروي \"أن رسول الله - ﷺ - لما قال لهم ذلك قالوا: نحن مختصون بهذا الخطاب أم أنت معنا فيه؟ فقال: بل نحن وأنتم لم نؤت من العلم إلا قليلًا\" الحديث، وعلى هذا فمقصود الترجمة نفي علم الغيب الكلي عن غيره تعالى، وهو واضح.\nوفي \"تراجم شيخ الهند\": الغرض التنبيه على أن الرجل وإن كان من أكابر العلماء ينبغي له أن يعدّ علمه قليلًا ناقصًا؛ لأن جميع علوم الناس كلهم لما كانت قليلةً فما ظنك بعلم كل واحد من الناس، وثمرة ذلك غاية التواضع والتحرز عن الإجابة بنفسه، انتهى ما في هامش \"اللامع\" (^٢).\nومما يجب التنبيه عليه الفرق بين هذه الترجمة وبين ما تقدم من \"باب ما يستحب للعالم إذا سئل. . .\" إلخ، إذ أفاد شيخ الهند في \"تراجمه\" في غرض الترجمتين معًا التواضع للعلماء، وما يظهر من روايات الترجمتين أن غرض الترجمة الأولى هو التواضع للعلماء، وأنه لا ينبغي لعالم أن يظن بنفسه أنه أعلم الناس ولو كان واقعًا في نفسه كذلك؛ كالرسل في مقابلة أمتهم وهو التواضع بداهة، وأما غرض هذه الترجمة هو قلة علم المخلوقات حتى الأنبياء والرسل أيضًا بمقابلة علم الله تعالى، وهو قطعي، فالفرق بين الترجمتين واضح.\nقوله: (﴿قُلِ الرُّوحُ. . .﴾ إلخ)، بسط الحافظ (^٣) في \"باب قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ﴾ الآية [النحل: ٤٠] \" في المراد بالروح المسؤول عنه، ورجح أنه لم يقع في القرآن تسميتها روحًا، بل سماها نفسًا، وذكر الآيات في ذلك، وقال صاحب \"الفيض\" (^٤): وادعى الحافظ ابن القيم أن المراد في\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٢/ ٢٨٠).\n(^٢) انظر: \"لامع الدراري\" (٢/ ٨٠).\n(^٣) انظر: \"فتح الباري\" (١٣/ ٤٤٣)، وانظر: (٨/ ٤٠٢).\n(^٤) \"فيض الباري\" (١/ ٢٢٢).","vol":"2","page":497},{"text":"الآية المعنى الأول، يعني: غير الروح الإنساني، ومال صاحب \"الفيض\" إلى أن المراد في الآية هو المعنى الثاني، أي: المدبر للبدن، إلى آخر ما بسطه، وسيأتي البحث عن عالم الأمر وعالم الخلق في آخر الكتاب في \"باب قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ﴾ الآية\" وذكر هناك في هامش \"اللامع\" (^١) بينهما أكثر من اثني عشر فرقًا.\n\n(٤٨ -<span data-type='title' id=toc-276> باب من ترك بعض الاختيار)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): عم الحكم مع أن الرواية الآتية مصرِّحة بترك الفعل دون القول إشارةً منه إلى أنه لا فرق بينهما في ذلك، فله أن يترك بعض المستحبات والسنن إذا خاف فتنة فكيف بالمباحات، وفيه دلالة على ترك التقليد الغير الشخصي في وقتنا هذا مع جوازه في الأصل، انتهى.\nوفي هامشه: قوله: عم الحكم، يعني: عمم الإمام البخاري الترجمة عن القول والفعل، ولذا فسَّرها جميع الشرَّاح بالعموم إذ قالوا: أراد بالاختيار المختار، والمعنى من ترك فعل الشيء أو الإعلام به، انتهى.\nإلا أنهم رجحوا كون هذه الترجمة في الأفعال حين الفرق بالترجمة الآتية، فقالوا فيها: إن الترجمتين متقاربتان غير أن الأولى في الإفعال، وهذه في الأقوال، كذا في \"العيني\" (^٣).\nوقال الحافظ (^٤) - وتبعه القسطلاني -[في الترجمة الآتية]: هذه قريبة من الترجمة التي قبلها، لكن هذه في الأقوال وتلك في الأفعال أو فيهما، انتهى.\nوفرَّق بينهما صاحب \"فيض الباري\" بوجه آخر فقال (^٥): فكان الباب\n_________\n(^١) انظر: \"لامع الدراري\" (١٠/ ٣٨٦).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٢/ ٨١).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٢/ ٢٨٨).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١/ ٢٢٥)، \"إرشاد الساري\" (١/ ٣٨٨).\n(^٥) \"فيض الباري\" (١/ ٢٢٢).","vol":"2","page":498},{"text":"الأول في الفرق بين الفطن الذكي والبليد الغبي، وهذا الباب في الفرق بين الشريف والوضيع، انتهى.\nقلت: ويشكل عليه أن الشرَّاح صرحوا بأن دون ليس بمعنى الأدون بل بمعنى سوى كما في \"الفتح\" (^١) وغيره.\nوالأوجه عندي: أن الفرق بين الترجمتين واضح، وهو أن الغرض من الأولى ترك بعض الأقوال أو الأفعال المختارة لقصور فهم بعض الرجال عنه غير الغرض من الثانية، وهو جواز تخصيص بعض الطلبة الأذكياء في الدرس، وأنه غير داخل في كتمان العلم، ولا في كون العلم سرًّا ولا في منع العلم.\nوكتب شيخ الهند في الترجمة الأولى: يعني: لو خيف ابتلاء قاصر الفهم بإظهار الأمر المختار في مضرة هي أضر من ترك الأمر المختار، فينبغي للعلماء أن يتركوا ذلك الأمر المختار.\nوكتب في الترجمة الثانية: أن غرض الترجمة ظاهر، وهو أن مراعاة المخاطبين في التعليم والتبليغ لازم للعلماء، فلا ينبغي أن يذكر عندهم ما لا يفهمه المخاطب، وقول المرتضى كرم الله وجهه دليل صريح على ذلك، انتهى.\nوالأوجه عندي: أن قول المرتضى - ﵁ - أيضًا يؤيد ما قلته من أنه لا ينبغي عند الأغبياء كلام لا يدركه أفهامهم، فلا بأس على هذا أن يمنعهم عن الحضور في الدرس.\nقوله: (كانت تسر إليك) في \"تقرير المكي\" (^٢): كانت عائشة تخص الأسود ببعض العلم لزيادة فهمه على فهم ابن الزبير مع أنه كان ابن اختها وأسود كان تلميذًا محضًا، انتهى.\nقوله: (بكفر) أي: بادر ابن الزبير بهذا اللفظ فقط، أو أكمل الحديث بتمامه، قولان عن الشراح.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٢٢٥).\n(^٢) انظر: \"لامع الدراري\" (٢/ ٨١).","vol":"2","page":499},{"text":"(٤٩ -<span data-type='title' id=toc-277> باب من خص بالعلم قومًا. . .) إلخ</span>\nتقدم الكلام عليه في الباب السابق.\n\n(٥٠ -<span data-type='title' id=toc-278> باب الحياء في العلم)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): الترجمة في قوله: \"لأن تكون قلتها أحب إليّ\"، حيث أنكر عليه عمر - ﵁ - استحياءه ولم يرض به منه، انتهى.\nوفي هامشه: اختلفوا في مقصود المصنف بهذا الباب، وظاهر كلام الشيخ أن الغرض ترك الحياء في العلم، وعليه حمله عامة الشرَّاح، قال السندي (^٢): أي: لا ينبغي، ومثله لا يسمى حياءً شرعًا، بل ضعفًا فلا ينافي الحياء من الإيمان، وإليه ميل الحافظ (^٣)، وإليه مال شيخ المشايخ في \"تراجمه\" (^٤) إذ قال: ثبت بحديث الباب عدم الحياء في العلم، وحسَّنه أيضًا ثابت بما تقرر في بعض طرق الحديث أن أمهات المؤمنين عبن أم سليم لأجل هذا السؤال، فمنعهن رسول الله - ﷺ - عن ذلك، انتهى.\nومال العيني وتبعه صاحب \"فيض الباري\" (^٥): أن المقصود من الترجمة التفصيل، وهو أن الحياء مطلوب في موضع، وتركه مطلوب في موضع، فالأول أشار إليه بحديث أم سلمة وحديث ابن عمر، والثاني أشار إليه بالأثر المروي عن مجاهد وعائشة.\nوسلك شيخ الهند في \"تراجمه\" مسلكا ثالثًا فقال: أطلق الإمام الترجمة ولم يحكم عليها بحكم، وظاهرها عدم الاستحباب كما صرَّح به الأعلام، ويؤيده قول مجاهد وعائشة، لكن النظر الدقيق يؤدي إلى أن عند\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٢/ ٨٣).\n(^٢) \"حاشية السندي على صحيح البخاري\" (١/ ٣٧).\n(^٣) انظر: \"فتح الباري\" (١/ ٢٢٩).\n(^٤) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٥٩).\n(^٥) انظر: \"عمدة القاري\" (٢/ ٢٩٦)، و\"فيض الباري\" (١/ ٢٢٧).","vol":"2","page":500},{"text":"المصنف فيه تفصيلًا، ولذا لم يعيِّن الحكم بل أشار إليه بإشارات لطيفة، وهي أن المصنف ينبّه على أن قوله: \"إن الله لا يستحيي من الحق\" حق لا مراء فيه، لكن معناه أنه لا ينبغي أن يترك له التفقه، وليس الغرض أن لا يستحيي في العلم بل ينبغي له إهمال الحياء في التعلم، وهذا هو الغرض الأصلي من الترجمة، ويدل عليه حديث أم سليم، فإن فيه تنبيهات من غط الوجه وغيره، ويشير إليه قوله - ﷺ -: \"تربت يداك\"، ولذا عقد بعد ذلك \"باب من استحيى فأمر غيره. . .\" إلخ، تنبيهًا على أنه لا بأس في ترك السؤال لأجل الحياء، أما حديث ابن عمر - ﵄ - فدلالته على الترجمة خفية، والحق أنه أيضًا يدل على ما قلنا، فإن سكوته للحياء كان مستحسنًا، وقول عمر - ﵁ - ليس بنكير عليه بل هو إظهار لمسرته، انتهى ملخصًا من هامش \"اللامع\".\n\n(٥١ -<span data-type='title' id=toc-279> باب من استحيا فأمر غيره. . .) إلخ</span>\nتقدم ما قال شيخ الهند في \"تراجمه\"، وقال شيخ المشايخ في \"تراجمه\" (^١): قوله: \"باب من استحيا. . .\" إلخ، أي: هو جائز لحصول أصل الغرض من السؤال، انتهى.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): يعني: أن الذي ذكر أولًا من كراهة الحياء في المسألة حيث خاف الفوت في الاستحياء، فأما إذا حصل المقصود مع ملازمة الحياء فلا كراهة فإن الحياء خير كله، انتهى.\nوفي هامشه: مقصود الترجمة واضح كما أفاده الشيخ، ولا يذهب عليك ما في حديث الباب من قوله: \"فأمرت المقداد\" الحديث، الروايات في ذلك مختلفة ففي بعضها نسبة السؤال إلى نفسه إذ قال: فسألت رسول الله - ﷺ -، وفي بعضها إلى المقداد كما في حديث الباب، وفي أخرى إلى عمار كما في حديث النسائي وغيره، ولم يتعرض عنه الشيخ ولا عن\n_________\n(^١) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٦٠).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٢/ ٨٤).","vol":"2","page":501},{"text":"أكثر أمثال هذه المباحث الحديثية والفقهية؛ لأنه درس أولًا \"سنن الترمذي\"، وثنّى بـ \"سنن أبو داود\"، وثَلّث بـ \"جامع البخاري\" فأكثر المباحث المتعلقة بالحديث والفقه تقدمت في تقرير الترمذي المطبوع باسم \"الكوكب الدري\" (^١)، وكذلك في تقرير أبي داود ولم يطبع بعد، وسميته بـ \"الدر المنضود على سنن أبو داود\"، وفق الله أحدًا بطبعه، وذكر فيهما الكلام على أن السائل علي بنفسه أو عمار أو مقداد، وبسط الكلام على ذلك في \"الأوجز\" (^٢).\n\n(٥٢ -<span data-type='title' id=toc-280> باب ذكر العلم. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): ذكره دفعًا لما يتوهم أن رفع الصوت في المسجد لما كان منهيًّا عنه حتى إن العلماء كرهوا الجهر بالذكر إذا كان فيه ضرر بالمصلين، فأولى أن لا يجوز الفتيا فيه إذ لا يخلو عن رفع الصوت عادةً، فدفعه بأن كراهة رفع الصوت [إنما هو إذا] جاوز الحد المعتاد وأن رفع الصوت بالعلم جائز حيث ذكر النبي - ﷺ - في المسجد مواقيت الإحرام، ولولا أنه رفع بها صوته لما سمعه ابن عمر، لا يقال: إنه كان قريبًا منه إذ لو كان كذلك لما أبهم عليه لفظ يلملم، انتهى.\nوفي هامشه: قال الحافظ (^٤): أشار بهذه الترجمة إلى الرد على من توقف فيه لما يقع في المباحثة من رفع الأصوات فنبَّه على الجواز، انتهى.\nوفي \"تراجم شيخ الهند\": أن في الإفتاء والقضاء والتعليم في المساجد كان مظنة الكراهة كما يشير إليها كلام بعض المشايخ، وعند المصنف توسع في ذلك كله، فأشار إلى التوسع في كتابي العلم والقضاء انتهى.\n_________\n(^١) \"الكوكب الدري\" (١/ ١٤٦).\n(^٢) \"أوجز المسالك\" (١/ ٤٧٢).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٢/ ٨٥).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١/ ٢٣٠).","vol":"2","page":502},{"text":"ولا يذهب عليك أن رسالة \"تراجم شيخ الهند\" قُدِّس سرُّه انتهت إلى هذا الباب، والأسف على أنه - ﵀ - لم يتمكن من تكميلها لأمراض وأشغال حدثت له في آخر عمره الشريف نوَّر الله مرقده وبرَّد مضجعه، هكذا في هامش \"اللامع\"، ولم يكن اللامع عندي في المدينة المنورة عند بدء استماع هذه التراجم، فأمرت عزيزي الحاج المولوي عبد الحفيظ المكي بتعريب هذه التراجم، وأمليت في آخر تعريبه:\nقد وقع الفراغ من تعريبه واستماعه لهذا العبد الضعيف المبتلى بالسيئات، المحتاج إلى رحمة ربه العليا، المدعو بزكريا بن يحيى بتعريب الأعز المحترم الحاج المولوي عبد الحفيظ المكي أذاقه الله من شراب حبه، بعد العصر يوم الثلاثاء السادس عشر من الشهر المبارك أول الربيعين تحت أقدام النبي - ﷺ - بالمسجد النبوي في البلدة المباركة المدينة المنورة زادها الله شرفًا وكرامة وبهجة، وصلى الله ﵎ على خير خلقه سيدنا ونبينا ومولانا محمد النبي الأمي نبي الرحمة وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم القيامة.\n\n(٥٣ -<span data-type='title' id=toc-281> باب من أجاب السائل. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): لما كان الامتناع عن الفضول والإقبال عمَّن لا يقبل على حديثك قد أكد في الروايات توهم بذلك أن الزيادة في الجواب داخلة فيه، فدفعه أنه مندوب لما أمرنا بإشاعة العلم، ودلالة الرواية على ما في الترجمة ظاهرة، فإن السائل إنما سأله عمَّا يلبسه فأجيب بما يلبسه وبما يتركه، وعن النعلين والخفين إذا لم يجد النعلين، انتهى.\nوفي هامشه: قال ابن المنيِّر: موقع هذه الترجمة التنبيه على أن مطابقة الجواب للسؤال غير لازم، بل إذا كان السبب خاصًا والجواب عامًا جاز،\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٢/ ٨٦).","vol":"2","page":503},{"text":"وحمل الحكم على عموم اللفظ لا خصوص السبب؛ لأنه جواب وزيادة فائدة، وأما ما وقع في كلام كثير من الأصوليين: أن الجواب يجب أن يكون مطابقًا للسؤال، فليس المراد بالمطابقة عدم الزيادة، بل المراد أن يكون الجواب مفيدًا للحكم المسؤول عنه، قاله ابن دقيق العيد، قال ابن رشد (^١): ختم البخاري \"كتاب العلم\" بـ \"باب من أجاب السائل بأكثر مما سأل عنه: إشارة إلى أنه بلغ الغاية في الجواب عملًا بالنصيحة واعتمادًا على النية الصحيحة، كذا في \"الفتح\" (^٢).\nولا يذهب عليك ما تقدم في المقدمة في جملة خصائص البخاري ما أفاده الحافظ ابن حجر من أن الإمام يشير في آخر كل كتاب إلى ختمة الكتاب، وذكرت هناك أن الظاهر عند هذا الفقير أنه رضي الله تعالى عنه يشير إلى خاتمة الإنسان فيذكره موته، وتقدمت الإشارة إلى هذا الاختلاف بين هذا المبتلى بالسيئات وبين الإمام الحافظ ابن حجر في آخر كتاب الوحي أيضًا، فبراعة الاختتام ههنا عند الحافظ في قوله: \"وليقطعهما حتى يكونا تحت الكعبين\"، كما صرَّح بذلك في آخر \"الفتح\"، والبراعة عندي في لباس المحرم، فإنه يذكر ويشبه أكفان الموتى، انتهى من هامش \"اللامع\".\n* * *\n_________\n(^١) هكذا في النسخ الموجودة عندنا من \"الفتح\"، والظاهر \"ابن رشيد\": (ز).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٢٣١).","vol":"2","page":504},{"text":"٤ -<span data-type='title' id=toc-282> كتاب الوضوء</span>\nوفي نسخة: الطهارة، وهو الأولى، قاله العيني.\nوالمراد ذكر أحكامه وشرائطه ومقدماته، كذا في \"الفتح\" (^١).\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-283> باب في الوضوء وما جاء. . .) إلخ</span>\nوفي نسخة: \"باب الوضوء وما جاء. . .\" إلخ.\nقال الحافظ (^٢): الوضوء بالضم الفعل، وبالفتح الماء الذي يتوضأ به على المشهور فيهما، وحكي في كل منهما الأمران، انتهى.\nوأشار الإمام البخاري بقوله: \"ما جاء\" إلى اختلاف السلف في معنى الآية، فقال الأكثرون: التقدير إذا قمتم إلى الصلاة محدثين، وقال الآخرون: الأمر على عمومه إلا أنه في حق المحدث وجوب، وفي غير ندب، وقال بعضهم: كان الإيجاب أولًا ثم نسخ لحديث أحمد وأبي داود أنه ﵊ أمر بالوضوء لكل صلاة، فلما شق عليه أمر بالسواك، انتهى من \"الفتح\".\nقلت: ويحتمل أنه إشارة إلى موجب الوضوء، واختلفوا فيه، قيل: الحدث موسعًا، وقيل: هو مع القيام إلى الصلاة، ورجحه جماعة من الشافعية، وقيل: القيام إلى الصلاة وغير ذلك من الأقوال، ولا يشكل عليه أنه سيأتي قريبًا في \"باب من لم ير الوضوء إلا من المخرجين\"؛ لأنه اختلاف آخر كما سيأتي، ويحتمل أنه إشارة إلى اختلاف مبدء الوضوء، فقيل: فرض بالمدينة؛ لأن آية الوضوء مدنية، وقيل: فرض بمكة،\n_________\n(^١) انظر: \"عمدة القاري\" (٢/ ٣١٨)، و\"فتح الباري\" (١/ ٢٣٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٢٣٢).","vol":"2","page":505},{"text":"ولا ينكر وجود الوضوء قبل الهجرة، ومن أنكر الوجوب حمله على الندب.\nقوله: (قال أبو عبد الله: وبيّن - ﵇ -. . .) إلخ، كما سيأتي في أبواب مستقلًّا، والغرض أن قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا﴾ الآية، مطلق عن العدد، وبيَّن ﵊ أن أقلّه واحد وأكثره ثلاث، كذا في \"العيني\" (^١).\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): هذا مع أنه لو لم يبين لكان الأمر أيضًا كذلك؛ لأن الأمر لا يقتضي التكرار، فليس غرضه أن شرعية الإفراد على سبيل الفرض إنما علمت بالسُّنَّة، بل غرضه أن الإفراد ثابت بالسُّنَّة أيضًا كما كان ثابتًا بالكتاب، انتهى.\nوفي \"النور الساري\": والمصنف جعل الآية ترجمة الباب ولم يجئ بالحديث المسند ههنا لما أن جميع ما في الوضوء ليس بخارج من هذه الآية بل كله داخل فيها، فهذا الباب كأنه رأس الأبواب، انتهى.\nوقال العيني (^٣): فإن قلت: المذكور في هذا الباب كله ترجمة، فأين الحديث؟\nقلت: لا نسلم ذلك؛ لأن قوله: \"وبيّن النبي ﵊. . .\" إلخ حديث؛ لأن المراد من الحديث أعم من أقوال الرسول - ﷺ -، غاية ما في الباب أنه ذكره على سبيل التعليق، وكذا قوله: \"وتوضأ أيضًا مرتين مرتين\" حديث، لما ذكرنا، ولا شك أن كلًّا منهما بيان للسُّنَّة وهو المقصود من الباب، وهذا الذي ذكرناه على ما وجد في بعض النسخ من ذكر لفظ باب ههنا، وأما على بعض النسخ التي ليس فيها ذكر لفظ باب، فلا يحتاج إلى هذا التكلف، انتهى.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٢/ ٣٤١).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٢/ ٨٨).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٢/ ٣٤٤).","vol":"2","page":506},{"text":"(٢ -<span data-type='title' id=toc-284> باب لا تقبل صلاة بغير طهور)</span>\nالظاهر أن الغرض من الترجمة بيان فرضية الوضوء أو كونه شرطًا.\nوفي هامش \"اللامع\" (^١): قال الحافظ (^٢): هذه الترجمة لفظ حديث رواه مسلم وغيره، وله طرق كثيرة لكن ليس فيها شيء على شرط البخاري، فلذا اقتصر على ذكره في الترجمة، وأورد في الباب ما يقوم مقامه، انتهى.\nقلت: وهذا أصل مطَّرد من أصول التراجم المذكورة في المقدمة، وهو الأصل الأول منها، ثم لم يتكلم الشيخ في \"اللامع\" على بحث القبول بشيء؛ لأنه أطنب الكلام عليه في أول \"الترمذي\" كما تقدم في \"الكوكب الدري\" (^٣).\nقوله: (ما الحدث؟) لما كان لفظ الحدث مشتركًا بين الحدث المقابل للطهارة وبينه بمعنى إحداث أمر التبس الأمر عليه، فسأله لتعيين أحد محتمليه، فبيَّن المعنى الأول ببيان بعض أفراده ولم يستوف الأقسام لحصول المطلوب بدونه، كذا في \"اللامع\" (^٤).\nوفي هامشه: لله در الشيخ ما أجاد في لفظ واحد، فإنه دفع في ذلك إيراد مشهورًا وارادًا على أبي هريرة في أنه كيف اقتصر على بعض الأحداث دون بعض، وحاصل ما أفاده الشيخ أن أبا هريرة لم يرد إذ ذاك بيان الحداث حتى يرد عليه ما أورده، بل أراد تعيين أحد محتملات اللفظ فقد حصل، إلى آخر ما بسط في هامش \"اللامع\" من كلام الحافظ والخطابي والعيني (^٥) وغيرهم.\nوفي \"تراجم (^٦) شيخ المشايخ\": قوله: فساء أو ضراط. . . إلخ، حصر أبو هريرة الحدث بهذين حصرًا إضافيًا بالنسبة إلى ما زعم السائل\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٢/ ٨٩).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٢٣٤).\n(^٣) \"الكوكب الدري\" (١/ ٢٨).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٢/ ٩٠).\n(^٥) انظر: \"عمدة القاري\" (٢/ ٣٤٧)، و\"فتح الباري\" (١/ ٢٣٥).\n(^٦) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٦٢).","vol":"2","page":507},{"text":"إدخاله في الحدث من توهم خروج الشيء، وكون غير الفساء والضراط مما يخرج من السبيلين حدثًا ناقضًا للوضوء كان معلومًا للسائل ظاهرًا عنده ثابتًا بنص القرآن، فافهم، انتهى.\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-285> باب فضل الوضوء والغرّ المحجّلون)</span>\nكذا في أكثر الروايات بالرفع، وهو على سبيل الحكاية، أو الواو استئنافية، \"والغر المحجلون\" مبتدأ والخبر محذوف، أي: لهم فضل، أو الخبر قوله: \"من آثار الوضوء\" أي: منشأهم آثار الوضوء، وفي رواية: \"الغر المحجلين\" بالجر وهو ظاهر، انتهى من \"الفتح\" بزيادة من \"العيني\" (^١).\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): الظاهر أن الاختصاص كرامة من الله منةً على هذه الأمة وإن كان الوضوء فيهم أيضًا.\nوفي هامشه: يعني: أن الخصيصة كونهم غرًّا محجلين، وليس المعنى أن للوضوء خصيصة لهم كما توهم الحليمي؛ لأنه ثبت عند المصنف في قصة سارة مع الملك أنه لما همّ بها قامت تتوضأ، الحديث (^٣)، وفي قصة جريج الراهب أيضًا أنه توضأ وصلى، وقد صرح بذلك في رواية مسلم (^٤) عن أبي هريرة مرفوعًا: \"قال: سيما ليست لأحد غيركم\"، انتهى مختصرًا.\n\n(٤ -<span data-type='title' id=toc-286> باب لا يتوضأ من الشك)</span>\nقال السندي (^٥): أي: لا يلزمه الوضوء لا أنه لا ينبغي له أن يتوضأ، نعم إذا كان في الصلاة فيما ينبغي له إفساد الصلاة كما هو مقتضى الحديث، انتهى.\n_________\n(^١) انظر: \"عمدة القاري\" (٢/ ٣٤٨)، و\"فتح الباري\" (١/ ٢٣٥).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٢/ ٩١).\n(^٣) \"صحيح البخاري\" (ح: ٢٢١٧).\n(^٤) \"صحيح مسلم\" (ح: ٢٤٧).\n(^٥) \"حاشية السندي علي صحيح البخاري\" (١/ ٣٨).","vol":"2","page":508},{"text":"قلت: وغرض الترجمة ظاهر، ويمكن أن يكون إشارة إلى رد قول المالكية إذ خصوا الحكم بداخل الصلاة وقالوا: لا يدخل في الصلاة بوضوء مشكوك، والمسألة خلافية.\nففي هامشي على \"البذل\" (^١): قال الموفق (^٢): من تيقن في الطهارة ثم شك في الحدث أو العكس فهو على ما تيقن، بهذا قال سائر أهل العلم فيما علمنا إلا الحسن قال: إن كان قبل الدخول في الصلاة لا يدخل فيها مع الشك، وإن كان في الصلاة مضى فيها، وقال مالك: إن كان يستنكحه كثيرًا فهو على وضوئه وإلّا فلا يدخل في الصلاة مع الشك، وقال ابن رسلان: المشهور عن مالك النقض مطلقًا، وروي عنه النقض خارج الصلاة، وروي عنه مثل الجمهور أنه لا وضوء عليه مطلقًا، انتهى.\nقلت: فهذه أربع روايات عن مالك، وذكر ابن العربي (^٣) خمسة أقوال وبسطه أشد البسط.\n\n(٥ -<span data-type='title' id=toc-287> باب التخفيف في الوضوء)</span>\nقال القسطلاني (^٤) تبعًا للحافظ والعيني: أي: جوازه، انتهى.\nوالأوجه عندي أنه أشار إلى أن الإسباغ ليس بواجب، أو الدلك ليس بواجب، أو يقال: إن للوضوء مرتبتين: أقلها وأكملها، فأشار إلى الأول بهذا الباب، وإلى الثاني بالباب الآتي كما سيأتي.\nقوله: (يخففه عمرو ويقلله) والفرق بينهما أن التخفيف يقابله التثقيل، وهو من باب الكيف، والتقليل يقابله التكثير، وهو من باب الكم، وقال ابن بطال: يريد بالتخفيف تمام غسل الأعضاء دون التكثير من إمرار اليد،\n_________\n(^١) \"بذل المجهود\" (٢/ ٣٣).\n(^٢) \"المغني\" (١/ ٢٦٢).\n(^٣) انظر: \"عارضة الأحوذي\" (١/ ١٠٠).\n(^٤) انظر: \"إرشاد الساري\" (١/ ٤٠٨)، و\"فتح الباري\" (١/ ٢٣٩)، و\"عمدة القاري\" (٢/ ٣٦٠).","vol":"2","page":509},{"text":"وقال ابن المنيِّر: يخففه، أي: لا يكثر الدلك، ويقلله، أي: لا يزيد على مرة مرة، انتهى من \"العيني\" (^١).\nقوله: (رؤيا الأنبياء وحي) فهو دليل على ما تقدم من أنه لا ينام قلبه، واستدل لإثباته بالآية بأنه لم يكن وحيًا كيف يجوز ذبحه بالرؤيا؟\n\n(٦ -<span data-type='title' id=toc-288> باب إسباغ الوضوء)</span>\nوهو إبلاغه مواضعه وإيفاء كل عضو حقه.\nوفي \"تراجم (^٢) شيخ المشايخ\": الإسباغ الإكمال، وهو في الوضوء على أقسام: الاستيعاب وهو فرض، والتثليث وإطالة الغرة والتحجيل والإنقاء، أي: إزالة الدرن بالدلك وهذه سنن ومستحبات وآداب، انتهى.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): دفع به ما يتوهم من الباب السابق أن التخفيف هو الأولى، ومعنى قوله: الإسباغ هو الإنقاء، أن الإكمال ههنا ليس في الكم على المحدود شرعًا ولا المرات، وإنما المراد إكمال كيفيته حتى يحصل الإنقاء، انتهى.\nوفي هامشه: ولا يبعد أن يقال: إن المصنف نبَّه بهذين البابين على طرفي الوضوء، فأدناه التخفيف وأعلاه الإسباغ، انتهى.\n\n(٧ -<span data-type='title' id=toc-289> باب غسل الوجه باليدين. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٤): قوله: ثم أخذ غرفة من ماء. . . إلخ، يعني: أن الماء لا يأخذ إلا مقدار غرفة واحدة بيد واحدة ولكنه يغسل باليدين معًا لئلا يضيع الماء؛ ولأنه باليدين أقدر منه على الغسل بيد واحدة، انتهى.\n_________\n(^١) انظر: \"عمدة القاري\" (٢/ ٣٦٣).\n(^٢) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٦٤).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٢/ ٩٢).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٢/ ٩٣).","vol":"2","page":510},{"text":"وفي هامشه: قال الحافظ (^١): مراد المصنف بالترجمة التنبيه على عدم اشتراط الاغتراف باليدين جميعًا، والإشارة إلى تضعيف الحديث الذي فيه أنه - ﷺ - كان يغسل وجهه بيمينه، وجمع الحليمي بينهما بأن هذا حيث كان يتوضأ من إناء يصب منه بيساره على يمينه، والآخر حيث كان يغترف، لكن سياق الحديث يأباه؛ لأن فيه أنه بعد أن تناول الماء بإحدى يديه أضافه إلى الأخرى وغسل بهما، انتهى.\nوأنت ترى أن ما أفاده الشيخ لا يرد عليه ما أورده الحافظ على الحليمي؛ ولا يبقى التعارض بين الروايتين أيضًا؛ لأنه - ﷺ - إذا أخذ الماء في اليمين وغسل به وجهه فكأنه غسله بيمينه، واليسار كان معينًا لليمين لحفظ الماء والإسباغ على الوجه، انتهى.\nقلت: وسيأتي قريبًا أن أبواب الوضوء كلها متناسبة بعضها ببعض إلا أن المناسبة بينهما دقيقة يحتاج إلى التدبر والفهم الثاقب، وهذا الباب عندي تكملة للباب السابق، فإن الرجل يحتاج في الإسباغ والإكمال إلى الاستعانة باليدين، ويؤيده ما قال الحافظ في فوائد الحديث: وفيه غسل الوجه باليدين جميعًا إذا كان بغرفة واحدة؛ لأن اليد الواحدة قد لا يستوعبه، انتهى.\n\n(٨ -<span data-type='title' id=toc-290> باب التسمية على كل حال. . .) إلخ</span>\nعطف الجماع عليه من عطف الخاص على العام للاهتمام به، وليس العموم ظاهرًا من الحديث الذي أورده، لكن يستفاد من باب الأولى؛ لأنه إذا شرع في حالة الجماع وهي مما أمر فيه بالصمت فغيره أولى، وفيه إشارة إلى تضعيف ما ورد من كراهة ذكر الله في حالين: الخلاء والوقاع، لكن على تقدير صحته لا ينافي حديث الباب؛ لأنه يحمل على حال إرادة الجماع، انتهى (^٢).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٢٤١).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (١/ ٢٤٢).","vol":"2","page":511},{"text":"ويشكل ذكر التسمية ههنا، وقد أجيب عنه وعن مثل أنواعه في هامش \"اللامع\" (^١) مفصلًا لا بد من ذكره ههنا؛ لأنه كله مما يتعلق بالتراجم، ولفظه: اعلم أن الشرَّاح قاطبة اختلفوا في شأن الإمام البخاري في ذكر هذه التراجم المختلفة، فمن ناقد عليه ومن مثبت له بدقة النظر، وأنا أيضًا في الثاني كما سترى إن شاء الله تعالى في التراجم الآتية.\nقال الكرماني (^٢) في هذا الباب: فإن قلت: ما وجه الترتيب الذي لهذه الأبواب إذ التسمية إنما هي قبل غسل الوجه لا بعده، ثم إنَّ توسُّط أمر الخلاء بين أبواب الوضوء لا يناسب ما عليه الوجود؟\nقلت: البخاري لا يراعي حسن الترتيب، وجملة قصده إنما هو في نقل الحديث وما يتعلق بتصحيحه لا غيره، ونعم المقصد، انتهى.\nوقال الحافظ (^٣) في \"باب ما يقول عند الخلاء\": أشكل إدخال هذا الباب والأبواب التي بعده إلى \"باب الوضوء مرة مرة\"؛ لأنه شرع في أبواب الوضوء، فذكر منها فرضه وشرطه وفضيلته وجواز تخفيفه واستحباب إسباغه، ثم غسل الوجه، ثم التسمية؛ ولا أثر لتأخيرها عن غسل الوجه؛ لأن محلها مقارنة أول جزء منه، فتقديمها في الذكر عنه وتأخيرها سواء، لكن ذكر بعدها القول عند الخلاء، واستمر في ذكر ما يتعلق بالاستنجاء، ثم رجع فذكر الوضوء مرة مرة، وقد خفي وجه المناسبة على الكرماني، فذكر قول الكرماني المذكور.\nثم قال: وقد أبطل هذا الجواب في التفسير، فقال: لما ناقش البخاري في أشياء ذكرها من تفسير بعض الألفاظ بما معناه: لو ترك البخاري هذا لكان أولى؛ لأنه ليس من موضوع كتابه، وكذلك قال في مواضع أخر إذا لم يظهر له توجيه كلام البخاري، مع أن البخاري في جميع\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٢/ ٩٣ - ٩٩).\n(^٢) \"شرح الكرماني\" (٢/ ١٨٣).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١/ ٢٤٢، ٢٤٣).","vol":"2","page":512},{"text":"ما يورده من تفسير الغريب إنما ينقله عن أهل ذلك الفن؛ كأبي عبيدة والنضر بن شميل وغيرهما، وأما المباحث الفقهية فغالبها مستمد له من الشافعي وأبي عبيد وأمثالهما.\nوالعجب من دعوى الكرماني أنه لا يقصد تحسين الترتيب بين الأبواب، مع أنه لا يعرف لأحد من المصنفين على الأبواب من اعتنى بذلك غيره، حتى قال جمع من الأئمة: فقه البخاري في تراجمه، وقد أبديت في هذا الشرح من محاسنه وتدقيقه في ذلك ما لا خفاء به، وقد أمعنت النظر في هذا الموضع فوجدته في بادئ الرأي يظن الناظر فيه أنه لم يعتن بترتيبه كما قال الكرماني، لكنه اعتنى بترتيب كتاب الصلاة اعتناءً تامًا كما سأذكره هناك.\nوقد يتلمح أنه ذكر أولًا فرض الوضوء وأنه شرط لصحة الصلاة، ثم فضله وأنه لا يجب إلا مع التيقن، وأن الزيادة فيه على إيصال الماء [إلى العضو] ليس بشرط، وأن ما زاد على ذلك من الإسباغ فضل، ومن ذلك الاكتفاء في غسل بعض الأعضاء بغرفة واحدة، وأن التسمية مع أوله مشروعة كما يشرع الذكر عند دخول الخلاء فاستطرد من ههنا لآداب الاستنجاء وشرائطه، ثم رجع ليبيِّن أن واجب الوضوء المرة الواحدة وأن الثنتين والثلاث سُنَّة.\nثم ذكر سُنَّة الاستنثار وإشارةً إلى أن الابتداء بتنظيف البواطن قبل الظواهر، وورد الأمر بالاستجمار وترًا في حديث الاستنثار فترجم به؛ لأنه من جملة التنظيف، ثم رجع إلى حكم التخفيف فترجم بغسل القدمين لا بغسل الخفين إشارةً إلى أن التخفيف لا يكفي فيه المسح دون مسمَّى الغسل، ثم رجع إلى المضمضة؛ لأنها أخت الاستنشاق، ثم استدرك بغسل العقبين لئلا يظن أنهما لا يدخلان في مسمَّى القدم، وذكر غسل الرجلين في النعلين ردًا على من قصر في سياق الحديث المذكور فاقتصر على النعلين.\nثم ذكر فضل الابتداء باليمين، ومتى يجب طلب الماء للوضوء، ثم","vol":"2","page":513},{"text":"ذكر حكم الماء المستعمل وما يوجب الوضوء، ثم ذكر الاستعانة في الوضوء، ثم ما يمتنع على من كان على غير وضوء، واستمر على ذلك إذا ذكر شيئًا من أعضاء الوضوء استطرد منه إلى ما به تعلق لمن يمعن التأمل، إلى أن أكمل كتاب الوضوء على ذلك، وسلك في ترتيب الصلاة أسهل من هذا المسلك، فأورد أبوابها ظاهرة التناسب في الترتيب، فكأنه تفنن في ذلك، انتهى.\nوقال العيني في \"باب غسل الوجه باليدين\" (^١): إن قلت: ما وجه المناسبة بين البابين؟\nقلت: المناسبة بين البابين المذكورين وبين أكثر أبواب كتاب الوضوء غير ظاهرة، ولذلك قال الكرماني، فذكر قوله، ثم قال: لا نسلم أن جملة قصده نقل الحديث وما يتعلق بتصحيحه فقط، بل معظم قصده ذلك مع سرده في أبواب مخصوصة، ولذا بوَّب الأبواب على تراجم معينة، حتى وقع منه تكرار كثير لأجل ذلك، فإذا كان الأمر كذلك ينبغي أن تتطلب وجوه المناسبات بين الأبواب، وإن كانت غير ظاهرة بحسب الظاهر، فنقول: وجه المناسبة بين البابين المذكورين من حيث إن من جملة المذكور في الباب الأول بعض وصف وضوء النبي - ﷺ -، وفي هذا الباب أيضًا وصف وضوء النبي - ﷺ -، فإن ابن عباس لما توضأ قال: هكذا رأيت النبي - ﷺ - يتوضأ، فهذا المقدار من الوجه كاف على أن المناسبة العامة موجودة بين الأبواب كلها لكونها من واد واحد، ثم توجيه المناسبات الخاصة إنما يكون بقدر الإدراك، انتهى.\nوقال (^٢) أيضًا في موضع آخر رادًا على الكرماني: فالمتأمل إذا أمعن النظر عرف وجوه المناسبات بين الأبواب، وإن كان الوجه يوجد في بعضها ببعض التكلف، فنقول: ذكر عقب كتاب الوضوء ستة أبواب ليس فيها شيء\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٢/ ٣٧١).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٢/ ٣٧٧).","vol":"2","page":514},{"text":"من أوصاف الوضوء، وإنما هي كالمقدمات لها، ثم ذكر الباب السابع الذي فيه صفة الوضوء، وكان ينبغي أن يذكره بعد أبواب الاستنجاء في أثناء أبواب صفة الوضوء، ولكنه ذكره بعد الباب السادس بطريق الاستطراد، انتهى.\nوأنت ترى ما أبدى الحافظ من المناسبات أعمق مما ذكره العلامة العيني، ومن يمعن الفكر في هذه الأبواب يجد فيها مناسبات أدق مما ذكره الحافظ أيضًا، فالظاهر عند هذا الفقير أن المصنف ذكر هذا الباب بعد إسباغ الوضوء إشارةً إلى أنه يحتاج للإسباغ إلى معاونة اليدين، فكان هذا الباب عندي تكملة لباب الإسباغ المذكور قبل، وهكذا في جملة أبواب الوضوء ذكر الباب الظاهر فيه عدم المناسبة لمناسبة لطيفة لما قبله، على أنه لا يبعد أنه أشار بخلاف الترتيب في ذكر أبواب الوضوء وبالتفريق بين أبوابها على أن الترتيب والولاء ليسا بشرط في الوضوء، فتأمل فإنه إن شاء الله لطيف وخاطري أبو عذره.\nوهكذا في باب التسمية هذا لا يرد عندي ما أورده من أنه كان حقُّه أن يذكر قبل غسل الوجه؛ لأن باب غسل الوجه عندي تكملة لباب الإسباغ، ومن ههنا شرعت أبواب آداب الاستنجاء، فذكر أول أدبه التسمية، فأصل الغرض منه التسمية عند الخلاء، وإن ثبت منه التسمية على الوضوء أيضًا بالطريق الأولى، فكأن المصنف ذكر أولًا أبواب الوضوء إجمالًا من كونه فرضًا وندب الإسباغ وغيره، ثم ابتدأ بالخلاء؛ لأنه مقدم على الوضوء، وهكذا في الأبواب الآتية إلا أنه لما ذكر مسألة في محل لمناسبة لا يعيدها مرة أخرى لحصول المقصود بذكرها، ولذا لا يعيد غسل الوجه بعد ذلك، فتأمل وتشكر فإنه لطيف.\nثم الترجمة التي نحن بصددها، فالمشايخ والشرَّاح على أن المقصود منها التسمية على الوضوء، ثم أوردوا عليها أن حقَّها كان قبل غسل الوجه، وقد عرفت أن المقصود منها عندي التسمية عند الخلاء، ولذا قدَّمها على","vol":"2","page":515},{"text":"الأبواب الآتية، وكأنه أشار إلى حديث الترمذي عن علي مرفوعًا: \"ستر ما بين الجن وعورات بني آدم إذا دخل الكنيف أن يقول: بسم الله\" (^١) الحديث، قال العيني (^٢): إسناده صحيح، وإن كان أبو عيسى قال: إسناده ليس بقوي، انتهى.\nوهذا أصل مُطَّرد من أصول التراجم معروفة عند المشايخ، وأما على ما أفاده المشايخ والشراح ففي \"تراجم (^٣) شيخ المشايخ\": لما لم يكن الحديث الذي روي في \"باب التسمية قبل الوضوء\" من قوله - ﷺ -: \"من لم يسم لا وضوء له\" على شرط المؤلف لكون بعض رواته نساء مستورة الحال، أثبت سُنِّية التسمية للوضوء بالحديث الذي أورده في هذا الباب لدلالته على استحباب التسمية عند الوقاع الذي هو أبعد الأحوال عن ذكر الله على الوضوء بالطريق الأولى، انتهى.\nوأنت خبير بأن دلالة الحديث على التسمية عند الخلاء أشبه بالتسمية عند الوقاع من التسمية على الوضوء.\nقال الحافظ (^٤): قوله: \"عند الوقاع\" من عطف الخاص على العام للاهتمام به وليس العموم ظاهرًا من الحديث الذي أورده لكن يستفاد من باب الأولى؛ لأنه إذا شرع في حالة الجماع وهي مما أمر فيه بالصمت فغيره أولى، وفيه إشارة إلى تضعيف ما ورد من كراهة ذكر الله في حالين: الخلاء والوقاع، لكن على تقدير صحته لا ينافي حديث الباب؛ لأنه يحمل على إرادة الجماع، انتهى.\nوقال القسطلاني: قوله: \"الجماع\" من عطف الخاص على العام للاهتمام به، والحديث الذي ساقه شاهد للخاص لا العام، لكن لما كان\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٦٠٦).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٢/ ٣٨٦).\n(^٣) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٦٥).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١/ ٢٤٢).","vol":"2","page":516},{"text":"حال الوقوع أبعد حال من ذكر الله تعالى ومع ذلك تُسن التسمية فيه، ففي غيره أولى، ومن ثم ساقه المصنف ههنا لمشروعية التسمية عند الوضوء ولم يسق حديث: \"لا وضوء لمن لم يذكر الله عليه\" مع كونه أبلغ في الدلالة، لكونه ليس على شرطه بل هو مطعون فيه، انتهى.\nوهكذا قال غير واحد من شرَّاح الحديث، ولا بد أن يرد عليه ذكر المصنف إياه في غير محله بوجهين: الأول: تأخيره عن غسل الوجه، والثاني: ذكر أبواب الاستنجاء بعد التسمية على الوضوء، ولو يراد به التسمية في بدء الاستنجاء فلا إيراد أصلًا، ويثبت من التسمية على الوضوء بالطريق الأولى، وبعموم لفظ: \"على كل حال\" فالظاهر عندي أن الإمام أراد بهذا الباب التسمية عند الخلاء، ولذا قدَّمه على الدعاء الآتي في الباب اللاحق خلافًا لما عليه عامة المشايخ والشرَّاح من حملهم إياه على التسمية عند الوضوء، فلو سلم فيمكن الاعتذار عن المصنف بذكره إياه ههنا أنه أشار بذلك إلى أن التسمية في أول الوضوء ليست بفرض بل هي مستحبة، فقدَّم الفرض وأخَّر الندب للتنبيه على مرتبتهما.\n\n(٩ -<span data-type='title' id=toc-291> باب ما يقول عند الخلاء)</span>\nأي: عند إرادة الدخول في الخلاء، وهذا عند الجمهور.\nقال الأبهري: من يكره الذكر في تلك الحالة يفصِّل ويقول: أما في الأمكنة المعدة لذلك فيقوله قبيل دخولها، وأما في غيرها فيقوله في أوان الشروع؛ كتشمير ثيابه مثلًا، وهذا مذهب الجمهور وقالوا: من نسي يستعيذ بقلبه لا بلسانه، ومن يجيزه مطلقًا - كما نقل عن مالك - لا يحتاج إلى التفصيل، كذا في \"البذل\" (^١).\n_________\n(^١) انظر: \"بذل المجهود\" (١/ ١٥٧)، و\"فتح الباري\" (١/ ٢٤٤).","vol":"2","page":517},{"text":"وفي شرح شيخ الإسلام على البخاري: أن المصنف انتقل ذهنه مما يقول عند الجماع إلى ما يقوله عند الخلاء، انتهى.\nوقد تقدم تفصيل الكلام في الترتيب بين هذه التراجم في الباب السابق.\n\n(١٠ -<span data-type='title' id=toc-292> باب وضع الماء عند الخلاء)</span>\nقال ابن المنيِّر: مناسبة الدعاء لابن عباس بالتفقه على وضعه الماء من جهة أنه كان مترددًا بين ثلاثة أمور: إما أن يدخل إليه بالماء إلى الخلاء، أو يضعه على الباب ليتناوله من قرب، أو لا يفعل شيئًا، فرأى الثاني أوفق؛ لأن في الأول تعرضًا للاطلاع، والثالث يستدعي مشقة في طلب الماء، والثاني أسهلها، وفعله يدل على ذكائه، فناسب أن يُدعى له بالتفقه في الدين ليحصل به النفع، وكذا كان، كذا في \"الفتح\" (^١).\nثم الأوجه عندي: أن المصنف أشار بذكر هذا الباب بين أبواب الاستنجاء إلى أن وضع الماء هذا كان للاستنجاء، ولذا وضعه عند الخلاء لا للوضوء، بعد الاستنجاء، كما يدل عليه لفظ الوضوء، في الحديث، فلو كان كذلك لم يضعه قريبًا من بيت الخلاء، إلا أن استنجاءه ﵊ بالماء سيأتي في باب مستقل فتكون الترجمة ههنا شارحة.\n\n(١١ -<span data-type='title' id=toc-293> باب لا تستقبل القبلة. . .) إلخ</span>\nوفي المسألة ثمانية مذاهب معروفة بسطت في \"الأوجز\" (^٢)، الأشهر منها ثلاثة: التفرقة بين البنيان والصحارى كما هو مختار البخاري، وهو مذهب الأئمة الثلاثة، والثاني: الإباحة مطلقًا، وهو مذهب الظاهرية، والثالث: المنع مطلقًا، وهو مذهب الحنفية وأحمد في رواية.\nوأشكل بأنه ليس في الحديث الدلالة على الاستثناء، وأجيب بثلاثة أوجه:\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٢٤٤).\n(^٢) \"أوجز المسالك\" (٤/ ١٦٢).","vol":"2","page":518},{"text":"أحدها: أنه تمسك بحقيقة الغائط؛ لأنه المكان المطمئن من الأرض في الفضاء، وهذه حقيقته اللغوية وإن كان يطلق على كل مكان مجازًا، فيختص النهي بالحقيقة اللغوية، وهذا جواب الإسماعيلي وهو أقواها.\nوثانيها: أن استقبال القبلة إنما يتحقق في الفضاء، وأما الجدار والأبنية فإنها إذا استقبلت أضيف إليها عرفًا، قاله ابن المنيِّر.\nثالثها: الاستثناء مستفاد من حديث ابن عمر المذكور بعد، قاله ابن بطال، كذا في \"الفتح\" (^١).\nوفي \"تراجم (^٢) الشاه ولي الله الدهلوي\": في هذه المسألة القول معارض للفعل، فأشار المؤلف بضم الاستثناء إلى الترجمة إلى وجه الجمع بأن القول في الصحراء، والفعل في الأبنية والدور، انتهى.\nوقال الشيخ في \"اللامع\" (^٣): قوله: \"عند البناء جدار أو نحوه\" إشارة منه إلى اختلاف محمل الروايتين جمعًا بين الروايات ودفعًا للتعارض الناشئ باختلاف معانيها، انتهى.\n\n(١٢ -<span data-type='title' id=toc-294> باب من تبرز على لبنتين)</span>\nقال في \"تراجم (^٤) الشاه ولي الله\": أي: هو جائز، انتهى.\nوالأوجه عندي ما كتب الشيخ في \"اللامع\" (^٥) فقال: الرواية الموردة فيه من جملة ما كان المقصود إيراده في الباب المتقدم، إلا أنها لما تضمّنت مسألة على حدة وهو أنه ينبغي أن يكون جلوسه للتبرز على شيء مرتفع لئلا تصيب النجاسة بدنه، أفرد له بابًا للتنبيه على هذه الزيادة، فكأنه قال: إن\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٢٤٥).\n(^٢) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٦٧).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٢/ ١٠٠).\n(^٤) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٧٠).\n(^٥) \"لامع الدراري\" (٢/ ١٠٠).","vol":"2","page":519},{"text":"الرواية مع دلالتها على ما تضمنه الباب السابق من الترجمة دالة على مسألة أدب المتبرز في جلوسه، وهذه فائدة جليلة ويكثر وقوعها في كتابه، انتهى.\nقلت: هذا هو الأصل السادس من أصول التراجم.\nقوله: (لعلك من الذي يصلون على. . .) إلخ، قال الحافظ (^١): قوله: \"لعلك\" خطاب لواسع، وغلط من زعم أنه مرفوع، وقد فسَّره مالك بمن يلصق بطنه بوركه إذا سجد، وفسره في \"النهاية\" بأنه يفرج ركبتيه فيصير معتمدًا على وركيه، وأشكل مناسبته بما سبق فقيل: يحتمل أنه أراد أن المخاطب لا يعرف السُّنَّة، إذ لو كان عارفًا بها لعرف الفرق بين الفضاء والبناء، قاله الكرماني، انتهى.\nقلت: وإليه ميل العيني (^٢)، قال الحافظ: ولا يخفى ما فيه من التكلف، وليس في السياق أن واسعًا سأل ابن عمر عن المسألة الأولى حتى ينسبه إلى عدم معرفته، والذي يظهر في المناسبة ما دلَّ عليه سياق مسلم، ففي أوله عنده عن واسع قال: \"كنت أصلي في المسجد فإذا عبد الله بن عمر جالس، فلما قضيت صلاتي انصرفت إليه\" فذكر الحديث المذكور، فكان ابن عمر رأى منه في حال سجوده شيئًا لم يتحققه، فسأله عنه بالعبارة المذكورة، إلى آخر ما في هامش \"اللامع\" (^٣).\n\n(١٣ -<span data-type='title' id=toc-295> باب خروج النساء إلى البراز)</span>\nالأوجه عندي في غرض الترجمة بيان جواز خروج النساء إلى البراز دفعًا لما يظهر من قوله - ﷿ -: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ الآية [الأحزاب: ٣٣]، عدم جواز خروجهن مطلقًا لا للبراز ولا لغيره كما يدل عليه الحديث الثاني: \"قد أذن لكن أن تخرجن في حاجتكن\"، فظاهر الحديث أن الخروج للحاجة أيضًا كان ممنوعًا قد أذن فيه بعد المنع، واختلف العلماء والشرَّاح في\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٢٤٨).\n(^٢) انظر: \"عمدة القاري\" (٢/ ٣٩٨).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٢/ ١٠١).","vol":"2","page":520},{"text":"مصداق الحجاب في هذه الأحاديث، فظاهر حديث الباب أن قصة سودة كانت قبل نزول الحجاب، وسيأتي في التفسير في \"باب قوله تعالى: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ. . .﴾ \" إلخ [الأحزاب: ٥٣]، عن عائشة قالت: خرجت سودة بعد ما ضرب الحجاب.\nوالجمع بينهما عندي أن المراد في الحديث الذي فيه \"بعد ما ضرب الحجاب\" آية الحجاب المعروفة من قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ الآية، والمراد في الحديث الذي فيه \"فأنزل الله الحجاب\" غير الحجاب الأول، ولعل المراد به قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ الآية، والظاهر منها عدم جواز الخروج مطلقًا، ولما كان فيه حرج عظيم أذن لهم في الخروج لحوائجهن كما في حديث هشام عن أبيه.\nوقريب منه ما كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^١) إذ قال: قوله: فأنزل الله الحجاب، أي: الحجاب الذي كان يهواه عمر - ﵁ - لهن إذ الحجاب الشرعي قد كان نزل من قبل، والحاصل أن عمر كان يهوى أن لا يخرجن محتجبات أيضًا، ويتبرزن في البيوت، فصار ذلك مستحبًا بعد زمان، وإن بقي الجواز بعده أيضًا، انتهى.\nوبسط الكلام في هامشه في نقول كلام الشرَّاح في مصداق الحجاب في الحديثين ومصداق الحجاب في الآيات، فارجع إليه لو شئت التفصيل.\n\n(١٤ -<span data-type='title' id=toc-296> باب التبرز في البيوت)</span>\nقال الحافظ ابن حجر والعيني (^٢): عقَّب المصنف بهذه الترجمة ليشير إلى أن خروج النساء للبراز لم يستمر، بل اتخذت بعد ذلك الأخلية في البيوت فاستغنين عن الخروج إلا للضرورة، انتهى.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٢/ ١٠٣ - ١٠٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٢٥٠)، و\"عمدة القاري\" (٢/ ٢٥١).","vol":"2","page":521},{"text":"والأوجه عندي: أنه - ﵁ - عقَّبه إشارة إلى الأولوية، وأما الجواز للضرورة فقد علم من الرواية المارة \"قد أذن لكن\" (^١) الحديث، ولعله عقب بهذا الباب الحديث السابق الوارد فيه: \"فأنزل الله آية الحجاب\"، إشارةً إلى أن اتخاذ الكنف في البيوت كان بعد نزول آية الحجاب.\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٢): لما كان لمتوهم أن يتوهم كراهة ذلك لما فيه من التداني والتلبس بالنجس رده فذكر ما يدل على جوازه، إلا أن التطهر لما كان مطلوبًا يجب أن يزيله عن البيت قبل الفساد، ولا يتركه يجتمع منه الكثير، انتهى.\nوفي هامشه: ويزيد التوهم ما في \"البذل\" برواية الطبراني (^٣) عن عبد الله بن يزيد مرفوعًا: \"لا ينقع بول في طست في البيت، فإن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه بول مستنقع\"، انتهى.\nفإذا كان ذلك في البول فما ظنك بالغائط الذي هو أشد رائحة كريهة من البول، وأيضًا ورد: \"كان النبي - ﷺ - إذا أراد البراز أبعد\"، وقد ورد النهي عن البراز في الموارد وغيرها، وهذه كلها تؤيد التوهم، ولا تنافي رواية الطبراني ما في \"أبي داود\" عن أميمة قالت: \"كان للنبي - ﷺ - قدح من عيدان [تحت سريره] يبول فيه بالليل\" (^٤) الحديث، بوجوه بسطت في \"البذل\" (^٥).\n\n(١٥ -<span data-type='title' id=toc-297> باب الاستنجاء بالماء)</span>\nأشار بذلك إلى الرد على من كرهه، وعلى من أنكر وقوعه عن النبي - ﷺ -، روي الأول بأسانيد صحيحة عن حذيفة أنه قال: \"إذًا لا يزال\n_________\n(^١) ولفظ الحديث: \"قد أُذِنَ أن تخرجن في حاجتكن\".\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٢/ ١٠٧).\n(^٣) \"المعجم الأوسط\" (٢/ ٣١٢) (رقم ٢٠٧٧).\n(^٤) أخرجه أبو داود (ح: ٢٤)، والنسائي (ح: ٣٢).\n(^٥) \"بذل المجهود\" (١/ ٢٥١).","vol":"2","page":522},{"text":"النتن في يدي\"، وعن نافع: كان ابن عمر لا يستنجي بالماء، وقال ابن الزبير: ما كنا نفعله، ونقل الثاني ابن التين عن مالك أنه أنكر أن يكون النبي - ﷺ - استنجى بالماء، وعن ابن حبيب من المالكية أنه منع الاستنجاء بالماء؛ لأنه مطعوم، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوفي \"المنهل\" (^٢) بعد ذكر قول \"الفتح\": قال الحطاب: وهذان النقلان - يعني: ما عن مالك وابن حبيب - غريبان والمنقول عن ابن حبيب أنه منع الاستجمار مع وجود الماء، بل لا أعرفهما في المذهب، انتهى.\nوما حكي أنه - ﷺ - لم يستنج بالماء ترده الروايات الصريحة في ذلك، ذكرها العيني (^٣) مفصلًا إذ قال: قد تظاهرت الروايات بالأخبار عن استنجاء النبي - ﷺ - بالماء وبالأمر به، ثم بسط الروايات، منها: ما رواه ابن خزيمة في \"صحيحه\" عن جرير: \"أن النبي - ﷺ - دخل الغيضة فقضى حاجته فأتاه جرير: بإداوة من ماء فاستنجى منه\" الحديث، ومنها: ما رواه الترمذي (^٤) عن عائشة أنها قالت: \"مرن أزواجكن أن يغسلوا أثر الغائط والبول فإن النبي - ﷺ - كان يفعله\"، ومنها: ما رواه ابن حبان عن أبي هريرة: \"أن النبي ﵊ قضى حاجته ثم استنجى من تور\" وغير ذلك من الروايات التي بسطها مع الكلام عليها، والجواب عنه، وهو مؤدى رواية الباب، وقوله: \"يعني: يستنجي به\" تنبيه على عدم التيقن بلفظ الشيخ، وحديث أنس هذا أخرجه مسلم وأبو داود (^٥)، وفيه: \"فقضى حاجته فخرج علينا وقد استنجى بالماء\"، وفي \"الأوجز\" (^٦): ما نقل عن مالك أنه أنكر الاستنجاء بالماء أنكره الزرقاني، وقال: معروف مذهبه أن الماء أفضل، وأفضل منه الجمع بينه وبين الحجر، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٢٥١).\n(^٢) \"المنهل العذب المورود\" (١/ ١٦٠).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٢/ ٤٠٩).\n(^٤) انظر: \"سنن الترمذي\" (ح: ١٩).\n(^٥) \"صحيح مسلم\" (ح: ٢٧١)، و\"سنن أبي داود\" (ح: ٤٣).\n(^٦) \"أوجز المسالك\" (١/ ٣٥٨).","vol":"2","page":523},{"text":"(١٦ -<span data-type='title' id=toc-298> باب من حمل معه الماء)</span>\nقال القسطلاني تبعًا للحافظ (^١): بضم الحاء وكسر الميم خفيفة، انتهى.\nقلت: وهو ظاهر من الروايتين، والشرَّاح سكتوا عن غرض الترجمة، ولا يبعد عندي أن المصنف أشار بذلك إلى أنه ينبغي تعجيل الاستنجاء بعد الفراغ، ولذا ينبغي له أن يحمل معه الماء كيلا يلزم تأخير الاستنجاء، وفيه: أن هذا المعنى قد ظهر بما سبق من وضع الماء عند الخلاء.\nقلت: حمله معه أسرع منه في إزالة النجاسة، فهذا ترق من الأولى، ولا يبعد أن يقال: إن الغرض من الترجمة جواز مثل هذه الاستعانة في الاستنجاء كما سيأتي التفصيل في الاستعانة في الوضوء في \"باب الرجل يوضِّئ صاحبه\"، ويشير إلى ذلك ضبط الشرَّاح لفظ حمل في الترجمة ببناء المفعول.\n\n(١٧ -<span data-type='title' id=toc-299> باب حمل العنزة مع الماء)</span>\nقال الحافظ (^٢): العنزة - بفتح النون - عصًا أقصر من الرمح لها سنان، وقيل: هي الحربة القصيرة، والزج بزاي مضمومة ثم جيم مشددة، أي: سنان، وفهم بعضهم من تبويب البخاري أنه كان يحملها ليستتر بها عند قضاء الحاجة، وفيه نظر؛ لأن الضابط ههنا أن يستر الأسافل، والعنزة ليست كذلك، نعم يحتمل أن يركزها ويضع عليها ثيابه للتستر، أو يركزها بجنبه لتكون إشارةً إلى منع من يروم المرور بقربه، أو تحمل لنبش الأرض الصلبة، أو لمنع ما يعرض من الهوام، أو تحمل؛ لأنه كان إذا استنجى توضأ وإذا توضأ صلى، وهذا أظهر الأوجه، انتهى مختصرًا.\n_________\n(^١) انظر: \"إرشاد الساري\" (١/ ٤٢٥)، و\"فتح الباري\" (١/ ٢٥١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٢٥٢).","vol":"2","page":524},{"text":"أو المراد بنبش الأرض الصلبة ما روي أنه ﵊ يرتاد لبوله كما في \"أبي داود\" (^١)، أو لأخذ الحجارة للاستنجاء.\n\n(١٨ -<span data-type='title' id=toc-300> باب النهي عن الاستنجاء باليمين)</span>\nقال الحافظ (^٢): عبَّر بالنهي إشارةً إلى أنه لم يظهر له هل هو للتحريم أو للتنزيه؟ أو أن القرينة الصارفة للنهي عن التحريم لم تظهر له، وهي أن ذلك أدب من الآداب، وبكونه للتنزيه قال الجمهور، وذهب أهل الظاهر إلى أنه للتحريم.\nقوله: (فلا يتنفس في الماء) وفي رواية أبي داود (^٣) بدله \"فلا يشرب نفسًا واحدًا\" والجمع بينهما أوجه عندي من ترجيح رواية البخاري، وهو أن النبي - ﷺ - ذكر في الحديث أربعة آداب: أدبين في الاستنجاء، وأدبين في الشرب، واتفق الرواة على ذكر الأولين، واختلفوا في ذكر الآخرين، وذكر بعضهم واحدًا، والآخرون بعضًا آخر منها.\n\n(١٩ -<span data-type='title' id=toc-301> باب لا يمسك ذكره بيمينه إذا بال)</span>\nقال الحافظ (^٤): أشار بهذه الترجمة إلى أن النهي المطلق عن مس الذكر باليمين كما في الباب الذي قبله محمول على المقيد بحالة البول فيكون ما عداه مباحًا، وقال بعض العلماء: يكون ممنوعًا أيضًا من باب الأولى؛ لأنه نهى عن ذلك مع مظنة الحاجة في تلك الحالة، انتهى.\nقوله: (فلا يأخذن ذكره بيمينه) وفي \"البذل\" (^٥): قال الحافظ: وقد أثار الخطابي ههنا بحثًا وبالغ في التبجح به، وبسط الشيخ قُدِّس سرُّه في الإشكال والأجوبة عنه، فارجع إليه، وحاصل إيراد الخطابي أن الجمع بين\n_________\n(^١) انظر: \"سنن أبي داود\" (ح: ٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٢٥٣).\n(^٣) \"سنن أبي داود\" (ح: ٣١).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١/ ٢٥٤).\n(^٥) \"بذل المجهود\" (١/ ١٦٨)، و\"فتح الباري\" (١/ ٢٥٣).","vol":"2","page":525},{"text":"النهي عن مس الذكر باليمين عند البول، وبين النهي عن الاستجمار باليمين مشكل، ثم أجاب عنه بنفسه، وردّ عليه الحافظ وغيره، وردّ على الكل شيخنا، فارجع إليه لو شئت.\n\n(٢٠ -<span data-type='title' id=toc-302> باب الاستنجاء بالحجارة)</span>\nقال الحافظ (^١): أراد بهذه الترجمة الرد على من زعم أن الاستنجاء مختص بالماء، انتهى.\nوالأوجه عندي: أن المصنف أشار بهذه الترجمة إلى اختلافهم في حقيقة الاستنجاء بالحجارة هل هو مطهر وتعبد؟ كما قال به الشافعية والحنابلة، أو مقلل للنجاسة ومعقول؟ كما قال به الحنفية والمالكية، كما في \"البذل\" (^٢) وهامشه لهذا الفقير مبسوطًا، وعلى هذا الاختلاف تتفرع عدة مسائل من وجوب الأحجار الثلاثة والاستنجاء بغير الأحجار والروث والعظم وغير ذلك، ولم يذكر المصنف الحكم في الترجمة تشحيذًا للأذهان كما هو دأبه، انتهى من هامش \"اللامع\" (^٣).\n\n(٢١ -<span data-type='title' id=toc-303> باب لا يُستنجى بروث)</span>\nوعلى اختلافهم في حقيقة الاستنجاء كما تقدم اختلفوا في الاستنجاء بالروث.\nكتب الشيخ في \"البذل\" (^٤): النهي لنجاسته ويلتحق به كل ما كان نجسًا، ولكن إذا استنجى بالنجس يجوز ذلك مع الكراهة عندنا، وأما عند الشافعية لم يصح استنجاؤه، ووجب عليه بعد ذلك الاستنجاء بالماء ولا يجزئه الحجر، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٢٥٥).\n(^٢) \"بذل المجهود\" (١/ ١٨٩).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٢/ ١٠٨).\n(^٤) \"بذل المجهود\" (١/ ٢٩٠).","vol":"2","page":526},{"text":"وفي هامشه: ومذهب الحنابلة كالشافعية كما في \"نيل المآرب\" (^١)، والمالكية مع الحنفية في ذلك، ففي \"المنهل\" (^٢): وقالت المالكية: لا يجوز الاستنجاء بالنجس كأرواث الخيل والحمير وعظم الميتة، وذكر أشياء، ثم قال: وأجزأ الاستنجاء بما ذكر مع الحرمة إن حصل الإنقاء، انتهى.\nقوله: (ليس أبو عبيدة ذكره) يعني: أن أبا إسحاق لا يذكر هذه الرواية عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، بل يذكره عن عبد الرحمن بن أسود عن أبيه عن عبد الله بن مسعود، قال الحافظ: إنما عدل أبو إسحاق عن الرواية عن أبي عبيدة إلى الرواية عن عبد الرحمن، مع أن رواية أبي عبيدة أعلى له لكون أبي عبيدة لم يسمع من أبيه على الصحيح فتكون منقطعة، بخلاف رواية عبد الرحمن فإنها موصولة، ورواية أبي عبيدة ذكره الترمذي وغيره، كذا في \"الفتح\" (^٣).\nوفي \"تراجم (^٤) الشاه ولي الله\" استدرك الترمذي على البخاري بمواضع، منها هذا، انتهى.\nقلت: بسطه الترمذي (^٥) وقال: وضع البخاري في \"صحيحه\" حديث زهير، وأصح شيء عندي حديث إسرائيل، أي: عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن ابن مسعود.\n\n(٢٢ -<span data-type='title' id=toc-304> باب الوضوء مرةً مرةً)</span>\nلما ثبت عن النبي - ﷺ - الوضوء مرة مرة، واثنين واثنين، وثلاثًا وثلاثًا، ترجم البخاري على كل منها مستقلًا تنبيهًا على جواز كل منها، وعلى أن التثليث درجة الكمال، ولا كراهة في الاكتفاء باثنين أو مرة.\n_________\n(^١) \"نيل المآرب\" (١/ ٤٩).\n(^٢) \"المنهل العذب المورود\" (١/ ١٤٥).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١/ ٢٥٧).\n(^٤) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٧٣).\n(^٥) انظر تحت حديث: (رقم ١٧).","vol":"2","page":527},{"text":"قال الحافظ (^١): والحديث مجمل تقدم مفصلًا في \"باب غسل الوجه باليدين\"، انتهى.\n\n(٢٣ -<span data-type='title' id=toc-305> باب الوضوء مرتين)</span>\nقال الحافظ (^٢): وحديث الباب مختصر من حديث مشهور في صفة وضوء النبي - ﷺ - كما سيأتي بعد من حديث مالك وغيره، لكن ليس فيه الغسل مرتين إلا في اليدين إلى المرفقين، نعم روى النسائي من طريق سفيان بن عيينة في حديث عبد الله بن زيد التثنية في اليدين والرجلين ومسح الرأس وتثليث غسل الوجه، وعلى هذا فحق حديث عبد الله بن زيد أن يبوِّب له غسل بعض الأعضاء مرة وبعضها مرتين وبعضها ثلاثًا، وقد روى أبو داود والترمذي (^٣) من حديث أبي هريرة: أن النبي - ﷺ - توضأ مرتين مرتين، وهو شاهد قوي لرواية فليح هذه، فيحتمل أن يكون حديثه هذا المجمل غير حديث مالك المبين لاختلاف مخرجهما، انتهى مختصرًا.\nوإلى تعدد الرواية مال العيني (^٤) إذ قال بعد ذكر الاعتراض المذكور عن صاحب \"التلويح\": قلت: هذا الاعتراض غير وارد؛ لأنه لا يمتنع تعدد القضية، كيف والطريق إلى عبد الله بن زيد مختلف، انتهى.\n\n(٢٤ -<span data-type='title' id=toc-306> باب الوضوء ثلاثًا ثلاثًا)</span>\nوهذا الكمال في الوضوء ويكره الزيادة عليه وما في الحديث قوله: \"فمضمض واستنثر\" مجمل سيأتي مستقلًا في \"باب من مضمض واستنشق من غرفة واحدة\"، وسيأتي الكلام هناك.\nقوله: (ولكن عروة يحدث. . .) إلخ، قال الحافظ (^٥): يعني: أن شيخي\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٢٥٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٢٥٩).\n(^٣) \"سنن أبي داود\" (ح: ١٣٦)، و\"سنن الترمذي\" (ح: ٤٣).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (٢/ ٤٣٦).\n(^٥) \"فتح الباري\" (١/ ٢٦١).","vol":"2","page":528},{"text":"ابن شهاب اختلفا في روايتهما له عن حمران عن عثمان، فحدثه به عن عطاء على صفة، وعروة على صفة، وليس ذلك اختلافًا، وإنما هما حديثان متغايران، وقد رواهما معاذ بن عبد الرحمن، إلى آخر ما بسطه الحافظ.\nزاد القسطلاني (^١): فأما صفة تحديث عطاء فتقدمت، وأما صفة تحديث عروة عنه فأشار إليها بقوله: \"فلما توضأ عثمان\" عطف على محذوف، تقديره: عن حمران أنه رأى عثمان دعا بإناء [فأفرغ على كفيه] إلى أن قال: فغسل رجليه إلى الكعبين، فلما توضأ قال، الحديث.\nقوله: (لولا آية ما حدثتكموه. . .) إلخ، كتب شيخ المشايخ في \"تراجمه\" (^٢): قاله - ﵁ -؛ لأنه خاف أن لو سمع الناس بمثل هذه البشارة اجترأوا على المعاصي وقالوا: يغفر الله لنا بهذا العمل اليسير ولنفعل ما نشاء، وقال مالك - ﵀ - في توجيه مثل هذا الكلام من عثمان: إنه قال ذلك؛ لأنه خاف أن الناس يستبعدونه فلا يقبلونه فيقعون في الإنكار ويكذبون عثمان في رواية الحديث ويأثمون، لكن الآية التي قدرها عروة لا تلصق بهذا التوجيه، بل الآية التي أوردها عثمان على هذا التوجيه قوله: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، فمعنى الكلام: أن الحديث يؤيده النص من القرآن، فلم يمكن لكم إنكاره وإن استبعدتموه مني، ولولا هذه الآية لما حدثتكموه خوفًا من طعنكم في الدين وإنكاركم الحديث، فافهم هذا المقام فإنه مما زَلّ فيه أقدام الشرَّاح فخبطوا كثيرًا، والله الهادي وإليه الرشاد، انتهى.\nقلت: الحديث الذي أخرجه مالك في \"الموطأ\" (^٣) بلفظ: \"لولا أنه\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١/ ٤٣٨).\n(^٢) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٧٤).\n(^٣) \"موطأ مالك\" (رقم ٥٩).","vol":"2","page":529},{"text":"في كتاب الله\" الحديث، وفيه: قال مالك: أراه يريد هذه الآية ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، وفي \"الأوجز\" (^١): قوله: \"لولا أنه\" كذا روى يحيى بالنون والضمير، أي: لولا أن معناه في كتاب الله موجود كما سيأتي في آخر الحديث ما حدثتكموه، أي: هذا الحديث أبدًا لئلا تتكلوا، لكن لما كان معناه في كتاب الله موجودًا كما سيأتي فلا فائدة في ترك الرواية، وروى أبو مصعب وغيره بلفظ: \"لولا آية\" بالياء والمد وهاء التأنيث، أي: لولا آية في كتاب الله تتضمن معناه ما حدثتكموه، قاله الباجي (^٢).\nوقال الحافظ (^٣): إن النون تصحيف من بعض الرواة إلى آخر ما في \"الأوجز\" وفيه في تفسير مالك: قال الباجي: وعلى هذا التفسير تصح الروايتان بلفظ الياء والنون، لكن في الصحيحين عن عروة أن المراد بالآية قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا﴾ الآية [البقرة: ١٥٩]، وهو راوي الحديث، ورواه بالجزم فهو أولى بالقبول، ولذا رجحه الحافظ والنووي وجماعة، بخلاف الإمام مالك فذكره بالظن، والجزم أولى فيكون المعنى على تفسير عروة: لولا آية تمنع من كتمان العلم ما حدثتكم به، وعلى هذا لا تصح رواية النون، انتهى.\nوأجاد حضرة الشيخ الكَنكَوهي على ما حكاه مولانا محمد حسن المكي في \"تقرير مسلم\" (^٤): قوله: \"ما حدثتكم\"؛ لأن حديثي هذا نسخة من الكيمياء، لا أحب أن يطلع عليها كل أحد، وغرضه الترغيب في الحديث، انتهى.\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (١/ ٤٠٨).\n(^٢) \"المنتقى\" (١/ ٧١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١/ ٣٢٨).\n(^٤) انظر: \"الحل المفهم لصحيح مسلم\" (١/ ٥٤).","vol":"2","page":530},{"text":"(٢٥ -<span data-type='title' id=toc-307> باب الاستنثار في الوضوء)</span>\nهو طرح الماء الذي يستنشقه المتوضئ سواء كان باستعانة يد أو بدونه، وحكي عن مالك كراهة فعله بغير اليد لكونه يشبه فعل الدابة، والمشهور عدم الكراهة، كذا في \"الفتح\" (^١).\nويشكل تقديم هذا الباب على المضمضة، كما تقدم الكلام في \"باب التسمية. . .\" إلخ على ترتيب الأبواب مفصلًا.\nقال الحافظ: كأنه أشار إلى الابتداء بتنظيف الباطن قبل الظاهر، انتهى.\nوالأوجه عندي في تقديمه على المضمضة إشارة إلى شدة تأكيده فوق المضمضة كما سيأتي في بابها مع ما فيه الإشارة إلى عدم وجوب الترتيب بين أعضاء الوضوء.\nقوله: (ذكره عثمان) في الباب الذي قبله، \"وعبد الله بن زيد\" في باب مسح الرأس كله، \"وابن عباس\" في باب غسل الوجه من غرفة، كذا في \"العيني\" (^٢).\nقال الحافظ (^٣): ليس في حديث ابن عباس المذكور الاستنثار بل فيه الاستنشاق فلعله أشار إلى ما رواه أبو داود والحاكم من حديثه: \"استنثروا مرتين بالغتين أو ثلاثًا\"، وتعقبه العيني بأن في بعض نسخ البخاري استنثر موضع استنشق.\n\n(٢٦ -<span data-type='title' id=toc-308> باب الاستجمار وترًا)</span>\nاستشكل أيضًا إدخال هذا الباب في أثناء أبواب الوضوء، وأجيب بأن أبواب الاستطابة لم تتميز في هذا الكتاب عن أبواب صفة الوضوء\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٢٦٢).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٢/ ٤٥٠).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١/ ٢٦٢).","vol":"2","page":531},{"text":"لتلازمهما، ويحتمل أن يكون ممن دون المصنف، كذا في \"الفتح\" (^١)، وتقدم أيضًا توجيه الحافظ.\nوعندي: أن من دأب المصنف في هذا الكتاب أنه إن كان في حديث الباب فائدة خاصة ينبِّه عليها، وهذا أصل معروف بباب في الباب كما تقدم في أصل السادس من الأصول السبعين المتقدمة في الجزء الأول، ولما كان في الحديث السابق الاستجمار وترًا نبَّه عليها بباب مستقل، وإليه مال العيني (^٢).\nوبه جزم الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٣) إذ قال: هذا مثل ما تقدم قريبًا فإن رواية الباب المتقدم لما تضمنت زيادة فائدة من إيتار الاستجمار نبَّه على ذلك بزيادة باب، انتهى.\nوبسط الكلام على ذلك في هامشه، وفيه: ومع ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه لا يبعد عندي أن المصنف أشار بوصل هذا الباب إلى الباب السابق إلى أولوية الإيتار في الاستنشاق؛ لأنه أحق بالإيتار منه مع اجتماعهما في كونهما إزالة القذر.\n\n(٢٧ -<span data-type='title' id=toc-309> باب غسل الرجلين. . .) إلخ</span>\nكذا للأكثر وزاد أبو ذر: \"ولا يمسح على القدمين\".\nقال العيني (^٤): وجه المناسبة بين هذا الباب والذي قبله ما ذكرنا أن الباب الذي قبله كان تبعًا للذي قبله، فيكون هذا الباب في الحقيقة يتلو الباب الذي قبله، والمناسبة بينهما ظاهرة؛ لأن كلًّا منهما مشتمل على حكم من أحكام الوضوء، انتهى.\nقلت: لم يندفع بعد إشكال إدخال هذا الباب بين بابي الاستنشاق والمضمضة.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٢٦٣).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٢/ ٤٥٤).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٢/ ١١٥).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (٢/ ٤٦٠).","vol":"2","page":532},{"text":"والأوجه عندي: أن المصنف أشار بذكر هذا الباب تلو الباب السابق أن المأمور به لا يكفي فيه البدل من عند نفسه نظرًا إلى المعنى، فإنه كما لا يمكن أن يكون مسح القدمين بدلًا عن غسلهما، كذلك لا ينبغي أن يكون دلك الأنف بثوب أو أصبع وغير ذلك بدلًا عن الاستنشاق والاستنثار نظرًا إلى معنى النظافة.\nوالنظر الدقيق ينادي بصوت جهوري أن المصنف نظر في ترتيب أبواب الوضوء كلها إشارات لطيفة جديرة لجودة طبعه ودقة نظره، ولا شك أنها أحلى لنا وأشهى من قبلة العذارى، وهذا كله في ذكره هذا الباب ههنا، وأما غرض الترجمة فأمران ظاهران: أحدهما: الرد على الشيعة القائلين بجواز مسح القدم، والثاني: شرح الحديث الوارد فيه بلفظ: \"ونمسح على أرجلنا\"، وكذا الرد على ما في حديث أوس عند أبي داود (^١) وغيره من لفظ: \"فتوضأ ومسح على نعليه وقدميه\"، كذا في هامش \"اللامع\".\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢) بعد قوله: \"ولا يمسح على القدمين\": لأن المسح لو كان جائزًا لما ورد عليه الوعيد بالنار؛ لأنه ليس في شيء من المسح شرط الاستيعاب، فعلم أن الغسل هو الفرض، انتهى.\n\n(٢٨ -<span data-type='title' id=toc-310> باب المضمضة. . .) إلخ</span>\nأخَّرَها عن الاستنثار وإن كانت هي متقدمة في الفعل؛ لأنه لما كان الاستنثار مؤكدًا حتى قال جمع بوجوبه لورود الأمر به قدَّمه على المضمضة؛ ولا يبعد أيضًا أن يقال: إن المصنف أشار بذكر الأجنبي بين المضمضة والاستنشاق إلى ترجيح الفصل بينهما؛ لا يقال: هذا مخالف لما سيأتي من \"باب من مضمض واستنشق من غرفة واحدة\" من الوصل بينهما بغرفة؛ لأنه ترجم هناك بباب من فعل كذا وكذا، وهذا صنيع عدم الجزم به كما في الأصل الثالث.\n_________\n(^١) انظر: \"سنن أبي داود\" (ح: ١٦٠).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٢/ ١١٦).","vol":"2","page":533},{"text":"(٢٩ -<span data-type='title' id=toc-311> باب غسل الأعقاب. . .) إلخ</span>\nيشكل على المصنف إيرادها بعد المضمضة، وكان حقها التقديم عليها ووصلها بباب غسل الرجلين.\nوقال شيخ المشايخ في \"التراجم\" (^١): قصد بالباب الأول الرد على من زعم أن وظيفة الرجلين المسح دون الغسل، وقصد بهذا الباب إثبات وجوب الاستيعاب في أعضاء الوضوء، وذكر الأعقاب لكونه مذكورًا في الحديث، فافهم ذلك، فإنه قد عجز بعض الشرَّاح عن الفرق بين البابين وأتى بتوجيهات لا يليق ذكرها، انتهى.\nوأنت خبير بأن جواب شيخ المشايخ قُدِّس سرُّه يرد عليه إشكال التكرار لا تعلق له بذكر هذه الترجمة في هذا المحل، والظاهر عند هذا العبد الضعيف المبتلى بالسيئات أن الإمام البخاري ذكر هذه الترجمة ههنا إشارةً إلى دقيقة، وهي أنه كما ينبغي أن يهتمّ بغسل مؤخر القدم حتى قال فيه - ﷺ -: \"ويل للأعقاب من النار\"، هكذا ينبغي أن يهتمّ بمؤخر الفم في المضمضة بتحريك الماء في آخر الفم، إلا أن غسل الرِّجل لما كان فرضًا فلا بد من العذاب في ترك مؤخره، والمضمضة ليس بفرض، فلا عقاب في ترك مؤخره، وعلى هذا فذكره ههنا في غاية محله، كذا في هامش \"اللامع\" (^٢).\nقوله: (وكان ابن سيرين) يريد أن دليل وجوب غسل الأعقاب يدل على وجوب الاستيعاب في كل ما أمر بغسله من الأعضاء، ولذا كان ابن سيرين يأخذ منه وجوب غسل موضع الخاتم، قاله السندي (^٣).\nقال العيني (^٤): قال أصحابنا الحنفية: تحريك الخاتم الضيق من سنن\n_________\n(^١) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٧٤).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٢/ ١١٧).\n(^٣) \"حاشية السندي على صحيح البخاري\" (١/ ٤٣).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (٢/ ٤٦٣).","vol":"2","page":534},{"text":"الوضوء؛ لأنه في معنى تخليل الأصابع، فإن كان واسعًا لا يحتاج إلى تحريك، وبهذا التفصيل قال الشافعي وأحمد وابن المنذر، وهو قول ابن حبيب من المالكية كما في \"الباجي\".\n\n(٣٠ -<span data-type='title' id=toc-312> باب غسل الرجلين في النعلين. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): يعني بذلك: أنه لا بد من الغسل ولا يكتفي بالمسح على النعلين، ثم المراد بقوله: فيهما إدخال الرجلين في النعلين بعد غسلهما رطبتين أو غسلهما وهما في النعلين، انتهى.\nوفي هامشه: غرض الترجمة ظاهر، وهو الرد على ما ورد في بعض الروايات من المسح على النعلين.\nقال الحافظ (^٢): أشار البخاري بذلك إلى ما روي عن علي وغيره من الصحابة أنهم مسحوا على نعالهم في الوضوء ثم صلُّوا إلى أن قال: ليس في الحديث الذي ذكره البخاري تصريح بذلك، إنما هو مأخوذ من قوله: \"يتوضأ فيها\"؛ لأن الأصل في الوضوء هو الغسل؛ ولأن قوله: \"فيها\" يدل على الغسل، ولو أريد المسح لقال عليها، انتهى.\nومناسبة ذكر هذا الباب ههنا عندي بوجهين:\nالأول: ظاهر، وهو أنه لما كان في السابق ذكر غسل الأعقاب بالشدة والاهتمام عقّبه بذكر غسل الرجلين في النعلين، مخافة أن تبقى لمعة في أعلى الرجل عند شراك النعل حيث يغسل الرجلان في النعلين، هذا على الاحتمال الثاني في كلام الشيخ قُدِّس سرُّه من أن يغسلهما داخل النعلين ولا يخرجهما عند الغسل.\nوالوجه الثاني وهو دقيق: أن المصنف نبَّه بذلك على أن الرجلين كما يخرجان من النعلين عند الغسل مع كونهما مشغولين بالنعل كذلك ينبغي أن\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٣/ ١١٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٢٦٨).","vol":"2","page":535},{"text":"يخرج ما في الفم عند المضمضة، ولا يكون كون الفم مشغولًا بشيء من نحو التنبول وغيره عذرًا لترك المضمضة، فتأمل فإنه لطيف.\nقال الحافظ (^١): وجه المناسبة أن المصنف ذكر غسل الرجلين في النعلين ردًا على من قصر في سياق الحديث المذكور فاقتصر على النعلين، انتهى ما في هامش \"اللامع\".\n\n(٣١ -<span data-type='title' id=toc-313> باب التيمن في الوضوء. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ: لما كان لفظ التيمن مشتركًا بين الابتداء باليمين وتعاطي الشيء باليمين والتبرك وقصد اليمين، فبان بحديث أم عطية أن المراد بالتيمن في حديث عائشة الأول، انتهى.\nقلت: ولعل المصنف ذكر هذا الباب ههنا لما أن الأمور السابقة من غسل الوجه والمضمضة والاستنثار لم يكن في شيء منها الابتداء باليمين، ولم يكن ذلك إلا في اليدين والرجلين، ولم يتعرض المصنف عن غسل اليدين، ولم يترجم له بشيء فذكر هذا الباب متصلًا بغسل الرجلين، ولعله لم يتعرض عن اليدين لما أنه لم ير فيها شيئًا جديرًا لتنبيه البخاري الذي بصدد ذكر الدقائق، والتيمن في الوضوء سُنَّة إجماعًا عند أهل السُّنَّة خلافًا للشيعة إذ قالوا بوجوبه، وغلط من حكى ذلك عن الشافعي وأحمد، كذا في \"الفتح\" (^٢)، وشيء من البسط في هامش \"اللامع\".\n\n(٣٢ -<span data-type='title' id=toc-314> باب التماس الوضوء. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): يعني بذلك: أن التيمم إنما يصار إليه إذا لم يجد الماء بعد التماسه فوجب التفحص عنه، ويدل عليه قوله: \"فالتمسوا ماء\"، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٢٤٣).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (١/ ٢٦٩)، و\"لامع الدراري\" (٢/ ١٢٠).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٢/ ١٢١، ١٢٢).","vol":"2","page":536},{"text":"وفي هامشه: قال العيني (^١): وجه المناسبة بين البابين ما يأتي إلا بالجر الثقيل، وهو أن المذكور في الباب السابق طلب التيمن لأجل الوضوء والغسل، وههنا طلب الماء لأجل الوضوء، انتهى.\nوالأوجه عندي أن يقال: إن الإمام البخاري لما فرغ من بيان المغسولات في أعضاء الوضوء ولم يبق إلا المسح ذكر بعدها أحكام الماء الذي يحتاج إليه للغسل، وقدم طلب الماء؛ لأن وجدانه مرتب على الطلب مع ما في وقت الطلب من الاختلاف، قال ابن المنيِّر: أراد البخاري الاستدلال على أنه لا يجب طلب الماء للتطهير قبل دخول الوقت؛ لأن النبي - ﷺ - لم ينكر عليهم التأخير فدل على الجواز، كذا في \"الفتح\" (^٢)، وهكذا في \"العيني\"، وزاد: ذكر ابن بطال إجماع الأمة على أنه إن توضأ قبل الوقت فحسن، ولا يجوز التيمم عند أهل الحجاز قبل دخول الوقت، وأجازه العراقيون، انتهى.\nوفي \"تراجم (^٣) شيخ المشايخ\": قيل: إن الحديث الذي أخرجه المؤلف في هذا الباب ليس له تعلق قوي بترجمة الباب، بل هو أعلق بباب معجزاته - ﷺ -، ولو كان مذهب البخاري في هذه المسألة مثل مذهب الشافعي من أن التماس الماء واجب آخر سوى الوضوء فإثبات هذا المطلب بهذا الحديث أيضًا بعيد؛ لأنه حكاية فعله وليس فيه أمر بالالتماس.\nوعندي: أن مقصود البخاري أن عادة الصحابة كان ذلك، كانوا يلتمسون الماء ويتفحصون عنه ويفتشونه في مواضعه، وكانوا لا يكتفون بعدم حضور الماء في جواز التيمم وإظهار المعجزة أيضًا إنما هو لتكثر الماء، وكان ذلك تحصيلًا للماء وتفتيشًا له، فلو كان عدم الحضور كافيًا لما اهتمّ الناس بالتماس الوضوء، ولما فعل النبي - ﷺ - ما فعل لعدم الاحتياج، انتهى.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٢/ ٤٧٧).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (١/ ٤٧١)، و\"عمدة القاري\" (٢/ ٤٠٨).\n(^٣) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٧٧).","vol":"2","page":537},{"text":"(٣٣ -<span data-type='title' id=toc-315> باب الماء الذي يغسل به شعر الإنسان. . .) إلخ</span>\nلما ذكر في الباب السابق طلب الماء للوضوء استطرد إلى ذكر أحكام المياه من الطهارة والنجاسة؛ لأن الماء الذي يطلب للوضوء هو الذي يجوز به الوضوء ولا يبعد أن المصنف ذكر هذا الباب لمناسبة الحديث السابق الذي فيه نبع الماء من يده الشريفة التي كانت عليها الشعور، وقال السندي (^١): اعلم أن وضع هذا الباب أصالةً لبيان حكم الماء الذي يغسل به شعر الإنسان، وحكم سؤر الكلاب، ثم ذكر استطرادًا حكم ممر الكلاب، أي: إذا مرَّت الكلاب في المسجد فهل يحتاج إلى غسل البقعة التي مرت فيها أو لا؟ وكذا ذكر حكم أكل الكلاب، أي: إذا أكلت الكلاب من الصيد فهل يؤكل بقية ذلك الصيد أم لا؟ فالإضافة في أكلها من إضافة المصدر إلى الفاعل، فصار الباب موضوعًا لبيان حكم أربعة أشياء، ثم بعد أن فرغ من ذكر أدلة طهارة الماء الذي يغسل به شعر الإنسان أراد أن يزيد في الترجمة حكم شيء خامس وهو الإناء بأنه يجب غسله سبعًا ليصير الباب موضوعًا لبيان حكم خمسة أشياء، إلا أن هذا الخامس لمَّا صار بعيدًا عن الباب أعاد له اسم الباب فقال: \"باب إذا شرب الكلب. . .\" إلخ، ثم ذكر أدلة ما بقي من الأمور الخمسة، هذا ما يتعلق بتحقيق الترجمة، انتهى.\nوقال صاحب \"الفيض\" (^٢): إن المصنف - ﵀ - ذكر فيها مسألة الأنجاس والآسار دون مسألة المياه كما اختاره الحافظ إلى آخر ما فيه.\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٣): لعله قصد بذلك أنه طاهر، ونحن نقول: نعم، إلا أنَّا أمرنا بترك الانتفاع به إكرامًا له، وكذا بسائر أجزائه، فأما قول عطاء بجواز اتخاذ الخيوط والحبال فالغرض منه أن ذلك جائز نظرًا إلى طهارته وإن كانت كراهة الانتفاع تمنعه.\n_________\n(^١) \"حاشية السندي على صحيح البخاري\" (١/ ٤٤).\n(^٢) \"فيض الباري\" (١/ ٢٧١).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٢/ ١٢٣).","vol":"2","page":538},{"text":"والحاصل: أن الإباحة والحرمة قد تكونان مبنيتين على علتين متغايرتين مع وجودهما في شيء واحد، فيجوز الحكم بالحرمة أو الإباحة عينًا، نظرًا إلى تلك العلة المبنية عليها إحداهما، [وأما العلة الأخرى] فإنها تثبت فيه خلاف ما أثبته تلك العلة، وعلى هذا فقد تطرق في حكم شعر الإنسان احتمالان: إباحة الانتفاع بأجزائه نظرًا إلى الطهارة، وحرمته لما فيه من إهانته، وقد أمرنا بإكرامه، وقد ثبت أن الترجيح فيما اجتمع فيه المحرم والمبيح للمحرم، فيكون الحكم في الشعر هو الحرمة، وعلى هذا يحمل قول عطاء فافهم، انتهى.\nوبسط في هامشه اختلاف العلماء في جواز الانتفاع بالشعور.\nوفي \"تراجم (^١) شيخ المشايخ\": مذهب المؤلف في هذه المسألة مثل مذهب أبي حنيفة من أن شعر الآدمي طاهر، والماء الذي يغسل فيه أيضًا طاهر خلافًا للشافعي، وأثبت بحديثي الباب ذلك بالدلالة الالتزامية، وقول عطاء أيضًا يفيده، انتهى.\nقال الحافظ (^٢): وجه الدلالة من الحديث على الترجمة أن الشعر طاهر، وإلا لما حفظوه ولا تمنى عبيدة أن يكون عنده شعرة واحدة منه، انتهى.\nقوله: (وسؤر الكلاب) عطف على الماء، أي: وباب سؤر الكلاب، كذا في \"الفتح\"، وفي \"التراجم\" مذهب البخاري في ذلك موافق لمذهب مالك من أن سؤرها طاهر، وأمر الغسل سبعًا تعبدي، انتهى.\n\n<span data-type='title' id=toc-316>(باب إذا شرب الكلب. . .) إلخ</span>\nليس هذا في نسخة الحافظ، والروايات الآتية داخلة في الترجمة السابقة فلا يشكل أن المصنف ذكر في الترجمة السابقة سؤر الكلاب، ولم\n_________\n(^١) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٧٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٢٧٤).","vol":"2","page":539},{"text":"يأت له بحديث، ولا بذكر حديث تقبل وتدبر أيضًا؛ لأنه داخل في الباب السابق، وعلى وجود الباب كما في نسخنا فلا إشكال أيضًا لكونه بابًا في باب، وهو أصل معروف مطرد كما تقدم في الأصل السادس من أصول التراجم في الجزء الأول.\nقوله: (يغرف له به) استدل بذلك المصنف على طهارة سؤر الكلب، ولا يتم الاستدلال إلا بعد ثبوت أن شرع من قبلنا حجة لنا وأنه لم ينسخ مع احتمال أنه صبَّه في شيء وسقاه أو غسل خفه بعد ذلك أو لم يلبسه بعد، كذا في \"الفتح\" (^١).\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): ولم يثبت أن النبي - ﷺ - حين ذكر ذلك ذكر أن خفه تنجس بفعله ذلك، وكذلك قوله في الرواية الآتية: \"فقتل فكل\" ولا شك أنه يمسكه بفيه، ولم يثبت أنه ذكر تنجسه، ولا أن يقطعه فيقذفه، فكان تقريرًا منه بطهارته.\nوالجواب: أنه استغنى بذكره قبل ذلك بغسل الإناء من ولوغ الكلب عن إعادته، ومثل ذلك كثير، أفهل ذكر ههنا أن لا يأكل روثه وبوله وسائر ما لا يجوز أكله من أجزائه، وإنما اكتفى على قوله: \"كل\" بل المذكور في بعض الروايات: \"كل ما أمسك عليك\" فأورد فعل الأكل على الحيوان بأسره، أفكان ذلك أمرًا بأكل كله؟ فالجواب الجواب والخلاص الخلاص، انتهى.\nوبسط الكلام في هامشه على فقه الحديث ومذاهب الأئمة.\nقوله: (إذا أرسلت كلبك) وجه الاستدلال أنه ﵊ أمر بأكله ولم يقيِّده بغسل موضع فمه، ولا يتم الاستدلال؛ لأن الحديث سيق لإباحة صيده؛ ولا تعرض فيه للطهارة والنجاسة، والدليل عليه أنه لم يقل اغسل الدم إذا خرج من جرح نابه، فوكله إلى ما تقرر من وجوب غسل\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٢٧٨).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٢/ ١٢٥).","vol":"2","page":540},{"text":"الدم فكذلك غسل ما يماسه فاه، كذا في \"الفتح\" (^١).\n\n(٣٤ -<span data-type='title' id=toc-317> باب من لم ير الوضوء إلا من المخرجين)</span>\nقال شيخ المشايخ في \"التراجم\" (^٢): مقصود الباب مركب من الأمرين:\nالأول: وجوب الوضوء مما خرج من السبيلين مع عموم ما خرج المعتاد وغير المعتاد المنصوص في القرآن وغير المنصوص فيه الثابت بالحديث.\nوالثاني: عدم وجوب الوضوء من غير ما خرج، فأثبت ببعض ما ذكر في الباب الأول وبعض آخر الثاني، والشرَّاح في هذا المقام يطبقون مذهب المؤلف - ﵀ - على مذهب الشافعي ويقولون: معنى ترجمة الباب من لم ير الوضوء من الخارج إلا بما خرج من المخرجين حتى يكون مس الذكر ومس النساء اللذان هما ناقضان عند الشافعي باقيين في النواقض عنده أيضًا، لكن التحقيق في هذا الباب أن مذهب البخاري في هذا المسألة وراء مذهب الشافعي، وكلامه على ظاهره، فلا يكون عنده في مس الذكر ولمس النساء وضوء، ويدل على ذلك قوله: وقال جابر بن عبد الله: إذا ضحك. . . إلخ، فتأمل، وأثبت ببعض ما ذكر من الآثار في تعاليق الباب الجزء الثاني من المدعى، انتهى.\nوالمناسبة عندي بما سبق أن المذكور في السابق الأنجاس الظاهرة الموجبة للنجاسة الحقيقة، فأورد بعده الأنجاس الباطنة الموجبة للنجاسة الحكمية.\nوقال العيني (^٣): إن الباب السابق في نفي النجاسة عن شعر الإنسان وسؤر الكلب، وهذا في نفي الوضوء من غير السبيلين، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٢٧٩).\n(^٢) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٨١).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٢/ ٤٩٧).","vol":"2","page":541},{"text":"وكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): والاستدلالات التي أثبت بها المدعى غير مثبتة لها، أما من لم يتعرض لغير السبيلين فلأن تخصيص شيء بشيء في الذكر لا يدل على نفي الحكم عن جميع ما عداه، وهذا ظاهر.\nوأما ما فيه تعرّض للخارج من غير السبيلين وإثبات لعدم انتقاض الطهارة به، فلأن فيه احتمالًا غير ما فيه إثبات لمدعاهم، وإذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال، فأما أن الضحك لا ينقض الوضوء فنحن متفقون بهم فيه، وإنما الناقض هو القهقهة، وأما خلع الخف فنحن لا نقول بانتقاض وضوئه، وإنما الواجب عليه أن يغسل قدميه، وقول أبي هريرة: لا وضوء إلا من حدث، فهو يوافق المذهبين معًا، وإنما الكلام في تعيين الحدث ما هو، وإن أريد بالحدث ما فسره أبو هريرة: فساء أو ضراط، لزم عليهم البول والبراز والمني والمذي إلى غيره ذلك.\nوأما قوله: (فنزفه الدم فركع وسجد. . .) إلخ، فهو وارد على المذهبين لما فيه من تنجس الثياب أيضًا مع أنه يحتمل أن النبي - ﷺ - أمر بالإعادة إلا أن الراوي ترك ذكره، وأما ما قال: \"ما زال المسلمون يصلون في جراحاتهم\"، ففي الغير السائلة أو في حالة كونهم معذورين، وكذلك ما قال: \"ليس في الدم وضوء\" في غير السائلة، وأما إذا أخرج من البثور دمًا بعصرها فلأنه مخرج لا خارج فلا ينتقض الوضوء، وكذلك نقول في البزاق إن كان الدم مغلوبًا فيه فلا يلزم نقض الطهارة به، وأما قول الحسن وصاحبه: ليس عليه إلا غسل محاجمه، فالمعنى بذلك أنه لا يجب الغسل عليه بذلك، وإنما يكتفي فيه بغسل الموضع المتلطخ بالدم، وأما الوضوء فلا تعرض له فيه نفيًا ولا إثباتًا، وأما ما فيه من الروايات فحاصل استدلال المؤلف بها: أنه لم يذكر فيها غير ما ذكر، فعلم أن الطهارة لا تنتقض بغير المذكورات؛ لأن السكوت في محل البيان بيان، والجواب قد عرفت أن المفهوم لا يعتبر به، انتهى.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٢/ ١٢٩ - ١٤٠).","vol":"2","page":542},{"text":"وبسط الكلام في هامشه في تأييد كلمات الشيخ أشد البسط، ولا يبعد عندي أن الإمام البخاري أشار بذلك إلى اختلافهم في علة الحدث.\nففي هامش \"اللامع\": اختلفوا في موجب الوضوء على ثلاثة أقوال، فقال قوم: سبب الوجوب خروج النجس من البدن فأوجبوا الوضوء في كل خارج نجس من المخرج المعتاد وغيره، وممن قال بذلك الإمام أبو حنيفة وأصحابه والثوري وأحمد، فأوجبوا الوضوء من الدم والرعاف والقيء وغير ذلك، وقال آخرون: سببه الخروج من المخرج المعتاد فقالوا: كل ما يخرج من السبيلين ناقض للوضوء، أي: [أيُّ] شيء خرج من دم أو حصى أو غير ذلك، وممن قال بذلك الشافعي وأصحابه، وقال الآخرون منهم الإمام مالك: إن العبرة للخارج والمخرج معًا فقالوا: كل ما يخرج من السبيلين مما هو معتاد خروجه كالبول والغائط ونحوهما يوجب الوضوء وإلا فلا، انتهى.\nقوله: (وقال جابر: إذا ضحك في الصلاة. . .) إلخ، هذا إجماع في الضحك، ونحن أيضًا لا نخالفه، وإنما الخلاف في القهقهة، تفسد الوضوء عندنا، وبه قال النخعي والحسن والثوري والأوزاعي.\nقال العيني (^١): لنا في ذلك أحد عشر حديثًا مرفوعًا، منها أربعة مرسلة وسبعة مسندة، ثم ذكرها، وسبقه في ذلك الزيلعي في تخريج \"الهداية\" (^٢).\nقوله: (وقال الحسن: إن أخذ من شعره. . .) إلخ، المسألة الأولى إجماعية، والمخالف في ذلك كان حمادًا ومجاهدًا وغيرهما إذ قالوا: من قصّ أظفاره أو جزّ شاربه يعيد الوضوء، ثم استقر الإجماع على خلاف\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٢/ ٤٩٩).\n(^٢) انظر: \"نصب الراية\" (١/ ٤٧ - ٥٤).","vol":"2","page":543},{"text":"ذلك، وأما المسألة الثانية فقال الحسن وداود وغيرهما: لا يعيد الوضوء ولا يغسل رجليه، كما لو حلق رأسه بعد المسح، وأظهر قولي أحمد: يعيد الوضوء، وهو أحد قولي الشافعي، وبه قال إسحاق. وقال أبو حنيفة: يعيد غسل قدميه فقط، وهو أرجح قولي الشافعي، ومرجوح قولي أحمد. والخلاف مبني على وجوب الموالاة في الوضوء، وقال مالك: إن غسل قدميه بعد نزع الخف مكانه يجزئه، وإن أخَّره استأنف الوضوء، انتهى.\nقوله: (وقال أبو هريرة: لا وضوء إلا من حدث. . .) إلخ، أما الأحداث المختلف فيها بين العلماء كمس الذكر ولمس المرأة والقيء والحجامة فكان أبو هريرة لا يرى النقض بشيء منها، وعليه مشى المصنف، قاله الحافظ.\nقوله: (وقال جابر. . .) إلخ، الدم والقيء الفاحش ينقضان عند أحمد رواية واحدة، وبه قلنا خلافًا لمالك والشافعي.\nقوله: (وبزق ابن أبي أوفى دمًا) وتقدم قريبًا ما كتبه الشيخ في \"اللامع\".\nوفي هامشه (^١): أن الدم ناقض عند أحمد أيضًا كما قلنا، وحملوا هذه الآثار كلها على غير الفاحش، وفي تقرير مولانا محمد حسن المكي: قوله: بزق، قلنا: كان بزاقه مصفرًا لا محمرًا، والمصفر ليس بناقض عندنا أيضًا، أو هو مذهبه، انتهى.\nقوله: (وقال ابن عمر والحسن. . .) إلخ، تقدم ما كتب الشيخ من أن المراد لا يجب عليه الغسل بذلك، وأما الوضوء فلا تعرض له فيه، انتهى.\nومبنى ما أفاده الشيخ أن بعض الصحابة أوجبوا عليه الغسل، كما حكاه العيني (^٢)، كما في هامش \"اللامع\".\nقوله: (ولم يقل غندر ويحيى. . .) إلخ، كتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣):\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٢/ ١٣٩).\n(^٢) انظر: \"عمدة القاري\" (٢/ ٥٠٦).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٢/ ١٤٠).","vol":"2","page":544},{"text":"اختلفوا في معنى هذه العبارة، فقال بعضهم: معناها أنه لم يقل لفظة الوضوء، واكتفى بقوله: عليك، وقيل: بل لم يقل: عليك أيضًا؛ لأنهما معًا جملة واحدة، ونفي المؤلف لفظ الوضوء نفي للفظة \"عليك\" أيضًا، وأيا ما كان فالحاصل: أن النبي - ﷺ - تكلم ههنا بما علم منه نفي الغسل، وذكر في هامشه الكلام على هذين المعنيين، وفيه أن الأول مختار الكرماني وغيره، والثاني مختار الحافظ (^١).\n\n(٣٥ -<span data-type='title' id=toc-318> باب الرجل يوضِّئ صاحبه)</span>\nالأوجه عندي: أن هذا الباب من قبيل باب في باب كما هو الأصل المعروف من أصول التراجم وهو الأصل السادس، والغرض من هذا الباب نقض الوضوء من الغائط، ولما كانت في الحديث مسألة مهمة وهي مسألة الاستعانة في الوضوء نبَّه عليها بالترجمة.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): يعني بذلك: أن النهي الوارد في الاستعانة فيه وفي غيره من القربات ليس للتحريم، انتهى.\nوبسط الكلام في هامشه على اختلاف العلماء في مسألة الاستعانة، وهي على ثلاثة أقسام: أحدها: أن يستعين في إحضار الماء ولا كراهة فيه، والثاني: أن يستعين في غسل الأعضاء فهذا مكروه إلا لحاجةٍ، والثالث: أن يصب عليه فهذا الأولى تركه، وهل يسمى مكروهًا؟ فيه قولان، إلى آخر ما فيه، ومن أطلق الكراهة حمل فعله - ﷺ - على بيان الجواز. وبسط شرَّاح البخاري كلهم لا سيما العلَّامة العيني (^٣) في الجواز والكراهة والتفصيل فيهما.\n_________\n(^١) انظر: \"شرح الكرماني\" (٣/ ١٥)، و\"فتح الباري\" (١/ ٢٨٥).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٢/ ١٤١).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٢/ ٥١٦).","vol":"2","page":545},{"text":"(٣٦ -<span data-type='title' id=toc-319> باب قراءة القرآن بعد الحدث وغيره)</span>\nقال الكرماني (^١): وغيره، أي: غير القرآن من السلام وسائر الأذكار، انتهى.\nوقال الحافظ (^٢): وغيره، أي: من مظان الحدث.\nوتعقبهما العيني (^٣): بأنه لا وجه لمظان الحدث؛ لأنه إما حدث فيدخل فيه، وإما غير حدث فلا مدخل له في الباب، وبأنه إذا جاز قراءة القرآن فغيره من الأذكار جائز بالطريق الأولى.\nوتبعه القسطلاني (^٤): واختار مختار العيني، وتعقّب على قول الحافظ والكرماني، ويمكن عندي توجيه كلام الحافظ بأن المراد من مظان الحدث النوم للحديث الوارد في الباب، ثم جواز قراءة القرآن محدثًا مجمع عليه عند الأئمة الأربعة وجمهور العلماء، خلافًا لمن شذ من بعض السلف كما في \"الأوجز\" (^٥)، كذا في هامش \"اللامع\" (^٦).\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٧): قوله: \"باب قراءة القرآن. . .\" إلخ، يعني بذلك: أنه ذكر ولا يجب تقديم الوضوء له وإن كان الوضوء أفضل، والحمام يدخله المتطهر ومن ليس على وضوء، فلما قال منصور وإبراهيم بجواز القراءة فيه علم أنه لا يشترط لها الطهارة، وكذلك كتب الرسالة لا تخلو عن ذكر الله وآية من القرآن كالبسملة، فلما جاز كتابتها جاز التلفظ به، وكذلك التسليم عليهم، وهو ذكر يستدعي جواز الذكر على غير وضوء؛ لأنهم لما سلّم المسلم عليهم يردون عليه لا محالة وهم على غير طهارة، فعلم جواز ذكر الله تعالى على غير وضوء؛ لأن السلام ذكر، وكذلك\n_________\n(^١) \"شرح الكرماني\" (٣/ ٢٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٨٦).\n(^٣) انظر: \"عمدة القاري\" (٢/ ٥١٩).\n(^٤) انظر: \"إرشاد الساري\" (١/ ٤٧٠).\n(^٥) \"أوجز المسالك\" (٤/ ٢٢٣).\n(^٦) \"لامع الدراري\" (٢/ ١٤٢).\n(^٧) \"لامع الدراري\" (٢/ ١٤٢ - ١٤٥).","vol":"2","page":546},{"text":"الاستدلال بالرواية فإنه - ﷺ - قرأ الآيات قبل أن يتوضأ، ونوم الأنبياء وإن لم يكن ناقضًا إلا أن الليلة لا تخلو عن شيء من الملاعبة المورثة خروج المذي والبول والتخلي إلى غير ذلك، وأيضًا فإن ابن عباس فعل مثله وكان على غير طهارة، فأمكن الاحتجاج بفعله عنده - ﷺ -، انتهى.\nوفي \"تراجم (^١) شيخ المشايخ\": استدلال المؤلف بحديث الباب على جواز القراءة للمحدث باعتبار أنه - ﷺ - استيقظ بعد نوم طويل، ومضى عليه زمان طويل، فالغالب الأكثر في مثل هذا تخلل حدث من ريح أو غيره، وليس هذا استدلالًا بنقض النوم كما وهم، انتهى.\nوبسط الكلام في هامش \"اللامع\" أشد البسط في شرح كلام الشيخ قُدِّس سرُّه، وبيان اختلاف العلماء في ذلك الفروع، ولا يذهب عليك أن الحافظ (^٢): حمل كلام البخاري على الحدث الأصغر، وتبعه القسطلاني.\nوتعقبه العلامة العيني (^٣): إذ قال: قوله: بعد الحدث، قال بعضهم: أي: الحدث الأصغر.\nقلت: الحدث أعم من الأصغر والأكبر، وقراءة القرآن تجوز بعد الأصغر دون الأكبر، وكأن هذا القائل إنما خصص الحدث بالأصغر نظرًا إلى أن البخاري تعرض هنا إلى حكم قراءة القرآن بعد الحدث الأصغر دون الأكبر، ولكن جرت عادته أنه يبوّب الباب بترجمة، ثم يذكر فيه جزءًا مما تشتمل عليه تلك الترجمة، وههنا كذلك، انتهى.\nوقال صاحب \"الفيض\" (^٤): لم يفصح المصنف بأن المراد منه الأصغر أو الأكبر؟ وعلم من الخارج أنها جائزة عنده بعد الحدث الأكبر، انتهى.\nوجواز قراءة القرآن للمحدث إجماعي كما تقدم، وفي هامشي على\n_________\n(^١) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٨٥).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (١/ ٢٨٦)، و\"إرشاد الساري\" (١/ ٤٧٠).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٢/ ٥١٩).\n(^٤) \"فيض الباري\" (١/ ٢٨٥).","vol":"2","page":547},{"text":"\"البذل\" (^١) عن العلامة الشعراني (^٢): إن قراءة القرآن للجنب حرَّمها الشافعي وأحمد مطلقًا، وأبو حنيفة آية تامة، وأباح ما دونها، وأباح الإمام مالك آية أو آيتين، وأباح داود الظاهري القراءة مطلقًا.\nوبسط الكلام في هامش \"اللامع\" (^٣) على اختلاف العلماء في قراءة الجنب والحائض في \"باب تقضي الحائض المناسك كلها\" من \"كتاب الحيض\"، وفيه: مذهب داود ومن وافقهم جواز القراءة للجنب والحائض مطلقًا، قال الموفق (^٤): لا يقرأ القرآن جنب ولا حائض، ورويت الكراهة عن الشافعي وأصحاب الرأي، وحكي عن مالك القراءة للحائض دون الجنب؛ لأن أيامها تطول، فإن منعناها نسيت، إلى آخر ما بسطه.\nوفي \"المنهل\" (^٥): وقال مالك في الجنب: يقرأ الآية، ونحوها وقد حكي عنه أنه قال: تقرأ الحائض ولا يقرأ الجنب، انتهى.\nواختلفوا في جواز قراءة القرآن في الحمام، ففي هامش \"اللامع\" (^٦) عن أبي حنيفة: يكره، وعن محمد بن الحسن: لا يكره، وبه قال مالك، وإنما كره أبو حنيفة؛ لأن حكم الحمام حكم بيت الخلاء؛ لأنه موضع النجاسة، وعند الشافعية روايتان وعند أحمد خلاف الأولى، فاستحب صيانة القرآن عن الحمام، انتهى.\n\n(٣٧ -<span data-type='title' id=toc-320> باب من لم يتوضأ إلا من الغشي المثقل)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٧): دلالة الرواية على هذا المعنى ظاهرة، فإن أسماء لم تتوضأ مع عروض الغشي لها، فعلم أن كل غشي ليس بناقض، والناقض منه ما لم يبق بعده علم بحاله مطلقًا، انتهى.\n_________\n(^١) انظر: \"بذل المجهود\" (٢/ ٢١٠).\n(^٢) \"الميزان الكبرى\" (١/ ١٥٦).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٢/ ٢٥٢).\n(^٤) \"المغني\" (١/ ١٩٩).\n(^٥) \"المنهل العذب المورود\" (٢/ ٣٠٣).\n(^٦) انظر: \"لامع الدراري\" (٢/ ١٤٢).\n(^٧) \"لامع الدراري\" (٢/ ١٤٦).","vol":"2","page":548},{"text":"وفي هامشه: قال الحافظ (^١): أشار المصنف بذلك إلى الرد على من أوجب الوضوء من الغشي مطلقًا، وكونها كانت تتولى صب الماء عليها يدل على أن حواسها كانت مدركة، وذلك لا ينقض الوضوء، ومحل الاستدلال بفعلها من جهة أنها كانت تصلي خلفه - ﷺ - وكان يرى الذي خلفه وهو في الصلاة - ولم ينقل أنه أنكر عليها، انتهى.\nقال النووي (^٢): لا ينقض ما دام العقل باقيًا.\nوقال القسطلاني (^٣): ينقض إذا زال العقل بالإجماع، وقال ابن بطال: الغشي مرض يعرض من طول التعب، وهو ضرب من الإغماء إلا أنه دونه، وإنما صبت أسماء [الماء] على رأسها مدافعة له، ولو كان شديدًا كان كالإغماء، وهو ينقض الوضوء، إجماعًا.\nقال الموفق (^٤): زوال العقل على ضربين: نوم وغير نوم، أما غير النوم وهو الجنون والإغماء والسكر وما أشبهه فينقض الوضوءَ يسيرُه وكثيرُه إجماعًا، قال ابن المنذر: أجمع العلماء على وجوب الوضوء على المغمى عليه، انتهى.\nويشكل أن ظاهر كلام البخاري التفريق بين المثقل وغيره، وهو ظاهر كلام العيني (^٥) وصاحب \"الفيض\": وتقرير الشيخ الكَنكَوهي، وما يظهر من كلام الفقهاء من الشامي وأصحاب المتون نقض الوضوء منه مطلقًا، بل صرح في \"الفتاوى الهندية\" (^٦) - عالمكَيرية - بالإطلاق، فتأمل.\nاللَّهم إلّا أن يقال: إن صاحب \"الهداية\" وغيرها وإن صرحوا بأن الإغماء حدث في الأحوال كلها، لكن المراد بالأحوال في كلامهم القيام\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٢٨٩).\n(^٢) \"شرح صحيح مسلم\" (٣/ ٤٨١).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١/ ٤٧٥).\n(^٤) \"المغني\" (١/ ٢٣٤).\n(^٥) انظر: \"عمدة القاري\" (٢/ ٥٢٤)، و\"فيض الباري\" (١/ ٢٨٦)، و\"لامع الدراري\" (٢/ ١٤٦).\n(^٦) (١/ ١٢).","vol":"2","page":549},{"text":"والقعود وغيرهما كما في \"العناية\" لا الكثير المزيل للعقل، والقليل غير المزيل له، وكأنهم أخرجوا بهذا القيد النوم فإنه حدث أيضًا، لكن لا في الأحوال كلها بل في بعض الأحوال، وهي التي يكون فيها النوم مستندًا أو مضطجعًا على ما ذكروا، والتفريق هو الظاهر من تعليل الأصحاب بأنه فوق النوم في الاسترخاء؛ لأن النائم يتنبه بالتنبيه دون المغمى عليه، وهو الذي أراده البخاري استدلالًا بأن أسماء - ﵂ - صبت على رأسها الماء وقد تجلاها الغشي وهي تصلي، والنبي - ﷺ - كان يرى في صلاته خلف ظهره، فهو اطلع على ذلك، وقد وقع التصريح به في \"القدوري\" (^١) وغيره، حيث قال في نواقض الوضوء: والغلبة على العقل بالإغماء والجنون، فاعتبر الغلبة دون غيرها، وقد صرَّح الأصحاب بأن الغشي في حكم الإغماء فإذًا يعتبر فيه الغلبة أيضًا.\n\n(٣٨ -<span data-type='title' id=toc-321> باب مسح الرأس كله)</span>\nقلت: لما فرغ المصنِّف من ذكر أبواب المياه النواقض التي ذكرها استطرادًا وتبعًا لباب بباب كما تقدم، رجع إلى تكميل الوضوء مع أن في ذكره ههنا لطيفة، وهي دفع توهم يمكن أن ينشأ من الحديث السابق من قولها: أصب فوق رأسي ماءً، أن الغسل والمسح سيّان في الرأس، فتأمل، ولما أراد تكميل الوضوء أعاد ذكر غسل الرجلين رعايةً للترتيب، وذكر فيه الكعبين لئلا يبقى التكرار، كذا في هامش \"اللامع\".\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): باب مسح الرأس كله، يعني: أن الآية مطلقة، فإثبات الفرضية في البعض دون البعض ترجيح من غير موجب له، وقد ثبت مسحه - ﷺ - كله، والجواب معلوم، ولا يضر مسحه - ﷺ - كل الرأس على سبيل السُّنِّية، وإنما ضرنا لو ثبت أنه لم يمسح الناصية وما دون الكل أبدًا، وقد ثبت، فسقط الفرضية، نعم تثبت سُنِّية الكل وهي غير منكرة، وبسط الكلام على كلام الشيخ في هامش \"اللامع\" وفيه:\n_________\n(^١) \"مختصر القدوري\" (ص ٤٢).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٢/ ١٤٧).","vol":"2","page":550},{"text":"قال الحافظ (^١): وموضع الاستدلال من الحديث والآية أن لفظ الآية مجمل؛ لأنه يحتمل أن يراد منها مسح الكل على أن الباء زائدة، أو مسح البعض على أنها تبعيضية، فتبين بفعل النبي - ﷺ - أن المراد الأول، انتهى.\nوفي \"الأوجز\" (^٢): مسح جميع الرأس مستحب باتفاق العلماء، وأما مقدار المفروض فمختلف جدًا، ذكر العيني (^٣) فيه ثلاثة عشر قولًا، والمعروف منها: أن الاستيعاب فرض عند مالك، وبعض الرأس عند الشافعي، وهما روايتان لأحمد، ومقدار الناصية عندنا الحنفية، وقال الموفق (^٤): الظاهر عن أحمد وجوب الاستيعاب في حق الرجل، وأن المرأة يُجْزِئُها مسح مقدم الرأس، انتهى مختصرًا من هامش \"اللامع\".\nقوله: (فأقبل بهما وأدبر) اختلف في معناه على أقوال ذكرت في \"الكوكب\" و\"الأوجز\" و\"البذل\" (^٥) وهامشي على \"البذل\".\nوالأوجه عندي في معناه: أن الواو لمطلق الجمع للرواية الآتية قريبًا في \"باب الوضوء من التور\" عن عبد الله بن زيد بنفسه بلفظ: \"أدبر بيديه وأقبل\".\n\n(٣٩ -<span data-type='title' id=toc-322> باب غسل الرجلين)</span>\nهذا الباب في محله لكونه بعد مسح الرأس في اختتام الوضوء.\nوفيه: أن الإمام البخاري لم يراع الترتيب على ما عليه الشراح حتى يحتاج إليه ههنا، وعندي في ذكر هذا الباب في هذا الموضع نكتة لطيفة أيضًا، وهي أن المؤلف ذكره تأييدًا لما سبق من مسح الرأس كله، فإن الرجل إذا يغسل إلى الكعبين ويستوعبه الغسل فأي وجه أن لا يستوعب\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٢٩٠).\n(^٢) \"أوجز المسالك\" (١/ ٣٤٨).\n(^٣) انظر: \"البناية\" (١/ ١٦٧).\n(^٤) \"المغني\" (١/ ١٧٦).\n(^٥) انظر: \"بذل المجهود\" (١/ ٥٥٤)، و\"أوجز المسالك\" (١/ ٣٤٩)، و\"الكوكب الدري\" (١/ ٦٣).","vol":"2","page":551},{"text":"المسح الرأس كله، والنظر الدقيق يومئ أن الإمام أشار بذلك إلى مسح الأذنين، فإن الأذنين من الرأس كالكعبين للأرجل.\n\n(٤٠ -<span data-type='title' id=toc-323> باب استعمال فضل وضوء الناس. . .) إلخ</span>\nاختلف الشرَّاح في المراد بالفضل هل هو الباقي في الإناء أو المتقاطر من الأعضاء، أي: الماء المستعمل؟ وذكر الكرماني (^١) الاحتمالين، ورجح الثاني، والحافظ الأول (^٢)، وقال السندي (^٣): أراد بالفضل ما يعم الباقي في الظرف والمتقاطر من الأعضاء.\nوالأوجه عندي: أن الفضل لما كان محتملًا للمعنيين نبَّه عليه المصنف بالبابين.\nوالأوجه عندي: أنه أشار بالباب الأول إلى الماء المتقاطر، أي: المستعمل، كما هو ظاهر الروايات الواردة في هذا الباب، لا سيما رواية قصة الحديبية، وأشار بالباب الثاني بلا ترجمة إلى المعنى الثاني، أي: الباقي في الظرف.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٤): قوله \"باب استعمال فضل. . .\" إلخ، واستدلاله هذا مبني على عدم الفصل بين الطاهر والطهور، وبينهما فرق لا يخفى، والذي يثبت بالرواية طهارة الماء المستعمل وهو مسلَّم، وأما الرواية الثانية فلم تقم فيها قربة حتى يلزم زوال الماء عن صفته، والكلام فيه، فكأنه لم يفرق بين الغسل لأجل قربة وبينه بدونها، وكذلك الرابعة لا تثبت إلا جواز شربه وهو مسلَّم.\nوالحاصل: أن النزاع في طهورية الماء الذي أقيمت به قربة، والذي أثبتوه بالروايات أعم من ذلك فلا يفيد، انتهى.\n_________\n(^١) انظر: \"شرح الكرماني\" (٣/ ٣٢).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (١/ ٢٩٥).\n(^٣) \"حاشية السندي على صحيح البخاري\" (١/ ٤٧).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٢/ ١٤٨ - ١٥٠).","vol":"2","page":552},{"text":"وكلام الشيخ قُدِّس سرُّه مبني على اختلافهم في حكم الماء المستعمل، وبسط الكلام على ذلك في هامش \"اللامع\"، والجملة: أن فيه عن الإمام أبي حنيفة ثلاث روايات.\nالأولى: طاهر لا طهور، وهو رواية محمد عنه، وهو قوله وقول الشافعي في الجديد، وظاهر مذهب أحمد كما في \"المغني\" (^١)، وإحدى الروايتين عن مالك، وهو المفتى به عند الحنفية.\nوالثانية: نجس نجاسة خفيفة، وهي رواية أبي يوسف عنه.\nوالثالثة: نجس نجاسة غليظة، وهي رواية الحسن عنه، وعن أحمد: أنه طاهر ومطهر، وبه قال أهل الظاهر، ورواية عن مالك والشافعي، انتهى ملخصًا من هامش \"اللامع\".\nوفي هامشي على \"البذل\" (^٢) عن ابن رسلان أن مذهب مالك أنه طاهر ومطهر، وفي \"المنهل\": قال مالك: إنه طاهر مطهر.\nوحكى مولانا حسين علي اللاهوري في تقريره عن شيخه الكَنكَوهي قُدِّس سرُّه: المذهب عندنا أن الماء المستعمل طاهر غير طهور، أما الطهارة فللحديثين الآتيين، وأما عدم طهوريته فمما يعلم من عدم أمره - ﷺ - أن يتوضأ بالوضوء الذي وضئ به مع عدم الماء في حالات السفر، وأما الماء المستعمل القليل إذا اختلط بالماء الآخر فيتوضأ لطهارته ومغلوبيته، وعليه يدل أمر جرير أهله، انتهى.\n\n<span data-type='title' id=toc-324>(باب)</span>\nبلا ترجمة، وهذا معلوم أن الباب بلا ترجمة كالفصل من الباب السابق كما تقدم في الجزء الأول في الأصل العشرين من أصول التراجم.\n_________\n(^١) \"المغني\" (١/ ٣٤).\n(^٢) \"بذل المجهود\" (١/ ٤٠).","vol":"2","page":553},{"text":"وفي هامش \"اللامع\" (^١): أن حديث السائب هذا ذكر عليه في رواية المستملي فقط لفظ الباب، ولم يذكره الباقون، وإن لم يكن هناك باب فلا إشكال، وإن كان هناك باب فالأوجه عندي كما تقدم في الباب السابق أن فضل الماء يتناول النوعين: المتساقط من الأعضاء وهو الماء المستعمل، والباقي في الظرف، فالإمام البخاري أشار بالباب الأول إلى النوع الأول من الفضل، وبهذا الباب إلى النوع الثاني، يعني: إلى الباقي في الإناء، وأجاد المصنف عندي بذكر \"باب المضمضة. . .\" إلخ، فإنه أدل على جواز استعمال الماء المستعمل الذي أراد المصنف إثباته، ولذا ذكره بعد هذا عندي، انتهى ما في هامش \"اللامع\".\nوفي تقرير مولانا حسين علي: أورد هذا الباب؛ لأن قوله: \"شربت من وضوئه\" يحتمل أن يكون المراد به الباقي بعد الوضوء، فيكون هذا الباب مغايرًا بالباب السابق، وأن يكون المراد المستعمل فيكون موافقًا للسابق، لكن فيه فائدة أخرى، وهي بيان الخاتم، انتهى.\nقوله: (ذهبت بي خالتي) قال الحافظ في المناقب (^٢): لم أقف على اسمها، وأما أمه فاسمها علبة بنت شريح أخت مخرمة بن شريح، انتهى.\nتنبيه: هذا الباب ذكره شيخ الهند في الجدول الرابع، ورقم عليه نقطتين، وقد تقدم أنه إشارة إلى أنه حذف الترجمة لكون الحديث الذي فيه يتعلق بالباب السابق.\n\n(٤١ -<span data-type='title' id=toc-325> باب من مضمض. . .) إلخ</span>\nأجاد المصنف عندي بذكر هذا الباب ههنا؛ لأنه أدل على جواز استعمال الماء المستعمل الذي أراد المصنف إثباته؛ لأن الاستنشاق يكون بفضل المضمضة، ولذا ذكره ههنا عندي، وتبويبه بلفظ: \"من قال كذا\"\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٢/ ١٥٠، ١٥١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ٥٦٢).","vol":"2","page":554},{"text":"إشارة إلى أن المصنف لم يجزم بذلك كما تقدم في الأصل الثالث من أصول التراجم.\nوالمسألة خلافية معروفة بسطت في المطولات، وللشافعي، فيه خمسة أوجه: منها: كونهما بست غرفات، حكاه الترمذي عن الإمام الشافعي، وهو السُّنَّة عندنا الحنفية، وهو مسلك المالكية كما في \"الأوجز\" (^١)، واختلفت الروايات عن الحنابلة كما حكاها العيني في \"شرح البخاري\" (^٢)، وظاهر كلام الموفق (^٣) أن المرجح عند الإمام أحمد كونهما بغرفة واحدة.\n\n(٤٢ -<span data-type='title' id=toc-326> باب مسح الرأس مرة)</span>\nوالغرض من الترجمة عندي: الإشارة إلى الرد على الشافعية حيث قالوا بتثليث المسح خلافًا للجمهور، ومنهم الأئمة الثلاثة إذ قالوا بتوحيد المسح، وخلافًا لابن سيرين إذ قال بالمسح مرتين: مرة للفرض ومرة للسُّنَّة، كذا في هامشي على \"البذل\"، وبسط الشيخ الكلام على الدلائل في \"البذل\" (^٤)، وفيه: قال الحافظ (^٥): ويحمل ما ورد من الأحاديث في تثليث المسح - إن صحت - على إرادة الاستيعاب بالمسح؛ لأنها مسحات مستقلة بجميع الرأس جمعًا بين الأدلة.\nوالأوجه عند هذا العبد الضعيف في توجيه روايات التثليث ما في \"أبي داود\" (^٦) من حديث الربيع بنت معوذ، ولفظه: \"فمسح الرأس كله من قرن الشعر كل ناحية لمنصب الشعر لا يحرك الشعر عن هيئته\"، ولا يبعد عندي أن المؤلف - ﵀ - أشار بالترجمة أيضًا إلى طهارة الماء المستعمل، فإنه إذا بدأ المسح ثم أمر اليدين يكون الباقي على الكف من البلل ماءً مستعملًا.\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (١/ ٣٤٦).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٢/ ٥٠٣).\n(^٣) \"المغني\" (١/ ١٧٠).\n(^٤) \"بذل المجهود\" (١/ ٥١٥).\n(^٥) \"فتح الباري\" (١/ ٢٩٨).\n(^٦) \"سنن أبي داود\" (ح: ١٢٨).","vol":"2","page":555},{"text":"(٤٣ -<span data-type='title' id=toc-327> باب وضوء الرجل مع امرأته)</span>\nهذا الجزء من الترجمة كالشرح للأحاديث الواردة في وضوء الرجال والنساء معًا بأن المراد بالنساء نساؤهم لا مطلقًا، فلا حاجة لحملها على ما قبل الحجاب ونحو ذلك من التأويلات.\nوقوله: (وفضل وضوء المرأة)، قال العيني (^١): بالجر عطفًا على قوله: وضوء الرجل، انتهى. إشارة إلى مسألة خلافية شهيرة، فقد قال النووي (^٢): أما تطهر الرجل والمرأة من إناء واحد فهو جائز بإجماع المسلمين، وكذا تطهر المرأة بفضل الرجل جائز إجماعًا، وأما تطهر الرجل بفضلها فذهب جمهور الصحابة والتابعين والأئمة الثلاثة إلى جوازه سواء خلت به أو لم تخل، وقال أحمد وداود: لا يجوز إذا خلت به، كذا في هامش \"اللامع\" (^٣)، وما حكي من الخلاف في المسألتين اللتين حكى النووي فيهما الإجماع فشاذ.\nقوله: (وتوضأ عمر بالحميم. . .) إلخ، قال الحافظ (^٤): والظاهر أن أهله وامرأته كانت تتوضأ بفضله أو معه فناسب الباب، انتهى.\nوتعقبه العيني (^٥) أشد التعقب بقوله: أين الظهور؟ وكذا أنكر القسطلاني (^٦) مناسبة هذين الأثرين، وقال: في رواية ابن عساكر حذف الأثران وهو أولى.\nوفي \"اللامع\" (^٧): ودلالته على الترجمة؛ لأن عمر لما لم يسأل أنها هل مسته بإلقاء اليد فيه كما هو العادة في أن الناس يلقون أصابعهم في الماء على النار، يرون بذلك مقدار حرارته، فلما لم يستفسره عمر علم أن\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٢/ ٥٤٧).\n(^٢) انظر: \"المجموع\" (٢/ ١٩٠).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٢/ ١٥١).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١/ ٢٩٩).\n(^٥) \"عمدة القاري\" (٢/ ٥٤٧).\n(^٦) \"إرشاد الساري\" (١/ ٤٨٩).\n(^٧) \"لامع الدراري\" (٢/ ١٥١ - ١٥٤).","vol":"2","page":556},{"text":"الحكم لا يتفاوت دون ذلك، وكذلك الكلام في وضوئه من بيت النصرانية فإنه لم يسأل هل مسته أم لا؟ وهل ألقت يدها فيه أم لا؟ فعلم أنه لا تفاوت فيهما، انتهى.\nقال الحافظ (^١): ومن عادة البخاري التمسك بنحو ذلك عند عدم الاستفصال، انتهى.\nوما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه بقوله: كما هو العادة في أن الناس يلقون أصابعهم. . . إلخ، هو أصل معروف من أصول التراجم للبخاري، وهو الأصل التاسع والأربعون، وما أفاده الحافظ من عدم الاستفصال، وقال: ومن عادة البخاري. . . إلخ، وهو أصل مستقل مزيد على الأصول السبعين المذكورة في الجزء الأول، فهو الأصل الحادي والسبعون.\nثم لا يذهب عليك أن نسخ البخاري مختلفة في ذكر الواو على لفظ: \"من بيت النصرانية\"، وكلام الشيخ المذكور قبل مبني على وجوده، ولذا ذكر في كلامه مسألتين مختلفتين، وهو المرجح عند الحافظ والبسط في هامش \"اللامع\"، وفيه أيضًا: قال القسطلاني (^٢): لا خلاف في استعمال سؤر النصرانية؛ لأنه طاهر، خلافًا لأحمد وإسحاق وأهل الظاهر، واختلف قول مالك في الكراهة وعدمه، انتهى.\n\n(٤٤ -<span data-type='title' id=toc-328> باب صب الوضوء على المغمى عليه)</span>\nيحتمل أن يكون المراد بعض الماء الذي توضأ به أو مما بقي منه، والأول المراد، فللمصنف في \"الاعتصام\": \"ثم صب وضوءه عليّ\" (^٣)، كذا في \"الفتح\" (^٤).\nوالأوجه عند هذا العبد الضعيف أن المراد الباقي في الإناء، وما ذكر الحافظ من حديث الاعتصام لا يؤيد مختاره، بل الظاهر منه أيضًا\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٢٩٩).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١/ ٤٨٩).\n(^٣) \"صحيح البخاري\" (ح: ٧٣٠٩).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١/ ٣٠١).","vol":"2","page":557},{"text":"ما اخترت، ولا يظهر لمختار الحافظ غرض خاص للترجمة؛ لأن مسألة طهارة المستعمل تقدمت في الباب السابق، فالأوجه عندي في غرض الترجمة أنه أشار إلى فضل ماء الوضوء الباقي في الإناء، فإنه أثر في إفاقة المغمى عليه، ولذا قالت العلماء بجواز شربه قائمًا واستثنائه من كراهة الشرب قائمًا.\nقوله: (إنما يرثني كلالة) وفي تقرير مولانا محمد حسن المكي: اللفظ مشترك بين المورث الذي ليس له ولد ولا والد، وبين الوارث الذي لا والد له ولا ولد، وبسط الأقوال في تفسير الكلالة في التفسير من هامش \"اللامع\" (^١).\n\n(٤٥ -<span data-type='title' id=toc-329> باب الغسل والوضوء في المخضب. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): وكلمة \"في\" دالة على كونها ظروفًا لفعله سواء كان بجلوسه فيه كما فعله النبي - ﷺ -، أو بحيث يقطر غسالته، فإن ذلك نوع من الوضوء فيه، فإنك إذا توضأت في حوض بحيث يقطر الغسالة فيه، فإنك تقول حينئذ: توضأت في الحوض، وأما الوضوء من المخضب والقدح فإنه لا يصدق إلا إذا كنت تأخذ الماء منه ثم تغسل العضو بحيث لا يعود إلى الظرف ثانيًا، وذلك لما في كلمة \"من\" من معنى الابتداء، وعلى هذا فلا تكرار في الترجمة كما يتوهم، فافهم واغتنم، ولكنه مفتقر إلى مزيد تدبر لما أن بعض ألفاظ الروايات آبٍ عن ذلك.\nوفي هامشه: قال الحافظ (^٣): المخضب بكسر الميم وسكون الخاء وفتح الضاد: المشهور أنه الإناء الذي يغسل فيه الثياب من أي جنس كان، وقد يطلق على الإناء صغيرًا أو كبيرًا، والقدح أكثر ما يكون من الخشب مع ضيق فمه، وعطف الخشب على الحجارة ليس من عطف العام على الخاص بل بينهما عموم وخصوص من وجه، انتهى.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٩/ ٥٩).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٢/ ١٥٥ - ١٥٧).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١/ ٣٠١).","vol":"2","page":558},{"text":"وفي \"الكرماني\" (^١): قال ابن بطال: فائدة هذا الباب أن الأواني كلها من جواهر الأرض، ونباتها طاهرة إذا لم يكن فيها نجاسة، انتهى مختصرًا من هامش \"اللامع\".\nوما أفاده الشيخ من قوله: فلا تكرار في الترجمة، أوضحه في هامش \"اللامع\" إذ فيه: لله درُّ الشيخ ما أجاد في دفع توهم التكرار في هذه الترجمة [والترجمة] الآتية من قوله: \"باب الوضوء من التور\"؛ لأن غرض الباب الأول لما كان بيان طهارة الأواني لم تبق فاقة إلى ذكر الباب الآتي، ويقوي الإشكال ما قال العيني (^٢) في الباب الأول: وقد وقع في بعض النسخ بعد قوله: والحجارة \"والتور\" بفتح المثناة الفوقية، قال الجوهري: هو إناء يشرب فيه، زاد المطرزي: صغير، وفي تقرير المكي: قوله - أي: في الحديث -: تور من صفر، فيه تجريد، فإن التور يكون من الحجارة، انتهى.\nقلت: فإذا كان ذكر التور في الباب الأول أيضًا فلا يمكن التوقي عن التكرار إلا بما أفاده الشيخ، وعلى هذا فيندفع الإشكال الآخر عندي أيضًا، وهو ذكر حديث أنس في البابين معًا، فيؤول بأن ذكره في الباب الأول باعتبار إدخاله - ﷺ - يده الشريفة فيه، وذكره في الباب الثاني باعتبار توضؤ الصحابة ﵃ أجمعين، فتأمل وتشكر، ولا يشكل عليه أن مجرد إدخال اليد في القدح لا يطلق عليه الوضوء في القدح؛ لأن الإمام البخاري لم يفرق بين الاستعمال لأجل القربة وغيرها كما تقدم قريبًا في كلام الشيخ في \"باب استعمال وضوء الناس\" ولذلك ذكر حديث أبي موسى في الباب المذكور وفي هذا الباب الذي نحن بصدده، وهذا واضح، وعلى هذا فلا يشكل بذكر حديث أبي موسى في البابين، ويدفع به ما قال القسطلاني تبعًا للكرماني أن حديث أبي موسى المذكور في الباب لا مناسبة له\n_________\n(^١) \"شرح الكرماني\" (٣/ ٤٢).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٢/ ٥٥٥).","vol":"2","page":559},{"text":"بالترجمة، وكذا ما قال السندي (^١). أما حديث أبي موسى فلم يكن هناك وضوء أصلًا بل هو استعمال في أعضاء الوضوء لا على وجه التوضؤ، انتهى.\nقوله: (عن أبي موسى) قال القسطلاني تبعًا للكرماني: لا مناسبة له بالباب، وسكت الحافظ، ولم يجد العيني مخلصًا إلا بقوله: ومناسبته ظاهرة، وتقدم الكلام على هذه الرواية إجمالًا في كلام \"اللامع\" وهامشي في ذيل ترجمة الباب.\nقوله: (عبد الله بن زيد. . .) إلخ، مناسبته ظاهرة لما تقدم قريبًا في \"باب غسل الرجلين إلى الكعبين\" بلفظ: \"فدعا بتور من ماء فتوضأ لهم وضوء النبي - ﷺ -، فأكفأ على يديه من التور فغسل يديه ثلاثًا، ثم أدخل يده في التور فمضمض\" الحديث، وتقدم أيضًا قريبًا في \"باب مسح الرأس مرة\".\n\n(٤٦ -<span data-type='title' id=toc-330> باب الوضوء من التور)</span>\nبفتح المثناة: شبه الطست، وقيل: هو الطست، وفي حديث المعراج: \"أتي بطست من ذهب فيه تور من ماء\" (^٢) وهو يقتضي المغايرة، ويحتمل الترادف، فإن الطست أكبر من التور، كذا في \"الفتح\" (^٣).\nوتقدم الفرق بين هذه الترجمة والسابقة في الباب السابق، وقد يقال: إنه ترجم بهذا الباب لمزيد الاهتمام؛ لأنه ورد في بعض طرق حديث الباب أن التور كان من صفر كما تقدم في الباب السابق، وقد روي عن ابن عمر أنه كره الصفر في الوضوء والنحاس والرصاص وما أشبه ذلك، فكأن المصنف أشار إلى الرد عليه، والله أعلم.\n_________\n(^١) \"حاشية السندي على صحيح البخاري\" (١/ ٣٧).\n(^٢) قوله: \"تور من ماء\" كذا في الأصل، وهو سبق \"قلم\"، والصواب: \"تور من ذهب\" انظر: \"صحيح البخاري\" كتاب التوحيد (ح: ٧٥١٥)، و\"فتح الباري\" (١/ ٣٠٣)، و\"عمدة القاري\" (٢/ ٥٦١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١/ ٣٠٣).","vol":"2","page":560},{"text":"قوله: (بقدح رحراح) بمهملات الأولى مفتوحة بعدها ساكنة، أي: متسع الفم، قال الخطابي: الرحراح الإناء الواسع الصحن القريب القعر.\nقلت: وهذه الصفة شبيهة بالطست، وبهذا يظهر مناسبة هذا الحديث بالترجمة، قاله الحافظ (^١).\n\n(٤٧ -<span data-type='title' id=toc-331> باب الوضوء بالمد)</span>\nقال الحافظ في آخر الباب السابق (^٢): واستدل الشافعي بهذا الحديث على رد قول من قال من أصحاب الرأي: إن الوضوء مقدر بقدر من الماء معين، ووجه الدلالة أن الصحابة اغترفوا من ذلك القدح من غير تقدير؛ لأن الماء النابع لم يكن قدره معلومًا لهم فدل على عدم التقدير، وبهذا يظهر مناسبة تعقيب المصنف هذا الحديث بباب الوضوء بالمد، انتهى.\nولم أتحصل بعد ما أفاده الحافظ؛ لأن ما حكى من مسلك أصحاب الرأي أن الوضوء مقدر بقدر معين من الماء ليس بصحيح، ففي \"الأوجز\" (^٣): قال القاري: ثم الإجماع على أنه لا يشترط قدر معين في ماء الوضوء والغسل، ولكن يسن أن لا ينقص ماء الوضوء عن مد، وماء الغسل عن صاع تقريبًا، انتهى.\nوعده صاحب \"الدر المختار\" (^٤) من سنن الغسل، نقل ابن عابدين عن \"الحلية\": نقل غير واحد إجماع المسلمين على أن ما يجزئ في الوضوء والغسل غير مقدر بمقدار، وما في ظاهر الرواية: من أن أدنى ما يكفي في الغسل صاع، وفي الوضوء مد للحديث المتفق عليه، ليس بلازم بل هو بيان أدنى القدر المسنون، قال في \"البحر\": حتى [إن من] أسبغ بدون ذلك أجزأه، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٣٠٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٣٠٤).\n(^٣) \"أوجز المسالك\" (١/ ٥٠١، ٥٠٢).\n(^٤) (١/ ٢٩٤).","vol":"2","page":561},{"text":"قلت: وكذلك في غيرها من كتب الحنفية، فنسبة الخلاف فيه إلى الحنفية لا يصح، وفي \"الأوجز\" أيضًا أن الباجي حكى الاختلاف عن الشيخ أبي إسحاق دون أبي حنيفة وهو الصواب، فإن مقدار الماء عندنا من السنن كما تقدم.\nثم لا يذهب عليك أن مؤدى الأحاديث الواردة في هذا المعنى كلها عند الجمهور بيان مقدار الماء، لكن في \"الأوجز\" (^١): قال الباجي: قولها: \"كان يغتسل من إناء\" يحتمل معنيين:\nأحدهما: أنه يغتسل من هذا الإناء وإن استعمل اليسير من مائه أو كله أو أكثر منه، فيتناول ذلك إباحة الوضوء بذلك الإناء.\nوالثاني: أنه يستعمله في غسله ملء ذلك الإناء فتقصد به الإخبار عن مقدار الماء.\nقلت: فيكون الحديث على الاحتمال الأول من بيان ظروف الوضوء والغسل لا من باب مقدار الماء لهما، لكن لفظ أبي عبيد في \"كتاب الأموال\" برواية صفية عن عائشة بلفظ: \"يتوضأ بقدر الماء ويغتسل بقدر الصاع\" يؤيد المعنى الثاني، وكذلك لفظ مجاهد [عن عائشة قالت: والله] إن كنت لأغتسل أنا ورسول الله - ﷺ - من الجنابة بصاع من ماء جميعًا، انتهى ما في \"الأوجز\".\nوفيه أيضًا عن ابن العربي أنه [قال:] إذا قلنا: إنه يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع، فمعناه بالصاع كيلًا لا وزنًا؛ لأن كيل المد والصاع بالماء أضعافه بالوزن، فتفطن لهذه الدقيقة، انتهى.\nواختلاف العلماء في مقدار المد أنه رطلان أو رطل وثلث، معروف، بعد إجماعهم أن الصاع أربعة أمداد، فالمد عند الإمام الأعظم رطلان، وعند صاحبيه وبه قال الأئمة الثلاثة: رطل وثلث، وبسط الكلام على الدلائل في \"البذل\" (^٢) و\"الأوجز\".\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (١/ ٥٠٠)، و\"المنتقى\" (١/ ٩٥).\n(^٢) \"بذل المجهود\" (١/ ٤٧٥).","vol":"2","page":562},{"text":"(٤٨ -<span data-type='title' id=toc-332> باب المسح على الخفين)</span>\nقال القاري (^١): أخّره عن الوضوء تأخير النائب عن المناب، والمسح هو إصابة اليد المبتلة بالعضو، وشرط مسح الخف ثلاثة أمور: كونه ساتر القدم مع الكعب، وكونه مشغولًا بالرجل ليمنع سراية الحدث، وكونه مما يمكن متابعة المشي المعتاد فيه فرسخًا فأكثر، وعن ابن المبارك: ليس في المسح على الخفين عن الصحابة اختلاف؛ لأن كل من روي عنهم إنكاره روي إثباته، وصرَّح جمع من الحفاظ بأن أحاديثه متواترة المعنى، وسئل أنس بن مالك عن علامات أهل السُّنَّة فقال: أن تحب الشيخين، ولا تطعن الختنين، وتمسح على الخفين، وروي عن الإمام أبي حنيفة في شرائط أهل السُّنَّة أنه قال: أن تفضل الشيخين، وتحب الختنين، وتمسح على الخفين، وقال ابن عبد البر: لا أعلم أحدًا أنكره إلا مالكًا في رواية، أنكرها أكثر أصحابه، والروايات الصحيحة عنه مصرَّحة بإثباته، و\"موطؤه\" يشهد للمسح في الحضر والسفر، وعليها جميع أصحابه، انتهى.\nوأثبت الباجي رجوع الإمام إلى المسح في السفر والحضر، واتفقت الأمة كلها على جوازه إلا شرذمة من المبتدعة كالخوارج والشيعة إلى آخر ما في \"الأوجز\" (^٢) وفيه: قيل: إنه من خصائص هذه الأمة، انتهى.\nقوله: (سأل عمرَ عن ذلك) كتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): ولعله لم يعتمد على قول سعد، أو قصد مزيد اطمئنان، انتهى.\nوقد ورد في الروايات أن سعدًا أمره بذلك، ففي \"الموطأ\" لمالك (^٤): أن ابن عمر قدم الكوفة على سعد بن أبي وقاص وهو أميرها، فرآه عبد الله بن عمر يمسح على الخفين، فأنكر ذلك عليه، فقال له سعد: سل أباك إذا قدمت عليه، فقدم عبد الله فنسي أن يسأل عمر عن ذلك حتى قدم\n_________\n(^١) \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٢١٢).\n(^٢) \"أوجز المسالك\" (١/ ٤٣٦، ٤٣٧).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٢/ ١٥٨).\n(^٤) \"موطأ مالك\" (٧٢).","vol":"2","page":563},{"text":"سعد فقال: أسألت أباك؟ فقال: لا، فسأله عبد الله، الحديث، إلى آخر ما في هامش \"اللامع\"، وفيه: يشكل على هذه الروايات كلها ما روي عن ابن عمر من روايات المسح على الخفين مرفوعًا، وبسط في الجواب عنه في \"الأوجز\"، وحاصله: ترجيح رواية البخاري، أو يقال: إن رواية الرفع من مراسيل ابن عمر، ومراسيل الصحابة معروفة معتبرة، انتهى.\nوأما ما رواه الطبراني في \"معجمه الصغير\" (^١): عن أبي سلمة عن ابن عمر وسعد بن أبي وقاص - ﵄ - قالا: رأينا رسول الله - ﷺ - يمسح على الخفين، فإنه هان كان صريحًا في الرفع ورؤية ابن عمر المسح دافعًا لاحتمال الإرسال، إلا أنها رواية منكرة مخالفة لرواية الثقات، قال الميموني: سألت أحمد عن هذا الحديث فقال: ليس بصحيح، ابن عمر ينكر على سعد المسح، انتهى.\nأي: فكيف يصح قوله: رأينا، فإنه لو رآه لما أنكر على سعد، وقال الحافظ (^٢): ويحتمل أن يكون ابن عمر إنما أنكر المسح على الخفين في الحضر لا في السفر، انتهى.\nقلت: ولكن يشكل عليه ما رواه الطبراني في \"الكبير\" عن حميد الرؤاسي عن الحسن العصاب عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ - في المسح على الخفين: \"للمقيم يوم وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام ولياليهن\"، قال الهيثمي (^٣): رواه القطيعي من زياداته على \"مسند أحمد\"، وأبو يعلى والبزار، والطبراني في \"الكبير\" و\"الأوسط\"، ورجال البزار وأبي يعلى ثقات، وهذا الحديث لا يرد على ما اخترت من أنه يحتمل أن يكون سمعه من غيره، والله تعالى أعلم.\nقوله: (يمسح على عمامته) وبسط الكلام عليه في \"الأوجز\" (^٤)، وفيه:\n_________\n(^١) \"المعجم الصغير\" (رقم ٥٩٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٣٠٦).\n(^٣) انظر: \"مجمع الزوائد\" (١٣٨٤).\n(^٤) \"أوجز المسالك\" (١/ ٤٣٤).","vol":"2","page":564},{"text":"قال الجمهور منهم الأئمة الثلاثة: إن مسح العمامة لا يجزئ حتى يمسح الشعر بالماء، وأباحه لبعض الآثار الإمام أحمد وداود وغيرهما، مع الخلاف بينهم في التوقيت والشرائط، وقال الإمام محمد في \"موطئه\" (^١): بلغنا أن المسح على العمامة كان فترك، ولم يتعرض له الشيخ في \"اللامع\" ههنا؛ لأنه قد أجمل الكلام على ذلك في \"الكوكب\" و\"الدر المنضود على سنن أبي داود\" (^٢).\n\n(٤٩ -<span data-type='title' id=toc-333> باب إذا أدخل رجليه. . .) إلخ</span>\nقال شيخ المشايخ في \"التراجم\" (^٣): أي: \"باب شرط المسح على الخفين أن يكون إذا أدخل رجليه وهما طاهرتان\".\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٤): قوله: \"أدخلتهما طاهرتين\" فعلم أن اللبس طاهرًا عن الحدث كاف في جواز المسح، ولا يشترط لجواز المسح كمال الطهارة وقت اللبس، انتهى.\nوفي هامشه: أشار الشيخ بذلك إلى جزئية خلافية بين العلماء، وهي أن رجلًا مثلًا عكس الترتيب، فغسل رجليه أولًا ولبسهما ثم أتم الوضوء، فقال: الأئمة الثلاث: إنه لا يجوز له المسح، وقالت الحنفية: يجوز له المسح، انتهى مختصرًا.\nقلت: وظاهر تبويب الإمام البخاري يوافق الحنفية كما ترى.\n\n(٥٠ -<span data-type='title' id=toc-334> باب من لم يتوضأ من لحم الشاة. . .) إلخ</span>\nقال شيخ المشايخ في \"تراجمه\" (^٥): الحديث الذي أخرجه المؤلف في هذا الباب لا يدل إلا على عدم التوضؤ بعد أكل لحم الشاة، ولم يعقد\n_________\n(^١) انظر: \"التعليق الممجد على موطأ محمد\" (١/ ٢٨٧).\n(^٢) انظر: \"الكوكب الدري\" (١/ ١٣٥)، و\"بذل المجهود\" (١/ ٦٢٧).\n(^٣) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٨٨).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٢/ ١٥٩).\n(^٥) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٨٩).","vol":"2","page":565},{"text":"الباب لأجل هذا الحديث بباب عدم التوضؤ مما مسته النار كما فعله مالك وغيره من المحدِّثين؛ لأنه لا يدخل فيه عدم التوضؤ بعد أكل لحم الإبل، والحديث لا يدل على ذلك، بل الثابت بالحديث الآخر عن جابر أن النبي - ﷺ - أمر بالوضوء، بعد أكل لحوم الإبل، والحكمة في إبقاء لزوم التوضؤ بعد أكل لحم الإبل زمانًا، ثم نسخه أن أهل المدينة كانوا قد أخذوا من اليهود حرمة الإبل وكانوا عليها وكانت طبائعهم اعتادت بها، فأمر رسول الله بأكل لحومها وأبقى حكم الوضوء بعد أكلها إلى زمان استئناسًا بهم ودفعًا للوحشة عنهم حتى يقبلوا الأحكام بالتدريج، انتهى.\nقال الحافظ (^١): ليس في حديث الباب ذكر السويق إلا أنه من باب الأولى؛ لأنه إذا لم يتوضأ من اللحم مع دسومته فعدمه من السويق أولى ولعله أشار بذلك إلى حديث الباب الذي بعده، انتهى.\nوالظاهر عندي: أن الباب الآتي جزء من هذا، فلا يشكل بذكر الكتف فيه كما سيأتي.\nثم ههنا مسألتان خلافيتان شهيرتان:\nالأولى: مسألة الوضوء مما مست النار، وكان الخلاف فيها في السلف من الصحابة والتابعين معروفًا، ثم استقر الإجماع على أن لا وضوء مما مست النار، والخلاف فيه شاذ.\nوالمسألة الثانية: الوضوء من لحم الإبل، قال أحمد: بالوضوء منه خلافًا للأئمة الثلاث.\nقال الحافظ: نص المصنف على لحم الشاة ليندرج ما هو مثلها وما دونها بالأولى، وأما ما فوقها فلعله يشير إلى استثناء لحوم الإبل؛ لأن من خصه من عموم الجواز علَّله بشدة دسومته، فلهذا لم يقيِّده بكونه مطبوخًا، وهو قول أحمد، انتهى مختصرًا.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٣١١).","vol":"2","page":566},{"text":"(٥١ -<span data-type='title' id=toc-335> باب من مضمض من السويق. . .) إلخ</span>\nقال شيخ المشايخ في \"التراجم\" (^١): هذا الباب من قبيل الباب في الباب؛ لأنه يشتمل على ما عقد له الباب السابق مع فائدة أخرى، وههنا كذلك؛ لأنه ثبت بهذا الباب عدم التوضؤ من أكل السويق الذي عقد له الباب السابق، واستحباب المضمضة الذي علم منه فائدة أخرى، وهو حمل الوضوء الوارد في السويق وسائر ما مست النار على غسل الفم واليدين، فاحفظ هذا التقرير فإنه ينفعك في مواضع من البخاري، وأكثر الشرَّاح في أمثال هذا المقام قد خبطوا كثيرًا، انتهى.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): قوله: \"فمضمض ومضمضنا\" وقد مرَّ غير مرة ما يدلك على أن زيادة الباب ههنا لتضمن الرواية مسألةً مستقلةً، فلا ينافي ذكر لحم كتف الشاة في هذا الباب تناسب الأبواب لأنه متعلق بالترجمة السابقة، انتهى.\nوفي هامشه: حاصل ما أفاده الشيخ أن هذا الباب من قبيل باب في باب، وهذا الأصل معروف مطرد في أصول التراجم كما تقدم في الأصل السادس، وعلى هذا يندفع ما يشكل على الباب السابق أنه - ﵁ - ترجم بالسويق ولم يأت له بحديث، ويندفع أيضًا ما يشكل من ذكر حديث ميمونة في هذا الباب وليس فيه ذكر السويق، وبذلك جزم شيخ المشايخ في \"التراجم\" كما تقدم.\nوقال السندي (^٣): باب من مضمض من سويق، أي: وغيره كاللحم، وأشار بالاكتفاء على ذكر السويق إلى أن حكم اللحم ونحوه من المأكولات في المضمضة يعلم من حكم السويق بالأولى، ولذلك ذكر حديث اللحم في\n_________\n(^١) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٩٠).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٢/ ١٦٠).\n(^٣) \"حاشية السندي على صحيح البخاري\" (١/ ٥٠).","vol":"2","page":567},{"text":"الباب تنبيهًا على أن المضمضة وإن ترك ذكرها في حديث اللحم لكنها معتبرة حكمًا بدلالة حكم السويق بالأولى، انتهى.\nوقال الحافظ (^١): وليس في حديث ميمونة ذكر المضمضة التي ترجم بها، فقيل: أشار بذلك إلى أنها غير واجبة بدليل تركها في هذا الحديث، مع أن المأكول دسم يحتاج إلى المضمضة منه، فتركها لبيان الجواز.\nوأفاد الكرماني: أن في نسخة الفربري التي بخطه تقديم حديث ميمونة هذا إلى الباب الذي قبله، فعلى هذا هو من تصرف النساخ، انتهى.\n\n(٥٢ -<span data-type='title' id=toc-336> باب هل يمضمض من اللبن)</span>\nلعل الإمام البخاري أشار بلفظ \"هل\" إلى ما رواه أبو داود (^٢)، بإسناد حسن عن أنس \"أنه ﵊ شرب لبنًا فلم يمضمض\"، أو يقال: إن المصنف أشار بلفظ \"هل\" إلى أن قوله ﵊: \"إن له دسومة\" يشير إلى أن المضمضة للدسومة لا لمجرد شرب اللبن، فإن شرب أحد لبنًا ليس فيه دسومة كما هو المعروف في هذا الزمان من اللبن الذي يقال له \"سبريتا\" لا يمضمض منه، وهو اللبن الذي أخرج منه الزبد، وقد تقدم البسط في الأصل الثاني والثلاثين من الأصول المتقدمة على الأبواب المترجمة بلفظ: \"هل\".\nقوله: (وقتيبة) قال الحافظ (^٣): هذا أحد الأحاديث التي أخرجها الأئمة الستة (^٤) غير ابن ماجه عن شيخ واحد وهو قتيبة، وقد أخرج ابن ماجه (^٥) هذا الحديث بلفظ الأمر \"مضمضوا من اللبن\"، والدليل على أن\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٣١٣).\n(^٢) \"سنن أبي داود\" (ح: ١٩٧).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١/ ٣١٣).\n(^٤) انظر: \"صحيح البخاري\" (ح: ٢١١)، و\"صحيح مسلم\" (ح: ٣٥٨)، و\"سنن أبي داود\" (ح: ١٩٦)، و\"سنن النسائي\" (ح: ١٨٧)، و\"سنن الترمذي\" (ح: ٨٩).\n(^٥) \"سنن ابن ماجه\" (ح: ٤٩٨).","vol":"2","page":568},{"text":"الأمر للاستحباب حديث أنس بإسناد حسن عند أبي داود \"أنه ﵊ شرب لبنًا فلم يتمضمض\"، وأغرب ابن شاهين فجعل حديث أنس ناسخًا لحديث ابن عباس، ولم يقل أحد بالوجوب حتى يقال بالنسخ، انتهى.\nقلت: والشرَّاح عامة نقلوا استحباب المضمضة من اللبن، ونقلوا عليه الإجماع، وما يظهر لهذا العبد الضعيف أن في المسألة ثلاثة مذاهب للسلف كما بسطت في هامش \"الكوكب\":\nالأول: الوجوب، كما قال به بعض السلف مستدلين بأحاديث الأمر، وروي عن أبي سعيد: لا وضوء إلا من اللبن؛ لأنه يخرج من بين فرث ودم، وعن أبي هريرة نحوه.\nوالثاني: الاستحباب، وهو مذهب الجمهور.\nوالثالث: ترك الاستحباب، وإليه أشار ابن أبي شيبة (^١) في تبويبه بلفظ: \"من كان لا يتوضأ ولا يمضمض\"، وأخرج فيه عن طلحة [قال:] سألت أبا عبد الرحمن عن الوضوء من اللبن قال: من شراب سائغ للشاربين، انتهى ما في هامش \"الكوكب\" (^٢) مختصرًا.\n\n(٥٣ -<span data-type='title' id=toc-337> باب الوضوء من النوم. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٣): ودلالة الروايتين على هذا المعنى واضحة، وذلك أنه لمَّا لم يعلم بما يخرج من فيه وقت النعسة فأولى أن لا يعلم بالخارج من إسته إذا نام ورقد، فإن الغفلة في النوم أزيد منها في النعسة، انتهى.\nوفي هامشه: ظاهر السياق أن الإمام البخاري ترجم بمسألتين:\n_________\n(^١) \"مصنف ابن أبي شيبة\" (١/ ٥٨).\n(^٢) \"الكوكب الدري\" (١/ ١٢٣، ١٢٤).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٢/ ٢٥١).","vol":"2","page":569},{"text":"أولاهما: إثبات الوضوء بالنوم، والثانية: عدم الوضوء بالنعسة، والرواية بظاهرها لا تدل على واحدة منهما، وظاهر كلام الشيخ أنه جعل الترجمة مسألة واحدة وهي الأولى، وإثباتها بما قرره ظاهر، وهو عدم الإدراك بخروج الريح، وهو الموجب للوضوء في النوم.\nوظاهر كلام شيخ المشايخ في \"التراجم\" (^١) أنه أيضًا جعل الترجمة مسألة واحدة لكنها هي الثانية إذ قال: استدل المؤلف بظاهر الحديث فإنه - ﷺ - لما علل قوله: \"فليرقد\" بقوله: \"فإن أحدكم. . .\" إلخ، مع قرب التعليلات لصيرورته محدثًا إلى الذهن، علم أن الحدث لا يتحقق بالنعسة، وإلا لما ترك التعليل الذي هو أقرب ذاهبًا إلى ما علل به، وأمثال هذه الاستدلالات للمؤلف كثيرة فاحفظ فإنه ينفعك، انتهى.\nوهذا هو الأصل السادس والثلاثون من أصول التراجم.\nوحكى الكرماني (^٢) عن ابن بطال في إثبات الترجمة أنه لما أوجب ﵊ قطع الصلاة لغلبة النوم دلّ أنه إذا كان النعاس أقل من ذلك ولم يغلب عليه أنه معفو، ولا وضوء فيه.\nقال الكرماني: وأقول: سمَّاه النبي - ﷺ - مصليًا حالة النعاس، فعلم أن النعاس ليس بحدث، وقال: ذكر - ﷺ - العلة الموجبة للقطع أن يخلط الاستغفار بالسب، فصار بمنزلة من لا يعلم ما يقول من سكر الخمر الذي نهي عن مقاربة الصلاة فيها، ومن كان كذلك لا تجوز صلاته، انتهى مختصرًا.\nقال الحافظ (^٣): وحمله المهلب على ظاهره فقال: إنما أمر بقطع الصلاة لغلبة النوم عليه، فدل على أنه إذا كان النعاس أقل من ذلك عفي عنه، انتهى.\n_________\n(^١) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٩٠).\n(^٢) \"شرح الكرماني\" (٣/ ٦١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١/ ٣١٤).","vol":"2","page":570},{"text":"وعلى هذا يثبت الجزءان من الترجمة، وأثبتهما السندي (^١) أيضًا لكن بطريق آخر قريب مما أفاده شيخ المشايخ إذ قال: كأن المصنف استدل بالحديث على أن النعاس لا ينقض الوضوء، إذ لو كان ناقضًا لما منع الشارع عن الصلاة خشية السب، بل وجب أن يذكر أنه لا تصح صلاته مع النعاس لانتقاض الوضوء، فإذا لم ينتقض به تعين أن يكون الانتقاض بالنوم إذ لا مساغ للقول بعدم الانتقاض أصلًا، انتهى.\nوفي تقرير مولانا محمد حسن المكي رحمه الله تعالى قوله: الوضوء من النوم، ولم يورد لهذا حديثًا لشهرته فاكتفى فيه بالشهرة، وجاز أن يكون المراد باب حكم الوضوء من النوم، أي: نوم المصلي، ونوم المصلي؛ كالنعاس في عدم استرخاء المفاصل، فلما لم يكن النعاس ناقضًا كما ثبت بالحديث لم يكن نوم المصلي أيضًا ناقضًا بالقياس عليه، انتهى، وهو دقيق جدًا، وعلى هذا يكون الترجمة جزءًا واحدًا، وهو نوم المصلي خاصة، ويكون ذكر النعسة كالدليل له، ويكون رأي الإمام البخاري موافقًا لما يأتي من مذهب الحنفية أن النوم على هيئة الصلاة ليس بناقض.\nثم قال الحافظ (^٢): ظاهر كلام البخاري أن النعاس يسمى نومًا، والمشهور التفرقة بينهما، وأن من قرَّت حواسه بحيث يسمع كلام جليسه ولا يفهم معناه فهو ناعس، وإن زاد على ذلك فهو نائم.\nقوله: (أو الخفقة) بفتح المعجمة وإسكان الفاء، قال ابن التين: هي النعسة، وإنما كرر لاختلاف اللفظ كذا قال، والظاهر أنه من الخاص بعد العام، قال أهل اللغة: خفق رأسه إذا حركها وهو ناعس، انتهى.\nولذا قال شيخ الإسلام في شرحه: الخفقة: منتهى النعاس، انتهى ما في هامش \"اللامع\".\nوبسط فيه بعد ذلك اختلاف الأئمة في نقض النوم.\n_________\n(^١) \"حاشية السندي\" (١/ ٥١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٣١٣).","vol":"2","page":571},{"text":"(٥٤ -<span data-type='title' id=toc-338> باب الوضوء من غير حدث)</span>\nكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^١): إنه يستحب ولا يجب، فدلَّت أولى الروايتين على جزئين، والثانية على ثانيهما، انتهى.\nيعني: ثبت ندب التجديد بفعله ﵊، وجواز عدمه بتقريره - ﵇ -.\nوالظاهر عندي: أن المصنف أراد بذلك الرد على من قال بإيجاب الوضوء لكل صلاة.\nقال الحافظ (^٢) بعد ما حكى عن الجمهور نسخ الوجوب لكل صلاة: وذهب إلى استمرار الوجوب قوم كما جزم به الطحاوي، ونقله ابن عبد البر عن عكرمة وابن سيرين وغيرهما، واستبعده النووي وجنح إلى تأويل ذلك إن ثبت عنه، وجزم بأن الإجماع استقر على عدم الوجوب، انتهى مختصرًا من هامش \"اللامع\".\n\n(٥٥ -<span data-type='title' id=toc-339> باب من الكبائر. . .) إلخ</span>\nلعل غرض المصنف التنبيه على أن عدم الاستتار من الكبائر ردًا على من قال كابن بطال: إن العذاب قد يكون على الصغائر أيضًا كما ذكر قوله الحافظ (^٣) وذكر مستدله والتعقب عليه.\nقوله: (عن مجاهد عن ابن عباس. . .) إلخ، وهذا الحديث من منتقدات الدارقطني، قال القسطلاني (^٤): وانتقد الدارقطني على المؤلف إسقاط طاوس من السند الأول، وقال الترمذي بعد أن أخرجه: رواه المنصور عن مجاهد عن ابن عباس، وحديث الأعمش أصح، يعني: المتضمن للزيادة.\nقال الحافظ: إخراج البخاري الحديث على الطريقين يقتضي صحتهما\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٢/ ١٦٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٣١٦).\n(^٣) انظر: \"فتح الباري\" (١/ ٣١٧).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (١/ ٥١٧).","vol":"2","page":572},{"text":"عنده، فيحمل على أن مجاهدًا سمعه من طاوس عن ابن عباس ثم سمعه من ابن عباس بلا واسطة أو العكس، ويؤيده أن في سياقه عن طاوس زيادة على ما في روايته عن ابن عباس، وصرح ابن حبان بصحة الطريقين معًا، انتهى.\n\n(٥٦ -<span data-type='title' id=toc-340> باب ما جاء في غسل البول)</span>\nقال ابن بطال: أراد المصنف أن المراد في الحديث من البول بول الناس لا بول سائر الحيوان، فلا حجة فيه لمن استدل به على العموم، وكأنه أراد الرد على الخطابي إذ قال: فيه دليل على نجاسة الأبوال كلها، ومحصل الرد أن العموم في رواية البول مخصوص ببوله لرواية أخرى، كذا في \"الفتح\" (^١).\nوأفاد شيخ المشايخ في \"التراجم\" (^٢): أن مذهب البخاري في ذلك مثل الشافعي من نجاسة بول الإنسان دون ما يؤكل لحمه، انتهى.\nقلت: ليس هذا مذهب الشافعي بل هو وجه لبعض الشافعية، نعم هو مذهب مالك ورواية لأحمد، وأخرى له: نجس، وهو مذهب الشافعية والحنفية، وفي \"النور الساري\": ولم يذكر سوى بول الناس، هذا من فقه المصنف لما أن فيه ضميرًا يرجع إلى صاحب القبر، وغرضه منه التنبيه على أن بول الناس لا بد أن يغسل، وليس الكلام في الأبوال الباقية وإن فيها اختلافًا كثيرًا، انتهى.\nقوله: (إذا تبرز لحاجته. . .) إلخ، قال شيخ المشايخ في \"التراجم\" (^٣): التبرز وإن كان في متفاهم العرف يحمل على الغائط لكن الصحابي لما حكى فعله وهو الذهاب إلى الفضاء، والذهاب إليه قد يكون للبول أيضًا فبالنظر إلى هذا العموم استدل البخاري بالحديث على ثبوت الغسل من البول، ومثل هذا الاستدلال كثير شائع عند المؤلف، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٣٢١).\n(^٢) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٩٣).\n(^٣) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٩٣).","vol":"2","page":573},{"text":"قلت: هذا هو الأصل الخمسون من أصول التراجم المتقدمة في الجزء الأول من هذه التراجم، ويمكن عندي أن يقال: إن البول لازم للبراز عادة، وفيه قصة معروفة لأستاذ الأساتذة ملا جيون مؤلف \"نور الأنوار\".\n\n<span data-type='title' id=toc-341>(باب)</span>\nبلا ترجمة، وفي \"تراجم (^١) شيخ المشايخ\": ليس هذا الباب في كثير من النسخ، والصحيح عدمه.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): ولعل زاد لفظ الباب ههنا نظرًا إلى إطلاق البول ههنا فيعم كل بول، وتقييده بالإنسان في الأول، ثم لا يتوهم أن النهي إنما هو مختص ببول نفسه فلا ضير في بول غيره ولو إنسانًا؛ لأن الحكم في مثل هذا لا يتفاوت بين رجل رجل، انتهى.\nوفي هامشه: حاصل ما أفاده الشيخ: أنه لما كان في بعض طرق الحديث لفظ البول مطلقًا بدون التقييد ببوله نبَّه عليه بلفظ الباب إشارةً إلى مستدل من قال بالتحرز عن الأبواب كلها، وكذا حكى مولانا حسين على في تقريره إذ قال: ولعله أدخل لفظ الباب إشارةً إلى أنه ذكر في هذا الحديث لفظ البول بلا ضمير نفسه، انتهى.\nوبسط في هامش \"اللامع\" أقوال الشرَّاح مبسوطًا، وفي آخره: وقد عرفت مما سبق أن الشراح والمشايخ كلهم اختلفوا في توجيه الغرض في هذا الباب على أقوال عديدة:\nمنها: رأي شيخ المشايخ أن الباب ههنا لا يصح.\nومنها: رأي القطب الكَنكَوهي أنه للتنبيه على عموم البول.\nومنها: رأي شيخ الهند أنه للتنبيه على كون البول موجبًا لعذاب القبر.\n_________\n(^١) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٩٣).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٢/ ١٦٧ - ١٧٠).","vol":"2","page":574},{"text":"قلت: ولذا رقم الشيخ عليه في الجدول الرابع في آخر تراجمه نقطة واحدة كما عرفت في الجزء الأول من هذه التراجم، وهو عنده علامة لتشحيذ الأذهان.\nومنها: رأي الحافظ أنه للتنبيه على وجوب غسل ما انتشر من البول على المحل.\nومنها: رأي العلامة العيني أنه للتنبيه على الاختلاف في السند.\nومنها: رأي الكرماني أنه للتنبيه على وجوب غسل البول.\nوالأوجه عند هذا العبد الضعيف: أنه للتنبيه على وجوب الاستنجاء، أي: الاستبراء والاستجمار للبول، إلى آخر ما في الهامش.\n\n(٥٧ -<span data-type='title' id=toc-342> باب ترك النبي - ﷺ </span>-)\nلما كان أوامر النبي - ﷺ - بتنظيف المساجد وتطييبها وتطهيرها تقتضي أن تصان عن النجاسات، وإن وقعت منعت ما أمكن، ومقتضاها أن البائل يمنع عنه على الفور لئلا يكثر النجاسة، ترجم المصنف لحديث الباب تنبيهًا على أن المفسدة إذا تزيد بالمنع لا تمنع، فإن البول لا يمنع غالبًا بعد الشروع، ولو امتنع تضرر، وإن هرب بالزجر تفشو النجاسة على بقع المسجد.\nوفي \"تراجم\" (^١) شيخ المشايخ: غرض الباب أنه إذا أقبل أمران متعارضان في كليهما مفسدة اختير أهونهما، وكان الأهون ههنا تركه حتى يفرغ؛ لأن تنجس المسجد أمر قد فرغ عنه، فلا يفيد النهي طائلًا إلا إضرارًا وإهلاكًا إياه، انتهى مختصرًا.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): لما كان التشديد في أمر البول يقتضي\n_________\n(^١) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٩٤).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٢/ ١٧١).","vol":"2","page":575},{"text":"أن يشدد في مثل ما فعله الأعرابي وضع بابًا للإشارة أن من المفاسد ما هي مختارة خوفًا من أكثر منها، ومن أشد منها، فلو قطعوا على الأعرابي بوله لربما أدَّى إلى تنجيس سائر المسجد وتنجيس ثياب نفسه، أو كان ذلك مورثًا له مرضًا، انتهى.\n\n(٥٨ -<span data-type='title' id=toc-343> باب صب الماء على البول في المسجد)</span>\nلعل المصنف أشار إلى مسألة خلافية، وهي أن الأرض تطهر بصب الماء كما عليه الجمهور، أو يشترط له الحفر أيضًا كما نقلوه عن الحنفية وإن لم يصح النقل عنهم، نعم هذا قول المروزي إذ قال: لا تطهر الأرض إلا بأن تحفر أو يجعل على ظاهرها تراب فتصير النجاسة باطنة، كما في \"الأوجز\" (^١)، أو تطهر بالجفاف أيضًا كما هو مذهب الحنفية وأحد أقوال الثلاثة مع الحنفية، ولا يبعد أن يقال: إن الغرض دفع ما يتوهم من صب الماء الزيادة في تنجيس المسجد.\nوفي هامش \"اللامع\" (^٢): لم يتعرض له الشيخ ههنا كدأبه في هذا التقرير أنه لا يتعرض غالبًا عما تقدم الكلام عليه، فإنه - ﵀ - قد قرر على ذلك في تقرير الترمذي المعروف \"بالكوكب الدري\" (^٣)، ثم أجمل الكلام مرة ثانية في تقرير أبي داود المعروف \"بالدر المنضود\" ولفظه: قوله: \"صبوا عليه سجلًا من ماء\"، وذلك لإزالة النتن ودفع الوسواس وإن كانت تطهر باليبس أيضًا، ولأن الماء حين جرى ذهب بالنجاسة عن هذا الموضع فطهر للصلاة والتيمم، وباليبس لم تطهر إلا للصلاة غير التيمم، ولم يتعرض الشيخ أيضًا بباب بول الصبيان في \"اللامع\" لتقدم الكلام عليه في \"الكوكب\" (^٤).\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (١/ ٦٥٢).\n(^٢) انظر: \"لامع الدراري\" (٢/ ١٧١).\n(^٣) انظر: \"الكوكب الدري\" (١/ ١٨٦).\n(^٤) انظر: \"الكوكب الدري\" (١/ ١٠١).","vol":"2","page":576},{"text":"<span data-type='title' id=toc-344>(باب يهريق الماء على البول)</span>\nليس هذا الباب في النسخ الهندية ولا في أكثر النسخ المصرية، بل هو موجود في نسخة القسطلاني (^١)، وقال: سقط الباب والترجمة في رواية الأصيلي والهروي وابن عساكر، وقال السندي (^٢): هذا الباب ساقط عند كثير وسقوطه هو الوجه، والله أعلم، انتهى.\nولا يبعد عندي أن يكون الغرض أن الحكم لا يختص بالمسجد.\nقال الحافظ (^٣): ويستدل به أيضًا على عدم اشتراط نضوب الماء؛ لأنه لو اشترط لتوقفت طهارة الأرض على الجفاف، وكذا لا يشترط عصر الثوب إذ لا فارق، قال الموفق في \"المغني\" بعد أن حكى الخلاف: الأولى الحكم بالطهارة مطلقًا؛ لأن النبي - ﷺ - لم يشترط في الصب على بول الأعرابي شيئًا، انتهى.\nوقال ابن عابدين (^٤): ولو أريد تطهيرها - أي: الأرض - عاجلًا يصبّ عليها الماء ثلاث مرات وتجفف في كل مرة بخرقة طاهرة، وكذا لو صب عليها الماء بكثرة حتى لا يظهر أثر النجاسة، كذا في \"شرح المنية\" و\"الفتح\"، وفي \"الهداية\" (^٥): ثم لا بد من العصر في كل مرة في ظاهر الرواية؛ لأنه هو المستخرج، انتهى.\nقلت: ولا يخفى أن حديث الباب ليس بوارد على الحنفية، بل هو مؤيد لهم؛ إذ قالوا بالطهارة إذا صب الماء بكثرة كما تقدم في كلام ابن عابدين، وأما اشتراط العصر وغيره فقال في \"الدر المختار\" (^٦): وهذا كله، أي: الغسل والعصر ثلاثًا فيما ينعصر، وتثليث الجفاف في غيره إذا غسل في إجانة، أما لو غسل في غدير أو صبّ عليه ماءٌ كثير، أو جرى\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١/ ٥٢٣).\n(^٢) \"حاشية السندي\" (١/ ٥٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١/ ٣٢٥).\n(^٤) \"رد المختار\" (١/ ٥١٢).\n(^٥) \"الهداية\" (١/ ٣٨).\n(^٦) انظر: \"رد المختار\" (١/ ٥٤٢).","vol":"2","page":577},{"text":"عليه الماء طهر [مطلقًا] بلا شرط عصر وتجفيف وتكرار غمس هو المختار، انتهى بزيادة من ابن عابدين.\n\n(٥٩ -<span data-type='title' id=toc-345> باب بول الصبيان)</span>\nقال شيخ المشايخ في \"التراجم\" (^١): غرضه أن التطهير من بول الصبيان يحصل بإتباع الماء لنضحه ولا حاجة إلى الغسل كما هو مذهب الشافعي، انتهى.\nقال الحافظ (^٢): وهل يلتحق به بول الصبايا أم لا؟ وفي الفرق أحاديث ليست على شرط المصنف، انتهى.\nقلت: الخلاف فيه مشهور، والأصح من الأقوال الثلاثة للشافعية التفريق، وبه قال أحمد، والثاني النضح فيهما، والثالث الغسل فيهما، وهما شاذان، وبالثالث قلنا ومالك، ولم يقل أحد من الأئمة الأربعة بطهارة البول خلافًا لداود الظاهري، ثم التفريق لعفونة بولها أو لسعة مخرجها، أو خفف في الصبي لكثرة حبه، والحرج يجلب التيسير، والعيني (^٣): جعل الثالث أقوى.\nقوله: (بصبي) واختلف في اسم هذا الصبي، قال الحافظ (^٤): والذي يظهر لي أنه ابن أم قيس، ويحتمل أنه الحسن أو الحسين لما ورد في الروايات من بولهما، وقال العيني (^٥): وأظهر الأقوال عندي أنه عبد الله بن الزبير، انتهى.\nوقيل: سليمان بن هاشم أو ابن هشام، وهؤلاء كلهم بالوا في حجر النبي - ﷺ -، وقد نظمهم بعضهم:\n_________\n(^١) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٩٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٣٣٥).\n(^٣) انظر: \"عمدة القاري\" (٢/ ٦١٤).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١/ ٣٢٦).\n(^٥) \"عمدة القاري\" (٢/ ٦١٣).","vol":"2","page":578},{"text":"قد بال في حجر النبي أطفال … حسن حسين ابن الزبير بالوا\nوكذا سليمان بن هشام (^١) … وابن أم قيس جاء في الختام\nانتهى ملخصًا من \"الأوجز\" (^٢)\n\n(٦٠ -<span data-type='title' id=toc-346> باب البول قائمًا وقاعدًا)</span>\nكتب شيخ المشايخ في \"التراجم\" (^٣): أي: هو جائز، أثبت بالحديث الأولَ والثانيَ بالطريق الأولى، وهكذا قرره الشرَّاح.\nوعندي: أن غرض المؤلف من عقد الباب ليس إلا إثبات جواز البول قائمًا، فكأنه قال: يجوز البول قائمًا أيضًا، ولا ينحصر جوازه في القعود فقط.\nقلت: ما قالته الشرَّاح هو الأصل التاسع عشر المتقدم في الجزء الأول من أصول التراجم.\nوفي هامش \"اللامع\" (^٤): قال ابن بطال وتبعه الكرماني: إن دلالة الحديث على القعود بطريق الأولى.\nوقال الحافظ (^٥): يحتمل أن يكون أشار بذلك إلى حديث عبد الرحمن بن حسنة الذي أخرجه النسائي وغيره، فإنه فيه: \"بال رسول الله - ﷺ - جالسًا فقلنا: انظروا إليه يبول كما تبول المرأة\"، إلى آخر ما بسطه الحافظ.\nوهذا أيضًا أصل مطَّرد عند الحافظ كما تقدم في الأصل الثامن والثلاثين، من الأصول المتقدمة.\n_________\n(^١) وفي \"شرح الإقناع\" (١/ ٣٢٠): \"بني هشام\"، والصواب: \"بن هشام\".\n(^٢) \"أوجز المسالك\" (١/ ٦٤٤).\n(^٣) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٩٦).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٢/ ١٧٢).\n(^٥) \"فتح الباري\" (١/ ٣٢٨).","vol":"2","page":579},{"text":"وتعقب العيني (^١) على كلام ابن بطال والحافظ معًا ثم قال: والأحسن أن يقال: لم يذكر القعود لشهرته وعمل الناس عليه، أو إشارةً إلى أنه لم يجد على شرطه، انتهى.\nولا يدخل في هذا الأصل التاسع والثلاثين؛ لأن جواز البول قاعدًا متفق عليه. والأوجه عندي: أن الإمام البخاري مال في ذلك إلى مسلك من أباحه مطلقًا؛ كسعيد بن المسيب وعروة بن الزبير، وقال مالك: إن كان في مكان لا يتطاير منه شيء فلا بأس به وإلا فمكروه، ومذهب الحنابلة كما في \"المغني\" (^٢): يستحب أن يبول قاعدًا لئلا يترشش، وفي \"نيل المآرب\" (^٣): ولا يكره البول قائمًا ولو لغير حاجة بشرطين: الأول: أن يأمن تلويثًا، والثاني: أن يأمن ناظرًا، وقال عامة العلماء: إنه مكروه كراهة تنزيه إلا لعذر، وهو مذهب الحنفية، فلما كان مختلفًا فيه أثبت جوازه ولم يذكر للقعود دليلًا لكونه متفقًا عليه، وزاد لفظ القعود في الترجمة لئلا يوهم أفضليته، فإنه لو ترجم بالبول قائمًا وذكر فيه حديث الباب أوهم استحبابه لكونه فعله - ﷺ -، انتهى ملخصًا من هامش \"اللامع\" بزيادة من \"الأوجز\" (^٤).\n\n(٦١ -<span data-type='title' id=toc-347> باب البول عند صاحبه. . .) إلخ</span>\nوفي \"تراجم (^٥) شيخ المشايخ\": الغرض من عقد الباب أن ما نقل عنه - ﷺ - \"أنه كان إذا تبرز أبعد في المذهب\" مخصوص بالغائط لانكشاف العورة من كلا الجانبين، وأما عند البول فيجوز أن يبول مستترًا بالحائط وصاحبه خلفه، انتهى.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٢/ ٦٢٠).\n(^٢) \"المغني\" (١/ ٢٢٣).\n(^٣) \"نيل المآرب\" (١/ ٥٣).\n(^٤) انظر: \"أوجز المسالك\" (١/ ٦٤٩).\n(^٥) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٩٧).","vol":"2","page":580},{"text":"قال الحافظ (^١): كان المعروف من عادته التباعد، وخالف عادته الشريفة، فقيل: لعله أطال المجلس حتى احتاج إلى البول، فلو أبعد لتضرر، واستدنى حذيفة ليستره من خلفه من رؤية من لعله يمر به، وكان قدَّامه مستورًا بالحائط، أو لعله فعله لبيان الجواز، ثم هو في البول وهو أخف من الغائط لاحتياجه إلى زيادة التكشف، ولما يقترن به من الرائحة، انتهى.\n\n(٦٢ -<span data-type='title' id=toc-348> باب البول عند سباطة قوم)</span>\nبضم المهملة بعدها موحدة، هي المزبلة والكناسة تكون بفناء الدور، وتكون في الغالب سهلة لا يرتد فيها البول على البائل، وكذا في \"الفتح\" (^٢).\nولعل المصنف أشار بذلك إلى ما ذكره الحافظ بحثًا أن إضافتها إلى القوم إضافة اختصاص لا ملك؛ لأنها لا تخلو عن النجاسة، وبهذا يندفع إيراد من استشكله لكون البول يوهي الجدار، ففيه إضرار، أو نقول: إنما بال فوق السباطة لا في أصل الجدار، وهو صريح رواية أبي عوانة في \"صحيحه\"، وقيل: يحتمل أنه ﵊ علم إذنهم بذلك بالتصريح أو بغيره، أو لكون ذلك مما يتسامح الناس به، أو لعلمه بإيثارهم إياه بذلك، أو لكونه يجوز له التصرف في مال أمته؛ لأنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وهذا وإن كان صحيح المعنى لكن لم يعهد ذلك من سيرته ومكارم أخلاقه - ﷺ -، انتهى ملخصًا من \"الفتح\".\nوفي \"تراجم (^٣) شيخ المشايخ\": قصد المؤلف إثبات أن البول على سباطة قوم غير محتاج إلى الاستئذان منهم؛ لأن سباطة القوم غالبًا يكون محلًا للأنجاس، فلا ضرر لهم بذلك، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٣٢٩).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٣٢٨).\n(^٣) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٩٧).","vol":"2","page":581},{"text":"(٦٣ -<span data-type='title' id=toc-349> باب غسل الدم)</span>\nسكت الشرَّاح عن غرض المؤلف، ولا يبعد عندي أن يكون غرضه التنبيه على أنه لا بد للدم من غسله، فهو متعين فيه وإن كان الوارد فيه أيضًا ألفاظ النضح والرش وغيرهما، فلعل المصنف ذكره فيما بين روايتي النضح والفرك تنبيهًا على أنهما لا يكفينا فيه، والأوجه أن تكون الترجمة شارحة لحديث النضح الوارد فيه.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): يعني بذلك: أنهم وإن اختلفوا في نقض الوضوء بخروجه إلا أنهم متفقون على نجاسته، ثم الرواية الأولى لغسل الثوب، والثانية لغسل البدن، انتهى.\nوفي هامشه: وهو كذلك، إلا أنه اختلفوا في مقدار ما يعفى من الدم وبسط فيه اختلافهم في ذلك، وفيه أيضًا: لا يذهب عليك أن الإمام البخاري ترجم بمعنى ذلك ثلاثة أبواب: الأول هذا، والثاني سيأتي في \"كتاب الحيض\" من \"باب غسل دم الحيض\"، والثالث ما فيه أيضًا \"باب غسل المحيض\"، فلا بد من تفريق الأغراض في الثلاثة، إلى آخر ما بسط في هامش \"اللامع\".\n\n(٦٤ -<span data-type='title' id=toc-350> باب غسل المني وفركه. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٢): أما الجزء الأول من أجزاء الترجمة فثابت من لفظ الروايتين معًا، وأما الثالث فبلفظ الجنابة، وهو مطلق يعم جنابة الرجل والمرأة، وأما الثاني منها فثابت قياسًا؛ لأن الصلاة لما جازت في الثوب الباقي فيه أثر المني تجوز أيضًا في الثوب الذي فرك منه المني ولم يغسل، وذلك لحصول المقصود فيهما، وهو تقليل النجاسة، فإن المني لما فيه من كثرة الابتلاء لم يعزم إزالته بالكلية، بل عفي قليله وإن\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٢/ ١٧٣).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٢/ ١٧٥ - ١٧٧).","vol":"2","page":582},{"text":"كان نجسًا، وعلى هذا فلا يفوت شيء من أجزاء الترجمة الثلاثة، انتهى.\nوفي هامشه: ذكر الإمام البخاري في الترجمة ثلاثة أجزاء: والأول منها ثابت بلا مرية بخلاف الأخيرين، وأجاد الشيخ في إثباتها كلها فللَّه درُّه، وأما الشرَّاح فاختلفوا فيها كما سترى، أما الجزء الثاني وهو الفرك فقال الكرماني (^١): إن قلت: الحديث لا يدل على الفرك، قلت: علم منه عدم الاكتفاء بالفرك، والمراد بالباب باب حكم المني غسلًا وفركًا في أن أيهما ثبت في الحديث وما الواجب منهما؟ انتهى.\nقلت: هذا هو الأصل التاسع والثلاثون من أصول التراجم.\nوقال الحافظ (^٢): لم يخرج البخاري حديث الفرك بل اكتفى بالإشارة إليه في الترجمة على عادته؛ لأنه ورد في حديث عائشة، ثم ذكر الروايات عنها في الفرك المروية في غير البخاري، وهذا هو الأصل الثامن والثلاثون من أصول التراجم.\nوالعلَّامة العيني (^٣) تعقب على كلام الحافظ حسب عادته أشد التعقب وقال: قوله: اكتفى بالإشارة. . . إلخ، كلام واهٍ إلى آخر ما قاله، ولم يأت بتوجيه لإثبات الترجمة، بل مال إلى أنه لا يثبت منها إلا الجزء الأول فقط، وأنت خبير بأن توجيه الشيخ يعني: إثباته بالقياس أجود من هذا كله، ولا يبعد أيضًا أن يقال: إن إضافة الفرك في الترجمة تنبيه على أن الوارد في الروايات من الغسل ليس للاحتراز كما تقدم في الأصل الرابع والثلاثين من أصول التراجم، وأما الجزء الثالث وهو غسل ما يصيب من المرأة فلا يثبت أيضًا عند العيني.\nوقال الكرماني (^٤): علم من الحديث غسل رطوبة الفرج أيضًا إذ لا شك من اختلاط المني بها عند الجماع، أو أنه ترجم بما جاء في هذا\n_________\n(^١) \"شرح الكرماني\" (٣/ ٨١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٣٣٢).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٢/ ٦٣٥).\n(^٤) \"شرح الكرماني\" (٣/ ٨١).","vol":"2","page":583},{"text":"الباب واكتفى في إيراد الحديث ببعضه، وكثيرًا يفعل مثل ذلك، أو كان في قصده أن يضيف إليه ما يتعلق به ولم يتفق له، انتهى.\nوقال الحافظ: في هذه المسألة (^١) حديث صريح ذكره المصنف في آخر \"كتاب الغسل\" من حديث عثمان، ولم يذكره ههنا، وكأنه استنبطه من حديث الباب بأن المني الحاصل في الثوب لا يخلو غالبًا من مخالطته ماء المرأة ورطوبتها، انتهى.\nوما يظهر لهذا العبد الضعيف: أن المراد في هذه الترجمة بقوله: \"غسل ما يصيب من المرأة\" غير المراد من الترجمة الآتية في آخر الغسل \"باب غسل ما يصيب من فرج المرأة\" كما يدلط عليه فرق ألفاظ الترجمتين، فالمراد ههنا بيان الغسل من مني المرأة، وهناك غسل ما يصيب من رطوبة الفرج، وعلى هذا لا يرد على المصنف أن الترجمة مكررة، وهو الظاهر عندي من كلام الشيخ إذ قال: وأما الثالث فبلفظ الجنابة، وهو يعم جنابة الرجل والمرأة، وعلى هذا فإثباتها بالحديث واضح بلفظ الجنابة والمني، ويدل عليه أيضًا أن الإمام البخاري ذكر في هذا الباب روايات المني وذكر في الباب الآتي روايات الإكسال فلا مني فيها فليس فيها إلا رطوبة الفرج.\nثم لا يذهب عليك أنهم اختلفوا في طهارة المني ونجاسته، وحاصله: أنه نجس عند الحنفية قولًا واحدًا، لكن يعفى قليله ويكفي فرك يابسه، وكذلك هو نجس عند مالك، ولا بد من غسله رطبًا ويابسًا، وعن أحمد والشافعي ثلاث روايات: المشهور منها: أنه طاهر، انتهى مختصرًا.\n\n(٦٥ -<span data-type='title' id=toc-351> باب إذا غسل الجنابة أو غيرها)</span>\nلم يذكر الغير صريحًا بل ألحقه به قياسًا، أو أشار إلى ما رواه أبو داود (^٢) وغيره أن خولة - ﵂ - قالت: \"ليس لي إلا ثوب واحد\" الحديث،\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٣٣٣).\n(^٢) \"سنن أبي داود\" (ح: ٣٦٥).","vol":"2","page":584},{"text":"وفيه: \"يكفيك الماء ولا يضرك أثره\" ويحتمل أن يكون زيادة \"أو غيرها\" من الأصل الرابع والثلاثين فلا يحتاج لإثباتها إلى دليل، انتهى من هامش \"اللامع\" (^١).\n\n(٦٦ -<span data-type='title' id=toc-352> باب أبوال الإبل. . .) إلخ</span>\nوتقدم قريبًا في \"باب غسل البول\" اختلاف الأئمة في أبوال ما يؤكل لحمه، وظاهر تبويب المصنف أنه مال إلى طهارتها موافقًا لمذهب الإمام مالك خلافًا للحنفية والشافعية والجمهور، انتهى من هامش \"اللامع\".\nقوله: (والسرقين. . .) إلخ، بكسر المهملة وإسكان الراء وحكي فيه فتح أوله.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): ولا يمكن خلوه من البول على أن الدابة إذا بالمت في محل فإن رشاش بوله ينتضح على جوانب هذا المحل وأطرافه، فلا ريب في كون بعض منه تحت قدمي أبي موسى.\nوالجواب: أنه لم يصرح بصلاته ثم على غيره شيء وهو المراد، وإنما كان صلى على شيء طاهر وبذلك يصح قوله: \"ههنا وثم سواء\" فإن السرقين متفق على نجاسته، فافهم، انتهى.\nوفي هامشه: دفع الشيخ بقوله: ولا يمكن خلوه من البول. . . إلخ، ما يرد على المصنف أن الترجمة في الأبوال والأثر في السرقين.\nوالأوجه عندي في الجواب: أنهم لم يفرقوا بين الأبوال والأرواث في النجاسة، فيصح الاستدلال بأحدهما على الآخر، وما أجابه الشيخ قُدِّس سرُّه بقوله: إنه لم يصرح بصلاته على غير شيء بذلك أجاب عامة الشرَّاح.\nوالأوجه عندي في الجواب: أن الظاهر أن أبا موسى صلى في موضع كان السرقين قريبًا منه، وعليه كان الإشكال بقرب السرقين، ويدل على ذلك\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٢/ ١٧٩).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٢/ ١٨٠).","vol":"2","page":585},{"text":"لفظ الثوري في \"جامعه\": \"على مكان فيه سرقين\"، وأوضح منه في الدلالة لفظ البخاري: و\"السرقين والبرية إلى جنبه\"، إلى آخر ما بسط في هامش \"اللامع\".\nقوله: (في مرابض الغنم)، كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^١): هذا لا يقوم حجة أيضًا، فإن المدعى يثبت لو أثبتوا أنه كان يصلي فيها على غير شيء، مع أنا نقول: إن الأرض تطهر باليبس والجفاف، ولا يقبل العقل أن يكون النبي - ﷺ - يصلي عليها وهي مبلولة بأبوالها، مع أن الذي أثبتم من الرشاش أسرع ما يكون جفافًا، ومثل هذا الجواب جار في الرواية الأولى أيضًا، انتهى.\nقلت: لم يتعرض الشيخ لقصة العرنيين؛ لأنه أشبع الكلام عليه في \"الكوكب\" (^٢) في \"باب ما جاء في بول ما يؤكل لحمه\"، وهذا الحديث مختصر سيأتي مفصلًا في \"باب القسامة\" إن شاء الله تعالى.\n\n(٦٧ -<span data-type='title' id=toc-353> باب ما يقع من النجاسة في السمن والماء)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\": ظاهر كلامه أنه ذاهب إلى ما ذهب إليه مالك من أن الماء لا ينجسه اختلاط نجس ما لم يغير أحد أوصافه قل الماء أو كثر، ودلالة كلام الزهري على هذا المعنى ظاهرة، فأما كلام حماد فمعناه: أن الريشة لما لم يكن في وقوعها بالماء تغيير له، لم ينجس الماء، وكذلك كلام الزهري في العاج معناه: أنه لو كان مطلق الاختلاط منجسًا من دون اعتبار الغلبة لكان الدهن يتنجس بملاقاته العاج، والعلماء لا يبالون بذلك، فعلم أن النجاسة متوقفة على غلبة أحد أوصاف النجاسة.\nوالجواب: أما عن كلام الزهري الأول فإنه في الماء الكثير لا مطلقًا، وأما من كلام حماد فإن الريشة ليست بنجسة إذا يبس ما عليها، وكذا\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٢/ ١٨٢).\n(^٢) \"الكوكب الدري\" (١/ ١٠٢).","vol":"2","page":586},{"text":"العظم، فلا يمكن الاحتجاج بكلام الزهري الثالث أيضًا، مع أنه لا عبرة بكلام هؤلاء مخالفًا لما ثبت عنه - ﷺ -، ثم إن دلالة الروايات على الترجمة حسب ما قصد المؤلف ظاهرة، فإنه قصد أن السمن إنما لم يتنجس؛ لأن أحد أوصافه لم يتغير لوقوع الفأرة فيه، وكذلك الاستدلال بطهارة المسك فإن الأمة قد اتفقت على طهارته مع أنه دم في الأصل، فعلم أن الحكم يتغير من الطهارة إلى النجاسة وبالعكس بتغير الذات، فكذلك بتغير بعض الأوصاف، فأما إذا لم يتغير بوقوع النجس فيه شيء من الأوصاف الثلاثة فلا معنى لتغير الحكم عليه من الطهارة إلى النجاسة.\nوالجواب للإمام وللشافعي رحمهما الله في حكمهما بنجاسة الماء وإن لم يتغير أحد أوصافه: أن التغير غير منحصر فيما ذكرتم، بل التغير قد يتطرق إلى الشيء ولا يحس به إحدى الحواس الظاهرة، وقد علم ذلك بإعلام من الشارع، وأيضًا فإن تحديد الشارع على خلاف بين المذهبين فيه يدل على أن الأمر غير مبني على التغير مطلقًا قلَّ الماء أو كثر، وإنما هذا سبيل الكثير ويتنجس ما دونه بملاقاة القليل من النجاسة أيضًا، انتهى.\nوفي هامشه: قوله: \"باب ما يقع. . .\" إلخ، قال الحافظ (^١): أي: هل ينجسها أم لا؟ أو لا ينجس الماء إلا إذا تغير دون غيره؟ وهذا الذي يظهر من مجموع ما أورده المصنف في الباب من أثر وحديث، انتهى.\nوالمسألة خلافية شهيرة، واختلفت العلماء في ذلك على أقوال كثيرة بلغها مولانا عبد الحي في \"السعاية\" و\"التعليق الممجد\" (^٢) إلى خمسة عشر مذهبًا، وأشبع الشيخ قُدِّس سرُّه الكلام على هذه المسألة في \"الكوكب\" (^٣)، وأوسع المذاهب في ذلك مذهب الظاهرية أن العبرة لغلبة النجاسة، ثم بعد ذلك مذهب مالك، وهو رواية لأحمد: أن الماء طاهر ما لم يتغير أحد\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٣٤٢).\n(^٢) انظر: \"التعليق الممجد\" (١/ ٢٦٩ - ٢٧١)، و\"السعاية\" (١/ ٣٨٢).\n(^٣) انظر: \"الكوكب الدري\" (١/ ٨٨ - ٩٧).","vol":"2","page":587},{"text":"أوصافه، والثانية لأحمد، وهو مذهب الشافعي: أن العبرة للقلتين، والرابع مذهب الحنفية: أن العبرة رأي المبتلى به، كما بسط في \"الكوكب\"، وقيَّده بعضهم لسهولة العوام بعشر في عشر، ومسألة العاج والريش بسط الكلام طى اختلاف الأئمة فيهما في هامش \"اللامع\".\nوالجملة: أن الريش طاهر عند الأئمة الثلاثة خلافًا للشافعي، وأما العاج والعظام فطاهر عند الحنفية، ونجس عند الشافعي وأحمد، وفرَّق مالك بين المذبوح وغيره والبسط في هامشه.\nوفيه أيضًا: أما مسألة السمن فهي خلافية شهيرة، ومسلك الإمام البخاري في ذلك على ما هو المشهور عند الشرَّاح والمشايخ أن السمن ونحوه مثل الماء في ذلك لا يتنجس بملاقاة النجاسة حتى يتغير أحد أوصافه، ولذا جمع الماء والسمن ههنا، وترجم في \"كتاب الصيد\" \"باب إذا وقعت الفأرة في السمن الجامد والذائب\" وذكر فيه أيضًا حديث الباب، ولا فرق عنده في الجامد وغيره، وهو مذهب الزهري والأوزاعي، وحكاه الحافظ في \"الفتح\" (^١) روايةً لأحمد.\nوالأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن الرواية لأحمد في الكثير دون القليل، كما بسطت الروايات الثلاث لأحمد في \"الأوجز\" (^٢).\nوالجمهور على التفريق بين الجامد والمائع لما في رواية أبي داود (^٣) وغيره عن أبي هريرة مرفوعًا: \"إذا وقعت الفأرة في السمن فإن كان جامدًا فألقوه وما حولها، وإن كان مائعًا فلا تقربوه\"، ولا ينافيه رواية ميمونة هذه المجملة كما بسطت في \"الأوجز\".\nومال مولانا الشيخ أنور شاه الكشميري كما في \"فيض الباري\" (^٤) أن الظاهر من تبويب البخاري أنه مال إلى الفرق بين النجاسة الجامدة\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٦٦٩).\n(^٢) \"أوجز المسالك\" (١/ ٣٨٢).\n(^٣) \"سنن أبي داود\" (ح: ٣٨٤٢)، و\"مسند أحمد\" (٢/ ٢٣٣).\n(^٤) انظر: \"فيض الباري\" (١/ ٣٣٢).","vol":"2","page":588},{"text":"والمائعة، فالجامدة إذا وقعت في الماء وأخرجت من ساعتها لم تنجس بخلاف المائعة، وقال: هذه رواية غير مشهورة عن الإمام كما في \"فتاوى ابن تيمية\" ولذا ذكر حديث الفأرة وهي جامدة في الباب الأول، ثم عقَّبه بباب البول في الماء وهو نجاسة مائعة، انتهى.\nوبسط في الهامش أيضًا الكلام على ذكر المسك في الترجمة أشد البسط.\n\n(٦٨ -<span data-type='title' id=toc-354> باب البول في الماء الدائم)</span>\nفي \"تراجم (^١) شيخ المشايخ\": لما ثبت في الباب السابق عدم تنجس الماء قليلًا كان أو كثيرًا ما لم يتغير طعمه أو ريحه فقصد بعقد هذا الباب أن قوله - ﵇ -: \"لا يبولن أحدكم في الماء الدائم\" ليس لأجل أن البول فيه يقتضي تغيره، بل لأنه متى بال واحد بال آخر ثم آخر، وهكذا إلى أن ينجر إلى النتن والفساد، انتهى.\nقوله: (نحن الآخرون السابقون) بسط الحافظ (^٢) في وجه ذكر هذه الجملة في هذا الباب، والجملة أنهم قالوا: لا حاجة في توجيه المناسبة، فإنه جزء من الحديث الآتي، وقيل في وجه المناسبة: نحن الآخرون زمانًا والأولون خروجًا، فكذلك الوعاء آخر ما يدخل فيه يكون أول ما يخرج فيصادف النجاسة أعضاء المتوضئ أول ما يخرج.\nوقال الحافظ: الظاهر أن نسخة أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة كنسخة معمر عن همام عن أبي هريرة، وسلك الشيخان فيهما طريقًا مخصوصًا، فالبخاري كلما يخرج عن صحيفة الأعرج يذكر أول حديثه وهو: نحن الآخرون. . . إلخ، ثم يذكر مقصوده، ومسلم كلما يذكر حديثًا من صحيفة همام يذكر السند ثم يقول: فذكر أحاديث منها هذا، وهذا التوجيه الأخير هو الأوجه عندي من هذه التوجيهات.\n_________\n(^١) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ١٠٢).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (١/ ٣٤٦).","vol":"2","page":589},{"text":"(٦٩ -<span data-type='title' id=toc-355> باب إذا ألقي على ظهر المصلي. . .) إلخ</span>\nوفي \"تراجم (^١) شيخ المشايخ\": غرض المؤلف من عقد الباب أن عروض الأشياء التي تمنع انعقاد الصلاة ابتداءً في أثنائها لا تفسد الصلاة، انتهى.\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٢): دلالة الرواية على هذا المعنى غير واضحة؛ لأنه - ﷺ - لعله أعادها ولم يعدها هناك لاجتماع من حشد هناك من المردة والشياطين، ويمكن أن يقال: إن سلى جزور كانت قد جفت فملؤوها بشيء من النجاسات حين وضعوها على ظهره - ﷺ -، فلم يعلم به النبي - ﷺ - بأن الذي جعلوه فيها هل هو نجس أو غيره؟ وأما السلى بنفسها فإنها شيء عصباني ليس نجسًا حتى يعلم بفساد صلاته بالنظر إليها، وأما في صلاته - ﷺ - فلم يدر ماذا ألقوه على ظهره؟ فلم يفسد صلاته لذلك ومضى عليها.\nوأما الآثار فإن محمل فعل ابن عمر هو ما دون الدرهم، وكذلك في قول ابن المسيب والشعبي في الدم والجنابة، ولا شك في أن من وقف على نجاسة أقل من قدر الدرهم فإن صلاته جائزة، وأما مسألة التيمم والاستقبال فمتفق عليها بيننا وبين هذين، نعم إذا علم في أثناء الصلاة فإن صلاته تفسد في التيمم ويستدبر في مسألة القبلة، انتهى.\nوفي هامشه: قول البخاري: \"لم تفسد عليه صلاته\"، قال الحافظ (^٣): محمله إذا لم يعلم بذلك وتمادى، ويحتمل الصحة مطلقًا على قول من ذهب إلى أن اجتناب النجاسة في الصلاة ليس بفرض، وعلى قول من ذهب إلى منع ذلك في الابتداء دون ما يطرأ، وإليه ميل المصنف، وهو قول جماعة من الصحابة والتابعين، وقال الشافعي وأحمد: يعيد الصلاة، وقيَّدها مالك\n_________\n(^١) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ١٠٣).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٢/ ١٩١ - ١٩٧).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١/ ٣٤٨).","vol":"2","page":590},{"text":"بالوقت، فإن خرج الوقت فلا قضاء، وأجاب عنه الخطابي بأنه لم يكن إذ ذاك حكم بنجاسة ما ألقي عليه، وأجاب النووي بأنه - ﵇ - لم يعلم ما وضع على ظهره، وما ندري هل كانت واجبة حتى تعاد على الصحيح أو لا؟ فلا تعاد، ولو وجبت الإعادة فالوقت موسع.\nوأجاب عنه الشيخ قُدِّس سرُّه كما ترى، وفي \"فيض الباري\" (^١): في تمسك البخاري بالحديث نظر لوجوه، بسطت في هامش \"اللامع\"، منها: أن الوقعة قبل الأمر بتطهير الثياب لما قال الحافظ (^٢): في تفسير سورة المدثر: أخرج ابن المنذر في سبب نزول قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] من طريق زيد بن مرثد قال: \"ألقي على رسول الله - ﷺ - سلى جزور فنزلت\"، فإذا كان نزولها بعد هذه الواقعة فانفصل الأمر، انتهى من الهامش بزيادة واختصار.\nقلت: ومن دأب الحافظ أنه رحمه الله تعالى يذكر مستدلات الحنفية في غير محله، فإنه - ﵀ - لم يذكر رواية زيد بن مرثد ههنا، وذكره في التفسير، وفي تقرير مولانا محمد حسن المكي عن شيخه الكَنكَوهي: قوله: \"بسلى جزور\" قيل في الجواب عنه: إن السلى من العصب، وعصب الميتة طاهر، وما كان فيه من الدم كان قليلًا معفوًا، لكن الظاهر أن ذلك الأشقى خلط ذلك السلى بالدم والبول وملأه من الرجيع، ثم وضعه على ظهره ﵊، فالحق في الجواب أنه - ﷺ - لم يعلم في سجوده أن أي شيء وضع على ظهره هل هو طاهر أم نجس؟ فلذلك مضى في صلاته ولم ينقضها، ثم لما رأى بعد الفراغ عن صلاته أنه نجس أعاد صلاته وإن لم يذكرها الراوي، ولم يوجد التصريح أنه لم يعد صلاته، انتهى.\nولا يذهب عليك أن حديث الباب سيأتي في \"باب المرأة تطرح عن\n_________\n(^١) \"فيض الباري\" (١/ ٣٣٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٦٧٩).","vol":"2","page":591},{"text":"المصلي شيئًا من الأذى\" من أبواب السترة، وقرر الشيخ في \"اللامع\" أيضًا على بعض أبحاث الحديث فارجع إليه.\n\n(٧٠ -<span data-type='title' id=toc-356> باب البزاق والمخاط ونحوه. . .) إلخ</span>\nوفي \"تراجم (^١) شيخ المشايخ\": أي: لا يتنجس الثوب بهما بل هما طاهران، وفي الاستدلال بتعليق الباب نظر؛ لأن الراوي لهذه القصة أبو سهل (^٢) وهو كان كافرًا في وقت التحمل وفي الأخذ اختلاف العلماء، انتهى.\nقال الحافظ (^٣): والغرض من هذا التعليق الاستدلال على طهارة الريق ونحوه، وقد نقل بعضهم فيه الإجماع، لكن روى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن إبراهيم النخعي أنه ليس بطاهر، وقال ابن حزم: صح عن سلمان الفارسي وإبراهيم النخعي أن اللعاب نجس إذا فارق الفم، انتهى.\nقلت: وترجم أبو داود (^٤) في \"سننه\": \"باب البزاق يصيب الثوب\" وأخرج فيه حديث أبي نضرة قال: \"بزق رسول الله - ﷺ - في ثوبه وحك بعضه ببعض\"، وأخرج عن أنس مثله، وفي حاشيتي على \"البذل\" (^٥): قال ابن رسلان: قال ابن بطال: إن البزاق طاهر، ولا أعلم فيه خلافًا لأحد، إلا ما روي عن سلمان الفارسي فإنه جعله غير طاهر، والحسن البصري كرهه في الثوب تنزهًا إلى آخر ما فيه، وسيأتي شيء من الكلام على ذلك في \"باب من تسوك بسواك غيره\" من \"كتاب الجمعة\".\nقوله: (طوَّله ابن أبي مريم) أي: ذكر الحديث مطولًا، وسيأتي في \"باب حك البزاق باليد من المسجد\"، قاله الحافظ (^٦): قلت: ليس هناك\n_________\n(^١) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ١٠٣).\n(^٢) كذا في الأصل، (ز).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١/ ٣٥٣).\n(^٤) \"سنن أبي داود\" (ح: ٣٨٩، ٣٩٠).\n(^٥) انظر: \"بذل المجهود\" (٢/ ٦٣٣).\n(^٦) \"فتح الباري\" (١/ ٣٥٣).","vol":"2","page":592},{"text":"من ابن أبي مريم، والعجب من العلَّامة العيني (^١).\nوتبعه القسطلاني إذ قال: قوله: طوّله، أي: طوَّل هذا الحديث شيخه سعيد بن الحكم بن أبي مريم، يعني: ذكره مطولًا في \"باب حك البزاق باليد من المسجد\"، انتهى. وليس فيه عن ابن أبي مريم.\n\n(٧١ -<span data-type='title' id=toc-357> باب لا يجوز الوضوء بالنبيذ. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): مقابلة النبيذ بالمسكر يبين أن المراد بالنبيذ ما لم يسكر، وتخصيص الإمام إياه مع أنه ليس ماء مطلقًا لثبوت الرواية، ولا يلزم تخصيص الكتاب؛ لأنه وقع تفسيرًا للماء المراد في الآية وهؤلاء المذكورون ههنا تابعيون؛ لا يلزم على الإمام اتباعهم لكونه مثلهم، ثم إن الحديث لا يدل إلا على أحد جزئي الترجمة، وهو حرمة الوضوء بالمسكر، وأما الوضوء بالنبيذ فإن أريد بالنبيذ ما بلغ حد الإسكار فظاهر، وإن أريد ما لم يبلغه ففيه نوع خفاء، ولعل مراد البخاري بإيراد لفظ المسكر ههنا وإيراد الرواية المظهرة لحكمه في الباب تعيين أحد محتملي النبيذ، فيكون موافقًا لما اتفقت عليه الأحناف من حرمة الوضوء بالنبيذ إذا أسكر واشتد ورمى بالزبد فقط، انتهى.\nوبسط الكلام في هامشه على شرح كلام الشيخ، وفيه: أن الشيخ قُدِّس سرُّه لم يذكر في هذا الباب إلا ما يتعلق بالبخاري، وأما الكلام على المسألة فقهًا فقد أشبعه الشيخ في \"الكوكب\" (^٣) أشد البسط. وحاصل كلام الشيخ في \"اللامع\": أن النبيذ والمسكر نوعان متقابلان، وبه جزم القسطلاني (^٤).\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٢/ ٦٨٢)، و\"إرشاد الساري\" (١/ ٥٥٥).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٢/ ٢٠٠ - ٢٠٣).\n(^٣) \"الكوكب الدري\" (١/ ١٢٠).\n(^٤) انظر: \"إرشاد الساري\" (١/ ٥٥٥).","vol":"2","page":593},{"text":"وقال الكرماني (^١): المراد به إما ما لم يصل إلى حد الإسكار، أو ما وصل إليه، ويكون عطف المسكر عليه من باب عطف العام على الخاص، وخصص بالذكر من بين المسكرات؛ لأنه محل الخلاف في جواز التوضؤ به، انتهى.\nوتبعه الحافظ وغيره في ذلك، وأنت خبير بأن الذي بلغ حد الإسكار ليس بمختلف فيه عند العلماء.\nفالأوجه عندي: أن بينهما عمومًا وخصوصًا من وجه، فإن بعض الأنبذة مختلف في جواز الوضوء منها، وأنت ترى أنه لم يأت برواية تدل عليه إلا ما ذكر من بعض الآثار، فلقائل أن يقول: إن البخاري أثبت بالرواية أن النبيذ الذي بلغ حد الإسكار لا يجوز الوضوء منه، وأما غيره من الأنبذة فيجوز الوضوء منه عند البخاري على الأصل التاسع والثلاثين من أصول التراجم، فتأمل.\nلكن فيه أن الآثار الواردة في الباب يخالف ذلك إلا أن في هامش \"اللامع\" أجيب عن تلك الآثار، وما أفاده الشيخ أن قول هؤلاء المذكورين لا يلزم الحنفية؛ لأن المعروف من قول الإمام: إذا جاء الحديث عن رسول الله - ﷺ - فعلى الرأس والعين، وإذا جاء عن الصحابة اخترنا ولم نخرج عن أقوالهم، وإذا جاء عن التابعين زاحمناهم، انتهى ملخصًا من هامش \"اللامع\".\nوأجاد الشيخ قُدِّس سرُّه الكلام على الوضوء فقهًا وبسطه أشد البسط في \"الكوكب الدري\" (^٢)، وفيه: النبيذ أقسام، نقوع التمر غير مطبوخ، ولا امتراء في جواز الوضوء وإن لم يسلمه المخالفون كيف والأخبار فيه\n_________\n(^١) \"شرح الكرماني\" (٣/ ١٠١)، وانظر: \"فتح الباري\" (١/ ٣٥٤)، و\"عمدة القاري\" (٢/ ٦٨٢).\n(^٢) انظر: \"الكوكب الدري\" (١/ ١١٩ - ١٢٢).","vol":"2","page":594},{"text":"مستفيضة، وقال النبي - ﷺ -: \"تمرة طيبة وماء طهور\"، وهو ينادي الصم بصوت جهوري أن اختلاط الطاهر بالماء لا يخرجه من الطهورية، سواء كان ذلك الشيء مما يقصد به النظافة أو لم يكن، وإنما الخلاف واحتياج الإثبات إنما هو في ثاني أقسامه، وهو المطبوخ الذي لم يبلغ حد السكر لكنه صار حلوًا، وأما القسم الثالث الذي صار مسكرًا فلا يجوز التوضؤ به عندنا أيضًا، إلى آخر ما بسطه.\nوبسط في هامشه الكلام على النبيذ وأقسامه، وفيه على قول الشيخ قُدِّس سرُّه أن ليلة الجن كانت غير مرة، إن ليلة الجن وقعت ست مرات:\nالأولى: هي الليلة التي قيل فيها: إنه اغتيل أو استطير، وكانت بمكة ولم يحضرها ابن مسعود.\nوالثانية: كانت بمكة أيضًا بالحجون جبل بها.\nوالثالثة: كانت بأعلى مكة، وقد غاب النبي - ﷺ - فيها في الجبال.\nوالرابعة: كانت بالمدينة ببقيع الغرقد، وفي هذه الليالي الثلاث حضر ابن مسعود معه - ﷺ -.\nوالخامسة: خارج المدينة حضرها الزبير بن العوام.\nوالسادسة: في بعض أسفاره حضرها بلال بن الحارث، انتهى مختصرًا.\nقوله: (وكرهه الحسن وأبو العالية) قلت: أما الحسن فاختلفت الروايات عنه ففي رواية: \"لا توضأ بنبيذ\"، وفي أخرى أنه لا بأس.\nقال الحافظ (^١): فعلى هذا كراهته عنده على التنزيه.\nوالأوجه عندي: أن الاختلاف عنه لاختلاف أنواع الأنبذة، وأما أثر أبي العالية فأصرح دليل لما قلته من اختلاف أنواع الأنبذة.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٣٥٤).","vol":"2","page":595},{"text":"قال الحافظ: روى أبو داود (^١) وأبو عبيد من طريق أبي خلدة قال: سألت أبا العالية عن رجل أصابته جنابة وليس عنده ماء أيغتسل به؟ قال: لا، انتهى.\nقال الشيخ في \"البذل\" (^٢): وفيه زيادة ذكرها الدارقطني (^٣) بعد قوله: \"لا\": \"فذكرت له ليلة الجن، فقال: أنبذتكم هذه الخبيثة، إنما كان ذلك زبيب وماء\"، وكذلك أخرجه البيهقي (^٤) بلفظ: \"قال: يرى نبيذكم هذا الخبيث، إنما كان ماءً يلقى فيه تمرات فيصير حلوًا\"، قال الشيخ في \"البذل\": وهذا يدل على أن أبا العالية يجوز التوضؤ والاغتسال به ما دام حلوًا رقيقًا، فإذا اشتد وخبث يحكم عليه بعدم الجواز، انتهى.\nقلت: وهل هذا غير ما قالته الحنفية.\n\n(٧٢ -<span data-type='title' id=toc-358> باب غسل المرأة أباها الدم)</span>\nوفي \"تراجم (^٥) شيخ المشايخ\": غرض الباب إثبات جواز التوضؤ من يد الغير وللبعض فيه خلاف، انتهى.\nقلت: ما أفاده شيخ المشايخ من الغرض تقدم هذا نصًا في \"باب الرجل يوضئ صاحبه\" إلا أن هناك الإعانة بصب الماء وههنا بالغسل.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٦): \"باب غسل المرأة. . .\" إلخ، الظاهر أنه معقود لبيان أن مس المرأة وإن كان عائدًا على الوضوء بالنقض إلا أن مسه إياها وكذا مسها إياه جائزان؛ ولا يلزم من كون المس ناقضًا حرمة المس أو كراهته، ويمكن أن يكون ذلك تعريضًا بالشافعي فيما ذهب إليه\n_________\n(^١) \"سنن أبي داود\" (ح: ٨٧).\n(^٢) \"بذل المجهود\" (١/ ٤٦١).\n(^٣) \"سنن الدارقطني\" (٢٥٣).\n(^٤) \"السنن الكبرى\" (١/ ١٣)، وفيه: \"نرى نبيذكم\".\n(^٥) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ١٠٥).\n(^٦) \"لامع الدراري\" (٢/ ٢٠٣ - ٢٠٥).","vol":"2","page":596},{"text":"من انتقاض الطهارة بمس المرأة من أن فاطمة رضي الله تعالى عنها غسلت جرحه ولم يثبت إعادته الوضوء، مع أنه لو كان ناقضًا لكان له - ﷺ - غنية عن مسها لوجود كثير ممن ليس في مسه ما لزم بمسها، وقد علم من حبه - ﷺ - الدوام على الطهور ما هو مستغن عن البيان، وهذا إلزام عليهم، وإلا فقد كانت طهارته منتقضة عندنا بسيلان الدم، وعلى هذين الوجهين، يحمل أثر أبي العالية.\nووجه الاستدلال به أنه أمر بصيغة العموم وفيهم النساء والرجال، ولو كان المس ناقضًا أو منهيًا عنه لمنع النساء، انتهى.\nوفي هامشه: اختلفوا في غرض المصنف بهذه الترجمة، قال الكرماني (^١) - وتبعه العيني -: إن قلت: ما وجه تعلُّق الباب بكتاب الوضوء؟\nقلت: إن كانت النسخة كتاب الطهارة بدل كتاب الوضوء فلا خفاء فيه، وإلا فالمراد بالوضوء معناه اللغوي فيتناول رفع الحدث أيضًا، أو الاصطلاحي فيكون ذكر الطهارة من الخبث بالتبعية لكونهما من شرائط الصلاة ومن باب النظافة وغير ذلك، انتهى.\nوقال الحافظ (^٢): هذه الترجمة معقودة لبيان أن إزالة النجاسة ونحوها يجوز الاستعانة فيها كما تقدم في الوضوء، وبهذا يظهر مناسبة أثر أبي العالية لحديث سهل، انتهى.\n\n(٧٣ -<span data-type='title' id=toc-359> باب السواك. . .) إلخ</span>\nكان حقه في صفة الوضوء، ولعله ذكره ههنا لما قيل من نجاسة البصاق كما تقدم في باب البزاق، واستدل على طهارته بروايات السواك من التسوك بسواك غيره وبداية عائشة بسواكه - ﷺ -، والأوجه منه أنه أفرد\n_________\n(^١) \"شرح الكرماني\" (٣/ ١٠٣)، و\"عمدة القاري\" (٢/ ٦٨٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٣٥٥).","vol":"2","page":597},{"text":"إشارةً إلى استقلاله بدون اختصاصه بالوضوء، وبسط الكلام على ذلك في \"الأوجز\" (^١)، وفيه: قال الشافعي: إنه سُنَّة من سنن الوضوء، واستحبه مالك في كل حال يتغير فيها الفم، وقال جماعة: هو من سُنَّة الدين، وهو الأقوى، نقل ذلك عن أبي حنيفة، انتهى مختصرًا.\nوفي \"البذل\" (^٢): قال ابن الهمام: ويستحب في خمسة مواضع: اصفرار السن، وتغير الرائحة، والقيام من النوم، والقيام إلى الصلاة، وعند الوضوء، انتهى.\n\n(٧٤ -<span data-type='title' id=toc-360> باب دفع السواك إلى الأكبر)</span>\nقال شيخ المشايخ في \"تراجمه\" (^٣): مقصوده من هذا الباب إثبات فضيلة السواك، ووجه دلالة الحديث: أنه كان من عادته - ﷺ - إذا أتي بشيء يسير أن يعطيه من كان صغير السن من الحضار، وإذا أهدي إليه شيء ذو خطر أن يعطيه الكبير منهم، وأعطى السواك أولًا نظرًا إلى الظاهر الصغير، فقيل له: كَبِّرْ منهم، ففهم منه فضيلة السواك وكونه ذا خطر عند الله، انتهى.\n\n(٧٥ -<span data-type='title' id=toc-361> باب فضل من بات على الوضوء)</span>\nلعل الإمام البخاري أشار بالترجمة إلى معنيين: الأول: أن الأمر بالوضوء في الحديث ليس على الوجوب، وأشار إليه بلفظ الفضل، والثاني: أن استئناف الوضوء ليس بمأمور كما هو ظاهر الحديث، بل المقصود النوم متوضئًا وإن كان توضأ قبل ذلك، وأشار إليه بلفظ: \"من بات\".\nقوله: (لا ونبيك الذي أرسلت) قال شيخ المشايخ في الترجمة (^٤): وفيه إشارة إلى أن ألفاظ الأدعية يجب مراعاة خصوصياته، ولا يبدل لفظ بلفظ\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (١/ ٦٥٦).\n(^٢) \"بذل المجهود\" (١/ ٣١٧).\n(^٣) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ١٠٦).\n(^٤) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ١٠٦).","vol":"2","page":598},{"text":"وإن كان مرادفًا، وفيه أسرار ليس هذا موضع ذكرها، انتهى.\nوذكر القسطلاني (^١) في وجه المنع وجوهًا: منها: أن الأذكار توقيفية في تعيين اللفظ وتقدير الثواب، فربما كان في اللفظ سر ليس في الآخر، ولو كان يرادفه في الظاهر، وقال المهلب: إنما لم تبدل ألفاظه - ﷺ -؛ لأنها ينابيع الحكم وجوامع الكلم، فلو غيّرت سقطت فائدة النهاية في البلاغة التي أعطيها - ﷺ -، انتهى.\nثم لا يذهب عليك ما قال الحافظ (^٢) في براعة الاختتام: ختم البخاري كتاب الوضوء بحديث البراء - ﵁ - من جهة أنه آخر وضوء أمر به المكلف في اليقظة، ولقوله في نفس الحديث: \"واجعلهن آخر ما تتكلم به\" فأشعر بذلك في ختم الكتاب، والله الهادي للصواب، انتهى.\nوهذا على ما اختاره الحافظ في براعة الاختتام من أن الإمام البخاري يشير بشيء إلى ختم الكتاب، وأما على ما اختاره هذا العبد الضعيف من أن الإمام البخاري يشير في آخر كل كتاب إلى آخر حياة الرجل ويذكره الموت، فهذان اللذان ذكرهما الحافظ يشعران إليه، وأصرح منهما لفظ: \"فإن مت من ليلتك. . .\" إلخ، هو نص في الموت، انتهى من هامش \"اللامع\" (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١/ ٥٦٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٣٥٨).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٢/ ٢٠٥).","vol":"2","page":599},{"text":"٥ -<span data-type='title' id=toc-362> كتاب الغسل</span>\nبضم الغين اسم للاغتسال، وفي الاصطلاح: غسل البشرة والشعر، وحقيقته جريان الماء على العضو، ولا يشترط الدلك وإمرار اليد، وقال مالك: يشترط فيه الدلك، إلى آخر ما في هامش \"اللامع\" (^١).\n(وقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا. . .﴾ إلخ [المائدة: ٦]) كتب الشيخ في \"اللامع\": والصيغة لما فيها من المبالغة لا تصدق إلا على الغسل، انتهى.\nوفي هامشه: قال العيني (^٢): أي: اغسلوا أبدانكم على وجه المبالغة، انتهى.\nوقال الحافظ (^٣): قدم الآية التي في سورة المائدة على التي في سورة النساء لدقيقة، وهي أن لفظ التي في المائدة: ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾ فيه إجمال، ولفظ التي في النساء: ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣] فيه تصريح بالاغتسال وبيان للتطهير المذكور، ودلَّ على أن المراد بقوله تعالى: ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾ فاغتسلوا، انتهى.\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-363> باب الوضوء قبل الغسل)</span>\nقال الحافظ (^٤): أي: استحبابه عند الجمهور، وهل هو سُنَّة مستقلة بحيث يجب غسل أعضاء الوضوء مع بقية الجسد في الغسل، أو يكتفى بغسلها في الوضوء عن إعادته، وعلى هذا فيحتاج إلى نيَّة غسل الجنابة في أول عضو وإنما قدَّم غسل أعضاء الوضوء تشريفًا لها ولتحصل له صورة الطهارتين الصغرى والكبرى، كذا في \"الفتح\".\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٢/ ٢٠٦).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٣/ ٣).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١/ ٣٥٩).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١/ ٣٠٦).","vol":"2","page":600},{"text":"قلت: وهذا الاختلاف الذي أفاده الحافظ سيأتي في باب مستقل في \"باب من توضأ للجنابة ثم غسل سائر جسده\".\nفالأوجه عندي: مقصود هذا الباب مجرد ندب الوضوء قبل الاغتسال.\nقوله: (وضوءه للصلاة. . .) إلخ، قال الحافظ: فيه التصريح بتأخير الرجلين في وضوء الغسل إلى آخره، وهو مخالف لظاهر رواية عائشة، فذهب الجمهور إلى استحباب تأخير غسل الرجلين، وعن مالك: إن كان المكان غير نظيف فالمستحب تأخيرهما وإلا فالتقديم، وعند الشافعية في الأفضل قولان، قال النووي: أصحهما وأشهرهما أنه يكمل وضوءه، انتهى.\nوفي \"المغني\" (^١) عن أحمد ثلاث روايات كحديث عائشة وكحديث ميمونة والتساوي بينهما، انتهى.\nوفي \"الدر المختار\" (^٢): فلا يؤخر قدميه ولو في مجمع الماء، قال ابن عابدين: وهذا القول هو ظاهر إطلاق المتون وحديث عائشة، وبه أخذ الشافعي، وقيل: يؤخر مطلقًا، وهو ظاهر إطلاق الأكثر وإطلاق حديث ميمونة، وقيل بالتفصيل إن كان في مجمع الماء فيؤخر وإلا فلا، انتهى مختصرًا.\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-364> باب غسل الرجل مع امرأته)</span>\nوكتب شيخ المشايخ في \"تراجمه\" (^٣): أي: أنه جائز وفيه خلاف البعض، انتهى.\nقلت: لم أجد الخلاف بعد في غسلهما معًا، نعم الخلاف في طهارة الرجل بفضل المرأة معروف، كما تقدم في \"باب وضوء الرجل مع امرأته\"،\n_________\n(^١) \"المغني\" (١/ ٢٨٨).\n(^٢) انظر: \"رد المحتار\" (١/ ٢٩٢).\n(^٣) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ١٠٧).","vol":"2","page":601},{"text":"فيمكن أن الإمام البخاري أشار إلى ذلك، فإن اغتسالهما معًا يلزم اغتسال كل منهما بفضل الآخر، والأوجه أن المصنف أشار بذلك إلى جواز نظر المرأة إلى عورة زوجها وعكسه.\nقال الحافظ (^١): واستدل بحديث الباب الداودي على جواز نظر الرجل إلى عورة امرأته وعكسه، ويؤيده ما رواه ابن حبان عن حديث عائشة: أنها سألت عن الرجل ينظر إلى فرج امرأته، فذكرت هذا الحديث بمعناه، وهو نص في المسألة، انتهى.\nلكن يشكل عليه ما في \"الشمائل\" و\"ابن ماجه\" (^٢) عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: \"ما نظرت إلى فرج رسول الله - ﷺ - قط\"، وفي هامش \"الخصائل\": قال الحنفي: وفي رواية عنها: \"ما رأيت منه ولا رأى مني\" تعني: الفرج، وقال القاري في \"جمع الوسائل\" (^٣): روى أبو صالح عن ابن عباس قال: قالت عائشة: \"ما أتى رسول الله - ﷺ - أخذًا من نسائه إلا متقنعًا يرخي الثوب على رأسه، وما رأيت من رسول الله - ﷺ - ولا رأى مني\"، أورده ابن الجوزي في \"كتاب الوفاء\" نقلًا عن الخطيب، انتهى.\nقلت: ويمكن الجمع بينهما بأن النفي للرؤية قصدًا، وأما رواية الإثبات فمحمولة على وقع النظر من غير قصد كما يكون في صورة الاغتسال معًا، ثم قال السندي (^٤): قولها: \"أغتسل أنا والنبي - ﷺ -\" دلالة هذا اللفظ على المعية ضعيفة، إذ واو العطف لا تدل على القران، واتحاد الإناء لا يقتضي اتحاد زمان الاغتسال، إلا أن تجعل الواو في قولها: \"والنبي\" للمعية لا العطف وهو بعيد، إذ التأكيد بالمنفصل يؤيد العطف وهو الأصل في الواو، إلا أن يقال: قد علم من سائر روايات الحديث أن الواقع كان هو المعية، فالاستدلال بالنظر إليه لا بالنظر إلى هذا اللفظ، فتأمل، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٣٦٤).\n(^٢) \"الشمائل\" (ح: ٣٥٢)، و\"سنن ابن ماجه\" (ح: ٦٦٢).\n(^٣) \"جمع الوسائل\" (٢/ ١٧٥).\n(^٤) \"حاشية السندي\" (١/ ٥٦).","vol":"2","page":602},{"text":"(٣ -<span data-type='title' id=toc-365> باب الغسل بالصاع ونحوه)</span>\nلعله إشارة إلى أن تحديد الصاع الوارد في الأحاديث ليس بحتم، بل المراد التقريب كما يدل عليه لفظ الحديث: \"بإناء نحو [من] صاع\"، ولذا ذكر في الترجمة \"ونحوه\" وهو الأوجه، ويحتمل أنه أراد الرد على من قال: إن ذكر الصاع بيان للإناء لا الماء كما تقدم في \"باب الوضوء بالمد\".\nقوله: (وبيننا وبينها حجاب) كتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): ليس المراد الحجاب الساتر كلها وإلا لما كان الغسل بحضورهما مفيدًا، بل المعنى بالحجاب هو الساتر لمقدار العورة، فكانا يريان منها ما لم يكن عورة كالرأس، انتهى.\nوفي هامشه: قال الحافظ ابن حجر والعيني (^٢): قال عياض: طاهره أنهما رأيا عملها في رأسها وأعالي جسدها مما يحلّ نظره للمحرم؛ لأنها خالة أبي سلمة، وإنما سترت أسافل بدنها مما لا يحلّ للمحرم نظره، وإلا لم يكن لاغتسالها بحضرتهما معنى، انتهى.\nوفي \"الكنز\" (^٣): وينظر الرجل إلى وجه محرمته ورأسها وصدرها وساقيها وعضديها لا إلى ظهرها وبطنها وفخذها، انتهى.\nقوله: (من إناء واحد) وأوانيهم كانت معلومة صغارًا، فهذه مناسبة لحديث ميمونة بلفظ: \"ونحوه\"، وإلا فليس في حديثها الصاع ولا نحوه، كذا في \"الفتح\" (^٤)، ويحتمل عندي أنه ذكر حديث الإناء إشارة إلى عدم تخصيص الصاع.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٢/ ٢٠٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٣٦٥)، و\"عمدة القاري\" (٣/ ١٤).\n(^٣) \"كنز الدقائق\" (ص ٤٢٥).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١/ ٣٦٧).","vol":"2","page":603},{"text":"(٤ -<span data-type='title' id=toc-366> باب من أفاض على رأسه ثلاثًا)</span>\nولا يبعد عند هذا العبد الضعيف أن غرض الترجمة الإشارة إلى أن الدلك ليس بفرض، بل يكفي إسالة الماء خلافًا لمن أوجبه كما تقدم في مبدأ كتاب الغسل.\nقوله: (ابن سام) بالسين المهملة وتخفيف الميم بينهما ألف فما في بعض النسخ من ابن سلم تحريف من الناسخ.\nوفي قوله: (ابن عمك) تجوز، فإنه ابن عم والده علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ثم هذه المنازعة غير المنازعة المتقدمة في الباب السابق، وإن كان المنازع في كليهما حسن بن محمد ابن الحنفية، فإن الأولى كانت في كمية الماء كما أشعر بها جوابه بقوله: \"يكفيك صاع\"، والثانية عن كيفية الغسل، كذا في \"الفتح\" (^١).\nقلت: وظاهر الجواب توحيد القصة، فلا يبعد عندي أنه ذكر قلة الماء لكثرة شعره، فتأمل.\n\n(٥ -<span data-type='title' id=toc-367> باب الغسل مرة واحدة)</span>\nوكتب شيخ المشايخ في \"تراجمه\" (^٢): أي: هو جائز ثابت، والاستدلال بحديث الباب نظرًا إلى الظاهر؛ لأن الراوي لما قال: \"أفاض على جسده\" ولم يقيِّده بثلاث أو غيره عُلم من ظاهره أنه أفاض مرة واحدًا، ومثل هذا في استدلالاته كثير شائع، انتهى.\nويستفاد ذلك من الحديث إذ لم يقيده بعدد فالأقل مرة واحدة، كذا في \"الفتح\" (^٣).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٣٦٨).\n(^٢) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ١٠٨).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١/ ٣٦٩).","vol":"2","page":604},{"text":"وقال أيضًا: قال النووي (^١): ولا نعلم في استحباب التثليث خلافًا إلا ما تفرد به الماوردي فإنه قال: لا يستحب التكرار في الغسل، انتهى.\nقلت: والظاهر عندي أن الوارد في أكثر روايات \"المصنف\" لابن أبي شيبة ثلاثًا، فنبَّه المصنف بالترجمة على أن التثليث ليس بواجب، بل يجوز الاقتصار على مرة واحدة، والأوجه في وجه الدلالة عندي أنها ذكرت غسل اليدين مرتين أو ثلاثًا ولم تذكر العدد في غيرها، فلو كان العدد هناك ذكرته كما ذكرت في اليدين، وقال السندي (^٢): وجه الدلالة أنها ذكرت كيفية الغسل بتمامها، فلو كان العدد مطلوبًا لكانت ذكرته تكميلًا للكيفية، وتعقب على ما تقدم من أن الواحد أقل العدد، انتهى مختصرًا.\n\n(٦ -<span data-type='title' id=toc-368> باب من بدأ بالحلاب والطيب. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): يعني بذلك: أن الطيب غير مضطر إليه وإن ثبت استعماله - ﷺ - إياه قبل الغسل، وذلك لينتشر أثره إلى أطراف الجسم.\nوحاصل الترجمة: أن هذا باب يذكر فيه جواز الابتداء بالحلاب من غير أن يتقدمه طيب، وجواز الابتداء بالطيب وعدم الابتداء، فلما ذكر في الرواية ابتداءه بالحلاب علم جواز ترك الطيب، وأن الابتداء بالطيب ليس واجبًا وإن كان جائزًا نظرًا إلى ما ورد في غير هذه الرواية، فافهم فإنه عزيز، انتهى.\nوفي هامشه: هذه الترجمة من مهمات التراجم أشكلت على المشايخ والشرَّاح، والحق أنه لم يظهر بعد ما قصد الإمام البخاري من ذلك.\n_________\n(^١) \"شرح صحيح مسلم\" (٢/ ٢٤٦)، وانظر: \"فتح الباري\" (١/ ٣٦١)، و\"عمدة القاري\" (٣/ ١٩).\n(^٢) \"حاشية السندي\" (١/ ٥٧).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٢/ ٢٠٩ - ٢١٤).","vol":"2","page":605},{"text":"قال الحافظ: أشكل المناسبة قديمًا وحديثًا، فمنهم من نسب البخاري إلى الوهم فقال: رحم الله البخاري، من ذا الذي يسلم من الغلط، سبق إلى قلبه أن الحلاب طيب، وأي معنى للطيب قبل الغسل.\nومنهم من تأوّل الحلاب على غير المعروب في الرواية فقال: هو الجلاب بالجيم وشد اللام، هو ماء الورد، وتعقب بأنه خلاف الرواية، وبأنه لا معنى للطيب قبل الغسل.\nومنهم من تكلف في التأويل فقيل: لم يرد البخاري بالطيب ما له عرف طيب، وإنما أراد تطيب البدن بإزالة الوسخ، فمحصله إعداد ماء الغسل، ثم الشروع في تنظيف البدن.\nوقيل: أشار البخاري إلى رد ما روي أنه ﵊ كان يغسل رأسه بالخطمي، ويكتفي بذلك، فكأنه ترجم بجزئين وأثبت أحدهما ولم يثبت الآخر، وهذا هو الأصل التاسع والثلاثون، من أصول التراجم.\nوقيل: أراد بالحلاب ظرف الطيب، و\"أو\" للتنويع، والمذكور في الحديث صفة التطيب بعد الاغتسال لا صفة الاغتسال، وهو توجيه حسن لظاهر ألفاظ البخاري، لكن جميع طرق الحديث يأبى ذلك، وأن في جميعها بيان صفة الاغتسال.\nوقيل: أشار بالترجمة إلى حديث عائشة الآتي بعد سبعة أبواب بلفظ: \"كنت أطيب رسول الله - ﷺ - عند الإحرام\"، الحديث، وفي بعض طرقه: \"ثم طاف على نسائه\"، ومن لازمه الاغتسال، فالترجمة بالتردد بين الحالتين، أي: بدأ بالحلاب، يعني: ماء الاغتسال وتارةً بالطيب كما في بعض الأحوال، وهذا أحسن الأجوبة عندي، انتهى ما في \"الفتح\" (^١) مختصرًا.\nوكتب شيخ المشايخ في \"التراجم\" (^٢): أن للحلاب معنيين: أحدهما:\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٣٦٩ - ٣٧١).\n(^٢) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ١٠٨).","vol":"2","page":606},{"text":"بمعنى الإناء، والثاني: بمعنى المحلوب، أي: المخرج من عصارة، وكان العرب يستعملون محلوب بعض البذور في أبدانهم قبل الاغتسال كما يستعملون الطيب قبل ذلك، وميل المصنف إلى هذا المعنى الثاني بقرينة الانضمام للطيب، انتهى.\nوقال السندي (^١): قوله في الترجمة: \"عند الغسل\" أي: عند الفراغ منه، وكذا في الحديث قوله: \"إذا اغتسل\" أي: فرغ، والمراد بالحلاب عند المصنف نوع من الطيب، فالمقصود استعمال الطيب بعد الغسل، ولا يحمل كلام المصنف إلا على هذا، وإن كان الصحيح أن المراد منه الإناء لكن حمل كلام المصنف على المعنى المعروف بعيد جدًا، انتهى.\nوفي \"الفيض\" (^٢) أن في الحلاب يبقى أثر اللبن فبينه وبين الطيب تقابل تضاد فنبَّه المصنف على أنه لا بأس بريح اللبن إن ظهر في الماء، وكذا الطيب عند الغسل قد يبقى أثره بعد الغسل فلا بأس به أيضًا، انتهى.\nقلت: يأتي هذا المعنى في \"باب من تطيب ثم اغتسل وبقي أثر الطيب\"، انتهى ملخصًا من هامش \"اللامع\".\n\n(٧ -<span data-type='title' id=toc-369> باب المضمضة والاستنشاق. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): أي: أنهما ثابتان بالسُّنَّة فمن آخذٍ بوجوبهما ومن ذاهب إلى سُنِّيتهما، انتهى.\nوفي هامشه: وبذلك جزم شيخ المشايخ في \"التراجم\" (^٤).\nقال الحافظ (^٥): استنبط البخاري عدم وجوبهما؛ لأن في رواية الباب الذي بعده في هذا الحديث: \"ثم توضأ وضوءه للصلاة\"، فدل على أنهما\n_________\n(^١) \"حاشية السندي\" (١/ ٥٧).\n(^٢) \"فيض الباري\" (١/ ٣٤٩).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٢/ ٢١٥).\n(^٤) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ١١٠).\n(^٥) \"فتح الباري\" (١/ ٣٧٢).","vol":"2","page":607},{"text":"للوضوء، وقام الإجماع على أن الوضوء في غسل الجنابة غير واجب، والمضمضة والاستنشاق من توابع الوضوء، فإذا سقط الوضوء سقط توابعه، ويحمل ما روي من صفة غسله - ﷺ - على الكمال، انتهى.\nوتعقبه العيني (^١): بأن هذا الاستدلال غير صحيح؛ لأن هذا الحديث لا تعلق له بالحديث الآتي، وفيه تصريح بالمضمضة والاستنشاق، ولا شك أنه صلى الله تعالى عليه وسلم لم يتركهما، فدل على المواظبة وهي تدل على الوجوب، انتهى.\nوهذا الاختلاف مبني على اختلاف مسلكهما، فإنهما واجبان في الغسل عند الحنفية خلافًا للشافعية، وما حكى الحافظ من الإجماع على ندب الوضوء في الغسل مشكل؛ لأن فيه خلافًا لداود الظاهري إذ أوجب الوضوء في الغسل مطلقًا وفي رواية لأحمد: \"لا يجزئ الغسل حتى يأتي بالوضوء قبله أو بعده\"، وهو أحد قولي الشافعي كما في \"الأوجز\" (^٢).\nثم المضمضة والاستنشاق في الوضوء سُنَّة عند الأئمة الثلاث، وعن أحمد في ذلك ثلاث روايات: الأولى: مثل الجمهور، والثانية: وجوبهما في الطهارتين وهو المشهور، والثالث: وجوب الاستنشاق وسُنِّية المضمضة، وأما في الغسل فهما واجبان عند الحنفية وأحمد، وسُنَّتان عند مالك والشافعي، انتهى ما في الهامش بزيادة.\n\n(٨ -<span data-type='title' id=toc-370> باب مسح اليد بالتراب. . .) إلخ</span>\nلم يتعرض عنه الشيخ في \"اللامع\"؛ لأنه قد أجمل الكلام عليه في \"الكوكب الدري\" (^٣)، وبسطه في \"الدر المنضود\"، ولخصه شيخنا في \"البذل\" في \"باب الرجل يدلك يده بالأرض. . .\" إلخ.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٣/ ٢٦).\n(^٢) \"أوجز المسالك\" (١/ ٥٠٣).\n(^٣) انظر: \"الكوكب الدري\" (١/ ١٣٩)، و\"بذل المجهود\" (١/ ٣١١).","vol":"2","page":608},{"text":"فقال الشيخ: ها هنا تقرير أنيق كتبه حبيبنا مولانا محمد يحيى الكاندهلوي - أدخله الله تعالى جنة الفردوس - عن شيخه وشيخنا مولانا الشيخ رشيد أحمد الكَنكَوهي - جعله الله مع النبيين والصديقين -، قال الأستاذ - أدام الله علوه ومجده، وأفاض على العالمين بره ورفده -: قد اختلفت أقوال فقهائنا الخفية - كثّر الله جمعهم - في طهارة المخرج واليد إذا بقيت رائحة النجاسة بعد زوال أجرامها، فمنهم من حكم بالطهارة إذا زال جرمها وإن بقيت منها رائحة، ومنهم من ذهب إلى أنها لا تطهر إذًا إلا إذا بقي من أثرها ما يتعسر إزالته، ولعل مبنى الاختلاف ما اختلف فيه من حقيقة الرائحة هل هي بانفصال أجزاء صغار من ذي الرائحة التي لا تدرك بصغرها، أو بتكيف الهواء بكيفية الرائحة؟. . . إلى آخر ما بسطه في \"البذل\".\nقلت: ولعل الإمام البخاري أراد بالترجمة التنبيه على هذا الاختلاف، ورجح أن مسح اليد لم يكن للتطهير بل للتنظيف، كما يدل عليه قوله في الترجمة: \"لتكون أنقى\"، وإليه أشار الشيخ الكَنكَوهي قُدِّس سرُّه في \"الكوكب\" فقال في رواية ميمونة هذه التي في الباب: هذا الدلك للمبالغة في التنظيف بإزالة ما عسى أن يبقى شيء من الدسومة بعد زوال عين النجس ليكون أبعد من الكراهية والتنفر في غسل سائر الأعضاء لا سيما المضمضة والاستنشاق، انتهى.\nوقد كتب مولانا محمد حسن المكي في \"تقريره\": مسح اليد بالتراب ثابت لكن في هذا الزمان تشبه بالهنود فالأولى تركه، وكان الشيخ قُدِّس سرُّه قد يقول: لا اعتبار لهذا التشبه، انتهى.\n\n(٩ -<span data-type='title' id=toc-371> باب هل يدخل الجنب يده. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): نعم يجوز له ذلك وإن كان الأولى أن يغسلها، وإلى هذا أشار بإيراد الروايات والآثار الدالة على جواز الأمرين\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٢/ ٢١٧ - ٢٢٠).","vol":"2","page":609},{"text":"كليهما، ثم إن الغرض منه طهارة الماء المستعمل وطهوريته، وقد عرفت قبل ذلك أن الاستعمال لا يتحقق إلا عند إقامة قربة أو إزالة حدث، فاستدلاله مبني على عدم الفرق بين المستعمل في الغسل بدون إزالة حدث وبينه لها، وكذا على عدم الفرق بين الطاهر والطهور، وفي قوله: \"تختلف أيدينا\" لم يذكر أنا كنا نغسل الأيدي أولًا، وكذا في الرواية الثالثة والرابعة: من إناء واحد من الجنابة، ولم يذكر تقديم غسل الأيدي وبينهما رواية تدل على استحباب غسل اليد أولًا، ثم إن الأجوبة عن الاستدلالات المخالفة ظاهرة بأدنى تدبر فيما ذكرنا وفي استدلالاته - ﵀ -، انتهى.\nوفي هامشه: قال المهلب (^١): أشار البخاري إلى أن يد الجنب إذا كانت نظيفة جاز له إدخالها الإناء قبل أن يغسله؛ لأنه ليس شيء من أعضائه نجسًا بسبب كونه جنبًا، انتهى.\nوالأوجه عندي: أن غرض المصنف بيان جواز إدخال اليد ردًا على ما روي عن ابن عمر أنه قال: \"من اغترف من ماء وهو جنب فما بقي فهو نجس\" أخرجه ابن أبي شيبة (^٢)، وحكاه عنه العيني (^٣) أيضًا، وجمع بينه وبين ما رواه عنه البخاري بوجوه، ولا تعارض بينهما عندي؛ لأن أثر ابن أبي شيبة نص في الجنابة، وأثر البخاري ظاهر في الحدث الأصغر، وفي \"فيض الباري\" (^٤) عن \"الفتاوى\" لابن تيمية، عن الإمام أحمد: أن الجنب إن أدخل يده في الماء نجسه، انتهى.\nلكن الموفق (^٥) حكى مذهبهم: أن الماء طاهر لا إشكال فيه، نعم حكي عن الإمام أحمد اختلاف الروايات في أن الماء هل يبقى مطهرًا أم لا؟ ثم الآثار والروايات التي ذكرها البخاري لما لم تكن صريحة في عدم\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (١/ ٣٧٣).\n(^٢) (١/ ٨٢)، وفيه: \"منه نجس\" بدل \"فهو نجس\".\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٣/ ٢٨).\n(^٤) \"فيض الباري\" (١/ ٣٥٤).\n(^٥) انظر: \"المغني\" (١/ ٢٨٠).","vol":"2","page":610},{"text":"الغسل نبَّه على ذلك بقوله: \"هل\"، ولم يتعرض الشرَّاح ولا المشايخ عن لفظ: \"هل\".\nوقال شيخ المشايخ في \"التراجم\" (^١): غرض الباب إدخال الجنب يده في الإناء قبل الغسل إذا لم يكن على يده قذر غير الجنابة مع سُنِّية الغسل؛ لأن الحديث الأول من الباب ثبت منه بطريق الدلالة جواز الإدخال قبل الغسل، والحديث الثاني ظاهر في الغسل، فطريق الجمع بينهما أن يحمل الأول على الجواز، والثاني على السُّنِّية، وأما ثبوت الإدخال قبل الغسل بالحديث الأول بطريق الدلالة، فلأن قول عائشة رضي الله تعالى عنها تختلف أيدينا، يدل على وقوع الغسالة في الإناء ظاهرًا، فلما لم يتنجس الماء لسقوط غسالة الجنب فيه ولم يحترز منه، فالظاهر أنه لا يجب الاحتراز من إدخال اليد فيه أيضًا قبل الغسل، إذ لا شيء غير الجنابة في اليد، انتهى.\n\n(١٠ -<span data-type='title' id=toc-372> باب من أفرغ بيمينه. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): رد بذلك ما اشتهر أن الإفراغ باليمين على الشمال من صنيع النساء، والرواية وإن كانت دالة على إفراغه بيمينه على شماله إذا قصد غسل فرجه، إلا أن المطلق يثبت في ضمن المقيد، فيعلم بذلك جواز هذا الفعل وإن لم يكن حين يغسل فرجه، انتهى.\nوفي هامشه: سكت الشرَّاح عن غرض المصنف بهذه الترجمة، وأجاد الشيخ قُدِّس سرُّه في توجيه الغرض كما ترى.\nوالأوجه عندي: أن الإمام البخاري نبَّه بذلك على دقيقة وهي أن في الغسل أمرين: أحدهما: صب الماء، والثاني: دلك الأعضاء، ومعلوم أن الأفعال الشريفة مصدرها اليمين، فنبَّه الإمام بأن صب الماء أشرف من دلك\n_________\n(^١) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ١١٠).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٢/ ٢٢١).","vol":"2","page":611},{"text":"الأعضاء، فالأول وظيفة اليمين، والثاني وظيفة اليسار، ولا يبعد أيضًا أنه نبَّه بالترجمة على ترجيح صب الماء باليمنى على اليسرى لما في ذلك من اختلاف الروايات، ففي \"سنن أبي داود\" (^١) من حديث مسدد بسنده إلى عائشة: و\"يصب الماء على يده اليمنى\"، وفي أخرى له عن ميمونة: \"فأكفأ الإناء على يده اليمنى\"، قال الخطابي: محله ها هنا فيما إذا كان يغترف من الإناء، فأما إذا كان ضيقًا كالقمقم فإنه يضعه عن يساره ويصب الماء منه على يمينه، انتهى.\nوفيه على قول الشيخ: والرواية وإن كانت دالة. . . إلخ.\nقال الحافظ (^٢): اعترض على المصنف بأن الدعوى أعم من الدليل، والجواب: أن ذلك في غسل الفرج بالنص وفي غيره بما عرف من شأنه أنه كان يحب التيامن، انتهى.\nقلت: والأوجه منه: أنه تقدم قريبًا في باب المضمضة حديث ميمونة هذا، وفيه: \"فأفرغ بيمينه على يساره فغسلهما ثم غسل فرجه\"، فهذا نص في إفراغ اليمين على اليسار في غير الفرج، ونظر المؤلف يكون على جميع الروايات فيوردها في غير مظانها تشحيذًا للأذهان، انتهى.\n\n(١١ -<span data-type='title' id=toc-373> باب تفريق الغسل والوضوء)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): يعني بذلك إثبات جواز التفريق بين أركانهما، فهو رد على من ذهب إلى فرضية الموالاة، انتهى.\nوفي هامشه: الظاهر في غرض الترجمة الرد على وجوب الموالاة، وعليه بنى الشرَّاح كلامهم.\nوذكر الكرماني (^٤) فيه احتمالًا آخر إذ قال: إن قلت: ما معنى\n_________\n(^١) \"سنن أبي داود\" (ح: ٢٤٢، ٢٤٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٣٧٥، ٣٧٦).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٢/ ٢٢١).\n(^٤) \"شرح الكرماني\" (٣/ ١٢٧).","vol":"2","page":612},{"text":"الترجمة، هل المراد منه بيان عدم وجوب الموالاة أو بيان عدم دخول الوضوء في الغسل، حتى لو كان محدثًا بالحدثين لا يكفيه الغسل، بل يأتي مستقلًا؟\nقلت: لفظ الترجمة يحتملهما، والظاهر الأول، انتهى مختصرًا.\nوكتب شيخ المشايخ في \"التراجم\" (^١): ثبت بحديث الباب التفريق بين أفعال الوضوء، فثبت في الغسل أيضًا بالمقايسة إذ لا فرق بينهما، وأيضًا لا قائل بالفصل، ولذا ضم قوله: \"والوضوء\" في الترجمة إلى الغسل؛ لأن الثابت بالحديث ليس إلا التفريق في الوضوء، انتهى.\n\n(١٢ -<span data-type='title' id=toc-374> باب إذا جامع ثم عاد. . .) إلخ</span>\nوفي \"تراجم (^٢) شيخ المشايخ\": مقصوده إثبات جواز ذلك مع سُنِّيته أن يتوضأ بين الجماعين، وذلك ثابت بالأحاديث الأخر، انتهى.\nويحتمل عندي أنه أشار إلى ترجيح رواية أنس عند أبي داود (^٣): فجعلها غسلًا واحدًا كما رجحه أبو داود، ويحتمل أيضًا أنه أراد الرد على وجوب الوضوء على المعاود كما قال به الظاهرية وابن حبيب المالكي.\nثم لا يذهب عليك ما قال ابن عابدين (^٤): أفتى بعض الشافعية بحرمة جماع من تنجس ذكره قبل غسله إلا إذا كان به سلس فيحل؛ كوطء المستحاضة مع الجريان، ويظهر أنه عندنا كذلك لما فيه من التضمخ بالنجاسة بلا ضرورة لإمكان غسله، بخلاف وطء المستحاضة ووطء السلس، فتأمل، انتهى.\nقوله: (وهن إحدى عشر) تفرد بذلك هشام، ولم يجتمعن في زمان،\n_________\n(^١) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ١١٢).\n(^٢) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ١١٢).\n(^٣) انظر: \"سنن أبي داود\" (ح: ٢١٨).\n(^٤) \"رد المحتار\" (١/ ٤٩٥).","vol":"2","page":613},{"text":"ووجه بأنه جمع مع التسع مارية وريحانة، كذا في \"الفتح\" (^١).\nقلت: ولا ريب أنه - ﷺ - تزوج إحدى عشر نسوة لكنهن لم يجتمعن في زمن واحد؛ لأن خديجة رضي الله تعالى عنها توفيت بمكة ولم ينكح غيرها في حياتها، ثم تزوج سودة وعائشة رضي الله تعالى عنهما بمكة، ثم تزوج حفصة في السنة الثانية أو الثالثة، ثم تزوج زينب بنت خزيمة في رمضان من السنة الثالثة من الهجرة، وعاشت بعد ذلك ثمانية أشهر وتوفيت في آخر الربيعين في السنة الرابعة، ولم يكن إذ ذاك في نكاحه ﵊ إلا ثلاثة غيرها، وباقي النسوة التسع غيرها وغير خديجة بقيت بعده - ﷺ -، وآخرهن نكاحًا ميمونة في عمرة القضاء من السنة السابعة من الهجرة كما بيَّنته في رسالتي \"حكايات الصحابه\" باللغة الأردية.\n\n(١٣ -<span data-type='title' id=toc-375> باب غسل المذي والوضوء منه)</span>\nوفي \"تراجم (^٢) شيخ المشايخ\": غرض الباب ما ذهب إليه بعض العلماء من أن المني يطهر بالفرك مخصوص به، وليس في المذى إلا الغسل، وأيضًا لا يجب فيه الاغتسال بل الوضوء فقط، ويحتمل أن يكون غرض الباب أن جواز الاقتصار على استعمال الأحجار ليس إلا في الخارج المعتاد، أعني: البول والغائط، وأما في غيره فيجب استعمال الماء والغسل، انتهى.\nقلت: تحتمل الترجمة وجوهًا عديدة، فيحتمل أن يكون إشارةً إلى أنه لا يكفي النضح كما قال به أحمد، أو إشارة إلى أنه لا يكفي الحجر منه كما هو رواية لمالك وأحمد، أو إلى أنه لا يجب استيعاب الذكر بالغسل كما قال به بعض المالكية وبعض الحنابلة كما في \"الفتح\" (^٣)، وبسط الكلام\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٣٧٨).\n(^٢) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ١١٣).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١/ ٣٨٠).","vol":"2","page":614},{"text":"على هذه الأقوال في \"الأوجز\" (^١)، وفيه: اعلم أن العلماء بعد ما أجمعوا على أن في المذي الوضوء دون الغسل، وعلى أن المذي نجس ولا خلاف فيهما لمن يعتد به، اختلفوا ها هنا في ثلاثة مسائل:\nإحداها: الاكتفاء بالحجر، فلا يجوز عند بعض المحدثين، إذ قالوا: يتعين الماء لغسله، وقال عياض: اختلف أصحابنا في المذي هل يجزئ منه الاستجمار كالبول أو لا بد من الماء، انتهى.\nوعندنا الحنفية يجوز الاكتفاء على الحجر كما صرح به في \"البدائع\" (^٢) وغيره، وصححه النووي من الشافعية، وقال الحافظ (^٣): وهو المعروف في المذهب، وكذلك الاكتفاء على الحجر هو رواية عن الإمام أحمد كما يظهر من كلام \"المغني\" (^٤) و\"الشرح الكبير\".\nوالمسألة الثانية: هل يغسل موضع النجاسة فقط أو الذكر بتمامه فقط، وهو رواية عن المالكية كما في \"الباجي\"، أو مع الأنثيين أيضًا وهو رواية عن الحنابلة كما في \"المغني\"، والأول قول الجمهور كما قاله الحافظ.\nوالمسألة الثالثة: ما حكى الطحاوي عن بعضهم وجوب الغسل بمجرد خروج المذي، والجمهور أن حكمه حكم البول وغيره من نواقض الوضوء من عدم وجوب الوضوء على الفور، انتهى مختصرًا من \"الأوجز\" والبسط فيه.\nولعل الإمام البخاري أشار في الترجمة بلفظ: \"والوضوء منه\" إلى هذه المسألة الثالثة، واستدل الطحاوي للجمهور بحديث علي بلفظ: \"فيه الوضوء وفي المني الغسل\".\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (١/ ٤٧٣، ٤٧٤).\n(^٢) \"بدائع الصنائع\" (١/ ١٤٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١/ ٣٨٠)، وانظر: \"شرح صحيح مسلم\" (٢/ ٢١٨).\n(^٤) \"المغني\" (١/ ٢٣٣).","vol":"2","page":615},{"text":"(١٤ -<span data-type='title' id=toc-376> باب من تطيب ثم اغتسل. . .) إلخ</span>\nلعل الغرض منه أن الظاهر أن فيه إضاعة المال لكن أبيح لضرورة النشاط في الجماع، وفي \"التراجم\" (^١) لشيخ المشايخ: غرضه أنه لو لم يبالغ في الدلك وغيره عند الاغتسال حتى لا يذهب عنه أثر الطيب الذي كان قد استعمله قبل فلا بأس، بل هو جائز ثابت الأصل، انتهى.\nويحتمل أنه نظر إلى الباب السابق \"باب مسح اليد بالتراب لتكون أنقى\" فأشار إلى أن بقاء الطيب لا ينافي الإنقاء، ويحتمل أيضًا أن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]، يشير إلى المبالغة في الإنقاء، فنبّه به على أن ذلك لا ينافيه.\n\n(١٥ -<span data-type='title' id=toc-377> باب تخليل الشعر. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ في \"باب الوضوء قبل الغسل\" (^٢): التخليل ليس بواجب اتفاقًا إلا إن كان الشعر ملبدًا، انتهى.\nولا يذهب عليك أن ها هنا مسألتين:\nإحداهما: التفريق بين الرجل والمرأة، والجمهور - منهم الأئمة الثلاثة - أنه لا فرق بينهما في نقض الضفائر وأنه ليس بواجب، وهي إحدى الروايتين عن الحنفية، والثانية: عنهم وهو المرجح عندهم كما في هامش \"الكوكب\" (^٣) مبسوطًا: التفريق بين الرجال والنساء في نقض الضفائر لرواية ثوبان عند أبي داود (^٤): \"أنهم استفتوا النبي - ﷺ - عن ذلك فقال: أما الرجل فلينثر رأسه فليغسله حتى يبلغ أصول الشعر، وأما المرأة فلا عليها أن لا تنقضه لتغرف على رأسها ثلاث غرفات بكفيها\".\n_________\n(^١) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ١١٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٣٦٠).\n(^٣) \"الكوكب الدري\" (١/ ١٤١).\n(^٤) \"سنن أبي داود\" (ح: ٢٥٥).","vol":"2","page":616},{"text":"قلت: والعجب من ابن رسلان إذ قال (^١): ظاهر الحديث التفريق بين الرجل والمرأة، ولم أر من قال به، انتهى.\nوالمسألة الثانية: التفريق بين غسل الجنابة والحيض في نقض الضفائر، فالجمهور ومنهم الأئمة الثلاثة أن لا تفريق بينهما، وصححه الموفق (^٢) في مذهبهم، والرواية الثانية عن أحمد أنها تنقضه في الحيض دون الجنابة كما في \"النيل\" (^٣)، وظاهر ميل المصنف من تراجمه إلى قول أحمد في المسألة الثانية إذ ترجم ها هنا بلفظ: حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته. . . إلخ، وترجم في كتاب الحيض بـ \"باب نقض المرأة شعرها. . .\" إلخ، وها هنا مسألة أخرى ثالثة، وهي غسل ما استرسل من الشعر، ففي \"الأوجز\" (^٤): قال المغني: وفي غسل المسترسل من الشعر روايتان لأحمد: إحداهما: يجب غسله، وبه قال الشافعي، والثاني: لا يجب، وبه قال أبو حنيفة، انتهى.\nقلت: والمرجح عندنا الحنفية كما في \"الشامي\" (^٥): يجب غسل المنقوض لا المضفور، وعد في \"مختصر الخليل\" (^٦) من المالكية في الواجبات ضغث مضفور لا نقضه، انتهى.\nوقد كتبت في هامش \"اللامع\" أن الإمام البخاري أشار بالترجمة إلى المسألة الثانية، ثم ظهر لي في غرض الترجمة أن المؤلف أشار إلى أن نقض الضفائر ليس بواجب بل يكفي بَلّ أصول الشعر.\n_________\n(^١) انظر: \"بذل المجهود\" (٢/ ٢٨٥).\n(^٢) انظر: \"المغني\" (١/ ٣٠٢).\n(^٣) \"نيل الأوطار\" (١/ ٣٦٩).\n(^٤) \"أوجز المسالك\" (١/ ٥٠٨)، وانظر: \"المغني\" (١/ ٣٠١).\n(^٥) انظر: \"رد المحتار\" (١/ ٢٨٧).\n(^٦) انظر: \"الخرشي على مختصر خليل\" (١/ ١٦٨).","vol":"2","page":617},{"text":"(١٦ -<span data-type='title' id=toc-378> باب من توضأ في الجنابة. . .) إلخ</span>\nتقدم في الباب الأول من كتاب الغسل الاختلاف في أن الوضوء سُنَّة مستقلة أو تقديم لأعضاء الوضوء، والترجمة تؤيد الثانية، والاستدلال بالرواية خفية، وقيل: كان الأليق بهذا الباب حديث عائشة المتقدم بلفظ: \"ثم غسل سائر جسده\"، وقيل: قرينة الحال والعرف يخص أعضاء الوضوء، وقيل: الترجمة تعين المراد بالحديث أن المراد من قوله: \"جسده\" أي: ما خلا أعضاء الوضوء، واختار الحافظ أن البخاري حمل قوله: \"ثم غسل جسده\" على المجاز بقرينة قوله: \"ثم غسل رجليه\"، فإن كانا داخلين في الجسد فأي حاجة إلى غسلهما بعد، وهذا أشبه بتصرفات البخاري إذ من شأنه الاعتناء بالأخفى أكثر من الأجلى، انتهى مختصرًا من \"الفتح\" (^١).\nوأطال السندي (^٢): في استدلال المؤلف بهذا الحديث على الترجمة.\nوكتب شيخ المشايخ في \"تراجمه\" (^٣): غرض المصنف أن إعادة غسل سائر أعضاء الوضوء غير لازم، والاستدلال بظاهر الحديث.\nوفي \"الأوجز\" (^٤): الوضوء في الغسل، أوجبه داود مطلقًا، وقال قوم: إذا كان الفعل مما يوجب الجنابة والحدث، وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة: إن الغسل يجزئهما، قاله القاري (^٥).\nوقال ابن قدامة في \"المغني\" (^٦): إن لم يتوضأ أجزأه بعد أن يتمضمض ويستنشق وينوي به الغسل والوضوء، وكان تاركًا للاختيار، يعني: يجزئه الغسل عنهما إذا نواهما، نص عليه أحمد، وعنه رواية أخرى:\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٣٨٣).\n(^٢) انظر: \"حاشية السندي\" (١/ ٦٠).\n(^٣) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ١١٤).\n(^٤) \"أوجز المسالك\" (١/ ٤٩٨).\n(^٥) \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٣٣).\n(^٦) \"المغني\" (١/ ٢٨٩).","vol":"2","page":618},{"text":"لا يجزئه الغسل عن الوضوء حتى يأتي به قبل الغسل أو بعده، وهو أحد قولي الشافعي، انتهى.\nوقال ابن العربي (^١): يجب الوضوء إذا مس فرجه في الغسل، انتهى.\nوالأوجه عندي في غرض الترجمة: أن في غسل الجسد يكون إمرار اليد على الفرج عادةً، فأشار المصنف بهذه الترجمة إلى أنه لا ينقض الوضوء.\n\n(١٧ -<span data-type='title' id=toc-379> باب إذا ذكر في المسجد أنه جنب. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): لعل المراد بذلك إثبات أن التيمم للخروج من المسجد وإن كان أدبًا كما هو المشهور بين أصحابنا لكنه غير واجب، وذلك لأنه - ﷺ - لم يتيمم لخروجه من المسجد، وأما إن كان قصده الرد على من ذهب إلى ذلك من الحنفي فغير صحيح، وذلك لأن النبي - ﷺ - وعليًّا - ﵁ - جاز لهما الخروج والمرور والدخول في المسجد جنبًا، فكيف يقاس عليه غيره ممن ليس بمنزلة هذين، انتهى.\nوفي هامشه: قال الحافظ (^٣): إشارة إلى رد من أوجب ذلك كما نقل عن الثوري وإسحاق، وكذا قال بعض المالكية فيمن نام في المسجد فاحتلم: يتيمم قبل أن يخرج، انتهى.\nقلت: وهذه مسألة كينونة الجنب في المسجد، وأما دخول الجنب في المسجد للعبور وغيره فمسألة أخرى خلافية بسطت في \"اللامع\".\n\n(١٨ -<span data-type='title' id=toc-380> باب نفض اليدين من غسل الجنابة)</span>\nالظاهر عندي أن المصنف أشار بذلك إلى رد ما روي من المنع عن ذلك.\n_________\n(^١) انظر: \"عارضة الأحوذي\" (١/ ١٦٣).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٢/ ٢٢٤، ٢٢٦).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١/ ٣٨٣).","vol":"2","page":619},{"text":"قال الحافظ (^١): أورد الرافعي وغيره حديثًا ضعيفًا: \"لا تنفضوا أيديكم في الوضوء فإنها مراوح الشيطان\"، قال ابن الصلاح: لم أجده، وقد أخرجه ابن حبان في \"الضعفاء\"، وابن أبي حاتم في \"العلل\"، ولو لم يعارضه هذا الحديث الصحيح لم يكن صالحًا لأن يحتج به، انتهى.\nوكتب شيخ المشايخ في \"تراجمه\" (^٢): أي: أنه جائز، وعندي أن غرضه إثبات طهارة الغسالة، إذ النفض لا يخلو عن إصابة الرشاش بالبدن، انتهى.\n\n(١٩ -<span data-type='title' id=toc-381> باب من بدأ بشق رأسه. . .) إلخ</span>\nالبداية بالرأس لكونه أكثر شعثًا من بقية البدن، وباليمين مثل دأبه في الطهور وغيره، واختلف الحنفية في أنه هل يبدأ بالرأس؟ وهو الأصح وظاهر الرواية، وقيل: يبدأ بمنكبه الأيمن ثم الأيسر ويثلث بالرأس، وقيل: يثني بالرأس ويثلث بالمنكب الأيسر، قاله ابن عابدين (^٣): وفي \"المغني\" (^٤): ويبدأ بشقه الأيمن؛ لأن النبي - ﷺ - كان يحب التيمن في طهوره.\nوقال النووي في \"شرح المهذب\" (^٥) في بيان سنن الغسل: والابتداء بالأيامن، فيغسل شقه الأيمن ثم الأيسر، وهذا متفق على استحبابه، وقال الرافعي في مكملات الغسل: الرابع يفيض الماء على رأسه ثم على الشق الأيمن ثم على الشق الأيسر، انتهى.\nويحتمل عندي: أن المؤلف نبَّه بهذه الترجمة على أن البداية بالوضوء كما روي من دأبه - ﵇ - ليس بواجب، بل يجوز البداية بالرأس أيضًا.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٣٦٢).\n(^٢) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ١١٥)\n(^٣) \"رد المحتار\" (١/ ٢٩٥).\n(^٤) \"المغني\" (١/ ٢٨٧).\n(^٥) \"المجموع شرح المهذب\" (٢/ ١٨٤).","vol":"2","page":620},{"text":"(٢٠ -<span data-type='title' id=toc-382> باب من اغتسل عريانًا وحده. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^١): قصد بذلك أن التستر أفضل وإن كان خاليًا كما يدل عليه تعليله، ويمكن أن يكون ذلك حيث خاف أن يطلع عليه أحد، وأما إذا أمن كما في المغتسل فلا، فلا يكون ذلك خلافًا لما هو المشهور بين علمائنا، انتهى.\nوفي هامشه: اعلم أن الإمام البخاري ترجم ها هنا بترجمتين: الأولى هذه والثانية الآتية بقوله: باب التستر، وعامة المشايخ والشرَّاح كلهم على أن المراد بالأولى جواز الاغتسال عريانًا في الخلوة مع أفضلية التستر، والمراد بالثانية حرمته بمحضر من الناس.\nقال الحافظ (^٢) في الترجمة الأولى: قوله: (في خلوة) أي: من الناس، وهو تأكيد لقوله: وحده، وقال في الثانية: لما فرغ من الاستدلال لأحد الشقين وهو التعري في الخلوة أورد الشق الآخر، انتهى.\nوبنحوه قال غيره من الشرَّاح، وقال شيخ المشايخ في \"التراجم\" (^٣): \"باب من اغتسل عريانًا\" أي: هو جائز، والأولى الستر في ذلك الوقت أيضًا، ثم قال: \"باب التستر في الغسل\" أي: أنه واجب، انتهى.\nوالأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن غرض الترجمة الأولى هو الذي أفادوه، وليس الغرض من الترجمة الثانية الشق الثاني، أي: إيجابه عند الناس، فإنه معروف لا يحتاج إلى إثباته ولا يختص بالغسل، فإن التعري بمحضر من الناس حرام مطلقًا، وأيضا إذا أثبت المصنف أفضلية التستر في الوحدة فأي فاقة بقيت إلى إثبات التستر عن أعين الناس، فالأوجه عندي في غرض الترجمة الثانية إثبات أفضلية التستر لا على البدن وإن كان الغسل بالإزار، كما يومئ إليه الروايات الموردة فيها.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٢/ ٢٢٦، ٢٢٩).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (١/ ٣٨٥، ٣٨٧).\n(^٣) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ١١٦).","vol":"2","page":621},{"text":"وقال العيني (^١): لا خلاف في أن التستر أفضل كما قاله البخاري، وبجواز الغسل عريانًا في الخلوة قال مالك والشافعي وجمهور العلماء، وروي عن ابن عباس أنه لم يكن يغتسل في بحر ولا نهر إلا وعليه إزار، وإذا سئل عن ذلك قال: إن له عامرًا، وروي عن عطية مرفوعًا: \"من اغتسل بليل في فضاء فليحاذر على عورته، ومن لم يفعل ذلك وأصابه لمم فلا يلومن إلا نفسه\"، ونص أحمد فيما حكاه ابن تيمية على كراهة دخول الماء بغير إزار، انتهى مختصرًا.\nوأنت خبير بالفرق بين الغسل في الصحراء عريانًا وبين الغسل في المستحم والأبنية المعدة لذلك، كما أشار إليه الشيخ في تقريره بقوله: كما يدل عليه تعليله، وهو قوله ﵊: \"فالله أحق أن يستحيا منه من الناس\"، قال الموفق (^٢): من اغتسل عريانًا بين الناس لم يجز ذلك؛ لأن كشفها للناس محرم، وإن كان خاليًا جاز، ويستحب التستر وإن كان خاليًا، وقال أحمد: لا يعجبني أن يدخل الماء إلا متسترًا، انتهى.\nوقال الكرماني (^٣): قال العلماء: كشف العورة في الخلوة بحيث لا يراه آدمي إن كان لحاجة جاز، وإن كان لغير حاجة ففيه خلاف في كراهته وتحريمه، والأصح عند الشافعي أنه حرام، انتهى ملخصًا من هامش \"اللامع\" والبسط فيه.\n\n(٢١ -<span data-type='title' id=toc-383> باب التستر في الغسل عند الناس)</span>\nتقدم في الباب السابق غرض هذه الترجمة عند الشرَّاح وعند هذا العبد الفقير إلى رحمة ربه العليا.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٣/ ٥٧).\n(^٢) \"المغني\" (١/ ٣٠٦).\n(^٣) \"شرح الكرماني\" (٣/ ١٤٠).","vol":"2","page":622},{"text":"(٢٢ -<span data-type='title' id=toc-384> باب إذا احتلمت المرأة)</span>\nقال الحافظ (^١): إنما قيَّده بالمرأة مع أن حكم الرجل كذلك لموافقة صورة السؤال، وللإشارة إلى الرد على من منع منه في حق المرأة دون الرجل كما حكاه ابن المنذر وغيره عن إبراهيم النخعي، انتهى.\nقلت: وها هنا مسألتان بسط الكلام عليهما في \"الأوجز\":\nإحداهما: احتلام المرأة، ففي \"الأوجز\" في سؤال أم سليم وإنكار عائشة عليها بقولها: \"أفٍّ لك هل ترى ذلك المرأة؟ \" ولعلها أنكرتها؛ لأنها لم تعلم لندرتها في النساء مع حداثة سن عائشة، وقيل: لا يحتلم كل النساء.\nوثانيهما: إثبات المني للمرأة، وأجمع عليه فقهاء الأمصار ولم يخالف فيه إلا طائفة من الفلاسفة، فقال أرسطاطاليس: لا مني لها غير أن دم الطمث لها فيه قوة التوليد، وقال ابن سينا: إن لها رطوبة شبيهة بالمني لا يصدق عليه المني، لكن المختار عند محققي الفلاسفة والأطباء أيضًا وجود المني لها، كذا في \"السعاية\"، انتهى ما في \"الأوجز\" (^٢).\n\n(٢٣ -<span data-type='title' id=toc-385> باب عرق الجنب. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٣): تقدير الكلام بيان حكم عرق الجنب، وبيان أن المسلم لا ينجس، وإذا كان لا ينجس فعرقه ليس بنجس، ومفهومه أن الكافر ينجس فيكون عرقه نجسًا، وتمسك بظاهره بعض أهل الظاهر فقال: إن الكافر نجس العين، وقوَّاه بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]، وأجاب الجمهور عن الحديث بأن المراد أن المؤمن طاهر الأعضاء لاعتياده مجانبة النجاسة، بخلاف المشرك لعدم تحفظه عن\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٣٨٨).\n(^٢) \"أوجز المسالك\" (١/ ٥٤٣، ٥٤٧)، و\"السعاية\" (١/ ٣٠٦).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١/ ٣٩٠).","vol":"2","page":623},{"text":"النجاسة، وعن الآية بأن المراد أنهم نجس في الاعتقاد والاستقذار، وحجة الجمهور حل نكاح الكتابيات، ولا يخلو المضاجع عن العرق، وأغرب القرطبي إذ نسب القول بنجاسة عرق الكافر إلى الشافعي، انتهى مختصرًا من \"الفتح\".\nوهكذا حكى العيني (^١) قول القرطبي وقال: قال ابن المنذر: أجمع عوام أهل العلم على أن عرق الجنب طاهر، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي، ولا أحفظ عن غيرهم خلاف قولهما، قال القرطبي: الكافر نجس عند الشافعي، وقال ابن حزم: العرق من المشركين نجس، انتهى.\nفما في \"الفيض\" (^٢) من نسبة نجاسة بدن الكافر إلى مالك لعله سهو من الكاتب، وفي هامشي على \"البذل\" (^٣): قال ابن رسلان: قوله: المسلم ليس بنجس، وكلك الكافر عندنا وعند مالك وجمهور المسلمين من السلف والخلف، ثم قال: وأغرب القرطبي في الجنائز من \"شرح مسلم\" فنسب القول بنجاسة الكافر إلى الشافعي.\n\n(٢٤ -<span data-type='title' id=toc-386> باب الجنب يخرج. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٤): قوله: \"وغيره\" بالجر، أي: وغير السوق، ويحتمل الرفع عطفًا على \"يخرج\" من جهة المعنى، وقوله: قال عطاء. . . إلخ، هذه الأفعال هي المرادة بقوله: \"وغيره\" بالرفع في الترجمة، انتهى.\nوغرض الترجمة عند الشيخ الكَنكَوهي (^٥) عدم وجوب الغسل على الفور، فقد كتب على قوله: قال عطاء. . . إلخ، يعني بذلك: أن الغسل لا يجب له على الفور لجواز الاشتغال بتلك الأمور بقول عطاء، فكان له الخروج إلى الأسواق وغيرها لما جاز له تأخير الاغتسال، ثم إن السوق\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٣/ ٧٣).\n(^٢) انظر: \"فيض الباري\" (١/ ٣٦٢).\n(^٣) انظر: \"بذل المجهود\" (٢/ ٢١٢).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١/ ٣٩١).\n(^٥) انظر: \"لامع الدراري\" (٢/ ٢٣٠).","vol":"2","page":624},{"text":"وغيره سواء في الحكم، فكان إثبات جواز أحدهما إثباتًا لجواز الآخر، أو يقال: لما ثبت المطلق ثبت جوازه في أي فرد كان، فيثبت الجواز في السوق وغيره، انتهى.\nوفي هامشه: قلت: فالظاهر أن المصنف أراد تقوية ما في أبي داود (^١) في \"باب الجنب يؤخر الغسل\" عن عائشة: \"ربما اغتسل في أول الليل، وربما اغتسل آخره، فقال غضيف: الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة\"، وعلى هذا فلا إشكال في الأثر ولا في الرواية، ولعل السر في تبويب المصنف بلفظ: \"الجنب يخرج ويمشي\" ما حكى العيني (^٢) برواية ابن أبي شيبة، والبيهقي عن جماعة من الصحابة، ذكر العيني أسماءهم أنهم كانوا إذا أجنبوا لا يخرجون ولا يأكلون حتى يتوضأوا، انتهى.\n\n(٢٥ -<span data-type='title' id=toc-387> باب كينونة الجنب في البيت. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٣): قيل: أشار المصنف بهذه الترجمة إلى تضعيف ما ورد عن علي - ﵁ - مرفوعًا: \"إن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه كلب ولا صورة ولا جنب\" رواه أبو داود (^٤) وغيره، ثم قال: ويحتمل أن يكون المراد بالجنب في حديث علي من لم يرتفع حدثه كله ولا بعضه، وعلى هذا فلا يكون بينه وبين حديث الباب منافاة؛ لأنه إذا توضأ ارتفع بعض حدثه على الصحيح، انتهى.\nقلت: والأوجه عند هذا العبد الفقير إلى رحمة ربه العليا أن الإمام البخاري أشار بالترجمة إلى تقرير حديث علي بأنه محمول على عدم\n_________\n(^١) \"سنن أبي داود\" (ح: ٢٢٦).\n(^٢) انظر: \"عمدة القاري\" (٣/ ٧٤)، و\"مصنف ابن أبي شيبة\" (١/ ٧٥)، و\"السنن الكبرى\" (١/ ٢٠٤).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١/ ٣٩٢).\n(^٤) \"سنن أبي داود\" (ح: ٢٢٧)، و\"سنن النسائي\" (ح: ٢٦١)، و\"السنن الكبرى\" (١/ ٢٠١).","vol":"2","page":625},{"text":"الوضوء، وذكر الشيخ قُدِّس سرُّه في \"البذل\" (^١) على حديث علي: قال الخطابي (^٢): يريد الملائكة الذين ينزلون بالبركة والرحمة دون الملائكة الذين هم الحفظة، فإنهم لا يفارقون الجنب وغير الجنب، ثم قيل: إنه لم يرد بالجنب ها هنا من أصابته جنابة، فأخّر الاغتسال إلى أوان حضور الصلاة، ولكنه الذي يجنب فلا يغتسل ويتهاون به، ويتخذه عادة، فإن النبي - ﷺ - كان يطوف على نسائه في غسل واحد، وقالت عائشة - ﵂ -: \"كان رسول الله - ﷺ - ينام وهو جنب من غير أن يمس ماء\"، انتهى.\n\n(٢٦ -<span data-type='title' id=toc-388> باب نوم الجنب)</span>\nليست هذه الترجمة في نسخة \"الفتح\".\nوقال الحافظ (^٣): هذه زائدة للاستغناء عنها ب<span data-type='title' id=toc-389>باب الجنب يتوضأ ثم ينام</span>، ويحتمل أن يكون ترجم على الإطلاق وعلى التقييد فلا تكون زائدة، انتهى.\nقلت: ولا يبعد عند هذا العبد الفقير أنه صرح بجوازه لدفع توهم أن النوم أخو الموت، وحقه أن لا ينام جنبًا ولما تقدم من باب النوم على الطهارة.\n\n(٢٧ - باب الجنب يتوضأ ثم ينام)\nقال الحافظ (^٤): قال ابن دقيق العيد: جاء الحديث بلفظ الأمر، وجاء بصيغة الشرط وهو متمسك لمن قال بوجوبه، وقال ابن عبد البر: ذهب الجمهور إلى أنه للاستحباب، وذهب أهل الظاهر إلى إيجابه، وبسط الحافظ الكلام على اختلاف النقلة في مذاهب الأئمة، ورجح رواية الاستحباب عنهم، وقال: نقل الطحاوي عن أبي يوسف أنه ذهب إلى عدم الاستحباب إلى آخر ما في \"الفتح\".\n_________\n(^١) \"بذل المجهود\" (٢/ ٢٠٦).\n(^٢) \"معالم السنن\" (١/ ١١٨).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١/ ٣٩٣).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١/ ٣٩٤).","vol":"2","page":626},{"text":"وكتب الشيخ في \"البذل\" (^١): ذهب الجمهور إلى استحبابه وعدم وجوبه، وتمسكوا بحديث عائشة - ﵂ -: \"أن النبي - ﷺ - كان ينام وهو جنب ولا يمس ماء\"، إلى آخر ما بسط الشيخ، وبسط الكلام على ذلك في \"الأوجز\" (^٢) أيضًا، وفيه: قال العيني (^٣): ذهب طائفة إلى أن الوضوء المأمور به الجنب هو غسل الأذى منه، وغسل ذكره ويديه وهو التنظيف، وذلك يسمى عند العرب وضوءًا، قالوا: وقد كان ابن عمر لا يتوضأ عند النوم الوضوء الكامل، إلى آخر ما فيه.\n\n(٢٨ -<span data-type='title' id=toc-390> باب إذا التقى الختانان)</span>\nأجمع الشرَّاح على أن المراد بالتقائهما الإيلاج، ومجرد الالتقاء لا يوجب الغسل عند أحد، وهل هو مجاز عن الإيلاج؟\nوالأوجه عندي: أنه لازم للإيلاج، ليس بمجاز عنه، والبسط في \"الأوجز\" (^٤)، وبسط الكلام على المسألة في هامش \"اللامع\" أيضًا، وفيه: قال ابن العربي في \"شرح الترمذي\" (^٥): هذه المسألة عظيمة الموقع في الدين مهمة في مسائل الدين، وقد روي عن جماعة من الصحابة أنهم لم يروا غسلًا إلا من الإنزال، ثم روي أنهم رجعوا عن ذلك، ثم روي عن عمر أنه قال: من خالف ذلك جعلته نكالًا، وانعقد الإجماع على وجوب الغسل بالتقاء الختانين، وما خالف في ذلك إلا داود ولا يعبأ بخلافه، فإنه لولا الخلاف ما عرف، وإنما الأمر الصعب خلاف البخاري في ذلك، وحكمه أن الغسل مستحب، وهو أحد أئمة الدين وأجلّ علماء المسلمين معرفةً وعدلًا، وما بهذه المسألة من خلاف، فإن الصحابة اختلفوا فيها ثم\n_________\n(^١) \"بذل المجهود\" (٢/ ١٨٨).\n(^٢) \"أوجز المسالك\" (١/ ٥١٨).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٣/ ٧٨).\n(^٤) انظر: \"أوجز المسالك\" (١/ ٥٠٩)، و\"لامع الدراري\" (٢/ ٢٣١).\n(^٥) \"عارضة الأحوذي\" (١/ ١٦٩).","vol":"2","page":627},{"text":"رجعوا عنها واتفقوا على وجوب الغسل بالتقائهما وإن لم ينزل.\nثم بسط ابن العربي في تضعيف رواية الماء من الماء وقال: العجب من البخاري أن يساوي بين حديث عائشة في إيجاب الغسل وبين حديث عثمان وأُبي في نفي الغسل إلى آخر ما بسط في تضعيف حديث عثمان وأبي، ثم اختلفوا في ميل الإمام البخاري في ذلك هل إلى قول داود أو إلى قول الجمهور كما هو رأي الشيخ إذ قال (^١): قوله: \"هذا أجود وأوكد. . .\" إلخ، يعني به: الوجوب، والآخر منسوخ لا معمول، فإن أفعل التفضيل عند أئمة الحديث كثيرًا ما يستعمل لمعنى التوكيد والتشديد، ولا يعنون به الزيادة على الغير في مأخذ الاشتقاق حتى يكون الآخر - أي: المفضل عليه - جيدًا وآكدًا إلى آخر ما بسطه الشيخ.\nوإليه يشير كلام شيخ المشايخ في \"التراجم\" (^٢) إذ قال: أي: الغسل عند ذلك أحوط اجتهادًا، أي: من حيث الاجتهاد عند المصنف هو الغسل الذي عقد الباب السابق لأجله، وذكر الباب اللاحق إنما هو لمحض الإحاطة بجوانب ثم ترجيح الراجح، انتهى.\nوذكره ابن العربي احتمالًا كما سيأتي وهو الظاهر عند الحافظ ابن حجر، وهو الأوجه عندي؛ لأن الإمام البخاري ترجم لالتقاء الختانين وأورد فيه حديث إيجاب الغسل ولم يذكر فيه حديث الإكسال، ثم لما ذكر حديث الإكسال لم يترجم عليه إلا غسل ما يصيب من الفرج، قال ابن العربي بعد ما تعقب على البخاري (^٣): ويحتمل قول البخاري: \"الغسل أحوط\"، يعني: في الدين من باب حديثين تعارضا فقدم الذي يقتضي الاحتياط في الدين، انتهى.\n_________\n(^١) انظر: \"لامع الدراري\" (٢/ ٢٣٣، ٢٣٧).\n(^٢) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ١١٩).\n(^٣) \"عارضة الأحوذي\" (١/ ١٧٠).","vol":"2","page":628},{"text":"يعني الأليق بشأن البخاري أن لا يخالف الإجماع، ومعنى قوله: \"أحوط\"، يعني: إيجاب الغسل فيه للاحتياط كما أوجبوا الوضوء في النوم للاحتياط.\nوقال الحافظ بعد ما حكى قول ابن العربي المذكور (^١): وهذا هو الظاهر من تصرفه، فإنه لم يترجم بجواز ترك الغسل، وإنما ترجم ببعض ما يستفاد من الحديث من غير هذه المسألة، انتهى.\nوتعقب عليه العيني (^٢): وتعقب هذا العبد الفقير على كلام العيني كما بسط في هامش \"اللامع\"، انتهى مختصرًا وملخصًا من هامش \"اللامع\".\n\n(٢٩ -<span data-type='title' id=toc-391> باب غسل ما يصيب من فرج المرأة)</span>\nهذا الباب عند العبد الفقير غير ما سبق من \"باب المني وفركه وغسل ما يصيب من المرأة\"، فإن المذكور في الباب السابق عند هذا العبد الفقير إلى رحمة ربه تعالى حكم مني المرأة كما سبق التنبيه عليه في الباب السابق.\nومقصود هذا الباب بيان رطوبة الفرج كما يدل عليه الحديث الوارد في هذا الباب، فإنه صريح في من جامع ولم ينزل، قال الموفق (^٣): في رطوبة الفرج احتمالان: النجس، والطهر، إلى آخر ما بسطه.\nوفي \"الدر المختار\" (^٤) من فروع الحنفية في آخر باب الاستنجاء: رطوبة الفرج طاهرة خلافًا لهما، وفيه أيضًا: في باب الأنجاس: وفي \"المجتبى\": أولج فنزع فأنزل لم يطهر إلا بغسله لتلوثه بالنجس، انتهى. أي: برطوبة الفرج.\nقال ابن عابدين: أي: الداخل بدليل قوله: \"أولج\"، وأما رطوبة الفرج الخارج فطاهرة اتفاقًا، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٣٩٨).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٣/ ٩٣).\n(^٣) \"المغني\" (٢/ ٤٩١).\n(^٤) \"الدر المختار\" (١/ ٣٣٧)","vol":"2","page":629},{"text":"وفي \"منهاج الإمام النووي\" (^١): رطوبة الفرج ليست بنجسة في الأصح، قال ابن حجر في \"شرحه\": وهي ماء أبيض متردد بين المذي والعرق، يخرج من باطن الفرج الذي لا يجب غسله، بخلاف ما يخرج مما يجب غسله فإنه طاهر قطعًا، ومن وراء باطن الفرج فإنه نجس قطعًا، ككل خارج من الباطن كالماء الخارج مع الولد أو قبيله، انتهى.\nثم براعة الاختتام عند الحافظ نوَّر الله مرقده وعند هذا الفقير إلى رحمته تعالى لفظ: [وذلك الآخر] فعند الحافظ إيماء إلى آخر الكتاب، وعندي إلى آخر الحياة تشحيذًا للأذهان إلى الموت.\n* * *\n_________\n(^١) \"المنهاج\" (٣/ ١٩٩).","vol":"2","page":630},{"text":"٦ -<span data-type='title' id=toc-392> كتاب الحيض</span>\nهو لغة: السيلان، وفي عرف الشرع: دم يخرج من قعر رحم المرأة بعد بلوغها في أوقات معتادة.\nوذكر الإمام البخاري في الكتاب الاستحاضة والنفاس تبعًا، وترجم بالحيض لكثرة أبوابه، كذا في هامش \"اللامع\"، وبسط فيه الكلام عليه لغة واصطلاحًا.\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-393> باب كيف كان بدء الحيض. . .) إلخ</span>\nهذا باب ثالث بلفظ: كيف، والغرض منه ظاهر، وهو التنبيه على اختلاف الروايات في ذلك، وهو أن بدءه من زمن آدم - ﵇ - أو من بني إسرائيل.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): قوله: (وقال بعضهم: كان أو ما أرسل. . .) إلخ، ويمكن الجمع بينهما بحمل مطلق الحيض من حواء ومن تليها، والكثرة إنما نشأت من بني إسرائيل كما يدل عليه لفظ الإرسال، انتهى.\nوفي هامشه: اختلفوا في الجمع بينهما على أقوال، وما اختاره الشيخ هو مختار الحافظ قُدِّس سرُّه، وهو الأوجه عندي إلى آخر ما بسط فيه من الأقوال، ويؤيده ما في \"الفتح\" (^٢): روى الطبري وغيره عن ابن عباس وغيره [أن] قوله تعالى في قصة إبراهيم: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾ [هود: ٧١]، أي: حاضت، والقصة متقدمة على بني إسرائيل بلا ريب، وروى الحاكم وابن المنذر بإسناد صحيح عن ابن عباس أن ابتداء الحيض كان على حواء بعد أن أهبطت من الجنة، انتهى.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٢/ ٢٣٨، ٢٤٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٤٠٠).","vol":"2","page":631},{"text":"قوله: (وحديث النبي - ﷺ - أكثر) بالمثلثة في النسخ التي بأيدينا، قال الحافظ: أي: أشمل؛ لأنه عام في جميع بنات آدم، فيتناول الإسرائيليات ومن قبلهن، أو المراد أكثر شواهد أو أكثر قوة، انتهى.\nوقال العيني (^١): قال الكرماني: يروى أكبر بالموحدة، ومعناه حديث النبي - ﷺ - أعظم وأجلّ وآكد ثبوتًا، انتهى.\nقلت: وكأن الإمام البخاري رجح الرواية المرفوعة على قول بعضهم على أصول المحدثين ورد قول البعض، وأما على أصول الموجهين فاختلفوا في الجمع بينهما كما تقدم قريبًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-394>(باب الأمر بالنفساء إذا نفسن)</span>\nأي: الأمر المتعلق بهن، قاله الحافظ (^٢).\nوفي \"تراجم (^٣) شيخ المشايخ\": أي: الأمر بأداء مناسك الحج إلا الطواف، انتهى.\nويحتمل عندي في غرض الترجمة اتحاد حكم الحيض والنفاس لقوله ﵊ في حيض عائشة: \"أنفست؟ \"، وفيه أن هذا المعنى سيأتي قريبًا في \"باب من سمى النفاس حيضًا\" على أن هذه الترجمة ليست في النسخ المعروفة بل في الحاشية، والظاهر حذفه، وإلا لم يبق للترجمة السابقة حديث، وعلى ثبوت الترجمة يحتمل عندي أن يكون الغرض هو الأمر بالاغتسال عند الإحرام، ولا يقال: إن الترجمة على هذا تكون من كتاب الحج؛ لأن الترجمة كما تتعلق بالحج تتعلق بأحكام الحيض أيضًا، وأمثال ذلك كثيرة في البخاري، فسيأتي قريبًا \"باب ترك الحائض الصوم\"، و\"باب تقضي الحائض المناسك كلها. . .\" إلخ، وسيأتي اعتكاف\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٣/ ٩٦)، وانظر: \"شرح الكرماني\" (٣/ ١٥٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٤٠٠).\n(^٣) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ١٢٢).","vol":"2","page":632},{"text":"المستحاضة في هذا الكتاب \"كيف تهل الحائض\" وهو أيضًا سيأتي في كتاب الحج أيضًا، فلما كان للمسائل تعلق بالكتابين ذكرها الإمام البخاري في موضعين.\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-395> باب غسل الحائض رأس زوجها. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): أورد الترجمة دفعًا لما عسى أن يتوهم من النجاسة الحكمية التي منعتها عما منعت حرمة المصاحبة والمخالطة بها كما كانت تزعمه اليهود وتفعله، انتهى.\nوفي هامشه: وما أفاده الشيخ واضح، والمعنى أن قوله عزَّ اسمه: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، ليس المراد فيه النهي عن القربان مطلقًا بل قربان خاص، ويحتمل عندي أن الإمام البخاري أشار بذلك إلى رد ما روي عن ابن عباس أنه دخل على ميمونة فقالت: \"أي بُنَيّ ما لي أراك شعت الرأس؟ فقال: إن أم عمار ترجلني وهي الآن حائض، فقالت: أي بُنَيّ ليست الحيضة باليد\" الحديث، أخرجه ابن أبي شيبة كما في \"العيني\" (^٢) فهو من الأصل الثالث عشر من أصول التراجم.\nثم لا يذهب عليك ما قال الحافظ (^٣): إن الحديث مطابق لما ترجم له من جهة الترجيل، وألحق به الغسل قياسًا أو إشارةً إلى الطريق الآتية في \"باب مباشرة الحائض\" فإنها صريحة في ذلك، انتهى.\nقلت: وهذا الثاني متعين عندي، فإنه أصل مطرد من أصول التراجم، وهو الأصل الحادي عشر.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٢/ ٢٤٢).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٣/ ١٠٠).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١/ ٤٠١).","vol":"2","page":633},{"text":"(٣ -<span data-type='title' id=toc-396> باب قراءة الرجل في حجر امرأته. . .) إلخ</span>\nبكسر الحاء المهملة وفتحها ثم بسكون الجيم، واختلفوا في غرض الترجمة.\nوالأوجه عندي كما قاله ابن بطال تأييد للحنفية ورد على الشافعية في مسألة خلافية شهيرة، وهي جواز حمل المحدث والجنب المصحف بعلاقته، وبه جزم صاحب \"التوضيح\" كما سيأتي من كلامه في مناسبة الحديث بالباب.\nقال ابن بطال (^١): غرض البخاري في هذا الباب أن يدل على جواز حمل الحائض المصحف، انتهى.\nوتعقبه الكرماني بقوله (^٢): ليس غرض البخاري أن يدل على جواز حمل الحائض المصحف، بل الغرض هو مجرد ما ترجم في الباب عليه، وهو جواز القراءة بقرب موضع النجاسة، وكون المؤمن في حجر الحائض لا يدل على جواز الحمل، ولهذا اتفقوا في جوازه، واختلفوا في جواز الحمل، انتهى.\nولا عجب في تعقب الكرماني فإنه كلهم يتحاشون أن يقولوا في موضع: إن غرض البخاري الرد عليهم، وليست هذه الجرأة إلا للحنفية، فإنه ينادون بصوت جهوري أن في هذه الترجمة ردًا علينا الحنفية، وأنت خبير بأن إثبات المسألة الخلافية الشهيرة أليق بشأن تراجم البخاري من إثبات مسألة إجماعية، والحافظ ابن حجر أيضًا فهم من ترجمة البخاري ما فهمه ابن بطال، لكنه جبن أن يفصح ذلك الغرض للبخاري، والدليل على ما قلته أنه - ﵀ - فهم ذلك أنه قال (^٣): وذلك - أي: أثر أبي رزين - مصير منهما إلى جواز حمل الحائض المصحف لكن من غير مسه، ومناسبته لحديث عائشة\n_________\n(^١) \"شرح صحيح البخاري\" لابن بطال (١/ ٤١٤).\n(^٢) \"شرح الكرماني\" (٣/ ١٦٣).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١/ ٤٠٢).","vol":"2","page":634},{"text":"من جهة أنه نظر حمل الحائض العلاقة التي فيها المصحف بحمل الحائض المؤمن الذي يحفظ القرآن؛ لأنه حامله في جوفه، وهو موافق لمذهب أبي حنيفة، ومنعه الجمهور وفرَّقوا بأن الحمل مخل بالتنظيم، والاتكاء لا يسمى في العرف حملًا، انتهى.\nفهذه الترجمة عندي من الأصل الحادي والعشرين الذي أفاده شيخ الهند، انتهى ما في هامش \"اللامع\" ملخصًا.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): وتأييد أثر أبي وائل لهذه الترجمة ظاهر، فإنه فيه تلبسًا بنقشه كما أن فيها تلبسًا بلفظه، يعني: أن النقش والألفاظ كلاهما محترم، فلما كان أبو وائل يرسل خادمه بالمصحف فتأخذه بعلاقته، وفيه تلبس الحائض بنقوشه، فكذلك تجوز قراءة القرآن في حجر الحائض وإن كان فيه تلبس لألفاظه بالحائض بنوع مقارنة، انتهى.\nثم في المسألة اختلاف مشهور، والحمل بعلاقته جائز عند الإمامين أبي حنيفة وأحمد، ومنع منه الإمامان مالك والشافعي كما في \"الأوجز\" (^٢) عن الموفق إذ قال: ويجوز حمله بعلاقته وهذا قول أبي حنيفة، ومنع منه مالك والشافعي، انتهى.\nووقع الغلط في نقل المذاهب في \"العيني\" إذ حكى جواز الحمل عن الأئمة الأربعة، ثم حديث عائشة يناسب ظاهر ألفاظ الترجمة، وأما على ما اخترت من غرضها تبعًا لابن بطال وصاحب \"التوضيح\" فيحتاج إلى دقة نظر، أشار إليها صاحب \"التوضيح\" إذ قال: وجه المناسبة حديث عائشة أن ثيابها بمنزلة العلاقة، والشارع بمنزلة المصحف؛ لأنه في جوفه وحامله، إذ غرض البخاري بهذا الباب الدلالة على جواز حمل الحائض المصحف، انتهى.\nوإليه أشار الشيخ قُدِّس سرُّه في ذكر مناسبة الأثر للباب.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٢/ ٢٤٤).\n(^٢) انظر: \"أوجز المسالك\" (٤/ ٢١٩)، و\"المغني\" (١/ ٢٠٣).","vol":"2","page":635},{"text":"(٤ -<span data-type='title' id=toc-397> باب من سمى النفاس حيضًا)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): يعني بذلك: أنهما معًا دمان يخرجان من الرحم، فلما جاز إطلاق النفاس على الحيض جاز عكسه لما فيهما من الاشتراط المطلق إطلاق أحدهما على الآخر، والغرض منه أن اشتراكهما في تلك الصفة أو هذا الإطلاق لا يقتضي اشتراكهما في جملة أحكامها، بل لكل منهما أحكام مختصة، نعم يشتركان في بعض الأحكام، وفي الإطلاق المجازي لكل منهما، ويمكن أن يكون قوله: \"حيضًا\" مفعولًا أولًا له، والنفاس مفعولًا ثانيًا، وعلى هذا فمطابقة الرواية للترجمة ظاهرة، والغرض منه دفع اشتراك أحكامهما باشتراك اسميهما.\nفصار الحاصل أن ما ورد في الروايات من إطلاق اسم النفاس على الحيض، فإنه مجرد إطلاق اسم للاشتراك بينهما في أنهما دمان خارجان من الرحم، وليس ذلك لكون أحكامهما متحدةً بأسرها، ففيه شيء ما، انتهى.\nوفي هامشه: حاصل كلام الشيخ أن ها هنا إشكالين: الأول في غرض الترجمة ما هو؟ والثاني في موافقة الترجمة للحديث، فإن في الحديث عكسه، ولذا قيل: إن الترجمة مقلوبة، والصواب: باب من سمى الحيض نفاسًا، وأطال الشرَّاح في هذين الأمرين بأقوال مختلفة، قال ابن بطال (^٢): كان حق الترجمة أن يقول: باب من سمى الحيض نفاسًا، فلما لم يجد البخاري للنبي - ﷺ - نصًا في النفساء وحكم دمها في المدة المختلفة، وسمي الحيض نفاسًا في هذا الحديث، فهم منه أن حكم دم النفاس حكم دم الحيض في ترك الصلاة؛ لأنه إذا كان الحيض نفاسًا وجب أن يكون النفاس حيضًا لاشتراكهما في التسمية من جهة اللغة أن الدم هو\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٢/ ٢٤٥، ٢٤٨).\n(^٢) \"شرح صحيح البخاري\" (١/ ٤١٦).","vol":"2","page":636},{"text":"النفس، ولزم الحكم بما لم ينص عليه مما نص وحكم للنفساء بترك الصلاة ما دام دمها موجودًا، انتهى.\nوقال الكرماني (^١): قال شارح التراجم: إن قيل: الحديث يدل على تسمية الحيض نفاسًا لا العكس، فجوابه: أن تقديره: من سمى حيضًا بالنفاس، بتقدير حرف الجر وتقدمه، أو من سمى حيضًا النفاس بتقدير تقدمه فقط، انتهى. وهذا هو مختار الشيخ.\nوقال الحافظ (^٢): قيل: يحمل على التقديم والتأخير والتقدير من سمى حيضًا النفاس، ويحتمل أن يكون المراد بقوله: \"من سمى\" من أطلق لفظ النفاس على الحيض فيطابق ما في الخبر بغير تكلف، انتهى.\nوعند هذا العبد الفقير إلى رحمة ربه العليا: أن غرض الترجمة واضح لا خفاء فيه، وهو اشتراكهما في الأحكام كما أشار إليه الشيخ في \"اللامع\"، ونص به شيخ المشايخ في \"التراجم\" (^٣) إذ قال: حاصل ما أراده البخاري أن إطلاق الحيض على النفاس والنفاس على الحيض شائع فيما بين العرب، فكان ما ثبت من الأحكام للحيض ثابتًا للنفاس أيضًا، فلم يصرح الشارح (^٤) بالتفصيل في النفاس، هذا غرضه من حيث القصة، فتدبر، انتهى.\nوهذا هو غرض الترجمة عندي أن الإمام البخاري لما لم يجد على شرطه أحكامًا للنفاس أثبت بالترجمة أن أحكامهما متحدة لاتحاد اللفظ والمعنى، فإن لفظ النفاس مشترك ومعناهما، أي: الدم الخارج من الرحم أيضًا متحد، لا يقال: إن بينهما اختلافًا في بعض الأحكام كما سيأتي؛ لأن معناه أن ما يثبت من الأحكام لأحدهما ثابت للآخر إلا ما خصَّه دليل،\n_________\n(^١) \"شرح الكرماني\" (٣/ ١٦٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٤٠٣).\n(^٣) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ١٢٣).\n(^٤) هكذا في الأصل، والصواب بدله: \"الشارع\".","vol":"2","page":637},{"text":"وهذا كقوله - ﷺ - في حديث يعلى بن أمية: \"اصنع في عمرتك ما تصنع في حجتك\" مع أن بينهما اختلافًا في بعض الأفعال.\nقال الحافظ (^١): قال المهلب وغيره: لما لم يجد المصنف نصًّا على شرطه في النفساء ووجد تسمية الحيض نفاسًا في هذا الحديث، فهم منه أن حكم دم النفاس حكم دم الحيض، وتعقب بأن الترجمة في التسمية لا في الحكم، انتهى.\nوأنت خبير بأنه لا يصح التعقب؛ لأن استدلال المصنف بهذه التسمية على الحكم، فإن \"الجامع الصحيح\" ليس من كتب اللغة حتى يقال: إنه أراد بيان التسمية، ففي هامش \"اللامع\" على قول الشيخ: وفيه شيء ما: لعله أشار بذلك إلى أنه إذا لم يكن بينهما اشتراك في الأحكام فلم يبق لاتحاد الاسم فائدة.\nولذا قال العيني (^٢): لا فائدة في الترجمة، وإليه أشار الحافظ بما تعقب على المهلب وغيره، وقد عرفت ما عند هذا العبد الضعيف أن الإمام البخاري استدل بذلك على اتحاد حكمهما، وقد أجاد في الاستدلال فما أدق نظره - ﵁ -.\n\n(٥ -<span data-type='title' id=toc-398> باب مباشرة الحائض)</span>\nكتب شيخ المشايخ في \"تراجمه\" (^٣): يعني: أنها جائزة فيما فوق الإزار، وأما فيما تحت الإزار فلا يجوز خلافًا لبعض العلماء، فإنهم يجوّزون ذلك مع التوقي عن الفرج وموضع الدم، انتهى.\nقلت: والاختلاف في المسألة معروف، والروايات المذكورة في الباب تؤيد من قال بالاتزار ومنع عن المباشرة من السرة إلى الركبة، ففي\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٤٠٢).\n(^٢) انظر: \"عمدة القاري\" (٣/ ١٠٦).\n(^٣) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ١٢٣).","vol":"2","page":638},{"text":"\"الأوجز\" (^١): مباشرة الحائض على ثلاثة أنواع:\nأحدها: المباشرة في الفرج بالوطء وهو حرام بالنص والإجماع.\nوالثاني: المباشرة بما فوق السرة ودون الركبة، وهو مباح بالإجماع.\nوالثالث: الاستمتاع بما بينهما خلا الفرج والدبر فمختلف فيما بين الأئمة، قال أحمد ومحمد: مباح ورجحه الطحاوي من الحنفية، هكذا حكاه الحافظ في \"الفتح\" (^٢)، وتبعه غيره من ابن رسلان وصاحب \"التعليق الممجد\" (^٣) وغيرهما، لكن الطحاوي في \"معاني الآثار\" رجحه أولًا ثم رجع عنه، ورجح قول الإمام، وقال أيضًا في \"مختصره\": قال أبو جعفر: ويستمتع من الحائض بما عدا مئزرها، ويجتنب ما تحته في قول أبي حنيفة وأبي يوسف وبه نأخذ، انتهى.\nوقال أبو حنيفة ومالك والشافعي وأكثر العلماء: لا يجوز، وهما روايتان عن أبي يوسف، انتهى ما في \"الأوجز\" مختصرًا.\n\n(٦ -<span data-type='title' id=toc-399> باب ترك الحائض الصوم)</span>\nقال الحافظ (^٤): قال ابن رُشيد وغيره: جرى المصنف على عادته في إيضاح المشكل دون الجلي، وذلك أن تركها الصلاة كان جليًّا من أجل أن الطهارة شرط لها، والصوم لا يشترط لها الطهارة، فكان تركها له تعبدًا محضًا فاحتاج إلى ذكره، انتهى.\nولا يبعد عندي أن يقال: إن الصلاة لم تبق عليها فرضًا ولذا لم تقض، والصوم فرض عليها فتقضيه فتتركه حينئذٍ، فذكره المصنف تنبيهًا على أن تركها الصوم في هذا الوقت، وإن كان في الحديث ذكر الصلاة والصوم على نسق واحد.\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (١/ ٥٧٩).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٤٠٤).\n(^٣) \"التعليق الممجد\" (١/ ٣١٨).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١/ ٤٠٥).","vol":"2","page":639},{"text":"(٧ -<span data-type='title' id=toc-400> باب تقضي الحائض المناسك كلها. . .) إلخ</span>\nاختلفوا في غرض المصنف بهذه الترجمة، وما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" مبني على ظاهر ألفاظ الترجمة، ولذا وجه الشيخ قدس سره الآثار الواردة في الباب إلى ظاهر الترجمة، وإليه مال شيخ المشايخ في \"التراجم\".\nوالحاصل: أنهم اختلفوا على أربعة أقوال:\nالأول: جواز مناسك الحج غير الطواف، وإليه مال الشيخ في \"اللامع\" (^١) وشيخ المشايخ في \"التراجم\".\nالثاني: جواز قراءة القرآن للحائض، قاله ابن رُشيد تبعًا لابن بطال (^٢)، ومسألة قراءة القرآن للحائض والجنب خلافية تقدمت في باب قراءة القرآن بعد الحدث.\nالثالث: جواز الطاعات البدنية غير ما ثبت منعه من الطواف والصلاة والصوم، نقله الحافظ عن البعض.\nالرابع: منعها عن الطواف خاصة كما في الباب السابق منعها عن الصوم خاصة، وإليه مال العيني (^٣)، وبسط الكلام على ذلك في \"اللامع\" وهامشه أشد البسط.\n\n(٨ -<span data-type='title' id=toc-401> باب الاستحاضة)</span>\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٤): أي: ماذا حكمه؟ وفي هامشه أشار الشيخ بذلك إلى غرض المصنف بهذه الترجمة، وتوضيح ذلك أنه ورد في الروايات أحكام مختلفة كثيرة كما بسطها أبو داود (^٥) والطحاوي، وبوّب\n_________\n(^١) انظر: \"لامع الدراري\" (٢/ ٢٥٠)، و\"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ١٢٤).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (١/ ٤٠٧)، و\"شرح صحيح البخاري\" لابن بطال (١/ ٤٢١).\n(^٣) انظر: \"عمدة القاري\" (٣/ ١٢١).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٢/ ٢٥٥).\n(^٥) انظر: \"سنن أبو داود\" (ح: ٢٧٤، ٣١٠)، و\"شرح معاني الآثار\" (١/ ٩٨، ١٠٧).","vol":"2","page":640},{"text":"أبو داود لكل حكم ترجمةً مستقلةً من الغسل لكل صلاة، والجمع بين الصلاتين، والغسل مرة عند انقضاء الحيض، والغسل كل يوم مرة، والغسل عند الطهر خاصة وغير ذلك، وذهب إلى كل واحد من الأحكام المذكورة ذاهب من العلماء كما بسط في \"الأوجز\" (^١)، ومذهب جمهور الفقهاء والأئمة الأربعة وجوب الغسل مرة عند انقضاء الحيض على الاختلاف بينهم في أن انقضاءه يكون بالعادة أو التمييز، وعلى هذا فغرض المصنف بالترجمة تأييد الجمهور بوحدة الغسل عند انقضاء الحيض خلافًا لما تقدم من الأحكام المختلفة.\nلا يقال: إنه ليس في حديث الباب الاغتسال؛ لأنه سيأتي التصريح بذلك قريبًا في \"باب إذا حاضت في شهر ثلاثة حيض\"، فإنه ذكر فيه هذا الحديث بعينه، وفي آخره: \"ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها، ثم اغتسلي وصلي\" وهذا من دأب المصنف المعروف، وهو الأصل الحادي عشر من أصول التراجم، وهذا الغرض هو الأوجه عندي في الترجمة.\nولا يبعد أيضًا أنه أشار بالترجمة إلى مسألة أخرى خلافية شهيرة بين العلماء لا سيما عند الحنفية والمالكية، وهي اعتبار العادة أو التمييز، اعتبرت الحنفية الأول وأنكرت الثانية، والمالكية على عكس ذلك، والإمامان: الشافعي وأحمد اعتبرا كليهما، كما بسط في \"الأوجز\" بأنهما اعتبرا العادة في المعتادة المحضة، والتمييز في المميزة المحضة، فإن كانت معتادةً ومميزةً معًا وتعارضت العادة والتمييز فالشافعي رحمة الله عليه اعتبر التمييز، وأصح قولي أحمد اعتبار العادة.\nوعلى هذا فكان الإمام البخاري أشار بالترجمة إلى هذا الاختلاف، وأشار بالرواية الواردة في الباب إلى دلائل الفريقين، ولم يقض فيهما بشيء\n_________\n(^١) انظر: \"أوجز المسالك\" (١/ ٦٠٤، ٦٣٩)، و\"بذل المجهود\" (٢/ ٣٢٧، ٤٣٨).","vol":"2","page":641},{"text":"فكانت الترجمة من الأصل الرابع من أصول التراجم، وأشار بلفظ \"إذا أقبلت\" إلى التمييز، فإن الإقبال والإدبار عندهم من ألفاظ التمييز كما صرَّح به الترمذي، وبلفظ \"ذهب قدرها\" إلى العادة فإنه كالنص على العادة، والبسط في \"الأوجز\"، ولا يشكل عليه ما سيأتي قريبًا من باب إقبال المحيض كما سيأتي قريبًا.\n\n(٩ -<span data-type='title' id=toc-402> باب غسل دم الحيض)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): دفع بذلك ما عسى أن يتوهم من مقايسته على المني أن الأمر فيه سهل أيضًا، والجامع كثرة الابتلاء والحكم بالتخفيف في المني ثبت على غير قياس فلا يعدى، انتهى.\nقلت: ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه ظاهر، وقد تقدم في \"باب غسل الدم\" من \"كتاب الوضوء\" أن الإمام البخاري ترجم بهذا المعنى في ثلاثة مواضع، وقد تقدم هناك الفرق بين الثلاث، ولا يبعد عندي أن الغرض ها هنا غسله من الثوب، وفيما سيأتي في غسل المحيض غسله عن البدن، كما يدل عليه الروايات التي أوردها الإمام البخاري في البابين، فإن الروايتين الواردتين في الباب الأول نصَّان في الثوب، والرواية الواردة في الباب الثاني كالصريحة في البدن لقوله - ﷺ -: \"خذي فرصة ممسكة\" الحديث، وفي الرواية التي قبلها: \"فتطهري بها\"، قلت: \"تتبعي بها أثر الدم\".\n\n(١٠ -<span data-type='title' id=toc-403> باب اعتكاف المستحاضة)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): يعني بذلك: أن الاستحاضة لا تمنع شيئًا مما كان يمنعه المحيض غير أنها تحتاط في تلويث المساجد وغيرها، انتهى.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٢/ ٢٥٧).\n(^٢) المصدر السابق (٢/ ٢٥٧).","vol":"2","page":642},{"text":"وفي هامشه: اعتكاف المستحاضة مجمع عليه لم أر فيه اختلافًا، ومع ذلك احتاج الإمام البخاري إلى تبويبه؛ لأن الظاهر من أحكام المسجد أن يكون ذلك حرامًا، قال صاحب \"الدر المختار\" (^١): لا يجوز البول والفصد ولو في إناء، وقال ابن عابدين: قوله: الفصد ذكره في \"الأشباه\" بحثًا فقال: أما الفصد فيه في إناء فلم أره، وينبغي أن لا فرق، أي: لا فرق بينه وبين البول، انتهى.\nومقتضاه أن لا يجوز اعتكاف المستحاضة.\nقوله: (اعتكف معه بعض نسائه) قال ابن الجوزي: ما عرفنا من أزواج النبي - ﷺ - من كانت مستحاضة، قال: والظاهر أن عائشة أشارت بقولها: \"من نسائه\" أي: من النساء المتعلقات به، وهي أم حبيبة، ورد الحافظ في \"الفتح\" على قول ابن الجوزي هذا، وأثبت استحاضة بعض أمهات المؤمنين، وبسط الكلام عليها في \"الفتح\" (^٢)، وهكذا بسط الكلام عليه في \"الأوجز\".\n\n(١١ -<span data-type='title' id=toc-404> باب هل تصلي المرأة في ثوب. . .) إلخ</span>\nوكتب شيخ المشايخ في \"التراجم\" (^٣): غرض الباب إثبات جواز ذلك لمكان اعتياد النساء قبل الإسلام بتبديل الثياب بعد انقطاع الحيض، وكن يرين ذلك واجبًا، انتهى.\nوما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه ظاهر الحديث الوارد فيه، لكن يشكل عليه تبويب المصنف عليه بلفظ \"هل\"، ولا يبعد عندي أنه أشار بذلك إلى حديث أم سلمة الماضي في \"باب من سمى النفاس حيضًا\" والآتي في \"باب النوم مع الحائض\" بلفظ: فأخذت ثياب حيضتي، وهو يدل على أن ثياب الحيضة\n_________\n(^١) انظر: \"رد المحتار\" (٢/ ٤٢٩).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (١/ ٤١١)، و\"أوجز المسالك\" (١/ ٦٣١).\n(^٣) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ١٢٨).","vol":"2","page":643},{"text":"كانت غير ثياب الطهر، فالظاهر أنها لا تصلي في ثياب الحيضة، وهو الأصل الثاني والثلاثون من أصول التراجم، ويجمع بين الروايتين بأن أم سلمة كانت لها ثياب الحيضة، وليست عند عائشة، وقد وردت الروايات العديدة المصرحة بجواز الصلاة في ثياب الحيضة في \"سنن أبي داود\" (^١).\n\n(١٢ -<span data-type='title' id=toc-405> باب الطيب للمرأة. . .) إلخ</span>\nفي \"تراجم (^٢) شيخ المشايخ\": يعني: أنه سُنَّة، انتهى.\nقال الحافظ (^٣): أي: متأكد بحيث إنه رخص للحادة التي حرم عليها استعمال الطيب، انتهى.\nوفي هامشي على \"البذل\" عن ابن رسلان: هو سُنَّة مؤكدة، يكره تركه بعد الغسل على المذهب، وقيل قبله، وإن لم تجد مسكًا فشيء آخر من الطيب، انتهى.\nويحتمل عندي أن يكون الغرض أن الوارد في الروايات من الفرصة الممسكة مقصودها الطيب لا نفس المسك لأجل العلوق.\nوكتب الشيخ في \"البذل\" (^٤): قال النووي: والمقصود باستعمال الطيب دفع الرائحة الكريهة على الأصح، وقيل: لكونه أسرع إلى الحبل حكاه الماوردي، انتهى.\nقال العيني (^٥): قال ابن بطال: أبيح للحائض محدًا أو غير محد عند غسلها من الحيض أن تدرأ رائحة الدم عن نفسها بالبخور بالقسط مستقبلة للصلاة ومجالسة الملائكة لئلا تؤذيهم برائحة الدم، انتهى.\n_________\n(^١) انظر: \"سنن أبي داود\" (ح: ٣٥٧، ٣٦٥).\n(^٢) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ١٢٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١/ ٤١٣).\n(^٤) انظر: \"بذل المجهود\" (٢/ ٤٥٢)، و\"شرح صحيح مسلم\" (٢/ ٢٥٠).\n(^٥) \"عمدة القاري\" (٣/ ١٣٦)، وانظر: \"شرح صحيح البخاري\" لابن بطال (١/ ٤٣٨).","vol":"2","page":644},{"text":"قوله: (من كست أظفار) وكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): أوجه التقادير فيه أنه عطف بحذف حرف العطف، وهو جار في المحاورات، أي: قسط أظفار، أيما كان منهما أو غيرهما من الطيب، ودلالة الرواية على الترجمة واضحة، فإنها لها أذن لها في التطييب وهي معتدة مع أن المعتدة ممنوعة من الطيب، فالتي ليست معتدة أولى بإتيان الطيب وتلبسه، انتهى.\nوفي هامشه عن تقرير مولانا محمد حسن المكي: قوله: من \"كست أظفار\"، هذا كان في الأصل: من كست وأظفار بالعطف، وهما نوعان من الطيب، لكنه أضاف الكست إلى الأظفار للتشبيه في القلة، أي: من كست مثل أظفار، والكست \"الكت\" والأظفار \"نكَـ\" ونسخة كست ظفار ظاهر، وظفار اسم مدينة، انتهى.\nقلت: و\"نكَـ\" طيب معروف في الهند يكون مثل الظفر، يبخر بها الثياب كثيرًا لا سيما ثياب العروس، ويؤيد ما أفاده الشيخ من العطف ما في \"الفتح\" (^٢): ووقع في رواية مسلم من هذا الوجه: من \"قسط أو أظفار\" بإثبات \"أو\" وهي للتخيير.\nقال العيني (^٣): وقع في مسلم: \"قسط وأظفار\" وهو الأحسن فإنهما نوعان، انتهى.\nقلت: ولا اختلاف بين الحافظين فإن الواو وأو كليهما روايتان لمسلم إلى آخر ما في هامش \"اللامع\".\n\n(١٣ -<span data-type='title' id=toc-406> باب دلك المرأة نفسهما. . .) إلخ</span>\nأشكل بأنه ليس في الحديث كيفية الغسل ولا الدلك.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٤) على قوله: \"تتبعي بها أثر الدم. . .\" إلخ، ولا يفيد التطيب إلا إذا كان بعد إزالة الدم عن ذلك الموضع، فثبت\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٢/ ٢٥٧، ٢٥٩).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٤١٤).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٣/ ١٣٤).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٢/ ٢٥٩، ٢٦١).","vol":"2","page":645},{"text":"دلكه ضرورةً؛ لأنه لا يزول إلا بالدلك، وهذا إذا كان المراد بالنفس في الترجمة هو المقام المخصوص الذي هو محل الدم، وإن أريد بالنفس ذات المرأة وسائر بدنها فإثبات الدلك لها مجرد قياس؛ لأنها لما أمرت بإزالة الوسخ عن هذا المقام بذاك الاهتمام وباستعمال الطيب أيضًا بعد الغسل والدلك، فأولى أن يثبت ذلك لسائر بدنها، وقد توسخ في مدة ذاك مع أنها تلابس المسلمات، وتقبل على الرب ﵎ في الصلوات والدعوات، وتتلبس بالملائكة، فأولى أن تؤمر بتنظيف بدنها وإزالة أوساخه، ولا يحصل إلا بالدلك، انتهى.\nوفي هامشه: ما أفاده الشيخ واضح، وفي تقرير مولانا حسين علي الفنجابي: المناسبة أن التتبع لزيادة النظافة ويفهم الدلك، فإن فيه النظافة، أو يقال باستخراجه من صيغة التطهير للمبالغة، انتهى.\nوكذا في تقرير مولانا محمد حسن المكي إذ قال: دلك المرأة يستنبط من قوله: \"تطهري\"، وكذا من قوله: \"تتبعي\"؛ لأنهما من صيغة المبالغة، فإذا كانت مبالغة الطهارة في باطن البدن كانت في ظاهره أيضًا بالدلك، انتهى.\nوفي أخرى له - ﵀ -: قوله: \"تتبعي\" أي: ضعي في داخل فرجك ليحصل له القوة، ويندفع النتن، وليس هذا محل الترجمة، بل محل الترجمة حذف من هذا الحديث، وفي الحديث اختصار، انتهى.\nوهو مختار الحافظ في \"الفتح\" (^١)، إذ قال: قيل: ليس في الحديث ما يطابق الترجمة.\nوأجاب الكرماني (^٢) تبعًا لغيره: بأن تتبع الدم يستلزم الدلك بأن المراد من كيفية الغسل الصفة المختصة بغسل المحيض وهي التطيب لا الاغتسال، وهو حسن، وأحسن منه أن المصنف أشار حسب عادته إلى الروايات الدالة\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٤١٤).\n(^٢) \"شرح الكرماني\" (٣/ ١٨٢).","vol":"2","page":646},{"text":"على ذلك وإن لم يكن المقصود منصوصًا فيما ساقه، ففي رواية أخرجها مسلم (^١): \"تأخذ إحداكن ماءها وسدرتها، فتطهر فتحسن الطهور، ثم تصب على رأسها، فتدلكه دلكا شديدًا، حتى تبلغ شؤون رأسها - أي: أصوله - ثم تصب عليها الماء، ثم تأخذ فرصة\" الحديث، فهذا مراد الترجمة لاشتمالها على كيفية الغسل والدلك، انتهى.\nولا يبعد عندي أن تكون الترجمة شارحة على الأصل الثالث والعشرين، والغرض منه الرد على من حمل المسك على الطيب المعروف كما حمله عليه بعضهم، وأكثر العلماء على أن المراد من المسك الجلد ليكون أنجح في الدلك، فالظاهر أن الإمام البخاري أشار بلفظ الدلك في الترجمة إلى أن المراد منه ما يناسب الدلك لا الطيب، فإنه قد أثبته في الترجمة السابقة.\nوقوله: (فرصة ممسكة) قال الحافظ (^٢): بكسر الفاء، وحكى ابن سيده تثليثها وبإسكان الراء وإهمال الصاد: قطعة من صوف أو قطن أو جلدة عليها صوف، وقال ابن قتيبة: هي قرضة بفتح القاف وبالضاد المعجمة، انتهى، كذا في \"البذل\" (^٣).\nوفي هامشي على \"البذل\": قوله: \"ممسكة\" قال ابن رسلان: بضم الميم الأولى وسكون الثانية وفتح السين أو كسرها، قاله القيسي، وقال القرطبي: روايتنا ضم الميم الأولى وفتح الثانية وتشديد السين، أي: مطيبة بالمسك، وقال الزمخشري: الممسكة الخلقة، يعني: لا تستعمل الجديد؛ لأن الخلق أوفق حالًا، قال في \"النهاية\": الأقوال كلها بعيدة، والأوجه قطعة من مسك ليزيل الرائحة الكريهة لا للعلوق، انتهى ما في هامشي على \"البذل\".\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\" (ح: ٣٣٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٤١٥).\n(^٣) \"بذل المجهود\" (٢/ ٤٥٢).","vol":"2","page":647},{"text":"(١٤ -<span data-type='title' id=toc-407> باب غسل المحيض)</span>\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): ضبطوه بضم الغين وفتحها، فإن كان الأول فذاك، وإن كان الثاني ففيه تكرار إذ قد تقدم \"باب غسل دم الحيض\" إلا أن يحمل الباب المتقدم على غسل الثوب، وهذا على غسل البدن كما هو الظاهر من الروايتين الموردتين فيهما، وحينئذ فلا تكرار على أي من الروايتين، انتهى.\nوبسط في هامشه كلام الشرَّاح في غرض الترجمة وتكرارها، وفيه: والأوجه عندي أن الباب بضم الغين، والغرض بيان الاغتسال من المحيض وكيفيته، وتقدم في بيان غسل الجنابة في \"باب تخليل الشعر\" أن ميل الإمام البخاري عند هذا الفقير إلى ما روي عن الإمام أحمد من الفرق بين الاغتسال من الجنابة والاغتسال من الحيض في نقض الضفائر، فبين ها هنا كيفية الاغتسال من الحيض، والبابان الآتيان جزءان من هذا الباب، نبَّه بهما على بيان الفرق خاصة، فتأمل، انتهى.\nوفي \"تراجم (^٢) شيخ المشايخ\": يعني: أنه واجب ثابت ومناسبة الحديث بالترجمة قول الأنصارية: \"كيف أغتسل؟ \" يدل على أن أصل الغسل مسلم الثبوت والسؤال إنما هو عن كيفيته، انتهى.\n\n(١٥ -<span data-type='title' id=toc-408> باب امتشاط المرأة. . .) إلخ</span>\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): وإثبات الحكم بحديث الباب قياس؛ لأن المذكور فيه ليس هو الامتشاط عند الغسل من المحيض، وإنما كان غسلها لأجل التطيب والنظافة، وكانت في غسلها حائضة، فلما أمرها بالامتشاط في هذا الغسل فأولى أن تمتشط في الغسل عن المحيض؛ لأن\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٢/ ٢٦١، ٢٦٢).\n(^٢) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ١٢٩).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٢/ ٢٦٣).","vol":"2","page":648},{"text":"الطيب والطهارة فيه أحب؛ لأنه للصلاة، وهذا إنما كان لأفعال الحج بل كان زائدًا غير مفتقر إليه؛ لأن غسل الإحرام قد كان منها قبل ذلك ولم تبق محرمة، انتهى.\nوفي هامشه: سكت الشرَّاح عن غرض المصنف بهذا الباب، والأوجه عندي: أن هذا الباب الآتي جزءان من الباب السابق، والمقصود من الثلاثة بيان كيفية غسل المحيض، انتهى.\nوما حكى الحافظ في \"<span data-type='title' id=toc-409>باب نقض المرأة شعرها</span>\"، لخصه من كلام الموفق، ووقع فيه اختصار مخل، كما نبَّهت عليه في هامش \"اللامع\"، انتهى ما في الهامش.\n\n(١٦ - باب نقض المرأة شعرها)\nتقدم في الباب السابق أن هذا الباب جزء من الباب السابق، وقد تقدم أيضًا بيان المذاهب في تلك المسألة.\n\n(١٧ -<span data-type='title' id=toc-410> باب قول الله - ﷿ -: ﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): قصد بذلك أن المخلقة يطلق على معنيين:\nأحدهما: ما تم خلقه وكمل، وغيره المخلقة بحسب ذلك ما فيه نقص ما، والثاني: ما لم يأخذ في الصورة ولم يتكوّن إلا قليل منه كيد أو رجل، وغير المخلقة حينئذ ما لم يتخلق شيء منه.\nفإن كان المراد هو الأول من معنييه فالغرض من إيراده أن المخلقة وغير المخلقة مستويان في الأحكام، كانقضاء العدة وحكم النفاس وغير ذلك، وإن كان المراد هو الثاني فإيراده لإفادة أن المخلقة وغير المخلقة\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٢/ ٢٦٤، ٢٦٨).","vol":"2","page":649},{"text":"ليستا مسويتين في الحكم، بل المخلقة منهما له حكم الولد في الأحكام المذكورة دون غير المخلقة، حتى لا يكون ما يتعقب غير المتخلقة بهذا المعنى من الدم نفاسًا، بل كان حيضًا، انتهى.\nوفي هامشه: واختلفوا في غرض المؤلف بهذه الترجمة، ولا ريب في أن غرض المصنف بها ها هنا خفي، فاعلم أولًا أن هذه قطعة من الآية التي في أول سورة الحج، وترجمها في تفسير \"بيان القرآن\" (^١) بلفظ: \"بهر بوىى س (كه علقه ميى سختي آجان س حاصل هوتا هـ) كه (بعض) بوري هوتي هـ (كه اس ميى بور أعضاء بن جات هيى) اور (بعض) ادهورىِ بهي (هوتي هع كه بعضل أعضاء ناقص ره جات هيى) \"، انتهى.\nوفي \"الجمل\" (^٢): مخلقة تامة الخلق، وغير مخلقة، أي: غير تامة الخلق، يعني: غير مصورة أو غير تامة التصوير، انتهى.\nثم اختلف شرَّاح البخاري في غرض المصنف بهذا الباب، وأجاد الشيخ في توجيه الغرض حتى صح إدخالها في كتاب الحيض.\nوقال شيخ المشايخ في \"التراجم\": غرضه تفسير هذا اللفظ من القرآن، وإيراده في كتاب الحيض لأدنى مناسبة، انتهى.\nوبذلك جزم بعض الشراح منهم الحافظ، ويشكل عليه أنه كان حقه إذا كتاب التفسير، وقال ابن بطال (^٣): غرضه في إدخاله في الحيض تقوية مذهب من يقول: إن الحامل لا تحيض، وهو قول الكوفيين وأحمد وإليه ذهب الشافعي في القديم، وفي الجديد: أنها تحيض، وعن مالك روايتان، انتهى.\n_________\n(^١) \"بيان القرآن\" (٧/ ٦٢).\n(^٢) \"تفسير الجمل\" (٣/ ١٥٢).\n(^٣) انظر: \"فتح الباري\" (١/ ١٤٩)، و\"شرح صحيح البخاري\" لابن بطال (١/ ٤٤٤).","vol":"2","page":650},{"text":"قلت: والمشهور منهما أنها تحيض، وعليه مشى الإمام مالك في \"الموطأ\" كما بسط في \"الأوجز\" (^١)، انتهى ملخصًا من هامش \"اللامع\".\nوالأوجه عندي: أن يكون هذا الباب من أبواب النفاس، أي: كون هو بعد كلتي المولودتين تامة وغير تامة.\n\n(١٨ -<span data-type='title' id=toc-411> باب كيف تهل الحائض)</span>\nهذا باب رابع بلفظ \"كيف\"، وفي \"تراجم (^٢) شيخ المشايخ\" قُدِّس سرُّه: قال القسطلاني في معناه (^٣): ليس المراد بالكيفية الصفة بل بيان صحة إهلال الحائض، وعندي أنه على الظاهر، والغرض إثبات صفة الإهلال إذا أهلت الحائض، وهي أن يكون إهلالها مقرونًا بالغسل وإن كان ذلك الغسل في أثناء الحيض، وغسل عائشة - ﵂ - يحتمل ذلك، انتهى.\nقال الحافظ (^٤): مراده صحة إهلال الحائض، ومعنى \"كيف\" في الترجمة الإعلام بالحال بصورة الاستفهام لا الكيفية التي يراد بها الصفة، وبهذا التقرير يندفع اعتراض من زعم أن الحديث غير مناسب للترجمة، إذ ليس فيها ذكر صفة الإهلال، انتهى.\nقلت: والظاهر عندي أن المصنف نبَّه بلفظ: \"كيف\" على كيفية الغسل بأنه مستحب أو واجب؛ لأنه وقع في أثناء الحيض فليس بمطهر، فأشار بلفظ \"كيف\" على هذا الغسل، أي: كيفيته باعتبار الحكم، فهذا الغسل مستحب عند الكل، غير ابن حزم فإن غسل الحائض والنفساء فرض عنده كما في \"جزء حجة الوداع\" (^٥) عن \"العيني\".\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (١/ ٥٩٣).\n(^٢) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ١٣١).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١/ ٦٥١).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١/ ٤١٩).\n(^٥) \"جزء حجة الوداع\" (ص ٧١)، وانظر: \"عمدة القاري\" (٧/ ٨٣)، و\"المحلى\" لابن حزم (٥/ ٦٨).","vol":"2","page":651},{"text":"(١٩ -<span data-type='title' id=toc-412> باب إقبال المحيض وإدباره. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): أن لهما علامات يعرفان بها، وأن حكم الإقبال غير حكم الإدبار، ففي الأول ترك الصلاة والصوم وغيرهما، وفي الثاني خلافه إلى غير ذلك، ثم إن ذلك في أيام الحيض، انتهى.\nوفي هامشه: لم يتعرض الشرَّاح عن غرض المصنف بالترجمة، وما يظهر من كلام الحافظ أن الإمام البخاري أشار بذلك إلى اختلافهم فيما يعرف به إدبار الحيض إذ قال: اتفق العلماء على أن إقبال الحيض يعرف بالدم في وقت إمكان الحيض، واختلفوا في إدباره فقيل: يعرف بالجفوف، وهو أن يخرج ما يحتشى به جافًا، وقيل: بالقصة البيضاء، وإليه ميل المصنف، انتهى.\nوالأوجه عندي: أن الإمام البخاري أشار بذلك إلى ما هو المصطلح المعروف عند المحدثين أن لفظ الإقبال والإدبار عندهم من مستدلات التمييز بالدم، ولذا أورد الإمام البخاري فيه ما يتعلق بالألوان، والحنفية لما لم يقولوا بالتمييز حملوا روايات الإقبال والإدبار على إقبال أيام العادة، والإمام البخاري لم يفصح في ذلك بشيء، بل نبَّه بالترجمة على ما هو المصطلح عندهم، فلا ينافي ما قلته في باب الاستحاضة، بل لو قيل: إن المصنف مال إلى عدم الاعتبار بالتمييز لكان له وجه؛ لأنه أتى في الباب بأثر عائشة: \"لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء\"، فإنه صريح في عدم الاعتبار بالتمييز.\nقوله: (ترين القصة) كتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): أي: أن الطهر لا يتحقق إلا إذا كان البياض الخالص، انتهى.\nوبسط في هامشه الكلام في معنى القصة هل المراد بها القطنة التي أدخلت في الفرج فتخرج بيضاء نقية لا يخالطها صفرة؟ وقيل: القصة ماء أبيض يخرج من فرج المرأة عند انقطاع الحيض.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٢/ ٢٦٨).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٢/ ٢٧٠).","vol":"2","page":652},{"text":"(٢٠ -<span data-type='title' id=toc-413> باب لا تقضي الحائض الصلاة)</span>\nفي \"تراجم (^١) شيخ المشايخ\": معناه: أن الحائض تترك الصلاة ولا تقضيها، وتعليق الباب للجزء الأول فما قال القسطلاني (^٢): إن ترك الصلاة يستلزم عدم قضائها؛ لأن الشارع أمر بتركها، والمأمور بتركه لا يجب فعله، فلا يجب قضاؤه، لا حاجة إليه على أنه منتقض بالصوم، فتأمل، انتهى.\nقال الحافظ (^٣): فإن قيل: الترجمة لعدم القضاء، وهذان الحديثان لعدم الإيقاع، فما وجه المطابقة؟\nأجاب الكرماني (^٤): بأن الترك في قوله: \"تدع الصلاة\" مطلق أداءً وقضاءً، انتهى.\nوهو غير متجه؛ لأن منعها إنما هو في زمن الحيض فقط، وقد وضح ذلك من سياق الحديثين، والذي يظهر لي أن المصنف أراد أن يستدل على الترك أولًا بالتعليق، وعلى عدم القضاء بحديث عائشة، فجمل المعلق كالمقدمة للحديث الموصول الذي هو مطابق للترجمة، والله أعلم، انتهى.\n\n(٢١ -<span data-type='title' id=toc-414> باب النوم مع الحائض. . .) إلخ</span>\nالظاهر عندي: أن الإمام البخاري أشار بذلك إلى رد ما يتوهم من رواية أبي داود (^٥): عن عائشة قالت: \"كنت إذا حضت نزلت عن المثال على الحصير، فلم نقرب رسول الله - ﷺ -، ولم ندن منه حتى نطهر\".\nوكتب الشيخ في \"البذل\" (^٦): هذا الحديث يخالف (^٧) الأحاديث\n_________\n(^١) \"شرح تراجم أبواب تراجم البخاري\" (ص ١٣١).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١/ ٦٥٣).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١/ ٤٢١).\n(^٤) \"شرح الكرماني\" (٣/ ١٩٢).\n(^٥) \"سنن أبو داود\" (ح: ٢٧١).\n(^٦) \"بذل المجهود\" (٢/ ٣٢٣).\n(^٧) أجاب عنه ابن قتيبة في \"تأويل مختلف الحديث\" (ص ٢٣٥).","vol":"2","page":653},{"text":"المتقدمة الصحيحة، فلا بد من التأويل فيه، قال صاحب \"المجمع\": والحديث منسوخ إلا أن يحمل القرب على الغشيان، انتهى.\nأو يؤول بأن ترك القرب والدنو كان من جانب عائشة رضي الله تعالى عنها لا منه - ﷺ -، انتهى.\nوفي هامشي على \"البذل\": قال ابن رسلان: حديث أبي داود متمسك ابن عباس وأبي عبيدة، وهو موافق لما حكاه النووي في \"الروضة\" تبعًا للرافعي، وهو قول شاذ من أقوال العلماء، انتهى.\nوفي الأوجز (^١) عن العيني: وحكي عن عبيدة السلماني وغيره أنه لا يباشر شيئًا من الحائض قط، وهو قول شاذ منكر مردود بالأحاديث الصحيحة المذكور في الصحيحين وغيرهما في مباشرة النبي - ﷺ - فوق الإزار، انتهى.\n\n(٢٢ -<span data-type='title' id=toc-415> باب من اتخذ ثياب الحيض. . .) إلخ</span>\nوفي \"تراجم (^٢) شيخ المشايخ\": الاستدلال بحديث الباب موقوف على أن يحمل قول أم سلمة - ﵂ -: \"فأخذت ثياب حيضتي\" على الثياب التي يلبسها الإنسان، دون الخرق التي تحتشي بها الحائض عند ظهور دم الحيض، ويحتمل ذلك أيضًا، انتهى.\nقلت: إرادة القطن بالثياب بعيد، وأجاب عنه القسطلاني (^٣): بأنها - ﵂ - كَنَّتْ عن الخرق بالثياب تجملًا وتأدبًا، ولا تعارض بين هذا الحديث وبين ما تقدم: \"ما كان لإحدانا إلا ثوب واحد\"؛ لأنه باعتبار وقتين: حالة الإقتار وحالة السعة، انتهى.\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (١/ ٥٧٩)، و\"عمدة القاري\" (٣/ ١١١).\n(^٢) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ١٣٢، ١٣٣).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١/ ٦٥٦).","vol":"2","page":654},{"text":"قلت: أو باعتبار المرأتين، فإن عائشة - ﵂ - لكثرة صدقاتها لا تترك شيئًا في بيتها كما هو معروف من عادتها، والأوجه عندي في غرض المصنف بالترجمة دفع ما يتوهم من حديث عائشة المتقدم بلفظ: لم يكن لنا إلا ثوب واحد، أن اتخاذ الثياب للحيض خاصة إسراف، فدفعه الإمام البخاري بهذه الترجمة.\n\n(٢٣ -<span data-type='title' id=toc-416> باب شهود الحائض العيدين. . .) إلخ</span>\nغرض المؤلف بهذه الترجمة يحتمل عندي وجهين:\nأحدهما: دفع ما يتوهم أنها إذا كانت ممنوعة عن الصلاة فلا فائدة في خروجها إلى المصلى، مع أن خروج المرأة عن بيتها شنيع.\nوالوجه الثاني: بيان أن المصلى ليس في حكم المسجد في منع دخول الحائض، وهو مذهب الجمهور خلافًا لما حكى بعضهم من عدم جواز دخولهن في المصلى؛ لأنه يشبه المسجد، كما في هامش \"اللامع\" (^١) في \"باب اعتزال الْحُيَّض المصلى\" من كتاب العيدين، وسيأتي هناك أيضًا \"باب خروج النساء والْحُيَّض إلى المصلى\".\n\n(٢٤ -<span data-type='title' id=toc-417> باب إذا حاضت في شهر. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): وهذا مبني على أنه لم يتحقق عند قائله أقل مدة الحيض والطهر، ومبنى الاستدلال بالرواية أنها مطلقة من ذكر المقدار، فلا ينبغي التقييد بشيء من الأيام، إلا أن الإمام لما تحققت له الرواية ذهب إلى أنهما مقدران شرعًا، ومعنى قوله: لقول الله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٨]، أن الكتمان لما كان حرامًا عليهن بهذه الآية كان حمل قولهن على الكذب حملًا لمقالة المسلم على الكذب، ولا يجوز ذلك، انتهى.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٤/ ١٢٤).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٢/ ٢٧١، ٢٧٦).","vol":"2","page":655},{"text":"وفي هامشه: قال شيخ المشايخ في \"التراجم\" (^١): أي: هو ممكن، وإذا ادعت المرأة ذلك تُصُدِّقَتْ فيه، والآية دالة على أن قولها مقبول فيه، وجميع تعاليق الباب دالة على أنه ليس في الحيض تحديد، وإنما هو مفوض إلى قول المرأة لكن فيما يمكن، انتهى.\nوسكت الشَّراح عن غرض المصنف بالترجمة.\nوالظاهر عندي: أن الإمام البخاري ذكر في الباب مسألتين:\nأولاهما: اختلافهم في مدة الحيض، وعليه يتفرع ما في الترجمة من الادعاء بثلاث حيض في شهر، وإليه أشار الشيخ في \"اللامع\" بقوله: هذا مبنى. . . إلخ، فالترجمة في هذا الجزء من الأصل الثامن عشر من أصول التراجم.\nوالمسألة الثانية: صرح بها بقوله: \"وما يصدق النساء\" وهو كالنص في غرضه، والاستدلال بالآية بأنها تدل على وجوب إظهارها، فلو لم تصدق فيه لم يكن للإظهار فائدة.\nوأجاد صاحب \"البدائع\" (^٢) إذ قال: تصدق في قولها؛ لأنها أمينة في أخبارها عن انقضاء عدتها، فإنه تعالى ائتمنها في ذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٨]، والقول قول الأمين مع اليمين كالمودع، ثم لا يقبل قولها فيما لا تحتمله المدة؛ لأن قوله الأمين يقبل فيما لا يكذبه الظاهر، انتهى.\nأما المسألة الأولى: فاختلفوا في تحديد الحيض والطهر، أما الحيض فمسلك الحنفية أن أقله ثلاثة أيام ولياليها، وأكثره عشرة، وقال الشافعي وأحمد: أقله يوم وليلة، وأكثره خمسة عشر يومًا ولياليها أو سبعة عشر، قولان لكل منهما، وقال مالك: لا حد لأقله، وأكثره سبعة عشر أو ثمانية\n_________\n(^١) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ١٣٣).\n(^٢) \"بدائع الصنائع\" (٣/ ٣١٤).","vol":"2","page":656},{"text":"عشر، وأما الطهر فأقله ثلاثة عشر يومًا عند أحمد، وقالت الأئمة الثلاثة: خمسة عشر يومًا، ذكر أبو ثور أن ذلك لا يختلفون فيه، انتهى. كذا في \"الأوجز\" (^١).\nثم عدة المطلقة ثلاثة قروء بالنص، ولا خلاف بينهم في ذلك، واختلفوا في المراد بالقرء فقالت: الحنفية: المراد به الحيض، وهو الذي رجع إليه أحمد وهو المرجح في مذهبه، وقوله الآخر: إن المراد به الطهر، وهو مذهب الشافعي ومالك، كذا في \"الأوجز\".\nوإذا عرفت ذلك فقد عرفت أن المرأة إذا ادعت بثلاث حيض في شهر يقبل دعواها في المرجوح عند أحمد، بل يقبل عنده على هذا القول في ثمانية وعشرين يومًا ولحظتين، وكذلك يقبل قولها عند مالك في ثلاثين يومًا وأربع لحظات، ولا يقبل قولها عند الشافعي في أقل من اثنين وثلاثين يومًا ولحظتين، انتهى.\nقلت: وتوضيح مسالك الأئمة الثلاثة هكذا:\n. . . . الطهر الذي طلق فيه … الحيض الأول … الطهر بعده … الحيض الثاني … الطهر بعده … بدء الحيض الثالث الذي تمت فيه العدة\nعند مالك … لحظة … لحظة … ١٥ يوم … لحظة … ١٥ يوم … لحظة … فالمجموع ٣٠ يومًا وأربع لحظات\nعند الشافعي … لحظة … ١ يوم … ١٥ … ١ يوم … ١٥ يوم … لحظة … فالمجموع ٣٢ يومًا\nعند أحمد في المرجوع عنه … لحظة … ١ يوم … ١٣ … ١ يوم … ١٣ يوم … لحظة … فالمجموع ٢٨ يومًا ولحظتان\nوأما عندنا الحنفية فاختلفت الروايات والتخاريج في ذلك جدًا كما بسط في \"البدائع\" (^٢) والمعروف في شروح \"البخاري\" وغيرها أنها لا تصدق\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (١/ ٦٢٣).\n(^٢) انظر: \"بدائع الصنائع\" (٣/ ٣١٤، ٣١٦).","vol":"2","page":657},{"text":"عند الإمام في أقل من ستين يومًا، وتصدق عند صاحبيه في تسعة وثلاثين يومًا وذلك لأن العدة عندهم على الحيض، فلا بد من ثلاث حيض، والحيض مقدر الطرفين ولا حدّ لأكثر الطهر، وأقله خمسة عشر يومًا، فوجه قول الإمام أنه يبعد أن يعتبر الأقل من كل منهما، فالاعتدال أن يعتبر الأقل من جهة والأكثر من جهة أخرى، ولما لم يكن لأكثر الطهر حدّ فلا بد أن يعتبر الأقل منه والأكثر من الحيض، فيكون المجموع ستين يومًا، ووجه قول صاحبيه أن أقل ما يمكن تصديقها فيه أن يعتبر الأقل من كل الجهتين، فيكون المجموع تسعة وثلاثين، والصورة هكذا:\n. . . . طهر الطلاق … الحيض الأول … الطهر بعده … الحيض الثاني … الطهر بعده … الحيض الثالث … المجموع\nعند الإمام … لحظة … ١٠ … ١٥ … ١٠ … ١٥ … ١٠ … ٦٠ يومًا\nعند صاحبيه … لحظة … ٣ … ١٥ … ٣ … ١٥ … ٣ … ٣٩ يومًا\nعند أحمد في المرجوع إليه … لحظة … ١ … ١٣ … ١ … ١٣ … ١ … ٢٩ يومًا\nوعلم من هذا كله أن ترجمة الإمام البخاري توافق الإمامين: مالكًا وأحمد، ولا توافق الحنفية والشافعية، انتهى ما في هامش \"اللامع\" مختصرًا.\nقوله: (دعي الصلاة قدر الأيام) قال الحافظ (^١): مناسبة الحديث للترجمة من قوله: \"قدر الأيام\" فوكل ذلك إلى أمانتها ورده إلى عادتها، وذلك يختلف باختلاف الأشخاص، انتهى.\nوقال الكرماني (^٢): المناسبة في إبهام الأيام، وهو محتمل لكون ثلاث حيض في الشهر، انتهى.\nوقال شيخ المشايخ في \"التراجم\" (^٣): محل المناسبة بالترجمة قوله: \"ولكن دعي الصلاة\" فإنه دليل على أنه فوض الأمر إلى فاطمة، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٣٢٥).\n(^٢) \"شرح الكرماني\" (٣/ ٢٠٠).\n(^٣) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ١٣٣).","vol":"2","page":658},{"text":"(٢٥ -<span data-type='title' id=toc-418> باب الصفرة والكدرة)</span>\nوفي \"تراجم (^١) شيخ المشايخ\": يعني: أنهما ليستا من الحيض، ولا تمنعان الصلاة والصوم، وبعض الفقهاء عدوهما من الحيض، انتهى.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): قوله: \"في غير أيام الحيض\" قصد بهذه الزيادة جمع ما بين الروايات من التعارض، فقد تقدم من قول عائشة أنها قالت: لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء، ففيه دلالة على أن الصفرة والكدرة من الحيض، وها هنا وقع التصريح بخلافه، فأشار إلى الجمع بينهما بأن هذا في غير أيام الحيض، وذلك فيها، انتهى.\nوفي هامشه: وبذلك جزم جميع العلماء ثم بسطه، قلت: والأوجه عندي: أن الإمام البخاري أشار بالترجمة إلى حديث أبي داود برواية أم عطية - ﵂ - قالت: \"كنا لا نعد الكدرة والصفرة بعد الطهر شيئًا\"، فإن قوله: بعد الطهر هو الذي أشار إليه البخاري بلفظ: في غير أيام الحيض، ولا يشكل على الأئمة ما تقدم من اختلافهم في المستحاضة من اعتبار لون الدم؛ لأنها في المستحاضة دون الحيض، فإن ألوان دم الحيض عديدة عند الجميع لا يختص بلون واحد إلى آخر ما بسطه.\nوذكر صاحب \"الفيض\" (^٣) فهدر البخاري مسألة التمييز بالألوان، إلا أنه قيَّدها بغير أيام الحيض، ومفهومه اعتبارها في أيام الحيض، قال الحنفية: معنى الحديث: أنه لم تكن عندنا مسألة التمييز بالألوان، فكنا نعدّها كلها حيضًا، وقال الشافعية: معناه: إنا كنا نعد التمييز بالألوان، فنعدّ الحمر والسواد حيضًا، ولا نعد الكدرة والصفرة شيئًا لكونها استحاضة.\nوالشرح الثالث للبخاري وحاصله: إنا كنا نلغي الألوان في غير أيام الحيض، ومفهومه: إنا كنا نعتبرها في أيام الحيض، ففصل بين رؤية الألوان\n_________\n(^١) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ١٣٥).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٢/ ٢٧٨).\n(^٣) \"فيض الباري\" (١/ ٣٩٢).","vol":"2","page":659},{"text":"في أيام الحيض وبين رؤيتها في الخارج، وهذا التفصيل من جانبه، وكأن البخاري ذهب إلى التمييز بالألوان من وجه وهدره من وجه، وبالجملة لكلامه ثلاثة شروح:\nالأول: إنا لم نكن نعتبر الألوان في مدة الحيض، ونعتد كلها من الحيض، نعم كنا نعتمد بها إذا رأيناها من غير أيام الحيض، وحينئذ وافقنا المصنف في مسألة التميز بالألوان وهدرها.\nوالثاني: إنا لم نكن نعدّ الألوان شيئًا من غير أيام الحيض، أما إذا كانت في أيام الحيض فكنا نعتبر بها، وهذا موافق للشافعية.\nوالثالث: عدم عبرتها مطلقًا، انتهى.\nوأنت خبير بأن ما في \"اللامع\" أوفق من ظاهر البخاري.\n\n(٢٦ -<span data-type='title' id=toc-419> باب عرق الاستحاضة)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): أي: باب بيان أن دم الاستحاضة دم عرق، وليس خارجًا من أحد السبيلين، فلا يتحد حكمهما لما فيهما من بون في الأصل والذات، فيكون سببًا للاختلاف في الآثار والثمرات، انتهى.\nوكتب الشيخ أيضًا في \"الكوكب\" (^٢): قوله: إنما ذلك دم عرق. . . إلخ، فيه دلالة على أن الحكم في الخارج من السبيلين وغيرهما مشترك في النقض، وإن كان التفاوت بينهما ثابتًا، بوجوه مفصلة في الفقه، ولا يتوهم خروج دم الاستحاضة من إحدى السبيلين، وإن كان هذا هو الظاهر بحسب ما يبدو للناظر، وذلك لأن المراد بالسبيل ها هنا مخرج البول لا أعم منه، ودم الاستحاضة لا يخرج منه كما هو ظاهر لمن له أدنى درية بأحوالهن، نعم سبيل المني والاستحاضة واحد، وكذلك الحكم في سبيل البراز، فإن الخارج منها الظاهر لا يؤتى له حكم الخارج من المبرز ما لم يكن منه\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٢/ ٢٨١).\n(^٢) \"الكوكب الدري\" (١/ ١٦٨).","vol":"2","page":660},{"text":"حقيقة، كما في غُدد البواسير فإن الطهارة لا تنتقض بخروج شيء منها ما لم يسل؛ لأنها غير السبيلين، فالخارج منها ليس له حكم الخارج منها، بل هو خارج عن حكمها، وقاسوا على دم الاستحاضة كل ما هو خارج من غير السبيلين نجس، وجعلوا الخارج النجس من غير السبيلين ناقضًا للوضوء بهذا الحديث وأمثاله، غير أن قوله - ﷺ - في جواب السائل ما الناقض؟: \"كل ما خرج من السبيلين\" أهدر التفاوت بين الكثير والقليل إبقاءً لكلمة ما على عمومها سيما وقد وصفت بصفة عامة، ولا كذلك فيما خرج من غير السبيلين، وليس هذا موضع تفصيله، انتهى.\nوفي هامشه: ففي \"الفتح الرحماني\" عن \"نهاية النهاية\": أن مدخل الذكر هو مخرج الولد والمني والحيض، وفوقه مخرج البول كإحليل الرجل، وبينهما جلدة رقيقة وفوق مخرج البول جلدة رقيقة يقطع منها في الختان، كذا في \"الأوجز\" (^١)، انتهى.\nوفي هامش \"اللامع\" على قول الشيخ: \"إن دم الاستحاضة دم عرق\": تقدم في باب الاستحاضة من حديث عائشة أنه - ﷺ - قال لفاطمة: \"إنما ذلك عرق وليس بالحيضة\" الحديث، وهو أوضح في المقصود، فإن الحيض في اللغة: السيلان، وفي الشرع: دم يخرج من قعر رحم المرأة بعد بلوغها في أوقات معدودة، والاستحاضة: الدم الخارج في غير أوقاته، ويسيل من عرق فمه في أدنى الرحم اسمه العاذل - بالذال المعجمة - انتهى.\nوقال شيخ المشايخ في \"التراجم\" (^٢): قوله: \"ذلك عرق\" قيل: معناه: إنه ليس دم الرحم حتى يوجب ترك الصلاة والصوم، بل هو دم عرق، فإن قيل: قد تقرر عند الأطباء أن دم الاستحاضة ينفض من الرحم أيضًا فما معنى قوله: \"ذلك عرق\"؟\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (١/ ٥٠٨).\n(^٢) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ١٢٧).","vol":"2","page":661},{"text":"قلت: معناه إنما ذلك وجع ومرض فيه، وإطلاق العرق وإرادة المرض والوجع؛ لأن اجتماع الدم وفساده فيه، فهو غالبًا يكون مسببًا للوجع والمرض، فعلى هذا لا مخالفة بين الحديث وبين ما قالته الأطباء، على أن الأطباء أيضًا معترفون بأن أكثر الأمراض بل جلها تكون من سوء مزاج في العروق، انتهى.\nقلت: ويشكل عليه أن الاستحاضة مشتق من الحيض، والسين للمبالغة أو التحول، والجواب واضح بأن الاشتقاق باعتبار المعنى اللغوي وهو السيلان واشتركا فيه، وأما باعتبار المعنى الشرعي فدمان مختلفان، ولذا فرق في أحكامهما عند الشرع، ونص عليه الشارع ﵊ بقوله: \"إنما ذلك عرق وليس بالحيضة\"، انتهى.\n\n(٢٧ -<span data-type='title' id=toc-420> باب المرأة تحيض بعد الإفاضة)</span>\nكانت المسألة خلافية شهيرة في زمن الصحابة كما بسط في هامش \"اللامع\" (^١) من \"كتاب الحج\"، والجمهور ومنهم الأئمة الأربعة على أنها تخرج بعد الإفاضة قبل طواف الصدر، وروي عن عمر وابنه وزيد بن ثابت أنهم أمروا الحائض بالمقام، ثم رجع ابن عمر وزيد بن ثابت إلى قوله: الجمهور، والإمام البخاري ذكر المسألة في الحيض وفي كتاب الحج على دأبه؛ لأن المسألة المشتركة يذكرها في الموضعين كما تقدمت الأبواب العديدة في كتاب الحيض أيضًا.\n\n(٢٨ -<span data-type='title' id=toc-421> باب إذا رأت المستحاضة الطهر)</span>\nاختلفوا في غرض المصنف على أقوال بسطت في \"اللامع\" (^٢) وهامشه، وفيه: تحتمل ترجمة البخاري ثلاثة أوجه عند هذا الفقير، ولا يبعد\n_________\n(^١) انظر: \"لامع الدراري\" (٥/ ٢٤٩، ٢٥٠).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٢/ ٢٨٣، ٢٨٨).","vol":"2","page":662},{"text":"إرادة الثلاثة معًا، فإن البخاري أودع الدقائق الكثيرة في التراجم:\nالأول: التنبيه على اختلافهم في أقل مدة الطهر، وعلى هذا فميل البخاري على ما يظهر من ظاهر سياق أثر ابن عباس إلى أنه لا تحديد في ذلك، واختلفوا في هذه المسألة على ستة أقوال:\nالأول:\nأنه خمسة عشر يومًا وهو قول أبي حنيفة والشافعي والجمهور، وحكى البغوي وغيره الإجماع عليه، ورجحه الباجي من المالكية.\nوالثاني:\nثلاثة عشر يومًا، وهو قول أحمد.\nوالثالث:\nأنه لا حد له، وهو رواية عن مالك، وإليه ميل ابن عباس والبخاري كما عرفت.\nوالرابع:\nخمسة أيام، قاله ابن الماجشون.\nوالخامس:\nثمانية أيام، قاله سحنون.\nوالسادس:\nعشرة أيام، قاله ابن حبيب.\nوالوجه الثاني: أن الإمام البخاري أشار إلى ردّ قول المالكية في مسألة الاستظهار، وهي مسألة شهيرة لهم، قال الموفق (^١): قال مالك: لا اعتبار بالعادة إنما الاعتبار بالتمييز، فإن لم تكن مميزة استظهرت بعد زمان عادتها بثلاثة أيام، إن لم تجاوز خمسة عشر يومًا، وهي بعد ذلك\n_________\n(^١) \"المغني\" (١/ ٣٩٦).","vol":"2","page":663},{"text":"مستحاضة، ولا عبرة بالاستظهار عند الأئمة الثلاثة، قال ابن رُشد في \"البداية\" (^١): وأما الاستظهار الذي قال به مالك بثلاثة أيام فهو شيء انفرد به مالك وأصحابه، وخالفهم في ذلك جميع فقهاء الأمصار ما عدا الأوزاعي، انتهى.\nوالوجه الثالث: الرد على من منع وطء المستحاضة كما يدل عليه قوله: \"يأتيها زوجها\"، والمسألة خلافية شهيرة، قال ابن رشد (^٢): اختلفوا في ذلك على ثلاثة أقوال:\nفقال قوم: يجوز وطؤها، وهو الذي عليه فقهاء الأمصار، وهو مروي عن ابن عباس وغيره.\nوقال قوم: لا يجوز، وهو مروي عن عائشة، وبه قال النخعي والحكم.\nوقال قوم: لا يجوز ذلك إلا أن يطول ذلك بها، انتهى.\nوهو قول أحمد، وفي رواية: إلا أن يخاف زوجها العنت، وإن خاف على نفسه الوقوع في محظور جاز على الروايتين، انتهى من \"العيني\" و\"المغني\".\nويؤيد ذلك الوجه أثر ابن عباس في الترجمة، وهذا أوجه الوجوه الثلاثة عندي؛ لأنه لم يحكم في الترجمة بشيء بل ذكرها بلفظ: إذا، وذكر في الجواب أثر ابن عباس، وأيده بقوله: الصلاة أعظم، فكأنه - ﵀ - استدل بجواز الصلاة على جواز الوطء بالأولوية، ولذا عقبه بحديث عائشة في قصة فاطمة المصرح بأمر الصلاة، وإثبات الترجمة بالأولوية معروف في الأصول، انتهى ما في هامش \"اللامع\" وبسط الكلام على ذلك فيه أشد البسط.\nويحتمل في غرض الترجمة وجه رابع، وهو الإشارة إلى مسألة شهيرة\n_________\n(^١) \"بداية المجتهد\" (١/ ٥١).\n(^٢) المصدر السابق (١/ ٦٣).","vol":"2","page":664},{"text":"خلافية، وهي الطهر المتخلل بسطها الفقهاء ولخصا صاحب \"شرح الوقاية\" (^١)، وقد ترجم البيهقي على أثر ابن عباس المذكور في الترجمة \"باب تحيض يومًا وتطهر يومًا\"، قال ابن التركماني (^٢): الأصح من مذهب الشافعي في مثل هذا أن الدم إذا انقطع على خمسة عشر يومًا أو ما دونها فالكل حيض، انتهى.\nوذكر النووي (^٣) في مذهبه قولين: الأول: هذا، والثاني: أن أيام الدم حيض وهو منصوص وأيام النقاء طهر، والقولان مصححان عند الشافعية، ولكن الأول صححه الأكثر، وهو منصوص الشافعي، ويسمى قول السحب، والثاني يسمى قول التلفيق واللقط.\nقال النووي: وبالتلفيق قال مالك وأحمد، وبالسحب قال أبو حنيفة واستدل ابن قدامة بقول التلفيق بأثر ابن عباس هذا، واستدل الشافعية والحنفية بأن الدم يسيل تارة وينقطع أخرى، والبخاري، مال إلى قول التلفيق، واستدلاله على ذلك بحديث الباب ظاهر، فإن الإقبال والإدبار يعمّ كل حال قليلًا كان الدم أو كثيرًا، وكذا النقاء، والله أعلم.\n\n(٢٩ -<span data-type='title' id=toc-422> باب الصلاة على النفساء وسُنَّتها)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٤): لما كان أن يتوهم أنها نجسة لما حكم الشارع عليها أن لا تصلي ولا تصوم ولا تدخل مسجدًا، ومن شرائط الصلاة على الميت طهارته؛ فلا يصلى على النفساء؛ ردَّ ذلك بأن الصلاة عليها ثابتة، والسُنَّة في القيام على الحائضة والنفساء وغيرهما القيام على وسط السرير، ليحصل الستر لعدم النعوش يومئذ، ثم استُغْنِي بها عنه، وإن\n_________\n(^١) \"شرح الوقاية\" (١/ ١١٠).\n(^٢) انظر: \"الجوهر النقي مع السنن الكبرى\" (١/ ٣٤٠).\n(^٣) انظر: \"المجموع\" (٢/ ٥٠١، ٥٠٢).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٢/ ٢٨٩، ٢٩٣).","vol":"2","page":665},{"text":"النساء شقائق الرجال فأخذن حكمهم لارتفاع العارض، انتهى.\nوفي هامشه: أن الإمام البخاري ذكر في الباب مسألتين: أولاهما: الصلاة على النفساء، وهي التي ذكرها الشيخ في \"اللامع\"، قال الكرماني (^١): قيل: وهم البخاري في هذه الترجمة حيث ظن أن قوله: \"ماتت في بطن\" معناه ماتت في الولادة، بل معناه ماتت مبطونة.\nوتعقبه الكرماني والحافظ (^٢) وغيرهما بأنه ليس وهمًا؛ لأنه قد جاء صريحًا في \"باب الصلاة على النفساء\" في \"كتاب الجنائز\" في حديث الباب بلفظ: \"ماتت في نفاسها\" فالترجمة صحيحة، انتهى.\nقال الكرماني: قال صاحب \"شرح تراجم الأبواب\": فقه الباب من الحديث إما طهارة جسد النفساء وإما أن النفساء وإن عدها من الشهداء، فليس حكمها حكم شهيد القتال، فيصلى عليها كسائر المسلمين، انتهى.\nقال العيني (^٣): الصواب أن هذا الباب لا دخل له في كتاب الحيض، ومورده في كتاب الجنائز، ومع هذا ليس له مناسبة أصلًا بالباب الذي قبله، ورعاية المناسبة بين الأبواب مطلوبة، وما أفاده العيني بعيد كما بسط في هامش \"اللامع\".\nوالمسألة الثانية ما ذكره الإمام البخاري بقوله: وسُنَّتها سُنَّة القيام في الصلاة على الحائض، والإشكال فيها أشدّ من الأولى؛ لأن محلها كتاب الجنائز وسيأتي في محله \"باب أين يقوم من الرجل والمرأة؟ \"، ويذكر فيه المصنف حديث سمرة هذا، فذكر ها هنا مجرد تكرار في غير محله، ويمكن التفصي عنه بأن يقال: إن الإمام البخاري أراد ها هنا التنبيه على أنه لا فرق في ذلك بين النفساء وغيرها، وإليه أشار الشيخ قُدِّس سرُّه بقوله: وغيرهما، وأما الآتي في كتاب الجنائز فهو في محله لبيان مسألة محل قيام\n_________\n(^١) \"شرح الكرماني\" (٣/ ٢٠٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٤٢٩).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٣/ ١٨٠).","vol":"2","page":666},{"text":"الإمام على جنائز الرجال والنساء المختلفة فيها بين الأئمة، بسطها العيني (^١).\nوحاصله: أن الإمام يقوم من الرجل والمرأة بحذاء الصدر في المشهور المرجح عندنا الحنفية، وهو رواية عن أحمد، والمرجح عنده أن يقوم الإمام عند صدر الرجل ومنكبيه وحذاء وسطها، وقال مالك: يقوم عند وسطه وعند منكبيها، وعند الشافعي يقوم عند رأسه وعند عجيزتها على ما هو المشهور مع الاختلاف الكثير في ذلك انتهى من هامش \"اللامع\".\n\n(٣٠ -<span data-type='title' id=toc-423> باب)</span>\nبلا ترجمة، كتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): قوله: \"وهي مفترشة\" أوردها لمناسبة ذكر الصلاة عليها.\nوالحاصل: أن قرب الحائض لا يمنع جواز الصلاة، فكان ذلك كالتنظير للباب المتقدم، إلا أن بينهما تفاوتًا، فإن القرب في الأول غير القرب في الثاني مع أن الأول معقود لذكر النفساء وهذا في ذكر الحائض، والمفترشة أمام المصلي مقصودة في الأول دون الثاني، والصلاة في الثاني حقيقة وفي الأول دعاء محض، ولذلك أفرد الباب ها هنا، انتهى.\nوفي هامشه: اختلفت نسخ البخاري في ذكر الباب، وفي النسخ التي بأيدينا فيها باب بلا ترجمة، وبسط الشرَّاح في أن ذلك من اختلاف الرواة، وليس الباب في رواية الأصيلي وغيره.\nقال الحافظ (^٣): وقع في رواية \"باب\" غير مترجم وعادته في مثل ذلك أنه بمعنى الفصل من الباب الذي قبله، ومناسبته له أن عين الحائض والنفساء طاهرة؛ لأن ثوبه - ﷺ - كان يصيبها إذا سجد ولا يضره ذلك، انتهى.\n_________\n(^١) انظر: \"عمدة القاري\" (٣/ ١٨٢).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٢/ ٢٩٤).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١/ ٤٣٠).","vol":"2","page":667},{"text":"قلت: وما قال من المناسبة واضحة، لكن المسألة لم تبق على هذا من باب الصلاة على النفساء، فالأوجه عندي أنه أراد بذلك إثبات الصلاة على الحائض، ولذا عقبه بالباب السابق، ولما لم تكن الرواية نصًا في ذلك لم يفصح بالترجمة بل أثبتها استنباطًا، فإن المفترشة النائمة قدامه نظير الجنازة الموضوعة قدامه، ويستنبط ذلك من كلام الشيخ أيضًا، انتهى.\nولا يذهب عليك أن شيخ الهند - ﵀ - رقم عليه نقطتين ومؤدى النقطتين كما تقدم في الجزء الأول في بيان جداول شيخ الهند أن الحديث الوارد في الباب يتعلق بالباب السابق، وهو مؤدى كلام الشيخ في \"اللامع\" إذ قال: فكان ذلك كالتنظير للباب المتقدم، وهو مؤدى كلام الحافظ بوجه آخر، وهو أيضًا مؤدى هذا العبد الفقير كما تقدم قريبًا.\nثم الحافظ سكت عن براعة الاختتام في كتاب الحيض، وهي عندي بالصلاة على النفساء واضحة، ولا يقال: إنها ليست بآخر باب؛ لأن الباب الآتي بعده ملحق به، ويمكن استنباطها بلفظ: \"لا تصلي\" فإنه شأن الميت، وأظهر منه قوله: \"وهي مفترشة بحذاء مسجده - ﷺ -\"، وهل هي غير صورة الجنازة بحذاء الإمام؟.\n* * *","vol":"2","page":668},{"text":"٧ -<span data-type='title' id=toc-424> كتاب التيمم</span>\nالتيمم تَفَعُّل من الأم، وهو لغةً مطلق القصد، بخلاف الحج فإنه قصد إلى معظم، ولذا اتفقت الأئمة على وجوب النية فيه لوجود معنى القصد، إلا ما حكي عن الأوزاعي، ولذا خالف أصلية الوضوء والغسل عندنا.\nقوله: (الآية) كتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): لا يحسن الجمع بينهما، وإنما هما نسختان، فالآية مذكورة بتمامها في بعض النسخ، وفي أخرى وقع الاكتفاء بلفظ الآية فقط، انتهى بزيادة.\nقال الحافظ (^٢): ذكر الآية في الكتاب ظاهر، وإن كانت نسخة الحاشية \"باب قوله تعالى. . .\" إلخ، فهي ترجمة مستقلة، والمقصود منها تفسير المبهم في حديث عائشة أن المراد من آية التيمم آية المائدة، انتهى ملخصًا.\nقلت: ويشكل عليه أنه لا يبقى حينئذ مناسبة الحديث الثاني بالباب، ويشكل أيضًا أن المصنف ترجم بآية النساء في كتاب التفسير وذكر فيه هذا الحديث اللهم إلا أن يقال: إن المقصود منه تفسير الصعيد الطيب في الآية، لكن يشكل عليه أيضًا أنه سيأتي مستقلًا \"باب الصعيد الطيب\" إلا أن يقال: إن المقصود هناك مسألة أخرى، وهي أن التيمم ينوب الوضوء مطلقًا أم لا، كما سيأتي، والأوجه من الكل أن المصنف أشار بذلك إلى مبدأ حكم التيمم كما هو دأبه في جميع كتابه، ولا يخفى عليك ما في \"الأوجز\" (^٣) في حديث عائشة: فأنزل الله آية التيمم، قال ابن العربي (^٤): هذه معضلة ما وجدت لدائها من دواء؛ لأنا نعلم أي الآيتين عنت عائشة رضي الله\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٢/ ٢٩٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٤٣٢).\n(^٣) \"أوجز المسالك\" (١/ ٥٥٨).\n(^٤) انظر: \"فتح الباري\" (١/ ٤٣٤).","vol":"2","page":669},{"text":"تعالى عنها إلى آخر ما بسط فيه من أقوال العلماء في تعيين الآية المبهمة في حديث عائشة.\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-425> باب إذا لم يجد ماء ولا ترابًا)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): الاستدلال بالرواية ظاهر، فإنهم لما لم يعلموا حكم التراب كان التراب في حقهم في حكم العدم، والجواب أنه مبني على ثبوت أنهم لم يؤمروا بالإعادة ولم يثبت وعدم الثبوت لا يساوق ثبوت العدم، مع أنهم لم يؤمروا بالتيمم بعد لا أنهم أمروا ولم يعلموا بالأمر، فإن الحكم واجب العمل بعد التبليغ ولم يبلغ بعد، انتهى.\nوفي هامشه: المسألة خلافية شهيرة معروفة بفاقد الطهورين، بسطها الشيخ في \"البذل\" (^٢)، وميل المصنف في هذه المسألة إلى قول الإمام أحمد من إيجاب الأداء بدون القضاء، وعكسه عند أبي حنيفة، وقال صاحباه: يتشبه بالمصلين وجوبًا ثم يقضي، وقال الشافعي في المرجح من أقواله الأربعة: وجوب الأداء مع وجوب القضاء، وعكسه عند مالك، أي: لا أداء ولا قضاء، وهو الصحيح من مذهبه.\nوفي \"تراجم (^٣) شيخ المشايخ\": باب إذا لم يجد. . . إلخ، أي: حكمه أن يصلي بغير وضوء ولا تيمم ولا إعادة عليه، وهذا هو مذهب المؤلف، وأثبته بظاهر الحديث؛ لأنه - ﷺ - لما شكا القوم إليه ما أمرهم بإعادة الصلاة، انتهى.\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-426> باب التيمم في الحضر)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٤): أثبت الحكم في الصلاة مقايسة، فإن\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٢/ ٢٩٦، ٢٩٨).\n(^٢) انظر: \"بذل المجهود\" (٢/ ٤٥٧، ٤٥٩).\n(^٣) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ١٣٧).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٢/ ٢٩٩، ٣٠٠).","vol":"2","page":670},{"text":"التيمم لما جاز في الحضر لما لم يتوقف على التيمم عند خوف فواته فالصلاة أولى بالجواب؛ لأنها أهم، إلا أنه موقوف على خوف الفوات، انتهى.\nوفي هامشه: كتب مولانا محمد حسن المكي في تقريره: أثبته في الحضر؛ لأن الآية وردت في السفر، فأشار إلى أنه قيد اتفاقي، انتهى.\nقلت: اختلفوا في جوازه في الحضر لعادم الماء بعد اتفافهم على جوازه للمريض، واختلفوا في الأول لندرة العذر، بل لاستحالة أن يكونوا مقيمين في المصر بدون ماء، وظاهر ما في \"الهداية\" (^١) أن لا يجوز في الحضر، إذ قيَّد جوازه بالمسافر، وبمن هو خارج المصر.\nوحكى العيني (^٢): جوازه عن \"الأسرار\" وقال: هو مذهبنا، وعليه بنى صاحب \"الدر المختار\" (^٣)، إذ صرح بأنه يتيمم لبعده ميلًا ولو مقيمًا في المصر، وعليه بنى الشيخ كلامه، ويتيمم عند الأئمة الثلاثة لكنهم اختلفوا في وجوب الإعادة وعدمه، وهما قولان لأحمد كما في \"المغني\" (^٤) والمرجح من قولي الإمام مالك عدم الإعادة، وقال الشافعي بوجوب الإعادة كما بسط في \"الأوجز\" (^٥).\nثم لا يذهب عليك أن أثر ابن عمر الذي علَّقه البخاري ليس فيه ذكر التيمم، وهو موجود في رواية \"الموطأ\" وغيره.\nقال الحافظ (^٦): ولم يظهر لي سبب حذفه منه ذكر التيمم مع أنه مقصود الباب، انتهى.\nوتعقبه العيني (^٧): بأن الذي يظهر لي أنه من الناسخ، واستمر الأمر عليه، وليس له وجه غير هذا، انتهى.\n_________\n(^١) انظر: \"الهداية\" (١/ ٢٧).\n(^٢) انظر: \"عمدة القاري\" (٣/ ٢٠٠).\n(^٣) انظر: \"رد المحتار\" (١/ ٢٩٦، ٣٩٥).\n(^٤) \"المغني\" (١/ ٣١٠).\n(^٥) \"أوجز المسالك\" (١/ ٥٦٩).\n(^٦) \"فتح الباري\" (١/ ٤٤١).\n(^٧) \"عمدة القاري\" (٣/ ٢٠١)، و\"إرشاد الساري\" (١/ ٦٧٥).","vol":"2","page":671},{"text":"وتبعه القسطلاني في ذلك، والأوجه عندي: أنه من البخاري عمدًا، فإن تشحيذ الأهان من دأبه المعروف، وكتابه مملوء في ذلك، واستند الحافظ في هذا الأصل كثيرًا في كتابه كما تقدم في الأصل الحادي عشر.\nومما يجب التنبيه عليه أن أبا جهيم المذكور في الرواية هل هو بالتصغير أو بالتكبير؟ وهل هو صاحب حديث المرور في الصلاة أو غيره؟ مختلف عند أهل الرجال، وفي الصحابة رجل آخر هو أبو جهم صاحب الأنبجانية وردت الروايات فيه أيضًا بالتصغير، والصواب أنه بالتكبير والأول بالتصغير كما بسط ذلك في \"الأوجز\" (^١) في حديث المرور بين يدي المصلي، انتهى ما في هامش \"اللامع\".\n\n(٤ -<span data-type='title' id=toc-427> باب هل ينفخ في يديه. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): لما كانت نيابته عن الوضوء يوهم أن الاستيعاب لعله مشروط فيه، كما أن في الوضوء يشترط استيعاب الماء كل المغسول، دفعه بأن الاستيعاب وإن كان مشروطًا إلا أن استيعاب التراب سائر العضو لا يشترط، ودلالة الرواية على هذا المعنى ظاهرة، فإن استيعاب التراب لو كان مقصودًا لما نفخ النبي - ﷺ - في يديه؛ لأنه يقلل التراب، وتقليله خلاف المقصود على هذا التقدير، انتهى.\nوفي هامشه: في الترجمة أمران:\nالأول: غرض المصنف بهذه الترجمة، وأجاد الشيخ قُدِّس سرُّه في وجهه كما سترى.\nوالأمر الثاني: أن النفخ موجود في الرواية نصًا فلم بوَّب عليه الإمام البخاري بلفظ: \"هل\"، المشعر إلى التردد؟\nقال الحافظ (^٣): إنما ترجم بلفظ الاستفهام لينبه على أن نفخه عليه\n_________\n(^١) انظر: \"أوجز المسالك\" (٢/ ١٤٣).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٢/ ٣٠١، ٣٠٣).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١/ ٤٤٣).","vol":"2","page":672},{"text":"الصلاة والسلام يحتمل أن يكون لشيء علق بيده الشريفة، أو لتقليل فلعله كثر، ويحتمل أن يكون لبيان التشريع، ومن ثم تمسك به من أجاز التيمم بغير التراب زاعمًا أن نفخه يدل على أن المشترط في التيمم الضرب من غير زيادة على ذلك، فلما كان هذا الفعل محتملًا لما ذكر أورده بلفظ الاستفهام، انتهى.\nوبه قال العيني (^١) مع ترجيح الثالث وإضافة الرابع أنه لا وجه له إذ قال: وتبويب البخاري أيضًا بالاستفهام غير سديد، انتهى مختصرًا.\nولا يبعد عندي أنه أشار بلفظ: \"هل\" إلى أن ظاهر الحديث النفخ، وقد ورد في فضل تراب العبادات روايات كثيرة، منها أحاديث غبار الجهاد، ومنها قوله - ﷺ - لمعاذ: \"عفِّر وجهك في التراب\"، وغير ذلك من الروايات.\nقال الحافظ (^٢): والفرق بينهما أن التنظيف مطلوب شرعًا، والغبار أثر الجهاد وإذا انقضى فلا معنى لبقائه، بخلاف الوضوء فالمقصود منه الصلاة، فاستحب بقاء أثره حتى يحصل المقصود فافترقا، انتهى.\nوهذا المعنى بعينه موجود في التيمم، ولذا أشار إليه الإمام البخاري بلفظ \"هل\" عندي.\nوفي \"تراجم (^٣) شيخ المشايخ\": النفخ مستحب إذا تعلق بالأعضاء غبار كثير تحرزًا عن المثلة، انتهى.\nكأنه أشار إلى الوجه الثاني من الوجوه المذكورة في كلام الحافظ، وبه جزم الكرماني (^٤)، ويمكن عندي وجه آخر أيضًا، يليق بشأن البخاري، وهو أن نفخه - ﷺ - في حديث الباب ليس لتراب التيمم؛ لأنه - ﷺ - لم يتيمم إذ\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٣/ ٢٠٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ٣٠).\n(^٣) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ١٣٨).\n(^٤) انظر: \"شرح الكرماني\" (٣/ ٢١٩).","vol":"2","page":673},{"text":"ذاك في الحقيقة بل أراه كيفية التيمم فنفخ فيه؛ لأن هذا لم يكن تراب التيمم حتى يعد مع تراب الغبار في سبيل الله، فنبّه الإمام بلفظ: \"هل\" إلى التردد في أن ينفخ تراب التيمم أيضًا أم لا؟ ووجه التردد كون هذا التراب أثر العبادة بخلاف التراب الذي التحق بيده الشريفة في الإراءة، فتأمل فإنه لطيف، انتهى ملخصًا ما في هامش \"اللامع\".\nلكن يشكل على هذا التوجيه أن الإمام البخاري ترجم بعده \"<span data-type='title' id=toc-428>باب التيمم للوجه والكفين</span>\" وأخرج فيه حديث عمار هذا، فعلى هذا هو محمول عنده على حقيقة التيمم، فتأمل.\nوما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه من قوله: فإن استيعاب التراب لو كان. . . إلخ، يؤيده ما في \"أبي داود\" (^١) من حديث عمار بن ياسر بلفظ: ولم يقبضوا من التراب شيئًا، وفي هامشي على \"البذل\" (^٢) عن ابن رسلان: يؤخذ منه أنه يجوز التيمم وإن لم يعلق بهما التراب، وبه قال مالك وأبو حنيفة خلافًا للشافعي وأحمد إذ قالا: لا يجوز إلا أن يعلق بالكف من التراب شيء، انتهى.\nوفيه أيضًا عن ابن رسلان على قوله: \"ثم نفخهما\": فيه دليل على ما تقدم أن التيمم يجوز بدون الغبار، إذ لو كان الغبار مطلوبًا ما نفخ فيه، وأجيب بأنه يحتمل تقليلًا للتراب، انتهى.\n\n(٥ - باب التيمم للوجه والكفين)\nفي \"تراجم (^٣) شيخ المشايخ\": مذهب المؤلف في هذه المسألة مثل ما يقوله أصحاب الظواهر وبعض المجتهدين من أن التيمم للوجه والكفين فقط، ولا يلزم المسح إلى المرفقين خلافًا للجمهور، وهم يقولون: إن\n_________\n(^١) \"سنن أبي داود\" (ح: ٣٢٠).\n(^٢) انظر: \"بذل المجهود\" (٢/ ٤٦٣، ٤٩٧).\n(^٣) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ١٣٨، ١٣٩).","vol":"2","page":674},{"text":"قوله: \"إنما يكفيه. . .\" إلخ، حصر إضافي بالنسبة إلى نفي التمرغ فقط، وليس معناه إثبات الضربة الواحدة ومسح الكفين فقط، بدليل ما أورده في \"الصحيح\" مرفوعًا: \"أنه - ﷺ - ضرب ضربتين إحداهما للوجه والأخرى لليدين إلى المرفقين\"، انتهى.\nوفي هامش \"اللامع\" (^١): اعلم أن الأئمة اختلفوا في التيمم في الموضعين: الأول: في عدد الضربات، فقال الإمام أحمد: التيمم ضربة للوجه والكفين، وإليه ميل البخاري كما جزم به في الترجمتين، الأولى هذه، والثانية تأتي في آخر التيمم \"باب التيمم ضربة\"، وقالت الحنفية والشافعية: التيمم ضربتان، ولمالك روايتان كالمذهبين، والثالثة المرجحة في فروعه: الضربة الواحدة فريضة والثانية سُنَّة.\nوالموضع الثاني: في مقدار اليدين، وهو الكفان فقط عند أحمد والشافعي في القديم، وإليه ميل البخاري، وإلى المرفقين عند الشافعية والحنفية، وهما روايتان لمالك، انتهى.\n\n(٦ -<span data-type='title' id=toc-429> باب الصعيد الطيب. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٢): هذه الترجمة لفظ حديث بسط الحافظ في تخريجه كما في هامش \"اللامع\" (^٣)، وفيه: قال شيخ المشايخ في \"التراجم\" (^٤): غرضه من عقد الباب إثبات أن التراب له حكم الماء عند عدم وجدانه، فإذا تيمم يصلي بها ما شاء من الفرائض والنوافل ما لم يحدث كما هو حكم الماء وهذا مذهب أبي حنيفة خلافًا للشافعي وغيره من الأئمة، ومحل الاستشهاد في حديث الباب قوله - ﷺ -: \"عليك بالصعيد فإنه يكفيك\"؛ لأن الظاهر المتبادر من الكفاية أن يكون له حكم الماء، وإلا\n_________\n(^١) انظر: \"لامع الدراري\" (٢/ ٣٠٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٤٤٦).\n(^٣) انظر: \"لامع الدراري\" (٢/ ٣٠٥).\n(^٤) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ١٣٩).","vol":"2","page":675},{"text":"كانت الكفاية ناقصةً مع أن المطلق ينصرف إلى الكامل، انتهى.\nقلت: ويوضح مراد المصنف إيراد أثر الحسن في الترجمة فهو نص في وفاق الحنفية، قال الحافظ: وهو أصرح في مقصود الباب، وأشار المصنف بهذا الباب إلى أن التيمم يقوم مقام الوضوء، وهذه المسألة وافق فيها البخاري الكوفيين والجمهور، إلى آخر ما في هامشه. وفيه: وما جمع الحافظ في كلامه الكوفيين والجمهور تسامح منه، وإجمال مخل، وتوضيح ذلك أن ها هنا مسألتين طالما يلتبس فيهما في النقل، وبسطتا في \"الأوجز\" (^١):\nالأولى: أن التيمم بمنزلة الوضوء عند الحنفية وإليه ميل البخاري، فيصلي به إلى متى شاء، وبه قال أهل الظاهر، وهو رواية عن أحمد، والمشهور عنه وبه قال مالك والشافعي: إنه لا بد للتيمم في كل وقت صلاة مفروضة.\nوالمسألة الثانية: ما قال الموفق: وله أن يصلي به ما شاء من الصلاة، فيصلي الحاضرة ويجمع بين الصلاتين، ويقضي الفوائت، ويتطوع قبل الصلاة وبعدها، قال مالك والشافعي: لا يصلي به فرضين، انتهى.\nوفي \"الهداية\" (^٢): ويصلي بتيممه ما شاء من الفرائض والنوافل، انتهى.\nقوله: (وأم ابن عباس) قال الحافظ (^٣): أشار المصنف بذلك إلى أن التيمم يقوم مقام الوضوء، ولو كانت الطهارة به ضعيفة لما أمّ ابن عباس وهو متيمم من كان متوضئًا، انتهى.\nقوله: (على السبخة) كتب الشيخ في \"اللامع\" (^٤): أراد بها ما فيه سباخ لا ما صار سباخًا كلية، فلا ينافي مذهب الحنفية، انتهى.\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (١/ ٥٦٢).\n(^٢) \"الهداية\" (١/ ٢٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١/ ٤٤٦).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٢/ ٣٠٧).","vol":"2","page":676},{"text":"وفي هامشه: قال العيني (^١): السبخة بفتح حروفها كلها واحدة السباخ، قال صاحب لغات \"الصراح\": سبخة شوره (كَندهك)، انتهى.\nوما يظهر من \"المحيط الأعظم\" أن كَندهك غيرها، يقال لها في العربية: كبريت، وفي تقرير مولانا حسين علي البنجابي: قوله: السبخة، أي: إن كانت الأرض غالبة وإلا فلا يجوز هذا في السبخة التي ليست سبخها من جنس الأرض أعني يذاب بالإحراق ويصير رمادًا، انتهى.\nقال الحافظ (^٢): هذا الأثر يتعلق بقوله في الترجمة: \"الصعيد الطيب\"، أي: المراد بالطيب الطاهر، واحتج ابن خزيمة لجواز التيمم بالسبخة بحديث عائشة في شأن الهجرة أنه قال - ﷺ -: \"أريت دار هجرتكم سبخة ذات نخل\" يعني: المدينة، قال: وقد سمى النبي - ﷺ - المدينة طيبة، فدل على أن السبخة داخلة في الطيب، ولم يخالف في ذلك إلا إسحاق بن راهويه فإنه لم يجوز التيمم بها، انتهى.\nوهو رواية عن أحمد كما في \"المغني\"، ولا يذهب عليك أن حديث عمران بن حصين هذا يأتي في \"باب علامات النبوة في الإسلام\" أيضًا، وبين سياقيهما اختلافات كثيرة، ويسمى حديث ليلة التعريس، وهل وقعت مرة أو أكثر، فيه خلاف بسط في \"الأوجز\" (^٣)، وعندي الأوجه الثاني.\n\n(٧ -<span data-type='title' id=toc-430> باب إذا خاف الجنب على نفسه. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٤): مراده إلحاق خوف المرض، وفيه اختلاف بين الفقهاء بخوف العطش ولا اختلاف فيه، انتهى.\nوالخلاف في تيمم الجنب للبرد والمرض كان في السلف، لا سيما بين أمير المؤمنين عمر بن الخطاب والحسن البصري، وهو مقتضى قول\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٣/ ٢١٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٤٤٧).\n(^٣) انظر: \"أوجز المسالك\" (١/ ٣١٦).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١/ ٤٥٤).","vol":"2","page":677},{"text":"ابن مسعود إلا أنهم اختلفوا في الإعادة، فلا يجب عندنا ومالك، ويجب عند الصاحبين، وهما روايتان لأحمد، ويجب عند الشافعي للحاضر دون المسافر، كذا في هامشي على \"البذل\" (^١).\nقوله: (فقال أبو موسى: فدعنا من قول عمار. . .) إلخ، هذا السياق واضح، وهذا يدل صريحًا على أن في سياق أبي داود وغيره تقديمًا وتأخيرًا، والحديث الآتي في ال<span data-type='title' id=toc-432>باب </span>الآتي موافق لسياق أبي داود، وفيه: أن ابن مسعود لما استدل أولًا بالآية وسكت عليه أبو موسى فلم ذكر بعد ذلك قصته مع عمر؟ فالصحيح أن أبا موسى ذكر أولًا قصة عمار مع عمر فلم يقبله عبد الله وقال: أفلم تر عمر لم يقنع بقول عمار؟ فكيف يستدل بأمر لم يقنع عمر عليه ولم يقبله، فاحتاج إلى الاستدلال بالآية، فقال: دعنا من قول عمار.\n\n(٨ -<span data-type='title' id=toc-431> باب التيمم ضربة)</span>\nوقد تقدم ما يتعلق بهذه الترجمة في \"باب التيمم للوجه والكفين\".\n\n(٩ - باب)\nبلا ترجمة، قال الحافظ (^٢): كذا للأكثر بلا ترجمة، وسقط من رواية الأصيلي أصلًا، فعلى روايته هو من جملة الترجمة الماضية، وعلى الأول هو بمنزلة الفصل من الباب كنظائره، وليس في الحديث التصريح بكون الضربة مرة واحدة، والاستدلال بعدم التقييد فإن المرة الواحدة أقل ما يحصل به الامتثال، انتهى.\nوفي \"تراجم (^٣) شيخ المشايخ\": هذا الباب لا ترجمة له، ولا يوجد في النسخ الصحيحة وهو الصحيح، فمناسبة حديث الباب بترجمة الباب\n_________\n(^١) انظر: \"بذل المجهود\" (٢/ ٥٢٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٤٥٧).\n(^٣) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ١٤٢).","vol":"2","page":678},{"text":"السابق باعتبار أن قوله ﵊: \"عليك بالصعيد فإنه يكفيك\"، كما أنه عام بالنسبة إلى أنواع الصعيد كذلك له عموم بالنسبة إلى كيفية التيمم، ويحتمل أن يكون بضربة أو ضربتين، فتأمل، انتهى.\nوالأوجه عندي: أن المصنف أشار بذلك إلى دفع إيراد مشهور على الحديث السابق بأنه إن نزلت آية التيمم فلم تَمَعّك، وإن لم تنزل فكيف عرف أن التراب بدله؟\nوحاصل ما أشار إليه البخاري أنه لعله سمع قوله - ﵇ -: \"عليك بالصعيد\" فحمله على سائر البدن، ورقم على هذا الباب شيخ الهند نوَّر الله مرقده نقطة واحدة التي هي علامة حذف الترجمة تشحيذًا للأذهان، وما ذكرته من المناسبة جدير أن يدخل في توجيه شيخ الهند نوَّر الله مرقده.\nثم براعة الاختتام عند الحافظ في قوله: \"فإنه يكفيك\"، فإنه إشارة إلى أن الكفاية بما أورده، والأوجه عند هذا الفقير على أصله لفظ: \"عليك بالصعيد\"، فإنه إشارة إلى دخول القبر، ع:\nمىي مي مىي مل كَئي انجام دنيا ديكه لى\nويحتمل أن تكون البراعة في قوله: \"معتزلًا\" أيضًا، فإنه حالة دخول القبر، فإنه معتزل عن الدنيا وما فيها.\n* * *","vol":"2","page":679},{"text":"٨ -<span data-type='title' id=toc-433> كتاب الصلاة</span>\nقال الحافظ (^١): قد تأملت كتاب الصلاة فوجدته مشتملًا على أنواع تزيد على العشرين، فرأيت أن أذكر مناسبتها في ترتيبها قبل الشروع في شرحها، فأقول: بدأ أولًا بالشروط السابقة على الدخول في الصلاة، وهي الطهارة وستر العورة واستقبال القبلة ودخول الوقت، ولما كانت الطهارة تشتمل على أنواع أفردها بكتاب واستفتح كتاب الصلاة بذكر فرضيتها لتعيّن وقته دون غيره من أركان الإسلام، وكان ستر العورة لا يختص بالصلاة، فبدأ به لعمومه، ثم ثنَّى بالاستقبال للزومه في الفريضة والنافلة إلا ما استثنى كشدة الخوف ونافلة السفر، وكان الاستقبال يستدعى مكانًا، فذكر المساجد ومن توابع الاستقبال سترة المصلي فذكرها، ثم ذكر الشرط الباقي وهو دخول الوقت وهو خاص بالفريضة، وكان الوقت يشرع الإعلام به فذكر الأذان، وفيه إشارة إلى أنه حق الوقت، وكان الأذان إعلامًا بالاجتماع إلى الصلاة فذكر الجماعة، وكان أقلها إمام ومأموم فذكر الإمامة، ولمَّا انقضت الشروط وتوابعها ذكر صفة الصلاة، ولما كانت الفرائض في الجماعة قد تختص بهيئة مخصوصة فذكر الجمعة والخوف، وقدَّم الجمعة لأكثريتها، ثم تلا ذلك بما يشرع فيه الجماعة من النوافل، فذكر العيدين والوتر والاستسقاء والكسوف، وأخَّره لاختصاصه بهيئة مخصوصة، وهي زيادة الركوع، ثم تلاه بما فيه زيادة سجود، فذكر سجود التلاوة؛ لأنه قد يقع في الصلاة، وكان إذا وقع اشتملت الصلاة على زيادة مخصوصة فتلاها بما يقع فيه نقص من عددها وهو قصر الصلاة، ولما انقضى ما يشرع فيه الجماعة ذكر ما لا يستحب فيه وهو سائر التطوعات.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٤٥٨).","vol":"2","page":680},{"text":"ثم للصلاة بعد الشروع فيها شروط ثلاثة: وهي ترك الكلام، وترك الأفعال الزائدة، وترك المفطر، فترجم لذلك ثم بطلانها يختص بما وقع على وجه العمد فاقتضى ذلك ذكر أحكام السهو، ثم جميع ما تقدم متعلق بالصلاة ذات الركوع والسجود، فعقّب ذلك بصلاة لا ركوع فيها ولا سجود وهي الجنازة، انتهى.\nقلت: لا ريب في أن المناسبات التي ذكرها الحافظ أجود وألطف، ومع ذلك تظهر في بعض المواضع بدقة النظر مناسبة ألذ بما ذكره الحافظ مثلًا ما ذكر من مناسبة أبواب السهو، الأوجه منه عندي أنها تكملة لأبواب العمل في الصلاة، فإن الإمام البخاري لما ذكر أبواب العمل في الصلاة بدأ بالأعمال الظاهرة، ولما فرغ عنها عقّبها بعمل القلب فترجم بـ \"باب تفكر الرجل الشيء في الصلاة\" فإنه من عمل القلب، ولما يتفكر الرجل في الشيء لا بدّ من أن يقع السهو في الصلاة فترجم \"بأبواب السهو\" فهي ليس بأبواب مستقلة؛ بل هي ثمرة التفكر داخلة في جملة أبواب العمل في الصلاة، ولذا ترى أنه ذكر بعدها \"باب إذا كلم وهو يصلي. . .\" إلخ، و\"باب الإشارة في الصلاة\" وهما من جملة أبواب العمل في الصلاة، فلو كان أبواب السهو مستقلة يبقى هذان البابان غير مناسبين بالكتاب مذكورين في غير محلهما، وهكذا في مواضع أخر سيأتي التنبيه عليها إن شاء الله في مواضعها، انتهى من هامش \"اللامع\" (^١).\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-434> باب كيف فرضت الصلاة)</span>\nوهذا باب خامس من الأبواب المصدّرة بكيف، وفي \"تراجم شيخ المشايخ\" (^٢): أقول: حديث الباب من حيث إفادته أنها فرضت أولًا ليلة الإسراء خمسين، ثم تقرر الأمر على الخمس يثبت كيفية من كيفياته، انتهى.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٢/ ٣١٥).\n(^٢) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ١٤٣).","vol":"2","page":681},{"text":"قلت: وثبت أيضًا من الحديث الثاني أنها فرضت أولًا ركعتين، ثم استقر الأمر على الأربع.\nقال الحافظ (^١): استفتح كتاب الصلاة بذكر فرضيتها لتعين وقته دون غيره من أركان الإسلام، انتهى.\nوالأجه عندي: أن الإمام البخاري أشار إلى مبدأ الفرضية كما هو دأبه في أكثر أحكام الإسلام، وصرَّح ههنا بمبدأ الفرضية نصًّا دون إشارة لثبوته بحديث المعراج نصًا، ولفظ الترجمة نص في أن الإمام البخاري ذهب إلى أن المعراج كان في ليلة الإسراء والخلاف فيه مشهور، ولذا جمعهما في باب واحد، ولمَّا كان المقصود في أبواب السير ذكر الأحوال فصلهما في بابين كما سيأتي قبيل باب الهجرة.\nقال الحافظ (^٢): هذا مصير من المصنف إلى أن المعراج كان في ليلة الإسراء، وقد وقع في ذلك اختلاف، فقيل: كانا في ليلة واحدة في يقظته - ﷺ -، وهذا هو المشهور عند الجمهور، وقيل: كانا جميعًا في ليلة واحدة في منامه، وقيل: وقعا جميعًا مرتين في ليلتين مختلفتين، إحداهما: يقظة، والأخرى: منامًا، وقيل غير ذلك، والحكمة في وقوع فرض الصلاة ليلة المعراج أنه لما قدس ظاهرًا وباطنًا حين غسل بماء زمزم بالإيمان والحكمة، ومن شأن الصلاة أن يتقدمها الطهور ناسب ذلك أن تفرض الصلاة في تلك الحالة، وليظهر شرفه في الملأ الأعلى ويصلي بمن سكنه من الأنبياء وبالملائكة وليناجي ربه، ومن ثم كان المصلي يناجي ربه جل وعلا، انتهى.\nقوله: (وقال ابن عباس) كتب شيخ المشايخ في \"تراجمه\" (^٣): مناسبة مع ترجمة الباب باعتبار أن فرضية الصلاة كانت في أول الإسلام حتى\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٤٥٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٤٥٩).\n(^٣) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ١٤٣).","vol":"2","page":682},{"text":"بلغت في أقصى مراتب الاشتهار، وشاعت في بعيد الأقطار، انتهى.\nقال الحافظ (^١): ومناسبة لهذه الترجمة أن فيه إشارة إلى أن الصلاة فرضت بمكة قبل الهجرة؛ لأن أبا سفيان لم يلق النبي - ﷺ - بعد الهجرة إلى الوقت الذي اجتمع فيه بهرقل، انتهى.\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-435> باب وجوب الصلاة. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): قلت: حاصل الترجمة أمران: وجوب الستر، والاكتفاء بأقل ما يحصل به التستر، وهذا الأخير له شعب وتفاصيل نبَّه على أكثرها ورودًا، وكل أبواب هذه الأقسام تفصيل لهذا الباب المعقود أولًا، فلا يعترض بتكرار بعض التراجم، فإنها تفصيل لإجمال هذا الباب، والله أعلم، انتهى.\nوفي هامشه: غرض الترجمة الرد على المالكية إذ المعروف عنهم كون التستر سُنَّة لا يبطل الصلاة بتركه، ومنهم من فرَّق بين العامد والناسي، وجزم الإمام البخاري بالوجوب لقوة الدلائل، وبه قالت الأئمة الثلاثة الباقية، انتهى.\nوهذا هو الأصل السادس والأربعون من أصول التراجم، ويحتمل أنه أشار بالترجمة إلى الاختلاف في قوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ [الأعراف: ٣١] في أن الأمر للوجوب أو الندب، كما في \"الأوجز\" (^٣)، وفيه عن ابن رشد ومن حمله على الوجوب قال: المراد به ستر العورة، ومن حمله على الندب قال: المراد بذلك الزينة الظاهرة من الرداء وغير ذلك من الملابس التي هي زينة، قالوا: ولذلك من لم يجد ما يستر به عورته لم يختلف في أنه يصلي، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٤٦٠).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٢/ ٣٢٢).\n(^٣) \"أوجز المسالك\" (٣/ ١٠٢).","vol":"2","page":683},{"text":"قوله: (ومن صلى ملتحفًا. . .) إلخ، وفي \"تراجم شيخ المشايخ\" (^١): غرضه الإشارة إلى حديث الأمر بالاستحباب لمن صلى في ثوب واحد؛ لأنه يدل أن وجوب أصل الصلاة (^٢) مسلَّم ثابت في الشرع حيث لم يتعرض إلا لبيان الكيفيات من الالتحاف والاشتمال والتوشيح وغيرها، وقس على هذا قوله: ويذكر عن سلمة بن الأكوع. . . إلخ، انتهى.\nقلت: والأوجه عندي: أن هذا الجزء من الترجمة والآتي كلها من الأصل الستين من أصول التراجم كما تقدم في الجزء الأول، وفيه: أن الشرَّاح اضطربوا في إثباتها بالحديث وأتوا لذلك ولدفع التكرار عنها بتوجيهات عديدة؛ فإن هذه الترجمة ستأتي قريبًا مستقلًا، وليست الترجمة عندي مثبتة - بفتح الموحدة - حتى يقال فيها ما قالوا، بل هي مثبتة - بكسر الموحدة - لوجوب الثياب، انتهى.\nقوله: (ومن صلى في الثوب الذي يجامع فيه. . .) إلخ، وكتب شيخ المشايخ في \"التراجم\" (^٣): احتاج في هذا الباب إلى هذا النوع من الاستدلال بالإيماءات والإشارات الخفية؛ لأنه لم يرد فيه نص يدل عليه، انتهى.\nقال الحافظ (^٤): يشير إلى ما رواه أبو داود (^٥) والنسائي وغيرهما من طريق معاوية بن أبي سفيان أنه سأل أخته أم حبيبة: \"هل كان رسول الله - ﷺ - يصلي في الثوب الذي يجامع فيه؟ قالت: نعم، إذا لم ير فيه أذى\"، وهذا من الأحاديث التي تضمنتها التراجم بغير رواية حتى ولا التعليق، انتهى.\nقلت: ويمكن عندي أن يستدل له بما سيأتي من قوله عليه الصلاة\n_________\n(^١) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ١٤٤).\n(^٢) كذا في الأصل، والصواب بدله: \"الثياب\"، (ز).\n(^٣) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ١٤٥).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١/ ٤٦٦).\n(^٥) \"سنن أبي داود\" (ح: ٣٦٦)، و\"السنن النسائي\" (ح: ٢٩٤).","vol":"2","page":684},{"text":"والسلام: \"أو لكلكم ثوبان\"، والأوجه منه أن هذا الجزء أيضًا مثبت لما سبق فلا يحتاج لإثباته إلى دليل، وهكذا قوله: أمر النبي - ﷺ -: \"أن لا يطوف بالبيت عريان. . .\" إلخ، يشكل عليه بوجهين، أحدهما: عدم ثبوته بالحديث الوارد في الباب، والثاني: أن المسألة من كتاب الحج، وسيأتي في محله \"باب لا يطوف بالبيت عريان\" وعلى ما اخترته في ذلك من أنه ليس بمقصود بالذكر، بل ذكره مبالغة في وجوب الثياب للصلاة؛ فإنه - ﷺ - منع الطواف بالبيت عريانًا، والطواف بالبيت صلاة حكمًا، فكيف بالصلاة حقيقة، انتهى.\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-436> باب عقد الإزار)</span>\nأي: عند الضيق إذا لم يمكن الاشتمال، وسيأتي الفرق بينه وبين الباب الآتي إذا كان الثوب ضيقًا، قوله: \"فقال له قائل. . .\" إلخ.\nقال الحافظ (^١): وقع في رواية مسلم أنه عبادة بن الوليد، وسيأتي قريبًا أن سعيد بن الحارث سأله عن هذه المسألة، ولعلهما جميعًا سألاه، وسيأتي عند المصنف في \"باب الصلاة بغير رداء\" عن ابن المنكدر فلعل السؤال تعدد، وقال في جواب ابن المنكدر، فأحببت أن يراني الجهال مثلكم، فالمراد من الأحمق الجاهل، انتهى.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): قوله: (أحمق مثلك) أي: ممن ليس له تمييز بين الواجبات والسنن والمستحبات، وغرض المؤلف من إيراد مثل هذه الروايات والآثار إثبات أن الصلاة جائزة في كل أنواع الثياب، وأنه يأتزر به إذا كان قصيرًا، ويجعل على عاتقه إن كان صغيرًا بحيث يفيد العقد على القفا، ويمكن ذلك منه ويلتحف به إن كان فوق ذلك رعاية للأوكد فالأوكد، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٤٦٧).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٢/ ٣٢٣).","vol":"2","page":685},{"text":"(٤ -<span data-type='title' id=toc-437> باب الصلاة في الثوب الواحد ملتحفًا)</span>\nلعله أشار بذلك إلى ردِّ ما روي عن ابن مسعود - ﵁ - وغيره، قال: لا تصلين في ثوب واحد وإن كان أوسع ما بين السماء والأرض.\nقال الحافظ (^١): كان الخلاف في منع جواز الصلاة في الثوب الواحد قديمًا، ونسب ابن بطال ذلك لابن عمر ثم قال: لم يتابع عليه ثم استقر الأمر على الجواز، انتهى.\nقلت: وعلى هذا فزيادة \"ملتحفًا\" لمزيد الفائدة، وأصل الغرض مجرد الجواز في الثوب الواحد، ثم لا يذهب عليك ما في \"الأوجز\" (^٢): أن مراد ابن مسعود خلاف الأفضل، فقد روى عنه أحمد إنما كان ذلك، أي: الصلاة في الثوب الواحد إنما كان ذاك إذا كان في الثياب قلة، وأما إذا وسَّع الله فالصلاة في الثوبين أزكى، وكذلك روي عن ابن عمر أنه قال: فالله أحق أن تتزين له، كما في \"البدائع\" (^٣)، فالظاهر أنهما موافقان للجمهور.\n\n(٥ -<span data-type='title' id=toc-438> باب إذا صلى في الثوب الواحد. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٤): حمل الجمهور هذا الأمر على الاستحباب، والنهي في الذي قبله على التنزيه، وعن أحمد: لا تصح صلاة من قدر على ذلك فتركه جعله من الشرائط، وعنه: تصح ويأثم جعله واجبًا مستقلًا، انتهى.\n\n(٦ -<span data-type='title' id=toc-439> باب إذا كان الثوب ضيقًا)</span>\nاستثناء مما سبق، يعني: إن كان الثوب واسعًا فيجب ما تقدم، وإذا كان الثوب ضيّقًا فلا يجب وضع شيء على عاتقه، سواء يعقد على القفا أو على الحجز، ولذا ذكر فيه الحديثين معًا، ولعل الفرق بينه وبين ما سبق\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٤٦٨).\n(^٢) انظر: \"أوجز المسالك\" (٣/ ١٠٣).\n(^٣) \"بدائع الصنائع\" (١/ ٥١٥).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١/ ٤٧٢).","vol":"2","page":686},{"text":"من قوله: عقد الإزار إن ضيق الإزار له مراتب، فإن كان أوسع فالاشتمال، وإن كان أوسط فالعقد على العنق إن أمكن فهو مقدم وإلا يتزر، وإليه يشير ترتيب تراجم الثلاثة وذكر بينها فليجعل على عاتقيه؛ لأن ذلك لا يمكن إلا في الصورتين الأوليين، ولا يمكن ذلك في الاتزار، والبسط في هامش \"اللامع\" (^١).\n\n(٧ -<span data-type='title' id=toc-440> باب الصلاة في الجبة الشامية. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): وذلك لأن الأصل هو الطهارة، والنجاسة لعارض فلا يعارض الأصل إلا بدليل، انتهى.\nوفي هامشه: أشار الشيخ بذلك أن نظر الإمام البخاري في الترجمة إلى طهارة منسوجات الكفار، وعليه حملته الشرَّاح قاطبة، وفي \"فيض الباري\" (^٣): الظاهر أن نظره إلى قطعه يعني أن الثوب إذا قطع على طريق غير طريق العرب جازت الصلاة فيه، وليس نظره إلى مسألة الطهارة والنجاسة كما فهموه، انتهى.\nوالأوجه عندي: الأول لذكر الإمام البخاري في الترجمة أثري الزهري وعلي - ﵁ -، قال العيني (^٤): المراد بالجبة الشامية هي التي تنسجها الكفار، وإنما ذكره بلفظ الشامية مراعاة للفظ الحديث، وكان هذا في غزوة تبوك والشام إذ كانت بلاد كفر، ولم تفتح بعد، وإنما أوّلنا بهذا؛ لأن الباب معقود لجواز الصلاة في الثياب التي تنسجها الكفار ما لم تحقق نجاستها، انتهى.\nوقال الحافظ (^٥): وجه الدلالة من الرواية أنه - ﷺ - لبسها ولم يستفصل، وروي عن أبي حنيفة كراهة (^٦) الصلاة فيها إلا بعد الغسل، وعن مالك إن\n_________\n(^١) انظر: \"لامع الدراري\" (٢/ ٣٢٥).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٢/ ٣٢٧).\n(^٣) \"فيض الباري\" (٢/ ١٠).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (٣/ ٢٨٠).\n(^٥) \"فتح الباري\" (١/ ٤٧٣).\n(^٦) قوله: \"كراهة\" وفي \"الفتح\": \"كراهية\".","vol":"2","page":687},{"text":"فعل يعيد في الوقت إلى آخر ما بسط في هامش \"اللامع\" في ثياب الكفار والفساق.\nقوله: (ما صبغ بالبول)، كتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): معناه: أنه كان يلقى البول في صبغه ثم إنهم يبيعونها بعد غسلها كما هو العادة، فلا يتوهم نجاستها ما لم يظهر أثرها أو يتيقن بعدم الغسل بعد التيقن بوقوع النجس فيه، انتهى.\nقال الحافظ (^٢): إن كان المراد الجنس فمحمول على أنه كان يغسله قبل لبسه، وإن كان للعهد فالمراد بول ما يؤكل لحمه؛ لأنه كان يقول بطهارته، انتهى.\nوفي \"فيض الباري\" (^٣): لعل المراد منه اللبس بعد الغسل؛ لأن مذهبه نجاسة الأبوال ويومئ إليه ما عند البخاري: \"هل تشرب أبوال الإبل. . .\" إلخ، فالاستدلال منه على طهارته عنده في حيز الخفاء، انتهى.\nكذا في الأصل، وفيه إجمال مخل، ثم قال صاحب \"الفيض\": ورأيت أثرًا في الخارج أن عمر رضي الله تعالى عنه أراد أن ينهى عن ثياب اليمن وكانت تصبغ بالبول، فقام أُبيّ وقال: إنك لا تستطيعه؛ لأن النبي - ﷺ - لم ينه عنه، فسكت عمر - ﵁ -، انتهى.\n\n(٨ -<span data-type='title' id=toc-441> باب كراهية التعري)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٤): والرواية تثبت كراهته في غيرها فيثبت الحكم فيها بالأولى، انتهى.\nوفي هامشه قوله: \"في الصلاة وغيرها\" هكذا في النسخ الموجودة عندنا من الهندية، وكذا في نسخة الكرماني، وليس في النسخة المصرية\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٢/ ٣٢٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٤٧٤).\n(^٣) \"فيض الباري\" (٢/ ١١).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٢/ ٣٣٠).","vol":"2","page":688},{"text":"ولا في الشروح الثلاثة من \"الفتح\" و\"العيني\" و\"القسطلاني\" لفظ: \"وغيرها\"، بل قالوا: زاد الكشميهني والحموي: \"وغيرها\"، وعلى نسختهم يشكل تكرار الترجمة، فإن وجوب الصلاة في الثياب قد تقدم، ولم تبق فاقة بعده إلى هذه الترجمة بخلاف وجود \"وغيرها\"؛ فإنه يفرق بينهما إذا بالتخصيص والتعميم، ولو يقال: إن لفظ التعري في الترجمة أيضًا عام من العورة وغيرها يزيد تعميم الترجمة والفرق بين الترجمتين إلى آخر ما في هامش \"اللامع\" من كلام الحافظ والعيني في تفصيل القصة.\nوقال الحافظ (^١): مطابقة الحديث للترجمة بقوله: فما رؤي عريانًا بعد، وهو يعم بعد النبوة والصلاة وغيرها، انتهى.\nفلا إشكال بأن القصة قبل النبوة، والأوجه عندي: أن المراد بما سبق من قوله وجوب الثياب وجوب ستر العورة، وههنا كراهة تعرى سائر البدن كما يدل عليه عموم لفظ: عريانًا.\n\n(٩ -<span data-type='title' id=toc-442> باب الصلاة في القميص. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): يعني بذلك: أن الصلاة جائزة في كل ما حصل به ستر العورة، وأما التبان فإن لم يكن ساترًا بانفراده فإنه ساتر بانضمام غيره إليه، فكذلك جواز الصلاة به يتوقف علم ضم غيره من الثياب إليه، وهذا كله حكم الجواز، وأما الاستحباب لمن وجد سعةً فالتوسع في الملبوس كما دل عليه قوله: \"إذا وسَّع الله فأوسعوا\"، انتهى.\nوفي \"تراجم شيخ المشايخ\" (^٣): أن جواز الصلاة في التبان فقط يوافق مذهب مالك؛ لأن التبان يستر نصف الفخذ لا كلها، انتهى.\nقلت: وسيأتي الكلام على الفخذ قريبًا، وميل البخاري في مسألة\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٤٧٥).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٢/ ٣٣١).\n(^٣) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ١٤٧).","vol":"2","page":689},{"text":"الفخذ إلى قول الظاهرية فلا إشكال على مسلكه في ذكر التبان فقط في الترجمة، وما أفاده الشيخ في التبان وسبق إلى نحو ذلك في \"الفتح\" مبنيان على مسلكهما، فإن مسلك الحنفية والشافعية أن الفخذ عورة.\nثم كتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): لعل الوجه في إيراد رواية ابن عمر ههنا أن الممنوع عن هذه الملابس هو المحرم، فيكون لبسها جائزًا لغير المحرم، ولا ينافيه كراهة المزعفر والمعصفر له فإن ثبوت كراهتهما بنص آخر، أو يقال: إن جواز لبسهما للنساء كاف في ذلك، ولا يبعد أن يكون إيراد الحديث ههنا؛ لأن الإزار والرداء الباقيين بعد استثناء ما استثني من الألبسة من جملة الثياب التي جازت الصلاة فيها، انتهى.\nوفي هامشه: ما أفاده الشيخ من المناسبة ألطف مما ذكرت الشرَّاح من المطابقة.\nقال الحافظ (^٢): وموضع الحاجة من الحديث ههنا أن الصلاة تجوز بدون القميص والسراويل وغيرهما من المخيط بأمر المحرم باجتناب ذلك وهو مأمور بالصلاة، انتهى.\nوفي \"تراجم شيخ المشايخ\" (^٣): مناسبته بالترجمة من حيث جواز الصلاة في الثياب الغير المخيطة أيضًا مع كون أهل الثوب واجدًا، انتهى.\nوجزم صاحب \"تيسير القاري\": أن الحديث لا يطابق الترجمة، والأوجه عندي الجواز في السراويل فقط من غير ثوب فوقه من القميص وغيره لما سيأتي في كتاب الحج من \"باب من لم يجد إزارًا فليلبس السراويل\".\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٢/ ٣٣٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٤٧٦).\n(^٣) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ١٤٨).","vol":"2","page":690},{"text":"(١٠ -<span data-type='title' id=toc-443> باب ما يستر من العورة)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): قوله: ما يستر معروف أو مجهول، وعلى الأول فالمفعول محذوف، أو كلمة \"من\" زائدة، انتهى.\nوفي هامشه: اختلفوا في حد العورة، فقال أهل الظاهر: لا عورة من الرجل إلا القبل والدبر، وقال الشافعي ومالك وأحمد: حدها ما بين السرة والركبة، وقال أبو حنيفة: الركبة أيضًا عورة، انتهى مختصرًا.\nقال الحافظ (^٢): قوله: (باب ما يستر من العورة) أي: خارج الصلاة، والظاهر من تصرف المصنف أنه يرى أن الواجب ستر السوأتين فقط، وأما في الصلاة فعلى ما تقدم من التفصيل، وأول أحاديث الباب يشهد له، انتهى.\nقلت: ولذا ذكر في هذا الباب أحاديث ستر الفرج فقط، وذكر فيما سيأتي الاختلاف في الفخذين، ولما رجح فيهما عدم العورة فالركبة أولى أن لا تكون عورة.\n\n(١١ -<span data-type='title' id=toc-444> باب الصلاة بغير رداء)</span>\nلا يبعد عندي في غرض الترجمة أن ظاهر قوله ﵊: \"أو كلكم يجد ثوبين\"، وقوله عمر رضي الله ﵎ عنه: \"إذا وسع الله فأوسعوا\" أن لا تجوز الصلاة في ثوب واحد للقادر على الثوبين، فدفعه بحديث الباب بأنه - ﵁ - صلى في ثوب واحد مع وجدان الرداء.\nوكتب شيخ المشايخ في \"تراجمه\" (^٣): قوله: باب الصلاة بغير رداء أي: هو جائز، انتهى.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٢/ ٣٣٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٤٧٧).\n(^٣) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ١٤٨).","vol":"2","page":691},{"text":"(١٢ -<span data-type='title' id=toc-445> باب ما يذكر في الفخذ)</span>\nوفي \"تراجم شيخ المشايخ\" (^١): المذاهب فيه مختلفة: فعند الشافعي وأبي حنيفة: الفخذ عورة، وإنما الخلاف بينهما في الركبة والسرة، وعند مالك: الفخذ ليس بعورة، والأحاديث في هذا الباب متعارضة والقوة من حيث الرواية لما ذهب إليه مالك، ووجه الجمع بين تلك الأحاديث أن الفخذ ليس بعورة بالنسبة إلى خاصة الرجل ومحارم أسراره، أعني الذين هم كثير الدخول عليه شديد التردد إليه، وأما بالنسبة إلى العامة ومن يزور الرجل غبًا فإنه عورة، يدلك على هذا التطبيق حديث دخول عثمان على النبي - ﷺ - وستره فخذه مع كشفه إياه عند أبي بكر وعمر، وأما ما ذهب إليه مالك من أنه يجوز للعملة والحمالين وأمثالهم الاقتصار على ما دون الفخذ في الصلاة، فلا شبهة في صحته عندنا لما رُوي من طرق كثيرة حتى حصل العلم الضروري أن النبي - ﷺ - لم يكلفهم ولا أمثالهم بستر الفخذ إلى الركبة في الصلاة، وههنا قاعدة وهي: أن النبي - ﷺ - قد بيَّن لها وجهين من الصلاة صلاة المحسنين وصلاة عامة المؤمنين وكم من أشياء قد جوَّزها في الثانية، ونهى عنها في الأولى، وإذا أنت حفظت هذه القاعدة سهل عليك أكثر المواضع المتناقضة في باب الصلاة، انتهى.\nوفي هامش \"اللامع\" (^٢): قال القسطلاني (^٣): قال الجمهور من التابعين وأبو حنيفة ومالك في أصح أقواله والشافعي وأحمد في أصح روايتيه وأبو يوسف ومحمد: الفخذ عورة، وذهب داود وأحمد في رواية إلى أنه ليس بعورة، انتهى.\nوما قال شيخ المشايخ من مذهب مالك أن الفخذ ليس بعورة عنده، هو المعروف على ألسنة المشايخ، لكن المنقول في كتب المذاهب الأول،\n_________\n(^١) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ١٤٩).\n(^٢) انظر: \"لامع الدراري\" (٢/ ٣٣٣).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (٢/ ٣٣).","vol":"2","page":692},{"text":"قال الدردير في الفقه المالكية: هي من رجل ما بين سرة وركبة، قال الدسوقي: وعلى هذا فلا يجوز للرجل أن يرى الفخذ من مثله، وبسط في هامش \"اللامع\" في مستدلات الجمهور، وتقدم قريبًا في \"باب ما يستر من العورة\" أن ميل البخاري أن العورة السوءتان فقط، وأن الفخذ ليست بعورة، وقرر السندي (^١) استدلال البخاري بحديث زيد بوجه آخر فقال: كأنه بنى الاستدلال بذلك إلى استبعاد وضع الفخذ على فخذ غيره، لو كان الفخذ عورة ولو بحائل كالفرج ونحوه فالوضع دليل على أنه ليس بعورة، ولم يرد الاستدلال بأنه وضع الفخذ بلا حائل؛ لأن الأصل عدمه فإنه باطل بشهادة العادة بالحائل في مثله، فصار الأصل هو الحائل كما لا يخفى، انتهى.\nلكن يجاب عن تقرير السندي: بأن حكم السوءتين في ذلك خلاف غيرهما، فإن كبس الفخذين بالحائل بخلاف السوءتين فإنهما محل الشهوة.\nقوله: (حسر النبي - ﷺ -. . .) إلخ، كتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): إسناد الحسر إليه مجاز، وإنما كان الحسر بعدو الدابة والتغطية عند دخول عثمان - ﵁ - لم تكن عن تجريد بل كانت تغطيةً بعد أن كانت مغطاةً، واستدلاله بقوله: فخذه على فخذي، مبني على أن الأصل في لفظ الفخذ أن يطلق عليها وليس معها شيء، وأما إثبات الثوب فإثبات لأمر زائد فيحتاج إلى دليل.\nوالجواب: أنه وإن كان الأصل لكن الفخذ الملبوسة بالثياب لما لم تكن لها لفظة غير الفخذ لم تطلق إلا الفخذ، فإن الفخذ وكذا غيرها من الأعضاء لا تتغير أسماؤها إلى غير ما كانت قبل الستر، مع أن القول بعدم كونها عورةً مستلزم لإهمال الرواية القولية فلا يجوز، انتهى.\n_________\n(^١) \"حاشية السندي على صحيح البخاري\" (١/ ٧٧).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٢/ ٣٣٦).","vol":"2","page":693},{"text":"وفي تقرير مولانا محمد حسن المكي: قوله: حسر، الحسر ما يكون بلا اختيار، أو المراد حسر القميص دون الإزار، انتهى.\nوفي هامش \"اللامع\" (^١): أراد الشيخ من ههنا الجواب من قبل الحنفية وغيرهم عما استدل به الإمام البخاري على مسلكه أن الفخذ ليس بعورة، وحاصل ما أفاده الشيخ أن الحسر لم يكن عن قصد كما يدل عليه رواية مسلم وغيره بلفظ: \"فانحسر\" إلى آخر ما بسط في هامش \"اللامع\" في شرح كلام الشيخ قُدِّس سرُّه.\n\n(١٣ -<span data-type='title' id=toc-446> باب في كم تصلي المرأة من الثياب)</span>\nأجمعوا على جواز الصلاة فيما يستر عورتها ولو كان ثوبًا واحدًا مع الاختلاف بينهم في عورتها في القدمين والاتفاق على عدم عورة الوجه والكفين إلا في رواية عن أحمد، ولا يتوقف على أربعة ثياب أو ثلاث كما قال به بعض السلف، وفي \"الأوجز\" (^٢) عن مجاهد: لا تصلي المرأة في أقل من أربعة أثواب: درع، وخمار، وملحفة، وإزار، وعن عطاء أنه قال: تصلي في درع وخمار وإزار، قال ابن المنذر: أظنه محمولًا على الاستحباب، وقال أيضًا بعد أن حكى عن الجمهور: إن الواجب على المرأة أن تصلي في درع وخمار، المراد بذلك تغطية بدنها ورأسها، فلو كان الثوب واسعًا فغطت رأسها بفضله جاز، انتهى ملخصًا.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): دلالة الحديث على الترجمة ظاهرة؛ فإن النبي - ﷺ - لم يسألهن هل تحت مروطهن هذه ثياب أخر أم لا؟ فكان تقريرًا منه - ﷺ - بالاكتفاء على ثوب لها بعد ما ستر عورتها، انتهى.\nوقال السندي (^٤) ما حاصله: وجه الاستدلال أن الزمان كان زمان قلة\n_________\n(^١) انظر: \"لامع الدراري\" (٢/ ٣٣٦).\n(^٢) \"أوجز المسالك\" (٣/ ١١٦).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٢/ ٣٤١).\n(^٤) انظر: \"حاشية السندي على صحيح البخاري\" (١/ ٧٨).","vol":"2","page":694},{"text":"الثياب، فالغالب عدم الزيادة على الواحد ولو فرض فالاحتمال باق قطعًا، وعدم سؤاله ﵊ عن الثوب الزائد دليل الجواز، انتهى.\nقلت: ويؤيده قوله ﵊: \"أو لكلكم ثوبان\".\n\n(١٤ -<span data-type='title' id=toc-447> باب إذا صلى في ثوب له أعلام. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): يعني بذلك أن الصلاة جائزة وإن كان الإقدام على ما فيه اشتغال خلاف ما هو الأولى، انتهى.\nوفي هامشه: وبذلك جزم شيخ المشايخ في \"تراجمه\" (^٢) إذ قال: أي: لا تفسد صلاته، ولكن تركه أولى، انتهى.\nوكلا الجزئين واضحان: الأول: لمضيِّه - ﷺ - في صلاته، والثاني: لكراهته - ﷺ -، ثم لا يذهب عليك أن في الرواية الموصولة: \"فإنها ألهتني\" وفي المعلقة: \"أخاف أن تفتني\".\nقال الحافظ (^٣): ظاهره يدل على أنه لم يقع له شيء من ذلك، وإنما خشي أن يقع وكذا في رواية مالك في \"الموطأ\" بلفظ: \"فكاد يفتنني\"، فلتؤول الرواية الأولى، انتهى.\nوهكذا راجع الأولى إلى الثانية، ويشكل عليه عندي أنهم قاطبة استدلوا بهذا الحديث على صحة صلاة من حصل له فيها فكر غير متعلق بالصلاة، فإن لم يتحقق الإلهاء فكيف يصح الاستدلال.\nفالأوجه عندي في وجه التطبيق: أن الإلهاء قد تحقق وهو أخف مما أشار إليه - ﷺ - بلفظ: الافتتان، ولم يتحقق، والمراد منه زيادة الاشتغال المستغرق فيه وهو لم يتحقق، وأجاد الشيخ في تقرير أبي داود إذ قال:\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٢/ ٣٤٢).\n(^٢) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ١٥٣).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١/ ٤٨٣).","vol":"2","page":695},{"text":"قوله: شغلتني. . . إلخ، ولعل شغله لم يكن إلا في عجيب صنعة ربه تعالى غير أنه عده نقصًا أيضًا نسبة إلى مرتبته العليا، فلا يستلزم شغله بها أن يكون قد اشتغل عن الحضور في حضرته سبحانه، كما نشاهد في كثير من الناس اشتغالهم بأمرين، ولا يعترى بذلك نقص في أدائهما، انتهى مختصرًا.\n\n(١٥ -<span data-type='title' id=toc-448> باب إن صلى في ثوب مصلب. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^١): قوله: (لا تزال تصاويرها. . .) إلخ، فيه دلالة على جواز الصلاة أيضًا، وكذلك في الرواية الآتية وغيرها، فما فيه نوع كراهته وإن كانت الصلاة فيه مما لا ينبغي إلا أنها جائزة، انتهى.\nوفي تقرير مولانا محمد حسن المكي قوله: \"تعرض في صلاتي. . .\" إلخ، قال: هذا ولم يعد صلاته ولا أمر لها بإعادة صلاتها مع أن ذلك القرام كان في الجانب المقابل له مائلًا إلى الجانب الأيسر له، فثبت أن الصلاة إلى التصاوير التي تكون بأحد جانبيه أو يكون هو حاملًا للتصاوير أو الصليب بأن تكون في ثوبه صحيحة، لكنها تكره تحريمًا للتشبيه بعبدتهم، ولو كان خلفه فهو أخف كراهة، انتهى.\nوفي هامش \"اللامع\" (^٢) عن الحافظ: جرى المصنف على قاعدته في ترك الجزم فيما فيه اختلاف، وهذا من المختلف فيه، وهذا مبني على أن النهي هل يقتضي الفساد أم لا؟ والجمهور إن كان لمعنى في نفسه اقتضاه وإلا لا، وظاهر حديث الباب لا يوفي بجميع ما تضمنته الترجمة إلا بعد التأمل؛ لأن الستر وإن كان ذا تصاوير لكنه لم يلبسه ولم يكن مصلبًا ولا نهى عن الصلاة فيه صريحًا.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٢/ ٣٤٣).\n(^٢) انظر: \"لامع الدراري\" (٢/ ٣٤٣).","vol":"2","page":696},{"text":"والجواب: أما أولًا: فإن منع لبسه بطريق الأولى، وأما ثانيًا: فبإلحاق المصلب بالمصور لاشتراكهما في أن كلًا منهما قد عبد من دون الله تعالى، وأما ثالثًا: فالأمر بالإزالة مستلزم للنهى عن الاستعمال، ثم ظهر لي أن المصنف أراد بقوله: مصلب الإشارة إلى ما ورد في بعض طرق هذا الحديث كعادته، وذلك فيما أخرجه في اللباس في \"باب نقض الصور\" قالت: لم يكن رسول الله - ﷺ - يترك في بيته شيئًا فيه تصاليب إلا نقضه، ودلَّ الحديث على أن الصلاة لا تفسد بذلك؛ لأنه - ﷺ - لم يقطعها ولم يعدها، انتهى.\nقلت: ذكر الحافظ أولًا أن المسألة خلافية ولم يذكر تفصيلها، وكذا لم يذكرها القسطلاني والعيني، ويظهر الخلاف مما في هامش \"اللامع\" (^١) عن \"المغني\" (^٢) إذ قال: ما يحرم لبسه والصلاة فيه هو نوعان، أحدهما: النجس لا تصح الصلاة فيه ولا عليه؛ لأن الطهارة من النجاسة شرط، وقد فاتت، والثاني: المغصوب وهل تصح الصلاة فيه على روايتين، إحداهما: لا تصح، والثانية: تصح، وهو قول أبي حنيفة والشافعي لأن التحريم لا يختص الصلاة ولا النهي يعود إليها إلى آخر ما فيه، وفيه عن \"الشرح الكبير\": أن عدم الصحة أظهر الروايتين لأحمد، وفي موضع آخر من \"المغني\" (^٣): فأما الثياب التي عليها تصاوير الحيوانات فقال ابن عقيل: يكره لبسه وليس بمحرّم، وقال أبو الخطاب: هو محرم، قال: ويكره الصليب في الثوب، انتهى.\nوفي تقرير مولانا حسين علي البنجابي: تكره الصلاة بثوب فيه التصاوير الظاهرة غير المقطوعة رأسها لذوي الأرواح أو التصاوير للشيء الذي اشتهر في المعبودية كراهة تحريم، انتهى.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٢/ ٣٤٣).\n(^٢) \"المغني\" (٢/ ٣٠٣).\n(^٣) \"المغني\" (٢/ ٣٠٨).","vol":"2","page":697},{"text":"وليس في الحديث الصلاة في الثوب المصور، لكنه لما أمر بإزالة الحذاء؛ لأنها تعرض في الصلاة فالنهي عن اللباس أولى ولما لم يكن فيه جزم بالفساد وعدمه نبَّه عليه بقوله: هل تفسد، وهو الأصل الثاني والثلاثون من أصول التراجم.\n\n(١٦ -<span data-type='title' id=toc-449> باب من صلى في فروج حرير)</span>\nبفتح الفاء وتشديد الراء المضمومة وآخره جيم هو القباء المفرج من خلف، والجمهور على الكراهة وعن مالك يعيد في الوقت، كذا في \"الفتح\" (^١)، قيل: أول من لبسه فرعون، كذا في \"التراجم\" (^٢).\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): قوله: كالكاره له، وكأن الوحي نزل في أثناء الصلاة كما يدل عليه مبادرته - ﷺ - إلى النزع بفور تسليمه عن صلاته ففيه دلالة على أن جواز الصلاة يجامع التحريم كما قالت الحنفية، وإن الحرام يكون سببًا للنعمة لجهة أخرى غير الحرمة، وغرض المؤلف من إيراد الأبواب المختلفة إثبات أن الصلاة لا تفسد في شيء من هذه الأمور، وأما الكراهة والندب فأمران آخران، والتعرض ههنا لنفس الجواز، ويجوز مثل ذلك في تأويل الثوب الأحمر أيضًا، وعلى هذا فلا يضر كونه معصفرًا أو مزعفرًا أيضًا لما أنه كان إظهارًا لمسألة جواز الصلاة في نفسها، وفراغ الذمة عن الفريضة ولو بمجامعة مكروه تحريمي، وقد عرفت أن ارتكاب مثل ذلك إذا كان للتعليم سقطت الكراهة، انتهى.\nوفي تقرير مولانا محمد حسن المكي - ﵀ - قوله: (باب من صلى. . .) إلخ، يعني: هل يجوز هذا اقتداء بالنبي - ﷺ - أم لا؟\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (١/ ٤٨٥).\n(^٢) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ١٥٤).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٢/ ٣٤٤ - ٣٤٧).","vol":"2","page":698},{"text":"فالجواب: لا؛ لأن فعله ﵇ بعضه وقع قبل التحريم وبعضه بعده، وفعل الغير لا بدّ أن يكون بعد التحريم كله، انتهى.\nوفي هامش \"اللامع\" وفي \"تراجم شيخ المشايخ\" (^١): قوله: \"فنزعه\" أي: لا تفسد صلاته لكنه مكروه؛ لأنه - ﷺ - لم يعد الصلاة، ولكنه نزعه كالكاره له صريح في الكراهية.\n\n(١٧ -<span data-type='title' id=toc-450> باب في الثوب الأحمر. . .) إلخ</span>\nفي \"تراجم شيخ المشايخ\" (^٢): أي: جائزة بلا كراهة إن كان الأحمر غير معصفر، انتهى.\nوفي هامش \"اللامع\" (^٣): قال الحافظ: غرض المصنف الإشارة إلى الجواز، والخلاف في ذلك مع الحنفية فإنهم قالوا: يكره، وتأولوا حديث الباب بأنها كانت حلة من برد، وفيها خطوط حمر، انتهى.\nقلت: اختلفت الحنابلة أيضًا في ذلك كما في هامش \"اللامع\"، وفيه عن الحافظ: أن للعلماء فيه سبعة مسالك. قلت: للحنفية فيها ثمانية أقوال، وفي \"الكوكب الدري\" بعد الكلام على الروايات: والمذهب في لبس الحمرة والصفرة أن المزعفر والمعصفر ممنوع عنه الرجال مطلقًا والحمرة والصفرة غير ذلك، فالفتوى على جوازهما مطلقًا، لكن التقوى غير ذلك، انتهى.\nوبذلك أفتى الشيخ قُدِّس سرُّه في كثير من فتاواه كما في \"الفتاوى الرشيدية\": أن الفتوى على الجواز والتقوى في الاحتياط، انتهى.\n_________\n(^١) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ١٥٤).\n(^٢) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ١٥٤).\n(^٣) انظر: \"لامع الدراري\" (٢/ ٣٤٦، ٣٤٧).","vol":"2","page":699},{"text":"(١٨ -<span data-type='title' id=toc-451> باب الصلاة في السطوح والمنبر)</span>\nكتب شيخ المشايخ في \"تراجمه\" (^١): غرضه من عقد هذا الباب أن ما ورد في الحديث: \"وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا\" لا يقتضي لزوم الصلاة على الأرض، بل يجوز على غير ذلك كالمنبر والخشب والسطوح أيضًا إذا كان طاهرًا، انتهى.\nقلت: الأوجه عند هذا العبد الحقير: أن هذا الغرض يناسب الترجمة الآتية من \"باب الصلاة على الفراش\"، والأوجه عندي في الغرض من هذا الباب ما قال الحافظ (^٢) من أن المصنف أشار بذلك إلى الجواز، والخلاف في ذلك عن بعض التابعين، وعن المالكية في المكان المرتفع لمن كان إمامًا، وكره الحسن وابن سيرين الصلاة على الخشب، انتهى.\nوقال الكرماني (^٣): كره قوم السجود على العود، انتهى.\nقول: (قال علي بن عبد الله. . .) إلخ، اختلفوا في شرح هذا القول، ففي شرح شيخ الإسلام: كَفت علي بن مديني نخواسته أم أز ذكر اين حديث مكَر اينكه تحقيق بيغمبر خدا بلند تر اسيتاده بود. . . إلخ.\nوحاصله: أنه جعله من كلام ابن المديني وحمل لفظ \"أردت\" على صيغة المتكلم، والأول لا يصح عندي، والظاهر أنه من كلام أحمد بن حنبل، ثم رأيت أن صاحب \"فيض الباري\" (^٤) أيضًا تعقب على ذلك، إذ قال: قوله: \"إنما أردت\" فاعله أحمد بن حنبل لا ابن المديني، كما حرره شيخ الإسلام بين السطور، انتهى.\nقلت: المراد ببين السطور نسخ \"البخاري\" الهندية، فطبع فيها كلام شيخ الإسلام قُدِّس سرُّه في بين سطور الكتاب، وأما الثاني يعني لفظ\n_________\n(^١) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ١٥٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٣٨٦).\n(^٣) \"شرح الكرماني\" (٤/ ٤٣).\n(^٤) \"فيض الباري\" (٢/ ٢١).","vol":"2","page":700},{"text":"\"أردت\" فهو كذلك عندي، أي: بصيغة المتكلم، وخالفه السندي (^١) إذ قال: أردت بالخطاب، انتهى.\nولم يتعرض لشرح هذا الكلام أحد من الشرَّاح الثلاثة إلا ما في \"الفتح\" (^٢) إذ قال في الحديث جواز اختلاف موقف الإمام والمأموم في العلو والسفل، وقد صرح بذلك المصنف في حكايته عن شيخه علي بن المديني عن أحمد بن حنبل، انتهى.\nويستأنس منه إن ذلك مقولة ابن حنبل لا ابن المديني، وأما مسألة علو الإمام عن القوم ففي \"اللامع\" (^٣): قوله: \"فقام عليه. . .\" إلخ، فيه جواز قيام الإمام فوق القوم إذا لم تكن فوقية زائدة على مقدار مخصوص، واختلفوا في تحديده، والأصح أن ما دون الذراع لا كراهة، وفوق ذلك يكره، وارتفعت الكراهة فيما نحن فيه لعارض التعليم، ويفسد الاقتداء لو كان الإمام فوقهم أو تحتهم على مقدار قامة الإنسان، وأيضًا ففي الحديث دلالة على جواز الصلاة مع العمل الكثير كالمشي قدمين أو زائد من ذلك بقليل، انتهى.\nوفي هامشه: قال العيني (^٤): وعن أصحابنا عن أبي حنيفة جوازه إذا ى ن الإمام مرتفعًا مقدار قامة، وعن مالك تجوز في الارتفاع اليسير، انتهى.\nوقال الكرماني (^٥): جوز - يعني: أحمد - العلو بقدر درجات المنبر، وقال بعض الشافعية: لو كان الإمام على رأس منارة المسجد والمأموم في قعر بئر صح الاقتداء، انتهى.\nوقال الموفق: المشهور في المذهب أنه يكره أن يكون الإمام أعلى\n_________\n(^١) \"حاشية السندي على صحيح البخاري\" (١/ ٧٩).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (١/ ٤٨٧).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٢/ ٣٤٨).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (٣/ ٣٢٩).\n(^٥) \"شرح الكرماني\" (٤/ ٤١).","vol":"2","page":701},{"text":"من المأمومين، سواء أراد تعليمهم الصلاة أو لم يرد، وهو قول مالك وأصحاب الرأي، وروي عن أحمد ما يدل على أنه لا يكره، وقال الشافعي: أختار للإمام الذي يعلِّم من خلفه أن يصلي على الشيء المرتفع، انتهى.\nقلت: وما قال الشيخ: ويفسد الاقتداء. . . إلخ، لم أر الفساد نصًا، فليفتش، وحاصل ما في \"البحر\" أن اختلافهم في ذلك في الكراهة لا الفساد إلى آخر ما في هامش \"اللامع\" (^١).\n\n(١٩ -<span data-type='title' id=toc-452> باب إذا أصاب ثوب المصلي امرأته)</span>\nقال الحافظ (^٢): أي: هل تفسد صلاته أم لا؟ والحديث دال على الصحة، انتهى.\nولا يبعد عندي أن يكون الغرض دفع توهم أن محاذاتها إذا كانت مفسدة للصلاة عند من قال به فملاقاة ثوبه بها أولى أن تكون مفسدة، فدفعه بهذه الترجمة أو يقال: إنه أراد الرد على الفساد بالمحاذاة لقول ميمونة رضي الله تعالى عنها: وأنا حذاءه.\nقال الحافظ (^٣): واستدل المصنف بحديث الباب على أن ملاقاة بدن الطاهر وثيابه لا تفسد الصلاة ولو كان متلبسًا بنجاسة حكمية، وفيه أن محاذاة المرأة لا تفسد الصلاة، انتهى.\nوفي \"تراجم شيخ المشايخ\" (^٤): يعني: لا بأس به، ولا تدخل في لمس النساء حتى تفسد صلاته، انتهى.\n_________\n(^١) انظر: \"لامع الدراري\" (٢/ ٣٤٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٤٨٨).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١/ ٤٩١).\n(^٤) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ١٥٦).","vol":"2","page":702},{"text":"(٢٠ -<span data-type='title' id=toc-453> باب الصلاة على الحصير)</span>\nوفي \"تراجم شيخ المشايخ\" (^١): يعني: أنها جائزة، ومناسبة تعليق الباب مع الترجمة باعتبار أن المقصود من إثبات جواز الصلاة على الحصير، نفي لزوم الصلاة على التراب الذي يمكن أن يتوهم من قوله - ﵇ -: \"جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا\"، وقوله: \"عفِّر وجهك\"، وقوله لأفلح: \"ترب ترب\"، وقس على ذلك \"باب الصلاة على الخمرة\" إلا أن إيراد لفظ الخمرة لكونه واقعًا في الحديث، وقس على ذلك أيضًا \"باب الصلاة على الفراش\"، انتهى.\nوالأوجه عندي ما قال الحافظ (^٢): النكتة في ترجمة الباب الإشارة إلى ما رواه ابن أبي شيبة وغيره عن شريح بن هانئ أنه سأل عائشة: أكان النبي - ﷺ - يصلي على الحصير؟ والله يقول: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨]، فقالت: لم يكن يصلي على الحصير، فكأنه لم يثبت عند المصنف، أو رآه شاذًا مردودًا لمعارضة ما هو أقوى منه كحديث الباب، بل سيأتي عنده من طريق أبي سلمة عن عائشة: \"أن النبي - ﷺ - كان له حصير يبسطه ويصلي عليه\"، وفي \"مسلم\" عن أبي سعيد: \"أنه رأى النبي - ﷺ - يصلي على حصير\" (^٣)، انتهى.\nقوله: (وصلى جابر وأبو سعيد في السفينة. . .) إلخ، تقدم في كلام شيخ المشايخ مناسبته بالباب، ومثله في كلام الشرَّاح.\nقال الحافظ (^٤): الاستدلال بأثر جابر بأنهما اشتركا في أن الصلاة عليهما غير (^٥) الصلاة على الأرض، انتهى.\n_________\n(^١) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ١٥٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٤٩١).\n(^٣) \"صحيح مسلم\" (ح: ٦٦١).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١/ ٤٨٩).\n(^٥) كذا في الأصل وفي \"الفتح\": \"أن الصلاة عليهما صلاة على غير الأرض\".","vol":"2","page":703},{"text":"وعلى ما اخترت من غرض الترجمة من خصوصية الحصير أن الجلوس في السفن يكون غالبًا على الحصر.\nقوله: (وقال الحسن: يصلي قائمًا. . .) إلخ، كتب الشيخ في \"اللامع\" (^١) قوله: ما لم تشق على أصحابك، يعني بذلك: ما لم يشق على الراكب، وبنى الأمر على ما هو العادة من الوحدة في العادات فما يشق على أصحابه يشق عليه عادة.\nوالحاصل: أن المصلي في السفينة يصلي قائمًا إن قدر وإلا فقاعدًا، وهذا مما اختاره الصاحبان، وقال الإمام: تجوز الصلاة في السفينة جالسًا شق عليه القيام أو لا، وذلك لإقامة السبب مقام المسبب، والأحكام عامة بعد بنائها على عللها، ويمكن حمل كلام الحسن على مذهب الإمام أيضًا، انتهى.\nوبقول الصاحبين قال الجمهور، وقال الإمام: يجوز فيها الصلاة قاعدًا مع القدرة على القيام للمشقة كالقصر في السفر، ومعنى قول الحسن تدور معها عندي أن تدور إلى القبلة لا ما قاله القسطلاني (^٢)، أي: تدور مع السفينة حيث ما دارت، انتهى.\nوتبعه صاحب \"التيسير\" إذ قال: مي كَردى بآن سفينه آنجا كه بكَردد بجانب قبله وغير قبله، انتهى. وتبعه شيخ الإسلام على هامش \"التيسير\"، ويؤيد مختاري ما في \"الفتح\" (^٣) عن \"تاريخ البخاري\" عن الحسن يقول: در في السفينة كما تدور إذا صليت، انتهى.\nثم رأيت أن مولانا محمد حسن المكي رحمه الله تعالى حكى ذلك في \"تقريره\" إذ قال: قوله: تدور معها، أي: لو دارت السفينة من القبلة، فدر أنت إلى القبلة وخالف السفينة، انتهى.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٢/ ٣٤٥).\n(^٢) انظر: \"إرشاد الساري\" (٢/ ٤٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١/ ٤٨٩).","vol":"2","page":704},{"text":"وفي \"الدر المختار\" (^١): ويلزم استقبال القبلة عند الافتتاح وكلما دارت، قال ابن عابدين: وإنما لزمه الاستقبال؛ لأنها في حقه كالبيت، حتى لا يتطوع فيها مومئًا مع القدرة على الركوع والسجود بخلاف راكب الدابة، انتهى من هامش \"اللامع\".\n\n(٢١ -<span data-type='title' id=toc-454> باب الصلاة على الخمرة)</span>\nوتقدم في الباب السابق كلام شيخ المشايخ مما يتعلق بهذا الباب.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): أراد بذلك إثبات جواز الصلاة إذا كان المصلي بعضه على الأرض وبعضه فوق البساط، كما أراد بالأول إثبات الصلاة على غير الأرض، ولا شك أن المسألتان (^٣) مما يحتاج إلى بيانه، انتهى.\nوفي هامشه: قال الكرماني (^٤): الخمرة بضم المنقوطة وسكون الميم سجادة صغيرة تعمل من سعف النخل وتزمل بالخيوط، قال ابن بطال: الخمرة مصلى صغير، فإن كان كبيرًا قدر طول الرجل أو أكبر فإنه يقال له حينئذ: حصير، انتهى.\nوما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه من الفرق بين الترجمتين ألطف مما ذكره الحافظ إذ قال (^٥): كأنه أفردها بترجمة لكون شيخه أبي الوليد حدثه بالحديث مختصرًا، انتهى.\nوأنت خبير بأن هذا الوجه لا يكفي لإيراد الترجمة المستقلة، وفيما أفاده الشيخ فائدة جليلة تناسب شأن تراجم البخاري.\nوقال الكرماني: لا خلاف بين فقهاء الأمصار في جواز الصلاة عليها\n_________\n(^١) \"رد المحتار على الدر المختار\" (٢/ ٥٧٣).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٢/ ٣٥٨).\n(^٣) هذا من قبيل قوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾.\n(^٤) \"شرح الكرماني\" (٤/ ٤٤).\n(^٥) \"فتح الباري\" (١/ ٤٩١).","vol":"2","page":705},{"text":"إلا ما روي عن عمر بن عبد العزيز أنه كان لا يصلي عليها، ويؤتى بتراب فيوضع على الخمرة، انتهى.\nولا يذهب عليك أن الإمام الترمذي بوَّب أيضًا بهذين الترجمتين فبوَّب أولًا: \"باب ما جاء في الصلاة على الخمرة\".\nوكتب عليه الشيخ في \"الكوكب الدري\" (^١): هذا لدفع ما يتوهم من عدم أولوية ذلك بناءً على أن النبي - ﷺ - كان في زمانه لم تفرش المساجد، وكان أكثر صلاتهم على الأرض، وبوَّب ثانيًا: \"باب ما جاء في الصلاة على الحصير\".\nوكتب عليه الشيخ: هذا أكبر من الخمرة، أو هو مطلق والغرض في ذلك كله أن الأمر واسع، وإن كانت الصلاة على الأرض أولى للتذلل فيه، انتهى.\n\n(٢٢ -<span data-type='title' id=toc-455> باب الصلاة على الفراش)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): لا شك في مغايرة هذه الترجمة لما تقدم، فلا إهمال ولا إلغاء، وأثبت بإيراد الأثر وأفعال الصحابة أن الصلاة على الفراش جائزة أعم من أن يكون كله على الفراش أو بعضه كما في السجدة على ثوبه، انتهى.\nوفي هامشه: قال الحافظ (^٣): كأنه يشير إلى الحديث الذي رواه أبو داود وغيره عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: \"كان النبي - ﷺ - لا يصلي في لُحُفنا\"، وكأنه لم يثبت عنده أو رآه شاذًا مردودًا، وقد بيَّن أبو داود علته، انتهى.\nقلت: والأوجه عندي أن غرض المصنف بالترجمة دفع ما يتوهم\n_________\n(^١) \"الكوكب الدري\" (١/ ٣٢٥).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٢/ ٣٥٨).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١/ ٤٩١).","vol":"2","page":706},{"text":"من قوله - ﷺ -: \"جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا\" تخصيص الصلاة بالأرض، فأراد إثبات جوازها على غير الأرض، ولا يقال: إن هذا الغرض حصل بالترجمتين السابقتين؛ لأن فيهما كان احتمال التخصيص بالحصير والخمرة، وهذا تعميم بعد تخصيص، وتقدم في البابين المذكورين وجه تخصيصهما بالترجمة.\nوفي \"المغني\" (^١): لا بأس بالصلاة على الحصير، والبسط من الصوف والشعر وسائر الطاهرات، وهو قول عوام أهل العلم، إلا ما روي عن جابر، أنه كره الصلاة على كل شيء من الحيوان، واستحب الصلاة على كل شيء من نبات الأرض، ونحوه قال مالك، إلا أنه قال في بساط الصوف والشعر: إذا كان سجوده على الأرض لم أر بالقيام عليه بأسًا، والصحيح: أنه لا بأس بالصلاة على شيء من ذلك، انتهى مختصرًا.\nقال البجيرمي: وما نقل عن مالك هو غير مشهور عند المالكية، فلعل الإمام رجع عنه أو لا يذكرونه لضعفه، انتهى.\nوتقدم عن عمر بن عبد العزيز أنه كان يسجد على التراب، انتهى.\nوفي هامش \"اللامع\" (^٢) مختصرًا، وترجم الإمام الترمذي هذه التراجم الثلاثة على نحو ما ترجم بها البخاري تقدم ذكر الترجمتين سابقًا، وأما الثالثة فبوَّب بلفظ: \"باب ما جاء في الصلاة على البسط\".\nوكتب الشيخ عليه في \"الكوكب\" (^٣): اعلم أن كل الأئمة سوى مالك جوَّز الصلاة على كل شيء طاهر يمكن السجود عليه، وأما مالك فلم يجوِّز إلا على ما هو من جنس الأرض كالحصير، فلا تجوز الصلاة على الجلود والصوف ومثل ذلك، ثم اعلم أن من قاعدة المحدثين أنهم لا يحملون المقيد على المطلق فيما ورد بلفظين كالحصير، فإنه ورد ههنا بلفظ البساط،\n_________\n(^١) \"المغني\" (٢/ ٤٧٩).\n(^٢) انظر: \"لامع الدراري\" (٢/ ٣٥٩).\n(^٣) \"الكوكب الدري\" (١/ ٣٢٥).","vol":"2","page":707},{"text":"وفي الرواية الثانية بلفظ الحصير، وههنا وإن كان التعدد في الواقعة أيضًا محتملًا لكنهم لا يبالون بذلك في الواقعة الواحدة أيضًا فهم يستنبطون بذلك حكم المطلق، كما استنبطوا من مقيده حكم المقيد.\nحاصله: أن واقعة صلاة النبي - ﷺ - في بيت أم سليم ظاهرها الوحدة، وإن كان يمكن التعدد أيضًا، لكنه لما بيَّنه الراوي مرة بلفظ البساط، وهو عام، ومرة بلفظ الحصير، وهو خاص علم بذلك مسألتان، انتهى.\n\n(٢٣ -<span data-type='title' id=toc-456> باب السجود على الثوب. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): هذا إثبات لإسناد ما ذكره أولًا في التعليق فلا تكرار، انتهى.\nوفي هامشه: حاصل ما أفاده الشيخ أن الغرض بيان ما ذكره تعليقًا في \"باب الصلاة على الفراش\"، وعلى هذا فزيادة قوله: \"في شدة الحر\" في الترجمة شرح لما تقدم في التعليق إجمالًا.\nوالأوجه عندي: أن غرض المصنف بالترجمة الرد على الشافعية حيث قيدوا الجواز بالثوب المنفصل لا المتصل، واستدل المصنف بالإطلاق على العموم.\nقال القسطلاني (^٢): استدل بالحديث أبو حنيفة ومالك وأحمد على جواز السجود على الثوب في شدة الحر والبرد، وأوَّله الشافعية بالمنفصل أو بالمتصل الذي لا يتحرك بحركته، وفي \"تراجم شيخ المشايخ\" (^٣): أي: هو جائز، وحديث الباب محمول عند الشافعي على ما إذا كان منفصلًا، وعند الحنفية جائز مع الكراهة، وما قال القسطلاني من أن السجدة على كور العمامة جائز بلا كراهة عند الحنفية، وذلك لأنه أورد مذهب\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٢/ ٣٥٩).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٢/ ٥٤).\n(^٣) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ١٥٧).","vol":"2","page":708},{"text":"أبي حنيفة - ﵀ - مقابلًا لمذهب مالك، وهو الكراهة فهو أخطأ في نقل المذهب، بل الكراهة عند الحنفية أيضًا ثابتة بلا ارتياب، انتهى مختصرًا.\nقلت: صرَّح به في \"الدر المختار\" إذ قال: يكره تنزيهًا بكور عمامته إلا بعذر إلى آخر ما بسطه في هامش \"اللامع\" (^١).\n\n(٢٤ -<span data-type='title' id=toc-457> باب الصلاة في النعال)</span>\nوهو أيضًا من جملة اللباس، ولعله احتاج إلى إثبات جوازه؛ لأن قوله تعالى: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ [طه: ١٢] يشير إلى أنه لا يجوز لبسه في المسجد فلا تجوز الصلاة فيه بالأولى، أو لما فيه من مخالفة اليهود كما سيأتي في الباب الآتي.\nوفي \"فيض الباري\" (^٢): وقد علمت أن النعال غير المداس المعروف الآن في بلادنا، والصلاة في المداس ربما لا تصح؛ لأن القدم تبقى فيها معلقة ولا تقع على الأرض، فلا تتم السجدة، ثم في \"الشامي\": أن الصلاة في النعلين مستحبة، وفي موضع آخر: أنها مكروهة تنزيهًا إلى آخر ما في \"الفيض\".\n\n(٢٥ -<span data-type='title' id=toc-458> باب الصلاة في الخفاف)</span>\nفي \"تراجم شيخ المشايخ\" (^٣): غرضه من إثبات جواز الصلاة في الخفاف دفع ما عسى أن يستبعد من جواز الصلاة فيهما لكون خفافهم مثل النعال حيث كانوا يمشون فيها في الطريق والأسواق، انتهى. كذا أفاد فليتأمل.\nوالأوجه عندي: ما قال الحافظ (^٤) من أنه أراد الإشارة إلى حديث\n_________\n(^١) انظر: \"لامع الدراري\" (٢/ ٣٦٠).\n(^٢) \"فيض الباري\" (٢/ ٢٦).\n(^٣) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ١٥٩).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١/ ٤٩٤).","vol":"2","page":709},{"text":"شداد بن أوس مرفوعًا: \"خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم\"، فيكون استحباب ذلك من جهة قصد المخالفة، انتهى.\nوكتب شيخنا في \"البذل\" (^١): دلَّ هذا الحديث على أن الصلاة في النعال كانت مأمورة لمخالفة اليهود، وأما في زماننا فينبغي أن تكون الصلاة مأمورة بها حافيًا لمخالفة النصارى، فإنهم يصلون منتعلين لا يخلعونها عن أرجلهم، انتهى.\n\n(٢٦ -<span data-type='title' id=toc-459> باب إذا لم يتم السجود)</span>\nسيعيد المصنف هذه الترجمة والآتية في محلهما من كتاب الصلاة في أبواب السجود، وليست في نسخة المستملي، ولذا رجح الحافظ الحذف ههنا، فقال (^٢): كذا وقع عند أكثر الرواة هذه الترجمة، ولم يقع عند المستملي شيء من ذلك وهو الصواب؛ لأن جميع ذلك سيأتي في مكانه اللائق به، وهو أبواب صفة الصلاة، ولولا أنه ليس من عادة المصنف إعادة الترجمة والحديث معًا لأمكن أن يقال: مناسبة الترجمة الأولى لأبواب ستر العورة الإشارة إلى أن من ترك شرطًا لا تصح صلاته كمن ترك ركنًا، ومناسبة الثانية الإشارة إلى أن المجافاة في السجود لا تستلزم عدم ستر العورة، فلا تكون مبطلة للصلاة، وفي الجملة إعادة هاتين الترجمتين هنا وفي أبواب السجود الحمل فيه عندي على النساخ بدليل سلامة رواية المستملي من ذلك وهو أحفظهم، انتهى.\nوفي \"الفيض\" (^٣): يمكن أن يتكلف، ويقال: إن للسجدة شرائط كوجدان حجم الأرض وغيره فهي من شرائط الصلاة من هذه الجهة ومن جهة التعديل والطمأنينة معدودة في صفة الصلاة، انتهى.\n_________\n(^١) \"بذل المجهود\" (٣/ ٥٩٩).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٤٩٥).\n(^٣) \"فيض الباري\" (٢/ ٢٧).","vol":"2","page":710},{"text":"وفي هامشه: وهو الأظهر عندي حيث بوب ههنا أولًا: \"باب إذا لم يتم السجود\" فكأنه أشار إلى أن تمامية السجود من شرائط الصلاة، وثانيًا: \"باب يبدي ضبعيه\" فهذا وإن كان من تمام السجدة، لكنه أشار إلى أنه ليس من شرائط الصلاة، ثم إذا بوَّب أولًا: \"<span data-type='title' id=toc-460>باب يبدي ضبعيه. . .\" إلخ</span>، وهذه هي صفة السجود فقدمها في \"باب صفة الصلاة\" بخلاف تبويبه في شرائط الصلاة، ثم بوَّب في آخره: \"إذا لم يتم السجود\" وإنما أخَّره ههنا؛ لأنه من صفات السجود عدمًا، كما كانت الأولى من صفاته وجودًا، انتهى.\nوالأوجه عند هذا الفقير: أن المؤلف ذكر هذا الباب ههنا تنبيهًا على اتباع سُنَّته - ﷺ - في الصلاة في الخفاف مخالفة لليهود التي يحكم على تاركها أنه لو مات على غيره مات على غير سُنَّة محمد - ﷺ - فكأنه تكملة للباب السابق، ويحتمل أن يقال: إنها تكملة للباب السابق بوجه آخر بأن جواز الصلاة في النعال والخفاف معلق على ما إذا أتم السجود، وأما إذا لم يتمه بأن كانت القدم معلقة في السجدة ولم تقع على الأرض فلا تصح، أو يقال: إن هذا الباب تمهيد للباب الآتي فنبّه أولًا على اهتمام إتمام السجود، ثم ذكر سُنَّته في إبداء الضبعين، فلو وقع الإبداع فلا ينافي زينة الصلاة.\n\n(٢٧ - باب يبدي ضبعيه. . .) إلخ\nتقدم الكلام عليه في الباب السابق.\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n(٢٨ -<span data-type='title' id=toc-461> باب فضل استقبال القبلة)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): يقال: إن البخاري رحمه الله تعالى يبتدأ\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٢/ ٣٦٠).","vol":"2","page":711},{"text":"بالبسملة ما يكتبه بعد فترة تعتريه في الكتابة والتأليف لأجل عائق يمنع عنها، انتهى.\nوفي هامشه: هذا هو المعروف على ألسنة المشايخ، ولم أره في الشروح، لكنه وجيه، ولذا ترى المصنف طالما يذكر التسمية بين أبواب كتاب واحد كما ذكرها على \"باب فضل الصلاة في مسجد مكة\"، ثم ذكر قريبًا منه على \"باب استعانة اليد في الصلاة\"، وتقدم في مبدأ كتاب الإيمان بشيء من التفصيل.\nقال العيني (^١): لما فرغ من بيان أحكام ستر العورة بأنواعها شرع في بيان استقبال القبلة على الترتيب؛ لأن الذي يريد الشروع في الصلاة يحتاج أولًا إلى ستر العورة، ثم إلى استقبال القبلة، وذكر توابعها من أحكام المساجد، انتهى.\nوكتب شيخ المشايخ (^٢): ثبت بحديث الباب فضله؛ لأنه ﵊ جعل الاستقبال خصلة واحدة من الخصال المميزة بين المسلم وغيره الفارقة بينهما، انتهى.\nقوله: (يستقبل بأطراف رجليه) هذا في غير محله على الظاهر، ولا يثبت بالرواية سيعيده المصنف في محله من أبواب السجود.\nقال الحافظ (^٣): أراد بذكره ههنا بيان مشروعية الاستقبال بجميع ما يمكن من الأعضاء، انتهى.\nوقال السندي (^٤): أي: فالاستقبال لفضله مطلوب مهما أمكن، انتهى.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٣/ ٣٥٨).\n(^٢) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ١٦٠).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١/ ٤٩٦).\n(^٤) \"حاشية السندي على صحيح البخاري\" (١/ ٨١).","vol":"2","page":712},{"text":"والأوجه عندي: أن هذه ليست ترجمة حتى يرد عليها الإيرادات المذكورة، بل بيان للمبالغة في الاستقبال حتى يستقبل برؤوس أصابع رجليه أيضًا، والمقصود فيما سيأتي في محله بيان كيفية السجود، ثم رأيت في تقرير المكي كتب بنحوه إذ قال: هذا ليس بداخل في الترجمة، بل هو زيادة للمبالغة في الاستقبال يعني استقبال كل البدن حتى أطراف رجليه أيضًا، انتهى.\n\n(٢٩ -<span data-type='title' id=toc-462> باب قبلة أهل المدينة. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): أي: أين هو؟ والرواية دالة على أنها بين المشرق والمغرب، ثم قوله: المشرق إن كان معطوفًا على قوله: قبلة، فهو داخل تحت الباب، والمعنى: \"باب ذكر المشرق أنه ليس قبلة أهل المدينة\"، وإن كان مرفوعًا فهو ابتداء كلام.\nوالمعنى: أما المشرق فليس مدار القبلة على المشرق ولا على المغرب، وإنما القبلة البيت إلى أيّ جهة وقعت وأيًا ما كان، فترك ذكر المغرب وهو مراد بناءً على الظهور، فإن المشرق والمغرب لا يتفاوتان في هذا الحكم، فذكر أحدهما مغن عن ذكر الآخر، وكثيرًا ما يحذف المعطوف لدلالة المعطوف عليه عليه، انتهى.\nوفي هامشه: هذه الترجمة من التراجم الصعبة.\nقال العيني (^٢): هذا الموضع يحتاج إلى تحرير قوي، فإن أكثر من تصدى لشرحه لم يغن شيئًا، بل بعضهم ركب البعاد وخرط القتاد، فنقول - وبالله التوفيق -: ثم بسط في مختاره.\nوحاصل ما ذكر الشرَّاح أن ههنا بحثين:\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٢/ ٣٦٤).\n(^٢) انظر: \"عمدة القاري\" (٣/ ٣٦٣).","vol":"2","page":713},{"text":"الأول: في إعراب المشرق هل هو بالجر أو بالضم؟\nوالثاني: في ذكر لفظ: \"قبلة\"، في آخر الكلام بعد قوله: \"ولا في المغرب\" فهو موجود في بعض النسخ دون بعض، أما على النسخ التي ليس فيها هذا اللفظ، فلفظ باب منون، وقوله: \"قبلة أهل المدينة\" مبتدأ. خبره: \"ليس في المشرق\"، ويشكل على هذا تذكير لفظ: \"ليس\" إذ حقه إذ ذاك لفظ: ليست، فأولوه بالمستقبل.\nقال الكرماني (^١): ويؤول تذكير لفظ: \"ليس\" بأن المراد بالقبلة المستقبل، أي: مستقبل أهل المدينة ليس في جهة المشرق والمغرب، انتهى مختصرًا.\nوعلى هذا يكون لفظ المشرق مجرورًا لا محالة، وعلى الثاني يكون المراد بالمشرق أهل المشرق؛ كقوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾، وأما على النسخ التي يوجد فيها لفظ قبلة فقوله: \"ليس في المشرق\" جملة مستأنفة مبتدأ وخبر، كما قالوا، وعلى هذا فلفظ المشرق يحتمل الجر ويكون المراد منه شرقًا خاصًا، وهو مشرق أهل المدينة خاصة، وخصهم بالذكر؛ لأنهم كانوا إذ ذاك مأمورين بالإسلام، ويوضح المراد ما في هامش \"الكوكب\" (^٢) في \"باب ما جاء أن ما بين المشرق والمغرب قبلة\" فارجع إليه لو شئت، ويحتمل أيضًا أن يكون المشرق بالضم على رواية الأكثر، وصوَّبه الزركشي عطفًا على باب، أي: وباب حكم المشرق، ثم حذف باب وحكم، وأقيم المشرق مقام الأول، وهذا هو الذي اختاره الشيخ قُدِّس سرُّه.\nوالأوجه عندي أن قوله: والمشرق إن كان بالجر فيكون المراد به المشرق الخاص كما تقدم، وإن كان بالضم فهو على ما أفاده الشيخ يكون عامًا لأهل المشرق كلها، وأيًا ما كان فغرض المصنف بالترجمة قوله: ليس\n_________\n(^١) \"شرح الكرماني\" (٤/ ٥٧).\n(^٢) انظر: \"الكوكب الدري\" (١/ ٣٣٤).","vol":"2","page":714},{"text":"في المشرق والمغرب قبلة أي: لأهل المدينة، وهو المقصود بالترجمة، فكأنه أراد بذلك الرد على المذهب الثامن من المذاهب الثمانية المذكورة في \"الأوجز\" (^١) في \"باب النهي عن استقبال القبلة واستدبارها\"، وهو مذهب أبي عوانة صاحب \"المزني\" إذ قال: إن التحريم مختص بأهل المدينة ومن كان على سمتها، أما من كانت قبلته إلى الشرق أو الغرب، فيجوز له الاستقبال والاستدبار لقوله - ﷺ -: \"لكن شرِّقوا أو غرِّبوا\"، فنبّه المصنف بالترجمة أن حكم النهي عام، وقوله - ﷺ -: \"شرِّقوا أو غرِّبوا\" خاص لأهل المدينة والشام؛ لأنه ليس قبلتهم في المشرق ولا في المغرب، فتأمل، فإن خاطري أبو عذره فإن كان صوابًا فمن الله عز اسمه، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان، انتهى ملخصًا.\n\n(٣٠ -<span data-type='title' id=toc-463> باب قول الله - ﷿ -: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة:</span> ١٢٥])\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): أراد بذلك توكيد أمر القبلة أنها من التأكد بحيث إذا وردت هذه الآية لم يترك النبي - ﷺ - بالصلاة خلف المقام فرض الاستقبال، وأيضًا ففي عقد الترجمة دلالة على أن الآية ليست بموجبة استقبال المقام إذ لو كان كذلك لما صلى في وجه البيت؛ لأن المقام يكون خلفه حينئذ، فأراد أن الأمر في الآية ليس بإيجاب، وإنما هو أمر استحباب وسُنَّة، انتهى.\nوفي هامشه: يشكل على الترجمة أن الإمام البخاري ترجم بالآية المتضمنة للأمر، ثم أورد فيها الروايات التي لا تدل على اتخاذ المقام مصلى، وأجاب عنه الشيخ بجوابين: إن المصنف أشار بذلك إلى توكيد أمر الاستقبال إلى الكعبة، إذ لم يتركه النبي - ﷺ - مع هذا الأمر، فكان\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (٤/ ١٦٢).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٢/ ٣٦٥).","vol":"2","page":715},{"text":"أمره آكد من هذا الأمر، والثاني: الإشارة إلى أن الأمر الوارد في آية الترجمة للندب، وقال السندي (^١): يمكن أن يقال: أشار بأحاديث الباب إلى أن الأمر مخصوص بركعتي الطواف، أو أنه للندب حيث فعله تارةً وتركه أخرى، أو أشار إلى أن المراد بمقام إبراهيم البيت أو الحرم، انتهى.\nوقال الحافظ (^٢): قوله: ﴿وَاتَّخِذُوا﴾ في روايتنا بكسر الخاء على الأمر، وهي إحدى القرائتين، والأخرى بالفتح على الخبر، والأمر دال على الوجوب، لكن انعقد الإجماع على جواز الصلاة إلى جميع جهات الكعبة، فدل على عدم التخصيص، وهذا بناء على أن المراد بمقام إبراهيم الحجر الذي فيه أثر قدمه وهو موجود إلى الآن، وقال مجاهد: المراد بمقام إبراهيم الحرم كله، والأول أصح، واستدل المصنف على عدم التخصيص أيضًا بصلاته - ﷺ - داخل الكعبة، فلو تعيَّن استقبال المقام لما صحت هناك؛ لأنه كان حينئذ غير مستقبل، وهذا هو السر في إيراد حديثي ابن عمر عن بلال في هذا الباب، انتهى.\nوالمقام في هذا الزمان في المحل الذي كان فيه زمن النبي - ﷺ - كما في هامش \"اللامع\".\n\n(٣١ -<span data-type='title' id=toc-464> باب التوجه نحو القبلة. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): قوله: \"فتحرف القوم\" دلالته على الترجمة ظاهرة؛ لأن القوم كانوا يصلون في غير مقام صلاة النبي - ﷺ -، فعلم أن الاستقبال غير مختص بمكان دون مكان، بل يجب الاستقبال حيث كان المصلى، انتهى.\nوفي هامشه: وعلى هذا فغرض الترجمة أن استقبال القبلة لا يختص\n_________\n(^١) \"حاشية السندي على صحيح البخاري\" (١/ ٨١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٤٩٩).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٢/ ٣٦٦).","vol":"2","page":716},{"text":"بموضعه - ﷺ -، بل في أيّ مكان كان المصلى، وبذلك جزم الكرماني (^١) حيث قال: وكان تامة، أي: حيث وجد الشخص، قال الله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤] انتهى.\nوأنت خبير أن هذا الغرض من الترجمة لا يليق بشأن تراجم البخاري، وأولها الحافظ (^٢) ومن تبعه بقوله: أي: حيث وجد الشخص في سفر أو حضر، والمراد بذلك في صلاة الفريضة كما يتبين ذلك في الحديث الثاني في الباب وهو حديث جابر، انتهى.\nوالأوجه عندي في غرض المصنف اللائق بشأنه: أنه أراد بذلك دفع ما يتوهم من حديث أبي هريرة الذي ذكره في الترجمة أن استقبال القبلة يكفي في أول الصلاة عند التحريمة فقط، فدفعه بالروايات الواردة في الباب إذا استقبل أهل القبلتين في أثناء الصلاة، وكذا النبي - ﷺ - حتى في سجدة السهو وكذلك في حديث جابر إذ نزل فاستقبل في السفر، انتهى.\n\n(٣٢ -<span data-type='title' id=toc-465> باب ما جاء في القبلة. . .) إلخ</span>\nفي \"تراجم شيخ المشايخ\" (^٣): ظاهر هذه الترجمة الإشارة إلى ما ذهب إليه أبو حنيفة من أن المصلي لو أخطأ في تحري القبلة في ليلة ظلماء، وصلى إلى غير القبلة فصلاته جائزة، وليس عليه أن يعيد خلافًا للشافعي رحمه الله تعالى، والاستدلال بفعله ﵊ من حيث أنه - ﵇ - أقبل على الناس بوجهه، وانصرف من القبلة ومع ذلك بنى على صلاته ولم يستأنف، فتأمل.\nوالحديث الأول من الباب ناظر إلى الجزء الأول من الترجمة وهو قوله: \"ما جاء في القبلة\" أي: ما جاء في صورة القبلة قبله، ونزول آية: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]، أي: اجعلوا مقام إبراهيم بينكم\n_________\n(^١) \"شرح الكرماني\" (٤/ ٦١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٥٠٢).\n(^٣) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ١٦٠).","vol":"2","page":717},{"text":"وبين الكعبة في صلاتكم، فهذه الآية دالة على كون الكعبة قبلة والأحاديث الأخر ناظرة إلى الجزء الثاني من الترجمة، انتهى.\nقال الحافظ (^١): قوله: (باب ما جاء في القبلة) أي: غير ما تقدم، انتهى.\nوالأوجه عندي: أن الباب في متعلقات القبلة، وبه جزم السندي (^٢) إذ قال: قوله: \"باب ما جاء في القبلة\" أي: في متعلقاتها كمقام إبراهيم أو فيها ومقام إبراهيم هي الكعبة، انتهى.\nويحتمل أيضًا أن يقال: إنهما ترجمتان الأولى في بدأ القبلة، والثانية فيمن سها.\nقال الحافظ (^٣): قوله: (ومن لم ير الإعادة. . .) إلخ، أصل المسألة أن المجتهد في القبلة إذا تبين خطأه فلا إعادة عند الكوفيين، وعن مالك: تجب الإعادة في الوقت لا بعده، وعن الشافعي: يعيد إذا تيقن الخطأ مطلقًا، انتهى. مختصرًا.\nقوله: (وقد سلم النبي - ﷺ -. . .) إلخ، مناسبة هذا التعليق أن بناءه على الصلاة دال على أنه في حال الاستدبار في حكم الصلاة، قاله الحافظ.\nقوله: (وافقت ربي في ثلاث) قال الحافظ (^٤): مناسبته للترجمة ما قال الكرماني: إن المراد من الترجمة ما جاء في القبلة وما يتعلق بها، وقال ابن رُشيد: إن تعلق الحديث بالترجمة الإشارة إلى موضع الاجتهاد في القبلة؛ لأن عمر رضي الله تعالى عنه اجتهد في أن اختار أن يكون المصلى إلى مقام إبراهيم الذي هو في وجه الكعبة، فاختار إحدى جهات القبلة بالاجتهاد، وحصلت موافقته على ذلك فدل على تصويب اجتهاد المجتهد إذا بذل وسعه، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٥٠٥).\n(^٢) \"حاشية السندي على صحيح البخاري\" (١/ ٨٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١/ ٥٠٥).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١/ ٥٠٥).","vol":"2","page":718},{"text":"قلت: والأمور التي وافق عمر رضي الله تعالى عنه فيها ربه ﵎، قد وصلها بعضهم إلى أكثر من عشرين ذكرها صاحب الجمل والسيوطي في \"تاريخ الخلفاء\" كذا في هامش \"الكوكب\".\nقلت: وللسيوطي رسالة مستقلة سماها \"قطف الثمر في موافقات عمر - ﵁ -\" في كتاب الحاوي.\n\n(٣٣ -<span data-type='title' id=toc-466> باب حك البزاق)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): لما كان فيه من الكراهة الطبعية ما يوهم أن ذلك لا يجوز رد عليه بإثباته عن النبي - ﷺ -، انتهى.\nوفي هامشه: شرع الإمام البخاري من ههنا أبواب المساجد.\nقال العيني (^٢): من ههنا إلى قوله: \"باب سترة الإمام\" خمسة وخمسون بابًا كلها فيما يتعلق بأحكام المساجد، فلا يحتاج إلى ذكر وجه المناسبة بينها على الخصوص، انتهى.\nوفي \"تراجم شيخ المشايخ\" (^٣) من ههنا شرع المؤلف في بيان أحكام المساجد وما يتعلق بها خصائل استقبال القبلة وأحكامها، انتهى.\nواختلفوا في غرض المصنف بهذه الترجمة والمغايرة بينها وبين الترجمة الآتية.\nقال الحافظ (^٤): قوله: باليد، أي: سواء كان بآلة أم لا؟ ونازع الإسماعيلي في ذلك فقال: أي: تولى ذلك بنفسه لا أنه بأشر بيده النخامة، انتهى.\nقلت: والأوجه عندي أن الإمام البخاري نبَّه بالترجمتين على الفرق\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٢/ ٣٧٣).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٣/ ٤١١).\n(^٣) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ١٦١).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١/ ٥٠٨).","vol":"2","page":719},{"text":"بين البزاق والمخاط، ولذا اكتفى على الأول باليد وقيد الثاني بالحصى، وإليه أشار الحافظ (^١) إذ قال: وجه المغايرة بين هذه الترجمة والتي قبلها من طريق الغالب، وذلك أن المخاط غالبًا يكون له جرم لزج فيحتاج في نزعه إلى معالجة، والبصاق لا يكون له ذلك فيمكن نزعه بغير آلة إلا إن خالطه بلغم فيلتحق بالمخاط، انتهى.\nقلت: وهذا هو الظاهر من مغايرة الترجمتين.\n\n(٣٤ -<span data-type='title' id=toc-467> باب حك المخاط بالحصى. . .) إلخ</span>\nوفي \"تراجم شيخ المشايخ\" (^٢): غرض المؤلف من عقد هذا الباب أن ما ذهب إليه بعض العلماء من أن المخاط نجس، وتمسكوا بهذا الحديث حيث قالوا: إن حكه - ﵇ - كان للتطهير لا للتنظيف محتمل الحديث، ويحتمل أن يكون غرضه إبطال ذلك المذهب، ومثل ذلك يفعل المؤلف في كتابه كثيرًا، وإيراد تعليق الباب لأجل هذه المناسبة، وههنا توجيه آخر مطرد في أكثر المواضع وهو أجود التوجيهات عندي وهو أنه من دأب المصنف أن يورد حديثًا واحدًا متعدد الطرق مرارًا متعددةً، ويعقد كل ترجمة بلفظ آخر واقع في ذلك الحديث، ومقصوده ليس إلا إكثار طرق الحديث كما وقع في هذا المقام، انتهى.\nقلت: وهذا هو الأصل السابع عشر من أصول التراجم.\nقلت: وما أفاد شيخ المشايخ ويحتمل أن يكون غرضه إبطال ذلك المذهب، هو مذهب جماعة من التابعين، قال ابن رسلان: قال ابن بطال: لا أعلم خلافًا لأحد في أن البزاق طاهر إلا ما روي عن سلمان الفارسي فإنه جعله غير طاهر، والحسن البصري كرهه في الثوب تنزهًا، انتهى.\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (١/ ٥٠٩).\n(^٢) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ١٦٢).","vol":"2","page":720},{"text":"وحكى ابن العربي (^١) عن النخعي نجاسة الريق كذا في هامشي على \"البذل\" (^٢)، ثم يشكل على الروايات الواردة في الترجمتين.\nقال الكرماني (^٣): في حديث ابن عمر - ﵄ - في الباب الأول: هذا يدل على بعض الترجمة إذ لا يعلم منه أن حكه كان بيده ومن المسجد.\nقلت: المتبادر إلى الفهم من إسناد الحك إليه - ﷺ - أنه كان بيده الشريفة، والمعهود من جدار القبلة جدار قبلة مسجد رسول الله - ﷺ -، انتهى.\nقال الحافظ (^٤): قوله: \"في جدار القبلة\" وفي رواية: \"في جدار المسجد\"، وللمصنف في آخر الصلاة من طريق أيوب عن نافع في قبلة المسجد، وهو مطابق للترجمة، انتهى.\nوقال الكرماني (^٥) في أول حديث للباب الثاني: فإن قلت: عقد الباب على حك المخاط، والحديث يدل على حك النخامة.\nقلت: لما كانا فضلتين طاهرتين لم يفرق بينهما إشعارًا بأن حكمهما واحد، انتهى.\nوقال العيني (^٦): والأوجه أن يقال: وإن كان بينهما فرق، وهو أن المخاط يكون من الأنف والنخامة من الصدر، لكنه ذكر المخاط في الترجمة، والنخامة في الحديث إشعارًا بأن بينهما اتحادًا في اللزوجة، وأن حكمهما واحد من هذه الحيثية أيضًا، انتهى.\nقلت: وهذا هو الأوجه مما ذكره الكرماني، انتهى من هامش \"اللامع\" مع زيادة من حواشي \"البذل\".\nقوله: (وقال ابن عباس. . .) إلخ، لا تعلق لهذا الأثر بالترجمة على الظاهر، ولذا اختلفوا في توجيهه.\n_________\n(^١) \"عارضة الأحوذي\" (٣/ ٥٧).\n(^٢) انظر: \"بذل المجهود\" (٣/ ٦٣٣).\n(^٣) \"شرح الكرماني\" (٤/ ٧١).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١/ ٥٠٩).\n(^٥) \"شرح الكرماني\" (٤/ ٧١، ٧٢).\n(^٦) \"عمدة القاري\" (٣/ ٣٩٦).","vol":"2","page":721},{"text":"وكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): أشار بنقل الأثر إلى أن الوجه في كراهة البصاق ليس هو التقذر إذ لو كان الوجه هو التقذر لفرق بين رطبه ويابسه كما فرق ابن عباس بينهما في النعل لذلك، انتهى.\nوحاصل ما أفاده الشيخ: أن كراهة البصاق ليست لمجرد التقذر بل لاحترام المسجد، ولذا يحك عن المسجد مطلقًا، ولفظ تقرير مولانا محمد حسن المكي رحمه الله تعالى: أما المسجد فيحك عنه اليابس أيضًا، وبه حصلت المناسبة بترجمة الباب، انتهى.\nوفي تقرير مولانا حسين على البنجابي رحمه الله تعالى: القذر أعم من النجس إذ معناه ما يقذره الطبيعة، والمخاط والبزاق من القذر فلا حاجة إلى بيان المناسبة، انتهى.\nوذكر في هامش \"اللامع\" عدة توجيهات من الشروح، وفي آخره: والأوجه عندي: أن الإمام البخاري نبَّه بالترجمتين وبذكر التعليق على إزالة البزاق وغيره من المسجد مطلقًا احترامًا للمسجد كما تقدم في كلام الشيخ، ويكفي للبزاق اليد، وللمخاط وغيره ينبغي الحصى ونحو لشدة اللزوجه، وهذا كله في اليابس، ولا بد من غسل الرطب؛ لأنه لا يزول بالحك، وعلى هذا فذكر التعليق تنبيهًا على إزالة الرطب للغسل، فتأمل، انتهى.\n\n(٣٥ -<span data-type='title' id=toc-468> باب لا يبصق عن يمينه)</span>\nاعلم أن الإمام البخاري ترجم ههنا بخمسة تراجم متقاربة ينبغي للناظر أن يخرج لها وجوهًا تناسب شأن تراجم البخاري، ولعل الشيخ سكت عنها تبعًا للشرَّاح تشحيذًا لأذهان الطالبين، فإنهم إذا رأوها خمسةً متقاربةً فلا بدّ أن يتدبروا فيها، وما يظهر لهذا العبد الفقير إلى رحمته تعالى شأنه: أن الإمام البخاري أشار فيها إلى أبحاث لطيفة، فالأول منها هذا الباب، ونبَّه\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٢/ ٣٧٥).","vol":"2","page":722},{"text":"بذلك على مسألة خلافية شهيرة وهي: النهي عن البزاق إلى اليمين هل يختص بالصلاة أو يعم خارجها أيضًا؟ وتبويبه يشير إلى أنه مال إلى الأول.\nقال الحافظ (^١): ليس في حديثي الباب التقييد بحال الصلاة، وسيأتي التقييد به في الرواية الآتية في الباب الذي يليه، فجرى المصنف على عادته في التمسك بما ورد في بعض طرق الحديث وكأنه جنح إلى أن المطلق في الروايتين محمول على المقيد فيهما، وهو ساكت عن حكم ذلك خارج الصلاة، وقد جزم النووي بالمنع مطلقًا في الصلاة وخارجها وفي المسجد وغيره، وقد نقل عن مالك أنه قال: لا بأس به خارج الصلاة، انتهى.\nقلت: ما قال الحافظ: إن البخاري ساكت عن حكم ذلك خارج الصلاة عجيب؛ فإنه قد جزم بنفسه أن البخاري جنح إلى أن المطلق في الروايتين محمول على المقيد فكأن الإمام البخاري مال في ذلك عندي إلى قول الإمام مالك، ولذا قيَّد الترجمة بالصلاة، والثاني من التراجم \"باب ليبصق عن يساره أو تحت قدمه اليسرى\"، وحمل الشيخ في \"اللامع\" (^٢) لفظ: \"أو\" على التنويع حيث قال: قوله: \"ولكن عن يساره أو تحت قدمه\" أي: إذا كان في غير المسجد ولم يكن إلى يساره أحد، أو تحت قدمه اليسرى إذا كان في المسجد أو كان عن يساره أحد، انتهى.\nويحتمل عندي التخيير، والأوجه عندي: أن هذا الباب والباب الآتي أشار بهما الإمام البخاري إلى مسألة خلافية شهيرة بين النووي والقاضي عياض، وذكر في البابين مستدل الفريقين.\nقال الحافظ (^٣): وحاصل النزاع أن ههنا عمومين تعارضا، وهما قوله \"البزاق في المسجد خطيئة\"، وقوله - ﷺ -: \"ليبصق عن يساره أو تحت قدمه\"، فالنووي يجعل الأول عامًا، ويخص الثاني بما إذا لم يكن في المسجد،\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٥١٠).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٢/ ٣٧٥).\n(^٣) انظر: \"فتح الباري\" (١/ ٥١١، ٥١٢).","vol":"2","page":723},{"text":"والقاضي بخلافه يجعل الثاني عامًا، ويخص الأول بمن لم يرد دفنها إلى آخر ما بسطه الحافظ.\nفالظاهر عندي: أن الإمام البخاري أشار بهذه الترجمة إلى مسلك من سلك مسلك القاضي عياض، ولذا ترجمه بالعموم، وأشار بالباب الثالث وهو \"باب كفارة البزاق في المسجد\" إلى مسلك من سلك مسلك النووي؛ لأن لفظ الكفارة يشعر إلى السيئة، وأيضًا ذكر المصنف فيه حديث البزاق في المسجد خطيئة وهو نص في كونه خطيئة وسيئة، ثم ترجم رابعًا \"باب دفن النخامة في المسجد\" وأشار عندي منه أيضًا إلى مسألة خلافية وهي جواز دفنها في المسجد؛ فإن بعضهم لم يقولوا بذلك، والأحاديث صريحة في ذلك ولذا ترجم به إثباتًا لجوازه.\nقال الحافظ (^١): قال الجمهور يدفنها في تراب المسجد، وحكى الروياني أن المراد بدفنها إخراجها من المسجد أصلًا، انتهى.\nثم ترجم خامسًا بباب إذا بدره البزاق فليأخذ بطرف ثوبه، وأشار به إلى أن لفظ: \"أو\" في حديث الباب للتنويع لا للتخيير، وهو محمول على ما إذا بدره، فكأنه أشار بالترجمة إلى أنه لا يبصق في الثوب بدون الحاجة للتقذر.\nقال الحافظ (^٢): ليس في الحديث التقييد بالمبادرة فكأنه أشار إلى ما في بعض طرق الحديث ذكرها الحافظ كما ذكره في هامش \"اللامع\" (^٣)، وقال السندي (^٤): أشار بهذه الترجمة إلى أن الحديث المطلق المذكور في الباب محمول على التقييد بشهادة روايات لم يذكرها المصنف لكونها ليست على شرطه، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٥١٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٥١٣).\n(^٣) انظر: \"لامع الدراري\" (٢/ ٣٧٨).\n(^٤) \"حاشية السندي على صحيح البخاري\" (١/ ٨٤).","vol":"2","page":724},{"text":"قلت: وهذا أصل مطرد وهو الأصل الحادي عشر من أصول التراجم.\n\n(٣٦ -<span data-type='title' id=toc-469> باب ليبصق عن يساره. . .) إلخ</span>\nلا يبعد أن المصنف أراد الإشارة بذكر الحديث الخالي عن الأمر إلى أن الأمر فيما تقدم ليس للوجوب لخلو أكثر الروايات عنه، والأوجه أنه أراد جواز البصاق في المسجد كما قال به عياض كما تقدم قريبًا.\nقال الكرماني (^١): هذه الترجمة مطلقة، والحديث فيها مقيَّد بالصلاة عكس الترجمة السابقة، فإنها مقيَّدة بالصلاة والحديث فيها مطلق، والجواب أن المطلق فيه محمول على المقيَّد، فإن قلت: لفظ الترجمة مقيَّد بالقدم اليسرى ولفظ القدم في الحديث لا تقييد فيه.\nقلت: تقيَّد به عملًا بالقاعدة المقررة من تقييد المطلق، فإن قيل: كان ينبغي أن يذكر هذا الحديث في الباب الأول، وبالعكس.\nقلت: لعل غرضه بعد معرفة نفس الأحكام بيان استخراج الأحكام ومعرفة طريق استنباطها تكثيرًا للفائدة، انتهى.\n\n(٣٧ -<span data-type='title' id=toc-470> باب كفارة البزاق في المسجد)</span>\nلعل المؤلف أشار إلى أن العمومات في الباب السابق مقيَّدة بالدفن وإن لم يذكر في بعض الروايات فكأن هذه الترجمة قيد للسابق.\nفالظاهر عندي: أن الإمام البخاري أشار بالترجمة السابقة إلى مسلك القاضي، وبهذه إلى مسلك النووي كما تقدم مفصلًا.\n\n(٣٨ -<span data-type='title' id=toc-471> باب دفن النخامة في المسجد)</span>\nسكتوا عن غرض المصنف ولا يبعد عندي أنه أشار إلى أن حكم\n_________\n(^١) \"شرح الكرماني\" (٤/ ٧٣).","vol":"2","page":725},{"text":"الدفن يختص بالمسجد، ولا يحتاج إليه إذا صلى خارج المسجد، فكأنه تقييد لعموم الحديث.\nوالأوجه: أنه أشار بذلك إلى مسألة خلافية بين الجمهور والروياني كما تقدم، ولا يذهب عليك أن ما في حديث الباب، فإن عن يمينه ملكًا، ليس المراد منه كاتب الحسنات فلا إشكال لكون الكاتب على اليسار أيضًا، بل المراد به الملك الموكل به وعلى اليسار قرينه كما ورد في حديث أبي أمامة على ما رواه الطبراني (^١): \"فإنه يقوم بين يدي الله وملكه عن يمينه وقرينه عن يساره\"، فلعل المصلي إذا تفل عن يساره يقع على قرينه وهو الشيطان ولا يصيب الملك، كذا في هامش الهندية (^٢) عن \"الخير الجاري\" و\"العيني\".\n\n(٣٩ -<span data-type='title' id=toc-472> باب إذا بدره البزاق. . .) إلخ</span>\nتقدم الكلام عليه أيضًا فيما تقدم.\nقال الحافظ (^٣): واستشكل التقييد في الترجمة بالمبادرة مع أنه لا ذكر لها في الحديث، فكأنه أشار إلى ما في بعض طرق الحديث المذكور، وهو ما رواه مسلم (^٤) عن جابر بلفظ: \"وليبصق عن يساره تحت رجله اليسرى، فإن عجلت به باردة فليقل بثوبه هكذا\" الحديث، فأشار إليه بالترجمة وقيد العموم به، انتهى.\nوقال السندي (^٥): أشار بهذه الترجمة إلى أن الحديث المطلق في الباب محمول على التقييد بشهادة روايات لم يذكرها المصنف لكونها ليست على شرطه، انتهى.\n_________\n(^١) \"المعجم الكبير\" (٧٨٠٨) (٨/ ٢٣٤).\n(^٢) (١/ ٧٠٢)، انظر: \"عمدة القاري\" (٣/ ٤٠٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١/ ٥١٣).\n(^٤) \"صحيح مسلم\" (ح: ٥٤٨).\n(^٥) \"حاشية السندي على صحيح البخاري\" (١/ ٨٤).","vol":"2","page":726},{"text":"(٤٠ -<span data-type='title' id=toc-473> باب عظة الإمام الناس. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): قوله: (وذكر القبلة) أي: هذا باب يذكر فيه القبلة إلى أيّ جهة هي، انتهى.\nوفي هامشه: اعلم أولًا: أن الإمام البخاري ترجم في الباب ترجمتين، الأولى: عظة الإمام، والثانية: ذكر القبلة، والأولى هي المقصود الأصلي من عقد الباب عندي خلافًا لما عليه الشرَّاح، فقد قال الحافظ (^٢): قوله: \"وذكر القبلة\" بالجر عطفًا على \"عظة\"، وأورده للإشعار بمناسبة هذا الباب لما قبله، انتهى.\nوأبعد منه ما قال العيني (^٣): من أن الأبواب السابقة كان فيها أمر ونهي وتشديد فيهما، وهي كلها وعظ، وهذا الباب أيضًا في الوعظ، انتهى.\nوالأوجه عندي: أنه نبَّه بذلك على أهم المصالح من حكم المسجد والجماعة، ولذا ذكره في أبواب المساجد كأنه نبَّه بذلك على أنه ينبغي للإمام أن يلاحظ أحوال المصلين وينبههم على تقاصيرهم في الصلاة، وبسط شيخ المشايخ في \"حجة الله البالغة\" في مصالح الجماعة ذكرت في هامش \"اللامع\" (^٤)، وأما الجزء الثاني من الترجمة وهو قوله: و\"ذكر القبلة\"، فذكره استطرادًا لينبه بذلك قارئ \"الصحيح\" على أن لا يمر على ما في حديث الباب من ذكر القبلة نائمًا؛ فإنه جدير بغاية التدبر؛ لأن ظاهر سياق الحديث بلفظ: هل ترون قبلتي ههنا بالاستفهام الإنكاري يشعر أن قبلته - ﷺ - ليست على الجهة التي توجه إليها، وهذا المعنى ظاهر البطلان فنبَّه بلفظ: \"ذكر القبلة\" في الترجمة على أن يتدبر طالب الحديث في معناه.\nوقوله - ﷺ -: \"إني لأراكم من ورائي\" قال الحافظ (^٥): قد اختلف في\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٢/ ٣٧٩).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٥١٤).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٣/ ٤٠٣).\n(^٤) انظر: \"لامع الدراري\" (٢/ ٣٧٩).\n(^٥) \"فتح الباري\" (١/ ٥١٤).","vol":"2","page":727},{"text":"معناه، فقيل: المراد به العلم إما بالوحي أو بالإلهام أو أنه يرى من عن يمينه ويساره بالتفات يسير، أو كانت له عين خلف ظهره، أو كان بين كتفيه عينان مثل سم الخياط، أو أن هذا الإبصار إدراك حقيقي خاص به - ﷺ - انخرقت له فيه العادة، وهو الصواب المختار.\nقلت: وهو الأوجه عندي: وعلى هذا فلا حاجة إلى المحاذات معجزة له - ﷺ - كما يكون في القيمة في رؤية الباري، وقيل: كانت صورهم تنطبع في حائط قبلته كما تنطبع في المرآة فيرى أمثلتهم فيها، انتهى ملخصًا من هامش \"اللامع\" (^١).\nوعلى هذا المعنى الأخير يناسب هذا الجزء من الترجمة بأبواب المساجد.\n\n(٤١ -<span data-type='title' id=toc-474> باب هل يقال: مسجد بني فلان)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): لما كان المسجد بيت الله تعالى ودار عبادته أوهم ذلك أن نسبته إلى غيره لعله يكون إشراكًا به، ولا أقل من كراهة ذلك وإساءة الأدب فيه دفعه بإيراد الرواية فكان أمرًا ليس فيه بأس، انتهى.\nوفي هامشه: وبذلك جزم شيخ المشايخ في \"التراجم\" (^٣) إذ قال: إنما اهتم المصنف بإثبات ذلك؛ لأن كون المساجد مملوكة لله تعالى غير مملوكة لأحد يوهم أنه لا يجوز إضافتها إلى أحد، فلدفع هذا الوهم أثبت أنه يجوز الإضافة لعلاقة ما من البناء أو التولية أو القرب، انتهى.\nقلت: أو ترجم بذلك ردًا لما روي عن بعض السلف كراهة ذلك.\nقال الحافظ (^٤): الجمهور على الجواز، والمخالف في ذلك إبراهيم النخعي؛ لأنه كان يكره أن يقال: مسجد بني فلان، ومصلى بني فلان لقوله\n_________\n(^١) انظر: \"لامع الدراري\" (٢/ ٣٨١).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٢/ ٣٨٠، ٣٨١).\n(^٣) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ١٦٣).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١/ ٥١٥).","vol":"2","page":728},{"text":"تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ [الجن: ١٨]، والجواب: إن هذا إضافة تمييز لا ملك، وإنما أورد المصنف بلفظ الاستفهام لينبِّه على أن فيه احتمالًا إذ يحتمل أن يكون ذلك قد علمه النبي - ﷺ - بأن تكون هذه الإضافة وقعت في زمنه، ويحتمل أن يكون ذلك مما حدث بعده، والأول أظهر، انتهى.\nقلت: ويقوى الاحتمال الثاني ما قالوا في حديث ابن عباس الآتي في أبواب العيد بلفظ: حتى أتى العلم الذي عند دار كثير بن الصلت.\nقال الحافظ (^١): إن تعريفه بكونه عند دار كثير بن الصلت على سبيل التقريب للسامع، وإلا فدار كثير بن الصلت محدثة بعد النبي - ﷺ -، انتهى.\nفيحتمل مثل ذلك في حديث الباب أيضًا.\n\n(٤٢ -<span data-type='title' id=toc-475> باب القسمة وتعليق القنو. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): لما كان قوله - ﷺ -: \"إن هذه المساجد لا يصلح فيه شيء من أمور الناس\" أو كما قال، ظاهره يمنع كل أمر من أمورهم بين بذلك أن المراد بالأمور غير ما هو مفتقر إليه، ثم إن حكم تعليق القنو ثابت للشركة في العلة أو لما فيه من القسمة أيضًا، انتهى.\nوفي هامشه: هذا أجود مما قاله الحافظ من أن الغرض أن مثل ذلك من الأمور المباحة ليس من اللغو الذي يمنع في المساجد، انتهى.\nلأن كون الأمور مفتقرة إليها أليق بشأن المسجد نظرًا على الروايات المتقدمة من كونها مباحة فقط، وما أفاد الشيخ من أن حكم تعليق القنو ثابت للشركة. . . إلخ.\nقال الحافظ (^٣): لم يذكر البخاري في الباب حديثًا في تعليق القنو، فقال ابن بطال: أغفله، وقال ابن التين: أنسيه، وليس كما قالا، بل أخذه\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٤٦٥).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٢/ ٣٨٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١/ ٥١٦).","vol":"2","page":729},{"text":"من جواز وضع المال في المسجد بجامع أن كلًّا منهما وضع لأخذ المحتاجين منه، وأشار بذلك إلى ما رواه النسائي (^١) من حديث عوف الأشجعي قال: \"خرج رسول الله - ﷺ - وبيده عصًا، وقد علق رجل قنا حشف\" الحديث، وليس هو على شرطه وإن كان إسناده قويًا فكيف يقال: إنه أغفله، انتهى.\nقلت: حديث عوف هذا أخرجه أبو داود (^٢) أيضًا، وأخرج الترمذي من حديث البراء (^٣) \"كان الرجل يأتي بالقنو والقنوين فيعلقه في المسجد\" الحديث، واستنبط منه الشيخ في \"الكوكب الدري\" (^٤) تعليق المراوح في المساجد.\nوالأوجه عندي في ترجمة الإمام البخاري أنه استنبط ذلك بنشر الدراهم في المسجد؛ فإن الدرهم قريب من التمر في الكمية، ولا فرق بين نظمها في القنو ونثرها على الفراش كما استدلوا على جواز السبحة المعروفة بأحاديث عد التسبيح والتحميد بالحصى وغيرها.\nقوله: (فاديت نفسي) كتب الشيخ في \"اللامع\" (^٥): هذا بيان لما حمله من النائبة المجتاحة للكثير من ماله لا أنه بيَّن بذلك إفلاسه وإعدامه؛ لأنه رضي الله تعالى عنه كان ذا مال بعد، انتهى.\nوبسط الكلام عليه في هامشه، وفيه رد لما توهم بعض الشرَّاح أنه صار فقيرًا إذ جعله مصرفًا للزكاة، إلى آخر ما فيه.\n\n(٤٣ -<span data-type='title' id=toc-476> باب من دعى لطعام في المسجد. . .) إلخ</span>\nفي \"تراجم شيخ المشايخ\" (^٦): غرضه من عقد هذا الباب جواز الكلام المباح في المسجد، وذلك لدفع ما عسى أن يتوهم من عدم جوازه؛ لأنه\n_________\n(^١) \"سنن النسائي\" (ح: ٢٤٣٩).\n(^٢) \"سنن أبي داود\" (ح: ١٦٠٨).\n(^٣) \"سنن الترمذي\" (ح: ٢٩٨٧).\n(^٤) \"الكوكب الدري\" (٤/ ٨٤).\n(^٥) \"لامع الدراري\" (٢/ ٣٨٥).\n(^٦) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ١٦٤).","vol":"2","page":730},{"text":"مبنى للطاعة، ولما ورد في الحديث من النهى عن كلام الدنيا في المسجد، انتهى.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): قوله: قلت: نعم، هذه هي الدعوة، ووجه عقد الباب ما تقدم منا قريبًا، انتهى.\nوفي هامشه دفع الشيخ بذلك ما يرد على ترجمة الإمام من أن أنسًا لم يدع النبي - ﷺ - حتى يثبت بالحديث الدعوة لطعام؛ لأن أبا طلحة أرسل مع أنس أقراصًا من شعير ليوصلها إلى النبي - ﷺ -، كما سيأتي في الرواية المفصلة في علامات النبوة، فكيف يستدل بذلك الدعوة، وحاصل توجيه الشيخ: أن قول أنس: نعم أرسلني لطعام داخل في الدعوة للطعام.\nقلت: أو استدلال بطريق دلالة النص، فإنه إذا جاز أخذ الطعام فيه فالدعاء إليه أولى بالجواز، وهذا غير الإيراد الذي ذكره الحافظ إذ قال: أورد فيه الإمام البخاري حديث أنس مختصرًا، وأورد عليه أنه مناسب لأحد شقي الترجمة وهو الثاني، ويجاب: بأن قوله: \"في المسجد\"، متعلق بقوله: \"دعي\" لا بقوله: فالمناسبة ظاهرة، انتهى.\nقلت: إن كان تعلقه بطعام كانت المناسبة أظهر؛ لأن الطعام كان إذ ذاك موجودًا في المسجد مع أنس - ﵁ -، انتهى.\n\n(٤٤ -<span data-type='title' id=toc-477> باب القضاء واللعان في المسجد. . .) إلخ</span>\nفي هامش \"اللامع\" (^٢): اعلم أن الشرَّاح قاطبة أوردوا على الإمام البخاري في قوله: بين الرجال والنساء، وجعلوه كلهم حشوًا وزائدًا، وليس بحشو عندي، بل هو متعلق بلفظ القضاء، وإذا ثبت الجواز بين الرجال والنساء فيثبت بالأولى بين النوع الواحد من الرجال والنساء غاية ما فيه أن الإمام البخاري ذكر بين الظرف ومتعلقه لفظ \"اللعان\" معترضًا ولا ضير فيه،\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٢/ ٣٨٧).\n(^٢) انظر: \"لامع الدراري\" (٢/ ٣٨٨).","vol":"2","page":731},{"text":"ثم غرض الإمام البخاري بالترجمة الإشارة إلى اختلافهم في جواز القضاء في المسجد، ولذا يعيد الترجمة في \"كتاب الأحكام\" في \"باب من قضى ولاعن في المسجد\" وبسط فيه الحافظ (^١) الاختلاف في ذلك، ونقل عن ابن بطال: القضاء مستحب في المسجد عند طائفة، وقال مالك: هو الأمر القديم، وبه قال أحمد وإسحاق، وكرهت طائفة ذلك إلى آخر ما بسط.\nوحكى القسطلاني (^٢) عن إمامه الشافعي كراهته إذا أعده لذلك دون ما إذا اتفقت له فيه حكومة، انتهى.\nوفي موضع آخر (^٣) قال إمامنا الشافعي: أحب إلي أن يقضى في غير المسجد، انتهى.\nوفي \"الدر المختار\" (^٤): ويقضي في المسجد، ويختار مسجدًا في وسط البلد تيسيرًا للناس، قال ابن عابدين: قوله: يقضي في المسجد، به قال أحمد ومالك في الصحيح عنه خلافًا للشافعي له أن القضاء يحضره المشرك وهو نجس بالنص، انتهى.\n\n(٤٥ -<span data-type='title' id=toc-478> باب إذا دخل بيتًا. . .) إلخ</span>\nاختلفوا في غرض الترجمة، ففي \"تراجم شيخ المشايخ\" (^٥): أي: هو مخير يصلي في أيّ موضع شاء بعد الاستئذان للدخول وحصول الإذن أو يصلي حيث أمر، لكن ينبغي أن لا يكون ذلك مقرونًا بالتجسس المنهي عنه، وفي تقرير مولانا محمد حسن المكي قوله: حيث شاء إن خيره أهل البيت أو حيث أمر، أي: إن أمره بمكان معين ولا يتجسس بعد أمرهم أو بعد ما إذا تقرر مشيته بمكان، انتهى.\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (١٣/ ١٥٥).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٢/ ٩١).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٥/ ١٤٤).\n(^٤) \"رد المحتار على الدر المختار\" (٨/ ٤٧).\n(^٥) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ١٦٥).","vol":"2","page":732},{"text":"قلت: ويؤيده ما تقدم من كلام شيخ المشايخ.\nقال الحافظ (^١): قيل: مراد الترجمة الاستفهام لكن حذفت أداته، أي: هل يتوقف على إذن صاحب المنزل أو يكفيه الإذن العام في الدخول؟ فأو على هذا ليست للشك، انتهى.\nوقال العيني (^٢): همزة الاستفهام مقدرة تقديره: أيصلي حيث شاء؟ أو حيث أمر؟ وفي بعض النسخ هكذا بهمزة الاستفهام، والمعنى على هذا وإلا لا يطابق الحديث الترجمة جميعًا، ولا يطابق إلا الجزء الثاني، وعن هذا قال ابن بطال: لا يقتضي لفظ الحديث أن يصلي حيث شاء، وإنما يقتضي أن يصلي حيث أمر لقوله: أين تحب أن أصلي فكأنه قال: \"باب إذا دخل بيتًا هل يصلي حيث شاء أو حيث أمر\"؛ لأنه - ﷺ - استأذنه في موضع الصلاة ولم يصل حيث شاء، فيبطل حكم حيث شاء، ويؤيده قوله: ولا يتجسس، أي: لا يتفحص موضعًا يصلي فيه وهو بالجيم، أو الحاء والمعنى متقارب، والأول أظهر، انتهى.\nقال الحافظ (^٣): قال المهلب: دلَّ الحديث على إلغاء الشق الأول باستئذانه - ﷺ -، وقال ابن المنيِّر: إنما أراد البخاري أن المسألة موضع نظر، فهل يصلي [من دُعي] حيث شاء؛ لأن الإذن بالدخول عام في أجزاء المكان، فأينما صلى أو جلس تناوله الإذن؟ أو يحتاج إلى أن يستأذن في تعيين المكان؛ لأنه - ﷺ - فعل ذلك؟ الظاهر الأول، وإنما استأذن النبي - ﷺ -؛ لأنه دعي للصلاة ليتبرك صاحب البيت بمكانه، أما من صلى لنفسه فهو على عموم الإذن، انتهى.\nوفي \"تراجم شيخ المشايخ\" (^٤): فإن قيل: الحديث لا يقتضي أن يصلي حيث شاء، وإنما يقتضي أن يصلي حيث أمر.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٥١٨).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٣/ ٤١٥).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١/ ٥١٨).\n(^٤) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ١٦٥).","vol":"2","page":733},{"text":"قلت: في بعض طرقه إشارة إلى أن عتبان فوض الأمر إليه - ﷺ - في تخصيص المكان، فلو صلى حيث شاء جاز، لكن رد الأمر إليه تبرعًا، انتهى.\n\n(٤٦ -<span data-type='title' id=toc-479> باب المساجد في البيوت)</span>\nلعله إشارة إلى تقوية ما في أبي داود وغيره من اتخاذ المساجد في الدور على أحد القولين في معنى الحديث، فقد ترجم الإمام أبو داود (^١) \"باب اتخاذ المساجد في الدور\" وذكر فيه حديث عائشة قالت: \"أمر رسولط الله - ﷺ - ببناء المسجد في الدور\" أي: المحلات أو البيوت كما في \"البذل\" (^٢).\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): قوله: \"وأنا أصلي لقومي\" ذكره لما أن الإمام أشد اهتمامًا من غيره، فكان عليه أن يحضر المسجد لا محالة، فأحب أن يجعل له النبي - ﷺ - موضعًا يصلي فيه في مثل تلك الأيام، ويقول لهم: أن لا ينتظروه في يوم كذلك، انتهى.\n\n(٤٧ -<span data-type='title' id=toc-480> باب التيمن في دخول المسجد وغيره)</span>\nفي \"تراجم شيخ المشايخ\" (^٤): أي: هو مستحب.\nقال الحافظ (^٥): قوله: وغيره بالخفض عطفًا على الدخول ويجوز أن يعطف على المسجد لكن الأول أفيد، انتهى.\nوالأوجه عندي: الثاني، أي: غير المسجد من المواضع المتبركة والغرض أن دخول المسجد أيضًا داخل في عموم شأنه كله.\n_________\n(^١) \"سنن أبي داود\" (ح: ٤٥٥).\n(^٢) انظر: \"بذل المجهود\" (٣/ ١٧٣).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٢/ ٣٨٩).\n(^٤) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ١٦٢).\n(^٥) \"فتح الباري\" (١/ ٥٢٣).","vol":"2","page":734},{"text":"(٤٨ -<span data-type='title' id=toc-481> باب هل ينبش قبور مشركي الجاهلية. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): وجه الاستدلال عليه بقوله - ﷺ -: \"لعن الله اليهود. . .\" إلخ، إنهم لعنوا لارتكابهم ذلك لما فيه من التشبه بعبدة الأوثان، فوجب تسوية القبر لجواز الصلاة في هذا المكان لارتفاع وجه المشابهة، غير أن التسوية تحصل بوجهين: إما بنبش القبر وإخراج عظام الميت من هذا الموضع، أو بتسوية القبر حيث لا يبدو للناظر فيلزم الشبه، وإذا كان كذلك وجب في قبور المشركين نبشها أصلًا لكونهم محل الغضب، فلا يناسب إبقاؤهم في المساجد، ولا كذلك في المسلمين فلا يضر بقاء عظامهم تحت أقدام المسلمين، ووجه الكراهة وهو الشبه منتف، فالاستدلال بالرواية يعم الكافر والمؤمن في أن الصلاة تكره على القبور، والتخصيص بالنبش للكفار حاصل بالرواية الآتية، فافهم؛ فإنه مفتقر إلى فضل تفكر، وحاصل الاحتجاج بذلك الآثار الموردة ههنا: أن الصلاة في مثل تلك الأمكنة جائزة مع الكراهة التحريمية، فإن عمر - ﵁ - لم يأمر بالإعادة وإنما أمر بالاتقاء عن القبر، فعلم أن الصلاة في المقبرة جائزة إذا لم يسجد إلى القبر وإن لم تخل عن كراهة، انتهى.\nوفي هامشه: اعلم أولًا: أن هذه الترجمة وإثباتها من مشكلات التراجم، وإليه أشار الشيخ بقوله: فافهم؛ فإنه مفتقر إلى فضل تفكر، وقال العيني (^٢): لم أر شارحًا ههنا شفى العليل ولا أروى الغليل، انتهى.\nوثانيًا أن لفظ \"هل\" ههنا ليس للاستفهام عند جميع الشرَّاح والمشايخ بل هو بمعنى قد، وعليه بنى الشيخ قُدِّس سرُّه تقريره.\nوالأوجه عندي: أنه على معناه الأصلي أي: الاستفهام فإنه أصل مطرد من أصول التراجم، وهو الأصل الثاني والثلاثون تقدم فيه أن الإمام البخاري طالما يترجم بهذا اللفظ تنبيهًا على أن للناظرين هناك مجالًا للنظر\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٢/ ٣٩٥ - ٣٩٧).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٣/ ٤٢٤).","vol":"2","page":735},{"text":"والفكر، وهو كذلك ههنا عندي، فإن ظاهر ما في الباب جواز نبش القبور واتخاذ محلها مسجدًا، وهو نصر حديث الباب في بناء مسجده - ﷺ -، ومع ذلك فيه خلاف الأوزاعي، فلعل الإمام البخاري أشار إلى خلافه وأولى منه إلى مستدله بلفظ: هل، وهو أن قبورهم موضع عذاب، فإنه - ﷺ - لما مر بالحجر قال: \"لا تدخلوا بيوت الذين ظلموا إلا أن تكونوا باكين\"، فنهى أن يدخل عليهم بيوتهم فكيف قبورهم، انتهى.\nوسيأتي قريبًا، وبوَّب عليه الإمام البخاري \"باب الصلاة في موضع الخسف والعذاب\".\nفالأوجه عندي: أن الإمام البخاري نبَّه بلفظ \"هل\" على هذه الأمور.\nوثالثًا: أن قوله في الترجمة: \"وما يكره\" معطوف على قوله: \"هل ينبش\" عند الشرَّاح كلهم، وجعلوه جزءًا مستقلًا من الترجمة، ولما رأوا أن هذا الجزء من الترجمة لا يثبت بالحديث أثبتوه بأثر عمر - ﵁ -.\nوالظاهر عند هذا العبد الفقير إلى رحمته تعالى: أن هذا ليس بترجمة حتى يحتاج لإثباته؛ لأنه سيأتي قريبًا \"باب كراهية الصلاة في المقابر\" فإن كانت هذه ترجمة يلزم التكرار، وأيضًا لا يثبت هذا بالحديث وإثباته بمجرد الأثر خلاف الأصل، فالظاهر عندي أنه معطوف على لفظ: قول النبي - ﷺ - داخل تحت اللام، فكأنه بمنزلة الدليل ومثبتة بكسر الموحدة للترجمة السابقة كما بسط في الأصل الستين من أصول التراجم المتقدمة في الجزء الأول، فكأنه أثبت جواز نبش القبور بقوله - ﷺ -، وبكراهة الصلاة في المقابر، فكأنه قال: يجوز نبش قبور المشركين؛ لأن الصلاة في المقابر مكروهة ولا حرمة لقبور المشركين، فلا بأس بنبشها، انتهى مختصرًا (^١).\nقوله: (أربعًا وعشرين ليلة) كتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): فيه دلالة\n_________\n(^١) انظر: \"لامع الدراري\" (٢/ ٣٩٣ - ٣٩٥).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٢/ ٣٩٨).","vol":"2","page":736},{"text":"على أن الجمعة لا تجوز في القرى؛ لأن أول جمعة صلَّاها النبي - ﷺ - في بني سالم كما هو مسلم الفريقين، وكان وجوب جمعة بمكة، فلولا أن الجمعة لا تجوز في القرى لما تركه - ﷺ -، انتهى.\nقلت: ما أفاده الشيخ لا مرية فيه كما بسط في هامش \"اللامع\"، لكن في الحديث إشكال آخر قوي، وهو أن الوارد في حديث الباب أربع وعشرون ليلة، وسيأتي بهذا السند في \"باب مقدم النبي - ﷺ - إلى المدينة\" بلفظ: فأقام فيهم أربع عشرة ليلة، وبسط الكلام على هذا الاختلاف في الجزء الثاني من \"اللامع\" (^١) في \"كتاب الجمعة\" وفيه: وما قال الشيخ ابن القيم من قيامه - ﷺ - في قباء أربعة أيام فقط تأبى عنه روايات البخاري، فإن فيها روايتين، إحداهما: رواية أربع وعشرين، والثانية: أربعة عشر، وصوبه الحافظ.\nقلت: والأوفق بالروايات رواية أربع وعشرين؛ لأن أكثر الروايات على أنه - ﷺ - دخل قباء يوم الاثنين وخرج عنها يوم الجمعة، وهذان لا يتفقان إلا على أربع وعشرين بعدم عد يومي الدخول والخروج، ولا يتفقان على رواية أربع عشرة بوجه من الوجوه إلى آخر ما بسط فيه.\n\n(٤٩ -<span data-type='title' id=toc-482> باب الصلاة في مرابض الغنم)</span>\nلعل الغرض كما يشير إليه كلام الحافظ (^٢) أيضًا أن محبته - ﷺ - الصلاة في المرابض كما تدل عليه رواية أبي داود (^٣) عن البراء: أن رسول الله - ﷺ - سئل عن الصلاة في مبارك الإبل، فقال: لا تصلوا في مبارك الإبل؛ فإنها من الشياطين، وسئل عن الصلاة في مرابض الغنم فقال: صلوا فيها؛ فإنها بركة كانت قبل بناء المساجد.\n_________\n(^١) انظر: \"لامع الدراري\" (٤/ ٢٠).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (١/ ٥٢٦).\n(^٣) \"سنن أبي داود\" (ح: ١٨٤).","vol":"2","page":737},{"text":"(٥٠ -<span data-type='title' id=toc-483> باب الصلاة في مواضع الإبل)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): يعني بذلك: أن الذي ورد من النهي عن الصلاة في مبارك الإبل ليس على عمومه ولا مبنيًا على علة في نفس ذات الإبل (^٢)، الوجه في ذلك ما يلزم من تشويش القلب وتفرق البال، فلا ضير لو اطمأن بنوع من أسباب الطمأنينة كما في الرواحل المدربة؛ فإنها لا تكاد تقوم بعد إقعادها، ولا تنفر على صاحبها بعد إناختها، ويستوي في جواز الصلاة بعد تحصيل الطمأنينة وكراهتها عند عدم اطمئنان الواحد والكثير، فصح الاحتجاج بفعل ابن عمر براحلة على جواز ذلك الأمر في رواحل، وإجزاء الصلاة في مبارك الإبل إذ اطمأن منها كما اطمأن منها، انتهى.\nوفي هامشه: غرض الإمام البخاري بالترجمة واضح وهو الرد على مسلك الإمام أحمد، إذ قال بفساد الصلاة في مبارك الإبل لرواية البراء المتقدم في الباب السابق، انتهى.\nقال الحافظ (^٣): كأن المصنف أشار إلى أن الأحاديث الواردة في التفرقة بين الإبل والغنم ليست على شرطه، وكونها من الشياطين لو كان ذلك مانعًا من صحة الصلاة لامتنع مثله في جعلها أمام المصلي، وكذلك صلاة راكبها، وقد ثبت أنه - ﷺ - كان يصلي النافلة وهو على بعيره، انتهى مختصرًا.\nوقال السندي (^٤): غرض الترجمة أن النهي عن الصلاة في المعاطن وهي مواضع إقامتها عند شرب الماء خاص بالمعاطن، فلا يقاس عليها غيرها من مواضع الإبل، انتهى.\nقلت: وفيه أن النهي لم يرد بلفظ المعاطن فقط بل في حديث\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٢/ ٣٩٩).\n(^٢) سقط: \"بل\"، كما في \"اللامع\".\n(^٣) انظر: \"فتح الباري\" (١/ ٦٢٧).\n(^٤) \"حاشية السندي على صحيح البخاري\" (١/ ٨٧).","vol":"2","page":738},{"text":"جابر - ﵁ - عند مسلم، وحديث البراء عند أبي داود بلفظ: \"مبارك الإبل\"، وفي حديث أسيد عند الطبراني: \"مناخ الإبل\"، وفي حديث عبد الله بن عمرو عند أحمد: \"مرابد الإبل\".\nقال الحافظ (^١): ولذا بوب الإمام البخاري بلفظ المواضع؛ لأنها أشمل، والمعاطن أخص منه، وقد ذهب بعضهم إلى أن النهي خاص بالمعاطن دون غيرها من الأماكن التي تكون فيها الإبل، وقيل: هو مأواها مطلقًا، نقله صاحب المغني عن أحمد، انتهى.\n\n(٥١ -<span data-type='title' id=toc-484> باب من صلى وقُدامه تنور. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): يعني بذلك: أن المصلي إذا لم ينو بصلاته إلا الله، فإن صلاته جائزة إلا أنه إذا كان فيه شبه بعبدة الأصنام فإنها حينئذ لا تخلو عن كراهة وإن سقطت عن ذمته، انتهى.\nقال الحافظ (^٣): أشار به إلى ما ورد عن ابن سيرين أنه كره الصلاة إلى التنور، انتهى.\nوالمعروف على ألسنة المشايخ أن الإمام البخاري أراد بالترجمة الرد على الحنفية حيث كرهوا الصلاة إليها.\nقال القسطلاني (^٤): كرهه الحنفية لما فيه من التشبه بعبادة المذكورات، انتهى.\nوفي \"الشرح الكبير\": يكره أن يصلَّى إلى نار، قال أحمد: إذا كان التنور في قبلته لا يصلي إليه إلى آخر ما في هامش \"اللامع\".\nوفي \"تراجم شيخ المشايخ\" (^٥): غرض المؤلف من عقد هذا الباب\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٥٢٧).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٢/ ٤٠٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١/ ٥٢٨).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (٢/ ١٠٣).\n(^٥) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ١٦٨).","vol":"2","page":739},{"text":"دفع توهم من توهم أنه لا تجوز صلاة الرجل وقدامه تنور للتشبيه بالمجوس، وفي استدلال المصنف بالرواية نوع خفاء لا يخفى، وتوجيهه أن كون النار قدام المصلي لو كان غير مرضى عند الله ومفسدًا لصلاته لما ساغ ذلك في حق حبيبه ونبيه، ولما أحضرها قدام نبيه - ﷺ -، انتهى.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): إن استدلاله بالرواية لا يخلوا عن لطافة ما، فإنه أظهر بذلك أن وجه الشبه إذا كان خفيًا لا يدرك فإنه لا يكون مورثًا للكراهة، ووجهه ارتفاع سبب الكراهة، فإن الذي أمامه نار أو صورة أو قبر فسترها لم يبق بعد الستر شبه بعبدة الأصنام، فكذلك النار الغائبة عن الأعين كما رُئيها النبي - ﷺ - فإنها لم تصر سببًا للشبه لاستتارها، ومن ههنا يعلم حال التنور الذي ذكره في الترجمة، فإن من صلى وقدامه تنور فإن صلاته خالية عن الكراهة لارتفاع العلة، وعلى هذا حكم النار وغيره، وعلى هذا فلم يكن صلاته - ﷺ - مما نحن فيه، أي: من الصلوات المكروهة، وأما ما أجاب بعضهم بعد تسليم سبب الكراهة: أن ذلك كان اضطرارًا منه - ﷺ - لا اختيارًا فبعيد؛ لأن النار لو لم تكن في اختياره فإن صلاته كانت في اختياره، فلو كانت فيه كراهة لا سيما التحريمية لأفسدها، فافهم، انتهى.\nوبسط في هامشه كلام الشرَّاح في وجه الاستدلال.\nثم يشكل على البخاري ما تقدم من \"باب الصلاة في المصلب والمصور\" وما سيأتي من \"باب الصلاة في البيعة\".\nقال الكرماني (^٢) في \"باب الصلاة في البيعة\": إن قلت: ما وجه الجمع بينه وبين ما تقدم من \"باب من صلى وقدامه نار. . .\" إلخ، من جواز الصلاة وعدم كراهتها.\nقلت: حكم التماثيل غير حكم سائر المعبودات؛ لأنها بأنفسها منكرات؛ إذ الصور محرمة سواء تعبد أم لا؟ بخلاف النار مثلًا فإن عبادتها\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٢/ ٤٠٢ - ٤٠٦).\n(^٢) انظر: \"شرح الكرماني\" (٤/ ٩٦).","vol":"2","page":740},{"text":"محرمة أو لأن التماثيل شاغلة عن الحضور في الصلاة كما سبق في \"باب من صلى في ثوب له أعلام\" من حديث خميصة أبي جهم، وقال ابن بطال: لا تعارض بين البابين؛ لأن الأول كان بغير الاختيار، وما في هذا الباب كقول عمر: إنا لا ندخل كنائسكم، فإنما ذلك على الاختيار والاستحسان دون ضرورة تدعو إليه، انتهى.\nقلت: وبهذا الأخير جمع بينهما جمع من الشرَّاح، والعجب من الحافظ (^١) إذ تعقب على ابن التين بقوله: إن الاختيار وعدمه في ذلك سواء، وتقدم تعقب الشيخ قُدِّس سرُّه أيضًا على هذا الجواب، وأيضًا لو كان ما هناك بدون الاختيار، فكيف استدل به الإمام البخاري على جواز صلاة من صلَّى وقدامه تنور، فالأوجه عندي في الجواب ما بدأ به الكرماني كلامه وهو التفرقة بين التماثيل وغيرها، انتهى مختصرًا من هامش \"اللامع\" في باب الصلاة في البيعة.\n\n(٥٢ -<span data-type='title' id=toc-485> باب كراهية الصلاة في المقابر)</span>\nقال الحافظ (^٢): كأن المصنف أشار إلى أن ما رواه أبو داود والترمذي في ذلك ليس على شرطه، وهو حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا: \"الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام\"، واستنبط من قوله في الحديث: \"ولا تتخذوها قبورًا\" إن القبور ليست بمحل للعبادة فتكون الصلاة فيها مكروهة، انتهى.\nقلت: واختلفوا في جواز الصلاة في المقبرة، فذهب أحمد إلى تحريم الصلاة في المقبرة ولم يفرق بين المنبوشة وغيرها، ولا بين أن يفرش عليها شيء أم لا؟ ولا بين أن تكون بين القبور أو في مكان منفرد عنها، وذهب أبو حنيفة إلى كراهة الصلاة في المقبرة، وفرق الشافعي بين المنبوشة\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (١/ ٥٢٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٥٢٩).","vol":"2","page":741},{"text":"وغيرها، ولم ير مالك بالصلاة في المقبرة بأسًا، وحكي عنه كراهة الصلاة في المقبرة كقول الجمهور، وذهب أهل الظاهر إلى تحريم الصلاة في المقبرة إلى آخر ما بسط في \"الأوجز\" (^١).\n\n(٥٣ -<span data-type='title' id=toc-486> باب الصلاة في مواضع الخسف)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): أي: إنها جائزة مع كراهة، وذلك لما فيها من الاستقرار والتمكن في تلك الأمكنة، وقد أمرنا أن لا نقر فيها، انتهى.\nقلت: ولعله تقوية لما في \"أبي داود\" عن علي - ﵁ -: نهاني أن أصلي في أرض بابل، قال السندي (^٣) ما حاصله: وجه الاستدلال بأن دخولهم فيها مقيدة بالبكاء، والصلاة على هذه الصفة متعسرة عادة بل ربما يخل بالقراءة وغيرها، وأيضًا البكاء بالتفكر في حال المعذبين يمنع التفكر في أمور الصلاة فينبغي أن تكره الصلاة في هذا المكان، انتهى.\nقال الموفق (^٤): قال أحمد: أكره الصلاة في أرض الخسف؛ لأنها موضع مسخوط عليه، انتهى.\nوفي \"الطحطاوي (^٥) على المراقي\": ومنها كل محل حل به غضب كأرض ثمود وبابل وديار قوم لوط، انتهى.\nوبسط الكلام في هامش \"اللامع\" على شرح هذا الباب.\n_________\n(^١) انظر: \"أوجز المسالك\" (٣/ ٥٤٢).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٢/ ٤٠٩).\n(^٣) انظر: \"حاشية السندي على صحيح البخاري\" (١/ ٨٧).\n(^٤) \"المغني\" لابن قدامة (٢/ ٤٧٧).\n(^٥) \"حاشية الطحطاوي على المراقي الفلاح\" (١٩٧).","vol":"2","page":742},{"text":"(٥٤ -<span data-type='title' id=toc-487><span data-type='title' id=toc-488> باب </span>الصلاة في البيعة)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): لعل المراد بذلك أنها جائزة فيها بدون كراهة إذا لم تكن فيها معصية؛ كالإشراك بالله والتصاوير والقبور وغير ذلك وجائزة مع كراهة إن كان فيها شيء من هذه الأمور، ومطابقة الآثار والروايات بهذا المعنى واضحة، فإن وجود التصاوير ووضعها فيه صار سببًا للعن أولئك، ثم يصير سببًا لمن شاركهم في العبادة ثمة، وإن كانت اللعنة الواردة على الصانعين أوفر منها على العابدين هناك من المسلمين، انتهى.\nواختلفوا في الصلاة في البيع والكنائس، قال الطحطاوي (^٢): تكره الصلاة في سائر محال الشياطين إلى أن قال: وبهذا يعلم كراهة الصلاة في البيع والكنائس لما فيها من التماثيل، فتكون مأوى الشياطين، انتهى.\nوظاهر كلام الشامي (^٣): أن الكراهة عامة وإن لم تكن فيها تماثيل، وقال الموفق (^٤): ولا بأس بالصلاة في الكنيسة النظيفة، رخص فيها الحسن وعمر بن عبد العزيز وغيرهما، وكره ابن عباس ومالك الكنائس من أجل الصور، انتهى ملخصًا من هامش \"اللامع\" (^٥)، وذكره فيه تحت هذا الباب عدة أبحاث فارجع إليه لو شئت.\n\n(٥٥ - باب)\nبلا ترجمة، قال الحافظ (^٦): كذا في أكثر الروايات بغير ترجمة، وقد سقط من بعض الروايات، وقد قررنا أن ذلك كالفصل من الباب، فله تعلق بالباب الذي قبله، والجامع بينهما الزجز عن اتخاذ القبور مساجد،\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٢/ ٤١١).\n(^٢) \"حاشية الطحطاوي\" (١٩٧).\n(^٣) انظر: \"رد المحتار على الدر المختار\" (٢/ ٤٣).\n(^٤) \"المغني\" (٢/ ٤٧٨).\n(^٥) انظر: \"لامع الدراري\" (٢/ ٤١٠ - ٤١٤).\n(^٦) \"فتح الباري\" (١/ ٥٣٢).","vol":"2","page":743},{"text":"وكأنه أراد أن يبيِّن أن فعل ذلك مذموم سواء كان مع تصوير أم لا؟ انتهى.\nوبهذا جزم العيني، وعلى هذا فكان غرض الترجمة السابقة الكراهة لأجل الصور خاصة، وأشار بهذا إلى التعميم.\nوالأوجه عندي: أن الباب السابق لما كان مختصًا بالبيعة وهي معبد النصارى أراد بذلك إدخال معبد اليهود فيما سبق كما يشير إليه الروايتان الواردتان في الباب، ولعل وجه حذف الترجمة عدم كون الروايتين نصًا فيه، والله - ﷾ - أعلم، ورقم في \"تراجم شيخ الهند\" قُدَّس سرُّه على هذا الباب النقطتين وهو إشارة إلى أن الحديث الذي فيه يتعلق بالباب السابق كما تقدم في الجزء الأول.\n\n(٥٦ -<span data-type='title' id=toc-489> باب قول النبي - ﷺ -: جعلت لي الأرض. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^١): وإيراده ههنا يحتمل أن يكون أراد أن الكراهة في الأبواب المتقدمة ليست للتحريم لعموم قوله - ﵇ -: \"جعلت لي الأرض مسجدًا\" أي: كل جزء منها يصلح أن يكون مكانًا للسجود أو يصلح أن يبني فيه مكان للصلاة، ويحتمل أن يكون أراد أن الكراهة فيها للتحريم، وعموم حديث جابر مخصوص بها، والأول أولى، انتهى.\n\n(٥٧ -<span data-type='title' id=toc-490> باب نوم المرأة في المسجد)</span>\nفي \"تراجم شيخ المشايخ\" (^٢): أي: هو جائز وإن كان احتمال ورود الطمث، لكن المذهب أن المرأة إذا حاضت في المسجد خرجت ولا يحرم عليها النوم ابتداء، انتهى.\nقلت: الأوجه عندي: أنه - ﵁ - مال إلى جواز النوم في المسجد وأفرد\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٥٣٣).\n(^٢) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ١٦٩).","vol":"2","page":744},{"text":"ذكر المرأة وقدمه لما فيها من احتمال كشف العورة والطمث، فكان أبعد عن الجواز فأثبت جوازه بالحديث.\nقال القسطلاني بعد ذكر الحديث (^١): وفيه يبيت من لا مسكن له في المسجد سواء كان رجلًا أو امرأة عند أمن الفتنة، وفي \"الشرح الكبير\" للدردير: وجاز بمسجد سكنى لرجل لا لمرأة، فيحرم عليها أو يكره ولو تجردت للعبادة؛ لأنها قد تحيض، وقد يلتذ بها أحد من أهل المسجد فتنقلب العبادة معصية، وظاهره الحرمة، ولو كانت عجوزًا لا أرب للرجال فيها؛ لأن كل ساقطة لها لاقطة، انتهى.\n\n(٥٨ -<span data-type='title' id=toc-491> باب نوم الرجال في المسجد)</span>\nفي \"تراجم شيخ المشايخ\" (^٢): أي: هو جائز مع احتمال الاحتلام، انتهى.\nقلت: وقد ورد في \"كنز العمال\" برواية عبد عن جابر: \"قوموا لا ترقدوا في المسجد\"، وفي أخرى: ضربنا بعسيب كان في يده، وقال: قوموا لا ترقدوا في المسجد، فلعل البخاري أشار إلى الجواز بروايات الباب، والمسألة خلافية ففي هامش \"الهندية\" (^٣) والجواز قول الجمهور، وروي عن ابن عباس - ﵄ - كراهيته إلا لمن يريد الصلاة، وعن ابن مسعود مطلقًا، وعن مالك التفصيل بين من له مسكن فيكره وبين من لا له مسكن فيباح، كذا في \"الفتح\" (^٤)، انتهى.\nوفي \"العيني\" (^٥): وبقول مالك: قال أحمد.\nقلت: قد بوَّب الإمام الترمذي أيضًا بهذه الترجمة.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٢/ ١١١).\n(^٢) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ١٦٩).\n(^٣) (١/ ٧٣١).\n(^٤) انظر: \"فتح الباري\" (١/ ٥٣٥).\n(^٥) انظر: \"عمدة القاري\" (٣/ ٤٦٢).","vol":"2","page":745},{"text":"قال الشيخ في \"الكوكب\" (^١): هذا ما استدل به من جواز النوم في المسجد، والأولى التحرز عنه إلا إذا اضطر إليه إلى آخر ما بسطه.\nوفي هامشه: فقد عد صاحب \"الدر المختار\" فيما يكره في المسجد النوم لغير المعتكف، انتهى.\n\n(٥٩ -<span data-type='title' id=toc-492> باب الصلاة إذا قدم من سفر)</span>\nغرضه ظاهر، وهو التنبيه على هذا الأدب الذي كان معروفًا من عادته الشريفة - ﷺ - ليزوره الناس الذين يسمعون قدومه - ﷺ - ويسرعون إلى زيارته - ﷺ - كما يشير إليه لفظ البخاري في غزوة تبوك ولفظه: كان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فيركع فيه ركعتين ثم جلس للناس الحديث، وتعلقه بالمسجد ظاهر.\nقال العيني (^٢): وغالب الأبواب في هذا الموضع فيما يتعلق بالمساجد فلا يحتاج إلى زيادة طلب وجوه المناسبات فيها، انتهى.\nوقد أعاد المصنف هذا الباب في \"كتاب الجهاد\" لمناسبة السفر.\n\n(٦٠ -<span data-type='title' id=toc-493> باب إذا دخل أحدكم المسجد. . .) إلخ</span>\nفيه خمسة أبحاث:\nالأول: في حكم هذه الصلاة فهي سُنَّة أو مستحبة عند الأئمة الأربعة خلافًا للظاهرية إذ أوجبوها.\nالثاني: هل تختص بمن أراد الجلوس أو تعم الكل سواء يريد الجلوس أو يدخل مجتازًا؟ بالأول قال مالك، وبالثاني قالت الجمهور.\nالثالث: هل تفوت بالجلوس أم لا؟ فيفوت بالجلوس عمدًا\n_________\n(^١) انظر: \"الكوكب الدري\" (١/ ٣١٧).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٣/ ٤٦٤).","vol":"2","page":746},{"text":"وبالجلوس الطويل ساهيًا عند الشافعي وأحمد، ولا تفوت مطلقًا عندنا الحنيفة والمالكية.\nالرابع: أقلها ركعتان عند الأئمة الأربعة لا تجزئ بالأقل منهما مع صحة التطوع بركعة واحدة عند الشافعي وأحمد.\nالخامس: هل تجوز في الأوقات المكروهة أم لا؟ فبالأول قال الشافعي، وبالثاني قالت الأئمة الثلاثة إلا أن الإمام أحمد خص من ذلك الداخل عند الخطبة ففي ذلك خاصة هو مع الإمام الشافعي، كما بسطت هذه المباحث كلها في \"الأوجز\" (^١)، انتهى من هامش \"اللامع\" (^٢)، فكأن الإمام البخاري أشار إلى الكل بلفظ الترجمة.\n\n(٦١ -<span data-type='title' id=toc-494> باب الحدث في المسجد)</span>\nقال الحافظ (^٣): أشار البخاري إلى الرد على من منع للمحدث دخول المسجد وجعله كالجنب، انتهى.\nقلت: لو كان ذاك الغرض لبوب بالمحدث في المسجد، ويمكن أن يكون المقصود جواز الحدث وهو ثابت بالحديث، أو كراهته للحرمان عن دعاء الملائكة، وهذان الوجهان أظهر عندي، وهل يجوز إخراج الريح في المسجد؟ اختلفوا فيه، ففي \"الأوجز\" (^٤): قال النووي في \"شرح المهذب\": لا يحرم للإنسان أن يخرج الريح من دبره فيه، وقال السروجي: وهذا عندنا مكروه، انتهى.\nقال الدردير: منع إخراج ريح في المسجد لحرمته، وإن لم يكن به أحد، انتهى.\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (٣/ ٣٤٩ - ٣٥٢).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٢/ ٤١٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١/ ٥٣٨).\n(^٤) \"أوجز المسالك\" (٣/ ٣٣١).","vol":"2","page":747},{"text":"وقال ابن عابدين (^١): لا يخرج فيه الريح، واختلف فيه السلف، فقيل: لا بأس به، وقيل: يخرج إذا احتاج إليه، وهو الأصح، انتهى.\n\n(٦٢ -<span data-type='title' id=toc-495> باب بنيان المسجد)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): أشار بإيراد الآثار والرواية المخالفة لها بحسب الظاهر إلى أن تنقيش المسجد وتجصيصها يكره إذا كان فخرًا ورياء وسببًا للهو المصلين واشتغال بالهم كما هو مقتضى الآثار، ولا كراهة فيه إذا لم تكن لأجل ذلك كما هو محمل صنيع سيدنا عثمان - ﵁ -، انتهى.\nوبسط في هامشه الكلام على شرح كلام الشيخ قُدِّس سرُّه والإيرادات والأجوبة عنها في تشييد المساجد وعدمه فارجع إليه لو شئت التفصيل.\nوالظاهر عند هذا العبد الضعيف: أن غرض الترجمة أمران:\nالأول: الاهتمام لبنائه حتى أنه ﵊ قدم تعميره في أول دخوله المدينة على كل الأبنية، وقد ورد الأمر ببنائه في الدور عند أبي داود كما تقدم في \"باب المساجد في البيوت\".\nوالأمر الثاني: التوقي عن التزخرف في بنائه، وعلى هذا لا تكرار بما سيأتي من \"باب من بنى مسجدًا. . .\" إلخ.\nوحمل الحافظ هذا الباب على بناء المسجد النبوي خاصة، والباب الآتي على الفضل في بنائه، وعلى هذا يشكل أثرا أنس وابن عباس في هذا الباب، اللهم إلا أن يقال: ذكرهما استطرادًا وتنبيهًا على الاحتراز والتوقي عن التزخرف، ووافق الحافظ العلامة العيني في غرض الترجمة، وسكت عن وجه مطابقة هذين الأثرين، وقال في غيرهما: مناسبته بالترجمة ظاهرة.\n_________\n(^١) \"رد المحتار على الدر المختار\" (٢/ ٤٢٩).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٢/ ٤٢٠).","vol":"2","page":748},{"text":"(٦٣ -<span data-type='title' id=toc-496> باب التعاون في بناء المسجد)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): أشار بذكر الآية في الترجمة إلى أن تعمير المشركين غير مقبول إذا كان مبنيًا على صفة الإشراك وهو كونه تعظيمًا لآلهتهم أو فخرًا أو رياءً وسمعةً، فكذلك من فعل المسلمين مثل فعلهم بأن طلب في تعمير المسجد ومعاونته صيتًا ومباهاة كان غير مقبول منه، فأما إذا عاون في تعميره لله تعالى فإنه لا ضير فيه، ولو كان المعمر مشركًا، ويدل عليه تقرير النبي - ﷺ - مسلمي أمته على الصلاة في الحرم، وكان من بناء المشركين، فافهم، انتهى.\nوفي هامشه: سكتوا عن غرض المصنف بالترجمة إلا ما قال العيني (^٢): أشار بهذا إلى أن في ذلك أجرًا، ومن زاد في عمله في ذلك زاد في أجره، انتهى.\nوهذا ظاهر لكنه ليس فيه شيء يليق بشأن تراجم البخاري، ولا يبعد عندي أن الإمام البخاري أشار بالترجمة إلى أمرين:\nالأول: أنه ينبغي التعاون في بنائه للمصلين فيه كلهم؛ لأن بنائه حق مشترك عليهم أجمعين لا على المتولي فقط.\nوالثاني: دفع ما يتوهم من قصة بنائه - ﷺ - مسجده الشريف إذ ساوم بني النجار أرض المسجد، وقالوا: لا نطلب ثمنه فأبى رسول الله - ﷺ - أن يقبله إلا بالثمن، وهذا يوهم عدم جواز التعاون في بنائه فدفعه المصنف بهذه الترجمة، انتهى.\nوأما ذكر الآية فلعله إشارة إلى الاحتراز عن أموالهم، وقد ورد في أبي داود مرفوعًا (^٣): \"نهيت عن زبد المشركين\".\nقوله: (يدعونه إلى النار) أجاد الشيخ في \"اللامع\" (^٤) توجيهه\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٢/ ٤٢٣).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٣/ ٤٧٣).\n(^٣) \"سنن أبي داود\" (ح: ٣٠٥٧).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٢/ ٤٢٥).","vol":"2","page":749},{"text":"وحاصله: أن فعلهم موجب له وإن ارتفع لأجل الاجتهاد؛ كقوله تعالى: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ﴾ الآية [الأنفال: ٦٨]، وبسط في هامشه الكلام أشد البسط.\nقلت: وقوله: \"تقتله الفئة الباغية\" قال صاحب \"تاريخ الخميس\" عن \"خلاصة الوفاء\": أن عمرو بن العاص - ﵁ - كان وزير معاوية - ﵁ -، فلما قتل عمار - ﵁ - أمسك عن القتال، وتابعه على ذلك خلق كثير، فقال له معاوية: لم لا تقاتل؟ قال: قتلنا هذا الرجل، وقد سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"تقتله الفئة الباغية\"، قال له معاوية: أسكت أنحن قتلناه؟ وإنما قتله علي - ﵁ - وأصحابه، وفي رواية قال: قتله من أرسله إلينا يقاتلنا فبلغ ذلك عليًّا فقال: إن كنت أنا قتلته فالنبي - ﷺ - قتل حمزة - ﵁ - حين أرسله إلى قتال الكفار، انتهى مختصرًا.\n\n(٦٤ -<span data-type='title' id=toc-497> باب الاستعانة بالنجار والصناع. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^١): الصناع - بضم المهملة - جمع صانع، وذكره بعد النجار من العام بعد الخاص، وحديث الباب يتعلق بالنجار فقط، ومنه تؤخذ مشروعية الاستعانة بغيره من الصنَّاع لعدم الفرق، وكأنه أشار بذلك إلى حديث طلق بن علي قال: بنيت المسجد مع رسول الله - ﷺ - فكان يقول: \"قربوا اليمامي من الطين، فإنه أحسنكم له مسًا وأشدكم له سبكًا\"، رواه أحمد (^٢)، انتهى.\nويحتمل أن يكون إشارة إلى رد ما ورد في \"كنز العمال\" (^٣): \"جنبوا صناعكم مساجدكم\".\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٥٤٣).\n(^٢) كذا نسبه في \"مجمع الزوائد\" (٢/ ٩) إلى أحمد والطبراني في \"الكبير\" (٨/ ٣٩٩، ٨٢٤٢)، ولم أجده في \"المسند\" نعم رواه ابن حبان (رقم ١٠١٨)، والدارقطني (١/ ١٤٨، ١٤٩)، والبيهقي (١/ ١٣٥).\n(^٣) \"كنز العمال\" (رقم ٢٣٠٩٠).","vol":"2","page":750},{"text":"(٦٥ -<span data-type='title' id=toc-498> باب من بنى مسجدًا)</span>\nقال الحافظ (^١): أي: ما له من الفضل، انتهى.\nوتقدم ما يتعلق بهذا الباب في باب بنيان المسجد ويورد على حديث الباب من قوله: \"بنى الله له مثله الحسنة بعشر أمثالها\" وجمع بوجوه:\nالأول: أنه قبل نزول الآية.\nالثاني: أنه لا ينفي الزيادة.\nالثالث: أن المقصود منه بيان المماثلة فقط.\nالرابع: بأن المثلية باعتبار الكمية والعشرة من حيث الكيفية.\nالخامس: بأنه محمول على العدل والآية من قبيل الفضل.\nوغير ذلك من الأقاويل كما بسط في هامش \"اللامع\" (^٢).\n\n(٦٦ -<span data-type='title' id=toc-499> باب يأخذ بنصول النبل. . .) إلخ</span>\nغرض الترجمة ظاهر، وهو الأدب والتنبيه على الأخذ بالنصول لئلا يجرح أحدًا يمسه كما نبَّه عليه الشيخ قُدِّس سرُّه في الترجمة الآتية، فعلى رأي الشيخ هذه الترجمة توطئة للترجمة الآتية، وهو الأوجه عندي.\n\n(٦٧ -<span data-type='title' id=toc-500> باب المرور في المسجد)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): لعل المراد بذلك أن المرور في المسجد جائز إذا لم يكن منجرًا إلى مفسدة كالإضرار بالمسلمين وتلويث المسجد إذا اعتاد الناس ذلك، ويمكن أن يكون ذلك إثباتًا لما ذهب إليه الشافعي من جواز دخول الجنب في المسجد على جهة المرور، ووجه الاستدلال إطلاق اللفظ وهو يعم الجنب وغيره.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٥٤٤).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٢/ ٤٣١).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٢/ ٤٣٣).","vol":"2","page":751},{"text":"والجواب: أنه لم يقيِّد ههنا لكونه معلومًا إذ من المعلوم أن المتعفن بأكل الثوم أو الذي يسيل دمه لا يجوز لهما دخوله، لما فيه من تلويت المسجد مع أن اللفظ بإطلاقه شامل لهما، فالحق أن الحكم على الشيء بالجواز وعدمه كثيرًا ما يبتني على النظر إليه في نفسه، ولا ينظر إلى ما يعتريه من عارض مثبت خلاف هذا الحكم كما في كثير من المباحاث المحرمة لأجل عارض، انتهى.\nوفي هامشه: اختلف في غرض المصنف بالترجمة، وما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه لا سيما أول الاحتمالين من كلامه أوجه عندي مما قالته الشرَّاح في غرض الترجمة.\nقال العيني (^١): أي: هذا باب في بيان جواز المرور بالنبل في المسجد إذا أمسك نصاله، وفي هذه الترجمة نوع قصور على ما لا يخفي، انتهى.\nوتبعه القسطلاني ولم يذكر الإيراد بنوع قصور، والمراد بالقصور أنه لم يذكر في الترجمة إمساك النصل، والإيراد عندي ساقط نشأ بالغرض الذي اختار العلامة العيني، وعلى هذا يلزم تكرار الترجمة بما سبق، فالوجه عندي في غرض الترجمة ما تقدم في كلام الشيخ من أول الاحتمالين، فإن الحديث السابق لما كان يثبت منه جواز المرور أثبته الإمام البخاري مستقلًا لكون المسألة خلافيةً، فإن يكره عندنا الحنفية أن يتخذ المسجد طريقًا، قال صاحب (^٢) \"الدر المختار\": وكره تحريمًا اتخاذه طريقًا لغير عذر، وصرح في \"القنية\" بفسقه باعتياده، قال ابن عابدين: وفي التعبير باتخاذ إيماء إلى أنه لا يفسق بمرة أو مرتين، انتهى من هامش \"اللامع\" (^٣).\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٣/ ٣٨٥).\n(^٢) \"رد المحتار على الدر المختار\" (٢/ ٤٦٨).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٢/ ٤٣٣).","vol":"2","page":752},{"text":"ثم لا يشكل عليك التكرار بما سيأتي من باب الخوخة والممر في المسجد؛ فإن للتوجيه مساغًا كما سيأتي هناك إن شاء الله تعالى.\n\n(٦٨ -<span data-type='title' id=toc-501> باب الشعر في المسجد)</span>\nوقد ورد النهي عنه في عدة أحاديث كما في رواية أبي داود والترمذي، ولعل الغرض أنه جائز عند الضرورة.\nقال العيني (^١): مراد البخاري الإشارة إلى جواز الشعر المقبول في المسجد، وذكره الحافظ بقوله: \"يحتمل\"، وحديث الباب سيأتي في كتاب بدء الخلق، وفيه التصريح أنه كان في المسجد وبه تحصل المطابقة.\n\n(٦٩ -<span data-type='title' id=toc-502> باب أصحاب الحراب في المسجد)</span>\nالحراب - بكسر الحاء المهملة - جمع حربة - بفتحها - قاله القسطلاني (^٢).\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): يعني بذلك: أن أمثال هذه المباحات التي تجري فيها نيَّة العبادة لا ضير في إتيان شيء منها في المساجد بعد ما لم تكن عادةً للعامة ولا مضرًا بالمسلمين أو متضمنًا لمفسدة أخرى، انتهى.\nوفي هامشه عن تقرير المكي: هذا كان بقصد الجهاد ولم يكن في المسجد غيرهم، وأما الأمر بإمساك النصال فذلك حين اجتماع الناس والمصلين مخافة الأذية إليهم، وللإشارة إلى هذا اتصل البابين، انتهى.\nويظهر من كلام الحافظ غرض الترجمة أنهم لا يؤمرون بأخذ النصول كما تقدم؛ لأنهم حينئذ في شغل، والجرح في المرور أقرب من ههنا؛ لأنه قد يقع الجرح في المرور بغتة، انتهى.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٣/ ٤٨٧).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٢/ ١٢٨).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٢/ ٤٣٩).","vol":"2","page":753},{"text":"(٧٠ -<span data-type='title' id=toc-503> باب ذكر البيع والشراء)</span>\nفي \"تراجم شيخ المشايخ\" (^١): غرضه إثبات جواز التكلم بالإيجاب والقبول للبيع في المسجد بلا إحضار المبيع فيه لكونه مثل التكلم كسائر الكلمات المباحة في المسجد، لكن في دلالة الحديث المخرج في الباب على ذلك نوع خفاء؛ لأنه - ﷺ - ذكر البيع والشراء في المسجد لإفادة حكم شرعي، فهي إفادة علمية ليست مما نحن فيه، لكن خصَّ المؤلف نظرًا إلى مجرد ذكر البيع والشراء جاء منه - ﷺ -، والإيجاب والقبول بلا إحضار المبيع ليس إلا ذكر البيع والشراء فيجوز وإن كان هذا من وجه وهذا من وجه آخر، ومثل هذه الاستدلالات كثير في \"البخاري\"، انتهى.\nقلت: وهذا هو الاستدلال بالعموم وهو الأصل الخمسون من أصول التراجم.\nقال الحافظ (^٢): مطابقة الحديث للترجمة بقوله: \"ما بال أقوام يشترطون\" فإن فيه إشارة إلى القصة المذكورة، وقد اشتملت على بيع وشراء وعتق وولاء، وَهمَ بعض من تكلم على هذا الكتاب فقال: ليس فيه أن البيع والشراء وقعا في المسجد ظنًا منه أن الترجمة معقودة لبيان جواز ذلك، وليس كما ظن للفرق بين جريان ذكر الشيء والإخبار عن حكمه فإن ذلك حق وخير، وبين مباشرة العقد، فإن ذلك يفضي إلى اللغط المنهي عنه، انتهى.\nفقد ورد النهي عن مباشرة العقد في كثير من الروايات، ففي رواية عند أبي داود (^٣) عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: \"أن رسول الله - ﷺ - نهى عن الشراء والبيع في المسجد\" الحديث.\nقال السندي (^٤): قوله: \"باب ذكر البيع\" أي: ذكر مسائله نبَّه على أن\n_________\n(^١) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ١٧٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٥٥٠).\n(^٣) \"سنن أبي داود\" (ح: ١٠٧٩).\n(^٤) \"حاشية السندي على صحيح البخاري\" (١/ ٩٠).","vol":"2","page":754},{"text":"ما ورد النهي عنه هو فعل البيع والشراء في المسجد، وأما ذكرهما وذكر ما يتعلق بهما من العلم فليس بمنهي عنه، انتهى.\nقوله: (ذكرته ذلك) قال السندي (^١): المشهور على الألسنة بالتشديد كأنه بناء على ما زعموا من كونه متعديًا إلى مفعولين، والمخفف لا يتعدي إليهما فجعلوه مشددًا، لكن مقتضى المشدد أنه - ﷺ - كان عالمًا بالأمر قبل؛ إلا أنه نسيه أو غفل عنه فذكرته عائشة الأمر، وهذا لا معنى له ههنا، فالوجه أن يقرأ مخففًا، والحمل على الحذف والإيصال، أي: ذكرت له ذلك أو على أن ذلك بدل من الضمير والجار والمجرور محذوف، أي: له، وهذا هو الموافق للروايات، انتهى.\nوهو الأوجه عندي وبسطوا في الكلام عليه لا سيما القسطلاني إذ جمع كلام الحافظ والعيني وغيرهما.\n\n(٧١ -<span data-type='title' id=toc-504> باب التقاضي والملازمة في المسجد)</span>\nقال العيني (^٢): وجه مطابقة الحديث بالترجمة في التقاضي ظاهرة، وأما في الملازمة فبوجهين، أحدهما: أن كعبًا لما طالب بدينه في المسجد لازم ابن أبي حدرد إلى أن خرج النبي - ﷺ - وفصل بينهما، وثانيهما: أن هذا الحديث يأتي في \"باب الصلح\" وفي \"باب الملازمة\"، وفيه تصريح الملازمة، انتهى مختصرًا.\nقلت: قد ورد كما في \"الكنز\": \"جنِّبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم وشراءكم وبيعكم وخصوماتكم ورفع أصواتكم\" الحديث، فلعل الإمام البخاري أشار بالترجمة إلى جواز شيء من ذلك إذا لم يتفاحش، والله تعالى أعلم، وسيأتي في \"كتاب الخصومات\" \"باب في الملازمة\" و\"باب التقاضي\"، ولا يشكل التكرار؛ فإن المؤلف ذكرهما من حيث أحكام المساجد وفيما يأتي لكونهما من باب الخصومة.\n_________\n(^١) المصدر السابق (١/ ٩٠).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٣/ ٥٠٢).","vol":"2","page":755},{"text":"(٧٢ -<span data-type='title' id=toc-505> باب كنس المسجد)</span>\nأشار الإمام البخاري بذلك كله إلى ما ورد في بعض طرق الحديث صريحًا عند البيهقي وابن خزيمة فثبت كل أجزاء الترجمة كما ذكره الحافظ (^١) والعيني (^٢).\nولعل الغرض أن ما في أبي داود مرفوعًا أن الحصاة للتنائد الذي يخرجها من المسجد مقيَّد بعدم الضرورة، ولا يدخل فيه الكناسة.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣) تحت لفظ الحديث: \"فأتى قبره فصلى. . .\" إلخ، فيه فضيلة هذا الفعل الذي أوجب له هذا الاعتناء من النبي - ﷺ - ولهذا التنبيه عقد الباب، انتهى.\nيعني: غرض الترجمة التنبيه على فضل كنس المسجد حتى لا يعد فعلًا حقيرًا لحقارة هذا الفعل في أعين الناس، وبه جزم ابن بطال، والبسط في هامش \"اللامع\".\n\n(٧٣ -<span data-type='title' id=toc-506> باب تحريم تجارة الخمر في المسجد)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٤): يعني بذلك: أن تسمية مثل هذه الأشياء المستقذرة المحرمة؛ كالخمر والخنزير في المسجد لا بأس بها إذا كان مبنيًّا على غرض صحيح من بيان المسألة وغيره، انتهى. وهذا ظاهر وبه جزم عامة الشرَّاح.\nوقوله: (ثم حرم تجارة الخمر)، وفي \"تراجم شيخ المشايخ\" (^٥): لما كان حرمة الربا لكونه عقدًا متضمنًا لمفسدة ووجد النبي - ﷺ - تجارة الخمر مشاركة للربا فيه عقب لذلك قراءة الآيات المذكورة بتحريم تجارة الخمر، انتهى مختصرًا.\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (١/ ٥٥٣).\n(^٢) انظر: \"عمدة القاري\" (٣/ ٥٠٥).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٢/ ٤٤١).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٢/ ٣٣٢).\n(^٥) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ١٧١).","vol":"2","page":756},{"text":"قال عياض: كان تحريم الخمر قبل نزول آية الربا لمدة طويلة، فيحتمل أنه - ﷺ - أخبر بتحريمها مرة بعد أخرى تأكيدًا ولعله حضر المجلس من لم يكن بلغه تحريم تجارة الخمر فيها قبل ذلك، كذا في هامش \"اللامع\" عن الكرماني.\nقال الحافظ (^١): ويحتمل أن يكون تحريم التجارة فيها تأخر عن وقت تحريم عينها، انتهى.\nقلت: وظاهر لفظ الترجمة يشير إليه.\n\n(٧٤ -<span data-type='title' id=toc-507> باب الخدم للمسجد)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): يعني بذلك: أن للمتولي وغيره أن يجعل للمسجد خادمًا يقوم عليه سواء كان بشرائه من مال المسجد إذا افتقر إليه أو من مال نفسه أو بالاستئجار، أو أن يخدم المسجد أحد احتسابًا على الله ﵎، فإن كل ذلك جائز لا ضير فيه، انتهى.\nوفي هامشه: أجاد الشيخ في استنباط المسألة الجديرة بشأن تراجم البخاري، وهذا أجود مما ذهبت إليه الشرَّاح في غرض الترجمة.\nقال الحافظ (^٣): كأن غرض البخاري بإيراد أثر ابن عباس - ﵄ - إشارة إلى أن تعظيم المسجد بالخدمة كان مشروعًا عند الأمم السابقة حتى إن بعضهم وقع منه نذر ولده لخدمته، ومناسبة الحديث بالباب من جهة صحة تبرع تلك المرأة بإقامة نفسها لخدمة المسجد لتقرير النبي - ﷺ -، انتهى.\nوفي تقرير مولانا محمد حسن المكي: قوله: \"محررًا\"، أي: خادمًا، ثم الولد لا تجب عليه الخدمة بما قال أبوه، بل هو مختار فيه في شريعتنا، وكان وجوبها عليه في شريعة من قبلنا، وجعل الرجل نفسه أو ابنه أو عبده\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٥٥٤).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٢/ ٤٤٣).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١/ ٥٥٤).","vol":"2","page":757},{"text":"أو أجيره خادم المسجد جائز مستحسن، لكن الأجير لا يثاب بخدمة المسجد، بل ينتقل ثوابه إلى المستأجر، والعبادة إذا كانت فرض عين أو فرض كفاية كالإمامة أو تعليم القرآن لا يجوز أخذ الأجرة به بل يحرم، لكن المتأخرين أفتوا الآن على جوازه، وإذا كانت مستحبةً يجوز أخذ الأجرة بها، لكنه ينتقل ثوابه إلى المستأجر، انتهى.\n\n(٧٥ -<span data-type='title' id=toc-508> باب الأسير أو الغريم. . .) إلخ</span>\nفي \"تراجم شيخ المشايخ\" (^١): دلالة حديث الباب على جواز ذلك ظاهر، والحديث الذي في الباب الثاني لهذا الباب أظهر في ذلك، ولهذا ينبغي أن يقال: إنه باب في باب، وبهذا ينحل ما يشكل في عقد المؤلف ذلك الباب بباب الاغتسال إذا أسلم إنه يناسب إيراده في \"كتاب الغسل\" لا ههنا، فتأمل، انتهى.\nوقال العيني (^٢): الأسير ظاهر، وأما الغريم فبالقياس؛ لأنه كالأسير في يد صاحب الدين، انتهى.\n\n(٧٦ -<span data-type='title' id=toc-509> باب الاغتسال إذا أسلم. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): هذا من الأبواب التي زادها تنبيهًا على أن الحديث الآتي من الباب المتقدم يتضمن مسألة أخرى وراء ما ذكر في الترجمة السابقة؛ إلا أنه نبَّه أيضًا على الترجمة المتقدمة بإعادتها، ونبّه بكلمة \"أيضًا\" على أن الحكم وإن كان يثبت بالحديث السابق أيضًا قياسًا على العفريت؛ إلا أنا نذكر ما يمكن الاستدلال صراحة على ربط الأسير في المسجد، وإنما كان الاغتسال للإسلام من أبواب المسجد حيث أورده في أبوابه بناء على أن دخوله الآن فيه إنما كان لقبول الإسلام، فاستحب الغسل لدخول المسجد للإسلام، انتهى.\n_________\n(^١) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ١٧٢).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٣/ ٥١٠).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٢/ ٤٤٤).","vol":"2","page":758},{"text":"فهذا الباب من الأصل السادس من أصول التراجم كما تقدم في كلام شيخ المشايخ، وهذا على النسخ التي بأيدينا.\nقال الحافظ (^١): كذا في أكثر الروايات، وسقط للأصيلي وكريمة قوله: وربط الأسير إلى آخره، وعند بعضهم \"باب\" بلا ترجمة، وكأنه فصل من الباب الذي قبله، ويحتمل أن يكون بيّض للترجمة فسد بعضهم البياض إلى آخر ما قال.\nوالأوجه عندي: نسخة \"باب الاغتسال إذا أسلم\"؛ لأنها مسألة مهمة مختلفة بين الأئمة، فكانت جديرة أن ينبه عليها الإمام البخاري، ولا يورد أن حقها كان كتاب الطهارة لا تعلق له بأبواب المساجد، إما لما ذكره الشيخ من وجه المناسبة، أو لأن الإمام البخاري لم يذكرها إصالة حتى يحتاج إلى المناسبة، بل ذكرها بابًا في باب للتنبيه على فائدة جليلة تبعًا لكون المسألة خلافية شهيرة.\nوحاصل مذاهب الأئمة: أن الغسل يجب على الكافر إذا أسلم مطلقًا عند الإمام أحمد خلافًا للائمة الثلاثة، إذ أوجبوا الغسل بعد إسلامه حين ما وجد منه في زمن كفر ما يوجب الغسل، فإن وجد شيء منه ثم اغتسل حال كفره يكفي عند الحنفية؛ لأن النية ليست بشرط عندهم، ولا يكفي عند الشافعي مطلقًا، وأما عند مالك فيكفي الغسل إذا اغتسل بعد الإجماع بقلبه وإن لم يسلم بلسانه، فإذا وضح ذلك فالظاهر عندي أن الإمام البخاري أشار بالترجمة إلى هذا الاختلاف، ولقوة الخلاف لم يحكم في الترجمة بشيء كما هو معروف من دأبه، وهو الأصل الخامس والثلاثون من أصول التراجم، انتهى من هامش \"اللامع\" (^٢).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٥٥٥).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٢/ ٤٤٧).","vol":"2","page":759},{"text":"(٧٧ -<span data-type='title' id=toc-510> باب الخيمة في المسجد للمرضى وغيرهم)</span>\nقال الحافظ (^١): أي: جوازه.\nقوله: (فإذا سعد يغزو) كتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): لم يكن دمه سائلًا حين ضربت له خيمة وإلا لما خيموا له في المسجد لتلويثه، بل كان دمه منقطعًا فسال مرة، ولا يبعد أن يكون المسجد المذكور ههنا الموضع المعد للصلاة عند حفر الخندق لا المسجد النبوي ولا المسجد الاصطلاحي، انتهى.\n\n(٧٨ -<span data-type='title' id=toc-511> باب إدخال البعير في المسجد)</span>\nفي \"تراجم شيخ المشايخ\" (^٣): أي: هو جائز إذا وجد سبب داع إليه، وركوبه - ﷺ - في الطواف كان في عمرة القضاء، وسجب ذلك خوفه - ﵇ - من المشركين أن يكيدوا كيدًا ولم يتمكنوا منه بسبب ركوبه ﵊، انتهى.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٤): يعني بذلك: أنهم ينهون عنه لما فيه من احتمال تلويث المسجد، فإذا احتيج إلى إدخال شيء من الدواب فيه أو حصل الأمن من بوله وروثه لكونه مدربًا فلا بأس، انتهى.\nوأشار الشيخ بذلك إلى أن لفظ العلة في الترجمة معناه الحاجة.\nقال الحافظ (^٥): قوله: للعلة، أي: للحاجة، وفهم منه بعضهم أن المراد بالعلة الضعف، فقال: هو ظاهر في حديث أم سلمة دون ابن عباس، ويحتمل أن يكون المصنف أشار بالتعليق المذكور إلى ما أخرجه أبو داود من حديثه: \"أن النبي - ﷺ - قدم مكة وهو يشتكي\" (^٦) الحديث، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٥٥٦).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٢/ ٤٤٧، ٤٤٨).\n(^٣) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ١٧٢).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٢/ ٤٤٩).\n(^٥) \"فتح الباري\" (١/ ٥٥٧).\n(^٦) \"سنن أبي داود\" (ح: ١٨١٨).","vol":"2","page":760},{"text":"قال العيني (^١) بعد ذكر ما ذكره الحافظ: ومع هذا كله تقييد العلة بالضعف لا وجه له؛ لأنا قلنا: إنها أعم، فتناول الضعف، وأن يكون طوافه على بعيره ليراه الناس، كما جاء عن جابر: أنه إنما طاف على بعيره ليراه الناس وليسألوه فإن الناس غشوه، انتهى من هامش \"اللامع\".\n\n(٧٩ -<span data-type='title' id=toc-512> باب)</span>\nبغير ترجمة، في \"تراجم شيخ المشايخ\" (^٢): هذا الباب وقع بلا ترجمة، ومناسبة حديثه مع الأبواب السابقة باعتبار أن خروج الرجلين من الصحابة كان بعد تحدثهما عن النبي - ﷺ - ليلًا في المسجد، فيستنبط منه جواز التكلم والتحدث في المسجد، انتهى.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): ربما يخفى مناسبة الباب، والجواب: أن. . .، انتهى. وفي هامشه: أراد الشيخ بيان غرض الباب ولم يتفق له لعارض فترك البياض بعد قوله: والجواب: أن. . .، وأفاد والدي المرحوم عند الدرس أن رأس عصا كل واحد منهما كان شبيهًا برأس البعير، فلذلك ألحقه الإمام البخاري بـ \"باب إدخال البعير\"، وهذا توجيه لطيف، لكني لم أر بعد في شيء من الكتب إنهما كانا شبيهين برأس البعير، وفي تقرير مولانا محمد حسن المكي: قد خلق بقدرة الله تعالى في رأس عصا أحدهما نور مثل المصباح يمشيان بضوئه، فلما افترقا خلق في رأس عصا الآخر أيضًا مصباح، فثبت منه جواز إخراج المصباح من المسجد للظلمة؛ كإدخال البعير فيه، وفي تقريره الآخر: وجه المناسبة أن الطواف في المسجد عبادة فأعطي ببركته البعير لعذر المرض ليسهل له المرور في المسجد، فكذلك\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٣/ ٥١٩).\n(^٢) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ١٧٣).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٢/ ٤٥٢).","vol":"2","page":761},{"text":"الخروج من المسجد بعد انتظار الصلاة، والتأخر عنده ﵊ عبادة ومرور في المسجد، فأعطي ببركته النور لعذر الظلمة فكما أعطي في الأول لبركة العبادة البعير أعطي في الثاني النور، انتهى.\nوبسط الكلام على وجوه المناسبة في هامش \"اللامع\" (^١)، وفي آخره: وعلم من هذا كله كما يظهر من أقوالهم أنهم اختلفوا في وجه المناسبة على أحد عشر قولًا:\nالأول: توجيه الوالد قُدَّس سرُّه.\nالثاني والثالث: ما تقدم آنفًا عن تقرير المكي.\nالرابع: أن لا مناسبة بالباب السابق بل بأبواب المساجد مطلقًا، وكأنه أشار إلى قوله عزَّ اسمه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا﴾ الآية [النور: ٤٠].\nالخامس: الإشارة إلى أن من يسبح لله تعالى في المسجد جعل الله له نورًا من بين يديه.\nالسادس: أشار إلى حديث أبي داود وغيره: \"بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة\" وهو مختار الحافظ.\nالسابع: إشارة إلى قوله عزَّ اسمه: ﴿يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ الآية [الحديد: ١٢].\nالثامن: بيان لفضيلة الانتظار لصلاة العشاء.\nالتاسع: بياض في الأصل، كأن البخاري أراد وضع ترجمة لكن لم يتفق له.\nالعاشر: بيان الفضيلة لمجرد القعود في المسجد.\nالحادي عشر: جواز التحدث في المسجد، انتهى.\nورقم على هذا الباب شيخ الهند رمز نقطة واحدة وهو إشارة إلى أن المصنف ترك الترجمة لقصد التمرين وتشحيذًا للأذهان.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٢/ ٤٥١ - ٤٥٣).","vol":"2","page":762},{"text":"(٨٠ -<span data-type='title' id=toc-513> الخوخة والممر في المسجد)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): يعني بذلك جواز المرور فيه عند عدم مانع من الجنابة وغيرها، وجه الاستدلال ما كانت عليه أصحاب الخوخات من المرور فيه، ولم يكن الأمر بسد الخوخات نسخًا لجواز المرور وإلا لما خصص عنه أبو بكر لكونه أحدًا من أفراد الأمة، بل ليعلم بذلك مزيد اختصاص له بالإمامة الصغرى، فيكون إشارة إلى الإمامة الكبرى مع ما يظهر له في ذلك من زيادة شرف ومنقبة، انتهى.\nوالظاهر عندي: أن الممر اسم ظرف عطف تفسير للخوخة فإنها قد تكون صغيرة جدًا تكفي للوضوء، وقد تكون كبيرة يمر الناس منها، وعلى هذا فكأن الإمام البخاري أشار عندي بلفظ: الممر، إلى أن المراد بالخوخة المعنى الثاني، أي: الباب الصغير، وعلى هذا فلا يشكل على الإمام تكرار الترجمة فإنه تقدم قريبًا \"باب المرور في المسجد\"، فلو جعل الممر مصدرًا ميميًا كما عليه عامة الشرَّاح، وعليه بنى الشيخ تقريره يلزم تكرار الترجمة.\nفالظاهر عندي ههنا جواز فتح الباب في المسجد عند الحاجة إليه كما يدل عليه الاستثناء لأبي بكر دفعًا لما يتوهم من نسخه.\nقوله: (حدثنا محمد بن سنان. . .) الحديث، من منتقدات الدارقطني، والانتقاد عليه إنما هو بحذف الواو عن قوله: عن بسر، ويظهر من كلام الحافظ (^٢): أن البخاري صرّح بتغليط حذف الواو، ولذا أورد الحافظ على الدارقطني انتقاده على البخاري، لكن الصحيح ههنا حذف الواو وإن كان صحيحًا في نفس الأمر، إذ صرحوا أن محمد بن سنان رواه بحذف الواو، وليست الواو في نسخ الشروح والمصرية.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٢/ ٤٥٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٥٥٩).","vol":"2","page":763},{"text":"(٨١ -<span data-type='title' id=toc-514> باب الأبواب والغلق للكعبة. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): أفاد بذلك دفع ما عسى أن يتوهم من كراهة غلق باب المسجد لكونه عائدًا على موضوعه بالنقض، إذ المسجد حق مشترك فيه، فلا يستبد به أحد منهم فيغلقه ويسده على غيره، فرد هذا التوهم بأن ذلك جائز إذا كان متضمنًا لفائدة من صون متاع المسجد وحفظ ما فيه من الأثاث، ودلالة الرواية والأثر على هذا المعنى ظاهرة، وكان مسجد ابن عباس هذا في الطائف بناء حين انتقل إليها، انتهى.\nوفي هامشه: قوله: الغلق بالمعجمة واللام المفتوحتين المغلاق وهو ما يغلق به الباب، وفسَّره شيخ الإسلام بالقفل.\nوفي \"فيض الباري\" (^٢): الغلق ترجمته: روك يعني قفل، يا بلائ يا جتخنى، انتهى.\nقال العيني (^٣): أي: هذا باب في بيان اتخاذ الأبواب للكعبة ولغيرها من المساجد لأجل صونها عما لا يصلح فيها، ولأجل حفظ ما فيها من الأيدي العادية، ولهذا قال ابن بطال: اتخاذ الأبواب للمساجد واجب، وعلل الوجوب بما ذكرنا، انتهى.\nقلت: ولا يبعد عندي أن الإمام البخاري أشار بالترجمة إلى أن ذلك لا يدخل في قوله عزَّ اسمه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا﴾ الآية [البقرة: ١١٤]، إلى آخر ما بسط في هامش \"اللامع\" (^٤).\n\n(٨٢ -<span data-type='title' id=toc-515> باب دخول المشرك في المسجد)</span>\nقال العيني (^٥): أي: هذا باب في بيان جوازه، وفيه خلاف، فعندنا\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٢/ ٤٥٩).\n(^٢) \"فيض الباري\" (٢/ ٦٣).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٣/ ٥٢٩).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٦/ ٤٥٩).\n(^٥) \"عمدة القاري\" (٣/ ٥٣١).","vol":"2","page":764},{"text":"يجوز مطلقًا، وعند المالكية المنع مطلقًا، وعند الشافعية التفصيل بين المسجد الحرام وغيره، انتهى.\nقلت: وفيه خلاف الإمام محمد كما بسطه الشامي، وعن أحمد فيه روايتان لا يجوز مطلقًا ويجوز بإذن الإمام، وأما الحرم فلا يجوز له الدخول بحال، كما في \"المغني\".\n\n(٨٣ -<span data-type='title' id=toc-516> باب رفع الصوت في المسجد)</span>\nقال السندي (^١): يحتمل أنه بذكره الحديثين أشار إلى تفصيل بأنه إن كان بلا ضرورة فلا يجوز، وإن كان بضرورة يجوز، أو إلى أنه ممنوع بضرورة أو بلا ضرورة، فلذلك بادر - ﷺ - إلى قطع الاختصام بينهما الموجب لرفع الصوت في المسجد قطعًا لرفع الصوت فيه، وصارت هذه المبادرة بمنزلة الإنكار على رفع الصوت، والله تعالى أعلم.\nوفي \"تراجم شيخ المشايخ\" (^٢): أي: هو مكروه، ولا ينبغي أن يقع من المتقي، انتهى.\nوفي \"الدر المختار\": كراهة رفع الصوت بذكر إلا للمتفقه، انتهى.\nوفي \"البذل\" (^٣) في \"باب كراهية إنشاد الضالة. . .\" إلخ، حتى كره مالك البحث العلمي، وجوزه أبو حنيفة وغيره، ويستثنى من ذلك عقد النكاح فيه، انتهى.\nوفي \"تراجم شيخ المشايخ\" (^٤): والحديث الأول من الباب بحسب الظاهر حديث موقوف، ومثل هذا عند المؤلف له حكم المرفوع ولما ذكر فيه لفظ مسجد رسول الله - ﷺ -، وقد خالف مسلم في أمثال هذا الحديث\n_________\n(^١) \"حاشية السندي على صحيح البخاري\" (١/ ٩٣).\n(^٢) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ١٧٤).\n(^٣) \"بذل المجهود\" (٣/ ٢٠١).\n(^٤) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ١٧٤).","vol":"2","page":765},{"text":"قريبًا من ثلاث مائة حديث، ولم يحكم برفع تلك الأحاديث، انتهى.\nوقال الحافظ (^١): قوله: \"لأوجعتكما\"، زاد الإسماعيلي \"جلدًا\" ومن هذه الجهة يتبين كون هذا الحديث له حكم الرفع؛ لأن عمر لا يتوعدهما بالجلد إلا على مخالفة أمر توقيفي، انتهى.\n\n(٨٤ -<span data-type='title' id=toc-517> باب الحلق والجلوس في المسجد)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): يعني بذلك: أن ما ورد من النهي عن التحلق فإنما هو حيث يخل بأمر الصلاة ويشغلهم عنها، فأما إن كان الاجتماع لغيرها من استماع خطبة أو وعظ فلا ضير فيه كما تثبته الروايات، وإثبات الروايات إياه مبني على أن جلوسهم للوعظ إنما كان حلقًا لا صفوفًا، وذلك لما فيه من التوجه التام والإقبال البالغ إلى الواعظ فيكون أبلغ في العظة، مع أن فيه تقربًا إليه، وفي الاصطفاف يقتضي تقرب بعض دون بعض، وقد وقع التصريح أيضًا في الرواية الثالثة، فكان كالقرينة في جلوسهم لاستماع الخطبة في الروايتين المتقدمتين، انتهى.\nقلت: وقد ورد النهي عن التحلق في عدة روايات، منها ما رواه مسلم (^٣) عن جابر بن سمرة قال: دخل رسول الله - ﷺ - المسجد وهم حلق فقال: \"ما لي أراكم عزين\" الحديث، فلا معارضة، لأنه إنما كره تحلقهم على ما لا فائدة فيه ولا منفعة، بخلاف تحلقهم حوله كما أفاده الشيخ، إلى آخر ما في هامش \"اللامع\".\n\n(٨٥ -<span data-type='title' id=toc-518> باب الاستلقاء في المسجد. . .) إلخ</span>\nفي \"تراجم شيخ المشايخ\" (^٤): ثبت في الباب جواز الأمرين الاستلقاء\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٥٦١).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٢/ ٤٦٤).\n(^٣) \"صحيح مسلم\" (ح: ٤٣٠).\n(^٤) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ١٧٥).","vol":"2","page":766},{"text":"ووضع الرجل على الرجل الذي نهى عنه في حديث آخر، فإما أن يقال: إن هذا ناسخ للنهي، أو يقال: إن النهي محمول على ما إذا كان الإزار ضيِّقًا يخاف انكشاف العورة، انتهى.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): قصد بذلك أن ما ورد من النهي عن الاستلقاء في المسجد فإنما هو معلول بكشف الستر، فإذا أمن منه فلا ضير فيه، انتهى.\nقلت: والأوجه عندي: أن الإمام البخاري أشار بقوله: ومد الرجل في الترجمة كما في نسخة إلى ما اختاره الشيخ في \"البذل\" (^٢) أن وضع الرجل على الرجل وهو مستلق على نوعين: إما أن تكون الرجلان ممدودتين ومبسوطتين على الأرض، فيضع إحداهما على الأخرى، ففي هذه الصورة مأمون عن التكشف، وإما أن تكون إحدى الرجلين مقبوضة ويضع الرجل الأخرى على ركبة الرجل المقبوضة، فعلى هذا إذا كان لابسًا الإزار يحتمل أن تنكشف عورته، فالنهي محمول على هذه الهيئة، وأما إذا كان عليه سراويل، فلا يحتمل كشف العورة فيجوز، انتهى.\nفالحاصل: أن الشرَّاح ذهبوا في ذلك إلى أقوال خمسة، الأول: أنه منسوخ، والثاني: أن النهي إذا خشي كشف العورة، والجواز عند الأمن منه، وهو مختار الحافظ، والثالث: أن النهي عند مجتمع الناس والجواز في الخلوة، والرابع: النهي عند ضيق الإزار والإباحة عند سعتها، وهو مختار شيخ المشايخ، والخامس: مختار شيخنا في \"البذل\" كما تقدم وهو مختار الإمام البخاري عند هذا الفقير، انتهى من هامش \"اللامع\" مختصرًا.\n\n(٨٦ -<span data-type='title' id=toc-519> باب المسجد يكون في الطريق. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): أراد بذلك إثبات أن المسجد حق العامة\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٢/ ٣٦٦).\n(^٢) \"بذل المجهود\" (١٣/ ٢٨١).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٢/ ٤٦٩).","vol":"2","page":767},{"text":"كالطريق، فلكل منهم أن يجعل بعضه مسجدًا إذا لم يضر العامة إلا أنه يمكن لكل واحد منهم أيضًا أن يمنعه عن ذلك وإن لم يكن له ضرر فيهز.\nوالحاصل: أن الطريق بعد ما لم يكن ضيِّقًا فلكل من العامة إحداث شيء فيه ما لم يضر بالعامة، سواء كان ما يحدثه لنفسه خاصةً أو للناس عامة وأيضًا فكما أن لكل منهم حق الإحداث فكذلك لكل منهم منعه عنه لاشتراك الكل فيه، انتهى.\nقال الحافظ (^١): وبناء المسجد في ملك المرء جائز بالإجماع، وفي غير ملكه ممتنع بالإجماع، وفي المباحات حيث لا يضر بأحد جائز خلافًا لبعضهم كربيعة، ونقله عبد الرزاق عن علي وابن عمر، فأراد البخاري الرد عليه، انتهى من هامش \"اللامع\".\n\n(٨٧ -<span data-type='title' id=toc-520> باب الصلاة في مسجد السوق)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): أي: المواضع المهيآت للصلاة التي ليس لها حكم المساجد وهي ما جعله الواقف لله تعالى خاصة، وثبت له حكم المسجد بشرائطه المعروفة في الفقه، والقرينة على أن المراد بالمسجد هذا لا الاصطلاحي، قوله: على صلاته في سوقه إذ لو كان المراد فيه هو المسجد الاصطلاحي لما انتقص أجره من صلاة المسجد، انتهى.\nوإليه يظهر ميل شيخ المشايخ في \"التراجم\"، وفي هامش \"اللامع\": اختلف الشرَّاح في غرض المصنف بالترجمة وحاصل ما أفادوا في ذلك عدة أقوال:\nالأول: مختار الشيخ في \"اللامع\" من أن المراد بالمسجد في الترجمة غير الاصطلاحي، وهو الذي اختاره الكرماني.\nوالثاني: الرد على الحنفية حيث قالوا بامتناع المساجد في الدار\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٥٦٤).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٢/ ٤٧٢).","vol":"2","page":768},{"text":"المحجوبة عن الناس، وتعقب عليه الحافظ بأن الذي في كتب الحنفية الكراهة لا التحريم.\nوالثالث: مختار ابن بطال أن المراد بالمسجد في الترجمة المسجد الاصطلاحي، وروي أن الأسواق شر البقاع؛ فخشي البخاري أن يتوهم أنه لا تجوز الصلاة في الأسواق، فاستدل بحديث الباب أنه إذا جازت الصلاة في الأسواق فرادى كان أولى أن يتخذ فيه مسجد للجماعة.\nالرابع: مختار الحافظ من أن حديث الأسواق شر البقاع الذي أخرجه البزار في \"مسنده\" لا يصح إسناده، ولو صح لم يمنع المسجد في السوق؛ لأن بقعة المسجد تكون بقعة خير، انتهى ملخصًا.\nقوله: (وصلى ابن عون في مسجد) قال القسطلاني (^١): لا ذكر فيه للسوق، والله أعلم بوجه المناسبة، وكذا أنكرها العيني.\nوقال الحافظ (^٢): إشارة إلى أن لا يتوهم أحد أن احتجار السوق يمنع المسجد فيه، فأثبت الجواز محتجرًا، وعلى ما في \"اللامع\" من غرض الترجمة فالتطابق ظاهر\nوفي \"تراجم شيخ المشايخ\" (^٣): أن المناسبة باعتبار أنه يدل على أن ابن عون صلى في مسجد وراء المسجد وما أورد عليه أنه صلى ابن عون في مبيته ليس بشيء؛ لأن صلاته كان من حيث كونه مسجدًا ولهذا القدر من المناسبة أورد المؤلف تعليقات الأبواب، بل بأدنى من ذلك، انتهى.\n\n(٨٨ -<span data-type='title' id=toc-521> باب تشبيك الأصابع. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٤): يعني بذلك أن النهي عنه ليس بتحريم بل أدب ومعلل بما فيه من الإعراض والاستغال عن التوجه إلى الصلاة التي\n_________\n(^١) انظر: \"إرشاد الساري\" (٢/ ١٥٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٥٦٥).\n(^٣) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ١٧٥).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٢/ ٤٧٨).","vol":"2","page":769},{"text":"خرج من بيته لأجلها، مع أنه في صلاة منذ خرج منه فلا يشبك، وأما في غير هذا فلا ضير، انتهى.\nقال الكرماني (^١): لعل مراد البخاري جواز التشبيك مطلقًا؛ لأنه إذا جاز فعله في المسجد ففي غيره أولى، انتهى.\nوبه جزم الحافظ (^٢)، وإليه ميل شيخ المشايخ في \"التراجم\" (^٣).\nوقال: قال ابن بطال: وجه إدخال هذه الترجمة معارضة ما ورد في النهي عن التشبيك في المسجد، وقد ورد فيه مراسيل مسندة من طرق غير ثابتة، وقال ابن المنيِّر: التحقيق أنه ليس بين هذه الأحاديث تعارض إذ المنهي عنه فعله على وجه العبث، والذي في الحديث إنما هو لمقصود التمثيل، وجمع الإسماعيلي بأن النهي مقيَّد بما إذا كان في الصلاة أو قاصدًا لها، وأحاديث الباب الدالة على الجواز خالية عن ذلك.\nوقال العيني (^٤): اختلف العلماء في تشبيك الأصابع في المسجد وفي الصلاة، وكره إبراهيم ذلك في الصلاة، وهو قول مالك، ورخص في ذلك ابن عمر وابنه سالم، فكانا يشبكان في الصلاة، وفي \"الدر المختار\" (^٥) في مكروهات الصلاة: فرقعة الأصابع وتشبيكها ولو منتظرًا لصلاة ولا يكره خارجها لحاجة، قال ابن عابدين: ينبغي أن تكون الكراهة تحريمية، وفي حاشيتي على \"البذل\" (^٦) عن ابن رسلان أن ذلك على مراتب: الأول: في الصلاة وهو أشد كراهة؛ لأنه ينافي الصلاة، والثاني: لمنتظر الصلاة وهو أخف من الأولى، لكن يكره لحديث الباب - يعني: حديث كعب عجرة مرفوعًا عند أبي داود (^٧) \"إذا صلى أحدكم فلا يشبكن بين أصابعه\"\n_________\n(^١) \"شرح الكرماني\" (٤/ ١٤١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٥٦٦).\n(^٣) انظر: \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ١٧٦).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (٣/ ٥٤٨).\n(^٥) \"رد المحتار على الدر المختار\" (٢/ ٤٠٩).\n(^٦) انظر: \"بذل المجهود\" (٣/ ٤٠٩).\n(^٧) \"سنن أبي داود\" (ح: ٥٦٠).","vol":"2","page":770},{"text":"الحديث -، والثالث: في المسجد بعد الصلاة، وهو مباح لحديث ذي اليدين، والرابع: في غير المسجد وهو أولى بالإباحة، وما ورد من مطلق المنع عنه في المساجد محمول على ما قبل الصلاة، انتهى من هامش \"اللامع\".\nوفي \"المغني\" (^١): يكره التشبيك في الصلاة، انتهى.\n\n(٨٩ -<span data-type='title' id=toc-522> باب المساجد التي على طرق المدينة)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): قصد بذلك أن يبين مواضع نزول النبي - ﷺ - في ذهابه إلى مكة وإيابه عنها ليتبرك بالصلاة والدعاء فيها، ومناسبته بأبواب المساجد ظاهرة، انتهى.\nوالشرَّاح سكتوا عن غرض الترجمة، والأوجه عندي: أنه أثبت جواز الاستبراك بمشاهد الأنبياء والصالحين استدلالًا بفعل ابن عمر وتحريه ودفعًا لما يتوهم من قول عمر - ﵁ - كما حكى العيني (^٣): أنه - ﵁ - كان في سفر، فصلى الغداة، ثم أتى على مكان فجعل الناس يأتونه، ويقولون: صلى فيه النبي - ﷺ - فقال عمر: إنما هلك أهل الكتاب؛ لأنهم تتبعوا آثار أنبيائهم واتخذوها كنائس وبيعًا، فمن عرضت له الصلاة فليصل وإلا فليمض، انتهى.\nووجه الجمع بين قول عمر وفعل ابنه، بأن عمر - ﵁ - خشي أن يلتزموه ويجعلوه واجبًا، وكلا الأمرين مأمون من ابنه، ودليل جواز الاستبراك حديث عتبان - ﵁ - وسؤاله النبي - ﷺ - أن يصلي في بيته ليتخذه مصلى، وإجابة النبي - ﷺ - لذلك فهو حجة للتبرك بآثار الصالحين وغير ذلك من الآثار والروايات بسطت في هامش \"اللامع\".\n_________\n(^١) \"المغني\" (٢/ ١١٧).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٢/ ٤٨٢).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٣/ ٥٦٠).","vol":"2","page":771},{"text":"قوله: (والمواضع. . .) إلخ، قال القسطلاني (^١): أي: ولم تجعل مساجد، انتهى.\nوذكره العيني نسخة وليس في نسخته، وبسط الشيخ الكلام على هذه المواضع في \"اللامع\" فارجع إليه لو شئت.\n\n(٩٠ -<span data-type='title' id=toc-523> باب سترة الإمام. . .) إلخ</span>\nوفي \"تراجم شيخ المشايخ\" (^٢): لما فرغ من أحكام المسجد شرع في أحكام السترة، وغرض المؤلف من عقد هذا الباب أن سترة الإمام كاف للقوم، فمع سترة الإمام لو مر المار بين يدي القوم لا يأثم بذلك، والإشارة إلى ما قاله الشافعي في معنى قول ابن عباس: يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار، أي: إلى غير سترة ليس على ما ينبغي، بل معناه إلى غير جدار يكون هو سترة، وإن كانت العنزة سترة له؛ لأنه ثبت من تتبع أحواله - ﷺ - في صلاته في الصحراء أنه ما صلَّى إلا والعنزة تكون بين يديه، ولذلك استشكل استدلال ابن عباس بذلك؛ لأن عدم إنكار أحد له يجوز لكون صلاة رسول الله - ﷺ - إلى سترة، وسترة القوم سترة الإمام، بل الظاهر هو هذا، فافهم.\nويمكن توجيه قول الشافعي إلى غير سترة، أي: إلى غير سترة جدار دون مطلق السترة، فلا مخالفة بين قوله وقول الآخرين، انتهى.\nومسألة الباب خلافية، ففي هامشي على \"البذل\" (^٣): أجمعوا على أن المأموم لا يحتاج إلى سترة بعد سترة الإمام، واختلفوا في أن الإمام سترة لمن خلفه، أو سترته سترة لمن خلفه قولان للمالكية كما قال الدردير، ومختار الحنفية الثاني، كما في \"البحر الرائق\"، ونص عليه أحمد، وبه قال\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٢/ ١٦١).\n(^٢) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ١٧٨).\n(^٣) انظر: \"بذل المجهود\" (٣/ ٦٦٩).","vol":"2","page":772},{"text":"الشافعي كما في \"المغني\" (^١).\nوثمرة الخلاف تظهر في المرور أمام الصف الأول، فعلى الأول يحرم؛ لأنه مرور بينه وبين سترته، وعلى الثاني يجوز؛ لأن الإمام حائل بينه وبين سترته، كذا قال الدردير، انتهى.\nوفي \"الفتاوى الرشيدية\": يستثنى منه الصلاة في المقابر؛ فإن فيها لا بدّ من السترة لكل واحد من الإمام والمأموم، انتهى معربًا.\nقوله: (بمنى إلى غير جدار) أي: إلى غير سترة أو إلى سترة غير جدار قولان كما سبق في كلام شيخ المشايخ، وبوَّب البيهقي عليه: \"الصلاة إلى غير السترة\" خلافًا لما أثبته المؤلف.\nقال الحافظ (^٢): ووقع عند مسلم: \"بعرفة\".\nقال النووي: يحمل ذلك على أنهما قضيتان، وتعقب بأن الأصل عدم التعدد، ولا سيما مع اتحاد المخرج، فالحق أنه شاذ، انتهى.\nولا يخفى عليك أن الترجمة لفظ حديث للطبراني كما تقدم في الأصول.\n\n(٩١ -<span data-type='title' id=toc-524> باب قدر كم ينبغي. . .) إلخ</span>\nوفي \"تراجم شيخ المشايخ\" (^٣): غرضه من إثبات ذلك أن لا يتجاوز المصلي عن هذا القدر لئلا يفضي إلى تضييق الطريق على الناس، والموضع الذي يكون من القدم إلى موضع الجبهة، وثبت أنه كان بين موضع قيامه - ﷺ - وبين الجدار ثلاثة أذرع، فإذا كان كذلك فتقريبًا يبقى بين مصلاه، أي: موضع سجوده وبين الجدار ممر الشاة، انتهى.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٤): الظاهر أن المصلي على زنة الفاعل،\n_________\n(^١) انظر: \"المغني\" (٣/ ٨١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٥٧٢).\n(^٣) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ١٧٨).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٢/ ٤٩٦).","vol":"2","page":773},{"text":"والمراد بالمسافة الواقعة بينهما هي المسافة بين موضع سجوده والجدار، ولا مانع عن حمله على المفعول درايةً، ولعل الرواية لا تساعد عليه، والمراد بالمصلي جملة ما يكون من مقام المصلي إلى موضع سجوده، فالمقصود على الوجهين جميعًا بيان ما بين الجدار وموضع الجبهة من الأرض، والمراد بقوله: \"ممر الشاة\" أي: يمكن لها المرور على عسرة ودقة، وفي الرواية الآتية: لا تكاد تمر بسهولة وسعة، أو المراد أنه كان بحيث يمكن فيه مرور الهزيلة والصغيرة، ولا يمكن ممر الكبيرة والسمينة، فالنفي راجع إلى غير ما رجع إليه الإثبات وإن بنى الأمر على أنه تخمين من الكل حسب ظنه، أو أنه تقريب فقط، فالأمر أسهل من أن يجاب، انتهى.\nقال الحافظ (^١): لفظ المصلي بكسر اللام ويحتمل الفتح، وتعقب عليه العيني (^٢): بقوله: هذا احتمال أخذه من كلام الكرماني، ثم رد عليه، واقتصر القسطلاني (^٣) على كسر اللام، وهذا كله في الترجمة، وأما في الحديث فبالفتح لا غير.\nوالأوجه عندي: أن الإمام البخاري أشار في الترجمة حيث بوَّب المصلي بكسر اللام إلى اختلاف بين العلماء في أن هذا المقدار بين السترة وبين موضع السجود أو بينهما وبين موضع القيام، وبالأول قالت الجمهور، وبالثاني قال بعض المالكية، ولذا قال: ينبغي أن يكون الشبر بينه وبين السترة وهو قائم، فإذا ركع تأخر بثلاثة أذرع، قال: والتأخر وإن كان عمدًا لكنه لمصلحة الجمع بين الحديثين، لكن قال السندي (^٤): هذا بعيد ما لوجه أن يحمل المصلى على موضع السجود، وما في بعض الروايات من لفظ موضع القيام تصرف من الرواة، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٥٧٤).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٣/ ٥٧٣).\n(^٣) انظر: \"إرشاد الساري\" (٢/ ١٧٠).\n(^٤) انظر: \"حاشية السندي على صحيح البخاري\" (١/ ٩٧).","vol":"2","page":774},{"text":"قلت: ومسألة حريم المصلي مختلفة، ففي \"الأوجز\" (^١): اختلفوا في قدر كم ينبغي أن يكون بين المصلي والسترة ومحصوله: أن مالكًا لم يجد في ذلك حدًا إلا أن ذلك بقدر ما يركع فيه ويسجد، ويتمكن من دفع من يمر بين يديه، وقدره في فروع الأئمة الثلاثة بقدر ثلاثة أذرع، انتهى من هامش \"اللامع\" (^٢).\n\n(٩٢ -<span data-type='title' id=toc-525> باب الصلاة إلى الحربة)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): لما كان النهي عن السجدة إلى ما يلزم فيه تشبه بعبدة الأصنام يقتضي أن لا تجوز الصلاة إلى الحربة والعنزة وغيرها من السلاح لتعظيم بعض الفرق إياها رد ذلك بأن المؤثر في النهي عنه ما اتفقت عليه طائفة ممن يعتد بها واشتهر أمر عظمته، ولا يبالي بفعل من لا يبالي به من الجهلة، وأورد لذلك عدة أبواب دفعًا للفرق بين أفرادها وكبيرها وصغيرها، فعلى هذا لو صلى إلى البقرة لا تكون كراهته مثل كراهة المصلي إلى النار لاشتهار عبادتها فوق اشتهار عبادة البقر، وتعظيم النار في قلوب أهلها فوق عظمة البقر، انتهى.\nوفي هامشه: هذا أقصى ما يوجه به ترجمة المصنف بحيث يناسب شأنه، وإلا فالشرَّاح قاطبة سكتوا عن غرضه، ثم بسط في شرح كلام الشيخ وتأييده وفيه ولا يبعد عندي أن الإمام البخاري أشار بذلك إلى مقدار السترة طولًا، وترجم بالحربة والعنزة إشارة إلى أنه لا تحديد في ذلك قصرًا وطولًا، فلو ترجم بأحدهما لأوهم تحديده بذلك المقدار إلى آخر ما بسط، ثم لا يخفى عليك أن هذه الترجمة ستأتي في \"كتاب العيد\" بلفظ \"باب الصلاة إلى الحربة يوم العيد\"، ولا يشكل التكرار كما سيأتي هناك فإن الغرض مختلف.\n_________\n(^١) انظر: \"أوجز المسالك\" (٣/ ٢٦٦).\n(^٢) انظر: \"لامع الدراري\" (٢/ ٤٩٧).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٢/ ٤٩٨).","vol":"2","page":775},{"text":"(٩٣ -<span data-type='title' id=toc-526> باب الصلاة إلى العنزة)</span>\nتقدم ما يتعلق بهذا الباب من الغرض في الباب السابق.\nوقال الحافظ (^١): واعترض عليه بأن فيها تكرارًا؛ فإن العنزة هي الحربة، لكن قد قيل: إنما يقال لها: عنزة إذا كانت قصيرة، ففي ذلك جهة مغايرة، انتهى.\nقال القسطلاني (^٢): العنزة بفتح العين المهملة والنون والزاي وهي أقصر من الحربة، أو الحربة الرمح العريض النصل، والعنزة مثل نصف الرمح، انتهى.\nوفي هامش الهندية عن \"الخير الجاري\": مطابقة الحديث الثاني للترجمة باعتبار أن الترجمة شارحة للحديث وإلا فالصلاة غير مذكورة، انتهى.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): قوله: ومعنا عكازة أو عصا أو عنزة لم يذكر تمام الحديث، وهو أنه كان يركزها إذا صلى، وبه تثبت المطابقة، انتهى.\nقلت: وههنا إشكال آخر، وهو أن الراوي شك في العنزة، والجواب أن من عادة المصنف الاستدلال بكل المحتمل، وهو السادس العشر من أصول التراجم.\n\n(٩٤ -<span data-type='title' id=toc-527> باب السترة بمكة)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٤): لعل المراد به أن السترة لما كانت غير مأمور بها لمن صلى في المطاف والمسجد الحرام كان لمتوهم أن يتوهم أن السترة غير مأمورة بها في الحرم مطلقًا، دفع ذلك الوهم؛ لأنها مندوبة في\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٥٧٦).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٢/ ١٧١).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٢/ ٥٠١).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٢/ ٥٠٢).","vol":"2","page":776},{"text":"الحل والحرم وبمكة وغيرها غير أن سقوط تأكدها في المسجد الحرام مبني على ضرورة الحرج، انتهى.\nوبسط الكلام عليه في هامشه، وفيه قال الحافظ (^١): قال ابن المنيِّر: إنما خص البخاري مكة بالذكر دفعًا لتوهم أن السترة قبلة، ولا ينبغي أن يكون لمكة قبلة إلا الكعبة، فلا يحتاج فيها إلى سترة.\nقال الحافظ: والذي أظن أنه أراد أن ينكت على ما ترجم به عبد الرزاق (^٢) في \"مصنفه\": \"باب لا يقطع الصلاة بمكة شيء\" وأخرج فيه حديث كثير بن كثير عن أبيه عن جده قال: رأيت النبي - ﷺ - يصلي في المسجد الحرام ليس بينه وبينهم سترة، أخرجه أصحاب السنن، ورجاله موثوقون إلا أنه معلول، فأراد البخاري التنبيه على ضعف هذا الحديث وأن لا فرق بين مكة وغيرها، هذا هو المعروف عند الشافعية، وعن بعض الحنابلة جواز ذلك في جميع مكة، انتهى.\nقلت: هو المرجح عندهم بل جميع الحرم كذلك كما في \"المغني\"، انتهى مختصرًا.\nوترجم عليه ابن تيمية في المنتقى \"باب دفع المار وما عليه من الإثم\" والرخصة في ذلك للطائفين بالبيت، وذكره الشامي عن بعض الحنفية كما بسط في هامش \"اللامع\" (^٣).\n\n(٩٥ -<span data-type='title' id=toc-528> باب الصلاة إلى الأسطوانة)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٤): لما كان النهي عن الصلاة بين السواري يوهم أن ذلك لعلة في نفس الأسطوانة أوردها لدفع ذلك بإثبات جواز الصلاة إليها أنه ليس لنفسها دخل في النهى، بل النهي عنه مبني على أن فيه\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٥٧٦).\n(^٢) \"مصنف عبد الرزاق\" (رقم ٢٣٨٧).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٢/ ٥٠٢).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٢/ ٥٠٦).","vol":"2","page":777},{"text":"انقطاعًا بين الصفوف أو إضرارًا بالمارة، حتى إنه تجوز الصلاة بينها إذا لم يكن شيء من هذين فأثبت الجواز بالباب الآتي، انتهى.\nقال ابن بطال (^١): لما تقدم أنه - ﷺ - كان يصلي إلى الحربة كانت الصلاة إلى الأسطوانة أولى؛ لأنها أشد سترة، وحكى الحافظ عن الرافعي أنه أشار بذلك إلى أن الأولى للمنفرد أن يصلي إلى السارية، انتهى.\nولا يبعد عندي أنه أشار بالترجمة إلى استحباب السترة في المساجد والبيوت أيضًا خلافًا لما يتوهم من كلام عامة الفقهاء تخصيص ذلك بالصحراء كما بسط في هامش \"اللامع\".\n\n(٩٦ -<span data-type='title' id=toc-529> باب الصلاة بين السواري. . .) إلخ</span>\nتقدم بعض ما يتعلق بهذا الباب من كلام الشيخ في الباب السابق ولا يبعد عندي في غرض الترجمة: أن أثر ابن عمر المتقدم لما كان يوهم عدم جواز الصلاة بين الأسطوانتين حتى أدناه إلى سارية دفعه بذلك، وقيَّده بغير جماعة إشارةً إلى الاختلاف في ذلك.\nواختلف العلماء في هذه المسألة وعلَّة النهي بعد اتفاقهم أنه جائز عند الضيق، ففي هامشي على \"البذل\" (^٢) قال صاحب \"المنهل\": كراهيته مطلقًا للمنفرد والجماعة عند المالكية، وعن أحمد كراهته للمأمومين لا لغيرهم، وعن الكوفيين الإباحة مطلقًا، وعن الشافعي كراهته للمنفرد دون الجماعة، انتهى.\nقلت: مذهب الإمام أبي حنيفة أنه يجوز للمنفرد والجماعة، ويكره للإمام، وأما وجوه النهي فقال ابن العربي: وذلك إما لانقطاع الصفوف أو لأنه موضع صلاة الجن المؤمنين أو لأنه موضع جمع النعال، انتهى.\nأو لأنه محل الشياطين كما قال الدردير أو الإضرار بالمارة كما تقدم\n_________\n(^١) انظر: \"شرح ابن بطال\" (١/ ١٣٣).\n(^٢) انظر: \"بذل المجهود\" (٣/ ٦٢٠).","vol":"2","page":778},{"text":"في كلام الشيخ أو عدم استواء سواري مسجد النبي - ﷺ - كما في \"الكوكب\" (^١)، انتهى من هامش \"اللامع\".\n\n(٩٧ -<span data-type='title' id=toc-530> باب)</span>\nبغير ترجمة، في \"تراجم شيخ المشايخ\" (^٢): هذا الباب لا ترجمة له فهو كفصل الباب الأول من أنه شرع لمقام رسول الله - ﷺ -؛ لأنه يفهم منه أنه - ﷺ - صلى بين العمودين وكان بينه وبين الجدار الذي قبل وجهه قريبًا من ثلاثة أذرع، انتهى.\nقلت: هو الأصل العشرون من أصول التراجم.\nوقال الحافظ (^٣): كذا للأكثر بلا ترجمة وفصله عما قبله؛ لأنه ليس فيه ذكر السواري بل بيان المسافة بينه وبين الجدار، انتهى. وهو مختار العيني.\nوقال الكرماني (^٤): فصل هذا الحديث؛ لأنه لا يدل صريحًا على الصلاة بين الساريتين، لكن المراد منه ذلك لما علم من سائر الأحاديث أو لأن الموضع المذكور من كونه مقابلًا للباب قريبًا من الجدار يستلزم كونها بين الأسطوانتين، انتهى.\nولا يبعد عندي: أنه فصل للتنبيه على مسألة جواز الصلاة في كل البيت بقوله: وليس على أحدنا بأس. . . إلخ، وأيضًا فيه الاستبراك، ورقم على الباب في \"تراجم شيخ الهند\" قُدِّس سرُّه رمز نقطة واحدة، وهو إشارة إلى أنه المصنف ترك الترجمة لقصد التمرين وتشحيذًا للأذهان.\n_________\n(^١) انظر: \"الكوكب الدري\" (١/ ٢٤٦).\n(^٢) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ١٨١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١/ ٥٧٩).\n(^٤) انظر: \"شرح الكرماني\" (٤/ ١٥٨).","vol":"2","page":779},{"text":"(٩٨ -<span data-type='title' id=toc-531> باب الصلاة إلى الرحلة. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^١): المذكور في الحديث الراحلة والرحل، فكأنه ألحق البعير بالراحلة بالمعنى الجامع بينهما، ويحتمل أن يكون إشارة إلى ما ورد في بعض طرقه عند أبي داود: كان يصلي إلى بعيره (^٢). وألحق الشجر بالرحل بطريق الأولوية، ويحتمل أن يكون إشارة إلى حديث علي رواه النسائي (^٣) قال: \"رأيتنا يوم بدر وما فينا إنسان إلا نائم (^٤) إلا رسول الله - ﷺ -؛ فإنه كان يصلي إلى شجرة يدعو حتى أصبح\"، انتهى.\nقلت: أشار الإمام البخاري بذلك إلى خلافية شهيرة بسطت في \"الأوجز\" (^٥) وفيه: وعلم مما سبق أن الصلاة إلى البعير والدابة لا يستحب عند الشافعية والمالكية، ولا بأس به عند الحنابلة والحنفية، انتهى.\nقوله: (إذا هبت الركاب) الشرَّاح كلهم على أن معناه: هاجت.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٦) قوله: (إذا هبت. . .) إلخ، أي: ذهبت إلى المرعى، ولا ينطبق ما ذكره في الحاشية بين السطور أن المراد إذا هاجت وتحركت؛ لأنه إذا كان أمرهم كذلك لم تستقم الصلاة فيه، ولا يفيد وضع الرحل أمامه في دفع التشويش الناشئ بهيجانها، انتهى.\n\n(٩٩ -<span data-type='title' id=toc-532> باب الصلاة إلى السرير)</span>\nقال الحافظ (^٧): أورد عليه الإسماعيلي بأن الحديث دال على الصلاة على السرير لا إلى السرير، ثم أشار إلى أن رواية مسروق عن عائشة دالة على المراد؛ لأن لفظه: كان يصلي والسرير بينه وبين القبلة كما سيأتي،\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٥٨٠).\n(^٢) \"سنن أبي داود\" (ح: ٦٩٢).\n(^٣) \"السنن الكبرى\" للنسائي (١/ ٢١٣، ٧٣٤) الصلاة إلى الشجرة.\n(^٤) في الأصل: \"نام\"، وهو تحريف.\n(^٥) انظر: \"أوجز المسالك\" (٣/ ٢٨٨).\n(^٦) \"لامع الدراري\" (٢/ ٥١٢).\n(^٧) \"فتح الباري\" (١/ ٥٨١).","vol":"2","page":780},{"text":"فكان ينبغي له ذكرها في هذا الباب، وأجاب الكرماني عن أصل الاعتراض بأن حروف الجر تتناوب فمعنى قوله في الترجمة: إلى السرير، أي: على السرير، وادعى قبل ذلك أنه وقع في بعض الروايات على السرير.\nقال الحافظ: ولا حاجة إلى الحمل المذكور، فإن قولها: \"فيتوسط السرير\" يشمل ما إذا كان فوقه أو أسفل منه، وقد بان من رواية مسروق عنها أن المراد الثاني، انتهى.\nوتعقبه \"العيني\" (^١)، واختار مختار الكرماني، وبه جزم السندي وبسطه لكنه أورد أنه لا تعلق حينئذ بأبواب السترة.\nوالأوجه عندي ما قال الحافظ؛ لأن الترجمة من أبواب السترة فلو صارت الترجمة الصلاة على السرير كما قالاه لم تبق من أبواب السترة، انتهى من هامش \"اللامع\".\n\n(١٠٠ -<span data-type='title' id=toc-533> باب ليرد المصلي. . .) إلخ</span>\nفيه ثلاثة مذاهب، رخصة عندنا الحنفية فتركه أولى ومندوب عند الجمهور، حتى حكى ابن رسلان الإجماع عليه، وواجب عند الظاهرية، فلعل المصنف أراد الرد على الأول، وذكر لفظ الحديث بلفظ الأمر لاحتماله القولين الآخرين، والظاهر أن ميلانه إلى الوجوب.\nوقال القسطلاني (^٢): في قوله: \"باب يرد المصلي\" أي: ندبًا، انتهى.\n\n(١٠١ -<span data-type='title' id=toc-534> باب إثم المار. . .) إلخ</span>\nسكت الشرَّاح عن غرض الترجمة، ولا يبعد عندي أن المصنف أراد شرح لفظ الحديث بأن المراد ماذا عليه، أي: من الإثم، وأوجه منه أنه أراد ترجيح أحد القولين من أن الأمر بالدفع لمصلحة المصلي أو لمصلحة المار.\n_________\n(^١) انظر: \"عمدة القاري\" (٣/ ٥٨٥).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٢/ ١٧٩).","vol":"2","page":781},{"text":"قال الحافظ (^١): قال ابن بطال: هل المقاتلة لخلل يقع في صلاة المصلي من المرور، أو لدفع الإثم عن المار؟ الظاهر الثاني، انتهى.\nوقال غيره: بل الأول أظهر؛ لأن إقبال المصلي على صلاته أولى له من الاشتغال بدفع الإثم عن غيره، وقد روى ابن أبي شيبة عن ابن مسعود - ﵁ -: \"أن المرور بين يدي المصلي يقطع نصف صلاته\"، وروى أبو نعيم عن عمر - ﵁ -: \"لو يعلم المصلي ما ينقص من صلاته بالمرور بين يديه ما صلى إلا إلى شيء يستره من الناس\"، فهذان الأثران مقتضاهما أن الدفع لخلل يتعلق بصلاة المصلي ولا يختص بالمار، انتهى.\n\n(١٠٢ -<span data-type='title' id=toc-535> باب استقبال الرجل الرجل. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٢): أي: هل يكره أو لا، أو يفرق بين ما إذا ألهاه أو لا؟ وإلى هذا التفصيل جنح المصنف وجمع بين ما ظاهره الاختلاف من الأثرين اللذين ذكرهما عن عثمان وزيد بن ثابت، ولم أره عن عثمان إلى الآن، وإنما رأيته في \"مصنف عبد الرزاق\" وغيره من طريق هلال عن عمر - ﵁ - أنه زجر عن ذلك، وفيه [عن] عثمان ما يدل على عدم كراهيته ذلك، فليتأمل لاحتمال أن يكون فيما وقع في الأصل التصحيف، انتهى.\nوتعقبه العيني (^٣) إذ قال: لا يلزم من عدم رؤيته أن لا يكون منقولًا عنه، فليس بسديد زعم التصحيف بالاحتمال الناشئ عن غير دليل، انتهى.\nوقال أيضًا ما ملخصه: في الحديث استقبال الرجل المرأة، فقيل: هما سواء، وقيل: لما لم ير بها بأسًا، فالرجل بالأولى، ثم قال: أكثر العلماء على كراهة الاستقبال بالوجه، انتهى.\nوفي \"المغني\" (^٤): يكره أن يصلي مستقبلًا وجه إنسان؛ لأن عمر - ﵁ - أدب على ذلك، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٥٨٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٥٨٧).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٣/ ٥٩٦).\n(^٤) \"المغني\" لابن قدامة (٣/ ٨٧).","vol":"2","page":782},{"text":"(١٠٣ -<span data-type='title' id=toc-536> باب الصلاة خلف النائم)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): أراد بالخلف معنى أعم من معناه المشهور كما يعلم من الرواية الموردة في هذا الباب، انتهى.\nوفي هامشه: قال الحافظ (^٢): كأنه أشار إلى تضعيف ما ورد في أبي داود من النهي عن الصلاة إلى النائم، وكره مالك الصلاة إلى النائم، وظاهر تصرف المصنف عدم الكراهية حيث يحصل الأمن من الإلهاء، انتهى.\nولا يكره عند الحنفية كما نقله ابن عابدين عن شرح \"المنية\"، وعن أحمد ثلاث روايات كما في \"المغني\": الكراهة مطلقًا، وعدم الكراهة مطلقًا، والكراهة في الفريضة خاصةً دون التطوع، ثم يشكل عندي أن الإمام البخاري استدل بالحديث ههنا على الصلاة خلف النائم، وظاهر أنها كانت مستدبرةً حتى يتم الاستدلال على الخلف، وقد استدل به في الباب السابق، وظاهره أنها كانت مستقبلةً حتى يتم الاستقبال، ويزيد الإشكال ما يظهر من كلام الحافظ اتحاد الروايتين.\nوالأوجه عندي: أنهما قصتان مختلفتان، فإن ظاهر سياق الأول أنها كانت يقظى كما يشير إليه قولها: \"وأنا مضطجعة على السرير فتكون لي الحاجة\"، وظاهر أن اعتراء الحاجات يكون في اليقظة، ونص الرواية الثانية أنها كانت راقدةً والنوم المندوب يكون متوجهًا إلى القبلة فلا بد أن تكون مستدبرةً عنه - ﷺ -، وهذا هو الأوجه عندي في مطابقة الروايتين بالترجمتين كما أشار إليه الحافظ (^٣) عندي بقوله: وقد يفرق مفرق بين كونها نائمة أو يقظى، وأما على اتحاد الروايتين فيمكن أن يجاب بأن من دأب المصنف المعروف الاستدلال بكل المحتمل، كما تقدم في الأصول، أو يقال: إن الاستدلال في الماضي بقولها: أكره أن أستقبله، وههنا بفعلها من الرقود\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٢/ ٥٢١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٥٨٧).\n(^٣) انظر: \"فتح الباري\" (١/ ٥٨٧).","vol":"2","page":783},{"text":"أمامه - ﷺ - إلى آخر ما بسط في هامش \"اللامع\" (^١).\n\n(١٠٤ -<span data-type='title' id=toc-537> باب التطوع خلف المرأة)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): لعل المراد بذلك أن ما اشتهر من نقض الصلاة بمحاذاة المرأة فإنما هو حيث اشتركا تحريمةً وأداءً، فأما إذا كان الرجل يصلي صلاته لنفسه فلا بأس بوقوعه في جنب المرأة أو خلفها، ويمكن أن يكون غرضه إثبات ما ذهب إليه الشافعي رحمه الله تعالى من أن صلاة الرجل لا تفسد بوقوعه في جنب المرأة أو خلفهما حيث لم تفسد صلاته - ﷺ -، وأيًا ما كان فاستدلاله مبني على أن يكون الحكم في كونها مصلية عينه عند عدمه، وهو في حيز الخفاء، انتهى مختصرًا.\nوفي هامشه: وحاصل ما أفاده الشيخ: أن في الترجمة احتمالين:\nالأول: جواز كون المرأة أمام المصلي بغير اشتراكهما في الصلاة.\nوالثاني: أنه أراد مسألة المحاذاة المعروفة المختلفة، وأشار إليها بقوله: ويمكن أن يكون. . . إلخ.\nوالأوجه عندي الأول لاتصاله بـ \"باب الصلاة خلف النائم\" ولكونه داخلًا في أبواب السترة، ولعله ترجم بذلك لما فيه شيء من الاختلاف.\nقال الموفق (^٣): ويكره أن يصلي وأمامه امرأة تصلي لقوله - ﷺ -: \"أخروهن من حيث أخرهن الله تعالى\"، وأما في غير الصلاة فلا يكره لخبر عائشة، وإن كانت عن يمينه أو يساره لم يكره وإن كانت في صلاة، انتهى.\nويمكن أيضًا أن الإمام البخاري ترجم بذلك دفعًا لما يتوهم من روايات القطع بمرورها أن استقرارها أمام المصلي أولى بالقطع، فبهذه الوجوه ترجم الإمام بذلك عندي، وأما مسألة المحاذاة فلا تعرض لها في\n_________\n(^١) انظر: \"لامع الدراري\" (٢/ ٥٢٢).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٢/ ٥٢٣).\n(^٣) \"المغني\" لابن قدامة (٣/ ٨٩).","vol":"2","page":784},{"text":"الترجمة ولا في ما أورده من حديث الباب، ومحلها ما سيأتي من \"باب المرأة وحدها تكون صفًا\".\n\n(١٠٥ -<span data-type='title' id=toc-538> باب من قال: لا يقطع الصلاة شيء)</span>\nلا يخفى عليك أنه قد سقط في بعض النسخ الهندية من سهو الكاتب لفظ \"قال\"، ففيه: \"باب من لا يقطع. . .\" إلخ، وهو موجود في نسخ الشروح. في \"تراجم شيخ المشايخ\": غرض المؤلف من عقد هذه الأبواب إلى آخر الكتاب الإشارة إلى أن المرأة غير قاطعة للصلاة، انتهى.\nويشكل أن ظاهر حديث عائشة: شبهتمونا بالحمر والكلاب إنهما يقطعان فكيف الترجمة؟ اللَّهم إلا أن يقال: إن الوارد في أحاديث القطع العلة بأنه شيطان، وهذا يعم المرأة وغيرها فلما ثبت عدم القطع في أحدها ثبت في الآخرين، ولذا استدل به الزهري في الحديث الثاني، ولذا عقبه البخاري.\nوقال القسطلاني (^١) بعد حديث عائشة: وإذا كانت المرأة لا تقطع الصلاة مع أن النفوس جبلت على الاشتغال بها فغيرها من الكلب والحمار وغيرهما كذلك بل أولى، انتهى.\nوبسط في \"الفيض\" (^٢) في معنى القطع الوارد في الأحاديث، وأنكر نسخها وتأويلها حيث قال: ولا تأول في أحاديث القطع وأحملها على ظاهرها إلى آخر ما قال.\nوحاصله: أن المراد بالقطع قطع وصلة المناجاة بين العبد والرب ﵎ كما يتناجي اثنان، فيحول الثالث بينهما فهو قاطع لمناجاتهما.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٢/ ١٨٧).\n(^٢) انظر: \"فيض الباري\" (٢/ ٨٥).","vol":"2","page":785},{"text":"(١٠٦ -<span data-type='title' id=toc-539> باب إذا حمل جارية صغيرة. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): أراد بذلك الرد على من زعم بانتقاض الطهارة بمس المرأة ولو صغيرة، ولا يلزم بذلك تسليم الانتقاض بمس الكبيرة، انتهى.\nوفي هامشه: ما أفاده الشيخ محتمل لكن فيه أنه يكون إذًا محله أبواب نواقض الوضوء من كتاب الطهارة، وقال ابن بطال: أراد البخاري أن حملها إذا كانت لا يضر فمرورها بين يديه لا يضر؛ لأن حملها أشد من مرورها، كذا في \"الفتح\" (^٢).\nوهو الأوجه عندي؛ لأن المصنف بصدد أن لا يقطع الصلاة شيء لا سيما المرأة، ولذا ذكر عدة أبواب مختلفة كلها يؤيد عدم القطع، وفي \"الفيض\" (^٣) فيه مسألتان: الأولى: مسألة حمل الصبي، والثاني: مسألة ثياب الصبي، ثم بسطهما.\nقال القسطلاني (^٤): فعله - ﷺ - لبيان الجواز وهو جائز لنا وشرع مستمر إلى يوم الدين، وهذا مذهبنا ومذهب أبي حنيفة وأحمد، وادعى المالكية نسخه بتحريم العمل في الصلاة إلى آخر ما بسطه، ويقابله ما قال ابن عبد البر: لا أعلم خلافًا أن مثل هذا مكروه فيكون إما في النافلة أو إما منسوخًا إلى آخر ما بسط في \"الأوجز\" (^٥)، وفيه أيضًا عن \"الدر المختار\": يكره حمل الطفل وما ورد نسخ بحديث \"إن في الصلاة لشغلًا\" وبسطه ابن عابدين وما ورد في الحديث من نسبة الرفع والوضع إليه - ﷺ - مجاز، وذلك لأن الصبية قد ألفته - ﷺ - وأنست بقربه فإذا سجد جاءت وتعلقت بأطرافه إلى آخر ما بسط في هامش \"اللامع\" (^٦).\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٢/ ٥٢٧).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (١/ ٥٩٠).\n(^٣) \"فيض الباري\" (٢/ ٨٦).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (٢/ ١٨٩).\n(^٥) انظر: \"أوجز المسالك\" (٣/ ٥٢٠).\n(^٦) انظر: \"لامع الدراري\" (٢/ ٥٢٨).","vol":"2","page":786},{"text":"(١٠٧ -<span data-type='title' id=toc-540> باب إذا صلى إلى فراش. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^١): أي: هل يكره أم لا؟ وحديث الباب يدل على أن لا كراهة، انتهى.\nقال العيني (^٢) تحت الحديث الأول: مطابقة الحديث بالترجمة ظاهرة عند التأمل، ولكن اعترض فيه أنه كيف دلَّ على الترجمة التي هي كون المصلي منتهيًا إلى الفراش؛ لأنه قال: إذا صلى إلى فراش، وكلمة: \"إلى\" لانتهاء الغاية؟ وأجيب بأن الترجمة ليست معقودة للاعتراض، فإن المتعلق بالاعتراض قد تقدم، والذي قصده البخاري بيان صحة الصلاة ولو كانت الحائض بجنب المصلي ولو أصابتها ثيابه، لا كون الحائض بين المصلي وبين القبلة، انتهى.\nوتعبيره بقوله: \"إلى\" أعم من أن تكون بينه وبين القبلة، فإن الانتهاء يصدق على ما إذا كانت أمامه أو عن يمينه أو عن شماله، انتهى بزيادة من \"الفتح\".\nوقال السندي (^٣): كأن المصنف حمله على أن الفراش كان في حذاء المصلي أمامه لا في جانبه، لكن الحديث الثاني وهو: \"وأنا إلى جنبه\" لا يوافق الترجمة، والله تعالى أعلم، انتهى.\n\n(١٠٨ -<span data-type='title' id=toc-541> باب هل يغمز الرجل امرأته. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٤): في الترجمة التي قبلها بيان صحة الصلاة ولو أصابت المرأة بعض ثياب المصلي، وفي هذه الترجمة بيان صحتها ولو أصابها بعض جسده، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٥٩٣).\n(^٢) انظر: \"عمدة القاري\" (٣/ ٦٠٦٨)، و\"فتح الباري\" (١/ ٥٩٣).\n(^٣) \"حاشية السندي على صحيح البخاري\" (١/ ١٠٠).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١/ ٥٩٣).","vol":"2","page":787},{"text":"قال العيني (^١): يعني: نعم، إذا غمزها فلا شيء يترتب عليه من فساد الصلاة، انتهى.\nويشكل عليه زيادة لفظ: \"هل\" في الترجمة، والحديث نص في مطابقة الباب، ولا يبعد أن يقال: إنه إشارة إلى إشكال وهو أن المس ينقض الوضوء عندهم.\n\n(١٠٩ -<span data-type='title' id=toc-542> باب المرأة تطرح عن المصلي. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٢): قال ابن بطال: هذه الترجمة قريبة من التراجم التي قبلها، وذلك أن المرأة إذا تناولت ما على ظهر المصلي فإنها تقصد إلى أخذه من أيّ جهة أمكنها تناوله، فإن لم يكن هذا المعنى أشد من مرورها بين يديه فليس بدونه، انتهى.\nوفي هامش \"اللامع\" (^٣): وقد تقدم \"باب إذا ألقى على ظهر المصلي قذر. . .\" إلخ، ولا يتوهم التكرار؛ لأن المنظور هناك صحة الصلاة بمصاحبة النجاسة كما يدل عليه سياق التراجم هناك، والمقصود ههنا إثبات عدم قطع الصلاة بمرور المرأة فأثبته المصنف بجهات مختلفة ودلائل عديدة، انتهى.\nثم براعة الاختتام عندي في قوله: \"لقد رأيتهم صرعى يوم بدر ثم سحبوا إلى القليب\"، ولم يذكر البراعة ههنا الحافظ قُدِّس سرُّه كما نبهت عليه في مقدمة \"اللامع\".\n* * *\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٣/ ٦٠٩).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٥٩٤).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٢/ ٥٣١).","vol":"2","page":788},{"text":"٩ -<span data-type='title' id=toc-543> كتاب مواقيت الصلاة</span>\nقال الحافظ (^١): \"المواقيت\" جمع ميقات، وهو مفعال من الوقت، وهو القدر المحدد للفعل من الزمان أو المكان، انتهى.\nومناسبته بما سبق وكذا الكلام على المناسبات بين أبواب كتاب الصلاة تقدم في أول كتاب الصلاة.\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-544> باب مواقيت الصلاة وفضلها)</span>\nاختلفت نسخ \"البخاري\" في ذكر عنوان الكتاب والباب كما يظهر من نسخ الحاشية.\nوالأوجه عندي نسخة \"كتاب مواقيت الصلاة وفضلها، باب مواقيت الصلاة\" والضمير في فضلها راجع إلى الصلاة، فالكتاب مشتمل على بيان مواقيت الصلاة وعلى فضائل الصلاة، وعلى هذا فلا يحتاج إلى توجيهات في بيان المناسبة بين الأبواب والكتاب، ثم قوله: \"باب مواقيت الصلاة\" بعد ذكر كتاب المواقيت لا تكرار فيه، فإن المقصود بالباب عندي بيان مبدأ المواقيت كما هو دأب المصنف؛ فإنه يشير في أوائل أكثر الكتب إلى مبدأ هذا الحكم نصًا أو إشارةً كما لا يخفى على من أمعن النظر في تراجم \"البخاري\"، وعلى هذا يكون باب المواقيت متضمنًا لأمرين: بيان المبدأ وبيان الفضل.\nوهذا هو الأوجه عندي، ويحتمل أن يكون الغرض منه بيان الفضل فقط، فيكون قوله: \"وفضلها\" عطفًا تفسيريًا، وبيان الفضل ظاهر من الحديث؛ فإن جبريل - ﵇ - نزل لتعليمها عشر مرات في يومين، وهذا لغاية الاهتمام بذلك.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٣).","vol":"2","page":789},{"text":"وقال شيخ المشايخ في \"التراجم\" (^١): إنما عقَّبه بباب مواقيت الصلاة؛ لأن المراد بكتاب المواقيت كتابها مطلقًا، وببابها المواقيت من حيث إنها شرعت بالوحي أم بالاجتهاد، وأدرج المصنف في كتاب مواقيت الصلاة أبوابًا دالة على فضائل الصلاة، انتهى.\nفأشار شيخ المشايخ إلى أنها ذكرت استطرادًا وتبعًا.\nثم يشكل على تقسيم أوقات الصلاة عدم التوازن والتناسب فيها، فإن الوقت فارغ من الصباح إلى الظهر، ثم تتوالى الصلوات إلى ثلث الليل، ثم لا صلاة إلى الصباح طول الليل، وتكلموا على الحكم في ذلك بوجوه كثيرة، ولا ريب في أن حكم الله ﵎ في أحكامه وتنويعها كثيرة لا تدركها القوة البشرية، وإنما تكلموا عليها حسبما بلغت إليها فراستهم، وارتقت إليها قوتهم الفكرية، وتكلم على حكم قسمة المواقيت مشايخ عديدة، منهم: الرازي في \"التفسير الكبير\"، وشارح \"المنهاج\"، والشيخ التهانوي قُدِّس سرُّه في \"المصالح العقلية\".\nوالأوجه عند ذلك المبتلى بالسيئات المعترف بالتقصيرات: أن الله - ﷿ - لم يخلقنا إلا للعبادة فقط، كما حصره في قوله عزَّ اسمه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، وكان حق ذلك صرف الأوقات كلها في العبادات، وأهمها الصلاة؛ كالملائكة فإن منهم القائمين والراكعين والساجدين إلى يوم القيامة، لا سيما إذا كان الأجر منه عزَّ اسمه يصل إلينا في كل ساعة ونفس في صورة النفس والصحة والسماعة والرؤية وقوة البطش والمشي وغير ذلك من الأيادى المتوالية في كل ساعة، فقد صدق عزَّ اسمه: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤]، ولا مراء في أن عد منافع نعمة واحدة أيضًا من نعمه تعالى خارج عن الطاقة البشرية فكان حق ذلك أن نقوم في الطاعة في كل ساعة من ليل ونهار.\n_________\n(^١) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ١٨٥).","vol":"2","page":790},{"text":"لكن أرحم الراحمين لما رأى عجزنا واحتياجنا إلى المنام والمعاش وغير ذلك من الحوائج مَنَّ علينا بتقسم الملوين فجعل من كل واحد منهما نصفًا لحق العبادة، ونصفًا لنا لحوائجنا، فإن الحوائج تختلف فإن بعضها يختص بالليل، وبعضها يختص بالنهار، ولذا لم يوجب في النصف من كل منهما صلاة وأوجب في النصف الآخر من كل منهما صلوات، وكان حق ذلك أن يصرف هذا النصف بتمامه في الصلوات.\nولذا قال أهل الأصول: إن العظيمة في كل صلاة أن يؤدى في تمام الوقت، فكان ينبغي أن يؤدى كل صلاة من أول وقته إلى آخر وقته لكن أرحم الراحمين منَّ علينا مرة أخرى إذ قبل من جميع الأوقات عدة ركعات تؤدى في وقت يسير، إلا أن الطبائع لمَّا كانت على أحوال مختلفة فبعضها متقاصرة متكاسلة في أداء ما يطلب منهم، وبعضها مستعدة مجتهدة يعدون صرف جميع أوقاتها في أداء ما أرضى مالكهم غاية سعادتهم ومنتهى مأمولهم، فرض الله عزَّ اسمه ركعات عديدة رعاية للأولين ومنًّا عليهم وشرع للآخرين النوافل المخصوصة في أوقاتهم الخاصة تكميلًا لما انتقص من أوقاته عز اسمه، فشرع بمقابلة الظهر الضحى، وبمقابلة العصر الإشراق، كما يومئ إليه حديث علي في \"الشمائل\" (^١) إذ قال: \"إذا كانت الشمس من ههنا كهيئتها من ههنا عند العصر صلى ركعتين، وإذا كانت الشمس من ههنا كهيئتها من هنا عند الظهر صلى أربعًا\" الحديث، وبمقابل العشائين التهجد في آخر الليل، ومن رحمته الواسعة أن الصحيفة إذا كانت في طرفيها عبادة يكفِّر بفضلها ما بينهما كما دلت عليه النصوص الكثيرة من الآيات والأحاديث، قال عزَّ اسمه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، وفي \"الدر\" برواية أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ - فيما يذكر عن ربه ﵎:\n_________\n(^١) \"الشمائل\" للإمام الترمذي (رقم ٢٨١).","vol":"2","page":791},{"text":"\"اذكرني بعد العصر وبعد الفجر ساعة أكفك فيما بينهما\"، \"فضائل ذكر\"، حتى ورد عن ابن عباس مرفوعًا: \"افتحوا على صبيانكم أول كلمة بلا إله إلا الله، ولقنوهم عند الموت: لا إله إلا الله، فإنه من كان أول كلامه لا إله إلا الله، وآخر كلامه لا إله إلا الله، ثم عاش ألف سنة لم يسأل عن ذنب واحد\"، وذكر ابن الجوزي إياه في الموضوعات متعقب كما في رسالتي \"فضائل الذكر عن اللآلي\" وغيره.\nقال ابن عابدين (^١) في بيان كراهة السمر بعد العشاء: والمعنى فيه أن يكون ختام الصحيفة بالعبادة، كما جعل ابتدائها بها ليمحى ما بينهما من الزّلات، ولذا كره الكلام قبل صلاة الفجر، وتمامه في \"الإمداد\"، انتهى.\nولذلك ندب عندي التعجيل في الظهر والتأخير في العصر ليكونا في طرفي الوقت الذي هو حقه تعالى، وأيضًا منتظر الصلاة يكون في حكم الصلاة فلانتظار الصلاة الأخرى يعد مصليًا في سائر وقته عزَّ اسمه، ولأجل ذلك ندب عندي تعجيل المغرب وتأخير العشاء ولولا ضعف الضعيف وسقم السقيم لأخره إلى شطر الليل ليحصى جميع وقته تعالى، ومن ههنا يظهر معنى قوله - ﷺ -: \"اعتموا بهذه الصلاة فإنكم فضلتم بها على سائر الأمم\"، فإن ظاهر كونها صلاة لنا أن نبادر بها تنويهًا بشأنها ونأتي بها في أول أوقاتها اهتمامًا بها، لكن النبي - ﷺ - جعل كونها صلاة لنا علة لتأخيرها، فهذا لا يستقيم إلا بالنظر الدقيق على ما قلنا من أن الأصل فيها كان أداؤها في آخر وقتها لتقع في آخر النصف من حقه عزَّ اسمه.\nفمقتضى الاهتمام بها أن تؤدى في أصل وقتها وهو آخر الوقت المباح، ولهذه الوجوه العديدة قلت: أولا: أن هذه الحكمة أولى عندي من الأقوال الأخر التي ذكرت في ذلك؛ لأنه يظهر من ذلك معنى الروايات الأخر ويطابقه الأصول، ويظهر منه وجه تعجيل الظهر والمغرب وتأخير\n_________\n(^١) \"رد المحتار على الدر المختار\" (٢/ ٢٧).","vol":"2","page":792},{"text":"العصر والعشاء وغير ذلك من المعاني اللطيفة التي تظهر عند التأمل في الروايات، انتهى من هامش \"اللامع\" (^١).\nقوله: (إن جبريل - ﵇ - نزل فصلى. . .) إلخ، كتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): بيَّنه مالك في \"موطئه\" بتفصيل الأوقات والصلوات، وأورده ههنا مختصرًا، انتهى.\nوفي هامشه قوله: \"بيَّنه مالك\" هذه سبقة قلم ليس ذلك في رواية مالك أصلًا، نعم ذكر التفصيل أبو داود، انتهى.\nفلا يرد أنه ليس في الحديث إلا ذكر الصلوات العديدة لا بيان المواقيت.\nوقال العيني (^٣): مناسبة الحديث بأنه علم منه أن الصلاة لها أوقات إذ صلاها خمسًا، انتهى.\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-545> باب قول الله - ﷿ -: ﴿مُنِيبِينَ. . .﴾ إلخ)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٤): قصد بذلك أن الله ﵎ ذكر ترك الصلاة بلفظ الإشراك حيث قال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الروم: ٣١]، فكان تركها إشراكًا أو فعل المشركين، ودلالة الرواية على هذا المعنى من حيث إنه جعل الصلاة جزء الإيمان وانتفاء الجزء هو انتفاء الكل من حيث كونه كلًّا.\nوالجواب عنه ما مر من أنه جزء للكامل من الإيمان لا مطلقه والإشراك في الآية إتيان أفعال المشركين، أو هو شرك دون شرك، انتهى.\nوبنحو ذلك قال السندي (^٥). وفي هامش \"اللامع\" في هذه الترجمة\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٣/ ١ - ٤).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٣/ ٤).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٤/ ٤).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٣/ ٧).\n(^٥) انظر: \"حاشية السندي على صحيح البخاري\" (١/ ١٠١).","vol":"2","page":793},{"text":"عدة أبحاث، الأول في غرض الترجمة، والأوجه عندي: أن الإمام البخاري أشار بذلك إلى روايات وردت في كفر تارك الصلاة كما في \"مسلم\" وغيره (^١): \"بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة\" وغير ذلك من الروايات، وهذا هو الأصل الحادي والأربعون من أصول التراجم، وهو أصل مطرد كثير الوقوع في \"البخاري\".\nوقال الحافظ (^٢): وهذه الآية مما استدل به من يرى تكفير تارك الصلاة لما يقتضيه مفهومها، انتهى.\nوالثاني: مناسبة هذا الباب بالكتاب، فإن كان الكتاب \"كتاب مواقيت الصلاة وفضلها\" كما اخترته فالمناسبة بالجزء الثاني من الترجمة واضحة، وإن كان الكتاب \"كتاب المواقيت\" فقط، فتوجيه المناسبة أن الوارد في الباب: \" ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ \"، وقال قتادة: إقامة الصلاة المحافظة على مواقيتها ووضوئها وركوعها وسجودها كما في \"الدر\"، وأما على توجيه شيخ المشايخ فذكر هذا الباب وأمثاله استطراد.\nوالثالث: مناسبة الحديث بالترجمة، وفيها كلام الشيخ قُدِّس سرُّه أوضح وأجود.\nوقال الحافظ (^٣): ومناسبة الحديث أن في الترجمة اقتران نفي الشرك بإقامة الصلاة، وفي الحديث إثبات التوحيد بإقامتها، انتهى ملخصًا.\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-546> باب البيعة على إقامة الصلاة)</span>\nمناسبتها بفضلها ظاهرة، وأما بالوقت فباعتبار أن الوقت داخل في الإقامة كما تقدم في قول قتادة.\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\" (ح: ٨٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٧).\n(^٣) المصدر السابق (٢/ ٧).","vol":"2","page":794},{"text":"(٤ -<span data-type='title' id=toc-547> باب الصلاة كفارة)</span>\nمناسبة الحديث بالباب ظاهرة، وأما بالكتاب فبفضلها أيضًا ظاهرة، وأما بالمواقيت فيحتمل أن يقال: إنه إشارة إلى أن كونها مكفِّرة مقيَّد بإقامتها في أوقاتها كما يشير إليه الحديث الثاني، لكن يشكل عليه أن هذا المعنى سيأتي قريبًا في ترجمة مستقلة \"باب الصلوات الخمس كفارة للخطايا إذا صلَّاهن لوقتهن. . .\" إلخ، اللَّهم إلا أن يقال: إن الغرض فيما سيأتي عدم التقيد بالجماعة.\n\n(٥ -<span data-type='title' id=toc-548> باب فضل الصلاة لوقتها)</span>\nقال العيني (^١): كان الأصل أن يقال: فضل الصلاة في وقتها؛ لأن الوقت ظرف لها، ولذكره هكذا وجهان، الأول: حروف الجر يقام بعضها مقام البعض، والثماني: اللام ههنا مثل اللام في قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، أي: مستقبلات لعدتهن، انتهى.\nوقال القسطلاني (^٢): قوله: (باب فضل الصلاة لوقتها) أي: في وقتها أو على وقتها، انتهى.\nقلت: ولا يبعد عندي أن الترجمة شارحة للحديث بأن \"على\" في الحديث بمعنى اللام إذ لفظ \"على\" يوهم تقدم الصلاة على وقتها، إذ الشيء على الشيء يكون خارجًا عنه.\n\n(٦ -<span data-type='title' id=toc-549> باب الصلوات الخمس. . .) إلخ</span>\nههنا بحثان:\nالأول: الفرق بين هذه الترجمة وبين ما سبق من باب الصلاة كفارة، قال الحافظ (^٣): هي أخص من الترجمة السابقة لأن الأولى يتناول الخمس\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٤/ ١٨).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٢/ ٢٠٣).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٢/ ١١).","vol":"2","page":795},{"text":"وغيرها، والأوجه عندي: أن قوله: \"إذا صلاهن لوقتهن\" ليس بفارق بين الترجمة؛ لأن هذا القيد وإن لم يذكر فيما سبق نصًا، لكنه ملحوظ معنى لذكره إياها في كتاب المواقيت وإلا لم يبق لذكره وجه ههنا، فالغرض عندي بهذه الترجمة أن الصلاة مكفرة سواء صليت بالجماعة أو بغيرها، وعلى هذا فالفرق واضح.\nوالبحث الثاني: أن تمثيله - ﷺ - بالغسل في النهر ظاهره غسل جميع الخطايا سواء كانت صغيرة أو كبيرة، واتفقوا على أن أمثال هذه الأحاديث مقيَّدة بالصغائر للنصوص الأخر من القرآن والأحاديث خلافًا للمرجئة فعندهم أفعال الخير مكفرة للصغائر والكبائر.\nوأجاد الشيخ قُدِّس سرُّه في \"الكوكب\" (^١) الكلام عليه، وحاصله: أن مراتب الغسل متفاوته جدًا، فمن غاسل ليس له غير سقوط الفرض لو جنبًا، وغير البرد لو طاهرًا، أو من غاسل يهتم باغتساله بالصابون وغيره، وآخر منهم يدخل الحمام فلا يخرج منه في أقل من نصف يوم؛ أفتراهم تساووا في تحصيل النظافة لا والله، انتهى.\nيعني: فكذلك بالوضوء تحصل الدرجة الأولى، وبالصلاة معه الدرجة الثانية وبالتوبة الدرجة الثالثة، وأجاب عنه السندي (^٢) بجواب آخر وهو لطيف جدًا.\nوحاصله: أن أثر الصغائر يكون على ظاهر البدن كما يدل عليه حديث خروج المعاصي عن أعضاء الوضوء وأثر الكبائر يكون على الباطن كما في حديث الآخر: \"أن المؤمن إذا ارتكب معصية تحصل في قلبه نقطة سوداء\" فكما أن الغسل يذهب بدرن الظاهر دون الباطن، فكذلك الصلاة تكفِّر، ويمكن عندي أن يجاب عنه ثالثًا أن الدرن ولو كان على ظاهر البدن\n_________\n(^١) انظر: \"الكوكب الدري\" (٣/ ٤٥٩).\n(^٢) انظر: \"حاشية السندي على صحيح البخاري\" (١/ ١٠٢).","vol":"2","page":796},{"text":"تتفاوت مراتبه جدًا؛ فإن الدرن لو كان بمثل التراب والحمأ وغير ذلك يزول بمجرد الغسل بداهة لكنه إن كان قارًا مثلًا لا يزول عن البدن أصلًا لا بمجرد الغسل ولا بالصابون حتى يلط عليه شيء آخر يزيله كالنفط، فالصغائر بمنزلة الأول والكبائر بمنزلة القار لا تزول إلا بمزيل خاص لذلك وهو التوبة والندم، انتهى من هامش \"اللامع\" (^١).\n\n(٧ -<span data-type='title' id=toc-550> باب في تضييع الصلاة عن وقتها)</span>\nلعله إشارة أنه داخل في وعيد قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾ [مريم: ٥٩]، ولذا بكى أنس على الفرق بين فعلهم وفعل السلف، وتعلقه بفضل الصلاة ظاهر وبالمواقيت بأن التضييع هو التأخير عن الوقت، ولا يبعد أن يكون غرض المصنف بيان المراد بالإضاعة في الآية إذ اختلفوا في أن المراد بالتضييع التأخير عن وقت الجواز أو عن الوقت المستحب، وعلى هذا فالاستدلال يتوقف على فعل أمراء بني أمية، والمشهور أنهم يؤخرونها عن الوقت المستحب، ومال الحافظان ابن حجر والعيني وتبعهما القسطلاني أنهم يؤخرونها عن وقت الجواز، وبسط في هامش \"اللامع\" الكلام على حديث الباب.\n\n(٨ -<span data-type='title' id=toc-551> باب المصلي يناجي ربه)</span>\nقال الحافظ (^٢): ومناجاة الرب - ﷻ - أرفع درجات فينبغي المحافظة على الفرائض في وقتها بتحصيل هذه المنزلة، انتهى.\nوبه تحصل المطابقة بالمواقيت والفضل معًا.\nوقال الكرماني (^٣): مناسبته بكتاب المواقيت أن أوقات الصلاة أوقات المناجاة مع الله - ﷾ -، انتهى.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٣/ ١٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٢/ ١٤).\n(^٣) \"شرح الكرماني\" (٤/ ١٨٥).","vol":"2","page":797},{"text":"وقال القسطلاني: مناسبته بفضل الصلاة بأن المناجاة لا يتحقق إلا إذا كان اللسان معبرًا عما في القلب ولذا قالوا: الصلاة بالقلب اللاهي أقرب إلى العقوبة، انتهى.\n\n(٩ -<span data-type='title' id=toc-552> باب الإبراد بالظهر. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): قصد بذلك الرد على الشافعي في استحبابه تعجيل الظهر مطلقًا، ثم لما كان الشافعي رحمه الله تعالى علل التعجيل بأنه الأصل، والتأخير حيث ورد فإنه لعارض الانتياب من بعد عقد للرد على ذلك بابًا على حدة، وهو التعجيل في السفر؛ فإن الناس في السفر جميع ولا انتياب، انتهى.\nوفي هامشه: لا يبعد عندي أن الإمام البخاري مع الإشارة إلى ما أفاده الشيخ أشار أيضًا إلى رد قيود قيد بها بعض العلماء أحاديث الإبراد إذ لم يقيد ترجمته بشيء من ذلك القيود، فقد قال القسطلاني (^٢): قوله: \"أبردوا بالصلاة\" أي: أخروا صلاة الظهر عند شدة الحر، وعند إرادة صلاتها بمسجد الجماعة حيث لا ظل لمنهاجه في بلد حار لا في بلد معتدل، ولا لمن يصلى في بيته منفردًا، ولا لجماعة مسجد لا يأتيهم غيرهم إلى آخر ما قال، فإطلاق الترجمة يرد على هذه القيود كلها، ثم لا يذهب عليك أن الإمام البخاري قدمه على أول وقت الظهر.\nقال العيني (^٣): إنما قدّمه للاهتمام به.\nوقال الحافظ (^٤): قدَّمه؛ لأن لفظ الإبراد يستلزم أن يكون بعد الزوال لا قبله، فكأنه أشار إلى أول وقت الظهر، أو أشار إلى حديث جابر قال: كان بلال - ﵁ - يؤذن الظهر إذا دحضت الشمس، أي: مالت، انتهى.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٢/ ١٥).\n(^٢) انظر: \"إرشاد الساري\" (٢/ ٢١٢).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٤/ ٢٧).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٢/ ١٥).","vol":"2","page":798},{"text":"وأنت خبير بأن هذا أبعد من قول العيني، لأن الإمام يترجم بأول وقت الظهر قريبًا نصًا فأي فاقة إلى الإشارات.\nوالأوجه عندي: أن تقديمه للإشارة إلى الباب السابق فإن المصلي إذا كان يناجي ربه، فالأولى أن لا يناجيه في شدة الحر؛ لأن المناجاة في شدة الحر لا تورث لذةً وخشوعًا، وتقدم قريبًا \"باب الصلاة في موضع العذاب\" فكما لا ينبغي الصلاة في موضع العذاب أجدر أن لا ينبغي في وقت يظهر فيه أثر العذاب؛ لأن شدة الحر من فيح جهنم إلى آخر ما بسط في هامش \"اللامع\" (^١).\n\n(١٠ -<span data-type='title' id=toc-553> باب الإبراد بالظهر في السفر)</span>\nتقدم في الباب السابق من كلام الشيخ ما يتعلق بهذه الترجمة وهو أن الإبراد ليس لأجل صعوبة الناس في الاجتماع؛ لأنه لو كان كذلك لا يندب في السفر لحصول الاجتماع فيه من قبل، وقال بعض الطلبة في الدرس: إن غرض المصنف كما يظهر من دأبه إبطال استدلال الحنفية بحديث الباب على المثلين غير صحيح؛ لأنه كان في السفر، وفي السفر لما يجوز جمع التأخير فالتأخير إلى فيئ التلول أولى بالجواز، فتأمل فإنه محتمل، فإن الاستدلال بكل المحتمل مطرود عند البخاري.\n\n(١١ -<span data-type='title' id=toc-554> باب وقت الظهر عند الزوال)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): أورد المؤلف من الظهر أول وقتها، ومن العصر آخر وقتها، ولم يبيِّن أول وقت العصر ولا آخر وقت الظهر، والظاهر أنه لم يثبت له شيء من روايات المثل أو المثلين على حسب شرطه، ولا يبعد أن يكون ذلك إشارة منه إلى ما ذهب إليه المحدثون\n_________\n(^١) انظر: \"لامع الدراري\" (٣/ ١٥، ١٦).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٣/ ٢١).","vol":"2","page":799},{"text":"والشافعي رحمهم الله تعالى من جواز الجمع بين الظهر والعصر في وقت إحداهما، وذلك لأنه بيَّن أولًا ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]، ولا وجه للتوقيت بعد جواز الجمع بينهما إلا بأن يجعل الوقت مشتركًا بينهما، فكان الوقت من الزوال إلى المغرب، كما هو للظهر فكذلك للعصر، انتهى.\nبسط الكلام عليه في هامش \"اللامع\" أشد البسط، وفيه قال الحافظ (^١): أشار بهذه الترجمة إلى الرد على من زعم من الكوفيين أن الصلاة لا تجب بأول الوقت، انتهى.\nقلت: ما قال الحافظ أن ترجمة الإمام إشارة إلى هذه المسألة بعيد جدًا، ولا أدري كيف كتبه الحافظ مع جلالة قدره، ولا تعلق للترجمة ولا لشيء مما أورد في الترجمة بتلك المسألة إشارة ولا دلالة، والظاهر أنه أشار بالترجمة إلى رد الطائفتين الأخريين:\nإحداهما: من جوَّز صلاة الظهر قبل الزوال كما هو منقول عن بعض السلف من الصحابة، وعن أحمد وإسحاق مثله في صلاة الجمعة.\nوالطائفة الثانية: من قال: إن أول وقت الظهر إذا صار الفيء قدر الشراك بعد الزوال، والجمهور على الزوال إلى آخر ما في \"الهامش\"، ويحتمل أن الغرض أن الصلاة في الإبراد مندوب، وأصل الوقت يحصل بالزوال، والله - ﷾ - أعلم بمراد العباد.\n\n(١٢ -<span data-type='title' id=toc-555> باب تأخير الظهر إلى العصر)</span>\nاختلفوا في غرض الإمام بالترجمة.\nقال الحافظ (^٢): أشار البخاري إلى إثبات القول باشتراك الوقتين، وإلى انتفاء الفاصلة بين الوقتين، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٢١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٣).","vol":"2","page":800},{"text":"الأول مذهب المالكية، والقول بالفاصلة مذهب داود وبعض الشافعية.\nقلت: ما قال الحافظ في غرض الترجمة الجزء الثاني منه صحيح، والأول مشكل، ولذا أشار إلى رده العيني (^١) إذ قال: والمراد أنه لما فرغ من صلاة الظهر دخل وقت صلاة العصر، وليس المراد أنه جمع بينهما في وقت واحد، انتهى.\nوالأوجه عندي: أنه أشار إلى رد كليهما من الاشتراك والفاصلة، وقال السندي (^٢): لا يخفى أنه لا دلالة في لفظ الحديث على التأخير لجواز أن ما فعله يكون من باب التقديم، فكأنه أشار بهذه الترجمة إلى توجيه الحديث بأنه لا يحمل على الجمع بين الصلاتين في الوقت حتى يقال: يمكن أن يكون من باب التقديم أو من باب التأخير بل يحمل على تأخير الصلاة الأولى إلى آخر وقتها وضمها إلى الثانية فعلًا، وهذا التأويل في الحديث هو الذي اعتمده كثير من المحققين، وهو أقرب ما قيل فيه، انتهى.\nوهو الذي اختاره شيخ المشايخ في \"التراجم\" (^٣).\n\n(١٣ -<span data-type='title' id=toc-556> باب وقت العصر)</span>\nتقدم في الباب السابق أن أول وقته آخر وقت الظهر.\nقال الحافظ (^٤): لما لم يكن حديث أول وقت العصر بالمثل على شرطه ذكر ما يستنبط منه ذلك بطريق الاستنباط، انتهى.\nواختلفوا في أن حديث عائشة دليل لتعجيل العصر أو لتأخيره، قال\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٤/ ٤٢).\n(^٢) \"حاشية السندي على صحيح البخاري\" (١/ ١٠٤).\n(^٣) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ١٨٦).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٦).","vol":"2","page":801},{"text":"الطحاوي (^١): لا دلالة فيه على التعجيل لاحتمال أن الحجرة كانت قصيرة الجدار فلم تكن تحتجب عنها إلا بقرب غروبها، فيدل على التأخير لا على التعجيل، وأورد عليه بأن هذا يتصور مع اتساع العرصة، وقد عرف أنها لم تكن متسعة، ورد بأن الإيراد يمكن أن يتوجه لو كانت الجدر طويلة، وقد ثبت أنها كانت صغيرة جدًا، وهذا كله أن حمل الضوء على ما يأتي من رؤوس الجدر، ولو أريد به الضوء الداخل من باب الحجرة، فإن بابه كان غربيًا يدخل منه ضوء الشمس، وكلما يكون أقرب إلى الغروب يكثر الضوء فيه، ولا يخرج منه إلا قريب الغروب، كما هو ظاهر، فحينئذ لا يدل الحديث إلا على غاية التأخير.\nوقد بسط في هامش \"اللامع\" الكلام على اتساع العرصات؛ لأن الحجرات كانت كلها جنب المسجد، وأبوابها كانت مفتوحة إلى المسجد، وأكثرها كانت جهة الشرق من المسجد، ومساحة المسجد كانت سبعين ذراعًا، فلا بد أن يكون اتساع الحجرات شرقًا وغربًا وإلا فلا يمكن بناء عدة الحجرات في جهة الشرق فضلًا عن أكثرها، انتهى.\n\n(١٤ -<span data-type='title' id=toc-557> باب إثم من فاتته العصر)</span>\nههنا عدة أبحاث، الأول: أن الإمام ترجم بترجمتين، الأولى: هذه، والثانية إثم من ترك العصر، وأورد عليه بالتكرار.\nومؤدى ما قال الحافظان (^٢) ابن حجر والعيني: إن المراد بالفوات تأخيرها عن وقت الجواز بغير عذر، وهذا لا يكفي لدفع إيراد التكرار؛ لأن الثانية أصرح في العمد، وقال شيخ الإسلام: الفرق بينهما أن الترك نص في العمد دون الفوات، ويحتمل أن الإمام فرق في العنوان والتعبير فقط، دون المراد رعاية لألفاظ الروايتين.\n_________\n(^١) \"شرح معاني الآثار\" (١/ ١٩٣، ١١٥١).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (٢/ ٣٠)، و\"عمدة القاري\" (٤/ ٥٣).","vol":"2","page":802},{"text":"والأوجه عندي: أن المراد في الترجمة الأولى الفوات بدون العمد للتقابل بالترجمة الثانية، وهو الذي أراد الإمام الترمذي إذ ترجم على الحديث الأول: \"باب ما جاء في السهو عن وقت صلاة العصر\"، وإلى ما اخترته مال السندي (^١) إذ قال: المتبادر من الفوات أن لا يكون باختيار من العبد، فعلى هذا قوله: \"فكأنما وتر أهله وماله\" إشارة إلى ما فاته من الخير، وهو المناسب بجعل المصنف الفوت في مقابلة الترك لكن على هذا يشكل إضافة الإثم على فوات إلا أن يراد بالإثم ما يلحقه من الضرر ولو بفوات الفصل، انتهى.\nأو يقال: إن لفظ الإثم مجاز عن الأسف وغيره بلفظ الإثم إشارة إلى أن هذا الأسف يكون في الآخرة.\nوالبحث الثاني: في معنى الفوات، واختلفوا فيه على أقوال من التأخير أو ترك الجماعة أو الترك نسيانًا وغير ذلك بسطت في هامش \"اللامع\".\nوالثالث: في تخصيص العصر بذلك، قال الحافظ (^٢): ظاهر الحديث التغليظ على من تفوته العصر، وأن ذلك مختص بها، وذكر العيني (^٣) وجوه تخصيص العصر، وقال ابن عبد البر: يحتمل أن يكون الحديث خرج جوابًا لسائل عن صلاة العصر، فلا يمنع ذلك إلحاق غيرها من الصلوات.\nوالبحث الرابع: في إعراب لفظ: \"أهله وماله\" في الحديث الأول.\nوالبحث الخامس: احتجاج الخوارج من الحديث الثاني كما بسط في هامش \"اللامع\" (^٤).\n_________\n(^١) \"حاشية السندي على صحيح البخاري\" (١/ ١٠٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٣٠).\n(^٣) انظر: \"عمدة القاري\" (٢/ ٥٤)،\n(^٤) انظر: \"لامع الدراري\" (٣/ ٣٥ - ٤٠).","vol":"2","page":803},{"text":"(١٥ -<span data-type='title' id=toc-558> باب إثم من ترك العصر)</span>\nتقدم الكلام عليه في الباب السابق.\n\n(١٦ -<span data-type='title' id=toc-559> باب فضل صلاة العصر)</span>\nقال الحافظ (^١): أي: على جميع الصلوات إلا الصبح، كما يظهر من حديثي الباب، ويحتمل أن المراد أن العصر ذات فضيلة لا ذات أفضلية.\nوتعقبه العيني (^٢) وقال: لو قال: باب فضل صلاة الفجر والعصر لكان أولى، وإنما خصص العصر للاكتفاء؛ كقوله تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]، أي: والبرد أيضًا، انتهى.\nقلت: لكن فضل الفجر سيأتي قريبًا، فالأوجه عندي أنه أراد الإشارة إلى خلافية شهيرة وهي أن الوعيد المذكور في البابين السابقين مخصوص بالعصر، أو خرج مخرج السؤال كما تقدم، فأشار بهذا الباب إلى القول الأول من التخصيص.\n\n(١٧ -<span data-type='title' id=toc-560> باب من أدرك ركعة من العصر)</span>\nيشكل على الإمام البخاري أنه ترجم بإدراك الركعة، وذكر الحديث بإدراك السجدة.\nقال الحافظ (^٣): كأنه أراد تفسير الحديث، وأن المراد بالسجدة الركعة، انتهى.\nوالأوجه عندي: أن الإمام البخاري أشار إلى مسألة خلافية وهي ما قال الموفق: إن مدرك الركعة في آخر الوقت مدرك للصلاة، وهل يدركها بإدراك ما دون الركعة؟ فيه روايتان:\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٣٣).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٤/ ٥٧).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٢/ ٣٨).","vol":"2","page":804},{"text":"إحداهما: لا يدركها بأقل من ذلك، وهو مذهب مالك.\nوالثانية: يدركها بإدراك جزء منها أيّ جزء كان، وهو مذهب أبي حنيفة، وللشافعي قولان كالمذهبين، انتهى.\nفالظاهر عندي: أن الإمام البخاري أشار بذكر هذه الرواية في هذا الباب إلى أن ما ورد في الروايات من لفظ الركعة ليس باحتراز، ثم مطابقة حديثي التمثيل بالباب بأن مدرك آخر الجزء كمدرك الكل، ولذا أتم لهم الأجور، فكذلك مدرك الركعة الأخيرة، بسطه في \"فيض الباري\" (^١).\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): المناسبة بالترجمة من حيث إن الاستئجار شامل للوقت إلى الغروب، فمن أتى قبيل الغروب بحيث يمكن له أن يعد اسمه في العاملين كان داخلًا فيهم، وذلك لأن العادة في المستأجرين لا سيما في الكرماء أن ينظروا إلى العَمَلة وقت فراغهم من العمل، فمن وجد منهم ثمة إذًا وجب أجر عمله وإن كان قد أتى بعد الآخرين بكثير، والله تعالى أعلم، انتهى. وبسط الكلام عليه في \"هامشه\".\n\n(١٨ -<span data-type='title' id=toc-561> باب وقت المغرب)</span>\nوفي \"تراجم شيخ المشايخ\" (^٣) تحت قوله في الترجمة: قال عطاء. . . إلخ، مناسبة التعليق بترجمة باعتبار أنه يدل على أن آخر وقت المغرب متصل بأول وقت العشاء؛ لأن الجمع في الحضر محمول عند المؤلف على الجمع في الصورة ولو كان بعذر المرض، انتهى.\nوبه جزم الحافظ (^٤) إذ قال: أشار بهذا الأثر إلى أن وقت المغرب يمتد إلى العشاء، انتهى.\n_________\n(^١) انظر: \"فيض الباري\" (٢/ ١١٨).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٣/ ٤٥).\n(^٣) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ١٨٩).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٢/ ٤١).","vol":"2","page":805},{"text":"قلت: فعلى هذا يكون ردًا على من قال بعدم امتداد وقت المغرب، كما هو مشهور مذهب الشافعي ومالك، ففي \"الأوجز\" (^١): وأول المغرب مجمع على أنه من الغروب وآخره عند أئمتنا الثلاثة وبه قالت الحنابلة إلى غروب الشفق، وهو أحد قولي الشافعي ومالك وقالا في قولهما الثاني: لا وقت له إلا وقت واحد وهو أن يتطهر، ويصلي ثلاث ركعات، انتهى.\nقوله: (كانوا أو كان النبي - ﷺ -. . .) إلخ، اختلط كلام الشرَّاح في شرحه وما ظهر لي من كلامهم أن فيه احتمالات، منها ما قال الكرماني (^٢): شك من الراوي، أي: قال: كانوا يصلونها بغلس أو كان يصليها بغلس، وهما متلازمان فإنه ﵊ كان معهم وهم كانوا معه، ورجح الحافظان ابن حجر والعيني هذا المعنى، ومنها ما قال ابن بطال: إن فيه حذفين، أحدهما: خبر كانوا، وثانيهما: الجملة بأسرها بعده، أي: كانوا مجتمعين أو لم يكونوا مجتمعين كان - ﵇ - يصليها بغلس.\nومنها ما قال ابن التين: إن كان تامة بمعنى حضر، وفيه حذف واحد بعد أو، أي: حضروا أو لم يحضروا كان النبي - ﷺ - يصليها بغلس.\nومنها ما قال ابن المنيِّر: الصبح يصليها بغلس كانوا مجتمعين أو كان - ﵇ - وحده، فحذف مجتمعين من الأول، ووحده من الثاني.\n\n(١٩ -<span data-type='title' id=toc-562> باب من كره أن يقال للمغرب: العشاء)</span>\nقال الحافظ (^٣): لم يجزم به على دأبه؛ لأن الحديث عنده لا يدل على المنع مطلقًا بل يدل على منع الغلبة، وعلة النهي أن العشاء لغة أول ظلام الليل، ومبدؤه من غروب الشفق، فيوهم أن وقت المغرب من غروب الشفق، وأيضًا فيه الالتباس من صلاة العشاء، وأيضًا لفظ صلاة المغرب لفظ شرعي نبوي والعشاء أعرابي، انتهى ملخصًا.\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (١/ ٢٥٩).\n(^٢) انظر: \"شرح الكرماني\" (٤/ ٢٠٥).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٢/ ٤٣).","vol":"2","page":806},{"text":"قلت: وأيضًا في إطلاق لفظ العشاء على المغرب محظور شرعي قوي وهو التباس الأحكام؛ فإن الأحكام التي وردت في النصوص للعشاء يوهم إجراءها في المغرب للالتباس في الاسم، بخلاف إطلاق العتمة على العشاء كما سيأتي في الباب الآتي، إذ ليس لفظ العتمة اسم لصلاة أخرى غير العشاء، فلا التباس فيه.\n\n(٢٠ -<span data-type='title' id=toc-563> باب ذكر العشاء والعتمة. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): قصد بذلك أن النهي تنزيه، وإلا فقد ثبت جواز إطلاق اللفظين معًا في الأخبار والآثار، انتهى.\nوفي هامشه: قال الحافظ (^٢): غاير المصنف بين هذه الترجمة والتي قبلها مع أن سياق الحديثين الواردين فيهما واحد، وهو النهي عن غلبة الأعراب على التسميتين، وذلك لأنه لم يثبت عنه - ﷺ - إطلاق اسم العشاء على المغرب، وثبت عنه إطلاق اسم العتمة على العشاء، فتصرفه في الترجمتين بحسب ذلك، انتهى.\nقلت: وأيضًا إطلاق العتمة على العشاء ليس بمحظور شرعي كما تقدم.\nقوله: (ويذكر عن أبي موسى) فيه دليل على أن ذكر المصنف بصيغة التمريض لا يكون للضعف فقط، بل لوجوه فإنه سيخرج المصنف حديث أبي موسى هذا قريبًا في \"باب فضل العشاء\" وقد تقدم في مقدمة \"اللامع\" في خصائص الكتاب البسط في ذلك.\n\n(٢١ -<span data-type='title' id=toc-564> باب وقت العشاء. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٣): ردّ على من قال: يسمى بالعشاء إذا عجلت، وبالعتمة إذا أخرت، انتهى.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٣/ ٥٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٤٥).\n(^٣) المصدر السابق (٢/ ٤٧).","vol":"2","page":807},{"text":"وأنكره العيني (^١) بأن الترجمة لا تدل على ذلك، وقال: بل الغرض بيان الوقت المستحب في الاجتماع وغيره، وبه جزم السندي (^٢) إذ قال: قوله: \"باب وقت العشاء. . .\" إلخ، أي: بيان المختار من وقت العشاء، ويفهم من الحديث أن المختار عند اجتماعهم أول الوقت هو أول الوقت، وعند تأخرهم المختار آخر الوقت وأوسطه بل وقت اجتماعهم، فوافق الترجمة الحديث، واندفع أنه لا يفهم من الحديث وقت العشاء أصلًا، انتهى.\n\n(٢٢ -<span data-type='title' id=toc-565> باب فضل العشاء)</span>\nقال الحافظ (^٣): لم أر من تكلم على هذه الترجمة، فإنه ليس في الحديثين ما يقتضي اختصاص العشاء بفضيلة ظاهرة، وكأنه مأخوذ من قوله - ﷺ -: \"ما ينتظرها أحد من أهل الأرض غيركم\" فعلى هذا في الترجمة حذف، أي: \"باب فضل انتظار العشاء\"، انتهى.\nقلت: عندي فضل انتظار العشاء هو فضل العشاء، وتعقب العيني (^٤) كلام الحافظ إذ قال: إن كلامه آل أن الفضل لانتظار العشاء لا للعشاء، فنقول: مطابقته للترجمة من حيث إن العشاء عبادة قد اختصت بالانتظار لها من بين الصلوات، وبهذا ظهر فضلها، انتهى.\nوقال السندي (^٥): الفضل هو ما ورد في الحديثين من مدح أهل العشاء والثناء عليهم وتبشيرهم عند انتظارهم، انتهى.\nوفي \"تراجم شيخ المشايخ\" (^٦) تحت قوله: \"ما ينتظرها أحد من أهل\n_________\n(^١) انظر: \"عمدة القاري\" (٤/ ٨٧).\n(^٢) \"حاشية السندي على صحيح البخاري\" (١/ ١٠٧).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٢/ ٤٧، ٤٨).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (٤/ ٨٩).\n(^٥) \"حاشية السندي على صحيح البخاري\" (١/ ١٠٧).\n(^٦) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ١٩١).","vol":"2","page":808},{"text":"الأرض. . .\" إلخ، الظاهر أن مراده - ﵇ - أن الصلاة في هذا الوقت مخصوص بهذه الأمة، ويحتمل أن يكون معناه أنكم مخصوصون بهذا الانتظار؛ لأنه كان في أول الإسلام، ولم يكن يصلي الصلاة إلا في مواضع عديدة، والأنسب بترجمة الباب هو الأول، انتهى.\nقلت: وعلى ما أفاده شيخ المشايخ من الاحتمال الأول لا تكرار لهذا الباب بما سيأتي من \"باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة\".\nقوله: (قبل أن يفشوا الإسلام) فيه دليل على أن هذه القصة غير الآتية في حديث أبي موسى الآتي فإنه كان في آخر الإسلام حين قدم من الحبشة في السنة السابعة، انتهى من \"الفيض\" (^١).\nثم قال في \"باب النوم قبل العشاء\" في حديث ابن عباس: إن هذه الواقعة متأخرة جدًا؛ فإن ابن عباس جاء في السنة الثامنة إلى آخر ما قال.\n\n(٢٣ -<span data-type='title' id=toc-566> باب ما يكره من النوم. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٢): قال الترمذي: كره أكثر أهل العلم النوم قبل صلاة العشاء، ورخَّص بعضهم فيه في رمضان خاصة.\nقال الحافظ: فلعله رد على من خصه برمضان، انتهى.\n\n(٢٤ -<span data-type='title' id=toc-567> باب الثوم قبل العشاء لمن غلب)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): يعني: أن النهي لمن لم يغلب عليه النوم، ومن غلب عليه فله رخصة في النوم، ثم إن غير المغلوب إنما يكره النوم له إذا خاف فوات الجماعة بالنوم وإلا فلا يكره له أيضًا، انتهى.\nقال الحافظ (^٤): في الترجمة إشارة إلى أن الكراهة مختصة بمن تعاطى\n_________\n(^١) انظر: \"فيض الباري\" (٢/ ١٣١، ١٣٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٤٩).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٣/ ٥١).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٢/ ٤٩).","vol":"2","page":809},{"text":"في ذلك مختارًا، وقيل: ذلك مستفاد من ترك إنكاره - ﷺ - على من رقد، ولو قيل بالفرق بين من غلبه النوم في مثل هذه الحالة وبين من غلبه وهو في منزله مثلًا لكان متجهًا، انتهى.\nوالأوجه عندي: أن الإمام البخاري أشار بالترجمتين إلى الجمع بين مختلف ما روي في النوم قبل العشاء والنهي عنه، وجمع بينهما بوجوه، منها: ما أشار إليه الإمام البخاري، ومنها: ما قال الحافظ ناقلًا عن الترمذي من الرخصة في رمضان خاصة كما تقدم، ومنها: ما قال الحافظ: ومن نقلت عنه الرخصة قيدت عنه بما إذا كان من يوقظه أو عرف من عادته أنه لا يستغرق وقت الاختيار بالنوم، وهذا جيد، ومنها: ما قال الطحاوي: الرخصة على ما قيل دخول وقت العشاء، والكراهة على ما بعد دخوله، انتهى من هامش \"اللامع\".\n\n(٢٥ -<span data-type='title' id=toc-568> باب وقت العشاء إلى نصف الليل)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): يعني بذلك وقتها المستحب، ثم اختلاف الروايتين بالنصف والثلث مبني على اختلاف التخمين وتقريب الأمر، أو على اختلاف إرادة الشروع والفراغ، انتهى.\nوبهذا جزم الشرَّاح من أن المراد الوقت المختار، وأما وقت الجواز فهو إلى الصبح، وقال الإصطخري من الشافعية: وقت الجواز إلى نصف الليل وبعده قضاء لا أداء.\nفالأوجه عندي: أن مسلك الإمام البخاري هو مسلك الإصطخري، وهو قول للشافعي ومالك كما في \"الأوجز\" (^٢)، ويدل عليه ظاهر الترجمة كما جزم به الكرماني (^٣) إذ قال: إن ظاهرها مشعر لذلك، ولذلك لم يأت بشيء من الأثر، والحديث يدل على الامتداد إلى طلوع الفجر.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٣/ ٥٤).\n(^٢) \"أوجز المسالك\" (١/ ٢٨٩).\n(^٣) \"شرح الكرماني\" (٤/ ٢١٤).","vol":"2","page":810},{"text":"وقال الحافظ (^١): لم أر في امتداد وقت العشاء إلى طلوع الفجر حديثًا صريحًا يثبت، انتهى.\nوعلى هذا فلا حاجة عندي لتوجيه الترجمة، ولو سلم صرفها إلى مذهب الجمهور فيمكن توجيهها بما يستنبط من كلام العلامة السندي (^٢) وهو أن الغاية في الترجمة داخلة في المغيا، وكأنه أثبت بالترجمة جوازها إلى ما بعد النصف، وثبت ذلك في حديث الباب بلفظ: \"أخر العشاء إلى نصف الليل ثم صلى\"، فلفظ: \"ثم\" صريح في الأداء بعد النصف، فإذا ثبت الأداء بعد النصف امتد إلى طلوع الفجر لعدم القائل بالفصل، فإن المذاهب في آخر وقت العشاء ثلاثة: إلى الثلث وإلى النصف وإلى طلوع الفجر، كما في \"الأوجز\"، وترجم بلفظ: \"إلى نصف الليل\" رعاية للفظ الحديث الوارد فيه، فتأمل؛ فإنه لطيف، انتهى من هامش \"اللامع\".\n\n(٢٦ -<span data-type='title' id=toc-569> باب فضل صلاة الفجر والحديث)</span>\nهذه الترجمة من التراجم المشكلة، وهي عديدة في البخاري تقدم بعضها، منها: \"باب من بدأ بالحلاب والطيب\" ويأتي البعض الآخر، وفي هذا الباب يشكل لفظ \"الحديث\"، ولا يظهر له وجه وجيه، وليس هذا اللفظ في نسخة الكرماني فقال: وفي بعضها: \"باب صلاة الفجر والحديث\"، ولم تظهر مناسبة لفظ \"الحديث\"، وقد يقال: الغرض منه باب كذا وباب الحديث الوارد في فضل صلاة الفجر، انتهى.\nقال الحافظ (^٣): ولا يخفى بعده، فالظاهر أنه وهم، يدل عليه أنه ترجم لحديث جرير أيضًا \"باب فضل صلاة العصر\" بغير زيادة، ويحتمل أنه كان فيه \"باب فضل صلاة الفجر والعصر\"، فتحرفت الكلمة الأخيرة، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٥٢).\n(^٢) انظر: \"حاشية السندي على صحيح البخاري\" (١/ ١٠٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٢/ ٥٣).","vol":"2","page":811},{"text":"وتعقب عليه العيني (^١) وقال: كلام الكرماني أوجه من ادعاء الوهم، واحتمال التحريك بعيد جدًا، فإن قلت: ما وجه خصوصية هذا الباب بهذه اللفظة دون سائر الأبواب التي يذكر فيها فضائل الأعمال؟\nقلت: يحتمل أن يكون وجه ذلك أن صلاة الفجر إنما هي عقيب النوم، والنوم أخو الموت، فينبغي أن يجتهد المستيقظ على أداء صلاة الفجر شكرًا لله تعالى على حياته، انتهى.\nوفي حاشية الهندية (^٢) عن \"الخير الجاري\": أقرب الوجوه أن يقال: أراد البخاري بيان أن فضل صلاة الفجر معلوم من حديث مشهور ولو عند البعض ذكره لمزيد الاهتمام بشأنه، انتهى.\nوما أورده الشيخ في \"اللامع\" \"باب فضل صلاة الفجر وباب الحديث\" فيه كرره إشارة إلى عظم منقبة الحديث الوارد في هذا الباب، انتهى.\nهذا أقرب الوجوه المذكورة عندي، والمعنى بيان فضل هذا الحديث الوارد في الباب لما فيه من بشارة الرؤية يوم القيامة، وفي تقرير المكي قال قُدِّس سرُّه: الأقرب عندي أن الحديث عطف على الفضل، والمراد به كلام الناس يعني باب الكلام في هذا الوقت، أي: بعد الفجر هل يكره أم لا؟ فثبت بقوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ الآية [الحجر: ٩٨] أنه يكره؛ لأن ذلك الوقت وقت تسبيح، وقد ورد في الكراهة الأحاديث، انتهى.\nوفي \"فيض الباري\" (^٣): هذا من عادات المصنف أن الحديث إذا اشتمل على فائدة، ويريد أن ينبّه عليها فيذكرها في الترجمة وإن لم يناسب سلسلة التراجم وأسميه إنجازًا، فقوله: والحديث، أي: الحديث بعد العشاء وإن لم يناسب ذكره ههنا؛ لأنه عقد الترجمة لفضل صلاة الفجر، ولا مناسبة بينه وبين الحديث بعد العشاء إلا أنه لما كان مذكورًا في الحديث ذكره إنجازًا، وقد اضطرب في توجيهه الشارحون ولم يأتوا بشيء، انتهى.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٤/ ٩٩).\n(^٢) (١/ ١٥٢).\n(^٣) \"فيض الباري\" (٢/ ١٣٢).","vol":"2","page":812},{"text":"قلت: وقد سنح في خاطري هذا التوجيه منذ زمان، وقد تتبعت لذلك طرق أحاديث جرير في سالف الزمان، ولم أجد فيها تصريحًا بكون هذا الكلام بعد العشاء، فلو ثبت فهذا أقرب التوجيهات، وإلا فيمكن أن يقال: إن من دأب البخاري الاستدلال بكل المحتمل على أن كونه بعد العشاء أقرب لشدة ضوء البدر إذ ذاك وهو كان ملحوظًا في التشبيه، انتهى من هامش \"اللامع\".\n\n(٢٧ -<span data-type='title' id=toc-570> باب وقت الفجر)</span>\nالظاهر أن الغرض منه بيان أول الوقت، ومن الباب الآتي بعده آخر وقته.\nوحاصل ما قال الحافظ (^١) في الحديث الأول: إنه إذا لم يكن بين الفراغ عن السحور وبين الصلاة إلا قدر قراءة خمسين آية علم منه أن أول وقته طلوع الفجر.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): قوله: \"قدر خمسين. . .\" إلخ، فيه دلالة على تغليس النبي - ﷺ - بالصلاة، وهو المراد في الباب من بيان الوقت، أو المراد في الباب أعم من وقته الشرعي ومن الوقت الذي كان النبي - ﷺ - يصلي فيه، انتهى.\n\n(٢٨ -<span data-type='title' id=toc-571> باب من أدرك من الفجر ركعة)</span>\nغرضه بيان آخر وقت الفجر كما تقدم في الباب السابق.\n\n(٢٩ -<span data-type='title' id=toc-572> باب من أدرك من الصلاة ركعة)</span>\nغرض الترجمة ظاهر من أن لفظ الفجر والعصر في الروايات ليس للحصر.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٥٥).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٣/ ٦١).","vol":"2","page":813},{"text":"وقال الكرماني (^١): الفرق بين البابين أن الأول فيمن أدرك من الوقت ركعة، وهذا فيمن أدرك من نفسه الصلاة ركعة.\nوقال الحافظ (^٢): أشار المصنف في الترجمة إلى لفظ مستقل، وقد وضح لنا بالاستقراء أن جميع ما يقع في تراجم البخاري بلفظ الحديث لا يقع فيه شيء مغاير للفظ الحديث الذي يورده إلا وقد ورد من وجه آخر بذلك المغاير نصًا، فللَّه دره، انتهى.\n\n(٣٠ -<span data-type='title' id=toc-573> باب الصلاة بعد الفجر. . .) إلخ</span>\nبيان للأوقات المنهية، والأوجه عندي: أن المصنف نبَّه بلفظ: \"ترتفع\" في الترجمة، أنه هو المراد بالروايات الواردة بلفظ: تطلع الشمس وتشرق، فالترجمة شارحة.\n\n(٣١ -<span data-type='title' id=toc-574> باب لا تتحرى الصلاة قبل غروب الشمس)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): كأن بعضهم لما ذهب إلى أن الحرام إنما هو التحري بصلاته للطلوع والغروب لا مطلق وقوع صلاته في هذين الوقتين نبَّه على حجتهم في ذلك، وقد بيَّن قبل ذلك حجة من ذهب إلى عموم النهي عن التحري والوقوع، انتهى. ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه واضح، فإنهم اختلفوا في الصلاة في الأوقات المنهية على أقوال بسطت في \"الأوجز\" (^٤).\nولا يذهب عليك أن الإمام البخاري فرَّق بين الترجمتين، إذ أطلق الترجمة الأولى، أي: الصلاة عند الطلوع، وقيَّد الثانية، أي: الصلاة عند الغروب بالتحري، ولم يتعرض لذلك أحد من الشرَّاح، ولا المشايخ سوى العلامة السندي مع أن الأحاديث الواردة في الترجمتين على نسق واحد\n_________\n(^١) \"شرح الكرماني\" (٤/ ٢٢٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٥٧).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٣/ ٦٤).\n(^٤) \"أوجز المسالك\" (٤/ ٣٧٠).","vol":"2","page":814},{"text":"من إطلاق النهي في الصلاتين معًا، وكذا التحري ورد فيهما معًا، فكيف غاير الإمام، وتنبه لذلك السندي (^١) لكنه سعى باتحاد الترجمتين إذ قال: أما التحري فلعل المراد منه مطلق القصد إلى الوقتين لأجل إيقاع الصلاة فيهما بناء على أن الصلاة فعل اختياري، فمن يفعلها فيهما يقصدهما لأجلها فتوافقت الأحاديث على إطلاق النهي إلى أن قال: وعلى هذا فذكر التحري في أحد البابين دون الآخر إما لمجرد التفنن أو للدلالة على أن التحري لا دخل له في الخصوص، ويمكن أن يقال: ذكر التحري في العصر؛ لأن العصر ورد فيها أنه - ﷺ - صلى بعدها بخلاف الفجر، لكن هذا لا يناسب بالأحاديث؛ فإنها في الباب سواء، انتهى.\nوما يظهر لهذا المبتلى بالسيئات أن المصنف فرَّق بين الترجمتين عمدًا وقصدًا لدقة نظره وعموم اجتهاده؛ لأن الصبح لم يرد فيها على شرط البخاري ما يغاير النهي نصًا بخلاف النهي بعد العصر، فإنه صح عند البخاري فيه ما ينافي إطلاق النهي كما سيأتي قريبًا في \"باب ما يصلي بعد العصر\" فأطلق المؤلف في الصبح، وقيَّد النهي بعد العصر بالتحري جمعًا بين الروايات، وإشارة إلى أن الراجح عنده في الصبح مسلك الجمهور في إطلاق النهي، وترجح عنده في العصر مسلك بعض الظاهرية أن النهي مقيد بالتحري.\nقال الحافظ (^٢): لا تكره الصلاة بعد الصبح والعصر إلا لمن قصد بصلاته طلوع الشمس وغروبها، وإلى ذلك جنح بعض أهل الظاهر وقوَّاه ابن المنذر، انتهى.\nويرد على المؤلف إيراد روايات التحري في الباب الأول وإيراد روايات الإطلاق في الباب الثاني، والجواب عنه واضح، وهو أنه أشار\n_________\n(^١) \"حاشية السندي على صحيح البخاري\" (١/ ١١٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٦٠).","vol":"2","page":815},{"text":"بالترجمتين إلى أن روايات التحري في الصبح محمولة عنده على الإطلاق كما أن إطلاق الروايات في العصر عنده مقيد بالتحري، فتكون الترجمة شارحة كما هو أصل مطرد للبخاري، فتأمل، فإن خاطري أبو عذره، فإن كان صوابًا فمن الله، هان كان خطأ فمني ومن الشيطان، والإمام البخاري منه بريء، انتهى من هامش \"اللامع\".\n\n(٣٢ -<span data-type='title' id=toc-575> باب من لم يكره الصلاة إلا بعد العصر والفجر. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): وكأن هؤلاء لم يبلغهم رواية النهي عن الصلاة عند الاستواء، انتهى.\nقال العيني (^٢): غرض البخاري بهذا الباب ردّ قول من منع الصلاة عند الاستواء، انتهى.\nوفي \"تراجم شيخ المشايخ\" (^٣): به قال مالك مطلقًا، والشافعي في يوم الجمعة، انتهى.\nوكذا حكى الحافظ عن مالك أنه لم يكره مع أنه روى حديث الصنابحي؛ لأنه لعله رأى عمل أهل المدينة على الإباحة عند الاستواء، انتهى.\n\n(٣٣ -<span data-type='title' id=toc-576> باب ما يصلَّى بعد العصر من الفوائت ونحوها. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٤): قال الزين بن المنيِّر: وأشار به إلى إدخال ما له سبب من النوافل، انتهى.\nوأنكره العيني (^٥) وقال: بل المراد من ذلك دخول مثل صلاة الجنازة إذا حضرت في ذلك الوقت وسجدة التلاوة، والنهي الوارد في هذا الباب\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٣/ ٦٩).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٤/ ١١٦).\n(^٣) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ١٩٢).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٢/ ٦٤).\n(^٥) \"عمدة القاري\" (٤/ ١١٧).","vol":"2","page":816},{"text":"عام يتناول النوافل التي لها سبب والتي ليس لها سبب، انتهى.\nقلت: فكل من الشارحين فسَّر مراد البخاري على مسلكه، فإن عند الشافعية يجوز في الأوقات المنهية من النوافل ما كانت ذات سبب، ولا يجوز عند الحنفية كما بسط الاختلاف في ذلك في هامش \"اللامع\" و\"الأوجز\" وهامش \"الكوكب\".\nوفي \"تراجم شيخ المشايخ\" (^١): غرضه من عقد هذا الباب الإشارة إلى توجيه ما روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها من أنه لم يكن رسول الله - ﷺ - يدع الركعتين بعد العصر بأنه كان ذلك قضاء لراتبة الظهر، ومعنى قولها: \"ما تركهما\" ترك نسخ، بل كان - ﵇ - إذا فاتته راتبة الظهر أو راتبة صلاة أخرى صلاها بعد العصر، لكن هذا التوجيه لا يمشي في آخر أحاديث الباب، انتهى.\nقوله: (شغلني ناس. . .) إلخ، كتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): فيه دلالة على جواز القضاء في ذلك الوقت غير أن السنن لما لم تكن مقضية لعدم الوجوب ليس لأحد قضاؤها في الأوقات سيما المكروهة، ثم إن الركعتين من خصوصيات النبي - ﷺ -، ومن صلَّى من الصحابة فإنما صلى لحمله فعله - ﵇ - على التشريع مع أنه لم يكن تشريعًا، وكان يصليهما يوم عائشة لابتدائهما أولًا في يومها، انتهى. وفي هامش \"اللامع\": أجاد الشيخ قُدِّس سرُّه في هذا الكلام المختصر الوجيز البديع الإشارات إلى ستة أبحاث طويلة الأذيال جديرة بالباب:\nالأول: منها إثبات الترجمة، وهو جواز القضاء في أوقات النهي.\nالثاني: ما يتوهم من أحاديث الباب وجوب قضاء السنن والنوافل.\nالثالث: جواز قضاء السنن وغيرها في الأوقات المنهية.\n_________\n(^١) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ١٩٣).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٣/ ٧٠).","vol":"2","page":817},{"text":"الرابع: أن هاتين الركعتين من خصوصياته - ﷺ - فلا يقاس عليه غيره.\nالخامس: الجواب عما ورد من الآثار في جواز النفل بعد العصر.\nالسادس: أن هاتين الركعتين الواردتين في الباب اختلفت الروايات في إثباتهما ونفيهما.\nوبسط الكلام على هذه المباحث في هامش \"اللامع\" (^١).\n\n(٣٤ -<span data-type='title' id=toc-577> باب التبكير بالصلاة في يوم غيم)</span>\nأشكل على الترجمة بوجهين:\nالأول: أن المطابقة لقول بريدة لا للحديث.\nوالثاني: أن في الحديث تبكير العصر لا مطلق الصلاة، والترجمة مطلقة.\nوالجواب: أن القرينة دلَّت على أن قول بريدة: \"بكروا بالصلاة\" كان في وقت دخول العصر في يوم غيم، فأمر بالتبكير حتى لا يفوتهم بخروج الوقت، ويفهم بإشارته أن بقية الصلوات كذلك، انتهى من \"العيني\" (^٢) مختصرًا.\nوسلك السندي (^٣) مسلكًا آخر إذ قال: لعله أراد بالصلاة، أي: في الترجمة العصر فقط، وقد استدل على ذلك بالحديث المرفوع بالنظر إلى استنباط الصحابي وفهمه؛ فإن بريدة قد أسند قوله: \"بكروا\" إلى الحديث المرفوع، واستدل به عليه فليست هذه الترجمة مبنية على قول بريدة كما زعمه الإسماعيلي، انتهى.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٤): قوله: \"بكروا بالصلاة\" إن كان المراد بالصلاة صلاة العصر فالمطابقة بالترجمة ثابتة بنوع مقايسة، وعموم الحكم\n_________\n(^١) انظر: \"لامع الدراري\" (٣/ ٧٠).\n(^٢) انظر: \"عمدة القاري\" (٤/ ١٢٢).\n(^٣) \"حاشية السندي على صحيح البخاري\" (١/ ١١١).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٣/ ٧٨).","vol":"2","page":818},{"text":"بعموم العلة، وإن لم يكن المراد بالصلاة إلا المطلقة فالمطابقة بينهما واضحة، غير أن الاحتجاج على دعوى التبكير بالصلاة بقوله - ﷺ -: \"من ترك صلاة العصر\" مفتقر إلى المقايسة، وتعدية الحكم بعموم العلة، انتهى.\n\n(٣٥ -<span data-type='title' id=toc-578> باب الأذان بعد ذهاب الوقت)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): أي: للقضاء والفوائت، وهذا إذا فاتت صلاة جماعة، وأما الفذ المنفرد فالأدب له إخفاء فعله لما فيه من إساءة؛ فإن إظهار فوت الصلاة اجتراء وشناعة فلا يستحب له التأذين إلا حيث لا يطلع عليه أحد، انتهى.\nقال الحافظ (^٢): وفي الحديث ما ترجم له وهو الأذان للفائتة، وبه قال الشافعي في القديم وأحمد، وقال في الجديد: لا يؤذن، وبه قال مالك، انتهى.\nوبالأول قالت الحنفية كما في \"العيني\" (^٣).\n\n(٣٦ -<span data-type='title' id=toc-579> باب من صلَّى بالناس جماعة. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٤): قال الزين بن المنيِّر: إنما قال البخاري: \"بعد ذهاب الوقت\" ولم يقل مثلًا لمن صلَّى صلاة فائتة للإشعار بأن إيقاعها كان قرب خروج وقتها لا كالفوائت التي جهل يومها أو شهرها، انتهى.\nقال الحافظ (^٥): وباستحباب قضاء الفوائت بالجماعة قال أكثر أهل العلم إلا الليث مع أنه أجاز صلاة الجمعة جماعة إذا فاتت إلى آخر ما بسط في ما يستفاد من الحديث.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٣/ ٨٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٦٨).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٤/ ١٢٤).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٢/ ٦٨).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٢/ ٧٠).","vol":"2","page":819},{"text":"قوله: (فصلى العصر) قال الحافظ: قال الكرماني (^١): فإن قلت: كيف دلَّ الحديث على الجماعة؟\nقلت: إما أنه يحتمل أن في السياق اختصارًا وإما من إجراء الراوي الفائتة التي هي العصر والحاضرة التي هي المغرب مجرى واحدًا، ولا شك أن المغرب كانت بالجماعة لما هو معلوم من عادته.\nقال الحافظ: وبالاحتمال الأول جزم ابن المنيِّر، وهو الواقع في نفس الأمر، ويؤيده رواية الإسماعيلي بلفظ: فصلى بنا العصر، انتهى مختصرًا.\n\n(٣٧ -<span data-type='title' id=toc-580> باب من نسي صلاة. . .) إلخ</span>\nفي \"تراجم شيخ المشايخ\" (^٢): مقصوده عدم وجوب الترتيب بين الوقتية والفوائت على خلاف مذهب أبي حنيفة، انتهى.\nقلت: الظاهر عكسه، والمسألة خلافية، فعند الشافعي لا يجب الترتيب مطلقًا ويجب عند أحمد مطلقًا، وعندنا الحنفية ومالك يجب إلى خمس صلوات لا بعدها.\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): قوله: \"فليصل إذا ذكرها ولا يعيد إلا تلك الصلاة\" أورده إشارة إلى ما ورد في بعض الروايات أن من فاتته صلاة فإن عليه قضائها ومثلها بأن ذلك منسوخ، ولا يجب عليه إلا صلاة واحدة فقط، وليس ذلك إشارة إلى دفع مذهب من ذهب إلى وجوب الترتيب، وذلك لأن المذكور ههنا الوجوب بفور الذكر، والذكر يقتضي سابقية النسيان، ولا شك أن الترتيب ساقط بالنسيان، فليس في هذا الحديث ما يدخل على مثبت وجوب الترتيب، والحجة له ما أورده المؤلف بعد\n_________\n(^١) انظر: \"شرح الكرماني\" (٤/ ٢٣٠)، و\"فتح الباري\" (٢/ ٧٠).\n(^٢) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ١٩٤).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٣/ ٨٢).","vol":"2","page":820},{"text":"ذلك؛ فإن النبي - ﷺ - فاتته الصلوات بمرات، فلو لم يكن الترتيب واجبًا لربما تركه في بعضها، انتهى.\nوبسط الكلام عليه في هامش \"اللامع\" أشد البسط.\nقال الحافظ (^١): يحتمل أن يكون البخاري أشار بذلك إلى تضعيف ما وقع في بعض طرق حديث أبي قتادة عند مسلم بلفظ: \"فإذا كان الغد فليصلها عند وقتها\" فإن بعضهم زعم أن ظاهره إعادة المقضية مرتين عند ذكرها وعند حضورها مثلها من الوقت الآتي إلى آخر ما بسط في هامش \"اللامع\" (^٢).\nولا يبعد عندي أنه أشار إلى رد قول الإمام أحمد إذ قال: فيمن ترك صلاة سُنَّة يصليها ويعيد كل صلاة صلاها وهو ذاكر لما ترك من الصلاة، كما في \"المغني\"، فهذا يرده قول النخعي في الترجمة، وأما عند الحنفية والمالكية فيسقط الترتيب بعد خمس صلوات، ويسقط بالنسيان عندنا وأحمد، ولا يسقط عند المالكية.\n\n(٣٨ -<span data-type='title' id=toc-581> باب قضاء الصلوات الأولى فالأولى)</span>\nقال السندي (^٣): أي: مراعاة الترتيب في القضاء إذا تعدد، وكأنه استدل عليه بالحديث؛ لأنه إذا روعي الترتيب بين القضاء والأداء فبالأولى أن يراعى بين القضائين، انتهى.\nقال الحافظ (^٤): وهذه الترجمة عبَّر عنها بعضهم بقوله: \"باب ترتيب الفوائت\" وقد تقدم نقل الخلاف في هذه المسألة، ولا ينهض الاستدلال به لمن يقول بوجوب ترتيب الفوائت إلا إذا قلنا: إن أفعال النبي - ﷺ - المجردة للوجوب، اللَّهم إلا أن يستدل له بعموم قوله: \"صلوا كما رأيتموني\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٧١).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٣/ ٨٣، ٨٤).\n(^٣) \"حاشية السندي على صحيح البخاري\" (١/ ١١٢).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٢/ ٧٢).","vol":"2","page":821},{"text":"أصلي\"، انتهى.\nوتقدم عن السندي أن إثبات الترجمة بالأولوية، ومسألة الترتيب بين الفوائت مختلف فيها، فيجب عند الأئمة الثلاثة، وقال الشافعي: لا يجب.\n\n(٣٩ -<span data-type='title' id=toc-582> باب ما يكره من السمر. . .) إلخ</span>\nذكر فيه حديث النهي عن الحديث بعد العشاء، فكأنه أشار بالترجمة إلى أن المنهي عنه السمر لا مطلق الكلام، فكانت الترجمة شارحة للفظ الحديث، ثم استثنى منه التكلم في الخير فترجم بـ \"باب السمر في الفقه والخير\" قال ابن المنيِّر: الفقه يدخل في عموم الخير لكنه خصه بالذكر تنويهًا بذكره وتنبيهًا على قدره، ثم استثنى منه ثانيًا بـ \"<span data-type='title' id=toc-584>باب السمر مع الأهل والضيف</span>\" قال ابن المنيِّر: اقتطع البخاري هذا الباب من \"باب السمر في الفقه والخير\" لانحطاط رتبته عن مسمى الخير؛ لأن الخير متمحض للطاعة، وهذا النوع من السمر خارج عن أصل الضيافة والصلة المأمور بهما، فقد يكون مستغنى عنه في حقهما فيلتحق بالسمر الجائز أو المتردد بين الإباحة والندب، انتهى من هامش \"اللامع\" (^١).\n\n(٤٠ -<span data-type='title' id=toc-583> باب السمر في الفقه والخير. . .) إلخ</span>\nتقدم ما يتعلق بهذه الترجمة في الباب السابق ولا يشكل التكرار بما تقدم من \"باب السمر بالعلم\" لأنه كان تحريضًا وتنويهًا بشأن العلم، وههنا للاستثناء عن النهي فلا تكرار.\n\n(٤١ - باب السمر مع الأهل والضيف)\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): يعني بذلك أن جواز السمر غير متوقف على كونه وعظًا وذكرًا بل يجوز غير ذلك أيضًا، والمكروه ما كان سببًا\n_________\n(^١) انظر: \"لامع الدراري\" (٣/ ٨٩).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٣/ ٨٩).","vol":"2","page":822},{"text":"لفوت صلاة الفجر، انتهى.\nوتقدم عن الحافظ في الباب السابق ما يتعلق بهذه الترجمة.\nقوله: (ولا أدري هل قال: وامرأتي وخادم) قال الكرماني (^١): قوله: \"وخادم\" يحتمل العطف على أمي وعلى امرأتي، والثاني أقرب لفظًا، انتهى.\nوعلى هذا يكون الخادم داخلًا في الشك وهو مختار مولانا الشيخ أنور في \"الفيض\"، ولا يذهب عليك ما في حاشية النسخة الهندية من نقل كلام الكراماني بلفظ عطف على امرأتي أو أمي، والثاني أقرب لفظًا فيه تحريف من التقديم والتأخير فانقلب الأمر، وفي تقرير المكي قوله: \"وخادم\" عطف على \"أمي\"؛ لأن الشك في مجرد قوله: \"وامرأتي\" لا غير، فعلى هذا هو ليس بمشكوك، وهذا هو الأوجه عندي، انتهى.\nوقال العيني (^٢): قوله: \"خادم\" بالرفع عطف على \"امرأتي\" على تقدير: أن يكون لفظ امرأتي موجودًا فيه، وإلا فهو عطف على أمي، انتهى.\nقوله: (وإن أبا بكر تعشى. . .) إلخ، وفي \"تراجم شيخ المشايخ\" (^٣): في هذا الحديث تقديم وتأخير؛ لأن أكله - ﷺ - وحنثه في يمينه ينبغي أن يذكر قبل قوله: \"فشبعوا أو صارت أكثر\"، وما وقع في الحديث من قوله: \"تعشى أبو بكر عند النبي - ﷺ -\" فتقرير الكلام أن يقال: إن قول الراوي: ثم لبث حتى صليت العشاء تفصيل لما سبق من قوله: \"تعشى أبو بكر\"، انتهى.\nوبسط الكلام عليه في \"اللامع\" (^٤) وهامشه فارجع إليه لو شئت.\nقوله: (وكان بيننا وبين قوم عقد) أي: عهد مهادنة (فمضى الأجل)\n_________\n(^١) \"شرح الكرماني\" (٤/ ٢٣٧).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٤/ ١٣٩).\n(^٣) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ١٩٦).\n(^٤) انظر: \"لامع الدراري\" (٣/ ٩٢).","vol":"2","page":823},{"text":"فجاءوا إلى المدينة (ففرقنا اثني عشر رجلًا) أي: ميزنا أو جعلنا كل رجل من اثني عشر رجلًا فرقة مع كل رجل منهم أناس، والله تعالى أعلم كم مع رجل، هكذا شرحه القسطلاني (^١)، ونحوه في \"العيني\" و\"الفتح\"، ولم أتحصل بعد ما قالوا، وأجاد فيه في \"اللامع\" إذ قال (^٢): فمضى الأجل وحان قتالهم؛ فبعث رسول الله - ﷺ - اثني عشر رجلًا لقتالهم مع كل منهم رجال فأكلوا، انتهى.\nوهذا أحسن وأوجه وأوضح، لكني ما وجدته في الشروح، فتأمل، ثم سكت الحافظ عن بيان براعة الاختتام ههنا، والظاهر عندي أن البراعة في قوله: \"ومضى الأجل\"، والله - ﷾ - أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) انظر: \"إرشاد الساري\" (٢/ ٢٧٨)، و\"فتح الباري\" (٢/ ٧٦)، و\"عمدة القاري\" (٤/ ١٤١).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٣/ ٩٤).","vol":"2","page":824},{"text":"١٠ -<span data-type='title' id=toc-585> كتاب الأذان</span>\nالأذان لغة: الإعلام، قال الله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٣]، واشتقاقه من الأذن بفتحتين وهو الاستماع.\nوشرعًا: الإعلام بوقت الصلاة بألفاظ مخصوصة، قال القرطبي: الأذان على قلة ألفاظه مشتمل على مسائل العقيدة؛ لأنه بدأ بالأكبرية، وهي تتضمن وجود الله وكماله، ثم ثنى بالتوحيد، ثم بإثبات الرسالة، ثم دعا إلى الطاعة المخصوصة، عقب الشهادة بالرسالة؛ لأنها لا تعرف إلا من جهة الرسول، ثم دعا إلى الفلاح وهو البقاء الدائم، ثم أعاد ما أعاد توكيدًا، ويحصل من الأذان الإعلام بدخول الوقت، والدعاء إلى الجماعة، وإظهار شعائر الإسلام، والحكمة في اختيار القول له دون الفعل سهولة القول وتيسره لكل أحد في كل زمان ومكان، انتهى.\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-586> باب بدء الأذان وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ. . .﴾ [المائدة: ٥٨] إلخ)</span>\nكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^١): ولما ثبت الأذان بالآية كان له بدء أيضًا وإن لم يذكر فيها صراحة، وكذلك في الآية الثانية، مع أن مطلق ذكر الأذان في الآية من غير ذكر البدء كاف للمناسبة بين الآية والترجمة، ولا يفتقر إلى إبداء البدء في الآية، انتهى.\nوفي هامشه: ويظهر من كلام الشرَّاح أن الآيتين تشيران إلى البدء أيضًا.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٣/ ٩٧).","vol":"2","page":825},{"text":"قال الحافظ (^١) في الآية الأولى: يشير بذلك إلى أن ابتداء الأذان كان بالمدينة، وقد ذكر بعض أهل التفسير أن اليهود لما سمعوا الأذان قالوا: لقد أبدعت يا محمد شيئًا لم يكن فيما مضى فنزلت هذه الآية، وقال أيضًا في الآية الثانية: يشير بذلك أيضًا إلى الابتداء؛ لأن ابتداء الجمعة كان بالمدينة، واختلف في السنة التي فرض فيها، فالراجح أن ذلك كان في السنة الأولى، وقيل: كان في الثانية، وروي عن ابن عباس أن فرض الأذان نزل مع هذه الآية، انتهى.\nوعلى هذا فيكون غرض الإمام بذكر الترجمة وإيراد الآيتين المدنيتين الإشارة إلى ترجيح شرعيته بالمدينة ردًا على ما روي في بعض الروايات من شرعيته ليلة الإسراء، بسطها الحافظ مع الكلام عليها، انتهى مختصرًا.\nقلت: ويشكل على آية الجمعة أن الترجمة عامة، ولا يبعد عندي أن يكون إشارة إلى ما روي عن ابن عباس أن فرض الأذان نزل مع هذه الآية، كما تقدم عن الحافظ.\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-587> باب الأذان مثنى مثنى)</span>\nيحتمل أن يكون الغرض من هذا الباب تفسير لفظ الشفع الوارد في الحديث، فإنه أعم فتكون الترجمة شارحة، ويمكن أن يقال: إن الغرض الرد على من قال بالترجيح من الشافعية والمالكية خلافًا للحنفية والحنابلة.\nقال العيني (^٢): لفظ مثنى معدول من اثنين اثنين، ولا إشكال في النسخة التي لم يكرر فيها هذا اللفظ، وأما في النسخ المشهورة فالتكرار للتوكيد رعاية لرواية الطيالسي، أو يقال: إن الأول لإفادة التثنية لكل ألفاظ الأذان، والثاني لكل أفراد الأذان، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٧٧).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٤/ ١٥٣).","vol":"2","page":826},{"text":"(٣ -<span data-type='title' id=toc-588> باب الإقامة واحدة. . .) إلخ</span>\nلعلَّ المصنف أشار به إلى تفسير الوتر الوارد في الحديث؛ لأن الوتر أعم من الواحد، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nأورد على من قال: إن الإقامة كالأذان كما قال به الحنفية، أورد على المالكية في قولهم بإفراد الإقامة حتى في لفظ: قد قامت الصلاة.\n\n(٤ -<span data-type='title' id=toc-589> باب فضل التأذين)</span>\nقال الحافظ (^٢): راعى المصنف لفظ \"التأذين\" لوروده في حديث الباب، قال ابن المنيِّر: التأذين يتناول جميع ما يصدر من المؤذن من قول وفعل وهيئة، والظاهر أن التأذين ههنا أطلق بمعنى الأذان، انتهى.\nوالأوجه عندي: أن الباب الآتي باب في باب فلا يشكل إذًا أنه لا يثبت فضل التأذين بحديث الباب نصًا بل إشارة فإنه يثبت بهذا إشارة وبالآتي نصًا، وكذلك يناسب إذًا أثر عمر بن عبد العزيز في الباب الآتي بهذا الباب نصًّا.\n\n(٥ -<span data-type='title' id=toc-590> باب رفع الصوت بالنداء)</span>\nتقدم أنه عندي باب في باب.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): قوله: \"وقول عمر بن عبد العزيز: أذِّن أذانًا سمحًا. . .\" إلخ، أشار به إلى أن المراد بالرفع في الرواية والترجمة هو الذي لا يورث البحة والخشونة في الصوت، وهو الرفع البالغ إلى حد يتعب صاحبه، بل المراد الرفع الغير المتعب، انتهى.\nوقال الحافظ (^٤): الظاهر أنه خاف عليه من التطريب الخروج عن الخشوع، لا أنه نهاه عن رفع الصوت.\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (٢/ ٨٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٨٥).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٣/ ١٠١).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٢/ ٨٨).","vol":"2","page":827},{"text":"وقال العيني (^١): قال الداودي: لعل هذا المؤذن لم يكن يحسن مد الصوت إذا رفع بالأذان فعلمه، وليس أنه نهاه عن رفع الصوت، انتهى.\nقال العيني: كأنه يطرب في صوته ويتنغم، ولا ينظر إلى مد الصوت فأمره بالسماحة والسهولة بترك التطريب وبمد صوته، انتهى.\nوالأوجه عندي: أن التطريب يكون مانعًا عن رفع الصوت فأمره بتركه ليكون أعون في رفع الصوت، وما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه أجود وأوفق بالترجمة والرواية إلا أن تمام أثره المذكور في ابن أبي شيبة يدل على أن نكيره كان على التطريب، انتهى من هامش \"اللامع\".\n\n(٦ -<span data-type='title' id=toc-591> باب ما يحقن بالأذان من الدماء)</span>\nقال الحافظ (^٢): قال ابن المنيِّر: قصد البخاري بهذه الترجمة واللتين قبلها استيفاء ثمرات الأذان، فالأولى: فيها فضل التأذين، والثانية: فيها الشهادة له، والثالثة: حقن الدماء، انتهى ملخصًا.\n\n(٧ -<span data-type='title' id=toc-592> باب ما يقول: إذا سمع المنادي)</span>\nقال الحافظ (^٣): لم يجزم المصنف بالجواب لقوة الخلاف في ذلك كما سيأتي.\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٤) تحت قوله: \"فقولوا مثل ما يقول المؤذن\": فيه تغليب وإلا ففي الحيعلتين ليس الجواب مثل قوله، انتهى.\nوفي هامشه: وهذا هو المرجح عند الأئمة الأربعة، قال الزرقاني تبعًا للحافظ: وهو المشهور عند الجمهور، وقيل: يجمع بينهما، نقله ابن عابدين عن البعض، وهو وجه لبعض الحنابلة ولبعض المالكية، كما في \"الأوجز\" (^٥).\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٤/ ١٥٩).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (٢/ ٩٠).\n(^٣) انظر: \"فتح الباري\" (٢/ ٩٢).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٣/ ١٠٢).\n(^٥) \"أوجز المسالك\" (٢/ ١٤).","vol":"2","page":828},{"text":"قال الحافظ (^١): قال ابن المنذر: يحتمل أن يكون ذلك من الاختلاف المباح، فتارة يقول كذا وتارة يقول كذا، انتهى.\nقال العيني (^٢): احتج بالحديث أصحابنا على أن إجابة المؤذن واجبة، وبه قال ابن وهب من المالكية، وهو مذهب الظاهرية، وقال الأئمة الثلاثة: مستحبة، وهو اختيار الطحاوي، انتهى.\nوفي \"الدر المختار\" (^٣): يجيب وجوبًا، وقال الحلواني: ندبًا، انتهى.\n\n(٨ -<span data-type='title' id=toc-593> باب الدعاء عند النداء)</span>\nأي: عند تمام النداء لرواية مسلم بلفظ: \"قولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي، ثم سلوا الله لي الوسيلة\"، وكأن المصنف لم يقيَّده بذلك اتباعًا لإطلاق الحديث، واستدل بحديث الباب الطحاوي على أن الإجابة المعروفة ليس بواجب، انتهى.\nقلت: ولعل إليه ميل المصنف، وأجاد في ذكر هذا الباب بعد الباب السابق.\n\n(٩ -<span data-type='title' id=toc-594> باب الاستهام في الأذان. . .) إلخ</span>\nالشرَّاح سكتوا عن غرض الإمام ويحتمل عندي في غرض الترجمة أنه أراد بيان جواز الاستهام لذلك خاصة أو مطلقًا خلافًا لمن قال: إن القرعة منسوخة، أو يقال: إنه رد على من قال بجواز الأكثر من مؤذن واحد.\nقوله: (ويذكر. . .) إلخ، لعله - ﵁ - ذكره لتعيين معنى الاستهام؛ لأن الشرَّاح اختلفوا في معناه هل هو الاقتراع أو الترامي بالسهام.\nقوله: (فأقرع بينهم سعد) كتب الشيخ في \"اللامع\" (^٤): القرعة منسوخة\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٩١).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٤/ ١٥٦).\n(^٣) \"الدر المختار\" (٢/ ٦٥).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٣/ ١٠٤).","vol":"2","page":829},{"text":"عندنا لإثبات الحكم، وأما لإطابة القلب ودفع تهمته الجور عن نفسه فلا، انتهى.\nوترجم الإمام البخاري لهذه المسألة في مواضع من صحيحه، منها ههنا، ومنها ما سيأتي من \"باب هل يقرع في القسمة؟ \" ومن \"باب القرعة في المشكلات\" ومن \"باب القرعة بين النساء\" وغير ذلك، وأنت خبير بأن هذه المواضع كلها من القرعة التي لم ينكرها الحنفية، ولم يترجم الإمام البخاري بقرعة قالت الحنفية بنسخها في موضع ما من كتابه، فهل هذا مصير منه أيضًا إلى أن القرعة في المشكلات لتطييب القلب لا لإثبات الحكم؟ فتأمل، انتهى من هامش \"اللامع\".\n\n(١٠ -<span data-type='title' id=toc-595> باب الكلام في الأذان)</span>\nوفي \"تراجم شيخ المشايخ\" (^١): يعني: أن الكلام لا يقطع الأذان كما يقطع الصلاة، فإن اتفق الكلام في خلاله لا يعاد، انتهى.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): لا بأس به عندنا أيضًا ما لم يخل بالمقصود، وهو الإعلام بأن يوقع بكلامه بينه فصلًا يخرجه عن إفادته، ودلالة الرواية عليه في قوله: \"فعل هذا من هو خير منه\"، فإنه لما فعله - ﷺ - وأمر به كان حجة لجواز الكلام في أثنائه؛ فإنه لا شك في كونه كلامًا، انتهى.\nوفي هامشه: ليس مراد الشيخ بقوله: لا بأس الإباحة كما يوهمه ظاهر اللفظ لأن المعروف في كتب الفقه الكراهة.\nقال النووي: التكلم في الأذان مختلف بين الأئمة، فكرهه الأئمة الثلاثة، ورخص فيه الإمام أحمد إلى آخر ما في \"الأوجز\" (^٣)، انتهى.\n_________\n(^١) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٢٠١).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٣/ ١٠٥).\n(^٣) \"أوجز المسالك\" (٢/ ٦٠).","vol":"2","page":830},{"text":"قوله: (وقال الحسن: لا بأس أن يضحك. . .) إلخ، قال العيني (^١): هذا غير مطابق للترجمة لأن الضحك ليس بكلام، انتهى.\nوقال الحافظ (^٢): قيل: مطابقته للترجمة من جهة أن الضحك إذا كان بصوت قد يظهر منه حرف مفهم أو أكثر فتفسد الصلاة، ومن منع الكلام في الأذان أراد أن يساويه بالصلاة، انتهى.\nوفي هامش الهندية (^٣): وإذا كان الضحك صحيحًا فالكلام بالطريق الأولى، انتهى.\nثم إنه أورد في \"تيسير القاري\": أن قوله في الحديث: \"الصلاة في الرحال\" صار جزء الأذان إذ ذاك فكيف يصح الاستدلال منه على الترجمة، وتخلص منه بحمل الكلام في الترجمة على العموم من كلام المؤذن أو السامع، فحديث ابن عباس يدل على كلام السامع، وقول سليمان وحسن على كلام المؤذن، انتهى.\n\n(١١ -<span data-type='title' id=toc-596> باب أذان الأعمى إذا كان له من يخبره)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٤): يعني بذلك: أنه لا ضير في أذانه إذا لم يفت المقصود وهو الإعلام في الوقت؛ فإنه مع كونه أعمى لما أخبره الثقة بالوقت كان بمنزلة غيره، انتهى.\nوفي هامشه: ونقل النووي عن أبي حنيفة وداود أن أذان الأعمى لا يصح، والنقل عن الحنفية غير صحيح، بل صرح ابن عابدين بعدم كراهته كما في \"الأوجز\" (^٥)، انتهى.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٤/ ١٧٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٩٨).\n(^٣) (٢/ ١٩٨).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٣/ ١٠٧).\n(^٥) \"أوجز المسالك\" (٢/ ٦٧).","vol":"2","page":831},{"text":"(١٢ -<span data-type='title' id=toc-597> باب الأذان بعد الفجر)</span>\nقال الحافظ (^١): قال ابن المنيِّر: قدَّم المصنف ترجمة \"الأذان بعد الفجر\" على ترجمة \"الأذان قبل الفجر\" مع أن مقتضى الترتيب عكسه؛ لأن الأصل أن لا يؤذن بعد الفجر فكان هذا الباب على الأصل، وأشار ابن بطال إلى الاعتراض على الترجمة بأنه لا خلاف فيه بين الأئمة، وإنما الخلاف في جوازه قبل الفجر، والذي يظهر لي أن مراد المصنف بالترجمتين أن يبين أن المعنى الذي كان يؤذن لأجله قبل الفجر غير المعنى الذي كان يؤذن لأجله بعد الفجر، وأن الأذان قبل الفجر لا يكتفي به عن الأذان بعده، وأن أذان ابن أم مكتوم لا يقع قبل الفجر، انتهى.\n\n(١٣ -<span data-type='title' id=toc-598> باب الأذان قبل الفجر)</span>\nقال الحافظ (^٢): أي: ما حكمه هل هو مشروع أم لا؟ وإذا شرع هل يكتفي به عن إعادة الأذان بعد الفجر أو لا؟ والحديث الأول يدل على الأول، والثاني على خلافه ولذا عقَّبه به، انتهى.\nوعندي غرض الترجمة الإشارة إلى مصلحة الأذان قبل الفجر، فقد بينت الرواية المصلحة.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): وأنت تعلم أنه لم يكن للصلاة وإلا لاكتفى به، ولم يؤذن ابن أم مكتوم، وإنما لم نقل بسنيته للسحور والتهجد لترك العمل به في زمن الخلفاء الراشدين، فعلم أن النبي - ﷺ - لم يجعله سُنَّة وإنما فعله لعارض، انتهى.\nوفي هامشه: ثم اعلم أنهم بعد إجماعهم على أنه لا يجوز تقديم الأذان قبل الوقت في غير الفجر، اختلفوا في أذان الفجر قبل الوقت،\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ١٠١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٢/ ١٠٤).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٣/ ١٠٩).","vol":"2","page":832},{"text":"فأباحه المالكية مع الاختلاف فيما بينهم في مقدار التقديم، فقيل: لا يؤذن لها حتى يبقى السدس الأخير، وهو الأظهر، قاله الباجي، وإليه ذهب الشافعي وأحمد وأبو يوسف، وقال أبو حنيفة ومحمد: لا يؤذن لها حتى يطلع الفجر، وكره أحمد الأذان قبل الفجر في شهر رمضان خاصة كما في \"الأوجز\" (^١)، إلى آخر ما بسط في هامش \"اللامع\".\n\n(١٤ -<span data-type='title' id=toc-599> باب كم بين الأذان والإقامة)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢) تحت حديث الباب: الغرض من وضع الترجمة أن الفصل لا بدّ من بين كل أذانين ولو قليلًا، كيف وإن وقت المغرب أقصر الأوقات وأولاها بالتعجيل في أمر الصلاة فيه، فلما ثبت الفصل فيه ففي غيره أولى، انتهى.\nوفي هامشه: قال الحافظ (^٣): لعل البخاري أشار بذلك إلى رواية الترمذي عن جابر بلفظ: \"اجعل بين أذانك وإقامتك قدر ما يفرغ الآكل من أكله\" الحديث، وإسناده ضعيف فكأنه أشار إلى أن التقدير بذلك لم يثبت، انتهى.\nوالأوجه عندي: أن الإمام البخاري أشار بذلك إلى تقوية معنى ما في حديث الترمذي لأنه إذا كانت بين كل أذانين صلاة، فلا بد لها من وقت يؤديها فيه فلا بد من أن يفرغ الآكل وغيره من حاجته، فهذا عندي من الأصل الحادي والأربعين من أصول الترجم، انتهى.\n\n(١٥ -<span data-type='title' id=toc-600> باب من انتظر الإقامة)</span>\nقال الحافظ (^٤): أورده لاحتمال أن يكون هذا خاصًا بالإمام؛ لأن المأموم مندوب إلى إحراز الصف الأول، ويحتمل أن يشارك الإمام في ذلك من كان منزله قريبًا من المسجد، انتهى.\n_________\n(^١) انظر: \"أوجز المسالك\" (٢/ ٥٣).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٣/ ١١٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٢/ ١٠٦).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٢/ ١٠٩).","vol":"2","page":833},{"text":"(١٦ -<span data-type='title' id=toc-601> باب بين كل أذانين صلاة لمن شاء)</span>\nقال العيني (^١): ليس فيه تكرار؛ لأن المذكور قبل بعض ما دلَّ عليه حديث الباب، وههنا ذكر لفظ الحديث، انتهى.\nوالظاهر عندي: أنه إشارة إلى أن ما ورد في الرواتب من الروايات القولية والفعلية ليس على الوجوب لقوله: لمن شاء، وسيأتي الاختلاف في التطوع قبل المغرب في بابه.\n\n(١٧ -<span data-type='title' id=toc-602> باب من قال: ليؤذن في السفر مؤذن واحد)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): وذلك لأن الاحتياج إلى تكرار الأذان إنما هو لانتشار الناس في جوانب الأمصار، ولا كذلك في السفر فإنهم مجتمعون ثمة فيكتفي بأذان واحد، انتهى.\nوفي هامشه: وإلى عكسه مال شيخ المشايخ في \"تراجمه\" (^٣) إذ قال: قيد السفر اتفاقي، وغرضه من عقد الباب نفي وجوب اجتماع المؤذنين في الأذان كما هو معمول أهل الحرمين، انتهى.\nوقال الحافظ (^٤): كأنه أشار إلى رد ما ورد في \"مصنف عبد الرزاق\" (^٥): \"أن ابن عمر كان يؤذن للصبح في السفر أذانين\" وهذا مصير منه إلى التسوية بين الحضر والسفر في أنه لا يتكرر إلى آخر ما ذكره، وظاهره أن الحافظ حمل الترجمة على عدم التكرار في أذان الصبح في السفر، وقال شيخ الإسلام: إن غرض الترجمة الاكتفاء على الإقامة فقط في السفر، ولما لم يكن هذا مرضيًّا للمصنف بوب عليه بباب من قال هكذا، انتهى.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٤/ ١٩٨).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٣/ ١١٣).\n(^٣) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٢٠١).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٣/ ١١٣).\n(^٥) \"مصنف عبد الرزاق\" (١/ ٤٩٢) (رقم ١٨٩٧).","vol":"2","page":834},{"text":"والأوجه عندي في غرض الترجمة: أنه أشار بالترجمة إلى دفع ما يتوهم من حديث مالك بن الحويرث الآتي في الباب الآتي بلفظ: \"إذا أنتما خرجتما فأذنا\" الحديث، فقد توهم بعض العلماء بذلك إلى أذان كل واحد منهما في السفر.\nقال الحافظ (^١): قال ابن القصار: أراد به الفضل وإلا فأذان الواحد يجزئ، وكأنه فهم منه أنه أمرهما أن يؤذنا جميعًا، انتهى.\nقلت: وإليه يشير تبويب النسائي إذ بوَّب على لفظ حديث: \"أذنا\" بـ \"باب أذان المنفردين في السفر\"، وعلى لفظ: فليؤذن لكم أحدكم بـ \"باب اجتزاء المرء بأذان غيره في الحضر\"، انتهى.\n\n(١٨ -<span data-type='title' id=toc-603> باب الأذان للمسافر إذا كانوا جماعة. . .) إلخ</span>\nقيل: إشارة إلى استحباب الأذان وإن كانوا مجتمعة، ويظهر من كلام الحافظ غرضه أنه مال إلى قول مالك: إنه لا يؤذن في السفر إلا الجيش الذي عليه الأمير، والأئمة الثلاثة إلى مشروعية الأذان لكل من المنفرد والجماعة.\nوالأوجه عندي: الرد على قول مالك كما يدل عليه قوله في الترجمة: \"وكذلك بعرفة وجمع\"، فتأمل، وفي \"الفيض\" (^٢): أشار بلفظ: \"إذا كانوا جماعة\" إلى ترك الأذان في السفر للمنفرد، انتهى.\nقوله: (وكذلك بعرفة وجمع) لم يذكر لهما حديثًا، وكأنه أشار بالأول إلى حديث جابر الطويل في \"مسلم\"، وبالثاني إلى ما سيأتي في \"الحج\"، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\nقلت: والظاهر عندي كما تقدم أن غرض الترجمة الرد على قول\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (٢/ ١١١).\n(^٢) انظر: \"فيض الباري\" (٢/ ١٨٥).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٢/ ١١٢).","vol":"2","page":835},{"text":"مالك، ويؤيده هذا الكلام؛ فإن مالكًا قال في الجمع وعرفة: إن كان معهم الإمام فالأذان والإقامة وإلا فالإقامة فقط، فكأن المصنف رأى أنهما للجماعة لا للإمام.\nقوله: (بالأبطح)، قال الحافظ (^١): هو موضع معروف خارج مكة، وفهم بعضهم أن المراد بالأبطح موضع جمع لذكره لها في الترجمة، وليس بذاك بل بين جمع والأبطح مسافة طويلة، وإنما أورد هذا الحديث؛ لأنه يدخل في أصل الترجمة، وهي مشروعية الأذان والإقامة للمسافرين، انتهى.\nوقال العيني (^٢): مطابقته ظاهرة لأن فيه الأذان والإقامة، انتهى.\nوسكت عنه القسطلاني، وأنت خبير بأنه ليس فيه أذان بل الإقامة فقط.\n\n(١٩ -<span data-type='title' id=toc-604> باب هل يتتبع المؤذن فاه ههنا وههنا)</span>\nوفي \"تراجم شيخ المشايخ\" (^٣): غرضه إثبات أن الأذان غير ملحق بالصلاة في الأحكام ولا يشترك فيه الاستقبال، وبهذا تتحقق المناسبة بين الترجمة والآثار الواردة فيه، انتهى.\nوهو الأصل الثامن والعشرين من أصول التراجم.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٤) تحت قوله في الترجمة: \"ويذكر عن بلال أنه جعل أصبعيه. . .\" إلخ: مناسبته للترجمة من حيث أن إدخال الإصبع في الأذن يعين على رفع الصوت كالالتفات، فإن الالتفات أعون على وصول النداء إلى من في يمينه أو يساره، ثم أورد بتبعية ذكر أحواله ذكر وضوئه وعدم وضوئه، ولعل المراد بالحق والسُّنَّة - أي: في الترجمة - هو الأولى المعمول به، فلا يخالف قوله قول غيره، والترجمة في قوله: \"أتتبع فاه ههنا\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ١١٤).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٤/ ٢٠٥).\n(^٣) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٢٠٢).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٣/ ١١٤).","vol":"2","page":836},{"text":"وههنا\"، فإن أبا جحيفة لم يحتج إلى جعل فيه ههنا وههنا إلا إذا جعل بلال فاه ههنا وههنا كما يدل عليه لفظ التتبع، انتهى.\nوظاهر كلام الحافظ (^١): أن ذكر هذه الآثار لإثبات الالتفات حيث قال: إيراد البخاري قول عائشة في الترجمة للإشارة إلى اختيار قول النخعي ومالك والكوفيين؛ لأن الأذان ليس من جملة الأركان فلا يشترط فيه الطهارة واستقبال القبلة ولا يستحب الخشوع الذي ينافيه الالتفات كما يشترط، ويستحب في الصلاة، ولاختلاف نظر العلماء فيها أوردها بلفظ الاستفهام ولم يجزم بالحكم، انتهى ملخصًا.\nوفي تقرير المكي قوله: (قال إبراهيم: لا بأس. . .) إلخ، لما وقع الكلام في آداب الأذان قال: هذا أيضًا، أو مناسبته أن الوضوء أيضًا معين في رفع الصوت الذي هو معين في التبليغ؛ لأن الوضوء يرفع التكاسل حيث استيقاظ المؤذن من النوم للأذان، انتهى.\nوالأوجه عندي: ما أشار إليه الشيخ من قوله: ثم أورد بتبعية ذكر أحواله. . . إلخ، فإن أبواب الأذان كانت تتم بهذا الباب، وسيذكر المصنف من الباب الآتي أحكام الجماعة، فذكر في هذا الباب الأحكام المتفرقة من الأذان كمسائل شتى، انتهى من هامش \"اللامع\" مختصرًا.\n\n(٢٠ -<span data-type='title' id=toc-605> باب قول الرجل: فاتتنا الصلاة. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٢): موقع هذه الترجمة وما بعدها من أبواب الأذان والإقامة أن المرء عند إجابة المؤذن يحتمل أن يدرك الصلاة كلها أو بعضها أو لا يدرك شيئًا، فاحتيج إلى جواز إطلاق الفوات، انتهى.\nقلت: لا يبعد أن يقال: إن المصنف شرع بعد أحكام الأذان الإقامة والجماعة وغيرها من الآداب.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ١١٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٢/ ١١٦).","vol":"2","page":837},{"text":"قوله: (\"وكره ابن سيرين) في تقرير المكي: أي: (فوت كيا هم كو نماز نى بسبب ناراض هونى كى هم سى) ففيه إشاعة معصية وإظهارها، انتهى.\nوالأوجه عندي: أن فيه نسبة تقصير الفوت إلى الصلاة.\n\n(٢١ -<span data-type='title' id=toc-606> باب ما أدركتم فصلوا. . .) إلخ</span>\nلعل المصنف ترجم بلفظ الحديث لما فيه من الأبحاث:\nالأول: المسبوق يدرك أول صلاته أو آخرها؟\nوالثاني: مدرك الركوع مدرك للركعة أم لا؟ وفائت أول الجمعة ما يفعل؟\nبسط الكلام عليها في \"الأوجز\" (^١) فارجع إليه لو شئت.\n\n(٢٢ -<span data-type='title' id=toc-607> باب متى يقوم الناس. . .) إلخ</span>\nفي \"تراجم شيخ المشايخ\" (^٢): أظهر تأويلات هذه الترجمة أن يقال: إن قوله: إذا رأوا الإمام جواب يعني يقومون إذا رأوا الإمام، انتهى.\nقال الحافظ (^٣): أورد الترجمة بلفظ الاستفهام؛ لأن قوله في الحديث: \"لا تقوموا\" نهي عن القيام، وقوله: \"حتى تروني\" تسويغ للقيام عند الرؤية، ومن ثم اختلف السلف في ذلك، انتهى.\nوفي \"التيسير\": يقومون عند الحنفية على حي على الصلاة، وعند أحمد عند قد قامت الصلاة، وعند الشافعي بعد الفراغ من الإقامة، وعند مالك في بدء الإقامة، انتهى.\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (٢/ ٤١٣).\n(^٢) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٢٠٤).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٢/ ١١٩).","vol":"2","page":838},{"text":"وهكذا المذاهب في القسطلاني (^١) إلا أن فيه عن أبي حنيفة أنه يقوم عند حي على الفلاح، وعند أحمد إذا قال: حي على الصلاة، انتهى.\n\n(٢٣ -<span data-type='title' id=toc-608> باب لا يقوم إلى الصلاة مستعجلًا. . .) إلخ</span>\nسكتوا عن غرض الترجمة.\nوالظاهر عندي: أنه إشارة إلى قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا﴾ الآية [الجمعة: ٩]، فإن بين الآية والحديث تعارضًا بحسب الظاهر.\nقال الحافظ (^٢): وجه الجمع بينهما أن المراد بالسعي العمل الذي هو الطاعة لا سعي الدنيا كالبيع والصناعة، وقيل: المراد بالسعي في الآية المضي، وفي الحديث العدو، انتهى.\n\n(٢٤ -<span data-type='title' id=toc-609> باب هل يخرج من المسجد لعلة)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): يعني بذلك أن ما ورد من النهي عن الخروج بعد الأذان، فالمراد به من غير ضرورة، وأما عند الضرورة فقد ثبت منه - ﷺ - بنفسه، انتهى.\nوفي هامشه: وبذلك جزم شيخ المشايخ في \"التراجم\" (^٤) وجمع من الشرَّاح، والعجب أنهم سكتوا عن تقييد الإمام الترجمة بالاستفهام مع أن رواية الباب صريحة في الجواز فكأنه أشار بلفظ: \"هل\" إلى أن فيه احتمالًا فهو من الأصل الثاني والثلاثين من أصول التراجم، انتهى.\nوذلك لأن الوارد في الحديث الجنابة وهي مما لا بد لها من الخروج؛ لأنه لا يستطيع معها الصلاة، فهل تدخل في ذلك علة أخرى غير الجنابة أم لا؟\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٢/ ٣١٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٣٩٠).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٣/ ١١٧).\n(^٤) انظر: \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٢٠٤).","vol":"2","page":839},{"text":"(٢٥ -<span data-type='title' id=toc-610> باب إذا قال الإمام: مكانكم انتظروه)</span>\nفي \"تراجم شيخ المشايخ\" (^١): أي: ينبغي أن ينتظروه ولا يقيموا مقامه إمامًا آخر، ولا يتفرقوا من موافقهم، انتهى.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): يعني: أنه إذا خرج لأجل الضرورة فإن لهم انتظاره إذا كانوا على رصدة من عوده سواء كانت على قوله أو على شيء من القرائن، وأما إذا ذهب ولا يدري بحاله فإن لهم أن يصلوا ويؤمهم غيره، انتهى.\nوهكذا ذكره الشرَّاح في فوائد الحديث، وما يظهر لهذا العبد الضعيف أن الإمام البخاري أشار بالترجمة إلى مسألة أخرى، وهي أنهم إن لم يستخلفوا أحدًا انتظروه قيامًا، والصلاة في هذه الصورة تفسد عندنا الحنفية؛ إذ بقوا خاليًا كما بسط في الفروع، وكذا عند مالك فالإمام البخاري يكون ممن قال: إنهم يمكثون قيامًا منتظرين إلا أن حديث البخاري ليس فيه دخوله - ﷺ - في الصلاة، انتهى.\n\n(٢٦ -<span data-type='title' id=toc-611> باب قول الرجل: ما صلينا)</span>\nكذا في أكثر النسخ، وفي نسخة الحافظ: \"باب قول الرجل للنبي - ﷺ -: ما صلينا\"، في \"تراجم شيخ المشايخ\" (^٣): الاهتمام بإثبات ذلك لأجل ما ذهب إليه بعض العلماء من كراهة التكلم بمثل فاتتنا الصلاة أو ما صلينا كما سبق مثل ذلك، لكن لو استدل على ذلك بقول النبي - ﷺ -: \"ما صليتها\" لكان أنسب؛ لأنه - ﷺ - صرح بلفظ: \"ما صليت\"، انتهى.\nقال الحافظ (^٤): قال ابن بطال: فيه رد لقول إبراهيم النخعي: يكره أن\n_________\n(^١) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٢٠٤).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٣/ ١١٨).\n(^٣) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٢٠٥).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٢/ ١١٣).","vol":"2","page":840},{"text":"يقول الرجل: لم نصل، والذي يظهر لي أن البخاري أراد أن ينبه على أن قول النخعي ليس على إطلاقه، ولو أراد الرد عليه مطلقًا لأفصح به كما أفصح بالرد على ابن سيرين في ترجمة: \"فاتتنا الصلاة\"، ثم إن اللفظ الذي أورده المؤلف وقع النفي فيه من قوله - ﷺ - لا من قول الرجل، لكن في بعض طرقه وقوع ذلك من الرجل أيضًا، وهو عمر - ﵁ -، وهذه عادة معروفة للمؤلف، انتهى.\nوالأوجه عندي: أن الترجمة في قوله - ﷺ - والمشهور في النسخ \"قول الرجل: ما صلينا\" وهو ثابت بلا مرية، وأما قوله للنبي - ﷺ - فلا يثبت في أكثر النسخ، لكنه موجود في نسخة الحافظ، فإيراد الحافظ مبني على نسخته.\n\n(٢٧ -<span data-type='title' id=toc-612> باب الإمام تعرض له الحاجة. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^١): قال ابن المنيِّر: خصَّ المصنف الإمام بالذكر مع أن الحكم عام؛ لأن لفظ الخبر يشعر بأن المناجاة كانت لحاجته - ﷺ - لأنه لو كانت الحاجة للرجل لقال أنس - ﵁ -: ورجل يناجي النبي - ﷺ -، انتهى.\nوهذا ليس بلازم وفيه غفلة عما في \"مسلم\" (^٢) بلفظ: \"قال رجل: لي حاجة\".\nوالذي يظهر لي: أن هذا الحكم إنما يتعلق بالإمام لأن المأموم إذا عرضت له الحاجة لا يتقيد به غيره من المأمومين بخلاف الإمام، انتهى.\nقوله: (ورجل يناجي. . .) إلخ، قال الحافظ (^٣): لم أقف على اسم هذا الرجل، وذكر بعض الشرَّاح أنه كان كبيرًا في قومه فأراد أن يتألفه على الإسلام، ولم أقف على مستند ذلك، قيل: ويحتمل أن يكون ملكًا ولا يخفى بعده، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ١٢٤).\n(^٢) \"صحيح مسلم\" (ح: ٣٧٦).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٢/ ١٢٤).","vol":"2","page":841},{"text":"والحديث أخرجه البخاري في \"الاستئذان\" ولم يتعرض فيه الحافظ بل أحاله على ما سبق، وفي \"الفيض\" (^١): هذه وقعة واحدة، وما توهمه ألفاظ الترمذي أنها كانت عادة له فقد علله البخاري، وأما الرجل فلم يدركه الشارحان وقد وجدت اسمه في \"الأدب المفرد\" فليراجع له فإنه مهم، إلى آخر ما قال.\nقلت: قد راجعته ولم أجد فيه اسمه بل فيه في \"باب سخاوة النفس\" عن أنس في قصة: وأقيمت الصلاة وجاء أعرابي فأخذ بثوبه فقال: إنما بقي من حاجتي يسيرة وأخاف أنساها فقام معه ثم فرغ من حاجته، الحديث.\n\n(٢٨ -<span data-type='title' id=toc-613> باب الكلام إذا أقيمت الصلاة)</span>\nقال الحافظ (^٢): غرض الترجمة الرد على من كرهه مطلقًا، انتهى.\nقال العيني (^٣) تحت حديث الباب السابق: قال صاحب \"التلويح\": فيه جواز الكلام بعد الإقامة، هان كان إبراهيم والزهري وتبعهما الحنفيون كرهوا ذلك.\nقلت: إنما كره الحنفية الكلام بين الإقامة والإحرام إذا كان بغير ضرورة، وأما إذا كان لأمر من أمور الدين فلا يكره، انتهى.\n\n(٢٩ -<span data-type='title' id=toc-614> باب وجوب صلاة الجماعة. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٤): وهو المراد بقول من قال: إنها سُنَّة والفرق إنما هو في العبارة دون المعنى، ودلالة قول الحسن على هذا المعنى واضحة إذ لو لم تكن الجماعة واجبة لما كانت له معاصاة أمه في تركها، انتهى.\nوفي هامشه: قال الحافظ (^٥): بت الحكم في هذه المسألة، وكان ذلك\n_________\n(^١) \"فيض الباري\" (٢/ ١٨٩).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٢/ ١٢٤).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٤/ ٢٢١).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٣/ ١٣٢).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٢/ ١٢٥).","vol":"2","page":842},{"text":"لقوة دليلها عنده، لكن أطلق الوجوب وهو أعم من كونه وجوب عين أو كفاية، إلا أن أثر الحسن يشعر بكونه وجوب عين لما عرف من عادته أنه يستعمل الآثار في التراجم لتوضيحها وتكميلها، انتهى.\nوما قال إنه أعم من كونه وجوب عين أو كفاية هما قولان للعلماء، فإنهم اختلفوا في ذلك على خمسة أقوال: الأول: إنها شرط لصحة الصلاة، والثاني: فرض عين، والثالث: فرض كفاية، والرابع: سُنَّة مؤكدة، والخامس: مندوب، إلى آخر ما بسط في تعيين القائلين في هامش \"اللامع\".\n\n(٣٠ -<span data-type='title' id=toc-615> باب فضل صلاة الجماعة)</span>\nقال الحافظ (^١): أشار ابن المنيِّر إلى أن ظاهر هذه الترجمة ينافي الترجمة التي قبلها، ثم أطال في الجواب ويكفي منه أن كون الشيء واجبًا لا ينافي كونه ذا فضيلة، ولكن الفضائل تتفاوت، فالمراد منها بيان زيادة ثواب الجماعة على ثواب الفذ، انتهى.\n\n(٣١ -<span data-type='title' id=toc-616> باب فضل صلاة الفجر في جماعة)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): استدلال المؤلف على مدعاه بما أورد في الباب من الروايات مبني على أن الحكم في سائر الصلوات لما كان كذلك فإن صلاة الفجر أولاها بذلك، لما فيها من المشقة وشهود الملائكة وغيره من الأمور الموجبة للفضل، وأيضًا فإن في الروايات دلالة على أن الفضل والمزيد كثيرًا ما يبنيان على الأمور العارضة والأسباب الخارجة، فتزيد الفضيلة للفجر لكثرة الأسباب الموجبة لزيادة الفضل فيها، انتهى.\nوفي هامشه: في تطابق الروايات الواردة في الباب خفاء جدًا، ولذا وجّه المشايخ التطابق بوجوه مختلفة، منها ما قرره الشيخ قُدِّس سرُّه وهو\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ١٣١).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٢/ ١٢٢).","vol":"2","page":843},{"text":"أيضًا وجيه، ومنها ما في \"تراجم\" شيخ المشايخ (^١): أن هذا الباب باب في باب فلا إشكال في ربط الحديثين الأخيرين مع الترجمة فتدبر، انتهى.\nوهذا أصل من أصول التراجم وهو الأصل السادس.\nومنها ما قال الكرماني (^٢): أن صلاة الجماعة إنما كثر ثوابها للمشقة الحاصلة منها، والمشي إلى الجماعة في الفجر أشق من غيرها للظلمة ومصادفة المكروه فيكون الأجر أكثر، إلى آخر ما بسط في هامش \"اللامع\".\n\n(٣٢ -<span data-type='title' id=toc-617> باب فضل التهجير إلى الظهر. . .) إلخ</span>\nقال العيني (^٣): التهجير: التبكير إلى كل شيء أراد المبادرة إلى أول وقت الصلاة، وعامة نسخ البخاري هكذا، وفي بعضها \"باب فضل التهجير إلى الصلاة\" وهذه النسخة أعم وأشمل، ولا منافاة بينه وبين حديث الإبراد؛ لأنه عند اشتداد الحر والتهجير هو الأصل، وهو عزيمة، وذاك رخصة، انتهى.\n\n(٣٣ -<span data-type='title' id=toc-618> باب احتساب الآثار)</span>\nقال الحافظ (^٤): أي: إلى الصلاة، وكأنه لم يقيِّدها لتشمل كل مشي إلى كل طاعة، والاحتساب هان كان أصله العد، لكنه يستعمل غالبًا في معنى طلب تحصيل الثواب بنية خالصة، انتهى.\nوغرض الترجمة ظاهر وهو التنبيه على نية حصول الأجر والثواب عند كل عمل، كما صرحوا بذلك في قوله ﵊: \"من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا\" (^٥) فإنه لاستحضار الأجر والثواب تأثيرًا قويًّا في تحمل المشاق وازدياد الاشتياق إلى الطاعات كما هو ظاهر.\n_________\n(^١) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٢١١).\n(^٢) \"شرح الكرماني\" (٥/ ٤٠).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٤/ ٢٣٨).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٢/ ١٤٠).\n(^٥) \"صحيح البخاري\" (ح: ١٩٠١، ٢٠١٤)، و\"صحيح مسلم\" (ح: ٧٥٩، ٧٦٠).","vol":"2","page":844},{"text":"والأوجه عند هذا العبد الضعيف في اتصال هذا الباب بالباب السابق أن العادة في التهجير توسيع الخطوات وتبعيدها اتقاء عن حر الشمس، وهو خلاف الوقار والسكينة المأمور في قوله - ﷺ -: \"إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون وأتوها تمشون وعليكم السكينة\" فنبَّه المصنف باتصال هذه الترجمة على اقتراب الأقدام لكونه موجبًا لكثرة الثواب، فقد ورد في حديث طويل: \"ثم خرج إلى الصلاة لم يرفع قدمه اليمنى إلا كتب الله - ﷿ - له حسنة، ولم يضع قدمه اليسرى إلا حط الله - ﷿ - عنه سيئة، فليقرب أحدكم أو ليبعد\" الحديث.\n\n(٣٤ -<span data-type='title' id=toc-619> باب فضل صلاة العشاء في الجماعة)</span>\nقال الحافظ (^١): أورد فيه الحديث الدال على فضل العشاء والفجر، فيحتمل أن يكون مراد الترجمة إثبات فضل العشاء في الجملة أو إثبات أفضليتها على غيرها والظاهر الثاني، ووجهه أن الفجر ثبتت أفضليتها كما تقدم، وسوَّى في هذا بينها وبين العشاء، ومساوي الأفضل يكون أفضل جزمًا، انتهى.\n\n(٣٥ -<span data-type='title' id=toc-620> باب اثنان فما فوقهما جماعة)</span>\nهو لفظ حديث ضعيف عند ابن ماجه، فكأن المصنف أراد الاستشهاد به، وهو الأصل الأول من أصول التراجم.\nقال الحافظ (^٢): هذه الترجمة لفظ حديث ورد من طرق ضعيفة، منها في \"ابن ماجه\" من حديث أبي موسى الأشعري، ثم قال بعد حديث الباب: واعترض على أصل الاستدلال بهذا الحديث بأن مالك بن الحويرث كان مع جماعة من أصحابه، فلعل الاقتصار على التثنية من تصرف الرواة، والجواب أنهما قضيتان، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ١٤١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٢/ ١٤٢).","vol":"2","page":845},{"text":"(٣٦ -<span data-type='title' id=toc-621> باب من جلس في المسجد. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^١): أي: ليصليها جماعة، انتهى.\nولم يتعرض هو ولا غيره من الشرَّاح عن غرض الترجمة، وبوَّب على حديث الباب أبو داود \"باب فضل القعود في المسجد\".\nوكتب الشيخ نوَّر الله مرقده في \"البذل\" (^٢): صنيع البخاري يدل على أنه حمل الحديث على القعود لانتظار الصلاة، وأما صنيع المؤلف - أبو داود - فيدل على أن القعود في المسجد عنده عام، سواء كان لانتظار الصلاة أو بعد الفراغ من الصلاة للذكر وتلاوة القرآن وغيرها من العبادات، ويمكن أن يقال: إن البخاري زاد قوله: \"وفضل المساجد\" ليدل على أن القعود فيه لانتظار الصلاة وغيرها يقتضي الفضل، انتهى.\nوقلت: تقييد البخاري الترجمة بانتظار الصلاة واضح من الروايات الواردة في ذلك، وعليه يدل لفظ الحديث \"ما لم يحدث\" فإنه إذا أحدث لم يكن منتظرًا للصلاة.\n\n(٣٧ -<span data-type='title' id=toc-622> باب فضل من خرج إلى المسجد ومن راح)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): لعل المراد بالغدوة والروحة إذا كانتا لفريضة وإلا فالأفضل في التطوع أن يكون في البيت، انتهى.\nوفي هامشه: مما يجب التنبيه عليه أولًا: أن الإمام البخاري عقَّب هذه الترجمة بالحديث السابق، وفيه: \"رجل قلبه معلق بالمسجد\" فكأنه أشار إلى أن ثمرة تعليق القلب بالمسجد كثرة التردد إلى المسجد، وثانيًا: أن الإمام عدل في الترجمة عن لفظ الحديث؛ فإن الحديث كان بلفظ \"غدا وراح\" وهما المشي صباحًا ومساء، وترجم عليه الإمام البخاري بلفظ \"خرج\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ١٤٢).\n(^٢) \"بذل المجهود\" (٣/ ١٩٥).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٣/ ١٢٩).","vol":"2","page":846},{"text":"وراح\" والخروج عام لا يقابله الرواح في المعنى المشهور، فأبدع المصنف في ذلك عندي نكتة بديعة، وهي أنه أشار بلفظ \"خرج\" في الترجمة إلى أن لفظ \"غدا\" في الحديث ليس بمعنى المشي صباحًا، بل المراد منه المشي مطلقًا في أي وقت كان، ولفظ الترجمة في \"الفتح\" \"باب فضل من غدا إلى المسجد ومن راح\".\nقال الحافظ (^١): هكذا للأكثر موافقًا للفظ الحديث، ولأبي ذر بلفظ \"خرج\" بدل \"غدا\" وعلى هذا فالمراد بالغدو الذهاب، وبالرواح الرجوع، انتهى.\nقلت: هذا هو اللائق بدقائق البخاري فكأنه أشار بذلك إلى تقوية معنى حديث أبي داود (^٢) عن أُبي بن كعب في قصة رجل بعيد الدار عن المسجد، قال: ما أحب أن منزلي إلى جنب المسجد، فنمي الحديث إلى رسول الله - ﷺ -، فسأله عن ذلك، فقال: أردت يا رسول الله أن يكتب لي إقبالي إلى المسجد ورجوعي إلى أهلي إذا رجعت، فقال: \"أعطاك الله ذلك كله، أنطاك الله ما احتسبت كله أجمع\"، انتهى.\n\n(٣٨ -<span data-type='title' id=toc-623> باب إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): أراد بذلك أنه ليس في هذا المكان غير المكتوبة، وذلك لما ورد في كثير من الروايات تأكيد سُنَّة الفجر مع التأكيد في أمر الجماعة حتى إن كثيرًا من العلماء قال بوجوبها، فطريق العمل بهما أن يأتي بالسنن في غير ذلك المكان إذا لم يخف فوات الجماعة، جمعًا بين المنقبتين وإحرازًا لكلتا المكرمتين، كيف وقد ورد في الرواية استثناء بقوله: \"إلا ركعتي الفجر\"، انتهى.\nوالمسألة خلافية شهيرة ذكروا فيها تسعة مذاهب بسطت في\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ١٤٨).\n(^٢) \"سنن أبي داود\" (ح: ٥٥٧).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٣/ ١٣١).","vol":"2","page":847},{"text":"\"البذل\" (^١)، ومذاهب الأئمة الأربعة كما في \"الأوجز\" (^٢) أن من لم يصل ركعتي الفجر وأقيمت الصلاة فلا يصليهما عند الشافعي وأحمد مطلقًا، وعند مالك يصليهما خارج المسجد إن تيقن أنه يدرك الإمام في الركعة الأولى، وعند الإمام أبي حنيفة يصليهما ما لم يخف فوت الركعتين معًا، انتهى من هامش \"اللامع\".\nقال الحافظ (^٣): حديث الترجمة أعم من حديث الباب؛ لأنه يشمل الصلوات كلها، وحديث الباب يختص بالصبح فيحتمل أن يقال: اللام في حديث الترجمة عهدية فيتفقان من حيث اللفظ، وأما من حيث المعنى فالحكم في جميع الصلوات واحد، انتهى.\nقلت: أو يقال: إن الترجمة شارحة بأنه بين وجه الإنكار، أو يقال: إن الاختلاف كان في الفجر فقط وأما غيرها فاتفقوا على أن لا يصلي فيها إلا المكتوبة.\n\n(٣٩ -<span data-type='title' id=toc-624> باب حد المريض أن يشهد الجماعة)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٤): لمَّا كان حالة المرض والضعف تستدعى أن لا يجوز للمريض حضور المسجد خوفًا من أن يزداد مرضه، فيتلوث المسجد، دفعه بأن المريض يجوز له الحضور ما لم يظن به الفساد والتلويث، وأما مجرد الاحتمال والوهم فلا يعتبر به ولا يمكن أن يراد حد المريض في وجوب الحضور في المسجد؛ لأنه لم يذهب أحد من الفقهاء إلى وجوب الحضور عليه حين لا يمكن له المشي برجليه من غير إعانة اثنين، مع أنه لو كان الحضور إذ ذاك واجبًا يلزم أن يكون النبي - ﷺ - ترك الواجب؛ لأنه لم يشهد المسجد في كثير من صلوات أيام مرضه، انتهى.\nوفي هامشه: اختلفوا في ضبط هذه الترجمة والغرض منها.\n_________\n(^١) \"بذل المجهود\" (٥/ ٤٧٦).\n(^٢) \"أوجز المسالك\" (٢/ ٦٦٧).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٢/ ١٤٩).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٣/ ١٣٢).","vol":"2","page":848},{"text":"قال الحافظ (^١): قال ابن التين تبعًا لابن بطال: معنى الحد ههنا الحدة، وقد نقله الكسائي قال: والمراد ههنا الحض على شهود الجماعة، قال ابن التين: ويصح أن يقال: \"جد\" بكسر الجيم وهو الاجتهاد في الأمر، لكن لم أسمع أحدًا رواه بالجيم، وقد أثبت ابن قرقول رواية الجيم وعزاها للقابسي، وقال ابن رُشيد: إنما المعنى ما يحد للمريض أن يشهد معه الجماعة، فإذا جاوز ذلك الحد لم يستحب له شهودها، قال: ويمكن أن يقال: معناه \"باب الحد الذي للمريض أن يأخذ فيه بالعزيمة في شهود الجماعة\"، انتهى.\nوفي \"تراجم شيخ المشايخ\" (^٢): الحد ههنا من الحدة يعني باب فضل تكلف المريض، انتهى.\nوالأوجه عندي في غرض الترجمة الحض على حضور الجماعة إلى ذلك الحد.\n\n(٤٠ -<span data-type='title' id=toc-625> باب الرخصة في المطر والعلة أن يصلى في رحله)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): دلالة الرواية الأولى على هذا المعنى ظاهرة، وأما الرواية الثانية فالظاهر منها وإن كان توقف الإجازة على مجموع العلتين المذكورتين فيها، إلا أن النظر في الروايات يقتضي أن كلًّا من العمى والظلمة والسيل مستقل في إفادة الرخصة في القعود عن الجماعة، أو يقال: إن معنى قول عتبان: أنه يكون الظلمة والسيل، وقد عرفت أنك يا رسول الله ترخص في مثل ذلك أن يتخلف من الجماعة وإني أعمى، وقد علمت أيضًا جواز القعود عند العذر مثل الأعمى فكيف لي وقد اجتمعت لي علتان موجبتان للرخصة، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ١٥٢).\n(^٢) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٢١٢).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٣/ ١٣٧).","vol":"2","page":849},{"text":"وفي هامشه: دفع الشيخ بذلك ما يوهمه ظاهر لفظ الحديث من أن مدار الرخصة مجموع العلل الثلاثة من الظلمة، والسيل، والعمى، مع أن هذه الثلاثة كل واحد منها علة مستقلة في الرخصة عند الفقهاء كما بسطها أصحاب الفروع، ثم بسط في الأعذار المسقطة للجماعة.\n\n(٤١ -<span data-type='title' id=toc-626> باب هل يصلي الإمام بمن حضر؟. . .) إلخ</span>\nغرض الترجمة واضح، وهو أن ما تقدم من قوله - ﷺ -: \"صلُّوا في الرحال\"، ليس على الإيجاب بل على الإباحة، وبنحو ذلك قال جميع الشرَّاح.\nوفي \"تراجم شيخ المشايخ\" (^١): مقصوده أنه يترك الجماعة والخطبة لعذر المطر أو هل يصلي بالجماعة ويخطب بمن حضر ولو كانوا قليلًا؟ انتهى.\nقلت: بقي ههنا شيء لم يتعرض له أحد منهم وهو أن المصنف لم قيد الترجمة بلفظة \"هل\" الدالة على التردد؟\nوالأوجه عندي: أنه أشار بذلك إلى مسألة خلافية شهيرة وهي أن أصحاب الأعذار المرخصة للجماعة والجمعة هل تنعقد معهم الجمعة وهل يعتبر بمحضرهم الخطبة أم لا؟ ولذا قارن الإمام البخاري الصلاة بالخطبة، قال الموفق: ما كان شرطًا لوجوب الجمعة فهو شرط لانعقادها، فمتى صلوا جمعة مع اختلال بعض شروطها لم يصح ولزمهم أن يصلوا ظهرًا وحكي عن مالك: أنه كان لا يجعل المطر عذرًا في التخلف عنها، وقال أبو حنيفة والشافعي: يجوز أن يكون العبد والمسافر إمامًا فيها ووافقهم مالك في المسافر، فأما المريض ومن حبسه العذر من المطر والخوف، فإذا تكلف حضورها وجبت عليه وانعقدت به، ويصح أن يكون إمامًا فيها لأن\n_________\n(^١) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٢١٣).","vol":"2","page":850},{"text":"سقوطها منهم إنما كان لمشقة السعي، فإذا تكلفوا وحصلوا في الجامع زالت المشقة فوجبت عليهم كغير أهل الأعذار، انتهى.\nوعلى هذا فالترجمة من الأصل الثاني والثلاثين من أصول التراجم، نبَّه بلفظ \"هل\" على أن فيه مجالًا للناظر، انتهى.\nوالجزء الثاني للترجمة أعني قوله: وهل يخطب يوم الجمعة في المطر، لعل ثبوته بفعل ابن عباس وقد عزاه إلى النبي - ﷺ -، وكونه في يوم الجمعة مصرّح في رواية ابن علية، كما صرح به الحافظ (^١) في \"باب الكلام في الأذان\".\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): قوله: \"باب هل يصلي الإمام بمن حضر. . .\" إلخ، دلالة الرواية الأولى على هذا المعنى من حيث أن ابن عباس لمَّا زاد في النداء قوله: الصلاة في الرحال، عمل بها بعضهم فلم يحضر عملًا بالرخصة، ولم يعمل بها آخرون عملًا بالعزيمة فحضروا، فكان صلاته بهم هي الصلاة بمن حضر، وأما الرواية الثانية فتثبت المدعى من حيث إن أبا سعيد الخدري حضر الصلاة معه فعلم حضور البعض، وقد علم أيضًا أنه كان يرخص لهم في القعود فلا يحضرها بعضهم، انتهى مختصرًا.\nوفي هامشه: قال الحافظ (^٣): مطابقة حديث أبي سعيد من جهة أن العادة في يوم المطر أن يتخلف بعض الناس، وأما قول بعض الشرَّاح: يحتمل أن يكون ذلك في الجمعة، فمردود؛ لأنه سيأتي في \"الاعتكاف\" أنها كانت صلاة الصبح، وحديث أنس لا ذكر للخطبة فيه، ولا يلزم أن يدل كل حديث في الباب على كل ما في الترجمة، انتهى.\nقلت: لا صراحة بالجمعة في الترجمة فلا حاجة لإبداء احتمال أبداه بعض الشرَّاح، فإن الترجمة \"الصلاة بمن حضر\" مطلقًا بدون قيد الجمعة.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٩٧).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٣/ ١٣٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٢/ ١٥٨).","vol":"2","page":851},{"text":"(٤٢ -<span data-type='title' id=toc-627> باب إذا حضر الطعام وأقيمت الصلاة. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): أشار بقوله في الترجمة: \"وقلبه فارغ\" إلى الجمع بين ما ورد في ذلك الباب من الروايات المختلفة، ففي بعضها تقديم الأكل، وفي الأخرى: لا تؤخر الصلاة لشيء.\nوحاصل الجمع: أن تقديم الأكل حيث اشتغل به قلبه، وإلا فلا تؤخر الصلاة، فما ورد من تقديم الطعام من قصة عمر وغيرها محمول على ما إذا شغله الطعام عن الصلاة، والله تعالى أعلم، انتهى.\nوفي هامشه: اختلفت الروايات في ذلك كما أفاده الشيخ، واختلفوا في الجمع بينها، قال الشوكاني بعد ذكر أحاديث تقديم العشاء: ظاهر الأحاديث أنه يقدم العشاء مطلقًا، سواء كان محتاجًا إليه أم لا؟ وسواء خشي فساد الطعام أم لا؟ وسواء كان خفيفًا أم لا؟ وخالف الغزالي فزاد \"خشية فساد الطعام\"، والشافعية فزادوا قيد \"الاحتياج\" ومالك فزاد قيد \"أن يكون الطعام خفيفًا\"، وقد ذهب إلى الأخذ بظاهر الأحاديث ابن حزم والظاهرية، ورواه الترمذي عن أحمد وغيره فقال: يجب تقديم الطعام، وجزموا ببطلان الصلاة إذا قُدِّمَت، وذهب الجمهور إلى الكراهة، وأيضًا ظاهر الأحاديث أنه يقدم الطعام وإن خشي خروج الوقت، وإليه ذهب ابن حزم وهو وجه لبعض الشافعية، وذهب الجمهور إلى أنه إذا ضاق الوقت صلى على حاله محافظة على الوقت، ولا يجوز تأخيرها، انتهى.\nقلت: ما حكى الشوكاني من مذهب أحمد من فساد الصلاة عند التقديم يأباه كتبه، قال الموفق (^٢): قال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه لو صلَّى بحضرة الطعام، فأكمل صلاته إن صلاته تجزئه، انتهى.\nقلت: وحمل الطحاوي في \"مشكل الآثار\" روايات الباب على الصائم\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٣/ ١٤٣).\n(^٢) انظر: \"المغني\" (٢/ ٣٧٤).","vol":"2","page":852},{"text":"إلى آخر ما في هامش \"اللامع\" (^١).\n\n(٤٣ -<span data-type='title' id=toc-628> باب إذا دعي الإمام إلى الصلاة. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٢): قيل: أشار بهذا الباب إلى أن الأمر في الباب السابق للندب لا للوجوب، وقد فصل بعضهم بين ما إذا أقيمت الصلاة قبل الشروع في الأكل أو بعده، فيحتمل أن المصنف كان يرى التفصيل، ويحتمل تقييده في الترجمة بالإمام أنه كان يرى تخصيصه به دون غيره من المأمومين، قال ابن المنيِّر: لعله - ﷺ - أخذ في خاصة نفسه بالعزيمة، فقدم الصلاة على الطعام، وأمر غيره بالرخصة لأنه لا يقوى على مدافعة الشهوة قوته، وأيكم يملك أربه، انتهى.\n\n(٤٤ -<span data-type='title' id=toc-629> باب من كان في حاجة أهله. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٣): كأنه أشار بهذه الترجمة إلى أنه لا يلحق بحكم الطعام كل أمر يكون للنفس تشوق إليه، إذ لو كان كذلك لم يبق للصلاة وقت في الباب، انتهى.\n\n(٤٥ -<span data-type='title' id=toc-630> باب من صلَّى بالناس. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٤): لما كان ذلك يوهم أن لا تجوز هذه الصلاة، لما أنه ليس لوجه الله تعالى خاصة، بل المقصود منها التعليم، رد هذا الوهم بأنه لا ينافي الإخلاص، فإن التعليم أيضًا لوجه الله، انتهى.\nوفي \"تراجم شيخ المشايخ\" (^٥): مقصوده من عقد هذا الباب أنه ليست هذه الصلاة صلاة المرائي، بل فيه ثواب الصلاة للمصلي مع ثواب التعليم أيضًا، انتهى.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٣/ ١٤٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٢/ ١٦٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٢/ ١٦٢).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٣/ ١٤٦).\n(^٥) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٢١٥).","vol":"2","page":853},{"text":"وقال الحافظ (^١): لم يجزم بالحكم لما فيه من إيهام التشريك في العبادة، انتهى.\n\n(٤٦ -<span data-type='title' id=toc-631> باب أهل العلم والفضل أحق بالإمامة)</span>\nوفي \"تراجم شيخ المشايخ\" (^٢): استدل المؤلف بإمامة أبي بكر على فضله، فحاصل الاستدلال: أن أفضلية أبي بكر معلومة لنا قطعًا بالأحاديث المتواترة المعنى، وعلمنا منه هذه المسألة في الإمامة، وقال بعضهم: إن هذه الإمامة هي الدالة على أفضليته، ولا يخفى أنه حينئذ يلزم الدور في الاستدلال، انتهى.\nقال الحافظ (^٣): قوله: \"أحق بالإمامة\" أي: ممن ليس كذلك، ومقتضاه أن الأعلم والأفضل أحق من العالم والفاضل، وذكر الفضل بعد العلم من العام بعد الخاص، وسيأتي الكلام على ترتيب الأئمة بعد بابين، انتهى.\nوقال السندي (^٤): يحتمل أن مراده بيان أن أهل العلم أولى بالإمامة من أهل القراءة كما قال الجمهور: إن الأعلم أولى من الأقرأ، وهذا مبني على أن أُبيًّا كان أقرأ القوم كما جاء \"أقرؤكم أُبي\" ومع ذلك اختار - ﷺ - أبا بكر للإمامة لأنه كان أعلم، وعلى هذا فقيل: إن تقديم الأقرأ منسوخ، وقيل: بل تقديم الأقرأ مبني على أن أقرأهم كان أعلمهم، ولا يخفى أن لازم الجواب الثاني أن يكون أُبي أعلمهم لأنه أقرأهم وهو يفسد أصل الاستدلال، والله تعالى أعلم، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ١٦٣).\n(^٢) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٢١٥).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٢/ ١٦٥).\n(^٤) \"حاشية السندي على صحيح البخاري\" (١/ ١٢٤).","vol":"2","page":854},{"text":"قلت: ويمكن التفصي عنه بأن كلًّا من أبي بكر وأُبي بن كعب كانا أقرأهم، وما ورد في حق أبي من كونه أقرأهم فهو من حيث شدة الحفظ وإتقانه، وما قيل: أقرأهم كان أعلمهم فباعتبار كمية القرآن.\n\n(٤٧ -<span data-type='title' id=toc-632> باب من قام إلى جنب الإمام لعلة)</span>\nفي \"تراجم شيخ المشايخ\" (^١): أي: هو جائز، لوجود علة مثل كون الإمام ضعيفًا لا يسمع الناس صوته من بعيد، فيقوم واحد إلى جنبه، ويسمع الناس تكبير الإمام وغير ذلك، انتهى.\nقال العيني (^٢): إنما قال هذا؛ لأن الأصل أن يتقدم الإمام على المأموم، ولكن للمأموم أن يقف بجنب الإمام عند وجود أسباب تقتضي ذلك، ثم بسط العيني تلك الأسباب.\n\n(٤٨ -<span data-type='title' id=toc-633> باب من دخل ليؤم الناس. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): قوله: (تأخر الأول أو لم يتأخر. . .) إلخ، أما ثبوت جواز التأخر فبفعل أبي بكر الذي فعله، وأما جواز عدمه فبقوله - ﷺ -: \"امكث على مكانك\" وهذا على رأي البخاري، وأما عندنا فكان تأخر أبي بكر لحصره عن القراءة، ولا يجوز التأخر للإمام لضرورة، انتهى.\nكذا في الأصل لضرورة والصواب على الظاهر بدله: إلا لضرورة، وما أفاده الشيخ واضح فإن فيه إثبات جزئي الترجمة بحديث الباب.\nوقال الحافظ (^٤): يشير بالشق الأول وهو ما إذا تأخر إلى رواية عروة عنها في الباب الذي قبله، حيث قال: \"فلما رآه استأخر\"، وبالثاني وهو ما إذا لم يتأخر إلى رواية عبد الله عنها حيث قال: \"فأراد أن يتأخر\"، وقد\n_________\n(^١) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٢١٦).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٤/ ٢٨٨).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٣/ ١٥١).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٢/ ١٦٧).","vol":"2","page":855},{"text":"تقدمت في \"باب حد المريض\" والجواز مستفاد من التقرير، وكلا الأمرين قد وقعا في حديث الباب، انتهى.\nومال مولانا الشيخ أنور شاه في \"الفيض\" (^١) إلى أن المقصود بالترجمة الجزء الأول فقط وذكر له حديثًا، وأما الجزء الآخر يعني قوله: \"لم يتأخر\" فمن باب التكميل لدفع توهم الاختصاص، انتهى.\nقلت: وهذا هو الأصل الرابع والثلاثون من أصول التراجم، انتهى من هامش \"اللامع\". وفيه أيضًا على قول الشيخ: \"وهذا على رأي البخاري\": هو المرجح عند الشافعية، وبقول الحنفية قال الجمهور، انتهى.\n\n(٤٩ -<span data-type='title' id=toc-634> باب إذا استووا في القراءة. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): فيه إشارة إلى أن ما ورد في الرواية من تقديم الأكبر سنًّا فإنما هو حيث كانوا مستوين في العلم والقراءة، وإن لم يستووا فيهما فلا تقديم للأسن، انتهى.\nقلت: حاصله أن الترجمة شارحة للحديث، وعلى هذا فالترجمة من الأصل الثالث والعشرين، وفي \"تراجم شيخ المشايخ\" (^٣): الحديث الذي هو نص في هذه الترجمة أورده مسلم وغيره فكأنه ما وجده على شرطه، انتهى.\nقلت: ولفظ حديث مسلم (^٤): عن أبي مسعود الأنصاري مرفوعًا: \"يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانت قراءتهم سواء فليؤمهم أقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فليؤمهم أكبرهم سنًّا\" الحديث، وعلى هذا تكون الترجمة من الأصل الأول من أصول التراجم إلى آخر ما بسط في هامش \"اللامع\".\n_________\n(^١) \"فيض الباري\" (٢/ ٢١٠).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٣/ ١٥٤).\n(^٣) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٢١٧).\n(^٤) \"صحيح مسلم\" (٦٧٣).","vol":"2","page":856},{"text":"وقال السندي (^١): أراد بالقراءة - في الترجمة - ما يستحق به الإمامة أعم من القراءة والعلم، واستواء أصحاب مالك بن الحويرث في ذلك من حيث إنهم كانوا مستوين في الإقامة عنده - ﷺ -، والغالب في مثلهم الاستواء في الأخذ، والله تعالى أعلم.\nقلت: واختلف الفقهاء في هذه المسألة فعند الجمهور ومنهم الأئمة الثلاثة ومحمد: تقديم الأعلم على الأقرأ، وعند الإمام أحمد وأبي يوسف يقدم الأقرأ.\n\n(٥٠ -<span data-type='title' id=toc-635> باب إذا زار الإمام قومًا فأمهم)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): يعني بذلك أن ما ورد من النهي عن أن يؤم قومًا، فالمراد به ليس هو النهي بإطلاقه بل النهي مقيد بعدم الإذن، انتهى.\nوبسط الكلام في هامشه وفيه: المعروف عند شرَّاح البخاري في غرض الترجمة أن الإمام الأعظم إذا زار قومًا لا يحتاج إلى إذنهم في التقدم [على] الإمامة.\nقال الحافظ (^٣): أشار بهذه الترجمة إلى أن حديث مالك الذي أخرجه أبو داود وغيره \"من زار قومًا فلا يؤمهم\" الحديث محمول على من عدا الإمام الأعظم إلى آخر ما قال.\nوتعقبه العيني (^٤) ومال إلى أن الإمام الأعظم أيضًا محتاج إلى الإذن إذ قال: لم يبين البخاري حكمه هل للإمام ذلك أم يحتاج إلى الإذن؟ فاكتفى بما ذكر في حديث الباب فإنه يشعر بالاستئذان.\n_________\n(^١) \"حاشية السندي على صحيح البخاري\" (١/ ١٢٥).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٣/ ١٥٦).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٢/ ١٧٢).\n(^٤) انظر: \"عمدة القاري\" (٤/ ٢٩٧).","vol":"2","page":857},{"text":"فالحاصل أنهم اختلفوا في الغرض على ثلاثة مسالك: الأول: ما أفاده والدي في تقريره، وهو مؤدى كلام شيخ المشايخ في \"التراجم\" (^١) من أن النهي عن إمامة الزائر مقيد بعدم الإذن، والثاني: ما ذهب إليه الحافظ أن الإمام الأعظم لا يحتاج إلى الإذن، وهو الذي حكاه مولانا محمد حسن المكي في تقريره، والثالث: ما ذهب إليه العيني أن الإمام الأعظم أيضًا يحتاج إليه.\nوعندي ظاهر ألفاظ الترجمة يرجح ما أفاده في تقرير المكي، انتهى. من هامش \"اللامع\" (^٢) مختصرًا.\n\n(٥١ -<span data-type='title' id=toc-636> باب إنما جعل الإمام ليؤتم به. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): أشار بذكر صلاته - ﷺ - في مرضه أنه لا يجب متابعة الإمام فيما إذا ترك الإمام فرضًا لعذر أو لغير عذر، فإنه - ﷺ - جلس للعذر، ولم يجلس القوم، ولذلك أورد الآثار فإنه إذا ترك السجدة لأجل الزحام؛ فإنه لا يتابع الإمام إذ يلزم في متابعته رفض الفرض، وذا لا يجوز كما لا يجوز له أن يترك سجدة لكونها فريضة، وكذلك أثر ابن مسعود أورده لتأكيد أن المتابعة واجبة ما لم يترك واجبًا، ومعنى قول الحسن أن الذي لم يتمكن من السجود لأجل الزحام أو غيره ينتظر حتى لو سلم الإمام فإنه لا يسلم بتسليمه؛ لأن في متابعته إذ ذاك ترك الفرض، فإذا وجد فرجة سجد سجدتين للثانية، ثم يعيد الركعة الأولى لعدم الاعتداد بما أداه منها لعدم السجود، انتهى مختصرًا.\nوفي هامشه: قال الحافظ (^٤): هذه الترجمة قطعة من الحديث الآتي في الباب، والمراد بها أن الائتمام يقتضي متابعة المأموم لإمامه في أحوال\n_________\n(^١) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٢١٨).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٣/ ١٥٩، ١٦٠).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٣/ ١٦٠).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٢/ ١٧٤).","vol":"2","page":858},{"text":"الصلاة، فتنتفي المقارنة والمسابقة والمخالفة إلا ما دلَّ الدليل الشرعي عليه، انتهى.\n\n(٥٢ -<span data-type='title' id=toc-637> باب متى يسجد من خلف الإمام. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): أراد بذلك إثبات أن أفعال المأمومين ينبغي أن تقع بعد الإمام بعدية متصلة ليس فيها فصل، إلا أنه إذا كان الإمام كبير السن ضعيف القوى بطيء الحركات وجب التأخير في الابتداء حتى تتحقق البعدية المتصلة في الانتهاء؛ لأنهم لو أخذوا بعده بعدية متصلة في الإتيان بالفعل الذي شرع فيه الإمام لزم فراغهم قبل فراغ الإمام لتبطئه في الحركات وتسارعهم، فأشار إلى أول الدعوى بحديث أنس \"إذا سجد فاسجدوا\"، فإنه يدل على التعاقب وعدم الفصل، والرواية المذكورة في الباب دالة على فصل في ابتداء فعل الإمام والمأموم، فالنظر إلى مجموعهما يثبت المرام، فكان كل من الروايتين بمنزلة التفسير للأخرى فافهم، انتهى.\nوفي هامشه: في غرض الباب ثلاثة احتمالات:\nالأول: ما أفاده الشيخ، وحاصله: أن الغرض التنبيه على أن تعقيب أفعال المقتدين كما هو لازم في شروع الفعل، كذلك هو واجب في آخره.\nوالثاني: أن ظاهر قوله - ﷺ -: \"إذا سجد فاسجدوا\" يوهم أن يقع سجود المؤتم بعد فراغ الإمام عن السجود كما هو ظاهر التعقيب فدفع الإمام البخاري هذا الاحتمال بحديث البراء بأن التعقيب باعتبار الشروع لا باعتبار الفراغ، وهذا خاطري أبو عذره.\nوالثالث: ما اختاره في \"الفيض\" (^٢) فارجع إليه لو شئت، ثم ذكر في هامش \"اللامع\" ههنا مسألة المبادرة من الإمام فقال: ههنا ثلاثة مسائل: التحريمة، والسلام، وبقية الأركان.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٣/ ١٧٠).\n(^٢) انظر: \"فيض الباري\" (٢/ ٢١٦).","vol":"2","page":859},{"text":"أما الأول: فالأئمة الأربعة متفقون على أن التقدم على الإمام فيها مبطل للصلاة إلا في قول للشافعي غير مرضي عند أصحابه.\nوأما الثاني: أي: السلام فالمشهور عن المالكية أن المقارنة في السلام مفسدة فالتقدم بالأولى، وعند الشافعي وأحمد التقدم مفسد والمقارنة مكروهة مع صحة الصلاة، وعند الحنفية التقدم في السلام مكروه غير مفسد، فالمقارنة أولى بعدم الإفساد.\nوأما الثالث: أعني بقية الأركان فالجمهور منهم الأئمة الثلاثة على إجزاء الصلاة مع التحريم إلا في رواية لأحمد فالتقدم فيها أيضًا مبطل، وبه قال أهل الظاهر، انتهى.\n\n(٥٣ -<span data-type='title' id=toc-638> باب إثم من رفع رأسه قبل الإمام)</span>\nقال الحافظ (^١): أي: من السجود لرواية ابن خزيمة بزيادة \"الذي يرفع رأسه والإمام ساجد\" فتبين أن المراد الرفع من السجود ففيه تعقب على من قال: إن الحديث نص في المنع من تقدم المأموم على الإمام في الرفع من الركوع والسجود معًا، وإنما هو نص في السجود، ويلتحق به الركوع لكونه في معناه، ويمكن أن يفرق بينهما بأن السجود له مزيد مزية؛ لأن العبد أقرب ما يكون فيه من ربه فلذلك خص بالتنصيص عليه، ويحتمل أن يكون من باب الاكتفاء، وهو ذكر أحد الشيئين المشتركين في الحكم إذا كان للمذكور مزية، انتهى.\nوتعقب العيني (^٢) كلام الحافظ أشد التعقب فارجع إليه لو شئت.\n\n(٥٤ -<span data-type='title' id=toc-639> باب إمامة العبد والمولى. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٣): المولى العتيق، قال ابن المنيِّر: لم يفصح بالجواز،\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ١٨٣).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٤/ ٣١٠).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٢/ ١٨٤).","vol":"2","page":860},{"text":"لكن لوَّح به لإيراده أدلته، ثم قال: وإلى صحة إمامة العبد ذهب الجمهور، وخالف مالك فقال: لا يؤم الأحرار إلا إن كان قارئًا وهم لا يقرؤون فيؤمهم، إلا في الجمعة؛ لأنها لا تجب عليه.\nقوله: (وولد البغي والأعرابي) وإلى صحة إمامتهما ذهب الجمهور خلافًا لمالك، وعلَّته عنده غلبة الجهل، انتهى.\nقوله: (من المصحف)، قال العيني (^١): ظاهره يدل على جواز القراءة من المصحف في الصلاة، وبه قال ابن سيرين، وأجازه مالك في قيام رمضان، وكرهه النخعي وهي مفسدة عند أبي حنيفة؛ لأنه عمل كثير، وعند أبي يوسف ومحمد يجوز؛ لأن النظر في المصحف عبادة، ولكنه يكره لما فيه من التشبه بأهل الكتاب وبه قال الشافعي وأحمد، انتهى مختصرًا.\nوفي هامش \"اللامع\" وأما أثر عائشة ليس بنص في الباب، لما فيه من الاحتمالات، قال السرخسي في \"مبسوطه\": ليس المراد بحديث ذكوان أنه كان يقرأ من المصحف في الصلاة، إنما المراد بيان حاله أنه كان لا يقرأ جميع القرآن عن ظهر القلب، والمقصود بيان أن قراءة جميع القرآن في قيام رمضان ليس بفرض، انتهى.\nومعناه: أنه كان يقرأ بعض القرآن لا كله، ويحتمل أن يكون المعنى كان يقرأ من القرآن، أي: الآيات منه لا سورة كاملة في ركعة كما أن هذين الطريقين معروفان عند القراء، فبعضهم يقرؤون في كل ركعة سورة قصيرة، وبعضهم الركوعات المتفرقة، ويحتمل أيضًا أن يكون المعنى أنه كان ينظر في المصحف بعد الترويحة إذا تعايا عليه، ثم يقرأ بعد ذلك في الصلاة، وهذا الطريق أيضًا معروف، لا سيما للحفاظ الذين لم يكن عندهم من يفتح عليهم، انتهى.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٤/ ٣١٤).","vol":"2","page":861},{"text":"وهذا التوجيه الأخير اختاره شيخ المشايخ في \"تراجمه\" (^١)، انتهى.\nقوله: (والغلام الذي لم يحتلم)، كتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): ولا يصح استدلاله بعموم قوله - ﷺ -: \"أقرؤهم\"؛ لأنه لو سلم عمومه لزم جواز إمامة الكافر والمرأة والمجنون، مع أن أحدًا لا يقول به، فكما أنهم يخصون من عموم الأقرئية، كذلك نخصه، أي: الصبي منه، والحجة في تخصيصه النصوص الواردة في عدم تكليفه، انتهى.\nوفي هامشه: والمسألة خلافية، قال العيني (^٣): ظاهره يتناول المراهق وغيره، ويفهم منه أن البخاري يجوز إمامته، وهو مذهب الشافعي أيضًا، ومذهب أبي حنيفة: أن المكتوبة لا تصح خلفه، وبه قال أحمد وإسحاق، وفي النفل روايتان عن أبي حنيفة، وبالجواز في النفل قال أحمد، انتهى.\nقال الموفق (^٤): لا يصح ائتمام البالغ بالصبي في الفرض، وبه قال مالك إلى آخر ما قال.\n\n(٥٥ -<span data-type='title' id=toc-640> باب إذا لم يتم الإمام وأتم من خلفه)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٥): لفظ التمام مشير إلى أن ذلك في الأمور الزائدة على نفس الصلاة من السنن والمستحبات، وأما أركان الصلاة وشرائطها، فإن إخلال الإمام بشيء منها يستلزم الإخلال بصلاة من خلفه، ولعل المؤلف لا يقول إلا ما قالته الشافعية من أن فساد صلاة الإمام لا يستلزم فساد صلاة المأمومين، وعلى هذا فالتمام على عمومه، ولا يتقيد بما دون أركان الصلاة وشرائطها، والله أعلم، انتهى.\n_________\n(^١) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٢٢٢).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٣/ ١٧٩).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٤/ ٣١٥).\n(^٤) \"المغني\" (٣/ ٧٠).\n(^٥) \"لامع الدراري\" (٣/ ١٨٤).","vol":"2","page":862},{"text":"وفي هامشه: والمسألة خلافية شهيرة، قال العيني (^١): مذهب الشافعية أن صلاة الإمام إذا فسدت لا تفسد صلاة المقتدي، وعند الحنفية تفسد صلاة المقتدي أيضًا، وبقول الشافعي قال مالك وأحمد، انتهى.\nقلت: هذا هو المعروف على ألسنة المشايخ، والصحيح أن ذلك متفق عليه عندهم في مسألة الحدث فقط لا في غيرها، وفيه التفاصيل ثم بسطها فارجع إليه لو شئت.\n\n(٥٦ -<span data-type='title' id=toc-641> باب إمامة المفتون والمبتدع)</span>\nقال الحافظ (^٢): قوله: المفتون، أي: الذي دخل في الفتنة فخرج على الإمام، ومنهم من فسَّره بما هو أعم من ذلك، انتهى.\nوقال العيني (^٣): المفتون، هو من فتن الرجل فهو مفتون إذا ذهب ماله وعقله، ثم ذكر ما تقدم عن الحافظ، وتعقّب عليه حيث قال: هذا التفسير لا ينطبق إلا على الفاتن، لأنه الذي يدخل في الفتنة ويخرج على الإمام، وكان ينبغي للبخاري أن يقول \"باب إمامة الفاتن\"، انتهى.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٤): قوله: \"خلف المخنث\" وهو الرجل المتشبه بهن أو المشابه بهن، وجواز الصلاة خلفه لكونه رجلًا والكراهة لشبهه بالنسوة (^٥) فإن إمامتهن مفسدة، وقوله في الحديث: \"ولو لحبشي\" دلالته على الترجمة من حيث إن الحبشي لا يكون إمامًا إلا بالتغلب والجور، أو بأن ينصبه غيره للإمامة، وكل من الحبشيين أمرنا بإطاعته، ومن جملة ذلك الصلاة خلفه فكانت الصلاة خلف الفسقة جائزةً، وهو المراد بالمفتون والمبتدع، انتهى.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٤/ ٣١٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٢/ ١٨٨).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٤/ ٣٢٠).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٣/ ١٨٥).\n(^٥) في الأصل: \"بالنسبة\" وهو تحريف.","vol":"2","page":863},{"text":"قال الكرماني (^١): المخنث مفتتن في تشبهه بالنساء كما أن إمام الفتنة والمبتدع كل واحد منهما مفتون في طائفة فلما شملهم معنى الحكم فكرهت إمامتهم إلا من ضرورة، انتهى. والبسط في هامش \"اللامع\".\n\n(٥٧ -<span data-type='title' id=toc-642> باب يقوم عن يمين الإمام بحذائه. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): قوله: \"سواء\" تأكيد لقوله: \"بحذائه\" لئلا يتوهم أنه مجاز، وإلا فالمحاذاة تستلزم مساواتهما في المقام، ودلالة الرواية على ذلك من حيث إن المذكور فيها: قوله: \"جعلني عن يمينه\"، وإثبات أنه كان متخلفًا عنه قليلًا إثبات لأمر زائد، والأصل في لفظ \"عن يمينه\" هو المحاذاة، وهو الذي اختاره الإمام، وقال صاحباه: يصير وراءه قليلًا ولا يحاذيه سواء، انتهى.\nوفي هامشه: في الباب مسألتان:\nأولاهما: إن كان المأموم واحدًا يقوم عن يمين الإمام، قال الشعراني: هو قول الأئمة الثلاثة، فإن قام على يساره لا تبطل عندهم، وقال أحمد: إنها تبطل.\nوالمسألة الثانية: هل يساوي المأموم الإمام أو يتأخر عنه شيئًا؟ كما أشار إليه الشيخ في آخر القول، وميل الإمام البخاري إلى الأول كما هو نص ترجمته، وهو مذهب الحنفية والمالكية، والثاني مذهب الشافعي، انتهى.\n\n(٥٨ -<span data-type='title' id=toc-643> باب إذا قام الرجل عن يسار الإمام)</span>\nقال الحافظ (^٣): وعن أحمد تبطل، وعند الجمهور: لا تبطل، انتهى.\nوسيأتي مثل هذه الترجمة والجواب عن التكرار هناك.\n_________\n(^١) \"شرح الكرماني\" (٥/ ٧٨).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (١٨٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٢/ ١٩١).","vol":"2","page":864},{"text":"(٥٩ -<span data-type='title' id=toc-644> باب إذا لم ينو الإمام أن يؤم. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^١): لم يجزم بحكم المسألة لما فيه من الاحتمال؛ لأنه ليس في حديث ابن عباس التصريح بأنه - ﷺ - لم ينو الإمامة كما أنه ليس فيه أنه نوى لكن في إيقافه إياه منه موقف المأموم ما يشعر بالثاني، وأما الأول فالأصل عدمه، وهذه المسألة مختلف فيها، والأصح عند الشافعية لا يشترط لصحة الاقتداء أن ينوي الإمام الإمامة وذهب أحمد إلى أن ينوي في الفريضة دون النافلة، انتهى.\nقال العيني (^٢): وعندنا في حق الرجال ليست بشرط، وفي حق النساء شرط، وقال الشافعي ومالك: ليست بشرط، انتهى.\n\n(٦٠ -<span data-type='title' id=toc-645> باب إذا طوَّل الإمام وكان للرجل حاجة)</span>\nقال الحافظ (^٣): هذه الترجمة عكس التي قبلها؛ لأن في الأولى جواز الائتمام بمن لم ينو الإمامة، وفي الثانية جواز قطع الائتمام بعد الدخول فيه، وأما قوله في الترجمة: \"فخرج\" فيحتمل أنه خرج من القدوة، أو من الصلاة رأسًا، أو من المسجد، قال ابن رُشيد: الظاهر أن المراد خرج إلى منزله فصلى فيه.\nقال الحافظ: وليس الواقع كذلك، فإن في رواية النسائي: \"فانصرف الرجل فصلى في ناحية المسجد\" (^٤) وهذا يحتمل أن يكون قطع الصلاة أو القدوة، لكن في \"مسلم\": \"فانحرف الرجل فسلم ثم صلى وحده\" (^٥)، انتهى.\nوهذا الأخير هو الذي اختاره شيخ المشايخ في \"تراجمه\" (^٦).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ١٩٢).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٤/ ٣٢٧).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٢/ ١٩٢، ١٩٣).\n(^٤) \"سنن النسائي\" (ح: ٨٣١).\n(^٥) \"صحيح مسلم\" (ح: ٤٦٥).\n(^٦) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٢٢٥).","vol":"2","page":865},{"text":"قال العيني (^١): واختلف الأئمة فيمن دخل مع إمام في صلاة فصلى بعضها، هل يجوز له أن يخرج منها؟ فعند الشافعية - وإليه مال البخاري - يجوز أن يقطع القدوة، ويتم صلاته منفردًا، وعند الحنفية والمالكية لا يجوز، وعن أحمد روايتان، انتهى.\n\n(٦١ -<span data-type='title' id=toc-646> باب تخفيف الإمام في القيام. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): أشار بذلك إلى جمع ما ورد في صلاته - ﷺ - من ألفاظ ظاهرها المخالفة فيما بينها، فقد ورد أنه كان أخف الناس وإنه كان أخف الناس صلاة في تمام.\nوحاصل الجمع: أن التخفيف في القيام بالاقتصار على مقدار السُّنَّة في القراءة والإتمام في الركوع والسجود، ويمكن الجمع بينهما بأنه كان آخذًا بأقل مراتب الإطالة، فهو تمام من جهة إتيان الواجبات على وجهها، وتخفيف باعتبارة ما فوقها من المراتب، انتهى.\nوفي هامشه: التوجيه الأول واضح جدير بألفاظ الترجمة بأن متعلق التخفيف القيام، ومتعلق الإتمام الركوع والسجود، ومراعاة السُّنَّة ملحوظة في كليهما، لكن التوجيه الثاني لا يناسب الترجمة فإنها مقيدة بالتخفيف بالقيام والإتمام بالركوع والسجود، ولو يقال هذا في الترجمة الآتية: \"باب الإيجاز في الصلاة وإكمالها\" كان أولى، اللَّهم إلا أن يقال: إن الشيخ قُدِّس سرُّه أراد بذلك الجمع بين الروايات لا شرح الترجمة، وهذا هو الفرق عندي بين هذه الترجمة والترجمة الآتية المذكورة آنفًا أن الإيجاز باعتبار أقل مراتب الكمال، والإكمال باعتبار مراعاة الآداب فلا تكرار.\nثم قال الكرماني (^٣): فإن قلت: الحديث دل على الجزء الأول. قلت: الواو في \"وإتمام\" بمعنى \"مع\" كأنه قال: باب التخفيف بحيث\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٤/ ٣٣٤).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٣/ ١٩٢).\n(^٣) \"شرح الكرماني\" (٥/ ٨٢).","vol":"2","page":866},{"text":"لا يفوته شيء من الواجبات فهو تفسير لقوله في الحديث: \"فليتجوز\"، انتهى.\nفالترجمة على هذا شارحة ومخصص لعموم قوله: \"فليتجوز\"، قال الحافظ (^١): والذي يظهر لي أن البخاري أشار بالترجمة إلى بعض ما ورد في بعض طرق الحديث كعادته.\nوالأوجه عندي: الترجمة شارحة فهو من الأصل الثالث والعشرين، وعلى ما أفاده الشيخ من الأصل الخامس، وعلى ما أفاده الحافظ من الأصل الحادي عشر، انتهى مختصرًا.\n\n(٦٢ -<span data-type='title' id=toc-647> باب إذا صلى لنفسه فليطول ما شاء)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): لما كان الباب الأول يرد التطويل كان لمتوهم أن يتوهم كراهة التطويل مطلقًا سواء صلى لنفسه أو أم قومًا، فدفعه بإيراد الحديث بعده، انتهى.\nوفي هامشه: وعليه عامة الشرَّاح، وعلى هذا فمعنى قوله في الحديث: \"فليطول ما شاء\" أي: بقدر ما شاء، ولا يبعد عندي أن يكون قوله: \"ما شاء\" مفعولا والمعنى فليطول أي جزء شاء، كما ورد عن أنس عند \"مسلم\" وغيره \"أنه - ﷺ - إذا قال: سممع الله لمن حمده، قام حتى نقول: قد أوهم، ثم يسجد ويقعد بين السجدتين حتى نقول: قد أوهم\"، وعلى هذا ففي الترجمة إشارة إلى مسألة خلافية وهي تطويل ركن قصير كما ذكرت في هامشي على \"البذل\" (^٣) فارجع إليه لو شئت، وتطويل القومة مندوب عند الحنابلة كما بسطه الموفق، وفي \"البذل\" عن الشوكاني: اختار النووي جواز تطويل الركن القصير بالذكر خلافًا للمرجح في المذهب إلى آخر ما قال، وسيأتي المزيد عليه في \"باب حد إتمام الركوع\".\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ١٩٨).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٣/ ١٩٥).\n(^٣) \"بذل المجهود\" (٤/ ٣٠٤).","vol":"2","page":867},{"text":"(٦٣ -<span data-type='title' id=toc-648> باب من شكا إمامه إذا طوَّل. . .) إلخ</span>\nفي \"تراجم شيخ المشايخ\" (^١): الغرض منه أنه لا يدخل هذا في الغيبة، انتهى.\n\n(٦٤ -<span data-type='title' id=toc-649> باب الإيجاز في الصلاة وإكمالها)</span>\nتقدم الكلام عليه قبل بابين.\nقال الحافظ (^٢): ثبتت هذه الترجمة في بعض النسخ وسقطت في البعض، وعلى تقدير سقوطها فمناسبة الحديث من جهة أن من سلك طريق النبي - ﷺ - في الإيجاز والإتمام لا يشكى منه تطويل، انتهى.\n\n(٦٥ -<span data-type='title' id=toc-650> باب من أخف الصلاة عند بكاء الصبي)</span>\nقال ابن المنيِّر: التراجم السابقة بالتخفيف تتعلق بقدر زائد على ذلك وهو مصلحة غير المأموم، لكن حيث تتعلق بشيء يرجع إليه، كذا في \"الفتح\" (^٣)، وكتب تحت الباب السابق: روى ابن أبي شيبة قال: \"كانوا، أي: الصحابة يتمون ويوجزون ويبادرون الوسوسة\" فبين العلة في تخفيفهم، ولهذا عقَّب المصنف هذه الترجمة بالإشارة إلى أن تخفيف النبي - ﷺ - لم يكن لهذا السبب لعصمته من الوسوسة، بل كان يخفف عند حدوث أمر يقتضي كبكاء صبي، انتهى.\nوالأوجه عندي: أن الإمام البخاري أشار بذلك إلى مسألة خلافية شهيرة، وهي إطالة الركوع للجائي، قال الخطابي: استدلوا منه على جواز تطويل الركوع إذا أحس بإقبال الرجل إلى الصلاة ليدركها معهم؛ لأنه إذا جاز الحذف منها بسبب بكاء الصبي كان المكث بسبب الساعي إليها أولى.\n_________\n(^١) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٢٢٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٠١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٠٢).","vol":"2","page":868},{"text":"قال الحافظ (^١): وتعقَّبه ابن المنيِّر بأن التخفيف نقيض التطويل فكيف يقاس عليه إلى آخر ما بسط في هامش \"اللامع\" وفيه أيضًا: قال الحافظ: وفي المسألة خلاف عند الشافعية وتفصيل، وأطلق النووي عن المذهب استحباب ذلك، وفي \"التجريد\" للمحاملي نقل كراهيته عن الجديد، وبه قال الأوزاعي ومالك وأبو حنيفة وأبو يوسف، وقال محمد: أخشى أن يكون شركاء، انتهى.\nوفي \"العيني\" (^٢): قال أحمد: ينتظر ما لم يشق على أصحابه، انتهى.\n\n(٦٦ -<span data-type='title' id=toc-651> باب إذا صلَّى ثم أَمَّ قومًا)</span>\nقال الحافظ (^٣): قال ابن المنيِّر: لم يذكر جواب إذا جريًا على عادته في ترك الجزم بالحكم المختلف فيه، انتهى.\nقلت: هذا أصل مطَّرد وهو الأصل الخامس والثلاثون، والمسألة خلافية مبنية على جواز اقتداء المفترض خلف المتنفل، فإن معاذًا لما صلى مع النبي - ﷺ - فكأنه صلى الفرض معه، ثم إذا صلى مع قومه فلا بد أن يكون متنفلًا على قول من قال: إن صلاته مع النبي - ﷺ - كانت فرضًا، ومن منع اقتداء المفترض خلف المتنفل حمل صلاة معاذ مع النبي - ﷺ - على التنفل، فأصل الاختلاف في صحة اقتداء المفترض خلف المتنفل.\nوفي \"الأوجز\" (^٤) تحت قوله - ﷺ -: \"إنما جعل الإمام ليؤتم به\": قال في \"الاستذكار\" (^٥): زاد معن في \"الموطأ\" عن مالك: فلا تختلفوا عليه، ففيه حجة لقول مالك وأبي حنيفة: إن من خالفت نيَّته نيَّة إمامه بطلت صلاة المأموم، إذ لا اختلاف أشد من اختلاف النيات التي عليها مدار الأعمال، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٠٣).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٤/ ٣٤٣).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٠٣).\n(^٤) \"أوجز المسالك\" (٣/ ٥٤).\n(^٥) \"الاستذكار\" (٥/ ٣٨٥).","vol":"2","page":869},{"text":"وقال الأبي (^١) في \"شرح مسلم\": وفيه رد على الشافعي والمحدثين في قولهم بصحة صلاة المفترض خلف المنتفل، انتهى.\nوعن أحمد روايتان، والمختار عند أكثر أصحابه المنع، انتهى مختصرًا من هامش \"اللامع\" (^٢).\n\n(٦٧ -<span data-type='title' id=toc-652> باب من أسمع الناس تكبير الإمام)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): فيه تصريح بأن أبا بكر لم يكن إمامًا حتى يلزم الائتمام بالمأموم، كما تقدم شيء منه، انتهى.\nقال الحافظ (^٤): ذكر فيه حديث عائشة والشاهد فيه قوله: \"وأبو بكر يسمع الناس التكبير\" وهذه اللفظة مفسرة عند الجمهور للمراد بقوله في الرواية الماضية: \"وكان أبو بكر - ﵁ - يصلي بصلاة النبي - ﷺ - والناس يصلون بصلاة أبي بكر\"، انتهى مختصرًا.\n\n(٦٨ -<span data-type='title' id=toc-653> باب الرجل يأتم بالإمام. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٥): قوله: \"ويأتم الناس بالمأموم\" أي: في إتيان الأفعال، وإلا فالائتمام حقيقة بالإمام لا غير، انتهى.\nوفي \"تراجم شيخ المشايخ\" (^٦): هذا الباب يحتمل معنيين:\nأحدهما: يأتم بالإمام ويأتم الناس بالمأموم يعني أنهم يسمعون منه التكبير، ويكون الإمام في الحقيقة للكل واحدًا.\nوثانيهما: يأتمون به حقيقة، وذهب المؤلف إلى كلا الاحتمالين في إمامته - ﷺ - لأبي بكر - ﵁ - وإمامة أبي بكر للقوم. وما قال به أحمد\n_________\n(^١) \"شرح الأبي على مسلم\" (٢/ ٢٩٦).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٣/ ٢٠٠).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٣/ ٢٠١).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٠٣).\n(^٥) \"لامع الدراري\" (٣/ ٢٠٤).\n(^٦) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٢٢٧).","vol":"2","page":870},{"text":"من كونه - ﷺ - مقتديًا بأبي بكر فاحتمال ثالث لم يقل به المؤلف، انتهى.\nوفي كلام الشيخ إجمال مخل، وتوضيحه: أن في قصة أبي بكر ثلاث احتمالات:\nالأول: أن الإمام في الحقيقة لجميع الناس كان النبي - ﷺ -، وأما أبو بكر فكان مبلغًا مسمعًا للناس تكبيره لا غير،\nوالاحتمال الثاني: أن النبي - ﷺ - كان إمامًا لأبي بكر فقط، وأبو بكر كان إمامًا لبقية الناس.\nوالثالث: الذي اختاره الإمام أحمد أن كان الإمام في هذه القصة أبا بكر لم يذهب البخاري إلى هذا الاحتمال.\nولذا لم يتعرض له في كتابه بل ذهب إلى الاحتمالين الأولين، وأشار إلى الأول بالباب السابق \"باب من أسمع الناس تكبير الإمام\" وأشار إلى الثاني بهذا الباب، والأول قول الجمهور، والثاني قول الشعبي.\nقال الحافظ (^١): ولم يفصح البخاري باختياره في هذه المسألة؛ لأنه بدأ بالترجمة الدالة على أن المراد بقوله: \"ويأتم الناس بأبي بكر\" أنه في مقام المبلغ، وثنى بهذه الرواية التي أطلق فيها اقتداء الناس بأبي بكر، ورشح ظاهرها بظاهر الحديث المعلق، فيحتمل أن يكون يذهب إلى قول الشعبي ويرى أن قوله في الرواية الأولى \"يسمع الناس التكبير\" لا ينفي كونهم يأتمون به إلى آخر ما قال.\nقلت: وصنيع البخاري في تعبير الترجمتين إذ بوَّب الأولى بقوله: \"باب من أسمع الناس\"، وهذا على ما هو المشهور من دأب المصنف مما لا يرضاه كما تقدم في الأصل الثالث، وترجم بالثاني بـ \"باب الرجل يأتم. . .\" إلخ، وإليه مال العيني (^٢) إذ قال: والذي يظهر من هذه الترجمة أن البخاري يميل إلى مذهب الشعبي في ذلك، ومما يؤكد أن ميل البخاري\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٠٤).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٤/ ٣٤٧).","vol":"2","page":871},{"text":"إلى مذهب الشعبي كونه صدر هذا الباب بالحديث المعلق، فإنه صريح في أن القوم يأتمون بالإمام في الصف الأول، ومن بعدهم يأتمون به، انتهى.\n\n(٦٩ -<span data-type='title' id=toc-654> باب هل يأخذ الإمام إذا شك. . .) إلخ</span>\nالإمام البخاري لم يجزم فيه بشيء.\nوالأوجه عندي: أنه نبَّه بلفظ: \"هل\" في الترجمة على الاختلاف في ذلك، ولم يجزم لقوة الاختلاف فيه فهو من الأصل الثاني والثلاثين والعجب من الحافظ أنه قائل بهذا الأصل كما تقدم في الأصول، ومع ذلك لم يذكره ها هنا بل قال: أورد فيه حديث ذي اليدين في السهو وسيأتي الكلام عليه في موضعه، إلى آخر ما قال.\nوالمسألة خلافية شهيرة كثيرة الفروع من جزم الإمام وشكه، وأخبار الواحد والاثنين محلها كتب الفروع وملخصها كما في \"الأوجز\" (^١): إذا شك الإمام لا يرجع إلى قول المأمومين حتى يتيقن بقولهم وهو مذهب الشافعية، وأما عند مالك إذا سلم الإمام وسبح به من خلفه فإن صدقه كمل صلاته وسجد للسهو، وإن شك في خبره سأل عدلين، وجاز لهم الكلام في ذلك، وإن تيقن الكمال عمل على يقينه وترك العدلين، ومذهب الحنابلة كما في \"المغني\" (^٢): من سبح به اثنان يثق بقولهما، لزمه الرجوع سواء غلب على ظنه صواب قولهما أو لا، فإن لم يرجع بطلت صلاته، وإن سبح به واحد لم يرجع إلى قوله إلا أن يغلب على ظنه، فيعمل بغلبة ظنه لا بتسبيحه؛ لأنه - ﷺ - لم يرجع إلى قول ذي اليدين وحده، ومذهب الحنفية كما قال ابن عابدين (^٣): إن كان الإمام على يقين لا يعيد بقولهم وإن كان في الشك يعيد بقولهم، فلو استيقن الواحد بالنقصان، وشك الإمام والقوم أعادوا احتياطًا إلا إذا استيقن عدلان وأخبراه بذلك، انتهى مختصرًا.\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (٢/ ٢٨٨).\n(^٢) \"المغني\" (٢/ ٤١٢).\n(^٣) انظر: \"رد المحتار على الدر المختار\" (٢/ ٥٦٣).","vol":"2","page":872},{"text":"(٧٠ -<span data-type='title' id=toc-655> باب إذا بكى الإمام في الصلاة)</span>\nقال الحافظ (^١): أي: هل تفسد أو لا؟ والأثر والخبر اللذان في الباب يدلان على الجواز، انتهى.\nوالمسألة خلافية شهيرة قال العيني (^٢): قال أصحابنا: إذا بكى في الصلاة فارتفع بكاؤه فإن كان من ذكر الجنة والنار لم يقطع صلاته، وإن كان من وجع في بدنه أو مصيبة قطعها، وبه قال مالك وأحمد، وقال الشافعي: البكاء والأنين والتأوه يبطل الصلاة إذا كانت حرفين سواء بكى للدنيا أو للآخرة إلى آخر ما بسط في هامش \"اللامع\".\n\n(٧١ -<span data-type='title' id=toc-656> باب تسوية الصفوف. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٣): المراد بتسوية الصفوف اعتدال القائمين بها على سمت واحد، أو يراد بها سد الخلل الذي في الصف، انتهى.\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٤): والحجة عليه عموم قوله: \"سووا صفوفكم\"، وإطلاقه فلا يتقيد بقيد ولا يختص بوقت، وأيضًا قوله: \"إني أراكم خلف ظهري\" يقتضى الاهتمام بتسوية الصفوف، إذا وقعت ناظرة الإمام عليهم، انتهى. أشار الشيخ بذلك إلى تطابق الروايتين بالترجمة، فإن الترجمة بلفظ: \"عند الإقامة وبعدها\"، وليس واحد منهما في الروايتين.\nفأجاب الشيخ قُدِّس سرُّه: بأن استدلاله بالعموم، وهذا هو الأصل الثاني من أصول التراجم، وجعل الحافظ الترجمة من الأصل الحادي عشر، إذ قال: أشار بذلك إلى ما في بعض الطرق كعادته ففي \"مسلم\": \"أنه - ﷺ - قال عندما كاد أن يكبر\"، وفي حديث أنس في الباب الذي بعد هذا: \"أقيمت الصلاة فأقبل علينا فقال\" الحديث، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٠٦).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٤/ ٢٥١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٠٧).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٣/ ٢١٣).","vol":"2","page":873},{"text":"ثم تسوية الصف من سُنَّة الصلاة وليس بشرط في صحتها عند الأئمة الثلاثة، وقال أحمد: من صلَّى خلف الصف وحده بطلت صلاته.\nقال الحافظ: وأفرط ابن حزم فجزم بالبطلان، ونازع من ادعى الإجماع على عدم الوجوب إلى آخر ما بسط في هامش \"اللامع\".\n\n(٧٢ -<span data-type='title' id=toc-657> باب إقبال الإمام على الناس. . .) إلخ</span>\nسكتوا عن غرضه، والأوجه عندي: أنه إشارة إلى أن الإمام إذا توجه إلى القبلة ثم أعرض عنه للتسوية فليس هذا بإعراض عن التوجه إلى الله الذي شرعه، ويحتمل أنه تنبيه للإمام على أن من آدابه التعرض للتسوية، ولا يتوهم أن التسوية حق المأمومين وليس من وظائف الإمام.\n\n(٧٣ -<span data-type='title' id=toc-658> باب الصف الأول)</span>\nقال الحافظ (^١): المراد به ما يلي الإمام مطلقًا، وقيل: أول صف تام يلي الإمام، لا ما تخلله شيء كمقصورة، وقيل: المراد به من سبق إلى الصلاة ولو صلَّى آخر الصفوف، قاله ابن عبد البر.\nقال النووي: القول الأول هو الصحيح المختار وإليه أشار البخاري، انتهى.\nفكأن البخاري أشار بالترجمة إلى رد ما قاله ابن عبد البر؛ لأنه لا تبقى حينئذ حاجة إلى الاستهام.\n\n(٧٤ -<span data-type='title' id=toc-659> باب إقامة الصف من تمام الصلاة)</span>\nقال الحافظ (^٢): قال ابن رُشيد: إنما قال البخاري في الترجمة: \"من تمام الصلاة\" ولفظ الحديث: \"من حسن الصلاة\"؛ لأنه أراد أن يبيّن أنه المراد بالحسن هنا، وأنه لا يعني به الظاهر المرئي من الترتيب، بل المقصود\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٠٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٠٩).","vol":"2","page":874},{"text":"منه الحسن الحكمي بدليل حديث أنس، وهو الثاني من حديثي الباب.\nقلت: ويحتمل عندي أنه إشارة إلى أن لفظ الإقامة في الحديث الذي استدل به بعض الظاهرية على وجوب التسوية هو بمعنى التمام، فقد قال ابن دقيق العيد كما في \"الفتح\" (^١): قد يؤخذ من قوله: \"تمام الصلاة\" الاستحباب؛ لأن تمام الشيء في العرف أمر زائد على حقيقته التي لا يتحقق إلا بها، وإن كان يطلق بحسب الوضع على بعض ما لا تتم الحقيقة إلا به، انتهى.\n\n(٧٥ -<span data-type='title' id=toc-660> باب ثم من لم يتم الصفوف)</span>\nقال الحافظ (^٢): قال ابن رُشيد: أورد فيه حديث أنس \"ما أنكرت شيئًا إلا أنكم لا تقيمون الصفوف\" وتعقب بأن الإنكار قد يقع على ترك السُّنَّة فلا يدل ذلك على حصول الإثم، ثم أجاب عنه الحافظ بأجوبة عديدة.\nوالأوجه عندي ما قال السندي (^٣) في الجواب بأنه أخذ الوجوب من صيغة الأمر في قوله: \"سووا\" ونحوه لا يفيد مطابقة هذا الحديث بالترجمة ودلالته عليها، بل يصير الدليل على الترجمة حديث: \"سووا\" ونحوه لا هذا الحديث إلا أن يقال: قد لا تكون الترجمة للاستدلال بالحديث عليها بل لبيان ما هو الصحيح في محمل الحديث بدلائل أخر، فها هنا بالترجمة أفاد أن إنكار أنس محمول على إنكار على ترك الواجب لا على إنكار على ترك السُّنَّة بدليل \"سووا صفوفكم\" ونحوه، وقد يقال: إن الحديث يدل على أن ترك إقامة الصفوف خلاف ما كان عليه أمر النبي - ﷺ - والأصل فيه هو التأثيم، إلى آخر ما قال.\nقلت: حاصله: أن الأصل في المخالفة الإثم، وحاصل التأويل الأول أن الترجمة شارحة.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٠٩).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٠٩).\n(^٣) \"حاشية السندي على صحيح البخاري\" (١/ ١٣٣).","vol":"2","page":875},{"text":"(٧٦ -<span data-type='title' id=toc-661> باب إلزاق المنكب بالمنكب)</span>\nفي تقرير مولانا حسين علي الفنجابي عن شيخه الكَنكَوهي: اعلم أنه لا يتصور إلصاق الكعبين والمنكبين من الجانبين إلا لبعض الناس بتكلف وهيئة غير هيئة الصلاة والخضوع، فالمراد القرب والمحاذاة في الكعبين، وكذا المراد في المنكبين، ألا ترى إلى من لم يكن قدماه مساويين - أي: بقدمي صاحبه - وكذا المراد من إلصاق القدم، انتهى.\nوبهذا قال الجمهور: إن المراد شدة القرب لا الإلصاق الحقيقي.\nقال الحافظ (^١): المراد بذلك المبالغة في تعديل الصف وسد خلله، انتهى.\nوهكذا قال العيني (^٢) والقسطلاني، وأبدع عندي الإمام البخاري في الترجمة إذ ترجم بإلزاق المنكب والقدم؛ لأن حقيقة الإلصاق لا يتصور في المناكب إلا أن يكون كل الصف مساوي القامة، وكذا إلصاق القدم لا يمكن إلا أن يكون كلهم متساوية الأقدام، وهذان ممتنعان عادة فترجم بهما البخاري إشارة إلى أنه لا يمكن فيهما إلا المبالغة في القرب والمحاذاة لا الإلصاق الحقيقي، ثم ذكر حديث النعمان تعليقًا للإشارة إلى أن ما هو المراد في الأولين هو المراد في الثالث لاتحاد سياق الروايات إلى آخر ما بسط في هامش \"اللامع\".\n\n(٧٧ -<span data-type='title' id=toc-662> باب إذا قام الرجل عن يسار الإمام. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٣): تقدم أكثر لفظ هذه الترجمة قبل بنحو من عشرين بابًا لكن ليس هناك لفظ \"خلفه\" وقال هناك: \"لم تفسد صلاتهما\" بدل\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٢١١).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٤/ ٣٦٠)، و\"إرشاد الساري\" (٢/ ٤١٦).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٢/ ٢١١).","vol":"2","page":876},{"text":"قوله: \"تمت صلاته\" ولم ينبِّه أحد من الشرَّاح على حكمة هذه الإعادة، والذي يظهر لي أن حكمهما مختلف لاختلاف الجوابين، فقوله: لم تفسد صلاتهما، أي: بالعمل الواقع منهما لكونه خفيفًا وهو من مصلحة الصلاة أيضًا، وقوله: \"تمت صلاته\" أي: المأموم ولا يضر وقوفه عن يسار الإمام أولًا مع كونه في غير موقفه، ولأنه معذور بعدم العلم بذلك الحكم، انتهى.\nوفي \"تراجم شيخ المشايخ\" (^١): هذا الحديث، أي: حديث ابن عباس أخرجه المؤلف في مواضع، ويستنبط منه في كل موضع ما يتعلق بذلك الموضع من الأحكام، وقد أكثر مثله في كتابه هذا وهو يدل على قوة اجتهاد المؤلف فإنه استنبط كل جزئي من الحديث مع قلة الصحيح منه، ومطلب هذا المقام يتعلق بمسألة الجماعة، فإن سُنَّة القيام إذا كان المأموم فردًا واحدًا أن يقوم عن يمين الإمام، ومع ذلك لو قام عن يساره لم تفسد صلاته، انتهى.\nوفي \"الفيض\" (^٢): الوجه في التكرار أن المقصود أولًا كان بيان موضع الإمام والمأموم فقط وذكر مسألة التحويل إنجازًا وها هنا هي المقصودة، أو يقال: إن المقصود في الأولى بيان العمل القليل والكثير، وها هنا بيان تمامية الصلاة مع أن بعضها صليت على خلاف ترتيب موضع المأموم حتى حوله عنه، انتهى.\nوبسطت في نقل كلامهم بتمامه ليظهر اختلاف آرائهم في الفرق بين الترجمتين، ولم يتعلق بقلبي الجريح شيء من ذلك، بل ما يظهر لهذا العبد الفقير إلى رحمة ربه الكريم أن غرض الترجمتين مختلف جدًا، ولا شائبة للتكرار لاختلاف غرض الترجمتين، وإن قاربت ألفاظهما فهو من الأصل\n_________\n(^١) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٢٢٨، ٢٢٩).\n(^٢) \"فيض الباري\" (٢/ ٢٣٧).","vol":"2","page":877},{"text":"الثاني والعشرين، وما ذكروا من الفرق بينهما بحمل إحداهما على العمل الكثير، لو صح لا يناسب المقام؛ لأن مسألة العمل الكثير محلها \"باب العمل في الصلاة\" تأتي في محلها وليس ها هنا إلا محل أحكام الصفوف والإمامة والاقتداء ونحوها.\nفالظاهر عندي: أن مقصود الترجمتين الإشارة إلى مسألتين خلافيتين شهيرتين، الأولى منهما بيان موقف الإمام والمأموم إذا كان واحدًا وأن من خالف موقفه تصح صلاته عند الجمهور خلافًا للإمام أحمد إذ قال: إنه تفسد صلاته، فهذه المسألة هي غرض الترجمة الأولى عندي، ولذا ترجم فيها \"لم تفسد صلاتهما\"، وأما هذه الترجمة الثانية فغرضها عندي تقدم المأموم على إمامه، ولذا قيَّد هذه الترجمة بلفظ \"خلفه\"، ولم يذكر هذه اللفظة فيما سبق؛ لأنه كان مسألة أخرى لا تعلق لها بخلفه، وهذه كانت متعلقة بالتقدم على الإمام، فقيَّد الصحة فيها بخلفه، قال الموفق (^١): السُّنَّة أن يقف المأموم خلف الإمام، فإن وقفوا قدامه لم تصح، وبه قال أبو حنيفة والشافعي، وقال مالك: تصح إلى آخر ما بسط، فغرض الترجمة الأولى تأييد للجمهور، ورد على الإمام أحمد في مسألة الموقف، وغرض الترجمة الثانية تأييد للجمهور، ورد على قول مالك في مسألة التقدم على الإمام، انتهى.\n\n(٧٨ -<span data-type='title' id=toc-663> باب المرأة وحدها تكون صفًا)</span>\nقال الحافظ (^٢): أي: في حكم الصف، وبهذا يندفع اعتراض الإسماعيلي حيث قال: الشخص الواحد لا يسمى صفًا، وأقل ما يقوم الصف باثنين، انتهى.\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): يعني بذلك أن الصبي كما يقام في\n_________\n(^١) \"المغني\" لابن قدامة (٣/ ٥٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٢١٢).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٣/ ٢٢١).","vol":"2","page":878},{"text":"الصف عند توحده، وكونه ليس معه غيره، فالمرأة ليست كذلك بل تقام خلف الرجال، سواء كان معها غيرها من النسوة أو انفردت، انتهى.\nوفي هامشه: قال الحافظ (^١): هذه الترجمة لفظ حديث أخرجه ابن عبد البر من حديث عائشة مرفوعًا: \"المرأة وحدها صف\"، انتهى. وهو الأصل الأول من أصول التراجم.\nقال الحافظ (^٢): قال ابن رُشيد: الأقرب أن البخاري قصد أن يبين أن هذا مستثنى من عموم الحديث الذي فيه: \"لا صلاة لمنفرد خلف الصف\" يعني: أنه مختص بالرجال، والحديث المذكور أخرجه ابن حبان وفي صحته نظر، إلى آخر ما قال.\nثم المسألة إجماعية، قال ابن عبد البر في \"الاستذكار\" (^٣): لا خلاف في أن سُنَّة النساء القيام خلف الرجال ولا يجوز لهن القيام معهم في الصف، ومع ذلك لو قامت بجنب الرجل اختلفوا في صحة الصلاة، وهي مسألة المحاذاة المعروفة، فعند الجمهور أجزأت صلاتهما، وعند الحنفية تفسد صلاة الرجل دون المرأة، انتهى مختصرًا.\n\n(٧٩ -<span data-type='title' id=toc-664> باب ميمنة المسجد والإمام)</span>\nقال الحافظ (^٤): كأنه أشار إلى ما أخرجه النسائي بإسناد صحيح عن البراء قال: \"كنا إذا صلينا خلف النبي - ﷺ - أحببنا أن نكون عن يمينه\" (^٥). ولأبي داود بإسناد حسن عن عائشة مرفوعًا: \"إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف\" (^٦)، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٢١٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٢١٣).\n(^٣) \"الاستذكار\" (٦/ ١٥٥).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٢/ ٢١٣).\n(^٥) \"سنن النسائي\" (ح: ٨٢٢).\n(^٦) \"سنن أبي داود\" (ح: ٦٧٦).","vol":"2","page":879},{"text":"وقال العيني (^١): أي: هذا باب في بيان أن ميمنة المسجد والإمام هي مكان المأموم إذا كان وحده، انتهى.\nقلت: وفيه أنه قد تقدم موقف المأموم الواحد في \"باب يقوم عن يمين الإمام. . .\" إلخ، وكان في قلبي من سالف الزمان أن غرض الإمام بذلك بيان اتحادهما دفعًا لما يتوهم من أن ميمنة أحدهما ميسرة الآخر لأن وجه المسجد إلى الإمام، ثم رأيت ذلك في تقرير المكي تحت قوله في الحديث: عن يمينه، أي: ويمينه ميمنة وميمنة المسجد أيضًا، وليس المراد بميمنة المسجد ميمنة الحقيقية فإنها ميسرة الإمام، انتهى.\nوقال السندي (^٢): قال الكرماني: دلالته على يمين المسجد لأن يمين الإمام يمينه، قال السندي: لأن وجه المسجد إلى الكعبة كوجه الإمام لأن المساجد بنيت متوجهة إليها، ولا تعتبر المواجهة بين الإنسان والمسجد حتى ينقلب الأمر بالعكس، انتهى. والبسط في هامش \"اللامع\".\n\n(٨٠ -<span data-type='title' id=toc-665> باب إذا كان بين الإمام وبين القوم حائط)</span>\nأشار الإمام البخاري إلى مسألة خلافية كثيرة الفروع، أشار إلى بعضها الإمام فيما ذكر في الترجمة من الآثار، وهي موانع الاقتداء باعتبار المكان، والمعروف على ألسنة المشايخ، وهو الذي أشار إليه الشعراني في \"الميزان\" أن اختلاف المكان مانع عن الاقتداء عند الحنفية بخلافهم، والحائل مانع عندهم بخلاف الحنفية، وظاهر تبويب البخاري أن كليهما لا يمنعان الاقتداء.\nقال الحافظان (^٣) ابن حجر والعيني: ما في الباب يدل على أن ذلك جائز وهو مذهب المالكية، وقال أبو حنيفة: لا تجزيه إلا أن تكون الصفوف متصلة في الطريق، انتهى.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٤/ ٣٦٥).\n(^٢) \"حاشية السندي على صحيح البخاري\" (١/ ١٣٣)، و\"شرح الكرماني\" (٥/ ٩٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٢/ ٢١٤)، و\"عمدة القاري\" (٤/ ٣٦٦).","vol":"2","page":880},{"text":"قال القسطلاني (^١): إذا جمعهما مسجد، وعلم بصلاة الإمام بسماع تكبير أو تبليغ جاز عند الشافعية، وقال الموفق (^٢): إن كان بين الإمام والمأموم حائل يمنع رؤية الإمام، أو من ورائه، ففيه روايتان: إحداهما: يصح، والثانية: لا يصح، إلى آخر ما بسط في هامش \"اللامع\".\n\n(٨١ -<span data-type='title' id=toc-666> باب صلاة الليل)</span>\nهذه الترجمة من أصعب التراجم لكونها في غير محلها.\nقال القسطلاني (^٣): كذا في رواية المستملي وحده، ولا وجه لذكره ههنا؛ لأن الأبواب ههنا في الصفوف، وصلاة الليل بخصوصها أفرد لها المصنف كتابًا مفردًا في هذا الكتاب، انتهى.\nقال الحافظ (^٤): ولم يعرّج عليه أكثر الشرَّاح، وهو وجه السياق، ولما كانت الصلاة بالحائل يتخيل أنها مانعة من إقامة المف ترجم لها وأورد ما عنده فيها، فأما صلاة الليل بخصوصها فلها كتاب مفرد سيأتي في آخر الصلاة، وكأن النسخة وقع فيها تكرير لفظ: \"صلاة الليل\" وهي الجملة في آخر الحديث الذي قبله فظن الراوي أنها ترجمة مستقلة فصدرها بلفظ: \"الباب\"، وقد تكلف ابن رُشيد توجيهًا بما حاصله: أن من صلى بالليل مأمومًا في الظلمة كانت فيه مشابهة بمن صلى وراء حائل، وأبعد منه من قال: يريد إن من صلى بالليل مأمومًا في الظلمة كان كمن صلى وراء حائط، ثم ظهر لي احتمال أن يكون المراد صلاة الليل جماعة فحذف لفظ جماعة، والذي في أبواب التهجد إنما هو حكم صلاة الليل وكيفيتها في عدد الركعات ونحو ذلك، انتهى.\nوفي \"تراجم شيخ المشايخ\" (^٥): أن المؤلف أورد هذا الباب في هذا\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٢/ ٤١٩).\n(^٢) \"المغني\" (٣/ ٤٥).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (٢/ ٤١٩).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٢/ ٢١٥).\n(^٥) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٢٣٠).","vol":"2","page":881},{"text":"المقام لإفادة جواز الجماعة في النوافل على خلاف مذهب الحنفية، وذلك لأن صلاة التراويح لم تكن في ذلك الوقت من المؤكدات بل كانت كسائر النوافل والسنن، فلما جوَّز رسول الله - ﷺ - الجماعة فيها علم منه تجويزها في كل نفل وإن كان الأفضل أداءها في البيوت منفردًا تحرزًا عن شبهة الرياء، انتهى.\nوالأوجه عندي: أن الإمام البخاري لما أثبت في الباب السابق صحة الائتمام بحيلولة الجدار ونحوه أثبت بهذا الباب مرامه بوجه آخر، وهو الاقتداء في الليل، فإنه يدل على صحة الاقتداء في الظلمة مع أنه لا يرى فيه المؤتم الإمام، فثبت بذلك مرامه الأول بالالتزام، ولذا أفرد له بابًا لثبوته بالالتزام دون النص، وهذا هو الذي قاله ابن رُشيد وغيره، وليت شعري كيف جعله الحافظ بعيدًا مع أنه جدير بل أجدر بشأن البخاري لدقته في الاستنباط، وعلى هذا لا يرد على المصنف إيراد الترجمة على غير ملحها، انتهى من هامش \"اللامع\"، وبسط فيه الأبحاث الفقهية المناسبة بالمقام.\n\n(٨٢ -<span data-type='title' id=toc-667> باب إيجاب التكبير وافتتاح الصلاة)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): أراد بالتكبير تكبيرة الافتتاح، فيكون الافتتاح لازمًا لها، وصار المعنى باب بيان افتتاح الصلاة بما هو، انتهى.\nوفي هامشه: ههنا عدة أبحاث، الأول: في صحة كلام الإمام البخاري في الترجمة فإن ظاهر سياقه أنه ترجم بترجمتين: الإيجاب والافتتاح، وظاهر مقصده أنه أراد بيان وجوب تكبيرة الافتتاح، فأوَّلوا كلامه بوجوه: منها ما أفاده الشيخ وهو واضح أن المراد بالتكبير تكبيرة الافتتاح، وقوله: والافتتاح كأنه عطف تفسير، ومنها ما قالته الشرَّاح.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٣/ ٢٣٣).","vol":"2","page":882},{"text":"قال الحافظ (^١): الظاهر أن الواو عاطفة إما على المضاف، وهو إيجاب، وإما على المضاف إليه، والأول أولى، إن كان المراد بالافتتاح الدعاء؛ لأنه لا يجب، والذي يظهر من سياقه أن الواو بمعنى مع، وأن المراد بالافتتاح الشروع في الصلاة إلى آخر ما قال.\nوتعقبه العيني (^٢) فقال: لا نسلم أن الواو ههنا عاطفة، بل الواو ههنا إما بمعنى الباء، والمعنى إيجاب التكبير بافتتاح الصلاة، وإما بمعنى لام التعليل، أي: لأجل افتتاح الصلاة إلى آخر ما قال.\nقلت: والأوجه عند هذا العبد الفقير إلى رحمة ربه العزيز أن الواو عاطفة، وقوله: \"افتتاح الصلاة\" تنبيه على أنه لما فرغ عن مقدمات الصلاة أراد بيان صفة الصلاة فقال: افتتاح الصلاة كما ترجم أبو داود على صفة الصلاة بقوله: \"باب تفريع استفتاح الصلاة\"، وترجم هكذا النسائي ومالك وابن ماجه، وهذا شائع عند المحدثين، ويرد عليه أنه كان ينبغي له حينئذ أن يقول: \"باب افتتاح الصلاة وإيجاب التكبير\" لأن تكبير التحريمة أيضًا داخل في صفة الصلاة، ولا يبعد عندي أنه أشار بذلك التقديم والتأخير كدأبه في بدائع التراجم إلى ترجيح قول الحنفية في مسألة خلافية، وهي أن تكبيرة الافتتاح ركن الصلاة كما قال به الجمهور، أو شرط لها، كما هو عند الحنفية، فلا يبعد أن الإمام البخاري أيضًا مال إلى أنه شرط مقدم على الصلاة، ولذا بدأ بإيجاب التكبير وثنى بافتتاح الصلاة، انتهى. وبسط الكلام فيه أشد البسط.\n\n(٨٣ -<span data-type='title' id=toc-668> باب رفع اليدين في التكبيرة الأولى. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): لا يقدم الرفع على التكبير ولا يؤخره عنه، دلالة الرواية عليه لكون الرفع في الرواية، قد وقع ظرفًا للافتتاح أو جزاء له، وأيًّا ما كان فالاتصال بينهما ثابت، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٢١٦).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٤/ ٣٧٣).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٣/ ٢٤٠).","vol":"2","page":883},{"text":"قلت: الأوجه عندي أن الإمام البخاري أشار بالترجمة إلى مسألتين خلافيتين:\nالأولى: رفع اليدين في التكبيرة الأولى، وهذا الرفع وإن كان مجمعًا عليه عند الجمهور حتى حكى عليه الإجماع، ومع ذلك ففيه اختلاف معروف من أنه سُنَّة عند الجمهور، وفرض عند ابن حزم لا تجوز الصلاة إلا به، وروي الوجوب عن داود وغيره، قال ابن عبد البر: كل من نقل عنه الوجوب لا تبطل الصلاة بتركه إلا في رواية عن الأوزاعي، وقيل: لا يستحب، حكاه الباجي عن كثير من المالكية، فأشار البخاري بأول الترجمة إلى تأييد الجمهور ردًا على من أنكره.\nوالمسألة الثانية: هي التي أشار إليها الشيخ وهي مقارنة الرفع التكبير، وهي أيضًا خلافية، فالمرجح عندنا الحنفية تقديم الرفع، وحكى المغني عن الحنابلة رواية واحدة، وهي المقارنة، والأصح عند الشافعية والمالكية أيضًا المقارنة.\n\n(٨٤ -<span data-type='title' id=toc-669> باب رفع اليدين إذا كبر. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^١): قد صنَّف البخاري في هذه المسألة جزءًا مفردًا، انتهى.\nقلت: والمسألة من أشهر المسائل الخلافية بسط الكلام عليها الشيخ قُدِّس سرُّه في \"البذل\" (^٢) أشد البسط من دلائل الفريقين والكلام عليها، والجواب عن أدلة القائلين بالرفع، وشيء من الكلام على ذلك في \"الأوجز\" (^٣)، وبسط فيه في بيان وجوه الترجيح لعدم الرفع باثني عشر وجهًا، فارجع إليه لو شئت.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٢١٩).\n(^٢) انظر: \"بذل المجهود\" (٤/ ١١).\n(^٣) انظر: \"أوجز المسالك\" (٢/ ٨٢).","vol":"2","page":884},{"text":"(٨٥ -<span data-type='title' id=toc-670> باب إلى أين يرفع يديه)</span>\nقال الحافظ (^١): لم يجزم المصنف بالحكم كما جزم به قبل وبعد جريًا على عادته لقوة الخلاف فيه، لكن الأرجح عنده محاذاة المنكبين لاقتصاره على إيراد دليله، انتهى. وبه جزم العيني.\nوفي \"الأوجز\" (^٢) تحت قوله في حديث ابن عمر: رفع يديه حذو منكبيه، قال الزرقاني (^٣): وبهذا أخذ مالك والشافعي، وذهب الحنفية إلى حديث مالك بن الحويرث، وفيه: حتى يحاذي بهما أذنيه، انتهى.\nقلت: لكن في \"مختصر عبد الرحمن وفضائلها\": رفع اليدين عند الإحرام حتى تقابلا الأذنين، انتهى.\nوكذا كلام الباجي يدل على أن مالكًا يوافق الحنفية إلى آخر ما فيه، وحقق فيه أيضًا أن هذا الخلاف لفظي كما نقل عن ابن الهمام وغيره.\n\n(٨٦ -<span data-type='title' id=toc-671> باب رفع اليدين إذا قام من الركعتين)</span>\nغرض الترجمة ومطابقة الحديث بالترجمة ظاهرة.\nقال الشيخ قُدِّس سرُّه في \"البذل\" (^٤): هذا الحديث أخرجه البيهقي والبخاري ومسلم وأبو داود وغيرهم، قال في \"الجوهر النقي\" بعد ذكر هذا الحديث: وفيه زيادة على ذلك، وهي الرفع عند القيام من الركعتين، وهي زيادة مقبولة، ولم يقل بها الإمام الشافعي، فما لزم خصمه من القول بزيادة الرفع عند الركوع والرفع منه لزمه مثله من القول بزيادة الرفع عند القيام من الركعتين، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٢١).\n(^٢) \"أوجز المسالك\" (٢/ ٢٨).\n(^٣) انظر: \"شرح الزرقاني\" (١/ ١٥٧).\n(^٤) \"بذل المجهود\" (٤/ ١١).","vol":"2","page":885},{"text":"(٨٧ -<span data-type='title' id=toc-672> باب وضع اليمنى على اليسرى)</span>\nقال العيني (^١): الكلام في وضع اليد على اليد في الصلاة على وجوه:\nالأول في أصل الوضع، فعندنا يضع، وبه قال الشافعي وأحمد، والمشهور عن مالك أنه يرسله.\nوالثاني في صفة الوضع: وهي أن يضع بطن كفه اليمنى على رسغه اليسرى، فيكون الرسغ وسط الكف، وفي \"الدراية\" (^٢): يأخذ كوعه الأيسر بكفه الأيمن، وبه قال الشافعي وأحمد.\nوالثالث في مكان الوضع: فعندنا تحت السرة، وعند الشافعي على الصدر، انتهى.\nوفي \"البذل\" (^٣) عن الشوكاني: مذهب جمهور الشافعية هو أن الوضع يكون تحت صدره فوق سرته، وعن أحمد روايتان، انتهى مختصرًا.\nقلت: ومختار الخرقي تحت السرة كما عند الحنفية.\n\n(٨٨ -<span data-type='title' id=toc-673> باب الخشوع في الصلاة)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٤): لعل المراد بالخشوع السجود، ودلالة الرواية الأولى على الترجمة من حيث إرادة السجود بلفظ الخشوع في الرواية الأولى، ويمكن أن يكون على حقيقة معناه، فالمراد بالسجود في الرواية الثانية هو الخشوع لكونهما متلازمتين، فإن السجدة وهو وضع الجبهة أعلى درجات المسكنة والخشعة، انتهى.\nوفي هامشه: ما أفاد الشيخ من التوجيه الأول يشكل عليه أن الترجمة تكون في غير محلها، فإن أبواب السجود تأتي في محلها، فالصواب هو\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٤/ ٣٨٨).\n(^٢) انظر: \"الدراية في تخريج أحاديث الهداية\" (١/ ١٢٨).\n(^٣) \"بذل المجهود\" (٤/ ١١٢).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٣/ ٢٤٣).","vol":"2","page":886},{"text":"التوجيه الثاني، ولا يبعد عندي أن الإمام البخاري ذكر \"باب الخشوع\" متصلًا بأبواب الرفع المذكورة تنبيهًا وإشارة إلى مسلك من اختار عدم الرفع في المواضع المذكورة، لكونه أقرب إلى السكون وهو الخشوع، وأما حكم الخشوع فقال الحافظ (^١): قد حكى النووي الإجماع على أن الخشوع ليس بواجب، ولا يرد عليه قول القاضي حسين: إن مدافعة الأخبثين إذا انتهت إلى حد يذهب معه الخشوع أبطلت الصلاة لجواز أن يكون بعد الإجماع السابق، أو المراد بالإجماع أنه لم يصرح أحد بوجوبه إلى آخر ما بسط في هامش \"اللامع\".\n\n(٨٩ -<span data-type='title' id=toc-674> باب ما يقرأ بعد التكبير)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): أورد فيه روايتين، الأولى: بيان ما يبدأ فيها جهرًا، والثانية: ما فيها المبدوء به سرًّا، وهو الدعاء، انتهى.\nوفي هامشه: اختلفوا في غرض المصنف، وعامة الشرَّاح على أن الغرض بيان الدعاء في الاستفتاح، وقال شيخ الهند قُدِّس سرُّه في \"تراجمه\": إن المؤلف مرة يصرح بالترجمة لكن غرضه لا يكون ظاهر العبارة، بل ما يثبت بالالتزام أو بالإشارة جليًّا كان أو خفيًّا، يظهر مقصوده بعد التأمل في أحاديث الباب، ومن لم يتأمل وقنع على الظاهر يقع في التكلف والتخبط.\nثم قال بعد ذكر بعض أمثلته: وهكذا قال: \"باب ما يقول بعد التكبير\"، وأدخل فيه حديث الكسوف أيضًا فأشكل التوفيق فتكفوا، والوجه عندنا أن بعد التأمل في أحاديث الباب يفهم أن غرض المؤلف من هذا الباب إثبات التوسع في دعاء الافتتاح، وتركه رأسًا، وعدم تعيين الدعاء المخصوص لزومًا، وأن الدعاء ثابت بعد التكبير متصلًا ومنفصلًا، وحينئذ\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٢٦).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٣/ ٢٤٧).","vol":"2","page":887},{"text":"ينطبق جميع الأحاديث المذكورة في ال<span data-type='title' id=toc-675>باب</span>، وليس غرضه من هذا الباب تعيين الدعاء، انتهى.\nوالأوجه عندي: أن غرض المصنف بهذا الباب إشارة إلى مسألة خلافية شهيرة، وهي أن دعاء الاستفتاح مندوب عند الجمهور، منهم الأئمة الثلاثة على الاختلاف بينهم في تعيين الدعاء خلافًا للإمام مالك إذ لم يقل بدعاء الاستفتاح، وقال باستفتاح الصلاة بالقراءة لحديث أنس هذا، فهذا من الأصل الرابع من أصول التراجم، لم يجزم الإمام في الترجمة بشيء، وأتى في الباب بالروايتين المختلفتين استدل بهما الفريقان، انتهى.\n\n(٩٠ - باب)\nبغير ترجمة، كتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): قوله: \"فقام فأطال القيام\" فيه الترجمة فإن الثابت بفعله - ﷺ - هذا إطالة القيام، فجاز أن يطيل القيام أعم من أن يأتي فيه بالقراءة أو الدعاء، ويمكن أن يقال: إن الباب معقود لبيان ما يقرأ بعد الافتتاح، لكنه أفرد الباب ههنا؛ لأن الروايتين الأوليين دلتا على ما يقرأ بعد الافتتاح صراحة، وههنا لم يثبت الحكم إلا بقرينة المقام، وعلى هذا فالروايات الثلاثة بأسرها دالة على ما يقرأ بعد التكبير، ولا يبعد أن يقال: إن الباب معقود لبيان ذكر الثناء قبل القراءة لا غير، انتهى.\nوفي هامشه: قال الحافظ (^٢): قوله: \"باب\" كذا في رواية الأصيلي بلا ترجمة، وسقط من رواية أبي ذر وغيره، وعلى هذا فمناسبة حديث الكسوف غير ظاهرة للترجمة، وعلى تقدير ثبوت لفظ باب فهو كالفصل من الباب الذي قبله، فله به تعلق.\nقال الكرماني (^٣): إن دعاء الافتتاح مستلزم لتطويل القيام، وحديث الكسوف فيه تطويل القيام فتناسبا، إلى آخر ما قال، ولا يبعد عندي أن\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٣/ ٢٤٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٣١).\n(^٣) \"شرح الكرماني\" (٥/ ١١٤).","vol":"2","page":888},{"text":"الإمام البخاري ترجم بما يقرأ بعد التكبير وذكر بعد ذلك ثلاث روايات، إحداهن: في الفاتحة، والثانية: في الدعاء، ولما كانت الفاتحة واجبة والدعاء سُنَّة قدم الأولى على الثانية، والرواية الثالثة: في ضم السورة، ولما كان ضم السورة بعد الفاتحة حتمًا فصل بينهما في الباب تنبيهًا على تأخر السورة عن الفاتحة، والثلاثة داخلة فيما يقرأ بعد التكبير.\nوترجم صاحب \"التيسير\" على حديث الكسوف \"باب العمل في الصلاة\"، ثم قال: لم يذكر في بعض النسخ الترجمة أصلًا، وفي بعضها ذكر الترجمة المذكورة، وهو أيضًا لا يناسب، انتهى.\nقلت: لأن باب العمل في الصلاة يأتي في محله، ثم هذا الباب لم يذكره شيخ الهند قُدِّس سرُّه في الجدول الرابع الذي جمع فيه الأبواب بلا ترجمة.\n\n(٩١ -<span data-type='title' id=toc-676> باب رفع البصر إلى الإمام في الصلاة)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١) في الباب الآتي \"باب رفع البصر إلى السماء. . .\" إلخ: لما كان جواز الرفع إلى الإمام يجوز الرفع إلى السماء لكونها متقاربين، وفي جهة دفع ذلك بأن مناط الجواز هو الحاجة وإصلاح الصلاة لكن الغالب في رفع البصر إلى الإمام لما كان هو الإصلاح، وفي رفعه إلى السماء غيره أطلق الأمر والنهي فيهما مع أن الرفع إلى السماء لو كان مفيدًا كالنبي - ﷺ - حين انتظر تحويل القبلة جاز، والرفع إلى الإمام لو لم يكن مفيدًا؛ كمن أخذ ينظر إلى ثوبه وعمامته لم يكن جائزًا، ثم إن رفع البصر إلى الإمام قد يجب لعارض؛ كالأصم ائتم بغيره، فإنه لا بد له من الرفع إلى إمامه ليكون من حاله على بصيرة، سيما إذا لم يكن معه غيره، انتهى.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٣/ ٢٥١).","vol":"2","page":889},{"text":"وفي هامشه: ظاهر كلام الشيخ أنه حمل البابين على الجواز والكراهة وهو ظاهر سياق البابين لأنه ذكر في الأول رفع البصر إلى الإمام وفي الثاني رفعه إلى السماء على منوال واحد، ولما ذكر في الأول روايات الإباحة وفي الثاني روايات الكراهة، فكلام الشيخ قُدِّس سرُّه واضح جدًا.\nلكن الأوجه عندي: أن الإمام البخاري أشار في الباب الأول إلى مسألة خلافية، لكونها أجدر بتراجم البخاري، وهي ما قال الحافظ (^١): قال ابن بطال: فيه حجة لمالك أن نظر المصلي يكون إلى جهة القبلة، وقال الشافعي والكوفيون: يستحب أن ينظر إلى موضع سجوده؛ لأنه أقرب إلى الخشوع، انتهى. وهو مذهب أحمد كما في \"المغني\".\nوأما المسألة الثانية، وهي التي أشار إليها بالباب الثاني وهي النظر إلى السماء فقد قال ابن بطال: أجمعوا على كراهة رفع البصر في الصلاة، واختلفوا فيه خارج الصلاة في الدعاء فكرهه شريح وطائفة وأجازه الأكثرون.\nقال الحافظ (^٢): وأفرط ابن حزم فقال: تبطل الصلاة إلى آخر ما بسط في هامش \"اللامع\". وفي \"تراجم شيخ المشايخ\" (^٣): عقد هذا الباب لما تقرر أن الأولى أن ينظر المصلي في صلاته إلى موضع سجوده ومع ذلك لو رأى إلى إمامه ولم ينظر إلى ذلك الموضع لم تفسد عليه صلاته، والحديث المعلق مناسبته بترجمة الباب باعتبار أنه يدل على أنه - ﷺ - نظر قدامه في صلاته، ولم ينظر إلى موضع سجوده، فيقاس عليه المأموم إذا نظر إلى إمامه، وقد مرَّ غير مرة أن البخاري ربما يعقد الترجمة لأمر خاص من بين العام مع أن مراده إثبات ذلك العام، انتهى مختصرًا، وهذا هو الأصل الثامن عشر من أصول التراجم.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٣٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٣٤).\n(^٣) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٢٣٥).","vol":"2","page":890},{"text":"(٩٢ -<span data-type='title' id=toc-677> باب رفع البصر إلى السماء. . .) إلخ</span>\nتقدم الكلام عليه في الباب السابق.\n\n(٩٣ -<span data-type='title' id=toc-678> باب الالتفات في الصلاة)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): هذا أيضًا تقييد وتفسير لما تقدم قريبًا من أن الالتفات المذكور من قبل المرخص فيه هو الذي يتضمن إصلاحًا وإلا فهو اختلاس شيطان ينقص به أجره وثوابه، انتهى.\nوفي هامشه: والأوجه عندي: أن الإمام البخاري أطلق الترجمة ولم يجزم فيه بشيء لوسع الاختلاف في حكم الالتفات، وذكر فيه روايتين، الأولى دالة على المنع لكونه اختلاسًا من الشيطان، والثانية على الجواز لنظره - ﷺ - إلى الخميصة، فالترجمة عندي من الأصل الرابع من أصول التراجم.\nوقال الحافظ (^٢): لم يبين المؤلف حكمه، لكن الحديث الذي أورده دال على الكراهة وهو إجماع، لكن الجمهور على أنها للتنزيه وقيل: يحرم إلا لضرورة، وهو قول أهل الظاهر، انتهى.\nوبسط الكلام على أنواع الالتفات في \"الأوجز\" (^٣)، وحاصله: أن الالتفات ثلاثة أنواع: الأول: بالنظر وهو جائز عند الكل، لكن الأولى تركه لأنه ينافي الخشوع، والثاني: بتحويل الوجه هو مكروه عند الكل إلا لضرورة، والثالث: بتحويل الصدر مفسد عند الحنفية والشافعية، وقالت المالكية كما في \"الشرح الكبير\": كره الالتفات يمينًا وشمالًا ولو بجميع جسده حيث بقيت رجلاه للقبلة بلا حاجة، وإلا فلا كراهة، وعند الحنابلة كما في \"نيل المآرب\" (^٤): محل الكراهة إذا كان الالتفات بلا حاجة كخوف\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٣/ ٢٥٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٣٤).\n(^٣) \"أوجز المسالك\" (٣/ ٣٦٩).\n(^٤) انظر: \"نيل المآرب\" (١/ ١٧٦).","vol":"2","page":891},{"text":"ومرض، والمراد بالالتفات الذي يكره، ولا تبطل به الصلاة إذا لم يستدبر بجملته ويستدبر القبلة، ويبطلها استدبار القبلة حيث شرط استقبالها، انتهى.\n\n(٩٤ -<span data-type='title' id=toc-679> باب هل يلتفت لأمر ينزل به)</span>\nقال الحافظ (^١): الجامع بين جميع ما ذكر في الترجمة حصول التأمل المغائر للخشوع، وأنه لا يقدح إلا إذا كان لغير حاجة، انتهى.\n\n(٩٥ -<span data-type='title' id=toc-680> باب وجوب القراءة للإمام والمأموم. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): استدل على مدعاه بأن الوارد مطلق عن تقييد بشيء من الصلوات أو المصلين، ثم إن الحسن وزفر ذهبا إلى إيجاب القراءة في ركعة من الفريضة، والحنفية في اثنتين، ومالك في الثلاث، والشافعي في الأربعة، وهو الذي قصد المؤلف إثباته، وأنت تعلم أنه غير ثابت.\nنعم! غاية ما ثبت أنه - ﷺ - كان يقرأ فيها كلها، ونحن لا ننكر ذلك، وإنما النزاع في إثبات ركنيتها فكان دوامه على القراءة كدوامه على الأذان والإقامة وغيرهما من السنن، فعليهم إثبات أن القراءة ركن تفسد الصلاة بعدمها، انتهى.\nوفي هامشه: وجه الشيخ قُدِّس سرُّه توجيهًا كليًّا لتطابق الترجمة بالروايات بأن الإمام البخاري أخذ في هذا الباب الاستدلال بالعموم، وهو أصل مطرد وهو الأصل الخمسون، وعلى هذا لا يحتاج إلى التوجيه في الروايات وإبداء الاحتمالات كما ذكره الشرَّاح ونقل عنهم في هامش \"اللامع\".\nوالأوجه عندي: أن هذا الباب بمنزلة الكتاب لأبواب القراءة الآتية كلها فما سيأتي من الأبواب شرح وتفصيل لهذا الباب بمنزلة الباب في\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٣٥).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٣/ ٢٦٠).","vol":"2","page":892},{"text":"الباب، وهذا مما لا بد منه لئلا يرد ما أوردوا على بعض الأبواب الآتية من أنه لا حاجة لهذا الباب كما قالوا في \"باب القراءة في المغرب\"، وفي \"باب الجهر بالمغرب\" وغير ذلك من الأبواب فإنها ليست بأبواب مستقلة، بل تفصيل للقراءة في الصلوات كلها، وما يجهر وما يخافت.\nوقال القسطلاني (^١): قوله: \"باب وجوب القراءة. . .\" إلخ، هذا مذهب الجمهور خلافًا للحنفية، حيث قالوا: لا تجب على المأموم، انتهى.\nوليت شعري كيف صدر الكلام من مثل العلامة القسطلاني فإن عدم وجوب القراءة على المقتدي مذهب الجمهور منهم الأئمة الثلاثة غير الشافعي مع الاختلاف بينهم في ندبها للمقتدي، ولا تجب القراءة على المقتدي إلا في قول واحد من أقوال الإمام الشافعي كما بسط في \"الأوجز\" (^٢) عن فروعهم، فتدبر قول العلامة القسطلاني: \"هذا مذهب الجمهور خلافًا للحنفية\"، فإن الجمهور عنده اسم لمن هو على مسلكه وإن كانت شرذمة قليلة، ثم لا يذهب عليك أن الإمام البخاري ترجم لوجوب القراءة مطلقًا، ولم يبوب في صحيحه ترجمة لفاتحة الكتاب خاصة مع تخريجه رواية عبادة بن الصامت الآتية قريبًا، ومن عادته المعروفة أنه يترجم على رواية واحدة عدة أبواب لمسائل مختلفة، فظاهر صنيعه أنه مال في تلك المسألة إلى قول الحنفية: إن الفرض مطلق القراءة وهي رواية لأحمد والأخرى له وهو مذهب الإمامين مالك والشافعي أن الفرض قراءة الفاتحة خاصة.\nوقال مولانا العلامة الشيخ أنور في \"الفيض\" (^٣): عمم المصنف في الترجمة بالأنواع كلها وجهر به ولم يتكلم في حق المقتدي بحرف، وأخفاه\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٢/ ٤٥١).\n(^٢) \"أوجز المسالك\" (٢/ ١٦٧).\n(^٣) \"فيض الباري\" (٢/ ٢٧١).","vol":"2","page":893},{"text":"مع أن جملة الخبر ومحط النظر هو ذلك لا غير، وهذا يدل على أن في النفس منه شيء، ولو كان هناك منصف لكفى له صنيع المؤلف - ﵀ - وشفاه في هذا الباب، فإنه مع شغفه بإيجاب الفاتحة [على] المقتدي لم يجد إلى إثباته سبيلًا، وذلك لأن قوله - ﷺ -: \"لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب\" لم يقم عنده دليل على الإيجاب وإلا لجهر به على عادته إلى آخر ما بسطه.\n\n(٩٦ -<span data-type='title' id=toc-681> باب القراءة في الظهر)</span>\nقال الحافظ (^١): هذه الترجمة والتي بعدها يحتمل أن يكون المراد بهما إثبات القراءة فيهما وإنها تكون سرًّا إشارة إلى من خالف في ذلك كابن عباس، ويحتمل أن يراد به تقدير المقروء أو تعيينه، والأول أظهر لكونه لم يتعرض في البابين لإخراج شيء مما يتعلق بالاحتمال الثاني، انتهى.\nوفي \"الفيض\" (^٢): إن المصنف لما لم يجد دليلًا للفرق بين الفاتحة والسورة ترجم على نفس القراءة الفاتحة وغيرها سواء.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): دلالة الرواية على الترجمة على تقدير نسخة العشي ظاهرة وعلى النسخة المكتوبة في المتن وهو قوله: \"صلاتي العشاء\"، فالمدعى حاصل بالقياس، فلما ثبت القرآن في العشاء يثبت أيضًا في الظهر إذ لا قائل بالفصل، وما نقل عن ابن عباس أنه كان لا يرى القراءة في الظهر والعصر فضعيف أو مؤول، ثم الظاهر أن سعدًا ذكر في كلامه الصلوات الخمس بأسرها من صلاة الفجر، وصلاتي العشى وصلاة العشاء غير أن الرواة اختلفوا في رواية قطعة قطعة منها ولم يستوفوا كلامه، انتهى.\nقال الكرماني (^٤): قوله: \"صلاتي العشى\" يريد بها صلاتي الظهر، والعصر ليطابق الترجمة، لكن الجوهري قال: العشي من المغرب إلى\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٤٤).\n(^٢) \"فيض الباري\" (٢/ ٢٨٤).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٣/ ٢٦٦).\n(^٤) \"شرح الكرماني\" (٥/ ١٢٥).","vol":"2","page":894},{"text":"العتمة، والعشاء بالكسر والمد مثله، والعشاءان المغرب والعتمة، وزعم قوم أن العشاء من زوال الشمس إلى طلوع الفجر، انتهى.\nوعامة الشرَّاح ذكروا المطابقة بلفظ العشي ولم يذكروا المطابقة بلفظ العشاء مع ذكرهم إياه في اختلاف النسخ، انتهى من هامش \"اللامع\".\n\n(٩٧ -<span data-type='title' id=toc-682> باب القراءة في العصر)</span>\nتقدم الكلام عليه في الباب السابق وعلى ما يؤخذ من الترجمة تصريحًا أو إشارة.\n\n(٩٨ -<span data-type='title' id=toc-683> باب القراءة في المغرب)</span>\nقال الحافظ (^١): المراد تقديرها لا إثباتها لكونها جهرية، بخلاف ما تقدم في \"باب القراءة في الظهر\" من أن المراد إثباتها، انتهى.\n\n(٩٩ -<span data-type='title' id=toc-684> باب الجهر في المغرب)</span>\nقال الحافظ (^٢): اعترض ابن المنيِّر على هذه الترجمة والتي بعدها بأن الجهر فيهما لا خلاف فيه وهو عجيب؛ لأن الكتاب موضوع لبيان الأحكام من حيث هي، وليس هو مقصورًا على الخلافيات، انتهى.\n\n(١٠٠ -<span data-type='title' id=toc-685> باب الجهر في العشاء)</span>\nقال الحافظ (^٣): قدَّم ترجمة الجهر على ترجمة القراءة عكس ما صنع في المغرب ثم الصبح، والذي في المغرب أولى ولعله من النساخ، انتهى.\nوتعقبه العيني كدأبه فقال (^٤): المقصود الأعظم بيان الحكم لا الترتيب\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٤٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٤٨).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٥٠).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (٤/ ٤٧٠).","vol":"2","page":895},{"text":"في الأبواب، وأيضًا راعى المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله لأنه في الجهر، ورعاية المناسبة مطلوبة، انتهى.\n\n(١٠١ -<span data-type='title' id=toc-686><span data-type='title' id=toc-687> باب القراءة في العشاء </span>بالسجدة)</span>\nلعل غرض الترجمة الرد على قول الإمام مالك حيث كره السجدة في الفريضة، يعني: في المشهور عنه، لكن أشكل عليه أن الثابت بالحديث فعل الصحابي والحديث المرفوع ليس فيه السجدة في الصلاة.\nقال الحافظ (^١): قال ابن المنيِّر: لا حجة فيه على مالك لأنه ليس مرفوعًا، وغفل من رواية أبي الأشعث عن معتمر بهذا الإسناد بلفظ: \"صليت خلف أبي القاسم فسجد بها\" (^٢) أخرجه ابن خزيمة، انتهى.\nقلت: الأوجه في الاستدلال قوله: \"خلف أبي القاسم - ﷺ -\"، فإن هذا اللفظ كالصريح في الصلاة إلا أنه ليس فيه تصريح بصلاة العشاء إلا أن يقال: إنه رضي الله تعالى عنه أومأ إلى الاتباع فيكون إشارة إلى فعله - ﷺ -.\n\n(١٠٢ - باب القراءة في العشاء)\nقد تقدم في \"باب وجوب القراءة على الإمام والمأموم\" أن الأوجه عندي: أن الأبواب الآتية تفصيل لهذا الباب فكن منه على ذكر.\n\n(١٠٣ -<span data-type='title' id=toc-688> باب يطول في الأوليين. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٣): أي: من صلاة العشاء، ذكر فيه حديث سعد، وقد تقدم الكلام عليه هناك ووجهه ها هنا إما الإشارة إلى إحدى الروايتين في قوله: \"صلاتي العشاء أو العشي\" وإما لإلحاق العشاء بالظهر والعصر لكون كل منهن رباعية، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٥٠).\n(^٢) \"صحيح ابن خزيمة\" (ح: ٥٦١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٥١).","vol":"2","page":896},{"text":"(١٠٤ -<span data-type='title' id=toc-689> باب القراءة في الفجر)</span>\nقال الحافظ (^١): كأن المصنف قصد بإيراد حديثي أم سلمة وأبي برزة في هذا الباب بيان حالتي السفر والحضر، ثم ثلّث بحديث أبي هريرة الدال على عدم اشتراط قدر معين، انتهى.\nوأيضًا قال في الباب الآتي: قوله: \"قالت أم سلمة - ﵄ -\" وصله المصنف في \"باب طواف النساء\" من \"كتاب الحج\"، ولفظه: \"قالت: شكوت إلى النبي - ﷺ - أني أشتكي فقال: طوفي وراء الناس وأنت راكبة، قالت: فطفت حينئذ والنبي - ﷺ -\" الحديث، وليس فيه بيان أن الصلاة حينئذ كانت الصبح، ولكن تبين ذلك من رواية أخرى أوردها بعد ستة أبواب ولفظه فقال: \"إذا أقيمت الصلاة للصبح فطوفي\"، وأما ما أخرجه ابن خزيمة بلفظ: \"قالت: وهو يقرأ في العشاء الآخرة\"، فشاذ إلى أن قال: فعرف بهذا اندفاع الاعتراض الذي حكاه ابن التين عن بعض المالكية حيث أنكر أن تكون الصلاة المذكورة صلاة الصبح فقال: ليس في الحديث بيانها.\nقال الحافظ: هو رد للحديث الصحيح بغير حجة، انتهى مختصرًا.\n\n(١٠٥ -<span data-type='title' id=toc-690> باب الجهر بقراءة صلاة الفجر)</span>\nقال الحافظ (^٢): قال ابن رُشيد: ليس في حديث أم سلمة نص على ما ترجم له من الجهر بالقراءة، إلا أنه يؤخذ بالاستنباط من حيث إن قولها: \"طفت وراء الناس\" يستلزم الجهر بالقراءة لأنه لا يمكن سماعها للطائف من ورائهم إلا أن كانت جهرية، ثم ذكر البخاري حديث ابن عباس في قصة سماع الجن القرآن، والمقصود منه ها هنا قوله: \"وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له\" وهو ظاهر في الجهر، ثم ذكر حديث ابن عباس أيضًا قال: قرأ النبي - ﷺ -. . . إلخ.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٥٢، ٢٥٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٥٤).","vol":"2","page":897},{"text":"ووجه المناسبة منه: ما تقدم من إطلاق قرأ على جهر لكن كان يبقى خصوص تناول ذلك لصلاة الصبح فيستفاد ذلك من الذي قبله، فكأنه يقول: هذا الإجمال ها هنا مفسر بالبيان في الذي قبله؛ لأن المحدث بهما واحد أشار إلى ذلك ابن رُشيد، ويمكن أن يكون مراد البخاري بهذا ختم تراجم القراءة في الصلوات إشارة منه إلى أن المعتمد في ذلك هو فعل النبي - ﷺ -، وأنه لا ينبغي لأحد أن يغير شيئًا مما صنعه، انتهى.\n\n(١٠٦ -<span data-type='title' id=toc-691> باب الجمع بين السورتين في ركعة. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): يعني بذلك أن فرض القراءة ساقط كيف ما قرأ لإطلاق قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]، فلا يتقيد بشيء من القيود، نعم الاستحباب والسُّنِّية شيئان آخران لا ينكر ثبوتهما في بعض دون بعض بالروايات، انتهى.\nوفي هامشه: ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه واضح، وفيه حمل للترجمة على أمر متفق عليه، وكأنه حمل عليه الحافظ أيضًا نقلا عن ابن المنيِّر إذ قال: إن جميع ما استدل به البخاري محمول على بيان الجواز، واختاره العلامة العيني أيضًا فتكون الترجمة من الثامن عشر من أصول التراجم، ولا يبعد عند هذا العبد الضعيف أن الترجمة من أصل آخر معروف من أصول التراجم المتقدمة في الجزء الأول، وهو الأصل الثالث عشر، فقد ترجم ابن أبي شيبة في \"مصنفه\": \"باب من كان لا يجمع بين السورتين في ركعة\"، وأخرج فيه عن عكرمة بن خالد قال: كان أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث لا يجمع بين السورتين في ركعة ولا يجاوز سورة إذا ختمها حتى يركع، وأخرج عن أبي عبد الرحمن أنه كان لا يقرن بين السورتين في ركعة، وغير ذلك من الآثار المذكورة في هامش \"اللامع\"، فغرض المؤلف بهذه الترجمة هو الرد على هذا وهو الأصل الثالث عشر.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٣/ ٢٨٨).","vol":"2","page":898},{"text":"ثم ذكر المصنف في الترجمة أربع مسائل:\nالأولى: هذه أعني الجمع بين السورتين في ركعة وهي خلافية، قال العلامة العيني (^١): في حديث أنس - ﵁ - جواز الجمع بين السورتين في ركعة واحدة، وإليه ذهب أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد في رواية، انتهى.\nقلت: لا بأس بالجمع بين السورتين في النافلة عند أحمد، وفي المكتوبة عنه روايتان: الكراهة وعدمها كما في \"المغني\" (^٢)، وقال ابن عابدين (^٣) عن أبي حنيفة أنه قال: لا أحب أن يقرأ سورتين بعد الفاتحة في المكتوبات، ولو فعل لا يكره، وفي النوافل لا بأس به، انتهى.\nوالمسألة الثانية: القراءة بالخواتيم، وعامة الشرَّاح على أن هذا الجزء من الترجمة لا يثبت بشيء من الروايات ولا الآثار إلا أن يثبت بالإلحاق أو بعموم قول قتادة: كل كتاب الله، ويمكن عندي أن يقال: إنه لما فرق السورة في الركعتين فلا بد أن يقرأ في الأولى بالأوائل، وفي الثانية بالأواخر، فوجد القراءة بالخواتيم من هذا الوجه إلى آخر ما بسط في هامش \"اللامع\"، وفيه أيضًا: قال الموفق (^٤): لا تكره القراءة أواخر السور وأوساطها في إحدى الروايتين، والرواية الثانية يكره، انتهى. وعندنا الحنفية مكروه، كما في \"الدر المختار\".\nالمسألة الثالثة: قراءة سورة قبل سورة، قال الحافظ (^٥): إنه خلاف الأولى عند مالك والشافعي، وعن أحمد والحنفية أنه مكروه.\nوالمسألة الرابعة: القراءة بأول سورة.\nقال العيني (^٦): لا خلاف فيه، ولا كراهة إن كان القطع لعذر، وإن لم يكن لعذر فلا كراهة أيضًا عند الجمهور، وعن مالك في المشهور كراهته،\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٤/ ٤٩١).\n(^٢) \"المغني\" (٢/ ١٦٨).\n(^٣) \"رد المحتار على الدر المختار\" (٢/ ١٩٤).\n(^٤) \"المغني\" (٢/ ١٦٦).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٥٧).\n(^٦) \"عمدة القاري\" (٤/ ٤٨٧).","vol":"2","page":899},{"text":"وبقي ها هنا المسألة الخامسة والسادسة لم يذكرهما الإمام في الترجمة ومذكوران في قول قتادة إلا أن الإمام البخاري لم يصرِّح بهما في الترجمة وهما تفريق سورة واحدة في الركعتين، وترديد سورة واحدة في الركعتين إلى آخر ما بسط في هامش \"اللامع\".\n\n(١٠٧ -<span data-type='title' id=toc-692> باب يقرأ في الأخريين بفاتحة الكتاب)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): لعل المراد أن يثبت فرضيتها فيهما وهو غير ثابت إلا السُّنِّية، انتهى.\nوفي هامشه: ما أفاده الشيخ واضح، فإن المسألة خلافية شهيرة بسطت في \"الأوجز\" (^٢)، وجملتها أن القراءة واجبة في ركعة واحدة فقط عند زفر والحسن وغيرهما، وفي ركعتين في المشهور عن الحنفية، وهو رواية عن الإمام أحمد، وفي ثلاث ركعات على ما نقل عن مالك، وفي أربع ركعات عند الشافعية، وهو المصحح عند الحنابلة، ولا يبعد في غرض الترجمة أن تكون إشارة إلى مسألة أخرى خلافية أيضًا وهي: الزيادة على الفاتحة فيما بعد الأوليين، وعليه حمل الحافظ الترجمة، وكذا العلامة العيني.\nوتوضيح الخلاف فيها أن الأئمة الثلاثة كرهوا قراءة شيء بعد الفاتحة في الأخريين وثالثة المغرب، لرواية أبي قتادة المذكورة في الباب، وللشافعي فيه قولان: القديم مع الجمهور، والجديد استحباب السورة في الأخريين أيضًا، كما في \"الأوجز\" فتكون الترجمة ردًّا عليه، انتهى.\n\n(١٠٨ -<span data-type='title' id=toc-693> باب من خافت القراءة في الظهر والعصر)</span>\nوالمسألة وفاقية، قال الحافظ (^٣): ودلالة حديث خباب - ﵁ - للترجمة واضحة، انتهى.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٣/ ٢٩٣).\n(^٢) \"أوجز المسالك\" (٢/ ١٢٧).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٦١).","vol":"2","page":900},{"text":"(١٠٩ -<span data-type='title' id=toc-694> باب إذا أسمع الإمام الآية)</span>\nأي: لا يضره ذلك، قال الحافظ (^١): أي: في السرية، خلافًا لمن قال يسجد للسهو إن كان ساهيًا، وكذا لمن قال: يسجد مطلقًا، انتهى.\n\n(١١٠ -<span data-type='title' id=toc-695> باب يطول في الركعة الأولى)</span>\nوالمسألة خلافية بين العلماء، قال الشيخ قُدِّس سرُّه في \"البذل\" (^٢): والمذهب عندنا ما في \"الهداية\" (^٣): ويطيل الركعة الأولى من الفجر على الثانية إعانة للناس على إدراك الجماعة، وركعتا الظهر سواء، وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: أحب إلي أن يطيل الركعة الأولى على غيرها في الصلوات كلها، وحديث الباب محمول على الإطاعة من حيث الثناء والتعوذ، انتهى.\nوفي هامشي على \"البذل\": ودليلنا - الشيخين - رواية مسلم: \"كان يقرأ في الظهر في الأوليين بقدر ثلاثين آية\"، ولذا بوّب ابن حبان \"السبب الذي من أجله يطول الأولى\" ثم ادّعى أن طول الأولى يكون للترتيل وغيره، قاله ابن رسلان.\nوفي \"المغني\" (^٤): يستحب أن يطيل الركعة الأولى من كل صلاة، ليلحقه القاصد للصلاة، وقال الشافعي: يكون الأوليان متساويين، ووافقنا أبو حنيفة في الصبح، ووافق الشافعي في بقية الصلوات، انتهى.\nقلت: وفي \"شرح الإقناع\" (^٥): ويسن أن يطول من تسن له السورة قراءة أولى على ثانية للاتباع، انتهى.\nوفي حاشيته للبجيرمي قوله: من تسن له السورة، وهو الإمام والمنفرد، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٦١).\n(^٢) \"بذل المجهود\" (٤/ ١٩٠).\n(^٣) \"الهداية\" (١/ ٥٦).\n(^٤) \"المغني\" (٢/ ٢٧٧).\n(^٥) \"شرح الإقناع\" (٢/ ٦٧).","vol":"2","page":901},{"text":"قال النووي (^١) في \"شرح مسلم\": الأشهر عندنا أن لا يطول، والصحيح المختار استحباب تطويل الأولى قصدًا، انتهى.\n\n(١١١ -<span data-type='title' id=toc-696> باب جهر الإمام بالتأمين)</span>\nكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٢): إن قصد إثبات سُنِّية الجهر، وأنه هو الحق، فغير ثابت بما ذكره في الباب، وإن قصد جواز الجهر كجواز الإسرار فثابت بما ذكره ها هنا، وتثبت سُنِّية الإخفاء بما ذكره غيره من حملة الحديث، ثم إن مقصوده بقوله: آمين دعاء، أنه لما كان دعاء كان الإسرار والجهر جائزين فيه كجوازهما في سائر الأدعية المأثورة وغيرها، قلنا: لا يجوز في شيء من الصلوات الجهرية ولا السرية أن يرفع صوته بالدعاء وإن كانت صلاته لا تفسد أيضًا بذلك، فيلزم أن يكون الحكم بين الدعاء وآمين غير مفترق حسب استدلالكم.\nوأما لجة المسجد بتأمين ابن الزبير ومن معه فليس بمستلزم جهرهم به؛ لأن اللجة واللجلجة وهو اضطراب الصوت وتحركه من جهة إلى جهة، وهو حاصل بالإسرار والجهر كليهما، فلا دلالة فيه على تعيين (^٣) الجهر، وقوله: وكان أبو هريرة ينادي الإمام. . . إلخ، لا ينهض حجة على المدعي أيضًا؛ لأن الظاهر منه عدم المسارعة به حتى لا يحصل التوافق لمن خلفه، فكما تفوت الموافقة بالإسراع في الجهر فكذلك هو فائت في الإسرار أيضًا؛ لأن الإمام إذا قصد الانفراغ منه بعجلة كان المؤتمون غير ملتحقين به في وقت قوله إياه، وإذا تأنى فيه ولم يتعجل كانوا معه، بل الظاهر منه أن الإمام كان يخفيه، إذ لا حاجة عند جهره به إلى شيء من ذلك، فإن تأمينه مسموع معلوم، فإذا قاله الإمام يقوله المؤتم أيضًا، ولا يلزم فوات المطابقة، وليس المأموم مشتغلًا في شيء من القراءة وغيرها حتى يخل ذلك\n_________\n(^١) \"شرح النووي على صحيح مسلم\" (٢/ ٤١١).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٣/ ٢٩٥).\n(^٣) في الأصل: \"تعليم الجهر\".","vol":"2","page":902},{"text":"بمطابقته به، بل هو فارغ مصغ إلى إمامه، فإذا سمعه يؤمن أخذ في التأمين، فأما إذا أمن الإمام سرًّا فللمأموم مظنة الفوات إذا أسرع الإمام في تقضيه ولم يتأن، فأمره أن لا يتعجل.\nوكذلك قوله: كان ابن عمر لا يدعه ويحضهم، ليس نصًا في الجهر، بل يحتمل كلًّا منهما، وأما أنه لو أخفاه لما سمعه نافع، فأمر مبني على محض توهم؛ لأن كثيرًا من التسبيحات والثناء والتشهد وغير ذلك كان معلومًا للصحابة، ولم يجهر النبي - ﷺ - بها، فكذلك التأمين علم به نافع وإن لم يجهر به ابن عمر، بل كان ذلك بتعليم منه في خارج الصلاة مع أن من اتصل الإمام في الصف ودنا منه فإنه يسمع في إسراره أيضًا إذا لم يسر أدنى مراتب الإسرار، بل أخذ أوسطها، وأما إذا أخذ بأقصى مراتبها الداخل في أدنى الجهر، فلا شك أنه يسمعه بعض من يليه من الصف الثاني أيضًا، فلا يبعد أن يكون ابن عمر يسره هذا الإسرار ويسمعه ويعلم به نافع وغيره ممن هو قريب بابن عمر.\nولعل هذا هو منشأ الخلاف بين لفظي الرواة، فإنه - ﷺ - لما أسر به إسرارًا دخل في أدنى الجهر عبره بعضهم بالجهر لما رأى أن صوته في التأمين فوق صوته بالقراءة في السرية، ومن رأى أن صوته بالتأمين أدنى من صوته بالقراءة في الجهرية عبره بالإسرار، ولا يضر لو ثبت أنه - ﷺ - جهر بالتأمين حتى سمعه غير من في الصف المتقدم مع أنه لم يثبت، وذلك لأنه لو ثبت منه ذلك لكان سبيله سبيل إسماع الآية أحيانًا في الصلاة السرية، فكما لا تثبت سُنِّية إسماع الآية لا تثبت سُنِّية الجهر بالتأمين.\nوأما تعويل المؤلف في احتجاجه بالرواية الموردة في الباب فأمر مطرب عجاب؛ لأنها لا تدل على مدعاه بوجه، ولعله استند بذلك الحديث بأن المأمور به مطلق القول وظاهره الجهر، وأنت تعلم ما فيه فقد ورد في غير ذكر ولا ذكرين أنه - ﷺ - كان يقوله مع أن الجهر لم يكن مرادًا فيه ولا ثابتًا، نعم يمكن أن يكون احتجاجه بعموم قوله - ﷺ -: \"فقولوا\" لأنه","vol":"2","page":903},{"text":"يتناول الجهر والإسرار، فلا يتقيد بأحد متناويله، وهذا مع أنه لا يستلزم مدعاه وهو إثبات الجهر مدفوع بأن المطلق كثيرًا ما يتقيد بالنصوص الأخر الدالة على تقييده مع أن الأمر بهذا الاهتمام ومزيد الاعتناء به يقتضي أن الإمام غير جاهر به، إذ لو كان جاهرًا لم تكن الموافقة مظنة فوات مع أنه قد ورد في بعض طرقه: \"إذا قال الإمام: ولا الضالين فقولوا: آمين\"، فعلم أنهم ليس لهم سماع لتأمين الإمام وإلا لما بنى الأمر على ختمة الفاتحة لكون التأمين مسموعًا فلا يفتقر إلى إبداع علامة له، وكذلك قول ابن شهاب: وكان رسول الله - ﷺ - يقول: آمين غير مثبت للمراد، إذ لا تنصيص فيه على الجهر، والقول لا يساوق الجهر، انتهى.\nومسألة الجهر بالتأمين خلافية شهيرة وجملتها أن الإمام يجهر بالتأمين في الجهرية عند أحمد، وهو القول القديم للشافعي، ويسر عند الحنفية وهو القول الجديد للشافعي، وبه قالت المالكية كما قال الباجي، وهكذا المذاهب بعينها في المأموم، كما في \"الأوجز\" (^١) عن كتب فروعهم، انتهى من هامش \"اللامع\".\nوفي \"تراجم شيخ المشايخ\" (^٢): أنت تعلم أن ما وقع في حديث الباب من قوله: وإذا قال الأئمة (^٣). . . إلخ، لا يدل على ترجمة الباب ظاهرًا ولهذا استدل بهذا الحديث من قال: إن التأمين للمأموم دون الإمام، وقال الشافعي - ﵀ -: معناه أنه إذا قال الإمام هذا اللفظ فاسعدوا التأمين، فإنه هو أيضًا يقول ذلك يستحسن لكم أن توافقوه في زمانه، وكأن المؤلف أشار بعقد الترجمة إلى أن الحديث محمول على هذا المعنى، ومثله لا يستنكر من البخاري، انتهى.\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (٢/ ١٩٢).\n(^٢) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٢٣٨).\n(^٣) كذا في الأصل، والصواب بدله: \"إذا أمن الإمام. . .\" إلخ، (ز).","vol":"2","page":904},{"text":"(١١٢ -<span data-type='title' id=toc-697> باب فضل التأمين)</span>\nقال الحافظ (^١): أورد فيه رواية الأعرج؛ لأنها مطلقة غير مقيدة بحالة الصلاة، قال ابن المنيِّر: وأي فضل أعظم من كونه قولًا يسيرًا لا كلفة فيه، ثم قد ترتبت عليه المغفرة، انتهى.\nويؤخذ منه مشروعية التأمين لكل من قرأ الفاتحة سواء كان داخل الصلاة أو خارجها لقوله: \"إذا قال أحدكم\" لكن في رواية \"مسلم\" من هذا الوجه \"إذا قال أحدكم في صلاته\" فيحمل المطلق على المقيد، نعم في رواية همام عن أبي هريرة عند أحمد، وساق مسلم إسنادها \"إذا أمن القارئ فأمنوا\" فهذا يمكن حمله على الإطلاق فيستحب التأمين إذا أمن القارئ مطلقًا لكل من سمعه من مصل أو غيره، ويمكن أن يقال: المراد بالقارئ الإمام إذا قرأ الفاتحة، فإن الحديث واحد اختلفت ألفاظه، انتهى.\nقلت: لو حمل الترجمة على الإطلاق فحينئذ هو تقوية لرواية أبي داود: \"فإن آمين مثل الطابع على الصحيفة\" الحديث بطوله.\n\n(١١٣ -<span data-type='title' id=toc-698> باب جهر المأموم بالتأمين)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): والكلام فيه مثله في ما تقدم، انتهى.\nوفي هامشه: تقدم في أول الباب السابق أن نقلة المذاهب اختلفوا في ذكر قولي الإمام الشافعي الجديد والقديم، والعجب أن عامة الشرَّاح الشافعية من الحافظ والقسطلاني والنووي في \"شرح مسلم\" لم يتعرضوا لتفسير القولين إلا ما قال الحافظ في \"الفتح\" (^٣): الجهر للمأموم ذهب إليه الشافعي في القديم وعليه الفتوى، وقال الرافعي: قال الأكثر: في المسألة قولان، الأصح الجهر، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٦٦).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٣/ ٣٠٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٦٧).","vol":"2","page":905},{"text":"واختلط الكلام في \"شرح المهذب\" للنووي، ثم ذكر في هامش \"اللامع\" توضيح هذا الاختلاط إلى أن قال: وقد بسطت في ذلك لأن نقلة المذاهب من المشايخ اختلفوا في نقل قولي الإمام الشافعي الجديد والقديم، وما ظهر لي بعد إن أصل اختلاف القولين في المأموم الجديد السر والقديم الجهر، وأما الإمام فالمعروف من مذهبه الجهر في القولين، انتهى.\nقال العيني (^١): قال ابن المنيِّر: مناسبة الحديث للترجمة من جهة أن في الحديث الأمر بقول: آمين، والقول إذا وقع به الخطاب مطلقًا حمل على الجهر، ومتى أريد به الإسرار وحديث النفس قيد بذلك.\nقلت: المطلق يتناول الجهر والإخفاء، وتخصيصه بالجهر والحمل عليه تحكم فلا يجوز، وقال ابن رُشيد: تؤخذ المناسبة من جهة أنه قال: إذا قال الإمام فقولوا، فقابل القول بالقول، والإمام إنما قال ذلك جهرًا فكان الظاهر الاتفاق في الصفة.\nقلت: هذا أبعد من الأول وأكثر تعسفًا؛ لأن ظاهر الكلام أن لا يقولها الإمام كما روى مالك لأنه قسم، والقسمة تنافي الشركة، وقوله: إنما قال ذلك جهرًا، لا يدل عليه معنى الحديث أصلًا، فكيف يقول: فكان الظاهر الاتفاق في الصفة، والحديث لا يدل على ذات التأمين من الإمام؟ فكيف يطلق الاتفاق في الصفة وهي مبنية على الذات إلى آخر ما بسطه، ثم قال: ويمكن أن يوجه وجه لمناسبة الحديث للترجمة، وهو أن يقال: أما ظاهر الحديث فإنه يدل على أن المأموم يقولها، وهذا لا نزاع فيه، وأما أنه يدل على جهره بالتأمين، فلا يدل ولكن يستأنس له بما ذكره قبل ذلك وهو قوله: \"أمن ابن الزبير\" إلى قوله: \"خيرًا\"، انتهى.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٤/ ٥٠٤).","vol":"2","page":906},{"text":"(١١٤ -<span data-type='title' id=toc-699> باب إذا ركع دون الصف)</span>\nقال الحافظ (^١): كان اللائق إيراد هذه الترجمة في أبواب الإمامة، وقد سبق هناك ترجمة \"المرأة وحدها تكون صفًا\" إلى أن قال: وقال ناصر الدين ابن المنيِّر: هذه الترجمة مما نوزع فيها البخاري حيث لم يأت بجواب \"إذا\" لإشكال الحديث واختلاف العلماء في المراد بقوله: \"ولا تعد\"، انتهى.\n\n(١١٥ -<span data-type='title' id=toc-700> باب إتمام التكبير في الركوع)</span>\nفي \"تراجم شيخ المشايخ\" (^٢): المراد بالإتمام الإتيان به من غير أن يحذف كما شاع ذلك في إمارة بني أمية، وسبب اهتمام المؤلف بعقد الأبواب في بيان إتمام التكبيرات في الركوع والسجود والجلسة هو تهاون بني أمية في ذلك كما يدل عليه التاريخ، انتهى.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): قوله: في الركوع، الظرف إما متعلق بالإتمام أو بالتكبير، وأيًّا ما كان فالغرض منه أن لا يحذف التكبير حذفًا، بل يأتي به كما هو بالمد والشد، وأداء الحروف من مخارجها، ودلالة الرواية على هذا المعنى من حيث إنه قال فيها إلى آخر ما بسط في طريق الاستدلال فارجع إليه لو شئت، انتهى مختصرًا.\nوفي هامشه: اختلفوا في غرض الترجمة على أقوال، وما اختاره الشيخ ها هنا من الغرض لطيف جدًا فإنه أقرب بلفظ الإتمام في الترجمة وأوفق بقول الفقهاء في تكبيرات الانتقال، وإليه يظهر ميل الحافظ إذ قال (^٤): قوله: إتمام التكبير، أي: مده بحيث ينتهي بتمامه، انتهى.\nوقال العيني (^٥): قال الكرماني: المراد من الإتمام أن يمد التكبير\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٦٨).\n(^٢) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٢٤١).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٣/ ٣١١).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٦٩).\n(^٥) \"عمدة القاري\" (٤/ ٥٠٩).","vol":"2","page":907},{"text":"الذي هو للانتقال من القيام إلى الركوع بحيث يتمه في الركوع بأن تقع راء \"الله أكبر\" فيه، أو إتمام الصلاة بالتكبير في الركوع، أو إتمام عدد تكبيرات الصلاة، انتهى.\nوالظاهر عند هذا العبد الضعيف: أن غرض الإمام البخاري بالترجمة الرد على رواية أبي داود، وذكره الحافظ (^١) احتمالا إذ قال: ولعله أراد بلفظ الإتمام الإشارة إلى تضعيف ما رواه أبو داود من حديث عبد الرحمن بن أبزى قال: صلَّيت خلف النبي - ﷺ - فلم يتم التكبير، فإن هذا الحديث ضعيف كما صرَّح به أئمة الحديث، كما بسط في هامش \"اللامع\".\n\n(١١٦ -<span data-type='title' id=toc-701> باب إتمام التكبير في السجود)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): الكلام فيه مثله فيما تقدم، ويحتمل أن يراد في البابين بالإتمام نفس إتيانه بالتكبير، فإن إتيان التكبير إتمام له كما أن تركه تقصير به، فلا يفتقر إلى تكلف، والأول أولى، انتهى.\n\n(١١٧ -<span data-type='title' id=toc-702> باب التكبير إذا قام من السجود)</span>\nوالغرض منه على قياس ما عرفت في الأبواب السابقة قوله: \"صلَّيت\" أي: الظهر \"خلف شيخ\" هو أبو هريرة - ﵁ - \"فكبَّر ثنتين وعشرين تكبيرة\" لأن في كل تكبيرة خمس تكبيرات، فيحصل في كل رباعية عشرون تكبيرة سوى تكبيرة الإحرام، وتكبيرة القيام من التشهد الأول، وفي الثلاثية سبع عشرة، وفي الثنائية إحدى عشرة، ففي الصلوات الخمس أربع وتسعون تكبيرة، انتهى من \"القسطلاني\" (^٣).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٦٩).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٣/ ٣١٥).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (٢/ ٤٩٦).","vol":"2","page":908},{"text":"(١١٨ -<span data-type='title' id=toc-703> باب وضع الأكف على الركب)</span>\nالظاهر أنه أشار إلى الرد على ما روي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه من التطبيق.\nقال القسطلاني (^١): قال الترمذي: الطبيق منسوخ عند أهل العلم لا خلاف بينهم في ذلك إلا ما روي عن ابن مسعود وبعض أصحابه أنهم كانوا يطبقون، انتهى.\nقيل: ولعل ابن مسعود لم يبلغه النسخ، واستبعد لأنه كان كثير الملازمة له - ﷺ -؛ لأنه كان صاحب نعله، يلبسه إياها إذا قام وإذا جلس أدخلها في ذراعيه، فكيف يخفى عليه أمر وضع يديه على ركبتيه، أو لم يبلغه النسخ؟ انتهى.\nوهكذا ذكر الشيخ قُدِّس سرُّه في \"البذل\" (^٢) ثم قال: فالصواب أن يقال: إنه قائل بجواز كلا الأمرين على التخيير، والدليل عليه ما رواه ابن أبي شيبة عن علي قال: \"إذا ركعت فإن شئت قلت: هكذا يعني وضعت يديك على ركبتيك وإن شئت طبقت\" (^٣) وإسناده حسن، فهذا ظاهر في أنه كان يرى التخيير، كذا قال العيني (^٤)، انتهى.\n\n(١١٩ -<span data-type='title' id=toc-704> باب إذا لم يتم الركوع)</span>\nقال الحافظ (^٥): أفرد الركوع بالذكر مع أن السجود مثله لكونه أفرده بترجمة تأتي، وغرضه سياق صفة الصلاة على ترتيب أركانه، واكتفى عن جواب \"إذا\" بما ترجم به بعد من أمر النبي - ﷺ - الذي لم يتم ركوعه بالإعادة، انتهى.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٢/ ٤٩٩).\n(^٢) \"بذل المجهود\" (٤/ ٩٥).\n(^٣) \"مصنف ابن أبي شيبة\" (١/ ٢٤٥).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (٤/ ٥٢٠).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٧٥).","vol":"2","page":909},{"text":"وهذا على مسلك الشافعية، والأوجه عندي: أن المصنف ترك الجواب لقوة الخلاف في ذلك، فإن المسألة خلافية معروفة، ومن دأبه المطَّرد في الكتاب عدم الجزم بالحكم، لقوة الخلاف كما تقدم في الأصل الخامس والثلاثين، والحافظ بنفسه ذكر هذا الأصل، لكنه تركه ها هنا رعاية لمسلكه، انتهى.\nقال العيني (^١): قوله: \"ما صلَّيت\" قال بعضهم: هو نظير قوله - ﷺ - للمسيء: \"فإنك لم تصل\" فعلى هذا يرجع النفي إلى الكمال لا إلى حقيقة الصلاة، وإليه ذهب أبو حنيفة ومحمد، خلافًا لأبي يوسف والشافعي وأحمد، ثم بسط الاختلاف في ذلك، وذكر اختلاف المالكية فيما بينهم في هذه المسألة إلى آخر ما بسط في هامش \"اللامع\".\n\n(١٢٠ -<span data-type='title' id=toc-705> باب استواء الظهر في الركوع)</span>\nقال الحافظ (^٢): أي: من غير ميل في الرأس عن البدن وقوله: \"هصر\"، بفتح الهاء والصاد المهملتين، أي: أماله، وسيأتي هذا الحديث موصولًا في \"باب سُنَّة الجلوس في التشهد\" وزاد أبو داود من وجه آخر عن أبي حميد: \"ووتر يديه فتجافى عن جنبيه\" وله من وجه آخر: \"ثم هصر ظهره غير مقنع رأسه ولا صافح بخده\"، انتهى.\nقلت: وفيه بوجه آخر: \"ثم يعتدل فلا ينصب رأسه، ولا يقنع\"، وهذا بعينه الترجمة فهي من الأصل الحادي عشر، وهو الإشارة إلى بعض طرق الحديث.\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): قوله: \"ثم هصر ظهره\" وهو يستلزم استواء الظهر ولذا ذكره ها هنا، انتهى.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٤/ ٥٢٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٧٥).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٣/ ٣١٩).","vol":"2","page":910},{"text":"وفي تقرير المكي: قوله: \"ثم هصر\"، أي: كسر صلبه إلى جانب البطن حتى استوى الظهر والرأس والعجز، انتهى. وعلى هذا فتكون الترجمة شارحة.\n\n(١٢١ -<span data-type='title' id=toc-706> باب حد إتمام الركوع. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^١): يعني بذلك حد الاستحباب والسُّنَّة، وإلا فالواجب والفرض يتأديان بدون المذكور في الرواية أيضًا، انتهى.\nوفي هامشه: ما أفاده الشيخ واضح، فإنه لم يقل أحد من الأئمة أن هذا المقدار الذي ذكر في الحديث فرض، بل قالت الشافعية: إن تطويل الاعتدال مفسد للصلاة.\nقال القسطلاني (^٢): قد اختلف هل الاعتدال ركن طويل أو قصير؟ والمرجح عند الشافعية أنه قصير تبطل الصلاة بتطويله، انتهى.\nوقال الدردير (^٣): الثالثة عشر: طمأنينة في جميع الأركان وهي استقرار الأعضاء، قال الدسوقي: اعلم أن القول بفرضيتها صححه ابن الحاجب، والمشهور في المذهب أنها سُنَّة، وقيل: فضيلة، انتهى.\nقال الموفق (^٤): يجب أن يطمئن في ركوعه، ومعناه أن يمكث إذا بلغ حد الركوع قليلًا، وقال أبو حنيفة: الطمأنينة غير واجبة، انتهى.\nفعلم من ذلك كله أن مقدار الفرض عند القائلين بالفرضية أيضًا هو المكث القليل، والزائد على ذلك سُنَّة، وأشار إليه الشيخ في كلامه، انتهى مختصرًا.\nقال الحافظ (^٥): قوله: \"وحد إتمام الركوع\" ووقع في بعض الروايات\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٣/ ٣١٩).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٢/ ٥٠٢).\n(^٣) \"حاشية الدسوقي\" (١/ ٣٨٧).\n(^٤) \"المغني\" (٢/ ١٧٧).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٧٦).","vol":"2","page":911},{"text":"عند الكشميهني وغيره ها هنا \"باب إتمام الركوع\" ففصله عن الباب الذي قبله بباب، وعند الباقين الجميع في ترجمة واحدة إلا أنهم جعلوا التعليق عن أبي حميد في أثنائها لاختصاصه بالجملة الأولى، ودلالة حديث البراء على ما بعدها، ومطابقة حديث البراء لقوله: \"حد إتمام الركوع\" من جهة أنه دال على تسوية الركوع والسجود وغيرهما، وقد ثبت في بعض طرقه عند مسلم تطويل الاعتدال فيؤخذ منه إطالة الجميع، انتهى مختصرًا.\nقال السندي (^١): لا يخفى أن المساواة بين هذه الأمور لا تدل على الاعتدال في الركوع إذ يمكن تحققها بلا اعتدال، وكأن مدار الدليل أن بعض هذه الأشياء معلومة بالتطويل قطعًا فمساواة الباقي تفيد المطلوب، انتهى.\n\n(١٢٢ -<span data-type='title' id=toc-707> باب أمر النبي - ﷺ - الذي لا يتم ركوعه بالإعادة)</span>\nقال الحافظ (^٢): قال ابن المنيِّر: هذه من الترام الخفية، وذلك أن الخبر لم يقع فيه بيان ما نقصه المصلي، لكنه - ﷺ - لما قال له: \"ثم اركع حتى تطمئن راكعًا\" إلى آخر ما ذكر له من الأركان اقتضى ذلك تساويها في الحكم لتناول الأمر كل فرد منها، فكل من لم يتم ركوعه أو سجوده مأمور بالإعادة.\nقال الحافظ: ووقع في حديث رفاعة عند ابن أبي شيبة في هذه القصة \"دخل رجل فصلى صلاة خفيفة لم يتم ركوعها ولا سجودها\" (^٣)، فالظاهر أن المصنف أشار بالترجمة إلى ذلك، انتهى.\nقلت: فكأن المصنف أشار بهذه الترجمة إلى وجه أمره - ﷺ - بالإعادة.\n_________\n(^١) \"حاشية السندي\" (١/ ١٤٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٧٧).\n(^٣) \"مصنف ابن أبي شيبة\" (١/ ٢٨٧).","vol":"2","page":912},{"text":"(١٢٣ -<span data-type='title' id=toc-708> باب الدعاء في الركوع)</span>\nقال الحافظ (^١): ترجم بعد هذا بأبواب التسبيح والدعاء في السجود، وساق فيه حديث الباب، فقيل: الحكمة في تخصيص الركوع بالدعاء دون التسبيح - مع أن الحديث واحد - أنه قصد الإشارة إلى الرد على من كره الدعاء في الركوع كمالك، أما التسبيح فلا خلاف فيه، فاهتم ها هنا بذكر الدعاء لذلك، انتهى.\nقلت: وتفصيل مذهب مالك ما رواه أبو داود حدثنا القعنبي قال: قال مالك: لا بأس بالدعاء في الصلاة في أوله وأوسطه، وفي آخره في الفريضة وغيرها (^٢).\nقال الشيخ في \"البذل\" (^٣): وفي المدونة (^٤): قال مالك: لا بأس بأن يدعوا الرجل لجميع حوائجه في المكتوبة حوائج دنياه وآخرته في القيام والجلوس والسجود، قال: وكان يكرهه في الركوع، وقال في محل آخر: قلت لابن القاسم: أرأيت مالكًا حين كره الدعاء في الركوع كان يكره التسبيح في الركوع؟ قال: لا، انتهى مختصرًا.\n\n(١٢٤ -<span data-type='title' id=toc-709> باب ما يقول الإمام ومن خلفه. . .) إلخ</span>\nفي تقرير المكي: قوله: في الحديث \"قال: اللهم ربنا ولك الحمد\"، يعني: جمع بينهما، وإذا جمع - ﷺ - بينهما كان من خلفه أيضًا جمعهما، وكذا روي عن أبي حنيفة الجمع أيضًا في رواية، لكن أكثر أحاديثه التقسيم، ولذلك صار التقسيم مذهبه المشهور، انتهى. وتوضيح الخلاف في ذلك كما في \"الأوجز\" (^٥): أن المنفرد يجمع بينهما على المشهور عند الأئمة الأربعة، حتى قال الحافظ (^٦): حكى الطحاوي وابن عبد البر الإجماع عليه، وأما\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٨١).\n(^٢) \"سنن أبي داود\" (ح: ٧٦٧).\n(^٣) \"بذل المجهود\" (٤/ ١٣٦).\n(^٤) \"المدونة الكبرى\" (١/ ٧٤، ١٠٠).\n(^٥) \"أوجز المسالك\" (٢/ ١٠١).\n(^٦) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٨٣، ٢٨٤).","vol":"2","page":913},{"text":"الإمام فيأتي بهما عند الشافعي وأحمد وأبي يوسف ومحمد.\nوقال أبو حنيفة ومالك: يأتي الإمام بالتسميع فقط، وأما المؤتم فيأتي بالتحميد فقط عند الجمهور خلافًا للشافعي، إذ قال: يجمع بينهما، فإذا وضح ذلك فعامة الشرَّاح على أن الإمام البخاري وافق الشافعي في ذلك في أن الإمام والمؤتم كل واحد منهما يجمع بينهما، ويرد على ذلك أنه ليس في الحديث ذكر المؤتم فأجابوا عنه بوجوه.\nقال الكرماني (^١): دلالة الحديث عليه بانضمام \"صلوا كما رأيتموني أصلي\".\nوقال الحافظ (^٢): أجاب عنه ابن رُشيد بأنه أشار إلى التذكير بالمقدمات لتكون الأحاديث عند الاستنباط نصب عيني المستنبط، فقد تقدم حديث \"إنما جعل الإمام ليؤتم به\" وحديث \"صلوا كما رأيتموني أصلي\"، ويمكن أن يكون قاس المأموم على الإمام لكن فيه ضعف، انتهى.\nوالأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن الباب الآتي وهو \"باب فضل اللَّهم ربنا ولك الحمد\" جزء من الباب السابق على الأصل السادس من أصول التراجم، فحينئذ لا يرد أصلًا أنه لم يذكر في الباب ما يقول المؤتم، ويؤيد ذلك أن الحافظ قال أولًا في \"باب فضل اللَّهم ربنا لك الحمد\": ثبت لفظ باب عند من عدا أبا ذر والأصيلي، والراجح حذفه، انتهى.\nفيكون مسلك الإمام البخاري في الإمام الجمع بينهما على مسلك الشافعي ومن وافقه، وأما المؤتم فيأتي بالتحميد فقط على مسلك الجمهور خلافًا للشافعي، وعلى هذا يناسب ذكر الباب الثالث بابًا بلا ترجمة أيضًا؛ لأنه لا تعلق له بفضل التحميد، لكن له تعلقًا ظاهرًا بباب ما يقول الإمام ومن خلفه في القومة، فكأن الإمام البخاري ذكر أولًا ما يقوله الإمام\n_________\n(^١) \"شرح الكرماني\" (٥/ ١٥٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٨٢).","vol":"2","page":914},{"text":"والمؤتم، ثم فصل بباب بلا ترجمة ما ورد في الروايات في القومة، وليس بمعمول به فكأنه فصل بالبابين بين المعتاد وغير المعتاد، وأما ذكر القنوت فيه فليس في النسخ الشهيرة كما أقر به الشرَّاح؛ ولأنه على نسخة القنوت لا يناسبه حديث رفاعة بن رافع الوارد في هذا الباب، ووجه في تقرير مولانا حسين علي البنجابي بأنه يفهم من إطلاقه عدم القنوت، فالقنوت في حدوث واقعة وعدمه في غيره، انتهى.\nوهذا توجيه لطيف على ثبوت القنوت في الترجمة، وعلى هذا تزول الإيرادات عن الأبواب والروايات في ألفاظ التحميد، ولذا اختلفت الأئمة في الراجح من ألفاظه، فعندنا الحنفية أفضلها: اللَّهم ربنا ولك الحمد، وعند الحنابلة: ربنا ولك الحمد بالواو، وفي رواية: اللَّهم ربنا لك الحمد، أي: بدون الواو، والمعروف في متون المالكية: ربنا لك الحمد، وكذا عند الشافعية، قال البجيرمي: أفضلها: ربنا لك الحمد، على المعتمد، انتهى.\nلكن حكى الحافظ (^١) عن النووي: ثبتت الرواية بإثبات الواو وحذفها، والوجهان جائزان بغير ترجيح، انتهى.\nقال ابن القيم في \"الهدي\": أما الجمع بين اللَّهم والواو فلم يصح، انتهى.\nوتعقب عليه الزرقاني والحافظ (^٢) في الباب الآتي إذ قال: وفي رواية الكشميهني: ولك الحمد بإثبات الواو، ففيه رد على ابن القيم، انتهى.\n\n(١٢٥ -<span data-type='title' id=toc-710> باب فضل اللَّهم ربنا ولك الحمد)</span>\nتقدم ما يتعلق به من الكلام في الباب السابق.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٨٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٨٣).","vol":"2","page":915},{"text":"(١٢٦ -<span data-type='title' id=toc-711> باب)</span>\nبلا ترجمة، تقدم بعض ما يتعلق به أيضًا فيما سبق.\nقال الحافظ (^١): كذا للجميع بغير ترجمة إلا للأصيلي فحذفه، والراجح إثباته؛ لأن الأحاديث المذكورة فيه لا دلالة فيها على فضل اللَّهم ربنا لك الحمد إلا بتكلف، فالأولى أن يكون بمنزلة الفصل من الباب الذي قبله، وذلك أنه لما قال أولًا: \"باب ما يقول الإمام. . .\" إلخ، وذكر فيه قوله - ﷺ -: \"اللَّهم ربنا ولك الحمد\" استطرد إلى فضل ذكر هذا القول بخصوصه، ثم فصل بلفظ \"باب\" لتكميل الترجمة الأولى فأورد بقية ما ثبت على شرطه مما يقال في الاعتدال كالقنوت وغيره، انتهى.\nوفي \"تراجم شيخ المشايخ\": (^٢) قوله: \"باب القنوت\" هذا الباب قد وجد في كثير من النسخ غير مترجم، وفي بعضها \"باب القنوت\" وعلى كلا التقديرين فمناسبته بما سبق باعتبار أن ما ذكر في الحديث يدل على قراءة القنوت بعد سمع الله لمن حمده، فهو أيضًا ذكر فيها بعد الركوع في القنوت، كما كان سمع الله لمن حمده أيضًا ذكر فيها، انتهى.\nورقم على هذا الباب في \"تراجم\" شيخ الهند كما تقدم في الجزء الأول رمز (نـ) أعني نقطة واحدة، وهي إشارة إلى تشحيذ الأذهان.\n\n(١٢٧ -<span data-type='title' id=toc-712> باب الطمأنينة حين يرفع رأسه من الركوع)</span>\nفي رواية الأكثرين الاطمأنينة، وفي رواية الكشميهني: \"باب الطمأنينة\" وهي الأصح والموجودة في اللغة، انتهى. قاله العيني (^٣)، والمراد بها السكون، وحدّها ذهاب الحركة التي قبلها، كذا في \"الفتح\" (^٤)، وتقدم\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٨٤).\n(^٢) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٢٤٣).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٤/ ٥٣٧).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٨٨).","vol":"2","page":916},{"text":"في \"باب حد إتمام الركوع\" الاختلاف في أن الاعتدال ركن طويل أو قصير فتذكر.\n\n(١٢٨ -<span data-type='title' id=toc-713> باب يهوي بالتكبير حين يسجد. . .) إلخ</span>\nلعل الغرض منه شرح الحديث، فقد قال الحافظ (^١) تحت قوله في الحديث: \"ثم يكبر حين يهوي ساجدًا\": فيه أن التكبير ذكر الهُوي فيبتدأ به من حين يشرع في الهُويِّ بعد الاعتدال إلى حين يتمكن ساجدًا، انتهى.\nقوله: (وكان ابن عمر. . .) إلخ، قال الحافظ (^٢): استشكل إيراد هذا الأثر في هذه الترجمة، وأجاب ابن المنيِّر بما حاصله: أنه لما ذكر صفة الهوي إلى السجود القولية أردفها بصفته الفعلية، وقال أخوه: أراد بالترجمة وصف حال الهوي من فعال ومقال، انتهى.\nقال الحافظ: والذي يظهر لي أن أثر ابن عمر من جملة الترجمة، فهو مترجم به لا مترجم له، والترجمة قد تكون مفسرة لمجمل الحديث وهذه منها، انتهى.\nواختار القسطلاني (^٣) والعيني التوجيه الذي حكاه الحافظ عن ابن المنيِّر.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٤): قوله: \"وكان ابن عمر. . .\" إلخ، وذلك لأنه كان ثقيلًا لا يحمله ركبتاه إلا بتعسر، فكان يستعين بيديه، وذكره في الباب من حيث أن كلًّا منهما متعلق بكيفية السجدة، انتهى.\nوعلى هذا تكون الترجمة من الأصل الثامن عشر ولا يرد على ذلك شيء لأنه أصل مطرد.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٩١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٩١).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (٢/ ٥١٦)، و\"عمدة القاري\" (٤/ ٥٣٩).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٣/ ٣٢٧).","vol":"2","page":917},{"text":"(١٢٩ -<span data-type='title' id=toc-714> باب فضل السجود)</span>\nولم يذكر فضل الركوع؛ لأنه لم يشرع مستقلًا، وفي هامش \"اللامع\": اعلم أن الإمام البخاري أفرد من جملة أركان الصلاة بفضل السجود خاصة بابًا مفردًا، إما إشارة إلى حديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد\"، أو لأن للسجود وجودًا مستقلًا في جميع أجزاء الصلاة وهو في سجدة التلاوة عند الجميع، وفي سجدة الشكر والسجدة عند الآيات كما ترجم به أبو داود عند القائلين بهما ولم أر من تعرض لذلك من الشرَّاح إلا ما يستأنس من القسطلاني (^١) إذ قال: قوله: \"حرَّم الله على النار\"، هذا موضع الترجمة، واستشهد له ابن بطال لحديث \"أقرب ما يكون العبد من ربه إذا سجد\"، وهو واضح، وقال تعالى: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩]، وقال بعضهم: إن الله تعالى يباهي بالساجدين من عبيده ملائكته المقربين، الحديث.\n\n(١٣٠ -<span data-type='title' id=toc-715> باب يبدي ضبعيه. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٢): تقدم قبيل أبواب القبلة أنه وقع في كثير من النسخ وقوع هاتين الترجمتين هذه والتي بعدها هناك وأعيدا ها هنا وأن الصواب إثباتهما هنا، وذكرنا توجيه ذلك بما يغني عن إعادته، انتهى.\nقلت: وقد تقدم البسط في ذلك هناك.\n\n(١٣١ -<span data-type='title' id=toc-716> باب يستقبل بأطراف رجليه القبلة)</span>\nقال القسطلاني (^٣): هذا الباب والذي قبله ثبتا في الفرع كأصله، وفي كثير من الأصول، وسقطا في بعضها.\nقال الكرماني (^٤): لأنهما ذكرا مرة قبل \"باب فضل استقبال القبلة\"،\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٢/ ٥٢٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٩٥).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (٢/ ٥٢٩).\n(^٤) \"شرح الكرماني\" (٥/ ١٦٦).","vol":"2","page":918},{"text":"وتعقب بأنه لم يذكر هناك إلا الأول، وأما الباب الثاني فلم يذكر هناك بترجمة، فلهذا كان الصواب إثباتهما، انتهى.\nقلت: هو كذلك لأن المصنف ذكره هناك تعليقًا لا ترجمة كما تقدم الكلام عليه هناك.\n\n(١٣٢ -<span data-type='title' id=toc-717> باب إذا لم يتم سجوده)</span>\nذكر الإمام البخاري فيه الحديث الذي تقدم في \"باب إذا لم يتم الركوع\"، وتقدم الكلام هناك على المسألة.\n\n(١٣٣ -<span data-type='title' id=toc-718> باب السجود على سبعة أعظم)</span>\nقال الحافظ (^١): لفظ المتن الذي أورده في هذا الباب \"على سبعة أعضاء\"، لكنه أشار بذلك إلى لفظ الرواية الأخرى، وقد أوردها من وجه آخر في الباب الذي يليه، انتهى.\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): ووضع تمام الجبهة مستلزم لوضع الأنف، ويتطرق النقصان في الصلاة لو لم يضع الأنف؛ لأن فيه نقصًا بوضع الجبهة مع أنها صحيحة، انتهى.\nوأجاد الشيخ الكلام على أحاديث البابين، وأشار بذلك إلى الجمع بين ما يظهر اختلافها، وذلك أنه - ﷺ - ذكر في الحديث الأول سبعة أعضاء وعدّ منها الجبهة فقط، وفي الثاني ذكر هذا اللفظ، وأشار بلفظ الجبهة إلى الأنف، وهو عضو (^٣) مستقل غير الجبهة، فكيف أشار النبي - ﷺ - بلفظ الجبهة إلى الأنف؟ وأجاب عنه الشيخ بأن وضع تمام الجبهة مستلزم لوضع الأنف أيضًا، فإن أحدًا إن لم يضع الأنف لا بد أن يرتفع شيء من أسفل الجبهة، فكأنه - ﷺ - أشار بالإشارة إلى الأنف إلى أن تكميل وضع الجبهة يكون بوضع الأنف، فللَّه دره.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٩٦).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٣/ ٣٤١).\n(^٣) في الأصل: \"عظم\" وهو تحريف.","vol":"2","page":919},{"text":"قال الحافظ (^١): قوله: \"على الجبهة\" وفي الحديث الآتي \"أشار بيده على أنفه\"، وعند النسائي في آخر الحديث: \"قال ابن طاوس: ووضع يده على جبهته وأمرها على أنفه وقال: هذا واحد\"، فهذه رواية مفسرة.\nقال القرطبي: هذا يدل على أن الجبهة الأصل في السجود والأنف تبع، وقال ابن دقيق العيد: قيل: معناه أنهما جعلا كعضو واحد وإلا لكانت الأعضاء ثمانية، قال: وفيه نظر؛ لأنه يلزم منه أن يكتفى بالسجود على الأنف كما يكتفى بالسجود على بعض الجبهة، وقد احتج بهذا لأبي حنيفة في الاكتفاء بالسجود على الأنف إلى أن قال: وجواز الاقتصار على بعض الجبهة قال به كثير من الشافعية، ونقل ابن المنذر إجماع الصحابة على أنه لا يجزئ السجود على الأنف وحده، وذهب الجمهور إلى أنه يجزئ على الجبهة وحدها، وعن الأوزاعي وأحمد وإسحاق وغيرهم: يجب أن يجمعهما وهو قول للشافعي أيضًا، انتهى.\nقال العيني (^٢): احتج بالحديث أحمد وإسحاق على أنه لا يجزيه من ترك السجود على شيء من الأعضاء السبعة، وهو الأصح من قولي الشافعي، وكأن البخاري مال إلى هذا القول، ولم يذكر الأنف في هذا الحديث، وذكره في الحديث الآتي قريبًا، واختلفوا في السجود على الأنف هل هو فرض مثل غيرها؟ ثم بسط الاختلاف في ذلك، وحاصله: أنه يجوز الاقتصار على الجبهة عند الجمهور خلافًا لأحمد، وأما الاقتصار على الأنف دون الجبهة فلا يجوز إلا عند أبي حنيفة، انتهى.\nوفي هامش \"الكوكب\" (^٣): السجدة واجبة على الأعضاء السبعة الواردة في الحديث عند الشافعية في أظهر قوليه وزفر ورواية لأحمد، وفي\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٩٦).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٤/ ٥٥٥).\n(^٣) \"الكوكب الدري\" (١/ ٢٧٨).","vol":"2","page":920},{"text":"الأخرى له، وبه قال مالك والحنفية: لا يجب غير الوجه، ثم في الوجه هل يجب الجمع بين الجبهة والأنف أم لا؟ مختلف إلى آخر ما فيه.\n\n(١٣٤ -<span data-type='title' id=toc-719> باب السجود على الأنف)</span>\nسيأتي الكلام على الفرق بين هذا الباب والآتي في الباب الآتي.\n\n(١٣٥ -<span data-type='title' id=toc-720> باب السجود على الأنف في الطين)</span>\nفي \"تراجم شيخ المشايخ\" (^١): المقصود بهذا الباب بيان تأكد السجود على الأنف أيضًا؛ لأن النبي - ﷺ - اهتم به حتى لم يتركه في حالة الحرج أعني الطين، ولو لم يكن متأكدًا لتركه في مثل هذه الحالة، انتهى.\nوقال الحافظ (^٢): هذه الترجمة أخص من التي قبلها، وكأنه يشير إلى تأكد أمر السجود على الأنف بأنه لم يترك مع وجود عذر الطين الذي أثر فيه، انتهى. قلت: لا شك أن غرض هذه الترجمة هو ذاك كما جزم به المشايخ، لكن الترجمة السابقة من \"باب السجود على الأنف\" الظاهر منها أن الغرض هو الإشارة إلى الاختلاف في الاكتفاء بالأنف وإلا فلا وجه لها، وتقدم قريبًا اختلاف الأئمة في ذلك.\n\n(١٣٦ -<span data-type='title' id=toc-721> باب عقد الثياب وشدها. . .) إلخ</span>\nاعلم أن الإمام البخاري ترجم بثلاثة أبواب: الأول \"باب عقد الثياب. . .\" إلخ، وأورد عليه أنها من أبواب الثياب ليست في محلها حتى قال بعضهم: إن ذلك من النساخ فذكروا بابين من أبواب الثياب ها هنا، وذكروا ترجمتين من أبواب صفة الصلاة في أبواب الثياب، وهما \"باب إذا لم يتم السجود\" و\"باب يبدي ضبعيه\".\n_________\n(^١) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٢٤٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٩٨).","vol":"2","page":921},{"text":"والأوجه عندي: أن ذلك كله من لطائف البخاري ودقة نظره المعروفة تشحيذًا للأذهان، والغرض من ذكر هذا الباب ها هنا أن ما سيأتي من النهي عن كف الثياب محمول على الأمن من الكشف، أما إذا خاف كشف العورة فلا بد من عقدها لأن الفرض أهم من المستحبات.\nقال الحافظ (^١): قوله: باب عقد الثياب. . . إلخ؛ كأنه يشير إلى أن النهي الوارد عن كف الثياب في الصلاة محمول على غير حالة الاضطرار، ووجه إدخال هذه الترجمة في أحكام السجود من جهة أن حركة السجود والرفع منه تسهل مع ضم الثياب وعقدها لا مع إرسالها وسدلها، أشار إلى ذلك ابن المنيِّر، انتهى.\nوالأوجه عندي: أنه ذكره في أبواب السجود لأن الكشف أقرب في السجود لما فيه من إبداء الضبعين وتجافي اليدين، فكأنه - ﵁ - ذكر الثياب ها هنا مخافة أن لا يبالي أحد بإتمامه اهتمامًا باشتمال الثياب وعدم الكشف، فذكر في الموضعين المسألتين اهتمامًا بهما لئلا يقصر أحد في إحداهما اهتمامًا بالآخر، ثم ذكر الإمام ثانيًا \"باب لا يكف شعره\"، وثالثًا \"باب لا يكف ثوبه. . .\" إلخ، وفرقهما على عادته اهتمامًا بكل واحد منهما.\nقال الحافظ (^٢): المراد بالشعر شعر الرأس، ومناسبة هذه الترجمة لأحكام السجود من جهة أن الشعر يسجد مع الرأس إذا لم يكف أو يلف، وجاء في حكمة النهي عن ذلك أن غرزة الشعر يقعد عليها الشيطان حالة الصلاة، كما جاء في \"سنن أبي داود\"، انتهى.\nثم لا يذهب عليك أن المصنف ذكر في \"باب لا يكف ثوبه\" حديث ابن عباس المذكور في الباب الماضي، وسياق الحديث في البابين على نسق واحد ومع ذلك أطلق الإمام الترجمة الأولى، وقيَّد الثانية بقوله: \"في الصلاة\" ولم أر من نبَّه على ذلك الفرق.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٩٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٩٩).","vol":"2","page":922},{"text":"والأوجه عندي: أن النهي عن كف الشعر عند الإمام مطلق سواء فعله قبل الصلاة أو فيها؛ لكونه معقد الشيطان، والنهي عن كف الثوب عنده مقيد بالصلاة فكأنه مال في ذلك خاصة إلى ما جنح إليه الداودي.\nفقد قال العيني (^١) في \"باب السجود على سبعة أعظم\" تحت قوله - ﷺ -: \"لا يكف شعرًا وثوبًا\": فيه كراهة كف الثوب والشعر، وظاهر الحديث النهي عنه في حال الصلاة، وإليه مال الداودي خلاف ما عليه الجمهور، فإنهم كرهوا ذلك للمصلي سواء فعله في الصلاة أو قبل أن يدخل فيها، واتفقوا على أنه لا يفسد الصلاة، انتهى من هامش \"اللامع\".\n\n(١٣٧ -<span data-type='title' id=toc-722> باب لا يكف شعرًا)</span>\nتقدم الكلام عليه في الباب السابق.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): يعني بذلك أن ما تقدم من جواز عقد الثياب وضمها فإنما هو حيث خاف كشف الستر؛ لأن الفرض أهم، وأما إذا أمن ذلك فإنه لا يكف شعرًا لما فيه من ترك الخشوع والالتفات إلى الغير ومنع الثياب وما يكفه عن السجدة، انتهى.\nوفي \"تراجم شيخ المشايخ\" (^٣): أي: لا يصلي الصلاة بهذه الهيئة؛ لأن المستحب أن يصلي الرجل في الهيئة المعتادة المستحسنة عنده، وهيئة كف الشعر وجمعه وشده على الرأس هيئة غير معتادة للعرب، بل عادتهم إرسال الشعر، وها هنا أسرار دقيقة تضيق عنها نطاق النطق والبيان، انتهى.\n\n(١٣٨ -<span data-type='title' id=toc-723> باب لا يكف ثوبه في الصلاة)</span>\nتقدم الكلام عليه، وفي \"القول الفصيح\" لمولانا فخر الدين أحمد - ﵀ -: ثم في وضع مسألة النهي عن كف الثياب عقيب عقد الثياب\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٤/ ٥٥٧).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٣/ ٣٤٧).\n(^٣) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٢٤٩).","vol":"2","page":923},{"text":"وشدها إيماء إلى أن النهي عن الكف فيما إذا كان الثوب فاضلًا مسترسلًا على البدن، أما إذا كان الثوب ضيقًا لا تستمسك على البدن إلا بالشد والعقد فيه، ولو ترك غير مشدود انكشفت عورته في الركوع أو السجود، فالعقد متعين البتة حتى لا تبدوا عورته، انتهى.\n\n(١٣٩ -<span data-type='title' id=toc-724> باب التسبيح والدعاء في السجود)</span>\nتقدم الكلام على هذه الترجمة فيما تقدم من \"باب الدعاء في الركوع\".\n\n(١٤٠ -<span data-type='title' id=toc-725> باب المكث بين السجدتين)</span>\nأي: الجلوس بين السجدتين قدر الاعتدال وهو ثابت بقوله - ﷺ -: \"ثم سجد ثم رفع رأسه هنية\"، وهل يقرأ بين السجدتين شيئًا من الدعاء؟ مختلف بين العلماء. قال الموفق (^١): المستحب عند أحمد أن يقول بين السجدتين: رب اغفر لي، رب اغفر لي، يكرر ذلك مرارًا، والواجب منه مرة، وقال في موضع آخر: المشهور عن أحمد أنه واجب، وفي رواية أنه غير واجب، وهو قول أكثر الفقهاء، انتهى.\nقلت: ولم يذكر هذا الذكر صاحب \"شرح الاقناع\"، وفي \"البذل\" (^٢) تحت حديث \"وكان يقول بين السجدتين: اللهم اغفر لي\": قال القاري: هو محمول على التطوع عندنا، انتهى.\n\n(١٤١ -<span data-type='title' id=toc-726> باب لا يفترش ذراعيه في السجود. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٣): قال ابن المنيِّر: أخذ لفظ الترجمة من حديث أبي حميد، والمعنى من حديث أنس، وأراد بذلك أن الافتراش المذكور في حديث أبي حميد بمعنى الانبساط في حديث أنس، انتهى.\n_________\n(^١) \"المغني\" (٢/ ٢٠٧).\n(^٢) \"بذل المجهود\" (٤/ ٢٩٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٢/ ٣٠١).","vol":"2","page":924},{"text":"والذي يظهر لي أنه أشار إلى رواية أبي داود، فإنه أخرج حديث الباب بلفظ \"ولا يفترش\" بدل ينبسط، انتهى.\n\n(١٤٢ -<span data-type='title' id=toc-727> باب من استوى قاعدًا. . .) إلخ</span>\nفي \"تراجم شيخ المشايخ\" (^١): المقصود من الباب إصالة إثبات جلسة الاستراحة، وهي التي تكون في الوتر، أي: ما بعد الركعة الأولى أو بعد الثالثة، انتهى.\nوفي هامش \"اللامع\": واختلفوا في النهوض في الفرد هل يقوم على صدور قدميه أو يجلس أولًا ثم يقوم، وإلى الثاني مال الإمام البخاري، وفي \"البذل\" (^٢): قال مالك وأبو حنيفة وأصحابه: ينهض على صدور قدميه ولا يجلس، وبه قال أحمد والمعروف عنه روايتان كما في \"المغني\" (^٣): قال أحمد: أكثر الأحاديث على هذا، أي: لا يجلس، انتهى.\nقال العيني (^٤): في حديث الباب دليل لمذهب الشافعية على ندبية جلسة الاستراحة، انتهى.\nوقال الطحاوي: لو كانت هذه الجلسة مقصودة لشرع لها ذكر مخصوص، انتهى.\n\n(١٤٣ -<span data-type='title' id=toc-728> باب كيف يعتمد على الأرض)</span>\nوهذا السادس من الأبواب المبدوءة بلفظ \"كيف\".\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٥) تحت قوله: \"وإذا رفع رأسه في السجدة الثانية. . .\" إلخ: هذا بيان لكيفية الاعتماد، وأنه بعد رفع الرأس من السجدة\n_________\n(^١) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٢٥٠).\n(^٢) \"بذل المجهود\" (٤/ ٢٨٦).\n(^٣) \"المغني\" (٢/ ٢١٢).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (٤/ ٥٦٧).\n(^٥) \"لامع الدراري\" (٣/ ٣٥٤).","vol":"2","page":925},{"text":"وبعد الجلوس، وأنه على الأرض لا على شيء من جسده فكان موافقًا للترجمة، انتهى.\nوفي هامشه: هذا توجيه لمطابقة الحديث بالترجمة فإنهم أوردوا على الحديث بأنه لا يوافق الترجمة.\nقال الحافظ (^١): إن قيل: ترجم على كيفية الاعتماد، وفي الحديث إثبات الاعتماد فقط، أجاب الكرماني بأن بيان الكيفية مستفاد من قوله: جلس واعتمد على الأرض ثم قام، فكأنه أراد بالكيفية أن يقوم معتمدا عن جلوس لا عن سجود، وقيل: يستفاد من الاعتماد أنه يكون باليد؛ لأنه افتعال من العماد والمراد به الاتكاء وهو باليد، انتهى.\nولا يبعد عندي أن غرض المصنف بالترجمة ليس بيان الكيفية، بل ذكر لفظ \"كيف\" تنبيهًا على اختلافهم في بيان كيفية الاعتماد، وغرض الترجمة إثبات الاعتماد على الأرض عند النهوض كما نبّهت على ذلك في مقدمة \"اللامع\" من أن الإمام البخاري طالما يشير بلفظ \"كيف\" إلى مجرد الاختلاف في الكيفية بدون إثبات الكيفية، ومسألة الاعتماد على الأرض عند النهوض عن السجود أو التشهد أيضًا خلافية شهيرة، والمعروف على ألسنة المشايخ أن الاعتماد على الأرض عند النهوض يستحب عند الشافعي ومالك، ولا يستحب عند الحنفية، وليس كذلك، بل الاعتماد على الأرض مندوب عند الشافعي فقط دون الأئمة الثلاثة.\nذكر صاحب \"السعاية\": ذكر الفقية المالكي ابن أبي زيد في رسالته: تسجد للثانية كما فعلت أولًا، ثم تقوم من الأرض كما أنت معتمدًا على يديك: لا ترجع جالسًا لتقوم من جلوس، انتهى.\nوظاهره أن مذهب مالك في الاعتماد مثل مذهب الشافعي، وفي\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٣٠٣).","vol":"2","page":926},{"text":"الجلسة مثل مذهبنا لكن المشهور المحكي عنه في كتب أصحابنا أن مذهبه فيهما كمذهبنا، انتهى كلام \"السعاية\".\nقلت: وهو كذلك ليس الاعتماد على الأرض مندوبًا مستقلًا عند المالكية، لكن المستحب عندهم في الرفع عن السجدة تقديم الركبتين وتأخير اليدين، فيتوهم من ذلك من توهم أنهم قائلون بندبية الاعتماد على الأرض، ومذهب الحنفية في ذلك ما في \"الدر المختار\" (^١) أنه يكبر للنهوض على صدور قدميه بلا اعتماد وقعود، قال ابن عابدين: قال في الكفاية: أشار به إلى خلاف الشافعي في موضعين: أحدهما: يعتمد بيديه على ركبتيه عندنا، وعنده على الأرض، والثاني: الجلسة الخفيفة، انتهى.\nوقال الموفق (^٢) بعد ذكر القولين لأحمد في جلسة الاستراحة: وعلى كلتا الروايتين ينهض إلى القيام على صدور قدميه معتمدًا على ركبتيه، قال القاضي: لا يختلف قوله، أنه لا يعتمد على الأرض، سواء يجلس للاستراحة أو لا يجلس، وقال مالك والشافعي: السُّنَّة أن يعتمد على يديه في النهوض، انتهى. مختصرًا من هامش \"اللامع\".\n\n(١٤٤ -<span data-type='title' id=toc-729> باب يكبر وهو ينهض من السجدتين)</span>\nقال الحافظ (^٣): ذهب أكثر العلماء إلى أن المصلي يشرع في التكبير أو غيره عند ابتداء الخفض أو الرفع، إلا أنه اختلف عن مالك في القيام إلى الثالثة من التشهد الأول، فروى في \"الموطأ\" عن أبي هريرة وابن عمر وغيرهما \"أنهم كانوا يكبرون في حال قيامهم\"، وروى ابن وهب عنه أن التكبير بعد الاستواء أولى، وفي \"المدونة\": لا يكبر حتى يستوي قائمًا، ووجهه بعض أتباعه بأن تكبير الافتتاح يقع بعد القيام فينبغي أن يكون هذا نظيره من حيث إن الصلاة فرضت أولًا ركعتين ثم زيدت الرباعية فيكون\n_________\n(^١) \"رد المحتار على الدر المختار\" (٢/ ٢١٣).\n(^٢) \"المغني\" (٢/ ٢١٣).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٢/ ٣٠٤).","vol":"2","page":927},{"text":"افتتاح المزيد كافتتاح المزيد عليه، وكان ينبغي لصاحب هذا الكلام أن يستحب رفع اليدين حينئذ لتكمل المناسبة، ولا قائل منهم به، انتهى.\nوقال الحافظ أيضًا: وأما مقصود الباب فالمشهور عن أبي هريرة - ﵁ - أنه كان يكبر حين يقوم ولا يؤخره حتى يستوي قائمًا كما تقدم عن \"الموطأ\"، وأما ما تقدم في \"باب ما يقوم الإمام ومن خلفه\" من حديثه بلفظ: \"وإذا قام من السجدتين قال: الله أكبر\" فيحمل على أن المعنى إذا شرع في القيام، قال ابن المنيِّر: أجرى البخاري الترجمة وأثر ابن الزبير مجرى التبيين لحديثي الباب؛ لأنهما ليسا صريحين في أن ابتداء التكبير يكون مع أول النهوض، انتهى.\nقلت: وهذا الغرض أعني الرد على المالكية هو الأوجه عندي، وما نقل الحافظ من إشكال ابن رشيد من تكرار هذه الترجمة بما سبق \"باب التكبير إذا قام من السجود\"، وبسط الكلام في توجيهه لا يحتاج إليه عندي، وذلك لاختلاف الغرضين في الموضعين، فالغرض ها هنا كما عرفت آنفًا هو الرد على المالكية، والغرض من الباب السابق هو بيان تكبيرات الانتقال كما يظهر من سياق التراجم هناك، وتقدم في الأصول أن الاتحاد في الألفاظ مع اختلاف الأغراض لا يسمى تكرارًا وهو الأصل الثاني والعشرون.\n\n(١٤٥ -<span data-type='title' id=toc-730> باب سُنَّة الجلوس في التشهد)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): وسُنَّته عندنا للرجل في التشهدين غير ما هو سُنَّة للمرأة فيهما.\nوقال العيني (^٢) على قوله: \"جلسة الرجل\": إنه المختار عند الحنفية، ولا يصح هذا إلا إذا أريد بجلسة الرجل جلسته على ما ذهب إليه أصحاب\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٣/ ٣٥٧).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٤/ ٥٧١).","vol":"2","page":928},{"text":"التورك، فإن جلسته عند هؤلاء يقارب جلسة المرأة عندنا، والله أعلم، انتهى.\nوفي هامشه بعد نقل عبارة العيني: والظاهر عندي أن في عبارة العيني سقوطًا من الكاتب لأن ذلك الكلام يخالفه كلام العيني بنفسه فيما سيأتي قريبًا من قوله: وأما جلوس المرأة فهو التورك عندنا، انتهى.\nواعلم أن ها هنا مسألتين: إحداهما: التفريق بين جلسة الرجل والمرأة، فالتفريق بينهما مسلك الحنفية والحنابلة، بخلاف المالكية والشافعية فإنهم لم يفرقوا بينهما، والمسألة الثانية: سُنَّة الجلوس فعندنا الافتراش مطلقًا في جميع الصلوات، والتورك مطلقًا عند مالك، وأما عند الشافعي وأحمد فالجمع بينهما بأن السُّنَّة عند الشافعية في الجلسات بين الصلاة كالحنفية وفي الجلسة الأخيرة كالمالكية، وعند أحمد الافتراش في الجلسات كلها كالحنفية إلا في صلاة فيها تشهدان فيتورك في الثاني منهما، والإمام البخاري ترجم بسُنَّة الجلوس، ولم يحكم في الترجمة بشيء، بل ذكر فيها الروايتين، فالظاهر أن الترجمة على الأصل الرابع من أصول التراجم، ويحتمل أن يكون من الأصل الخامس والثلاثين.\nقال الحافظ (^١): قال ابن المنيِّر: ضمن هذه الترجمة ستة أحكام: وهي أن هيئة الجلوس غير مطلق الجلوس، والتفرقة بين الجلوس للتشهد الأول والأخير وبينهما وبين الجلوس بين السجدتين، وأن ذلك كله سُنَّة، وأن لا فرق بين الرجال والنساء، وأن ذا العلم يحتج بعمله، انتهى.\nقال الحافظ: وهذا الأخير إنما يتم إذا ضم أثر أم الدرداء إلى الترجمة، انتهى.\nوالظاهر عندي أن غرضه من أثرها أن لا فرق بين ذلك في الرجال والنساء كما قال به الشافعية.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٣٠٥).","vol":"2","page":929},{"text":"وفي تقرير المكي: قوله: فقيهة، فعلم أن جلسة الرجل للمرأة أيضًا جائز، وهو الغرض للبخاري، انتهى.\nثم اختلفوا في أن أم الدرداء هذه كبيرة أو صغيرة، أما الكبيرة فهي صحابية اسمها خيرة بنت أبي حدرد، والصغيرة تابعية اسمها هجيمة، واختلفوا أيضًا في أن قوله: \"وكانت فقيهة\" من قول البخاري أو من كلام مكحول إلى آخر ما بسط في هامش \"اللامع\" (^١). فارجع إليه لو شئت.\n\n(١٤٦ -<span data-type='title' id=toc-731> باب من لم ير التشهد الأول واجبًا. . .) إلخ</span>\nاعلم أن الإمام البخاري ترجم للتشهد ثلاثة أبواب، الأول هذا واستدل له بأنه - ﷺ - قام إلى الثالثة ولم يرجع إلى الجلوس، فلو كان فرضًا لا بد من الرجوع إليه وهذا واضح جدًا، ولما كانت المسألة كالإجماعية جزم بالحكم فيها، ولم يلتفت إلى الخلاف لشذوذه، كما بسط في \"الأوجز\" (^٢) من أن التشهدين معًا سُنَّة مؤكدة عند مالك، ولا يذهب عليك أن سجدة السهو عندهم يجب بترك السنن المؤكدة، وعن أحمد الإيجاب فيها، والصواب في مذهبه أن التشهد الأول واجب تبطل الصلاة بتركه عمدًا ويسجد السهو في السهو، والثاني ركن، كما في \"المغني\" (^٣).\nوأما عند الشافعي فالتشهد الثاني عنده من الأركان، والأول من الأبعاض التي تجبر بسجدة السهو، وعندنا الحنفية الثاني واجب، وكذا الأول في ظاهر الرواية، وقيل: الأول سُنَّة، والمعروف [في المتون] الأول، والواجب عندنا ما يجبر بسجدة السهو، إذا عرفت ذلك فظهر لك أن ترجمة الإمام توافق الأئمة الأربعة، فإنه لم يقل أحد منهم: إنه فرض وركن من أركان الصلاة، وما حكي عنهم من الوجوب في ذلك كالحنفية والحنابلة فهو وجوب دون وجوب، فالنفي في الترجمة عن الوجوب الذي\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٣/ ٣٥٩، ٣٦٠).\n(^٢) \"أوجز المسالك\" (٣/ ٤٢٥).\n(^٣) \"المغني\" (٢/ ٢١٧).","vol":"2","page":930},{"text":"بمعنى الفرض، لكن بقي حينئذ أنه إذا لم يكن ركنًا وفرضًا فماذا حكمه؟ فترجم لذلك الترجمة الثانية \"<span data-type='title' id=toc-732>باب التشهد في الأولى</span>\" ولم يفصح في ذلك بحكم على عادته المعروفة، كما في الأصل الخامس والثلاثين لكنه أتى فيها رواية تدل على حكمه، وهو وجوب سجدة السهو وهو مذهب الأئمة الأربعة وإليه ميل البخاري إذ أورد فيه رواية سجود السهو، ثم لما كان حكم التشهد الآخر غير الأول عند الجمهور أفرد له ترجمة ثالثة ولم يذكر فيها أيضًا حكمًا على الأصل المذكور، لكنه ذكرها على نسق الترجمة الثانية إشارة منه إلى أن حكمهما عنده واحد، وأتى فيها رواية ألفاظ التشهد تجديدًا وتكميلًا للفائدة، انتهى ما في هامش \"اللامع\".\n\n(١٤٧ - باب التشهد في الأولى)\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): أي: بيان حكمه إذا تركه المصلي ماذا يفعل؟ والباب المعقود قبل ذلك إنما كان المقصود منه بيان أن التشهد ليس ركنًا للصلاة تفوت بفوته، فلا تكرار، وأيضًا ففي هذا الباب دلالة على أن السجود للسهو واحد لا يتكرر بتكرر السهو، وترك الواجبين، فإن التشهد لما كان واجبًا والقعدة الأولى واجبًا وبتركهما لم يسجد إلا سجدتين لا أربعًا علم أن السجود غير متكرر بتكرر السهو، ولو عقد الباب لهذا لكان أبعد من توهم التكرار، انتهى.\nقلت: هو واضح لكن الباب حينئذ يكون من أبواب السهو الآتية بعد ذلك، لا من أبواب صفة الصلاة، فالظاهر من محل التبويب أن المقصود هو الذي تقدم في كلام الشيخ قُدِّس سرُّه، وعلى ما اخترته كما تقدم في الباب السابق لا إشكال في التراجم الثلاثة، ولا شائبة للتكرار فيها، انتهى.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٣/ ٣٦٣).","vol":"2","page":931},{"text":"(١٤٨ -<span data-type='title' id=toc-733> باب التشهد في الآخرة)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): دلالة الرواية عليه من حيث إن المذكور فيها غير مقيد بالأولى والآخرة فلا يتقيد بشيء منهما، بل يثبت في كل جلسة ثبتت عنه - ﷺ - طويلة، انتهى.\nوقد عرفت فيما سبق غرض الإمام البخاري بإفراد هذه الترجمة عندي الإشارة إلى اختلافهم في حكم التشهدين، وذكر ألفاظ التشهد فيه تجديدًا للفائدة ولا تختص هذه الألفاظ بالأخير، بل يعم التشهدين، ومع ذلك تقييد الإمام البخاري الترجمة بالتشهد الأخير إشارة إلى بعض طرقه على الأصل الحادي عشر، وذكر تشهد ابن مسعود في هذا الباب مصير منه إلى اختياره، انتهى.\n\n(١٤٩ -<span data-type='title' id=toc-734> باب الدعاء قبل السلام)</span>\nكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٢): أشار بزيادة لفظ: \"قبل السلام\" إلى أن الدعاء لم يثبت إلا في القعدة الأخيرة، وإن كان المذكور في الرواية مطلقًا، انتهى.\nوفي هامشه: قال الكرماني (^٣): الحديث يدل على أن الدعاء كان في الصلاة فدلالته على الترجمة من حيث إن لكل مقام ذكرًا مخصوصًا، فيتعين أن يكون مقامه بعد الفراغ عن الكل، وهو آخر الصلاة، أو علم من مثل الحديث الذي في الباب بعده، انتهى.\nوتعقب عليه الحافظ (^٤): بأن ما قال الكرماني من أن لكل مقام ذكرًا فيه نظر؛ لأن التعين الذي ادعاه لا يختص بهذا المحل إلى أن قال: والذي يظهر لي أن البخاري أشار إلى ما ورد في بعض طرق الحديث تعيينه بهذا\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٣/ ٣٦٩).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٣/ ٣٧١).\n(^٣) \"شرح الكرماني\" (٥/ ١٨٥).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٢/ ٣١٨).","vol":"2","page":932},{"text":"المحل، فقد وقع في بضع طرق حديث ابن مسعود بعد ذكر التشهد \"ثم ليتخير من الدعاء ما شاء\"، انتهى مختصرًا.\nوعلى هذا فيكون الترجمة من الأصل الحادي عشر، وقال النووي: استدلال البخاري صحيح؛ لأن قوله: \"في صلاتي\" يعم جميعها، فمن مظانها هذا الموطن، انتهى.\nقلت: وهذا هو الأصل الخمسون من أصول التراجم.\nقال الحافظ (^١): ويحتمل أن يكون سؤال أبي بكر - ﵁ - عن ذلك كان عند قوله لما علمهم التشهد: \"ثم ليتخير من الدعاء ما شاء\"، ومن ثم أعقب المصنف الترجمة بذلك، انتهى.\nيعني: ومن ثم ذكر البخاري بعد ذلك \"<span data-type='title' id=toc-735>باب ما يتخير من الدعاء بعد التشهد</span>\"، انتهى. إلى آخر ما بسط في هامش \"اللامع\".\n\n(١٥٠ - باب ما يتخير من الدعاء بعد التشهد)\nتقدم بعض ما يتعلق بهذا الباب في الباب السابق.\nقال الحافظ (^٢): يشير إلى أن الدعاء السابق في الباب الذي قبله لا يجب، وإن كان قد ورد بصيغة الأمر، وأفرط ابن حزم فقال بوجوبها في التشهد الأول أيضًا، ثم لا يذهب عليك أن الإمام البخاري رحمه الله تعالى لم يترجم بعد التشهد بابًا للصلاة على النبي - ﷺ - ولم يذكر في هذا الباب أيضًا حديثًا يتعلق بها، ولا يقال: إن حديثها لم يكن على شرطه، فإنه يترجم بها في \"كتاب الدعوات\"، ويذكر فيه حديث كعب بن عجرة، وفيه صلاة التشهد، وأخرج أيضًا بمعناه حديث الخدري اللَّهم إلا أن يقال: إنها ليست بواجبة عنده في الصلاة، فهي داخلة في عموم الأدعية في الصلاة، وذكرها ها هنا كان يوهم الإيجاب، والمسألة خلافية شهيرة بين الأئمة، قال\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٣٢٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٣٢٠).","vol":"2","page":933},{"text":"الموفق (^١): الصلاة في التشهد واجبة في صحيح المذهب، وهو قول الشافعي، وعن أحمد: أنها غير واجبة، وهذا قول مالك والشافعي (^٢) وأصحاب الرأي، قال ابن المنذر: هو قول جل أهل العلم إلا الشافعي، انتهى.\n\n(١٥١ -<span data-type='title' id=toc-736> باب من لم يمسح جبهته وأنفه حتى صلى)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): الظاهر أن المراد إثبات أن المسح وعدمه كلاهما جائز، ويمكن أن يكون القصد إثبات عدم الجواز بمعنى أن الترك على حاله هو الأولى، والمعنى على الأول: باب من لم ير المسح سُنَّة، وعلى الثاني: باب من لم ير المسح مكروهًا، والرواية يمكن الاستدلال بها على كل من المرامين، انتهى.\nوفي هامشه: قال ابن المنيِّر ما حاصله: ذكر البخاري المستدل ودليله ووُكّل الأمر فيه لنظر المجتهد هل يوافق الحميدي أو يخالفه، وإنما فعل ذلك لما يتطرق إلى الدليل من الاحتمالات؛ لأن بقاء أثر الطين لا يستلزم نفي مسح الجبهة، إذ يجوز أن يكون مسحها وبقي الأثر بعد المسح، ثم بعد ذكر عدة احتمالات قال: وفي قوله: رأيت الحميدي. . . إلخ، إشارة إلى أنه يوافقه على ذلك، ومن ثم لم يتعقبه، انتهى.\nقلت: في قوله: إشارة إلى أنه يوافقه. . . إلخ، أن المعروف في أصول التراجم أن الترجمة من باب من قال كذا، إشارة إلى أن المصنف لم يره، وقد تقدم ما فيه في أصول التراجم، فمجرد ذكره قول الحميدي ليس بحجة على أنه وافقه لاحتمال أنه ذكر قوله لبيان من في الترجمة كما أشار إليه ابن المنيِّر من أن الإمام ذكر المستدل وهو الحميدي ودليله، ووكّل\n_________\n(^١) \"المغني\" (٢/ ٢٢٨، ٢٢٩).\n(^٢) كذا في الأصل، وفي \"الشرح الكبير\" بدله: \"الثوري\" وهو الصحيح (ز).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٣/ ٣٧٨).","vol":"2","page":934},{"text":"الأمر فيه إلى المجتهد، وتقدم في \"باب السجود على الأنف في الماء والطين\" اختلاف الأئمة في ذلك، انتهى.\n\n(١٥٢ -<span data-type='title' id=toc-737> باب التسليم)</span>\nقال الحافظان (^١) ابن حجر والعيني: أي: في آخر الصلاة، وإنما لم يشر إلى حكمه هل هو واجب أم سُنَّة؟ لوقوع الاختلاف فيه، لتعارض الأدلة.\nقال العيني: واختلف العلماء في هذا، فقال مالك والشافعي وأحمد: إذا انصرف المصلي من صلاته بغير لفظ التسليم فصلاته باطلة، وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد إلى أن التسليم ليس بفرض حتى لو تركه لا تبطل صلاته، انتهى مختصرًا.\n\n(١٥٣ -<span data-type='title' id=toc-738> باب يسلم حين يسلم الإمام. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٢): قال ابن المنيِّر: ترجم بلفظ الحديث، وهو محتمل؛ لأن يكون المراد أنه يبتدأ السلام بعد ابتداء الإمام له، فيشرع فيه قبل أن يتمه الإمام، ويحتمل أن يكون المراد أن المأموم يبتدأ السلام إذا أتمه الإمام، فلما كان محتملًا للأمرين وكل النظر فيه إلى المجتهد، انتهى.\nقال الحافظ: ويحتمل أن يكون أراد أن الثاني ليس بشرط؛ لأن اللفظ يحتمل الصورتين، فأيهما فعل المأموم جاز، وكأنه أشار إلى أنه يندب أن لا يتأخر المأموم في سلامه بعد الإمام متشاغلًا بدعاء وغيره، ويدل عليه ما ذكره من أثر ابن عمر، انتهى.\nوبهذا الأخير جزم العلامة العيني (^٣) وقال: في هذا عن أبي حنيفة روايتان، في رواية: يسلم بعد سلام إمامه، وفي رواية: يسلم مع الإمام،\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٣٢٢)، و\"عمدة القاري\" (٤/ ٥٩٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٣٢٣).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٤/ ٦٠٠).","vol":"2","page":935},{"text":"وقال الشافعي: يسلم بعد فراغ الإمام من التسليمة الأولى، انتهى.\nقلت: وقد تقدم حكم المتقدم على الإمام في \"باب متى يسجد من خلف الإمام\" وتقدم هناك أن المشهور عن المالكية أن المقارنة في السلام مفسدة، وعند الشافعي وأحمد مكروه.\n\n(١٥٤ -<span data-type='title' id=toc-739> باب من لم يرد السلام على الإمام)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): يمكن أن يكون المراد بذلك بيان حكم من لم ينو الإمام بتسليمته، واكتفى بلفظ التسليمة، وتخصيص الإمام بالذكر لأن من تركه فهو لمن سواه أترك، فصار المعنى أن من لم ينو في تسليمته أحدًا واكتفى بمجرد اللفظ ولم يفهم المراد به ولا عين المسلم عليه فماذا حكمه؟ ثم أثبت بإطلاق الرواية وعدم تقييد التسليم فيها بشيء من النيات وغيرها أن صلاته جائزة لا تفسد، وأما أنه هل ترك بذلك سُنَّة أو مستحبًا؟ فأمر آخر غير متعرض به ها هنا، والله أعلم، ولعل معنى قوله: واكتفى بتسليم الصلاة على هذا التقدير أنه لم ينو بتسليمته إلا الخروج من الصلاة لا غير، انتهى.\nوفي هامشه: غرض الترجمة عندي واضح لا غبار عليه، والعجب أن المشايخ والشرَّاح اختلفوا في غرضه على أقوال مع وضوح غرض البخاري بذلك، وهو أنه أراد الرد على من قال بتسليمة ثالثة ردًا على الإمام لرواية أبي داود (^٢): عن سمرة قال: أمرنا النبي - ﷺ - أن نرد على الإمام، وأخرج مالك في \"الموطأ\" عن ابن عمر - ﵄ -: أنه إذا قضى تشهده، وأراد أن يسلم قال: السلام عليكم عن يمينه، ثم يرد على الإمام فإن سلم عليه أحد عن يساره رد عليه، وبسط في \"الأوجز\" (^٣): أن مذهب الإمام مالك وحدة السلام للإمام والفذ تلقاء وجهه وتثليث السلام للمأموم، انتهى.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٣/ ٣٨١).\n(^٢) \"سنن أبي داود\" (١٠٠١).\n(^٣) \"أوجز المسالك\" (٢/ ٢٥٠).","vol":"2","page":936},{"text":"وقال الحافظ (^١): أورد البخاري فيه حديث عتبان واعتماده فيه على قوله: \"وسلمنا حين سلم\" فإن ظاهره أنهم سلموا نظير سلامه، وسلامه إما واحدة، وهي التي يتحلل بها من الصلاة، وإما هي وأخرى معها، فيحتاج من يستحب تسليمة ثالثة على الإمام بين التسليمتين - كما تقوله المالكية - إلى دليل خاص، وإلى رد ذلك أشار البخاري، وقال ابن بطال: أظنه قصد الرد على من يوجب التسليمة الثانية، وقد نقله الطحاوي عن الحسن، وفي هذا الظن بعد، انتهى.\nقلت: والبعد ظاهر، فإن التسليمتين ثبتا من فعله - ﷺ - في روايات عديدة ذكرها العيني (^٢) عن عشرين صحابيًا، فكيف يمكن أن يرد عليه البخاري، وأعجب منه ما قال الكرماني (^٣): يحتمل أن يراد به التسليمة الأولى التي بها تحلل الصلاة، وأن يراد ما في التحيات من \"سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين\" المتناول للإمام، انتهى.\nفإنه لا تعلق له بالترجمة بقوله: \"باب من لم يرد السلام\" اللَّهم إلا أن يقال: إنه أثبتها بعدم ذكر الثالث واكتفى في العمل على رواية أبي داود المذكورة بالتسليمة الأولى في الصلاة أو بتسليمة التحيات، انتهى.\n\n(١٥٥ -<span data-type='title' id=toc-740> باب الذكر بعد الصلاة)</span>\nسكتوا عن غرض المصنف بذلك، ويحتمل عندي أن يكون غرضه الرد على من كره الفصل بين المكتوبات والرواتب بالأوراد، وحمل الروايات الواردة في ذلك على الفراغ من الرواتب كما بسط البحث في ذلك شارح \"المنية\" وغيره، ويحتمل أيضًا في غرض الترجمة أنه أراد بذلك دفع ما توهم به بعض الخلف من أن الأدعية الواردة في دبر الصلاة محمولة على ما قبل السلام، قال ابن القيم: دبر الصلاة يحتمل قبل السلام وبعده، وكان\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٣٢٣).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٤/ ٦٠١).\n(^٣) \"شرح الكرماني\" (٥/ ١٨٩).","vol":"2","page":937},{"text":"شيخنا يرجح أن يكون قبل السلام فراجعته فقال: دبر كل شيء منه كدبر الحيوان، انتهى.\nولذا ترجم الإمام بلفظ الذكر بعد الصلاة، وأورد فيه حديث الدبر أيضًا تنبيهًا على أن المراد منه بعد الصلاة، ويحتمل أيضًا أن الإمام أشار بلفظ الذكر في الترجمة وإيراده حديث ابن عباس - ﵄ - بلفظ التكبير إلى أن المراد منه مطلق الذكر لا تخصيص التكبير، ولذا فسَّر الكرماني قول ابن عباس في الحديث بالتكبير، أي: بذكر الله، انتهى من هامش \"اللامع\".\nوبسط فيه الكلام على حديث الباب أشد البسط، ومما يجب التنبيه عليه أن رفع الأيدي في الدعاء بعد الصلوات المكتوبة أنكره بعض العلماء وليس بوجيه، فإنه ثابت في الروايات الكثيرة كما بسط في \"إعلاء السنن\" للشيخ التهانوي، و\"آثار السنن\" للعلامة النيموي ومحمد الزبيدي في \"رسالة رفع اليدين بعد الصلاة\" المطبوعة على آخر \"المنتقى\" طبع في الهند، ولشيخنا التهانوي فيها رسالة وجيزة مسماة بـ \"استحباب الدعوات عقيب الصلوات\" وفيها عن ابن السني في \"عمل اليوم والليلة\" (^١) برواية أنس مرفوعًا: \"ما من عبد يبسط كفيه في دبر كل صلاة يقول: اللَّهم\" الحديث، وفيها عن \"ميزان الاعتدال\" أنه حديث ضعيف، لكنه يعمل به في الفضائل، ويقويه ما أخرجه ابن أبي شيبة (^٢) في \"مصنفه\" عن الأسود العامري عن أبيه قال: \"صليت مع رسول الله - ﷺ - الفجر فلما سلم انحرف ورفع يديه ودعا\" الحديث، ولا يخفى أن أئمة الحديث ذكروا أن رواية الضعيف مع الضعيف توجب الارتفاع من درجة السقوط إلى درجة الاعتبار.\nوقال السيوطي في \"فض الوعاء في أحاديث رفع اليدين في الدعاء\": وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الله بن الزبير في حديث طويل \"أن رسول الله - ﷺ - لم يكن يرفع يديه حتى يفرغ من صلاته\" رجاله ثقات، انتهى.\n_________\n(^١) \"عمل اليوم والليلة\" (١٣٨).\n(^٢) \"مصنف ابن أبي شيبة\" (١/ ٣٠٢).","vol":"2","page":938},{"text":"وذكر فيها أقوال العلماء عن نصوص الأئمة الأربعة ثم قال: فتحصل من ذلك كله أن الدعاء دبر الصلوات مسنون ومشروع في المذاهب الأربعة.\nقوله: (لعهد رسول الله - ﷺ -) ومثله يعد مرفوعًا عند الشيخين والجمهور خلافًا لمن أوقفه، كذا قال الحافظ (^١)، ثم رفع الصوت بالذكر لم يقل به أحد من الأئمة أو الفقهاء إلا ابن حزم، وأوله الشافعي بأنه كان للتعليم، كذا في هامش \"الهندية\".\n\n(١٥٦ -<span data-type='title' id=toc-741> باب يستقبل الإمام. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): أراد بذلك إثبات أن ذلك جائز لا ضير فيه، وأما إثبات المداومة عليه وأنه السُّنَّة فغير مقصود ها هنا وإن كان صحيحًا في نفسه، انتهى.\nوفي هامشه: ترجم الإمام بأربع تراجم مسلسلة، كلها يتعلق بمسألة واحدة، وهي مسألة الجلوس بعد الصلاة، فترجم أولًا \"باب يستقبل الإمام الناس إذا سلم\" وأشار بذلك إلى جوازه كما اختاره الشيخ، أو إلى ندبه كما اختاره بعض المشايخ، ولعل الشيخ قُدِّس سرُّه اختار الجواز؛ لأن الإمام إذ ذاك مخير بين الاستقبال إلى الناس والتحول إلى اليمين أو الشمال كما سيأتي مفصلًا فلا ترجيح لإحدى الصور على الأخرى.\nوفي تقرير المكي: ليس المراد به الانصراف للدعاء بعد الصلاة لا يكون بعدها سُنَّة، فإنه لم يكن باستقبال الناس، بل بالانصراف إلى الأيمن أو الأيسر، وما جاء فيه من لفظ الاستقبال فالمراد به الانصراف مجازًا لأن في الانصراف أيضًا بعض الاستقبال، بل المراد به - أي: في الباب - الاستقبال التام إلى الناس بعد الصلاة لأمر كالوعظ والترغيب في شيء أو نحوه، انتهى. وهذا هو الأوجه عندي، ثم بسط فيه الكلام في\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٣٢٥).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٣/ ٤٠٠).","vol":"2","page":939},{"text":"حكمة الاستقبال وكيفية الانحراف من الشروح وكتب الفقه، وفيه: وعلم من هذا كله أن الإمام عند جمهور العلماء مخير في الجلوس بعد الصلاة سواء يجلس مستقبل القوم أو على يمينه أو يساره، والثالث أرجح عند الحنفية كما في \"العيني\" عن \"التوضيح\"، والثاني عند أكثر الشافعية كما في \"الفتح\" وهو مختار الإمام أحمد، انتهى من هامش \"اللامع\" مختصرًا.\n\n(١٥٧ -<span data-type='title' id=toc-742> باب مكث الإمام في مصلَّاه بعد السلام)</span>\nوهذه الترجمة هي الثانية من التراجم الأربعة.\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): قصد بذلك إثبات أن ما ورد في النهي عنه فإنما هو تنزه وأدب، ومع ذلك فلو صلى هناك فإن صلاته جائزة صحيحة، والاستدلال بالرواية على هذا المدعى ظاهر، انتهى.\nوفي هامشه: حاصل ما أفاده الشيخ أن التطوع في موضع الفرض جائز لا بأس به، وما ورد من النهي أدب وبيان للأولى، وعلى هذا فالترجمة مستأنفة لا تعلق لها بما سبق.\nوالأوجه عند هذا العبد الضعيف: أنها متعلقة بما سبق كالثالثة والرابعة، والغرض أن ما تقدم من استقبال القوم ليس بواجب حتى لو مكث على حاله مستقبل القبلة فهو جائز، وعلى هذا ذكر التطوع في مكانه استطراد؛ لأنه أيضًا يكون مستقبل القبلة.\nوشرح الحافظ هذه الترجمة بوجه آخر، إذ قال (^٢): \"باب مكث الإمام. . .\" إلخ، أي: بعد استقبال القوم، فيلائم ما تقدم، ثم إن المكث لا يتقيد بحال من ذكر أو دعاء أو تعليم أو صلاة نافلة، ولهذا ذكر في الباب مسألة تطوع الإمام في مكانه، انتهى.\nوأنت خبير بأن تقدير المكث بعد الانحراف بهذا المقدار مشكل، فإن\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٣/ ٤٠٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٣٣٥).","vol":"2","page":940},{"text":"الوارد في الروايات من الأدعية دبر الصلاة يزيد على هذا المقدار بكثير، انتهى.\nوقال العيني (^١): هذا باب في بيان مكث الإمام، ولم يبيِّن البخاري حكمه، هل هو مستحب أو مكروه؟ لأجل الاختلاف فيه بين السلف، فأكثر العلماء على كراهته إلا أن يكون مكثه لعلة، وهو قول الشافعي وأحمد، وقال أبو حنيفة: كل صلاة يتنفل بعدها يقوم، وما لا يتنفل بعدها كالعصر والصبح فهو مخير، وقال أبو محمد من المالكية: ينتقل في الصلوات كلها ليتحقق المأموم أنه لم يبق عليه شيء من سجود السهو ولا غيره، انتهى.\nثم التطوع في المكان الذي صلَّى فيه الفريضة ظاهر صنيع البخاري أنه لا بأس بذلك عنده.\nقال العيني (^٢): الجمهور على أن الإمام لا يتطوع في مكانه الذي صلى فيه الفريضة، وكرهه ابن عمر للإمام ولم ير به بأسًا لغيره، وعن القاسم: أن الإمام إذا سلم فواسع أن ينتقل في مكانه، وذكر ابن التين أنه قول أشهب، انتهى من هامش \"اللامع\" مختصرًا.\n\n(١٥٨ -<span data-type='title' id=toc-743> باب من صلَّى بالناس فذكر حاجته فتخطاهم)</span>\nهذه هي الثالثة من التراجم الأربعة.\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): أثبت بذلك أن النهي عن التخطي في الجمعة وغيرها سواء، وأن المنهي عنه ما إذا وجد بدًّا منه وكان في غير حاجة، وأما عند الحاجة فلا، انتهى.\nوفي هامشه: ما أفاده الشيخ واضح وظاهر، والغرض على ما اخترته فيما سبق أنها أيضًا متعلقة بما سبق أن المكث المذكور سواء كان مستقبلًا للقوم أو منحرفًا إلى جهة ليس بواجب، بل مندوب إن لم تكن له حاجة،\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٤/ ٦٢٢).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٤/ ٦٢٣).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٣/ ٤١٢).","vol":"2","page":941},{"text":"فإن كانت يجوز له الخروج من المسجد سريعًا، وذكر التخطي في الترجمة لمزيد إفادة، وهي التي ذكرها الشيخ قُدِّس سرُّه من أن النهي عنه مقيد بعدم الاضطرار إليه، وهو مختار الحافظين (^١) ابن حجر والعيني إلى آخر ما بسط في هامش \"اللامع\".\n\n(١٥٩ -<span data-type='title' id=toc-744> باب الانفتال والانصراف. . .) إلخ</span>\nهذه هي الرابعة من التراجم الأربعة.\nاختلف العلماء في أن المراد بذلك الذهاب إلى حاجته أو الجلوس في المسجد منحرفًا إلى اليمين والشمال والخلاف في ذلك وسيع، وما يظهر لي أن عامة الفقهاء حملوها على الجلوس بعد الصلاة ولذا سووا بين الصور الثلاثة من الاستقبال والتحول يمينًا وشمالًا، ولا يبعد أن الإمام ترجم له مستقبلًا لذلك الاختلاف، فالغرض عندي أن الاستقبال المذكور فيما سبق ليس بمتعين، بل لو شاء جلس منحرفًا إلى اليمين أو الشمال لكنهم لما اختلفوا في المراد بالانصراف ترجم له بترجمة مستقلة، والقرينة على ما اخترته أن الإمام البخاري جمع في الترجمة بين الانفتال والانصراف، فكأنه أشار إلى أن المراد بالانصراف ها هنا هو الانفتال وهو الانحراف جالسًا، كما يشير إليه حديث أبي داود (^٢): أنه - ﷺ - سلَّم عن يمينه وعن يساره ثم انفتل كانفتال أبي رمثة، فقام الرجل الذي أدرك معه التكبيرة الأولى، الحديث، وهذا كالنص على أن هذا الانفتال كان جالسًا لا ذاهبًا إلى بيته، وعلى ذلك حمل الشيخ ابن تيمية أحاديث الانصراف إذ ترجم أولًا \"باب الانحراف بعد السلام وقدر اللبث بينهما\" إلى آخر ما بسط في هامش \"اللامع\".\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (٢/ ٣٣٧)، و\"عمدة القاري\" (٤/ ٦٢٧).\n(^٢) \"سنن أبي داود\" (ح: ١٠٠٧).","vol":"2","page":942},{"text":"(١٦٠ -<span data-type='title' id=toc-745> باب ما جاء في الثوم النّي والبصل)</span>\nها هنا عدة أبحاث:\nالأول: في ذكر هذه الترجمة ها هنا دون أبواب المساجد.\nقال الحافظ (^١): هذه الترجمة والتي بعدها من أحكام المساجد، وأما التراجم التي قبلها فكلها من صفة الصلاة لكن مناسبة هذه الترجمة من جهة أنه بنى صفة الصلاة على الصلاة في الجماعة، ولهذا لم يفرد ما بعد \"كتاب الأذان\" بكتاب؛ لأنه ذكر فيه أحكام الإقامة ثم الإمامة ثم الصفوف ثم الجماعة ثم صفة الصلاة، فلما كان ذلك كله مرتبطًا بعضه ببعض واقتضى فضل حضور الجماعة بطريق العموم ناسب أن يورد فيه من قام به عارض كأكل الثوم، ومن لا يجب عليه ذلك كالصبيان، ومن تندب له في حالة دون حالة كالنساء، فذكر هذه التراجم فختم بها صفة الصلاة، انتهى.\nوالأوجه عندي: أن الإمام البخاري ذكر هذه الأبواب بمنزلة مسائل شتى في آخر أبواب الصلاة، ولما كانت هذه الأبواب متضمنة لمسائل عديدة من الصلاة وغيرها أفردها بالذكر.\nوالبحث الثاني: أن الإمام ذكر في هذا الباب مسألتين: أولاهما: بقوله: \"ما جاء في الثوم النّي. . .\" إلخ، وأشار بذلك عندي إلى الاختلاف في جواز أكل هذه الأشياء، وهذه المسألة لم تكن من باب الصلاة، لكنه ذكرها تبعًا للمسألة الآتية لاستنباطهما من أحاديث الباب ولذا جمعهما في باب، وأفرده عما سبق.\nقال الكرماني (^٢): الثوم ونحوه من البقول حلال بالإجماع، وحكي تحريمها عن أهل الظاهر؛ لأنها تمنع من حضور الجماعة وهي عندهم فرض عين إلى آخر ما بسط في هامش \"اللامع\".\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٣٣٩).\n(^٢) \"شرح الكرماني\" (٥/ ٢٠٠).","vol":"2","page":943},{"text":"والمسألة الثانية: التي أشار إليها في الترجمة بقوله: \"وقول النبي - ﷺ -. . .\" إلخ، أيضًا خلافية، وكان منشأ الخلاف اختلافهم في المراد بقوله: \"سجدنا\" فذكره بعينه في الترجمة، وفي \"الكرماني\" عن النووي: مذهب بعض العلماء أن النهي خاص بمسجده - ﷺ -، والجمهور على أنه عام لكل مسجد، انتهى.\nوالبحث الثالث: أن الإمام ذكر في الترجمة الكراث أيضًا وليس له ذكر في الحديث.\nقال الحافظ (^١): أشار به إلى ما وقع في بعض طرق حديث جابر - ﵁ - فقد رواه مسلم (^٢) من رواية يحيى القطان عن ابن جريج بلفظ: \"من أكل من هذه البقلة الثوم\"، وقال مرة: \"من أكل الثوم والبصل والكراث\" وهذا أولى من قول بعضهم: إنه قاسه على البصل، ويحتمل أن يكون استنبط الكراث من عموم الخضراوات، فإنه يدخل فيها دخولًا أوليًّا لأن رائحته أشد.\nالبحث الرابع: أنه ذكر في الترجمة من الجوع أو غيره.\nقال الحافظ (^٣): لم أر التقييد بالجوع وغيره صريحًا، لكنه مأخوذ من كلام الصحابي في بعض طرق حديث جابر عند مسلم (^٤): بلفظ: \"فغلبتنا الحاجة\" الحديث، انتهى.\nوعلى هذا فغرض الترجمة أنه إذا منع عنها في حالة الجوع والحاجة فغيرهما بالأولى، أو يقال: إن الإمام البخاري أشار بذلك إلى عموم روايات الباب لا يختص بحاجة وغيرها فتكون الترجمة من الأصل الخمسين، وعلى ما اختاره الشرَّاح تكون مركبة من الأصل الحادي عشر والتاسح عشر إلى آخر ما بسط في هامش \"اللامع\".\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٣٣٩).\n(^٢) \"صحيح مسلم\" (ح: ٥٦٤).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٢/ ٣٤٠).\n(^٤) \"صحيح مسلم\" (ح: ٥٦٤).","vol":"2","page":944},{"text":"(١٦١ -<span data-type='title' id=toc-746> باب وضوء الصبيان. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): \"قوله: وضوء الصبيان\"، أي: إنه ثابت سُنَّة وإن لم يكن واجبًا عليهم، والحجة عليه قوله: \"فقمت وتوضأت\" وغير ذلك \"ومتى يجب عليهم الغسل والطهور\". والحجة عليه قوله: \"على كل محتلم\". \"وحضورهم الجماعة العيدين والجنائز\" أورده دفعًا لما يتوهم من قوله - ﷺ -: \"جنبوا مساجدكم الصبيان\" الحديث، أن الصبيان لا يجوز لهم حضور المسجد والمصلى وغيرهما لأن حضورهم لا بأس به إذا وقع الأمن من التلويث، والحجة عليه الرواية الأولى والرابعة والخامسة والسادسة، وكل ذلك بَيّن بأدنى تفكر. \"وصفوفهم\" أي: وهذا باب في بيان صفوفهم كيف هي، والحجة عليه قوله: \"فصففت عليه أنا واليتيم\"، وقول ابن عباس: دخلت في الصف، انتهى.\nوبسط الكلام على ذلك في هامش \"اللامع\" أشد البسط، وفيه: أن هذا الباب أيضًا عندي من مسائل شتى، ولذا أفرده عما سبق، ولذا ذكر فيه مسائل شتى من وضوئهم وحضورهم الجماعة وغير ذلك.\nقال العيني (^٢): الترجمة مركبة من ستة أجزاء، انتهى.\nقلت: هذا إذا عد قوله: \"ومتى يجب عليهم الغسل والطهور\" واحدًا، والظاهر أنهما اثنان، والمراد من الطهور الوضوء لتقابله بالغسل، فتكون الترجمة مركبة من سبعة أجزاء.\nوقوله: \"وصفوفهم\". الأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن الإمام البخاري أشار بذلك إلى مسألة خلافية، وهي التي أشار إليها الشيخ قُدِّس سرُّه بقوله: كيف صفوفهم، فإنهم اختلفوا في الصبيان هل يجعل لهم\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٣/ ٤٢٤).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٤/ ٦٣٨).","vol":"2","page":945},{"text":"صفوف مستقلة أو يدخلون في صفوف الرجال؟ قال الشعراني: قول الشافعي مع قول مالك إنه يقف خلف الإمام الرجال ثم الصبيان ثم الخناثى ثم النساء، وبعض أصحاب الشافعي على أن يقف بين كل رجلين صبي ليتعلم الصلاة منهم، انتهى إلى آخر ما بسط الاختلاف من كتب الفروع في هامش \"اللامع\".\n\n(١٦٢ -<span data-type='title' id=toc-747> باب خروج النساء إلى المساجد. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): فيه دلالة على أن جواز خروجهن مقيَّد بعدم الفتنة كيف ما كان، فلما كان الغلس والليل سببين لارتفاع الفتنة جاز خروجهن فيهما، فإذا كانتا سببين للفتنة كما نشاهده في زماننا لم يجز الحضور فيهما أيضًا، انتهى.\nقال العيني (^٢): لما كان في هذا الباب خلاف بين الأئمة لم يجزم البخاري بنفي ولا إثبات، انتهى.\nقلت: تقييد الإمام البخاري الترجمة بالليل والغلس يشير إلى جواز خروجهن بهذا القيد، ولذا قالت الشرَّاح: إن الإمام أشار بالترجمة إلى أن المطلق من الروايات في هذا الباب مقيد بذلك القيد واستنبط منه الشيخ قيد عدم الفتنة، هو لطيف جدًا، وموافق لما اختاره جمهور الفقهاء من المنع عن خروجهن في هذا الزمان مطلقًا لما نشاهده من الفتن الشهيرة إلى آخر ما بسط في هامش \"اللامع\" من اختلاف العلماء في هذه المسألة من كتب الفروع والشروح.\n\n(١٦٤ -<span data-type='title' id=toc-748> باب صلاة النساء خلف الرجال)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): يعني بذلك أن مقامهم خلف مقام\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٣/ ٤٣٢).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٤/ ٦٤٦).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٣/ ٤٣٨).","vol":"2","page":946},{"text":"الرجال، ودلالة الرواية على الترجمة في لفظ: \"قبل أن يدركهن\"، فإن انصراف النساء قبل أن يدركهن الرجال لا يمكن إلا وهن خلفهم، فلو كن متقدمات أو متوسطات لم يتصور ذلك، انتهى.\nقال العيني (^١): غرض الترجمة بيان أن صلاة النساء خلف صفوف الرجال؛ لأن مبنى أمرهن على الستر وتأخرهن من الرجال أستر لهن إلى آخر ما قال.\nقلت: وعلى هذا يكون الباب من الأصل الحادي والأربعين إشارة إلى ما ورد: \"أخروهن من حيث أخرهن الله\" وهو الأوجه عندي.\nوقال السندي (^٢): المراد قيامهن في الجماعة خلف صفوف الرجال، ويحتمل أن يقال: المراد اقتداؤهن بالرجال في الصلاة، ولعل هذا هو توجيه ذكر هذا الباب مرتين في الكتاب كما في بعض النسخ، فيحمل مرة على تأخر الصف ومرة على صحة الاقتداء، انتهى مختصرًا.\nقلت: والتكرار في نسخة الكرماني، ولم يتعرض لذلك الحافظان ابن حجر والعيني، نعم تعرض له القسطلاني إلى آخر ما في هامش \"اللامع\".\n\n(١٦٥ -<span data-type='title' id=toc-749> باب سرعة انصراف النساء من الصبح. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): هذا مشير أيضًا إلى منعهن منه عند الفتنة، انتهى.\nوفي هامشه: هذا أيضًا عندي من الأصل الحادي والأربعين، أشار الإمام البخاري بذلك إلى قوله - ﷺ -: \"خير صفوف النساء آخرها وشرها أولها\"، قال الزيلعي: أخرجه الجماعة إلا البخاري، انتهى. فإن المرأة كلما كانت في آخر الصفوف تكون أسرع للخروج.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٤/ ٦٥٠).\n(^٢) \"حاشية السندي\" (١/ ١٥٦).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٣/ ٤٤٠).","vol":"2","page":947},{"text":"قال الحافظ (^١): قيَّد الترجمة بالصبح لأن طول التأخير فيه يفضي إلى الإسفار، فناسب الإسراع بخلاف العشاء، فإنه يفضي إلى زيادة الظلمة فلا يضر المكث، انتهى.\n\n(١٦٦ -<span data-type='title' id=toc-750> باب استئذان المرأة زوجها. . .) إلخ</span>\nالظاهر عندي: أن الترجمة شارحة، يعني: أن المراد في الحديث الاستئذان للصلاة لا لغيرها لما تقدم في \"باب خروج النساء إلى المساجد بالليل\" من حديث ابن عمر - ﵄ - مرفوعًا بلفظ: \"إذا استأذنكم نساؤكم بالليل إلى المسجد فأذنوا لهن\"، فهذا نص في ذلك، ثم براعة الاختتام عند الحافظ في قوله: الخروج إلى المسجد؛ لأنه خروج إلى مناجاة ربه، فإن المصلي يناجي ربه، انتهى.\nأي: البراعة في لفظ الخروج، وعندي أن الخروج إلى المسجد خروج إلى بيت الله وهو منتهى الموت، أو يقال: إن الخروج إلى مناجاة ربه هو المرتب على الموت.\nوهذا آخر الجزء الثاني من الأبواب والتراجم للبخاري\nوقد أمعن النظر فيه وأوضح إجماله الأعزان المكرمان ختني المولوي\nالحافظ محمد عاقل صدر المدرسين بمدرسة مظاهر العلوم، والختن الآخر\nالمولوي الحافظ محمد سلمان من أكابر المدرسين بالمدرسة المذكورة،\nجزاهما الله عني وعن سائر الناظرين لهذا الجزء أحسن الجزاء،\nوبارك الله في علومهما وأذاقهما شراب حبه،\nويتلوه الجزء الثالث إن شاء الله تعالى أوله \"كتاب الجمعة\"،\nوالحمد لله أولًا وآخرًا،\nوالصلاة والسلام على رسوله سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه سرمدًا ودائمًا\n٢٩/ ذو القعدة سنة: ١٣٩٢ يوم الخميس\nمحمد زكريا عفي عنه\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٣٥١).","vol":"2","page":948},{"text":"١١ -<span data-type='title' id=toc-751> كتاب الجمعة</span>\nقال الحافظ (^١): بضم الميم على المشهور وقد تُسَكَّن، وحُكي عن الفراء بفتحها، والزجَّاج الكسر، واختُلف في التسمية بذلك مع الاتفاق على أنه كان يسمَّى في الجاهلية: العروبة - بفتح العين وضم الراء -، فقيل: سُمي بذلك لأن كمال الخلائق جمع فيه، وقيل: خلقُ آدم جُمع فيه، وقيل: كعب بن لؤي كان يجمع قومه فيذكّرهم ويأمرهم بتعظيم الحرم، وقيل: إن قُصيًّا هو الذي كان يجمعهم، وقيل: لاجتماع الناس للصلاة فيه، وبهذا جزم ابن حزم فقال: إنه اسم إسلامي. . . إلى آخر ما قال الحافظ.\nوقال أيضًا: ذكر ابن القيم في \"الهدي\" (^٢) ليوم الجمعة اثنين وثلاثين خصوصية، انتهى.\nواختلف في مبدأ فرضيتها.\nقال الحافظ (^٣): الأكثر على أنها فرضت بالمدينة، وهو مقتضى ما تقدم من أن فرضيتها بالآية المذكورة، وهي مدنية، وقال الشيخ أبو حامد: فرضت بمكة، وهو غريب، انتهى.\nقلت: أشار الحافظ بقوله: \"مقتضى ما تقدم\" إلى أن البخاري ترجم \"باب فرض الجمعة لقول الله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ﴾ الآية\"، وأنت خبير بأن الاستدلال بالآية على مبدأ الفرضية مشكل جدًّا، فإنه لا خلاف بين العلماء في أنه - ﷺ - دخل المدينة يوم جمعة، وصلَّاهما أول يوم الدخول في مسجد بني سالم، والآية نزلت بعد ذلك بزمان؛ لأن الأذان لم يكن بعدُ\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٣٥٣).\n(^٢) \"زاد المعاد\" (١/ ٣٧٥ - ٤٢١) وفيه: ثلاث وثلاثون خصوصية.\n(^٣) \"فتح الباري\" (٢/ ٣٥٤).","vol":"3","page":5},{"text":"مشروعًا، وهذا لا مراء فيه، ولذا ذكر السيوطي الشافعي في \"الإتقان\" (^١) هذه السورة في أمثلة ما تأخر النزول عن الحكم، إلى آخر ما بسط في هامش \"اللامع\" (^٢).\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-752> باب فرض الجمعة لقول الله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ. . .﴾ الآية [الجمعة:</span> ٩])\nتقدم في كلام الحافظ أن فرضيتها بالمدينة.\nوفي \"تراجم شيخ المشايخ\" (^٣): أثبت فرضية الجمعة بالآية بطريق الإيماء، انتهى.\nوفي \"الفيض\" (^٤): اعلم أن الجمعة فرضت بمكة، ولم يتمكن النبي - ﷺ - من إقامتها فيها حتى ورد المدينة، فنزل في قباء أربعة عشر يومًا ولم يُقم الجمعة، وأول جمعة أقامها في بني سالم محلة من المدينة، ونقل الحافظ في \"التلخيص\" (^٥): أن الجمعة فرضت بمكة، انتهى.\nقوله: (﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩])، كتب الشيخ في \"اللامع\" (^٦): أراد بالسعي المشي والعمل، لا معناه العرفي، والمراد بالذكر أعم من الصلاة والخطبة، أو الخطبة، فثبوت الصلاة بدلالة النص لكونها أهم، انتهى.\nوفي \"تقرير المكي\": السعي، بمعنى الفور، بمعنى: الذهاب والعمل، والعدو إلى الصلاة منهي عنه بالأخبار الصحيحة، فلذا فسره بالإمضاء والذهاب لئلا يتوهم معنى العدو عنه، انتهى.\nقال السندي (^٧): استدل على الوجوب تارة بأن شرع الأذان للفرائض،\n_________\n(^١) \"الإتقان\" (١/ ٤٩).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٤/ ١ - ٣).\n(^٣) (ص ٢٥٣).\n(^٤) \"فيض الباري\" (٢/ ٣٢٣).\n(^٥) \"التلخيص الحبير\" (٢/ ١٣٩).\n(^٦) \"لامع الدراري\" (٤/ ٣).\n(^٧) \"حاشية السندي على صحيح البخاري\" (١/ ١٥٧).","vol":"3","page":6},{"text":"وتارة بأن إيجاب السعي إليها فرع وجوبها. . . إلى آخر ما بسط.\nوقال الحافظ (^١): الفرضية، قيل: بترك البيع، فإن تحريم المباح لا يكون إلا للواجب، وقيل: بلفظ الأمر، انتهى.\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-753> باب فضل الغسل يوم الجمعة)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): أي: باب ذكر أن الغسل فيه أفضل، وأما قوله في الترجمة: \"هل على الصبي شهود يوم الجمعة؟ \" فالدال عليه قوله: \"كل محتلم\"، وهو دالٌّ أيضًا على عدم الغسل على النساء؛ لأن وجوبه على من عليه الجمعة، وليست على النساء صلاة الجمعة، فلا يكون عليهن غسل أيضًا، انتهى.\nوفي هامشه: وجَّه الشيخ قُدس سره ترجمة البخاري بذلك لتدل على حكم الغسل، بخلاف ما قال الحافظ (^٣)؛ إذ قال عن ابن المنيِّر: لم يذكر الحكم لما وقع فيه من الخلاف، واقتصر على الفضل؛ لأن معناه الترغيب فيه، وهو القدر الذي تتفق الأدلة على ثبوته، انتهى.\nقلت: ذكر الفضل إشارةً إلى حكمه، وهو عدم الوجوب، وهو قول الجمهور، خلافًا للظاهرية القائلين بالوجوب. ويمكن الاعتذار عمَّا نقله الحافظ عن ابن المنيِّر بأن الفضل لا يدل على الحكم، فإنه سيبوِّب بـ \"باب فضل الجمعة مع فرضيتها\"، وتقدم \"باب فضل الجماعة\" مع تبويبه بـ \"باب وجوب الجماعة\"، فلأجل ذلك وجَّه الشيخ الترجمة، وأولها إلى قول الجمهور، والمسألة خلافية شهيرة بُسطت في \"الأوجز\" (^٤)، وجملتها: أنه واجب عند الظاهرية، وهو قول لمالك وأحمد، وسُنَّة عند الأئمة الأربعة مؤكدة أو مندوب قولان.\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (٢/ ٣٥٤)، و\"إرشاد الساري\" (٢/ ٦٠٩).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٤/ ٦).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٢/ ٣٥٧).\n(^٤) \"أوجز المسالك\" (٢/ ٣٦٩).","vol":"3","page":7},{"text":"وهنا مسألة أخرى، وهي: أنهم اختلفوا: هل الغسل لليوم حتى يجب على النساء أيضًا، أو للصلاة، فيجب على من تجب عليه الجمعة؟ بُسطت هذه المسألة أيضًا في \"الأوجز\" (^١)، وسيبوِّب لها المصنف قريبًا بـ \"باب هل على من لا يشهد الجمعة غسل. . .\" إلخ.\nقوله: (وهل على الصبي شهود يوم الجمعة أو على النساء؟) قيل: أشار إلى عدم وجوبه على الصبيان بلفظ المحتلم، فإنه يخرج الصبي ظاهرًا والنساء؛ لأن الفروض تجب عليهن في الأكثر بالحيض لا بالاحتلام، وقيل: عموم لفظ: \"أحدكم\" يتناول الصبي والنساء، لكن حديث أبي داود بلفظ: \"لا جمعة على امرأة ولا صبي\" يخالفه، لكنه ليس على شرطه فذكره بلفظ: \"هل\"، أو يقال: لفظ: \"هل\" في حق النساء لاحتمال دخولهن في العموم المذكور، لكن عموم النهي في منعهن من حضور المساجد إلا بالليل يخرج حضورهن الجمعة، انتهى ملخصًا من \"الفتح\" و\"العيني\" (^٢).\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-754> باب الطيب للجمعة)</span>\nقال الحافظ (^٣): لم يذكر المصنف حكمه لوقوع الاحتمال فيه، انتهى.\nقلت: الظاهر بدله لوقوع الاختلاف فيه، فإن بعض أهل الظاهر قال بوجوبه.\nقوله: (وأما الاستنان والطيب فالله أعلم. . .) إلخ، كتب الشيخ في \"اللامع\" (^٤): وذلك لأن تقدير الخبر المتقدم وهو قوله: \"واجب\" يدل على الوجوب، وإفراده - ﷺ - الغسل عن أخويه وعدم إشراكها جميعًا في خبر واحد، وتعليق مسِّ الطيب بالوجدان، يدل على أن الخبر لعله غير ما تقدم،\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (٢/ ٣٨٣).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (٢/ ٣٥٧)، و\"عمدة القاري\" (٥/ ٨).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٢/ ٣٦٤).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٤/ ٨).","vol":"3","page":8},{"text":"فيكون التقدير: وأن يستن وأن يمس طيبًا إن وجد أفضل، وعلى هذا لا يثبت الوجوب، انتهى. وبسط في هامشه الكلام عليه.\n\n(٤ -<span data-type='title' id=toc-755><span data-type='title' id=toc-756> باب </span>فضل الجمعة)</span>\nأورد فيه حديث مالك عن أبي هريرة - ﵁ -، وفيه أبحاث كثيرة من أن الغسل لمن يروح إلى الجمعة أو عام، وهل يكفي غسل الجنابة للجمعة؟ وابتداء ساعات التبكير من الصبح أو الزوال، وهل البُدن يتحقق بالبقر أيضًا؟ والأفضل في الضحايا الإبل أو الغنم، وحكم الغسل يوم الجمعة، بسطت في \"الأوجز\" (^١)، فارجع إليه لو شئت.\nقال الحافظ (^٢): مقتضى الحديث مساواة المبادر إلى الجمعة للمتقرِّب بالمال، فكأنه جمع بين عبادتين بدنية ومالية، وهذه خصوصية للجمعة لا لغيرها من الصلوات، انتهى.\n\n(٥ - باب)\nبغير ترجمة، قال الحافظ (^٣): هو كالفصل من الباب الذي قبله، ووجه تعلُّقه به أن فيه إشارة إلى الرد على من ادَّعى إجماع أهل المدينة على ترك التبكير إلى الجمعة؛ لأن عمر - ﵁ - أنكر على عدم التبكير بمحضر من الصحابة، ووجه دخوله في فضل الجمعة ما يلزم من إنكار عمر، فإنه لولا الفضل في ذلك لما أنكر عليه، انتهى.\nقلت: ليس بوجيه، ولا يكون هذا جوابًا لإشكال المالكية، إذ قالوا: إن التبكير من الصباح لم يعرف، بل يحتمل تأييد المالكية بذكر الحديث بلفظ: \"الرواح\"، ويحتمل عندي أن الغرض بيان فضل الجمعة بأمر الاغتسال، ورقم عليه شيخ الهند رمز [نـ] نقطة واحدة.\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (٢/ ٣٥٤ - ٣٦٩).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٣٦٦).\n(^٣) انظر: \"فتح الباري\" (٢/ ٣٧٠).","vol":"3","page":9},{"text":"(٦ -<span data-type='title' id=toc-757> باب الدهن للجمعة)</span>\nقال الحافظ (^١): أي: استعمال الدهن، ويجوز أن يكون بفتح الدال، فلا يحتاج إلى تقدير، انتهى. ثم لا مناسبة للحديث الثاني بالباب، فقيل: استعمال الدهن بعد غسل الرأس معتاد، وقيل: مذكور في بعض طرقه، انتهى من \"الفتح\" و\"العيني\" (^٢).\nقلت: أو يقال: إن الدهن داخل في الطيب مع أن هذا الحديث والحديث الآتي واحد.\n\n(٧ -<span data-type='title' id=toc-758> باب ما يلبس أحسن ما يجد)</span>\nوجه الاستدلال من الحديث تقريره - ﵇ - لأصل التجمُّل وقصر الإنكار على تلك الحلَّة، وهو مختار الشيخ في \"اللامع\" (^٣)، إذ قال: قوله: \"فلبستها يوم الجمعة. . .\" إلخ، فكان ذلك تقريرًا لما قاله عمر - ﵁ -، حيث لم ينكر عليه النبي - ﷺ -، وإنما أنكر لأجل كونها حريرًا، فعُلم أن تخصيص الجمعة بشيء من ثيابه الحسنة لا بأس به، انتهى.\nوتعقب الداودي على الحديث بأن ليس فيه دلالة على الترجمة، وأجاب ابن بطال (^٤) بأنه كان معهودًا عندهم أن يلبس أحسن ما يجد، وعلى هذا تكون الترجمة من الأصل التاسع والأربعين، والأوجه عندي أن الترجمة من الأصل الحادي والأربعين، أشار بذلك إلى روايات تدل على لبس أحسن الثياب، ولا يذهب عليك أن الإمام ترجم عليه ههنا \"باب يلبس أحسن ما يجد\"، وفي \"العيد\": \"باب التجمل فيه\"، وسيأتي الكلام عليه هناك.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٣٧١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٣٧٣)، و\"عمدة القاري\" (٥/ ٢٥).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٤/ ١٢ - ١٣).\n(^٤) انظر: \"شرح صحيح البخاري\" لابن بطال (٢/ ٤٨٦)، و\"فتح الباري\" (٣٧٤).","vol":"3","page":10},{"text":"قال الدردير: نُدب جميل ثياب، وهو ههنا الأبيض ولو عتيقًا، بخلاف العيد فيُندب فيه الجديد ولو أسود، انتهى. وبسطه الدسوقي.\n\n(٨ -<span data-type='title' id=toc-759> باب السواك يوم الجمعة)</span>\nيحتمل عندي أن الغرض الرد على من أوجب السواك يوم الجمعة، واستدل عليه بالحديث، بأنه إذا لم يجب في الليل مع شدة اهتمامه - ﵇ - له فأولى أن لا يجب في الجمعة، إذ لم يوجد فيها اهتمام مثل اهتمام الليل، ويؤيده أيضًا أن المصنف لم يذكر في هذا الباب السواك يوم الجمعة خاصةً، بل ذكر الحديث السابق بالعموم، وبسط الكلام على مطابقة الأحاديث بالباب في \"اللامع\" (^١) وهامشه.\n\n(٩ -<span data-type='title' id=toc-760> باب من تسوَّك بسواك غيره)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\": أورده ههنا إشارةً إلى أنه لا ينبغي له أن يترك الاستياك، بل يتسوَّك ولو بسواك الغير، نعم لا بدّ أن يكون بإذنه ولو دلالة، انتهى.\nوعندي هذا أوجه مما قاله العيني (^٢) بقوله: كأنه يشير إلى جواز ذلك، وإلى طهارة ريق بني آدم خلافًا للنخعي، انتهى. وأنت خبير بأنه لو كان غرض المصنف بيان طهارته لكان محله كتاب الطهارة، فالأوجه ما أفاده الشيخ.\n\n(١٠ -<span data-type='title' id=toc-761> باب ما يقرأ في صلاة الفجر)</span>\nقال الحافظ (^٣): قال ابن المنيِّر: \"ما\" في قوله: \"ما يقرأ\"، الظاهر أنها موصولة لا استفهامية، انتهى.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٤/ ١٥).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٥/ ٣٤).\n(^٣) انظر: \"فتح الباري\" (٢/ ٣٧٨)، و\"عمدة القاري\" (٥/ ٣٦).","vol":"3","page":11},{"text":"وتعقبه العيني بقوله: لا مانع من أن تكون استفهامية، انتهى.\nوقال ابن المنيِّر: مناسبة الباب لما قبله أن ذلك من جملة ما يتعلق بفضل يوم الجمعة لاختصاص صبحها بالمواظبة على قراءة هاتين السورتين، انتهى من \"الفتح\".\nوغرض الترجمة عندي الرد على من كره سورة السجدة في الفريضة.\nقال العيني: قال ابن بطال (^١): ذهب أكثر العلماء إلى القول بهذا الحديث، وهو قول الكوفيين والشافعي وأحمد، وقالوا: هو سنة، واختلف قول مالك، فروي عنه أنه لا بأس أن يقرأ الإمام بالسجدة في الفريضة، وروي عنه أنه كره للإمام ذلك، إلى آخر ما قال.\n\n(١١ -<span data-type='title' id=toc-762> باب الجمعة في القرى والمدن. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): أي: ماذا حكمها؟ ترك تعيين الخبر لمكان الاختلاف فيه، وأورد في الباب ما يستدل به كل من الفريقين، ولنا أن النبي - ﷺ - لم يأمر أهل العوالي ولا غيرهم ممن كان من أطراف المدينة من أهل القرى مع أن الجمعة قد فرضت في مكة، فليس ذلك إلا لأن الجمعة لم تكن واجبةً ولا هي مُجزئة عنهم لو أقاموها، وأما قرية جواثى فيجب عليهم إثبات أنها كانت قرية، ومما يدل على مرام الحنفية قوله: \"كنا نتناوب الجمعة\"، مع أنه لو كانت واجبة لم يكن للتناوب معنًى، وقد ثبت أيضًا أنهم لم يكونوا يجمعون ثمة، فليس ذلك إلا لعدم وجوبها على هؤلاء، ثم حدّ القرية أن يكون فيه خمسة آلاف من بين المسلمين والكافرين والنساء والصبيان، انتهى.\nقد أجمل الشيخ الكلام على هذه الأبحاث الطويلة الذيول كدأبه الشريف في هذا التقرير المنيف اتكالًا على فهم الطالبين واكتفاءً على بسطه\n_________\n(^١) \"شرح صحيح البخاري\" (٤/ ٤٨٧).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٤/ ١٧ - ٢٧).","vol":"3","page":12},{"text":"من الكلام في \"الكوكب الدري\"، وبسط شيء من الكلام في هامش \"اللامع\"، وفيه: المسألة من أشهر المسائل الخلافية، والمشهور على ألسنة الناس أن الحنفية لا يجوِّزون الجمعة في القرى بخلاف غيرهم، وهذا من قلة النظر على مسالك الأئمة الأربعة. والعجب من الحافظ (^١) إذ قال: في هذه الترجمة إشارة إلى خلاف من خصّ الجمعة بالمدن دون القرى، وهو مروي عن الحنفية، انتهى.\nوظاهره أيضًا يوهم أن الحنفية متفردون بمنع الجمعة في القرى، وليس كذلك، فإن المسألة إجماعية عند الأربعة في أن الجمعة ليست كسائر الصلوات تقام في كل المواضع، بل لا بدّ لها من نوع من المدينة مع الاختلاف بينهم في تفاصيل هذه المدينة، كما بسط في \"الأوجز\" (^٢).\nوإلى التفريق بين القرى مال الإمام البخاري أيضًا كما يدل عليه صنيعه فيما يأتي في \"باب من أين تؤتى الجمعة\"، إذ ذكر فيه أثر عطاء: إذا كنت في قرية جامعة. . . إلخ، فعُلم أن القرى بعضها جامعة وبعضها غير جامعة. وقد قال إمام دار الهجرة في \"الموطأ\" (^٣): إذا نزل الإمام بقرية تجب فيها الجمعة والإمام مسافر، فإن أهل تلك القرية وغيرهم يجمِّعون معه، فإن جمَّع الإمام بقرية لا تجب فيها الجمعة، فلا جمعة له ولا لأهل تلك القرية، إلى آخر ما قال. فعُلم بذلك أن القرى على نوعين عند مالك. . . وهو كذلك عند بقية الأئمة الأربعة، وكذا فروع الشافعية أيضًا متضافرة على التفريق بين القرى، كما بسط في \"الأوجز\"، انتهى.\n\n(١٢ -<span data-type='title' id=toc-763> باب هل على من لا يشهد الجمعة غُسل. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٤): ترجم الإمام بلفظ الاستفهام للاحتمال الواقع في حديث أبي هريرة: \"حق على كل مسلم أن يغتسل\" فإنه شامل للجميع،\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٣٨٠).\n(^٢) \"أوجز المسالك\" (٢/ ٤٢٨).\n(^٣) \"موطأ مالك\" (٢٣٢).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٢/ ٣٨٢).","vol":"3","page":13},{"text":"والتقييد في حديث ابن عمر - ﵄ - بمن جاء منكم يُخرج من لم يجئ، والتقييد في حديث أبي سعيد بالمحتلم يُخرج الصبيان، والتقييد في النهي عن منع النساء بالليل يُخرج الجمعة، وعُرف بهذا وجه إيراد هذه الأحاديث في هذه الترجمة.\nوقوله في الترجمة: (قال ابن عمر - ﵄ -: إنما الغسل. . .) إلخ، قد تقرر أن الآثار التي يوردها البخاري في التراجم تدل على اختيار ما تضمنته عنده، فهذا مصير منه أن الغسل للجمعة لا يشرع إلا لمن وجبت عليه الجمعة، انتهى.\nوهذا أصل مطَّرد معروف من أصول تراجمه، وهو الأصل الأربعون، والغرض عندي أن الإمام أشار إلى مسألة خلافية، وهي: أن الغسل لليوم أو للصلاة؟ كما تقدمت الإشارة إليه في \"باب فضل الغسل يوم الجمعة\"، وبه جزم شيخ المشايخ في \"تراجمه\" (^١) وقال: والأحاديث في هذه المسألة ناظرة إلى كلا الاحتمالين؛ لأن تعليق ابن عمر والحديث الأول من الباب صريحان في أن الغسل للصلاة، والأحاديث الأخر ظاهرة في أنه لليوم، وكذا قال الشافعي: إن سنية الغسل لليوم لكن ينبغي تقريبه من الصلاة، والصلاة به بلا تخلُّلِ حدثٍ عملًا بجميع الأحاديث، انتهى.\nقال ابن عابدين (^٢): كونه للصلاة هو الصحيح، وهو ظاهر الرواية، وهو قول أبي يوسف.\nوقال الحسن بن زياد: هو لليوم، ونسب إلى محمد، وأثر الخلاف فيمن لا جمعة عليه.\nوفيمن أحدث بعد الغسل وصلى بالوضوء، نال الفضل عند الحسن لا عند أبي يوسف، وكذا من اغتسل قبل الفجر وصلى به نال عند أبي يوسف لا عند الحسن. . . إلى آخر ما بسط، انتهى من هامش \"اللامع\" (^٣).\n_________\n(^١) (ص ٢٥٨).\n(^٢) \"رد المحتار\" (١/ ٣٠٨).\n(^٣) انظر: \"لامع الدراري\" (٤/ ٣٢).","vol":"3","page":14},{"text":"(١٤ -<span data-type='title' id=toc-764> باب الرخصة إن لم يحضر الجمعة في المطر)</span>\nقال الحافظ (^١): به قال الجمهور، ومنهم من فرَّق بين قليل المطر وكثيره، وعن مالك: لا يرخص في تركها بالمطر، انتهى.\n\n(١٥ -<span data-type='title' id=toc-765> باب من أين تؤتى الجمعة، وعلى من تجب؟. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): يعني الوجوب المستفاد من تلك الآية لمن هو؟ وماذا حدّه؟ فالجار والمجرور متعلقان بالإتيان والوجوب، ثم قوله: \"في قرية جامعة\" دالٌّ على أن الجمعة ليست في القرى، وقوله: \"وكان أنس في قصره\"، معناه: أنه كان في فناء البصرة، فكان يحضر البصرة أحيانًا ولا يحضرها أحيانًا، بل يقيم الجمعة حيث هو، وإنما جاز له ذلك لكونه في فناء البصرة، وأما إن لم يكن قصره في فنائها، فمعناه: أنه كان يحضر الجمعة في البصرة أحيانًا ولا يحضرها أحيانًا، بل يصلي الظهر حيث هو في قصره، وذلك لعدم وجوب الجمعة، نعم إذا حضرها أجزأته عن الظهر، انتهى. وبسط الكلام في هامشه أشد البسط،  zeta/  وفيه: هذا من أشهر المسائل الخلافية، وهي وجوب الجمعة على من هو خارج المصر. . . إلى آخر ما بسط في هامش \"اللامع\".\nقوله: (وقال عطاء: إذا كنت في قرية جامعة. . .) إلخ، زاد عبد الرزاق (^٣) فيه: قلت لعطاء: ما القرية الجامعة؟ قال: ذات الجماعة والأمير والقاضي والدور المجتمعة الآخذة بعضها بعضًا مثل جدّة، انتهى. وهذا عين مذهب الحنفية. والعجب من المصنف - ﵀ - أنه حذف تلك القطعة، انتهى من \"فيض الباري\" (^٤).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٣٨٤).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٤/ ٣٩ - ٤٤).\n(^٣) انظر: \"فتح الباري\" (٢/ ٣٨٥)، و\"مصنف عبد الرزاق\" (٣/ ١٦٨).\n(^٤) \"فيض الباري\" (٢/ ٣٣٣).","vol":"3","page":15},{"text":"قوله: (أحيانًا يجمع. . .) إلخ، في تقرير المكي: أي: يأتي إلى جامع البصرة فيصلي الجمعة فيها، (وأحيانًا لا يجمع) أي: لا يأتي إلى جامع البصرة فلا يصلي الجمعة فيها، أو معناه: أحيانًا يصلي الجمعة في قصره، وأحيانًا لا يصلي الجمعة في قصره، قال: ومراد البخاري المعنى الأول دون الثاني، انتهى.\nقلت: وذلك لأن تبويب البخاري بلفظ: \"من أين تؤتى الجمعة\" يوافق المعنى الأول دون المعنى الثاني، ثم كتب في هامش تقريره: فاعلم أن الجمعة ليست بواجبة في القرى عندنا، خلافًا للشافعي.\nفإن قيل: الجمعة لا تجوز أصلًا، فكيف صلّاها أنس في قصره في الزاوية؟\nقلنا: جواز الجمعة في القرى كان مذهب أنس على خلاف مذهبنا، وكذا على خلاف مذهب الشافعي، وهو وجوبها في القرى، ثم الحديث ساكت من أنه صلّى الظهر في قصره، أو صلّى الجمعة في قصره، فإن كان الأول ثبت مذهبنا، وهو عدم وجوب الجمعة، وإن كان الثاني ثبت مذهب الشافعي وهو وجوبها في القرى، انتهى.\nوهذا من غاية سماحة الشيخ رعايةً لمذهب الشافعية، وإلا فظاهر أثر أنس يوافق الحنفية قطعًا كما يدل عليه تبويب البخاري \"من أين تؤتى الجمعة\"، وإلا فإن كان أنس يصلي الجمعة في قصره لا يصح إيراد الإمام البخاري هذا الأثر في هذا الباب، فإن معناه قطعًا أن أنسًا قد يحضر الجمعة في البصرة تحصيلًا لمزيد الأجر والمثوبة، وقد لا يحضر لعدم وجوبها في القرى، وهذا واضح وخالٍ عن الإيرادات التي أشار إليها الشيخ في كلامه، انتهى (^١).\n_________\n(^١) انظر: \"لامع الدراري\" (٤/ ٤٤).","vol":"3","page":16},{"text":"(١٦ -<span data-type='title' id=toc-766> باب وقت الجمعة إذا زالت الشمس. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^١): جزم بهذه المسألة مع وقوع الخلاف فيها لضعف دليل المخالف عنده، انتهى.\nوهذا أصلٌ معروف مطَّرد من أصول التراجم، وهو الأصل السادس والأربعون، والخلاف في ذلك شهير، قال النووي: قال مالك وأبو حنيفة والشافعي وجماهير العلماء: لا تجوز الجمعة إلا بعد زوال الشمس، ولم يخالف في هذا إلا أحمد بن حنبل وإسحاق، فجوَّزاها قبل الزوال، انتهى من هامش \"اللامع\" (^٢) مختصرًا.\n\n(١٧ -<span data-type='title' id=toc-767> باب إذا اشتد الحرّ يوم الجمعة)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): هذا تنصيصٌ منه على أن الجمعة لا تخالف الظهر في استحباب الإبراد عند شدة الحر، وهذا هو مختار الإمام رحمه الله تعالى، انتهى.\nوفي هامشه: لم يجزم الإمام البخاري بالحكم في الترجمة لاختلاف العلماء في ذلك عندي، لكن يظهر ميله في ذلك من الروايات الواردة في الباب من أنه مال إلى التفريق في البرد والحر، فعدم الجزم في الترجمة عندي من الأصل الخامس والثلاثين من أصول التراجم، وما يظهر من ميله في المسألة هو الأصل الأربعون.\nومال ابن المنيِّر إلى أن عدم الجزم في الترجمة من الأصل الثامن والستين، إذ قال الحافظ (^٤) عن ابن المنير: نحا البخاري إلى مشروعية الإبراد بالجمعة ولم يبتَّ الحكم بذلك؛ لأن قوله: \"يعني الجمعة\" يُحتمل أن يكون قول التابعي مما فهمه، ويحتمل أن يكون من نقله، فرجح عنده\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٣٨٧).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٤/ ٤٥).\n(^٣) المصدر السابق (٤/ ٤٨ - ٥٠).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٢/ ٣٨٩).","vol":"3","page":17},{"text":"إلحاقها بالظهر؛ لأنها إما ظهر وزيادة، أو بدل عن الظهر، وأيّد ذلك قول أمير البصرة لأنس وجوابه، انتهى.\nقلت: اختلف العلماء في وقت استحباب الجمعة، ففي \"الدر المختار\" (^١): الجمعة كظهر أصلًا واستحبابًا في الزمانين؛ لأنها خلفه، قال ابن عابدين: قوله: أصلًا، أي: من جهة أصل الوقت، وقوله: استحبابًا في الزمانين، أي: الشتاء والصيف، انتهى.\nقلت: وبنحو قولهم قالت المالكية، كما قال الدردير (^٢). وقال الموفق (^٣): يصلِّيها (^٤) في أول وقتها في الشتاء والصيف، فلو انتظر الإبراد لَشَقّ على الحاضرين. . . إلى آخر ما قال. وإلى ذلك ميل الشافعي، فقد حكى القسطلاني (^٥) أنه يُندب الإبراد بالظهر في شدة الحر بقطر حار لا بالجمعة. . . إلى آخر ما بسط في هامش \"اللامع\".\n\n(١٨ -<span data-type='title' id=toc-768> باب المشي إلى الجمعة. . .) إلخ</span>\nفي تبويب المصنف عندي ثلاثة أوجه:\nالأول: ما أفاده الشيخ في \"اللامع\" (^٦) تحت قوله في الحديث: \"من اغبرت قدماه\": دلالته على استحباب المشي ظاهر، فإن الاغبرار لا يتصور دونه، انتهى.\nوعلى هذا فيكون المراد من الترجمة والآية المشي دون الركوب.\nوالوجه الثاني: أن يكون المراد بالمشي ضد العَدْو.\nوعلى هذا يكون قوله تعالى كالتفسير للمشي، وتوضيح المراد بالمشي، وعليه حمله ابن المنيِّر.\n_________\n(^١) انظر: \"رد المحتار\" (٢/ ٢٥).\n(^٢) \"الشرح الكبير\" (١/ ٥٩٢).\n(^٣) \"المغني\" (٣/ ٢٤١).\n(^٤) كذا في الأصل، وفي \"المغني\": يُعَجِّلُها.\n(^٥) \"إرشاد الساري\" (٢/ ٦٥٢).\n(^٦) \"لامع الدراري\" (٤/ ٥٣).","vol":"3","page":18},{"text":"والثالث: أن تكون الترجمة مركبة من جزئين: الأول: المشي ضد الركوب، والثاني: عدم العدو، وهو المراد بقوله تعالى.\nوعلى هذا يكون \"وقول الله تعالى\" مستأنفًا جزءًا ثانيًا للترجمة مستقلًا، انتهى من هامش \"اللامع\".\nقوله: (وهو مسافر فعليه أن يشهد) قال الحافظ (^١): أي: استحبابًا لما روي عنه بنفسه أن لا جمعة على مسافر وهو إجماع، انتهى.\nوبسط العيني (^٢) الاختلاف في ذلك، وحكى عن النخعي عدم جواز السفر بعد العشاء ليلة الجمعة.\nوأما السفر قبل الزوال فجوّزه جماعة، منهم مالك، وفي \"شرح المهذب\": الأصح تحريمه.\nوأما السفر بعد الزوال فلا يجوز عند مالك وأحمد، وجوّزه أبو حنيفة، انتهى.\n\n(١٩ -<span data-type='title' id=toc-769> باب لا يفرق بين اثنين يوم الجمعة)</span>\nفي \"تراجم شيخ المشايخ\" (^٣): قد فسَّر التفريق بوجهين، أحدهما: تخطي الرقاب. والثاني: الجلوس بين الاثنين اللذين هما أخوان أو صديقان، وإيقاع الوحشة بينهما بهذا الفعل، انتهى. وهكذا فسَّره الشرَّاح. وزاد الحافظ (^٤) وجهًا ثالثًا وهو: إخراج أحدهما والقعود مكانه، انتهى. وترجم له المصنف الباب الآتي.\nقال العيني (^٥): قال صاحب \"التوضيح\": اختلف العلماء في التخطي، فمذهبنا الكراهة إلا أن يكون قدَّامه فرجة لا يصلها إلا بالتخطي فلا يكره، ونقل ابن المنذر كراهته مطلقًا عن أحمد، وعن مالك كراهته إذا جلس\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٣٩١).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٥/ ٦٤).\n(^٣) (ص ٢٦٢).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٢/ ٣٩٢).\n(^٥) \"عمدة القاري\" (٥/ ٦٨).","vol":"3","page":19},{"text":"الإمام على المنبر، ولا بأس به قبله، وعند أصحابنا الحنفية: لا بأس بالتخطي والدنو من الإمام إذا لم يؤذ الناس، وقيل: لا بأس به إذا لم يأخذ الإمام في الخطبة، انتهى.\n\n(٢٠ -<span data-type='title' id=toc-770> باب لا يقيم الرجل أخاه. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^١): هذه الترجمة مقيدة بيوم الجمعة مع عموم حديث الباب لورود حديث صحيح أخرجه مسلم (^٢) بلفظ: \"لا يقيمن أحدكم أخاه يوم الجمعة\" الحديث، لكنه ليس على شرطه، وتقدم بيان دخول هذه الصورة في التفريق بين الاثنين كما تقدم في الباب السابق، انتهى.\n\n(٢١ -<span data-type='title' id=toc-771> باب الأذان يوم الجمعة)</span>\nقال الحافظ (^٣): أي: متى يشرع، انتهى.\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٤): قوله: \"فلما كان عثمان وكثر الناس. . .\" إلخ، والناس وإن كانوا كثيرين في زمن الشيخين أيضًا إلا أن بركة قرب صحبة النبي - ﷺ - لم تتركهم في أيام أبي بكر ولا الصولة العمرية في زمنه أن يتخلفوا عن حضور الجمعة من أنفسهم، فلم يحتج إلى الأذان الثالث، وكان عثمان - ﵁ - حييًّا فاجترأ الناس في أيامه على ما لم يجترؤوا عليه في أيام عمر، وأسهل ما لم يكن سهلًا في وقته، ونشأ وهن ما في أمور الدين، فزاد أذانًا ثالثًا، إلى آخر ما قال.\n\n(٢٢ -<span data-type='title' id=toc-772> باب المؤذن الواحد يوم الجمعة)</span>\nفي \"تراجم شيخ المشايخ\" (^٥): يعني: ما صار معمول الناس الآن في الحرمين وغيرهما من أن يؤذن يوم الجمعة، وفي سائر الأيام المؤذنون\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٣٩٣).\n(^٢) \"صحيح مسلم\" (٢١٧٨).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٢/ ٣٩٣).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٤/ ٥٦).\n(^٥) (ص ٢٦٣).","vol":"3","page":20},{"text":"مجتمعين رافعين أصواتهم، ما كان ذلك على عهده ﵊، بل كان يؤذن هناك مؤذن واحد، وأما ما صار معمول الناس بعدُ فمن البدعات الحسنة، وأصله مأخوذ من أمره - ﷺ - لعبد الله بن زيد أن يلقي على بلال، فنادى كل منهما بصوته رافعًا فاحفظ، انتهى.\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): استحسن العلماء تعدد المؤذنين عند الضرورة، انتهى.\nوفي هامشه: أشار بهذه الترجمة إلى الرد على من قال: كان النبي - ﷺ - إذا رقى المنبر وجلس أذّن المؤذنون وكانوا ثلاثة، واحد بعد واحد، فإذا فرغ الثالث قام فخطب، وممن قال به ابن حبيب (^٢)، انتهى.\nقلت: هذا أوجه مما قاله شيخ الإسلام في شرحه: إن الغرض دفع توهم كون الأذان الثالث في زمنه - ﷺ -، بل كان من زمن عثمان، انتهى. وأنت خبير بأن هذا المعنى قد ظهر من الباب السابق نصًا، فلا وجه لتوهمه.\nومسألة تعدد المؤذنين بسطت في \"الأوجز\" (^٣)، وحاصل ما فيه: إذا أذّن اثنان معًا فمنعه قوم، وقال الشافعية: لا يكره إلّا إن حصل منه تهوش، وقال الموفق (^٤): لا يستحب الزيادة على المؤذنين إلا للحاجة، انتهى.\nوفي \"الهداية\" (^٥): إذا أذّن المؤذنون، قال في هامشه: المؤذنون بلفظ الجمع إخراجًا للكلام مخرج العادة، فإن المتوارَث في أذان الجمعة اجتماع المؤذنين ليبلغ أصواتهم إلى أطراف المصر، وفي \"السعاية\" (^٦) عن ابن عابدين: لا خصوصية للجمعة، إذ الفروض الخمسة تحتاج إلى الإعلام، انتهى مختصرًا.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٤/ ٥٩).\n(^٢) انظر: \"عمدة القاري\" (٥/ ٧٤).\n(^٣) \"أوجز المسالك\" (٢/ ١٧).\n(^٤) \"المغني\" (٢/ ٨٩).\n(^٥) \"الهداية\" (٢/ ١١٩).\n(^٦) \"السعاية\" (٢/ ٣٣).","vol":"3","page":21},{"text":"(٢٣ -<span data-type='title' id=toc-773> باب يجيب الإمام على المنبر إذا سمع النداء)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): يعني: أن النهي عن الصلاة والكلام بعد خروج الإمام وقيامه عن مقامه إنما هو للمأمومين والمستمعين لا للإمام؛ فإنه يجيب الأذان؛ لأن الكلام لم يحرم عليه، وذلك لأن خطبته خطاب مع القوم فلا يكون كلامه حرامًا أيضًا، انتهى. ويؤيد ذلك تقييد المصنف الترجمة بلفظ الإمام.\nقال الحافظ في فوائد الحديث (^٢): فيه أن الخطيب يجيب المؤذن وهو على المنبر، انتهى من هامشه، وبسط فيه الكلام على المباحث الفقهية.\n\n(٢٤ -<span data-type='title' id=toc-774> باب الجلوس على المنبر عند التأذين)</span>\nقال الحافظ (^٣): أشار ابن المنيِّر إلى أن مناسبة هذه الترجمة الإشارة إلى خلاف من قال: الجلوس على المنبر عند التأذين غير مشروع، وهو عن بعض الكوفيين، وقال مالك والشافعي والجمهور: هو سُنَّة، انتهى.\nقلت: هو مسنون عند الحنفية على الاختلاف فيما بينهم من أنه للاستراحة أو لانتظار الأذان، وعلى الثاني لا يسن في خطبة العيد، كما في كتب الفقه.\n\n(٢٥ -<span data-type='title' id=toc-775> باب التأذين عند الخطبة)</span>\nغرض الترجمة عندي تنبيه على أن الجمعة مستثنى مما تقدم من \"باب كم بين الأذان والإقامة\"، ويؤيده ما ذكره في \"الفيض\" (^٤) في الباب السابق: كان التأذين يوم الجمعة حين يجلس الإمام، يعني به: أن أذان يوم الجمعة كان على خلاف دأب سائر الأيام، ففي سائر الأيام كان يقدم شيئًا، وفي الجمعة كان متصلًا بالخطبة بدون مكث طويل بعده، انتهى مختصرًا.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٤/ ٥٩ - ٦١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٣٩٦).\n(^٣) المصدر السابق (٢/ ٣٩٦).\n(^٤) \"فيض الباري\" (٢/ ٣٣٦).","vol":"3","page":22},{"text":"(٢٦ -<span data-type='title' id=toc-776> باب الخطبة على المنبر. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): قوله: \"كان جذع يقوم عليه. . .\" إلخ، إيراد الرواية في هذا الباب إشارة إلى أن المنبر سُنَّة لا واجب، فإن مقامه على الجذع وإن كان متروكًا لكن تركه لم يكن لنسخه حتى لا يجوز العمل عليه، بل الترك إنما كان لأنّ الجلوس على المنبر للوعظ وغيره أسهل، وكذا القيام عليه للخطبة أفيد، والحجة على عدم النسخ خطبته في العيدين وغيرهما قائمًا ولو إلى غير جذع، انتهى.\nوكتب الشيخ في \"الكوكب\" (^٢): أراد بذلك دفع ما عسى أن يُتوهم من كونه بدعة أو من عادة الجبابرة والمتكبرين، انتهى.\nقال العيني (^٣): والمصنف لم يقيده بالجمعة إشارة إلى أن سائر الخطب كذلك، انتهى.\nوغرض الترجمة كما يظهر من كلام الحافظ أن المصنف أشار بهذا إلى ما قال ابن بطال (^٤): إن كان الخطيب هو الخليفة فسُنَّته أن يخطب على المنبر، وإن كان غيره يخيَّر بين أن يقوم على المنبر أو على الأرض، فأراد البخاري أن هذا التفصيل غير مستحب، انتهى.\n\n(٢٧ -<span data-type='title' id=toc-777> باب الخطبة قائمًا)</span>\nسُنَّة عند الإمام، وواجب عند مالك، وشرطٌ عند الباقين، كذا في \"الفتح\" (^٥).\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٤/ ٦٢).\n(^٢) \"الكوكب الدري\" (١/ ٤١٨).\n(^٣) انظر: \"عمدة القاري\" (٥/ ٧٧)، و\"فتح الباري\" (٢/ ٤٩٧).\n(^٤) \"شرح صحيح البخاري\" لابن بطال (٢/ ٥٠٦).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٢/ ٤٠١).","vol":"3","page":23},{"text":"(٢٨ -<span data-type='title' id=toc-778> باب استقبال الناس الإمام إذا خطب)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): هذا إذا لم يخلّ استقبالهم إيَّاه بتسوية الصفوف بأن اعتادوها، فلا يُفتقر إلى زيادة وقت فيها، أو لم يكن بعد الخطبة صلاة، وأمّا إذا لم يعتادوا بإقامة الصفوف إلّا بتكلف ومزيد اهتمام فليس لهم استقباله، إلّا إذا لم تكن بعدها صلاة كما في العيدين، انتهى.\nقلت: لعل المصنف أشار إلى مذهب المالكية، إذ قالوا بوجوب الاستقبال إلى الإمام بحيث يغيِّرون جِلستهم التي كانت إلى القبلة كما بسطه الدردير (^٢)، وحكى الموفق (^٣) إجماع الأئمة الأربعة وغيرهما على استحباب ذلك، قلت: وفي \"الكبيري\" (^٤) بعد ما حكى استحبابه عن الإمام: لكن الرسم الآن أنهم يستقبلون القبلة للحرج في تسوية الصف. . . إلى آخر ما قال.\n\n(٢٩ -<span data-type='title' id=toc-779> باب من قال في الخطبة بعد الثناء: أما بعد. . .) إلخ</span>\nلم أر من تعرَّض للترجمة واضحًا إلّا ما قاله الحافظ عن ابن المنيِّر: يحتمل أن تكون \"من\" موصولة، والمراد به النبي - ﷺ - كما في أحاديث الباب، ويحتمل أن تكون شرطية والجواب محذوف، أي: فقد أصاب السُّنَّة، وعلى التقديرين ينبغي للخطباء أن يستعملوها تأسيًا واتباعًا.\nقال الحافظ: وكأن البخاري لم يجد في خطبته - ﵇ - يوم الجمعة حديثًا على شرطه، فاقتصر على ذكر الثناء. وبنحوه قال العيني (^٥).\nويشكل عليه أن المصنف ترجم بذلك في خطبة الكسوف أيضًا وذكر خطبته كما في حديث الباب، ولم يبوِّب لذلك في العيد ولا الاستسقاء، ولا يبعد عندي في الغرض أن ظاهر لفظ: \"أما بعد\" ينبغي أن يكون منكرًا لما أنه يستلزم اختتام الحمد وانتهاءه، وقد ورد في الروايات من الأدعية\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٤/ ٦٣).\n(^٢) انظر: \"الشرح الكبير\" (١/ ٦٠٢).\n(^٣) \"المغني\" (٣/ ١٧٢).\n(^٤) \"غنية المستملي\" (ص ٥٦١).\n(^٥) \"عمدة القاري\" (٥/ ٨٧).","vol":"3","page":24},{"text":"بلفظ: \"لك الحمد حمدًا دائمًا مع دوامك، ولك الحمد حمدًا خالدًا مع خلودك، ولك الحمد حمدًا لا منتهى له. . .\"، وغير ذلك من الأدعية.\nوكلمة \"أما بعد\" يقال لها: فصل الخطاب، وأول من تكلم بها قيل: داود - ﵇ -، وقيل: يعقوب - ﵇ -، وقيل: يعرب بن قحطان، وقيل: كعب بن لؤي، وقيل: سحبان بن وائل، وقيل: قس بن ساعدة، انتهى.\n\n(٣٠ -<span data-type='title' id=toc-780> باب القعدة بين الخطبتين يوم الجمعة)</span>\nقال الحافظ (^١): قال ابن المنيِّر: لم يصرِّح بحكم الترجمة؛ لأن مستند ذلك: الفعل، ولا عموم له، انتهى.\nقال الحافظ: ولا اختصاص بذلك لهذه الترجمة، فإنه لم يصرح بحكم غيرها من أحكام الجمعة، والظاهر أنه يقول بوجوبها، انتهى. وجزم العيني (^٢) بالأول.\nويحتمل عندي أن يكون الغرض الرد على ما حكى العيني عن بعض الشافعية أن المقصود الفصل سواء كان بالسكوت أو الجلوس أو الكلام.\n\n(٣١ -<span data-type='title' id=toc-781> باب الاستماع إلى الخطبة)</span>\nفي \"تراجم شيخ المشايخ\" (^٣): قد أثبت بحديث الباب أن ملائكة يستمعون الخطبة، فأن يستمع الناس بالطريق الأولى؛ لأن الناس مكلَّفون بالعبادات، انتهى.\nوسيأتي قريبًا \"باب الإنصات يوم الجمعة\"، فأشار المصنف إلى أن كليهما واجب، يستمع إن كان قريبًا، ويُنصِت إن كان بعيدًا.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٤٠٦).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٥/ ٩٦).\n(^٣) (ص ٢٦٤).","vol":"3","page":25},{"text":"(٣٢ -<span data-type='title' id=toc-782> باب إذا رأى الإمام رجلًا جاء وهو يخطب)</span>\nقال الحافظ في الباب الآتي عن ابن المنيِّر (^١): إن الأمر بالركعتين يتقيد برؤية الإمام الداخل في حال الخطبة بعد أن يستفسره هل صلى أم لا؟ وذلك كله خاص بالخطيب، وأما حكم الداخل فلا يتقيد بشيء من ذلك، بل يستحب له أن يصلي تحية المسجد، فأشار المصنف إلى ذلك كله بهذا الباب والباب السابق مع أن الحديث فيهما واحد، انتهى.\nوفي \"تراجم شيخ المشايخ\" (^٢) في الباب الآتي: حاصل هذا الباب: أن على من جاء في هذا الوقت أن يصلي ركعتين، وحاصل الباب السابق: أن على الإمام أمره بهما، وكان شغله بالخطبة يمنعه عن الاشتغال بالأمور الأجنبية، فالفرق واضح، فلا يتوهم التكرار، انتهى.\n\n(٣٣ -<span data-type='title' id=toc-783> باب من جاء والإمام يخطب. . .) إلخ</span>\nتقدم الكلام عليه في الباب السابق، والمسألة خلافية، ففي هامش \"الكوكب\" (^٣): اختلفوا في تحية المسجد للداخل عند الخطبة، فقال بها الشافعي وأحمد وإسحاق، ويستحب أن يتجوز فيهما، قاله النووي (^٤). وقال القاضي: قال مالك وأبو حنيفة وجمهور السلف من الصحابة والتابعين: لا يصليهما، انتهى. والبسط في \"الأوجز\" (^٥).\n\n(٣٤ -<span data-type='title' id=toc-784> باب رفع اليدين في الخطبة)</span>\nقال الحافظ (^٦): فيه إشارة إلى أن حديث عمارة الذي أخرجه مسلم في إنكار ذلك ليس على إطلاقه، لكن قيَّد مالكٌ الجواز بدعاء الاستسقاء، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٤١٢).\n(^٢) (ص ٢٦٥).\n(^٣) \"الكوكب الدري\" (٢١/ ٤١٩).\n(^٤) انظر: \"شرح صحيح مسلم\" (٣/ ٤٣٠).\n(^٥) \"أوجز المسالك\" (٢/ ٣٩٣).\n(^٦) \"فتح الباري\" (٢/ ٤١٣).","vol":"3","page":26},{"text":"قال العيني (^١): إشارة إلى أن المراد بالرفع في الباب المد كما في حديث الباب، لا كالرفع الذي في الصلاة، انتهى.\nقلت: أو المراد عكسه أن المراد بالمد في الحديث الرفع فتكون الترجمة شارحة.\n\n(٣٥ -<span data-type='title' id=toc-785> باب الاستسقاء في الخطبة)</span>\nقال الحافظ: وهذا أحد صور الاستسقاء مشروع إجماعًا، انتهى.\nقلت: وهو من دلائل الحنفية في أن الاستسقاء ليس له صلاة مستقلة.\n\n(٣٦ -<span data-type='title' id=toc-786> باب الإنصات يوم الجمعة. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٢): أشار بهذا إلى الرد على من جعل وجوب الإنصات من خروج الإمام، انتهى.\nوتقدم شيء من الكلام على ذلك في باب الاستماع.\nقال العيني (^٣): الجديد الصحيح من قولَي الشافعي أنه لا يحرم الكلام ويسن الإنصات، وبه قال الثوري وداود، وفي القديم أنه يحرم، وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد، انتهى مختصرًا.\n\n(٣٧ -<span data-type='title' id=toc-787> باب الساعة التي في يوم الجمعة)</span>\nبلغت الأقوال فيها إلى خمسين كما جزم به القاري (^٤)، وذكر الحافظ اثنين وأربعين، وتبعه الشيخ في \"البذل\" (^٥). وفي \"الأوجز\" (^٦): المشهور أحد عشر، والأشهر اثنان.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٥/ ١٠٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٤١٤).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٥/ ٩٨).\n(^٤) \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٤٤٧).\n(^٥) انظر: \"بذل المجهود\" (٥/ ١٨ - ٢٢)، و\"فتح الباري\" (٢/ ٤١٢ - ٤١٧).\n(^٦) \"أوجز المسالك\" (٢/ ٤٣٧).","vol":"3","page":27},{"text":"قال ابن القيم (^١): أرجح هذه الأقوال قولان، تضمَّنتهما الأحاديث الثابتة، وأحدهما أرجح من الآخر، الأول: أنها من جلوس الإمام إلى انقضاء الصلاة كما في حديث أبي موسى - ﵁ - رواه مسلم (^٢)، والقول الثاني: أنها بعد العصر، وهو قول عبد الله بن سلام، وهذا أرجح القولين، إلى آخر ما بسط في \"الأوجز\".\n\n(٣٨ -<span data-type='title' id=toc-788> باب إذا نفر الناس عن الإمام. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣) في قوله: \"من بقي\": دلالة على أن النافرين لم يعودوا، فكان ردًّا على من ذهب في تعيين أقل عدد الجماعة بأربعين رجلًا، وعندنا تنعقد الجمعة إذا نفروا بعد الشروع فيها ولو كلهم، وأما قبل الشروع فلا بدّ أن يبقى اثنان سوى الإمام، انتهى.\nوفي هامشه: قال الحافظ (^٤): ظاهر الترجمة أن استمرار الجماعة الذي تنعقد بهم الجمعة إلى تمامها ليس بشرط في صحتها، بل يشترط أن تبقى منهم بقية ما، ولم يتعرض البخاري لعدد من تقوم بهم الجمعة؛ لأنه لم يثبت منه شيء على شرطه، وجملة ما للعلماء فيه خمسة عشر قولًا بُسطت في هامش \"اللامع\"، فعند أبي حنيفة ثلاثة مع الإمام، وعند صاحبيه الاثنان معه، وعند الشافعي أربعون بالإمام، وعند أحمد في المشهور عنه خمسون رجلًا، وعند مالك اثنا عشر غير الإمام، كما قال الدردير (^٥).\nوفي \"تراجم شيخ المشايخ\" (^٦): قد فسر قولَه: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ جمهور المفسرين لقيامه في الخطبة، فمناسبة الحديث بالترجمة باعتبار أن خطبة الجمعة لها حكم الصلاة، فلما أتم - ﵇ - خطبته مع خروجهم من المسجد كان هذا حكم الصلاة أيضًا، وأما إذا فسر لقيامه في الصلاة فلا إشكال،\n_________\n(^١) \"زاد المعاد\" (١/ ٣٨٩).\n(^٢) \"صحيح مسلم\" (٨٥٣).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٤/ ٨٠ - ٨٣).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٢/ ٤٢٢).\n(^٥) انظر: \"شرح الكبير\" (١/ ٥٩٨).\n(^٦) (ص ٢٦٧).","vol":"3","page":28},{"text":"وهذا الحديث حجة على الشافعي، حيث شرط لانعقاد الجمعة حضور أربعين رجلًا، ومن ههنا شرط مالك حضور اثني عشر رجلًا، فافهم، انتهى.\n\n(٣٩ -<span data-type='title' id=toc-789> باب الصلاة بعد الجمعة وقبلها)</span>\nقال الحافظ (^١) ما حاصله: كأنه أشار إلى أن لا فرق بين الظهر والجمعة في ذلك، وقدم البعدية لثبوتها صريحًا.\nوفي \"تراجم شيخ المشايخ\" (^٢): حديث الباب ساكت عن إثبات راتبة قبل الجمعة. وقال القسطلاني: إنه يعلم راتبة قبل الجمعة من حديث الباب بالقياس على راتبة الظهر، انتهى. والمؤلف اكتفى على حديث الباب؛ لأن راتبة قبل الجمعة قد علم سنِّيتها سابقًا صريحًا من حديث جابر أنه [قال:] دخل رجل يوم الجمعة والنبي - ﷺ - يخطب، الحديث، انتهى.\nقلت: وعلى القول الأول تكون الترجمة من الأصل الثالث والخمسين، وعلى القول الثاني تكون من السابع والعشرين.\nوقال الحافظان ابن حجر والعيني (^٣) في مناسبة الحديث بالباب: كأنه أشار إلى ما وقع في بعض طرق حديث الباب عن ابن عمر - ﵄ -: أنه كان يطيل الصلاة قبل الجمعة ويصلي بعدها ركعتين. وعلى هذا تكون الترجمة من الأصل الحادي عشر. وأنكر ابن القيم (^٤) الرواتب قبل الجمعة، والجمهور ومنهم الأئمة الأربعة على إثباتها كما بسط في \"الأوجز\" (^٥).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٤٢٦).\n(^٢) (ص ٢٦٨).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٢/ ٤٢٦)، و\"عمدة القاري\" (٥/ ١٢٦).\n(^٤) \"زاد المعاد\" (١/ ٤٠٧).\n(^٥) \"أوجز المسالك\" (٣/ ٤٤٩).","vol":"3","page":29},{"text":"(٤٠ -<span data-type='title' id=toc-790> باب قول الله - ﷿ -: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ﴾ الآية [الجمعة:</span> ١٠])\nقال الحافظ (^١): أشار بذلك إلى أن الأمر في قوله: \"فانتشروا\" و\"ابتغوا\" للإباحة لا للوجوب لاشتغالهم في حوائجهم، خلافًا للداودي وبعض الظاهرية، انتهى.\n\n(٤١ -<span data-type='title' id=toc-791> باب القائلة بعد الجمعة)</span>\nسكتوا عن غرض المصنف، والأوجه عندي: أنه تأييد لما في الترجمة السابقة من عدم وجوب الانتشار والابتغاء، ثم براعة الاختتام نبَّه عليها الحافظ بقوله: ثم تكون القائلة، وهو كذلك عندي، فإن النوم أخو الموت.\n* * *\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٤٢٧).","vol":"3","page":30},{"text":"١٢ -<span data-type='title' id=toc-792> أبواب صلاة الخوف</span>\nعقبها الجمعة؛ لأن كلًّا منهما بدل الصلاة المكتوبة إلا أنَّ التغير في الأول أخف، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nقلت: وههنا ثمانية أبحاث لطيفة لا بدّ لطالب الحديث النظر فيها، بُسطت في \"الأوجز\" (^٢)، وأشير إليها في هامش \"اللامع\".\n\n(١ - <span data-type='title' id=toc-793>[باب صلاة الخوف] وقول الله - ﷿ -: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية [النساء:</span> ١٠١])\nوفي \"تراجم شيخ المشايخ\" (^٣): حملت الحنفية هذه الآية على السفر، وقيدُ الخوف عندهم اتفاقي، والشافعي - ﵀ - حملها على الظاهر، وجرى المؤلف على ذلك، وهو الظاهر من سياق كلامه، انتهى.\nقلت: يشكل عليه استدلال الشافعية على إباحة القصر دون الوجوب بقوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ فكيف يقال: إنهم حملوها على الخوف؟ وفسَّر الآية صاحب \"الجلالين\" (^٤) وغيره من الشافعية بالسفر، وبسطه في \"التفسير الكبير\" (^٥)، وذكر في تفسيره ثلاثة أقوال، لكن لم ينسب قول الخوف إلى الشافعية، وكذا لم أجد التفريق في الشروح الثلاثة من \"الفتح\" و\"العيني\" و\"القسطلاني\". ثم الظاهر عندي أنّ المصنف اختار من صور صلاة الخوف الصورة التي ذكرت في حديث ابن عمر حديث الباب، وهذه\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٤٢٩).\n(^٢) \"أوجز المسالك\" (٤/ ٥ - ١٨)، و\"لامع الدراري\" (٤/ ٨٤).\n(^٣) (ص ٢٧١).\n(^٤) \"الجلالين\" (ص ٩٤).\n(^٥) \"التفسير الكبير\" (٤/ ١٩٩).","vol":"3","page":31},{"text":"الصورة أقرب إلى قول الحنفية؛ لأنهم ذكروا هذا الحديث في مستدلاتهم، والله تعالى أعلم.\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-794> باب صلاة الخوف رجالًا وركبانًا)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): يعني: إذا اشتد الخوف فلم يقدروا على أدائها كما شُرعت، ولا كما ذكرت في الآية، يصلون فرادى رجالًا أو ركبانًا، يومِئون بالركوع والسجود، وأما في حالة القتال فلا تتأدى بل تؤخر، انتهى.\nوفي هامشه: قال الحافظ (^٢): قيل: مقصوده أن الصلاة لا تسقط عند العجز عن النزول من الدابة ولا تؤخر عن وقتها، بل تصلّى على أيّ جهة حصلت القدرة عليه، بدليل الآية، انتهى.\nوالأوجه عندي في غرض الترجمة: أنها إشارة إلى تفسير قوله عزَّ اسمه: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩] أن المراد بقوله: رجالًا قيامًا لا ماشيًا، ورد على من أباح الصلاة ماشيًا، كما قال به أحمد، وبه قال الشافعي في المطلوب كما سيأتي، فإن لفظ الرجال يطلق على المشاة أيضًا كما في \"سورة الحج\": ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ [الحج: ٢٧] الآية، فنبَّه الإمام البخاري بالترجمة على أن المراد في آية صلاة الخوف بالرجال: القائمون، ولذا قال: راجل: قائم، وذكر فيه أثر مجاهد: \"إذا اختلطوا قيامًا\"، وأيَّدّه بالمرفوع: \"فليصلوا قيامًا وركبانًا\"، فتأمل. ويؤيده ما قال الحافظ: وفي \"تفسير الطبري\" بسند صحيح عن مجاهد: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾: إذا وقع الخوف فليصل الرجل على كل جهة قائمًا أو ركبانًا، انتهى.\nلكن في هذا الغرض أنه سيأتي قريبًا \"باب صلاة الطالب والمطلوب\"،\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٤/ ٨٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٤٣٢).","vol":"3","page":32},{"text":"ويمكن التفصِّي عنه بأن ما سيأتي مقيد بـ \"راكبًا\"، فالجواز في حالة الركوب، وههنا الرد على كونه ماشيًا.\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-795> باب يحرس بعضهم بعضًا)</span>\nقال الحافظان ابن حجر والعيني (^١): قال ابن بطال: محلُّ هذه الصورة إذا كان العدوُّ في جهة القبلة ولا يفترقون، والحالة هذه، بخلاف الصورة الماضية في حديث ابن عمر. وقال الطحاوي: ليس هذه بخلاف القرآن، لجواز أن يكون قوله تعالى: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى﴾ [النساء: ١٠٢] إذا كان العدو في غير القبلة، وذلك ببيانه - ﷺ -، ثم بَيَّنَ كيفية الصلاة إذا كان العدو في جهة القبلة، انتهى.\nوفي \"الفيض\" (^٢): لم أتحصل هذه الترجمة، فإن الحراسة مرعية في الصفات كلها، ولا اختصاص لها بصفة دون صفة، ولقائل أن يقول: إنه ترجم به لذكر الحراسة في متن الحديث، فهذه الترجمة نظرًا إلى لفظ الحديث لا إشارة إلى مسألة، أو دفعًا لمغلطة، ثم إن الصورة المذكورة أنفع فيما لو كان العدو إلى القبلة، انتهى.\nوسكت عن غرض الترجمة صاحب التيسير وشيخ الإسلام وغيرهما. وما ظهر لهذا العبد الفقير: أن الإمام البخاري لم يرد بالترجمة صورةً خاصةً، بل نَبَّهَ بالترجمة على أمرٍ مهمٍّ في صلاة الخوف مستدلًّا عليه بلفظ الحديث: \"يحرس بعضهم بعضًا\"، وهو أنّ ما ورد في الروايات الكثيرة من الإقبال إلى الصلاة والنظر فيها إلى مواضع خاصة، وأن الالتفات فيها اختلاس من الشيطان، وأنّ الله تعالى لا يزال مقبلًا ما لم يلتفت، وغير ذلك، فصلاة الخوف مستثناة من هذه الأمور، فإن الغرض من شرعيتها أن\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٤٣٣)، و\"عمدة القاري\" (٥/ ١٤٠)، و\"شرح صحيح البخاري\" لابن بطال (٢/ ٥٤٠).\n(^٢) \"فيض الباري\" (٢/ ٣٥٥).","vol":"3","page":33},{"text":"يحرس بعضهم بعضًا، فلو صلى أحد غير ملتفت إلى شيء آخر ضاعت فائدة هذه الصلاة التي أبيحت فيها الأفعال الكثيرة من المشي وغيره، وشُرعت على غير هيئة الصلاة كلّها، حتى أمر في الآية بحمل السلاح في الصلاة ندبًا عند الحنفية، ووجوبًا عند الآخرين، وغير ذلك من الأمور الكثيرة، انتهى من هامش \"اللامع\" (^١) والبسط فيه.\n\n(٤ -<span data-type='title' id=toc-796> باب الصلاة عند مناهضة الحصون. . .) إلخ</span>\nفي \"تراجم شيخ المشايخ\" (^٢): أي: يجوز الصلاة بالإيماء عند ذلك إن لم يقدروا على الصلاة بالركوع والسجود، ولا يكفي التكبير فقط عندما لم يقدروا على ذلك أيضًا، بل يؤخِّرونها ويقضونها، انتهى.\nقلت: ظاهر صنيع المؤلف وما أورد فيه من الآثار والرواية يدل على أنه رأى رأي الحنفية أن تؤخر الصلاة، ففي هامش \"اللامع\" (^٣) تحت قول الشيخ: ولا تجوز الصلاة في حالة القتال عندنا، انتهى. وهذا معروف من مذهب الحنفية أن صلاة المسايفة لا تجوز عندهم، وتجوز عند الأئمة الثلاثة ماشيًا مع الكر والفر.\nقال الموفق (^٤): إذا اشتد الخوف والتحم القتال، فلهم أن يصلُّوا كيفما أمكنهم رجالًا وركبانًا، ولا يؤخِّرون الصلاة عن وقتها، وهذا قول أكثر أهل العلم، وقال أبو حنيفة: لا يصلي مع المسايفة. . . إلى آخر ما بسط فيه من \"الأوجز\" (^٥). ولا يذهب عليك الفرق بين صلاة المسايفة وبين صلاة الطالب والمطلوب، فإن الثانية مختلفة بينهم كما سيأتي.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٤/ ٩٢).\n(^٢) (ص ٦٧٢).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٤/ ٩٥).\n(^٤) \"المغني\" (٣/ ٣١٦).\n(^٥) \"أوجز المسالك\" (٤/ ٢٩).","vol":"3","page":34},{"text":"(٥ -<span data-type='title' id=toc-797> باب صلاة الطالب والمطلوب راكبًا. . .) إلخ</span>\nفي \"تراجم شيخ المشايخ\" (^١): أي: الذي يطلب العدو ويعدو عَقِبَه، أو يطلبه العدو ويأتي عقبه، إن أدركته الصلاة يصلي بالإيماء إن لم يقدر على الركوع والسجود، انتهى.\nواختلفت الأئمة في صلاة الطالب والمطلوب، قال القسطلاني (^٢): قد اتفقوا على صلاة المطلوب راكبًا، واختلفوا في الطالب، فمنعه الشافعي وأحمد، وقال مالك: يصلي راكبًا إذا خاف فوت العدو إن ترك (^٣)، انتهى. وهكذا قال العيني وغيره.\nوأما عند الحنفية فتجوز صلاة المطلوب راكبًا فقط دون الطالب، ولا تجوز عندهم الصلاة ماشيًا بحال. . . إلى آخر ما بسط في هامش \"اللامع\" (^٤). وظاهر صنيع البخاري أنه أيضًا لم يجوِّز الصلاة ماشيًا، ولذا لم يبوِّب ههنا ماشيًا كما تقدمت الإشارة إليه.\nقوله: (صلاة شرحبيل بن السمط)، كتب الشيخ في \"اللامع\" (^٥): وكانوا قد صلوا على ظهور دوابّهم، وأنكروا على من نزل منهم، ثم إن قصته لم تُستوف حتى يُعلم هل كان طالبًا أو مطلوبًا، ثم إن الاحتجاج بما وقع للسائرين إلى بني قريظة غير تام لتوقفه على ثبوت أنهم صلّوا راكبين ولم يثبت، وإنما ثبت أنهم صلّوا في الطريق، والظاهر صلاتهم نازلين؛ إذ لو كانوا قد صلوا ركبانًا يومئون لما اطلع على ذلك أصحابهم الذين أنكروا عليهم، وقالوا: لم يروا منا ذلك. ولو ثبت منهم أنهم صلوا ركبانًا فكان ذلك على احتمال أنهم أمروا بإعادة الصلاة بعدها. ولو سلم أنهم لم يؤمروا بذلك لكان سقوط فرض الوقت عنهم بذلك الإيماء لخطئهم في فهم\n_________\n(^١) (ص ٢٧٥).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٢/ ٧١٢).\n(^٣) كذا في الأصل و\"اللامع\"، وفي \"إرشاد الساري\": إن نزل.\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٤/ ٩٥).\n(^٥) \"لامع الدراري\" (٤/ ٩٣ - ٩٩).","vol":"3","page":35},{"text":"بعض ما ورد به النص، فكانوا خاطئين في الاجتهاد، فوقعت صلاتهم حسبما أدّى إليه رأيهم، انتهى.\nقلت: هو كذلك، فإني لم أجد في الشروح قصة صلاتِه مفصلةً إلّا ما قال العيني عن ابن بطال (^١) أنه قال: طلبت قصة شرحبيل بتمامها لأتبيَّن هل كانوا طالبين أو مطلوبين؟. . . إلى آخر ما ذكر في هامش \"اللامع\".\nقلت: إن كانوا مطلوبين، فالجزء الثاني من الترجمة ثابتة نصًّا، وإلّا فبالأولوية.\nقوله: (لا يصلِّيَنَّ أحد العصر إلّا في بني قريظة) قال الحافظ (^٢): قيل في الاستدلال بأن بعضهم أخّروا الصلاة، فلما سوّغ لهم التأخير عن الوقت المفروض ساغ لهم ترك إتمام الأركان والانتقال إلى الإيماء. وقيل: صلى بعضهم على الدّوابِّ، وهذا لو ثبت لكان أبين في الاستدلال. قال الحافظ: لم أر في رواية التصريح بصلاتهم راكبًا، انتهى.\nقلت: وأيضًا لا يوافق مذهب أحد؛ لأن الذين أباحوا صلاة الطالب راكبًا قيدوا الإباحة بخوف فوت العدو كما قال به الأوزاعي ومالك وأحمد في رواية، أو الانقطاع عن الرفقة كما قال به الشافعي، ولا يوجد شيء من ذلك ههنا.\nثم لا يذهب عليك أن في الحديث إشكالًا قويًّا، وهو أنه وقع ههنا بلفظ: \"العصر\"، وهكذا وقع في جميع النسخ عند البخاري، ووقع في جميع النسخ عند مسلم \"الظهر\" مع اتحاد سندهما، وقد وافق مسلمًا أبو يعلى وآخرون، وأما أصحاب المغازي فاتفقوا على أنها العصر، وبسط الحافظ (^٣) في نقل كلامهم، وقد جمع بعض العلماء باحتمال أن بعضهم قبل الأمر كان صلى الظهر وبعضهم لم يصلِّها، فقيل للثاني ما في مسلم،\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٥/ ١٤٦)، و\"شرح صحيح البخاري\" لابن بطال (٢/ ٥٤٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٤٣٧).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٧/ ٤٠٨).","vol":"3","page":36},{"text":"وللأول ما في البخاري، وجمع بعضهم باحتمال أن تكون طائفة منهم راحت بعد طائفة، فقيل للطائفة الأولى: الظهر، وللثانية: العصر، إلى آخر ما بسط في هامش \"اللامع\" (^١).\n\n(٦ -<span data-type='title' id=toc-798> باب التكبير والغلس بالصبح. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٢): بتقديم الكاف في الأكثر، وفي بعضها بتقديم الموحدة وهو أوجه، وهو إشارة إلى أنّ صلاة الخوف لا يشترط فيها التأخير إلى آخر الوقت كما شرطه مَن شَرَطه في صلاة شدة الخوف عند التحام المقاتلة، ويحتمل أن يكون للإشارة إلى تعيُّن المبادرة إلى الصلاة في أوّل وقتها قبل الدخول في الحرب والاشتغال بأمر العدو، وأما التكبير فلأنه ذكر مأثور عند كل أمر مهول، وعند كل حادث سرور، انتهى.\nقلت: لا يبعد عندي استثناؤه مما ورد في أبي داود في \"باب فيما يؤمر به من الصمت عند اللقاء\" من \"كتاب الجهاد\" من النهي عن رفع الصوت عند القتال بلفظ: كان أصحاب النبي - ﷺ - يكرهون الصوت عند القتال، والله - ﷾ - أعلم، ثم براعة الاختتام سكت عنه الحافظ، ولعله لظهوره، فإن قوله: \"فقتل المقاتلة\" نص في ذلك.\n* * *\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٤/ ١٠٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٤٣٨).","vol":"3","page":37},{"text":"١٣ -<span data-type='title' id=toc-799> كتاب العيدين</span>\nأي: الفطر والأضحى.\nوذكر في \"الأوجز\" وهامش \"اللامع\" (^١) ههنا عدة مباحث لطيفة في اشتقاقه، وفي مبدئه، وفي حكمه، وفي شرائطه، وفي كونه من خصائص هذه الأمة، وفي أن أحدهما أفضل من الآخر أم لا؟ من شاء التفصيل فليرجع إليهما.\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-800> باب ما جاء في العيدين والتجمل فيهما)</span>\nقد تقدم في \"الجمعة\" \"باب ما يلبس أحسن ما يجد\"، وذكر المصنف في البابين حديثًا واحدًا، لكن تغاير في السياق، إذ ذكر ههنا بلفظ: \"ابتع هذه تجمّل بها للعيد\"، وفي \"الجمعة\": \"لو اشتريت هذه فلبستها يوم الجمعة\" الحديث، وهذا مشعر إلى أنه لا بأس في شراء الثياب للتجمُّل في العيد بخلاف الجمعة فيلبس فيها المشتراة قبل ذلك، كما تشير إليه فاء التعقيب في \"الجمعة\"، وههنا بلفظ: \"ابتع هذه تجمَّل بها\"، فتأمل؛ فإنه لطيف، وخاطري أبو عذره، انتهى من هامش \"اللامع\" (^٢).\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-801> باب الحراب والدرق يوم العيد)</span>\nفي \"تراجم شيخ المشايخ\" (^٣): أي: اللعب بهما في الجملة مباح في يوم العيد بهذا الحديث، وقد استحسن بعض العلماء ذلك إظهارًا لشوكة المسلمين وقوّتهم، واشتغالًا بإعداد آلات الحرب، انتهى.\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (٣/ ٦٠٥)، و\"لامع الدراري\" (٤/ ١٠٢).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٤/ ١٠٤).\n(^٣) (ص ٢٧٩).","vol":"3","page":38},{"text":"قال الحافظ (^١): الحراب جمع حربة، والدرق جمع درقة، وهي الترس، ومراد البخاري الاستدلال على أن العيد يُغتفر فيه من الانبساط ما لا يُغتفر في غيره، انتهى.\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-802> باب سُنَّة العيدين لأهل الإسلام)</span>\nفي \"تراجم شيخ المشايخ\" (^٢): السُّنَّة ههنا بمعنى: الاستنان؛ يعني: باب استنان العيدين لأهل الإسلام وما يباح لأجلهما مما يحظر في سائر الأيام، انتهى.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): قوله: \"هذا عيدنا\"، أشار المؤلف بإيراد الحديث في هذا الباب إلى أن يوم العيد يجوز فيه لكافة أهل الإسلام كلّ ما اشتهوا من المباحات من اللعب، وما فيه تعلل ما لم يكن إثمًا، انتهى.\nقال الحافظ (^٤): قوله: \"باب سُنة العيدين. . .\" إلخ، كذا للأكثر، وزاد أبو ذر عن الحموي في أول الترجمة: \"الدعاء في العيد\"، قال ابن رُشيد: أراه تصحيفًا، وكأنه كان فيه اللعب في العيد، فيناسب حديث عائشة، ويحتمل أن يوجه بأن الدعاء بعد صلاة العيد يؤخذ حكمه من جواز اللعب بعدها بطريق الأولى، أو إشارة إلى أنّ الدعاء لا يثبت، ولم يصح فيه شيء، وأما مناسبة حديث عائشة للترجمة التي اقتصر عليها الأكثر، فقيل: من قوله: وهذا عيدنا، والإشعار بالندب إلى ذلك، ويحتمل أن يكون المراد أن تقديم العبادة على اللعب سُنَّة أهل الإسلام، أو تُحمل السُّنَّة في الترجمة على المعنى اللغوي، انتهى مختصرًا.\nقال العيني (^٥): وإنما ذكر قوله: \"لأهل الإسلام\" إيضاحًا أنّ سُنَّة أهل\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٤٤٠).\n(^٢) (ص ٢٨٠).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٤/ ٢٠٧).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٢/ ٤٤٥).\n(^٥) \"عمدة القاري\" (٥/ ١٦٠).","vol":"3","page":39},{"text":"الإسلام في العيد خلاف ما يفعله غير أهل الإسلام؛ لأن لهم أيضًا أعيادًا، انتهى.\nقلت: يعني كون العيدين مسنونًا لأهل الإسلام، فعلى هذا فيه تأييد لما في \"السنن\" واللفظ لأبي داود (^١) عن أنس قال: \"قدم رسول الله - ﷺ - المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما. . .\" الحديث، وفيه: فقال رسول الله - ﷺ -: \"إن الله قد أبدلكم بهما خيرًا منهما: يوم الأضحى ويوم الفطر\".\n\n(٤ -<span data-type='title' id=toc-803> باب الأكل يوم الفطر قبل الخروج)</span>\nذكر المصنف فيه حديثًا مثبتًا للترجمة نصًّا، ثم ذكر بعده \"باب الأكل يوم النحر\"، ولم يذكر فيه الحكم نصًّا، فاختلفوا في أن غرض المصنف استحباب الأكل بعد العيد كما عليه الجمهور أو خلافه، ورأى الشيخ في \"اللامع\" (^٢) أنّ البخاري أراد بالترجمة جواز الأكل قبل العيد كما سيأتي.\nوقال الحافظ في \"باب الأكل يوم النحر\" (^٣): قال ابن المنيِّر ما محصله: لم يقيد المصنف الأكل يوم النحر بوقت معين كما قيّده في الفطر، ووجه ذلك أنّ في أحاديث الباب لم يقيد ذلك بوقت، قال الحافظ: لعل المصنف أشار بذلك إلى تضعيف ما ورد في الترمذي وغيره من مغايرة يوم الفطر ليوم النحر من استحباب البداية بالصلاة يوم النحر قبل الأكل، انتهى.\nوميل القسطلاني (^٤) إلى أنّ الإمام البخاري أراد موافقة القوم في الأكل بعد النحر. . . إلى آخر ما بسط في هامش \"اللامع\"، وفيه: ومذهب الفقهاء في ذلك ما قال الموفق (^٥): السُّنَّة أن يأكل في الفطر قبل الصلاة، ولا يأكل في الأضحى حتى يصلي، وهذا قول أكثر أهل العلم، منهم: مالك والشافعي وغيرهما، لا نعلم فيه خلافًا، قال أحمد: والأضحى\n_________\n(^١) \"سنن أبي داود\" (١١٣٤).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٤/ ١٠٨).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٢/ ٤٤٨).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (٢/ ٧٢٨).\n(^٥) \"المغني\" (٣/ ٢٥٨).","vol":"3","page":40},{"text":"لا يأكل فيه حتى يرجع إذا كان ذبح، وإذا لم يكن له ذبح لم يبالِ أن يأكل، انتهى.\nوفي \"الدر المختار\" (^١): يندب تأخير أكله عنها، وإن لم يضح في الأصح، انتهى.\n\n(٥ -<span data-type='title' id=toc-804> باب الأكل يوم النحر)</span>\nتقدَّم الكلام عليه في الباب السابق، وكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢) أي: أنه لا بأس به، والأولى لمن قصد التضحية أن يكون أول طعامه من أضحيته، ودلالة الرواية على الترجمة من حيث إنه - ﷺ - لم ينكر على أبي بردة أكله وإطعامه، وإنما أنكر عليه وقوع ذبيحته من الأضحية، لو كان في الأكل نوع كراهة لردّ عليه أيضًا، انتهى.\nوفي تقرير المكي: \"باب الأكل يوم النحر\" أي: في أيّ وقت هو؟ فأثبت في الحديثين من تقريره - ﷺ - أنه قبل الصلاة جائز، لكن الأكل من النسك مستحب، والنسك لا يكون إلّا بعد الصلاة، فالأكل المستحب أيضًا كان بعد الصلاة، انتهى.\n\n(٦ -<span data-type='title' id=toc-805> باب الخروج إلى المصلَّى بغير منبر)</span>\nفي \"تراجم شيخ المشايخ\" (^٣): يعني ما كان في زمانه ﵊ هو الخروج إلى المصلَّى بلا منبر، وأما ما شرع بعد ذلك في زمان بني أمية من حمل المنابر للأئمة إلى المصلَّى في يوم العيد فهو أمر مُحدث، واستدل المؤلف على ذلك بظاهر لفظ الحديث؛ أعني قوله: \"ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس\"؛ لأنه لو كان هناك منبر لقال: فيرتقي المنبر، ومع ذلك فقد ورد في بعض الطرق أنه ﵊ خطب يوم العيد على\n_________\n(^١) \"رد المختار\" (٣/ ٦٠).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٤/ ١٠٩).\n(^٣) (ص ٢٨٢).","vol":"3","page":41},{"text":"رجليه، لعل ذلك ليس على شرط المؤلف، ولهذا لم يورده، واكتفى على ظاهر الحديث، انتهى.\nقال الحافظ (^١): يشير إلى ما ورد في بعض طرق حديث أبي سعيد، وهو ما أخرجه أحمد وغيره قال: أخرج مروان المنبر يوم عيد وبدأ بالخطبة قبل الصلاة، فقام إليه رجل فقال: يا مروان خالفت السُّنَّة. . . الحديث، انتهى.\n\n(٧ -<span data-type='title' id=toc-806> باب المشي والركوب إلى العيد. . .) إلخ</span>\nفي \"تراجم شيخ المشايخ\" (^٢): قد استشكل بثبوت جواز الركوب من أحاديث الباب، ولعله جاء في بعض الروايات، وإلا فلا حاجة لإثبات ذلك بحديث الباب، وقد نقل الشارح القسطلاني وجهًا لإثبات جواز الركوب بعذر، وهو الاستدلال بلفظ: \"وهو يتوكأ على [يد] بلال\"، فمحمل بعيد، انتهى.\nقال الحافظ (^٣): ذكر المصنف في هذه الترجمة ثلاثة أحكام:\nالأول: صفة التوجه بالمشي والركوب، ولعله أشار إلى تضعيف ما ورد في الترمذي عن علي - ﵁ -: \"من السُّنَّة أن يخرج إلى العيد ماشيًا\"، لكن ليس في حديث الباب ما يدل على الركوب إلّا أن يستنبط من قوله: \"ويتوكأ على بلال\".\nالحكم الثاني: الصلاة قبل الخطبة، والروايات فيه ظاهرة، واختلف في أول من غيَّر ذلك، فرواية مسلم صريحة في أنه مروان، وقيل: وسبقه إلى ذلك عثمان، وقيل: معاوية، وقيل: زياد.\nالحكم الثالث: كون صلاة العيد بغير أذان ولا إقامة، وليس في\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٤٤٩).\n(^٢) (ص ٢٨٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٢/ ٤٥١).","vol":"3","page":42},{"text":"الأحاديث ما يدل عليه إلّا حديث ابن عباس في الأذان، ولعله إشارة إلى بعض ما ورد في الروايات من لفظ: \"بغير أذان ولا إقامة\" في مسلم وأبي داود والنسائي، ولفظه: \"فصلى بغير أذان ولا إقامة\"، انتهى.\nقال السندي (^١): والذي يظهر أن محط الترجمة هو قوله: \"بغير أذان ولا إقامة\"، فالمقصود بيان الفرق بين الجمعة والعيد بأن المشي والركوب إلى الجمعة معلق بالنداء، وكذا الصلاة تكون بأذان وإقامة بخلاف العيد؛ فإن السعي إليها بلا نداء، وكذا الصلاة، وحينئذ لا تكرار بالترجمة الآتية، فإن قوله: \"الصلاة قبل الخطبة\" ليس مقصودًا، انتهى ملخصًا.\nقلت: وهذا على نسخة السندي وغيره، فإن في نسخته \"باب المشي والركوب إلى العيد والصلاة قبل الخطبة وبغير أذان ولا إقامة\"، وأما على النسخة الهندية التي بأيدينا فلا إيراد.\n\n(٨ -<span data-type='title' id=toc-807> باب الخطبة بعد العيد)</span>\nتقدَّم بعض ما يتعلَّق به في الباب السابق، ويشكل ههنا التكرار كما تقدم في كلام السندي.\nقال الحافظ (^٢): وهذا الباب مما يرجح رواية الذين أسقطوا قوله: \"والصلاة قبل الخطبة\" من الترجمة السابقة، وهم الأكثر، وقيل: أعاده اهتمامًا بشأنه لكونه في السابق تبعًا، انتهى.\nولعل المقصود من هذا الباب الرد على ما أحدثه بنو أمية، ومناسبة الحديث الثالث بالترجمة بأنه من تتمة الخطبة، قاله الكرماني (^٣)، وجزم به الحافظ، ويبعد ما قال العيني (^٤): مطابقته للترجمة تأتي بتكلف من أن\n_________\n(^١) \"حاشية السندي على صحيح البخاري\" (١/ ١٧١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٣٤٣).\n(^٣) \"شرح الكرماني\" (٦/ ٦٩).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (٥/ ١٧٥).","vol":"3","page":43},{"text":"الترجمة مشتملة على العيد، والمراد منه صلاة العيد، وأشار بالحديث إلى أنّ صلاة العيد ركعتان، انتهى.\nقال الحافظ: وأما حديث البراء فظاهره يخالف الترجمة؛ لأن قوله: \"أول ما نبدأ به. . .\" إلخ، مشعر بأنه وقع قبل الصلاة، وهذا الكلام كان من الخطبة فيستلزم تقديم الخطبة على الصلاة، والجواب: أنّ المراد أنه - ﷺ - صلَّى العيد ثم خطب، فقال هذا الكلام.\nقال ابن بطال (^١): غلط النسائي إذ بوَّب عليه الخطبة قبل الصلاة، وخفي عليه أن العرب قد تضع المستقبل مكان الماضي، وكأنه - ﵇ - قال: أول ما يكون به الابتداء في هذا الصلاة التي قدمنا فعلها، انتهى.\n\n(٩ -<span data-type='title' id=toc-808> باب ما يكره من حمل السلاح. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): إثبات الكراهة في يوم العيد بالرواية مبني على تعدية الحكم بوجود العلة وهو الزحام، فإن السلاح في الترجمة لا يؤمن عليه الهلاك، انتهى.\nوفي هامشه: قال الحافظ (^٣): هذه الترجمة تخالف في الظاهر الترجمة المتقدمة، وهي \"باب الحراب والدرق\"؛ لأن تلك دائرة بين الإباحة والندب على ما دل عليه حديثها، وهذه دائرة بين الكراهة والتحريم، ويُجمع بينهما بحمل الحالة الأولى على وقوعها بالدّربة، وعهدت منه السلامة من الإيذاء، والحالة الثانية تحمل على وقوعها ممن حملها بطرًا وأشرًا، أو لم يتحفظ حال حملها وتجريدها من إصابتها أحدًا من الناس، ولا سيما عند المزاحمة، انتهى.\nوما يظهر لهذا العبد الفقير أن لا تَخالُفَ بين الترجمتين أصلًا،\n_________\n(^١) \"شرح صحيح البخاري\" لابن بطال (٢/ ٥٥٨).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٤/ ١١٣ - ١١٥).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٢/ ٤٥٥).","vol":"3","page":44},{"text":"ولا تعلُّق لإحداهما بالأخرى، فالغرض من الأولى اللعب بها يوم العيد، ولا تعلق له بالمصلّى، وغرض هذه الترجمة أخذ السلاح معه في المصلّى لصلاة العيد، ولذا ترجم أولًا بيوم العيد، وههنا بحملها في العيد، أي: في المصلّى، انتهى.\n\n(١٠ -<span data-type='title' id=toc-809> باب التبكير للعيد. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١) تحت قوله: \"من ذبح قبل أن يصلي. . .\" إلخ: فيه دلالة على الترجمة، حيث كان التقديم بالذبح منهيًّا عنه، والبداءة بالصلاة مأمورًا بها، وذلك لما في الاشتغال بالذبح من تأخير الصلاة، فعلم أن التبكير مندوب، ثم إن هذا الأمر لا يتناول إلّا من كان مصليًا منهم، فأما من لم يصلّ كأهل القرى فإنهم يجوز لهم أن يضحوا قبل فراغ أهل المصر من صلاتهم؛ لأن أهل القرى ليست لهم صلاة حتى يُخِل اشتغال التضحية بأمر الصلاة، ولأن النهي عن التقدم بالتضحية على الصلاة يقتضي وجود الصلاة، وحيث لا صلاة لا تُقدَّم، فيضحُّون متى شاءوا قبل صلاة أهل المصر أو بعدها، والله تعالى أعلم، انتهى.\nوقريب منه ما قال الحافظان ابن حجر والعيني (^٢): من أنه لا ينبغي الاشتغال في يوم العيد بشيء غير التأهب للصلاة والخروج إليها، ومِن لازِمه أن لا يُفعل قبلها شيء غيرها، فاقتضى ذلك التبكير إليها، انتهى.\n\n(١١ -<span data-type='title' id=toc-810> باب فضل العمل في أيام التشريق)</span>\nقال الحافظ (^٣): قال ابن بطال: المراد بالعمل في أيام التشريق التكبير فقط؛ لأنه ثبت أنها أيام أكل وشرب وبعال وإباحة اللهو بالحراب وغيره،\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٤/ ١١٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٤٥٧)، و\"عمدة القاري\" (٥/ ١٨٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٢/ ٤٦)، و\"شرح صحيح البخاري\" لابن بطال (٢/ ٥٦١).","vol":"3","page":45},{"text":"وثبت تحريم صومها، فدل على تفريغها لذلك مع الحض على الذكر المشروع منه فيها التكبير فقط، ومن ثم اقتصر المصنف على الآثار المتعلقة بالتكبير، وقال الكرماني (^١): العمل لا ينحصر في التكبير بل المتبادر منه أنه المناسك من الرمي وغيره؛ لأنه لو حمل على التكبير وحده لزم التكرار بالباب الآتي، انتهى.\nورجح الحافظ قول ابن بطال، وأجاب عن التكرار بأن الترجمة الأولى لفضل التكبير، والثانية لمشروعيته وصفته، أو أراد تفسير العمل المجمل في الأولى بالتكبير المصرح به في الثانية فلا تكرار، انتهى.\nقال القسطلاني (^٢): أيام التشريق الثلاثة بعد يوم النحر، وقيل: يوم النحر أيضًا من أيام التشريق؛ لأن لحوم الأضاحي كانت تُشرق فيها [بمنى]، أي: تقدد، أو لأنها إنما تصلى بعد أن تشرق الشمس، فصارت تبعًا ليوم النحر، أو من قول الجاهلية: \"أشرق ثبير كيما نغير\"، وحينئذ فإخراجهم يوم النحر منها إنما هو لشهرته بلقب خاص، وهو يوم العيد، وإنما هو في الحقيقة تبع له في التسمية، انتهى.\nقال ابن رشد في \"البداية\" (^٣): لا خلاف بينهم في أن أيام التشريق ثلاثة بعد يوم النحر، إلّا ما روي عن سعيد بن جبير أنه قال: يوم النحر من أيام التشريق، انتهى.\nقوله: (وكان ابن عمر وأبو هريرة يخرجان. . .) إلخ، قالوا: هذا وما بعده لا يناسب الترجمة، إلّا أنّ المصنف كثيرًا ما يضيف إلى الترجمة أشياء لأدنى مناسبة.\nوقال الحافظ (^٤): الظاهر أنه أراد تساوي أيام التشريق بأيام العشر، انتهى من القسطلاني.\n_________\n(^١) \"شرح الكرماني\" (٦/ ٧٥).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٢/ ٧٤٦).\n(^٣) \"بداية المجتهد\" (١/ ٤٣٧).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٢/ ٤٥٨)، و\"إرشاد الساري\" (٢/ ٧٤٨).","vol":"3","page":46},{"text":"والأوجه عندي يمكن أن يكون يوم النحر عند المصنف داخلًا في أيام التشريق، ويوم النحر داخل في أيام العشر أيضًا، فثبتت المناسبة، والله أعلم.\n\n(١٢ -<span data-type='title' id=toc-811> باب التكبير أيام منى)</span>\nتقدم بعض ما يتعلق به في الباب السابق من كلام الحافظ، وقال أيضًا (^١): قال الخطابي: الحكمة في التكبير في هذه الأيام أن أهل الجاهلية كانوا يذبحون في هذه الأيام لطواغيتهم، فشرع إشارة إلى تخصيص الذبح له وعلى اسمه - ﷿ -. وفي هامش أبي داود عن النووي: فيه عشرة أقوال للعلماء، منها قول للشافعي: إنها من صبيحة عرفة إلى عصر آخر أيام التشريق، انتهى.\nقال القسطلاني (^٢): الصحيح من مذهب الشافعية أن استحبابه يعمُّ الصلاة فرضًا ونفلًا ولو جنازة لكل مصلٍّ، مقيم أو مسافر، ذكرٍ أو أنثى، من صبح عرفة إلى عقيب عصر آخر أيام التشريق، وخصَّه المالكية بالفرائض، وهو عندهم من ظهر يوم النحر، إلى آخر صبح اليوم الرابع.\nقال الموفق (^٣): المشروع عند إمامنا التكبير عقيب الفرائض في الجماعات في المشهور عنه من صبح عرفة إلى عصر آخر أيام التشريق، انتهى. وقال الإمام أبو حنيفة: إنه من صلاة الفجر يوم عرفة إلى عقيب العصر يوم النحر؛ فيكون بعد ثمان صلوات. وقال صاحباه: إنه يختم عقب صلاة العصر من آخر أيام التشريق، انتهى من هامش \"اللامع\" (^٤) و\"الأوجز\".\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٤٦١).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٢/ ٧٥٢).\n(^٣) \"المغني\" (٣/ ٢٩١).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٤/ ١١٨)، و\"أوجز المسالك\" (٨/ ٢٤٩).","vol":"3","page":47},{"text":"(١٣ -<span data-type='title' id=toc-812> باب الصلاة إلى الحربة يوم العيد)</span>\nتقدمت هذه الترجمة في أبواب السترة، والظاهر عندي أن المصلَّى لما لم يكن مبنيًا في زمنه - ﷺ - وتكون الصلاة في الصحراء، نَبَّه بهذه الترجمة إلى اهتمام السترة في صلاة العيد، وليست الحربة بمقصودة ههنا بخلاف ما تقدم، بل الغرض اتخاذ السترة بأي شيء كان، والتقييد بالحربة في الترجمة رعاية للفظ الحديث.\n\n(١٤ -<span data-type='title' id=toc-813> باب حمل العَنَزة أو الحربة بين يدي الإمام يوم العيد)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): وهذا بمنزلة الاستثناء مما تقدم من استصحاب السلاح مع ما فيه من التنبيه على علتي الجواز والنهي، فإن السبب في النهي عنه لما كان خوف الهلاك جاز أخذ السلاح معه إذا حصل الأمن منه بسبب، مثل أن يتقدم الحامل على القوم، فإن المتقدم على الإمام متقدم على القوم لكونهم خلفه، انتهى.\nقال الحافظ (^٢): أفرد له ترجمة ليشعر بمغايرة الحكم؛ لأن الأولى تبين أن سترة المصلِّي لا يشترط فيها أن تواري جسده، والثانية تثبت مشروعة المشي بين يدي الإمام بآلة من السلاح، انتهى.\nقلت: والأوجه عندي: أن الترجمة من الأصل الرابع عشر من أصول التراجم، فإن حمل السلاح بين يدي الملوك في العيدين وغيرهما لما صار ديدنًا لهم في زمن البخاري أشار بالترجمة إلى مأخذه، وأن ذلك كان في الأصل اتخاذها للسترة، فجعله السلاطين ديدنًا لهم لإظهار العز والجاه، فقد أخرج أبو داود (^٣) عن ابن عمر: أن رسول الله - ﷺ - كان إذا خرج يوم\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٤/ ١٢١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٤٦٣).\n(^٣) \"سنن أبي داود\" (ح: ٦٨٧).","vol":"3","page":48},{"text":"العيد أمر بالحربة فتوضع بين يديه فيصلِّي إليها [والناس وراءه]، وكان يفعل ذلك في السفر، فمن ثَمَّ اتخذها الأمراء، انتهى من هامش \"اللامع\".\n\n(١٥ -<span data-type='title' id=toc-814> باب خروج النساء والحيَّض إلى المصلَّى)</span>\nوقد مرّ الكلام على المسألة في \"باب والحائض العيدين\" من \"كتاب الحيض\"، ولا يشكل التكرار، ففيما تقدم لمناسبة الحيض، وههنا لمناسبة المصلَّى.\n\n(١٦ -<span data-type='title' id=toc-815> باب خروج الصبيان إلى المصلَّى)</span>\nقال الحافظ (^١): قال ابن المنيِّر: آثر المصنف في الترجمة قوله: \"إلى المصلَّى\" على قوله: \"صلاة العيد\" ليعم من يتأتى منه الصلاة ومن لا يتأتى، انتهى.\nقال الحافظ: وليس في الحديث بيان كونه صبيًا، لكن أشار على عادته إلى ما ورد في بعض الطرق بلفظ: \"ولولا مكاني من الصغر ما شهدته\"، انتهى.\n\n(١٧ -<span data-type='title' id=toc-816> باب استقبال الإمام الناس. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٢): قال ابن المنيِّر ما حاصله: إن إعادة هذه الترجمة بعد أن تقدم نظيرها في الجمعة؛ لرفع احتمال من يتوهم أن العيد يخالف الجمعة في ذلك، وأن استقبال الإمام في الجمعة يكون ضروريًا لكونه يخطب على منبر، بخلاف العيد فإنه يخطب فيه على رجليه، فأراد أن يبيّن أن الاستقبال سُنَّة على كل حال، انتهى.\nويمكن عندي في غرض المصنف الاحتراز عما سيأتي في أبواب الاستسقاء من \"باب استقبال القبلة في الاستسقاء\"، ففيه يبدأ بالخطبة ويتوجه إلى القبلة ويشتغل بالدعاء.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٤٦٤).\n(^٢) المصدر السابق (٢/ ٤٥٦).","vol":"3","page":49},{"text":"(١٨ -<span data-type='title' id=toc-817> باب العَلَم بالمصلَّى)</span>\nفي \"تراجم شيخ المشايخ\" (^١): اعلم أنه ثبت في الروايات الصحيحة أنه ما كان له - ﷺ - عَلَم في مصلَّاه، ولما كان ظاهر لفظ الحديث يحتمل أن يكون في زمانه - ﷺ - بنى المؤلف عقد الباب عليه، والأظهر عندي أنه إشارة إلى الجواز بتقرير ابن عباس فإنه ذكره بلا إنكار عليه، انتهى.\nوقال الحافظ (^٢): ظهر من هذا الحديث أنهم جعلوا لمصلَّاه شيئًا يعرف به وهو المراد بالعَلَم، أي: الشيء الشاخص، انتهى.\n\n(١٩ -<span data-type='title' id=toc-818> باب موعظة الإمام النساء)</span>\nقال الحافظ (^٣): أي: إذا لم يسمعن الخطبة مع الرجال، انتهى.\nولا يبعد عندي أن المصنف أشار إلى أن هذه لم تكن خطبة بل موعظة، فقد قال القاضي عياض: إن وعظه للنساء كان في أثناء الخطبة، وأن ذلك كان في أول الإسلام، وأنه خاص به - ﷺ -، وتعقَّبه النووي (^٤) برواية الباب بأنه كان بعد الخطبة كما بسطه الحافظ.\n\n(٢٠ -<span data-type='title' id=toc-819> باب إذا لم يكن لها جِلْباب. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٥): بكسر الجيم وسكون اللام وموحدتين، قال ابن المنيِّر: لم يذكر الجواب اكتفاءً لما في الحديث، قال الحافظ: والذي يظهر لي أن حذفه لما فيه من الاحتمال، فيحتمل أن يكون للجنس، أي: تعيرها من جنس ثيابها، ويحتمل أن يكون المراد تشركها معها في ثوبها، وقيل: إنه ذكر على سبيل المبالغة، أي: يخرجن على كل حال ولو اثنتين في جلباب، انتهى.\n_________\n(^١) (ص ٢٨٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٤٦٥).\n(^٣) المصدر السابق (٢/ ٤٦٧).\n(^٤) \"شرح صحيح مسلم\" (٣/ ٤٤٢).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٢/ ٤٦٩).","vol":"3","page":50},{"text":"(٢١ -<span data-type='title' id=toc-820> باب اعتزال الحيَّض المصلَّى)</span>\nقال الحافظ (^١): كأنه أعاد هذا الحكم للاهتمام به، وقد تقدم مضمومًا إلى الباب المذكور في \"كتاب الحيض\"، انتهى.\nقال العيني (^٢): واعتزال الحيّض المصلَّى اختلفوا فيه، فقال الجمهور: هو منع تنزيه؛ وسببه الصيانة والاحتراز عن مقارنة النساء للرجال من غير حاجة ولا صلاة، وإنما لم يحرم؛ لأنه ليس بمسجد، انتهى.\nقال النووي (^٣): حكى أبو الفرج من أصحابنا عن بعض أصحابنا أنه يحرم المكث في المصلَّى على الحائض، كما يحرم المكث في المسجد، والصواب الأول، انتهى.\nوتقدم شيء من الكلام عليه في \"كتاب الحيض\".\n\n(٢٢ -<span data-type='title' id=toc-821> باب النحر والذبح يوم النحر بالمصلَّى)</span>\nفي \"تراجم شيخ المشايخ\" (^٤): يعني: أنه هو السُّنَّة، وأمّا ما يفعله الناس في زماننا من النحر والذبح في دورهم ومنازلهم بعد الرجوع من المصلى فهو أمر مُحدَث، وصدر عنهم تهاونًا وتكاسلًا، انتهى.\nقال الحافظ (^٥): قال ابن المنيِّر: عطف الذبح على النحر في الترجمة، وإن كان في الحديث ورد بـ \"أو\" للتردد، إشارةً إلى أنه لا يمتنع أن يجمع يوم النحر بين نسكين، أحدهما: مما ينحر، والآخر: مما يذبح، وليفهم اشتراكهما في الحكم.\nقال الحافظ: ويحتمل أن يكون إشارة إلى ما ورد في بعض الطرق بواو الجمع كما يأتي في \"كتاب الأضاحي\"، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٤٧٠).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٣/ ١٦٦).\n(^٣) \"شرح صحيح مسلم\" (٣/ ٤٤٧).\n(^٤) (ص ٢٨٦).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٢/ ٤٧١).","vol":"3","page":51},{"text":"قلت: وعلى هذا، فلعل المصنف أشار بالترجمة إلى أنّ لفظ \"أو\" ليس لشك الراوي، بل للتنويع، انتهى من هامش \"اللامع\" (^١).\n\n(٢٣ -<span data-type='title' id=toc-822> باب كلام الإمام والناس في خطبة العيد. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٢): في هذه الترجمة حكمان، وظنّ بعضهم أن فيها تكرارًا، وليس كذلك، بل الأول أعم من الثاني، ولم يذكر المصنف الجواب استغناء بما في الحديث، ووجهه من حديث البراء أن المراجعة الصادرة بين أبي بردة وبين النبي - ﷺ - دالة على الحكم الأول، وسؤال أبي بردة عن حكم العناق دال على الحكم الثاني، انتهى.\n\n(٢٤ -<span data-type='title' id=toc-823> باب من خالف الطريق إذا رجع يوم العيد)</span>\nقال الحافظ (^٣): قال الترمذي: أخذ بهذا أهل العلم فاستحبه للإمام، وبه يقول الشافعي، والذي في \"الأم\": يستحب للإمام والمأموم، وبه قال أكثر الشافعية، وبالتعميم قال أكثر أهل العلم، انتهى.\nقال العيني (^٤): جمهور العلماء على استحباب ذلك، وقال أبو حنيفة: يستحب له ذلك، فإن لم يفعل فلا حرج عليه، انتهى.\nقال الحافظ: واختلف في معنى ذلك على أقوال كثيرة، اجتمع لي منها أكثر من عشرين قولًا، إلى آخر ما بسط في هامش \"اللامع\" (^٥).\n\n(٢٥ -<span data-type='title' id=toc-824> باب إذا فاته العيد يصلِّي ركعتين)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٦): وهذا عندنا على الاستحباب والتنفل لا حقيقة القضاء، وأما أنس فإنما كان يصلي لكونه في فناء البصرة، وهو\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٤/ ١٢٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٤٧٢).\n(^٣) المصدر السابق (٢/ ٤٧٢).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (٥/ ٢٠٦).\n(^٥) \"لامع الدراري\" (٤/ ١٢٦).\n(^٦) المصدر السابق (٤/ ١٢٩ - ١٣٤).","vol":"3","page":52},{"text":"حجة لمن جوَّز تعدد الصلاة، أي: جوَّزه في أمكنة متعددة، وأما قول عطاء فاجتهاد منه لا يجب تسليمه، وكذلك ما قاله عكرمة، والاحتجاج بالرواية لعموم قوله: \"أيام عيد\" من غير تقييد بقوم، انتهى.\nوفي هامشه: ههنا مسألتان مختلفتان طالما يلتبس إحداهما بالأخرى لنقلة المذاهب، إحداهما: فوت صلاة العيد للإمام والمأمومين كلهم لعارض، وليست بمراد البخاري، ذكرها أبو داود في \"سننه\" وترجم عليها \"باب إذا لم يخرج الإمام للعيد من يومه يخرج من الغد\"، وأورد فيه حديث بعض الصحابة أنهم جاؤوا إلى النبي - ﷺ - يشهدون أنهم رأوا الهلال بالأمس، فأمرهم أن يفطروا وإذا أصبحوا أن يغدوا إلى مصلاهم.\nوقال الشيخ في \"البذل\" (^١) بعد بسط الكلام على الحديث: وإلى ذلك ذهب الأوزاعي وأحمد وأبو حنيفة وصاحباه، انتهى.\nلكن حكى الطحاوي ذلك مذهب أبي يوسف وحده، وقال: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: إذا فاتت الصلاة يوم العيد حتى زالت الشمس من يومه لم يصل بعد ذلك في ذلك اليوم ولا فيما بعده، وممن قال بذلك أبو حنيفة، انتهى.\nوأما المسألة الثانية: وهي فوات العيد بمعنى عدم الشركة في الجماعة، أي: عدم إدراكها، وهذه المسألة هي مراد الإمام في الباب كما تدل عليها الآثار الواردة في الباب، وهي أيضًا خلافية عند الأئمة.\nففي \"الأوجز\" (^٢): للمالكية أربع روايات، والراجح منها: إذا فاته العيد يندب له صلاة العيد فذًّا لا جماعةً، فيكره مع الجماعة، وعند الحنابلة: يسن لمن فاتته [صلاة] العيد قضاؤها يومها قبل الزوال وبعده على صفتها، لكن شرَّاح الحديث قاطبة نقلوا عنهم قضاء الأربعة، وقالت الشافعية: تشرع للمنفرد والعبد والمرأة والمسافر، فلا تتوقف على شروط\n_________\n(^١) \"بذل المجهود\" (٥/ ٢٤٩).\n(^٢) \"أوجز المسالك\" (٣/ ٦٤٩).","vol":"3","page":53},{"text":"الجمعة، وأما عندنا الحنفية ففي \"الدر المختار\" (^١): ولا يصليها وحده إن فاتت مع الإمام، انتهى.\n\n(٢٦ -<span data-type='title' id=toc-825> باب الصلاة قبل العيد وبعدها. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): أي: أنها تكره في المصلَّى قبلها وبعدها، ولا تكره بعدها في غيره، انتهى.\nقال الحافظ: لم يجزم بالحكم؛ لأن الأثر يحتمل أن يراد نفي الراتبة، وعلى المنع فهل هو لكونه وقت كراهة أو لا؟ أعم من ذلك، ويؤيد الأول الاقتصار على القبل، وأما الحديث فليس فيه ما يدل على المواظبة فيحتمل اختصاصه بالإمام دون المأموم، أو بالمصلَّى دون البيت، وقد اختلف السلف في ذلك، فذكر ابن المنذر عن أحمد أنه قال: الكوفيون يصلون بعدها لا قبلها، والبصريون يصلون قبلها لا بعدها، والمدنيون لا قبلها ولا بعدها، وبالأول قالت الحنفية، وبالثاني قالت جماعة، وبالثالث قال أحمد، وأما مالك فمنعه في المصلَّى، وعنه في المسجد روايتان، وعند الشافعي: يجب للإمام أن لا يتنفل قبلها ولا بعدها، وأما المأموم فمخالف له في ذلك، انتهى من هامش \"اللامع\" مختصرًا.\nثم براعة الاختتام عند الحافظ في قوله: لم يصل قبلها ولا بعدها، وعند هذا العبد الفقير إلى رحمة الله تعالى أن الخروج إلى مصلّى العيد شبيه بالخروج إلى مصلّى الجنائز، وأيضًا فيه خروج إلى الفضاء الذي هو محل المقابر.\n* * *\n_________\n(^١) \"رد المختار\" (٣/ ٥٨).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٤/ ١٣٧).","vol":"3","page":54},{"text":"١٤ -<span data-type='title' id=toc-826> أبواب الوتر</span>\nقال العلامة العيني (^١): المناسبة بين أبواب الوتر وأبواب العيد كون كل واحد من صلاة العيدين والوتر واجبًا ثبوتهما بالسُّنَّة، انتهى.\nقال الحافظ (^٢): الوتر بالكسر الفرد، وبالفتح الثأر، وفي لغة مترادفان، وقال ابن التين: اختلف في الوتر في سبعة أشياء: في وجوبه، وعدده، واشتراط النية فيه، واختصاصه بقراءة، واشتراط شفع قبله، وفي آخر وقته، وصلاته في السفر على الدابة.\nقال الحافظ: وفي قضائه والقنوت فيه وغير ذلك تبلغ ستة عشر، بسطها الحافظ.\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-827> باب ما جاء في الوتر)</span>\nقال الحافظ (^٣): ولم يتعرض المصنف لحكمه، لكن إفراده عن التهجد والتطوع يقتضي أنه غير ملحق بهما عنده، ولولا أنه أورد حديث الوتر على الدابة لكان إشارةً إلى أنه يقول بوجوبه، انتهى.\nوالمسألة خلافية، فعند الأئمة الثلاث وصاحبَيْ أبي حنيفة سُنَّة، وعند الإمام أبي حنيفة واجب.\nوالظاهر أن المصنف مال في ذلك إلى التوسع من الوحدة إلى إحدى عشر ركعة، ولذا ذكر في الباب الروايات المختلفة، وكأنه رجح قول الشافعية في الوتر موصولًا ومفصولًا، وهو مذهب أحمد، وعند الإمام مالك: الوتر ركعة واحدة لكن لا بد له من تقدم شفع عليه، ويكره الاقتصار\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٥/ ٢١٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٤٧٨).\n(^٣) المصدر السابق (٢/ ٤٧٨).","vol":"3","page":55},{"text":"على الواحدة، وعند الحنفية ثلاث ركعات بسلام واحد لا وكس ولا شطط. قال ابن العربي: وهو قول مالك في الصيام، إلى آخر ما بسط في هامش \"اللامع\" من دلائل الحنفية وغيرها.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): قوله: صلَّى ركعة واحدة، أي: مضمومة إلى اثنتين، والحق أن الوتر كانت واحدة، ثم نسخ بالنهي عن البُتيراء، فلا يجب إرجاع جميع الروايات إلى الثلاث، ولا يخلو إرجاعها إليه عن تكلف مستغنًى عنه، انتهى.\nوفي هامشه: فعلى ما أفاده الشيخ، لا حاجة إلى تأويل روايات وحدة الوتر كلها، فإن الإيتار بواحدة كان أولًا ثم نُسخ.\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-828> باب ساعات الوتر)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): أي: في أيّ ساعة يصلَّى الوتر؟ ودلالة الرواية على هذا المعنى لورود الليل مطلقًا، ولما ورد أنه انتهى وتره إلى السحر، ولأمره أبا هريرة أن يوتر قبل النوم، فأفاد مجموع الثلاثة جواز الوتر أيّ ساعةٍ شاء من الليل، غير أنا لما أُمرنا أن نجعل الوتر آخر ما نصلي من الفرائض لم يجز تقديمه على فريضة العشاء، انتهى.\nوفي هامشه: قال الحافظ (^٣): محصَّل ما ذكره أن الليل كله وقت الوتر، لكن أجمعوا على أن ابتداءه مغيب الشفق بعد صلاة العشاء، لكن أطلق بعضهم أنه يدخل بدخول العشاء، إلى آخر ما قال.\nقلت: ههنا مسألتان: ابتداء وقت الوتر وانتهاؤه.\nأما الأولى: ففيه قولان كما قال الحافظ، قال الموفق (^٤): وقته ما بين العشاء وطلوع الفجر الثاني، فلو أوتر قبل العشاء لم يصح وتره. وقال\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٤/ ١٣٨ - ١٤٠).\n(^٢) المصدر السابق (٤/ ١٤٢ - ١٤٤).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٢/ ٤٨٦).\n(^٤) \"المغني\" (٢/ ٥٩٥).","vol":"3","page":56},{"text":"أبو حنيفة: إن صلّاه قبل العشاء ناسيًا لم يُعِدْه، وخالفه صاحباه قالا: يعيد، وكذلك قال مالك والشافعي.\nوأما الثانية: فعند الحنفية آخر وقته إلى طلوع الفجر، وهو رواية عن الشافعي وأحمد، وقال الدردير (^١): وقته المختار ينتهي لطلوع الفجر، وضروريه من طلوع الفجر للصبح، أي: لتمامها، وهو وجه للشافعية والحنابلة، انتهى مختصرًا.\nولا يبعد عندي في غرض المصنف أن ما ورد في بعض الروايات من قوله: \"وانتهى وتره إلى السحر حتى مات\"، كما في رواية لأبي داود يوهم أن آخر فعله - ﷺ - الوتر في السحر، فهو ناسخ للأول، فدفعه المصنف بأنه ليس بنسخ.\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-829> باب إيقاظ النبي - ﷺ - أهله بالوتر)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): أن مداومة الإيقاظ للوتر، وتوكيد الأمر فيه ما ليس في شيء من النوافل، من أظهر أمارات الوجوب، انتهى.\nوفي هامشه: وتبويب البخاري بالإيقاظ للوتر خاصة يشير أيضًا إلى أنه إن لم يذهب إلى وجوب الوتر فقد ذهب إلى قريب من ذلك، قال الحافظ (^٣) كما تقدم قبل: لم يتعرض البخاري لحكمه، لكن إفراده بترجمة عن أبواب التهجد والتطوع يقتضي أنه غير ملحق بها عنده، ولولا أنه أورد حديث الوتر على الدابة لكان إشارة إلى أنه يقول بوجوبه، انتهى.\nوأنت خبير بأن مجرد تبويبه بالوتر على الدابة لا يدل على أنه لم ير بوجوبه مع الأمارات العديدة الدالة على أنه يرى بوجوبه، فإنه يحتمل أنه - ﵁ - مع القول بوجوبه يبيح أداءه على الدابة وينزله بمنزلة القصر في السفر، فإنهم صرَّحوا بوجوب الوتر على النبي - ﷺ - مع أدائه إياه على الدابة.\nوفي \"المشكاة\" (^٤) عن ابن عباس وابن عمر - ﵄ - أنهما قالا: الوتر في\n_________\n(^١) \"الشرح الكبير\" (١/ ٥٠٦).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٤/ ١٤٦).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٢/ ٥٧٨).\n(^٤) \"مشكاة المصابيح\" (١٣٥٠).","vol":"3","page":57},{"text":"السفر سُنَّة، فلا مانع من أن البخاري مع قوله بوجوبه يرى التخفيف فيه في السفر، انتهى.\n\n(٤ -<span data-type='title' id=toc-830> باب ليجعل آخر صلاته وترًا)</span>\nاختلف أهل العلم في الذي يوتر من أول الليل ثم يقوم من آخره، فرأى بعض أهل العلم من أصحاب النبي - ﷺ - بنقض الوتر، وهو الذي ذهب إليه إسحاق، وقال بعض أهل العلم: إنه لا ينقض وتره ويدع وتره على ما كان، وهو قول مالك وأحمد وغيرهما، وهذا أصح، إلى آخر ما بسط في هامش \"اللامع\" (^١).\n\n(٥ -<span data-type='title' id=toc-831> باب الوتر على الدابة)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع (^٢): محمله عندنا الضرورة المجوِّزة للصلاة المفروضة على ظهر الدابة من خوف التلف بعَدُوٍّ أو سبُع أو غير ذلك، انتهى. وهذا أيضًا من المسائل الخلافية في أبواب الوتر بسط في هامش \"اللامع\" و\"الأوجز\" (^٣).\nقال الزرقاني (^٤): استشكل بأن من خصائصه - ﷺ - وجوب الوتر عليه فكيف صلَّاه راكبًا؟ وأجيب بأن محل الوجوب الحضر بدليل إيتاره - ﷺ - راكبًا في السفر، وهذا مذهب مالك ومن وافقه، والقائل بوجوبه عليه - ﷺ - مطلقًا قال: يحتمل الخصوصية، وبُعده لا يخفى، انتهى.\nقلت: ولا حجة فيه على الحنفية؛ لأنهم قالوا: إن الوتر كان قبل الإيجاب مستحبًا فيمكن حمله على ذلك الوقت، إلى آخر ما بسط في هامش \"اللامع\".\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٤/ ١٤٦).\n(^٢) المصدر السابق (٤/ ١٤٨).\n(^٣) \"أوجز المسالك\" (٢/ ٦٣٥).\n(^٤) \"شرح الزرقاني\" (١/ ٢٥٦).","vol":"3","page":58},{"text":"قال العيني (^١): احتج بحديث الباب مالك والشافعي وأحمد على أن للمسافر أن يصلي الوتر على دابته، وكان مالك يقول: لا يصلي على الراحلة إلا في سفر يقصر فيه الصلاة، وقال الشافعي: قصير السفر وطويله في ذلك سواء، وقال أبو حنيفة وصاحباه: لا يجوز الوتر إلّا على الأرض، انتهى مختصرًا.\n\n(٦ -<span data-type='title' id=toc-832> باب الوتر في السفر)</span>\nقال الحافظ (^٢): أشار بهذه الترجمة إلى الرد على من قال: إنه لا يسن في السفر، وهو منقول عن الضحاك، انتهى. وهكذا قال العيني.\n\n(٧ -<span data-type='title' id=toc-833> باب القنوت قبل الركوع وبعده)</span>\nقال الحافظ (^٣): قال ابن المنيِّر: أثبت بهذه الترجمة مشروعية القنوت، إشارة إلى الرد على من روي عنه أنه بدعة كابن عمر، ولم يقيده في الترجمة بصبح ولا غيره مع كونه مقيدًا في بعض الأحاديث بالصبح، وأوردها في أبواب الوتر أخذًا من إطلاق أنس، كذا قال.\nويظهر لي أنه أشار بذلك إلى قوله في الحديث الرابع: \"كان القنوت في الفجر والمغرب\"؛ لأنه ثبت أن المغرب وتر النهار، فإذا ثبت القنوت فيها ثبت في وتر الليل بجامع ما بينهما من الوترية، انتهى.\nقلت: لكن الظاهر من صنيع الإمام البخاري أنه قائل بقنوت الوتر، وليس بقائل بدوام القنوت في الفجر، ولذا أورد الباب في أبواب الوتر، ولم يورده في أبواب الفجر مع كون الرواية المصرِّحة بقنوت الفجر عنده، وأثبته بحديث أنس كما سيأتي في كلام الشيخ، فإن قنوت الفجر الذي كان\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٥/ ٢٢٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٤٨٩)، و\"عمدة القاري\" (٥/ ٢٣٠).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٢/ ٤٩٠).","vol":"3","page":59},{"text":"بعد الركوع كان في شهر فقط، فأيّ قنوت كان قبل الركوع الذي لم يقيده بزمان؟ فتأمل، انتهى من هامش \"اللامع\".\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): أما القنوت في الفجر فكان في النازلة، ولا حاجة إلى القول بنسخه، بل هو معمول عند النازلة، فلا ينافي مذهبنا لو ورد في شيء من الروايات أنه - ﷺ - دام على قنوته في الفجر وبعد الركوع، إلى آخر أيام حياته؛ لأنا نقول كذلك إذا نزلت بالمسلمين نازلة، ثم إن رواية أنس - ﵁ - هذه مصرِّحة بما اختاره الأحناف، فإنه لما سُئل عن القنوت في الصبح أجاب عنه بأنه بعد الركوع، ثم لما سأله آخر، وأطلق السؤال عن التقييد بشيء من الصلوات، كان الظاهر منه السؤال عما هو المعمول دائمًا، فأجاب أنه قبل الركوع وهو قنوت الوتر المعمول به في كل سنة، فاعترض السائل على أنس بما أجاب به أولًا أنه بعد الركوع فقال: كذب، فعلم بتصريح أنس ههنا أن قنوت الفجر الذي هو بعد الركوع كان العارض، والدوام إنما هو على قنوت الوتر الذي هو قبل الركوع، والله أعلم، انتهى.\nوفي هامشه: اختلف العلماء في القنوت في عدة مسائل، الشهيرة منها أربعة:\nالأولى: اختلافهم في قنوت الوتر هل يقرأ أم لا؟ فمنعه مالك وأجازه الشافعي في أحد قوليه في النصف الآخر من رمضان، وعند الحنفية والحنابلة يكون في جميع السَّنة.\nوالثانية: اختلافهم في قنوت غير الوتر، فمشروع عند الشافعية والمالكية في الفجر خاصةً في جميع السَّنة، وعند الحنفية والحنابلة مشروع عند النازلة.\nوالثالثة: اختلافهم في محله، فعند الشافعية والحنابلة بعد الركوع\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٤/ ١٤٩ - ١٥٣).","vol":"3","page":60},{"text":"مطلقًا، وعند المالكية قبله مطلقًا، وأما عندنا الحنفية فقنوت الوتر قبل الركوع، وقنوت الفجر بعد الركوع.\nوالرابعة: اختلافهم في ألفاظ القنوت، وهو مبسوط في الفروع، انتهى مختصرًا.\nثم براعة الاختتام سكت عنه الحافظ، والظاهر عندي أنه في قوله: \"يدعو على رعل وذكوان\".\n* * *","vol":"3","page":61},{"text":"١٥ -<span data-type='title' id=toc-834> أبواب الاستسقاء</span>\nههنا سبعة أبحاث لطيفة: الأول: في لغته، والثاني: في سببه، والثالث: في بدء شرعية صلاته، والرابع: في حكمها، والخامس: في وقتها، والسادس: في مختار الأئمة في كيفيتها، والسابع: في تكرار صلاته إذا لم يمطروا، بسطت هذه المباحث كلها في \"الأوجز\" (^١) وهامش \"اللامع\".\nأما بدء شرعيتها ففي \"الأنوار الساطعة\" (^٢): شرعت في رمضان سنة ست من الهجرة، وفي هذه السنة من \"مجمع البحار\" (^٣) وفيها: صلى صلاة الاستسقاء فمطروا سبعة أيام حتى قال: \"حوالينا\"، وفي هذه السنة ذكرها صاحب \"التلقيح\" (^٤) وصاحب \"الخميس\"، وذكره الحافظ (^٥) عن ابن حبان.\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-835> باب الاستسقاء وخروج النبي - ﷺ -. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٦): قوله: \"خروج\" أي: إلى المصلَّى كما سيأتي التصريح به، وزاد فيه: \"وصلى ركعتين\"، انتهى.\nوقال القسطلاني (^٧): قوله: \"خروج\" أي: إلى الصحراء، انتهى.\nوهو الأوجه مما قدره الحافظ - ﵀ - من قوله: إلى المصلى، كما سيأتي في كلام الحافظ بنفسه في \"باب الاستسقاء في المصلى\" من الفرق\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (٤/ ١٢١ - ١٣٠)، و\"لامع الدراري\" (٤/ ١٥٨ - ١٦٣).\n(^٢) \"الأنوار الساطعة\" (ص ٥٩٠).\n(^٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (٥/ ٢٨٥).\n(^٤) \"تلقيح فهوم أهل الأثر\" (ص ٤٥)، و\"تاريخ الخميس\" (٢/ ٣).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٢/ ٤٩٩).\n(^٦) المصدر السابق (٢/ ٤٩٢).\n(^٧) \"إرشاد الساري\" (٣/ ٢٠).","vol":"3","page":62},{"text":"بين الترجمتين؛ إذ فرق بينهما بالعموم والخصوص، وقد اتفق فقهاء الأمصار على مشروعية صلاة الاستسقاء، وأنها ركعتان إلّا ما روي عن أبي حنيفة أنه قال: يبرزون للدعاء والتضرع، وإن خطب لهم فحسن، ولم يعرف الصلاة، هذا هو المشهور عنه، ونقل أبو بكر الرازي عنه التخيير بين الفعل والترك، وحكى ابن عبد البر الإجماع على استحباب الخروج إلى الاستسقاء، والبروز إلى ظاهر المصر، لكن حكى القرطبي عن أبي حنيفة أيضًا أنه لا يستحب الخروج، وكأنه اشتبه عليه بقوله في الصلاة، انتهى من \"الفتح\".\nوقد وردت الروايات في الاستسقاء بدون الصلاة كما في \"الأوجز\" (^١) فارجع إليه لو شئت. والخروج إلى المصلَّى مستحب عندنا أيضًا كما تقدم، ففي \"الطحطاوي على المراقي\" (^٢) وغيره: ويستحب الخروج للاستسقاء ثلاثة أيام للاتباع، انتهى. وهكذا في \"الدر المختار\" (^٣).\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-836> باب دعاء النبي - ﷺ -: اجعلها سنين. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٤): وجه إدخاله في أبواب الاستسقاء التنبيه على أنه كما شرع الدعاء بالاستسقاء للمؤمنين كذلك شرع الدعاء بالقحط على الكافرين، ويمكن أن يقال: إن المراد أن مشروعية الدعاء على الكافرين في الصلاة تقتضي مشروعية الدعاء للمؤمنين فيها، فثبت بذلك صلاة الاستسقاء خلافًا لمن أنكرها، انتهى.\nوبالأول شرح العيني، وكذا شيخ المشايخ في \"تراجمه\"، وأجاد السندي (^٥) فقال: ذكره؛ لأنه دعاء بقحوط المطر على من يستحقه، ففيه إشارة إلى أنه لا بد من النظر في الاستسقاء إلى أهلية من يُدعى لهم، انتهى.\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (٤/ ١٣٢).\n(^٢) \"الطحطاوي على المراقي\" (ص ٣٠٠).\n(^٣) انظر: \"رد المختار\" (٣/ ٧٠).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٢/ ٤٩٣)، و\"عمدة القاري\" (٥/ ٢٤٦).\n(^٥) \"حاشية السندي\" (١/ ١٧٨).","vol":"3","page":63},{"text":"قوله: (اللهم اجعلها سنين) كتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): قصتان جمعهما المؤلف لما ذكره أستاذه إياهما جميعًا، وإلا فشأنه أرفع من أن يخفى عليه مثل ذلك، فكان وقوع دعاء السَّنَة في مكة، ودعوته لهؤلاء المسلمين كانت بالمدينة، انتهى.\nوهذا إيراد معروف على الإمام البخاري، أورده شيخنا السهارنفوري شارح أبي داود صاحب \"بذل المجهود\"، وهكذا ذكر الشرَّاح كلهم، لكنهم ذكروه في حديث ابن مسعود الآتي في \"باب إذا استشفع المشركون بالمسلمين\"، ويؤيد الشيخ ما قال العيني (^٢) في الباب المذكور تحت قوله: \"فجاءه أبو سفيان. . .\" إلخ: وكان مجيئه قبل الهجرة لقول ابن مسعود: البطشة الكبرى يوم بدر، ولم يُنقل أن أبا سفيان قدم المدينة قبل بدر، انتهى.\nثم لا يذهب عليك أن الأوجه عند هذا العبد الفقير إلى الله الغني، أن ههنا أربعة وقائع معروفة:\nالأولى: دعاؤه - ﷺ - على قريش بمكة قبل الهجرة بعد طرحهم على ظهره - ﷺ - سلا جزورٍ، المذكور في حديث ابن مسعود، وفيها دعاؤه - ﷺ - بسبع سنين.\nوالثانية: دعاؤه - ﷺ - على مضر خاصة بهذا الدعاء أيضًا في القنوت وهي بالمدينة سنة أربع من الهجرة، وكان بدء القنوت في هذه السَّنة.\nوالوقعة الثالثة: خروجه - ﷺ - للاستسقاء إلى المصلى، وكان في رمضان سنة ست من الهجرة.\nوالرابعة: دعاؤه - ﷺ - في خطبة الجمعة المذكورة في حديث أنس - ﵁ -، وكان بعد مرجعه من غزوة تبوك، وقد اختلط في هذه الوقائع كلام الشرَّاح، وأدخلوا قصة في قصة أخرى بمجرد اتحاد ألفاظ الدعاء، والله - ﷾ - أعلم.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٤/ ١٦٣ - ١٦٨).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٥/ ٢٧٣).","vol":"3","page":64},{"text":"(٣ -<span data-type='title' id=toc-837> باب سؤال الناس الإمام. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^١): قال ابن رُشيد: لو أدخل تحت هذه الترجمة حديث ابن مسعود الذي قبله لكان أوضح مما ذكر، انتهى. ويظهر لي أنه لما كان من سأل قد يكون مسلمًا، وقد يكون مشركًا، وقد يكون من الفريقين، وكان في حديث ابن مسعود المذكور مشركًا ناسب أن يذكر فيما بعده ما يدل على ما إذا كان الطلب من الفريقين كما سأبينه، ولذلك ذكر لفظ الترجمة عامًا لقوله: \"سؤال الناس\" إلى أن قال: وقد اعترض الإسماعيلي فقال: حديث ابن عمر خارج عن الترجمة؛ إذ ليس فيه أن أحدًا سأله أن يستسقي له ولا في قصة العباس، وأجاب ابن المنيِّر عن حديث ابن عمر بأن المناسبة تؤخذ من قوله فيه: \"يستسقى الغمام بوجهه\"؛ لأن فاعله محذوف، وهم الناس، وعن حديث أنس - ﵁ - بأن في قول عمر: \"كنا نتوسل إليك بنبيك\" دلالة على أن للإمام مدخلًا في الاستسقاء، وقال ابن رُشيد: يحتمل أن يكون أراد بالترجمة الاستدلال بطريق الأولى؛ لأنهم إذا كانوا يسألون الله به فيسقيهم فأحرى أن يقدموه للسؤال، انتهى. وهو حسن، انتهى من \"الفتح\".\nوقال فيما سيأتي من \"باب إذا استشفعوا إلى الإمام. . .\" إلخ (^٢): قال ابن المنيِّر: تقدم له \"باب سؤال الناس الإمام. . .\" إلخ، والفرق بين الترجمتين أن الأولى لبيان ما على الناس أن يفعلوه إذا احتاجوا إلى الاستسقاء، والثانية لبيان ما على الإمام من إجابة سؤالهم، انتهى.\n\n(٤ -<span data-type='title' id=toc-838> باب تحويل الرداء في الاستسقاء)</span>\nقال الحافظ (^٣): ترجم لمشروعيته خلافًا لمن نفاه، ثم ترجم بعد ذلك لكيفيته كما سيأتي، وقال أيضًا: واستحب الشافعي في الجديد تنكيس الرداء\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٤٩٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٥١٠).\n(^٣) المصدر السابق (٢/ ٤٩٨).","vol":"3","page":65},{"text":"مع التحويل، وعن أبي حنيفة وبعض المالكية: لا يستحب شيء من ذلك، واستحب الجمهور أيضًا أن يحول الناس بتحويل الإمام، وقال الليث وأبو يوسف: يحول الإمام وحده.\nفائدة: ذكر الواقدي (^١): أن طول ردائه - ﷺ - كان ستة أذرع في ثلاثة أذرع (^٢)، وطول إزاره أربعة أذرع وشبرين في ذراعين وشبر، كان يلبسهما في الجمعة والعيدين، انتهى.\n\n(٥ -<span data-type='title' id=toc-839> باب انتقام الرب - ﷿ </span>-)\nقال الحافظ (^٣): هكذا وقعت هذه الترجمة في رواية الحموي وحده خالية من حديث ومن أثر، قال ابن رُشيد: كأنها كانت في رقعة مفردة فأهملها الباقون، وكأنه وضعها ليدخل تحتها حديثًا، وأليق شيء بها حديث عبد الله بن مسعود المذكور في ثاني باب من الاستسقاء، وأخر ذلك ليقع له التغيير في بعض سنده كما جرت به عادته غالبًا، فعاقه عن ذلك عائق، والله أعلم، انتهى.\nقلت: ولعل الغرض من الترجمة الإشارة إلى البحث الثاني من المباحث السبعة المشار إليها في أول \"كتاب الاستسقاء\"، ففي هامش \"اللامع\" (^٤) من \"الأوجز\": الثاني في سببه، وتقدم عن القاري سببه حاجة الناس بسبب قلة الأمطار، ويكون ذلك لكثرة المعاصي غالبًا، وإليه أشار البخاري في \"صحيحه\"، إذ قال: \"باب انتقام الرب - ﷿ -. . .\" إلخ، وفي \"كتاب الزهد\" لابن ماجه (^٥) في حديث طويل عن ابن عمر مرفوعًا: \"ولم\n_________\n(^١) انظر: \"الطبقات الكبرى\" (١/ ٢٥٠).\n(^٢) كذا في \"الفتح\"، وفي \"الطبقات\": \"في ثلاث أذرع وشبر. . . أربع أذرع وشبر في ذراعين وشبر. . .\" إلخ.\n(^٣) \"فتح الباري\" (٢/ ٥٠١).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٤/ ١٥٨)، و\"أوجز المسالك\" (٤/ ١٢١).\n(^٥) بل أخرجه ابن ماجه في \"كتاب الفتن\" في \"باب العقوبات\" (ح: ٤٠١٩).","vol":"3","page":66},{"text":"يمنعوا زكاة أموالهم إلّا مُنعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا\"، ونحو ذلك من الروايات التي ذكرت في \"الأوجز\".\n\n(٦ -<span data-type='title' id=toc-840> باب الاستسقاء في المسجد الجامع)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): أراد بذلك إثبات أن الاستسقاء هو الدعاء فقط، وأن ليس شيء من الصلاة والتحويلة وغيرهما داخلًا في الاستسقاء، إذ لو كان كذلك لم يتركها النبي - ﷺ - مع أنه اكتفى ههنا بالدعاء فقط دون أن يحول رداءً ويصلي صلاة، وأيضًا فعقد الباب رد لما يتوهم من كراهة الاستسقاء في المسجد سيما الجامع؛ لأنه محل ذكر ودعاء لا عرض حوائج دنيوية بأنه دعاء أيضًا لا يتمحض للدنيا، بل فيه منافع أخروية كثيرة، انتهى.\nوفي هامشه: وهذا على مسلك الإمام أبي حنيفة.\nوقال الحافظ (^٢): أشار بهذه الترجمة إلى أن الخروج ليس بشرط في الاستسقاء؛ لأن الملحوظ في الخروج المبالغة في اجتماع الناس، وذلك حاصل في المسجد الأعظم بناءً على المعهود في ذلك الزمان من عدم تعدد الجامع بخلاف ما حدث في هذه الأعصار، انتهى.\nوأنت ترى أن ما أفاده الشيخ أوجه مما قاله الحافظ؛ لأن الملحوظ في الخروج لما كان المبالغة في الاجتماع، وذلك حاصل في المسجد الأعظم، فأيّ حاجة بقيت إلى الخروج؟\nثم قال الحافظ: وقد ترجم له المصنف بعد ذلك \"من اكتفى بصلاة الجمعة في [خطبة] الاستسقاء\"، وترجم له أيضًا \"الاستسقاء في خطبة الجمعة\"، فأشار بذلك إلى أنه إن اتفق وقوع ذلك يوم الجمعة اندرجت خطبة الاستسقاء وصلاتها في الجمعة، انتهى.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٤/ ١٦٩ - ١٧١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٥٠١).","vol":"3","page":67},{"text":"(٧ -<span data-type='title' id=toc-841> باب الاستسقاء في خطبة الجمعة. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^١): لما كان بعض ما يرد أولًا يرد ههنا أيضًا دفعه مع زيادة أنه لا يشترط له الاستقبال، وإن كان دعاء ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾، فلما لم يكن الاستقبال داخلًا في الاستسقاء كيف يدخل فيه الصلاة وتحويل الرداء وغيرهما من الأمور، انتهى.\nوقد عرفت قريبًا ما قال الحافظ في هذه التراجم الثلاثة، والأوجه عندي: أن الإمام البخاري أشار بهذه التراجم المختلفة إلى أنواع الاستسقاء، ففي \"الأوجز\" (^٢) في مسلك الشافعية: لها ثلاث مراتب، أدناها الدعاء مطلقًا فُرادى ومجتمعين، وأوسطها الدعاء خلف الصلوات وخطبة الجمعة، وأعلاها يصلى بهم ركعتين، أي: على الهيئة المخصوصة المتقدمة في أول أبواب الاستسقاء.\nوهكذا في مسلك الحنابلة، ففي \"المغني\" (^٣): قال القاضي: الاستسقاء ثلاثة أضرب، ثم ذكر نحو ما تقدم، ولا يبعد عندي أن الإمام قيد الترجمة بقوله: غير مستقبل القبلة دفعًا لما يتوهم من روايات استقبال القبلة في دعاء الاستسقاء أنه - ﷺ - استقبلها ههنا أيضًا، فدفعه بذلك من أن الاستقبال لا يكون في خطبة الجمعة، انتهى من هامش \"اللامع\".\nقوله: (إن رجلًا دخل المسجد. . .) إلخ، وأورد صاحب \"التيسير\" بأنه ﵊ مع كمال رأفته وشفقته على الناس لم يبتدئ بالاستسقاء، وأيضًا لم يستدع له أحد من أهل المدينة، حتى جاء رجل من أهل البادية. وأجاب بأنه - ﵇ -، وكذلك أهل المدينة ببركة صحبته كانوا في حالة الرضاء والتوكل على أقصى مراتبه، وأهل البادية لم يبلغوا إلى هذه المرتبة، فألحُّوا للاستسقاء، انتهى معربًا.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٤/ ١٧٦).\n(^٢) \"أوجز المسالك\" (٤/ ١٢٧).\n(^٣) \"المغني\" (٣/ ٣٤٨).","vol":"3","page":68},{"text":"(٨ -<span data-type='title' id=toc-842> باب الاستسقاء على المنبر)</span>\nلعله إشارة إلى أن المنبر إن كان موجودًا فلا بأس به، بخلاف ما سيأتي في \"باب الدعاء في الاستسقاء\" عن عبد الله بن يزيد: \"على غير منبر\"، واختلفت الأئمة في ذلك، فعند الحنفية والمالكية يخطب على الأرض، وعند الشافعية والحنابلة على المنبر، كما في \"الأوجز\" (^١) عن كتب فروعهم، وفي \"البذل\" (^٢): قال ابن القيم: \"فلما وافى المصلى صعد المنبر\" إن صح، وإلّا ففي القلب منه شيء، انتهى.\n\n(٩ -<span data-type='title' id=toc-843> باب من اكتفى بصلاة الجمعة في الاستسقاء)</span>\nقد عرفت قريبًا ما قال الحافظ في هذه التراجم الثلاثة، وقال أيضًا (^٣): أورد فيه الحديث المذكور، وفيه تعقب على من استدل به لمن يقول: لا تشرع الصلاة للاستسقاء؛ لأن الظاهر ما تضمنته الترجمة، انتهى.\nقلت: وهذا التعقب مبني على مسلك الشافعية وغيرهم؛ فإنهم يأولونه بهذا التأويل، وليس للحنفية أن يلتزموا بهذا التأويل.\n\n(١٠ -<span data-type='title' id=toc-844> باب الدعاء إذا تقطعت السبل. . .) إلخ</span>\nفي \"تراجم شيخ المشايخ\" (^٤): أي: كما أن الدعاء لطلب المطر الذي هو من رحمة الله مشروع عند قحطه وحبسه، كذلك الدعاء مشروع عند كثرته وطغيانه لرفع مضرته عن العباد، انتهى.\nقال الحافظ: قوله: \"من كثرة المطر\"، ظاهره أن الدعاء بذلك متوقف على سبق السقيا، وكلام الشافعي في \"الأم\" يوافقه، وزاد: أنه لا يسن الخروج للاستصحاء ولا الصلاة ولا تحويل الرداء، بل يدعى بذلك في\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (٤/ ١٣٥).\n(^٢) \"بذل المجهود\" (٥/ ٢٨٠)، و\"زاد المعاد\" (١/ ٤٥٦).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٢/ ٥٠٨).\n(^٤) (ص ٢٩٥).","vol":"3","page":69},{"text":"خطبة الجمعة أو في أعقاب الصلاة. وفي هذا تعقب على من قال من الشافعية: إنه ليس قول الدعاء المذكور في أثناء خطبة الاستسقاء؛ لأنه لم ترد به السُّنَّة، انتهى.\nقلت: قوله: \"ليس قول الدعاء. . .\" إلخ، كذا في نسختي \"الفتح\" من الميرية والخيرية، والظاهر أن فيه تحريفًا، والصواب بدله: \"يسن\"، والظاهر أن المراد بقوله: \"من قال من الشافعية\" هو الإمام أبو إسحاق الشيرازي، فقد قال النووي في \"شرح المهذب\" (^١): وأما قول المصنف - يعني: أبا إسحاق الشيرازي - في التنبيه في أثناء دعاء الاستسقاء لطلب المطر: \"اللهم حوالينا ولا علينا\" فممّا أنكروه عليه، وإنما يقال هذا عند كثرة المطر وحصول الضرر بها كما صرَّح به في الحديث، ونص عليه الشافعي والأصحاب ﵏، انتهى.\n\n(١١ -<span data-type='title' id=toc-845> باب ما قيل: إنّ النبي - ﷺ - لم يحوِّل رداءه. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٢): إنما عبَّر عنه بلفظ: \"قيل\" مع صحة الخبر؛ لأن الذي قال في الحديث: \"ولم يذكر أنه حوَّل رداءه\" يحتمل أن يكون هو الراوي عن أنس أو من دونه، فلأجل هذا التردد لم يجزم بالحكم، وأيضًا فسكوت الراوي عن ذلك لا يقتضي نفي الوقوع، وأما تقييده بقوله: \"يوم الجمعة\" فليبين أن قوله فيما مضى \"باب تحويل الرداء في الاستسقاء\" أي: الذي يقام في المصلى، انتهى.\nقلت: وبهذا الفرق يندفع توهم التكرار، وتقدم في الباب السابق اختلافهم في حكم تحويل الرداء، وفي \"تراجم شيخ المشايخ\" (^٣): قوله: \"باب ما قيل. . .\" إلخ، يعني له أيضًا أصل، وكلٌّ من التحويل وعدمه ثبت عن النبي - ﷺ -، انتهى. وليس في الحديث ذكر الجمعة.\n_________\n(^١) \"المجموع\" (٥/ ٨٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٥٠٩).\n(^٣) (ص ٢٩٥).","vol":"3","page":70},{"text":"قال الحافظ: وهذا السياق مختصر جدًا، وسيأتي مطولًا من الوجه المذكور بعد اثني عشر بابًا، وفيه: \"يخطب على المنبر يوم الجمعة\"، انتهى. وهكذا في \"العيني\" (^١)، ولا يبعد عندي أن يقال: إن الترجمة شارحة، فلعل الإمام أشار بالترجمة إلى أن ما ورد من أنه لم يحوِّل فهو في الجمعة.\n\n(١٢ -<span data-type='title' id=toc-846> باب إذا استشفعوا إلى الإمام. . .) إلخ</span>\nتقدَّم كلام الحافظ في \"باب سؤال الإمام الناس\" من الفرق بين الترجمتين، وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٢): قوله: إذا استشفعوا. . . إلخ، أي: التمسوا منه وطلبوا أن يدعوَ لهم، انتهى.\nوفي \"الدر المختار\" (^٣): الأولى خروج الإمام معهم، وإن خرجوا بإذنه أو بغير إذنه جاز، انتهى.\n\n(١٣ -<span data-type='title' id=toc-847> باب إذا استشفع المشركون بالمسلمين عند القحط)</span>\nقال الحافظ (^٤): قال ابن المنيِّر: ظاهر هذه الترجمة منع أهل الذمة من الاستبداد بالاستسقاء، كذا قال، ولا يظهر وجه المنع من هذا اللفظ، وأشكل بأن الترجمة أعم من الحديث؛ لأن الاستشفاع كان عقب دعاء النبي - ﷺ -.\nوأجيب: بأن الجامع بينهما ظهور الخضوع منهم والذلة للمؤمنين في التماسهم منهم الدعاء لهم، أو يقال: إن جواب إذا محذوف، فيقدر: أجابهم بشرط أن دعا عليهم، أو لم يجبهم إلى ذلك أصلًا، ويمكن أن يقال: إذا رجا إمام المسلمين رجوعهم عن الباطل أو وجود نفع عام للمسلمين شرع دعاؤه لهم، فحذف جواب إذا لوجود هذه الاحتمالات،\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٥/ ٢٧٠).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٤/ ١٧٧).\n(^٣) انظر: \"رد المختار\" (٣/ ٧٢).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٢/ ٥١٠).","vol":"3","page":71},{"text":"ولا دلالة فيما وقع من النبي - ﷺ - في هذه القصة على مشروعية ذلك لغيره، إذ الظاهر أن ذلك من خصائصه لاطلاعه على المصلحة في ذلك، بخلاف من بعده - ﷺ - من الأئمة، انتهى.\n\n(١٤ -<span data-type='title' id=toc-848> باب الدعاء إذا كثر المطر. . .) إلخ</span>\nفي \"تراجم شيخ المشايخ\" (^١): كأن غرضه حصر الدعاء عند كثرة المطر في هذه الألفاظ وأمثالها، وذلك لأن المطر رحمة من الله ﵎، فطلب إمساكه مطلقًا ليس بمناسب، بل المناسب استجلاب منافعه واستدفاع مضاره، وهو معنى قوله - ﷺ -: \"اللهم حوالينا ولا علينا\".\n\n(١٥ -<span data-type='title' id=toc-849> باب الدعاء في الاستسقاء قائمًا)</span>\nقال الحافظ (^٢): أي: في الخطبة وغيرها، قال ابن بطال (^٣): الحكمة فيه كونه حال خشوع وإنابة فيناسبه القيام، وقال غيره: القيام شعار الاعتناء والاهتمام، والدعاء أهم أعمال الاستسقاء فناسبه القيام، ويحتمل أن يكون قام ليراه الناس فيقتدوا بما يصنع، انتهى.\n\n(١٦ -<span data-type='title' id=toc-850> باب الجهر بالقراءة في الاستسقاء)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٤): وهو مما ذهب إليه الإمام أيضًا، فإنه قال: إن الصلاة وإن لم تكن داخلة في الاستسقاء، لكن الإمام إن صلى جهر بالقراءة، انتهى.\nقال العلامة العيني (^٥): من فوائد الحديث الجهر بالقراءة في الاستسقاء، وهو مما أجمع عليه الفقهاء، انتهى.\n_________\n(^١) (ص ٢٩٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٥١٣).\n(^٣) \"شرح صحيح البخاري\" لابن بطال (٣/ ١٦).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٤/ ١٧٨).\n(^٥) \"عمدة القاري\" (٥/ ٢٧٧).","vol":"3","page":72},{"text":"(١٧ -<span data-type='title' id=toc-851> باب كيف حوَّل النبي - ﷺ - ظهره إلى الناس)</span>\nوهذه هي الترجمة السابعة بلفظ كيف، كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^١): أراد بالكيفية ههنا بيان بعض أحواله لا أنها على أيّ كيفية كانت التحويلة، فيصح إيراد الرواية التي فيها بيان وقت التحويلة متى كانت، فعلم أن تحويله ظهره كان قبل الدعاء، انتهى.\nقال الحافظ (^٢): وقد استشكل؛ لأن الترجمة لكيفية التحويل، والحديث دال على وقوع التحويل فقط.\nوأجاب الكرماني (^٣) بأن معناه حوَّله حال كونه داعيًا، وحمل ابن المنيِّر قوله: \"كيف\" على الاستفهام فقال: لما كان التحويل المذكور لم يتبين كونه من ناحية اليمين أو اليسار احتاج إلى الاستفهام عنه.\nقال الحافظ: والظاهر أنه لما لم يتبين من الخبر ذلك كأنه يقول: هو على التخيير، لكن المستفاد من الخارج أنه التفت بجانبه الأيمن لما ثبت أنه كان يعجبه التيمُّن في شأنه كله، ثم إن محل هذا التحويل بعد فراغ الموعظة وإرادة الدعاء.\n\n(١٨ -<span data-type='title' id=toc-852> باب صلاة الاستسقاء ركعتين)</span>\nمجرور على البدل من الصلاة بإضافة الباب أو عطف بيان أو منصوب بمقدر، انتهى. كذا في \"الفتح\" (^٤).\nقال القسطلاني (^٥): أراد به بيان كميتها، وأشار إليها بقوله: \"ركعتين\"، انتهى. والمسألة وفاقية أن السُّنَّة أن يصلي الإمام ركعتين، واختلفوا في صفتها، هل فيها تكبيرات الزوائد أم لا؟ وأيضًا الخطبة قبل الصلاة أو بعدها؟ وغير ذلك بسط في هامش \"اللامع\".\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٤/ ١٧٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٥١٤).\n(^٣) \"شرح الكرماني\" (٦/ ١١٥).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٢/ ٥١٥).\n(^٥) \"إرشاد الساري\" (٣/ ٥٣).","vol":"3","page":73},{"text":"(١٩ -<span data-type='title' id=toc-853> باب الاستسقاء في المصلّى)</span>\nقال الحافظ (^١): هذه الترجمة أخص من الترجمة المتقدمة أول الأبواب، وهي \"باب الخروج إلى الاستسقاء\"؛ لأنه أعم من أن يكون إلى المصلّى، ووقع في رواية هذا الباب تعيين الخروج إلى الاستسقاء إلى المصلَّى بخلاف تلك، فناسب كل رواية ترجمتها، انتهى.\n\n(٢٠ -<span data-type='title' id=toc-854> باب استقبال القبلة في الاستسقاء)</span>\nقال الحافظ (^٢): أي: في أثناء الخطبة التي تقع من أجله في المصلّى، انتهى.\nوقال القسطلاني: \"باب استقبال القبلة\" أي: في الدعاء \"في الاستسقاء\" في أثناء الخطبة الثانية، وهو نحو ثلثها، كما قاله النووي في دقائقه، انتهى مختصرًا.\n\n(٢١ -<span data-type='title' id=toc-855> باب رفع الناس أيديهم مع الإمام. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ قُدِّس سرُّه (^٣): تضمَّنت هذه الترجمة الرد على من زعم أنه يُكتفى بدعاء الإمام في الاستسقاء، انتهى.\nقال القسطلاني (^٤): قال أصحابنا الشافعية وغيرهم: السُّنَّة في دعاء القحط ونحوه من رفع بلاء، أن يجعل ظهر كفيه إلى السماء، وهي صفة الرهبة، وإن سأل شيئًا يجعل بطونهما إلى السماء، والحكمة أن القصد رفع البلاء بخلاف القاصد حصول شيء، أو تفاؤلًا ليقلب الحال ظهر البطن، وذلك نحو صنيعه في تحويل الرداء، أو إشارة إلى ما يسأله، وهو أن يجعل بطن السحاب إلى الأرض لينصبَّ ما فيه من المطر، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٥١٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٥١٥)، و\"إرشاد الساري\" (٣/ ٥٥).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٢/ ٥١٦).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (٣/ ٥٨).","vol":"3","page":74},{"text":"(٢٢ -<span data-type='title' id=toc-856> باب رفع الإمام يده في الاستسقاء)</span>\nقال الحافظ (^١): ثبتت هذه الترجمة في رواية الحموي والمستملي.\nقال ابن رُشيد: ومقصودٌ بتكرير رفع الإمام يده - وإن كانت الترجمة التي قبلها تضمنته - لتفيد فائدة زائدة، وهي أنه لم يكن يفعل ذلك إلّا في الاستسقاء، قال: ويحتمل أن يكون قصد التنصيص بالقصد الأول على رفع الإمام يده كما قصد التنصيص في الترجمة الأولى بالقصد الأول على رفع الناس، وإن اندرج معه رفع الإمام، قال: ويجوز أن يكون قصد بهذه الكيفية رفع الإمام يده لقوله: \"حتى يرى بياض إبطيه\"، انتهى.\nوقال الزين ابن المنيِّر ما محصله: لا تكرار في هاتين الترجمتين؛ لأن الأولى لبيان اتباع المأمومين الإمام في رفع اليدين، والثانية لإثبات رفع اليدين للإمام في الاستسقاء، انتهى.\nوفي \"تراجم شيخ المشايخ\" (^٢): المقصود من هذه الترجمة إثبات أنه إلى ما يرفع به الإمام يديه، والمقصود من الترجمة السابقة إثبات أصل الرفع فلا تكرار، انتهى.\nوهذا التوجيه تقدم في كلام ابن رُشيد.\n\n(٢٣ -<span data-type='title' id=toc-857> باب ما يقال إذا مطرت. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٣): يحتمل أن تكون ما موصولة أو موصوفة أو استفهامية، وقوله: \"قال ابن عباس: ﴿كَصَيِّبٍ﴾: المطر. . .\" إلخ، قال ابن المنيِّر: مناسبته لحديث عائشة لما وقع في حديث الباب المرفوع.\nقوله: (صيبًا) قدم المصنف تفسيره في الترجمة، وهذا يقع له كثيرًا، وقال أخوه الزين: وجه المناسبة أن الصيِّب لما جرى ذكره في القرآن قرن\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٥١٧)\n(^٢) (ص ٢٩٧).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٢/ ٥١٨).","vol":"3","page":75},{"text":"بأحوال مكروهة، ولما ذكر في الحديث وصف بالنفع، فأراد أن يبين بقول ابن عباس أنه المطر، وأنه ينقسم إلى نافع وضار، انتهى.\nقلت: وعلى الأول هو من الأصل الحادي والسبعين من أصول التراجم، وهو أن من دأب الإمام البخاري شرح الألفاظ القرآنية المناسبة للحديث.\nقال الحافظ في مبدأ \"كتاب الأنبياء\" (^١): جرت عادته أن الحديث إذا وردت فيه لفظة غريبة وقعت أو أصلها أو نظيره في القرآن، أن يشرح اللفظة القرآنية فيفيد تفسير القرآن وتفسير الحديث معًا، انتهى.\nوهذا الأصل قد أضيف على الأصول السبعين المذكورة في المقدمة بعد الطبع الأول.\n\n(٢٤ -<span data-type='title' id=toc-858> باب من تمطَّر في المطر. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٢): لعله أشار إلى ما أخرجه مسلم عن أنس قال: \"حسر رسول الله - ﷺ - ثوبه حتى أصابه المطر، وقال: لأنه حديث عهد بربه\"، وكأن المصنف أراد أن يبيّن أن تحادر المطر على لحيته - ﷺ - لم يكن اتفاقًا وإنما كان قصدًا، فلذلك ترجم بقوله: \"من تمطَّر\"، أي: قصد نزول المطر عليه؛ لأنه لو لم يكن باختياره لنزل عن المنبر أول ما وكف السقف، لكنه تمادى في خطبته حتى كثر نزوله بحيث تحادر على لحيته - ﷺ -، انتهى.\nوفي \"تراجم شيخ المشايخ\" (^٣): قوله: \"باب من تمطر\"، أي: أخذ المطر على جسده، وهذه سُنَّة عند الشافعية، وقال البعض: إذا مطر أول مطر، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٣٦٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٥٢٠).\n(^٣) (ص ٢٩٨).","vol":"3","page":76},{"text":"(٢٥ -<span data-type='title' id=toc-859> باب إذا هبت الريح)</span>\nقال الحافظ (^١): قيل: وجه دخول هذه الترجمة في أبواب الاستسقاء أن المطلوب بالاستسقاء نزول المطر، والريح في الغالب تعقبه، وسيأتي إيضاح ما يصنع عند هبوبها في أوائل \"بدء الخلق\" عن عائشة، وفيه: أقبل وأدبر وتغير وجهه، انتهى. وهكذا في \"العيني\" (^٢).\nوفي \"تراجم شيخ المشايخ\" (^٣): من السُّنَّة أن تظهر عليه علامات الخوف، ويبادر إلى الاستعاذة من نزول العذاب إلى أن يمطر كما كان رسول الله - ﷺ - يفعل ذلك عند الغيم، انتهى.\n\n(٢٦ -<span data-type='title' id=toc-860> باب قول النبي - ﷺ -: نُصرت بالصَّبا)</span>\nقال ابن المنيِّر (^٤): في هذه الترجمة إشارة إلى تخصيص حديث أنس الذي قبله بما سوى الصبا من جميع أنواع الريح؛ لأن قضية نصرها له أن يكون مما يُسَرَّ بها دون غيرها، ويحتمل أن يكون حديث أنس على عمومه، إما بأن يكون نصرها له متأخرًا عن ذلك؛ لأن ذلك وقع في غزوة الأحزاب، وإما بأن يكون نصرها له بسبب إهلاك أعدائه فيخشى من هبوبها أن تهلك أحدًا من عصاة أمته، وهو كان بهم رءوفًا رحيمًا - ﷺ -، وأيضًا فالصَّبا تؤلف السحاب وتجمعه، فالمطر في الغالب يقع حينئذ، انتهى.\n\n(٢٧ -<span data-type='title' id=toc-861> باب ما قيل في الزلازل والآيات)</span>\nقال الحافظ (^٥): قيل: لما كان هبوب الريح الشديد يوجب التخوُّف المفضي إلى الخشوع والإنابة كانت الزلزلة ونحوها من الآيات أولى بذلك، لا سيما وقد نص في الخبر على أن أكثر الزلازل من أشراط الساعة.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٥٢٠).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٥/ ٢٨٦).\n(^٣) (ص ٢٩٩).\n(^٤) انظر: \"فتح الباري\" (٢/ ٥٢٠).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٢/ ٥٢١).","vol":"3","page":77},{"text":"وقال ابن المنيِّر: وجه إدخال هذه الترجمة في أبواب الاستسقاء أن وقوع الزلزلة ونحوها يقع غالبًا مع نزول المطر، وقد تقدم لنزول المطر دعاء يختصه، فأراد المصنف أن يبيِّن أنه لم يثبت على شرطه في القول عند الزلازل ونحوها شيء، انتهى.\nوهل يصلى عند وجودها؟ مختلف فيه، قال الموفق (^١): قال أصحابنا: يصلي للزلزلة كصلاة الكسوف، وقال أصحاب الرأي: الصلاة لسائر الآيات حسنة؛ لأن النبي - ﷺ - علل الكسوف بأنه آية من آيات الله، وقال مالك والشافعي: لا يصلي لشيء من الآيات سوى الكسوف؛ لأنه - ﷺ - لم يصل لغير الكسوف، انتهى مختصرًا من هامش \"اللامع\" (^٢).\n\n(٢٨ -<span data-type='title' id=toc-862> باب قول الله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢] قال ابن عباس - ﵄ -: شكركم)</span>\nقال العيني (^٣): وجه إدخال هذه الترجمة في أبواب الاستسقاء؛ لأن هذه الآية فيمن قالوا: الاستسقاء بالأنواء، انتهى.\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٤): قوله: \" ﴿رِزْقَكُمْ﴾ \" أي: حظكم وقسطكم، انتهى. وفي هامشه: ذكر هذا التفسير القسطلاني (^٥) أيضًا، إذ قال: الرزق بمعنى الشكر في لغة، أو أراد شكر رزقكم الذي هو المطر، ففيه إضمار ﴿أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ بمعطيه، وتقولون: مُطرنا بنوء كذا، أو تجعلون حظكم ونصيبكم من القرآن تكذيبكم به، انتهى.\nقال الحافظ (^٦): قوله: \"قال ابن عباس. . .\" إلخ، يحتمل أن يكون مراده أن ابن عباس قرأها كذلك، ويشهد له ما رواه سعيد بن منصور: أن\n_________\n(^١) \"المغني\" (٣/ ٣٣٢).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٤/ ١٨٢).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٥/ ٢٩٢).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٤/ ١٨٣).\n(^٥) \"إرشاد الساري\" (٣/ ٧٠).\n(^٦) \"فتح الباري\" (٢/ ٥٢٢).","vol":"3","page":78},{"text":"ابن عباس كان يقرأ: \"وتجعلون شكركم أنكم تكذبون\".\nوروى مسلم عن ابن عباس قال: مطر الناس على عهد رسول الله - ﷺ -، فذكر نحو حديث زيد بن خالد، وفي آخره: فأنزلت هذه الآية: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ إلى قوله: ﴿تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٧٥ - ٨٢]، وعُرف بهذا مناسبة الترجمة وأثر ابن عباس لحديث زيد بن خالد.\nوقد روي نحو أثر ابن عباس المعلق مرفوعًا من حديث علي، لكن سياقه يدل على التفسير. وقد قيل: في القراءة المشهورة حذف، تقديره: وتجلعون شكر رزقكم، وقال الطبري: المعنى تجعلون الرزق الذي وجب عليكم به الشكر تكذيبكم به، انتهى.\n\n(٢٩ -<span data-type='title' id=toc-863> باب لا يدري متى يجيء المطر إلَّا الله)</span>\nقال الحافظ (^١): عقَّب الترجمة الماضية بهذه؛ لأن تلك تضمنت أن المطر إنما ينزل بقضاء الله، وأنه لا تأثير للكواكب في نزوله، وقضية ذلك أنه لا يعلم أحد متى يجيء إلا هو، انتهى.\nقلت: والظاهر عندي أنه أشار به إلى رد من قال: إن القول بتأثيره ممنوع، والقول لكونها دالًّا على المطر وعلامة عليه لا بأس به، فأشار البخاري بهذا الباب الرد عليه، ويستأنس هذا مما قاله الحافظ تحت حديث الباب: قوله: \"وما يدري أحد. . .\" إلخ، زاد الإسماعيلي: إلّا الله، وفيه رد على من زعم أن لنزول المطر وقتًا معينًا لا يتخلف عنه، انتهى.\nثم براعة اختتام \"كتاب الاستسقاء\" في قوله: \"بأي أرض تموت\" ظاهر، وبه جزم الحافظ قُدِّس سرُّه، كما تقدم في مقدمة \"اللامع\".\n* * *\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٥٢٥).","vol":"3","page":79},{"text":"١٦ -<span data-type='title' id=toc-864> أبواب الكسوف</span>\nذكر في \"الأوجز\" (^١) ههنا عشرة مباحث مفيدة مبسوطة، وعنه في هامش \"اللامع\" مختصرًا: الأول: في لغته، والثاني: ما زعمه أهل الهيئة من أنه لا حقيقة له، والثالث: ما هو المشهور في أيام الجاهلية أنه يكون لحدوث تغير في الأرض من موت أو ضرر، والرابع: في حكمه وفوائده، ذكرت منها عشرة في \"الأوجز\"، والخامس: في زمن وقوع الكسوف في عهده - ﷺ -، والسادس: فيما قال أهل الهيئة: إن الكسوف لا يكون إلّا في الثامن والعشرين أو التاسع والعشرين، والسابع: في تعدد الكسوف ووحدته في زمنه - ﷺ -، والثامن: في صلاة الكسوف وحكمها وكيفيتها ووقتها وجهر القراءة وسرها وأدائها بالجماعة والخطبة بعدها وغير ذلك من المسائل، والتاسع: في خسوف القمر، والعاشر: في صلاة خسوف القمر، والأبحاث المتعلقة بها بسطت في \"الأوجز\"، وأجملت في هامش \"اللامع\"، فارجع إليه لو شئت، وسيأتي بعض هذه المباحث في الأبواب الآتية إن شاء الله تعالى.\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-865> باب الصلاة في كسوف الشمس)</span>\nقال الحافظ (^٢): أي: مشروعيتها، وهو أمر متفق عليه، لكن اختلف في الحكم، فالجمهور على أنها سُنَّة مؤكدة، وصرَّح أبو عوانة بوجوبها، ولم أره لغيره إلّا ما حكي عن مالك أنه أجراها مجرى الجمعة، انتهى.\nوفي هامش \"اللامع\": هي سُنَّة غير مؤكدة في فروع الحنفية، وحكي عنهم الوجوب.\n_________\n(^١) انظر: \"أوجز المسالك\" (٤/ ٤٠ - ٥٤)، و\"لامع الدراري\" (٤/ ١٨٤ - ١٨٩).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٥٢٧).","vol":"3","page":80},{"text":"ثم قال الحافظ: ابتدأ البخاري أبواب الكسوف بالأحاديث المطلقة في الصلاة بغير تقييد بصفة؛ إشارة منه إلى أن ذلك يعطي أصل الامتثال، وإن كان إيقاعها على الصفة المخصوصة عنده أفضل، وبهذا قال أكثر العلماء، انتهى.\nقلت: بل لم يبوِّب لتعدد الركوع مطلقًا، وذكر في باب الصلاة أحاديث مطلق الصلاة، بل بدأ بحديث أبي بكرة، وهو مستدل الحنفية، قال القسطلاني (^١): قوله: \"فصلى بنا ركعتين\" زاد النسائي: \"كما تصلون\"، واستدل به الحنفية على أنها كصلاة النافلة، وحمله ابن حبان والبيهقي من الشافعية على أن المعنى: كما كانوا يصلون في الكسوف، وتعقبه العيني (^٢) بأن حمل ابن حبان والبيهقي على أن المعنى: كما كانوا يصلون في الكسوف بعيد، وظاهر الكلام يرده، إلى آخر ما قال، انتهى مختصرًا.\nقوله: (ولكنهما آيتان من آيات الله)، كتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): وذلك لا ينافي وقوعهما على حسب ما بينه أصحاب الهيئة من حيلولة الأرض وغيره، فإن الآية هي العلامة، وهما تدلان على كمال قدرته وتمام تمكنه من سلب أنوارهما كيفما كان، انتهى.\nوفي هامشه: وقد تقدمت الإشارة في البحث الثاني من الأبحاث المتقدمة في أول الباب أن ابن العربي والعيني وغيرهما أبطلوا قول أهل الهيئة، وأجمل الكلام على ذلك في \"الأوجز\" (^٤)، إلى آخر ما في هامش \"اللامع\".\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-866> باب الصدقة في الكسوف)</span>\nقال الحافظ (^٥): أورد فيه حديث عائشة من رواية هشام بن عروة عن أبيه عنها، ثم أورده بعد باب من رواية ابن شهاب عن عروة، ثم بعد بابين\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٣/ ٧٧).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٥/ ٣٠٠).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٤/ ١٩٠)\n(^٤) \"أوجز المسالك\" (٤/ ٤١).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٢/ ٥٢٩).","vol":"3","page":81},{"text":"من رواية عمرة عن عائشة، وعند كل منهم ما ليس عند الآخر، وورد الأمر في الأحاديث التي أوردها في الكسوف بالصلاة والصدقة والذكر والدعاء وغير ذلك، وقد قدم منه الأهم فالأهم، ووقع الأمر بالصدقة في رواية هشام دون غيرها، فناسب أن يترجم بها، ولأن الصدقة تالية للصلاة، فلذلك جعلها تلو ترجمة الصلاة بالكسوف، انتهى.\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-867> باب النداء بـ \"الصلاة جامعة\" في الكسوف)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): قاس عليه صلاتَي العيدين فقال فيهما بالنداء، ولكن الحنفية لم يعدّوا هذا الحكم فيهما؛ لأن الكسوف قلّما يتنبه له كل أحد إلّا إذا اشتد، فأمّا العيدان فلا يخفى يومهما ولا وقت صلاتيهما على أحد، مع أنه ورد في بعض الروايات أنه لم يكن لصلاة العيدين أذان ولا إقامة ولا شيء، فقوله هذا لا شيء ينفي كلّ شيء، وقولهم: الصلاة جامعة شيء لا محالة، انتهى.\nوفي هامشه: ظاهر ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه ههنا هو تفرد الإمام الشافعي بذلك فيما بين الأئمة الأربعة، وهو الظاهر من مراجعة كتب الفروع، إلى آخر ما ذكر فيه من نصوص الفروع.\nوقوله: (جامعة) قال الحافظ (^٢): هو بالنصب فيهما على الحكاية، ونصب الصلاة في الأصل على الإغراء، وجامعة على الحال، أي: احضروا الصلاة في حال كونها جامعة. وقيل برفعهما على أن الصلاة مبتدأ وجامعة خبره، ومعناه: ذات جماعة. وقيل: جامعة صفة والخبر محذوف، تقديره: فاحضروها، انتهى.\nقال ابن عبد البر: أجمع العلماء على أن صلاة الكسوف ليس فيها أذان ولا إقامة إلّا أن الشافعي قال: لو نادى مناد: \"الصلاة جامعة\" ليخرج\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٤/ ١٩٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٥٣٣).","vol":"3","page":82},{"text":"الناس بذلك إلى المسجد لم يكن بذلك بأس، انتهى من هامش \"اللامع\" (^١).\n\n(٤ -<span data-type='title' id=toc-868> باب خطبة الإمام في الكسوف)</span>\nذكر في هامش \"اللامع\" (^٢) مما يتعلق بصلاة الكسوف ستة مباحث:\nالأول: في حكمها وقد تقدم، والثاني: في وقتها، والثالث: في كيفيتها، والرابع: في جهر القراءة وسرَّها، والخامس: أدائها بالجماعة، والسادس: أنهم اختلفوا في الخطبة بعدها، قال الشافعي وإسحاق بسُنِّية الخطبة بعدها خلافًا للأئمة الثلاثة وصاحبَي أبي حنيفة، إذ قالوا: لا خطبة بعدها، كما بسط في \"الأوجز\" (^٣)، انتهى.\nودليل الجمهور ما قال العيني (^٤): إن النبي - ﷺ - أمرهم بالصلاة والتكبير والصدقة ولم يأمرهم بالخطبة، ولو كانت سُنَّة لأمرهم بها، ولأنها صلاة كان يفعلها المنفرد في بيته فلم يشرع لها خطبة، وإنما خطب - ﷺ - بعد الصلاة ليعلمهم حكمها، فكأنه مختص به، وقيل: خطب بعدها لا لها، بل ليردهم عن قولهم: إن الشمس كسفت لموت إبراهيم. وقال بعضهم - أي: الحافظ -: والعجب أن مالكًا روى حديث هشام هذا، وفيه التصريح بالخطبة، ولم يقل به أصحابه، قلت: ليس بعجب ذلك، فإن مالكًا وإن كان قد رواها فيه وعلَّلها بما قلنا فلم يقل بها، انتهى.\nوفي \"الفيض\" (^٥): لا خطبة فيه عندنا، وإنما كانت خطبته - ﷺ - من الخطب العامة لا من متعلقات الصلاة كما يعلم من سياق البخاري، انتهى.\nقوله: (أخطأ السُّنَّة) كتب الشيخ في \"اللامع\" (^٦): فيه دلالة ظاهرة لمذهب الإمام، فإن عروة يحدث عن غيره وإنه تابعي وأخوه عبد الله هذا\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٤/ ١٩٢).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٤/ ١٨٨).\n(^٣) \"أوجز المسالك\" (٤/ ٦٩).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (٥/ ٣٠٩).\n(^٥) \"فيض الباري\" (٢/ ٣٨٦).\n(^٦) \"لامع الدراري\" (٤/ ١٩٤ - ١٩٧).","vol":"3","page":83},{"text":"صحابي بنفسه، ولا يمكن أنه تقدم على القوم وأمَّهم دون أن يحقق أمر صلاة الكسوف، كيف هي؟ وقد كانت معه جماعة من الصحابة ولم ينقل عن أحد منهم إنكار على ما فعله، ولو أنكروا عليه لنقل كما نقل إنكار أخيه الأصغر منه سنًا وعلمًا، فكان ذلك حجة قوية على أنهم سلموا ذلك منه واستحسنوه.\nوأما إنكار عروة فإن مبناه أنه سمع من عائشة ما يخالف صلاة ابن الزبير، فظن أنه خالف السُّنَّة، مع أن عائشة لم تكن حين الصلاة إلا في حجرتها، فلا تدري الأمر على ما هو عليه في نفس الأمر، كيف! وقد رواه غيرها ممن شهد الوقعة وتحرَّى فعل النبي - ﷺ - فيها كما هو مذكور في روايات أبي داود ولم ينقلوا إلّا ما اختاره الأحناف - ﵃ -، ومع ذلك كله فهي مترددة في رواية القصة، فقد روي عنها أربع ركوعات وستة، فهذا أدلّ حجة على أنها لم يتعين عندها أحد الأمرين وإلا لما اختلفت الروايات عنها، فعلم أنها مع ترددها في تعيين عدد الركوع روت كل واحد من الراويين على حسب ما ترجح عندها من الاحتمال حين روايتها لتلك الرواية، والله تعالى أعلم، وبسط في هامشه في تأييد كلام الشيخ قُدِّس سرُّه.\n\n(٥ -<span data-type='title' id=toc-869> باب هل يقول: كسفت الشمس. . .) إلخ</span>\nترجم الإمام البخاري بلفظ: \"هل\"، قال الزين ابن المنيِّر: أتى بلفظ الاستفهام إشعارًا منه بأنه لم يترجح عنده في ذلك شيء.\nقال الحافظ (^١): ولعله أشار إلى ما رواه ابن عيينة عن الزهري عن عروة قال: \"لا تقولوا: كسفت الشمس، ولكن قولوا: خسفت\"، وهذا موقوف صحيح رواه سعيد بن منصور عنه، وأخرجه مسلم عن يحيى بن يحيى\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٥٣٥).","vol":"3","page":84},{"text":"عنه، لكن الأحاديث الصحيحة تخالفه لثبوتها بلفظ الكسوف في الشمس من طرق كثيرة، والمشهور في استعمال الفقهاء أن الكسوف للشمس والخسوف للقمر، واختاره ثعلب، وذكر الجوهري أنه أفصح.\nوقيل: يتعين ذلك، وحكى عياض عن بعضهم عكسه، وغلَّطه لثبوته بالخاء في القمر، وكان هذا هو السر في استشهاد المؤلف به في الترجمة.\nوقيل: يقال في كل منهما، وبه جاءت الأحاديث، ولا شك أن مدلول الكسوف لغة غير مدلول الخسوف؛ لأن الكسوف التغير إلى سواد، والخسوف النقصان أو الذل، فإذا قيل في الشمس: خسفت أو كسفت؛ لأنها تتغير ويلحقها النقص ساغ، وكذلك القمر، ولا يلزم من ذلك أنهما مترادفان، إلى آخر ما في هامش \"اللامع\"، وفيه: مال العيني (^١) إلى أن الاستفهام في الترجمة ليس للنفي والإنكار.\nوالأوجه عندي: أن الترجمة من الأصل الثاني والثلاثين، وأشار بلفظ: \"هل\" في الترجمة إلى مجرد الاحتمال الناشئ من قول عروة، والمقصود استعمال كل من اللفظين في كل منهما، كما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه، إذ قال (^٢): قوله: فقال في كسوف الشمس والقمر، فيه الترجمة حيث ذكر الراوي أوّلًا لفظ الكسوف لهما، ثم ذكر بلفظ: \"لا يخسفان\"، فعلم جواز إطلاق اللفظتين معًا، وإن كان الغالب في القمر الخسوف كما ورد في الآية، وفي الشمس الكسوف، والله أعلم.\nثم ذكر الإمام - ﵀ - في الترجمة الآية الشريفة، قال الحافظ (^٣): في إيراده لهذه الآية احتمالان، أحدهما: أن يكون أراد أن يقال: خسف القمر كما جاء في القرآن، ولا يقال: كسف، وإذا اختص القمر بالخسوف أشعر باختصاص الشمس بالكسوف، والثاني: أن يكون أراد أن الذي يتفق\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٥/ ٣١٥).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٤/ ١٩٧ - ١٩٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٢/ ٥٣٥).","vol":"3","page":85},{"text":"للشمس كالذي يتفق للقمر، وقد سُمي في القرآن بالخاء في القمر، فليكن الذي للشمس كذلك، انتهى.\n\n(٦ -<span data-type='title' id=toc-870> باب قول النبي - ﷺ -: يخوِّف الله عباده. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^١) تحت حديث الباب: فيه رد على من يزعم من أهل الهيئة أن الكسوف أمر عادي لا يتأخر ولا يتقدم، إذ لو كان كما يقولون لم يكن في ذلك تخويف، ويصير بمنزلة الجزر والمد في البحر، وقد ردّ ذلك عليهم ابن العربي وغير واحد من أهل العلم بما في حديث أبي موسى الآتي حيث قال: \"فقام فزعًا يخشى أن تكون الساعة\"، قالوا: فلو كان الخسوف (^٢) بالحساب لم يقع الفزع، ولو كان بالحساب لم يكن للأمر بالعتق والصدقة والصلاة والذكر معنى. ومما نقض ابن العربي وغيره أنهم يزعمون أن الشمس لا تنكسف على الحقيقة، وإنما يحول القمر بينها وبين أهل الأرض عند اجتماعهما في العقدتين. . . إلى آخر ما بسط فيما اعتقدوا من ذلك والرد عليهم، فارجع إليه لو شئت.\nقال الحافظ: قال ابن دقيق العيد: وربما يعتقد بعضهم أن الذي يذكره أهل الحساب ينافي قوله: \"يخوِّف الله بهما عباده\"، وليس بشيء؛ لأن لله أفعالًا على حسب العادة، وأفعالا خارجة عن ذلك، وقدرته حاكمة على كل سبب، فله أن يقتطع ما يشاء من الأسباب والمسببات بعضها عن بعض، وإذا ثبت ذلك، فالعلماء بالله لقوة اعتقادهم في عموم قدرته على خرق العادة، وأنه يفعل ما يشاء إذا وقع شيء غريب حدث عندهم الخوف لقوة ذلك الاعتقاد، وذلك لا يمنع أن يكون هناك أسباب تجري عليها العادة إلى أن يشاء الله خرقها.\nوحاصله: أن الذي يذكره أهل الحساب إن كان حقًا في نفس الأمر لا ينافي كون ذلك مخوفًا لعباد الله تعالى، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٥٣٧).\n(^٢) وفي \"الفتح\": \"الكسوف\".","vol":"3","page":86},{"text":"قوله: (تابعه أشعث. . .) إلخ، بسط الكلام على ذكر من قال: \"يخوِّف\" ومن لم يقل، لما فيه من الرد على ما تقدم من أهل قول الهيئة: إنه أمر عادي فلا تخويف فيه. وبسط الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" في توضيح هذه المتابعات لاختلاف نسخ البخاري في ذكر قوله: \"تابعه أشعث\"، ففي النسخ التي بأيدينا ذكره بعد ذكر متابعة موسى، ورجح الحافظ تقديمه، وباختلاف ذلك يختلف غرض المتابعة، وبسط الكلام على ذلك الحافظان ابن حجر والعيني (^١)، وسكت عنه الكرماني، ولخص القسطلاني كلام الحافظ، كما ذكر في هامش \"اللامع\" (^٢)، فارجع إليه لو شئت.\n\n(٧ -<span data-type='title' id=toc-871> باب التعوذ من عذاب القبر. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٣): قال ابن المنيِّر: مناسبة التعوّذ عند الكسوف: أن ظلمة النهار بالكسوف تشابه ظلمة القبر وإن كان نهارًا، والشيء بالشيء يذكر، فيخاف من هذا كما يخاف من هذا، فيحصل الاتعاظ بهذا في التمسك بما ينجي من غائلة الآخرة، انتهى.\nقلت: أو: لما أن عذاب القبر أوحي إليه - ﷺ - إذ ذلك، كما يشير حديث الباب، وبه جزم الحافظ (^٤) في \"باب ما جاء في عذاب القبر\" من \"كتاب الجنائز\"، ويشكل عليه ما تقدم من عذاب القبر في الرجلين يعذبان في كبير: النميمة والبول، فإن ظاهره أنه كان في مقدم المدينة، وغير ذلك من الروايات التي ذكرها البخاري في \"باب عذاب القبر\"، ومع ذلك جزم الحافظ بأن عذاب القبر أعلم به النبي - ﷺ - في سنة الكسوف، وأول ما خالف ذلك، وقال: فانتفى التعارض.\n_________\n(^١) انظر: \"عمدة القاري\" (٥/ ٣١٨)، و\"فتح الباري\" (٢/ ٥٣٦).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٤/ ٢٠٠).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٢/ ٥٣٨).\n(^٤) انظر: المصدر السابق (٣/ ٢٣٦).","vol":"3","page":87},{"text":"(٨ -<span data-type='title' id=toc-872> باب طول السجود في الكسوف)</span>\nقال الحافظ (^١): وأشار بهذه الترجمة إلى الرد على من أنكره، واستدل بعض المالكية على ترك إطالته بأن الذي شُرع فيه التطويل شرع تكراره كالقيام والركوع، ولم تشرع الزيادة في السجود فلا يشرع تطويله، وهو قياس في مقابلة النص، وهو فاسد الاعتبار، انتهى.\nقال القسطلاني (^٢): واختلف في استحباب إطالة السجود في الكسوف، وصحح الرافعي عدم إطالته كسائر الصلوات، وعليه جمهور أصحاب الشافعي، وصحح النووي التطويل وقال: إنه المختار بل الصواب، وعليه المحققون من أصحابنا، انتهى.\nقلت: وهكذا يستحب التطويل عند الأئمة الثلاثة الباقية مالك وأحمد وأبي حنيفة كما بسط في \"الأوجز\" (^٣) عن متونهم.\n\n(٩ -<span data-type='title' id=toc-873> باب صلاة الكسوف جماعة. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٤): أي: وإن لم يحضر الإمام الراتب فيؤم لهم بعضهم، وبه قال الجمهور. وعن الثوري: إن لم يحضر الإمام صلّوا فرادى، انتهى.\nوما تعقب عليه العيني (^٥) بقوله: قلت: إذا لم يكن الإمام حاضرًا كيف يصلون جماعة؟. . . إلخ، فليس بوجيه، فإن الحافظ - ﵀ - قيَّد الإمام بقوله: الراتب، ولم ينف الإمام رأسًا. وفي هامش \"اللامع\": وأداؤها بالجماعة سُنَّة عند الجمهور، منهم الأئمة الأربعة، وقال بعضهم: لا تشرع لها الجماعة، انتهى.\nوقال العيني: قال صاحب \"الذخيرة\" من أصحابنا: الجماعة فيها\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٥٣٨).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٣/ ١٠٠).\n(^٣) انظر: \"أوجز المسالك\" (٤/ ٦٢).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٢/ ٥٤٠).\n(^٥) \"عمدة القاري\" (٥/ ٣٢٢).","vol":"3","page":88},{"text":"سُنَّة، ويصلي بهم الإمام الذي يصلي الجمعة والعيدين، وفي \"المرغيناني\": يؤمهم فيها إمام حيّهم بإذن السلطان، ولا يصلون في مساجدهم بل يصلون جماعة واحدة، ولو لم يقمها الإمام صلى الناس فرادى، انتهى.\n\n(١٠ -<span data-type='title' id=toc-874> باب صلاة النساء مع الرجال. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^١): أشار بهذه الترجمة إلى رد قول من منع ذلك، وقال: يصلين فرادى، وهو منقول عن الثوري وبعض الكوفيين. وفي \"المدونة\": تصلي المرأة في بيتها وتخرج المتجالَّة، وعن الشافعي: يخرج الجميع إلا من كانت بارعة الجمال، انتهى.\nوقال العيني (^٢): وأبو حنيفة يرى بخروج العجائز فيها غير أنهن يقفن وراء صفوف الرجال، وعند أبي يوسف ومحمد: يخرجن في جميع الصلوات لعموم المصيبة، فلا يختص ذلك بالرجال، انتهى.\n\n(١١ -<span data-type='title' id=toc-875> باب من أحبّ العتاقة في كسوف الشمس)</span>\nالعتاقة بفتح العين المهملة، قيَّده بالكسوف نظرًا إلى لفظ حديث أورده في الباب، وإلا فكذلك حكم الخسوف كما يأتي في \"كتاب العتق\" بلفظ: \"كنا نؤمر عند الخسوف بالعتاقة\".\nقال القسطلاني (^٣): وهل يقتصر على العتاقة، أو هي من باب التنبيه بالأعلى على الأدنى؟ الظاهر الثاني لقوله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إلا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩]، وإذا كانت من التخويف فهي داعية إلى التوبة والمسارعة إلى جميع أفعال البر، كل على قدر طاقته، ولما كان أشد ما يتوقع من التخويف النار، جاء الندب بأعلى شيء يتقي به النار؛ لأنه قد جاء: \"من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل عضو منها عضوًا منه من النار\"،\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٥٤٣).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٥/ ٣٢٨).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (٣/ ١٠٨).","vol":"3","page":89},{"text":"فمن لم يقدر على ذلك فليعمل بالحديث العام وقوله ﵊: \"اتقوا النار ولو بشق تمرة\"، ويأخذ من وجوه البر ما أمكنه، قاله ابن أبي جمرة، انتهى.\n\n(١٢ -<span data-type='title' id=toc-876> باب صلاة الكسوف في المسجد)</span>\nلعله إشارة إلى ردِّ ما يتوهم من بعض الروايات من الخروج إلى المصلَّى، ويحتمل أنه نَبَّهَ بذلك على أنها تخالف في هذا صلاة العيد والاستسقاء، ثم ليس في الحديث ذكر المسجد، نعم يؤخذ من قوله: \"بين ظهراني الحجر\"، إذ كانت لاصقة بالمسجد، وقد ورد في حديث الباب عند مسلم (^١) بلفظ: \"فخرجت في نسوة بين ظهراني الحجر في المسجد\" الحديث.\n\n(١٣ -<span data-type='title' id=toc-877> باب لا تنكسف الشمس لموت أحد. . .) إلخ</span>\nهذا هو البحث الثالث من المباحث المذكورة في أوّل \"كتاب الكسوف\"، قال الحافظ (^٢): قال الخطابي: كانوا في الجاهلية يعتقدون أن الكسوف يوجب حدوث تغير في الأرض من موت أو ضرر، فأعلم النبي - ﷺ - أنه اعتقاد باطل، وأن الشمس والقمر خَلْقان مسخَّران لله تعالى ليس لهما سلطان في غيرهما، ولا قدرة على الدفع من أنفسهما. وفيه ما كان النبي - ﷺ - عليه من الشفقة على أمته وشدة الخوف من ربه ﵎، انتهى.\n\n(١٤ -<span data-type='title' id=toc-878> باب الذكر في الكسوف)</span>\nصنيع المؤلف ظاهر في أنه أراد عقد التراجم على جميع ما ورد في الأحاديث من العبادات والمعالجات لدفع الكسوف، وقد تقدم ما قال الحافظ في \"باب الصدقة في الكسوف\" (^٣): ورد الأمر في الأحاديث التي\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\" (٩٠٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٥٢٨).\n(^٣) المصدر السابق (٢/ ٥٢٩).","vol":"3","page":90},{"text":"أوردها في الكسوف بالصلاة والصدقة والذكر والدعاء وغير ذلك، وقد قدم منها الأهم فالأهم، انتهى.\n\n(١٥ -<span data-type='title' id=toc-879> باب الدعاء في الكسوف. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^١): وورد الأمر بالدعاء أيضًا من حديث أبي بكرة وغيره، ومنهم من حمل الدعاء والذكر على الصلاة لكونهما من أجزائها، والأول أولى؛ لأنه جمع بينهما في حديث أبي بكرة حيث قال: \"فصلوا وادعوا\"، انتهى. وهو الظاهر من التراجم؛ إذ المصنف ترجم لكل واحد منها على حدة.\n\n(١٦ -<span data-type='title' id=toc-880> باب قول الإمام في خطبة الكسوف: أما بعد!. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٢): ذكر فيه حديث أسماء مختصرًا معلقًا، وقد تقدم مطولًا من هذا الوجه في \"كتاب الجمعة\"، انتهى.\nقلت: سكتوا عن غرض الترجمة، والأوجه عندي في الغرض ما تقدم في \"كتاب الجمعة\"، وذكر هذه الترجمة ههنا أيضًا اهتمامًا بشأنها، وتنبيهًا على أن هذه اللفظة تكون في كل خطبته - ﷺ - من الجمعة والكسوف وغيرهما.\n\n(١٧ -<span data-type='title' id=toc-881> باب الصلاة في كسوف القمر)</span>\nقال الحافظ (^٣): أورد فيه حديث أبي بكرة من وجهين مختصرًا ومطولًا، وليس في المختصر ذكر القمر لا بالتنصيص ولا بالاحتمال، والجواب أنه أراد أن يبين أن المختصر بعض الحديث المطول، وبه تحصل المطابقة، وحكى ابن التين أنه وقع في رواية الأصيلي: \"انكسف القمر\"\n_________\n(^١) المصدر السابق (٢/ ٥٤٨).\n(^٢) المصدر السابق (٢/ ٥٤٧).\n(^٣) المصدر السابق (٢/ ٥٤٨).","vol":"3","page":91},{"text":"بدل الشمس، وهذا تغيير لا معنى له، وكأنه عسرت عليه مطابقة الحديث بالترجمة، فظن أن لفظه مغير، فغيره هو إلى ما ظنه صوابًا، وليس كذلك، انتهى.\nوذكر القسطلاني كلام ابن التين ولم يتعقب عليه بشيء، بل قال (^١): وروى ابن أبي شيبة هذا الحديث بلفظ: \"انكسفت الشمس أو القمر\"، وفي رواية هشيم: \"انكسفت الشمس والقمر\"، انتهى.\nقال العيني (^٢): أشار الكرماني إلى المطابقة بأن معرفة الصلاة في كسوف الشمس تغني عن معرفة الصلاة في كسوف القمر، فمن ذلك حصل الاستغناء بذكر أحدهما عن الآخر.\nقلت: هذا ليس بسديد، ثم ذكر العيني كلام الحافظ المتقدم وتعقب عليه، فارجع إليه لو شئت.\nثم ذكر في هامش \"اللامع\" في خسوف القمر بحثين:\nالأول: أن الخسوف وقع مرتين في زمنه - ﷺ -، والكسوف لم يقع إلّا مرة واحدة، كما قال العشماوي، وفي \"شرح الإحياء\": إن الخسوف وقع في السنة الرابعة في جمادى الآخرة، ولم يشتهر أنه - ﷺ - جمع له الناس، وفي \"سيرة ابن حبان\": إن القمر خسف في السنة الخامسة، وهكذا في \"تاريخ الخميس\".\nوالبحث الثاني: هل صلى النبي - ﷺ - صلاة الخسوف؟ فقال مالك: لم يبلغنا أنه - ﷺ - صلى إلا في خسوف الشمس، وبه جزم ابن القيم، وحكى القاري عن الدارقطني بسنده عن ابن عباس أنه - ﷺ - صلى في كسوف الشمس والقمر أربع ركعات في أربع سجدات، وسنده جيد.\nوأما عند الأئمة الأربعة، فعندنا الحنفية وكذا المالكية: صلاة الخسوف كسائر النوافل بدون تكرار الركوع وبدون الخطبة، إلّا أن الجماعة\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٣/ ١١٧).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٥/ ٣٣٥).","vol":"3","page":92},{"text":"مكروهة فيها عند مالك، وغير مسنونة عند الحنفية، وعند الشافعي: هي كصلاة الكسوف بتكرار الركوع بالجماعة جهرًا، وكذا عند أحمد، إلّا أنهما إختلفا في الخطبة بعدها، ثابتة عند الشافعي دون أحمد، انتهى ملخصًا من هامش \"اللامع\".\n\n(١٧<span data-type='title' id=toc-882> م - باب صب المرأة على رأسها الماء. . .) إلخ</span>\nليس هذا الباب في نسخة الحافظ ولا القسطلاني، ولا في المصرية التي عليها حاشية السندي، نعم هو موجود في نسخة العيني، قال القسطلاني (^١): وقع في رواية المستملي: \"باب صب المرأة على رأسها. . .\" إلخ، بدل قوله: \"باب الركعة الأولى في الكسوف أطول\" الثابت في رواية الكشميهني والحموي، والظاهر أن المصنف ترجم لها وأخلى بياضًا ليذكر لها حديثًا كعادته، فلم يتفق، فضم بعضهم الكتابة بعضها إلى بعض، فوقع الخلط، ووقع في رواية أبي علي ابن شبويه عن الفربري أنه ذكر \"باب صب المرأة\" أوّلًا، وقال في الحاشية: ليس فيه حديث، ثم ذكر \"باب الركعة الأولى أطول\"، وأورد فيه حديث عائشة هذا، وكذا في \"مستخرج الإسماعيلي\".\nقال الحافظ ابن حجر (^٢): فعلى هذا فالذي وقع من صنيع شيوخ أبي ذر من اقتصار بعضهم على إحدى الترجمتين ليس بجيد، أما من اقتصر على الأولى وهو المستملي فخطأ محض، إذ لا تعلق لها بحديث عائشة، وأما الآخران فمن حيث إنهما حذفا الترجمة أصلًا، وكأنهما استشكلاها فحذفاها، انتهى.\nقلت: ذكر الترجمة من غير ذكر حديث أصل مستقل من أصول التراجم المذكورة في المقدمة، وهو الأصل السابع والعشرون، فارجع إليه لو شئت.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٣/ ١٢٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٥٤٨).","vol":"3","page":93},{"text":"(١٨ -<span data-type='title' id=toc-883> باب الركعة الأولى في الكسوف أطول)</span>\nقال القسطلاني (^١): والركعة الثانية أطول من الثالثة، وهي أطول من الرابعة، قال ابن بطال: لا خلاف أن الركعة الأولى بقيامَيْها وركوعَيْها أطول من الركعة الثانية بقيامَيْها وركوعَيْها، واتفقوا على أن القيام الثاني وركوعه فيهما أقصر من القيام الأول وركوعه فيهما، واختلفوا في القيام الأول من الثانية وركوعه، وسبب هذا الخلاف فهم معنى قوله: \"وهو دون القيام الأول\" هل المراد به الأول من الثانية، أو يرجع إلى الجميع، فيكون كل قيام دون الذي قبله، ورواية الإسماعيلي بلفظ الأولى، فالأولى أطول بدل قوله: الأول، والأول أطول تعيين هذا الثاني، انتهى مختصرًا.\n\n(١٩ -<span data-type='title' id=toc-884> باب الجهر بالقراءة في الكسوف)</span>\nقال الحافظان ابن حجر والعيني (^٢): سواء كان للشمس أو للقمر، قلت: فعلى هذا ميل المصنف إلى الجهر فيهما، ولعل استدلاله بعموم اللفظ، فإن لفظ الخسوف يستعمل فيهما كما تقدم، والمسألة خلافية، فعند أبي يوسف يجهر، وبه قال أحمد، وقالت الأئمة الثلاثة بالسر في كسوف الشمس، وبالجهر في الخسوف، وقول محمد مختلف فيه، قال النووي: مذهبنا ومذهب مالك وأبي حنيفة وجمهور الفقهاء أنه يُسر في الكسوف ويجهر في الخسوف، وما حكاه النووي عن مالك هو المشهور عنه، بخلاف ما حكاه عنه الترمذي من الجهر، قال المازري: ما حكاه الترمذي عنه رواية شاذة، قلت: ويقال: عن مالك روايتان، والمشهور السر، والبسط في \"الأوجز\" (^٣)، انتهى من هامش \"اللامع\".\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٣/ ١١٩).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٥٤٩)، و\"عمدة القاري\" (٥/ ٣٣٧).\n(^٣) \"أوجز المسالك\" (٤/ ٧٥)، و\"لامع الدراري\" (٤/ ١٨٨).","vol":"3","page":94},{"text":"وقال الحافظ تحت الحديث الأول (^١): استدل به على الجهر فيها بالنهار، وحمله جماعة ممن لم ير بذلك على خسوف القمر، وليس بجيد؛ لأن الإسماعيلي روى هذا الحديث من وجه آخر بلفظ: \"كشف الشمس\" الحديث، انتهى.\nثم براعة الاختتام سكت الحافظ عنه، والظاهر عندي أن وقت الكسوف يشبه بما يراه الميت في القبر أول ما يوضع فيه من بقية ضوء النهار، ففي \"المشكاة\" برواية ابن ماجه (^٢): عن جابر - ﵁ -: \"إذا أدخل الميت القبر مثلت له الشمس عند غروبها\"، الحديث، ولذا تعوذ ﵊ عند الكسوف من عذاب القبر، أو يقال: إن المعروف عندهم أن الكسوف يكون لموت عظيم، فإنه وإن كان باطلًا عند الشرع لكنه مذكِّر له.\n* * *\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٥٤٩).\n(^٢) \"سنن ابن ماجه\" (٤٢٧٢).","vol":"3","page":95},{"text":"١٧ -<span data-type='title' id=toc-885> أبواب سجود القرآن</span>\nقال الحافظ (^١): كذا للمستملي، ولغيره: \"باب ما جاء في سجود القرآن وسُنَّتها\"، انتهى. قلت: وهكذا في النسخ الهندية التي بأيدينا.\nقوله: (وسُنَّتها) في هامش \"اللامع\" (^٢): لم يتعرض الشرَّاح لغرض هذا اللفظ في الترجمة نصًا، وما يظهر من كلامهم أنهم حملوه على إثبات كون السجدة سُنَّة ردًا على من قال بوجوبه. وهكذا يفهم من كلام شيخ المشايخ في \"تراجمه\" (^٣).\nوهذا الغرض ليس بوجيه عندي لوجهين، الأول: أن الإمام البخاري لم يتعرض في الباب لشيء يناسب هذا المعنى، والثاني: أن الإمام البخاري أشار إلى هذا المعنى فيما سيأتي قريبًا في \"باب من رأى أن الله تعالى لم يوجب السجود\"، فلو أراد إثبات السُّنِّية ههنا تكرر الترجمة.\nفالأوجه عندي في غرض الترجمة أن المراد بالسُّنَّة معناها اللغوي، أي: طريقتها، وعلم من الرواية أنها بعد قراءة الآية كما يدل عليه لفظ: فسجد، ولذا قال القسطلاني (^٤): لو سجد قبل تمام الآية ولو حرفًا لم يعتبر، ويمكن أن يقال: إن المراد به بدء سُنِّيتها ومشروعيتها، فالترجمة حينئذ من الأصل التاسع والخمسين من أصول التراجم، وعلم من الحديث أن مبدءها من سورة النجم.\nقال الحافظ (^٥): أفاد المصنف في رواية إسرائيل الآتية في تفسير سورة النجم: أن النجم أول سورة أنزلت فيها سجدة، وهذا هو السر في بداءة\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٥٥١).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٤/ ٢٠٥).\n(^٣) (ص ٣٠١).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (٣/ ١٢٤).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٢/ ٥٥٢).","vol":"3","page":96},{"text":"المصنف في هذه الأبواب بهذا الحديث، وأما سورة \"اقرأ\" وإن كان أول السور نزولًا وفيها أيضًا سجدة، لكن السابق منها أوائلها، وأما بقيتها فنزل بعد ذلك، انتهى.\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-886> باب سجدة ﴿تَنْزِيلُ﴾ السجدة)</span>\nقال الحافظ (^١): قال ابن بطال: أجمعوا على السجود فيها، وإنما اختلفوا في السجود بها في الصلاة، انتهى. كما تقدم في \"باب ما يقرأ في صلاة الفجر\" من \"كتاب الجمعة\" من مذهب مالك أنه كره أن يقرأ الإمام بالسجدة في الفريضة، وستأتي المسألة في باب مستقل.\nقال الحافظ (^٢): وقد اختلف تعليل المالكية بكراهته، فقيل: لكونها تشتمل على زيادة سجود في الفرض، وقيل: لخشية التخليط على المصلين، وقيل: لخشية اعتقاد العوام أنها فرض، إلى آخر ما بسط من الرد على تلك الوجوه.\nوفي هامش الهندية (^٣) عن \"الخير الجاري\": لم يذكر في الحديث أنه - ﷺ - سجد فيها أم لا؟ فلعله استفاد ذلك من تسمية السورة بتنزيل السجدة، أو يقال: إن الترجمة شارحة للحديث، ويكون إشارة إلى ما جاء في طريق لغيره، انتهى.\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-887> باب سجدة ص)</span>\nالظاهر أن المصنف - ﵀ - مال إلى السجود فيها؛ لأن في الرواية سجوده - ﷺ -، قال العلامة العيني (^٤): فِعْله - ﷺ - أولى من قول ابن عباس، وقد روى ابن المنذر عن علي أن العزائم: حم، والنجم، واقرأ، والم تنزيل. وكذا ثبت عن ابن عباس في الثلاثة الأُخر، انتهى من \"الفتح\" (^٥).\n_________\n(^١) المصدر السابق (٢/ ٥٥٢).\n(^٢) المصدر السابق (٢/ ٣٧٨).\n(^٣) (٣/ ٧).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (٥/ ٣٤٧).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٢/ ٥٥٢).","vol":"3","page":97},{"text":"واختلفوا في عدد سجود القرآن على اثني عشر قولًا، بسطت في \"الأوجز\" (^١)، والمعروفة منها أربعة:\nالأول والثاني: مذهب الحنفية والشافعية إذ قالوا: إنها أربع عشرة سجدات إلا أنهم اختلفوا فيما بينهم في سجدة ص، فقالت بها الحنفية والمالكية، ولم يقل بها الشافعية، وهما روايتان عن أحمد، وفي السجدة الثانية من الحج، إذ قالت بها الشافعية والحنابلة، ولم يقل بها الحنفية والمالكية.\nوالمذهب الثالث: مذهب الإمام مالك المعروف عنه أنه قال بإحدى عشر سجدات، بإسقاط الثلاثة من المفصل وثانية الحج، وهو القول القديم للشافعي.\nوالرابع: المعروف المشهور في شروح الحديث من مذهب الإمام أحمد أنه قال بخمس عشرة سجدات، يعني: مع سجدة ص وثانية الحج، لكن المعروف في متون الحنابلة موافقته للشافعية.\n\n(٤ -<span data-type='title' id=toc-888> باب سجدة النجم. . .) إلخ</span>\nأسقطها مالك في ظاهر الرواية والشافعي في القديم إذ قالا: ليس في المفصَّل سجدة، وكذا قال جماعة، ذكر أسماءهم العيني (^٢) في المذهب الثاني من المذاهب العشرة في السجود، وأسقط النجم خاصة أبو ثور كما في المذهب الخامس، وتقدم مذاهب الأئمة الأربعة في الباب السابق.\n\n(٥ -<span data-type='title' id=toc-889> باب سجود المسلمين مع المشركين)</span>\nكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٣): أراد بذلك إثبات أنه لا يتوقف السجود على الطهارة، والاستدلال بالرواية من حيث إنه ذكر فيها سجود\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (٤/ ٢٩١).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٥/ ٣٤٤).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٤/ ٢٠٩ - ٢١٤).","vol":"3","page":98},{"text":"المشركين، ومن الظاهر أنهم لم يكونوا على وضوء، ولم ينههم النبي - ﷺ - عنه، وأيضًا فإن المذكور فيها سجود المشركين والمسلمين، ولم يذكر فيها أن المسلمين كانوا على وضوء أو على غير وضوء، فيستوي الأمران فيها، انتهى.\nوفي هامشه: قال الحافظ (^١): قوله: \"كان ابن عمر - ﵄ - يسجد على غير وضوء\"، كذا لأكثر الرواة، وفي رواية الأصيلي بحذف \"غير\"، والأول أولى، ولم يوافق ابن عمر أحد على جواز السجود بلا وضوء إلّا الشعبي، انتهى.\nقلت: وظاهر ترجمة البخاري أنه ذهب أيضًا إلى جواز السجدة بلا وضوء، وقال السندي (^٢): أراد أن اختلاط المشركين بالمسلمين لا يضر في سجود المسلمين، مع أن المشرك نجس غير متوضئ، وقوله: \"كان ابن عمر. . .\" إلخ، بمنزلة الترقي في ذلك، أي: بل كان ابن عمر لا يوجب الوضوء للسجود، فكيف يضر اختلاط المشرك النجس؟ ولم يرد اختيار قول ابن عمر، والاستدلال عليه بسجود المشركين ضرورة أن فعل المشرك ما كان إلّا صورة السجود لا معناه، فلا وجه للاستدلال به، انتهى.\nقال الحافظ: اعترض ابن بطال (^٣): إن أراد البخاري الاحتجاج لابن عمر بسجود المشركين فلا حجة فيه؛ لأن سجودهم لم يكن على وجه العبادة، وإن أراد الرد على ابن عمر بقوله: والمشرك نجس، فهو أشبه بالصواب، وأجاب ابن رُشيد بأن مقصود البخاري تأكيد مشروعية السجود بأن المشرك قد أقر على السجود مع عدم أهليته، فالمتأهل لذلك أحرى، ويؤيده الحديث بأن من لم يسجد عوقب عليه، انتهى.\nوما ذكر الشرَّاح ههنا في سبب سجود المشركين من قصة الغرانيق\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٥٥٣).\n(^٢) \"حاشية السندي\" (١/ ١٩٠).\n(^٣) \"شرح صحيح البخاري\" لابن بطال (٣/ ٥٧).","vol":"3","page":99},{"text":"بسط الكلام عليه شيخنا في \"البذل\" (^١)، وهذا العبد في هامش \"اللامع\" فارجع إليه لو شئت، وفيه: والذي اختاره الشيخ الكَنكَوهي في \"الكوكب\" هو الذي اختاره شيخ المشايخ في \"تراجمه\" (^٢)، إذ قال: ذكر المفسرون في هذه القصة أنه جرى على لسانه - ﷺ - من قبل الشيطان الكلمات المشهورة، فلذلك سجد المشركون معه حيث زعموا أنه لا اختلاف بعد ذلك بيننا وبينهم؛ لأنه يثني على آلهتنا، لكن لا أصل لهذه القصة عند المحدثين، بل الحق أن هذه الكلمات ما جرت على لسانه - ﷺ -، والقصة موضوعة كما قال الذهبي وغيره من المحدثين، وكيف يظن مثل هذا بأكرم الرسل خير المخلوقات أنه تسلَّط عليه الشيطان، حاشا جنابه عن نسبة أمثال هذه الواهيات، ثم حاشا هذا، وقد قال الله تعالى في حق عامة الصلحاء: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢]، فما ظنك بسيد البشر والشفيع المشفع يوم المحشر الذي أقسم الله بعمره فقال: \"لعمرك يا حبيبي\"، بل الحق أن المشركين إنما سجدوا لغلبة جلاله وجبروته. . . إلى آخر ما بسط في هامش \"اللامع\".\n\n(٦ -<span data-type='title' id=toc-890> باب من قرأ السجدة ولم يسجد)</span>\nقال الحافظ (^٣): يشير بذلك إلى الرد على من احتج بحديث الباب على أن المفصَّل لا سجود فيه كالمالكية، أو أن النجم بخصوصها لا سجود فيها كأبي ثور؛ لأن ترك السجود فيها لا يدل على تركه مطلقًا لاحتمال أنه كان إذ ذاك بلا وضوء، أو لكون الوقت وقت كراهة، أو ترك لبيان الجواز، وبه جزم الشافعي، انتهى.\nوعلى هذا فتكون الترجمة شارحة بأن عدم سجوده - ﷺ - كان لعارض، وأيضًا فيه تأييد لظاهر الرواية عن الحنفية أن وجوبها على التراخي، ورواية\n_________\n(^١) \"بذل المجهود\" (٦/ ٧١ - ٧٤)، و\"لامع الدراري\" (٤/ ٢١١).\n(^٢) (ص ٣٠١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٢/ ٥٥٥).","vol":"3","page":100},{"text":"التاتارخانية على الفور شاذة كما في \"الفيض\" (^١).\nويمكن أن يقال: إن غرض المصنف أن السجدة سواء كانت واجبة أو سُنَّة ليست على الفور، وحديث الباب استدل به من لم يرَ السجدة واجبة كما استدل به الزرقاني عليه كما في \"الأوجز\"، ومن أوجبها حمله على ما تقدم من الوجوه في كلام الحافظ.\n\n(٧ -<span data-type='title' id=toc-891> باب سجدة ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾)</span>\nفيه تعريض على المالكية؛ لأنه ليس عندهم في المفصَّل سجدة، كذا في \"الفيض\" (^٢).\n\n(٨ -<span data-type='title' id=toc-892> باب من سجد لسجود القارئ)</span>\nإشارة إلى مسألة خلافية كما ستأتي، وظاهر لفظ الترجمة أن ميل المؤلف إلى مسلك الحنابلة والمالكية، وبه جزم الحافظ، إذ قال (^٣): وفي الترجمة إشارة إلى أن القارئ إذا لم يسجد لم يسجد السامع، انتهى.\nوالصحيح من مسالك الأئمة الأربعة ما في هامش \"اللامع\" (^٤)، إذ قال: والجملة أن السجدة واجبة عندنا الحنفية على التالي والسامع مطلقًا قولًا واحدًا، سواء قصد السماع أم لا؟ وسواء كان التالي أهلًا للإمامة أم لا؟ وهكذا عند الشافعية في المرجح عندهم كما في فروعهم، إلا أن السجدة ليست بواجبة عندهم بل سُنَّة، كما سيأتي مفصلًا، فقالوا: إنها سُنَّة للسامع ومؤكدة على المستمع، وعند الحنابلة السجدة على السامع مشروط بثلاثة شروط: الاستماع، أي: قصد السماع، وأهلية التالي الإمامة للسامع، وسجدة التالي، وهكذا عند المالكية مع شرط رابع أن لا يقصد بتلاوته إسماع الناس، انتهى.\n_________\n(^١) \"فيض الباري\" (٢/ ٣٩١).\n(^٢) المصدر السابق (٢/ ٣٩٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٢/ ٥٥٦).\n(^٤) انظر: \"لامع الدراري\" (٤/ ٢١٥).","vol":"3","page":101},{"text":"(٩ -<span data-type='title' id=toc-893> باب ازدحام الناس إذا قرأ الإمام السجدة)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): لعله قصد بذلك إثبات أن السجود حتم لا يترك لعذر، والذي ترجم بعد ذلك بهذا العنوان لا يعنيه، فالغرض منه بيان الحكم لمن لم يجد موضعًا للسجود للزحمة ماذا يفعل، هل يؤخر إلى وقت غير وقته هذا، أو يسجد على ظهر آخر، أو يسقط عنه على حسب اختلافهم في ذلك؟ ولعدم تعيين إحدى الاحتمالات ترك الخبر مبهمًا، ولا يظهر من الرواية المذكورة ثمة شيء، انتهى.\nوفي هامشه: وهذا واضح جيد، والعجب أن الشرَّاح كلهم سكتوا عن غرض الترجمة ههنا، وكذا سكتوا عن بيان الفرق بين الترجمتين، انتهى.\n\n(١٠ -<span data-type='title' id=toc-894> باب من رأى أن الله - ﷿ - لم يوجب السجود)</span>\nأشار الإمام البخاري بهذه الترجمة إلى المسألة الخلافية الشهيرة في سجدة التلاوة، هل هي واجبة أم لا؟ وكأن الإمام البخاري لم يوافق قول من أنكر الوجوب، ولذا ترجم بلفظ: \"من رأى\" كما قالوا في مثل هذه التراجم، كما تقدم في الأصل الثالث من أصول التراجم، وبسط الكلام على المسألة في \"الأوجز\" (^٢).\nوالحاصل: أنها واجبة عند الحنفية، وسُنَّة مؤكدة عند الشافعية والحنابلة، وفضيلة أو سُنَّة قولان مشهوران للمالكية، وعن أحمد: أنها واجبة في الصلاة لا خارجها، انتهى من هامش \"اللامع\" (^٣).\n\n(١١ -<span data-type='title' id=toc-895> باب من قرأ السجدة في الصلاة فسجد بها)</span>\nأشار الإمام البخاري بهذه الترجمة إلى مسألة خلافية شهيرة، وهي قراءة السجدة في الصلاة، بسط الكلام عليها في \"الأوجز\" (^٤)، والجملة أنها\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٤/ ٢١٦).\n(^٢) \"أوجز المسالك\" (٤/ ٢٧٥).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٤/ ٢١٨).\n(^٤) \"أوجز المسالك\" (٤/ ٢٨٠).","vol":"3","page":102},{"text":"جائزة بلا كراهة عند الشافعية إلّا أنهم قالوا: لا يقصد بقراءته السجدة في غير صبح جمعة، وإلا فتبطل صلاته لو سجد عالمًا بتحريمه، وعند الحنابلة مكروه في السرية دون الجهرية، فلو قرأ لم يسجد، وعند الحنفية كما في \"الدر المختار\" (^١): يكره للإمام أن يقرأها في مخافتة، ونحو جمعة وعيد، وإلّا أن تكون بحيث تؤدى بركوع الصلاة أو بسجودها، وأما مذهب المالكية فقد تقدم في \"باب سجدة تنزيل السجدة\".\n\n(١٢ -<span data-type='title' id=toc-896> باب من لم يجد موضعًا للسجود. . .) إلخ</span>\nتقدم الفرق بين هذا الباب وبين ما سبق من \"باب ازدحام الناس. . .\" إلخ، قال الحافظ (^٢): أي: ماذا يفعل؟ قال ابن بطال (^٣): لم أجد هذه المسألة إلّا في سجود الفريضة، وإذا كان هذا في سجود الفريضة فيجري مثله في سجود التلاوة، واختلف السلف، فقال عمر رضي الله تعالى عنه: يسجد على ظهر أخيه، وبه قال الكوفيون وأحمد، وقال عطاء: يؤخر حتى يرفعوا، وبه قال مالك والجمهور، وظاهر صنيع البخاري أنه يذهب إلى أنه يسجد بقدر استطاعته ولو على ظهر أخيه، انتهى من هامش \"اللامع\" (^٤).\nثم براعة الاختتام سكت عنه الحافظ، ولا يبعد عندي أن يقال: إن السجود هبوط إلى الأرض شبيه بالهبوط إلى القبر، أو يقال: إنه يستأنس من قوله: ما يجد أحدنا مكانًا. . . إلخ، ففيه إشارة إلى كثرة الأموات حتى لا يجد موضعًا للدفن.\n* * *\n_________\n(^١) انظر: \"الدر المختار\" (٢/ ٧٢٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٥٦٠).\n(^٣) \"شرح صحيح البخاري\" لابن بطال (٣/ ٦٤).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٤/ ٢١٦).","vol":"3","page":103},{"text":"١٨ -<span data-type='title' id=toc-897> أبواب تقصير الصلاة</span>\nههنا خمسة أبحاث:\nالأول: في حكم القصر، والثاني: في المسافة التي يقصر فيها، والثالث: في السفر الذي يقصر فيه، والرابع: في الموضع الذي يبدأ منه القصر، والخامس: في مقدار الزمان الذي يقصر فيه المسافر إذا قام في موضع، بسط الكلام على هذه المباحث في \"الأوجز\" (^١)، وسيأتي أكثر هذه المباحث في الأبواب الآتية.\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-898> باب ما جاء في التقصير، وكم يقيم حتى يقصر)</span>\nقال الحافظ (^٢): في هذه الترجمة إشكال؛ لأن الإقامة ليست سببًا للقصر، ولا القصر غاية للإقامة، فقيل: إنه انقلب اللفظ، والمعنى: كم يقصر حتى يقيم؟ وقيل: كم مدة يقيم حتى يقصر؟ وعدد الأيام المذكورة سبب لمعرفة جواز القصر فيه فيها، انتهى من \"الفيض\" (^٣).\nثم الترجمة مشتملة على جزئين:\nالأول: قوله ما جاء في التقصير، ولعل المصنف أشار به إلى حكم التقصير من كونه واجبًا أو مباحًا، فإن المسألة خلافية شهيرة كما ستأتي، ولما لم يكن له حديث عند المؤلف على شرطه لم يورده، بل أشار في الترجمة إلى الاختلاف، وأوجه منه أنه أشار به إلى مبدأ القصر كما هو دأبه في جميع كتابه.\nوالجزء الثاني من الترجمة: هو قوله: \"وكم يقيم حتى يقصر\"، وأشار\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (٣/ ١٥٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٥٦١).\n(^٣) \"فيض الباري\" (٢/ ٣٩٤).","vol":"3","page":104},{"text":"بذلك إلى مسألة أخرى خلافية أيضًا، وهي اختلافهم في المدة التي إذا نوى المسافر الإقامة فيها لزمه الإتمام.\nأما المسألة الأولى ففي هامش \"اللامع\" (^١): اختلفوا في حكم القصر، أما الحنفية فقالوا بوجوبه قولًا واحدًا. واختلفت الروايات عن الإمام الشافعي، وأشهرها أنه رخصة، والإتمام أفضل. وكذلك اختلفت الروايات عن الإمام مالك، فروى عنه أشهب أنه فرض، وأشهرها أنه سُنَّة عنده. وكذلك اختلفت الروايات عن الإمام أحمد، فرُوي عنه أنه فرض، وعنه أنه سُنَّة، وعنه أنه أفضل، وعنه: إني أحب العافية عن هذه المسألة.\nوأما المسألة الثانية، أعني: مبدأ القصر، فالذي يظهر لهذا العبد الضعيف، وبه تجتمع الأدلة، أن الصلاة فرضت ليلة الإسراء الثانية ركعتين إلّا المغرب، ثم زيد عقيب الهجرة إلا الصبح، ثم بعد أن استقر فرض الرباعية نصف منها في السفر عند نزول قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١].\nقال الحافظ (^٢): ذكر ابن الأثير أن قصر الصلاة كان في السنة الرابعة للهجرة، وهو مأخوذ مما ذكره غيره أن نزول الآية كان فيها، وقيل: كان قصر الصلاة في ربيع الآخر من السنة الثانية، ذكره الدولابي، وقيل: بعد الهجرة بأربعين يومًا، انتهى من هامش \"اللامع\".\nوأما المسألة الثالثة: ففي \"الأوجز\" (^٣): بلغ ابن عبد البر في \"الاستذكار\" أقوال العلماء في ذلك إلى أحد عشر قولًا، وذكر العيني في \"شرح البخاري\" (^٤) اختلاف الأقوال في ذلك على اثنين وعشرين قولًا، نتركها اختصارًا، قال ابن رشد في \"البداية\" (^٥): الأشهر منها هو ما عليه\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٤/ ٢٢١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٤٦٥).\n(^٣) \"أوجز المسالك\" (٣/ ١٩٥).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (٥/ ٣٧١ - ٣٧٢).\n(^٥) \"بداية المجتهد\" (١/ ١٦٩).","vol":"3","page":105},{"text":"فقهاء الأمصار، ولهم في ذلك ثلاثة أقوال: أحدها: مذهب مالك والشافعي أنه إذا أزمع المسافر على إقامة أربعة أيام أتم، والثاني: مذهب أبي حنيفة والثوري أنه إذا أزمع على إقامة خمسة عشر يومًا أتمّ، والثالث: مذهب أحمد وداود أنه إذا أزمع على أكثر من أربعة أيام أتمّ، انتهى. وذلك بأن ينوي الإقامة إلى إحدى وعشرين صلاة.\nوفي \"فيض الباري\" (^١): اعلم أنه لم يبلغ حديث مرفوع في تحديد مدة القصر إلى مرتبة الصحة، وحديث ابن عباس في فتح مكة، ومدة الإقامة فيه تسعة عشر، على اختلاف فيه، وحديث أنس ثاني حديث الباب في حجة الوداع ومدة الإقامة فيها، انتهى.\nقلت: والظاهر أن ميل المصنف في هذه المسألة إلى ما ذهب إليه ابن عباس.\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-899> باب الصلاة بمِنى)</span>\nقال الحافظان ابن حجر والعيني (^٢): لم يذكر حكم المسألة لقوة الخلاف فيها، انتهى.\nقلت: اختلفوا في القصر بمنى وعرفات أنه للسفر أو للنسك، فعند الجمهور ومنهم الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة والشافعي وأحمد أنه للسفر، ولذا قالوا: لا يقصر الصلاة أهل مكة بمنى وعرفات لانتفاء مسافة القصر، وأما عند الإمام مالك فالمشهور على الألسنة بل في أكثر الشروح أن القصر عنده للنسك لا للسفر. وهو غير صحيح كما بسط في \"الأوجز\" (^٣) عن فروع المالكية.\nوفي هامش \"اللامع\" (^٤): الأوجه عندي أن القصر عند مالك أيضًا لا للسفر كما صرح به في \"الموطأ\"، لكن يكفي عنده مطلق السفر لا السفر\n_________\n(^١) \"فيض الباري\" (٢/ ٣٩٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٥٦٣)، و\"عمدة القاري\" (٥/ ٣٧٤).\n(^٣) \"أوجز المسالك\" (٨/ ٢٣٢).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٥/ ٢١٨).","vol":"3","page":106},{"text":"الشرعي، ولذلك لا يقصر أهل مكة بمكة، وأهل منى بمنى عنده؛ لأنهم مقيمون في أوطانهم، ولو كان القصر للنسك عنده ليقصرون، انتهى من \"جزء حجة الوداع\" (^١).\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-900> باب كم أقام النبي - ﷺ - في حجته</span>؟)\nقال القسطلاني (^٢) تبعًا للحافظ تحت حديث الباب: قوله: لصبح رابعة، أي: من ذي الحجة، وخرج إلى منى في الثامن فصلى بمكة إحدى وعشرين صلاة من أول ظهر الرابع، إلى آخر ظهر الثامن، فهي أربعة أيام ملفقة، وهذا موضع الترجمة وإن لم يصرح في الحديث بغاية فإنها معروفة في الواقع، أو المراد - أي: في الترجمة - إقامته إلى أن توجه إلى المدينة، وهي عشرة أيام سواء كما مر في حديث أنس، انتهى.\n\n(٤ -<span data-type='title' id=toc-901> باب في كم تقصر الصلاة. . .) إلخ</span>\nهذا هو البحث الثاني من المباحث الخمسة المشار إليها في أول الباب، ففي \"الأوجز\" (^٣): اختلف العلماء في مقدار السفر المبيح للقصر على ما قاله الزرقاني إلى نحو عشرين قولًا.\nقال الحافظ (^٤): هي من المواضع التي انتشر فيها الخلاف جدًا، فحكى ابن المنذر وغيره فيها نحوًا من عشرين قولًا، وبلغ العلامة العيني (^٥) الأقوال فيها إلى اثنين وعشرين.\nقال ابن عبد البر في \"الاستذكار\" (^٦): ذهب مالك والشافعي إلى أن الصلاة لا يقصرها المسافر إلا في سيره اليوم التام بالبغل الحسن السير،\n_________\n(^١) انظر: \"جزء الحجة الوداع\" (ص ١٣٦).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٣/ ١٤٦)، و\"فتح الباري\" (٢/ ٥٦٥).\n(^٣) \"أوجز المسالك\" (٣/ ١٧٦).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٢/ ٥٦٦).\n(^٥) \"عمدة القاري\" (٥/ ٣٧١ - ٣٧٢).\n(^٦) \"الاستذكار\" (٦/ ٨٦).","vol":"3","page":107},{"text":"وهو قول أحمد وإسحاق، وقدَّره مالك بأربعة بُرد وثمانية وأربعين ميلًا، وقال الشافعي: ستة وأربعون ميلًا، والأمر متقارب، وقال الكوفيون وأبو حنيفة وأصحابه: لا يقصر المسافر إلّا في المسافة البعيدة المحتاجة إلى الزاد من الأفق إلى الأفق، قال أبو حنيفة: أقل ذلك ثلاثة أيام لا يقصر مسافر في أقل من مسيرة ثلاثة أيام، وقالت طائفة من أهل الظاهر: يقصر الصلاة كل مسافر في كل سفر، قصيرًا كان أو طويلًا ولو ثلاثة أميال، انتهى. وهكذا ذكر المذاهب ابن رشد في \"البداية\" (^١).\nقال الشوكاني (^٢): وعند ابن حزم ميل واحد، وهو أقل ما قيل فيه، انتهى مختصرًا من \"الأوجز\".\n\n(٥ -<span data-type='title' id=toc-902> باب يقصر إذا خرج من موضعه)</span>\nهذا هو البحث الرابع من المباحث المتقدمة، وميل المؤلف إلى مسلك الجمهور، والغرض من الترجمة تأييد الجمهور والرد على ما نقل عن عطاء وبعض الكوفيين كما سيأتي، قال الإمام مالك في \"موطئه\": لا يقصر الذي يريد السفر الصلاة حتى يخرج من بيوت القرية، انتهى.\nقال الزرقاني (^٣): هذا مجمع عليه، وفي الحاشية عن \"المحلى\": وبه قال أبو حنيفة والشافعي والجمهور، وقال الشوكاني (^٤): قال ابن المنذر: أجمعوا على أن مريد السفر يقصر إذا خرج عن جميع بيوت القرية التي يخرج منها، واختلفوا فيما قبل الخروج من البيوت، فذهب الجمهور إلى أنه لا بدّ من مفارقة جميع البيوت وذهب بعض الكوفيين إلى أنه إذا أراد السفر يصلي ركعتين ولو كان في منزله، ومنهم من قال: إذا ركب قصر إن شاء، انتهى.\nوفي \"البذل\" (^٥) عن العيني: عندنا إذا فارق بيوت المصر يقصر، وقال\n_________\n(^١) \"بداية المجتهد\" (١/ ١٦٧).\n(^٢) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٤٧٨).\n(^٣) \"شرح الزرقاني\" (١/ ٣٠٠).\n(^٤) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٤٧٩).\n(^٥) \"بذل المجهود\" (٥/ ٣٤٠).","vol":"3","page":108},{"text":"الشافعي: في البلد يشترط مجاوزة السور لا مجاوزة الأبنية المتصلة بالسور خارجة، ورجح الرافعي القول الأول، مختصرًا من \"الأوجز\" (^١)، وحكي عن مجاهد إذا بدأ السفر بالنهار لا يقصر حتى يدخل في الليل، وكذا العكس، قال العيني (^٢): وعن عطاء وسليمان بن موسى أنهما كانا يبيحان القصر في البلد لمن نوى السفر، انتهى.\nقوله: (فلما رجع قيل له. . .) وهذا مجمع عليه عند الأئمة الأربعة وأهل الحديث كما في \"الأوجز\" عن ابن عبد البر.\n\n(٦ -<span data-type='title' id=toc-903> باب يصلي المغرب ثلاثًا في السفر)</span>\nقال الحافظ (^٣): أراد المصنف أن الأحاديث المطلقة كان يصلي في السفر ركعتين محمولة على المقيدة بأن المغرب بخلاف ذلك، انتهى.\n\n(٧ -<span data-type='title' id=toc-904> باب صلاة التطوع على الدواب. . .) إلخ</span>\nاعلم أن في الصلاة على الدابة خلافيات من أنها هل يعم الفرض والنفل؟ وعلى كليهما هل يعم الحضر والسفر؟ وعلى كليهما يختص بالضرورة أم لا؟ وأيضًا يشترط استقبال القبلة عند التحريمة أم لا؟\nفهذه الصور كلها طويلة الباع، سيأتي الكلام على بعضها في الأبواب الآتية إن شاء الله تعالى.\nوفي \"الأوجز\" (^٤): قال الباجي: وأكثر العلماء على جواز تنفل المسافر بالليل والنهار على راحلته وعلى الأرض، وبه قال مالك وأبو حنيفة والشافعي وابن حنبل، انتهى.\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (٣/ ١٨٩).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٥/ ٣٩٣).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٢/ ٥٧٢).\n(^٤) \"أوجز المسالك\" (٣/ ٢٠٥)، و\"المنتقى\" (١/ ٣٦٨).","vol":"3","page":109},{"text":"قال الحافظ (^١): قال ابن رُشيد: أورد فيه الصلاة على راحلته، فيمكن أن يكون ترجم بأعم ليلحق الحكم بالقياس، ويمكن أن يستفاد ذلك من إطلاق حديث جابر المذكور في الباب، قال الحافظ: وقد تقدم في أبواب الوتر قول ابن المنيِّر: إنه ترجم بالدَّابة تنبيهًا على أن لا فرق بينها وبين البعير في الحكم، انتهى.\nقوله: (حيث ما توجهت) قال الحافظ (^٢): وقد أخذ بمضمون هذه الأحاديث فقهاء الأمصار، إلا أن أحمد بن حنبل وأبا ثور استحبَّا أن يستقبل القبلة بالتكبير حال ابتداء الصلاة، انتهى.\nوذكر الباجي الإمام الشافعي مع أحمد بن حنبل، وكذا ذكر أهل الفروع من الحنفية اشتراط الاستقبال عند الشافعي، والظاهر أنه وهم؛ لأن الحافظ أعلم بمذهبه، لم يذكر الاستقبال إلا عن أحمد، وفي \"المغني\" (^٣): إن أمكن افتتاحها إلى القبلة ففيه روايتان: أحدها: يلزمه، والثانية: لا يلزمه، انتهى.\nوهكذا في الفرض عند أحمد روايتان كما صرَّح به في \"المغني\"، وفي \"شرح الإقناع\": يجوز ترك القبلة في حالتين: الحالة الأولى: في شدة الخوف فرضًا كانت أو نفلًا، والحالة الثانية: في النافلة في السفر، انتهى.\nوفي \"الأوجز\" (^٤): لكن مما يجب التنبيه عليه أن قوله: \"حيث توجهت به\" قيد احتراز، لا يجوز الصلاة على الدابة إلّا إلى حيث توجهت به، فلو صلَّى إلى غير ما توجهت به دابته لا يجوز، صرح به أصحاب الفروع من المالكية والحنابلة والحنفية كما بسط في \"الأوجز\".\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٥٧٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٥٧٥).\n(^٣) \"المغني\" (٢/ ٩٨).\n(^٤) \"أوجز المسالك\" (٣/ ٢٠٦).","vol":"3","page":110},{"text":"(٨ -<span data-type='title' id=toc-905> باب الإيماء على الدابة)</span>\nقال القسطلاني تحت حديث الباب (^١): أي: يشير برأسه إلى الركوع والسجود من غير أن يضع جبهته على ظهر الراحلة، وكان يومئ بالسجود أخفض من الركوع تمييزًا بينهما، انتهى.\nوفي \"المغني\" (^٢): قال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه جائز لكل من سافر سفرًا يقصر فيه الصلاة أن يتطوع على دابته حيثما توجهت، يومئ بالركوع والسجود، انتهى.\nوقال في موضع آخر: فإن كان على الراحلة في مكان واسع يدور فيه كيف شاء، ويتمكن من الصلاة إلى القبلة والركوع والسجود، فعليه استقبال القبلة في صلاته، ويسجد على ما هو عليه إن أمكنه ذلك؛ لأنه كراكب السفينة، انتهى.\nوما حكى العيني (^٣) في الباب السابق من مذهب الشافعية حيث قال: وجزم أصحاب الشافعي بترخيص الماشي في السفر بالتنفل إلى جهة مقصده، إلا أن مذهبه اشتراط استقبال القبلة في تحريمه، وعند الركوع والسجود، ويشترط كونهما على الأرض، انتهى، لم أجده بعد.\n\n(٩ -<span data-type='title' id=toc-906> باب ينزل للمكتوبة)</span>\nتخصيص لعموم الروايات السابقة، قال الحافظ (^٤): قال ابن بطال: أجمع العلماء على اشتراط ذلك، وأنه لا يجوز لأحد أن يصلي الفريضة على الدابة من غير عذر، حاشا ما ذكره في صلاة شدة الخوف، انتهى.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٣/ ١٦٠).\n(^٢) \"المغني\" (٢/ ٩٥ - ٩٧).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٥/ ٤٠٣).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٢/ ٥٧٥)، \"شرح صحيح البخاري\" لابن بطال (٣/ ٩٠).","vol":"3","page":111},{"text":"(١٠ -<span data-type='title' id=toc-907> باب صلاة التطوع على الحمار)</span>\nقال الحافظ (^١): قال ابن رُشيد: مقصوده أنه لا يشترط في التطوع على الدابة أن تكون الدابة طاهرة الفضلات، بل الباب في المركوبات واحد بشرط أن لا يماس النجاسة، انتهى.\nقلت: وهذا مبني على مسلك من قال بطهارة فضلات المأكول من الحيوان، فإن المسألة خلافية تقدمت في \"كتاب الطهارة\".\nوفي \"تراجم شيخ المشايخ\" (^٢): عقد الباب لذلك بعد عقده لصلاة التطوع على الدابة، إما لبيان الأسانيد المتكررة للحديث في هذا الباب فإيراد لفظ: \"الحمار\" في الترجمة لكونه واردًا في الحديث، وإما لزيادة اهتمام بذلك؛ لأن الحمار بعيد من الرحمة قريب من الشيطان، عسى أن يتوهم فيه أنه لا يجوز النافلة عليه. . . إلى آخر ما بسطه.\nقلت: أو لأن الحمار قاطع للصلاة كما ورد في الروايات.\nوعلى ما أفاده شيخ المشايخ من الاحتمال الأول تكون الترجمة من الأصل السابع عشر من أصول التراجم، وعلى الاحتمال الثاني تكون من الأصل الثاني والعشرين.\nوفي \"فيض الباري\" (^٣): اختلف العلماء في ثبوت صلاته - ﷺ - على الحمار مع اتفاقهم على جوازها، وأما ترجمة المصنف فمبنية على أثر أنس، انتهى.\nقلت: وفيه أن الاستدلال بالموقوف ليس من دأبه الشريف.\n\n(١١ -<span data-type='title' id=toc-908> باب من لم يتطوع في السفر دبر الصلاة وقبلها)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٤): الظاهر أنه أراد بذلك عدم التأكد، وإلا فقد ثبت عنه خلافه كما مر، ويمكن أن يكون المراد أنه لم يكن يتطوع\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٥٧٦).\n(^٢) (ص ٣١٢).\n(^٣) \"فيض الباري\" (٢/ ٣٩٩).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٤/ ٢٢٣ - ٢٢٤).","vol":"3","page":112},{"text":"السنن القبلية والبعدية وإن كان يتنفل غيرها من نافلة الإشراق والتهجد وغيرها، انتهى.\nوفي هامشه: اعلم أولًا: أن الروايات في صلاة التطوع في السفر مختلفة جدًا، يظهر من الروايات الكثيرة أنه - ﷺ - كان يتطوع في السفر، وفي كثير منها أنه - ﷺ - لا يتطوع في السفر، فأراد البخاري بهاتين الترجمتين - هذه والآتية بعدها - الجمع بين مختلف ما ورد في ذلك.\nوثانيًا: أن نُسخ البخاري مختلفة في ذكر هاتين الترجمتين في لفظ: \"قبلها\"، ففي نسخ الهندية لفظ: \"قبلها\" موجودة في البابين، وعليه بنى الشيخ كلامه، وعلى هذه النسخة، فالجمع بين الروايات المختلفة أن روايات الإثبات مبنية على غير الرواتب، وروايات النفي على الرواتب، سواء كانت قبلية أو بعدية، ويشكل على هذا ذكر ركعتي الفجر في الترجمة الثانية، فيؤول بأن ذكرهما بمنزلة الاستثناء، يعني: أن النفي في الرواتب القبلية لما عدا ركعتي الفجر، فإنهما لتأكدهما مستثناة عن ذلك، والنسخة الثانية حذف لفظ: \"قبلها\" عن البابين معًا، وعلى هذه النسخة بنى الحافظان ابن حجر والعيني شرحيهما، وعلى هذه النسخة لا إشكال في ذكر ركعتي الفجر في الباب الآتي؛ لأنهما أيضًا من جملة غير الدبر، ولذلك رجح الحافظ هذه النسخة، وعلى هذا فالجمع بين الروايات المختلفة أن النفي محمول على السنن البعدية، والإثبات على السنن القبلية.\nوههنا نسخة ثالثة ذكرها القسطلاني (^١)، إذ قال بعد الترجمة الثانية: وسقط عند أبي الوقت وابن عساكر والأصيلي لفظ: \"في غير دبر الصلاة وقبلها\"، انتهى.\nثم قال الحافظ (^٢): نقل النووي أن العلماء اختلفوا في التنفل في السفر على ثلاثة أقوال: المنع مطلقًا، والجواز مطلقًا، والفرق بين الرواتب\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٣/ ١٦٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٥٧٨).","vol":"3","page":113},{"text":"والمطلقة، وهو مذهب ابن عمر، وأغفلوا قولًا رابعًا، وهو: الفرق بين الليل والنهار في المطلقة، وخامسًا: الفرق بين البعدية وغيرها، وزاد في \"الأوجز\" (^١) قولًا سادسًا، وهو مختار ابن القيم في \"الهدي\"، وهو: التطوع بالوتر وركعتي الفجر دون غيرهما من الرواتب، وذكر في \"الفيض\" (^٢) قولًا آخر: قال محمد بن الحسن: يتركها إن كان سائرًا، ويصليها إن كان نازلًا، وحكى في \"الأوجز\" عن النووي استحباب الرواتب عن الشافعي والجمهور.\n\n(١٢ -<span data-type='title' id=toc-909> باب من تطوع في السفر. . .) إلخ</span>\nتقدم الكلام عليه في الباب السابق.\n\n(١٣ -<span data-type='title' id=toc-910> باب الجمع في السفر بين المغرب والعشاء)</span>\nلم يتعرض أحد من الشرَّاح إلى أن المصنف في التبويب غيّر سياق الجمعين، فذكر جمع المغربين مطلقًا، وفرّق جمع العصرين في بابين كما سترى، وأيضًا قدم جمع العشائين على العصرين، ولا يبعد عندي أنه أشار بتغيير السياقين إلى مسلكه في الجمع بين الصلاتين من أنه يجوز عنده الجمع بين العشائين مطلقًا، سواء كان جمع تقديم أو تأخير.\nوأما العصرين فيجوز فيهما الجمع تأخيرًا لا تقديمًا، فهذا مذهب سابع سوى المذاهب الستة المشهورة في الجمع بين الصلاتين. الأول: لا يجوز المجمع الزماني، والأحاديث محمولة على الجمع الصوري، وهو مذهب الحنفية. والثاني: يجوز مطلقًا، وهو مذهب الشافعي وأحمد. والثالث: يجوز إذا جدّ به السير، قاله مالك. والرابع: يجوز الجمع تأخيرًا لا تقديمًا، وبه قال ابن حزم. والخامس: يجوز إذا أراد به قطع الطريق، قاله ابن حبيب المالكي. والسادس: أنه مكروه كما روي عن مالك، انتهى\n_________\n(^١) انظر: \"أوجز المسالك\" (٣/ ٢١٠، ٢/ ٦٣٥).\n(^٢) \"فيض الباري\" (٢/ ٣٩٩).","vol":"3","page":114},{"text":"مختصرًا من \"الأوجز\" (^١).\n\n(١٤ -<span data-type='title' id=toc-911> باب هل يؤذن أو يقيم إذا جمع بين المغرب والعشاء)</span>\nقال الحافظ (^٢): قال ابن رُشيد: ليس في حديثَي الباب تنصيص على الأذان، لكن في حديث ابن عمر منهما \"يقيم للمغرب فيصليها\"، ولم يرد بالإقامة نفس الأذان، وإنما أراد يقيم للمغرب. وعلى هذا فكأن مراده بالترجمة: هل يؤذن أو يقتصر على الإقامة؟ وجعل حديث أنس مفسرًا بحديث ابن عمر؛ لأن في حديث ابن عمر حكمًا زائدًا.\nقال الحافظ: ولعل المصنف أشار بذلك إلى ما ورد في بعض طرق حديث ابن عمر كما في الدارقطني بلفظ: \"وكان لا ينادي بشيء من الصلاة في السفر\".\nوقال الكرماني (^٣): لعل الراوي لما أطلق لفظ الصلاة استفيد منه أن المراد بها التامة بأركانها وشرائطها وسننها، ومن جملتها الأذان والإقامة، انتهى.\nقلت: ولأجل عدم كون حديثَي الباب نصًّا في الأذان زاد المؤلف في الترجمة لفظة: \"هل\" كما هو دأبه في أمثال هذه الأبواب، ثم لم أر المذاهب في هذه المسألة في الشروح التي بأيدينا ولا في \"المغني\"، والاختلاف في صلاة المزدلفة وعرفة معروف مصرَّح، وهو أيضًا جمع سفر، فلعل المذاهب هناك هو المذاهب ههنا.\n\n(١٥ -<span data-type='title' id=toc-912> باب يؤخر الظهر إلى العصر. . .) إلخ</span>\nتقدم بعض ما يتعلق بهذا الباب والآتي بعده في \"باب الجمع بين العشائين\"، وقال الحافظ (^٤): فيه إشارة إلى أن جمع التأخير عند المصنف يختص بمن ارتحل قبل أن يدخل وقت الظهر، انتهى.\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (٣/ ١٢٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٥٨١).\n(^٣) \"شرح الكرماني\" (٦/ ١٧٥).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٢/ ٥٧٢).","vol":"3","page":115},{"text":"(١٦ -<span data-type='title' id=toc-913> باب إذا ارتحل بعد ما زاغت الشمس. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^١): أورد فيه حديث أنس المذكور قبله، وفيه: \"فإذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر ثم ركب\"، كذا فيه الظهر فقط، وهو المحفوظ عن عقيل في الكتب المشهورة، ومقتضاه أنه كان لا يجمع بين الصلاتين إلا في وقت الثانية منهما، وبه احتج من أبى جمع التقديم، ثم بعد ذلك أثبت الحافظ الرواية التي فيها جمع التقديم تأييدًا لمسلكه، فارجع إليه لو شئت، لكن التحقيق أنه لم يثبت في جمع التقديم حديث كما أقر به أبو داود في \"سننه\" وبسط الكلام عليه الشيخ في \"البذل\" (^٢).\n\n(١٧ -<span data-type='title' id=toc-914> باب صلاة القاعد)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): إيراد هذه الأبواب ههنا لمناسبة أن تلك العوارض كثيرًا تعرض للمصلي وهو مسافر، أو لأنهما معًا، أي: السفر والمرض من أسباب التخفيف، فناسب أحدهما الآخر، انتهى.\nوقال الحافظ (^٤): أورد المصنف في أبواب التقصير أبواب الجمع؛ لأنه تقصير بالنسبة إلى الزمان، ثم أبواب صلاة المعذور قاعدًا؛ لأنه تقصير بالنسبة إلى بعض صور الأفعال، ويجمع الجميع الرخصة للمعذور، انتهى. والأوجه عندي: أن ذكر الجمع بين الصلاتين لتكملة أبواب تقصير الصلاة في السفر، وأما ذكر صلاة القاعد فإن الكثرة منها للنوافل ويتنصف فيها الأجر، فهو تقصير بالنسبة إلى الأجر، وذكر صلاة القاعد المعذور - كما سيأتي - فلتكملة صلاة القاعد، انتهى.\nقوله: (ومن صلى نائمًا. . .) إلخ، في هذا الحديث إشكال، وهو أنه لا يصح حمله على الفرض ولا النفل، أما الأول فلأن الفرض لا يصح\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٥٨٣).\n(^٢) \"بذل المجهود\" (٥/ ٣٥٤).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٤/ ٢٢٥).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٢/ ٥٨٠).","vol":"3","page":116},{"text":"قاعدًا بدون العذر فضلًا عن نصف الأجر، وأما المعذور فلا ينتصف أجره بل يعطى كاملًا، وأما النفل فلا يصح نائمًا بدون العذر عند الجمهور، حتى قال الخطابي وابن عبد البر وغيرهما: أجمعت الأمة على المنع من ذلك، فوجَّهوا الحديث بعدة توجيهات، كما في \"الكوكب\" (^١) وهامشه، وحمله السندي على بيان الضابطة إذ قال (^٢): فالوجه أن يقال: ليس الحديث بمسبوق لبيان صحة الصلاة وفسادها، وإنما هو لبيان تفضيل إحدى الصلاتين الصحيحتين على الأخرى، وصحتهما تعرف من قواعد الصحة من خارج، فحاصل الحديث: أنه إذا صحت الصلاة قاعدًا فهي على نصف صلاة القائم فرضًا كانت أو نفلًا، وكذا إذا صحت الصلاة نائمًا فهي على نصف الصلاة قاعدًا في الأجر، وقولهم: إن المعذور لا ينتقص أجره، ممنوع. . . إلى آخر ما قال.\n\n(١٨ -<span data-type='title' id=toc-915> باب صلاة القاعد بالإيماء)</span>\nقال الحافظ (^٣): ليس في الحديث ذكر الإيماء، فقيل: كأنه صحَّف قوله: \"نائمًا\"، يعني: بنون على اسم الفاعل من النوم، فظنه بإيماء، يعني: بموحدة مصدر أومأ، فلهذا تراجم بذلك، قال الحافظ: ولم يصب في ظنه أن البخاري صحَّفه، والظاهر أن المصنف مال إلى مسلك المالكية من أنه يجوز له الإيماء إذا صلى نفلًا قاعدًا مع القدرة على الركوع والسجود، انتهى.\nوالأوجه عندي: أن المصنف أشار إلى جواز الصلاة جالسًا بالإيماء عند عدم القدرة على الركوع والسجود، واستدل عليه بجوازها نائمًا بالإيماء فثبت جواز الإيماء قاعدًا بالطريق الأولى.\n_________\n(^١) \"الكوكب الدري\" (١/ ٣٤٦).\n(^٢) \"حاشية السندي\" (١/ ١٩٥).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٢/ ٥٨٦).","vol":"3","page":117},{"text":"(١٩ -<span data-type='title' id=toc-916> باب إذا لم يطق قاعدًا صلى على جنب)</span>\nلعله أشار بذلك إلى أن الصلاة مضطجعًا مقيدة بعدم القدرة، وهو ليس كالقعود في النوافل.\nقال الحافظ (^١): قوله: \"وقال عطاء: إذا لم يقدر. . .\" إلخ، مطابقته للترجمة من جهة أن الجامع بينهما أن العاجز عن أداء فرض ينتقل إلى فرض دونه ولا يترك، وهو حجة على من زعم أن العاجز عن القعود في الصلاة تسقط عنه الصلاة، انتهى.\n\n(٢٠ -<span data-type='title' id=toc-917> باب إذا صلى قاعدًا ثم صح. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٢): في هذه الترجمة إشارة إلى الرد على من قال: من افتتح الفريضة قاعدًا لعجزه عن القيام، ثم أطاق القيام وجب عليه الاستئناف، وهو محكي عن محمد بن الحسن، وخفي ذلك على ابن المنيِّر حتى قال: أراد البخاري بهذه الترجمة دفع خيال من تخيل أن الصلاة لا تتبعض، فيجب الاستئناف على من صلى قاعدًا ثم استطاع القيام، وقال ابن بطال (^٣): هذه الترجمة تتعلق بالفريضة، وحديث الباب يتعلق بالنافلة ووجه استنباط أنه لما جاز في النافلة القعود لغير علة مانعة من القيام، وكان ﵊ يقوم فيها قبل الركوع، كانت الفريضة التي لا يجوز القعود فيها إلا بعدم القدرة على القيام أولى، انتهى.\nقال الحافظ: والذي يظهر لي أن الترجمة ليست مختصة بالفريضة، بل قوله: \"ثم صح\" يتعلق بالفريضة، وقوله: \"أو وجد خفة\" يتعلق بالنافلة، وهذا الشق مطابق للحديث، ويؤخذ ما يتعلق بالشق الآخر بالقياس عليه، انتهى مختصرًا، ثم البراعة في قولها: \"وإن كنت نائمة اضطجع\"، وبه جزم الحافظ قُدِّس سرُّه.\n_________\n(^١) المصدر السابق (٢/ ٥٨٧).\n(^٢) المصدر السابق (٢/ ٥٨٩).\n(^٣) \"شرح صحيح البخاري\" لابن بطال (٣/ ١٠٤).","vol":"3","page":118},{"text":"١٩ -<span data-type='title' id=toc-918> كتاب التهجّد</span>\nقال الكرماني (^١): التهجد التيقظ من النوم بالليل، والهجود النوم، فمعناه: التجنب عن النوم، انتهى. ولا اختلاف بينهم في أن بدء فرضية التهجد كان بنزول سورة المزمل، واختلف في نسخها متى وقع؟ كما ذكره البخاري في \"باب ما نسخ من قيام الليل\" وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ الآية، قال الحافظ في الباب المذكور (^٢): كأنه يشير إلى ما أخرجه مسلم عن عائشة قالت: إن الله افترض قيام الليل في أول هذه السورة، فقام نبي الله - ﷺ - وأصحابه حولًا حتى أنزل الله في آخر السورة التخفيف، فصار قيام الليل تطوعًا بعد فريضته، ولم يذكره البخاري لكونه على غير شرطه، ومقتضى ذلك أن النسخ وقع بمكة؛ لأن الإيجاب متقدم على فرض الخمس ليلة الإسراء، وكانت قبل الهجرة بأكثر من سنة، وحكى الشافعي عن بعض أهل العلم أن آخر السورة نسخ [افتراض] قيام الليل إلّا ما تيسر منه، ثم نسخ فرض ذلك بالصلوات الخمس. . . إلى آخر ما بسط في هامش \"اللامع\" (^٣).\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-919> باب التهجد بالليل. . .) إلخ</span>\nاختلفوا في غرض الترجمة، قال الحافظ: قصد البخاري إثبات مشروعية قيام الليل مع عدم التعرض لحكمه، وقد أجمعوا إلّا شذوذًا من القدماء على أن صلاة الليل ليست مفروضة على الأمة، واختلفوا في كونها من خصائص النبي - ﷺ -، وسيأتي تصريح المصنف بعدم وجوبه على الأمة قريبًا، انتهى.\n_________\n(^١) \"شرح الكرماني\" (٦/ ١٨٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٢٢).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٤/ ٢٢٨).","vol":"3","page":119},{"text":"والأوجه عندي: أن المصنف أشار بهذه الترجمة إلى الاختلاف المشهور في تهجده - ﷺ -، هل كان واجبًا عليه أو مندوبًا كما يدل عليه تبويبه بالآية الشريفة، وكلا الفريقين لما كانوا تمسكوا بالآية الشريفة على اختلاف بينهم في معنى قوله: ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩] فجعل البخاري الآية ترجمة للتنبيه على الاختلاف في معناه، فقيل: معناه: أنها كانت واجبة عليه - ﷺ -، ثم نسخت فصارت نافلة، أي: تطوعًا؛ لأن الله تعالى غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فكل طاعة يأتي بها سوى المكتوبة تكون زيادة في كثرة الثواب، فلهذا سمي نافلة، وأما الذين قالوا: إنها كانت واجبة عليه قالوا: معنى كونها نافلة لك، أي: فريضة زائدة لك، خصِّصت بها من بين الأمة، انتهى من هامش \"اللامع\" (^١).\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-920> باب فضل قيام الليل)</span>\nقال الحافظ (^٢): أورد فيه حديث ابن عمر في رؤياه، وكأن المصنف لم يصح عنده حديث صريح في هذا الباب فاكتفى بحديثه، وقد أخرج فيه مسلم حديث أبي هريرة: \"أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل\"، وكأن البخاري توقف فيه للاختلاف في وصله وإرساله، وفي رفعه ووقفه، انتهى.\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-921> باب طول السجود في قيام الليل)</span>\nقال القسطلاني (^٣): أي: للدعاء والتضرع إلى الله ﵎، إذ هو أبلغ أحوال التواضع والتذلل، ومن ثمّ كان أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، انتهى.\nولا يبعد أن يكون إشارة إلى رد من قال: إن الأفضل في النهار كثرة السجود، وفي الليل طول القيام. لكن يشكل عليه أنه سيأتي قريبًا \"باب\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٤/ ٢٢٩ - ٢٣٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٦).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (٣/ ١٩٣).","vol":"3","page":120},{"text":"طول القيام في صلاة الليل\"، فالأوجه أنه أشار بالترجمة إلى تعيين أحد الاحتمالين في هذه السجدة المذكورة في حديث الباب بأنها كانت سجدة الصلاة لا بعدها سجدة منفردة، وعلى هذا تكون الترجمة شارحة.\nوفي \"الفيض\" (^١): إن النسائي بوّب على الحديث بأن تلك السجدة الطويلة كانت على حدة لا في ضمن الصلاة، قلت: وهو بعيد عن الصواب، بل كانت من أركان الصلاة، أما السجدة المفردة فاستحبها الشافعية في أوقات مختلفة بأن يسجد بها متى شاء، وهذا في غير موضع الشكر أيضًا، قلت: ولا أصل لها عندنا، نعم في الكتب في سجدة الشكر قولان، ولا بدّ من القول بالجواز، وأما ما اعتاد بها الناس بعد الوتر والتراويح فمنع عنها في \"الكبيري\" شرح \"المنية\"، انتهى.\nوقال الشيخ في \"البذل\" (^٢): وكونها سجدة الصلاة مبني على لفظ الحديث الذي اتفق عليه الشيخان، وأما لفظ رواية أبي داود \"ويوتر بواحدة، ويمكث في سجوده. . .\" إلخ، فهو محتمل لسجدة الشكر وسجدة الصلاة. . . إلى آخر ما قال.\n\n(٤ -<span data-type='title' id=toc-922> باب ترك القيام للمريض)</span>\nقال القسطلاني (^٣): أي: ترك قيام الليل للمريض، انتهى.\nقوله: (اشتكى) قال الحافظ (^٤): أي: مرض، ولم أقف في شيء من طرق هذا الحديث على تفسير هذه الشكاية. وقال أيضًا: استشكل أبو القاسم ابن الورد مطابقة حديث جندب - ثاني حديثي الباب - للترجمة، وتبعه ابن التين فقال: احتباس جبريل ليس ذكره في هذا الباب في موضعه، انتهى.\nوقد ظهر بسياق تكملة المتن وجه المطابقة، وذلك أنه أراد أن ينبه\n_________\n(^١) \"فيض الباري\" (٢/ ٤١١).\n(^٢) \"بذل المجهود\" (٥/ ٥٨٦).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (٣/ ١٩٤).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٣/ ٨).","vol":"3","page":121},{"text":"على أن الحديث واحد لاتحاد مخرجه، وإن كان السبب مختلفًا لكنه في قصة واحدة، انتهى مختصرًا.\nوإلى هذا الإشكال والجواب أشار شيخ المشايخ في \"تراجمه\" (^١)، وتقدم في الأصل التاسع والعشرين من أصول التراجم المذكورة في المقدمة.\nقال القسطلاني تحت حديث جندب (^٢): هذا الحديث قد رواه شعبة عن الأسود بلفظ آخر أخرجه المصنف في \"التفسير\"، قال: \"قالت امرأة: يا رسول الله! ما أرى صاحبك إلا أبطأ عنك\"، قال في \"الفتح\" (^٣): وهذه المرأة فيما يظهر لي غير المرأة المذكورة في حديث سفيان؛ لأن هذه عبَّرت بقولها: صاحبك، وتلك عبَّرت بقولها: شيطانك، وهذه عبَّرت بقولها: يا رسول الله، وتلك عبرت بقولها: يا محمد، وسياق هذه يشعر بأنها قالته توجعًا وتأسفًا، وتلك قالته شماتةً وتهكمًا، انتهى.\n\n(٥ -<span data-type='title' id=toc-923> باب تحريض النبي - ﷺ - على قيام الليل. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٤): قال ابن المنيِّر: اشتملت الترجمة على أمرين: التحريض، ونفي الإيجاب، فحديث أم سلمة وعلي رضي الله تعالى عنهما للأول، وحديث عائشة رضي الله تعالى عنها للثاني، قال الحافظ: بل يؤخذ من الأحاديث الأربعة نفي الإيجاب، ويؤخذ التحريض من حديثي عائشة من قولها: \"كان يدع العمل وهو يحبه\"؛ لأن كل شيء أحبه استلزم التحريض عليه، لولا ما عارضه من خشية الافتراض، انتهى.\nقال القسطلاني (^٥) تبعًا للحافظ: يحتمل أن يكون قوله: \"على قيام الليل\" أعم من الصلاة والقراءة والذكر والشكر وغير ذلك، وحينئذ يكون قوله: \"والنوافل\" من عطف الخاص على العام، انتهى.\n_________\n(^١) (ص ٣١٥).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٣/ ١٩٥).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٣/ ٩).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٣/ ١٠).\n(^٥) \"إرشاد الساري\" (٣/ ١٩٥).","vol":"3","page":122},{"text":"وقال الحافظ: وتقدم حديث أم سلمة والكلام عليه في \"كتاب العلم\"، قال ابن رُشيد: كأن البخاري فهم أن المراد بالإيقاظ الإيقاظ للصلاة لا لمجرد الإخبار؛ لأنه لو كان لمجرد الإخبار لكان يمكن تأخيره إلى النهار؛ لأنه لا يفوت. . . إلى آخر ما قال. وتقدم في أول أبواب التهجد قول الحافظ: وسيأتي تصريح المصنف بعد وجوبه على الأمة، انتهى. وتقدم بيان الاختلاف هناك.\n\n(٦ -<span data-type='title' id=toc-924> باب قيام النبي - ﷺ - حتى تَرِم قدماه. . .) إلخ</span>\nقوله: (ترم) بفتح المثناة الفوقية وكسر الراء من الورم، وسقط هذا اللفظ من بعض الروايات، قاله القسطلاني (^١) وغيره.\nوالغرض من الترجمة عندي أن ما تقدم في الباب السابق من قوله: \"من غير إيجاب\" ليس بمعنى قلة المبالاة، فإنه - ﷺ - بالاه حتى ترم قدماه. أو يقال: إن ما سيأتي من الكراهة في التشديد في العبادة حيث كان محتملًا للملال، أما إذ لا فلا.\n\n(٧ -<span data-type='title' id=toc-925> باب من نام عند السحر)</span>\nلا يبعد عندي في غرض الترجمة أن ظاهر قوله عزَّ اسمه: ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٨]، وما ورد من الروايات من نزوله تعالى في الثلث الآخِر من الليل يشير إلى أن النوم في هذا الثلث يكون خلاف الأولى، فدفعه المصنف بهذا.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢) وقوله: \"ينام سدسه\"، فيه الترجمة؛ لأن المراد بالسدس السدس الآخِر، ولا يكون إلا سحرًا، انتهى.\nوبسط الكلام على هذا الباب في هامشه.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٣/ ٢٠١).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٤/ ٢٣٦).","vol":"3","page":123},{"text":"(٨ -<span data-type='title' id=toc-926> باب من تسحَّر فلم ينم حتى صلَّى الصبح)</span>\nقال الحافظ (^١) في الباب السابق تحت حديث عائشة: \"ما ألفاه السَّحَر عندي إلا نائمًا\": قال ابن التين: قولها: \"إلّا نائمًا\"، تعني: مضطجعًا على جنبه؛ لأنها قالت: في حديث آخر: \"فإن كنت يقظانة حدثني وإلا اضطجع\"، وتعقبه ابن رُشيد بأنه لا ضرورة لحمل هذا التأويل؛ لأن السياق ظاهر في النوم حقيقة، وظاهر في المداومة على ذلك، ولا يلزم من أنه كان ربما لم ينم وقت السحر هذا التأويل، فدار الأمر بين حمل النوم على مجاز التشبيه، أو حمل التعميم على إرادة التخصيص، والثاني أرجح، وإليه ميل البخاري؛ لأنه قد ترجم بقوله: \"من نام عند السحر\"، ثم ترجم عقبه بقوله: \"من تسحَّر فلم ينم\"، فأومأ إلى تخصيص رمضان من غيره، فكأن العادة جرت في جميع السنة أنه كان ينام عند السحر إلّا في رمضان؛ فإنه كان يتشاغل بالسحور في آخر الليل، ثم يخرج إلى صلاة الصبح عقبه.\nوقال ابن بطال (^٢): النوم وقت السحر كان يفعله النبي - ﷺ - في الليالي الطوال وفي غير شهر رمضان، كذا قال، ويحتاج في إخراج الليال القصار إلى دليل، انتهى ما في \"الفتح\".\n\n(٩ -<span data-type='title' id=toc-927> باب طول الصلاة في قيام الليل)</span>\nوفي نسخة الحافظ: \"طول القيام في صلاة الليل\"، وهو الأوجه لموافقة الرواية، لكن العجب عن الحافظ، إذ قال (^٣): إن الحديث موافق لطول الصلاة لا لطول القيام، فتأمل.\nقوله: (يشوص فاه بالسواك) أشكل إدخال هذا الحديث في هذه الترجمة، فقيل: من الناسخ، وقيل: كان بياضًا للترجمة فخلطه الكاتب،\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ١٨).\n(^٢) \"شرح صحيح البخاري\" لابن بطال (٣/ ١٢٣).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٣/ ١٩).","vol":"3","page":124},{"text":"وقيل: أعجلته المنية، وقيل: أشار إلى ما فيه من الاهتمام والتهيؤ، والتخفيف لا يتهيأ له، وقيل: الترجمة في قوله: \"قام\" وكان معلومًا من دأبه - ﷺ - طول القيام، ورجح هذا التوجيه الحافظ، وقيل: أراد به استحضار حديث حذيفة الذي رواه مسلم عنه: \"أنه صلَّى مع النبي - ﷺ - ليلة فقرأ البقرة وآل عمران والنساء في ركعة، وكان إذا مرّ بآية فيها تسبيح سبَّح، ثم ركع نحوًا مما قام، ثم قام نحوًا مما ركع\"، الحديث، فلعلَّه - ﷺ - أحيا تلك الليلة كلّها، فيقتضي تلك تطويل الصلاة، وإنما لم يخرجه لكونه على غير شرطه، فإما أن يكون أشار إلى أن الليلة واحدة، أو نَبَّه بأحد حديثي حذيفة على الآخر.\nوفي تقرير مولانا محمد حسن المكي: قوله: \"يشوص\" فيه الترجمة؛ لأن شوص الفم يحصل به شرح الدماغ والتيقظ اللذين يسهل معهما طول القيام.\nوقال العلامة السندي (^١) ما حاصله: من يهتم بهذا وهو أدب، فلا بدّ أن يهتم بالطول، وهو أفضل منه، انتهى من هامش \"اللامع\" (^٢) مختصرًا.\n\n(١٠ -<span data-type='title' id=toc-928> باب كيف صلاة الليل. . .) إلخ</span>\nوهذا باب ثامن من التراجم المصدرة بلفظ: \"كيف\"، وهذه الترجمة تشتمل على جزئين، الأول: الكيفية، والثاني: عدد ركعات صلاة الليل، فالحديث الأول يطابق الجزء الأول منها، والأحاديث الباقية للجزء الثاني.\nواختلفت الروايات في عدد الركعات، ففي \"الأوجز\" (^٣) عن الباجي تحت حديث عائشة: وروايتها تحتمل وجهين:\nأحدهما: أنه كان - ﷺ - تختلف صلاته بالليل؛ لأنه لا حدّ لصلاة\n_________\n(^١) انظر: \"حاشية السندي\" (١/ ١٩٨).\n(^٢) انظر: \"لامع الدراري\" (٤/ ٢٣٩ - ٢٤١).\n(^٣) \"أوجز المسالك\" (٢/ ٥٨٤)، و\"المنتقى\" (١/ ٢١٦).","vol":"3","page":125},{"text":"الليل، فمرّةً كانت تخبر بما شاهدت منه في وقتٍ ما، ومرةً كانت تخبر بما شاهدت منه - ﷺ - في غيره، وإنما قالت: \"إنه - ﷺ - لا يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة\"، تريد صلاته المعتادة الغالبة، وإن كان ربما يزيد في بعض الأوقات على ذلك، فقصدت في تلك الروايات الإخبار عن غالب صلاته - ﷺ -، وذكرت في هذه الرواية أكثر ما كانت تنتهي إليه صلاته - ﷺ - في الأغلب.\nوالوجه الثاني: أن تكون رضي الله تعالى عنها تقصد في بعض الأوقات الإخبار عن جميع صلاته في ليلة، وتقصد في وقت ثان إلى ذكر نوع من صلاته في الليل، وجميع صلاة النبي - ﷺ - بالليل في رواية عائشة خمس عشرة مع الركعتين الخفيفتين وركعتي الفجر، فعائشة كانت تخبر بالأمر على وجوه شتى، ولعله أن يكون ذلك على قدر أسباب السؤال، انتهى.\n\n(١١ -<span data-type='title' id=toc-929> باب قيام النبي - ﷺ - بالليل. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): الظاهر من الترجمة أن قيام الليل منسوخ من النبي - ﷺ - والأمة جميعًا، انتهى.\nوفي هامشه: كما يدل عليه لفظ الترجمة: \"وما نسخ من قيام الليل\" بالإطلاق بعد ذكر قيام النبي - ﷺ -، وهو ظاهر حديث عائشة عند مسلم قالت: \"إن الله افترض قيام الليل في أول هذه السورة - يعني: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ -، فقام نبي الله - ﷺ - وأصحابه حولًا حتى أنزل الله في آخر هذه السورة التخفيف، فصار قيام الليل تطوعًا بعد فرضية\"، فهذا الحديث أيضًا بظاهره يعم النبي - ﷺ - والأمة، وقد تقدم الخلاف في ذلك في أول \"كتاب التهجد\".\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٤/ ٢٤١ - ٢٤٢).","vol":"3","page":126},{"text":"قال الحافظ (^١): استغنى البخاري عن إيراد هذا الحديث - لكونه على غير شرطه - بما أخرجه عن أنس - يعني: حديث الباب -، فإنه يدل على أنه كان ربما نام كل الليل، وهذا دليل التطوع، إلى آخر ما بسط في هامش \"اللامع\"، ثم يشكل على الترجمة التكرار بما تقدم من \"باب تحريض النبي - ﷺ - على قيام الليل من غير إيجاب\" اللهم إلا أن يقال: إنه محمول في حق الأمة بدون التعرض عن حاله - ﷺ -.\n\n(١٢ -<span data-type='title' id=toc-930> باب عقد الشيطان على قافية الرأس. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): الظاهر أن الشيطان يعقد على قافية كل نائم، فمن صلى انحلت عقده ومن لا فلا، انتهى.\nقلت: يشكل قوله في الترجمة: \"إذا لم يصل\"؛ لأن الحديث عام، وأجيب بأن المراد بقاء العقد إذا لم يُصَلِّ.\nواختار الحافظ (^٣) في مراد المصنف: أن عقد الشيطان مقيد بمن لم يصلِّ العشاء، أي: المراد بالصلاة المنفية صلاة العشاء، ويؤيده ثاني حديثي الباب.\nوتعقب العلامة العيني على الحافظ، إذ قال (^٤): لا قرينة لتقييدها بالعشاء، فظاهر الحديث يدل على أن العقد يكون عند النوم، سواء صلى قبله أو لم يصل، ثم ذكر الروايات الدالة على العموم.\nومال القسطلاني (^٥) إلى قول الحافظ، ومال صاحب \"الفيض\" (^٦) إلى أن البخاري مال إلى وجوب التهجد، فالمراد صلاته، وأخذه من كلام ابن العربي في شرح الترمذي: قد اختلف الناس في صلاة الليل، ومال البخاري إلى وجوبها، وتعلق بقوله - ﷺ -: \"يعقد الشيطان\"، الحديث.\nقلت: وفيه أنه يخالف تصريح البخاري بما سبق قوله: من غير إيجاب.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٢٢).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٤/ ٢٤٣ - ٢٤٧).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٣/ ٢٤).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (٥/ ٤٧٩).\n(^٥) \"إرشاد الساري\" (٣/ ٢١٧).\n(^٦) \"فيض الباري\" (٢/ ٤١٤).","vol":"3","page":127},{"text":"(١٣ -<span data-type='title' id=toc-931> باب إذا نام ولم يصلِّ بال الشيطان في أذنه)</span>\nقال الحافظ (^١): الترجمة للمستملي وحده، وللباقين باب فقط، وهو بمنزلة الفصل من الباب، وتعلقه بالذي قبله ظاهر، انتهى.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): قوله: \"باب إذا نام ولم يصل\" المراد به الصلاة المكتوبة، وإيراد الرواية لما فيه من ذكر النوم ليلته جمعاء، وإن كان الجزاء المذكور ههنا لم يترتب على ترك التهجد بل على كونه ترك المكتوبة، انتهى.\nوفي تقرير المكي: قوله: \"ولم يصل\"، يعني: الصلاة مطلقًا لا التهجد ولا المكتوبة، وإنما قلنا كذلك؛ لأن حديث: \"بال الشيطان\" إنما هو في الفرض لا في التهجد، لكن النوم الكذائي يستلزم فوت التهجد أيضًا، فلذلك جعل الحديث أعم من التهجد والفرض، ورتب بول الشيطان في أذنه على فوت كليهما بالنوم، وإن كان هو في الحقيقة مرتبًا على فوت الفرض فقط. . . إلى آخر ما فيه.\nواختلف في بول الشيطان فقيل: هو على حقيقته إذ لا مانع منه؛ لأن الشيطان يأكل ويشرب وينكح، وقيل: كناية عن سدّ الشيطان أذن الذي ينام عن الصلاة لا يسمع الذكر، وقيل: معناه أنه ملأ سمعه بالأباطيل فحجب سمعه عن الذكر، وقيل: هو كناية عن ازدراء الشيطان به، وقيل: معناه: أن الشيطان استولى عليه واستخف به حتى اتخذه كالكنيف المعدّ للبول إذ من عادة المستخف بالشيء أن يبول عليه، وقيل: هو مثل مضروب للغافل عن القيام لثقل النوم؛ كمن وقع البول في أذنه فثقل أذنه وأفسد حسه، انتهى مختصرًا من \"الفتح\".\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٢٨).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٤/ ٢٥٠ - ٢٥٢).","vol":"3","page":128},{"text":"(١٤ -<span data-type='title' id=toc-932> باب الدعاء والصلاة من آخر الليل. . .) إلخ</span>\nوفي رواية أبي ذر: \"باب الدعاء في الصلاة\" وليس في الحديث ذكر الصلاة، قال الحافظ (^١): زاد يونس في روايته: \"ولذلك كانوا يفضلون صلاة آخر الليل على أوله\"، أخرجها الدارقطني، وبهذه الزيادة تظهر مناسبة ذكر الصلاة في الترجمة، ومناسبة الترجمة التي بعد هذه لهذه، انتهى. أو يقال: الصلاة دعاء.\n\n(١٥ -<span data-type='title' id=toc-933> باب من نام أول الليل وأحيا آخره)</span>\nقال القسطلاني (^٢): بالصلاة أو القراءة أو الذكر ونحوها، انتهى.\nوقال الحافظ: تقدم في الباب الذي قبله ذكر مناسبة الحديث بالباب، انتهى.\n\n(١٦ -<span data-type='title' id=toc-934> باب قيام النبي - ﷺ - بالليل في رمضان وغيره)</span>\nلعله أشار به إلى أنّ ما ورد في حديث عائشة المراد به التهجد، ولذا أدخله في أبوابه، وأيضًا ذكر في الترجمة: \"في رمضان وغيره\"، فإن التراويح لا يكون في غير رمضان.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): ومما ينبغي التنبه له أن عائشة لم تذكر ههنا إلّا ما كانت عادته في صلاته بالليل وكان دوامه عليها، فأما ما وقع أحيانًا ونادرًا؛ كصلاته بالقوم في ليالي رمضان فغير متعرض به نفيًا ولا إثباتًا، وذلك كثير في الكلام، فلا يمكن الاحتجاج بمقالتها هذه أنه - ﷺ - لم يزد في تلك الليالي الثلاث أيضًا، فإذا ورد بعد ذلك عدد العشرين في شيء من الروايات ولو ضعيفة لم يكن مخالفًا لتلك الروايات الصحاح، فوجب قبولها لعدم المخالفة، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٣١).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٣/ ٢٢٥)، و\"فتح الباري\" (٣/ ٣٢).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٤/ ٢٥٢).","vol":"3","page":129},{"text":"وفي هامشه: ما أفاده الشيخ واضح جدًا، ولذلك ترى المحدثين بأسرهم يبوّبون بصلاة الليل منفردًا وبقيام رمضان [على حدة]، وفي \"الأوجز\" (^١): قال الكرماني: اتفقوا على أن المراد بقيام رمضان التراويح، وبه جزم النووي، إلى آخر ما بسط فيه.\n\n(١٧ -<span data-type='title' id=toc-935> باب فضل الطهور بالليل والنهار وفضل الصلاة عند الطهور. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٢): كذا ثبت في رواية الكشميهني، ولغيره \"بعد الوضوء\"، واقتصر بعضهم على الشق الثاني من الترجمة، وعليه اقتصر الإسماعيلي وأكثر الشرَّاح، والشق الأول ليس بظاهر في حديث الباب إلا إن حمل على أنه أشار بذلك إلى ما ورد في بعض طرق الحديث من حديث بريدة عند الترمذي وابن خزيمة بلفظ: \"ما أصابني حدث قط إلّا توضأت عندها\"، ولأحمد من حديثه: \"ما أحدثت إلا توضأت وصليت ركعتين\"، فدل على أنه كان يعقب الحدث بالوضوء، والوضوء بالصلاة في أيِّ وقتٍ كان، انتهى.\nقوله: \"سمعت دفَّ نعليك\" أشكل بوجهين، الأول: دخوله الجنة قبل الموت، والثاني: دخول بلال قبله - ﷺ -، ورجح الحافظ أن الرواية كانت في النوم، ونوم الأنبياء وحي، ففيه أيضًا فضيلة لبلال بلا مرية، ومشيه بين يدي النبي - ﷺ - كان من عادته في اليقظة فاتفق مثله في المنام، ولا يلزم من ذلك دخوله قبل النبي - ﷺ -؛ لأنه في مقام التابع، انتهى مختصرًا.\nوفي \"الأوجز\" (^٣) تحت قوله ﵊: \"رأيت أكثر أهلها النساء\" الحديث: حمله الشاه ولي الله المحدث الدهلوي على الرؤية المثالية، فقال في ذكر عالم المثال: دلَّت الأحاديث على أن في العالم\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (٢/ ٥٠٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٤).\n(^٣) \"أوجز المسالك\" (٤/ ٨٤).","vol":"3","page":130},{"text":"وجودٌ غير عنصري تتمثل فيه المعاني بأجسام مناسبة لها في الصفة تتحقق هناك الأشياء قبل وجودها في الأرض. . . إلى آخر ما قال، انتهى.\nوأجاب شيخ المشايخ عن الإشكال الثاني في \"تراجمه\" (^١) بالبسط، وحاصله: أنه تخييل خال عن إحساس نفسه ومنزلته، فارجع إليه لو شئت التوضيح.\n\n(١٨ -<span data-type='title' id=toc-936> باب ما يكره من التشديد في العبادة)</span>\nقال الحافظ (^٢): قال ابن بطال: إنما يكره ذلك خشية الملال المفضي إلى ترك العبادة، انتهى.\nوتقدمت الإشارة إلى هذا الباب في \"باب قيام النبي - ﷺ - حتى ترم قدماه\".\n\n(١٩ -<span data-type='title' id=toc-937> باب ما يكره من ترك قيام الليل)</span>\nلا يبعد عندي أن يكون إشارة إلى أن الفتور والملال المذكور هو الغاية القصوى، وإلا فمجرد التواني والتكاسل والترك لأجله مكروه غير مرضي.\nقال الحافظ (^٣): قوله: \"باب ما يكره. . .\" إلخ، أي: إذا أشعر ذلك بالإعراض عن العبادة، وما أحسن ما عقب المصنف هذه الترجمة بالتي قبلها؛ لأن الحاصل منهما الترغيب في ملازمة العبادة، والطريق الموصل إلى ذلك الاقتصاد فيها؛ لأن التشديد فيها قد يؤدي إلى تركها وهو مذموم، انتهى.\nوأجاد صاحب \"الفيض\" (^٤) بحثًا طويلًا يستنبط منه أن الأحكام ثلاثة: الغرائم كما في قوله تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: ١٧] وقد صلى - ﵇ - حتى ترم قدماه، والرخص، والقصد. والطبائع أيضًا ثلاثة:\n_________\n(^١) (ص ٣١٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٦)، \"شرح صحيح البخاري\" لابن بطال (٣/ ١٤٤).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٧ - ٣٨).\n(^٤) \"فيض الباري\" (٢/ ٤٢٢).","vol":"3","page":131},{"text":"الأقوياء، والضعفاء، والأوساط. فكل نوع منها يميل إلى ما يناسب طبعه، فارجع إليه لو شئت توضيحه.\n\n(٢٠ -<span data-type='title' id=toc-938> باب)</span>\nبغير ترجمة، في الهامش عن العيني (^١): إن المطابقة بترك التشديد، انتهى. فكأنه رجوع إلى ما سبق.\nوالأوجه عندي: أن الحاصل من ملاحظة الترجمتين السابقتين الاعتدال، وهذا الباب كالنص فيه، أو يقال: إنه إشارة إلى سبب الباب السابق، فإن الإكثار قد يكون سبب الترك، والأوجه منه أن يقال: إن هذا الباب لأشتات ما ورد في فضل التهجد من الروايات المتفرقة، وينتهي هذا الباب إلى المداومة على ركعتي الفجر، والباب الآتي من قبيل باب في باب.\n\n(٢١ -<span data-type='title' id=toc-939> باب فضل من تعار من الليل)</span>\nالتعار اليقظة مع صوت، والتقلب على الفراش ليلًا مع كلام، والمراد في الحديث: استيقظ؛ لأنه قال: \"من تعار فقال\" فعطف القول على التعار، ويحتمل أن تكون الفاء تفسيرية لما صوّت به المستيقظ؛ لأنه قد يصوت بغير ذكر، فخص الفضل المذكور بمن صوت بما ذكر من ذكر الله تعالى، وهذا هو السر في اختيار لفظ تعار دون استيقظ، وإنما يتفق ذلك لمن تعود الذكر، انتهى.\nومناسبة الحديث الأول للباب ظاهرة، وأما الحديثان الآخران فمناسبتهما خفية، واكتفى العلامة العيني على المناسبة بفضل صلاة الليل فقط، ويحتمل عندي ما تقدم قريبًا أنه باب في باب.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٥/ ٥٠٥).","vol":"3","page":132},{"text":"(٢٢ -<span data-type='title' id=toc-940> باب المداومة على ركعتي الفجر)</span>\nأي: شدة اهتمامهما، وسيأتي حكمهما في باب مستقلًا.\n\n(٢٣ -<span data-type='title' id=toc-941> باب الضجعة على الشق الأيمن. . .) إلخ</span>\nاختلفوا فيه على عدة أقوال (^١):\nأحدها: سُنَّة، وإليه ذهب الشافعي وأصحابه.\nوالثاني: مستحب، روي ذلك عن جماعة من الصحابة.\nوالثالث: أنها واجب مفترض، وهو قول ابن حزم.\nوالرابع: أنها بدعة، ومن قال به من الصحابة عبد الله بن مسعود.\nوالخامس: أنه مكروه، روي ذلك عن النخعي ومالك.\nوالسادس: أنها خلاف الأولى، روي ذلك عن الحسن.\nوالسابع: أنها للفصل بين ركعتي الفجر وبين الفريضة، وهو محكي عن الشافعي.\nوالثامن: أنها للاستراحة، وهو مؤدى قول الحنفية.\nوالتاسع: ما نقل عن ساداتنا الصوفية أنها كانت للنزول عن العرش إلى الفرش.\nوفي هامش \"البذل\" (^٢): قال ابن العربي: قال مالك: لا بأس به ما لم ير فيه الفضل، وأحمد لا يفعله ولا يمنعه، انتهى. وأثبت ابن القيم كونها بعد الوتر قبل السُّنَّة.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٥/ ٥١٥).\n(^٢) \"بذل المجهود\" (٥/ ٤٦٣)، و\"عارضة الأحوذي\" (٢/ ٢١٦)، و\"زاد المعاد\" (١/ ٣٠٩).","vol":"3","page":133},{"text":"(٢٤ -<span data-type='title' id=toc-942> باب من تحدث بعد الركعتين. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): يعني بذلك: أن الضجعة ليست بواجبة ولا مؤكدة، انتهى.\nوفي \"هامشه\": وبذلك احتجت الأئمة على عدم الوجوب، وحملوا الوارد بذلك في حديث أبي هريرة عند أبي داود وغيره على الاستحباب، وفائدة ذلك الراحة والنشاط لصلاة الصبح، وعلى هذا فلا يستحب ذلك إلا للمتهجد، وبه جزم ابن العربي، إلى آخر ما بسط في هامش \"اللامع\".\n\n(٢٥ -<span data-type='title' id=toc-943> باب ما جاء في التطوع مثنى مثنى)</span>\nقال السندي (^٢): أي: مطلقًا ليلًا أو نهارًا فقط، وأما ليلًا فغني عن البيان أو قد بيّن سابقًا، انتهى.\nوالمسألة خلافية، وقد اختلط كلام الشرَّاح ونقلة المذاهب في ذكر مسالك الأئمة ههنا، وذلك لأن ههنا مسألتين طالما اختلطت إحداهما بالأخرى، الأولى: مسألة النهي عن البتيراء، اتفقت فيها الحنفية والمالكية في أنه لا يجوز التنفل بركعة واحدة، ويجوز عند الشافعية والحنابلة، والثانية: مسألة الأفضل في ركعات التطوع، فالأفضل عند الشافعية والحنابلة، مثنى مثنى مطلقًا ليلًا كان أو نهارًا، وتجوز الزيادة على الركعتين عندهما، وأما عند المالكية فالمثنى متعين، تكره الزيادة عليهما، وعندنا الحنفية فالأفضل عند الإمام أبي حنيفة أربع أربع في الليل، وعند صاحبيه في النهار أربع أربع، وفي الليل مثنى مثنى، إذا عرفت ذلك فترجمة البخاري تحتمل أن تكون بيانًا للأفضل، فتكون موافقة للشافعية مخالفة للحنفية والمالكية، ويحتمل أن تكون نهيًا عن الأقل من الركعتين فتكون موافقة للحنفية والمالكية مخالفًا لغيرهم (^٣).\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٤/ ٢٥٨).\n(^٢) \"حاشية السندي\" (١/ ٢٠٢).\n(^٣) انظر: \"لامع الدراري\" (٤/ ٢٦٢).","vol":"3","page":134},{"text":"(٢٦ -<span data-type='title' id=toc-944> باب الحديث بعد ركعتي الفجر)</span>\nأشار بذلك إلى الرد على من كرهه، وقد نقله ابن أبي شيبة عن ابن مسعود ولم يثبت عنه، كذا في \"الفتح\" (^١). وفي \"الفيض\" (^٢) في \"باب من تحدث بعد الركعتين\": كرهه الحنفية حتى قال بعضهم: إنه لو تكلم بعد سُنَّة الفجر يعيدها، ورأيت في \"المدونة\" أن مالكًا رحمه الله تعالى بعد سُنَّة الفجر لم يكن ينحرف عن القبلة حتى يصلي الفرض ولم يكن يتكلم بينهما، انتهى.\nوقال الدردير (^٣): كره الكلام قبل طلوع الشمس لا قبل صلاة الفجر، انتهى.\nوأخرج البيهقي (^٤) عن مالك: \"أدركت الناس وما يتكلمون حتى تطلع الشمس\".\n\n(٢٧ -<span data-type='title' id=toc-945> باب تعاهد ركعتي الفجر)</span>\nأشار بذلك إلى أنهما ليستا بواجبتين خلافًا لمن قاله، واستدل عليه بإطلاق التطوع عليه في الحديث.\n\n(٢٨ -<span data-type='title' id=toc-946> باب ما يقرأ في ركعتي الفجر)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٥): دلالة الرواية على هذا المعنى من حيث إنهما لما كانتا خفيفتين لا تكون القراءة فيهما إلا قليلة ما كانت وإن لم تتعين السورة، انتهى.\nوفي هامشه: قال السندي (^٦): لم يذكر في الباب ما يدل على تعيين المقروء في ركعتي الفجر، بل ذكر ما يدل على تخفيف القراءة فيهما،\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٤٥).\n(^٢) \"فيض الباري\" (٢/ ٤٢٧).\n(^٣) \"الشرح الكبير\" (١/ ٥٠٥).\n(^٤) \"السنن الكبرى\" (٢/ ١٨٨).\n(^٥) \"لامع الدراري\" (٤/ ٢٦٧).\n(^٦) \"حاشية السندي\" (١/ ٢٠٣).","vol":"3","page":135},{"text":"فلذلك قيل: كلمة \"ما\" استفهامية عن صفة القراءة، أي: هل هي طويلة أو قصيرة؟\nقال الحافظ (^١): أشار بذلك إلى خلاف من زعم أنه لا يقرأ في ركعتي الفجر أصلًا عن أبي بكر الأصم وإبراهيم ابن علية، فنبَّه على أنه لا بدّ من القراءة، واقتصر عليه؛ لأنه لم يثبت عنده على شرطه تعيين ما يقرأ به فيهما.\nواختلف العلماء في القراءة فيهما على أربعة مذاهب حكاها الطحاوي:\nأحدها: لا قراءة فيهما، كما ذهب إليه جماعة، منهم ابن الأصم وابن علية وطائفة من الظاهرية.\nالثاني: يخفف القراءة فيهما بأم القرآن خاصة، روي ذلك عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وهو مشهور مذهب مالك.\nالثالث: يخفف بقراءة أم القرآن وسورة قصيرة، رواه ابن القاسم عن مالك، وهو قول الشافعي.\nالرابع: لا بأس بتطويل القراءة فيهما، روي ذلك عن النخعي، وعن أبي حنيفة: ربما قرأت فيهما حزبين من القرآن، وهو قول أصحابنا، إلى آخر ما بسط في هامش \"اللامع\".\n\n(٢٩ -<span data-type='title' id=toc-947> باب التطوع بعد المكتوبة)</span>\nقال الحافظ (^٢): ترجم أولًا بما بعد المكتوبة، ثم ترجم بعد ذلك بما قبل المكتوبة، انتهى.\nولم يذكر الحافظ وجهه، ولعله لتأكد ما بعدها، فتأمل.\nوالأوجه عندي ما مر.\nوقال العيني (^٣): إنه ذكر ترجمة البعدية مع أن في الحديث القبلية\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٤٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٥٠).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٥/ ٥٣٥).","vol":"3","page":136},{"text":"أيضًا لشدة اهتمامها، أو من باب الاكتفاء بأحدهما، انتهى.\n\n(٣٠ -<span data-type='title' id=toc-948> باب من لم يتطوع بعد المكتوبة)</span>\nقال الحافظ (^١): أورد فيه حديث ابن عباس في الجمع بين الصلاتين، ومطابقته للترجمة أن الجمع يقتضي عدم التخلل بين الصلاتين بصلاة راتبة أو غيرها، فيدل على ترك التطوع بعد الأولى وهو المراد، وأما التطوع بعد الثانية فمسكوت عنه، وكذا التطوع قبل الأولى، انتهى.\n\n(٣١ -<span data-type='title' id=toc-949> باب صلاة الضحى في السفر)</span>\nاختلفت الروايات جدًا في صلاة الضحى إثباتًا ونفيًا، وأراد الإمام البخاري الجمع بين هذه الروايات بتعدد التراجم كما ترى.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): قصد المؤلف بإيراد الروايتين المثبتة لها والنافية إياها دفعًا لما يتوهم من تعارض الروايات.\nوحاصله: أن النفي والإثبات راجعان إلى شيئين، فالمثبت هي الصلاة مطلقًا، والذي نفاه الراوي هو الدوام أو أداؤها على وجه الإعلان، ثم إن زيادة لفظ: \"في السفر\" في الترجمة إشارة إلى توجيه آخر لدفع هذا التعارض بأن المنفي في حديث ابن عمر هو الدوام عليها في السفر، وهي المثبتة أيضًا في حديث أم هانئ، فصار الحاصل أنه كان يصليها في سفره أحيانًا ولا يصليها أحيانًا، انتهى.\nقلت: ويحتمل أن المصنف أراد إثباتها في السفر، فذكر حديث ابن عمر الدال على النفي بالظن حيث قال: لا إخاله، ثم ذكر بعده حديث أم هانئ المثبت إياها بالجزم.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٥١).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٤/ ٢٧١ - ٢٧٣).","vol":"3","page":137},{"text":"(٣٢ -<span data-type='title' id=toc-950> باب من لم يصلِّ الضحى ورآه واسعًا)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): قوله: \"من لم يصل\" أي: على وجه التأكد، \"ورآه واسعًا\" أي: عدم الصلاة أو رأى الصلاة جائزة مع كونها غير متأكدة عنده، انتهى.\nوبهذين الاحتمالين شرح الترجمة شرَّاح البخاري، ولأجل اختلاف الروايات فيها اختلفت أقوال السلف والأئمة في حكمها، فبلغت ستة:\nالأول: إنها مستحبة، واختلف في عددها، قيل: أقلها ركعتان وأكثرها ثنتا عشر، وقيل: أكثرها ثمان، وقيل: ركعتان، وقيل: أربع ركعات، وقيل: لا حدّ لأكثره.\nوالقول الثاني: إنها لا تشرع إلا بسبب.\nالثالث: لا تستحب أصلًا.\nالرابع: يستحب فعلها تارةً وتركها تارةً بحيث لم يواظب عليها، وهذه إحدى الروايتين عن أحمد.\nالخامس: تستحب صلاتها والمواظبة عليها في البيوت.\nالسادس: إنها بدعة، صحّ ذلك عن رواية عروة عن ابن عمر - ﵄ -، انتهى ملخصًا من \"الفتح\" (^٢).\nوبسط الكلام عليها في \"الأوجز\" (^٣)، وذكر فيه مسالك الأئمة عن كتب فروعهم، وجملتها: أن الأئمة الأربعة متفقة على استحبابها إلّا أن المرجح عند متأخري الحنابلة من روايتي الإمام عدم المداومة، وأما عند المالكية فتتأكد صلاة الضحى، وأقلّها ركعتان، وعند الشافعية سُنَّة مؤكدة، وعند الحنفية فندب أربع فصاعدًا، إلى آخر ما بسط في هامش \"اللامع\"، وفيه أيضًا: أنها صلاة واحدة عند الفقهاء والمحدثين، وأما عند مشايخ\n_________\n(^١) المصدر السابق (٤/ ٢٧٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٥٦).\n(^٣) \"أوجز المسالك\" (٣/ ٢٢٠).","vol":"3","page":138},{"text":"السلوك فهي صلاتان، الأولى: صلاة الإشراق، والثانية: صلاة الضحى، إلى آخر ما فيه.\n\n(٣٣ -<span data-type='title' id=toc-951> باب صلاة الضحى في الحضر. . .) إلخ</span>\nتقدم بعض ما يتعلق به سابقًا، والظاهر عندي أن الإمام أشار بقوله: \"قاله عتبان\" أنه غير الرجل الضخم المذكور في حديث أنس الآتي، وإلّا فلا وجه لذكره ههنا إلى أن الحافظ جزم بأن القصة الآتية لعتبان لتوافق ترجمة الباب، وبه جزم الشيخ في \"اللامع\" (^١) إذ كتب: قوله: \"قاله عتبان\"، يعني بذلك أن يشير إلى إسناد غير ما هو مذكور ههنا، انتهى.\nوقال القسطلاني (^٢): قوله: \"رجل من الأنصار\" قيل: هو عتبان بن مالك، أو بعض عمومة أنس، وقد يقال: إن عتبان عم أنس مجازًا لكونهما من الخزرج، لكن كل منهما من بطن، انتهى.\nومطابقة الحديث الأول من الباب من حيث إنه حمله على الحضر جمعًا بين الروايات كما تقدم، أو لما فيه من صوم ثلاثة أيام علامة للحضر أو الوتر على النوم، فإن في السفر لا حاجة إليه لما فيه من سهر الليل عادة على أن السفر مظنة التخفيف، من \"الفتح\" (^٣).\n\n(٣٤ -<span data-type='title' id=toc-952> باب الركعتين قبل الظهر)</span>\nقال الحافظ (^٤): ترجم أولًا بالرواتب التي بعد المكتوبة، ثم أورد ما يتعلق بما قبلها، انتهى.\nاختلفوا في الراتبة قبل الظهر هل هي ثنتان أو أربعة؟ فنبه المصنف بالترجمة على مختاره من الركعتين، وذكر في الباب حديث الأربعة استطرادًا لكونه مستدلًا لبعض الأئمة.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٤/ ٢٧٥).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٣/ ٢٦٠).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٣/ ٥٨).\n(^٤) المصدر السابق (٣/ ٥٨).","vol":"3","page":139},{"text":"وجملة الخلاف: أن الرواتب ليست بمؤكدة عند المالكية غير ركعتي الفجر، والأئمة الثلاثة الباقية متفقة على تأكد الرواتب المعروفة للفرائض، ولا خلاف بينهم إلّا في الراتبة القبلية للظهر، فإنها ركعتان عند الشافعي وأحمد، وهي أربع ركعات عند أبي حنيفة وصاحبيه، وهي رواية عن الشافعي غير مرجحة.\n\n(٣٥ -<span data-type='title' id=toc-953> باب الصلاة قبل المغرب)</span>\nلعلّها مندوب عند المصنف إذ ذكرها على صنيع الترجمة السابقة، إلا أن الروايات الواردة فيه ليست كالروايات التي فيها.\nقال الحافظ (^١): لم يذكر المصنف الصلاة قبل العصر، وقد ورد فيها حديث لأبي هريرة مرفوعًا لفظه: \"رحم الله امرأ صلى أربعًا قبل العصر\" أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي، لكن ليس على شرط البخاري، انتهى.\nوالتطوع قبل المغرب مختلف فيه عند الأئمة، ففي هامش \"الكوكب\" (^٢): واختلف فيه السلف أيضًا، وذهب بعض الصحابة والتابعين إلى الاستحباب، والجمهور ومنهم الأئمة الأربعة على عدم الاستحباب إلا ما حكى الترمذي عن أحمد من الاستحباب، فلعله رواية عنه، وصرح أصحاب الفروع من المالكية والشافعية بكراهتهما، وظاهر كلام أحمد أنهما جائزتان، واختلفت الرواية عن الحنفية في الإباحة والكراهة، انتهى ملخصًا.\nوتقدم تبويب المصنف \"بين كل أذانين صلاة\" في \"كتاب الأذان\".\n\n(٣٦ -<span data-type='title' id=toc-954> باب صلاة النوافل جماعة)</span>\nكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\": وعلماؤنا الحنفية ﵏ لم يجوِّزوا من الجماعة إلا ما ثبت كالكسوف والعيدين، وفي النوافل التي لم\n_________\n(^١) المصدر السابق (٣/ ٥٩).\n(^٢) \"الكوكب الدري\" (١/ ٢٤١).","vol":"3","page":140},{"text":"تثبت الجماعة فيها لا يجوز التداعي لها والاجتماع فيها، نعم يرخص في قيام اثنين أو ثلاثة، وذلك لأنه ثابت كما ورد في صلاته - ﷺ - مع أنس وأمه واليتيم وغير ذلك، وذلك لأن في رخصة الصلاة بالجماعة لزوم مفاسد، فلا يقدم عليها إلا لورود نص، مع أن النص مشير إلى خلافه، وهو قوله - ﷺ -: \"أفضل صلاة المرء في بيته\"، ويفوت ذلك عند التداعي والاجتماع على إمام معين ولو في بيت أحد منهم، انتهى.\nوالمسألة خلافية، ففي \"المنهل\" في حديث انفكاك قدمه - ﷺ - ولفظه: \"فأتيناه نعوده فوجدناه في مشربة لعائشة يسبّح جالسًا قال: فقمنا خلفه\" الحديث، قال صاحب \"المنهل\" (^١): دل الحديث على جواز الجماعة في النافلة ولو كثرت، وقيَّده المالكية في غير التراويح والعيد ونحوهما بأن تكون الجماعة قليلة كالاثنين والثلاثة، وبأن يكون المكان غير مشتهر، وذهبت الحنفية إلى الكراهة مطلقًا إلا في التراويح والوتر في رمضان، وذهبت الحنابلة والشافعية إلى الجواز مطلقًا، إلا أن الشافعية قالوا بالانفراد فيما عدا التراويح والعيدين ونحوهما، انتهى.\nقلت: والصحيح في مذهب الحنفية ما تقدم في كلام الشيخ قُدِّس سرُّه.\n\n(٣٧ -<span data-type='title' id=toc-955> باب التطوع في البيت)</span>\nأشار الإمام البخاري بالترجمة إلى اختلاف آخر في أن المراد بالصلاة في حديث الباب النوافل فقط، أو تدخل فيه الفرائض أيضًا.\n* * *\n_________\n(^١) \"المنهل العذب المورود\" (٤/ ٣٣٠).","vol":"3","page":141},{"text":"[٢٠ -<span data-type='title' id=toc-956> كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة]</span>\n(١ -<span data-type='title' id=toc-957> باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة)</span>\nلم يذكر في الترجمة بيت المقدس لما سيبوِّب له مستقلًا، والظاهر أن شد الرحال للصلاة، فثبتت المطابقة، فلا يشكل بأن الحديث ليس فيه فضل الصلاة، ثم إيراد المصنف الباب في أبواب التطوع يدل على أن الفضل للتطوع، ويحتمل الأعم، وبه قال الجمهور خلافًا للطحاوي إذ خصه بالفرض.\nقوله: (إلا المسجد الحرام) في الاستثناء ثلاثة أوجه، تفضيل كل واحد منهما، والتساوي بسطت في \"الأوجز\" (^١)، وأورد في \"تراجم شيخ المشايخ\" (^٢) على الإمام الغزالي إذ قدر في المستثنى منه المساجد خاصة، وقال: الأوجه عندي العموم من المساجد والمقابر والأماكن المقدسة.\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-958> باب مسجد قباء)</span>\nقال الحافظ (^٣): أي: فضله، وقباء - بضم القاف ثم موحدة ممدودة - هو على ثلاثة أميال من المدينة، وسمي باسم بئر هناك، وهو أول مسجد أسَّسه رسول الله - ﷺ -، انتهى.\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-959> باب من أتى مسجد قباء. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٤): أراد بهذه الترجمة بيان تقييد ما أطلق في التي قبلها؛ لأنه قيَّد فيها في الموقوف بخلاف المرفوع فأطلق، انتهى.\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (٤/ ١٩٩ - ٢٠٣).\n(^٢) (ص ٣٢١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٣/ ٦٨).\n(^٤) المصدر السابق (٣/ ٦٩).","vol":"3","page":142},{"text":"والغرض عندي من الترجمة أنه لا بأس في تخصيص بعض الأيام ببعض القربات، أو يقال: المقصود بيان سبب تخصيص ابن عمر ذلك في الحديث الماضي.\n\n(٤ -<span data-type='title' id=toc-960> باب إتيان مسجد قباء راكبًا وماشيًا)</span>\nقال الحافظ (^١): أفرد هذه الترجمة لاشتمال الحديث على حكم آخر غير ما تقدم، وقال أيضًا في فوائد الحديث: وفيه إشارة إلى أن النهي عن شد الرحال لغير المساجد الثلاثة ليس على التحريم، وتعقب بأن مجيئه - ﷺ - قباء إنما كان لمواصلة الأنصار وتفقد حالهم وحال من تأخر منهم عن حضور الجمعة معه، وهذا هو السر في تخصيص ذلك بالسبت، انتهى.\n\n(٥ -<span data-type='title' id=toc-961> باب فضل ما بين القبر والمنبر)</span>\nقال الحافظ (^٢): لما ذكر فضل الصلاة في مسجد المدينة أراد أن ينبِّه على أن بعض بقاع المسجد أفضل من بعض، وترجم بذكر القبر، وأورد الحديثين بلفظ البيت؛ لأن القبر صار في البيت، انتهى.\n\n(٦ -<span data-type='title' id=toc-962> باب مسجد بيت المقدس)</span>\nأي: فضله، واقتصر عليه الحافظ، ولم يتعرض من أن المصنف ترجم على المسجدين الأولين بفضل الصلاة كما تقدم، ولم يذكر الصلاة ههنا، ولا يبعد أن يكون رأيه التفريق بينه وبينهما كما نقل الحافظ عن ابن المنذر أنه قال: من نذر إتيان أحد من هذه الثلاثة يجب إلى الحرمين، وأما الأقصى فلا؛ لحديث جابر: \"أن رجلًا قال للنبي - ﷺ -: إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس، قال: صل ههنا\".\nثم براعة الاختتام عندي وكذا عند الحافظ في قوله: \"حتى تغرب الشمس\".\n_________\n(^١) المصدر السابق (٣/ ٦٩).\n(^٢) المصدر السابق (٣/ ٧٠).","vol":"3","page":143},{"text":"٢١ -<span data-type='title' id=toc-963> أبواب العمل في الصلاة</span>\nأجمعت الأمة على أن العمل الكثير مفسد للصلاة، والقليل منه ليس بمفسد، ولم ترد في الروايات ضابطة تفصل بينهما، فأئمة الحديث - ﵃ - يذكرون الروايات الواردة في فعل بعض الأعمال غير المانعة عن صحة الصلاة، والروايات التي وردت في الأعمال المانعة عن صحتها، ولذا ذكر الإمام البخاري الأبواب المختلفة في هذا المعنى.\nوعند هذا العبد الضعيف من هنا إلى \"كتاب الجنائز\" جميع الأبواب داخلة في هذا المعنى، وأبواب السهو داخلة في ذيلها، كما سأوضحه هناك.\nواختلف الفقهاء في الحد الفاصل بين القليل والكثير، فعندنا الحنفية فيه خمسة أقوال، أصحها: ما لا يشك الناظر من بعيد في فاعله أنه ليس في الصلاة، والثاني: أن ما يعمل عادة باليدين كثير وإن عمل بواحدة كالتعميم وشد السراويل، وما عمل بواحدة قليل وإن عمل بهما كحل السراويل ولبس القلنسوة، إلى آخر ما بسط في هامش \"اللامع\" (^١).\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-964> باب استعانة اليد في الصلاة. . .) إلخ</span>\nقال العيني (^٢): أراد به وضع اليد على شيء في الصلاة إذا كان ذلك في أمر الصلاة، كما وضع النبي - ﷺ - يده على رأس ابن عباس وفتل أذنه وأداره، فترجم بما ذكره مستنبطًا منه في استعانة المصلي بما يتقوى به على صلاته، وقيد بقوله: \"إذا كان من أمر الصلاة\"؛ لأنه إذا استعان بها في غير أمر الصلاة يكون عبثًا، والعبث في الصلاة مكروه، انتهى.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٤/ ٧٨٤).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٣/ ٧٢).","vol":"3","page":144},{"text":"قال الحافظ (^١): ظاهر هذه الآثار - المذكورة في الترجمة - يخالف الترجمة؛ لأنها مقيدة بما إذا كان العمل من أمر الصلاة وهي مطلقة، وكأن المصنف أشار إلى أن إطلاقها مقيد بما ذكر ليخرج العبث، ويمكن أن يقال: لها تعلق بالصلاة؛ لأن دفع ما يؤذي المصلي يعين على دوام خشوعه المطلوب في الصلاة، ويدخل في الاستعانة التعلق بالحبل عند التعب والاعتماد على العصا ونحوهما، وقد رخص فيه بعض السلف، إلى أن قال: قال ابن بطال (^٢): استنبط البخاري منه أنه لما جاز للمصلي أن يستعين بيده في صلاته فيما يختص بغيره، كانت استعانته في أمر نفسه ليتقوى بذلك على صلاته إذا احتاج إليه أولى، انتهى.\nقوله: (إلا أن يحك جلدًا. . .) إلخ، ليس من الترجمة كما توهمه الإسماعيلي وتبعه مغلطاي حيث قال: إنه مستثنى من قوله: إذا كان من أمر الصلاة، بل هو من بقية أثر علي، كذلك رواه مسلم بن إبراهيم أحد مشايخ البخاري بسنده بلفظ: \"كان علي - ﵁ - إذا قام إلى الصلاة فكبر ضرب بيده اليمنى على رسغه الأيسر، فلا يزال كذلك حتى يركع إلا أن يحك جلدًا أو يصلح ثوبًا\"، من \"الفتح\" و\"العيني\".\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-965> باب ما ينهى من الكلام في الصلاة)</span>\nقال الحافظ (^٣): في الترجمة إشارة إلى أن بعض الكلام لا ينهى عنه، انتهى.\nوفي \"الأوجز\" (^٤): الأئمة الأربعة بعد أن أجمعوا على أن من تكلم في صلاته عالمًا عامدًا - وهو لا يريد إصلاح صلاته - أن صلاته فاسدة كما نقل عليه الإجماع ابن المنذر وغيره، اختلفوا في أنواع الكلام التي لا تفسد\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٧٢).\n(^٢) \"شرح صحيح البخاري\" لابن بطال (١٨٥).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٣/ ٧٣).\n(^٤) \"أوجز المسالك\" (٢/ ٢٩٢).","vol":"3","page":145},{"text":"الصلاة، وجعل الكلام في \"المغني\" (^١) خمسة أقسام، إلى آخر ما بسط في \"الأوجز\" من كتب فروع الأئمة إلى أن قال: والحاصل: أن الكلام في الصلاة بأنواعه المتقدمة مفسد للصلاة عند الحنفية، والراجح عند الإمام أحمد، وعند الأئمة الثلاثة قليل الكلام لا يفسدها بالتفصيل المذكور قبل، فعند الإمام أحمد في الراجح عند بعض أصحابه، والمشهور من الإمام مالك: أنه لا يفسدها قليل التكلم لمصلحة الصلاة، وعند الشافعية: قليل التكلم ناسيًا لا يبطلها بشرط أن لا يطيل الفصل، انتهى ملخصًا.\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-966> باب ما يجوز من التسبيح والحمد. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٢): قال ابن رُشيد: قيده بالرجال؛ لأن ذلك عنده لا يشرع للنساء، وقد أشعر بذلك تبويبه بعد حيث قال: \"باب التصفيق للنساء\"، ثم إثبات التسبيح من الحديث قيل: إلحاقًا له بالحمد بجامع الذكر، والصواب أن الحديث مختصر تقدم في \"باب من دخل ليؤم الناس\" من أبواب الإمامة، وسيأتي في آخر أبواب السهو.\n\n(٤ -<span data-type='title' id=toc-967> باب من سمى قومًا أو سلّم في الصلاة. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): يعني بذلك: أدن الصلاة لما كانت يفسدها الكلام يتوقف فسادها على كون اللفظ كلامًا، فمن سمى رجلًا أو سلّم عليه وهو غير مخاطب به لم تفسد صلاته؛ لأن الكلام لم يتحقق، فأما التسمية فقد تحققت في قوله - ﷺ -: \"اللهم أنج الوليد بن الوليد\"، وأما السلام ففي قولهم: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، انتهى.\nوفي هامشه: قال العيني (^٤): لم يبين في الترجمة حكم الباب ما هو؟ لاشتباه الأمر فيه، قيل: الظاهر الجواز، وفيه نظر؛ لأن هذا منسوخ، فقد\n_________\n(^١) \"المغني\" (٢/ ٤٤٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٧٦).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٤/ ٢٧٦).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (٥/ ٥٩٩).","vol":"3","page":146},{"text":"كان ذلك مقررًا عندهم، ثم منعهم - ﷺ - عن ذلك، وأمرهم بما يقولون، فنسخ هذا ذاك، انتهى.\nواختلف في جواز الدعاء للمعين، كما بسط في هامش \"اللامع\".\nوفي \"تراجم شيخ المشايخ\" (^١): يعني: أن السلام على مواجهة رجل يفسد الصلاة، لكن إذا كان على غير مواجهة كما يكون قولنا في الصلاة: السلام عليك أيها النبي فليس بقاطع للصلاة، انتهى.\n\n(٥ -<span data-type='title' id=toc-968> باب التصفيق للنساء)</span>\nقال القسطلاني (^٢) تحت حديث الباب: هذا مذهب الجمهور للأمر به في رواية بلفظ: \"فليسبح الرجال ولتصفق النساء\" خلافًا لمالك حيث قال: التسبيح للرجال والنساء جميعًا، وأما قوله: التصفيق للنساء، أي: من شأنهن في غير الصلاة، وهو على جهة الذم له، انتهى.\n\n(٦ -<span data-type='title' id=toc-969> باب من رجع القهقرى في صلاته. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٣): يشير بذلك إلى حديث سهل الماضي قريبًا ففيه: \"فرفع أبو بكر يديه فحمد الله ثم رجع القهقرى\"، وأما قوله: \"أو تقدم\" فهو مأخوذ من الحديث أيضًا، ويحتمل أن يكون المراد بحديث سهل ما تقدم في \"الجمعة\" من صلاته - ﷺ - على المنبر ونزوله القهقرى، انتهى مختصرًا.\n\n(٧ -<span data-type='title' id=toc-970> باب إذا دعت الأم ولدها. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٤): والاستدلال بالرواية على المدعى من حيث إن عدم إجابتها صار سببًا لإجابة دعائها عليه، فعلم أنه لم يكن محقًا في إتمام صلاته إذ لولا ذلك لما استجيب دعاؤها لعدم كونها\n_________\n(^١) (ص ٣٢٣).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٣/ ٢٩٣).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٣/ ٧٧).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٤/ ٢٩١).","vol":"3","page":147},{"text":"مظلومة مجابة الدعاء حينئذ، وأنت تعلم ما فيه، انتهى.\nوحاصل ما في \"الفيض\" (^١): أن جريجًا كان محقًا، ولذا برئه الصبي وإلّا لم يبرئه، لكن باب الدعاء غير باب التشريع، فيمكن إجابة الدعاء مع كون المسألة عدم الإجابة أيضًا، انتهى.\nقال الحافظ (^٢) تحت الباب: أي: هل يجب إجابتها أم لا؟ وإذا وجبت هل تبطل الصلاة أو لا؟ وفي المسألتين خلاف، ولذلك حذف المصنف جواب الشرط، انتهى.\nقال العيني (^٣): وفي الحديث دلالة على أن الكلام لم يكن ممنوعًا في الصلاة في شريعتهم، ولذا استجيبت دعوة أمه عليه، وقد كان الكلام مباحًا أولًا في شريعتنا أيضًا، فأما الآن فلا يجوز للمصلي إذا دعته أمه أو غيرها أن يقطع صلاته، لكن العلماء يستحبون أن يخفف صلاته ويجيب أبويه، انتهى.\nوفي \"الدر المختار\" (^٤): ويجب قطعها لإغاثة ملهوف، لا لنداء أحد أبويه بلا استغاثة إلا في النفل، انتهى.\nوفي \"شرح الإقناع\" (^٥): لا تجب إجابة الأبوين في الصلاة بل تحرم في الفرض، وتجوز في النفل، انتهى ملخصًا من هامش \"اللامع\".\nوأما إجابة النبي - ﷺ - في الصلاة فواجبة عند الجمهور من العلماء، ففي \"الأوجز\" (^٦) تحت قوله: \"نادى رسول الله - ﷺ - أُبي بن كعب\" الحديث: صرَّح به جماعة من الفحول، وهل تبطل الصلاة بهذه الإجابة أم لا؟ مختلف عند الفقهاء، وصرَّح جماعة بأن الصلاة لا تبطل بذلك، وهو المعتمد عند الشافعية والمالكية، وعند الحنفية مختلف، انتهى.\n_________\n(^١) \"فيض الباري\" (٢/ ٤٣٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٧٨).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٥/ ٦٠٦).\n(^٤) \"رد المحتار\" (٢/ ٤٢٦).\n(^٥) \"شرح الإقناع\" (٢/ ٨٥).\n(^٦) \"أوجز المسالك\" (٢/ ١٥٦).","vol":"3","page":148},{"text":"قوله: (أمي وصلاتي) قال مولانا شيخ الهند رحمه الله تعالى: وفي \"الأدب المفرد\": أنه قاله في نفسه لا أنه تكلم بلسانه؛ فاندفع الاضطراب، انتهى من \"الفيض\" (^١).\n\n(٨ -<span data-type='title' id=toc-971> باب مسح الحصى في الصلاة)</span>\nقال الحافظ (^٢): ترجم بالحصى، والمتن الذي أورده في التراب لينبِّه على إلحاقه به، وأشار بذلك أيضًا إلى ما ورد في بعض الطرق بلفظ: الحصى، كما أخرجه مسلم، وقال الكرماني: ترجم بالحصى؛ لأن الغالب أنه يوجد في التراب، فيلزم من تسويته مسح الحصى، قال الحافظ: وفي رواية أبي داود بلفظ: \"فإن كنت لا بدّ فاعلًا فواحدة تسوية الحصى\"، انتهى مختصرًا.\n\n(٩ -<span data-type='title' id=toc-972> باب بسط الثوب في الصلاة. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٣): هو من جملة العمل اليسير في الصلاة، انتهى.\n\n(١٠ -<span data-type='title' id=toc-973> باب ما يجوز من العمل في الصلاة)</span>\nقال الحافظ: أي: غير ما تقدم، انتهى.\n\n(١١ -<span data-type='title' id=toc-974> باب إذا انفلتت الدابة في الصلاة)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٤) تحت قوله الوارد في حديث الباب: \"وإني إن كنت أن أرجع. . .\" إلخ: إثبات المدعى بهذه القصة باعتبار قياسه عليها، فإنه لما جاز اتباعه إياها جاز تركه الصلاة أيضًا إذا خاف أن تنفلت فلا تبقى عليها يد، انتهى.\nوفي هامشه: وعلى هذا إثبات الترجمة يكون بالقياس، وهذا إذا لم\n_________\n(^١) \"فيض الباري\" (٢/ ٤٣٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٧٩).\n(^٣) المصدر السابق (٣/ ٨٠).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٤/ ٢٩٢).","vol":"3","page":149},{"text":"يترك صلاته، وما يظهر من بعض الطرق أنه ترك صلاته فالإثبات أوضح، وسيأتي الحديث في \"كتاب الأدب\" في \"باب قول النبي - ﷺ -: \"يسِّرا ولا تعسِّرا\"، وهو نص في ترك الصلاة.\nثم الإمام البخاري ترجم بقوله: (إذا انفلتت) ولم يذكر جوابها، وذكر فيه أثر قتادة الدال على ترك الصلاة وحديث الكسوف الدال على الاستمرار في الصلاة، وحديث أبي برزة محتمل لكليهما، فإن ظاهر رواية عمرو بن مرزوق كما قاله الحافظ بقاء الصلاة، ونص رواية حماد ترك الصلاة كما تقدم، وعادة الإمام البخاري الاستدلال بكلا المحتملين كما تقدم في الأصول الموضوعة، فلا يبعد عند هذا العبد الضعيف المبتلى بالسيئات أن الإمام البخاري ترك الجواب تنبيهًا وإشارةً إلى التفصيل في ذلك من أن المشي القليل غير مفسد كما في حديث الكسوف، والكثير مفسد كما هو مؤدى أثر قتادة، فتأمل. . . إلى آخر ما بسط في هامش \"اللامع\" من حيث الفقه وشرح الترجمة من تقرير المكي وغيره.\nوحديث عائشة ثاني حديث الباب الاستدلال منه بالتقدم والتأخر، وأغرب الكرماني فقال: وجه تعلقه بها أن فيه مذمة تسييب الدواب مطلقًا سواء كان في الصلاة أو خارجها، كذا في \"الفتح\" (^١).\n\n(١٢ -<span data-type='title' id=toc-975> باب ما يجوز من البصاق والنفخ في الصلاة)</span>\nقال السندي (^٢): كلمة \"ما\" يحتمل أن تكون استفهامية، أي: أيّ قسم يجوز من أقسام البصاق والنفخ، أو موصولة، أي: باب القسم الذي يجوز منهما، لكن فيه أن ما ذكره في الكتاب وإن علم منه في البصاق ما يجوز وهو ما في اليسار، وما لا يجوز، لكن لم يعلم في النفخ ذلك، فالوجه أن يجعل النفخ عطفًا على ما يجوز لا على البصاق، أي: وباب النفخ، أو يجعل \"ما\" موصولة، و\"من\" في قوله: \"من البصاق\" بيانية، ويعتبر الجواز في مقابلة\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٨٣).\n(^٢) \"حاشية السندي\" (١/ ١٠).","vol":"3","page":150},{"text":"الفساد لا في مقابلة الحرمة. . . إلى آخر ما في هامش \"اللامع\" (^١).\nقال الحافظ (^٢): وجه التسوية بينهما أنه ربما ظهر من كل منهما حرفان وهما أقل ما يتألف منه الكلام، وأشار المؤلف إلى أن بعض ذلك يجوز وبعضه لا يجوز، فيحتمل أنه يرى التفرقة بين ما إذا حصل من كل منهما كلام مفهوم أم لا، أو الفرق بين ما إذا كان حصول ذلك محققًا ففعله يضر وإلا فلا، انتهى.\nواختلف الفقهاء في النفخ في الصلاة، فكرهه طائفة، روي ذلك عن ابن مسعود والنخعي، وهو قول مالك وأبي يوسف وأحمد، وقيل: هو بمنزلة الكلام يقطع الصلاة، روي ذلك عن مالك في \"المدونة\"، وقيل: النفخ إن كان يسمع فهو بمنزلة الكلام يقطع وإلّا فلا، وهو قول أبي حنيفة ومحمد، انتهى. كذا في \"العيني\".\nوفي \"الفيض\" (^٣): في \"البحر\" قولان: قيل: إن كان النفخ مهجأ أفسد الصلاة، وإلّا لا. وقيل: إن كان مسموعًا أفسدها، وإلا لا، انتهى.\nوفي هامش \"اللامع\" عن العيني: وقد فسّر النفخ في الحديث بقوله: أف أف، وبهذا استدل أبو يوسف على أنه لا تفسد صلاته خلافًا لهما، وأجابا بأنه كان ثم نسخ، انتهى.\nقلت: يشكل عليه أن هذه القصة كانت سنة عشر من الهجرة، والنسخ كان قبله بكثير، فالأوجه عندي في الجواب أن التأوه بذكر النار لا يفسد كما هو معروف في الفقه، والله - ﷾ - أعلم.\n\n(١٣ -<span data-type='title' id=toc-976> باب من صفق جاهلًا من الرجال. . .) إلخ</span>\nلم يذكر الحديث في الترجمة وأشار بقوله: \"فيه سهل بن سعد. . .\" إلخ، إلى حديثه الآتي بعد بابين، وسيأتي في آخر باب من أبواب السهو\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٤/ ٢٩٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٨٤).\n(^٣) \"فيض الباري\" (٢/ ٤٣٨).","vol":"3","page":151},{"text":"بلفظ التصفيق، ومناسبته للترجمة من جهة أنه لم يأمرهم بالإعادة، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوهذا هو الباب الخامس من الأبواب التي لم يذكر فيها حديث مسند كما تقدم في الجزء الأول من جداول شيخ الهند قُدِّس سرُّه.\n\n(١٤ -<span data-type='title' id=toc-977> باب إذا قيل للمصلي: تقدم أو انتظر. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): هو عندنا مفسد إذا عمل به المصلي إلا أن يكون عمله مستندًا إلى علمه وناشئًا منه ولو بهذا العلم الحاصل له في الصلاة، ولعل المصنف تمسك فيه بعمومه وإطلاقه، والمقام يقتضي تفصيلًا وتنقيحًا، انتهى مختصرًا.\nوفي \"تراجم شيخ المشايخ\" (^٣): استنباط المؤلف مستصعب عند الشرَّاح لاحتمال أمر النساء قبل شروعهن في الصلاة، وحمله عندي أن دأب البخاري أن يستدل بكلا احتماليه على الحكم، وهذا في كتابه كثير، وهو من هذا القبيل، انتهى.\nوهذا أصل مطرد من أصول التراجم، وقال السندي (^٤): لا يلزم منه أن يقال له ذلك في الصلاة حتى يقال: لا دلالة في الحديث على ذلك، بل هو أعم من القول له في الصلاة أو خارجها، والمقصود أن مراعاة المصلي في الصلاة حال غيره أو إطاعته بعض أوامره في الصلاة لا يبطل الصلاة، انتهى.\nوبه جزم الحافظ، إذ قال (^٥): قال الإسماعيلي: كأنه ظن المخاطبة للنساء وقعت بذلك وهُنَّ في الصلاة، وليس كما ظن، بل هو شيء قيل لهن قبل أن يدخلن في الصلاة.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٨٦).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٤/ ٣٠٠).\n(^٣) (ص ٣٢٤).\n(^٤) \"حاشية السندي\" (١/ ٢١٠).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٣/ ٨٦).","vol":"3","page":152},{"text":"قال الحافظ: والجواب عن البخاري أنه لم يصرح بكون ذلك قيل لهن وهن داخل في الصلاة، بل مقصوده يحصل بقول ذلك لهن داخل الصلاة أو خارجها، والذي يظهر أنه - ﷺ - وصَّاهن بنفسه أو بغيره بالانتظار المذكور قبل أن يدخلن في الصلاة ليدخلن فيها على علم، ويحصل المقصود من حيث انتظارهن الذي أمرن به؛ فإن فيه انتظارهن للرجال ومن لازمه تقدم الرجال عليهن، ومحصل مراد البخاري أن الانتظار إن كان شرعيًا جاز وإلا فلا، انتهى.\nوتعقب العلامة العيني (^١) على كلام الحافظ ثم قال: الظاهر أنهن كن مع الناس في الصلاة وإن كان يحتمل أن يكون هذا القول لهن عند شروعهن في الصلاة مع الناس، انتهى.\n\n(١٥ -<span data-type='title' id=toc-978> باب لا يرد السلام في الصلاة)</span>\nقال الحافظ (^٢): أي: باللفظ المتعارف؛ لأنه خطاب آدمي، واختلف فيما إذا رده بلفظ الدعاء كأن يقول: اللهم اجعل على من سلَّم علي السلام، انتهى.\nقال الحافظ تحت الثاني من حديثي الباب: ومن فوائد هذا الحديث كراهة ابتداء السلام على المصلي، وبه قال عطاء ومالك في رواية. وقال في \"المدونة\": لا يكره، وبه قال أحمد والجمهور، وقالوا: يرد إذا فرغ من الصلاة أو وهو فيها بالإشارة. وسيأتي الاختلاف في الإشارة في أواخر أبواب السهو، انتهى.\n\n(١٦ -<span data-type='title' id=toc-979> باب رفع الأيدي في الصلاة. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ بعد ذكر الحديث (^٣): يؤخذ منه أن رفع اليدين للدعاء في\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٥/ ٦٢١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٨٧).\n(^٣) المصدر السابق (٣/ ٨٨).","vol":"3","page":153},{"text":"الصلاة لا يبطلها ولو كان في غير موضع الرفع؛ لأنها هيئة استسلام وخضوع، وقد أقر النبي - ﷺ - أبا بكر على ذلك.\n\n(١٧ -<span data-type='title' id=toc-980> باب الخصر في الصلاة)</span>\nلعله ترجم بلفظ الحديث لمكان الاختلاف في معناه من اختصار القراءة أو الركوع والسجود، أو وضع اليد على الخاصرة، أو الاعتماد على المخصر.\n\n(١٨ -<span data-type='title' id=toc-981> باب تفكر الرجل الشيء. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^١): قال المهلب: التفكر أمر غالب لا يمكن الاحتراز منه في الصلاة ولا في غيرها لما جعل الله للشيطان من السبيل على الإنسان، ولكن يفترق الحال في ذلك، فإن كان في أمر الآخرة والدين كان أخف مما يكون في أمر الدنيا، انتهى.\nقوله: (إني لأجهز جيشي. . .) إلخ، قال الحافظ: روى صالح بن أحمد بن حنبل من طريق همام أن عمر رضي الله تعالى عنه صلى المغرب فلم يقرأ، فلما انصرف قالوا: يا أمير المؤمنين! إنك لم تقرأ، فقال: إني حدثت نفسي وأنا في الصلاة بِعيرٍ جهزتها من المدينة حتى دخلت الشام. ثم أعاد وأعاد القراءة، انتهى.\nقلت: وهذا يبطل ما قيل في معنى قول عمر هذا: أجهز جيشي وقلبي متعلق بالصلاة. وأجاد الشيخ محمد مظهر جان جانان قُدِّس سرُّه في مكتوباته معنى يليق بشأنه ما حاصله: إن الصلاة في العلم الحضوري وهو في مرتبة الفناء، وتجهيز الجيش في مرتبة العلم الحصولي فلا تَنافي.\nثم لا يذهب عليك أن الشرَّاح قاطبة ختموا أبواب العمل على هذا الباب، واستأنفوا أبواب السهو مستقلة، والأوجه عند هذا العبد الضعيف أن\n_________\n(^١) المصدر السابق (٣/ ٩٠).","vol":"3","page":154},{"text":"الإمام البخاري ذكر أبواب السهو ثمرة لهذا الباب، وهو تفكر الرجل في الصلاة، فإن التفكر قد يفضي إلى السهو، وأما أبواب العمل فتنتهي إلى أبواب الجنائز، فلا يشكل بالبابين الآتيين قبيل الجنائز من \"باب إذا كلم وهو يصلي\" و\"باب الإشارة في الصلاة\" فإنهما من أبواب العمل.\n* * *","vol":"3","page":155},{"text":"[٢٢ -<span data-type='title' id=toc-982> كتاب السهو]</span>\n(١ -<span data-type='title' id=toc-983> باب ما جاء في السهو. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^١): السهو الغفلة عن الشيء وذهاب القلب إلى غيره، وفرَّق بعضهم بين السهو والنسيان، وليس بشيء. واختلف في حكمه، فقالت الشافعية: مسنون كله، وعن الحنفية: واجب كله، وعن المالكية: السجود للنقص واجب دون الزيادة، وعن الحنابلة: التفصيل بين الواجبات غير الأركان فيجب لتركها سهوًا، وبين السنن القولية فلا يجب.\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-984> باب إذا صلَّى خمسًا)</span>\nقال الحافظ (^٢): قيل: أراد البخاري التفرقة بين ما إذا كان السهو بالنقصان أو الزيادة، ففي الأول يسجد قبل السلام كما في الترجمة الماضية، وفي الزيادة يسجد بعده، انتهى.\nقلت: وهذا مبني على نسخة الحافظ فإن فيها: \"باب إذا صلى خمسًا فسجد سجدتين بعدما سلم\"، وليست هذه الزيادة (^٣) في النسخ الهندية، فالظاهر عندي أنه أشار بذلك إلى مسألة خلافية بين الجمهور والحنفية، إذ قالوا فيه بالتفصيل بين الجلوس في الرابعة وعدمه.\nقال الشيخ في \"البذل\" (^٤) تحت حديث الباب: قال الشوكاني (^٥): والحديث يدل على أن من صلى خمسًا ساهيًا ولم يجلس في الرابعة أن صلاته لا تفسد، وقال أبو حنيفة والثوري: إنها تفسد وإن لم يجلس في\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٩٢).\n(^٢) المصدر السابق (٣/ ٩٤).\n(^٣) ولم أجد هذه الزيادة في \"الفتح\".\n(^٤) \"بذل المجهود\" (٤/ ٦٢٩).\n(^٥) \"نيل الأوطار\" (٣/ ١٤٥).","vol":"3","page":156},{"text":"الرابعة، وقال أبو حنيفة: فإن جلس في الرابعة ثم صلى خامسًا فإنه يضيف إليها ركعة أخرى وتكون الركعتان له نافلة، وإلى العمل بمضمون الحديث ذهب الجمهور، إلى آخر ما بسط في \"البذل\"، وفيه: وتأويل الحديث عند الحنفية أنه ﵊ كان قعد قدر التشهد في الرابعة بدليل قول الراوي: صلى الظهر خمسًا، والظهر اسم لجميع أركان الصلاة، ومنها العقدة، وإنما قام إلى الخامسة على ظن أنها الثالثة حملًا لفعله - ﵇ - على ما هو أقرب إلى الصواب، انتهى مختصرًا.\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-985> باب إذا سلم في ركعتين. . .) إلخ</span>\nليس في الحديث ذكر الثلاث، قال الحافظ (^١): ورد التسليم في الثلاث عند مسلم في حديث عمران بن حصين، وسيأتي البحث في كونهما قصتين أو لا، انتهى.\nقلت: لعله مبني على أن هذا وقصة عمران عند البخاري واحد.\n\n(٤ -<span data-type='title' id=toc-986> باب من لم يتشهد في سجدتي السهو. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٢): أي: إذا سجدهما بعد السلام من الصلاة، وأما قبل السلام فالجمهور على أنه لا يعيد التشهد، واختلف فيه عن المالكية، وأما من سجد بعد السلام فحكى الترمذي عن أحمد أنه يتشهد، وهو قول بعض المالكية والشافعية، انتهى. وعند الحنفية يتشهد مطلقًا.\nوتعقب العلامة العيني (^٣) كلام الحافظ فقال بعد ذكر كلامه: لم يشر البخاري إلى هذا التفصيل أصلًا، لا في الترجمة ولا في الحديث، وإنما أراد بهذه الترجمة الإشارة إلى بيان من لا يرى التشهد فيهما، وهو مذهب ابن سيرين وابن أبي ليلى وغيرهما، فإنهم قالوا: من عليه السهو يسجد ويسلم ولا يتشهد، انتهى مختصرًا.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٩٦).\n(^٢) المصدر السابق (٣/ ٩٨).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٥/ ٦٤٤ - ٦٤٥).","vol":"3","page":157},{"text":"(٥ -<span data-type='title' id=toc-987> باب يكبر في سجدتي السهو)</span>\nقال الحافظ (^١): اختلف في سجود السهو بعد السلام هل يشترط له تكبيرة إحرام أو يكتفى بتكبيرة السجود، فالجمهور على الاكتفاء، وهو ظاهر غالب الأحاديث، وحكى القرطبي عن مالك أنه لا بدّ من تكبيرة الإحرام، ويؤيده رواية أبي داود، وفيه: \"فكبر ثم كبر وسجد للسهو\"، وأشار الإمام أبو داود إلى شذوذها، انتهى.\n\n(٦ -<span data-type='title' id=toc-988> باب إذا لم يدر كم صلَّى. . .) إلخ</span>\nالظاهر أن غرض المؤلف من هذه الأبواب العديدة الإشارة إلى جميع ما ثبت عنه - ﷺ - فيما يتعلق بالسهو، ونبَّه على كل جزء بباب مستقل كما تقدم في \"باب حك المخاط بالحصى\" من أبواب القبلة، وهو الأصل السابع عشر من أصول التراجم، ولا يبعد أن يكون إشارة إلى مذهب الحسن البصري وطائفة من السلف حيث قالوا بظاهر حديث الباب، وقالوا: إذا شكَّ المصلي فلم يدر زاد أو نقص فليس عليه إلا سجدتان فقط، وعند الجمهور لزمه البناء على اليقين أو التحري.\n\n(٧ -<span data-type='title' id=toc-989> باب السهو في الفرض والتطوع)</span>\nقال الحافظ (^٢): أي: هل يفترق حكمه أم يتحد؟ وإلى الثاني ذهب الجمهور، وخالف في ذلك ابن سيرين وقتادة فإنهما قالا: لا سجود في التطوع، ووجه أخذه من حديث الباب من جهة قوله: \"وإذا صلى\" أي: الصلاة الشرعية، وهو أعم من أن تكون فريضة أو نافلة، انتهى بزيادة من القسطلاني.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٩٩).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ١٠٤)، و\"إرشاد الساري\" (٣/ ٣٣١).","vol":"3","page":158},{"text":"(٨ -<span data-type='title' id=toc-990> باب إذا كلَّم وهو يصلي. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ في الترجمة الآتية (^١): قال ابن رُشيد: هذه الترجمة أعم من كونها مرتبة على استدعاء ذلك، أو غير مرتبة، بخلاف الترجمة السابقة؛ فإن الإشارة فيها لزمت من الكلام واستماعه فهي مرتبة، انتهى.\nوعلى هذا فلا تكرار بين الترجمتين، والأوجه عندي: أن يقال: المقصود ههنا الاستماع، وفي الآتي الإشارة.\n\n(٩ -<span data-type='title' id=toc-991> باب الإشارة في الصلاة)</span>\nتقدم الكلام عليه، وكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): وكانت إشارة النبي - ﷺ - لأبي بكر بعد ما أخذ خلفه في الصلاة، فصحت الترجمة، انتهى. وفي هامشه: قال الحافظ (^٣): شاهد الترجمة قوله: \"فأخذ الناس في التصفيق\"؛ فإنه - ﷺ - وإن كان أنكره عليهم لكنه لم يأمرهم بإعادة الصلاة.\nوقال العيني (^٤): ويمكن أن يؤخذ من قوله: \"التفت\" أي: أبو بكر؛ لأن الالتفات في معنى الإشارة، انتهى.\nولله درّ الشيخ إذ استدل على الترجمة بفعله - ﷺ -، وهو مناسب لدقة نظر الإمام البخاري قُدِّس سرُّه أيضًا، والظاهر أن الشرَّاح لم يأخذوا بذلك لحملهم فعله - ﷺ - على ما قبل الصلاة، ونبَّه الشيخ قُدِّس سرُّه بتوجيهه على أن فعله - ﷺ - كان بعد الشروع في الصلاة.\nثم اعلم أنه كان حق هاتين الترجمتين أن تذكرا قبل أبواب السهو في ذيل أبواب العمل، فلذا اخترت أن أبواب العمل انتهت إلى كتاب الجنائز كما تقدم.\nثم البراعة عند الحافظ في قوله: \"أشار إليهم أن اجلسوا\"، والأوجه\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ١٠٨).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٤/ ٣٠٧).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٣/ ١٠٨).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (٥/ ٦٥٥).","vol":"3","page":159},{"text":"عندي في قوله: \"وهو شاك\"؛ فإن المرض مذكر للموت، ويحتمل أن يكون في قوله: \"في بيته\" فإن البيت يطلق على القبر كما تقدم قريبًا في حديث: \"ما بين بيتي ومنبري روضة\" الحديث، وفي رواية أبي داود من \"كتاب الفتن\": \"كيف بك إذا كان البيت بالوصيف\".\n* * *","vol":"3","page":160},{"text":"٢٣ -<span data-type='title' id=toc-992> كتاب الجنائز</span>\nقال الحافظ (^١): الجنائز بفتح الجيم لا غير جمع جنازة بالفتح والكسر لغتان، وقيل بالكسر للنعش، وبالفتح للميت، ولا يقال: نعش إلا إذا كان عليه الميت، وبسط الكلام على لغته في \"الأوجز\" (^٢)، وفيه عن \"الأنوار\": شرعت صلاة الجنازة بالمدينة المنورة في السنة الأولى من الهجرة، فمن مات بمكة المكرمة لم يصل عليه، انتهى.\nوفي \"الإقناع\" (^٣): هي من خصائص هذه الأمة، وفي هامشه: لكن يخالفه ما روي أن آدم على نبينا وعليه الصلاة والسلام لما توفي أتي له بحنوت وكفن من الجنة ونزلت الملائكة فغسلته وكفنته في وتر من الثياب، وتقدم ملك منهم فصلَّى. . . إلى آخر ما فيه.\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-993> باب ما جاء في الجنائز، ومن كان آخر كلامه. . .) إلخ</span>\nقال السندي (^٤): عطف على الجنائز بمنزلة التفسير فصار المعنى \"باب ما جاء فيمن كان آخر كلامه\" وقيل: مراده بقوله: \"من كان. . .\" إلخ، ذكر حديث رواه أبو داود والحاكم إلا أنه حذف جواب من. قلت: ولا يخفى بُعْده.\nثم إنه جعل هذه الترجمة كالشرح لأحاديث الباب، وأشار بها إلى حمل أحاديث الباب على من كان آخر كلامه لا إله إلا الله، وطريق حمله أن يجعل قوله: \"لا يشرك بالله\" كناية عن التوحيد بالقول، وهي جملة حالية فتفيد مقارنة الموت بالتوحيد باللسان، وطريق تلك المقارنة هو أن يكون\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ١٠٩).\n(^٢) انظر: \"أوجز المسالك\" (٤/ ٣٨٨).\n(^٣) انظر: \"شرح الإقناع\" (٢/ ٢٧٥).\n(^٤) \"حاشية السندي\" (١/ ٢١٥).","vol":"3","page":161},{"text":"آخر كلامه لا إله إلا الله، وهذا مسلك دقيق لتأويل أحاديث الباب يغني عما ذكروا في تأويلها عن حمل قوله: \"دخل الجنة\" على دخوله ولو بالآخرة وهو بعيد. . . إلى آخر ما بسطه العلامة السندي.\nقال الحافظ (^١): أشار بهذه الترجمة إلى حديث التلقين، لكن لما لم يكن على شرطه فاستشهد عليه بحديث الباب، وحديث التلقين أخرجه مسلم (^٢): من حديث أبي هريرة بلفظ: \"لقنوا موتاكم لا إله إلا الله\"، انتهى.\nوالتلقين على نوعين، أحدهما: قبل الدفن للمحتضر، والثاني: بعد الدفن، والأول لا خلاف فيه.\nقال النووي (^٣) تحت الحديث المذكور: أجمع العلماء على استحبابه. وحمل النووي هذا التلقين على تلقين المحتضر.\nوالنوع الثاني مختلف بين الأئمة، ففي \"الدر المختار\" (^٤): لا يلقن بعد تلحيده، وإن فعل لا ينهى عنه، انتهى مختصرًا.\nوفي \"المغني\" (^٥): فأما التلقين بعد الدفن لم أجد فيه عن أحمد شيئًا، ولا أعلم فيه قولًا إلى أن قال: واستحبه القاضي وأبو الخطاب، ثم ذكر مستندهما في ذلك من رواية الطبراني.\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-994> باب الأمر باتباع الجنائز)</span>\nاعلم أن الشرَّاح قاطبة حملوا الترجمة على المشي خلف الجنازة، قال الحافظ (^٦): يأتي الكلام على اتباع الجنائز في \"باب فضل اتباع الجنائز\" في وسط \"كتاب الجنائز\"، والمقصود ههنا إثبات مشروعيته فلا تكرار، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ١٠٩).\n(^٢) \"صحيح مسلم\" (٩١٧).\n(^٣) \"شرح النووي\" (٣/ ٤٩٠).\n(^٤) \"الدر المختار\" (٣/ ٨٠).\n(^٥) انظر: \"المغني\" (٣/ ٤٣٧).\n(^٦) \"فتح الباري\" (٣/ ١١٣).","vol":"3","page":162},{"text":"قلت: وهذا ليس بصحيح عندي بوجهين:\nالأول: أن الميت لم يغسل ولم يكفن بعد، وسيأتي بيانهما مفصلًا في الأبواب الآتية، فيكون ذكر المشي خلفه في غير محله.\nوالثاني: لأن باب فضل اتباع الجنائز سيأتي في محله بعد الغسل والتكفين وغيرهما، فالأوجه عند هذا العبد الضعيف أن غرض الترجمة ههنا الاهتمام والإسراع في تجهيز الميت، فالأمر بالاتباع محمول على السعي لأجله كما يقال: الجيش يتبع السلطان، وعلى هذا المعنى حمل القسطلاني حديث الباب لكونه مخالفًا لمسلكه إذ قال (^١): قالت الشافعية: حديث الباب محمول على الأخذ في طريقها، والسعي لأجلها، انتهى.\nفكأن الإمام البخاري أشار كدأبه بالترجمة إلى ما ذكره أبو داود في \"باب تعجيل الجنازة\" من حديث طلحة بن البراء بلفظ (^٢): \"إني لا أرى طلحة إلا قد حدث فيه الموت فآذنوني به وعجّلوا فإنه لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهله\"، الحديث.\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-995> باب الدخول على الميت. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٣): قال ابن رُشيد: لما كان الموت سبب تغيير محاسن الحي كان ذلك مظنة للمنع من كشفه حتى قال النخعي: ينبغي أن لا يطلع عليه إلا الغاسل له ومن يليه، فترجم ردًا على قوله، وأشار إلى جوازه، انتهى.\nقال العيني (^٤): الاستدلال من الحديث بقوله: \"مسجى\" فإن كشفه بعد التسجية كالكشف بعد التكفين، انتهى.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٣/ ٣٤٢).\n(^٢) \"سنن أبي داود\" (٢١٥٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٣/ ١١٤).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (٦/ ١٨).","vol":"3","page":163},{"text":"قال السندي (^١): كأن البخاري أراد بالترجمة أن يكون مدرجًا حقيقةً أو في حكم المدرج، والمقصود أنه لا ينبغي الدخول عليه بلا ساتر خشية أن يطلع منه على ما يكره الاطلاع عليه، فلا يشكل أن دخول أبي بكر كان قبل التكفين وقبل الغسل، فلا يوافق الترجمة، انتهى.\n\n(٤ -<span data-type='title' id=toc-996> باب الرجل ينعى إلى أهل الميت بنفسه)</span>\nقال العيني (^٢): قوله: \"ينعى إلى أهل الميت\" أي: يظهر خبر موته إليهم، والنعي من باب فعل يفعل بفتح العين فيهما، وذكر الحافظ في قوله: \"ينعى\" احتمال الضم أيضًا، إذ قال (^٣): أو ينعى بضم أوله، ثم ذكر معناه، فارجع إليه لو شئت.\nوغرض الترجمة كما يظهر من كلام الحافظ إثبات جواز النعي وأنه ليس ممنوعًا كله ردًا على ما كان عليه أهل الجاهلية من أن يبعث رجلًا على الحمار ينعى الناس، ويحتمل أن يكون الغرض أن ما ورد من النهي عن النعي ليس بمطلق خلافًا لما نقل عن حذيفة من أنه إذا مات أحد يقول: لا تخبروا أحدًا، أو لدفع توهم أن هذا من إيذاء أهل الميت وإدخال المساءة عليهم.\nوحاصله: أن محض الإعلام لا يكره، فإن زاد على ذلك فلا.\nوفي \"شرح الإقناع\" (^٤): ولا بأس بالإعلام بموته، بل يستحب قصد كثرة المصلين بخلاف نعي الجاهلية، وهو النداء بموت الشخص وذكر مآثره ومفاخره، انتهى.\nوبه جزم الشيخ في \"اللامع\" كما سيأتي في الباب الآتي.\nوقال القسطلاني (^٥): والأوجه حمل النهي عن النعي على ما يظهر فيه\n_________\n(^١) \"حاشية السندي على صحيح البخاري\" (١/ ٢١٦).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٦/ ٢٥).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٣/ ١١٦).\n(^٤) \"شرح الإقناع\" (٢/ ٢٧٠).\n(^٥) \"إرشاد الساري\" (٣/ ٣٥١).","vol":"3","page":164},{"text":"تبرم، أو على فعله مع الاجتماع له، أو على الإكثار منه، أو على ما يُجَدِّد الحزن دون ما عدا ذلك، فما زال كثير من الصحابة وغيرهم من العلماء يفعلونه، انتهى.\nويشكل مطابقة حديث النجاشي بالترجمة؛ فإن النجاشي كان غريبًا ليس له أهل إلا المسلمين في دارنا، ويحتمل أن يكون في المدينة له أقارب كما يظهر من بعض الروايات. وقال العيني (^١): المطابقة بمجرد النعي.\n\n(٥ -<span data-type='title' id=toc-997> باب الإذن بالجنازة)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): يعني بذلك: أن مجرد الإعلام غير منهي عنه، وإنما ينهى من إعلام ما كان على حسب الجاهلية، وإلا فلا كراهة في مجرد الإعلام الخالي عن شوائب الجهل والجاهلية، انتهى.\nوالأوجه عند هذا العبد الضعيف أن الترجمة الأولى متعلقة بأخبار الموت، وهذه متعلقة بأخبار التهيّؤ ليصلى عليها لا سيما للمقتدى به والكبير.\nقال الحافظ (^٣): هذه الترجمة تغاير التي قبلها من جهة أن المراد بالأولى الإعلام بالنفس، وبهذه الإعلام بالنفس وبالغير، وقال ابن المنيِّر: هذه الترجمة مرتبة على التي قبلها؛ لأن النعي إعلام من لم يتقدم له علم بالميت، والإذن إعلام من علم بتهيئة أمره وهو حسن، انتهى. واختاره العيني والقسطلاني (^٤).\nقلت: لكن لم يعلم من الحديث أنه ﵊ أعلم قبل قوله عن ابن عباس، مال الحافظ إلى أن هذه القصة غير القصة المذكورة في حديث أبي هريرة، كذا في \"الفيض\" (^٥).\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٦/ ٢٥).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٥/ ٣١٦).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٣/ ١١٧).\n(^٤) انظر: \"عمدة القاري\" (٦/ ٣٣)، و\"إرشاد الساري\" (٣/ ٣٥٤).\n(^٥) انظر: \"فيض الباري\" (٢/ ٤٤٦).","vol":"3","page":165},{"text":"(٦ -<span data-type='title' id=toc-998> باب فضل من مات له ولد)</span>\nقال الحافظ (^١): قال ابن المنيِّر: عبَّر المصنف بالفضل ليجمع بين مختلف الأحاديث الثلاثة التي أوردها؛ لأن في الأول: دخول الجنة، وفي الثاني: الحجب عن النار، وفي الثالث: تقييد الولوج بتحلة القسم، وفي كل منها ثبوت الفضل، ثم ذكر المصنف في الترجمة الولد، وفي الحديث ذكر الثلاثة؛ لما ورد في بعض الطرق ذكر الواحد، أخرجه الطبراني في \"الأوسط\" (^٢) عن جابر بن سمرة، والترمذي (^٣) عن ابن مسعود - ﵁ -، وقال: غريب، انتهى مختصرًا.\n\n(٧ -<span data-type='title' id=toc-999> باب قول الرجل للمرأة عند القبر: اصبري)</span>\nقال الحافظ (^٤): قال ابن المنيِّر: عبّر بقوله: \"الرجل\"، ليوضح أن ذلك لا يختص بالنبي - ﷺ -، وعبّر بالقول دون الموعظة ونحوها لكون ذلك الأمر يقع على القدر المشترك من الوعظ وغيره. قال: وموضع الترجمة من الفقه: جواز مخاطبة الرجال النساء في مثل ذلك بما هو أمر بمعروف أو نهي عن منكر [أو موعظة] أو تعزية، وأن ذلك لا يختص بعجوز دون شابة لما يترتب عليه من المصالح الدينية، انتهى.\n\n(٨ -<span data-type='title' id=toc-1000> باب غسل الميت ووضوئه)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٥): أراد بإيراد الرواية ههنا إثبات أن غسل الميت ليس لتنجسه، فإيراد الآثار لهذا المعنى ظاهر، انتهى.\nوفي هامشه: قال الحافظ (^٦): نقل النووي الإجماع على أن غسل الميت فرض كفاية، وهو ذهول شديد، فإن الخلاف مشهور عند المالكية\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ١١٨).\n(^٢) \"المعجم الأوسط\" (٢٤٨٩).\n(^٣) \"السنن الترمذي\" (١٠٦١).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٣/ ١٢٥).\n(^٥) \"لامع الدراري\" (٤/ ٣١٨).\n(^٦) \"فتح الباري\" (٣/ ١٢٥).","vol":"3","page":166},{"text":"حتى إن القرطبي رجح في شرح مسلم أنه سُنَّة، ولكن الجمهور على وجوبه، انتهى.\nوقال العيني (^١): هذه الترجمة مشتملة على أمور، الأول: في غسل الميت، هل هو فرض أو واجب أو سُنَّة؟ فقال أصحابنا: هو واجب على الأحياء للسُّنَّة وإجماع الأمة، وفي \"شرح الوجيز\": الغسل والتكفين والصلاة فرض الكفاية بالإجماع، وكذا نقل النووي الإجماع على أن الغسل فرض كفاية، وقد أنكر بعضهم على النووي فقال: هو ذهول شديد. . . إلخ.\nقلت: هذا ذهول أشد من هذا القائل حيث لم ينظر إلى معنى الكلام، فإن معنى قوله - أي: القرطبي -: سُنَّة، أي: سُنَّة مؤكدة، وهي في قوة الوجوب، انتهى.\nوبسط الكلام على المسألة في \"الأوجز\" (^٢) فارجع إليه لو شئت.\nثم ليس في الحديث ذكر الوضوء، قال العيني (^٣): قيل: المعهود من الغسل هو مع الوضوء، انتهى.\nوفي \"الفتح\" (^٤): المراد وضوء الغاسل وإن لم يكن له ذكر، لكن غسل الميت لا يمكن بدون الغاسل، فكأنه ذكر، وقيل: أشار إلى بعض طرق الحديث بلفظ: \"ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها\" فكأنه أراد أن الأمر بالوضوء ليس بمجرده، بل مع الغسل، أو أن الوضوء المجرد لا يكفي أو ليس الأمر بالوضوء، بل الأمر بالبدء بالوضوء، انتهى.\nقلت: والظاهر عندي إرجاع الضمير إلى الغاسل المفهوم من لفظ الغسل؛ لأنه أجدر بدأب البخاري، كأنه أشار إلى رد ما ورد في الغسل من غسل الميت ووضوء من حمله، وقد اختلف العلماء في الغسل والوضوء\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٦/ ٤٩).\n(^٢) انظر: \"أوجز المسالك\" (٤/ ٣٨٨).\n(^٣) انظر: \"عمدة القاري\" (٦/ ٥٠).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٣/ ١٢٦).","vol":"3","page":167},{"text":"كما ذكره الحافظان ابن حجر والعيني في أثر ابن عمر الآتي. وبسط الكلام على المسألة في \"الأوجز\" (^١).\nوما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه من أن غسل الميت ليس للتنجس، وأشار به إلى مسألة خلافية شهيرة من أن غسل الميت تعبدي، أو للنظافة، أو للطهارة، وفي \"الأوجز\" (^٢): اختلفوا في علة الغسل، وتفرع على ذلك الخلاف بينهم في فروع مختلفة عديدة، ففي \"الشرح الكبير\" من فروع المالكية: غسل تعبدًا، وقيل: للنظافة، قال الدسوقي: كونه تعبدًا هو قول مالك وأشهب، وكونه للنظافة، لم يقل به إلا ابن شعبان، انتهى مختصرًا.\nقال ابن عابدين (^٣): آدمي حيوان دموي فيتنجس بالموت كسائر الحيوانات، وهو قول عامة المشايخ، انتهى. لكن من خصائصه أنه يتطهر بالغسل كرامةً له.\nقوله: (وحنّط ابن عمر. . .) إلخ، قيل: ذكر هذه الآثار لبيان أن الغسل المذكور تعبد، لا لأن المؤمن يتنجس، كذا في \"الفتح\" (^٤).\nوقال العيني (^٥): مطابقته للترجمة تؤخذ من موضعين: الأول: من قوله: \"حنط\"؛ لأن التحنيط يستلزم الغسل، والثاني: من قوله: \"ولم يتوضأ\" فإنه يدل على أن الغاسل ليس عليه وضوء، انتهى.\n\n(٩ -<span data-type='title' id=toc-1001> باب ما يستحب أن يغسل وترًا)</span>\nقال الحافظ (^٦): قال ابن المنيِّر: يحتمل أن تكون \"ما\" مصدرية أو موصولة، والثاني أظهر، كذا قال، وفيه نظر؛ لأنه لو كان المراد ذلك لوقع التعبير بمن التي لمن يعقل، انتهى.\n_________\n(^١) انظر: \"أوجز المسالك\" (٤/ ٣٩٥).\n(^٢) \"أوجز المسالك\" (٤/ ٤٠٠).\n(^٣) \"رد المحتار على الدر المختار\" (٣/ ٨٤).\n(^٤) انظر: \"فتح الباري\" (٣/ ١٢٦).\n(^٥) \"عمدة القاري\" (٦/ ٥٠).\n(^٦) \"فتح الباري\" (٣/ ١٣٠).","vol":"3","page":168},{"text":"قلت: لعل الغرض من التبويب الإشارة إلى رد من قال: إن الوتر افتقروا فيه إلى السبع لا بعد ذلك، ففي \"الأوجز\" (^١): إذا حصل الإنقاء بمرتين كانت الغسلة الثالثة مستحبة، وإن حصل بأربع أو ست كانت الخامسة والسابعة مستحبة، ثم بعد السبع فالمقصود الإنقاء دون الإيتار، إذ الإيتار ينتهي ندبه للسبع، فلا تندب التاسعة إذا حصل الإنقاء بثمان وهكذا، انتهى.\n\n(١٠ -<span data-type='title' id=toc-1002> باب يبدأ بميامن الميت)</span>\nقال الحافظ (^٢): أي: عند غسله، وكأنه أطلق في الترجمة ليشعر بأن غير الغسل يلحق به قياسًا عليه، انتهى.\nولا يبعد عندي أن يكون الغرض أن العبرة لميامن الميت لا الغاسل.\n\n(١١ -<span data-type='title' id=toc-1003> باب مواضع الوضوء من الميت)</span>\nقال الحافظ (^٣): أي: يستحب البداية بها، انتهى.\nولا يبعد عند هذا العبد الضعيف أن يكون أشار به إلى الرد لما حكي عن أبي قلابة من أنه يبدأ بالرأس ثم باللحية، كما في \"الفتح\" (^٤)، ويحتمل أيضًا بيان شرف مواضع الوضوء إذ يبدأ بها، والحكمة فيه تجديد أثر سمة المؤمنين في ظهور أثر الغرة والتحجيل.\n\n(١٢ -<span data-type='title' id=toc-1004> باب هل تكفن المرأة في إزار الرجل)</span>\nقال الحافظ (^٥): قال ابن رُشيد: أشار بقوله: \"هل\" إلى تردد عنده في المسألة، فكأنه أومأ إلى احتمال اختصاص ذلك بالنبي - ﷺ -؛ لأن المعنى\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (٤/ ٣٩٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ١٣٠).\n(^٣) المصدر السابق (٣/ ١٣١).\n(^٤) المصدر السابق (٣/ ١٣١).\n(^٥) المصدر السابق (٣/ ١٣١).","vol":"3","page":169},{"text":"الموجود فيه من البركة ونحوها قد لا يكون في غيره، ولا سيما مع قرب عهده بعرقه الكريم، ولكن الأظهر الجواز، وقد نقل ابن بطال الاتفاق على ذلك، لكن لا يلزم من ذلك التعقب على البخاري؛ لأنه إنما ترجم بالنظر إلى سياق الحديث، وهو قابل للاحتمال، وقال ابن المنيِّر نحوه، وزاد احتمال الاختصاص بالمحرم أو بمن يكون في مثل إزار النبي - ﷺ - وجسده من تحقق النظافة وعدم نفرة الزوج وغيرته أن تلبس زوجته لباس غيره، انتهى.\nوهل من ههنا بداية أبواب التكفين كما يظهر من كلام الحافظ في الباب الآتي محتمل، لكن الأظهر عندي أن هذه الأبواب كلها من تتمة الغسل، وهذه الترجمة ليست بمستقلة، بل لما كان في أحاديث الغسل هذه المسألة نبَّه عليها بلفظ: \"هل يكفن. . .\" إلخ.\nوفي هامش \"اللامع\" (^١): الأوجه عند هذا العبد الضعيف أن أبواب الكفن لم تشرع بعد، بل بدأها من \"باب كيف الإشعار للميت\"، ولذا ترى أن الشرَّاح كلهم قالوا في الباب الآتي \"باب نقض شعر المرأة\": أي: قبل الغسل، فهو أيضًا من أبواب الغسل، وأما هذا الباب \"باب هل تكفن المرأة\" فليس من أبواب الكفن، بل من الأصل الثاني والأربعين، لما كان في حديث أم عطية مسألة لطيفة، وهي تكفين المرأة في إزار الرجل، نبَّه بالترجمة على ذلك، وزاد لفظ: \"هل\" إشارة إلى الاحتمال كما جزم به الشرَّاح، ولو ذكر الإمام البخاري في هذا الباب حديث حفصة عن أم عطية لدخل الباب في الأصل السادس وكان أوجه، لكنه لما لم يذكر فيه حديث حفصة، بل ذكر حديث محمد عن أم عطية لا يدخل في الأصل السادس لما قال الحافظ (^٢): إن البداءة بالميامن وبمواضع الوضوء، مما زادته حفصة في روايتها عن أم عطية على أخيها محمد، انتهى.\n_________\n(^١) انظر: \"لامع الدراري\" (٤/ ٣٢١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ١٣١).","vol":"3","page":170},{"text":"(١٣ -<span data-type='title' id=toc-1005> باب يجعل الكافور في الأخيرة)</span>\nقال الحافظ (^١): قال ابن المنيِّر: لم يعين حكم ذلك لاحتمال صيغة \"اجعلن\" للوجوب والندب، انتهى.\nوأشكل ذكر هذا الباب في ما بين أبواب الكفن، وأجاب عنه الحافظ عن ابن المنيِّر بأن العرف تقديم ما يحتاج إليه الميت قبل الشروع في الغسل أو قبل الفراغ منه ليتيسر غسله، ومن جملة ذلك الحنوط، قال الحافظ: ويحتمل أن يكون أشار بذلك إلى خلاف من قال: إن الكافور يختص بالحنوط، ولا يجعل في الماء، وهو عن الأوزاعي وبعض الحنفية، أو يجعل في الماء، وهو قول الجمهور، ولفظة: \"الأخيرة\" صفة موصوف محذوف، فيحتمل أن يكون التقدير الغسلة، وهو الظاهر، ويحتمل الخرقة التي تلي الجسد، انتهى.\nواكتفى القسطلاني على توجيه الزين بن المنيِّر، ولم يتعرض له العيني، وعلى ما اخترته لا إشكال على الترجمة أصلًا، ثم إدخال الكافور في الغسلة متفق عليه عند الأئمة الأربعة كما صرح بذلك في \"الأوجز\" (^٢) عن كتب فروعهم، وتقدم الخلاف للنخعي في كلام الحافظ.\n\n(١٤ -<span data-type='title' id=toc-1006> باب نقض شعر المرأة. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٣): أي: قبل الغسل، انتهى.\nقلت: فهذا أشد إشكالًا من الترجمة الأولى على رأي الحافظ، ولا إشكال على ما اخترته كما تقدم.\nوكتب الشيخ (^٤): قوله: \"باب نقض شعر المرأة. . .\" إلخ، يعني بذلك: جواز النقض وتركها ضفائر، انتهى.\n_________\n(^١) المصدر السابق (٣/ ١٣٢).\n(^٢) انظر: \"أوجز المسالك\" (٤/ ٤٠١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٣/ ١٣٢).\n(^٤) انظر: \"لامع الدراري\" (٤/ ٣٢٣).","vol":"3","page":171},{"text":"وفي هامشه: لعل الشيخ قُدِّس سرُّه استنبط ذلك بأن الإمام البخاري ذكر في الباب قول ابن سيرين بلفظ: لا بأس، وأورد في الباب حديث أم عطية بلفظ: نقضنه، وهذا فعل منهن لا أمره - ﷺ - بذلك.\nولا يذهب عليك أن ههنا مسألتين:\nالأولى: نقض الشعر عند الغسلة، ذكرها البخاري في هذا الباب، ولا خلاف فيه بين الأئمة.\nوالمسألة الثانية: ضفر شعرها، ذكرها البخاري فيما يأتي قريبًا في \"<span data-type='title' id=toc-1008>باب هل يجعل شعر المرأة ثلاثة قرون</span>؟ \".\n\n(١٥ -<span data-type='title' id=toc-1007> باب كيف الإشعار للميت)</span>\nمن ههنا عند هذا العبد الضعيف بداية أبواب الكفن كما تقدم، قال الحافظ (^١): إنما أفرد له هذه الترجمة لقوله في هذا السياق: \"وزعم أن الإشعار: الففنها فيه\"، وفيه اختصار، والتقدير: وزعم أن معنى قوله: \"أشعرنها إياه\": \"الففنها\"، وهو ظاهر اللفظ؛ لأن الشعار ما يلي الجسد من الثياب، انتهى.\nقوله: (نغسل ابنته. . .) إلخ، بسط الحافظ في \"الفتح\" (^٢) الكلام على مسمى البنت، وكذا في \"الأوجز\" (^٣)، والأكثر على أنها زينب، وقيل: أم كلثوم، ومال أبو الطيب في \"شرح الترمذي\" إلى الجمع بينهما، وبسط في ذكرها صاحب الخميس أيضًا، انتهى من هامش \"البذل\" (^٤).\n\n(١٦ - باب هل يجعل شعر المرأة ثلاثة قرون)\nقال الحافظ (^٥): استدل بالحديث على ضفر شعر المرأة خلافًا لمن\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ١٣٣).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (٣/ ١٢٨).\n(^٣) انظر: \"أوجز المسالك\" (٤/ ٣٩٣).\n(^٤) \"بذل المجهود\" (١٠/ ٤١٧).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٣/ ١٣٤).","vol":"3","page":172},{"text":"منعه، فقال ابن القاسم: لا أعرف الضفر، وعن الأوزاعي والحنفية: يرسل شعر المرأة خلفها وعلى وجهها مفرقًا، انتهى.\nقال الشيخ في \"البذل\" (^١): وعندنا الحنفية: يُسْدَلُ شعرها بين ثدييها من الجانبين جميعًا تحت الخمار، ولا يُسدل شعرها خلف ظهرها، وعند الشافعي: يُسدل خلف ظهرها، ولنا أن ضفرها ومشطها وإلقاءها خلف ظهرها من باب الزينة، وهذه ليست بحال الزينة، ولا حجة في حديث أم عطية؛ لأن ذلك كان فعلها، وليس في الحديث أن النبي - ﷺ - علم ذلك، انتهى.\nوفي هامشه: قال الأبي (^٢): فيه مشط الرأس وضفره، وبه قال الشافعي وأحمد وابن حبيب، ولم يعرف ابن القاسم الضفر، انتهى.\nوبسط في هامش \"اللامع\" (^٣) عن العيني: تحقيق مذهب الحنفية، وفيه: فإن قلت: جاء في حديث ابن حبان: \"واجعلن لها ثلاثة قرون\". قلت: هذا أمر بالتضفير، ونحن لا ننكره حتى يكون الحديث حجة علينا، وإنما ننكر جعلها خلف ظهرها؛ لأنها زينة، والميت ممنوع عنها، ألا ترى أن عائشة - ﵂ - قالت: \"علام تنصون ميتكم\"، أخرجه عبد الرزاق (^٤) في \"مصنفه\".\nوقال الموفق (^٥): أما التسريح فكرهه أحمد لقول عائشة يعني المذكور، انتهى.\nوفي \"مختصر الخليل\": لف شعرها ولا يضفر، قال الشارح: المعتمد أنه يندب ضفره، انتهى من هامش \"اللامع\". وفيه: لعل الإمام البخاري زاد لفظ \"هل\" في النسخ التي بأيدينا إشارة إلى الخلاف في ذلك، قال\n_________\n(^١) \"بذل المجهود\" (١٠/ ٤١٩).\n(^٢) انظر: \"شرح مسلم\" (٣/ ٣٤١).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٤/ ٣٢٤).\n(^٤) \"مصنف عبد الرزاق\" (ح: ٦٢٣٢).\n(^٥) \"المغني\" (٣/ ٣٩٤).","vol":"3","page":173},{"text":"القسطلاني (^١): \"باب يجعل. . .\" إلخ، ولغير الأربعة: \"هل يجعل\"، انتهى.\n\n(١٧ -<span data-type='title' id=toc-1009> باب يلقى شعر المرأة خلفها. . .) إلخ</span>\nتقدم الخلاف فيه في الباب السابق.\nثم إن المصنف أورد حديث أم عطية هذا من باب غسل الميت ووضوئه إلى ههنا في عشرة أبواب على التسلسل، وهو الأصل السابع عشر من أصول التراجم كما تقدم.\n\n(١٨ -<span data-type='title' id=toc-1010> باب الثياب البيض للكفن)</span>\nوقال العيني (^٢): لما فرغ المصنف عن بيان أحكام الغسل شرع في بيان الكفن على الترتيب، انتهى.\nوعندي بداية الكفن من \"باب كيف الإشعار للميت\" كما تقدم.\nقال الحافظ (^٣): أورد فيه حديث عائشة، وتقرير الاستدلال به أن الله ﵎ لم يكن ليختار لنبيِّه إلا الأفضل، وكأن المصنف لم يثبت على شرطه الحديث الصريح في الباب، وهو ما رواه أصحاب السنن (^٤) من حديث ابن عباس بلفظ: \"البسوا ثياب البياض فإنها أطهر وأطيب، وكفنوا فيها موتاكم\"، صححه الترمذي والحاكم.\n\n(١٩ -<span data-type='title' id=toc-1011> باب الكفن في ثوبين)</span>\nقال الحافظ (^٥): كأنه أشار إلى أن الثلاث في حديث عائشة ليست شرطًا في الصحة، وإنما هو مستحب وهو قول الجمهور، واختلف فيما\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٣/ ٣٧٣).\n(^٢) \"عمدة القارى\" (٦/ ٦٦).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٣/ ١٣٥).\n(^٤) \"سنن أبي داود\" (ح: ٣١٥٦)، و\"سنن الترمذي\" (ح: ٩٩٤)، و\"سنن النسائي\" (ح: ١٨٩٦)، و\"سنن ابن ماجه\" (ح: ١٤٧٣).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٣/ ١٣٦).","vol":"3","page":174},{"text":"إذا شح بعض الورثة بالثاني أو الثالث، والمرجح أنه لا يلتفت إليه، وأما الواحد الساتر لجميع البدن فلا بد منه بالاتفاق، انتهى.\n\n(٢٠ -<span data-type='title' id=toc-1012> باب الحنوط للميت)</span>\nقال الكرماني (^١): بفتح المهملة وبالنون الطِّيب الذي للموتى، انتهى.\nوقال الحافظ (^٢): هو كل شيء يخلط من الطِّيب خاصة، انتهى.\nوفي \"الأوجز\" (^٣): قال في \"المجمع\": الحنوط والحناط ما يخلط من الطيب لأكفان الموتى وأجسامهم خاصةً، ومخلوط من كافور وصندل ونحوهما، وفي \"المحيط\": لا بأس بسائر الطيب في الحنوط غير الزعفران والورس في حق الرجال، ولا بأس بهما في حق النساء، فيدخل فيه المسك، وأجازه أكثر العلماء، وأمر به علي، وبه قال مالك والشافعي وأحمد، وكرهه عطاء والحسن؛ لأنها ميتة، واستعماله في حنوط النبي - ﷺ - حجة عليهم، انتهى.\nوفي \"الدر المختار\": ويجعل الحنوط وهو العطر المركب من الأشياء الطيبة غير الزعفران والورس لكراهتهما للرجال على رأسه ولحيته والكافور على مساجده، انتهى.\nفما نقل ابن الجوزي من مذهب أبي حنيفة من عدم استحباب الكافور ليس بصحيح، انتهى من هامش \"اللامع\".\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٤): قوله: \"باب الحنوط للميت\" دلالة الرواية عليه من حيث إنه نهى المحرم عن الحنوط، فعلم جوازه لغيره، انتهى.\nوفي الحديث مسألة الميت المحرم وهي خلافية كما تأتي في الباب الآتي.\n_________\n(^١) \"شرح الكرماني\" (٧/ ٦٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ١٢٦).\n(^٣) \"أوجز المسالك\" (٤/ ٤٠١).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٤/ ٣٢٥).","vol":"3","page":175},{"text":"(٢١ -<span data-type='title' id=toc-1013> باب كيف يكفن المحرم)</span>\nسقطت هذه الترجمة للأصيلي، وثبتت لغير الأصيلي، قال ابن المنيِّر (^١): تضمنت هذه الترجمة الاستفهام عن الكيفية مع أنها مبنية، لكنها لما كانت تحتمل أن تكون خاصة بذلك الرجل، وأن تكون عامة لكل محرم آثر المصنف الاستفهام.\nقال الحافظ: والذي يظهر أن المراد بقوله: \"كيف يكفن\" أي: كيفية التكفين ولم يرد الاستفهام، وكيف يظن به أنه متردد فيه، وقد جزم قبل ذلك بأنه عام في حق كل أحد حيث ترجم بجواز التكفين في ثوبين، انتهى.\nومسألة الباب خلافية، فقال الشافعي وأحمد وإسحاق: إن المحرم على إحرامه بعد الموت، ولذا يحرم ستر رأسه وتطييبه، وقال أبو حنيفة ومالك والأوزاعي: إنه يصنع به ما يصنع بالحلال، وهو مروي عن عائشة وابن عمر وطاوس، كذا في \"البذل\" (^٢)، انتهى من هامش \"اللامع\".\n\n(٢٢ -<span data-type='title' id=toc-1014> باب الكفن في القميص الذي يكف أو لا يكف. . .) إلخ</span>\nوفي \"تراجم شيخ المشايخ\": الكفوف الذي ضم جانباه بالخياط. والغرض من الباب إثبات جواز التكفين بكليهما، انتهى.\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): لعل المعنى أن يكون مكفوفًا أو غير مكفوف، انتهى.\nوفي هامشه: اختلفوا في ضبط هذه الترجمة على أقوال، قال الحافظ (^٤): قال ابن التين: ضبطه بعضهم \"يكف\" بضم أوله وفتح الكاف، وبعضهم بالعكس، والفاء مشدد فيهما. وضبطه بعضهم بفتح أوله وسكون الكاف وتخفيف الفاء وكسرها، والأول أشبه بالمعنى. وتعقبه ابن رُشيد بأن الثاني هو الصواب.\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (٣/ ١٣٨).\n(^٢) انظر: \"بذل المجهود\" (١٠/ ٥٣٢).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٤/ ٣٢٧).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٣/ ١٣٨).","vol":"3","page":176},{"text":"قال: والذي يظهر لي أن البخاري لحظ قوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] أي: أن النبي - ﷺ - ألبس عبد الله بن أُبي قميصه سواء كان يكف عنه العذاب أو لا يكف استسلامًا (^١) للقلوب المؤلفة. فكأنه يقول: يؤخذ من هذا التبرك بآثار الصالحين سواء علمنا أنه مؤثر في حال الميت أو لا.\nقال: ولا يصح أنه يراد به سواء كان الثوب مكفوف الأطراف أو غير مكفوف؛ لأن ذلك وصف لا أثر له.\nقال: وأما الضبط الثالث فهو لحن إذ لا موجب لحذف الياء الثانية، وجزم المهلب أنه الصواب، وأن الياء سقطت من الكاتب غلطًا.\nقال ابن بطال: والمراد: طويلًا كان القميص سابغًا أو قصيرًا، فيجوز أن يكفن فيه، كذا قال. ووجه بعضهم بأن عبد الله بن أُبي كان مفرط الطول، وكان النبي - ﷺ - معتدل الخلق، وقد أعطاه مع ذلك قميصه ليكفن فيه فلم يلتفت إلى كونه ساترًا لجميع بدنه أو لا، وتعقب بأن حديث جابر دال على أنه كفن في غيره، فلا تنتهض الحجة بذلك. وأما قول ابن رُشيد: إن المكفوف الأطراف لا أثر له، فغير مسلم، بل المتبادر إلى الذهن أنه مراد البخاري كما فهمه ابن التين، والمعنى: أن التكفين في القميص ليس ممتنعًا سواء كان مكفوف الأطراف أو غير مكفوف، انتهى.\nوما اختاره الشيخ قُدِّس سره في \"اللامع\" في توجيه الترجمة هو الظاهر، ولذا قال ابن التين: إنه أشبه، ورجحه الحافظ أيضًا كما ترى والقسطلاني (^٢) أيضًا.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): ودلالة الحديث عليه باعتبار أن المذكور في الحديث مطلق عن التقييد، فيجوز التكفين بأي فرديه، أو يقال: إن قميصه - ﷺ - لا يخلو أن يكون مكفوفًا أو غيره، فيثبت الحكم في الآخر قياسًا.\n_________\n(^١) قوله: \"استسلامًا\" وفي \"الفتح\": \"استصلاحًا\".\n(^٢) انظر: \"إرشاد الساري\" (٣/ ٣٨٢).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٤/ ٣٢٨).","vol":"3","page":177},{"text":"وقوله: (وألبسه قميصه) وهذا محل إثبات الجزء الثالث من الترجمة - وهو قوله: \"ومن كفن بغير قميص\" - وهو جواز التكفين من غير قميص، ولكنه يرد عليه أنه مناف للرواية المتقدمة وللواقع أيضًا، فإن تكفينه فيه إنما كان قبل الدفن لا بعده، كما هو مصرح في موضعه، والجواب أنه عطف على قوله: \"أتى\" لا على قوله: \"نفث\"، أو يقال: المعنى على المضي، أي: وكان ألبسه. . . إلخ، وعلى هذا لا يصح استدلال المؤلف على ما استدل عليه من الكفن في غير القميص، فإما أن يقال: إن استدلاله مبني على مجرد اللفظ، وإن كان المراد به غير ما هو الظاهر المقصود، وذلك لأن الراوي لم يورده كذلك إلا وقد جاز عنده الكفن بغير قميص، أو يستظهر في ذلك بالباب الوارد بعده، انتهى.\nوفي هامشه: قد تقدم قريبًا في كلام الحافظ أن المستملي لم يذكر الترجمة الآتية، بل ذكر حديث عائشة في كفنه - ﷺ - من غير قميص في هذا الباب، فعلى هذا إثبات الترجمة بحديث عائشة واضح، وما أفاده الشيخ من أن استدلاله مبني على مجرد اللفظ. . . إلخ، فتكون الترجمة على هذا من الأصل السادس عشر، وهو الاستدلال بكل المحتمل، ويحتمل عندي أن تكون من الأصل الثامن كما تقدم في المقدمة.\nوفي \"تراجم شيخ المشايخ\" (^١): قوله: \"أنا بين خيرتين. . .\" إلخ، استشكل هذا القول؛ لأن قوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]، صريح في المنع عن الاستغفار بأوكد أوجه وأبلغه، والنبي - ﷺ - أعرف بمعاني القرآن، فما معنى قوله - ﵇ -: \"أنا بين خيرتين\"؟ والتحقيق عندي في حل هذا القول منه - ﷺ - أنه من باب تلقي المخاطب المتكلم بغير ما أراده لكونه مرغوبًا له رجاءً لاستجابة ذلك عند المتكلم، وهذا التصنع في الكلام من صنائع البلاغة المقررة في موضعه فتدبر، انتهى.\n_________\n(^١) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٣٢٩).","vol":"3","page":178},{"text":"قوله في ثاني حديث الباب: (بعد ما دفن) لا يخفى عليك أنه يخالف جل الروايات، قال السندي (^١): وتكلف بعضهم في التوفيق بما لا يدفع الإيراد بالكلية، انتهى. والبسط في هامش \"اللامع\" (^٢) فارجع إليه لو شئت.\n\n(٢٣ -<span data-type='title' id=toc-1015> باب الكفن بغير قميص)</span>\nقد تقدم أن هذه الترجمة سقطت للمستملي، لكنها ثبتت للأكثر كما قال الحافظ، ومسألة القميص في الكفن خلافية شهيرة بسطت في \"الأوجز\" (^٣)، وجملتها: أن الكفن ثلاثة لفائف عند الشافعي وأحمد، ورداءان والقميص عند الحنفية، إلا أن القميص لا يكون كقميص الحي ذي الكمين والدخاريص، والكفن المندوب عند مالك خمسة أثواب: ثلاثة لفائف والقميص والعمامة.\nوقال الموفق (^٤): الكفن في القميص والمئزر واللفافة جائز غير مكروه، وإنما الأفضل الأول، قال أحمد: إن جعلوه قميصًا فأحب إلي أن يكون مثل قميص الحي، له كُمّان ودخاريص ولا يُزَرُّ عليه القميص، انتهى.\nقال الدسوقي (^٥): وهل يخيط القميص ويجعل له أكمام أو لا؟ والظاهر الأول، انتهى.\nقال الحافظ (^٦): وأجاب بعض من خالف بأن قولها: \"ليس فيها قميص ولا عمامة\" يحتمل نفي وجودهما جملة، ويحتمل أن يكون المراد نفي المعدود، أي: الثلاثة خارجة عن القميص والعمامة، وقال بعض الحنفية: معناه: ليس فيها قميص، أي: جديد، وقيل: ليس فيها القميص الذي غسل فيه، أو ليس فيها قميص مكفوف الأطراف، انتهى.\n_________\n(^١) \"حاشية السندي\" (١/ ٢٢٠).\n(^٢) انظر: \"لامع الدراري\" (٤/ ٣٣٢ - ٣٣٣).\n(^٣) انظر: \"أوجز المسالك\" (٤/ ٤١٤).\n(^٤) \"المغني\" (٣/ ٣٨٦).\n(^٥) \"حاشية الدسوقي\" (١/ ٦٦٢).\n(^٦) \"فتح الباري\" (٣/ ١٤٠).","vol":"3","page":179},{"text":"(٢٤ -<span data-type='title' id=toc-1016> باب الكفن بلا عمامة)</span>\nقال الحافظ (^١): كذا للأكثر، وللمستملي الكفن في الثياب البيض، والأول أولى لئلا تتكرر الترجمة بغير فائدة، فقد تقدم ما في هذا النفي - من الاحتمالات - في الباب الذي قبله، انتهى.\nوقد عرفت فيما سبق أنه لم يقل باستحباب العمامة إلا المالكية.\n\n(٢٥ -<span data-type='title' id=toc-1017> باب الكفن من جميع المال)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): قوله: \"الحنوط من جميع المال\"، وكذا قوله: \"أجر القبر. . .\" إلخ، أوردهما للدلالة على أن المراد بالكفن في قولهم: الكفن من جميع المال، ليس هو الثوب الذي يكفن فيه فقط، بل المراد كل ما يفتقر إليه في تكفينه من أجرة الغسال والحافر وقيمة الأرض والحنوط وغير ذلك، انتهى.\nوفي هامشه: قال العيني (^٣): ما ترجم به البخاري من أن الكفن من جميع المال هو قول الجمهور، قال الحافظ (^٤): قوله: \"من جميع المال\"، أي: من رأس المال، وكأن المصنف راعى لفظ حديث مرفوع ورد بهذا اللفظ أخرجه الطبراني في \"الأوسط\" من حديث علي، وإسناده ضعيف، وذكره ابن أبي حاتم في \"العلل\" من حديث جابر، وحكى عن أبيه أنه منكر، قال ابن المنذر: قال بذلك جميع أهل العلم إلا رواية شاذة عن خلاس بن عمرو قال: \"الكفن من الثلث\"، وعن طاوس أنه من الثلث إن كان قليلًا، انتهى.\n_________\n(^١) المصدر السابق (٣/ ١٤٠).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٤/ ٣٣٣).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٦/ ٨١).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٣/ ١٤١).","vol":"3","page":180},{"text":"(٢٦ -<span data-type='title' id=toc-1018> باب إذا لم يوجد إلا ثوب واحد)</span>\nقال الحافظ (^١): أي: اقتصر عليه ولا ينتظر بدفنه ارتقاب شيء آخر، انتهى.\nقال العيني (^٢): وفي \"المبسوط\": ولو كفنوه في ثوب واحد فقد أساؤوا؛ لأن في حياته تجوز صلاته في إزار واحد مع الكراهة، فكذا بعد الموت إلا عند الضرورة بأن لم يوجد غيره، ومسألة حمزة ومصعب - ﵄ - من باب الضرورة، انتهى.\n\n(٢٧ -<span data-type='title' id=toc-1019> باب إذا لم يجد كفنًا إلا ما يواري رأسه أو قدميه. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٣): أي: رأسه مع بقية جسده إلا قدميه أو العكس، كأنه قال: ما يواري جسده إلا رأسه، أو جسده إلا قدميه، وذلك بيِّن من حديث الباب حيث قال: \"خرجت رجلاه\"، ولو كان المراد أنه يُغطي رأسه فقط دون سائر جسده لكان تغطية العورة أولى، ويستفاد منه أنه إذا لم يوجد ساتر البتة أنه يغطي جميعه بالإذخر، فإن لم يوجد فبما تيسر من نبات الأرض، قال المهلب: وإنما استحب لهم النبي - ﷺ - التكفين في تلك الثياب التي ليست سابغة؛ لأنهم قتلوا فيها، انتهى.\nوفي هذا الجزم نظر، بل الظاهر أنه لم يجد لهم غيرها كما هو مقتضى الترجمة، انتهى.\nوفي هامش \"اللامع\": قال ابن بطال: في الحديث أن الثوب إذا ضاق فتغطية الرأس أولى من رجليه لأنه أفضل، انتهى.\nكذا في \"العيني\" (^٤)، وبذلك جزم الموفق (^٥) مستدلًا بحديث الباب،\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ١٤٢).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٦/ ٨٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٣/ ١٤٢).\n(^٤) انظر: \"عمدة القاري\" (٦/ ٨٤).\n(^٥) انظر: \"المغني\" (٣/ ٣٨٧).","vol":"3","page":181},{"text":"قال ابن عابدين (^١): ما لا يستر البدن لا يكفي عند الضرورة أيضًا، بل يجب ستر باقيه بنحو حشيش، انتهى.\n\n(٢٨ -<span data-type='title' id=toc-1020> باب من استعد الكفن في زمن النبي - ﷺ -. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٢): قوله: \"لم ينكر\"، ضبط في روايتنا بفتح الكاف على بناء المجهول، وحكي الكسر على أن فاعل الإنكار النبي - ﷺ -، وإنما قيد الترجمة بذلك ليشير إلى أن الإنكار الذي وقع من الصحابة كان على طلب البردة، فلما أخبرهم بعذره لم ينكروا على ذلك، فيستفاد منه جواز تحصيل ما لا بد للميت منه من كفن ونحوه في حال حياته. وهل يلتحق بذلك قبر؟ فيه بحث سيأتي، انتهى.\nقال القسطلانى (^٣): قال أصحابنا: لا يندب أن يعد لنفسه كفنًا لئلا يحاسب على اتخاذه، أي: لا على اكتسابه؛ لأن ذلك ليس مختصًا بالكفن، بل سائر أمواله كذلك، ولأن تكفينه من ماله واجب، وهو يحاسب عليه بكل حال، إلا أن يكون من جهة حل، وأثر ذي صلاح، فحسن إعداده كما ههنا، ولو أعد له قبرًا يدفن فيه فينبغي أن لا يكره؛ لأنه للاعتبار بخلاف الكفن، قاله الزركشي.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٤): ثم إن الإعداد وإن ثبت في الكفن ولم يثبت في القبر فلا يحسن إعداد القبر إلا إذا نوى فيه أن يدفن فيه من مات من أهله، وذلك لأن الموت في هذا الموضع المعلوم غير معلوم، ولا كذلك الكفن؛ فإنه يمكن أخذه معه حيث شاء، انتهى.\nوفي هامشه عن ابن بطال (^٥): قد حفر جماعة من الصالحين قبورهم قبل الموت، وتعقبه ابن المنيِّر بأن ذلك لم يقع من أحد من الصحابة ولو كان مستحبًا لكثر فيه، انتهى.\n_________\n(^١) \"رد المحتار على الدر المختار\" (٣/ ٩٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ١٤٣).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (٣/ ٣٩٢).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٤/ ٣٣٦).\n(^٥) انظر: \"شرح ابن بطال\" (٣/ ٢٦٧).","vol":"3","page":182},{"text":"وفي \"الدر المختار\" (^١): ويحفر قبرًا لنفسه، وقيل: يكره، والذي ينبغي أن لا يكره تهيئة نحو الكفن، بخلاف القبر، قال ابن عابدين: لقوله تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان: ٣٤].\n\n(٢٩ -<span data-type='title' id=toc-1021> باب اتباع النساء الجنازة)</span>\nقال الحافظ (^٢): قال ابن المنيِّر: فصل المصنف بين هذه الترجمة وبين فضل اتباع الجنائز بتراجم كثيرة تشعر بالتفرقة بين النساء والرجال، وأن الفضل يختص بالرجال دون النساء؛ لأن النهي يقتضي التحريم أو الكراهة، والفضل يدل على الاستحباب، ولا يجتمعان، وأطلق الحكم هنا لما يتطرق إليه من الاحتمال، ومن ثم اختلف العلماء في ذلك، ومحل النزاع إنما هو حيث تؤمن المفسدة، انتهى.\nقلت: لو كان كذلك لكان حقه أن تذكر قريبًا منها لتصير كالمستثنى من الأول، ثم الظاهر في غرض المصنف بالنظر إلى الرواية التي أوردها في الباب أن النهي للتنزيه، ويؤيده أن المصنف ذكر فيما سيأتي قريبًا في \"باب زيارة القبور\" عدم إنكاره - ﷺ - على الزائرة، لكن اتباع الجنازة أمر آخر غير الزيارة، ولذا ذكر ههنا رواية المنع، وفي الآتية رواية الجواز.\nوفي هامش \"الهندية\" عن العيني (^٣): قال القرطبي: ظاهر الحديث يقتضي أن النهي للتنزيه، وبه قال الجمهور، وعن أبي حنيفة: لا ينبغي ذلك، انتهى.\nوفي \"البذل\" (^٤): قال النووي: مذهب أصحابنا أنه يكره، وليس بحرام لهذا الحديث: قال القاضي (^٥): قال الجمهور بمنعهن من اتباعها، وأجازه علماء المدينة، وأجازه مالك، وكرهه للشابة.\n_________\n(^١) \"رد المحتار على الدر المختار\" (٣/ ١٥٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ١٤٥).\n(^٣) انظر: \"عمدة القاري\" (٦/ ٨٧).\n(^٤) انظر: \"بذل المجهود\" (١٠/ ٤٤٥)، و\"شرح النووي\" (٤/ ٥).\n(^٥) راجع: \"الإكمال\" (٣/ ٣٨٢).","vol":"3","page":183},{"text":"قال في \"الدر المختار\" (^١): ويكره خروجهن تحريمًا، قال الشامي: لقوله ﵊: \"ارجعن مأزورات غير مأجورات\"، إلى آخر ما فيه.\nقلت: اختلفت الروايات في ذلك عن مالك كما في \"الأوجز\" (^٢)، وقال العيني: ولم يبين البخاري الحكم هل هو جائز أو لا، لاختلاف العلماء فيه؛ لأن قول أم عطية يحتمل أن يكون نهي تحريم أو نهي تنزيه، وقد ورد في الباب أحاديث تدل على الجواز، (^٣) انتهى مختصرًا.\n\n(٣٠ -<span data-type='title' id=toc-1022> باب إحداد المرأة على غير زوجها)</span>\nقال الحافظ (^٤): قال ابن بطال: الإحداد بالمهملة امتناع المرأة المتوفى عنها زوجها من الزينة كلها من لباس وطيب وغيرهما وكل ما كان من دواعي الجماع، وأباح الشارع للمرأة أن تحد على غير زوجها ثلاثة أيام لما يغلب من لوعة الحزن ويهجم من ألم الوجد، وليس ذلك واجبًا لاتفاقهم على أن الزوج لو طالبها بالجماع لم يحل لها منعه في تلك الحال، وسيأتي في \"كتاب الطلاق\" بقية الكلام على مباحث الإحداد، وقوله في الترجمة: \"على غير زوجها\" يعم كل ميت غير الزوج سواء كان قريبًا أو أجنبيًا، ودلالة الحديث له ظاهرة، ولم يقيِّده في الترجمة بالموت لأنه يختص به عرفًا، ولم يبيِّن حكمه؛ لأن الخبر دل على عدم التحريم في الثلاث، وأقل ما يقتضيه إثبات المشروعية، انتهى.\nقوله: (توفي أخوها) هذا مشكل جدًّا كما قاله الحافظان ابن جحر والعيني، قال العيني (^٥): قال شيخنا زين الدين: فيه إشكال؛ لأن لزينب ثلاثة إخوة: عبد الله المكبَّر، وعبيد الله مصغرًا، وأبو أحمد مشهور بكنيته،\n_________\n(^١) \"رد المحتار على الدر المختار\" (٣/ ١٣٧).\n(^٢) انظر: \"أوجز المسالك\" (٤/ ٤٨٠).\n(^٣) انظر: \"عمدة القاري\" (٦/ ٨٧).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٣/ ١٤٦).\n(^٥) \"عمدة القاري\" (٦/ ٩١ - ٩٢).","vol":"3","page":184},{"text":"واسمه عبد على الصحيح، ولا يمكن أن يكون مراده الأول؛ لأنه قتل بأُحد وكانت زينب إذ ذاك صغيرة جدًا، ولا جائز أن يكون المراد الثاني؛ لأنه مات بالحبشة نصرانيًّا، ولا الثالث؛ لأنه توفي بعدها كما جزم به ابن عبد البر ونحوه، وأقرب الاحتمالات أن يكون عبيد الله الذي مات نصرانيا على بعد فيه. فإن قلت: مثلها لا يحزن على من مات كافرًا، قلت: ذاك الحزن بالجبلة والطبع فتعذر فيه ولا تلام به، وقيل: يحتمل أن يكون أخًا لزينب من أمها أو من الرضاع، انتهى.\n\n(٣١ -<span data-type='title' id=toc-1023> باب زيارة القبور)</span>\nقال الحافظ (^١): أي: مشروعيتها، وكأنه لم يصرح بالحكم؛ لما فيه من الخلاف كما سيأتي، وكأن المصنف لم يثبت على شرطه الأحاديث المصرحة بالجواز، وقد أخرجه مسلم من حديث بريدة وفيه نسخ النهي عن ذلك، ولفظه: \"كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها\" وزاد أبو داود والنسائي من حديث أنس: \"فإنها تذكر الآخرة\"، قال النووي (^٢): اتفقوا على أن زيارة القبور جائزة كذا أطلقوا، وفيه نظر؛ لأن ابن أبي شيبة وغيره روى عن ابن سيرين وإبراهيم النخعي والشعبي الكراهة مطلقًا حتى قال الشعبي: \"لولا نهي النبي - ﷺ - لزرت قبر ابنتي\"، فلعل من أطلق أراد بالاتفاق ما استقر عليه الأمر بعد هؤلاء، وكأن هؤلاء لم يبلغهم الناسخ. ومقابل هذا قول ابن حزم: إن زيارة القبور واجبة ولو مرة واحدة في العمر لورود الأمر به، واختلف في النساء فقيل: دخلن في عموم الإذن، وهو قول الأكثر، ومحله ما إذا أمنت الفتنة، ويؤيد الجواز حديث الباب؛ لأنه - ﷺ - لم ينكر على المرأة قعودها عند القبر. وقيل: الإذن خاص بالرجال ولا يجوز للنساء، وبه جزم الشيخ أبو إسحاق في \"المهذب\"، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ١٤٨).\n(^٢) انظر: \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٤/ ٥١).","vol":"3","page":185},{"text":"وفي \"تراجم شيخ المشايخ\" (^١): ميل المصنف إلى جوازها للنساء، انتهى.\nوفي هامش \"المشكاة\" عن \"اللمعات\" (^٢): قوله: \"فزوروها\"، واختلف في النساء فقيل: الرخصة إنما هي للرجال، وأما النساء فباقية على النهي إلا في زيارة الرسول - ﷺ -، وقيل: يعم الرخصة للرجال والنساء، انتهى.\nقلت: والأخير، أي: العموم هو مذهب مالك والشافعي وهو الصحيح من مذهب أبي حنيفة، وعن أحمد روايتان كما في \"الأوجز\" (^٣)، وفي \"الدر المختار\" (^٤): ولا بأس بزيارة القبور، قال ابن عابدين: بل تندب كما في \"البحر\" عن \"المجتبى\"، وتزار في كل اسبوع كما في \"مختارات النوازل\"، والأفضل يوم الجمعة والسبت والاثنين والخميس، فقد قال محمد بن واسع: الموتى يعلمون بزوّارهم يوم الجمعة ويومًا قبله ويومًا بعده، انتهى.\nوفي \"شرح الإقناع\" (^٥): ويستحب الإكثار من الزيارة وأن يكثر الوقوف عند قبور أهل الخير والفضل، انتهى.\n\n(٣٢ -<span data-type='title' id=toc-1024> باب قول النبي - ﷺ -: \"يُعذَّب الميت ببعض بكاء أهله</span>\")\nقال الحافظ (^٦): قوله: \"إذا، كان النوح. . .\" إلخ، هذا تقييد من المصنف لمطلق الحديث وحمل منه لرواية ابن عباس المقيدة بالبعضية على رواية ابن عمر المطلقة كما ساقه في الباب عنهما، وتفسير منه للبعض المبهم في رواية ابن عباس بأنه النوح، ويؤيده أن المحذور بعض البكاء لا جميعه.\nوقوله: (إذا كان النوح. . .) إلخ، يوهم أنه بقية الحديث المرفوع، وليس\n_________\n(^١) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٣٣٠).\n(^٢) \"مشكاة المصابيح\" (٢/ ٧٠١).\n(^٣) انظر: \"أوجز المسالك\" (٤/ ٤٨٠).\n(^٤) \"رد المحتار على الدر المختار\" (٣/ ١٥٠).\n(^٥) \"شرح الإقناع\" (٢/ ٣٠٢).\n(^٦) \"فتح الباري\" (٣/ ١٥٢).","vol":"3","page":186},{"text":"كذلك بل هو كلام المصنف قاله تفقهًا، وهذا الذي جزم به هو أحد الأقوال في تأويل الحديث المذكور، انتهى.\nواختلف في ضبط قوله: \"من سنته\" فللأكثر في موضعين بضم المهملة وتشديد النون، أي: طريقته وعادته، وضبط بعضهم بفتح المهملة بعدها موحدتان الأولى مفتوحة، أي: من أجله، انتهى.\nواختلفوا في الترجيح بينهما فمنهم من رجح الأول ومنهم البخاري على رأي الحافظ حيث استشهد بالحديث الذي فيه؛ لأنه أول من سن القتل، ومنهم من رجح الثاني وأنكر الأول، وهو أبو الفضل، إذ قال: وأيّ سُنَّة للميت، انتهى.\nثم اختلف العلماء في توجيه الحديث على أقوال عديدة بلغها في \"الأوجز\" (^١) إلى أربعة عشر قولًا:\nأحدها: أن الحديث على ظاهره مطلقًا وهو رأي عمر وابنه، قال الحافظ: منهم من حمله على ظاهره وهو بَيِّنٌ من قصة عمر مع صهيب كما أخرجه البخاري، انتهى.\nالثاني: لا مطلقًا، قال الحافظ: ويقابل هؤلاء قول من رد هذا الحديث، وعارضه بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر: ١٨]، روي ذلك عن أبي هريرة.\nالثالث: أن الباء للحال؛ لأنه يعذب حال بكائهم عليه والتعذيب عليه من ذنب لا بسبب البكاء.\nالرابع: أنه خاص بالكافر، والقولان - أي: الثالث والرابع - عن عائشة، قاله السيوطي.\nالخامس: أنه خاص بمن كان النوح من سُنَّته وطريقته، وعليه البخاري.\n_________\n(^١) انظر: \"أوجز المسالك\" (٤/ ٥٥٤ - ٥٦٠).","vol":"3","page":187},{"text":"السادس: أنه فيمن أوصى به، وهو قول الجمهور وسيأتي البسط فيه في آخر الأقوال.\nالسابع: أنه فيمن لم يوص بتركه فتكون الوصية بذلك واجبة، قال العيني والنووي: حاصله إيجاب الوصية بترك البكاء والنوح، وهو قول داود وطائفة.\nالثامن: التعذيب بالصفات التي يبكون بها عليه وهي مذمومة شرعًا، كما كان أهل الجاهلية يقولون: يا مرمل النسوان، يا ميتم الأولاد، يا مخرب الدور، فهم يمدحونه بها وهو يعذب بصنيعه ذلك، وهو اختيار ابن حزم وطائفة.\nالتاسع: أن المراد به توبيخ الملائكة له بما يندب به أهله كما في رواية: \"إذا قالت النائحة: وا عضداه وا ناصراه وا كاسياه، جبذ الميت، وقيل له: أنت عضدها؟! أنت ناصرها؟! أنت كاسيها؟! \".\nالعاشر: قال الحافظ (^١): وحكى الكرماني تفصيلًا آخر وحسنه، وهو التفرقة بين حال البرزخ وحال يوم القيامة، فيحمل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ على يوم القيامة، وهذا الحديث وما أشبهه على البرزخ، ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ الآية [الأنفال: ٢٥]، فإنها دالة على جواز وقوع التعذيب على الإنسان بما ليس فيه تسبب، فكذلك يمكن أن يكون الحال في البرزخ.\nالحادي عشر: أن المراد بالعذاب تألم الميت بسبب بكاء أهله عليه على وجه مذموم، كما يتألم بسائر المعاصي الصادرة عنهم، ويفرح بالأعمال الصالحة الكائنة منهم.\nالثاني عشر: أن المراد بالميت المحتضر مجازًا، وبالتعذيب التعذيب في الدنيا، أي: المحتضر يتألم ببكاء أهله عليه.\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (٣/ ١٥٦)، و\"شرح الكرماني\" (٧/ ٨٦).","vol":"3","page":188},{"text":"الثالث عشر: وهو قريب بالقول الحادي عشر أن المراد تألم الميت بما يقع من أهله من النياحة وغيرها، وهو اختيار الطبري، ورجحه ابن المرابط وابن تيمية وجماعة من المتأخرين، واستشهدوا له لحديث قيلة بنت مخرمة، ذكر في \"الأوجز\"، والفرق بين هذا وبين ما سبق أن تألم الميت في القول السابق كان لارتكاب الحي معصية، وفي هذا تألمه وبكاءه لتألم الحي، فتأمل.\nالرابع عشر: ما قيل: إن الراوي سمع بعض الحديث ولم يسمع بعضه، وأن اللام في الميت لمعهود معين كما قالت عائشة: \"إنما مر رسول الله - ﷺ - على يهودية\" الحديث.\nقلت: هذا آخر ما ظفرت عليه من أقوال العلماء، وقد عرفت أن الجمهور على القول السادس حتى قال أبو الليث السمرقندي: إنه قول عامة أهل العلم، وكذا نقله النووي عن الجمهور، قالوا: وكان معروفًا للقدماء حتى قال طرفة بن العبد:\nإذا مت فانعيني بما أنا أهله … وشُقِّي عليَّ الجيب يا ابنة معبد\nقال العيني (^١): هو أصح الأقوال.\nقلت: وبه قالت الحنفية كما في \"الدر المختار\" (^٢)، وكذا عند الشافعية كما في \"شرح الإقناع\" (^٣)، ثم ذكر في \"الأوجز\" (^٤) مسألة البكاء على الميت وهي التي أشار إليها البخاري فيما سيأتي بقوله: \"وما يرخص من البكاء\" عن كتب فروع الأئمة الأربعة، فهو جائز على المذاهب الأربعة من غير ندب، وهو البكاء مع تعداد محاسن الميت ومن غير نياحة، وهو رفع الصوت برنة، وأما البكاء معهما أو مع أحدهما فحرام عند الجمهور، انتهى.\n_________\n(^١) انظر: \"عمدة القاري\" (٦/ ١٠٩).\n(^٢) انظر: \"الدر المختار\" (٣/ ١٤٧).\n(^٣) انظر: \"شرح الإقناع\" (٢/ ٣٠٤).\n(^٤) انظر: \"أوجز المسالك\" (٤/ ٥٦١).","vol":"3","page":189},{"text":"قوله: (لقول الله - ﷿ -: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦])، وجه (^١) الاستدلال لما ذهب إليه من هذه الآية أن هذا الأمر عام في جهات الوقاية، ومن جملتها أن لا يكون الأصل مولعًا بأمر منكر لئلا يجري أهله عليه بعده، أو يكون قد عرف أن لأهله عادة بفعل أمر منكر وأهمل نهيهم عنه، فيكون لم يق نفسه ولا أهله، انتهى.\nوقس على هذا وجه الاستدلال من حديث: \"كلكم راع. . .\" إلخ.\nقوله: (لم يقارف الليلة) المشهور أنه تعريض على عثمان بأنه باشر في تلك الليلة، قال الكرماني (^٢): يروى أن هذه البنت هي أم كلثوم امرأة عثمان، وعثمان في تلك الليلة باشر جارية له، فعلم رسول الله - ﷺ - بذلك فلم يعجبه حيث شغل عن المريضة المحتضرة بها، انتهى.\nلكن لم يرض به الشيخ قُدِّس سرُّه في تقريره ورجح بأن معناه لم يذنب الليلة ولو صغيرة، وجزم أبو طلحة بعدم الذنب فلعله بات مصليًّا، ومال الطحاوي في \"مشكله\" إلى أن فيه تصحيفًا والصواب: لم يقاول، أي: لم ينازع غيره الكلام؛ لأنهم كانوا يكرهون الحديث بعد العشاء، والبسط في \"اللامع\" (^٣) وهامشه.\n\n(٣٣ -<span data-type='title' id=toc-1025> باب ما يكره من النياحة على الميت)</span>\nقال الحافظ (^٤): قال ابن المنيِّر: \"ما\" موصولة و\"من\" لبيان الجنس، والتقدير الذي يكره من جنس البكاء هو النياحة، والمراد كراهة التحريم. قال الحافظ: ويحتمل أن تكون \"ما\" مصدرية و\"من\" تبعيضية، والتقدير كراهية بعض النياحة، أشار إلى ذلك ابن المرابط وغيره. ونقل ابن قدامة (^٥) عن أحمد رواية أن بعض النياحة لا تحرم، وفيه نظر. . . إلى آخر ما قاله.\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (٣/ ١٥٢).\n(^٢) \"شرح الكرماني\" (٧/ ٨٢).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٤/ ٣٣٩).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٣/ ١٦١).\n(^٥) انظر: \"المغني\" (٣/ ٤٩٠).","vol":"3","page":190},{"text":"وظاهر \"المغني\" أن النياحة مكروهة مطلقًا إلا البكاء بالصوت، وفيه أيضًا: ونقل حرب عن أحمد كلامًا يدل على إباحة النوح والندب، وظاهر الأخبار تدل على الحرمة، إلى آخر ما قال. واختار صاحب \"الفيض\" القول الثاني حيث قال (^١): ومن ههنا تبعيضة عندي، وذلك لأنه لا بد كون بعض مراتب النياحة تحت الجواز وإن لم نقدر على تحديدها، لما قد ثبت عن النبي - ﷺ - الإغماض عن بعضها؛ كنياحة أم الأخ لجابر حين استشهد، ولذا صرح السرخسي أن المسألة فيه عندنا أن يفوض إلى رأي المبتلى به، ثم لا بد من الفرق بين الإغماض والرضاء، فالذي أقول: هو الإغماض في بعض الأحيان مع إظهار عدم الرضاء، وهو الذي أراده النبي - ﷺ - في الباب الآتي، انتهى مختصرًا.\nقال الموفق (^٢): الندب تعداد محاسن الميت بلفظ النداء مثل قولهم: وارجلاه واجبلاه، والنياحة، وخمش الوجوه، وشق الجيوب، والدعاء بالويل والثبور، انتهى.\nقوله: (إنَّ كذبًا عليّ ليس ككذب على أحد) يشكل بأن وجه الشبه يكون أقوى في المشبه به، أجاب عنه السندي (^٣) بوجوه:\nالأول: أن الكاف للمماثلة بمعنى المساواة، والمطلوب من نفي المساواة إثبات الأشدية.\nالثاني: معناه: ليس مثله في السهولة، وما يكون أقل سهولة يكون أكثر شدة.\nالثالث: يمكن أن يجعل وجه الشبه خفة الإثم، أي: ليس مثله في خفة الإثم، وما يكون أقل خفة يكون أكثر شدة. . . إلى آخر ما قال.\n_________\n(^١) \"فيض الباري\" (٢/ ٤٦١).\n(^٢) \"المغني\" (٣/ ٤٨٩).\n(^٣) \"حاشية السندي\" (١/ ٢٢٤).","vol":"3","page":191},{"text":"(٣٤ -<span data-type='title' id=toc-1026> باب)</span>\nبلا ترجمة، قال الحافظ (^١): سقط من رواية أبي ذر وكريمة، وعلى ثبوته فهو بمنزلة الفصل من الباب الذي قبله كما تقدم تقريره، وعلى التقديرين فلا بدّ له من تعلق بالذي قبله، وقد قدمت توجيهه في أول الترجمة، انتهى.\nقلت: ولعل الحافظ أشار بذلك إلى ما نقله عن ابن المرابط وغيره كما تقدم في الباب السابق؛ فإن مفاده أن بعض أنواع النياحة جائز، والحديث الذي أخرجه المصنف في هذا الباب يشعر بذلك، والله أعلم.\nوفي \"الفيض\" (^٢): وظني أن المصنف - ﵀ - يريد أن يشير إلى المستثنيات إلا أنه لم يتكلم بها لكونها غير منضبطة، فدلّ على أن ترك الترجمة قد يكون بهذا المعنى أيضًا، انتهى.\nورمز عليه شيخ الهند في \"تراجمه\" رمز بـ: \"تـ\" نقطتان، وهو إشارة إلى أن الحديث الذي أورده فيه يتعلق بالباب السابق.\n\n(٣٥ -<span data-type='title' id=toc-1027> باب ليس منا من شق الجيوب)</span>\nقال ابن المنيِّر (^٣): أفرد هذا القدر بترجمة ليشعر بأن النفي الذي حاصله التبري يقع بكل واحد من المذكورات لا بمجموعها، قال الحافظ: ويؤيده رواية لمسلم بلفظ: \"أو شق الجيوب أو دعا. . .\" إلى آخره، انتهى من \"الفتح\".\n\n(٣٦ -<span data-type='title' id=toc-1028> باب رثاء النبي - ﷺ </span>-)\nأشكل على الترجمة أن الرثاء لغة هو ذكر محامد الموتى، وما في الحديث ليس كذلك، بل فيه التحزن والتوجع فلا يدخل تحت الترجمة، وأجيب بأنه هو المقصود، يعني: رثاءه - ﷺ - لم يكن المعهود بل كان تحزنًا،\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ١٦٣).\n(^٢) \"فيض الباري\" (٢/ ٤٦١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٣/ ١٦٣).","vol":"3","page":192},{"text":"فلا ينافي ما ورد في مسند \"أحمد\" (^١) أنه - ﵇ -: \"نهى عن المراثي\"، انتهى ملخصًا.\n\n(٣٧ -<span data-type='title' id=toc-1029> باب ما ينهى من الحلق عند المصيبة)</span>\nقال الحافظ (^٢): تقدم الكلام في \"باب ما يكره من النياحة\" - أي: من كون لفظة \"ما\" موصولة أو مصدرية ولفظ \"من\" تبعيضية أو بيانية - وتقدم الكلام أيضًا على الحكمة في اقتصاره على الحلق دون ما ذكر معه في الباب الذي قبله، انتهى.\n\n(٣٨ -<span data-type='title' id=toc-1030> باب ليس منا من ضرب الخدود)</span>\nتقدم في \"باب ليس منا من شق الجيوب\" أن المصنف أفرد هذه التراجم إشارة إلى أن التبري يتعلق بكل جزء لا بالمجموع.\n\n(٣٩ -<span data-type='title' id=toc-1031> باب ما ينهى من الويل. . .) إلخ</span>\nغرض الترجمة على قياس ما عرفت، لكن ليس في الحديث ذكر الويل، فكأنه أشار بذلك إلى ما ورد في بعض طرقه عند ابن ماجه، كذا في \"الفتح\" (^٣)، ولم يرض به العيني وقال (^٤): دعوى الجاهلية لازمة للويل.\n\n(٤٠ -<span data-type='title' id=toc-1032> باب من جلس عند المصيبة)</span>\nقال الحافظ (^٥): لم يفصح المصنف بحكم هذه المسألة ولا التي بعدها لأن كلًّا منهما قابل للترجيح، أما الأول فلكونه من فعل النبي - ﷺ -، والثاني من تقريره، وما يباشره بالفعل أرجح غالبًا، وأما الثاني فلأنه فعل أبلغ في الصبر وأزجر للنفس فيرجح، ويحمل فعله - ﷺ - المذكور على بيان\n_________\n(^١) \"مسند أحمد\" (٤/ ٣٥٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ١٦٥).\n(^٣) المصدر السابق (٣/ ١٦٦).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (٦/ ١٢٩).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٣/ ١٦٧).","vol":"3","page":193},{"text":"الجواز، ويكون فعله في حقه في تلك الحالة أولى، وقال ابن المنيِّر ما ملخصه: موقع هذه الترجمة من الفقه أن الاعتدال في الأحوال هو المسلك الأقوم، فمن أصيب بمصيبة عظيمة لا يفرط في الحزن حتى يقع في المحذور من اللطم والشق وغيرهما، ولا يفرط في التجلد حتى يفضي إلى القسوة والاستخفاف بقدر المصاب، فيقتدي به - ﷺ - في تلك الحالة بأن يجلس المصاب جلسة خفيفة بوقار وسكينة تظهر عليه مخايل الحزن، ويؤذن بأن المصيبة عظيمة، انتهى.\nوفي \"الدر المختار\" (^١): ولا بأس بالجلوس لها، أي: للتعزية في غير المسجد، وقال ابن عابدين: لا بأس ههنا على حقيقته؛ لأنه خلاف الأولى كما صرح به في \"شرح المنية\"، وفي \"الأحكام\" عن \"خزانة الفتاوى\": الجلوس في المصيبة ثلاثة أيام للرجال جاءت الرخصة فيه، ولا تجلس النساء قطعًا، انتهى.\nقال ابن عابدين: وما في \"البحر\" - من \"أنه - ﷺ - جلس لما قتل جعفر وزيد بن حارثة والناس يأتون ويعزونه\"، انتهى - يجاب عنه بأن جلوسه - ﷺ - لم يكن مقصودًا للتعزية، انتهى.\n\n(٤١ -<span data-type='title' id=toc-1033> باب من [لم] يظهر حزنه عند المصيبة)</span>\nتقدم الكلام عليه في الباب السابق، وقوله في الترجمة: \"وقال محمد بن كعب. . .\" إلخ، غرضه على الظاهر تفسير قوله عز اسمه في سورة المعارج: ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠)﴾ [المعارج: ٢٠]، ويؤيده ما قال الحافظ (^٢): روى ابن أبي حاتم في تفسير \"سورة سأل\" عن القاسم بن محمد كقول محمد بن كعب هذا، انتهى.\n_________\n(^١) \"رد المحتار على الدر المختار\" (٣/ ١٤٩).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ١٦٩).","vol":"3","page":194},{"text":"وقال العيني (^١): مطابقته للترجمة من حيث المقابلة، وهي ذكر الشيء وما يضاده معه، وذلك أن ترك إظهار الحزن من القول الحسن والظن الحسن، وإظهاره مع الجزع قول سيئ وظن سيئ، انتهى.\nوتبعه القسطلاني (^٢)، ولم يتعرض الحافظ بوجه المناسبة.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): يعني بذلك - والله أعلم -: أنه لا ضير في إظهار الحزن ما لم يقل سوءًا ولا أساء الظن بالكريم تعالى، وإن كان للذي لم يظهره على الناس فضل كثير، ودلالة الرواية على الترجمة ظاهرة لحال المرأة، انتهى.\nوأما مناسبة الآية بالترجمة فهو ما قال ابن المنيِّر: إن قول يعقوب لما تضمن أنه لا يشكو بتصريح ولا تعريض إلا لله وافق مقصود الترجمة (^٤)، انتهى.\n\n(٤٢ -<span data-type='title' id=toc-1034> باب الصبر عند الصدمة الأولى)</span>\nقال الحافظ (^٥): أي: هو المطلوب المبشر عليه بالصلاة والرحمة، ومن ههنا تظهر مناسبة إيراد أثر عمر في هذا الباب، انتهى.\nوفي \"الفيض\" (^٦): قال الشافعي - ﵀ -: إن المصائب مكفرات مطلقًا صبر عليها أو لا لكونها تعذيبًا، ولا فرق فيه بين الصبر وعدمه، نعم يحرم عن تضاعف الأجور، انتهى. وسيأتي بسط الكلام عليه في مبدأ \"كتاب المرضى\".\nقوله: (وقال عمر. . .) إلخ، العدلان: الصلاة والرحمة، والعلاوة: الاهتداء، قاله الحافظ (^٧).\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٦/ ١٣٣).\n(^٢) انظر: \"إرشاد الساري\" (٣/ ٤٢٤).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٤/ ٣٤٥).\n(^٤) انظر: \"فتح الباري\" (٣/ ١٦٩).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٣/ ١٧٢).\n(^٦) \"فيض الباري\" (٢/ ٤٦٤).\n(^٧) \"فتح الباري\" (٣/ ١٧٢).","vol":"3","page":195},{"text":"(٤٣ -<span data-type='title' id=toc-1035> باب قول النبي - ﷺ -: \"إنا بك لمحزونون</span>\")\nقال الحافظ (^١): سقطت هذه الترجمة والأثر في رواية الحموي وثبتت للباقين، وحديث ابن عمر كأن المراد به ما أورده المصنف في الباب الذي بعد هذا إلا أن لفظه: \"إن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب\"، فيحتمل أن يكون ذكره بالمعنى؛ لأن ترك المؤاخذة بذلك يستلزم وجوده، إلى آخر ما قال.\nفائدة: قال الحافظ (^٢): جزم الواقدي بأن إبراهيم ابنه - ﷺ - مات يوم الثلاثاء لعشر ليال خلون من شهر ربيع الأول سنة عشر، وقال ابن حزم: مات قبل النبي - ﷺ - بثلاثة أشهر، واتفقوا على أنه ولد في ذي الحجة سنة ثمان، انتهى.\n\n(٤٤ -<span data-type='title' id=toc-1036> باب البكاء عند المريض)</span>\nسقط لفظ \"باب\" من رواية أبي ذر، قال ابن المنيِّر: ذكر المريض أعم من أن يكون أشرف على الموت أو هو في مبادئ المرض، لكن البكاء عادة إنما يقع عند ظهور العلامات المخوفة، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\n\n(٤٥ -<span data-type='title' id=toc-1037> باب ما ينهى عن النوح والبكاء والزجر عن ذلك)</span>\nقال الحافظ: قال ابن المنيِّر: عطف الزجر على النهي للإشارة إلى المؤاخذة الواقعة في الحديث بقوله: \"فاحث في أفواههن التراب\"، انتهى.\nقلت: وقد تقدم ترجمة البكاء والنياحة إلا أن الزجر لم يتقدم، فلا يبعد عندي أن يكون الغرض من هذه الترجمة المنع من المباح أيضًا سدًا للباب، ومقصود الأول التفريق بين أنواع النياحة جوازًا ومنعًا.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ١٧٣).\n(^٢) المصدر السابق (٣/ ١٧٤).\n(^٣) المصدر السابق (٣/ ١٧٥).","vol":"3","page":196},{"text":"(٤٦ -<span data-type='title' id=toc-1038> باب القيام للجنازة)</span>\nقال الحافظ (^١): أي: إذا مرت على من ليس معها، وأما قيام من كان معها إلى أن توضع بالأرض فسيأتي في ترجمة مفردة، انتهى.\nقلت: المراد بهذه الترجمة هي الترجمة الثالثة بقوله: \"باب من تبع جنازة فلا يقعد. . .\" إلخ، وأما الباب الآتي أعني قوله: \"باب متى يقعد. . .\" إلخ، فهو تكملة لهذا الباب.\nومسألة الباب خلافية، فذهب الجمهور منهم الأئمة الثلاثة إلى أنه قد نسخ، وقال أحمد وإسحاق وابن حبيب وابن الماجشون المالكيان: وهو مخيَّر، نقله النووي عن القاضي، ثم قال النووي (^٢): والمشهور في مذهبنا أن القيام ليس مستحبًا، واختار المتولي من أصحابنا أنه مستحب، وهذا هو المختار، فيكون الأمر به للندب والقعود بيانًا للجواز، انتهى مختصرًا.\nقلت: جزم [صاحب] \"المغني\" (^٣): أن القيام لها لا يستحب، وحكى الاستحباب عن القاضي وغيره، وبسط القسطلاني (^٤) في تحقيق مذهب الشافعية.\n\n(٤٧ -<span data-type='title' id=toc-1039> باب متى يقعد إذا قام للجنازة</span>؟)\nسقط هذا الباب والترجمة من رواية المستملي، وثبتت الترجمة دون الباب لرفيقه، قاله الحافظ (^٥).\nقلت: وتقدم في الباب السابق أن هذا الباب تكملة له، ثم لا يخفى عليك أنه قد اختلفت النسخ في ذكر الحديث الثاني من هذا الباب، فعلى ما في النسخ الهندية - وهو الموافق لنسخة العيني (^٦) - مطابقة الحديث بالترجمة ظاهرة، وأما في نسخة الحافظ والقسطلاني والنسخة المصرية التي\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ١٧٧).\n(^٢) \"شرح النووي\" (٤/ ٣٤).\n(^٣) \"المغني\" (٣/ ٤٠٣).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (٣/ ٤٣٦).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٣/ ١٧٨).\n(^٦) انظر: \"عمدة القاري\" (٦/ ١٥٠).","vol":"3","page":197},{"text":"عليها حاشية السندي فقد ذكر فيها في هذا الباب حديث قصة مروان مع أبي سعيد، وعلى هذا فالمطابقة بالترجمة خفية، ولم يتعرض لهذا الاختلاف أحد من الشرَّاح.\n\n(٤٨ -<span data-type='title' id=toc-1040> باب من تبع جنازةً فلا يقعد حتى توضع عن مناكب الرجال. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^١): كأنه أشار بهذا إلى ترجيح رواية من روى في حديث الباب: \"حتى توضع بالأرض\" على رواية من روى \"حتى توضع في اللحد\". وفيه اختلاف على سهيل بن أبي صالح عن أبيه، قال أبو داود: رواه أبو معاوية عن سهيل فقال: \"حتى توضع في اللحد\"، وخالفه الثوري وهو أحفظ فقال: \"في الأرض\"، انتهى.\nقلت: فعلى هذا تكون الترجمة شارحة، وهو الأصل الثالث والعشرون، فإن حديث الباب ليس فيه إلا قوله: \"حتى توضع\"، فكأن البخاري أشار بالترجمة إلى أن الراجح عنده في معناه الوضع عن المناكب لا الوضع في اللحد.\nقال الحافظ (^٢) أيضًا عن ابن المنيِّر: إنما نوع هذه التراجم مع إمكان جمعها في ترجمة واحدة للإشارة إلى الاعتناء بها، ولأن بعض ذلك وقع فيما ليس على شرطه فاكتفى بذكره في الترجمة لصلاحيته للاستدلال، انتهى.\nقال الحافظ: وفي \"المحيط\" للحنفية: الأفضل أن لا يقعد حتى يهال عليها التراب، ثم قال الحافظ في حديث الباب: هذا الحديث أبين سياقًا من حديث عامر بن ربيعة، وهو يوضح أن المراد بالغاية المذكورة من كان معها أو مشاهدًا لها، وأما من مرت به فليس عليه من القيام إلا قدر ما تمر عليه أو توضع عنده بأن يكون بالمصلَّى مثلًا، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ١٧٨).\n(^٢) المصدر السابق (٣/ ١٧٩).","vol":"3","page":198},{"text":"ومسألة الباب خلافية بسطت في \"الأوجز\" (^١)، فعندنا الحنفية يكره الجلوس فقيل: قبل الوضع بالأرض، وقيل: في اللحد، قولان عندنا. وعند الحنابلة، كما في \"الروض المربع\" (^٢) وغيره: يكره الجلوس لتابعيها حتى توضع بالأرض. وعند الشافعية قولان، ففي \"حاشية شرح الإقناع\" (^٣): القيام لها إذا مرت، والقيام إذا تبعها منسوخان على المذهب، فلا يؤمر أحد بالقيام مطلقًا، هذا في القاعد إذا مرت به. أما مُشَيِّعها فيستحب له أن لا يقعد حتى توضع بالأرض. وأما عند المالكية: فيجوز الجلوس للمُشَيِّعين قبل وضعها من أعناق الرجال، كما في \"الشرح الكبير\" (^٤)، انتهى.\n\n(٤٩ -<span data-type='title' id=toc-1041> باب من قام لجنازة يهودي)</span>\nصنيع المؤلف حيث أثبت القيام للميت بعدة تراجم مشعر بأنه لم يصح عنده النسخ في هذه المسألة، وجمهور العلماء على ثبوت النسخ لرواية مسلم وأبي داود عن علي: \"أن رسول الله - ﷺ - كان يقوم في الجنازة ثم جلس بعد\".\n\n(٥٠ -<span data-type='title' id=toc-1042> باب حمل الرجال الجنازة دون النساء)</span>\nفي هامش (^٥) \"الهندية\" عن العيني والقسطلاني قوله في الحديث: \"واحتملها الرجال\"، هو موضع الترجمة، فإن قلت: هذا إخبار فكيف يكون حجة في منع النساء؟ قلت: كلام الشارع مهما أمكن يحمل على التشريع لا على مجرد الأخبار، انتهى.\nقال الحافظ (^٦): وقد ورد ما هو أصرح من هذا في منعهن، ولكنه\n_________\n(^١) انظر: \"أوجز المسالك\" (٤/ ٥٢٥).\n(^٢) انظر: \"الروض المربع\" (١/ ٣٤٩).\n(^٣) \"شرح الإقناع\" (٢/ ٢٩٢).\n(^٤) \"الشرح الكبير\" (١/ ٦٦٨).\n(^٥) انظر: \"عمدة القاري\" (٦/ ١٥٤)، و\"إرشاد الساري\" (٣/ ٤٤١).\n(^٦) \"فتح الباري\" (٣/ ١٨٢).","vol":"3","page":199},{"text":"على غير شرط المصنف، ولعله أشار إليه وهو ما أخرجه أبو يعلى (^١) من حديث أنس قال: \"خرجنا مع رسول الله - ﷺ - في جنازة، فرأى نسوة فقال: أتحملنه؟ قلن: لا، قال: أتدفنه؟ قلن: لا، قال: فارجعن مأزورات غير مأجورات\"، انتهى. قلت: وأخرج ابن ماجه (^٢) نحوه عن علي - ﵁ -.\nقال الحافظ (^٣): ونقل النووي في \"شرح المهذب\": أنه لا خلاف في هذه المسألة بين العلماء؛ لأن الجنازة لا بدّ أن يشيعها الرجال فلو حملها النساء لكان ذلك ذريعة إلى اختلاطهن بالرجال فيفضي إلى الفتنة، انتهى.\nوفي \"تراجم شيخ المشايخ\" (^٤): دلالة لفظ الحديث - أعني قوله: \"واحتملها الرجال\" - على الترجمة غير ظاهرة؛ إذ يجوز أن يكون ذكر الرجال على طريق تصوير صورة صالحة لأداء المقصود، لكن ما سبق في الأبواب السابقة من أن النساء ممنوعات عن اتباع الجنائز يدل على ذلك دلالة ظاهرة، وكأن المؤلف اعتمد عليه في هذا الباب، انتهى.\nقلت: وعلى هذا فينبغي أن تكون الترجمة داخلة في الأصل السابع والعشرين.\n\n(٥١ -<span data-type='title' id=toc-1043> باب السرعة بالجنازة)</span>\nأي: بعد أن تحمل، قاله الحافظ (^٥)، وقال أيضًا فيما سيأتي من \"باب فضل اتباع الجنائز\": كأن المصنف قصد فيما سبق من \"باب السرعة بالجنازة\" كيفية المشي وأمكنته، انتهى.\nقوله: (وقال أنس. . .) إلخ، قال الحافظ (^٦): قال ابن المنيِّر: مطابقة\n_________\n(^١) \"مسند أبي يعلى\" (ح: ٤٠٥٦، ٤٢٨٤).\n(^٢) \"ابن ماجه\" (ح: ١٥٧٨).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٣/ ١٨٢).\n(^٤) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٣٣٩).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٣/ ١٨٣).\n(^٦) المصدر السابق (٣/ ١٨٣).","vol":"3","page":200},{"text":"هذا الأثر للترجمة أن الأثر يتضمن التوسعة على المشيعين وعدم التزامهم جهة معينة، وذلك لما علم من تفاوت أحوالهم في المشي، وقضية الإسراع بالجنازة أن لا يلزموا بمكان واحد يمشون فيه لئلا يشق على بعضهم ممن يضعف في المشي عمن يقوى عليه، ومحصله أن السرعة لا تتفق غالبًا إلا مع عدم التزام المشي في جهة معينة فيتناسبا، وقال ابن رُشيد: ويمكن أن يقال: لفظ المشي والتشييع في أثر أنس أعم من الإسراع والبطء، فلعله أراد أن يفسر أثر أنس بالحديث، قال: ويمكن أن يكون أراد أن يبين بقول أنس أن المراد بالإسراع ما لا يخرج عن الوقار لمتبعها بالمقدار الذي يصدق عليه به المصاحبة.\nثم قال الحافظ: دل إيراد البخاري لأثر أنس المذكور على اختيار هذا المذهب، وهو التخيير في المشي مع الجنازة، وهو قول الثوري. . . إلى آخر ما قال.\nقلت: هذا محتمل لكن المصنف سيبوب بقوله: \"فضل اتباع الجنائز\" وظاهره المشي خلفها كما سيأتي هناك، فتأمل.\nقوله: (أسرعوا بالجنازة) اختلفوا في معناه، فقيل: أي: بحملها إلى قبرها، وقيل: الإسراع بتجهيزها، وهو أعم من الأول، قال القرطبي: والأول أظهر، وقال النووي: الثاني باطل مردود بقوله في الحديث: \"تضعونه عن رقابكم\"، وتعقبه الفاكهي، ذكره الحافظ (^١).\nقلت: وتعقبه السندي أيضًا، إذ قال (^٢): ولا يخفى أنه يمكن تصحيحه على المعنى الثاني بأن يجعل الوضع عن الرقاب كناية عن التبعيد عنه وترك التلبس به، انتهى.\nوقال ابن قدامة (^٣): الأمر في الحديث للاستحباب بلا خلاف، وشذ\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ١٨٤).\n(^٢) \"حاشية السندي\" (١/ ٢٢٨).\n(^٣) انظر: \"المغني\" (٣/ ٣٩٤).","vol":"3","page":201},{"text":"ابن حزم فقال بوجوبه، وقال صاحب \"الهداية\" (^١): ويمشون بها مسرعين دون الخبب، وفي \"المبسوط\": ليس فيه شيء موقت، غير أن العجلة أحب، وعن الشافعي والجمهور المراد بالإسراع ما فوق المشي المعتاد، ويكره الإسراع الشديد. . . إلى آخر ما بسط في \"الفتح\" (^٢).\n\n(٥٢ -<span data-type='title' id=toc-1044> باب قول الميت وهو على الجنازة: قدموني)</span>\nيشكل على المصنف تكرار الترجمة بما سيأتي بعد عدّة أبواب: \"باب كلام الميت على الجنازة\"، وكتب الحافظ هناك: قال ابن رُشيد (^٣): الحكمة في هذا التكرير أن الترجمة الأولى مناسبة للترجمة التي قبلها وهي \"باب السرعة بالجنازة\" لاشتمال الحديث على بيان موجب الإسراع، وكذلك هذه الترجمة مناسبة للتي قبلها - أي: باب الميت يعرض عليه مقعده بالغداة والعشي - كأنه أراد أن يبين أن ابتداء العرض إنما يكون عند حمل الجنازة؛ لأنها حينئذ يظهر لها ما تؤول إليه فتقول ما تقول، انتهى.\nوالأوجه عند هذا العبد الضعيف أن هذا الباب من قبيل الأصل السادس، نبَّه بقوله \"كلام الميت\" على أن المراد بلفظ الجنازة في الحديث الميت، قال الحافظ (^٤): قوله: \"إذا وضعت الجنازة\" يحتمل أن يريد بالجنازة نفس الميت وبوضعه جعله في السرير، ويحتمل أن يريد به السرير، والمراد وضعها على الكتف، والأول أولى لقوله بعد ذلك: \"فإن كانت صالحة قالت\" فإن المراد به الميت، ويؤيده ما روي بلفظ: \"إذا وضع المؤمن على سريره يقول: قدموني\" الحديث، انتهى.\nوأما الترجمة الثانية الآتية فالظاهر عند هذا العبد الضعيف في الغرض منه إثبات كلام الميت نصًا إشارة إلى أن ما في أبي داود (^٥) من حديث\n_________\n(^١) \"الهداية\" (١/ ٩١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ١٨٤).\n(^٣) المصدر السابق (٣/ ٢٤٤).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٣/ ١٨٥).\n(^٥) \"سنن أبي داود\" (ح: ٣٦٤٤).","vol":"3","page":202},{"text":"ابن أبي نملة عن أبيه: \"أنه بينما هو جالس عند رسول الله - ﷺ - وعنده رجل من اليهود مرّ بجنازة فقال: يا محمد! هل تتكلم هذه الجنازة؟ فقال النبي - ﷺ -: الله أعلم، قال اليهودي: إنها تتكلم، فقال رسول الله - ﷺ -: ما حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم\" الحديث، فلعل الإمام البخاري أشار بالترجمة إلى أن حديث أبي داود مبني على أنه - ﷺ - لم يوح إليه شيء في ذلك بعد، فتدبر، انتهى من هامش \"اللامع\" (^١).\n\n(٥٣ -<span data-type='title' id=toc-1045> باب من صف صفين أو ثلاثة)</span>\nكتب الشيخ \"اللامع\" (^٢): قوله في الحديث: \"في الصف الثاني أو الثالث\" تردد الراوي - في أنه هل كان في الثاني أو الثالث - مشعر بجواز الأمرين كليهما؛ إذ لو لم تجز الصفوف ثلاثة أو لم يجز اثنان منها بل وجب الإفراد وتوحيد الصف، أو وجب تثليثها لا غير لم يكن له تردد في أيّ الأمرين كان، إذ لا يمكن أن يكون هناك إلا ما جاز واستحب، وهذا كاف لإثبات الترجمة، انتهى.\nأشكل على الترجمة بوجه آخر بأنه: لم يظهر من حديث الباب كون الصفوف وراء الإمام. وأجيب بأنه: أشار إلى ما ورد في بعض طرقه صريحًا كما سيأتي في \"هجرة الحبشة\": \"فصففنا وراءه\".\nوفي هامش \"اللامع\": لا يبعد عند هذا العبد الضعيف أن الإمام البخاري أراد به الرد على من قال أن يكونوا صفًا واحدًا، قال الحافظ (^٣) في \"باب سُنَّة الصلاة على الجنازة\": قوله: \"فيه صفوف. . .\" إلخ، قرأت بخط مغلطاي: كأن البخاري أراد الرد على مالك، فإن ابن العربي نقل عنه أنه استحب أن يكون المصلون على الجنازة سطرًا واحدًا، قال: ولا أعلم لذلك وجهًا، انتهى.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٤/ ٣٥٢).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٤/ ٣٥٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٣/ ١٩١).","vol":"3","page":203},{"text":"وعلى هذا فثبتت الترجمة بالشك أيضًا؛ فإنه على كل حال ثبتت الزيادة على الواحد، ولا يبعد أيضًا أنه أراد أن تثليث الصفوف ليس بحتم، كما يظهر من بعض الآثار وإن كان مستحبًا، إلى آخر ما ذكر في هامش \"اللامع\".\n\n(٥٤ -<span data-type='title' id=toc-1046> باب الصفوف على الجنازة)</span>\nقال الحافظ (^١): قال ابن المنيِّر ما ملخصه: إنه أعاد الترجمة؛ لأن الأولى لم يجزم فيها بالزيادة على الصفين، وقال ابن بطال: أومأ المصنف إلى الرد على عطاء حيث ذهب إلى أنه لا يشرع فيها تسوية الصفوف، كما رواه عبد الرزاق عن عطاء لما سئل عن تسوية الصفوف على الجنائز قال: لا، إنما يكبرون ويستغفرون.\nقال الحافظ: وأشار المصنف بصيغة الجمع إلى ما رواه أبو داود وغيره من حديث مالك بن هبيرة مرفوعًا: \"من صلى عليه ثلاثة صفوف فقد أوجب\"، وفي رواية: \"إلا غفر له\"، وتعقب بعضهم الترجمة بأن أحاديث الباب ليس فيها صلاة على الجنازة، وإنما فيه الصلاة على الغائب أو على من في القبر، وأجيب بأن الاصطفاف إذا شرع والجنازة غائبة ففي الحاضرة أولى.\nوأجاب الكرماني بأن المراد بالجنازة في الترجمة الميت سواء كان مدفونًا أو غير مدفون، فلا منافاة بين الترجمة والحديث، انتهى.\nوأنت خبير بأن شيئًا من هذه الوجوه لا يناسب شأن البخاري ودقة نظره، فإنه لو أراد بالترجمة تأييد تسوية الصفوف كان ينبغي له أن يشير إلى ذلك في الترجمة بنوع من الدلالة على أن لفظ الصفوف بصيغة الجمع لا يلزم الزيادة على الاثنين؛ فإن الاثنين فما فوقهما جماعة، وكذلك لا يشير إلى\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ١٩١).","vol":"3","page":204},{"text":"الرد على عطاء؛ فإن لفظ الصفوف لا يستلزم التسوية، بل الأوجه كما هو الظاهر أن الإمام البخاري أشار بلفظ: \"على الجنازة\" الرد على من قال بالصلاة على الغائب؛ فإن الإمام البخاري مع تخريجه حديث الصلاة على النجاشي بطرق لم يبوب بالصلاة على الغائب، بل أشار بلفظ الترجمة إلى كون الجنازة حاضرة، وهذا هو التوجيه الذي وجهت الحنفية به حديث الصلاة على النجاشي، والمسألة خلافية شهيرة بسطت في \"الأوجز\" (^١)، وفيه عن الزرقاني: الصلاة على الميت الغائب قال به الشافعي وأحمد وأكثر السلف، وقالت الحنفية والمالكية: لا تشرع، ونسبه ابن عبد البر إلى أكثر العلماء، فالإمام البخاري مال في هذه المسألة إلى قول الحنفية والمالكية كما سبق، انتهى من هامش \"اللامع\".\n\n(٥٥ -<span data-type='title' id=toc-1047> باب صفوف الصبيان مع الرجال. . .) إلخ</span>\nويشكل التكرار بما سيأتي من \"باب صلاة الصبيان. . .\" إلخ، بسط الكلام عليه في هامش \"اللامع\"، وفيه: قال الحافظ: قوله: \"باب صلاة الصبيان. . .\" إلخ، أورد فيه حديث ابن عباس في صلاته مع النبي - ﷺ - على القبر، قال ابن رُشيد: أفاد بالترجمة الأولى بيان كيفية وقوف الصبيان مع الرجال، وأنهم يصفون معهم لا يتأخرون عنهم لقوله في الحديث الذي ساقه فيها: \"وأنا فيهم\"، وأفاد بهذه الترجمة مشروعية صلاة الصبيان على الجنائز وهو وإن كان الأول دل عليه ضمنًا، لكن أراد التنصيص عليه، وأخّر هذه الترجمة عن فضل اتباع الجنائز ليبين أن الصبيان داخلون في قوله: \"من تبع جنازة\"، والله أعلم، انتهى. وهكذا قال العيني (^٢)، وتبعهما القسطلاني في ذلك.\nوما يظهر لهذا العبد الضعيف إن كان صوابًا فمن الله وفضله، وإن\n_________\n(^١) انظر: \"أوجز المسالك\" (٤/ ٤٤٣).\n(^٢) انظر: \"عمدة القاري\" (٦/ ١٧٥)، و\"إرشاد الساري\" (٣/ ٤٥٠).","vol":"3","page":205},{"text":"كان خطأ فمني ومن شيطان، والإمام البخاري منه بريء، وهو: أن مقصود الإمام البخاري بالترجمة الأولى هو الذي اختارته الشرَّاح، نبَّه الإمام بها على أن الصبيان لا يحتاجون إلى صف مستقل في الصلاة على الجنازة بخلاف الصلاة المكتوبة؛ لقلة حضورهم في الجنائز بخلاف المكتوبات، وأما الغرض من الترجمة الثانية فهو أن الثابت في الحديث صلاة الصبيان مع الرجال، فلا تكفي صلاتهم بدون الرجال لإسقاط فرض الكفاية.\nوالمسألة خلافية كما بحثها ابن عابدين، وحكى عن المحقق ابن أمير حاج: أن سقوطها بفعل الصبي المميز هو الأصح عند الشافعية، قال: ولا يحضرني هذا منقولًا فيما وقفت عليه من كتبنا، وظاهر أصول المذهب عدم السقوط، قال ابن عابدين (^١): حاصله أنها لا تسقط عن البالغين بفعله، وإن صلاته وإن صحت لنفسه لا تقع فرضًا، وعليه فلو صلى وحده لا يسقط الفرض عنهم، انتهى.\nوفي \"الروض\" من فروع الحنابلة: وتسقط بمكلف وتسن جماعة، انتهى.\nوالظاهر عندي أن البخاري مال في هذه المسألة إلى قول أحمد، وإليه أشار بالترجمة حيث قال: صلاة الصبيان مع الرجال، وعلى هذا فالفرق بين الترجمتين واضح، انتهى من هامش \"اللامع\".\n\n(٥٦ -<span data-type='title' id=toc-1048> باب سُنَّة الصلاة على الجنازة)</span>\nوما يظهر من الشروح أنهم اختلفوا في غرض الترجمة على قولين:\nالأول: ما قال الحافظ: قال ابن المنيِّر (^٢): المراد بالسُّنَّة ما شرعه النبي - ﷺ - فيها، يعني: فهو أعم من الواجب والمندوب، ومراده بما ذكره\n_________\n(^١) \"رد المحتار على الدر المختار\" (٣/ ١٠٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ١٩٠).","vol":"3","page":206},{"text":"هنا من الآثار والأحاديث أن لها حكم غيرها من الصلوات والشرائط والأركان، وليست مجرد دعاء، فلا تجزئ بغير طهارة مثلًا، انتهى.\nوالثاني: ما في هامش \"الهندية\" عن الكرماني (^١): غرض البخاري بيان جواز إطلاق الصلاة على صلاة الجنازة وكونها مشروعة وإن لم تكن ذات الركوع والسجود، فاستدل عليه تارة بإطلاق اسم الصلاة والأمر بها وتارة بإثبات ما هو من خصائص الصلاة نحو عدم التكلم فيها وكونها مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم، وعدم صحتها إلا بالطهارة وعدم أدائها عند الوقت المكروه وبرفع اليد وإثبات الأحقية بالإمامة وبوجوب طلب الماء له وبقوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ﴾ [التوبة: ٨٤]، فإنه أطلق الصلاة عليه وبكونها ذات صفوف وإمام، انتهى.\nقال محشيه المحدث مولانا أحمد على السهارنفوري: وبه يطابق الترجمة كل ما في هذا الباب، انتهى.\n\n(٥٧ -<span data-type='title' id=toc-1049> باب فضل اتباع الجنائز. . .) إلخ</span>\nقد تقدم في مبدأ الجنائز: \"باب الأمر باتباع الجنائز\" ولا تكرار، لاختلاف الأغراض كما تقدم هناك. أما عند الشرَّاح فلما تقدم عن الحافظ (^٢): أن الغرض من الباب الأول إثبات المشروعية وههنا إثبات الفضل.\nوأما عندي فهو أن الغرض من الأول الاهتمام والإسراع في تجهيز الميت والسعي لأجله، وأما ههنا فالمراد بالاتباع، هو المعنى المتبادر، أي: الاتباع إلى القبر، وهل الإمام البخاري أشار بذلك إلى مسلك الحنفية من أن المشي خلفها أفضل؟ محتمل، لكن يشكل عليه ما تقدم في \"باب السرعة بالجنازة\" من أثر أنس كما تقدم الكلام عليه هناك، ويحتمل أن يكون المراد من ذكر أثر أنس الإسراع فقط، ويحتمل أيضًا أن يكون المراد\n_________\n(^١) \"شرح الكرماني\" (٧/ ١٠٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ١٤٦).","vol":"3","page":207},{"text":"من الاتباع ههنا المشي إلى القبر بدون الملاحظة إلى كيفية المشي من التقدم أو الخلفية.\nقال الحافظ (^١): قال ابن رُشيد: مقصود الباب بيان القدر الذي يحصل به مسمى الاتباع الذي يجوز به القيراط، إذ في الحديث الذي أورده إجمال، ولذلك صدَّره بقول زيد بن ثابت، وآثر الحديث المذكور على الذي بعده وإن كان أوضح منه في مقصوده كعادته المألوفة في الترجمة على اللفظ المشكل ليبين مجمله. . . إلى آخر ما ذكره الحافظ من الكلام على الترجمة.\nومسألة المشي خلف الجنازة أو أمامها كما أشير إليه آنفًا خلافية شهيرة، ففي \"الأوجز\" (^٢) عن \"التعليق الممجد\": اختلفوا فيه بعد الاتفاق على جواز المشي أمامها وخلفها وشمالها وجنوبها اختلافًا في الأولوية على أربعة مذاهب:\nالأول: التخيير من دون أفضلية مشي على مشي، وهو قول الثوري، وإليه ميل البخاري، ذكره الحافظ.\nالثاني: أن المشي أمامها أفضل للماشي وخلفها للراكب، وهو مذهب أحمد.\nالثالث: مذهب الشافعي ومالك: أن المشي أمامها أفضل.\nالرابع: مذهب أبي حنيفة والأوزاعي: أن المشي خلفها أفضل، انتهى.\nقلت: التفريق بين الماشي والراكب هو المذهب لمالك كما صرَّح به في \"الشرح الكبير\"، والمرجح عند الشافعية التقدم مطلقًا ماشيًا كان أو راكبًا.\nوههنا مذهب خامس ذكره الحافظ عن النخعي: إن كان في الجنازة نساء مشى أمامها وإلا خلفها.\n_________\n(^١) المصدر السابق (٣/ ١٩٢).\n(^٢) \"أوجز المسالك\" (٤/ ٤٢٤)، و\"التعليق الممجد\" (٢/ ١٠٧).","vol":"3","page":208},{"text":"والسادس: مذهب ابن حزم: الراكب: خلف الجنازة، والماشي حيث شاء.\nقوله: (وقال حميد بن هلال. . .) إلخ، يعني: ما تعارف من أنهم لا يرجعون إلا بعد الاستئذان من بعض أهل الميت لا أصل له، وإنما الثابت: أن من صلى. . . إلخ، كذا في \"تراجم شيخ المشايخ\"، وبسط العلامة العيني (^١) في تعيين القائلين به كما في هامش \"اللامع\".\nقال الحافظ (^٢): والذي عليه معظم أئمة الفتوى قول حميد بن هلال، وحكي عن مالك أنه لا ينصرف حتى يستأذن، انتهى.\n\n(٥٨ -<span data-type='title' id=toc-1050> باب من انتظر حتى يدفن)</span>\nقال الحافظ (^٣): قال ابن المنيِّر: لم يذكر المصنف جواب \"من\"، إما استغناء بما ذكر في الخبر أو توقفًا على إثبات الاستحقاق بمجرد الانتظار إن خلا عن اتباع، قال: وعدل عن لفظ الشهود كما هو في الخبر إلى لفظ الانتظار لينبه على أن المقصود من الشهود إنما هو معاضدة أهل الميت والتصدي لمعونتهم، انتهى.\nقال الحافظ: والذي يظهر لي أنه اختار لفظ الانتظار لكونه أعم من المشاهدة، فهو أكثر فائدة، وأشار بذلك إلى ما ورد في بعض طرقه بلفظ الانتظار ليفسر اللفظ الوارد بالمشاهدة، ولفظ الانتظار وقع في رواية معمر عند مسلم.\nوقوله في الحديث: \"حتى تدفن\" ظاهره أن حصول القيراط متوقف على فراغ الدفن، وهو الأصح عند الشافعية وغيرهم، وقيل: يحصل بمجرد الوضع في اللحد، وقيل: عند انتهاء الدفن قبل إهالة التراب، وقد وردت الأخبار بكل ذلك، انتهى من \"الفتح\" (^٤).\n_________\n(^١) انظر: \"عمدة القاري\" (٦/ ١٧٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ١٩٣).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٣/ ١٩٣).\n(^٤) المصدر السابق (٣/ ١٩٧).","vol":"3","page":209},{"text":"(٥٩ -<span data-type='title' id=toc-1051> باب صلاة الصبيان مع الناس. . .) إلخ</span>\nتقدم الكلام عليه في \"باب صفوف الصبيان\".\n\n(٦٠ -<span data-type='title' id=toc-1052> باب الصلاة على الجنائز بالمصلى والمسجد)</span>\nقال الحافظ (^١): قال ابن رُشيد: لم يتعرض المصنف لكون الميت بالمصلى أو لا؛ لأن المصلَّى عليه كان غائبًا، وألحق حكم المصلَّى بالمسجد بدليل ما تقدم في \"العيدين\" وفي \"الحيض\" بلفظ: \"يعتزل الحيض المصلَّى\"، فدل على أن للمصلَّى حكم المسجد فيما ينبغي أن يجتنب فيه. ثم قال الحافظ تحت حديث ابن عمر المذكور في الباب: حكى ابن بطال عن ابن حبيب أن مصلَّى الجنائز بالمدينة كان لاصقًا بمسجد النبي - ﷺ - من ناحية جهة المشرق، انتهى.\nفإن ثبت ما قال وإلا فيحتمل أن يكودن المراد بالمسجد هنا المصلَّى المتخذ للعيدين والاستسقاء؛ لأنه لم يكن عند المسجد النبوي مكان يتهيأ فيه الرجم، وسيأتي في قصة ماعز: \"فرجمناه بالمصلَّى\"، ودل حديث ابن عمر المذكور على أنه كان للجنائز مكالن معد للصلاة عليها، فقد يستفاد منه أن ما وقع من الصلاة على بعض الجنائز في المسجد كان لأمر عارض أو لبيالن الجواز، والله أعلم، انتهى.\nوقال العيني (^٢): مطابقة هذا الحديث للترجمة لا يتأتى إلا إذا قلنا: إن \"عند\" في قوله: \"عند المسجد\" بمعنى: في، أو نقول: إن ترجمة الباب يحتمل وجهين: أحدهما: الإثبات، والآخر: النفي، ولعل غرض البخاري النفي بأن لا يصلَّى عليها في المسجد بدليل تعيين رسول الله موضع الجنازة عند المسجد، ولو جاز فيه لما عيَّنه في خارجه، وبهذا يدفع كلام ابن بطال، ليس في حديث ابن عمر دليل على الصلاة في المسجد، إنما الدليل في\n_________\n(^١) المصدر السابق (٣/ ١٩٩).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٦/ ١٨٢).","vol":"3","page":210},{"text":"حديث عائشة: \"صلى رسول الله - ﷺ - على سهيل بن بيضاء في المسجد\"، قلت: لو كان إسناده على شرطه لأخرجه في \"صحيحه\"، انتهى.\nوفي حاشية السندي ما حاصله (^١): موافقة الحديثين بالترجمة من حيث إن المطلوب في الترجمة بيان حكم الصلاة في المصلى والمسجد، وقد علم بالحديثين أن الحكم هو الأولوية خارج المسجد، ففي المسجد إذا ثبت فهو خلاف الأولى، انتهى.\nقلت: ومسألة صلاة الجنازة بالمسجد خلافية؛ لا تجوز عند الحنفية والمالكية، وتجوز عند الشافعية والحنابلة، قال القسطلاني (^٢): لو كان الميت خارج المسجد والمصلون فيه جاز بالإجماع، انتهى.\n\n(٦١ -<span data-type='title' id=toc-1053> باب ما يكره من اتخاذ المسجد على القبور)</span>\nقال الحافظ (^٣): ترجم بعد ثمانية أبواب: \"باب بناء المسجد على القبر\" قال ابن رُشيد: الاتخاذ أعم من البناء فلذلك أفرده بالترجمة، ولفظها يقتضي أن بعض الاتخاذ لا يكره، فكأنه يفصل بين ما إذا ترتبت على الاتخاذ مفسدة أم لا. وقال ابن المنيِّر (^٤): كأنه قصد بالترجمة الأولى اتخاذ المساجد في المقبرة لأجل القبور بحيث لولا تجدد القبر ما اتخذ المسجد، وبالترجمة الثانية بناء المسجد في المقبرة على حدته لئلا يحتاج إلى الصلاة فيُوجد مكانٌ يصلى فيه سوى المقبرة، فلذلك نحا به منحى الجواز، قال الحافظ: والمنع من ذلك إنما هو حال خشية أن يصنع بالقبر كما صنع أولئك الذين لعنوا، وأما إذا أمن ذلك فلا امتناع، وقد يقول بالمنع مطلقًا من يرى سدّ الذريعة، وهو هنا متجه قوي، انتهى.\nوتعقب العيني على ما قال ابن رُشيد، إذ قال (^٥): لا نسلم أن لفظها\n_________\n(^١) \"حاشية السندي\" (١/ ٢٣٠).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٣/ ٤٦١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٣/ ٢٠٠).\n(^٤) المصدر السابق (٣/ ٢٠٨).\n(^٥) \"عمدة القاري\" (٦/ ١٨٥).","vol":"3","page":211},{"text":"يقتضي أن بعض الاتخاذ لا يكره، ودعوى العموم بين الاتخاذ والبناء غير صحيحة، انتهى.\nقوله: (القبة) قال الحافظ (^١): أي: الخيمة، ومناسبة هذا الأثر أن المقيم في الفسطاط لا يخلو من الصلاة هناك، فيلزم اتخاذ المسجد عند القبر، وقد يكون القبر في جهة القبلة فتزداد الكراهة، انتهى.\nقال القسطلاني (^٢): وإذا أنكر الصائح بناء زائلًا، وهو الخيمة، فالبناء الثابت أجدر، لكن لا يؤخذ من كلام الصائح حكم؛ لأن مسالك الأحكام الكتاب والسُّنَّة والقياس والإجماع، ولا وحي بعده ﵊، وإنما هذا وأمثاله تنبيه على انتزاع الأدلة من مواضعها، واستنباطها من مظانها، انتهى.\nقال الحافظ عن ابن المنيِّر (^٣): وكأن الصائحين من الملائكة أو من مؤمني الجن، وإنما ذكره البخاري لموافقته للأدلة الشرعية [لا] لأنه دليل برأسه، انتهى.\n\n(٦٢ -<span data-type='title' id=toc-1054> باب الصلاة على النفساء إذا ماتت في نفاسها)</span>\nقال الحافظ (^٤): قال ابن المنيِّر وغيره: المقصود بهذه الترجمة أن النفساء وإن كانت معدودة من جملة الشهداء فإن الصلاة عليها مشروعة، بخلاف شهيد المعركة، انتهى.\nقلت: هذا هو الظاهر، فلا يرد حينئذ تكرار الترجمة بما تقدم في \"كتاب الحيض\" من \"باب الصلاة على النفساء أو سُنَّتها\"؛ فإن الغرض هناك إثبات الصلاة عليها دفعًا لما يتوهم من نجاستها الحكمية فافترقا.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٢٠٠).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٣/ ٤٦٣).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٣/ ٢٠٠).\n(^٤) المصدر السابق (٣/ ٢٠٠).","vol":"3","page":212},{"text":"(٦٣ -<span data-type='title' id=toc-1055> باب أين يقوم من المرأة والرجل</span>؟)\nتقدم هذه المسألة أيضًا في \"كتاب الحيض\"، إذ ترجم \"باب الصلاة على النفساء وسُنَّتها\"، فإن قوله: \"وسنتها\" إشارة إلى هذه المسألة، أي: محل قيام الإمام، وكتبت هناك بأنه يمكن التفصي عن هذا التكرار بأن يقال: إن الإمام البخاري أراد ههنا التنبيه على أنه لا فرق في ذلك بين النفساء وغيرها، وأما الآتي في \"كتاب الجنائز\" فهو في محله لبيان مسألة محل قيام الإمام على جنائز الرجال والنساء، وتقدم اختلاف الأئمة في مسألة الباب هناك.\nقال الحافظ (^١): أورد فيه حديث سمرة، وفيه مشروعية الصلاة على المرأة، فإن كونها نفساء وصف غير معتبر، وأما كونها امرأة فيحتمل أن يكون معتبرًا، فإن القيام عليها عند وسطها لسترها، وذلك مطلوب في حقها بخلاف الرجل، ويحتمل أن لا يكون معتبرًا وأن ذلك كان قبل اتخاذ النعش للنساء، فأما بعد اتخاذها فقد حصل الستر المطلوب، ولهذا أورد المصنف الترجمة مورد السؤال، وأراد عدم التفرقة بين الرجل والمرأة، وأشار إلى تضعيف ما رواه أبو داود والترمذي عن أنس بن مالك: أنه صلَّى على رجل فقام عند رأسه، وصلى على امرأة فقام عند عجيزتها، فقيل له: أهكذا كان رسول الله - ﷺ - يفعل؟ قال: نعم، انتهى.\nقال العلامة العيني (^٢): فإن قلت: ليس في حديث الباب بيان موضع قيام الرجل، قلت: قال الكرماني: للإشعار بأنه لم يجد حديثًا بشرطه في ذلك، وإما لقياس الرجل على المرأة، إذ لم يقل أحد بالفرق بينهما، وتعقب عليه العيني، إذ قال: من أين علم بأنه لم يقل بالفرق بينهما أحد، وكذا تعقب العيني كلام الحافظ، وبسطه بما لا طائل تحته.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٢٠١).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٦/ ١٨٨)، و\"شرح الكرماني\" (٧/ ١١٤).","vol":"3","page":213},{"text":"(٦٤ -<span data-type='title' id=toc-1056> باب التكبير على الجنازة أربعًا)</span>\nقال الحافظ (^١): قال ابن المنيِّر: أشار بهذه الترجمة إلى أن التكبير لا يزيد على أربع، ولذلك لم يذكر ترجمة أخرى ولا خبرًا في الباب، قال ابن المنذر: ذهب أكثر أهل العلم إلى أن التكبير أربع، وفيه أقوال أُخر ثم ذكرها، انتهى.\nقلت: كان فيه الخلاف سلفًا، والجمهور منهم الأئمة الأربعة على الأربع، كما جزم به البخاري.\n\n(٦٥ -<span data-type='title' id=toc-1057> باب قراءة فاتحة الكتاب. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٢): أي: مشروعيتها، وهي من المسائل المختلف فيها، روي مشروعيتها عن بعض الصحابة والتابعين، وبه قال الشافعي وأحمد، ونقل عن أبي هريرة وابن عمر ليس فيها قراءة وهو قول مالك والكوفيين.\nوقوله: (يقرأ على الطفل)، كتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): كان بيانًا للجواز أو منسوخًا فلا يلزم استحبابها، ومعنى قوله: \"سُنَّة\" أنها ثابتة بفعل النبي - ﷺ -، انتهى. وبسط في هامشه: الكلام على المسألة، فارجع إليه لو شئت.\nوقال السندي (^٤): يتبادر منه أنها من سنن صلاة الجنازة لا من واجباتها ولو سلّم فلا دلالة له على وجوبها في صلاة الجنازة كما لا يخفى، وقولهم: إن قول الصحابي: \"من السُّنَّة كذا\" في حكم الرفع، لا يدل على أن قوله \"الفعل الفلاني سُنَّة\" كذلك، ولو سلّم فغايته أنه رفع للفعل إلى النبي - ﷺ - بمعنى أنه فعله، ولا يلزم من مجرد فعله الوجوب، فهذا الحديث لا يفيد الوجوب، نعم هو يرد قول من يقول بكراهة فاتحة الكتاب في صلاة\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٢٠٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٢٠٣).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٤/ ٣٦١).\n(^٤) \"حاشية السندي\" (١/ ٢٣١).","vol":"3","page":214},{"text":"الجنازة، ولعل من يقول بالوجوب يأخذه من عموم \"لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب\". والله تعالى أعلم.\nقلت: قراءة الفاتحة من الأركان عند الشافعية والحنابلة، وأركان صلاة الجنازة عندهما سبعة كما في \"الأوجز\" (^١) عن \"نيل المآرب\" في فقه الحنابلة و\"شرح الإقناع\" في فقه الشافعية.\n\n(٦٦ -<span data-type='title' id=toc-1058> باب الصلاة على القبر بعد ما يدفن)</span>\nقال الحافظ (^٢): وهذا أيضًا من المسائل المختلف فيها، قال ابن المنذر: وبمشروعيته قال الجمهور، ومنعه النخعي ومالك وأبو حنيفة، وعنهم إن دفن قبل أن يصلى عليه شرع وإلا فلا، انتهى.\nوبسط الكلام على المسألة، ودلائل الفريقين في \"الأوجز\" (^٣)، وفيه: قال الأبي في \"الإكمال\": مشهور قول مالك المنع، والشاذ جوازها فيمن دفن بغير صلاة، انتهى.\nقال الزرقاني (^٤): وأجابوا عن الحديث بأن ذلك من خصائصه - ﷺ -، والدليل على الخصوصية ما زاده مسلم وابن حبان في حديث أبي هريرة: \"فصلى على القبر ثم قال: إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله ينورها لهم بصلاتي عليهم\"، إلى آخر ما فيه.\n\n(٦٧ -<span data-type='title' id=toc-1059> باب الميت يسمع خفق النعال)</span>\nقال الحافظ (^٥): قال ابن المنيِّر: جرد المصنف ما ضمنه هذه الترجمة ليجعله أول آداب الدفن من إلزام الوقار واجتناب اللغط وقرع الأرض بشدة الوطء عليها كما يلزم ذلك مع الحي النائم، وترجم بالخفق ولفظ المتن\n_________\n(^١) انظر: \"أوجز المسالك\" (٤/ ٤٦١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٢٠٥).\n(^٣) \"أوجز المسالك\" (٤/ ٤٥٣).\n(^٤) \"شرح الزرقاني\" (٢/ ٦٠ - ٦١).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٣/ ٢٠٦).","vol":"3","page":215},{"text":"بالقرع إشارة إلى ما ورد في بعض طرقه عند أحمد وأبي داود في حديث طويل فيه: \"وإنه ليسمع خفق نعالهم\"، انتهى.\nقلت: وسيأتي في \"اللباس\" في \"باب النعال السبتية\" استدلال الطحاوي بهذا الحديث على جواز لبس النعال في المقابر.\nوقال الحافظ: قال أحمد: يكره لبس النعال السبتية في المقابر لحديث بشير بن الخصاصية كما سيأتي في \"كتاب اللباس\" فارجع إليه، ثم مسألة سماع الموتى خلافية شهيرة بين الصحابة ومن بعدهم، فأثبته ابن عمر وغيره من الصحابة ومن تبعهم، ونفته عائشة وغيرها ومن تبعهم.\nقال ابن عابدين (^١): وما ورد في الصحيح من قوله - ﷺ - لأهل قليب بدر: \"هل وجدتم ما وعد ربكم حقًا؟ فقال عمر: أَتُكَلِّمُ الميت يا رسول الله؟! فقال ﵊: ما أنتم بأسمع منهم\"، فأجاب عنه المشايخ بأنه غير ثابت، يعني: من جهة المعنى، وذلك لأن عائشة رَدَّتْهُ بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢]، وأنه إنما قاله على وجه الموعظة للأحياء، وبأنه مخصوص بأولئك تضعيفًا للحسرة عليهم، وبأنه خصوصية له - ﵇ - معجزة، لكن يشكل عليه ما في \"مسلم\" (^٢) \"إن الميت يسمع قرع نعالهم\" إلا أن يخصوا ذلك بأول الوضع في القبر ومقدمة للسؤال جمعًا بينه وبين الآيتين، انتهى.\nومال شيخ مشايخنا الشاه عبد العزيز في \"فتاواه\" إلى ثبوت سماع الميت وشعوره وإدراكه، وبسط الكلام على ذلك في عدة أسئلة وأجوبة، انتهى من هامش \"اللامع\".\nوفي \"الفيض\" (^٣): اعلم أن مسألة كلام الميت وسماعه واحدة، وأنكرها حنفية العصر، وفي رسالة غير مطبوعة لعلي القاري: إن أحدًا من أئمتنا لم يذهب إلى إنكارها، وإنما استنبطوها من مسألة في \"باب الأيمان\"\n_________\n(^١) \"رد المحتار على الدر المختار\" (٥/ ٦٥٧).\n(^٢) \"صحيح مسلم\" (ح: ٢٨٧٣).\n(^٣) \"فيض الباري\" (٤/ ٩٢).","vol":"3","page":216},{"text":"وهي حلف رجل أن لا يكلم فلانًا فكلمه بعد ما دفن لا يحنث، قال القاري: ولا دليل فيها على ما قالوا؛ فإن مبنى الأيمان على العرف، وهم لا يسمونه كلامًا، وأنكره الشيخ ابن الهمام - ﵀ - أيضًا في \"الفتح\" (^١)، ثم أورد على نفسه أن السماع إذا لم يثبت فما معنى السلام على القبر؟ وأجاب عنه أنهم يسمعون في هذا الوقت فقط، ولا دليل فيه على العموم، ثم عاد قائلًا: إنه ثبت منهم سماع قرع النعال أيضًا، فأجاب عنه بمثله، أقول: والأحاديث في سمع الأموات قد بلغت مبلغ التواتر. . . إلى آخر ما بسط فيه.\n\n(٦٨ -<span data-type='title' id=toc-1060> باب من أحب الدفن في الأرض المقدسة أو نحوها)</span>\nقال الحافظ (^٢): قال ابن المنيِّر: المراد بقوله: \"أو نحوها\" بقية ما تشد إليه الرحال من الحرمين وكذلك ما يمكن من مدافن الأنبياء وقبور الشهداء والأولياء تيمنًا بالجوار وتعرضًا للرحمة النازلة عليهم اقتداء بموسى - ﵇ -، وهذا بناءً على أن المطلوب القرب من الأنبياء الذين دفنوا ببيت المقدس، وهو الذي رجحه عياض، وقال المهلب: إنما طلب ذلك ليقرب عليه المشي إلى المحشر وتسقط عنه المشقة الحاصلة لمن بعد عنه، انتهى.\nوبنحو ذلك قال العيني (^٣)، وتبعهما القسطلاني.\nوفي \"تراجم شيخ مشايخنا\" (^٤): غرضه أن نقل الميت من موضع إلى موضع لا يجوز مطلقًا إلا إذا قصد الدفن في أرض من الأراضي المقدسة، وعند الحنفية يجوز مطلقًا.\nوالأوجه عندي: أن الإمام البخاري أشار بالترجمة إلى دفع ما يتوهم من قول سلمان - ﵁ -: إن الأرض لا تقدس أحدًا، أخرجه مالك (^٥) في\n_________\n(^١) انظر: \"فتح القدير\" (٣/ ٣٢٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٢٠٧).\n(^٣) انظر: \"عمدة القاري\" (٦/ ٢٠٣)، و\"إرشاد الساري\" (٣/ ٤٧٥).\n(^٤) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٣٤٣).\n(^٥) \"موطأ مالك\" (١٤٨٦).","vol":"3","page":217},{"text":"\"الموطأ\" أن لا فرق بين الدفن في الأرض المقدسة وغيرها، فدفعه المصنف بهذه الترجمة، انتهى.\nقوله: \"فلما جاءه صكه. . .\" إلخ، هذا مشكل جدًا، والمشهور في الجواب أنه - ﵇ - لم يعرفه.\nوالأوجه عندي: أن ذلك لانتظار فتح بيت المقدس وما كان ذلك منه كراهة لموته، انتهى من \"تراجم شيخ المشايخ\" الدهلوي.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١) ما حاصله: يحتمل أنه لم يعرفه، ويمكن أنه عرفه، لكنه لما دخل بدون الاستئذان وقد جرت سُنَّة الله تعالى بأنبيائه أنهم لا يقبضون إلا بعد إذن منهم، فلما لم يستأذن الملك عد ذلك مخالفةً للقاعدة وإساءة للأدب، انتهى.\nوبسط الكلام على ذلك في هامش \"اللامع\" من كلام الشرَّاح.\n\n(٦٩ -<span data-type='title' id=toc-1061> باب الدفن بالليل. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٢): أشار بهذه الترجمة إلى الرد على من منع ذلك محتجًا بحديث جابر: \"أن النبي - ﷺ - زجر أن يقبر الرجل ليلًا إلا أن يضطر إلى ذلك\"، أخرجه ابن حبان، لكن بيَّن مسلم في روايته السبب في ذلك، ولفظه: \"أن النبي - ﷺ - خطب يومًا فذكر رجلًا من أصحابه قبض وكُفن في كفن غير طائل وقبر ليلًا، فزجر أن يقبر الرجل بالليل حتى يصلي عليه، إلا أن يضطر إنسان إلى ذلك، وقال: إذا ولي أحدكم أخاه فليحسن كفنه\"، فدل على أن النهي بسبب تحصيل الكفن، وقوله: \"حتى يصلي عليه\" مضبوط بكسر اللام، أي: النبي - ﷺ -، فهذا سبب آخر يقتضي أنه إن رجا بتأخير الميت إلى الصباح صلاة من ترجى بركته عليه استحب تأخيره وإلا فلا، وبه جزم الطحاوي، واستدل المصنف بالجواز بما ذكره من حديث ابن عباس:\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٤/ ٣٦٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٢٠٧).","vol":"3","page":218},{"text":"\"ولم ينكر النبي - ﷺ - دفنهم إياه بالليل\"، بل أنكر عليهم عدم إعلامهم بأمره، وأيَّد ذلك بما صنع الصحابة بأبي بكر، وكان ذلك كالإجماع منهم على الجواز، إلى آخر ما قال الحافظ، وقال أيضًا: وصح أن عليًّا دفن فاطمة ليلًا - كما سيأتي - في مكانه، انتهى.\n\n(٧٠ -<span data-type='title' id=toc-1062> باب بناء المسجد على القبر)</span>\nتقدم الكلام عليه قبل ثمانية أبواب في \"باب ما يكره من اتخاذ المسجد\".\n\n(٧١ -<span data-type='title' id=toc-1063> باب من يدخل قبر المرأة)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): أثبت بذلك جواز دخول الأجنبي الغير المحرم إذا كان صالحًا، انتهى.\nقال القسطلاني (^٢) تحت حديث الباب: فيه أنه لا ينزل الميت في قبره إلا الرجال متى وجدوا، وإن كان الميت امرأة، بخلاف النساء بضعفهن عن ذلك غالبًا، ولأنه معلوم أنه كان لبنت النبي - ﷺ - محارم من النساء كفاطمة وغيرها، نعم يندب لهن كما في \"شرح المهذب\" أن يلين حمل المرأة من مغتسلها إلى النعش، وتسليمها إلى من في القبر وحل ثيابها فيه، وقد كان عثمان أولى بذلك من أبي طلحة؛ لأن الزوج أحق من غيره بمواراة زوجته، وإن خالط غيرها من أهله تلك الليلة، وإن لم يكن له حق في الصلاة؛ لأن منظوره أكثر، لكن عثمان - ﵁ - قارف تلك الليلة، فباشر جارية له، وبنت رسول الله - ﷺ - محتضرة، فلم يعجبه - ﷺ - كونه شغل عن المحتضرة بذلك لصيانة جلالة محل ابنته - ﷺ - ورضي عنها، قال ابن المنيِّر: ففيه خصوصية، انتهى.\nوفي هامش \"اللامع\": قال صاحب \"المراقي\" (^٣): وذو الرحم المحرم\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٤/ ٣٧٢).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٣/ ٤٨١).\n(^٣) \"مراقي الفلاح\" (ص ٣٣٤).","vol":"3","page":219},{"text":"أولى بإدخال المرأة، ثم ذو الرحم غير المحرم، ثم المحرم ثم الصالح من مشايخ جيرانها، ثم الشبان الصلحاء، ولا يدخل أحد من النساء القبر ولا يخرجهن إلا الرجال ولو كانوا أجانب؛ لأن مس الأجنبي لها بحائل عند الضرورة جائز في حياتها فكذا بعد موتها، انتهى.\nقال الخرقي (^١): ويدخلها محرمها، فإن لم يكن فالنساء، فإن لم يكن فالمشايخ، قال ابن قدامة: وروي عن أحمد: أن النساء لا يستطعن أن يدخلن القبر ولا يدفن، وهذا أصح وأحسن، ثم ذكر في مستدله حديث الباب.\n\n(٧٢ -<span data-type='title' id=toc-1064> باب الصلاة على الشهيد)</span>\nقال الحافظ (^٢): قال ابن المنيِّر: أراد باب حكم الصلاة على الشهيد، ولذلك أورد فيه الحديث جابر الدال على نفيها، وحديث عقبة الدال على إثباتها، قال: ويحتمل أن يكون المراد باب مشروعية الصلاة على الشهيد في قبره لا قبل دفنه عملًا بظاهر الحديثين، قال: والمراد بالشهيد قتيل المعركة في حرب الكفار، انتهى.\nثم قال الحافظ: والخلاف في الصلاة على قتيل المعركة مشهور، قال الترمذي: قال بعضهم: يصلى على الشهيد، وهو قول الكوفيين وإسحاق، وقال بعضهم: لا يصلى عليه، وهو قول المدنيين والشافعي وأحمد، وفي \"الأوجز\" (^٣): وعن أحمد في ذلك روايتان، قال الموفق: الصحيح أنه لا يصلى عليه، وهو قول مالك والشافعي، وعن أحمد رواية أخرى: يصلى عليه، وهو قول الثوري وأبي حنيفة، انتهى.\nقال الحافظ (^٤): قال الماوردي عن أحمد: الصلاة عليه أجود، وإن لم يصلوا عليه أجزأ، انتهى.\n_________\n(^١) \"المغني\" (٣/ ٤٣٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٢٠٩).\n(^٣) \"أوجز المسالك\" (٩/ ٣٦٩)، و\"المغني\" (٣/ ٤٦٧).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٣/ ٢١٠).","vol":"3","page":220},{"text":"وفي \"تراجم شيخ المشايخ\" (^١): إنما عقد المؤلف الباب للإشارة إلى أن الدلائل في حديث الباب متعارضة، فمن مثبت، ومن ناف، ومن دأبه الإشارة إلى تعارض أدلة المسألة أيضًا، وعقد الباب لمجرد ذلك، انتهى.\nقلت: هذا أصل مطرد من أصول التراجم وهو الأصل الخامس والثلاثون.\nقوله: (في ثوب واحد) لم يتعرض الحافظ ولا غيره من الشرَّاح، وبسط السندي (^٢) في توجهيه ونقل عن \"شرح المصابيح\": أن المراد بثوب واحد في قبر واحد، إذ لا يجوز تجريدهما بحيث تتلاقى بشرتهما، ثم تعقب عليه السندي بأنه يرده ما رواه الترمذي عن أنس وفيه: \"فكثر القتلى وقلّت الثياب فكفن الرجل والرجلان والثلاثة في الثوب الواحد، ثم يدفنون في قبر واحد\"، بل يرده نفس هذا الحديث فإن ما ذكره لا يناسبه قوله، ثم يقول: \"أيهم أكثر قرآنًا. . .\" إلخ، بقي أنه ما معنى ذلك، والشهيد يدفن في ثيابه التي عليه، فكأن هذا فيمن قطع ثوبه ولم يبق على بدنه، أو بقي منه قليل لكثرة الجروح، وعلى تقدير بقاء شيء من الثوب السابق لا إشكال لكونه فاصلًا عن ملاقاة بشرتيهما، واعتذر بعضهم عنه بالضرورة، وقيل: جمعهما في ثوب واحد، هو أن يقطع الثوب الواحد بينهما، انتهى.\n\n(٧٣ -<span data-type='title' id=toc-1065> باب دفن الرجلين أو الثلاثة في قبر واحد. . .) إلخ</span>\nليس في حديث الباب لفظ: الثلاثة، وإنما ذكره على عادته بالإشارة إلى ما ورد من لفظ الثلاثة عند الترمذي وغيره، ولكنه لما لم يكن على شرطه لم يورده، قاله العيني (^٣).\nوزاد الحافظ عن ابن رُشيد: وإما بالاكتفاء بالقياس، قال الحافظ (^٤):\n_________\n(^١) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٣٤٤).\n(^٢) \"حاشية السندي على صحيح البخاري\" (١/ ٢٣٣).\n(^٣) انظر: \"عمدة القاري\" (٦/ ٢١٦).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٣/ ٢١١).","vol":"3","page":221},{"text":"والظاهر أن المصنف أشار إلى رواية الترمذي وغيره بلفظ الثلاثة، وأما القياس ففيه نظر؛ لأنه لو أراده لم يقتصر على الثلاثة بل كان يقول مثلًا: دفن الرجلين فأكثر، ويؤخذ من هذا جواز دفن المرأتين في قبر، وأما دفن الرجل مع المرأة فروى عبد الرزاق بإسناد حسن عن واثلة بن الأسقع أنه كان يدفن الرجل والمرأة في القبر الواحد، فيقدم الرجل ويجعل المرأة وراءه، وكأنه كان يجعل بينهما حائلًا من تراب، ولا سيما إن كانا أجنبيين، والله أعلم، انتهى.\n\n(٧٤ -<span data-type='title' id=toc-1066> باب من لم ير غسل الشهداء)</span>\nقال القسطلاني (^١): أي: ولو كان الشهيد جنبًا، أو حائضًا أو نفساء، واستدل المصنف بعموم حديث الباب على أن الشهيد لا يغسل، حتى ولا الجنب، والحائض، وهو الأصح عند الشافعية، زاد الحافظ: وقيل (^٢): يغسل للجنابة لا بنيَّة غسل الميت لقصة حنظلة المشهورة رواها ابن إسحاق وغيره، وأجيب بأنه لو كان واجبًا ما اكتفى فيه بغسل الملائكة، وقال الحسن البصري وسعيد بن المسيب في ما رواه ابن أبي شيبة: يغسل الشهيد، انتهى.\nقلت: فالترجمة رد على قولهما، وفي \"الأوجز\" (^٣): قال الموفق: الشهيد إذا مات في المعترك لا يغسل رواية واحدة، وهو قول أكثر أهل العلم، ولا نعلم فيه خلافًا إلا عن الحسن وابن المسيب إلى أن قال الموفق: فإن كان الشهيد جنبًا غسل، وحكمه في الصلاة حكم غيره من الشهداء، وبه قال أبو حنيفة، وقال مالك: لا يغسل لعموم الخبر، وعن الشافعي كالمذهبين، ولنا ما روي من قصة حنظلة، إلى آخر ما بسط في \"الأوجز\"، وفيه عن \"الهداية\": وإذا استشهد الجنب غسل عند أبي حنيفة،\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٣/ ٤٨٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٢١٢).\n(^٣) \"أوجز المسالك\" (٩/ ٣٦٣)، و\"المغني\" (٣/ ٤٦٧).","vol":"3","page":222},{"text":"وقالا: لا يغسل (^١)، انتهى.\n\n(٧٥ -<span data-type='title' id=toc-1067> باب من يقدم في اللحد. . .) إلخ</span>\nأي: إذا كانوا أكثر من واحد، وقد دل حديث الباب على تقديم من كان أكثر قرآنًا من صاحبه، وهذا نظير تقديمه في الإمامة، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\n\n(٧٦ -<span data-type='title' id=toc-1068> باب الإذخر والحشيش في القبر)</span>\nوالإذخر بكسر الهمزة وكسر الخاء المعجمة، وفي آخره راء، وهو نبت معلوم طيب الرائحة، انتهى من العيني (^٣) والقسطلاني، وهكذا ضبطه صاحب \"مجمع البحار\" وفيه: هو نبت عريض الأوراق يحرقه الحداد بدل الحطب والفحم، انتهى.\nقال الحافظ (^٤): وترجم ابن المنذر على هذا الحديث طرح الإذخر في القبر وبسطه فيه، انتهى.\nوفي هامش \"اللامع\": لا يذهب عليك أن الإمام البخاري ترجم على الحديث باب الإذخر والحشيش، ولم يذكر في الحديث إلا الإذخر فقط.\nقال الحافظ: أراد المصنف بذكر الحشيش التنبيه على إلحاقه بالإذخر، وأن المراد باستعمال الإذخر البسط ونحوه، لا التطيب، وقال القسطلاني (^٥): قوله: \"والحشيش\" إلحاقًا له بالإذخر في الفرج التي تتخلل بين اللبنات في القبر واستعماله فيه بالبسط ونحوه لا التطيب، انتهى.\nولا يبعد عندي: أن المؤلف نبّه بذكر الحشيش في الترجمة على أن\n_________\n(^١) \"الهداية\" (١/ ٩٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٢١٢).\n(^٣) انظر: \"عمدة القاري\" (٦/ ٢٢١)، و\"إرشاد الساري\" (٣/ ٤٩٠)، و\"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ٥٨).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٣/ ٢١٤).\n(^٥) \"إرشاد الساري\" (٣/ ٤٩٠).","vol":"3","page":223},{"text":"إلقاء الإذخر في القبور ليس بخصوصية الإذخر، بل المقصود إلقاء الحشيش أيما كان، وخصص الإذخر بالذكر - أي: في الحديث - لكثرة وجوده في الحجاز، قال ابن عابدين في بحث الكفن (^١): لا يكفي عند الضرورة أيضًا، بل يجب ستر باقيه بنحو حشيش كالإذخر، انتهى.\n\n(٧٧ -<span data-type='title' id=toc-1069> باب هل يخرج الميت من القبر واللحد لعلة</span>؟)\nقال القسطلاني (^٢): قوله: \"لعلة\" كأن دفن بلا غسل، أو في كفن مغصوب، أو لحقه بعد الدفن سيل، انتهى.\nوقال الحافظ (^٣): قوله: \"لعلة\" أي: لسبب، أشار بذلك إلى الرد على من منع الإخراج مطلقًا أو لسبب دون سبب، كمن خص الجواز بما لو دفن بغير غسل أو بغير صلاة، فإن في حديث جابر الأول دلالة على الجواز إذا كان في نبشه مصلحة تتعلق به من زيادة البركة له، وعليه يتنزل قوله في الترجمة \"القبر\"، وفي حديث جابر الثاني دلالة على جواز الإخراج لأمر يتعلق بالحي؛ لأنه لا ضرر على الميت في دفن ميت آخر معه، وقد بيَّن ذلك جابر بقوله: \"فلم تطب نفسي\"، وعليه يتنزل قوله: \"واللحد\"؛ لأن والد جابر كان في لحد، وإنما أورد المصنف بلفظ الاستفهام؛ لأن قصة عبد الله بن أُبي قابلة للتخصيص، وقصة والد جابر ليس فيها تصريح بالرفع، قاله ابن المنيِّر، انتهى.\n\n(٧٨ -<span data-type='title' id=toc-1070> باب اللحد والشق في القبر)</span>\nقال العيني (^٤): أي: هذا باب في بيان اللحد والشق الكائنين في القبر، فإن قلت: ليس للشق ذكر في حديث الباب، قلت: قوله: \"قدمه في\n_________\n(^١) \"رد المحتار على الدر المختار\" (٣/ ٩٨).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٣/ ٤٩٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٣/ ٢١٥).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (٦/ ٢٣٠).","vol":"3","page":224},{"text":"اللحد\" يدل على الشق، لأن في تقديم أحد الميتين تأخير الآخر غالبًا في الشق لمشقة تسوية اللحد لمكان اثنين، وتقديم ذكر اللحد يدل على مزية فضله، دل عليه قوله ﵊: \"اللحد لنا والشق لغيرنا\" رواه أبو داود (^١)، انتهى.\nقال الحافظ (^٢): وليس في الحديث للشق ذكر، ثم ذكر الحافظ في توجيهه عن ابن رُشيد ما تقدم من كلام العيني وزاد: ويحتمل أن يكون ذكر الشق في الترجمة لينبه على أن اللحد أفضل منه؛ لأنه الذي وقع دفن الشهداء فيه مع ما كانوا فيه من الجهد والمشقة، فلولا مزيد فضيلة فيه ما عانوه، انتهى.\n\n(٧٩ -<span data-type='title' id=toc-1071> باب إذا أسلم الصبي فمات. . .) إلخ</span>\nقال السندي: يريد أن إسلام الصبي صحيح أم لا؟ وذكر من الأحاديث ما يدل على أنه اختار أنه صحيح، انتهى.\nوقال العيني (^٣): أي: هذا باب يذكر فيه إذا أسلم الصبي فمات قبل البلوغ، هل يصلى عليه أم لا؟ هذه ترجمة، وقوله: \"وهل يعرض على الصبي الإسلام؟ \" ترجمة الأخرى، أما الترجمة الأولى ففيها خلاف، ولذلك لم يذكر جواب الاستفهام، ولا خلاف أنه يصلى على الصغير المولود في الإسلام؛ لأنه كان على دين أبويه، قال ابن القاسم: إذا أسلم الصغير وقد عقل الإسلام فله حكم المسلمين في الصلاة عليه.\nواختلفوا في حكم الصبي إذا أسلم أحد أبويه على ثلاثة أقوال:\nأحدها: يتبع أيهما أسلم، وهو أحد قولي مالك، وبه أخذ ابن وهب، ويصلى عليه إن مات على هذا.\n_________\n(^١) \"أبو داود\" (ح: ٣٢٠٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٢١٧).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٦/ ٢٣١).","vol":"3","page":225},{"text":"والثاني: يتبع أباه ولا يعد بإسلام أمه مسلمًا، وهذا قول مالك في \"المدونة\".\nوالثالث: تبع لأمه وإن أسلم أبوه، وهذه مقالة شاذة ليست في مذهب مالك.\nوفي \"شرح الهداية\" (^١): إذا سُبِي صبي معه أحد أبويه فمات لم يصل عليه حتى يقر بالإسلام وهو يعقل، أو يسلم أحد أبويه خلافًا لمالك في إسلام الأم، والشافعي في إسلامه، والولد يتبع خير الأبوين دينًا، وللتبعية مراتب أقواها تبعية الأبوين، ثم الدار ثم اليد.\nوفي \"المغني\": لا يصلى على أولاد المشركين إلا أن يسلم أحد أبويهم. . . إلى آخر ما في \"المغني\".\nوأما الترجمة الثانية فإنه ذكرها ههنا بلفظ الاستفهام، وترجم في \"كتاب الجهاد\" بصيغة تدل على الجزم بذلك، فقال: كيف يعرض الإسلام على الصبي؟ وذكر فيه قصة ابن صياد، وفيه: وقد قارب ابن صياد يحتلم، فلم يشعر حتى ضرب النبي - ﷺ - ظهره بيده، ثم قال النبي - ﷺ -: \"أتشهد أني رسول الله؟ \" الحديث، وفيه عرض الإسلام على الصغير، واحتج به قوم على صحة إسلام الصبي إن قارب الاحتلام، وهو مقصود البخاري عن تبويبه بقوله: \"وهل يعرض على الصبي الإسلام؟ \" وجوابه: يعرض، وبه قال أبو حنيفة ومالك، خلافًا للشافعي، انتهى ما قاله العيني (^٢).\nوقال الحافظ (^٣) في الجزء الأول من الترجمة: واختلف في الصلاة على الصبي فقال سعيد بن جبير: لا يصلى عليه حتى يبلغ، وقيل: حتى يصلي، وقال الجمهور: يصلى عليه، حتى السقط إذا استهل، انتهى.\nوفي \"الدر المختار\" (^٤): لو أسلم الصبي وهو عاقل، أي: ابن سبع\n_________\n(^١) \"العناية شرح الهداية\" (٣/ ٦).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٦/ ٢٣٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٣/ ٢٢١).\n(^٤) \"رد المحتار على الدر المختار\" (٣/ ١٣٣).","vol":"3","page":226},{"text":"سنين صلي عليه لصيرورته مسلمًا، قال ابن عابدين: قوله: أي: ابن سبع سنين تفسير للعاقل الذي يصح إسلامه بنفسه، وقيل بأن يعقل المنافع والمضار، وأن الإسلام هُدىً، واتباعه خير له، وقيل بأن يعقل صفة الإسلام وهو ما في الحديث: \"أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الَاخر والقدر خيره وشره\". . . إلى آخر ما ذكره.\nوقال الحافظ في الجزء الثاني من الترجمة: قوله: \"هل يعرض الإسلام. . .\" إلخ، بلفظ الاستفهام، وفي \"كتاب الجهاد\" بصيغة الجزم، وكأنه لما قامت الأدلة ههنا على صحته استغنى بذلك، وأفاد هناك ذكر الكيفية، انتهى.\nوفي \"الفيض\" (^١): يعتبر عندنا بإسلام الصبي المميز، ولا يعتبر بارتداده، وعند الشافعية: لا يعتبر بإسلامه أيضًا، وكنت أتحير أنهم ماذا يقولون في إسلام علي - ﵁ -؛ فإنه أسلم صبيًا، ثم رأيت في \"السنن الصغرى\" للبيهقي وفيه: أن الأحكام قبل الخندق كانت منوطة بالتمييز وبعده نيطت بالبلوغ، وعلي - ﵁ - فيمن دخل في الإسلام قبل الخندق، فظهر الجواب عنه، ثم إن المسألة فيمن كان أبواه كافرين، أما إذا كان أبواه مسلمين فلا اختلاف فيه، انتهى.\nقوله: (ولم يكن مع أبيه. . .) إلخ، قال الحافظ (^٢): هذا قاله المصنف تفقهًا، وهو مبني على أن إسلام العباس كان بعد وقعة بدر، وقد اختلف في ذلك فقيل: أسلم قبل الهجرة، وأقام بأمر النبي - ﷺ - له في ذلك لمصلحة المسلمين، روى ذلك ابن سعد من حديث ابن عباس، وفي إسناده الكلبي وهو متروك، ويرده أن العباس أسر ببدر، وقد فدى نفسه كما سيأتي في المغازي واضحًا، ويرده أيضًا أن الآية التي في قصة المستضعفين نزلت بعد بدر بلا خلاف، فالمشهور أنه أسلم قبل فتح خيبر، ويدل عليه حديث أنس في قصة الحجاج بن علاط كما أخرجه أحمد والنسائي. وروى ابن سعد من\n_________\n(^١) \"فيض الباري\" (٢/ ٤٨٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٢٢٠).","vol":"3","page":227},{"text":"حديث ابن عباس أنه هاجر إلى النبي - ﷺ - بخيبر، ورده بقصة الحجاج المذكور، والصحيح أنه هاجر عام الفتح في أول السنة، وقدم مع النبي - ﷺ - فشهد الفتح، والله أعلم، انتهى.\nوقوله: (وقال: الإسلام يعلو. . .) إلخ، كذا في جميع نسخ البخاري، قال العيني (^١): لم يعين من القائل، وربما يظن أنه هو ابن عباس، وليس كذلك، فإن الدارقطني أخرجه في \"سننه\" بسند صحيح على شرط الحاكم من حديث عائذ بن عمرو المزني أن النبي - ﷺ - قال: \"الإسلام يعلو ولا يعلى\".\nوقال الحافظ (^٢): ولم يعين القائل، وكنت أظن أنه معطوف على قول ابن عباس فيكون من كلامه، ثم لم أجده من كلامه بعد التتبع الكثير، ورأيته موصولًا مرفوعًا، ثم ذكر ما تقدم من حديث الدارقطني، ثم قال: وبعد التتبع الكثير وجدته كما كنت أظن، ذكره ابن حزم في \"المحلى\" قال: ومن طريق حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس قال: \"إذا أسلمت النصرانية أو اليهودية تحت النصراني أو اليهودي يفرق بينهما، الإسلام يعلو ولا يعلى\" انتهى مختصرًا.\nوكتب العلامة السندي (^٣) على حديث أبي هريرة: \"ما من مولود إلا يولد. . .\" إلخ: لا يخفى أن هذا الحديث لا يدل على صحة إيمان الصبي إن آمن ولا على أنه مؤمن من حين ولد، وإلا لما احتيج إلى عرض الإيمان عليه حال صباه، فمطابقته للترجمة لا تخلو عن خفاء فتأمل.\nوقال العيني (^٤): مطابقته للترجمة من حيث إن المولود بين الأبوين المسلمين أو أحدهما مسلم إذا مات وقد استهل صارخًا يصلى عليه، فالصلاة عليه تدل على أنه محل عرض الإسلام عند تعقله، انتهى.\nقلت: لكن فيه ما تقدم عن العلامة السندي.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٦/ ٢٣٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٢٢٠).\n(^٣) \"حاشية السندي على صحيح البخاري\" (١/ ٢٣٥).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (٦/ ٢٤٢).","vol":"3","page":228},{"text":"(٨٠ -<span data-type='title' id=toc-1072> باب إذا قال المشرك عند الموت: لا إله إلا الله)</span>\nقال الحافظ (^١): قال ابن المنيِّر: لم يأت بجواب \"إذا\" لأنه - ﷺ - لما قال لعمه: \"قل: لا إله إلا الله أشهد لك بها\" كان محتملًا بأن يكون ذلك خاصًا به؛ لأن غيره إذا قالها وقد أيقن بالوفاة لم ينفعه، ويحتمل أن يكون ترك الجواب ليفهم الواقف عليه أنه موضع تفسير وفكر، وهذا هو المعتمد، انتهى.\nوفي \"الفيض\" (^٢): ويعتبر إذا قالها قبل النزع، فإن دخل في الغرغرة فهو إيمان اليأس، وهو غير معتبر عند الجمهور، ونسب إلى الشيخ الأكبر أنه اعتبر إيمان فرعون، قال الشعراني: وهذا مدسوس، والشيخ رحمه الله تعالى منه بريء.\nقلت: بل هو مختار الشيخ - ﵀ - وليس بمدسوس، وقد نقل بحر العلوم في \"شرح المثنوي\" عبارات عديدة للشيخ - ﵀ - تدل على هذا المعنى، ومراد الشيخ عندي أن قوله بتلك الكلمة اعتبر من حيث كونه إيمانًا لا من حيث كونه توبة، وكتب السيوطي - ﵀ - رسالة في تأييد الشيخ الأكبر، ورد عليه القاري وسماها: \"فر العون من مدعي إيمان فرعون\"، وقد شدد في اسمه جدًا، انتهى.\nوقال العيني (^٣): ولم يذكر جواب \"إذا\"، لمكان التفصيل فيه، وهو أنه لا يخلو إما أن يكون من أهل الكتاب أو لا يكون، وعلى التقديرين لا يخلو إما أن يقول: لا إله إلا الله في حياته قبل معاينة الموت، أو قالها عند موته، وعلى كلا التقديرين لا ينفعه ذلك عند الموت لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ الآية [الأنعام: ١٥٨]، وينفعه ذلك إذا كان في حياته، ولم يكن من أهل الكتاب حتى يحكم بإسلامه بقوله - ﷺ -: \"أمرت\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٢٢٢).\n(^٢) \"فيض الباري\" (٢/ ٤٨٨).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٦/ ٢٤٧).","vol":"3","page":229},{"text":"أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله\" الحديث، وإن كان من أهل الكتاب فلا ينفعه حتى يتلفظ بكلمتي الشهادة، واشترط أيضًا أن يتبرأ عن كل دين سوى دين الإسلام، ثم ذكر العيني ما تقدم من احتمال التخصيص، انتهى.\n\n(٨١ -<span data-type='title' id=toc-1073> باب الجريد على القبر. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^١): أي: وضعها أو غرزها.\nقوله: (وأوصى بريدة) وقع في رواية الأكثر \"في قبره\"، وللمستملي \"على قبره\"، وقد وصله ابن سعد من طريق مورق العجلي قال: أوصى بريدة أن يوضع في قبره جريدتان، ومات بأدنى خراسان، قال ابن المرابط وغيره: يحتمل أن يكون بريدة أمر أن يغرزا في ظاهر القبر اقتداء بالنبي - ﷺ - في وضعه الجريدتين في القبرين، ويحتمل أن يكون أمر أن يجعلا في داخل القبر لما في النخلة من البركة لقوله تعالى: ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ [إبراهيم: ٢٤]، والأول أظهر، ويؤيد إيراد المصنف حديث القبرين في آخر الباب، وكأن بريدة حمل الحديث على عمومه ولم يره خاصًا بذينك الرجلين، قال ابن رُشيد: ويظهر من تصرف البخاري أن ذلك خاص بهما، فلذلك عقبه بقول ابن عمر: \"إنما يظله عمله\".\nقلت: ولعل بريدة أوصى بجريدتين عملًا بما ورد في قصة القبرين من حديث أبي هريرة، فإن القصة رويت من حديث ابن عباس كما في حديث الباب، ومن حديث جابر كما أخرجه مسلم في الحديث الطويل في آخر الكتاب، وبسط الحافظ في تغاير سياق الحديثين بوجوه، ثم قال: فبان تغاير حديث ابن عباس وحديث جابر وأنهما كانا في قصتين مختلفتين، ولا يبعد تعدد ذلك، وقد روى ابن حبان في \"صحيحه\" من حديث أبي هريرة: أنه - ﷺ - مر بقبر فوقف عليه، فقال: \"ائتوني بجريدتين\" فجعل\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٢٢٣).","vol":"3","page":230},{"text":"إحداهما عند رأسه والأخرى عند رجليه، فيحتمل أن تكون هذه قصة ثالثة، ويؤيده أن في حديث أبي رافع عند النسائي فسمع شيئًا في قبر، وفيه: فكسرها اثنين ترك نصفها عند رأسه ونصفها عند رجليه، انتهى مختصرًا.\nوبسط العيني (^١): أيضًا الكلام على الوجوه الدالة على تعدد هذه القصص، ثم قال: فسقط بهذا كلام من ادعى أن القضية واحدة، كما مال إليه النووي والقرطبي، انتهى.\nقلت: والخلاف في أن وضع الجريدة خاص بذينك الرجلين أو مطرد شهير بين العلماء سلفًا وخلفًا كما تقدمت الإشارة إليه في كلام الحافظ من قول ابن رُشيد وغيره، وذكر هذا الاختلاف الشيخ قُدِّس سرُّه في \"البذل\" (^٢)، وذكره في هامش \"اللامع\" وفيه أيضًا: قال الطحطاوي على المراقي (^٣) بعد ذكر كراهة قطع الحشيش والاستدلال عليها بحديث الجريدة: وفي معنى الجريد ما فيه رطوبة من أيّ شجر كان، واستفيد منه أنه ليس لليابس تسبيح، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] أي: شيء حي، وحياة كل شيء بحسبه، إلى آخر ما بسطه، ثم قال في \"شرح المشكاة\": وقد أفتى الأئمة من متأخري أصحابنا من أن ما اعتيد من وضع الريحان والجريد سُنَّة لهذا الحديث، وإذا كان يرجى التخفيف بتسبيح الجريد فتلاوة القرآن أعظم بركة، انتهى.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٤): قوله: \"وأوصى بريدة. . .\" إلخ، ظاهر صنيع المؤلف أنه فرق بين الجريد وغيره، فجوز الأول لورود النص فيه ولم يجعله من الخصوصيات، ولم يجوز غيره من الأشياء، وتأيد ذلك بعمل الصحابي أيضًا، والظاهر عند علمائنا [عدم] الفرق، وفعله - ﷺ - كان لعلمه بالتخفيف وحيًا، ثم إن بريدة - ﵁ - فهم أنهما لما كانا سببي التخفيف\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٢/ ٦٠٠).\n(^٢) \"بذل المجهود\" (١/ ٢٣٦).\n(^٣) \"مراقي الفلاح\" (ص ٥١٦).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٤/ ٣٧٨).","vol":"3","page":231},{"text":"فقربهما بالميت أولى، وبهذا يحمل نسخة \"في قبره\"، ولعله قصد أن يوضع تحت التراب فوق الأحجار المسطحة على القبر، فعبر عنه البعض بلفظة: \"في\"، والبعض الآخر بـ \"على\"، انتهى. وبسط ابن الحاج في \"المدخل\" الكلام على وضع الجريدة، فارجع إليه لو شئت.\nقوله: (ورأى ابن عمر. . .) إلخ، تقدم ما قال ابن رُشيد يظهر من تصرف البخاري أن ذلك خاص بهما، ولذلك عقبه بقول ابن عمر: \"إنما يظله عمله\".\nوقوله: (وقال خارجة بن زيد. . .) إلخ، كتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): أورده لمناسبة أن القبر لا تعظيم له، كما هو ظاهر من عدم تظليل الفسطاط عليه، ثم إن هذه العبارة دالة على كثرة ارتفاع قبره مع أنه منهي عنه، والجواب: أن قبره كان على جرف السيل أو كان على مستوى من الأرض فشقه السيل، حتى صار القبر على حافة السيل، فكان يثقل على الواثب أن يثبه لا لارتفاعه في نفسه، بل لما يلزم من الوثوب إلى فوق، فتدبر، انتهى.\nوبسط الكلام في هامشه وفيه: قال ابن المنيِّر: أراد البخاري أن الذي ينفع أصحاب القبور هي الأعمال الصالحة، وأن علو البناء والجلوس عليه لا يضر بصورته، وإنما يضر بمعناه إذا تكلم القاعدون عليه بما يضر مثلًا، وقوله: \"أخذ بيدي خارجة. . .\" إلخ، وصله مسدد في \"مسنده الكبير\" وبيّن فيه سبب إخبار خارجة لحكيم (^٢) بذلك ولفظه: عن عثمان بن حكيم، حدثنا عبد الله بن سرجس وأبو سلمة بن عبد الرحمن أنهما سمعا أبا هريرة يقول: لأن أجلس على جمرة فتحرق ما دون لحمي حتى تفضي إلي، أحب إليّ من أن أجلس على قبر، قال عثمان: فرأيت خارجة بن زيد في المقابر فذكرت له ذلك فأخذ بيدي، الحديث، قال ابن رُشيد: الظاهر أن هذا الأثر والذي\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٤/ ٣٨١).\n(^٢) كذا في الأصل، والصواب بدله: \"لعثمان بن حكيم\": (ز).","vol":"3","page":232},{"text":"بعده من الباب الذي بعد هذا، وهو \"باب موعظة المحدث عند القبر\"، وكان بعض الرواة كتبه في غير موضعه، قال: وقد يتكلف له طريق يكون به من الباب، وهي الإشارة إلى أن ضرب الفسطاط إن كان لغرض صحيح كالتستر من الشمس مثلًا للحي لا لإظلال الميت فقط [جاز]، وكأنه يقول: إذا كان على القبر لغرض صحيح لا لقصد المباهاة جاز، كما يجوز القعود عليه لغرض صحيح لا لمن أحدث عليه، قال: والظاهر أن المراد بالحديث ههنا التغوط، ويحتمل أن يريد ما هو أعم من ذلك من إحداث ما لا يليق من الفحش قولًا وفعلًا لتأذي الميت بذلك، انتهى.\nقال الحافظ (^١): ويمكن أن يقال: هذه الآثار المذكورة في هذا الباب يحتاج إلى بيان مناسبتها للترجمة، وإلى مناسبة بعضها لبعض، وذلك أنه لم يذكر حكم وضع الجريدة، وذكر أثر بريدة وهو يؤذن بمشروعيتها، ثم أثر ابن عمر المشعر بأنه لا تأتير لما يوضع على القبر، بل التأثير للعمل الصالح، وظاهرهما التعارض، فلذلك أبهم حكم وضع الجريدة، قاله ابن المنيِّر. والذي يظهر من تصرفه ترجيح الوضع. ويجاب عن أثر ابن عمر بأن ضرب الفسطاط على القبر لم يرد فيه ما ينتفع به الميت بخلاف وضع الجريدة؛ لأن مشروعيتها ثبتت بفعله - ﷺ -، وإن كان بعض العلماء قال: إنها واقعة عين تحتمل الخصوصية، وأما الآثار الواردة في الجلوس على القبر فإن عموم قول ابن عمر: \"إنما يظله عمله\" يدخل فيه أنه كما لا ينتفع بتظليله ولو كان تعظيمًا له لا يتضرر بالجلوس عليه ولو كان تحقيرًا له، والله تعالى أعلم، انتهى.\nقال النووي: المراد بالجلوس القعود عند الجمهور، وقال مالك: المراد بالقعود الحدث، وهو تأويل ضعيف أو باطل، إلى آخر ما بسط في هامش \"اللامع\" (^٢).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٢٢٤).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٤/ ٣٨٢).","vol":"3","page":233},{"text":"(٨٢ -<span data-type='title' id=toc-1074> باب موعظة المحدث عند القبر. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^١): كأنه يشير إلى التفصيل بين أحوال القعود، فإن كان لمصلحة تتعلق بالحي أو الميت لم يكره، ويحمل النهي الوارد عن ذلك على ما يخالف ذلك، انتهى.\nقوله: (فقال الرجل يا رسول الله أفلا نتكل. . .) إلخ، كتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): حاصل السؤال أن المقدور يجعلنا مضطرين إلى ما هو مقدر فنؤول إليه بالآخرة فلا فائدة فيه إذًا. وأجيب بأنهم لا يتيسر لهم عدم العمل إذا كان المقدور هو العمل فلا يمكن تركه، انتهى. وبسط في هامشه الكلام عليه.\n\n(٨٣ -<span data-type='title' id=toc-1075> باب ما جاء في قاتل النفس)</span>\nقال الحافظ (^٣): قال ابن رُشيد: مقصود الترجمة حكم قاتل النفس، والمذكور في الباب حكم قاتل نفسه، فهو أخص من الترجمة، ولكنه أراد أن يلحق بقاتل نفسه قاتل غيره من باب الأولى؛ لأنه إذا كان قاتل نفسه الذي لم يتعد ظلم نفسه ثبت فيه الوعيد الشديد فأولى من ظلم غيره بإفاتة نفسه، قال ابن المنيِّر: عادة البخاري إذا توقف في شيء ترجم عليه ترجمة مبهمة كأنه ينبِّه على طريق الاجتهاد، وقد نقل عن مالك أن قاتل النفس لا تقبل توبته، ومقتضاه أن لا يصلى عليه، وهو نفس قول البخاري.\nقال الحافظ: لعل البخاري أشار بذلك إلى ما رواه أصحاب السنن من حديث جابر بن سمرة: \"أن النبي - ﷺ - أتي برجل قتل نفسه بمشاقص فلم يصل عليه\"، وفي رواية للنسائي: \"أما أنا فلا أصلي عليه\"، لكنه لما لم يكن على شرطه أومأ إليه بهذه الترجمة، وأورد فيها ما يشبه من قصة قاتل نفسه، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٢٢٥).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٤/ ٣٨٨).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٣/ ٢٢٧).","vol":"3","page":234},{"text":"قلت: والعجب من الحافظ أنه عزا حديث جابر بن سمرة المذكور إلى أصحاب السنن وهو موجود في آخر \"كتاب الجنائز\" من \"صحيح مسلم\"، قال العيني (^١): قال ابن بطال في قوله: \"من قتل نفسه بحديدة\" أجمع الفقهاء وأهل السُّنَّة على أن من قتل نفسه أنه لا يخرج بذلك من الإسلام، وأنه يصلى عليه وإثمه عليه، كما قال مالك، ولم يكره الصلاة عليه إلا عمر بن عبد العزيز والأوزاعي، قال العيني: قال أبو يوسف: لا يصلى على قاتل نفسه، وعند أبي حنيفة ومحمد: يصلى عليه، انتهى.\nقال النووي (^٢): وأجاب الجمهور عن هذا الحديث بأن النبي - ﷺ - لم يصل عليه بنفسه زجرًا للناس عن مثل فعله، وصلَّت عليه الصحابة، وهذا كما ترك النبي - ﷺ - الصلاة في أول الأمر على من عليه دينٌ زجرًا لهم عن التساهل في الاستدانة، وأمر أصحابه بالصلاة عليه، فقال: \"صلوا على صاحبكم\"، انتهى.\nقلت: ويؤيد مذهب الجمهور ما تقدم من رواية النسائي: \"أما أنا فلا أصلي\".\n\n(٨٤ -<span data-type='title' id=toc-1076> باب ما يكره من الصلاة على المنافقين. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع (^٣): فمن علم منه الشرك والكفر لم يجز له الاستغفار، ومن لم يعلم منه جاز ذلك، والنبي - ﷺ - استغفر له مع العلم بنفاقه لعدم نزول النهي الصريح بعد، انتهى.\nقال الحافظ (^٤): قال الزين ابن المنيِّر: عدل عن قوله: كراهة الصلاة على المنافقين لينبه على [أن] الامتناع من طلب المغفرة لمن لا يستحقها، لا من جهة العبادة الواقعة من صورة الصلاة، فقد تكون العبادة طاعة من وجه معصية من وجه، والله أعلم.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٦/ ٢٦٢).\n(^٢) \"المنهاج\" (٧/ ٤٧).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٤/ ٣٨٩).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٣/ ٢٢٨).","vol":"3","page":235},{"text":"وقوله: (رواه ابن عمر) كأنه يشير إلى حديثه في قصة الصلاة على عبد الله بن أُبي أيضًا، وقد تقدم في \"باب القميص الذي يكف\"، انتهى. وسيأتي حديث الباب أيضًا في التفسير.\nوقال العيني (^١): ليس في حديث الباب ما يدل على النهي عن الاستغفار للمشركين.\nقلت: في قوله: \"حتى نزلت الآيات\" ما يدل على ذلك؛ لأن من جملة الآيات قوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ الآية [التوبة: ٨٠]، وقوله: ﴿فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ يدل على منع الاستغفار لهم، انتهى.\nقلت: وقول العيني: قوله: \"حتى نزلت الآيات\" هكذا في نسخته، وأما في نسخة الفتح والقسطلاني وكذا الهندية الآيتان بلفظ التثنية، وقال القسطلاني (^٢) تحت حديث الباب: فنهى عن الصلاة لأن المراد منها الدعاء للميت والاستغفار له، وهو ممنوع في حق الكافر، انتهى. وهذا هو الأوجه عندي.\n\n(٨٥ -<span data-type='title' id=toc-1077> باب ثناء الناس على الميت)</span>\nقال الحافظ (^٣): أي: مشروعيته وجوازه مطلقًا بخلاف الحي؛ فإنه منهي عنه إذا أفضى إلى الإطراء خشية عليه من الزهو، أشار إلى ذلك ابن المنيِّر، انتهى.\nقلت: ويمكن أن يكون إشارة إلى مندوبيته، وحديث الباب مشعر بجواز كلا الأمرين المدح والذم مع أن لفظ الترجمة يشير إلى ترجيح الثناء، فلعله أشار إلى ما ورد من قوله - ﷺ -: \"اذكروا محاسن موتاكم وكفوا عن مساويهم\" أخرجه (^٤) أبو داود والترمذي وغيرهما، ولما لم يكن على شرطه أشار إليه.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٦/ ٢٦٥).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٣/ ٥٢١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٣/ ٢٢٩).\n(^٤) \"سنن أبي داود\" (ح: ٤٩٠٠)، و\"سنن الترمذي\" (ح: ١٠١٩).","vol":"3","page":236},{"text":"(٨٦ -<span data-type='title' id=toc-1078> باب ما جاء في عذاب القبر)</span>\nقال الحافظ (^١): لم يتعرض المصنف في الترجمة لكون عذاب القبر يقع على الروح فقط أو عليها وعلى الجسد، وفيه خلاف شهير عند المتكلمين، وكأنه تركه لأن الأدلة التي يرضاها ليست قاطعة في أحد الأمرين فلم يتقلد الحكم في ذلك، واكتفى بإثبات وجوده، خلافًا لمن نفاه مطلقًا من الخوارج وبعض المعتزلة، وخالفهم في ذلك أكثر المعتزلة وجميع أهل السُّنَّة وغيرهم، وأكثروا من الاحتجاج له، وذهب بعض المعتزلة كالجبائي إلى أنه يقع على الكفار دون المؤمنين، وبعض الأحاديث الآتية ترد عليهم.\nوقال الحافظ أيضًا: وكأن المصنف قدم ذكر هذه الآية لينبِّه على ثبوت ذكره في القرآن، خلافًا لمن رده، وزعم أنه لم يرد ذكره إلا من أخبار الأحاد.\nوقال الحافظ أيضًا: وهل يختص عذاب القبر بهذه الأمة أم وقعت على الأمم قبلها؟ ظاهر الأحاديث الأول، وبه جزم الحكم الترمذي وقال: كانت الأمم قبل هذه الأمة تأتيهم الرسل، فإن أطاعوا فذاك، وإن أبو اعتزلوهم وعجلوا بالعذاب، فلما أرسل الله محمدًا رحمة للعالمين أمسك عنهم العذاب، وقبل الإسلام ممن أظهره سواء أسرَّ الكفر أو لا، فلما ماتوا قيَّض الله لهم فتَّاني القبر ليستخرج سرهم بالسؤال وليميز الخبيث من الطيب، ويثبت الله الذي آمنوا ويضل الله الظالمين، انتهى.\nقال الحافظ: ويؤيده حديث زيد بن ثابت مرفوعًا \"إن هذه الأمة تبتلى في قبورها\" الحديث أخرجه مسلم.\nوقال القسطلاني (^٢): قد تظاهرت الأدلة من الكتاب والسُّنَّة على ثبوته، وأجمع عليه أهل السُّنَّة، ولا مانع في العقل أن يعيد الله الحياة في\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٢٣٣).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٣/ ٥٢٥).","vol":"3","page":237},{"text":"جزء من الجسد، أو في جميعه على الخلاف المعروف، وإذا لم يمنعه العقل وورد به الشرع وجب قبوله واعتقاده، ولا يمنع من ذلك كون الميت قد تفرقت أجزاؤه أو أكلت السباع أو الطيور وحيتان البحر، كما أن الله تعالى يعيده للحشر، وهو - ﷾ - قادر على ذلك، فلا يستبعد تعلق روح الشخص الواحد في آن واحد بكل واحد من أجزائه المتفرقة في المشارق والمغارب، فإن تعلقه ليس على سبيل الحلول حتى يمنعه الحلول في جزء من الحلول في غيره. . . إلى آخر ما قال.\nثم قال الحافظ (^١): وجه إدخال حديث ابن عمر وما عارضه من حديث عائشة في ترجمة عذاب القبر أنه لما ثبت من سماع أهل القليب كلامه وتوبيخه لهم دل إدراكهم الكلام بحاسة السمع على جواز إدراكهم ألم العذاب ببقية الحواس، بل بالذات، إذ الجامع بينهما وبين بقية الأحاديث أن المصنف أشار إلى طريق من طرق الجمع بين حديثي ابن عمر وعائشة بحمل حديث ابن عمر على أن مخاطبة أهل القليب وقعت وقت المسألة، وحينئذ كانت الروح قد أعيدت إلى الجسد، وأما إنكار عائشة فمحمول على غير وقت المسألة فيتفق الخبران، انتهى.\nفائدة: وفي \"الحاوي\" للسيوطي رسالة في أن فتنة القبر سبعة أيام، وله رسالة أخرى في أن سؤال الملكين في القبر عام أو خاص.\n\n(٨٧ -<span data-type='title' id=toc-1079> باب التعوُّذ من عذاب القبر)</span>\nقال ابن المنيِّر: أحاديث هذا الباب تدخل في الباب الذي قبله، وإنما أفردها عنها؛ لأن الباب الأول معقود لثبوته ردًا على من أنكره، والثاني لبيان ما ينبغي اعتماده في مدة الحياة من التوسل إلى الله بالنجاة منه والابتهال إليه في الصرف عنه، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٢٣٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٢٤١).","vol":"3","page":238},{"text":"قال القسطلاني (^١) في أول أحاديث الباب: ومناسبته للترجمة من حيث إن كل من سمع مثل ذلك الصوت يتعوّذ من مثله، أو الحديث من الباب السابق، وأدخله هنا بعض النساخ، انتهى. ونحوه في \"الفتح\".\n\n(٨٨ -<span data-type='title' id=toc-1080> باب عذاب القبر من الغيبة والبول)</span>\nقال الحافظ (^٢): قال ابن المنيِّر: المراد بتخصيص هذين الأمرين بالذكر تعظيم أمرهما، لا نفي الحكم عما عداهما، فعلى هذا لا يلزم من ذكرهما حصر عذاب القبر فيهما، لكن الظاهر من الاقتصار على ذكرهما أنهما أمكن في ذلك من غيره، وقد روى أصحاب السنن من حديث أبي هريرة: \"استنزهوا من البول؛ فإن عامة عذاب القبر منه\"، انتهى.\nقوله: (بالنميمة) هو موضع الترجمة من حيث إن الغيبة من لوازمها، وقيل: مفسدة النميمة أشد فلا يصح الإلحاق إلا أن يقال: إن المحل محل التحذير، فينبغي الاحتراز عنه، ولما وقع في بعض طرق هذا الحديث بلفظ: \"الغيبة\"، ومن عادة البخاري الإشارة إلى ما ورد في بعض الطرق، انتهى من \"العيني\" (^٣) و\"الفتح\"، واستظهر هذا الأخير الحافظ ابن حجر.\nوقال السندي (^٤): النميمة عادة لا تكون إلا بإظهار ما لا يحب صاحبه إظهاره بالغيب وهو حقيقة الغيبة، وكأن النميمة من أفراد الغيبة، ولذلك عبَّر عنها في الترجمة باسم الغيبة، انتهى.\n\n(٨٩ -<span data-type='title' id=toc-1081> باب الميت يعرض عليه مقعده بالغداة والعشي)</span>\nقال القرطبي: يجوز أن يكون هذا العرض على الروح فقط، ويجوز أن يكون عليه مع جزء من البدن، قال: والمراد بالغداة والعشي وقتهما وإلا\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٣/ ٥٣٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٢٤٢).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٦/ ٢٨٦)، و\"فتح الباري\" (٣/ ٢٤٢).\n(^٤) \"حاشية السندي\" (١/ ٢٣٩).","vol":"3","page":239},{"text":"فالموتى لا صباح عندهم ولا مساء، ثم هو مخصوص بغير الشهداء؛ لأنهم أحياء وأرواحهم تسرح في الجنة، ويحتمل أن يقال: إن فائدة العرض في حقهم تبشير أرواحهم باستقرارها في الجنة مقترنة بأجسادها، فإن فيه قدرًا زائدًا على ما هي فيه الآن، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(٩٠ -<span data-type='title' id=toc-1082> باب كلام الميت على الجنازة)</span>\nقال الحافظ (^٢): أي: بعد حملها، أورد فيه حديث أبي سعيد، وقد تقدم الكلام عليه قبل بضعة وثلاثين بابًا، وترجم له: \"قول الميت - وهو على الجنازة -: قدموني\"، انتهى.\nقلت: تقدم الكلام على الترجمتين هناك بالبسط فارجع إليه لو شئت.\n\n(٩١ -<span data-type='title' id=toc-1083> باب ما قيل في أولاد المسلمين)</span>\nقال الحافظ (^٣): أي: غير البالغين، قال ابن المنيِّر، تقدم في أوائل \"الجنائز\" ترجمة: \"من مات له ولد فاحتسب\"، وفيها الحديث المصدّر به، إنما ترجم بهذه لمعرفة مآل الأولاد، ووجه انتزاع ذلك أن من يكون سببًا في حجب النار عن أبويه أولى بأن يحجب هو؛ لأنه أصل الرحمة وسببها، وقال النووي: أجمع من يعتد به من علماء المسلمين على أن من مات من أطفال المسلمين فهو من أهل الجنة، وتوقف فيه بعضهم لحديث عائشة، يعني الذي أخرجه مسلم (^٤) بلفظ: \"توفي صبي من الأنصار فقلت: طوبى له لم يعمل سوءًا ولم يدركه، فقال النبي - ﷺ -: أو غير ذلك يا عائشة! إن الله خلق للجنة أهلًا\" الحديث، والجواب عنه: أنه لعله نهاها عن المسارعة إلى القطع من غير دليل، أو قال ذلك قبل أن يعلم أن أطفال المسلمين في الجنة، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٢٤٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٢٤٤).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٣/ ٢٤٤).\n(^٤) \"صحيح مسلم\" (٢٦٦٢).","vol":"3","page":240},{"text":"وقال المازري: الخلاف في غير أولاد الأنبياء، قال الحافظ: ولعل البخاري أشار إلى ما ورد في بعض طرق حديث أبي هريرة فإن فيه التصريح بإدخال الأولاد الجنة مع آبائهم، وروى عبد الله بن أحمد في \"زيادات المسند\" عن علي مرفوعًا: \"إن المسلمين وأولادهم في الجنة، وإن المشركين وأولادهم في النار\" ثم قرأ ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ﴾ الآية [الطور: ٢١]، وهذا أصح ما ورد في تفسير هذه الآية، وبه جزم ابن عباس، انتهى.\nوفي \"الفيض\" (^١): وانعقد الإجماع على نجاة أولاد المسلمين، وقال مولانا النانوتوي رحمه الله تعالى: إن مقتضى الأدلة التوقّف فيهم أيضًا، انتهى.\nقلت: لعل المصنف أشار في الترجمة بقوله: \"ما قيل\" إلى اختلاف الروايات في ذلك، وهكذا صنع في الترجمة الآتية، فبعض الروايات تدل جزمًا على كونهم من أهل الجنة، ففي \"المشكاة\" برواية أبي داود (^٢) عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: \"قلت: يا رسول الله! ذراري المؤمنين؟ قال: من آبائهم، فقلت: يا رسول الله! بلا عمل؟ قال: الله أعلم بما كانوا عاملين\". وبعض الروايات يشير إلى التردد وعدم الجزم كما تقدم في كلام الحافظ من رواية مسلم، وكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): قوله: \"إن له مرضعًا في الجنة\" وهذا من خصائصه - ﷺ -، انتهى.\nوقال السندي (^٤): كأنه من باب التشريف لا لأن الجنة يحتاج الصغير فيها إلى تربية ورضاعة، والله أعلم، انتهى.\n\n(٩٢ -<span data-type='title' id=toc-1084> باب ما قيل في أولاد المشركين)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٥): ظاهر صنيع المؤلف من إيراد حديث الفطرة عقيب الرواية التي ظاهرها التوقف، وإن كان المراد نفي الاستحقاق\n_________\n(^١) \"فيض الباري\" (٢/ ٤٩٢).\n(^٢) \"سنن أبي داود\" (٤٧١٢).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٤/ ٣٩٥).\n(^٤) \"حاشية السندي\" (١/ ٢٤٠).\n(^٥) \"لامع الدراري\" (٤/ ٤٩٨).","vol":"3","page":241},{"text":"المترتب على العمل لا مطلقه، ثم إيراد رواية إبراهيم - ﵇ - مشعر بأنه اختار ما اخترناه من أن هؤلاء يدخلون الجنة أيضًا، والله أعلم، انتهى.\nوفي هامشه عن \"شرح المسايرة\" لابن أبي شريف: وقد ضعف أبو البركات النسفي رواية التوقف عن أبي حنيفة، وقال: الرواية الصحيحة عنه أنهم في المشيئة لظاهر الحديث الصحيح: \"الله أعلم بما كانوا عاملين\"، انتهى.\nقال الحافظ (^١): هذه الترجمة تشعر أيضًا بأنه كان متوقفًا في ذلك، وقد جزم بعد هذا في تفسير سورة الروم بما يدل على اختيار القول الصائر إلى أنهم في الجنة، وقد رتب أيضًا أحاديث هذا الباب ترتيبًا يشير إلى المذهب المختار، فإنه صدّره بالحديث الدالِّ على التوقف، ثم ثنَّى بالحديث المرجح لكونهم في الجنة، ثم ثلَّث بالحديث المصرّح بذلك؛ فإن قوله في سياقه: \"وأما الصبيان حوله فأولاد الناس\" قد أخرجه في \"التعبير\" بلفظ: \"وأما الولدان الذين حوله، فكل مولود يولد على الفطرة، فقال بعض المسلمين: وأولاد المشركين؟ فقال: وأولاد المشركين\"، واختلف العلماء قديمًا وحديثًا في هذه المسألة على أقوال، ثم ذكر الحافظ عشرة أقوال:\nمنها: أنهم في مشيئة الله تعالى، وهو منقول عن ابن المبارك وإسحاق، ونقله البيهقي عن الشافعي، قال ابن عبد البر: وهو مقتضى صنيع مالك، والحجة فيه قوله - ﷺ -: \"الله أعلم بما كانوا عاملين\".\nومنها: أنهم في الجنة، قال النووي: وهو المذهب الصحيح المختار الذي صار إليه المحققون لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وإذا كان لا يعذب العاقل لكونه لم تبلغه الدعوة فلأن لا يعذب غير العاقل من باب الأولى.\nومنها: الوقف، ومنها: الإمساك، وفي الفرق بينهما دقة، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٢٤٦).","vol":"3","page":242},{"text":"وذكر في هامش \"اللامع\" ههنا اثني عشر قولًا، وذكر فيه أيضًا الفرق بين التوقف والإمساك بأنه لا يبعد أن يقال: إن التوقف عدم الجزم بشيء لتعارض الأدلة، والثاني عدم الكلام في المسألة، ويستأنس ذلك من كلام ابن كثير في \"تفسيره\": كره جماعة من العلماء الكلام فيها، انتهى.\nوفي \"الفيض\" (^١): نقل عن أبي حنيفة التوقف، صرَّح النسفي في \"الكافي\" أن المراد بالتوقف في الحكم الكلي، فبعضهم ناج، وبعضهم هالك، لا بمعنى عدم العلم أو عدم الحكم بشيء، وهو مذهب مالك صرح به أبو عمرو في \"التمهيد\"، وإليه ذهب الشافعي كما صرح به الحافظ، وعن أحمد روايتان، واختار الحافظ ابن القيم النجاة كما في \"شفاء العليل\"، وهو الذي نسبه إلى ابن تيمية، إلى آخر ما بسطه، وسرد الحافظ ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ الأحاديث الواردة في أولاد المشركين، فارجع إليه لو شئت.\n\n(٩٣ -<span data-type='title' id=toc-1085> باب)</span>\nبلا ترجمة، كذا ثبت لجميعهم إلا لأبي ذر، وهو كالفصل من الباب الذي قبله، وتعلق الحديث به ظاهر من قوله في حديث سمرة المذكور: \"والشيخ في أصل الشجرة إبراهيم، والصبيان حوله أولاد الناس\"؛ فإن الناس في قوله عام يشمل المؤمنين وغيرهم، وقد تقدم التنبيه على أنه أورده في \"التعبير\" بزيادة: \"قالوا: وأولاد المشركين؟ فقال: وأولاد المشركين\"، انتهى من \"الفتح\" (^٢) والقسطلاني.\nوفي \"الفيض\" (^٣): قوله: \"باب\" أحال الفصل إلى الناظرين، ولم يترجم بشيء وذكر مادته فقط، انتهى.\n_________\n(^١) \"فيض الباري\" (٢/ ٤٩٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٢٥٢)، و\"إرشاد الساري\" (٣/ ٥٥٣).\n(^٣) \"فيض الباري\" (٢/ ٤٩٣).","vol":"3","page":243},{"text":"ورقم عليه في جداول شيخ الهند - ﵀ - رمز بتـ نقطتين فهو إشارة إلى أن الحديث الذي فيه يتعلق بالباب السابق.\n\n(٩٤ -<span data-type='title' id=toc-1086> باب موت يوم الاثنين)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): يعني بذلك: جواز تمني موته كما وقع لأبي بكر، وإن لم يحصل له ذلك لوقوعه في ليلة يوم الثلاثاء، نعم لم يفته الاتصال ومداناة الوقت؛ فإن فصل ما بين يوم اثنين وليلة الثلاثاء غير معتد به، انتهى.\nوفي هامشه: قال الحافظ (^٢): ولابن سعد عن عائشة: \"أول بدء مرض أبي بكر أنه اغتسل يوم الاثنين لسبع خلون من جمادى الآخرة، وكان يومًا باردًا، فَحُمَّ خمسة عشر يومًا، ومات مساء ليلة الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة\"، وأشار الزين بن المنيِّر إلى أن الحكمة في تأخر وفاته من يوم الاثنين مع أنه كان يحب ذلك ويرغب فيه لكونه قام في الأمر بعد النبي - ﷺ -، فناسب أن تكون وفاته متأخرة عن الوقت الذي قبض فيه رسول الله - ﷺ -، انتهى.\nقال العيني (^٣): وتوفي أبو بكر ليلة الثلاثاء بين المغرب والعشاء الآخرة، وقيل: توفي يوم الجمعة، وقيل: ليلة الجمعة، والأول أصح، انتهى مختصرًا.\nوقال الحافظ (^٤): قال ابن المنيِّر: وكأن الخبر الذي ورد في فضل الموت يوم الجمعة لم يصح عند البخاري، فاقتصر على ما وافق شرطه، وأشار إلى ترجيحه على غيره، والحديث الذي أشار إليه أخرجه الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا: \"ما من مسلم يموت يوم الجمعة أو ليلة الجمعة إلا وقاه الله فتنة القبر\" وفي إسناده ضعف، وأخرجه أبو يعلى من حديث أنس، وإسناده أضعف، انتهى.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٤/ ٤٠٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٢٥٣).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٦/ ٣٠١).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٣/ ٢٥٣).","vol":"3","page":244},{"text":"(٩٥ -<span data-type='title' id=toc-1087> باب موت الفجاءة البغتة. . .) إلخ</span>\nقال ابن رُشيد (^١): هو مضبوط بالكسر على البدل، ويجوز الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هي البغتة، ووقع في رواية الكشميهني: \"بغتة\". والفجاءة بضم الفاء وبعد الجيم مد ثم همز، ويروى بفتح، ثم سكون بغير مد، وهي الهجوم على من لم يشعر به، وموت الفجأة وقوعه بغير سبب من مرض وغيره.\nقال ابن رُشيد: مقصود المصنف الإشارة إلى أنه ليس بمكروه؛ لأنه - ﷺ - لم يظهر منه كراهيته لما أخبره الرجل بأن أمه افتلتت نفسها، وأشار إلى ما رواه أبو داود بلفظ: \"موت الفجأة أخذة أسف\"، وفي إسناده مقال، فجرى على عادته في الترجمة بما لم يوافق شرطه، وإدخال ما يومئ إلى ذلك ولو من طرف خفي، انتهى.\nقال ابن بطال (^٢): وكأن ذلك - والله أعلم - لما في موت الفجأة من خوف حرمان الوصية، وترك الاستعداد للمعاد بالتوبة وغيرها من الأعمال الصالحة، وفي \"مصنف ابن أبي شيبة\" عن عائشة وابن مسعود: \"موت الفجأة راحة للمؤمن وأسف على الفاجر\"، وقال ابن المنيِّر: لعل البخاري أراد بهذه الترجمة أن من مات فجأة فليستدرك ولده من أعمال البر ما أمكنه مما يقبل النيابة، كما وقع في حديث الباب. ونقل عن أحمد وبعض الشافعية كراهة موت الفجأة، ونقل النووي عن بعض القدماء أن جماعة من الأنبياء والصالحين ماتوا كذلك، قال النووي: وهو محبوب للمراقبين. قلت: وبذلك يجتمع القولان (^٣)، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٢٥٤).\n(^٢) \"شرح ابن بطال\" (٣/ ٣٧٨).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٣/ ٢٥٤ - ٢٥٥).","vol":"3","page":245},{"text":"(٩٦ -<span data-type='title' id=toc-1088> باب ما جاء في قبر النبي - ﷺ - وأبي بكر وعمر. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^١): قال ابن رُشيد: قال بعضهم: مراده بقوله: \"قبر النبي - ﷺ -\" المصدر من: قبرته قبرًا، والأظهر عندي أنه أراد الاسم، ومقصوده بيان صفته من كونه مسنمًا أو غير مسنم، وغير ذلك مما يتعلق بعضه ببعض.\nقوله: (مسنمًا) قال الحافظ: أي: مرتفعًا، زاد أبو نعيم في \"المستخرج\": \"وقبر أبي بكر وعمر كذلك\"، واستدل به على أن المستحب تسنيم القبور، وهو قول أبي حنيفة ومالك وأحمد والمزني وكثير من الشافعية، وادعى القاضي حسين اتفاق الأصحاب عليه، وتعقب بأن جماعة من قدماء الشافعية استحبوا التسطيح كما نص عليه الشافعي، وبه جزم الماوردي وآخرون، وقول سفيان التمار لا حجة فيه كما قال البيهقي: لاحتمال أن قبره - ﷺ - لم يكن في الأول مسنّمًا لحديث أبي داود (^٢)، قال القاسم بن محمد: \"دخلت على عائشة فقلت: يا أمه! اكشفي لي عن قبر رسول الله - ﷺ - وصاحبيه، فكشفت له عن ثلاثة قبور لا مشرّفة ولا لاطئة، مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء\" وهذا كان في خلافة معاوية، فكأنها كانت في الأول مسطحة، ثم لما بني جدار القبر في إمارة عمر بن عبد العزيز على المدينة من قبل الوليد بن عبد الملك صيروها مرتفعة، وقد روى أبو بكر الآجري في \"كتاب صفة قبر النبي - ﷺ -\" عن غنيم بن بسطام المديني قال: رأيت قبر النبي - ﷺ - في إمارة عمر بن عبد العزيز فرأيته مرتفعًا نحوًا من أربع أصابع، ثم الاختلاف في ذلك في أيهما أفضل لا في أصل الجواز، انتهى مختصرًا.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٢٥٦).\n(^٢) \"سنن أبي داود\" (ح: ٣٢٢٠).","vol":"3","page":246},{"text":"(٩٧ -<span data-type='title' id=toc-1089> باب ما ينهى من سبّ الأموات)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): المراد بالسب المنهي عنه ما لم يتضمن منفعة دينية كمن مات ولم يعلم بحاله أحد حتى يتبع، فنشر مساويه مما لا ينفعه ولا يجديه، وكذلك من كان من أهل الصلاح والتقى فذكره بمساءة يضره في آخرته ويرديه. فأما من مات ونقل منه خصال يخاف عليها اتباع الناس إياه فيها فإن ذكر شرارته وما كان من أحواله لا ضير فيه؛ لأن ذكر ذلك يردعهم من اتباعه فيما نقل عنه؛ لأن اتباعهم به لم يكن إلا لظنهم به خيرًا، وللإشارة إلى أن مطلق ذكر مساوي الموتى غير منهي عنه، أورد عقيبه \"<span data-type='title' id=toc-1090>باب ذكر شرار الموتى</span>\"، انتهى.\nقال الحافظ (^٢): قال ابن المنيِّر: لفظ الترجمة يشعر بانقسام السب إلى منهي وغير منهي، ولفظ الخبر مضمونه النهي عن السب مطلقًا، والجواب: أن عمومه مخصوص بحديث أنس السابق حيث قال - ﷺ - عند ثنائهم بالخير وبالشر: \"وجبت\"، ولم ينكر عليهم، ويحتمل أن اللام في الأموات عهدية، والمراد به المسلمون؛ لأن الكفار مما يتقرب إلى الله بسبِّهم، وقال القرطبي في الكلام على حديث \"وجبت\": يحتمل أجوبة، الأول: أن الذي كان يحدث عنه بالشر كان مستظهرًا به فيكون من باب لا غيبة لفاسق أو كان منافقًا، وثانيها: يحمل النهي على ما بعد الدفن، والجواز على ما قبله ليتعظ به من يسمعه، وثالثها: يكون النهي العام متأخرًا فيكون ناسخًا، وهذا ضعيف. . . إلى آخر ما بسطه.\n\n(٩٨ - باب ذكر شرار الموتى)\nتقدم في الباب قبله من شرح ذلك ما فيه كفاية، وحديث الباب أورده هنا مختصرًا، وسيأتي مطولًا في تفسير الشعراء، قاله الحافظ (^٣).\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٤/ ٤١٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٢٥٨).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٣/ ٢٦٠).","vol":"3","page":247},{"text":"وفي تقرير مولانا محمد حسن المكي: عقب باب النهي عن سب الأموات بهذا الباب إشارة إلى أن الأموات الشرار مستثنى عنه، كما هو دأبه في أكثر الأبواب، انتهى.\nقال الحافظ في الباب المتقدم عن ابن رُشيد: ولما كان المتن قد يشعر بالعموم أتبعه بالترجمة التي بعده، انتهى.\nوتقدم مثله من كلام الشيخ أيضًا.\nثم براعة الاختتام عند الحافظ في قوله: فنزلت ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ وهو من التباب ومعناه الهلاك.\nقلت: وكذا هذا الباب الأخير لوجود لفظ الموتى فيه صريحًا، بل كتاب الجنائز كله مذكر للموت.\n* * *","vol":"3","page":248},{"text":"٢٤ -<span data-type='title' id=toc-1091> كتاب الزكاة </span>(^١)\nقال الحافظ (^٢): ولأكثر الرواة \"باب\" بدل كتاب، وسقط ذلك لأبي ذر فلم يقل باب ولا كتاب، انتهى.\nقال العيني (^٣): إنما ذكر كتاب الزكاة عقيب الصلاة من حيث إن الزكاة ثالثة الإيمان وثانية الصلاة في الكتاب والسُّنَّة، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣]، وأما السُّنَّة فقوله - ﷺ -: \"بني الإسلام على خمس. . .\" الحديث، انتهى.\nوذكر في \"الأوجز\" (^٤) في مبدأ \"كتاب الزكاة\" عدة أبحاث مفيدة لطيفة ينبغي الرجوع إليها:\nالأول: أن الزكاة لغةً: النماء وترد بمعنى التطهير أيضًا، وشرعًا بالاعتبارين معًا، أما بالأول فلأن إخراجها سبب للنماء في المال، وأما بالثاني فلأنها طهرة للنفس من رذيلة البخل.\nالثاني: اختلفت نصوص الفروع للأئمة الأربعة في تعريفه شرعًا، ونكتفي ههنا على ما في فروع الحنفية اختصارًا، ففي \"الدر المختار\" (^٥): هي شرعًا تمليك جزء مال عينه الشارع وهو ربع عشر نصاب حولي من مسلم فقير\n_________\n(^١) وجد بخط الشيخ المؤلف مد ظله على مسودته هنا عبارة، ولفظها: قد استوعبت النظر إلى ههنا على الشروح الثلاثة من \"الفتح\" و\"العيني\" و\"القسطلاني\" جمادى الأولى سنة تسع وأربعين بعد ثلاثمائة وألف، ولكن بعد ذلك لبدء الضعف وكثرة الاشتغال ترك النظر بالالتزام على بعض من الشروح؛ عاقل.\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٢٦٢).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٦/ ٣٢٠).\n(^٤) \"أوجز المسالك\" (٥/ ٤٨٣).\n(^٥) (٣/ ١٧١).","vol":"3","page":249},{"text":"غير هاشمي ولا مولاه مع قطع المنفعة عن الملك من كل وجه لله تعالى.\nالثالث: ما في \"الدر المختار\" أنها: لا تجب على الأنبياء إجماعًا، وبذلك صرح غير واحد من العلماء، وذكر في \"الأوجز\" سبب عدم وجوبها عليهم.\nالرابع: في حكم الزكاة، وقد أجاد الكلام عليها الشيخ ابن القيم في \"الهدي\" (^١)، وكذلك شيخ مشايخنا الدهلوي في \"حجة الله البالغة\" (^٢).\nالخامس: في بدء فرضيتها وسيأتي في الباب الآتي.\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-1092> باب وجوب الزكاة وقول الله - ﷿ -: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ. . .﴾) إلخ</span>\nأشار بهذا الباب إلى البحث الخامس وهو بدء فرضية الزكاة. قال الحافظ (^٣): ذهب الأكثر إلى أنه وقع بعد الهجرة، فقيل: كان في الثانية قبل فرض رمضان، وجزم ابن الأثير في \"التاريخ\" أنه كان في التاسعة، وفيه نظر فقد ورد في حديث ضمام بن ثعلبة وفي حديث وفد عبد القيس وغير ذلك ذكر الزكاة، ولكن يمكن تأويل كل ذلك. وادعى ابن خزيمة في \"صحيحه\" أن فرضها كان قبل الهجرة. ووقع في \"تاريخ الإسلام\": في السنة الأولى فرضت الزكاة. والمعتمد أنها فرضت بمكة إجمالًا وبيّنت بالمدينة تفصيلًا. وفي \"شرح الإقناع\" (^٤): فرضت في الثانية بعد زكاة الفطر، واختلفوا في أيِّ شهر منها، والمشهور في شوال من السنة المذكورة، انتهى من هامش \"اللامع\".\nولا يبعد عندي: أن يكون مختار البخاري هو ما اختاره ابن خزيمة وهو أن فرضيتها قبل الهجرة، إذ ذكر قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا\n_________\n(^١) انظر: \"زاد المعاد\" (١/ ١٤٥ - ١٤٦).\n(^٢) \"حجة الله البالغة\" (٢/ ٣٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٣/ ٢٦٦).\n(^٤) \"شرح الإقناع\" (٢/ ٣١٣).","vol":"3","page":250},{"text":"الزَّكَاةَ﴾ الآية [٢٠]، وهي في سورة المزمل وهي مكيَّة على القول المشهور وذكر فيه الخلاف في هامش \"اللامع\" في مبدإ \"كتاب التهجد\"، وأيضًا ذكر المصنف فيه حديث أبي سفيان في قصة هرقل.\nقال الحافظ (^١) تحت قول البخاري في مبدإ \"كتاب الصلاة\": \"حدثني أبو سفيان في حديث هرقل، فقال: يأمرنا النبي - ﷺ - بالصلاة. . .\" إلخ: هذا طرف من حديث أبي سفيان المتقدم موصولًا في \"بدء الوحي\"، والقائل \"يأمرنا\" هو أبو سفيان، ومناسبته لهذه الترجمة أن فيه إشارة إلى أن أبا سفيان لم يلق النبي - ﷺ - بعد الهجرة إلى الوقت الذي اجتمع فيه بهرقل لقاء يتهيأ له معه أن يكون آمرًا له بطريق الحقيقة، انتهى.\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-1093> باب البيعة على إيتاء الزكاة. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٢): قال ابن المنيِّر: هذه الترجمة أخص من التي قبلها، لتضمنها أن بيعة الإسلام لا تتم إلا بالتزام إيتاء الزكاة، وأن مانعها ناقض لعهده مبطل لبيعته فهو أخص من الإيجاب؛ لأن كل ما تضمنته بيعة النبي - ﷺ - واجب وليس كل واجب تضمنته بيعته، وموضع التخصيص: الاهتمام والاعتناء بالذكر حال البيعة. قال: وأتبع المصنف الترجمة بالآية معتضدًا بحكمها؛ لأنها تضمنت أنه لا يدخل في التوبة من الكفر وينال أخوة المؤمنين في الدين إلا من أقام الصلاة وآتى الزكاة، انتهى.\nقلت: والأوجه عندي: أن بينهما عمومًا وخصوصًا من وجه؛ لأن بعض الخصال الواردة في روايات البيعة ليس بواجب، كبيعة النساء على أن لا نحدث الرجال إلا محرمًا كما في \"الدر المنثور\" والبيعة على ترك السؤال ولو سقط السوط ونحو ذلك.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٤٦٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٢٦٧).","vol":"3","page":251},{"text":"(٣ -<span data-type='title' id=toc-1094> باب إثم مانع الزكاة. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^١): قال ابن المنيِّر: هذه الترجمة أخص من الأولى لتضمن حديثها تعظيم إثم مانع الزكاة والتنصيص على عظيم عقوبته في الدار الآخرة وتبري نبيِّه منه بقوله: \"لا أملك لك من الله شيئًا\"، وذلك مؤذن بانقطاع رجائه، وإنما تتفاوت الواجبات بتفاوت المثوبات والعقوبات، فما شددت عقوبته كان إيجابه آكد مما جاء فيه مطلق العقوبة، وعبَّر المصنف بالإثم ليشمل من تركها جحدًا أو بخلًا، والله أعلم، انتهى.\nوالأوجه عندي: أن الغرض من الترجمة بيان نوع إثم المانع من حيث التعذيب، أي: بأي نوع من العذاب يعذب، وأحاديث الباب دالة عليه.\n\n(٤ -<span data-type='title' id=toc-1095> باب ما أدي زكاته فليس بكنز. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): يعني بذلك: أن الرواية مصرحة بأن له إجازة في جمع ما دون خمس أواق من غير أن يؤدي زكاتها، فعلم أن كل نوع من جمع الذهب والورق غير منهي عنه، انتهى.\nقال السندي (^٣): قوله: \"لقول النبي. . .\" إلخ، تعليل للسابق، إما بالنظر إلى تضمنه دعوى أنه ليس كل مال كنزًا، أو باعتبار أن ما أدي منه الزكاة بعد وجوبها هو وما لا تجب فيه الزكاة سواء، فإذا علم بالحديث حال ما لا يجب فيه الزكاة وأنه لا صدقة فيه، بل هو كله حلال لصاحبه، فكذلك ما أدي منه الزكاة بعد وجوبها. . .، إلى آخر ما بسط في هامش \"اللامع\".\nوفي \"تراجم شيخ المشايخ\" (^٤): قوله: \"ما أدى زكاته. . .\" إلخ، هذه المسألة كانت مختلفة فيها بين أبي ذر وسائر الصحابة، فأبو ذر كان يفهم من قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ. . .﴾ إلخ [التوبة: ٣٤]،\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٢٦٨).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٥/ ٢٣).\n(^٣) \"حاشية السندي على صحيح البخاري\" (١/ ٢٤٤).\n(^٤) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٣٥٥).","vol":"3","page":252},{"text":"أن الواجب إنفاق كلها، ومن ادّخر شيئًا منها فهو داخل تحت الوعيد، بخلاف سائر الصحابة، فإن مذهبهم أنه بعد إنفاق القدر الواجب، أعني: ربع العشر في النقدين لو ادخر الباقي فليس بكنز، وهذا هو الحق الذي انعقد عليه الإجماع، وأما ما ذهب إليه أبو ذر - ﵁ - فشبهة نشأت من حمل قوله تعالى على إنفاق الكل.\nقوله: (ليس فيما دون خمسة أواق) هذا يدل على أن من المال ما لا يجب فيه الزكاة، ومناسبته مع الترجمة ظاهر، انتهى.\nوقال الحافظ: قوله: \"قبل أن تنزل الزكاة\" هذا مشعر بأن الوعيد على الاكتناز - وهو حبس ما فضل عن الحاجة عن المواساة به - كان في أول الإسلام ثم نسخ ذلك بفرض الزكاة لما فتح الله الفتوح وقدرت نصب الزكاة، فعلى هذا المراد بنزول الزكاة بيان نصبها ومقاديرها لا إنزال أصلها، والله أعلم، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(٥ -<span data-type='title' id=toc-1096> باب إنفاق المال في حقّه)</span>\nقال الحافظ في الباب السابق تحت حديث أبي ذر (^٢): وإنما أورده أبو ذر للأحنف لتقوية ما ذهب إليه من ذم اكتناز المال، وهو ظاهر في ذلك إلا أنه ليس على الوجوب، ومن ثم عقبه المصنف بالترجمة التي تليه، وأورد فيه الحديث الدال على الترغيب في ذلك، وهو من أدل دليل على أن أحاديث الوعيد محمولة على من لا يؤدي الزكاة، وأما حديث \"ما أحب لو أن لي أُحدًا ذهبًا\" فمحمول على الأولوية؛ لأن جمع المال وإن كان مباحًا لكن الجامع مسؤول عنه وفي المحاسبة خطر. . . إلى آخر ما قال.\nوالأوجه عندي: أن الغرض من الترجمة الإشارة إلى أن ما ورد من الروايات في ترغيب الإنفاق مطلقًا؛ فالمراد منه الإنفاق في حقه كما في\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٢٧٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٢٧٦).","vol":"3","page":253},{"text":"حديث الباب لا الإنفاق مطلقًا وهذا المعنى واضح من نص الترجمة أيضًا.\n\n(٦ -<span data-type='title' id=toc-1097> باب الرياء في الصدقة. . .) إلخ</span>\nقال ابن المنيِّر: يحتمل أن يكون مراده إبطال الرياء للصدقة فيحمل على ما تمحض منها لحب المحمدة والثناء من الخلق بحيث لولا ذلك لم يتصدق بها، ووجه الاستلال من الآية أن الله تعالى شبَّه مقارنة المن والأذى للصدقة بإنفاق الكافر المرائي ومقارنة الرياء من المسلم أقبح من مقارنة الإيذاء، انتهى.\nثم قال الحافظ بعد نقل كلام ابن رُشيد الطويل: ويتلخص أن يقال: لما كان المشبه به أقوى من المشبه، وإبطال الصدقة بالمن والأذى قد شبه بإبطالها بالرياء فيها كان أمر الرياء أشد، انتهى.\n\n(٧ -<span data-type='title' id=toc-1098> باب لا يقبل الله صدقة من غلول. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^١): قوله: \"لقوله تعالى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ \" قال ابن المنيِّر: جرى المصنف على عادته في إيثار الخفي على الجلي، وذلك أن في الآية أن الصدقة لما تبعتها سيئة الأذى بطلت، والغلول أذى إن قارن الصدقة أبطلها بطريق الأولى، أو لأنه جعل المعصية اللاحقة للطاعة بعد تقررها تبطل الطاعة فكيف إذا كانت الصدقة بعين المعصية، انتهى.\n\n(٨ -<span data-type='title' id=toc-1099> باب الصدقة من كسب طيب. . .) إلخ</span>\nليس هذا الباب في بعض النسخ.\nفقد قال الحافظ: وقع هنا للمستملي والكشميهني \"باب الصدقة من كسب طيب. . .\" إلخ، وعلى هذا فتخلو الترجمة التي قبل هذا من الحديث، وتكون كالتي قبلها في الاقتصار على الآية لكن تزيد عليها\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٢٧٨).","vol":"3","page":254},{"text":"بالإشارة إلى لفظ الحديث الذي في الترجمة. ومناسبة الحديث لهذه الترجمة ظاهرة، ومناسبته للذي قبلها من جهة مفهوم المخالفة؛ لأنه دل بمنطوقه على أن الله لا يقبل إلا ما كان من كسب طيب، فمفهومه أن ما ليس بطيب لا يقبل، والغلول فرد من أفراد غير الطيب فلا يقبل، والله أعلم.\nوأما قول المصنف: لقوله تعالى: ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ. . .﴾ إلخ [البقرة: ٢٧٦]، فقد اعترضه ابن التين وغيره بأن تكثير أجر الصدقة ليس علة لكون الصدقة من كسب طيب، بل الأمر على عكس ذلك، وكان الأبين أن يستدل بقوله تعالى: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، وقال الكرماني: لفظ: \"الصدقات\" وإن كان أعم من أن يكون من الكسب الطيب ومن غيره، لكنه مقيد بالصدقات التي من الكسب الطيب بقرينة السياق نحو: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، انتهى باختصار من \"الفتح\" (^١).\n\n(٩ -<span data-type='title' id=toc-1100> باب الصدقة قبل الرد)</span>\nقال ابن المنيِّر (^٢): مقصوده بهذه الترجمة الحث على التحذير من التسويف بالصدقة، لما في المسارعة إليها من تحصيل النمو المذكور، قيل: لأن التسويف بها قد يكون ذريعة إلى عدم القابل لها إذ لا يتم مقصود الصدقة إلا بمصادفة المحتاج إليها، وقد أخبر الصادق أنه سيقع فقد الفقراء المحتاجين إلى الصدقة.\nفإن قيل: إن من أخرج صدقته مثاب على نيَّته ولو لم يجد من يقبلها، فالجواب: أن الواجد يثاب ثواب المجازاة والفضل، والناوي يثاب ثواب الفضل فقط، والأول أربح، انتهى.\nقلت: ما أفاده الشرَّاح هو الظاهر في مفهوم الترجمة، ولا يبعد عندي أن يكون إشارة إلى مسألة فقهية خلافية وهي: أنّ من وجبت عليه صدقة\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٢٧٩)، وانظر: \"شرح الكرماني\" (٧/ ١٨١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٢٨٢).","vol":"3","page":255},{"text":"الفطر وهو فقير واجد قوته وقوت عياله كما هو مذهب الأئمة الثلاثة خلافًا للحنفية كما سيأتي، فهذا الفقير تجب عليه صدقة الفطر ويجوز له أخذها عندهم، فينبغي له أن يقدم الإعطاء قبل أن يرد عليه الصدقة عن فطر غيره، فتأمل، فإنه لطيف لكن فيه أن المصنف سيبوب لصدقة الفطر أبوابًا مستقلة على أنه لا يوافق هذا التوجيه الروايات الواردة في الباب.\n\n(١٠ -<span data-type='title' id=toc-1101> باب اتقوا النار ولو بشق تمرة)</span>\nقال ابن المنيِّر وغيره (^١): جمع المصنف بين لفظ الخبر والآية لاشتمال ذلك كله على الحث على الصدقة قليلها وكثيرها، فإن قوله تعالى: ﴿أَمْوَالَهُمْ﴾ يشمل قليل النفقة وكثيرها، ويشهد له قوله: \"لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس\" فإنه يتناول القليل والكثير، إذ لا قائل بحل القليل دون الكثير، انتهى.\nولا يبعد عندي: أن يكون فيه أيضًا إشارة إلى مسألة فقهية وهي: أن من لم يفضل عنده إلا بعض صاع هل يجب عليه صدقة الفطر أم لا؟ فيه وجهان لأحمد، كما في \"المغني\" (^٢) فكأن فيه تأييدًا للإيجاب فتأمل.\n\n(١١ -<span data-type='title' id=toc-1102> باب فضل صدقة الشحيح الصحيح. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): يمكن أن يراد بالشحيح كونه مظنة الشح لعروض الحوائج له، وإن أريد بالشحيح من كان الشح طبعًا له فممكن أيضًا، والفضيلة في هذا الأخير جزئية لما أنه يشتد عليه لشحه وإلا فالسخي قريب من الله، انتهى.\nوفي هامشه: قال الكرماني (^٤): الشح بخل مع حرص، وقيل: هو أعم من البخل، وقيل: هو الذي كالوصف اللازم، ومن قبيل الطبع، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٢٨٣).\n(^٢) \"المغني\" (٤/ ٣١٠).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٥/ ٣٤).\n(^٤) \"شرح الكرماني\" (٧/ ١٨٨).","vol":"3","page":256},{"text":"والظاهر عندي: أن الشحيح هو الذي يعبَّر عنه في لساننا الهندية بلفظ: \"كنجوس\"، وقال شيخ المشايخ في \"تراجمه\" (^١): المراد بالشحيح ههنا: المحتاج إلى المال، انتهى من هامش \"اللامع\".\nقال الحافظ (^٢): قال ابن المنيِّر ما ملخصه: مناسبة الآية للترجمة أن معنى الآية التحذير من التسويف بالإنفاق استبعادًا لحلول الأجل واشتغالًا بطول الأمل، والترغيب في المبادرة بالصدقة قبل هجوم المنية وفوات الأمنية.\nوالمراد بالصحة في الحديث من لم يدخل في مرض مخوف فيتصدق عند انقطاع أمله من الحياة، ولما كانت مجاهدة النفس على إِخراج المال مع قيام مانع الشح دالًا على صحة القصد وقوة الرغبة في القربة كان ذلك أفضل من غيره، وليس المراد أن نفس الشح هو السبب في هذه الأفضلية، انتهى.\n\n<span data-type='title' id=toc-1103>(باب)</span>\nبلا ترجمة، قال الحافظ (^٣): كذا للأكثر، وسقط لأبي ذر، فعلى روايته هو من ترجمة \"فضل صدقة الشحيح الصحيح\"، وعلى رواية غيره فهو بمنزلة الفصل منه. وأورد فيه المصنف قصة سؤال أزواج النبي - ﷺ - منه أيتهن أسرع لحوقًا به، ووجه تعلقه بما قبله أن هذا الحديث تضمن أن الإيثار والاستكثار من الصدقة في زمن القدرة على العمل سبب اللحاق بالنبي - ﷺ -، وذلك الغاية في الفضيلة، أشار إلى هذا الزين بن المنيِّر، وقال ابن رُشيد: وجه المناسبة أنه تبين في الحديث أن المراد بطول اليد المقتضي للحاق به الطول، وذلك إنما يتأتى للصحيح؛ لأنه إنما يحصل بالمداومة في حال الصحة وبذلك يتم المراد، انتهى.\n_________\n(^١) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٣٥٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٢٨٥).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٣/ ٢٨٦).","vol":"3","page":257},{"text":"قوله: (فعلمنا بعد. . .) إلخ، قال الحافظ (^١): قال ابن الجوزي: هذا الحديث غلط من بعض الرواة، والعجب من البخاري كيف لم ينبِّه عليه ولا أصحاب التعاليق ولا علم بفساد ذلك الخطابي، فإنه فسره وقال: \"لحوق سودة به من أعلام النبوة\"، وكل ذلك وهم، وإنما هي زينب، وتلقى مغلطاي كلام ابن الجوزي فجزم به ولم ينسبه له، انتهى.\nوقال العيني (^٢): قال ابن سعد: قال الواقدي: هذا الحديث وهم في سودة وإنما هو [في] زينب بنت جحش رضي الله تعالى عنها فهي أول نسائه به لحوقًا، وتوفيت في خلافة عمر، وبقيت سودة إلى أن توفيت في خلافة معاوية في شوال سنة أربع وخمسين، انتهى.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): فيه اختصار، أي: كنا ظننا أن المراد به ظاهره، فذرعنا فكانت سودة أطولنا يدًا، فإذا ماتت زينب قبل الكل علمنا أن المراد إنما كان الجود، فعلمنا أنها زينب، ولا حاجة إلى تغليط الرواية، ثم إن الرواية دالة على أن الحقيقة أولى ولو كان المجاز متعارفًا وإلا لما حملن الكلام على الحقيقة؛ لأن المجاز، أي: استعمال طول اليد في الكرم كان متعارفًا أيضًا، انتهى.\nوبسط الكلام في هامشه من كلام الشرَّاح، وإلى وقوع الاختصار في الحديث مال شيخ مشايخنا في تراجمه.\n\n(١٢ -<span data-type='title' id=toc-1104> باب صدقة العلانية. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٤): سقطت هذه الترجمة للمستملي وثبتت للباقين، وبه جزم الإسماعيلي، ولم يثبت فيها لمن أثبتها حديث، وكأنه أشار إلى أنه لم يصح فيها على شرطه شيء، انتهى. وبه جزم العيني.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٢٨٦).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٦/ ٣٨٧).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٥/ ٣٦).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٣/ ٢٨٩).","vol":"3","page":258},{"text":"قلت: ويحتمل عندي أن هذا والبابين بعده - الأبواب الثلاثة - ثبتت بحديث المتصدق، فالسر باعتبار فعله وقصده، والعلانية من حيث مآله لما يتحدثون فيما بينهم، فتأمل، وهو الأصل الثاني والخمسون من أصول التراجم.\n\n(١٣ -<span data-type='title' id=toc-1105> باب صدقة السر. . .) إلخ</span>\nتقدم بعض ما يتعلق به في الباب السابق، ثم إنهم اختلفوا في أفضلية إخفاء الصدقة وإعلانها كما ذكر في هامش \"اللامع\" فارجع إليه لو شئت.\nوقد اقتصر المصنف في هذا الباب على الحديث المعلق وعلى الآية على ما في النسخ التي بأيدينا بخلاف نسخة أبي ذر كما سيأتي في الباب الآتي.\n\n(١٤ -<span data-type='title' id=toc-1106> باب إذا تصدق على غني. . .) إلخ</span>\nأي: فصدقته مقبولة، وسقط لفظ: \"باب\" في رواية أبي ذر، وقال عقب قوله في الباب السابق ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ الآية\": \"وإذا تصدق\" بواو العطف، كذا قال القسطلاني.\nوقال الحافظ (^١): وعلى ما في رواية أبي ذر فيحتاج إلى مناسبة بين ترجمة صدقة السر وحديث المتصدق، ووجهها: أن الصدقة المذكورة وقعت بالليل لقوله في الحديث: \"فأصبحوا يتحدثون\"، بل وقع في \"صحيح مسلم\" التصريح بذلك لقوله فيه: \"لأتصدقن الليلة\" فدل على أن صدقته كانت سرًا، وقال أيضًا تحت الحديث: وفيه دلالة على أن الصدقة كانت عندهم مختصة بأهل الحاجة من أهل الخير، ولهذا تعجبوا من الصدقة على الأصناف الثلاثة. وفيه: أن نية المتصدق إذا كانت صالحة قبلت صدقته ولو لم تقع الموقع، واستحباب إعادة الصدقة إذا لم تقع الموقع، وهذا في صدقة التطوع، واختلف الفقهاء في الإجزاء إذا كان ذلك في زكاة الفرض،\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٢٩٠)، و\"إرشاد الساري\" (٣/ ٦٠٩).","vol":"3","page":259},{"text":"ولا دلالة في الحديث على الإجزاء ولا على المنع. ومن ثم أورد المصنف الترجمة بلفظ الاستفهام ولم يجزم بالحكم، انتهى بزيادة من القسطلاني.\nوقال أيضًا: أمَّا الواجبة فلا تجزئ على غني وإن ظنه فقيرًا، خلافًا لأبي حنيفة ومحمد حيث قالا: تسقط، ولا تجب عليه الإعادة، انتهى.\nوقال الموفق (^١): عن أحمد في ذلك روايتان، وكذا عن الشافعي قولان: أحدهما: يجوز، وهو قول الحسن وأبي حنيفة، والثاني: لا يجزئه وهو قول الثوري وأبي يوسف والحسن بن صالح، انتهى.\n\n(١٥ -<span data-type='title' id=toc-1107> باب إذا تصدق على ابنه وهو لا يشعر)</span>\nقال الحافظ (^٢): قال ابن المنيِّر: لم يذكر جواب الشرط اختصارًا وتقديره: جاز؛ لأنه يصير لعدم شعوره كالأجنبي، وعبَّر في هذه الترجمة بنفي الشعور وفي التي قبلها بنفي العلم؛ لأن المتصدق في السابقة بذل وسعه في طلب إعطاء الفقير فأخطأ اجتهاده فناسب أن ينفى عنه العلم، وأما هذا فباشر التصدق غيره فناسب أن ينفى عن صاحب الصدقة الشعور، انتهى.\nوقال القسطلاني (^٣): قوله: \"ولك ما أخذت يا معن\"؛ لأنك أخذت محتاجًا إليها، وإنما أمضاها - ﷺ -؛ لأنه دخل في عموم الفقراء المأذون للوكيل في الصرف إليهم وكانت صدقة تطوع، انتهى.\nقال الحافظ (^٤): واستدل به على جواز دفع الصدقة إلى كل أصل وفرع ولو كان ممن تلزمه نفقته، ولا حجة فيه؛ لأنها واقعة حال فاحتمل أن يكون معن كان مستقلًا لا يلزم أباه يزيد نفقته، انتهى.\nوالمسألة خلافية، قال العيني (^٥): اتفق العلماء على أن الصدقة الواجبة لا تسقط عن الوالد إذا أخذها ولده، حاشا التطوع، قال ابن بطال:\n_________\n(^١) انظر: \"المغني\" (٤/ ١٢٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٢٩١).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (٣/ ٦١٠).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٣/ ٢٩٢).\n(^٥) \"عمدة القاري\" (٦/ ٣٩٥).","vol":"3","page":260},{"text":"وعليه حمل حديث معن، وعند الشافعي يجوز أن يأخذها الولد بشرط أن يكون غارمًا أو غازيًا، فيحمل حديث معن على أنه كان متلبسًا بأحد هذين النوعين، انتهى.\nوفي \"الفيض\" (^١): وفي \"الهداية\": أن التصدق على ابنه لا يُعتبر. وراجع كلامَه للفرق بين الغني، والابن. والفرقُ عندي أنهم أداروا الفقر والغنى على العلم فقط، دون الواقع، بخلاف تحقيق الأصول والفروع، فإنهم فهموا أنه لا تعسُّر في معرفتهم، فينبغي أنْ يُدار على الواقع، وإنما يُدار على العلم فيما تعسر الاطلاع على حقيقته، أما المصنف - ﵀ - فذهب إلى الإطلاق، فلعله لا فرق عنده في الصورتين. أما الحديث فلا يرد على الحنفية؛ لأنه لا دليل فيه على أن الصدقة كانت فريضة أو نافلة، فإن كان الثاني فلا ننكره أيضًا، انتهى.\n\n(١٦ -<span data-type='title' id=toc-1108> باب الصدقة باليمين)</span>\nقال الحافظ (^٢): أي: حكمه، أو \"باب\" بالتنوين، والتقدير؛ أي: فاضلة أو يرغب فيها، انتهى.\nوالغرض من الترجمة على ما نقله الحافظ عن ابن رُشيد أن المقصود ههنا الإعطاء بنفسه لتقابل الترجمة الآتية، وبه جزم شيخ مشايخنا الدهلوي في \"تراجمه\".\nقوله: (يمشي الرجل بصدقته. . .) إلخ، قال العيني (^٣): يمكن أن يوجه المطابقة وإن كان بالتعسف أن اللائق لحامل الصدقة ليتصدق بها إلى من يحتاج إليها أن يدفعها بيمينه لفضل اليمين على الشمال، انتهى.\nوقال السندي (^٤): كأن المصنف ذكر هذا الحديث لإفادة أن الصدقة\n_________\n(^١) \"فيض الباري\" (٣/ ١٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٢٩٣).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٦/ ٣٩٧).\n(^٤) \"حاشية السندى على صحيح البخاري\" (١/ ٢٤٨).","vol":"3","page":261},{"text":"باليمين غير لازمة؛ لإطلاق هذا الحديث. نعم، هو مندوب مطلوب لحديث \"ما تنفق يمينه\" حيث يدل على أن الإنفاق وظيفة اليمين، والله أعلم.\n\n(١٧ -<span data-type='title' id=toc-1109> باب من أمر خادمه بالصدقة. . .) إلخ</span>\nقال ابن المنيِّر: فائدة قوله: \"ولم يناول بنفسه\" التنبيه على أن ذلك مما يغتفر، وأن قوله في الباب قبله: \"الصدقة باليمين\" لا يلزم منه المنع من إِعطائها بيد الغير وإن كانت المباشرة أولى، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوقال العيني (^٢): قال صاحب \"التلويح\": كأن البخاري أراد بهذه معارضة ما رواه ابن أبي شيبة عن عباس بن عبد الرحمن المدني قال: \"خصلتان لم يكن النبي - ﷺ - يليهما إلى أحد من أهله: كان يناول المسكين بيده، ويضع الطهور لنفسه\"، وفي \"الترغيب\" للجوزي بسند صالح عن ابن عباس \"كان النبي - ﷺ - لا يكل طهوره ولا صدقته التي يتصدق بها إلى أحد، يكون هو الذي يتولاهما بنفسه\"، انتهى.\nقال العيني: الذي يظهر من كلامه أن المتصدق بنفسه والمأمور بالصدقة عنه كلاهما في الأجر سواء على ما يشير إليه ما ذكره في الباب. . .، إلى آخر ما قال.\n\n(١٨ -<span data-type='title' id=toc-1110> باب لا صدقة إلا عن ظهر غنى. . .) إلخ</span>\nقال القسطلاني (^٣): لفظ الترجمة حديث رواه أحمد من طريق عطاء عن أبي هريرة - ﵁ -، وذكره المصنف تعليقًا في \"الوصايا\"، انتهى.\nقلت: واستدل به الحنفية على أنه لا تجب صدقة الفطر إلا على من يملك النصاب خلافًا للأئمة الثلاثة كما تقدم في \"باب الصدقة قبل الرد\".\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٤): يعني بذلك أن الأفضل من الصدقة ما لم\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٢٩٣).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٦/ ٣٩٧).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (٣/ ٦٢٠).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٥/ ٤٣).","vol":"3","page":262},{"text":"يشرف إليها صاحبها واستغنى عنها سواء كان ذلك لغنائه مالًا أو استغنائه قلبًا. \"فمن تصدق وهو محتاج أو أهله محتاج\" لم يقع تصدقه هذا موضعه وإن كان نافذًا عنه في صحته، وعلى هذا يحمل قوله: \"فهو رد عليه\" لئلا يخالف قوله أقوال العلماء، فأما إن أجري الرد على ظاهره فهو من رأي المؤلف ولا يجب اتباعه، انتهى.\nقوله: (إلا أن يكون معروفًا بالصبر)، قال الحافظ (^١): هو من كلام المصنف، وكلام ابن التين يوهم أنه بقية الحديث فلا يغتر به؛ وكأن المصنف أراد أن يخص به عموم الحديث الأول، والظاهر أنه يختص بالمحتاج. ويحتمل أن يكون عامًا، ويكون التقدير: إلا أن يكون كل من المحتاج أو من تلزمه النفقة أو صاحب الدين معروفًا بالصبر. ويقوي الأول التمثيل الذي مثل به من فعل أبي بكر والأنصار، انتهى.\n\n(١٩ -<span data-type='title' id=toc-1111> باب المنّان بما أعطى. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٢): هذه الترجمة ثبتت في رواية الكشميهني وحده بغير حديث، وكأنه أشار إلى ما رواه مسلم من حديث أبي ذر مرفوعًا: \"ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة: المنان الذي لا يعطي شيئًا إلا من به\" الحديث (^٣)، ولما لم يكن على شرطه اقتصر على الإشارة إليه، ومناسبة الآية بالترجمة واضحة، انتهى.\n\n(٢٠ -<span data-type='title' id=toc-1112> باب من أحب تعجيل الصدقة من يومها)</span>\nقال ابن المنيِّر: ترجم المصنف بالاستحباب وكان يمكن أن يقول: كراهة تبييت الصدقة؛ لأن الكراهة صريحة في الخبر، واستحباب التعجيل مستنبط من قرائن سياق الخبر؛ حيث أسرع في الدخول والقسمة، فجرى\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٢٩٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٢٩٨).\n(^٣) \"صحيح مسلم\" (١٠٦).","vol":"3","page":263},{"text":"على عادته في إيثار الأخفى على الأجلى، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nقال العيني (^٢): الصدقة أعم من أن تكون من الصدقات المفروضة أو من صدقات التطوع، فعلى كل حال خيار البر عاجله، انتهى.\nوالظاهر عندي: أنه أشار إلى مسألة فقهية خلافية، وهي أن وجوب الزكاة على الفور أو على التراخي؟\nقال الموفق (^٣): وتجب الزكاة على الفور، فلا يجوز تأخير إخراجها مع القدرة عليه، إذا لم يخش ضررًا، وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: له التأخير؛ لأن الأمر بأدائها مطلق، فلا يتعين الزمن الأول لأدائها دون غيره، ولنا: أن الأمر المطلق يقتضي الفور. . .، إلى آخر ما قال. وفي \"الدر المختار\" (^٤): وافتراضها عمري على التراخي، وقيل: فوري، وعليه الفتوى فيأثم بتأخيرها بلا عذر، انتهى.\nوأما مذهب مالك، فقال الدردير: وجب تفرقتها على الفور، انتهى.\nفالظاهر عندي: أن الإمام البخاري أشار إلى هذه المسألة ولم يذهب هو بنفسه إلى ذلك كما هو ظاهر قوله: \"باب من أحب\" كما تقدم في الأصل الثالث من أصول التراجم.\n\n(٢١ -<span data-type='title' id=toc-1113> باب التحريض على الصدقة والشفاعة فيها)</span>\nقال الحافظ (^٥): قال ابن المنيِّر: يجتمع التحريض والشفاعة في أن كلًّا منهما إيصال الراحة للمحتاج، ويفترقان في أن التحريض معناه: الترغيب بذكر ما في الصدقة من الأجر، والشفاعة فيها معنى السؤال والتقاضي للإجابة، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٢٩٩).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٦/ ٤٠٨).\n(^٣) \"المغني\" (٤/ ١٤٦).\n(^٤) \"الدر المختار\" (٣/ ١٩١).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٠٠).","vol":"3","page":264},{"text":"ويفترقان بأن الشفاعة لا تكون إلا في خير، بخلاف التحريض، وبأنها قد تكون بغير تحريض، انتهى.\n\n(٢٢ -<span data-type='title' id=toc-1114> باب الصدقة فيما استطاع)</span>\nلعل المراد: ولو بغير ظهر غنًى، لا يخفى عليك أن ههنا حديثين: أحدهما: ما تقدم: \"خير الصدقة ما كان عن ظهر غنىً\"، والثاني: ما أخرجه أبو داود: \"أفضل الصدقة جهد المقل\" (^١)، والحديث الأول متفق عليه، وبينهما تعارض بحسب الظاهر، ولذا جمعوا بينهما بأن الفضيلة متفاوتة بحسب الأشخاص وقوة التوكل وضعف اليقين، ولذا ترجم أبو داود على الحديث الأول: \"باب الرجل يخرج من ماله\"، وعلى الثاني: \"باب الرخصة في ذلك\"، وهكذا الإمام البخاري ترجم أولًا: \"باب لا صدقة إلا عن ظهر غنًى\"، ثم بعد ذلك ترجم \"باب الصدقة فيما استطاع\".\nوالظاهر عندي في معناه، أي: ولوكان بغير ظهر غنى كما سبق، وكان المناسب لهذا الباب حديث جهد المقل، لكن لما لم يكن على شرطه أشار إليه بهذا الباب، والحديث الذي أخرجه المصنف ههنا يتناول هذا المعنى فإن مراتب الاستطاعة بحسب اختلاف أحوال الأشخاص متفاوتة جدًا، فمنهم من يستطيع إنفاق الكل ومنهم دون ذلك.\n\n(٢٣ -<span data-type='title' id=toc-1115> باب الصدقة تُكفِّر الخطيئة)</span>\nغرض الترجمة واضح ظاهر.\n\n(٢٤ -<span data-type='title' id=toc-1116> باب من تصدق في الشرك ثم أسلم)</span>\nقال الحافظ (^٢): أي: هل يعتد له بثواب ذلك أو لا؟ قال ابن المنيِّر: لم يبت الحكم من أجل قوة الاختلاف فيه.\n_________\n(^١) \"أبو داود\" (١٦٧٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٠١).","vol":"3","page":265},{"text":"قال الحافظ: وقد تقدم البحث في ذلك مستوفى في \"كتاب الإيمان\" في الكلام على حديث: \"إذا أسلم العبد فحسن إسلامه\"، وأنه لا مانع من أن الله يضيف إلى حسناته في الإسلام ثواب ما كان صدر منه في الكفر تفضلًا وإحسانًا، انتهى.\nوتقدم الكلام عليه في \"باب حسن إسلام المرء\" من \"كتاب الإيمان\".\nوقال القسطلاني (^١): قوله: \"أسلمت على ما سلف. . .\" إلخ، هذا لا يتخرج (^٢) على القواعد الأصولية؛ لأن الكافر لا يصح منه في حال كفره عبادة؛ لأن شرطها النية وهي متعذرة منه، وإنما يكتب له ذلك الخير بعد إسلامه تفضلًا من الله مستأنفًا. . . إلى آخر ما قال.\nوقال العيني (^٣): وذهب ابن بطال وغيره من المحققين إلى أن الحديث على ظاهره، انتهى.\n\n(٢٥ -<span data-type='title' id=toc-1117> باب أجر الخادم إذا تصدق. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٤): قال ابن العربي: اختلف السلف فيما إذا تصدقت المرأة من بيت الزوج، فمنهم من أجازه لكن في الشيء اليسير الذي لا يؤبه له ولا يظهر به النقصان. ومنهم من حمله على ما إذا أذن الزوج ولو بطريق الإجمال، وهو اختيار البخاري ولذلك قيَّد الترجمة بالأمر به، ويحتمل أن يكون ذلك محمولًا على العادة، وأما التقييد بغير الإفساد فمتفق عليه. ومنهم من قال: المراد بنفقة المرأة والعبد والخازن النفقة على عيال صاحب المال في مصالحه لا الإنفاق على الفقراء بغير إذن. ومنهم من فرق بين المرأة والخادم، فقال: المرأة لها حق في مال الزوج والنظر في بيتها فجاز لها أن تتصدق، بخلاف الخادم فليس له تصرف في متاع مولاه فيشترط الإذن، انتهى.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٣/ ٦٣١).\n(^٢) في الأصل: \"لا يترجح\".\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٦/ ٤١٥).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٠٣).","vol":"3","page":266},{"text":"قلت: وإلى الفرق بين الخادم والمرأة أشار الإمام البخاري بالترجمة الآتية.\n\n(٢٦ -<span data-type='title' id=toc-1118> باب أجر المرأة إذا تصدقت. . .) إلخ</span>\nلم يقيد ههنا بالأمر كما قيد به الباب السابق، فقيل: إنه فرق بين المرأة والخادم بأن المرأة لها أن تتصرف في بيت زوجها بما ليس فيه إفساد للرضا بذلك في الغالب، بخلاف الخادم والخازن. ويدل على ذلك ما رواه المصنف في \"البيوع\" من حديث همام عن أبي هريرة بلفظ: \"إذا أنفقت المرأة من كسب زوجها من غير أمره فلها نصف أجره\"، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(٢٧ -<span data-type='title' id=toc-1119> باب قول الله - ﷿ -: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى. . .﴾ [الليل: ٥]) إلخ</span>\nقال ابن المنيِّر (^٢): أدخل هذه الترجمة بين أبواب الترغيب في الصدقة ليفهم أن المقصود الخاص بها الترغيب في الإنفاق في وجوه البر، وأن ذلك موعود عليه بالخلف في العاجل زيادة على الثواب الآجل، انتهى.\nوفي \"تراجم شيخ المشايخ\" (^٣): إشارة إلى توجيه الآية بأن قوله تعالى: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل: ٧]، محمول على اليسر الدنياوي أيضًا وهو أيضًا محتمل الآية، انتهى.\n\n(٢٨ -<span data-type='title' id=toc-1120> باب مثل المتصدق والبخيل)</span>\nقال الحافظ (^٤) عن ابن المنيِّر: قام التمثيل في خبر الباب مقام الدليل على تفضيل المتصدق على البخيل، فاكتفى المصنف بذلك عن أن يضمن الترجمة مقاصد الخبر على التفصيل، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٠٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٠٤).\n(^٣) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٣٥٩).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٠٦).","vol":"3","page":267},{"text":"(٢٩ -<span data-type='title' id=toc-1121> باب صدقة الكسب والتجارة. . .) إلخ</span>\nهكذا أورد هذه الترجمة مقتصرًا على الآية بغير حديث، وكأنه أشار إلى ما رواه شعبة عن الحكم عن مجاهده في هذه الآية ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، قال: من التجارة الحلال، أخرجه الطبري وغيره، وقال ابن المنيِّر: لم يقيد الكسب في الترجمة بالطيب كما في الآية استغناءً عن ذلك بما تقدم في ترجمة \"باب الصدقة من كسب طيب\"، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوقال العيني (^٢): أشار بالترجمة إلى أن الصدقة يعتد بها إذا كانت من كسب حلال، ولم يذكر الحديث اكتفاءً بالآية، انتهى.\nويحتمل عندي: أن الإمام البخاري أشار بهذه الترجمة إلى وجوب الزكاة في مال التجارة كما قال به الأئمة الأربعة لما روى أبو داود (^٣) من حديث سمرة بن جندب \"أن رسول الله - ﷺ - كان يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذي نعده للبيع\".\nوفي \"البذل\" (^٤): قال الشوكاني (^٥): زكاة التجارة ثابتة بالإجماع كما نقله ابن المنذر وغيره، ولم يخالف فيها إلا الظاهرية فقالوا: لا تجب الزكاة في الخيل والرقيق، لا للتجارة ولا لغيرها، انتهى.\nوحكى النووي (^٦): عن داود: لا تجب الزكاة في العروض مطلقًا، انتهى.\nولم يذكر المصنف حديث أبي داود المذكور لعدم كونه على شرطه، واستدل عليه بالآية. ويستنبط على الدقة من الحديث الاتي بقوله: \"يعمل بيده. . .\" إلخ.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٠٧).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٦/ ٤٢٥).\n(^٣) \"أبو داود\" (ح: ١٥٦٢).\n(^٤) \"بذل المجهود\" (٦/ ٣١٧).\n(^٥) انظر: \"نيل الأوطار\" (٣/ ٩٢).\n(^٦) \"شرح النووي على صحيح مسلم\" (٤/ ٦٤).","vol":"3","page":268},{"text":"(٣٠ -<span data-type='title' id=toc-1122> باب على كل مسلم صدقة. . .) إلخ</span>\nأي: على سبيل الاستحباب المتأكد، ولا حق في المال سوى الزكاة إلا على سبيل الندب ومكارم الأخلاق، كما قاله الجمهور، كذا في \"القسطلاني\" (^١).\n\n(٣١ -<span data-type='title' id=toc-1123> باب قدر كم يعطى من الزكاة والصدقة. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): إن ما قاله بعض العلماء من أنه لا يزيد على قدر نصاب في إعطاء فقير واحد فإنما مرادهم بذلك ما هو الأولى ولا ينفون الجواز، انتهى.\nوفي هامشه: قال الحافظ (^٣): قال ابن المنيِّر: عطف الصدقة على الزكاة من عطف العام على الخاص، وأشار بذلك إلى الرد على من كره أن يدفع إلى شخص واحد قدر النصاب وهو محكي عنه عن أبي حنيفة، وقال محمد: لا بأس به، انتهى.\nوتعقبه العيني فقال (^٤): ليت شعري كم من ليلة سهر هذا القائل حتى سطر هذا الكلام الذي تمجه الأسماع، وكيف يدل ذلك على الرد على أبي حنيفة، انتهى.\nولم أتحصل أنا أيضًا بعد أنه كيف يكون هذا ردًا على من يكره إعطاء قدر النصاب لواحد فإن العطية الواردة في الحديث هي شاة واحدة وهي ليست بنصاب.\nوالأوجه عندي: أن الإمام البخاري لم يشر إلى الرد أصلًا بل أشار بالسؤال - بقوله: \"قدر كم يعطى\" - إلى هذا الاختلاف الواقع فيما بين الأئمة، فمذهب الحنفية في ذلك ما في \"الدر المختار\" (^٥): وكره إعطاء فقير\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٣/ ٦٣٨).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٥/ ٤٧).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٠٩).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (٦/ ٤٢٨).\n(^٥) \"الدر المختار\" (٣/ ٣٠٣).","vol":"3","page":269},{"text":"نصابًا أو أكثر إلا إذا كان المدفوع إليه مديونًا أو كان صاحب عيال بحيث لو فرقه عليهم لا يخص كلا أو لا يفضل بعد دينه نصاب، انتهى.\nوقال الموفق (^١): والمذهب أنه لا يدفع إليه زيادة على ما يحصل به الغنى، وهذا قول الثوري، ومالك، والشافعي. وقال أصحاب الرأي: يعطى ألفًا أو أكثر إذا كان محتاجًا إليها، ويكره أن يزاد على المأتين، ولنا: أن الغنى لو كان سابقًا منع، فيمنع إذا قارن، كالجمع بين الأختين في النكاح، انتهى.\nوقال أيضًا: المراد بالغنى المانع من أخذ الزكاة، واختلف العلماء فيه، وعن أحمد فيه روايتان أظهرهما أنه ملك خمسين درهمًا أو قيمتها من الذهب أو وجود ما تحصل به الكفاية على الدوام من كسب أو تجارة أو نحوهما، فإذا لم يكن محتاجًا حرمت عليه الصدقة وإن لم يملك شيئًا، وإن كان محتاجًا حلّت له الصدقة وإن ملك نصابًا، وهو قول مالك والشافعي، وقال أصحاب الرأي: الغنى الموجب للزكاة هو المانع من أخذها وهو ملك النصاب، انتهى مختصرًا من عدة مواضع.\nوقال السندي (^٢): قوله: \"باب قدر كم. . .\" إلخ، كثيرًا ما يذكر المصنف في الترجمة أشياء ويستخرج لها أحاديث، فربما لا يتيسر له استخراج الأحاديث إلا لبعضها ولعل هذا الباب من هذا القبيل، فإن الحديث الذي ذكره لا يوافق إلا الجزء الأخير من الترجمة وهو: \"من أعطى شاةً\"، وربما يقال: إنه اكتفى في الجزء الأول بأنه ما ورد في الشرع للقدر حد، ونبَّه عليه بعدم ذكر حديث له، والأصل عدم التحديد في ذلك إلا بالشرع فإذا لم يرد في الشرع فالوجه القول بالإطلاق، انتهى مختصرًا من هامش \"اللامع\".\n_________\n(^١) \"المغني\" (٤/ ١٢٩).\n(^٢) \"حاشية السندي على صحيح البخاري\" (١/ ٢٥١).","vol":"3","page":270},{"text":"(٣٢ -<span data-type='title' id=toc-1124> باب زكاة الورق)</span>\nقال الحافظ (^١): أي: الفضة، يقال: \"ورق\" بفتح الواو وبكسرها وبكسر الراء وسكونها، قال ابن المنيِّر: لما كانت الفضة هي المال الذي يكثر دورانه في أيدي الناس ويروج بكل مكان كان أولى بأن يقدم على ذكر تفاصيل الأموال الزكوية، انتهى.\n\n(٣٣ -<span data-type='title' id=toc-1125> باب العرض في الزكاة)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): يعني بذلك: أن من وجب عليه زكاة شيء من النصب فله أن يؤدي قيمة ذلك المقدار الواجب من غير هذا الصنف الواجب ولا يتعين هذا الشيء عليه، انتهى.\nوفي هامشه: قال الحافظ (^٣): أي: جواز أخذ العرض، وهو بفتح المهملة وسكون الراء بعدها معجمة، والمراد به ما عدا النقدين.\nوقال العيني (^٤): قال أبو عبيد: العرض ما عد الحيوان والعقار والمكيل والموزون، وفي \"الصحاح\": العرض المتاع، وكل شيء فهو عرض سوى الدراهم والدنانير فإنها عين، انتهى.\nوقال الحافظ (^٥): قال ابن رُشيد: وافق البخاري في هذه المسألة الحنفية مع كثرة مخالفته لهم، لكن قاده إلى ذلك الدليل، انتهى.\nقلت: ما قاله من قوله: \"مع كثرة مخالفة للحنفية\" لا يقبله من أمعن النظر في تراجم البخاري، فإن مخالفته لغير الحنفية في تراجمه ليست بأقل من مخالفته إياهم، ومسألة الباب خلافية.\nقال العيني (^٦): الأصل أن دفع القيم في الزكاة جائز عندنا، وقال\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٣١٠).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٥/ ٤٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٣/ ٣١٢).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (٦/ ٤٣٢).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٣/ ٣١٢).\n(^٦) \"عمدة القاري\" (٦/ ٤٣٨).","vol":"3","page":271},{"text":"الثوري: يجوز إخراج العروض في الزكاة إذا كانت بقيمتها، وهو قول البخاري وإحدى الروايتين عن أحمد، وأجاز ابن حبيب دفع القيمة إذا رآه أحسن للمساكين، وقال مالك والشافعي: لا يجوز وهو قول داود، انتهى ملخصًا.\nقوله: (وأما خالد فقد احتبس. . .) إلخ، في \"تراجم شيخ المشايخ\" (^١): استدلال ببعض محتملاته بأن يقال معناه: أنه اشترى بمال الزكاة الأدراع والأعتد فوقفها في سبيل الله فقد سقطت زكاته، وأما لو حمل الكلام على معان أُخر فلا يدل على الترجمة، انتهى.\nوفي تقرير مولانا محمد حسن المكي: قوله: احتبس، أي: وقف في سبيل الله، ولا زكاة في الوقف، وكان العامل ظن أن أدراعه وأعتده للتجارة فطلب منه زكاتها فلولا وقفها لأعطى زكاتهما لا من أجزائهما بل من قيمتهما فثبتت التبديل، انتهى.\nوقال العيني (^٢): مطابقته للترجمة من حيث إن أدراع خالد واعتده من العرض، ولولا أنه وقفهما لأعطاهما في وجه الزكاة أو لما صح منه صرفهما في سبيل الله لدخلا في أحد مصارف الزكاة الثمانية المذكورة في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ﴾ الآية [التوبة: ٦٠]، انتهى.\n\n(٣٤ -<span data-type='title' id=toc-1126> باب لا يجمع بين متفرق. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٣): قال الزين ابن المنيِّر: لم يقيِّد المصنف الترجمة بقوله: خشية الصدقة لاختلاف نظر العلماء في المراد بذلك، انتهى.\nوفي \"تراجم شيخ المشايخ\" (^٤): مذهب الشافعي أن الصدقة على الثلاثة (^٥)\n_________\n(^١) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٣٦٠).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٦/ ٤٣٤).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٣/ ٣١٤).\n(^٤) (ص ٣٦٣).\n(^٥) كذا في الأصل، والظاهر بدله: \"الخلطاء\"، (ز).","vol":"3","page":272},{"text":"ولا عبرة للملاك، وقال أبو حنيفة: العبرة للملاك، فمعنى الحديث عند الشافعي أنه لا يجمع المتصدق بين المتفرق حتى يبلغ المجموع قدر النصاب ويأخذ منه الزكاة، ولا يفرق بين مجتمع حتى تتكرر الوظيفة كما أن يكون ثمانون شاة مجتمعة يأخذ منه شاة واحدة، ولا ينصف منها حتى يأخذ من كل أربعين شاةً. وعند الحنفية أنه إذا كان لشخصين غنم لكل واحد منهما دون النصاب والمجموع من نصيبهما نصابًا فلا يجمع المصدق حتى يأخذ منه الصدقة بل يتركها، ولا يفرق المصدق بين مجتمع، يعني: إذا كان لشخص واحد مثلًا ثمانين شاة أربعين في موضع وأربعين في موضع آخر فلا يعتبرهما نصابين ولا يأخذ منهما شاتين، بل يأخذ شاة واحدة؛ لأن الملك واحد، انتهى.\nقلت: ومسألة الخلطة خلافية شهيرة بسطت في \"الأوجز\" (^١) ومختصرًا في هامش \"اللامع\"، وكذا بسط في هامش \"فيض الباري\" الكلام على هذا الباب وعلى الباب الآتي أشد البسط، فارجع إليه لو شئت.\n\n(٣٥ -<span data-type='title' id=toc-1127> باب ما كان من خليطين. . .) إلخ</span>\nبسط الكلام عليه في \"اللامع\" (^٢) وهامشه فارجع إليه، ثم إن خلطة الجوار في الماشية فقط عند مالك وأحمد، وفي كل شيء عند الشافعي، وأيضًا قال مالك: لا يجب الزكاة في الخلطة حتى يكون كل واحد منهما صاحب نصاب، ولا عبرة لخلطة الجوار عند الحنفية كما تقدم في كلام شيخ المشايخ.\n_________\n(^١) انظر: \"أوجز المسالك\" (٦/ ٤٩)، و\"لامع الدراري\" (٥/ ٥١)، و\"فيض الباري\" (٣/ ٢٠).\n(^٢) انظر: \"لامع الدراري\" (٥/ ٥١).","vol":"3","page":273},{"text":"(٣٦ -<span data-type='title' id=toc-1128> باب زكاة الإبل)</span>\nغرض الترجمة واضح لا يحتاج إلى بيان فإن المسألة إجماعية.\nقول: (من وراء البحار) في \"تراجم شيخ المشايخ\" (^١): أي: من وراء البلاد، والبحر بمعنى البلد، انتهى.\nقال القسطلاني (^٢): أي: من وراء القرى والمدن، وكأنه قال: إذا كنت تؤدي فرض الله عليك في نفسك ومالك فلا تبال أن تقيم في بيتك ولو كنت في أبعد مكان، انتهى.\nوفي \"الفيض\" (^٣): قوله: \"من وراء البحار\" وهذا كقولنا في العرف: \"سات سمندر بار\"، انتهى.\n\n(٣٧ -<span data-type='title' id=toc-1129> باب من بلغت عنده صدقة بنت مخاض. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٤): وليس في الحديث ما ترجم به، وقد أورد الحكم الذي ترجم به في \"باب العرض في الزكاة\" وحذفه هنا، فقال ابن بطال: هذه غفلة منه. وتعقبه ابن رُشيد وقال: بل هي غفلة ممن ظن به الغفلة، وأشار الإمام البخاري إلى أن حكمه يستفاد بطريق الاستنباط وذلك أن جبر كل مرتبة بشاتين أو عشرين درهمًا، فعلى هذا من بلغت صدقته بنت مخاض وليست عنده إلا حقة أن يرد عليه المصدق أربعين درهمًا أو أربع شياه جبرانًا أو بالعكس. فلو ذكر اللفظ الذي ترجم به لما أفهم هذا الغرض، انتهى مختصرًا.\nوقال القسطلاني (^٥): قيل: جرى في ذلك على عادته في تشحيذ الأذهان بخلو حديث الباب عن موضع الترجمة اكتفاء بذكر أصل الحديث في موضع آخر ليبحث الطالب عنه، وقيل غير ذلك. وقال أيضًا: والخيار\n_________\n(^١) (ص ٣٦٥).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٣/ ٦٣٩).\n(^٣) \"فيض الباري\" (٣/ ٣٠).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٣/ ٣١٧).\n(^٥) \"إرشاد الساري\" (٣/ ٦٥١).","vol":"3","page":274},{"text":"في الشاتين والدراهم سواء كان مالكًا أو ساعيًا، وفي الصعود والنزول للمالك في الأصح، انتهى.\nقلت: والمسألة خلافية كما بسط في \"الأوجز\" (^١)، قال مالك في \"الموطأ\": على رب المال أن يبتاعها له، ولا أحب أن يعطيه قيمتها. وعند الشافعي وأحمد الاعتبار في النزول والصعود لرب المال، وعندنا العبرة بالقيمة ويجبر على الصعود ولا يجبر على النزول لأنه بيع.\n\n(٣٨ -<span data-type='title' id=toc-1130> باب زكاة الغنم)</span>\nقال الزين بن المنيِّر: حذف وصف الغنم بالسائمة وهو ثابت في الخبر، إما لأنه لم يعتبر هذا المفهوم أو لتردده من جهة تعارض وجوه النظر فيه عنده، وهي مسألة خلافية شهيرة، والراجح في مفهوم الصفة أنها إن كانت تناسب الحكم مناسبة العلة بمعلولها اعتبرت وإلا فلا، ولا شك أن السوم يشعر بخفة المئونة ودرء المشقة [بخلاف] العلف فالراجح اعتباره ههنا، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\nقلت: والأوجه أنه لم يذكره للشهرة، أو لأنه إذا ثبت ثبت بلوازمه؛ ولذا لم يذكر في باب زكاة الإبل والبقر، ولم يشكل الشرَّاح في هذين البابين.\n\n(٣٩ -<span data-type='title' id=toc-1131> باب لا يؤخذ في الصدقة هرمة. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٣): اختلف في ضبطه \"المصدق\"، فالأكثر على أنه بالتشديد والمراد: المالك، وهذا اختيار أبي عبيد، وتقدير الحديث: لا تؤخذ هرمة ولا ذات عيب أصلًا، ولا يؤخذ التيس وهو فحل الغنم إلا برضا المالك لكونه يحتاج إليه، وفي أخذه بغير اختياره إضرار به، وعلى هذا فالاستثناء مختص بالثالث.\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (٦/ ٢٩).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٣١٨).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٢١).","vol":"3","page":275},{"text":"ومنهم من ضبطه بتخفيف الصاد وهو الساعي، وكأنه يشير بذلك إلى التفويض إليه في اجتهاده لكونه يجري مجرى الوكيل فلا يتصرف بغير المصلحة فيتقيد بما تقتضيه القواعد، وهذا قول الشافعي في \"البويطي\"، ولفظه: ولا تؤخذ ذات عوار ولا تيس ولا هرمة إلا أن يرى المصدق أن ذلك أفضل للمساكين فيأخذه على النظر، انتهى. وهذا أشبه بقاعدة الشافعي في تناول الاستثناء جميع ما ذكر قبله، فلو كانت الغنم كلها معيبة مثلًا أو تيوسًا أجزأه أن يخرج منها.\nوعن المالكية يلزم المالك أن يشتري شاة مجزئةً تمسكًا بظاهر هذا الحديث، وفي رواية أخرى عندهم كالأول، انتهى.\nوبسط الكلام على هذا الاستثناء وما يتعلق به من مذاهب الأئمة في \"الأوجز\" (^١).\n\n(٤٠ -<span data-type='title' id=toc-1132> باب أخذ العناق في الصدقة)</span>\nكأن البخاري أشار بهذه الترجمة بعد الترجمة السابقة إلى جواز أخذ الصغيرة من الغنم في الصدقة؛ لأن الصغيرة لا عيب فيها سوى صغر السن فهي أولى أن تؤخذ من الهرمة إذا رأى الساعي ذلك، وهذا هو السر في اختيار لفظ الأخذ في الترجمة دون الإعطاء، وخالف في ذلك المالكية فقالوا: معناه كانوا يؤدون عنها ما يلزم أداؤه، وقال أبو حنيفة ومحمد، لا يؤدي عنها إلا من غيرها (^٢)، انتهى.\nقلت: ذكر في \"هامش اللامع\" (^٣) ثلاثة مسائل مناسبة لهذا المقام، والثالثة منها: أنها إذا كانت كلها فصلانًا أو عجاجيل أو سخالًا، فقال العيني (^٤): ليس فيها صدقة، وهذا آخر أقوال أبي حنيفة، وبه قال محمد والثوري وداود. وقال زفر ومالك: يجب فيها ما يجب في الكبار. وقال الشافعي: في الجديد: يجب واحدة منها، وبه قال أبو يوسف وأحمد.\n_________\n(^١) انظر: \"أوجز المسالك\" (٥/ ٦٧٧).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (٣/ ٣٢٣).\n(^٣) انظر: \"لامع الدراري\" (٥/ ٥٨).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (٦/ ٤٥٩).","vol":"3","page":276},{"text":"(٤١ -<span data-type='title' id=toc-1133> باب لا تؤخذ كرائم أموال الناس في الصدقة)</span>\nقال الحافظ (^١): هذه الترجمة مقيدة لمطلق الحديث لأن فيه \"وتوَقَّ كرائم أموال الناس\" بغير تقييد بالصدقة، وأموال الناس يستوي التوقي لها بين الكرائم وغيرها، فقيدها في الترجمة بالصدقة، وهو بيِّن من سياق الحديث لأنه ورد في شأن الصدقة، انتهى.\n\n(٤٢ -<span data-type='title' id=toc-1134> باب ليس فيما دون خمس ذودٍ صدقة)</span>\nقال ابن المنيِّر (^٢): هذه الترجمة تتعلق بزكاة الإبل، وإنما اقتطعها من ثم لأن الترجمة المتقدمة مسوقة للإيجاب وهذه للنفي؛ فلذلك فصل بينهما بزكاة الغنم وتوابعه، كذا قال، ولا يخفى تكلفه، والذي يظهر لي أن لها تعلقًا بالغنم التي تعطى في الزكاة من جهة أن الواجب في الخمس شاة، وتعلقها بزكاة الإبل ظاهر فلها تعلق بهما كالتي قبلها، انتهى.\n\n(٤٣ -<span data-type='title' id=toc-1135> باب زكاة البقر. . .) إلخ</span>\nقال ابن المنيِّر (^٣): أَخَّر زكاة البقر لأنها أقل النعم وجودًا ونصبًا، ولم يذكر في الباب شيئًا مما يتعلق بنصابها لكون ذلك لم يقع على شرطه، فتقدير الترجمة إيجاب زكاة البقر؛ لأن جملة ما ذكره في الباب يدل على ذلك من جهة الوعيد على تركها. قال ابن رُشيد: وهذا الدليل يحتاج إلى مقدمة، وهو أنه ليس في البقر حق واجب سوى الزكاة، انتهى.\nقال القسطلاني (^٤): وروى الترمذي وحسنه وصححه الحاكم عن معاذ: \"بعثني رسول الله إلى اليمن وأمرني أن آخذ من أربعين بقرة مسنة، ومن كل ثلاثين بقرة تبيعًا\"، وقد حكم بعضهم بتصحيح حديث معاذ واتصاله، وفيه نظر؛ لأن مسروقًا لم يلق معاذًا وإنما حسنه الترمذي لشواهده، والتبيع ما له\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٢٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٢٣).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٢٤).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (٣/ ٦٦٠).","vol":"3","page":277},{"text":"سنة كاملة، والمسنة هي الثنية؛ أي: ذات سنتين، انتهى مختصرًا.\nوفي \"الفيض\" (^١): لم يكن عند المصنف في هذا الباب حديث على شرطه، فأراد أن لا يخلو كتابه من تلك المسألة المهمة أيضًا؛ لأنه قد بسط فيه الفقه أيضًا، فأشار إليها فقط، ومضى، ولله دره ما أدق نظره، انتهى.\n\n(٤٤ -<span data-type='title' id=toc-1136> باب الزكاة على الأقارب. . .) إلخ</span>\nقال ابن المنيِّر: وجه استدلاله بأحاديث الباب أن صدقة التطوع على الأقارب لما لم ينقص أجرها بوقوعها موقع الصدقة والصلة معًا كانت صدقة الواجب كذلك، لكن لا يلزم من جواز صدقة التطوع أن تكون الواجبة كذلك، انتهى مختصرًا من \"الفتح\" (^٢).\nوفي \"الفيض\" (^٣): اختار التعميم، ولم يفصل بين الأصول والفروع وغيرهم، وعندنا لا تجوز على الأصول والفروع. ولما لم يكن الحديث في الزكاة لم نحتج إلى جوابه، أما المصنف فطريقه أوسع في الاستدلال، انتهى.\nقلت: وهو كذلك؛ فإن الاستدلال بكل المحتمل مطرد في تراجمه، وقال الموفق (^٤): أجمعوا على أنه لا يجوز دفع الزكاة إلى الوالدين وإن علوا ولا إلى الأولاد وإن سفلوا، وأما سائر الأقارب، فمن لا يُورَّث منهم يجوز له، وأما وارث فعن أحمد روايتان، إحدهما: يجوز، وهو قول أكثر أهل العلم، والثانية: لا يجوز، انتهى.\n\n(٤٥ -<span data-type='title' id=toc-1137> باب ليس على المسلم في فرسه صدقة)</span>\nاتفقوا على أنه لا زكاة فيه إن كان معدًّا للركوب، وكذا أجمعوا على وجوب الزكاة فيه إن كان للتجارة خلافًا للظاهرية، واختلفوا فيما سوى\n_________\n(^١) (٣/ ٣٩).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٢٥).\n(^٣) (٣/ ٣٩).\n(^٤) \"المغني\" (٤/ ٩٨).","vol":"3","page":278},{"text":"ذلك. فذهب الجمهور ومنهم الأئمة الثلاثة إلى أن لا زكاة في الخيل، وبه قال صاحبي أبي حنيفة وهو مختار الطحاوي من الحنفية. وقال أبو حنيفة بوجوب الزكاة في سائمة الخيل، وهو قول النخعي، ورجحه ابن الهمام وبسط الكلام على الدلائل، هذا إذا كانت مختلطة ذكورًا وإناثًا. أما إذا كانت ذكورًا أو إناثًا ففيه روايتان عن الإمام بسط الكلام عليها وعلى الدلائل في \"الأوجز\" (^١)، منها: أن عمر - ﵁ - وضع عليها الزكاة بعد استشارة الصحابة رضي الله تعالى عنهم.\n\n(٤٦ -<span data-type='title' id=toc-1138> باب ليس على المسلم في عبده صدقة)</span>\nإلا صدقة الفطر وزكاة التجارة في قيمته إن كان للتجارة، انتهى من القسطلاني (^٢).\nوفي \"الأوجز\" (^٣): قال الزرقاني: لا خلاف أنه ليس في رقاب العبيد صدقة إلا أن يشتروا للتجارة.\nقال الحافظ (^٤): واستدل بحديث الباب من قال من أهل الظاهر بعدم وجوب الزكاة فيهما مطلقًا ولو كان للتجارة، وأجيبوا بأن زكاة التجارة ثابتة بالإجماع كما نقله ابن المنذر وغيره فيخص به عموم هذا الحديث، انتهى.\n\n(٤٧ -<span data-type='title' id=toc-1139> باب الصدقة على اليتامى)</span>\nقال الحافظ (^٥): قال ابن المنيِّر: عبَّر بالصدقة دون الزكاة لتردد الخبر بين صدقة الفرض والتطوع، لكون ذكر اليتيم جاء متوسطًا بين المسكين وابن السبيل وهما من مصارف الزكاة، وقال ابن رُشيد: لما قال \"باب ليس على المسلم في فرسه صدقة\" علم أنه يريد الواجبة، إذ لا خلاف في\n_________\n(^١) انظر: \"أوجز المسالك\" (٦/ ١٧٥).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٣/ ٦٦٦).\n(^٣) \"أوجز المسالك\" (٦/ ١٧٠).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٢٧).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٢٧).","vol":"3","page":279},{"text":"التطوع، فلما قال: \"الصدقة على اليتامى\" أحال على معهود، انتهى.\n\n(٤٨ -<span data-type='title' id=toc-1140> باب الزكاة على الزوج والأيتام في الحجر. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^١): يشير بقوله: \"قاله أبو سعيد\" إلى حديثه السابق موصولًا في \"باب الزكاة على الأقارب\"، قال ابن رُشيد: أعاد الأيتام في هذه الترجمة لعموم الأولى وخصوص الثانية، ومحمل الحديثين في وجه الاستدلال بهما على العموم؛ لأن الإعطاء أعم من كونه واجبًا أو مندوبًا، انتهى.\nوقال الموفق (^٢): أجمعوا على أنه لا يجوز للزوج دفع زكاته إليها، وأما الزوجة فعن أحمد روايتان: أحدهما: لا يجوز وهو مذهب الحنفية، والثانية: يجوز وهو مذهب الشافعية لحديث الباب.\nقال الحافظ (^٣): واستدل بحديث الباب على جواز دفع المرأة زكاتها إلى زوجها، وهو قول الشافعي والثوري وصاحبي أبي حنيفة وإحدى الروايتين عن مالك، وحملوا الصدقة في الحديث على الواجبة لقولها: \"أتجزئ عني\". وتعقبه عياض بأن قوله: \"ولو من حليكن\" وكون صدقتها كانت من صناعتها يدلان على التطوع، وبه جزم النووي، وتأولوا قوله: \"أتجزئ عني\" أي: في الوقاية من النار؛ كأنها خافت أن صدقتها على زوجها لا تُحصِّل لها المقصود. . . إلى آخر ما في \"هامش اللامع\".\n\n(٤٩ -<span data-type='title' id=toc-1141> باب قول الله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ. . .﴾ [التوبة: ٦٠]) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٤): قال ابن المنيِّر: اقتطع البخاري هذه الآية من التفسير للاحتياج إليها في بيان مصارف الزكاة، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٢٨).\n(^٢) \"المغني\" (٤/ ١٠٠).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٢٩).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٣١).","vol":"3","page":280},{"text":"قلت: ولا يبعد عندي أن يقال: إن المصنف اقتطع هذه المصارف عن المصارف السابقة المذكورة في الآية لدقيقة فقهية، وهي: الفرق بين الأصناف الثمانية، وهو ما قال الموفق (^١): أربعة أصناف يأخذون أخذًا مستقرًا، ولا يراعى حالهم بعد الدفع، وهم: الفقراء، والمساكين، والعاملون، والمؤلفة، فمتى أخذوها ملكوها ملكًا دائمًا مستقرًا، لا يجب عليهم ردها بحال، وأربعة منهم، وهم: الغارمون، وفي الرقاب، وفي سبيل الله، وابن السبيل، فإنهم يأخذون أخذًا مراعًى، فإن صرفوه في الجهة التي استحقوا الأخذ لأجلها، وإلا استرجع منهم، ثم ذكر وجه الفرق. . . إلى أن قال: وإن قضى هؤلاء حاجتهم بها، وفضل معهم فضل ردوا الفضل، إلا الغازي، فإن ما فضل له بعد غزوه فهو له، انتهى.\nثم قال الحافظ (^٢): واختلف السلف في تفسير قوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ فقيل: المراد شراء الرقبة لتعتق، وهو رواية عن مالك وإليه مال البخاري، ورُوي عن مالك أنها في المكاتب وهو قول الشافعي والكوفيين وأكثر أهل العلم، انتهى.\nقوله: ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾ وفي \"الفيض\" (^٣): الغارم المديون، بشرط أن لا يكون عنده نصاب، وعند الشافعي هو الذي تحمل غرامة، وإن كان له مال، ويعلم من كلام \"البدائع\" أن تفصيل الشافعية محتمل عندنا أيضًا، انتهى.\nقوله: (وفي سبيل الله) قال القسطلاني (^٤): أي: وللصرف في الجهاد والإنفاق على المتطوعة به ولو كانوا أغنياء لقوله - ﵇ -: \"لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: لغاز في سبيل الله\"، وخصه أبو حنيفة بالمحتاج، وعن أحمد: الحج من سبيل الله، انتهى.\n_________\n(^١) \"المغني\" (٤/ ١٣٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٣٢).\n(^٣) \"فيض الباري\" (٣/ ٤٠).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (٣/ ٦٧٤).","vol":"3","page":281},{"text":"قال العيني (^١): هو منقطع الغزاة عند أبي يوسف، وعند محمد منقطع الحاج، وفي \"المبسوط\": وفي سبيل الله فقراء الغزاة عند أبي يوسف، وعند محمد: فقراء الحاج، انتهى.\nوفي \"الفيض\" (^٢): والمراد منه عند البخاري جميع أبواب الخير، انتهى.\n\n(٥٠ -<span data-type='title' id=toc-1142> باب الاستعفاف عن المسألة)</span>\nقال الحافظ (^٣): أي: في شيء من غير المصالح الدينية، انتهى.\nوقال العيني (^٤): الاستعفاف طلب العفاف، وقيل: الصبر والنزاهة عن الشيء، وقيل: التنزه عن السؤال، انتهى.\n\n(٥١ -<span data-type='title' id=toc-1143> باب من أعطاه الله شيئًا. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٥): ومطابقة الآية لحديث الباب من جهة دلالتها على مدح من يعطي السائل وغير السائل، وإذا كان المعطي ممدوحًا فعطيته مقبولة وآخذها غير ملوم. واختلفوا في تفسير المحروم، فقيل: هو المتعفف الذي لا يسأل، نقله الطبري عن ابن شهاب وغيره، وأخرج فيه أقوالًا أخر، وعلى التفسير المذكور تنطبق الترجمة، والإشراف بالمعجمة: التعرض للشيء والحرص عليه، من قولهم أشرف على كذا إذا تطاول له، وقيل للمكان المرتفع شرف. وتقدير جواب الشرط: فليقبل، أي: من أعطاه الله مع انتفاء القيدين المذكورين فليقبل، وإنما حذفه للعلم به، انتهى.\n\n(٥٢ -<span data-type='title' id=toc-1144> باب من سأل الناس تكثرًا)</span>\nقال القسطلاني (^٦): أي: مستكثرًا المال بسؤاله لا يريد به سدّ الخلّة، وجواب الشرط محذوف، أي: فهو مذموم، انتهى.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٦/ ٥٨٧).\n(^٢) \"فيض الباري\" (٣/ ٤٠).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٣٦).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (٦/ ٤٩٢).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٣٧).\n(^٦) \"إرشاد الساري\" (٣/ ٦٨٤).","vol":"3","page":282},{"text":"قال الحافظ (^١): وحديث الباب الذي يليه عن المغيرة أصرح في المقصود من حديث الباب، لكن عادة المؤلف أن يترجم بالأخفى، أو الاحتمال أن يكون المراد في حديث المغيرة النهي عن المسائل المشكلة كالأغلوطات، أي: السؤال عما لا يعني، أو عما لم يقع مما يكره وقوعه، وأشار مع ذلك إلى حديث أخرجه الترمذي (^٢)، لكن ليس على شرطه، وفيه: \"ومن سأل الناس ليثري به ماله كان خموشًا في وجهه يوم القيامة\" الحديث، قاله ابن رُشيد، وأولى منه أنه أشار إلى ما في \"مسلم\" (^٣) عن أبي هريرة - ﵁ - وهو مطابق للفظ الترجمة، ولفظه: \"من سأل الناس تكثرًا فإنما يسأل جمرًا\"، انتهى.\nقلت: والظاهر عندي أنه أشار إلى محمل الحديث؛ فالغرض أن الاستعفاف عن المسألة وإن كان محتاجًا أفضل كما تقدم وهو مؤدى الباب السابق، والوعيد لمن سأل تكثرًا وهو مؤدى هذا الباب، وههنا مرتبة ثالثة وهو السؤال لأجل الحاجة فلا فضل فيه ولا وعيد.\n\n(٥٣ -<span data-type='title' id=toc-1145> باب قول الله تعالى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة:</span> ٢٧٣])\nأورد (^٤) الآية الثانية تفسيرًا لقوله في الترجمة: \"وكم الغنى\" كأنه يقول: وقول النبي - ﷺ -: \"ولا يجد غنى يغنيه\" مبين لقدر الغنى؛ لأن الله تعالى جعل الصدقة للفقراء الموصوفين بهذه الصفة، أي: من كان كذلك فليس بغني ومن كان بخلافها فهو غني. وأما قوله: \"وكم الغنى\" فلم يذكر فيه حديثًا صريحًا فيحتمل أنه أشار إلى أنه لم يرد فيه شيء فيحتمل أن يستفاد من قوله في الحديث: \"الذي لا يجد غنى يغنيه\"، فإن معناه: لا يجد شيئًا يقع موقعًا من حاجته، فمن وجد ذلك كان غنيًا. وقد ورد فيه ما أخرجه\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٣٩).\n(^٢) \"سنن الترمذي\" (ح: ٦٥٣).\n(^٣) \"صحيح مسلم\" (ح: ١٠٤١).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٤١).","vol":"3","page":283},{"text":"الترمذي (^١) وغيره من حديث ابن مسعود مرفوعًا، وفي آخره \"قيل: يا رسول الله وما يغنيه؟ قال: خمسون درهمًا\" الحديث، انتهى مختصرًا.\nقلت: أورد المصنف الروايات العديدة بلفظ \"غنى يغنيه\" لعله أشار إلى أن لا تحديد فيه وأن ذلك يختلف باختلاف الأحوال فالمانع في الواقع وجود شيء يستغني به عن السؤال بلا قيد خمسين درهمًا والنصاب وغيرهما كما في \"البذل\" (^٢) وغيره، وفي \"الأوجز\" (^٣): الغنى على ثلاثة أنواع، أحدها: الموجب للزكاة، والثاني: المانع من أخذها، والثالث: المانع عن السؤال. أما الأولان فهما ملك نصاب موجب للزكاة؛ إلا أن الأول: يكون بعد تمام الحول، والثاني: يكون بمجرد الملك بدون شرط حولان الحول، والثالث: أن يكون له قوت يومه وما يستر عورته وهذا عندنا الحنفية، وأما بقية الأئمة فقد اختلط كلامهم في الغنى المانع عن أخذ الصدقة والمانع عن السؤال كما تقدم بعض ذلك عن الموفق في \"باب قدر كم يعطى من الزكاة\".\n\n(٥٤ -<span data-type='title' id=toc-1146> باب خرص التمر)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٤): أراد بذلك إثبات جوازه باعتباره في نفسه حتى يجوز في العشر والعرية وغيرهما من الصدقات، ولا ينافيه عروض حرمة البيع بالخرص بعارض شبهة الربا حيث تلزم، والله أعلم، انتهى.\nوفي هامشه: بسط الكلام على هذا الباب في \"الأوجز\" (^٥) وجملته: أن الخرص بفتح المعجمة وقد تكسر وسكون الراء وهو: حزر ما على النخل وغيره من الثمرة، قال ابن رشد في \"البداية\" (^٦): أما تقدير النصاب بالخرص واعتباره به فجمهور العلماء على إجازته في النخيل والأعناب حين يبدو صلاحها لضرورة أن يخلي بينها وبين أهلها يأكلونها رطبًا. وقال داود:\n_________\n(^١) \"سنن الترمذي\" (ح: ٦٥٠).\n(^٢) \"بذل المجهود\" (٦/ ٤٦٢).\n(^٣) \"أوجز المسالك\" (٦/ ٧٣).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٥/ ٨٠).\n(^٥) \"أوجز المسالك\" (٦/ ١٠٢).\n(^٦) \"بداية المجتهد\" (١/ ٢٦٦).","vol":"3","page":284},{"text":"لا خرص إلا في النخيل فقط. وقال أبو حنيفة وصاحباه: الخرص باطل، وعلى رب المال أن يؤدي عشر ما تحت يده زاد على الخرص أو نقص.\nوالسبب في اختلافهم معارضة الأصول للأثر الوارد في ذلك، وهو ما روي أن رسول الله - ﷺ - كان يرسل عبد الله بن رواحة إلى خيبر، فيخرص عليهم النخل، وأما الأصول التي تعارضه، فلأنه من باب المزابنة المنهي عنها، وهو بيع الثمر في رؤوس النخل بالثمر كيلًا، ولأنه أيضًا من باب بيع الرطب بالتمر نسيئة، فيدخله المنع من التفاضل ومن النسيئة، وكلاهما من أصول الربا، فلما رأى الكوفيون هذا مع أن الخرص الذي كان يخرص على أهل خيبر لم يكن للزكاة، قالوا: يحتمل أن يكون تخمينًا ليعلم ما بأيدي كل قوم من الثمار. . . إلى آخر ما بسط الكلام على ذلك في \"الأوجز\" مع بيان الاختلاف في فروع هذا الباب، مثلًا: يختص بالنخل أو يلحق به العنب أيضًا؟ أو يعم كل ما ينتفع به رطبًا وجافًا؟ وبالأول قالت الظاهرية، وبالثاني قال الجمهور، وإلى الثالث نحا البخاري. . .، إلى آخر ما في هامش \"اللامع\".\nوقال شيخ مشايخنا الدهلوي في \"المسوى\" (^١): قالت الحنفية: الخرص ليس بشيء. وأولوا ما روي من ذلك أنه كان تخويفًا على الأكلة لئلا يخونوا، انتهى. هذا هو المعروف من مذهب الحنفية، ومال الشيخ الكَنكَوهي إلى جوازه في العشر والعرية، فارجع إلى \"الكوكب الدري\" (^٢) وهامشه.\nوقال الحافظ (^٣): باب خرص التمر، أي: مشروعيته، انتهى.\nقلت: وفي ذكره في \"كتاب الزكاة\" إشارة منه إلى جوازه فيها، وقال الحافظ: اختلف القائلون بالخرص هل هو واجب أو مستحب؟ الأول وجه للشافعية، والثاني قول الجمهور إلا إن تعلق به حق لمحجور مثلًا أو كان شركاؤه غير مؤتمنين فيجب لحفظ مال الغير، انتهى.\n_________\n(^١) \"المسوى\" (١/ ٢٢٠).\n(^٢) \"الكوكب الدري\" (٢/ ١٧).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٤٤).","vol":"3","page":285},{"text":"(٥٥ -<span data-type='title' id=toc-1147> باب العشر فيما يسقى. . .) إلخ</span>\nقال ابن المنيِّر: عدل عن لفظ العيون الواقع في الخبر إلى الماء الجاري ليجريه مجرى التفسير للمقصود من ماء العيون، وأنه الماء الذي يجري بنفسه من غير نضح، وليبين أن الذي يجري بنفسه من نهر أو غدير حكمه حكم ما يجري من العيون، انتهى.\nوكأنه أشار إلى ما في بعض طرقه، فعند أبي داود (^١): \"فيما سقت السماء والأنهار والعيون\" الحديث، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\nقلت: ولا يبعد عندي أن يكون المصنف أشار بذلك إلى مسألة خلافية، وهي أن العشر والزكاة واجبان في الذمة أو في المال، وهما قولان للشافعي وأحمد، ومن قال بالثاني استدل بهذا السياق، كما في \"المغني\" (^٣).\nقوله: (ولم ير عمر. . .) إلخ، وصله مالك في \"الموطأ\". وجاء عن عمر بن عبد العزيز ما يخالفه، أخرجه (^٤) عبد الرزاق، وفيه: \"فخذ منه العشر\"، وإسناده ضعيف. وكأن البخاري أشار إلى تضعيف ما روي \"أن في العسل العشر\" أخرجه عبد الرزاق بسنده عن أبي هريرة قال: \"كتب رسول الله - ﷺ - إلى أهل اليمن أن يؤخذ من العسل العشر\" وفي سنده عبد الله بن محرر، قال البخاري في \"تاريخه\": هو متروك، ولا يصح، قال ابن رُشيد: وجه إدخاله العسل للتنبيه على الخلاف فيه، وأنه لا يرى فيه زكاة وإن كانت النحل تتغذى بما يسقى من السماء لكن المتولد بالمباشرة كالزرع ليس كالمتولد بواسطة حيوان كاللبن فإنه متولد عن الرعي ولا زكاة فيه، انتهى مختصرًا من \"الفتح\" (^٥).\nوالمسألة خلافية؛ ففي هامش \"الكوكب\" (^٦): اختلفت الأئمة في\n_________\n(^١) \"أبو داود\" (١٥٩٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٤٧).\n(^٣) \"المغني\" (٤/ ١٤٠).\n(^٤) \"عبد الرزاق\" (٦٩٧٢).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٤٨).\n(^٦) \"الكوكب الدري\" (٢/ ١٢).","vol":"3","page":286},{"text":"وجوب العشر في العسل فقال بوجوبه أبو حنيفة وصاحباه والشافعي في القديم وأحمد وغيرهم، ونفاه مالك والشافعي في الجديد وغيرهما، كذا في \"الأوجز\" (^١) مع البسط في الدلائل. ثم وجوب العشر في العسل مطلقًا من غير شرط نصاب عند أبي حنيفة، واختلفت الروايات عن صاحبيه؛ ففي \"الهداية\" (^٢) عن أبي يوسف أنه يعتبر فيه خمسة أوسق، وعنه أنه لا شيء فيه حتى يبلغ عشر قرب، وعنه خمسة أمناء، وعن محمد خمسة أفراق، انتهى. قلت: والرواية الثانية عن محمد خمس قرب، والثالثة خمسة أمناء، انتهى من هامش \"الكوكب\".\nوعند أحمد عشرة أفراق كما في \"المنهل\"، ولا عشر فيه عند مالك والشافعي كما تقدم.\nقوله: (قال أبو عبد الله: هذا تفسير الأول. . .) إلخ، هذا في غير محله، وقع التقديم من النساخ، ومحله الباب الآتي؛ وهو إشارة إلى حديث أبي سعيد الآتي في الباب، لكن وجهه العلامة السندي (^٣) بتوجيه، إذ قال: وكذا ورد في الباب الآتي مثله، وكأنه أتى به في البابين لزيادة التأكيد، والمقصود في الموضعين واحد، والمراد بقوله: \"هذا\" هو ما سيجيء من حديث أبي سعيد في الباب الآتي، وبقوله: \"الأول\" ما سبق من حديث ابن عمر، وهذا وإن كان غير ظاهر لكن مقابلة هذا بالأول قرينة على أن المراد بهذا هو المتأخر المقابل للأول، ولم يسبق حديث يعرف بالأولية إلا حديث ابن عمر، فمقابلة المتأخر هو حديث أبي سعيد، ثم قد فسَّر الأول بحديث ابن عمر توضيحًا للمطلوب، قال: لم يوقّت في الأول، يعني: حديث ابن عمر، وفسر عدم توقيته بقوله: \"وفيما سقت السماء العشر\" ومراده الرد على أبي حنيفة، انتهى.\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (٦/ ١٨٠).\n(^٢) \"الهداية\" (١/ ١٠٨).\n(^٣) \"حاشية السندي على صحيح البخاري\" (١/ ٢٥٩).","vol":"3","page":287},{"text":"(٥٦ -<span data-type='title' id=toc-1148> باب ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة)</span>\nوفي \"تراجم شيخ المشايخ\" (^١): فيه رد على الحنفية، انتهى مختصرًا.\nواعلم أن نصاب الحبوب والثمار خمسة أوسق عند مالك والشافعي وأحمد وصاحبي أبي حنيفة وداود الظاهري، إلا أنهم اختلفوا في ذلك فيما لا يكال ولا يوسق، فقال داود: إن كل ما يدخل فيه الكيل يراعى فيه النصاب، وما لا يدخل فيه الكيل ففي قليله وكثيره الزكاة.\nقال الحافظ: وهو نوع من الجمع بين الحديثين، واختلف غير داود فيما لا يوسق ولا يكال كما بسط في \"الأوجز\" (^٢)، وقال أبو حنيفة ومن معه: إن حديث أبي سعيد محمول على زكاة التجارة، واستدلوا بما روي من أحاديث العموم من \"العشر فيما سقت السماء، ونصف العشر فيما سقي بالنضح\" بسطها العيني (^٣)، ثم قال: وهذه الأحاديث كلها مطلقة، وليس فيها فصل، قال ابن رشد (^٤): سبب الخلاف في ذلك معارضة العموم على الخصوص، والحديثان ثابتان، فمن رأى أن الخصوص يبني على العموم قال: لا بد من النصاب، ومن قال: هما متعارضان إذا جهل المتقدم، ومن رجح العموم قال: لا نصاب، انتهى.\nقال ابن العربي (^٥): أقوى المذاهب مذهب أبي حنيفة دليلًا، وأحوطها للمساكين، وأولاها قيامًا شكر النعمة، وعليه يدل عموم الآية والحديث، انتهى.\nقلت: وأجابت الحنفية عن حديث أبي سعيد بعشرة أجوبة بسطت في \"الأوجز\" (^٦) ولخص منها في هامش \"اللامع\".\n_________\n(^١) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٣٧١).\n(^٢) \"أوجز المسالك\" (٥/ ٤٩٦).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٦/ ٣٥٨).\n(^٤) \"بداية المجتهد\" (١/ ٢٦٥).\n(^٥) \"عارضة الأحوذي\" (٣/ ١٣٥).\n(^٦) \"أوجز المسالك\" (٥/ ٤٩٨)، و\"لامع الدراري\" (٥/ ٨٢).","vol":"3","page":288},{"text":"(٥٧ -<span data-type='title' id=toc-1149> باب أخذ صدقة التمر. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^١): الصرام بكسر المهملة: الجداد والقطاف وزنًا ومعنًى، وقد اشتمل هذا الباب على ترجمتين:\nأما الأولى فلها تعلق بقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]، واختلفوا في المراد بالحق فيها فقال ابن عباس: هي الواجبة، وقال ابن عمر: هو شيء سوى الزكاة.\nوأما الترجمة الثانية فربطها بالترك إشارة منه إلى أن الصبا وإن كان مانعًا من توجيه الخطاب إلى الصبي فليس مانعًا من توجيه الخطاب إلى الولي بتأديبه وتعليمه، وأوردها بلفظ الاستفهام لاحتمال أن يكون النهي خاصًا بمن لا يحل له تناول الصدقة، انتهى.\nوفي \"الفيض\" (^٢): نُقِلَ عن أبي حنيفة أنَّ حق الفقراء يتعلقُ عند بُدُو الصلاح، وعن أبي يوسف: أوان الحصاد، وعن محمد: بعد الحصاد، وهو ظاهر القرآن. ولعل المصنف مال إلى مذهب الإِمام، حيث جعل الاستيفاء عند الحصاد وصِرَام النخل، وذكر الوجوب في تراجم أخرى، وليس مراده أن الوجوبَ أيضًا حين صِرَام النخل، بل الوجوبُ قَبْله، نعم، الاستيفاء عند الحصاد، انتهى.\n\n(٥٨ -<span data-type='title' id=toc-1150> باب من باع ثماره أو نخله. . .) إلخ</span>\nقال العيني (^٣): قوله: \"ولم تجب فيه الصدقة\" هو تعميم بعد تخصيص، والمراد من النخل التي عليها الثمار، ومن الأرض التي عليها الزرع؛ لأن الصدقة لا تجب في نفس النخل والأرض، وهذا يحتمل ثلاثة أنواع: الأول: بيع الثمرة فقط، والثاني: بيع النخل فقط، والثالث: بيع\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٥١).\n(^٢) \"فيض الباري\" (٣/ ٤٩).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٦/ ٥٣٨).","vol":"3","page":289},{"text":"الثمر مع النخل، وكذا بيع الزرع مع الأرض أو بدونها أو بالعكس. وجواب \"من\" محذوف تقديره: \"من باع ثماره. . .\" إلخ، جاز بيعه فيها، فدلت هذه الترجمة على أن البخاري يرى جواز بيع الثمرة بعد بدو صلاحها، سواء وجب عليه الزكاة أم لا، وقال ابن بطال: غرض البخاري الرد على الشافعي حيث قال بمنع البيع بعد الصلاح حتى يؤدي الزكاة منها، انتهى.\nوزاد الحافظ (^١) بعد نقل كلام ابن بطال: وقال أبو حنيفة: المشتري بالخيار ويؤخذ العشر منه ويرجع هو على البائع، وعن مالك: على البائع، إلا أن يشترطه على المشتري وهو قول الليث، وعن أحمد: الصدقة على البائع مطلقًا، انتهى.\n\n(٥٩ -<span data-type='title' id=toc-1151> باب هل يشتري صدقته. . .) إلخ</span>\nاعلم أن هذه الترجمة مشتملة على الجزئين: الأول: قوله: \"هل يشتري. . .\" إلخ، والثاني: قوله: \"لا بأس أن يشتري صدقة غيره. . .\" إلخ، وهذا الجزء الثاني لا خلاف في جوازه؛ لقوله ﵊ في الحديث المشهور: \"لا تحل الصدقة لغني إلّا لخمسة\" وفيه: \"أو لرجل اشتراها بماله\"، وقال العيني في حديث بريرة: \"لها صدقة ولنا هدية\": فإذا كان هذا جائزًا بغير عوض فبالعوض أجوز، انتهى.\nوأما الجزء الأول من الترجمة فالأوجه عندي: أن الإمام البخاري أشار بلفظ الاستفهام إلى اختلاف مشهور في هذه المسألة، قال ابن الملك: ذهب بعض العلماء إلى أن شراء المتصدق صدقته حرام لظاهر هذا الحديث، والأكثرون على أنها كراهة تنزيه لكون القبح فيه لغيره، وهو أن المتصدق عليه ربما يسامح للمتصدق في الثمن فيكون كالعائد في صدقته في ذلك المقدار الذي سومح فيه، قال النووي: الكراهة في الشراء، أما إذا ورثه أو انتقل إلى ثالث ثم اشتراه منه المتصدق فلا كراهة فيه، هذا مذهبنا ومذهب الجمهور، انتهى من هامش \"اللامع\" (^٢).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٥٢).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٥/ ٨٦).","vol":"3","page":290},{"text":"وفي \"الأوجز\" (^١): لا يجوز شراؤه عند أحمد وأهل الظاهر وهو وجه للمالكية، والجمهور ومنهم الأئمة الثلاثة على الجواز، انتهى.\n\n(٦٠ -<span data-type='title' id=toc-1152> باب ما يذكر في الصدقة للنبي - ﷺ - وآله)</span>\nقال الحافظ (^٢): لم يعيِّن الحكم لشهرة الاختلاف فيه، انتهى.\nقلت: وفي الترجمة مسألتان: الأولى: حكم الصدقة على النبي - ﷺ -، قال الحافظ: كان يحرم على النبي - ﷺ - صدقة الفرض والتطوع كما نقل فيه غير واحد منهم الخطابي الإجماع، لكن حكى غير واحد عن الشافعي في التطوع قولًا، وكذا في رواية عن أحمد، واختلف هل كان تحريم الصدقة من خصائصه - ﷺ - دون الأنبياء أو كلهم سواء في ذلك، انتهى.\nقال الموفق (^٣): الظاهر أن الصدقة جميعها كانت محرمة عليه - ﷺ - فرضها ونفلها، انتهى.\nوالمسألة الثانية: ما أشار إليه البخاري بقوله \"وآله\" وفيه بحثان: الأول: في حكم الصدقة على الآل، والثاني: في المراد بالآل.\nأما الأول ففي \"البذل\" (^٤) عن الشوكاني: قال أكثر الحنفية، وهو المصحح عن الشافعية والحنابلة: إنها تجوز لهم صدقة التطوع دون الفرض، قالوا: لأن المحرم عليهم إنما هو أوساخ الناس، وذلك هو الزكاة لا صدقة التطوع، وقال في \"الدر المختار\" (^٥): وجازت التطوعات من الصدقات وغلة الأوقاف لهم، أي: لبني هاشم، انتهى. وعن المالكية أربعة أقوال: الجواز، المنع، جواز التطوع دون الفرض، وعكسه.\nوأما البحث الثاني فقد قال النووي (^٦): مذهب الشافعي وموافقيه أن\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (٦/ ٢٤٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٥٤).\n(^٣) \"المغني\" (٤/ ١١٥).\n(^٤) \"بذل المجهود\" (٦/ ٥٠٦).\n(^٥) \"رد المحتار على الدر المختار\" (٣/ ٣٠٠).\n(^٦) \"شرح النووي على صحيح مسلم\" (٤/ ١٨٩).","vol":"3","page":291},{"text":"آله - ﷺ - بنو هاشم وبنو المطلب، وبه قال بعض المالكية، ومذهب أبي حنيفة ومالك أنهم بنو هاشم خاصة. وقال بعض العلماء: هم قريش كلهم، وقال بعضهم: هم بنو قصيٍّ، انتهى.\nوقال الباجي (^١): هم بنو هاشم خاصة. وبه قال أبو حنيفة إلا أنه يستثني منهم بني أبي لهب، انتهى. وعن أحمد روايتان كالمذهبين كما في \"الروض المربع\" (^٢).\n\n(٦١ -<span data-type='title' id=toc-1153> باب الصدقة على موالي أزواج النبي - ﷺ </span>-)\nقال الحافظ (^٣): لم يترجم لأزواج النبي - ﷺ - ولا لموالي النبي - ﷺ - لأنه لم يثبت عنده فيه شيء. وقد نقل ابن بطال أنهن - أي: الأزواج - لا يدخلن في ذلك باتفاق الفقهاء. وأما مواليه - ﷺ - فروى أصحاب السنن عن أبي رافع مرفوعًا: \"إنا لا تحل لنا الصدقة، وإن موالي القوم من أنفسهم\"، وبه قال أحمد وأبو حنيفة وبعض المالكية وهو الصحيح عند الشافعية، وقال الجمهور: يجوز لهم لأنهم ليسوا منهم حقيقة، ولذلك لم يعوضوا بخمس الخمس.\nوقال الحافظ: قال ابن المنيِّر: إنما أورد البخاري هذه الترجمة ليحقق أن الأزواج لا يدخل مواليهن في الخلاف ولا يحرم عليهن الصدقة قولًا واحدًا لئلا يظن الظان أنه لما قال بعض الناس بدخول الأزواج في الآل أنه يطَّرد في مواليهن، فبين أنه لا يطَّرد، انتهى.\n\n(٦٢ -<span data-type='title' id=toc-1154> باب إذا تحولت الصدقة)</span>\nقال القسطلاني (^٤): أي: عن كونها صدقة بأن دخلت في ملك المتصدق عليه جاز للهاشمي تناولها، انتهى.\n_________\n(^١) \"المنتقى\" (٣/ ٢٣٨).\n(^٢) \"الروض المربع\" (ص ٢٠٢ - ٢٠٣).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٥٦).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (٣/ ٧١٢).","vol":"3","page":292},{"text":"(٦٣ -<span data-type='title' id=toc-1155> باب أخذ الصدقة من الأغنياء)</span>\nاعلم أولًا أنهم اختلفوا في مسألة جواز نقل الزكاة من بلد المال إلى غيره، فأجاز النقل الليث وأبو حنيفة وأصحابهما، ونقله ابن المنذر عن الشافعي واختاره، والأصح عند الشافعية والمالكية والجمهور ترك النقل، فلو خالف ونقل أجزأ عند المالكية على الأصح، ولم يجز عند الشافعية على الأصح إلا إذا فقد المستحقون لها، ولا يبعد أنه اختيار البخاري؛ لأن قوله: \"حيث كانوا\" يشعر بأنه لا ينقلها عن بلد وفيه ممن هو متصف بصفة الاستحقاق، انتهى.\nإذا عرفت هذا فاعلم أنهم اختلفوا في مراد المصنف بقوله: \"حيث كانوا\" وتقدم ما قال الحافظ آنفًا، وقال الكرماني (^١): قوله: \"حيث كانوا\" الظاهر أن غرض البخاري بيان الامتناع، أي: ترد على فقراء أولئك الأغنياء في موضع وجد لهم الفقراء وإلا جاز النقل، ويحتمل أن يكون غرضه عكسه، انتهى.\nوتعقبه العيني، إذ قال (^٢): قوله: \"حيث كانوا\" يشعر بأنه اختار جواز النقل فإنه قال: ترد حيث كانوا، أي: الفقراء، وهو أعم من أن يكونوا في موضع كان فيه الأغنياء أوفي غيره، فالعجب من الكرماني حيث جعل الامتناع ظاهرًا وهو محتمل، وجعل الظاهر عكسًا، انتهى.\nقلت: أصل الخلاف في أن الشرَّاح الشافعية مالوا إلى أن مرجع ضمير \"حيث كانوا\" الأغنياء، والشرَّاح الحنفية مالوا إلى أن المرجع الفقراء إلى آخر ما في هامش \"اللامع\".\nقلت: ويمكن أن يكون غرض المؤلف الإشارة إلى خلافية أخرى شهيرة وهي إعطاء الزكاة لصنف واحد من الأصناف الثمانية كما هو مذهب الحنفية والحنابلة، وقال مالك: يتحرى موضع الحاجة منهم ويقدم الأولى\n_________\n(^١) \"شرح الكرماني\" (٨/ ٣٩).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٦/ ٥٥٢).","vol":"3","page":293},{"text":"فالأولى، وعند الشافعي يجب أن يقسم زكاة كل صنف من ماله على الموجود من الأصناف الستة الذين سُهْمَانُهم ثابتةٌ، قسمةً على السواء، ثم حصة كل صنف منهم لا تصرف إلى أقل من ثلاثة منهم كما في \"المغني\" (^١)، وفيه: ولنا قوله - ﷺ - لمعاذ: \"تؤخذ من أغنيائهم، فترد في فقرائهم\" الحديث، فأخبر أنه مأمور برد جملتها في الفقراء، وهم صنف واحد، ولم يذكر سواهم، انتهى.\nفيمكن أن يكون المصنف أشار إلى هذه المسألة، والله تعالى أعلم.\n\n(٦٤ -<span data-type='title' id=toc-1156> باب صلاة الإمام ودعائه. . .) إلخ</span>\nقال الزين بن المنيِّر: عطف الدعاء على الصلاة في الترجمة ليبين أن لفظ الصلاة ليس محتمًا بل غيره من الدعاء ينزل منزلته، انتهى.\nويؤيده ما في حديث عند النسائي من أنه - ﷺ - قال في رجل بعث بناقة حسنة في الزكاة: \"اللهم بارك فيه وفي إبله\"، وقال ابن المنيِّر في الحاشية: عبَّر المصنف في الترجمة بالإمام ليبطل شبهة أهل الردة في قولهم للصدِّيق: إنما قال الله لرسوله: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]، وهذا خاص بالرسول فأراد أن يبين أن كل إمام داخل في الخطاب، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\nوفي حديث الباب مسألة خلافية، قال العيني (^٣): احتج به من جوَّز الصلاة على غير الأنبياء استقلالًا وهو قول أحمد أيضًا. وقال أبو حنيفة وأصحابه ومالك والشافعي والأكثرون: إنه لا يصلَّى على غير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام استقلالًا ولكن يصلى عليهم تبعًا. والجواب عن هذا: أن هذا حقه ﵊ له أن يعطيه لمن شاء، وليس لغيره ذلك، انتهى. وبسط الكلام عليه في \"الأوجز\" (^٤).\n_________\n(^١) \"المغني\" (٤/ ١٢٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٦١).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٦/ ٥٥٦).\n(^٤) \"أوجز المسالك\" (٣/ ٤١٩).","vol":"3","page":294},{"text":"(٦٥ -<span data-type='title' id=toc-1157> باب ما يستخرج من البحر. . .) إلخ</span>\nأي: هل تجب فيه الزكاة أو لا؟ وإطلاق الاستخراج أعم من أن يكون بسهولة كما يوجد في الساحل، أو بصعوبة كما يوجد بعد الغوص ونحوه.\nوقال الإسماعيلي: ليس في هذا الحديث شيء يناسب الترجمة، رجل اقترض قرضًا فارتجع قرضه. وكذا قال الداودي. وأجاب [أبو] عبد الملك بأنه أشار به إلى أن كل ما ألقاه البحر جاز أخذه ولا خمس فيه، وقال ابن المنيِّر: موضع الاستشهاد منه أخذ الرجل الخشبة على أنها حطب، فإذا قلنا: إن شرع من قبلنا شرع لنا فيستفاد منه إباحة ما يلفظه البحر من مثل ذلك مما نشأ في البحر أو عطب فانقطع ملك صاحبه، وكذلك ما لم يتقدم عليه ملك لأحد من باب الأولى، وكذلك ما يحتاج إلى معاناة وتعب في استخراجه أيضًا. وقد فرَّق الأوزاعي بين ما يوجد في الساحل فيخمس أوفي البحر بالغوص ونحوه فلا شيء فيه. وذهب الجمهور إلى أنه لا يجب فيه شيء إلا ما روي عن الحسن - كما تقدم - وغيره، وهو قول أبي يوسف ورواية عن أحمد، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوفي \"الشرح الكبير\" (^٢): لا زكاة فيما يخرج من البحر واللؤلؤ والمرجان ونحوه في أحد الوجهين، وهو قول مالك والشافعي وأبي حنيفة ومحمد. والوجه الآخر: إن فيه زكاة؛ لأنه يشبه معدن الأرض، وهو قول الحسن والزهري، انتهى.\n\n(٦٦ -<span data-type='title' id=toc-1158> باب في الركاز الخمس. . .) إلخ</span>\nوالركاز: المال المدفون، مأخوذ من الركز - بفتح الراء - وهو الدفن، وهذا متفق عليه، واختلف في المعدن كما سيأتي، كذا في \"الفتح\" (^٣).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٦٢ - ٣٦٣).\n(^٢) \"الشرح الكبير\" (٢/ ٥٨٤).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٦٤).","vol":"3","page":295},{"text":"واعلم أن الركاز عندنا الحنفية عام يطلق على الدفن وعلى المخلوق في الأرض. نعم، المعدن والكنز متقابلان، فالمعدن ما خلق في الأرض، والكنز ما دفن فيها، والخمس عندنا في كليهما، إلا في دفائن أهل الإسلام، فإن حكمها حكم اللقطة. وقال الشافعي: الركاز هو الدفين، ولا خمس عنده في المعدن، واحتج بقوله - ﷺ -: \"المعدن جبار، وفي الركاز الخمس\" فإنه صريح في كون المعدن غير الركاز، فهما شيئان، والوجه عندنا: أنه إذا حكم على المعدن بكونه جبارًا توهم منه كون المال الخارج منه أيضًا جبارًا، لا شيء فيه، فقال: \"وفي الركاز الخمس\" ففي الأول بيان لحكم المحل، أي: إن حفره أحد فمات فيه لا شيء له، وفي الثاني بيان للحال، أي: ما خرج منه، وإنما لم يكتف بالضمير تعميمًا للمسألة، فإن الركاز عام كما علمته، كذا في \"الفيض\" (^١)، ففي المعدن عنده، أي: الشافعي وكذا عند مالك وأحمد الزكاة دون الخمس، وعندنا الحنفية في كليهما الخمس، كما بسط في \"هامش اللامع\".\nوقال القسطلاني (^٢): قوله: \"وقال مالك\" هو ابن أنس إمام دار الهجرة، \"وابن إدريس\" هو الشافعي الإمام الأعظم صاحب المذهب كما جزم به أبو زيد المروزي أحد الرواة عن الفربري، وتابعه البيهقي، وقيل: المراد بابن إدريس عبد الله بن إدريس الأودي الكوفي.\n(في قليله وكثيره الخمس) وهذا قول أبي حنيفة ومالك وأحمد، وبه قال إمامنا الشافعي في القديم، وشرط في الجديد النصاب ولا تجب الزكاة فيما دونه إلا إذا كان في ملكه من جنس النقد الموجود، انتهى من القسطلاني.\nقوله: (وقال الحسن. . .) إلخ، كتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): وذلك لأنه\n_________\n(^١) \"فيض الباري\" (٣/ ٥٣).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٣/ ٧١٩).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٥/ ١٠٥).","vol":"3","page":296},{"text":"في حكم الغنيمة، ولا يكون له حكم الغنيمة عندنا إلا إذا لم يكن دخوله في دار الحرب بأمان، بل دخل فيها متلصصًا أو متغلبًا، فأما إذا دخلها بأمان فإن أخذه شيئًا من أموالهم يكون غدرًا، وهذا التفصيل مرعي أيضًا على مذهب الحنفية في قوله: وإن وجدت لقطة في أرض العدو، انتهى.\nوفي هامشه: قال الحافظ (^١): وصله ابن أبي شيبة بلفظ: \"إذا وجد الكنز في أرض العدو ففيه الخمس، وإذا وجد في أرض العرب ففيه الزكاة\"، قال ابن المنذر: ولا أعلم أحدًا فرق هذه التفرقة غير الحسن، انتهى.\nوفي \"الفيض\" (^٢) تحت قوله: \"وقال الحسن\": وهذا أقرب إلى الحنفية؛ لأنه أوجب الخمس في الركاز مطلقًا، وما فرق به يوجب الخمس في معدن دار الإسلام أيضًا، فإن الأراضي لتقادم العهد بالكفر كانت للكافرين، ثم تحولت إلى ملك المسلمين، فحكمها يكون كحكم الغنيمة، وإن وجد فيها المعدن في دار الإسلام، انتهى.\nقوله: (قال بعض الناس. . .) إلخ، وهذا أول المواضع التي أورد فيها الإمام البخاري على بعض العلماء بقوله: \"وقال بعض الناس\" وهي أربع وعشرون موضعًا في سائر كتابه، وهذا أولها، وآخرها في \"كتاب الأحكام\"، والمعروف عند العلماء أن هذه كلها إيرادات على الحنفية لا سيما على الإمام الأعظم أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه، وهذا صحيح باعتبار أكثر المواضع، وإلا فقد يقول: \"قال بعض الناس\" مع أن المسألة إجماعية كما سيأتي في \"كتاب الهبة\"، وقد يشير به إلى الشافعي أيضًا كما سيأتي في \"كتاب الأحكام\" إلى آخر ما بسط في هامش \"اللامع\".\nوفي \"الفيض\": ولم يرد به أبا حنيفة في جميع المواضع، كما زُعِمَ، وإن كان المراد ههنا هو الإمام الهمام، بل المراد في بعضها عيسى بن أبان،\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٦٤).\n(^٢) \"فيض الباري\" (٣/ ٥٤)","vol":"3","page":297},{"text":"وفي بعض آخر الشافعي نفسه، وفي آخر محمد، ثم لا يستعمله المصنف للرد دائمًا، بل رأيته قد يقول: بعض الناس، ثم يختاره، وقد يتردد فيه، إلى آخر ما بسطه.\nوقوله: (ثم ناقضه وقال: لا بأس. . .) إلخ، ليس بمناقضة كما حققه المحشي، ولم ينفرد الإمام بذلك بل يجوز أن يتولى الإنسان تفرقته بنفسه عند أحمد وابن المنذر لما روي عن علي - ﵁ - أنه أمر واجد الكنز بتفرقته على المساكين، كما في \"المغني\" (^١).\nقال الحافظ (^٢): قال ابن بطال: ليس كما قال، إنما أجاز أبو حنيفة أن يكتمه إذا كان محتاجًا، بمعنى أن له حقًا في بيت المال ونصيبًا، ونقل الطحاوي المسألة كما قال ابن بطال، ونقل أيضًا: لو وجد في داره معدنًا فليس عليه شيء، وبهذا يتجه اعتراض البخاري، انتهى من \"الفتح\".\nقلت: وما قاله الحافظ بعيد من مثله؛ لأن العلماء اختلفوا في الموضع الذي يجب فيه الخمس، وقد بسط الكلام على ذلك الموفق. . .، إلى آخر ما ذكر في \"هامش اللامع\".\n\n(٦٧ -<span data-type='title' id=toc-1159> باب قول الله تعالى: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾. . . [التوبة: ٦٠]) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٣): قال ابن بطال: اتفق العلماء أن العاملين عليها: السعاة المتولون لقبض الصدقة، قال ابن المنيِّر: يحتمل أن يكون العامل المذكور صرف شيئًا من الزكاة في مصارفه فحوسب عليه.\nقال الحافظ: والذي يظهر من مجموع الطرق أن سبب المحاسبة ما وجد معه من جنس مال الصدقة وادعى أنه أهدي إليه، واسم العامل المذكور عبد الله بن اللتبية، انتهى.\n_________\n(^١) \"المغني\" (٥/ ٤٠١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٦٥).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٦٦).","vol":"3","page":298},{"text":"ولا يبعد عند هذا العبد الضعيف في غرض الترجمة هو أن ما ورد في بعض الروايات \"أرضوا مصدقيكم وإن ظلمتم\" فليس المراد به أنهم في فسحة من الظلم بل قوله - ﷺ - هذا بالنسبة إلى المزكين فينبغي لهم أن يرضوهم، وأما الإمام فله المحاسبة في موضع التهمة، والله تعالى أعلم.\n\n(٦٨ -<span data-type='title' id=toc-1160> باب استعمال إبل الصدقة وألبانها. . .) إلخ</span>\nقال ابن بطال (^١): غرض المصنف إثبات وضع الصدقة في صنف واحد خلافًا لمن قال: يجب استيعاب الأصناف الثمانية.\nقال الحافظ (^٢): وفيما قال نظر، لاحتمال أن يكون ما أباح لهم من الانتفاع إلا بما هو قدر حصتهم، على أنه ليس في الخبر أيضًا أنه ملكهم رقابها، وإنما فيه أنه أباح لهم شرب ألبان الإبل للتداوي، فاستنبط منه البخاري جواز استعمالها في بقية المنافع إذ لا فرق، وتقدير الترجمة: استعمال إبل الصدقة وشرب ألبانها، فاكتفى عن التصريح بالشرب لوضوحه، فغاية ما يفهم من حديث الباب أن للإمام أن يخص بمنفعة مال الزكاة - دون الرقبة - صنفًا دون صنف بحسب الاحتياج، على أنه ليس في الخبر أيضًا تصريح بأنه لم يصرف من ذلك شيئًا لغير العرنيين، انتهى.\nوتعقب العلامة العيني (^٣) كلام الحافظ ومال إلى رأي ابن بطال في الغرض من الترجمة.\nوالأوجه عندي: أن الغرض الذي أشار إليه ابن بطال تقدم في \"باب أخذ الصدقة من الأغنياء. . .\" إلخ.\n\n(٦٩ -<span data-type='title' id=toc-1161> باب وسم الإمام إبل الصدقة بيده)</span>\nقال الحافظ (^٤): في حديث الباب حجة على من كره الوسم من الحنفية بالميسم لدخوله في عموم النهي عن المثلة، وقد ثبت ذلك من فعل\n_________\n(^١) \"شرح ابن بطال\" (٣/ ٥٥٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٦٦).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٦/ ٥٧٠).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٦٧).","vol":"3","page":299},{"text":"النبي - ﷺ -، فدل على أنه مخصوص من العموم المذكور للحاجة كالختان للآدمي، انتهى.\nوتعقبه العلامة العيني، إذ قال (^١): قلت: ذكر أصحابنا في كتبهم: لا بأس بكي البهائم للعلامة؛ لأن فيه منفعة، وكذلك لا بأس بكي الصبيان إذا كان لداء أصابهم؛ لأن ذلك مداواة، انتهى.\nوفي \"البذل\" (^٢) تحت حديث جابر: أن النبي - ﷺ - مُرَّ عليه بحمار قد وسم في وجهه فقال: \"أما بلغكم أني لعنت من وسم البهيمة [في] وجهها\" الحديث: كتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه: الوسم لا ضير فيه إذا اشتمل على فائدة بعد أن لا يكون في الوجه؛ لأنه في الوجه يقبح الوجه، ويعود على بعض الحواس بالإبطال أو بالإفساد كالباصرة، انتهى.\nوقد ترجم المصنف أيضًا في \"كتاب الذبائح والصيد\": \"باب العلم والوسم في الصورة\".\n\n(٧٠ -<span data-type='title' id=toc-1162> باب فرض صدقة الفطر)</span>\nقال الحافظ (^٣): أضيفت الصدقة إلى الفطر لكونها تجب بالفطر من رمضان، وقال ابن قتيبة: المراد بصدقة الفطر صدقة النفوس، مأخوذة من الفطرة التي هي أصل الخلقة، والأول أظهر، ويؤيده قوله - في بعض طرق الحديث كما سيأتي -: \"زكاة الفطر من رمضان\"، انتهى.\nاعلم أن ههنا ثمانية أبحاث ذكرت في \"الأوجز\" (^٤)، الأول: في حكمها، والثاني: في معناها لغةً، والثالث: أن وجوبها لم ينسخ، والرابع: بيان من تجب عليه، والخامس: متى نزلت صدقة الفطر؟ والسادس: ما في \"حجة الله البالغة\": إنما وقّت بعيد الفطر لمعان، والسابع: ما قال العيني:\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٦/ ٥٧٢).\n(^٢) \"بذل المجهود\" (٩/ ١٣٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٦٧).\n(^٤) \"أوجز المسالك\" (٦/ ٢٤٨).","vol":"3","page":300},{"text":"إن هذا الباب يحتاج إلى خمسة عشر معرفة بسطت في \"الأوجز\"، والثامن: اختلافهم في وقت وجوب صدقة الفطر هل هو غروب الشمس ليلة الفطر، أو طلوع الفجر من يوم العيد؟.\nقوله: (ورأى أبو العالية. . .) إلخ، كتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): ولا يفرق هؤلاء بين الفرض والواجب، فكان مذهبهم كمذهبنا، انتهى. كما هو معروف، ولذا ترى أن الإمام البخاري ترجم ههنا \"باب فرض صدقة الفطر\"، وسيأتي قريبًا \"باب وجوب الحج\"، والفرق عند الحنفية بين الفرض والواجب معروف.\nقال الحافظ (^٢): قوله: \"رأى أبو العالية. . .\" إلخ، إنما اقتصر البخاري على ذكر هؤلاء الثلاثة لكونهم صرحوا بفرضيتها، وإلا فقد نقل ابن المنذر وغيره الإجماع على ذلك، لكن الحنفية يقولون بالوجوب دون الفرض على قاعدتهم في التفرقة، وفي نقل الإجماع مع ذلك نظر؛ لأن إبراهيم ابن علية وأبا بكر الأصم قالا: إن وجوبها نسخ، ونقل المالكية عن أشهب أنها سُنَّة مؤكدة، وهو قول بعض أهل الظاهر، وابن اللبان من الشافعية وأولوا قوله: \"فرض\" في الحديث بمعنى قدر، قال ابن دقيق العيد: هو أصله في اللغة، لكن نقل في عرف الشرع إلى الوجوب والحمل عليه أولى، قال الحافظ: ويؤيده تسميتها زكاة، انتهى.\nقلت: وهذا أحد الأبحاث الثمانية المشار إليها قبل، ونذكر بعضها تتميمًا للفائدة، فالبحث الخامس منها ما قال القاري: فرضت هي وصوم شهر رمضان في السنة الثانية من الهجرة، أما رمضان ففي شعبان، وأما هي فقد قال بعض الحفاظ: قبل العيد بيومين، وقيل: وجبت بموجب زكاة الأموال من نصوص الكتاب والسنة بعمومها فيها، وقيل: وجوبها سابق على وجوب زكاة الأموال. وفي \"تاريخ الخميس\": فرضت في السنة الثانية قبل\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٥/ ١١٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٦٧).","vol":"3","page":301},{"text":"العيد بيومين، وخطب الناس قبل الفطر بيومين يعلمهم زكاة الفطر، وفي \"الدر المختار\" (^١): أمر بها في السنة التي فرض فيها رمضان قبل الزكاة، قال ابن عابدين: هذا هو الصحيح، انتهى.\nوالبحث الثامن: اختلافهم في وقت الوجوب، فعند أحمد وإسحاق والشافعي في الجديد وإحدى الروايتين عن مالك أن وقت وجوبها هو غروب الشمس ليلة الفطر، وعند أبي حنيفة والشافعي في القديم ومالك في رواية أن وقتها هو طلوع الفجر من يوم العيد، وبسط الكلام على الدلائل في \"الأوجز\" (^٢)، انتهى من هامش \"اللامع\".\n\n(٧١ -<span data-type='title' id=toc-1163> باب صدقة الفطر على العبد وغيره من المسلمين)</span>\nقال الحافظ (^٣): ظاهره أنه يرى أنها تجب على العبد وإن كان سيده يتحملها عنه، ويؤيده عطف الصغير عليه فإنها تجب عليه وإن كان الذي يخرجها غيره، انتهى.\nقال القسطلاني (^٤): اختلف هل تجب على العبد ابتداءً ثم يتحملها السيد عنه أو تجب على السيد ابتداءً؟ وجهان للشافعية، وإلى الأول نحا البخاري. وقال ابن بطال: إن البخاري يقول بمذهب أهل الظاهر أنها تلزم العبد في نفسه وعلى سيده تمكينه من اكتساب ذلك وإخراجه عن نفسه، وتعقبه في \"المصابيح\" بأن البخاري لم يرد هذا، وإنما أراد التنبيه على اشتراط الإسلام فيمن تؤدى عنه زكاة الفطر لا غير، ولذا لم يترجم ترجمة أخرى على اشتراط الإسلام، وعبَّر بـ \"على\" دون \"عن\" ليطابق لفظ الحديث، انتهى.\n_________\n(^١) (٣/ ٣٦١ - ٣٦٢).\n(^٢) \"أوجز المسالك\" (٦/ ٢٥١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٦٩).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (٣/ ٧٢٩).","vol":"3","page":302},{"text":"(٧٢ -<span data-type='title' id=toc-1164> باب صدقة الفطر صاع من شعير)</span>\nالمسألة إجماعية في الشعير وخلافية في الحنطة كما سيأتي.\n\n(٧٣ -<span data-type='title' id=toc-1165> باب صدقة الفطر صاع من طعام)</span>\nقال الشيخ في \"البذل\" (^١): قال علماؤنا: المراد بالطعام - أي: في الحديث - المعنى الأعم، فيكون عطف ما بعده عليه من باب عطف الخاص على العام، وقال الشافعية: المراد بالطعام البر، انتهى.\nوفي \"الأوجز\" (^٢): حكى الخطابي أن المراد بالطعام ههنا الحنطة، وهو اسم خاص له، قال: ويدل على ذلك ذكر الشعير وغيره من الأقوات، والحنطة أعلاها، فلولا أنه أرادها بذلك لكان ذكرها عند التفصيل، كغيرها من الأقوات، ورد ذلك ابن المنذر وقال: هذا غلط منه، وذلك أن أبا سعيد أجمل الطعام، ثم فسره فقال: \"كنا نخرج صاعًا من طعام، وكان طعامنا الشعير والزبيب والأقط والتمر\"، كما في \"البخاري\"، قال: وفي قوله: \"فلما جاء معاوية وجاءت السمراء\" دليل على أنها لم تكن قوتًا لهم قبل هذا، فدل على أنها لم تكن كثيرة ولا قوتًا، فكيف يتوهم أنهم أخرجوا ما لم يكن موجودًا؟ قاله الحافظ في \"الفتح\" (^٣)، ثم ذكر اختلاف روايات أبي سعيد ثم قال: وهذه الطرق كلها تدل على أن المراد بالطعام فيه غير الحنطة. . . إلى آخر ما بسط في \"الأوجز\". وفيه: قال الموفق (^٤): والجملة أن الواجب في صدقة الفطر صاع من جميع أجناس المخرج، وبه قال مالك والشافعي، وروي ذلك عن أبي سعيد الخدري والحسن وأبي العالية، وروي عن معاوية: أنه يجزئ نصف صاع من البر خاصة، وهو مذهب سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وأصحاب الرأي وغيرهم ممن ذكر أسماءهم في \"الأوجز\" والبسط فيه.\n_________\n(^١) \"بذل المجهود\" (٦/ ٤٤٣).\n(^٢) \"أوجز المسالك\" (٦/ ٢٨١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٧٣).\n(^٤) \"المغني\" (٤/ ٢٨٥).","vol":"3","page":303},{"text":"(٧٤ -<span data-type='title' id=toc-1166> باب صدقة الفطر صاع من تمر)</span>\nوالمسألة إجماعية.\n\n(٧٥ -<span data-type='title' id=toc-1167> باب صاع من زبيب)</span>\nوفي \"الأوجز\" (^١): قال الباجي: أما الزبيب فلا خلاف في جواز إِخراجه بين فقهاء الأمصار، وحكي عن بعض المتأخرين المنع من ذلك، وهو محجوج بالإجماع قبله، انتهى.\nوقال العيني في \"البناية\" (^٢): فيه خلاف الظاهرية، إذ لا يجوز عندهم إلا من التمر والشعير.\nقلت: ويخرج منه الصاع الكامل عند الأئمة الثلاثة؛ لأن المقدار صاع من كل شيء عندهم، وكذا صاع كامل في الزبيب عند صاحبي الإمام أبي حنيفة، وهي رواية عن الإمام، وعليه الفتوى، وفي رواية أخرى له: نصف صاع منه، انتهى.\nثم قال الحافظ (^٣): كأن البخاري أراد بتفريق هذه التراجم الإشارة إلى ترجيح التخيير في هذه الأنواع، انتهى.\nقلت: توضيحه ما في \"الأوجز\" (^٤) أنهم اختلفوا في أن لفظة \"أو\" في هذه الأحاديث للتخيير، أو لتعيين واحد منها، وهو الغالب، قال ابن رشد (^٥): ذهب قوم إلى أنها تجب من هذه الأشياء على التخيير، وقوم ذهبوا إلى أن الواجب عليه هو غالب قوت البلد، أو قوت المكلّف إذا لم يقدر على قوت البلد، والثاني مذهب الشافعي ومالك، والأول مذهب الحنفية والحنابلة وإليه يظهر ميل البخاري على رأي الحافظ، لكن الأوجه\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (٦/ ٢٩٤)، و\"المنتقى\" (٢/ ١٨٨).\n(^٢) \"البناية\" (٣/ ٤٩٤).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٧٢).\n(^٤) \"أوجز المسالك\" (٦/ ٢٩١).\n(^٥) \"بداية المجتهد\" (١/ ٢٨١).","vol":"3","page":304},{"text":"عندي في غرض البخاري أنه أشار بذلك إلى الترتيب بين هذه الأشياء، وهو أن الأولى في الترتيب من بين الأطعمة الشعير، ثم باقي الأطعمة، ثم التمر، ثم الزبيب على ترتيب التراجم على خلاف الترتيب المذكور في كتب الشافعية، ففي \"شرح الإقناع\" (^١): فعلم أن الأعلى: البر، فالشعير، فالأرز، فالتمر، فالزبيب، ويتردد النظر في بقية الحبوب كالذرة والحمص وغيرهما، انتهى.\nولعله - ﵁ - قدم الشعير على بقية الأطعمة لكونه منصوصًا بخلاف غيره من الأطعمة، فتأمل فإنه دقيق، وخاطري أبو عذره.\nثم اعلم أن المصنف - ﵀ - ترجم على جميع الأنواع الواردة في الأحاديث بترجمة مستقلة، ولم يترجم للأقط مع تخريجه حديث الأقط، وهو دليل على أن كون الحديث عند البخاري ليس بدليل على أنه معمول به عنده.\nقال الحافظ: كأنه لا يراه مجزئًا في حال وجدان غيره كقول أحمد، وحملوا الحديث على أن من كان يخرجه كان قوته إذ ذاك، أو لم يقدر على غيره، وظاهر الحديث يخالفه، وعند الشافعية فيه خلاف، انتهى مختصرًا.\nقلت: والمسألة خلافية شهيرة بسطت في \"الأوجز\"، جملتها: أنه يجزئ عند المالكية صاع من أقط إذا كان من أغلب القوت، صرح به الدردير وغيره. والمشهور عن الشافعي في ذلك قولان: أحدهما مثل قول مالك، والثاني: أنه لا يجزئ. والمشهور في شروح الحديث عن الإمام أحمد عدم جوازه لكن يظهر من كلام الموفق عن أحمد روايتان: الإجزاء مطلقًا، والثاني: الإجزاء بشرط كونه غالب القوت أو عدم وجدان الغير. وعندنا الحنفية: يجزئ إخراجه باعتبار القيمة، انتهى مختصرًا.\n_________\n(^١) (٢/ ٣٥٥).","vol":"3","page":305},{"text":"(٧٦ -<span data-type='title' id=toc-1168> باب الصدقة قبل العيد)</span>\nقال ابن التين: أي: قبل خروح الناس إلى صلاة العيد، وبعد صلاة الفجر، وقال ابن عيينة في تفسيره: عن عكرمة قال: يقدم الرجل زكاته يوم الفطر بين يدي صلاته، فإن الله يقول: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٤، ١٥]، ولابن خزيمة بسنده \"أن رسول الله - ﷺ - سئل عن هذه الآية فقال: نزلت في زكاة الفطر\"، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(٧٧ -<span data-type='title' id=toc-1169> باب صدقة الفطر على الحُرِّ والمملوك. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٢): قيل: فيه تكرار بما تقدم من \"باب صدقة الفطر على العبد وغيره. . .\" إلخ، وأجاب ابن رُشيد باحتمالين: أحدهما: أن يكون أراد تقوية معارضة العموم في قوله: \"والمملوك\" لمفهوم قوله: \"من المسلمين\"، أو أراد أن زكاة العبد من حيث هو مال لا من حيث هو نفس، وعلى كل تقدير فيستوي في ذلك مسلمهم وكافرهم، وقال ابن المنيِّر: غرضه من الأولى أن الصدقة لا تخرج عن كافر، ولهذا قيدها بقوله: \"من المسلمين\" وغرضه من هذه تمييز من تجب عليه أو عنه بعد وجود الشرط المذكور ولذلك استغنى عن ذكره فيها، انتهى.\nقلت: ويحتمل أن يكون أراد بالأولى قيد المسلمين، وبهذه إيجاب الصدقة على الحر والمملوك معًا على كليهما بأنفسهما، ثم تحمل السيد عن المملوك، أو يقال: إن المراد بالأولى عدم الإيجاب على الكافر، وبهذه تعميم المملوك سواء كان للخدمة أو للتجارة كما يظهر من الأثر الذي ذكره بعده، واستدل بهذه الترجمة صاحب \"العرف الشذي\" موافقة البخاري للحنفية في إيجابها على الكافر.\nقوله: (يزكى في التجارة. . .) إلخ، قال القسطلاني (^٣): هذا قول\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٧٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٧٥).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (٣/ ٧٣٦).","vol":"3","page":306},{"text":"الجمهور، وقال الحنفية: لا يلزم السيد زكاة الفطر عن عبيد التجارة، إذ لا يلزم في مال واحد زكاتان، انتهى.\nقوله: (قبل الفطر بيوم أو يومين) هو مذهب أحمد ورواية لمالك، والأخرى له لا يجوز التقديم أصلًا وهو مذهب ابن حزم، والمشهور عن الشافعي جوازه من بدء رمضان، وعند الحنفية يجوز مطلقًا بعد وجود سبب الوجوب وهو النصاب، كما في \"الأوجز\" (^١).\n\n(٧٨ -<span data-type='title' id=toc-1170> باب صدقة الفطر على الصغير. . .) إلخ</span>\nالمسألة خلافية، فعند الجمهور من مال الصغير إن كان موسرًا وإلا فعلى من عليه نفقته، وقال ابن حزم: في ماله إن كان موسرًا وإلا سقطت، وقال محمد بن الحسن: هي على الأب مطلقًا، وقال ابن المسيب: لا يجب على الصغير مطلقًا كما في \"الأوجز\" (^٢).\nثم براعة الاختتام عند الحافظ ما تقدم في مقدمة \"اللامع\" في بيان خصائص الكتاب، إذ قال: وفي آخر الزكاة صدقة الفطر ولها دخول في الآخرية من جهة كونها تقع في آخر رمضان مكفرة لما مضى، انتهى.\nوعند هذا الفقير في قوله: \"يزكى مال اليتيم\" فإن اليتيم من مات أبوه.\n* * *\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (٦/ ٣٠٦).\n(^٢) \"أوجز المسالك\" (٦/ ٢٧٦).","vol":"3","page":307},{"text":"٢٥ -<span data-type='title' id=toc-1171> كتاب المناسك</span>\nالمناسك: جمع منسك بفتح السين وكسرها وهو المتعبد ويقع على المصدر والزمان والمكان، ثم سُميت أمور الحج كلها مناسك. والمنسك: المذبح، والنسيكة: الذبيحة، وجمعها نسك. والنسك أيضًا الطاعة والعبادة، وكل ما تقرب به إلى الله - ﷿ -. والنسك ما أمرت به الشريعة، والورع ما نهت عنه، والناسك: العابد، انتهى.\nقال الحافظ في \"المقدمة\" (^١): واختلفت النسخ في الصوم والحج أيهما قبل الآخر، وكذا اختلفت الرواية في الأحاديث، وترجم عن الحج بكتاب المناسك ليعم الحج والعمرة وما يتعلق بهما، وكالت في الغالب من يحج يجتاز بالمدينة الشريفة فذكر ما يتعلق بزيارة النبي - ﷺ -، وما يتعلق بحرم المدينة. وظهر لي أن يقال في تعقيبه الزكاة بالحج: إن الأعمال لما كانت بدنية محضة ومالية محضة وبدنية مالية معًا رتبها كذلك، فذكر الصلاة ثم الزكاة ثم الحج، ولما كان الصيام هو الركن الخامس المذكور في حديث ابن عمر: \"بني الإسلام على خمس\" عقَّب بذكره وإنما أخَّره؛ لأنه من التروك، والترك وإن كان عملًا أيضًا لكنه عمل النفس لا عمل الجسد فلهذا أخره، وإلا لو كان اعتمد على الترتيب الذي في حديث ابن عمر لقدم الصيام على الحج؛ لأن ابن عمر أنكر على من روى عنه الحديث بتقديم الحج على الصيام، وهو وإن كان ورد عن ابن عمر من طريق أخرى كذلك فذاك محمول على أن الراوي روى عنه بالمعنى، ولم يبلغه نهيه عن ذلك، والله أعلم، انتهى.\n_________\n(^١) (ص ٤٧٠).","vol":"3","page":308},{"text":"وقال العيني (^١): لما كان للحج اشتراك مع الزكاة في كونهما عبادة مالية ذكره عقيب الزكاة، فإن قلت: فعلى هذا كان ينبغي أن يذكر الصوم عقيب الصلاة؛ لأن كلًّا منهما عبادة بدنية، قلت: نعم، كان القياس يقتضي ذلك ولكن ذكرت الزكاة عقيب الصلاة لأنها ثانية الصلاة، وثالثة الإيمان في الكتاب والسُّنَّة، انتهى.\nقلت: وذكرت في مبدأ \"كتاب الحج\" في \"الأوجز\" (^٢) كدأبنا فيه عشرة أبحاث لطيفة طويلة:\nالأول: في معنى الحج لغةً.\nوالثاني: في تعريفه شرعًا.\nوالثالث: في سبب الوجوب، وهو البيت، ولذا لا يجب في العمر إلا مرة.\nوالرابع: اختلافهم في وجوبه على الفور كما قال به مالك وأحمد وأبو يوسف وهو أصح الروايتين عن الإمام الأعظم، أو على التراخي كما قال به الشافعي ومحمد، وفيه البحث أن زمان الحج معيار له أو ظرف.\nوالخامس: اختلافهم في مبدإ فرضه، ذكروا فيه أحد عشر قولًا، منها: أنه فرض قبل الهجرة وهو شاذ، والمشهور منها قولان: سنة ست، وسنة تسع، بسطت في \"الأوجز\".\nوالسادس: في سبب تأخيره - ﷺ - الحج إلى السنة العاشرة عند الجمهور القائلين بفرضيته قبلها.\nوالسابع: في أن الحج هل كان واجبًا على الأمم السابقة أم لا؟\nوالثامن: في حكم الحج ومصالحه.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٧/ ٣).\n(^٢) \"أوجز المسالك\" (٦/ ٣١٧)، و\"لامع الدراري\" (٥/ ١٢١).","vol":"3","page":309},{"text":"والتاسع: في فضائل البيت.\nوالعاشر: في تكفير الحج للخطايا، وبيان الأحاديث الواردة في تكفير السيئات.\nوهذه الأبحاث لا يسعها هذا الوجيز، انتهى من هامش \"اللامع\".\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-1172> باب وجوب الحج وفضله. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع (^١): دلالة الآية على الوجوب ظاهرة، ودلالتها على الفضل من حيث إنه عبَّر فيها من تركه بلفظ الكفر، ودلالة الرواية على الوجوب في قول الخثعمية بين يديه - ﷺ -: \"إن فريضة الله على عباده. . .\" إلخ، ودلالتها على الفضل من حيث إنه وجبت فيه الاستنابة مع أنه لا حاجة إلى إثبات كل جزء من أجزاء الترجمة بكل ما ورد في الباب، بل الذي لا بد منه إثبات المجموع بالمجموع، انتهى.\nقلت: وهو أصل مطرد من أصول التراجم، وهو الأصل الحادي والثلاثون.\nوالأوجه عندي: أن إثبات الفضل بالآية بكون الحج لله ﵎، ولذا قدّم الخبر في قوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ﴾ الآية [آل عمران: ٩٧] إشارة إلى مزية شرافة الحج حيث نسبه - ﷿ - إلى نفسه الكريم خاصة، وقال السندي (^٢): هذه الآية وكذا الحديث لإفادة وجوب الحج أصالة، والفضيلة تبعًا إذ الوجوب مستلزم للفضيلة قطعًا، ولذلك أَخَّر المصنف في الترجمة الفضيلة عن الوجوب، انتهى.\nقلت: ويستنبط الفضل من الحديث أيضًا بما قلته في الآية، فإن في نسبة الفريضة إلى الله تعالى مع أن الفرائض كلها لله تعالى دلالة على مزية شرافته، وما أجاد الشاعر الفارسي.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٥/ ١٢٢).\n(^٢) \"حاشية السندي على صحيح البخاري\" (١/ ٢٦٤).","vol":"3","page":310},{"text":"في الجملة نسبتى بتوكافي بود مرا … بلبل همين كه قافيه كَل شود بس است\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-1173> باب قول الله تعالى: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ. . .﴾ [الحج: ٢٧]) إلخ</span>\nقال الحافظ (^١): قيل: إن المصنِّف أراد أن الراحلة ليست شرطًا، قال ابن القصار: في الآية دليل قاطع لمالك أن الراحلة ليست من شرط السبيل، فإن المخالف يزعم أن الحج لا يجب على الراجل وهو خلاف الآية، انتهى.\nوفيه نظر، فقد روى الطبري قال مجاهد: كانوا لا يركبون فأنزل الله ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ الآية، فأمرهم بالزاد ورخص لهم في الركوب والمتجر، وروي عن ابن عباس: ما فاتني شيء أشد عليّ أن لا أكون حججت ماشيًا؛ لأن الله يقول: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ فبدأ بالرجال قبل الركبان.\nوقال الحافظ: أيضًا تحت الحديث: وغرضه منه الرد على من زعم أن الحج ماشيًا أفضل لتقديمه في الذكر على الراكب، فبيَّن أنه لو كان أفضل لفعله النبي - ﷺ -، قاله ابن المنيِّر. وقال غيره: مناسبة الحديث للآية أن ذا الحليفة فج عميق والركوب مناسب لقوله: ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾، وقال الإسماعيلي: ليس في الحديثين شيء مما ترجم الباب به، ورُد بأن فيهما الإشارة إلى أن الركوب أفضل فيؤخذ منه جواز المشي، انتهى.\nوقال ابن المنذر: اختلف في الركوب والمشي للحجاج أيهما أفضل؟ فقال الجمهور: الركوب أفضل لفعل النبي - ﷺ - ولكونه أعون على الدعاء والابتهال ولما فيه من المنفعة، وقال إسحاق بن راهويه: المشي أفضل لما\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٧٩).","vol":"3","page":311},{"text":"فيه من التعب، ويحتمل أن يقال: يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، والله أعلم، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوفي \"تراجم شيخ المشايخ\" (^٢): استدل بعضهم على أولوية الذهاب ماشيًا لتقديم قوله: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾، وغرض المصنف بإيراد حديث ركوبه - ﷺ - الإشارة إلى ما ذهب إليه الجمهور من مساواة المشي بالركوب، انتهى.\nوقال الدردير (^٣): وفضِّل ركوب في الحج على المشي؛ لأنه فعله ﵊، انتهى.\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-1174> باب الحج على الرحل. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٤): بفتح الراء وسكون المهملة وهو للبعير كالسرج للفرس، أشار بهذا إلى أن التقشف أفضل من الترفة، انتهى.\nوفي \"تراجم شيخ المشايخ\" (^٥): غرضه إثبات أولوية الركوب على الرحل كما كان عادته - ﷺ -، وللركوب سوى هذا الطريق طريقان آخران، وهما معمولان اليوم وهما الشغدف والشبرى، فهما أيضًا جائزان لكن الأولى الرحل، انتهى.\nوقال الدردير (^٦): وفضل مقتب على ركوب المحمل والمحفة. وقال الدسوقي في شرحه قوله: \"مقتب\" أي: ركوب على قتب، فقد حج ﵊ على قتب عليه قطيفة، وهي كساء من شعر تساوي أربعة دراهم، والقتب رحل صغير على قدر السنام، انتهى.\nقلت: ويمكن أن يقال: إن المصنف أشار به إلى ردِّ ما رواه\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٨٠).\n(^٢) شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٣٧٥).\n(^٣) \"الشرح الكبير\" (٢/ ٢١١).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٨٠).\n(^٥) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٣٧٦).\n(^٦) \"الشرح الكبير\" (٢/ ٢١١).","vol":"3","page":312},{"text":"البزار (^١): \"حج النبي - ﷺ - وأصحابه مشاة من المدينة إلى مكة\" الحديث، فإنه منكر ضعيف الإسناد كما في \"جزء حجة الوداع\" وهي رسالة وجيزة لهذا العبد الضعيف في صفة حجة النبي - ﷺ - من أول خروجه - ﷺ - من المدينة المنورة إلى حين رجوعه إليها مع فوائد علمية، وأحكام فقهية، وبحوث تاريخية، وتحقيقات حديثية، طبع أولًا في سنة تسعين وثلاث مائة بعد ألف من الهجرة بالمطبعة الهندية، وثانيًا بالحروف الحديدية بمطبعة دار العلوم ندوة العلماء لكناؤ، وثالثًا بمطبعة ببيروت (^٢).\n\n(٤ -<span data-type='title' id=toc-1175> باب فضل الحج المبرور)</span>\nقال القسطلاني (^٣): اسم مفعول من برّ المتعدي، يقال: \"برَّ الله حجك\" وهو متعد بنفسه، ويبنى للمفعول فيقال: \"بُرّ حجك\" فهو مبرور، انتهى.\nوفي \"الفتح\" (^٤): المبرور المقبول، وقيل: الذي لا يخالطه شيء من الإِثم، ورجحه النووي. وقال القرطبي: الأقوال التي ذكرت في تفسيره متقاربة المعنى، وهي أنه الحج الذي وفيت أحكامه ووقع موقعًا لما طلب من المكلف على الوجه الأكمل، والله أعلم. ولأحمد والحاكم (^٥) من حديث جابر: \"قالوا: يا رسول الله ما بر الحج؟ قال: إطعام الطعام، وإفشاء السلام\" وفي إسناده ضعف فلو ثبت لكان هو المتعين دون غيره، انتهى.\n\n(٥ -<span data-type='title' id=toc-1176> باب فرض مواقيت الحج والعمرة)</span>\nأي: المواقيت المكانية وهي جمع ميقات مفعال من الوقت المحدود، واستعير هنا للمكان اتساعًا، ومعنى \"فَرَض\" قَدَّر أو أوجَبَ، وهو ظاهر نص\n_________\n(^١) انظر: \"كشف الأستار عن زوائد البزار\" (٢/ ٢٦) (رقم ١١٢١).\n(^٢) وقد طبع هذا الكتاب بتحقيق الدكتور ولي الدين الندوي من وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بأبو ظبي.\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (٤/ ١١).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٨٢).\n(^٥) \"مسند أحمد\" (٣/ ٣٢٥)، و\"الحاكم\" (١/ ٦٥٨).","vol":"3","page":313},{"text":"المصنف وأنه لا يجيز الإحرام بالحج والعمرة من قبل الميقات. ويزيد ذلك وضوحًا ما سيأتي حيث قال: \"ميقات أهل المدينة ولا يهلون قبل ذي الحليفة\"، وقد نقل ابن المنذر وغيره الإجماع على الجواز، وفيه نظر، فقد نقل عن إسحاق وداود وغيرهما عدم الجواز وهو ظاهر جواب ابن عمر، ويؤيده القياس على الميقات الزماني فقد أجمعوا على أنه لا يجوز التقدم عليه، وفرَّق الجمهور بين الزماني والمكاني فلم يجيزوا التقدم على الزماني وأجازوا في المكاني، وذهب طائفة كالحنفية وبعض الشافعية إلى ترجيح التقدم، وقال مالك: يكره، انتهى من \"الفتح\" (^١) و\"القسطلاني\".\nوفي \"الأوجز\" (^٢): قال الأبي (^٣): إن أحرم قبلها بيسير كره، وإن أحرم قبلها بكثير، فظاهر \"المدونة\" الكراهة، وظاهر \"المختصر\" الجواز، ونقل اللخمي قولًا بعدم كراهة القريب، وفيه أيضًا الفرق بين القريب والبعيد أن من أحرم بقرب الميقات، فإنه لا يقصد إلا مخالفة التوقيت؛ لأنه لم يستدم إِحرامًا، وأما من أحرم على البعد منه، فإن له غرضًا في استدامة الإحرام، وفيه أيضًا عن العيني (^٤): قال مالك وأحمد: إحرامه من المواقيت أفضل، وقال أبو حنيفة والشافعي وآخرون: الإحرام من المواقيت رخصة، واعتمدوا في ذلك على فعل الصحابة فإنهم أحرموا من قبل الميقات. . . إلى آخر ما بسط في \"الأوجز\".\nوقال القسطلاني (^٥): وقد لزم شرعًا تقديم الإحرام للآفاقي على وصوله إلى البيت تعظيمًا للبيت وإجلالًا كما تراه في الشاهد من ترجل الراكب القاصد إلى عظيم من الخلق إذا قرب من ساحته خضوعًا له، فلذا لزم القاصد إلى بيت الله تعالى أن يحرم قبل الحلول بحضرته إجلالًا، فإن الإحرام تشبُّه بالأموات، وفي ضمن جعل نفسه كالميت سلب اختياره،\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٨٣)، و\"إرشاد الساري\" (٤/ ١٤).\n(^٢) \"أوجز المسالك\" (٦/ ٤٥٨).\n(^٣) \"إكمال إكمال المعلم\" (٣/ ٢٩٧).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (٧/ ٣٠).\n(^٥) \"إرشاد الساري\" (٤/ ١٤).","vol":"3","page":314},{"text":"وإلقاء قياده متخليًا عن نفسه فارغًا عن اعتبارها شيئًا من الأشياء، انتهى.\nقلت: وعلى ما ذكر الحافظ في معنى الفرض الواقع في الترجمة من الاحتمالين، أي: التقدير والإيجاب، فعلى الاحتمال الأول يكون الغرض من الترجمة بيان مشروعية المواقيت، ومشروعيتها عند هذا العبد الفقير من عمرة الحديبية كما حررته في \"جزء حجة الوداع\" (^١) وفيه: ومبدأ مشروعية المواقيت من عمرة الحديبية كما نص عليه الإمام أحمد وحكاه عنه عامة الشرَّاح واقتصروا عليه، ويشكل عليه أنهم قاطبة أوَّلوا مجاوزة أبي قتادة عام الحديبية بغير إحرام من الميقات بتأويلات، وإذا لم يكن التوقيت إلا في عام حجة الوداع فأي فاقة لهم إلى التوجيهات القريبة والبعيدة، انتهى.\n\n(٦ -<span data-type='title' id=toc-1177> باب قول الله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا. . .﴾) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٢): قال مقاتل بن حيان: لما نزلت قام رجل فقال: يا رسول الله! ما نجد زادًا، فقال: \"تزود ما تكف به وجهك عن الناس، وخير ما تزودتم التقوى\"، انتهى.\nقلت: وعلى هذا الظاهر أن المراد بالتقوى معناه المعروف وإليه مال القسطلاني، إذ قال (^٣): قوله: ﴿وَتَزَوَّدُوا﴾ أي: ما يكف وجوهكم عن الناس ولما أمرهم بزاد الدنيا أرشدهم إلى زاد الآخرة، فقال: ﴿فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧]، انتهى.\nوقال الحافظ بعد حديث الباب: قال المهلب: في هذا الحديث من الفقه أن ترك السؤال من التقوى، ويؤيده أن الله مدح من لم يسأل الناس إلحافًا فإن قوله: ﴿فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ أي: تزودوا واتقوا أذى الناس بسؤالكم إياهم والإثم في ذلك، انتهى.\n_________\n(^١) \"حجة الوداع\" (ص ٢٧٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٨٤).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (٤/ ١٦).","vol":"3","page":315},{"text":"وعلى هذا المراد من التقوى، التقوى والاحتراز عن السؤال، واختار هذا المعنى في \"تفسير الجلالين\".\nقلت: ولا يبعد عند هذا العبد الضعيف أن في توسيط المصنف هذا الباب بين أبواب المواقيت إشارة إلى أن التقوى وإن كان مطلوبًا في سائر سفر الحج لكنه فيما بين المواقيت آكد.\n\n(٧ -<span data-type='title' id=toc-1178> باب مهل أهل مكة للحج والعمرة)</span>\nقال الحافظ (^١): المُهَلّ بضم الميم وفتح الهاء وتشديد اللام موضع الإهلال، وأصله رفع الصوت؛ لأنهم كانوا يرفعون أصواتهم بالتلبية عند الإحرام، ثم أطلق على نفس الإحرام اتساعًا، وقال أبو البقاء: هو مصدر بمعنى الإهلال كالمدخل والمخرج بمعنى الإدخال والإخراج، انتهى.\nقال السندي (^٢): كأنه نبَّه بهذه الترجمة على أن سوق الحديث لميقات الحج والعمرة جميعًا لا لميقات الحج فقط، ولذلك قال: \"ممن أراد الحج والعمرة\"، ومقتضاه أن ما جعل ميقاتًا لأهل مكة يكون ميقاتًا لهم للحج والعمرة جميعًا لا للحج فقط، وإن ذهب الجمهور إلى الثاني وجعلوا ميقات العمرة لأهل مكة أدنى الحل بحديث إحرام عائشة بالعمرة من التنعيم إلى أن قال: فحديث عائشة لا يعارض هذا الحديث فكأنه بهذه الترجمة أراد الاعتراض على الجمهور، انتهى.\nوفي \"الفيض\" (^٣): إن المصنف لم يفرق بين ميقات الحج وميقات العمرة، ولا شيءَ عنده غير العمومات، انتهى.\nقلت: هو مسلك الحافظ ابن القيم على خلاف مسلك الجمهور، فإنهم اتفقوا على أن ميقات المكي لإحرام العمرة الحل، حكى الإجماع\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٨٤).\n(^٢) \"حاشية السندي على صحيح البخاري\" (١/ ٢٦٥).\n(^٣) \"فيض الباري\" (٣/ ٦٤).","vol":"3","page":316},{"text":"على ذلك الموفق وغيره مع الاختلاف فيما بينهم في أفضل البقاع للإحرام، كما بسطت في \"جزء العمرات\".\n\n(٨ -<span data-type='title' id=toc-1179> باب ميقات أهل المدينة ولا يهلوا قبل ذي الحليفة)</span>\nبالمهملة والفاء مصغرًا، مكان معروف بينه وبين مكة مائتا ميل غير ميلين، قاله ابن حزم. وقال غيره: بينهما عشر مراحل. وقال النووي: بينها وبين المدينة ستة أميال، ووهم من قال: بينهما ميل واحد. وبها مسجد يعرف بمسجد الشجرة خراب، وبها بئر يقال لها: بئر علي، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nثم قال الحافظ: قد تقدمت الإشارة إلى هذا في \"باب فرض المواقيت\" واستنبط المصنف من إيراد الخبر بصيغة الخبر مع إرادة الأمر تعين ذلك، وأيضًا فلم ينقل عن أحد ممن حج مع النبي - ﷺ - أنه أحرم قبل ذي الحليفة، ولولا تعين الميقات لبادروا إليه لأنه يكون أشق فيكون أكثر أجرًا، انتهى.\nوفي \"الفيض\" (^٢) بحثًا على المسألة: أما المسألة في أهل المدينة خاصة، فينبغي أن تكون كذلك عند الحنفية أيضًا، وأرجو أن لا تكون خلافًا لمسائلهم، فإنَّ أهلَ المدينة لما كان ميقاتُهم أمامَهم، فلا حاجة لهم إلى تقديم الإحرام، مع أن في إحرامِهم بميقاتهم تأسّي بالنبيِّ - ﷺ - بخلاف غيرهم، فإنَّ لهم في التقديم عملًا بالعزيمة، وتماديًا في الإِحرام، مع أنه لا يلزمُ عليهم مخالفةً للسُّنَّة أيضًا، فافترقا، انتهى.\nقلت: وقد تقدم اختلاف العلماء في هذه المسألة في \"باب فرض المواقيت\" وأن المصنف مال في هذه المسألة إلى مسلك الظاهرية كما تقدم عن الحافظ، وبه جزم العيني والقسطلاني، قال العيني (^٣): هذه العبارة تشير إلى أن البخاري ممن لا يرى تقديم الإهلال قبل المواقيت، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٨٥).\n(^٢) \"فيض الباري\" (٣/ ٦٦).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٧/ ٣١).","vol":"3","page":317},{"text":"وقال القسطلاني (^١): الظاهر أن المصنف كان يرى المنع من ذلك، انتهى.\n\n(٩ - ١٠ -<span data-type='title' id=toc-1180> باب مهل أهل الشام وباب مهل أهل نجد)</span>\nترجم المصنف على كل ميقات من المواقيت بترجمة مستقلة استيفاء لجميع أجزاء الحديث، قال صاحب \"الفيض\" (^٢): قد علمت من عادة المصنف أن الحديث إذا كان عنده بطرق عديدة يخرجه مرة بعد مرة بتراجم عديدة وفوائد جديدة، انتهى.\n\n(١١ -<span data-type='title' id=toc-1181> باب مهل من كان دون المواقيت)</span>\nقال العيني (^٣): أراد من كان وطنه بين المواقيت ومكة، انتهى.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٤) تحت قوله: \"فمهله من أهله. . .\" إلخ: أو ما في حكمه، وذلك أن يكون خارج الحرم، وإن كان أقرب إليه من بيته، انتهى.\nوفي هامشه: هذا مسلك الحنفية، قال صاحب \"الدر المختار\" (^٥): من كان داخل الميقات فميقاته الحل الذي بين المواقيت والحرم، قال ابن عابدين: فالحرم حد في حقه كالميقات للآفاقي، فلا يدخل الحرم إلا محرمًا، انتهى.\nوما يظهر من كتب الفروع أن المسألة خلافية، وإن حكى الإجماع عليها غير واحد من نقلة المذاهب، قال الموفق (^٦): من كان منزله دون الميقات، فميقاته من موضعه، يعني: إذا كان مسكنه أقرب إلى مكة\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٤/ ٢٠).\n(^٢) \"فيض الباري\" (٣/ ٦٦).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٧/ ٣٣).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٥/ ١٢٤).\n(^٥) \"رد المحتار على الدر المختار\" (٣/ ٤٨٤).\n(^٦) \"المغني\" (٥/ ٦٢).","vol":"3","page":318},{"text":"من الميقات كان ميقاته مسكنه، هذا قول أكثر أهل العلم، وبه يقول مالك والشافعي وأصحاب الرأي. وعن مجاهد قال: يُهلُّ من مكة، انتهى من هامش \"اللامع\"، وفيه بعد ما بسط عن كتب فروع الأئمة: فعلم من هذا كله أن ما أفاده الشيخ هو مسلك الحنفية، وفيه خلاف الأئمة الثلاثة إذ أوجبوا الإحرام من مسكنه، ومن حكى المسألة إجماعية فقد ذهل، ثم ذكرت فيه إشكال العلامة السندي على مسلك الحنفية والجواب عنه، فارجع إليه لو شئت.\n\n(١٢ -<span data-type='title' id=toc-1182> باب مهل أهل اليمن)</span>\nقال القسطلاني (^١) تحت حديث الباب: هذا الحديث وإن أطلق فيه أن ميقات أهل اليمن يلملم، لكن المراد أنه ميقات تهامة خاصة، فإن نجد اليمن ميقات أهلها ميقات نجد الحجاز، بدليل أن ميقات أهل نجد قرن فأطلق اليمن وأريد بعضه وهو تهامة منه خاصة، انتهى.\n\n(١٣ -<span data-type='title' id=toc-1183> باب ذات عرق لأهل العراق)</span>\nاختلفوا فيمن وقَّت لأهل العراق ميقاتًا، ففي \"الفيض\" (^٢): ثم إن تلك المواقيت كلها وقَّتَها النبيُّ - ﷺ - أو لا؟ فقيل: نعم؛ وقيل: غير ذات عِرْق، فإنَّها وقّتها عمر، والصوابُ هو الأول، نعم، اشتهرت بعضها في زمن عمر، فنُسبت إليه، انتهى.\nوفي \"الأوجز\" (^٣): قال ابن رشد (^٤) بعد ما حكى الإجماع على المواقيت الأربعة ذي الحليفة وجحفة وقرن ويلملم: اختلفوا في ميقات أهل العراق، فقال جمهور الفقهاء: ميقاتهم من ذات عرق، وقال الشافعي والثوري: إن أهلّوا من العقيق كان أحب، واختلفوا فيمن وقَّته\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٤/ ٢٣).\n(^٢) \"فيض الباري\" (٣/ ٦٣).\n(^٣) \"أوجز المسالك\" (٦/ ٤٤٥).\n(^٤) \"بداية المجتهد\" (١/ ٣٢٤).","vol":"3","page":319},{"text":"لهم، فقالت طائفة: عمر - ﵁ -، وقالت طائفة: بل رسول الله - ﷺ -، انتهى.\nقال الحافظ (^١): قال ابن المنذر: لم نجد في ذات عرق حديثًا ثابتًا، انتهى. لكن الحديث بمجموع الطرق يقوى كما ذكرنا، وأما إعلال من أعله بأن العراق لم تكن فتحت يومئذ، فقال ابن عبد البر: هي غفلة؛ لأن النبي - ﷺ - وقَّت المواقيت لأهل النواحي قبل الفتوح، لكنه علم أنها ستفتح، فلا فرق في ذلك بين الشام والعراق، انتهى.\n\n(١٤ -<span data-type='title' id=toc-1184> باب الصلاة بذي الحليفة)</span>\nهكذا في النسخة التي بأيدينا من الهندية، وفي نسخة \"الفتح\" بغير ترجمة فقال الحافظ (^٢): كذا في الأصول بغير ترجمة، وهو بمنزلة الفصل من الأبواب التي قبله، ومناسبته لها من جهة دلالة حديثه على استحباب صلاة ركعتين عند إرادة الإحرام من الميقات، وقد ترجم عليه بعض الشارحين \"نزول البطحاء والصلاة بذي الحليفة\" وحكى القطب أنه في بعض النسخ، قال: وسقط في نسخة سماعنا لفظ \"باب\"، وفي شرح ابن بطال (^٣): \"الصلاة بذي الحليفة\"، انتهى.\nقلت: ما حكى عن ابن بطال هو الموجود في نسخنا، والظاهر عندي على النسخ التي بأيدينا أن المصنف ترجم بذلك لما أن المعروف في الروايات أنه ﵊ أحرم بعد صلاة الركعتين وهل كانت فرضًا أو نفلًا مختلف فيها، فللتنبيه على ذلك بوَّب بالصلاة مطلقًا لأنها المحقق، وبسط الكلام عليها في رسالتي \"جزء حجة الوداع\" (^٤): وفيه قال النووي (^٥): فيه استحباب صلاة الركعتين عند إرادة الإحرام، ويصليهما قبل\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٩٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٩١).\n(^٣) \"شرح ابن بطال\" (٤/ ٢٠١).\n(^٤) \"حجة الوداع\" (ص ٥١).\n(^٥) \"شرح مسلم\" (٨/ ٥٢).","vol":"3","page":320},{"text":"الإحرام، ويكونان نافلةً، وهذا مذهبنا ومذهب العلماء كافة، إلا ما حكاه القاضي وغيره عن الحسن البصري أنه استحب كونه بعد صلاة فرض، انتهى.\n\n(١٥ -<span data-type='title' id=toc-1185> باب خروج النبي - ﷺ - على طريق الشجرة)</span>\nقال عياض: هو موضع معروف على طريق من أراد الذهاب إلى مكة من المدينة، كان النبي - ﷺ - يخرج منه إلى ذي الحليفة فيبيت بها، وإذا رجع بات بها أيضًا، ودخل على طريق المعرس بفتح الراء المثقلة، وهو مكان معروف أيضًا، وكل من الشجرة والمعرس على ستة أميال من المدينة لكن المعرس أقرب.\nقال ابن بطال (^١): كان النبي - ﷺ - يفعل ذلك كما يفعل في العيد يذهب من طريق ويرجع من أخرى، فقد قال بعضهم: أن نزوله هناك لم يكن [قصدًا] فإنما كان اتفاقًا، والصحيح أنه كان قصدًا لئلا يدخل المدينة ليلًا، ولمعنى فيه وهو التبرك به كما سيأتي في الباب الذي بعده، انتهى ما قاله الحافظ في \"الفتح\" (^٢).\nوفي \"الفيض\" (^٣): اعلم أن الشجرة صارت اسمًا بالغلبة لذي الحليفة، ويقال لها الآن: بئر علي، وهذا غير علي بن أبي طالب، ولفظ الراوي يشعر بالتغاير بين الشجرة وذي الحليفة، ثم المعرّس موضع قريب منها، ولكن لا تتميزان لاندراس الرسوم والمعالم، والذي يظن أن أولها ذو الحليفة، ثم المعرس، ثم العقيق، وتلك المواضع كلها متقاربة، كما ذكره السمهودي في \"الوفاء\"، انتهى.\nولا يذهب عليك أن الطرق المعروفة من المدينة إلى مكة أربعة: أحدها: الطريق السلطاني، والثاني: الغائر، والثالث: الفرعي، والرابع:\n_________\n(^١) \"شرح ابن بطال\" (٤/ ٢٠١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٩١).\n(^٣) \"فيض الباري\" (٣/ ٦٦).","vol":"3","page":321},{"text":"الشرقي، والطريق السلطاني هي طريق الشجرة، ولما هاجر - ﷺ - من مكة مر من طريق الغائر، انتهى مختصرًا من \"جزء حجة الوداع\" (^١).\n\n(١٦ -<span data-type='title' id=toc-1186> باب قول النبي - ﷺ -: العقيق واد مبارك)</span>\nقال الحافظ (^٢): والعقيق واد بقرب البقيع بينه وبين المدينة أربعة أميال، وأورد فيه حديث عمر في ذلك، وليس هو من قول النبي - ﷺ -، لكن روى أبو أحمد بن عدي بسنده عن عائشة مرفوعًا: \"تخيموا بالعقيق فإنه مبارك\" فكأنه أشار إلى هذا، وقوله: \"تخيموا\" أمر بالتخميم والمراد به النزول هناك، انتهى.\nوقال السندي (^٣): كأنه أراد قوله ولو حكاية عن غيره، وبه وافق الحديث الترجمة، وسقط أن القول المذكور في الحديث قول الآتي لا قول النبي - ﷺ -، انتهى.\nقلت: وعندي أنه نبَّه بذلك على متمسك قوله - ﷺ - \"إنه واد مبارك\" من أنه كان مأخوذًا من الوحي.\nقوله: (قل عمرة في حجة) اختلفوا في معناه كما في الشروح، وفي \"تراجم شيخ المشايخ\" (^٤): معناه: أهلَّ بهذين النسكين على خلاف ما اعتاد به أهل الجاهلية من عدم تجويز الاعتمار في أشهر الحج، وقيل: معناه الصلاة في هذا الوادي ثوابه ثواب حجة وعمرة، انتهى.\n\n(١٧ -<span data-type='title' id=toc-1187> باب غسل الخلوق ثلاث مرات من الثياب)</span>\nقال الإسماعيلي: ليس في حديث الباب أن الخلوق كان على الثوب كما في الترجمة، وإنما فيه أن الرجل كان متضمخًا، وقوله له: \"اغسل\n_________\n(^١) \"حجة الوداع\" (ص ٤٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٩٢).\n(^٣) \"حاشية السندي على صحيح البخاري\" (١/ ٢٦٧).\n(^٤) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٣٧٧).","vol":"3","page":322},{"text":"الطيب الذي بك\" يوضح أن الطيب لم يكن في ثوبه وإنما كان على بدنه، ولو كان على الجبة لكان في نزعها كفاية، انتهى.\nوالجواب: أن البخاري على عادته يشير إلى ما وقع في بعض الطرق، وسيأتي في محرمات الإحرام من وجه آخر بلفظ: \"عليه قميص فيه أثر صفرة\"، والخلوق في العادة إنما يكون في الثوب، إلى آخر ما في هامش \"اللامع\".\nوقال السندي (^١): قوله: \"اغسل الطيب الذي بك. . .\" إلخ، الظاهر أن المراد الذي بجسدك، فالدلالة على الترجمة بقياس الثوب على الجسد، وليس المراد في الحديث الذي بثوبك، إذ نزع الثوب يكفي في دفع ذلك، والحاصل أن الروايات وإن وردت بوجود الطيب بثوبه أيضًا لكن المأمور بالغسل هو الذي كان ببدنه، وأما ما كان منه بالثوب فيكفي النزع فيه، والله تعالى أعلم، انتهى.\nوفي هامش \"اللامع\": اعلم أنهم اختلفوا في مسألة الطيب للمحرم، وتحقيق مذاهب الأئمة فيه كما بسطت في \"الأوجز\" (^٢) من كتب فروعهم: أن التطيب بما يبقى جرمه بعد الإحرام ممنوع مطلقًا عند الإمام مالك ومحمد، سواء كان على البدن أو الثياب، ومباح مطلقًا عند الإمام الشافعي وأحمد، سواء كان على البدن أو على الثوب، والتطيب بطيب ذي جرم مباح على البدن دون الثياب عند الإمامين أبي حنيفة وأبي يوسف، فهذا هو الصحيح من مسالك الأئمة، وإذا عرفت ذلك وقد ظهر لك أن ميل الإمام البخاري في هذه المسألة إلى مسلك الإمام الأعظم وأبي يوسف إذ ترجم أولًا بـ \"باب غسل الخلوق. . .\" إلخ، وذكر فيه حديث صفوان، ثم ذكر \"باب الطيب عند الإحرام\"، وذكر فيه حديث عائشة - ﵂ - قالت: \"كأني أنظر إلى وبيص الطيب. . .\" إلخ.\n_________\n(^١) \"حاشية السندي على صحيح البخاري\" (١/ ٢٦٧).\n(^٢) \"أوجز المسالك\" (٦/ ٤٠٨).","vol":"3","page":323},{"text":"قال الحافظ (^١): قوله: \"<span data-type='title' id=toc-1188>باب الطيب عند الإحرام</span>\" أراد بهذه الترجمة أن يبين أن الأمر بغسل الخلوق في الحديث الذي قبله إنما هو بالنسبة إلى الثياب؛ لأن المحرم لا يلبس شيئًا مسه الزعفران، كما سيأتي في الباب الذي بعده، وأما الطيب فلا يمنع استدامته على البدن، انتهى.\n\n(١٨ - باب الطيب عند الإحرام)\nقد تقدم ما يتعلق به من الكلام في الباب السابق.\nقوله: (وما يلبس إذا أراد. . .) إلخ، الظاهر أنه عطف على الطيب، فيشكل بوجهين، الأول: أنه سيأتي قريبًا مستقلًا، والثاني: من حيث إنه لا تعلق له بالرواية، وإن كان عطفًا على الإحرام فيندفع الإشكالان، لكن يشكل عليه حينئذ ذكر الآثار الواردة من التبان وغيره، فتدبر.\nوقوله: (يشم الريحان) كتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): ولا يجوز عندنا شمه لكونه طيبًا، انتهى.\nوفي هامشه: اختلف فيه فقال إسحاق: يباح، وتوقف أحمد، وقال الشافعي: يحرم، وكره مالك والحنفية. ومنشأ الخلاف أن كل ما يتخذ منه الطيب يحرم بلا خلاف، وأما غيره فلا، انتهى.\nونقل العيني (^٣) عن \"شرح المهذب\" فيه قولين، والأصح تحريم شمها ووجوب الفدية، وقال: وبه قال مالك وأبو حنيفة إلا أنهما يقولان يحرم ولا فدية، انتهى من هامش \"اللامع\" مختصرًا.\nقوله: (وينظر في المرآة) وفي \"الموطأ\" (^٤) للإمام مالك: أن عبد الله بن عمر نظر في المرآة لشكوى كان بعينيه، وهو محرم. وفي\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٩٦).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٥/ ١٢٩).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٧/ ٤٧).\n(^٤) \"موطأ إمام مالك\" (ح: ٧٨٦).","vol":"3","page":324},{"text":"\"الأوجز\" (^١): قال الزرقاني: ويكره عند مالك لغير ضرورة مخافة أن يرى شعثًا فيصلحه، انتهى.\nوقال الموفق (^٢): ولا ينظر في المرآة لإصلاح شيء، يعني: لإزالة شعث، أو تسوية شعر أو شيء من الزينة، قال أحمد: ولا بأس في النظر بدون ذلك، ولا فدية عليه بالنظر في المرآة على كل حال، وإنما ذلك أدب لا شيء على تاركه، لا نعلم أحدًا أوجب في ذلك شيئًا، وقد روي عن ابن عمر وعمر بن عبد العزيز أنهما كانا ينظران في المرآة وهما محرمان، انتهى.\nوعد صاحب \"اللباب\" في المباحات النظر في المرآة للاطلاع على الهيئة، وقال الحافظ في \"الفتح\" (^٣): نقل كراهته عن القاسم بن محمد، انتهى.\nقوله: (ويتداوى بما يأكل: الزيت. . .) إلخ، قال الحافظ (^٤): وأما التداوي فقال أبو بكر بن أبي شيبة بسنده عن ابن عباس أنه كان يقول: يتداوى المحرم بما يأكل، وعنه أيضًا أنه قال: إذا شققت يد المحرم أو رجلاه فليدهنهما بالزيت أو بالسمن.\nقال الحافظ: وفي هذا الأثر رد على مجاهد في قوله: إن تداوى بالسمن أو الزيت فعليه دم، أخرجه ابن أبي شيبة، انتهى.\nقوله: (ويلبس الهميان) وفي \"الهداية\" (^٥): لا بأس بأن يشد في وسطه الهميان، وقال مالك: يكره إذا كان فيه نفقة غيره، ولنا أنه ليس في معنى لبس المخيط فاستوت فيه الحالتان، انتهى.\nقال ابن المنذر: ورخص في الهميان والمنطقة للمحرم الشافعي\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (٧/ ٢٠٠).\n(^٢) \"المغني\" (٥/ ١٤٧).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٩٦).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٩٦).\n(^٥) \"الهداية\" (١/ ١٣٧).","vol":"3","page":325},{"text":"وأحمد وإسحاق ومن وافقهم غير أن إسحاق قال: ليس له أن يعقد بل يدخل بسيور بعضها في بعض، انتهى.\nوفي \"المحلى\": قيل: تفرد إسحاق بذلك، أي: بعدم العقد، انتهى مختصرًا من \"الأوجز\".\nقوله: (وقد حزم على بطنه بثوب) قال ابن التين: هو محمول على أنه شده على بطنه فيكون كالهميان ولم يشده فوق المئزر وإلا فمالك يرى على من فعل ذلك الفدية، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nقوله: (ولم تر عائشة بالتبان بأسًا) كتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): ولا يجوز التبان عندنا لأحد ولو احتاج إليه، وذلك لأن التأزر ممكن بحيث لا تنكشف العورة بعده، انتهى.\nوفي هامشه: قال الكرماني (^٣): التبان بضم الفوقية وشدة الموحدة وبالنون: سراويل، قصير جدًا، وهو مقدار شبر ساتر للعورة المغلظة فقط، ويكون للملاحين، انتهى.\nقال الحافظ (^٤): سراويل قصير بغير أكمام، ووصل أثر عائشة سعيد بن منصور عن عائشة: \"أنها حجت ومعها غلمان لها وكانوا إذا شدوا رحلها يبدو منهم الشيء فأمرتهم أن يتخذوا التبابين فيلبسونها وهم محرمون\"، وفي هذا رد على ابن التين في قوله: أرادت النساء لأنهن يلبسن المخيط بخلاف الرجال، وكأن هذا رأي رأته عائشة وإلا فالأكثر على أنه لا فرق بين التبان والسراويل في منعه للمحرم، انتهى.\nوهكذا في \"العيني\" وزاد: فإن لبس شيئًا من ذلك مختارًا عامدًا أثم وافتدى، انتهى من \"هامش اللامع\".\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٩٧).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٥/ ١٣١).\n(^٣) \"شرح الكرماني\" (٨/ ٧١).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٩٧)، و\"عمدة القاري\" (٧/ ٤٩).","vol":"3","page":326},{"text":"قوله: (تعني للذين يرحلون هودجها) قال السندي (^١): كتب في هامش بعض النسخ نقلًا عن بعض محقق مشايخنا أنه بضم الياء وتشديد الحاء، أي: ينقلون، من رحّل انتقل لا من رحل بعيره، أي: وضع عليه الرحل لأنه فاسد أن يقال: يرحلون هودجها، أي: يضعون عليها الرحل، نعم لو ثبتت به الرواية لأول بحذف المضاف، أي: يرحلون بعير هودجها، مع تكلف ظاهر في المعنى، فظهر أن قول الحافظ وغيره التشديد وهم ليس بصواب، انتهى.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): يعني بذلك أن جواز التبان معلل بالضرورة، فيرخص فيه لمن افتقر إليه، وذلك لأن هؤلاء ومن في حكمهم تنكشف عورتهم في الصعود والنزول، حين يرحلون الهوادج على الجمال، ولا يجوز التبان عندنا لأحد، إلى آخر ما تقدم.\n\n(١٩ -<span data-type='title' id=toc-1189> باب من أهل ملبدًا)</span>\nقال الحافظ (^٣): أي: أحرم وقد لبّد شعر رأسه، أي: جعل فيه شيئًا نحو الصمغ ليجتمع شعره لئلا يتشعث في الإحرام أو يقع فيه القمل، انتهى.\nوبسط الكلام على التلبيد وحكمه وما يتعلق به، وأيضًا في وقت تلبيده - ﷺ - من أنه كان بعد الإحرام أو وقت الإدهان والتطيب في \"جزء حجة الوداع\" (^٤)، فارجع إليه لو شئت، وفيه: وظاهر سياق كلام ابن القيم في \"الهدي\" يشعر بأن التلبيد كان بعد الإحرام.\nوالظاهر عندي: أنه كان وقت الإدهان والتطيب وغيرهما قبل الإحرام، وإليه يظهر ميل الحافظين ابن حجر والعيني، إذ قالا تحت شرح\n_________\n(^١) \"حاشية السندي على صحيح البخاري\" (١/ ٢٦٨).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٥/ ١٣٠).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٣/ ٤٠٠).\n(^٤) \"حجة الوداع\" (ص ٦٤).","vol":"3","page":327},{"text":"الباب: أي: من أحرم حال كونه ملبدًا، وإليه يظهر ميل الإمام البخاري بسياق التراجم إذ ذكر قبله \"باب الطيب عند الإحرام\" وذكر بعده \"<span data-type='title' id=toc-1190>باب الإهلال عند مسجد ذي الحليفة</span>\"، انتهى.\nوأما حكم التلبيد ففي \"جزء حجة الوداع\": قال صاحب \"المنهل\": وفي الحديث دليل على استحباب تلبيد الشعر للمحرم، لما فيه من الرفق به، والبعد عن الشعث وأسباب الأذى، ولا سيما من طالت مدة إحرامه، وبه قال الشافعي وأصحابه وأحمد، وكذا الحنفية والمالكية، إذا كان يسيرًا لا يؤدي إلى ستر الرأس، أما الكثير الذي يحصل به تغطية ربع رأسه فأكثر فحرام، يلزم فيه دم باستدامته حال الإحرام يومًا فأكثر، أما لو دام أقل من يوم وليلة، ففيه صدقة كصدقة الفطر، وهذا في حق الرجل، وأما المرأة فلا تمنع من تغطية رأسها في الإحرام، انتهى.\nقلت: هكذا ذكر صاحب \"المنهل\" مذاهب الأئمة في حكم التلبيد، وأما أنا فلم أجد التصريح بذلك في كتب فروعهم.\n\n(٢٠ - باب الإهلال عند مسجد ذي الحليفة)\nلعله أراد الرد على من ذهب إلى أنه من البيداء، والأفضل عند المسجد كما في هذا الباب، ويجوز عند الركوب كما سيأتي، وفي \"جزء حجة الوداع\" (^١): اختلفت الروايات في موضع إحرامه - ﷺ - ففي \"التعليق الممجد\" فيه ثلاث روايات، في المصلى، وحين ركب، ولما علا على شرف البيداء، وسيأتي الجمع بين هذه الروايات في رواية ابن عباس، فكلها واسع عند أحمد، والمرجح عندنا الحنفية الأول، وإليه مال ابن القيم، وعند الشافعية والمالكية الثاني، قال الحافظ (^٢): قد اتفقت فقهاء الأمصار على جميع ذلك وإنما الخلاف في الأفضل، انتهى.\n_________\n(^١) \"حجة الوداع\" (ص ٥٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٤٠١).","vol":"3","page":328},{"text":"(٢١ -<span data-type='title' id=toc-1191> باب ما لا يلبس المحرم من الثياب)</span>\nوسيأتي باب ما يلبس. . . إلخ، قال الحافظ (^١) هناك: هذه الترجمة مغايرة للسابقة التي قبلها من حيث إن تلك معقودة لما لا يلبس من أجناس الثياب وهذه لما يلبس من أنواعها، انتهى.\nقلت: وقد تقدم أيضًا في قوله: \"باب الطيب وما يلبس. . .\" إلخ، فظاهره التكرار، ويمكن أن يقال: إن ذكره هناك كان تبعًا، وها هنا أصالة وقصدًا، أو يقال: إن هذا باعتبار الثياب، والأولى باعتبار الزوائد، أو يقال: إن هذا باعتبار ألوان الثياب.\n\n(٢٢ -<span data-type='title' id=toc-1192> باب الركوب والارتداف في الحج)</span>\nسكت الشرَّاح عن غرضه فلا يبعد عندي لا سيما في توسيطه بين أبواب اللباس أن يقال: إن مطلق التقشف والمنع عن الترفه عن بعض أنواع الثياب ليس بمطلوب على الإطلاق، وذلك لأن في الركوب ترفهًا في مقابلة المشي كما لا يخفى لكنه - ﷺ - اختاره لمصالح كما هو مذكور في محله، ومع ذلك اختار النبي - ﷺ - الركوب على الرحل ميلًا إلى التقشف بقدر الإمكان كما تقدم شيء منه في \"باب الحج على الرحل\".\nوقال الحافظ (^٢): قال ابن المنيِّر: الظاهر أنه - ﷺ - قصد بإردافه من ذكر ليحدث عنه بما يتفق له في تلك الحال من التشريع، انتهى.\n\n(٢٣ -<span data-type='title' id=toc-1193> باب ما يلبس المحرم من الثياب. . .) إلخ</span>\nوتقدم الكلام عليه فيما سبق.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٤٠٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٤٠٥).","vol":"3","page":329},{"text":"(٢٤ -<span data-type='title' id=toc-1194> باب من بات بذي الحليفة)</span>\nقال الحافظ (^١): والمراد من هذه الترجمة مشروعية المبيت بالقرب من البلد التي يسافر منها، ليكون أمكن من التوصل إلى مهماته التي ينساها مثلا، قال ابن بطال: ليس ذلك من سنن الحج، وإنما هو من جهة الرفق ليلحق به من تأخر عنه، قال ابن المنيِّر: لعله أراد أن يدفع توهم من يتوهم أن الإقامة بالميقات وتأخير الإحرام شبيه بمن تعداه بغير إحرام، فبيَّن أن ذلك غير لازم حتى ينفصل عنه، انتهى.\n\n(٢٥ -<span data-type='title' id=toc-1195> باب رفع الصوت بالإهلال)</span>\nالمراد بالإهلال ها هنا رفع الصوت بالتلبية، وكل رافع صوته بشيء فهو مهل به، وأما أهل القوم الهلال فأرى أنه من هذا لأنهم كانوا يرفعون أصواتهم عند رؤيته، وفي حديث الباب حجة للجمهور في استحباب رفع الأصوات بالتلبية، واختلف عن مالك فقال ابن القاسم عنه: لا يرفع صوته بالتلبية إلا في المسجد الحرام ومسجد منى، وقال في \"الموطأ\": لا يرفع صوته بالتلبية في مسجد الجماعات ولم يستثن شيئًا، ووجه الاستثناء أن المسجد الحرام جعل للحاج والمعتمر وغيرهما، وكان الملبّي إنما يقصد إليه فكان ذلك وجه الخصوصية، وكذلك مسجد منى، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\nوفي \"جزء حجة الوداع\" (^٣): رفع الصوت واجب عند الظاهرية كما حكاه غير واحد من نقلة المذاهب، ومستحب عند أبي حنيفة والشافعي في الجديد، وقال في القديم: لا يرفع في مسجد الجماعات إلا المسجد الحرام، ومسجد منى، ومسجد عرفة. . . إلى آخر ما فيه.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٤٠٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٤٠٨).\n(^٣) \"حجة الوداع\" (ص ٧١).","vol":"3","page":330},{"text":"(٢٦ -<span data-type='title' id=toc-1196> باب التلبية)</span>\nقال العيني (^١): أي: هذا باب في بيان كيفية التلبية، انتهى.\nقال صاحب \"الفيض\" (^٢): صرح علي القاري أنه يُستحب الوقوفُ في كلمات التلبية في أربعة مواضع: لبيك اللهم لبيك، لبّيك لا شريكَ لك لبيك، إن الحمدَ والنعمةَ لك والملك، لا شريكَ لك، وفيه أيضًا: اعلم أن الإِحرامَ عندنا قوليٌّ وفعليٌّ. ونعني بالقولي التلبية، فإذا لبّى ناويًا فقد أحرم، وبالفعلي أن يسوقَ الهدْي ناويًا، فعلم أن المرء لا يصير مُحرمًا بمجرد النية ما لم يقرن معها قولٌ، أو فعل مخصوص بالحج، ثم لا يُشترط ذكر النسك أو النسكين في التلبية، بل كفى له النية، انتهى.\nثم اختلف العلماء في حكم التلبية، قال ابن رُشد (^٣): اتفقوا على أن الإحرام لا يكون إلا بنية، واختلفوا هل تجزئ النية فيه من غير التلبية؟ فقال مالك والشافعي: تجزئ النية من غير التلبية، وقال أبو حنيفة: التلبية بالحج كالتكبيرة في الإحرام بالصلاة، إلا أنه يجزئ عنده كل لفظ يقوم مقام التلبية، كما في افتتاح الصلاة عندهم، وقال ابن قدامة (^٤): يستحب للإنسان النطق بما أحرم به، فإن لم ينطق بشيء، واقتصر على مجرد النية كفاه في قول إمامنا ومالك والشافعي، وقال أبو حنيفة: لا ينعقد بمجرد النية، حتى تنضاف إليها التلبية، أو سوق الهدي، انتهى.\nوقال الحافظ (^٥): في التلبية أربعة مذاهب يمكن توصيلها إلى عشرة، الأول: أنها سُنَّة لا يجب بتركها شيء وهو قول الشافعي وأحمد، الثاني: واجبة يجب بتركها دم، حكي ذلك عن بعض الشافعية ومالك وأبي حنيفة، قلت: هو مختار أصحاب الفروع من المالكية، الثالث: واجبة لكن يقوم\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٧/ ٧٢).\n(^٢) \"فيض الباري\" (٣/ ٧٤).\n(^٣) \"بداية المجتهد\" (١/ ٣٣).\n(^٤) \"المغني\" (٥/ ٩١).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٣/ ٤١١).","vol":"3","page":331},{"text":"مقامها فعل يتعلق بالحج كالتوجه بالطريق، وبهذا صدر ابن شاش من المالكية كلامه، وحكى صاحب \"الهداية\" من الحنفية مثله، الرابع: أنه ركن في الإحرام، حكي ذلك عن الثوري وأهل الظاهر وغيرهم، انتهى مختصرًا من هامش \"اللامع\".\nثم معنى التلبية إجابة دعوة إبراهيم - ﵇ - حين أذَّن بالناس في الحج، فقد روي عن ابن عباس أنه قال: \"لما فرغ إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام من بناء البيت قيل له: أذن في الناس بالحج، قال: رب وما يبلغ صوتي؟ قال: أذن وعليَّ البلاغ، قال: فنادى إبراهيم: يا أيها الناس كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق، فسمعه من بين السماء والأرض، أفلا ترون أن الناس يجيئون من أقصى الأرض يلبون\"، وفي رواية عنه أيضًا وفيه: \"فأجابوه بالتلبية في أصلاب الرجال وأرحام النساء فليس حاج يحج من يومئذ إلى أن تقوم الساعة إلا من كان أجاب إبراهيم يومئذ\"، وقال ابن المنيِّر: وفي مشروعية التلبية تنبيه على إكرام الله تعالى لعباده بأن وفودهم على بيته إنما كان باستدعاء منه - ﷾ -، كذا في \"الفتح\" (^١) مختصرًا.\n\n(٢٧ -<span data-type='title' id=toc-1197> باب التحميد والتسبيح والتكبير قبل الإهلال)</span>\nالظاهر عندي: أن الإمام البخاري أشار به إلى أن المندوب أن يشتغل بهذه الأوراد قبل الإحرام، فإن بعده يشتغل بالتلبية غالبًا.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): فيه إشارة إلى إتيان أدعية كل الأوقات والأحوال حسب ما وردت في الآثار، فيأتي بدعوة الركوب على الدابة أولًا، ثم يلبّي، وكذلك في أدعية الصباح والمساء، انتهى مختصرًا.\nوما أفاده الشيخ أوجه وأوضح وإليه ميل الحافظ، ثم قال الحافظ (^٣): قيل: أراد المصنف الرد على من زعم أنه يكتفى بالتسبيح وغيره عن التلبية،\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٤٠٩).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٥/ ١٤٠).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٣/ ٤١٢).","vol":"3","page":332},{"text":"ووجه ذلك أنه - ﷺ - أتى بالتسبيح وغيره، ثم لم يكتف به حتى لبّى، انتهى.\nوأوضح العيني هذا الإيراد إذ قال (^١): قال صاحب \"التوضيح\": فيه رد على أبي حنيفة في قوله: من سبّح أو كبر أو هلل أجزأه من إهلاله.\nقلت: هذا كلام واه صادر من غير معرفة بمذاهب العلماء إلى آخر ما رد عليه، وأنا أقول: العجب كل العجب أن الإمام البخاري على زعمهم أراد الرد على أبي حنيفة مع أنه قائل بوجوب التلبية ولو بإقامة ذكر آخر مقامها، ولم يرد الرد على من أنكر وجوب التلبية برأسها، كما هو مذهب الشافعية والحنابلة الذي تقدم ذكره في الباب السابق، فالحق أن الإمام البخاري لم يرد الرد على أحد بل أراد كما أفاده الشيخ قدس سره أن ما ورد في الروايات من \"أنه - ﷺ - لم يزل يلبي حتى رمى الجمرة العقبة\" لا يدل على أنه - ﷺ - لم يقرأ الأدعية الأخر من أدعية الصباح والمساء والركوب، انتهى مختصرًا من هامش \"اللامع\".\n\n(٢٨ -<span data-type='title' id=toc-1198> باب من أَهلَّ حين استوت به راحلته)</span>\nقد تقدمت الإشارة إلى هذا الباب في \"باب الإهلال عند مسجد ذي الحليفة\"، والمقصود ها هنا بيان الجواز وهناك بيان الأفضلية.\n\n(٢٩ -<span data-type='title' id=toc-1199> باب الإهلال مستقبل القبلة. . .) إلخ</span>\nقال المهلب: استقبال القبلة بالتلبية هو المناسب؛ لأنها إجابة بدعوة إبراهيم، ولأن المجيب لا يصلح له أن يولي المجاب ظهره بل يستقبله، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\n\n(٣٠ -<span data-type='title' id=toc-1200> باب التلبية إذا انحدر في الوادي)</span>\nقال العلامة العيني (^٣): أي: إذا انحدر المحرم في الوادي، وقد ورد\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٧/ ٧٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٤١٤).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٧/ ٨٤).","vol":"3","page":333},{"text":"في الحديث أن التلبية في بطون الأودية من سنن المرسلين، وأنها تتأكد عند الهبوط كما تتأكد عند الصعود، انتهى.\nقوله: (أما موسى كأني أنظر إليه. . .) إلخ، في \"تراجم شيخ المشايخ الدهلوي\" (^١): القصة مختصرة وتمامها أنه - ﷺ - قال: إني رأيت موسى في المنام فكأني أنظر إليه إذا انحدر في الوادي يلبي، وابن عباس سمع هذا دون الأول، انتهى.\nقلت: اختلفوا في شرح هذا القول على أقوال عديدة بسطت في \"جزء حجة الوداع\" (^٢).\n\n(٣١ -<span data-type='title' id=toc-1201> باب كيف تُهلّ الحائض. . .) إلخ</span>\nهذا الباب الحادي عشر من الأبواب المصدرة بلفظ \"كيف\" وتقدمت هذه الترجمة في \"كتاب الحيض\" وما يتعلق بها، فارجع إليه، ومسألة الباب إجماعية، وهي صحة إحرام الحائض والنفساء، قال النووي تحت حديث: \"نفست أسماء بنت عميس بمحمد بن أبي بكر\" الحديث: فيه صحة إحرام النفساء والحائض، واستحباب اغتسالهما للإحرام وهو مجمع على الأمر به، لكن مذهبنا ومذهب مالك وأبي حنيفة والجمهور أنه مستحب، وقال الحسن وأهل الظاهر: هو واجب، والحائض والنفساء يصح منهما جميع أفعال الحج إلا الطواف وركعتيه، لقوله - ﷺ -: \"اصنعي ما يصنع الحاج غير أن لا تطوفي\"، انتهى.\n\n(٣٢ -<span data-type='title' id=toc-1202> باب من أَهلَّ في زمن النبي - ﷺ -. . .) إلخ</span>\nكأنه ذهب إلى مذهب المالكية في عدم جواز الإحرام المبهم إذ قيده في الترجمة بزمنه - ﷺ -، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\n_________\n(^١) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٣٧٨).\n(^٢) \"حجة الوداع\" (ص ٩٧).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٣/ ٤١٧).","vol":"3","page":334},{"text":"قلت: واختلف شرَّاح البخاري في نقل المذاهب ها هنا، والعجب من العلامة العيني إذ حكى الجواز عن الشافعي فقط، بخلاف سائر العلماء، فحكى الحافظ جواز الإحرام المبهم عن الجمهور خلافًا للمالكية والكوفيين، والصواب أن الإحرام المبهم يجوز عند المالكية، صرح به الدردير، وفي الإحرام المعلق عندهم قولان، ويجوز كلا النوعين عندنا الحنفية كما في \"شرح اللباب\"، وقال: إن الإحرام المبهم يجوز إجماعًا، وكذا يجوز النوعان: المبهم والمعلق عند الحنابلة كما في \"المغني\"، وهذا هو تحقيق المذاهب فيه. والإحرام المبهم هو أن يحرم ولم يعين أحدًا من النسكين من الحج والعمرة، والمعلق أن يحرم كإحرام زيد مثلًا، وبسط الكلام عليه في \"الأوجز\" وهامش \"اللامع\" (^١).\n\n(٣٣ -<span data-type='title' id=toc-1203> باب قول الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾. . .) إلخ</span>\nهذا الباب في الميقات الزماني، كما أن الأبواب السابقة كانت في الميقات المكاني، كذا في \"الفيض\" (^٢). ثم الظاهر عندي: أن الترجمة مشتملة على الجزئين، الأول: في تعين أشهر الحج.\nقال الحافظ (^٣): أجمع العلماء على أن المراد بأشهر الحج ثلاثة: أولها شوال، لكن اختلفوا هل هي ثلاثة بكمالها وهو قول مالك ونقل عن \"الإملاء\" للشافعي، أو شهران وبعض الثالث وهو قول الباقين، ثم اختلفوا فقال ابن عمر وابن عباس وابن الزبير وآخرون: عشر ليال من ذي الحجة، وهل يدخل يوم النحر أو لا؟ قال أبو حنيفة وأحمد: نعم، وقال الشافعي في المشهور المصحح عنه: لا، وقال بعض أتباعه: تسع من ذي الحجة ولا يصح في يوم النحر ولا في ليلته وهو شاذ، انتهى.\nوالجزء الثاني من الترجمة: الإحرام قبل أشهر الحج، أعني مسألة\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٥/ ١٤١).\n(^٢) \"فيض الباري\" (٣/ ٨٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٣/ ٤٢٠).","vol":"3","page":335},{"text":"تقديم الإحرام على الميقات الزماني، أشار إليه بقوله: \"وقال ابن عباس. . .\" إلخ.\nوالمسألة خلافية فقد قال الحافظ: اختلف العلماء في اعتبار هذه الأشهر هل هو على الشرط أو الاستحباب؟ فقال ابن عمر وابن عباس وجابر وغيرهم من الصحابة والتابعين: هو شرط فلا يصح الإحرام بالحج إلا فيها، وهو قول الشافعي، وسيأتي استدلال ابن عباس لذلك في هذا الباب، واستدل بعضهم بالقياس على الوقوف وبالقياس على إحرام الصلاة وليس بواضح؛ لأن الصحيح عند الشافعية أن من أحرم بالحج في غير أشهره انقلب عمرة تجزئه عن عمرة الفرض، وأما الصلاة فلو أحرم قبل الوقت انقلب نفلًا [بشرط أن يكون ظانًا دخول الوقت لا عالمًا] فاختلفا من وجهين، انتهى.\nقوله: (وكره عثمان أن يحرم من خراسان. . .) إلخ، وبينه وبين مكة أكثر من مسافة أشهر الحج، فيستلزم أن يكون أحرم في غير أشهر الحج فكره ذلك عثمان، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(٣٤ -<span data-type='title' id=toc-1204> باب التمتع والإقران والإفراد. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٢): أما التمتع فالمعروف أنه الاعتمار في أشهر الحج ثم التحلل من تلك العمرة والإهلال بالحج في تلك السنة، ويطلق التمتع في العرف على القران أيضًا، قال ابن عبد البر: لا خلاف بين العلماء أن التمتع المراد بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦]، أنه الاعتمار في أشهر الحج قبل الحج، قال: ومن التمتع أيضًا القران لأنه تمتع بسقوط سفر للنسك الآخر من بلده، ومن التمتع فسخ الحج أيضًا إلى العمرة، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٤٢٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٤٢٣).","vol":"3","page":336},{"text":"وأما القِران فوقع في رواية أبي ذر \"الإقران\" بالألف وهو خطأ (^١) من حيث اللغة، وصورته الإهلال بالحج والعمرة معًا، وهذا لا خلاف في جوازه، أو الإهلال بالعمرة ثم يدخل عليها الحج أو عكسه وهذا مختلف فيه.\nوأما الإفراد فالإهلال بالحج وحده في أشهره عند الجميع وفي غير أشهره أيضًا عند من يجيزه، والاعتمار بعد الفراغ من أعمال الحج لمن شاء.\nوأما فسخ الحج فالإحرام بالحج ثم يتحلل منه بعمل عمرة فيصير متمتعًا، وفي جوازه اختلاف، وظاهر تصرف المصنف إجازته، فإن تقدير الترجمة: باب مشروعية التمتع. . . إلخ، ويحتمل أن يكون التقدير: باب حكم التمتع. . . إلخ، فلا يكون فيه دلالة على أنه يجيزه، انتهى.\nقلت: الظاهر الأول إذا ورد فيه حديث الفسخ لا تخصيص الفسخ بزمانه - ﷺ -، كما أشار إلى التخصيص فيما سبق من \"باب من أهل في زمنه - ﷺ -. . .\" إلخ، لكن لم يرض به العيني، وأما ما أشار إليه الحافظ في صورة القِران بقوله: \"أو عكسه\"، وهذا مختلف فيه، فهي مسألة خلافية.\nقال العيني (^٢): اتفق العلماء على جواز إدخال الحج على العمرة، واختلفوا في عكسه، فجوّزه أبو حنيفة والشافعي في القديم، ومنعه آخرون، وقالوا: كان خاصًا به - ﷺ -، ودعوى الخصوصية تحتاج إلى دليل، انتهى.\n_________\n(^١) وهكذا قال العيني والقسطلاني، وأشار القسطلاني إلى أن المصنف فعله بقصد المشاكلة بين الإقران والإفراد، قلت: اتفاقهم على تخطئة البخاري عجيب فإن الإقران ثابت في اللغة، وقد ترجم الإمام أبو داود: \"باب في الإقران\"، وكتب شيخنا في \"البذل\": وفي نسخة \"القِران\" وهما بمعنى، قال في \"القاموس\" (ص ١١٢٨): قرن بين الحج والعمرة قِرانًا: جَمَعَ، كَأَقْرَنَ، انتهى، قال ابن الأثير \"النهاية في غريب الأثر\" (٤/ ٨١) تحت قوله: نهى عن القِران، ويروى عن الإقران، قال الشيخ: فإذا روي الإقران في كلام الفصيح فكيف يقال: إنه غلط؟! (منه).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٣٢٤).","vol":"3","page":337},{"text":"ومما ينبغي أن يعلم أن الأئمة الأربعة - شكر الله سعيهم - اختلفوا في أفضل أنواع النسك، وهي ثلاثة على المشهور: القران، التمتع، الإفراد، واتفقت الأئمة الأربعة على جوازها، والنوع الرابع فسخ الحج إلى العمرة، وذكر هذه الأربعة البخاري في هذه الترجمة، وهذا الأخير هو المرجح عند الحنابلة، كما بسط في حاشية \"اللامع\"، لكن في \"الأوجز\" (^١) في بيان المذاهب عن الإمام أحمد في ذلك روايتان: أفضلية التمتع، ثم الإفراد، ثم القران. والثانية: إن ساق الهدي فالقران أفضل وإن لم يسق فالتمتع أفضل. ومختار المالكية كما في فروعهم أفضلية الإفراد، ثم القران، ثم التمتع. وعن الشافعية في ذلك ثلاث روايات ذكرها النووي وقال: والصحيح تفضيل الإفراد، ثم التمتع، ثم القران، وهكذا في عامة فروعهم، لكن أفضلية الإفراد عندهم مشروطة بأن يعتمر في هذه السنة، وإلا فهما أفضل منه، كما صرح به شارح \"الإقناع\" وغيره. ومختار الحنفية القران، ثم التمتع، ثم الإفراد. . .، إلى آخر ما بسط في \"الأوجز\"، انتهى من \"جزء حجة الوداع\" مختصرًا.\nقوله: (تصير الآن حجتك مكية) قال الحافظ (^٢): يعني قليلة الثواب بقلة مشقتها، وقال ابن بطال: معناه إنك تنشئ حجك من مكة كما ينشئ أهل مكة منها فيفوتك فضل الإحرام من الميقات، انتهى، وبسط الكلام عليه الشيخ في \"اللامع\" (^٣) فارجع إليه.\n\n(٣٥ -<span data-type='title' id=toc-1205> باب من لبى بالحج وسماه)</span>\nظاهر كلام العيني (^٤): أن الغرض الإشارة إلى أن التعيين والتسمية بأنواع الحج أولى، ويحتمل عندي في الغرض أن من لبّى بالحج وعيّنه وسمّاه فله الفسخ أيضًا كما يدل عليه الرواية، وهو مذهب أحمد.\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (٦/ ٥٠٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٤٣١).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٥/ ١٦٤).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (٧/ ١١٦).","vol":"3","page":338},{"text":"(٣٦ -<span data-type='title' id=toc-1206> باب التمتع على عهد النبي - ﷺ </span>-)\nفي الترجمة إشارة إلى الخلاف في ذلك وإن كان الأمر استقر بعد ذلك على الجواز.\nوقوله: (قال رجل برأيه. . .) إلخ، قال ابن التين: يحتمل أن يريد عمر أو عثمان، وأغرب الكرماني فقال (^١): ظاهر سياق كتاب البخاري أن المراد به عثمان، وكأنه لقرب عهده بقصة عثمان مع علي، وذلك غير لازم فقد سبقت قصة عمر مع أبي موسى في ذلك، ووقعت لمعاوية أيضًا مع سعد بن أبي وقاص في \"صحيح مسلم\" قصة في ذلك، والأولى أن يفسر بعمر فإنه أول من نهى عنها وكأن من بعده كان تابعًا له في ذلك. وفي \"مسلم\" أيضًا: أن ابن الزبير كان ينهى عنها وابن عباس يأمر بها، فسألوا جابرًا فأشار إلى أن أول من نهى عنها عمر. ثم في حديث عمران هذا ما يعكر على عياض وغيره في جزمهم أن المتعة التي نهى عنها عمر وعثمان هي فسخ الحج إلى العمرة لا العمرة التي يحج بعدها، فإن في بعض طرقه عند مسلم التصريح بكونها متعة الحج، وفي رواية له أيضًا: \"أن رسول الله - ﷺ - أعمر بعض أهله في العشر\" وفي رواية له \"جمع بين حج وعمرة\" ومراده التمتع المذكور وهو الجمع بينهما في عام واحد كما سيأتي صريحًا في الباب وحده في حديث ابن عباس، من \"الفتح\" (^٢).\n\n(٣٧ -<span data-type='title' id=toc-1207> باب قول الله - ﷿ -: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾)</span>\nأي: تفسير قوله: ﴿ذَلِكَ﴾ في الآية إشارة إلى التمتع لأنه سبق ذكره، واختلف السلف في المراد بـ ﴿حَاضِرِي الْمَسْجِدِ﴾ فقيل: هم أهل مكة بعينها، وهو قول مالك واختاره الطحاوي، وقال طاوس وطائفة: هم أهل الحرم\n_________\n(^١) \"شرح الكرماني\" (٨/ ٩٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٤٣٣).","vol":"3","page":339},{"text":"وهو الظاهر، وقال مكحول: من كان منزله دون المواقيت، وهو قول الشافعي في القديم، وقال في الجديد: من كان من مكة على دون مسافة القصر، ووافقه أحمد، انتهى.\nقلت: ومذهب الحنفية كقول الشافعي في القديم كما في حاشية الهندية، وقال السندي (^١) تحت الباب: يحتمل وجهين: أحدهما: أن اسم الإشارة إشارة إلى التمتع، والمعنى التمتع مباح أو مشروع لغير المكي، وبه قال الحنفية، وإليه يشير كلام ابن عباس، فإِيراد المصنف يدل على أنه اختار هذا التفسير، والثاني: أنه إشارة إلى وجوب الدم أو الصوم، والمعنى وجوب أحد الأمرين على غير المكي، وأما المكي فإذا تمتع فلا يجب عليه شيء، وبه قال الجمهور، ويؤيده قرب المشار إليه، ويؤيد الأول اللام في قوله: ﴿لِمَنْ لَمْ يَكُنْ﴾ فإن المناسب بالمعنى الثاني كلمة \"على\"، وهذا التأييد أقوى من تأييد قرب المشار إليه، وكأنه لهذا مال المصنف إلى ترجيحه، والله أعلم، انتهى.\nويحتمل عندي في غرض المصنف بالترجمة أنه أراد تفسير الأهل وحاضري المسجد بأن المراد به التوطن لا مطلق الحضور كما يتوهم بلفظ حاضري المسجد، فإن الأزواج المطهرات ونساء الصحابة - ﵃ - كن معهم في السفر وجمع ذلك تمتعوا.\nقوله: (وصوم ثلاثة أيام) اعلم أن المتمتع إذا لم يجد الهدي فعليه صيام عشرة أيام، وكذا حكم القارن يصوم ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع، واختلف أهل العلم في المراد بالحج، وفي المراد بالرجوع كما بسط في محله، ثم لكل واحد من صوم الثلاثة والسبعة وقتان: وقت الجواز، ووقت الاستحباب، أما في الثلاثة فوقت الاستحباب عندنا الحنفية وأحمد ومالك: آخره يوم عرفة وقبله بيوم عند الشافعي، وأما وقت الجواز فبعد إحرام العمرة عندنا وأحمد، وعنه بعد الحل من العمرة، وبعد إحرام الحج\n_________\n(^١) \"حاشية السندي على صحيح البخاري\" (١/ ٢٧٤).","vol":"3","page":340},{"text":"عند مالك والشافعي، وأما وقت السبعة فبعد أيام التشريق عندنا ومالك، وبعد الرجوع إلى الأهل عند الشافعي حتى لا تجوز في الطريق، وأما عند أحمد فالأول وقت الجواز، والثاني وقت الاستحباب، كذا في هامشي على \"البذل\" (^١) والبسط في \"الأوجز\".\nوفي هامش النسخة الهندية: قال العيني (^٢): والمستحب في السبعة أن يكون صومها بعد رجوعه إلى أهله، إذ جواز ذلك مجمع عليه، ويجوز إذا رجع إلى مكة بعد أيام التشريق في مكة، وفي الطريق وهو قول مالك، وللشافعي أربعة أقوال أصحها عند رجوعه إلى أهله، انتهى. وقال أبو حنيفة: الرجوع هو الفراغ من أفعال الحج، كذا في \"الكرماني\"، انتهى من الهامش.\n\n(٣٨ -<span data-type='title' id=toc-1208> باب الاغتسال عند دخول مكة)</span>\nوفي \"الأوجز\" (^٣) تحت حديث الباب: وهذا الغسل للطواف عند المالكية، ولذا لا تفعله الحائض، ولدخول مكة عند الأئمة الثلاثة، كما بسط في \"الأوجز\" عن كتب فروعهم، قال ابن المنذر: والاغتسال عند دخول مكة مستحب عند جميع العلماء، وليس في تركه عندهم فدية، وقال أكثرهم: يجزئ منه الوضوء، وقال الشافعية: إن عجز عن الغسل تيمم، وقال ابن التين: لم يذكر أصحابنا الغسل لدخول مكة، وإنما ذكره للطواف، والغسل لدخول مكة هو في الحقيقة للطواف، انتهى.\n\n(٣٩ -<span data-type='title' id=toc-1209> باب دخول مكة نهارًا وليلًا)</span>\nقال الحافظ (^٤): وأما الدخول ليلًا فلم يقع منه - ﷺ - إلا في عمرة\n_________\n(^١) \"بذل المجهود\" (٧/ ١٤٨)، و\"أوجز المسالك\" (٦/ ٦٢٣).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٧/ ١٢٠).\n(^٣) \"أوجز المسالك\" (٦/ ٣٤٥).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٣/ ٤٣٦).","vol":"3","page":341},{"text":"الجعرانة، كما رواه أصحاب السنن من حديث محرش الكعبي، وترجم عليه النسائي \"دخول مكة ليلًا\"، انتهى.\nوقال الكرماني (^١): كلمة ثم للتراخي فهو أعم [من] أن يدخله نهار تلك الليلة أو ليلة التي بعدها، أو علم منه الدخول نهارًا، ودخوله ليلًا ثابت في عمرة الجعرانة ذكرهما في الترجمة، وذكر حديث الدخول نهارًا لكونه على شرطه، وسكت عن حديث الدخول ليلًا لعدم كونه على شرطه ونبَّه بذكره ليلًا على ذلك، انتهى من هامش الهندية.\nقلت: ويحتمل أن يكون غرضه أن دخول النهار اتفاقي، أي: هما سواء فهو إشارة إلى أحد المذاهب الآتية.\nثم المسألة خلافية ففي \"جزء حجة الوداع\" (^٢): الأولى عند الجمهور أن يدخلها نهارًا، وفيه أربعة مذاهب كما في \"الأوجز\"، وفيه: يندب دخول مكة نهارًا عند مالك والحنفية، وهو أصح الوجهين للشافعية، والثاني هما سواء، وإليه مال الموفق، وحكى النووي عن عائشة وعمر بن عبد العزيز وغيرهما أفضلية الليل، ومنهم من فرق بين الإمام وغيره، بأن من كان إمامًا يقتدى به يستحب له أن يدخل نهارًا ليراه الناس، انتهى.\n\n(٤٠ -<span data-type='title' id=toc-1210> باب من أين يدخل مكة</span>؟)\nوثبت بحديث الباب أنه - ﷺ - يدخل من الثنية العليا هي التي ينزل منها إلى المعلى مقبرة أهل مكة يقال لها: كداء بالفتح والمد، ثم الدخول منها مندوب عند الجمهور مطلقًا، وعند المالكية: يندب لمن أتى من طريق المدينة سواء كان من أهلها أو لا، وأما من أتى من غير طريقها فلا يندب له الدخول منها، وإن كان مدنيًّا، كذا في \"الأوجز\" (^٣).\n_________\n(^١) \"شرح الكرماني\" (٨/ ٩٩).\n(^٢) \"حجة الوداع\" (ص ٩٨)، و\"أوجز المسالك\" (٦/ ٣٥٨).\n(^٣) \"أوجز المسالك\" (٦/ ٣٥٨).","vol":"3","page":342},{"text":"وقال ابن القيم في \"الهدي\": وكان في العمرة يدخل من أسفلها، ولعل مستدله في ذلك ما في أبي داود (^١) من حديث عائشة: \"دخل النبي - ﷺ - في العمرة من كدى\"، لكن الشيخ قُدِّس سِرُّه بسط الكلام في \"البذل\" (^٢) على أن هذه الرواية مضطربة، انتهى، كذا في \"جزء حجة الوداع\".\n\n(٤١ -<span data-type='title' id=toc-1211> باب من أين يخرج من مكة</span>؟)\nوظهر من الحديث أن النبيَّ - ﷺ - يخرج من الثنية السفلى، وهي التي أسفل مكة عند باب شبيكة، يقال لها: كُدىً، بضم الكاف مقصورًا بقرب شعب الشاميين، وشعب ابن الزبير عند قعيقعان، كذا في \"العيني\" (^٣). قال الحافظ (^٤): قال النووي: واختلف في المعنى الذي لأجله خالف - ﷺ - بين طريقيه، فقيل: ليتبرك به كل من في طريقيه، وذكر شيئًا مما تقدم في العيد، وقد استوعبت ما قيل فيه هناك، وبعضه لا يتأتى اعتباره هنا، انتهى مختصرًا.\nوقال في \"باب من خالف في الطريق\" من \"كتاب العيدين\": اختلف في معنى ذلك على أقوال كثيرة، اجتمع لي منها أكثر من عشرين قولًا قد لخصتها وبيّنت الواهي منها، انتهى من هامش \"اللامع\" مختصرًا.\nقوله: (من كدى من أعلى مكة) قال الحافظ (^٥): والصواب ما رواه غيره: دخل من كداء من أعلى مكة، انتهى، ووجهه الشيخ قُدِّس سِرُّه في \"اللامع\" (^٦) بتوجيه وبسط الكلام عليه في هامشه.\n_________\n(^١) \"سنن أبي داود\" (ح: ١٨٦٨).\n(^٢) \"بذل المجهود\" (٧/ ٢٦٩)، و\"حجة الوداع\" (ص ٩٩).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٧/ ١٢٢).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٣/ ٤٣٨).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٣/ ٤٣٧).\n(^٦) \"لامع الدراري\" (٥/ ١٦٧).","vol":"3","page":343},{"text":"(٤٢ -<span data-type='title' id=toc-1212> باب فضل مكة وبنيانها. . .) إلخ</span>\nقال السندي (^١): ما ذكر في فضلها وفضل بنيانها إلا ما يتعلق ببناء الكعبة من الأحاديث، وفيه إشعار بأن بناء الكعبة فيه شرف وفضل لها ولبانيها وأهلها أيُّ فضلٍ، وفخر أيُّ فخر، انتهى.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): قوله: (ذهب النبي - ﷺ - والعباس. . .) إلخ، يمكن منه استنباط فضل مكة أيضًا حيث حمل أحجارَه النبيُّ - ﷺ - على عاتقه الشريف، انتهى.\nوقال العيني (^٣): مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: \"لما بنيت الكعبة. . .\" إلخ، فإن قلت: الترجمة بنيان مكة، وفي الحديث بنيان الكعبة.\nقلت: بنيان الكعبة كان سببًا لبنيان مكة، وبين السبب والمسبب ملائمة، فيستأنس بهذا وجه المطابقة، وبسط ابن القيم في مبدإ \"الهدي\" الكلام على فضل مكة، وذكرت الشرَّاح ها هنا بيان بعض أبنية الكعبة، وبسط الكلام عليها في \"الأوجز\" وبسط فيها أبنيتها العشرة المعروفة مفصلًا، ولخصتها في هامش \"اللامع\".\n\n(٤٣ -<span data-type='title' id=toc-1213> باب فضل الحرم. . .) إلخ</span>\nأي: الحرم المكي، وهو ما أحاط بمكة، وأطاف بها من جوانبها، جعل الله تعالى له حكمها في الحرمة تشريفًا لها، وسمي حرمًا لتحريم الله تعالى فيه كثيرًا مما ليس بمحرم في غيره من المواضع، وحده من طريق المدينة عند التنعيم على ثلاثة أميال من مكة، وقيل: أربعة، ومن طريق اليمن طرف أضاة لبِن بفتح الهمزة والضاد المعجمة، واللبن بكسر اللام وسكون الموحدة على ستة أميال من مكة، وقيل: سبعة، ومن طريق\n_________\n(^١) \"حاشية السندي على صحيح البخاري\" (١/ ٢٧٥).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٥/ ١٦٨).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٧/ ١٢٩).","vol":"3","page":344},{"text":"الجعرانة على تسعة أميال، ومن طريق الطائف على عرفات من بطن نمرة سبعه أميال، وقيل: ثمانية، ومن طريق جدة عشرة أميال، وقال الرافعي: ومن العراق على سبعة. وقال ابن سراقة: ومسافة الحرم ستة عشر ميلًا في مثلها. والسبب في بُعد بعض الحدود وقرب بعضها ما قيل: إن الله تعالى لما أهبط على آدم بيتًا من ياقوتة أضاء له ما بين المشرق والمغرب، فنفرت الجن والشياطين ليقربوا منها، فاستعاذ منهم بالله وخاف على نفسه منهم، فبعث الله ملائكة فحفوا بمكة، فوقفوا مكان الحرم. وذكر بعض أهل الكشف والمشاهدات أنهم يشاهدون تلك الأنوار واصلة إلى حدود الحرم فحدود الحرم موضع وقوف الملائكة. وقيل: إن الخليل لما وضع الحجر الأسود في الركن أضاء له نور وصل إلى أماكن الحدود، فجاءت الشياطين فوقفت عند الأعلام فبناها الخليل - ﵇ - حاجزًا، رواه مجاهد عن ابن عباس، مختصرًا من \"القسطلاني\" (^١).\n\n(٤٤ -<span data-type='title' id=toc-1214> باب توريث دور مكة وبيعها وشرائها. . .) إلخ</span>\nوبه قال الجمهور والطحاوي، وقال الثوري وأبو حنيفة: لا يحل بيعها ولا إجارتها، وخالفه أبو يوسف واختلف على محمد، كذا في \"الفتح\" (^٢).\nقلت: وذكر المغني عن أحمد روايتين وكذا في \"الشرح الكبير\" وذكرا مذهب مالك موافقًا للحنفية، وما زعموا أن الغرض من الترجمة الرد على الحنفية فليس بصحيح عندي لأنهم لم يقولوا: بمنع بيع بيوت مكة بل أرضها كما في \"الهداية\"، وبسط الكلام عليه في \"اللامع\" وهامشه أشد البسط.\nوقوله: (سواء خاصة. . .) إلخ، قيد للمسجد الحرام، أي: المساواة إنما هي في نفس المسجد لا في سائر المواضع من مكة كما قال به أبو حنيفة.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٤/ ١١٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٤٥٠).","vol":"3","page":345},{"text":"قال الشيخ في \"اللامع\" (^١): ظاهر استدلاله بالآية أن المذكور في معرض المساواة هو المسجد الحرام لا غير، فيكون غير المسجد من أراضي مكة أولى بالمالك وأحق بتصرفه، ودلالة الرواية عليه من حيث إطلاق دارك بالإضافة وهو علامة الملك، وكذلك قول الراوي: \"ورث أبا طالب\" يدل على جريان الإرث فيها، والجواب أن تخصيص ذكر المسجد باستواء حقوقهم لا ينفي الاستواء في غير المسجد مع أن علة الحكم وهو التضييق على الحاج مشتركة، وأما الإرث والإضافة المذكورتان في الرواية فباعتبار البناء أو سبق اليد كمن جلس في مسجد فوضع ثمة ثوبه، أو ألقى خيمته في وادي منى وغيره، فإنه أحق به من غيره لسبق يده ولا تملك هنا، انتهى.\nوبسط في هامشه الكلام عليه وفيه: قال الجصاص في \"أحكام القرآن\" (^٢): قال الله تعالى: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج: ٢٥]، روي عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"مكة مناخ لا تباع رباعها، ولا تؤاجر بيوتها\"، وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كانوا يرون الحرم كله مسجدًا سواء العاكف فيه والبادي، وفيه أيضًا: بسط الشيخ ابن القيم في \"الهدي\" في ذلك فقال: المراد بالمسجد الحرام ها هنا الحرم كله كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]، فهذا المراد به الحرم كله، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ﴾ الآية [البقرة: ١٩٦]، وليس المرد به حضور نفس موضع الصلاة اتفاقًا. . . إلى آخر ما فيه.\n\n(٤٥ -<span data-type='title' id=toc-1215> باب نزول النبي - ﷺ - مكة. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٣): أي: موضع نزوله، ووقع هنا في نسخة الصغاني \"قال أبو عبد الله: نسبت الدور إلى عقيل، وتورث الدور وتباع وتشترى\"\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٥/ ١٧١).\n(^٢) \"أحكام القرآن\" للجصاص (٣/ ٢٢٨).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٣/ ٤٥٣).","vol":"3","page":346},{"text":"قال الحافظ: والمحل اللائق بهذه الزيادة الباب الذي قبله لما تقدم تقريره، انتهى.\n\n(٤٦ -<span data-type='title' id=toc-1216> باب قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ﴾. . .) إلخ</span>\nلم يذكر في هذه الترجمة حديثًا، وكأنه أشار إلى حديث ابن عباس في قصة إسكان إبراهيم لهاجر وابنها في مكان مكة، وسيأتي مبسوطًا في \"أحاديث الأنبياء\" فوقع في شرح ابن بطال ضم هذا الباب إلى الذي بعده فقال بعد قوله: ﴿يَشْكُرُونَ﴾: وقول الله: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ. . .﴾ إلخ [المائدة: ٩٧]، ثم قال: فيه أبو هريرة، فذكر أحاديث الباب الثاني، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nقلت: ويمكن أن يقال: إن الترجمة ثبتت بالحديث الآتي كما شرح به الحافظ الترجمة الآتية، أي: ما دامت قائمة فالأمن قائم، فعلى هذا تكون الترجمة من الأصل السابع والعشرين من أصول التراجم.\n\n(٤٧ -<span data-type='title' id=toc-1217> باب قول الله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٢): كأنه يشير إلى أن المراد بقوله: \"قيامًا\" أي: قوامًا، وأنها ما دامت موجودةً فالدين قائم، ولهذه النكتة أورد في الباب قصة هدم الكعبة في آخر الزمان، وقد روى ابن أبي حاتم بإسناد صحيح عن الحسن البصري أنه تلا هذه الآية فقال: لا يزال الناس على دين ما حجوا البيت واستقبلوا القبلة، وعن عطاء قال: قيامًا للناس لو تركوه عامًا لم ينظروا أن يهلكوا، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٤٥٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٤٥٥).","vol":"3","page":347},{"text":"قال العيني (^١) في حديث عائشة في صوم عاشوراء: وجه المناسبة أن غرض الترجمة تعظيم الكعبة وهو يحصل بسترها، انتهى.\nقوله: (والأول أكثر) كتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): أي: أقوى إسنادًا لكثرة رواته، وأنت تعلم أنه لا منافاة بين الروايتين فإن صدق الإثبات لا يتوقف إلا على الوجوب ولو مرة، فيمكن أن يحج البيت بعد يأجوج ومأجوج، ثم لا يحج إلى قيام الساعة، والذي أشكل على المؤلف أنه فهم من الحج بعدهما امتداده إلى نفخ الصور، فجعل بين الحديثين معارضة، وليس كذلك، انتهى.\nوبسط الكلام عليه في هامش \"اللامع\"، وفيه أيضًا: بسط الكلام في زمان هدم الكعبة في \"الإشاعة لأشراط الساعة\" وقال: اختلفوا فيه هل هو في زمن عيسى - ﵇ - أو عند قيام الساعة حين لا يبقى أحد يقول: الله الله؟ انتهى.\n\n(٤٨ -<span data-type='title' id=toc-1218> باب كسوة الكعبة)</span>\nأي: حكمها في التصرف فيها، ونحو ذلك، قال ابن المنيِّر (^٣): يحتمل أن يكون مقصوده التنبيه على أن كسوة الكعبة مشروع، والحجة فيه أنها لم تزل تقصد بالمال يوضع فيها على معنى الزينة إعظامًا لها والكسوة من هذا القبيل، انتهى.\nقوله: (لا أدع فيها صفراء ولا بيضاء) كتب الشيخ في \"اللامع\" (^٤): فيه الترجمة حيث ثبت أن البيت كان له مال وليس إلا لينفق عليه عند الضرورة، ومن حوائجه الكسوة، انتهى.\nوبسط في هامشه الكلام في مناسبة الحديث بالترجمة وذكر فيه عن\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٧/ ١٥٣).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٥/ ١٧٨).\n(^٣) \"المتواري\" (ص ١٣٨).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٥/ ١٨٠).","vol":"3","page":348},{"text":"العيني ست وجوهات في المناسبة، وقال السندي (^١): موافقة الحديث بالترجمة إما باعتبار أن الحديث يدل على أن تعظيم الكعبة بوضع الأموال فيها مشروع معتاد من قديم الزمان، وقد قرره الشارع ورجع عمر عما قصد من تقسيمها إلى إبقائها على حالها، فإذا كان ذلك التعظيم مشروعًا مع أنه أمر غير ظاهر فكون التعظيم بالكسوة مع أنه تعظيم ظاهر وزينة باهرة مشروعًا بالأولى، وإما باعتبار أن عمر رأى قسمة أموال الكعبة لا وضعها في كسوتها دون حاجة المسلمين، وبه يعلم أنه ينبغي قسمة الكسوة بين المحتاجين إذا نزعت، والله تعالى أعلم، انتهى.\n\n(٤٩ -<span data-type='title' id=toc-1219> باب هدم الكعبة)</span>\nقال الحافظ (^٢): أي: في آخر الزمان، وقال أيضًا تحت حديث الباب: قيل: هذا الحديث يخالف قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾ [العنكبوت: ٦٧]، ولأن الله تعالى حبس عن مكة الفيل ولم يمكن أصحابه من تخريب الكعبة ولم تكن إذ ذاك قبلة فكيف يسلط عليها الحبشة بعد أن صارت قبلة للمسلمين؟ وأجيب بأن ذلك محمول على أنه يقع في آخر الزمان حيث لا يبقى في الأرض أحد يقول: الله الله، كما ثبت في \"صحيح مسلم\"، وقد وقع قبل ذلك فيه من القتال وغزو أهل الشام في زمن يزيد بن معاوية وغير ذلك من الوقائع من أعظمها وقعة القرامطة بعد الثلاث مائة فقتلوا من المسلمين في المطاف من لا يحصى كثرة، وكل ذلك لا يعارض قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾ لأن ذلك إنما وقع بأيدي المسلمين، وهو مطابق لقوله - ﷺ -: \"ولن يستحل هذا البيت إلا أهله\" فوقع ما أخبر به - ﷺ -، وليس في الآية ما يدل على استمرار الأمن المذكور فيها، والله أعلم، انتهى.\n_________\n(^١) \"حاشية السندي على صحيح البخاري\" (١/ ٢٧٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٤٦١).","vol":"3","page":349},{"text":"(٥٠ -<span data-type='title' id=toc-1220> باب ما ذكر في الحجر الأسود)</span>\nقال الحافظ (^١): أورد فيه حديث عمر في تقبيل الحجر، وكأنه لم يثبت عنده فيه على شرطه شيء غير ذلك، وقد وردت فيه أحاديث؛ منها حديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا: \"إن الحجر والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنة طمس الله نورهما، ولولا ذلك لأضاءا ما بين المشرق والمغرب\" أخرجه أحمد والترمذي (^٢) وصححه ابن حبان، ومنها حديث ابن عباس مرفوعًا: \"نزل الحجر الأسود من الجنة وهو أشد بياضًا من اللبن\" الحديث، أخرجه الترمذي (^٣)، انتهى.\nقلت: الظاهر عندي أن الغرض من الترجمة إثبات الفضل له، وقد ورد في فضله عدة أحاديث كما تقدم عن \"الفتح\" إلا أنها لما لم تكن على شرطه فأثبت الفضل في الجملة بحديث الباب بتقبيله - ﷺ -.\n\n(٥١ -<span data-type='title' id=toc-1221> باب إغلاق البيت. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٤): أورد فيه حديث ابن عمر عن بلال. وتُعقب بأنه يغاير الترجمة من جهة أنها تدل على التخيير، والفعل المذكور يدل على التعيين، وأجيب بأنه حمل صلاة النبي - ﷺ - في ذلك الموضع بعينه على سبيل الاتفاق لا على سبيل القصد بزيادة فضل في ذلك المكان على غيره، ويحتمل أن يكون مراده أن ذلك الفعل ليس حتمًا وإن كانت الصلاة في تلك البقعة التي اختارها النبي - ﷺ - أفضل من غيرها، وظاهر الترجمة أنه يشترط للصلاة في جميع الجوانب إغلاق الباب ليصير مستقبلًا في حال الصلاة غير الفضاء، والمحكي عن الحنفية الجواز مطلقًا، وعن الشافعية وجه مثله لكن بشرط أن يكون للباب عتبة بأي قدر كانت، ووجه يشترط أن يكون قدر قامة المصلي،\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٤٦٢).\n(^٢) \"مسند أحمد\" (٢/ ٢١٤)، و\"سنن الترمذي\" (٨٧٨).\n(^٣) \"سنن الترمذي\" (٨٧٧).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٣/ ٤٦٣).","vol":"3","page":350},{"text":"ووجه أن يكون قدر مُؤَخَّر الرِّجْل وهو المصحح عندهم، وأما قول بعض الشارحين: إن قوله: \"ويصلي في أي نواحي البيت شاء\" يعكر على الشافعية فيما إذا كان البيت مفتوحًا ففيه نظر؛ لأنه جعله حيث يغلق الباب، وبعد الغلق لا توقف عندهم في الصحة، انتهى.\nقلت: وفيه أن في الترجمة جزآن مستقلان لا أن أحدهما قيد للآخر، لكن يعكر عليه أن الجزء الأول من الترجمة قد تقدم في \"كتاب الصلاة\" من \"باب الأبواب والغلق للكعبة\"، فتأمل.\n\n(٥٢ -<span data-type='title' id=toc-1222> باب الصلاة في الكعبة)</span>\nلعل غرض المصنف بيان جوازها، والمسألة خلافية شهيرة بسطت في \"الأوجز\" (^١)، وفيه: حكي عن ابن عباس: لا تصح الصلاة فيها مطلقًا للزوم الاستدبار، وبه جزم بعض أهل الظاهر وابن جرير وأصبغ المالكي، والجمهور على الجواز مع الاختلاف فيما بينهم هل يختص الجواز بالنوافل كما قال به مالك وأحمد، أو يعم الفرائض أيضًا كما قال به الحنفية والشافعي.\n\n(٥٣ -<span data-type='title' id=toc-1223> باب من لم يدخل الكعبة. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٢): كأنه أشار بهذه الترجمة إلى الرد على من زعم أن دخولها من مناسك الحج، واقتصر المصنف على الاحتجاج بفعل ابن عمر لأنه أشهر من روى عن النبي - ﷺ - دخول الكعبة، فلو كان دخولها عنده من المناسك لما أخل به مع كثرة اتباعه، انتهى.\nقلت: أنكر كونه من النسك ابن القيم وغيره، والجمهور على الندب كما بسط في \"الأوجز\" (^٣)، ويحتمل أن المصنف أراد أن دخوله ليس على\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (٨/ ١٥٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٤٦٧).\n(^٣) \"أوجز المسالك\" (٨/ ١٥٤).","vol":"3","page":351},{"text":"الوجوب، ثم قال الحافظ: استدل المحب الطبري بحديث الباب على أنه - ﷺ - دخل الكعبة في حجته، وفي فتح مكة، ولا دلالة فيه على ذلك لأنه لا يلزم من نفي كونه دخلها في عمرته أنه دخلها في جميع أسفاره، والله أعلم، انتهى.\nوفي \"جزء حجة الوداع\" (^١): والجملة أنه لم يدخل النبي - ﷺ - الكعبة في عمرة القضاء إجماعًا ودخلها عام الفتح إجماعًا، واختلفوا في دخوله في حجة الوداع أنكره الشيخ ابن القيم وكذا شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية والنووي، وذكر ابن سعد دخوله - ﷺ - في حجة الوداع، وكذا مال إليه البيهقي، وإليه ميل ابن حبان أيضًا، وذهب السهيلي وابن الهمام إلى أنه - ﷺ - دخلها في حجة الوداع مرتين: يوم النحر ولم يصل فيه، ودخلها من الغد وصلى فيه. . .، إلى آخر ما بسط فيه.\n\n(٥٤ -<span data-type='title' id=toc-1224> باب من كبَّر في نواحي الكعبة)</span>\nأورد فيه حديث ابن عباس \"أنه - ﷺ - كبَّر في البيت ولم يصلّ فيه\" واحتج به مع كونه يرى تقديم حديث بلال في إثباته الصلاة فيه عليه، ولا معارضة في ذلك بالنسبة إلى الترجمة؛ لأن ابن عباس أثبت التكبير ولم يتعرض له بلال، وبلال أثبت الصلاة ونفاها ابن عباس فاحتج المصنف بزيادة ابن عباس، انتهى.\nقلت: ولذا لم يذكر في الترجمة: ولم يصل، مع أنه موجود في الحديث، والأوجه عندي في غرض الترجمة أنهم اختلفوا في الصلاة في الكعبة فمن مثبت لها وناف لها، ومال المصنف إلى الأول، ولذا جزم به في الترجمة السابقة، وحديث الباب هذا مستدل من نفاها، ولذا ذكره بباب من كبر كما هو المعروف من دأبه هذا، وقال ابن عباس: وقد سئل كيف\n_________\n(^١) \"حجة الوداع\" (ص ٣٦٠).","vol":"3","page":352},{"text":"أصلي في البيت؟ قال: كما تصلي في الجنازة، تسبح وتكبر ولا تركع، ولا تسجد، ثم عند أركان البيت سبح وكبر وتضرع واستغفر ولا تركع ولا تسجد، انتهى من \"الفتح\" (^١)، فيحتمل أن المصنف أشار إلى هذا.\n\n(٥٥ -<span data-type='title' id=toc-1225> باب كيف كان بدء الرمل)</span>\nوهذا الباب الثاني عشر من الأبواب المبدوءة بلفظ \"كيف\"، قال الحافظ (^٢): أي: ابتداء مشروعيته، وهو بفتح الراء والميم هو الإسراع، وقال ابن دريد: هو شبيه بالهرولة، وأصله أن يحرك الماشي منكبيه في مشيه، انتهى.\nوفي القسطلاني (^٣): هو شرعة المشي مع تقارب الخطا دون العدو والوثوب فيما قاله الشافعي، وقال المتولي: تكره المبالغة في الإسراع، وعند الحنفية: هو أن يهز كتفيه في مشيه كالمتبختر بين الصفين، وفي \"جزء حجة الوداع\" (^٤) في الرمل سبعة أبحاث بسطت في \"الأوجز\".\n\n(٥٦ -<span data-type='title' id=toc-1226> باب استلام الحجر الأسود حين يقدم مكة. . .) إلخ</span>\nأورد فيه حديث ابن عمر في ذلك وهو مطابق للترجمة من غير مزيد، هكذا في \"الفتح\" و\"العيني\" (^٥).\nلكن الظاهر عند هذا العبد الضعيف أن الترجمة مشتملة على جزئين؛ أحدهما: استلام الحجر أول ما يطوف، وثانيهما: ما أشار إليه بقوله: \"ويرمل ثلاثًا\" ولم يتعرض الشرَّاح لذلك.\nوعلى هذا أشار بالجزء الأول من الترجمة إلى مسألة خلافية كما في\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٤٦٨).\n(^٢) المصدر السابق (٣/ ٤٧٠).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (٤/ ١٤١).\n(^٤) \"حجة الوداع\" (ص ١٠٤)، و\"أوجز المسالك\" (٧/ ٣٤٨).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٣/ ٤٧٠)، و\"عمدة القاري\" (٧/ ١٧٨).","vol":"3","page":353},{"text":"\"الأوجز\" و\"حجة الوداع\" (^١) من أن الجمهور لم يفرقوا في الاستلام بين الطواف الواجب والتطوع، وبه قال جماعة من المالكية خلافًا لما في \"المدونة\" من تخصيصه بالواجب، وطواف القدوم واجب عند المالكية خلافًا للجمهور فإنهم قالوا بسُنِّيته على الراجح عنهم، فلعل المصنف مال إلى قول المالكية، والله أعلم.\nوأما الجزء الثاني من الترجمة فهو قوله: \"يرمل ثلاثًا\" لعل فيه تأييدًا لأحد قولي الشافعي: إن الرمل في طواف القدوم سواء سعى بعده أو لا، والجمهور على قوله الثاني المشهور وهو أنه في كل طواف بعده سعي كما قال النووي في \"شرح مسلم\"، ويمكن أن يقال: إنه أشار بهذا الجزء الثاني إلى الرد على من أنكر بقاء مشروعية الرمل، كما روي عن ابن عباس، أو على من أنكر تعميم الرمل لجميع الشوط بل خصَّه بغير ما بين الركنين اليمانيين.\n\n(٥٧ -<span data-type='title' id=toc-1227> باب الرمل في الحج والعمرة)</span>\nقال الحافظ (^٢): والقصد إثبات بقاء مشروعيته، وهو الذي عليه الجمهور، وقال ابن عباس: ليس هو بسُنَّة، من شاء رمل ومن شاء لم يرمل، انتهى.\nويحتمل عندي أن الغرض منه بيان إثبات التعميم لكل حاج ومعتمر، وردٌّ على من قال: ليس على المكي الرمل كما قال به أحمد ومالك خلافًا للحنفية والشافعية.\n\n(٥٨ -<span data-type='title' id=toc-1228> باب استلام الركن بالمحجن)</span>\nقال الحافظ (^٣) تحت حديث الباب: وبهذا قال الجمهور أن السُّنَّة أن يستلم الركن ويقبِّل يده، فإن لم يستطع أن يستلمه بيده استلمه بشيء في يده وقبّل ذلك الشيء، فإن لم يستطع أشار إليه واكتفى بذلك، وعن مالك في رواية: لا\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (٧/ ٣٧٠)، و\"حجة الوداع\" (ص ١٠٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٤٧١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٣/ ٤٧٣).","vol":"3","page":354},{"text":"يقبِّل يديه، وفي رواية عند المالكية: يضع يده على فمه من غير تقبيل، انتهى.\n\n(٥٩ -<span data-type='title' id=toc-1229> باب من لم يستلم إلا الركنين اليمانين. . .) إلخ</span>\nالأسود الذي يليه، دون الركنين الشاميين، وذلك لأن اليمانيين على القواعد الإبراهيمية، ففي الركن الأسود فضيلتان: كون الحجر فيه، وكونه على القواعد، وفي الثاني الثانية فقط، ومن ثم خص الأول بمزيد تقبيله دون الثاني، انتهى من \"القسطلاني\" (^١).\nوأما الركنان الباقيان فلا يقبَّلان ولا يمسان؛ لأن البيت غير متمم على قواعد إبراهيم، فهذان الركنان ليسا على ركنيتهما؛ بل هما وسط الجدار الشرقي والغربي، كذا في \"البذل\" (^٢).\nوفي هامشي على \"البذل\": وإلى هذا التفصيل ذهب الجمهور كما بسطه الحافظ في \"الفتح\" (^٣)، والموفق، ورد على الخرقي إذ قال: يقبل الركن اليماني أيضًا.\nوقال القسطلاني (^٤): وحديث ابن عباس أن النبي - ﷺ - قبَّل الركن اليماني ووضع خده عليه، رواه جماعة منهم ابن المنذر والحاكم وصححه وضعفه بعضهم، وعلى تقدير صحته فهو محمول على الحجر الأسود، وإذا استلمه قبَّل يده على الأصح عند الشافعية والحنابلة ومحمد بن الحسن من الحنفية، وهو المنصوص في \"الأم\". . . إلى آخر ما بسطه. وفيه: وكذا تقبيل نفس الركن لا بأس به كما جزم به في \"الأم\" واستحبه بعض الشافعية ونقل عن محمد بن الحسن، انتهى من \"القسطلاني\".\nقال القاضي عياض: اتفق الفقهاء اليوم على أن الركنين الشاميين لا يستلمان، وإنما كان الخلاف في العصر الأول بين بعض الصحابة والتابعين، ثم ذهب الخلاف، انتهى.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٤/ ١٤٧).\n(^٢) \"بذل المجهود\" (٧/ ٢٨١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٣/ ٤٧٤).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (٤/ ١٤٩).","vol":"3","page":355},{"text":"قال القاري في شرح \"اللباب\" (^١): أما الركنان الآخران فلا استلام فيهما، ولا إشارة بهما، بل هما بدعة مكروهة باتفاق الأربعة، انتهى من \"الأوجز\" (^٢).\nقوله: (وكان ابن الزبير يستلمهن كلهن) وهذا يحتمل أن يكون مذهبه أنه ليس من البيت شيئًا مهجورًا، كما روى عنه ابن أبي شيبة، ويروى نحو ذلك عن معاوية، ويحتمل أن يكون فعله بعد ما أتم بناء الكعبة على قواعد إبراهيم كما حمله عليه ابن القصار وتبعه ابن التين، فزال مانع عدم استلامهما، وعلى هذا لا خلاف بينه وبين الجمهور، وأما على الأول فكان فيه خلاف في السلف، انتهى من \"الأوجز\" (^٣) بزيادة.\n\n(٦٠ -<span data-type='title' id=toc-1230> باب تقبيل الحجر)</span>\nقال القسطلاني (^٤): أي: مشروعيته بوضع الشفة عليه من غير تصويت ولا تطنين كما قاله الشافعي.\nوقال الحافظ (^٥): ويستفاد من حديث ابن عمر حديث الباب استحباب الجمع بين التسليم والتقبيل، والاستلام: المسح باليد والتقبيل بالفم، وروي عن ابن عمر أنه قال: \"استقبل النبي - ﷺ - الحجر فاستلمه ثم وضع شفتيه عليه طويلًا\" الحديث، انتهى.\nوفي \"جزء حجة الوداع\" (^٦): اعلم أنهم اختلفوا ها هنا في عدة مسائل:\nالأولى: أن الجمهور لم يفرقوا في الاستلام بين الطواف الواجب والتطوع، خلافًا لما في \"المدونة\" من تخصيصه بالواجب.\nوالثانية: في التقبيل بالصوت، أباحه غير واحد من المالكية، خلافًا للجمهور.\n_________\n(^١) (ص ٦٤).\n(^٢) \"أوجز المسالك\" (٧/ ٣٦٩).\n(^٣) المصدر السابق (٧/ ٣٦٨).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (٤/ ١٤٩).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٧٥).\n(^٦) \"حجة الوداع\" (ص ١٠٣).","vol":"3","page":356},{"text":"والثالثة: السجدة عليه مكروه عند مالك، ومختلف عند الحنفية والمرجح ندب السجود، وبه قال الشافعي وأحمد.\nوالرابعة: تقبيل اليد أو غيره مما استلم به الحجر مندوب عند الثلاثة خلافًا لمالك.\nوالخامسة: إن تعذر الاستلام يكبر عند مالك بدون الإشارة إليه، وعند أحمد يشير إليه أيضًا بدون تقبيل ما أشار به، ويقبِّله أيضًا عند الشافعي والحنفية، انتهى.\n\n(٦١ -<span data-type='title' id=toc-1231> باب من أشار إلى الركن إذا أتى عليه)</span>\nأي: في الطواف عند عجزه عن استلامه، والمراد بالركن الأسود، قال القسطلاني (^١): وفي \"الهداية\" (^٢): ويستلم الحجر كلما مرَّ؛ لأن أشواط الطواف كركعات الصلاة، فكما يفتتح كل ركعة بالتكبير يفتتح كل شوط باستلام الحجر، وإن لم يستطع الاستلام استقبل، وكبر وهلل، انتهى.\nقلت: وهل يقبل ما أشار به أو لا؟ خلافية كما تقدم في الباب السابق، وأيضًا قد تقدم أنه لا إشارة عند المالكية بل عندهم يكبر إذا حاذاه ويمضي ولا يشير بيده.\n\n(٦٢ -<span data-type='title' id=toc-1232> باب التكبير عند الركن)</span>\nقال الحافظ (^٣) في حديث الباب: فيه استحباب التكبير عند الركن الأسود في كل طوفة، انتهى.\nوقال القسطلاني (^٤): واستحب الشافعية والحنابلة أن يقول في ابتداء الطواف واستلام الحجر: بسم الله والله أكبر اللهم إيمانًا بك وتصديقًا بكتابك ووفاء بعهدك واتباعًا لسُنَّة نبيِّك محمد - ﷺ -. وصح في أبي داود\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٤/ ١٥١).\n(^٢) \"الهداية\" (١/ ١٣٨).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٣/ ٤٧٦).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (٤/ ١٥٢).","vol":"3","page":357},{"text":"والنسائي وغيرهما أنه ﵊ قال بين الركنين اليمانيين: \"رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ\"، إلى أن قال: والصحيح عند الحنابلة أنه لا بأس بقراءة القرآن، وجزم صاحب \"الهداية\" في \"التجنيس\" بأن ذكر الله أفضل منها فيه، وكرهها المالكية، انتهى.\n\n(٦٣ -<span data-type='title' id=toc-1233> باب من طاف بالبيت إذا قدم مكة. . .) إلخ</span>\nقال ابن بطال (^١): غرضه بهذه الترجمة الرد على من زعم أن المعتمر إذا طاف حلَّ قبل أن يسعى بين الصفا والمروة، فأراد أن يبيِّن أن قول عروة: \"فلما مسحوا الركن حلُّوا\" محمول على أن المراد لما استلموا الحجر الأسود وطافوا وسعوا حلوا، بدليل حديث ابن عمر الذي أردفه به في هذا الباب.\nوقال النووي: لا بد من تأويل قوله: \"مسحوا الركن\" لأن المراد به الحجر الأسود، ومسحه يكون في أول الطواف ولا يحصل التحلل بمجرد مسحه بالإجماع، فتقديره: فلما مسحوا الركن وأتموا طوافهم وسعيهم وحلقوا حلوا، وحذفت هذه المقدرات للعلم بهذا لظهورها، وقد أجمعوا على أنه لا يتحلل قبل تمام الطواف. ثم مذهب الجمهور أنه لا بد من السعي بعده ثم الحلق. وتعقب بأن المراد بمسح الركن الكناية عن تمام الطواف، فالمعنى فلما فرغوا من الطواف حلُّوا، وأما السعي والحلق فمختلف فيهما كما قال، انتهى.\nقال الكرماني (^٢): قال القاضي: قال ابن عباس وإسحاق بن راهويه: المعتمر يتحلل بعد الطواف، وإن لم يسع، وبسط الحافظ في الروايات عن ابن عباس في ذلك وقال: ولمسلم من طريق قتادة: \"قال رجل لابن عباس: ما هذه الفتيا إن من طاف بالبيت فقد حل؟ فقال: سُنَّة نبيكم وإن رغمتم\"،\n_________\n(^١) \"شرح ابن بطال\" (٤/ ٢٩٤)، و\"فتح الباري\" (٣/ ٣٧٧).\n(^٢) \"شرح الكرماني\" (٨/ ١٢٧).","vol":"3","page":358},{"text":"ثم قال الحافظ: وعرف أن هذا مذهب لابن عباس خالف فيه الجمهور ووافقه فيه ناس منهم إسحاق بن راهويه، انتهى مختصرًا من هامش \"اللامع\".\nقلت: وإلى هذا أشار الإمام البخاري أيضًا في أبواب العمرة في \"باب متى يحل المعتمر\".\n\n(٦٤ -<span data-type='title' id=toc-1234> باب طواف النساء مع الرجال)</span>\nأي: هل يختلطن بهم أو يطفن معهم على حدة بغير اختلاط أو ينفردن، قاله الحافظ (^١)، وأيضًا قال: وظاهر حديث الباب أن ابن هشام أول من منع ذلك، لكن روى الفاكهي عن النخعي قال: نهى عمر أن يطوف الرجال مع النساء قال: فرأى رجلًا معهن فضربه بالدرة، وهذا إن صح لم يعارض الأول؛ لأن ابن هشام منعهن أن يطفن حين يطوف الرجال مطلقًا، فلهذا أنكر عليه عطاء واحتج بصنيع عائشة، وصنيعها شبيه بهذا المنقول عن عمر، قال الفاكهي: ويذكر عن ابن عيينة أن أول من فرَّق بين الرجال والنساء في الطواف خالد بن عبد الله القشيري، انتهى.\nوهذا إن ثبت فلعله منع ذلك وقتًا ثم تركه فإنه كان أمير مكة في زمن عبد الملك بن مروان، وذلك قبل ابن هشام بمدة طويلة، انتهى.\n\n(٦٥ -<span data-type='title' id=toc-1235> باب الكلام في الطواف)</span>\nأي: إباحته، وإنما لم يصرح بذلك لأن الخبر ورد في كلام يتعلق بأمر بمعروف، لا بمطلق الكلام، ولعله أشار إلى الحديث المشهور عن ابن عباس موقوفًا ومرفوعًا: \"الطواف بالبيت صلاة، إلا أن الله تعالى أباح فيه الكلام، ومن نطق فلا ينطق إلا بخير\" أخرجه أصحاب السنن وصححه ابن خزيمة وابن حبان، وقد استنبط منه ابن عبد السلام: أن الطواف أفضل\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٤٨٠).","vol":"3","page":359},{"text":"أعمال الحج؛ لأن الصلاة أفضل من الحج فيكون ما اشتملت عليه أفضل، قال: وأما حديث \"الحج عرفة\" فلا يتعين، التقدير: معظم الحج عرفة، بل يجوز إدراك الحج بالوقوف بعرفة.\nقال الحافظ (^١): وفيه نظر، ولو سلم فما لا يتقوم الحج إلا به أفضل مما ينجبر، والوقوف والطواف سواء في ذلك فلا تفضيل، انتهى.\nوقال الحافظ (^٢) أيضًا تحت حديث الباب: قال ابن بطال في هذا الحديث: إنه يجوز للطائف فعل ما خف من الأفعال وتغيير ما يراه الطائف من المنكر، وفيه الكلام في الأمور الواجبة والمستحبة والمباحة، قال ابن المنذر: أولى ما شغل المرء به نفسه في الطواف ذكر الله تعالى وقراءة القرآن، ولا يحرم الكلام المباح، وحكى ابن التين خلافًا في كراهة الكلام المباح، وعن مالك تقييد الكراهة بالطواف الواجب، قال ابن المنذر: واختلفوا في القراءة، فكان ابن المبارك يقول: ليس شيء أفضل من قراءة القرآن، واستحبه الشافعي، وقيَّده الكوفيون بالسر، وروي عن الحسن كراهته، وعن مالك أنه محدث، وعنه: أنه لا بأس إذا أخفاه ولم يكثر منه، انتهى.\nوقال الموفق (^٣): يستحب أن يدع الحديث، إلا ذكر الله [تعالى]، أو قراءة القرآن، أو أمرًا بالمعروف، [أو نهيًا عن منكر]، أو ما لا بد منه ولم يذكر فيه خلاف أحد، وتقدم شيء منه في \"باب التكبير عند الركن\".\n\n(٦٦ -<span data-type='title' id=toc-1236> باب إذا رأى سيرًا أو شيئًا يكره في الطواف قطعه)</span>\nوالسير بمهملة مفتوحة وياء ساكنة معروف، وهو ما يقد من الجلد وهو الشراك، وأورد فيه حديث ابن عباس من وجه آخر، وهذا مختصر من الحديث الذي قبله، قال ابن بطال: وإنما قطعه لأن القود بالأزمة إنما\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٤٨٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٤٨٢، ٤٨٣).\n(^٣) \"المغني\" (٥/ ٢٢٤).","vol":"3","page":360},{"text":"يفعل بالبهائم وهو مثلة، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(٦٧ -<span data-type='title' id=toc-1237> باب لا يطوف بالبيت عريان. . .) إلخ</span>\nوفي \"مسلم\" (^٢) عن هشام عن أبيه عروة قال: كانت العرب يطوفون عراة إلا أن يعطيهم الحمس ثيابًا، فيعطي الرجال الرجال، والنساء النساء، واحتج مالك والشافعي وأحمد في رواية بهذا فقالوا باشتراط ستر العورة، وذهب أبو حنيفة وأحمد في رواية أخرى إلى أنه لو طاف عريانًا يجبر بدم، انتهى من \"العيني\" (^٣).\n\n(٦٨ -<span data-type='title' id=toc-1238> باب إذا وقف في الطواف)</span>\nأي: هل ينقطع طوافه أو لا؟ وكأنه أشار بذلك إلى ما روي عن الحسن أن من أقيمت عليه الصلاة وهو في الطواف فقطعه أن يستأنفه ولا يبني على ما مضى، وخالفه الجمهور فقالوا: يبني، وقيَّده مالك بصلاة الفريضة وهو قول الشافعي، وفي غيرها إتمام الطواف أولى فإن خرج بنى، وقال أبو حنيفة وأشهب: يقطعه ويبني، واختار الجمهور قطعه للحاجة، وقال نافع: طول القيام في الطواف بدعة، انتهى من \"الفتح\" (^٤).\nوقال القسطلاني (^٥): ومذهب الشافعية وهو الجديد أن الموالاة بين الطوفات وبين أبعاض الطوفة الواحدة سُنَّة، فلو فرق تفريقًا كثيرًا بغير عذر كره، ولم يبطل طوافه، ومذهب الحنابلة وجوب الموالاة فمن تركها عمدًا أو سهوًا لم يصح طوافه إلا أن يقطعها لصلاة حضرت أو جنازة، انتهى.\nقوله: (وقال عطاء:. . .) إلخ، هو ابن أبي رباح، (فتقام الصلاة) أي: المكتوبة في أثناء طوافه يقطع طوافه، (يرجع إلى حيث قطع عليه)،\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٤٨٢، ٤٨٣).\n(^٢) \"صحيح مسلم\" (ح: ١٢١٩).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٧/ ٢٠١، ٢٠٢).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٣/ ٤٨٤).\n(^٥) \"إرشاد الساري\" (٤/ ١٦١، ١٦٢).","vol":"3","page":361},{"text":"ولا يستأنف الطواف. وهذا مذهب الجمهور خلافًا للحسن حيث قال: يستأنف، وقيَّده مالك بصلاة الفريضة، كذا في \"القسطلاني\" (^١)، ونسبه العيني (^٢) إلى الأئمة الأربعة.\n\n(٦٩ -<span data-type='title' id=toc-1239> باب طاف النبي - ﷺ - وصلى لسبوعه ركعتين. . .) إلخ</span>\nقال القسطلاني (^٣): سبوع، بالسين المهملة والموحدة المضمومتين بغير همز في لغة قليلة. أو هو جمع سبع بضم السين وسكون الموحدة كبرد وبرود، وفي حاشية \"الصحاح\" مضبوط بفتح أوله كضرب وضروب. وعلى الكل فالمراد به سبع مرات، انتهى.\nيحتمل عندي: أن الغرض منه أن يصلِّي في كل أسبوع ركعتين ولا يجمع الأسابيع، أو المراد أن يصلِّي تطوعًا ولا تكفى الفريضة، فالأول، أي: مسألة القِران بين الأسابيع خلافية.\nقال الحافظ: القِران بين الأسابيع خلاف الأولى وهو قول أكثر الشافعية وأبي يوسف، وعن أبي حنيفة ومحمد: يكره، وأجازه الجمهور بغير كراهة، وأما الاحتمال الثاني في الغرض، أي: مسألة إجزاء الفريضة عن ركعتي الطواف فهي أيضًا خلافية، فعند الشافعي وأحمد: تجزئ عنهما الفريضة، ولا تجزئ عند أبي حنيفة ومالك، وذلك لأن ركعتى الطواف سُنَّتان مؤكدتان على الأصح عند الشافعي وأحمد، وعند الحنفية والمالكية واجبتان.\nقال الموفق (^٤): وركعتا الطواف سُنَّة مؤكدة غير واجبة، وإذا صلى المكتوبة بعد طوافه أجزأته عن ركعتي الطواف، وعن أحمد: أنه يصلي ركعتي الطواف بعد المكتوبة؛ لأنه سُنَّة، فلم تجز عنها المكتوبة؛ كركعتي الفجر، انتهى.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٤/ ١٦٢).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٧/ ٢٠٢).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (٤/ ١٦٢).\n(^٤) \"المغني\" (٥/ ٢٣٢، ٢٣٣).","vol":"3","page":362},{"text":"(٧٠ -<span data-type='title' id=toc-1240> باب من لم يقرب الكعبة. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): يعني بذلك أنه لا يجب له تكرار الطواف كلما بدا له، وإن كان حسنًا موجبًا لمزيد الأجر، انتهى.\nوما أفاده الشيخ هو مؤدى كلام الشرَّاح، وإن كان الظاهر عند هذا العبد الضعيف بالنظر إلى ظاهر ألفاظ الترجمة أن الإمام البخاري أشار بالترجمة إلى رأي الإمام مالك.\nقال الحافظ (^٢): ونقل عن مالك: أن الحاج لا يتنفل بطواف حتى يتم حجه، وعنه: الطواف بالبيت أفضل من الصلاة النافلة لمن كان من أهل البلاد البعيدة وهو المعتمد، انتهى.\n\n(٧١ -<span data-type='title' id=toc-1241> باب من صلى ركعتي الطواف خارجًا من المسجد. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٣): هذه الترجمة معقودة لبيان إجزاء صلاة ركعتي الطواف في أي موضع أراد الطائف، وإن كان ذلك خلف المقام أفضل، وهو متفق عليه إلا في الكعبة أو الحجر، ولذلك عقّبها بترجمة \"من صلى ركعتي الطواف خلف المقام\".\nوقال أيضًا (^٤) تحت حديث أم سلمة: وموضع الحاجة منه هنا قوله في آخره: \"فلم تصل حتى خرجت\" أي: من المسجد أو من مكة، فدل على جواز صلاة الطائف خارجًا من المسجد، وإنما لم يبت البخاري الحكم في هذه المسألة لاحتمال كون ذلك يختص بمن كان له عذر، لكون أم سلمة كانت شاكية، ولكون عمر إنما فعل ذلك لكونه طاف بعد الصبح وكان لا يرى التنفل بعده مطلقًا حتى تطلع الشمس، كما سيأتي واضحًا بعد باب،\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٥/ ١٩٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٤٨٦).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٣/ ٤٨٦).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٣/ ٤٨٧).","vol":"3","page":363},{"text":"واستدل به على أن من نسي ركعتي الطواف قضاهما حيث ذكرهما من حل أو حرم وهو قول الجمهور، وعن الثوري يركعهما حيث شاء ما لم يخرج من الحرم، وعن مالك إن لم يركعهما حتى تباعد ورجع إلى بلده فعليه دم، انتهى.\nثم اختلفوا في طواف أم سلمة هذا، هل هو طواف الإفاضة يوم النحر أو طواف الوداع، بسط الكلام عليه في \"الأوجز\" (^١). وفي \"جزء حجة الوداع\" (^٢): قال ابن القيم (^٣): قال ابن حزم: طافت أم سلمة ذلك اليوم - النحر - على بعيرها، وهي شاكية، لرواية مسلم، ويشكل عليه أنها سمعت قراءته - ﷺ - بالطور، كما في رواية \"الموطأ\" بلفظ: \"فطفت ورسول الله - ﷺ - حينئذ يصلي إلى جانب البيت، وهو يقرأ بالطور وكتاب مسطور\".\nقال الحافظ (^٤): قال أحمد بن حنبل: وهذا عجيب، ما يفعل النبي - ﷺ - يوم النحر بمكة، والصواب أن طوافها ذاك كان طواف الوداع، كما بسطه الشيخ ابن القيم مدللًا، وبه صرَّح الحافظ في \"الفتح\"، وبه جزم في \"البداية والنهاية\"، وهو صرح في رواية النسائي، انتهى بزيادة من \"الأوجز\".\n\n(٧٢ -<span data-type='title' id=toc-1242> باب من صلى ركعتي الطواف خلف المقام)</span>\nأثبت المصنف في الباب السابق جواز ركعتي الطواف في أي موضع شاء، وبهذا الباب أشار إلى ما هو الأفضل، كما تقدم أيضًا في كلام الحافظ، ثم حديث الباب ظاهر فيما ترجم له، وفي حديث جابر الطويل عند مسلم: \"طاف ثم تلا ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ فصلى عند المقام ركعتين\".\nقال ابن المنذر: احتملت قراءته أن تكون صلاة الركعتين خلف المقام فرضًا، لكن أجمع أهل العلم على أن الطائف تجزئه ركعتا الطواف حيث\n_________\n(^١) \"الأوجز\" (٧/ ٤١٥).\n(^٢) \"جزء حجة الوداع\" (ص ٢٣٩، ٢٤٠).\n(^٣) \"زاد المعاد\" (٢/ ٢٨٣، ٢٨٤).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٣/ ٤٨٧).","vol":"3","page":364},{"text":"شاء؛ إلا شيئًا ذكر عن مالك في أن من صلى ركعتي الطواف الواجب في الحجر يعيد، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nقال القسطلاني (^٢): والمقام هو الحجر الذي فيه أثر قدمي الخليل إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وقد صح في \"البخاري\" وغيره أن عمر قال: يا رسول الله! هذا مقام أبينا إبراهيم؟ قال: \"نعم\" الحديث، انتهى.\nوقد تقدم تبويب المصنف في \"كتاب الصلاة\" بقوله: \"باب قول الله - ﷿ -: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ \" وكذا تقدم الكلام على ما يتعلق بها.\n\n(٧٣ -<span data-type='title' id=toc-1243> باب الطواف بعد الصبح والعصر. . .) إلخ</span>\nوما يظهر من الآثار والروايات المذكورة في الباب في غرض الترجمة أن من طاف بعد صلاة الصبح والعصر هل يصلي إذ ذاك ركعتي الطواف، أو ينتظر خروج وقت الكراهة.\nقال الحافظ (^٣): ذكر فيه آثارًا مختلفة، ويظهر من صنيعه أنه يختار فيه التوسعة، وكأنه أشار إلى ما رواه أصحاب السنن من حديث جبير بن مطعم: \"أن رسول الله - ﷺ - قال: يا بني عبد مناف! من ولي منكم من أمر الناس شيئًا فلا يمنعن أحدًا طاف بالبيت وصلى أي ساعة شاء\" الحديث، وإنما لم يخرجه لأنه ليس على شرطه، انتهى.\nوها هنا مسألتان: الأولى: الطواف بعد الصبح والعصر، والثانية: تحية الطواف في ذينك الوقتين:\nأما الأولى فهي إجماعية، قال الباجي (^٤): جواز الطواف بعد صلاة الصبح والعصر لا نعلم فيه خلافًا، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٤٨٧، ٤٨٨).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٤/ ١٦٧).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٣/ ٤٨٨).\n(^٤) \"المنتقى\" (٣/ ٥٠٧).","vol":"3","page":365},{"text":"وقال ابن عبد البر (^١): وكرهه الثوري، انتهى.\nوالثانية خلافية، قال ابن المنذر (^٢): رخص في الصلاة بعد الطواف في كل وقت جمهور الصحابة ومن بعدهم، ومنهم من كره ذلك بعموم النهي عن الصلاة بعد الصبح والعصر، وهو قول عمر والثوري وطائفة، وذهب إليه مالك وأبو حنيفة، انتهى.\n\n(٧٤ -<span data-type='title' id=toc-1244> باب المريض يطوف راكبًا)</span>\nقال الحافظ (^٣): أورد فيه حديث ابن عباس وحديث أم سلمة، والثاني ظاهر فيما ترجم له لقولها فيه: \"إني أشتكي\"، وأما حديث ابن عباس فالمصنف حمل طوافه - ﷺ - راكبًا على أنه كان عن شكوى، وأشار بذلك إلى ما أخرجه أبو داود من حديث ابن عباس أيضًا بلفظ: \"قدم النبي - ﷺ - مكة وهو يشتكي فطاف على راحلته\"، ووقع في حديث جابر عند مسلم: \"أنه - ﷺ - طاف راكبًا ليراه الناس وليسألوه\"، ويحتمل أن يكون فعل ذلك للأمرين، وحينئذ لا دلالة فيه على جواز الطواف راكبًا لغير عذر، إلى آخر ما قال.\nومسألة الطواف راكبًا خلافية، ففي \"جزء حجة الوداع\" (^٤): وهل المشي واجب أو مندوب؟ قال ابن القيم: المشي أفضل، وفي مناسك القاري: واجب.\nقال الموفق: لا نعلم بين أهل العلم خلافًا في صحة طواف الراكب إذا كان له عذر، وأما الطواف راكبًا أو محمولًا بغير عذر فمفهوم كلام الخرقي أنه لا يجزيه، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، والثانية: يجزيه وهو قول مالك، وبه قال أبو حنيفة إلا أنه قال: يعيد ما دام بمكة، فإن رجع جبره بدم، والثالث: يجزيه ولا شيء عليه وهو مذهب الشافعي، ولا خلاف في أن الطواف راجلًا أفضل، انتهى.\n_________\n(^١) \"الاستذكار\" (١٢/ ١٧٧).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (٣/ ٤٨٨).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٣/ ٤٩٠).\n(^٤) \"جزء حجة الوداع\" (ص ١٠٧).","vol":"3","page":366},{"text":"قلت: وما حكى الموفق عن مذهب أبي حنيفة هو المرجح في مذهب مالك أنه يعيد ما دام بمكة، فإن رجع فعليه دم، كما قاله الدسوقي، والبسط في \"الأوجز\".\n\n(٧٥ -<span data-type='title' id=toc-1245> باب سقاية الحاج)</span>\nقال العيني (^١): السقاية بكسر السين ما يبنى للماء، وأما السقاية التي في قوله تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ﴾ [التوبة: ١٩] فهو مصدر، والتي في قوله تعالى: ﴿جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾ الآية [يوسف: ٧٠] مشربة الملك، وقال الجوهري: هي الصواع الذي كان الملك يشرب فيه، وقال ابن الأثير: سقاية الحاج ما كانت قريش تسقيه الحاج من الزبيب المنبوذ في الماء وكان يليها عباس بن عبد المطلب في الجاهلية والإسلام، وعن عطاء: سقاية الحاج زمزم، وقال الأزرقي: كان عبد مناف يتحمل الماء في الرَّوايا والقِرَب إلى مكة ويسكبه في حياض من أدم بفناء الكعبة للحاج، ثم فعله ابنه هاشم، ثم عبد المطلب، فلما حفر زمزم كان يشتري الزبيب فينبذه في ماء زمزم، ويسقي الناس، ثم ولي السقاية ولده العباس، فلم يزل بيده حتى قام الإسلام، وأقرها رسول الله - ﷺ - معه فهي اليوم إلى بني العباس، انتهى.\nقلت: في غرض الترجمة عندي وجهان: إما الإشارة إلى بيان مشروعيته في الإسلام، وإن كان من أمر الجاهلية، وإما الإشارة إلى الاختلاف الذي حكاه العيني (^٢) إذ قال: قال طاوس: الشرب من سقاية العباس من تمام الحج، وروى ابن أبي شيبة عن السائب بن عبد الله أنه أمر مجاهد مولاه بأن يشرب من سقاية العباس ويقول: إنه من تمام السُّنَّة، وممن شرب منها سعيد بن جبير وأمر به سويد بن غفلة، وعن ابن عمر: أنه لم يكن يشرب من النبيذ في الحج، وكذا روى خالد بن أبي بكر أنه حج مع سالم ما لا يحصى، فلم يره يشرب من نبيذ السقاية، انتهى.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٧/ ٢١٢، ٢١٣).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٧/ ٢١٥، ٢١٦).","vol":"3","page":367},{"text":"(٧٦ -<span data-type='title' id=toc-1246> باب ما جاء في زمزم. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^١): كأنه لم يثبت عنده في فضلها حديث على شرطه صريحًا، وقد وقع في \"مسلم\" من حديث أبي ذر \"أنها طعام طعم\" زاد الطيالسي \"وشفاء سقم\"، وفي \"المستدرك\" من حديث ابن عباس مرفوعًا: \"ماء زمزم لما شرب له\" رجاله موثقون، إلا أنه اختلف في إرساله ووصله، وإرساله أصح، وله شاهد من حديث جابر، وهو أشهر منه، أخرجه الشافعي وابن ماجه ورجاله ثقات إلا عبد الله بن المؤمل المكي، إلى أن قال الحافظ: وقد جمعت في ذلك جزءًا، والله أعلم.\nوسميت زمزم لكثرتها، يقال: ماء زمزم، أي: كثير، وعن مجاهد: لأنها مشتقة من الهزمة وهي الغمز بالعقب في الأرض، وغير ذلك من الأقوال نقلها الحافظ، انتهى.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): قوله: \"فشرب وهو قائم\" فيه الترجمة حيث يضر الماء لو شرب قائمًا، ولم يضر زمزم، إذ لا ضرر فيه فساغ شربه قيامًا، انتهى مختصرًا.\nوفي هامشه: ظاهر كلام الشيخ أنه حمل الترجمة على شرب ماء زمزم قائمًا ويشعر إليه ثاني حديثي الباب، وقال الحافظ (^٣): قال ابن بطال وغيره: أراد البخاري أن شرب ماء زمزم من سنن الحج، وفي \"المصنف\" عن طاوس قال: \"شرب نبيذ السقاية من تمام الحج\"، انتهى.\nوالظاهر عندي: أن غرض الإمام البخاري فضل ماء زمزم، وأثبته أيضًا بالشرب قائمًا، وما قاله الحافظ وتبعه فيه غيره أن الإمام البخاري لم يثبت عنده في فضل زمزم حديث. . . إلخ. عجيب، وأي حديث يكون أصرح من حديث الباب في فضله، فإنه استدل به على كونه أفضل من ماء\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٤٩٣).\n(^٢) \"اللامع\" (٥/ ١٩٤، ٢٠٠).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٣/ ٤٩٣).","vol":"3","page":368},{"text":"الكوثر، ففي مقدمة \"الهداية\": وقد وردت لماء زمزم فضائل في أحاديث كثيرة، وأجمع العلماء على أن ماءها أفضل مياه الدنيا إلا ما نبع من أصابعه - ﷺ -، وهل ماء زمزم أفضل من ماء الكوثر أيضًا، اختلفوا فيه، فمنهم من قال: لا، وذهب أهل التحقيق إلى كونه أفضل منه أخذًا مما روي في قصة المعراج من غسل الملائكة صدر رسول الله - ﷺ - بمائه، فلو كان ماء الكوثر أفضل منه لجيء به كما لا يخفى، انتهى.\nوبه جزم الزرقاني في \"شرح المواهب\" وقال: وإليه يومئ قول العارف ابن أبي جمرة، وتوقف السيوطي فيه. . .، إلى آخر ما بسط في هامش \"اللامع\" (^١)، ويأتي في \"كتاب الأشربة\" \"باب الشرب قائمًا\"، ويأتي الكلام على المسألة هناك، إن شاء الله تعالى.\n\n(٧٧ -<span data-type='title' id=toc-1247> باب طواف القارن)</span>\nقال الحافظ (^٢): أي: هل يكتفي بطواف واحد أو لا بد من طوافين، انتهى.\nقلت: الأول مذهب الأئمة الثلاثة، والثاني مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة والكوفيين فإنهم قالوا: لا بد للقارن من طوافين وسعيين.\nقال السندي (^٣): قوله: \"فإنما طافوا طوافًا واحدًا\" ظاهره أنهم إنما اقتصروا من الطوافين اللذين طافهما السابقون على أحدهما إما الأول وإما الثاني، وليس الأمر كذلك، بل هم أيضًا طافوا الطوافين الأول والثاني جميعًا، وذلك مما لا خلاف فيه، وقد جاء صريحًا عن ابن عمر، ففي \"صحيح مسلم\" عنه: وبدأ رسول الله - ﷺ - فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج، إلى أن قال: وطاف رسول الله - ﷺ - حين قدم مكة، إلى أن قال: ونحر هديه يوم النحر، وأفاض وطاف بالبيت وفعل مثل ما فعل رسول الله - ﷺ - حين قدم\n_________\n(^١) \"اللامع\" (٥/ ١٩٤، ١٩٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٤٩٤).\n(^٣) \"حاشية السندي على صحيح البخاري\" (١/ ٢٨٤).","vol":"3","page":369},{"text":"مكة إلى أن قال: ونحر هديه يوم النحر، وأفاض وطاف بالبيت وفعل مثل ما فعل رسول الله - ﷺ - من أهدى وساق الهدي من الناس، ثم ذكر عن عائشة أنها أخبرت بمثل ذلك، وسيجيء هذا الحديث في الكتاب أيضًا في \"باب سوق البدن\"، فالمراد كما سبق أنهم طافوا للركن طوافًا واحدًا، والسابقون طافوا للركن طوافين، والله تعالى أعلم.\nوبسط العلامة السندي أيضًا الكلام على حديث ابن عمر حديثي الباب أشد البسط فللَّه دره، وبسط الكلام على قوله: \"طافوا طوافًا واحدًا\" في \"الأوجز\" (^١)، من التأويلات العديدة، والأوجه عندي في التأويل أنه - ﷺ - طاف للتحلل من الإحرامين الحج والعمرة طوافًا واحدًا، بخلاف ما قيل: إنه يطوف للتحلل منهما طوافين وسعيين.\n\n(٧٨ -<span data-type='title' id=toc-1248> باب الطواف على وضوء)</span>\nأورد فيه حديث عائشة \"أن أول شيء. . .\" إلخ، وليس فيه دلالة على الاشتراط إلا إذا انضم إليه قوله - ﷺ -: \"خذوا عني مناسككم\"، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\nوالمسألة خلافية، قال الموفق (^٣): الطهارة من الحدث والنجاسة شرط لصحة الطواف في المشهور عن أحمد، وهو قول مالك والشافعي، وعن أحمد: أن الطهارة ليست شرطًا، وبه قال أبو حنيفة واختلف أصحابه فقال بعضهم: هو واجب، وقال بعضهم: هو سُنَّة، انتهى.\nوعد صاحب \"اللباب\" في واجبات الطواف: الطهارة عن الحدث مطلقًا، كذا في \"جزء حجة الوداع\" (^٤).\nقوله: (وفلان وفلان. . .) إلخ، تقدم هذا الحديث أيضًا في \"باب\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (٨/ ٤٢١، ٤٢٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٤٩٧).\n(^٣) \"المغني\" (٥/ ٢٢٢، ٢٢٣).\n(^٤) \"جزء حجة الوداع\" (ص ١٠١).","vol":"3","page":370},{"text":"من طاف بالبيت إذا قدم مكة. . .\" إلخ، وسكت عن تعيينهما الحافظان ابن حجر والعيني، وقال الحافظ (^١): لم أقف على تعيينهم، لكن قال القسطلاني (^٢): هما عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف، انتهى، فتأمل.\n\n(٧٩ -<span data-type='title' id=toc-1249> باب وجوب الصفا والمروة)</span>\nيحتمل عندي: أنه أشار بذلك إلى مشروعيته لتوهم عدم الجواز؛ لأنه كان من أمر الجاهلية، كما سيجيء في الباب الآتي: \"قلت لأنس: أكنتم تكرهون السعي\".\nوقال الحافظ (^٣): أي: وجوب السعى بينهما مستفاد من كونهما جعلا من شعائر الله، قاله ابن المنيِّر، انتهى.\nفعلى هذا يكون الغرض بيان الوجوب، واختلف أهل العلم في هذا، فالجمهور على أنه ركن لا يتم الحج إلا به، وعن أبي حنيفة: واجب يجبر بالدم، وبه قال الثوري في الناسي لا في العامد، وبه قال عطاء، وعنه: أنه سُنَّة لا يجب بتركه شيء، واختلف عن أحمد كهذه الأقوال الثلاثة، انتهى من \"الفتح\" (^٤).\nوالأصح عند الإمام أحمد مثل الشافعي ومالك أنه ركن، كما في \"الأوجز\" (^٥).\n\n(٨٠ -<span data-type='title' id=toc-1250> باب ما جاء في السعي بين الصفا والمروة. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٦): أي: في كيفيته، وموضع الترجمة من الحديث قوله: \"وكان يسعى بطن المسيل\".\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٦١٨).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٤/ ١٨٤).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٣/ ٤٩٨).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٣/ ٤٩٨، ٤٩٩).\n(^٥) \"الأوجز\" (٧/ ٤٣٧).\n(^٦) \"فتح الباري\" (٣/ ٥٠٢، ٥٠٣).","vol":"3","page":371},{"text":"(٨١ -<span data-type='title' id=toc-1251> باب تقضي الحائض المناسك كلها. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^١): جزم بالحكم الأول لتصريح الأخبار التي ذكرها في الباب بذلك، وأورد المسألة الثانية مورد الاستفهام للاحتمال، وكأنه أشار إلى ما روي عن مالك في حديث الباب بزيادة \"ولا بين الصفا والمروة\".\nقال ابن عبد البر: لم يقله أحد عن مالك إلا يحيى بن يحيى التميمي النيسابوري.\nقلت: فإن كان يحيى حفظه فلا يدل على اشتراط الوضوء للسعي لأن السعي يتوقف على تقدم طواف قبله، فإذا كان الطواف ممتنعًا امتنع لذلك لا لاشتراط الطهارة له، ولم يذكر ابن المنذر عن أحد من السلف اشتراط الطهارة للسعي إلا عن الحسن البصري، وحكي في رواية من الحنابلة أيضًا، وقال ابن بطال: كأن البخاري فهم أن قوله ﵊ لعائشة: \"افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت\" أن لها أن تسعى، ولهذا قال: وإذا سعى على غير وضوء، قال الحافظ: وهو توجيه جيد لا يخالف التوجيه الذي قدمته وهو قول الجمهور.\n\n(٨٢ -<span data-type='title' id=toc-1252> باب الإهلال)</span>\nقال القسطلاني (^٢): أي: الإحرام بالحج (من البطحاء) أي: وادي مكة (وغيرها) أي: من غير بطحاء مكة من سائر أجزائها (للمكي) المقيم بها (وللحاج) الآفاقي الذي دخل مكة متمتعًا.\nوالحاصل أن مهلّ المكي والمتمتع نفس مكة وهو الصحيح من مذهب الشافعية، وله أن يحرم من جميع بقاع مكة لا سائر الحرم لقوله ﵊: \"حتى أهل مكة من مكة\"، وقيس بأهلها غيرهم ممن هو بها، فإن فارق بنيانها وأحرم خارجها ولم يعد إليها قبل الوقوف أساء ولزمه دم\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٥٠٤، ٥٠٥).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٤/ ١٩٨، ١٩٩).","vol":"3","page":372},{"text":"لمجاوزته سائر المواقيت، فإن عاد إليها قبل الوقوف سقط الدم، والأفضل أن يحرم من باب داره، وسواء أراد المقيم بمكة الإحرام بالحج مفردًا أم أراد القِران فميقاته ما ذكر. وقال الحنفية: من دويرة أهله أو حيث شاء من الحرم، إلا أن إحرامه من المسجد. أفضل لفضيلة المسجد، وقال المالكية: ومكان الإحرام للحج للمقيم بمكة مكة، وسواء كان من أهلها أو مقيمًا بها وقت الإحرام، والمستحب له أن يحرم من المسجد لفعل السلف. وقال المرداوي من الحنابلة: والأفضل من المسجد نصًا، وإن أحرم من خارج الحرم جاز ولا دم عليه نصًا، انتهى.\nوقال الحافظ (^١) ما ملخصه: كأنه أشار إلى الخلاف في ميقات المكي، قال النووي: الصحيح أنه مكة نفسها، وقيل: مكة وسائر الحرم، وبه قالت الحنفية، واتفق الفريقان على أن الأفضل من باب المنزل، وفي قول للشافعي المسجد، وعند مالك وأحمد: يهلّ من جوف مكة، انتهى.\nوفي \"الأوجز\" (^٢) عن مالك وأحمد: لو أحرم من الحل لا دم عليه، انتهى.\n\n(٨٣ -<span data-type='title' id=toc-1253> باب أين يصلي الظهر في يوم التروية</span>؟)\nلعل غرض المصنف بذلك التنبيه على مسلك الجمهور من استحبابها بمنى، وبه قال الأئمة الأربعة، وقول ضعيف للشافعي: أن يصلي بمكة، كما في \"الأوجز\" (^٣)، أو لأن الأمراء إذ ذاك كانوا لا يواظبون على صلاة الظهر ذلك اليوم بمنى فأشار أنس بقوله: \"انظر حيث يصلي أمراؤك. . .\" إلخ، إلى أنه يجوز في غير منى وإن كان الاتباع أفضل، كما في \"الفتح\" (^٤). فأراد المصنف التنبيه على الجواز بغير منى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٥٠٦).\n(^٢) \"الأوجز\" (٦/ ٥٦١).\n(^٣) \"الأوجز\" (٨/ ١٩٦، ١٩٧).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٣/ ٥٠٨).","vol":"3","page":373},{"text":"وقال الحافظ (^١) أيضًا: قال ابن المنذر في حديث ابن الزبير: إن من السُّنَّة أن يصلي الإمام الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح بمنى، قال به علماء الأمصار، قال: ولا أحفظ عن أحد من أهل العلم أنه أوجب على من تخلّف عن منى ليلة التاسع شيئًا، ثم روي عن عائشة أنها لم تخرج من مكة يوم التروية حتى دخل الليل وذهب ثلثه، انتهى.\n\n(٨٤ -<span data-type='title' id=toc-1254> باب الصلاة بمنى)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): أشار بذلك إلى أنه لا يتم المسافر إذا لم يعزم الإقامة خمس عشرة يومًا، إلى آخر ما فيه.\nوفي هامشه، اعلم أن الإمام البخاري ترجم بهذه الترجمة في موضعين: الأول في كتاب الصلاة في أبواب التقصير، والثاني ها هنا، وذلك عندي للإِشارة إلى اختلاف العلماء في أن القصر بمنى هل كان للسفر كما قال به الجمهور، أو كان للنسك كما قال به بعض السلف؟ وحكي ذلك عن الإمام مالك أيضًا.\nقال الحافظ: واختلف السلف في المقيم بمنى هل يقصر أو يتم؟ بناء على أن القصر بها للسفر أو للنسك، واختار الثاني مالك، انتهى.\nوقال العيني: قال ابن بطال: اتفق العلماء على أن الحاج القادم مكة يقصر الصلاة بها وبمنى وفي سائر المشاهد؛ لأنه عندهم في سفر، واختلف العلماء في صلاة المكي بمنى فقال مالك: يتم بمكة ويقصر بمنى، وكذلك أهل منى يتمون بمنى ويقصرون بمكة وعرفات، وبه قال الأوزاعي وإسحاق وقالوا: إن القصر سُنَّة الموضع، وإنما يتم بمنى وعرفات من كان مقيمًا فيها، وقال أكثر أهل العلم منهم الأئمة الثلاثة: لا يقصر أهل مكة بمنى وعرفات لانتفاء مسافة القصر، انتهى مختصرًا.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٥٠٩).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٥/ ٢١٨).","vol":"3","page":374},{"text":"قلت: وما حكوا من أن القصر عند مالك للنسك لا يصح عندي، كما بسط في \"الأوجز\" بل القصر عنده أيضًا للسفر كما صرَّح به في \"الموطأ\" إلا أنه - ﵁ - عدَّ الذهاب من مكة إلى منى ومنها إلى عرفة ومنها راجعًا إلى المزدلفة ثم إلى منى ثم إلى مكة سفرًا واحدًا، ولذلك لا يقصر أهل مكة بمكه وأهل منى بمنى عنده، ولو كان القصر للنسك ليقصرون هؤلاء أيضًا، انتهى من هامش \"اللامع\".\nقوله: (فيا ليت حظي من أربع ركعتان متقبلتان) يحتمل معنيين كما يظهر من الحواشي، أما الإنكار على فعله، يعني: ليته صلى ركعتين بدل الأربع، أو خشي عدم قبول الكل لمخالفة فعله ﵊، فتمنى قبول الثنتين منها.\n\n(٨٥ -<span data-type='title' id=toc-1255> باب صوم يوم عرفة)</span>\nيعني بعرفة، وأورد فيه حديث أم الفضل، وترجم له في \"كتاب الصوم\" بنظير هذه الترجمة سواء، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nواختلفت الأئمة فيه كما بسط في \"الأوجز\" (^٢)، قال ابن الهمام: صوم عرفة لغير الحاج مستحب، وللحاج إن كان يضعفه عن الوقوف والدعوات فالمستحب تركه، وقيل: يكره، وهي كراهة تنزيه، انتهى. وقال ابن حجر: صومه للحاج خلاف الأولى، انتهى، أي: وإن لم يضعف كما قال النووي (^٣)، وهو الأصح عند الشافعية، ومكروه عند المالكية، كما قال الدردير (^٤). وقال الموفق (^٥): تركه أفضل، لحديث أم الفضل، ويجب الفطر عند يحيى بن سعيد الأنصاري.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٥١٠).\n(^٢) \"الأوجز\" (٧/ ٤٦٥).\n(^٣) \"شرح النووي على صحيح مسلم\" (٤/ ٤٦٩).\n(^٤) \"حاشية الدسوقي على الشرح الكبير\" (١/ ٥١٥).\n(^٥) \"المغني\" (٤/ ٤٤٥).","vol":"3","page":375},{"text":"(٨٦ -<span data-type='title' id=toc-1256> باب التلبية والتكبير إذا غدا من منى إلى عرفة)</span>\nقال الحافظ (^١): أي: مشروعيتهما.\nوغرضه بهذه الترجمة الرد على من قال: يقطع المحرم التلبية إذا راح إلى عرفة، انتهى.\nوهو مذهب مالك، والمسألة خلافية شهيرة بسطت في \"الأوجز\" (^٢) وهي: متى يقطع المحرم بالحج التلبية؟ وحديث البخاري \"أن الفضل وأسامة كليهما قالا: لم يزل - ﷺ - يلبي حتى رمى جمرة العقبة\" حجة للجمهور، منهم أبو حنيفة والشافعي وأحمد أنه يلبي إلى رمي جمرة العقبة، مع اختلافهم في أنه يقطع مع رمي أول حصاة أو عند تمام الرمي، فذهب إلى الأول الجمهور، وإلى الثاني أحمد وبعض الشافعية، وقالت طائفة: يقطع إذا دخل الحرم، وهو مذهب ابن عمر، لكن يعاود التلبية إذا خرج من مكة إلى عرفة، وقالت طائفة: يقطعها إذا راح إلى الموقف، وبه قال مالك وقيده بزوال الشمس يوم عرفة، انتهى.\nولا يبعد عندي: أن المصنف أشار بزيادة التكبير في الترجمة إلى أن التلبية ليست بفرض إذ ذاك كما يوهمه ما نقل عن ابن عباس، فقد قال الحافظ (^٣): روى ابن المنذر بإسناد صحيح عن ابن عباس أنه كان يقول: التلبية شعار الحج، فإن كنت حاجًا فلبِّ حتى بدْء حلِّك، وبدْء حلِّك أن ترمي جمرة العقبة، انتهى، والله أعلم.\nثم الترجمة بظاهرها مكررة لأنها سيأتي بعد عدة أبواب، وسيأتي التوجيه هناك إن شاء الله تعالى.\n\n(٨٧ -<span data-type='title' id=toc-1257> باب التهجير بالرواح يوم عرفة)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٤): أي: عدم التأخير فيه بعد الزوال، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٥١٠).\n(^٢) \"الأوجز\" (٦/ ٥٤١، ٥٤٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٣/ ٥٣٣).\n(^٤) \"اللامع\" (٥/ ٢٢٠، ٢٢١).","vol":"3","page":376},{"text":"والشرَّاح سكتوا قاطبة عن غرض الإمام البخاري للترجمة، والأوجه عند هذا العبد المبتلى بالسيئات المعترف بالتقصيرات أن الإمام البخاري أشار بذلك إلى مسألة مهمة شهيرة خلافية، وهي وقت الوقوف بعرفة، وأشار بالترجمة إلى مذهب الجمهور، وهو أن مبدأه من وقت الزوال، خلافًا للإمام أحمد كما سيأتي، واختلفوا في آخر وقته كما بسط في \"الأوجز\" (^١)، وفيه: قد عرفت من ذلك البحث أنهم اختلفوا في فرض الوقت للوقوف على ثلاثة أقوال: الأول: قول الإمام أحمد: إنه من الفجر إلى الفجر كما في \"المغني\" وغيره، والثاني: قول الإمام مالك: إنه ليلة النحر من الغروب إلى الفجر ولو ساعة كما قال الدردير. وأما الوقوف نهارًا فواجب ينجبر بالدم ويدخل وقته بالزوال، والثالث: قول الإمامين أبي حنيفة والشافعي: إنه من زوال عرفة إلى فجر النحر، وقد حكى بعضهم الإجماع على ذلك.\nوأما وقت الوجوب فإنهم اختلفوا فيه على قولين:\nالأول: الجمع بين الليل والنهار، في أي وقت منهما يحصل، وهو قول الإمام مالك، كما صرَّح به الدردير وغيره، وهو مختار صاحب \"الروض المربع\" وبه جزم النووي في \"مناسكه\".\nوالثاني: قول الحنفية وعامة الحنابلة: إن الواجب امتداد الوقوف إلى بعد الغروب كما جزم به القاري والمغني وغيرهما إذا وقف بالنهار، وإن لم يتفق له الوقوف بالنهار فلا امتداد في الليل، انتهى ملخصًا.\nفالظاهر عندي: أن الإمام البخاري أشار بهذه الترجمة إلى وقت الوقوف، وهذا الاختلاف يناسب ما سيأتي من \"باب الوقوف بعرفة\"، إلا أن الترجمة ها هنا بلفظ التهجير يناسبه، فتدبر.\nقوله: (وعليه ملحفة معصفرة) لعله كان مباحًا عنده كما هو مذهب\n_________\n(^١) \"الأوجز\" (٨/ ٨، ٩، ١٠).","vol":"3","page":377},{"text":"الشافعي وأحمد، ويكره عندنا الحنفية للطيب، وعند مالك لأجل اللون.\n\n(٨٨ -<span data-type='title' id=toc-1258> باب الوقوف على الدابة بعرفة)</span>\nقال الحافظ (^١): واستدل بحديث الباب على أن الوقوف على ظهر الدواب مباح، وأن النهي الوارد في ذلك محمول على ما إذا أجحف بالدابة، انتهى.\nفلعل المصنف أشار به إلى الجواز، وقيل: هذا الموضع مستثنى من النهي، كما في \"الأوجز\" نقلًا عن \"منسك ابن العجمي\" يكره الوقوف على ظهر الدابة إلا في حال الوقوف بعرفة، بل هو الأفضل للإمام وغيره، انتهى.\nوفي \"الأوجز\" (^٢): اختلف أهل العلم في أيهما أفضل الركوب أو تركه بعرفة؟ فذهب الجمهور إلى أن الأفضل الركوب لكونه - ﷺ - وقف راكبًا، وذهب الآخرون إلى أن استحباب الركوب يختص بمن يحتاج الناس إلى التعليم منه، وعن الشافعي قول: إنهما سواء، كذا في \"الفتح\"، وقال النووي في \"شرح مسلم\": في مذهبنا ثلاثة أقوال، أصحها: أن الركوب أفضل، والثاني: تركه أفضل، والثالث: هما سواء، وقال الموفق: الأفضل أن يقف راكبًا كما فعله - ﷺ -، وقيل: الراجل أفضل؛ لأنه أخف على الراحلة، ويحتمل التسوية، وهكذا في \"الشرح الكبير\"، وفي \"شرح اللباب\": يقف راكبًا وهو الأفضل والأكمل، انتهى.\n\n(٨٩ -<span data-type='title' id=toc-1259> باب الجمع بين الصلاتين بعرفة. . .) إلخ</span>\nقال الشيخ في \"البذل\" (^٣): اختلف في هذا الجمع هل هو للسفر أو للنسك؟.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٥١٣).\n(^٢) \"الأوجز\" (٧/ ٤٧٢، ٤٧٣).\n(^٣) \"بذل المجهود\" (٧/ ٣٧١).","vol":"3","page":378},{"text":"قال الحافظ: وقد ذهب الجمهور إلى أن ذلك الجمع المذكور يختص بمن يكون مسافرًا بشرطه، وعن مالك وهو وجه للشافعية أنه للنسك، فيجوز الكل، انتهى.\nوقلت: وكذا عند الحنفية، كما قال القاري في \"شرح المناسك\" خلافًا للشافعي في تخصيصه بالمسافر، انتهى ملخصًا من \"البذل\".\nقلت: وكذا عند الحنابلة، قال الموفق (^١): ويجوز الجمع لكل من بعرفة، من مكي وغيره، انتهى، وعند بعض الحنابلة: لا يجمع بينهما إلا مسافر، ورد عليه الموفق بقوله: لأن النبي - ﷺ - جمع، فجمع معه من حضره من المكيين وغيرهم، ولم يأمرهم بترك الجمع، كما أمرهم بترك القصر حين قال: \"أتموا، فإنا سفر\"، انتهى.\nفالحاصل من فروعهم أن الجمع للنسك عند الأئمة الثلاثة خلافًا للشافعي فقط، والعجب من الحافظ حيث عزا مذهبه إلى الجمهور وهذا من دأبه المعروف.\nثم اختلفوا أيضًا، فقال أبو حنيفة: يختص الجمع بمن صلى مع الإمام حتى لو صلى الظهر وحده أو بجماعة بدون الإمام لا يجوز، وخالفه صاحباه فقالا: المنفرد أيضًا كالأئمة الثلاثة، كذا في \"القسطلاني\" (^٢)، وقال ابن عابدين (^٣): عند الإمام للجمع ست شرائط، وقالا: لا يشترط إلا الإحرام، وبه قالت الأئمة الثلاثة، انتهى.\n\n(٩٠ -<span data-type='title' id=toc-1260> باب قصر الخطبة بعرفة)</span>\nقال الحافظ (^٤): قيَّد المصنف قصر الخطبة بعرفة اتباعًا للفظ الحديث، وقد أخرج مسلم الأمر باقتصار الخطبة في أثناء حديث لعمار أخرجه في \"الجمعة\"، انتهى.\n_________\n(^١) \"المغني\" (٥/ ٢٦٤، ٢٦٥).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٤/ ٢٠٨).\n(^٣) \"رد المحتار\" (٣/ ٥٢٠، ٥٢١).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٣/ ٥١٤).","vol":"3","page":379},{"text":"قال الموفق (^١): والسُّنَّة أن يقصر الخطبة، ثم يروح إلى الموقف، ثم ذكر حديث ابن عمر، وفيه: ثم خطب الناس، ثم راح فوقف على الموقف، قال ابن عبد البر: هذا كله لا خلاف فيه بين علماء المسلمين، انتهى.\nواختلفوا ها هنا كما في \"جزء حجة الوداع\" (^٢) في أن هذه الخطبة خطبتان عند الجمهور، منهم الحنفية، والشافعية، والمالكية، ولم أجد النص بذلك في فروع الحنابلة غير ما تقدم عن ابن القيم من قوله: وخطب خطبة واحدة ولم تكن خطبتين جلس بينهما، ويؤيده ما قال الموفق: ويخطب الإمام خطبة، انتهى.\n\n<span data-type='title' id=toc-1261>(باب التعجيل إلى الموقف)</span>\nلم يذكر الأكثرون في هذه الترجمة حديثًا بل الترجمة سقطت من بعض الروايات، لكن قال أبو ذر: إنه رأى في بعض النسخ عقب هذه الترجمة: قال أبو عبد الله - أي: المؤلف -: حديث مالك - أي: المذكور قبل - يذكر هنا ولكني لا أريد أن أدخل في هذا الجامع مُعَادًا، فإن وقع ما يوهم التكرار فتأمله تجده لا يخلو من فوائد إسنادية أو متنية، وما وقع له مما سوى ذلك فبغير قصد وهو نادر الوقوع، انتهى من \"القسطلاني\" (^٣).\nلكن يشكل عليه ما في \"البخاري\" من الروايات المكررة متنًا وسندًا كما تقدم البحث في ذلك في \"مقدمة اللامع\" (^٤)، انتهى.\n\n(٩١ -<span data-type='title' id=toc-1262> باب الوقوف بعرفة)</span>\nأي: دون غيرها فيما دونها أو فوقها، كذا في \"الفتح\" (^٥).\n_________\n(^١) \"المغني\" (٥/ ٢٦٤).\n(^٢) \"جزء حجة الوداع\" (ص ١٣٢، ١٣٣).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (٤/ ٢١٠).\n(^٤) \"اللامع\" (١/ ١٠٥).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٣/ ٥١٥).","vol":"3","page":380},{"text":"(٩٢ -<span data-type='title' id=toc-1263> باب السير إذا دفع من عرفة)</span>\nأي: صفته، قال العلامة العيني (^١): مطابقة الحديث للترجمة في قوله: \"كان يسير العنق\" فإنه صفة سيره إذا دفع من عرفة، انتهى.\nثم بسط في تفسير العنق، وفي آخره: ومن أنواع سير الإبل والدواب العنق، وهو سير سهل مسبطر، تمد فيه الدابة عنقها للاستعانة، وهو دون الإسراع، انتهى.\nوقال الحافظ (^٢): قال ابن خزيمة: في هذا الحديث دليل على أن الحديث الذي رواه ابن عباس عن أسامة أنه قال: \"فما رأيت ناقته رافعة يدها حتى أتى جمعًا\" أنه محمول على حال الزحام دون غيره، قال الحافظ: أخرجه أبو داود، وسيأتي للمصنف بعد باب، وقال ابن عبد البر: في هذا الحديث كيفية السير في الدفع من عرفة إلى مزدلفة لأجل الاستعجال للصلاة؛ لأن المغرب لا تصلى إلا مع العشاء بالمزدلفة، فيجمع بين المصلحتين من الوقار والسكينة عند الزحمة، ومن الإسراع عند عدم الزحام، انتهى.\n\n(٩٣ -<span data-type='title' id=toc-1264> باب النزول بين عرفة وجمع)</span>\nأي: لقضاء الحاجة ونحوها، وليس من المناسك، قاله الحافظ (^٣).\n\n(٩٤ -<span data-type='title' id=toc-1265> باب أمر النبي - ﷺ - بالسكينة. . .) إلخ</span>\nأورد فيه حديث ابن عباس، وتقدم الجمع بينه وبين حديث أسامة قبل باب في كلام الحافظ عن ابن خزيمة، فكن منه على ذكر، ويمكن عندي في غرض الترجمة أن يقال: إن الملحوظ في الترجمة قوله: وإشارته إليهم بالسوط، فكأن الإمام البخاري أشار بذلك إلى بيان جواز الإشارة بالسوط، وأما الأمر بالسكينة فكالتوطئة له، والله أعلم.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٧/ ٢٦١، ٢٦٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٥١٨، ٥١٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٣/ ٥١٩).","vol":"3","page":381},{"text":"(٩٥ -<span data-type='title' id=toc-1266> باب الجمع بين الصلاتين بالمزدلفة)</span>\nالمسألة إجماعية، قال الحافظ (^١): واستدل بالحديث على جمع التأخير وهو إجماع بمزدلفة، لكنه عند الشافعية وطائفة بسبب السفر، وعند الحنفية والمالكية بسبب النسك، انتهى.\nوفي \"جزء حجة الوداع\" (^٢): وهذا الجمع نسك عند الحنفية والحنابلة والمالكية، كما بسط في \"الأوجز\" وأجمل في \"البذل\" خلافًا للشافعية إذ قالوا: الجمع للسفر، قال النووي في \"شرح مسلم\": الصحيح عند أصحابنا أنه جمع للسفر، فلا يجوز إلا لمسافر سفرًا يبلغ به مسافة القصر، انتهى.\nقلت: وبه قال بعض الحنابلة، كما في \"الأوجز\" (^٣)، وفي قول للشافعي لمطلق السفر.\nقوله: (الصلاة أمامك) قال الباجي: قال مالك: لا يصلي حتى يأتي مزدلفة، واستدل على ذلك بهذا، وقال ابن حبيب: من صلى قبل المزدلفة بلا عذر يعيد، وبه قال أبو حنيفة (^٤).\nقال الحافظ (^٥): وكان جابر يقول: \"لا صلاة إلا بجمع\" أخرجه ابن المنذر بإسناد صحيح، ونقل عن الكوفيين وعند ابن القاسم صاحب مالك وجوب الإعادة، وعن أحمد: إن صلى أجزأه، وهو قول أبي يوسف والجمهور، انتهى من \"جزء حجة الوداع\" (^٦).\n\n(٩٦ -<span data-type='title' id=toc-1267> باب من جمع بينهما ولم يتطوع)</span>\nقال الحافظ (^٧): أي: لم يتنفل بينهما، ثم قال بعد ذكر الحديث: ويستفاد منه أنه ترك التنفل عقب المغرب وعقب العشاء، ولما لم يكن بين\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٥٢٢).\n(^٢) \"جزء حجة الوداع\" (ص ١٥١).\n(^٣) \"الأوجز\" (٨/ ٢٠٨).\n(^٤) انظر: \"جزء حجة الوداع\" (ص ١٤٨).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٣/ ٥٢٠).\n(^٦) \"جزء حجة الوداع\" (ص ١٤٣).\n(^٧) \"فتح الباري\" (٣/ ٥٢٣، ٥٢٤).","vol":"3","page":382},{"text":"المغرب والعشاء مهلة صرَّح - المؤلف في الترجمة - بأنه لم يتنفل بينهما، بخلاف العشاء فإنه يحتمل أن يكون المراد أنه لم يتنفل عقبها لكنه تنفل بعد ذلك في أثناء الليل، ومن ثم قال الفقهاء: تؤخر سُنَّة العشائين عنهما. ونقل ابن المنذر الإجماع على ترك التطوع بين الصلاتين بالمزدلفة؛ لأنهم اتفقوا على أن السُّنَّة الجمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة، ومن تنفّل بينهما لم يصح أنه جمع بينهما، انتهى.\nوبسط الكلام على المسألة في \"الأوجز\" (^١)، وحاصله: أن التطوع بين الصلاتين يبطل الجمع في التقديم - أي: بعرفة - عند الشافعي وهو المرجح عند أحمد، ولا يبطل عندنا ومالك، لكن لا يندب، وأما في جمع التأخير فلا يبطل في المرجح عند الشافعي وأحمد، وقول لهما: يبطل، وأما عندنا ومالك فلا، ولكن لا يندب ها هنا أيضًا، وأما بعد الصلاتين فيصلي الرواتب عند الثلاثة خلافًا لمالك.\n\n(٩٧ -<span data-type='title' id=toc-1268> باب من أَذَّن وأَقام لكل واحدة منهما)</span>\nقال الحافظ (^٢): أي: من المغرب والعشاء بالمزدلفة، انتهى.\nوبه، أي: بأذانين وإقامتين قال مالك. وإليه ميل الإمام البخاري كما قال الحافظ، وللعلماء في ذلك ستة مذاهب كما في \"جزء حجة الوداع\" (^٣):\nالأول: بإقامتين بلا أذان، وبه قال إسحاق، وأحمد في رواية، وهو قول الشافعي.\nالثاني: بإقامة واحدة للأولى فقط، وبه قال الثوري وأحمد في رواية.\nالثالث: بأذان واحد وإقامتين، وهو قول أحمد في أصح قوليه، وهو قول الطحاوي وزفر، قال النووي: هو الصحيح عند أصحابنا.\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (٨/ ٢٢٣، ٢٢٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٥٢٤، ٥٢٥).\n(^٣) \"جزء حجة الوداع\" (ص ١٥٠).","vol":"3","page":383},{"text":"الرابع: بأذان وإقامة للأولى فقط، وهو مذهب الحنفية.\nالخامس: بأذانين وإقامتين، وهو قول مالك، وتقدم أنه قول البخاري.\nالسادس: بلا أذان ولا إقامة، كما حكي عن بعض السلف.\nوذكر في \"الأوجز\" مأخذ هذه الأقوال الستة، انتهى من \"جزء الحج\".\n\n(٩٨ -<span data-type='title' id=toc-1269> باب من قدَّم ضعفة أهله. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ: أي: من نساء وغيرهم، وقوله: \"يقدم\" ضبطه الكرماني بفتح القاف وكسر الدال قال: وحذف الفاعل للعلم به ومن ذكر أولًا، وبفتح الدال على البناء للمجهول، وقوله: \"إذا غاب القمر\" بيان للمراد من قوله في أول الترجمة: \"بليل\" ومغيب القمر تلك الليلة يقع عند أوائل الثلث الأخير، ومن ثم قيَّده الشافعي ومن تبعه بالنصف الثاني، قال صاحب \"المغني\": لا نعلم خلافًا في جواز تقديم الضعفة بليل من جمع إلى منى، كذا في \"الفتح\" (^١).\nوذكر في \"جزء حجة الوداع\" (^٢) ها هنا عدة أبحاث:\nالأول: في تعيين من قدَّمهم رسول الله - ﷺ - من الضعفة، منهم سودة، وأم سلمة، وأم حبيبة، ومنهم ابن عباس، وأيضًا العباس - ﵃ -.\nوالبحث الثاني: في وقت الذهاب، وظاهر الروايات عند غيبوبة القمر في الليلة العاشرة، قال الحافظان ابن حجر والعيني: ومغيب القمر تلك الليلة يقع عند أوائل الثلث الأخير، انتهى.\nوقال ابن القيم: والذي دلت عليه السُّنَّة إنما هو التعجيل بعد غيبوبة القمر، لا نصف الليل، وليس مع من حدّه بالنصف دليل عليه، انتهى.\nقال الموفق: لا بأس بتقديم الضعفة والنساء، وبه قال الشافعي وأصحاب الرأي ولا نعلم فيه مخالفًا، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٥٢٧).\n(^٢) \"جزء حجة الوداع\" (ص ١٥٣ - ١٥٥).","vol":"3","page":384},{"text":"ثم أعلم أن ها هنا مسألتين، إحداهما: المبيت بمزدلفة ليلة النحر، والثانية: والوقوف بها عند صلاة الفجر، وطالما تشتبه إحداهما بالأخرى على نقلة المذاهب، فالظاهرية قالوا بركنية الوقوف، وأما الأئمة الأربعة، فالصحيح من مسالكهم أن المبيت إلى ما بعد النصف الأول واجب عند الشافعي على المعتمد وكذا عند أحمد، وهذا لمن أدركه قبل النصف، وإلا فالحضور ساعة في النصف الأخير كاف، وعند مالك النزول بقدر حط الرحال واجب، في أي وقت من الليل كان، وعند الحنفية المبيت سُنَّة مؤكدة، وأما الوقوف بعد الفجر فواجب عند الحنفية، وسُنَّة عند الأئمة الثلاثة، وفرض عند ابن الماجشون وابن العربي من المالكية، وركن عند الظاهرية كما تقدم، إلى آخر ما بسط فيه.\nقوله: (أذن للظعن. . .) إلخ، قال الحافظ (^١): واستدل بهذا الحديث على جواز الرمي قبل طلوع الشمس، إلى آخر ما قال.\nوفي هامش \"اللامع\" (^٢): اختلف في وقت الرمي في هذا اليوم، أي: يوم النحر بداية ونهاية، قال الموفق: ولرمي هذه الجمرة وقتان، وقت فضيلة ووقت إجزاء، أما الأول فبعد طلوع الشمس، فقد أجمع علماء المسلمين على أن رسول الله - ﷺ - إنما رماها ضحى ذلك اليوم، وأما وقت الجواز فأوله نصف الليل من ليلة النحر، أي: عند أحمد، وبذلك قال الشافعي، وعن أحمد: يجزئ بعد الفجر قبل طلوع الشمس، وهو قول مالك وأصحاب الرأي، وقال الثوري والنخعي: لا يرميها إلا بعد طلوع الشمس، وها هنا مذهب ثالث نقله الشيخ ابن القيم (^٣) أنه لا يجوز لأهل القدرة إلا بعد طلوع الشمس، وهو قول جماعة من أهل العلم، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٥٢٨).\n(^٢) \"اللامع\" (٥/ ٢٢٧، ٢٢٨).\n(^٣) \"زاد المعاد\" (٢/ ٢٥٢).","vol":"3","page":385},{"text":"(٩٩ -<span data-type='title' id=toc-1270> باب متى يصلي الفجر بجمع)</span>\nوجوابه: يصلي بغلس، والمسألة ها هنا إجماعية، قال به الحنفية أيضًا، ففي \"الهداية\" (^١): وإذا طلع الفجر يصلي الإمام بالناس الفجر بغلس، لرواية ابن مسعود، ولأن في التغليس دفع حاجة الوقوف فيجوز كتقديم العصر بعرفة، انتهى.\n\n(١٠٠ -<span data-type='title' id=toc-1271> باب متى يدفع من جمع)</span>\nقال الحافظ (^٢): أي: بعد الوقوف بالمشعر الحرام، انتهى.\nوفي \"جزء حجة الوداع\" (^٣): قال الموفق: لا نعلم خلافًا في أن السُّنَّة الدفع قبل طلوع الشمس، والسُّنَّة أن يقف حتى يسفر جدًا، وبهذا قال الشافعي وأصحاب الرأي، وكان مالك يرى الدفع قبل الإسفار، انتهى.\nثم لا يذهب عليك أن ثبير اسم لخمسة جبال بمكة، وذكر شارح \"القاموس\" اختلافهم في مسمى ثبير، هل هو بمنى أو غيره، انتهى من \"جزء حجة الوداع\".\n\n(١٠١ -<span data-type='title' id=toc-1272> باب التلبية والتكبير غداة النحر حين يرمي جمرة العقبة. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٤): قال الكرماني: ليس في الحديث ذكر التكبير، فيحتمل أن يكون أشار إلى الذكر الذي في خلال التلبية، أو أراد أن يستدل على أن التكبير غير مشروع حينئذ لأن قوله: \"لم يزل\" يدل على إدامة التلبية، وإدامتها تدل على ترك ما عداها، أو هو مختصر من حديث فيه ذكر التكبير، انتهى.\nوالمعتمد أنه أشار إلى ما ورد في بعض طرقه كما جرت به عادته،\n_________\n(^١) \"الهداية\" (٢/ ٣٤٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٥٣١).\n(^٣) \"جزء حجة الوداع\" (ص ١٦٢، ١٦٣).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٣/ ٥٣٣).","vol":"3","page":386},{"text":"فعند أحمد وابن أبي شيبة والطحاوي من طريق مجاهد عن أبي معمر عن عبد الله: \"خرجت مع رسول الله - ﷺ - فما ترك التلبية حتى رمى جمرة العقبة إلا أن يخلطها بتكبير\"، انتهى.\nوتقدم اختلاف الأئمة في أنه متى يقطع المحرم التلبية قبل عدة أبواب في باب التلبية والتكبير إذا غدا من منى. . .\" إلخ، ويشكل ها هنا التكرار بهاتين الترجمتين، ويمكن في التوجيه أن يقال: إن المقصود هناك بيان وقت الابتداء وها هنا بيان الانتهاء.\n\n(١٠٢ -<span data-type='title' id=toc-1273> باب ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾. . .) إلخ</span>\nغرض المصنف بذلك تفسير الهدي، وذلك أنه لما انتهى في صفة الحج إلى الوصول إلى منى أراد أن يذكر أحكام الهدي والنحر؛ لأن ذلك يكون غالبًا بمنى، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(١٠٣ -<span data-type='title' id=toc-1274> باب ركوب البُدْن لقوله: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ﴾. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٢): استدل المصنف في جواز ركوب البُدْن بعموم قوله تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ وأشار إلى قول إبراهيم النخعي: ﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ من شاء ركب ومن شاء حلب، أخرجه ابن أبي حاتم وغيره، انتهى.\nوفي هامش \"اللامع\" (^٣): لم يصرِّح المؤلف بالحكم لمكان الاختلاف في ذلك، والمسألة خلافية شهيرة، وفيها خمس مذاهب للعلماء:\nالأول: وجوب الركوب بظاهر الأوامر كما نقل عن بعض الظاهرية.\nالثاني: الجواز مطلقًا، نسبه ابن المنذر إلى أحمد وإسحاق.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٥٣٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٥٣٦).\n(^٣) \"هامش اللامع\" (٥/ ٢٣٣، ٢٣٤).","vol":"3","page":387},{"text":"الثالث: تقييده بالحاجة، قال النووي: مذهب الشافعي أنه يركبها إذا احتاج.\nالرابع: أنها لا تركب إلا عند الاضطرار، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، وإحدى الروايتين عن أحمد، وبه جزم الدردير والدسوقي.\nالخامس: المنع مطلقًا، حكاه ابن العربي عن أبي حنيفة، ثم من قيده بالحاجة أو الاضطرار اختلفوا على قولين: أحدهما: أن الإباحة تنتهي إلى وقت الحاجة ثم يلزمه النزول، والثاني: أنها شرط لابتداء الجواز، فإذا أبيح له لا يلزمه النزول، انتهى.\nقوله: (العتيق عتقه من الجبابرة) قال القسطلاني (^١) تبعًا للعيني: إنها إشارة إلى ما في قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]، انتهى.\nوالأوجه عند هذا العبد الضعيف أنها إشارة إلى ما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣] لوجهين، الأول: أنها أقرب إلى قوله: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾، والثاني: أنها متعلقة بمسألة الهدي بخلاف قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾، والإشارة إلى آية الهدي أولى من الإشارة إلى آية الطواف لمناسبة المقام.\n\n(١٠٤ -<span data-type='title' id=toc-1275> باب من ساق البدن معه)</span>\nأي: من الحل إلى الحرم، قال المهلب (^٢): أراد المصنف أن يعرف أن السُّنَّة في الهدي أن يساق من الحل إلى الحرم، فإن اشتراه من الحرم خرج به إذا حج إلى عرفة، وهو قول مالك، قال: فإن لم يفعل فعليه البدل، وهو قول الليث، وقال الجمهور: إن وقف به بعرفة فحسن وإلا فلا بدل عليه، وقال أبو حنيفة: ليس بسُنَّة لأن النبي - ﷺ - إنما ساق الهدي\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٤/ ٢٣٨).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (٣/ ٥٣٩).","vol":"3","page":388},{"text":"من الحل لأن مسكنه كان خارج الحرم، وهذا كله في الإبل، فأما البقر فقد يضعف عن ذلك، والغنم أضعف، انتهى.\nقلت: في \"جزء حجة الوداع\" (^١) تحت قوله: \"وساق الهدايا معه. . .\" إلخ: وسوقه - ﷺ - الهدايا معروف، ففي \"الهداية\" أنه ﵊ ساق الهدايا مع نفسه، انتهى. وهو مصرح في الروايات الكثيرة في \"البخاري\" وغيره، وفي \"الهداية\" أيضًا: وسوق الهدي معه أفضل لأنه - ﷺ - ساق الهدايا مع نفسه، وإلى ذلك أشار الإمام البخاري في كتابه، إذ ترجم أولًا \"باب من ساق البدن معه\"، وترجم بعد ذلك، \"<span data-type='title' id=toc-1276>باب من اشترى الهدي من الطريق</span>\"، انتهى.\nوفي \"فتح المعين\" (^٢) من فروع الشافعية: يسنُّ لقاصد مكة، وللحاج آكد أن يهدي شيئًا من النعم يسوقه من بلده، وإلا فمن الطريق، ثم من مكة، ثم من عرفة، ثم من منى، فلا يبعد عندي أن المصنف أشار بهذه وبالآتية إلى ذلك.\n\n(١٠٥ - باب من اشترى الهدي من الطريق)\nأي: سواء كان في الحلِّ أو الحرم؛ إذ سوقه معه من بلده ليس بشرط، وقال ابن بطال: أراد أن يبين أن مذهب ابن عمر في الهدي أنه ما أدخل من الحلِّ إلى الحرم؛ لأن قديدًا من الحل، قلت: لا يخفى أن الترجمة أعم من فعل ابن عمر فكيف تكون بيانًا له، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\nقلت: وتقدم في الباب السابق من \"فتح المعين\" أن الأفضل سوقه من بلده، ثم من الطريق، إلى آخر ما تقدم، فأشار الإمام البخاري بهذين الترجمتين إلى هذا الترتيب في السوق، ويحتمل أن يكون الغرض بهذه الترجمة الإشارة إلى مسألة خلافية، ففي \"الموطأ\" (^٤): كان ابن عمر يقول: الهدي ما قُلِّد وأُشعرَ ووُقِفَ به بعرفة.\n_________\n(^١) \"جزء حجة الوداع\" (ص ٥٦).\n(^٢) \"فتح المعين\" (ص ٣٠٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٣/ ٥٤٢).\n(^٤) \"موطأ مالك\" (١٤٠٧).","vol":"3","page":389},{"text":"وفي \"الأوجز\" (^١): قال الباجي: يريد أن هذا الهدي الكامل الصفات والفضائل، وقال الزرقاني: فغيره ليس بهدي إن اشتراه بمكة أو منى، ولم يخرج به إلى الحل، وعليه بدله، فإن ساقه من الحل استحب وقوفه بعرفة، هذا قول مالك وأصحابه، والأصل في ذلك أن الهدي من شرطه أن يجمع فيه بين الحلِّ والحرم، ولا يجزئ من اشتراه بالحرم أن ينحره بالحرم، دون أن يخرجه إلى الحل، هذا مذهب مالك، وقال أبو حنيفة والشافعي: إن اشتراه في الحرم ونحره فيه أجزأه، انتهى.\nوقال الموفق: ليس من شرط الهدي أن يجمع فيه بين الحل والحرم، ولا أن يقفه بعرفة، لكن يستحب ذلك، إلى آخر ما بسط في \"الأوجز\".\n\n(١٠٦ -<span data-type='title' id=toc-1277> باب من أشعر وقلَّد بذي الحليفة. . .) إلخ</span>\nقال ابن بطال (^٢): غرضه أن يبين أن المستحب أن لا يشعر المحرم ولا يقلد إلا في ميقات بلده، انتهى.\nقال الحافظ (^٣): والذي يظهر أن غرضه الإشارة إلى رد قول مجاهد: لا يشعر حتى يحرم، أخرجه ابن أبي شيبة لقوله في الترجمة: \"من أشعر ثم أحرم\". وظاهر حديث الباب من قوله: \"قلد وأحرم\" أن البداءة بالتقليد، انتهى.\nوالأوجه عندي في غرض الترجمة أنها رد لمن ذهب من الفقهاء إلى أن التقليد لمريد النسك يوجب الإحرام ويصير الرجل به محرمًا كما ذهب إليه الثوري وأحمد وإسحاق، وقال أصحاب الرأي: من ساق الهدي وأمَّ البيت ثم قلَّد وجب عليه الإحرام، وقال الجمهور: لا يصير بتقليد الهدي محرمًا، ولا يجب عليه شيء، كما بسط في \"الأوجز\" و\"الفتح\".\n_________\n(^١) \"الأوجز\" (٧/ ٥٢٩).\n(^٢) \"شرح ابن بطال\" (٤/ ٣٨٠).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٣/ ٥٤٢).","vol":"3","page":390},{"text":"(١٠٧ -<span data-type='title' id=toc-1278> باب فتل القلائد للبدن والبقر)</span>\nقال ابن المنيِّر: ليس في الحديثين ذكر البقر إلا أنهما مطلقان، وقد صح أنه أهداهما جميعًا، كذا قال. وكأنه أراد حديث عائشة \"دخل علينا يوم النحر بلحم بقر\" الحديث، وسيأتي بعد أبواب، ولا دلالة فيه على أنه كان ساق البقر، وترجمة البخاري صحيحة؛ لأنه إن كان المراد بالهدي في الحديث الإبل والبقر معًا فلا كلام، وإن كان المراد الإبل خاصة فالبقر في معناها، ومناسبة حديث حفصة للترجمة من جهة أن التقليد يستلزم تقدم الفتل عليه، كذا في \"الفتح\" (^١).\nقلت: ولعل الغرض من الترجمة الرد على قول ابن حزم كما في \"المحلى\" (^٢): أن لا إشعار في البقر ولا تقليد كانت له أسنمة أو لا، وأيضًا فيه رد على الإمام مالك فإنه قائل بتقليد البقر دون إشعارها كما في \"القسطلاني\" (^٣)، وعند الجمهور ومنهم الأئمة الأربعة يسن تقليد البقر، وفي الترجمة أيضًا إشارة إلى المغايرة بين البدن والبقر، إذ ذكر البقر بعده بحرف العطف، والمسألة خلافية، ففي \"الأوجز\" (^٤): واختلفت الأئمة في أن البدنة تختص بالإبل أو تشمل البقر أيضًا؟\nقال الشوكاني: حكي في \"البحر\" عن الشافعي والمؤيد بالله: أن البدنة تختص بالإبل، وعن أبي حنيفة وأصحابه والناصر: أنها تطلق على البقر، وعن بعض أصحاب الشافعي: أنها تطلق على الشاة أيضًا، قال: ولا وجه له، انتهى.\n\n(١٠٨ -<span data-type='title' id=toc-1279> باب إشعار البدن. . .) إلخ</span>\nيستفاد من الشروح أن الغرض من الترجمة الرد على من كره الإشعار، ويمكن أن يكون الغرض منه التنبيه على أن الإشعار عام، سواء\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٥٤٣، ٥٤٤).\n(^٢) \"المحلى\" (٥/ ١٠٤).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (٤/ ٢٤٨).\n(^٤) \"الأوجز\" (٢/ ٣٦١، ٣٦٢).","vol":"3","page":391},{"text":"أراد النسك والإحرام أم لا؟ كما هو مؤدى حديث الباب، ثم في الإشعار ثلاثة مباحث، كما بسط في \"الأوجز\"، الأول: في تفسيره، والثاني: في حكمه، والثالث: في النعم التي تُشْعَرُ، أما البحث الثاني: ففيه خلاف مشهور، فذهب الجمهور ومنهم الأئمة الثلاثة إلى أنه سُنَّة، وقال أبو يوسف ومحمد: إنه حسن، وقيل: سُنَّة، كما في \"البدائع\"، وفي \"الهداية\": هو مكروه عند أبي حنيفة، وعندهما: حسن.\nوأما البحث الثالث ففي \"الأوجز\" (^١): حاصل مذاهب الأئمة في ذلك، أن الإشعار في الإبل والبقر مطلق عند الشافعية والحنابلة، وأما عند المالكية ففي الإبل قولان: المرجح الإشعار مطلقًا، والثاني: التقييد بالسنام، وفي البقر ثلاثة أقوال: الإثبات والنفي المطلقان، والثالث: المرجح عندهم إشعار ذات السنام، وأما عند الحنفية فلا إشعار في البقر مطلقًا، وأما الغنم فلا إشعار فيه إجماعًا، بل يحرم عند الجمهور.\nوظاهر صنيع الإمام البخاري اختصاص الإشعار بالإبل دون البقر إذ خصَّه بالبدن، وذكر في الباب السابق البدن بمقابلة البقر، والله - ﷾ - أعلم.\n\n(١٠٩ -<span data-type='title' id=toc-1280> باب من قلَّد القلائد بيده)</span>\nقال الحافظ (^٢): أي: الهدايا، وله حالان: إما أن يسوق الهدي ويقصد النسك فإنما يقلدها ويشعرها عند إحرامه، وإما أن يسوقه ويقيم فيقلدها من مكانه، وهو مقتضى حديث الباب، والغرض بهذه الترجمة أنه كان عالمًا بابتداء التقليد ليترتب عليه ما بعده، قال ابن التين: يحتمل أن يكون قول عائشة: \"ثم قلَّدها بيده\" بيانًا لحفظها للأمر ومعرفتها به، ويحتمل أن تكون أرادت أنه - ﷺ - تناول ذلك لنفسه وعلم وقت التقليد، ومع ذلك فلم يمتنع من شيء يمتنع منه المحرم لئلا يظن أحد أنه استباح ذلك قبل أن يعلم بتقليد الهدي، انتهى.\n_________\n(^١) \"الأوجز\" (٧/ ٥١٤، ٥١٥، ٥٢٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٥٤٥).","vol":"3","page":392},{"text":"(١١٠ -<span data-type='title' id=toc-1281> باب تقليد الغنم)</span>\nقال القسطلاني (^١): وقد احتج الشافعي بحديث الباب على أن الغنم تقلد، وبه قال أحمد والجمهور خلافًا لمالك وأبي حنيفة حيث منعاه؛ لأنها تضعف عن التقليد، قال عياض: المعروف من مقتضى الرواية أنه كان ﵊ يهدي البدن لقوله في بعض الروايات: \"قلَّد وأشعر\"، وفي بعضها: \"فلم يحرم عليه شيء حتى نحر الهدي\"؛ لأن ذلك إنما يكون في البدن، وإنما الغنم في رواية الأسود هذه ولانفراده بها نزلت على حذف مضاف، أي: من صوف الغنم كما قال في الأخرى: \"من عهن\"، والعهن: الصوف، لكن جاء في بعض روايات الأسود هذا: كنا نقلِّد الشاة، وهذا يرفع التأويل، انتهى.\nوفي \"البذل\" (^٢): قال في \"الهداية\": وتقليد الشاة غير معتاد وليس بسُنَّة أيضًا، انتهى. وفيه قال العيني: وادَّعى صاحب \"المبسوط\" أن أثر الأسود شاذ، انتهى.\nوفي هامشي على \"البذل\" عن \"الكوكب الدري\": الحنفية أنكروا التقليد بالنعل وغيره، والثابت بالعهن، ولم ينكره الحنفية، انتهى.\nقال العيني: على أنهم ما منعوا الجواز، وإنما قالوا: إن تقليد الغنم ليس بسُنَّة، انتهى.\n\n(١١١ -<span data-type='title' id=toc-1282> باب القلائد من العهن)</span>\nبكسر المهملة وسكون الهاء، أي: الصوف، وقيل: هو المصبوغ منه، وقيل: هو الأحمر خاصة.\nقال الحافظ (^٣): فيه رد على من كره القلائد من الأوبار، واختار أن\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٤/ ٢٥٣).\n(^٢) \"بذل المجهود\" (٧/ ٦٤، ٦٥، ٦٦).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٣/ ٥٤٨).","vol":"3","page":393},{"text":"تكون من نبات الأرض، وهو منقول عن ربيعة ومالك، وقال ابن التين: لعله أراد أنه الأولى مع القول بجواز كونها من الصوف، والله أعلم، انتهى.\nقال الدردير (^١): ندب بحبل من نبات الأرض لا من صوف أو وبر خشية تعلقه بشيء فيؤذيه، انتهى.\n\n(١١٢ -<span data-type='title' id=toc-1283> باب تقليد النعل)</span>\nقال الحافظ (^٢): يحتمل أن يريد الجنس، ويحتمل أن يريد الوحدة، أي: النعل الواحدة، فيكون فيه إشارة إلى من اشترط نعلين وهو قول الثوري، وقال غيره: تجزئ الواحدة، وقال آخرون: لا تتعين النعل بل كل ما قام مقامها أجزأ حتى أذن الإداوة، ثم ذكر الحكمة في تقليد النعل، وفي آخره: والمستحب تقليد نعلين لا واحدة، انتهى.\nوفي \"روضة المحتاجين\": إن كان الهدي بدنة أو بقرة، استحب لمهديها أن يقلدها نعلين، وليكن لهما قيمة ليتصدق بهما، كما في \"الأوجز\" (^٣).\n\n(١١٣ -<span data-type='title' id=toc-1284> باب الجلال للبُدْنِ. . .) إلخ</span>\nبكسر الجيم وتخفيف اللام جمع جُل بضم الجيم وهو ما يطرح على ظهر البعير من كساء أو نحوه، انتهى من \"الفتح\" (^٤).\nوالظاهر عندي: أن الغرض بيان استحباب التجليل لا بيان ندب التصدق به، لما سيأتي من ترجمة مستقلة.\nقال القسطلاني (^٥) بعد ذكر حديث الباب: وفيه استحباب تجليل البدن\n_________\n(^١) \"حاشية الدسوقي\" (٢/ ٨٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٥٤٨، ٥٤٩).\n(^٣) \"الأوجز\" (٧/ ٥١٣).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٣/ ٥٤٩).\n(^٥) \"إرشاد الساري\" (٤/ ٢٥٦).","vol":"3","page":394},{"text":"والتصدق بذلك الجل، ونقل القاضي عياض عن العلماء: أن التجليل يكون بعد الإشعار لئلا يتلطخ بالدم، وأن تشق الجلال عن الأسنمة إن كانت قيمتها قليلة فإن كانت نفيسة لم تشق، انتهى.\nوفي \"الأوجز\" (^١): قال الدردير والدسوقي: ندب تجليل الإبل، لا البقر والغنم، انتهى.\n\n(١١٤ -<span data-type='title' id=toc-1285> باب من اشترى هديه من الطريق وقلَّدها)</span>\nقال الحافظ (^٢): تقدم قبل ثمانية أبواب \"من اشترى الهدي من الطريق\" وأورد فيه حديث ابن عمر هذا من وجه آخر، وإنما زادت هذه الترجمة التقليد، انتهى.\nفالفرق بين الترجمتين أن الغرض من الأولى بيان سوق الهدي، والمقصود ها هنا بيان التقليد، كما يظهر من سياق تراجمه، ويحتمل عندي أن الغرض من الترجمة الرد على قول الحنفية إذ قالوا: إن الشراء بالنية يكون هديًا، بخلاف الجمهور إذ قالوا: لا يكون ذلك حتى يقلده أو يوجبه باللسان، قال الموفق (^٣): ويحصل الإيجاب بقوله: هذا هدي، أو بتقليده وإِشعاره ناويًا به الهدي، وبهذا قال الثوري وإسحاق، ولا يجب بالشراء مع النية، ولا بالنية المجردة في قول أكثر أهل العلم، وقال أبو حنيفة: يجب بالشراء مع النية، انتهى.\nويحتمل أن يكون الغرض شرح الحديث بأن الهدي لم يكن مقلدًا من قبل، بل قلدها ابن عمر، فتأمل.\n\n(١١٥ -<span data-type='title' id=toc-1286> باب ذبح الرجل البقر عن نسائه. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٤): أما التعبير بالذبح مع أن حديث الباب بلفظ النحر\n_________\n(^١) \"الأوجز\" (٧/ ٥٣٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٥٥٠).\n(^٣) \"المغني\" (٥/ ٤٣٧).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٣/ ٥٥١).","vol":"3","page":395},{"text":"فإشارة إلى ما ورد في بعض طرقه بلفظ الذبح، كما سيأتي، ونحر البقر جائز عند العلماء؛ إلا أن الذبح مستحب عندهم لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧]، وخالف الحسن بن صالح فاستحب نحرها، وأما قوله: \"من غير أمرهن\" فأخذه من استفهام عائشة عن اللحم لما دخل به عليها، ولو كان ذبحه بعلمها لم تحتج إلى الاستفهام، لكن ليس ذلك دافعًا للاحتمال، فيجوز أن يكون علمها بذلك تقدم بأن يكون استأذنهن في ذلك، لكن لما أدخل اللحم عليها لاحتمل عندها أن يكون هو الذي وقع الاستئذان فيه وأن يكون غير ذلك؛ فاستفهمت عنه بذلك، انتهى.\nقلت: في الترجمة مسألتان، إحداها: ذبح ما ينحر ونحر ما يذبح، والثانية: مسألة الاستئذان في التضحية عن الغير، ففي \"روضة المحتاجين\": يسن نحر الإبل وذبح البقر، وقالت المالكية: بوجوب النحر والذبح، انتهى.\nوفي \"الروض المربع\" (^١): يسن نحر الإبل وذبح غيره، ويجوز عكسه انتهى.\nوأما المسألة الثانية: قال القسطلاني (^٢): قال النووي: هذا محمول على أنه استأذنهن لأن التضحية عن الغير لا تجوز إلا بإذنه، قال البرماوي: وكأن البخاري عمل بأن الأصل عدم الاستئذان، انتهى.\nوفي \"الفيض\" (^٣): قوله: \"فقلت: ما هذا؟ \" إلخ، هذا هو موضع الترجمة، فإنه يدل على أن النبي - ﷺ - لم يكن استأمر عائشة، ولذا لم تعرف، وسألت عنها، ولا بد منه عند الفقهاء.\nقلت: لما ثبت عندنا ضرورة الاستئمار شرعًا وجب علينا أن نحمله على معنى لا يخالف ما ثبت عنه ضرورة، وحينئذ المعنى أنها سئلت عنه، أنها هي التي أمرت بذبحها أو غيرها، انتهى.\n_________\n(^١) \"الروض المربع\" (ص ٢٦٣).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٤/ ٢٦٠).\n(^٣) \"فيض الباري\" (٣/ ٢٨٥).","vol":"3","page":396},{"text":"(١١٦ -<span data-type='title' id=toc-1287> باب النحر في منحر النبي - ﷺ - بمنى)</span>\nقال ابن التين: منحر النبي - ﷺ - عند الجمرة الأولى التي تلي المسجد، وللنحر فيه فضيلة على غيره لقوله - ﷺ -: \"هذا المنحر وكل منى منحر\"، انتهى.\nوحكى ابن بطال قول مالك في النحر بمنى للحاج والنحر بمكة للمعتمر، وأطال في تقرير ذلك وترجيحه، ولا خلاف في الجواز وإن اختلف في الأفضل، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nفعلى هذا فالغرض الرد على قول مالك، ويمكن أن يكون الغرض إثبات أن منى كله منحر، إلا أن منحره - ﷺ - أولى وأفضل.\n\n(١١٧ -<span data-type='title' id=toc-1288> باب من نحر بيده)</span>\nقال القسطلاني (^٢): وهو أفضل إذا أحسن النحر من أن ينحر عنه غيره، انتهى، وهكذا في \"الهداية\" (^٣) إذ قال: والأولى أن يتولى ذبحها بنفسه إذا كان يحسن ذلك، انتهى.\nوفي \"الأوجز\" (^٤): قال ابن عبد البر: وفي الحديث من الفقه أن يتولى الرجل نحر هديه بيده، وذلك عند أهل العلم مستحب مستحسن لفعل رسول الله - ﷺ - ذلك بيده؛ ولأنها قربة إلى الله - ﷿ - فمباشرتها أولى، وجائز أن ينحر الهدي غير صاحبها، ألا ترى أن عليّ بن أبي طالب - ﵁ - نحر بعض هدي رسول الله - ﷺ - وهو أمر لا خلاف بين العلماء في إجازته، فأغنى عن الكلام فيه، وقد جاءت رواية عن بعض أهل العلم أن من نحر أضحية غيره كان عليه الإعادة ولم يجزه، وهذا محمول على أنها نحرت بغير إذن صاحبها وهو موضع اختلاف، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٥٥٢).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٤/ ٢٦١).\n(^٣) \"الهداية\" (٢/ ٤٩٥).\n(^٤) \"الأوجز\" (٨/ ١٠٤).","vol":"3","page":397},{"text":"(١١٨ -<span data-type='title' id=toc-1289> باب نحر الإبل المقيدة)</span>\nقال الحافظ (^١): أورد فيه حديث ابن عمر، وهو مطابق لما ترجم له، انتهى.\n\n(١١٩ -<span data-type='title' id=toc-1290> باب نحر البدن قائمة)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): أفاد هذا الباب لانضمامه بما قبله أن الواجب، أي: الأدب أن ينحرها وهي قائمة مقيدة الرجل، انتهى.\nوفي هامشه، ما أفاده الشيخ واضح، وقال الحافظ: في الحديث استحباب نحر الإبل على الصفة المذكورة وعن الحنفية يستوي نحرها قائمة وباركة في الفضيلة، وقال العيني: في الحديث نحره قائمة، وبه قال الشافعي: وأحمد، وقال أبو حنيفة والثوري: تنحر باركة وقائمة، واستحب عطاء أن ينحرها باركة معقولة، وعنه: إن شاء قائمة وإن شاء باركة، وعن الحسن: باركة أهون عليها، انتهى.\nقلت: وعندنا الحنفية أيضًا النحر قيامًا أفضل كما في \"الهداية\" ولفظه: والأفضل أن ينحرها قيامًا لما روي أن رسول الله - ﷺ - نحر الهداية قيامًا وأصحابه كانوا ينحرونها قيامًا معقولة اليد اليسرى، انتهى، والبسط في هامش \"اللامع\".\n\n(١٢٠ -<span data-type='title' id=toc-1291> باب لا يعطى الجزَّار من الهدي شيئًا)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): قوله: \"ولا أعطي عليها شيئًا في جزارتها\"، يعني: منها، فحذف لفظة منها لظهور المراد.\nوفي هامشه: ونبَّه على ذلك الإمام البخاري إذ ترجم بلفظ لا يعطى الجزار من الهدي شيئًا، قال الحافظ (^٤): قوله: \"لا أعطي عليها شيئًا. . .\"\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٥٥٣).\n(^٢) \"اللامع\" (٥/ ٢٣٥، ٢٣٦).\n(^٣) \"اللامع\" (٥/ ٢٣٨، ٢٣٩).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٣/ ٥٥٦).","vol":"3","page":398},{"text":"إلخ، وكذا قوله في الرواية التي في الباب بعده: \"ولا يعطي في جزارتها\"، ظاهرهما أن لا يعطي الجزار شيئًا البتة، وليس ذلك المراد، بل المراد أن لا يعطي الجزار منها شيئًا كما وقع عند مسلم، وظاهره مع ذلك غير مراد؛ بل بيَّن النسائي في روايته عن ابن جريج أن المراد منع عطية الجزار من الهدي عوضًا عن أجرته ولفظه: \"ولا يعطى في جزارتها منها شيئًا\"، ثم بسط الحافظ في ضبط لفظ الجزارة وشرحه إلى أن قال: قال ابن خزيمة: والنهي عن إعطاء الجزار المراد به أن لا يعطى منها عن أجرته، وأما إذا أعطي أجرته كاملة ثم تصدق عليه، إذا كان فقيرًا فلا بأس بذلك، وقال غيره: وأما إعطاؤه صدقة أو هديةً فالقياس الجواز، لكن إطلاق الشارع ذلك قد يفهم منه منع الصدقة لئلا تقع مسامحة في الأجرة، قال القرطبي (^١): ولم يرخص في إعطاء الجزار منها في أجرته إلا الحسن البصري، وعبد الله بن عبيد بن عمير، انتهى.\nقلت: إن كان مراد المصنف في الترجمة المنع مطلقًا؛ فذلك بناء على أن لا يتسامح في الأجرة، وإن كان مراده المنع من العطية في الجزارة خاصةً؛ فالغرض حينئذ إما الرد على مذهب الحسن البصري، أو شرح الحديث بأن قوله: \"لا أعطي عليها شيئًا\" معناه من الهدي، كما تقدم في كلام الشيخ، والله أعلم.\n\n(١٢١ -<span data-type='title' id=toc-1292> باب يُتصدق بجلود الهدي)</span>\nقال الحافظ (^٢): واستدل بحديث الباب على منع بيع الجلد، قال القرطبي: فيه دليل على أن جلود الهدي وجلالها لا تباع لعطفها على اللحم، وقد اتفقوا على أن لحمها لا يباع وكذلك الجلود والجلال، وأجازه الأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وهو وجه عند الشافعية، قالوا: ويصرف ثمنه مصرف الأضحية، واستدل أبو ثور على أنهم اتفقوا على جواز الانتفاع\n_________\n(^١) \"المفهم\" (٣/ ٤١٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٥٥٦).","vol":"3","page":399},{"text":"به، وكل ما جاز الانتفاع به جاز بيعه، وعورض باتفاقهم على جواز الأكل من لحم هدي التطوع، ولا يلزم من جواز أكله جواز بيعه، انتهى.\n\n(١٢٢ -<span data-type='title' id=toc-1293> باب يُتصدق بجلال البدن)</span>\nقال القسطلاني (^١): قال الشافعي في القديم: ويتصدق بالنعال وجلال البدن، وقال المهلب: ليس التصدق بجلال البدن فرضًا، وقال المرداوي من الحنابلة في \"تنقيحه\": وله أن ينتفع بجلدها وجلها أو يتصدق به ويحرم بيعهما وشيء منهما، وقال المالكية: خطام الهدايا كلها وجلالها كلحمها فحيث يكون اللحم مقصورًا على المساكين يكون الجلال والخطام كذلك، وحيث يكون اللحم مباحًا للأغنياء والفقراء يكون الخطام والجلال كذلك تحقيقًا للتبعية، فليس له أن يأخذ من ذلك، وقال العيني: قال أصحابنا: يتصدق بجلال الهدي وزمامه؛ لأنه ﵊ أمر عليًا بذلك، والظاهر أن هذا الأمر أمر استحباب، انتهى.\nوتقدم قبل عدة أبواب \"باب الجلال للبُدن\" وتقدم هناك الفرق بين الترجمتين.\n\n(١٢٣ -<span data-type='title' id=toc-1294> باب ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٢): وقع سياق الآيات كلها في رواية كريمة، والمراد منها هنا قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨]، ولذلك عطف عليها بالترجمة، وما يؤكل من البدن وما يتصدق، أي: بيان المراد من الآية، انتهى.\nوتعقبه العيني (^٣): بأن الذي في معظم النسخ باب بعد قوله تعالى: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج: ٣٠] وقبل قوله: \"ما يؤكل من البدن\"، ثم\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٤/ ٢٦٧، ٢٦٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٥٥٨).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٧/ ٣٢٨).","vol":"3","page":400},{"text":"قال: وأين العطف في هذا وكل واحد من البابين ترجمة مستقلة؟ والظاهر أن المؤلف لم يجد في الترجمة الأولى حديثًا يطابقها على شرطه، انتهى.\nوتعقب القسطلاني (^١) على كلامه فارجع إليه لو شئت.\nقلت: فعلى النسخة التي فيها باب مستقل الترجمة السابقة عندي بمنزلة الكتاب، للأفعال التي تعمل في منى منها أكل الهدي، والحلق المشار إليه في الآية بقوله: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩]، ومنها الطواف المشار إليه بقوله: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]، ومنها ذكر الله في هذه الأيام بالرمي المشار إليه بقوله: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: ٢٨]، على ما قيل.\nوقال الحافظ (^٢): وقوله: (عن ابن عمر لا يؤكل. . .) إلخ، وصله ابن أبي شيبة عن ابن نمير عنه بمعناه قال: إذا عطبت البدنة أو كسرت أكل منها صاحبها ولم يبدلها، إلا أن تكون نذرًا أو جزاء صيد، وهذا القول إحدى الروايتين لأحمد، وهو قول مالك وزاد: إلا فدية الأذى، والرواية الأخرى عن أحمد: ولا يؤكل إلا من هدي التطوع والتمتع والقران، وهو قول الحنفية بناء على أصلهم أن دم التمتع والقران دم نسك لا دم جبران، انتهى.\nوفي هامش \"اللامع\" (^٣): قلت: اختلفت نقلة المذاهب في بيان ما يؤكل من الهدايا كما بسط في \"الأوجز\" وذكر فيه بعد نقل الأقاويل المختلفة: وتحصل مما سلف أن المذهب عند الحنابلة أن لا تؤكل من الهدايا إلا دم التمتع والقران والتطوع، وبه قالت الحنفية، ومشهور مذهب مالك أنه يؤكل من كل هدي بلغ محله إلا ثلاثة: جزاء الصيد، وفدية الأذى، وما نذر للمساكين، وأما عند الشافعية فلا يجوز أكل شيء.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٤/ ٢٦٩).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٥٥٨).\n(^٣) \"اللامع\" (٥/ ٢٤٠).","vol":"3","page":401},{"text":"من الدماء الواجبة حتى دم التمتع والقران، ويجوز الأكل من التطوع مع وجوب التصدق ببعض لحمه، وهذا التفصيل في الهدي الذي بلغ محله.\nوأما ما عطب في الطريق ففيه أيضًا خلاف مشهور بين الأئمة، وطالما تلتبس إحدى المسألتين بالأخرى على نقلة المذاهب، ففي \"الأوجز\" (^١) بعد نقل الأقاويل المختلفة: والحاصل أن الأكل من الهدي إذا عطب لا يجوز لصاحبه ولا لرفقته، سواء كانوا أغنياء أو فقراء عند الشافعي وأحمد، ويجوز لغيرهم إذا كانوا فقراء، وأما عند مالك فيجوز للرفقاء مطلقًا، سواء كانوا أغنياء أو فقراء فضلًا عن غير الرفقة، ولا يجوز لصاحبه ولو فقيرًا ولا لرسوله، ولا يجوز له الأمر لأحد أن يأكل، ولا أن يفرِّقه على الناس، بل يخلي بينه وبينهم، وأما عند الحنفية فيجوز للفقراء، سواء كانوا رفقة أم لا، ولا يجوز للأغنياء مطلقًا، إلى آخر ما بسط فيه من الدلائل.\n\n(١٢٥ -<span data-type='title' id=toc-1295> باب الذبح قبل الحلق)</span>\nوفي الحديث عكسه، يعني: الحلق قبل الذبح، ووجه الاستدلال أن السؤال عن ذلك دالّ على أن السائل عرف أن الحكم على عكسه، قاله الحافظ (^٢).\nوفي \"جزء حجة الوداع\" (^٣) تحت حديث الباب عدة أبحاث، وفيه: البحث الرابع في اختلاف الأئمة في الأفعال المذكورة، فاعلم أن ما يفعل يوم النحر أربعة أمور: الرمي ثم الذبح ثم الحلق ثم طواف الإفاضة، وهذا الترتيب هو المسنون عند كافة العلماء، وهذا الترتيب سُنَّة عند الشافعي وأحمد وصاحبي أبي حنيفة، فمن قدَّم شيئًا من هذه أو أخَّر فلا دم عليه عندهم لكون الترتيب غير واجب، لقوله ﵊: \"افعل ولا حرج\".\n_________\n(^١) \"الأوجز\" (٧/ ٥٥٩).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٥٥٩).\n(^٣) \"جزء حجة الوداع\" (ص ١٨٨).","vol":"3","page":402},{"text":"وأما عند الإمامين الهمامين أبي حنيفة ومالك رحمهما الله تعالى فالترتيب في بعضها واجب وفي بعضها سُنَّة، فمن خالف الترتيب الواجب فعليه دم، ومن خالف الترتيب المسنون فقد أساء ولا دم عليه، فمذهب مالك على ما قال الدسوقي (^١): إن تقديم الرمي على الأخيرين الحلق والطواف واجب، يجبر بدم، وأما تقديمه على الثاني، أو تقديم الثاني على كل واحد من الأخيرين، أو تقديم الثالث على الرابع فمستحب، فالمراتب ستة: الوجوب في اثنين، والندب في أربعة، انتهى.\nومذهب الحنفية ما قال ابن عابدين (^٢): الطواف لا يجب ترتيبه على شيء من الثلاثة، وإنما يجب ترتيب الثلاثة: الرمي، ثم الذبح، ثم الحلق، لكن المفرد لا ذبح عليه، فيجب عليه الترتيب بين الرمي والحلق فقط، انتهى.\n\n(١٢٦ -<span data-type='title' id=toc-1296> باب من لبَّد رأسه عند الإحرام وحلق)</span>\nقال الحافظ (^٣): أي: بعد ذلك عند الإحلال، انتهى.\nوليس في الحديث ذكر الحلق، وأجاب عنه الحافظ بما سيأتي، وحاصل ما أفاده الشيخ في \"اللامع\" (^٤): مقصود البخاري من الترجمة أن الحلق ليس بشرط لأن الوارد في الحديث ذكر الحل لا الحلق، انتهى.\nوقال الحافظ: قيل: أشار بهذه الترجمة إلى الخلاف فيمن لبّد، هل يتعين عليه الحلق أو لا؟ فنقل ابن بطال عن الجمهور تعين ذلك حتى عن الشافعي، وقال أهل الرأي: لا يتعين بل إن شاء قصر، انتهى. وهذا قول الشافعي في الجديد، وليس للأول دليل صريح، وأعلى ما فيه ما سيأتي في \"اللباس\" عن عمر: \"من ضفر رأسه فليحلق\"، وليس في\n_________\n(^١) \"الشرح الكبير\" (٢/ ٤٦).\n(^٢) \"رد المحتار\" (٣/ ٦٦٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٣/ ٥٦٠).\n(^٤) \"اللامع\" (٥/ ٢٤٠، ٢٤٢).","vol":"3","page":403},{"text":"حديث الباب تعرض بالحلق إلا أنه معلوم من حاله - ﷺ - أنه حلق رأسه في حجه، انتهى.\nقلت: وكذا قال النووي في \"مناسكه\": إنه لا يلزمه الحلق على المذهب الصحيح عند الشافعي، فما حكى ابن بطال وغيره من مذهب الجمهور ليس بصحيح، والصحيح أنه مذهب مالك فقط، وهو مخير بينهما في الجديد الصحيح من قولي الشافعي، وهو مذهب الحنابلة والحنفية، كما في هامش \"اللامع\"، وقد تقدم حكم التلبيد وبعض ما يتعلق به في \"باب من أهل مُلبدًا\"، وسيأتي التبويب بالتلبيد في \"كتاب اللباس\"، وذكر المصنف هناك قول عمر: \"من ضفر فليحلق، ولا تشبهوا بالتلبيد\" وتقدمت الإشارة إليه في كلام الحافظ، وسيأتي هناك شرح هذا الحديث من كلام الشيخ قُدِّس سِرُّه في \"اللامع\" (^١).\n\n(١٢٧ -<span data-type='title' id=toc-1297> باب الحلق والتقصير عند الإحلال)</span>\nقال الحافظ (^٢): قال ابن المنيِّر: أفهم البخاري بهذه الترجمة أن الحلق نسك لقوله: \"عند الإحلال\" وما يصنع عند الإحلال، وليس هو نفس التحلل، وكأنه استدل على ذلك بدعائه - ﷺ - لفاعله، والدعاء يشعر بالثواب، والثواب لا يكون إلا على العبادة لا على المباحات، وكذلك تفضيله الحلق على التقصير يشعر بذلك؛ لأن المباحات لا تتفاضل، والقول بأن الحلق نسك قول الجمهور إلا رواية مضعّفة للشافعية أنه استباحة محظور، انتهى مختصرًا.\nوقال النووي في \"شرح المهذب\": ظاهر كلام ابن المنذر وغيره أنه لم يقل بأن الحلق ليس بنسك إلا الشافعي، وهو رواية عن أحمد وحكي عن أبي يوسف، قال الموفق: الحلق والتقصير نسك في الحج والعمرة في\n_________\n(^١) \"اللامع\" (١٠/ ٦، ٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٥٦١).","vol":"3","page":404},{"text":"ظاهر مذهب أحمد، وهو قول مالك وأبي حنيفة والشافعي، وعن أحمد: أنه ليس بنسك، انتهى من \"جزء حجة الوداع\" (^١)، فعلى هذا الغرض من الترجمة الإشارة إلى أنه من النسك.\nوقال العيني (^٢): قد أجمع العلماء على أن التقصير مجزئ في الحج والعمرة معًا إلا ما روي عن إبراهيم النخعي أنه قال: إذا حج الرجل أول حجة حلق، وإن حج مرة أخرى إن شاء حلق وإن شاء قصَّر، والحلق أفضل، انتهى.\nفيمكن أن يكون الغرض من الترجمة الرد على هذا القول.\n\n(١٢٨ -<span data-type='title' id=toc-1298> باب تقصير المتمتع بعد العمرة)</span>\nأي: عند الإحلال منها، كذا في \"الفتح\" (^٣). وفيه أيضًا قوله: يحلق أو يقصر فيه التخيير بين الحلق والتقصير للمتمتع، وهو على التفصيل الذي قدمناه إن كان بحيث يطلع شعره؛ فالأولى له الحلق وإلا فالتقصير ليقع له الحلق في الحج، انتهى.\nوهكذا حكي عن النخعي قال العيني (^٤): حكي عن إبراهيم النخعي عند ابن أبي شيبة، فذكر ما تقدم بعضه في الباب السابق وفي آخره: فإن كان متمتعًا قصَّر ثم حلق، والظاهر أن هذا الكلام من إبراهيم ليس على سبيل الوجوب، بل الفضل والاستحباب، إلى آخر ما فيه.\n\n(١٢٩ -<span data-type='title' id=toc-1299> باب الزيارة يوم النحر. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٥): أي: زيارة الحاج البيت للطواف به، وهو طواف الإفاضة، ويسمى أيضًا طواف الصدر وطواف الركن، انتهى.\n_________\n(^١) \"جزء حجة الوداع\" (ص ٢٠٦).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٧/ ٣٤٥).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٣/ ٥٦٧).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (٧/ ٣٤٥).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٣/ ٥٦٧).","vol":"3","page":405},{"text":"قلت: وفي \"مختصر الخليل\": كره أن يقال: طواف الزيارة، أو زرنا قبره - ﷺ -، قال الدردير: لأن الزيارة تشعر بالاستغناء، ولعل هذه بالنسبة للأزمنة السالفة، وأما الآن فإنما تستعمل في التعظيم، انتهى، وكذا في \"جزء حجة الوداع\" (^١).\nقلت: وأشار الإمام البخاري بهذه الترجمة إلى أفضل أوقات طواف الزيارة، وهو يوم النحر، قال الموفق (^٢): ولهذا الطواف وقتان: وقت فضيلة، ووقت إجزاء، فأما وقت الفضيلة فيوم النحر بعد الرمي والنحر والحلق، فإن أخره إلى الليل فلا بأس، لما روي أن النبي - ﷺ - أخّر طواف الزيارة إلى الليل، وأما وقت الجواز فأوله من نصف الليل من ليلة النحر، وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: أوله طلوع الفجر من يوم النحر، وآخره آخر أيام النحر، وهذا مبني على أول وقت الرمي، وأما آخر وقته فاحتج بأنه نسك يفعل في الحج، فكان آخره محدودًا؛ كالوقوف والرمي، والصحيح أن آخر وقته غير محدود، فإنه متى أتى به صح بغير خلاف، وإنما الخلاف في وجوب الدم، فيقول: إنه طاف في ما بعد أيام النحر طوافًا صحيحًا، فلم يلزمه دم، كما لو طاف أيام النحر، فأما الوقوف والرمي فإنهما لما كانا موقتين، كان لهما وقت يفوتان بفواته وليس كذلك الطواف، فإنه متى أتى به صح، انتهى.\nوفي \"الدر المختار\" (^٣): الطواف في يوم النحر الأول أفضل، وفي يوم من أيام النحر الثلاثة واجب، فإن أخّره من أيام النحر ولياليها منها كره تحريمًا ووجب دم ترك الواجب، انتهى.\n\n(١٣٠ -<span data-type='title' id=toc-1300> باب إذا رمى بعد ما أمسى. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٤): ولم يبيِّن الحكم في الترجمة إشارة منه إلى أن الحكم\n_________\n(^١) \"جزء حجة الوداع\" (ص ٢٠٩).\n(^٢) \"المغني\" (٥/ ٣١٢، ٣١٣).\n(^٣) \"الدر المختار\" (١/ ١٦٨، ١٦٩).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٣/ ٥٦٨، ٥٦٩).","vol":"3","page":406},{"text":"برفع الحرج مقيد بالجاهل أو الناسي، فيحتمل اختصاصهما بذلك، أو إلى أن نفي الحرج لا يستلزم رفع وجوب القضاء أو الكفارة، وكأنه أشار بلفظ النسيان والجهل إلى ما ورد في بعض طرق الحديث، وأما قوله: \"إذا رمى بعد ما أمسى\" فمنتزع من حديث ابن عباس في الباب، قال: \"رميت بعد ما أمسيت\" أي: بعد دخول المساء وهو يطلق على ما بعد الزوال إلى أن يشتد الظلام، فلم يتعين لكون الرمي المذكور كان بالليل، انتهى.\nقال العلامة العيني (^١): الترجمة مشتملة على حكمين: أحدهما: رمي جمرة العقبة بالليل، والآخر: الحلق قبل الذبح؛ أما الأول فقد أجمع العلماء على من رمى جمرة العقبة من طلوع الشمس إلى الزوال يوم النحر فقد أصاب سُنَّتها ووقتها المختار، وأجمعوا أن من رماها يوم النحر قبل المغيب فقد رماها في وقت لها، وإن لم يكن ذلك مستحسنًا له، واختلفوا فيمن أخّر رميها حتى ضربت الشمس يوم النحر، فروي عن مالك أنه كان يقول مرة: عليه دم، ومرة: لا، وقال الثوري: من أخّرها عامدًا إلى الليل فعليه دم، وقال أبو حنيفة والشافعي: يرميها من الغد ولا شيء عليه، وقد أساء، سواء تركها عامدًا أو ناسيًا، وقال ابن قدامة: إن أخّر جمرة العقبة إلى الليل لا يرميها حتى تزول الشمس من الغد، وبه قال أبو حنيفة، وقال الشافعي ومحمد: يرمي ليلًا لقوله: \"ولا حرج\"، انتهى.\nوفي هامش \"اللامع\" (^٢): اختلف في وقت الرمي في هذا اليوم بدايةً ونهايةً، قال الموفق: لرمي هذه الجمرة وقتان: وقت فضيلة ووقت إجزاء، أما وقت الفضيلة، فبعد طلوع الشمس، وأما وقت الجواز فأوله نصف الليل من ليلة النحر، أي: عند أحمد، وبذلك قال الشافعي، وعن أحمد: يجزئ بعد الفجر قبل طلوع الشمس وهو قول مالك وأصحاب الرأي، وقال الثوري والنخعي: لا يرميها إلا بعد طلوع الشمس، انتهى.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٧/ ٣٤٩، ٣٥٠).\n(^٢) \"اللامع\" (٥/ ٢٢٧، ٢٢٨).","vol":"3","page":407},{"text":"هذا التفصيل في وقت الرمي بدايةً، وأما نهايةً فقد تقدم في كلام العيني، وأما المسألة الثانية المشتملة عليها الترجمة، فقد تقدم في الباب السابق مفصلًا، وسيأتي اختلافهم في وقت رمي أيام التشريق في \"باب رمي الجمار\"، قريبًا.\n\n(١٣١ -<span data-type='title' id=toc-1301> باب الفتيا على الدابة عند الجمرة)</span>\nقال الحافظ (^١): هذه الترجمة تقدمت في \"كتاب العلم\"، لكن بلفظ \"باب الفتيا وهو واقف على الدابة أو غيرها\"، ثم قال بعد أبواب كثيرة: \"باب السؤال والفتيا عند رمي الجمار\" وأورد في كل من الترجمتين حديث عبد الله بن عمرو المذكور في هذا الباب، ومثل هذا لا يقع له إلا نادرًا، وقد اعترض عليه الإسماعيلي بأنه ليس في شيء من الروايات عن مالك أنه كان على دابة، بل في رواية يحيى القطان عنه: \"أنه جلس في حجة الوداع فقام رجل\"، ثم قال الإسماعيلي: فإن ثبت في شيء من الطرق أنه كان على دابة فيحمل قوله: \"جلس\" على أنه ركبها وجلس عليها.\nقال الحافظ: وهذا هو المتعين، فقد أورد هو رواية صالح بن كيسان بلفظ \"وقف على راحلته\" وهي بمعنى جلس، والدابة تطلق على المركوب من ناقة وفرس وبغل وحمار، فإذا ثبت في الراحلة كان الحكم في البقية كذلك، إلى آخر ما بسط.\nقلت: ولعل الغرض من الترجمة أن وظيفة هذا الوقت وإن كان الاشتغال بالدعاء وغيره، لكنه لو اشتغل بأهم منه كالتبليغ والتعليم فلا بأس به، أو المراد أن الكلام في المناسك جائز لا ينافي العبادة، كما شرح به الحافظ ترجمة \"كتاب العلم\"، فهو مناسب لهذا المقام، واستدل الشافعي بلفظ \"خطب\" الوارد في بعض طرق هذا الحديث على الخطبة المشروعة\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٥٦٩).","vol":"3","page":408},{"text":"عندهم في هذا اليوم، وحمله على التعليم، قال الأبي (^١): ترجم البخاري بالفتيا، وهذا يدل على أنها لم تكن خطبة، قاله الزرقاني (^٢)، واختلافهم في خطب الحج شهير، كما سيأتي في الباب الآتي.\n\n(١٣٢ -<span data-type='title' id=toc-1302> باب الخطبة أيام منى)</span>\n[قال الحافظ] (^٣): أي: مشروعيتها خلافًا لمن قال: إنها لا تشرع، وأحاديث الباب صريحة فيه، إلا ثاني أحاديث الباب فإن فيه التقييد بالخطبة بعرفات، وقد أجاب عنه ابن المنيِّر كما سيأتي، وأيام منى أربعة: يوم النحر وثلاثة أيام بعده، وليس في شيء من أحاديث الباب التصريح بغير يوم النحر، وهو الموجود في أكثر الأحاديث؛ كحديث الهرماس بن زياد وأبي أمامة كلاهما عند أبي داود، وحديث جابر عند أحمد: \"خطبنا رسول الله - ﷺ - يوم النحر\" الحديث، وأما قوله في حديث ابن عمر: \"أنه قال ذلك بمنى\" فهو مطلق فيحمل على المقيد فيتعين يوم النحر، فلعل المصنف أشار إلى ما ورد في بعض طرق حديث الباب، كما عند أحمد من طريق أبي حرة الرقاشي عن عمه قال: \"كنت آخذًا بزمام ناقة رسول الله - ﷺ - في أوسط أيام التشريق\" فذكر نحو حديث أبي بكرة، فقوله: \"في أوسط أيام التشريق\" يدل أيضًا على وقوع ذلك أيضًا في اليوم الثاني أو الثالث.\nوفي حديث سراء بنت نبهان عند أبي داود: \"خطبنا النبي - ﷺ - يوم الرؤوس\" (^٤) الحديث، قال ابن المنيِّر: أراد البخاري الرد على من زعم أن يوم النحر لا خطبة فيه للحجاج، وأن المذكور في هذا الحديث من قبيل وصايا العامة لا على أنه من شعار الحج، فأراد أن يبيِّن أن الراوي قد\n_________\n(^١) \"شرح صحيح مسلم\" للأبي (٤/ ٣٧١).\n(^٢) \"شرح الزرقاني\" (٢/ ٣٩٠).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٣/ ٥٧٤).\n(^٤) قال الحافظ ابن القيم: ويوم الرؤوس هو ثاني يوم النحر بالاتفاق، \"زاد المعاد\" (٢/ ٢٦٥).","vol":"3","page":409},{"text":"سماها خطبة كما سمى التي وقعت في عرفات خطبة، وقد اتفقوا على مشروعية الخطبة بعرفات؛ فكأنه ألحق المختلف فيه بالمتفق عليه، انتهى.\nوفي \"جزء حجة الوداع\" (^١): اعلم أنهم اختلفوا في تفصيل خطب الحج، فالأولى منها اليوم السابع من ذي الحجة عند الجمهور خلافًا لزفر إذ لم يقل بذلك، بل الخطب عنده ثلاث متواليات، أولاهن يوم التروية، وكذلك الخطب عند الحنفية والمالكية أيضًا ثلاثة لكنها ليست بمتوالية، أولاهن في اليوم السابع بعد صلاة الظهر، والثانية في اليوم التاسع بعرفة قبل صلاة الظهر، والثالثة في اليوم الحادي عشر بمنى بعد صلاة الظهر، وأما عند الشافعية فالخطب أربعة: الاثنتان الأوليتان هما اللتان قال بهما الحنفية المالكية، والثالثة يوم النحر، والرابعة يوم الثاني عشر، وأما الحنابلة فلم أجد التصريح في فروعهم بخطبة اليوم السابع، لكن الشرَّاح ذكروا موافقتهم للشافعية في الخطب الأربعة، انتهى.\nقوله: (بعرفات) لا يناسب الترجمة، والجواب ما تقدم في كلام الحافظ، وأجاب عنه السندي (^٢) بجوابين آخرين، أحدهما: بأن يقال أيام منى يشمله أيضًا تغليبًا، أو باعتبار أن ابتداء يوم عرفة يكون بمنى، انتهى.\n\n(١٣٣ -<span data-type='title' id=toc-1303> باب هل يبيت أصحاب السقاية أو غيرهم بمكة. . .) إلخ</span>\nاعلم أن المبيت بمنى واجب كما هو مذهب الجمهور، وفي قول للشافعي ورواية عن أحمد وهو مذهب الحنفية أنه سُنَّة، ووجوب الدم بتركه وعدم وجوبه مبني على هذا الخلاف، ولا يحصل المبيت إلا بمعظم الليل، انتهى من \"جزء الحج\" (^٣).\n_________\n(^١) \"جزء حجة الوداع\" (ص ١٢٥، ١٢٦).\n(^٢) \"حاشية السندي على صحيح البخاري\" (١/ ٢٩٩).\n(^٣) \"جزء حجة الوداع\" (ص ٢١٨).","vol":"3","page":410},{"text":"وقال الحافظ (^١): مقصوده بالغير من كان له عذر من مرض أو شغل كالحطابين والرعاء، انتهى.\nقلت: والأوجه عندي تعميم الغير لأنه ليس في الحديث ذكر الأعذار الأخر، ولعل غرض المصنف بزيادة لفظ \"هل\" وبلفظ \"أو غيرهم\" الإشارة إلى اختلاف قوي في هذه المسألة وهي أن الإذن يختص بالعباس، أو بأهل السقاية مطلقًا، أو يعم غير أهل السقاية أيضًا؟ بسط الخلاف فيه في \"الأوجز\" (^٢)، وتلخيص المذاهب فيه كما في \"جزء الحج\" (^٣): أنه يجوز تركه للرعاة والسقاة عند الشافعية والحنابلة والمالكية، ثم قالت جماعة من المالكية كالدردير بتخصيص الرخصة برعاة الإبل، وهو ظاهر كلام جماعة من الشافعية؛ كأبي إسحاق الشيرازي في \"المهذب\" والغزالي في \"الوجيز\"، وقالت جماعة من المالكية بالتعميم لرعاة الإبل وغيره؛ كابن شاش، وابن الحاجب، وابن عرفة، واختاره الزرقاني، وهل يلحق بهم أهل الأعذار؛ كالمرضى ومن له مال يخاف ضياعه ونحوهم؟ وجهان للشافعية أصحهما: نعم، وهو قول الحنابلة، والثاني: لا، وهو قول المالكية، وهل يختص الحكم بسقاية العباس؟ قال الرافعي: رخصة أهل السقاية لا تختص بالعباسية؛ لأن المعنى يعمهم وغيرهم، وعن مالك وأبي حنيفة أنها تختص بأولاد العباس، وهو وجه لأصحابنا ومنهم من ينقل الاختصاص ببني هاشم، كذا في \"الأوجز\" مع زيادة عن غيره، انتهى.\n\n(١٣٤ -<span data-type='title' id=toc-1304> باب رمي الجمار. . .) إلخ</span>\nغرض الترجمة بيان حكم الرمي أو وقته، أما حكمه فالجمهور على أنه واجب يجبر تركه بدم، وعند المالكية سُنَّة مؤكدة فيجبر، كذا في \"الفتح\"، وعندهم رواية: أن رمي جمرة العقبة ركن يبطل الحج بتركه،\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٥٧٨).\n(^٢) \"الأوجز\" (٨/ ٢٩٢ - ٢٩٨).\n(^٣) \"جزء حجة الوداع\" (ص ٢٢٥).","vol":"3","page":411},{"text":"ومقابله قول بعضهم: إنها إنما تشرع حفظًا للتكبير، وإن تركه وكبَّر أجزأه، حكاه ابن جرير عن عائشة وغيرها، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوأما إن كان غرض الترجمة بيان وقت الرمي فقد تقدم اختلاف الأئمة في وقت رمي يوم النحر بدايةً ونهايةً في \"باب إذا رمى بعد ما أمسى\"، وأما وقت رمي أيام التشريق فهو بعد زوال الشمس، اتفق عليه الأئمة، وخالف أبو حنيفة في اليوم الثالث منها فقال: يجوز فيه الرمي قبل الزوال استحسانًا، وبه قال إسحاق، ورواية لأحمد، وأما آخر وقت الرمي فهو آخر أيام التشريق مع اختلافهم في وقت الاستحباب والكراهة والجواز، ووجوب الدم بالتأخير، كما بسط في \"الأوجز\" (^٢). وتلخيص المذاهب فيه مذكور في \"جزء حجة الوداع\" (^٣) - فارجع إليه لو شئت.\n\n(١٣٥ -<span data-type='title' id=toc-1305> باب رمي الجمار من بطن الوادي)</span>\nقال الحافظ (^٤): كأنه أشار بذلك إلى رد ما رواه ابن أبي شيبة وغيره عن عطاء: \"أن النبي - ﷺ - كان يعلو إذا رمى الجمرة\" لكن يمكن الجمع بينهما بأن التي ترمى من بطن الوادي هي جمرة العقبة لكونها عند الوادي بخلاف الجمرتين الأخريين، فيوضح ذلك قوله في حديث ابن مسعود بعد باب بلفظ: \"حين رمى جمرة العقبة\"، انتهى.\n\n(١٣٦ -<span data-type='title' id=toc-1306> باب رمي الجمار بسبع حصيات. . .) إلخ</span>\nأشار في الترجمة إلى رد ما رواه قتادة عن ابن عمر قال: \"ما أبالي رميت الجمار بست أو سبع\" وأن ابن عباس أنكر ذلك، وقتادة لم يسمع من ابن عمر، أخرجه ابن أبي شيبة من طريق قتادة، وروى من طريق مجاهد: من رمى بست فلا شيء عليه، ومن طريق طاووس: يتصدق بشيء،\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٥٧٩).\n(^٢) \"الأوجز\" (٨/ ٣٠٦ - ٣٠٩).\n(^٣) \"جزء حجة الوداع\" (ص ٢١٨).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٣/ ٥٨٠).","vol":"3","page":412},{"text":"وعن مالك والأوزاعي: من رمى بأقل من سبع وفاته التدارك يجبره بدم، وعن الشافعية: في ترك حصاة مدٌ، وفي ترك حصاتين مدان، وفي ثلاثة فأكثر دم، وعن الحنفية: إن ترك أقل من نصف الجمرات الثلاث فنصف صاع وإلا فدم، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوفي \"القسطلاني\" (^٢): ولا يجزئ بست، وهذا قول الجمهور خلافًا لعطاء في الإجزاء بالخمس ومجاهد بالست، وبه قال أحمد، انتهى.\nوبسط القسطلاني الكلام على مسائل الرمي.\n\n(١٣٧ -<span data-type='title' id=toc-1307> باب من رمى جمرة العقبة وجعل البيت عن يساره)</span>\nوهذا إنما يندب في رمي يوم النحر، أما رمي أيام التشريق فمن فوقها، وقد امتازت جمرة العقبة عن الجمرتين الأخريين بأربعة أشياء اختصاصها بيوم النحر، وأن لا يوقف عندها، وترمى ضحى، ومن أسفلها استحبابًا، وقد اتفقوا على أنه من حيث رماها جاز سواء استقبلها أو جعلها عن يمينه أو يساره أو من فوقها أو من أسفلها أو وسطها، والاختلاف في الأفضل، انتهى [من \"الفتح\"] (^٣).\nوفي \"جزء الحج\" (^٤): حتى أتى جمرة العقبة في أسفل الوادي وجعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه، واستقبل الجمرة، كذا في \"الهدي\" (^٥)، وهو المستحب عند الأئمة الثلاثة، كما بسط في \"الأوجز\" (^٦)، عن كتب فروعهم، وأما عند الحنابلة فالأفضل أن يستقبل القبلة، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٥٨١).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٤/ ٣٠٧).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٣/ ٥٨٢).\n(^٤) \"جزء حجة الوداع\" (ص ١٧٠).\n(^٥) \"زاد المعاد\" (٢/ ٢٣٧).\n(^٦) \"الأوجز\" (٨/ ٣٥١ - ٣٥٥).","vol":"3","page":413},{"text":"(١٣٨ -<span data-type='title' id=toc-1308> باب يكبر مع كل حصاة. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^١): في الحديث مشروعية التكبير عند رمي كل حصاة، وقد أجمعوا على أن من تركه لا يلزمه شيء، إلا الثوري فقالى: يطعم، وإن جبره بدم أحب إليَّ، وعلى الرمي بسبع وقد تقدم ما فيه، انتهى، وقال أيضًا: واستدل به على اشتراط رمي الجمرات واحدةً واحدةً لقوله: \"يكبر مع كل حصاة\" وخالف في ذلك عطاء وصاحبه أبو حنيفة فقالا: لو رمى السبع دفعةً واحدةً أجزأه، انتهى.\nقلت: وما حكاه الحافظ من موافقة الحنفية لقول عطاء فليس بصواب، ففي \"الهداية\" (^٢): ولو رمى بسبع حصيات جملة فهذه واحدة؛ لأن المنصوص عليه تفرق الأفعال، انتهى.\nقلت: وتقدم ما قال بعضهم: إن الرمي إنما شرع حفظًا للتكبير، وإن تركه وكبَّر أجزأه، حكاه ابن جرير عن عائشة وغيرها، فيكون المقصود من الترجمة الرد عليه بأن التكبير مع الرمي لا بدونه.\nقوله: (قاله ابن عمر) فيه أن الوارد في أكثر روايات ابن عمر الآتية لفظ \"إثر كل حصاة\" لا المعية، إلا أن يقال: إنما سيأتي بعد بابين \"يكبر كلما رمى بحصاة\" كالنص على المعية، ولعله هو الغرض من الترجمة من أن المعية هو المرجح، وهو مختار الأئمة الأربعة.\n\n(١٣٩ -<span data-type='title' id=toc-1309> باب من رمى جمرة العقبة ولم يقف. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ: ولا نعرف فيه خلافًا، انتهى.\nقلت: ويشكل على حكاية الإجماع ما في \"الحصن\" برواية ابن أبي شيبة موقوفًا على الحسن البصري: ويدعو عند الجمرات كلها ولا يوقتُ شيئًا، اللهم إلا أن يقال: إنهم لم يلتفتوا إلى خلافه لشذوذه، أو يقال: إن المراد\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٥٨٤).\n(^٢) \"الهداية\" (٢/ ٣٤٩).","vol":"3","page":414},{"text":"ما قاله القاري في \"شرح اللباب\": ولا يقف عندها في جميع أيام الرمي للدعاء بل يدعو بلا وقوف.\nوفي \"المحلى\": السر في الوقوف والدعاء بعد الأوليين دون العقبة أن يقع الدعاء في وسط العبادة، وقيل: إنها وقعت في ممر الناس فكان في الوقوف هناك قطعًا للسبيل على الناس، وعامة أهل العلم على الثاني، وأخذ الأول يعني: وقوع الدعاء في وسط العبادة الحافظ ابن القيم، وصاحب \"الهداية\"، وقال ابن حجر المكي: وما قالوا من ضيق المحل، هذا باعتبار ما كان، ولو علل بالتفاؤل بالقبول مقارنًا للفراغ منها لم يبعد، انتهى من \"جزء الحج\" (^١).\nفيمكن أن يقال: إن المصنف أراد بقوله: \"ولم يقف\" الرد على ما نقل عن الحسن.\nقوله: (قاله ابن عمر. . .) إلخ، سيأتي موصولًا في الباب الذي بعده، وعند أحمد من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده نحوه، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\n\n(١٤٠ -<span data-type='title' id=toc-1310> باب إذا رمى الجمرتين يقوم مستقبل القبلة ويسهل)</span>\nقال الحافظ (^٣): المراد بالجمرتين ما سوى العقبة، وهي التي يبدأ بها في الرمي في أول يوم ثم تصير أخيرة في كل يوم بعد ذلك، وقوله: \"يسهل\" بضم أوله وسكون المهملة، أي: يقصد السهل من الأرض وهو المكان المصطحب الذي لا ارتفاع فيه، انتهى.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٤): يعني بذلك أنه يستقبل القبلة للدعاء بعد رمي الجمرتين، فلا يخالف ذلك ما تقدم من أنه يجعل الكعبة على يساره وقت الرمي، انتهى.\n_________\n(^١) \"جزء حجة الوداع\" (ص ٢٢٠، ٢٢١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٥٨٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٣/ ٥٨٢).\n(^٤) \"اللامع\" (٥/ ٢٤٥).","vol":"3","page":415},{"text":"قلت: وما أفاده الشيخ واضح، ولم يتعرض له الشرَّاح، فللَّه دره، واختلفت الآثار في مقدار القيام عند الجمرتين، فكان ابن مسعود يقف عندها قدر قراءة سورة البقرة مرتين، وعن ابن عمر قدر قراءة سورة البقرة عند الجمرتين، وعنه قدر قراءة سورة يوسف، وكان ابن عباس يقف بقدر قراءة سورة من المئين، ولا توقيف في ذلك عند العلماء، وإنما هو ذكر ودعاء، وإن لم يقف ولم يدع فلا حرج عليه عند أكثر العلماء إلا الثوري فإنه يستحب أن يطعم شيئًا أو يهريق دمًا، انتهى من هامش \"اللامع\" عن \"العيني\" (^١).\nوفي \"جزء الحج\" (^٢) عن الزرقاني: يطيل القيام فيهما إلا أنه في الأولى أكثر، انتهى.\n\n(١٤١ -<span data-type='title' id=toc-1311> باب رفع اليدين عند الجمرة الدنيا والوسطى)</span>\nقال ابن المنذر (^٣): لا أعلم أحدًا أنكر رفع اليدين في الدعاء عند الجمرة إلا ما حكي عن مالك، انتهى.\nورده ابن المنيِّر بأن الرفع لو كان هنا سُنَّة ثابتة ما خفي عن أهل المدينة، وغفل - ﵀ - عن أن الذي رواه من أعلم أهل المدينة من الصحابة في زمانه، وابنه سالم أحد الفقهاء السبعة من أهل المدينة، والراوي عنه ابن شهاب عالم المدينة ثم الشام في زمانه، فمَنْ علماء المدينة إن لم يكونوا هؤلاء؟ والله المستعان، انتهى.\nوفي \"الهداية\" (^٤): ويرفع يديه، لقوله ﵊: \"لا ترفع الأيدي إلا في سبع مواطن\" وذكر من جملتها عند الجمرتين، والمراد رفع الأيدي بالدعاء، انتهى.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٧/ ٣٧٧).\n(^٢) \"جزء حجة الوداع\" (ص ٢١٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٣/ ٥٨٣، ٥٨٤).\n(^٤) \"الهداية\" (٢/ ٣٥٥).","vol":"3","page":416},{"text":"(١٤٢ -<span data-type='title' id=toc-1312> باب الدعاء عند الجمرتين)</span>\nأي: وبيان مقداره، كما في \"الفتح\" (^١).\nوالأوجه عندي: أنه أشار إلى أن المندوب مجرد الطول لا تحديده بسورة البقرة أو المئين أو يوسف ونحوها، كما تقدم قريبًا، انتهى.\nقوله: (قال الزهري. . .) إلخ، قال الحافظ: هو بالإسناد المصدر به الباب، ولا اختلاف بين أهل الحديث أن الإسناد بمثل هذا السياق موصول، وغايته أنه من تقديم المتن على بعض السند، وإنما اختلفوا في جواز ذلك، وأغرب الكرماني فقال: هذا الحديث من مراسيل الزهري، قال الحافظ بعد ما بسط الكلام عليه: وإذا تكلم الرجل في غير فنه أتى بهذه العجائب، انتهى.\nوتعقبه العلامة العيني، كما بسطه القسطلاني (^٢).\n\n(١٤٣ -<span data-type='title' id=toc-1313> باب الطيب بعد رمي الجمار والحلق قبل الإفاضة)</span>\nقال الحافظ (^٣): مطابقة الحديث بالترجمة من جهة أنه - ﷺ - لما أفاض من مزدلفة لم تكن عائشة مسايرته، وقد ثبت أنه استمر راكبًا إلى أن رمى جمرة العقبة، فدل ذلك على أن تطييبها له وقع بعد الرمي، وأما الحلق قبل الإفاضة فلأنه - ﷺ - حلق رأسه بمنى لما رجع من الرمي، وأخذه من حديث الباب من جهة التطيب فإنه لا يقع إلا بعد التحلل، والتحلل الأول يقع بأمرين من ثلاثة: الرمي والحلق والطواف، فلولا أنه حلق بعد أن رمى لم يتطيب، انتهى.\nقلت: هكذا قال الحافظ، وتبعه العلامة القسطلاني (^٤)، وهو مبني على أنه جعل قوله: \"والحلق قبل الإفاضة\" جزءًا مستقلًا، والمعنى أن\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٥٨٤).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٤/ ٣١٤).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٣/ ٥٨٥).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (٤/ ٣١٥).","vol":"3","page":417},{"text":"الحلق يكون قبل طواف الإفاضة، فعلى هذا تكون الترجمة مشتملة على جزئين: كون الطيب بعد الرمي، والثاني: كون الحلق قبل طواف الإفاضة، ولما لم يكن الحديث الذي أخرجه المصنف في الباب مطابقًا للجزء الثاني من الترجمة احتاج الحافظ قُدِّس سِرُّه لإثباته إلى التوجيه كما ترى، والظاهر أن قوله: \"والحلق\" معطوف على الرمي، والغرض من الترجمة بيان أن التطيب يكون بعد الرمي والحلق كليهما، وقبل طواف الإفاضة، وثبوته بحديث الباب ظاهر، كما لا يخفى، هكذا أفاده العزيز مولانا الحاج إنعام الحسن رئيس التبليغ والدعوة، ثم رأيت العلامة العيني (^١) اختار هذا المعنى، فعلى هذا مسألة الباب أعني حل الطيب بعد الرمي والحلق موافقٌ لمذهب الجمهور خلافًا لمالك، وأما على رأي الحافظ؛ أعني: حل الطيب بعد الرمي فقط فلا يوافق أحدًا من الأئمة الأربعة على الراجح عندهم، وذلك لأنهم اختلفوا في التحلل الأصغر بماذا يحصل، فعند مالك التحلل الأصغر يحصل بالرمي فقط، وبالحلق بعد الرمي عند الحنفية، وهما قولان للشافعي وأحمد، ومختار فروعهما، كما في \"الروض المربع\" (^٢) و\"المناسك\" (^٣) للنووي أنه يحصل بالاثنين من الرمي والحلق والإفاضة، فأيّ اثنين منها أتى بهما حصل التحلل الأصغر، ويحصل التحلل الثاني بالعمل الباقي من الثلاثة، وقد تقدم أن الطيب داخل في التحلل الأصغر عند الأئمة الثلاثة دون المالكية، وكذا الصيد غير داخل فيه عند المالكية، فهذا هو تحقيق المذاهب إن شاء الله، كما بسط في \"الأوجز\" (^٤) في عدة مواضع من كتب فروعهم.\n\n(١٤٤ -<span data-type='title' id=toc-1314> باب طواف الوداع)</span>\nقال الحافظ (^٥): قال النووي: طواف الوداع واجب يلزم بتركه دم على\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٧/ ٣٨٠).\n(^٢) \"الروض المربع\" (ص ٢٥٥).\n(^٣) \"كتاب الإيضاح في مناسك الحج والعمرة\" (ص ٣٥١، ٣٥٢).\n(^٤) انظر: \"أوجز المسالك\" (٦/ ٣٦٢، و٤٠٨ - ٤١٧، ٨/ ٣٩٣ - ٣٩٩).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٣/ ٥٨٥).","vol":"3","page":418},{"text":"الصحيح عندنا وهو قول أكثر العلماء، وقال مالك وداود: هو سُنَّة لا شيء في تركه، انتهى.\nوفي \"جزء الحج\" (^١): قال الزرقاني: الوداع بفتح الواو، ويُسمى طواف الصدر بفتح الدال؛ لأنه يصدر عن البيت أي: يرجع إليه، وفي \"الأوجز\": الوداع اسم للتوديع كسلام وكلام، وقال ابن نجيم: له خمسة أسماء: طواف الصدر، وطواف الوداع، وطواف الإفاضة، وطواف الواجب، وطواف آخر عهد بالبيت، انتهى.\nواختلف في المراد بالصدر الذي هو الرجوع، فعندنا هو الرجوع عن أفعال الحج، وعند الشافعي هو الرجوع إلى أهله، ويبتنى عليه أنه لو طاف للصدر ثم أقام بمكة لشغل لم تلزمه الإعادة عندنا خلافًا له، واختلفوا في حكم هذا الطواف على قولين: الأول: الوجوب وهو قول الأئمة الثلاثة، والثاني: أنه سُنَّة وهو قول مالك وداود، انتهى.\n\n(١٤٥ -<span data-type='title' id=toc-1315> باب إذا حاضت المرأة بعد ما أفاضت)</span>\nأي: هل يجب عليها طواف الوداع أو يسقط؟ وإذا وجب هل يجبر بدم أم لا؟ وقد تقدم معنى هذا الترجمة في \"كتاب الحيض\" (^٢) بلفظ \"باب المرأة تحيض بعد الإفاضة\" قال ابن المنذر: قال عامة الفقهاء: ليس على الحائض التي قد أفاضت طواف وداع، وروينا عن عمر وابنه وزيد بن ثابت أنهم أمروها بالمقام إذا كانت حائضًا لطواف الوداع، ثم قال: وقد ثبت رجوع ابن عمر وزيد بن ثابت عن ذلك، وبقي عمر فخالفناه لثبوت حديث عائشة يشير بذلك إلى ما تضمنته أحاديث الباب، انتهى [من \"الفتح\"] (^٣).\nقلت: فالجمهور ومنهم الأئمة الأربعة على سقوطه عن الحائض.\n_________\n(^١) \"جزء حجة الوداع\" (ص ٢٣١).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (١/ ٤٢٨).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٣/ ٥٨٧).","vol":"3","page":419},{"text":"(١٤٦ -<span data-type='title' id=toc-1316> باب من صلى العصر يوم النفر بالأبطح)</span>\nوفي \"جزء حجة الوداع\" (^١): أفاض - ﷺ - يوم الثلثاء إلى المحصب فنزل هناك فصلى بها الظهر إلى العشاء، ورقد رقدة، وقد أجمعت الأئمة الأربعة على استحباب الصلوات الأربع فيها، كما بسط في \"الأوجز\". وفي \"شرح مناسك النووي\": ولا يصلي الظهر بمنى بل يصليها بالمنزل المحصب وغيره، ولو صلاها بمنى جاز، وكان تاركًا للأفضل، انتهى.\nويشكل على هذا أنه لما صلى النبي - ﷺ - الصلوات الأربع من الظهر إلى العشاء في المحصب، وأيضًا صرح باستحبابه أصحاب الفروع من كتب الأئمة الأربعة، فما وجه تخصيص الإمام البخاري العصر في الترجمة؟ مع أن ابتداء الصلوات فيها من الظهر، ولم يتعرض لذلك أحد من الشرَّاح، اللهم إلا أن يقال: إن المصنف راعى في الترجمة اللفظ الوارد في سؤال السائل، فإنه سأل بلفظ: \"أين صلى العصر\" كما في حديث الباب، ولهذا التوجيه نظائر، كما لا يخفى على من أمعن النظر في التراجم، ويمكن أن يقال في توجيه التخصيص بناء على ما يستفاد من \"الأوجز\" وفيه: وفي \"شرح اللباب\" بعد ما ذكر الأفضل أن يصلي به الظهر إلى العشاء: هذا صريح في أنه ينفر من منى قبل أداء صلاة الظهر، وبه صرَّح بعض الشافعية أيضًا، لكنه خلاف ما تقدم من استحباب تقديم الظهر على الرمي مطلقًا، انتهى من \"الأوجز\" (^٢).\nفعلى هذا أول صلاة في المحصب عند الشافعية العصر، لكنه خلاف المعروف المصرح من مذهبهم، كما تقدم عن النووي وغيره، والله المستعان.\n_________\n(^١) \"جزء حجة الوداع\" (ص ٢٢٧ - ٢٣٠).\n(^٢) \"الأوجز\" (٨/ ٢٩١).","vol":"3","page":420},{"text":"(١٤٧ -<span data-type='title' id=toc-1317> باب المحصب)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): والمراد بالمحصب والأبطح والبطحاء وذي طوى وخيف بني كنانة ها هنا واحد، انتهى.\nوفي هامشه: قال الحافظ: أي ما حكم النزول به؟ وقد نقل ابن المنذر الاختلاف في استحبابه مع الاتفاق على أنه ليس من المناسك، انتهى.\nوبسط الكلام على الاختلاف في ذلك في \"الأوجز\" مع ذكر الروايات المختلفة في هذا الباب، وفيه: قال النووي في \"شرح مسلم\": مذهب الشافعي ومالك والجمهور استحبابه اقتداءً برسول الله - ﷺ - والخلفاء الراشدين وغيرهم، وأجمعوا على أن من تركه لا شيء عليه، وقال ابن القيم: قد اختلف السلف في التحصيب هل هو سُنَّة أو منزل اتفاقي؟ على القولين، وفي \"المدونة\": استحب مالك لمن يقتدى به أن لا يدع النزول بالأبطح، ووسمع لمن لا يقتدى به تركه، انتهى.\nقلت: واستحبابه عندهم مقيد بقيدين، قال الدردير: هذا إذا كان غير متعجل ولم يكن رجوعه يوم جمعة، وإلا فلا يندب، انتهى.\nوفي \"الهداية\": كان نزوله - ﷺ - قصدًا، وهو الأصح حتى يكون النزول به سُنَّة، وقال الشيخ في \"الكوكب\": النزول فيه ليس مما يتعلق بالحج وإنما هو سُنَّة على حدة، فما قيل: التحصيب ليس بشيء أريد به في الحج، وحيث ما قيل: التحصيب سُنَّة، فالمراد على إفراز من الحج وعلى حدة، انتهى.\nقلت: وظاهر ما ذكره المصنف من الروايات إنه ذهب إلى أنه منزل اتفاقي.\n_________\n(^١) \"اللامع\" (٥/ ٢٥٢).","vol":"3","page":421},{"text":"(١٤٨ -<span data-type='title' id=toc-1318> باب النزول بذي طوى قبل أن يدخل مكة والنزول بالبطحاء التي بذي الحليفة)</span>\nأي: قبل أن يدخل المدينة، والمقصود بهذه الترجمة الإشارة إلى أن اتباعه - ﷺ - في النزول بمنازله لا يختص بالمحصب، وقد تقدم الكلام على مكان الدخول إلى مكة في أوائل \"الحج\"، والنزول ببطحاء ذي الحليفة صريح في حديث الباب، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nقلت: تقدم في أول \"كتاب الحج\" \"باب من أين يدخل مكة؟ \" وإليه أشار الحافظ في كلامه، وتقدم أيضًا \"باب من أين يخرج من مكة؟ \" والأوجه عندي: أنه أشار بذلك إلى أن النزول بالمحصب الذي في الباب السابق ليس من المناسك، فإنه ﵊ نزل بذي طوى البطحاء الذي بمكة، وبالذي بالمدينة، فهذه المنازل كلها سواء، فتأمل.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): قوله: \"البطحاء التي بذي الحليفة\" لما كان المتبادر من البطحاء هو المحصب وكان المقصود إثبات أن نزول البطحاء التي بذي الحليفة على قرب المدينة سُنَّة أيضًا بيَّن بزيادة الموصول ما هو مراده بالبطحاء، انتهى.\nوفي هامشه: قال العيني: واحترز به عن البطحاء التي بين مكة ومنى، والبطحاء التي بذي الحليفة معروفة عند أهل المدينة وغيرهم بالمعرس، انتهى.\nومطابقة الحديث الأول بالترجمة ظاهر، لكن لا مطابقة بين الحديث الثاني وبين الترجمة، كما قال العلامة العيني (^٣)، إذ فيه ذكر المحصب دون ذي طوى، ولم يتعرض له الحافظ ولا القسطلاني، نعم تعرض له العيني فارجع إليه.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٥٩٢).\n(^٢) \"اللامع\" (٥/ ٢٥٣).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٧/ ٣٩٣).","vol":"3","page":422},{"text":"(١٤٩ -<span data-type='title' id=toc-1319> باب من نزل بذي طوى إذا رجع من مكة)</span>\nقال الحافظ (^١): تقدم الكلام على النزول بذي طوى والمبيت بها إلى الصبح لمن أراد أن يدخل مكة في أوائل \"الحج\" (^٢)، والمقصود بهذه الترجمة مشروعية المبيت بها أيضًا للراجع من مكة، وغفل الداودي فظن أن هذا المبيت متحد بالمبيت بالمحصب فجعل ذا طوىً هو المحصب، وهو غلط منه، وإنما يقع المبيت بالمحصب في الليلة التي تلي يوم النفر من منى فيصبح سائرًا إلى أن يصل إلى ذي طوى فينزل بها ويبيت، فهذا الذي يدل عليه سياق حديث الباب، انتهى.\nقلت: وقد تقدم في أوائل \"الحج\" تبويب المصنف \"باب من بات بذي الحليفة حتى أصبح\"، وهو الذي أشار إليه الحافظ في كلامه.\n\n(١٥٠ -<span data-type='title' id=toc-1320> باب التجارة أيام الْمَوْسِمِ. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٣): أي: جواز ذلك، والموسم وبفتح الميم وسكون الواو وكسر المهملة، قال الأزهري: سمي بذلك لأنه معلم يجتمع إليه الناس مشتق من السمة وهي العلامة، ثم قال تحت حديث الباب: واستدل به على جواز البيع والشراء للمعتكف قياسًا على الحج، والجامع بينهما العبادة، وهو قول الجمهور: وعن مالك كراهة ما زاد على الحاجة كالخبز إذا لم يجد من يكفيه، وكذا كرهه عطاء ومجاهد والزهري، ولا ريب أنه خلاف الأولى، والآية إنما نفت الجناح ولا يلزم من نفيه نفي أولوية مقابله، والله أعلم.\n\n(١٥١ -<span data-type='title' id=toc-1321> باب الادِّلاج من المحصب)</span>\nقال الحافظ (^٤): وقع في رواية لأبي ذر الإدلاج بسكون الدال\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٥٩٣).\n(^٢) انظر: \"صحيح البخاري\" (ح ١٥٥٣).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٣/ ٥٩٣ - ٥٩٥).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٣/ ٥٩٥).","vol":"3","page":423},{"text":"والصواب تشديدها، فإنه بالسكون: سير أول الليل، وبالتشديد: سير آخره، وهو المراد ها هنا، والمقصود الرحيل من مكان المبيت بالمحصب سحرًا، وهو الواقع في قصة عائشة، ويحتمل أن تكون الترجمة لأجل رحيل عائشة مع أخيها للاعتمار، فإنها رحلت معه من أول الليل وقصد المصنف التنبيه على أن المبيت ليس بلازم، وأن السير من هناك من أول الليل جائز، انتهى.\nزاد القسطلاني (^١): قيل: إن كلًّا من الفعلين يستعمل في مسير الليل كيف كان والأكثرون على الأول، انتهى.\n* * *\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٤/ ٣٣٠).","vol":"3","page":424},{"text":"٢٦ -<span data-type='title' id=toc-1322> أبوابُ العُمرة</span>\nهي لغةً: الزيارة، وقيل: القصد، وقال الراغب (^١): العمارة: نقيض الخراب، والاعتمار والعمرة: الزيارة التي فيها عمارة الود، وجعل في الشريعة للقصد المخصوص، انتهى.\nوفي \"الفتح\" (^٢): قيل: إنها مشتقة من عمارة المسجد الحرام، انتهى.\nوفي الشرع: زيارة البيت الحرام بكيفية خاصة وشروط مخصوصة، انتهى ما في \"الأوجز\" (^٣).\nوفي \"الدر المختار\" (^٤): هي إحرام وطواف وسعي وحلق أو تقصير، فالإِحرام شرط، ومعظم الطواف ركن، وغيرهما واجب، انتهى من هامش \"اللامع\" (^٥) ملخصًا.\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-1323> باب وجوب العمرة وفضلها. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٦): جزم المصنف بوجوب العمرة، وهو متابع في ذلك للمشهور عن الشافعي وأحمد وغيرهما من أهل الأثر، والمشهور عن المالكية: أن العمرة تطوع، وهو قول الحنفية، وذهب ابن عباس - ﵄ - وعطاء وأحمد إلى أن العمرة لا تجب على أهل مكة وإن وجبت على غيرهم، انتهى.\nوفي هامش \"اللامع\" (^٧): واختلفت نقلة المذاهب في بيان مسالك\n_________\n(^١) \"مفردات القرآن\" (ص ٥٨٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٥٩٧).\n(^٣) \"أوجز المسالك\" (٧/ ٥).\n(^٤) \"الدر المختار\" (١/ ١٦٢).\n(^٥) \"لامع الدراري\" (٥/ ٢٥٧).\n(^٦) \"فتح الباري\" (٣/ ٥٩٧).\n(^٧) \"لامع الدراري\" (٥/ ٢٥٧).","vol":"3","page":425},{"text":"الأئمة في ذلك، ولعل ذلك لاختلاف الروايات عنهم. . .، إلى آخر ما فيه. وعند الحنفية فيه أيضًا قولان أشهرهما السُّنِّية، وفي \"مراقي الفلاح\" (^١): العمرة سُنَّة، قال الطحطاوي: أي: مؤكدة على المذهب، وصحح في \"الجوهرة\" وجوبها، انتهى.\nقلت: لفظ الترجمة ها هنا نظير ما تقدم في أوائل \"الحج\" من قوله: \"باب وجوب الحج وفضله\"، وتقدم الكلام هناك في إثبات الفضل وما هو الأوجه عندي، ثم لا يشكل قوله: \"وفضله\"، فإن الفضل لا ينافي الوجوب، بل الوجوب مستلزم للفضل كما تقدم هناك عن العلامة السندي (^٢)، فارجع إليه.\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-1324> باب من اعتمر قبل الحج)</span>\nأي: هل تجزئه العمرة أم لا؟ انتهى من \"الفتح\" (^٣).\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٤): يعني بذلك أن ما ورد من النهي عن تقديم العمرة على الحجة، فإنما هو أدب وإرشاد لما هو الأفضل؛ لأن في تقديم العمرة على الحجة مظنة فوات الحجة لبعد المسافة في العادة، وكثرة المشاغل العائقة عن المعاودة، ولعله لا يوفق للمعاودة ثانيًا فيحج معِ أن الحجة وهي فريضة أولى بالتقديم، والمبادرة إليها من العمرة وهي سُنَّة.\nوأما الجواز لو قدمها عليها فغير منكر ولا مبرهن على عدمه، كيف! وقد قدَّم النبي - ﷺ - عمرته على حجته، وهذا الاحتجاج بفعله - ﷺ - إنما يتم لو كان فرض الحج قبل عمرته، فأما عند من قال: إنه فرض في السنة التاسعة، فلا يمكن أن يستدل بفعله، انتهى.\n_________\n(^١) (ص ٤٨٤).\n(^٢) \"حاشية السندي على صحيح البخاري\" (١/ ٢٦٤).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٣/ ٥٩٩).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٥/ ٢٦٠).","vol":"3","page":426},{"text":"وفي هامشه تحت قول الشيخ: إن ما ورد من النهي. . . إلخ: أخرجه أبو داود (^١) عن سعيد بن المسيب \"أن رجلًا من أصحاب النبي - ﷺ - أتى عمر بن الخطاب فشهد عنده أنه سمع رسول الله - ﷺ - في المرض الذي قبض فيه ينهى عن العمرة قبل الحج\"، قال الخطابي (^٢): في إسناد هذا الحديث مقال، وقد اعتمر رسول الله - ﷺ - عمرتين قبل حجه، والأمر الثابت المعلوم لا يترك بالأمر المظنون، وجواز ذلك إجماع من أهل العلم، وقد يحتمل أن يكون النهي عنه اختيارًا واستحبابًا، وأنه إنما أمر بتقديم الحج؛ لأنه أعظم الأمرين وأهمهما، ووقته محصور، والعمرة ليس لها وقت موقت، انتهى.\nوهكذا في \"الأوجز\" (^٣) عن ابن عبد البر إذ قال: هو أمر مجمع عليه، لا خلاف بين العلماء فيه، انتهى.\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-1325> باب كم اعتمر النبي - ﷺ </span>-؟)\nاختلفت الروايات فيه، والمعروف أنه - ﷺ - اعتمر أربع عمرات، ففي \"سنن أبي داود\" (^٤): وعن ابن عباس قال: \"اعتمر رسول الله - ﷺ - أربع عمر: عمرة الحديبية، والثانية حين تواطئوا على عمرة من قابل، والثالثة من الجعرانة، والرابعة التي قرن مع حجته\" كما في حديث الباب عن أنس - ﵁ - مع ألفاظ مختلفة.\nوفي \"الفيض\" (^٥): اختلفت الرواة في تعديدها، فبعضهم لم يعدوا عمرة الحديبية لعدم تماميتها، وبعضهم لم يعدوا عمرة الجعرانة لكونها في سواد الليل، ومنهم من لم يعد العمرة مع حجته لعدم تميزها من حجته، فهذه اعتبارات أن ذلك اختلاف، انتهى.\n_________\n(^١) \"سنن أبي داود\" (ح: ١٧٩٣).\n(^٢) \"معالم السنن\" (٢/ ١٦٦).\n(^٣) \"أوجز المسالك\" (٦/ ٦٠١).\n(^٤) \"سنن أبي داود\" (ح: ١٩٩٣).\n(^٥) \"فيض الباري\" (٣/ ١٢٥).","vol":"3","page":427},{"text":"قلت: وقد خفي على ابن عمر عمرة الجعرانة ولذا أنكره هو ومولاه نافع، فقد أخرج البخاري (^١) من طريق أيوب عن نافع قال: لم يعتمر رسول الله - ﷺ - من الجعرانة ولو اعتمر لم يخف على عبد الله، وأخرج مسلم (^٢) من هذا الوجه عن نافع قال: ذكر عند ابن عمر عمرة رسول الله - ﷺ - من الجعرانة، فقال: لم يعتمر منها، قال النووي (^٣): هذا محمول على نفي علمه، أي: أنه لم يعلم ذلك، وقد ثبت أن النبي - ﷺ - اعتمر من الجعرانة، والإثبات مقدم على النفي، وقد ذكر مسلم في \"كتاب الحج\" اعتمار النبي - ﷺ - من الجعرانة عام حنين من رواية أنس، انتهى من \"جزء عمرات النبي - ﷺ -\" (^٤).\nوقال الحافظ (^٥): أورد في الباب حديث عائشة وابن عمر في أنه اعتمر أربعًا، وكذا حديث أنس، وختم بحديث البراء أنه اعتمر مرتين، والجمع بينه وبين أحاديثهم أنه لم يعدَّ العمرة التي قرنها بحجته؛ لأن حديثه مقيد بكون ذلك وقع في ذي القعدة، والتي في حجته كانت في ذي الحجة، وكأنه لم يعد أيضًا التي صدّ عنها وإن كانت وقعت في ذي القعدة، أو عدّها ولم يعد عمرة الجعرانة لخفائها عليه كما خفيت على غيره، إلى آخر ما قال.\nوفي \"جزء حجة الوداع\" (^٦) بعد بسط الكلام: فالحاصل أن من قال: اعتمر أربعًا عدّ فيهن الحديبية أيضًا؛ لأن فيها ثبتت أحكام العمرة الكثيرة من الإحرام والاصطياد، والطيب وغيرها، وأما من قال: اعتمر ثلاثًا فيحتمل أنه لم يعد عمرة الحج لكونها داخلة في الحج، أو عمرة الجعرانة لخفائها لكونها في الليل، أو لم يعد فيها عمرة الحديبية لكونها لم تكمل، وأما من قال: اعتمر مرتين فلم يعد فيها عمرة الحج وعمرة الحديبية، بل\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (ح: ٣١٤٤).\n(^٢) \"صحيح مسلم\" (ح: ١٦٥٦).\n(^٣) \"شرح صحيح مسلم\" (٦/ ١٤٠).\n(^٤) (ص ٣٧١).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٣/ ٦٠٠).\n(^٦) \"حجة الوداع وجزء عمرات النبي - ﷺ -\" (ص ٢٦٨).","vol":"3","page":428},{"text":"عد العمرتين المفردتين التامتين، أو لعله لم يعد الجعرانة لخفائها عليه، انتهى.\nقوله: (إحداهن في رجب. . .) إلخ، وظاهره أن الخلاف في الشهر، وعند أبي داود: عن ابن عمر أنه اعتمر مرتين فبلغ ذلك عائشة فقالت: اعتمر أربع عمر، الحديث، وظاهره أن الخلاف في العدد، ويمكن تعدد السؤال، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nقوله: (حدثنا همام وقال: اعتمر. . .) إلخ، قال الحافظ (^٢): أي: بالإسناد المذكور، وهو \"عن قتادة أن أنس بن مالك أخبره. . .\" إلخ، وكذا ساقه مسلم، انتهى.\n\n(٤ -<span data-type='title' id=toc-1326> باب عمرة في رمضان)</span>\nقال الحافظ (^٣): كذا في جميع النسخ ولم يصرح في الترجمة بفضيلة ولا غيرها، ولعله أشار إلى ما روي عن عائشة قالت: \"خرجت مع رسول الله - ﷺ - في عمرة رمضان، فأفطر وصمت، وقصر وأتممت\" الحديث، أخرجه الدارقطني وقال: إسناده حسن، وقال صاحب \"الهدي\": إنه غلط؛ لأن النبي - ﷺ - لم يعتمر في رمضان. قال الحافظ: ويمكن حمله على أن قولها: \"في رمضان\" متعلق بقولها: \"خرجت\" ويكون المراد سفر فتح مكة، فإنه كان في رمضان، واعتمر النبي - ﷺ - في تلك السنة من الجعرانة لكن في ذي القعدة كما تقدم، وقد رواه الدارقطني بإسناد آخر لم يقل فيه في رمضان، انتهى.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٤): هذه الرواية التي أوردها المؤلف في هذا الباب أصح ما يروى في ذلك الباب، فما رواه أبو داود من قصة هذه المرأة إما يرجع إلى ما رواه المؤلف أو ينسب إلى الخطأ، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٦٠١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٦٠٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٣/ ٦٠٣).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٥/ ٢٦٥ - ٢٦٧).","vol":"3","page":429},{"text":"وفي هامشه: وهذا مبني على ما قيل: إن أم سنان وأم معقل واحدة، وأما نسبة الخطأ فلعله للاضطراب في روايتها، والأوجه عند العبد الضعيف أنها وقائع عديدة، إلى آخر ما بسط فيه.\nقوله: (سماها ابن عباس) كما سيأتي في \"باب حج النساء\"، وعلم منه أن الناسي ابن جريج.\n\n(٥ -<span data-type='title' id=toc-1327> باب العمرة ليلة الحصبة)</span>\nقال الحافظ (^١): المراد بها ليلة المبيت بالمحصب، وقد سبق الكلام على التحصيب في أواخر أبواب الحج، قال ابن بطال: فقه هذا الباب أن الحاج يجوز له أن يعتمر إذا تم حجه بعد انقضاء أيام التشريق، وليلة الحصبة هي ليلة النفر الأخير؛ لأنها آخر أيام الرمي، واختلف السلف في العمرة أيام الحج، فروى عبد الرزاق بإسناده عن عمر أنه قال: هي خير مِنْ لا شيء، وقال على نحوه، وقالت عائشة: العمرة على قدر النفقة، وأشارت بذلك إلى أن الخروج لقصد العمرة من البلد إلى مكة أفضل من الخروج من مكة إلى أدنى الحلل، انتهى، وبسط الكلام عليه في \"اللامع\" (^٢) وهامشه.\n\n(٦ -<span data-type='title' id=toc-1328> باب عمرة التنعيم)</span>\nقد تقدم في \"باب مهل أهل مكة للحج والعمرة\" أن ميل المصنف على خلاف مسلك الجمهور إلى أن ميقات المكي للحج والعمرة هي مكة، فلعل غرضه بهذه الترجمة ها هنا الإشارة إلى أن إحرام العمرة من مكة وإن كان جائزًا لكن الأفضل له الخروج إلى التنعيم؛ لأن الأجر بقدر النصب، كما\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٦٠٥).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٥/ ٢٦٧).","vol":"3","page":430},{"text":"سيأتي \"باب أجر العمرة على قدر النصب\" لكن يشكل على هذا التكرار، فالأوجه أن يقال: إن الغرض ها هنا إثبات جوازه، فقد حكى ابن قدامة (^١) عن طاووس: الذين يعتمرون من التنعيم لا أدري يؤجرون أو يعذبون.\n\n(٧ -<span data-type='title' id=toc-1329> باب الاعتمار بعد الحج بغير هدي)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): يعني بذلك أن الحج والعمرة لو اجتمعا في السفر، وكانت العمرة متأخرة عن الحج لم يكن ذلك تمتعًا، كما وقع لعائشة - ﵂ -، ولذلك لم يكن في حجها ولا عمرتها هدي لعدم المتعة والقران، ولم تكن فيهما جناية أيضًا، وأما رفض عمرتها الأولى التي كانت قدمت بها وجوب الدم برفضها، فغير متعرض بها نفيًا ولا إثباتًا، انتهى.\nوعلى ما أفاده الشيخ قُدِّس سِرُّه يمكن أن يقال: إن الترجمة شارحة، فأفاد المصنف بالترجمة أن قولها: \"ولم يكن في شيء من ذلك هدي ولا صدقة. . .\" إلخ، محمول على العمرة التي تكون بعد الحج، فإنها ليست بالتمتع الاصطلاحي.\nوفي هامشه: قال الحافظ (^٣): كأنه يشير بذلك إلى أن اللازم من قول من قال: إن أشهر الحج شوال وذو القعدة وذو الحجة بكماله كما هو منقول في رواية عن مالك وعن الشافعي أيضًا، ومن أطلق أن التمتع هو الإحرام بالعمرة في أشهر الحج كما نقل ابن عبد البر فيه الاتفاق فقال: لا خلاف بين العلماء أن التمتع المراد بقول الله تعالى ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦] هو الاعتمار في أشهر الحج قبل الحج أن من أحرم بالعمرة في ذي الحجة بعد الحج فعليه الهدي، وحديث الباب دال على خلافه، لكن القائل بأن ذا الحجة كله من أشهر الحج يقول: إن التمتع هو الإحرام بالعمرة في أشهر الحج قبل الحج فلا يلزمهم ذلك، انتهى.\n_________\n(^١) \"المغني\" (٥/ ١٧).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٥/ ٢٧٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٣/ ٦٠٩).","vol":"3","page":431},{"text":"وقال العيني (^١): وكانت عمرتها بعد انقضاء الحج، ولا خلاف بين العلماء أن من اعتمر بعد انقضاء الحج وخروج أيام التشريق أنه لا هدي عليه في عمرته؛ لأنه ليس بمتمتع، انتهى.\n\n(٨ -<span data-type='title' id=toc-1330> باب أجر العمرة على قدر النصب)</span>\nقد تقدم قبل باب أن الغرض من هذه الترجمة أن إحرام العمرة وإن جاز من مكة لكن الأفضل الخروج إلى التنعيم.\nقال الحافظ (^٢): قوله: \"على قدر نفقتك أو نصبك\" قال الكرماني: \"أو\" إما للتنويع في كلام النبي - ﷺ - وإما شك من الراوي، والمعنى أن الثواب في العبادة يكثر بكثرة النصب أو النفقة، والمراد النصب الذي لا يذمه الشرع وكذا النفقة، قاله النووي، انتهى.\nواستدل به على أن الاعتمار لمن كان بمكة من جهة الحل القريبة أقل أجرًا من الاعتمار من جهة الحل البعيدة وهو ظاهر هذا الحديث، وقال الشافعي في \"الإملاء\": أفضل بقاع الحل للاعتمار الجعرانة؛ لأن النبي - ﷺ - أحرم منها، ثم التنعيم لأنه أذّن لعائشة منها، قال: وإذا تنحى عن هذين الموضعين فأين أبعد حتى يكون أكثر لسفره كان أحب إلي.\nوحكى الموفق في \"المغني\" عن أحمد: أن المكي كلما تباعد في العمرة كان أعظم لأجره، وقال الحنفية: أفضل بقاع الحل للاعتمار التنعيم، ووافقهم بعض الشافعية والحنابلة، ووجهه ما قدمناه أنه لم ينقل أن أحدًا من الصحابة في عهد النبي - ﷺ - خرج من مكة إلى الحل ليحرم بالعمرة غير عائشة، وأما اعتماره - ﷺ - من الجعرانة فكان حين رجع من الطائف مجتازًا إلى المدينة، إلى آخر ما قال.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٧/ ٤٢٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٦١١).","vol":"3","page":432},{"text":"(٩ -<span data-type='title' id=toc-1331> باب المعتمر إذا طاف طواف العمرة. . .) إلخ</span>\nقال ابن بطال: لا خلاف بين العلماء أن المعتمر إذا طاف فخرج إلى بلده أنه يجزئه من طواف الوداع، كما فعلت عائشة، انتهى.\nوكأن البخاري لما لم يكن في حديث عائشة التصريح بأنها ما طافت للوداع بعد طواف العمرة لم يبت الحكم في الترجمة، وأيضًا فإن قياس من يقول: إن إحدى العبادتين لا تندرج في الأخرى أن يقول بمثل ذلك هنا، انتهى [من \"الفتح\"] (^١).\n\n(١٠ -<span data-type='title' id=toc-1332> باب يفعل بالعمرة ما يفعل بالحج)</span>\nقال الحافظ (^٢): أي: من التروك لا من الأفعال، أو المراد بعض الأفعال لا كلها، والأول أرجح لما يدل عليه سياق حديث يعلى بن أمية، انتهى.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): يعني به الأمور المشتركة بينهما التي ليست خواص الحج، لا أن كل ما يفعل في الحج يفعل في العمرة، انتهى.\n\n(١١ -<span data-type='title' id=toc-1333> باب متى يحل المعتمر؟. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٤): أشار بهذه الترجمة إلى مذهب ابن عباس، وقد تقدم القول فيه، قال ابن بطال: لا أعلم خلافًا بين أئمة الفتوى أن المعتمر لا يحل حتى يطوف ويسعى، إلا ما شذ به ابن عباس فقال: \"يحل من العمرة بالطواف\" ووافقه إسحاق بن راهويه، ونقل عياض عن بعض أهل العلم أن بعض الناس ذهب إلى أن المعتمر إذا دخل الحرم حل وإن لم يطف ولم يسع، وله أن يفعل كل ما حرم على المحرم، ويكون الطواف والسعي في حقه كالرمي والمبيت في حق الحاج، وهذا من شذوذ المذاهب وغرائبها، انتهى، وتقدم الكلام على المسألة في \"باب من طاف بالبيت إذا قدم مكة\".\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٦١٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٦١٤).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٥/ ٢٧٤).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٣/ ٦١٦).","vol":"3","page":433},{"text":"قوله: (فاعتمرت أنا وأختي عائشة والزبير) كتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): وقد ثبت أن الزبير كان معه في حجة الوداع هدي، وأن عائشة قضت عمرتها للحيض، ولم تحل بالطواف، ولم يصح قول أسماء بإدخالهما في الجماعة: \"إنا لما مسحنا البيت حللنا\"، فلا بد من تأويل، فأما أن يقال: إن المراد بضمير المتكلم في قولها: \"فلما مسحنا البيت أحللنا\" غير الزبير وعائشة، وذلك غير مستبعد لأن المتكلم كثيرًا ما يذكر قومًا، ثم يأخذ في قصة هي غير شاملة بجميع من ذكره قبل ذلك، وإنما المراد بها بعضهم، ويمكن أن يقال: قوله: \"فاعتمرت أنا وأختي. . .\" إلخ، ليس بيانًا لحجة الوداع، وإنما هو ابتداء قصة وقعت في زمان بعد النبي - ﷺ -، انتهى، وبسط الكلام عليه في هامشه.\n\n(١٢ -<span data-type='title' id=toc-1334> باب ما يقول إذا رجع من الحج. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٢): أورد المصنف هنا تراجم تتعلق بآداب الراجع من السفر لتعلق ذلك بالحاج والمعتمر، وهذا في حق المعتمر الآفاقي، وقد ترجم لحديث الباب حديث ابن عمر في \"الدعوات\" ما يقول إذا أراد سفرًا أو رجع، انتهى.\n\n(١٣ -<span data-type='title' id=toc-1335> باب استقبال الحاجِّ القادمين والثلاثة على الدابة)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): والأظهر أن \"الحاج\" مفعول مقدم، و\"القادمين\" مع ما عطف عليه من \"الثلاثة\" فاعل له، ودلالة الرواية على استقبال الثلاثة من حيث إن المذكور فيها لفظ \"الأغيلمة\"، وهو يصدق على الثلاثة من غير تكلف، ويمكن أن يقال: المعنى باب في بيان استقبال الرجلين حاجًا، وفي بيان ركوب الثلاثة على دابة، انتهى.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٥/ ٢٧٥، ٢٧٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٦١٩).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٥/ ٢٧٧، ٢٧٨).","vol":"3","page":434},{"text":"وفي هامشه: اختلفوا في ضبط هذه الترجمة والمراد بها، قال الكرماني (^١): \"القادمين\" بالجمع صفة لـ \"الحاج\"؛ لأن الحاج في معنى الجمع، ولفظ \"الثلاثة\" عطف على الاستقبال، وفي بعضها مضافًا إلا الغلامين، وفي بعضها القادمين، وتوجيهه مع إشكاله أن يقرأ الحاج بالنصب، ويكون استقبال مضافًا إلى الغلامين، نحو قوله تعالى: ﴿قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٧] بنصب أولادهم وجر الشركاء، أو يكون الاستقبال مضافًا إلى الحاج، والغلامين مفعول، فإن قلت: لفظ \"استقبله\" يفيد عكس ذلك الاستقبال، قلت: الاستقبال إنما هو من الطرفين، انتهى.\nوتبع العيني كلام الكرماني وقال: قوله: \"وفي بعضها الغلامين\"، أي: وفي بعض النسخ: باب استقبال الحاج الغلامين. وقال القسطلاني (^٢): قوله: \"القادمين\" أي: إلى مكة بكسر الميم وفتح النون بصيغة الجمع صفة للحاج لإطلاقه على المفرد والجمع، واستقبال مصدر مضاف إلى مفعوله، ولأبي ذر: \"القادمين\" بفتح الميم بصيغة التثنية، و\"الثلاثة\" بالجر كما في بعض الأصول عطفًا على استقبال، أي: واستقبال الثلاثة، وفي اليونينية: والثلاثة بالنصب، أي: واستقبال الحاج الثلاثة حال كونهم \"على الدابة\" والاستقبال يكون من الطرفين لأن من استقبلك فقد استقبلته. . .، إلى آخر ما قال.\nوقال الحافظ (^٣): اشتملت هذه الترجمة على حكمين، ودلالة حديث الباب على الثاني ظاهرة، وقد أفردها بالذكر قبيل \"كتاب الأدب\"، وأورد فيها هذا الحديث بعينه، وأما الحكم الأول فأخرجه من حديث الباب بطريق العموم؛ لأن قدومه - ﷺ - مكة أعم من أن يكون في حجة أو عمرة أو غزو، وقوله: \"القادمين\" صفة للحاج، وكون الترجمة لتلقي القادم من الحج، والحديث دال على تلقي القادم للحج ليس بينهما تخالف لاتفاقهما من حيث المعنى، انتهى.\n_________\n(^١) \"شرح الكرماني\" (٩/ ١٧).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٤/ ٣٦٧).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٣/ ٦١٩).","vol":"3","page":435},{"text":"قلت: وهذا أوجه عندي فإن غرض المصنف من الترجمة كما هو ظاهر من سياق التراجم هو استقبال الناس للحاج القادمين من مكة، واستنبطه الإمام البخاري من استقبال الناس للقادم إلى مكة، ولا يبعد عندي أن المصنف أشار إلى رد ما حكي عن الإمام أحمد: يشيع الرجل إذا خرج، ولا يتلقونه، كذا في \"المغني\" (^١). وفي \"نيل المآرب\": سن تشييع الغازي لا تلقيه، كذا في \"الأوجز\" (^٢). والجزء الثاني للترجمة إنما ذكره الإمام البخاري ها هنا استطرادًا، وقال الحافظ (^٣): أخرج الطبراني في \"الأوسط\" عن جابر: \"نهى رسول الله - ﷺ - أن يركب ثلاثة على دابة\" وسنده ضعيف، قال النووي (^٤): مذهبنا ومذاهب العلماء كافة جواز ركوب ثلاثة على دابة إذا كانت مطيقة، وحكى القاضي عياض (^٥) منعه عن بعضهم مطلقًا، وهو فاسد، قال الحافظ: لم يصرح أحد بالجواز مع العجز، ولا بالمنع مع الطاقة، بل المنقول من المطلق في المنع والجواز محمول على المقيد، انتهى.\n\n(١٤ -<span data-type='title' id=toc-1336> باب القدوم بالغداة)</span>\nتقدم قبل باب عن الحافظ (^٦): أن هذه التراجم تتعلق بآداب الراجع من السفر، ومطابقة حديث الباب بالترجمة ظاهرة.\n\n(١٥ -<span data-type='title' id=toc-1337> باب الدخول بالعشي)</span>\nقال الجوهري: العشية من صلاة المغرب إلى العتمة، وقيل: هي من حين الزوال، قال الحافظ: والمراد هنا الأول، وكأنه عقب الترجمة الأولى بهذه ليبين أن الدخول في الغداة لا يتعين، وإنما المنهي عنه الدخول\n_________\n(^١) \"المغني\" (١٣/ ١٧).\n(^٢) \"أوجز المسالك\" (٩/ ٦٦).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٠/ ٥٩٥، ٥٩٦).\n(^٤) \"المنهاج\" (١٤/ ١٦٥).\n(^٥) \"الإكمال\" (٧/ ٧٧).\n(^٦) \"فتح الباري\" (٣/ ٦١٩).","vol":"3","page":436},{"text":"ليلًا، وقد بيَّن علة ذلك في حديث جابر حيث قال: \"لتمتشط الشعثة\" الحديث، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(١٦ -<span data-type='title' id=toc-1338> باب لا يطرق أهله)</span>\nأي: لا يدخل عليهم ليلًا إذا قدم من سفر، يقال: طرق يطرق بضم الراء، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\nقوله: (إذا بلغ المدينة) والمراد بالمدينة البلد الذي يقصد دخولها.\n\n(١٧ -<span data-type='title' id=toc-1339> باب من أسرع ناقته)</span>\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): وكذلك الحكم في غير المدينة من الديار المرغوبة فيها والأوطان المحببة فيها، انتهى.\nوفي هامشه: وإليه مال الحافظ إذ قال: وفي حديث الباب دلالة على فضل المدينة وعلى مشروعية حب الوطن والحنين إليه، انتهى.\nوالظاهر من سياق الروايات حب البلدة الطاهرة الطيبة على صاحبها ألف ألف صلاة وتحية.\n\n(١٨ -<span data-type='title' id=toc-1340> باب قول الله تعالى: (﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ [البقرة:</span> ١٨٩])\nأي: بيان نزول هذه الآية، كذا في \"الفتح\" (^٤)، قال القسطلاني (^٥): تحت قوله: \"نزلت هذه الآية فينا\" ظاهره أنه مخصوص بالأنصار، وروى الحاكم وابن خزيمة في \"صحيحيهما\": كانت قريش تُدْعَى الحمس وكانوا يدخلون من الأبواب في الإحرام، والأنصار وسائر العرب لا يدخلون\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٦١٩، ٦٢٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٦٢٠).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٥/ ٢٧٩).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٣/ ٦٢١).\n(^٥) \"إرشاد الساري\" (٤/ ٣٧٢).","vol":"3","page":437},{"text":"منها. . . الحديث، فعلم أن سائر العرب يفعلون ذلك إلا قريشًا، انتهى.\nوقال الحافظ (^١): وبيَّن الزهري السبب في صنيعهم ذلك فقال: كان ناس من الأنصار إذا أهلوا بالعمرة لم يحل بينهم وبين السماء شيء، فكان الرجل إذا أهلّ فبدت له حاجة في بيته لم يدخل من الباب من أجل السقف أن يحول بينه وبين السماء.\nواتفقت الروايات على نزول الآية في سبب الإحرام، إلا ما أخرجه عبد بن حميد بإسناد صحيح عن الحسن قال: \"كان الرجل من الجاهلية يهم بالشيء يصنعه فيحبس عن ذلك فلا يأتي بيتًا من قبل بابه، حتى يأتي الذي كان همّ به، فجعل ذلك من باب الطيرة، وغيره جعل ذلك بسبب الإحرام، وخالفهم محمد بن كعب القرظي فقال: \"كان الرجل إذا اعتكف لم يدخل منزله من باب البيت فنزلت\"، أخرجه ابن أبي حاتم بإسناد ضعيف.\n\n(١٩ -<span data-type='title' id=toc-1341> باب السفر قطعة من العذاب)</span>\nقال ابن المنيِّر (^٢): أشار بإيراد هذه الترجمة في أواخر أبواب الحج والعمرة أن الإقامة في الأهل أفضل من المجاهدة، انتهى.\nوفيه نظر لا يخفى، لكن يحتمل أن يكون أشار بإيراده في الحج إلى حديث عائشة بلفظ \"إذا قضى أحدكم حجه فليعجل إلى أهله\"، انتهى.\n\n(٢٠ -<span data-type='title' id=toc-1342> باب المسافر إذا جدّ به السير ويعجل إلى أهله. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): يعني بذلك أن ما ورد من النهي أن يطاول في السير، فإنما هو إذا لم يضطر إليه ولم تطقه الدابة، فأما إذًا فلا كراهة، انتهى.\nوفي هامشه: اختلفت النسخ في لفظ هذه الترجمة، ففي نسخة:\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٦٢٢).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (٣/ ٦٢٢).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٥/ ٢٨٠).","vol":"3","page":438},{"text":"\"وتعجل إلى أهله\" فعلى هذا يكون جواب إذا محذوفًا، وفي نسخة: \"فليعجل\"، وفي نسخة العيني: \"يعجل\" بدون الواو، قال العيني: قوله: \"ويعجل إلى أهله\" جواب إذا، وفي رواية: \"ويعجل\" بالواو، والجواب حينئذ محذوف، تقديره: ماذا يصنع؟ ويعجل بضم الياء من باب التعجيل، ويروى \"تعجل\" بفتح التاء من باب التعجل، وقال السندي: جملة \"يعجل\" حال وجواب إذا مقدر، أي: فماذا يفعل؟ أي: يجمع بين الصلاتين، ولا يحسن جعل جملة \"يعجل\" جواب إذا كما لا يخفى، انتهى.\nقلت: ويأباه نسخة \"فليعجل\" وعلى هذه النسخة بنى الشيخ تقريره وهو أوجه مما قالته الشرَّاح من أن الغرض بيان الجمع بين الصلاتين بل الظاهر ما أفاده الشيخ، والنهي الذي أشار إليه الشيخ هو ما تقدم في \"باب أمر النبي - ﷺ - بالسكينة عند الإفاضة\": \"أيها الناس عليكم بالسكينة\" الحديث، انتهى من هامش \"اللامع\" مختصرًا.\n* * *","vol":"3","page":439},{"text":"[٢٧ -<span data-type='title' id=toc-1343> كتاب المحصر]</span>\n<span data-type='title' id=toc-1344>(باب المحصر وجزاء الصيد. . .) إلخ</span>\nوفي نسخة، \"أبواب المحصر وجزاء الصيد\" قال القسطلاني: أي: بيان أحكام المحصر وأحكام جزاء الصيد الذي يتعرض إليه المحرم، و\"قوله تعالى\" بالرفع على الاستئناف، أو بالجر عطفًا على المحصر، أي: وبيان المراد من قوله تعالى. . . إلخ، انتهى.\nقوله: (وقال عطاء:. . .) إلخ، قال الحافظ (^١): وفي اقتصاره على تفسير عطاء إشارة إلى أنه اختار القول بتعميم الإحصار، وهي مسألة اختلاف بين الصحابة وغيرهم، فقال كثير منهم: الإحصار من كل حابس حبس الحاج من عدو ومرض وغير ذلك، إلى آخر ما قال، قال القسطلاني (^٢): وبه قالت الحنفية ككثير من الصحابة وغيرهم، حتى أفتى ابن مسعود رجلًا لدغ بأنه محصر، أخرجه الطحاوي وابن حزم بإسناد صحيح، وقال الأئمة الثلاثة: لا إِحصار إلا بالعدو، إلى آخر ما قال.\nقلت: وهو كذلك إلا أن الإمام أحمد والشافعي قالا: لو اشترط عند الإحرام يجوز له التحلل بالمرض، كما بسط في \"الأوجز\" (^٣) وفيه: حكى العيني في \"شرح الهداية\" (^٤) عن الأسبيجابي والوتري والكرماني أنهم اختلفوا في الإحصار في اثنين وستين موضعًا، ثم بسطها، واقتصر في \"الأوجز\" منها على عشرة مواضع مما لا بد من معرفتها لناظري الحديث.\nوفي \"الفيض\" (^٥): ثم اعلم أن الحكم في الإحصار عندنا أن يبعث دمًا\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٣).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٤/ ٣٧٥، ٣٧٦).\n(^٣) \"أوجز المسالك\" (٧/ ٢٢٦ - ٢٤٨).\n(^٤) \"البناية\" (٤/ ٣٨٦).\n(^٥) \"فيض الباري\" (٣/ ٢٨٨).","vol":"3","page":440},{"text":"يذبح بالحرم، ويواعده أن يذبحه يوم كذا، فإذا جاء ذلك يحل في مقام الحصر، ويقضي من قابل، ودم الإحصار لا يتقيد عندنا بالزمان فيجوز ذبحه قبل يوم النحر، وإن تقيد بالمكان فلا يذبحه إلا في الحرم، وقال الشافعية: إن الإحصار مختص بالعدو، ولا يتقيد دم الإحصار عندهم بالمكان أيضًا، ولا يجب عليه القضاء، وأصل النزاع في عمرة الحديبية، فقال الأحناف: إن النبي - ﷺ - قضاها من قابل، ولذا سميت عمرة القضاء، على أنّ في السير أنه نادى في الناس عند خروجه لعمرة القضاء: أن يذهب معه كل من كان رافقه في عمرة الحديبية. وقال الحجازيون: القضاء فيه بمعنى الصلح، سميت به لأنه صالحهم عليها من قابل، وليس مقابلًا للأداء.\nثم إن الشافعية لما لم يكن عندهم الإحصار بالمرض اضطروا إلى إِقامة باب آخر وهو الاشتراط في الحج، فالمريض عندهم يهل ويشترط: اللهم محلي حيث حبستني، والحنفية لما عمموا الإحصار استغنوا عن هذا الباب، ووافقنا البخاري على ذلك أيضًا، فلم يخرج حديث الاشتراط في \"كتاب الحج\"، وأخرجه في \"كتاب النكاح\"، انتهى.\nوقال العيني (^١): مذهب أبي حنيفة: أن دم الإحصار يتوقف بالحرم [وهو المكان] لا بيوم النحر [وهو الزمان] لإطلاق النص، وعند أبي يوسف ومحمد يتوقف بالزمان والمكان، وهذا الخلاف في المحصر بالحج، وأما دم المحصر بالعمرة فلا يتوقف بالزمان بلا خلاف بينهم، انتهى.\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-1345> باب إذا أحصر المعتمر)</span>\nقيل: الغرض منه الرد على من قال: التحلل بالإحصار خاص بالحاج، بخلاف المعتمر فلا يتحلل بذلك بل يستمر على إحرامه حتى يطوف بالبيت؛ لأن السَّنَة كلها وقت للعمرة فلا يخشى فواتها بخلاف الحج، وهو محكي عن مالك، كذا في \"الفتح\" (^٢).\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٧/ ٤٥٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٤/ ٥).","vol":"3","page":441},{"text":"قلت: هكذا نقل مذهب مالك عامة نقلة المذاهب من شرَّاح الحديث والفقه، وهكذا في \"الهداية\" (^١)، ففيه: وقال مالك: لا تحقق لأنها لا تتوقت، انتهى.\nوما يظهر لهذا العبد الفقير أن النقل عن مالك ليس بصحيح، لا يوافقه ما في كتب فروعه، بل عامتها مصرحة بصحة الحصر عن العمرة، إلى آخر ما بسط في هامش \"اللامع\" (^٢).\nوقوله: (عن عكرمة قال: فقال ابن عباس) قال الحافظ (^٣): هكذا رأيته في جميع النسخ وهو يقتضي سبق كلام يعقبه قوله: \"فقال ابن عباس\"، ولم ينبه عليه أحد من شراح هذا الكتاب ولا بيَّنه الإسماعيلي ولا أبو نعيم؛ لأنهما اقتصرا من الحديث على ما أخرجه البخاري، وقد بحثت عنه إلى أن يسَّر الله بالوقوف عليه، فقرأت في \"كتاب الصحابة\" لابن السكن، فذكر الحافظ حديثًا طويلًا فارجع إليه لو شئت.\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-1346> باب الإحصار في الحج)</span>\nقال الحافظ (^٤): قال ابن المنيِّر: أشار به إلى أن الإحصار في عهد النبي - ﷺ - إنما وقع في العمرة، فقاس العلماء الحج على ذلك، وهو من الإلحاق لنفي الفارق وهو من أقوى الأقيسة.\nقال الحافظ: وهذا مبني على أن مراد ابن عمر بقوله: \"سُنَّة نبيكم\" قياس من يحصل له الإحصار وهو حاج على من يحصل له في الاعتمار؛ لأن الذي وقع له - ﷺ - هو الإحصار عن العمرة، ويحتمل أن يكون ابن عمر أراد بقوله: \"سُنَّة نبيكم\" وبما بيَّنه بعد ذلك شيئًا سمعه من النبي - ﷺ - في حق من لم يحصل (^٥) له ذلك وهو حاج، والله تعالى أعلم، انتهى.\n_________\n(^١) \"الهداية\" (٢/ ٤٧٤).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٥/ ٢٨١، ٢٨٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٤/ ٧).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٤/ ٨).\n(^٥) كذا في الأصل، والصواب على الظاهر يحصل بحذف \"لم\"، (ز).","vol":"3","page":442},{"text":"(٣ -<span data-type='title' id=toc-1347> باب النحر قبل الحلق في الحصر)</span>\nقال الحافظ (^١): أشار بقوله: \"في الحصر\" إلى أن هذا الترتيب يختص بحال من أحصر، وقد تقدم أنه لا يجب في حال الاختيار في \"باب إذا رمى بعدما أمسى أو حلق قبل أن يذبح\"، انتهى.\nقلت: وقد تقدم اختلاف الأئمة في الترتيب في \"باب الذبح قبل الحلق\" وقال القسطلاني (^٢) تحت حديث المسور: وفي الحديث أن المحصر إذا أراد التحلل يلزمه دم يذبحه، وقال المالكية: لا هدي عليه إذا تحلل، انتهى.\nوفي \"جزء حجة الوداع\" (^٣): اختلفت نقلة المذاهب في بيان وجوب القضاء والهدي للمحصر، والصواب ما في \"الأوجز\" (^٤) عن كتب فروعهم أنهم اختلفوا في ذلك على ثلاثة أقوال:\nأحدها: أن من أحصر عن العمرة يلزمه القضاء والهدي، وهو أشهر الروايات عن أحمد، وهو مذهب الحنفية، فما حكى بعضهم عن الحنفية أنه لا هدي عليه عندهم ليس بصحيح.\nالثاني: لا قضاء عليه وعليه الهدي، وهو قول الشافعي ورواية عن أحمد.\nوالثالث: لا قضاء عليه ولا هدي، وهو إحدى الروايات عن أحمد وهو الصحيح من مذهب مالك، إلا أنه قال: لو كان سائق الهدي ينحر هديه، انتهى \"جزء حجة الوداع\".\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ١٠).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٤/ ٣٨٢).\n(^٣) \"جزء حجة الوداع\" (ص ٣٤٨، ٣٤٩).\n(^٤) \"أوجز المسالك\" (٧/ ٢٣٢ - ٢٣٦).","vol":"3","page":443},{"text":"(٤ -<span data-type='title' id=toc-1348> باب من قال ليس على المحصر بدل. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^١): أي: قضاء لما أحصر فيه من حج أو عمرة، انتهى.\nقال العيني في \"البناية\" (^٢): المحصر بالحج، يجب عليه قضاء حجة وعمرة، وإن كان محصر العمرة يجب عليه قضاء عمرة لا غير، وهو قول عمر بن الخطاب وزيد بن ثابت وابن مسعود وابن عباس وغيرهم، وذكر أسماءهم في \"الأوجز\" (^٣)، وقال الموفق (^٤): لا قضاء عليه - أي: عند أحمد - وبه قال مالك والشافعي. وعن أحمد: أن عليه القضاء، وبه قال أبو حنيفة، انتهى من هامش \"اللامع\" (^٥).\nوتقدم تحقيق المذاهب في الباب السابق في المحصر بالعمرة، وأما المحصر بالحج فقال القسطلاني (^٦) تحت قول البخاري: \"فأما من حبسه عذر أو غير ذلك فإنه يحل ولا يرجع\": أي: لا يقضي، وهذا في النفل، وأما الفرض فإنه ثابت في ذمته فيرجع لأجله في سنة أخرى، والفرق بين حج النفل الذي يفسد بالجماع الواجب قضاؤه وبين النفل الذي يفوت عنه بسبب الإحصار التقصير وعدمه، وقال الحنفية: إذا تحلل لزمه القضاء سواء كان فرضًا أو نفلًا، انتهى.\nقلت: وما حكى القسطلاني من مذهب الشافعية هكذا في \"الأنوار لأعمال الأبرار\" في فقه الشافعية، وقال الموفق (^٧) في أحكام المحصر: ثم هل يلزمه القضاء إن فاته الحج؟ فيه روايتان: إحداهما يلزمه؛ كمن فاته بخطإ الطريق، والثانية لا تجب؛ لأن سبب الفوات الحصر أشبه من لم يجد طريقًا أخرى بخلاف المخطئ، انتهى.\nوأما مذهب المالكية فقال الدسوقي (^٨): ولا يسقط عن المحصر الذي\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ١١).\n(^٢) \"البناية\" (٤/ ٣٨٧، ٣٨٨).\n(^٣) \"أوجز المسالك\" (٧/ ٢٣٢).\n(^٤) \"المغني\" (٥/ ١٩٦).\n(^٥) \"لامع الدراري\" (٥/ ٢٨١).\n(^٦) \"إرشاد الساري\" (٤/ ٣٨٤).\n(^٧) \"المغني\" (٥/ ١٩٦).\n(^٨) \"حاشية الدسوقي\" (٢/ ٩٤، ٩٥).","vol":"3","page":444},{"text":"تحلل بنحر هديه وحلقه أو بفعل عمرة الفرض المتعلق بذمته من حجة الإسلام أو نذر مضمون أو عمرة إسلام، وأما التطوع من حج أو عمرة فلا قضاء على من صد فيه إذا كان التحلل قبل الفوات، وأما إن تحلل بعد الفوات لزمه القضاء، انتهى من \"الدسوقي\".\n\n(٥ -<span data-type='title' id=toc-1349> باب قول الله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾ [البقرة:</span> ١٩٦])\nقال الحافظ (^١): أي: باب تفسير قوله تعالى كذا، وقوله: \"فخير\" من كلام المصنف استفاده من \"أو\" المكررة، وقد أشار إلى ذلك في أول \"باب كفارات الأيمان\"، قال الحافظ: وأقرب ما وقفت عليه من طريق حديث الباب إلى التصريح ما أخرجه أبو داود عن كعب بن عجرة أن النبي - ﷺ - قال له: \"إن شئت فانسك نسيكة، وإن شئت فصم ثلاثة أيام، وإن شئت فأطعم\" الحديث، انتهى.\nقلت: والتخيير في صورة العذر مجمع عند الأئمة الأربعة، خلافًا لبعض السلف أن الدم مقدم وهو مخير في غيره، وأما بدون العذر فالدم عند أبي حنيفة متعين وعند المالكية فيه أيضًا مخير، وهما قولان للشافعية والحنابلة كما بسط في \"الأوجز\" (^٢).\nقوله: (فأما الصوم فثلاثة أيام) كما هو عند الجمهور، وقال الحسن وغيره: عشرة، كما في \"الأوجز\" (^٣). قال العيني (^٤): \"أما\" تفصيلية تقتضي التقسيم وهو محذوف، تقديره: وأما الصدقة فهي إطعام ستة مساكين، وأما النسك فأقله شاة، انتهى.\n\n(٦ -<span data-type='title' id=toc-1350> باب قول الله: ﴿أَوْ صَدَقَةٍ. . .﴾ [البقرة: ١٩٦]) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٥): يشير بهذا إلى أن الصدقة في الآية مبهمة فسرتها\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ١٣).\n(^٢) \"أوجز المسالك\" (٨/ ٥٠٠ - ٥١٢).\n(^٣) \"أوجز المسالك\" (٨/ ٤٩٩).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (٤/ ٤٥٩).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٤/ ١٦).","vol":"3","page":445},{"text":"السُّنَّة، وبهذا قال جمهور العلماء، وعن الحسن: الصوم عشرة أيام، والصدقة على عشرة مساكين، وروي عن عكرمة ونافع نحوه، قال ابن عبد البر: لم يقل بذلك أحد من فقهاء الأمصار، انتهى.\n\n(٧ -<span data-type='title' id=toc-1351> باب الإطعام في الفدية نصف صاع)</span>\nقال الحافظ (^١): أي: لكل مسكين من كل شيء يشير بذلك إلى الرد على من فرق في ذلك بين القمح وغيره، انتهى.\nوفي \"الأوجز\" (^٢): الواجب في الإطعام لكل مسكين نصف صاع من أي شيء كان في الكفارة: قمحًا أو شعيرًا أو تمرًا، وهو قول مالك والشافعي، وعند أبي حنيفة تخصيص ذلك بالقمح، وإن الواجب من الشعير والتمر صاع، انتهى.\nوفيه أيضًا: وقال الموفق: يعطى كل مسكين مدًّا من البر، فأما بقية الأصناف فنصف صاع لكل مسكين نص عليه أحمد، انتهى.\nوفي \"الفيض\" (^٣) بعد ذكر مذهب الحنفية: واعتبر المصنف الوزن، فَطَرَدَ بالنصف في الجميع، انتهى.\n\n(٨ -<span data-type='title' id=toc-1352> باب النسك شاة)</span>\nقال الحافظ (^٤): أي: النسك المذكور في الآية، قال عياض (^٥): كل من ذكر النسك في هذا الحديث مفسرًا فإنما ذكروا شاة، وهو أمر لا خلاف فيه بين العلماء. قال الحافظ: يعكر عليه ما أخرجه أبو داود عن كعب بن عجرة: \"أنه أصابه أذى فحلق فأمره النبي - ﷺ - أن يهدي بقرة\"، وللطبراني في حديث كعب \"أنه - ﷺ - أمره أن يفتدي، فافتدى ببقرة\"، وكذا\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ١٦).\n(^٢) \"أوجز المسالك\" (٨/ ٥٠٢، ٥٠٣).\n(^٣) \"فيض الباري\" (٣/ ٢٩١).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٤/ ١٨).\n(^٥) \"الإكمال\" (٤/ ٢١٤).","vol":"3","page":446},{"text":"في رواية لعبد بن حميد: \"افتدى كعب ببقرة\"، ولسعيد بن منصور: \"قيل لابن كعب بن عجرة: ما صنع أبوك؟ قال: ذبح بقرة\".\nقال الحافظ (^١): فهذه الطرق كلها تدور على نافع، وقد اختلف عليه في الواسطة الذي بينه وبين كعب، وقد عارضها ما هو أصح منها من أن الذي أمر به كعب وفعله في النسك إنما هو شاة، وأجاب ابن بطال بقوله: فقال: أخذ كعب بأرفع الكفارات، ولم يخالف النبي - ﷺ - فيما أمره به من ذبح الشاة، بل وافق وزاد، ففيه أن من أفتى بأيسر الأشياء فله أن يأخذ بأرفعها، قال الحافظ: هو فرع ثبوت الحديث، ولم يثبت لما قدمته، والله أعلم، انتهى باختصار وتغير.\n\n(٩ -<span data-type='title' id=toc-1353> باب قول الله - ﷿ -: ﴿فَلَا رَفَثَ﴾ [البقرة:</span> ١٩٧])\nقال العيني (^٢): \"فلم يرفث\" بضم الفاء وكسرها وفتحها، والمشهور في الرواية وعند أهل اللغة: يرفث بضم الفاء من باب: نصر ينصر، ويرفث بكسر الفاء حكاه صاحب \"المشارق\"، فيكون من باب: ضرب يضرب، ويرفث بفتحها من باب: علم يعلم، والرفث بفتح الفاء الاسم، والمصدر بإِسكان الفاء، والمراد به عند الجمهور الجماع في قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ﴾ [البقرة: ١٨٧]، ويراد به الفحش والجماع، وقيل: المراد به ذكر ذلك مع النساء لا مطلقا، انتهى.\nقال القسطلاني (^٣): قوله \"رجع كما. . .\" إلخ، أي: مشابهًا لنفسه في البراءة من الذنوب صغائرها أو كبائرها إلا في حق آدمي إذ هو محتاج لاسترضائه، نعم إذا رضي تعالى عن عبده أرضى عنه خصماءه، انتهى.\nقلت: وهذا - أعني تكفير الحج للخطايا - هو البحث العاشر من المباحث العشرة المذكورة في مبدأ \"كتاب الحج\" في \"الأوجز\" (^٤).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ١٩).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٧/ ٤٧٠).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (٤/ ٣٩٢).\n(^٤) \"أوجز المسالك\" (٦/ ٣٣٤، ٣٣٥).","vol":"3","page":447},{"text":"(١٠ -<span data-type='title' id=toc-1354> باب قول الله تعالى: ﴿وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:</span> ١٩٧])\nقال القسطلاني (^١) تبعًا للحافظ: ولم يذكر في الحديث الجدال اعتمادًا على ما في الآية، أو لأن المجادلة ارتفعت بين العرب وقريش في موضع الوقوف بعرفة والمزدلفة، فأسلمت قريش وارتفعت المجادلة ووقف الكل بعرفة، انتهى.\n* * *\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٤/ ٣٩٣).","vol":"3","page":448},{"text":"[٢٨ -<span data-type='title' id=toc-1355> كتاب جزاء الصيد]</span>\n(١ -<span data-type='title' id=toc-1356> باب جزاء الصيد ونحوه. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^١): قيل: السبب في نزول هذه الآية أن أبا اليسر قتل حمار وحش وهو محرم في عمرة الحديبية فنزلت، انتهى.\nقال القسطلاني (^٢): ولم يذكر المصنف في رواية أبي ذر حديثًا في هذه الترجمة إشارة إلى أنه لم يثبت على شرطه في جزاء الصيد حديث مرفوع، وفي رواية غير أبي ذر هنا: باب - بالتنوين - إذا صاد الحلال صيدًا فأهدى للمحرم الصيد أكله المحرم.\nقال العيني كالحافظ ابن حجر: هذه الترجمة هكذا ثبتت في رواية أبي ذر، وسقطت في رواية غيره، وجعلوا ما ذكر في الباب من جملة الباب الذي قبله، انتهى.\nوالذي في الفرع يقتضي أن لفظ الباب هو الساقط فقط دون الترجمة، فإنه كتب قبل إذا واوًا للعطف ورقم عليها علامة الثبوت لأبوي ذر والوقت، وكذا رأيته في بعض الأصول المعتبرة: \"وإذا صاد الحلال. . .\" إلى آخر قوله: \"أكله\"، انتهى.\nقلت: ويمكن أن يقال في توجيه عدم ذكر الحديث: إن هذا الباب بمنزلة الكتاب.\nوقال القسطلاني (^٣) أيضًا تحت قوله: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ﴾ [المائدة: ٩٥]: والذي عليه الجمهور من السلف والخلف أن العامد والناسي سواء في\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٢١).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٤/ ٣٩٥).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (٤/ ٣٩٤، ٣٩٥).","vol":"3","page":449},{"text":"وجوب الجزاء عليه، فالقرآن دلَّ على وجوب الجزاء على المتعمد وعلى تأثيمه بقوله تعالى: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ [المائدة: ٩٥]، وجاءت السُّنَّة من أحكام النبي - ﷺ - وأصحابه بوجوب الجزاء في الخطإ، لكن المتعمد مأثوم والمخطئ غير مأثوم، وهذه المماثلة باعتبار الخلقة والهيئة عند مالك والشافعي، والقيمة عند أبي حنيفة، انتهى.\nقال الحافظ (^١): وخالف أهل الظاهر في الخطإ بقوله تعالى: ﴿مُتَعَمِّدًا﴾، فإن مفهومه أن المخطئ بخلافه، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، وعكس الحسن ومجاهد فقالا: يجب الجزاء في الخطإ فقط دون العمد، فيختص الجزاء بالخطإ والنقمة بالعمد، إلى آخر ما بسط.\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-1357> باب وإذا صاد الحلال فأهدى للمحرم. . .) إلخ</span>\nتقدم ذكره في الباب السابق، وقال صاحب \"الفيض\" (^٢): ذهب جماعة من السلف إلى أنه لا يحل لحم الصيد للمحرم مطلقًا سواء صاده أو صيد له، أو لم يصد له، وقال الحجازيون بجوازه بشرط ما لم يصد له، ويجوز عندنا ما لم يشر أو يعن عليه، سواء صيد له أو لا، والبخاري وافقنا في المسألة ولذا لم يخرج حديث الحجازيين، وأخرج حديث أبي قتادة، وهو حجة للحنفية، وليس في طريق منه أنه سأله أنه صاده بنيَّتهم أو لا، مع أن المدار عليه عند الشافعية، والظاهر من عادات الناس أنهم ينوون في مثله لرفقائهم أيضًا، سيما إذا كان الصيد كالحمار الوحشي جسيمًا يشبع جماعةً، ومع أنه سأله عن دلالته وإشارته، فهذا وإن كان سكوتًا لكنه سكوتٌ في موضع البيان، وهو بيان حكمًا أيّ بيان، ولو بسطته علمت أنه فوق البيان، فإنه يوجب السكوت من صاحب الشرع في موضع النطق، والعياذ بالله، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٢١).\n(^٢) \"فيض الباري\" (٣/ ٢٩٤).","vol":"3","page":450},{"text":"قلت: ففي المسألة ثلاثة مذاهب:\nالأول: المنع مطلقًا، كما نقل عن بعض السلف.\nوالثاني: المنع إن صيد لأجله، وهو مذهب الأئمة الثلاثة.\nوالثالث: مذهب الحنفية، وهو الجواز ما لم يشر أو يعن عليه، سواء صيد له أو لا.\nوهذا إجمال الأقوال وإلا فقد اختلفت الأقوال عن الإمام مالك وغيره كثيرًا، كما بسطت في \"الأوجز\"، انتهى \"جزء حجة الوداع\" (^١).\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-1358> باب إذا رأى المحرمون صيدًا)</span>\nوفيهم رجل حلال، (فضحكوا) تعجبًا من عروض الصيد مع عدم التعرض له مع قدرتهم (^٢) على صيده (ففطن الحلال) بفتح الطاء وكسرها، أي: فهم، لا يكون ضحكهم إشارة منهم إلى الحلال بالصيد، حتى إذا اصطاد ذلك الحلال الصيد لا يلزم المحرمين الذين ضحكوا شيء، انتهى من \"القسطلاني\" (^٣).\nقلت: الظاهر عندي أن المصنِّف أشار إلى الاختلاف في هذه المسألة، ولم أجد مذاهب الأئمة الأربعة في هذه المسألة صريحًا إلا ما في \"شرح المنهاج\" (^٤): له أكل لحم صيد لم يصد له، ولا دلَّ ولو بطريق خفي؛ كأن ضحك فتنبه الصائد له، انتهى، والعجب من الشرَّاح أنهم لم يتعرضوا له.\nوفي \"الفيض\" (^٥) تحت قوله: \"فجعل بعضهم يضحك إلى بعض\":\n_________\n(^١) \"حجة الوداع وجزء عمرات النبي - ﷺ -\" (ص ٨٣).\n(^٢) كذا في الأصل، والظاهر بدله: \"مع قدرته\"، (ز).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (٤/ ٤٠٠).\n(^٤) \"شرح المنهاج\" (٨/ ١١٠)، وانظر: \"أوجز المسالك\" (٧/ ٦٢).\n(^٥) \"فيض الباري\" (٣/ ٢٩٥).","vol":"3","page":451},{"text":"وعند مسلم: \"يضحك إليّ\" وهو يشعر بدلالتهم، ولم يخرجه البخاري، ولا توجد مسألة الضحك في كتبنا، هل هو من الدلالة عندهم أم لا؟ انتهى.\nوقال النووي (^١): هكذا وقع في جميع نسخ بلادنا \"يضحك إليّ\" بتشديد الياء، قال القاضي: هذا خطأ وتصحيف، ووقع في رواية بعض الرواة عن مسلم والصواب \"يضحك إلى بعض\" فأسقط لفظة \"بعض\" والصواب إثباتها كما هو مشهور في باقي الروايات؛ لأنهم لو ضحكوا إليه لكانت إشارة منهم، وقد قالوا: إنهم لم يشيروا إليه.\nقال النووي: لا يمكن رد هذه الرواية، فقد صحت هي والرواية الأخرى، وليس في واحدة منهما دلالة ولا إشارة إلى الصيد، فإن مجرد الضحك ليس فيه إشارة، قال العلماء: وإنما ضحكوا تعجبًا من عروض الصيد، ولا قدرة لهم عليه لمنعهم منه، والله أعلم انتهى.\nقلت: ولم أجد مسألة الضحك صريحًا لا في \"المغني\" ولا في \"الدسوقي\" إلا ما تقدم عن \"شرح المنهاج\".\n\n(٤ -<span data-type='title' id=toc-1359> باب لا يعين المحرم الحلال. . .) إلخ</span>\nأي: بفعل ولا قول، قيل: أراد بهذه الترجمة الرد على من فرق من أهل الرأي بين الإعانة التي لا يتم الصيد إلا بها فتحرم، وبين الإعانة التي يتم الصيد بدونها فلا تحرم، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\nوفي \"الهداية\" (^٣): وإذا قتل المحرم صيدًا، أو دلَّ عليه من قتله، فعليه الجزاء، والدلالة الموجبة للجزاء أن لا يكون المدلول عالمًا بمكان الصيد، فإن كان عالمًا فلا شيء على الدال؛ لأن المدلول ما تمكن بسببه، انتهى مختصرًا بزيادة من الهامش.\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم بشرح النووي\" (٤/ ٣٧٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٤/ ٢٧).\n(^٣) \"الهداية\" (٢/ ١٢٥، ١٢٦).","vol":"3","page":452},{"text":"(٥ -<span data-type='title' id=toc-1360> باب لا يشير المحرم إلى الصيد. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^١): أشار إلى تحريم ذلك، ولم يتعرّض لوجوب الجزاء في ذلك، وهي مسألة خلاف، فاتفقوا على تحريم الإشارة إلى الصيد ليصطاد، وعلى سائر وجوه الدلالات على المحرم، لكن قيَّده أبو حنيفة بما إذا لم يمكن الاصطياد بدونها، واختلفوا في وجوب الجزاء على المحرم إذا دل الحلال على الصيد بإشارة أو غيرها أو أعان عليه، وقال الكوفيون وأحمد وإسحاق: يضمن المحرم ذلك، وقال مالك والشافعي: لا ضمان عليه، إلى آخر ما قال. وفي \"الفيض\" (^٢): والإشارة في الحاضر، والدلالة في الغائب، انتهى.\n\n(٦ -<span data-type='title' id=toc-1361> باب إذا أهدى للمحرم حمارًا وحشيًّا حيًّا)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): قصد بذلك أنه كان حيًّا، فما ورد في بعض الروايات من الألفاظ الدالَّة على أنه إنما أرسله إليه بعد ذبحه يجب تأويله وإرجاعه، فترجمته هذه كأنها تفصيل وبيان لما ينبغي أن تحمل عليه الروايات، وإن لم تكن الرواية الموردة ها هنا مفتقرة إلى تأويل، انتهى.\nقال الحافظ (^٤): كذا قيَّده في الترجمة بكونه حيًّا، وفيه إشارة إلى أن الرواية التي تدل على أنه كان مذبوحًا موهمة، انتهى.\nوفي \"الفيض\" (^٥): زاد لفظ الحي إشارة إلى أن النبي - ﷺ - ردَّه لكونه حيًّا، لا لأنه علم أنه صاده له، فترك مذهب الشافعية، واختار مذهب الحنفية، ولم يفصل في النية أصلًا، إلى آخر ما فيه.\nوقال النووي (^٦): في رواية: \"حمارًا وحشيًا\": وفي رواية: \"من لحم\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٢٩).\n(^٢) \"فيض الباري\" (٣/ ٢٩٦).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٥/ ٢٩٦).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٤/ ٣١).\n(^٥) \"فيض الباري\" (٣/ ٢٩٦).\n(^٦) \"صحيح مسلم بشرح النووي\" (٤/ ٣٦٨).","vol":"3","page":453},{"text":"حمار\"، وفي رواية: \"رجل حمار وحش\"، وفي رواية: \"عجز حمار وحش\"، هذه روايات مسلم، وترجم له البخاري: \"باب إذا أهدى للمحرم حمارًا وحشيًّا حيًّا\"، وحكي هذا التأويل أيضًا عن مالك وغيره، وتأويل باطل، وهذه الطرق التي ذكرها مسلم صريحة في أنه مذبوح، انتهى مختصرًا.\nقلت: ما قاله النووي إنما قاله نصرة لمذهبه، وقد اعترف هو بنفسه أن هذا التأويل مروي عن مالك وغيره، وكذا هو مروي عن الإمام البيهقي، وهذا الإمام الجليل والمحدث الكبير أمير المؤمنين في الحديث الإمام البخاري أيضًا اختار هذا التأويل، فلا يضرنا قول النووي: إنه باطل، وبسط الحافظ على روايات هذه القصة، وكذا العيني، وحكي عن الطحاوي أن الحديث مضطرب، ولخَّص كلام الشرَّاح على حديث الباب في \"الأوجز\" (^١)، وقال ابن بطال: اختلاف الروايات يدل على أنها لم تكن قضية واحدة، وإنما كانت قضايا مختلفة، انتهى.\nقلت: واختلفوا في الترجيح بين روايتي الحي واللحم، وكذا اختلفوا في الجمع بينهما بوجوه مختلفة، بسطت في \"الأوجز\".\n\n(٧ -<span data-type='title' id=toc-1362> باب ما يقتل المحرم من الدواب)</span>\nأي: مما لا يجب عليه فيه الجزاء، قاله الحافظ (^٢).\nقوله: (خمس من الدواب. . .) إلخ، مفهوم العدد ليس بحجة عند الأكثر، وعلى تقدير اعتباره فيحتمل أن يكون قاله - ﷺ - أولًا ثم بيَّن بعد ذلك أن غير الخمس يشترك معها في الحكم، فقد ورد في بعض طرق عائشة بلفظ: \"أربع\" وفي بعضها بلفظ: \"ست\"، فأما طريق أربع فأخرجها مسلم عن عائشة - ﵂ - فأسقط العقرب، وأما طريق ست فأخرجها أبو عوانة في\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (٧/ ٩٤ - ١٠٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٤/ ٣٥ - ٣٦).","vol":"3","page":454},{"text":"\"المستخرج\" عنها فأثبتها وزاد: الحية، ووقع في رواية أبي سعيد عند أبي داود وزاد فيه: السبع العادي، فصارت سبعًا، وفي حديث أبي هريرة عند ابن خزيمة زيادة ذكر الذئب والنمر فتصير بهذا الاعتبار تسعًا، لكن أفاد ابن خزيمة عن الذهلي أن ذكر الذئب والنمر من تفسير الراوي للكلب العقور.\nقال الحافظ: فهذا جميع ما وقفت عليه في الأحاديث المرفوعة زيادة على الخمس المشهورة، ولا يخلو شيء من ذلك من مقال، انتهى.\nوفي \"الفيض\" (^١): قال الشافعية في قتل غير مأكول اللحم من الحيوانات، وهو المناط عندهم في خمس، وقال مالك: بل المناط العدو، وهو أقوى من مناط الشافعية؛ لأنه أخذ في النطق المؤذيات، فمعنى الإيذاء فيها ظاهر، بخلاف الأكل فلا شيء في قتل السبع العادي، واقتصر الحنفية على المنصوص، ويقتل غيره من السباع عند العدو، وإلا لا، انتهى.\nوفي هامشه: وفي تقرير آخر أن الحنفية لم ينقحوا المناط في الأشياء الثلاثة: الغراب، والحدأة، والفأرة، وفعلوا ذلك في العقرب والكلب، فألحقوا المؤذيات من الحشرات كلها بالعقرب، حتى البرغوث، فلا جناية بقتله، نعم في القمل صدقة يسيرة، وفي الكلب تفصيل، انتهى.\nقلت: ومذهب الشافعية ما في \"شرح الإقناع\" (^٢)، إذ قال: ويحرم على المحرم قتل الصيد إذا كان مأكولًا بريًّا وحشيًّا كبقر وحشي ودحاجة، أو كان متوّلدًا بين المأكول البري الوحشي وبين غيره؛ كمتولد بين حمار وحشي وحمار أهلي أو بين شاة وظبي، آخر ما قال.\nقوله: \"الكلب العقور\" اختلفوا في أن العقور قيد أم لا؟ ثم قيل: هو الكلب خاصة.\n_________\n(^١) \"فيض الباري\" (٣/ ٢٩٧).\n(^٢) \"شرح الإقناع\" (٢/ ٤٥٥ - ٤٥٦).","vol":"3","page":455},{"text":"وقال أبو حنيفة: يلحق به الذئب، وقال الأئمة الثلاثة: المراد به كل سبع عادي، والبسط في \"الأوجز\" (^١)، وبسط الكلام عليه صاحب \"الفيض\" (^٢).\n\n(٨ -<span data-type='title' id=toc-1363> باب لا يعضد شجر الحرم)</span>\nبضم أوله وفتح الضاد المعجمة، أي: لا يقطع، قاله الحافظ (^٣).\nوبسط في \"الأوجز\" (^٤) الكلام على الأبحاث الفقهية المتعلقة بأشجار الحرم أشد البسط، وفي آخره: وقد عرفت مما سبق أنهم اتفقوا في بعض مسائل الباب، واختلفوا في بعضها.\nوإجمال المباحث في ذلك عشرة مسائل:\nالأولى: اختلافهم في مصداق المنهي عنه من الشجر وغيره، فقال مالك: يحرم ما ينبت جنسه بنفسه وإن استنبته أحد نظرًا بجنسه، وقالت الحنفية: يحرم ما ينبت جنسه بنفسه، ولم يستنبته أحد، وقال أحمد: يجوز ما زرعه الآدمي من الشجر والحشيش لا ما لم ينبته أحد، وعند الشافعي يحرم شجر الحرم وحشيشه مطلقًا إلا الحشيش الذي من شأنه أن يستنبت كالبقول والخضراوات، فالعبرة عند المالكية للجنس فقط، وعند الحنابلة للإنبات وعدمه، وعندنا الحنفية للوصفين الإنبات والجنس معًا.\nالثانية: أجمعوا على أن ما زرعه الآدمي من الزروع والبقول والرياحين يجوز قطعه، ولا خلاف في ذلك.\nالثالثة: لا خلاف في الأخضر واليابس عند مالك، خلافًا للأئمة الثلاثة إذ أباحوا قطع اليابس.\nالرابعة: الشوك وغيره سواء في الحرمة عند مالك وأحمد، ويجوز قطعه عند الشافعي وبعض الحنابلة، ويحرم قطعه عند الحنفية بدون ضمان.\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (٧/ ١٨١).\n(^٢) \"فيض الباري\" (٣/ ٢٩٧ - ٢٩٨).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٤/ ٤٢).\n(^٤) \"أوجز المسالك\" (٨/ ٥٤٠ - ٥٥٠).","vol":"3","page":456},{"text":"الخامسة: أجمعوا على إباحة قطع الإذخر رطبًا ويابسًا.\nالسادسة: لا يجوز القطع لإطعام الدواب عند مالك على المعتمد، وبه قال أحمد والحنفية، ويجوز في الأصح عند الشافعية.\nالسابعة: في رعي الدواب وجهان عند أحمد، ويجوز عند الشافعي ومالك وأبي يوسف، ولا يجوز عند أبي حنيفة ومحمد.\nالثامنة: أجمعوا على جواز الانتفاع بالأوراق الساقطة.\nالتاسعة: يجوز السواك من شجر الحرم عند مالك، ولا يجوز عند أحمد والحنفية، واختلفت فيه الشافعية.\nالعاشرة: لا يجوز قطع الورق عند أحمد، ويجوز عند الشافعي والحنفية.\nانتهى من \"الأوجز\".\n\n(٩ -<span data-type='title' id=toc-1364> باب لا ينفر صيد الحرم)</span>\nبضم أوله وتشديد الفاء المفتوحة، قيل: هو كناية عن الاصطياد، وقيل: هو على ظاهره.\nقال النووي (^١): يحرم التنفير وهو الإزعاج عن موضعه، فإن نفره عصى، سواء تلف أو لا، فإن تلف في نفاره قبل سكونه ضمن وإلا فلا، قال العلماء: يستفاد من النهي عن التنفير تحريم الإتلاف بالأولى، انتهى من \"الفتح\" و\"العيني\" (^٢).\n\n(١٠ -<span data-type='title' id=toc-1365> باب لا يحل القتال بمكة. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٣): هكذا ترجم بلفظ القتال، وهو الواقع في حديث\n_________\n(^١) \"المنهاج\" (٩/ ١٢٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٤/ ٤٦)، و\"عمدة القاري\" (٧/ ٥١٣).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٤/ ٤٧).","vol":"3","page":457},{"text":"الباب، ووقع عند مسلم في رواية بلفظ: \"القتل\" بدل \"القتال\"، وللعلماء في كل منهما اختلاف، انتهى.\nقال القسطلاني (^١): قال الماوردي فيما نقله عنه النووي في \"شرح مسلم\": من خصائص الحرم أن لا يحارب أهله، فإن بغوا على أهل العدل فقد قال بعض الفقهاء: يحرم قتالهم بل يضيّق عليهم حتى يرجعوا إلى الطاعة، وقال الجمهور: يقاتلون على بغيهم إذا لم يمكن ردهم عن البغي إلا بالقتال؛ لأن قتال البغاة من حقوق الله التي لا يجوز إضاعتها، فحفظها في الحرم أولى.\nقال النووي: وهذا الأخير هو الصواب، ونص عليه الشافعي في \"الأم\"، وقال القفال: لا يجوز القتال بمكة حتى لو تحصن جماعة من الكفار فيها لم يجز لنا قتالهم، وغلطه النووي.\nوأما القتل وإقامة الحدود فعن الشافعي ومالك: حكم الحرم كغيره فيقام فيه الحد، ويستوفي فيه القصاص سواء كانت الجناية في الحرم أو في الحل، ثم لجأ إلى الحرم، وقال أبو حنيفة: إن كانت الجناية في الحرم استوفيت العقوبة فيه، وإن كانت في الحل ثم لجأ إلى الحرم لم تستوف منه فيه، ويلجأ إلى الخروج منه، فإذا خرج اقتص منه، واحتج بعضهم لإقامة حد القتل فيه بقتل ابن خطل، ولا حجة فيه لأن ذلك كان في الوقت الذي أحل للنبي - ﷺ -، انتهى.\nقلت: والخلاف إنما هو إذا كانت الجناية في النفس خارج الحرم ثم لجأ، وأما إذا كانت في الحرم أو فيما دون النفس في الحرم أو خارجه فلا خلاف فيه، بل يقتص عند الأئمة الأربعة، وبسط العلامة السندي (^٢) الكلام على هذه المسألة، ورد على توجيه الإمام الطحاوي، فارجع إليه.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٤/ ٤٢٦).\n(^٢) \"حاشية السندي على صحيح البخاري\" (١/ ٣١٥).","vol":"3","page":458},{"text":"(١١ -<span data-type='title' id=toc-1366> باب الحجامة للمحرم. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^١): أي: هل يمنع منها أو تباع له مطلقًا أو للضرورة؟ والمراد في ذلك كله المحجوم لا الحاجم.\nوقال النووي (^٢): إذا أراد المحرم الحجامة لغير حاجة فإن تضمنت قطع شعر فهي حرام لقطع الشعر، وإن لم تتضمن جازت عند الجمهور، وكرهها مالك، وعن الحسن فيها الفدية وإن لم يقطع شعرًا، وإن كان لضرورة جاز قطع الشعر، وتجب الفدية، وخص أهل الظاهر الفدية بشعر الرأس، وقال الداودي: إذا أمكن مسك المحاجم بغير حلق لم يجز الحلق، انتهى.\nوقال الموفق (^٣): أما الحجامة إذا لم يقطع شعرًا فمباحة من غير فدية في قول الجمهور، فإن احتاج إلى قطع شعر فله قطعه، وعليه الفدية، وبهذا قال مالك وأبو حنيفة والشافعي.\nوقال صاحبا أبي حنيفة: يتصدق بشيء، ولنا قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ الآية [البقرة: ١٩٦]، انتهى.\nوفي \"الهداية\" (^٤): عليه دم عند أبي حنيفة، وقالا: عليه صدقة، انتهى من \"الأوجز\" (^٥).\n\n(١٢ -<span data-type='title' id=toc-1367> باب تزويج المحرم)</span>\nقال الحافظ (^٦): أورد فيه حديث ابن عباس في تزويج ميمونة، وظاهر صنيعه أنه لم يثبت عنده النهي عن ذلك، ولا أن ذلك من الخصائص، وقد ترجم في النكاح \"باب نكاح المحرم\" ولم يزد على إيراد هذا الحديث،\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٥٠ - ٥١).\n(^٢) \"المنهاج\" (٨/ ١٢٢).\n(^٣) \"المغني\" (٥/ ١٢٦ - ١٢٧).\n(^٤) \"الهداية\" (١/ ١٥٨).\n(^٥) \"أوجز المسالك\" (٨/ ٥٢٥).\n(^٦) \"فتح الباري\" (٤/ ٥١ - ٥٢).","vol":"3","page":459},{"text":"ومراده بالنكاح التزويج للإجماع على إفساد الحج والعمرة بالجماع، وقد اختلف في تزويج ميمونة، فالمشهور عن ابن عباس أن النبي - ﷺ - تزوجها وهو محرم، وصح نحوه عن عائشة وأبي هريرة، وجاء عن ميمونة نفسها أنه كان حلالًا، وعن أبي رافع مثله وأنه كان الرسول إليها.\nواختلف العلماء في هذه المسألة، فالجمهور على المنع لحديث عثمان: \"لا ينكح المحرم ولا ينكح\" أخرجه مسلم، وقال عطاء وعكرمة وأهل الكوفة: يجوز للمحرم أن يتزوج كما يجوز له أن يشتري الجارية للوطء، وتعقب بأنه قياس في معارضة السُّنَّة فلا يعتبر به، انتهى.\nقلت: وعدّ العلامة العيني (^١) إبراهيم النخعي والثوري أيضًا مع الحنفية.\n\n(١٣ -<span data-type='title' id=toc-1368> باب ما ينهى من الطيب للمحرم. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٢): أي: أنهما في ذلك سواء، ولم يختلف العلماء في ذلك، وإنما اختلفوا في أشياء هل تعد طيبًا أو لا؟ والحكمة في منع المحرم من الطيب أنه من دواعي الجماع ومقدماته التي تفسد الإحرام، وبأنه ينافي حال المحرم فإن المحرم أشعث أغبر، انتهى.\nوتقدم اختلاف الأئمة في مسألة الطيب للمحرم في \"باب غسل الخلوق ثلاث مرات\" (^٣).\nقوله: (لا تلبس المحرمة ثوبًا بورس أو زعفران) أي: مصبوغًا بورس أو زعفران، والورس بفتح الواو وسكون الراء نبت أصفر تصبغ به الثياب، ومطابقته للترجمة من حيث إن المصبوغ بهما يفوح له رائحة كالطيب، قاله العيني والقسطلاني (^٤).\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٧/ ٥٢٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٤/ ٥٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٤/ ٣٩٣)، باب: (١٧).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (٧/ ٥٢٥)، و\"إرشاد الساري\" (٤/ ٤٣٠).","vol":"3","page":460},{"text":"قال الشيخ في \"البذل\" (^١): وذلك لأنهما من الطيب، ولا يختص بهما الرجل المحرم، بل يشمل الرجل والمرأة، انتهى.\nوفي \"الأوجز\" (^٢): قال العيني (^٣): أطلق حرمته جماعة، منهم مجاهد وهشام ومالك في رواية، فإنهم قالوا: كل ثوب مسه ورس أو زعفران لا يجوز لبسه للمحرم، سواء كان مغسولًا أو لم يكن لإطلاق الحديث، وإليه ذهب ابن حزم الظاهري، وخالفهم جماعة، منهم: الثوري وأبو حنيفة ومالك وأحمد والشافعي، فإنهم أجازوا اللبس إذا كان غسيلًا، انتهى.\nوقال الباجي (^٤): \"نهى رسول الله - ﷺ - أن يلبس المحرم ثوبًا مصبوغًا بزعفران أو ورس\" دون سائر أنواع الصباغ، وأفضل لباس المحرم البياض، فإن كان مصبوغًا فيجتنب المصبوغ بالزعفران أو الورس يجتنبه الرجال والنساء، إلى آخر ما قال، انتهى من \"الأوجز\".\nقلت: فالنهي عن هذين الثوبين إجماعي، نعم اختلفوا في المعصفر، كما بسط في \"الأوجز\" وغيره، ولم يتعرض للمعصفر البخاري ههنا، وهذا كله في حق المحرم، وأما في حق غيره فسيأتي في \"كتاب النكاح\" و\"كتاب اللباس\".\n\n(١٤ -<span data-type='title' id=toc-1369> باب الاغتسال للمحرم. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٥): أي: ترفهًا وتنظفًا وتطهرًا من الجنابة.\nقال ابن المنذر: أجمعوا على أن للمحرم أن يغتسل من الجنابة، واختلفوا فيما عدا ذلك، وكأن المصنف أشار إلى ما روي عن مالك أنه كره للمحرم أن يغطي رأسه في الماء، وروي في \"الموطأ\" عن نافع أن\n_________\n(^١) \"بذل المجهود\" (٧/ ١٨٣).\n(^٢) \"أوجز المسالك\" (٦/ ٣٨٦ - ٣٨٨).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٢/ ٣١٥).\n(^٤) \"المنتقى\" (٣/ ٣٢٥).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٤/ ٥٥ - ٥٦).","vol":"3","page":461},{"text":"ابن عمر كان لا يغسل رأسه وهو محرم إلا من احتلام، انتهى.\nوفي \"الأوجز\" (^١): قال الباجي: الغسل للتبرد جائز للمحرم، وإن كان لغير ضرورة، وهذه رواية ابن القاسم، وفي \"المدونة\": قال ابن القاسم: لا أرى بأسًا إن وجد المحرم حرًّا أن يصب على رأسه الماء، انتهى.\nوقال الأبي في \"الإكمال\" (^٢): أجازه الجمهور كما قال عمر - ﵁ -: لا يزيده الماء إلا شعثًا، وتؤول عن مالك مثله، وتؤولت عنه الكراهة أيضًا، انتهى مختصرًا.\n\n(١٥ -<span data-type='title' id=toc-1370> باب لبس الخفين للمحرم إذا لم يجد النعلين)</span>\nقال الحافظ (^٣): أي: هل يشترط قطعهما أو لا؟ انتهى.\nقلت: وفي حديث الباب أبحاث عديدة بسطت في \"الأوجز\" (^٤)، منها: أن واجد النعلين لا يلبس الخفين المقطوعين، وهو قول الجمهور، وعن بعض الشافعية جوازه، وكذا عند الحنفية، ومنها: أن إجازة لبس الخفين مشروط بالقطع، وبه قالت الأئمة الثلاثة.\nوعن الإمام أحمد في المشهور عنه: لا يلزم قطعهما بل يجوز لبسهما بلا قطع، ومنها: أن المراد بالكعبين ههنا هو المراد بهما في الوضوء عند الجمهور، وهما العظمان الناتيان في جانبي القدم، وعندنا الحنفية المراد بالكعبين ههنا معقد الشراك، وهو المفصل الذي في وسط القدم، بخلاف المراد في الوضوء، انتهى من هامش \"اللامع\" (^٥) مختصرًا.\n\n(١٦ -<span data-type='title' id=toc-1371> باب إذا لم يجد الإزار فليلبس السراويل)</span>\nمن غير أن يفتقه، وهذا مذهب الشافعية وأحمد.\nوقال الحنفية: إن لبسه ولم يفتقه يجب عليه دم؛ لأن لبس المخيط\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (٦/ ٣٤٨).\n(^٢) (٣/ ٣١٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٤/ ٥٧).\n(^٤) \"أوجز المسالك\" (٦/ ٣٦٨ - ٣٧٠).\n(^٥) \"هامش اللامع\" (٥/ ٣٠٢).","vol":"3","page":462},{"text":"من محظورات الإحرام، والعذر لا يسقط حرمته، فيجب عليه الجزاء كما وجب في الحلق لدفع الأذى.\nوقال المالكية: ومن لم يجد إزارا فلبس سراويل فعليه الفدية، وكأن حديث ابن عباس هذا لم يبلغ مالكًا، كما في \"الموطأ\"، انتهى من \"القسطلاني\" (^١).\nواعلم أن سياق الحديث في مسألتي الإزار والخفين واحد وهو قوله - ﷺ -: \"من لم يجد النعلين فليلبس الخفين، ومن لم يجد إزارًا فليلبس السراويل\"، وقد غاير الإمام البخاري في سياق الترجمتين كما ترى.\nقال الحافظ: أورد فيه حديث ابن عباس المذكور في الباب السابق، وجزم المصنف بالحكم في هذه المسألة دون التي قبلها لقوة دليلها، وتصريح المخالف بأن الحديث لم يبلغه فيتعين على من بلغه العمل به، انتهى.\nقلت: أشار الحافظ بقوله: \"تصريح المخالف. . .\" إلخ إلى ما في \"الموطأ\" (^٢): قال يحيى: سئل مالك عن ما ذكر عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"من لم يجد إزارًا فليلبس السراويل\"، فقال: لم أسمع بهذا، ولا أرى أن يلبس المحرم السراويل؛ لأن رسول الله - ﷺ - نهى عن لبس السراويلات في ما نهى عنه من لبس الثياب التي لا ينبغي للمحرم أن يلبسها، ولم يستثن فيها، كما استثنى في الخفين، انتهى.\nقلت: وما أفاده الحافظ قُدِّس سِرُّه من قوة دليل المسألة الثانية لم أتحصله، فإن سياق الحديثين في المسألتين واحد، ولو سلم فدليل الأولى أقوى لاتفاق الأئمة على قبولها بخلاف الثانية، إذ قال الإمام مالك: إن الحديث لم يبلغه، بل الأوجه عند هذا العبد الضعيف أن لبس الخفين لمن لم يجد النعلين لما لم يكن واجبًا لم يجزم باللبس؛ لأن من لم يجد النعلين\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٤/ ٤٣٩).\n(^٢) \"الموطأ\" (١/ ٣٢٥).","vol":"3","page":463},{"text":"يباح له أن يمشي حافيًا، وأما من لم يجد الإزار فيجب عليه أن يلبس شيئًا لحرمة الكشف، فجزم بالحكم بقوله: \"فليلبس السراويل\"، وهذا هو السر عندي في تغاير الترجمتين، والله أعلم.\n\n(١٧ -<span data-type='title' id=toc-1372> باب لبس السلاح للمحرم)</span>\nقال العيني (^١): أي: جواز لبس السلاح للمحرم إذا احتاج إليه، قال ابن بطال: أجاز مالك والشافعي حمل السلاح للمحرم في الحج والعمرة، وكرهه الحسن، انتهى.\nومطابقة الحديث للترجمة تظهر من قوله: \"لا يدخل مكة سلاحًا. . .\" إلخ؛ لأنه لو كان حمل السلاح للمحرم غير جائز مطلقًا عند الضرورة وغيرها لما قاضى أهل مكة بهذا، انتهى من \"العيني\".\nقال القسطلاني (^٢): أورد المؤلف هذا الحديث هنا مختصرًا، وساقه بتمامه في \"كتاب الصلح\"، انتهى.\n\n(١٨ -<span data-type='title' id=toc-1373> باب دخول الحرم ومكة بغير إحرام. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٣): من عطف الخاص على العام؛ لأن المراد بمكة هنا البلد فيكون الحرم أعم، انتهى.\nوقال القسطلاني (^٤): أي: لمن لم يرد الحج أو العمرة، وهو مذهب الشافعية لقوله في الحديث: \"ممن أراد الحج والعمرة\"، والمشهور عن الأئمة الثلاثة الوجوب، انتهى.\nوفي \"الأوجز\" (^٥): لا يجوز الدخول بغير إحرام إجماعًا لمريد الحج والعمرة، ويجوز إجماعًا لمن تكرر دخوله من الحطابين ونحوهم، واختلفوا\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٧/ ٥٣٤).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٤/ ٤٤٠).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٤/ ٥٩).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (٤/ ٤٤٠).\n(^٥) \"أوجز المسالك\" (٨/ ٦٢٤ - ٦٢٥).","vol":"3","page":464},{"text":"في غيرهما، والمرجح عند الشافعي الجواز، وهو رواية عن المالكية والحنابلة، ولا يجوز عندنا الحنفية، وهو المرجح عند الحنابلة والمالكية، وهو رواية عن الشافعي، انتهى.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): وغاية احتجاجهم في ذلك بلبسه ﵊ يوم الفتح مغفرًا على رأسه، وأنت تعلم أن مكة لم تكن حرمًا يومئذ كما صرَّح به النبي - ﷺ - في خطبته، فلا يتم الاحتجاج به، إلى آخر ما بسط في الجواب عن استدلال المصنف.\nوقال السندي (^٢): ولعل من لا يجوّز ذلك يحمل على أن منشأ ذلك الإحرام هو حرمة مكة، وقد أحلت له تلك الساعة، انتهى.\nوقال القسطلاني (^٣) تبعًا للحافظ: واستدل بقصة ابن خطل على جواز إقامة الحدود والقصاص في حرم مكة.\nوقال أبو حنيفة: لا يجوز، وتأول الحديث بأنه كان في الساعة التي أبيحت له، إلى آخر ما بسط في الإيراد والجواب عنه، وتقدم ذكر الاختلاف في هذه المسألة في \"باب لا يحل القتال بمكة.\n\n(١٩ -<span data-type='title' id=toc-1374> باب إذا أحرم جاهلًا وعليه قميص. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٤): أي: هل يلزمه فدية أو لا؟ وإنما لم يجزم بالحكم؛ لأن حديث الباب لا تصريح فيه بإِسقاط الفدية، ومن ثم استظهر المصنف للراجح بقول عطاء راوي الحديث كأنه يشير إلى أنه لو كانت الفدية واجبة لما خفيت عن عطاء وهو راوي الحديث؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، وفرَّق مالك فيمن تطيب أو لبس ناسيًا بين من بادر فنزع\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٥/ ٣٠٥).\n(^٢) \"حاشية السندي على صحيح البخاري\" (١/ ٣١٧).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (٤/ ٤٤٢ - ٤٤٣).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٤/ ٦٣).","vol":"3","page":465},{"text":"وغسل وبين من تمادى، والشافعي أشد موافقةً للحديث؛ لأن السائل كان غير عارف بالحكم وقد تمادى، ومع ذلك لم يؤمر بالفدية، وقول مالك فيه الاحتياط.\nوأما قول الكوفيين - وهو وجوب الفدية مطلقًا - مخالف لهذا الحديث، وأجاب ابن المنيِّر بأن الوقت الذي أحرم فيه الرجل في الجبة كان قبل نزول الحكم، ولهذا انتظر النبي - ﷺ - الوحي قال: ولا خلاف أن التكليف لا يتوجه على المكلف قبل نزول الحكم، فلهذا لم يؤمر الرجل بفدية عما مضى، بخلاف من لبس الآن جاهلًا فإنه جهل حكمًا استقر وقصر في علم ما كان عليه أن يتعلمه لكونه مكلفًا به، انتهى.\nقلت: ذكر الحافظ مذاهب الأئمة الثلاثة، ولم يذكر مذهب الحنابلة، ففي المسألة عنهم روايتان مثل مذهبنا والشافعية، كما في \"الأوجز\" (^١).\n\n(٢٠ -<span data-type='title' id=toc-1375> باب المحرم يموت بعرفة. . .) إلخ</span>\nقال القسطلاني (^٢): قوله: \"بقية الحج\" أي: كرمي الجمار والحلق وطواف الإفاضة، وإنما لم يأمر النبي - ﷺ - بأن يؤدى عنه بقية الحج؛ لأنه مات قبل التمكن من أداء بقيته، فهو غير مخاطب به كمن شرع في صلاة مفروضة أول وقتها فمات في أثنائها؛ فإنه لا تبعة عليه فيها إجماعًا، انتهى.\nوسكت الحافظان ابن حجر والعيني عن المسألة واختلاف الأئمة فيه.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\": ولعل المؤلف أشار بالترجمة إلى ما هو الصحيح من مذهب الحنفية أن من وجب عليه الحج، فحج من عامه؛ فإنه لو مات قبل إتمامه لا يجب عليه إيصاء إتمامه، فأما لو وجبت عليه الحجة ولم يحج إلا بعد انقضاء ذلك العام الذي وجب فيه الحج، ثم مات ولم يتم حجه؛ فإنه يجب عليه الإيصاء بإتمام حجه من ماله، ولعل المسألة\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (٦/ ٣٧١).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٤/ ٤٤٦).","vol":"3","page":466},{"text":"مقيسة على الصلاة والصوم، فإنهما تسقطان بمثل ذلك حتى أن من أدرك وقت الفجر ومات قبل طلوع الشمس أو كان مسافرًا فأفطر رمضان ثم لم يجد من الوقت ما يصوم فيه، فإنه يسقط منه الصوم ولا يجب عليه الإيصاء بقضائهما عنه، انتهى.\nوفي هامشه عن كتاب \"رحمة الأمة في اختلاف الأئمة\": من لزمه الحج فلم يحج حتى مات قبل التمكن من أدائه لم يسقط عند الشافعي وأحمد، انتهى.\nقلت: لكن النووي قال في \"شرح المهذب\": ويجب الإحجاج عنه من تركته إن كان قد استقر الحج في ذمته وإن كان تطوعًا أو لم يستطع إلا في هذه السنة لم يجب، انتهى.\nقال الموفق (^١): متى توفي من وجب عليه الحج ولم يحج، وجب أن يخرج عنه من جميع ماله ما يحج به عنه ويعتمر، سواء فاته بتفريط أو بغير تفريط، وبهذا قال الحسن والشافعي، وقال أبو حنيفة ومالك: يسقط بالموت، انتهى.\nكذا حكى الموفق مذهب الحنفية والشافعية، والصحيح في مذهبهما كما تقدم عن النووي و\"اللامع\"، التفريق بين من فرَّط ومن لم يفرط، والمراد بالتفريط أن لا يحج من عامه.\n\n(٢١ -<span data-type='title' id=toc-1376> باب سُنَّة المحرم إذا مات)</span>\nقال القسطلاني (^٢): أي: في كيفية الغسل والتكفين وغيره، انتهى.\nقلت: والمسألة خلافية شهيرة، ففي \"الأوجز\" (^٣): قال العيني في حديث ابن عباس: احتج به الشافعي وأحمد وإسحاق وأهل الظاهر في أن\n_________\n(^١) \"المغني\" (٥/ ٣٨).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٤/ ٤٤٧).\n(^٣) \"أوجز المسالك\" (٦/ ٣٩٧ - ٣٩٨).","vol":"3","page":467},{"text":"المحرم على إحرامه بعد الموت، ولذا يحرم ستر رأسه وتطييبه، وذهب أبو حنيفة ومالك والأوزاعي إلى أنه يصنع به ما يصنع بالحلال؛ لأنها عبادة شرعت فبطلت بالموت كالصلاة والصيام، وقال - ﷺ -: \"إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث\"، وإحرامه من عمله، ولأن الإحرام لو بقي لطيف به وكملت مناسكه، ولا قائل به، إلى آخر ما قال، وتقدمت المسألة في \"باب كيف يكفن المحرم\" من \"كتاب الجنائز\".\n\n(٢٢ -<span data-type='title' id=toc-1377> باب الحج والنذور عن الميت والرجل يحج عن المرأة)</span>\nقال العلَّامة العيني (^١): أي: هذا باب في بيان حكم الحج عن الميت، وفي بيان حكم النذر عن الميت، وقوله: \"والرجل\" بالجر عطف على المجرور فيما قبله، أي: في بيان حكم الرجل يحج عن المرأة، فالترجمة مشتملة على حكمين، انتهى.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): تضمنت الترجمة ثلاثة أجزاء: جواز الحج عن الغير، وثبوته عن الرواية ظاهر، ويقاس عليه سائر النذور؛ لأنه كان نذرًا عليها، فلما جاز قضاء نذر الحج عنها جاز غير الحج من النذور، وأما حج الرجل عن المرأة فجوازه ثابت بالطريق الأولى؛ لأن حجة الرجل أفضل من حجة المرأة؛ لأن في الأولى زيادة المناسك بنسبة الثانية، فلما أجزت حجة المرأة عنه كما ذكر في الرواية يكون حجه أولى بالجواز، انتهى.\nقال القسطلاني (^٣): وكان ينبغي أن يقول: والمرأة تحج عن المرأة ليطابق حديث الباب، وأجاب الزركشي بأنه استنبط ذلك من قوله:\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٧/ ٥٤٥).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٥/ ٣٠٩ - ٣١٢ - ٣١٤).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (٤/ ٤٤٨).","vol":"3","page":468},{"text":"\"اقضوا الله\" فإنه خاطبها بخطاب دخل فيه الرجال والنساء، فللرجل أن يحج عن المرأة ولها أن تحج عنه، وأما قول الحافظ ابن حجر في قوله: \"والرجل يحج عن المرأة\": نظر؛ لأن لفظ الحديث أن امرأة سألت عن نذر كان على أبيها فكان حق الترجمة أن يقول: والمرأة تحج عن الرجل، ثم قال: والذي يظهر لي أن البخاري أشار بالترجمة إلى رواية شعبة عن أبي بشر في هذا الحديث؛ فإنه قال فيه: \"أتى رجل النبي - ﷺ - فقال: إن أختي نذرت أن تحج\" الحديث، وفيه: \"فاقضي الله فهو أحق بالقضاء\" فلا يخفى ما فيه، فإن حديث الباب إنما هو أن امرأة من جهنية قالت: \"إن أمي\" وكيف يقال بالمطابقة بين ترجمة وحديث مذكور في باب آخر، والأصل أن المطابقة إنما تكون بين الترجمة وحديث الباب، فليتأمل، انتهى.\nقلت: إيراد القسطلاني صحيح لا شك فيه، ولكن قوله: إن المطابقة إنما تكون إلخ تبع في ذلك العلامة العينى وهو غير مسلم، بل هو أصل مطَّرد من أصول التراجم، والعلامة العينى تارة يأخذ بهذا الأصل ومرة يرده أشد الرد، كما بسط ذلك في أصل الحادي عشر من أصول التراجم.\nثم الظاهر عندي: أن الترجمة مشتملة على جزئين:\nالأول: الحج المنذور عن الميت، قال العيني: ومطابقة الحديث للترجمة في قولها: \"إن أمي نذرت\" إلخ، وفيه: حج عن نذر الميت، وهو مطابق للجزء الأول من الترجمة، انتهى.\nقلت: والمسألة خلافية، قال الموفق (^١): متى توفي من وجب عليه الحج ولم يحج وجب أن يخرج عنه من جميع ماله ما يحج به ويعتمر، سواء مات عن تفريط أو بلا تفريط، وبه قال الشافعي.\nوقال أبو حنيفة ومالك: يسقط بالموت، فإن وصَّى بها فهو من الثلث، ويستناب من بلده أو من الموضع الذي أيسر فيه، وبه قال الحسن وإسحاق\n_________\n(^١) \"المغني\" (٥/ ٣٨ - ٣٩).","vol":"3","page":469},{"text":"ومالك في النذر، وقال الشافعي فيمن عليه حجة الإسلام: يستأجر من يحج عنه من الميقات؛ لأن الإحرام لا يجب من دونه، ولنا أن الحج واجب على الميت من بلده، فوجب أن ينوب عنه منه؛ لأن القضاء يكون على وفق الأداء، وكذلك الحكم في حج النذر والقضاء، انتهى.\nوالجزء الثاني: جواز حج الرجل عن المرأة وثبوته عن الرواية بالطريق الأولى كما تقدم في كلام الشيخ مفصلًا، والمسألة إجماعية.\nقال الموفق (^١): ويجوز أن ينوب الرجل عن المرأة والمرأة عن الرجل، لا نعلم فيه مخالفًا إلا الحسن بن صالح، فإنه كره حج المرأة عن الرجل، انتهى.\nثم لا يذهب عليك أنه ذكر في \"الأوجز\" (^٢) في مسألة الحج عن الغير عشرة أبحاث مفيدة فقهية، فارجع إليه.\n\n(٢٣ -<span data-type='title' id=toc-1378> باب الحج عمن لا يستطيع الثبوت على الراحلة)</span>\nخلافًا لمالك في ذلك، ولمن قال: لا يحج أحد عن أحد مطلقًا كابن عمر، ونقل ابن المنذر وغيره الإجماع على أنه لا يجوز أن يستنيب من يقدر على الحج بنفسه في الحج الواجب، وأما النفل فيجوز عند أبي حنيفة خلافًا للشافعي، وعن أحمد روايتان، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\nوقال العيني (^٤) تحت حديث الباب: فيه جواز الحج عن غيره إذا كان معضوبًا، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق، وقال مالك والليث والحسن بن صالح: لا يحج أحد عن أحد إلا عن ميّت لم يحج حجة الإسلام.\nوحاصل ما في مذهب مالك ثلاثة أقوال: مشهورها: لا يجوز،\n_________\n(^١) \"المغني\" (٥/ ٢٧).\n(^٢) \"أوجز المسالك\" (٧/ ٢٠٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٤/ ٦٦).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (٧/ ٩).","vol":"3","page":470},{"text":"وثانيها: يجوز من الولد، ثالثها: يجوز إن أوصى به، وعن النخعي وبعض السلف: لا يصح الحج عن ميت ولا عن غيره، وهي رواية عن مالك، وإن أوصى به، انتهى.\nوفي \"الفيض\" (^١): وهذه مسألة أخرى ويقال لها: مسألة المعضوب، انتهى.\nقال ابن رشد (^٢): أما وجوبه باستطاعة النيابة مع العجز عن المباشرة فعند مالك وأبي حنيفة لا تلزم، وعند الشافعي تلزم، فيلزم على مذهبه الذي عنده مال بقدر أن يحج به عنه غيره، إذا لم يقدر هو ببدنه أن يحج عنه غيره، وهي المسألة التي يعرفونها بالمعضوب، وهو الذي لا يثبت على الراحلة، انتهى.\nقال ابن الهمام (^٣): وفي المشهور عن أبي حنيفة أنه لا يلزمهم - الأعمى والمقعد والمعضوب أي: الضعيف، على ما في \"القاموس\" (^٤) - الحج.\nقال في \"البحر\": وهذا عند أبي حنيفة في ظاهر الرواية، وهو رواية عنهما، وقال: في ظاهر روايتهما، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة أنه يجب على هؤلاء إذا ملكوا الزاد والراحلة ومؤنة من يرفعهم ويضعهم، والخلاف المذكور في من وجد الاستطاعة وهو معذور، أما إن وجدها وهو صحيح ثم طرأ عليه العذر فالاتفاق على الوجوب، انتهى مختصرًا.\nوقال الشيخ في \"الكوكب\" (^٥): قوله: \"يا رسول الله إن أبي شيخ كبير. . .\" إلخ، الظاهر أن الحج لم يكن وجب عليه، وإنما كان ذلك متمناه وإن كان جائزًا أن يكون الحج فرض عليه ثم ضعف، انتهى.\n_________\n(^١) \"فيض الباري\" (٣/ ٣٠٩).\n(^٢) \"بداية المجتهد\" (١/ ٣٢٤).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٢٩).\n(^٤) \"القاموس\" (ص ١٢٠).\n(^٥) \"الكوكب الدري\" (١/ ٢٩٤).","vol":"3","page":471},{"text":"قلت: ولعلك قد عرفت مما سبق أن ههنا مسألتين:\nإحداهما: وجوب الحج على من لا يستطيع الثبوت على الراحلة، وهي التي يقال لها: مسألة المعضوب.\nوالثانية: النيابة عن المعضوب، ذكر الشرَّاح هاتين المسألتين في بيان ما يستفاد من الحديث، ولفظ الترجمة نص في أن المراد ههنا الثانية.\n\n(٢٤ -<span data-type='title' id=toc-1379> باب حج المرأة عن الرجل)</span>\nقال القسطلاني (^١): وفي الحديث دليل على أنه يجوز للمرأة أن تحج عن الرجل، خلافًا لمن زعم أنه لا يجوز معللًا بأن المرأة تلبس في الإحرام ما لا يلبسه الرجل فلا يحج عنه إلا رجل مثله، انتهى.\nوتقدم قبل باب أنه قول الحسن.\n\n(٢٥ -<span data-type='title' id=toc-1380> باب حج الصبيان)</span>\nقال الحافظ (^٢): أي: مشروعيته، وكأن الحديث الصريح فيه ليس على شرطه، وهو ما رواه مسلم عن ابن عباس قال: \"رفعت امرأة صبيًا لها فقالت: يا رسول الله! ألهذا حج؟ قال: نعم، ولك أجر\"، قال ابن بطال: أجمع أئمة الفتوى على سقوط الفرض عن الصبي حتى يبلغ، إلا أنه إذا حج به كان له تطوعًا عند الجمهور، وقال أبو حنيفة: لا يصح إحرامه ولا يلزمه شيء بفعل شيء من مخطورات الإحرام، وإنما يحج به على جهة التدريب، وشذ بعضهم فقال: إذا حج الصبي أجزأه ذلك عن حجة الإسلام، انتهى.\nقلت: النقل عن الحنفية غير صحيح، ففي \"الأوجز\" (^٣) في مباحث حج الصبي: الثاني: هل ينعقد حجه أم لا؟ ويجري عليه أحكام الحج، ويجب فيه الفدية، ودم الجبران وسائر أحكام البالغ كما قاله الجمهور أم لا؟\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٤/ ٤٥٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٤/ ٧١).\n(^٣) \"أوجز المسالك\" (٨/ ٥٩٠ - ٥٩٢).","vol":"3","page":472},{"text":"وخالف في ذلك أبو حنيفة إذ قال: لا يلزمه شيء من مخطورات الإحرام، وبذلك توهم من قال: إن حج الصبي لا ينعقد عندهم، كما بسط في \"الأوجز\" و\"هامش اللامع\" (^١)، وفي \"الفيض\" (^٢): واعلم أن عبادات الصبيان كلها معتبرة عندنا، نعم تقع نفلًا عنه، وعليه حجة ثانية بعد البلوغ، انتهى.\n\n(٢٦ -<span data-type='title' id=toc-1381> باب حج النساء)</span>\nأي: هل يشترط فيه قدر زائد على حج الرجال أو لا؟ انتهى. قاله الحافظ وكذا العيني (^٣)، ثم قال تحت أثر عمر: مطابقته للترجمة من حيث إن فيه حج النساء، ولكن فيه زيادة على حج الرجال، وهو الاحتياج إلى إذن من يتولى أمرهن في خروجهن، انتهى.\nقوله: (ألا نغزوا أو نجاهد؟. . .) إلخ، النسخ على إثبات \"أو\"، وبسط السندي (^٤) الكلام عليه، وذكر الفرق بين الغزو والجهاد، والأسهل ما قال الحافظ (^٥): إنه شك من الراوي.\n\n(٢٧ -<span data-type='title' id=toc-1382> باب من نذر المشي إلى الكعبة)</span>\nقال الحافظ (^٦): أي: وغيرها من الأماكن المعظمة هل يجب عليه الوفاء بذلك أو لا؟ وإذا وجب فتركه قادرًا أو عاجزًا ماذا يلزمه؟ وفي كل ذلك اختلاف بين أهل العلم، سيأتي في \"كتاب النذر\"، انتهى.\nقوله: (وأمره أن يركب) واحتج أهل الظاهر بالحديث وبحديث عقبة الآتي، فقالوا: من عجز عن المشي فلا هدي عليه.\nوسائر الفقهاء لهم في هذه المسألة أقوال:\n_________\n(^١) \"هامش اللامع\" (٥/ ١٦ - ٣١٧).\n(^٢) \"فيض الباري\" (٣/ ٣١٠).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٤/ ٧٣)، و\"عمدة القاري\" (٧/ ٥٥٤ - ٥٥٥).\n(^٤) \"حاشية السندي على صحيح البخاري\" (١/ ٣١٩).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٤/ ٧٤).\n(^٦) \"فتح الباري\" (٤/ ٧٩).","vol":"3","page":473},{"text":"والأول: روي عن علي وابن عمر: \"من نذر المشي إلى بيت الله تعالى فعجز عنه أنه يمشي ما استطاع، فإذا عجز ركب وأهدى شاة\"، وهو قول عطاء والحسن، وبه قال أبو حنيفة والشافعي، وقال أبو حنيفة: وكذا إن ركب وهو غير عاجز، ويكفِّر عن يمينه لحنثه، حكاه الطحاوي، وقال الشافعي: الهدي في هذه احتياط، وحجتهم قوله - ﷺ -: \"فلتركب ولتهد\".\nوالقول الثاني: يعود ثم يحج مرة أخرى، ثم يمشي ما ركب، ولا هدي عليه، وهو قول ابن عمر والنخعي وغيرهما.\nوالقول الثالث: يعود فيمشي ما ركب وعليه الهدي، وهو مروي عن ابن عباس أيضًا، وروي عن النخعي، وهو قول مالك، جمع عليه الأمرين المشي والهدي احتياطًا، انتهى من \"العيني\" (^١).\nوقال القسطلاني (^٢) الشافعي: لو ترك المشي لعذر أو لغيره أجزأه مع لزوم الدم فيهما، والإثم في الثاني، انتهى.\nوفي \"الأوجز\" (^٣) عن \"شرح اللباب\": لو ركب في كل الطريق أو أكثره لعذر أو بلا عذر فعليه دم، وإن ركب في الأقل وكذا في المساواة تصدق بقدره من قيمة الشاة، انتهى.\nوفي تقرير مولانا حسين علي البنجابي: من نذر بعبادة مثل المشي ينعقد النذر، فيمشي غير راكب، وإن كان معذورًا فيكفِّر بدم، وأما النذر حافيًا فلا يجب وليس فيه دم؛ لأنه ليس من جنسه عبادة، يعني: أن المشي من جنسه عبادة مفروضة حيث يفرض الحج على أهل مكة، وإن لم تكن لهم راحلة بخلاف المشي حافيًا، فإنه ليس بعبادة مفروضة، انتهى من هامش \"اللامع\" (^٤).\nقلت: وفي هذه المسألة أبحاث كثيرة بسطت في \"الأوجز\" (^٥).\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٧/ ٥٦٣).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٤/ ٤٦٤).\n(^٣) \"أوجز المسالك\" (٩/ ٥٤٤).\n(^٤) \"هامش اللامع\" (٥/ ٣١٧).\n(^٥) \"أوجز المسالك\" (٩/ ٥٣٧ - ٥٤٠).","vol":"3","page":474},{"text":"٢٩ -<span data-type='title' id=toc-1383> أبواب فضائل المدينة</span>\nوتأتي روايات كثيرة من هذا الباب في \"كتاب الاعتصام\" في أواخر البخاري في \"باب ما ذكر النبي - ﷺ - وحض على اتفاق أهل العلم وما أجمع عليه الحرمان: مكة والمدينة، وما كان بها من مشاهد النبي - ﷺ - والمهاجرين والأنصار ومصلى النبي - ﷺ - والمنبر والقبر الشريف\".\nقال الحافظ (^١): المدينة علم على البلدة المعروفة التي هاجر إليها النبي - ﷺ - ودفن بها، وإذا أطلقت تبادر إلى الفهم أنها المراد، فإذا أريد غيرها فلا بدّ من قيد، وكان اسمها قبل ذلك يثرب، قيل: سميت بيثرب بن قانية من ولد إرم بن سام بن نوح؛ لأنه أول من نزلها، وقيل غير ذلك، ثم سمَّاها النبي - ﷺ - طابة وطيبة كما سيأتي في باب مفرود، وكان سكانها العماليق، ثم نزلها طائفة من بني إسرائيل، قيل: أرسلهم موسى - ﵇ -، ثم نزلها الأوس والخزرج لما تفرق أهل سبأ بسبب سيل العرم، انتهى من هامش \"اللامع\" (^٢).\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-1384> باب حرم المدينة)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣) أي: إثبات أنها محترمة، ودلالة الرواية الثانية على هذا المعنى غير ظاهرة، إلا أن يقال: إقامة النبي - ﷺ - هناك، وبناء المسجد فيها، إلى غير ذلك مما يدل على حرمتها، انتهى.\nوفي هامشه: وبذلك جزم عامة الشرَّاح، قال العيني: باب في بيان فضل حرم المدينة، انتهى. وتبعه القسطلاني، وسكت عنه الحافظ،\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٨١).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٥/ ٣١٨).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٥/ ٣١٩).","vol":"3","page":475},{"text":"والأوجه عند هذا العبد الفقير أن الإمام البخاري أشار به إلى مسألة خلافية شهيرة، وهي: اختلافهم في أن حرم المدينة كحرم مكة أو حكمهما مختلف؟ ولم يجزم الإمام بالحكم في الترجمة كعادته في المسائل المختلف فيها عند الأئمة، وكذا في المسائل التي اختلفت فيها الروايات، ولم يترجح عنده إحداها، وهما أصلان معروفان مطَّردان من الأصول المتقدمة في المقدمة، وبسط الكلام على المسألة في \"الأوجز\" مع بسط الدلائل.\nقال العيني (^١) بعد حديث أنس: احتج به الشافعي ومالك وأحمد وإسحاق، فقالوا: المدينة لها حرم، فلا يجوز قطع شجرها ولا أخذ صيدها، ولكنه لا يجب الجزاء عندهم خلافًا لابن أبي ذئب فإنه قال: يجب الجزاء، وكذلك لا يحل سلب من فعل ذلك عندهم إلا عند الشافعي في القديم إذ قال: من اصطاد في المدينة صيدًا أخذ سلبه، وقال الثوري وابن المبارك وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: ليس للمدينة حرم كما كان لمكة، فلا يمنع أحد عن أخذ صيدها وقطع شجرها، وأجابوا عن الحديث المذكور بأنه - ﷺ - أراد بذلك بقاء زينة المدينة ليستطيبوها ويألفوها، وذلك كمنعه - ﷺ - من هدم آطام المدينة، وقال: \"إنها زينة المدينة\" على ما رواه الطحاوي بإسناد صحيح، ثم ذكر الطحاوي دليلًا على ذلك من قوله - ﷺ -: \"يا أبا عمير ما فعل النغير\" إلى آخر ما بسط العيني، انتهى من \"هامش اللامع\" مختصرًا.\nقال الحافظ (^٢): ذكر المصنف هنا أربعة أحاديث، ورتَّبها ترتيبًا حسنًا، ففي حديث أنس التصريح بكون المدينة حرمًا، وفي حديثه الثاني تخصيص النهي عن قطع الشجر بما لا ينبته الآدميون، وفي حديث أبي هريرة بيان ما أجمل من حد حرمها في حديث أنس حيث قال كذا وكذا، فبيَّن في هذا أنه ما بين الحرتين، وفي حديث علي زيادة تأكيد التحريم، وبيان حد الحرم أيضًا، انتهى.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٧/ ٥٦٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٤/ ٨٦ - ٨٧).","vol":"3","page":476},{"text":"(٢ -<span data-type='title' id=toc-1385> باب فضل المدينة وأنها تنفي الناس)</span>\nأي: الشرار منهم، وراعى في الترجمة لفظ الحديث، وقرينة إرادة الشرار من الناس ظاهرة من التشبيه الواقع في الحديث، والمراد بالنفي الإخراج، ولو كانت الراوية \"تنقي\" بالقاف لحمل لفظ \"الناس\" على عمومه، وقد ترجم المصنف بعد أبواب: \"المدينة تنفي الخبث\"، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوقال العيني (^٢): قلت: جعلوا لفظ: \"تنفي\" من النفي، فلذلك قدروا هذا التقدير، والأحسن عندي أن يكون هذا اللفظ من التنقية بالقاف، والمعنى: أن المدينة تنقي الناس تبقي خيارهم وتطرد شرارهم، ويناسب هذا المعنى قوله - ﷺ -: \"إن المدينة كالكير تنفي خبثها وتنصع طيبها\"، وإنما قلنا: يناسب هذا المعنى قوله - ﷺ - من حيث إن حاصل المعنى يؤول إلى ما ذكرنا، وإن كان لفظ الحديث من النفي بالفاء، انتهى.\nقلت: والأوجه عندي ما قال العيني، لئلا يوهم تكرار الترجمة بما يأتي من \"باب المدينة تنفي الخبث\"، لكن كلام الحافظ يشير إلى أن الرواية في الترجمة أيضًا بلفظ: \"الفاء\"، وعلى هذا فللتأويل للترجمة مساغ بأن يقال: إن الخبث غير الخبيث، انتهى من هامش \"اللامع\" (^٣).\nوأوجه منه أن يقال في دفع التكرار: إن الغرض من الترجمة ههنا هو إثبات فضل المدينة، وهو ثابت بالجزء الأول من الحديث بقوله: \"أمرت بقرية تأكل القرى\" كما هو ظاهر، وأما قوله في الترجمة: \"وأنها تنفي الناس\" ذكره استطرادًا لوجوده في حديث الباب، وأما الترجمة الثانية الآتية فالمقصود منه النفي خاصة.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٤): قوله: \"وأنها تنفي الناس\" ولا يستلزم\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٨٧).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٧/ ٥٧٦).\n(^٣) انظر: \"لامع الدراري\" (٥/ ٣٢٣).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٥/ ٣٢٢ - ٣٢٣).","vol":"3","page":477},{"text":"نفيها الناس أن لا يبقى فيها أحد ممن هو خليق بالنفي، بل هي تدوم تنفيهم عنها وتبقي مع ذلك بقية منهم فيها، نعم يتحقق كمال هذا النفي في وقت المهدي وعيسى - ﵉ -، انتهى.\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-1386> باب المدينة طابة)</span>\nأي: من أسمائها، إذ ليس في الحديث أنها لا تسمى بغير ذلك، وروى مسلم حديث جابر بن سمرة مرفوعًا: \"أن الله سمى المدينة طابة\"، والطاب والطيب لغتان بمعنى، واشتقاقهما من الشيء الطيب، وقيل لطهارة ترتبها، وقيل لطيبها لساكنها، وقيل من طيب العيش بها، وقال بعض أهل العلم: وفي طيب ترابها وهوائها دليل شاهد على صحة هذه التسمية؛ لأن من أقام بها يجد من ترتبها وحيطانها رائحة طيبة لا تكاد توجد في غيرها.\nوللمدينة أسماء غير ما ذكر، منها: ما رواه عمر بن شبة في \"أخبار المدينة\" من رواية زيد بن أسلم قال: قال النبي - ﷺ -: \"للمدينة عشرة أسماء هي: المدينة، وطابة، وطيبة، والمطيبة، والمسكينة، والدار، وجابرة، ومجبورة، ومنيرة، ويثرب\"، انتهى مختصرًا من \"الفتح\" (^١).\nقال القسطلاني (^٢): ولها أسماء كثيرة، وكثرة الأسماء تدل على شرف المسمى، وذكر عدة أسماء سوى ما تقدم عن الحافظ، وقال أيضًا: ولله در الأشبيلي حيث قال: لتربة المدينة نفحة ليس كما عهد من الطيب، بل هو عجب من الأعاجيب، انتهى.\nوكتب مولانا عبد الحي اللكنوي في مقدمة \"الهداية\" (^٣): للمدينة أربع وتسعون اسمًا مبسوطة في \"وفاء الوفاء\"، وكثرة الاسم تدل على شرف المسمى، ويكفيه كونه مسكنًا لسيد الخلق - ﷺ - ومدفنًا له، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٨٨ - ٨٩).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٤/ ٤٧٢ - ٤٧٣).\n(^٣) مقدمة \"الهداية\" (١/ ٨٢).","vol":"3","page":478},{"text":"قلت: ولا يبعد عندي أن المقصود من ذكر هذه التراجم إظهار حب المدينة، ومن أحب شيئًا أكثر من ذكره.\n\n(٤ -<span data-type='title' id=toc-1387> باب لابتي المدينة)</span>\nتثنية لابة، وهي الحرة الأرض ذات الحجارة السود، والمدينة ما بين حرتين عظيمتين، إحداهما: شرقية، والأخرى: غربية، انتهى من \"القسطلاني\" (^١).\nقلت: قد تقدم في \"باب حرم المدينة\" أن الغرض منه عندي الإشارة إلى مسألة خلافية، وهي هل للمدينة حرم كما لمكة أم لا؟ وتقدم الخلاف فيه هناك، ولعل الغرض بالترجمة ههنا بيان حد الحرم على حسب ما وقع في الأحاديث، فقد تقدم في الباب المذكور حديث أبي هريرة: \"أن النبي - ﷺ - قال: حرم ما بين لابتي المدينة على لساني\".\nقال الحافظ (^٢): وفي رواية لمسلم: \"وجعل اثني عشر ميلًا حول المدينة حمى\"، وفي رواية لأبي داود: \"حمى رسول الله كل ناحية من المدينة بريدًا بريدًا\"، الحديث، ووقع في حديث جابر عند أحمد: \"وأنا أحرم المدينة ما بين حرتيها\"، انتهى من \"الفتح\".\n\n(٥ -<span data-type='title' id=toc-1388> باب من رغب عن المدينة)</span>\nأي: فهو مذموم، أو باب حكم من رغب عنها، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\n\n(٦ -<span data-type='title' id=toc-1389> باب الإيمان يأرز إلى المدينة)</span>\nبفتح أوله وسكون الهمزة وكسر الراء وقد تضم بعدها زاي، وحكى ابن التين عن بعضهم فتح الراء، وقال: إن الكسر هو الصواب، ومعناه\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٤/ ٤٦٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٤/ ٨٣).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٤/ ٩٠).","vol":"3","page":479},{"text":"ينضم ويجتمع، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nقلت: لعل الغرض أن فضل المدينة لا يختص بزمانه - ﷺ - بل هو في جميع الأزمنة.\nقال الحافظ (^٢): قوله: \"كما تأرز الحية. . .\" إلخ، أي: أنها كما تنتشر من جحرها في طلب ما تعيش به، فإذا راعها شيء رجعت إلى جحرها، كذلك الإيمان انتشر في المدينة، وكل مؤمن له من نفسه سائق إلى المدينة لمحبته في النبي - ﷺ -، فيشمل ذلك جميع الأزمنة؛ لأنه في زمن النبي - ﷺ - للتعلم منه، وفي زمن الصحابة والتابعين وتابعيهم للاقتداء بهديهم، ومن بعد ذلك لزيارة قبره - ﷺ - والصلاة في مسجده والتبرك بمشاهدة آثاره وآثار أصحابه، انتهى.\nثم لا يخفى عليك ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٣): قوله: \"ليأرز إلى المدينة\" ظاهر التشبيه أنه لا يبقى في المدينة شيء منه حين خروجه إلى البلاد، وهو غير مراد، بل المعنى أنه ينتشر منها إلى البلاد، ثم يأتي زمان لا يبقى مؤمن إلا وهو في المدينة، وذلك لما علم أن المدينة آخر البلاد خرابًا، وليس ذلك إلا لبقاء الإيمان فيها، انتهى.\nقلت: ما أفاده الشيخ فهو جيد لطيف جدًا.\n\n(٧ -<span data-type='title' id=toc-1390> باب إثم من كاد أهل المدينة)</span>\nقال الحافظ (^٤) أي: أراد بأهلها سوء، والكيد المكر والحيلة في المساءة، انتهى. وبسط الشرَّاح في شرح حديث الباب.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٩٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٤/ ٩٣ - ٩٤).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٥/ ٣٢٤ - ٣٢٥).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٤/ ٩٤).","vol":"3","page":480},{"text":"(٨ -<span data-type='title' id=toc-1391> باب آطام المدينة)</span>\nقال الحافظ (^١): بالمد، جمع أطم بضمتين، وهي الحصون التي تبنى بالحجارة، وقيل: هو كل بيت مربع مسطح، وقد ذكر الزبير بن بكار في \"أخبار المدينة\" مع ما كان بها من الآطام قبل حلول الأوس والخزرج بها، ثم ما كان بها بعد حلولهم، وأطال في ذلك، انتهى.\n\n(٩ -<span data-type='title' id=toc-1392> باب لا يدخل الدجال المدينة)</span>\nأورد فيه أربعة أحاديث، وحاصل ما في هذه الأحاديث إعلامه - ﷺ - أن الدجال لا يدخل المدينة ولا الرعب منه، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\nوقال القسطلاني (^٣): قوله: \"لا يدخلها الطاعون\" أي: الموت الذريع الفاشي، أي: لا يكون بها مثل الذي يكون بغيرها كالذي وقع في طاعون عمواس والجارف، وقد أظهر الله تعالى صدق رسوله، فلم ينقل قط أنه دخلها الطاعون، وذلك ببركة دعائه - ﷺ -: \"اللهم صححها لنا\"، انتهى.\n\n(١٠ -<span data-type='title' id=toc-1393> باب المدينة تنفي الخبث)</span>\nأي: تطرده وتخرجه، وقد تقدم ما يتعلق بهذا الباب في \"باب فضل المدينة\"، وبسط الكلام على حديث الباب في \"الأوجز\" (^٤)، وكذا في \"الكوكب الدري\" (^٥)، وفي \"جذب القلوب\": قوله: \"تنفي خبثها\" يشمل الأحياء والأموات، فتنقل من البقيع، انتهى. أعاذنا الله منه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1394>(باب)</span>\nبغير ترجمة، هو كالفصل من الباب السابق، كذا هو للأكثرين، وسقط من رواية أبي ذر، وفي الباب حديثان، مناسبة الأول للباب السابق من جهة\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٩٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٤/ ٩٦).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (٤/ ٤٨٣).\n(^٤) \"أوجز المسالك\" (١٥/ ٥٨٣ - ٥٨٧).\n(^٥) \"الكوكب الدري\" (٢/ ٣٤١).","vol":"3","page":481},{"text":"أن تضعيف البركة وتكثيرها يقتضي تقليل ما يضادها، فناسب نفي الخبث، ومناسبة الثاني من جهة أن حب رسول الله - ﷺ - للمدينة يناسب طيب ذاتها وأهلها، انتهى، كذا في هامش \"الهندية\" (^١) من الشروح، وقد رمز عليها شيخ الهند في \"تراجمه\" رمز (نـ) نقطة واحدة، وهو إشارة إلى أن الترجمة تركت لقصد التمرين وتشحيذًا للأذهان.\n\n(١١ -<span data-type='title' id=toc-1395><span data-type='title' id=toc-1396> باب </span>كراهية النبي - ﷺ - أن تعرى المدينة)</span>\nبضم التاء، أي: تخلو، وأعريت المكان جعلته خاليًا، ولأبي ذر: أن تعرى بفتحها، أي: تخلو وتصير عراء، وهو الفضاء من الأرض الذي لا سترة به، انتهى من \"القسطلاني\" (^٢).\nقال الحافظ (^٣): ترجم البخاري بالتعليلين، فترجم في الصلاة باحتساب الآثار لقوله - ﷺ -: \"مكانكم تكتب لكم آثاركم\"، وترجم هنا بما ترى لقول الراوي: \"فكره النبي - ﷺ - أن تعرى المدينة\"، وكأنه - ﷺ - اقتصر في مخاطبتهم على التعليل المتعلق بهم لكونه أدعى لهم إلى الموافقة، انتهى.\n\n(١٢ - باب)\nبغير ترجمة، وهذا أيضًا كالفصل مما قبله، وهو الأصل العشرون من أصول التراجم المتقدمة.\nقال الحافظ (^٤): والباب مشتمل على حديثين وأثر، ولكل منهما تعلق بالترجمة التي قبله، فحديث \"ما بين بيتي ومنبري. . .\" إلخ فيه إشارة إلى الترغيب في سكنى المدينة، وحديث عائشة في قصة وعك أبي بكر وبلال فيه دعاؤه - ﷺ - للمدينة بقوله: \"اللهم صححها\"، وفي ذلك إشارة إلى\n_________\n(^١) (٤/ ٢٦٥).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٤/ ٤٩٠).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٤/ ٩٩).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٤/ ١٠٠).","vol":"3","page":482},{"text":"الترغيب في سكناها أيضًا، وأثر عمر في دعائه بأن تكون وفاته بها ظاهر في ذلك، وفي ذلك مناسبة لكراهته - ﷺ - أن تعرى المدينة، انتهى.\nوبراعة اختتام في قول عمر رضي الله تعالى عنه: \"واجعل موتي في بلد رسولك\" ظاهرة، وبه جزم الحافظ (^١)، اللهم نحن أيضًا ندعوك بها، فاستجب لنا بحرمة سيد المرسلين - ﷺ -.\n* * *\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ١٠١).","vol":"3","page":483},{"text":"٣٠ -<span data-type='title' id=toc-1397> كتاب الصوم</span>\nقد تقدم في مبدأ \"كتاب الحج\" وجوه المناسبة بين الحج والصوم وغيرهما.\nقال العيني (^١) في وجه المناسبة: العبادات أربعة: بدنية محض، وهي: الصلاة والصوم، ومالية محض، وهي: الزكاة، ومركبة منهما وهو الحج، وكان مقتضى الحال أن يذكر الصوم عقيب الصلاة لكونهما من واد واحدٍ، لكن ذكرت الزكاة عقيبها لما ذكرنا - كما تقدم في مبدأ الحج - ثم إن غالب المصنفين ذكروا الصوم عقيب الزكاة فلا مناسبة بينهما، والذي ذكره البخاري من تأخير الصوم وذكره في الأخير هو الأوجه والأنسب؛ لأن ذكر الحج عقيب الزكاة هو المناسب من حيث اشتمال كل منهما على بذل المال، ولم يبق للصوم موضع إلا في الأخير، انتهى.\nقلت: وما أورد العيني على عامة المصنفين أجاب عنه ابن عابدين (^٢) في مبدأ \"كتاب الصوم\" إذ قال: أعلم أن الصوم من أعظم أركان الدين، به قهر النفس الأمَّارة بالسوء، وأنه مركب من أعمال القلب ومن المنع عن المآكل والمشارب والمناكح عامة يومه، وهو أجمل الخصال، غير أنه أشق التكاليف على النفوس، فاقتضت الحكمة الإلهية أن يبدأ في التكاليف بالأخف، وهو الصلاة تمرينًا للمكلف، ثم يثني بالوسط وهو الزكاة، ويثلث بالأشق وهو الصوم، وإليه وقعت الإشارة في مقام المدح والترتيب ﴿وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٨/ ٣).\n(^٢) \"رد المحتار\" (٣/ ٣٢٧ - ٣٢٩).","vol":"3","page":484},{"text":"وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]، وفي ذكر مباني الإسلام: \"وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم شهر رمضان\" فاقتدت أئمة الشريعة مصنفاتهم بذلك، انتهى.\nوذكر في مبدأ \"كتاب الصوم\" من \"الأوجز\" (^١) عشرة أبحاث مفيدة بالبسط، وفي \"هامش اللامع\" مختصرًا، منها: ما قالوا: إن بدء الصوم من زمن آدم - ﵇ -، قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣] قال علي - ﵁ -: أوّلهم آدم يعني أن الصوم عبادة قديمة ما أخلى الله تعالى أمة من افتراضه عليهم، ومنها: أن فرضية رمضان نزلت في السنة الثانية من الهجرة في شعبان، كما في \"تاريخ الخميس\" (^٢) و\"مجمع البحار\" (^٣) و\"الدر المختار\" (^٤)، وفي \"تفسير روح البيان\" (^٥): أن افتراض الصيام بعد خمس عشرة سنة من النبوة بعد الهجرة بثلاث سنين، انتهى.\nوعن ابن عباس: بعث الله تعالى نبيَّه بشهادة أن لا إله إلا الله، فلما صُدِّق زاد الصلاة، فلما صُدِّق زاد الزكاة، فلما صُدِّق زاد الصيام، فلما صُدِّق زاد الحج، انتهى. كذا في \"الأوجز\" (^٦).\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-1398> باب وجوب صوم رمضان. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٧): كذا للأكثر، وللنسفي \"باب وجوب رمضان وفضله\"، وقد ذكر أبو الخير الطالقاني في كتابه \"حظائر القدس\" لرمضان ستين اسمًا، وذكر بعض الصوفية أن آدم ﵊ لما أكل من الشجرة ثم\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (٥/ ٥ - ١٣)، و\"لامع الدراري\" (٥/ ٣٢٩ - ٣٣٠).\n(^٢) \"تاريخ الخميس\" (١/ ١٦٨).\n(^٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (٥/ ٢٧٩).\n(^٤) \"رد المحتار\" (٣/ ٣٣٠).\n(^٥) \"تفسير روح البيان\" (١/ ٣٦٢).\n(^٦) \"أوجز المسالك\" (٥/ ١١).\n(^٧) \"فتح الباري\" (٤/ ١٠٢ - ١٠٣).","vol":"3","page":485},{"text":"تاب تأخر قبول توبته مما بقي في جسده من تلك الأكلة ثلاثين يومًا، فلما صفا جسده منها تيب عليه، ففرض على ذريته صيام ثلاثين يومًا.\nقال الحافظ: وهذا يحتاج إلى ثبوت السند فيه إلى من يقبل قوله في ذلك، وهيهات وجدان ذلك.\nقوله: (وقول الله تعالى. . .) إلخ، أشار بذلك إلى مبدأ فرضية الصيام، وكأنه لم يثبت عنده على شرطه في شيء فأورد ما يشير إلى المراد، فإنه ذكر فيه ثلاثة أحاديث: حديث طلحة الدال على أنه لا فرض إلا رمضان، وحديث ابن عمر وعائشة المتضمن للأمر بصيام عاشوراء، وكأن المصنف أشار إلى أن الأمر في روايتهما محمول على الندب بدليل حصر الفرض في رمضان، وهو ظاهر الآية؛ لأنه تعالى قال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]، ثم بيَّنه [فقال:] ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ [البقرة: ١٨٥].\nوقد اختلف السلف هل فرض على الناس صيام قبل رمضان أو لا؟ فالجمهور - وهو المشهور عند الشافعية - أنه لم يجب قط صوم قبل صوم رمضان، وفي وجه وهو قول الحنفية: أول ما فرض صيام عاشوراء، فلما نزل رمضان نسخ، إلى آخر ما فيه، انتهى من \"الفتح\".\nقلت: وقد بسط الكلام على درجات فرضية الصوم وتفاصيل شرعيته من ابتداء الأمر إلى ما استقر عليه في \"كتاب التفسير\" من \"لامع الدراري\" (^١).\nقوله: ﴿كَمَا كُتِبَ﴾ الآية، وفي \"الأوجز\" (^٢): اختلفوا هل كان صوم رمضان شرع من قبلنا؟ فقال جماعة: إن الله تعالى فرض صيام رمضان على اليهود والنصارى، أما اليهود فإنها تركت هذا الشهر وصامت يومًا من السنة، زعموا أنه يوم غرق فيه فرعون، وكذبوا في ذلك أيضًا؛ لأن ذلك اليوم يوم عاشوراء على لسان رسول الله - ﷺ -، أما النصارى فإنهم صاموا رمضان فصادفوا فيه الحر الشديد فحولوه إلى وقت لا يتغير، ثم قالوا عند التحويل:\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٩/ ١٤ - ١٥).\n(^٢) \"أوجز المسالك\" (٥/ ٩).","vol":"3","page":486},{"text":"نزيد فيه فزادوا عشرًا، ثم بعد زمان اشتكى ملكهم فنذر سبعًا فزادوه، ثم جاء بعد ذلك ملك آخر فقال: ما بال هذه الثلاثة فأتمة خمسين يومًا، وهذا معنى قوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ﴾ الآية [التوبة: ٣١]، كذا في \"التفسير الكبير\" (^١)، وقيل: في زيادة النصارى أقوال أخَّر ذكرها أهل التفسير.\nقال البجيرمي (^٢): إن كان التشبيه في قوله تعالى: ﴿كَمَا كُتِبَ﴾ في صوم رمضان كان من الشرائع القديمة؛ لأنه قيل: ما من أمة إلا وقد فرض عليها شهر رمضان إلا أنهم ضلَّوا عنه، وإن كان التشبيه في مطلق الصوم كان صوم رمضان من خصوصيات هذه الأمة، انتهى من \"الأوجز\".\nواختار صاحب \"فيض الباري\" (^٣): أن هذه الآيات لا تعلق لها بصوم رمضان، بل هي متعلقة بصوم أيام البيض وعاشوراء، وبسط الكلام عليه، فارجع إليه لو شئت.\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-1399> باب فضل الصوم)</span>\nغرض الترجمة واضح وثابت من الروايات.\nقوله: (ولا يجهل) في \"تراجم شيخ المشايخ (^٤) الدهلوي\": الجهل ههنا ضد الحلم كما هو في الأكثر ضد العلم، انتهى. قلت: فهو من قبيل قول الشاعر (^٥):\nألا لا يجهلن أحد علينا … فنجهل فوق جهل الجاهلينا\nقوله: (فليقل: إني صائم) في هامش النسخة الهندية عن \"التوشيح\" (^٦): قيل: يقولها بلسانه يخاطب بها من شاتمه، وقيل: بقلبه يزجر بها نفسه،\n_________\n(^١) \"التفسير الكبير\" (٢/ ٢٤٠).\n(^٢) \"شرح الإقناع\" (٢/ ٣٧١).\n(^٣) \"فيض الباري\" (٣/ ٣٢٠).\n(^٤) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٣٨٣).\n(^٥) هو عمرو بن كلثوم بن مالك، من تغلب بن وائل، يكنى أبا الأسود توفي عام ٥٢ قبل الهجرة و٥٧٠ للميلاد، \"شرح المعلقات العشر\" (ص ٩٢).\n(^٦) \"التوشيح\" (٤/ ١٤١٣).","vol":"3","page":487},{"text":"وقيل: باللسان في صوم الفرض وبالقلب في النفل، قال ابن العربي: الخلاف في النفل، وأما الفرض فبلسانه قطعًا، انتهى.\nقوله: (الصيام لي) ذكر الحافظ (^١) في معناه عشرة أوجه، وفي \"شرح الإحياء\": اختلفوا في معناه على أقوال تزيد على خمسين، ثم ذكرها، انتهى.\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-1400> باب الصوم كفارة)</span>\nأطلق المصنِّف في الترجمة، والخبر مقيَّد بفتنة المال وما ذكر معه، ويؤيد الإطلاق ما ثبت عند مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا: \"الصلوات الخمس ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر\"، ولابن حبان في \"صحيحه\" من حديث أبي سعيد مرفوعًا: \"من صام رمضان وعرف حدوده كفر ما قبله\"، وقد حمل المصنف الحديث في موضع آخر على تكفير مطلق الخطيئة، فقال في الزكاة: \"باب الصدقة تكفر الخطيئة\"، ثم أورد هذا الحديث بعينه، وأيضًا تقدم في أثناء الصلاة: \"باب الصلاة كفارة\"، وأورد فيه هذا الحديث بعينه من وجه آخر عن أبي وائل، انتهى ملخصًا من \"الفتح\" (^٢).\n\n(٤ -<span data-type='title' id=toc-1401> باب الريان للصائمين)</span>\nبفتح الراء وتشديد التحتانية وزن فعلان من الري: اسم علم على باب من أبواب الجنة، يختص بدخول الصائمين منه، وهو مما وقعت المناسبة فيه بين لفظه ومعناه؛ لأنه مشتق من الري، وهو مناسب لحال الصائمين، قال القرطبي: اكتفى بذكر الري عن الشبع؛ لأنه يدل عليه من حيث إنه يستلزمه.\nقلت: أو لكونه أشق على الصائم من الجوع، قاله الحافظ (^٣).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ١٠٧ - ١٠٩).\n(^٢) المصدر السابق (٤/ ١١٠ - ١١١).\n(^٣) المصدر السابق (٤/ ١١١).","vol":"3","page":488},{"text":"قلت: وسيأتي الكلام على أبواب الجنة في \"باب صفة أبواب الجنة\" من \"كتاب بدء الخلق\"، كما بسط في هامش \"اللامع\" (^١) هناك.\n\n(٥ -<span data-type='title' id=toc-1402> باب هل يقال: رمضان أو شهر رمضان؟. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): فظاهر كلام المصنف الجواز حيث أورد قوله - ﷺ -: \"من صام رمضان\" وقوله: \"لا تقدموا رمضان\"، وإنما لم يورد حجة على جواز التكلم بشهر رمضان؛ لأن جوازه كان مجمعًا عليه، وأما على الرواية التي فيها شهر رمضان موضع قوله: \"إذا دخل رمضان\"، فالروايتان الموردتان في الترجمة حجة للتكلم به بدون الإضافة، والموردة بسرد الإسناد، أي: الرواية التي ذكرها بقوله: حدثنا يحيى بن بكير، فإن فيها نسخة على الحاشية بلفظ: \"إذا دخل شهر رمضان\" حجة لجواز التكلم به مضافًا إليه الشهر، انتهى.\nوفي هامشه: أشار البخاري بذلك إلى مسألة شهيرة خلافية، قال الكرماني: اختلفوا فيه، فقال المالكية: لا يقال رمضان على انفراده؛ لأنه اسم من أسماء الله تعالى، وإنما يقال: شهر رمضان، وقال أكثر الشافعية: إن كان هناك قرينة تصرفه إلى الشهر كما يقال: صمت رمضان فلا كراهة، وإلا فيكره، كما يقال: أحب رمضان، ومذهب البخاري أنه لا كراهة في إطلاقه بقرينة وبدونها، انتهى.\nقال الحافظ (^٣): قوله: \"ومن رأى كله واسعًا\" أشار البخاري بهذه الترجمة إلى حديث ضعيف عن أبي هريرة مرفوعًا: \"لا تقولوا: رمضان؛ فإن رمضان اسم من أسماء الله تعالى، ولكن قولوا: شهر رمضان\" أخرجه ابن عدي في \"الكامل\" وضعَّفه بأبي معشر، قال البيهقي: قد روي عن أبي معشر عن محمد بن كعب، وهو أشبه، وروي عن مجاهد والحسن\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٧/ ٣٥٥ - ٣٥٩).\n(^٢) المصدر السابق (٥/ ٣٣١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٤/ ١١٣).","vol":"3","page":489},{"text":"من طريقين ضعيفين، وقد احتج البخاري لجواز ذلك بعدة أحاديث.\nوقد ترجم النسائي لذلك أيضًا فقال: \"باب الرخصة في أن يقال لشهر رمضان: رمضان\"، ثم أورد فيه حديثين، وقد يتمسك للتقييد بالشهر بورود القرآن به حيث قال: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ مع احتمال أن يكون حذف لفظ \"الشهر\" من الأحاديث من تصرف الرواة، وكان هذا هو السر في عدم جزم المصنف بالحكم إلى آخر ما فيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1403>(باب رؤية الهلال)</span>\nهذا الباب موجود في النسخ الهندية التي بأيدينا، وعليه علامة النسخة، ولا يوجد هذا الباب في نسخ الشروح من \"الفتح\" و\"العيني\" و\"القسطلاني\"، ولا في نسخة المصرية التي عليها حاشية العلامة السندي، ولم يتعرض له أحد من الشراح، ومع ذلك سيبوب المصنف فيما سيأتي بـ \"باب قول النبي - ﷺ -: \"إذا رأيتم الهلال. . .\" إلخ فالظاهر عدمه، وأما على تقدير ثبوته فيمكن عندي أن يقال: إن الغرض من الترجمتين مختلف، فالغرض من الباب الآتي بيان حكم صوم يوم الشك، كما سيأتي هناك.\nوالغرض ههنا الحث والترغيب على رؤية هلال رمضان، وقد صرَّح الفقهاء في كتبهم باستحبابه بل بوجوبه على الكفاية، وفي \"الهداية\" (^١): وينبغي للناس أن يلتمسوا الهلال في اليوم التاسع والعشرين من شعبان، فإن رأوه صاموا، وإن غمَّ عليهم أكملوا عدة شعبان ثلاثين يومًا لقوله - ﷺ -: \"صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته\"، انتهى.\nوأخرج أبو داود (^٢) من حديث عائشة - ﵂ -: \"كان رسول الله - ﷺ - يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من غيره، ثم يصوم لرؤية رمضان\" الحديث، فتأمل، فإنه غاية التوجيه لدفع التكرار، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) (٢/ ٢٤٤ - ٢٤٥).\n(^٢) \"سنن أبي داود\" (ح: ٢٣٢٥).","vol":"3","page":490},{"text":"(٦ -<span data-type='title' id=toc-1404> باب من صام إيمانًا واحتسابًا. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^١): قال ابن المنيِّر: حذف الجواب إيجازًا واعتمادًا على ما في الحديث، وعطف قوله: \"نيته\" على قوله: \"احتسابًا\"؛ لأن الصوم إنما يكون لأجل التقرب إلى الله تعالى، والنيَّة شرط في وقوعه قربة، والمراد بالإيمان الاعتقاد بحق فرضية صومه، وبالاحتساب طلب الثواب من الله تعالى، وقال الخطابي: احتسابًا، أي: عزيمة، وهو أن يصومه على معنى الرغبة في ثوابه طيبة نفسه بذلك غير مستثقل لصيامه ولا مستطيل لأيامه، انتهى.\n\n(٧ -<span data-type='title' id=toc-1405> باب أجود ما كان النبي - ﷺ -. . .) إلخ</span>\nقال القسطلاني تحت الحديث (^٢): لأنه شهر يتضاعف فيه ثواب الصدقة، و\"ما\" مصدرية، أي: أجود أكوانه يكون في رمضان، ثم قال: يحتمل أن يكون زيادة الجود بمجرد لقاء جبريل ومجالسته، ويحتمل أن يكون بمدارسته إياه القرآن، وهو يحث على مكارم الأخلاق، وقد كان القرآن له - ﷺ - خلقًا بحيث يرضى لرضاه، ويسخط لسخطه، ويسارع إلى ما حث عليه، ويمتنع مما زجر عنه، فلهذا كان يتضاعف جوده وإفصاله في هذا الشهر، وفي هذا الحديث تعظيم شهر رمضان لاختصاصه بابتداء نزول القرآن ثم معارضة ما نزل منه فيه، وأن ليله أفضل من نهاره، إلى آخر ما قال.\nقال الحافظ (^٣): قال ابن المنيِّر: وجه التشبيه بين أجوديته - ﷺ - بالخير وبين أجودية الريح المرسلة أن المراد بالريح ريح الرحمة التي يرسلها الله تعالى لإنزال الغيث العام الذي يكون سببًا لإصابة الأرض الميتة وغير الميتة، أي: فيعم خيره وبره من هو بصفة الفقر ومن هو بصفة الغنى والكفاية أكثر مما يعم الغيث الناشئة عن الريح المرسلة صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ١١٥).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٤/ ٥١٣).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٤/ ١١٦).","vol":"3","page":491},{"text":"وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^١) في \"باب بدء الوحي\": قوله: \"من الريح المرسلة\" والفضيلة عليها في أنها لا تبقي ولا تذر شيئًا أتت عليه، فكذلك كان النبي - ﷺ - لا يبقي شيئًا مما هو في ملكه، انتهى.\nقوله: (يعرض عليه النبي - ﷺ - القرآن. . .) إلخ، وتقدم في \"باب بدء الوحي\" من أول الكتاب بلفظ: \"فيدارسه القران\"، وسيأتي في \"باب ذكر الملائكة\" من \"كتاب بدء الخلق\" بلفظ: \"أن جبرئيل كان يعارضه القرآن\" وفي هامش الهندية (^٢): المعارضة المقابلة كما في \"المجمع\".\nوفي \"المشكاة\": \"كان يعرض على النبي - ﷺ -\"، قال الطيبي نقلًا عن المظهر: يعني يأتيه جبريل - ﵇ - ويقرأ النبي - ﷺ - القرآن من أوله إلى آخره لتجويد اللفظ، وليكون سُنَّة في حق الأمة، أقول: لا تساعد هذا التأويل تعدية [يعرض] بعلى؛ لأن المعروض عليه هو رسول الله - ﷺ -، اللَّهم إلا أن يحمل على باب القلب، كنحو قولهم: عرضت الناقة على الحوض، انتهى كلام الطيبي.\nقال الشيخ في \"اللمعات\": وقد ورد أنهما كانا يقرآن بطريق المدارسة، فيصح العرض من الجانبين، فلا حاجة إلى القول بالقلب كما قال الطيبي، انتهى من الهامش.\nقلت: وسيأتي تبويب المصنف في \"فضائل القرآن\" بـ \"باب كان جبريل يعرض القرآن على النبي - ﷺ -\"، فثبت بهذا كله أن العرض كان من الجانبين.\nوفي \"شرح الإقناع\" (^٣): وحقيقة المدارسة أن يقرأ الثاني ما قرأه الأول، وأما القراءة المشهورة الآن فهي إدارة لا مدارسة، ثم أشكل عليه\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (١/ ٥١٣).\n(^٢) (٦/ ٥٨٣).\n(^٣) \"شرح الإقناع\" (٢/ ٣٨٥).","vol":"3","page":492},{"text":"بقوله: كيف هذا مع أن الملائكة لم يعطوا فضيلة حفظ القرآن حتى جبريل النازل به، فكيف كان يدارسه؟ وأجيب بجوابين، أحدهما: أن النبي - ﷺ - كان يقرأ أولًا فيعيد جبريل ما سمعه من النبي - ﷺ -، والثاني: كان ينظر في اللوح المحفوظ حين يقرأ على النبي - ﷺ -، قال بعضهم: وهذا أولى، لأن القصد من قراءته عليه ما استقر عليه الأمر، وما استقر عليه الأمر في العرضة الأخيرة هو المثبت في المصحف العثماني، وحكمة العرض لأجل أن يبين له الناسخ والمنسوخ، انتهى.\n\n(٨ -<span data-type='title' id=toc-1406> باب من لم يدع قول الزور والعمل به)</span>\nقال الزين بن المنيِّر (^١): حذف الجواب؛ لأنه لو نصَّ على ما في الخبر لطالت الترجمة، أو لو عبَّر عنه بحكم معين لوقع في عهدته فكان الإيجاز ما صنع.\nثم قال الحافظ: قال البيضاوي: ليس المقصود من شرعية الصوم نفس الجوع والعطش، بل ما يتبعه من كسر الشهوات وتطويع النفس الأمَّارة بالنفس المطمئنة، فإذا لم يحصل ذلك لا ينظر الله إليه نظر القبول، فقوله: \"ليس لله حاجة\" مجاز عن عدم القبول، فنفى السبب وأراد المسبب، انتهى.\n\n(٩ -<span data-type='title' id=toc-1407> باب هل يقول: إني صائم إذا شُتم)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): أراد بذلك دفع ما يتوهم من كراهة إظهار العبادة، والمأمور به إخفاؤها، وحاصل الدفع أن الطاعة لا ضير في إِظهارها إذا تضمن فائدة، ما لم يكن من قصده الرياء والسمعة، وتضمن الفائدة فيما نحن فيه ظاهر، فإن المتجاهل المذكور لعله ينتهي عما ركب عليه من الجهل والسب والشتم، أو يعتبر بحاله فيفعل ما فعله صاحبه ويأخذ في الصوم، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ١١٦ - ١١٧).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٥/ ٣٣٤ - ٣٣٥).","vol":"3","page":493},{"text":"وفي هامشه (^١): بقي ههنا شيء، وهو أن الوارد في الحديث لفظ: \"فليقل إني صائم\" بصيغة الأمر نصًّا، وترجم عليه البخاري بلفظ: \"هل يقول\"، ووجه ذلك ما قال الحافظ: إنه اختلف في المراد بقوله - ﵇ -: \"فليقل: إني صائم\" هل يخاطب بها الذي يكلمه بذلك، أو يقولها في نفسه، وبالثاني جزم المتولي ونقله الرافعي عن الأئمة، ورجح النووي الأول في \"الأذكار\"، وقال في \"شرح المهذب\": كل منهما حسن، والقول باللسان أقوى، ولو جمعهما لكان حسنًا، ولهذا التردد أتى البخاري في الترجمة بالاستفهام، انتهى.\nثم ذكر بعد ذلك من الأقوال في معنى الحديث كما تقدم في \"باب فضل الصوم\".\n\n(١٠ -<span data-type='title' id=toc-1408> باب الصوم لمن خاف على نفسه العزوبة)</span>\nاختلفت نسخ البخاري في هذه اللفظة، ففي نسخة الحافظ (^٢): \"العزبة\"، فقال: بضم المهملة وسكون الزاي بعدها موحدة، وفي نسخة: \"العزوبة\" بزيادة واو، والمراد بالخوف منها ما ينشأ عنها من إرادة الوقوع في العنت، انتهى.\nوفي نسخة العيني (^٣): \"العزوبة\"، فقال: بضم العين والزاي، قال ابن الأثير: العزب البعيد من النكاح، ومعنى: \"خاف على نفسه. . .\" إلخ، يعني خاف من بعد النكاح أن يقع في العنت وهو الزنا، ومادة هذه اللفظة في الأصل تدل على البعد يقال: عزب عني فلان، أي: بعُد، ويقال: تعزّب فلان زمانًا ثم تأهل، انتهى.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٤): دفع لما يتوهم أن الصوم لا بدّ وأن يكون خاليًا عن منفعة أخرى دينية أو دنيوية، فإن المقصود إِرضاؤه تعالى،\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٥/ ٣٣٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٤/ ١١٩).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٨/ ٣٦ - ٣٧).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٥/ ٣٣٦).","vol":"3","page":494},{"text":"ولا يكون مخلصًا فيه إذا ترقب فيه حظًّا آخر، فحاصل الدفع أن الغرض المترتب عليه إذا كان دينيًّا فلا يضر قصده إياه لما أن العصمة من الزنا وغيرها مما يترتب على الصوم لما كان المقصود منها بأسرها إرضاؤه - ﷾ - لم يكن ذلك القصد المتعلق بالصوم منافيًا لغرض الصوم الأصلي، انتهى.\nقوله: (فعليه بالصوم. . .) إلخ، قال الحافظ (^١): ومقتضاه أن الصوم قامع لشهوة النكاح، واستشكل بأن الصوم يزيد في تهييج الحرارة، وذلك مما يثير الشهوة، لكن ذلك إنما يقع في مبدأ الأمر، فإذا تمادى عليه واعتاده سكن ذلك، والله أعلم، انتهى من \"الفتح\".\nقلت: وقد وقع مثل هذا الإشكال والجواب بعينه لبعض شيوخنا، ويستأنس هذا الجواب بلفظ \"عليه\" الواقع في الحديث، فإنه يدل على المواظبة واللزوم بخلاف ما لو قيل: فليصم.\n\n(١١ -<span data-type='title' id=toc-1409> باب قول النبي - ﷺ -: إذا رأيتم الهلال فصوموا. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٢): هذه الترجمة لفظ مسلم من حديث أبي هريرة، وقد سبق للمصنف في أول الصيام في حديث ابن عمر بلفظ: \"إذا رأيتموه\"، وذكر البخاري في الباب أحاديث تدل على نفي صوم يوم الشك رتَّبها ترتيبًا حسنًا، إلى آخر ما قال، انتهى.\nوقد تقدم الفرق بين هذه الترجمة وبين ما سبق من \"باب رؤية الهلال\" هناك، والمقصود ههنا - كما تقدم - مسألة صوم يوم الشك، وهي خلافية شهيرة.\nففي هامش \"اللامع\" (^٣): المراد بصوم يوم الشك هو صوم يوم الثلاثين من شعبان إذا لم ير الهلال في ليلته، سواء كانت السماء مصحيّة أو مغيمة\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ١١٩).\n(^٢) المصدر السابق (٤/ ١٢٠).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٥/ ٣٣٧ - ٣٣٨).","vol":"3","page":495},{"text":"عند الجمهور، ومنهم الأئمة الثلاثة، وللحنابلة في ذلك ثلاث روايات، والمشهور عندهم أن ذلك مقيد بحالة الصحو، قال الموفق: النهي عن صوم الشك محمول على حال الصحو، وفي \"الروض المربع\": يجب صوم رمضان برؤية هلاله، فإن لم ير الهلال مع صحو ليلة الثلاثين من شعبان أصبحوا مفطرين، وكره الصوم؛ لأنه يوم الشك المنهي عنه، وإن حال دونه، أي: دون هلال رمضان بأن كان في المطلع ليلة الثلاثين من شعبان غيم أو قتر، أي: غبرة وكذا دخان فظاهر المذهب يجب صومه حكمًا ظنيًا احتياطًا بنية رمضان، قال في \"الإنصاف\": هو المذهب عند الأصحاب ونصروه وصنفوا فيه التصانيف وردوا حجج المخالف، وقالوا: نصوص أحمد تدل عليه، انتهى مختصرًا من \"الأوجز\" (^١) وهامش \"اللامع\".\nقوله: (فإن غُمَّ عليكم فاقدروا) وفيه ثلاث تأويلات:\nأحدها: ما قال الأئمة الثلاثة والجمهور: معناه: قدروا له تمام العدد ثلاثين يومًا، ويرجح هذا التأويل الروايات الأخرى المصرحة بهذا المعنى، وأولى ما فسر الحديث بالحديث.\nوثانيها: ما قالت طائفة: معناه: ضيقوا له وقدروه تحت السحاب، وبه قال أحمد وغيره ممن يجوز صوم ليلة الغيم عن رمضان.\nوثالثها: معناه: قدروه بحسب المنازل، ونقل ابن العربي عن ابن سريج: أن هذا خطاب لمن خصه الله تعالى بهذا العلم، وأن قوله: \"فأكملوا العدة\" خطاب للعامة، إلى آخر ما بسطه الشيخ في \"البذل\" (^٢).\n\n(١٢ -<span data-type='title' id=toc-1410> باب شهرا عيد لا ينقصان)</span>\nقال الحافظ (^٣): هكذا ترجم ببعض لفظ الحديث، وهذا القدر لفظ\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (٥/ ١٩ - ٢٠).\n(^٢) \"بذل المجهود\" (٨/ ٤٤٣).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٣/ ١٢٤ - ١٢٥).","vol":"3","page":496},{"text":"طريق لحديث الباب عند الترمذي، وقد اختلف العلماء في معنى هذا الحديث، فمنهم من حمله على ظاهره فقال: لا يكون رمضان ولا ذو الحجة أبدًا إلا ثلاثين، وهذا قول مردود معاند للموجود والمشاهد، ويكفي في رده قوله - ﷺ -: \"صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته\"، الحديث، فإنه لو كان رمضان أبدًا ثلاثين لم يحتج إلى هذا، ومنهم من تأول له معنى لائقًا.\nثم ذكر الحافظ القولين المذكورين في ترجمة الباب عن أحمد وإسحاق، ثم قال: وهذان القولان مشهوران عن السلف، وقد ثبتا منقولين في أكثر الروايات في البخاري، وذكر القرطبي أن فيه خمسة أقوال، منها: أن معناه لا ينقصان في عام بعينه، وهو العام الذي قال فيه - ﷺ - تلك المقالة، وقيل: المعنى لا ينقصان في الأحكام، وبهذا جزم البيهقي وقبله الطحاوي فقال: معناه أن الأحكام فيهما وإن كانا تسعة وعشرين متكاملة غير ناقصة عن حكمهما إذا كانا ثلاثين، وقيل: لا ينقصان في نفس الأمر لكن ربما حال دون رؤية الهلال مانع، ولا يخفى بعده، وقيل: لا ينقصان معًا في سنة واحدة على طريق الأكثر الأغلب وإن ندر وقوع ذلك، وهذا أعدل مما تقدم؛ لأنه ربما وجد وقوعهما ووقوع كل منهما تسعة وعشرين، انتهى من \"الفتح\" مختصرًا.\n\n(١٣ -<span data-type='title' id=toc-1411> باب قول النبي - ﷺ -: لا نكتب ولا نحسب)</span>\nقال الحافظ (^١): بالنون فيهما، والمراد أهل الإسلام الذين بحضرته عند تلك المقالة، وهو محمول على أكثرهم، أو المراد نفسه - ﷺ -.\nثم قال الحافظ: ولا يرد على ذلك أنه كان فيهم من يكتب ويحسب؛ لأن الكتابة كانت فيهم قليلة نادرة، والمراد بالحساب هنا حساب النجوم وتسييرها، ولم يكونوا يعرفون من ذلك أيضًا إلا النزر اليسير، فعلَّق الحكم\n_________\n(^١) انظر: المصدر السابق (٤/ ١٢٧).","vol":"3","page":497},{"text":"بالصوم وغيره بالرؤية لرفع الحرج عنهم في معاناة حساب التسيير، واستمر الحكم في الصوم، ولو حدث بعدهم من يعرف ذلك، بل ظاهر السياق يشعر بنفي تعليق الحكم بالحساب أصلًا، ويوضحه قوله: \"فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين\"، ولم يقل: فسلوا أهل الحساب، والحكمة فيه كون العدد عند الإغماء يستوي فيه المكلفون، فيرتفع الاختلاف والنزاع عنهم، وقد ذهب قوم إلى الرجوع إلى أهل التسيير، وهم الروافض، ونقل عن بعض الفقهاء موافقتهم، قال الباجي: وإجماع السلف الصالح حجة عليهم، قال ابن بزيزة: وهو مذهب باطل، فقد نهت الشريعة عن الخوض في علم النجوم؛ لأنها حدس وتخمين، وأيضًا لا يعرفها إلا القليل، انتهى مختصرًا.\nقلت: وما قال الحافظ: نقل عن بعض الفقهاء. . . إلخ لعله أشار به إلى مذهب أبي العباس بن سريج من الشافعية كما تقدم في \"باب إذا رأيتم الهلال فصوموا\" تحت قوله - ﷺ -: \"فإن غُمَّ عليكم فاقدروا له\" من المعاني الثلاثة، فلعل المصنف أراد بهذه الترجمة الرد على المعنى الثالث من تلك المعاني الذي اختاره ابن سريج، وأراد بالباب الآتي الرد على المعنى الثاني الذي اختاره الإمام أحمد، والله أعلم.\n\n(١٤ -<span data-type='title' id=toc-1412> باب لا يتقدم رمضان بصوم يوم أو يومين. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^١): بضم أوله وفتح ثانيه ويجوز فتحهما أي: المكلف، أي: لا يتقدم رمضان بصوم يوم يعد منه بقصد الاحتياط له، فإن صومه مرتبط بالرؤية، فلا حاجة إلى التكلف، واكتفى في الترجمة عن ذلك بتصريح الخبر به، انتهى.\nوتقدم في الباب السابق بيان الغرض من هذا الباب.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ١٢٨).","vol":"3","page":498},{"text":"(١٥ -<span data-type='title' id=toc-1413> باب قول الله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ﴾. . .) إلخ</span>\nوالمراد بهذه الترجمة بيان ما كان الحال عليه قبل نزول هذه الآية، ولما كانت هذه الآية منزلة على أسباب تتعلق بالصيام عجل بها المصنف، وقد تعرض لها في \"التفسير\" أيضًا كما سيأتي، ويؤخذ من حاصل ما استقر عليه الحال من سبب نزولها ابتداء مشروعية السحور، وهو المقصود في هذا المكان؛ لأنه جعل هذه الترجمة مقدمة لأبواب السحور، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(١٦ -<span data-type='title' id=toc-1414> باب قول الله: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ الآية)</span>\nقال الحافظ (^٢): وهذه الترجمة سيقت لبيان انتهاء الأكل وغيره الذي أبيح بعد أن كان ممنوعًا، انتهى.\nفالغرض من الترجمة بيان منتهى السحور بذكر تفسير الآية، وذلك لأنه لما ذكر الآية السابقة المجملة في الباب السابق لتعلقها بأحكام الصيام ناسب ذكر تفسير الآية لكونها مجملة.\n\n(١٧ -<span data-type='title' id=toc-1415> باب قول النبي - ﷺ -: لا يمنعكم من سحوركم أذان بلال)</span>\nقال العيني (^٣): ومطابقة حديث الباب للترجمة من حيث إن معناه ومعنى الترجمة واحد، وإن اختلف اللفظ، قال ابن بطال: ولم يصح عند البخاري عن النبي - ﷺ - لفظ الترجمة، فاستخرج معناه من حديث عائشة، وقال صاحب \"التلويح\": فيه نظر من حيث إن البخاري صح عنده لفظ الترجمة، وذلك أنه ذكر في \"باب الأذان قبل الفجر\" حديث ابن مسعود عن\n_________\n(^١) المصدر السابق (٤/ ١٢٩).\n(^٢) المصدر السابق (٤/ ١٣٢).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٨/ ٦٣).","vol":"3","page":499},{"text":"النبي - ﷺ - أنه قال: \"لا يمنعن أحدكم - أو أحدًا منكم - أذان بلال من سحوره\"، فلو خرَّجه أبو عبد الله في هذا الباب لكان أمثل.\n\n(١٨ -<span data-type='title' id=toc-1416> باب تعجيل السحور)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): وفي بعض النسخ \"باب تأخير السحور\"، والحجة على الأولى تعجيل سهل في سحوره حيث تسحر قبله - ﷺ - فلم ينهه عن ذلك، ولما جاز التعجيل ساعة جاز ساعات لعدم المفرق وحصول المقصود وهو التقوي على العبادات في النهار حتى لا يضعفه الصوم، وأما على النسخة الثانية فالحجة تسحره - ﷺ - حيث كان تراخيا، انتهى.\nوبسط الكلام عليه في هامشه من كلام الشرَّاح.\nقلت: وحاصل ما أفاده الشيخ: أن الترجمة إن كان تعجيل السحور فالغرض بيان جوازه، وهو ثابت بفعل الصحابي، وإن كان الترجمة التأخير فالمقصود بيان استحبابه، وهو ثابت بفعله - ﷺ -، وسلك صاحب \"الفيض\" (^٢) ههنا مسلكًا آخر إذ قال: معنى التعجيل ههنا السرعة فيه، أي: يفرغ عن سحوره بالعجلة، ولا يطوِّل فيه، وليس مقابلًا للتأخير، فلا يرد أن التأخير مستحب، فإن التعجيل ههنا باعتبار سرعة الأكل، والتأخير هناك بحسب وقت السحور، انتهى.\n\n(١٩ -<span data-type='title' id=toc-1417> باب قدر كم بين السحور وصلاة الفجر)</span>\nأي: انتهاء السحور وابتداء الصلاة؛ لأن المراد تقدير الزمان الذي ترك فيه الأكل، والمراد بفعل الصلاة أول الشروع فيها، قاله الزين ابن المنيِّر، وقال المهلب وغيره: في الحديث تقدير الأوقات بأعمال البدن، وكانت العرب تقدر الأوقات بالأعمال كقولهم: قدر حلب شاة، وقدر نحر جزور، فعدل زيد بن ثابت عن ذلك إلى التقدير بالقراءة إشارة إلى أن ذلك\n_________\n(^١) \"اللامع\" (٥/ ٣٤١).\n(^٢) \"فيض الباري\" (٣/ ٣٣٦).","vol":"3","page":500},{"text":"الوقت كان وقت العبادة بالتلاوة، ولوكانوا يقدرون بغير العمل لقال مثلًا: قدر درجة أو ثلاث خمس ساعة، وقال ابن أبي جمرة: فيه إشارة إلى أن أوقاتهم كانت مستغرقة بالعبادة، وفيه تأخير السحور لكونه أبلغ في المقصود، إلى آخر ما في \"الفتح\" (^١).\nقلت: والأوجه عندي: أن الغرض من الترجمة الأولى جواز تعجيل السحور لتقريره ﵊، وفي هذا استحباب تأخيره وبيان منتهى التأخير، والله أعلم.\n\n(٢٠ -<span data-type='title' id=toc-1418> باب بركة السحور من غير إيجاب. . .) إلخ</span>\nقال الزين بن المنيِّر: الاستدلال على الحكم إنما يفتقر إليه إذا ثبت الاختلاف أو كان متوقعًا، لكن لما جاء الأمر به احتاج أن يبين أنه ليس على ظاهره من الإيجاب.\nقال الحافظ (^٢): وقد نقل ابن المنذر الإجماع على ندبية السحور، وقال ابن بطال: في هذه الترجمة غفلة من البخاري؛ لأنه قد أخرج بعد هذا حديث أبي سعيد: \"أيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر\"، فجعل غاية الوصال السحر، وهو وقت السحور، قال: والمفسر يقضي على المجمل.\nقال الحافظ: وقد تلقاه جماعة بعده بالتسليم، وتعقبه ابن المنيِّر في الحاشية بأن البخاري لم يترجم على عدم مشروعية السحور، وإنما ترجم على عدم إيجابه، وأخذ من الوصال أن السحور ليس بواجب، وحيث نهاهم النبي - ﷺ - عن الوصال لم يكن على سبيل تحريم الوصال، وإنما هو نهي إرشاد لتعليله إياه بالإشفاق عليهم، وليس في ذلك إيجاب السحور، ولما ثبت أن النهي عن الوصال للكراهة، فضد نهي الكراهة الاستحباب، فثبت استحباب السحور، كذا قال.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ١٣٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٤/ ١٣٩).","vol":"3","page":501},{"text":"قال الحافظ: والذي يظهر لي أن البخاري أراد بقوله: \"لأن النبي - ﷺ -. . .\" إلخ الإشارة إلى حديث أبي هريرة الآتي بعد خمسة وعشرين بابًا، فيه بعد النهي عن الوصال: \"أنه واصل بهم يومًا ثم يومًا، ثم رأوا الهلال فقال: لو تأخر لزدتكم\"، فدل ذلك على أن السحور ليس بحتم إذ لو كان حتمًا ما واصل بهم؛ فإن الوصال يستلزم ترك السحور، انتهى.\nقلت: لكن الوصال المذكور في حديث أبي هريرة الذي أشار إليه الحافظ إنما كان منه - ﷺ - للزجر والتنكيل كما هو مصرح في الروايات، فتأمل.\n\n(٢١ -<span data-type='title' id=toc-1419> باب إذا نوى بالنهار صومًا. . .) إلخ</span>\nلم يذكر المصنف الجواب، وذلك لمكان الاختلاف فيه، فعند مالك: لا يجوز مطلقًا لا فرضًا ولا نفلًا، وعند الشافعي وأحمد: يجوز النفل دون الواجب، وعندنا الحنفية: يجوز النفل، وكذا أداء رمضان والنذر المعين، ولا يجوز الواجب الغير المعين كقضاء رمضان والنذر المطلق، كما بسط في \"الأوجز\" (^١)، وظاهر ميل المصنف إلى الجواز مطلقًا؛ لأنه لم يذكر الجواب في الترجمة، وما أورده في الباب من الآثار وغيرها كلها تدل على الجواز مطلقًا، ولا قرينة تدل على التفريق بين النفل والواجب.\n\n(٢٢ -<span data-type='title' id=toc-1420> باب الصائم يصبح جنبًا)</span>\nقال الحافظ (^٢): أي: هل يصح صومه أم لا؟ وهل يفرق بين العامد والناسي، أو بين الفرض والتطوع؟ وفي كل ذلك خلاف للسلف، والجمهور على الجواز مطلقًا، فصارت المسألة كالإجماعية بعد ما كانت كثيرة الاختلاف، وذكر العلامة العيني (^٣) فيها سبعة أقوال كما ذكر في هامش \"اللامع\" (^٤).\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (٥/ ٥٠ - ٥٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٤/ ١٤٣).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٨/ ٨٢).\n(^٤) \"اللامع\" (٥/ ٣٥١).","vol":"3","page":502},{"text":"(٢٣ -<span data-type='title' id=toc-1421> باب المباشرة للصائم)</span>\nأي: بيان حكمها، وأصل المباشرة التقاء البشرتين، ويستعمل في الجماع أولج أو لم يولج، وليس الجماع مرادًا بهذه الترجمة، وقوله: \"يحرم عليه فرجها\" وأخرج عبد الرزاق عن مسروق قال: سألت عائشة ما يحل للرجل من امرأته صائمًا؟ قالت: كل شيء إلا الجماع، قوله: \"كان يقبّل ويباشر. . .\" إلخ، التقبيل أخص من المباشرة، فهو من ذكر العام بعد الخاص.\n\n(٢٤ -<span data-type='title' id=toc-1422> باب القبلة للصائم)</span>\nأي: بيان حكمها، واختلفت الروايات في مسألة القبلة للصائم، ولذا اختلف العلماء في ذلك سلفًا وخلفًا كما بسط في \"الأوجز\" (^١)، وفيه: قال عياض: منهم من أباحها على الإطلاق، وهو قول جماعة من الصحابة والتابعين، وإليه ذهب أحمد وإسحاق وداود، ومنهم من كرهها على الإطلاق، وهو قول مالك، ومنهم من كرهها للشاب وأباحها للشيخ، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي وروي عن مالك، ومنهم من أباحها في النفل ومنعها في الفرض، وهو رواية ابن وهب عن مالك، إلى آخر ما بسط في هامش \"اللامع\" (^٢).\nقلت: هذا فيما إذا قبّل وسلِم، وأما إذا أنزل فيفطر عند الأئمة الأربعة، وإن أمذى يفطر عند مالك وأحمد، ولا يفطر عندنا والشافعي، كذا في \"الأوجز\" (^٣).\n\n(٢٥ -<span data-type='title' id=toc-1423> باب اغتسال الصائم)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٤): أي: أنه لا يضر بصومه، ودلالة الرواية عليه ظاهرة، ولما لم ينتقض الصوم بغسل الجنابة لم ينتقض بغسله سوى\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (٥/ ٨٤ - ٨٥).\n(^٢) \"اللامع\" (٥/ ٣٥٤ - ٣٥٥).\n(^٣) \"أوجز المسالك\" (٥/ ٨٧).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٥/ ٣٥٧ - ٣٦٢).","vol":"3","page":503},{"text":"ذلك، ثم إن الآثار التي ذكرها ههنا تدل على الترجمة بنوع من القياس ودلالة النص، فإن إلقاء الثوب المبلول على الجسم، ودخول الحمام، وتطعم القدر والشيء، والمضمضة، والتبرد، والتدهن، وتقحم الإناء المملوء ماء، والاستياك، والكحل لما جاز للصائم وهي مظنة لنفوذ الشي إلى الباطن، فأولى أن يجوز له الغسل، فإن أمرّ الماء أخف لا سيما إذا كان لا يستقر على البدن، كما هو ظاهر في الغسل، ثم الظاهر أن الحمام المذكور في أثر الشعبي أريد به البارد، وقوله: \"فليصبح دهينًا وجهه\" أنه لو كان متقشفًا متقحلًا ظهر عليه صومه، والأولى فيه الإخفاء، انتهى.\nوبسط الكلام عليه في هامشه (^١)، وفيه: قال الحافظ تحت الباب: أي: بيان جوازه، قال الزين بن المنيِّر: أطلق الاغتسال ليشمل الأغسال المسنونة والواجبة والمباحة، وكأنه يشير إلى ضعف ما روي عن علي من النهي عن دخول الصائم الحمام، أخرجه عبد الرزاق، وفي إسناده ضعف، واعتمده الحنفية فكرهوا الاغتسال للصائم، انتهى.\nوتعقبه العيني إذ قال: هذا غير صحيح على إطلاقه؛ لأنه رواية عن أبي حنيفة غير معتمد، والمذهب المختار أنه لا يكره، ذكره الحسن عن أبي حنيفة، إلى آخر ما بسط في هامش \"اللامع\".\n\n(٢٦ -<span data-type='title' id=toc-1424> باب الصائم إذا أكل أو شرب ناسيًا)</span>\nقال الحافظ (^٢): أي: هل يجب عليه القضاء أو لا؟ وهي مسألة خلافٍ مشهورة، وذهب الجمهور إلى عدم الوجوب، وعن مالك: يبطل صومه وعليه القضاء، قال عياض: هذا هو المشهور عنه، وهو قول شيخه ربيع (^٣) وجميع أصحاب مالك، لكن فرقوا بين الفرض والنفل، وقال الداودي: لعل مالكًا لم يبلغه الحديث، أو أوّله على رفع الإثم.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٥/ ٣٥٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٤/ ١٥٥).\n(^٣) كذا في الأصل، (ز).","vol":"3","page":504},{"text":"قوله: (وقال عطاء. . .) إلخ، مناسبة هذين الأثرين للترجمة من جهة أن المغلوب بدخول الماء حلقه أو الذباب لا اختيار له في ذلك كالناسي، انتهى.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): قوله: \"لم يملك رده\"، وهذا مبني على أنه لم يفرق بين الخطأ والنسيان، والفرق بينهما ثابت، ولو أريد بقول الحسن: لا شيء عليه، نفي القضاء والكفارة وافق المذهب، وقول مجاهد: لا شيء عليه كذلك فينفي القضاء والكفارة كما هو المذهب، انتهى.\nوبسط الكلام عليه في هامشه، وفيه: وأما حكم المسألة فقد قال الموفق (^٢): لا يفطر بالمضمضة بغير خلاف، وإن تمضمض أو استنشق فسبق الماء إلى حلقه من غير قصد ولا إسراف فلا شيء عليه، وبه قال الأوزاعي والشافعي في أحد قوليه، وقال مالك وأبو حنيفة: يفطر، إلى آخر ما بسط في الدلائل.\nقوله: (إن دخل حلقه الذباب. . .) إلخ، قال العيني والقسطلاني (^٣): به قالت الأئمة الأربعة، وقال الحافظ (^٤): نقل ابن المنذر الاتفاق عليه، لكن نقل غيره عن أشهب أنه قال: أحب إلي أن يقضي، حكاه ابن التين، انتهى.\nقوله: (إن جامع ناسيًا) والاختلاف في هذه المسألة شهير، بسط في \"الأوجز\" (^٥)، قال ابن رشد (^٦): إذا جامع ناسيًا لصومه، فإن الشافعي وأبا حنيفة يقولان: لا قضاء عليه ولا كفارة، وقال مالك: عليه القضاء دون الكفارة، وقال أحمد وأهل الظاهر: عليه القضاء والكفارة، انتهى.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٥/ ٣٦٧ - ٣٦٩).\n(^٢) \"المغني\" (٤/ ٣٥٦).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٨/ ٩٧)، و\"إرشاد الساري\" (٤/ ٥٥١).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٤/ ١٥٥).\n(^٥) \"أوجز المسالك\" (٥/ ٢٥٨ - ٢٥٩).\n(^٦) \"بداية المجتهد\" (١/ ٣٠٣).","vol":"3","page":505},{"text":"(٢٧ -<span data-type='title' id=toc-1425> باب السواك الرطب واليابس للصائم)</span>\nوفي \"الفيض\" (^١): اختار المصنف مذهب الحنفية، ولم يفرق بين ما قبل الزوال وما بعده، انتهى.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): وحاصل استدلاله بالآثار والروايات أنها مطلقة فلا تتقيد بغير الصائم، انتهى.\nوفي هامشه (^٣): قال الحافظ: أشار بهذه الترجمة إلى الرد على من كره للصائم الاستياك بسواك الرطب كالمالكية والشعبي، وقد تقدم قبل بباب قياس ابن سيرين السواك الرطب على الماء الذي يتمضمض به، ومنه تظهر النكتة في إيراد حديث عثمان في صفة الوضوء في هذا الباب، فإن فيه أنه تمضمض واستنشق، وقال: \"ومن توضأ وضوئي هذا\"، ولم يفرق بين صائم ومفطر، انتهى.\nقلت: وقياس ابن سيرين الذي أشار إليه الحافظ هو ما تقدم في \"باب اغتسال الصائم\" قال ابن سيرين: لا بأس بالسواك الرطب، قيل: له طعم؟ قال: والماء له طعم وأنت تمضمض به، انتهى.\nواختلف العلماء في مسألة السواك للصائم على ستة أقوال، ذكر في \"هامش اللامع\"، وحاصل مذاهب الأئمة الأربعة: أنه لا بأس به مطلقًا قبل الزوال وبعده سواء كان رطبًا أو يابسًا، وهو مذهب الحنفية.\nقال القسطلاني (^٤): قال النووي في \"شرح المهذب\": إنه المختار انتهى.\nوعند الشافعي: مكروه بعد الزوال مطلقًا، ومستحب قبل الزوال مطلقًا رطبًا كان أو يابسًا، وعند مالك: يكره الرطب دون غيره مطلقًا قبل الزوال وبعده، ومذهب الحنابلة جواز اليابس فقط قبل الزوال، ويكره بعد الزوال مطلقًا.\n_________\n(^١) \"فيض الباري\" (٣/ ٣٤١).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٥/ ٣٧٠).\n(^٣) \"اللامع\" (٥/ ٣٦٩ - ٣٧٠).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (٤/ ٥٥٦).","vol":"3","page":506},{"text":"(٢٨ -<span data-type='title' id=toc-1426> باب قول النبي - ﷺ -: إذا توضأ فليستنشق بمنخره. . .) إلخ</span>\nبفتح الميم وكسر الخاء، وقد تكسر الميم اتباعًا للخاء، كذا في \"القسطلاني\" (^١)، وهذا الحديث بهذا اللفظ من الأصول التي لم يصلها البخاري، وقد أخرجه مسلم عن أبي هريرة، ورويناه في \"مصنف عبد الرزاق\".\nوقول المصنف: \"ولم يميز الصائم من غيره\" قاله تفقهًا، وهو كذلك في أصل الاستنشاق، لكن ورد تمييز الصائم من غيره في المبالغة في ذلك، كما رواه أصحاب السنن، وصححه ابن خزيمة وغيره عن لقيط بن صبرة أن النبي - ﷺ - قال له: \"بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا\"، وكأن المصنف أشار بإيراد أثر الحسن عقبه إلى هذا التفصيل، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\nقوله: (وقال الحسن. . .) إلخ، أي: البصري مما وصله ابن أبي شيبة بنحوه، و\"السعوط\" بفتح السين وقد تضم ما يصبّ من الدواء في الأنف.\nقال القسطلاني (^٣): وقال الحافظ (^٤): قال الكوفيون: يجب القضاء على من استعط، وقال مالك والشافعي: لا يجب إلا إن وصل الماء إلى حلقه، انتهى.\nقلت: وبه قال أحمد كما يظهر من كلام الموفق، وفي \"الدر المختار\": احتقن أو استعط في أنفه شيئًا قضى فقط، قال ابن عابدين: وعدم وجوب الكفارة في ذلك هو الأصح بل يجب القضاء فقط، انتهى من هامش \"اللامع\" (^٥).\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٦): وكذلك لا يسلم قول الحسن: \"لا بأس\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٤/ ٥٥٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ١٦٠).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (٤/ ٥٥٧).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٤/ ١٦٠).\n(^٥) \"اللامع\" (٥/ ٣٧١).\n(^٦) \"لامع الدراري\" (٥/ ٣٧٠ - ٣٧١).","vol":"3","page":507},{"text":"بالسعوط\"، وذلك لأنه وإن كان صحيحًا في نفسه إلا أنه لما تعذر التمييز بين وصوله إلى الحلق وعدمه أقيم إدخال السعوط في المنخرين مقام الوصول إلى الجوف، لكونه سببًا له ومفضيًا إليه، لا سيما ولا يتقرر مثل ذلك في الدماغ بل يتقطر إلى الجوف، انتهى مختصرًا.\nقوله: (فإن ازدرد ريق العلك. . .) إلخ، كتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): لعل المراد بريقه ما نشأ منه بعد إدخاله في الفم وليس فيه شيء من أجزاء العلك، ولا يفسد به الصوم، فأما إن قصد به ما اختلطت به أجزاء العلك فغير مسلَّم أن الصوم لا يفسد، وذلك لما نقلنا قبل من \"الهداية\" من قوله ﵊: \"الفطر مما دخل\" رواه أبو يعلى الموصلي في \"مسنده\"، ولا شك أنه داخل، وليس مما هو معفو كالريق والمخاط، فيفسد به الصوم، انتهى.\nوفي هامشه: هو كذلك، فقد حكى الحافظ عن ابن المنذر: رخص في مضغ العلك أكثر العلماء إن كان لا يتحلب منه شيء، فإن تحلب منه شيء فازدرده فالجمهور على أنه يفطر، إلى آخر ما بسطه.\nثم لا يذهب عليك أن المصنف لم يذكر في هذا الباب حديثًا مسندًا، ولم يتعرض له الشرَّاح ههنا، وذكره شيخ الهند في الجدول الثالث في بيان التراجم الغير المجردة، أي: التي ليس فيها حديث مسند، لكن ذكر في الترجمة آية أو حديثًا أو أثرًا، كما أشير إليه في أصل السابع والعشرين من أصول التراجم المذكورة في المقدمة، وفيه أن المصنف مرة يذكر تحت الترجمة آية أو حديثًا - غير مسند - أو قولًا من الصحابة والتابعين دالًا على الترجمة، فالترجمة مثبتة بذلك، واكتفى المصنف بذلك، إما لأن حديثًا على شرطه ليس عنده أو لقصد التمرين، إلى آخر ما تقدم، وأيضًا تقدم الكلام عليه في الفائدة الثانية، وكذا في الفائدة الرابعة من الفصل الثالث من كلام\n_________\n(^١) \"اللامع\" (٥/ ٣٧٢).","vol":"3","page":508},{"text":"الشرَّاح وغيره في مقدمة \"اللامع\" (^١)، ففي الفائدة الثالثة عن الشيخ محيي الدين: ليس مقصود البخاري الاقتصار على الأحاديث فقط، بل مراده الاستنباط منها والاستدلال لأبواب أرادها، ولهذا المعنى أخلى كثيرًا من الأبواب عن إسناد الحديث، واقتصر فيه على قوله: فلان عن النبي - ﷺ - أو نحو ذلك، وقد يذكر المتن بغير إسناد، وقد يورده معلقًا، وإنما يفعل ذلك لأنه أراد الاحتجاج للمسألة التي ترجم بها، وأشار إلى الحديث لكونه معلومًا، وقد يكون مما تقدم وربما تقدم قريبًا، ويقع في كثير من أبوابه الأحاديث الكثيرة، وفي بعضها ما فيه حديث واحد، وفي بعضها ما فيه آية من كتاب الله، وبعضها لا شيء فيه ألبتة، وقد ادعى بعضهم أنه صنع ذلك عمدًا، وغرضه أن يبين أنه لم يثبت عنده حديث بشرطه في المعنى الذي ترجم عليه، ومن ثم وقع من بعض من نسخ الكتاب ضم باب لم يذكر فيه حديث إلى حديث لم يذكر فيه باب، فأشكل فهمه على الناظر فيه، إلى آخر ما بسط فيه من كلام الحافظ.\n\n(٢٩ -<span data-type='title' id=toc-1427> باب إذا جامع في رمضان. . .) إلخ</span>\nأي: عامدًا عالمًا وجبت عليه الكفارة، وفي \"الأوجز\" (^٢): قال الزرقاني: وفيه إيجاب القضاء مع الكفارة، وهو قول الأئمة الأربعة والجمهور، وأسقط القضاء بعضهم؛ لأنه لم يرد في خبر أبي هريرة ولا خبر عائشة ولا في نقل الحفاظ لهما ذكر القضاء.\nوأجيب بأنه جاء من طرق يعرف بمجموعها أن لهذه الزيادة أصلًا يصلح للاحتجاج، وعن الأوزاعي: إن كفَّر بعتق أو إطعام قضى اليوم، وإن صام شهرين دخل فيهما قضاء ذلك اليوم، انتهى.\nوقال ابن رشد (^٣): شذ قوم فلم يوجبوا على المفطر عمدًا بالجماع إلا القضاء فقط، انتهى.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (١/ ٨٥ - ٨٦).\n(^٢) \"أوجز المسالك\" (٥/ ١٦٤ - ١٦٥).\n(^٣) \"بداية المجتهد\" (١/ ٣٠٢).","vol":"3","page":509},{"text":"قلت: وهم الشعبي والنخعي وسعيد بن جبير، كذا في \"المغني\" (^١).\nقوله: (ويذكر عن أبي هريرة. . .) إلخ، وصله أصحاب السنن الأربعة وصححه ابن حزيمة، قال الترمذي: سألت محمدًا، يعني البخاري عن هذا الحديث، فقال: أبو المطوس اسمه يزيد بن المطوس لا أعرف له غير هذا الحديث، وقال البخاري: في \"التاريخ\" أيضًا: تفرد أبو المطوس بهذا الحديث، ولا أدري سمع أبوه من أبي هريرة أم لا؟\nقال ابن بطال: أشار بهذا الحديث إلى إيجاب الكفارة على من أفطر بأكل أو شرب قياسًا على الجماع، والجامع بينهما انتهاك حرمة الشهر بما يفسد الصوم عمدًا، وقرر ذلك الزين بن المنيِّر بأنه ترجم بالجماع؛ لأنه الذي ورد فيه الحديث المسند، وإنما ذكر آثار الإفطار ليفهم أن الإفطار بالأكل والجماع بمعنى واحد.\nقال الحافظ: والذي يظهر لي أن البخاري أشار بهذه الآثار إلى أن إيجاب القضاء مختلف فيه بين السلف، وأن الفطر بالجماع لا بدّ فيه من الكفارة، وأشار بحديث أبي هريرة إلى أنه لا يصح لكونه لم يجزم به عنه، وعلى تقدير صحته فظاهره يقوي قول من ذهب إلى عدم القضاء في الفطر بالأكل، بل يبقى ذلك في ذمته زيادة في عقوبته؛ لأن مشروعية القضاء تقتضي رفع الإثم، لكن لا يلزم من عدم القضاء عدم الكفارة فيما ورد فيه الأمر بها وهو الجماع، والفرق بين الانتهاك بالجماع والأكل ظاهر، فلا يصح القياس المذكور، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\nقوله: (وبه قال ابن مسعود. . .) إلخ، وصله البيهقي من طريق المغيرة بن عبد الله اليشكري قال: حدثت أن عبد الله بن مسعود قال: \"من أفطر يومًا من رمضان من غير علة لم يجزه صيام الدهر حتى يلقى الله، فإن شاء غفر له وإن شاء عذبه\" كذا في \"القسطلاني\" (^٣).\n_________\n(^١) \"المغني\" (٤/ ٣٧٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٤/ ١٦١).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (٤/ ٥٥٩).","vol":"3","page":510},{"text":"(٣٠ -<span data-type='title' id=toc-1428> باب إذا جامع في رمضان ولم يكن له شيء. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^١): قوله: \"فليكفِّر\" أي: به لأنه صار واجدًا، وفيه إشارة إلى أن الإعسار لا يسقط الكفارة عن الذمة، انتهى.\nقلت: وهو قول الحنفية ومالك، والمشهور من قولي أحمد أنه يسقط، وهما قولان للشافعي.\n\n(٣١ -<span data-type='title' id=toc-1429> باب المجامع في رمضان هل يطعم. . .) إلخ</span>\nيعني: أم لا؟ ولا منافاة بين هذه الترجمة والتي قبلها؛ لأن التي قبلها آذنت بأن الإعسار بالكفارة لا يسقطها عن الذمة لقوله فيها: \"إذا جامع ولم يكن له شيء فتصدق عليه فليكفر\"، والثانية ترددت هل المأذون له بالتصرف فيه نفس الكفارة أم لا؟ وعلى هذا يتنزل لفظ الترجمة، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\nواختلف العلماء في المسألة التي ترجم المصنف لها، أعني صرف الكفارة إلى عياله الفقراء، وفي \"شرح الإقناع\" (^٣): ولا يجوز للفقير صرف كفارته إلى عياله، وأما قوله - ﷺ - في الخبر: \"أطعمه أهلك\" ففي \"الأم\" كما قال الرافعي: يحتمل أنه لما أخبره بفقره صرفه له صدقة، وفي ذلك أجوبة أخر ذكرتها في \"شرح المنهاج\" وغيره، انتهى.\nوكتب الشيخ في \"الكوكب\" (^٤): قوله: \"فأطعمه أهلك\"، تفرقت الأقوال في تأويله، فقال بعضهم: عفا النبي - ﷺ - عنه فكان من خصوصياته، وقال بعض أئمتنا: إنما أمره أن يؤتيه أهله وتسقط النفقة عنه، فكان الرجل يؤتي أهله كل يوم صاعًا منه، واستدل هؤلاء بجواز إيتاء الكفارة أهله كما قالوا في الزكاة.\nوقال الإمام الهمام: إن معناه أنك لما لم تجد ما يفضل عن نفقة\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ١٦٣).\n(^٢) المصدر السابق (٤/ ١٧٣).\n(^٣) \"شرح الإقناع\" (٢/ ٣٩٤).\n(^٤) \"الكوكب الدري\" (٢/ ٤٨ - ٤٩).","vol":"3","page":511},{"text":"أهلك وليس عليك أداء كفارتك على الفور فكان كفارتك على ذمتك تؤديها متى قدرت عليها، واصرف هذه في نفقة أهلك، انتهى.\nوذكر اختلاف الأئمة وبقية توجيهات الحديث في هامشه.\nوفي هامشي على \"البذل\" (^١) عن \"الأوجز\": حمله الأئمة الثلاثة على تأخير الكفارة أو الخصوصية، وعن أحمد: أن الكفارة تسقط عن المعسر لهذا الحديث، انتهى. وبسط الكلام على معنى الحديث وفقهه في \"البذل\" (^٢).\nوقال الحافظ (^٣): قد اعتنى به - أي: بحديث الباب - بعض المتأخرين ممن أدركه شيوخنا فتكلم عليه في مجلدين جمع فيهما ألف فائدة وفائدة، انتهى.\nثم المصنف ترجم بلفظ: \"هل\" إشارة إلى الاختلاف في أن إطعامه أهله هل كان لكفارة أو بطريق تقديم الحاجة على الكفارة الواجبة في الذمة إذ لا يجب على الفور، أو لإسقاط الكفارة رأسًا كما قال بعضهم؟\n\n(٣٢ -<span data-type='title' id=toc-1430> باب الحجامة والقيء للصائم)</span>\nقال الحافظ (^٤): أي: هل يفسدان هما أو أحدهما الصوم أو لا؟\nقال ابن المنيِّر: جمع بين القيء والحجامة مع تغايرهما، وعادته تفريق التراجم إذا نظمها خبر واحد فضلًا عن خبرين، وإنما صنع ذلك لاتحاد مأخذهما لأنهما إخراج، والإخراج لا يقتضي الإفطار، وقد أومأ ابن عباس إلى ذلك كما سيأتي، ولم يذكر المصنف حكم ذلك، ولكن إيراده بالآثار المذكورة يشعر بأنه يرى عدم الإفطار بهما، ولذلك عقَّب حديث: \"أفطر\n_________\n(^١) انظر: \"بذل المجهود\" (٨/ ٥٥٣)، و\"أوجز المسالك\" (٥/ ١٥٥).\n(^٢) \"بذل المجهود\" (٨/ ٥٥٠ - ٥٦٠).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٤/ ١٧٣).\n(^٤) المصدر السابق (٤/ ١٧٤).","vol":"3","page":512},{"text":"الحاجم والمحجوم\" بحديث \"إنه - ﷺ - احتجم وهو صائم\"، وقد اختلف السلف في المسألتين، أما القيء فذهب الجمهور إلى التفرقة بين من سبقه فلا يفطر وبين من تعمده فيفطر، إلى آخر ما ذكر من الاختلاف.\nوجملة الخلاف فيه أن الحجامة مفطر للحاجم والمحجوم عند أحمد بخلاف الجمهور والأئمة الثلاثة، وأما القيء بغير عمد فلا يفطر عند الأربعة والجمهور حتى حكي عليه الإجماع، لكن فيه خلاف لبعض السلف كالأوزاعي وأبي ثور، وأما الاستقاء فمفطر عند الأربعة مطلقًا، وقال أبو يوسف: بشرط ملأ الفم، وهو رواية عن أحمد، انتهى ملخصًا من \"الأوجز\" (^١).\n\n(٣٣ -<span data-type='title' id=toc-1431> باب الصوم في السفر والإفطار. . .) إلخ</span>\nأي: إباحة ذلك وتخيير المكلف فيه سواء كان رمضان أو غيره، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\nوفي \"الأوجز\" (^٣): اختلفت روايات الحديث في هذا الباب، ولذا اختلف الفقهاء في ذلك على أقوال، ثم ذكر فيه سبعة أقوال بالتفصيل.\nوقال الحافظ (^٤): قالت طائفة من أهل الظاهر: لا يجزئ الصوم في السفر عن الفرض، بل من صام في السفر وجب عليه قضاؤه في الحضر، وذهب أكثر العلماء ومنهم مالك والشافعي وأبو حنيفة إلى أن الصوم أفضل لمن قوي عليه ولم يشق عليه، وقال كثير منهم: الفطر أفضل عملًا بالرخصة، وهو قول أحمد والأوزاعي وإسحاق، وقال آخرون: هو مخيَّر مطلقًا، وقال آخرون: أفضلهما أيسرهما، وهو قول عمر بن عبد العزيز، انتهى مختصرًا.\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (٥/ ٢٥٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٤/ ١٧٩).\n(^٣) \"أوجز المسالك\" (٥/ ١٠٠ - ١٠٣).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٤/ ١٨٣).","vol":"3","page":513},{"text":"(٣٤ -<span data-type='title' id=toc-1432> باب إذا صام أيامًا من رمضان. . .) إلخ</span>\nأي: هل يباح له الفطر أو لا؟ وكأنه أشار إلى تضعيف ما روي عن علي، وإلى ردّ ما روي عن غيره في ذلك، قال ابن المنذر: روي عن علي بإسناد ضعيف، وقال به أبو مجلز وغيره: إن من استهل عليه رمضان في الحضر ثم سافر بعد ذلك فليس له أن يفطر لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، قال: وقال أكثر أهل العلم: لا فرق بينه وبين من استهل رمضان في السفر، ثم ساق ابن المنذر بإسناد صحيح عن ابن عمر قال: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ﴾ الآية، نسخها قوله: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ثم احتج للجمهور بحديث ابن عباس المذكور في هذا الباب، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nقلت: وههنا مسألتان أخريان أشار إليهما الحافظ:\nأحدهما: ما قال الحافظ: استدل بالحديث على أنه لو نوى الصيام من الليل وأصبح صائمًا فله أن يفطر في أثناء النهار، وهو قول الجمهور، وفي وجه للشافعية ليس له أن يفطر.\nوثانيهما: هو ما أشار إليه بقوله: وهذا كله فيما لو نوى الصوم في السفر، وأما لو نوى الصوم وهو مقيم ثم سافر في أثناء النهار فهل أن يفطر في ذلك النهار؟ منعه الجمهور، وقال أحمد وإسحاق بالجواز، واختاره المزني محتجًا بهذا الحديث ظنًا منه أنه - ﷺ - أفطر في اليوم الذي خرج فيه من المدينة، وليس كذلك، فإن بين المدينة والكديد عدة أيام، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\nقلت: وتوضيحه ما قال النووي في \"شرح مسلم\" (^٣) تحت حديث الباب: وفي الحديث الآخر: \"فصام حتى بلغ كراع الغميم\"، وقد غلط\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ١٨٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٤/ ١٨١).\n(^٣) \"شرح صحيح مسلم\" (٤/ ٢٥١).","vol":"3","page":514},{"text":"بعض العلماء في فهم هذا الحديث وتوهم أن الكديد وكراع الغميم قريب من المدينة، وأن قوله: \"فصام حتى بلغ الكديد وكراع الغميم\" كان في اليوم الذي خرج فيه من المدينة، فزعم أنه خرج من المدينة صائمًا، فلما بلغ كراع الغميم في يومه أفطر من نهاره، وهذا من العجائب الغريبة؛ لأن الكدير وكراع الغميم على سبع مراحل أو أكثر من المدينة، والله أعلم، انتهى.\n\n(٣٥ -<span data-type='title' id=toc-1433> باب)</span>\nبغير ترجمة، قال الحافظ (^١): كذا الأكثر بغير ترجمة، وسقط من رواية النسفي، وعلى الحالين لا بدّ أن يكون لحديث أبي الدرداء المذكور فيه تعلق بالترجمة - أي: السابقة -، ووجهه ما وقع من إفطار أصحاب النبي - ﷺ - في رمضان في السفر بمحضر منه، ولم ينكر عليهم فدل على الجواز، وعلى رد قول من قال: من سافر في شهر رمضان امتنع عليه الفطر، انتهى.\nفعلى هذا هو كالفصل للباب السابق، وهو الأصل العشرون من أصول التراجم كما تقدم مبسوطًا في الجزء الأول، ورمز عليه شيخ الهند في الجدول الرابع من جداوله رمز (ىنـ) نقطة واحدة، فكأن رأي الشيخ فيه أن المصنف ترك الترجمة لقصد التمرين وتشحيذًا للأذهان، فيمكن أن يكون هو بيان أفضلية الصوم في السفر لاختياره - ﷺ - الصوم مع شدة الحر، والله أعلم، فعلى هذا هو الأصل الخامس والعشرون، كما تقدم.\n\n(٣٦ -<span data-type='title' id=toc-1434> باب قول النبي - ﷺ - لمن ظلل عليه. . .) إلخ</span>\nأشار بهذه الترجمة إلى أن سبب قوله - ﷺ -: \"ليس من البر الصيام في السفر\" ما ذكر من المشقة، وأن من روى الحديث مجردًا فقد اختصر القصة، وبما أشار إليه من اعتبار شدة المشقة يجمع بين حديث الباب\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ١٨٢).","vol":"3","page":515},{"text":"والذي قبله، فالحاصل أن الصوم لمن قوي عليه أفضل من الفطر، والفطر لمن شق عليه الصوم أو أعرض عن قبول الرخصة أفضل من الصوم، وأن من لم يتحقق المشقة يخير بين الصوم والفطر، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوقد تقدم الخلاف في هذه المسألة في \"باب الصوم في السفر والإفطار\".\n\n(٣٧ -<span data-type='title' id=toc-1435> باب لم يعب أصحاب النبي - ﷺ -. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٢): أشار بهذا إلى تأكيد ما اعتمده من تأويل الحديث الذي قبله، وأنه محمول على من بلغ حالة يجهد بها، وأن من لم يبلغ ذلك لا يعاب عليه الصيام ولا الفطر، انتهى.\nوالأوجه عندي: أن الغرض من الترجمة هو الإرشاد إلى أدب، وهو ترك العيب على من لا يأخذ ما هو الأولى، فتأمل.\n\n(٣٨ -<span data-type='title' id=toc-1436> باب من أفطر في السفر ليراه الناس)</span>\nقال الحافظ (^٣): أي: إذا كان ممن يقتدى به، وأشار بذلك إلى أن أفضلية الفطر لا تختص بمن أجهده الصوم، أو خشي العجب والرياء، أو ظن به الرغبة عن الرخصة، بل يلحق بذلك من يقتدى به ليتابعه من وقع له شيء من الأمور الثلاثة ويكون الفطر في حقه في تلك الحالة أفضل لفضيلة البيان، انتهى.\n\n(٣٩ -<span data-type='title' id=toc-1437> باب ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٤) بعد ذكر الآثار المذكورة في الباب: واتفقت هذه الأخبار على أن قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ منسوخ، وخالف في\n_________\n(^١) المصدر السابق (٤/ ١٨٣).\n(^٢) المصدر السابق (٤/ ١٨٦).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٤/ ١٨٧).\n(^٤) المصدر السابق (٤/ ١٨٨).","vol":"3","page":516},{"text":"ذلك ابن عباس فذهب إلى أنها محكمة لكنها مخصوصة بالشيخ الكبير ونحوه، وسيأتي بيان ذلك والبحث فيه في \"كتاب التفسير\" إن شاء الله تعالى، انتهى.\nقوله: (فنسختها ﴿وَأَنْ تَصُومُوا﴾) الآية [البقرة: ١٨٤].\nقلت: وفيه أنه ترغيب فكيف يكون نسخًا، ويمكن الجواب عندي بأن النسخ وقع بقوله: فأمروا بالصوم، وعلى هذا فالنسخ بأمره ﵊.\n\n(٤٠ -<span data-type='title' id=toc-1438> باب متى يقضى قضاء رمضان. . .) إلخ</span>\nقال القسطلاني (^١): أي: يؤدى، والقضاء يجيء بمعنى الأداء، قال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ﴾ [الجمعة: ١٠] أي: أديت، انتهى.\nوقال الحافظ (^٢): ومراد الاستفهام هل يتعين قضاؤه متتابعًا أو يجوز متفرقًا؟ وهل يتعين على الفور أو يجوز على التراخي؟ قال ابن المنيِّر: جعل المصنف الترجمة استفهامًا لتعارض الأدلة؛ لأن ظاهر قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] يقتضي التفريق لصدق ﴿أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ سواء كانت متتابعة أو متفرقة، والقياس يقتضي التتابع إلحاقًا لصفة القضاء بصفة الأداء، وظاهر صنيع عائشة يقتضي إيثار المبادرة إلى القضاء لولا ما منعها من الشغل.\nقال الحافظ: ظاهر صنيع البخاري يقتضي جواز التراخي والتفريق لما أودعه في الترجمة من الآثار كعادته وهو قول الجمهور، ونقل ابن المنذر وغيره عن علي وعائشة وجوب التتابع، وهو قول بعض أهل الظاهر، انتهى من \"الفتح\".\nقوله: (وقال سعيد) وصله ابن أبي شيبة، والمراد بصوم العشر العشر\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٤/ ٥٨٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٤/ ١٨٩).","vol":"3","page":517},{"text":"الأول من ذي الحجة لما سئل عن صومه، والحال أن على الذي سأله قضاء من رمضان \"لا يصلح حتى يبدأ برمضان\" أي: بقضاء صومه، وهذا لا يدل على المنع بل على الأولوية، انتهى من \"القسطلاني\" (^١).\nوقال الحافظ (^٢): وظاهر قوله جواز التطوع بالصوم لمن عليه دين من رمضان لقوله: \"لا يصلح\"، فإنه ظاهر في الإرشاد إلى البداءة بالأهم والآكد، وقد روى عبد الرزاق عن أبي هريرة أن رجلًا قال له: إن علي أيامًا من رمضان أفأصوم العشر تطوعًا؟ قال: لا، أبدأ بحق الله ثم تطوع ما شئت، وروي عن علي أنه نهى عن قضاء رمضان في عشر ذي الحجة، وإسناده ضعيف، انتهى.\nقوله: (ويذكر عن أبي هريرة. .) إلخ، وهو قول الجمهور، وإليه مال الطحاوي، والأول، أي: ما روي عن النخعي هو مذهب الحنفية، وإليه جنح المصنف كما ترى.\n\n(٤١ -<span data-type='title' id=toc-1439> باب الحائض تترك الصوم. . .) إلخ</span>\nقال ابن المنيِّر (^٣): إن الترجمة لم تتضمن حكم القضاء لتطابق حديث الباب، فإنه ليس فيه تعرض لذلك.\nقوله: \"تقضي الصيام\" قال القسطلاني (^٤): ومقتضى الرأي أن يكونا متساويين في الحكم؛ لأن كلًا منهما عبادة تركت لعذر، لكن الأمور الشرعية الآتية على خلاف القياس لا يطلب فيها وجه الحكمة، بل يوكّل أمرها إليه تعالى؛ لأن أفعال الله تعالى لا تخلو عن حكمة، ولكن غالبها يخفى على الناس ولا تدركها العقول، لكن فرق الفقهاء بعدم تكرر الصوم فلا حرج في قضائه بخلاف الصلاة، وقيل غير ذلك، وقال إمام الحرمين: كل شيء ذكروه من الفرق ضعيف، انتهى. والبسط في \"الفتح\" (^٥).\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٤/ ٥٨٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٤/ ١٨٩ - ١٩٠).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٤/ ١٩٢).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (٤/ ٥٨٥).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٤/ ١٩٢).","vol":"3","page":518},{"text":"(٤٢ -<span data-type='title' id=toc-1440> باب من مات وعليه صوم)</span>\nقال العلَّامة العيني (^١): أي: هذا باب في بيان حكم الشخص الذي مات، والحال أن عليه صومًا ولم يعين الحكم لاختلاف العلماء فيه، انتهى.\nقال الحافظ (^٢): وقد اختلف السلف في هذه المسألة، فأجاز الصيام عن الميت أصحاب الحديث، وعلَّق الشافعي في القديم القول به على صحة الحديث كما نقله البيهقي، وهو قول أبي ثور وجماعة من محدثي الشافعية، وقال الشافعي في الجديد ومالك وأبو حنيفة: لا يصام عن الميت، وقال أحمد وإسحاق: لا يصام عنه إلا النذر، إلى آخر ما قال، انتهى.\nقلت: وفي \"الموطأ\" لمالك عن ابن عمر: \"لا يصوم أحد عن أحد، ولا يصلي أحد عن أحد\" قال الزرقاني (^٣): هو إجماع في الصلاة، ولو تطوعًا عن حي وميت، وفي الصوم عن الحي خلاف، حكاه ابن عبد البر وغيره، وأما الصيام عن الميت فكذلك عند الجمهور، منهم مالك، وأبو حنيفة، والشافعي في الجديد، وأحمد، وذهب طائفة من السلف، وأحمد في رواية، والشافعي إلى أنه يستحب لوارثه أن يصوم عنه ويبرأ به الميت، ورجحه النووي لحديث الصحيحين عن عائشة مرفوعًا، ثم ذكر حديث الباب، وبسط العلامة العيني (^٤) بيان المذاهب في ذلك، فذكر ستة مذاهب للفقهاء كما بسط في \"الأوجز\" (^٥).\n\n(٤٣ -<span data-type='title' id=toc-1441> باب متى يحل فطر الصائم. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٦): غرض هذه الترجمة الإشارة إلى أنه هل يجب إمساك جزء من الليل لتحقق مضي النهار أم لا؟ وظاهر صنيعه يقتضي ترجيح الثاني\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٨/ ١٥١ - ١٥٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٤/ ١٩٣).\n(^٣) \"شرح الزرقاني\" (٢/ ١٨٥ - ١٨٦).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (٨/ ١٥٣ - ١٥٤).\n(^٥) \"أوجز المسالك\" (٥/ ٢٣١ - ٢٣٩).\n(^٦) \"فتح الباري\" (٤/ ١٩٦).","vol":"3","page":519},{"text":"لذكره لأثر أبي سعيد في الترجمة، لكن محله إذا ما حصل تحقق غروب الشمس، انتهى.\n\n(٤٤ -<span data-type='title' id=toc-1442> باب يفطر بما تيسر بالماء وغيره)</span>\nقال الحافظ (^١): أي: سواء كان وحده أو مخلوطًا، ولعله أشار إلى أن الأمر في قوله: \"من وجد تمرًا فليفطر عليه، ومن لا فليفطر على الماء\" ليس على الوجوب، وهو حديث أخرجه الحاكم عن أنس مرفوعًا، والترمذي وابن حبان من حديث سلمان بن عامر، وقد شذ ابن حزم فأوجب الفطر على التمر وإلّا فعلى الماء، انتهى.\nقال القسطلاني (^٢): وروى الترمذي: \"أنه - ﷺ - كان يفطر قبل أن يصلي على رطبات، فإن لم يكن فعلى تمرات، فإن لم يكن حسا حسوات من ماء\"، انتهى.\n\n(٤٥ -<span data-type='title' id=toc-1443> باب تعجيل الإفطار)</span>\nقال ابن عبد البر: أحاديث تعجيل الإفطار وتأخير السحور صحاح متواترة، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\nقلت: وتأخير الفطر من صنيع اليهود والنصارى كما في حديث أبي هريرة عند أبي داود (^٤)، والظاهر عندي أن الغرض من الترجمة الرد على ما روي عن بعض الصحابة كأبي موسى الأشعري من تأخير الإفطار كما في \"سنن أبي داود\".\n\n(٤٦ -<span data-type='title' id=toc-1444> باب إذا أفطر في رمضان ثم طلعت الشمس)</span>\nقال الحافظ (^٥): أي: هل يجب عليه قضاء ذلك اليوم أو لا؟ وهي\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ١٩٨).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٤/ ٥٩٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٤/ ١٩٩).\n(^٤) انظر: \"سنن أبي داود\" (ح: ٢٣٥٣).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٤/ ٢٠٠).","vol":"3","page":520},{"text":"مسألة خلافية، واختلف قول عمر فيها، واختلف العلماء في هذه المسألة، فذهب الجمهور إلى إيجاب القضاء، وجاء ترك القضاء عن مجاهد والحسن، وبه قال إسحاق وأحمد في رواية، وقال ابن التين: لم يوجب مالك القضاء إذا كان في صوم نذر، انتهى مختصرًا من \"الفتح\".\nقلت: وفيما إذا أفطر بظن أن الشمس قد غربت ثلاث مسائل كما ذكر الباجي، وهي كلها خلافية، الإمساك، والقضاء، والكفارة، بسط الخلاف في \"الأوجز\" (^١).\nوفيه أيضًا: وأما وجوب الكفارة فعند الحنفية فيه تفصيل واختلاف بسطه أهل الفروع، ففي \"الدر المختار\": تسحر أو أفطر بظن اليوم ليلًا، والحال أن الفجر طالع، والشمس لم تغرب، ويكفي الشك في الأول دون الثاني عملًا بالأصل فيهما، ولو لم يتبين الحال لم يقض في ظاهر الرواية، والمسألة تتفرع إلى ستة وثلاثين، محلها المطولات، انتهى.\n\n(٤٧ -<span data-type='title' id=toc-1445> باب صوم الصبيان)</span>\nأي: هل يشرع أم لا؟ والجمهور على أنه لا يجب على من دون البلوغ، واستحب جماعة من السلف منهم ابن سيرين وغيره، وقال به الشافعي: إنهم يؤمرون به للتمرين عليه إذا أطاقوه، وحدّه أصحابه بالسبع والعشر كالصلاة، وحدّه إسحاق باثنتي عشرة سنة، وأحمد في رواية بعشر سنين، وقال الأوزاعي: إذا أطاق صوم ثلاثة أيام تباعًا لا يضعف فيهن حمل على الصوم، والأول قول الجمهور، والمشهور عن المالكية أنه لا يشرع في حق الصبيان، ولقد تلطف المصنف في التعقب عليهم بإيراد أثر عمر في صدر الترجمة؛ لأن أقصى ما يعتمدونه في معارضة الأحاديث دعوى عمل أهل المدينة على خلافها، ولا عمل يستند إليه أقوى من العمل في عهد عمر مع شدة تحريه ووفور الصحابة في زمانه، وأغرب\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (٥/ ٢٤١ - ٢٤٢).","vol":"3","page":521},{"text":"ابن الماجشون من المالكية فقال: إذا أطاق الصبيان الصيام ألزموه، فإن أفطروا لغير عذر فعليهم القضاء، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(٤٨ -<span data-type='title' id=toc-1446> باب الوصال. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٢): هو الترك في ليالي الصيام لما يفطر بالنهار بالقصد فيخرج من أمسك اتفاقًا، ويدخل من أمسك جميع الليل أو بعضه، ولم يجزم المصنف بحكمه لشهرة الاختلاف فيه، انتهى.\nوفي \"الأوجز\" (^٣): قال الزرقاني: والنهي للكراهة عند مالك والجمهور لمن قوي عليه وغيره ولو إلى السحر لعموم النهي، وقيل: للتحريم، وهو الأصح عند الشافعية، انتهى.\nوفي \"حاشية شرح الإقناع\" (^٤): فالنهي للتحريم عند الشافعية، والتنزيه عند مالك والحنابلة، انتهى.\nوالوصال إلى السحر مباح عند أحمد واسحاق كما قال الموفق (^٥)، والوصال مكروه تنزيهًا عند الحنفية كما في \"الدر المختار (^٦)، والبسط في \"الأوجز\".\n\n(٤٩ -<span data-type='title' id=toc-1447> باب التنكيل لمن أكثر الوصال)</span>\nقال الحافظ (^٧): التقييد بأكثر قد يفهم منه أن من قلل منه لا نكال عليه؛ لأن التقليل منه مظنة لعدم المشقة، لكن لا يلزم من عدم التنكيل ثبوت الجواز، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٢٠٠ - ٢٠١).\n(^٢) المصدر السابق (٤/ ٢٠٢).\n(^٣) \"أوجز المسالك\" (٥/ ٢١٠).\n(^٤) \"حاشية شرح الإقناع\" (٢/ ٣٨٨).\n(^٥) \"المغني\" (٤/ ٤٣٧).\n(^٦) \"رد المحتار\" (٣/ ٣٣٧).\n(^٧) \"فتح الباري\" (٤/ ٢٠٦).","vol":"3","page":522},{"text":"(٥٠ -<span data-type='title' id=toc-1448> باب الوصال إلى السحر)</span>\nأي: جوازه، وقد تقدم أنه قول أحمد وطائفة من أصحاب الحديث، وتقدم توجيهه، وأن من الشافعية من قال: إنه ليس بوصال حقيقة، انتهى [من \"الفتح\"] (^١).\nقلت: فالظاهر أن ميل المصنف إلى مسلك الحنابلة.\n\n(٥١ -<span data-type='title' id=toc-1449> باب من أقسم على أخيه ليفطر. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٢): هذه الترجمة أول أبواب التطوع، بدأ المصنف منها بحكم صوم التطوع هل يلزم تمامه بالدخول فيه أم لا؟ ثم أورد بقية أبوابه على ما اختاره من الترتيب، انتهى.\nوقال العلامة العيني (^٣) في الباب الآتي - أي: باب صوم شعبان -: وهذا الباب أول شروعه في التطوعات من الصيام، انتهى.\nوقال القسطلاني (^٤): قوله: \"باب من أقسم على أخيه. . .\" إلخ أي: والحال أنه كان في صوم التطوع ولم ير عليه، أي: على هذا المفطر قضاء عن ذلك اليوم الذي أفطر فيه، وقوله: \"إذا كان أوفق له\" أي: إذا كان المقسم عليه معذورًا بفطره، ومفهومه عدم الجواز ووجوب القضاء على من تعمد بغير سبب، انتهى من القسطلاني ملخصًا.\nوقال الحافظ (^٥): ذكر فيه حديث ابن أبي جحيفة في قصة أبي الدرداء وسلمان، فأما ذكر القسم فلم يقع في الطريق التي ساقها كما سأُبيِّنه، وأما القضاء فلم أقف عليه في شيء من طرقه إلا أن الأصل عدمه، وقد أقره الشارع، ولو كان القضاء واجبًا لبيَّنه له مع حاجته إلى البيان، وكأنه يشير\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٢٠٨).\n(^٢) المصدر السابق (٤/ ٢١٣).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٨/ ١٨٤).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (٤/ ٦٠٤).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٤/ ٢٠٩ - ٢١٠).","vol":"3","page":523},{"text":"إلى حديث أبي سعيد قال: \"صنعت للنبي - ﷺ - طعامًا، فلما وضع قال رجل: أنا صائم، فقال رسول الله - ﷺ -: دعاك أخوك وتكلف لك، أفطر وصم مكانه إن شئت\" أخرجه البيهقي، وهو دال على عدم الإيجاب، انتهى.\nقلت: والمسألة خلافية شهيرة لا قضاء عليه عند الشافعي وأحمد مطلقًا بخلاف الحنفية إذ أوجبوا القضاء مطلقًا، وعن المالكية: لا قضاء في الفطر عذرًا بخلاف الفطر عمدًا ففيه عندهم القضاء.\n\n(٥٢ -<span data-type='title' id=toc-1450> باب صوم شعبان)</span>\nقال الحافظ (^١): أي: استحبابه، وكأنه لم يصرح بذلك لما في عمومه من التخصيص وفي مطلقه من التقييد كما سيأتي بيانه، ثم ذكر الحافظ بعد ذكر الحديث اختلاف الروايات وأقوال العلماء في أن المراد من شعبان كله أو أكثره (^٢).\n\n(٥٣ -<span data-type='title' id=toc-1451> باب ما يذكر من صوم النبي - ﷺ - وإفطاره)</span>\nقال الحافظ (^٣): المراد التطوع، قال ابن المنيِّر: لم يضف المصنف الترجمة التي قبل هذه للنبي - ﷺ -، وأطلقها ليفهم الترغيب للأمة في الاقتداء به في إكثار الصوم في شعبان، وقصد بهذه الترجمة شرح حال النبي - ﷺ - في ذلك، انتهى.\n\n(٥٤ -<span data-type='title' id=toc-1452> باب حق الضيف في الصوم)</span>\nقال ابن المنيِّر: لو قال: حق الضيف في الفطر لكان أوضح، لكنه كان لا يفهم منه تعيين الصوم فيحتاج أن يقول من الصوم، وكأن ما ترجم به أخصر وأوجز، انتهى من \"الفتح\" (^٤).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٢١٣).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (٤/ ٢١٤).\n(^٣) المصدر السابق (٤/ ٢١٦).\n(^٤) المصدر السابق (٤/ ٢١٧).","vol":"3","page":524},{"text":"(٥٥ -<span data-type='title' id=toc-1453> باب حق الجسم في الصوم)</span>\nأي: على المتطوع، والمراد بالحق ههنا المطلوب أعم من أن يكون مندوبًا أو واجبًا، فأما الواجب فيختص بما إذا خاف التلف وليس مرادًا هنا، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(٥٦ -<span data-type='title' id=toc-1454> باب صوم الدهر)</span>\nأي: هل يشرع أو لا؟ قال ابن المنيِّر: لم ينص على الحكم لتعارض الأدلة واحتمال أن يكون عبد الله بن عمرو خص بالمنع لما اطلع النبي - ﷺ - عليه من مستقبل حاله، فيلتحق به من في معناه ممن يتضرر بسرد الصوم، ويبقى غيره على حكم الجواز لعموم الترغيب في مطلق الصوم كما سيأتي في \"الجهاد\" من حديث أبي سعيد مرفوعًا: \"من صام يومًا في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار\"، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\nويشكل إدخال هذه الترجمة بين أبواب الحقوق، فقد تقدم \"باب حق الضيف\" و\"باب حق الجسم\"، وسيأتي بعد ذلك \"باب حق الأهل\"، فتأمل، وقد أجاب عنه بعض المترددين إلي وأجاد بأن الإمام البخاري أشار بذكر هذه الترجمة الأجنبية بين هذه الأبواب إلى أن النهي عن صوم الدهر لأجل حق الجسد.\nواختلف العلماء في صوم الدهر، قال القسطلاني (^٣): ومذهب الشافعية استحبابه لإطلاق الأدلة، ولأنه - ﷺ - قال: \"من صام الدهر ضيقت عليه جهنم هكذا وعقد بيده\"، وأخرجه أحمد والنسائي، فإن خاف ضررًا أو فوت حق كره صومه، وهل المراد الواجب أو المندوب؟ قال السبكي: ويتجه أن يقال: إنه إن علم أنه يفوت حقًا واجبًا حرم، وإن علم أنه يفوّت حقًا مندوبًا أولى من الصيام كره، وإن كان يقوم مقامه فلا، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٢١٨).\n(^٢) المصدر السابق (٤/ ٢٢٠).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (٤/ ٦١٥).","vol":"3","page":525},{"text":"وفي \"المغني\" (^١): قال الأثرم: قيل لأبي عبد الله: فسَّر مسدد قول أبي موسى: \"من صام الدهر ضيقت عليه جهنم\" فلا يدخلها، فضحك وقال: من قال هذا؟ فأين حديث عبد الله بن عمرو أن النبي - ﷺ - كره ذلك، وما فيه من الأحاديث؟ قال أبو الخطاب: إنما يكره إذا أدخل فيه يومي العيدين وأيام التشريق؛ لأن أحمد قال: إذا أفطر يومي العيدين وأيام التشريق رجوت أن لا يكون بذلك بأس، وروي نحو هذا عن مالك، وهو قول الشافعي، والذي يقوى عندي أن صوم الدهر مكروه وإن لم يصم هذه الأيام لما فيه من المشقة والضعف وشبه التبتل المنهي عنه، انتهى مختصرًا.\nوفي \"البذل\" (^٢): قال ابن الهمام: يكره صوم الدهر؛ لأنه يضعفه أو يصير طبعًا له، ومبنى العبادة على مخالفة العادة، انتهى.\nقال الحافظ (^٣): والى كراهة صوم الدهر مطلقًا ذهب إسحاق وابن العربي من المالكية وأهل الظاهر، وهي رواية عن أحمد، وشذ ابن حزم فقال: يحرم، وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح: \"أنه بلغ عمر - ﵁ - أن رجلًا يصوم الدهر فأتاه فعلاه بالدرة وجعل يقول: كل يا دهري\" إلى أن قال: وذهب آخرون إلى جوازه وحملوا النهي عن من صامه حقيقة، فإنه يدخل فيه ما حرم صومه كالعيدين، وهذا اختيار ابن المنذر وطائفة، وذهب آخرون إلى استحبابه لمن قوي عليه ولم يفوت فيه حقًا، وإلى ذلك ذهب الجمهور، إلى آخر ما بسط في \"الفتح\".\n\n(٥٧ -<span data-type='title' id=toc-1455> باب حق الأهل في الصوم)</span>\nقال الحافظ (^٤): قوله: \"رواه أبو جحيفة\"، يعني حديث أبي جحيفة في قصة سلمان وأبي الدرداء التي تقدمت قبل خمسة أبواب، وفيها قول سلمان لأبي الدرداء: \"وإن لأهلك عليك حقًا\"، وأقره النبي - ﷺ - على ذلك، انتهى.\n_________\n(^١) \"المغني\" (٤/ ٤٣٠).\n(^٢) \"بذل المجهود\" (٨/ ٦٢٤).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٤/ ٢٢٢).\n(^٤) المصدر السابق (٤/ ٢٢١).","vol":"3","page":526},{"text":"(٥٨ -<span data-type='title' id=toc-1456> باب صوم يوم وإفطار يوم)</span>\nقال العيني (^١): أي: في بيان فضله، انتهى.\nوإليه ميل الحافظ كما سيأتي في الباب الآتي.\n\n(٥٩ -<span data-type='title' id=toc-1457> باب صوم داود - ﵇ </span>-)\nقال ابن المنيِّر: أفرد ترجمة صوم يوم وإفطار يوم بالذكر للتنبيه على أفضليته، وأفرد صيام داود - ﵇ - بالذكر للإشارة إلى الاقتداء به في ذلك، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\nوقال الحافظ في \"باب حق الأهل في الصوم\": واختلف المجيزون في صوم الدهر بالشرط المتقدم هل هو أفضل أو صيام يوم وإفطار يوم؟ فصرَّح جماعة من العلماء بأن صوم الدهر أفضل، لأنه أكثر عملًا، فيكون أكثر أجرًا، وبذلك جزم الغزالي أولًا، وقيَّده بشرط أن لا يرغب عن السُّنَّة بأن يجعل الصوم حجرًا على نفسه، فإذا أمن من ذلك فالصوم من أفضل الأعمال، فالاستكثار منه زيادة في الفضل.\nقال الحافظ: وتعقبه ابن دقيق العيد ثم بسطه، وذهب جماعة منهم المتولي من الشافعية إلى أن صيام داود أفضل، وهو ظاهر الحديث بل صريحه، نعم إن فرض أن شخصًا لا يفوته شيء من الأعمال الصالحة بالصيام أصلًا ولا يفوت حقًا من الحقوق لم يبعد أن يكون في حقه أرجح، وإلى ذلك أشار ابن خزيمة، وعلى هذا فيختلف ذلك باختلاف الأشخاص والأحوال، وإلى ذلك أشار الغزالي أخيرًا، والله أعلم، انتهى من \"الفتح\" (^٣) ملخصًا.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٨/ ١٩٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٤/ ٢٢٤).\n(^٣) المصدر السابق (٤/ ٢٢٣ - ٢٢٤).","vol":"3","page":527},{"text":"(٦٠ -<span data-type='title' id=toc-1458> باب صيام البيض. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^١): قال الإسماعيلي وابن بطال وغيرهما: ليس في الحديث الذي أورده البخاري ما يطابق الترجمة؛ لأن الحديث مطلق في ثلاثة أيام من كل شهر والبيض مقيدة بما ذكر، وأجيب بأن البخاري جرى على عادته في الإيماء إلى ما ورد في بعض طرق الحديث، وهو ما رواه أحمد والنسائي وابن حبان، وفيه قوله - ﷺ - لأعرابي: \"إن كنت صائمًا فصم الغر\" أي: البيض، وهذا الحديث اختلف فيه على موسى بن طلحة اختلافًا كثيرًا بيَّنه الدارقطني، وفي بعض طرقه عند النسائي: \"إن كنت صائمًا فصم البيض ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة\"، فكأن البخاري أشار بالترجمة إلى أن وصية أبي هريرة بذلك لا تختص به، انتهى.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): ثم إن إيراد المؤلف ما أورد فيه من الرواية دالٌّ على أنه حمل المطلق على المقيد، فكانت الترجمة تفسيرًا لمراد الرواية، انتهى.\nثم قال الحافظ (^٣): قال شيخنا في \"شرح الترمذي\": حاصل الخلاف في تعيين البيض تسعة أقوال:\nأحدها: لا تتعين بل يكره تعيينها، ويستحب صوم ثلاثة أيام من الشهر غير معينة، وهو المعروف من مذهب مالك.\nالثاني: أول ثلاثة من الشهر، قاله الحسن البصري.\nالثالث: أولها الثاني عشر، حكي ذلك عن قوم.\nالرابع: أولها الثالث عشر، وهو قول الجمهور - وهو الذي اختاره البخاري في الترجمة -.\nالخامس: أولها أول سبت من أول الشهر، ثم من أول الثلاثاء\n_________\n(^١) المصدر السابق (٤/ ٢٢٦).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٥/ ٣٨٨).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٤/ ٢٢٧).","vol":"3","page":528},{"text":"من الشهر الذي يليه وهكذا، وهو اختيار عائشة - ﵂ - في آخرين.\nالسادس: أول خميس ثم اثنين ثم خميس.\nالسابع: أول اثنين ثم خميس ثم اثنين.\nالثامن: أول يوم والعاشر والعشرون، روي ذلك عن أبي الدرداء.\nالتاسع: أول كل عشر عن ابن شعبان المالكي.\nقال الحافظ: بقي قول آخر، وهو آخر ثلاثة من الشهر، وهو قول إبراهيم النخعي، فتمت عشرة.\nانتهى كلام الحافظ مع زيادة من العيني (^١).\nقال العيني (^٢): روى ابن القاسم عن مالك أنه سئل عن صيام أيام الغر فقال: ما هذا ببلدنا، وكره تعمد صومها، وقال: الأيام كلها لله تعالى، واستحب ابن حبيب صومها وقال: أراها صيام الدهر، انتهى.\nقلت: والجمهور ومنهم الأئمة الثلاثة الأخرى على استحبابها كما قال العلامة العيني، وقال الحافظ (^٣) بحثًا على صوم ثلاثة أيام: قال الروياني: صيام ثلاثة أيام من كل شهر مستحب، فإن اتفقت أيام البيض كان أحب، وفي كلام غير واحد من العلماء أيضًا أن استحباب صيام البيض غير استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر.\nوقال القسطلاني (^٤): قال السبكي: والحاصل أنه يسن صوم ثلاثة أيام من كل شهر، وأن تكون أيام البيض، فإن صامها أتى بالسنتين، انتهى.\n\n(٦١ -<span data-type='title' id=toc-1459> باب من زار قومًا فلم يفطر عندهم)</span>\nهذه الترجمة تقابل الترجمة الماضية وهي \"من أقسم على أخيه ليفطر\" وموقعها أن لا يظن أن فطر المرء من صيام التطوع لتطييب خاطر أخيه حتم\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٨/ ٢٠٥ - ٢٠٦).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٨/ ٢٠٥).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٤/ ٢٢٧).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (٤/ ٦٢٥).","vol":"3","page":529},{"text":"عليه، بل المرجع في ذلك إلى من علم من حاله من كل منهما أنه يشق عليه الصيام، فمتى عرف أن ذلك لا يشق عليه كان الأولى أن يستمر على صومه، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(٦٢ -<span data-type='title' id=toc-1460> باب الصوم من آخر الشهر)</span>\nقال ابن المنيِّر: أطلق الشهر، وإن كان الذي يتحرر من الحديث أن المراد به شهر مقيد وهو شعبان إشارة منه إلى أن ذلك لا يختص بشعبان، بل يؤخذ من الحديث الندب إلى صيام أواخر كل شهر ليكون عادة للمكلف، فلا يعارض النهي عن تقدم رمضان بيوم أو يومين لقوله فيه: \"إلا رجل كان يصوم صومًا فليصمه\"، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\nقوله: (أظنه قال: يعني رمضان. . .) إلخ، تكلم عليه الحافظ وغيره من الشرَّاح، فارجع إليه.\n\n(٦٣ -<span data-type='title' id=toc-1461> باب صوم الجمعة. . .) إلخ</span>\nقوله في الترجمة: (يعني إذا لم يصم قبله ولا يريد. . .) إلخ، ليس هذا في نسخة الحافظ فقال (^٣): كذا في أكثر الروايات، ووقع في رواية أبي ذر وأبي الوقت زيادة هنا وهي \"يعني إذا لم يصم قبله. . .\" إلخ، وهذه الزيادة تشبه أن تكون من الفربري أو من دونه، ويبعد أن يعبر البخاري عما يقوله بلفظ: \"يعني\" ولو كان ذلك من كلامه لقال: أعني بل كان يستغني عنها أصلًا ورأسًا، وهذا التفصيل لا بدّ من حمل إطلاق الترجمة عليه؛ لأنه مستفاد من حديث جويرية آخر أحاديث الباب، انتهى.\nقلت: وفي صوم يوم الجمعة اختلاف للعلماء، ذكر في هامش النسخة الهندية (^٤) خمسة أقوال فيه، وفي \"الأوجز\" (^٥) ثمانية مذاهب، وأما حاصل\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٢٢٨).\n(^٢) المصدر السابق (٤/ ٢٣٠).\n(^٣) المصدر السابق (٤/ ٢٣٢).\n(^٤) (٤/ ٣٩١).\n(^٥) \"أوجز المسالك\" (٥/ ٣٦٠ - ٣٦٢).","vol":"3","page":530},{"text":"مذاهب الأئمة الأربعة، فالكراهة عند أحمد، وهو المرجح عند الشافعية، وعن مالك الندب، وعليه أكثر فروع الحنفية، وفي \"نور الإيضاح\" (^١) من كتب فروع الحنفية: الكراهة، واختلف العلماء أيضًا في وجه النهي على ثمانية أقوال، بسطت في \"الأوجز\" (^٢) وهامش \"اللامع\" (^٣).\n\n(٦٤ -<span data-type='title' id=toc-1462> باب هل يخص شيئًا من الأيام</span>؟)\nقال ابن المنيِّر وغيره: لم يجزم بالحكم؛ لأن ظاهر الحديث إدامته - ﷺ - العبادة ومواظبته على وظائفها، ويعارضه ما صح عن عائشة نفسها مما يقتضي نفي المداومة، وهو ما أخرجه مسلم عنها: \"أنها سئلت عن صيام رسول الله - ﷺ - فقالت: كان يصوم حتى نقول: قد صام، ويفطر حتى نقول: قد أفطر\"، وتقدم نحوه قريبًا في البخاري من حديث ابن عباس وغيره، فأبقى الترجمة على الاستفهام لترجح أحد الخبرين أو يتبين الجمع بينهما، ويمكن الجمع بينهما بأن قولها: \"كان عمله ديمةً\"، معناه أن اختلاف حاله في الإكثار من الصوم ثم من الفطر كان مستدامًا مستمرًا، وبأنه - ﷺ - كان يوظف على نفسه العبادة، فربما شغله عن بعضها شاغل فيقضيها على التوالي، فيشتبه الحال على من يرى ذلك، فقول عائشة: \"كان عمله ديمة\" منزل على التوظيف، وقولها: \"كان لا تشاء أن تراه صائمًا إلا رأيته\" منزل على الحال الثاني، وقيل: معناه أنه كان لا يقصد نفلًا ابتداءً في يوم بعينه فيصومه، بل إذا صام يومًا بعينه كالخميس مثلًا داوم على صومه، انتهى من \"الفتح\" (^٤).\n\n(٦٥ -<span data-type='title' id=toc-1463> باب صوم يوم عرفة)</span>\nأي: ما حكمه؟ وكأنه لم تثبت الأحاديث الواردة في الترغيب في صومه على شرطه، وأصحها حديث أبي قتادة: \"أنه يكفِّر سنة آتية وسنة\n_________\n(^١) \"نور الإيضاح\" (ص ١٣٨).\n(^٢) \"أوجز المسالك\" (٥/ ٣٦٥ - ٣٦٧).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٥/ ٣٩٠).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٤/ ٢٣٥ - ٢٣٦).","vol":"3","page":531},{"text":"ماضية\" أخرجه مسلم وغيره، والجمع بينه وبين حديثي الباب أن يحمل على غير الحاج أو على من لم يضعفه صيامه عن الذكر والدعاء المطلوب للحاج، قاله الحافظ في \"الفتح\" (^١).\nوتقدم نظير هذه الترجمة سواء في \"كتاب الحج\"، ولكل من الترجمتين وجهة، فذكرها في \"كتاب الحج\" لمناسبة الحاج، وههنا لمناسبته بـ \"كتاب الصوم\"، وتقدم اختلاف الأئمة الأربعة في صوم عرفة للحاج، وأما لغير الحاج فاتفقت الأئمة الأربعة على ندبه، بل قال الإمام الشافعي بتأكده، كما في \"الأوجز\" (^٢).\n\n(٦٦ -<span data-type='title' id=toc-1464> باب صوم يوم الفطر)</span>\nأي: ما حكمه؟ قال ابن المنيِّر: لعله أشار إلى الخلاف فيمن نذر صوم يوم فوافق يوم العيد هل ينعقد نذره أم لا؟ انتهى.\nثم قال الحافظ تحت حديث الباب: وفيه تحريم صوم يومي العيد سواء النذر والكفارة والتطوع والقضاء والتمتع، وهو بالإجماع، واختلفوا فيمن نذر صوم يوم قدوم زيد فقدم يوم العيد فالأكثر على أنه لا ينعقد النذر، وعن الحنفية: ينعقد ويلزمه القضاء، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\nقلت: بسط الكلام على المسألة في \"الأوجز\" (^٤) من كتب فروع الأئمة، والجملة أنه ينعقد النذر ويجب القضاء عندنا الحنفية، وهو الأصح من مذهب أحمد كما في \"نيل المآرب\"، وهو أحد قولي الشافعي، والمرجح عنده لا ينعقد، وأما عند مالك، فإن نذر يومًا فوافق يوم العيد ينعقد ويجب القضاء، وإن نذر صوم يومي العيد بعينه لا ينعقد ولا يجب القضاء كما قال الأبي.\n_________\n(^١) المصدر السابق (٤/ ٢٣٧).\n(^٢) \"أوجز المسالك\" (٧/ ٤٦٤).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٤/ ٢٣٩).\n(^٤) \"أوجز المسالك\" (٥/ ١٩٨ - ١٩٩).","vol":"3","page":532},{"text":"(٦٧ -<span data-type='title' id=toc-1465> باب صوم يوم النحر)</span>\nقال الحافظ (^١): والقول فيه كالقول في الذي قبله، انتهى.\n\n(٦٨ -<span data-type='title' id=toc-1466> باب صيام أيام التشريق)</span>\nأي: الأيام التي بعد يوم النحر، قال العلَّامة العيني (^٢): وأيام التشريق يقال لها: الأيام المعدودات وأيام منى، انتهى.\nوفي \"التفسير\" (^٣) لابن كثير: الأيام المعدودات، قال ابن عباس: هي أيام التشريق، والأيام المعلومات أيام العشر، انتهى.\nوقد اختلف في كونها يومين أو ثلاثة، قاله الحافظ (^٤)، وقال الشيخ في \"البذل\" (^٥): وهي عند الحنفية ثلاثة أيام: حادي عشر وثاني عشر وثالث عشر، انتهى.\nقلت: وهي كذلك عند الجمهور منهم الأئمة الأربعة كما في \"الأوجز\" (^٦) عن كتب فروعهم من كلام الباجي والقسطلاني وشارح \"المنهاج\" وغيرهم.\nوقال القسطلاني (^٧): روي عن ابن عباس وعطاء أنها أربعة أيام يوم النحر وثلاثة بعده، انتهى. وما حكى الحافظ من أنها يومان بعد يوم النحر روى ذلك عن علي كما في \"التفسير\" لابن كثير، وسميت أيام التشريق لأن لحوم الأضاحي تشرق فيها أي: تنشر في الشمس، وقيل: لأن الهدي لا ينحر حتى تشرق الشمس، وقيل: لأن صلاة العيد تقع عند شروق الشمس، وقيل: التشريق التكبير دبر كل صلاة، وهل تلتحق بيوم النحر في\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٢٤١).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٨/ ٢٢٦).\n(^٣) \"تفسير ابن كثير\" (١/ ٣٥٤).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٤/ ٢٤٢).\n(^٥) \"بذل المجهود\" (٨/ ٦٠٩).\n(^٦) \"أوجز المسالك\" (٧/ ٤٨٦ - ٤٨٧).\n(^٧) \"إرشاد الساري\" (٤/ ٦٤٢).","vol":"3","page":533},{"text":"ترك الصيام كما تلتحق به في النحر وغيره من أعمال الحج، أو يجوز صيامها مطلقًا، أو للمتمتع خاصة أو له ولمن هو في معناه؟ وفي كل ذلك اختلاف للعلماء، والراجح عند البخاري جوازها للمتمتع، انتهى ملخصًا من \"الفتح\" (^١).\nوبسط في \"الأوجز\" (^٢) في صيام أيام التشريق تسعة مذاهب، والمشهور منها قولان، الأول: الجواز للمتمتع والقارن، وهو قول مالك وأحمد، وهو القول القديم للشافعي، والثاني - وهو الجديد للشافعي وبه قالت الحنفية -: المنع مطلقًا.\n\n(٦٩ -<span data-type='title' id=toc-1467> باب صيام يوم عاشوراء)</span>\nقال الحافظ (^٣): أي: ما حكمه؟ وبدأ المصنف بالأخبار الدالة على أنه ليس بواجب، ثم بالأخبار الدالة على الترغيب في صيامه، ونقل عياض أن بعض السلف كان يرى بقاء فرضية عاشوراء، لكن انقرض القائلون بذلك، ونقل ابن عبد البر الإجماع على أنه الآن ليس بفرض، والإجماع على أنه مستحب، وكان ابن عمر يكره قصده بالصوم ثم انقرض القول بذلك.\nثم قال الحافظ بحثًا على روايات صوم عاشوراء: فعلى هذا صيام عاشوراء على ثلاث مراتب أدناها أن يصام وحده، وفوقه أن يصام التاسع معه، وفوقه أن يصام التاسع والحادي عشر معه، والله أعلم، انتهى من \"الفتح\" من مواضع عديدة.\nوبسط الكلام على حديث عاشوراء في \"الأوجز\" (^٤)، وذكر فيه عدة أبحاث لطيفة:\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٢٤٢).\n(^٢) \"أوجز المسالك\" (٧/ ٤٧٧).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٤/ ٢٤٥ - ٢٤٦).\n(^٤) \"أوجز المسالك\" (٥/ ١٨٣ - ١٩٠).","vol":"3","page":534},{"text":"الأول: في لغته هل هو بالمد أو القصر؟ وأيضًا في مصداقه هل هو اليوم العاشر كما قال به الجمهور، أو اليوم التاسع أو الحادي عشر؟\nوالثاني: في وجه التسمية.\nوالثالث: في أعمال ذلك اليوم غير الصوم.\nوالرابع: هل كان صومه واجبًا في أول الإسلام أم لا؟\nوالخامس: في حكم صومه الآن.\nثم براعة الاختتام عند الحافظ في قوله: \"من لم يكن أكل فليصم\".\nوالأوجه عندي: أنها في يوم عاشوراء؛ فإنه يوم نجا الله موسى وأغرق فرعون، أو يقال: إنه يوم مذكر لشهادة الحسين رضي الله تعالى عنه.\n* * *","vol":"3","page":535},{"text":"٣١ -<span data-type='title' id=toc-1468> كتاب صلاة التراويح</span>\nكذا في نسخ الشروح الثلاثة: \"الفتح\" و\"العيني\" و\"القسطلاني\"، وليس في النسخ الهندية التي بأيدينا، بل فيها بعد البسملة \"باب فضل من قام. . .\" إلخ.\nقال الحافظ (^١): التراويح جمع ترويحة وهي المرة الواحدة من الراحة كتسليمة من السلام، سميت الصلاة في الجماعة في ليالي رمضان التراويح؛ لأنهم أول ما اجتمعوا عليها كانوا يستريحون بين كل تسليمتين، انتهى.\nوفي \"الأوجز\" (^٢): قال المجد في \"القاموس\": ترويحة شهر رمضان سميت بها لاستراحة بعد كل أربع ركعات، وقال ابن نجيم في \"البحر\": وهي في الأصل مصدر بمعنى الاستراحة، سميت به الأربع ركعات المخصوصة لاستلزامها استراحة بعدها كما هو السُّنَّة فيها، وبسط فيه من كتب الفروع إجماع أهل السُّنَّة على مشروعيتها خلافًا للروافض، وأيضًا الاختلاف في أنها سُنَّة مؤكدة أو تطوع، وأيضًا في أنها عشرون ركعة على الراجح عند الأئمة الأربعة، فارجع إليه.\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-1469> باب فضل من قام رمضان)</span>\nأي: قام لياليه مصليًا، والمراد من قيام الليل ما يحصل به مطلق القيام كما قدمناه في التهجد، وذكر النووي أن المراد بقيام رمضان صلاة التراويح، يعني: أنه يحصل بها المطلوب من القيام، لا أن قيام رمضان لا يكون إلا بها، وأغرب الكرماني فقال: اتفقوا على أن المراد بقيام رمضان صلاة التراويح، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٢٥٠).\n(^٢) \"أوجز المسالك\" (٢/ ٥١٤ - ٥١٦).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٤/ ٢٥١).","vol":"3","page":536},{"text":"وفي \"الأوجز\" (^١): قوله: \"ما جاء في قيام رمضان\" قال الباجي: يجب أن يكون صلاة تختص به، ولو كان شائعًا في جميع السنة لما اختص به ولا انتسب إليه، وفي \"الإقناع\": اتفقوا على أن التراويح هي المراد من قوله - ﷺ -: \"من قام رمضان\" الحديث، انتهى.\n* * *\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (٢/ ٥١٤).","vol":"3","page":537},{"text":"[٣٢ -<span data-type='title' id=toc-1470> كتاب فضل ليلة القدر]</span>\n(١ -<span data-type='title' id=toc-1471> باب فضل ليلة القدر، وقول الله تعالى. . . الآية)</span>\nوقال الحافظ (^١): مناسبة الآية بالترجمة من جهة أن نزول القرآن في زمان بعينه يقتضي فضل ذلك الزمان، واختلف في المراد بالقدر الذي أضيفت إليه الليلة فقيل: المراد به التعظيم كقوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١، والزمر: ٦٧]، وقيل: القدر هنا التضييق كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧]. ومعنى التضييق فيها إخفاؤها عن العلم بتعيينها، أو لأن الأرض تضيق فيها عن الملائكة، وقيل: القدر هنا بمعنى القدر بفتح الدال الذي هو مؤاخي القضاء، والمعنى أنه يقدر فيها أحاكم تلك السنة لقوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤] انتهى، مختصرًا من \"الفتح\".\nوذكر في \"الأوجز\" (^٢) في مبدأ ليلة القدر سبعة أبحاث لطيفة، منها: اختلافهم في وجه التسمية بليلة القدر، وقد تقدم عن \"الفتح\"، ومنها: اختصاصها هذه الليلة بهذه الأمة عند الجمهور، ومنها: اختلافهم في سبب هذه العطية الجليلة، ومنها: اختلافهم في تعيين هذه الليلة على أقوال كثيرة تبلغ إلى قريب من خمسين قولًا، ومختار أئمة الفقه والسلوك في تعيينها، ومنها: اختلافهم هل يحصل الثواب المرتب عليها لمن أحياها و[إن] لم يظهر له شيء؟ وغير ذلك، فارجع إليه.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٢٥٥).\n(^٢) \"أوجز المسالك\" (٥/ ٣٦٧ - ٣٧٩).","vol":"3","page":538},{"text":"(٢ -<span data-type='title' id=toc-1472> باب التمسوا ليلة القدر في السبع الأواخر)</span>\nوقال الحافظ (^١): هذه الترجمة والتي بعدها معقودتان لبيان ليلة القدر، وقد اختلف الناس فيها على مذاهب كثيرة، وتحصل لنا من مذاهبهم في ذلك أكثر من أربعين قولًا كما وقع لنا نظير ذلك في ساعة الجمعة، وقد اشركتا في إخفاء كل منهما ليقع الجد في طلبهما.\nثم ذكر الحافظ ستة وأربعين قولًا مع ذكر مستند لكل قول منها.\nثم قال: وهذا آخر ما وقفت عليه من الأقوال، وبعضها يمكن ردها إلى بعض وإن كان ظاهرها التغاير، انتهى.\nواختلف العلماء في مصداق قوله - ﷺ -: \"السبع الأواخر\" على خمسة أقوال بسطت في \"الأوجز\" (^٢).\nالأول: مبدؤه من ليلة أربع وعشرين على كون الشهر ثلاثين، وهو الأصل، وقيل: من ليلة ثلاث وعشرين على كون المحقق في الشهر تسعًا وعشرين، وقيل: المراد السبع الرابع فمبدؤه من ليلة الثانية وعشرين، وقيل: أراد السبع بعد العشرين فمبدؤه من الليلة الحادية والعشرين، وقيل: إن السبع إنما يذكر في ليالي الشهر ثلاث مرات في أول العدد، ثم في سبع عشرة، ثم في سبع وعشرين، فالمراد هذا الثالث، وجمع الأواخر باعتبار الجنس، انتهى ملخصًا.\nثم لا مناسبة على الظاهر لثاني حديث الباب بالترجمة، ولم يتعرض له الشرَّاح إلا ما قال القسطلاني (^٣): قوله: \"فالتمسوها في العشر الأواخر\" أي: في أوتار تلك الليالي لا ليلة أشفاعها، وهذا لا ينافي قوله: \"التمسوها في السبع الأواخر\"؛ لأنه - ﷺ - لم يحدث بميقاتها جازمًا به، انتهى، فتأمل.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٢٥٦ - ٢٦٦).\n(^٢) \"أوجز المسالك\" (٥/ ٣٩٨ - ٤٠٠).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (٤/ ٦٦٩).","vol":"3","page":539},{"text":"(٣ -<span data-type='title' id=toc-1473> باب تحري ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر)</span>\nقال الحافظ (^١): في هذه الترجمة إشارة إلى رجحان كون ليلة القدر منحصرة في رمضان، ثم في العشر الأخير، ثم في أوتاره لا في ليلة منه بعينها، وهذا هو الذي يدل عليه مجموع الأخبار الواردة فيها، وقال في موضع آخر (^٢): وهو أرجح الأقوال، وصار إليه أبو ثور والمزني وابن خزيمة وجماعة من علماء المذاهب، انتهى.\nقلت: وهو أرجح الأقوال عند الشافعي وأحمد، ففي \"الأوجز\" (^٣)، قال ابن قدامة: قال أحمد: هي في العشر الأواخر في وتر من الليالي لا تخطئ إن شاء الله، وفي \"شرح الإحياء\": قال المحاملي في \"التجريد\": مذهب الشافعي أنها تلتمس في جميع شهر رمضان وآكده العشر الأواخر، وآكده ليالي الوتر من العشر الأواخر، والمشهور من مذهب الشافعي اختصاصها بالعشر الأواخر، انتهى من \"الأوجز\" (^٤).\nقوله: (في تاسعة تبقى. . .) إلخ، اختلفوا في معناه أيضًا على خمسة أقوال، بسطت في \"الأوجز\" (^٥):\nأحدها: أن المراد بالتاسعة ليلة تسع وعشرين، وبالسابعة سبع وعشرين، فيكون المعنى: التمسوها في تاسعة تمضي من بعد العشرين، قال القاري: هذا هو الظاهر، ورجحه الحافظ أيضًا.\nوالثاني: أن \"تاسعة تبقى\" هي الليلة الثانية والعشرون، فإنها تاسعة من الأعداد الباقية، والرابعة والعشرون سابعة منها، وعلى هذا يكون معنى الحديث تاسعة من الليالي الباقية، والعداد يكون من الآخر على كون الشهر من الثلاثين، وتكون الليالي كلها أشفاعًا.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٢٦٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٤/ ٢٦٥).\n(^٣) \"أوجز المسالك\" (٥/ ٣٧٢).\n(^٤) \"أوجز المسالك\" (٥/ ٣٧٣).\n(^٥) \"أوجز المسالك\" (٥/ ٣٩٨ - ٤٠٠)","vol":"3","page":540},{"text":"والثالث: هو القول الثاني إلا أن العداد من تسع وعشرين لكونه متيقنًا، فعلى هذا تكون \"تاسعة تبقى\" هي ليلة إحدى وعشرين، وعلى هذا المعنى تكون الليالي كلها أوتارًا.\nوالرابع: ما اختاره ابن عبد البر أن المراد بالتاسعة ليلة إحدى وعشرين، وكذلك البواقي كالقول الثالث، إلا أن المعنى عنده تاسعة تبقى بعد الليلة التي تلتمس فيها، فعلى هذا يكون العداد من ثلاثين، وتكون الليالي كلها أوتارًا، وباعتبار المصداق هذا والذي قبله سواء، والاختلاف بينهما باعتبار معنى الحديث.\nوالخامس: ما يظهر من كلام العيني أن المراد بالتاسعة ليلة إحدى وعشرين على نقصان الشهر، والثانية والعشرين على تمامه، يعني عمومه يتناول الصورتين معًا، قال: وهذا دال على الانتقال من وتر إلى شفع، انتهى من هامش \"اللامع\" (^١).\n\n(٤ -<span data-type='title' id=toc-1474> باب رفع معرفة ليلة القدر. . .) إلخ</span>\nوقيَّد الرفع بمعرفة إشارة إلى أنها لم ترفع أصلًا ورأسًا، قال ابن المنيِّر: يستفاد هذا التقييد من قوله: \"التمسوها\" بعد إخبارهم بأنها رفعت، انتهى من \"الفتح\" (^٢) مختصرًا.\nقلت: وذكر الحافظ أقوالًا أخر في معنى الرفع سوى ما أشار إليه البخاري، والغرض من الباب الرد على من قال: إنها رفعت أصلًا ورأسًا كما حكي عن الروافض، وحكاه الفاكهاني في \"شرح العمدة\" عن الحنفية، قال الحافظ: وكأنه خطأ منه، والذي حكاه السروجي أنه قول الشيعة، وفي \"مصنف عبد الرزاق\": ذكر الحجاج ليلة القدر فكأنه أنكرها فأراد زر بن حبيش أن يحصبه فمنعه قومه، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٥/ ٤٠٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٤/ ٢٦٧ - ٢٦٨).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٤/ ٢٦٣).","vol":"3","page":541},{"text":"(٥ -<span data-type='title' id=toc-1475> باب العمل في العشر الأواخر من رمضان)</span>\nقال الحافظ (^١): قوله: \"شد مئزره\" أي: اعتزل النساء، وقال الخطابي: يحتمل أن يريد به الجد في العبادة كما يقال: شددت لهذا الأمر مئزري، أي: تشمرت له، ويحتمل أن يراد به التشمير والاعتزال معًا، قال القرطبي: ذهب بعضهم إلى أن اعتزاله النساء كان بالاعتكاف، وفيه نظر، لقوله فيه: \"وأيقظ أهله\" فإنه يشعر بأنه كان معهم في البيت، فلو كان معتكفًا لكان في المسجد ولم يكن معه أحد، وفيه نظر، فقد تقدم حديث \"اعتكفت مع النبي - ﷺ - امرأة من أزواجه\"، وعلى تقدير أنه لم يعتكف أحد منهن، فيحتمل أن يوقظهن من موضعه، وأن يوقظهن عند ما يدخل البيت لحاجته، انتهى من \"الفتح\" مختصرًا.\nثم براعة الاختتام أشار إليها الحافظ (^٢): بقوله: وفي الحديث الحرص على مداومة القيام في العشر الأخير إشارة إلى الحث على تجويد الخاتمة، ختم الله لنا بالخير آمين.\nقلت: وعندي البراعة في قوله: شد المئزر، فإن الإزار أحد أجزاء الكفن، أو في قوله: أيقظ أهله.\n* * *\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٢٦٩).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٤/ ٢٧٠).","vol":"3","page":542},{"text":"٣٣ -<span data-type='title' id=toc-1476> أبواب الاعتكاف</span>\nقال القسطلاني (^١): ولابن عساكر كتاب الاعتكاف بدل أبواب الاعتكاف.\nوقال الحافظ (^٢): الاعتكاف لغةً: لزوم الشيء وحبس النفس عليه، وشرعًا: المقام في المسجد من شخص مخصوص على صفة مخصوصة، وليس بواجب إجماعًا إلا على من نذره، وكذا من شرع فيه فقطعه عامدًا عند قوم، واختلف في اشتراط الصوم له كما سيأتي في باب مفرد، وانفرد سويد بن غفلة باشتراط الطهارة له، انتهى.\nقلت: وهو عندنا على ثلاثة أنواع، ففي \"الدر المختار\" (^٣): الاعتكاف واجب بالنذر، سُنَّة مؤكدة في العشر الأخير من رمضان، مستحب في غيره من الأزمنة، انتهى.\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-1477> باب الاعتكاف في العشر الأواخر. . .) إلخ</span>\nالترجمة مشتملة على جزئين كما هو ظاهر، الأول: اعتكاف العشر الأواخر من رمضان، والثاني: كونه في المساجد، والجزء الأول: أعني تخصيص الزمان ثابت بأحاديث الباب، والجزء الثاني: أعني تخصيصه بالمكان ثابت بالآية الشريفة.\nقال الحافظ (^٤): وجه الدلالة من الآية أنه لو صح في غير المسجد لم يختص تحريم المباشرة به؛ لأن الجماع مناف للاعتكاف بالإجماع، فعلم من ذكر المساجد أن المراد أن الاعتكاف لا يكون إلا فيها، انتهى.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٤/ ٦٨٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٤/ ٢٧١).\n(^٣) \"الدر المختار\" (١/ ١٥٥ - ١٥٦).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٤/ ٢٧١ - ٢٧٢).","vol":"3","page":543},{"text":"ولا يلزم أن يثبت مجموع الترجمة بكل ما في الباب بل لو دل البعض بحيث يعلم كل الترجمة من كل ما في الباب لكفاه، وهو الأصل الحادي والثلاثون، أي: الاستدلال بالمجموع على المجموع، وله نظائر في الكتاب كما بسط في الجزء الأول في بيان الأصول.\nوأما الكلام على الترجمة من حيث الفقه فإنهم متفقون على سُنِّية الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان.\nقال الحافظ: قال أبو داود عن أحمد: لا أعلم عن أحد من العلماء خلافًا أنه مسنون.\nقال الحافظ: وأما قول ابن نافع عن مالك: فكرت في الاعتكاف وترك الصحابة له مع شدة اتباعهم للأثر فوقع في نفسي أنه كالوصال، وأراهم تركوه لشدته، ولم يبلغني عن أحد من السلف أنه اعتكف إلا عن أبي بكر بن عبد الرحمن، انتهى. فكأنه أراد صفة مخصوصة. وإلا فقد حكيناه عن غير واحد من الصحابة، ومن كلام مالك أخذ بعض أصحابه أن الاعتكاف جائز، وأنكر ذلك عليهم ابن العربي، وقال: إنه سُنَّة مؤكدة، وكذا قال ابن بطال: في مواظبة النبي - ﷺ - ما يدل على تأكده، انتهى.\nوأما الجزء الثاني من الترجمة فقد قال الحافظ: اتفق العلماء على مشروطية المسجد للاعتكاف، إلا محمد بن لبابة المالكي فأجازه في كل مكان، وأجاز الحنفية للمرأة أن تعتكف في مسجد بيتها، وهو المكان المعد للصلاة فيه، وفيه قول للشافعي قديم، وفي وجه لأصحابه وللمالكية يجوز للرجال والنساء؛ لأن التطوع في البيوت أفضل، وذهب أبو حنيفة وأحمد إلى اختصاصه بالمساجد التي تقام فيها الصلوات، وخصه أبو يوسف بالواجب منه، وأما النفل ففي كل مسجد، وقال الجمهور بعمومه في كل مسجد إلا لمن تلزمه الجمعة فاستحب له الشافعي في الجامع، وشرطه مالك؛ لأن الاعتكاف عندهما ينقطع بالجمعة ويجب بالشروع عند مالك، وخصه طائفة من السلف كالزهري بالجامع مطلقًا، وخصه حذيفة بن اليمان","vol":"3","page":544},{"text":"بالمساجد الثلاثة، وعطاء بمسجد مكة والمدينة، وابن المسيب بمسجد المدينة، واتفقوا على أنه لا حدّ لأكثره، واختلفوا في أقله، انتهى مختصرًا.\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-1478> باب الحائض ترجل المعتكف)</span>\nوقال الحافظ (^١): أي تمشطه وتدهنه، ثم قال: وفي الحديث استخدام الرجل امرأته برضاها، وفي إخراجه رأسه دلالة على اشتراط المسجد للاعتكاف، وعلى أن من أخرج بعض بدنه من مكان حلف أن لا يخرج منه لم يحنث حتى يخرج رجليه ويعتمد عليهما، انتهى.\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-1479> باب المعتكف لا يدخل البيت إلا لحاجة)</span>\nكأن المصنف أطلق على وفق الحديث، ثم قال بعد ذكر الحديث: زاد مسلم \"إلا لحاجة الإنسان\" وفسَّرها الزهري بالبول والغائط، وقد اتفقوا على استثنائهما، واختلفوا في غيرهما من الحاجات كالأكل والشرب، وفي رواية عند أبي داود عن عائشة قالت: \"السُّنَّة على المعتكف أن لا يعود مريضًا ولا يشهد جنازة\" الحديث، وروي عن النخعي والحسن البصري: إن شهد المعتكف جنازة أو عاد مريضًا أو خرج للجمعة بطل اعتكافه، وبه قال الكوفيون وابن المنذر في الجمعة، وقال الشافعي وإسحاق: إن شرط شيئًا من ذلك في ابتداء اعتكافه لم يبطل اعتكافه بفعله، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\nقلت: وبجواز الاشتراط عند ابتداء الاعتكاف قال أحمد، وأنكره الإمام مالك صرح به في \"موطئه\"، ولم أجده في عامة فروع الحنفية، بل فيها ما يومئ إلى خلافه إلا ما حكى صاحب \"الدر المختار\" وغيره: لو شرط وقت النذر أن يخرج لعيادة مريض وصلاة جنازة [وحضور مجلس علم] جاز ذلك، إلى آخر ما بسط في \"الأوجز\" (^٣).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٢٧٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٤/ ٢٧٣).\n(^٣) \"أوجز المسالك\" (٥/ ٤٤١).","vol":"3","page":545},{"text":"(٤ -<span data-type='title' id=toc-1480> باب غسل المعتكف)</span>\nقال القسطلاني (^١): أي: جوازه، قال البرماوي كالكرماني: غسل بفتح الغين لا بضمها، انتهى. نعم ثبت الرفع في رواية أبي ذر كما في اليونينية وغيرها، انتهى.\nقال العلامة العيني (^٢): يعني يجوز، ولم يذكر الحكم اكتفاء بما في الحديث، انتهى.\n\n(٥ -<span data-type='title' id=toc-1481> باب الاعتكاف ليلًا)</span>\nغرض الترجمة يحتمل عندي وجوهًا، منها: أن يقال: إنه رد على من قال: أقل الاعتكاف عشر كما حكاه ابن القاسم عن مالك، ومنها: ما اختلف فيه أهل الأصول أن من نذر اعتكاف ليلة هل يدخل فيه النهار أيضًا أم لا؟ ومنها - وهو الأوجه عندي -: أن الغرض الإشارة إلى أنه هل يجوز الاعتكاف من غير صيام أم لا؟ لأن الليل ليس ظرفًا للصوم، والمسألة خلافية يجوز عند الشافعية والحنابلة، ولا يجوز عند الحنفية والمالكية، وسيأتي قريبًا بعد أبواب \"باب من لم ير على المعتكف صومًا\"، وذكر فيه حديث الباب، ولا يشكل عليه بالتكرار لما أشار إليه الحافظ (^٣) بقوله: وترجمة هذا الباب مستلزمة للثانية؛ لأن الاعتكاف إذا ساغ ليلًا بغير نهار استلزم صحته بغير صيام من غير عكس، انتهى.\n\n(٦ -<span data-type='title' id=toc-1482> باب اعتكاف النساء)</span>\nقال الحافظ (^٤): أي: ما حكمه؟ وقد أطلق الشافعي كراهته لهن في المسجد الذي تصلى فيه الجماعة، واحتج بحديث الباب، وقال ابن عبد البر: لولا أن ابن عيينة زاد في الحديث أنهن استأذنّ النبي - ﷺ - في الاعتكاف\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٤/ ٦٨٤).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٨/ ٢٧٣).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٤/ ٢٧٥).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٤/ ٢٧٥).","vol":"3","page":546},{"text":"لقطعت بأن اعتكاف المرأة في مسجد الجماعة غير جائز، وشرط الحنفية لصحة اعتكاف المرأة أن تكون في مسجد بيتها، وفي رواية لهم أن لها الاعتكاف في المسجد مع زوجها، وبه قال أحمد، انتهى.\nقوله: (فيصلي الصبح ثم يدخله) قال الحافظ (^١): واستدل بهذا على أن مبدأ الاعتكاف من أول النهار، وهو قول الأوزاعي والليث والثوري، وقال الأئمة الأربعة: يدخل قبيل غروب الشمس، وأولوا الحديث على أنه دخل من أول الليل، ولكن إنما تخلى بنفسه في المكان الذي أعده لنفسه بعد صلاة الصبح، انتهى.\nقلت: وهذا التوجيه ذكره النووي (^٢) وغيره أيضًا، لكن ردَّه العلامة السندي (^٣) مبسوطًا، وأوله بأن المراد صبيحة عشرين اهتمامًا للاعتكاف، انتهى.\nوبسط الكلام على المسألة في \"الأوجز\" (^٤) وفيه: استدل به من قال: يدخل بعد الصبح وهو أحد قولي أحمد، انتهى.\nوكذا بسط الكلام على الحديث شيخنا ومولانا خليل أحمد المهاجر المدني في \"بذل المجهود\" (^٥).\n\n(٧ -<span data-type='title' id=toc-1483> باب الأخبية في المسجد)</span>\nقال الحافظ (^٦): ذكر فيه الحديث الماضي في الباب قبله مختصرًا، وتقدم مباحثه في الباب الذي قبله، انتهى.\nوقال هناك: وفي الحديث جواز ضرب الأخبية في المسجد، وأن الأفضل للنساء أن لا يعتكفن في المسجد، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٢٧٥ - ٢٧٧).\n(^٢) \"شرح صحيح مسلم\" (٤/ ٣٢٦).\n(^٣) \"حاشية السندي\" (١/ ٣٤٥).\n(^٤) \"أوجز المسالك\" (٥/ ٤٣٤).\n(^٥) \"بذل المجهود\" (٨/ ٦٩٢ - ٦٩٤).\n(^٦) \"فتح الباري\" (٤/ ٢٧٧ - ٢٧٨).","vol":"3","page":547},{"text":"وهل يجوز اعتكاف المرأة في المسجد؟ فقد تقدم في الباب الذي قبله.\n\n(٨ -<span data-type='title' id=toc-1484> باب هل يخرج المعتكف لحوائجه إلى باب المسجد</span>؟)\nأورد هذه الترجمة على الاستفهام لاحتمال القضية ما ترجم له، لكن تقييده ذلك بباب المسجد مما لا يتأتى فيه الخلاف حتى يتوقف عن بت الحكم فيه، وإنما الخلاف في الاشتغال في المسجد بغير العبادة، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nقال العيني (^٢): ولم يذكر جواب الاستفهام اكتفاءً بما في الحديث، انتهى.\n\n(٩ -<span data-type='title' id=toc-1485> باب الاعتكاف وخروج النبي - ﷺ - صبيحة عشرين)</span>\nكأنه أراد بالترجمة تأويل ما وقع في حديث مالك من قوله: \"فلما كانت ليلة إحدى وعشرين وهي الليلة التي يخرج من اعتكافه صبيحتها\" وقد تقدم توجيه ذلك، وأن المراد بقوله: \"صبيحتها\" الصبيحة التي قبلها، قال ابن بطال: هو مثل قوله تعالى: ﴿لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النازعات: ٤٦]، فأضاف الضحى إلى العشية وهو قبلها، وكل شيء متصل بشيء فهو مضاف إليه سواء كان قبله أو بعده، انتهى (^٣).\nقلت: وحديث مالك الذي أشار إليه الحافظ تقدم في \"باب الاعتكاف في العشر الأواخر\".\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٤) هناك: قوله: \"وهي الليلة التي يخرج من صبيحتها. . .\" إلخ، لعله أراد بذلك أنه كان يكون خارجًا في تلك الصبيحة لا أنه ينشئ الخروج فيها؛ لأن الخروج إنما هو ليلة إحدى\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٢٧٨).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٨/ ٢٧٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٤/ ٢٨١).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٥/ ٤٠٨).","vol":"3","page":548},{"text":"وعشرين لا بعد انقضائها والدخول في يوم أحد وعشرين، وكذلك يجب التأويل في قوله: \"حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين\" بأنه أراد بها قربها ودنوها لا دخولها، إذ لو كانت الليل قد دخلت قبل الخطبة وكانت الخطبة والأمر بالرجوع في الليلة لزم أن لا يتم اعتكاف العشر الأواخر بابتدائه من ليلة إحدى وعشرين، فيدخل المعتكف معتكفه قبل دخول الليلة لا بعده، انتهى.\nوبسط الكلام عليه في هامشه من كلام الشرَّاح.\nولا يخفى عليك أن ههنا إشكالين:\nالأول: تعارض الروايات في وقت خطبته - ﷺ - هل كانت في ليلة إحدى وعشرين كما في رواية مالك أو في صبيحة عشرين كما في رواية الباب؟ ويمكن أن يجاب عنه بأن في هذه الرواية إجمالًا، وليس المراد من قوله: \"فخطبنا\" البعدية المتصلة، بل هي للتراخي كما يوضحه الرواية الأخرى، أخرجها في \"باب تحري ليلة القدر\" فإن الحديث واحد والقصة واحدة.\nوالإشكال الثاني: في خروجه - ﷺ - صبيحة عشرين؛ لأن الظاهر أنه - ﷺ - اعتكف الليالي مع الأيام، فحينئذ لا بد له من الخروج بعد الغروب، والجواب عنه بوجهين:\nأحدهما: أنه محمول على أنه أراد اعتكاف الليالي دون الأيام.\nوثانيهما: أنه محمول على نقل أثقالهم، كذا يستفاد من الشروح، وهذا غاية الإيضاح لهذا المقام، فتشكر.\n\n(١٠ -<span data-type='title' id=toc-1486> باب اعتكاف المستحاضة)</span>\nكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^١): إنما احتيج إلى ضبط هذا\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٥/ ٤٢٠).","vol":"3","page":549},{"text":"الباب لما أن ظاهره عدم الجواز، لما في اعتكافها من احتمال تلويث المسجد، ولذلك نهى عن اللحم يدخل به في المسجد، وقيل: \"جنبوا مساجدكم الصبيان والمجانين\"، وحاصل الدفع: أنه لا بأس في اعتكافها فيه إذا لم يخف عليها فتنة، وحصل الأمن من التلويث بنوع معالجة، انتهى.\nوفي هامشه: تقدم هذا الباب في \"كتاب الحيض\"، وتقدم هناك شيء من الكلام عليه، انتهى.\n\n(١١ -<span data-type='title' id=toc-1487> باب زيارة المرأة زوجها في اعتكافه)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): دفع بذلك ما يظن من عدم جواز زيارتها إياه كعكسه، لما أن المعتكف قد منع عن الجماع ودواعيه، وهذا مما يفضي إليه في الجملة، وحاصل الدفع: أن الحرمة متعلقة بالجماع وما يفضي إليه، وليس من لوازم الزيارة الإفضاء إلى الجماع، نعم إذا غلب على الظن أنها تفضي إليه تحرم، انتهى.\n\n(١٢ -<span data-type='title' id=toc-1488> باب هل يدرأ المعتكف عن نفسه</span>؟)\nقال الحافظ (^٢): أي يدفع، وقوله: (عن نفسه) أي: بالقول والفعل، وقد دلَّ الحديث على الدفع بالقول فيلحق به الفعل، وليس المعتكف بأشد في ذلك من المصلي، انتهى.\nقلت: الظاهر أن الغرض إثبات الدفع وإن لم يحتج إلى ذلك؛ لأن حالة الاعتكاف وكون الجماع ممنوعًا وإن كان كافيًا للدفع، لكن الأحسن أن يدفع كما فعل ﵊، وفي \"القسطلاني\" (^٣): قال الإمام الشافعي: إن قوله ﵊ ذلك تعليم لنا إذا حدّثنا محارمنا أو نساءنا على الطريق أن نقول: هي محرمي، حتى لا نتهم، انتهى.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٥/ ٤٢٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٤/ ٢٨٢).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (٤/ ٦٩٥).","vol":"3","page":550},{"text":"(١٣ -<span data-type='title' id=toc-1489> باب من خرج من اعتكافه عند الصبح)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): ظاهره أنه لم يشترك تمام اليوم إلى ليلة الخروج كما هو عند الجمهور، بل جوّز الخروج في الصبح نظرًا إلى ظاهر ما ورد في الحديث، وقد عرفت المراد به فيما تقدم في مبدأ أبواب الاعتكاف، انتهى.\nقلت: ويحتمل أن المصنف أشار بهذه الترجمة إلى أن المعتكف لو خرج من معتكفه المخصوص وأرسل حوائجه وأثقاله إلى البيت قبل تمام الاعتكاف؛ فلا بأس به.\nوقال الحافظ (^٢): هو محمول على أنه أراد اعتكاف الليالي فقط دون الأيام، وسبيل من أراد ذلك أن يدخل قبيل غروب الشمس ويخرج بعد طلوع الفجر، فإن أراد اعتكاف الأيام خاصةً فيدخل مع طلوع الفجر ويخرج بعد غروب الشمس، فإن أراد اعتكاف الأيام والليالي معًا فيدخل قبل غروب الشمس ويخرج بعد غروب الشمس أيضًا، وقد وقع في حديث الباب \"فلما كان صبيحة عشرين نقلنا متاعنا\" وهو مشعر بأنهم اعتكفوا الليالي دون الأيام، وحمله المهلب على نقل أثقالهم وما يحتاجون إليه من آلة الأكل والشرب والنوم، إذ لا حاجة لهم بها في ذلك اليوم، فإذا كان المساء خرجوا خفافًا، انتهى.\nقلت: وما أفاده الحافظ من أنه أراد اعتكاف الليالي دون الأيام ليس بوجيه عندي؛ لأن هذا المعنى تقدم قريبًا في ترجمة مستقلة، وهي \"باب الاعتكاف ليلًا\" اللَّهم إلا أن يقال: إن الغرض مما سبق صحة اعتكاف الليل فقط دون النهار، وهو جائز عند الشافعي وأحمد، ولا يجوز عند المالكية والحنفية، والمقصود ههنا بيان وقت الخروج لمن اعتكف ليلًا، انتهى من هامش \"اللامع\" (^٣).\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٥/ ٤٢١ - ٤٢٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٤/ ٢٨٣).\n(^٣) \"اللامع\" (٥/ ٤٢٢).","vol":"3","page":551},{"text":"(١٤ -<span data-type='title' id=toc-1490> باب الاعتكاف في شوّال)</span>\nقال الحافظ (^١): ذكر فيه حديث عمرة عن عائشة، وقد تقدم في \"باب اعتكاف النساء\"، وقال الحافظ هناك (^٢): قيل: في اعتكافه في شوال دليل على أن النوافل المعتادة إذا فاتت تقضى استحبابًا، واستدل به المالكية على وجوب قضاء العمل لمن شرع فيه ثم أبطله، ولا دلالة فيه لما سيأتي، إلى آخر ما بسط فيه الحافظ من استنباط المسائل، انتهى.\nقلت: وترجم الإمام مالك في \"موطئه\" بقضاء الاعتكاف، وذكر فيه حديث الباب، وبسط الكلام على المسألة في \"الأوجز\" (^٣) وفيه: قال الموفق: إن نوى اعتكاف مدة لم تلزمه، فإن شرع فيها فله إتمامها، وله الخروج منها متى شاء، وبهذا قال الشافعي، وقال مالك: تلزمه بالنية مع الدخول فيه، فإن قطعه لزمه قضاؤه، وقال ابن عبد البر: لا يختلف في ذلك الفقهاء، ويلزمه القضاء عند جميع العلماء، قال: وإن لم يدخل فيه فالقضاء مستحب، ومن العلماء من أوجبه وإن لم يدخل فيه، واحتج بما روي عن عائشة، فذكر حديث الأخبية، ثم تعقَّب الموفق على قول ابن عبد البر وحكاية الإجماع بخلاف الشافعي وغيره، انتهى.\nوفي \"الهداية\" (^٤) بعد نقل اختلاف الروايات في اشتراط الصوم للاعتكاف وعدمه: ولو شرع فيه ثم قطعه لا يلزمه القضاء في رواية الأصل؛ لأنه غير مقدر، فلم يكن القطع إبطالًا، وفي رواية الحسن - أي: رواية اشتراط الصوم - يلزمه؛ لأنه مقدر باليوم كالصوم، انتهى.\nوبسط الكلام عليه في \"الدر المختار\" (^٥) كما في \"الأوجز\" (^٦) وفيه: ولما كان مقدرًا بالعشر، فينبغي أن يجب القضاء إذا أفسد، ثم على أصل\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٢٨٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٤/ ٢٧٦ - ٢٧٧).\n(^٣) \"أوجز المسالك\" (٥/ ٤٥٧ - ٤٥٨).\n(^٤) \"الهداية\" (١/ ١٢٩).\n(^٥) \"الدر المختار\" (١/ ١٥٧).\n(^٦) \"أوجز المسالك\" (٥/ ٤٥٩).","vol":"3","page":552},{"text":"أبي يوسف ينبغي قضاء ما بقي من العشر كما لو نذر العشر يلزمه كله متتابعةً، ولو أفسد بعضه قضى باقيه، وعلى أصلهما يقضي قضاء يوم أفسده لاستقلال كل يوم بنفسه، انتهى مختصرًا.\n\n(١٥ -<span data-type='title' id=toc-1491> باب من لم ير على المعتكف صومًا)</span>\nقال الحافظ (^١): وباشتراط الصيام قال ابن عباس وابن عمر وغيرهما، وبه قال مالك والحنفية، واختلف عن أحمد وإسحاق، واحتج عياض بأنه - ﷺ - لم يعتكف إلا بصوم، وفيه نظر، لاعتكافه - ﷺ - في شوال، إلى آخر ما في \"الفتح\".\nقلت: وتحقيق المذاهب ما بسط في \"الأوجز\" من أن الصوم شرط للاعتكاف مطلقًا عند الإمام مالك، النفل والواجب فيه سواء، حتى أن من لا يصوم بعذر لا يصح اعتكافه، ولا يشترط مطلقًا في المشهور عند أحمد، وعنه رواية الاشتراط، والقول القديم للشافعي أنه شرط للمنذور، ومختار فروعه أنه ليس بشرط، وعندنا الحنفية شرط للمنذور روايةً واحدةً، ولا يشترط في النفل في ظاهر الرواية، ويشترط في رواية الحسن، وأما اعتكاف السُّنَّة فرجح ابن عابدين الاشتراط، وابن نجيم عدمه، والمتون ساكتة عنه، انتهى ملخصًا من \"الأوجز\" (^٢).\n\n(١٦ -<span data-type='title' id=toc-1492> باب إذا نذر في الجاهلية أن يعتكف ثم أسلم)</span>\nأي: هل يلزمه الوفاء بذلك أم لا؟ والمسألة خلافية، فعند الحنابلة نذر الجاهلية صحيح خلافًا للأئمة الثلاثة، فالأمر بالإيفاء محمول على الاستحباب عند الجمهور، وعلى الوجوب عند أحمد، كذا يستفاد من الشروح (^٣).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٢٧٥).\n(^٢) \"أوجز المسالك\" (٥/ ٤٤٨ - ٤٤٩).\n(^٣) انظر: \"فتح الباري\" (٤/ ٢٨٤)، و\"عمدة القاري\" (١٥/ ٧٤١ - ٧٤٢).","vol":"3","page":553},{"text":"(١٧ -<span data-type='title' id=toc-1493> باب الاعتكاف في العشر الأوسط. . .) إلخ</span>\nقال الحافظان ابن حجر والعيني (^١): كأنه أشار بذلك إلى أن الاعتكاف لا يختص بالعشر الأخير وإن كان الاعتكاف فيه أفضل، انتهى.\n\n(١٨ -<span data-type='title' id=toc-1494> باب من أراد أن يعتكف ثم بدا له أن يخرج)</span>\nقال الحافظ (^٢): أورد فيه حديث عائشة وقد تقدمت مباحثه، وفيه إشارة إلى الجزم بأنه لم يدخل في الاعتكاف ثم خرج منه، بل تركه قبل الدخول فيه، وهو ظاهر السياق خلافًا لمن خالف فيه، انتهى.\nكذا قال الحافظ ههنا، وقال في \"باب اعتكاف النساء\" تحت حديث الباب (^٣): وفيه جواز الخروج من الاعتكاف بعد الدخول فيه، وأنه لا يلزمه بالنية ولا بالشروع فيه، ويستنبط منه سائر التطوعات خلافًا لمن قال باللزوم، وفيه أن أول الوقت الذي يدخل فيه المعتكف بعد صلاة الصبح، وهو قول الأوزاعي وغيره، وقال الأئمة الأربعة: يدخل قبيل غروب الشمس، وأوَّلوا الحديث على أنه دخل من أول الليل، ولكن إنما تخلى بنفسه في المكان الذي أعده لنفسه بعد صلاة الصبح، وهذا الجواب يشكل على من منع الخروج من العبادة بعد الدخول فيها، وأجاب عن هذا الحديث بأنه - ﷺ - لم يدخل المعتكف ولا شرع في الاعتكاف، وإنما همّ به ثم عرض له المانع المذكور فتركه، فعلى هذا فاللازم أحد الأمرين: إما أن يكون شرع في الاعتكاف فيدل على جواز الخروج منه، وإما أن لا يكون شرع فيدل على أن أول وقته بعد صلاة الصبح، انتهى.\nقلت: وترجمة المصنف هذه صريحة في أنه ﵊ لم يشرع في الاعتكاف إلى الصبح، فلعل الإمام البخاري اختار في هذه المسألة مذهب الأوزاعي.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٢٨٥)، و\"عمدة القاري\" (٨/ ٢٨٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٤/ ٢٨٦).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٤/ ٢٧٧).","vol":"3","page":554},{"text":"(١٩ -<span data-type='title' id=toc-1495> باب المعتكف يدخل رأسه البيت للغسل)</span>\nأورد فيه حديث عائشة، وقد تقدم الكلام عليه في أوائل الاعتكاف، قاله الحافظ (^١).\nقلت: وغرض المصنف من الترجمة أن الخروج لا يتحقق بإخراج بعض البدن حتى يخرج رجليه ويعتمد عليهما، ثم الظاهر عندي أن الإمام البخاري لم يذكر هذا الباب إلا للتنبيه على براعة الاختتام، وهي عند الحافظ في قوله: \"ما أنا بمعتكف فرجع\"، وعند هذا العبد الضعيف بلفظ \"البيت\" كما تقدم في المقدمة، فإن البيت يطلق على القبر كما في حديث أبي ذر مرفوعًا: \"كيف أنت إذا أصاب الناس موت يكون البيت فيه بالوصيف؟ \" وترجم عليه أبو داود (^٢) \"باب في قطع النباش\"، وإدخال المعتكف رأسه بالبيت أشبه بإدخال الميت في القبر مع أن المعتكف منقطع عن الدنيا مجاور في بيت الله كالميت لا يستطيع الخروج عن القبر.\n* * *\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٢٨٦).\n(^٢) \"سنن أبي داود\" (٤٤٠٩).","vol":"3","page":555},{"text":"٣٤ -<span data-type='title' id=toc-1496> كتاب البيوع</span>\nولما فرغ البخاري عن بيان العبادات المقصود منها التحصيل الأخروي، شرع في بيان المعاملات المقصود منها التحصيل الدنيوي، فقدّم العبادات لاهتمامها، ثم ثنى بالمعاملات لأنها ضرورية، وأخَّر النكاح لأن شهوته متأخرة عن الأكل والشرب، وأخَّر الجنايات والمخاصمات؛ لأن وقوع ذلك في الغالب إنما هو بعد الفراغ من شهوة البطن والفرج، وأغرب ابن بطال فذكر هنا الجهاد، وأخَّر البيع إلى أن فرغ من الأيمان والنذور، قال صاحب \"التوضيح\" (^١): ولا أدري لم فعل ذلك؟.\nقلت: لعله نظر إلى أن الجهاد أيضًا من العبادات المقصود منها التحصيل الأخروي؛ لأن جلّ المقصود ذلك لأن فيه إعلاء كلمة الله تعالى وإظهار الدين ونشر الإسلام، وبعض أصحابنا قدَّم النكاح على البيوع في مصنفاتهم نظرًا إلى أنه مشتمل على المصالح الدينية والدنياوية، ألا ترى أنه أفضل من التخلي بالنوافل؟ وبعضهم قدم البيوع على النكاح نظرًا إلى أن احتياج الناس إلى البيع أكثر من احتياجهم إلى النكاح، فكان أهم بالتقديم انتهى من \"العيني\" (^٢).\nقلت: وعامة الأحناف من الفقهاء والمحدثين يقدمون النكاح على البيع وغيره من المعاملات كما فعل الإمام الطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" والإمام محمد في \"الموطأ\" وكذا صاحب \"البدائع\" والإمام السرخسي في \"المبسوط\" وصاحب \"الهداية\" و\"شرح الوقاية\" و\"الدر المختار\" وغيرهم، والظاهر أن هذا اختلافهم في حكم النكاح، فعند\n_________\n(^١) \"التوضيح\" (١٤/ ١٣).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٨/ ٢٩١).","vol":"3","page":556},{"text":"الجمهور من المندوبات أي في حال الاعتدال، وعند الشافعي كما في \"البدائع\" (^١) أنه مباح كالبيع والشراء وبسط الكلام على حكمه الموفق (^٢)، فقال: الناس في النكاح على ثلاثة أضرب، إلى أن قال: الثاني: من يستحب له، وهو من له شهوة يأمن معها الوقوع في محظور، فهذا الاشتغال به أولى من التخلي لنوافل العبادة، وهو قول أصحاب الرأي، وقال الشافعي: التخلي لعبادة الله أفضل؛ لأن الله تعالى مدح يحيى - ﵇ - بقوله: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ [آل عمران: ٣٩] فكان الاشتغال بالعبادة أفضل منه كالبيع، ثم بسط الموفق في دلائل الجمهور.\nوفي \"الأوجز\" (^٣): البيوع جمع بيع، وجمع لاختلاف أنواعه، فهو المطلق إن كان بيع العين بالثمن، والمقايضة إن كان عينًا بعين، والسلم إن كان بيع الدين بالعين، والصرف إن كان بيع الثمن بالثمن، والمرابحة إن كان بالثمن مع زيادة، والتولية إن لم يكن مع زيادة، والوضيعة إن كان بالنقصان، واللازم إن كان تامًا، وغير لازم إن كان بالخيار، وأيضًا الصحيح، والباطل، والفاسد، والمكروه، قاله العلَّامة العيني (^٤).\nوقوله: (﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ الآية [البقرة: ٢٧٥]) قال الحافظ (^٥): كذا للأكثر ولم يذكر النسفي ولا أبو ذر الآيتين، والآية الأولى أصل في جواز البيع، وللعلماء فيها أقوال: أصحها أنه عام مخصوص، فإن اللفظ لفظ عموم يتنادل كل بيع فيقتضي إباحة الجميع، لكن قد منع الشارع بيوعًا أخرى وحرمها فهو عام في الإباحة، مخصوص بما لا يدل الدليل على منعه، ثم ذكر الحافظ أقوالًا أخر، وقال: والآية الأخرى تدل على إباحة التجارة في البيوع الحالة وأولها في البيوع المؤجلة، انتهى.\n_________\n(^١) \"بدائع الصنائع\" (٢/ ٤٨٢ - ٤٨٥).\n(^٢) \"المغني\" (٩/ ٣٤١ - ٣٤٤).\n(^٣) \"أوجز المسالك\" (١٢/ ٢٨٢).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (٨/ ٢٩١).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٤/ ٢٨٧).","vol":"3","page":557},{"text":"(١ -<span data-type='title' id=toc-1497> باب ما جاء في قول الله - ﷿ -: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ﴾ الآية [الجمعة:</span> ١٠])\nقال الحافظ (^١): والآية الأولى يؤخذ منها مشروعية البيع من طريق عموم ابتغاء الفضل لأنه يشمل التجارة وأنواع التكسب، ثم قال: والذي يظهر أن مراد البخاري بهذه الترجمة قوله: ﴿وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠]، وأما ذكر التجارة فيها فقد أفرده بترجمة تأتي بعد ثمانية أبواب، انتهى.\nقلت: ويحتمل عندي أن غرض الترجمة إثبات جواز البيع.\nقوله: (فما نسيت من مقالته تلك) ظاهره عدم النسيان من هذه المقالة، وما تقدم في \"كتاب العلم\" من قوله: \"فما نسيت شيئًا بعد\" يفيد عدم النسيان مطلقًا لكل شيء من الحديث وغيره، بسط الكلام عليه في \"اللامع\" وهامشه فارجع إليه لو شئت (^٢).\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-1498> باب الحلال بيِّن، والحرام بيِّن. . .) إلخ</span>\nوقال الحافظ (^٣): ذكر فيه حديث النعمان بن بشير بلفظ الترجمة وزيادة، ثم قال بعد الكلام على شرح الحديث: وقد توارد أكثر الأئمة المخرجين له على إيراده في \"كتاب البيوع\" لأن الشبهة في المعاملات تقع فيها كثيرًا، وله تعلق أيضًا بالنكاح وبالصيد والذبائح والأطعمة والأشربة وغير ذلك مما لا يخفى، انتهى.\nويشكل على حديث الباب ما أخرجه أبو داود عن ابن عباس وفيه: \"فما أحل فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو\" فإن المرتبة الثالثة وهي التي بين الحلال والحرام مما يستبرأ عنه في رواية البخاري ومعفوٌ عنه في رواية أبي داود، ويمكن الجمع بينهما بوجهين:\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٢٨٨ - ٢٨٩).\n(^٢) انظر: \"لامع الدراري\" (٦/ ٣ - ٥).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٤/ ٣٩١).","vol":"3","page":558},{"text":"الأول أن يقال: إن ما في \"البخاري\" مرتبة الورع، وما في أبي داود مرتبة الجواز.\nوالثاني - وهو الأوجه - أن يقال: إن ما بين الحلال والحرام نوعان:\nالأول: المشتبه، وهو ما تعارض فيه الأدلة وحكمه الاستبراء، وهو محمل رواية البخاري.\nوالنوع الثاني: المسكوت عنه، وهو مصداق رواية أبي داود وحكمه الإباحة، فقد قال ابن عابدين: قال أكثر أصحابنا وأكثر أصحاب الشافعي: إن الأشياء التي يجوز أن يرد الشرع بإباحتها وحرمتها قبل وروده على الإباحة وهي الأصل فيها، انتهى من هامش \"اللامع\" (^١).\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-1499> باب تفسير المشبهات)</span>\nقال الحافظ (^٢): لما تقدم في حديث النعمان \"إن الشبهات لا يعلمها كثير من الناس\" واقتضى ذلك أن بعض الناس يعلمها، أراد المصنف أن يعرف الطريق إلى معرفتها لتجتنب، فذكر أولًا ما يضبطها، ثم أورد أحاديث يؤخذ منها مراتب ما يجب اجتنابه منها، ثم ثنَّى بباب فيه بيان ما يستحب منها، ثم ثلَّث بباب فيه بيان ما يكره، ثم ذكر الحافظ شرح المشبّهات، وبسط الكلام عليه الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٣) فأجاد فارجع إليه لو شئت.\nوقال الموفق (^٤): المشكوك فيه على ثلاثة أضرب:\nما أصله الحظر كالذبيحة في بلد فيها مجوس ومسلم، فلا يجوز شراؤها، والأصل فيه حديث عدي بن حاتم في الكلاب.\nوالثاني: ما أصله الإباحة كالماء يجده متغيرًا لا يعلم بنجاسته،\n_________\n(^١) هامش \"اللامع\" (٦/ ٦ - ٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٤/ ٢٩٢).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٦/ ٧ - ١٠).\n(^٤) \"المغني\" (٦/ ٣٧٣ - ٣٧٤).","vol":"3","page":559},{"text":"والأصل فيه حديث عبد الله بن زيد \"شكا الرجل يخيل إليه في الصلاة\".\nوالثالث: ما لا يعرف له أصل كرجل في ماله حلال وحرام، فهذا هو الشبهة التي أولى تركها عملًا بما روي عنه ﵊ أنه وجد تمرة ساقطة، إلى آخر ما قال.\nثم في الحديث الأول شهادة المرضعة الواحدة، والمسألة خلافية شهيرة؛ وهي كافية عند الإمام أحمد، ولا تقبل فيها إلا شهادة امرأتين عند مالك، وعند الشافعي لا تقبل إلا شهادة أربع نسوة، وأما عند الإمام أبي حنيفة فلا تقبل شهادتهن منفردات على الرضاع بل لا بد لها من رجل وامرأتين، وعلى هذا فحديث الإرضاع مبني على الورع عند الأئمة الثلاثة بخلاف الإمام أحمد، فإن حرمة الرضاع ثبتت عنده بهذا الحديث.\n\n(٤ -<span data-type='title' id=toc-1500> باب يُتَنَزَّهُ من الشبهات)</span>\nقال الحافظ (^١): بضم أوله، أي: يجتنب، وللكشميهني \"يكره\" بدل \"يتنزه\"، انتهى. وقد تقدم في الباب السابق مقصود الترجمة.\n\n(٥ -<span data-type='title' id=toc-1501> باب من لم ير الوساوس ونحوها من الشبهات)</span>\nقال الحافظ (^٢): هذه الترجمة معقودة لبيان ما يكره من التنطع في الورع، قال الغزالي: الورع أقسام: ورع الصديقين وهو ترك ما لا يتناول بغير نيَّة القوة على العبادة، وورع المتقين وهو ترك ما لا شبهة فيه ولكن يخشى أن يجر إلى الحرام، وورع الصالحين وهو ترك ما يتطرق إليه احتمال التحريم بشرط أن يكون لذلك الاحتمال موقع، فإن لم يكن فهو ورع الموسوسين، قال: ووراء ذلك ورع الشهود وهو ترك ما يسقط الشهادة، أي: أعم من أن يكون ذلك المتروك حرامًا أم لا؟، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٢٩٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٤/ ٢٩٥).","vol":"3","page":560},{"text":"وغرض المصنف هنا بيان ورع الموسوسين كمن يمتنع من أكل الصيد خشية أن يكون الصيد كان لإنسان ثم أفلت منه، انتهى.\n\n(٦ -<span data-type='title' id=toc-1502> باب قول الله: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا﴾ [الجمعة:</span> ١١])\nأشار بذلك الترجمة إلى أن التجارة وإن كانت ممدوحةً باعتبار كونها من المكاسب الحلال، فإنها قد تذم إذا قدمت على ما يجب تقديمه عليها، انتهى من \"الفتح\" (^١). وهكذا قال العيني (^٢)، وهو الأوجه، ويحتمل عندي: أن يقال: إن المصنف بعد بيان أنواع الشبهة المتقدمة أراد بيان الشبهة العارضة يعني قد يكون الشيء حلالًا في نفسه لكنه يشتبه لعارض.\n\n(٧ -<span data-type='title' id=toc-1503> باب من لم يبال من حيث كسب المال)</span>\nفي هذه الترجمة إشارة إلى ذم ترك التحري في المكاسب، قاله الحافظ (^٣).\n\n(٨ -<span data-type='title' id=toc-1504> باب التجارة في البزّ وغيره. . .) إلخ</span>\nلم يقع في رواية الأكثر قوله: \"وغيره\" واختلف في ضبط \"البز\" فالأكثر على أنه بالزاي، وليس في الحديث ما يدل عليه بخصوصه بل بطريق عموم المكاسب المباحة، وصوَّب ابن عساكر أنه بالراء، وهو أليق بمؤاخاة الترجمة التي بعد هذه بباب وهو \"التجارة في البحر\" وعند ابن بطال وغيره بضم الموحدة وبالراء، وقد أخطأ من زعم أنه بالراء تصحيف إذ ليس في الآية ولا الحديث ولا الأثر الآتي أوردها في الباب ما يرجح أحد اللفظين، انتهى (^٤).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٢٩٦).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٨/ ٣١١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٤/ ٢٩٦).\n(^٤) انظر: \"فتح الباري\" (٤/ ٢٩٧).","vol":"3","page":561},{"text":"وحمله العلامة السندي (^١) على مقابل البحر إذ قال: بفتح وتشديد: مقابل البحر، وذكر فيه قوله تعالى: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ﴾ [النور: ٣٧] لما أنه قبل ذلك ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور: ٣٦] وهي المساجد، والتسبيح فيها يكون في البر لا البحر، وذكر فيه حديث الصرف؛ إذ هو بيع يكون عادة في البر وقلَّ من يركب لأجله البحر، انتهى.\nقوله: (﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ﴾) إلخ، قال الحافظ (^٢): أي: وتفسير ذلك، وقد روي عن ابن عباس أن المعنى لا تلهيهم عن الصلاة المكتوبة، وتمسك به قوم في مدح ترك التجارة وليس بواضح، انتهى.\nقلت: وعلى هذا فيمكن أن يكون الغرض الرد على هذا المتمسك، وأما على نسخة \"البز\" بالزاي فيمكن أن يكون الغرض التنبيه على إثبات الجواز ردًا لما ورد في بعض الروايات \"أينما خونة الله؟ فيؤتى بالنحاسين والصيارفة والحاكة\" كما في \"نهاية الأرب\" (^٣).\n\n(٩ -<span data-type='title' id=toc-1505> باب الخروج في التجارة وقول الله تعالى: ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ الآية [الجمعة:</span> ١٠])\nقال ابن المنيِّر: غرض البخاري إجازة الحركات في التجارة ولو كانت بعيدة، خلافًا لمن يتنطع ولا يحضر السوق، كما يأتي في مكانه، انتهى من \"الفتح\" (^٤).\n\n(١٠ -<span data-type='title' id=toc-1506> باب التجارة في البحر)</span>\nأي: إباحة ركوب البحر للتجارة، وفي بعض النسخ \"وغيره\" فإن ثبت قوي قول من قرأ \"البر\" فيما سبق بباب بضم أوله أو بالزاي، انتهى (^٥).\n_________\n(^١) \"حاشية السندي على صحيح البخاري\" (٢/ ٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٤/ ٢٩٧).\n(^٣) انظر: \"كنز العمال\" (٤/ ٣٩) (رقم ٩٣٩٨).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٤/ ٢٩٨).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٤/ ٢٩٩).","vol":"3","page":562},{"text":"قلت: وعندي غرض المصنف بظاهره الرد على ما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص عند أبي داود (^١) \"لا يركب البحر إلا حاج أو غاز\" فإن الحديث ضعيف.\n\n(١١ -<span data-type='title' id=toc-1507> باب قول الله: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا﴾ الآية [الجمعة:</span> ١١])\nقال الحافظ (^٢): كذا وقع جميع ذلك معادًا في رواية المستملي، وسقط لغيره إلا النسفي، فإنه ذكرها ههنا وحذفها مما مضى، وكذا وقع مكررًا في نسخة الصغاني، وهذا يؤيد ما تقدم من النقل عن أبي ذر الهروي أن أصل البخاري كان عند الفربري وكانت فيه إلحاقات في الهوامش وغيرها، وكان من ينسخ الكتاب يضع الملحق في الموضع الذي يظنه لائقًا به، فمن ثم وقع الاختلاف في التقديم والتأخير، ويزاد هنا أن بعضهم احتاط فكتب الملحق في الموضعين فنشأ عنه التكرار، وقد تكلف بعض الشرَّاح في توجيهه بأن قال: ذكر الآية هنا لمنطوقها وهو الذم، وذكرها هناك لمفهومها وهو تخصيص وقتها بحالة غير المتلبسين بالصلاة وسماع الخطبة، انتهى.\nقلت: والظاهر عندي كما يظهر من تمام ما ذكر ههنا أن المذكور أولًا كان التنبيه على الاجتناب للعوارض مطلقًا، وههنا التنبيه على تقديم حق الله تعالى، وتقدم بحث تكرار الترجمة في الأصل الثاني والعشرين من أصول التراجم المتقدمة في الجزء الأول من هذا الكتاب.\n\n(١٢ -<span data-type='title' id=toc-1508> باب قول الله تعالى: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة:</span> ٢٦٧])\nقال الحافظ (^٣): أي تفسيره، وحكى ابن بطال أنه وقع في الأصل:\n_________\n(^١) \"سنن أبي داود\" (ح: ٢٤٨٩).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٤/ ٣٠٠).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٤/ ٣٠١).","vol":"3","page":563},{"text":"\"كلوا\" بدل \"أنفقوا\" وقال: إنه غلط، وحكي عن مجاهد أنه قال في تفسيرها: إن المراد بها التجارة، انتهى.\nقلت: وما يظهر عندي من النظر على هذه التراجم أن المصنف ذكر قبل ذلك الذم على من لا يقدم حق الله تعالى، ثم ذكر ههنا الإنفاق في سبيل الله مما كسب، وذكر بعد ذلك في الترجمة الآتية وسعة الرزق.\nقوله: (كان لها أجرها) وفي الرواية الآتية \"فلها نصف أجره\" واختلفوا في وجه الجمع بينهما كما في الشروح (^١).\nوالأوجه عندي: أن الأول محمول على الإنفاق من مال أعطاها الزوج وملكها إياها، والثاني محمول على الإنفاق من مال لم يملكها إياها بل أعطاها للصرف في البيت، ويؤيده تغاير سياق الحديثين، أو يقال: إن الأول محمول على الطعام وهو يكون في تصرفها، والثاني على غير الطعام فيكون مشتركًا بين الزوجين تصرفًا.\n\n(١٣ -<span data-type='title' id=toc-1509> من أحب البسط في الرزق)</span>\nأي: التوسع فيه، وجواب \"من\" محذوف تقديره ما في الحديث، وهو \"فليصل رحمه\"، ويستفاد منه جواز هذه المحبة خلافًا لمن كرهها مطلقًا، انتهى (^٢).\nوفي \"الأنوار لأعمال الأبرار\": يستحب ترك التبسط في الحلال بلا حاجة، انتهى.\nقلت: فلا ينافي هذا حديث \"اللهم اجعل رزق آل محمد قوتًا\" (^٣).\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (٤/ ٣٠١)، و\"عمدة القاري\" (٨/ ٣٢١)، و\"إرشاد الساري\" (٥/ ٣٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٤/ ٣٠١).\n(^٣) \"صحيح مسلم\" (ح: ١٠٥٥).","vol":"3","page":564},{"text":"(١٤ -<span data-type='title' id=toc-1510> باب شراء النبي - ﷺ - بالنسيئة)</span>\nقال ابن بطال: الشراء بالنسيئة جائز بالإجماع.\nقال الحافظ (^١): لعل المصنف تخيل أن أحدًا يتخيل أنه - ﷺ - لا يشتري بالنسيئة لأنها دين، فأراد دفع ذلك التخيل، انتهى.\nقلت: هذا ليس بتخيل محض بل هو نص رواية أبي داود (^٢) عن ابن عباس قال: اشترى النبي - ﷺ - من عير تبيعًا وليس عنده ثمنه، فأربح فيه فباعه، فتصدق بالربح على أرامل بني عبد المطلب، وقال: \"لا أشتري بعدها شيئًا إلا وعندي ثمنه\".\nفالأوجه عندي: أن الإمام البخاري لمح إلى هذا الحديث، وسيأتي في \"كتاب الاستقراض\" \"باب من اشترى بالدين. . .\" إلخ.\nقال الحافظ (^٣) في شرحه: كأنه يشير إلى ضعف ما جاء، ثم ذكر الحديث المذكور، وقال: تفرد به شريك عن سماك، واختلف في وصله وإرساله، انتهى.\nوالأوجه عندي: أن هذه الترجمة المذكورة ههنا أجدر بالتلميح إلى حديث أبي داود بتقييد هذه الترجمة بشرائه - ﷺ -، وأما الترجمة الآتية في \"كتاب الاستقراض\" فهو لبيان جواز الشراء بالدين، وأورد الإمام البخاري في هذه الترجمة حديث عائشة - ﵂ -؛ لأن حديثها كان في آخر حياته - ﷺ -، فلا يمكن أن يقال: إن حديث أبي داود مؤخر عن قصة الرهن.\nقال الحافظ: ووقع في آخر المغازي \"توفي رسول الله - ﷺ - ودرعه مرهونة\". . .، إلى آخر ما في هامش \"اللامع\" (^٤).\nقوله: (ولقد سمعته يقول. . .) إلخ، اختلف الشرَّاح في تعيين القائل وبسط الكلام عليه في هامش \"اللامع\" (^٥).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٣٠٢).\n(^٢) \"سنن أبي داود\" (ح: ٣٣٤٤).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٥/ ٥٣).\n(^٤) \"اللامع\" (٦/ ١٦).\n(^٥) \"اللامع\" (٦/ ١٧ - ١٩).","vol":"3","page":565},{"text":"(١٥ -<span data-type='title' id=toc-1511> باب كسب الرجل وعمله بيده)</span>\nقال الحافظ: قد اختلف العلماء في أفضل المكاسب، قال الماوردي: أصول المكاسب الزراعة والتجارة والصنعة، والأشبه بمذهب الشافعي أن أطيبها التجارة، قال: والأرجح عندي أن أطيبها الزراعة؛ لأنها أقرب إلى التوكل، وتعقبه النووي بحديث المقدام الذي في هذا الباب، وأن الصواب أن أطيب الكسب ما كان بعمل اليد، قال: فإن كان زراعًا فهو أطيب المكاسب لما يشتمل عليه من كونه عمل اليد، ولما فيه من التوكل، ولما فيه من النفع العام للآدمي وللدواب؛ ولأنه لا بد فيه في العادة أن يؤكل منه بغير عوض.\nقال الحافظ: وفوق ذلك من عمل اليد ما يكتسب من أموال الكفار بالجهاد وهو مكسب النبي - ﷺ - وأصحابه وهو أشرف المكاسب لما فيه من إعلاء كلمة الله وخذلان كلمة أعدائه والنفع الأخروي، قال: ومن لم يعمل بيده فالزراعة في حقه أفضل لما ذكرنا.\nقال الحافظ: والحق أن ذلك مختلف المراتب، وقد يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوفي \"الأنوار\" في فقه الشافعية: وأطيبها التجارة عند الشافعي؛ لأن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يكتسبون بها، انتهى.\nقال العيني (^٢) في \"باب فضل الزرع والغرس\" من \"كتاب المزارعة\": واستدل بحديث الباب بعضهم على أن الزراعة أفضل المكاسب، واختلف فيه فقال النووي: أفضلها الزراعة، وقيل: الكسب باليد، وهي الصنعة، وقيل: التجارة، وأكثر الأحاديث تدل على أفضلية الكسب باليد، وروى الحاكم في \"المستدرك\" من حديث أبي بردة قال: سئل رسول الله - ﷺ -: أي الكسب أطيب؟ قال: \"عمل الرجل بيده وكل بيع مبرور\" وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، إلى آخر ما قال.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٣٠٠٤).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٩/ ٥).","vol":"3","page":566},{"text":"قلت: وظاهر الترجمة الإشارة إلى ترجيح الحرفة، وبه صرح العيني والقسطلاني (^١).\nوالأوجه عندي: أن غرض المصنف الإشارة إلى المكاسب كلها، فالأنواع الثلاثة المذكورة ثابتة في روايات الباب، فالتجارة في الحديث الأول لأنها كانت حرفة الصديق - ﵁ -، وأما الزراعة فيستفاد من ثاني أحاديث الباب بلفظ \"كانوا أعمال أنفسهم\" وكانت حرفة الأنصار الزراعة، وأما الصنعة فيستفاد من الحديث الثالث من عمل داود - ﵇ -، والنوع الرابع الإجارة، وهو ثابت من حديث أبي هريرة \"لأن يحتطب أحدكم\" الحديث، وأما عدهم الجهاد من المكاسب فليس بواضح عندي، بل الظاهر أن الجهاد ليس بكسب، نعم فيه حصول مال لكن العمل فيه ليس لأجل تحصيله، وإلا فللحصول أسباب أخر، كالتصدق، والهبة، والميراث، اللهم إلا أن يقال: إن للحاصل في الجهاد دخلًا للعمل بخلاف الإرث وغيره، فإنه لا دخل فيها للعمل، وعلى هذا فيمكن إدخال الجهاد في المكاسب، وعندي أن الصنعة ليست من الأصول بل هي داخلة عندي في التجارة، فأصول المكاسب عندي ثلاثة: التجارة، والزراعة، والإجارة، وتقدم في كلام الحافظ الاختلاف في التفصيل بينها، وفي \"البحر الرائق\": أفضل الكسب بعد الجهاد التجارة، ثم الحراثة، ثم الصناعة، انتهى.\nوبسط الكلام عليه في هامش \"اللامع\" (^٢) في مبدأ أبواب الحرث والمزارعة.\n\n(١٦ -<span data-type='title' id=toc-1512> باب السهولة والسماحة في الشراء والبيع. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٣): يحتمل أن يكون من باب اللف والنشر مرتبًا أو غير مرتب، ويحتمل كل منهما لكل منهما، إذ السهولة والسماحة متقاربان في\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٥/ ٣٦).\n(^٢) \"اللامع\" (٦/ ٣٣٢ - ٣٣٣).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٤/ ٣٠٧).","vol":"3","page":567},{"text":"المعنى فعطف أحدهما على الآخر من التأكيد اللفظي، وهو ظاهر حديث الباب، والمراد بالسماحة ترك المضاجرة ونحوها لا المكايسة في ذلك، انتهى.\nقلت: وقول الحافظ: متقاربان في المعنى، قال القسطلاني (^١): تعقبه العيني بأنهما متغايران في أصل الوضع، فلا يصح أن يقال من التأكيد اللفظي؛ لأن التأكيد اللفظي أن يكون المؤكد والمؤكد لفظًا واحدًا من مادة واحدة كما عرف في موضعه، انتهى.\n\n(١٧ -<span data-type='title' id=toc-1513> باب من أنظر موسرًا)</span>\nقال الحافظ (^٢): أي فضل من فعل ذلك وحكمه، وقد اختلف العلماء في حد الموسر فقيل: من عنده مؤنته ومؤنة من تلزمه نفقته، وقال الثوري وأحمد وإسحاق: من عنده خمسون درهمًا أو قيمتها من الذهب فهو موسر، وقال الشافعي: قد يكون الشخص بالدرهم غنيًا مع كسبه، وقد يكون بالألف فقيرًا مع ضعفه في نفسه وكثرة عياله، وقيل: الموسر والمعسر يرجعان إلى العرف؟ فمن كان حاله بالنسبة إلى مثله يعد يسارًا فهو موسر وعكسه، وهذا هو المعتمد، وما قبله إنما هو في حد من تجوز له المسألة والأخذ من الصدقة، انتهى.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): والظاهر أن المراد بالموسر ههنا القادر على أداء ما عليه من الدين، وإنظاره أن يداينه حتى يأتي بالثمن من بيته، والتجاوز عنه أن يقبل منه رديئه وزيفه، وإنظار المعسر إمهاله حتى يفتح الله عليه بشيء، والتجاوز عنه أن يعفي عنه الثمن ويبرأ عنه، انتهى.\nقلت: وهذا الذي أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه أوجه عندي مما قاله الحافظ وغيره، ولا يبعد عند هذا العبد الضعيف أن الإمام البخاري نبَّه بالترجمة\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٥/ ٤٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٤/ ٣٠٧ - ٣٠٨).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٦/ ١٩ - ٢٠).","vol":"3","page":568},{"text":"على أن في إنظار الموسر أيضًا أجرًا دفعًا لما يتوهم أن تأخير الموسر في الأداء داخل في مطل الغني وهو ظلم، فإنظاره إعانة على ظلمه، فكيف الأجر عليه (^١)؟.\n\n(١٨ -<span data-type='title' id=toc-1514> باب من أنظر معسرًا)</span>\nقال القسطلاني (^٢): وهو الذي لم يجد وفاء، انتهى.\nسكت الشرَّاح عن غرض الترجمة، ولا يبعد عندي أن يقال: لما كان المعسر عاجزًا عن الأداء فاللائق بحاله التجاوز والإبراء، وليس له كبير نفع في مجرد الإنظار، فأشار المصنف بالترجمة إلى دفع هذا التوهم، وذلك لأن في الإنظار تخفيفًا وإن كان أدنى بالنسبة إلى العفو والإبراء.\nوقال الحافظ (^٣) في مطابقة الحديث بالترجمة: قوله: \"تجاوزوا عنه\" ويدخل في لفظ التجاوز الإنظار والوضيعة وحسن التقاضي، انتهى.\n\n(١٩ -<span data-type='title' id=toc-1515> باب إذا بيَّن البيعان ولم يكتما. . .) إلخ</span>\nبفتح الموحدة وتشديد التحتانية، أي: البائع والمشتري، أي: إذا أظهر البائع والمشتري ما في المبيع من العيب، وجواب \"إذا\" محذوف، أي: بورك لهما فيه، أو نحو ذلك، ولم يذكره البخاري اكتفاء بما في الحديث، انتهى من \"الفتح\" (^٤) و\"العيني\" (^٥).\nقوله: (هذا ما اشترى محمد رسول الله من العداء. . .) إلخ، اعلم أن تعليق البخاري هذا يخالف رواية الترمذي وغيره.\nوقال الحافظ (^٦): هكذا وقع هذا التعليق، وقد وصل الحديث الترمذي والنسائي وغيرهما، فاتفقوا كلهم على أن البائع النبي - ﷺ - والمشتري العداء\n_________\n(^١) انظر: \"اللامع\" (٦/ ١٩ - ٢٠).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٥/ ٤٣).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٤/ ٣٠٩).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٤/ ٣١٠).\n(^٥) \"عمدة القاري\" (٨/ ٣٣٧).\n(^٦) \"فتح الباري\" (٤/ ٣١٠).","vol":"3","page":569},{"text":"عكس ما ههنا، فقيل: الذي وقع ههنا مقلوب، وقيل: هو صواب، وهو من الرواية بالمعنى؛ لأن اشترى وباع بمعنى واحد، انتهى.\nونحوه في \"القسطلاني\" (^١) وزاد: وحمله في \"المصابيح\" على تعدد الواقعة وحينئذٍ فلا تعارض، وأجاد الشيخ قُدِّس سرُّه الكلام على ذلك في \"الكوكب الدري\" (^٢) إذ قال: قوله: \"اشترى\" لعل البيع كان بيع مقايضة فيصح على كل من المتعاقدين إطلاق البائع والمشتري، وسبب ذلك التكلف أن العلماء يتفقون على أن النبي - ﷺ - لم يبع بعد الهجرة شيئًا، والمراد به البيع بأحد النقدين، وأما مبادلة العروض فكان جاريًا ولا يلزم فيه شيء، وما قيل: إن \"اشترى\" ههنا بمعنى \"باع\" فلا يناسبه كتابة الشروط وكون الصك مع العداء، فإنه لو كان كذلك لكان الكاتب هو العداء لأنه البائع حينئذٍ، ولكان النبي - ﷺ - صاحب صك، وكان عنده لا عداء، انتهى.\n\n(٢٠ -<span data-type='title' id=toc-1516> باب بيع الخلط من التمر)</span>\nالخلط بكسر المعجمة التمر المجتمع من الأنواع المتفرقة، و\"الجمع\" بفتح الجيم وسكون الميم: فسر بالخلط، وقيل: هو كل لون من النخيل لا يعرف اسمه، والغالب في مثل ذلك أن يكون رديئه أكثر من جيده، وفائدة هذه الترجمة رفع توهم من يتوهم أن مثل هذا لا يجوز بيعه لاختلاط جيده برديئه؛ لأن هذا الخلط لا يقدح في البيع لأنه متميز ظاهر فلا يعد ذلك عيبًا، بخلاف ما لو خلط في أوعية يرى جيدها ويخفى رديئها، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\nقلت: فكأن هذه الترجمة بمنزلة الاستثناء من الترجمة السابقة وهي \"باب إذا بين البيعان. . .\" إلخ، والمعنى أن الخلط إذا كان ظاهرًا بمرأى من المشتري لا حاجة إلى بيان ما فيه من الجيد والرديء، ثم لا تعلق لهذه\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٥/ ٤٤).\n(^٢) \"الكوكب الدري\" (٢/ ٢٨١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٤/ ٣١١ - ٣١٢).","vol":"3","page":570},{"text":"الترجمة بالربا يعني بيع الصاع بالصاعين كما يوهمه كلام العيني (^١)، فإن ابتداء أبواب الربا عندي من الباب الذي بعد بابين.\n\n(٢١ -<span data-type='title' id=toc-1517> باب ما قيل في اللَّحَّام والجزَّار)</span>\nقال الحافظ (^٢): كذا وقعت هذه الترجمة ههنا، وفي رواية ابن السكن بعد خمسة أبواب، وهو أليق لتتوالى تراجم الصناعات، انتهى.\nوقال العيني (^٣) بعد ذكر قول الحافظ: قلت: توالي التراجم إنما هو أمر مهم، والبخاري لا يتوقف غالبًا في رعاية التناسب بين الأبواب، انتهى.\nوقال السندي (^٤): قوله: \"باب ما قيل. . .\" إلخ، أي: هل لكسبهما أصل بأن كانا وقت النبي - ﷺ - وقررهما على ذلك أو هو من الأمور الحادثة؟، انتهى.\nقلت: ولعل غرض المصنف الرد على من قال بكراهة هذه الحرفة، كما ذكره في \"الأنوار لأعمال الأبرار\" وفيه: كسب المكناس والذبال والدباغ والقصاب والخاتن مكروه، انتهى.\nوقد أخرج أبو داود من حديث عمر: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"إني وهبت لخالتي غلامًا وأنا أرجو أن يبارك لها فيه، فقلت لها: لا تسلميه حجامًا ولا صائغًا ولا قصابًا\" وذلك لأن الحديث ضعيف؛ لأن في سنده أبا ماجدة وهو مجهول كما في \"التقريب\"، وقال المنذري: في طرقه محمد بن إسحاق وقد تقدم الكلام عليه، انتهى.\nوالأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن الإمام البخاري لم يذكر هذه\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٨/ ٣٤٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٤/ ٣١٢).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٨/ ٣٤٣).\n(^٤) \"حاشية السندي على صحيح البخاري\" (٢/ ٧).","vol":"3","page":571},{"text":"الترجمة ههنا من حيث الصناعة، حتى يقال: إنه ذكرها في غير محلها، بل هذه الترجمة نظير لبيع الخلط من التمر، وكأن المصنف أشار بذلك إلى جواز بيع اللحوم مع العظام دفعًا لما يتوهم أن من يبيع اللحم لا يجوز له أن يدخل العظام في الوزن؛ لأن اللحم مع العظام كالخلط من التمر، بل في هذه الترجمة ترقٍّ من الترجمة الأولى؛ لأن رديء التمر هو من جنس التمر الأعلى، والعصب والعظم ليسا من جنس اللحم ومع ذلك يباعان مع اللحم، وما يظهر من كلام الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" أن الغرض من الترجمة بيان جواز بيع اللحم مع تلبسه بالدم، انتهى من هامش \"اللامع\" (^١).\nثم الترجمة مشتملة على جزئين: اللحام والجزّار، والمذكور في الحديث واحد منهما، أي: الجزّار، فإن القصاب هو الجزّار كما قال الشرَّاح، وحاصل ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" أن إثبات الجزاء الثاني من الترجمة بطريق المقايسة.\nوقال العلامة العيني (^٢): مطابقته للترجمة في قوله: \"لغلام له قصاب\"، قال القرطبي: اللحام هو الجزار، والقصاب على قياس قولهم: عطار وتمار للذي يبيع ذلك، فهذا كما رأيت جعل اللحام والجزار والقصاب بمعنى واحد، وعلى هذا تحصل المطابقة بين الترجمة والحديث، انتهى.\nثم ذكر العيني الفرق بين هذه الثلاثة بحسب العرف.\n\n(٢٢ -<span data-type='title' id=toc-1518> باب ما يمحق الكذب والكتمان في البيع)</span>\nأي: من البركة، ذكر فيه حديث حكيم بن حزام المذكور قبل بابين وهو واضح فيما ترجم له، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\n_________\n(^١) \"اللامع\" (٦/ ٢٥).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٨/ ٣٤٤).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٤/ ٣١٢).","vol":"3","page":572},{"text":"(٢٣ -<span data-type='title' id=toc-1519> باب قول الله - ﷿ -: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية [آل عمران:</span> ١٣])\nهكذا للنسفي، وساق غيره فيه حديث أبي هريرة الماضي في \"باب من لم يبال من حيث كسب\" بإسناده ومتنه، وهو بعيد من عادة البخاري ولا سيما مع قرب العهد، ولعله أشار بالترجمة إلى ما أخرجه النسائي من وجه آخر عن أبي هريرة مرفوعًا \"يأتي على الناس زمان يأكلون الربا، فمن لم يأكله أصابه من غباره\"، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nقلت: وعلى نسخة النسفي يمكن أن يجاب عن عدم ذكر الحديث أنه بمنزلة الكتاب لأبواب الربا، فالمصنف بدأ من ههنا أبواب الربا، فلا حاجة إلى الحديث.\n\n(٢٤ -<span data-type='title' id=toc-1520> باب آكل الرِّبا وشاهده. . .) إلخ</span>\nأي: بيان حكمهم، والتقدير: باب إثم أو ذم. . . إلخ، ثم ساق البخاري في الباب حديثين: حديث عائشة، وحديث سمرة، قال ابن التين: وليس فيهما ذكر لكاتب الربا وشاهده، وأجيب بأنه ذكرهما على سبيل الإلحاق لإعانتهما للآكل على ذلك، وأيضًا فقد تضمن حديث عائشة نزول آخر البقرة ومن جملة ما فيه قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وفيه: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وفيه: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فأمر بالكتابة والإشهاد في البيع الذي أحله، فأفهم النهي عن الكتابة والإشهاد في الربا الذي حرمه، ولعل البخاري أشار إلى ما ورد في حديث مسلم وغيره عن جابر \"لعن رسول الله - ﷺ - آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه\"، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٣١٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٤/ ٣١٤).","vol":"3","page":573},{"text":"(٢٥ -<span data-type='title' id=toc-1521> باب مؤكل الربا)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): ودلالة الآية عليه من حيث إن مؤكل الربا معين على ما يفعله الآكل من عدم الترك المأمور به في الآية، انتهى.\nوفي هامشه: أجاد الشيخ قُدِّس سرُّه في وجه الاستدلال، وسكت عنه الشرَّاح، وأجاد بعض أحبتي الأذكياء حيث قال: إنه لا يبعد من جودة طبع الإمام البخاري أنه استدل بعموم قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٨] فإن الأمر بالترك كما يدل على ترك الآخذ يتناول المعطي أيضًا، أي: يترك أداء ما بقي عليه من الربا، ومن الأصول المطردة للبخاري الاستدلال بالعموم وبكل المحتمل، انتهى.\n\n(٢٦ -<span data-type='title' id=toc-1522> باب ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾ الآية [البقرة:</span> ٢٧٦])\nقال ابن المنيِّر: مناسبة حديث الباب للترجمة أنه كالتفسير للآية؛ لأن الربا الزيادة، والمحق النقص، فقال: كيف تجتمع الزيادة والنقص؟ فأوضح الحديث أن الحلف الكاذب وإن زاد في المال فإنه يمحق البركة فكذلك قوله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾، أي: يمحق البركة من البيع الذي فيه الربا، انتهى مختصرًا من \"الفتح\" (^٢).\n\n(٢٧ -<span data-type='title' id=toc-1523> باب ما يكره من الحلف في البيع. . .) إلخ</span>\nأي: مطلقًا، فإن كان كذبًا فهي كراهة تحريم، وإن كان صدقًا فكراهة تنزيه، وفي السنن من حديث قيس بن أبي غرزة مرفوعًا: \"يا معشر التجار إن البيع يحضره اللغو والحلف فشوِّبوه بالصدقة\"، وقال الحافظ تحت حديث الباب: وقد تعقب بأن السبب المذكور في الحديث خاص والترجمة عامة لكن العموم مستفاد من قوله في الآية: ﴿وَأَيْمَانِهِمْ﴾، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٦/ ٢٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٤/ ٣١٦).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٤/ ٣١٦).","vol":"3","page":574},{"text":"(٢٨ -<span data-type='title' id=toc-1524> باب ما قيل في الصوّاغ. . .) إلخ</span>\nقال ابن المنيِّر: فائدة هذه الترجمة وما بعدها التنبيه على أن ذلك كان في زمنه - ﷺ - وأقره مع العلم بهم فيكون كالنص على جوازه وما عداه يؤخذ بالقياس.\nقال الحافظ تحت حديث الباب: والغرض منه قوله: \"واعدت رجلًا صواغًا\" وقد قدمنا أنهم رهط من اليهود، فيؤخذ منه جواز معاملة الصائغ ولو كان غير مسلم، ويؤخذ منه أنه لا يلزم من دخول الفساد في صنعة أن تترك معاملة صاحبها ولو تعاطاها أراذل الناس مثلًا، ولعل المصنف أشار إلى حديث \"أكذب الناس الصباغون والصوّاغون\" وهو حديث مضطرب الإسناد أخرجه أحمد وغيره، انتهى (^١).\nوتقدم شيء من الكلام في \"باب اللحام والجزار\" وفي \"الأنوار لأعمال الأبرار\": كره جماعة كسب الصواغ، انتهى. وفي هامشه: كذا في \"الروضة\"، قال الرافعي: لأنهم كثيرًا ما يخلقون الوعد ويقعون في الربا لبيعهم المصوغ بأكثر من وزنه، قال الإسنوي: وهو وجه مرجوح إذ الأصح في الشهادات أن الصائغ ليس من أهل الحرف الدنيئة، وقد صححو أن الحائك منهم فهو دون الصائغ، وقد صححه أن لا كراهة في الحياكة، فلزم أن لا كراهة في الصياغة، إلى آخر ما ذكره، فالأوجه أن الإمام البخاري أشار إلى تلك الروايات بقوله في الترجمة: ما قيل، انتهى من هامش \"اللامع\" (^٢).\nفائدة: بسط العلامة الدميري في \"حياة الحيوان\" (^٣) أسماء أصحاب الحرف من الصحابة والتابعين والعلماء المشهورين، فقال: كان عمرو بن العاص جزارًا وكذلك الزبير بن العوام، وكان أبو بكر - ﵁ - بزّارًا، وكذلك\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٣١٧).\n(^٢) \"اللامع\" (٦/ ٢٨).\n(^٣) \"حياة الحيوان\" (١/ ٢٤٣).","vol":"3","page":575},{"text":"عثمان وطلحة وعبد الرحمن بن عوف، وكان عمر دلّالًا ﵃ أجمعين، إلى آخر ما بسط.\n\n(٢٩ -<span data-type='title' id=toc-1525> باب ذكر القين والحدّاد)</span>\nقال الحافظ (^١): قال ابن دريد: أصل القين الحدّاد ثم صار كل صائغ عند العرب قينًا، فقال الزجاج: القين الذي يصلح الأسنة، والقين أيضًا الحدّاد، وكأن البخاري اعتمد القول الصائر إلى التغاير بينهما، وليس في الحديث الذي أورده في الباب إلا ذكر القين، وكأنه ألحق الحدّاد به في الترجمة لاشتراكهما في الحكم، انتهى.\nوتعقب عليه العلامة العيني (^٢) فقال: لا يحتاج إلى هذا التكلف، والوجه أن القين يطلق على معان كثيرة: يطلق على العبد والأمة، فعطف الحدّاد على القين ليعلم أن مراده من القين هو الحدّاد، انتهى.\nوتبعه القسطلاني (^٣) وجعل العطف تفسيريًا، وقد عرفت فيما سبق أن غرض المصنف بهذه التراجم بيان جواز هذه الحرف، ولا يبعد عندي أن الإمام البخاري أشار بالترجمة إلى ما سيأتي قريبًا في \"باب العطار\": \"مثل الجليس السوء كمثل كير الحدّاد يحرق بيتك. . .\" إلخ فهذا يوهم قباحة حرفة الحدّاد، وأيضًا أخرج أبو داود \"أن رجلًا جاء إلى النبي - ﷺ - وعليه خاتم من حديد فقال: ما لي أرى عليك حلية أهل النار\" (^٤) الحديث، وهذا أيضًا يوهم أن الحدّاد صائغ لحلية أهل النار فنبَّه الإمام البخاري بالترجمة والحديث على كونها من حرف بعض الصحابة ﵃ أجمعين.\nقوله: (كنت قينًا في الجاهلية) إنما استدل بفعله في الجاهلية لأنه لو كان حرامًا لما طلب الواجب بعمله الحرام بعد ما أسلم، والظاهر أنه\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٣١٨).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٨/ ٣٦٠).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (٥/ ٦٠).\n(^٤) \"سنن أبي داود\" (ح: ٤٢٢٣).","vol":"3","page":576},{"text":"كان يطلب منه أجرة عمله الذي عمله فيها، انتهى [من \"اللامع\" (^١)]. وفي هامشه: ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه ظاهر من لفظ الحديث، وإلا فخباب - ﵁ - كان قينًا في الإسلام أيضًا، فقد ترجم الإمام البخاري على حديث الباب في \"كتاب الإجارة\": \"باب هل يؤاجر الرجل نفسه من مشرك في أرض الحرب\" قال الحافظ: أورد فيه حديث خباب وهو إذ ذاك مسلم في عمله للعاص بن وائل وهو مشرك، إلى آخر ما قال.\n\n(٣٠ -<span data-type='title' id=toc-1526> باب الخيّاط)</span>\nقال الخطابي: في أحاديث هذه الأبواب دلالة على جواز الإجارة، وفي الخياطة معنى زائد؛ لأن الغالب أن يكون الخيط من عند الخياط فيجتمع فيها إلى الصنعة الآلة، وكان القياس أنه لا تصح إذ لا تتميز إحداهما عن الأخرى غالبًا، لكن الشارع أقره لما فيه من الإرفاق، واستقر عمل الناس عليه، وفيه دلالة على أن الخياطة لا تنافي المروءة، انتهى (^٢).\n\n(٣١ -<span data-type='title' id=toc-1527> باب النساج)</span>\nبالنون والمهملة وآخره جيم، وهو الحائك، لعل المصنف أراد إثبات جوازه إذ عدوه من الحرف الدنيئة كما تقدم في \"باب ما قيل في الصواغ\" عن \"الأنوار\" وفيه أيضًا: ولا يكره كسب الفاصد والحائك، انتهى.\n\n(٣٢ -<span data-type='title' id=toc-1528> باب النجار)</span>\nبالنون المشددة والجيم، ولأبي ذر عن الكشميهني النجارة بكسر النون وتخفيف الجيم وفي آخره هاء، قال الحافظ ابن حجر (^٣): والأول أشبه بسياق بقية التراجم، وفي \"الفيض\" (^٤): لما دخل المصنف في بيان الصنائع والحرف ذكر النجّار والصوّاغ والنسّاج، انتهى.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٦/ ٢٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٤/ ٣١٨).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٤/ ٣١٩).\n(^٤) \"فيض الباري\" (٣/ ٤١٧).","vol":"3","page":577},{"text":"(٣٣ -<span data-type='title' id=toc-1529> باب شراء الإمام الحوائج بنفسه)</span>\nبنصب \"الحوائج\" على المفعولية وسقط لغير أبي ذر لفظ \"الإمام\" فهو أعم. قال الحافظ: وفي بعض الروايات \"شراء الحوائج بنفسه\" أي: الرجل، وفائدة الترجمة رفع توهم من يتوهم أن تعاطي ذلك يقدح في المروءة، انتهى من \"القسطلاني\" (^١).\n\n(٣٤ -<span data-type='title' id=toc-1530> باب شراء الدّوابّ والحمير. . .) إلخ</span>\nوفي رواية أبي ذر \"الحمر\" بضمتين، من عطف الخاص على العام؛ لأن الدواب في الأصل موضوع لكل ما يدب على الأرض، ثم استعمل عرفًا لكل ما يمشي على أربع وهو يتناول الحمير وغيرها، وليس في حديثي الباب ذكر للحمر، وكأنه أشار إلى إلحاقها في الحكم بالإبل؛ لأن حديثي الباب إنما فيهما ذكر بعير ولا اختصاص في الحكم المذكور بدابة دون دابة، انتهى من \"الفتح\" (^٢) و\"القسطلاني\" (^٣).\n\n(٣٥ -<span data-type='title' id=toc-1531> باب الأسواق التي كانت في الجاهلية. . .) إلخ</span>\nأي: جواز التبايع فيها، قال ابن بطال: فقه هذه الترجمة أن مواضع المعاصي وأفعال الجاهلية لا تمنع من فعل الطاعة فيها، انتهى من \"القسطلاني\" (^٤).\n\n(٣٦ -<span data-type='title' id=toc-1532> باب شراء الإبل الهيم. . .) إلخ</span>\nقال القسطلاني (^٥): الهيم بكسر الهاء جمع أهيم للمذكر، ويقال: للأنثى هيمى، وهي الإبل التي بها الهيام وهو داء يشبه الاستسقاء تشرب منه، انتهى.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٥/ ٦٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٤/ ٣٢٠).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (٥/ ٦٧).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (٥/ ٧٠).\n(^٥) \"إرشاد الساري\" (٥/ ٧١).","vol":"3","page":578},{"text":"وقال العيني (^١): قيل: الهيام داء يكون معه الجرب، وبهذا ترجم البخاري \"شراء الإبل الهيم والأجرب\"، وفي \"كتاب الإبل\" للنضر بن شميل: وأما الهيام فنحو الدوار جنون يأخذ الإبل حتى تهلك، انتهى.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): يعني بذلك أن بيع الشيء المعيب جائز نافذ ولو من غير إظهار العيب إلا أن للمشتري خيارًا إذا اطلع على العيب، انتهى.\nوقال الحافظ (^٣): في الحديث جواز بيع الشيء المعيب إذا بيَّنه البائع ورضي به المشتري، سواء بينه البائع قبل العقد أو بعده، لكن إذا أخر بيانه عن العقد ثبت الخيار للمشتري، انتهى.\nوهكذا قال العيني وزاد: وليس هذا من الغش، وأما ابن عمر فرضي بالعيب والتزمه، فصحت الصفقة فيه، انتهى.\nقوله: (الهائم المخالف. . .) إلخ، قال ابن التين: وليس الهائم واحد الهيم، فانظر لم أدخل البخاري هذا في تبويبه؟ وأجيب عن هذا: بأن البخاري لما رأى أن الهيم من الإبل كالذي قاله النضر بن شميل، وقد تقدم، شبهها بالرجل الهائم من العشق، فقال: الهائم المخالف إلخ، فكذلك الإبل الهيم تخالف القصد في قيامها وقعودها ودورها مع الشمس كالحرباء، انتهى من \"العيني\" (^٤).\nوفي \"الفيض\" (^٥) أي: الذي يخبط في مشيه، فهذا عيب، انتهى.\nوقال القسطلاني (^٦): قوله: \"الهائم المخالف\" كأنه يريد أن بها داء الجنون، وقال بعد نقل اعتراض ابن التين المتقدم: وأجاب في \"المصابيح\"\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٨/ ٣٧٢).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٦/ ٣٨ - ٣٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٤/ ٣٢٢).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (٨/ ٣٧٢ - ٣٧٣).\n(^٥) \"فيض الباري\" (٣/ ٤٢٠).\n(^٦) \"إرشاد الساري\" (٥/ ٧٢).","vol":"3","page":579},{"text":"بأنه لم لا يجوز أن يكون كبازل وبزل ثم قلبت ضمة هيم لتصبح الياء كما فعل بجمع أبيض، انتهى.\nقوله: (لا عدوى. . .) إلخ، قال الحافظ (^١): قال الخطابي: لا أعرف للعدوى هنا معنى، ثم بسط في توجيهه، انتهى.\nوالأوجه عند هذا العبد الضعيف ما مال إليه شيخ مشايخنا الدهلوي في \"التراجم\" (^٢) إذ قال: الوجه الموافق لمذهب الفقهاء في هذا الحديث أن ابن عمر كان له رد هذه الإبل بحكم العيب وكان له إمساكها فتروى (^٣) في أمره فرأى مرضها هينًا وخاف عدواها فعزم على ردها لأجل العدوى، ثم تذكر حديث \"لا عدوى\" فأمسك عن الرد، انتهى.\n\n(٣٧ -<span data-type='title' id=toc-1533> باب بيع السلاح في الفتنة. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٤)، يعني بذلك أن كراهة البيع إنما هو إذا لم يأمن أن تستعمل هذه الأسلحة في الفتنة، وأما إذا أمن فلا، انتهى.\nوقال الحافظ (^٥): كأن المراد بالفتنة ما يقع من الحروب بين المسلمين لأن في بيعه إذ ذاك إعانة لمن اشتراه، وهذا محله إذا اشتبه الحال، فأما إذا تحقق الباغي فالبيع للطائفة التي في جانبها الحق لا بأس به، إلى أن قال: وكأن المصنف أشار إلى خلاف الثوري في ذلك حيث قال: بع سلاحك لمن شئت.\nثم قال الحافظ: وقد استشكل مطابقة الحديث للترجمة، قال الإسماعيلي: ليس في هذا الحديث من ترجمة الباب شيء، إلى آخر\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٣٢٢).\n(^٢) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٣٨٧).\n(^٣) كذا في الأصل، والظاهر بدله: \"فتردد\"، (ز).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٦/ ٣٩).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٤/ ٣٢٣).","vol":"3","page":580},{"text":"ما بسط في هامش \"اللامع\" (^١) من كلام الشرَّاح ومن تقارير الشيخ الكَنكَوهي.\nوالأوجه عندي: أن المصنف مال إلى قول الثوري ورد قول ابن عمر، وإنما ذكر قوله لبيان الاختلاف لا لاختياره، وثبت في الحديث بيعه زمن القتال وهو زمن الفتنة.\n\n(٣٨ -<span data-type='title' id=toc-1534> باب في العطار وبيع المسك)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): خصه بالذكر لما فيه من مظنة عدم الجواز لما أنه دم في الأصل انتهى.\nوفي هامشه: قال الحافظ: ليس في حديث الباب سوى ذكر المسك وكأنه ألحق به العطار لاشتراكهما في الرائحة الطيبة، وفي الحديث جواز بيع المسك والحكم بطهارته لأنه - ﷺ - مدحه ورغَّب فيه، وفيه الرد على من كرهه، وهو منقول عن الحسن البصري وعطاء وغيرهما، ثم انقرض هذا الخلاف واستقر الإجماع على طهارة المسك وجواز بيعه، انتهى.\n\n(٣٩ -<span data-type='title' id=toc-1535> باب ذكر الحجَّام)</span>\nلعل المصنف - ﵀ - ذكره ههنا باعتبار كونها من الحرف وإلا فليس هو من البيوع، وسيأتي أيضًا الروايات فيه في محلها من \"كتاب الإجارة\" و\"كتاب الطب\".\nقال العلامة العيني (^٣): ولما ذكر في \"باب موكل الربا\" النهي عن ثمن الدم الذي هو الحجامة، وظاهره التحريم، عقد هذا الباب ههنا، وفيه حديثان يدلان على جواز الحجامة، وأخذ الأجرة، فذكرهما ليدل على أن\n_________\n(^١) \"اللامع\" (٦/ ٣٩ - ٤٠).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٦/ ٤١).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٨/ ٣٧٧).","vol":"3","page":581},{"text":"النهي المذكور فيه إما منسوخ كما ذهب إليه البعض، وإما أنه محمول على التنزيه، كما ذهب إليه آخرون، وهذا الذي يذكر ههنا هو الوجه، لا ما ذكره بعضهم - الحافظ - لما لا طائل تحته، انتهى. وميل الحافظ (^١) في غرض الترجمة أيضًا إلى الجواز، إذ قال: ولا يلزم من كونها من المكاسب الدنيئة أن لا تشرع فالكساح أسوأ حالًا من الحجام ولو تواطأ الناس على تركه لأضر ذلك بهم، انتهى.\n\n(٤٠ -<span data-type='title' id=toc-1536> باب التجارة فيما يكره لبسه للرجال والنساء)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): يعني بذلك أن المكروه من التجارة تجارة ما كره الانتفاع به مطلقًا، فأما ما لا يكره للنساء أو غيرهن ويمكن الانتفاع به فلا كراهة فيه، فدلت الرواية الأولى على هذا المعنى من حيث إن الثوب المذكور فيه لما لم يكره الانتفاع به للنساء لم يحرم بيعه، وكذلك الرواية الثانية فإن الثوب ذا التصاوير وإن لم يجز لبسه كما هو إلا أنه مجوز الاستعمال بعد قطعه بحيث لا تسلم الصور أو تتبدل، انتهى.\nوبسط في هامشه الكلام على مطابقة أحاديث الباب بالترجمة.\n\n(٤١ -<span data-type='title' id=toc-1537> باب صاحب السلعة أحق بالسوم)</span>\nبفتح المهملة وسكون الواو، أي: ذكر قدر معين للثمن، وقال ابن بطال: لا خلاف بين العلماء في هذه المسألة وأن متولي السلعة من مالك أو وكيل أولى بالسوم (^٣) من طالب شرائها.\nقال الحافظ: لكن ذلك ليس بواجب، فسيأتي في قصة جمل جابر أنه - ﷺ - بدأه بقوله: \"بعنيه بأوقية\" الحديث، انتهى من \"الفتح\" (^٤).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٣٢٤).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٦/ ٤٢ - ٤٣).\n(^٣) في الأصل: \"بالثوب\" وهو خطأ.\n(^٤) \"فتح الباري\" (٤/ ٣٢٦).","vol":"3","page":582},{"text":"(٤٢ -<span data-type='title' id=toc-1538> باب كم يجوز الخيار</span>؟)\nقال صاحب \"الفيض\" (^١): وقد كان يخطر بالبال أن في تراجمه سوء ترتيب، فإنه قد تعرض إلى كيفيات الخيار قبل تقرر حقيقته، والذي يتبادر إلى الذهن أن يترجم أولًا على نفسه الخيار ثم إلى سائر كيفياته، وتبين آخرًا أن المصنف جعل الخيار في البيع أصلًا، وعدمه تبعًا على خلاف نظر الحنفية، فإذا كان الخيار عنده أصلًا لم ير حاجة إلى تقديمه، لكونه مفروغًا منه عنده، ودخل في فروعه، انتهى.\nقلت: فالمصنف - ﵀ - بدأ من ههنا مسألة الخيار، وبسط الكلام على أنواع الخيار في \"الأوجز\" (^٢) وفيه: قال ابن قدامة في \"الشرح الكبير\": إن الخيار في البيع على سبعة أقسام، ثم بسطها، والمعروف في كتب الفقهاء الحنفية ثلاث خيارات: خيار الشرط، والرؤية، والعيب، لكن في الشروح وغيرها أكثر من ذلك، فقد ذكرها ابن نجيم ثلاثة عشرة.\nوفي \"الدر المختار\": أن الخيارات بلغت سبعة عشر نوعًا.\nقال الحافظ (^٣): الخيار طلب خير الأمرين من إمضاء البيع أو فسخه، وهو خياران: خيار المجلس، وخيار الشرط، والكلام هنا على خيار الشرط، والترجمة معقودة لبيان مقداره، وليس في حديثي الباب بيان لذلك.\nقال ابن المنيِّر: لعله أخذ من عدم تحديده في الحديث أنه لا يتقيد بل يفوض الأمر فيه إلى الحاجة لتفاوت السلع في ذلك ويحتمل أن يكون مراد البخاري بقوله: \"كم يجوز الخيار؟ \" أي: كم يخيَّر أحد المتبايعين الآخر مرة، وأشار إلى ما في الطريق الآتية بعد ثلاثة أبواب من زيادة همام \"ويختار ثلاث مرار\" لكن لما لم تكن الزيادة ثابتة أبقى الترجمة على الاستفهام كعادته، انتهى.\n_________\n(^١) \"فيض الباري\" (٣/ ٤٢٣).\n(^٢) \"أوجز المسالك\" (١٣/ ١٢٧).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٤/ ٣٢٦ - ٣٢٧).","vol":"3","page":583},{"text":"قلت: وتعقب على الاحتمال الثاني العلامة العيني (^١) وقال: لأن لفظة \"كم\" موضوعة للعدد والعدد في مدة الخيار لا في تخيير أحد المتبايعين الآخر.\nواختلفوا في مدة الخيار، فعند الحنفية والشافعية موقتة بثلاثة أيام، وأنكر مالك التوقيت في ثلاثة أيام بغير زيادة، قال: أمد كل شيء بحسبه، فللدابة مثلًا والثوب يوم أو يومان، وللجارية جمعة، وللدار شهر، وقال أبو يوسف ومحمد وأحمد وإسحاق: إنه لا أمد لمدة خيار الشرط بل البيع جائز والشرط لازم إلى الوقت الذي يشترطانه، انتهى ملخصًا من \"الفتح\" (^٢).\n\n(٤٣ -<span data-type='title' id=toc-1539> باب إذا لم يوقت الخيار. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): أي: هل يجوز البيع؟ أراد بذلك إثبات أن الرواية لما كانت مطلقة عن ذكر المدة فالفصل بين مدة ومدة مما لا يجوز فيكون تأييدًا لمذهب من لم يوقت الأجل، ثم ذكر الشيخ قُدِّس سرُّه الجواب عنه على مسلك الحنفية.\nقال العلامة العيني (^٤): لم يذكر جواب الاستفهام لما فيه من الخلاف، انتهى.\nوقال الحافظ (^٥): أي: إذا لم يعيّن البائع أو المشتري وقتًا للخيار وأطلقاه \"هل يجوز البيع؟ \" وكأنه أشار بذلك إلى الخلاف في حد خيار الشرط، ثم ذكر الحافظ اختلاف العلماء في تلك المسألة كما تقدم في الباب السابق، ثم قال: فإن شرطا أو أحدهما الخيار مطلقًا، فقال الأوزاعي وابن أبي ليلى: هو شرط باطل والبيع جائز، وقال الثوري\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٨/ ٣٨٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٤/ ٣٢٦ - ٣٢٨).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٦/ ٤٤).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (٨/ ٣٨٤).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٤/ ٣٢٨).","vol":"3","page":584},{"text":"والشافعي وأصحاب الرأي: يبطل البيع أيضًا، وقال أحمد وإسحاق: للذي شرط الخيار أبدًا، انتهى.\nولم يذكر الحافظ مذهب المالكية، وفي \"الأوجز\" (^١): قال الباجي: إذا شرط الخيار ولم يقرر المدة لم يبطل البيع، وحكم في ذلك بمقدار ما تختبر به تلك السلعة في غالب العادة، وقال أبو حنيفة والشافعي: يبطل العقد، انتهى.\nوهو الراجح عند أحمد كما قال الموفق (^٢)، والرواية الثانية عنه ما تقدم في كلام الحافظ، والبسط في \"الأوجز\".\n\n(٤٤ -<span data-type='title' id=toc-1540> باب البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، وبه قال. . .) إلخ</span>\nأي: بخيار المجلس، وهو بيِّن من صنيعه الذي مضى قبل باب، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\nوبه قال الجمهور، منهم الشافعي وأحمد، وقال مالك وأبو حنيفة: يلزم العقد بالإيجاب والقبول، ولم يقولا بخيار المجلس، إلا أنه يبطل عند الشافعي بالتخاير، وعن أحمد: روايتان كما في \"المغني\" (^٤) والبسط في \"الأوجز\" (^٥).\n\n(٤٥ -<span data-type='title' id=toc-1541> باب إذا خيَّر أحدهما صاحبه بعد البيع)</span>\nحاصل الترجمة أن خيار المجلس يبطل بالتخاير، وقد تقدم الخلاف فيه، فهو رد على إحدى الروايتين لأحمد من أنه يبقى الخيار إلى المجلس بعد التخاير أيضًا.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٦): هذه الترجمة تحتمل محملين:\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (١٣/ ١٣٧).\n(^٢) \"المغني\" (٦/ ٤٣).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٤/ ٣٢٨).\n(^٤) \"المغني\" (٦/ ١٠).\n(^٥) \"أوجز المسالك\" (١٣/ ١٣٠).\n(^٦) \"لامع الدراري\" (٦/ ٤٧ - ٤٨).","vol":"3","page":585},{"text":"أحدهما: أن المتبايعين إذا كان لأحدهما خيار الشرط فقد وجب البيع وانعقد السبب وإن تأخر المسبب والحكم إلى ما بعد إسقاط الخيار أو انقضاء الأجل، وهذا إذا أريد بقوله: \"أو يخير أحدهما الآخر\" شرط الخيار.\nوثانيهما: أن يراد بالترجمة أن المتبايعين إذا قال أحدهما لصاحبه في أثناء المبايعة: اختر لنفسك القبول أو الرد فاختير البيع والقبول لا الرد فإن البيع واجب حينئذٍ ويثبت الحكم وهو الملك غير متراخ، وهذا إذا حمل قوله: \"أو يخير أحدهما الآخر\" على هذا المعنى فمعنى قوله في الرواية: \"فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع\" مختلف باختلاف معنى قوله: \"أو يخير\"، انتهى. واختار الشرَّاح الاحتمال الثاني من هذين الاحتمالين.\n\n(٤٦ -<span data-type='title' id=toc-1542> باب إذا كان البائع بالخيار. . .) إلخ</span>\nكأنه أراد الرد على من حصر الخيار في المشتري دون البائع فإن الحديث قد سوى بينهما في ذلك، وقال في موضع آخر: قال الثوري: يختص الخيار بالمشتري ويمتد له إلى عشرة أيام فأكثر، ويقال: إنه انفرد بذلك، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(٤٧ -<span data-type='title' id=toc-1543> باب إذا اشترى شيئًا فوهب من ساعته)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): كأنه قاس على الهبة البيع فكما جازت هبة المشتري قبل قبضه فكذلك البيع، وإنما منعه أبو حنيفة رحمه الله تعالى لقوله ﵊: \"لا تبع ما ليس عندك\" ولورود النهي عن بيع الطعام قبل القبض، وقد قال ابن عباس: \"أحسب كل شيء مثله\" مع أن العلة وهي كون المبيع مظنة الهلاك يشمل كل شيء إلا العقارات فوجب\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٣٢٧ - ٤٣٤).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٦/ ٥١ - ٥٣).","vol":"3","page":586},{"text":"تعميم الحكم، ولا يبعد أن يقال - والله أعلم بحقيقة الحال -: إن غرض البخاري - ﵀ - منها ليس إثبات جواز الهبة بخصوصها بل المقصود بيان بعض التصرفات الجائزة قبل القبض كالعتق مثلًا والهبة على رأيه والبيع مطلقًا على رأي طاوس كما ذكره - ﵀ -، فكان من جزئياته بيع المبيع من البائع ولو قبل قبض البائع الثمن والمشتري المبيع، وإن كان مشروطًا بكونه على الثمن الأول على ما ذكروه في باب الإقالة، وعلى هذا فلا يضرنا أثر ابن عمر - ﵄ - على التأويل الذي ذكرنا من حمل الخيار على الاستحباب، والله أعلم، انتهى.\nوبسط في هامشه الكلام على شرح كلام الشيخ قُدِّس سرُّه.\nقلت: قصة عمر في الإبل الصعب لما كان مخالفًا لمن قال بخيار المجلس أولها المصنف بهذه الترجمة وأشار إلى الجواب بأن سكوت البائع يكفي، وأشكل بأنه - ﷺ - لم يكن له حق في التصرف لما فيه خيار لغيره، وأجاب عنه الحافظ بأنه واقعة لا نعلم حقيقتها، وأوَّله الشافعية بوجوه أخر ذكره في \"الفتح\" (^١).\nوالعجب من الإمام البخاري أورد على الأحناف في \"كتاب الإكراه\" في \"باب إذا أكره حتى وهب عبدًا أو باعه لم يجز، وبه قال بعض الناس. . .\" إلخ، وحاصله أنه ألزم الحنفية أنهم لا يجوزون بيع المكره وهبته ومع ذلك قالوا: لو نذر المشتري في ذلك الشيء المشترى أو دبره لو كان عبدًا أنه جائز، فأثبت التعارض والتناقض بين قولهم من عدم جواز البيع مع جواز تصرف المشتري فأنا أقول: إنه يرد مثل ذلك ههنا على الإمام البخاري ومن وافقه ممن قالوا بخيار المجلس من أنهم لما أثبتوا خيار المجلس للبائع فكيف جاز عندهم تصرف المشتري في ذلك، فتأمل.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٣٣٥).","vol":"3","page":587},{"text":"(٤٨ -<span data-type='title' id=toc-1544> باب ما يكره من الخداع في البيع)</span>\nقال الحافظ (^١): كأنه أشار بهذه الترجمة إلى أن الخداع في البيع مكروه ولكنه لا يفسخ البيع، إلا إن شرط المشتري الخيار على ما تشعر به القصة المذكورة في الحديث، انتهى.\nقلت: لكن الخداع حرام منهي عنه، والمصنف أبطل بيع النجش كما سيأتي لكونه حرامًا ومنهيًا عنه.\nقال العيني (^٢) تحت ذكر ما يستفاد من الحديث: مذهب الحنفية والشافعية على أن الغبن غير لازم فلا خيار للمغبون سواء قل الغبن أو كثر، وهو الأصح من روايتي مالك، وقال البغداديون من أصحابه: للمغبون الخيار بشرط أن يبلغ الغبن ثلث القيمة وإن كان دونه فلا، وقيل: السدس، وعن داود: العقد باطل، وعن مالك: إن كانا عارفين بتلك السلعة وسعرها وقت البيع لم يفسخ البيع، كثيرًا كان الغبن أو قليلًا، فإن كان أحدهما غير عارف بذلك فسخ البيع إلا أن يريد أن يمضيه، ولم يحد مالك حدًا، وأثبت هؤلاء خيار الغبن بالحديث المذكور، انتهى.\nوقال القسطلاني (^٣): قوله: \"إذا بايعت فقل لا خلابة\"، واستدل به أحمد لأنه يرد بالغبن الفاحش لمن لم يعرف قيمة السلعة، وحده بعض الحنابلة بثلث القيمة، وقيل بسدسها، وأجاب الشافعية والحنفية والجمهور بأنها واقعة عين وحكاية حال فلا يصح دعوى العموم فيها عند أحد، انتهى. وذكر في \"الأوجز\" (^٤) ههنا عدة أبحاث فقهية، فارجع إليه.\n\n(٤٩ -<span data-type='title' id=toc-1545> باب ما ذكر في الأسواق)</span>\nقال ابن بطال: أراد بذكر الأسواق إباحة المتاجر ودخول الأسواق للأشراف والفضلاء، وكأنه أشار إلى ما لم يثبت على شرطه من أنها شر\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٣٣٧).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٨/ ٣٩٤).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (٥/ ٩٢).\n(^٤) \"أوجز المسالك\" (١٣/ ٢٦٢ - ٢٧٢).","vol":"3","page":588},{"text":"البقاع، وهو حديث أخرجه أحمد والبزار وصححه الحاكم من حيث جبير بن مطعم أن النبي - ﷺ - قال: \"أحب البقاع إلى الله المساجد، وأبغض البقاع إلى الله الأسواق\": وإسناده حسن، قال ابن بطال: وهذا خرج على الغالب وإلا فرُب سوق يذكر فيها الله أكثر من كثير من المساجد، انتهى (^١).\nقوله: (دعا رجل بالبقيع) كتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): وكانت على قرب منه تجارات من الخيول وغيرها فصح إيراده ههنا وفيه الترجمة، انتهى. وبسط في هامشه الكلام من كلام الشرَّاح وغيره.\n\n(٥٠ -<span data-type='title' id=toc-1546> باب كراهية الصخب في السوق)</span>\nوفي نسخة الحافظ (^٣): \"السخب\" بالسين المهملة، فقال: السخب بفتح المهملة والخاء المعجمة بعدها موحدة، ويقال فيه الصخب بالصاد المهملة بدل السين، وهو رفع الصوت بالخصام، وأورد المصنف فيه حديث عبد الله بن عمرو في صفة النبي - ﷺ -، والغرض منه قوله: \"ولا سخّاب في الأسواق\"، انتهى.\nقلت: والحاصل أنه أخذ الكراهة من نفي كونه صفة له - ﷺ -، وهو مشكل لأن كثيرًا من المباحات ليست من صفته ﵊، اللَّهم إلا أن يقال: إنه ذكر في مقام المدح فمقتضاه أن مقابله مما يذم ويكره.\nقوله: (﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ. . .﴾) إلخ، قال العلامة السندي (^٤): لعله يكون حكاية عما أنزل الله تعالى عليه في القرآن أو غيره إذ لا يمكن الخطاب معه - ﷺ - في التوراة حين أنزلت التوراة، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٣٣٩).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٦/ ٥٦ - ٥٧).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٤/ ٣٤٣).\n(^٤) \"حاشية السندي على صحيح البخاري\" (٢/ ١٤).","vol":"3","page":589},{"text":"(٥١ -<span data-type='title' id=toc-1547> باب الكيل على البائع والمعطي)</span>\nقال الحافظ (^١): أي مؤنة الكيل على المعطي بائعًا كان أو مُوَفِّي دين أو غير ذلك، ويلتحق بالكيل في ذلك الوزن فيما يوزن من السلع وهو قول فقهاء الأمصار، وكذلك مؤنة وزن الثمن على المشتري إلا نقد الثمن فهو على البائع على الأصح عند الشافعية، انتهى.\nقال العيني (^٢): قال الفقهاء: إن الكيل والوزن فيما يكال ويوزن من المبيعات على البائع، ومن عليه الوزن والكيل فعليه أجرة ذلك، وهو قول مالك وأبي حنيفة والشافعي، انتهى.\nوفي \"الهداية\": وأجرة الكيال وناقد الثمن على البائع، أما الكيل فلا بد منه للتسليم وهو على البائع، ومعنى هذا إذا بيع مكايلة، وكذا أجرة الوزان والزراع والعداد، وأما النقد فالمذكور رواية ابن رستم عن محمد، وفي رواية ابن سماعة عنه: على المشتري، انتهى.\nوقال الموفق: أجرة الكيال والوزان على البائع، انتهى مختصرًا من هامش \"اللامع\" (^٣).\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٤) تحت الباب: ودلالة الرواية عليه ظاهرة أما في الأولى فقد كتبه المحشي، وأما في الثانية ففي قوله ﵊ لجابر: \"كِلْ للقوم\" وكان هو المعطي، ولما كان في الترجمة ذكر الكيل ناسب أن يذكر الآية التي ذكر فيها الكيل فقال: ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ﴾ [المطففين: ٣] مع أن فيه دلالة على أن الكيل والوزن إنما هو على البائع والمعطي، ولا يتوهم أن أول الآية وهو قوله تعالى: ﴿إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ﴾ [المطففين: ٢] يدل على أن الكيل قد يكون من المشتري والآخذ أيضًا؛ لأن معنى قوله: ﴿اكْتَالُوا﴾ هو الأخذ والاستيفاء لا الكيل، ولو سلم\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٣٤٤).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٨/ ٤٠٩).\n(^٣) \"اللامع\" (٦/ ٥٨ - ٥٩).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٦/ ٥٩ - ٦١).","vol":"3","page":590},{"text":"فالمعنى إذا كال لهم البائع لا يستسلمون كيله فنسب الكيل إليهم لأنهم المتصرفون فيه، وقوله - ﷺ -: \"اكتالوا حتى تستوفوا\" أورده ههنا لدلالته على ما دلت عليه الآية من أن الاكتيال يستعمل لما يجعله المرء لنفسه، انتهى. وبسط الكلام عليه في هامشه.\n\n(٥٢ -<span data-type='title' id=toc-1548> باب ما يستحب من الكيل)</span>\nقال الحافظ (^١): أي: في المبايعات، انتهى.\nقلت: هذا ليس بوجيه بل الأوجه عندي أن المراد منه الكيل في الإنفاق على الأهل والعيال كما يدل عليه حديث الباب، وذكره المصنف ههنا تبعًا واستطرادًا.\nقال الحافظ (^٢): قال ابن بطال (^٣): الكيل مندوب إليه فيما ينفقه المرء على عياله، ومعنى الحديث أخرجوا بكيل معلوم يبلغكم إلى المدة التي قدرتم، مع ما وضع الله من البركة في مد أهل المدينة بدعوته - ﷺ -، وقال ابن الجوزي (^٤): يشبه أن تكون هذه البركة للتسمية عليه عند الكيل، انتهى.\nويشكل على الحديث ما ورد من قوله - ﷺ -: \"لا توكي فيوكي الله عليك\" (^٥)، وأشكل منه ما روي عن عائشة \"كان عندي شطر شعير فأكلت منه حتى طال علي فكلته ففني\" (^٦)، وجمع الشرَّاح بينهما بوجوه.\n\n(٥٣ -<span data-type='title' id=toc-1549> باب بركة صاع النبي - ﷺ </span>-)\nإيراد المصنف هذه الترجمة عقب التي عقب التي قبلها يشعر بأن البركة المذكورة في حديث المقدام مقيدة بما إذا وقع الكيل بمد النبي - ﷺ -\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٣٤٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٤/ ٣٤٦).\n(^٣) (٦/ ٢٥٥).\n(^٤) \"كشف المشكل\" (٤/ ١٧٤).\n(^٥) أخرجه البخاري (ح: ١٤٣٣)، وأبو داود (ح: ١٦٩٩).\n(^٦) أخرجه البخاري (ح: ٦٤٥١، ٣٠٩٧)، ومسلم (ح: ٢٩٧٣).","vol":"3","page":591},{"text":"وصاعه، ويحتمل أن يتعدى ذلك إلى ما كان موافقًا لهما لا إلى ما يخالفهما، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nقال القسطلاني (^٢): قوله: \"يعني أهل المدينة\" وهل يختص بالمد المخصوص أو بكل مد تعارفه أهل المدينة زاد أو نقص، وهو الظاهر لأنه أضافه إلى المدينة تارة وإلى أهلها أخرى، ولم يضفه ﵊ إلى نفسه الزكية فدل على عموم الدعوة لا على خصوصها بمده ﵊، وقال أيضًا تحت قوله: \"اللهم بارك لهم في صاعهم ومدهم\": وقد استجاب الله دعاء رسوله وكثر ما يكتال بهذا الكيل حتى يكفي منه ما لا يكفي من غيره في غير المدينة، ولقد شاهدت من ذلك ما يعجز عنه الوصف، وهو علم من أعلام نبوته - ﷺ -، فينبغي أن يتخذ ذلك المكيال رجاء بركة دعوته ﵊ والاستنان بأهل البلد الذين دعا لهم ﵊، انتهى.\n\n(٥٤ -<span data-type='title' id=toc-1550> باب ما يذكر في بيع الطعام والحكرة)</span>\nقال القسطلاني (^٣): أي: ما يذكر في بيع الطعام قبل قبضه وما يذكر في الحكرة، انتهى.\nقال الحافظ: الحكرة بضم المهملة وسكون الكاف: حبس السلع عن البيع، وليس في حديث الباب للحكرة ذكر، وكأن المصنف استنبط ذلك من الأمر بنقل الطعام إلى الرحال ومنع بيع الطعام قبل استيفائه، فلو كان الاحتكار حرامًا لم يأمر بما يؤول إليه، وكأنه لم يثبت عنده حديث معمر بن عبد الله مرفوعًا \"لا يحتكر إلا خاطئ\" أخرجه مسلم، لكن مجرد إيواء الطعام إلى الرحال لا يستلزم الاحتكار الشرعي؛ لأن الاحتكار الشرعي إمساك الطعام عن البيع وانتظار الغلاء مع الاستغناء عنه وحاجة الناس إليه،\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٣٤٧).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٥/ ١٠٦ - ١٠٧).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (٥/ ١٠٧).","vol":"3","page":592},{"text":"ويحتمل أن يكون البخاري أراد بالترجمة بيان تعريف الحكرة التي نهي عنها في غير هذا الحديث، وأن المراد بها قدر زائد على ما يفسره أهل اللغة، فساق الأحاديث التي فيها تمكين الناس من شراء الطعام ونقله، ولو كان الاحتكار ممنوعًا لمنعوا من نقله، أو لبيَّن لهم عند نقله الأمد الذي ينتهون إليه، أو لأخذ على أيديهم من شراء الشيء الكثير الذي هو مظنة الاحتكار، وكل ذلك مشعر بأن الاحتكار إنما يمنع في حالة مخصوصة بشروط مخصوصة، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوفي \"تراجم (^٢) شيخ المشايخ\": إن قلت: ليس في أحاديث الباب ذكر الحكرة، قلت: أراد أن بيع الطعام لا بأس به إلا من علة خارجية كعدم القبض ونحوه، كأنه يقول: ما يذكر في بيع الطعام وما يمنعه من الحكرة ونحوها، انتهى.\nقلت: واختلفوا فيما يكره فيه الاحتكار، قال النووي (^٣): قال أصحابنا: الاحتكار المحرم هو الاحتكار في الأقوات خاصة، وهو أن يشتري الطعام في وقت الغلاء للتجارة، ولا يبيعه في الحلال، بل يدخره ليغلو ثمنه، فأما إذا جاءه من قرية، أو اشتراه في وقت الرخص وادخره، أو ابتاعه في وقت الغلاء لحاجته إلى أكله، أو ابتاعه ليبيعه في وقته، فليس باحتكار، ولا تحريم فيه، وأما غير الأقوات فلا يحرم الاحتكار فيه بكل حال، وهذا تفصيل مذهبنا.\nوقال ابن العربي (^٤): قال مالك: الاحتكار في كل شيء إذا أضرّ بالناس، إلا الفواكه، وأما عند الحنابلة فما في \"المغني\" (^٥): قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن أي شيء الاحتكار؟ قال: إذا كان من قوت الناس فهو الذي يكره.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٣٤٨).\n(^٢) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٣٨٩).\n(^٣) \"شرح النووي على صحيح مسلم\" (٦/ ٤٩).\n(^٤) \"عارضة الأحوذي\" (٦/ ٢٢).\n(^٥) \"المغني\" (٦/ ٣١٧).","vol":"3","page":593},{"text":"وفي \"الدر المختار\" (^١): كره احتكار قوت البشر كتينٍ وعنب ولوز، والبهائم كتِبنٍ وقتٍّ (^٢) في بلدٍ يضر بأهله، فإن لم يضر لم يكره، قال ابن عابدين: قوله: قوت البشر، قول أبي حنيفة ومحمد وعليه الفتوى، وعن أبي يوسف: كل ما أضر بالعامة حبسه فهو احتكار، وعن محمد: الاحتكار في الثياب، وقوله: كتين وعنب، أي: مما يقوم به بدنهم من الرزق، ولو دخنًا لا عسلًا وسمنًا، وقوله: في بلد يضر بأهله، بأن كان البلد صغيرًا، وقوله: لا يكون محتكرًا بحبس غلة أرضه؛ لأنه خالص حقه لم يتعلق به حق العامة، ألا ترى أن له أن لا يزرع، فكذا له أن لا يبيع، انتهى.\nوفي \"البدائع\" (^٣): والكلام في الاحتكار في موضعين، أحدهما: في تفسير الاحتكار وما يصير به الشخص محتكرًا، والثاني: في بيان حكمه، أما الأول فهو أن يشتري طعامًا في مصر ويمتنع عن بيعه وذلك يضر بالناس، وكذلك لو اشتراه من مكان قريب يحمل طعامه إلى المصر وذلك المصر صغير وهذا يضر به يكون محتكرًا، وإن كان مصرًا كبيرًا لا يضر به لا يكون محتكرًا، ولو جلب إلى مصر طعامًا من مكان بعيد وحبسه لا يكون احتكارًا، وعن أبي يوسف: أنه يكون احتكارًا، إلى أن قال: والاحتكار يجري في كل ما يضر بالعامة عند أبي يوسف قوتًا كان أو لا، وعند محمد لا يجري الاحتكار إلا في قوت الناس وعلف الدواب من الحنطة والشعير والتين والقت، إلى آخر ما بسط في الدلائل.\nثم ذكر المصنف في الباب أربعة أحاديث، والرابع حديث عمر، ومطابقته للترجمة لما فيه من اشتراط قبض الشعير من الربويات في المجلس\n_________\n(^١) \"رد المحتار\" (٩/ ٦٥٦).\n(^٢) \"قت\" بالقاف والتاء المثناة من فوق: الفصفصة - بكسر الفائين - وهي الرطبة من علف الدواب، \"أوجز المسالك\" (١٣/ ٨)، و\"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٢٠٥).\n(^٣) \"بدائع الصنائع\" (٤/ ٣٠٨ - ٣٠٩).","vol":"3","page":594},{"text":"فإنه داخل في قبض الطعام بغير شرط آخر، وقد استشعر ابن بطال (^١) مباينته للترجمة فأدخله في ترجمة \"باب بيع ما ليس عندك\" وهو مغاير للنسخ المروية عن البخاري، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\nوقال العلامة العيني (^٣): مطابقته للترجمة من حيث إن فيه اشتراط القبض للربويات، وفي الترجمة ما يشعر باشتراط القبض للطعام، وزعم ابن بطال أنه لا مطابقة بين الحديث والترجمة، انتهى.\nولا إشكال عندي لما قال الحافظ والعيني، وأما مطابقة بقية الأحاديث فظاهرة.\n\n(٥٥ -<span data-type='title' id=toc-1551> باب بيع الطعام قبل أن يقبض. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٤): لم يذكر في حديثي الباب بيع ما ليس عندك وكأنه لم يثبت على شرطه فاستنبطه من النهي عن البيع قبل القبض، ووجه الاستدلال منه بطريق الأولى، وحديث النهي عن بيع ما ليس عندك أخرجه أصحاب السنن من حديث حكيم بن حزام بلفظ \"قلت: يا رسول الله! يأتيني الرجل فيسألني البيع ليس عندي، أبيعه منه ثم أبتاعه له من السوق؟ فقال: \"لا تبع ما ليس عندك\" (^٥)، انتهى.\nوفي \"البذل\" (^٦): قال الخطابي (^٧): أجمعوا على أنه لا يجوز بيع الطعام قبل القبض، وقال مالك: يجوز غيره، قال الحنفية: يجوز بيع العقار، وقال الشافعي: كل شيء مثل الطعام لا يجوز شيء منه، وقال أحمد: لا يجوز المكيل والموزون، ويجوز غيرهما، انتهى. وهكذا ذكر\n_________\n(^١) (٦/ ٢٦٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٤/ ٣٤٨).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٨/ ٤١٨).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٤/ ٣٤٩).\n(^٥) \"سنن أبي داود\" (ح: ٣٥٠٣)، و\"سنن الترمذي\" (ح: ١٢٣٢)، و\"سنن النسائي\" (ح: ٤٦٢٧)، و\"سنن ابن ماجه\" (ح: ٢١٨٧).\n(^٦) \"بذل المجهود\" (١١/ ٢١١).\n(^٧) \"معالم السنن\" (٣/ ١٣٥).","vol":"3","page":595},{"text":"العلامة القسطلاني (^١).\nوفي \"الفيض\" (^٢): واعلم أن الاختلاف المذكور إنما هو في البيع خاصةً، لا في سائر التصرفات؛ لأنهم جوّزوا الهبة والتصدق قبل القبض، كما في \"النهاية\" و\"البحر\" عن محمد، ولذا ترى أرباب المتون لم يضعوا المسألة إلا في البيع، ففي \"الهداية\": من اشترى شيئًا مما ينقل ويحول، لم يجز له بيعه، حتى يقبضه، ويجوز بيع العقار قبل القبض عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: لا يجوز، انتهى.\n\n(٥٦ -<span data-type='title' id=toc-1552> باب من رأى إذا اشترى طعامًا جزافًا. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٣): أي: تعزير من يبيعه قبل أن يؤويه إلى رحله، ذكر فيه حديث ابن عمر في ذلك، وهو ظاهر فيما ترجم له، وبه قال الجمهور، لكنهم لم يخصوه بالجزاف ولا قيَّدوه بالإيواء إلى الرحال، أما الأولى فلما ثبت من النهي عن بيع الطعام قبل قبضه فدخل فيه المكيل، وأما الثاني فلان الإيواء إلى الرحال خرج مخرج الغالب، وفرق مالك في المشهور عنه بين الجزاف والكيل، فأجاز بيع الجزاف قبل قبضه وبه قال الأوزاعي وإسحاق، واحتج لهم بأن الجزاف مرئي فتكفي فيه التخلية، والاستيفاء إنما يكون في مكيل أو موزون. وفي الحديث: مشروعية تأديب من يتعاطى العقود الفاسدة، وإقامة الإمام على الناس من يراعي أحوالهم في ذلك، والله أعلم، انتهى مختصرًا.\nقلت: وغرض الترجمة عندي رد على المالكية فإنهم فرقوا بين الجزاف والمكيل بخلاف الجمهور.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٥/ ١١١).\n(^٢) \"فيض الباري\" (٣/ ٤٤٠).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٤/ ٣٥٠ - ٣٥١).","vol":"3","page":596},{"text":"(٥٧ -<span data-type='title' id=toc-1553> باب إذا اشترى متاعًا أو دابةً. . .) إلخ</span>\nقال العلامة العيني (^١): ولم يذكر الجواب لمكان الاختلاف، ولكن تصدير الترجمة بأثر ابن عمر يدل على أن اختياره ما ذهب إليه ابن عمر، وهو أن الهالك في الصورة المذكورة من مال المبتاع، وقال ابن بطال: اختلف العلماء في هلاك المبيع قبل القبض، فذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أن ضمانه إن تلف من البائع، وقال أحمد وإسحاق: من المشتري، وأما مالك ففرق بين الثياب والحيوان، فقال: ما كان من الثياب والطعام فهلك قبل القبض فضمانه من البائع، وأما الدواب والحيوان والعقار فمصيبته من المشتري، انتهى.\nقلت: وما حكى ابن بطال من مذهب الحنابلة هو الصحيح، كما في كتب فروعهم من \"نيل المآرب\" (^٢) وغيره، وما حكى القسطلاني من موافقتهم لمذهب الحنفية والشافعية ليس بصحيح.\nثم أورد المصنف حديث عائشة في قصة الهجرة، قال العيني (^٣): مطابقته للترجمة من حيث إن لها جزئين: أما دلالته على الجزء الأول فظاهرة؛ لأنه - ﷺ - لما أخذ الناقة من أبي بكر بقوله: \"قد أخذتها بالثمن\" الذي هو كناية عن البيع، تركه عند أبي بكر، فهذا يطابق قوله: فتركه عند البائع، وأما دلالته على الجزء الثاني - وهو قوله: أو مات قبل أن يقبض - فبطريق الإعلام أن حكم الموت قبل القبض حكم الوضع عند البائع قياسًا عليه، انتهى.\nقال الحافظ (^٤): قال ابن المنيِّر: مطابقة الحديث بالترجمة من جهة أن البخاري أراد أن يحقق انتقال الضمان في الدابة ونحوها إلى المشتري بنفس العقد، فاستدل لذلك بقوله - ﷺ -: \"قد أخذتها بالثمن\" وقد علم أنه لم يقبضها\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٨/ ٤٢٤).\n(^٢) \"نيل المآرب\" (١/ ٣٥٠).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٨/ ٤٢٥).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٤/ ٣٥١ - ٣٥٢).","vol":"3","page":597},{"text":"بل أبقاها عند أبي بكر، ومن المعلوم أنه ما كان ليبقيها في ضمان أبي بكر لما يقتضيه مكارم أخلاقه حتى يكون الملك له والضمان على أبي بكر من غير قبض ثمن.\nقال الحافظ: ولقد تعسف في هذا، وليس في الترجمة ما يلجئ إلى ذلك، فإن دلالة الحديث على قوله: \"فوضعه عند البائع\" ظاهرة جدًا، وأما دلالته على قوله: \"أو مات قبل أن يقبض\" فهو وارد على سبيل الاستفهام، ولم يجزم بالحكم في ذلك بل هو على الاحتمال فلا حاجة لتحميله ما لم يتحمل، نعم ذكره لأثر ابن عمر في صدر الترجمة مشعر باختيار ما دلَّ عليه فلذلك احتيج إلى إبداء المناسبة، والله الموفق، انتهى.\nثم لا يذهب عليك أن لفظ الترجمة في النسخ الهندية (^١) بلفظ \"فوضعه عند البائع فباع أو مات\" إلخ، ولا يوجد لفظ \"فباع\" في النسخ المصرية، ولا في الشروح الخمسة: \"الكرماني\" (^٢) \"الفتح\" (^٣) و\"العيني\" (^٤) و\"القسطلاني\" (^٥) و\"السندي\" (^٦)، وكتب المحشي على هامش الهندية (^٧): قوله: \"فباع أو مات\" هكذا في النسخ الموجودة، وأما المنقول عنه ففيه: \"ضاع أو مات\" مكان قوله: \"فباع أو مات\"، أما في \"العيني\" فلا يوجد فيه كلمة \"فباع\" ولا \"ضاع\" أصلًا بل لفظه \"فوضعه عند البائع أو مات\"، وكذا في \"الفتح\"، انتهى.\nقلت: وقد تعرض له في تقرير مولانا محمد حسن المكي كما في هامش \"اللامع\" (^٨) فارجع إليه لو شئت، وفي \"الفيض\" (^٩): وفي نسخة أخرى: \"فضاع\" بدل \"فباع\" وهو الظاهر؛ لأن ترجمة البيع قبل القبض مرّت\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (١/ ٢٨٧).\n(^٢) \"الكرماني\" (١٠/ ٢٤).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٤/ ٣٥١).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (٨/ ٤٢٤).\n(^٥) \"إرشاد الساري\" (٥/ ١١٣).\n(^٦) \"حاشية السندي على صحيح البخاري\" (٢/ ١٦).\n(^٧) (٤/ ٥٧٧).\n(^٨) \"لامع الدراري\" (٦/ ٦٤).\n(^٩) \"فيض الباري\" (٣/ ٤٤١ - ٤٤٢).","vol":"3","page":598},{"text":"آنفًا، وإنما أراد في تلك الترجمة التنبيه على حكم ضياع المبيع قبل القبض، وحاصل الترجمة على ما فهمه الشارحون: أن المبيع إن هلك قبل القبض، هل يهلك من مال البائع أو المشتري؟ فالجمهور إلى أنه لو هلك قبل قبض المشتري هلك من مال البائع، وبعده من مال المشتري، قوله: \"أو مات\" أي: فإن مات المشتري قبل القبض، فعلى ورثته أن يقبضوه، وإن مات البائع فعلى أوليائه التسليم.\nقلت: وعندي أن المصنف لم يتعرض إلى تلك المسألة بل إلى مسألة أخرى، وهي أن المشتري إذا اشترى المبيع، ثم وضعه عند البائع، فهل يجوز له أن يبيعه وهو عند البائع؟ والذي يظهر من تراجمه أنه يصح؛ لأن النقل ليس بشرط عنده، كما مرَّ، فصح لفظ: \"فباع\" على ما في أكثر النسخ، أما ما ذهب إليه أكثر الشارحين، فلا يصح إلا على نسخة: \"فضاع\".\nثم قوله: \"أو مات\" المراد منه موت أحد المتعاقدين دون المبيع؛ لأنه لا يقال فيه: مات، بل هلك، فتبين أنه لا تعلق لترجمته بما ذهب إليه الشارحون، انتهى.\nوالأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن ترجمة الإمام البخاري تمت إلى قوله: \"فوضعه عند البائع\" والمقصود جواز ترك المبيع عند البائع، وهذا المعنى واضح من حديث عائشة، وأما قوله: \"فباع أو مات\" إلخ، فليس بجزء للترجمة، بل فرع على الترجمة مسألة مستأنفة لمكان اختلاف العلماء في ذلك، وبين مختاره في تلك المسألة بأثر ابن عمر، فلا حاجة إلى إثبات هذه المسألة من الحديث، وبسط الكلام على ذلك في هامش \"اللامع\" (^١).\n_________\n(^١) \"اللامع\" (٦/ ٦٤ - ٦٨).","vol":"3","page":599},{"text":"(٥٨ -<span data-type='title' id=toc-1554> باب لا يبيع على بيع أخيه. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^١): أورد فيه حديثي ابن عمر وأبي هريرة في ذلك، وأشار بالتقييد إلى ما ورد في بعض طرقه عند مسلم بلفظ \"لا يبع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه، إلا أن يأذن له\" وترجم أيضًا بالسوم ولم يقع له ذكر في حديثي الباب، وكأنه أشار بذلك إلى ما وقع في بعض طرقه أيضًا، وهو ما أخرجه في \"الشروط\" (^٢) من حديث أبي هريرة بلفظ \"وأن يستام الرجل على سوم أخيه\"، انتهى.\nقلت: أو القيد في الترجمة شرح للحديث، وكذا المراد بالسوم شرح معنى الحديث فإنهم اختلفوا في معنى البيع الواقع في هذا الحديث على ثلاثة أقوال: في معناه المعروف، أو الشراء، كما قاله ابن حبيب، أو السوم، كما قاله الإمام مالك، وهذا أحد الأبحاث الأربعة في هذا الحديث كما بسط في \"الأوجز\" (^٣) وأجمل في هامش \"اللامع\" (^٤).\n\n(٥٩ -<span data-type='title' id=toc-1555> باب بيع المزايدة)</span>\nأراد الإمام البخاري في هذه الترجمة استثناء بيع المزايدة وأنه لا يدخل في النهي عن البيع على بيع أخيه.\nقال الحافظ (^٥): لما تقدم في الباب قبله النهي عن السوم أراد أن يبيِّن موضع التحريم منه، وقد أوضحته في الباب الذي قبله - وأشار بذلك إلى ما قال قبل ذلك - ومحله بعد استقرار الثمن وركون أحدهما إلى الآخر، فإن كان ذلك صريحًا فلا خلاف في التحريم، وإن كان ظاهر ففيه وجهان للشافعية.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٣٥٣).\n(^٢) (ح ٢٧٢٧).\n(^٣) \"أوجز المسالك\" (١٣/ ٢١٩ - ٢٢١).\n(^٤) \"اللامع\" (٦/ ٧٠).\n(^٥) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٣٩٠).","vol":"3","page":600},{"text":"ونقل ابن حزم اشتراط الركون عن مالك وقال: إن لفظ الحديث لا يدل عليه، وتعقب بأنه لا بد من أمر مبين لموضع التحريم في السوم؛ لأن السوم في السلعة التي تباع فيمن يزيد لا يحرم اتفاقًا كما نقله ابن عبد البر، فتعين أن السوم المحرم ما وقع فيه قدر زائد على ذلك.\nثم قال: وورد في البيع فيمن يزيد حديث أنس \"أنه - ﷺ - باع حلسًا وقدحًا\" الحديث، أخرجه أحمد وأصحاب السنن مطولًا ومختصرًا، وكأن المصنف أشار بالترجمة إلى تضعيف ما أخرجه البزار من النهي عن بيع المزايدة، فإن في إسناده ابن لهيعة وهو ضعيف.\nثم أورد المصنف حديث جابر في بيع المدبر، واعترضه الإسماعيلي فقال: ليس فيه بيع المزايدة، وأجاب ابن بطال بأن شاهد الترجمة قوله في الحديث: \"من يشتريه مني\" قال: فعرضه للزيادة ليستقضي فيه للمفلس الذي باعه عليه، انتهى مختصرًا.\nوأجاب شيخ مشايخنا الدهلوي في \"تراجمه\" (^١) عن تعقب الإسماعيلي: بأنه استدل البخاري على جواز المزايدة بهذا الحديث اقتضاء كأنه يقول: كان الذي دبره مفلسًا محتاجًا وبيع المفاليس لا يكون إلا بالمزايدة، وأيضًا فإن النبي - ﷺ - لما رأى أنه لا يهتدي لأمره تولى البيع من قبله كما يتولى الولي عقود الصبي، فلو زاد أحد من أحد كانت الغبطة ظاهرة فلم يخبر النبي - ﷺ - إلا البيع، انتهى.\n\n(٦٠ -<span data-type='title' id=toc-1556> باب النجش. . .) إلخ</span>\nبفتح النون وسكون الجيم بعدها معجمة، قاله الحافظ (^٢).\nوحكى العيني (^٣) عن \"المغرب\" بفتحتين، ويروى بسكون الجيم، انتهى.\n_________\n(^١) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٣٩٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٤/ ٣٥٥).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٨/ ٤٢٨).","vol":"3","page":601},{"text":"قال الحافظ: وهو في اللغة تنفير الصيد واستثارته من مكانه ليصاد، وفي الشرع الزيادة في ثمن السلعة ممن لا يريد شراءها ليقع غيره فيها، سمي بذلك لأن الناجش يثير الرغبة في السلعة ويقع ذلك بمواطأة البائع فيشتركان في الإثم، ويقع ذلك بغير علم البائع فيختص بذلك الناجش، وقد يختص به البائع كمن يخبر بأنه اشترى سلعة بأكثر مما اشتراها به ليغر غيره بذلك كما سيأتي عن الصحابي في ذلك الباب.\nقال ابن بطال (^١): أجمع العلماء على أن الناجش عاصٍ بفعله، واختلفوا في البيع إذا وقع على ذلك، ونقل ابن المنذر عن طائفة من أهل الحديث فساد ذلك البيع، وهو قول أهل الظاهر ورواية عن مالك، وهو المشهور عند الحنابلة إذا كان ذلك بمواطأة البائع أو صنعه، والمشهور عند المالكية في مثل ذلك ثبوت الخيار، وهو وجه للشافعية قياسًا على المصراة، والأصح عندهم صحة البيع مع الإثم، وهو قول الحنفية، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\nوفي \"الفيض\" (^٣): وهذا البيع لا يجوز عند المصنف أصلًا، لورود النهي عنه.\nقلت: النهي لا يستلزم البطلان دائمًا، فإنا نرى من عهد الصحابة إلى زمن الأئمة أن النهي إذا ورد في محل، يحمله بعضهم على الكراهة، وبعضهم على البطلان فلا كلية فيه، ففي محل كذا، وفي محل كذا، والإمام البخاري يحمله على البطلان في أكثر المواضع، وقلّ موضعٌ يكون النهي ورد فيه ثم حمله المصنف على الجواز، بل يعترض على الحنفية بحملهم النهي على الصحة.\nقوله: (وهو خداع باطل. . .) إلخ، أراد المصنف من نقل تلك\n_________\n(^١) (٦/ ٢٧٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٤/ ٣٥٥).\n(^٣) \"فيض الباري\" (٣/ ٤٤٥).","vol":"3","page":602},{"text":"الجزئيات: أن البيع لا يجوز، قلنا: سلّمنا عدم الحل أيضًا، ولكن الكلام في نفاذه لو اقتحمه أحد، انتهى.\n\n(٦١ -<span data-type='title' id=toc-1557> باب بيع الغرر وحبل الحبلة)</span>\nبفتح المهملة والموحدة فيهما، وقيل: هو بسكون الموحدة في الأول وهو من عطف الخاص على العام، ولشهرته في الجاهلية أفرد بالتنصيص عليه.\nقال القسطلاني (^١): قال الحافظ (^٢): ولم يذكر في الباب بيع الغرر صريحًا وكأنه أشار إلى ما أخرجه أحمد عن ابن عمر قال: \"نهى النبي - ﷺ - عن بيع الغرر\"، وأخرجه مسلم من حديث أبي هريرة، انتهى.\nوزاد القسطلاني (^٣): لكنه لما كان حديث الباب في النهي عن بيع حبل الحبلة - وهو نوع من أنواع بيع الغرر - ذكر الغرر الذي هو عام، ثم عطف عليه حبل الحبلة من عطف الخاص على العام كما مرّ، لينبه على أن أنواع الغرر كثيرة وإن لم يذكر منها إلا حبل الحبلة من باب التنبيه بنوع مخصوص معلول بعلة على كل نوع توجد فيه تلك العلة، انتهى.\nقلت: والظاهر أن بيع الغرر هذا باب، والتراجم الآتية فيما بعد فصول وأمثلة له، قال النووي (^٤): النهي عن بيع الغرر أصل من أصول البيع فيدخل تحته مسائل كثيرة جدًا، انتهى.\nواختلفوا في معنى بيع حبل الحبلة على أربعة أقوال شهيرة، كما في الشروح و\"الكوكب الدري\" (^٥) وهامشه.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٥/ ١٢١ - ١٢٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٤/ ٣٥٧).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (٥/ ١٢٣).\n(^٤) \"صحيح مسلم بشرح النووي\" (٥/ ٤١٦).\n(^٥) \"الكوكب الدري\" (٢/ ٢٨٨).","vol":"3","page":603},{"text":"(٦٢ -<span data-type='title' id=toc-1558> باب الْمُلامَسَة. . .) إلخ</span>\nوسيأتي بعده \"باب بيع المنابذة\" وهما من بيوع الجاهلية المعروفة المنهي عنها في الإسلام، بسط الكلام عليهما في \"الأوجز\" (^١)، وحكى فيه عن الحافظ: اختلف العلماء في تفسير الملامسة على ثلاث صور، وهي أوجه للشافعية، أصحها: أن يأتي بثوب مطوي أو في ظلمة، فيلمسه المستام، فيقول له صاحب الثوب: بعتكه بكذا بشرط أن يقوم لمسك مقام نظرك ولا خيار لك إذا نظرته، وهذا موافق للتفسيرين اللذين في الحديث، الثاني: أن يجعلا نفس اللمس بيعًا بغير صيغة زائدة، الثالث: أن يجعلا اللمس شرطًا في قطع خيار المجلس وغيره، والبيع على التأويلات كلها باطل.\nواختلفوا في المنابذة أيضًا على ثلاثة أقوال، وهي أوجه للشافعية، أصحها: أن يجعلا نفس النبذ بيعًا كما تقدم في الملامسة، وهو الموافق للتفسير في الحديث، والثاني: أن يجعلا النبذ بيعًا بغير صيغة، والثالث: أن يجعلا النبذ قاطعًا للخيار، واختلفوا في تفسير النبذ، فقيل: هو طرح الثوب، كما وقع تفسيره في الحديث، وقيل: هو نبذ الحصاة، والصحيح أنه غيره، قال الموفق: لا نعلم بين أهل العلم خلافًا في فساد هذين البيعين، إلى آخر ما بسط في \"الأوجز\" و\"هامش اللامع\" (^٢).\n\n(٦٣ -<span data-type='title' id=toc-1559> باب بيع المنابذة. . .) إلخ</span>\nتقدم الكلام عليه في الباب الذي قبله.\n\n(٦٤ -<span data-type='title' id=toc-1560> باب النهي للبائع أن لا يُحَفِّل الإبل. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٣): كذا في معظم الروايات، و\"لا\" زائدة، وقد ذكره\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (١٣/ ١٠٠ - ١٠١).\n(^٢) \"اللامع\" (٦/ ٧٦).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٤/ ٣٦١).","vol":"3","page":604},{"text":"أبو نعيم بدون \"لا\"، ويحتمل أن تكون \"أن\" مفسرة و\"لا يحفل\" بيان للنهي، وقيد النهي بالبائع إشارة إلى أن المالك لو حفل فجمع اللبن للولد أو لعياله أو لضيفه لم يحرم وهذا هو الراجح كما سيأتي، وذكر البقر في الترجمة وإن لم يذكر في الحديث إشارة إلى أنها في معنى الإبل والغنم في الحكم خلافًا لداود، والتحفيل بالمهملة والفاء: التجميع، قال أبو عبيد: سميت بذلك لأن اللبن يكثر في ضرعها، وكل شيء كثّرته فقد حفّلته، تقول: ضرعٌ حافلٌ، أي: عظيم، واحتفل القوم، إذا كثر جمعهم، ومنه سمي المحفل.\nقوله: (وكل محفلة) بالنصب عطفًا على المفعول من عطف العام على الخاص، إشارة إلى إلحاق غير النعم من مأكول اللحم بالنعم للجامع بينهما وهو تغرير المشتري، وقال الحنابلة وبعض الشافعية: يختص ذلك بالنعم، واختلفوا في غير المأكول كالأتان والجارية فالأصح: لا يرد اللبن عوضًا، وبه قال الحنابلة في الأتان دون الجارية، انتهى.\nوبسط الكلام على المسألة في \"الأوجز\" (^١)، والجملة: أن التصرية عيب عند الجمهور، ومنهم الأئمة الثلاثة، لحديث المصراة، وقال أبو حنيفة وأصحابه: ليست التصرية عيبًا للاتفاق على أن الإنسان إذا اشترى شاة، فخرج لبنها قليلًا أن ذلك ليس بعيب، وقالوا: إن حديث المصراة مخالف للأصول المعروفة، كقوله - ﷺ -: \"الخراج بالضمان\"، وهو أصل متفق عليه، ومنها: أن الأصل في المتلفات إما القيمة وإما المثل، وإعطاء صاع ليس بقيمة ولا مثل، إلى آخر ما بسط في \"الأوجز\".\nوحكى شيخنا في \"البذل\" (^٢) عن العيني: إن الحديث يخالف الأصول لثمانية أوجه، ثم بسطها مع الزيادة على كلام العيني.\nوفي \"الفيض\" (^٣): وأجاب عنه الطحاوي بالمعارضة بحديث: \"الخراج\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (١٣/ ٢٣٧ - ٢٥٢).\n(^٢) \"بذل المجهود\" (١١/ ١٥٢ - ١٥٣).\n(^٣) \"فيض الباري\" (٣/ ٤٥٠ - ٤٥١).","vol":"3","page":605},{"text":"بالضمان\" والجواب عندي: أن الحديث محمول على الديانة دون القضاء لما في \"فتح القدير\" في \"باب الإقالة\": أن الغرر إما قولي أو فعليٌّ، فإن كان قوليًّا، فالإقالة واجبة بحكم القاضي، وإن كان الثاني تجب ديانةً لا قضاءً، انتهى.\n\n(٦٥ -<span data-type='title' id=toc-1561> باب إن شاء ردّ المصرّاة. . .) إلخ</span>\nقوله: (وفي حلبتها) بسكون اللام على أنه اسم الفعل، ويجوز الفتح على إرادة المحلوب، وظاهره أن التمر مقابل للحلبة، وزعم ابن حزم أن التمر في مقابلة الحلب لا في مقابلة اللبن؛ لأن الحلبة حقيقة في الحلب مجاز في اللبن، والحمل على الحقيقة أولى، فلذلك قال: يجب رد التمر واللبن معًا، وشذ بذلك عن الجمهور.\nقوله: (ففي حلبتها صاع من تمر) ظاهره أن صاع التمر في مقابل المصراة سواء كانت واحدة أو أكثر لقوله: \"من اشترى غنما\"، ثم قال: \"ففي حلبتها صاع من تمر\"، ونقله ابن عبد البر عمن استعمل الحديث، وابن بطال (^١) عن أكثر العلماء، وابن قدامة عن الشافعية والحنابلة، وعن أكثر المالكية: يرد عن كل واحدة صاعًا حتى قال المازري (^٢): من المستبشع أن يغرم متلف لبن ألف شاة كما يغرم متلف لبن شاة واحدة، إلى آخر ما في \"الفتح\" (^٣)، وذكر في \"الأوجز\" (^٤) بالبسط في حديث المصراة ثلاثة عشر بحثًا، وأجمل الكلام عليه في هامش \"اللامع\" (^٥).\n\n(٦٦ -<span data-type='title' id=toc-1562> باب بيع العبد الزاني. . .) إلخ</span>\nأي: جوازه مع بيان عيبه، انتهى من \"الفتح\" (^٦).\n_________\n(^١) (٦/ ٢٨١ - ٢٨٢).\n(^٢) \"المعلم\" (٢/ ١٦٤).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٤/ ٣٦٨ - ٣٦٩).\n(^٤) \"أوجز المسالك\" (١٣/ ٢٤١ - ٢٥٢).\n(^٥) \"اللامع\" (٦/ ٧٩ - ٨١).\n(^٦) \"فتح الباري\" (٤/ ٣٦٩).","vol":"3","page":606},{"text":"وكتب مولانا محمد حسن المكي: غرضه إثبات أن الزنا عيب، وقوله: \"ولو بحبل\" علم منه أن الزنا عيب، ولذا قلّت قيمتها، انتهى (^١).\nوقال الحافظ (^٢): شاهد الترجمة منه قوله: \"ولو بحبل من شعر\" فإنه يدل على جواز بيع العبد الزاني، ويشعر بأن الزنا عيب في المبيع لقوله: \"ولو بحبل من شعر\"، انتهى.\nقال العيني (^٣): الزنا عيب في الأمة دون الغلام؛ لأنه يخل بالمقصود منها، وهو الاستفراش وطلب الولد، والمقصود من الغلام الاستخدام، وكذلك إذا كانت بنت زنا فهو عيب.\nثم قال العيني (^٤): اختلف العلماء في العبد إذا زنى: هل هو عيب أم لا؟ فقال مالك: هو عيب في العبد والأمة، وهو قول أحمد وإسحاق، وقال الشافعي: كل ما ينقص من الثمن فهو عيب، وقالت الحنفية: وهو عيب في الجارية دون الغلام، انتهى.\nوإذا عرفت ذلك فقد علمت أن الحديث لا يخالف الحنفية لأنه وارد في الأمة دون الغلام، وأما إثبات الترجمة فبالقياس عليها، ومن فرق بينهما كالحنفية قالوا: لا يصح القياس لاختلاف المقصود منهما، انتهى.\nقوله: (ولو بحبل من شعر) كتب الشيخ في \"الكوكب الدري\" (^٥): قوله: \"ولو بضفير\" البيع ليس من ضرورته إخفاء العيب عن المشتري حتى يلزم المكروه بل في لفظ \"الضفير\" إشارة إليه فإن تقليل ثمنها إنما هو لأجل ما ظهر من عيبها عند المشتري، نعم يمكن أن يتوهم أن البيع ماذا يفيد فيها فإن الزنا لمَّا كان عادة لها كانت عند المشتري مثلها عند البائع مع ما لزم للبائع من المخالفة الظاهرة بقوله - ﷺ -: \"وأن تكره لأخيك ما تكره لنفسك\"،\n_________\n(^١) انظر: \"اللامع\" (٦/ ٨٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٤/ ٣٦٩).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٨/ ٤٥٤).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (٨/ ٤٥٥).\n(^٥) \"الكوكب الدري\" (٢/ ٣٧٨).","vol":"3","page":607},{"text":"والجواب: أن لتبدل الأيدي أثرًا في تنقل الأحوال لا سيما في أمثال تلك الخصال، فكم من امرأة هي منقادة لفحول الرجال، ومخالفة الرواية مقيّدة بما إذا لم يرتضه الآخر، وأما فيما نحن فيه فقد رضي المشتري لنفسه بما لم يرض به البائع لنفسه، انتهى.\nوقال الحافظ (^١) بعد ذكر الإشكال المذكور: وأجيب بأن السبب الذي باعه لأجله ليس محقق الوقوع عند المشتري لجواز أن يرتدع الرقيق إذا علم أنه متى عاد أخرج فإن الإخراج من الوطن المألوف شاق، ولجواز أن يقع الإعفاف عند المشتري بنفسه أو بغيره، قال ابن العربي: يرجى عند تبديل المحل تبديل الحال، ومن المعلوم أن للمجاورة تأثيرًا في الطاعة وفي المعصية، انتهى.\nقوله: (إذا زنت ولم تحصن) ذكر الإحصان فيه غريب مشكل جدًا، فتنبه له، وبسط الكلام عليه في هامش \"اللامع\" (^٢) وعلى المسألة في \"الأوجز\" (^٣)، وسيأتي الكلام عليه في محله في \"كتاب الحدود\" إن شاء الله تعالى.\n\n(٦٧ -<span data-type='title' id=toc-1563> باب البيع والشراء مع النساء)</span>\nقال الحافظ (^٤): أورد فيه حديث عائشة وابن عمر في قصة شراء بريرة، وشاهد الترجمة منه قوله: \"ما بال رجال يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله\" لإشعاره بأن قصة المبايعة كانت مع رجال، وكان الكلام في هذا مع عائشة زوج النبي - ﷺ -، انتهى.\nوقال العيني (^٥): مطابقة حديث عائشة في قوله: \"اشتري\" يخاطب به\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٢/ ١٦٤ - ١٦٥).\n(^٢) \"اللامع\" (٦/ ٨٢ - ٨٣).\n(^٣) \"أوجز المسالك\" (١٥/ ٢٩٣ - ٢٩٧).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٤/ ٣٧٠).\n(^٥) \"عمدة القاري\" (٨/ ٤٥٨ - ٤٥٩).","vol":"3","page":608},{"text":"عائشة، والبيع والشراء كان في بريرة حيث اشترتها عائشة من أهلها وصدق البيع والشراء ههنا من النساء مع الرجال، وقال بعضهم: شاهد الترجمة منه قوله. . . فذكر قول الحافظ المذكور، ثم قال: فيما ذكره بُعد، والأقرب الأوجه ما ذكرنا.\nثم قال العيني: ومطابقة حديث ابن عمر للترجمة في قوله: \"سَاوَمَتْ\" فإنها ساومت أهل بريرة، وهو البيع والشراء بين الرجال والنساء، انتهى.\n\n(٦٨ -<span data-type='title' id=toc-1564> باب هل يبيع حاضر لباد بغير أجر. . .) إلخ</span>\nقال ابن المنيِّر (^١) وغيره: حمل المصنف النهي عن بيع الحاضر للبادي على معنى خاص وهو البيع بالأجر أخذًا من تفسير ابن عباس، وقَوَّى ذلك بعموم أحاديث \"الدين النصيحة\" لأن الذي يبيع بالأجرة لا يكون غرضه نصح البائع غالبًا، وإنما غرضه تحصيل الأجرة، فاقتضى ذلك إجازة بيع الحاضر للبادي بغير أجرة من باب النصيحة، ويؤيده ما سيأتي في بعض طرق الحديث المعلق أول أحاديث الباب، وكذلك ما أخرجه أبو داود عن سالم المكي: \"أن أعرابيًا حدثه أنه قدم بحلوبة له على طلحة بن عبيد الله، فقال له: إن النبي - ﷺ - نهى أن يبيع حاضر لباد، ولكن اذهب إلى السوق فانظر من يبايعك فشاورني حتى آمرك وأنهاك\"، انتهى.\nثم قال البخاري: وقال النبي - ﷺ -: \"إذا استنصح أحدكم أخاه فلينصح له\" قال الحافظ: هو طرف من حديث وصله أحمد (^٢) عن حكيم بن أبي يزيد عن أبيه \"حدثني أبي قال: قال رسول الله - ﷺ -: دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض، فإذا استنصح الرجل الرجل فلينصح له\" ورواه البيهقي عن جابر مثله، انتهى مختصرًا (^٣).\nوفي حديث النهي عن بيع حاضر لباد ستة أبحاث مبسوطة في\n_________\n(^١) \"المتواري\" (ص ٢٤٤).\n(^٢) \"المسند\" (٣/ ٤١٨).\n(^٣) انظر: \"فتح الباري\" (٤/ ٣٧٠ - ٣٧١).","vol":"3","page":609},{"text":"\"الأوجز\" (^١) منها حكمه: فقد كرهه الأئمة الثلاثة، وقال مجاهد وأبو حنيفة وأصحابه: لا بأس بذلك.\nوفي \"الدر المختار\" (^٢): كره بيع الحاضر للبادي في حالة قحط وعوز، وإلا لا؛ لانعدام الضرر.\nوقال الحافظ (^٣): وبقول مجاهد في ذلك أخذ أبو حنيفة وتمسكوا بعموم قوله - ﷺ -: \"الدين النصيحة\" وزعموا أنه ناسخ لحديث النهي، وحمل الجمهور حديث \"الدين النصيحة\" على عمومه إلا في بيع الحاضر للبادي فهو خاص فيقضى على العام، والنسخ لا يثبت بالاحتمال، وجمع البخاري بينهما بتخصيص النهي بمن يبيع له بالأجرة كالسمسار، وأما من ينصحه فيعلمه بأن السعر كذا مثلًا فلا يدخل في النهي عنده، والله أعلم، انتهى.\nثم لا يذهب عليك أن الإمام البخاري ترجم على حديث الباب بلفظ \"هل\" قال العيني (^٤): جواب الاستفهام يعلم من المذكور في الباب، واكتفى به على جاري عادته في ذلك في بعض التراجم، انتهى.\nوأنت خبير بأن ذلك ليس بوجيه، فإنه ليس بموجب لتقييد الترجمة بالشك.\nوالأوجه عندي: أن المعروف من دأب المصنف أنه قد يترجم بلفظ \"هل\" إشارة إلى الاحتمال كما تقدم مبسوطًا في الأصل الثاني والثلاثين من أصول التراجم، وههنا أشار بذلك إلى احتمال جواز بيع الحاضر للبادي بأجر بناءً على ما سيأتي من جواز السمسرة عنده في \"باب أجر السمسرة\"، فإن السمسرة لما كانت جائزة عنده، وبيع الحاضر للبادي جائز بدون الأجر، فأي مانع من جوازه بالأجر، ويحتمل أيضًا أن يكون غرضه بلفظ\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (١٣/ ٢٢٨ - ٢٣٧).\n(^٢) \"الدر المختار\" (٧/ ٣١٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٤/ ٣٧١).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (٨/ ٤٥٩).","vol":"3","page":610},{"text":"\"هل\" الإشارة إلى عدم الجواز مطلقًا، كما هو مذهب الجمهور، فإن الروايات المرفوعة في ذلك مطلقة، والتقييد بالأجر تفسير من الصحابي، فتدبر (^١).\n\n(٦٩ -<span data-type='title' id=toc-1565> باب من كره أن يبيع حاضر لباد بأجر)</span>\nقال الحافظ (^٢): وبه قال ابن عباس حيث فسر ذلك بالسمسار، كما في الحديث الذي قبله، وأورد فيه حديث ابن عمر، وليس فيه التقييد بأجر كما في الترجمة، قال ابن بطال (^٣): أراد المصنف أن بيع الحاضر للبادي لا يجوز بأجر، ويجوز بغير أجر، واستدل على ذلك بقول ابن عباس، وكأنه قيد به مطلق حديث ابن عمر، انتهى.\nوقال العيني (^٤): فإن قلت: لا ذكر للأجر في الحديث؟ قلت: قال الكرماني: النهي عام لما بالأجر ولما بغير الأجر، ثم ذكر قول ابن بطال المذكور، وقال: الأوجه ما قاله ابن بطال بأن حديث ابن عمر عام فبعمومه يتناول كراهة بيع الحاضر للبادي بالأجر، واستدل على عدم كراهته إذا كان بلا أجر بقول ابن عباس؛ لأنه قال: \"لا يكون له سمسارًا\" والسمسار يأخذ الأجر، فخصص عموم حديث ابن عمر بحديث ابن عباس، انتهى.\nقلت: بقي ههنا شيء وهو أن الإمام البخاري - ﵀ - ترجم بقوله: \"باب من كره\" إلخ، وتقدم في الأصل الثالث من أصول التراجم أن من عادة الإمام البخاري أنه يترجم بمذهب ذهب إليه قبل ذلك، ويذكر في الباب ما يدل بنحو من الدلالة من غير قطع بترجيح ذلك المذهب، فيقول: باب من قال كذا، انتهى. وهذا يشير إلى الاحتمال الثاني من الاحتمالين اللذين ذكرتهما في الباب السابق، انتهى من هامش \"اللامع\" (^٥).\n_________\n(^١) انظر: \"اللامع\" (٦/ ٨٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٧٣).\n(^٣) (٦/ ٢٨٧).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (٨/ ٤٦٢).\n(^٥) \"اللامع\" (٦/ ٨٦ - ٨٧).","vol":"3","page":611},{"text":"(٧٠ -<span data-type='title' id=toc-1566> باب لا يشتري حاضر لباد بالسمسرة. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^١): أي: قياسًا على البيع له أو استعمالًا للفظ البيع في البيع والشراء، قال ابن حبيب المالكي: الشراء للبادي مثل البيع، لقوله ﵊: \"لا يبيع بعضكم على بعض\" فإن معناه الشراء، وعن مالك في ذلك روايتان، انتهى.\nقلت: هذا هو البحث الثالث من الأبحاث الستة، قال العيني (^٢): اختلفوا في شراء الحاضر للبادي فكرهت طائفة كما كرهوا البيع، واحتجوا بأن البيع في اللغة يقع على الشراء أيضًا، وأجازت طائفة الشراء لهم، وقالوا: إن النهي إنما جاء في البيع خاصة ولم يعدوا ظاهر اللفظ، واختلف قول مالك في ذلك، وبهذا قال الشافعي، انتهى.\nوفي \"الفيض\" (^٣): والحديث لم يرد فيه إلا بلفظ البيع، وترجم عليه المصنف بالشراء والبيع معًا، وادّعى أنه مشترك بينهما، فلعله اختار عموم المشترك، كما نُسِبَ إلى الشافعي، إلى آخر ما ذكر الكلام على الاشتراك اللفظي والمعنوي.\n\n(٧١ -<span data-type='title' id=toc-1567> باب النهي عن تلقي الركبان. . .) إلخ</span>\nجزم المصنف بأن البيع مردود بناء على أن النهي يقتضي الفساد، لكن محل ذلك عند المحققين فيما يرجع إلى ذات المنهي عنه لا ما إذا كان يرجع إلى أمر خارج عنه فيصح البيع ويثبت الخيار بشرطه الآتي ذكره، وأما كون صاحبه عاصيًا آثمًا والاستدلال عليه بكونه خداعًا فيصح، ولكن لا يلزم من ذلك أن يكون البيع مردودًا؛ لأن النهي لا يرجع إلى نفس العقد ولا يخل بشيء من أركانه وشرائطه وإنما هو لدفع الأضرار بالركبان، والقول ببطلان البيع صار إليه بعض المالكية وبعض الحنابلة.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٣٧٣).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٨/ ٤٦٢).\n(^٣) \"فيض الباري\" (٣/ ٤٥٧).","vol":"3","page":612},{"text":"ويمكن أن يحمل قول البخاري أن البيع مردود على ما إذا اختار البائع رده فلا يخالف الراجح، وقد تعقبه الإسماعيلي وألزمه التناقض ببيع المصراة فإن فيه خداعًا ومع ذلك لم يبطل البيع، وبكونه فصل في بيع الحاضر للبادي بين أن يبيع له بأجر أو بغير أجر، قال ابن المنذر: أجاز أبو حنيفة التلقي وكرهه الجمهور.\nقال الحافظ (^١): والذي في كتب الحنفية: يكره التلقي في حالتين: أن يضر بأهل البلد، وأن يلتبس السعر على الواردين، إلى آخر ما بسط في تفاريع المسألة والاختلاف، قال العيني (^٢): وقال بعضهم: جزم البخاري بأن البيع مردود بناء على أن النهي يقتضي الفساد لكن محل ذلك عند المحققين. . . إلى آخر ما تقدم في كلام الحافظ، ثم قال العيني: قلت: هؤلاء المحققون هم الحنفية، فإن مذهبهم في باب النهي هذا، وينبني على هذا الأصل مسائل كثيرة محلها كتب الفروع، ثم ذكر تفصيل الاختلاف في مسألة الباب، وذكر في \"الأوجز\" (^٣) في هذا الحديث ثلاثة أبحاث، الأول: في حكم التلقي كما في ترجمة الباب، والثاني: في محل التلقي وترجم له البخاري \"<span data-type='title' id=toc-1568>باب منتهى التلقي</span>\" كما سيأتي، والبحث الثالث: في حكم من تلقى، بسط الكلام على هذه الأبحاث في \"الأوجز\".\n\n(٧٢ - باب منتهى التلقي (^٤»\nيعني: إلى أين ينسحب النهي عن التلقي، فإنه لا بد للشراء من الخروج وقد نهينا عن التلقي، فكيف بأمر الشراء والتجارات؟ كذا في\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٣٧٤).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٨/ ٤٦٤).\n(^٣) \"أوجز المسالك\" (١٣/ ٢٢٢ - ٢٢٥).\n(^٤) في هامش \"الفيض\" (٣/ ٤٥٩) عن \"العارضة\": قال مالك في حد التلقي: الميل في رواية، والفرسخين في أخرى، واليومين في رواية ابن وهب.","vol":"3","page":613},{"text":"\"الفيض\" (^١)، قال العلامة العيني (^٢): اعلم أن التلقي له ابتداء وانتهاء، أما ابتداؤه فهو من الخروج من منزله إلى السوق، وأما انتهاؤه فهو من جهة البلد لا حد له، وأما من جهة التلقي فهو أن يخرج من أعلى السوق، وأما التلقي في أعلى السوق فهو جائز، وأما كان خارجًا من السوق في الحاضرة أو قريبًا منها بحيث يجد من يسأله عن شعرها فهذا يكره أن يشتري هناك؛ لأنه داخل في معنى التلقي، وإن خرج من السوق ولم يخرج من البلد فقد صرح الشافعية بأنه لا يدخل في النهي، وأما الموضع البعيد الذي لا يقدر فيه على ذلك فيجوز فيه البيع، وليس بتلقٍّ، قال مالك: وأكره أن يشتري في نواحي المصر حتى يهبط إلى السوق، قال ابن المنذر: بلغني هذا القول عن أحمد وإسحاق أنهما نهيا عن التلقي خارج السوق ورخصا في ذلك في أعلاه، ومذاهب العلماء في حد التلقي متقاربة، انتهى مختصرًا.\nقلت: هذا هو البحث الثاني من الأبحاث الثلاثة المذكورة في الباب السابق.\n\n(٧٣ -<span data-type='title' id=toc-1569> باب إذا اشترط في البيع شروطًا لا تحل)</span>\nقال الحافظ (^٣): أي: هل يفسد البيع بذلك أم لا؟ وأورد فيه حديثي عائشة وابن عمر في قصة بريرة، وكأن غرضه بذلك أن النهي يقتضي الفساد، فيصح ما ذهب إليه من أن النهي عن تلقي الركبان يرد به البيع، انتهى.\nوقال العيني (^٤): قوله: \"لا تحل\" صفة \"شروطًا\" وليس هو جواب \"إذا\" وجوابه محذوف تقديره: لا يفسد البيع بذلك، وبنحو ذلك قال القسطلاني (^٥) إذ قال: \"باب إذا اشترط\" إلخ، أي: هل يفسد البيع أم لا؟ و\"تحل\" صفة لقوله: \"شروطًا\"، انتهى.\n_________\n(^١) \"فيض الباري\" (٣/ ٤٥٩).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٨/ ٤٦٧).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٤/ ٣٧٦).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (٨/ ٤٦٩).\n(^٥) \"إرشاد الساري\" (٥/ ١٤٦).","vol":"3","page":614},{"text":"ولا يبعد عند هذا العبد الضعيف أن يكون قوله: \"لا تحل\" جوابًا لإذا، والمعنى أن الشروط لا تجوز في البيع فإن صنيع الإمام البخاري يدل على أنه موافق في هذه المسألة للإمام أحمد، فإن الخلاف في هذه المسألة شهير، وهو أن الإمام أحمد أجاز البيع بشرط واحد، ولم يجوزه بشرطين، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي إذ منعا البيع بشرط ولو بواحد، وأما الإمام مالك فالشروط عنده ثلاثة أنواع: شروط تبطل هي والبيع معًا، وشروط تجوز هي والبيع معًا، وشروط تبطل ويثبت البيع، بسط الكلام عليها في \"الأوجز\" (^١)، وما قلت: إن صنيع الإمام البخاري يدل على موافقة الإمام أحمد، يدل عليه أن الإمام البخاري ترجم في \"كتاب الشروط\" بـ \"باب الشروط في البيع\" وأورد فيه حديث عائشة في قصة بريرة ثم ترجم بـ \"باب إذا اشترط البائع ظهر الدابة إلى مكان جاز\" وأورد فيه حديث جمل جابر، وقال فيه: الاشتراط أكثر وأصح عندي، انتهى (^٢).\n\n(٧٤ -<span data-type='title' id=toc-1570> باب بيع التمر بالتمر)</span>\nقال القسطلاني (^٣): بالمثناة وسكون الميم فيهما، انتهى.\nترجم المصنف من ههنا على الأشياء الخمسة الواردة في الحديث، وليس في رواية البخاري ذكر الملح، ولذا لم يترجم المصنف للملح.\nقال القسطلاني (^٤) بعد حديث الباب: زاد مسلم من رواية أبي سعيد الخدري \"والملح بالملح\" ويقاس على ذلك سائر الطعام وهو ما قصد للطعم اقتياتًا أو تفكهًا أو تداويًا فإنه نص على البر والشعير، والمقصود منهما\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (١٢/ ٣٦٧ - ٣٧٤).\n(^٢) \"اللامع\" (٦/ ٩٤).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (٥/ ١٥٠).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (٥/ ١٥٠).","vol":"3","page":615},{"text":"التقوت فألحق بهما ما يشاركهما في ذلك كالأرز والذرة، وعلى التمر، والمقصود منه التأدم والتفكه وألحق به ما يشاكله في ذلك كالزبيب والتين، وعلى الملح المروي في مسلم، والمقصود منه الإصلاح فألحق به ما يشاركه في ذلك كالمصطكى وغيرها من الأدوية، فيشترط في بيع ذلك إذا كانا جنسًا واحدًا ثلاثة أمور: الحلول والمماثلة والتقابض في المجلس قبل التفرق، وإن كانا جنسين كحنطة وشعير جاز التفاضل واشترط الحلول والتقابض قبل التفرق، ويدل له حديث الباب مع حديث مسلم: \"الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلًا بمثل سواء بسواء يدًا بيدٍ، فإذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد\" أي: مقايضة، انتهى.\n\n(٧٥ -<span data-type='title' id=toc-1571> باب بيع الزبيب بالزبيب والطعام بالطعام)</span>\nوفي \"الفتح\" (^١): ليس في الحديث الذي ذكره للطعام ذكر، وكذلك ذكر فيه الزبيب بالزبيب والذي في الحديث الزبيب بالكرم، قال الإسماعيلي: لعله أخذ ذلك من جهة المعنى، ولو ترجم للحديث ببيع التمر في رؤوس الشجر بمثله من جنسه يابسًا لكان أولى.\nقال الحافظ: ولم يخل البخاري بذلك كما سيأتي بعد ستة أبواب، وأما ههنا فكأنه أشار إلى ما وقع في بعض طرقه من ذكر الطعام في رواية الليث عن نافع، كما سيأتي إن شاء الله، وروى مسلم من حديث معمر بن عبد الله مرفوعًا: \"الطعام بالطعام مثلًا بمثل\"، انتهى.\nقلت: وما أشار إليه الحافظ من رواية الليث عن نافع فالظاهر أنه أشار إلى ما سيأتي في \"باب بيع الزرع بالطعام كيلًا\"، وقال العيني (^٢) بعد ذكر الحديث: مطابقته للترجمة ظاهرة من حيث المعنى، ثم ذكر قول\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٣٧٧).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٨/ ٤٧٢).","vol":"3","page":616},{"text":"الإسماعيلي وكلام الحافظ المذكور، ثم تعقب عليه بقوله: هذا الذي قاله لا يساعد البخاري، والوجه ما ذكرناه من أنه أخذ في الترجمة من حيث المعنى، وهذا المقدار كافٍ في المطابقة، وربما يأتي بعض الأبواب ولا توجد المطابقة إلا بأدنى من هذا المقدار، والغرض وجود شيء ما من المناسبة، انتهى.\nوقال الكرماني (^١): إن قلت: كيف دلَّ الحديث على الترجمة؟ قلت: مفهوم نهى عن بيع الزبيب بالعنب جواز بيع الزبيب بالزبيب، ويقاس بيع الطعام بالطعام عليه، انتهى.\n\n(٧٦ -<span data-type='title' id=toc-1572> باب بيع الشعير بالشعير)</span>\nقال الحافظ (^٢): أي: ما حكمه؟ ثم قال بعد ذكر الحديث: استدل بالحديث على أن البر والشعير صنفان، وخالف في ذلك مالك والليث والأوزاعي فقالوا: هما صنف واحد، انتهى.\nوفي \"الأوجز\" (^٣) عن \"المغني\": البر والشعير جنسان، هذا هو المذهب، وبه يقول الشافعي وأصحاب الرأي وإسحاق وغيرهم، وعن أحمد: أنهما جنس واحد وحكي ذلك عن مالك وغيره، إلى آخر ما في هامش \"اللامع\" (^٤).\n\n(٧٧ -<span data-type='title' id=toc-1573> باب بيع الذهب بالذهب)</span>\n(٧٨ -<span data-type='title' id=toc-1574> وباب بيع الفضة بالفضة)</span>\nتقدم أن المصنف ترجم على كل واحد من الأشياء الخمسة الواردة في الحديث اهتمامًا بشأنها.\n_________\n(^١) \"الكرماني\" (١٠/ ٤٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٤/ ٣٧٩).\n(^٣) \"أوجز المسالك\" (١٢/ ٤٧١).\n(^٤) \"اللامع\" (٦/ ٩٩/ ١٠٠).","vol":"3","page":617},{"text":"قال العيني (^١): أي: هذا باب في بيان حكمه كيف هو؟ وهو أنه يجوز إذا كانا متساويين يدًا بيد، انتهى.\n\n(٧٩ -<span data-type='title' id=toc-1575> باب بيع الدينار بالدينار نساءً)</span>\nبفتح النون وبالمهملة والمد والتنوين منصوبًا، أي: مؤجلًا مؤخرًا، يقال: أنساه نساء ونسيئة، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\nقلت: وأشار المصنف بالترجمة إلى الخلاف في هذه المسألة كما ذهب إليه ابن عباس خلافًا للجمهور.\nقال صاحب \"الفيض\" (^٣): اعلم أن ربا الفضل كان جائزًا عند ابن عباس تمسكًا بقوله - ﷺ -: \"لا ربا إلا في النسيئة\"، فلما لقيه أبو سعيد، وأخبره عن حرمته رجع عنه، وأما شرح الحديث المرفوع، فأحدها: ما ذكره الراوي، والثاني: أن نفيه عن غيره على معنى تنزيل الناقص منزلة المعدوم، فإن ربا الفضل وإن كان ربًا وحرامًا لكنه يقتصر على تلك المعاملة، ثم ينتهي، فمضرته أهون بخلاف ربا النسيئة، فإنه يجري، ثم يضاعف أضعافًا مضاعفة، فمضرته أشد وألزم، إلى آخر ما قال.\nوقال الحافظ (^٤): منع النسيئة مع اتفاق النوع واختلاف هو المجمع عليه، ومنع التفاضل في النواع الواحد منهما هو قول الجمهور، وخالف فيه ابن عمر ثم رجع، وابن عباس واختلف في رجوعه.\n\n(٨٠ -<span data-type='title' id=toc-1576> باب بيع الورق بالذهب نسيئة)</span>\nقال القسطلاني (^٥): الورق بفتح الواو، وكسر الراء، وقد تسكن الراء، وقد تكسر الواو مع إسكان الراء، فهي ثلاث لغات، أي: الدراهم\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٨/ ٤٧٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٤/ ٣٨١).\n(^٣) \"فيض الباري\" (٣/ ٤٦٣ - ٤٦٤).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٤/ ٣٨٢).\n(^٥) \"إرشاد الساري\" (٥/ ١٥٨).","vol":"3","page":618},{"text":"المضروبة، ونسيئة على وزن كريمة ويجوز الإدغام فتكون على وزن برية، وحذف الهمزة وكسر النون كجلسة، انتهى.\nقال الحافظ (^١): البيع كله إما بالنقد أو بالعرض، حالًّا أو مؤجلًا، فهي أربعة أقسام: فبيع النقد إما بمثله وهو المراطلة، أو بنقد غيره وهو الصرف، وبيع العرض بنقد يسمى النقد ثمنًا والعرض عوضًا، وبيع العرض بالعرض يسمى مقايضة، والحلول في جميع ذلك جائز، وأما التأجيل فإن كان النقد بالنقد مؤخرًا فلا يجوز، وإن كان العرض جاز، وإن كان العرض مؤخرًا فهو السلم، وإن كانا مؤخرين فهو بيع الدين بالدين وليس بجائز إلا في الحوالة عند من يقول: إنها بيع، انتهى.\nوتقدم الكلام على أنواع البيوع في مبدأ \"كتاب البيوع\"، قال العيني (^٢) تبعًا للكرماني: إن قلت: كيف المطابقة والترجمة بيع الورق بالذهب والحديث عكسه، وهو بيع الذهب بالورق؟ قلت: الباء تدخل على الثمن إذا كان العوضان غير النقدين الذين هما للثمنية، أما إذا كانا نقدين فلا تفاوت في أيهما دخلت، فهما في المعنى سواء، انتهى.\n\n(٨١ -<span data-type='title' id=toc-1577> باب بيع الذهب بالورق يدًا بيد)</span>\nقال الحافظ (^٣): ليس في الحديث التقييد بالحلول، وكأنه أشار بذلك إلى ما وقع في بعض طرقه فقد أخرجه مسلم عن أبي الربيع عن عباد المذكور وفيه \"فسأله رجل فقال: يدًا بيد، فقال: هكذا سمعت\" وأخرجه مسلم من طريق يحيى بن أبي كثير عن يحيى بن أبي إسحاق فلم يسق لفظه، فساقه أبو عوانة في \"مستخرجه\" فقال في آخره: \"والفضة بالذهب كيف شئتم يدًا بيد\" واشتراط القبض في الصرف متفق عليه، وإنما الاختلاف في التفاضل بين جنس واحد، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٣٨٢).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٨/ ٤٨٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٤/ ٣٨٣).","vol":"3","page":619},{"text":"وقال العلامة السندي (^١): \"باب بيع الذهب\" إلخ، أي: يجوز تفاضلًا، وقوله: \"يدًا بيد\" إشارة إلى أنه محمل الحديث، والحاصل أنه قصد الاستدلال بالحديث على جواز البيع تفاضلًا، والحديث بإطلاقه يدل عليه، وزاد في الترجمة \"يدًا بيد\" ليكون كالشرح للحديث، انتهى.\n\n(٨٢ -<span data-type='title' id=toc-1578> باب بيع المزابنة)</span>\nقال القسطلاني (^٢): مفاعلة من الزبن وهو الدفع فإن كل واحد من المتبايعين يزبن صاحبه عن حقه، أو لأن أحدهما إذا وقف على ما فيه من الغبن أراد دفع البيع عن نفسه وأراد الآخر دفعه عن هذه الإرادة بإمضاء البيع، انتهى.\nواختلفوا في تفسير المزابنة، كما بسط في \"الأوجز\" (^٣)، وفيه: قال الحافظ: وفسر بعضهم المزابنة بأنها بيع الثمر قبل بدو صلاحه، وهو خطأ، فالمغايرة بينهما ظاهرة من حديث البخاري عن ابن عمر مرفوعًا: \"لا تبيعوا الثمر حتى يبدو صلاحه، ولا تبيعوا الثمر بالتمر\" (^٤) وقيل: هي المزارعة على الجزء، وقيل غير ذلك، والذي تدل عليه الأحاديث في تفسيرها الأولى، انتهى.\n\n(٨٣ -<span data-type='title' id=toc-1579> باب بيع الثمر على رؤوس النخل)</span>\nأي: بعد أن يطيب، وقوله: \"بالذهب أو الفضة\" اتبع فيه ظاهر الحديث، ثم قال بعد ذكر الحديث: قال ابن بطال (^٥): إنما اقتصر على الذهب والفضة لأنهما جل ما يتعامل به الناس، وإلا فلا خلاف بين الأئمة في جواز بيعه بالعروض يعني بشرطه، انتهى من \"الفتح\" (^٦).\n_________\n(^١) \"حاشية السندي على صحيح البخاري\" (٢/ ٢١).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٥/ ١٦٠).\n(^٣) \"أوجز المسالك\" (١٢/ ٤٧٧).\n(^٤) \"صحيح البخاري\" (ح: ٢١٨٣).\n(^٥) (٦/ ٣٠٩).\n(^٦) \"فتح الباري\" (٤/ ٣٨٧).","vol":"3","page":620},{"text":"(٨٤ -<span data-type='title' id=toc-1580> باب تفسير العرايا. . .) إلخ</span>\nقال القسطلاني (^١): جمع عرية وهي لغة: النخلة ووزنها فعيلة، قال الجمهور: بمعنى فاعلة لأنها عريت بإعراء مالكها، أي: إفراده لها من باقي النخل فهي عارية، وقال آخرون: بمعنى مفعولة من عراه يعروه إذا أتاه لأن مالكها يعروها، أي: يأتيها، فهي معروّة، وأصلها عريوة فقلبت الواو ياءً وأدغمت، فتسمية العقد بذلك على القولين مجاز عن أصل ما عقد عليه، انتهى.\nقلت: بسط في \"الأوجز\" (^٢) في تفسير العرية لغةً وشرعًا وحكمًا، وحاصل اختلاف الأئمة في ذلك أنها رجوع الواهب في هبته بعوض عند الحنفية، وشراء الواهب هبته عند المالكية، وقال الشافعي وأحمد: إن هذا القدر، أي: خمسة أوسق مستثنى من النهي عن المزابنة فيجوز بيعه مع الواهب وغيره، كذا في هامش \"اللامع\" (^٣)، وبسط الكلام على العرايا صاحب \"الفيض\" (^٤) أيضًا.\n\n(٨٥ -<span data-type='title' id=toc-1581> باب بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٥): ولم يجزم بحكم في المسألة لقوة الخلاف فيها، وقد اختلف في ذلك على أقوال: قيل: يبطل مطلقًا، وهو قول ابن أبي ليلى والثوري، ووهم من نقل الإجماع على البطلان، وقيل: يجوز مطلقًا ولو شرط التبقية وهو قول يزيد بن أبي حبيب، ووهم من نقل الإجماع فيه أيضًا، وقيل: إن شرط القطع لم يبطل وإلا بطل، وهو قول الشافعي وأحمد والجمهور ورواية عن مالك، وقيل: يصح إن لم يشترط التبقية والنهي فيه محمول على بيع الثمار قبل أن توجد أصلًا، وهو قول أكثر الحنفية، وقيل:\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٥/ ١٦٦).\n(^٢) \"أوجز المسالك\" (١٢/ ٤٠٨ - ٤٢٢).\n(^٣) \"اللامع\" (٦/ ١١١).\n(^٤) \"فيض الباري\" (٣/ ٤٦٨ - ٤٧٢).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٤/ ٣٩٤).","vol":"3","page":621},{"text":"هو على ظاهره لكن النهي للتنزيه، وحديث زيد بن ثابت المصدر به الباب يدل للأخير، وقد يحمل على الثاني، انتهى.\nقال العيني (^١): مذهب الشافعي وأحمد ومالك وإسحاق عدم جواز بيع الثمار في رؤوس النخل حتى تحمر أو تصفر، ومذهب الأوزاعي وأبي حنيفة وأبي يوسف جواز بيع الثمار على الأشجار، وبه قال مالك في رواية، وأحمد في قول، انتهى مختصرًا.\nوبسط الكلام على المسألة في \"الأوجز\" (^٢) فذكر فيه سبعة أبحاث:\nالأول: بيعها، أي: الثمار بشرط التبقية.\nالثاني: بشرط القطع.\nالثالث: بيعها مطلقًا لغير مالك الأصل.\nالرابع: بيعها مع الأصل.\nالخامس: بيعها بيد مالك الأصل.\nالسادس: أن يبيعها بشرط القطع، ثم يتركها حتى يبدو صلاحها.\nوالسابع: بيعها بعد بدو الصلاح وفيه أيضًا اختلاف، وأقوال، انتهى.\nوفيه أيضًا الكلام على المراد في بدو الصلاح.\n\n(٨٦ -<span data-type='title' id=toc-1582> باب بيع النخل قبل أن يبدو صلاحها)</span>\nقال الحافظ (^٣): هذه الترجمة معقودة لبيان حكم بيع الأصول، والتي قبلها لحكم بيع الثمار، انتهى.\nقلت: يشكل عليه أن هذا الغرض سيأتي قريبًا في \"باب بيع النخل بأصله\"، وتعقب العيني (^٤) كلام الحافظ بوجه آخر فقال بعد ذكر كلام\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٨/ ٤٨٤).\n(^٢) \"أوجز المسالك\" (١٢/ ٣٩٣ - ٣٩٤).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٤/ ٣٩٧).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (٨/ ٥٠١).","vol":"3","page":622},{"text":"الحافظ: هذا كلام فاسد غير صحيح بل كل من الترجمتين معقودة لبيع الثمار، أما الترجمة الأولى فهي قوله: \"باب في بيع الثمار. . .\" إلخ، ولم يذكر فيه النخل ليشمل ثمار جميع الأشجار المثمرة، وههنا ذكر النخل والمراد ثمرته وليس المراد عين النخل؛ لأن بيع عين النخل لا يحتاج أن يقيد ببدو الصلاح أو بعدمه، ألا ترى في الحديث يقول: \"وعن النخل حتى تزهو\"، والزهو صفة الثمرة لا صفة عين النخل، والتقدير: عن ثمر النخل، فافهم، انتهى.\nقال القسطلاني (^١): وأجاب الحافظ ابن حجر في انتقاض الاعتراض بأنه قد فات العيني أنه ينقسم إلى بيع النخل دون الثمرة أو الثمرة دون النخل أو هما معًا، ففي الأول لا يتقيد بصلاح الثمرة دون الأخيرين، انتهى.\nووافق السندي (^٢) العيني إذ قال: الظاهر أن مراده بيع ثمر النخل، وأفرده لموافقة الحديث الذي ذكره، وأفرد في الحديث اهتمامًا بشأنه لأن غالب ثمراتهم كان ثمر النخل، وعلى هذا فقوله في الحديث: \"وعن النخل\" أي: عن بيع ثمره من عطف الخاص على العام، والله أعلم، انتهى.\nقلت: ويبقى على جواب الحافظ الإيراد الذي ذكرته من تكرار الترجمة بالآتية ولم يتعرض لذلك الشرَّاح، ويمكن التفصي عنه بأن المراد ههنا بيع الأصول والأشجار كما قال الحافظ، والمراد بالأصل في الترجمة الآتية الأرض، لكن فيه أن القسطلاني أنكر أن يكون المراد بالأصل هناك الأرض كما سيأتي، انتهى من هامش \"اللامع\" (^٣).\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٥/ ١٧٤).\n(^٢) \"حاشية السندي على صحيح البخاري\" (٢/ ٢٣).\n(^٣) \"اللامع\" (٦/ ١١٣ - ١١٤).","vol":"3","page":623},{"text":"(٨٧ -<span data-type='title' id=toc-1583> باب إذا باع الثمار قبل أن يبدو صلاحها. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^١): جنح البخاري في هذه الترجمة إلى صحة البيع وإن لم يبد صلاحها، لكنه جعله قبل الصلاح من ضمان البائع، ومقتضاه أنه إذا لم يفسد فالبيع صحيح، وهو في ذلك متابع للزهري كما أورده عنه في آخر الباب.\nوقال بعد حديث الباب: واستدل بهذا على وضع الجوائح في الثمر يشتري بعد بدو صلاحه ثم تصيبه جائحة، فقال مالك: يضع عنه الثلث، وقال أحمد: يضع الجميع، وقال الشافعي والكوفيون: لا يرجع على البائع بشيء وقالوا: إنما ورد وضع الجائحة فيما إذا بيعت الثمرة قبل بدو صلاحها بغير شرط القطع فيحمل مطلق الحديث في رواية جابر على ما قيد به في حديث أنس، انتهى.\nوكتب شيخ مشايخنا مولانا أحمد علي المحدث السهارنفوري نور الله مرقده في هامش \"البخاري\" (^٢): قوله: \"أرأيت إن منع الله الثمرة. . .\" إلخ، فيه الترجمة لأن الثمرة إذا أصابتها عاهة ولم يقبضها المشتري تكون من ضمان البائع، فإذا قبضها فهو من مال المشتري، وبه قال جمهور السلف والثوري وأبو حنيفة والشافعي في الجديد وغيرهم، قاله العيني (^٣)، انتهى.\n\n(٨٨ -<span data-type='title' id=toc-1584> باب شراء الطعام إلى أجل)</span>\nقال العلامة العيني (^٤): تقدم حديث الباب في \"باب شراء النبي - ﷺ - بالنسيئة\"، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٣٩٨ - ٣٩٩).\n(^٢) (٤/ ٦٣٩).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٨/ ٥٠٢ - ٥٠٣).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (٨/ ٥٠٥).","vol":"3","page":624},{"text":"قلت: هو كذلك، وتقدم أيضًا في \"باب شراء الإمام الحوائج بنفسه\" وفي \"الفيض\" (^١)، يعني اشترى طعامًا، ولم يؤد ثمنه، فهو بيع مطلق؛ لأنه أنه سلم، كما فهم، انتهى.\n\n(٨٩ -<span data-type='title' id=toc-1585> باب إذا أراد بيع تمر بتمر. . .) إلخ</span>\nأي: ما يصنع ليسلم من الربا، وأجمعوا على أن التمر بالتمر لا يجوز بعضه ببعض إلا مثلًا بمثل، وسواء فيه الطيب والدون، وأنه كله على اختلاف أنواعه جنس واحد، انتهى من \"الفتح\" (^٢) باختصار.\n\n(٩٠ -<span data-type='title' id=toc-1586> باب قبض من باع نخلًا قد أُبِّرت)</span>\nهكذا في النسخة المطبوعة الهندية التي بأيدينا، وفي نسخة الشروح: \"باب من باع\" بدون لفظ \"القبض\".\nقال القسطلاني (^٣): قوله: \"باب من باع. . .\" إلخ، ولأبي ذر \"قبض من\"، انتهى.\nقوله: (بإجارة) قال الحافظ (^٤): أي أخذ شيئًا مما ذكر بإجارة، انتهى.\nوقال العلامة العيني (^٥): وجواب من محذوف تقديره: فثمرتها للذي أبّرها، ولم يذكره اكتفاءً بما في الحديث.\nقال العيني بعد ذكر أثر ابن عمر: فإن قلت: للترجمة ثلاثة أجزاء: الأول: بيع النخل المؤبرة، والثاني: بيع الأرض المزروعة، والثالث: الإجارة، فأين مطابقة الحديث لهذه الأجزاء؟ قلت: قوله: \"نخل بيعت قد أبّرت\" مطابق للجزء الأول، وقوله: \"والحرث\" - هو الزرع - مطابق للجزء الثاني، فالزرع للبائع إذا باع الأرض المزروعة ويفهم منه أنه: إذا آجر أرضه\n_________\n(^١) \"فيض الباري\" (٣/ ٤٨٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٤/ ٤٠٠).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (٥/ ١٧٩).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٤/ ٤٠١).\n(^٥) \"عمدة القاري\" (٨/ ٥٠٧ - ٥٠٨).","vol":"3","page":625},{"text":"وفيها زرع فالزرع له، وإن كانت الإجارة فاسدة عندنا في ظاهر الرواية، وهذا مطابق للجزء الثالث، ولم أر أحدًا من الشرَّاح قد تنبَّه لهذا مع دعوى بعضهم الدعاوي العريضة في هذا الفن، انتهى.\nقلت: وذكر في \"الأوجز\" (^١) في الحديث سبعة أبحاث، كما ذكر في هامش \"اللامع\" (^٢) فارجع إليه.\n\n(٩١ -<span data-type='title' id=toc-1587> باب بيع الزرع بالطعام كيلًا)</span>\nقال الحافظ (^٣): قال ابن بطال (^٤): أجمع العلماء على أنه لا يجوز بيع الزرع قبل أن يقطع بالطعام؛ لأنه بيع مجهول بمعلوم، وأما بيع رطب ذلك بيابسه بعد القطع وإمكان المماثلة فالجمهور لا يجيزون بيع شيء من ذلك بجنسه لا متفاضلًا ولا متماثلًا.\nقال الحافظ: وقد تقدم البحث قبل أبواب، واحتج الطحاوي لأبي حنيفة في جواز بيع الزرع الرطب بالحب اليابس بأنهم أجمعوا على جواز بيع الرطب بالرطب مثلًا بمثل مع أن رطوبة أحدهما ليست كرطوبة الآخر بل تختلف اختلافًا متباينًا، وتعقب بأنه قياس في مقابلة النص، وبأن الرطب بالرطب وإن تفاوت لكنه نقصان يسير فعفي عنه لقلته بخلاف الرطب بالتمر فإن تفاوته تفاوت كثير، انتهى.\nقلت: تقدم البسط في ذلك في \"باب بيع المزابنة\"، وتقدم هناك مستدل الإمام أبي حنيفة بأنهما جنس واحد فيجوز متساويًا، أو هما جنسان فيجوز كيف شئتم، كذا في هامش \"اللامع\" (^٥).\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (١٢/ ٣٧٩ - ٣٨٦).\n(^٢) \"اللامع\" (٦/ ١١٨ - ١١٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٤/ ٤٠٣).\n(^٤) (٦/ ٣٢٦).\n(^٥) \"اللامع\" (٦/ ١٢٠).","vol":"3","page":626},{"text":"(٩٢ -<span data-type='title' id=toc-1588> باب بيع النخل بأصله)</span>\nهذه الترجمة بظاهرها مكررة لما تقدم قريبًا \"باب بيع النخل قبل أن يبدو صلاحها\" لا سيما على رأي الحافظ فإنه حمل الترجمة المذكورة قبل على بيع الأصول، ولم يتعرض أحد من الشرَّاح للتكرار، ويمكن التفصي عنه عند هذا العبد الضعيف بحمل الأولى على الأشجار، وحمل هذه الترجمة على الأرض، لكن فيه أن أكثر الشرَّاح حملوا هذه الترجمة أيضًا على الأشجار.\nوقال الكرماني (^١): فإن قلت: ما أصل النخلة أهو الأرض أم لا؟ قلت: الإضافة بيانية نحو: شجر الأراك، أي: أصل هو النخلة، انتهى.\nوكذا صاحب \"الفيض\" (^٢) إذ قال: \"باب بيع النخل بأصله\" أي: باع الثمار وباع معها النخل أيضًا.\nقال العيني (^٣): أي: باب بيع ثمر النخل بأصله أي: بأصل النخل.\nوقال القسطلاني (^٤): ليس المراد أرضها فالإضافة بيانية، انتهى. ولا إيراد على رأي العيني ومن وافقه فإن حمل الترجمة الأولى على الثمار كما تقدم، كذا في هامش \"اللامع\" (^٥).\nوالحاصل أن ههنا ثلاث تراجم:\nالأولى: \"باب بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها\".\nوالثانية: \"باب بيع النخل قبل أن يبدو صلاحها\".\nوالثالثة: هذا الذي نحن فيه.\nوالفرق بين هذه التراجم على رأي العلامة العيني أن المقصود\n_________\n(^١) \"شرح الكرماني\" (١٠/ ٦١).\n(^٢) \"فيض الباري\" (٣/ ٤٨٢).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٨/ ٥١٢).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (٥/ ١٨٣).\n(^٥) \"لامع الدراري\" (٦/ ١٢١).","vol":"3","page":627},{"text":"من الأولى بيان بيع الثمار على العموم سواء كان ثمر النخل أو ثمر غيره من الأشجار، والغرض من الثانية بيع ثمر النخل خاصة، والمراد ههنا بيع ثمر النخل مع النخل، وعلى هذا فلا تكرار بالترجمة.\n\n(٩٣ -<span data-type='title' id=toc-1589> باب بيع المخاضرة)</span>\nبالخاء والضاد المعجمتين، وهي مفاعلة من الخضرة، والمراد بيع الثمار والحبوب قبل أن يبدو صلاحها، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nقال القسطلاني (^٢): قوله: \"نهى عن المخاضرة\" فلا يجوز بيع زرع لم يشتد حبه ولا بيع بقول وإن كانت تجذ مرارًا إلا بشرط القطع أو القلع أو مع الأرض كالثمر مع الشجر، فإن اشتد حب الزرع لم يشترط القطع ولا القلع كالثمر بعد بدو صلاحه، وكذا لا يصح بيع الجزر والفجل والثوم والبصل في الأرض لاستتار مقصودها، ويجوز بيع ورقها الظاهر بشرط القطع كالبقول، انتهى.\nوقال الموفق (^٣): لا يجوز بيع الزرع الأخضر في الأرض إلا بشرط القطع في الحال، كما ذكرناه في الثمرة على الأصول، قال ابن المنذر: لا أعلم أحدًا يعدل عن القول به، وهو قول مالك، وأهل المدينة، وأصحاب الحديث، وأصحاب الرأي، إلى آخر ما قال، انتهى من هامش اللامع (^٤).\n\n(٩٤ -<span data-type='title' id=toc-1590> باب بيع الجمّار وأكله)</span>\nأي: حكم بيع الجمَّار، بضم الجيم وتشديد الميم: قلب النخلة، انتهى من \"القسطلاني\" (^٥).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٤٠٤).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٥/ ١٨٣ - ١٨٤).\n(^٣) \"المغني\" (٦/ ١٥١).\n(^٤) \"اللامع\" (٦/ ١٢٢).\n(^٥) \"إرشاد الساري\" (٥/ ١٨٥).","vol":"3","page":628},{"text":"قال الحافظ (^١): وليس في الحديث ذكر البيع لكن الأكل منه يقتضي جواز بيعه، قاله ابن المنيِّر (^٢)، ويحتمل أن يكون أشار إلى أنه لم يجد حديثًا على شرطه يدل بمطابقته على بيع الجمار، وقال ابن بطال (^٣): بيع الجمار وأكله من المباحات بلا خلاف، وكل ما انتفع به للأكل فبيعه جائز.\nقال الحافظ: وفائدة الترجمة دفع توهم المنع من ذلك؛ لأنه قد يظن إفسادًا وإضاعة وليس كذلك، انتهى.\nوقال الكرماني (^٤): فإن قلت: ما الذي يدل على بيع الجمار؟ قلت: جواز أكله، ولعل الحديث مختصر مما فيه ذلك، أو غرضه الإشارة إلى أنه لم يجد حديثًا يدل عليه بشرطه، انتهى.\nوقال العيني (^٥) بعد ذكر قول الكرماني: الجواب الأول أوجه من الآخرين، ثم ذكر قول الحافظ في فائدة الترجمة، ثم تعقب عليه بقوله: المقصود من الترجمة أن يدل على شيء في الحديث الذي يورده في بابها، وهذا الذي قاله أجنبي من ذلك، وليس بشيء على ما لا يخفى، انتهى.\nقلت: والوجه عندي ما قاله الحافظ كما لا يخفى، فإن غرض الترجمة غير الترجمة، والذي يحتاج إلى ما في الحديث هي الترجمة لا غرضها، كذا في هامش \"اللامع\" (^٦).\n\n(٩٥ -<span data-type='title' id=toc-1591> باب من أجرى أمر الأمصار. . .) إلخ</span>\nقال العيني (^٧): قوله: \"وسننهم\" عطف على \"ما يتعارفون بينهم\" أي: على طريقتهم الثابتة على حسب مقاصدهم وعاداتهم المشهورة، وحاصل الكلام أن البخاري قصد بهذه الترجمة إثبات الاعتماد على العرف والعادة، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٤٠٥).\n(^٢) \"المتواري\" (ص ٢٤٥).\n(^٣) (٦/ ٣٢٩).\n(^٤) \"شرح الكرماني\" (١٠/ ٦٢).\n(^٥) \"عمدة القاري\" (٨/ ٥١٤).\n(^٦) \"اللامع\" (٦/ ١٢٤).\n(^٧) \"عمدة القاري\" (٨/ ٥١٥).","vol":"3","page":629},{"text":"قال الحافظ (^١): قال ابن المنير (^٢) وغيره: مقصوده بهذه الترجمة إثبات الاعتماد على العرف، وأنه يقضى به على ظواهر الألفاظ، ولو أن رجلًا وكل رجلًا في بيع سلعة فباعها بغير النقد الذي عرف الناس لم يجز، وكذا لو باع موزونًا أو مكيلًا بغير الكيل أو الوزن المعتاد، وذكر القاضي حسين من الشافعية أن الرجوع إلى العرف أحد القواعد الخمس التي يبنى عليها الفقه، فمنها الرجوع إلى العرف في معرفة أسباب الأحكام من الصفات الإضافية، كصغر ضبة الفضة وكبرها، وغالب الكثافة في اللحية ونادرها، إلى غير ذلك، ومنها الرجوع إلى المقادير، كالحيض والطهر وأكثر مدة الحمل وسن اليأس، إلى آخر ما بسطه.\nوقال العيني (^٣): كل شيء لم ينص عليه الشارع أنه كيلي أو وزني يعمل في ذلك على ما يتعارفه أهل تلك البلدة مثلًا الأرز فإنه لم يأت فيه نص من الشارع أنه كيلي أو وزني، فيعتبر في عادة أهل كل بلدة على ما بينهم من العرف فيه، فإنه في البلاد المصرية يكال، وفي البلاد الشامية يوزن، ونحو ذلك من الأشياء؛ لأن الرجوع إلى العرف جملة من القواعد الفقهية، انتهى.\nقوله: (لا بأس العشرة بأحد عشر) قال الكرماني (^٤): العشرة بالرفع والنصب، أي: إذا كان عرف البلد أن المشترى بعشرة دراهم يباع بأحد عشر درهمًا فيبيعه على ذلك العرف فلا بأس به، انتهى.\nقال العيني (^٥): قال ابن بطال: اختلف العلماء في ذلك فأجازه قوم وكرهه آخرون، وممن كره ابن عباس وابن عمر وغيرهما، وبه قال أحمد وإسحاق، قال أحمد: البيع مردود، وأجازه ابن المسيب والنخعي، وهو\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٤٠٦).\n(^٢) \"المتواري\" (ص ٢٤٦).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٨/ ٥١٥).\n(^٤) \"شرح الكرماني\" (١٠/ ٦٢).\n(^٥) \"عمدة القاري\" (٨/ ٥١٦).","vol":"3","page":630},{"text":"قول مالك والثوري، وحجة من كرهه أنه بيع مجهول، وحجة من أجازه أن الثمن معلوم والربح معلوم، وأصل هذا الباب بيع الصبرة كل قفيز بدرهم، ولا يعلم مقدارها من الطعام، فأجازه قوم وأباه آخرون، ومنهم من قال: لا يجوز إلا القفيز الواحد، انتهى من هامش \"اللامع\" (^١) والبسط فيه.\n\n(٩٦ -<span data-type='title' id=toc-1592> باب بيع الشريك من شريكه)</span>\nقال ابن بطال (^٢): هو جائز في كل شيء مشاع، وهو كبيعه من الأجنبي، فإن باعه من الأجنبي فللشريك الشفعة، وإن باعه من الشريك ارتفعت الشفعة، وذكر فيه حديث جابر في الشفعة، وحاصل كلام ابن بطال مناسبة الحديث للترجمة، وقال غيره: معنى الترجمة حكم بيع الشريك من شريكه، والمراد منه حض الشريك أن لا يبيع ما فيه الشفعة إلا من شريكه؛ لأنه إن باعه لغيره كان للشريك أخذه بالشفعة قهرًا، وقيل: وجه المناسبة أن الدار إذا كانت بين ثلاثة فباع أحدهم للآخر كان للثالث أن يأخذ بالشفعة ولو كان المشتري شريكًا، وقيل: ينبني على الخلاف هل الأخذ بالشفعة أخذ من المشتري أو البائع؟ فإن كان من المشتري فيكون شريكًا، وإن كان من البائع فهو شريك شريكه، وقيل: مراده أن الشفيع إن كان له الأخذ قهرًا فللبائع إذا كان شريكه أن يبيع له ذلك بطريق الاختيار، بل أولى، انتهى.\nقلت: وما قال الحافظ (^٣) من مسألة الدار بين الثلاثة خلافية بسطت في \"المغني\" (^٤)، وذكر في هامش \"اللامع\" وفيه: قال القسطلاني (^٥): قال ابن المنيِّر: أدخل في هذا الباب حديث الشفعة لأن الشريك يأخذ الشقص من المشتري قهرًا بالثمن، فأخذه له من شريكه مبايعة جائز قطعًا، انتهى.\n_________\n(^١) \"اللامع\" (٦/ ١٢٤ - ١٢٧).\n(^٢) (٦/ ٣٣٥).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٤/ ٤٠٧).\n(^٤) \"المغني\" (٧/ ٤٣٥).\n(^٥) \"إرشاد الساري\" (٥/ ١٩٠).","vol":"3","page":631},{"text":"وقال العيني (^١): مطابقة الحديث للترجمة من حيث إن الشفعة لا تقوم إلا بالشفيع، وهو إذا أخذ الدار المشتركة بينه وبين رجل حين باع ما يخصه بالشفعة، فكأنه اشتراه من شريكه، فصدق عليه أنه بيع الشريك من الشريك، انتهى.\nقلت: والأوجه عندي من هذه الوجوه ما ذكره الحافظ من أن غرض الترجمة الحض على بيع الشريك من شريكه؛ لأنه إذا كان للشريك أن يأخذ قهرًا فأولى أن يأخذه رضىً ليكون أطيب لقلبه، انتهى من هامش \"اللامع\" (^٢).\nوفي \"الفيض\" (^٣) تحت الباب: وهذا البيع جائز عندنا، ولا يضره الشيوع، بخلاف هبة المشاع، انتهى.\n\n(٩٧ -<span data-type='title' id=toc-1593> باب بيع الأرض والدور) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٤): ذكر فيه حديث جابر في الشفعة أيضًا، وسيأتي في مكانه، وذكر ههنا اختلاف الرواة في قوله: \"كل ما لم يقسم\" أو \"كل مالٍ لم يقسم\"، إلى آخر ما بسطه من اختلاف ألفاظ الرواة، ولم يتعرض لغرض الترجمة.\nوقال العيني (^٥): قوله: \"الدور\" بالهمز والواو كليهما وبالواو فقط جمع دار، والعروض بالضاد المعجمة جمع عرض بالفتح، وهو المتاع، وقوله: \"مشاعًا\" نصب على الحال، ثم قال بعد ذكر الحديث: مطابقته للترجمة في قوله: \"كل ما لا يقسم\" وقد ذكرنا أن هذا اللفظ عام، وأريد به الخاص في العقار، وقد مضى في الباب السابق أن الشفعة في الأرضين والدور خاصة، وأما بيع العروض مشاعًا فأكثر العلماء أنه لا شفعة فيها،\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٨/ ٥٢١).\n(^٢) \"اللامع\" (٦/ ١٢٩ - ١٣٠).\n(^٣) \"فيض الباري\" (٣/ ٤٨٤).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٤/ ٤٠٨).\n(^٥) \"عمدة القاري\" (٨/ ٥٢٣ - ٥٢٤).","vol":"3","page":632},{"text":"كما مرّ، وإنما ذكر العروض في الترجمة وليس لها ذكر في الحديث تنبيهًا على الخلاف فيه على الإجمال، ويوقف عليه من الخارج، انتهى.\nقلت: بسط الكلام في \"الأوجز\" (^١) فيما يقع فيه الشفعة، وفيه: قال الموفق: الشفعة تثبت على خلاف الأصل، إذ هي انتزاع ملك المشتري بغير رضىً، لكن أثبتها الشرع لمصلحة راجحة، فلا تثبت إلا بشروط أربعة، وبسط في \"الأوجز\" اختلاف الأئمة في الشروط الأربعة، ليس هذا محله.\n\n(٩٨ -<span data-type='title' id=toc-1594> باب إذا اشترى شيئًا لغيره بغير إذنه فرضي)</span>\nهذه الترجمة معقودة لبيع الفضولي، وقد مال البخاري فيها إلى الجواز، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\nوهكذا في العيني (^٣) إذ قال: أشار به البخاري إلى بيع الفضولي.\nقلت: هذا مشكل فإن نص الترجمة أنها منعقدة لشراء الفضولي دون البيع، وقال ابن رشد في \"البداية\" (^٤): اختلفوا في بيع الفضولي وشرائه، فمنعه الشافعي في الوجهين جميعًا، وأجازه مالك في الوجهين جميعًا، وفرَّق أبو حنيفة بين البيع والشراء، فقال: يجوز البيع ولا يجوز الشراء.\nوعمدة المالكية حديث عروة البارقي في الأضحية، ووجه الاستدلال منه أن النبي - ﷺ - لم يأمره في الشاة الثانية لا بالشراء ولا بالبيع، فصار ذلك حجة على أبي حنيفة في صحة الشراء للغير، وعلى الشافعي في الأمرين جميعًا، انتهى.\nوقال الموفق (^٥): من باع مال غيره بغير إذنه، فالصحيح من المذهب أن البيع باطل، وفيه رواية أخرى أنه صحيح، ويقف على إجازة المالك، فإن لم يجزه بطل، وإن أجازه صح.\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (١٣/ ٤٧٥ - ٤٧٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٤/ ٤٠٩).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٨/ ٥٢٥).\n(^٤) \"بداية المجتهد\" (٢/ ١٦٧ - ١٦٨).\n(^٥) \"المغني\" (٧/ ٢٤١).","vol":"3","page":633},{"text":"قال العيني (^١) بعد ذكر الحديث: وفيه جواز بيع الإنسان مال غيره بطريق الفضول، والتصرف فيه بغير إذن مالكه إذا أجازه المالك بعد ذلك، ولهذا عقد البخاري الترجمة، وقال بعضهم - الحافظ -: طريق الاستدلال به يبتني على أن شرع من قبلنا شرع لنا، والجمهور على خلافه.\nقال العيني: شرع من قبلنا يلزمنا ما لم يخص الشارع الإنكار عليه، وههنا طريق آخر في الجواز، وهو أنه - ﷺ - ذكر هذه القصة في معرض المدح والثناء على فاعلها، وأقرَّه على ذلك، ولو كان لا يجوز لبينه، انتهى.\nوقال القسطلاني (^٢) تبعًا للحافظ: وطريق الاستدلال به ينبني على أن شرع من قبلنا شرع لنا، والجمهور على خلافه، لكن تقرر أن النبي - ﷺ - ساقه سياق المدح والثناء على فاعله وأقرَّه على ذلك، ولو كان لا يجوز لبيَّنه، فبهذا التقرير يصح الاستدلال به لا بمجرد كونه شرع من قبلنا، انتهى.\nثم اعلم أن العلماء اختلفوا في الربح لمن هو إذا تصرف في مال الغير ذكره العلامة العيني (^٣) ههنا، وسيأتي في \"البخاري\" في \"باب إذا زرع بمال قوم بغير إذنهم وكان في ذلك صلاح لهم\"، فانتظره.\n\n(٩٩ -<span data-type='title' id=toc-1595> باب الشراء والبيع مع المشركين وأهل الحرب)</span>\nقال ابن بطال (^٤): معاملة الكفار جائزة، إلا بيع ما يستعين به أهل الحرب على المسلمين، واختلف العلماء في مبايعة من غالب ماله الحرام، وحجة من رخص فيه قوله - ﷺ - للمشرك: \"أبيعًا أم هبةً؟ \" وفيه جواز بيع الكافر وإثبات ملكه على ما في يده، وجواز قبول الهدية منه، وسيأتي حكم هدية المشركين في \"كتاب الهبة\".\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٨/ ٥٢٨).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٥/ ١٩٤).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٨/ ٥٢٩).\n(^٤) (٦/ ٣٣٨).","vol":"3","page":634},{"text":"قال الحافظ: وقد تقدم قريبًا في \"باب بيع السلاح في الفتنة\" ما يتعلق بمبايعة أهل الشرك، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(١٠٠ -<span data-type='title' id=toc-1596> باب شراء المملوك من الحربي. . .) إلخ</span>\nقال ابن بطال (^٢): غرض البخاري بهذه الترجمة إثبات ملك الحربي وجواز تصرفه في ملكه بالبيع والهبة والعتق وغيرها، إذ أقر النبي - ﷺ - سلمان عند مالكه من الكفار وأمره أن يكاتب، وقبل الخليل هبة الجبار، وغير ذلك مما تضمنه حديث الباب، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\nوفي تقرير مولانا محمد حسن المكي: فيه رد لمن قال: إن الكفار بمنزلة الجمادات لا يثبت لهم الملك في شيء، انتهى.\nقوله: (وقال النبي - ﷺ - لسلمان: كاتب) قال الحافظ (^٤): يستفاد منه تقرير أحكام المشركين على ما كانوا عليه قبل الإسلام، وقد قال الطبري: إنما أقر اليهودي على تصرفه في سلمان بالبيع ونحوه؛ لأنه لما ملكه لم يكن سلمان على هذه الشريعة وإنما كان قد تنصر، وحكم هذه الشريعة أن من غلب من الكفار على نفس غيره أو ماله ولم يكن المغلوب فيمن دخل في الإسلام أنه يدخل في ملك الغالب، انتهى.\nقوله: (وكان حرًا. . .) إلخ، هو من كلام البخاري عند الحافظ، ومن كلامه - ﷺ - عند الكرماني (^٥).\nقوله: (وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ﴾. . .) إلخ، [النحل: ٧١] موضع الترجمة منه قوله تعالى: ﴿عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [النحل: ٧١] فأثبت لهم ملك اليمين مع كون ملكهم غالبًا على [غير] الأوضاع الشرعية، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٤١٠).\n(^٢) (٦/ ٣٤١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٤/ ٤١١).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٤/ ٤١١ - ٤١٢).\n(^٥) \"شرح الكرماني\" (١٠/ ٦٩).","vol":"3","page":635},{"text":"(١٠١ -<span data-type='title' id=toc-1597> باب جلود الميتة قبل أن تدبغ)</span>\nأي: هل يصح بيعها أم لا؟ وأورد فيه حديث ابن عباس في شاة ميمونة، وكأنه أخذ جواز البيع من جواز الاستمتاع؛ لأن كل ما ينتفع به يصح بيعه، وما لا فلا، وبهذا يجاب عن اعتراض الإسماعيلي بأنه ليس في الخبر الذي أورده تعرض للبيع، والانتفاع بجلود الميتة مطلقًا قبل الدباغ وبعده مشهور من مذهب الزهري، وكأنه اختيار البخاري، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nقال صاحب \"الفيض\" (^٢) تحت الباب: وهذا البيع لا يجوز عندنا، كما في \"الهداية\"، انتهى.\nقلت: والمسألة خلافية، قال العيني (^٣): قال الطحاوي: قال الليث: لا بأس ببيع جلود الميتة قبل الدباغ لأن النبي - ﷺ - أذن في الانتفاع بها، والبيع من الانتفاع، قال أبو جعفر: لم يُحْكَ عن أحد من الفقهاء جواز بيع جلد الميتة قبل الدباغ إلا عن الليث، قال ابن عمر (^٤): يعني \"من الفقهاء\" أئمة الفتوى بالأمصار بعد التابعين؛ لأن ابن شهاب ذاك عنه صحيح، وقد ذكر ابن عبد الحكم عن مالك ما يشبه مذهب ابن شهاب في ذلك، قال: من اشترى جلد ميتة فدبغه فقطعه نعالًا فلا يبيعه حتى ييبس، فهذا يدل على أن مذهبه يجوز بيع جلد الميتة قبل الدباغ وبعده، وهو ظاهر مذهب مالك وغيره، انتهى.\nقلت: وبسط الكلام على حديث الباب والأبحاث المتعلقة به في \"الأوجز\" (^٥)، وذكر فيه عن النووي (^٦) اختلاف العلماء فيه على سبعة أقوال\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٤١٣).\n(^٢) \"فيض الباري\" (٣/ ٤٨٩).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٦/ ٥٤٨).\n(^٤) كذا في الأصل، (ز).\n(^٥) \"أوجز المسالك\" (١٠/ ١٣٤ - ١٣٥).\n(^٦) (٤/ ٥٤).","vol":"3","page":636},{"text":"كما في \"هامش اللامع\"، وأما مذاهب الأئمة الأربعة، فمذهب الشافعي أنه يطهر بالدباغة جميع جلود الميتة إلا الكلب والخنزير، والمتولد من أحدهما، ويطهر ظاهر الجلد وباطنه، وعند أحمد وهو أشهر الروايتين عنه وإحدى الروايتين عن مالك: لا يطهر شيء من الجلود بالدباغ، ومذهب أبي حنيفة أنه تطهر جلود جميع الميتات إلا الخنزير، والمشهور في مذهب مالك أنه يطهر الجميع إلا أنه يطهر ظاهره دون باطنه، ويستعمل في اليابسات دون المائعات، ويصلى عليه لا فيه، انتهى من هامش \"اللامع\" (^١).\n\n(١٠٢ -<span data-type='title' id=toc-1598> باب قتل الخنزير. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٢): أي: هل يشرع كما شرع تحريم أكله؟ ووجه دخوله في أبواب البيع الإشارة إلى أن ما أمر بقتله لا يجوز بيعه، وقال ابن التين: شذ بعض الشافعية فقال: لا يقتل الخنزير إذا لم يكن فيه ضراوة، قال: والجمهور على جواز قتله مطلقًا، انتهى.\nوزاد العيني (^٣) عن ابن التين: ومذهب الجمهور أنه إذا وجد الخنزير في دار الكفر وغيرها وتمكنا من قتله قتلناه.\nقال العيني: ينبغي أن يستثنى خنزير أهل الذمة لأنه مال عندهم، ونحن نُهينا عن التعرض إلى أموالهم، انتهى.\nقوله: (ويقتل الخنزير) قال القسطلاني (^٤): أي: يأمر بإعدامه مبالغة في تحريم أكله، وفيه بيان أنه نجس لأن عيسى - ﵇ - إنما يقتله بحكم هذه الشريعة المحمدية، والشيء الطاهر المنتفع به لا يباح إتلافه، وهذا موضع الترجمة على ما لا يخفى، انتهى.\n_________\n(^١) \"اللامع\" (٦/ ١٣٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٤/ ٤١٤).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٨/ ٥٤٠).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (٥/ ٢٠٥).","vol":"3","page":637},{"text":"(١٠٣ -<span data-type='title' id=toc-1599> باب لا يذاب شحم الميتة ولا يباع ودكه)</span>\nقال العلامة العيني (^١): قوله: \"ودكه\" بفتح الواو والدال، وفي \"المغرب\": الودك من اللحم والشحم ما يتحلب منه، وقول الفقهاء: ودك الميتة من ذلك، وقال ابن الأثير: الودك: هو دسم اللحم ودهنه الذي يستخرج منه، انتهى.\nوفي \"الفيض\" (^٢): الشحم: ما كان منفصلًا عن اللحم، وما كان داخلًا في اللحم فهو ودك، انتهى.\nوقال الحافظ (^٣) تحت حديث الباب: ووجه تشبيه عمر بيع المسلمين الخمر ببيع اليهود المذاب من الشحم الاشتراك في النهي عن تناول كل منهما، لكن ليس كل ما حرم تناوله حرم بيعه، كالحمر الأهلية وسباع الطير، فالظاهر أن اشتراكهما في كون كل منهما صار بالنهي عن تناوله نجسًا، هكذا حكاه ابن بطال (^٤) عن الطبري وأقره، وليس بواضح بل كل ما حرم تناوله حرم بيعه، وتناول الحمر والسباع وغيرهما مما حرم أكله إنما يتأتى بعد ذبحه، وهو بالذبح يصير ميتة لأنه لا ذكاة له، وإذا صار ميتة صار نجسًا ولم يجز بيعه، فالإيراد في الأصل غير وارد، هذا قول الجمهور وإن خالف في بعضه بعض الناس، انتهى.\nوقال القسطلاني (^٥): يعني فبيع فلان الخمر مثل بيع اليهود والشحم المذاهب، وكل ما حرم تناوله حرم بيعه، نعم المذاب للاستصباح ليس بحرام؛ لأن الدعاء عليهم إنما هو مرتب على المجموع، انتهى.\nوفي \"الدر المختار\" (^٦): ولا يضر أثر دهن إلا دهن ودك ميتة لأنه عين النجاسة، حتى لا يدبغ به جلد بل يستصبح به في غير مسجد، قال\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٨/ ٥٤٣).\n(^٢) \"فيض الباري\" (٣/ ٤٩١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٤/ ٤١٥).\n(^٤) (٦/ ٣٤٥).\n(^٥) \"إرشاد الساري\" (٥/ ٢٠٧).\n(^٦) \"الدر المختار\" (١/ ٥٩).","vol":"3","page":638},{"text":"ابن عابدين (^١): ظاهر ما سيأتي في \"باب البيع الفاسد\" أنه لا يحل الانتفاع به أصلًا، وإنما هذا في الدهن المتنجس، يؤيده ما في \"صحيح البخاري\" (^٢) عن جابر مرفوعًا: \"إن الله حرم بيع الخمر والميتة\" الحديث بطوله، انتهى.\nقلت: وسيأتي هذا الحديث في \"باب بيع الميتة والأصنام\".\n\n(١٠٤ -<span data-type='title' id=toc-1600> باب بيع التصاوير التي ليس فيها روح، وما يكره من ذلك)</span>\nقال الحافظ (^٣): أي: من الاتخاذ أو البيع أو الصنعة أو ما هو أعم من ذلك، والمراد بالتصاوير الأشياء التي تصور، ثم ذكر حديث ابن عباس مرفوعًا، ووجه الاستدلال به على كراهية البيع وغيره واضح، انتهى.\nوفي \"الفيض\" (^٤): واعلم أن مسألة فعل التصوير مسألة أخرى، وأما مسألة المصوّرات فصلها الشيخ ابن الهمام في \"الفتح\" على أحسن وجه، وضبطها في عدة سطور، فراجعها، انتهى.\n\n(١٠٥ -<span data-type='title' id=toc-1601> باب تحريم التجارة في الخمر)</span>\nقال الحافظ (^٥): تقدم نظير هذه الترجمة في أبواب المساجد لكن بقيد المسجد، وهذا أعم من تلك، انتهى.\n\n(١٠٦ -<span data-type='title' id=toc-1602> باب إثم من باع حرًا)</span>\nأي: عالمًا متعمدًا، والظاهر أن المراد بالحر من بني آدم، ويحتمل أن يكون أعم من ذلك فيدخل مثل الموقوف، انتهى من \"الفتح\" (^٦).\n_________\n(^١) \"رد المحتار\" (٧/ ١٩٥).\n(^٢) (ح: ٢٢٣٦).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٤/ ٤١٦).\n(^٤) \"فيض الباري\" (٣/ ٤٩٢).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٤/ ٤١٧).\n(^٦) \"فتح الباري\" (٤/ ٤١٧).","vol":"3","page":639},{"text":"وقد ترجم المصنف على هذا الحديث أيضًا في \"الإجارات\" بـ \"باب إثم من منع أجر الأجير\".\n\n(١٠٧ -<span data-type='title' id=toc-1603> باب أمر النبي - ﷺ - اليهود ببيع أرضيهم. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): هذا لا يصح لأن النبي - ﷺ - إنما أمرهم أن الأرض لله ولرسوله، فتحملوا ما شئتم، ولا بد من تأويل في كلام البخاري هذا، وهو أن يقال: لما أمر النبي - ﷺ - اليهود ببيع أرضيهم أنهم لا يملكونه، ومثل ذلك مما لا يخفى على المتفطن، والله أعلم، انتهى. وبسط في هامشه الكلام عليه.\nوفي \"الفيض\" (^٢): اعلم أن بني النضير لما أُجلوا، قيل لهم: أن بيعوا المنقولات من أموالكم، وأما الأراضي فهي لله ولرسوله، هكذا في كتب السير عامة، ويمكن أن يكون أمر بعضهم ببيع الأراضي أيضًا كما في ترجمة البخاري، انتهى.\nوفي هامش \"الفيض\": قلت: وفي مذكرة أخرى عندي عن الشيخ أن الأمر ببيعها لم يكن ببني النضير، فإن أراضيهم كانت فيئًا، وهو لله ولرسوله، وترجمة المصنف مبهمة، لا ينفصل منها شيء، انتهى.\nقال القسطلاني (^٣): قوله: \"فيه المقبري\" أي: حديثه المروي في \"باب إخراج اليهود من جزيرة العرب\" من \"كتاب الجهاد\" ولفظه: \"بينما نحن في المسجد خرج النبي - ﷺ - فقال: انطلقوا إلى يهود، فخرجنا حتى جئنا بيت المدراس، فقال: أسلموا تسلموا، واعلموا أن الأرض لله ورسوله، وإني أريد أن أجليكم من هذه الأرض فمن يجد منكم بماله شيئًا فليبعه\".\nقال الزركشي وغيره: إن اليهود هم بنو النضير، والظاهر أنهم بقايا\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٦/ ١٣٩ - ١٤٠).\n(^٢) \"فيض الباري\" (٣/ ٤٩٢ - ٤٩٣).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (٥/ ٢١١).","vol":"3","page":640},{"text":"من اليهود، وتخلفوا بالمدينة بعد إجلاء بني قينقاع وقريظة والنضير.\nقال الحافظ (^١): وغفل الكرماني (^٢) عن الإشارة إلى هذا الحديث، فقال: إنما ذكر البخاري هذا الحديث بهذه الصيغة مقتضيًا لأنه لم يثبت الحديث المذكور على شرطه، والصواب أنه اكتفى هنا بالإشارة إليه لاتحاد مخرجه عنده ففر من تكرار الحديث على صورته لغير فائدة زائدة كما هو الغالب من عادته، انتهى.\nوقال العيني (^٣): التكرار حاصل على ما لا يخفى، مع أن ذكر هذا لا دخل له في \"كتاب البيوع\"، ولهذا سقط هذا في بعض النسخ، انتهى. قال ابن المنيِّر: والعجب أن ترجمة البخاري هنا على بيع اليهود أرضهم، ولم يذكر فيه إلا حديث أبي هريرة وليس فيه للأرض ذكر، إلا أن يكون أخذ ذلك بطريق العموم من قوله: \"فمن يجد منكم بماله شيئًا\"، والمال أعم من الأرض فتدخل فيه، وهذا ساقط من بعض النسخ، انتهى (^٤).\nويظهر من كلام العيني (^٥) أنه - ﵇ - أجاز لهم أولًا ببيع كل شيء ودخل فيه الأرضون وأمرهم بالجلاء وأبوا ذلك لوعد المنافقين لهم فأمرهم ثانيًا ببيع كل شيء غير الأرضين.\n\n(١٠٨ -<span data-type='title' id=toc-1604> باب بيع العبيد بالعبد والحيوان بالحيوان نسيئةً)</span>\nقال القسطلاني (^٦): أي: حكم بيع العبيد بالعبيد، وفي نسخة \"بيع العبد\" بالإفراد، وقوله: \"والحيوان بالحيوان\" من عطف العام على الخاص، انتهى.\nقال الحافظ (^٧): وكأنه أراد بالعبد جنس من يستعبد فيدخل فيه الذكر\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٤١٩).\n(^٢) \"شرح الكرماني\" (١٠/ ٧٧).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٨/ ٥٥٣).\n(^٤) انظر: \"إرشاد الساري\" (٥/ ٢١١).\n(^٥) \"عمدة القاري\" (٨/ ٥٥٣).\n(^٦) \"إرشاد الساري\" (٨/ ٢١١).\n(^٧) \"فتح الباري\" (٤/ ٤١٩).","vol":"3","page":641},{"text":"والأنثى، ولذلك ذكر قصة صفية، أو أشار إلى إلحاق حكم الذكر بحكم الأنثى في ذلك لعدم الفرق، قال ابن بطال (^١): اختلفوا في ذلك فذهب الجمهور إلى الجواز، لكن شرط مالك أن يختلف الجنس، ومنع الكوفيون وأحمد مطلقًا، انتهى.\nقال القسطلاني (^٢): ومذهب الشافعية أنه لا ربا في الحيوان مطلقًا كما قال ابن المسيب لأنه لا يعدّ للأكل على هيئته، فيجوز بيع العبد بالعبد نسيئةً وبيع العبد بعبدين أو أكثر نسيئةً، انتهى.\nوفي هامش \"اللامع\" (^٣): ومسألة بيع الحيوان بالحيوان نسيئةً خلافية شهيرة بسطت في \"الأوجز\" (^٤)، وحاصل ما فيه أن بيع الحيوان بالحيوان نقدًا يجوز مطلقًا عند الأئمة الأربعة، مع اتحاد الجنس واختلافه، متفاضلًا كان أو متساويًا، وأما إذا كان البيع نسيئةً فيجوز كذلك عند الشافعي، ويجوز عند مالك باختلاف الجنس لا باتحاده، إلا أنه أنزل اختلاف الصفات والمنافع المقصودة في الحيوان منزلة اختلاف الجنس، ومنع الإمام أبو حنيفة وأحمد بيع الحيوان بالحيوان نسيئةً مطلقًا لحديث سمرة \"نهى النبي - ﷺ - عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئةً\" رواه الخمسة وصححه الترمذي (^٥)، وبسط الكلام على الروايات الواردة في \"الأوجز\"، انتهى من هامش \"اللامع\".\nقوله: (وقال ابن سيرين: لا بأس ببعير. . .) إلخ، قال الحافظ (^٦): روى سعيد بن منصور (^٧) عنه أنه كان لا يرى بأسًا بالحيوان بالحيوان يدًا بيد أو الدراهم نسيئة، ويكره أن تكون الدراهم نقدًا والحيوان نسيئةً، انتهى.\n_________\n(^١) (٦/ ٣٥٣).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٥/ ٢١٢).\n(^٣) \"اللامع\" (٦/ ١٤٢).\n(^٤) \"أوجز المسالك\" (١٣/ ١٨ - ١٩).\n(^٥) \"سنن الترمذي\" (ح: ١٢٣٧).\n(^٦) \"فتح الباري\" (٤/ ٤٢٠).\n(^٧) \"تغليق التعليق\" (٣/ ٢٧٢) وفيه: \"والدراهم\" بدل \"أو الدراهم\".","vol":"3","page":642},{"text":"وفي \"الفيض\" (^١): قلت: إن بيع الدرهم بالدرهم نسيئةً حرام بالإجماع، ولم يشرح أحد منهم ما أراد به ابن سيرين، والوجه عندي أن يقال: إن قوله: \"نسيئة\" يتعلق بالبعير والبعيرين، دون بيع الصرف، فهو مطلق، ولا ريب في جواز بيع الدرهم بالدرهم، والذي صرفنا إليه قول ابن سيرين أولى من أن يحمل على ما يخالف الإجماع، انتهى.\n\n(١٠٩ -<span data-type='title' id=toc-1605> باب بيع الرقيق)</span>\nقال الحافظ (^٢): هذا بيان في حكم بيع الرقيق، ثم قال: مطابقة الحديث للترجمة من حيث إنه - ﷺ - لم يمنع عن بيع السبي لما قالوا: \"إنا نصيب السبي فنحب الأثمان\" والأثمان لا تجيء إلا بالبيع، والسبي فيه الرقيق وغيره، انتهى.\n\n(١١٠ -<span data-type='title' id=toc-1606> باب بيع المدبر. . .) إلخ</span>\nهو المعلق عتقه بموت سيده كأن يقول لعبده: إذا مِتُّ فأنت حر، انتهى (^٣).\nقال الحافظ (^٤): وقد أعاد المصنف هذه الترجمة في \"كتاب العتق\" وضرب عليها في نسخة الصغاني، وصارت أحاديثها داخلة في بيع الرقيق، وتوجيهها واضح، انتهى.\nوأورد المصنف في هذا الباب حديثين، ومطابقة الحديث الأول للترجمة ظاهرة، وأما الحديث الثاني فقال الحافظ: وجه دخوله في هذا الباب عموم الأمر ببيع الأمة إذا زنت، فيشمل ما إذا كانت مدبرة أو غير مدبرة، فيؤخذ منه جواز بيع المدبر في الجملة، انتهى.\n_________\n(^١) \"فيض الباري\" (٣/ ٤٩٣).\n(^٢) كذا في الأصل، وهو خطأ، والصواب: \"قال العيني\"، انظر: \"عمدة القاري\" (٨/ ٥٥٨).\n(^٣) انظر: \"إرشاد الساري\" (٥/ ٢١٥).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٤/ ٤٢١ - ٤٢٣).","vol":"3","page":643},{"text":"وفي \"الفيض\" (^١): قد مرّ منّا التنبيه على أن المصنف ترجم على جواز بيع المدبر مع الإشارة إلى أن بيع النبي - ﷺ - كان من قبيل التعزير، وهذا يوجب أن لا يكون بيعه جائزًا عنده، فتهافتت تراجمه، ويمكن أن يقال: إن الأصل عنده جواز البيع، وإنما التعزير ببيعه بنفسه فقط، بدون استفسار منه، انتهى.\nومسألة بيع المدبر خلافية شهيرة، ففي هامش \"الكوكب\" (^٢): والحاصل أن المدبر المقيد - وهو من قال له المولى: إن مت في مرضي هذا أو سفري هذا فأنت حر - يجوز بيعه إجماعًا، والمدبر المطلق كذلك عند الشافعي وأحمد، ولا يجوز بيع المدبر المطلق عندنا الحنفية ومالك إلا أنه يجوز عنده إذا كان المولى مديونًا قبل التدبير، كذا في \"البذل\" (^٣)، وبسط فيه دلائل الحنفية في ذلك.\n\n(١١١ -<span data-type='title' id=toc-1607> باب هل يسافر بالجارية قبل أن يستبرئها)</span>\nهكذا قيّد بالسفر، وكأن ذلك لكونه مظنة الملامسة والمباشرة غالبًا، انتهى من \"الفتح\" (^٤).\nوقال العيني (^٥): أي: هل يسافر شخص بالجارية التي اشتراها قبل أن يستبرئها، ثم ذكر ما تقدم عن الحافظ، وقال أيضًا: ولم يذكر جواب \"هل\" لمكان الاختلاف فيه، انتهى.\nقلت: ومناسبة هذا الباب بكتاب البيوع خفية، ويمكن أن يقال كما يستأنس من كلام العيني المذكور: إن السفر بالجارية قبل الاستبراء مرتب ومتفرع على اشترائها، فيكون هذا السفر من متعلقات البيع والشراء.\n_________\n(^١) \"فيض الباري\" (٣/ ٤٩٤).\n(^٢) \"الكوكب الدري\" (٢/ ٢٨٣).\n(^٣) \"بذل المجهود\" (١١/ ٦٨٩ - ٦٩١).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٤/ ٤٢٣).\n(^٥) \"عمدة القاري\" (٨/ ٥٦٣).","vol":"3","page":644},{"text":"(١١٢ -<span data-type='title' id=toc-1608> باب بيع الميتة والأصنام)</span>\nأي: تحريم ذلك، والميتة ما زالت عنه الحياة لا بذكاة شرعية، ونقل ابن المنذر وغيره الإجماع على تحريم بيع الميتة، ويستثنى من ذلك السمك والجراد، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوقال القسطلاني (^٢): قال الجوهري: الصنم هو الوثن، وفرَّق بينهما في \"النهاية\"، فقال: الوثن كل ما له جثة معمولة من جواهر الأرض أو من الخشب أو من الحجارة كصورة الآدمي يعمل وينصب فيعبد، والصنم الصورة بلا جثّة، قال: ويطلق الوثن على غير الصورة، ثم قال في شرح الحديث: وحرم بيع الأصنام لعدم المنفعة المباحة فيتعدى إلى معدوم الانتفاع شرعًا فبيعها حرام ما دامت على صورتها فلو كسرت وأمكن الانتفاع برضاضها جاز بيعها عند الشافعية وبعض الحنفية، نعم في بيع الأصنام والصور المتخذة من جوهر نفيس وجه عند الشافعية بالصحة، والمذهب المنع مطلقًا، وبه أجاب عامة الأصحاب، انتهى.\n\n(١١٣ -<span data-type='title' id=toc-1609> باب ثمن الكلب. . .) إلخ</span>\nقال القسطلاني (^٣) بعد ذكر الحديث: قوله: \"نهى عن ثمن الكلب\" المعلم وغيره مما يجوز اقتناؤه أو لا، وهذا مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما، وعلة المنع عند الشافعي نجساته مطلقًا، وعند غيره ممن لا يرى نجاسته النهي عن اتخاذه الأمر بقتله، وما لا ثمن له لا قيمة له إذا قتل فلو قتل كلب صيد أو ماشية لا يلزمه قيمته، وقال أبو حنيفة وصاحباه وسحنون من المالكية: الكلاب التي ينتفع بها يجوز بيعها وأثمانها لأنه حيوان منتفع به حراسةً واصطيادًا، وقال المالكية: لا يجوز بيع الكلب المنهي عن اتخاذه باتفاق لورود النهي عن بيعه وعن اتخاذه، وأما المأذون في اتخاذه ككلب\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٤٢٤).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٥/ ٢٢٠ - ٢٢١).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (٥/ ٢٢٢ - ٢٢٣).","vol":"3","page":645},{"text":"الصيد ونحوه فلا يجوز بيعه على المشهور، وشهّر بعضهم جواز بيعه، ولم يقو هذا التشهير عند الشيخ خليل فلم يذكره، وقال القرطبي: مشهور مذهب مالك جواز اتخاذ الكلب وكراهة بيعه، انتهى.\nثم براعة الاختتام سكت عنها الحافظ وجعل البيع والإجارة واحدًا، فقال: وفي آخر البيع والإجارة \"حتى أجلاهم عمر - ﵁ -\"، انتهى.\nولا يبعد عندي أنها في قوله: \"فأمر بمحاجمه فكسرت\" فإن الموت أيضًا هاذم اللذات، فإن الكسر مذكر للكسر، فتأمل، وقد جعل الحافظ الكسر مشارًا إليه في موضع إذ قال في آخر \"المظالم\": فكسروا صومعته، انتهى.\nولا يبعد أيضًا أن تكون البراعة في قوله: \"ثمن الدم\" فإنه يتناول الذبح والقتل، فتأمل.\n* * *","vol":"3","page":646},{"text":"٣٥ -<span data-type='title' id=toc-1610> كتاب السلم</span>\nقال العلَّامة العيني (^١): السلم بفتحتين: بيع على موصوف في الذمة ببدل يعطى عاجلًا، وسمي سلمًا لتسليم رأس المال في المجلس، وسلفًا لتقديم رأس المال، والسلم والسلف كلاهما بمعنى واحد، ووزن واحد، وقيل: السلف لغة أهل العراق، والسلم لغة أهل الحجاز، وقيل: السلف تقديم رأس المال، والسلم تسليمه في المجلس، فالسلف أعم، وقيل: السلم والسلف والتسليف عبارة عن معنى واحد غير أن الإسم الخاص بهذا الباب السلم؛ لأن السلف يقال على القرض. والسلم في الشرع بيع من البيوع الجائزة بالاتفاق، إلا ما حكي عن ابن المسيب، وفي \"التلويح\": كرهت طائفة السلم، انتهى.\nوفي \"الدر المختار\" (^٢): هو لغة: كالسلف وزنًا ومعنىً، وشرعًا: بيع آجل بعاجل، انتهى.\nوقال الحافظ (^٣): والسلم شرعًا: بيع موصوف في الذمة، ومن قيَّده بلفظ السلم زاده في الحد، ومن زاد فيه ببدل يعطى عاجلًا، فيه نظر لأنه ليس داخلًا في حقيقته، واختلفوا في بعض شروطه، واتفقوا على أنه يشترط له ما يشترط للبيع، وعلى تسليم رأس المال في المجلس، واختلفوا: هل هو عقد غرر جوز للحاجة أم لا؟، انتهى.\nقلت: واختلفوا في شروطه، كما بسط الكلام عليها في \"الأوجز\" (^٤) أشد البسط، وذكر فيه ثمانية عشر شرطًا بعضها متفق عليه وبعضها مختلف فيه، فارجع إليه لو شئت.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٨/ ٥٧٧).\n(^٢) \"الدر المختار\" (٢/ ٤٧).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٤/ ٤٢٨).\n(^٤) \"أوجز المسالك\" (١٢/ ٦٠٦ - ٦٢٠).","vol":"3","page":647},{"text":"ثم اعلم أنهم اختلفوا فيما يجوز فيه السلم، ففي \"الأوجز\": قال الموفق: وجملة ذلك أن السلم لا يصح إلا بشروط ستة:\nالشرط الأول: أن يكون المسلم فيه مما ينضبط بالصفات التي يختلف الثمن باختلافها ظاهرًا، فيصح في الحبوب، والثمار، والثياب، والكاغذ، والحديد، والنحاس، والأدهان، والألبان، وكل مكيل، أو موزون، أو مزروع، كذا في \"المغني\" (^١).\nقال ابن رشد (^٢): أجمعوا على جوازه في كل ما يكال أو يوزن، والجمهور على أنه جائز في العروض التي تنضبط بالصفة والعدد، واختلفوا من ذلك فيما ينضبط مما لا ينضبط بالصفة، انتهى.\nقال الموفق (^٣): أجمعوا على جوازه في الثياب، ولا يصح فيما لا يضبط بالصفة، كالجواهر من اللؤلؤ والياقوت والعقيق والبلور؛ لأن أثمانها تختلف اختلافًا متباينًا بالصغر والكبر وحسن التدوير وزيادة الضوء، وهذا قول الشافعي وأصحاب الرأي.\nوحكي عن مالك صحة السلم فيها، إذا اشترط منها شيئًا معلومًا، واختلفوا في السلم في الخبز وغيره من كل معمول بالنار، وكذا اختلفوا في الحيوان وغيره مما لا يكال ولا يوزن ولا يزرع، كالرمان والبيض وغيرهما، كما بسطه الموفق وغيره.\nوفي \"العيني\" (^٤): قال ابن حزم: لا يجوز السلم إلا في كل مكيل أو موزون فقط، ولا يجوز في مزروع ولا معدود ولا شيء غير ما ذكر في النص، انتهى من \"الأوجز\" (^٥).\n_________\n(^١) \"المغني\" (٦/ ٣٨٥ - ٣٨٦).\n(^٢) \"بداية المجتهد\" (٢/ ٢٠١).\n(^٣) \"المغني\" (٦/ ٣٨٦).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (٨/ ٥٧٩).\n(^٥) \"أوجز المسالك\" (١٢/ ٦٠٦ - ٦٠٧).","vol":"3","page":648},{"text":"وفي \"البدائع\" (^١): ويجوز السلم في العدديات المتقاربة من الجوز والبيض؛ لأن الجهالة فيها يسيرة لا تفضي إلى المنازعة، وقال زفر: لا يجوز، ولا يجوز في العدديات المتفاوتة من الحيوان والجواهر واللآلي والجلود والأدم والرؤوس والأكارع والرمان، وقال الشافعي: يجوز السلم في الحيوان، انتهى ملخصًا.\nقلت: والإمام مالك وأحمد مع الشافعي في جواز بيع السلم في الحيوان، كما قال ابن عابدين (^٢).\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-1611> باب السّلم في كيلٍ معلومٍ)</span>\nقال الحافظ (^٣): أي: فيما يكال، واشتراط تعيين الكيل فيما يسلم فيه من المكيل متفق عليه من أجل اختلاف المكاييل، إلا أن لا يكون في البلد سوى كيل واحد فإنه ينصرف إليه، انتهى.\nقوله: (من سلف في تمر. . .) إلخ، قال الحافظ (^٤): وفي رواية: \"من أسلف في شيء\" وهي أشمل، انتهى.\nقال القسطلاني (^٥): قال في \"المصابيح\": انظر قوله ﵊ في جواب هذا: \"فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم\" مع أن المعيار الشرعي في التمر بالمثناة الكيل لا الوزن، انتهى.\nوهذا قد أجابوا عنه بأن الواو بمعنى أو، والمراد اعتبار الكيل فيما يكال، والوزن فيما يوزن، انتهى.\nوتعقب السندي (^٦) كلام القسطلاني إذ قال: ولا يخفى أن هذا ليس بجواب عن كلام \"المصابيح\" ولا يصلح له إذ التمر بالتاء المثناة لا يصلح\n_________\n(^١) \"بدائع الصنائع\" (٤/ ٤٤١ - ٤٤٢).\n(^٢) \"رد المحتار\" (٧/ ٤٥٨).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٤/ ٤٢٨ - ٤٢٩).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٤/ ٤٢٩).\n(^٥) \"إرشاد الساري\" (٥/ ٢٢٧).\n(^٦) \"حاشية السندي على صحيح البخاري\" (٢/ ٣٠).","vol":"3","page":649},{"text":"أن يردد فيه بين الكيل والوزن، كما لا يصلح أن يجمع فيه بينهما، وإنما جوابهم المذكور جواب عما يقال: كيف يصح الواو مع أن المبيع الواحد لا يصلح لاجتماع الكيل والوزن؟ فأجابوا بحمل الواو على معنى أو، وقد يجاب عن هذا الإيراد بتقدير الشرط أو الظرف، أي: بكيل معلوم إن كان المبيع كيليًّا، فافهم، والله تعالى أعلم.\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-1612> باب السّلم في وزن معلوم)</span>\nأي: فيما يوزن، وكأنه يذهب إلى أن ما يوزن لا يسلم فيه مكيلًا وبالعكس، وهو أحد الوجهين، والأصح عند الشافعية الجواز، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوقال ابن عابدين (^٢): لو أسلم في المكيل وزنًا كما إذا أسلم في البر والشعير بالميزان فيه روايتان، والمعتمد الجواز لوجود الضبط، وعلى هذا الخلاف لو أسلم في الموزون كيلًا، \"بحر\"، انتهى.\nوفي \"البدائع\" (^٣): ولو كان المسلم فيه مكيلًا فأعلم قدره بالوزن المعلوم، أو كان موزونًا فأعلم قدره بالكيل المعلوم جاز؛ لأن الشرط كونه معلوم المقدار بمعيار يؤمن فقده، وقد وجده بخلاف ما إذا باع المكيل بالمكيل وزنًا بوزن متساويًا في الوزن أو باع الموزون بالموزون كيلًا بكيل متساويًا في الكيل أنه لا يجوز ما لم يتساويا في الكيل أو الوزن؛ لأن شرط جواز السلم كون المسلم فيه معلوم القدر، والعلم بالقدر كما يحصل بالكيل يحصل بالوزن، فأما شرط الكيل والوزن في الأشياء التي ورد الشرع فيها باعتبار الكيل والوزن في بيع العين ثبت نصًا فكان بيعها بالكيل أو الوزن مجازفة فلا يجوز، أما في باب السلم فاعتبار الكيل والوزن لمعرفة مقدار المسلم فيه وقد حصل، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٤٣٠).\n(^٢) \"رد المحتار\" (٧/ ٤٥٥).\n(^٣) \"بدائع الصنائع\" (٤/ ٤٤١).","vol":"3","page":650},{"text":"(٣ -<span data-type='title' id=toc-1613> باب السلم إلى من ليس عنده أصل)</span>\nأي: مما أسلم فيه، المراد بالأصل أصل الشيء الذي يسلم فيه، فأصل الحب مثلًا الزرع، وأصل الثمر مثلًا الشجر، والغرض من الترجمة أن ذلك لا يشترط، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nقال العلامة العيني (^٢): وقال بعضهم: الغرض من الترجمة أن كون أصل المسلم فيه لا يشترط.\nقلت: كأنه أشار إلى سلم المنقطع، فإنه لا يجوز عندنا، وهذا على أربعة أوجه:\nالأول: أن يكون المسلم فيه موجودًا عند العقد منقطعًا عند الأجل فإنه لا يجوز.\nوالثاني: أن يكون موجودًا وقت العقد إلى الأجل، فيجوز بلا خلاف.\nوالثالث: أن يكون منقطعًا عند العقد موجودًا عند الأجل.\nوالرابع: أن يكون موجودًا وقت العقد والأجل، منقطعًا فيما بين ذلك.\nفهذان الوجهان لا يجوزان عندنا خلافًا لمالك والشافعي وأحمد، قالوا: لأنه مقدور التسليم [فيهما، قلنا: غير مقدور التسليم]؛ لأنه يتوهم موت المسلم إليه فيحل الأجل، وهو منقطع، فيتضرر رب السلم، فلا يجوز، انتهى.\nقوله: (قال) أبو البختري: (سألت ابن عباس عن السلم. . .) إلخ، قال ابن بطال (^٣): حديث ابن عباس هذا ليس من هذا الباب، وإنما هو من الباب\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٤٣١).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٨/ ٥٨٣).\n(^٣) (٦/ ٣٦٧).","vol":"3","page":651},{"text":"الذي بعده المترجم ب<span data-type='title' id=toc-1614>باب السلم في النخل</span>، وهو غلط من الناسخ، كذا في العيني (^١)، زاد الحافظ (^٢): وغفل عما وقع في السياق من قول الراوي: إنه سأل ابن عباس عن السلم في النخل، وأجاب ابن المنيِّر (^٣): أن الحكم مأخوذ بطريق المفهوم وذلك أن ابن عباس لما سئل عن السلم مع من له نخل في ذلك النخل رأى أن ذلك من قبيل بيع الثمار قبل بدو الصلاح، فإذا كان السلم في النخل المعين لا يجوز تعين جوازه في غير المعين للأمن فيه من غائلة الاعتماد على ذلك النخل بعينه لئلا يدخل في باب بيع الثمار قبل بدو الصلاح، ويحتمل أن يريد بالسلم معناه اللغوي، أي: السلف لما كانت التمرة قبل بدو صلاحها فكأنها موصوفة في الذمة، انتهى.\nقلت: والظاهر عندي من صنيع الإمام البخاري أنه أجاز السلم في النخل المعين بعد بدو صلاحه كما يدل عليه الترجمة الآتية، وعلى هذا فإدخال هذا الحديث في هذه الترجمة واضح، كأنه استثنى من الترجمة - يعني عن السلم فيما ليس عنده أصل - السلم في النخل المعين فكأنه قال: إذا كان السلم في النخل المعين فلا يجوز قبل بدو الصلاح، نعم يجوز بعده، لكن المصنف على هذا يكون منفردًا مخالفًا للجمهور كما سيأتي في الباب الآتي.\nقوله: (فقال الرجل: وأي شيء يوزن. . .) إلخ، قال صاحب \"الفيض\" (^٤): ولما لم يفهم الرجل الوزن في الثمار، لكون المعهود فيها الكيل دون الوزن، مع عدم إمكان الكيل أيضًا على الشجر، فسره بأن المراد بالوزن هو الإحراز، انتهى.\n\n(٤ - باب السلم في النخل)\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٥): أراد بالنخل ثمرتها، والاحتجاج بالرواية\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٨/ ٥٨٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٤/ ٤٣٢).\n(^٣) \"المتواري\" (ص ٢٥٢).\n(^٤) \"فيض الباري\" (٣/ ٥٠٢).\n(^٥) \"لامع الدراري\" (٦/ ١٤٥ - ١٤٧).","vol":"3","page":652},{"text":"مبني على اشتراك البيع والسلم في وجوب التسليم غير أن التسليم في السلم متأخر دون البيع، فكأن المعنى أن الثمرة لما لم يبد صلاحها كان معدومًا غير مقدور التسليم، ولا بد في السلم من وجود المسلم فيه بأيدي الناس ليتحقق إمكان التسليم، ولو لم يكن في يد المسلم إليه، وهذا بناءً على العادة أن هذه الثمار والحبوب وغيرهما مما يتعلق بفصل دون فصل تنقطع عن الأيدي إذا قرب زمان الحصاد والجذاذ إلا يسيرًا، وهذا إذا كان المسلم فيه في عقد السلم مطلقًا، فأما إذا شرط أن يكون المسلم فيه مما خرج هذا العام، فعدم القدرة على تسليمه قبل بدو الصلاح ظاهر، وبهذا تتحقق المطابقة بين جواب ابن عباس وسؤال من سأله عن السلم، فإن السائل إنما سأله عن السلم، وقد أجاب عن البيع المطلق، ومثل هذا التقرير جاء في الرواية المتقدمة على هذا الباب أيضًا، فافهم فإنه دقيق، انتهى.\nوفي هامشه: قوله: أراد بالنخلة ثمرتها، وبذلك جزمت الشرَّاح، واستدل بحديث ابن عمر على جواز السلم في النخل المعين من البستان المعين، لكن بعد بدو صلاحه، وهو قول المالكية، انتهى.\nقلت: الظاهر عندي من صنيع المصنف أنه أجاز السلم في النخل المعين بعد بدو الصلاح، كما تقدم أيضًا، وما حكى الحافظان ابن حجر والعيني من مذهب المالكية يأباه كتب فروعهم، فقد صرَّح الدردير بعدم جواز السلم في النخل المعين، وحكى الموفق الإجماع على ذلك، كما في \"الأوجز\" (^١).\nوفي \"الفيض\" (^٢): قوله: \"نهي عن بيع النخل حتى يصلح\" فإن قلت: إن السؤال كان عن السلم، فكيف الجواب بمطلق البيع؟ قلت: وفي فقهنا مسألة أخرى، يظهر منها التناسب بين السؤال والجواب، وهي أن المسلم فيه وإن لم يجب كونها في ملك المسلم إليه، لكن يشترط أن يوجد في\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (١٢/ ٦١٥).\n(^٢) \"فيض الباري\" (٣/ ٥٠٢).","vol":"3","page":653},{"text":"الأسواق من حين العقد إلى حلول الأجل، فدلَّت على أن ثمار النخل يجب أن تصلح وتخرج عن العاهات عند عقد السلم، فإنها قبله كالمعدوم، وبه ظهرت المناسبة، انتهى.\n\n(٥ -<span data-type='title' id=toc-1615> باب الكفيل في السلم)</span>\nقال الحافظ (^١): قال الإسماعيلي: ليس في هذا الحديث ما ترجم به، ولعله أراد إلحاق الكفيل بالرهن لأنه حق ثبت الرهن به فيجوز أخذ الكفيل فيه.\nقال الحافظ: هذا الاستنباط بعينه سبق إليه إبراهيم النخعي راوي الحديث، - كما سيأتي في الباب الآتي - وإلى ذلك أشار البخاري في الترجمة، فوضح أنه هو المستنبط لذلك، وأن البخاري أشار بالترجمة إلى ما ورد في بعض طرق الحديث على عادته، انتهى.\nوقال القسطلاني (^٢): دلالة الحديث على الترجمة من حيث أن يراد بالكفالة الضمان، ولا ريب أن المرهون ضامن للدين؛ لأنه يباع فيه، يقال: أكفلته إذا ضمنته إياه، أو يقاس على الرهن بجامع كونهما وثيقة، وبهذا كل ما صح الرهن فيه صح ضمانه وبالعكس، أو أشار إلى ما ورد في بعض طرق الحديث على عادته، إلى آخر ما قال.\nقلت: وعندي غرض الترجمة الرد على من منع ذلك وهو قول جماعة وهو إحدى الروايتين عن أحمد، ففي \"المغني\" (^٣): اختلفت الرواية في الرهن والضَّمِينِ في السلم، فروى المروزي وغيره منع ذلك، وهو اختيار الخرقي، وروى حنبل جوازه، ورخص فيه مالك والشافعي وأصحاب الرأي وغيرهم، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٤٣٣).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٥/ ٢٣٥).\n(^٣) \"المغني\" (٦/ ٤٢٣).","vol":"3","page":654},{"text":"قلت: وبجوازهما صرح صاحب \"البدائع\" (^١).\n\n(٦ -<span data-type='title' id=toc-1616> باب الرّهن في السّلم)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): الاستدلال بالرواية على هذا المعنى مبني على مقايسته عليه، والجامع الوجوب في الذمة فيفتقر إلى الاستيثاق، انتهى.\nوفي هامشه: قال الكرماني (^٣): قال ابن بطال: وجه احتجاج النخعي في حديث عائشة أن الرهن لما جاز في الثمن جاز في المثمن، وهو المسلم فيه إذ لا فرق بينهما، انتهى.\nقلت: والغرض من الترجمة الرد على من منع ذلك، وهو إحدى الروايتين عن أحمد كما تقدم في الباب السابق.\nقال الموفق (^٤): رويت كراهة ذلك عن ابن عمر والحسن والأوزاعي، ورخص فيه الباقون، والحجة فيه قوله تعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [البقرة: ٢٨٢]، إلى أن قال: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] واللفظ عام فيدخل السلم في عمومه لأنه أحد نوعي البيع، انتهى.\n\n(٧ -<span data-type='title' id=toc-1617> باب السلم إلى أجل معلوم)</span>\nقال الحافظ (^٥): يشير إلى الرد على من أجاز السلم الحال وهو قول الشافعية، وذهب الأكثر إلى المنع، وحمل من أجاز الأمر في قوله: \"إلى أجل معلوم\" على العلم بالأجل فقط، فالتقدير عندهم: من أسلم إلى أجل فليسلم إلى أجل معلوم لا مجهول، انتهى.\nوسبق إلى هذا التوجيه الكرماني (^٦)، وتعقب عليه العلامة العيني، ثم\n_________\n(^١) \"بدائع الصنائع\" (٤/ ٤٥١).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٦/ ١٤٨ - ١٤٩).\n(^٣) \"شرح الكرماني\" (١٠/ ٩٠).\n(^٤) \"المغني\" (٦/ ٤٢٣).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٤/ ٤٣٤).\n(^٦) انظر: \"شرح الكرماني\" (١٠/ ٨٥ - ٨٦).","vol":"3","page":655},{"text":"قال العيني (^١): اختلفوا في حد الأجل، فقال ابن حزم: الأجل ساعة فما فوقها، وعند بعض أصحابنا لا يكون أقل من نصف يوم، وعند بعضهم لا يكون أقل من ثلاثة أيام، وقالت المالكية: يكره أقل من يومين، وقال الليث: خمسة عشر يومًا، انتهى.\nقلت: وبسط الكلام على الأجل في \"الأوجز\" (^٢) وفيه: الشرط الرابع: أن يكون مؤجلًا بأجل معلوم، وفيه فصولٌ: الأول: يشترط لصحة السلم كونه مؤجلًا، ولا يصح السلم الحال، وبه قال الأئمة الثلاثة، وقال الشافعي: يجوز، إلى آخر ما بسط فيه، وفيه: قال الموفق (^٣): ومن شرط الأجل أن يكون مدة لها وقع في الثمن، كالشهر وما قاربه، وقال الدردير (^٤) المالكي: أقله نصف شهر، ولا حد لأكثره، وفي \"الدر المختار\" (^٥): أقله شهر، به يفتى، وثلاثة أيام عند الطحاوي، وذكر ابن عابدين (^٦) أقوالًا أخر للحنفية، انتهى من \"الأوجز\".\n\n(٨ -<span data-type='title' id=toc-1618> باب السلم إلى أن تُنْتَجَ الناقة)</span>\nأورد فيه حديث ابن عمر في النهي عن بيع حبل الحبلة، وقد تقدمت مباحثه في \"كتاب البيوع\"، ويؤخذ منه ترك جواز السلم إلى أجل غير معلوم ولو أسند إلى شيء يعرف بالعادة، خلافًا لمالك ورواية عن أحمد، انتهى من \"الفتح\" (^٧).\nوفي \"الأوجز\" (^٨): لا بد من كون الأجل معلومًا، ولا نعلم في اشتراط العلم في الجملة اختلافًا، فأما كيفيته فإنه يحتاج أن يعلمه بزمان بعينه، ولا يصح أن يؤجله بحصاد وما أشبهه، وبه قال أبو حنيفة والشافعي\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٨/ ٥٨١).\n(^٢) \"أوجز المسالك\" (١٢/ ٦١٠ - ٦١٣).\n(^٣) \"المغني\" (٦/ ٤٠٤).\n(^٤) \"الشرح الكبير\" (٣/ ٢٠٥).\n(^٥) \"الدر المختار\" (٢/ ٤٨).\n(^٦) \"رد المحتار\" (٦/ ٤٦٢).\n(^٧) \"فتح الباري\" (٤/ ٤٣٥).\n(^٨) \"أوجز المسالك\" (١٢/ ٦١٠).","vol":"3","page":656},{"text":"وأحمد، وعنه رواية أخرى أنه قال: أرجو أن لا أكون به بأس، وبه قال مالك، انتهى.\nثم سكت الحافظ عن براعة الاختتام، ولا يبعد عندي أنها في قوله: \"ما في بطنها\" فإن رحم المرأة يشبه القبر، وأيضًا خروج الولد منه يشبه خروج الأموات من القبور.\n* * *","vol":"3","page":657},{"text":"٣٦ -<span data-type='title' id=toc-1619> كتاب الشفعة</span>\nكذا في نسخ الشروح ونسخة الحاشية، وليس في النسخ الهندية التي بأيدينا لفظ \"كتاب\" بل فيه \"باب الشفعة فيما لم يقسم. . .\" إلخ، كما سيأتي.\nوقال الحافظ (^١): الشفعة بضم المعجمة وسكون الفاء وغلط من حركها، وهي مأخوذة لغة من الشفع وهو الزوج، وقيل: من الزيادة، وقيل: من الإعانة، وفي الشرع: انتقال حصة شريك إلى شريك كانت انتقلت إلى أجنبي بمثل العوض المسمى. ولم يختلف العلماء في مشروعيتها إلا ما نقل عن أبي بكر الأصم من إنكارها، انتهى.\nوقال القسطلاني (^٢): وهي في اللغة: الضم على الأشهر، من شفعت الشي ضممته فهي ضم نصيب إلى نصيب، وفي الشرع: حق تملك قهري يثبت للشريك القديم على الحادث فيما ملك بعوض، انتهى.\nوبسط في \"الأوجز\" (^٣) الكلام على الأبحاث المتعلقة بالشفعة، وفيه: قال الموفق (^٤): الشفعة تثبت على خلاف الأصل، إذ هي انتزاع ملك المشتري بغير رضاء منه، وإجبار له على المعاوضة، لكن أثبتها الشرع لمصلحة راجحة، فلا تثبت إلا بشروط أربعة: أحدها: أن يكون الملك مشاعًا غير مقسوم، فأما الجار فلا شفعة له، أي: عند أحمد، وبه قال مالك والشافعي، وقال الثوري وأصحاب الرأي: الشفعة بالشركة، ثم\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٤٣٦).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٥/ ٢٤٠).\n(^٣) \"أوجز المسالك\" (١٣/ ٤٧٣ - ٤٧٨).\n(^٤) \"المغني\" (٧/ ٤٣٦).","vol":"3","page":658},{"text":"بالشركة في الطريق، ثم بالجوار، إلى آخر ما بسط في هامش \"اللامع\" (^١)، وستأتي هذه المسألة في باب مستقل.\nقوله: (السلم في الشفعة) كذا في نسخة الحاشية، وكذا هو في نسخة الحافظ والعيني لكنهما لم يتعرضا عن شرحه.\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-1620> باب الشفعة فيما لم يقسم. . .) إلخ</span>\nقال القسطلاني (^٢): أي: في المكان الذي لم يقسم، وقال بعد ذكر الحديث: وهذا الحديث أصل في ثبوت الشفعة، وقد أخرجه مسلم من طريق أبي الزبير عن جابر بلفظ: \"قضى رسول الله - ﷺ - بالشفعة في كل شرك لم يقسم ربعة أو حائط، ولا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه\" الحديث، والربعة: تأنيث الربع وهو المنزل، والحائط: البستان، وقد تضمن هذا الحديث ثبوت الشفعة في المشاع، وصدره يشعر بثبوتها في المنقولات، وسياقه يشعر باختصاصها بالعقار وبما فيه العقار، ومشهور مذهب المالكية والشافعية والحنابلة تخصيصها بالعقار؛ لأنه أكثر الأنواع ضررًا، والمراد بالعقار الأرض وتوابعها المثبتة فيها للدوام، كالبناء وتوابعه الداخلة في مطلق البيع من الأبواب والرفوف والمسامير وحجري الطاحون والأشجار، فلا تثبت في منقول غير تابع.\nويشترط أن يكون العقار قابلًا للقسمة، واحترز به عما إذا كان لا يقبلها أو يقبلها بضرر كالحمام أو نحوها، وفي \"الفتح\" (^٣): وقد أخذ بعمومها في كل شيء مالك في رواية، وعن أحمد تثبت في الحيوانات دون غيرها من المنقولات، ومشهور مذهب مالك كما سبق تخصيصها بالعقار، وخرج بقوله في الحديث \"في كل شرك\" الجار ولو ملاصقًا خلافًا للحنفية حيث أثبتوها للجار الملاصق أيضًا، انتهى مختصرًا من \"القسطلاني\".\n_________\n(^١) \"اللامع\" (٦/ ١٥١).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٥/ ٢٤١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٤/ ٤٣٦).","vol":"3","page":659},{"text":"(٢ -<span data-type='title' id=toc-1621> باب عرض الشفعة)</span>\nأي: هل تبطل بذلك شفعته أم لا؟ وسيأتي في \"كتاب ترك الحيل\" مزيد بيان لذلك، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): قوله: (قال الحكم: إذ أذن له. . .) إلخ، هذا يخالف مذهب الحنفية، فإنهم يجوزون للشفيع أن يطالب ولو تقدم منه الإذن بالبيع، ولا ضير في مخالفة الحكم لمذهب الإمام لأنه تابعي مثله، ولا يخالف مذهبه قول الشعبي لأنا لم نقل بحق الاسترداد له بعد ما باع البائع بإذنه، انتهى.\nوفي هامشه: قال العيني: قال الثوري وإسحاق وأحمد في رواية والظاهرية: إن أحد الشريكين إذا عرض عليه الآخر فلم يأخذ سقط حقه من الشفعة، وروي ذلك عن الحكم بن عتيبة أيضًا، وقال الطحاوي: قال أبو حنيفة ومالك والشافعي: لا يسقط حقه بذلك، بل له أن يأخذ بعد البيع لأن الشفعة لم تجب بعد، وإنما تجب له بعد البيع فتركه ما لم يجب بعد لا معنى له، ولا يسقط حقه إذا وجب، انتهى.\nففي المسألة عن أحمد روايتان كما في \"المغني\" إذ قال: قد اختلف فيه عن أحمد فقال مرة: تبطل شفعته، وقال مرة: لا تبطل، إلى آخر ما في هامش \"اللامع\" (^٣).\nقوله: (قال الشعبي: من بيعت. . .) إلخ، قال الموفق (^٤): الصحيح في المذهب أن حق الشفعة على الفور، نص عليه أحمد فقال: الشفعة بالمواثبة ساعة يعلم، وهذا قول الأوزاعي، وأبي حنيفة، والشافعي في أحد قوليه، وحكي عن أحمد رواية ثانية أن الشفعة على التراخي لا تسقط، ما لم يوجد منه ما يدل على الرضاء من عفو، أو مطالبة بقسمة، ونحو ذلك، وهو قول\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٤٣٧).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٦/ ١٥٣، ١٥٤).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٦/ ١٥٣).\n(^٤) \"المغني\" (٧/ ٤٥٣، ٤٥٤).","vol":"3","page":660},{"text":"مالك وقول للشافعي، إلا أن مالكًا قال: تنمطع بمضي سنة، وعنه: بمضي مدة يعلم أنه تارك لها، إلى آخر ما في هامش \"اللامع\" (^١).\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-1622> باب أي الجوار أقرب</span>؟)\nهذه الترجمة يوافق الحنفية، كما سيأتي في كلام القسطلاني (^٢).\nقال الحافظ (^٣): كأنه أشار بهذه الترجمة إلى أن لفظ \"الجار\" في الحديث الذي قبله ليس على مرتبة واحدة، انتهى.\nوفي \"الفيض\" (^٤): لا يدرى أنه هل أراد من الجار الجار الملاصق، وأراد به موافقة الحنفية، أو حمله على الحقوق الأخرى؟ غير أن الحديث الذي أخرجه ليس إلا في الحقوق العامة دون الشفعة، والله تعالى أعلم، انتهى.\nقال القسطلاني (^٥): فيه إشعار إلى أن المؤلف يختار مذهب الكوفيين في استحقاق الشفعة بالجوار لكنه لم يترجم له وإنما ذكر الحديث في الترجمة الأولى وهو دليل شفعة الجوار، وأعقبه بهذا الباب ليدل بذلك على أن الأقرب جوارًا أحق من الأبعد، لكنه لم يصرح في الرجمة بأن غرضه الشفعة، واستدل التوربشتي بإيراد البخاري حديث: \"الجار أحق بسقبه\" على تقويته شفعة الجار وإبطال ما تأوله أبو سليمان الخطابي مشنعًا عليه، وأجاب شارح \"المشكاة\" بأن إيراد البخاري لذلك ليس بحجة على الإمام الشافعي ولا على الخطابي، وقد وافق محي السُّنَّة البغوي الخطابي في ذلك، وإذا كان كذلك، فلا وجه للتشنيع على الإمام أبي سليمان الذي لان له الحديث كما لان لأبي سليمان الحديد، انتهى.\n_________\n(^١) \"اللامع\" (٦/ ١٥٣، ١٥٤).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٥/ ٢٤٤).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٤/ ٤٣٨).\n(^٤) \"فيض الباري\" (٣/ ٥٠٧).\n(^٥) \"إرشاد الساري\" (٥/ ٢٤٤).","vol":"3","page":661},{"text":"ثم براعة الاختتام سكت عنها الحافظ؛ لأنه جعل البيع والإجارة واحدًا.\nوعند هذا العبد الضعيف البراعة في لفظ \"الجار\" فإنه يرشد إلى قوله: \"اللهم أجرني من النار\"، ومن أدعية صلاة الجنازة \"اللهم إن فلان بن فلان في ذمتك وحبل جوارك، فقِهِ من فتنة القبر وعذاب النار\" كما تقدم في المقدمة مبسوطًا.\n* * *","vol":"3","page":662},{"text":"٣٧ -<span data-type='title' id=toc-1623> كتاب الإجارة</span>\nقال الحافظ (^١): الإجارة بكسر أوله على المشهور وحكي ضمها، وهي لغةً الإثابة، واصطلاحًا تمليك منفعة رقبة بعوض، انتهى.\nاعلم أن التمليك على نوعين: ما يتعلق بالعين، والثاني: ما يتعلق بالمنفعة، وكل واحد منهما إما بعوض أو بغير عوض، فتمليك العين بالعوض هو البيع، وبغير العوض هو الهبة، وتمليك المنفعة بعوض إجارة، وبغير عوض إعارة، كذا يستفاد من \"الهداية\" (^٢) وحواشيه.\nوبسط الكلام على مباحث الإجارة صاحب \"البدائع\" (^٣)، وقال: الكلام في هذا الكتاب يقع في سبع مواضع، ثم ذكرها، وقال أيضًا: الإجارة جائزة عند عامة العلماء، وقال أبو بكر الأصم: إنها لا تجوز، والقياس ما قاله؛ لأن الإجارة بيع المنفعة والمنافع للحال معدومة، والمعدوم لا يحتمل البيع فلا يجوز إضافة البيع إلى ما يؤخذ في المستقبل كإضافة البيع إلى أعيان تؤخذ في المستقبل، فإذن لا سبيل إلى تجويزها لا باعتبار الحال ولا باعتبار المآل، فلا جواز لها رأسًا، لكنا استحسنا الجواز بالكتاب والسُّنَّة والإجماع، إلى آخر ما بسطه.\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-1624> باب استئجار الرجل الصالح. . .) إلخ</span>\nقال القسطلاني (^٤): فيه إشارة إلى قطع وهم من لعله يتوهم أنه لا ينبغي استئجار الصالحين في الأعمال والخدم لأنه امتهان لهم قاله ابن المنيِّر.\n(وقول الله تعالى) بالجر عطفًا على السابق، وبالرفع على الاستئناف،\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٤٣٩).\n(^٢) \"الهداية\" (٦/ ٢٦٩).\n(^٣) \"بدائع الصنائع\" (٤/ ١٤).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (٥/ ٢٤٧ - ٢٤٨).","vol":"3","page":663},{"text":"وأشار بذلك إلى قصة موسى ﵊ مع ابنة شعيب في سقيه المواشي و(من لم يستعمل) أي: من الأئمة، (من أراده) أي: لا يفوض الأمر إلى الحريص على العمل لأنه لحرصه لا يؤمن، وهذان الجزءان من جملة الترجمة، وقد ساق لكل منهما حديثًا، انتهى.\nقال الحافظ (^١): قال الإسماعيلي: ليس في الحديثين جميعًا معنى الإجارة، وقال الداودي: ليس حديث: \"الخازن الأمين\" من هذا الباب لأنه لا ذكر للإجارة فيه، وقال ابن التين: وإنما أراد البخاري أن الخازن لا شيء له في المال وإنما هو أجير، وقال ابن بطال (^٢): إنما أدخله في هذا الباب لأن من استؤجر على شيء فهو أمين فيه، وليس عليه في شيء منه ضمان إن فسد أو تلف إلا إن كان ذلك بتضييعه.\nوقال الكرماني (^٣): دخول هذا الحديث في باب الإجارة للإشارة إلى أن خازن مال الغير كالأجير لصاحب المال، وأما دخول الحديث الثاني في الإجارة فظاهر من جهة أن الذي يطلب العمل إنما يطلبه غالبًا لتحصيل الأجرة التي شرعت للعامل، والعمل المطلوب يشمل العمل على الصدقة في جمعها وتفرقتها في وجهها وله سهم منها كما قال الله تعالى: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة: ٦٠] فدخوله في الترجمة من جهة طلب الرجلين أن يستعملهما النبي - ﷺ - على الصدقة أو غيرها ويكون لهما على ذلك أجرة معلومة، انتهى.\nقلت: ولا يبعد عند هذا العبد الضعيف أن إدخال الحديث الثاني في الباب من حيث إن طلبه العمل علامة لكونه غير صالح، فقد ورد حديث الباب عند أبي داود (^٤) من زيادة قوله - ﷺ -: \"إن أخونكم عندنا من طلبه\"، ثم لا يذهب عليك ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه ولله دره إذ قال: ثم إن الأدب في\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٤٤٠).\n(^٢) (٦/ ٣٨٥).\n(^٣) \"شرح الكرماني\" (١٠/ ٩٦).\n(^٤) \"سنن أبي داود\" (ح: ٢٩٣٠).","vol":"3","page":664},{"text":"ذلك أن لا يستعمل الطالب على ما فيه مظنة الخيانة وشبهة عدم القيام بالأمر الذي نيط به، وأنه لا يأتي به على وجهه، وليس المراد أن كل طالب عمل لا يستعمل، كيف ولو كان المراد ذلك لانسد باب الأعمال والإجارات، فإن الأجراء قلما يتفطن لهم أنه أجراء إلا إذا طلبوا وأظهروا ذلك من أنفسهم، مع أن يوسف - ﵇ - طلب العمل من نفسه حيث رأى أنه قوي على ذلك فقال: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥]، وقد سأل بعض أصحاب النبي - ﷺ - الإمامة، فقال: اجعلني إمام قومي، فقال: \"أنت إمامهم واقتد بأضعفهم\" (^١)، انتهى.\nوذكر في هامشه من الروايات ما يدل على تأييد كلام الشيخ قُدِّس سرُّه.\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-1625> باب رعي الغنم على قراريط)</span>\nقال الحافظ (^٢): على بمعنى الباء وهي للسببية أو المعاوضة، وقيل: إنها هنا للظرفية كما سنبين، انتهى.\nوقال القسطلاني (^٣): قراريط جمع قيراط وهو نصف الدانق أو نصف عشر الدينار، أو جزء من أربعة وعشرين جزءًا، وقال بعد ذكر الحديث: وقال أبو إسحاق الحربي: قراريط اسم موضع بمكة، وصححه ابن الجوزي كابن ناصر، وأيده مغلطاي بأن العرب لم تكن تعرف القيراط، قال ابن حجر: لكن الأرجح الأول لأن أهل مكة لا تعرف بها مكانًا يقال له قراريط، انتهى.\nوقال بعضهم: لم تكن العرب تعرف القيراط الذي هو من النقد، ولذا قال ﵊ كما في الصحيح: \"تفتحون أرضًا يذكر فيها\n_________\n(^١) \"سنن أبي داود\" (ح: ٥٣١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٤/ ٤٤١).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (٥/ ٢٥٠).","vol":"3","page":665},{"text":"القيراط\" لكن لا يلزم من عدم معرفتهم لهما - أي: للقيراط بالمعنيين الذي هما الموضع وكونها من النقود - أن يكون النبي - ﷺ - لا يعرف ذلك، انتهى.\nقلت: ولعل المصنف أشار بهذه الترجمة إلى فضيلة هذا العمل لكونه فعل جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.\nوقال القسطلاني (^١): والحكمة في إلهامهم صلوات الله وسلامه عليهم رعي الغنم قبل النبوة ليحصل لهم التمرن برعيها على ما يكلفونه من القيام بأمر أمتهم، ولأن في مخالطتها زيادة الحلم والشفقة لأنهم إذا صبروا على مشقة الرعي ودفعوا عنها السباع الضارية والأيدي الخاطفة وعلموا اختلاف طباعها وتفاوت عقولها وعرفوا ضعفها واحتياجها إلى النقل من مرعى إلى مرعى ومن مسرح إلى مراح فرفقوا بضعيفها وأحسنوا تعاهدها فهو توطئة لتعريفهم سياسة أممهم، وخص الغنم لأنها أضعف من غيرها، وفي ذكره - ﷺ - لذلك بعد أن علم أنه أشرف خلق الله ما فيه من التواضع والتصريح بمنته عليه، انتهى.\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-1626> باب استئجار المشركين عند الضرورة)</span>\nقال الحافظ (^٢): هذه الترجمة مشعرة بأن المصنف يرى بامتناع استئجار المشرك حربيًّا كان أو ذميًّا إلا عند الاحتياج إلى ذلك كتعذر وجود مسلم يكفي في ذلك؛ وقد روى عبد الرزاق عن ابن جريج عن ابن شهاب قال: \"لم يكن للنبي - ﷺ - عمال يعملون بها نخل خيبر وزرعها، فدعا النبي - ﷺ - يهود خيبر فدفعها إليهم\" الحديث، وفي استشهاده بقصة معاملة النبي - ﷺ - يهود خيبر على أن يزرعوها وباستئجاره الدليل المشرك لما هاجر على ذلك نظر؛ لأنه ليس فيهما تصريح بالمقصود من منع استئجارهم وكأنه أخذ ذلك من هذين الحديثين مضمومًا إلى قوله - ﷺ -: \"إنا لا نستعين بمشرك\"\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٥/ ٢٥٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٤/ ٤٤٢).","vol":"3","page":666},{"text":"أخرجه مسلم وأصحاب السنن، فأراد الجمع بين الأخبار بما ترجم به، قال ابن بطال (^١): عامة الفقهاء يجيزون استئجارهم عند الضرورة وغيرها لما في ذلك من المذلة لهم، وإنما الممتنع أن يؤاجر المسلم نفسه من المشرك لما فيه من إذلال المسلم، انتهى.\n\n(٤ -<span data-type='title' id=toc-1627> باب إذا استأجر أجيرًا ليعمل له. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٢): يعني بذلك أن الاستئجار وإن كان متقدمًا على زمان العمل، إلا أن الأجرة لا تجب إلا إذا أتى بالمعقود عليه، فكان في تقديم الاستئجار على وقت العمل مظنة توهم المنع، لما فيه من حبس الأجير قبل ما تناوله العقد من الزمان كما في صورة المسألة المذكورة في الرواية، فإن الدليل الديلي قد حبس من أجلهما منذ ثلاث، فأورد المؤلف الرواية الدالة على جواز هذا التقديم، وما يتوهم من الحبس بغير عوض يقابله مدفوع، بأنه مجرد عدة منهما جميعًا، ولو سلم كونه حبسًا فالأجرة مقابلة بالعمل والحبس كليهما كيف ما كان الحبس، انتهى.\nوفي هامشه: ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه لطيف، فللَّه دره، وفي بادي الرأي أن الإمام البخاري أشار بالترجمة إلى مسألة خلافية شهيرة، كما ستأتي، وقال الإسماعيلي: ليس في الخبر أنهما استأجراه على أن لا يعمل إلا بعد ثلاث، بل الذي في الخبر أنهما استأجراه، وابتدأ في العمل من وقته لتسليمه راحلتيهما يرعاهما ويحفظهما إلى أن يتهيأ لهما الخروج.\nقال الحافظ: ليس في ترجمة البخاري ما ألزمه به بل الذي ترجم به هو ظاهر القصة، ومن قال ببطلان الإجارة إذا لم يشرع في العمل من حين الإجارة هو المحتاج إلى دليل، انتهى.\nوبسط الكلام في هامش \"اللامع\" فارجع إليه.\n_________\n(^١) (٦/ ٣٨٧).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٦/ ١٦٢).","vol":"3","page":667},{"text":"وأما المسألة الخلافية الشهيرة ففي \"المغني\" (^١): ولا يشترط في مدة الإجارة أن تلي العقد، بل لو آجره سنة خمس وهما في سنة ثلاث أو شهر رجب في المحرم صبح، وبهذا قال أبو حنيفة، وقال الشافعي: لا يصح إلا أن يستأجرها من هي في إجارته، ففيه قولان، انتهى.\nوقال القسطلاني (^٢): \"باب إذا استأجر. . .\" إلخ، وجواب إذا قوله: \"جاز\"، ثم قال: قال العيني: هو جا عند مالك وأصحابه بعد اليوم أو اليومين أو ما قرب إذا أنقده الأجرة، واختلفوا فيما إذا لم ينقده فأجازه مالك وابن القاسم، وقال أشهب: لا يجوز لأنه لا يدري أيعيش أم لا، وقياسه أن يستأجر منه منزلًا مدة معلومة قبل مجيء السنة بأيام كأن يقول: آجرتك الدار سنة بعد عشرة أيام فمذهب الشافعية عدم الصحة، لأن منفعتها إذ ذاك غير مقدورة التسليم في الحال، فأشبه بيع العين على أن يسلمها غدًا، وهو بخلاف إجارة الذمة، فإنه يجوز فيها تأجيل العمل كما في السلم، فلو آجر السنة الثانية لمستأجر الأولى قبل انقضائها جاز لاتصال المدتين مع اتحاد المستأجر فهو كما لو آجرهما دفعة واحدة بخلاف ما لو آجرها من غيره لعدم اتحاد المستأجر، وقال الحنفية: إذا قال في شعبان مثلًا: آجرتك داري في أول يوم من رمضان جاز مطلقًا؛ لأن العقد يتجدد بحدوث المنافع وهو مذهب المالكية، انتهى.\nوفي \"الفيض\" (^٣) تحت الترجمة: ويقال له في الفقه: الإجارة المضافة، والعقد فيها يكون في الحال، والعمل في المآل، ولتراجع \"الهداية\" للفرق بين الإجارة المعلقة والمضافة؛ إلى آخر ما قال.\n_________\n(^١) \"المغني\" (٨/ ٩).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٥/ ٢٥٢ - ٢٥٣).\n(^٣) \"فيض الباري\" (٣/ ٥١٠).","vol":"3","page":668},{"text":"(٥ -<span data-type='title' id=toc-1628> باب الأجير في الغزو)</span>\nقال الحافظ (^١): قال ابن بطال (^٢): استئجار الأجير للخدمة وكفاية مؤنة العمل في الغزو وغيره سواء، انتهى.\nويحتمل أن يكون أشار إلى أن الجهاد وإن كان القصد به تحصيل الأجر فلا ينافي في ذلك الاستعانة بمن يخدم المجاهد، ويكفيه كثيرًا من الأمور التي لا يتعاطاها بنفسه، انتهى.\nقال صاحب \"الفيض\" (^٣): يعني أن الغزو يكون خالصًا لله تعالى، فهل تصح فيه الأجرة؟ والجواب أنها تصح، وإن حبط الأجر، فهو للأجير إلى آخر قطرة دمه، انتهى.\n\n(٦ -<span data-type='title' id=toc-1629> باب من استأجر أجيرًا فبين له الأجل)</span>\nأي: هل يصح ذلك أم لا؟ وقد مال البخاري إلى الجواز لأنه احتج لذلك فقال: \"لقوله تعالى. . .\" إلخ، ولم يفصح مع ذلك بالجواز لأجل الاحتمال، ووجه الدلالة منه أنه لم يقع في سياق القصة المذكورة بيان العمل، وإنما فيه إن موسى آجر نفسه من والد المرأتين، ثم إنما تتم الدلالة بذلك إذا قلنا: إن شرع من قبلنا شرع لنا إذا ورد شرعنا بتقريره، قال المهلب (^٤): ليس في الآية دليل على جهالة العمل في الإجارة لأن ذلك كان معلومًا بينهم وإنما حذف ذكره للعلم به، وتعقبه ابن المنيِّر (^٥): بأن البخاري لم يرد جواز أن يكون العمل مجهولًا وإنما أراد أن التنصيص على العمل باللفظ ليس مشروطًا، وأن المتبع المقاصد لا الألفاظ، ويحتمل أن يكون المصنف أشار إلى حديث عتبة بن الندر - بضم النون وتشديد المهملة - قال: \"كنا عند رسول الله - ﷺ - فقال: إن موسى آجر نفسه ثمان سنين أو عشرًا\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٤٤٤).\n(^٢) (٦/ ٣٨٩، ٣٩٠).\n(^٣) \"فيض الباري\" (٣/ ٥١٠).\n(^٤) انظر: \"فتح الباري\" (٤/ ٤٤٤).\n(^٥) \"المتواري\" (ص ٢٥٣).","vol":"3","page":669},{"text":"على عفة فرجه وطعام بطنه\" أخرجه ابن ماجه، وفي إسناده ضعف، فإنه ليس فيه بيان العمل من قبل موسى، انتهى.\n\n(٧ -<span data-type='title' id=toc-1630> باب إذا استأجر أجيرًا على أن يقيم حائطًا. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): قصد بذلك بيان أن الاستئجار كما يجوز بتعيين الأجل وإن لم يتعين العمل كما تقدم، فكذلك هو جائز بتعيين العمل وإن لم يتعين الأجل الذي يفرغ فيه من عمله، وكلا نوعي الاستئجار معمول بهما شرعًا وعرفًا، انتهى. وهكذا حكى الحافظ (^٢): عن ابن المنيِّر.\nقلت: والإجارة على نوعين: الإجارة بتعيين الأجل، وترجم له سابقًا بقوله: وبين له الأجل، والنوع الثاني من الإجارة ترجم له البخاري بهذه الترجمة، قال الموفق: الإجارة على ضربين: أحدهما: أن يعقدها على مدة، الثاني: أن يعقدها على عمل معلوم كبناء حائط وخياطة قميص، فإذا كان المستأجر مما له عمل كالحيوان جاز فيه الوجهان؛ لأن له عملًا تتقدر منافعه به، وإن لم يكن له عمل كالدار والأرض لم يجز إلا على مدة، ومتى تقدرت المدة لم يجز تقدير العمل، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي؛ لأن الجمع بينهما يزيدها غررًا لأنه قد يفرغ من العمل قبل انقضاء المدة، فإن استعمل في بقية المدة فقد زاد على ما وقع عليه العقد، وإن لم يعمل كان تاركًا للعمل في بعض المدة، إلى آخر ما بسطه الموفق، انتهى من هامش \"اللامع\" (^٣).\n\n(٨ -<span data-type='title' id=toc-1631> باب الإجارة إلى نصف النهار)</span>\nأي: من أول النهار، وترجم في الذي بعده \"الإجارة إلى صلاة العصر\" والتقدير أيضًا أن الابتداء من أول النهار، ثم ترجم بعد ذلك \"باب\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٦/ ١٦٤، ١٦٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٤/ ٤٤٥).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٦/ ١٦٤ - ١٦٦).","vol":"3","page":670},{"text":"الإجارة من العصر إلى الليل\" أي: إلى أول دخول الليل، قيل: أراد البخاري إثبات صحة الإجارة بأجر معلوم إلى أجل معلوم من جهة أن الشارع ضرب المثل بذلك، ولولا الجواز ما أقره، ويحتمل أن يكون الغرض من كل ذلك جواز الاستئجار لقطعة من النهار إذا كانت معينة دفعًا لتوهم من يتوهم أن أقل المعلوم أن يكون يومًا كاملًا، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nقوله: (ما لنا أكثر عملًا وأقل عطاء؟) بسط الكلام عليه في \"اللامع\" (^٢) وهامشه، [فارجع] إليه لو شئت.\n\n(٩ -<span data-type='title' id=toc-1632> باب الإجارة إلى صلاة العصر)</span>\nتقدم بعض ما يتعلق به من الغرض وغيره في الباب السابق، وذكر فيه حديث ابن عمر من طريق مالك عن عبد الله بن دينار، وليس في سياقه التصريح بالعمل إلى صلاة العصر، وإنما يؤخذ ذلك من قوله: \"ثم أنتم الذين تعملون من صلاة العصر\" فإن ابتداء عمل الطائفة عند انتهاء عمل الطائفة التي قبلها، نعم في رواية أيوب في الباب قبله التصريح بذلك، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\n\n(١٠ -<span data-type='title' id=toc-1633> باب إثم من منع أجر الأجير)</span>\nأورد فيه حديث أبي هريرة وقد تقدم في \"باب إثم من باع حرًّا\" في \"كتاب البيوع\"، وقال الحافظ (^٤): أخَّر ابن بطال هذا الباب عن الذي بعده، وكأنه صنع ذلك للمناسبة، انتهى. وهكذا قال العيني (^٥).\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٦): الظاهر أن محل إيراده هو آخر الأبواب الثلاثة لا وسطها، إلا أنه وسطه إياها لنكتة، وهي الإشارة إلى أن الأجرة\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٤٤٦).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٦/ ١٦٦ - ١٦٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٤/ ٤٤٧).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٤/ ٤٤٧).\n(^٥) \"عمدة القاري\" (٨/ ٦١٧).\n(^٦) \"لامع الدراري\" (٦/ ١٧٠، ١٧١).","vol":"3","page":671},{"text":"تجب على المستأجر شيئًا فشيئًا، حسب إتيان الأجير من المعقود عليه شيئًا فشيئًا، فالعادة وإن كانت جارية بأن الأجير لا يطلب أجرته إلا بعد مضي اليوم أو الشهر حسب ما تعارفوا إلا أن له أن يطلب قبل انقضاء اليوم وتمامه حتى إنه لو عمل ثلثي اليوم وترك العمل بعد ذلك أو لم يترك، كان له وقتئذ أن يطلب ثلثي أجره، ولذلك لم يورد الباب قبل \"باب الإجارة إلى نصف النهار\"؛ لأنه لو وضعه هناك لربما توهم أن الأجرة إنما تجب إذا فرغ من العمل ولو بنصف يوم، فلو طلب لأقل من ذلك لا يجوز حتى يفرغ من عمله، فدفعه بإيراده الباب ها هنا ليعلم أنه لا عبرة فيه للفراغ، ولا لإتيان النصف من المعقود عليه، كما في عمل نصف اليوم إذا كانت الإجارة لعمل اليوم، بل الواجب هو كل جزء من الأجر على أداء كل جزء من العمل، إلا أن المطالبة ساقطة دفعًا للحرج الواقع في مطالبة كل آن، انتهى.\nوذكر في هامش \"اللامع\" ما يؤيد كلام الشيخ قُدِّس سرُّه، فارجع إليه.\n\n(١١ -<span data-type='title' id=toc-1634> باب الإجارة من العصر إلى الليل)</span>\nقال الحافظ (^١): أورد فيه حديث أبي موسى وقد مضى سنده ومتنه في \"المواقيت\" (^٢) وشيخه أبو كريب المذكور هناك هو محمد بن العلاء المذكور هنا، انتهى. وهكذا في \"العيني\" (^٣).\nقلت: لكنه أخرجه هناك مختصرًا وهنا مطولًا، وقد تقدم الكلام على الأحاديث المكررة في مقدمة \"اللامع\" (^٤).\nثم لا يخفى عليك ما في حديثي أبي موسى وابن عمر من التغاير جدًا، كما ذكر في هامش \"اللامع\" (^٥) في \"المواقيت\"، وكذا في \"الكوكب\" (^٦)\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٤٤٨).\n(^٢) انظر: \"صحيح البخاري\" (ح: ٥٥٨).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٨/ ٦١٨) و(٤/ ٧٤).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (١/ ١٠٥، ١٠٦).\n(^٥) \"اللامع\" (٣/ ٤٦، ٤٧).\n(^٦) \"الكوكب الدري\" (٣/ ٤٦٧ - ٤٦٨).","vol":"3","page":672},{"text":"وهامشه: واختلفت الشرَّاح في محملهما، فحاول جماعة منهم الشيخ الكَنكَوهي إلى جمعهما في قضية واحدة، وإليه مال الخطابي كما حكاه عنه القاري وكذا ابن التين، كما حكاه عنه الحافظ، ومال جماعة من الشرَّاح إلى التعدد، منهم الحافظ ابن حجر إذ قال: أما ما وقع من المخالفة بين حديثي ابن عمر وأبي موسى فظاهرهما أنهما قضيتان، وحاول بعضهم الجمع بينهما فتعسف، انتهى من هامش \"الكوكب\".\n\n(١٢ -<span data-type='title' id=toc-1635> باب من استأجر أجيرًا فترك أجره. . .) إلخ</span>\nقال القسطلاني (^١): قوله: (فعمل فيه المستأجر) أي: بالتجارة والزراعة، (فزاد) فجه، أي: ربح، (ومن عمل. . .) إلخ، هو من باب عطف العام على الخاص، انتهى. وزاد الحافظ (^٢): لأن العامل في مال غيره أعم من أن يكون مستأجرًا أو غير مستأجر، ولم يذكر المصنف الجواب إشارة إلى الاحتمال كعادته، وقد تعقب المهلب ترجمة البخاري بأنه ليس في القصة دليل لما ترجم له، وإنما اتجر الرجل في أجر أجيره ثم أعطاه له على سبيل التبرع، وإنما الذي كان يلزمه قدر العمل خاصة، انتهى.\nقلت: وقد تقدم هذا الحديث في \"كتاب البيوع\" (^٣) في \"باب إذا اشترى شيئًا لغيره بغير إذنه\" وأثبت منه جواز بيع الفضولي كما تقدم هناك مبسوطًا.\nقال العيني (^٤): قال الخطابي: استدل بالحديث أحمد على أن المستودع إذا اتجر في مال الوديعة وربح أن الربح إنما يكون لرب المال، قال: وهذا لا يدل على ما قال، وذلك أن صاحب الفرق إنما تبرع بفعله وتقرب به إلى الله - ﷿ -، وقد قال: إنه اشترى بقرًا وهو تصرف منه في أمر لم يوكله به، فلا يستحق عليه ربحًا، والأشبه بمعناه أنه قد تصدق بهذا المال على الأجير بعد أن اتجر فيه وأنماه، والذي ذهب إليه أكثر الفقهاء\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٥/ ٢٦٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٤/ ٤٥٠).\n(^٣) انظر: \"صحيح البخاري\" (ح: ٢٢١٥).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (٨/ ٥٢٩).","vol":"3","page":673},{"text":"في المستودع إذا اتجر بمال الوديعة والمضارب إذا خالف رب المال فربحا أنه ليس لصاحب المال من الربح شيء، وعند أبي حنيفة: المضارب ضامن لرأس المال والربح له ويتصدق به، والوضيعة عليه؛ وقال الشافعي: إن كان اشترى السلعة بعين المال فالبيع باطل، وإن كان بغير عينه فالسلعة ملك المشتري وهو ضامن للمال، وقال ابن بطال: وأما من اتجر في مال غيره، فقالت طائفة: يطيب له الربح إذا رد رأس المال إلى صاحبه، سواء كان غاصبًا للمال أو كان وديعة عنده متعديًا فيه، هذا قول مالك والثوري وأبي يوسف، واستحب مالك والثوري تنزهه عنه، ويتصدق به، وقالت طائفة: يرد المال ويتصدق بالربح كله، ولا يطيب له منه شيء هذا قول أبي حنيفة ومحمد وزفر، وقالت طائفة: والربح لرب المال وهو ضامن لما تعدى فيه، هذا قول ابن عمر، وبه قال وأحمد وإسحاق، انتهى مختصرًا.\nوفي \"الفيض\" (^١): قوله: \"باب من استأجر\" فهل يكون الربح للعامل، أو المالك؟ وقد مر عن \"الهداية\": أن الربح في البيع الفاسد يطيب للبائع؛ لأنه ربح في ثمنه، ولا يطيب للمشتري، فإنه ربح في المبيع، ووجه الفرق ذكره صاحب \"الهداية\"، انتهى مختصرًا.\n\n(١٣ -<span data-type='title' id=toc-1636> باب من آجر نفسه ليحمل على ظهره ثم تصدق منه)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): إنما عقد هذا الباب لما في ظاهره أنه لا يجوز لما فيه من توهين المسلم نفسه وإذلاله إياها، وليس لمؤمن أن يذل نفسه، فدفعه بأنه ليس بمذلة سيما وفي تركه مذلة المسألة، وهي أشنع منها بكثير، وكما أن في ترك الاكتساب مذلة المسألة في الدنيا فكذلك في ترك الصدقة مذلة الإفلاس الأخروي، انتهى.\n_________\n(^١) \"فيض الباري\" (٣/ ٥١٣).\n(^٢) \"اللامع\" (٦/ ١٧٢).","vol":"3","page":674},{"text":"وفي هامشه: ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه واضح، ويحتمل عندي أنه ترجم بذلك لما يتوهم من ظاهر الروايات العديدة أن مثل هذا التكلف للصدقة مما لا ينبغي، وقد قال النبي - ﷺ -: \"إن خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى\" وغير ذلك من الروايات، إلى آخر ما ذكر في هامش \"اللامع\" (^١).\nوفي \"الفيض\" (^٢): أي: من آجر نفسه، فاكتسب شيئًا، فاستفضل منه شيء، فتصدق به، انتهى.\n\n(١٤ -<span data-type='title' id=toc-1637> باب أجر السمسرة. . .) إلخ</span>\nبفتح السينين المهملتين بينهما ميم ساكنة، أي: الدلالة، قاله القسطلاني (^٣).\nوقال العيني (^٤): السمسار بالكسر: الدلال، وفي \"المغرب\": السمسرة مصدر، وهو أن يوكل الرجل من الحاضرة للقادمة، فيبيع لهم ما يحلبونه، انتهى.\nوفي \"الدر المختار\" (^٥): السمسار هو الدال على مكان السلعة وصاحبها، قال ابن عابدين (^٦): لا فرق لغةً بين السمسار والدلال، وقد فسرهما في \"القاموس\" (^٧) بالمتوسط بين البائع والمشتري، وفرق بينهما الفقهاء فالسمسار هو ما ذكره المؤلف، والدلال هو المصاحب للسلعة، انتهى.\nقال الحافظ (^٨): كأن المصنف أشار إلى الرد على من كرهها، وقد نقله ابن المنذر عن الكوفيين، انتهى.\nقلت: أخذه الحافظ من الآثار المذكورة في الباب، وتعقب عليه\n_________\n(^١) \"اللامع\" (٦/ ١٧٢، ١٧٣).\n(^٢) \"فيض الباري\" (٣/ ٥١٣).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (٥/ ٢٦٧).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (٨/ ٦٢٣).\n(^٥) \"الدر المختار\" (٢/ ٣٥).\n(^٦) \"رد المحتار\" (٧/ ٣٥٣).\n(^٧) \"القاموس المحيط\" (ص ٣٨٣).\n(^٨) \"فتح الباري\" (٤/ ٤٥١).","vol":"3","page":675},{"text":"العلامة العيني (^١) فقال بعد ذكر كلامه: لم يقصد البخاري بهذا الرد على أحد، وإنما نقل عن هؤلاء المذكوريين أنهم لا يرون بأسًا بالسمسرة، وطريقة الرد لا تكون هكذا، ثم ذكر العيني اختلاف العلماء فيه.\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): ولا بأس فيه عندنا من حيث كونه أجر السمسرة، فأما لو لزم الفساد فيه من جهة أخرى كجهالة الأجرة لم تجز، وقول ابن عباس ظاهره إطلاق الجواز معلومًا كانت الأجرة أو مجهولةً، وكأنه نزله منزلة المضارب، فإنه لا يعلم في المضاربة مقدار الربح ما هو، ومع ذلك فهي جائزة، ولو حمل قول ابن عباس هذا على أنه عدة منه بإعطائه إياه ما زاد على ذلك القدر المعلوم من الثمن لم يكن مخالفًا للمذهب أيضًا، انتهى. وذكر في هامشه: اختلاف العلماء فيه.\nقال القسطلاني (^٣): قوله: \"لا يكون له سمسارًا\" وهذا موضع الترجمة فإن مفهومه جواز أن يكون سمسارًا في بيع الحاضر للحاضر لكن شرط الجمهور أن تكون الأجرة معلومة، وهذا الحديث سبق في \"باب النهي عن تلقي الركبان\" (^٤)، انتهى.\nوفي \"الفيض\" (^٥): وأجرته حلال عندنا لسواء كان من جهة البائع، أو المشتري. وقوله: \"بع هذا الثوب، فما زاد على كذا. . .\" إلخ، وهذه الإجارة فاسدة عندنا لجهالة الأجرة، فيستحق أجرة المثل، على ما هو المسألة في الإجارة الفاسدة، وقوله: \"المسلمون عند شروطهم. . .\" إلخ، يعني: يلزمهم كل شرط تتحمله قواعد الشرع، فعليهم الإيفاء بها، انتهى من \"الفيض\".\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٨/ ٦٢٣).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٦/ ١٧٣، ١٧٤).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (٥/ ٢٦٧).\n(^٤) انظر: \"صحيح البخاري\" (ح: ٢١٦٣).\n(^٥) \"فيض الباري\" (٣/ ٥١٤).","vol":"3","page":676},{"text":"(١٥ -<span data-type='title' id=toc-1638> باب هل يؤاجر الرجل نفسه من مشرك. . .) إلخ</span>\nأورد فيه حديث خباب - وهو إذ ذاك مسلم - في عمله للعاص بن وائل وهو مشرك، وكان ذلك بمكة وهي إذ ذاك دار حرب، واطلع النبي - ﷺ - على ذلك وأقره، ولم يجزم المصنف بالحكم لاحتمال أن يكون الجواز مقيدًا بالضرورة، أو أن جواز ذلك كان قبل الإذن في قتال المشركين ومنابذتهم وقبل الأمر بعدم إذلال المسلم نفسه.\nوقال المهلب: كره أهل العلم ذلك إلا لضرورة بشرطين: أحدهما: أن يكون عمله فيما يحل للمسلم فعله، والآخر: أن لا يعينه على ما يعود ضرره على المسلمين، وقال ابن المنيِّر: استقرت المذاهب على أن الصَّناع في حوانيتهم يجوز لهم العمل لأهل الذمة ولا يعد ذلك من الذلة، بخلاف أن يخدمه في منزله بطريق التبعية، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوفي \"المغني\" (^٢): لا تجوز إجارة مسلم لذمي لخدمته نص عليه أحمد في رواية الأثرم، فقال: إن آجر نفسه من الذمي في خدمته لم يجز، وإن كان في عمل شيء جاز، وهذا أحد قولي الشافعي، وقال في الآخر: تجوز، ولنا: أنه عقد يتضمن حبس المسلم عند الكافر وإذلاله له واستخدامه، فأما إن آجر نفسه منه في عمل معين في الذمة؛ كخياطة ثوب وقصارته جاز بغير خلاف نعلمه؛ لأن عليًّا رضي الله تعالى عنه آجر نفسه من يهودي، يسقي له كل دلو بتمرة، وأخبر النبي - ﷺ - بذلك (^٣) فلم ينكره، وكذلك الأنصاري (^٤) انتهى.\nقلت: وحديث الباب قد سبق في \"باب ذكر القين والحداد\" من \"كتاب البيوع\".\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٤٥٢).\n(^٢) \"المغني\" (٨/ ١٣٥).\n(^٣) انظر: \"سنن ابن ماجه\" (ح: ٢٤٤٦).\n(^٤) انظر: \"سنن ابن ماجه\" (ح: ٢٤٤٨).","vol":"3","page":677},{"text":"(١٦ -<span data-type='title' id=toc-1639> باب ما يعطى في الرقية على أحياء العرب)</span>\nقال الحافظ (^١): والأحياء بالفتح جمع حي والمراد به طائفة من العرب مخصوصة، وقد اعترض على المصنف بأن الحكم لا يختلف باختلاف الأمكنة ولا باختلاف الأجناس، وتقييده في الترجمة بأحياء العرب يشعر بحصره فيه، ويمكن الجواب بأنه ترجم بالواقع ولم يتعرض لنفي غيره، وقد ترجم عليه في الطب \"الشروط في الرقية بقطيع من الغنم\" ولم يقيده بشيء، وترجم فيه أيضًا: \"الرقية بفاتحة الكتاب\"، والرقية كلام يستشفى به من كل عارض، انتهى.\nقال القسطلاني (^٢) بعد ذكر الإشكال وجوابه عن الحافظ: واعترضه في \"عمدة القاري\" (^٣) بأن هذا الجواب غير مقنع لأن القيد شرط إذا انتفى ينتفي المشروط، ثم قال القسطلاني: وبحديث الباب تمسك الجمهور في جواز الأجرة على تعليم القرآن، ومنع ذلك الحنفية في التعليم لأنه عبادة والأجر فيها على الله تعالى، وأجازوه في الرقى لهذا الخبر، انتهى.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٤): وقد خلط هؤلاء بين القراءة والتعليم فظنوهما واحدًا، وقد خلطوا أيضًا بين القرآة لأجل التلاوة بينها لا لأجلها بل بنية الدعاء، وبينهما تفاوت لا يخفى، إلى آخر ما بسطه الشيخ في \"اللامع\".\nوفي هامشه: قال الموفق في \"المغني\" (^٥): ما لا تجوز إجارته أقسام، إلى أن قال: القسم الرابع: القرب التي يختص فاعلها بكونه من أهل القربة، يعني أنه يشترط كونه مسلمًا: كالإمامة، والأذان، والحج، وتعليم القرآن نص عليه - أي: على عدم الجواز - أحمد، وبه قال عطاء\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٤٥٣).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٥/ ٢٦٩).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٨/ ٦٢٦).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٦/ ١٧٨ - ١٨٠).\n(^٥) \"المغني\" (٨/ ١٢٩ - ١٣٦ - ١٣٩).","vol":"3","page":678},{"text":"وأبو حنيفة، وممن كره أجرة التعليم مع الشرط الحسن وابن سيرين والنخعي، وعن أحمد رواية أخرى: يجوز ذلك، وممن أجاز ذلك مالك والشافعي، إلى آخر ما بسط في الدلائل، ثم قال: فأما الأخذ على الرقية، فإن أحمد يختار جوازه، وقال: لا بأس، والفرق بينه وبين ما اختلف فيه أن الرقية نوع مداواة، والمداواة يجوز أخذ الأجر عليها، انتهى.\nقوله: (ولم ير ابن سيرين بأجر القسام بأسًا) قيل: وجه ذكر القسام والخارص في هذا الباب الاشتراك في أن جنسهما وجنس تعليم القرآن والرقية واحد، انتهى. وهذا وجه فيه تعسف، ويمكن أن يقال: وقع هذا استطرادًا لا قصدًا، انتهى من \"العيني\" (^١).\nوفي \"الفيض\" (^٢): قوله: \"القسام. . .\" إلخ، كان بيت المال ينصب رجلًا للتقسيم، ويقال له: القسام، ويقال له في بلادنا: الأمين، وفي الفقه: أن أجرته تكون على بيت المال، وأن لا تؤخذ منهم، انتهى.\nوفي \"الدر المختار\" (^٣): وينصب قاسم يرزق من بيت المال ليقسم بلا أخذ أجر منهم، وهو أحب، وإن نصب بأجر المثل صح؛ لأنها ليست بقضاء حقيقة، فجاز له أخذ الأجرة عليها وإن لم يجز على القضاء، انتهى.\nوفي هامش \"اللامع\" (^٤): اختلف العلماء في أجرة القسام، قال الحافظ (^٥): كرهها مالك، وقيل: إنما كرهها لأنه كان يرزق من بيت المال فكره له أن يأخذ أجرة أخرى، انتهى.\nولم يذكر الحافظ مذاهب الأئمة، وبسط الكلام عليه في هامش \"اللامع\" وحاصله أنها جائزة عند الجمهور، ثم الأجرة بقدر نصيبهم في\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٨/ ٦٢٩).\n(^٢) \"فيض الباري\" (٣/ ٥١٦).\n(^٣) \"الدر المختار\" (٣/ ٥١٦).\n(^٤) \"اللامع\" (٦/ ١٨٤ - ١٨٥).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٤/ ٤٥٤).","vol":"3","page":679},{"text":"المال عند أحمد والشافعي وأبي يوسف ومحمد، وقال أبو حنيفة بقدر رؤوسهم.\n\n(١٧ -<span data-type='title' id=toc-1640> باب ضريبة العبد، وتعاهد ضرائب الإمام)</span>\nالضريبة بفتح المعجمة فعيلة بمعنى مفعولة: ما يقدره السيد على عبده في كل يوم، وضرائب جمعها، ويقال لها خراج وغلة بالغين المعجمة وأجر، وقد وقع جميع ذلك في الحديث، ودلالة الحديث على الترجمة ظاهرة، فإن المراد بها بيان حكم ذلك، وفي تقرير النبي - ﷺ - له دلالة على الجواز، وأما ضرائب الإماء فيؤخذ منه بطريق الإلحاق واختصاصها بالتعاهد لكونها مظنة تطرق الفساد في الأغلب، وإلا فكما يخشى من اكتساب الأمة بفرجها يخشى من اكتساب العبد بالسرقة مثلًا، ولعله أشار بالترجمة إلى ما أخرجه هو في تاريخه من طريق أبي داود الأحمري قال: \"خطبنا حذيفة حين قدم المدائن فقال: تعاهدوا ضرائب إمائكم\" وهو عند أبي نعيم في \"الحلية\" بلفظ: \"ضرائب غلمانكم\"، ولأبي داود من حديث رافع بن خديج مرفوعًا: \"نهى عن كسب الأمة حتى يعلم من أين هو\" (^١).\nوقال ابن المنيِّر: كأنه أراد بالتعاهد التفقد لمقدار ضريبة الأمة لاحتمال أن تكون ثقيلة فتحتاج إلى التكسب بالفجور، ودلالته من الحديث أمره ﵊ بتخفيف ضريبة الحجام، فلزوم ذلك في حق الأمة أقعد وأولى لأجل الغائلة الخاصة بها، انتهى.\nوبما قال ابن المنيِّر جزم الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٢) ثم قال: ولا يبعد أن يقال: أراد المصنف إثبات تعاهد ضرائب الإماء وذكر ضريبة العبد من غير ذكر التعاهد في ضريبته، فأورد فيه رواية، ثم لما كانت الرواية تثبت مع ذلك مسألتين أخراوين وهما جواز التكلم مع موالي العبد في\n_________\n(^١) \"سنن أبي داود\" (٣٤٢٧).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٦/ ١٨٧ - ١٨٩).","vol":"3","page":680},{"text":"التخفيف عنه، وجواز أجر الحجام، نبَّه عليهما في أثناء الكلام بلفظ الباب، وكذلك الرواية الموردة في الباب الثالث لما كانت تثبت مع إثباتها مسألة التعاهد مسألة أخرى، وهي حرمة كسب الأمة إذا كان من زنا نبَّه عليها بلفظ الباب، فالحاصل أن التعاهد مشترك الثبوت بتلك الروايات بأسرها، فكلها من الباب المتقدم، فإن فيها ذكرًا لضريبة العبد، وهو المقصود بالإثبات، وتعاهد الإماء مذكور في الرواية الثالثة، إلا أنها لما كانت متضمنة لمسائل أخر نبَّه عليها بزيادة الأبواب، انتهى.\nقلت: وهذا أوجه عندي فتكون التراجم الآتية من الأصل السادس من أصول التراجم، وهذا أصل معروف مطرد في \"البخاري\"، يقال له في ألسنة المشايخ: باب في باب، انتهى من هامش \"اللامع\" (^١).\n\n(١٨ -<span data-type='title' id=toc-1641> باب خراج الحجام)</span>\nقال العلَّامة العيني (^٢): خراج الحجام أجره، انتهى.\nقال الحافظ (^٣): حديث الباب ظاهر في الجواز، وتقدم في \"البيوع\" (^٤) بلفظ: \"ولو كان حرامًا لم يعطه\"، وعرف به أن المراد بالكراهة هنا كراهة التحريم، وكأن ابن عباس أشار بذلك إلى الرد على من قال: إن كسب الحجام حرام، واختلف العلماء في هذه المسألة؛ فذهب الجمهور إلى أنه حلال واحتجوا بهذا الحديث وقالوا: هو كسب فيه دناءة وليس بمحرم، فحملوا الزجر عنه على التنزيه، ومنهم من ادعى النسخ وأنه كان حرامًا ثم أبيح، جنح إلى ذلك الطحاوي، وذهب أحمد وجماعة إلى الفرق بين الحر والعبد، فكرهوا للحر الاحتراف بالحجامة، ويحرم عليه الإنفاق على نفسه منها، ويجوز له الإنفاق على الرقيق والدواب منها وأباحوها للعبد مطلقًا، إلى آخر ما قال الحافظ في \"الفتح\".\n_________\n(^١) \"اللامع\" (٦/ ١٨٧).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٨/ ٦٣٥).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٤/ ٤٥٩).\n(^٤) انظر: \"صحيح البخاري\" (ح: ٢١٠٣).","vol":"3","page":681},{"text":"(١٩ -<span data-type='title' id=toc-1642> باب من كلَّم موالي العبد أن يخففوا عنه من خراجه)</span>\nقال الحافظ (^١): أي: على سبيل التفضل منهم لا على سبيل الإلزام لهم، ويحتمل أن يكون على الإلزام إذا كان لا يطيق ذلك، انتهى.\n\n(٢٠ -<span data-type='title' id=toc-1643> باب ما جاء في كسب البغي والإماء. . .) إلخ</span>\nقال العلامة القسطلاني (^٢): \"البغي\" بفتح الموحدة وكسر الغين المعجمة وتشديد التحتية، أي: الزانية، \"والإماء\" البغايا، والممنوع كسب الأمة بالفجور لا بالصنائع الجائزة، انتهى.\nوفرّق بينهما الحافظ (^٣) إذ قال: بين البغي والإماء خصوص وعموم وجهي، فقد تكون البغي أمة وقد تكون حرة، ولم يصرح المصنف بالحكم كأنه نبَّه على أن الممنوع كسب الأمة بالفجور لا بالصنائع الجائزة، انتهى.\nقلت: فلذا جمع المصنف في الترجمة بين البغي والإماء إشارة منه إلى اتحاد حكمهما، وأن المراد في الحديث بكسب الإماء كسب البغايا، كما تقدم عن القسطلاني، لا مطلق الكسب، فالترجمة شارحة، وإليه أشار الحافظ بقوله: كأنه نبَّه، إلخ.\n\n(٢١ -<span data-type='title' id=toc-1644> باب عسب الفحل)</span>\nوالعسب بفتح العين وإسكان السين المهملتين ويقال له: العسيب أيضًا، والفحل: الذكر من كل حيوان، واختلف في العسب؛ فقيل: هو ثمن ماء الفحل، وقيل: أجرة الجماع، وعلى الأخير جرى المصنف، وعلى كل تقدير فبيعه وإجارته حرام لأنه غير متقوم ولا معلوم ولا مقدور على تسليمه، وفي وجه للشافعية والحنابلة تجوز الإجارة مدة معلومة، وهو قول الحسن\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٤٥٩).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٥/ ٢٧٦).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٤/ ٤٦٠).","vol":"3","page":682},{"text":"وابن سيرين ورواية عن مالك، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوقال القسطلاني (^٢): المشهور في كتب الفقه أن عسب الفحل ضرابه، وقيل: أجرة ضرابه، وقيل: ماؤه، فعلى الأول والثالث تقديره: نهى عن بدل عسب الفحل، وفي رواية الشافعي: نهى عن ثمن عسب الفحل، انتهى.\n\n(٢٢ -<span data-type='title' id=toc-1645> باب إذا استأجر أرضًا فمات أحدهما)</span>\nقال الحافظ (^٣): أي: هل تفسخ الإجارة أم لا؟ والجمهور على عدم الفسخ، وذهب الكوفيون والليث إلى الفسخ، واحتجوا بأن الوارث ملك الرقبة والمنفعة تبع لها، فارتفعت يد المستأجر عنها بموت الذي آجره، وتعقب بأن المنفعة قد تنفك عن الرقبة كما يجوز بيع مسلوب المنفعة، فحينئذٍ ملك المنفعة باق للمستأجر بمقتضى العقد، انتهى.\nوتعقب العيني (^٤) على تعقب الحافظ مبسوطًا فارجع إليه لو شئت.\nوفي \"المغني\" (^٥): إذا مات المكري والمكرى أو أحدهما فالإجارة بحالها، وهو قول مالك والشافعي وإسحاق وغيرهم، وقال الثوري وأصحاب الرأي: تنفسخ الإجارة بموت أحدهما، إلى آخر ما بسط في الدليل. وفي \"الدر المختار\" (^٦): وتنفسخ بلا حاجة إلى الفسخ بموت أحد العاقدين عندنا لا بجنونه مطبقًا، ولا بردته إلا أن يلحق بدارهم ويقضى بهم، فإن عاد مسلمًا في المدة عادت الإجارة، انتهى.\nوقال أيضًا: لو رضي الوارث وهو كبير ببقاء الإجارة، ورضي به المستأجر جاز، أي: فيجعل الرضاء بالبقاء إنشاء عقد، أي: لجوازها بالتعاطي، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٤٦١).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٥/ ٢٧٨).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٤/ ٤٦٢).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (٨/ ٦٤١ - ٦٤٢).\n(^٥) \"المغني\" (٨/ ٤٣).\n(^٦) \"الدر المختار\" (٢/ ١٨٤)، و\"رد المحتار\" (٩/ ١١٤ - ١١٧).","vol":"3","page":683},{"text":"قوله: (ولم يذكر أن أبا بكر وعمر جدّدا الإجارة) في \"فيض الباري\" (^١): والعجب من البخاري أنه يجعل معاملة النبي - ﷺ - مع أهل خيبر إجارةً، ثم يحكم بإمضائها بعد وفاة أحد المتعاقدين، وهي عند الحنفية خراج مقاسمةً، ثم قال بعد ذكر الإشكال والجواب عنه: فالحاصل: أنها مزارعة عند البخاري، وخراج مقاسمةً عند الحنفية، وحينئذٍ فليسأل البخاري: أن المزارعة هل تبقى بعد موت أحد المتعاقدين أيضًا، أما خراج المقاسمة فيبقى ما بقيت السلطنة، والظن أن البخاري لم يتنقح عنده معاملتهم، فقد يجعلها إجارة وأخرى مزارعة، وراجع لتحقيقه \"مبسوط السرخسي\"، فقد حققه بما لا مزيد عليه، انتهى.\nثم البراعة في قوله: \"حتى أجلاهم عمر\" واضحة كما قال الحافظ (^٢)، ويحتمل أن يكون في قوله في أول الترجمة: \"فمات أحدهما\" أو ما في الحديث من قوله: \"قبض النبي - ﷺ -\"، وفي \"القول الفصيح\" لشيخ الحديث مولانا فخر الدين أحمد: لقد أبدع المؤلف في نضد أبواب الإجارة حيث وضعها إلى ثلاثة أنواع: إجارة الإنسان، إجارة الحيوان، إجارة الأرض، فقدم إجارة الإنسان وقسمها إلى إجارة الحر وإجارة العبد، ثم صنفها إلى ما يجوز منها وما لا يجوز، ثم ثنّى بإجارة الحيوان، ثم ثلّث بإجارة الأرض لأن الأرض مرجع الأحياء والأموات جميعًا، قال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٥، ٢٦] وقال تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٥٥]، انتهى.\n* * *\n_________\n(^١) \"فيض الباري\" (٣/ ٥٢٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٤/ ٤٦٢ - ٤٦٣).","vol":"3","page":684},{"text":"٣٨ -<span data-type='title' id=toc-1646> كتاب الحوالة</span>\nوفي نسخة \"الفتح\" (^١): \"باب الحوالة\"، وفي \"القسطلاني\" (^٢): \"باب في الحوالة\"، وفي نسخة العيني (^٣): \"كتاب الحوالات\".\nوقال الحافظ (^٤): \"باب الحوالة\" كذا للأكثر، وزاد النسفي والمستملي بعد البسملة \"كتاب الحوالة\"، والحوالة بفتح الحاء وقد تكسر مشتقة من التحويل أو من الحول (^٥)، وهو عند الفقهاء نقل دين من ذمة إلى ذمة، واختلفوا هل هي بيع دين بدين رخص فيه فاستثني من النهي عن بيع الدين بالدين، أو هي استيفاء؟ وقيل: هي عقد إرفاق مستقل، ويشترط في صحتها رضا المحيل بلا خلاف، والمحتال عند الأكثر، والمحال عليه عند بعض شذ، ويشترط أيضًا تماثل الحقين في الصفات، وأن يكون في شيء معلوم، ومنهم من خصها بالنقدين ومنعها في الطعام لأنه بيع طعام قبل أن يستوفى، انتهى.\nوقال القسطلاني (^٦): للحوالة ستة أركان، إلى آخر ما بسط في هامش \"اللامع\" (^٧)، وفيه: وعلم مما سبق أن رضا الثلاثة - المحيل والمحال والمحال عليه - شرط عند الحنفية، أما المحيل فيعتبر رضاه إجماعًا، والمحتال يعتبر رضاه عندنا والشافعي ومالك، خلافًا لأحمد، وأما المحتال عليه فيعتبر رضاه عندنا، وهو أحد قولي الشافعي، والمشهور عنه أنه لا يعتبر رضاه، وبه قال أحمد، وقال مالك: إن كان بين المحال والمحال عليه عداوة يعتبر رضاه وإلا لا، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٤٦٤).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٥/ ٢٨١).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٨/ ٦٤٥).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٤/ ٤٦٤).\n(^٥) في \"الفتح\": \"الحئول\".\n(^٦) \"إرشاد الساري\" (٥/ ٢٨١).\n(^٧) \"اللامع\" (٦/ ١٩٣ - ١٩٤).","vol":"3","page":685},{"text":"(١ -<span data-type='title' id=toc-1647> باب في الحوالة، وهل يرجع في الحوالة؟. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^١): هذا إشارة إلى خلاف فيها هل هي عقد لازم أو جائز، انتهى.\nوفي \"الفيض\" (^٢): والمصنف أبهم في الكلام، وراجع له \"الهداية\"، فقد يجوز رجوع المحتال على المحيل في جزئيات، فمن جملة تلك الجزئيات هذه، وقوله: \"يتخارج الشريكان\" والتخارج باب في \"السراجي\"، وهذا باب في الورثة، والمصنف وضعه بين الشركاء أيضًا، وله وجه أيضًا، انتهى.\nوقال القسطلاني (^٣): قوله: \"وقال الحسن. . .\" إلخ، ومفهومه: إذا كان مفلسًا يوم الحوالة له الرجوع، ومذهب الشافعي أن المحتال لا يرجع بحال حتى لو أفلس المحال عليه ومات أو لم يمت أو جحد وحلف لم يكن للمحتال الرجوع على المحيل، كما لو تعوض عن الدين ثم تلف الدين في يده، وكذا لو بان المحال عليه عبدًا لغير المحيل بل يطالبه بعد العتق، وقال الحنابلة: يرجع على المحيل إذا شرط ملاءة المحال عليه فتبين مفلسًا، وقال المالكية: يرجع عليه فيما إذا حصل منه غرور بأن يكون إفلاس المحال عليه مقترنًا بالحوالة وهو جاهل به مع علم المحيل به، وقال الحنفية: يرجع عليه إذا توي حقه، والتوى عند أبي حنيفة إما أن يجحد الحوالة ويحلف ولا بيِّنة عليه أو يموت مفلسًا، وقال محمد وأبو يوسف: يحصل التوى بأمر ثالث، وهو أن يحكم الحاكم بإفلاسه في حال حياته، انتهى.\nوالبسط في هامش \"اللامع\" (^٤)، وهذا الرجوع المذكور هو رجوع المحال - أي: الدائن - على المحيل - أي: المديون -، وأما رجوع\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٤٦٤).\n(^٢) \"فيض الباري\" (٣/ ٥٢١).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (٥/ ٢٨٢).\n(^٤) \"اللامع\" (٦/ ١٩٤ - ١٩٥).","vol":"3","page":686},{"text":"المحتال عليه على المحيل ففي \"البدائع\" (^١): وجملة الكلام في الرجوع في موضعين: في بيان شرائط الرجوع، وفي بيان ما يرجع به، أما شرائطه فأنواع منها: أن تكون الحوالة بأمر المحيل، فإن كانت بغير أمره لا يرجع؛ لأن الحوالة إذا كانت بأمر المحيل صار المحال مملكًا الدين من المحال عليه بما أدى إليه من المال، فكان له أن يرجع بذلك على المحيل، وإن كانت بغير أمره لا يوجد معنى التمليك، فلا تثبت ولاية الرجوع، ومنها: أن لا يكون للمحيل على المحال عليه دين مثله، فإن كان لا يرجع، إلى آخر ما بسطه.\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-1648> باب إذا أحال على مليّ فليس له ردّ. . .) إلخ</span>\nهكذا هذه الترجمة والترجمة الآتية في النسخ الهندية، وكذا في نسخة العيني والقسطلاني، وجمعهما في نسخة الحافظ في باب واحد هكذا: \"باب إن أحال دين الميت على رجل جاز، وإذا أحال على ملي فليس له رد\".\nقال الحافظ (^٢): كذا ثبت عند أبي ذر، والترجمة الثانية - أي: وإذا أحال على ملي - مقدمة عند غيره على الباب في باب مفرد، وفيه حديث أبي هريرة: \"مطل الغني ظلم\"، ومناسبته للترجمة واضحة، وهو يشعر بأنه في ذلك موافق للجمهور على عدم الرجوع، انتهى.\nقلت: ما قال الحافظ ليس بواضح، فإن المصنف لم يتعرض ههنا لمسألة الرجوع وعدمه، بل هذه المسألة قد تقدمت في الباب الذي قبله، وإنما المذكور ههنا هو قبول الحوالة هل هو لازم أم لا؟ فعند الجمهور ليس بواجب خلافًا للظاهرية وبعض الحنابلة، فإنهم أوجبوا قبولها على الملي، فقد تقدم في الباب السابق من جملة شرائط الحوالة أن رضاء المحتال ليس بلازم عند الحنابلة بخلاف الجمهور، فإنهم أوجبوه.\n_________\n(^١) \"بدائع الصنائع\" (٥/ ١٣ - ١٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٤/ ٤٦٦ - ٤٦٧).","vol":"3","page":687},{"text":"قال القسطلاني (^١) تحت قوله: \"ومن أتبع على ملي فليتبع\": جمهور العلماء على أن هذا الأمر للندب، وقال أهل الظاهر وجماعة من الحنابلة بالوجوب، فأوجبوا قبولها على الملي، وإليه مال البخاري حيث قال: فليس له ردّ، وهو ظاهر الحديث، انتهى.\nقوله: (فإن أفلست بعد ذلك) كتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): ولعل المؤلف جوَّز للدائن أن يطالب أيهما شاء إذ لو لم يكن كذلك لما كان لتعليق الاتباع بالإفلاس معنى، إلا أن يقال: معناه أنه لما لم يكن له مطالبة المحيل إذا كان غنيًا فأولى أن لا يطالبه إذا أفلس، انتهى.\nقلت: وليست هذه العبارة في نسخة من نسخ الشروح الفتح والعيني والقسطلاني، وفي \"الفيض\" (^٣): واعلم أن قيد المصنف: فإن أفلست إلخ وقع في غيره موضعه، فإن إفلاس المحيل غير مؤثر، ولا دخل له ههنا، نعم لو ذكر إفلاس المحتال عليه لكان أحسن، فإن له جزئيات في الفقه، انتهى.\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-1649> باب إذا أحال دين الميت على رجل جاز)</span>\nقال ابن بطال (^٤): إنما ترجم بالحوالة، ثم أدخل حديث سلمة وهو في الضمان؛ لأن الحوالة والضمان عند بعض العلماء متقاربان، وإليه ذهب أبو ثور؛ لأنهما ينتظمان في كون كل منهما نقل ذمة رجل إلى ذمة رجل آخر، والضمان في هذا الحديث نقل ما في ذمة الميت إلى ذمة الضامن، فصار في الحوالة سواء.\nقال الحافظ: وقد ترجم له بعد ذلك بالكفالة على ظاهر الخبر.\nثم قال الحافظ بعد ذكر الحديث: قال ابن بطال (^٥): ذهب الجمهور\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٥/ ٢٨٥).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٦/ ١٩٧ - ١٩٨).\n(^٣) \"فيض الباري\" (٣/ ٥٢٢).\n(^٤) \"شرح ابن بطال\" (٦/ ٤١٩).\n(^٥) \"شرح ابن بطال\" (٦/ ٤٢٠).","vol":"3","page":688},{"text":"إلى صحة هذه الكفالة ولا رجوع له في مال الميت، وعن مالك له أن يرجع إن قال: إنما ضمنت لأرجع، فإذا لم يكن للميت مال وعلم الضامن بذلك فلا رجوع له، وعن أبي حنيفة: إن ترك الميت وفاء جاز الضمان بقدر ما ترك، وإن لم يترك وفاءً لم يصح ذلك، وهذا الحديث حجة للجمهور. انتهى من \"الفتح\" (^١).\nقال العيني (^٢): اختلف العلماء فيمن تكفل عن ميت بدين، فقال ابن أبي ليلى ومحمد وأبو يوسف والشافعي: الكفالة جائزة عنه، وإن لم يترك الميت شيئًا، إلى آخر ما تقدم عن الحافظ.\nوفي \"الفيض\" (^٣): في \"الهداية\": إن دين الميت لا يقبل الحوالة، وليس في الحديث ما يرد علينا؛ لأنه من باب الوثوق بوعد رجل صدوق، لا من باب الكفالة أو الحوالة، فهو باب آخر، وإدخاله في باب الحوالة ليس بذاك، وإرجاع الأبواب كلها إلى أبواب الفقه ليس بشيء، فإنا نجد أبوابًا كالمروءة وغيرها، لا نجد لها أثرًا في الفقه، كيف وأنها لا تليق بموضوع الفقهاء، فهذه تكون جائزة في نفسها، فإذا جرت في الفقه عادت إلى عدم الجواز، فليتنبه في تلك المواضع، انتهى.\nثم براعة الاختتام ما في الحديث من صلاة الجنازة.\n* * *\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٤٦٧ - ٤٦٨).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٨/ ٦٥٠).\n(^٣) \"فيض الباري\" (٣/ ٥٢٢ - ٥٢٣).","vol":"3","page":689},{"text":"٣٩ -<span data-type='title' id=toc-1650> كتاب الكفالة</span>\nهكذا في النسخة الهندية التي بأيدينا، وليس في نسخ الشروح الأربعة، ولم يتعرضوا له، بل في نسخة الشروح: \"باب الكفالة في القرض. . .\" إلخ، فأدخلوا أبواب الكفالة تحت كتاب الحوالة.\nقال الحافظ (^١) في مبدأ الحوالة: قال الحسن وشريح وزفر: الحوالة كالكفالة فيرجع على أيهما شاء، وبه يشعر إدخال البخاري أبواب الكفالة في كتاب الحوالة.\nوقال العيني (^٢): وجه إدخال هذا الباب في كتاب الحوالة من حيث إن الحوالة والكفالة التي هي الضمان متقاربان؛ لأن كلًا منهما نقل دين من ذمة إلى ذمة، انتهى.\nوفي \"الدر المختار\" (^٣): الكفالة لغةً: الضم، وشرعًا: ضم ذمة الكفيل إلى ذمة الأصيل في المطالبة مطلقًا بنفس أو بدين أو عين كمغصوب أو نحوه؛ لأن المطالبة تعم ذلك، ومن عرفها بالضم في الدين إنما أراد تعريف نوع منها وهو الكفالة بالمال؛ لأنه محل الخلاف، وبسط الكلام عليه ابن عابدين (^٤).\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-1651> باب الكفالة في القرض والديون بالأبدان. . .) إلخ</span>\nهو من عطف العام على الخاص، والكفالة في العرف كما قاله الماوردي تكون في النفوس، والضمان في الأموال، والحمالة في الديات، والزعامة في الأموال العظام، قال ابن حبان في \"صحيحه\": والزعيم لغة\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٤٦٤).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٨/ ٦٥٢).\n(^٣) \"الدر المختار\" (٢/ ٥٨ - ٥٩).\n(^٤) \"رد المحتار\" (٧/ ٥٥٢ - ٥٥٤).","vol":"3","page":690},{"text":"أهل المدينة، والحميل لغة أهل مصر، والكفيل لغة أهل العراق، \"وغيرها\" أي: الكفالة بالأموال، انتهى من \"القسطلاني\" (^١).\nوفي \"الفيض\" (^٢): واعلم أن الكفالة على نحوين: كفالة بالنفس، ويكون فيها كفيل ومكفول له وبه، وكفالة بالمال، وفيها مكفول عنه أيضًا مع سائر الألقاب.\nثم القرض والدين يفترقان، فالقرض ما يأخذه الرجل لحوائجه، ويعد إعانةً في الحال، والدين ما يلزم في المعاوضات والمعاملات، ثم التأجيل لا يلزم في باب القرض، فللمقرض أن يطالبه قبل حلول الأجل، بخلاف الدين، فليس لصاحب الدين أن يطالب من عليه الدين قبل حلول الأجل، وكذا لا تصح الكفالة في القرض؛ لأنه من باب الاعتماد، فإن لم يكن له اعتماد عليه ينبغي أن لا يقرضه، بخلاف الدين، فإنه مضمون بنفسه على ما فصل في الفقه، انتهى.\nوفي \"الهداية\" (^٣): الكفالة بالنفس لا يجوز عند الشافعي؛ لأنه كفل بما لا يقدر على تسليمه، وفي هامشه عن \"فتح القدير\": هذا المنقول عن الشافعي، والأظهر عند الشافعية أنها جائزة، انتهى.\nقوله: (وكان عمر جلده مائة) وقال الحافظ (^٤): هو مختصر من قصة أخرجها الطحاوي (^٥) من طريق عبد الرحمن بن أبي الزناد حدثني أبي حدثني محمد بن حمزة عن أبيه أن عمر بن الخطاب بعثه للصدقة، فإذا رجل يقول لامرأة: صدقي مال مولاك، وإذا المرأة تقول: بل أنت صدق مال ابنك، فسأل حمزة عن أمرهما، فأخبر أن ذلك الرجل زوج تلك المرأة وأنه وقع على جارية لها فولدت ولدًا فأعتقته امرأته، ثم ورث من أمه مالًا، فقال\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٥/ ٢٨٨).\n(^٢) \"فيض الباري\" (٣/ ٥٢٤).\n(^٣) \"الهداية\" (٥/ ٢٩١).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٤/ ٤٧٠).\n(^٥) \"شرح معاني الآثار\" (٣/ ١٤٧)، وانظر أيضًا: \"تغليق التعليق\" (٣/ ٢٨٩).","vol":"3","page":691},{"text":"حمزة للرجل: لأرجمنك، فقال له أهل الماء: إن أمره رفع إلى عمر فجلده مائة، ولم ير عليه رجمًا، قال: فأخذ حمزة بالرجل كفيلًا حتى قدم على عمر فسأله فصدقهم عمر بذلك مع قولهم، وإنما درأ عمر عنه الرجم لأنه عذره بالجهالة، واستفيد من هذه القصة مشروعية الكفالة بالأبدان، فإن حمزة بن عمرو صحابي، وقد فعله ولم ينكر عليه عمر مع كثرة الصحابة حينئذ، وأما جلد عمر للرجل فالظاهر أنه عزره بذلك، قاله ابن التين، قال: وفيه شاهد لمذهب مالك في مجاوزة الإمام في التعزير قدر الحد، ومسألة التعزير وكذا مسألة من زنى بجارية امرأته خلافيتان، كما ذكرتا في هامش \"اللامع\" (^١)، وسيأتي في محلهما إن شاء الله تعالى.\nقوله: \"وكفلهم عشائرهم\" هذا أيضًا مختصر من قصة أخرجها البيهقي (^٢) بطولها كما ذكر في هامش \"اللامع\" (^٣)، فارجع إليه لو شئت.\nقال الحافظ (^٤): قال ابن المنيِّر (^٥): أخذ البخاري الكفالة بالأبدان في الديون من الكفالة بالأبدان في الحدود بطريق الأولى، انتهى.\nقال العيني (^٦): قال المهلب: وحديث الخشبة الملقاة في البحر أصل في الكفالة بالديون من قرض كانت أو بيع، انتهى.\nقال العلامة القسطلاني (^٧): وهذا الحديث أخرجه أيضًا مختصرًا في الاستقراض واللقطة والاستئذان والشروط، وسبق في البيع والزكاة، انتهى.\nقوله: (فمات فلا شيء عليه. . .) إلخ، قال الحافظ (^٨): وبذلك قال الجمهور، وعن ابن القاسم صاحب مالك: يفصل بين الدين الحالّ والمؤجل، فيغرم في الحالّ ويفصل في المؤجل بين ما إذا كان لو قدم لأدركه أم لا، انتهى.\n_________\n(^١) \"اللامع\" (٦/ ٢٠٠ - ٢٠٢).\n(^٢) \"السنن الكبرى\" (٦/ ٧٧).\n(^٣) \"اللامع\" (٦/ ٢٠٢).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٤/ ٤٧٠).\n(^٥) \"المتواري\" (ص ٢٥٦).\n(^٦) \"عمدة القاري\" (٨/ ٦٥٢).\n(^٧) \"إرشاد الساري\" (٥/ ٢٩٣).\n(^٨) \"فتح الباري\" (٤/ ٤٧٠).","vol":"3","page":692},{"text":"قال العيني (^١): مذهب الحكم أن الكفيل بالنفس يضمن الحق الذي على المطلوب، وهو أحد قولي الشافعي، وقال مالك والليث: إذا تكفل بنفسه وعليه مال فإنه إن لم يأت به غرم المال، ويرجع به إلى المطلوب، فإن اشترط ضمان نفسه أو وجهه وقال: لا أضمن المال فلا شيء عليه من المال، انتهى.\nوفي \"الدر المختار\" (^٢): و\"يبرأ\" الكفيل بالنفس \"بموت المكفول به ولو عبدًا\"، أراد به دفع توهم أن العبد مال، فإذا تعذر تسليمه لزمه قيمته، \"وبموت الكفيل\" وقيل: يطالب وارثه بإحضاره، انتهى.\nوفي \"الكنز\" (^٣): \"وتبطل\" أي: الكفالة بالنفس \"بموت المطلوب\" وهو المكفول بنفسه؛ لأنه برئ بموته، وبراءته براءة الكفيل، وعند مالك وبعض الشافعية يلزمه ما عليه، وكذا تبطل بموت الكفيل للعجز؛ لأن التسليم لا يتحقق بخلاف الكفيل بالمال إذا مات؛ لأن حكمه بعد موته ممكن فيوفى من ماله، ثم ترجع الورثة على المكفول له، إن كانت الكفالة بأمره وإلا فلا، انتهى بزيادة من \"شرح العيني\" (^٤).\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-1652> باب قول الله - ﷿ -: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. . .) إلخ [النساء:</span> ٣٣]\nأورد فيه حديث ابن عباس الآتي في سورة النساء بسنده ومتنه، وسيأتي الكلام عليه هناك، والمقصود منه هنا الإشارة إلى أن الكفالة التزام مال بغير عوض تطوعًا، فيلزم كما لزم استحقاق الميراث بالحلف الذي عقد على وجه التطوع، وروى أبو داود عن عكرمة في هذه الآية: كان الرجل يحالف الرجل ليس بينهما نسب، فيرث أحدهما الآخر، فنسخ ذلك قوله\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٨/ ٦٥٤ - ٦٦٥).\n(^٢) \"الدر المختار\" (٢/ ٦٠).\n(^٣) انظر: \"البحر الرائق شرح كنز الدقائق\" (٦/ ٢٣٠).\n(^٤) \"البناية\" (٧/ ٥٤٥).","vol":"3","page":693},{"text":"تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأحزاب: ٦]، ثم أورد المصنف حديثي أنس، وغرضه إثبات الحلف في الإسلام، انتهى مختصرًا من \"الفتح\" (^١).\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-1653> باب من تكلَّف عن ميِّت دينًا فليس له أن يرجع. . .) إلخ</span>\nيحتمل قوله: \"فليس له أن يرجع\" أي: عن الكفالة بل هي لازمة له، قد استقر الحق في ذمته، ويحتمل أن يريد فليس له أن يرجع في التركة بالقدر الذي تكفل به، والأول أليق بمقصوده، ثم أورد فيه حديث سلمة بن الأكوع المتقدم قبل بابين، ووجه الأخذ منه أنه لو كان لأبي قتادة أن يرجع لما صلى النبي - ﷺ - على المديان حتى يوفي أبو قتادة الدين لاحتمال أن يرجع، فيكون قد صلى على مديان دينه باق عليه، فدل على أنه ليس له أن يرجع، واستدل بالحديث على جواز ضمان ما على الميت من دين ولم يترك وفاء، وهو قول الجمهور خلافًا لأبي حنيفة، وقد بالغ الطحاوي في نصرة قول الجمهور، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\nقلت: وقد تقدم ترجمة المصنف على هذا الحديث في آخر الحوالة بـ \"باب إذا أحال دين الميت. . .\" إلخ، وقد تقدم الكلام هناك من بيان المذاهب وغيره، فارجع إليه.\nقوله: (عدة أو دين. . .) إلخ، كتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): لعل الاستدلال مبني على أنه لو جاز للواعد أن يرجع من عدته لافتقر أبو بكر في إيفاء مواعيده إلى إثبات أنه - ﷺ - هل رجع منها أم لا؟ فلما لم يفتش ذلك علم أنه لا يصح الرجوع منها، وهو واجب في شريعة مكارم الأخلاق، وإن لم يكن واجبًا في شريعة الأحكام، إلى آخر ما قال.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٤٧٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٤/ ٤٧٤).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٦/ ٢١٠).","vol":"3","page":694},{"text":"وفي هامشه ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه في وجه المناسبة أوجه مما قاله الشرَّاح من أن أبا بكر لما قام مقامه - ﷺ - تكفل بما كان عليه من واجب أو تطوع، فلما التزم ذلك لزمه أن يوفي جميع ما عليه من دين أو عدة، انتهى.\n\n(٤ -<span data-type='title' id=toc-1654> باب جوار أبي بكر الصديق في عهد النبي - ﷺ </span>-)\nقال العلَّامة القسطلاني (^١): أي: أمانه، قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾ [التوبة: ٦]، أي: آمنه، وجيم جوار بالكسر ويجوز الضم، انتهى.\nقال الحافظ (^٢): أورد فيه حديث عائشة في شأن الهجرة مطولًا، والغرض منه ههنا رضا أبي بكر بجوار ابن الدغنة، وتقرير النبي - ﷺ - له على ذلك، ووجه دخوله في الكفالة أنه لائق بكفالة الأبدان؛ لأن الذي أجاره كأنه تكلف بنفس المجار أن لا يضام (^٣)، قاله ابن المنيِّر (^٤)، انتهى.\nوقال العلَّامة العيني (^٥): مطابقة الحديث بالترجمة من حيث إن المجير ملتزم للمجار أن لا يؤذي من جهة من أجار منه، وكان ضمن له أن لا يؤذى وأن تكون العهدة في ذلك عليه، وبهذا يحصل الجواب عما قيل، كان المناسب أن يذكر هذا في كفالة الأبدان كما ناسب ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣٣] كفالة الأموال، انتهى.\nقوله: (حدثنا يحيى بن بكير. . .) إلخ، واعلم أن في نسخة الشرَّاح وقع ههنا على هذا الحديث \"باب الدين\".\nوقال الحافظ (^٦): كذا للأصيلي وكريمة، وسقط الباب وترجمة\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٥/ ٢٩٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٤/ ٤٧٦).\n(^٣) كذا في الأصل، وفي عبارة \"العيني\" الآتية: \"أن لا يوذي\" (ز).\n(^٤) \"المتواري\" (ص ٢٥٨).\n(^٥) \"عمدة القاري\" (٨/ ٦٦٤).\n(^٦) \"فتح الباري\" (٤/ ٤٧٧).","vol":"3","page":695},{"text":"من رواية أبي ذر وأبي الوقت، وسقط الحديث أيضًا من رواية المستملي، ووقع للنسفي وابن شبويه: \"باب\" بغير ترجمة، وبه جزم الإسماعيلي، وأما ابن بطال فذكر هذا الحديث في آخر \"باب من تكفل عن ميت بدين\" وصنيعه أليق؛ لأن الحديث لا تعلق له بترجمة جوار أبي بكر حتى يكون منها، أو يثبت \"باب\" بلا ترجمة فيكون كالفصل منها، وأما من ترجم له \"باب الدين\" فبعيد؛ إذ اللائق بذلك أن يكون في \"كتاب القرض\"، انتهى.\nقلت: والشرَّاح قاطبة كما ترى ذهبوا إلى أن هذا الباب ههنا في غير محله، والصحيح عندهم عدمه، وليس عند هذا العبد الفقير كذلك، بل له وجه وجيه عندي، وهو أن يقال: إن المصنف أشار بهذه الترجمة إلى الكفالة العامة بأن يقول أحد كما في حديث الباب: \"كل من ترك دينًا فعلي قضاؤه\"، فهل يصح ذاك أم لا؟ فليراجع له الفقه، هل تعرضوا لذلك كما تعرضوا لذلك في الوكالة، فإنهم قسموها إلى العامة والخاصة كما سيأتي، والله تعالى أعلم.\nثم البراعة في قوله: \"من ترك مالًا فلورثته\" عند الحافظ.\nوأما عندي ففي صلاة الجنازة كما تقدم في الحوالة.\n* * *","vol":"3","page":696},{"text":"٤٠ -<span data-type='title' id=toc-1655> كتاب الوكالة</span>\nقال الحافظ (^١): الوكالة بفتح الواو وقد تكسر: التفويض والحفظ، وفي الشرع: إقامة الشخص غيره مقام نفسه مطلقًا أو مقيدًا، انتهى.\nوفي \"الدر المختار\" (^٢): التوكيل صحيح بالكتاب والسُّنَّة، قال تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ﴾ [الكهف: ١٩] ووكل ﵊ حكيم بن حزام بشراء ضحيته، وعليه الإجماع، وهو خاص وعام كأنت وكيلي في كل شيء، إلى آخر ما قال.\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-1656> باب في وكالة الشريك الشريك)</span>\nكذا في هامش النسخة الهندية، وهكذا في نسخة العيني والقسطلاني، وليس في نسخة الحافظ، بل ذكر فيها هذه الترجمة تحت الكتاب.\nقال القسطلاني (^٣): ولأبي ذر سقوط الباب وحرف الجر، ولفظه: كتاب الوكالة وكالة الشريك، قوله: \"وغيرها\" أي: والشريك في غير القسمة، انتهى.\nقال الحافظ (^٤): وأما قوله في الترجمة: \"وغيرها\" أي: وفي غير القسمة، فيؤخذ بطريق الإلحاق، وقوله: \"وقد أشرك النبي - ﷺ -. . .\" إلخ، هذا الكلام ملفق من حديثين عند المصنف، أحدهما: حديث جابر \"أن النبي - ﷺ - أمر عليًّا أن يقيم على إحرامه، وأشركه في الهدي\" وسيأتي\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٤٧٩).\n(^٢) \"الدر المختار\" (٢/ ١٠٣).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (٥/ ٣٠٥).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٤/ ٤٧٩).","vol":"3","page":697},{"text":"موصولًا في \"الشركة\"، ووهم من زعم من الشرَّاح أنه مضى في \"الحج\"، وثانيهما: حديث علي: \"أن النبي - ﷺ - أمره أن يقوم على بدنه وأن يقسم بدنه كلها\"، وقد تقدم موصولًا في \"الحج\"، ومقصوده منه هنا ظاهر فيما ترجم له في القسمة، ثم أورد المصنف حديث عقبة بن عامر، وشاهد الترجمة منه قوله: \"ضح به أنت\" فإنه علم به أنه كان من جملة من كان له حظ في تلك القسمة فكأنه كان شريكًا لهم، وهو الذي تولى القسمة بينهم، إلى آخر ما قال، ومسألة الباب إجماعية، قال ابن بطال (^١): وكالة الشريك جائزة كما تجوز شركة الوكيل، لا أعلم فيه خلافًا، انتهى من \"الفتح\".\nوفي \"الفيض\" (^٢): ولعل هذا الإشراك لا يسمى شركة عند الفقهاء؛ فإنه لا اشتراك فيه، غير أن النبي - ﷺ - جاء ببعضها من المدينة، وعلي ببعضها من سعايته، فأي شركة هذه، انتهى.\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-1657> باب إذا وكّل المسلم حربيًّا. . .) إلخ</span>\nوفي \"الفيض\" (^٣): يعني: أن اتحاد الملة ليس بشرط في الوكالة، وليس فيه إلا وكالةٌ لغوية، انتهى.\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٤): فأما توكيله في دار الحرب فظاهر الثبوت، وأما في توكيله في دار الإسلام فثابت قياسًا، انتهى.\nوفي هامشه: قال العيني: فإن قلت: الترجمة في شيئين، والحديث لا يدل إلا على أحدهما، وهو توكيل المسلم حربيًا وهو في دار الحرب؟ قلت: إذا صح هذا فتوكيله إياه في دار الإسلام بطريق الأولى أن يصح، قال ابن المنذر: توكيل المسلم حربيًّا مستأمنًا وتوكيل الحربي المستأمن مسلمًا لا خلاف في جواز ذلك، انتهى.\n_________\n(^١) \"شرح ابن بطال\" (٦/ ٤٣٢).\n(^٢) \"فيض الباري\" (٣/ ٥٣١).\n(^٣) \"فيض الباري\" (٣/ ٥٣٢).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٦/ ٢١٤ - ٢١٥).","vol":"3","page":698},{"text":"(٣ -<span data-type='title' id=toc-1658> باب وكالة الصرف والميزان. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^١): لما كان المتوهم أن يتوهم عدم جواز التوكيل في ذلك ظنًا منه أن التفارق قبل قبض العوضين غير جائز في الصرف، والموكل هو الأصل وهو غير موجود ههنا، فيلزم الافتراق من غير قبض، دفعه بأن الوكيل هو المباشر، فيرجع الحقوق إليه فيعتبر قبضه قبض الأصيل، والله أعلم، انتهى.\nوفي هامشه: ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه لطيف جدًا، قال الحافظ: قال ابن المنذر: أجمعوا على أن الوكالة في الصرف جائزة، ومناسبة حديث الباب للترجمة ظاهرة لتفويضه - ﷺ - أمر ما يكال ويوزن إلى غيره فهو في معنى الوكيل عنه ويلتحق به الصرف، قال ابن بطال: بيع الطعام يدًا بيد مثل الصرف سواء، أي: في اشتراط ذلك، قال: ووجه أخد الوكالة منه قوله - ﷺ - لعامل خيبر: \"بع الجمع بالدراهم\" [بعد أن كان باع على غير السُّنَّة] فنهاه عن بيع الربا، وأذن له في البيع بطريق السُّنّة، انتهى.\n\n(٤ -<span data-type='title' id=toc-1659> باب إذا أبصر الراعي أو الوكيل شاة. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٢): وهما في مسألتنا هذه، أي: الرواية الموردة في الباب واحد؛ فإن الراعية هي التي وكلت بالحفظ، وفي وضع الباب إشارة إلى أن للوكيل أن يخالف الموكل إلى خير وإن لم يأذن فيه لوجود الإذن دلالة، انتهى.\nوفي تقرير مولانا محمد حسن المكي: غرضه أن التوكيل بالشيء يستلزم التوكيل بلوازمه، وأيضًا المخالفة إلى الخير جائزة، انتهى.\nقال الحافظ (^٣): قال ابن المنيِّر (^٤): ليس غرض البخاري بحديث\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٦/ ٢١٦ - ٢١٧).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٦/ ٢١٧ - ٢١٨).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٤/ ٤٨٢).\n(^٤) \"المتواري\" (ص ٢٦٢).","vol":"3","page":699},{"text":"الباب الكلام في تحليل الذبيحة أو تحريمها، وإنما غرضه إسقاط الضمان عن الراعي، وكذا الوكيل، إلى آخر ما بسط فيه، وبسط الكلام على حديث الباب في \"الأوجز\"، وذكر فيه جواز أكل ما ذبحته المرأة سواء كانت حرة أو أمة صغيرة أو كبيرة طاهرة أو غير طاهرة، وهذا قول الجمهور ومالك في \"المدونة\"، ونقل عنه كراهة ذبيحة الصبي أو المرأة من غير ضرورة، انتهى من هامش \"اللامع\" (^١).\nوفي \"الفيض\" (^٢): وفي \"جامع الفصولين\" - وهو من معتبرات فقهنا -: إنه إن ذبح الشاة يضمن، وفي قوله: لا يضمن، انتهى.\nقوله: (يعجبني أنها أمه) يعني بذلك: أنها مع كونها أمة رأت مصلحة المولى، وراعتها، وأحسنت الفكرة فيه مع أن الإماء ليس بذاك، انتهى [من \"اللامع\"] (^٣).\nوأما مسألة أكل ما ذبح بغير إذن المالك فسيأتي في \"كتاب الذبائح\" إن شاء الله، فقد ترجم المصنف هناك بترجمتين متقابلتين، وحاصلها أن ذبح غير المالك إن كان بطريق التعدي والغرض الفاسد لا يجوز، وإن كان بطريق الإصلاح فهو جائز.\n\n(٥ -<span data-type='title' id=toc-1660> باب وكالة الشاهد والغائب جائزة)</span>\nفي \"الفيض\" (^٤)، أي: الوكالة جائزة (^٥)، سواء كان الوكيل شاهدًا أو غائبًا، قوله: \"وكتب عبد الله. . .\" إلخ. قال العيني (^٦): وهذا يدل على شيئين، أحدهما: جواز توكيل الحاضر الغائب، والآخر: وجوب صدقة الفطر على الرجل عن أهله الصغير والكبير، انتهى.\n_________\n(^١) \"اللامع\" (٦/ ٢١٧ - ٢١٨).\n(^٢) \"فيض الباري\" (٣/ ٥٣٣).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٦/ ٢١٨).\n(^٤) \"فيض الباري\" (٣/ ٥٣٤).\n(^٥) في الأصل: \"صحيحة\" بدل \"جائزة\".\n(^٦) \"عمدة القاري\" (٨/ ٦٧٨).","vol":"3","page":700},{"text":"وقال الحافظ (^١): قال ابن بطال (^٢): أخذ الجمهور بجواز توكيل الحاضر بالبلد بغير عذر، ومنعه أبو حنيفة إلا بعذر مرض أو سفر أو برضا الخصم، واستثنى مالك من بينه وبين الخصم عداوة، وقد بالغ الطحاوي في نصرة قول الجمهور، واعتمد في الجواز حديث الباب، قال: وقد اتفق الصحابة على جواز توكيل الحاضر بغير شرط، قال: ووكالة الغائب مفتقرة إلى قبول الوكيل الوكالة باتفاق، وإذا كانت مفتقرة إلى قبول فحكم الغائب والحاضر سواء، انتهى.\nقلت: وإنما رجح الطحاوي قول الجمهور لأنه مذهب صاحبي أبي حنيفة كما في \"العيني\" (^٣)، وفيه: وفي \"التوضيح\": وهذا الحديث حجة على أبي حنيفة في قوله: إنه لا يجوز توكيل الحاضر بالبلد الصحيح البدن إلا برضا خصمه، قلت: ليس بحجة عليه لأنه لا ينفي الجواز، ولكن يقول: لا يلزم، يعني: لا يسقط حق الخصم في طلب الحضور والدعوى والجواب بنفسه، انتهى مختصرًا.\nقلت: وهو كذلك، وهو واضح، فإن الإمام أبي حنيفة لم ينكر الجواز، بل قال: إن للخصم حق الاعتراض، وفي حديث الباب لم يعترض صاحب الدين، فثبت رضاه دلالة.\nوقال القسطلاني (^٤): قوله: \"فقال: أعطوه\" وهذا موضع الترجمة؛ لأن هذا توكيل منه ﵊ لمن أمره بالقضاء عنه، ولم يكن ﵊ مريضًا ولا غائبًا، وأما قول الحافظ ابن حجر: وموضع الترجمة منه لوكالة الحاضر واضح، وأما الغائب فيستفاد منه بطريق الأولى، فتعقبه العيني بأنه ليس فيه شيء يدل على حكم الغائب فضلًا عن الأولوية، وأجاب في الانتقاض بأن وجه الأولوية أن وكالة الحاضر إذا جازت مع\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٤٨٣).\n(^٢) \"شرح ابن بطال\" (٦/ ٤٣٩).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٨/ ٦٧٩).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (٥/ ٣١٢ - ٣١٣).","vol":"3","page":701},{"text":"إمكان مباشرة الموكل بنفسه فجوازها للغائب مع الاحتياج إليه أولى، فمن لا يدرك هذا القدر كيف يتصدى للاعتراض، انتهى.\nوقال الكرماني (^١): الترجمة تستفاد من لفظ: \"أعطوه\"، وهو وإن كان خطابًا للحاضرين لكنه بحسب العرف وقرائن الحال شامل لكل واحد من وكلاء رسول الله - ﷺ - غيبًا وحضورًا، انتهى.\n\n(٦ -<span data-type='title' id=toc-1661> باب الوكالة في قضاء الديون)</span>\nقال الحافظ (^٢): أورد فيه حديث أبي هريرة المذكور في الباب قبله من وجه آخر، وهو ظاهر فيما ترجم به.\nقال ابن المنيِّر: فقه هذه الترجمة أنه ربما توهم متوهم أن قضاء الدين لما كان واجبًا على الفور امتنعت الوكالة فيه؛ لأنها تأخير من الموكل إلى الوكيل فبين أن ذلك جائز، ولا يعد ذلك مطلًا، انتهى.\nقلت: وأيضًا قوله - ﷺ - من حديث سمرة عند الترمذي (^٣)، وأبي داود (^٤)، وابن ماجه (^٥) كما في \"المشكاة\" (^٦): \"على اليد ما أخذت\" يوهم المنع عن التوكيل فدفعه بهذا الباب.\n\n(٧ -<span data-type='title' id=toc-1662> باب إذا وهب شيئًا لوكيل أو شفيع قوم جاز. . .) إلخ</span>\nقال العلَّامة العيني (^٧): قوله: \"لقول النبي - ﷺ -\" هذا تعليل للترجمة، بيانه أن وفد هوازن كانوا رسلًا أتوا النبي - ﷺ - وكانوا وكلاء وشفعاء في رد سبيهم الذي سباه رسول الله - ﷺ -، وهو المغانم، فقبل النبي - ﷺ - شفاعتهم، فرد إليه نصيبه من السبي، إلى آخر ما بسط في القصة.\n_________\n(^١) \"شرح الكرماني\" (١٠/ ١٣٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٤/ ٤٨٣).\n(^٣) \"سنن الترمذي\" (ح: ١٢٦٥).\n(^٤) \"سنن أبي داود\" (ح: ٣٥٦١).\n(^٥) \"سنن ابن ماجه\" (ح: ٢٤٠٠).\n(^٦) \"مشكاة المصابيح\" (ح: ٢٩٥٠).\n(^٧) \"عمدة القاري\" (٨/ ٦٨٢ - ٦٨٣).","vol":"3","page":702},{"text":"وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^١): قوله: \"نصيبي لكم\" فعلم أن قبض الوكيل مجزئ عن قبض الموكل في تمام الهبة، ولا يفتقر إلى قبضة أصالة، ولذلك عقد الباب، انتهى.\nوفي هامشه: ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه أوضح مما قالته الشرَّاح، انتهى.\n\n(٨ -<span data-type='title' id=toc-1663> باب إذا وكل رجلًا أن يعطي شيئًا. . .) إلخ</span>\nوقال الحافظ (^٢): أي: فهو جائز، فيه حديث جابر في قصة بيعه الجمل، وشاهد الترجمة منه قوله فيه: \"يا بلال اقضه وزده. . .\" إلخ، فإنه لم يذكر قدر ما يعطيه عند أمره بإعطاء الزيادة فاعتمد بلال على العرف في ذلك فزاده قيراطًا، انتهى.\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه: قوله: \"لم يبلغه كلهم\" وتم الكلام، ثم قوله: \"رجل\" فاعل للفعل المنفي قبله من حيث إنه مثبت، وهذا مبني على عرف ومحاورة، ومثله كثير في الخطابات، فليتدبر، انتهى من \"اللامع\" (^٣).\nوفي هامشه: اختلف كلام الشرَّاح في شرح هذا الكلام، وما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه وجيز لطيف واضح، إلى آخر ما بسط فيه من نقل كلام الشرَّاح.\n\n(٩ -<span data-type='title' id=toc-1664> باب وكالة المرأة الإمام في النكاح)</span>\nقال الحافظ (^٤): أي: توكيل المرأة، والإمام بالنصب على المفعولية، وأورد فيه حديث سهل بن سعد في قصة الواهبة نفسها، وقد تعقبه الداودي بأنه ليس فيه أنه - ﷺ - استأذنها ولا أنها وكلته، وإنما زوّجها الرجل بقول الله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦] قال الحافظ: وكأن\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٦/ ٢٢٠ - ٢٢١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٤/ ٤٨٦).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٦/ ٢٢٢).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٤/ ٤٨٦).","vol":"3","page":703},{"text":"المصنف أخذ ذلك من قولها: \"قد وهبت لك نفسي\" ففوضت أمرها إليه، وقال الذي خطبها: \"زوجنيها\" فلم تنكر هي ذلك، بل استمرت على الرضا، فكأنها فوضت أمرها إليه ليتزوجها أو يزوجها لمن رأى، انتهى.\n\n(١٠ -<span data-type='title' id=toc-1665> باب إذا وكَّل رجلًا فترك الوكيل شيئًا. . .) إلخ</span>\nوفي \"الفيض\" (^١): يعني به الإجازة اللاحقة، انتهى.\nقال الحافظ (^٢): قال المهلب (^٣): مفهوم الترجمة أن الموكل إذا لم يجز ما فعله الوكيل مما لم يأذن له فيه فهو غير جائز، انتهى.\nوقال القسطلاني (^٤) بعد حديث الباب: وموضع الترجمة قوله: \"فخليت سبيله\" لأن أبا هريرة ترك الرجل الذي حثا الطعام لما شكا الحاجة فأخبر بذلك رسول الله - ﷺ - فأجازه، قال الزركشي كغيره: وفيه نظر؛ لأن أبا هريرة لم يكن وكيلًا بالعطاء، بل بالحفظ خاصة.\nقال في \"المصابيح\": النظر ساقط؛ لأن المقصود انطباق الترجمة على الحديث وهي كذلك؛ لأن أبا هريرة وإن لم يكن وكيلًا في الإعطاء فهو وكيل في الجملة ضرورة أنه وكيل بحفظ الزكاة، وقد ترك مما وكل بحفظه شيئًا، وأجاز ﵊ فعله فقد طابقته الترجمة قطعًا، نعم في أخذ إقراض الوكيل إلى أجل مسمى من هذا الحديث نظر، وقد قرر بعضهم وجه الأخذ بأن أبا هريرة لما ترك السارق الذي حثا من الطعام فكأنه أسلفه إلى أجل، ولا يخفى ما في ذلك من التكلف والضعف، انتهى.\nقوله: (وان أقرضه. . .) إلخ، قال العيني (^٥): وإن أقرض الوكيل شيئًا مما وكل فيه جاز، يعني إذا أجازه الموكل، وقال المهلب: مفعوم الترجمة أن الموكل إذا لم يجز ما فعله الوكيل مما لم يأذن له فيه، فهو غير جائز، انتهى.\n_________\n(^١) \"فيض الباري\" (٣/ ٥٣٩).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٤/ ٤٨٧).\n(^٣) \"شرح ابن بطال\" (٦/ ٤٤٨ - ٤٤٩).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (٥/ ٣٢٦).\n(^٥) \"عمدة القاري\" (٨/ ٦٩٣).","vol":"3","page":704},{"text":"وزاد الحافظ (^١) عن المهلب: ولا أعلم خلافًا أن المؤتمن إذا أقرض شيئًا من مال الوديعة وغيرها لم يجز له ذلك، وكان رب المال بالخيار، قال: وأخذ ذلك من حديث الباب بطريق أن الطعام كان مجموعًا للصدقة، وكانوا يجمعونه قبل إخراجه، وإخراجه كان ليلة الفطر، فلما شكا السارق لأبي هريرة الحاجة تركه، فكأنه أسلفه إلى أجل وهو وقت الإخراج، انتهى.\nوتعقب عليه العلَّامة القسطلاني كما سبق آنفًا، وقال الكرماني (^٢): تؤخذ المناسبة من حيث إنه أمهله إلى أن رفعه إلى النبي - ﷺ -، كذا قال، انتهى.\nقلت: والأوجه عند هذا العبد الضعيف أن المطابقة تؤخذ بطريق الأولوية؛ فإنه إذا ثبت الترك برأسه فالإقراض بطريق الأولى، ثم اعلم أنه قد تعرض العلَّامة السندي (^٣) لإشكال يرد على هذه القصة ولم يتعرض له في الشروح الأخر إذ قال: قوله: \"فرحمته فخليت سبيله. . .\" إلخ، فإن قلت: كيف رحمه؟ والرحمة عليه فرع تصديقه، وفي تصديقه تكذيب لقوله - ﷺ -: \"قد كذبك\".\nقلت: يحتمل أنه رحمه بما لحقه من الخوف والفزع الذي أفضاه إلى هذا الكذب وإلى تخليص نفسه بالحيل وإن كذبه في هذه الحيلة، ويحتمل أنه نسي قوله - ﷺ - فيه: \"إنه قد كذبك\" حين أكثر الإلحاح والتضرّع وأشغل قلبه بذلك، وعلى الأولى قول أبي هريرة في الجواب: \"شكا حاجة شديدة وعيالًا فرحمته\" أنه خاف بحيث وقع لأجله في الكذب والحيل فرحمته، والله تعالى أعلم، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٤٨٧).\n(^٢) \"شرح الكرماني\" (١٠/ ١٤٠ - ١٤١).\n(^٣) \"حاشية السندي على صحيح البخاري\" (٢/ ٤٣).","vol":"3","page":705},{"text":"(١١ -<span data-type='title' id=toc-1666> باب إذا باع الوكيل شيئًا. . .) إلخ</span>\nقال العلَّامة العيني (^١): أي: إذا باع الوكيل شيئًا من الأشياء التي وكل فيها بيعًا فاسدًا فبيعه مردود، انتهى.\nقال الحافظ (^٢): ليس في حديث الباب تصريح بالرد بل فيه إشعار به، ولعله أشار بذلك إلى ما ورد في بعض طرقه، فعند مسلم (^٣) من طريق أبي نضرة عن أبي سعيد في نحو هذه القصة فقال: \"هذا الربا، فردوه\"، انتهى.\nوتعقب العيني (^٤) على قول الحافظ: ليس فيه تصريح بالرد، إلخ، بقوله: قلت: الذي يعلم بالرد من الحديث فوق العلم بتصريح الرد؛ لأن فيه الرد بمرة واحدة، والمفهوم من متن الحديث بمرات، الأولى: قوله: \"أدّه أدّه\"، بالتكرار، والثاني: \"عين الربا\"، والثالثة: قوله: \"لا تفعل\"، والرابعة: قوله: \"ولكن. . .\" إلخ، انتهى.\nثم لا يخفى عليك أن المصنف رحمه الله تعالى قد سلك مسلك التوسع في معنى الوكالة، فأطلق في عدة تراجم لفظ الوكالة على إرادة معنى الحفظ والتولية، وليس هناك الوكالة الاصطلاحية، فمن ذلك \"باب إذا وكل المسلم حربيًّا. . .\" إلخ، كما تقدم هناك عن \"الفيض\" (^٥)، ومنها ما سيأتي من \"باب الوكالة في الوقف\"، فإنه أراد بالوكيل ناظر الوقف ومتوليه، وهكذا في هذا الباب الذي نحن بصدده فإنه أراد بالوكالة هنا الحفظ والتولية، وعلى هذا فمطابقة الحديث بالترجمة واضحة، فإن بلالًا - ﵁ - كان متولي نفقة رسول الله - ﷺ -، كما هو مصرَّح في الروايات، فعند أبي داود (^٦) من حديث عبد الله الهوزني قال: لقيت بلالًا بحلب\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٨/ ٦٩٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٤/ ٤٩٠).\n(^٣) \"صحيح مسلم\" (ح: ٩٧ - ١٥٩٤).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (٨/ ٦٩٨).\n(^٥) \"فيض الباري\" (٣/ ٥٣١).\n(^٦) \"سنن أبي داود\" (ح: ٣٠٥٥).","vol":"3","page":706},{"text":"فقلت: يا بلال! حدثني كيف كانت نفقة رسول الله - ﷺ -؟ قال: \"ما كان له شيء كنت أنا الذي ألي ذلك منه منذ بعثه الله تعالى حتى توفي - ﷺ -\" الحديث بطوله، فليتنبه.\n\n(١٢ -<span data-type='title' id=toc-1667> باب الوكالة في الوقف. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): يعني بذلك أن الوكالة جارية في الأوقاف كما هي جارية في أملاك العباد الخالصة، ثم أورد بعد ذلك باب الوكالة في خالص حقوق الله تعالى التي هي غير العبادات ثم الوكالة فيها، انتهى - أي: في حقوق الله التي هي العبادات -.\nوفي \"الفيض\" (^٢): أراد المصنف من الوكيل: ناظره ومتوليه، وقوله: \"وكان ابن عمر. . .\" إلخ، يجوز التصدق على الأصدقاء من مال الواقف عند إذن الواقف، ثم إن المسألة في قبول المتولي هدايا الناس أنه إن ظنها رشوة لم تجز، وإلا جازت، فلا إشكال في قبول ابن عمر هدايا أهل مكة مع كونه متوليًّا للوقف، انتهى.\nقال العيني (^٣) بعد أثر الباب: مطابقته للترجمة ظاهرة؛ لأن الترجمة تتضمن أربعة أشياء، والحديث يشملها، وقال في ذكر ما يستفاد من الحديث: فيه: جواز أكل الولي على الوقف وإيكاله غيره بالمعروف، وقد أخذ هذا من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦] وهذا في مال اليتيم، وفي مال الوقف أهون من ذلك، وقال المهلب: هذا مباح عند الحاجة، وهذا سُنَّة الوقف أن يأكل منه الولي ويؤكل لأن الحبس لهذا حبس، وقال ابن التين: فيه أن الناس في أوقافهم على شروطهم، وإهداء ابن عمر - ﵄ - كان على وجهين، أحدهما: للشرط الذي في الوقف أن يؤكل صديقًا له، والآخر: أنه كان ينزل على الذين يهدى إليهم مكافأة عن طعامهم، فكأنه هو أكله، انتهى.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٦/ ٢٢٥ - ٢٢٨).\n(^٢) \"فيض الباري\" (٣/ ٥٤١).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٨/ ٧٠٠ - ٧٠١).","vol":"3","page":707},{"text":"(١٣ -<span data-type='title' id=toc-1668> باب الوكالة في الحدود)</span>\nقال العيني (^١): أي: في بيان حكم الوكالة في إقامة الحدود، انتهى.\nوقال القسطلاني (^٢): أي: جوازها كسائر الحقوق، بل يتعين التوكيل في قصاص الطرف وحد القذف كما سيأتي في موضعهما، انتهى.\nوقال العيني (^٣): واختلف العلماء في الوكالة في الحدود والقصاص، فذهب أبو حنيفة وأبو يوسف إلى أنه لا يجوز قبولها في ذلك، ولا يقام الحد والقصاص حتى يحضر المدعي، وهو قول الشافعي، وقال ابن أبي ليلى وجماعة: تقبل الوكالة في ذلك، وقالوا: لا فرق بين الحدود والقصاص والديون إلا أن يدعي الخصم أن صاحبه قد عفا عنه فتوقف عن النظر فيه حتى يحضر، انتهى.\nوقال العلَّامة النووي (^٤) تحت حديث الباب: قوله: \"فأمر بها فرجمت\"، وفي بعضها: \"وأمر الناس فرجموها\"، فيها كلها دلالة لمذهب الشافعي ومالك وموافقيهما أنه لا يلزم الإمام حضور الرجم، وكذا لو ثبت بشهود لم يلزمه الحضور، وقال أبو حنيفة وأحمد: يحضر الإمام مطلقًا، وكذا الشهود إن ثبت ببيّنة، ويبدأ الإمام بالرجم إن ثبت بالإقرار، وإن ثبت بالشهود بدأ الشهود، انتهى.\nقلت: وفي \"الدر المختار\" (^٥) تحت قوله: \"والشرط بداءة الشهود به\" أي: بالرجم: \"ثم الإمام\" هذا ليس حتمًا، كيف وحضوره ليس بلازم، قاله ابن الكمال، وما نقله المصنف عن الكمال رده في \"النهر\"، قال ابن عابدين (^٦): لم ينقله ابن الكمال عن أحد، وهو محتاج إلى النقل، فإنه خلاف ظاهر المتون، انتهى.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٨/ ٧٠١).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٥/ ٣٢٩).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٨/ ٧٠٢).\n(^٤) \"شرح النووي\" (٦/ ٢٢٢).\n(^٥) \"الدر المختار\" (١/ ٣١٦ - ٣١٧).\n(^٦) \"رد المحتار\" (٦/ ١٤ - ١٥).","vol":"3","page":708},{"text":"ثم اعلم أن الوكالة في الحدود يحتمل وجهين:\nأحدهما: الوكالة في استيفائها.\nوالثاني: في إثباتها.\nواختلف العلماء في المسألتين، كما تقدم بعض الخلاف في ذلك، وترجمة المصنف يحتمل وجهين، وحديث الباب أعني حديث الغامدية يمكن الاستدلال به على المسألتين، وحمل العلَّامة العيني الترجمة على الوكالة في إقامة الحدود ولم يتعرض له الحافظ.\nوقال صاحب \"البدائع\" (^١): التوكيل لا يخلو إما أن يكون بحقوق الله - ﷿ - وهي الحدود، وإما أن يكون بحقوق العباد، والتوكيل بحقوق الله نوعان:\nأحدهما: بالإثبات.\nوالثاني: بالاستيفاء.\nأما التوكيل بإثبات الحدود فإن كان حدًا لا يحتاج فيه إلى الخصومة كحد الزنا وشرب الخمر، فلا يتقدر التوكيل فيه بالإثبات؛ لأنه يثبت عند الماضي بالبينة أو الإقرار من غير خصومة.\nوإن كان مما يحتاج فيه إلى الخصومة كحد السرقة وحد القذف فيجوز التوكيل بإثباته عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف لا يجوز ولا تقبل البينة فيهما إلا من الموكل، وكذلك الوكيل بإثبات القصاص على هذا الخلاف.\nوأما التوكيل باستيفاء حد القذف والسرقة فإن كان المقذوف والمسروق منه حاضرًا وقت الاستيفاء جاز؛ لأن ولاية الاستيفاء إلى الإمام وأنه لا يقدر على أن يتولى الاستيفاء بنفسه على كل حال.\n_________\n(^١) \"بدائع الصنائع\" (٥/ ١٧ - ١٨).","vol":"3","page":709},{"text":"وإن كان غائبًا اختلف المشايخ فيه، قال بعضهم: يجوز، وقال بعضهم: لا يجوز، إلى آخر ما بسطه، ولم يذكر حكم التوكيل بالاستيفاء في حد الزنا وشرب الخمر.\nوقال في كتاب الحدود (^١): وأما شرائط جواز إقامتها فمنها ما يعم الحدود كلها، ومنها ما يخص البعض دون البعض، أما الذي يعم الحدود كلها فهو الإمامة وهو أن يكون المقيم للحد هو الإمام أو من ولاه الإمام، وهذا عندنا، وعند الشافعي: هذا ليس بشرط.\nوقال في موضع آخر (^٢): وللإمام أن يستخلف على إقامة الحدود؛ لأنه لا يقدر على استيفاء الجميع بنفسه لأن أسباب وجوبها توجد في أقطار دار الإسلام، ولا يمكنه الذهاب إليها، وفي الإحضار إلى مكان الإمام حرج عظيم، إلى آخر ما بسط في الدلائل، وتقدم فيه الخلاف عندنا عن \"الدر المختار\"، وهذا تفصيل مذهبنا الحنفية.\nوأما عند الحنابلة: فيجوز التوكيل في إثبات الحدود واستيفائها جميعًا كما في \"المغني\" (^٣)، وقال: ولنا حديث أنيس، فإن النبي - ﷺ - وكله في إثباته واستيفائه جميعًا، وأما عند الشافعية: ففي \"تحفة المحتاج\" (^٤): ويصح التوكيل في استيفاء عقوبة آدمي كقصاص وحد قذف، ويصح أيضًا في استيفاء عقوبة لله، ولكن من الإمام أو السيد لا في إثباتها مطلقًا، وقيل: لا يجوز التوكيل في استيفائهما إلا بحضرة الموكل، انتهى.\nويستفاد من \"المغني\" جواز التوكيل في الاستيفاء، وعدم جوازه في الإثبات عند الشافعية.\n_________\n(^١) \"بدائع الصنائع\" (٥/ ٥٢٤).\n(^٢) \"بدائع الصنائع\" (٥/ ٥٢٥).\n(^٣) \"المغني\" (٧/ ١٩٩ - ٢٠١).\n(^٤) \"حواشي على تحفة المحتاج بشرح المنهاج\" (٥/ ٣٠٧).","vol":"3","page":710},{"text":"(١٤ -<span data-type='title' id=toc-1669> باب الوكالة في البدن وتعاهدها)</span>\nقال الحافظ (^١): أورد فيه حديث عائشة في فتلها [القلائد] وتقليد النبي - ﷺ - لها بيديه وبعثه إياها مع أبي بكر، وهو ظاهر فيما ترجم له من الوكالة في البدن، وأما تعاهدها فلعله يشير به إلى ما تضمنه الحديث من مباشرة النبي - ﷺ - إياها بنفسه حتى قلَّدها بيديه، انتهى.\nقال الموفق (^٢) في بيان الوكالة في حقوق الله تعالى: وأما العبادات فما كان منها له تعلق بالمال كالزكاة والصدقات والمنذورات والكفارات جاز التوكيل في قبضها وتفريقها، ويجوز للمخرج التوكيل في إخراجها ودفعها إلى مستحقها، ويجوز التوكيل في الحج إذا أيس المحجوج عنه من الحج بنفسه، وأما العبادات البدنية المحضة كالصلاة والصيام والطهارة من الحدث فلا يجوز التوكيل فيها؛ لأنها تتعلق ببدن من هي عليه، فلا يقوم غيره مقامه فيها، انتهى.\n\n(١٥ -<span data-type='title' id=toc-1670> باب إذا قال الرجل لوكيله: ضعه حيث أراك الله)</span>\nلعل المصنف أشار بذلك إلى ما هو المعروف عند الفقهاء أن الوكالة لا بدّ لها من الإيجاب والقبول.\nقال الحافظ (^٣): وشاهد الترجمة من الحديث قول أبي طلحة للنبي - ﷺ -: \"إنها صدقة لله تعالى أرجو برها، فضعها حيث شئت\"، فإن النبي - ﷺ - لم ينكر عليه ذلك، وإن كان ما وضعها بنفسه بل أمره أن يضعها في الأقربين، لكن الحجة فيه تقريره - ﷺ - على ذلك، ويؤخذ منه أن الوكالة لا تتم إلا بالقبول لأن أبا طلحة قال: \"ضعها حيث أراك الله\" فرد عليه ذلك وقال: \"أرى أن تجعلها في الأقربين\"، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٤٩٢ - ٤٩٣).\n(^٢) \"المغني\" (٧/ ٢٠٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٤/ ٤٩٣).","vol":"3","page":711},{"text":"قلت: وأوجه منه ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^١) إذ قال: قوله: \"إني أرى أن تجعلها. . .\" إلخ، وكان ذلك توكيلًا منه - ﷺ - وإنابة إياه بعد قبول تصدقه الذي ذكره له بقوله: \"فضعها يا رسول الله حيث شئت\"، انتهى.\n\n(١٦ -<span data-type='title' id=toc-1671> باب وكالة الأمين في الخزانة ونحوها)</span>\nقال القسطلاني (^٢): بكسر الخاء المعجمة اسم للموضع الذي يخزن فيه، ومطابقة الحديث للترجمة من جهة أن الخازن الأمين مفوض إليه الإنفاق والإعطاء بحسب أمر الآمر به، انتهى. وهكذا في \"العيني\" (^٣).\nثم البراعة سكت عنها الحافظ ابن حجر، وعند هذا العبد الضعيف يظهر بدقة النظر في اسم أبي أسامة فإنه يشير إلى السام أي: الموت، وهذا لطيف جدًا، أو في قوله: \"الذي يعطي ما أمر به. . .\" إلخ، فكأنه بعمومه يشمل إعطاء الروح إلى من أمر به أعني: ملك الموت، فتفكر.\n* * *\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٦/ ٢٢٨).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٥/ ٣٣٣، ٣٣٤).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٨/ ٧٠٥).","vol":"3","page":712},{"text":"٤١ -<span data-type='title' id=toc-1672> أبواب الحرث والمزارعة</span>\nقد تقدم الكلام مبسوطًا في مقدمة \"اللامع\" (^١) على مناسبة الترتيب بين الكتب والأبواب، فارجع إليه لو شئت، وتقدم فيه أيضًا أن للمزارعة مماثلة تامة بالوكالة، بل كأنها من أنواعها، فإن المزارع في تصرفاته بمنزلة الوكيل عن رب الأرض، انتهى.\nوفي \"الهداية\" (^٢): المزارعة لغةً: مفاعلة من الزرع، وفي الشريعة: هي عقد على الزرع ببعض الخارج، وزاد في \"الدر المختار\" (^٣): وأركانها أربعة: أرض، وبذر، وعمل، وبقر، ثم قال: ولا تصح عند الإمام؛ لأنها كقفيز الطحان، وعندهما تصح، وبه يفتى للحاجة، وقياسًا على المضاربة، بشروط ثمانية، ثم بسطها، وبسط الكلام عليه في \"الأوجز\" (^٤).\nوفي \"الهداية\" (^٥): وقالا: جائزة لما روي: \"أن النبي - ﷺ - عامل أهل خيبر على نصف ما يخرج من ثمر أو زرع\" إلى آخر ما قال، وقال العيني (^٦): الزراعة هي الحرث، انتهى.\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-1673> باب فضل الزرع والغرس. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٧): لا شك أن الآية تدل على إباحة الزرع من جهة الامتنان به، والحديث يدل على فضله بالقيد الذي ذكره المصنف، وقال ابن المنيِّر: أشار البخاري على إباحة الزرع، وأن من نهى عنه كما ورد عن\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (١/ ٢٧٢).\n(^٢) \"الهداية\" (٧/ ٩٤).\n(^٣) \"الدر المختار\" (٢/ ٢٢٣).\n(^٤) \"أوجز المسالك\" (١٣/ ٤٠٢ - ٤٠٧).\n(^٥) \"الهداية\" (٧/ ٩٥).\n(^٦) \"عمدة القاري\" (٩/ ٣).\n(^٧) \"فتح الباري\" (٥/ ٣).","vol":"3","page":713},{"text":"عمر فمحله ما إذا شغل الحرث عن الحرب ونحوه من الأمور المطلوبة، وعلى ذلك يحمل حديث أبي أمامة المذكور في الباب الذي بعده، انتهى.\nوقال العلَّامة العيني (^١): في الحديث فضل الغرس والزرع، واستدل به بعضهم على أن الزراعة أفضل المكاسب، واختلف في أفضل المكاسب، إلى آخر ما بسط في هامش \"اللامع\" (^٢) أشد البسط، وتقدم الكلام على أفضل المكاسب في \"باب كسب الرجل وعمله بيده\" من \"كتاب البيوع\"، فارجع إليه.\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-1674> باب ما يحذر من عواقب الاشتغال بآلة الزرع)</span>\nقال ابن التِّين: وقد أشار البخاري بالترجمة إلى الجمع بين حديثي أبي أمامة والحديث الماضي في فضل الزرع والغرس، وذلك بأحد أمرين: إما أن يحمل ما ورد من الذم على عاقبة ذلك، ومحله ما إذا اشتغل به فضيع بسببه ما أمر بحفظه، وإما أن يحمل على ما إذا لم يضيع إلا أنه جاوز الحد فيه، والذي يظهر أن كلام أبي أمامة محمول على من يتعاطى ذلك بنفسه، أما من له عمال يعملون له وأدخل داره الآلة المذكورة لتحفظ لهم فليس مرادًا، ويمكن الحمل على عمومه؛ فإن الذل شامل لكل من أدخل على نفسه ما يستلزم مطالبته آخر له، ولا سيما إذا كان المطالب من الولاة، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٤): قوله: \"إلا أدخله الله الذل\" كمن زارع أرضًا خراجية، أو يؤول حاله إلى ذل الدنيا والدين بانهماكه فيها، انتهى.\nوبسط الأقوال في معاني حديث أبي أمامة هذا مولانا الشيخ الحاج حفظ الرحمن - ﵀ - في رسالته بلغة الأردية \"إسلام كا اقتصادي نظام\"، فارجع إليه لو شئت.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٩/ ٥).\n(^٢) \"اللامع\" (٦/ ٢٣١ - ٢٣٣).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٥/ ٥).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٦/ ٢٣٣ - ٢٣٤).","vol":"3","page":714},{"text":"(٣ -<span data-type='title' id=toc-1675> باب اقتناء الكلب للحرث)</span>\nقال ابن المنيِّر: أراد البخاري إباحة الحرت بدليل إباحة اقتناء الكلاب المنهي عن اتخاذها لأجل الحرث، فإذا رخص من أجل الحرث في الممنوع من اتخاذه كان أقل درجاته أن يكون مباحًا، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nقلت: والأوجه عندي أن مقصود المصنف بهذا الباب إثبات جواز اقتناء الكلب للحرث كما هو نص الترجمة، فإن هذه المسألة مما ينبغي أن يقصد بالإفادة لا كما قالوا: إنه أثبت به جواز الحرث، فتأمل، ولا يشكل على هذا تكرار الترجمة بما سيأتي في \"كتاب الذبائح والصيد\" من \"باب من اقتنى كلبًا. . .\" إلخ، وذلك لأنه ذكره ههنا من حيث كونه من متعلقات الحرث، وهناك من حيث كونه من متعلقات الصيد، وله نظائر كثيرة في تراجم البخاري، وفي \"القول الفصيح\": المقصود بهذه الترجمة تأكيد فضل الزرع، وذلك لأن في اقتنائه ضررًا عظيمًا بحيث ينقص من عمله كل يوم قيراط، كما في الحديث، ومع ذلك أبيح اقتناء للحرث فليس ذلك إلا لأن الحرث فيه خير كثير، وكذا يفهم فضله من استعمال البقر للحرث كما سيأتي مع أن في استعمالها للحرث تعذيبًا لها، فاستعمالها في الحرث دليل على فضله، انتهى ملخصًا.\n\n(٤ -<span data-type='title' id=toc-1676> باب استعمال البقر للحراثة. . .) إلخ</span>\nيريد بذلك جوازه، وأنها موضوعة للحراثة وإن كان الركوب جائزًا أيضًا، ووجه الاستدلال ظاهر حيث لم ينكر النبي - ﷺ - على ركوبه عليها، ولا على مقالتها، فعلم الأمران معًا جواز الركوب، وأن أصل وضعها إنما هو للحراثة، انتهى.\nوما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه ظاهر، وإليه أشار البخاري بالترجمة،\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ٦).","vol":"3","page":715},{"text":"يعني أن أصل وضعها للحراثة لا للركوب بخلاف الخيل، قال القاري: قوله: \"لحراثة الأرض\" بفتح الحاء، أي: إثارتها لزراعتها، انتهى.\nوفي \"الدر المختار\": وجاز ركوب الثور وتحميله، قال ابن عابدين: وقيل: لا يفعل لأن كل نوع من الأنعام خلق لعمل، فلا يغير أمر الله تعالى، انتهى مختصرًا من هامش \"اللامع\" (^١).\n\n(٥ -<span data-type='title' id=toc-1677> باب إذا قال: اكفني مؤونة النخل أو غيره. . .) إلخ</span>\nقال العلَّامة العيني (^٢): أي: إذا قال صاحب النخيل لغيره: اكفني مؤونة النخل، والمؤونة هي العمل فيه من السقي والقيام عليه بما يتعلق به، وتشركني في الثمر، أي: الثمر الذي يحصل من النخل، وهذه صورة المساقاة، وهي جائزة، وقوله: \"أو غيره\" أي: غير النخل مثل الكرم، ثم قال بعد ذكر الحديث: قال المهلب: فيه: حجة على جواز المساقاة، ورد عليه ابن التين: بأن المهاجرين كانوا ملكوا من الأنصار نصيبًا من الأرض والمال باشتراط النبي - ﷺ - على الأنصار مواساة المهاجرين ليلة العقبة، قال: فليس ذلك من المساقاة في شيء، ورد عليه بأنه لا يلزم من اشتراط المواساة ثبوت الاشتراك في الأرض إذ لو ثبت ذلك بمجرد ذكر المواساة لم يبق لسؤالهم لذلك ورده - ﷺ - عليهم معنى، انتهى.\nقلت: ويشكل في بادي الرأي على هذه الترجمة أن صورتها صورة المساقة كما قال المهلب وغيره، والكتاب كتاب المزارعة وسيأتي كتاب المساقاة مستقلًا، ولم يتعرض له أحد من الشرَّاح، ويمكن الجواب عنه بأن يقال: إن نظر الإمام البخاري في هذه الترجمة ليس إلى خصوص النخل أو العنب، بل الغرض الأصلي منه بيان صورة العقد وكيفيته، بأنه هل يصح المزارعة بهذه الألفاظ، أي: \"اكفئني المؤونة وتشركني في الخارج\" أعم\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٦/ ٢٣٤، ٢٣٥).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٩/ ١٣، ١٤).","vol":"3","page":716},{"text":"من أن تكون المؤونة مؤونة الأرض كما في المزارعة، أو مؤونة النخل وغيره من الأشجار، كما تكون في المساقاة، لكن لما كان المذكور في حديث الباب لفظ: \"النخل\" فرعاية للفظ الحديث ذكر لفظ \"النخل\"، وله نظائر في التراجم.\nقال صاحب \"البدائع\" (^١): وأما ركن المزارعة فهو الإيجاب والقبول، وهو أن يقول صاحب الأرض للعامل: دفعت إليك هذه الأرض مزارعة بكذا، ويقول العامل: قبلت أو رضيت أو ما يدل على قبوله ورضاه، فإذا وجدا تم العقد بينهما، انتهى.\nثم لا يذهب عليك أن الإمام البخاري ترجم بثلاثة أبواب بترتيب خاص، الأول: اقتناء الكلب، والثاني: استعمال البقر، والثالث: هذه، وهذا الترتيب يشير عندي إلى أنه أشار بهذه الترجمة إلى استعمال الإنسان للحرث؛ فإنه بدأ بالكلب، ثم ثنى بالبقر، ثم ثلث بالإنسان.\n\n(٦ -<span data-type='title' id=toc-1678> باب قطع الشجر والنخل. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٢): أي: للحاجة والمصلحة إذا تعيَّنت طريقًا في نكاية العدو ونحو ذلك، وخالف في ذلك بعض أهل العلم فقالوا: لا يجوز قطع الشجر المثمر أصلًا، وحملوا ما ورد من ذلك إما على غير المثمر وإما على أن الشجر الذي قطع في قصة بني النضير كان في الموضع الذي يقع فيه القتال، وهو قول الأوزاعي والليث وأبي ثور، انتهى.\nويشكل على الترجمة عدم تعلقها بالكتاب، ويمكن عنه الجواب عندي بأنه من قبيل ذكر الأضداد، فإن المذكور في الترجمة الأولى هو مؤنة النخل، أي: سقيها وحفظها، والمذكور في هذه الترجمة ضد ما في السابقة، فإن التقابل من أعلى وجوه التناسب:\nفبضدها تتبين الأشياء\n_________\n(^١) \"بدائع الصنائع\" (٥/ ٢٥٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٥/ ٩).","vol":"3","page":717},{"text":"(٧ -<span data-type='title' id=toc-1679> باب)</span>\nبغير ترجمة، قال الحافظ (^١): كذا للجميع بغير ترجمة، وهو بمنزلة الفصل من الباب الذي قبله، وأورد فيه حديث رافع بن خديج، وقد استنكر ابن بطال (^٢) دخوله في هذا الباب قال: وسألت المهلب عنه فقال: يمكن أن يؤخذ من جهة أنه من اكترى أرضًا ليزرع فيها ويغرس فانقضت المدة فقال له صاحب الأرض: اقلع شجرك عن أرضي فكان له ذلك، فيدخل بهذه الطريق في إباحة قطع الشجر.\nوقال ابن المنيِّر (^٣): الذي يظهر أن غرضه الإشارة به إلى أن القطع الجائز هو المسبب للمصلحة كنكاية الكفار أو الانتفاع بالخشب أو نحوه، والمنكر هو الذي عن العبث والإفساد، ووجه أخذه من حديث رافع أن الشارع نهى عن المخاطرة في كراء الأرض إبقاء على منفعتها من الضياع مجانًا في عواقب المخاطرة، فإذا كان ينهى عن تضييع منفعتها وهي غير محققة ولا مشخصة فلأن ينهى عن تضييع عينها بقطع أشجارها عبثًا أجدر وأولى، انتهى.\nوالأوجه عندي أن يقال: إن الأبواب السابقة كانت من لواحق المزارعة ومتعلقاتها، ومن ههنا رجع المصنف إلى أصل المزارعة، فهذا الباب للتنبيه عليه، فتأمل.\n\n(٨ -<span data-type='title' id=toc-1680> باب المزارعة بالشطر ونحوه. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٤) - ﵀ -: راعى المصنف لفظ الشطر لوروده في الحديث، وألحق غيره تساويهما في المعنى، ولولا مراعاة لفظ الحديث لكان قوله: المزارعة بالجزء أخصر وأبين، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ٩ - ١٠)\n(^٢) \"شرح ابن بطال\" (٦/ ٤٦٣).\n(^٣) \"المتواري\" (ص ١٥٥).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٥/ ١١).","vol":"3","page":718},{"text":"ثم قال الحافظ: وإنما ذكر البخاري هذه الآثار في هذا الباب ليعلم أنه لم يصح في المزارعة على الجزء حديث مسند، وكأنه غفل عن آخر حديث الباب، وهو حديث ابن عمر في ذلك وهو معتمد من قال بالجواز، والحق أن البخاري إنما أراد بسياق هذه الآثار الإشارة إلى أن الصحابة - ﵃ - لم ينقل عنهم خلاف في الجواز خصوصًا أهل المدينة، فيلزم من يقدم عملهم على الأخبار المرفوعة أن يقولوا بالجواز على قاعدتهم، انتهى.\nوقال القسطلاني (^١) تبعًا للحافظ تحت أثر عمر - ﵁ -: وفي إيراد البخاري هذا الأثر وغيره في هذه الترجمة ما يقتضي أنه يرى أن المزارعة والمخابرة بمعنى واحد، وهو وجه عند الشافعية، والآخر أنهما مختلفا المعنى، فالمزارعة العمل في الأرض ببعض ما يخرج منها والبذر من المالك، والمخابرة مثلها، لكن البذر من العامل، انتهى.\nقال ابن رشد (^٢): أما كراء الأرضين فاختلفوا فيها اختلافًا كثيرًا، فقوم لم يجوزوا ذلك بتةً، وهم الأقل، وبه قال طاوس وغيره، وقال الجمهور بجواز ذلك، واختلف هؤلاء فيما يجوز به كراؤها، فقال قوم: لا يجوز إلا بالدراهم والدنانير فقط، وهو مذهب ربيعة وغيره، وقال قوم: يجوز كراؤها بكل شيء ما عدا الطعام سواء كان الطعام الخارج منها أو لم يكن، وما عدا ما ينبت فيها كان طعامًا أو غيره، وإلى هذا ذهب مالك وأكثر أصحابه إلى آخر ما قال، وأما المزارعة بالدراهم والدنانير فيجوز عند الأربعة، وأما على قسمة الخارج من الأرض بأن يكون ما على الماذيانات وأقبال الجداول فلرب الأرض، وما كان في غيرها من الأرض فهو للزارع، فلم يجوزها أحد، وأما المزارعة بجزء خارج منها فلا يجوز عند الأئمة الثلاثة، ويجوز عند الإمام أحمد وصاحبي أبي حنيفة، انتهى ملخصًا من \"البذل\" (^٣).\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٥/ ٣٤٩، ٣٥٠).\n(^٢) \"بداية المجتهد\" (٢/ ٢٢١).\n(^٣) \"بذل المجهود\" (١٣/ ٤٦١، ٤٧١).","vol":"3","page":719},{"text":"قوله: (وقال الحسن: لا بأس أن يجتنى القطن) كتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): لم يجوزه أئمتنا الثلاثة، وكذلك مسألة الثوب والكراء لكونها في معنى قفيز الطحان غير أن مشايخ بلخ وبعض من سواهم أفتوا في القطن والزرع وغيرها بالجواز ضرورة، انتهى.\nوبسط الكلام في هامش \"اللامع\" (^٢).\n\n(٩ -<span data-type='title' id=toc-1681> باب إذا لم يشترط السنين في المزارعة)</span>\nقال الحافظ (^٣): قال ابن التين: قوله: \"إذا لم يشترط السنين\" ليس بواضح من الخبر الذي ساقه، كذا قال، ووجه ما ترجم به الإشارة إلى أنه لم يقع في شيء من طرق هذا الحديث مقيدًا بسنين معلومة، وقد ترجم له بعد أبواب \"إذا قال رب الأرض: أقرك ما أقرك الله - ولم يذكر أجلًا معلومًا - فهما على تراضيهما\"، وساق الحديث، وفيه قوله - ﷺ -: \"نقركم ما شئنا\" هو ظاهر فيما ترجم له، إلى آخر ما قال.\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٤): وهو عندنا واقع على مزارعة عام فقط، غير أنه إذا لم يترك الأرض في العام الثاني ولم يطالبه المالك، كان ذلك دلالة على كونهما على عقدهما، فيمكن على ذلك مضاء سنين، وهو محمل الحديث، فافهم، وهذا عند من سلم كونها مزارعة، فأما من قال: إنها كانت لهم لا للمسلمين، وما بذلوه كان خراجًا فالأمر عنده أسهل، انتهى.\nوفي هامشه: قال العيني: قال ابن بطال: قد اختلف العلماء في المزارعة من غير أجل فكرهها مالك والشافعي وغيرهما، وقال أبو ثور: إذا لم يسم سنين معلومة فهو على سنة واحدة، وقال ابن المنذر: وحكي عن بعضهم أنه قال: أجيز ذلك استحسانًا، وادعى القياس لقوله صلى الله تعالى\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٦/ ٢٣٩، ٢٤١).\n(^٢) \"اللامع\" (٦/ ٢٣٩، ٢٤٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٥/ ١٤).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٦/ ٢٤٣، ٢٤٥).","vol":"3","page":720},{"text":"عليه وسلم: \"نقركم ما شئنا\"، قال: فيكون لصاحب النخل والأرض أن يخرج المساقي والمزارع من الأرض متى شاء، وفي ذلك دلالة على أن المزارعة تخالف الكراء، لا يجوز في الكراء أن يقول: أخرجك عن أرضي متى شئت، ولا خلاف بين أهل العلم أن الكراء في الدور والأرضين لا يجوز إلا وقتًا معلومًا.\nقلت: لصحة المزارعة على قول من يجيزها شروط: منها بيان المدة بأن يقال: إلى سنة أو سنتين وما أشبهه، ولو بيَّن وقتًا لا يدرك الزرع فيها تفسد المزارعة، وكذا لو بيَّن مدة لا يعيش أحدهما إليها غالبًا تفسد أيضًا، وعن محمد بن سلمة: أن المزارعة تصح بلا بيان المدة، وتقع على زرع واحد، واختاره الفقيه أبو الليث، وبه قال أبو ثور، وعن أحمد: يجوز بلا بيان المدة؛ لأنها عقد جائز غير لازم، وعند أكثر الفقهاء: لازم إلى آخر ما بسط.\n\n(١٠ -<span data-type='title' id=toc-1682> باب)</span>\nبغير ترجمة، قال الحافظ (^١): كذا للجميع بغير ترجمة وهو بمنزلة الفصل من الباب السابق، وقد أورد فيه حديث ابن عباس في جواز أخذ أجرة الأرض، ووجه دخوله في الباب الذي قبله أنه لما جازت المزارعة على أن للعامل جزءًا معلومًا فجواز أخذ الأجرة المعينة عليها من باب الأولى، انتهى.\nوقال القسطلاني (^٢) تبعًا للعلامة العيني: ومناسبة الحديث للباب السابق من جهة أن فيه للعامل جزءًا معلومًا، وهنا لو ترك مالك الأرض هذا الجزء للعامل كان خيرًا له من أن يأخذه منه، وفيه جواز أخذ الأجرة لأن الأولوية لا تنافي الجواز، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ١٤).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٥/ ٣٥٤).","vol":"3","page":721},{"text":"ورقم عليه شيخ الهند - ﵀ - في آخر تراجم رمز (ىنـ) - نقطة واحدة - فكان رأيه فيه أن المصنف ترك الترجمة لقصد التمرين وتشحيذًا للأذهان.\n\n(١١ -<span data-type='title' id=toc-1683> باب المزارعة مع اليهود)</span>\nقال الحافظ (^١): أراد بهذا الإشارة إلى أنه لا فرق في جواز هذه المعاملة بين المسلمين وأهل الذمة، انتهى.\n\n(١٢ -<span data-type='title' id=toc-1684> باب ما يكره من الشروط في المزارعة)</span>\nأشار بهذه الترجمة إلى حمل النهي في حديث رافع على ما إذا تضمن العقد شرطًا فيه جهالة أو يؤدي إلى غرر، انتهى [من \"الفتح\"] (^٢).\nقلت: وهو محل روايات النهي عند الجمهور.\n\n(١٣ -<span data-type='title' id=toc-1685> باب إذا زرع بمال قوم بغير إذنهم. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٣): أي: لمن يكون الزرع؟ أورد فيه حديث الثلاثة الذين انطبق عليهم الغار، والمقصود منه هذا قول أحد الثلاثة: \"فعرضت عليه - أي: على الأجير - حقه فرغب عنه، فلم أزل أزرعه. . .\" إلخ، فإن الظاهر أنه عيَّن له أجرته فلما تركها بعد أن تعينت له ثم تصرف فيها المستأجر بعينها صارت من ضمانه، قال ابن المنيِّر (^٤): مطابقة الترجمة أنه قد عيَّن له حقه ومكَّنه منه، فبرئت ذمته بذلك، فلما تركه وضع المستأجر يده عليه وضعًا مستأنفًا، ثم تصرف فيه بطريق الإصلاح لا بطريق التضييع، فاغتفر لذلك ولم يعد تعديًا، ولذلك توسل به إلى الله - ﷿ - وجعله من أفضل أعماله، وأقر على ذلك ووقعت الإجابة، ومع ذلك فلو هلك الفرق لكان ضامنًا له إذ لم يؤذن له في التصرف فيه، فمقصود الترجمة إنما هو خلاص\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ١٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٥/ ١٥).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٥/ ١٦ - ١٧)\n(^٤) \"المتواري\" (ص ٢٦٤).","vol":"3","page":722},{"text":"الزارع من المعصية لهذا القصد، ولا يلزم من ذلك رفع الضمان، ويحتمل أن يقال: إن توسله بذلك إنما كان لكونه أعطى الحق الذي عليه مضاعفًا لا بتصرفه، كما أن الجلوس بين رجلي المرأة معصية، لكن التوسل لم يكن إلا بترك الزنا والمسامحة بالمال ونحوه، انتهى.\nوتقدم الحديث في \"باب من اشترى شيئًا لغيره بغير إذنه\"، وتقدم هناك اختلاف الأئمة في بيع الفضولي، وكذا تقدم حديث الباب في \"باب من استأجر أجيرًا فترك أجره\"، وتقدم هناك اختلافهم في المستودع إذا اتجر في مال الوديعة، وكذا الضارب إذا خالف رب المال لمن يكون الربح؟ فارجع إليه لو شئت.\nقوله: (فرق أرزّ) قال الحافظ (^١): تقدم في \"البيوع\" (^٢) بلفظ \"فرق من ذرة\" فيجمع بينهما بأن الفرق كان من الصنفين وأنهما لما كانا حبين متقاربين أطلق أحدهما على الآخر، والأول أقرب، انتهى.\n\n(١٤ -<span data-type='title' id=toc-1686> باب أوقاف أصحاب النبي - ﷺ - وأرض الخراج. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): دلالة الرواية على هذا المعنى من حيث إنه لما قسم خيبر ولم يقسم عمر بعض البلاد المفتوحة كان ذلك دليلًا على جواز الوقف، كيف! ولا سبيل إذا لم يقسم إلا إلى الوقف، فلا بد أن يزرعه أحد، وبهذا المعنى يصح إيراد وقف عمر ههنا، وإثبات مزارعة أرض الخراج بالقياس عليه، انتهى.\nقال الحافظ (^٤): ذكر المصنف فيه طرفًا من حديث عمر في وقف أرض خيبر، وذكر قول عمر: \"لولا آخر المسلمين. . .\" إلخ، وأخذ\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ١٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٤/ ٤٠٨، ٤٠٩).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٦/ ٢٤٨).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٥/ ١٧).","vol":"3","page":723},{"text":"المصنف صدر الترجمة من الحديث الأول ظاهر، ويؤخذ أيضًا من الحديث الثاني؛ لأن بقية الكلام محذوف، تقديره: لكن النظر لآخر المسلمين يقتضي أن لا أقسمها بل أجعلها وقفًا على المسلمين، وقد صنع ذلك عمر في أرض السواد، وأما قوله: \"وأرض الخراج. . .\" إلخ، فيؤخذ من الحديث الثاني، فإن عمر لما وقف السواد ضرب على من به من أهل الذمة الخراج، فزارعهم وعاملهم، فبهذا يظهر مراده من هذه الترجمة ودخولها في أبواب المزارعة، وقال ابن بطال (^١): معنى هذه الترجمة أن الصحابة كانوا يزارعون أوقاف النبي - ﷺ - بعد وفاته على ما كان عامل عليه يهود خيبر، إلى آخر ما قال في \"الفتح\".\nقلت: وما يظهر لهذا العبد الضعيف أن الإمام البخاري أشار بالترجمة إلى أنه - ﷺ - لم يفعل الوقف بنفسه الشريفة، بل الأوقاف كانت من الصحابة - ﵃ -، ويؤيده ما قال القسطلاني (^٢) في صدقة عمر المذكورة: حكى الماوردي أنها أول صدقة تصدق بها في الإسلام، انتهى.\nوعلى هذا فلا يبعد أن يكون الإمام البخاري أشار بالترجمة إلى رد ما حكي عن أبي عبد الله بن المعلم إمام الإمامية في قوله - ﷺ -: \"لا نورث ما تركنا صدقة\" إن لفظ \"صدقة\" بالنصب على الحال، فيقتضي ذلك أن ما تركه النبي - ﷺ - على وجه الصدقة لا يورث عنه، كما ذكر في \"الأوجز\" (^٣)، وبسط فيه أيضًا المباحث الكثيرة في حديث: \"لا نورث ما تركنا صدقة\".\nوفي \"الفيض\" (^٤): اعلم أن الوقف عندنا لا يجري إلا في العقار إلا أن يكون تابعًا، وأما عند محمد فيصح بكل منقول جرى فيه التعامل بوقفه، ثم قالوا: إن الوقف عندنا تصدق بالمنفعة مع حبس الأصل على ملك الواقف، وعند صاحبيه: هو حبس الأصل على ملك الله تعالى، لا يملك ولا يورث، إلى آخر ما بسط من الكلام.\n_________\n(^١) \"شرح ابن بطال\" (٦/ ٤٧٣).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٥/ ٣٦٠).\n(^٣) \"أوجز المسالك\" (١٧/ ٥٣٥، ٥٤٦).\n(^٤) \"فيض الباري\" (٣/ ٥٥٠).","vol":"3","page":724},{"text":"(١٥ -<span data-type='title' id=toc-1687><span data-type='title' id=toc-1688> باب </span>من أحيا أرضًا مواتًا. . .) إلخ</span>\nبفتح الميم والواو الخفيفة، قال القزاز: الموات الأرض التي لم تعمر، شبهت العمارة بالحياة وتعطيلها بفقد الحياة، وإحياء الموات أن يعمد الشخص لأرض لا يعلم تقدم ملك عليها لأحد، فيحييها بالسقي أو الزرع أو الغرس أو البناء، فتصير بذلك ملكه سواء كانت فيما قرب من العمران أم بعد، سواء أذن له الإمام في ذلك أو لم يأذن، وهذا قول الجمهور، وعن أبي حنيفة لا بد من إذن الإمام مطلقًا، وعن مالك فيما قرب، وضابط القرب ما بأهل العمران إليه حاجة من رعي أو نحوه، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوبسط الكلام على هذه المسألة في \"الأوجز\" (^٢) وفيه: في \"الهداية\" (^٣): الموات ما لا ينتفع به من الأراضي لانقطاع الماء عنه، أو لغلبة الماء عليه، أو ما أشبه ذلك مما يمنع الزراعة، سمي به لبطلان الانتفاع به، وقال الباجي (^٤): فيه خمسة أبواب:\nالأول: في صفة الأرض التي تملك بالإحياء.\nوالثاني: في صفة المحيي لها وحكمه.\nوالثالث: في صفة الإحياء.\nوالرابع: في حكم ما أُحْيِيَ من الأرض ثم مات.\nوالخامس: في حكم الأرض الموات والإبراز في البيع والقسمة وغير ذلك، انتهى.\n\n(١٦ - باب)\nبغير ترجمة، وقال الحافظ (^٥): كذا فيه بغير ترجمة وهو كالفصل\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ١٨).\n(^٢) \"أوجز المسالك\" (١٤/ ١٠٧ - ١١٢).\n(^٣) \"الهداية\" (٢/ ٣٨٣).\n(^٤) \"المنتقى\" (٦/ ٢٦).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٥/ ٢٠، ٢١).","vol":"3","page":725},{"text":"من الباب الذي قبله، وقد أورد فيه حديث ابن عمر وحديث عمر، وأشكل تعلقهما بالترجمة، فقال المهلب: حاول البخاري جعل موضع معرس النبي - ﷺ - موقوفًا أو متملكًا له لصلاته فيه ونزوله به، وذلك لا يقوم على ساق؛ لأنه قد ينزل في غير ملكه ويصلي فيه، فلا يصير بذلك ملكه، كما صلى في دار عتبان بن مالك وغيره.\nوأجاب ابن بطال (^١) بأن البخاري أراد أن المعرس نسب إلى النبي - ﷺ - بنزوله فيه ولم يرد أنه يصير بذلك ملكه، ونفى ابن المنيِّر (^٢) وغيره أن يكون البخاري أراد ما ادعاه المهلب، فإنما أراد التنبيه على أن البطحاء التي وقع فيها التعريس، والأمر بالصلاة فيها لا تدخل في الموات الذي يحيى ويملك إذ لم يقع فيها تحويط ونحوه من وجوه الإحياء، أو أراد أنها تلحق بحكم الإحياء لما ثبت لها من خصوصية التصرف فيها فصارت كأنها أرصدت للمسلمين كمنى مثلًا، فليس لأحد أن يبني فيها ويتحجرها لتعلق حق المسلمين بها عمومًا.\nقال الحافظ: وحاصله أن الوادي المذكور وإن كان من جنس الموات، لكن مكان التعريس منه مستثنى لكونه من حقوق العامة، فلا يصح احتجاره لأحد ولو عمل فيه بشروط الإحياء، ولا يختص ذلك بالبقعة التي نزل بها النبي - ﷺ -، بل كل ما وجد من ذلك فهو في معناه، انتهى.\nوقال العيني (^٣): وجه دخول هذا الحديث في هذا الباب من حيث إنه أشار إلى أن ذا الحليفة لا يملك بالإحياء لما فيه من منع الناس النزول فيه، وأن الموات يجوز الانتفاع به، وأنه غير مملوك لأحد، وهذا المقدار كاف في وجه المطابقة، وقد تكلم المهلب فيه بما لا يجدي، ورد عليه ابن بطال بما لا ينفع، وجاء آخر نصرًا لمهلب في ذلك، والكل لا يشفي العليل ولا يروي الغليل، انتهى.\n_________\n(^١) \"شرح ابن بطال\" (٦/ ٤٧٩).\n(^٢) \"المتواري\" (ص ٢٦٧).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٩/ ٣٥).","vol":"3","page":726},{"text":"وتبع القسطلاني (^١) العيني، واقتصر على توجيهه بدون النسبة إليه، ولم يذكر قول المهلب وغيره، وسبقهما الكرماني (^٢) في ذلك، وقال العلَّامة السندي (^٣): لعل ذكره في الباب لاستطراد إحياء الموات بالذكر، انتهى.\nوالأوجه عند هذا العبد الضعيف: ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه من التوجيه في \"اللامع\" (^٤) إذ قال: قوله: \"إنك ببطحاء مباركة\" ولعل إيراد هذه الرواية بعد باب إحياء الموات تنبيه منه على أن الإحياء إنما يعتبر إذا كانت الأرض التي أحياها بحيث يستغنى عنها، ولا يفتقر إليها في قضاء مآرب العامة؛ كالنزول في تلك الوادي فإنه دليل الحاجة إليه، فلا يمكن إحياء مثله لما فيه من الإضرار بالعامة، وهم أصحاب استحقاق فيه، وقد قال النبي - ﷺ - في غير حق مسلم كما تقدم، ثم ذكر توجيهًا آخر فارجع إليه لو شئت؛ وبسط الكلام على هامشه أيضًا، ورقم عليه شيخ الهند - ﵀ - رمز (ىنـ) - نقطة واحدة -، فكان رأيه - ﵀ - فيه أن المؤلف ترك الترجمة تشحيذًا للأذهان، فتأمل.\n\n(١٧ -<span data-type='title' id=toc-1689> باب إذا قال رب الأرض: أقرك ما أقرك الله. . .) إلخ</span>\nقال صاحب \"الفيض\" (^٥): هذه الترجمة أيضًا من التراجم التي لا تسقط على محط، ولا ترجع إلى أصل، فإن حقيقة المعاملة مع أهل خيبر لم تتنقح عنده بعد، فقد يجعلها إجارة، وأخرى مزارعة، ولا تصحان إلا أن تكون ملكا للنبي - ﷺ - والمسلمين، وأما إذا كانت ملكًا لأنفسهم فلا تصح لا هذه ولا تلك، فلا تكون إلا خراجًا مقاسمةً، ثم فرع عليها تفريعات لا تستقيم بحال أيضًا، فذكر إبهام الأجل، وذا لا يصح على تقدير كونها إجارةً أو مزارعة باتفاق الفقهاء؛ لأن الطبائع قد جبلت على المماكسة في هذا الباب، فالإبهام فيها يفضي إلى المنازعة لا محالة، أما الخراج مقاسمة\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٥/ ٣٦٥).\n(^٢) \"شرح الكرماني\" (١٠/ ١٦١).\n(^٣) \"حاشية السندي على صحيح البخاري\" (٢/ ٤٨).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٦/ ٢٥١، ٢٥٢).\n(^٥) \"فيض الباري\" (٣/ ٥٥٤).","vol":"3","page":727},{"text":"فيصح مع جهالة الأجل لكونه بين الإمام والرعية، والأمن من إفضائه إلى المنازعة، فللإمام أن يقر من شاء إلى ما شاء من غير مدافع ولا منازع، انتهى.\nوقال العيني (^١): تمسك به بعض أهل الظاهر على جواز المساقاة إلى أجل مجهول، وجمهور الفقهاء على أنها لا تجوز إلا إلى أجل معلوم، وقالوا: هذا الكلام كان جوابًا لما طلبوه حين أراد إخراجهم منها، فقالوا: نعمل فيها ولكم النصف ونكفيكم مؤنة العمل، فلما فهمت المصلحة أجابهم إلى الإبقاء ووقفه على مشيئته، وبعد ذلك عاملهم على المساقاة إلى آخر ما بسط في هامش \"اللامع\" (^٢).\nوأفاد الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٣) فائدة متعلقة بشرح الحديث لم يتعرض لها الشرَّاح وأجاد فيها حيث قال: قوله: \"أجلى اليهود والنصارى. . .\" إلخ، وقد ورد في أكثر الروايات والآيات ذكر إجلاء اليهود، ولم تذكر النصارى إلا قليلًا، وذلك لكثرة اليهود وقلة النصارى، ولأن خبث طويتهم كان باعثًا لهم على الشقاق والنفاق والتلبس بأرذل الأخلاق، فذكروا أكثر مما ذكر إخوانهم النصارى، انتهى.\n\n(١٨ -<span data-type='title' id=toc-1690> باب ما كان أصحاب رسول الله - ﷺ - يواسي بعضهم بعضًا)</span>\nكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٤): أشار بذلك إلى محمل الروايات المذكورة في الباب دفعًا لما يتوهم من التعارض بين روايات الجواز والحرمة بأن النهي عن المزارعة بالأجر إنما هو تعليم للزهد وترغيب في المواساة، لا أن النهي تحريم، انتهى.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٩/ ٣٧).\n(^٢) \"اللامع\" (٦/ ٢٥٤، ٢٥٥).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٦/ ٢٥٤، ٢٥٥).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٦/ ٢٥٦).","vol":"3","page":728},{"text":"وفي هامشه: وهو كذلك، فإن القائلين بجواز المزارعة حملوا روايات المنع على ذلك، ففي \"الأوجز\" (^١) بعد ذكر روايات المنع: قال القاضي: ويشبه أن يقال في هذا: إن المعنى في ذلك قصد الرفق بالناس لكثرة وجود الأرض كما نهى عن بيع الماء، ووجه الشبه بينهما أنهما أصلًا الخلقة، انتهى.\nوقال الحافظ (^٢): المراد بالمواساة المشاركة في المال بغير مقابل، انتهى.\n\n(١٩ -<span data-type='title' id=toc-1691> باب كراء الأرض بالذهب والفضة. . .) إلخ</span>\nكأنه أراد بهذه الترجمة الإشارة إلى أن النهي الوارد عن كراء الأرض محمول على ما إذا أكريت بشيء مجهول، وهو قول الجمهور، أو بشيء مما يخرج منها ولو كان معلومًا، وليس المراد النهي عن كرائها بالذهب أو الفضة، وبالغ ربيعة فقال: لا يجوز كراؤها إلا بالذهب أو الفضة، وخالف في ذلك طاوس وطائفة قليلة فقالوا: لا يجوز كراء الأرض مطلقًا، وذهب إليه ابن حزم واحتج له بالأحاديث المطلقة في ذلك، وحديث الباب دال على ما ذهب إليه الجمهور، وقد أطلق ابن المنذر أن الصحابة أجمعوا على جواز كراء الأرض بالذهب والفضة. ونقل ابن بطال (^٣): اتفاق فقهاء الأمصار عليه، انتهى من \"الفتح\" (^٤).\nوقد تقدم الخلاف في المسألة في \"باب المزارعة بالشطر ونحوه\" ويمكن عندي أن يقال في غرض الترجمة: إن المصنف أشار إلى بيان أفضلية كراء الأرض، أي: المزارعة كما يشير إليه قول ابن عباس - ﵄ -، وقد تقدم الخلاف في أفضل المكاسب في مبدأ \"كتاب البجوع\" من \"باب كسب الرجل وعمله بيده\".\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (٣/ ٤٦٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٥/ ٢٣).\n(^٣) \"شرح ابن بطال\" (٦/ ٤٨٧).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٥/ ٢٥).","vol":"3","page":729},{"text":"(٢٠ -<span data-type='title' id=toc-1692> باب)</span>\nبغير ترجمة، قال الحافظ (^١): هو كالفصل من الباب الذي قبله، ولم يذكر ابن بطال (^٢): لفظ \"باب\"، وكأن مناسبته له من قول الرجل: \"فإنهم أصحاب زرع\" قال ابن المنيِّر: وجهه أنه نبَّه به على أن أحاديث النهي عن كراء الأرض إنما هي على التنزيه لا على الإيجاب؛ لأن العادة فيما يحرص عليه ابن آدم أنه يحب استمرار الانتفاع به، وبقاء حرص هذا الرجل على الزرع حتى في الجنة دليل على أنه مات على ذلك، ولو كان يعتقد تحريم كراء الأرض لفطم نفسه عن الحرص عليها حتى لا يثبت هذا القدر في ذهنه هذا الثبوت، انتهى.\nقلت: ولم يذكر شيخ الهند هذا الباب في جداوله، والأوجه عندي أن الإمام البخاري رحمه الله تعالى نبَّه بهذا على فضل الغرس لكونه في الجنة، ولا تعلق للحديث بكراء الأرض، قوله: \"والله لا تجده إلا قرشيًا أو أنصاريًا\" كتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): وإنما قال ذلك لأنهم أهل الفلاحة بحسب علمه، ولم يعلم بأن هذه حرفة كثير ممن سوأهم أيضًا، انتهى.\n\n(٢١ -<span data-type='title' id=toc-1693> باب ما جاء في الغرس)</span>\nذكر فيه حديث سهل بن سعد \"إن كنا لنفرح. . .\" إلخ، وغرضه منه ههنا قوله: \"كنا نغرسه في أربعائنا\"، وذكر فيه حديث أبي هريرة وغرضه منه قوله: \"وإن إخوتي من الأنصار كان يشغلهم. . .\" إلخ، فإن المراد بالعمل الشغل في الأراضي للزراعة والغرس، انتهى من \"الفتح\" (^٤).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ٢٧).\n(^٢) \"شرح ابن بطال\" (٦/ ٤٨٨)، وفيه ذكر باب، وزاد المحقق لفظ: \"السقي\"، بعد الباب، وقال: \"زيادة من نسخة\"، انتهى.\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٦/ ٢٥٩).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٥/ ٢٨).","vol":"3","page":730},{"text":"وكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): قوله: \"وما كنا نتغدى\" فيه إشارة ما إلى وجه الالتذاذ وهو وجدانهم [إياه] على السغب والفاقة، انتهى.\nقلت: أجاد الشيخ قُدِّس سرُّه في دفع ما يمكن أن يتوهم من ظاهر اللفظ حرص الصحابة - ﵃ - أعاذهم الله تعالى عن ذلك، فنبَّه الشيخ على أن الفرح كان لأجل الاحتياج، وكتب الشيخ أيضًا قوله: \"وكان يشغلهم عمل أموالهم\" فيه الترجمة حيث علم باشتغال الصحابة فيه فضله وبتقريره - ﷺ - عليه جوازه، انتهى.\nوأما براعة الاختتام عند الحافظ ففي قوله: \"وما نسيت من مقالته تلك إلى يومي هذا شيئًا\".\nوعندي في قوله: \"والله الموعد\"، وأيضًا في آية الكتمان، وأيضًا في قوله: \"ليس على ثوب غيرها\" فإنه كفن الضرورة، فتدبر.\nتم الجزء الثالث بحمد الله ﵎،\nويتلوه الجزء الرابع إن شاء الله تعالى أوله \"كتاب المساقاة\"،\nوالحمد لله أولًا وآخرًا،\nوالصلاة والسلام على نبيِّه سرمدًا ودائمًا.\n* * *\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٦/ ٢٦٠).","vol":"3","page":731},{"text":"٤٢ -<span data-type='title' id=toc-1694> كتاب المساقاة</span>\nهكذا في النسخ الهندية، وهكذا في نسخ الكرماني والعيني والقسطلاني، وليس هو في نسخة \"الفتح\"، وهو الأوجه عندي، وفي نسخة \"الفتح\" بعد التسمية: في الشرب، وقول الله - ﷿ -: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ﴾ الآية [الأنبياء: ٣٠]\nقال الحافظ (^١): كذا لأبي ذر، وزاد غيره في أوله \"كتاب المساقاة\" ولا وجه له فإن التراجم التي فيه غالبها تتعلق بإحياء الموات.\nوبسط العيني (^٢) في اختلاف النسخ ثم قال: أما المساقاة فهي: المعاملة بلغة أهل المدينة، ومفهومها اللغوي هو الشرعي، وهي معاقدة دفع الأشجار والكروم إلى من يقوم بإصلاحهما، على أن يكون له سهم معلوم من ثمرها، ولأهل المدينة لغات يختصون بها، كما قالوا للمساقاة: معاملة، وللمزارعة: مخابرة، وللإجارة: بيع، وللمضاربة: مقارضة، انتهى.\nوذكر في \"الأوجز\" (^٣) فيه عدة أبحاث:\nالأول: في لغتها، وتقدم شيء من ذلك.\nوالثاني: في تعريفها عند الفقهاء.\nوالثالث: في حكمها، فجمهور العلماء من السلف والخلف على إباحتها، حتى حكى غير واحد من نقلة المذاهب الإجماع على ذلك، ولا شك أن الإجماع متعقب، كما بسط في \"الأوجز\".\nوفي \"المغني\" (^٤): قال أبو حنيفة وزفر: لا تجوز المساقاة، قال\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ٢٩).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٩/ ٥٠).\n(^٣) \"أوجز المسالك\" (١٣/ ٤٠٢، ٤٠٧).\n(^٤) \"المغني\" (٧/ ٥٣٠).","vol":"4","page":5},{"text":"ابن رشد (^١): وعمدة الجمهور - منهم الأئمة الثلاثة وصاحبا أبي حنيفة - في جوازها حديث ابن عمر في معاملة أهل خيبر.\nوأما أبو حنيفة ومن قال بقوله، فعمدتهم مخالفة هذا الأثر للأصول مع أنه حكم مع اليهود، واليهود يحتمل أنهم أقرهم على أنهم عبيد، ويحتمل أن يكون أقرهم على أنهم أهل ذمة. . .، إلى آخر ما بسط في \"الأوجز\".\nوالرابع: ما في \"الدسوقي\" (^٢): أن المساقاة مستثناة للضرورة من أمور خمسة ممنوعة.\nوالخامس: أن القائلين بجوازها اختلفوا في محل الجواز، فقال داود: لا تكون إلا في النخل فقط، وقال الشافعي: في النخل والكرم فقط، وقال مالك: تجوز في كل أصل ثابت كرُمّان والزيتون وما أشبه ذلك. . .، إلى آخر ما في هامش \"اللامع\" (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-1695>(باب في الشرب)</span>\nبكسر المعجمة، والمراد به الحكم في قسمة الماء، قاله عياض (^٤). وقال: ضبطه الأصيلي بالضم، والأول أولى، قال ابن المنيِّر: من ضبطه بالضم أراد المصدر، وقال غيره: المصدر مثلَّث، وقرئ: ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ [الواقعة: ٥٥] مثلثًا، والشرب في الأصل بالكسر النصب والحظ من الماء، انتهى [من \"الفتح\"] (^٥).\nقوله: (﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ﴾) [الأنبياء: ٣٠] كتب الشيخ في \"اللامع\" (^٦): يعني بذلك - والله أعلم - أن كل شيء فهو من الماء لكونه أصل الأشياء بأسرها فإن خلق السماوات والعناصر الثلاثة إنما هو من الماء،\n_________\n(^١) \"بداية المجتهد\" (٢/ ٢٤٤).\n(^٢) \"حاشية الدسوقي\" (٣/ ٥٣٩).\n(^٣) \"اللامع\" (٦/ ٢٦١، ٢٦٢).\n(^٤) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ٣٠٨).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٥/ ٢٩).\n(^٦) \"لامع الدراري\" (٦/ ٢٦٢، ٢٦٣).","vol":"4","page":6},{"text":"وتخصيص الشيء بالحي في الآية على هذا التقدير مبني على أنهم المقصودون بالذكر ها هنا وإن لم يكن الحكم يختص بهم، انتهى. وذكر في هامشه الاختلاف في تفسير هذه الآية.\nقوله: (فراتًا عذبًا) قال الحافظ (^١): وهو منتزع من قوله تعالى: ﴿هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ﴾ [الفرقان: ٥٣] انتهى، وهي في سورة الفاطر [١٢]. وفي \"الجلالين\" (^٢): ﴿عَذْبٌ فُرَاتٌ﴾: شديد العذوبة، وفي \"الجمل\" (^٣): فرت ككرم: عذب، انتهى.\nوالأوجه عندي: أنه تلميح إلى قوله تعالى: ﴿وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٧]؛ لأن الواقع ها هنا بالنصب، وما أشار إليه الحافظ هو بالرفع، قال العلَّامة العيني (^٤): ومن عادة الإمام البخاري أنه إذا ترجم لباب في شيء يذكر فيه ما يناسبه من الألفاظ التي في القرآن ويفسرها تكثيرًا للفوائد، وتقدم في مقدمة \"اللامع\" في بيان خصائص الكتاب.\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-1696> باب من رأى صدقة الماء وهبته. . .) إلخ</span>\nكذا في نسخة الحافظ، وليس في النسخ الهندية التي بأيدينا، قال الحافظ (^٥): كذا لأبي ذر. وللنسفي: \"ومن رأى. . .\" إلى آخره، جعله من الباب الذي قبله، ولغيرهما \"باب في الشرب ومن رأى\". وأراد المصنف بالترجمة الرد على من قال: إن الماء لا يملك، انتهى.\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٦) قوله: \"فقال: يا غلام أتأذن لي. . .\" إلخ، فيه دلالة على الترجمة، حيث صار المحرز بإحرازه الماء كيف ما كان هبة أو شراء أو تحصيلًا من البئر بنفسه مستندًا بالتصرف فيه وأولى من غيره، وكما جازت الهبة والصدقة فيه مشتركًا يجوز منقسمًا، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ٢٩).\n(^٢) \"الجلالين\" (ص ٣٦٤، ٤٣٦).\n(^٣) \"الجمل\" (٣/ ٤٨٩).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (٩/ ١٥).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٥/ ٣٠).\n(^٦) \"لامع الدراري\" (٦/ ٢٦٣).","vol":"4","page":7},{"text":"(٢ -<span data-type='title' id=toc-1697> باب من قال: إن صاحب الماء أحق بالماء)</span>\nقال ابن بطال (^١): لا خلاف بين العلماء أن صاحب الماء أحق بمائه حتى يروى.\nقلت: وما نفاه من الخلاف هو على القول بأن الماء يملك، وكأن الذين ذهبوا إلى أنه يملك - وهم الجمهور - هم الذين لا خلاف عندهم في ذلك.\nوالمراد بالفضل في حديث الباب: ما زاد على الحاجة، ولأحمد عن أبي هريرة: \"لا يمنع فضل ماء بعد أن يستغنى عنه\" ثم ذكر الحافظ (^٢) الاختلاف في مصداق الماء الذي لا يجوز منعه، وبسط الكلام عليه في \"الأوجز\" (^٣).\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-1698> باب من حفر بئرًا في ملكه. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٤): إنما أورده ههنا لما أنه لما لم يضمن الساقط في البئر لكونها في ملكه يكون له فضل اختصاص بالماء أيضًا لكونه قد حصل بسعيه وفي ملكه فلا يفضل عليه غيره إذا لم يفضل الماء عن حاجته، وله المنع عن أن يدخل أحد في ملكه، نعم يجب له بذل الماعون إذا اضطر إليه أحد، انتهى.\nوفي هامشه: أجاد الشيخ قُدِّس سرُّه في توجيه ذكر هذا الباب في هذا الكتاب، وإلا فالظاهر أن محل هذا الباب كتاب الديات، وسيأتي فيه \"باب المعدن جبار والبئر جبار\". . . إلى آخر ما بسط فيه.\nوقال ابن المنيِّر (^٥): الحديث مطلق والترجمة مقيدة بالملك وهي\n_________\n(^١) (٦/ ٤٩٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٥/ ٣١، ٣٢).\n(^٣) \"أوجز المسالك\" (١٤/ ١١٧ - ١٢١).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٦/ ٢٦٤، ٢٦٥).\n(^٥) \"المتواري\" (ص ٢٦٤).","vol":"4","page":8},{"text":"إحدى صور المطلق، وأقعدها سقوط الضمان لأنه إذا لم يضمن إذا حفر في غير ملكه فالذي يحفر في ملكه أحرى بعدم الضمان، انتهى.\nوإلى التفرقة بين الحفر في ملكه وغيره ذهب الجمهور، وخالف الكوفيون، انتهى من \"الفتح\" (^١)، وسيأتي التفصيل في الديات إن شاء الله.\n\n(٤ -<span data-type='title' id=toc-1699> باب الخصومة في البئر والقضاء فيها)</span>\nقال الحافظ (^٢): أورد الحديث مختصرًا، وسيأتي بتمامه في \"التفسير\" وفي \"الأيمان والنذور\" وغير موضع، انتهى.\nوقال العلَّامة العيني (^٣): مطابقة الحديث بالترجمة من حيث إنه - ﷺ - حكم في البئر المذكورة بطلب البينة من المدعي وبيمين المدعى عليه عند عجز المدعي عن إقامة البينة، انتهى.\n\n(٥ -<span data-type='title' id=toc-1700> باب إثم من منع ابن السبيل من الماء)</span>\nأي: الفاضل عن حاجته، ويدل عليه قوله في حديث الباب: \"رجل كان له فضل ماء بالطريق فمنعه من ابن السبيل\"، قال ابن بطال (^٤): فيه دلالة على أن صاحب البئر أولى من ابن السبيل عند الحاجة، فإذا أخذ حاجته لم يجز له منع ابن السبيل، انتهى.\nوقد ترجم المصنف بذلك بعد أربعة أبواب \"من رأى أن صاحب الحوض أحق بمائه\"، انتهى من \"الفتح\" (^٥).\n\n(٦ -<span data-type='title' id=toc-1701> باب سَكْر الأنهار)</span>\nالسَكْر بفتح المهملة وسكون الكاف: السد والغلق، قاله في \"الفتح\" (^٦).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ٣٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٥/ ٣٣).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٩/ ٥٩).\n(^٤) (٦/ ٤٩٩).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٥/ ٣٤).\n(^٦) \"فتح الباري\" (٥/ ٣٥).","vol":"4","page":9},{"text":"كتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): أراد بذلك إثبات جواز السد لما أن ظاهره الكراهة لما فيه من اشتراك العامة، ولكونه من محض فضله تعالى على عباده، فلا ينبغي حبسه على أحد دون أحد، ولا يذهب عليك أن الكلام ها هنا وفي بابين بعده إنما هو في الأنهار التي ليست مملوكة لأحد ولا هي جارية بحفرهم بل هي من الله تعالى، انتهى.\nوبسط في هامشه الكلام في تفصيل أنواع المياه وحكمها، وفيه أيضًا: اختلفوا في اسم هذا الرجل اختلافًا كثيرًا، بسطه الحافظان ابن حجر والعيني (^٢)، ولخصه القسطلاني (^٣)، إذ قال: قوله: \"رجل من الأنصار\" زاد البخاري في \"الصلح\": \"قد شهد بدرًا\" واسمه قيل: حميد، فيما أخرجه أبو موسى المديني في \"الذيل\": قال: وهذا مردود لما في بعض طرقه أنه شهد بدرًا، وليس في البدريين أحد اسمه حميد، وقيل: هو ثابت بن قيس بن شماس حكاه ابن بشكوال في \"المبهمات\" له، واستبعد، وقيل: هو حاطب بن أبي بلتعة، وقيل: ثعلبة بن حاطب، قاله ابن باطيش، إلى آخر ما بسط فيه.\n\n(٧ -<span data-type='title' id=toc-1702> باب شرب الأعلى قبل الأسفل)</span>\nكأنه يشير إلى ما وقع في مرسل سعيد بن المسيب في هذه القصة \"فقضى رسول الله - ﷺ - أن يسقي الأعلى ثم الأسفل\"، قال العلماء: الشرب من نهر أو مسيل غير مملوك يقدم الأعلى فالأعلى، ولا حق للأسفل حتى يستغني الأعلى، وحدّه أن يغطي الماء الأرض حتى لا تشربه ويرجع إلى الجدار ثم يطلقه، انتهى من \"الفتح\" (^٤).\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٦/ ٢٦٥ - ٢٦٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٥/ ٣٥ - ٣٦)، و\"عمدة القاري\" (٩/ ٦٦، ٦٧).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (٥/ ٣٨٩).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٥/ ٣٨).","vol":"4","page":10},{"text":"وقال القسطلاني (^١): وتأتي صفة إرسال الماء من الأعلى إلى الأسفل في الباب اللاحق إن شاء الله تعالى، انتهى.\nقال الخطابي (^٢) وغيره: وإنما حكم - ﷺ - على الأنصاري في حال غضبه - مع نهيه أن يحكم الحاكم وهو غضبان - لأن النهي معلل بما يخاف على الحاكم من الخطإ والغلط، والنبي - ﷺ - مأمون لعصمته من ذلك حال السخط، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\n\n(٨ -<span data-type='title' id=toc-1703> باب شرب الأعلى إلى الكعبين)</span>\nقال الحافظ (^٤): يشير إلى ما حكاه الزهري من تقدير ذلك كما سيأتي في آخر الباب، انتهى.\nقال القسطلاني (^٥) تحت حديث الباب: وكان أولًا أمره أن يسامح ببعض حقه، فلما لم يرض الأنصاري استقصى الحكم وحكم به، وأما قول ابن الصباغ وغيره: إنه لما لم يقبل الخصم ما حكم به أوّلًا، ووقع منه ما وقع، أمَره أن يستوفي أكثر من حقه عقوبة للأنصاري لما كانت العقوبة بالأموال، ففيه نظر؛ لأن سياق الحديث يأبى ذلك لا سيما قوله: \"واستوعى للزبير حقه\" في صريح الحكم كما في رواية شعيب في \"الصلح\"، ومعمر في \"التفسير\"، فمجموع الطرق قد دلَّ على أنه أمر الزبير أوّلًا أن يترك بعض حقه، وثانيًا أن يستوفيه، وقول الكرماني تبعًا للخطابي: ولعل قوله: \"واستوعى له حقه\" من كلام الزهري، إذ عادته الإدراج فيه بشيء؛ لأن الأصل في الحديث أن يكون حكمه كله واحدًا، حتى يرد ما يبين ذلك، ولا يثبت الإدراج بالاحتمال، انتهى.\nوفي \"الفيض\" (^٦): قوله: \"حتى يرجع الماء إلى الجدر\" ترجمته\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٥/ ٣٩٤).\n(^٢) \"الأعلام\" (٢/ ١١٧٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٥/ ٣٩).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٥/ ٣٩).\n(^٥) \"إرشاد الساري\" (٥/ ٣٩٥).\n(^٦) \"فيض الباري\" (٣/ ٥٦٢ - ٥٦٣).","vol":"4","page":11},{"text":"\"دول\"، وقدّرها الفقهاء بالكعبين، ثم إنهم لا يذكرون تفصيل الأعلى أو الأسفل في كتبنا، فتتبعته حتى وجدت مسألة عن محمد في \"غاية البيان\" للإتقاني وهو أقدم من ابن الهمام، يمكن حمل الحديث عليها، نقل عن محمد أن ذلك يبنى على العرف، فإن جرى العرف بسقي الأعلى، كما في الحديث فكذلك، وإن جرى على التقسيم، فعلى ما جرى به العرف، انتهى.\n\n(٩ -<span data-type='title' id=toc-1704> باب فضل سقي الماء)</span>\nأي: لكل من احتاج إلى ذلك.\nوقوله: (بينا رجل) لم أقف على اسمه.\nقوله: (يمشي) وللدارقطني في \"الموطآت\" من طريق روح عن مالك: \"يمشي بفلاة\"، وله من طريق ابن وهب عن مالك: \"يمشي بطريق مكة\"، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(١٠ -<span data-type='title' id=toc-1705> باب من رأى أن صاحب الحوض أو القربة أحق بمائه)</span>\nفي \"الفيض\" (^٢): أي: إذا أحرز الماء في الإناء فليس لأحد أن يأخذ منه إلا بإجازته، انتهى.\nذكر فيه أربعة أحاديث: أحدها حديث سهل بن سعد، ومناسبته للترجمة ظاهرة إلحاقًا للحوض والقربة بالقدح، فكان صاحب القدح أحق بالتصرف فيه شربًا وسقيًا، وقد خفي هذا على المهلب فقال: ليس في الحديث إلا أن الأيمن أحق من غيره بالقدح، وأجاب ابن المنيِّر: بأن مراد البخاري أنه إذا استحق الأيمن ما في القدح بمجرد جلوسه واختص به\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ٤١).\n(^٢) \"فيض الباري\" (٣/ ٥٦٤).","vol":"4","page":12},{"text":"فكيف لا يختص به صاحب اليد والمتسبب في تحصيله؟! ثم ذكر الحافظ مناسبة بقية الأحاديث الواردة في الباب بالترجمة، انتهى من هامش \"اللامع\" (^١).\n\n(١١ -<span data-type='title' id=toc-1706> باب لا حمى إلا لله ولرسوله - ﷺ </span>-)\nوفي \"الفيض\" (^٢): ولا ذكر للحمى في فقه الحنفية، انتهى.\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): يعني بذلك أن الكلأ حق العامة فلا يجوز حبسه إلا للعامة، فكان الحمى جائزًا لبيت المال لا لغيره، وما ورد من الحمى لغير بيت المال في بعض الروايات فالمراد به الشجر الواقع في تلك الأرض، أو الأرض نفسها ليتصرف فيها، وفي أشجارها، وأما الكلأ فلا، فإذا حمى الإمام أو نائبه لبيت المال كان للفقير رعي دوابه فيه، لكونه ممن يستحق بيت المال، وأما الغني فلا، إلا إذا اضطر، انتهى.\nوفي هامشه: قال الحافظ: قال الشافعي: يحتمل معنى الحديث شيئين: أحدهما: ليس لأحد أن يحمي للمسلمين إلا ما حماه النبي - ﷺ -، والآخر: معناه إلا على مثل ما حماه عليه النبي - ﷺ -، فعلى الأول ليس لأحد من الولاة بعده أن يحمي، وعلى الثاني يختص الحمى بمن قام مقام رسول الله - ﷺ - وهو الخليفة خاصة. وأخذ أصحاب الشافعي من هذا أن له في المسألتين قولين، والراجح عندهم الثاني، والأول أقرب إلى ظاهر اللفظ، لكن رجحوا الأول بما سيأتي أن عمر - ﵁ - حمى بعد النبي - ﷺ -. والمراد بالحمى: منع الرعي في أرض مخصوصة من المباحات فيجعلها الإمام مخصوصة برعي بهائم الصدقة مثلًا، انتهى.\nثم لا يخفى عليك ما في \"البذل\" (^٤) عن الشوكاني: وقد ظن بعضهم أن بين الأحاديث القاضية بالمنع من الحمى والأحاديث القاضية بجواز\n_________\n(^١) \"اللامع\" (٦/ ٢٦٩).\n(^٢) \"فيض الباري\" (٣/ ٥٦٥).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٦/ ٢٧١ - ٢٧٢).\n(^٤) \"بذل المجهود\" (١٠/ ٣٣٣).","vol":"4","page":13},{"text":"الإحياء معارضةً، ومنشأ هذا الظن عدم الفرق بينهما، وهو فاسد، فإن الحمى أخص من الإحياء مطلقًا.\nقال ابن الجوزي: ليس بين الحديثين معارضة، فالحمى المنهي عنه ما يحمى من الموات الكثيرة العشب لنفسه خاصة؛ كفعل الجاهلية، والإحياء المباح ما لا منفعة للمسلمين فيه شاملة، فافترقا، انتهى.\n\n(١٢ -<span data-type='title' id=toc-1707> باب شرب الناس وسقي الدواب من الأنهار)</span>\nقال الحافظ (^١): أراد بهذه الترجمة أن الأنهار الكائنة في الطرق لا يختص بالشرب منها أحد دون أحد، ثم أورد فيه حديثين:\nأحدهما: عن أبي هريرة في \"ذكر الخيل\"، والمقصود منه قوله فيه: \"ولو أنها مرت بنهر فشربت منه. . .\" إلخ، فإنه يشعر بأن من شأن البهائم طلب الماء، ولم يرد ذلك صاحبها، فإذا أجر على ذلك من غير قصد فيؤجر بقصده من باب الأولى، فثبت المقصود من الإباحة المطلقة.\nوثانيهما: حديث زيد بن خالد في \"اللقطة\"، والمقصود منه قوله فيه: \"معها سقاؤها وحذاؤها ترد الماء. . .\" إلخ، انتهى.\n\n(١٣ -<span data-type='title' id=toc-1708> باب بيع الحطب والكلأ)</span>\nفي \"الفيض\" (^٢): وهما من المباح الأصل، وأما إذا أحرزهما حُزَمًا أو جُرَزًا، فيجوز بيعهما؛ كالماء، ولهما باب في \"الهداية\" عقده عند باب الشرب، فراجع التفاصيل فيه، وأما في الحديث فهو جائز عندنا أيضًا، انتهى.\nوقال الحافظ: والكلأ بفتح الكاف واللام بعده همزة بغير مدّ وهو العشب رطبه ويابسه، وموقع هذه الترجمة من \"كتاب الشرب\" اشتراك الماء\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ٤٦).\n(^٢) \"فيض الباري\" (٣/ ٥٦٧).","vol":"4","page":14},{"text":"والحطب والمرعى في جواز انتفاع الناس بالمباحات منها من غير تخصيص، قال ابن بطال (^١): إباحة الاحتطاب في المباحات والاختلاف من نبات الأرض متفق عليه، حتى يقع ذلك في أرض مملوكة فترتفع الإباحة، ووجهه أنه إذا ملك بالاحتطاب والاحتشاش فلأن يملك بالإحياء له أولى، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\nوفي \"الدر المختار\" (^٣): وفسد بيع الكلأ لحديث: \"الناس شركاء في ثلاث: في الماء، والكلأ، والنار\" (^٤)، قال ابن عابدين (^٥): الكلأ كجبل العشب رطبه ويابسه، \"قاموس \"، قال في \"البحر\": ويدخل فيه جميع أنواع ما ترعاه المواشي رطبًا كان أو يابسًا، بخلاف الأشجار؛ لأن الكلأ ما لا ساق له، والشجر له ساق، فلا تدخل فيه، حتى يجوز بيعها إذا نبتت في أرضه لكونها ملكه، انتهى.\n\n(١٤ -<span data-type='title' id=toc-1709> باب القطائع)</span>\nجمع قطيعة، تقول: أقطعته أرضًا: جعلتها له قطيعة، والمراد به ما يخص به الإمام بعض الرعية من الأرض الموات، فيختص به ويصير أولى بإحيائه ممن لم يسبق إلى إحيائه، واختصاص الإقطاع بالموات متفق عليه في كلام الشافعية، انتهى من \"الفتح\" (^٦).\nوفي \"البذل\" (^٧): والقطيعة هي قطعة أرض يقطعها الإمام لأحد.\nوأما مذهب الحنفية في الإقطاع فهو ما قال في \"البدائع\" (^٨): الأراضي في الأصل نوعان: أرض مملوكة، وأرض مباحة غير مملوكة، والمملوكة نوعان: عامرة، وخراب، والمباحة نوعان أيضًا: نوع هو من مرافق البلدة\n_________\n(^١) \"نقله عن المهلب\" (٦/ ٥٠٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٥/ ٤٧).\n(^٣) \"الدر المختار\" (٢/ ٢٥).\n(^٤) انظر: \"سنن أبي داود\" (٣٤٧٧).\n(^٥) \"رد المحتار\" (٧/ ٢٥٦).\n(^٦) \"فتح الباري\" (٥/ ٤٧).\n(^٧) \"بذل المجهود\" (١٠/ ٢٩٢ - ٣٠٠).\n(^٨) \"بدائع الصنائع\" (٥/ ٢٨١ - ٢٨٤).","vol":"4","page":15},{"text":"محتطبًا لهم ومرعى لمواشيهم، ونوع ليس من مرافقها وهو المسمى بالموات، وأما الأراضي المملوكة العامرة، فليس لأحد أن يتصرف فيها من غير إذن صاحبها؛ لأن عصمة الملك تمنع من ذلك، وأما أرض الموات وهي أرض خارج البلد لم تكن ملكًا لأحد ولا حقًا له خاصًا، فلا يكون داخل البلد موات أصلًا، وكذا ما كان خارج البلدة من مرافقها محتطبًا بها لأهلها أو مرعى لهم، لا يكون مواتًا حتى لا يملك الإمام إقطاعها، فالإمام يملك إقطاع الموات من مصالح المسلمين لما يرجع ذلك إلى عمارة البلاد، والتصرف فيما يتعلق بمصالح المسلمين للإمام؛ ككري الأنهار العظام وإصلاح قناطرها ونحوه.\nولو أقطع الإمام الموات إنسانًا فتركه ولم يعمره، لا يتعرض له إلى ثلاث، فإذا مضى ثلاث سنين فقد عاد مواتًا كما كان، وله أن يقطعه غيره لقوله ﵊: \"ليس لمحتجر بعد ثلاث سنين حق\" (^١)، انتهى، ملخص ما في \"البدائع\".\nقوله: (سترون بعدي أثرة) كتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): يعني بذلك أنكم كما أعملتم بإخوانكم المهاجرين اليوم بإيثاركم إياهم على أنفسكم فكذلك فلتكونوا إذا استأثروا عليكم أنفسهم فافهم، حتى يتبين لك ما بين الكلام الأول والثاني من المناسبة التي لا تظهر في أول وهلة، انتهى.\nوفي هامشه: أجاد الشيخ قُدِّس سرُّه في بيان المناسبة بين الجملتين ولم يتعرض لذلك الشرَّاح.\n\n(١٥ -<span data-type='title' id=toc-1710> باب كتابة القطائع)</span>\nلمن أقطعه الإمام لتكون وثيقة بيده حتى لا ينازعه أحد، كذا في الشروح.\n_________\n(^١) انظر: \"نصب الراية\" (٤/ ٢٩٠).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٦/ ٢٧٥).","vol":"4","page":16},{"text":"وقال الحافظ (^١): واعترض على المصنف بأن رواية الليث لا ذكر للكتابة فيها، وأجيب بأنها مذكورة في الشق الثاني، وبأنه جرى على عادته في الإشارة إلى ما يرد في بعض الطرق وقد تقدم أنه عنده في الجزية من رواية زهير، انتهى.\nوقال السندي (^٢): قيل: لا دلالة في الحديث الذي ذكره على المطلوب، وهو مدفوع بأن قولهم: \"فاكتب لإخواننا\" صريح في المطلوب على أنه جاء في بعض رواية الحديث: \"دعا الأنصار ليكتب لهم البحرين\" فأشار المصنف بهذه الترجمة إلى أن قوله: \"ليقطع لهم\" محمول على ذلك بقرينة تلك الرواية، والله أعلم، انتهى.\n\n(١٦ -<span data-type='title' id=toc-1711> باب حلب الإبل على الماء)</span>\nقال القسطلاني (^٣): أي: عند الماء، كذا قاله ابن حجر، ونازعه العيني بأن \"على\" لم تجئ بمعنى \"عند\"، بل هي هنا بمعنى الاستعلاء، وأجاب في \"انتقاض الاعتراض\" بأن كثيرًا من أهل العربية قالوا: إن حروف الجر تتناوب وحمل \"على\" على الاستعلاء يقتضي أن يقع المحلوب في الماء وليس ذلك مرادًا، انتهى.\n\n(١٧ -<span data-type='title' id=toc-1712> باب الرجل يكون له ممر أو شرب في حائط أو نخل)</span>\nهو من اللف والنشر، أي: له حق المرور في الحائط أو نصيب في النخل.\nوقوله: (للبائع الممر. . .) إلخ، هذا كله من كلام المصنف استنبطه\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ٤٩).\n(^٢) \"حاشية السندي على صحيح البخاري\" (٢/ ٥٤).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (٥/ ٤١٥).","vol":"4","page":17},{"text":"من الأحاديث المذكورة في الباب، وتوهم بعض الشرَّاح أنه بقية الحديث المرفوع، فوهم في ذلك وهمًا فاحشًا، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوفي \"الفيض\" (^٢): والممر من الحقوق فإن كانت الأرض مملوكة له فحق الممر ظاهر، وإن لم تكن فقد أثبت الفقهاء أيضًا، وذلك لأنه لا يختص بالملكية عندهم، ويجري فيه الوصية، والهبة، دون البيع، انتهى.\nوسكت الحافظ ها هنا عن براعة الاختتام، ويمكن أن يتكلف له في قوله: \"حتى يرفع\": هو المشير إلى رفع الجنازة، وأيضًا العرية: هي النخلة الْمُعْرَاة، أي: التي أكل ما عليها، كما في \"القاموس\" (^٣)، فهو أيضًا يشير إلى الفناء والاختتام، ويمكن أن يوجه في لفظ أسامة \"والسام هو الموت\" كما تقدم، فتدبر.\n* * *\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ٥٠).\n(^٢) \"فيض الباري\" (٣/ ٥٦٩).\n(^٣) \"القاموس\" (ص ١٢٠٤).","vol":"4","page":18},{"text":"٤٣ -<span data-type='title' id=toc-1713> كتاب في الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس</span>\nقال الحافظ (^١): جمع المصنف بين هذه الأمور الثلاثة، لقلَّة الأحاديث الواردة فيها، ولتعلق بعضها ببعض، انتهى.\nقال العيني (^٢): \"الاستقراض\" هو طلب القرض، \"والحجر\" هو المنع لغةً، وشرعًا: منع عن التصرف، وأسبابه كثيرة، محلها الفروع. و\"التفليس\" من فلّسه الحاكم تفليسًا يعني: يحكم بأنه يصير إلى أن يقال: ليس معه فلس، ويقال: المفلس من تزيد ديونه على موجوده، سمي مفلسًا؛ لأنه صار ذا فلوس بعد أن كان ذا دراهم ودنانير، انتهى.\nوفي \"الفيض\" (^٣): اعلم أن الحجر عندنا يكون بثلاثة أشياء: إما الصبا، أو الجنون، أو الرق، وأما عند صاحبيه: فبالإفلاس، والسفاهة أيضًا. ولا عبرة بالتفليس عندنا في القضاء، وهو الإعلان بإفلاس رجل، وذلك لأن المال غادٍ ورائح، فيمكن أن يحصل له مال عقيب الحكم بالإفلاس، ثم الحجر اسم لإبطال التصرفات القولية، وأما الفعلية فلا سبيل إلى إبطالها، انتهى.\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-1714> باب من اشترى بالدين وليس عنده ثمنه. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٤): أي فهو جائز، وكأنه يشير إلى ضعف ما جاء عن ابن عباس مرفوعًا: \"لا أشتري ما ليس عندي ثمنه\" وهو حديث أخرجه\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ٥٣).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٩/ ١٠٠).\n(^٣) \"فيض الباري\" (٣/ ٥٧١، ٥٧٢).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٥/ ٥٣).","vol":"4","page":19},{"text":"الإمام أبو داود (^١) والحاكم تفرد به شريك عن سماك، واختلف في وصله وإرساله، ثم أورد فيه حديث جابر في شراء النبي - ﷺ - منه جمله في السفر وقضائه ثمنه في المدينة، وهو مطابق للركن الثاني من الترجمة، وحديث عائشة مطابق للركن الأول.\nقال ابن المنيِّر: وجه الدلالة منه أنه - ﷺ - لو حضره الثمن ما أخره، وكذا ثمن الطعام لو حضره لم يرتب في ذمته دينًا، لما عرف من عادته الشريفة من المبادرة إلى إخراج ما يلزمه إخراجه، انتهى.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢) تحت الباب: لما كان النهي عن بيع ما ليس عندك يوهم أنه لعل البيع بما ليس عندك من الثمن لا يجوز أيضًا، دفعه بإيراد الروايتين: الأولى منهما دالة على جواز الشراء إذا لم يكن بحضرته ثمنه وإن كان في بيته، وثانيتهما على جوازه إذا لم يكن له الثمن لا بحضرته ولا في بيته، نعم إذا اشترى وليس من قصده أن يؤديه إليه كان منهيًا عنه، ولذلك عقد الباب الثاني، انتهى.\nقوله: (إلا دينارًا أرصده لدين. . .) إلخ، فيه الترجمة حيث قدَّم الدَّيْن على الصدقة وغيرها من وجوه الخير، انتهى.\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-1715> باب من أخذ أموال الناس يريد أداءها أو إتلافها)</span>\nقال الحافظ (^٣): حذف الجواب اعتناءً بما وقع في الحديث، قال ابن المنيِّر (^٤): هذه الترجمة تشعر بأن التي قبلها مقيّدة بالعلم وبالقدرة على الوفاء، قال: لأنه إذا علم من نفسه العجز فقد أخذ لا يريد الوفاء إلا بطريق التمني، والتمني خلاف الإرادة.\nقال الحافظ: وفيه نظر لأنه إذا نوى الوفاء مما سيفتحه الله عليه فقد\n_________\n(^١) \"سنن أبي داود\" (ح: ٣٣٤٤)، \"المستدرك على الصحيحين\" (٢/ ٢٨)، (ح: ٢٢٠٩).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٦/ ٢٨٠، ٢٨١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٥/ ٥٤).\n(^٤) \"المتواري\" (ص ٢٦٧).","vol":"4","page":20},{"text":"نطق الحديث بأن الله يؤدي عنه، إما بأن يفتح عليه في الدنيا، وإما بأن يتكفل عنه في الآخرة، فلم يتعين التقييد بالقدرة في الحديث، ولو سلم ما قال فهناك مرتبة ثالثة وهو أن لا يعلم هل يقدر أو يعجز؟ انتهى.\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-1716> باب أداء الديون) (وقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ﴾ الآية [النساء:</span> ٥٨])\nقال ابن المنيِّر: أدخل الدين في الأمانة لثبوت الأمر بأدائه، إذ المراد بالأمانة في الآية هو المراد بها في قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأحزاب: ٧٢] وفسرت هناك بالأوامر والنواهي فيدخل فيها جميع ما يتعلق بالذمة وما لا يتعلق، انتهى.\nقال الحافظ (^١): ويحتمل أن تكون الأمانة على ظاهرها، وإذا أمر الله بأدائها ومدح فاعلها - وهي لا تتعلق بالذمة - فحال ما في الذمة أولى، وأكثر المفسرين على أن الآية نزلت في شأن عثمان بن طلحة حاجب الكعبة، وعن ابن عباس: هي عامة في جميع الأمانات.\n\n(٤ -<span data-type='title' id=toc-1717> باب استقراض الإبل)</span>\nقال الحافظ (^٢): أي: جوازه ليرد المقترض نظيره أو خيرًا منه، ثم قال بعد ذكر الحديث: وفيه ما ترجم له وهو استقراض الإبل، ويلتحق بها جميع الحيوانات وهو قول أكثر أهل العلم، ومنع من ذلك الثوري والحنفية، واحتجوا بحديث النهي عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة. . .، إلى آخر ما بسط من الكلام على دلائل الفريقين.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ٥٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٥/ ٥٧).","vol":"4","page":21},{"text":"(٥ -<span data-type='title' id=toc-1718> باب حسن التقاضي)</span>\nقال العلَّامة العيني (^١): أي هذا باب في بيان استحباب حسن التقاضي، أي: حسن المطالبة، انتهى.\n\n(٦ -<span data-type='title' id=toc-1719> باب هل يعطى أكبر من سنه</span>؟)\nقال القسطلاني (^٢): بفتح الطاء، أي: هل يعطي المستقرض للمقرض أكبر من سنه؟ أي: الذي اقترضه، انتهى.\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): ولما كان مظنة كونه ربا يوهم حرمته، دفعه بأن الربا ما كان مشروطًا أو معروفًا، فأما إذا زاده من عند نفسه من غير العرف والشرط فإنه منة منه عليه، كما مَنَّ الدائن عليه بقضاء حاجته فلا يكون ربا، انتهى.\nوفي هامشه: ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه واضح، والأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن الإمام البخاري أشار بذلك إلى مسألة خلافية ذكرها الحافظ، وستأتي قريبًا، ولما كان لفظ الحديث: \"إلا سنًّا أفضل من سنه\" والفضيلة تحتمل جودة الوصف والزيادة في الكم معًا نبَّه الإمام البخاري على ذلك بلفظ الاستفهام.\nوقال الحافظ: في الحديث جواز وفاء ما هو أفضل من المثل المقترض إذا لم تقع شرطية ذلك في العقد فيحرم حينئذ اتفاقًا، وبه قال الجمهور، وعن المالكية تفصيل في الزيادة: إن كانت بالعدد منعت، وإن كانت بالوصف جازت، انتهى.\nقال الموفق: كل قرض شرط فيه أن يزيده فهو حرام بغير خلاف، فإن أقرضه مطلقًا بغير شرط فقضاه خيرًا منه في القدر أو الصفة أو دونه برضاهما جاز، انتهى مختصرًا.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٩/ ١٠٨).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٥/ ٤٣٠).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٦/ ٢٨٤).","vol":"4","page":22},{"text":"(٧ -<span data-type='title' id=toc-1720> باب حسن القضاء)</span>\nأي: استحباب حسن أداء الدين، وأورد فيه الحديث المذكور، وهو ظاهر فيما ترجم له، كذا في \"الفتح\" (^١)، والتقاضي من جانب الدائن، والقضاء من جانب المديون، ولذا بوّب بعده، كذا في \"الفيض\" (^٢).\n\n(٨ -<span data-type='title' id=toc-1721> باب إذا قضى دون حقه أو حلّله. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): وهذا كما تقدم من أن مظنة الربا كان يوهم حرمته، فإن من استدان عشرة دراهم ثم رضي البائع أن يأخذ ثمانية فلا شك أنه فضل منها فضلة عند المديون، وليست على عوض فدفعه بأن الثمانية ههنا ليست مقابلة بالعشرة حتى يلزم ما ألزمته، بل الثمانية بالثمانية، والدرهمان أسقطهما الدائن وله أن يسقط من حقه ما شاء كلًّا أو بعضًا.\nقوله: (أن يقبلوا ثمرة حائطي ويحللوا) ولما جاز تحليله عن البعض جاز تحليله عن الكل لعدم الفارق، فثبتت الترجمة بكلا جزئيها، انتهى.\nوبسط الشراح في قوله: \"وحلَّله\" بأنه بالواو أو بلفظ \"أو\" فارجع إليه لو شئت.\n\n(٩ -<span data-type='title' id=toc-1722> باب إذا قاصّ أو جازفه في الدين. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٤): أي عند الأداء، فهو جائز.\nقوله: (تمرًا بتمر) قال المهلب (^٥): لا يجوز عند أحد من العلماء أن يأخذ من له دين تمر من غريمه تمرًا مجازفة بدينه لما فيه من الجهل والغرر، وإنما يجوز أن يأخذ مجازفة في حقه أقل من دينه إذا علم الآخذ ذلك ورضي، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ٥٩).\n(^٢) \"فيض الباري\" (٣/ ٥٧٤).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٦/ ٢٨٥).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٥/ ٦٠).\n(^٥) انظر: \"شرح ابن بطال\" (٦/ ٥١٩).","vol":"4","page":23},{"text":"قال الحافظ: كأنه أراد بذلك الاعتراض على ترجمة البخاري، ومراد البخاري ما أثبته المعترض لا ما نفاه، وغرضه بيان أنه يغتفر في القضاء من المعاوضة ما يغتفر ابتداء؛ لأن بيع الرطب بالتمر لا يجوز في غير العرايا، ويجوز في المعاوضة عند الوفاء، وذلك بيِّنٌ في حديث الباب. . . إلى أن قال الحافظ: وقد أخذ الدمياطي كلام المهلب فاعترض به فقال: هذا لا يصح، ثم اعتل بنحو ما ذكره المهلب، وتعقبه ابن المنيِّر (^١) بنحو ما أجبت به فقال: بيع المعلوم بالمجهول مزابنة فإن كان تمرًا نحوه فمزابنة وربا، لكن اغتفر ذلك في الوفاء؛ لأن التفاوت متحقق في العرف فيخرج عن كونه مزابنة، انتهى.\nوفي تقرير مولانا حسين علي البنجابي: قوله: \"تمرًا بتمر أو غيره\" فإنه إن زاد المستقرض فزيادة من غير شرط، وإن نقصه فهو إسقاط من صاحب القرض، انتهى.\nوفي تقرير مولانا محمد حسن المكي: قوله: \"تمر بتمر. . .\" إلخ، أي: جنسًا بجنس أو بغير جنس (^٢)، انتهى.\n\n(١٠ -<span data-type='title' id=toc-1723> باب من استعاذ من الدين)</span>\nقال الحافظ (^٣): قال المهلب (^٤): يستفاد من هذا الحديث سد الذرائع؛ لأنه - ﷺ - استعاذ من الدين؛ لأنه في الغالب ذريعة إلى الكذب في الحديث والخلف في الوعد مع ما لصاحب الدين عليه من المقال، انتهى.\nويحتمل أن يراد بالاستعاذة من الدين الاستعاذة من الاحتياج إليه حتى لا يقع في هذه الغوائل، أو من عدم القدرة على وفائه حتى لا تبقى تبعته، ولعل ذلك هو السر في إطلاق الترجمة، ثم رأيت في حاشية\n_________\n(^١) \"المتواري\" (ص ٢٧٤).\n(^٢) انظر: \"اللامع\" (٦/ ٢٨٦).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٥/ ٦١).\n(^٤) انظر: \"شرح ابن بطال\" (٦/ ٥٢٠).","vol":"4","page":24},{"text":"ابن المنيِّر: لا تناقض بين الاستعاذة من الدين وجواز الاستدانة؛ لأن الذي استعيذ منه غوائل الدين، فمن أدان وسلم منها فقد أعاذه الله وفعل جائزًا، انتهى.\n\n(١١ -<span data-type='title' id=toc-1724> باب الصلاة على من ترك دينًا)</span>\nلعل الإمام البخاري أشار بالترجمة إلى أن ما ورد في الروايات من ترك الصلاة على المديون كان في أول الأمر قبل قوله - ﷺ -: \"ومن ترك كلًّا فإلينا\" ولذا أورد من الحديث هذا القدر.\nوقال الحافظ: قال ابن المنيِّر: أراد بهذه الترجمة أن الدين لا يخل بالدين، وأن الاستعاذة منه ليست لذاته بل لما يخشى من غوائله، وأورد الحديث الذي فيه \"من ترك دينًا فليأتني\" وأشار به إلى بقيَّته وهو أنه كان لا يصلي على من عليه دين، فلما فتحت الفتوح صار يصلِّي عليه، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(١٢ -<span data-type='title' id=toc-1725> باب مطل الغني ظلم)</span>\nترجم بلفظ الحديث، وهو طرف من حديث مضى تامًّا في \"الحوالة\" (^٢) مع الكلام عليه.\n\n(١٣ -<span data-type='title' id=toc-1726> باب لصاحب الحق مقال)</span>\nقال العلَّامة القسطلاني (^٣): فلا يلام إذا تكرر طلبه لحقه، انتهى.\nوقال الحافظ (^٤): ذكر فيه حديث أبي هريرة المقدم قريبًا، وهو نص في ذلك، وذكر الحديث المعلق لما فيه من تفسير المقال، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ٦١).\n(^٢) انظر: \"صحيح البخاري\" (ح: ٢٢٨٨).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (٥/ ٤٣٩).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٥/ ٦٢).","vol":"4","page":25},{"text":"(١٤ -<span data-type='title' id=toc-1727> باب إذا وجد ماله عند مفلس. . .) إلخ</span>\nقال القسطلاني (^١): قوله: \"في البيع\" بأن يبيع رجل متاعًا لرجل ثم يفلس المشتري ويجد البائع متاعه الذي باعه عنده، \"و\" في \"القرض\" بأن يقرض لرجل ثم يفلس المقترض فيجد المقرض ما أقرضه عنده، \"و\" في \"الوديعة\" بأن يودع شخص عند آخر وديعة ثم يفلس المودَع، وجواب \"إذا\" قوله: \"فهو\" أي: فكل من البائع والمقرض والمودِع بكسر الدال \"أحق به\" أي: بمتاعه من غيره من غرماء المفلس، انتهى.\nقال الحافظ (^٢): قوله: \"في البيع\" إشارة إلى ما ورد في بعض طرقه نصًا، وقوله: \"والقرض\" هو بالقياس عليه، أو لدخوله في عموم الخبر، وهو قول الشافعي في آخرين، والمشهور عن المالكية التفرقة بين القرض والبيع، وقوله: \"والوديعة\" هو بالإجماع، وقال ابن المنيِّر (^٣): أدخل هذه الثلاثة إما لأن الحديث مطلق، وإما لأنه وارد في البيع، والآخران أولى لأن ملك الوديعة لم ينتقل، والمحافظة على وفاء من اصطنع بالقرض معروفًا مطلوب، انتهى.\nوفي \"الفيض\" (^٤): واعلم أنه إذا اشترى شيئًا وقبضه، ولم يؤد ثمنه حتى أفلس، فإن كان المبيع قائمًا في يده اختلف فيه الفقهاء، فقال الشافعي: إن البائع أحق به، للحديث، وقال أبو حنيفة وصاحباه: إن البائع فيه أسوة الغرماء، أما إذا لم يقبضه فالمسألة عندنا أيضًا كالمسألة فيما بعد القبض عنده، أما البخاري فالحديث عنده عام في الأمانات والمعاوضات سواء، وأجاب عنه الطحاوي بحمل حديثهم على العواري والأمانات والغصوب، وأما غير تلك الصور؛ كالمعاوضات والديون فلم يرد الحديث فيه، وإنما ورد في ما وجد ماله بعينه، والمبيع ليس من ماله، بل هو من مال\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٥/ ٤٤٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٥/ ٦٣).\n(^٣) \"المتواري\" (ص ٢٧٥).\n(^٤) \"فيض الباري\" (٣/ ٥٧٧، ٣٧٨).","vol":"4","page":26},{"text":"المشتري؛ لأن تبدل الملك يوجب تبدل العين، فوجب أن يحمل على العواري والودائع مما يصدق فيه على الشيء أنه من ماله. . .، إلى آخر ما بسط في المسألة، ثم قال: قوله: \"وقال الحسن. . .\" إلخ، ولا يجري هذا إلا على مذهب الصاحبين، فإن للتفليس أحكامًا عندهما، وأما عند الإمام الأعظم فلا حكم له، وراجع المسألة في \"كتاب الحجر\"، انتهى.\n\n(١٥ -<span data-type='title' id=toc-1728> باب من أخَّر الغريم إلى الغد أو نحوه)</span>\nقال القسطلاني (^١): \"من أخَّر\" أي: من الحكام \"الغريم\" أي: مطالبته بالدين لربه \"إلى الغد أو نحوه\" كيومين أو ثلاثة، ثم قال بعد ذكر الحديث: وموضع الترجمة منه قوله: \"سأغدو عليك\"، وقد سقطت الترجمة وحديثها هذا في رواية النسفي وتبعه أكثر الشرَّاح، انتهى.\nوفي \"الفيض\" (^٢) الغرض منه التنبيه على أن المطل أمر عرفي، فليس التأخير بيوم أو يومين مطلًا، انتهى.\n\n(١٦ -<span data-type='title' id=toc-1729> باب من باع مال المفلس أو المعدم. . .) إلخ</span>\nقال القسطلاني (^٣): المعدم بكسر الدال، أي: الفقير.\nقوله: (فقسمه) أي: ثمن مال المفلس \"بين الغرماء\" بنسبة ديونهم الحالة لا المؤجلة، فلا يدخر منه شيء للمؤجل، ولا يستدام له الحجر، كما لا يحجر به.\nقوله: (أو أعطاه) أي: أعطى الحاكم المعدم ثمن ما باعه يومًا بيوم، انتهى.\nقال الحافظ (^٤): قال ابن بطال (^٥): لا يفهم من الحديث معنى قوله في\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٥/ ٤٤٣).\n(^٢) \"فيض الباري\" (٣/ ٥٧٩).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (٥/ ٤٤٤).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٥/ ٦٦).\n(^٥) (٦/ ٥٢٦).","vol":"4","page":27},{"text":"الترجمة: \"فقسمه بين الغرماء\"؛ لأن الذي دبر لم يكن له مال غير الغلام كما سيأتي في \"الأحكام\" (^١)، وليس فيه أنه كان عليه دين، وإنما باعه لأن من سُنَّته أن لا يتصدق المرء بماله كله ويبقى فقيرًا، ولذا قال: \"خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى\"، انتهى.\nوأجاب ابن المنيِّر (^٢) بأنه لما احتمل أن يكون باعه عليه لما ذكر الشارح، واحتمل أن يكون باعه عليه لكونه مديانًا، ومال المديان إما أن يقسمه الإمام بنفسه، أو يسلمه إلى المديان ليقسمه، فلذا ترجم على التقديرين، مع أن أحد الأمرين يخرج من الآخر؛ لأنه إذا باعه عليه لحق نفسه فلأن يبيعه عليه لحق الغرماء أولى، انتهى.\nوالذي يظهر لي أن في الترجمة لفًا ونشرًا، والتقدير: من باع مال المفلس فقسمه بين الغرماء، ومن باع مال المعدم فأعطاه حتى ينفق على نفسه، و\"أو\" في الموضعين للتنويع، ويخرج أحدهما من الآخر كما قال ابن المنيِّر، وقد ثبت في بعض طرق حديث جابر في قصة المدبر أنه كان عليه دين أخرجه النسائي (^٣) وغيره، انتهى من \"الفتح\" (^٤).\n\n(١٧ -<span data-type='title' id=toc-1730> باب إذا أقرضه إلى أجل مسمى)</span>\nكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٥): أورده لدفع توهم الكراهة فيه لما أن للأجل شبهًا بالمبيع فيلزم الزيادة في أحد الجانبين ولا عوض لها، ثم إن الأجل عندنا في القرض ليس بلازم، حتى جاز للدائن أن يطلب قبل حلوله، غاية ما في الباب أنه يكون بذلك مخلفًا لوعده، انتهى.\nوفي هامشه: ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه لطيف جدًا، وما يظهر لهذا\n_________\n(^١) انظر: \"صحيح البخاري\" (ح ٧١٨٦).\n(^٢) \"المتواري\" (ص ٢٧٦).\n(^٣) \"سنن النسائي\" (٤٦٥٢، ٤٦٥٣)، و\"صحيح البخاري\" (٢١٤١).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٥/ ٦٦).\n(^٥) \"لامع الدراري\" (٦/ ٢٩٥، ٢٩٦).","vol":"4","page":28},{"text":"العبد الضعيف: أن الإمام البخاري أشار بذلك إلى مسألة خلافية وهي لزوم التأجيل في القرض والدين، وفي \"الهداية\" (^١): أن التأجيل في القرض غير لازم عندنا، وإلى ذلك نبَّه الشيخ بقوله: ثم إن الأجل. . . إلخ.\nقال الحافظ: أما القرض إلى أجل فهو مما اختلف فيه، والأكثر على جوازه في كل شيء، ومنعه الشافعي، وأما البيع إلى أجل فجائز اتفاقًا، وكأن البخاري احتج للجواز في القرض بالجواز في البيع مع ما استظهر به من أثر ابن عمر وأثر أبي هريرة رضي الله تعالى عنهما، انتهى.\nوقال القسطلاني (^٢): إذا أقرضه إلى أجل أو أجَّله في البيع هو جائز فيهما عند الجمهور خلافًا للشافعية في القرض، فلو شرط أجلًا لا يجر منفعة للمقرض لغا الشرط دون العقد، نعم يستحب الوفاء باشتراط الأجل، قاله ابن الرفعة، انتهى.\nوقال العيني (^٣): قوله: \"باب إذا أقرضه. . .\" إلخ، هاتان مسألتان جوابهما محذوف، أي: يجوز. . .، إلى آخر ما بسطه.\n\n(١٨ -<span data-type='title' id=toc-1731> باب الشفاعة في وضع الدين)</span>\nقال الحافظ (^٤): أي: في تخفيفه، ذكر فيه حديث جابر في دين أبيه، وفيه حديث في قصة بيع الجمل جمعهما في سياق واحد، والمقصود منه قوله: \"فطلبت إلى أصحاب الدين أن يضعوا بعضًا فأبوا، فاستشفعت بالنبي - ﷺ - عليهم فأبوا\"، انتهى.\n\n(١٩ -<span data-type='title' id=toc-1732> باب ما ينهى عن إضاعة المال)</span>\nأي: صرفه في غير وجهه أو في غير طاعة الله، قاله القسطلاني (^٥).\n_________\n(^١) انظر: \"الهداية\" (٢/ ٦٠).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٥/ ٤٤٥).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٩/ ١٢٥).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٥/ ٦٧).\n(^٥) \"إرشاد الساري\" (٥/ ٤٤٩).","vol":"4","page":29},{"text":"(وقول الله ﵎: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥]) قال الحافظ: كذا للأكثر، ووقع في رواية النسفي \"إن الله\" والأول هو الذي وقع في التلاوة.\nقوله: (و﴿لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٨١]) كذا للأكثر، ولابن شبويه والنسفي: \"لا يحب\" بدل \"لا يصلح\"، قيل: وهو سهو، ووجهه عندي - إن ثبت - أنه لم يقصد التلاوة، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nقوله: (أصلواتك تأمرك أن نترك. . .) إلخ، كتب الشيخ [في \"اللامع\"] (^٢): يعني: بذلك أنهم عدوا الإيفاء في الكيل إضاعة، وقبحوا عليه ذلك، فَعُلِم منه أن الإضاعة منهية عنها مقبحة شرعًا وعرفًا، وإن كان خصوص، هذا الذي زعموه إضاعة غير داخل فيه، فافهم وتفكر، انتهى.\nوفي هامشه: ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه أجود مما حكاه الحافظ عن المفسرين؛ لارتباط الآيات وموافقة الآية بحالهم المعروف من نقص الكيل. . .، إلى آخر ما فيه.\nقوله: (والحجر في ذلك) بالحجر عطفًا على إضاعة المال، أي: والحجر في السفه، والحجر في اللغة المنع، وفي الشرع المنع من التصرفات المالية، والأصل فيه: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ الآية [النساء: ٦]، وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا﴾ الآية [البقرة: ٢٨٢].\nوالحجر نوعان: نوع شرع لمصلحة الغير كالحجر على المفلس للغرماء، والراهن للمرتهن في المرهون وغير ذلك، ونوع نخمرع لمصلحة المحجور عليه وهو ثلاثة: حجر الجنون والصبا والسفه، وكل منها أعم مما بعده.\nقلت: ولا يبعد أن يقال: إن الإمام البخاري مال في مسألة الحجر إلى قول الإمام أبي حنيفة إذ ترجم بالحجر ولم يحكم عليه في الترجمة\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ٦٨).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٦/ ٢٩٧، ٢٩٨).","vol":"4","page":30},{"text":"بشيء، وأورد فيه حديث \"لا خلابة\"، وهو مستدل أبي حنيفة في تلك المسألة.\nقوله: (ومما ينهى عن الخداع) أي: في البيع وهو عطف على سابقه أيضًا، انتهى من \"القسطلاني\" (^١).\n\n(٢٠ -<span data-type='title' id=toc-1733> باب العبد راعٍ في مال سيده)</span>\nذكر فيه حديث ابن عمر وفيه: \"والخادم في مال سيده وهو مسؤول\" كذا في رواية أبي ذر، ولغيره: \"في مال سيده راع وهو مسؤول\". ولفظ الترجمة يأتي في \"النكاح\"، وفيه \"والعبد راع على مال سيده\". وكأن المصنف استنبط قوله: \"ولا يعمل إلا بإذنه\" من قوله: \"وهو مسؤول\" لأن الظاهر أنه يسأل هل جاوز ما أمره به أو وقف عنده، انتهى [من \"الفتح\"] (^٢).\nقلت: فإذًا ينبغي للإمام أيضًا أن لا يعمل ولا يتصرف في أموال الرعية إلا بإذنهم.\nوسكت الحافظ - ﵀ - عن براعة الاختتام واختلط كلامه في هذه الأبواب فارجع إليه.\nوالأوجه عندي: أن البراعة في قوله: \"كلكم مسؤول\" فإن المسؤولية تكون في الآخرة، فافهم، وهذا على تقدير أن يسلم الكتاب الآتي كتابًا مستقلًا، وإلا فالأوجه عندي أنه ليس كتابًا مستقلًا.\n* * *\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٥/ ٤٥٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٥/ ٦٩).","vol":"4","page":31},{"text":"٤٤ -<span data-type='title' id=toc-1734> في الخصومات</span>\nاختلفت نسخ البخاري في ذكر هذه الترجمة، ففي النسخ الهندية بعد البسملة: \"في الخصومات باب ما يذكر في الإشخاص والخصومة بين المسلم واليهودي\"، وفي نسخة \"الفتح\": \"بسم الله الرحمن الرحيم ما يذكر في الإشخاص، والخصومة بين المسلم واليهود\".\nقال الحافظ (^١): كذا للأكثر، ولبعضهم \"واليهودي\" بالإفراد، وزاد أبو ذر أوله \"في الخصومات\" وزاد في أثنائه \"والملازمة\"، والإشخاص بكسر الهمزة: إحضار الغريم من موضع إلى موضع، يقال: شخص بالفتح من بلد إلى بلد، وأشخص غيره، والملازمة مفاعلة من اللزوم، والمراد أن يمنع الغريم غريمه من التصرف حتى يعطيه حقه، انتهى.\nوفي نسخة العيني: \"كتاب الخصومات\"، قال العلَّامة العيني (^٢): وهو جمع خصومة، وهي اسم، قال الجوهري: خاصمه مخاصمة وخصامًا، والاسم الخصومة، والخصم معروف. ثم ذكر اختلاف النسخ كما تقدم في كلام الحافظ - ﵀ -، ونسخة القسطلاني توافق النسخ الهندية، انتهى من هامش \"اللامع\" (^٣).\nوعند هذا العبد الضعيف ليس هذا كتابًا مستقلًا بل هذا داخل فيما سبق لما سيأتي فيه بعض مسائل الحجر.\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-1735> باب ما يذكر في الإشخاص والخصومة. . .) إلخ</span>\nتقدم الكلام عليه آنفًا، وفي \"الفيض\" (^٤): قوله: \"والخصومة بين\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ٧١).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٩/ ١٣٣).\n(^٣) \"اللامع\" (٦/ ٢٩٩).\n(^٤) \"فيض الباري\" (٣/ ٥٨٣).","vol":"4","page":32},{"text":"المسلم واليهودي\" يعني: أن اتحاد الملَّتين ليس بشرط في الدعاوي، وهكذا ينبغي، انتهى.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): قوله: \"فأخذت بيده فأتيت به\" وفيه الترجمة حيث كان إشخاصًا، انتهى.\nوفي هامشه: وبذلك جزم الحافظ، وتعقب عليه العيني كما في هامش \"اللامع\".\nقوله: (فأكون أول من يفيق) قيل: هو مشكل لأن الأحاديث دالة على أن موسى قد توفي وأنه - ﷺ - زاره في قبره. . .، إلى آخر ما بسط في هامش \"اللامع\" (^٢) في تقرير الإشكال والجواب عنه، وكذا بسط الكلام عليه صاحب \"الفيض\" (^٣).\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-1736> باب من ردّ أمر السفيه)</span>\nقال القسطلاني (^٤): السفه ضد الرشد الذي هو صلاح الدين والمال، انتهى.\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٥): يعني أن للإمام أن يرد تصرف أمثال هؤلاء وإن لم يكن سبق منه المنع، انتهى.\nوفي هامشه: قال الحافظ: يعني وفاقًا لابن القاسم، وقصره أصبغ على من ظهر سفهه، وقال غيره من المالكية: لا يرد مطلقًا إلا ما تصرف فيه بعد الحجر، وهو قول الشافعية وغيرهم، انتهى.\nقال العيني (^٦): قال بعضهم: يرد تصرف السفيه مطلقًا، وهو قول ابن القاسم أيضًا، ثم ذكر نحو ما تقدم عن الحافظ، ثم قال: وعند\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٦/ ٢٩٩).\n(^٢) \"اللامع\" (٦/ ٣٠٠، ٣٠٢).\n(^٣) \"فيض الباري\" (٣/ ٥٨٤، ٥٨٥).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (٥/ ٤٥٩).\n(^٥) \"لامع الدراري\" (٦/ ٣٠٣، ٣٠٥).\n(^٦) \"عمدة القاري\" (٩/ ١٤٢).","vol":"4","page":33},{"text":"أبي حنيفة: لا يحجر بسبب سفه ولا يرد تصرفه مطلقًا، وعند أبي يوسف ومحمد: يحجر عليه في تصرفات لا تصح مع الهزل كالبيع والهبة وغيرهما، ولا يحجر عليه في غيرها؛ كالطلاق ونحوه إلى آخر ما ذكر من المذاهب، انتهى.\nوقال الحافظ (^١): وأشار البخاري بما ذكر من أحاديث الباب إلى التفصيل بين من ظهرت منه الإضاعة فيرد تصرفه فيما إذا كان في الشيء الكثير أو المستغرق، وعليه تحمل قصة المدبر، وبين ما إذا كان في الشيء اليسير أو جعل له شرطًا يأمن به من إفساد ماله فلا يرد، وعليه تحمل قصة الذي كان يخدع، انتهى.\n\n(٤ -<span data-type='title' id=toc-1737> باب كلام الخصوم بعضهم في بعضهم)</span>\nأي: فيما لا يوجب حدًا ولا تعزيرًا فلا يكون ذلك من الغيبة المحرمة، انتهى [من \"الفتح\"] (^٢).\nوفي \"الفيض\" (^٣): يعني: إذا عاب أحد الخصمين على الآخر بحضرة القاضي، فهل فيه تعزير؟ انتهى، وهكذا قال العيني (^٤).\n\n(٥ -<span data-type='title' id=toc-1738> باب إخراج أهل المعاصي والخصوم من البيوت بعد المعرفة)</span>\nأي: بأحوالهم، أو بعد معرفتهم بالحكم ويكون ذلك على سبيل التأديب لهم.\nثم قال الحافظ: ذكر المصنف حديث أبي هريرة في إرادة تحريق البيوت على الذين لا يشهدون الصلاة، وغرضه منه أنه إذا أحرقها عليهم بادروا بالخروج منها، فثبتت مشروعية الاقتصار على إخراج أهل المعصية\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ٧١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٥/ ٧٣).\n(^٣) \"فيض الباري\" (٣/ ٥٨٨).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (٩/ ١٤٤).","vol":"4","page":34},{"text":"من باب الأولى، ومحل إخراج الخصوم إذا وقع منهم من المراء واللدد ما يقتضي ذلك، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(٦ -<span data-type='title' id=toc-1739> باب دعوى الوصي للميت)</span>\nأي: عن الميت في الاستلحاق وغيره من الحقوق، قال ابن المنيِّر ما ملخصه: دعوى الوصي عن الموصى عليه لا نزاع فيه، وكأن المصنف أراد بيان مستند الإجماع، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\n\n(٧ -<span data-type='title' id=toc-1740> باب التوثق ممن يخشى مَعَرّته)</span>\nقال الحافظ (^٣): بفتح الميم والمهملة وتشديد الراء، أي: فساده وعبثه.\nقال العيني (^٤): والتوثق الإحكام، وقالوا: عقد وثيق، أي: محكم، وأوثقه ووثقه بالتشديد، أي: أحكمه، وشده بالوثاق، أي: بالقيد، انتهى مختصرًا.\nقوله: (وقيد ابن عباس. . .) إلخ، وصله ابن سعد في \"الطبقات\" (^٥) وأبو نعيم في \"الحلية\" (^٦) عن عكرمة بلفظ: \"كان ابن عباس يجعل في رجلي الكبل\" فذكره، والكبل بفتح الكاف وسكون الموحدة هو القيد، انتهى من \"الفتح\" (^٧).\n\n(٨ -<span data-type='title' id=toc-1741> باب الربط والحبس في الحرم)</span>\nكأنه أشار بذلك إلى ردِّ ما ذُكر عن طاوس فعند ابن أبي شيبة عنه أنه \"كان يكره السجن بمكة، ويقول: لا ينبغي لبيت عذاب أن يكون في بيت\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ٧٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٥/ ٧٥).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٥/ ٧٥).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (٩/ ١٥٠).\n(^٥) (٥/ ٢٨٧)، ترجمة عكرمة.\n(^٦) (٣/ ٣٢٦)، وانظر أيضًا: \"التغليق\" (٣/ ٣٢٦).\n(^٧) \"فتح الباري\" (٥/ ٧٥).","vol":"4","page":35},{"text":"رحمة\"، فأراد البخاري معارضته بأثر عمر وابن الزبير، وصفوان ونافع وهم من الصحابة، وقوّى ذلك بقصة ثمامة وقد ربط في مسجد المدينة وهي أيضًا حرم فلم يمنع ذلك من الربط فيه، انتهى.\nفائدة: قال ابن الهمام (^١): لم يكن في عهده - ﷺ - وأبي بكر - ﵁ - سجن، إنما كان يحبس في المسجد أو الدهليز حتى اشترى عمر - ﵁ - دارًا بمكة بأربعة آلاف درهم واتخذه محبسًا، وقيل: بل لم يكن في عهد عمر ولا عثمان - ﵄ - أيضًا إلى زمن علي فبناه، [وهو] أول سجن بني في الإسلام.\nقال في \"الفائق\" (^٢): إن عليًّا - ﵁ - بنى سجنًا من قصب فسماه نافعًا (^٣)، فنقبه اللصوص، وتسيب الناس منه، ثم بنى سجنًا من مدر فسماه مخيسًا، والمخيس: موضع التخييس، وهو التذليل، انتهى، كذا في هامش \"اللامع\" (^٤).\n\n(٩ -<span data-type='title' id=toc-1742> باب في الملازمة)</span>\nذكر فيه حديث كعب بن مالك أنه كان له على عبد الله بن أبي حدرد دين، وقد تقدم الكلام عليه في أبواب المساجد في<span data-type='title' id=toc-1743> باب التقاضي </span>والملازمة في المسجد.\n\n(١٠ - باب التقاضي)\nأي: المطالبة بالدين، ولا يشكل عليك التكرار بما تقدم في أبواب المساجد من باب التقاضي والملازمة، كما تقدم هناك، ثم البراعة عندي وكذا عند الحافظ في قوله: \"فدعني حتى أموت\".\n_________\n(^١) \"فتح القدير\" (٧/ ٢٧٧، ٢٧٨).\n(^٢) \"الفائق في غريب الحديث\" (١/ ٣٥٠).\n(^٣) وفي \"الفائق\" (١/ ٣٥٠): \"مانعًا\"، وهو تحريف.\n(^٤) \"اللامع\" (٦/ ٣٠٨، ٣٠٩).","vol":"4","page":36},{"text":"٤٥ -<span data-type='title' id=toc-1744> كتاب اللقطة</span>\nقال الحافظ (^١): اللقطة: الشيء الذي يلتقط، وهو بضم اللام وفتح القاف على المشهور عند أهل اللغة والمحدثين، وقال عياض (^٢): لا يجوز غيره، وقال الزمخشري في \"الفائق\" (^٣): اللُّقطة بفتح القاف، والعامة تسكنها، كذا قال، وقد جزم الخليل بأنها بالسكون، قال: وأما بالفتح فهو اللاقط، قال الأزهري: هذا الذي قاله هو القياس، ولكن الذي سمع من العرب وأجمع عليه أهل اللغة والحديث الفتح، انتهى.\nوقال القسطلاني (^٤): هي اللغة الشيء الملقوط، وشرعًا ما وجد من حق ضائع محترم غير محرز ولا ممتنع بقوته ولا يعرف الواجد مستحقه، وفي الالتقاط معنى الأمانة والولاية من حيث إن الملتقط أمين فيما التقطه، والشرع ولّاه حفظه، انتهى.\nثم إنهم اختلفوا في حكم الالتقاط وبوَّب له المصنف فيما سيأتي بـ \"باب هل يأخذ اللقطة\" قال الموفق (^٥): قال إمامنا: الأفضل ترك الالتقاط، وروي معنى ذلك عن ابن عباس وابن عمر وغيرهما، واختار أبو الخطاب إذا وجدها بمضيعة، وأمن نفسه عليها، فالأفضل أخذها، وهذا قول الشافعي، وحكي عنه قول آخر: إنه يجب أخذها، لقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١]. وممن رأى أخذها ابن المسيب وأبو حنيفة، وقال مالك: إن كان شيئًا له بال يأخذها أحب إليّ، إلى آخر ما بسط في \"الأوجز\" (^٦)،\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ٧٨).\n(^٢) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٤٥٤).\n(^٣) \"الفائق\" (١/ ٣٣٨).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (٥/ ٤٧٣).\n(^٥) \"المغني\" (٨/ ٢٩١).\n(^٦) \"أوجز المسالك\" (١٤/ ٢١٩).","vol":"4","page":37},{"text":"وفيه عن الدردير (^١): وجب أخذه لخوف خائن، لو تركه مع علمه أمانة نفسه، لا إن علم خيانته فيحرم أخذه.\nوفي \"الدر المختار\" (^٢): ندب رفعها لصاحبها إن أمن على نفسه تعريفها وإلا فالترك أولى، ووجب عند خوف ضياعها، انتهى.\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-1745> باب إذا أخبره رب اللقطة بالعلامة)</span>\nكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٣): وذكر العلامة وإن لم يكن مذكورًا في تلك الرواية، إلا أنه معلوم بملاحظة الرواية الأخرى، انتهى.\nوفي هامشه: قال الحافظ: لم يقع في سياق الحديث ما ترجم به صريحًا فكأنه أشار إلى ما وقع في بعض طرقه من رواية مسلم فإنه روى هذا الحديث مطولًا بطرق متعددة، وفي بعضها قال: \"فإن جاء أحد يخبرك بعددها ووعائها ووكائها فأعطها إياه\"، انتهى مختصرًا.\nقلت: وما أورد أبو داود على هذه الزيادة أنها غير محفوظة رد عليه الحافظان ابن حجر والعيني، ومسألة الباب خلافية شهيرة بسطت في \"الأوجز\" فذهب مالك وأحمد إلى أنها تدفع لمن عرف العفاص والوكاء، وقال أبو حنيفة والشافعي: إن وقع في نفسه صدقه جاز أن تدفع إليه ولا يجبر على ذلك إلا ببينة. . .، إلى آخر ما بسط في \"الأوجز\" (^٤)، انتهى من هامش \"اللامع\" (^٥).\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-1746> باب ضالة الإبل)</span>\nقال الحافظ (^٦): أي هل تلتقط أم لا؟ الضائع والضال في الحيوان كاللقطة في غيره، والجمهور على القول بظاهره في أنها لا تلتقط، وقال\n_________\n(^١) \"الشرح الكبير\" (٤/ ١١٩).\n(^٢) \"الدر المختار\" (٤/ ٤٦٥).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٦/ ٣١١).\n(^٤) \"أوجز المسالك\" (١٤/ ٢١٨، ٢٢٨).\n(^٥) \"اللامع\" (٦/ ٣١١).\n(^٦) \"فتح الباري\" (٥/ ٨٠).","vol":"4","page":38},{"text":"الحنفية: الأولى أن تلتقط، وحمل بعضهم النهي على من التقطها ليتملكها لا ليحفظها فيجوز له، وهو قول الشافعية، وكذا إذا وجدت بقرية فيجوز التملك على الأصح عندهم، والخلاف عند المالكية أيضًا، انتهى.\nوقال العيني (^١): في التقاط الإبل عند المالكية ثلاثة أقوال، وعند الشافعية يجوز للحفظ فقط، انتهى.\nوقال الموفق (^٢): كل حيوان يقوى على الامتناع من صغار السباع وورود الماء لا يجوز التقاطه، ولا التعرض له سواء كان لكبر جثته؛ كالإبل، والخيل، والبقر، أو لطيرانه كالطيور، أو لسرعته كالظباء والصيود، أو بنابه؛ كالكلاب والفهود، وبهذا قال الشافعي، وقال مالك في ضالة الإبل: من وجدها في القرى عرّفها، ومن وجدها في الصحراء لا يقربها، ورواه المزني عن الشافعي، وقال أبو حنيفة: يباح التقاطها، انتهى مختصرًا.\nوأما حديث الباب فقال ابن الهمام (^٣): أجاب عنه في \"المبسوط\" بأن ذلك كان إذ ذاك لغلبة أهل الصلاح والأمانة، لا تصل إليها يد خائنة، فإذا تركها وجدها، وأما في زماننا، فلا يأمن وصول يد خائنة إليها بعده، ففي أخذها إحياؤها وحفظها على صاحبها، فهو أولى. . .، إلى آخر ما بسط في \"الأوجز\" (^٤).\nوفي \"البذل\" (^٥) عن \"البدائع\" (^٦): \"ولنا ما روي أن رجلًا وجد بعيرًا بالحرة (^٧)، فعرّفه، ثم ذكره لسيدنا عمر - ﵁ -، فأمره أن يعرّفه، فقال الرجل لسيدنا عمر: قد شغلني عن ضيعتي، فقال سيدنا عمر: أرسله حيث وجدته\" (^٨).\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٩/ ١٦٣).\n(^٢) \"المغني\" (٨/ ٣٤٣).\n(^٣) انظر: \"فتح القدير\" (٥/ ٢٥٤).\n(^٤) \"أوجز المسالك\" (١٤/ ٢٤٠، ٢٤٢).\n(^٥) \"بذل المجهود\" (٦/ ٥٨٦).\n(^٦) \"بدائع الصنائع\" (٥/ ٢٩٦).\n(^٧) الحرة: الأرض ذات الحجارة السوداء، والمقصود هنا: حرة المدينة. انظر: \"بذل المجهود\" (٦/ ٥٨٦)، و\"القاموس\" (ص ٣٤٩).\n(^٨) انظر: \"مصنف عبد الرزاق\" (ح: ١٨٦٠٨، ١٨٦٠٩).","vol":"4","page":39},{"text":"وأما الحديث فلا حجة له فيه؛ لأن المراد منه أن يكون صاحبه قريبًا منه، ألا ترى أنه قال ﵊: \"حتى يلقاها ربها\"، وإنما يقال ذلك إذا كان قريبًا، أو كان رجاء اللقاء ثابتًا، ونحن به نقول، ولا كلام فيه. . .، إلى آخر ما بسط.\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-1747> باب ضالّة الغنم)</span>\nكأنه أفردها بترجمة ليشير إلى افتراق حكمها عن الإبل، وقد انفرد مالك بتجويز أخذ الشاة وعدم تعريفها متمسكًا بقوله: \"هي لك\"، وأجيب بأن اللام ليست للتمليك، كما أنه قال أو للذئب والذئب لا يملك باتفاق، وقد أجمعوا على أن مالكها لو جاء قبل أن يأكلها الواجد لأخذها منه، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوقال العيني (^٢): وبه تمسك مالك - ﵀ - في أنه يأخذها ويملكها بالأخذ ولو جاء صاحبها؛ لأنه صار حكمه حكم الذئب فلا غرامة، وردّ عليه بأن اللام ليست للتمليك؛ لأن الذئب لا يملك، وإنما يأكلها الملتقط بالضمان. . .، إلى آخر ما في \"الأوجز\" (^٣).\n\n(٤ -<span data-type='title' id=toc-1748> باب إذا لم يوجد صاحب اللقطة بعد سنة فهي لمن وجدها)</span>\nأي: غنيًا كان أو فقيرًا، واستدل بحديث الباب على أن اللاقط يملكها بعد انقضاء مدة التعريف، وهو ظاهر نص الشافعي، انتهى من \"الفتح\" (^٤)، زاد القسطلاني (^٥): وخصها الحنفية بالفقير دون الغني؛ لأن تناول مال الغير بغير إذنه غير جائز بلا ضرورة بإطلاق النصوص، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ٨٣).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٩/ ١٦٣).\n(^٣) \"أوجز المسالك\" (١٤/ ٢٣٣).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٥/ ٨٤).\n(^٥) \"إرشاد الساري\" (٥/ ٤٨١).","vol":"4","page":40},{"text":"قال الموفق (^١): إذا عرّف اللقطة حولًا فلم تعرف، ملكها ملتقطها، وصارت من ماله، غنيًا كان الملتقط أو فقيرًا، وبه قال الشافعي وإسحاق، وقال مالك وأصحاب الرأي والثوري: يتصدق بها، فإذا جاء صاحبها خيّره بين الأجر والغرم، قالوا: وليس له أن يتملكها إلا أن أبا حنيفة قال: له ذلك، إن كان فقيرًا من غير ذوي القربى، إلى آخر ما بسط في \"الأوجز\" (^٢).\nوها هنا مسألة أخرى ذكرها الحافظ ها هنا وترجم عليها البخاري فيما سيأتي من \"باب إذا جاء صاحبها اللقطة بعد سنة. . .\" إلخ، وهي ما قال الحافظ (^٣): واختلف العلماء في ما إذا تصرف في اللقطة بعد تعريفها سنة، ثم جاء صاحبها هل يضمنها أم لا؟ فالجمهور على وجوب الرد إن كانت العين موجودة، أو البدل إن كانت استهلكت، وخالف في ذلك الكرابسي صاحب الشافعي، ووافقه صاحباه البخاري وداود بن علي إمام الظاهرية، لكن وافق داود الجمهور إذا كانت العين قائمة. ومن حجة الجمهور قوله في الرواية الماضية: \"ولتكن وديعة عندك. . .\"، إلى آخر ما بسط في دلائل مسلك الجمهور، ثم قال: وإذا تقرر هذا أمكن حمل قول المصنف في الترجمة: \"فهي لمن وجدها\" أي: في إباحة التصرف فيها حينئذ، وأما أمر ضمانها بعد ذلك فهو ساكت عنه، انتهى.\nقلت: وما أفاده الحافظ - ﵀ - أخيرًا فهو وجهه، فعلى هذا لا تنافي بين هذه الترجمة وبين ما ستأتي من \"باب إذا جاء صاحب اللقطة بعد سنة ردها عليه؛ لأنها وديعة عنده\"، فافهم.\n\n(٥ -<span data-type='title' id=toc-1749> باب إذا وجد خشبة في البحر. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٤): أي: ماذا يصنع به، هل يأخذه أو يتركه؟ وإذا أخذه هل يتملكه أو يكون سبيله سبيل اللقطة؟ وقد اختلف العلماء فيه، انتهى.\n_________\n(^١) \"المغني\" (٨/ ٢٩٩).\n(^٢) \"أوجز المسالك\" (١٤/ ٢٢٨).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٥/ ٨٤، ٨٥).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٥/ ٨٥).","vol":"4","page":41},{"text":"وفي \"الفيض\" (^١): والتعريف في مثل هذه الأشياء اليسيرة يكون بقدر ما يرى، فيعرفها أيامًا معدودة، انتهى.\nقال العلَّامة العيني (^٢): روى ابن عبد الحكم عن مالك: إذا ألقى البحر خشبة فتركها أفضل، ورخصت طائفة في أخذ اللقطة اليسيرة والانتفاع بها وترك تعريفها، وممن روي عنه ذلك عمر وعلي وعائشة، وهو قول عطاء والنخعي وطاوس، وقال عطاء: لا بأس للمسافر إذا وجد السوط والسقاء والنعلين أن ينتفع بها، استدل من يبيح ذلك بحديث الخشبة؛ لأن النبي - ﷺ - أخبر أنه أخذها حطبًا لأهله ولم يأخذها ليعرفها، ولم يقل إنه فعل ما لا ينبغي.\nوفي \"الهداية\": إن كانت اللقطة مما يعلم أن صاحبها لا يتطلبها؛ كالنواة وقشور الرمان فإلقاؤه إباحة أخذه، فيجوز الانتفاع به من غير تعريف، ولكنه يبقى على ملك مالكه؛ لأن التمليك من المجهول لا يصح، إلى آخر ما بسط العيني (^٣).\nوقال الحافظ (^٤): والأصح عند الشافعية أنه لا فرق في اللقطة بين القليل والكثير في التعريف وغيره، وفي وجه لا يجب التعريف أصلًا، وقيك: تعرّف مرة، وقيل: ثلاثة أيام، وهذا كله في قليل له قيمة، أما ما لا قيمة له كالحبة الواحدة فله الاستبداد به على الأصح، ثم ذكر مذهب الحنفية مثل ما تقدم آنفًا عن \"الهداية\" في كلام العيني، وزاد: وعند المالكية كذلك إلا أنه يزول ملك صاحبه عنه، انتهى.\nوقال العيني (^٥): قيل: ليس في الباب ذكر السوط، وأجيب: بأنه استنبطه بطريق الإلحاق، وقيل: كأنه فاته عنه، وقال بعضهم - الحافظ -\n_________\n(^١) \"فيض الباري\" (٣/ ٥٩٧).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٩/ ١٦٦).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٩/ ١٦٦).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٥/ ٨٥، ٨٦).\n(^٥) \"عمدة القاري\" (٩/ ١٦٦).","vol":"4","page":42},{"text":"أشار بالسوط إلى أثر يأتي بعد أبواب في حديث أُبي بن كعب، ثم تعقَّب العيني عليه.\n\n(٦ -<span data-type='title' id=toc-1750> باب إذا وجد تمرة في الطريق)</span>\nقال الحافظ (^١): أي يجوز له أخذها وأكلها وكذا نحوها من المحقرات، وهو المشهور المجزوم به عند الأكثر، انتهى.\nوقال القسطلاني (^٢) تبعًا للحافظ تحت حديث الباب: ظاهره أنه - ﷺ - تركها تورعًا خشية أن تكون من الصدقة، فلو لم يخش ذلك لأكلها، ولم يذكر تعريفًا، فدل على أن مثل ذلك من المحقرات يملك بالأخذ ولا يحتاج إلى تعريف، لكن هل يقال: إنها لقطة رخص في ترك تعريفها أو ليست لقطة؛ لأن اللقطة ما من شأنه أن يتملك دون ما لا قيمة له، انتهى.\n\n(٧ -<span data-type='title' id=toc-1751> باب كيف تعرف لقطة أهل مكة</span>؟)\nكأنه أشار بذلك إلى إثبات لقطة الحرم، فلذلك قصر الترجمة على الكيفية، ولعله أشار إلى ضعف الحديث الوارد في النهي عن لقطة الحاج، أو إلى تأويله بأن المراد النهي عن التقاطها للتملك لا للحفظ، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\nقلت: والحديث الذي أشار إليه الحافظ هو ما أخرجه الإمام أبو داود عن عبد الرحمن بن عثمان التيمي: \"أن رسول الله - ﷺ - نهى عن لقطة الحاج\" (^٤).\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٥): دلالة الرواية عليه من حيث أن تعريف لقطة مكة كتعريف لقطة غيرها، وتخصيص مكة لكونها مظنة مبادرة اللاقط إلى إنفاقها؛ لأن الناس يأتونها من بُعْد، فيبعد احتمال العود، أو لأن الجناية\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ٨٦).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٥/ ٤٨٣).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٥/ ٨٧).\n(^٤) \"سنن أبي داود\" (١٧١٩).\n(^٥) \"لامع الدراري\" (٦/ ٣١٤).","vol":"4","page":43},{"text":"على مال الغير وإن كانت ممنوعة إلا أنها في البلد الحرام أشد، انتهى.\nوقال الحافظ (^١): واستدل بحديثي الباب على أن لقطة مكة لا تلتقط للتمليك بل للتعريف خاصة وهو قول الجمهور، وإنما اختصت بذلك عندهم لإمكان إيصالها إلى ربها؛ لأنها إن كانت للمكي فظاهر، وإن كانت للآفاقي فلا يخلو أفق غالبًا من وارد إليها، فإذا عرَّفها واجدها في كل عام سهل التوصل إلى معرفة صاحبها، قاله ابن بطال (^٢)، وقال أكثر المالكية وبعض الشافعية: هي كغيرها من البلاد، وإنما تختص مكة بالمبالغة في التعريف لأن الحاج يرجع إلى بلده وقد لا يعود فاحتاج الملتقط بها إلى المبالغة في التعريف، انتهى.\nوفي \"البذل\" (^٣): قال في \"البدائع\" (^٤): وكل جواب عرّفه في لقطة الحل فهو الجواب في لقطة الحرم. . .، إلى آخر ما بسط في الدلائل.\nوفي هامشه: قال الموفق (^٥): ظاهر كلام أحمد والخرقي أن لقطة الحل والحرم سواء، وعن أحمد رواية أخرى: لا يجوز لقطة الحرم للتملك، وعن الشافعي كالمذهبين، انتهى.\n\n(٨ -<span data-type='title' id=toc-1752> باب لا تحلب ماشية أحد بغير إذن)</span>\nهكذا أطلق الترجمة على وفق ظاهر الحديث إشارة إلى الرد على من خصصه أو قيّده، انتهى [من \"الفتح\"] (^٦).\nقال القسطلاني (^٧) تبعًا للحافظ بعد ذكر الحديث: وفيه النهي عن أن يأخذ المسلم للمسلم شيئًا بغير إذنه، وإنما خص اللبن بالذكر لتساهل الناس فيه فنبَّه به على ما هو أعلى منه.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ٨٨).\n(^٢) (٦/ ٥٥٧).\n(^٣) \"بذل المجهود\" (٦/ ٦١٤، ٦١٥).\n(^٤) \"بدائع الصنائع\" (٥/ ٢٩٩).\n(^٥) \"المغني\" (٨/ ٣٠٥).\n(^٦) \"فتح الباري\" (٥/ ٨٨، ٨٩).\n(^٧) \"إرشاد الساري\" (٥/ ٤٩٠).","vol":"4","page":44},{"text":"وقال النووي في \"شرح المهذب\" (^١): اختلف العلماء في من مر ببستان أو زرع أو ماشية فقال الجمهور: لا يجوز أن يأخذ منه شيئًا إلا في حال الضرورة فيأخذ ويغرم عند الشافعي والجمهور، منهم الإمام أبو حنيفة ومالك والشافعي وأصحابهم، وقال بعض السلف: لا يلزمه شيء، وقال أحمد: إذا لم يكن على البستان حائط جاز له الأكل من الفاكهة الرطبة في أصح الروايتين ولو لم يحتج إلى ذلك، وفي الرواية الأخرى إذا احتاج ولا ضمان عليه في الحالتين، وعلَّق الشافعي القول بذلك على صحة الحديث، قال البيهقي: يعني: حديث ابن عمر مرفوعًا: \"إذا مر أحدكم بحائط فليأكل ولا يتخذ خبنة\"، أخرجه الترمذي (^٢).\nوذهب كثير من السلف إلى الجواز مطلقًا في الأكل والشرب سواء علم بطيب نفسه أو لم يعلم لرواية أبي داود (^٣) والترمذي وصححه عن سمرة مرفوعًا: \"إذا أتى أحدكم على ماشية فإن لم يكن صاحبها فيها فليصوت ثلاثًا فإن أجاب فليستأذنه فإن أذن له وإلا فليحلب وليشرب ولا يحمل\"، وأجيب عنه بأن حديث النهي أصح فهو أولى بأن يعمل به، وبأنه معارض للقواعد القطعية في تحريم مال المسلم بغير إذنه فلا يلتفت إليه. . .، إلى آخر ما بسط في وجوه الجمع بين الروايات المتعارضة في هذه المسألة.\n\n(٩ -<span data-type='title' id=toc-1753> باب إذا جاء صاحب اللقطة بعد سنة ردها عليه)</span>\nكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٤): أراد بذلك أنه لا فصل بين مدة ومدة، بل تجب القيمة على الملتقط كلما أتى المالك، انتهى.\nقلت: هذه المسألة خلافية تقدم الكلام عليها في \"باب إذا لم يوجد صاحب اللقطة بعد سنة. . .\" إلخ، فارجع إليه، وبسط الكلام عليه أيضًا في\n_________\n(^١) \"شرح المهذب\" (٩/ ٥٤).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (ح: ١٢٨٧).\n(^٣) \"سنن أبي داود\" (ح: ٢٦١٩)، و\"جامع الترمذي\" (ح: ١٢٩٦).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٦/ ٣١٤).","vol":"4","page":45},{"text":"هامش \"اللامع\" (^١)، وأما مسألة مدة التعريف فخلافية، قال الموفق (^٢): قدر التعريف سنة، روي ذلك عن عمر وعلي وابن عباس، وبه قال مالك والشافعي وأصحاب الرأي (الثاقب)، وروي عن عمر رواية أخرى ثلاثة أشهر، وعنه ثلاثة أعوام لرواية أُبيّ، وقال الحسن بن صالح: ما دون عشرة دراهم يعرِّفها ثلاثة أيام، وقال إسحاق: ما دون الدينار يعرّفها جمعة أو نحوها، انتهى من \"الأوجز\" (^٣).\nوفي \"البذل\" (^٤): وللحنفية فيها ثلاث روايات:\nأولاها: ما ذكرها محمد في \"الأصل\" وهو ظاهر الرواية، تقديره بالحول من غير فصل بين قليل وكثير، وهو قول مالك والشافعي وأحمد.\nوثانيتها: ما ذكرها صاحب \"الهداية\" (^٥): فإن كانت أقل من عشرة دراهم عرَّفها أيامًا، وإن كانت عشرة فصاعدًا عرَّفها حولًا، قال العبد الضعيف: هذه رواية عن أبي حنيفة.\nقال في \"العناية\" (^٦): قوله: هذه رواية عن أبي حنيفة، يشير إلى أنها ليست ظاهر الرواية، فإن الطحاوي قال: إذا التقط لقطة يعرِّفها سنة سواء كان شيئًا نفيسًا أو خسيسًا في ظاهر الرواية.\nوثالثتها: ما ذكرها صاحب \"الهداية\" (^٧) أيضًا: قيل: الصحيح أن شيئًا من هذه المقادير ليس بلازم، ويفوض إلى رأي الملتقط يعرّفها إلى أن يغلب على ظنه أن صاحبها لا يطلبها بعد ذلك، ثم يتصدق بها وهو الذي اختاره السرخسي في \"مبسوطه\" (^٨).\n_________\n(^١) \"اللامع\" (٦/ ٣١٤، ٣١٦).\n(^٢) \"المغني\" (٨/ ٣٩٣).\n(^٣) \"أوجز المسالك\" (١٤/ ٢٢٤).\n(^٤) \"بذل المجهود\" (٦/ ٥٧٥، ٥٧٦).\n(^٥) \"الهداية\" (٢/ ٤١٧).\n(^٦) انظر: \"العناية\" مع \"فتح القدير\" (٦/ ١١٢، ١١٣).\n(^٧) \"الهداية\" (٢/ ٤١٧).\n(^٨) \"المبسوط\" للسرخسي (١١/ ٣).","vol":"4","page":46},{"text":"قال الشامي في حاشيته على \"الدر\" (^١): وصححه في \"الهداية\"، وفي \"المضمرات\" و\"الجوهرة\": وعليه الفتوى، وهو خلاف ظاهر الرواية من التقدير بالحول في القليل والكثير \"بحر\". قلت: والمتون على قول السرخسي. . .، إلى آخر ما بسط شيخنا في \"البذل\".\n\n(١٠ -<span data-type='title' id=toc-1754> باب هل يأخذ اللقطة ولا يدعها. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٢): كذا للأكثر، وسقطت \"لا\" بعد حتى عند ابن شبويه، وأظن الواو سقطت من قبل حتى، والمعنى لا يدعها فتضيع ولا يدعها حتى يأخذها من لا يستحق. وأشار بهذه الترجمة إلى الرد على من كره اللقطة، ومن حجتهم حديث الجارود مرفوعًا: \"ضالة المسلم حرق النار\" أخرجه النسائي (^٣) بإسناد صحيح، وحمل الجمهور ذلك على من لا يعرفها، وأما ما أخذه من حديث الباب فمن جهة أنه - ﷺ - لم ينكر على أُبي - ﵁ - أخذه الصرة، فدل على أنه جائز شرعًا، انتهى.\nقلت: ولا يبعد أن المصنف أتى بلفظ الاستفهام؛ لأن حديث أبي ليس بنص في الأخذ بل لبيان الحكم بعد الأخذ، أو يقال: إنه أشار بلفظ هل إلى رواية النسائي فإنها نص في المنع، وحديث الباب فعل لا عموم له، وتقدم الكلام على مسألة الباب في أول \"كتاب اللقطة\".\n\n(١١ -<span data-type='title' id=toc-1755> باب من عرّف اللقطة ولم يدفعها إلى السلطان)</span>\nكأنه أشار بالترجمة إلى رد قول الأوزاعي في التفرقة بين القليل والكثير فقال: إن كان قليلًا عرَّفه وإن كان مالًا كثيرًا رفعه إلى بيت المال، والجمهور على خلافه، نعم فرَّق بعضهم بين اللقطة والضوال، وبعض المالكية والشافعية بين المؤتمن وغيره، فقال: يعرف المؤتمن، وأما غير\n_________\n(^١) \"رد المحتار\" (٦/ ٤٣٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٥/ ٩٢).\n(^٣) \"السنن الكبرى\" للنسائي (رقم ٥٧٩٢، ٥٧٩٣).","vol":"4","page":47},{"text":"المؤتمن فيدفعها إلى السلطان ليعطيها المؤتمن ليعرفها، انتهى مختصرًا من \"الفتح\" (^١).\n\n(١٢ -<span data-type='title' id=toc-1756> باب)</span>\nبغير ترجمة، قال الحافظ: كذا بغير ترجمة، وسقط من رواية أبي ذر، فهو إما من الباب أو كالفصل منه، فيحتاج إلى مناسبة بينهما على الحالين، فإنه ساق فيه طرفًا من حديث البراء في قصة الهجرة، والغرض منه شرب النبي - ﷺ - وأبي بكر من لبن الشاة، وليس في ذلك مناسبة ظاهرة لحديث اللقطة، لكن قال ابن المنيِّر (^٢): مناسبة هذا الحديث لأبواب اللقطة الإشارة إلى أن المبيح للبن هنا أنه في حكم الضائع إذ ليس مع الغنم في الصحراء سوى راع واحد فالفاضل عن شربه مستهلك، فهو كالسوط الذي اغتفر التقاطه، وأعلى أحواله أن يكون كالشاة الملتقطة في الضيعة وقد قال فيها: \"هي لك أو لأخيك أو للذئب\"، انتهى.\nولا يخفى ما فيه من التكلف، ومع ذلك فلم تظهر مناسبته للترجمة بخصوصها، انتهى.\nواختار العيني والقسطلاني ما حكى الحافظ عن ابن المنيِّر.\nوالأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن من عادة الإمام البخاري المعروفة ذكر الأضداد في الكتب، وهو الأصل التاسع والستون من أصول التراجم، فنبَّه الإمام البخاري بذكر هذا الحديث ها هنا أن المال الذي عرف مالكه ليس بداخل في اللقطة، وذكره في باب بلا ترجمة؛ لأن الباب بلا ترجمة يكون لوجوه مختلفة، تقدم في المقدمة، منها الأصل الخامس والعشرون: أنه قد يحذف الترجمة تشحيذًا للأذهان، فينبغي أن يترجم هذا الباب بما قلته: إن المال الذي عرف مالكه ليس بلقطة، ويمكن إدخاله في\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ٩٣).\n(^٢) \"المتواري\" (ص ٢٨٠).","vol":"4","page":48},{"text":"الأصل السابع والخمسين أيضًا باعتبار أنه لا تعلق له بالترجمة السابقة، بل هو رجوع إلى الأصل، وهو أبواب اللقطة باعتبار الضد؛ كذكر أبواب الكفر في \"كتاب الإيمان\"، انتهى من هامش \"اللامع\" (^١).\nثم البراعة عند الحافظ في قوله: \"فشرب حتى رضيت\"، وعندي في قوله: \"ينفض ضرعها من الغبار\" فإن الناس بعد دفن الميت وإهالة التراب عليه ينفضون أيديهم من الغبار. والأوجه منه عندي في قوله: \"حتى برد أسفله\" فإن بدء برد الميت عند الموت يكون من الأسفل.\n* * *\n_________\n(^١) \"اللامع\" (٦/ ٣١٩، ٣٢٠).","vol":"4","page":49},{"text":"٤٦ -<span data-type='title' id=toc-1757> أبواب المظالم والقصاص</span>\nهكذا في النسخ الهندية، وفي نسخة الفتح والقسطلاني \"كتاب المظالم في المظالم والغصب\"، وفي نسخة العيني \"كتاب المظالم والغصب\".\nقال الحافظ (^١): وللنسفي \"كتاب الغصب باب في المظالم\"، والمظالم جمع مظلمة مصدر ظلم يظلم، واسم لما أخذ بغير حق، والظلم وضع الشيء في غير موضعه الشرعي، والغصب أخذ حق الغير بغير حق، انتهى.\nقال القسطلاني (^٢): المظالم جمع مظلمة بكسر اللام وفتحها حكاه الجوهري وغيره، والكسر أكثر، والغصب لغةً أخذ الشيء ظلمًا، وقيل: أخذه جهرًا بغلبة، وشرعًا: الاستيلاء على حق الغير عدوانًا، انتهى.\nقال العيني (^٣): القصاص اسم لمعنى المقاصة، وهو مقاصة ولي المقتول القاتل، والمجروح الجارح، وهي مساواته إياه في قتل أو جرح ثم عم في كل مساواة، انتهى.\n\n<span data-type='title' id=toc-1758>(باب في المظالم والغصب)</span>\nأي: في بيان تحريم المظالم وتحريم الغصب، وقد تقدم الكلام على معناه آنفًا، ثم المصنف لم يذكر في هذا الباب حديثًا ولم يتعرض له الشرَّاح، إذ ليس في نسخهم ها هنا لفظ الباب كما تقدم، وأما على النسخة الهندية فيمكن أن يوجه بأن الحديث الآتي في الترجمة الآتية مثبت لكليهما، وقد تقدم في الأصل السابع والعشرين من أصول التراجم أن المصنف تارة\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ٩٥).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٥/ ٤٩٧).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٩/ ١٨٤).","vol":"4","page":50},{"text":"يذكر بابًا مع الترجمة لكن لا يذكر فيه حديثًا، وفيه وجهان: مرة يذكر تحت الترجمة آية أو حديثًا أو قولًا من الصحابة والتابعين، وإلا على الترجمة فالترجمة مثبتة بذلك، واكتفى المصنف بذلك إما لأن حديثًا على شرطه ليس عنده، أو لقصد التمرين، ومرة لا يذكر في الباب شيئًا منها فيحمله الشرَّاح على سهو الناسخين أو سهو المصنف وغير ذلك، والتحقيق عندنا أن المؤلف لا يفعل ذلك إلا في موضع يكون دليل الترجمة مذكورًا قبلها في الباب السابق أو بعدها، إلى آخر ما تقدم.\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-1759> باب قصاص المظالم)</span>\nقال الحافظ (^١): يعني: يوم القيامة، ذكر فيه حديث أبي سعيد الخدري، وقد ترجم عليه في \"كتاب الرقاق\": \"باب القصاص يوم القيامة\" (^٢)، ويأتي الكلام عليه هناك، انتهى.\nقلت: ولعل الإمام البخاري أشار بهذه الترجمة إلى أن المظالم لا تعفى بالتوبة فقط، بل لا بد من القصاص يوم القيامة، إما بإعطاء حسنات الظالم للمظلوم، أو بإعطاء الله تعالى من عنده كما ورد.\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-1760> باب قول الله تعالى: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود:</span> ١٨])\nذكر فيه حديث ابن عمر \"يدني الله المؤمن فيضع عليه كنفه\" الحديث، ووجه دخوله في أبواب الغصب الإشارة إلى أن عموم قوله هنا \"أغفرها لك\" مخصوص بحديث أبي سعيد الماضي في الباب قبله، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ٩٦).\n(^٢) (١١/ ٢٩٥)، باب (٤٨).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٥/ ٩٦، ٩٧).","vol":"4","page":51},{"text":"(٣ -<span data-type='title' id=toc-1761> باب لا يظلم المسلم المسلم ولا يسلمه)</span>\nبضم أوله، يقال: أسلم فلان فلانًا إذا ألقاه إلى الهلكة ولم يحمه من عدوه، وهو عام في كل من أسلم لغيره، لكن غلب في الإلقاء إلى الهلكة.\nثم قال تحت شرح الحديث: قوله: \"ولا يسلمه\" أي: لا يتركه مع من يؤذيه ولا فيما يؤذيه، بل ينصره ويدفع عنه، وهذا أخص من ترك الظلم، وقد يكون ذلك واجبًا وقد يكون مندوبًا بحسب اختلاف الأحوال، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(٤ -<span data-type='title' id=toc-1762> باب أعن أخاك ظالمًا أو مظلومًا)</span>\nقال الحافظ: ترجم بلفظ الإعانة، وأورد الحديث بلفظ النصر، فأشار إلى ما ورد في بعض طرقه، ففي حديث جابر مرفوعًا: \"أعن أخاك ظالمًا أو مظلومًا\" أخرجه ابن عدي، وأبو نعيم في \"المستخرج\".\nقال ابن بطال (^٢): النصر عند العرب الإعانة، وتفسيره لنصر الظالم بمنعه من الظلم من تسمية الشيء بما يؤول إليه، وهو من وجيز البلاغة، وقال البيهقي: معناه أن الظالم مظلوم في نفسه، فيدخل فيه ردع المرء عن ظلمه لنفسه حسًا ومعنى.\nثم قال الحافظ: قيل: إن أول من قال: \"انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا\" جندب بن العنبر، وأراد بذلك ظاهره وهو ما اعتادوه من حمية الجاهلية، لا على ما فسره النبي - ﷺ -، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\nقلت: وعلى هذا يمكن أن يقال: إن غرض الترجمة الإشارة إلى تفسير هذه المقولة المعروفة في الجاهلية بما فسره - ﷺ -، والرد على ما عليه أهل الجاهلية.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ٩٧).\n(^٢) (٦/ ٥٧٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٥/ ٩٨).","vol":"4","page":52},{"text":"(٥ -<span data-type='title' id=toc-1763> باب نصر المظلوم)</span>\nإنما كرر هذا الباب مع أنه تقدم اهتمامًا له أو لإرادة التعميم، أي: وإن لم يكن أخًا له.\nقال الحافظ (^١): هو فرض كفاية، وهو عام في المظلومين، وكذلك في الناصرين بناء على أن فرض الكفاية مخاطب به الجميع وهو الراجح، ويتعين أحيانًا على من له القدرة عليه وحده إذا لم يترتب على إنكاره مفسدة أشد من مفسدة المنكر، فلو علم أو غلب على ظنه أنه لا يفيد سقط الوجوب وبقي أصل الاستحباب بالشرط المذكور، فلو تساوت المفسدتان تخير، انتهى.\nوقال القسطلاني في شرح الحديث (^٢): قوله: \"ونصر المظلوم\" مسلمًا كان أو ذميًّا واجب على الكفاية ويتعين على السلطان، وقد يكون بالقول أو بالفعل، انتهى.\n\n(٦ -<span data-type='title' id=toc-1764> باب الانتصار من الظالم)</span>\nأي: هذا باب في بيان الانتصار، أي: الانتقام، قاله العيني (^٣).\nوقال الحافظ (^٤): أما الآية الأولى فروى الطبري من طريق السدي قوله: ﴿إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ أي: فانتصر بمثل ما ظلم به فليس عليه ملامة، وعن مجاهد ﴿إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ فانتصر فإن له أن يجهر بالسوء، وعنه: نزلت في رجل نزل بقوم فلم يضيفوه فرخص له أن يقول فيهم، وعن ابن عباس: المراد بالجهر من القول الدعاء، فرخص للمظلوم أن يدعو على من ظلمه، وأما الآية الثانية فروى الطبري من طريق السدي أيضًا في قوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٩]، قال: يعني: ممن بغى عليهم من غير أن يعتدوا، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ٩٩).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٥/ ٥٠٥).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٩/ ١٩٢).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٥/ ٩٩).","vol":"4","page":53},{"text":"وكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١) تحت الآية الثانية: قد يستنبط من تلك الآيات إشارة ما إلى ترتيب الخلافة، فقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٧] شأن أبي بكر رضي الله تعالى عنه حيث لم يقترف الفواحش والكبائر في جاهلية ولا إسلام، ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨] شأن عمر - ﵁ - حيث ترك الخلافة شورى بين نفر من الصحابة، ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ﴾ عثمان حيث بغوا عليه وقتلوه ظلمًا، ﴿هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ علي كرم الله وجهه المنتقم من الأعداء، ولما كان البغي على عثمان بغيًا على علي، وانتصار علي انتصار عثمان لكونهما نائبين منيبين، ورضاء كل منهما بفعل الآخر صح إسناد الفعلين إليهما، معًا، والله تعالى أعلم، انتهى.\nوبسط الكلام عليه في هامشه: من كلام صاحب \"الإشاعة في أشراط الساعة\" وذكر فيه أيضًا ما ترجح عند هذا العبد الفقير فارجع إليه لو شئت.\n\n(٧ -<span data-type='title' id=toc-1765> باب عفو المظلوم)</span>\nلم يذكر المصنف في هذه الترجمة وفي الترجمة السابقة حديثًا، وقد تقدم منا الكلام عليه آنفًا في \"باب المظالم والغصب\" من الأصل السابع والعشرين.\n\n(٨ -<span data-type='title' id=toc-1766> باب الظلم ظلمات يوم القيامة)</span>\nالترجمة هي عين الحديث، والظلمات جمع ظلمة وهو خلاف النور، وضم اللام فيه لغة، ويجوز في الظلمات ضم اللام وفتحها وسكونها، قال المهلب: الذي يدل عليه القرآن: أنها ظلمات على البصر حتى لا يهتدي سبيلًا، قال الله تعالى في المؤمنين: ﴿يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ [الحديد: ١٢] وقال في المنافقين: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣] فأثاب الله\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٦/ ٣٢٣، ٣٢٧).","vol":"4","page":54},{"text":"المؤمن بلزوم نور الإيمان لهم، ولذذهم بالنظر إليه، وقوى به أبصارهم، وعاقب الكفار والمنافقين بأن أظلم عليهم ومنعهم لذة النظر إليه، انتهى [من \"العمدة\"] (^١).\n\n(٩ -<span data-type='title' id=toc-1767> باب الاتقاء والحذر من دعوة المظلوم)</span>\nقال العلَّامة القسطلاني (^٢) في شرح الحديث: قوله: \"ليس بينها وبين الله حجاب\" كناية عن الاستجابة وعدم الرد كما صرَّح به في حديث أبي هريرة عند الترمذي مرفوعًا بلفظ: \"ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حين يفطر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم يرفعها الله تعالى فوق الغمام\" الحديث، انتهى.\n\n(١٠ -<span data-type='title' id=toc-1768> باب من كانت له مظلمة عند الرجل. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٣) - ﵀ -: المظلمة بكسر اللام على المشهور، وحكي فتحها وحكي الضم أيضًا، انتهى.\nقال العيني (^٤): قوله: \"مظلمة\" أي: المأخوذ بغير حق، وقوله: \"هل يبين؟ \" أي: هل يحتاج إلى بيان تلك المظلمة حتى يصح التحليل؟ وفيه خلاف، فلذلك لم يذكر جواب \"هل\"، انتهى.\nقال الحافظ (^٥): فيه إشارة إلى الخلاف في صحة الإبراء من المجهول، وإطلاق الحديث يقوي قول من ذهب إلى صحته، وقد ترجم بعد باب \"إذا حلله ولم يبين كم هو\"، وفيه إشارة إلى الإبراء من المجمل أيضًا، انتهى.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٩/ ١٩٤، ١٩٥).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٥/ ٥٠٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٥/ ١٠١).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (٩/ ١٩٦).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٥/ ١٠١).","vol":"4","page":55},{"text":"وفي \"الدر المختار\" (^١): البراءة عن الحقوق المجهولة لا يصح عند الشافعي، ويصح عندنا لعدم إفضائه إلى المنازعة، انتهى.\nوفي \"الهداية\" (^٢): هو يقول: إن في الإبراء معنى التمليك حتى يرتد بالرد، وتمليك المجهول لا يصح، ولنا أن الجهالة في الإسقاط لا تفضي إلى المنازعة، وإن كان في ضمنه التمليك لعدم الحاجة إلى التسليم، فلا تكون مفسدة، انتهى.\n\n(١١ -<span data-type='title' id=toc-1769> باب إذا حلَّله من ظلمه فلا رجوع فيه)</span>\nأي: معلومًا عند من يشترطه أو مجهولًا عند من يجيزه، وهو فيما مضى باتفاق، وأما فيما سيأتي ففيه الخلاف، ومطابقة الحديث للترجمة من جهة أن الخلع عقد لازم فلا يصح الرجوع فيه، ويلتحق به كل عقد لازم كذلك. كذا قال الكرماني (^٣) فوهم، ومورد الحديث والآية إنما هو في حق من يسقط حقها من القسمة، وليس من الخلع في شيء، فمن ثم وقع الإشكال فقال الداودي: ليست الترجمة بمطابقة للحديث، فوجهه ابن المنيِّر (^٤) بأن الترجمة تتناول إسقاط الحق من المظلمة الفائتة والآية مضمونها إسقاط الحق المستقبل حتى لا يكون عدم الوفاء به مظلمة لسكوته، قال ابن المنيِّر: لكن البخاري تلطف في الاستدلال وكأنه يقول: إذا نفذ الإسقاط في الحق المتوقع فلأن ينفذ في الحق المحقق أولى، انتهى من \"الفتح\" (^٥).\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٦) تحت الباب: يعني بذلك ما هو إسقاط محض، فأما إذا حللته مما لم يوجد بعد من القسم وأمثاله فلها الرجوع فيه؛ لأن الإسقاط لم يوجد إلا فيما وجد، فلها أن تمنع ما فوق\n_________\n(^١) \"الدر المختار\" (٢/ ٢١).\n(^٢) \"الهداية\" (٥/ ٨٩ - ٩٠).\n(^٣) \"الكرماني\" (١١/ ٢٢).\n(^٤) \"المتواري\" (ص ٢٨٢).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٥/ ١٠٢).\n(^٦) \"لامع الدراري\" (٦/ ٣٢٨، ٣٢٩).","vol":"4","page":56},{"text":"ذلك؛ لأنه ليس رجوعًا فيما أسقطته بل هو امتناع عن الإسقاط في ما بعد، فلا يعترض بالرواية في إثبات الأحناف للمرأة الرجوع فيما أسقطته من قسمه.\nثم دلالة الرواية على الترجمة - أي: الماضية كما تقدم في أول الباب -، وكذلك في الترجمة الآتية محتاجة إلى فضل، تدبر.\nوحاصل المعنيين: قياس الموجود والماضي على المستقبل والآتي، والاستدلال بحصة الشرب الشائع على الحق المبهم، انتهى.\n\n(١٢ -<span data-type='title' id=toc-1770> باب إذا أذن له أو حلَّله له ولم يبين كم هو</span>؟)\nأي: أذن رجل لرجل آخر في استيفاء حقه. . . إلخ، قاله القسطلاني (^١).\nقال الحافظ (^٢): أورد فيه حديث سهل بن سعد في استئذان الغلام في الشرب، ومطابقته - وقد خفيت على ابن التِّين فأنكرها - من جهة أن الغلام لو أذن في شرب الأشياخ قبله لجاز؛ لأن ذلك هو فائدة استئذانه، فلو أذن لكان قد تبرع بحقه، وهو لا يعلم قدر ما يشربون ولا قدر ما كان هو يشربه، انتهى.\nوقال القسطلاني (^٣): ولم يظهر لي وجه المناسبة بين الترجمة والحديث فالله أعلم، وقد قيل: إنها تؤخذ من معنى الحديث؛ لأنه لو أذن الغلام. . . إلى آخر ما تقدم.\nثم لا يخفى عليك الفرق بين هذه الترجمة وبين ما سبق قبل باب، فإن الأولى في الإبراء عن الحقوق المجهولة بأن لا يعرف نوع الحقوق هل كانت من المال أو العرض أو غيرهما، وهذه الترجمة في الإبراء من الحقوق\n_________\n(^١) إرشاد الساري\" (٥/ ٥١١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٥/ ١٠٣).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (٥/ ٥١٢).","vol":"4","page":57},{"text":"المجملة بأن يكون النوع معلومًا بأن يكون الدراهم مثلًا، لكن لم يعلم مقدارها، فافهم.\n\n(١٣ -<span data-type='title' id=toc-1771> باب إثم من ظلم شيئًا من الأرض)</span>\nكأنه يشير إلى توجيه تصوير غصب الأرض، خلافًا لمن قال: لا يمكن ذلك، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nقوله: (أن سعيد بن زيد. . .) إلخ، قال الحافظ: قد تقدم من رواية ابن إسحاق قصة لسعيد في هذا الحديث وسيأتي في \"بدء الخلق\" (^٢): \"أنه خاصمته أروى في حقٍّ زعمت أنه انتقصه لها إلى مروان، فقال مروان: دعوها وإياها، فترك سعيد ما ادعت\"، وفي رواية لمسلم: \"أن سعيدًا قال: اللَّهم إن كانت كاذبة فأعم بصرها واجعل قبرها في دارها\"، وفي رواية: \"فجاء سعيد إلى مروان فركب معه والناس حتى نظروا إليها وذكروا كلهم أنها عميت، وأنها سقطت في بئرها وماتت\"، انتهى ملخصًا من \"الفتح\" (^٣).\n\n(١٤ -<span data-type='title' id=toc-1772> باب إذا أذن إنسان لآخر شيئًا جاز)</span>\nكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٤): وإنما ذكره ها هنا لما فيه من حق الآخر والآذن، فكان لكل منهما الاقتران بعد إذن صاحبه فيكون التعدي معفوًا بالإذن، انتهى.\nوفي هامشه (^٥): قال الحافظ: أورد المصنف فيه حديثين: أحدهما لابن عمر في النهي عن القران، والمراد به أن لا يقرن تمرة بتمرة عند الأكل لئلَّا يجحف برفقته، فإن أذنوا له في ذلك جاز؛ لأنه حقهم فلهم أن يسقطوه، وهذا يقوّي مذهب من يصحح هبة المجهول، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ١٠٤).\n(^٢) انظر: \"صحيح البخاري\" (ح: ٣١٩٨).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٥/ ١٠٤).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٦/ ٣٣، ٣٣٤).\n(^٥) هامش \"اللامع\" (٦/ ٣٣٣، ٣٣٤)، و\"فتح الباري\" (٥/ ١٠٦).","vol":"4","page":58},{"text":"قال العيني (^١): قال القرطبي: حمل أهل الظاهر هذا النهي على التحريم مطلقًا، وحمله جمهور الفقهاء على حالة المشاركة بدليل مساق الحديث، وصوَّب النووي التفصيل فإن كان مشتركًا بينهم حرم إلا برضاهم وإلا فلا، انتهى.\n\n(١٥ -<span data-type='title' id=toc-1773> باب قول الله تعالى ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة:</span> ٢٠٤])\nكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٢): إنما ذكره ها هنا لأن المظالم والمنازعات تكون منجرة إلى اللدد فينبغي الاحتراز عن الوقوع فيه، انتهى.\nوفي هامشه: أشار الشيخ بذلك إلى دفع ما يرد على الإمام البخاري أن محل هذا الباب كتاب التفسير، قال الكرماني (^٣): الألد شديد الجدل والإضافة بمعنى في، أو جعل الخصام ألد على المبالغة، وقيل: الخصام جمع الخصم، انتهى.\n\n(١٦ -<span data-type='title' id=toc-1774> باب إثم من خاصم في باطل)</span>\nأورد فيه حديث أم سلمة وفيه: \"فإنما هي قطعة من النار\"، وهو ظاهر فيما ترجم به، وسيأتي الكلام عليه مستوفي في \"كتاب الأحكام\" إن شاء الله تعالى، انتهى من \"الفتح\" (^٤).\n\n(١٧ -<span data-type='title' id=toc-1775> باب إذا خاصم فجر)</span>\nأي: ذم من إذا خاصم فجر أو إثمه، انتهى من \"الفتح\" (^٥).\nوقال القسطلاني (^٦): قوله: \"فجر\" أي: مال عن الحق، والمراد به هنا الشتم والرمي بالأشياء القبيحة والبهتان، انتهى.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٩/ ٢٠٦).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٦/ ٣٣٥).\n(^٣) \"شرح الكرماني\" (١١/ ٢٦).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٥/ ١٠٧).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٥/ ١٠٧).\n(^٦) \"إرشاد الساري\" (٥/ ٥٢٠).","vol":"4","page":59},{"text":"(١٨ -<span data-type='title' id=toc-1776> باب قصاص المظلوم إذا وجد مال ظالمه. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^١): أي: هل يأخذ منه بقدر الذي له ولو بغير حكم حاكم؟ وهي المسألة المعروفة بمسألة الظفر، وقد جنح المصنف إلى اختياره، ولهذا أورد أثر ابن سيرين على عادته في الترجيح بالآثار، انتهى.\nقلت: هو أصل معروف مطرد من أصول التراجم، وهو الأصل الأربعون، وحاصله يؤخذ مختار البخاري من الآثار التي يودعها في الترجمة.\nثم قال الحافظ: واستدل بحديث عقبة بن عامر ثاني حديثي الباب على مسألة الظفر وبها قال الشافعي، وجزم بجواز الأخذ فيما إذا لم يمكن تحصيل الحق بالقاضي؛ كأن يكون غريمه منكرًا ولا بيِّنة له عند وجود الجنس، فيجوز عنده أخذه إن ظفر به وأخذ غيره بقدره إن لم يجده ويجتهد في التقويم ولا يحيف، فإن أمكن تحصيل الحق بالقاضي فالأصح عند أكثر الشافعية الجواز أيضًا، وعند المالكية الخلاف، وجوَّزه الحنفية في المثلي دون المتقوّم لما يخشى فيه من الحيف، واتفقوا على أن محل الجواز في الأموال لا في العقوبات البدنية لكثرة الغوائل في ذلك، ومحل الجواز في الأموال أيضًا ما إذا أمن الغائلة كنسبته إلى السرقة ونحو ذلك، انتهى.\nوقال القسطلاني (^٢): قال أبو حنيفة: يأخذ من الذهب الذهب، ومن الفضة الفضة، ومن المكيل المكيل، ومن الموزون الموزون ولا يأخذ غير ذلك، والمفتى به عند المالكية أن يأخذ بقدر حقه إن أمن فتنة أو نسبة إلى رذيلة.\nوأما مذهب أحمد فقال الخرقي: من كان له على أحد حق فمنعه منه وقدر له على مال لم يأخذ منه مقدار حقه لقوله - ﷺ -: \"أدّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك\"، انتهى [من هامش \"اللامع\"] (^٣).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ١٠٨، ١٠٩).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٥/ ٥٢٣).\n(^٣) \"هامش اللامع\" (٦/ ٣٣٦).","vol":"4","page":60},{"text":"وفي \"الدر المختار\" (^١): ليس لذي الحق أن يأخذ غير جنس حقه، وجوَّزه الشافعي، قال ابن عابدين (^٢): عدم الجواز كان في زمانهم، أما اليوم فالفتوى على الجواز، انتهى.\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٣) تحت الباب: وهو عندنا مخصوص بما إذا وجد من جنس ماله، وعمم صاحباه الحكم في النقدين، فمن كان له على آخر دراهم، فله أن يأخذ الدنانير وبالعكس، وأفتى المتأخرون على مذهب الأئمة الآخرين لفساد القضاة، فله أن يأخذ متى ظفر بحقه ولو من غير جنسه، وظاهر الآية والرواية معهم حيث لم يقيّد بشيء دون شيء، انتهى.\n\n(١٩ -<span data-type='title' id=toc-1777> باب ما جاء في السقائف)</span>\nجمع سقيفة وهي المكان المظلل كالساباط أو الحانوت بجانب الدار، وكأنه أشار إلى أن الجلوس في الأمكنة العامة جائز، وأن اتخاذ صاحب الدار ساباطًا أو مستظلًا جائز إذا لم يضر المارة، انتهى من \"الفتح\" (^٤).\nوقال القسطلاني (^٥): ومراد المؤلف التنبيه على جواز اتخاذها وهي أن صاحب جانبي الطريق يجوز له أن يبني سقفًا على الطريق تمر المارة تحته، ولا يقال: إنه تصرف في هواء الطريق وهو تابع لها يستحقه المسلمون؛ لأن الحديث دال على جواز اتخاذها، ولولا ذلك لما أقرها النبي - ﷺ - ولا جلس تحتها، انتهى.\nوفي \"الفيض\" (^٦): قوله: \"سقيفة\" (جوبال) ولا حاجة فيها إلى الإجازة، لكونها أعدت لمصالح العامة عرفًا، انتهى.\n_________\n(^١) \"الدر المختار\" (٥/ ٧٤٤).\n(^٢) \"رد المحتار\" (٩/ ٦٠٦).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٦/ ٣٣٦، ٣٣٧).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٥/ ١٠٩).\n(^٥) \"إرشاد الساري\" (٥/ ٥٢٤).\n(^٦) \"فيض الباري\" (٣/ ٦١٣).","vol":"4","page":61},{"text":"(٢٠ -<span data-type='title' id=toc-1778> باب لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة في جداره)</span>\nقال الحافظ (^١): كذا لأبي ذر بالتنوين على إفراد الخشبة، ولغيره بصيغة الجمع وهو الذي في حديث الباب، قال ابن عبد البر: روي اللفظان في \"الموطأ\" والمعنى واحد لأن المراد بالواحد الجنس، انتهى.\nواستدل بحديث الباب على أن الجدار إذا كان لواحد وله جار فأراد أن يضع جذعه عليه جاز سواء أذن المالك أم لا، فإن امتنع أجبر، وبه قال أحمد وإسحاق وغيرهما من أهل الحديث وابن حبيب من المالكية والشافعي في القديم، وعنه في الجديد قولان: أشهرهما اشتراط إذن المالك فإن امتنع لم يجبر وهو قول الحنفية، وحملوا الأمر في الحديث على الندب والنهي على التنزيه جمعًا بينه وبين الأحاديث الدالة على تحريم مال المسلم إلا برضاه، وجزم الترمذي عن الشافعي بالقول القديم وهو نصه في البويطي، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\n\n(٢١ -<span data-type='title' id=toc-1779> باب صب الخمر في الطريق)</span>\nكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٣): يعني بذلك: أن الطريق مشترك للعامة فجاز مثل هذه التصرفات فيه، لكونه من جملتهم غير أن جوازه مشروط بما لم يكن مضرًا بالمارة؛ لأن ضرر الخاص محتمل بالضرر العام، فلو كان الطريق ضيّقًا أو صلبًا بحيث لا ينشف أرضه ما أريق فيه منع من الإراقة فيه لئلا تزلّ فيه الأقدام فتتأذى به الأقوام، انتهى.\nوفي \"هامشه: ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه أجود مما قاله الشرَّاح في غرض الباب، قال الحافظ: باب صب الخمر في الطريق، أي: المشتركة، إذا تعيَّن ذلك طريقًا لإزالة مفسدة تكون أقوى من المفسدة\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ١١٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٥/ ١١٠).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٦/ ٣٤٢ - ٣٤٣).","vol":"4","page":62},{"text":"الحاصلة بصبها، قال المهلب: إنما صبت الخمر في الطريق للإعلان برفضها وليشهر تركها، وذلك أرجح في المصلحة من التأذي بصبها في الطريق، انتهى.\n\n(٢٢ -<span data-type='title' id=toc-1780> باب أفنية الدور والجلوس فيها. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^١): أما الأفنية فهي جمع فناء بكسر الفاء والمد وقد تقصر، وهو المكان المتسع أمام الدار، والترجمة معقودة لجواز تحجيره بالبناء، وعليه جرى العمل في بناء المساطب في أبواب الدور، والجواز مقيَّد بعدم الضرر للجار والمار، والصعدات بضمتين جمع صعد بضمتين أيضًا وقد يفتح أوله، وهو جمع صعيد كطريق وطرقات وزنًا ومعنًا، والمراد به ما يراد من الفناء، انتهى.\n\n(٢٣ -<span data-type='title' id=toc-1781> باب الآبار على الطريق إذا لم يتأذّ بها)</span>\nالآبار بمد وتخفيف والموحدة، ويجوز بغير مد وتسكين الموحدة بعدها همزة، وهو الأصل في هذا الجمع، قاله في \"الفتح\" (^٢).\nوقال القسطلاني (^٣): أي: حكم الآبار التي حفرت على الطرق، والآبار جمع بئر وهو بهمزة مفتوحة وموحدة ساكنة ثم همزة مفتوحة، قال في \"الصحاح\": ومن العرب من يقلب الهمزة فيقول: آبار بمد الهمزة وفتح الموحدة، وبه ضبط في البخاري، انتهى.\nوقال بعد ذكر الحديث: وفيه جواز حفر الآبار في الصحراء لانتفاع عطشان وغيره بها.\nفإن قلت: كيف ساغ مع مظنة الاستضرار بها بساقط بليل أو وقوع بهيمة أو نحوها فيها؟ أجيب: بأنه لما كانت المنفعة أكثر ومتحققة\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ١١٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٥/ ١١٤).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (٥/ ٥٣٠، ٥٣١).","vol":"4","page":63},{"text":"والاستضرار نادرًا ومظنونًا غلب الانتفاع وسقط الضمان فكانت جبارًا فلو تحققت المضرة لم يجز وضمن الحافر، انتهى.\nوفي \"الفيض\" (^١): والمراد من الطريق أرض ليس لها مالك، وكانت مباحة الأصل، انتهى.\n\n(٢٤ -<span data-type='title' id=toc-1782> باب إماطة الأذى. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٢): أي إزالته، وزاد القسطلاني (^٣): عن المسلمين، معنى كون الإماطة صدقة أنه تسبب إلى سلامة من يمر به من الأذى فكأنه تصدق عليه بذلك فحصل له أجر الصدقة، وقد جعل - ﷺ - الإمساك عن الشر صدقة على النفس، انتهى.\nوسيأتي بقية الكلام عليه في \"باب من أخذ الغصن. . .\" إلخ، قريبًا.\n\n(٢٥ -<span data-type='title' id=toc-1783> باب الغرفة والعلية المشرفة)</span>\n\" الغرفة\" بضم المعجمة وسكون الراء، أي: المكان المرتفع في البيت، \"والعُلِّيِّة\" بضم أوله وتكسر وبتشديد اللام المكسورة وتشديد التحتانية، قوله: \"المشرفة\" بالمعجمة والفاء وتخفيف الراء، انتهى من \"الفتح\" (^٤).\nكتب الشيخ - ﵀ - في \"اللامع\" (^٥): إن حمل الغرفة على الباب الصغير، والعلية على المكان الذي فيه الغرفة لسلم عن التكرار، والمقصود بذلك بيان جوازه ودفع ما يتوهم من كراهته لما فيه من الاطلاع على عورات الجوار وأحوالهم، غير أن الجواز مشروط بما إذا لم يضر الجار والمارة، انتهى.\n_________\n(^١) \"فيض الباري\" (٣/ ٦١٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٥/ ١١٤).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (٥/ ٥٣١).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٥/ ١١٦).\n(^٥) \"لامع الدراري\" (٦/ ٣٤٣، ٣٤٤).","vol":"4","page":64},{"text":"وفي هامشه: قال القسطلاني عن الكرماني: العلية مثل الغرفة، وقال الجوهري: الغرفة والعلية هو من العطف التفسيري، انتهى.\nقال العيني: المشرفة من الإشراف على الشيء وهو الإطلاع عليه، فيفهم من كلامه أنها على أربعة أقسام: الأول: علية مشرفة على مكان على سطح، الثاني: مشرفة على مكان على غير سطح، الثالث: غير مشرفة على مكان على سطح، الرابع: غير مشرفة على مكان على غير سطح، قال ابن بطال: الغرفة على السطوح مباحة ما لم يطلع منها على حرمة أحد.\nقال العيني: الذي ذكره هي العلية على السطح غير المشرفة، فيفهم منه أنها إذا كانت مشرفة على مكان فهي غير مباحة، وكذلك إذا كانت على غير سطح وكانت مشرفة، ولم أر أحدًا من شرَّاح البخاري حقق هذا الموضع، انتهى.\nوفي \"الدر المختار\": لا يمنع الشخص من التصرف في ملكه إلا إذا كان الضرر بجاره ضررًا بيِّنًا فيمنع من ذلك حتى يمنع الجار من فتح الطاق، وهذا جواب المشايخ استحسانًا، وجواب ظاهر الرواية عدم المنع مطلقًا، ورجحه في \"الفتح\"، إلى آخر ما في هامش \"اللامع\".\n\n(٢٦ -<span data-type='title' id=toc-1784> باب من عقل بعيره على البلاط، أو باب المسجد)</span>\nقال الحافظ (^١): \"البلاط\" بفتح الموحدة وهي حجارة مفروشة كانت عند باب المسجد، وقوله: \"أو باب المسجد\" هو بالاستنباط من ذلك، وأشار به إلى ما ورد في بعض طرقه، وأورد فيه طرفًا من حديث جابر في قصة جمله، وغرضه هنا قوله: \"فعقلت الجمل في ناحية البلاط\" فإنه يستفاد منه جواز ذلك إذا لم يحصل به ضرر، انتهى.\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): ودلالة الرواية عليه من حيث أن المراد\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ١١٧).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٦/ ٣٥٠).","vol":"4","page":65},{"text":"بناحية البلاط هي الطرف الداخل في البلاط، وإن أريد بها الخارج منه فدلالتها عليها من حيث إنه لما عقل على طرفه المتصل بها كان البعير على سعة من الدخول على البلاط، ولعله جلس عليه أو وقف، انتهى.\nوتعرض لهذا الإشكال والجواب وعنه العلَّامة العيني (^١) وما أفاده الشيخ أوضح منه وأبسط.\nوفي \"الفيض\" (^٢): البلاط كانت حجارة مفروشة من المسجد إلى السوق تسمى بالبلاط، وكان العقل فيه انتفاعًا بأرض غير مملوكة، انتهى.\n\n(٢٧ -<span data-type='title' id=toc-1785> باب الوقوف والبول عند سباطة قوم)</span>\nقال الحافظ (^٣): وجاز البول في السباطة وإن كانت لقوم بأعيانهم؛ لأنها أعدت لإلقاء النجاسات والمستقذرات، انتهى.\n\n(٢٨ -<span data-type='title' id=toc-1786> باب من أخذ الغصن وما يؤذي الناس في الطريق فرمى به)</span>\nقال القسطلاني (^٤): أي: ثواب من أخذ الغصن، وفي رواية \"من أخَّر الغصن\" أي: الذي يؤذي المارين، انتهى.\nوقال الحافظ (^٥): وينظر في هذه الترجمة وفي التي قبلها بثلاثة أبواب وهي إماطة الأذى، وكأن تلك أعم من هذه لعدم تقييدها بالطريق وإن تساويا في فضل عموم المزال، وفيه: أن قليل الخير يحصل به كثير الأجر، قال ابن المنيِّر: إنما ترجم به لئلا يتخيل أن الرمي بالغصن وغيره مما يؤذي تصرف في ملك الغير بغير إذنه فيمنع، فأراد أن يبين أن ذلك لا يمنع لما فيه من الندب إليه، وقد روى مسلم من حديث أبي برزة قال: \"قلت:\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٩/ ٢٣٢).\n(^٢) \"فيض الباري\" (٣/ ٦١٨).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٥/ ١١٨).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (٥/ ٥٤٣).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٥/ ١١٨).","vol":"4","page":66},{"text":"يا رسول الله - ﷺ - دلني على عمل أنتفع به، قال: اعزل الأذى عن طريق المسلمين\"، انتهى.\nقلت: والأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن الغرض مما تقدم هو ما أفاده الحافظ - ﵀ - من بيان الجواز وأنه ليس تصرفًا في ملك الغير، والغرض من هذا الباب عندي هو بيان الفضل والثواب، وألطف منه أن يقال: إن المقصود من الباب السابق بيان إماطة الأذى الساقطة على الطريق، والمقصود من هذا الباب إزالة الأذى المعلق على الطريق، فقد قال الحافظ (^١): أورد فيه حديث أبي هريرة بلفظ \"غصن شوك\"، وفي حديث أنس عند أحمد \"أن شجرة كانت على طريق الناس تؤذيهم\" الحديث، فتأمل.\n\n(٢٩ -<span data-type='title' id=toc-1787> باب إذا اختلفوا في الطريق الميتاء)</span>\nعلى وزن مفعال من الإتيان لا من الموت، والمعنى أن يكثر فيه الإتيان؛ قاله صاحب \"الفيض\" (^٢).\nوقال الحافظ (^٣): الميتاء بكسر الميم وسكون التحتانية بعدها مثناة ومد، من الإتيان والميم زائدة، قيل: الميتاء أعظم الطريق وهي التي يكثر مرور الناس بها، وقيل: هي الطريق الواسعة، وقيل: وهي العامرة.\nقوله: (وهي الرحبة تكون. . .) إلخ، وهو مصير منه إلى اختصاص هذا الحكم بالصورة التي ذكرها، وقد وافقه الطحاوي على ذلك فقال: لم نجد لهذا الحديث معنى أولى من حمله على الطريق التي يراد ابتداؤها إذا اختلف من يبتدئها في قدرها كبلد يفتحها المسلمون وليس فيها طريق مسلوك، وكموات يعطيه الإمام لمن يحييها إذا أراد أن يجعل فيها طريقًا للمارة ونحو ذلك، وقال غيره: مراد الحديث أن أهل الطريق إذا تراضوا\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ١١٨).\n(^٢) \"فيض الباري\" (٣/ ٦١٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٥/ ١١٨).","vol":"4","page":67},{"text":"على شيء كان لهم ذلك، وإن اختلفوا جعل سبعة أذرع، إلى آخر ما فيه.\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^١): يعني: إذا انهدمت البيوت التي كانت على الطريق، ثم أراد الملاك بناءها، ولم يعلم كم كان الطريق في الأصل يجعل سبعة أذرع، انتهى.\n\n(٣٠ -<span data-type='title' id=toc-1788> باب النهبى بغير إذن صاحبه. . .) إلخ</span>\nأي: صاحب الشيء المنهوب، والنهبى بضم النون فعلى من النهب، وهو أخذ المرء ما ليس له جهارًا، هو غير جائز، ومفهوم الترجمة أنه إذا أذن جاز، ومحله في المنهوب المشاع كالطعام يقدم للقوم فلكل منهم أن يأخذ مما يليه ولا يجذب من غيره إلا برضاه، وكره مالك وجماعة النهب في نثار العرس؛ لأنه إما أن يحمل على أن صاحبه أذن للحاضرين في أخذه فظاهره يقتضي التسوية، والنهب يقتضي خلافها، وإما أن يحمل على أنه علق التمليك على ما يحصل لكل أحد، ففي صحته اختلاف فلذلك كرهه، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\nوقال العلَّامة العيني (^٣): اختلف العلماء في ما ينثر على رؤوس الصبيان وفي الأعراس، فتكون فيه النهبة، فكرهه مالك والشافعي، وأجازه الكوفيون، انتهى.\n\n(٣١ -<span data-type='title' id=toc-1789> باب كسر الصليب وقتل الخنزير)</span>\nوفيه إشارة إلى من قتل خنزيرًا أو كسر صليبًا لا يضمن لأنه فعل مأمورًا به، وقد أخبر ﵊ بأن عيسى ﵊ سيفعله، وهو إذا نزل كان مقررًا لشرع نبينا - ﷺ -، كما سيأتي تقريره، ولا يخفى أن محل جواز كسر الصليب إذا كان مع المحاربين، أو الذمي إذا\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٦/ ٣٥١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٥/ ١٢١).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٩/ ٢٣٧).","vol":"4","page":68},{"text":"جاوز به الحد الذي عوهد عليه، فإذا لم يتجاوز وكسره مسلم كان متعديًا، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوفي \"الفيض\" (^٢) تحت الباب: قلت: لا غرو أن يكون كسره الصليب بعد النزول ككسر النبي - ﷺ - الأصنام في فتح مكة، وكذا يمكن أن يكون وضع الجزية ناظرًا إلى منصب التشريع، أي: ترك النبي - ﷺ - هذا الجزء أنموذجًا له، وفوّضه إليه بأمره ليتولاه هو بنفسه، انتهى.\nقوله: (حكمًا مقسطًا) قال العلَّامة السندي (^٣): فيه تنبيه على أنه لا يأتي فينا على أنه نبي مرسل إلينا وإن كان نبيًا في الواقع بل يأتي فينا على أنه حاكم، وزاد هذا التنبيه وضوحًا وصفه بقوله: \"مقسطًا\" إذ من يجيء نبيًا لا يحتاج إلى أن يوصف بكونه عدلًا، بخلاف من يجيء حاكمًا، فافهم، انتهى.\n\n(٣٢ -<span data-type='title' id=toc-1790> باب هل تكسر الدنان. . .) إلخ</span>\nبكسر الدال جمع دن الحب، وهو الخابية فارسي معرب، \"والزقاق\" بكسر الزاء جمع زق، أي: التي فيها الخمر أيضًا.\nوفي مسألة الباب تفصيل، فإن كانت الأوعية بحيث تراق، وإذا غسلت طهرت وينتفع بها لم يجز إتلافها، وإلا جاز. وقال أبو يوسف وأحمد في رواية: إن كان الدن أو الزق لمسلم لم يضمن، وقال محمد وأحمد في رواية: يضمن لأن الإراقة بغير الكسر ممكنة، وإن كان الدن لذمي فقال الحنفية: يضمن بلا خلاف؛ لأنه مال متقوّم في حقهم، وقال الشافعي وأحمد: لا يضمن؛ لأنه غير متقوّم في حق المسلم فكذا في حق الذمي، وإن كان الدن لحربي فلا يضمن بلا خلاف، وعن مالك: زق الخمر لا يطهره الماء لأن الخمر غاص فيه، انتهى من \"القسطلاني\" (^٤).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ١٢١).\n(^٢) \"فيض الباري\" (٣/ ٦٢٠).\n(^٣) \"حاشية السندي على صحيح البخاري\" (٢/ ٧٣).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (٥/ ٥٤٧، ٥٤٨).","vol":"4","page":69},{"text":"قوله: (فإن كسر صنمًا. . .) إلخ، قال الحافظ (^١): أي هل يضمن أم لا؟ أما الصنم والصليب فمعروفان يتخذان من خشب ومن حديد ومن نحاس وغير ذلك، وأما الطنبور فهو بضم الطاء آلة من آلات الملاهي معروفة وقد تفتح طاؤه، وأما ما لا ينتفع بخشبه فبينه وبين ما تقدم خصوص وعموم.\nوقال الكرماني (^٢): المعنى: أو كسر شيئًا لا يجوز الانتفاع بخشبه قبل الكسر كآلة الملاهي، يعني: فيكون من العام بعد الخاص، قال: ويحتمل أن يكون \"أو\" بمعنى \"حتى\" أي: كسر ما ذكر إلى حد لا ينتفع بخشبه، انتهى.\n[و] في \"الهداية\" (^٣): من كسر لمسلم بربطًا، أو طبلًا، أو دفًا، أو مزمارًا، فهو ضامن، وبيع هذه الأشياء جائز، وهذا عند أبي حنيفة، وقال صاحباه: لا يضمن، ولا يجوز بيعها، وقيل: الاختلاف في الذي يضرب للهو، فأما طبل الغزاة والدف الذي يباح ضربه في العرس يضمن بالإتلاف من غير خلاف، وقيل: الفتوى في الضمان على قولهما، ثم ذكر دلائل الفريقين.\nقوله: (فاتخذت منه نمرقتين. . .) إلخ، يشكل عليه ما سيأتي من حديث عائشة في \"كتاب بدء الخلق\" بلفظ: \"حشوت للنبي - ﷺ - وسادة فيها تماثيل كأنها نمرقة، فجاء فقام بين البابين وجعل يتغير وجهه\" الحديث، وجمع بينهما مولانا محمد حسن المكي فقال: قوله: \"نمرقة\" أي: وسادة كبيرة، وقول عائشة: \"فاتخذت منه نمرقتين\" فالمراد بهما الوسادة الصغيرة التي توطأ بالأرجل وتتقلب من موضع إلى موضع، فإن التماثيل فيها جائزة، وأيضًا التماثيل التي في تلك النمرقتين قد صارت منكسرة منقطعة بالفتك، بخلاف هذه النمرقة الكبيرة فإنها فيها سالمة، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ١٢٢).\n(^٢) \"الكرماني\" (١١/ ٤٤).\n(^٣) \"الهداية\" (٦/ ٥٢٤، ٥٢٥).","vol":"4","page":70},{"text":"قلت: وسيأتي في \"كتاب اللباس\" في \"باب ما وطئ من التصاوير\" حديث عائشة: \"فجعلناه وسادة\".\nوفي هامشه: وفيه دليل لمن قال: إن امتناع الملائكة مخصوص بغير المهانة، كما رجحه ابن الهمام.\nوبسط في الحاشية الكلام عليها، وفيها عن \"موطأ محمد\": وبهذا نأخذ ما كان فيه من تصاوير من بساط يبسط، أو فراش يفترش، أو وسادة فلا بأس بذلك، وإنما يكره من ذلك في الستر وما ينصب نصبًا، وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا، انتهى من هامش \"اللامع\" (^١).\nوسيأتي شيء من الكلام عليه في \"كتاب اللباس\"، إن شاء الله.\n\n(٣٣ -<span data-type='title' id=toc-1791> باب من قتل دون ماله)</span>\nوفي نسخة الشروح \"قاتل\" بدل \"قتل\".\nقال الكرماني (^٢): قوله: \"دون ماله\" أي: عند ماله، وقال القرطبي: \"دون\" في أصلها ظرف مكان بمعنى تحت، ويستعمل للسببية على المجاز، ووجهه أن الذي يقاتل على ماله إنما يجعله خلفه أو تحته، ثم يقاتل عليه، وجواب \"من\" محذوف ولم يذكره اكتفاءً بما في الحديث، قاله العيني (^٣)، وقال أيضًا: قيل: لا مطابقة بين الحديث والترجمة؛ لأن المقاتلة لا تستلزم القتل، والشهادة مرتبة على القتل.\nقلت: قد ذكرت الآن أن تقدير الترجمة: من قاتل دون ماله فقتل، فماذا حكمه؟ فالجواب: إنه شهيد، واقتصر في الحديث على لفظ: قتل لأنه يستلزم المقاتلة، وقيل أيضًا: ما وجه إدخال هذا الحديث في هذه الأبواب؟ وأجيب بأنه يدل أن للإنسان أن يدفع من قصد ماله ظلمًا، وهذا النوع داخل في المظالم؛ لأن فيه دفع الظلم، فافهم، انتهى.\n_________\n(^١) \"هامش اللامع\" (١٠/ ١٩).\n(^٢) \"الكرماني\" (١١/ ٤٧).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٩/ ٢٤٨).","vol":"4","page":71},{"text":"قال الحافظ (^١): وفي رواية لأبي داود والترمذي: \"من أريد ماله بغير حق فقاتل فقتل فهو شهيد\"، وكأن البخاري أشار إلى ذلك في الترجمة لتعبيره بلفظ: \"قاتل\"، انتهى، وستأتي في كلام السندي نكتة في هذا التعبير.\nقال النووي (^٢): فيه جواز قتل من قصد أخذ المال بغير حق، سواء كان المال قليلًا أو كثيرًا وهو قول الجمهور، وشذ من أوجبه، وقال بعض المالكية: لا يجوز إذا طلب المال الخفيف، قال القرطبي (^٣): سبب الخلاف عندنا هل الإذن في ذلك من باب تغيير المنكر فلا يفترق الحال بين القليل والكثير، أو من باب دفع الضرر فيختلف الحال؟ انتهى.\nوقد أجاد في بيان النكتة العلَّامة السندي (^٤) حيث قال: قوله في الحديث: \"من قتل دون ماله. . .\" إلخ؛ كأنه فهم منه أن يقوم لحفظ المال والدفع عنه فيقتل لذلك، وأما الذي يقتل من غير دفع عن المال فلا يقال له: إنه قتل دون ماله، فأشار في الترجمة حيث قال: \"من قاتل إلى هذا\"، والله تعالى أعلم.\n\n(٣٤ -<span data-type='title' id=toc-1792> باب إذا كسر قصعة أو شيئًا لغيره)</span>\nأي: هل يضمن المثل أو القيمة؟ والقصعة بفتح القاف إناء من خشب.\nقوله: (فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين) هي صفية كما رواه أبو داود والنسائي، أو حفصة، رواه الدارقطني وابن ماجه، أو أم سلمة، رواه الطبراني في \"الأوسط\"، وإسناده أصح من إسناد الدارقطني، وهو أصح ما ورد في ذلك، ويحتمل التعدد، قاله القسطلاني (^٥)، والبسط في \"الفتح\" (^٦).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ١٢٤).\n(^٢) \"المنهاج\" (٢١/ ١٦٤).\n(^٣) \"المفهم\" (١/ ٣٥٣).\n(^٤) \"حاشية السندي على صحيح البخاري\" (٢/ ٧٣).\n(^٥) \"إرشاد الساري\" (٥/ ٥٥٢).\n(^٦) \"فتح الباري\" (٥/ ١٢٤، ١٢٦).","vol":"4","page":72},{"text":"واستشكل على الحديث بأنه إنما يحكم في الشيء بمثله إذا كان متشابه الأجزاء كالدراهم ولسائر المثليات، والقصعة إنما هي من المتقومات، والجواب ما حكاه البيهقي: بأن القصعتين كانتا للنبي - ﷺ - في بيت زوجتيه فعاقب الكاسرة بجعل القصعة المكسورة في بيتها وجعل الصحيحة في بيت صاحبتها، ولم يكن ذلك على سبيل الحكم على الخصم، انتهى من \"القسطلاني\" (^١).\nوالبسط في \"الفتح\" (^٢) مع بيان اختلاف الأئمة في الضمان بالمثل، أو القيمة، فارجع إليه لو شئت.\n\n(٣٥ -<span data-type='title' id=toc-1793> باب إذا هدم حائطًا فليبن مثله)</span>\nخلافًا لمن قال: تلزمه القيمة من المالكية وغيرهم، قاله في \"الفتح\" (^٣).\nوقال ابن عابدين - ﵀ - (^٤): لو هدم دار غيره بغير أمره وبغير أمر السلطان حتى ينقطع عن داره ضمن، ولم يأثم بمنزلة جائع في مفازة ومع صاحبه طعام له أخذه كرها، ثم يضمنه ولا إثم عليه، انتهى.\nثم البراعة في قوله: \"وكسروا صومعته، وأنزلوه\" عند الحافظ.\nوالأوجه عندي: في قوله: \"فقالت: اللَّهم لا تمته\".\n* * *\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٥/ ٥٥٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٥/ ١٢٤، ١٢٦).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٥/ ١٢٧).\n(^٤) \"رد المحتار\" (٩/ ٢٨٩).","vol":"4","page":73},{"text":"٤٧ -<span data-type='title' id=toc-1794> كتاب الشركة</span>\nهكذا في نسخة \"الفتح\" والعيني ونسخة الحاشية، وأما في متن النسخ الهندية وكذا في نسخة القسطلاني ففيهما: \"<span data-type='title' id=toc-1795>باب الشركة في الطعام والنهد</span>. . .\" إلخ.\nقال الحافظ (^١): والشركة بفتح المعجمة وكسر الراء، وبكسر أوله وسكون الراء، وقد تحذف الهاء، وقد يفتح أوله مع ذلك فهي أربع لغات.\nوهي لغة: الاختلاط، وشرعًا: ما يحدث بالاختيار بين اثنين فصاعدًا من الاختلاط بتحصيل الربح، وقد تحصل بغير قصد كالإرث.\nوقال العيني (^٢): وهي على نوعين: شركة الملك، وهي أن يملك اثنان عينًا أو إرثًا أو شراء أو هبة أو ملكًا بالاستيلاء، أو اختلط مالهما بغير صنع، فكل هذا شركة ملك وكل واحد منهما أجنبي في قسط صاحبه، والنوع الثاني: شركة العقد، وهي أن يقول أحدهما: شاركتك في كذا، وهي على أربعة أنواع: مفاوضة، وعنان، وتقبل، وشركة وجوه، وبيانها في الفروع، وذكر العلَّامة القسطلاني (^٣) تعريف كل واحد من هذه الأربعة.\n\n(١ - باب الشركة في الطعام والنهد)\nقال الحافظ: قوله: \"الشركة في الطعام والنهد\" أما الطعام فسيأتي القول فيه في باب مفرد، وأما النهد هو بكسر النون وبفتحها إخراج القوم نفقاتهم على قدر عدد الرفقة، يقال: تناهدوا وناهد بعضهم بعضًا، قاله الأزهري، وقال الجوهري نحوه، لكن قال: على قدر نفقة صاحبه، وقال\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ١٢٩).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٩/ ٢٥٧).\n(^٣) انظر: \"إرشاد الساري\" (٥/ ٥٥٦).","vol":"4","page":74},{"text":"عياض (^١) مثل قول الأزهري إلا أنه قيده بالسفر والخلط، ولم يقيده بالعدد، والمعروف أنه خلط الزاد في السفر، وقد أشار إلى ذلك المصنف في الترجمة حيث قال: \"يأكل هذا بعضًا وهذا بعضًا\".\nقوله: (والعروض) بضم أوله جمع عرض بسكون الراء مقابل النقد، وأما بفتحها فجميع أصناف المال، وما عدا النقد يدخل فيه الطعام فهو من الخاص بعد العام، ويدخل فيه الربويات، ولكنه اغتفر في النهد لثبوت الدليل على جوازه، واختلف العلماء في صحة الشركة كما سيأتي.\nقوله: (وكيف قسمة ما يكال ويوزن؟) أي: هل يجوز قسمة مجازفة أو لا بد من الكيل في المكيل والوزن في الموزون؟ وأشار إلى ذلك بقوله: \"مجازفة أو قبضة قبضة\" أي: متساوية.\nقوله: (لما لم ير المسلمون. . .) إلخ، بكسر اللام وتخفيف الميم، وكأنه أشار إلى أحاديث الباب، وقد ورد الترغيب في ذلك، روي عن الحسن أنه قال: \"أخرجوا نهدكم فإنه أعظم للبركة وأحسن لأخلاقكم\"، انتهى كله من \"الفتح\" (^٢).\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): قوله: \"لما لم ير. . .\" إلخ، يعني: بذلك أن الظاهر وإن كان عدم جوازه لما بين أفراد الآكلين من تفاوت غير يسير، فمن مقل في الأكل ومن مكثر فيه، غير أن العرف جار بإهدار هذا التفاوت في الشركاء، انتهى.\nقوله: (وكذلك مجازفة الذهب والفضة) قال الحافظ (^٤): كأنه ألحق النقد بالعرض للجامع بينهما وهو المالية، لكن إنما يتم ذلك في قسمة الذهب مع الفضة، أما قسمة أحدهما خاصة - حيث يقع الاشتراك في الاستحقاق - فلا\n_________\n(^١) انظر: \"مشارق الأنوار\" (٢/ ٣٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٥/ ١٢٩).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٦/ ٣٥٦، ٣٥٧).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٥/ ١٢٩).","vol":"4","page":75},{"text":"يجوز إجماعًا، قاله ابن بطال (^١)، وقال ابن المنيِّر: شرط مالك في منعه أن يكون مصكوكًا والتعامل فيه بالعدد فعلى هذا يجوز بيع ما عداه جزافًا، ومقتضى الأصول منعه، وظاهر كلام البخاري جوازه، ويمكن أن يحتج له بحديث جابر في مال البحرين، والجواب عن ذلك أن قسمة العطاء ليست على حقيقة القسمة؛ لأنه غير مملوك للآخذين قبل التمييز، انتهى.\nوفي \"الفيض\" (^٢): ذهب البخاري إلى جواز قسمة المكيلات والموزونات في النهد مجازفةً، وهذه الترجمة إحدى الترجمتين اللتين حكم عليهما ابن بطال أنهما خلاف الإجماع، وقد مر مني الجواب أنها ليست من باب المعارضات التي تجري فيها المماكسة، أو تدخل تحت الحكم، وإنما هي من باب التسامح والتعامل، وقد جرى به التعامل من لدن عهد النبوة إلى يومنا هذا، انتهى مختصرًا.\nويأتي في \"كتاب الأطعمة\" تبويب المؤلف بالنهد والاجتماع على الطعام.\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-1796> باب ما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما)</span>\nأورد فيه حديث أنس وهو طرف من حديثه الطويل في \"الزكاة\" (^٣)، وتقدم فيه، وقيَّده المصنف في الترجمة بالصدقة لوروده فيها؛ لأن التراجع لا يصح بين الشريكين في الرقاب، انتهى من \"الفتح\" (^٤).\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-1797> باب قسمة الغنم)</span>\nكتب الشيخ نوَّر الله مرقده في \"اللامع\" (^٥): وهذا كما تقدم في إهدار التفاوت؛ إذ لا شك في التفاوت بين أفراد الغنم باعتبار صغر الجثة وكبرها، وكذلك في أفراد البعران، انتهى.\n_________\n(^١) (٧/ ٧).\n(^٢) \"فيض الباري\" (٤/ ٤).\n(^٣) انظر: \"صحيح البخاري\" (ح: ١٤٥٤).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٥/ ١٣٠).\n(^٥) \"لامع الدراري\" (٦/ ٣٦٠).","vol":"4","page":76},{"text":"وإليه يشير كلام الحافظ (^١) إذ قال: \"باب قسمة الغنم\" أي: بالعدد، انتهى.\nوقال العيني (^٢): فيما يستفاد من الحديث: فيه جواز قسم الغنم والبقر والإبل بغير تقويم، وبه قال مالك والكوفيون، إذا كان ذلك على التراضي، وقال الشافعي: لا يجوز قسم شيء من الحيوان بغير تقويم، قال: إنما كان ذلك على طريق القيمة، ألا ترى أنه عدل عشرة من الغنم ببعير، وهذا معنى التقويم، وقال القرطبي: وهذه الغنيمة لم يكن فيها غير الإبل والغنم، ولو كان فيها غير ذلك لقوم جميعًا وقسمه على القيمة، انتهى.\n\n(٤ -<span data-type='title' id=toc-1798> باب القران في التمر بين الشركاء. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٣): كذا في جميع النسخ، ولعل \"حتى\" في قوله: \"حتى يستأذن أصحابه\" كانت \"حين\" فتحرفت، أو سقط من الترجمة شيء إما لفظ النهي من أولها أو \"لا يجوز\" قبل \"حتى\"، انتهى.\nقلت: وتعقب العيني (^٤) على احتمال التحريف وقال: لا يحتاج إلى ظن التحريف، بل فيه حذف، وباب الحذف شائع تقديره: باب حكم القران في التمر، لا ينبغي لأحد منهم أن يقرن حتى يستأذن، انتهى.\nواختار القسطلاني (^٥) حذف المضاف من أول الباب فقال: \"باب ترك القران. . .\" إلخ.\nوقال الحافظ (^٦): قال ابن بطال (^٧): النهي عن القران من حسن الأدب في الأكل عند الجمهور لا على التحريم كما قال أهل الظاهر، انتهى.\nقلت: وقد تقدم الكلام عليه في \"باب إذا أذن إنسان لآخر. . .\" إلخ، من أبواب المظالم.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ١٣١).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٩/ ٢٦٧).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٥/ ١٣١).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (٩/ ٢٧١).\n(^٥) \"إرشاد الساري\" (٥/ ٥٦٥).\n(^٦) \"فتح الباري\" (٥/ ١٣٢).\n(^٧) (٧/ ١٠).","vol":"4","page":77},{"text":"وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^١) تحت الباب: فيه من إهدار التفاوت ما لا يخفى، فمن عاجل في الأكل وآخر مبطوء به فيتفاوت أكلهما، غير أن التفاوت في الإقران والتثنية في الأكل لما كان كثيرًا نهي عنه، انتهى.\n\n(٥ -<span data-type='title' id=toc-1799> باب تقويم الأشياء بين الشركاء. . .) إلخ</span>\nقال ابن بطال (^٢): لا خلاف بين العلماء أن قسمة العروض وسائر الأمتعة بعد التقويم جائز، وإنما اختلفوا في قسمتها بغير تقويم، فأجازه الأكثر إذا كان على سبيل التراضي، ومنعه الشافعي، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\nقلت: وظاهر الترجمة يشعر بأن ميل المصنف إلى قول الشافعي - ﵀ -.\n\n(٦ -<span data-type='title' id=toc-1800> باب هل يقرع في القسمة؟ والاستهام فيه)</span>\nقال القسطلاني (^٤): يقرع بضم أوله وفتح ثالثه وكسره من القرعة، انتهى.\nقال الحافظ (^٥): الاستهام الاقتراع، والمراد به هنا بيان الأنصبة في القسم، والضمير يعود على القسم بدلالة القسمة، انتهى.\nقال القسطلاني (^٦) بعد ذكر الحديث: مطابقته للترجمة غير خفية، وفيه جواز قسمة العقار المتفاوت بالقرعة، قال ابن بطال: والعلماء متفقون على القول بالقرعة إلا الكوفيين فإنهم قالوا: لا معنى لها لأنها تشبه الأزلام التي نهى الله عنها، ويأتي مزيد لما ذكرته في باب الشهادات، انتهى.\nوفي \"الفيض\" (^٧): واعلم أن القرعة ليست بحجة عندنا في موضع\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٦/ ٣٦٢، ٣٦٣).\n(^٢) (٧/ ١١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٥/ ١٣٢).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (٥/ ٥٦٩).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٥/ ١٣٣).\n(^٦) \"إرشاد الساري\" (٥/ ٥٧٠).\n(^٧) \"فيض الباري\" (٤/ ٦).","vol":"4","page":78},{"text":"من المواضع، فهي للتطييب لا للغير، وجعلها الآخرون حجة مع بعض تفصيل عندهم، انتهى.\nقلت: ويشكل ها هنا لفظ الاستهام في الترجمة مع أن المشهور أن الإمام البخاري - ﵀ - قائل بحجية القرعة وترجم لها بمواضع من كتابه، منها \"باب الاستهام في الأذان\"، و\"باب القرعة في المشكلات\"، و\"باب القرعة بين النساء\"، وغير ذلك، وقد تقدم منا في \"باب الاستهام في الأذان\" بأن هذه المواضع كلها من القرعة التي لم ينكرها الحنفية أيضًا، ولم يترجم الإمام البخاري بقرعة قالت الحنفية بنسخها في موضع من كتابه، فهل هذا مصير منه أن القرعة لتطييب القلب لا لإثبات الحكم، كما هو مذهب الأحناف؟ فتأمل، فإتيان المصنف ها هنا بلفظ \"هل\" المشعر بعدم اختياره يؤيد ما قلنا، فافهم.\n\n(٧ -<span data-type='title' id=toc-1801> باب شركة اليتيم وأهل الميراث)</span>\nقال الحافظ (^١): الواو بمعنى مع، قال ابن بطال (^٢): اتفقوا على أنه لا تجوز المشاركة في مال اليتيم إلا إن كان لليتيم في ذلك مصلحة راجحة، انتهى.\nوفي سياق حديث الباب إجمال واختصار كما ذكر في هامش \"اللامع\" (^٣)، والسياق الواضح ما سيأتي في الوصايا في باب قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٢].\n\n(٨ -<span data-type='title' id=toc-1802> باب الشركة في الأرضين وغيرها)</span>\nأراد الإشارة إلى جواز قسمة الأرض والدار، وإلى جوازه ذهب الجمهور صغرت الدار أو كبرت، واستثنى بعضهم التي لا ينتفع بها\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ١٣٣).\n(^٢) (٧/ ١٥).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٦/ ٣٦٤).","vol":"4","page":79},{"text":"لو قسمت فتمتنع قسمتها، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(٩ -<span data-type='title' id=toc-1803> باب إذا اقتسم الشركاء الدور وغيرها. . .) إلخ</span>\nقال ابن المنيِّر: ترجم بلزوم القسمة، وليس في الحديث إلا نفي الشفعة، لكن لكونه يلزم من نفيها نفي الرجوع - إذ لو كان للشريك أن يرجع لعادت مشاعة - فعادت الشفعة، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\nوفي \"الفيض\" (^٣): وفي فقه الحنفية أنه لو ظهر الغبن الفاحش بعد التقسيم، له أن يرجع عنه، وإلا فلا رجوع له، انتهى.\n\n(١٠ -<span data-type='title' id=toc-1804> باب الاشتراك في الذهب والفضة)</span>\nقال ابن بطال (^٤): أجمعوا على أن الشركة الصحية أن يخرج كل واحد مثل ما أخرج صاحبه ثم يخلطا ذلك حتى لا يتميز ثم يتصرفا جميعًا، إلا أن يقيم كل واحد منهما الآخر مقام نفسه، وأجمعوا على أن الشركة بالدراهم والدنانير جائزة، لكن اختلفوا إذا كانت الدنانير من أحدهما والدراهم من الآخر، فمنعه الشافعي ومالك في المشهور عنه والكوفيون إلا الثوري، انتهى.\nوزاد الشافعي أن لا تختلف الصفة أيضًا كالصحاح والمكسرة، وإطلاق البخاري الترجمة يشعر بجنوحه إلى قول الثوري، وقوله: \"وما يكون فيه الصرف\" أي: كالدراهم المغشوشة والتبر وغير ذلك، وقد اختلف العلماء في ذلك فقال الأكثر: يصمح في كل مثلي وهو الأصح عند الشافعية، وقيل: يختص بالنقد المضروب، انتهى من \"الفتح\" (^٥).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ١٣٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٥/ ١٣٤).\n(^٣) \"فيض الباري\" (٤/ ٨).\n(^٤) (٧/ ١٧).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٥/ ١٣٤ - ١٣٥).","vol":"4","page":80},{"text":"(١١ -<span data-type='title' id=toc-1805> باب مشاركة الذمي والمشركين في المزارعة)</span>\nالواو في قوله: \"والمشركين\" عاطفة وليست بمعنى مع، والتقدير مشاركه المسلم للذمي ومشاركة المسلم للمشركين، انتهى [من \"الفتح\"] (^١).\nوقال العيني (^٢): قوله: \"والمشركين\" من باب عطف العام على الخاص، على أن المراد من المشركين هم المستأمنون، فيكونون في معنى أهل الذمة، وأما المشرك الحربي فلا تتصور الشركة بينه وبين المسلم في دار الإسلام، على ما لا يخفى، وحكمها أنها تجوز؛ لأن هذه المشاركة في معنى الإجارة واستيجار أهل الذمة جائز، انتهى.\nقال الحافظ: ذكر المصنف فيه حديث ابن عمر في إعطاء اليهود خيبر، وقد تقدم في \"المزارعة\" (^٣)، وهو ظاهر في الذمي وألحق المشرك به؛ لأنه إذا استأمن صار في معنى الذمي، وأشار المصنف إلى مخالفة من خالف في الجواز كالثوري والليث وأحمد، وبه قال مالك إلا أنه أجازه إذا كان يتصرف بحضرة المسلم، واحتج الجمهور بمعاملة النبي - ﷺ - يهود خيبر، وإذا جاز في المزارعة جاز في غيرها، انتهى من \"الفتح\" (^٤).\nقال العيني (^٥): وعند أصحابنا: مشاركة المسلم معِ أهل الذمة في شركة المفاوضة لا يجوز عند أبي حنيفة ومحمد، خلافًا لأبي يوسف، انتهى.\n\n(١٢ -<span data-type='title' id=toc-1806> باب قسمة الغنم والعدل فيها)</span>\nقال الحافظ (^٦): ذكر فيه حديث عقبة بن عامر، وقد مضى توجيه إيراده في الشركة في أوائل الوكالة، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ١٣٥).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٩/ ٢٨٧).\n(^٣) انظر: \"صحيح البخاري\" (ح: ٢٣٢٨).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٥/ ١٣٥).\n(^٥) \"عمدة القاري\" (٩/ ٢٨٧).\n(^٦) \"فتح الباري\" (٥/ ١٣٥).","vol":"4","page":81},{"text":"وقال في \"كتاب الوكالة\" في \"باب وكالة الشريك الشريك في القسمة\" (^١): شاهد الترجمة منه قوله: \"ضح به أنت\" فإنه علم به أنه كان من جملة من كان له حظ في تلك القسمة فكأنه كان شريكًا لهم وهو الذي تولى القسمة بينهم. وأبدى ابن المنيِّر احتمالًا أن يكون - ﷺ - وهب لكل واحد من المقسوم فيهم ما صار إليه فلا تتجه الشركة، وأجاب بأنه ساق الحديث في الأضاحي من طريق أخرى بلفظ \"أنه قسم بينهم ضحايا\"، قال: فدل على أنه عين تلك الغنم للضحايا فوهب لهم جملتها ثم أمر عقبة بقسمتها، فيصح الاستدلال به لما ترجم له، انتهى.\nقال القسطلاني (^٢): وتبويب البخاري بقوله: \"قسمة الغنم والعدل فيها\" يدل على أنه فهم أن هذه القسمة هي القسمة المعهودة التي يعتبر فيها تسوية الأجزاء، وفيه نظر. . .، إلى آخر ما ذكره، وهكذا قال صاحب \"الفيض\" (^٣) من أنها ليست من شركة الفقه في شيء.\nولا يذهب عليك أن الإمام البخاري ترجم بثلاث تراجم متقاربة: الأولى: \"باب قسمة الغنم\" كما تقدم، والثانية: هذه، والثالثة: ما سيأتي من \"باب من عدل عشرة من الغنم بجزور في القسم\"، ولم يتعرض الشرَّاح للفرق بين هذه الثلاثة، فالفرق بين الثالثة والأوليين واضح، وهو أن الغرض من الثالثة أن تعديل عشر شياه ببعير باعتبار القسمة دون الأضحية، ردًا على من استدل لهذا الحديث على أن الجزور يجزئ في الأضحية عن عشرة، كما قال به إسحاق وغيره. وأما الفرق بين الأوليين فخفي، ولا يبعد أن يقال: إن غرض الأولى أن قسمة الغنم تكون باعتبار العدد لا القيمة، وإليه أشار الشيخ قُدِّس سرُّه بإهدار التفاوت، وبه جزم الحافظ كما تقدم، وغرض الثانية التنبيه على اعتبار العدل فيها مع صرف النظر عن التفاوت اليسير\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٤٧٩).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٥/ ٥٧٦).\n(^٣) \"فيض الباري\" (٤/ ٩).","vol":"4","page":82},{"text":"بخلاف التفاوت الفاحش، فإن الحديث الوارد فيها يدل على أن عقبة لم يتعرض لتفاوت الغنم، إلا أن التفاوت بين الغنم والعتود لما كان فاحشًا فتعرض له وأخبر به النبي - ﷺ -، انتهى [من هامش \"اللامع\"] (^١).\n\n(١٣ -<span data-type='title' id=toc-1807> باب الشركة في الطعام وغيره)</span>\nأي: من المثليات، والجمهور على صحة الشركة في كل ما يتملك، والأصح عند الشافعية اختصاصها بالمثلي، وسبيل من أراد الشركة بالعروض عندهم أن يبيع بعض عرضه المعلوم ببعض عرض الآخر المعلوم ويأذن له في التصرف، وفي وجه لا يصح إلا في النقد المضروب كما تقدم، وعن المالكية: تكره الشركة في الطعام، والراجح عندهما الجواز، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\nقال العلَّامة العيني (^٣): وجواب الترجمة أنه يجوز ذلك؛ لأن الشركة بيع من البيوع فيجوز في الطعام وغيره، وأجاز الكوفيون، وقال في بيان اختلاف الأئمة: وأجاز الكوفيون وأبو ثور الشركة بالطعام، واختلفوا في الشركة بالعروض، فجوَّزها مالك، ومنعها الكوفيون والشافعي وأحمد، انتهى.\nوفي \"المغني\" (^٤) لابن قدامة: أما العروض فلا تجوز الشركة في ظاهر المذهب، ذكره ذلك الثوري والشافعي وأصحاب الرأي، إلى آخر ما بسطه.\n\n(١٤ -<span data-type='title' id=toc-1808> باب الشركة في الرقيق)</span>\nأورد فيه حديثي ابن عمر وأبي هريرة فيمن أعتق شقصًا - أي: نصيبًا - من عبد، وهو ظاهر فيما ترجم له لأن صحة العتق فرع صحة الملك، انتهى، [من \"الفتح\"] (^٥).\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٦/ ٣٦٠ - ٣٦١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٥/ ١٣٦).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٩/ ٢٨٨، ٢٨٩).\n(^٤) \"المغني\" (٧/ ١٢٣).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٥/ ١٣٧).","vol":"4","page":83},{"text":"(١٥ -<span data-type='title' id=toc-1809> باب الاشتراك في الهدي)</span>\nقال القسطلاني (^١): \"الهدي\" ما يهدى إلى الحرم من النعم \"والبُدن\" بضم الموحدة وسكون المهملة من عطف الخاص على العام.\nوقوله: (والشركة في الهدي) قال في \"فتح الباري\" (^٢): فيه بيان أن الشركة وقعت بعد ما ساق النبي - ﷺ - الهدي من المدينة وهي ثلاث وستون بدنة، وجاء علي من اليمن إلى النبي - ﷺ - ومعه سبع وثلاثون بدنة فصار جميع ما ساقه النبي - ﷺ - من الهدي مائة بدنة، وأشرك عليًا معه فيها، انتهى.\nوقال المهلب: ليس في حديث الباب ما ترجم به من الاشتراك في الهدي بعد ما أهدى بل لا يجوز الاشتراك بعد الإهداء ولا هبته ولا بيعه، والمراد منه ما أهدى علي من الهدي الذي كان معه عن رسول الله - ﷺ - وجعل له ثوابه، فيحتمل أن يفرد بثواب ذلك الهدي كله فهو شريك له في هديه لأنه أهدى عنه ﵊ متطوعًا من ماله، ويحتمل أن يشركه في ثواب هدي واحد فيكون بينهما إذا كان متطوعًا، وقال القاضي عياض: عندي أنه لم يكن شريكًا حقيقة بل أعطاه قدرًا يذبحه، انتهى مختصرًا.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): ولا يجوز الإشراك في الهدي عندنا لوقوعه معينًا منه بنية القربة فيه، وتأويل ما روي أنه أشركه في الهدي الذي أتاه به من اليمن وكان فيه ما أتى به لهدي نفسه فكان الإشراك في الهدي لكونه منهما ومشتركًا بينهما لا في هدي النبي - ﷺ -، أو المعنى أشركه في أجر هديه بإشراكه في الذبح وغيره من حوائجه المتعلقة بالهدي.\nوفي هامشه: في المسألة تفصيل، ففي \"الدر المختار\": صح اشتراك\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٥/ ٥٨٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٥/ ١٣٨).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٦/ ٣٦٥ - ٣٦٧).","vol":"4","page":84},{"text":"ستة في بدنة شُرِيَت للقربة؛ لأن ذلك جائز في الضحايا فيجوز ها هنا، قال في \"الفتح\" عن \"الأصل\" و\"المبسوط\": إن اشترى بدنة لمتعة مثلًا ثم اشترك فيها ستة بعد ما أوجبها لنفسه خاصة لا يسعه؛ لأنه لما أوجبها صار الكل واجبًا، بعضها بإيجاب الشرع، وبعضها بإيجابه، فإن فعل فعليه أن يتصدق بالثمن، إلى آخر ما بسطه من التفاصيل في ذلك، والتفريق بين الغني والفقير، فقول الشيخ: لا يجوز الإشراك في الهدي، محمول على هدي التطوع، وهو مقتضى حديث الباب، انتهى من هامش \"اللامع\" مختصرًا.\n\n(١٦ -<span data-type='title' id=toc-1810> باب من عدل عشرة من الغنم)</span>\nتقدم الكلام عليه قريبًا (^١)، فكن منه على ذكر، ثم البراعة عند الحافظ في قوله: \"أفنذبح بالقصب؟ \" وعند هذا العبد الضعيف في قوله: \"فرمى رجل\"، وكذا في قوله: \"نلقى العدو\"، وكذا في قوله: \"ما أنهر الدم\" كما تقدم في المقدمة، فارجع إليه.\n* * *\n_________\n(^١) انظر: \"صحيح البخاري\" (ح: ٢٥٠٠).","vol":"4","page":85},{"text":"٤٨ -<span data-type='title' id=toc-1811> كتاب الرهن</span>\nكذا في نسخة العلَّامة العيني، وفي نسخة الحافظ والقسطلاني: \"كتاب في الرهن في الحضر وقول الله. . .\" إلخ.\nقال القسطلاني (^١): وللكشميهني: كتاب الرهن، ولغير أبى ذر باب بدل كتاب، - وكذا في النسخ الهندية - وفي النسخة المقروءة على الميدومي \"كتاب الرهن، باب الرهن في الحضر. . .\" إلخ، ولابن شبويه: \"باب ما جاء. . .\" إلخ.\nوالرهن لغة: الثبوت، ومنه الحالة الراهنة، أي: الثابتة، وقال الإمام: الاحتباس، ومنه ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨].\nوشرعًا: جعل عين متمولة وثيقة بدين يستوفى منها عند تعذر وفائه، ويطلق أيضًا على العين المرهونة تسمية للمفعول باسم المصدر، انتهى.\nقال الحافظ (^٢): وقوله: \"في الحضر\" إشارة إلى أن التقييد بالسفر في الآية خرج للغالب فلا مفهوم له لدلالة الحديث على مشروعيته في الحضر وهو قول الجمهور، وإنما قيَّده - في الآية - بالسفر لأنه مظنة فَقْد الكاتب، وخالف في ذلك مجاهد والضحاك فقالا: لا يشرع إلا في السفر حيث لا يوجد الكاتب، وبه قال داود وأهل الظاهر، وقد أشار البخاري إلى ما ورد في بعض طرقه كعادته، وقد تقدم في \"باب شراء النبي - ﷺ - بالنسيئة\" في أوائل البيوع (^٣) من هذا الوجه بلفظ \"ولقد رهن درعًا له بالمدينة عند يهودي\" وعرف بذلك الرد على من اعترض بأنه ليس في الآية والحديث تعرض للرهن في الحضر، انتهى.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٥/ ٥٨٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٥/ ١٤٠).\n(^٣) انظر: \"صحيح البخاري\" (ح: ٢٠٦٨).","vol":"4","page":86},{"text":"(٢ -<span data-type='title' id=toc-1812> باب من رهن درعه)</span>\nغرض الترجمة واضح.\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-1813> باب رَهْنِ السِّلاح)</span>\nقال الحافظ (^١): قال ابن المنيِّر: إنما ترجم برهن السلاح بعد رهن الدرع؛ لأن الدرع ليست بسلاح حقيقة وإنما هي آلة يتقى بها السلاح، ولهذا قال بعضهم: لا تجوز تحليتها، وإن قلنا بجواز تحلية السلاح كالسيف.\nثم قال بعد ذكر الحديث: قال ابن بطال ليس في قولهم: \"نرهنك اللأمة\" دلالة على جواز رهن السلاح، وإنما كان ذلك من معاريض الكلام المباحة في الحرب وغيره، وقال ابن التِّين: ليس فيه ما بوَّب له؛ لأنهم لم يقصدوا إلا الخديعة، وإنما يؤخذ جواز رهن السلاح من الحديث الذي قبله، انتهى.\nوقال العيني (^٢): المطابقة بين الحديث والترجمة في قوله: \"ولكنا نرهنك. . .\" إلخ، بحسب ظاهر الكلام، وإن لم يكن في نفس الأمر حقيقة الرهن، وهذا المقدار كاف في وجه المطابقة.\nوقال ابن التِّين: وإنما يجوز بيعه ورهنه عند من تكون له ذمة أو عهد باتفاق، وكان لكعب عهد ولكنه نكث ما عاهد عليه من أنه لا يعين على النبي - ﷺ - فانتقض عهده بذلك، وأجيب بأنه لو لم يكن معتادًا عندهم رهن السلاح عند أهل العهد لما عرضوا عليه، إذ لو عرضوا عليه ما لم تجر به عادتهم لاستراب بهم وفاتهم ما أرادوا من مكيدته. . .، إلى آخر ما فيه، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ١٤٣).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٩/ ٢٩٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٥/ ١٤٣).","vol":"4","page":87},{"text":"(٤ -<span data-type='title' id=toc-1814> باب الرهن مركوب ومحلوب)</span>\nهذه الترجمة لفظ حديث أخرجه الحاكم وصححه، انتهى من \"الفتح\" و\"العيني\" (^١). وفي الحديث حجة لمن قال: يجوز للمرتهن الانتفاع بالرهن بالركوب والحلب إذا قام بمصلحته ولو لم يأذن له المالك، وهو قول أحمد وإسحاق وطائفة من السلف، وذهب الجمهور منهم الأئمة الثلاثة إلى أنه لا ينتفع المرتهن من الرهن بشيء، بل الفوائد كلها للراهن، وعليه مؤنه، وأوَّلوا حديث الباب بوجوه ذكرت في هامش \"اللامع\" (^٢) بالبسط.\n\n(٥ -<span data-type='title' id=toc-1815> باب الرهن عند اليهود وغيرهم)</span>\nقال القسطلاني (^٣): مراد المؤلف جواز معاملة غير المسلمين وإن كانوا يأكلون أموال الربا كما أخبر الله تعالى عنهم، ولكن مبايعتهم وأكل طعامهم مأذون لنا فيه بإباحة الله، وقد ساقاهم النبي - ﷺ - على خيبر كما مر، انتهى.\n\n(٦ -<span data-type='title' id=toc-1816> باب إذا اختلف الراهن والمرتهن. . .) إلخ</span>\nأي: في أصل الرهن كأن قال: رهنتني كذا! فأنكر، أو في قدره كأن قال: رهنتني الأرض بأشجارها! فقال: بلِ وحدها، أو تعيينه كـ: هذا العبد فقال: بل الثوب، أو قدر المرهون به كـ: بعشرة فقال: بل بعشرين.\nقوله: (ونحوه) كاختلاف المتبايعين، قاله القسطلاني (^٤).\nوقال أيضًا: \"المدعي\" هو من إذا ترك ترك، و\"المدعى عليه\" هو من إذا ترك لا يترك بل يجبر، انتهى.\nوبراعة الاختتام عند الحافظ - ﵀ - في قوله: ﴿أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ الآية [آل عمران: ٧٧]. وعندي يمكن أيضًا في قوله: \"لقي الله وهو عليه غضبان\".\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ١٤٣)، و\"عمدة القاري\" (٩/ ٣٠١).\n(^٢) \"اللامع\" (٦/ ٣٦٨، ٣٦٩).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (٥/ ٥٩١).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (٥/ ٥٩١).","vol":"4","page":88},{"text":"٤٩ -<span data-type='title' id=toc-1817> كتاب العتق</span>\nهكذا في نسخة العيني، وفي النسخ الهندية \"في العتق\" بدون لفظ كتاب، وهكذا في نسخة \"الفتح\" و\"القسطلاني\".\nقال الحافظ (^١): كذا للأكثر، زاد ابن شبويه بعد البسملة \"باب\" وزاد المستملي قبل البسملة \"كتاب العتق\" ولم يقل: باب، والعتق بكسر المهملة إزالة الملك، يقال: عتق يعتق عتقًا بكسر أوله ويفتح وعتاقًا وعتاقة، قال الأزهري: هو مشتق من قولهم: عتق الفرس إذا سبق، وعتق الفرخ إذا طار؛ لأن الرقيق يتخلص بالعتق ويذهب حيث شاء، انتهى.\nوقال العيني (^٢): هو لغة: القوة، وفي الشرع: عبارة عن قوة شرعية في مملوك، وهي إزالة الملك عنه. والرق ضعف شرعي يثبت في المحل فيعجزه عن التصرفات الشرعية، ويسلبه أهلية القضاء والشهادة والتزوج، وغير ذلك. والإعتاق إثبات العتق عند أبي يوسف ومحمد، وعند أبي حنيفة: إثبات الفعل المفضي إلى حصول العتق، انتهى.\nوذكر ابن عابدين (^٣) الاختلاف في معناه لغة وشرعًا، ثم قال: حقق في \"الفتح\" هذا المقام بما يشفي المرام، انتهى.\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-1818> باب في العتق وفضله وقول الله تعالى. . .) إلخ</span>\nبالرفع على الاستئناف وبالجر عطفًا على المجرور السابق، قاله القسطلاني (^٤).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ١٤٦).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٩/ ٣٠٩).\n(^٣) \"رد المحتار\" (٥/ ٣٨٠).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (٥/ ٥٩٤).","vol":"4","page":89},{"text":"قال العيني (^١) تحت حديث الباب: مطابقته للترجمة ظاهرة؛ لأنه يخبر عن فضل عظيم في العتق، انتهى.\nوفي \"الفتح\" (^٢): في الحديث أن عتق الذكر أفضل من عتق الأنثى خلافًا لمن فضل عتق الأنثى محتجًا بأن عتقها يستدعي صيرورة ولدها حرًّا سواء تزوجها حرّ أو عبد بخلاف الذكر، ومقابله في الفضل أن عتق الأنثى غالبًا يستلزم ضياعها، ولأن في عتق الذكر من المعاني العامة ما ليس في الأنثى كصلاحيته للقضاء وغيره مما يصلح للذكور دون الإناث، انتهى.\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-1819> باب أي الرقاب أفضل</span>؟)\nأي: للعتق، وقوله في الحديث: \"أعلاها ثمنًا\" بالعين المهملة للأكثر، وللكشميهني بالغين المعجمة، ومعناهما متقارب، وفي رواية لمسلم: \"أكثرها ثمنًا\" وهو يبين المراد، قال النووي (^٣): محله - والله أعلم - فيمن أراد أن يعتق رقبة واحدة، أما لو كان مع شخص ألف درهم مثلًا فأراد أن يشتري بها رقبة يعتقها فوجد رقبة نفيسة أو رقبتين مفضولتين فالرقبتان أفضل، قال: وهذا بخلاف الأضحية فإن الواحدة السمينة فيها أفضل؛ لأن المطلوب هنا فك الرقبة وهناك طيب اللحم، انتهى.\nقال الحافظ: والذي يظهر لي أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص، فرب شخص واحد إذا أعتق انتفع بالعتق وانتفع به أضعاف ما يحصل من النفع بعتق أكثر عددًا منه، ورب محتاج إلى كثرة اللحم لتفرقته على المحاويج الذين ينتفعون به أكثر مما ينتفع هو بطيب اللحم، انتهى كله من \"الفتح\" (^٤).\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٩/ ٣١٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٥/ ١٤٧).\n(^٣) \"المنهاج\" (٢/ ٧٨).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٥/ ١٤٨، ١٤٩).","vol":"4","page":90},{"text":"(٣ -<span data-type='title' id=toc-1820> باب ما يستحب من العتاقة)</span>\nبفتح العين ووهم من كسرها، والمراد الإعتاق وهو ملزوم العتاقة، وقوله: (في الكسوف أو الآيات) بلفظ \"أو\" وفي بعض الروايات بغير ألف، و\"أو\" للتنويع لا للشك.\nوقال الكرماني (^١): هي بمعنى الواو لا بمعنى بل، لأن عطف الآيات على الكسوف من عطف العام على الخاص، وليس في حديث الباب سوى الكسوف، وكأنه أشار إلى قوله في بعض طرقه: \"إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله\"، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\n\n(٤ -<span data-type='title' id=toc-1821> باب إذا أعتق عبدًا بين اثنين أو أمة بين الشركاء)</span>\nقال ابن التِّين: أراد أن العبد كالأمة لاشتراكهما في الرق، انتهى.\nوكأنه أشار إلى رد قول إسحاق بن راهويه: إن هذا الحكم مختص بالذكور، وهو خطأ، وادعى ابن حزم أن لفظ العبد في اللغة يتناول الأمة وفيه نظر، ولعله أراد المملوك.\nوقال القرطبي (^٣): العبد اسم للمملوك الذكر في أصل وضعه، والأمة اسم لمؤنثه بغير لفظه، ومن ثم قال إسحاق: إن هذا لا يتناول الأنثى، وخالفه الجمهور (^٤)، انتهى.\nثم اعلم أن مسألة الباب - يعني: إعتاق العبد المشترك - خلافية شهيرة، اختلفوا على ثلاثة أقوال، وحاصل المذاهب فيه: أن الرجل إذا أعتق بعض مملوكه يعتق كله في الحال بغير استسعاء عند الأئمة الثلاثة وصاحبي أبي حنيفة، وقال الإمام الأعظم - ﵀ -: يستسعي في الباقي. وإن كان العبد مشتركًا بينهما فأعتق أحدهما نصيبه، فقال الإمام أبو حنيفة:\n_________\n(^١) \"شرح الكرماني\" (١١/ ٧٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٥/ ١٥٠).\n(^٣) \"المفهم\" (٤/ ٣١١).\n(^٤) انظر: \"فتح الباري\" (٥/ ١٥١).","vol":"4","page":91},{"text":"الشريك الآخر مخيَّر بين ثلاثة أمور: يعتق نصيبه أو يستسعي، والولاء لهما في الوجهين، أو يغرم الأول فالولاء له، ويستسعي العبد. وقال صاحباه: ليس له إلا الضمان مع اليسار أو السعاية مع الإعسار، ولا يرجع العبد على المعتق بشيء، والولاء للمعتق في الوجهين. وقالت الأئمة الثلاثة في المشهور عنهم: إن كان الأول موسرًا يغرم والولاء له، وإلا فقد عتق منه ما عتق ولا يستسعي. وهذا الاختلاف مبني على اختلاف آخر وهو: أن الإعتاق متجز عند الإمام أبي حنيفة ومن وافقه مطلقًا، يعني: في حالتي اليسر والعسر، وليس بمتجز مطلقًا عند صاحبيه ومن وافقهما، ومتجز في حالة العسر دون اليسر في المشهور من أقوال الأئمة الثلاثة الباقية، وهذا تفصيل المذاهب الأئمة الستة، وإلا ففي المسألة أقوال أخر، فقد ذكر النووي (^١) فيها عشرة مذاهب، والعيني (^٢) على البخاري أربعة عشر مذهبًا، وفي \"الأوجز\" (^٣) عشرين مذهبًا، انتهى من هامش \"اللامع\" (^٤).\n\n(٥ -<span data-type='title' id=toc-1822> باب إذا أعتق نصيبًا في عبد وليس له. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٥): أشار البخاري بهذه الترجمة إلى أن المراد بقوله في حديث ابن عمر: \"وإلا فقد عتق منه ما عتق\" أي: وإلا فإن كان المعتق لا مال له يبلغ قيمة بقية العبد فقد تنجز عتق الجزء الذي كان يملكه وبقي الجزء الذي لشريكه على ما كان عليه أولًا إلى أن يستسعي العبد في تحصيل القدر الذي يخلص به باقيه من الرق إن قوي على ذلك، فإن عجز نفسه استمرت حصة الشريك موقوفة، وهو مصير منه إلى القول بصحة الحديثين جميعًا والحكم برفع الزيادتين معًا وهو قوله في حديث ابن عمر: \"وإلا فقد عتق منه ما عتق\".\n_________\n(^١) انظر: \"صحيح مسلم بشرح النووي\" (٥/ ٣٩٦).\n(^٢) انظر: \"عمدة القاري\" (٩/ ٢٧٤، ٢٧٥).\n(^٣) \"أوجز المسالك\" (١١/ ٥٥٠ - ٥٦٠).\n(^٤) \"اللامع\" (٦/ ٣٧٢).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٥/ ١٥٧).","vol":"4","page":92},{"text":"وقد تقدم بيان من جزم بأنها من جملة الحديث، وبيان من توقف فيها أو جزم بأنها من قول نافع، وقوله في حديث أبي هريرة: \"فاستسعي به غير مشقوق عليه. . .\" إلى آخر ما قال، انتهى.\nقلت: كذا قال الحافظ في غرض الترجمة، وعندي ليس كذلك، بل الغرض عندي أن الإمام البخاري - ﵀ - أشار بذلك إلى الرد على من أنكر الاستسعاء، وهو مذهب الأئمة الثلاثة، وقد اعترف به الحافظ حيث قال بعد قول البخاري: \"تابعه حجاج ابن حجاج. . .\" إلخ؛ كأنه أشار بهذا إلى الرد على من زعم أن الاستسعاء في هذا الحديث غير محفوظ، وأن سعيد بن أبي عروبة تفرد به، فاستظهر له برواية جرير بن حازم بموافقته، ثم ذكر ثلاثة تابعوهما على ذكرها، انتهى، فافهم.\n\n(٦ -<span data-type='title' id=toc-1823> باب الخطإ والنسيان في العتاقة والطلاق. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^١): \"ونحوه\" أي: من التعليقات لا يقع شيء منها إلا بالقصد، وكأنه أشار إلى رد ما روي عن مالك أنه يقع الطلاق والعتاق عامدًا كان أو مخطئًا ذاكرًا كان أو ناسيًا، وقد أنكره كثير من أهل مذهبه، ووقوع الخطإ في الطلاق والعتاق أن يريد أن يلفظ بشيء غيرهما فيسبق لسانه إليهما، وأما النسيان ففي ما إذا حلف ونسي، انتهى.\nوفي هامش \"اللامع\" (^٢): اختلفت الأئمة في فروع هاتين المسألتين كما بسط في شروح البخاري و\"الأوجز\" و\"المغني\"، والجملة ما في \"العيني\": قال أصحابنا: طلاق الخاطئ والناسي والهازل واللاعب والذي يتكلم به من غير قصد واقع. وفي \"التوضيح\": قد اختلف العلماء في الناسي في يمينه هل يلزمه حنث أم لا؟ على قولين: أحدهما: لا، وهو أحد قولي الشافعي، وبه قال إسحاق، وإليه ذهب البخاري في الباب،\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ١٦٠).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٦/ ٣٧٣).","vol":"4","page":93},{"text":"وثانيهما: وهو قول الشعبي وطاووس من أخطأ في الطلاق فله نيَّته، وفيه قول ثالث: يحنث في الطلاق خاصة، قاله أحمد، وذهب مالك والكوفيون إلى أنه يحنث في الخطإ أيضًا، وادعى ابن بطال أنه الأشهر عن الشافعي، انتهى.\nقال الحافظ (^١): واختلف السلف في طلاق الناسي، فكان الحسن يراه كالعمد إلا إن اشترط فقال: إلا أن أنسى، وعن عطاء أنه كان لا يراه شيئًا وهو قول الجمهور، وكذلك اختلف في طلاق المخطئ، فذهب الجمهور إلى أنه لا يقع، وعن الحنفية يلزمه الطلاق، انتهى.\nقال العيني: أما حكم طلاق الغالط والناسي فإنه واقع، وهو قول عطاء والشافعي في قول، وإسحاق ومالك والكوفيين، انتهى.\nقال الموفق: لا خلاف عن أحمد أنه إذا أراد أن يقول لزوجته: اسقيني ماء فسبق لسانه فقال: أنت طالق أو أنت حرة أنه لا طلاق فيه، إلى آخر ما بسط في هامش \"اللامع\" (^٢).\nوفي \"البذل\" (^٣) في قوله - ﷺ -: \"ثلاث جدهن جد\": الحديث يدل على أن من تلفظ هازلًا بلفظ نكاح أو طلاق أو رجعة أو عتاق وقع منه ذلك، أما في الطلاق فقد قال بذلك الشافعية والحنفية وغيرهم، وخالف في ذلك أحمد ومالك فقالا: إنه يفتقر اللفظ الصريح إلى النية، انتهى.\nقوله: (ولا عتاقة إلا لوجه الله) قال القسطلاني (^٤): أي: لذاته ولجهة رضاه، ومراده بذلك إثبات اعتبار النية لأنه لا يظهر كونه لوجه الله تعالى إلا مع القصد، وفي حديث ابن عباس مرفوعًا كما في \"الطبراني\": \"لا طلاق إلا لعدة ولا عتاقة إلا لوجه الله\"، انتهى.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٥): يرد به ما ذهب إليه الحنفية من نفاذ\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٣٩٠).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٩/ ٣٦٦).\n(^٣) \"بذل المجهود\" (٨/ ١٨١).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (٥/ ٦٠٨ - ٦٠٩).\n(^٥) \"لامع الدراري\" (٦/ ٣٧٤).","vol":"4","page":94},{"text":"العتق ولو للشيطان أو الصنم، وجوابه ما مر من المصنف نفسه من جواز صدقة المشركين وإعتاقهم فإنه أثبت ثمة جواز الإعتاق منهم مع أنهم ليسوا أهل نية وإخلاص حتى يكون فعلهم لوجه الله تعالى، انتهى.\nقوله: (لكل امرئ ما نوى. . .) إلخ، قال الحافظ (^١): أشار المصنف بهذا الاستنباط إلى بيان أخذ الترجمة من حديث \"الأعمال بالنيات\"، ويحتمل أن يكون أشار بالترجمة إلى ما ورد في بعض الطرق كعادته، وهو الحديث الذي يذكره أهل الفقه والأصول كثيرًا بلفظ \"رفع الله عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه\" أخرجه ابن ماجه (^٢)، إلا أنه بلفظ \"وضع\" بدل \"رفع\"، انتهى.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): وجوابه معروف من أن المرفوع هو الإثم لإجزاء الفعل، انتهى. وبسط الكلام على ذلك في هامش \"اللامع\" (^٤) في آخر كتاب الإيمان.\n\n(٧ -<span data-type='title' id=toc-1824> باب إذا قال لعبده هو لله. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٥): قوله: (ونوى العتق) أي: صح، وقوله: (والإشهاد في العتق) قيل: هو بجر الإشهاد، أي: وباب الإشهاد في العتق، وهو مشكل لأنه إن قدر منونًا احتاج إلى خبر، وإلا لزم حذف التنوين من الأول ليصح العطف عليه وهو بعيد، والذي يظهر أن يقرأ \"والإشهاد\" بالضم فيكون معطوفًا على \"باب\" لا على ما بعده، و\"باب\" بالتنوين، ويجوز أن يكون التقدير: وحكم الإشهاد في العتق، قال المهلب: لا خلاف بين العلماء إذا قال لعبده: هو لله، ونوى العتق أنه يعتق، وأما الإشهاد في العتق فهو من حقوق المعتق، وإلا فقد تم العتق وإن لم يشهد، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ١٦٠، ١٦١).\n(^٢) انظر: \"سنن ابن ماجه\" (ح: ٢٠٤٥).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٦/ ٣٧٣).\n(^٤) \"اللامع\" (١/ ٦١٠، ٦١١).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٥/ ١٦٣).","vol":"4","page":95},{"text":"(٨ -<span data-type='title' id=toc-1825> باب أم الولد)</span>\nكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^١): أي: جواز استيلاد الأمة، وقوله: (هو لك يا عبد بن زمعة) فيه الترجمة حيث أثبت نسبه لكونها أم ولد له، انتهى.\nهذا ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه في غرض الترجمة.\nوقال الحافظ - ﵀ -: قوله: \"باب أم الولد\" أي: هل يحكم بعتقها أم لا؟ أورد فيه حديثين وليس فيهما ما يفصح في الحكم عنده، وأظن ذلك لقوة الخلاف في المسألة بين السلف، وإن كان الأمر استقر عند الخلف على المنع حتى وافق في ذلك ابن حزم ومن تبعه من أهل الظاهر على عدم جواز بيعهن ولم يبق إلا شذوذ، انتهى.\nوذكر العلَّامة العيني (^٢) أسماء القائلين بعدم جواز بيعها وذكر منهم الأئمة الأربعة وقال: وكذا الشافعي في أكثر كتبه، وقد أجاز بيعها في بعض كتبه، وقال المزني: قطع في أربعة عشر موضعًا من كتبه بأن لا تباع، وهو الصحيح من مذهبه، ثم قال: وكان أبو بكر الصديق وعلي وابن عباس وابن الزبير وجابر وأبو سعيد الخدري - ﵃ - يجيزون بيع أم الولد، وبه قال داود، إلى آخر ما بسط.\n\n(٩ -<span data-type='title' id=toc-1826> باب بيع المدبر)</span>\nقال الحافظ (^٣): أي: جوازه، أو ما حكمه؟ وقد تقدمت هذه الترجمة بعينها في \"كتاب البيوع\"، وقد تقدم هناك نقل مذاهب الفقهاء في بيع المدبر، وأن الجواز مطلقًا مذهب الشافعي وأهل الحديث، وعن الحنفية والمالكية تخصيص المنع بمن دبر تدبيرًا مطلقًا، أما إذا قيده - كأن يقول: إن مت من مرضي هذا ففلان حر - فإنه يجوز بيعه، انتهى.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٦/ ٣٧٦).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٩/ ٣٣١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٥/ ١٦٦).","vol":"4","page":96},{"text":"والمشهور من مذهب أحمد كالشافعي، قاله القسطلاني (^١).\nوفي \"الفيض\" (^٢): قد مرّ الكلام فيه، وأن تراجم المصنف في هذا الباب متهافتة، والذي يلوح منها أنه اختار مذهب الشافعي، انتهى.\n\n(١٠ -<span data-type='title' id=toc-1827> باب بيع الولاء وهبته)</span>\nأي: حكمه، والولاء بالفتح والمد: حق ميراث المعتق من المعتق بالفتح، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٤): أنهما لا يجوزان ودلالة الرواية على المدعى في لام الاختصاص، ولو جاز بيعه أو هبته أو نقله بغيرهما من أسباب الملك لم يبق له اختصاص بالمعتق، والاختصاص ثابت بقوله: \"لمن أعتق\" فبطل النقل، انتهى.\nوفي هامشه: قال العيني: فقهاء الحجاز والعراق مجمعون على أنه لا يجوز بيع الولاء ولا هبته، قال ابن المنذر: وعليه جماهير أهل العلم، وقام الإجماع على أنه لا يجوز تحويل النسب فكان حكم الولاء كحكم النسب في ذلك، فكما لا يجوز بيع النسب ولا هبته كذلك الولاء، ولا نقله ولا تحويله، انتهى مختصرًا.\n\n(١١ -<span data-type='title' id=toc-1828> باب إذا أسر أخو الرجل أو عمه هل يفادى)</span>\nبضم الياء وفتح الدال المهملة بأن يعطي مالًا ويستنقذه من الأسر (إذا كان) أخوه أو عمه (مشركًا)، انتهى من \"القسطلاني\" (^٥).\nوقال الحافظ (^٦): قيل: إنه أشار بهذه الترجمة إلى تضعيف الحديث الوارد في من ملك ذا رحم فهو حر، وهو حديث أخرجه أصحاب السنن،\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٥/ ٦١٨).\n(^٢) \"فيض الباري\" (٤/ ٢٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٥/ ١٦٧).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٦/ ٣٧٧، ٣٧٨).\n(^٥) \"إرشاد الساري\" (٥/ ٦٢١).\n(^٦) \"فتح الباري\" (٥/ ١٦٨).","vol":"4","page":97},{"text":"واستنكره ابن المديني، ورجح الترمذي إرساله، وقال البخاري: لا يصح، وجرى الحاكم وابن حزم وابن القطان على ظاهر الإسناد فصححوه، وقد أخذ بعمومه الحنفية والثوري والأوزاعي والليث، وقال داود: لا يعتق أحد على أحد، وذهب الشافعي إلى أنه لا يعتق على المرعي إلا أصوله وفروعه لا لهذا الدليل بل لأدلة أخرى، وهو مذهب مالك وزاد: الإخوة حتى من الأم. . .، إلى آخر ما بسط من هامش \"اللامع\" (^١).\nقوله: (وكان عليّ له نصيب. . .) إلخ، قال الحافظ (^٢): هو كلام المصنف ساقه مستدلًا به على أنه لا يعتق بذلك، أي: فلو كان الأخ ونحوه يعتق بمجرد الملك لعتق العباس وعقيل على علي - ﵃ - في حصة من الغنيمة، وأجاب ابن المنيِّر عن ذلك. . .، إلى آخر ما قال.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): والجواب أن الملك لا يثبت قبل الإحراز وكانت المفاداة هناك قبل أن يدخلوا المدينة، نعم لو اختير جعلهم أرقاء، ثم دخلو المدينة معهم كان الإيراد واردًا، انتهى.\nوفي \"الفيض\" (^٤): غرضه أن النبي - ﷺ - ملك عباسًا، فلم يعتق عليه؛ قلت: أين الملك فيه قبل التقسيم؟ وليس هناك إلا حق الملك، والحرية تعقب الملك نفسه دون حقه، أما المفاداة كما في الحديث، فجائزة عندنا أيضًا، كما في \"الدر المختار\"، انتهى.\nوبسط الكلام عليه في هامش \"اللامع\" (^٥)، فارجع إليه لو شئت.\n\n(١٢ -<span data-type='title' id=toc-1829> باب عتق المشرك)</span>\nيحتمل أن يكون مضافًا إلى الفاعل أو المفعول، وعلى الثاني جرى ابن بطال (^٦) وقال: لا خلاف في جواز عتق المشرك تطوعًا، وإنما اختلفوا\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٦/ ٣٧٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٥/ ١٦٨).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٦/ ٣٧٩ - ٣٨٠).\n(^٤) \"فيض الباري\" (٤/ ٣٠٠).\n(^٥) \"لامع الدراري\" (٦/ ٣٧٩ - ٣٨٠).\n(^٦) (٧/ ٥١ - ٥٢).","vol":"4","page":98},{"text":"في عتقه عن الكفارة، وحديث الباب حجة في الأول؛ لأن حكيمًا لما أعتق وهو كافر لم يحصل له الأجر إلا بإسلامه، فمن فعل ذلك وهو مسلم لم يكن بدونه بل أولى، انتهى.\nوقال ابن المنيِّر: الذي يظهر أن مراد البخاري أن المشرك إذا أعتق مسلمًا نفذ عتقه وكذا إذا أعتق كافرًا فأسلم العبد، انتهى (^١).\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٢): هذا يرد على المؤلف ما قبل ذلك من قوله: \"لا عتاقة إلا لوجه الله\"، انتهى.\nوتقدم شيء من الكلام عليه في \"باب الخطأ والنسيان\"، فارجع إليه.\n\n(١٣ -<span data-type='title' id=toc-1830> باب من ملك من العرب رقيقًا فوهب. . .) إلخ</span>\nقال القسطلاني (^٣): حذف مفعولات الأربعة للعلم بها ثم عطف على قوله: \"ملك\"، قوله: \"وسبى الذرية\" ثم قال: وقد ساق المؤلف هنا أربعة أحاديث دالة على ما ترجم به إلا البيع لكن في بعض طرق حديث أبي هريرة ذكره كما سيأتي، انتهى.\nقال العيني (^٤): قوله: \"فوهب. . .\" إلخ، تفصيل لقوله: \"ملك\"، فذكر خمسة أشياء: الهبة، والبيع، والجماع، والفداء، والسبي، انتهى.\nوفي \"البذل\" (^٥): ذهب الجمهور إلى جواز استرقاق العرب، وأنكره الحنفية والشافعي في القديم، لكن الحنفية جوَّزوا استرقاق نسائهم وذراريهم، انتهى.\nوقال الحافظ (^٦): هذه الترجمة معقودة لبيان الخلاف في استرقاق العرب وهي مسألة مشهورة، والجمهور على أن العربي إذا سبي جاز أن\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (٥/ ١٦٩).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٦/ ٣٨١).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (٥/ ٦٢٤).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (٩/ ٣٤٢).\n(^٥) \"بذل المجهود\" (٩/ ٣٣٠ - ٣٣١).\n(^٦) \"فتح الباري\" (٥/ ١٧٠).","vol":"4","page":99},{"text":"يسترق، وإذا تزوج أمة بشرطه كان ولدها رقيقًا، وذهب الأوزاعي والثوري وأبو ثور إلى أن على سيد الأمة تقويم الولد ويلزم أبوه بأداء القيمة ولا يسترق الولد أصلًا، وجنح المصنف إلى الجواز، انتهى.\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): ولا يرد على الإمام ما أورده بهذه الروايات لأن مذهبه أن العرب لا يستبقون على الكفر، لا أنهم لا يسترقون مطلقًا، فجاز استرقاقهم مؤمنين لا كفارًا، وليس في شيء من الروايات ما يرد على ذلك؛ لأن الثابت بها هو استرقاقهم، قلنا: كان ذلك بعد أن أسلموا، قال ابن الهمام في \"شرح الهداية\": ولنا قوله تعالى: ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: ١٦] أي: إلى أن يسلموا، وروي عن ابن عباس أنه ﵊ قال: \"لا يقبل من مشركي العرب إلا الإسلام أو السيف\"، وذكر محمد بن الحسن عن يعقوب عن الحسن عن مقسم عن ابن عباس، وقال: \"أو القتل\" مكان السيف، وعنه ﵊: \"لا رق على عربي\" وأخرجه البيهقي عن معاذ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لو كان ثابتًا على أحد من العرب رق لكان اليوم\"، انتهى عبارة \"الفتح\".\n\n(١٤ -<span data-type='title' id=toc-1831> باب فضل من أدَّب جاريته)</span>\nسقط لفظ \"فضل\" من رواية أبي ذر والنسفي، وزاد النسفي \"وأعتقها\"، انتهى (^٢).\nولا يخفى عليك أن الإمام البخاري ذكر من ها هنا إلى آخر العتق أبوابًا لا تعلق لها بالعتق على الظاهر، ولم يتعرض لها الشراح، والظاهر عندي أن المصنف ذكرها استطرادًا وتبعًا لكونها مما يتعلق بالعبيد والإماء، وإن لم يكن من قبيل العتق، فتدبر.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٦/ ٣٨٣ - ٣٨٤).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (٥/ ١٧٣).","vol":"4","page":100},{"text":"(١٥ -<span data-type='title' id=toc-1832> باب قول النبي - ﷺ -: \"العبيد إخوانكم. . .\") إلخ</span>\nقال الحافظ (^١): لفظ هذه الترجمة أورد المصنف معناه من حديث أبي ذر، وقد رويناه في كتاب الإيمان لابن منده بلفظ \"إنهم إخوانكم، فمن لايَمَكم منهم فأطعموهم مما تأكلون واكسوهم مما تكتسون\"، انتهى.\n\n(١٦ -<span data-type='title' id=toc-1833> باب العبد إذا أحسن عبادة ربه. . .) إلخ</span>\nأي: بيان فضله وثوابه، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\n\n(١٧ -<span data-type='title' id=toc-1834> باب كراهية التطاول على الرقيق. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٣): أي الترافع عليهم، والمراد مجاوزة الحد في ذلك، والمراد بالكراهة كراهة التنزيه من غير تحريم، ولذلك استشهد للجواز بقوله تعالى: ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ﴾ [النور: ٣٢] وبغيرها من الآيات والأحاديث الدالة على الجواز، ثم أردفها بالحديث الوارد في النهي عن ذلك، واتفق العلماء على أن النهي فيه للتنزيه، حتى أهل الظاهر، إلا ما قال ابن بطال (^٤) في لفظ الرب إذ قال: لا يجوز أن يقال لأحد غير الله: رب، كما لا يجوز أن يقال له: إله. . .، إلى آخر ما فيه.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٥): أشار بذلك إلى دفع ما في الروايات من التعارض بحسب الظاهر حيث نهى في بعضها أن يقول: سيدي أو ربي، أو عبدي أو أمتي ومع ذلك فقد ورد في كثير من الآيات والروايات إضافته إليه بلفظ السيد والرب. وحاصل الدفع أنه إن قال ذلك مطاولة ومفاخرة كان منهيًّا عنه، وإن لم يكن كذلك فلا ضير فيه لجوازه بحسب نفس ذاته،\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ١٧٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٥/ ١٧٥).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٥/ ١٧٨).\n(^٤) (٧/ ٦٨).\n(^٥) \"لامع الدراري\" (٦/ ٣٨٧، ٣٨٨).","vol":"4","page":101},{"text":"غير أنه لا يكون أولى لما فيه من ترك الأولى، والروايات والآيات واردة بحسب أصل الجواز، انتهى.\nوفي هامشه: قال السندي: الكراهة مخصوصة بصورة الإضافة إلى ياء المتكلم كأن يقول: عبدي أو أمتي، انتهى.\nوما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه أولى وأجود، وقريب منه ما قال صاحب \"الفيض\" (^١)، فارجع إليه لو شئت.\n\n(١٨ -<span data-type='title' id=toc-1835> باب إذا أتى أحدكم خادمه بطعامه)</span>\nأي: فليجلسه معه ليأكل، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\n\n(١٩ -<span data-type='title' id=toc-1836> باب العبد راع في مال سيده)</span>\nأي: ويلزمه حفظه، ولا يعمل إلا بإذنه.\nوقوله: (ونسب. . .) إلخ؛ كأنه يشير بذلك إلى حديث ابن عمر \"من باع عبدًا وله مال فماله للسيد\" وقد تقدمت الإشارة إليه في \"باب من باع نخلًا قد أبرت\" من \"كتاب البيوع\" (^٣) وفي \"كتاب الشرب\" (^٤)، انتهى من \"الفتح\" (^٥).\n\n(٢٠ -<span data-type='title' id=toc-1837> باب إذا ضرب العبد فليجتنب الوجه)</span>\nقال الحافظ (^٦): العبد بالنصب على المفعولية، والفاعل محذوف للعلم به، وذكر العبد ليس قيدًا، وإنما خص بالذكر لأن المقصود هنا بيان حكم الرقيق، كذا قرره بعض الشرَّاح، وأظن المصنف أشار إلى ما أخرجه في \"الأدب المفرد\" عن أبي هريرة فذكر الحديث بلفظ \"إذا ضرب أحدكم خادمه\"، انتهى.\n_________\n(^١) \"فيض الباري\" (٤/ ٣٥ - ٣٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٥/ ٣٨٨).\n(^٣) انظر: \"صحيح البخاري\" (ح: ٢٢٠٤).\n(^٤) انظر: \"صحيح البخاري\" (ح: ٢٣٧٩).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٥/ ١٨١).\n(^٦) \"فتح الباري\" (٥/ ١٨٢، ١٨٣).","vol":"4","page":102},{"text":"ثم قال: وهذا النهي ظاهره التحريم، ويؤيده حديث سويد بن مقرن الصحابي: \"أنه رأى رجلًا لطم غلامه فقال: أو ما علمت أن الصورة محترمة\" أخرجه مسلم وغيره، انتهى.\nثم براعة سكت عنها الحافظ لأنه جعل آخر العتق عند كتاب الهبة، ويمكن عندي أن تكون في قوله: \"إذا قاتل أحدكم\" الحديث، فافهم.\n* * *","vol":"4","page":103},{"text":"٥٠ -<span data-type='title' id=toc-1838> كتاب المكاتب</span>\nهكذا في نسخة العيني، وكذا في النسخ الهندية، وفي نسخة \"الفتح\": \"باب في المكاتب\"، وفي نسخة القسطلاني: \"في المكاتب\" بدون لفظ \"كتاب\" ولفظ \"باب\".\nقال الحافظ (^١): كذا لأبي ذر، ولغيره \"كتاب المكاتب\"، وأثبتوا كلهم البسملة، وكاف الكتابة تكسر وتفتح كعين العتاقة، انتهى.\nقال القسطلاني (^٢): المكاتب بفتح المثناة الفوقية: الرقيق الذي يكاتبه مولاه على مال يؤديه إليه، فإذا أداه عتق، فإن عجز رد إلى الرق، وبكسر التاء السيد الذي تقع منه المكاتبة، والكتابة بكسر الكاف عقد عتق بلفظها بعوض منجم بنجمين فأكثر، وهي خارجة عن قواعد المعاملات عند من يقول: إن العبد لا يملك، لدورانها بين السيد ورقيقه، ولأنها بيع ماله بماله، وكانت الكتابة متعارفة قبل الإسلام، فأقرها الشارع - ﷺ -، وقال الروياني: إنها إسلامية لم تكن في الجاهلية، والأول هو الصحيح، وأول من كوتب في الإسلام بريرة، ومن الرجال سلمان، وهي لازمة من جهة السيد إلا إن عجز العبد، وجائزة له على الراجح، انتهى.\nزاد الحافظ (^٣): وحكى ابن التِّين أن أول من كوتب أبو المؤمل، فقال النبي - ﷺ -: \"أعينوه\"، ثم قال: واختلف في تعريف الكتابة، وأحسنه: تعليق عتق بصفة على معاوضة مخصوصة، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ١٨٤).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٥/ ٦٤٦).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٥/ ١٨٤).","vol":"4","page":104},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1839>(باب إثم من قذف مملوكه)</span>\nليس هذا الباب في متن النسخ الهندية، لكن هو موجودة في نسخة الشروح: \"الفتح\" و\"العيني\"، و\"القسطلاني\"، وكذا في هامش النسخ الهندية.\nقال الحافظ (^١): كذا للجميع هنا إلا النسفي وأبا ذر، ولم يذكر من أثبت هذه الترجمة فيها حديثًا، ولا أعرف لدخولها في أبواب المكاتب معنى، ثم وجدتها في رواية ابن شبويه مقدمة قبل كتاب المكاتب فهذا هو المتجه، وعلى هذا فكأن المصنف ترجم بها وأخلى بياضًا ليكتب فيها الحديث الوارد في ذلك فلم يكتب كما وقع له في غيرها، وقد ترجم في كتاب الحدود (^٢) \"باب قذف العبيد\" وأورد فيه حديث \"من قذف مملوكه - وهو بريء مما قال - جلد يوم القيامة\" الحديث، فلعله أشار بذلك إلى أنه يدخل في هذه الأبواب، انتهى.\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-1840> باب المكاتب ونجومه في كل سنة نجم. . .) إلخ</span>\nقوله: (نجومه) بالجر عطفًا على سابقه، وبالرفع على الاستئناف، \"في كل سنة نجم\" ونجم الكتابة هو القدر المعين الذي يؤديه المكاتب في وقت معين، وأصله أن العرب كانوا يبنون أمورهم في المعاملة على طلوع النجم؛ لأنهم لا يعرفون الحساب فيقول أحدهم: إذا طلع النجم الفلاني أديت حقك، فسميت الأوقات نجومًا بذلك ثم سمي المؤدى في الوقت نجمًا، واشترط الشافعي التأجيل وقوفًا مع التسمية بناءً على أن الكتابة من الضم، وأقل ما يحصل به الضم نجمان، ولأنه أمكن لتحصيل القدرة على الأداء وجوّز الحنفية والمالكية الكتابة حالًا ومؤجلًا ومنجمًا وغير منجم؛ لأنّ الله تعالى لم يذكر التنجيم، انتهى من \"القسطلاني\" (^٣).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ١٨٤).\n(^٢) انظر: \"صحيح البخاري\" (ح: ٦٨٥٨).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (٥/ ٦٤٧).","vol":"4","page":105},{"text":"وزاد الحافظ (^١): وأما قول المصنف: \"في كل سنة نجم\" فأخذه من صورة الخبر الوارد في قصة بريرة كما سيأتي التصريح به بعد باب (^٢)، ولم يرد المصنف أن ذلك شرط فيه، فإن العلماء اتفقوا على أنه لو وقع التنجيم بالأشهر جاز، انتهى.\nقال الموفق: ظاهر كلام الخرقي أن الكتابة لا تصح حالة ولا تجوز إلا منجمة، وهو ظاهر المذهب وبه قال الشافعي، وقال مالك وأبو حنيفة: تجوز حالة، ثم ذكر دلائل الفريقين كما في هامش \"اللامع\" (^٣).\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-1841> باب ما يجوز من شروط المكاتب. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٤): قال ابن بطال (^٥): المراد بكتاب الله حكمه من كتابه أو سُنَّة رسول الله - ﷺ - أو إجماع الأمة، قال القرطبي (^٦): قوله: \"ليس في كتاب الله\" أي: ليس مشروعًا في كتاب الله تأصيلًا ولا تفصيلًا، انتهى.\nقال القسطلاني (^٧): ليس في حديثي الباب إلا ذكر شرط الولاء وجمع في الترجمة بين حكمين وكأنه فسر الأول بالثاني وإن ضابط الجواز ما كان في كتاب الله، أي: في حكمه من كتاب أو سُنَّة أو إجماع، وقد اشترط لصحة الكتابة شروط، ثم بسطها، انتهى.\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-1842> باب استعانة المكاتب وسؤاله الناس)</span>\nمن عطف الخاص على العام؛ لأن الاستعانة تقع بالسؤال وبغيره، وكأنه يشير إلى جواز ذلك لأنه - ﷺ - أقرَّ بريرة على سؤالها عائشة في إعانتها على كتابتها، وأما ما أخرجه أبو داود في \"المراسيل\" من طريق\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ١٨٥).\n(^٢) انظر: \"صحيح البخاري\" (ح: ٢٥٦١).\n(^٣) \"اللامع\" (٦/ ٣٩٣).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٥/ ١٨٨).\n(^٥) (٧/ ٦٩).\n(^٦) \"المفهم\" (٤/ ٣٢٦).\n(^٧) \"إرشاد الساري\" (٥/ ٦٥٢).","vol":"4","page":106},{"text":"يحيى بن أبي كثير يرفعه في هذه الآية ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣] قال: حرفةً، ولا ترسلوهم كلًّا على الناس، فهو مرسل أو معضل فلا حجة فيه، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوتعقب العيني (^٢) على قول الحافظ من عطف الخاص على العام بأنه ما التفت إلى سين الاستعانة، فإنها للطلب، والطلب لا يكون إلا من غيره، انتهى.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): وإنما لم تحرم عليه المسألة لاضطراره إلى فك رقبته من وثاق الرق، واحتياجه إليه أشد من احتياج الساغب إلى الطعام؛ لأن العبد خارج من الآدمية حكمًا، فجوَّز له السعي في تحصيل إنسانية، مع أن غلَّته لا تفي بدل كتابته، فيستعين بالمسألة، انتهى.\n\n(٤ -<span data-type='title' id=toc-1843> باب بيع المكاتب إذا رضي. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٤) في رواية [السرخسي والمستملي:] \"المكاتبة\"، والأول أصح لقوله: \"إذا رضي\"، وهذا اختيار منه لأحد الأقوال في مسألة بيع المكاتب إذا رضي بذلك ولو لم يعجز نفسه، وهو قول أحمد وربيعة والأوزاعي وأحد قولي الشافعي ومالك، ومنعه أبو حنيفة والشافعي في أصح القولين وبعض المالكية، وأجابوا عن قصة بريرة بأنها عجزت نفسها، واستدلوا باستعانة بريرة عائشة في ذلك، وليس في استعانتها ما يستلزم العجز، إلى آخر ما قال، وفي \"الهداية\" (^٥): لو رضي المكاتب بالبيع ففيه روايتان، الأظهر الجواز، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ١٩٥).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٩/ ٣٧٢).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٦/ ٣٩٥).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٥/ ١٩٤).\n(^٥) \"الهداية\" (٥/ ٩٤).","vol":"4","page":107},{"text":"(٥ -<span data-type='title' id=toc-1844> باب إذا قال المكاتب: اشترني وأعتقني. . .) إلخ</span>\nقال العيني (^١): جواب إذا محذوف، تقديره جاز، انتهى\nوحمل الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٢) هذا الباب على أن المصنف أراد به إثبات البيع بشرط واحد كما هو مذهب الحنابلة، فكتب الشيخ: أورده لإثبات أن الشرط الواحد رخص فيه، قلنا: لم يكن ذاك من هذا القبيل، وإنما كانت هذه عِدَة منها رضي الله تعالى عنها، وإنما كان ذلك شرطًا لو أدخل في صلب العقد مع أنه لم يجر له ذكر فيما بين المتعاقدين، ولو سلم ففيه دلالة على أن الفاسد من البيوع مفيد للملك [كما تقدم في \"باب إذا لم يوقت الخيار - ز\"] ينفذ الإعتاق من المشتري شراء فاسدًا. . .، إلى آخر ما قال.\nوفي هامشه: تقدم الكلام على مسألة البيع بشرط واحد أو بشرطين في كتاب البيوع في \"باب إذا اشترط في البيع شروطًا\" وذكر الإمام البخاري رحمه الله تعالى في الباب المذكور أيضًا حديث بريرة هذا، ولذا بنى الشيخ قُدِّس سرُّه تقريره على تلك المسألة، والأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن الإمام البخاري أراد ها هنا فروعًا خلافية تتعلق بالكتابة والعتق فترجم أولًا \"بباب بيع المكاتب إذا رضي\" كما تقدم الكلام عليه، ثم ترجم ثانيًا بهذه الترجمة، وأراد به إثبات بيعه بشرط العتق، وهي مسألة خلافية.\nقال الحافظ: إذا وقع البيع بشرط العتق صح على أصح القولين عند الشافعية والمالكية، وعن الحنفية يبطل، انتهى.\nوفي \"الشرح الكبير\" (^٣) لابن قدامة في بحث الشروط في البيع: إذا شرط العتق ففي صحته روايتان: إحداهما: يصح، والثانية: الشرط فاسد، انتهى.\nثم البراعة عند الحافظ في قوله: \"الولاء لمن أعتق\"، وعندي في قوله: \"مات\"، فافهم.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٩/ ٣٧٦).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٦/ ٣٩٦، ٣٩٧).\n(^٣) \"الشرح الكبير\" (٤/ ٥٥).","vol":"4","page":108},{"text":"٥١ -<span data-type='title' id=toc-1845> كتاب الهبة</span>\nالهبة: بكسر الهاء وتخفيف الموحدة، تطلق بالمعنى الأعم على أنواع: الإبراء وهو هبة الدَّين ممن هو عليه، والصدقة وهي هبة ما يتمحض به طلب ثواب الآخرة، والهدية وهي ما يكرم به الموهوب له، ومن خصها بالحياة أخرج الوصية وهي تكون أيضًا بالأنواع الثلاثة، وتطلق الهبة بالمعنى الأخص على ما لا يقصد له بدل، وعليه ينطبق قول من عرف الهبة بأنها تمليك بلا عوض، وصنيع المؤلف محمول على المعنى الأعم لأنه أدخل فيها الهدايا، انتهى من \"الفتح\" (^١)، وأجاد القسطلاني (^٢) في البحث في معناه، وبسط الكلام عليه.\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-1846> باب القليل من الهبة)</span>\nقال الحافظ (^٣): مناسبة الحديث للترجمة بطريق الأولى؛ لأنه إذا كان يجيب من دعاه إلى ذلك القدر اليسير فلأن يقبله ممن أحضره إليه أولى، انتهى.\nقال القسطلاني (^٤) بعد ذكر الحديث: وهذا يدل على جواز القليل من الهدية وأنه لا يرد والهدية في معنى الهبة فتحصل المطابقة بين الحديث والترجمة، انتهى.\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-1847> باب من استوهب من أصحابه شيئًا)</span>\nأي: سواء كان عينًا أو منفعة جاز، أي: بغير كراهة في ذلك إذا كان\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ١٩٧).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٦/ ٣).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٥/ ١٩٩).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (٦/ ٦).","vol":"4","page":109},{"text":"يعلم طيب أنفسهم، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nقلت: والغرض من هذه الترجمة، وكذا من الترجمة الآتية ظاهر، وهو استثناؤهما من ذم السؤال الوارد في كثير من الروايات، ومحل الاستثناء هو ما تقدم من كلام الحافظ من قوله: \"إذا كان يعلم طيب أنفسهم\".\n\n(٤ -<span data-type='title' id=toc-1848> باب من استسقى. . .) إلخ</span>\nماءً أو لبنًا أو غير ذلك مما تطيب به نفس المطلوب منه (^٢)، وغرض الترجمة قد تقدم في الباب السابق.\n\n(٥ -<span data-type='title' id=toc-1849> باب قبول هدية الصيد)</span>\nكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٣): أفرده بالذكر لما في تحصيله من تعب، فلعل متوهمًا يتوهم أنه لا يجوز قبوله لما يلحق المهدي فيه من الضرر، انتهى.\nوفي هامشه: ولا يبعد عندي أنه أشار بذلك إلى دفع ما يتوهم من قوله - ﷺ -: \"من اتبع الصيد فقد غفل\" أخرجه الإمام أبو داود والترمذي وغيرهما، من أن الاشتغال بذلك سبب الغفلة، وقبول هدية إعانة على ذلك، وسيأتي في كتاب الذبائح \"باب ما جاء في التصيد\" قال ابن المنيِّر: مقصوده بهذه الترجمة التنبيه على أن الاشتغال بالصيد لمن هو عيشه به مشروع، ولمن عرض له ذلك وعيشه بغيره مباح، وأما التصيد لمجرد اللهو فهو محل الخلاف. . .، إلى آخر ما ذكر في هامش \"اللامع\".\nثم اعلم أن المصنف ذكر في هذا الباب حديثين على ما في النسخ الهندية، وترجم في نسخ الشروح على الحديث الثاني حديث صعب بن جثامة\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ٢٠٠).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (٥/ ٢٠١).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٧/ ٢ - ٣).","vol":"4","page":110},{"text":"ترجمة بـ \"باب قبول هدية الصيد\" وليست هذه في النسخ الهندية.\nقال الحافظ (^١): كذا ثبت لأبي ذر، وسقطت هذه الترجمة هنا لغيره وهو الصواب، وشاهد الترجمة من الحديث مفهوم قوله: \"لم نردّه عليك إلا أنّا حرم\"، انتهى.\n\n(٧ -<span data-type='title' id=toc-1850> باب قبول الهدية)</span>\nقال الحافظ (^٢): كذا لأبي ذر وهو تكرار بغير فائدة، انتهى.\nقلت: وهذا بحسب نسخة الحافظ، كما تقدم، ثم قال الحافظ: وهذه الترجمة بالنسبة إلى ترجمة قبول هدية الصيد من العام بعد الخاص، انتهى.\nقلت: ويمكن عندي في غرض الترجمة أن المصنف لوَّح به إلى ما في أبي داود من قوله - ﷺ -: \"لا أقبل بعد يومي هذا من أحد هدية إلا أن يكون مهاجريًا قرشيًا أو أنصاريًا أو دوسيًا أو ثقفيًا\" وسيأتي قريبًا في \"البخاري\" عن عمر بن عبد العزيز: \"كانت الهدية في زمنه - ﷺ - هدية، واليوم رشوة\".\nثم لا يذهب عليك ما قال الحافظ (^٣) في آخر حديث الباب حديث أم عطية، إذ قال: استشكلت قصة عائشة في حديث أم عطية مع حديثها في قصة بريرة؛ لأن شأنهما واحد، وقد أعلمها النبي - ﷺ - في كل منهما بما حاصله: أن الصدقة إذا قبضها من يحل له أخذها ثم تصرف فيها زال عنها حكم الصدقة، فلو تقدمت إحدى القصتين على الأخرى لأغنى ذلك عن إعادة ذكر الحكم، ويبعد أن تقع القصتان دفعة واحدة، انتهى.\nولم يذكر الحافظ الجواب عن هذا الإشكال، ويمكن التفصي عنه بتنويع الصدقتين: النفل والواجب، بأن تكون إحدى القصتين واردة في صدقة النفل، والأخرى في صدقة الواجب، فاحتيج إلى بيان الحكم في\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ٢٠٢، ٢٠٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٥/ ٢٠٤).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٥/ ٢٠٥).","vol":"4","page":111},{"text":"النوع الآخر أيهما كان، أو يقال: إن قصة أم عطية متقدمة، لكنها كانت حرة، فوجد الإشكال في قصة بريرة لكونها مولاة لعائشة، ومال العبد مال لمولاه، أو يقال: إن قصة بريرة متقدمة إلا أن في قصة بريرة كان المتصدق غير النبي - ﷺ -، بخلاف قصة أم عطية، فإن المتصدق فيها هو النبي - ﷺ -، ففيها نوع رجوع في الصدقة، فافهم، وهذا الأخير أوجه الأجوبة عندي.\n\n(٨ -<span data-type='title' id=toc-1851> باب من أهدى إلى صاحبه، وتحرى بعض نسائه)</span>\nيقال: تحرى الشيء إذا قصده دون غيره، قاله الحافظ (^١).\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): يعني بذلك: أن فعل هؤلاء لا يضر بالعدل الواجب على الزوج لأنهم لم يؤمروا بذلك ولو رضي الزوج بفعلهم ذلك وصنيعهم هذا كان غير مؤاخذ عليه أيضًا لأنهما فعلان قلبيان، وقد قال النبي - ﷺ -: \"اللَّهم هذا قسمي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك\"، انتهى.\nوفي هامشه: قال الكرماني في الحديث: إنه ليس على الرجل حرج في إيثار بعض نسائه بالتحف من المآكل، وإنما يلزمه العدل في المبيت وإقامة النفقة والكسوة، انتهى.\nقال الحافظ (^٣): وتعقبه ابن المنيِّر بأن النبي - ﷺ - لم يفعل ذلك وإنما فعله الذين أهدوا له وهم باختيارهم في ذلك، وإنما لم يمنعهم النبي - ﷺ -؛ لأنه ليس من كمال الأخلاق أن يتعرض الرجل إلى الناس بمثل ذلك لما فيه من التعرض بطلب الهدية، مع أن الذي يظهر أنه - ﷺ - كان يشركهن في ذلك، وإنما وقعت المنافسة لكون العطية تصل إليهن من بيت عائشة، وفيه قصد الناس بالهدايا أوقات المسرة ومواضعها ليزيد ذلك في سرور المهدي إليه، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ٢٠٦).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٧/ ٥ - ٧).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٥/ ٢٠٨).","vol":"4","page":112},{"text":"(٩ -<span data-type='title' id=toc-1852> باب ما لا يرد من الهدية)</span>\nقال الحافظ (^١): كأنه أشار إلى ما رواه الترمذي من حديث ابن عمر مرفوعًا: \"ثلاث لا ترد: الوسائد والدهن واللبن\" قال الترمذي: يعني بالدهن: الطيب، وإسناده حسن إلا أنه ليس على شرط البخاري، فأشار إليه واكتفى بحديث أنس، قال ابن بطال: إنما كان لا يرد الطيب لمناجاة الملائكة.\nقال الحافظ: لو كان هذا هو السبب لكان من خصائصه، وليس كذلك فإن أنسًا اقتدى به في ذلك، وقد ورد النهي عن رده مقرونًا ببيان الحكمة في حديث صحيح رواه أبو داود والنسائي وغيرهما عن أبي هريرة مرفوعًا: \"من عرض عليه طيب فلا يرده فإنه خفيف المحمل طيب الرائحة\"، انتهى.\n\n(١٠ -<span data-type='title' id=toc-1853> باب من رأى الهبة الغائبة جائزة)</span>\nقال العلَّامة العيني (^٢): الهبة الغائبة أي: التي توهب؛ لأن نفس الهبة مصدر، فلا يوصف بالغيبة.\nوفي \"الفيض\" (^٣): أراد من الهبة الشيء الموهوب، والمعنى أن هبة الشيء جائزة، وإن كان غائبًا عن المجلس، أو كان الموهوب له أيضًا غائبًا، وحاصله: أنه لا يشترط لصحة الهبة حضور الموهوب له، أو الشيء الموهوب، انتهى.\nقلت: ويتفرع عليه أن القبض لا يشترط لصحة الهبة كما هو مختار المصنف، والمسألة خلافية، ستأتي في \"باب إذا وهب هبة أو وعد. . .\" إلخ.\nقال القسطلاني (^٤) بعد ذكر الحديث: ومراد المؤلف منه هنا قوله - ﷺ -:\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ٢٠٩).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٩/ ٣٩٨).\n(^٣) \"فيض الباري\" (٤/ ٤٨).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (٦/ ٢٢).","vol":"4","page":113},{"text":"\"وإني رأيت أن أردَّ إليهم سبيهم، فمن أحب منكم أن يُطيب ذلك فليفعل\"، مع قولهم: \"طيبنا لك\"، ففيه أنهم وهبوا ما غنموه من السبي قبل أن يقسم، وذلك في معنى الغائب وتركهم إياه في معنى الهبة، كذا قرره في \"فتح الباري\"، وفيه من التعسف ما لا يخفى، وإطلاق الترك على الهبة بعيد.\nوزعم ابن بطال أن فيه دليلًا على أن للسلطان أن يرفع أملاك قوم إذا كان في ذلك مصلحة، وتعقبه ابن المنيِّر بأنه لا دليل فيه على ذلك بل في نفس الحديث أنه - ﷺ - لم يفعل ذلك إلا بعد تطييب نفوس المالكين، ولا يسوغ للسلطان نقل أملاك الناس وكل أحد أحق بماله، وتعقبه ابن الدماميني من المالكية فقال: لنا في المذهب صورة ينقل فيها السلطان ملك الإنسان جبرًا كدار ملاصقة للجامع الذي احتيج إلى توسعته لكنه لا ينقل إلا بالثمن، انتهى.\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): ولا يمكن الإيراد بذلك على من وقف تمامها على القبض فإن الهبة جائزة عنده إلا أنها لم تتم بعد، أو يكون ما ورد في الرواية عدة فلا يرد الذي أوردتم، انتهى.\nقلت: إن كلام الشرَّاح ههنا نص في أنه - ﷺ - رد سبي هوازن قبل القسمة، وسيأتي في \"باب الهبة المقبوضة وغير المقبوضة\" من قوله: \"وقد وهب النبي - ﷺ - وأصحابه لهوازن ما غنموا منهم وهو غير مقسوم\"، ويشكل على هذا ما يأتي في \"المغازي\" في هذه القصة في باب قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ [التوبة: ٢٥] وفيه قوله: \"قد استأنيت بكم\"، أي: أخَّرت قسم السبي لتحضروا فأبطأتم حتى ظننت أنكم لا تقدمون وقد قسمت السبي، انتهى.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٧/ ١٣).","vol":"4","page":114},{"text":"ففيه تصريح بأن رد السبايا كان بعد القسمة، ولم يتعرض لذلك الشرَّاح ها هنا بل كلهم متضافرون على أن ردها كان قبل القسمة، وعليه بنوا كلامهم في شروح التراجم، اللَّهم إلا أن يقال: إن هذا مبني على اختلاف الروايات، فقد تقدم في \"كتاب الوكالة\" في \"باب إذا وهب شيئًا لوكيل أو شفيع قوم\" عن العلَّامة العيني أن رد سبيهم إليهم كان قبل القسمة عند ابن إسحاق وعند غيره بعدها، انتهى من هامش \"اللامع\" (^١) مختصرًا.\n\n(١١ -<span data-type='title' id=toc-1854> باب المكافأة في الهبة)</span>\nقال الحافظ (^٢): المراد بالهبة هنا المعنى الأعم، انتهى، المكافأة بالهمزة وقد يترك مفاعلة بمعنى المقابلة، واستدل بالحديث بعض المالكية على وجوب الثواب على الهدية إذا أطلق وكان ممن يطلب مثله الثواب كالفقير للغني، بخلاف ما يهبه الأعلى للأدنى، ووجه الدلالة منه مواظبته - ﷺ - على ذلك، ومذهب الشافعية لا يجب بمطلق الهبة والهدية إذ لا يقتضيه اللفظ ولا العادة، ومطابقة الحديث للترجمة متجهة إذا أريد بلفظ الهبة معناها الأعم، انتهى (^٣).\nوقال الحافظ (^٤): وبه، أي: بقول بعض المالكية قال الشافعي في القديم، وقال في الجديد كالحنفية: الهبة للثواب باطلة لا تنعقد لأنها بيع بثمن مجهول، ولأن موضوع الهبة التبرع فلو أبطلناه لكان في معنى المعاوضة، انتهى مختصرًا.\nوفي \"الفيض\" (^٥): أراد المصنف أن الهبة بشرط العوض جائزة، وفي \"الهداية\": أنها هبة ابتداءً، وبيع انتهاءً، انتهى.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٧/ ١٢ - ١٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٥/ ٢١٠).\n(^٣) انظر: \"إرشاد الساري\" (٦/ ٢٣).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٥/ ٢١٠).\n(^٥) \"فيض الباري\" (٤/ ٤٩).","vol":"4","page":115},{"text":"(١٢ -<span data-type='title' id=toc-1855> باب الهبة للولد. . .) إلخ</span>\nاشتملت هذه الترجمة على أربعة أحكام:\nالأول: الهبة للولد، وإنما ترجم به ليرفع إشكال من يأخذ بظاهر الحديث المشهور \"أنت ومالك لأبيك\" لأن مال الولد إذا كان لأبيه فلو وهب الأب ولده شيئًا كان كأنه وهب نفسه، ففي الترجمة إشارة إلى ضعف الحديث المذكور أو إلى تأويله، وهو حديث أخرجه ابن ماجه من حديث جابر. وبسط الحافظ (^١) في تخريجه ثم قال: فمجموع طرقه لا تحطه عن القوة، فتعين تأويله.\nالحكم الثاني: العدل بين الأولاد في الهبة، وهي من مسائل الخلاف كما سيأتي، وحديث الباب حجة لمن أوجبه.\nوالثالث: رجوع الوالد فيما وهب للولد، وهي خلافية أيضًا.\nالرابع: أكل الوالد من مال الولد بالمعروف، قال ابن المنيِّر (^٢): وفي انتزاعه من حديث الباب خفاء، ووجهه لما جاز للأب بالاتفاق أن يأكل من مال ولده إذا احتاج إليه فلأن يسترجع ما وهبه له بطريق الأولى، انتهى.\nوقال العيني (^٣) في المسألة الثالثة: إن الأب إذا وهب لابنه، هل له أن يرجع؟ فيه خلاف، فعند الشافعي وأحمد وإسحاق: ليس للواهب أن يرجع فيما وهب، إلا الذي ينحله الأب لابنه، وغير الأب من الأصول كالأب عند الشافعي في الأصح، وليس لغير الأب الرجوع عند مالك إلا أن عنده أن الأم لها الرجوع أيضًا، إذا كان أبوه حيًّا، وهذا هو الأشهر عند مالك، وروي عنه المنع، انتهى. وعند أصحابنا الحنفية: لا رجوع فيما يهبه لكل ذي رحم محرم بالنسب، كالأخ والأخت، وكل من لو كان امرأة لا يحل له أن يتزوجها، وبه قال طاوس والحسن وأحمد، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ٢١١، ٢١٢).\n(^٢) \"المتواري\" (ص ٢٨٤).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٩/ ٤٠٢).","vol":"4","page":116},{"text":"وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^١): إن أراد المصنف بعدم الجواز أنه لا يصلح فهو مسلَّم، ودلالة الرواية عليه واضحة، وإن أراد أن الهبة لم تقع أصلًا فهو غير مسلَّم، والرواية دالَّة على خلافه؛ لأنه الإرجاع لا يمكن دونه، انتهى.\nوفي هامشه: هذه هي المسألة الثانية من المسائل الأربعة المذكورة قبل، والمشهور من مذهب الإمام أحمد أن التسوية في عطية الأولاد واجب، فلو فضل بعضها فهي باطلة، وهو قول الثوري وإسحاق وبه صرَّح البخاري، وبه قال سائر الظاهرية وبعض المالكية، والمشهور عن هؤلاء أنها باطلة، وعن أحمد أنها تصح ويجب أن يرجع، وعنه يجوز التفاضل إن كان بسبب؛ كأن يحتاج الولد لزمانته أو كثرة عالته أو اشتغاله بالعلم ونحوه من الفضائل فيجوز، وقال أبو حنيفة وصاحباه ومالك والشافعي: يجوز أن ينحل لبعض ولده دون بعض، وقال الشافعي: ترك التفضيل حسن الأدب، وقال طاوس: لا يجوز ذلك ولا رغيف محترق، وبه قال ابن المبارك. . .، إلى آخر ما بسط في هامش \"اللامع\" في الدلائل.\n\n(١٣ -<span data-type='title' id=toc-1856> باب الإشهاد في الهبة)</span>\nقال العلَّامة العيني (^٢): مطابقة الحديث بالترجمة تؤخذ من معنى الحديث، فهو ظاهر، انتهى.\n\n(١٤ -<span data-type='title' id=toc-1857> باب هبة الرجل لامرأته. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٣): أي: هل يجوز لأحد منهما الرجوع فيها؟ وقول النخعي: \"جائزة\" أي: فلا رجوع فيها، ثم قال الحافظ بعد قول الزهري: التفصيل المذكور بين أن يكون خدعها فلها أن ترجع أو لا فلا، هو قول\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٧/ ١٥ - ١٦).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٩/ ٤٠٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٥/ ٢١٦ - ٢١٧).","vol":"4","page":117},{"text":"المالكية إن أقامت البينة على ذلك، وقيل: يقبل قولها في ذلك مطلقًا، وإلى عدم الرجوع من الجانبين مطلقًا ذهب الجمهور، انتهى.\nقلت: وميل الإمام البخاري إلى عدم جواز الرجوع كما تدل عليه الآثار التي ذكرها في الباب على الأصل الأربعين من أصول التراجم، قال العيني (^١): عن أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم: والمرأة بمنزلة ذي رحم، إذا وهب أحدهما لصحابه لم يكن له أن يرجع، انتهى، وتفصيل المذاهب في هامش \"اللامع\" (^٢).\nقوله: (العائد في هبته. . .) إلخ، كتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): أورده ها هنا لإثبات أنه ليس له أن يعود فيما أعطاها، ولا هي فيما أعطته، انتهى.\nوفي هامشه: وهو كذلك في الزوجين عندنا كما تقدم، والحديث من مستدلات الأئمة في عدم جواز الرجوع في هبة الأجنبي، والمسألة خلافية شهيرة بسطت في \"الأوجز\" (^٤) ففيه استدل بالحديث الشافعي وأحمد وإسحاق على أنه ليس للواهب أن يرجع فيما وهبه إلا الذي ينحله الأب لابنه، وعند مالك: له أن يرجع في الأجنبي الذي قصد منه الثواب ولم يثبه، وبه قال أحمد في رواية، وقال أبو حنيفة وأصحابه: للواهب الرجوع عن هبته ما دامت قائمة ولم يعوض منها، وفي \"المحلى\": قال أبو حنيفة: يصح الرجوع في الهبة إلا بأحد سبعة أمور: القرابة، والموت، والزوجية، والهلاك، والخروج عن الملك، والعوض، والزيادة.\nوبسط في \"الأوجز\" في دلائل الحنفية والجواب عن الحديث، انتهى.\n\n(١٥ -<span data-type='title' id=toc-1858> باب هبة المرأة لغير زوجها. . .) إلخ</span>\nوغرض المؤلف من الترجمة هو ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٥) حيث كتب: لما ورد في بعض الروايات أنها ليس لها أن\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٩/ ٤٠٩).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٧/ ١٦، ١٧).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٧/ ١٧).\n(^٤) \"أوجز المسالك\" (١٤/ ٢٠١ - ٢٠٦).\n(^٥) \"لامع الدراري\" (٧/ ١٨).","vol":"4","page":118},{"text":"تستبد بالتصرف في خالص مالها دون الزوج، بيَّن المؤلف أن التصرف لها في مالها وإن كان خلاف الأولى للحديث غير أنه نافذ منها إن فعلت، انتهى.\nوقال الحافظ (^١): قوله: \"إذا كان لها زوج\" أي: ولو كان لها زوج، ثم قال: وبهذا الحكم قال الجمهور، وخالف طاوس فمنع مطلقًا، وعن مالك لا يجوز لها أن تعطي بغير إذن زوجها ولو كانت رشيدة إلا من الثلث، وعن الليث لا يجوز مطلقًا إلا في الشيء التافه، وأدلة الجمهور من الكتاب والسُّنَّة كثيرة، قال ابن بطال (^٢): أحاديث الباب أصح، وحملها مالك على الشيء اليسير، وجعل حده الثلث فما دونه، انتهى.\nزاد العيني (^٣): أي: قياسًا على الوصية، انتهى.\nوفي \"الفيض\" (^٤): لعله تعريض إلى مذهب مالك، فإنه قال: لا يجوز للزوجة أن تتصرف في مال نفسها إلا بإذن زوجها، واختار المصنف مذهب الجمهور، انتهى. وقال الموفق (^٥): وظاهر كلام الخرقي أن للمرأة الرشيدة التصرف في مالها كله، بالتبرع، والمعاوضة، وهذا إحدى الروايتين عن أحمد، وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي، وعن أحمد رواية أخرى: ليس لها أن تتصرف في مالها بزيادة على الثلث بغير عوض، إلا بإذن زوجها، وبه قال مالك. . .، إلى آخر ما بسط في الدلائل، وسيأتي في كتاب الأدب \"باب صلة المرأة أمها ولها زوج\".\n\n(١٦ -<span data-type='title' id=toc-1859> باب بمن يبدأ بالهدية</span>؟)\nقال الحافظ (^٦): أي: عند التعارض في أصل الاستحقاق، وحديث ميمونة فيه الاستواء في صفة ما من الاستحقاق فيقدم القريب على الغريب،\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ٢١٨).\n(^٢) (٧/ ١٠٨ - ١٠٩).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٩/ ٤١٣).\n(^٤) \"فيض الباري\" (٤/ ٥٢ - ٥٣).\n(^٥) \"المغني\" (٦/ ٦٠٢).\n(^٦) \"فتح الباري\" (٥/ ٢٢٠).","vol":"4","page":119},{"text":"وحديث عائشة المذكور بعده فيه الاستواء في الصفات كلها فيقدم الأقرب في الذات، انتهى.\n\n(١٧ -<span data-type='title' id=toc-1860> باب من لم يقبل الهدية لعلة)</span>\nأي: بسبب ينشأ عنه الريبة كالقرض ونحوه.\nقوله: (وقال عمر بن عبد العزيز. . .) إلخ، وصله ابن سعد (^١) بقصة فيه، فروى من طريق فرات بن مسلم قال: إنه اشتهى عمر بن عبد العزيز التفاح فلم يجد في بيته شيئًا يشتري به، فركبنا معه، فتلقاه غلمان الدير بأطباق تفاح، فتناول واحدة فشمها ثم رد الأطباق، فقلت له في ذلك فقال: لا حاجة لي فيه، فقلت: ألم يكن رسول الله وأبو بكر وعمر يقبلون الهدية فقال: إنها لأولئك هدية وهي للعمال بعدهم رشوة، وقال ابن العربي: الرشوة كل مال دفع ليبتاع به من ذي جاه عونًا على ما لا يحل، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): قوله: (واليوم رشوة) لأن النبي - ﷺ - كان معصومًا فلم يكن هناك مظنة جور في الحكم وإمكان ذلك فاستوى المهدي وغيره، ولا كذلك فينا معاشر الأمراء والحكام، وقوله: (فلينظر أيهدى له أم لا) فيه الترجمة حيث أنكر النبي - ﷺ - قبوله الهدية لأنها كانت لعلة، انتهى.\n\n(١٨ -<span data-type='title' id=toc-1861> باب إذا وهب هبة أو وعد. . .) إلخ</span>\nقال القسطلاني (^٤): قوله: \"قبل أن تصل\" أي: الهبة أو الذي وعده به \"إليه\" أي: إلى الموهوب له أو الموعود له لم ينفسخ عقد الهبة لأنه يؤول إلى اللزوم كالبيع، انتهى.\nقال الحافظ (^٥): قال الإسماعيلي: هذه الترجمة لا تدخل في الهبة بحال.\n_________\n(^١) \"طبقات ابن سعد\" (٥/ ٣٧٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٥/ ٢٢١).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٧/ ١٨ - ١٩).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (٦/ ٣٦).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٥/ ٢٢٢).","vol":"4","page":120},{"text":"قال الحافظ: قال ذلك بناء على أن الهبة لا تصح إلا بالقبض، وإلا فليست هبة، وهذا مقتضى مذهبه، لكن من يقول: إنها تصح بدون القبض يسميها هبة، وكأن البخاري جنح إلى ذلك، انتهى.\nقلت: ومسألة الباب خلافية بسطت في \"الأوجز\" (^١)، وفيه عن \"المغني\" (^٢): المكيل والموزون لا تلزم فيه الصدقة والهبة إلا بالقبض، وهو قول أكثر الفقهاء، منهم أبو حنيفة والشافعي، وقال مالك: يلزم ذلك بمجرد العقد؛ لأنه تبرع، فلا يصبر فيه القبض كالوصية والوقف، ولنا إجماع الصحابة، وأما غير المكيل والموزون، فتلزم الهبة فيه بمجرد العقد، وهو قول مالك، وعن أحمد رواية أخرى: لا تلزم الهبة في الجميع إلا بالقبض، وهو قول أكثر أهل العلم، منهم الثوري والشافعي وأصحاب الرأي، لما ذكرنا في المسألة الأولى، انتهى.\nوفي \"الدر المختار\" (^٣): \"وشرائط صحتها في الواهب: العقل والبلوغ والملك\" فلا تصح هبة صغير ورقيق ولو مكاتبًا \"و\" شرائط صحتها في الموهوب أن يكون مقبوضًا غير مشاع مميزًا غير مشغول\"، انتهى.\nقوله: (وكانت فصلت الهدية. . .) إلخ، كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٤): أي: أفرزت من مال المهدي وليس المراد القبض كما فهم المحشي؛ لأنه يلغو عليه قوله: \"وهو حي\"؛ لأن القبض لا يمكن إلا وهو حي، وعندنا هي للمهدي ولورثته؛ لأن إفرازه عن ماله لا يخرجها عن ملكه، نعم قول الحسن يوافق رأي الحنفية إن كان المراد بالرسول في كلامه رسول المهدى له، وهو الظاهر من مقابلة كلامه بكلام عبيدة مع أن الرسول إذا كان رسول المهدي كان في حكم نفسه فلا يناسب بناء الاختلاف عليه فتدبر، انتهى.\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (١٤/ ١٩٢ - ١٩٤).\n(^٢) \"المغني\" (٨/ ٢٤٠).\n(^٣) \"الدر المختار\" (٥/ ٢٥٥).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٧/ ١٩ - ٢٠).","vol":"4","page":121},{"text":"وبسط شيء من الكلام عليه في هامش \"اللامع\" (^١)، وفيه عن \"الفيض\" (^٢): حاصل قول عبيدة أن المدار على الفضل. قلنا: المدار على القبض دون التقسيم، انتهى.\nوقال الحافظ (^٣): قال الإسماعيلي: ليس ما قاله النبي - ﷺ - لجابر هبة، وإنما هي عدة على وصف، لكن لما كان وعد النبي - ﷺ - لا يجوز أن يخلف نزلوا وعده منزلة الضمان في الصحة فرقًا بينه وبين غيره من الأمة ممن يجوز أن يفيء وأن لا يفيء.\nقال الحافظ: وجه إيراده أنه نزل الهدية إذا لم تقبض منزلة الوعد بها، وقد أمر الله بإنجاز الوعد، لكن حمله الجمهور على الندب، انتهى.\nوتعقب القسطلاني (^٤) على إيراد الإسماعيلي إذ قال: فيه نظر، وبيانه كما في \"المصابيح\": أن الترجمة لشيئين، أحدهما: إذا وهب ثم مات قبل وصولها فساق لها ما ذكره عن عبيدة والحسن، ثانيهما: إذا وعد ثم مات، وساق له حديث جابر، وقوله - ﷺ -: \"لو جاء مال البحرين. . .\" إلخ، وعد بلا ريب، فلم يقع للمؤلف - ﵀ - إخلال لما وقع في الترجمة على ما لا يخفى. . .، إلى آخر ما قال، انتهى.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٥): ولم يثبت شيء مما قصده المؤلف أن الهبة تتم من غير قبض؛ لأن الهبة هنا إنما تمت لإعطاء أبي بكر، وإلا فلم يكن إلا عدة محضة كما يدل عليه قول أبي بكر: \"من كان له عدة. . .\" إلخ، ولعل المؤلف قصد بترجمته أن من وعد وعدًا أو وهب هبة بمعنى أنه قصد أن يهبها فإن إيفاءه مستحسن وواجب في مكارم الأخلاق لا في شريعة الحلال والحرام وهو مسلم، ودلالة الرواية عليه غير مستنكرة، انتهى.\n_________\n(^١) \"اللامع\" (٧/ ٢٠).\n(^٢) \"فيض الباري\" (٤/ ٥٤).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٥/ ٢٢٢).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (٦/ ٣٨).\n(^٥) \"لامع الدراري\" (٧/ ٢١ - ٢٢).","vol":"4","page":122},{"text":"والظاهر عندي: أن ميل الإمام البخاري إلى أن إيفاء الوعد واجب؛ فإنه ترجم في \"كتاب الشهادات\": \"باب من أمر بإنجاز الوعد\" كما سيأتي هناك.\n\n(١٩ -<span data-type='title' id=toc-1862> باب كيف يقبض العبد والمتاع</span>؟)\nأي: الموهوب، والترجمة في الكيفية لا في أصل القبض، وكأنه أشار إلى قول من قال: يشترط في الهبة حقيقة القبض دون التخلية، وسأشير إليه بعد ثلاثة أبواب، قال ابن بطال (^١): كيفية القبض عند العلماء بإسلام الواهب لها إلى الموهوب وحيازة الموهوب لذلك، قال: واختلفوا هل من شرط صحة الهبة الحيازة أم لا؟ وقول الجمهور إنها لا تتم إلا بالقبض، وهو قول الشافعي في الجديد، وفي القديم - وبه قال داود - تصح بنفس العقد وإن لم تقبض، وعن أحمد: تصح بدون القبض في العين المعينة دون الشائعة، وعن مالك كالقديم لكن قال: إن مات الواهب قبل القبض وزادت على الثلث افتقر إلى إجازة الوارث، انتهى من \"الفتح\" (^٢) بزيادة من \"القسطلاني\" (^٣).\nقلت: المسألة التي ترجم بها الإمام البخاري كما تقدم عن الحافظ، هي مسألة كيفية القبض، كما تقدم.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٤): لعل المؤلف قصد بذلك أن ما قال بعضهم: إن قبض الضمان لا ينوب عن قبض الأمانة غير مسلم، وأن الواجب هو القبض المطلق كيف ما كان: قبض أمان أو قبض ضمان، حتى إن قبض ابن عمر كان قبض أمانة حين هو راكب عليه وهو مملوك لعمر، ثم صارت قبضته قبضة ضمان حين ملكه النبي - ﷺ - وعبد الله راكبه، ثم لما وهبه النبي - ﷺ - إياه صار قبضه قبض أمانة وأنت تعلم ما فيه، انتهى.\n_________\n(^١) (٧/ ١١٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٥/ ٢٢٣).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (٦/ ٣٩).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٧/ ٢٢ - ٢٤).","vol":"4","page":123},{"text":"قلت: فهذا غرض آخر للترجمة، واختاره مولانا محمد حسن المكي أيضًا في تقريره، كما بسط في هامش \"اللامع\" (^١)، فارجع إليه لو شئت.\n\n(٢٠ -<span data-type='title' id=toc-1863> باب إذا وهب هبة فقبضها الآخر. . .) إلخ</span>\nأي: الموهوب له، قال الحافظ (^٢): أي جازت، ونقل فيه ابن بطال (^٣) اتفاق العلماء، وأن القبض في الهبة هو غاية القبول، وغفل - ﵀ - عن مذهب الشافعي، فإن الشافعية يشترطون القبول في الهبة دون الهدية، إلا إن كانت الهبة ضمنية كما لو قال: أعتق عبدك عني، فعتقه عنه، فإنه يدخل في ملكه هبة ويعتق عنه ولا يشترط القبول، ومقابل إطلاق ابن بطال قول الماوردي: قال الحسن البصري: لا يعتبر القبول في الهبة كالعتق، قال: وهو قول شذ به عن الجماعة وخالف فيه الكافة إلا أن يريد الهدية فيحتمل، انتهى.\nعلى أن في اشتراط القبول في الهدية وجهًا عند الشافعية، وقد اعترض الإسماعيلي بأنه ليس في الحديث أن ذلك كان هبة، بل لعله كان من الصدقة فيكون قاسمًا لا واهبًا، انتهى.\nقال الحافظ: وقد تقدم في الصوم التصريح بأن ذلك كان من الصدقة، وكأن المصنف يجنح إلى أنه لا فرق في ذلك، انتهى.\nوفي \"الفيض\" (^٤): ولا يلزم القبول باللفظ عندنا، وهو مذهب البخاري، انتهى.\nقلت: وهو مذهب الجمهور خلافًا للشافعي كما تقدم.\n\n(٢١ -<span data-type='title' id=toc-1864> باب إذا وهب دينًا على رجل. . .) إلخ</span>\nأي: \"إذا وهب\" رجل\"دينًا\" له \"على رجل\" لآخر أو لمن هو عليه، قاله القسطلاني (^٥).\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٧/ ٢٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٥/ ٢٢٣).\n(^٣) (٧/ ١١٨).\n(^٤) \"فيض الباري\" (٤/ ٥٥).\n(^٥) \"إرشاد الساري\" (٦/ ٤١).","vol":"4","page":124},{"text":"وقال الحافظ (^١): أي: صح ولو لم يقبضه منه ويقبض له، قال ابن بطال (^٢): لا خلاف بين العلماء في صحة الإبراء من الدين إذا قبل البراءة، وإنما اختلفوا إذا وهب دينًا له على رجل لرجل آخر، فمن اشترط في صحة الهبة القبض لم يصحح هذه ومن لم يشترطه صححها، لكن شرط مالك أن تسلم إليه الوثيقة ويشهد له بذلك على نفسه أو يشهد بذلك ويعلنه إن لم يكن به وثيقة، انتهى.\nقال الحافظ: وعند الشافعية في ذلك وجهان: جزم الماوردي بالبطلان، وصححه الغزالي، وصحح العمراني وغيره الصحة، وهكذا في \"العيني\" (^٣) وزاد: قال الشافعي وأبو حنيفة: الهبة غير جائزة لأنها لا تجوز عندهم إلا مقبوضة، وقال أصحابنا الحنفية: تمليك الدين من غير من هو عليه لا يجوز لأنه لا يقدر على تسليمه، ولو ملكه ممن هو عليه يجوز؛ لأنه إسقاط وإبراء، انتهى.\nوكتب مولانا حسين علي البنجابي: هذا هو إسقاط دين، وأما إذا وهب الدائن الدين لغير المديون فلا يملك بالهبة؛ لأنه لا يتم إلا بالقبض كما جاء في حديث نقله صاحب \"الهداية\"، انتهى.\nقال الحافظ في حديث جابر: تؤخذ الترجمة من قوله: \"فسأل النبي - ﷺ - غرماء والد جابر أن يقبلوا ثمر حائطه وأن يحللوه\" فلو قبلوا كان في ذلك براءة ذمته من بقية الدين، ويكون في معنى الترجمة، وهو هبة الدين، ولو لم يكن جائزًا لما طلبه النبي - ﷺ - (^٤)، انتهى.\n\n(٢٢ -<span data-type='title' id=toc-1865> باب هبة الواحد للجماعة)</span>\nقال الحافظ (^٥): أي: يجوز ولو كان شيئًا مشاعًا، قال ابن بطال (^٦):\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ٢٢٤).\n(^٢) (٧/ ١١٩).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٩/ ٤٢٥).\n(^٤) انظر: \"اللامع\" (٧/ ٢٧).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٥/ ٢٢٥).\n(^٦) (٧/ ١٢٠).","vol":"4","page":125},{"text":"غرض المصنف إثبات هبة المشاع، وهو قول الجمهور خلافًا لأبي حنيفة، كذا أطلق، وتعقب بأنه ليس على إطلاقه وإنما يفرق في هبة المشاع بين ما يقبل القسمة وما لا يقبلها، والعبرة بذلك وقت القبض لا وقت العقد، وهكذا في \"العيني\" (^١) وقال: العبرة في الشيوع وقت القبض لا وقت العقد، حتى لو وهب مشاعًا وسلم مقسومًا، انتهى.\nوإلى ذلك أشار الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٢) إذ كتب: قوله: (وقالت أسماء للقاسم. . .) إلخ، وكانا ابني أخيه وكان له بنون فكان ذلك وصية منها، والوصية بالمشاع جائزة عندنا أيضًا، أو كانت وهبت لهما فلما اقتسماها تمت الهبة، ونحن نقر أيضًا إن وهب مشاعًا فاقتسمه الموهوب لهم فإنها تتم بالقسمة وإن لم تتم بالهبة نفسها، ومع ذلك ففعل أسماء - ﵂ - ليس حجة على مجتهد.\nوقوله: (أعطيت هؤلاء) فيه الترجمة حيث استرخصه أن يعطيهم ولو لم تكن هبة المشاع جائزة لما استأذنه بلفظ الجمع الذي ذكره في كلامه، والجواب: أما أولًا: فبأن إعطاءه إياهم لو وقع كما قصده النبي - ﷺ - لأعطى كلًّا منهم نصيبه والباقي من كل واحد واحد منهم كان باقيًا على ملكه حتى يعطيه آخر، فلم يكن إعطاؤه إياهم إلا إعطاء واحد بعد واحد، ولو سلم أنه قصد أن يعطيهم جميعًا فالقسمة في هذا المجلس كانت مجوزة للهبة ومتممة لها كما ذكرنا في قصة أسماء فافهم، انتهى من \"اللامع\".\nوفي هامشه (^٣): قال الحافظ: قد اعترض الإسماعيلي بأنه ليس في حديث سهل ما ترجم به وإنما هو من طريق الإرفاق وأطال في ذلك، والحق كما قال ابن بطال: إنه - ﷺ - سأل الغلام أن يهب نصيبه للأشياخ وكان نصيبه منه مشاعًا غير متميز فدل على صحة هبة المشاع، انتهى.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٩/ ٤٢٧).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٧/ ٢٧ - ٢٩).\n(^٣) \"اللامع\" (٧/ ٢٩).","vol":"4","page":126},{"text":"وفي \"الفيض\" (^١): قوله: \"باب يهبه الواحد. . .\" إلخ، اعلم أنه يشترط لصحة الهبة عندنا أن لا يكون مشاعًا، وذلك لأن القبض من تمام الهبة، وهو ضعيف في المشاع، ثم إن كان الواهب واحدًا، والموهوب له جماعةً، فهو مشاع عند الإمام الأعظم، وقال صاحباه: إنه ليس بمشاع وإن كان الواهب جماعةً، والموهوب له واحدًا، فلا شيوع عند الإمام، وأما البخاري فذهب إلى هدر الشيوع ولم يره شيئًا، فتصح عنده هبة المشاع أيضًا. . .، إلى آخر ما بسط فيه.\n\n(٢٣ -<span data-type='title' id=toc-1866> باب الهبة المقبوضة وغير المقبوضة)</span>\nقال الحافظ (^٢): أما المقبوضة فتقدم حكمها، وأما غير المقبوضة فالمراد القبض الحقيقي، وأما التقديري فلا بد منه؛ لأن الذي ذكره من هبة الغانمين لوفد هوازن ما غنموه قبل أن يقسم فيهم ويقبضوه، فلا حجة فيه على صحة الهبة بغير قبض؛ لأن قبضهم إياه وقع تقديرًا باعتبار حيازتهم له على الشيوع، نعم قال بعض العلماء: يشترك في الهبة وقوع القبض الحقيقي ولا يكفي القبض التقديري بخلاف البيع، وهو وجه للشافعية، وأما الهبة المقسومة فحكمها واضح، وأما غير المقسومة فهو المقصود بهذه الترجمة، وهي مسألة هبة المشاع، والجمهور على صحة هبة المشاع للشريك وغيره سواء انقسم أو لا، وعن أبي حنيفة: لا يصح هبة جزء مما ينقسم مشاعًا لا من الشريك ولا من غيره.\nقوله: (وقد وهب النبي - ﷺ -. . .) إلخ، سيأتي موصولًا في الباب الذي يليه بأتم من هذا، وقوله: (هو غير مقسوم) من تفقه المصنف، انتهى.\nوقد تقدم في \"باب من رأى الهبة الغائبة جائزة\" شيء من الكلام على أن رد سبي هوازن كان قبل القسمة أو بعدها، فارجع إليه لو شئت.\n_________\n(^١) \"فيض الباري\" (٤/ ٥٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٥/ ٢٢٦).","vol":"4","page":127},{"text":"وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^١): وأنت تعلم أن سبي هوازن لم يكونوا مما يقبل القسمة ولا كلام فيه، فإن تقسيم رجل رجل منهم حتى يصير بعضه لأخيه وبعضه الآخر لأبيه وهكذا مما يتعذر، وهذا إذا سلم أنه كان هبة لهم، والذي يقتضيه النظر أنه لم تكن هبة لهم بل كان قبول شفاعتهم في رفع الأسر عن المستعبدين وإطلاقهم، انتهى.\nوفي \"الفيض\" (^٢): قوله: \"باب الهبة المقبوضة. . .\" إلخ، وسّع بالقبض أيضًا، كما كان وسّع بالشيوع وعدمه، وتمسك له بقصة سبي هوازن، وسنبين إن شاء الله تعالى أنه كان إعتاقًا لا هبة، كما فهمه المصنف، فينهدم أساس التفريعات كلها من جواز هبة المشاع، وعدم اشتراط القبض، انتهى.\n\n(٢٤ -<span data-type='title' id=toc-1867> باب إذا وهب جماعة لقوم. . .) إلخ</span>\nأورد فيه حديث المسور في قصة هوازن، وجه الدلالة منه للترجمة ظاهر؛ لأن الغانمين وهم جماعة وهبوا بعض الغنيمة لمن غنموها منهم وهم قوم هوازن، انتهى.\nقوله: (أو وهب رجل جماعة) كذا في النسخ الهندية، وليست هذه الزيادة في نسخ الشروح الثلاثة: \"الفتح\" و\"القسطلاني\" و\"العيني\".\nقال الحافظ (^٣): زاد الكشميهني في روايته: \"أو وهب رجل جماعة جاز\" وهذه الزيادة غير محتاج إليها لأنها تقدمت مفردة قبل باب، انتهى.\nقلت: ويمكن أن يقال في دفع التكرار: إن المراد بالجماعة الأشياء الموهوبة لا الموهوب لهم، فيفترق عما تقدم، وذلك لأن النبي - ﷺ - استوهب من الغانمين سهامهم فوهبوها له، فوهب - ﷺ - تلك السهام لهم.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٧/ ٣٠ - ٣١).\n(^٢) \"فيض الباري\" (٤/ ٥٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٥/ ٢٢٧).","vol":"4","page":128},{"text":"وفي \"الفيض\" (^١): بوّب بجواز الشيوع بكلا نحويه، وتمسك بسبي هوازن، وغرضه أن يسوغ فيه الأمران. . .، إلى آخر ما قال.\n\n(٢٥ -<span data-type='title' id=toc-1868> باب من أهدي له هدية وعنده جلساؤه فهو أحق بها. . .) إلخ</span>\nقوله: (ويذكر عن ابن عباس. . .) إلخ، بيّن المصنف بذلك ما هو الغرض من الترجمة، قال العيني (^٢): لما كان وضع الترجمة يخالف ما روي عن ابن عباس أشار إليه بصيغة التمريض، ولم يكتف بذلك حتى أكده بقوله: \"ولم يصح\" أي: ولم يصح هذا عن ابن عباس، ويحتمل أن يكون المعنى: ولم يصح في هذا الباب شيء، انتهى.\nوبسط الحافظان ابن حجر والعيني في تخريجه ورفعه ووقفه وشواهده، قال الحافظ (^٣): هذا الحديث جاء عن ابن عباس مرفوعًا وموقوفًا، والموقوف أصلح إسنادًا من المرفوع، قال ابن بطال (^٤): لو صح حديث ابن عباس لحمل على الندب فيما خف من الهدايا وما جرت العادة بترك المشاحة فيه، ثم ذكر حكاية أبي يوسف المشهورة، وفيما قاله نظر؛ لأنه لو صح لكانت العبرة بعموم اللفظ فلا يخص القليل من الكثير إلا بدليل، وأما حمله على الندب فواضح، انتهى.\nوذكر العيني (^٥) حكاية أبي يوسف القاضي: أن الرشيد أهدى إليه مالًا كثيرًا وهو جالس مع أصحابه، فقيل له هذا الحديث، فقال أبو يوسف: إنه لم يرد في مثله، وإنما ورد في ما خف من الهدايا من المأكل والمشرب. ويروى من غير هذا الوجه: أنه كان جالسًا وعنده أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، فحضر من عند الرشيد طبق وعليه أنواع من التحف\n_________\n(^١) \"فيض الباري\" (٤/ ٦١).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٩/ ٤٣١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٥/ ٢٢٧ - ٢٢٨).\n(^٤) (٧/ ١٢٥).\n(^٥) \"عمدة القاري\" (٩/ ٤٣٢).","vol":"4","page":129},{"text":"المثمنة، فروى أحمد أو يحيى هذا الحديث، فقال أبو يوسف: ذلك في التمر والعجوة، يا خازن! ارفعه، انتهى.\nوكتب الشيخ التهانوي في \"التشرف\": قلت: معنى الحديث: إذا كان قصد المهدي تشريك القوم في الهدية كما هو الغالب فيما يؤكل ويشرب ومع ذلك فقد وضعها بين يدي شيخ المجلس أدبًا ويعلم ذلك بالقرائن، أما لو كان قصده الإهداء إلى معين كما هو الغالب في نحو الثياب والنقد فلا وجه لشركة غيره معه، فإن الملك من أحكام التمليك فإذا كان التمليك خاصًا كان الملك خاصًا فافهم، نعم لو فرَّقها على أهل المجلس جميعًا كان أقرب إلى المروءة وآداب الصحبة كما هو المعتاد للقوم في أكثر الأحوال إلا لمقتض قوي، انتهى. والبسط في هامش \"اللامع\" (^١).\n\n(٢٦ -<span data-type='title' id=toc-1869> باب إذا وهب بعيرًا لرجل. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٢): أي وتنزل التخلية منزلة النقل، فيكون ذلك قبضًا فتصح الهبة، انتهى.\n\n(٢٧ -<span data-type='title' id=toc-1870> باب هدية ما يكره لبسها)</span>\nكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٣): إما مطلقًا كالمصور أو خاصة للرجال كالحرير وغيره، وجواز هديته لإمكان الانتفاع به بجهة أخرى غير اللبس، انتهى.\nقال الحافظ (^٤): والمراد بالكراهة أعم من التحريم والتنزيه، وهدية ما لا يجوز لبسه جائزة، فإن لصاحبه التَّصرف بالبيع والهبة لمن يجوز لباسه كالنساء، ويستفاد من الترجمة الإشارة إلى منع ما لا يستعمل أصلًا للرجال والنساء كآنية الأكل والشرب من ذهب وفضة، انتهى.\n_________\n(^١) \"اللامع\" (٧/ ٣٤ - ٣٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٥/ ٢٢٨).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٧/ ٣٦).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٥/ ٢٢٩).","vol":"4","page":130},{"text":"وما أفاده الشيخ - ﵀ - أوجه لا سيما على مذهب الحنفية والشافعية، والعجب من الحافظ كيف استفاد من الترجمة للإشارة إلى منع ما لا يستعمل أصلًا كآنية الذهب والفضة، مع أن مذهب الشافعية جواز اتخاذها، قال ابن قدامة: لا يختلف المذهب فيما علمنا في تحريم اتخاذ آنية الذهب والفضة، وحكي عن الشافعي إباحته لتخصيص النهي بالاستعمال، ولأنه لا يلزم من تحريم الاستعمال تحريم الاتخاذ، إلى آخر ما بسط، وفي \"الدر المختار\": لا بأس باتخاذ الأواني منهما، أي: من الذهب والفضة للتجمل، انتهى.\n\n(٢٨ -<span data-type='title' id=toc-1871> باب قبول الهدية من المشركين. . .) إلخ</span>\nكأنه أشار إلى ضعف الحديث الوارد في رد هدية المشرك، وهو ما أخرجه موسى بن عقبة في \"المغازي\": أن عامر بن مالك الذي يدعى ملاعب الأسنة، قدم على رسول الله - ﷺ - وهو مشرك فأهدى له، فقال: \"إني لا أقبل هدية مشرك\" الحديث، رجاله ثقات، إلا أنه مرسل، وأخرج أبو داود والترمذي وغيرهما عن عياض بن حمار قال: أهديت للنبي - ﷺ - ناقة فقال: \"أسلمت؟ \" قلت: لا، قال: \"إني نهيت عن زبد المشركين\"، والزبد بفتح الزاي وسكون الموحدة: الرفد، صححه الترمذي وابن خزيمة، وأورد المصنف عدة أحاديث دالة على الجواز، فجمع بينها الطبري بأن الامتناع فيما أهدي له خاصة والقبول فيما أهدي للمسلمين، وفيه نظر؛ لأن من جملة أدلة الجواز ما وقعت الهدية فيه له خاصة، وجمع غيره بأن الامتناع في حق من يريد بهديته التودد والموالاة، والقبول في حق من يرجى بذلك تأنيسه وتأليفه على الإسلام، وهذا أقوى من الأول، وقيل: يحمل القبول على من كان من أهل الكتاب، والرد على من كان من أهل الأوثان، وقيل: يمتنع ذلك لغيره من الأمراء، وأن ذلك من خصائصه - ﷺ -، ومنهم من ادعى نسخ المنع بأحاديث القبول، ومنهم من عكَس، وهذه الأجوبة الثلاثة ضعيفة، فالنسخ لا يثبت بالاحتمال ولا التخصيص، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ٢٣٠ - ٢٣١).","vol":"4","page":131},{"text":"وكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): يعني بذلك أن المنهي عنه إنما هو القبول على جهة المودة أو ما يورث المودة لا مطلقًا، انتهى.\nقلت: وهذا الجواب رجحه الحافظ، كما تقدم.\n\n(٢٩ -<span data-type='title' id=toc-1872> باب الهدية للمشركين وقول الله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ. . .﴾ [الممتحنة: ٨] إلخ</span>\nوهي جائزة كما في \"السير الكبير\"، إلا ما أعد للحرب في أوان الحرب، انتهى (^٢).\nساق إلى آخر الآية، وفي بعض الروايات إلى قوله: ﴿وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾، والمراد منها بيان من يجوز بره منهم، وأن الهدية للمشرك إثباتًا ونفيًا ليست على الإطلاق، ومن هذه المادة قوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥]، ثم البر والصلة والإحسان لا يستلزم التحابب والتوادد المنهي عنه في قوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] فإنها عامة في حق من قاتل ومن لم يقاتل، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\n\n(٣٠ -<span data-type='title' id=toc-1873> باب لا يحل لأحد أن يرجع في هبته. . .) إلخ</span>\nكذا بَتَّ الحكم في هذه المسألة لقوة الدليل عنده فيها، وتقدم في \"باب الهبة للولد\" أنه أشار في الترجمة إلى أن للوالد الرجوع فيما وهبه للولد، فيمكن أنه يرى صحة الرجوع له وإن كان حرامًا بغير عذر، واختلف السلف في أصل المسألة، وقد أشرنا إلى تفاصيل مذاهبهم في \"باب الهبة للولد\"، وأما الصدقة فاتفقوا على أنه لا يجوز الرجوع فيها بعد القبض، انتهى من \"الفتح\" (^٤).\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٧/ ٣٧).\n(^٢) انظر: \"فيض الباري\" (٤/ ٦٦).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٥/ ٢٣٣).\n(^٤) انظر: \"فتح الباري\" (٥/ ٢٣٥).","vol":"4","page":132},{"text":"(٣١ -<span data-type='title' id=toc-1874> باب)</span>\nبغير ترجمة، كذا للجميع بغير ترجمة، وهو كالفصل من الباب الذي قبله، ومناسبته لها أن الصحابة بعد ثبوت عطية النبي - ﷺ - ذلك لصهيب لم يستفصلوا هل رجع أم لا؟ فدل على أن لا أثر للرجوع في الهبة، انتهى (^١).\nوتعقب عليه العيني (^٢)، والأوجه عندي: ما قاله الحافظ - ﵀ -، كما بسط في هامش \"اللامع\" (^٣) فارجع إليه لو شئت.\n\n(٣٢ -<span data-type='title' id=toc-1875> باب ما قيل في العمرى والرقبى. . .) إلخ</span>\nأي: ما ورد في ذلك من الأحكام، والعمرى بضم المهملة وسكون الميم مع القصر، وحكي ضم الميم مع ضم أوله، وحكي فتح أوله مع السكون، مأخوذ من العمر، والرقبى بوزنها مأخوذة من المراقبة؛ لأنهم كانوا يفعلون ذلك في الجاهلية، فيعطي الرجل الدار ويقول له: أعمرتك إِياها، أي: أبحتها لك مدة عمرك، وقيل لها عمرى لذلك، انتهى من \"الفتح\" (^٤).\nوقال القسطلاني (^٥): والرقبى بوزن العمرى مأخوذة من الرقوب لأن كلًّا منهما يرقب موت صاحبه، انتهى.\nقال العيني (^٦): وأما الرقبى، فهو أن يقول الرجل للرجل، أرقبتك داري إن مت قبلك فهي لك وإن مت قبلي فهي لي، انتهى.\nقال الحافظ (^٧): هذا أصلها لغةً، وشرعًا فالجمهور على أن العمرى\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (٥/ ٢٣٧).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٩/ ٤٤٨ - ٤٤٩).\n(^٣) \"اللامع\" (٧/ ٤٠ - ٤١).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٥/ ٢٣٨).\n(^٥) \"إرشاد الساري\" (٦/ ٦٥).\n(^٦) \"عمدة القاري\" (٩/ ٤٥٢).\n(^٧) \"فتح الباري\" (٥/ ٢٣٨).","vol":"4","page":133},{"text":"إذا وقعت كانت ملكًا للآخذ، ولا ترجع إلى الأول إلا إن صرَّح باشتراط ذلك، وذهب الجمهور إلى صحة العمرى، انتهى.\nوفي \"البذل\" (^١): قال الخطابي (^٢) في العمرى: إذا اتصل به القبض كان تمليكًا لرقبته، وإذا ملكها في حال حياته، وجاز له التصرف فيها، ملكها بعده وارثه الذي يرث أملاكه، وهذا قول الشافعي وقول أصحاب الرأي، وحكي عن مالك أنه قال: العمرى تمليك المنفعة دون الرقبة، فإن جحلها عمرى له فهي له مدة عمره، ولا تورث، وإن جعلها له ولعقبه بعده كانت منفعته ميراثًا لأهله، انتهى.\nقال النووي (^٣): قال أحمد: تصح العمرى المطلقة دون الموقتة، انتهى.\nوأما الرقبى فقد قال الحافظ (^٤): منعها مالك وأبو حنيفة ومحمد، ووافق أبو يوسف الجمهور، انتهى.\nقلت: وبالجواز قال الشافعي وأحمد، قاله العيني (^٥) وغيره.\nقال صاحب \"الهداية\" (^٦): الرقبى باطلة عند أبي حنيفة ومحمد ومالك، وقال أبو يوسف: جائزة؛ لأن قوله: \"داري لك\" تمليك، وقوله: \"رقبى\" شرط فاسد كالعمرى، ولهما أنه ﵊ أجاز العمرى وردّ الرقبى، ولأن معنى الرقبى عندهما إن مت قبلك فهو لك، واللفظ من المراقبة؛ كأنه يراقب موته، وهذا تعليق التمليك بالخطر فبطل؛ فإذا لم تصح تكون عارية عندهما؛ لأنه يتضمن إطلاق الانتفاع به.\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه - رضي الله تعالى\n_________\n(^١) \"بذل المجهود\" (١١/ ٢٧٦).\n(^٢) \"معالم السنن\" (٣/ ١٧٤ - ١٧٥).\n(^٣) \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٦/ ٨٣).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٥/ ٢٤٠).\n(^٥) \"عمدة القاري\" (٩/ ٤٥٢).\n(^٦) \"الهداية\" (٣/ ٢٢٨).","vol":"4","page":134},{"text":"عنه -: قد اختلف فيه أئمتنا الثلاثة، فمن جوَّزها أراد بالرقبى الهبة، بشرط أن ترجع إلى الواهب لو مات الموهوب له قبله، ومن أبطلها فسرها بتعليق التمليك على الموت السابق من أيهما؛ كأن يقول: \"إن مت قبلي فهو لي، وإن مت قبلك فهو لك\"، وهو باطل لا محالة؛ لأن تعليق التمليك على شرط هو على خطر الوجود قمار، فكان الخلاف لفظيًّا مبنيًا على اختلاف التفسير، انتهى من \"البذل\" (^١).\nثم لا يخفى عليك ما قال الحافظ وغيره: إن المصنف - ﵀ - ترجم بالرقبى ولم يذكر إلا الحديثين الواردين في العمرى، وكأنه يرى أنهما متحدا المعنى وهو قول الجمهور، انتهى.\n\n(٣٣ -<span data-type='title' id=toc-1876> باب من استعار من الناس الفرس. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٢): زاد أبو ذر عن مشايخه: \"والدابة\"، وزاد عن الكشميهني \"وغيرها\"، وذكر بعض الشرَّاح ممن أدركناه قبل الباب \"كتاب العارية\" ولم أره في شيء من النسخ ولا الشروح، والبخاري أضاف العارية إلى الهبة لأنها هبة المنافع، انتهى.\nقال العيني (^٣): وفي كتاب صاحب \"التوضيح\": ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، \"كتاب العارية\"، وغالب النسخ هذا ليس بموجود فيه، وهذه النسخة أولى لأن العادة أن تتوج الأبواب بالكتاب، والعارية بتشديد الياء وتخفيفها، وتجمع على عواري، وفيها لغة ثالثة: عارة، وقيل: عارات بالألف مأخوذة من عار إذا ذهب وجاء، وقيل: مشتقة من التعاور، وهو: التناوب، قال الجوهري: كأنها منسوبة إلى العار؛ لأن طلبها عار وعيب، وفي الشرع: هي تمليك المنفعة بلا عوض. . .، إلى آخر ما فيه من الاختلاف في تفسيرها.\n_________\n(^١) \"بذل المجهود\" (١١/ ٢٨٣ - ٢٨٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٥/ ٢٤٠ - ٢٤١).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٩/ ٤٥٥).","vol":"4","page":135},{"text":"وفي \"الفيض\" (^١): لما فرغ المصنف من باب الهبة وملحقاته دخل في باب العارية لكونها تمليكًا للمنافع، كما أن الهبة تمليك للعين، وإنما أدخله في تضاعيف أبواب الهبة؛ لأنه أراد من الهبة اللغوية، سواء كانت للمنافع أو الأعيان، انتهى.\nقلت: وعلى تقدير ثبوت \"كتاب العارية\"، كما في بعض النسخ، تكون البراعة في \"باب العمرى والرقبى\" واضحة، إذ في كليهما إشارة إلى الموت، فافهم.\n\n(٣٤ -<span data-type='title' id=toc-1877> باب الاستعارة للعروس عند البناء)</span>\nقال العلَّامة العيني (^٢): العروس نعت يستوي فيه الرجل والمرأة ما داما في إِعراسهما، ويقال: اسم لهما عند دخول أحدهما بالآخر، وفي غير هذه الحالة الرجل يسمى عريسًا والمرأة عروسًا، قوله: \"عند البناء\" أي: الزفاف، قال ابن الأثير: البناء والابتناء: الدخول بالزوجة، انتهى.\nوالأصل فيه أن الرجل كان إذا تزوج امرأة بنى عليها قبة ليدخل بها فيها، انتهى.\nوفي \"الفيض\" (^٣): قوله: \"باب الاستعارة. . .\" إلخ، وهذا من مراسم الناس أن المفلسين منهم يستعيرون الأشياء للعروس، إذ لا يقدرون على أن يشتروها من أموالهم، انتهى.\nويأتي أيضًا في \"كتاب النكاح\": \"باب استعارة الثياب للعروس وغيرها\"، وفي \"كتاب اللباس\": \"باب استعارة القلائد\"، وذكر فيهما حديث الباب أيضًا، المقصود بيان الجواز.\nقلت: وثياب العروس غالبًا تكون ثمينة غالية، فينبغي للمرء أن يقتصر\n_________\n(^١) \"فيض الباري\" (٤/ ٦٨).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٩/ ٤٥٩).\n(^٣) \"فيض الباري\" (٤/ ٦٨).","vol":"4","page":136},{"text":"فيه على الاستعارة من الغير تحرّزًا عن الإسراف المذموم، ولا يبعد أيضًا أن يقال نظرًا إلى تراجم الإمام البخاري فإنه ترجم لهذا المعنى في ثلاثة مواضع، كما تقدم: أنه أشار إلى استحسان الاستعارة في تلك المواضع اتباعًا لهؤلاء السلف، وأوضحت هذا المعنى في رسالة \"آب بيتي\" (^١) باللغة الأردوية.\n\n(٣٥ -<span data-type='title' id=toc-1878> باب فضل المنيحة)</span>\nحذف \"باب\" من رواية أبي ذر، و\"المنيحة\" بالنون والمهملة وزن عظيمة، هي في الأصل العطية، قال أبو عبيدة: المنيحة عند العرب على وجهين:\nأحدهما: أن يعطي الرجل صاحبه صلة فتكون له\nوالآخر: أن يعطيه ناقة أو شاة ينتفع بحلبها ووبرها زمنًا ثم يردها.\nوالمراد بها في أول أحاديث الباب هنا عارية ذوات الألبان ليؤخذ لبنها ثم ترد هي لصاحبها، وقال القزاز: قيل: لا تكون المنيحة إلا ناقة أو شاة، والأول أعرف، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\n\n(٣٦ -<span data-type='title' id=toc-1879> باب إذا قال: أخدمتك هذه الجارية. . .) إلخ</span>\nقال القسطلاني (^٣): (على ما يتعارف الناس) أي: على عرفهم في صدور هذا القول منهم أو على عرفهم في كون الإخدام هبة أو عارية. (وقال بعض الناس): قال الكرماني: قيل: أراد به الحنفية. (هذه عارية) قال الحنفية: لأنه صريح في إعارة الاستخدام، وقال الكرماني أيضًا: قوله: (وإن قال: كسوتك. . .) إلخ، يحتمل أن تكون من تتمة قول الحنفية، ومقصود المؤلف منه أنهم تحكموا حيث قالوا: ذلك عارية وهذا هبة، ويحتمل أن يكون عطفًا على الترجمة.\n_________\n(^١) (ص ١٧٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٥/ ٢٤٣).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (٦/ ٧٥ - ٧٦).","vol":"4","page":137},{"text":"قال القسطلاني بعد ذكر الحديث: غرض المؤلف أن لفظ الإخدام للتمليك، وكذلك الكسوة، لكن قال ابن بطال: استدلاله بقوله: \"فأخدمها هاجر\" على الهبة لا يصح، وإنما صحت الهبة في هذه القصة من قوله: \"فأعطوها هاجر\".\nقال في \"فتح الباري\": مراد البخاري أنه إن وجدت قرينة تدل على العرت حمل عليها، فإن كان جرى بين قوم عرف في تنزيل الإخدام منزلة الهبة فأطلقه شخص وقصد التمليك نفذ، ومن قال: هي عارية في كل حال فقد خالف، والله أعلم، انتهى.\nقلت: ما أفاده الحافظ غاية توجيه لكلام البخاري وإلا فالظاهر أن ميل البخاري في ذلك خلاف الجمهور، وإلا فهل ترى إن جرى بين قوم عرف في تنزيل الكسوة منزلة العارية فهل يكفي حينئذ عارية اللباس في الكفارة؟\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^١): قوله: (قال بعض الناس. . .) إلخ، وأنت تعلم أنه أقر بنفسه في الترجمة أن المدار على العرف فلا يرد إيراده على الإمام لأنه - ﵁ - إنما حكم على حسب عرفه والكسوة مستعملة في الهبة فكانت كذلك، انتهى.\nوفي هامشه: كلام الشيخ رحمه الله تعالى مبني على ما هو المعروف بين الناس أن قول البخاري في \"صحيحه\": \"قال بعض الناس\" يكون ردًا على الحنفية، ولذا قال الكرماني: قيل: أراد به الحنفية، وقد عرفت فيما سبق مني في \"كتاب الزكاة\" في \"باب الركاز\" وهو أول المواضع التي قال فيها البخاري: قال بعض الناس: أن ما هو المعروف ليس بمطرد، فهذا الموضع الذي نحن بصدده لم يتفرد فيه الحنفية بل هي مسألة إجماعية.\nقال الحافظ (^٢): قال ابن بطال (^٣): لا أعلم خلافًا أن من قال:\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٧/ ٤٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٥/ ٢٤٦).\n(^٣) (٧/ ١٥٥).","vol":"4","page":138},{"text":"أخدمتك هذه الجارية أنه قد وهب له الخدمة خاصة، فإن الإخدام لا يقتضي تمليك الرقبة، كما أن الإسكان لا يقتضي تمليك الدار، قال: واستدلاله بقوله: \"فأخدمهما هاجر\" على الهبة لا يصح، فذكر نحو ما تقدم في كلام القسطلاني، وقال أيضًا: ولم يختلف العلماء فيمن قال: كسوتك هذا الثوب مدة معينة أن له شرطه وإن لم يذكر أجلًا فهو هبة، وقد قال تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [إلى قوله] ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، انتهى.\nوفي \"الفيض\" (^١): \"باب إذا قال: أخدمتك. . .\" إلخ، الظاهر أن المصنف لم يحكم في لفظ الإخدام بشيء، وتركه على العرف، فإن كان عرفهم أنه الهبة فهو هبة، وإن كان أنه العارية على ما تعارفوا، وقوله: \"قال بعض الناس\" المراد به ها هنا أبو حنيفة، وقد مرّ أن المصنف لا يريد به الردّ دائمًا، والأقرب أنه اختار تفصيل الإمام الأعظم؛ لأنه أيضًا فوّضه إلى العرف، ولما كان العرف في لفظ الخدمة أنه للعارية بخلاف الكسوة، ظهر وجه الفرق بينهما، وإنما قلنا: إنه وافقنا في المسألة؛ لأنه لو أراد الخلاف لأخرج حديثًا يؤيد مرامه، كما هو دأبه، وإن سلمناه فردّه ضعيف جدًا لوضوح الفرق بين اللفظين كما عرفت آنفًا، انتهى.\nقلت: وأيضًا الفرق بينهما إجماعي كما تقدم، انتهى من هوامش \"اللامع\" (^٢) مختصرًا.\n\n(٣٧ -<span data-type='title' id=toc-1880> باب إذا حمل رجلًا على فرس. . .) إلخ</span>\nقال القسطلاني (^٣): قوله: (فهو كالعمرى) أي: فحكمه كالعمرى في عدم الرجوع فيه، (وقال بعض الناس) أبو حنيفة - ﵀ -: (له أن يرجع فيها) أي: في الفرس الذي حمله عليها ناويًا الهبة لأنه يجوز عنده الرجوع في الهبة للأجنبي، انتهى.\n_________\n(^١) \"فيض الباري\" (٤/ ٧٠ - ٧١).\n(^٢) \"اللامع\" (٧/ ٤٤ - ٤٦).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (٦/ ٧٦ - ٧٧).","vol":"4","page":139},{"text":"وقال الحافظ (^١): قال ابن بطال (^٢): ما كان من الحمل على الخيل تمليكًا للمحمول عليه بقوله: هو لك، فهو كالصدقة، فإذا قبضها لم يجز الرجوع فيها، وما كان منه تحبيسًا في سبيل الله فهو كالوقف لا يجوز الرجوع فيه عند الجمهور، وعن أبي حنيفة أن الحبس باطل في كل شيء.\nقال الحافظ: والذي يظهر أن الإمام البخاري أشار إلى الرد على من قال بجواز الرجوع في الهبة، ولوكانت للأجنبي، وإلا فقد قدمنا تقرير أن الحمل المذكور في قصة عمر كان تمليكًا، وأن قول من قال: كان تحبيسًا احتمال بعيد، انتهى.\nوالذي أشار إليه الحافظ بقوله: \"قدمنا تقريره\" هو ما ذكره في \"باب لا يحل لأحد أن يرجع في هبته وصدقته\"، وتقدم اختلاف الأئمة في رجوع الوالد في \"باب الهبة للولد\" وتقدم الخلاف في العود في هبة الأجنبي في \"باب هبة الرجل لامرأته\"، انتهى من هامش \"اللامع\" (^٣).\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٤): قوله: \"له أن يرجع فيها\" ولا ريب في صدق مقالته تلك؛ لأنه إن كان عارية فهو أحق به من المعرى له، فلا يحظر من الرجوع، وإن سلم كونه هبة، فله أن يرجع فيها لجواز الرجوع في سائر الهبات، فكذا هذا، إذ لا فرق، والله تعالى أعلم، انتهى.\nثم البراعة فعند الحافظ - ﵀ - في قوله: \"ولا تعد في صدقتك\".\nوعندي في قوله: \"كالعمرى\" فإنه هدية إلى آخر العمر، ويمكن أيضًا في قوله: \"في سبيل الله\" فإن أصله الجهاد، وهو مذكِّر للموت، فافهم.\n* * *\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ٢٤٧).\n(^٢) (٧/ ١٥٦ - ١٥٧).\n(^٣) \"اللامع\" (٧/ ٤٦ - ٤٧).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٧/ ٤٦).","vol":"4","page":140},{"text":"٥٢ -<span data-type='title' id=toc-1881> كتاب الشهادات</span>\nقال الحافظ (^١): جمع شهادة، مصدر شهد يشهد، قال الجوهري: الشهادة خبر قاطع، والمشاهدة: المعاينة، مأخوذة من الشهود، أي: الحضور؛ لأن الشاهد مشاهد لما غاب عن غيره، وقيل: مأخوذ من الإعلام.\nقال العيني (^٢): يعني: بالشهادة الحضور، قال - ﷺ -: \"الغنيمة لمن شهد الوقعة\" أي: حضرها، والشاهد أيضًا يحضر مجلس القاضي ومجلس الواقعة، ومعناها شرعًا: إخبار عن مشاهدة وعيان لا عن تخمين وحسبان.\nوفي \"الفيض\" (^٣): قال الفقهاء: إثبات الحق على الغير يسمى دعوى، وإثبات حق الغير على نفسه يسمى إقرارًا، وإثبات حق الغير على الغير يسمى شهادةً، انتهى.\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-1882> باب ما جاء في البيِّنة. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٤): كذا للأكثر، وسقط لبعضهم لفظ \"باب\"، ولم يسق في الباب حديثًا إما اكتفاء بالآيتين، وإما إشارة إلى الحديث الماضي قريبًا في ذلك في آخر \"باب الرهن\" (^٥)، وستأتي ترجمة الشق الآخر وهي \"اليمين على المدعى عليه\" قريبًا، قال ابن المنيِّر (^٦): وجه الاستدلال بالآية للترجمة أن المدعي لو كان القول قوله لم يحتج إلى الإِشهاد ولا إلى كتابة الحقوق وإِملائها، فالأمر بذلك يدل على الحاجة إليه، ويتضمن أن البينة على\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ٢٤٧).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٩/ ٤٦٩).\n(^٣) \"فيض الباري\" (٤/ ٧٢).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٥/ ٢٤٨).\n(^٥) انظر: \"صحيح البخاري\" (ح: ٢٥١٤).\n(^٦) \"المتواري\" (ص ٣٠٨).","vol":"4","page":141},{"text":"المدعي، ولأن الله حين أمر الذي عليه الحق بالإملاء اقتضى تصديقه في ما أقر به، وإذا كان مصدقًا فالبيِّنة على من ادعى تكذيبه، انتهى.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١) تحت الآية الثانية: ودلالته على الترجمة من حيث إن المذكور في الآية الشهادة ولو على الوالدين والأقربين، والشهادة عليهم تقتضي كونهم مدعى عليهم، فلزم بذلك أن البينة على المدعي دون المدعى عليه، انتهى.\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-1883> باب إذا عدّل رجل أحدًا فقال: لا نعلم إلا خيرًا. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): دفع بذلك ما يتوهم أن هذا اللفظ ليس فيه تصريح بتزكيته بحسب الواقع وإنما هو إخبار عن علمه.\nوحاصل الدفع أن المرء لا يخبر إلا عن علمه، فلو لم يصرِّح في الشهادة بهذا القيد لكان المراد هو الإخبار عن علمه أيضًا لا عن الواقع، إذ لا وقوف عليه، انتهى.\nوفي هامشه: أبدع الشيخ قُدِّس سرُّه في مرام البخاري وأجاد، وأشار الإمام البخاري بذلك إلى مسألة خلافية شهيرة وهي ما قال الحافظان ابن حجر والعيني عن ابن بطال أنه قال (^٣): حكى الطحاوي عن أبي يوسف: إذا قال ذلك قبلت شهادته، واحتج بحديث الإفك، وعن محمد: لا بد أن يقول المعدل: هو عدل جائز الشهادة، والأصح أنه يكتفي بقوله: هو عدل، وأنكر مالك أن يكون ذلك تزكية حتى يقول: رضي، أي: بالقصر، وقال الشافعي: حتى يقول: عدل، وفي قول: عدل عليّ ولي، وفي \"التوضيح\": الأصح عندنا - يعني الشافعية - أنه يكفي أن يقول: هو عدل، ولا يشترط\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٧/ ٥٠).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٧/ ٥٠ - ٥١).\n(^٣) (٨/ ٦).","vol":"4","page":142},{"text":"عليّ ولي، ثم لا يقبله حسى يسأله عن معرفته، ولا بد من معرفة المزكي حاله الباطنة فإن كان يعرفها يقبل، وإلا لا، انتهى مختصرًا من \"الفتح\" (^١) و\"العيني\" (^٢).\nوفي \"الهداية\" (^٣): قيل: لا بد أن يقول المعدل: هو حر عدل جائز الشهادة؛ لأن العبد قد يعدل، وقيل: يكتفي بقوله: عدل؛ لأن الحرية ثابتة بالدار، وهذا أصح، انتهى.\nثم قال الحافظ: لم يبت البخاري الحكم في الترجمة، بل أوردها مورد السؤال لقوة الخلاف فيها، انتهى.\nقلت: وظاهر ميل البخاري إلى ما حكى الطحاوي عن أبي يوسف إذ أورد في الباب حديث الإفك، وموضع الترجمة منه قول أسامة: \"أهلك ولا نعلم إلا خيرًا\"، انتهى.\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-1884> باب شهادة المختبئ)</span>\nبالخاء المعجمة والموحدة، أي: الذي يختفي عند تحمل الشهادة. (وأجازه) أي: الاختباء عند تحملها.\nقوله: (وكذلك يفعل بالكاذب) كأنه أشار إلى السبب في قبول شهادته، وبه قال مالك وأحمد والشافعي في الجديد إذا عاين المشهود عليه، وقال أبو حنيفة: لا، انتهى من \"الفتح\" (^٤) و\"القسطلاني\" (^٥).\nقال العيني (^٦): وروي عن شريح والشعبي والنخعي أنهم كانوا لا يجيزون شهادة المختبئ، وقالوا: إنه ليس بعدل حين اختفى ممن يشهد عليه، وهو قول أبي حنيفة والشافعي في القديم، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ٢٤٩).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٩/ ٤٧٢ - ٤٧٣).\n(^٣) \"الهداية\" (٥/ ٤٢٥).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٥/ ٢٥٠).\n(^٥) \"إرشاد الساري\" (٦/ ٨٣).\n(^٦) \"عمدة القاري\" (٩/ ٤٧٤).","vol":"4","page":143},{"text":"وفي \"المغني\" (^١): وروي عن أحمد رواية أخرى: لا تسمع شهادته، وقال مالك: إن كان المشهود عليه ضعيفًا ينخدع لا يقبل وإلا قبلت، انتهى.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢) تحت الباب: يعني بذلك: من اكتفى بالسمع ولم يشترط الرؤية أورد فيه روايات لا تدل على ما ادعاه، وأما قول الحسن فمع أنه لا يلزم تسليم قوله يمكن أنه شهد القصة ورآها، وإن لم يشهدوه عليها، وليس فيه تصريح بأنه لم ير القصة حتى يتم ما ادعاه، وأما قول النبي - ﷺ -: \"لو تركته بين\" لا حجة لهم فيه؛ لأنه كان يرى ابن صياد والرؤية هي المناط وكانت حاصلة، فنقول: لو أن المختبئ رأى من الداخل من يتكلم ولو لم يشافهه ولم يواجهه بحيث يبصر كل منهما صاحبه جازت الشهادة لارتفاع علة المنع وهو ما في الأصوات من اختلاط واشتباه، انتهى.\n\n(٤ -<span data-type='title' id=toc-1885> باب إذا شهد شاهد بشيء فقال آخرون: ما علمنا ذلك)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): أراد بالشهادة أعم منها ومن الإخبار فصح إيراد حديث الفضل في هذا الباب، ودلالة الرواية عليه ظاهرة، فإنه اعتبر إخبار المرأة السوداء وإثباتها الرضاع ولم يعتبر إخبار النافي وإن كان اعتبار إخبارها في التقوى دون الفتوى، ولا يضر ذلك لأن قوله في الترجمة يحكم بقول من شهد أعم من الحكم الواجب والمبني على الاحتياط، انتهى.\nوفي هامشه: قد تقدم هذا في باب العشر، وأن المثبت مقدم على النافي، وهو وفاق من أهل العلم إلا من شذ، ولا سيما إذا لم يتعرض إلا\n_________\n(^١) \"المغني\" (١٤/ ٢١١ - ٢١٢).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٧/ ٥٢ - ٥٣).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٧/ ٥٥).","vol":"4","page":144},{"text":"لنفي علمه، وأشار إلى ذلك بقوله: \"وكذلك إن شهد شاهدان. . .\" إلخ، وقد اعترض بأن الشهادتين اتفقتا على الألف وانفردت إحداهما بالخمسمائة، والجواب أن سكوت الأخرى عن خمسمائة في حكم نفيها، انتهى.\nوتعقب العيني على قول الحافظ: وهو وفاق من أهل العلم إذ قال: فيه خلاف، فقال الكرخي: المثبت أولى من النافي، وقال عيسى بن أبان: يتعارض المثبت والنافي فلا يترجح أحدهما على الآخر إلا بدليل مرجح. . .، إلى آخر ما قال، انتهى من هامش \"اللامع\" (^١).\nقوله: (هذا كما أخبر بلال. . .) إلخ، قال القسطلاني (^٢): وإِطلاق الشهادة على إِخبار بلال تجوز.\nوقال الكرماني (^٣): فإن قلت: ليس هذا من باب ما علمنا، بل هما متنافيان لأن أحدهما قال: صلى، والآخر قال: لم يصل؟ وأجاب: بأن قوله: \"لم يصل\" معناه أنه ما علم أنه صلى، قال: ولعل الفضل كان مشتغلًا بالدعاء ونحوه فلم يره صلى فنفاه عملًا بظنه، انتهى.\n\n(٥ -<span data-type='title' id=toc-1886> باب الشهداء العدول. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٤): أي: بحسب ما يبدو لنا من أحوالهم وبذلك ينطبق الحديث بالترجمة، انتهى.\nوفي هامشه (^٥): كما هو نص قول عمر، ومعناه ثابت مرفوعًا كما سيأتي في \"البخاري\" في \"باب بعث علي وخالد إلى اليمن\" إذ قال خالد: كم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه، قال رسول الله - ﷺ -: \"إني لم\n_________\n(^١) \"اللامع\" (٧/ ٥٤).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٦/ ٨٧).\n(^٣) \"شرح الكرماني\" (١١/ ١٦٢ - ١٦٣).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٧/ ٥٥).\n(^٥) \"اللامع\" (٧/ ٥٥ - ٥٦).","vol":"4","page":145},{"text":"أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم\" الحديث، وما أفاده الشيخ - ﵀ - هو الظاهر من غرض الترجمة لأنه ليس في الحديث ما يدل على مصداق العدل.\nوبسط العلَّامة العيني الأقوال في تفسيره، والأوجه عندي: أن ميل الإمام البخاري في ذلك إلى قول الإمام أبي حنيفة، ففي \"الهداية\" (^١): قال أبو حنيفة: يقتصر الحاكم على ظاهر العدالة في المسلم ولا يسأل عن حال الشهود حتى يطعن الخصم؛ لقوله ﵊: \"المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا محدودًا في قذف\" ولأن الظاهر هو الانزجار عمّا ما هو محرم دينه وبالظاهر كفاية إذ لا وصول إلى القطع إلا في الحدود والقصاص فإنه يسأل عن الشهود؛ لأنه يحتال لإسقاطها، فيشترط الاستقصاء فيها، وقال صاحباه: لا بد أن يسأل عنهم في السر والعلانية في سائر الحقوق؛ لأن القضاء مبناه على الحجة، وهي شهادة العدول فيتعرف عن العدالة، وقيل: هذا اختلاف عصر وزمان، والفتوى على قولهما في هذا الزمان، انتهى مختصرًا.\nوبسط الكلام على المسألة في \"الأوجز\" (^٢)، وعنه في هامش \"اللامع\" (^٣) وفيه من رواية \"الموطأ\" في قصة وفي آخرها: قال عمر رضي الله تعالى عنه: \"والله لا يؤسر رجل في الإسلام بغير العدول\" قال الباجي (^٤): معناه لا يؤسر إلا بالصحابة الذين جميعهم عدول أو بالعدل من غيرهم، فمن لم يكن من الصحابة ولم تعرف عدالته لم تقبل شهادته وهذا مذهب مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة: مجرد الإسلام يقتضي العدالة حتى يعرف فسقه، انتهى.\n_________\n(^١) \"الهداية\" (٥/ ٤٢٣ - ٤٢٤).\n(^٢) \"أوجز المسالك\" (١٣/ ٥٦٧ - ٥٧٠).\n(^٣) \"اللامع\" (٧/ ٥٦).\n(^٤) \"المنتقى\" (٥/ ١٩١).","vol":"4","page":146},{"text":"(٦ -<span data-type='title' id=toc-1887> باب تعديل كم يجوز</span>؟)\nأي: هل يشترط في قبول التعديل عدد معين؟ أورد فيه حديثي أنس وعمر في ثناء الناس بالخير والشر، وفيهما قوله ﵊ \"وجبت\" قال ابن بطال (^١): فيه إشارة إلى الاكتفاء لتعديل واحد، وفيه غموض، وكأن وجهه أن في قوله: \"ثم لم نسأله عن الواحد\" إشعارًا بعيدًا بأنهم كانوا يعتمدون قول الواحد في ذلك لكنهم لم يسألوا عن حكمه في ذلك المقام، وسيأتي للمصنف بعد أبواب التصريح بالاكتفاء في التزكية بواحد (^٢)، وكأنه لم يصرِّح به ها هنا لما فيه من الاحتمال، انتهى مختصرًا.\nقلت: ولا يبعد عندي أن الإمام البخاري أشار بالترجمتين إلى المذهبين، قال الكرماني (^٣): قال ابن بطال: اختلفوا في عدد المعدلين، فقال مالك والشافعي: لا يقبل في الجرح والتعديل أقل من رجلين، وبه قال أحمد كما في \"المغني\" (^٤)، وقال أبو حنيفة: يقبل تعديل الواحد وجرحه، وذكر العيني (^٥) أبا يوسف مع أبي حنيفة، ومحمدًا مع الشافعي، فالظاهر أن الإمام البخاري أشار بهذه الترجمة إلى المذهب الأول، وبالآتية وهي \"باب إذا زكّى رجل رجلًا. . .\" إلخ، إلى المذهب الثاني، وميل الإمام البخاري إلى المذهب الثاني لأنه صرَّح فيها بالحكم بكفاية تعديل الواحد ولم يصرِّح ها هنا بالحكم، انتهى من هامش \"اللامع\" (^٦)، وذكر القسطلاني (^٧) مالكًا وصاحبا أبي حنيفة مع الشافعي.\nوكتب الشيخ - ﵀ - في \"اللامع\" (^٨): ودلالة الرواية على الترجمة\n_________\n(^١) (٨/ ٢٦).\n(^٢) انظر: \"صحيح البخاري\" (ح: ٢٦٦٢).\n(^٣) \"شرح الكرماني\" (١١/ ١٦٤).\n(^٤) \"المغني\" (١٤/ ٤٧).\n(^٥) \"عمدة القاري\" (٩/ ٤٨٣).\n(^٦) \"اللامع\" (٧/ ٥٧).\n(^٧) \"إرشاد الساري\" (٦/ ٩٠).\n(^٨) \"لامع الدراري\" (٧/ ٥٧).","vol":"4","page":147},{"text":"بحسب إطلاقها وعدم تقييدها بعدد دون عدد، فإنها تدل بإطلاقها على الاكتفاء بتعديل واحد من المؤمنين أيضًا، انتهى.\n\n(٧ -<span data-type='title' id=toc-1888> باب الشهادة على الأنساب. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): يعني بذلك: أنه يجوز له الشهادة بما فاض واشتهر من الأخبار، وإن لم يشهد القصة بنفسه؛ كإخبار النبي - ﷺ - بإرضاع ثويبة أبا سلمة وإياه، مع أنه لم يذكر إرضاعها إياهما بنفسه النفيسة، انتهى.\nوفي هامشه (^٢) قال الكرماني (^٣): قال ابن بطال: مقصود هذا الباب أن ما صح من الأنساب والموت والرضاع بالاستفاضة وثبت في النفوس لا يحتاج فيه إلى معرفة الشهود ولا إلى عددهم، ألا ترى أن الرضاع الذي كان في الجاهلية وكان مستفيضًا معلومًا عندهم ثبت به الحرمة في الإسلام، انتهى.\nقال الحافظ (^٤): هذه الترجمة معقودة لشهادة الاستفاضة، وذكر منها النسب والرضاعة والموت القديم، فأما النسب فيستفاد من أحاديث الرضاعة فإنه من لازمه وقد نقل فيه الإجماع، وأما الرضاعة فيستفاد ثبوتها بالاستفاضة من أحاديث الباب فإنها كانت في الجاهلية وكان ذلك مستفيضًا عند من وقع له، وأما الموت القديم فيستفاد منه حكمه بالإلحاق، قاله ابن المنيِّر، واحترز بالقديم عن الحادث، والمراد بالقديم ما تطاول الزمان عليه، وحدَّه بعض المالكية بخمسين سنة، وقيل: بأربعين، انتهى.\nومسألة الباب خلافية، قال العيني (^٥): يجوز عند مالك والشافعي والكوفيين الشهادة بالسماع المستفيض في النسب والموت القديم والنكاح،\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٧/ ٥٨).\n(^٢) \"اللامع\" (٧/ ٥٨ - ٥٩).\n(^٣) \"شرح الكرماني\" (١١/ ١٦٨).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٥/ ٢٥٤).\n(^٥) \"عمدة القاري\" (٩/ ٤٨٤).","vol":"4","page":148},{"text":"وقال الطحاوي: إن شهادة السماع يجوز في النكاح دون الطلاق، ويجوز عند مالك والشافعي الشهادة على ملك الدار بالسماع، زاد الشافعي الثوب أيضًا، ولا يجوز ذلك عند الكوفيين، وقال مالك: لا تجوز الشهادة على ملك الدار بالسماع على خمس سنين ونحوها إلا مما يكثر من السنين وهو بمنزلة سماع الولاء، وقال ابن القاسم: شهادة السماع إنما هي من أتت عليه أربعون سنة أو خمسون، انتهى.\n\n(٨ -<span data-type='title' id=toc-1889> باب شهادة القاذف والسارق والزاني. . .) إلخ</span>\nقال العيني (^١): القاذف هو الذي يقذف أحدًا بالزنا، وأصل القذف الرمي، ولم يصرِّح بالجواب لمكان الخلاف فيه، انتهى.\nوقال الحافظ (^٢): أي: هل تقبل بعد توبتهم أم لا؟ انتهى.\nوقال القسطلاني (^٣): قوله: ﴿إلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ [النور: ٥] أي: أعمالهم بالتدارك، ومنه الاستسلام للحد أو الاستحلال من المقذوف فإن شهادتهم مقبولة؛ لأن الله تعالى استثنى التائبين عقب النهي عن قبول شهادتهم، وقال الحنفية: ذكره بالتأبيد يدل على أنها لا تقبل بعد استيفاء الحد لكل حال والاستثناء منصرف إلى ما يليه وهو قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤]، وقالوا: الاستثناء منقطع لأن التائبين غير داخلين في صدر الكلام وهو قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ إذ التوبة تجبُّ ما قبلها من الذنوب فلا يكون التائب فاسقًا، وأما الشهادة فلا تقبل أبدًا لأن ردها من تتمة الحد لأنه يصلح جزاء فيكون مشاركًا للأول في كونه حدًّا، وقوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ لا يصلح أن يكون جزاء لأنه ليس بخطاب للأئمة بل إِخبار عن صفة قائمة بالقاذفين، فلا يصلح أن يكون من تمام الحدِّ. . .، إلى آخر ما قال.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٩/ ٤٩١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٥/ ٢٥٥).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (٦/ ٩٦).","vol":"4","page":149},{"text":"قال الحافظ (^١): وهذا الاستثناء عمدة من أجاز شهادته إذا تاب، وبهذا قال الجمهور: إن شهادة القاذف بعد التوبة تقبل، ويزول عنه اسم الفسق سواء كان بعد إقامة الحد أو قبله، وتأولوا قوله تعالى: ﴿أَبَدًا﴾ على أن المراد ما دام مصرًا على قذفه؛ لأن أبد كل شيء على ما يليق به، وبالغ الشعبي فقال: إن تاب القاذف قبل إقامة الحد سقط عنه، وذهب الحنفية إلى أن الاستثناء يتعلق بالفسق خاصة، وقال بذلك بعض التابعين، وفيه مذهب آخر يقبل بعد الحد لا قبله، انتهى.\nوفي \"الفيض\" (^٢): وقد بحث في الأصول أن الاستثناء إذا وقع بعد عدة أمور، هل يرجع إلى الأقرب، أو إلى الجميع؟ فليراجع، انتهى.\nوبسط الشيخ قُدِّس سرُّه الكلام عليه في \"اللامع\" (^٣) أشد البسط.\nوفي هامشه: هذه مسألة خلافية شهيرة بسطت في \"الأوجز\" (^٤) وهي قبول شهادة المحدود في القذف إذا تاب، قال الموفق (^٥): تقبل شهادته عندنا ومالك والشافعي وإسحاق وجماعة ذكر أسماءهم في \"الأوجز\". . .، إلى آخر ما فيه.\nوقال الحافظ (^٦): جمع البخاري في الترجمة بين السارق والقاذف للإِشارة إلى أنه لا فرق في قبول التوبة منهما، وإلا فقد نقل الطحاوي الإجماع على قبول شهادة السارق إذا تاب، نعم ذهب الأوزاعي إلى أن المحدود في الخمر لا تقبل شهادته وإن تاب، ووافقه الحسن بن صالح، وخالفهما في ذلك جميع فقهاء الأمصار، انتهى.\nقوله: (وقال بعض الناس) هذا منقول عن الحنفية، واحتجوا في رد\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ٢٥٥ - ٢٥٦).\n(^٢) \"فيض الباري\" (٤/ ٧٩).\n(^٣) انظر: \"لامع الدراري\" (٧/ ٦٠ - ٧٤).\n(^٤) \"أوجز المسالك\" (١٣/ ٥٧٤ - ٥٧٧).\n(^٥) \"المغني\" (٤/ ١٨٨).\n(^٦) \"فتح الباري\" (٥/ ٢٥٨).","vol":"4","page":150},{"text":"شهادة المحدود بأحاديث، قال الحافظ: لا يصح منها شيء، \"ثم قال\" أي: بعض الناس الذي أشار إليه، وهو منقول عن الحنفية أيضًا، واعتذروا بأن الغرض شهرة النكاح، وذلك حاصل بالعدل وغيره عند التحمل، أما عند الأداء فلا يقبل إلا العدل.\nقوله: (وأجاز شهادة العبد. . .) إلخ، هو منقول عنهم أيضًا واعتذروا بأنها جارية مجرى الخبر لا الشهادة، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوتعقب العلَّامة العيني (^٢) على قول الحافظ، فارجع إليه لو شئت.\nوفي \"الفيض\" (^٣): وحاصله أن الإمام أبا حنيفة ردّ أولًا شهادة المحدود، ثم ناقضه واعتبرها في النكاح. قلت: ليس الأمر كما فهم المصنف، فإن الإمام ردّها للثبوت، وقبلها للانعقاد، وبينهما فرق لا يخفى. . .، إلى آخر ما أوضح الفرق، فارجع إليه.\nقوله: (وكيف تعرف توبته؟) أي: القاذف، وهذا من كلام المصنف، وهو من تمام الترجمة، وكأنه أشار إلى اختلاف في ذلك، فعن أكثر السلف: لا بد أن يكذب نفسه، وبه قال الشافعي، وعن مالك: إذا ازداد خيرًا كفاه، ولا يتوقف على تكذيب نفسه لجواز أن يكون صادقًا في نفس الأمر، وإلى هذا مال المصنف، انتهى من \"الفتح\" (^٤).\nوبسط الكلام على هذا الباب في \"اللامع\" وهامشه أشد البسط، فارجع إليه لو شئت التفصيل.\n\n(٩ -<span data-type='title' id=toc-1890> باب لا يشهد على شهادة جور إذا أشهد)</span>\nذكر فيه حديث النعمان بن بشير في قصة هبة أبيه له، وفيه قوله - ﷺ -: \"لا تُشْهِدْني على جَور\" وقوله في الترجمة: \"إذا أشهد\" يؤخذ منه أنه لا يشهد\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ٢٥٧).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٩/ ٤٩٦).\n(^٣) \"فيض الباري\" (٤/ ٨٠).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٥/ ٢٥٧ - ٢٥٨).","vol":"4","page":151},{"text":"على جور إذا لم يشهد بطريق الأولى، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوبسط الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٢) على مناسبة أحاديث الباب بالترجمة.\n\n(١٠ -<span data-type='title' id=toc-1891> باب ما قيل في شهادة الزور)</span>\nأي: من التغليظ والوعيد، وقوله: (لقول الله - ﷿ -:. . .) إلخ، أشار إلى أن الآية سيقت في ذم متعاطي شهادة الزور، وهو اختيار منه لأحد ما قيل في تفسيرها، ثم ذكر الحافظ (^٣) بعض الأقوال في تفسيرها.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٤): دلالة الحديثين على أحد جزئي الترجمة واضحة ولا يظهر دلالتهما على جزئها الثاني وهو كتمان الشهادة، والجواب: أن شهادة الزور وهو الكذب فيها مستلزم لكتمان الشهادة في حق غير المشهود له، فالترجمة ثابتة بكلا جزئيها من غير تكلف، انتهى.\nقلت: ما أفاده الشيخ وجيه لطيف جدًّا، وإلى الجواب عن هذا الإشكال أشار الحافظ بقوله: قوله: \"تلووا ألسنتكم بالشهادة\" هو تفسير ابن عباس أخرجه الطبري عنه في قوله: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا﴾ [النساء: ١٣٥] أي: تلووا ألسنتكم بالشهادة أو تعرضوا عنها، ومن طريق العوفي عن ابن عباس في هذه الآية قال: تلوي لسانك بغير الحق وهي اللجلجة فلا تقيم الشهادة على وجهها، والإعراض عنها الترك، وكأن المصنف أشار بنظم كتمان الشهادة مع شهادة الزور إلى هذا الأثر وإلى تحريم شهادة الزور لكونها سببًا لإبطال الحق، فكتمان الشهادة أيضًا سبب لإبطال الحق، وإلى الحديث الذي أخرجه أحمد من حديث ابن مسعود مرفوعًا: \"إن بين يدي الساعة\" فذكر أشياء ثم قال: \"وظهور شهادة الزور، وكتمان شهادة الحق\"، انتهى من \"الفتح\" (^٥).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ٢٥٩).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٧/ ٧٦ - ٧٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٥/ ٢٦١).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٧/ ٨١).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٥/ ٢٦٢).","vol":"4","page":152},{"text":"(١١ -<span data-type='title' id=toc-1892> باب شهاة الأعمى وأمره ونكاحه. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^١): مال المصنف إلى إجازة شهادة الأعمى، فأشار إلى الاستدلال لذلك بما ذكر من جواز نكاحه ومبايعته وقبول تأذينه، وهو قول مالك والليث، سواء علم ذلك قبل العمى أو بعده، وفصل الجمهور فأجازوا ما تحمله قبل العمى لا بعده، وكذا ما يتنزل فيه منزلة المبصر؛ كأن يشهده شخص بشيء ويتعلق هو به إلى أن يشهد به عليه، وعن الحكم: يجوز في الشيء اليسير دون الكثير، وقال أبو حنيفة ومحمد: لا تجوز شهادته بحال إلا في ما طريقه الاستفاضة، وليس في جميع ما استدل به المصنف دفع للمذهب المفصل إذ لا مانع من حمل المطلق على المقيد، انتهى.\nوفي \"الهداية\" (^٢): لا تقبل شهاة الأعمى، وقال زفر - وهو رواية عن أبي حنيفة -: تقبل فيما يجري فيه التسامع، وقال أبو يوسف والشافعي: يجوز إذا كان بصيرًا وقت التحمل، انتهى مختصرًا.\nقال الموفق (^٣): تجوز شهادة الأعمى إذا تيقن الصوت، وبه قال مالك. وقال أبو حنيفة والشافعي: لا تقبل شهادته؛ وأجاز الشافعي شهادته بالاستفاضة والترجمة، وإذا أقر عند أذنه ويد الأعمى على رأسه، ثم ضبطه حتى حضر عند الحاكم، فشهد عليه، ولم يجزها في غير ذلك؛ لأن الأصوات تشتبه فلا يحصل اليقين. . .، إلى آخر ما بسطه.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٤): الترجمة مبنية على عدم الفرق بين الشهادة والإخبار أو على قياس أحدهما على الآخر، والجامع بناء كل منهما على العلم بالواقعة، وأنت تعلم أن في الشهادة زيادة تأكد على الإخبار، فلذلك لم نجوِّز شهادته وإن قبل إخباره، والجواب عن كل\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ٢٦٤).\n(^٢) \"الهداية\" (٥/ ٤٣٤ - ٤٣٥).\n(^٣) \"المغني\" (١٤/ ١٧٨ - ١٧٩).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٧/ ٨٢ - ٨٤).","vol":"4","page":153},{"text":"ما أورده المؤلف يسير، فأما من ذكره من التابعين فلا معتبر بهم، وأما رد شهادة ابن عباس فلا استحالة فيه، ألا ترى مسروقًا رد شهادة الحسن لأبيه علي رضي الله تعالى عنهم، فلا يبعد أن يرد شهادة ابن عباس لعارض عدم اطلاعه حق الاطلاع على القضية، وإن كان ممن يهتدى به ويقتدى، انتهى.\nوبسط الكلام على الباب في \"اللامع\" وهامشه أشد البسط فارجع إليه.\n\n(١٢ -<span data-type='title' id=toc-1893> باب شهادة النساء)</span>\nقال ابن المنذر: أجمع العلماء على القول بظاهر هذه الآية، فأجازوا شهادة النساء مع الرجال، وخص الجمهور ذلك بالديون والأموال وقالوا: لا تجوز شهادتهن في الحدود والقصاص، واختلفوا في النكاح والطلاق والنسب والولاء، فمنعها الجمهور وأجازها الكوفيون، قال: واتفقوا على قبول شهادتهن مفردات فيما لا يطلع عليه الرجال كالحيض والولادة والاستهلال وعيوب النساء، واختلفوا في الرضاع كما سيأتي في الباب الذي بعده، وهذا التفصيل لا ينافي الترجمة لأنها معقودة لإثبات شهادتهن في الجملة، واختلفوا في ما لا يطلع عليه الرجال هل يكفي فيه قول المرأة وحدها أم لا؟ فعند الجمهور لا بد من أربع، وعن مالك: يكفي شهادة اثنتين، وعن الشعبي والثوري: تجوز شهادتها وحدها في ذلك وهو قول الحنفية، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(١٣ -<span data-type='title' id=toc-1894> باب شهادة الإماء والعبيد)</span>\nأي: في حال الرق، وقد ذهب الجمهور إلى أنها لا تقبل مطلقًا، وقالت طائفة: تقبل مطلقًا، وقد نقل المصنف بعض ذلك وهو قول أحمد وإسحاق: وقيل: تقبل في الشيء اليسير، وهو قول الشعبي والنخعي وغيرهما، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ٢٦٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٥/ ٢٦٧).","vol":"4","page":154},{"text":"وقال القسطلاني (^١): واتفقت الأئمة الثلاثة على عدم قبول شهادة العبد مطلقًا؛ لأنه ناقص الحال قليل المبالاة فلا يصلح لهذه الأمانة، وقال الحنابلة: تقبل شهادة عبد حتى في حد وقود نصًا، وعنه: لا تقبل فيهما وهي أشهر، انتهى.\nقلت: وظاهر ميل البخاري إلى مذهب الحنابلة، وهو القبول مطلقًا.\n\n(١٤ -<span data-type='title' id=toc-1895> باب شهادة المرضعة)</span>\nذكر فيه حديث عقبة بن الحارث في قصة المرأة التي أخبرته أنها أرضعته وأرضعت امرأته، وتقدم في الباب الذي قبله أيضًا، واحتج به مَنْ قَبِل شهادة المرضعة وحدها، قال علي بن سعد: سمعت أحمد يسأل عن شهادة المرأة الواحدة في الرضاع قال: تجوز على حديث عقبة بن الحارث، وهو قول الأوزاعي، وذهب الجمهور إلى أنه لا يكفي في ذلك شهادة المرضعة؛ لأنها شهادة على فعل نفسها. . .، إلى آخر ما في \"الفتح\" (^٢).\nوفي هامش \"الكوكب الدري\" (^٣): واختلف الناس في عدد من يقبل شهادتها في الرضاع، فروي عن ابن عباس أنه قال: شهادة المرأة الواحدة جائزة في الرضاع إذا كانت مرضعة، ويستحلف مع شهادتها، وبه قال أحمد بن حنبل، واشترط اليمين، وقال عطاء: لا يجوز في ذلك أقل من أربع نسوة، وإليه ذهب الشافعي، وقال مالك: يجوز شهادة امرأتين، كذا في \"البذل\" (^٤) مختصرًا.\nوأما عند الحنفية ففي \"الدر المختار\" (^٥): الرضاع حجته حجة المال، وهي شهادة عدلين أو عدل وعدلتين، ولا تقع الفرقة إلا بتفريق القاضي،\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٦/ ١١٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٥/ ٢٦٨ - ٢٦٩).\n(^٣) \"الكوكب الدري\" (٢/ ٢٤٩ - ٢٥٠).\n(^٤) \"بذل المجهود\" (١١/ ٣٣٢).\n(^٥) \"رد المحتار\" (٤/ ٤٢٠).","vol":"4","page":155},{"text":"قال ابن عابدين: أفاد أنه لا يثبت بخبر الواحد امرأة كان أو رجلًا قبل العقد أو بعده، وبه صرَّح في \"الكافي\" ثم حكى ابن عابدين اختلاف المشايخ في ذلك، انتهى.\nقال القسطلاني (^١): احتج بالحديث من قبل شهادة المرضعة وحدها، وأجاب الجمهور بحمل النهي في قوله: \"فنهاه عنها\" على التنزيه، والأمر في قوله: \"دعها عنك\" على الإرشاد، انتهى.\n\n(١٥ -<span data-type='title' id=toc-1896> باب تعديل النساء بعضهن بعضًا)</span>\nقال الحافظ (^٢): كذا للأكثر، زاد أبو ذر قبله \"حديث الإفك\" ثم قال: \"باب. . .\" إلخ. قلت: وهكذا في النسخة الهندية، وقال أيضًا: ساق المصنف فيه حديث الإفك بطوله، والغرض منه هنا سؤاله - ﷺ - بريرة عن حال عائشة وجوابها ببراءتها واعتماد النبي - ﷺ - على قولها حتى خطب فاستعذر من عبد الله بن أُبي، وكذلك سؤاله من زينب بنت جحش عن حال عائشة وجوابها ببراءتها أيضًا، وقول عائشة في حق زينب: \"هي التي كانت تساميني فعصمها الله بالورع\"، ففي مجموع ذلك مراد الترجمة.\nقال ابن بطال (^٣): فيه حجة لأبي حنيفة في جواز تعديل النساء، وبه قال أبو يوسف، ووافق محمد الجمهور، قال الطحاوي: التزكية خبر وليست شهادة فلا مانع من القبول. وفي الترجمة إشارة إلى قول ثالث وهو أن تقبل تزكيتهن لبعضهن لا للرجال؛ لأن من منع ذلك اعتل بنقصان المرأة عن معرفة وجوه التزكية لا سيما في حق الرجال. وقال ابن بطال: لو قيل إنه تقبل تزكيتهن بقول حسن وثناء جميل يكون إبراء من سوء لكان حسنًا كما في قصة الإفك، ولا يلزم منه قبول تزكيتهن في شهادة توجب أخذ مال، والجمهور على جواز قبولهن مع الرجال فيما تجوز شهادتهن فيه، انتهى.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٦/ ١١٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٥/ ٢٧٢ - ٢٧٣).\n(^٣) (٨/ ٣٩).","vol":"4","page":156},{"text":"وفي \"المغني\" (^١): لا يقبل الجرح والتعديل من النساء، قال أبو حنيفة: يقبل لأنه لا يعتبر فيه لفظ الشهادة، فاشتبه الرواية، انتهى.\nوفي \"الهداية\" (^٢): لأبي حنيفة أن التزكية في معنى الشهادة، فيشترط فيه العدد كما يشترط العدالة فيه، وتشترط الذكورة في المزكي في الحدود والقصاص. . .، إلى آخر ما قال، ثم ذكر في هامش \"اللامع\" (^٣) ها هنا أبحاث مما يتعلق بشرح حديث الإفك هذا، فارجع إليه.\n\n(١٦ -<span data-type='title' id=toc-1897> باب إذا زكى رجل رجلًا كفاه. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٤): ترجم في أوائل الشهادات \"تعديل كم يجوز؟ \" فتوقف هناك، وجزم هنا بالاكتفاء بالواحد، وقد قدمت توجيهه هناك، واختلف السلف في اشتراط العدد في التزكية، كما تقدم في الباب المذكور، فارجع إليه.\n\n(١٧ -<span data-type='title' id=toc-1898> باب ما يكره من الإطناب في المدح. . .) إلخ</span>\nقال القسطلاني (^٥): قوله: (وليقل) أي: المادح في الممدوح (ما يعلم) ولا يتجاوزه، ثم قال بعد ذكر الحديث: ولم يأت المؤلف بما يدل لجزء الترجمة الأخير، ويحتمل أن يقال: إن الذي يطنب لا بد أن يقول ما لا يعلم، أو أن حديثي أبي بكرة وأبي موسى متحدان، وقد قال في حديث أبي بكرة: إن كان يعلم ذلك منه، ولا كراهة في مدح الرجل الرجل في وجهه إنما المكروه الإطناب، انتهى.\n\n(١٨ -<span data-type='title' id=toc-1899> باب بلوغ الصبيان وشهادتهم)</span>\nأي: حدّ بلوغهم وحكم شهادتهم هل هي معتبرة أم لا؟\n_________\n(^١) \"المغني\" (١٤/ ٥٠).\n(^٢) \"الهداية\" (٥/ ٤٢٦).\n(^٣) \"اللامع\" (٧/ ٩٥ - ٩٧).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٥/ ٢٧٤).\n(^٥) \"إرشاد الساري\" (٦/ ١٣٢).","vol":"4","page":157},{"text":"وقوله: (وبلوغ النساء) بجر بلوغ عطفًا على قوله: \"بلوغ الصبيان\" وهو من الترجمة، والذي في الفرع الرفع مبتدأ وخبره قوله: \"في الحيض\". وقد أجمعوا على أن الحيض بلوغ في حق النساء، انتهى من \"القسطلاني\" (^١).\nقال ابن بطال: أجمع العلماء أن الاحتلام في الرجال والحيض في النساء هو البلوغ الذي يلزم به العبادات وغيرها، واختلفوا فيمن تأخر احتلامه من الرجال أو حيضه من النساء، فقال أحمد وإسحاق ومالك: الإنبات، أو أن يبلغ من السن ما يعلم أن مثله قد بلغ، وقال ابن القاسم: وذلك سبع عشر سنة أو ثمان عشر، وفي النساء هذه الأوصاف أو الحبل، إلا أن مالكًا لا يقيم الحد بالإنبات ما لم يحتلم أو يبلغ من السن ما يعلم أن مثله لا يبلغه حتى يحتلم، فيكون عليه الحد، وأما أبو حنيفة فلم يعتبر الإنبات، وقال: حد البلوغ في الجارية سبع عشرة، وفي الغلام تسع عشرة، وفي رواية: ثماني عشرة وهو قول الثوري، ومذهب الشافعي: أن الإنبات علامة بلوغ الكافر لا المسلم، واعتبر خمس عشرة سنة في الذكور والإناث، وبه قال أبو يوسف ومحمد، انتهى من \"العيني\" (^٢).\nونقل عن شيخنا الشيخ الكَنكَوهي قُدِّس سرُّه في تذكرته \"تذكرة الرشيد\": أن الإنبات يعتبر عند الضرورة، انتهى.\nوقال الحافظ (^٣): وأما شهادة الصبيان فردها الجمهور، واعتبرها مالك في جراحاتهم بشرط أن يضبط أول قولهم قبل أن يتفرقوا، وقبل الجمهور أخبارهم إذا انضمت إليها قرينة، انتهى.\nوفي \"العيني\" (^٤): اختلفوا في شهادة الصبيان، فعن النخعي: تجوز شهادة بعضهم على بعض، وعن علي وشريح وغيرهما مثله، وقالت طائفة:\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٦/ ١٣٣).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٩/ ٥٣٤ - ٥٣٥).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٥/ ٢٧٧).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (٩/ ٥٣٥).","vol":"4","page":158},{"text":"لا يجوز شهادتهم، روي هذا عن الكوفيين والشافعي وأحمد وإسحاق وغيرهم، وذكر مذهب مالك نحو ما تقدم، انتهى مختصرًا من هامش \"اللامع\" (^١).\nوذكر فيه عن أحمد ثلاث روايات: مثل الجمهور، والثانية مثل مالك، والثالثة تقبل إذا كان ابن عشر.\nثم قال الحافظ (^٢): قد اعترض بأنه ترجم بشهادتهم وليس في حديثي الباب ما يصرَّح بها، وأجيب بأنه مأخوذ من الاتفاق على أن من حكم ببلوغه قبلت شهادته إذا اتصف بشرط القبول، ويرشد إليه قول عمر بن عبد العزيز: \"إنه لحد بين الصغير والكبير\"، انتهى.\nوأجاب عنه العيني (^٣): بأنه ترجم بها، ولكنه لم يظفر بشيء من ذلك على شرطه، وقال الكرماني (^٤): استفاد الشهادة من القياس على سائر الأحكام من حيث الإجازة للصبي ولا غسل عليه، انتهى مختصرًا.\n\n(١٩ -<span data-type='title' id=toc-1900> باب سؤال الحاكم المدعي: هل لك بيِّنة؟. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٥): قوله في الترجمة: \"قبل اليمين\" أي: قبل يمين المدعى عليه، وهو المطابق للترجمة ولا يصح حمله على المدعي بأن يطلب منه الحاكم يمين الاستظهار بأن بيِّنته شهدت له بحق؛ لأنه ليس في حديث الأشعث تعرض لذلك، بل فيه ما قد يتمسك به في أن يمين الاستظهار غير واجبة، انتهى.\n\n(٢٠ -<span data-type='title' id=toc-1901> باب اليمين على المدعى عليه. . .) إلخ</span>\nأي: دون المدعي، ويستلزم ذلك شيئين: أحدهما: أن لا تجب يمين الاستظهار، والثاني: أن لا يصح القضاء بشاهد واحد ويمين المدعي،\n_________\n(^١) \"اللامع\" (٧/ ٩٩ - ١٠٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٥/ ٢٧٧).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٩/ ٥٣٩).\n(^٤) \"شرح الكرماني\" (١١/ ١٩٦).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٥/ ٢٨٠).","vol":"4","page":159},{"text":"واستشهاد المصنف بقصة ابن شبرمة يشير إلى أنه أراد الثاني، وقوله: \"في الأموال والحدود\" يشير بذلك إلى الرد على الكوفيين في تخصيصهم اليمين على المدعى عليه في الأموال دون الحدود، انتهى.\nفهذه ثلاث مسائل.\nوها هنا مسألة أخرى أيضًا خلافية، وهي رد اليمين على المدعي، فهذه أربع مسائل مناسبة للباب، أراد المصنف بيان الاثنين منها وهي المسألة الثانية والثالثة.\nأما الأولى منهما وهي مسألة القضاء بشاهد واحد ويمين المدعي، ففي \"الأوجز\" (^١) عن \"المغني\" (^٢): أكثر أهل العلم يرون ثبوت المال لمدعيه بشاهد ويمين، روي ذلك عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وهو قول الفقهاء السبعة ومالك والشافعي، وقال النخعي وأصحاب الرأي: لا يقضى بشاهد واحد ويمين، وقال محمد بن الحسن: من قضى بالشاهد واليمين نقضت حكمه، انتهى.\nقلت: وميل البخاري إلى مسلك الحنفية، واستدل عليه بالحصر في قوله - ﷺ -: \"شاهداك أو يمينه\" وبقصة ابن شبرمة، وبحديث ابن عباس.\nوأما المسألة الثانية منهما وهي التي أشار إليها بقوله: \"في الأموال والحدود\"، قال الحافظ: يشير بذلك إلى الرد على الكوفيين في تخصيصهم اليمين على المدعى عليه في الأموال دون الحدود، وذهب الشافعي والجمهور إلى القول بعموم ذلك في الأموال والحدود والنكاح ونحوه، واستثنى مالك النكاح والطلاق. . .، إلى آخر ما قال.\nقلت: نسبة ذلك إلى الجمهور بعيد من مثل الحافظ قُدِّس سره، فقد بسط الخلاف فيه في \"الأوجز\" وهامش \"اللامع\" (^٣) عن الموفق وغيره، وفي\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (١٣/ ٥٨٥ - ٥٨٨).\n(^٢) \"المغني\" (١٤/ ١٣٠).\n(^٣) \"اللامع\" (٧/ ١٠١ - ١٠٢).","vol":"4","page":160},{"text":"آخره: وقد عرفت من ذلك أن الإمامين مالكًا وأحمد أيضًا خصاه بالأموال دون الحدود، فلم يبق من الأئمة الأربعة إلا الإمام الشافعي وحده، وأما مالك وأحمد فهما مع الحنفية في هذه المسألة، فتدبر.\nوأما المسألة الأولى والرابعة فسيأتي الكلام عليهما في الباب الآتي.\n\n<span data-type='title' id=toc-1902>(باب)</span>\nبغير ترجمة، قال القسطلاني (^١): باب من غير ترجمة وهو ساقط عند أبوي ذر والوقت، ولم يتعرض الحافظ لهذا الباب في \"الفتح\" وهو موجود في متن \"الفتح\"، قال العيني (^٢): قد مرَّ غير مرة أن الباب إذا كان مجردًا يكون كالفصل من الباب الذي قبله، انتهى.\nومع ذلك لم يتعرض العيني لغرض الباب، وقال القسطلاني (^٣) بعد ذكر الحديث: استدل بهذا الحصر على رد القضاء بالشاهد واليمين، فجعل القسطلاني هذا الحديث المذكور في الباب المجرد مطابقًا بالباب السابق.\nوالأوجه عند هذا العبد الضعيف - عفا الله عنه -: أن مسألة القضاء بشاهد ويمين تقدمت كالنص في الباب السابق، ولما فصل المصنف هذا الحديث بباب بلا ترجمة فينبغي أن يحمل هذا الباب على المسألتين الباقيتين من المسائل الأربعة المذكورة في الباب السابق، وهي المسألة الأولى والرابعة، فأشار الإمام البخاري بهذا الباب إلى هاتين المسألتين، أما المسألة الرابعة فأثبتها بالحصر في قوله - ﷺ -: \"شاهداك أو يمينه\" فإنه - ﷺ - جعل اليمين نصيب المدعى عليه، قال صاحب \"الهداية\" (^٤): ولا ترد اليمين على المدعي، لقوله ﵊: \"البيِّنة على المدعي واليمين على من أنكر\" والقسمة تنافي الشركة، انتهى مختصرًا.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٦/ ١٤٠).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٩/ ٥٤٧).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (٦/ ١٤١).\n(^٤) \"الهداية\" (٦/ ١٠).","vol":"4","page":161},{"text":"وبسط الكلام على المسألة في \"الأوجز\" (^١) وفيه عن \"المغني\" (^٢): إن قال - أي: المدعى عليه -: ما أريد أن أحلف، أو سكت، فلم يذكر شيئًا نظرنا في المدّعَى، فإن كان مالًا، أو المقصود منه مال قضي عليه بنكوله، ولم ترد اليمين على المدعي، نص عليه أحمد، وبهذا قال أبو حنيفة، واختار أبو الخطاب أن له رد اليمين على المدعي، وهو قول أهل المدينة، وبه قال شريح ومالك في المال خاصة، وقاله الشافعي في جميع الدعاوى، ولنا قوله - ﷺ -: \"ولكن اليمين على المدعى عليه\" فحصرها في جانب المدعى عليه، فأما غير المال، وما لا يقصد به المال، فلا يقضى فيه بالنكول، نص عليه أحمد في القصاص، انتهى مختصرًا.\nوأما المسألة الأولى وهي مسألة الاستظهار تقدم ذكرها في كلام الحافظ مجملًا في الباب السابق، قال العيني (^٣) في الباب المذكور: هذه الترجمة مشتملة على حكمين: أحدهما أن لا يجب يمين الاستظهار، وفيه اختلاف العلماء، وهو أن المدعي إذا أثبت ما يدعيه ببينة فللحاكم أن يستحلفه أن بَيِّنته شهدت بحق، وإليه ذهب شريح والنخعي والأوزاعي وغيرهم، وذهب مالك والكوفيون والشافعي وأحمد إلى أنه لا يمين عليه، وقال إسحاق: إذا استراب الحاكم أوجب ذلك، والحجة لهم حديث ابن مسعود الذي مضى في الباب السابق من حيث إنه - ﷺ - لم يقل للأشعث: تحلف مع البينة، فلم يوجب على المدعي غير البينة، انتهى.\nقلت: والحديث الذي أشار إليه العيني هو الذي ذكره البخاري في هذا الباب المجرد، وفيه قوله - ﷺ -: \"شاهداك أو يمينه\" بالحصر، فهذا يشير إلى أن الإمام البخاري أشار بباب مجرد إلى هذه المسألة.\nثم لا يذهب عليك أن ها هنا مسألة أخرى، وهي خامسة لا تلتبس\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (١٣/ ٦١٠ - ٦١١).\n(^٢) \"المغني\" (١٤/ ٢٣٣ - ٢٣٥).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٩/ ٥٣٩ - ٥٤٠).","vol":"4","page":162},{"text":"عليك بالرابعة وهي مسألة الخلطة التي ذكرها الإمام مالك في \"موطئه\" (^١) عن عمر بن عبد العزيز: أنه إذا جاء الرجل يدعي على الرجل حقًا نظر، فإن كانت بينهما مخالطة أحلف الذي ادعي عليه، وإن لم يكن شيء من ذلك لم يحلفه.\nقال الزرقاني (^٢): ذهب الأئمة الثلاثة وغيرهم إلى توجه اليمين على المدعى عليه، سواء كان بينهما خلطة أم لا؛ لعموم حديث ابن عباس في الصحيحين: \"أن النبي - ﷺ - قضى باليمين على المدعى عليه\"، لكن حمله مالك وموافقوه على ما إذا كانت بينهما خلطة، لئلا يتبذل أهل السفه أهل الفضل بتحليفهم مرارًا في اليوم الواحد، فاشترطت الخلطة لهذه المفسدة، انتهى، وحكي ذلك عن أحمد أيضًا (^٣).\n\n(٢١ -<span data-type='title' id=toc-1903> باب إذا ادعى أو قذف. . .) إلخ</span>\nقال القسطلاني (^٤): قوله: (فله أن يلتمس. . .) إلخ، أي: للمدعي أو للقاذف أن يلتمس، أي: يمهل \"لطلب البينة\" ونحوها كالنظر في الحساب ثلاثة أيام فقط، وهل هذا الإمهال واجب أو مستحب؟ قال الروياني: وإذا أمهلناه ثلاثًا فأحضر شاهدًا بعدها وطلب الإنظار ليأتي بالشاهد الثاني أمهلناه ثلاثة أخرى، انتهى.\nقال الحافظ (^٥): أورد فيه طرفًا من حديث ابن عباس في قصة المتلاعنين، والغرض منه تمكين القاذف من إقامة البينة على زنا المقذوف لدفع الحدِّ عنه، وإذا ثبت ذلك للقاذف ثبت لكل مدع من باب الأولى، انتهى مختصرًا.\n_________\n(^١) \"الموطأ\" (رقم ١٤٠٦).\n(^٢) \"شرح الزرقاني\" (٣/ ٣٩٦).\n(^٣) انظر: \"لامع الدراري\" (٧/ ١٠٣ - ١٠٥).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (٦/ ١٤٢).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٥/ ٢٨٤).","vol":"4","page":163},{"text":"(٢٢ -<span data-type='title' id=toc-1904> باب اليمين بعد العصر)</span>\nقال صاحب \"الفيض\" (^١): وفيه تغليظ بالزمان، واعتبره الشافعية بالزمان والمكان، ولا تغليظ عندنا إلا بالأسماء الإلهية، نحو أن يقول: بالله العزيز، المحيي المميت. . . إلخ، كما في \"شرح الوقاية\" (^٢)، وقد أشار البخاري إلى عدم التغليظ بحسب المكان، حيث قال - في الباب الآتي -: ولا يصرف من موضع إلى غيره. . . إلخ، انتهى.\nقال الحافظ (^٣): أثبت المصنف التغليظ بالزمان ونفى التغليظ بالمكان، انتهى مختصرًا.\nوبسط الكلام على المسألة في \"الأوجز\" (^٤) وفيه عن \"الشرح الكبير\" (^٥) لابن قدامة: إن رأى الحاكم تغليظها بلفظ أو زمن أو مكان جاز، وظاهر كلام الخرقي أن اليمين لا تغلظ إلا في حق أهل الذمة، ولا تغلظ في حق المسلم، وممن قال لا يشرع التغليظ بالزمان والمكان في حق مسلم أبو حنيفة وصاحباه، وقال مالك والشافعي: تغلظ ثم اختلفا، فذكر الموفق (^٦) اختلافهما في تعيين المكان والنصاب، كما بسط في \"الأوجز\" (^٧).\nوقال الحافظ (^٨): قال المهلب (^٩): إنما خص النبي - ﷺ - هذا الوقت لتعظيم الإثم على من حلف فيه كاذبًا لشهود ملائكة الليل والنهار ذلك الوقت، انتهى.\nقال الحافظ: وفيه نظر؛ لأن بعد صلاة الصبح يشاركه مشهود\n_________\n(^١) \"فيض الباري\" (٤/ ٩٣).\n(^٢) \"شرح الوقاية\" (٢/ ٢٠٥).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٥/ ٢٨٥).\n(^٤) \"أوجز المسالك\" (١٣/ ٦٢٥ - ٦٢٧).\n(^٥) \"الشرح الكبير\" (١٢/ ١١٤).\n(^٦) \"المغني\" (١٤/ ٢٢٤ - ٢٢٥).\n(^٧) \"أوجز المسالك\" (١٣/ ٦٢٤ - ٦٢٥).\n(^٨) \"فتح الباري\" (٥/ ٢٨٤).\n(^٩) انظر: \"شرح ابن بطال\" (٨/ ٦٦).","vol":"4","page":164},{"text":"الملائكة، ولم يأت فيه ما أتى في وقت العصر، ويمكن أن يكون اختص بذلك لكونه وقت ارتفاع الأعمال، انتهى.\n\n(٢٣ -<span data-type='title' id=toc-1905> باب يحلف المدعى عليه حيث ما وجبت عليه اليمين. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^١): قوله: \"ولا يصرف\" أي: وجوبًا، وهو قول الحنفية والحنابلة، وذهب الجمهور إلى وجوب التغليظ، ففي المدينة عند المنبر، وبمكة بين الركن والمقام، وبغيرهما بالمسجد الجامع، واتفقوا على أن ذلك في الدماء والمال الكثير لا في القليل، واختلفوا في حد القليل والكثير في ذلك، انتهى.\nوالبسط في \"الأوجز\" فارجع إليه، وتقدم في الباب السابق أيضًا.\nقوله: (ولم يخص مكانًا. . .) إلخ، هو من تفقه المصنف، وقد اعترض عليه بأنه ترجم لليمين بعد العصر، فأثبت التغليظ بالزمان ونفى هنا التغليظ بالمكان، فإن صح احتجاجه بأن قوله: \"شاهداك أو يمينه\" لم يخص مكانًا دون مكان فليحتج عليه بأنه أيضًا لم يخص زمانًا دون زمان، فإن قال: ورد التغليظ في اليمين بعد العصر، قيل له: ورد التغليظ في اليمين على المنبر في حديث جابر مرفوعًا: \"لا يحلف أحد عند منبري هذا\" الحديث، أخرجه مالك وأبو داود وغيرهما، وكذا في حديث أبي أمامة مرفوعًا، أخرجه النسائي - وذكر الحافظ حديثين بتمامهما - ويجاب عنه بأنه لا يلزم من ترجمة اليمين بعد العصر أنه يوجب تغليظ اليمين بالمكان، بل له أن يقلب المسألة فيقول: إن لزم من ذكر تغليظ اليمين بالمكان أنها تغلظ على كل حالف، فيجب التغليظ عليه بالزمان أيضًا لثبوت الخبر بذلك، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ٢٨٥).","vol":"4","page":165},{"text":"(٢٤ -<span data-type='title' id=toc-1906> باب إذا تسارع القوم في اليمين)</span>\nقال العلَّامة العيني (^١): يعني: قوم وجبت عليهم اليمين فتسارعوا جميعًا أيهم يبدأ أولًا، وجواب \"إذا\" محذوف بيَّنه الحديث، يعني: يقرع بينهم، وهو الجواب، ثم قال بعد ذكر الحديث: قال الخطابي: وإنما يفعل كذلك إذا تساوت درجاتهم في استحباب الاستحلاف، مثل أن يكون الشيء في يد اثنين، كل واحد منهما يدعيه كله، يريد أحدهما أن يحلف ويستحق، ويريد الآخر مثل ذلك، فيقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة حلف واستحقه، وكذا إذا كثر الخصوم ولم يعلم أيهما السابق فيسهم بينهم، انتهى.\nوقد تقدم الكلام على القرعة من حيث الفقه في \"باب الاستهام\" من \"كتاب الأذان\"، وتقدم أيضًا في \"باب هل يقرع في القسمة\"، من \"كتاب الشركة\".\n\n(٢٥ -<span data-type='title' id=toc-1907> باب قول الله - ﷿ -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ. . .﴾ إلخ [آل عمران:</span> ٧٧])\nقال العيني (^٢): أي: هذا باب في بيان الوعيد الشديد الذي تتضمنه هذه الآية الكريمة في حق الذين يرتكبون الأيمان الكاذبة الفاجرة الآثمة، وقد ذمهم الله تعالى بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ﴾ الآية، انتهى.\nقال الحافظ: ذكر فيه حديث ابن أبي أوفي في سبب نزولها، وحديث ابن مسعود والأشعث في نزولها أيضًا، ولا تعارض بينهما لاحتمال أن تكون نزلت في كل من القصتين، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٩/ ٥٥٦).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٩/ ٥٦).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٥/ ٢٨٧).","vol":"4","page":166},{"text":"(٢٦ -<span data-type='title' id=toc-1908> باب كيف يستحلف؟. . .) إلخ</span>\nعلى بناء المجهول، وغرضه بذلك أنه لا يجب تغليظ الحلف بالقول، قال ابن المنذر: اختلفوا، فقالت طائفة: يحلفه بالله من غير زيادة، وقال مالك: يحلفه بالله الذي لا إله إلا هو، وكذا قال الكوفيون والشافعي، قال: فإن اتهمه القاضي غلظه عليه، فيزيد: عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم، الذي يعلم من السر ما يعلم من العلانية، ونحو ذلك، قال ابن المنذر: وبأي ذلك استحلفه أجزأ، والأصل في ذلك أنه إذا حلف بالله صدق عليه أنه حلف اليمين.\nوقوله: (ولا يحلف بغير الله) هو من كلام المصنف على سبيل التكميل للترجمة، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوتعقب العلَّامة العيني (^٢) على ما أفاده الحافظ من غرض الترجمة، وقال: قلت: غرضه بذلك الإشارة إلى أن أصل اليمين أن تكون بلفظ الله، لما يذكر عن قريب من حديث عبد الله بن مسعود، انتهى.\n\n(٢٧ -<span data-type='title' id=toc-1909> باب من أقام البيِّنة بعد اليمين. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٣): أي: إذا لم تكن للمدعي بيِّنة، فقضي بيمين المدعى عليه ثم وجد المدعي البينة هل يقضى بالبينة؟ نعم، انتهى.\nوفي هامشه: قال العيني (^٤): وجواب \"من\" محذوف، تقديره: هل تقبل البينة أم لا؟ وإنما لم يصرِّح به لمكان الخلاف فيه على عادته، فالجمهور على أنها تقبل، وإليه ذهب الثوري والكوفيون والشافعي وأحمد، وقال مالك في \"المدونة\": إن استحلفه وهو لا يعلم بالبينة ثم علمها، قضى\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ٢٨٧ - ٢٨٨).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٩/ ٥٥٨).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٧/ ١٠٥).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (٩/ ٥٦٠).","vol":"4","page":167},{"text":"له بها، وإن استحلفه ورضي بيمينه تاركًا البينة، وهي حاضرة أو غائبة، فلا حق له إذا شهدت له، وقال ابن أبي ليلى: لا تقبل بينته بعد استحلاف المدعى عليه، وبه قال أبو عبيد وأهل الظاهر، انتهى، وهكذا في \"الفتح\" (^١) مختصرًا.\n\n(٢٨ -<span data-type='title' id=toc-1910> باب من أمر بإنجاز الوعد. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٢): وجه تعلق هذا الباب بأبواب الشهادات أن وعد المرء كالشهادة على نفسه، قاله الكرماني (^٣)، وقال المهلب: إنجاز الوعد مأمور به مندوب إليه عند الجميع، وليس بفرض لاتفاقهم على أن الموعود لا يضارب بما وعد به مع الغرماء، انتهى.\nونقل الإجماع في ذلك مردود، فإن الخلاف مشهور، لكن القائل به قليل، وأجلّ من قال به عمر بن عبد العزيز، وعن بعض المالكية: إن ارتبط الوعد بسبب وجب الوفاء به وإلا فلا. . .، إلى آخر ما قال، وقد تقدم في \"باب إذا وهب هبة أو وعد\" أن الظاهر أن ميل الإمام البخاري إلى أن إيفاء الوعد واجب، فإنه ترجم بلفظ \"من أمر. . .\" إلخ.\n\n(٢٩ -<span data-type='title' id=toc-1911> باب لا يسأل أهل الشرك عن الشهادة وغيرها. . .) إلخ</span>\nقال العلَّامة القسطلاني (^٤): قوله: \"لا يسأل\" بضم أوله مبنيًا للمفعول، انتهى.\nقال الحافظ (^٥): هذه الترجمة معقودة لبيان حكم شهادة الكفار، وقد اختلف في ذلك السلف على ثلاثة أقوال، وذهب الجمهور إلى ردها مطلقًا، وذهب بعض التابعين إلى قبولها مطلقًا إلّا على المسلمين وهو مذهب\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ٢٨٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٥/ ٢٩٠).\n(^٣) \"شرح الكرماني\" (١١/ ٢٠٧).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (٦/ ١٥٧).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٥/ ٢٩٢).","vol":"4","page":168},{"text":"الكوفيين، فقالوا: تقبل شهادة بعضهم على بعض، وهي إحدى الروايتين عن أحمد وأنكرها بعض أصحابه، واستثنى أحمد حالة السفر فأجاز فيها شهادة أهل الكتاب كما سيأتي بيانه أواخر الوصايا إن شاء الله تعالى، وقال الحسن وإسحاق وغيرهما: لا تقبل ملة على ملة وتقبل بعض الملة على بعضها لقوله تعالى: ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [المائدة: ١٤]، وهذا أعدل الأقوال لبعده عن التهمة، واحتج الجمهور بقوله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وبغير ذلك من الآيات والأحاديث، انتهى.\nقال القسطلاني (^١) في شرح الترجمة: إذ لا تقبل شهادتهم خلافًا للحنفية حيث قالوا بقبولها لأهل الذمة على بعضهم وإن اختلفت مللهم؛ لأنه ﵊ رجم يهوديين زنيا بشهادة أربعة منهم، انتهى.\nوبسط الكلام على المسألة في \"الأوجز\" (^٢).\n\n(٣٠ -<span data-type='title' id=toc-1912> باب القرعة في المشكلات)</span>\nوفي \"الفيض\" (^٣): وهي عندنا لتطييب الخاطر لا غير، ولا تقوم حجة على أحد، ولم يأت فيه المصنف بما يكون من باب الحكم، وما أتى به فكله من باب الديانات، انتهى.\nأي: مشروعيتها، ووجه إدخالها في \"كتاب الشهادات\" أنها من جملة البينات التي تثبت بها الحقوق، فكما تقطع الخصومة والنزاع بالبينة كذلك تقطع بالقرعة، ومشروعية القرعة مما اختلف فيه، والجمهور على القول بها في الجملة، وأنكرها بعض الحنفية، وحكى ابن المنذر عن أبي حنيفة القول بها، وجعل المصنف ضابطها الأمر المشكل، وفسَّرها غيره بما ثبت فيه\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٦/ ١٥٧).\n(^٢) \"أوجز المسالك\" (١٥/ ٢٣٥ - ٢٣٦).\n(^٣) \"فيض الباري\" (٤/ ٩٩).","vol":"4","page":169},{"text":"الحق لاثنين فأكثر وتقع المشاححة فيه فيقرع لفصل النزاع. . .، إلى آخر ما في \"الفتح\" (^١).\nثم البراعة عند الحافظ في قوله: \"لأتوهما ولو حبوًا\"، فإنها شدة المرض.\nوالأوجه عندي: في قصة وفاة عثمان بن مظعون، فإنها لا تختص عندي بآخر الحديث بل بآخر الباب، ويمكن أن يقال: في قوله: \"لاستهموا\" على أحد المعنيين وهو الترامي، فتدبر.\n* * *\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ٢٩٣ - ٢٩٤).","vol":"4","page":170},{"text":"٥٣ -<span data-type='title' id=toc-1913> كتاب الصلح</span>\nقال العيني (^١): الصلح في اللغة: اسم بمعنى المصالحة، وهي المسالمة، خلاف المخاصمة، وأصله من الصلاح ضد الفساد، وفي الشرع: الصلح عقد يقطع النزاع بين المدعي والمدعى عليه، انتهى.\nقال الحافظ (^٢): الصلح أقسام: صلح المسلم مع الكافر، والصلح بين الزوجين، والصلح بين الفئة الباغية والعادلة، والصلح بين المتغاضبين، والصلح في الجراح كالعفو على مال، والصلح لقطع الخصومة إما في الأملاك أو في المشتركات كالشوارع، وهذا الأخير هو الذي يتكلم فيه أصحاب الفروع، وأما المصنف فترجم ها هنا لأكثرها، انتهى.\nقلت: والفرق بين أكثر تراجم هذا الكتاب يحتاج إلى دقة النظر وإمعانه، وفي \"الفيض\" (^٣): والصلح على ثلاثة أنحاء: الصلح مع إقرار، ومع سكوت، ومع إنكار، وكله جائز عندنا، وقال الشافعي: لا يجوز إلا الأول، انتهى.\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-1914> باب ما جاء في الإصلاح بين الناس. . .) إلخ</span>\nهكذا هذا الباب ها هنا في النسخ الهندية بعد \"كتاب الصلح\"، وهكذا في نسخة العيني وليس في نسخة \"الفتح\" والقسطلاني لفظ \"باب\"، بل فيهما \"كتاب الصلح، ما جاء في الإصلاح بين الناس\".\nقال الحافظ (^٤): وفي نسخة الصغاني \"أبواب الصلح، باب ما جاء\" وحذف هذا كله في رواية أبي ذر، واقتصر على قوله: \"ما جاء في الإصلاح بين الناس\".\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٩/ ٥٧٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٥/ ٢٩٨).\n(^٣) \"فيض الباري\" (٤/ ١٠١).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٥/ ٢٩٨).","vol":"4","page":171},{"text":"قوله: (وخروج الإمام. . .) إلخ، هذا بقية الترجمة، انتهى.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): قوله: فنزلت ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾. . .) إلخ [الحجرات: ٩]، ولا يرد ما أورده المحشي من أنها نزل في غير تلك الوقعة، ولعل الباعث له على ذلك ما يستبعد من أن المسلمين كيف غضبوا لعبد الله وكان يوم ذاك كافرًا، والجواب أنه غير مستبعد من اقتضاء البشرية، وانجراء الأسر إلى الحمية لقومه وإن لزم فيه الحمية لكافر، ولو سلم فمعنى قوله: فنزلت، أي: في مثل ذلك، أو فقد كانت نزلت، فعمل النبي - ﷺ - بها فصالح بينهما، انتهى.\nوفي هامشه: قال ابن بطال: يستحيل نزولها في قصة عبد الله بن أُبيّ وأصحابه؛ لأن أصحاب عبد الله ليسوا بمؤمنين، وقد تعصبوا له بعد الإسلام في قصة الإفك، وقد رواه البخاري في \"كتاب الاستئذان\" عن أسامة بن زيد: \"أن النبي - ﷺ - مرَّ في مجلس فيه أخلاط من المشركين والمسلمين وعبدة الأوثان واليهود وفيهم عبد الله بن أُبيّ\" فذكر الحديث، فدل على أن الآية لم تنزل فيه، وإنما نزلت في قوم من الأوس والخزرج اختلفوا في حق اقتتلوا بالعصا والنعال، كذا في \"التنقيح\" (^٢)، انتهى.\nوبسط الكلام على الحديث الحافظ في \"الفتح\" (^٣).\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-1915> باب ليس الكاذب الذي يصلح بين الناس)</span>\nقال الحافظ (^٤): ترجم بلفظ \"الكاذب\"، وساق الحديث بلفظ \"الكذاب\"، واللفظ الذي ترجم به لفظ معمر عن ابن شهاب وهو عند مسلم، وكان حق السياق أن يقول: ليس من يصلح بين الناس كاذبًا، لكنه ورد على طريق القلب وهو سائغ.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٧/ ١٠٨ - ١١٠).\n(^٢) \"التنقيح لألفاظ الجامع الصحيح\" (٢/ ٤٢٠).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٥/ ٢٩٨ - ٢٩٩).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٥/ ٢٩٩ - ٣٠٠).","vol":"4","page":172},{"text":"ثم قال الحافظ: قال الطبري: ذهبت طائفة إلى جواز الكذب لقصد الإصلاح، وقالوا: إن الثلاث المذكورة كالمثال، وقالوا: الكذب المذموم إِنما هو في ما فيه مضرة، أو ما ليس فيه مصلحة، وقال آخرون: لا يجوز الكذب في شيء مطلقًا، وحملوا الكذب المراد هنا على التورية والتعريض كمن يقول للظالم: دعوت لك أمس، وهو يريد قوله: اللهم اغفر للمسلمين، ويعد امرأته بعطية شيء، ويريد إن قدر الله ذلك.\nقال الحافظ: وبالأول جزم الخطابي (^١) وغيره، وبالثاني جزم المهلب والأصيلي وغيرهما، واتفقوا على جواز الكذب عند الاضطرار، انتهى.\nوفي \"الفيض\" (^٢): واعلم أن الكذب جائز في بعض الأحوال عند الشافعية، أما الحنفية فلا أراهم يجوِّزونه صراحة في موضع، نعم وسَّعوا بالكنايات والمعاريض وأمثالها، وراجع له كلام الغزالي - ﵀ -، انتهى.\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-1916> باب قول الإمام لأصحابه: اذهبوا بنا نصلح)</span>\nحديث الباب ظاهر فيما ترجم له، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٤): يعني: بذلك أن الإمام وإن كان له التعزير والتأديب إلا أن له أن يصالح بينهما وهذا أولى، انتهى.\nوما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه واضح لكن الأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن ما أفاده الشيخ يناسب ما سيأتي بعد عدة أبواب من \"باب هل يشير الإمام بالصلح\" وسيأتي هناك اختلاف العلماء في ذلك.\nوالأوجه عندي في هذا الباب الذي نحن بصدده: دفع ما يتوهم من ظاهر موقف الإمام والقاضي كما هو الظاهر من فروع الفقهاء أن حق الأمير والقاضي هو المخاصمة إليه والترافع إليه في مجلسه، فقد قال ابن عابدين عن\n_________\n(^١) \"الأعلام\" (٢/ ١٣١٥).\n(^٢) \"فيض الباري\" (٤/ ١٠١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٥/ ٣٠٠).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٧/ ١١١).","vol":"4","page":173},{"text":"فتاوى الشيخ قاسم: إنه نقل الإجماع على أن تقدم الدعوى الصحيحة شرط لنفاذ الحكم، وأيد ذلك صاحب \"البحر\" في رسالة ألفها في ذلك، انتهى.\nفنبَّه الإمام البخاري بهذه الترجمة على أن الإمام لو ذهب بنفسه إلى الخصمين ليصلح بينهما لا بأس بذلك.\n\n(٤ -<span data-type='title' id=toc-1917> باب قول الله: (﴿أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء:</span> ١٢٨])\nفي سورة النساء، مخبرًا ومشرِّعًا عن حال الزوجين تارة في نفور الرجل عن المرأة وتارة في حال اتفاقه معها وتارة عند فراقه لها ﴿أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا﴾ أي: يصطلحا بأن تحط له بعض المهر أو القسم أو تهب له شيئًا تستمليه به ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ أي: من الفرقة وسوء العشرة أو من الخصومة، ويجوز أن لا يراد به التفضيل بل بيان أنه من الخيور كما أن الخصومة من الشرور، قاله البيضاوي، انتهى من \"القسطلاني\" (^١).\n\n(٥ -<span data-type='title' id=toc-1918> باب إذا اصطلحوا على صلح جور. . .) إلخ</span>\nيجوز في \"صلح جور\": الإضافة، وأن ينون \"صلح\" ويكون \"جور\" صفة له.\nذكر فيه حديث أبي هريرة وزيد بن خالد في قصة العسيف، والغرض منه هنا قوله: \"الوليدة والغنم رد عليك\" لأنه في معنى الصلح عما وجب على العسيف من الحد، ولما كان ذلك لا يجوز في الشرع كان جورًا، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\nوهكذا كتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣) إذ قال: قوله: \"أما الوليدة. . .\" إلخ، فيه الترجمة حيث أبطل الشرط الغير المشروع، انتهى.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٦/ ١٧٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٥/ ٣٠١).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٧/ ١١١).","vol":"4","page":174},{"text":"وفي \"الفيض\" (^١) تحت الباب: هذا إشارة إلى ما أخرجه الحاكم أن كل صلح جائز إلا ما أحلَّ حرامًا، أو حرّم حلالًا، يعني به أن الصلح إذا تضمن الجور، فهل يعتد به أم لا؟ أما مسألة الصلح مع الإنكار فلم يتعرض لها بعد، وراجع لها \"الهداية\" (^٢) فإنه أجاب عن إيراد الشافعية، انتهى.\n\n(٦ -<span data-type='title' id=toc-1919> باب كيف يكتب. . .) إلخ</span>\nمبنيًّا للمفعول، أي: كيف يكتب الصلح؟.\nقوله: (وان لم ينسبه. . .) إلخ، كتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): يعني بذلك: أن النسب إنما هو للتعين ورفع الإبهام فلو حصل بدونه لم يفتقر إليه، انتهى.\nوفي هامشه: قال الحافظ (^٤): أي: إذا كان مشهورًا بدون ذلك بحيث يؤمن اللبس فيه فيكتفى في الوثيقة بالاسم المشهور ولا يلزم ذكر الجد والنسب والبلد ونحو ذلك، وأما قول الفقهاء: يكتب في الوثائق اسمه واسم أبيه وجده ونسبه، فهو حيث يخشى اللبس، وإلا فحيث يؤمن اللبس فهو على الاستحباب، انتهى.\nقوله: (لما صالح رسول الله - ﷺ -) قال الحافظ: سيأتي في \"الشروط\" بيان سبب ذلك مطولًا، وقد ذكر المصنف هنا هذا الحديث أتم سياقًا (^٥)، والغرض منه هنا اقتصار الكاتب على قوله: \"محمد رسول الله\" ولم ينسبه إلى أب ولا جد، وأقره - ﷺ - واقتصر على محمد بن عبد الله بغير زيادة، وذلك كله لأمن الالتباس، انتهى.\nقوله: (فكتب: هذا ما قاضى) الأصح أن إسناد الكتابة إليه - ﷺ - مجاز ولا يحسن جعله معجزة حملًا على الحقيقة، إذ لو كتب بيده الشريفة لكان\n_________\n(^١) \"فيض الباري\" (٤/ ١٠٢).\n(^٢) انظر: \"الهداية\" (٦/ ١٣٠ - ١٣١).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٧/ ١١٢).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٥/ ٣٠٤).\n(^٥) انظر: \"صحيح البخاري\" (ح: ٢٧١١).","vol":"4","page":175},{"text":"للكفار أن يعلموا أنه يكتب فيتحقق بذلك ظنهم أنه شاعر وكاتب ينظر في الكتب وينبئ عنها، وهذا خلاف المقصود، انتهى.\nقلت: والمسألة خلافية شهيرة بسط الكلام عليها في \"التلخيص الحبير\" و\"نسيم الرياض\" و\"تذكرة الحفاظ\" في ترجمة أبي الوليد.\nوبسط الكلام عليها في هامش \"اللامع\" (^١) فارجع إليه لو شئت.\n\n(٧ -<span data-type='title' id=toc-1920> باب الصلح مع المشركين)</span>\nقال الحافظ (^٢): أي: حكمه أو كيفيته أو جوازه، وسيأتي شرحه وبيانه في \"كتاب الجزية\" في \"باب المصالحة والموادعة مع المشركين بالمال وغيره\".\nوقال الحافظ (^٣) هناك: أما أصل المسألة فاختلف فيه، سئل الأوزاعي عن موادعة إمام المسلمين أهل الحرب على مال يؤديه إليهم فقال: لا يصلح ذلك إلا عن ضرورة كشغل المسلمين عن حربهم، ولا بأس أن يصالحهم على غير شيء يؤدونه إليهم كما وقع في الحديبية، وقال الشافعي: إذا ضعف المسلمون عن قتال المشركين جازت لهم مهادنتهم على غير شيء يعطونهم؛ لأن القتل للمسلمين شهادة، وإن الإسلام أعز من أن يعطى المشركون على أن يكفّوا عنهم، إلا في حالة مخافة اصطلام المسلمين لكثرة العدو؛ وكذلك إذا أسر رجل مسلم فلم يطلق إلا بفدية جاز، انتهى.\nوقال العيني (^٤) بعد ذكر قول الأوزاعي والشافعي: وقال ابن بطال: ولم أجد لمالك وأصحابه ولا الكوفيين نصًّا في هذه المسألة، قال العيني: مذهب أصحابنا أن للإمام أن يصالحهم بمال يأخذ منهم أو يدفع إليهم إذا كان الصلح خيرًا في حق المسلمين لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٧/ ١١٢ - ١١٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٥/ ٣٠٥).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٦/ ٢٧٦).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٠/ ٥٢٦).","vol":"4","page":176},{"text":"لَهَا﴾ [الأنفال: ٦١]، والمال الذي يؤخذ منهم بالصلح يصرف مصارف الجزية، انتهى.\nوقال الموفق (^١): تجوز مهادنتهم على غير مال لقصة الحديبية، ويجوز ذلك على مال نأخذه منهم؛ فإنها إذا جازت على غير مال، فعلى مال أولى، وأما إن صالحهم على مال نبذله لهم، فقد أطلق أحمد القول بالمنع منه وهو مذهب الشافعي؛ لأن فيه صَغارًا للمسلمين، وهذا محمول على غير حال الضرورة، فأما إن دعت إليه ضرورة، وهو أن يخاف الأسر، فيجوز؛ لأنه للأسير فداء نفسه بالمال، فكذا ها هنا، انتهى.\nقوله: (عن أبي سفيان) يشير إلى حديث أبي سفيان في شأن هرقل، وقد تقدم بطوله في أول الكتاب (^٢)، والغرض منه قوله في أوله: \"إن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش في المدة التي هادن فيها رسول الله - ﷺ - كفار قريش\" الحديث، وقوله فيه: \"ونحن منه في مدة لا ندري ما هو صانع فيها\"، انتهى.\nقال القسطلاني (^٣): قوله: \"عن أبي سفيان\" والغرض منه هنا الإشارة إلى مدة الصلح المذكورة في قوله: \"ونحن منه في مدة\" وغير ذلك، انتهى.\n\n(٨ -<span data-type='title' id=toc-1921> باب الصلح في الدية)</span>\nأي: بأن يجب القصاص فيقع الصلح على مال معين، ثم قال: وقوله: \"زاد الفزاري. . .\" إلخ، أي: زاد على رواية الأنصاري ذكر قبولهم الأرش، والذي وقع في رواية الأنصاري \"فرضي القوم وعفوا\" وظاهره أنهم تركوا القصاص والأرش مطلقًا، فأشار المصنف إلى الجمع بينهما بأن قوله: \"عفوا\"، محمول على أنهم عفوا عن القصاص على قبول الأرش جمعًا بين الروايتين، انتهى من \"الفتح\" (^٤).\n_________\n(^١) \"المغني\" (١٣/ ١٥٥ - ١٥٦).\n(^٢) انظر: \"صحيح البخاري\" (ح: ٧).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (٦/ ١٧٨).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٥/ ٣٠٦).","vol":"4","page":177},{"text":"(٩ -<span data-type='title' id=toc-1922> باب قول النبي - ﷺ - للحسن بن علي: \"ابني هذا سيد. . .\") إلخ</span>\nقال الحافظ (^١): اللام في قوله: \"للحسن\" بمعنى: عن، وترجم المصنف بلفظ الحديث احترازًا وأدبًا، وكذلك ترجم بنحوه في \"كتاب الفتن\"، وقوله جل ذكره: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩] لم يظهر لي مطابقة الحديث لهذا القدر من الترجمة، إلا إن كان يريد أنه - ﷺ - كان حريصًا على امتثال أمر الله، وقد أمر بالإصلاح، وأخبر - ﷺ - أن الصلح بين الفئتين المختلفتين سيقع على يد الحسن، انتهى.\nوقال العلَّامة العيني (^٢): أشار بذكر هذه القطعة من الآية الكريمة إلى أن الصلح أمر مشروع ومندوب إليه، انتهى، وتبعه القسطلاني (^٣) في ذلك.\nقلت: وبه يندفع إيراد الحافظ، فإن هذا الجزء من الترجمة مثبت للجزء السابق لا مثبت بالفتح، فلا يحتاج حينئذ إلى إثباته بحديث الباب، وهو الأصل الستون من أصول التراجم كما تقدم في الجزء الأول.\n\n(١٠ -<span data-type='title' id=toc-1923> باب هل يشير الإمام بالصلح</span>؟)\nأشار بهذه الترجمة إلى الخلاف، فإن الجمهور استحبوا للحاكم أن يشير بالصلح وإن اتجه الحق لأحد الخصمين، ومنع من ذلك بعضهم وهو عن المالكية، وزعم ابن التِّين أنه ليس في حديثي الباب ما ترجم به، وإنما فيه الحض على ترك بعض الحق، وتعقب بأن الإشارة بذلك بمعنى الصلح، على أن المصنف ما جزم بذلك فكيف يعترض عليه؟ من \"الفتح\" (^٤).\nوفي \"الفيض\" (^٥): ففي \"الدر المختار\": أنه يستحب للقاضي أن يشير إلى المتخاصمين أولًا بالصلح، ثم يحكم بما حكم الله به، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ٣٠٧).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٩/ ٥٩٦).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (٦/ ١٨٣).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٥/ ٣٠٧ - ٣٠٨).\n(^٥) \"فيض الباري\" (٤/ ١٠٦).","vol":"4","page":178},{"text":"(١١ -<span data-type='title' id=toc-1924> باب فضل الإصلاح بين الناس. . .) إلخ</span>\nقال ابن المنيِّر (^١): ترجم على الإصلاح والعدل، ولم يورد في هذا الحديث إلا العدل، لكن لما خاطب الناس كلهم بالعدل وقد علم أن فيهم الحكام وغيرهم، كان عدل الحاكم إذا حكم، وعدل غيره إذا أصلح، وقال غيره: الإصلاح نوع من العدل، فعطف العدل عليه من عطف العام على الخاص، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\nثم إن هذه الترجمة بظاهرها مكررة بما سبق نحوها في أول الكتاب، ولم يتعرض له الشرَّاح، اللَّهم إلا أن يقال بالفرق بين الإصلاح المذكور ثمة وبين الإصلاح المذكور ها هنا، فيمكن أن يقال: إن المراد بالإصلاح هناك إصلاح ذات البين، ورفع النزاع بين الناس، وإطفاء نار الفتنة، ويؤيد هذا المعنى الباب الذي يليه \"ليس الكاذب الذي يصلح بين الناس\" وأما الإصلاح المذكور ها هنا فالمراد به العدل في الحكم والقضاء، لا رفع النزاع الواقع بين الناس، فتأمل.\n\n(١٢ -<span data-type='title' id=toc-1925> باب إذا أشار الإمام بالصلح فأبى. . .) إلخ</span>\nأي: امتنع من عليه الحق من الصلح، قاله القسطلاني (^٣).\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٤): يعني بذلك: أنه إذا حكم بأمر هو أصلح للفريقين كليهما، وإن كان فيه تأخير لحق أحدهما إلى بعض وقت آخر وليس فيه كثير ضرر له، ثم لم يرض الفريق الذي قضى فيه لنفعه فللإِمام أن يحكم بعد ذلك باستيفاء صاحب الحق حقه وإن كان فيه ضرر الآخر، انتهى.\nولا يتوهم التكرار بين هذه الترجمة وبين ما سبق من \"باب هل يشير\n_________\n(^١) \"المتواري\" (ص ٣١٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٥/ ٣٠٩).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (٦/ ١٨٨).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٧/ ١٢٢ - ١٢٣).","vol":"4","page":179},{"text":"الإمام بالصلح؟ \" فإن محط الغرض ها هنا هو قوله: \"فأبى، حكم عليه بالحكم البين\" فلا تكرار.\n\n(١٣ -<span data-type='title' id=toc-1926> باب الصلح بين الغرماء)</span>\nقال الحافظ (^١): قوله: (والمجازفة في ذلك) أي: عند المعاوضة، ومراده أن المجازفة في الاعتياض عن الدين جائزة، وإن كانت من جنس حقه وأقل، وأنه لا يتناوله النهي إذ لا مقابلة من الطرفين، انتهى.\n\n(١٤ -<span data-type='title' id=toc-1927> باب الصلح بالدين والعين)</span>\nقال ابن التِّين: ليس في الحديث ما ترجم به، وأجيب بأنه فيه الصلح فيما يتعلق بالدين، وكأنه ألحق به الصلح فيما يتعلق بالعين بطريق الأولى، قال ابن بطال (^٢): اتفق العلماء على أنه إن صالح غريمه عن دراهم بدراهم أقل منها جاز إذا حل الأجل، فإذا لم يحل الأجل لم يجز أن يحط عنه شيئًا قبل أن يقبضه مكانه، وإن صالحه بعد حلول الأجل عن دراهم بدنانير، أو عكسه جاز واشترط القبض، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\nثم البراعة عند الحافظ في قوله: \"قم فاقضه\"، انتهى، فإنه مشير إلى الاختتام إذ لم يبق شيء بعد القضاء، ولا يبعد عندي أنها في قوله: \"وهو في بيته\" فإن لفظ \"البيت\" يطلق على القبر أيضًا، فافهم كما تقدم في آخر المواقيت.\n* * *\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ٣١٠).\n(^٢) (٨/ ١٠٣).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٥/ ٣١١ - ٣١٢).","vol":"4","page":180},{"text":"٥٤ -<span data-type='title' id=toc-1928> كتاب الشروط</span>\nقال الحافظ (^١): كذا لأبي ذر، وسقط \"كتاب الشروط\" لغيره. والشروط جمع شرط بفتح أوله وسكون الراء، وهو ما يستلزم نفيه نفي أمر آخر غير السبب.\nوقال العيني (^٢): الشرط: العلامة، وفي الاصطلاح: ما يتوقف عليه وجود الشيء ولم يكن داخلًا فيه، وقيل: ما يلزم من انتفائه انتفاء المشروط، ولا يلزم من وجوده وجود المشروط.\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-1929> باب ما يجوز من الشروط في الإسلام. . .) إلخ</span>\nقال الحافظان (^٣) ابن حجر والعيني: المراد به ههنا بيان ما يصح منها مما لا يصح، وقوله: \"في الإسلام\" عند الدخول فيه، فيجوز مثلًا أن يشترط الكافر أنه إذا أسلم لا يكلف بالسفر من بلد إلى بلد مثلًا، ولا يجوز أن يشترط أن لا يصلي مثلًا، وقوله: \"والأحكام\" أي: العقود والمعاملات، وقوله: \"والمبايعة\" من عطف الخاص على العام، انتهى.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٤): الظاهر أنه قصد بذلك إثبات أن كل شرط هو مخالف لأمر الشارع فهو رد، لا يجوز العمل بمقتضاه، وما كان بخلاف ذلك فهو أحق شيء بالوفاء، والدليل عليه ما نسخ الله تعالى من شرط ردِّ النساء إلى الكفار فإنهن كن داخلة في الشرط، ومع ذلك فلما كان ردهن تعريضًا للفتنة في الدين، ولا كذلك في الرجال فإنهم على مكنة\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ٣١٢).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٩/ ٦٠٦).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٥/ ٣١٣)، و\"عمدة القاري\" (٩/ ٦٠٦).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٧/ ١٢٥ - ١٣٠).","vol":"4","page":181},{"text":"من الخروج والفرار، ومع ذلك فكان ردُّ النساء إليهم تمكينًا لهم على فروجهن ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١] منع الله نبيَّه - ﷺ - أن يردهن إليهم، وعلى هذا فلا يرد أنه - ﷺ - كيف خالف عهده معهم فيهن. . .، إلى آخر ما بسط.\nوقال أيضًا: ثم إن المذكور في الباب هي الروايات الدالة على اشتراط الشروط في الإسلام، وظاهر عطف الأحكام والمبايعة على الإسلام يقتضي إيراد حديث يناسب شرائط الأحكام، فإما أن يقال: قوله في حديث جرير: \"بايعته على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة\" إنما هو من الاشتراط في الأحكام، أو يقال: قوله: \"والنصح لكل مسلم\" يتناول كل عقد وحكم، أو يقال: قوله تعالى: ﴿عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا. . .﴾ إلخ [الممتحنة: ١٢]، مما يتناول كل حكم، انتهى.\nوبسط في هامشه الكلام على أن ردَّ النساء هل كان داخلًا في عقد الهدنة لفظًا أو عمومًا؟ وفيه بعد بسط الكلام على تلك المسألة: والأوجه عند هذا العبد الضعيف: أنه لما كان في علم الله ﵎ استثناء النساء من ذلك قدَّر الله تعالى أن يكون العهد بلفظ \"لا يأتيك منا رجل\" إلا أنهم فهموا من ذلك العموم؛ لأن النساء في أكثر الأحكام تكون تابعة للرجال، فلما هاجرت النساء أنزل الله ﵎ آية الامتحان تنبيهًا على أن العهد كان للرجال خاصة، انتهى.\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-1930> باب إذا باع نخلًا قد أُبِّرت)</span>\nكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^١): أي: فاشترط فيها شرطًا لا يخالف مقتضى العقد ولا هو مما يخالف الشرع يكون العمل بمقتضاه واجبًا، انتهى.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٧/ ١٣٢).","vol":"4","page":182},{"text":"وفي هامشه: كما ورد في الحديث من اشتراط الثمرة فإنه مما لا يخالف مقتضى العقد ولا يخالف الشرع.\nقال الحافظ (^١): لم يذكر البخاري جواب الشرط اكتفاء بما في الخبر، انتهى.\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-1931> باب الشروط في البيع)</span>\nإنما أطلق الترجمة للتفصيل في اعتباره بين الفقهاء، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\nوقال القسطلاني (^٣): ترجمة المؤلف ههنا مطلقة تحتمل جواز الاشتراط في البيع وعدم الجواز، ومذهب الشافعية لا يجوز بيع وشرط؛ كبيع بشرط بيع أو قرض، للنهي عنه في حديث أبي داود وغيره إلا في ست عشرة مسألة، ثم بسطها القسطلاني.\nقال العلَّامة السندي (^٤): نبَّه بهذه الترجمة على أن كلام عائشة وأصحاب بريرة كان في البيع والشراء لا في قضاء الكتابة كما هو ظاهر حديث الباب، وإلا يلزم أن يكون اشتراط عائشة على خلاف الحق واشتراطهم على الحق، وعلى هذا فمعنى قوله: \"وإن أحبوا أن أقضي عنك الكتابة\" أي: أشتريك بما عليك من دين الكتابة وأعتقك، وقولهم: \"أن تحتسب عليك\" أي: بالعتق لا بالمال، والله تعالى أعلم.\n\n(٤ -<span data-type='title' id=toc-1932> باب إذا اشترط البائع ظهر الدابة. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٥): ولم يكن الشرط داخلًا في صلب العقد بل كان عارية مبتدئة، غير أن من عبَّر عنه بالشرط نظر إلى الحاصل والمآل، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ٣١٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٥/ ٣١٤).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (٦/ ١٩٧، ١٩٨).\n(^٤) \"صحيح البخاري بحاشية السندي\" (٢/ ١١٦).\n(^٥) \"لامع الدراري\" (٧/ ١٣٣).","vol":"4","page":183},{"text":"وتقدم الكلام على المسألة في \"كتاب البيوع\".\n\n(٥ -<span data-type='title' id=toc-1933> باب الشروط في المعاملة)</span>\nأي: من مزارعة وغيرها، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(٦ -<span data-type='title' id=toc-1934> باب الشروط في المهر عند عقدة النكاح. . .) إلخ</span>\nبضم العين المهملة، والمراد: وقت العقد، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\nوسيأتي الاختلاف في هذه المسألة في \"كتاب النكاح\" إن شاء الله.\n\n(٧ -<span data-type='title' id=toc-1935> باب الشروط في المزارعة)</span>\nقال الحافظ (^٣): هذه الترجمة أخص من الماضية قبل بباب.\n\n(٨ -<span data-type='title' id=toc-1936> باب ما لا يجوز من الشروط في النكاح)</span>\nقال الحافظ (^٤): ذكر فيه حديث أبي هريرة، وفيه: \"ولا يخطبن على خطبة أخيه\" وسيأتي الكلام عليه في \"كتاب النكاح\"، انتهى.\n\n(٩ -<span data-type='title' id=toc-1937> باب الشروط التي لا تحل في الحدود)</span>\nيستفاد من حديث الباب: أن كل شرط وقع في رفع حدٍّ من حدود الله فهو باطل، وكل صلح وقع فيه فهو مردود، انتهى من \"الفتح\" (^٥).\n\n(١٠ -<span data-type='title' id=toc-1938> باب ما يجوز من شروط المكاتب)</span>\nذكر فيه حديث عائشة في قصة بريرة، ومطابقته للترجمة تفهم من معنى الحديث؛ لأن بريرة قالت لعائشة: اشتريني فأعتقيني، والحال أنها كانت مكاتبة، فكأنها شرطت عليها أن تعتقها إذا اشترتها، انتهى من \"العيني\" (^٦).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ٣٢٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٥/ ٣٢٣).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٥/ ٣٢٣).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٥/ ٣٢٣).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٥/ ٣٢٤).\n(^٦) \"عمدة القاري\" (٩/ ٦٢٣).","vol":"4","page":184},{"text":"(١١ -<span data-type='title' id=toc-1939> باب الشروط في الطلاق. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^١): أي: تعليق الطلاق، انتهى.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): قوله: \"وإن بدأ بالطلاق أو أخَّر\" يعني بذلك أن الحكم لا يتفاوت في تعليق الطلاق بالشرط سواء قدَّم الشرط وأخَّر الطلاق أو عكس؛ كقوله: أنت طالق إن دخلت الدار، انتهى.\nقال العيني (^٣): ومذهب شريح وإبراهيم النخعي: إذا بدأ بالطلاق قبل يمينه وقع الطلاق، بخلاف ما إذا أخَّره، وقد خالفهما الجمهور في ذلك، انتهى.\nوقال العلَّامة السندي (^٤): ذكر في الباب حديث \"وأن تشترط المرأة طلاق أختها\" قالوا: وهذا موضع الترجمة؛ لأن مفهومه أنها إذا اشترطت ذلك فطلق أختها وقع الطلاق؛ لأنه لو لم يقع لم يكن للنهي معنى، انتهى.\nقال العلَّامة السندي: قلت: اللغو ينهى عنه أيضًا، والله تعالى أعلم، انتهى.\nوقال شيخ مشايخنا في \"تراجمه\" (^٥): قوله: \"باب الشروط\" هذا أعم من أن يكون الطلاق مشروطًا بشيء أو يكون شيء آخر مشروطًا بطلاق، فصح مطابقة الأثر والحديث كليهما للترجمة، انتهى.\n\n(١٢ -<span data-type='title' id=toc-1940> باب الشروط مع الناس بالقول)</span>\nذكر فيه طرفًا من حديث ابن عباس عن أُبيّ بن كعب في قصة موسى والخضر، والمراد منه قوله: \"كانت الأولى نسيانًا، والوسطى شرطًا، والثالثة عمدًا\" وأشار بالشرط إلى قوله: ﴿إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ٣٢٥).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٧/ ١٣٥).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٩/ ٦٢٤).\n(^٤) \"حاشية السندي على صحيح البخاري\" (٢/ ١١٨).\n(^٥) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٣٩٧).","vol":"4","page":185},{"text":"تُصَاحِبْنِي﴾ [الكهف: ٧٦] والتزام موسى بذلك، ولم يكتبا ذلك، ولم يشهدا أحدًا.\nوفيه دلالة على العمل بمقتضى ما دلَّ عليه الشرط، فإن الخضر قال لموسى لما أخلف الشرط: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف: ٧٨]، ولم ينكر موسى - ﵇ - ذلك، انتهى (^١).\nقال العيني (^٢): لم يقع بينه وبين الخضر - ﵇ - في ذلك لا إشهاد ولا كتابة، وإنما وقع ذلك شرطًا بالقول، والترجمة الشرط مع الناس بالقول، أي: دون الإشهاد والكتابة، انتهى.\n\n(١٣ -<span data-type='title' id=toc-1941> باب الشروط في الولاء)</span>\nذكر فيه طرفًا من حديث عائشة في قصة بريرة، وقد تقدم الكلام عليه في آخر المكاتب في \"باب إذا قال المكاتب: اشترني وأعتقني. . .\" إلخ.\n\n(١٤ -<span data-type='title' id=toc-1942> باب إذا اشترط في المزارعة. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٣): كذا ذكر هذه الترجمة مختصرة، وترجم بحديث الباب في \"المزارعة\" بأوضح من هذا فقال: \"إذا قال رب الأرض: أقرك ما أقرك الله - ولم يذكر أجلًا معلومًا - فهما على تراضيهما\" وأخرج هناك حديث ابن عمر بلفظ: \"نقركم على ذلك ما شئنا\" وأورده ههنا بلفظ: \"نقركم ما أقركم الله\"، فأحال في كل ترجمة على لفظ المتن الذي في الأخرى، وبيَّنت إحدى الروايتين مراد الأخرى وأن المراد بقوله: \"ما أقركم الله\" ما قدر الله أنا نترككم فيها، فإذا شئنا فأخرجناكم تبين أن الله قدَّر إخراجكم، انتهى.\nقلت: وقد تقدم في \"أبواب المزارعة\" الكلامُ على ما إذا لم يشترط\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (٥/ ٣٢٦).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٩/ ٦٢٥).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٥/ ٣٢٧).","vol":"4","page":186},{"text":"السنين في المزارعة والمساقاة، واختلافُ العلماء في ذلك، وجوابُ الحنفية عن حديث خيبر بأنه خراج عندهم، وغير ذلك.\nقوله: (وأعطاهم قيمة ما كان لهم) ذكر صاحب \"الفيض\" (^١) الكلام عليه، وأثبت فيه التعارض برواية \"الموطأ\"، ومال إلى أنه وقع سقط في البخاري فارجع إليه لو شئت.\n\n(١٥ -<span data-type='title' id=toc-1943> باب الشروط في الجهاد. . .) إلخ</span>\nقوله: (مع الناس بالقول) ليس هذا في نسخة الشروح.\nقال الحافظ (^٢): كذا للأكثر، أي: بدون الزيادة، وزاد المستملي \"مع الناس بالقول\" وهي زياده مستغنى عنها لأنها تقدمت في ترجمة مستقلة (^٣)، إلا أن تحمل الأولى على الاشتراط بالقول خاصة وهذه على الاشتراط بالقول والفعل، انتهى.\nقوله: (حتى كانوا ببعض الطريق) قال الحافظ (^٤): اختصر المصنف صدر هذا الحديث الطويل مع أنه لم يسقه بطوله إلا في هذا الموضع، وبقيته عنده في \"المغازي\" (^٥)، إلى آخر ما ذكر، وقد تكلم الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٦) على بعض أجزاء هذا الحديث مما يحتاج إلى إِيضاح وتشريح.\n\n(١٦ -<span data-type='title' id=toc-1944> باب الشروط في القرض. . .) إلخ</span>\nغرض الترجمة ظاهر، أي: التأجيل في القرض، وتقدم الخلاف في ذلك في \"باب إذا أقرضه إلى أجل مسمى\" من أن التأجيل في القرض ليس\n_________\n(^١) \"فيض الباري\" (٤/ ١١٥، ١١٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٥/ ٣٣٣).\n(^٣) كتاب الشروط، باب (١٢).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٥/ ٣٣٤).\n(^٥) كتاب المغازي، باب (٣٥)، (ح: ٤١٤٧).\n(^٦) \"لامع الدراري\" (٧/ ١٣٧ - ١٤٩).","vol":"4","page":187},{"text":"بلازم عند الحنفية والشافعية، وقال مالك بلزومه، واليه ظاهر ميل المؤلف كما تقدم.\nقوله: (إذا أجله في القرض جاز) كتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): بمعنى أنه لا يملك المطالبة قبل حلول الأجل، وهذا القول وإن لم يكن نصًا فيه، بك يمكن أن يكون معناه أن التأجيل جائز وإن لم يكن العمل بمقتضاه واجبًا، حتى أن الدائن جاز له المطالبة قبل حلول الأجل فلا يخالف رأي الحنفية، غير أن مذهب ابن عمر معلوم في ذلك أنه الأول، فيكون حمل كلامه على الأخير توجيهًا للقول بما لا يرضى به قائله، انتهى.\n\n(١٧ -<span data-type='title' id=toc-1945> باب المكاتب وما لا يحل من الشروط)</span>\nقال العلَّامة العيني (^٢): تقدم في كتاب الشروط \"باب ما يجوز من شروط المكاتب\"، وقوله ههنا: باب المكاتب. . . إلخ، أعم من ذلك، وتقدم أيضًا في كتاب العتق: باب ما يجوز من شروط المكاتب، ومن اشترط شرطًا ليس في كتاب الله وحديث الأبواب الثلاثة واحد، وتكرار التراجم لا يدل على زيادة فائدة إلا في شيء واحد، وهو أنه فسر قوله: ليس في كتاب الله، بقوله: \"التي تخالف كتاب الله\" لأن المراد بكتاب الله حكمه، وحكمه تارة يكون بطريق النص وتارة بطريق الاستنباط، وكل ما لم يكن من ذلك فهو مخالف لما في كتاب الله، انتهى.\n\n(١٨ -<span data-type='title' id=toc-1946> باب ما يجوز من الاشتراط والثنيا في الإقرار)</span>\nقال الحافظ (^٣): الثنيا بضم المثلثة وسكون النون بعدها تحتانية، مقصور، أي: الاستثناء، \"في الإقرار\" سواء كان استثناء قليل من كثير أو كثير من قليل، واستثناء القليل من الكثير لا خلاف في جوازه، وعكسه\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٧/ ١٥٠).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٩/ ٦٥٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٥/ ٣٥٤).","vol":"4","page":188},{"text":"مختلف فيه، فذهب الجمهور إلى جوازه أيضًا، وأقوى حججهم قوله تعالى: ﴿إلا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢] مع قوله - ﷿ -: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٣] لأن أحدهما أكثر من الآخر لا محالة، وقد استثنى كلًا منهما عن الآخر، وذهب بعض المالكية كابن الماجشون إلى فساده، وإليه ذهب ابن قتيبة وزعم أنه مذهب البصريين من أهل اللغة، وأن الجواز مذهب الكوفيين، انتهى.\n\n(١٩ -<span data-type='title' id=toc-1947> باب الشروط في الوقف)</span>\nذكر فيه حديث ابن عمر في قصة وقف عمر، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله في الكتاب الذي يليه (^١).\nقال العيني (^٢): ومطابقة الحديث للترجمة في قول عمر رضي الله تعالى عنه: \"أنه لا يباع\". . . إلى آخره، ثم بسط العلَّامة العيني في بيان ما يستفاد من الحديث الكلام على حقيقة الوقف وحكمه مع بيان الخلاف فيه.\nثم اعلم أن براعة الاختتام عند الحافظ في قوله: \"لا تباع ولا توهب\"، وعند هذا العبد الضعيف \"في الوقف\"، فإنه تصدق إلى الأبد صدقة جارية يصل الميت بها ما كان في حياته بعد مماته، وأيضًا في قوله: \"في سبيل الله\".\n* * *\n_________\n(^١) كتاب الوصايا، باب (٢٩).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٩/ ٦٥٨، ٦٥٩).","vol":"4","page":189},{"text":"٥٥ -<span data-type='title' id=toc-1948> كتاب الوصايا</span>\nقال الحافظ (^١): الوصايا جمع وصية كالهدايا، وتطلق على فعل الموصي وعلى ما يوصى به من مال أو غيره من عهد ونحوه، فتكون بمعنى المصدر وهو الإيصاء، وتكون بمعنى المفعول وهو الاسم، وفي الشرع: عهد خاص مضاف إلى ما بعد الموت، وقد يصحبه التبرع، قال الأزهري: الوصية من وصيت الشيء بالتخفيف أوصيه (^٢) إذا وصلته، وسميت وصية لأن الميت يصل بها ما كان في حياته بعد مماته، وتطلق شرعًا أيضًا على ما يقع به الزجر عن المنهيات والحث على المأمورات، انتهى.\nوقال القسطلاني (^٣): هي لغةً: الإيصال؛ لألن الموصي وصل خير دنياه بخير عقباه، وشرعًا: تبرع بحق مضاف إلى ما بعد الموت ليس بتدبير ولا تعليق عتق وإن التحقا بها حكمًا في حسابهما من الثلث كالتبرع المنجز في مرض الموت أو الملحق به، انتهى.\nوفي \"الهداية\" (^٤): القياس يأبى جواز الوصية؛ لأنه تمليك مضاف إلى حال زوال مالكيته، إلا أنا استحسناه لحاجة الناس إليها، فإن الإنسان مغرور بأمله مقصر في عمله، فإذا عرض له المرض، وخاف البيان يحتاج إلى تلافي بعض ما فرط منه، وقد نطق به الكتاب والسُّنَّة، وعليه إجماع الأمة، انتهى ملخصًا.\nقال ابن عابدين (^٥): الوصية أربعة أقسام: واجبة؛ كالوصية برد الودائع والديودن المجهولة، ومستحبة؛ كالوصية بالكفارات وفدية الصلاة ونحوها،\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ٣٥٥).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٦/ ٢٤٤).\n(^٣) كذا في \"الفتح\" وهو تحريف، والصواب: أَصيه، كما في \"عمدة القاري\" (١٠/ ٣).\n(^٤) \"الهداية\" (٨/ ٢٢٧، ٢٢٨).\n(^٥) \"رد المحتار\" (١٠/ ٣٥٤).","vol":"4","page":190},{"text":"ومباحة؛ كالوصية للأغنياء من الأجانب والأقارب، ومكروهة؛ كالوصية لأهل الفسوق والمعاصي، انتهى.\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-1949> باب الوصايا وقول النبي - ﷺ -: \"وصية الرجل مكتوبة عنده. . .\") إلخ</span>\nهكذا في نسخ الشروح الثلاثة، وكذا في النسخة المصرية التي عليها حاشية السندي، وليس هذا الباب بموجود في النسخ الهندية التي بأيدينا، بل فيها \"كتاب الوصايا، وقال الله - ﷿ -: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ﴾ الآية [البقرة: ١٨٠] \".\nقال الحافظ (^١): باب الوصايا، أي: حكم الوصايا، وقوله: \"وقال النبي - ﷺ -. . .\" إلخ، لم أقف على هذا الحديث باللفظ المذكور، وكأنه بالمعنى، فإن المرء هو الرجل لكن التعبير به خرج مخرج الغالب، وإلا فلا فرق - في الوصية الصحيحة - بين الرجل والمرأة، ولا يشترط فيها إسلام ولا رشد ولا ثيوبة ولا إذن زوج، وإنما يشترط في صحتها العقل والحرية، وأما وصية الصبي المميز ففيها خلاف: منعها الحنفية والشافعي في الأظهر، وصححها مالك وأحمد والشافعي في قول، انتهى.\nقوله: (ما حق امرئ مسلم) بسط العلَّامة السندي (^٢) في إعرابه أشد البسط، فارجع إليه.\nوقال الحافظ (^٣): واستدل بهذا الحديث مع ظاهر الآية على وجوب الوصية، وبه قال الزهري وأبو مجلز وعطاء، وحكاه البيهقي عن الشافعي في القديم، وبه قال إسحاق وداود، ونسب ابن عبد البر القول بعدم الوجوب إلى الإجماع سوى من شذ.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ٣٥٦).\n(^٢) انظر: \"حاشية السندي على صحيح البخاري\" (٢/ ١٢٤).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٥/ ٣٥٨ - ٣٥٩).","vol":"4","page":191},{"text":"ونقل ابن المنذر عن أبي ثور أن المراد بوجوب الوصية في الآية والحديث يختص بمن عليه حق شرعي يخشى أن يضيع على صاحبه إن لم يوص به؛ كوديعة ودين لله أو لآدمي، قال: ويدل على ذلك تقييده بقوله: \"له شيء يريد أن يوصي فيه\". . . إلى آخر ما بسط، انتهى.\nوقال القسطلاني (^١): مذهب الأربعة أنها مندوبة لا واجبة. . .، إلى آخر ما بسط.\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-1950> باب أن يترك ورثته أغنياء. . .) إلخ</span>\nهكذا اقتصر على لفظ الحديث فترجم به، ولعله أشار إلى أن من لم يكن له من المال إلا القليل لم تندب له الوصية، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-1951> باب الوصية بالثلث. . .) إلخ</span>\nأي: جوازها أو مشروعيتها، وقد استقر الإجماع على منع الوصية بأزيد من الثلث، لكن اختلف فيمن كان له وارث، فمنعه الجمهور وجوَّزه الحنفية وإسحاق وأحمد في رواية. . .، إلى آخر ما قال، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\n\n(٤ -<span data-type='title' id=toc-1952> باب قول الموصي لوصيه: تعاهد ولدي. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٤): أورد فيه حديث عائشة في قصة مخاصمة سعد، وترجم له في \"كتاب الإشخاص\" (^٥): \"دعوى الموصي للميت\" أي: عن الميت، وانتزاع الأمرين المذكورين في الترجمة من الحديث المذكور واضح، انتهى.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٦/ ٢٤٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٥/ ٣٦٣).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٥/ ٣٦٩).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٥/ ٣٧١).\n(^٥) كتاب الفرائض، باب (١٨)، (ح ٦٧٤٩).","vol":"4","page":192},{"text":"(٥ -<span data-type='title' id=toc-1953> باب إذا أومأ المريض برأسه. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^١): أراد بذلك إثبات أن الإشارة قائمة مقام الكلام إذا لم يلتبس المراد بها، وإنما أدير القتل ههنا على اعترافه لعدم ثبوت الدم بخبر الواحد، لا لأن الإشارة لا تفي بالمراد، انتهى.\nاعلم أن ههنا مسألتين: إحداهما ما ترجم به البخاري من قوله: \"إذا أومأ المريض. . .\" إلخ، والمراد بها الوصية بالإيماء، والثانية ما يظهر من حديث الباب وهي مسألة القصاص، وعامة الشرَّاح لم يتعرضوا للمسألة الأولى.\nوقال الحافظ (^٢): سيأتي الكلام عليه في القصاص (^٣)، وقد عرفت أن المذكور في الترجمة هي مسألة الوصية بالإيماء، فأشار الشيخ قُدِّس سرُّه إلى المسألة الأولى بقوله: أراد بذلك، وإلى الثانية منهما بقوله: إنما أدير القتل ههنا. . . إلخ.\nقال العيني (^٤) في كتاب الخصومات: اختلف العلماء في إشارة المريض، فذهب مالك والشافعي إلى أنه إذا ثبتت إشارته على ما يعرف من حضره، جازت وصيته، وقال أبو حنيفة والأوزاعي والثوري: إذا سئل المريض عن الشيء فأومأ برأسه أو بيده فليس بشيء حتى يتكلم، قال أبو حنيفة: إنما يجوز إشارة الأخرس أو من لحقته سكتة لا يتكلم، وأما من اعتقل ولم يوم (^٥) به ذلك فلا يجوز إشارته. . .، إلى آخر ما قال.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٧/ ١٦٣ - ١٦٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٥/ ٣٧١).\n(^٣) كتاب الديات، باب (٤)، (ح ٦٨٧٦).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (٩/ ١٤١).\n(^٥) كذا في الأصل بالواو من الإيماء، والظاهر: \"لم يدم\" بالدال من الدوام، (ز).","vol":"4","page":193},{"text":"وقال الموفق (^١): تصح وصية الأخرس إذا فهمت إشارته؛ لأنها أقيمت مقام نطقه، فإن لم تفهم إشارته، فلا حكم لها، وهذا قول أبي حنيفة، والشافعي، فأما الناطق إذا اعتقل لسانه، فعرضت عليه وصيته، فأشار بها، وفهمت إشارته، لم تصح وصيته، وبه قال أبو حنيفة، وقال الشافعي: تصح، انتهى.\nوأما المسألة الثانية فسيأتي في كتاب الديات إن شاء الله.\n\n(٦ -<span data-type='title' id=toc-1954> باب لا وصية لوارث)</span>\nهذه ترجمة لفظ حديث مرفوع كأنه لم يثبت على شرط البخاري فترجم به كعادته، وقد أخرجه أبو داود والترمذي وغيرهما من حديث أبي أمامة: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول في خطبته في حجة الوداع: \"إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث\" ثم قال: والمراد بعدم صحة وصية الوارث عدم اللزوم؛ لأن الأكثر على أنها موقوفة على إجازة الورثة لرواية الدارقطني وفيه: \"إلا أن يشاء الورثة\" ورجاله ثقات، إلا أنه معلول، وكأن البخاري أشار إلى ذلك فترجم بالحديث، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\n\n(٧ -<span data-type='title' id=toc-1955> باب الصدقة عند الموت)</span>\nأي: جوازها، وإن كانت في حال الصحة أفضل، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\n\n(٨ -<span data-type='title' id=toc-1956> باب قول الله - ﷿ -: (﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ .. . .﴾ [النساء:</span> ١١])\nقال الحافظ (^٤): أراد المصنف بهذه الترجمة الاحتجاج بما اختاره من جواز إقرار المريض بالدين مطلقًا، سواء كان المقر له وارثًا أو أجنبيًا،\n_________\n(^١) \"المغني\" (٨/ ٥١١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٥/ ٣٧٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٥/ ٣٧٤).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٥/ ٣٧٤، ٣٧٥).","vol":"4","page":194},{"text":"ووجه الدلالة أنه - ﷾ - سوّى بين الوصية والدين في تقديمهما على الميراث ولم يفصِّل، فخرجت الوصية للوارث بالدليل الذي تقدم، وبقي الإقرار بالدين على حاله، وقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ﴾ متعلق بما تقدم من المواريث كلها لا بما يليه وحده، وكأنه قيل: قسمة هذه الأشياء تقع من بعد وصية، والوصية هنا المال الموصى به، انتهى.\nقوله: (أجازوا إقرار المريض بدين. . .) إلخ، كتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): إن كان المجاز دين الصحة فلا خلاف لنا ولهم، وإن أثبت أحد أنه دين المرض فلا يلزمنا قولهم، وكونه متهمًا في دعواه لا يرفع الشبهة عن إخباره ولا يحصل الأمن واستيقان الصدق في إقراره، وكونه متهمًا أظهر، وقد ثبت أن الشرع اعتبر التهمة في تلك الأبواب حتى إنه لم يجوز شهادة المرء لأبويه، وهل هذا إلا اتهامًا وظنًا بالمسلم سوءًا، فهل كان الرجل لتلك الشبهة مظنة نفاق كما أوردتموه بالرواية؟ وإن كان لا بد كذلك فلا ضير فيه إذا ثبت مثله في الشرع، انتهى.\nقلت: والمسألة خلافية شهيرة، وما يظهر من الشروح من تفرد الحنفية بذلك ليس بذاك، فإن الجمهور في ذلك مع الحنفية الكرام، قال الموفق (^٢): إن أقر لوارث لم يلزم باقي الورثة قبوله إلا ببيِّنة، وبهذا قال أبو حنيفة وأصحابه، وقال عطاء وإسحاق وغيرهما: يقبل؛ لأن من صح الإقرار له في الصحة صح في المرض كالأجنبي، وللشافعي قولان كالمذهبين، وقال مالك: يصح إذا لم يتهم، ويبطل إن اتهم، انتهى.\nوقال الحافظ (^٣): قال ابن المنذر: أجمعوا على أن إقرار المريض لغير الوارث جائز، لكن إن كان عليه دين في الصحة فقد قالت طائفة - منهم النخعي وأهل الكوفة -: يبدأ بدين الصحة، ويتحاص أصحاب الإقرار في المرض، انتهى (^٤).\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٧/ ١٦٦ - ١٦٨).\n(^٢) \"المغني\" (٧/ ٣٣٢، ٣٣٣).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٥/ ٣٧٦).\n(^٤) \"اللامع\" (٧/ ١٦٦).","vol":"4","page":195},{"text":"قوله: (وقال بعض الناس: لا يجوز. . .) إلخ، وأجاب العلَّامة العيني (^١) عن الحنفية، وأورد عليه العلَّامة السندي (^٢) وبسط الكلام عليه، فارجع إليه لو شئت.\nوأيضًا قال العيني: العجب من البخاري أنه خصص الحنفية بالتشنيع عليهم وهم ما هم منفردون فيما ذهبوا إليه، لكن ليس هذا إلا بسبب أمر سبق فيما بينهم، انتهى.\n\n(٩ -<span data-type='title' id=toc-1957> باب تأويل قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ. . .﴾ إلخ [النساء:</span> ١١])\nأي: بيان المراد بتقديم الوصية في الذكر على الدين مع أن الدين هو المقدم في الأداء، وبهذا يظهر السر في تكرار هذه الترجمة.\nقوله: (ويذكر. . .) إلخ، هذا طرف من حديث أخرجه أحمد والترمذي (^٣) وغيرهما من طريق الحارث الأعور عن علي - ﵁ - قال: \"قضى محمد - ﷺ - أن الدين قبل الوصية، وأنتم تقرؤون الوصية قبل الدين\" وهو إسناد ضعيف، لكن قال الترمذي: إن العمل عليه عند أهل العلم، وكأن البخاري اعتمد عليه لاعتضاده بالاتفاق على مقتضاه، وإلا فلم تجر عادته أن يورد الضعيف في مقام الاحتجاج به، وقد أورد في الباب ما يعضده أيضًا، ولم يختلف العلماء في أن الدين يقدم على الوصية إلا في صورة واحدة، وهي ما لو أوصى لشخص بألف مثلًا وصدقه الوارث وحكم به ثم ادعى آخر أن له في ذمة الميت دينًا يستغرق موجوده وصدقه الوارث، ففي وجه للشافعية تقدم الوصية على الدين في هذه الصورة الخاصة، ثم قال: وإنما قدمت الوصية بمعنى اقتضى الاهتمام لتقديمها واختلف في تعيين ذلك\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٠/ ٢٤).\n(^٢) \"حاشية السندي على صحيح البخاري\" (٢/ ١٢٦).\n(^٣) \"المسند\" (١/ ٧٩)، \"سنن الترمذي\" (ح: ٢١٢٢).","vol":"4","page":196},{"text":"المعنى، وحاصل ما ذكره أهل العلم من مقتضيات التقديم ستة أمور، ثم ذكرها الحافظ مع الزيادة عليها (^١).\nوتكلم الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٢) على شرح هذا الباب بالبسط، فارجع إليه لو شئت.\nوفي هامشه: اعلم أولًا أن الإمام البخاري بوّب على هذه الآية بترجمتين: الأولى ما تقدم من قوله: \"باب قول الله - ﷿ - ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ. . .﴾ \" إلخ، والثانية هي هذه، والفرق بينهما ظاهر وهو أن الغرض من الأولى كما تقدم الاحتجاج على جواز إقرار المريض بالدين مطلقًا، وأما الغرض من هذه الترجمة الثانية أنه تعالى قدَّم الوصية في الذكر على الدين مع أن الدين مقدَّم على الوصية، انتهى من هامش \"اللامع\".\n\n(١٠ -<span data-type='title' id=toc-1958> باب إذا وقف أو أوصى لأقاربه)</span>\nوفي \"الفيض\" (^٣): شرع المصنف في مسائل الوقف، ووافق في أكثر مسائله صاحبي أبي حنيفة، انتهى.\nوقال الحافظ (^٤): حذف المصنف جواب قوله: \"إذا\" إشارة إلى الخلاف في ذلك، أي: هل يصح أم لا؟ وأورد المصنف المسألة الأخرى مورد الاستفهام لذلك أيضًا، وتضمنت الترجمة التسوية بين الوقف والوصية فيما يتعلق بالأقارب، وقد استطرد المصنف من هنا إلى مسائل الوقف فترجم لما ظهر له منها، ثم رجع أخيرًا، إلى تكملة كتاب الوصايا، وقد قال الماوردي: تجوز الوصية لكل من جاز الوقف عليه من صغير وكبير وعاقل ومجنون وموجود ومعدوم إذا لم يكن وارثًا ولا قاتلًا، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ٣٧٧، ٣٧٨).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٧/ ١٧١ - ١٨٦).\n(^٣) \"فيض الباري\" (٤/ ١٣٤).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٥/ ٣٨٠).","vol":"4","page":197},{"text":"ثم اعلم أن الترجمة كما لا يخفى تشتمل على مسألتين: الأولى: الوصية والوقف للأقارب، والثانية: مصداق الأقارب، والمسألة الأولى لها صورتان إما أن يكون الوصية لأقارب نفسه، أو لأقارب غيره.\nقال القسطلاني (^١): قد اختلف في ذلك، فقال الشافعية: لو أوصى لأقارب نفسه لم تدخل ورثته بقرينة الشرع، وقيل: يدخلون لوقوع الاسم عليهم، ثم يبطل نصيبهم لعدم إجازتهم لأنفسهم ويصح الباقي لغيرهم ويدخل في الوصية لأقارب زيد الوارث وغيره، والقريب والبعيد، والمسلم والكافر، والذكر والأنثى، والفقير والغني لشمول الاسم لهم، ويستوي قرابة الأب والأم، ولو كان الموصي عربيًا لشمول الاسم، وقيل: لا تدخل قرابة الأم إن كان الموصي عربيًا لأن العرب لا تعدها قرابةً ولا تفتخر بها، هذا ما صححه في \"المنهاج\" كأصله، لكن قال الرافعي في شرحيه: الأقوى الدخول، وصححه في أصل \"الروضة\"، وقال أحمد كالشافعية إلا أنه أخرج الكافر، وقال أبو حنيفة: القرابة كل ذي رحم محرم من قبل الأب أو الأم ولكن يبدأ بقرابة الأب قبل الأم، وقال أبو يوسف ومحمد: من جمعهم أب منذ الهجرة من قبل أب أو أم، زاد زفر: ويقدم من قرب، فهو رواية عن أبي حنيفة وأقل من يدفع له ثلاثة، وعند محمد اثنان، وعند أبي يوسف واحد، ولا يصرف للأغنياء عندهم إلا أن يشترط ذلك، وقال مالك: يختص بالعصبة سواء كان يرثه أم لا، ويبدأ بفقرائهم حتى يغنوا ثم يعطى الأغنياء، انتهى.\nزاد العيني (^٢) في مذهب أبي حنيفة: كل ذي رحم محرم من قبل أبيه أو أمه ولا يدخل فيه الوالدان والولد؛ لأنه تعالى عزّ اسمه عطف الأقربين على الوالدين، والعطف يدل على المغايرة، وقال قوم من أهل الحديث وجماعة من الظاهرية: الوصية لكل من جمعه وفلانًا أبوه الرابع إلى ما هو\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٦/ ٢٦٣، ٢٦٤).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٠/ ٢٩).","vol":"4","page":198},{"text":"أسفل من ذلك، وذكره الحافظ (^١) رواية عن الإمام أحمد، قلت: هو المرجح في مذهبه.\nقوله: (وكانا أقرب إليه مني) بسط الكلام عليه في هامش \"اللامع\" (^٢)، ويشكل عليه ما سيأتي في تفسير سورة آل عمران وفيه: \"وأنا أقرب إليه\"، عكس ما ههنا، وأجاب شيخ مشايخنا مولانا أحمد علي المحدث السهارنفوري في هامشه (^٣) في التفسير: لعل قوله ههنا من حيث إنه كان داخلًا في عيال أبي طلحة؛ لأن أبا طلحة نكح أم أنس فكان أنس ربيبًا له، فمن هذه الحيثية كان أقرب منهما إليه، وأما من حيث القرابة فكانا أقرب إليه من أنس، انتهى.\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٤): قوله: \"وأنا أقرب إليه\" أي: باعتبار التربية، وكانا أقرب إليه بحسب النسب، وليس فيه شكاية على إيثاره إياهما عليه بل بيان لوجه إيثاره إياهما عليه، والمعنى: إني وإن كنت أقرب إليه بحسب وجوب التربية والمعاشرة، إلا أنهما لمَّا كانا أقرب إليه مني نسبًا آثرهما علي، انتهى.\nوبسط الكلام في هامش \"اللامع\" (^٥) على أنساب هؤلاء الأربعة وأوضحه بصورة الجدول.\n\n(١١ -<span data-type='title' id=toc-1959> باب هل يدخل النساء والولد في الأقارب)</span>\nهكذا أورد الترجمة بالاستفهام لما في المسألة من الاختلاف كما تقدم، وموضع الشاهد من الحديث قوله فيه: \"ويا صفية ويا فاطمة\" فإنه سوّى - ﷺ - في ذلك بين عشيرته فعمهم أولًا ثم خص بعض البطون ثم ذكر عمه العباس وعمته صفية وابنته، فدل على دخول النساء في الأقارب وعلى\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ٣٨٠).\n(^٢) \"اللامع\" (٧/ ١٨٢).\n(^٣) \"صحيح البخاري بحاشية السهارنفوري\" (٩/ ٣١).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٩/ ٤٠).\n(^٥) \"اللامع\" (٧/ ١٨٠).","vol":"4","page":199},{"text":"دخول الفروع أيضًا، وعلى عدم التخصيص بمن يرث ولا بمن كان مسلمًا، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(١٢ -<span data-type='title' id=toc-1960> باب هل ينتفع الواقف بوقفه؟. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٢): أي: بأن يقف على نفسه ثم على غيره، أو بأن يشترط لنفسه من المنفعة جزءًا معيَّنًا، أو يجعل للناظر على وقفه شيئًا ويكون هو الناظر؟ وفي هذا كله خلاف، فأما الوقف على النفس فسيأتي البحث فيه في \"باب الوقف كيف يكتب؟ \" (^٣) وأما شرط شيء من المنفعة فسيأتي في \"باب قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٦]. . .\" إلخ (^٤)، وأما ما يتعلق بالنظر فأذكره. ثم قال: قوله: \"وقد يلي الواقف وغيره. . .\" إلخ، هو من تفقه المصنف، وهو يقتضي أن ولاية النظر للواقف لا نزاع فيها، وليس كذلك وكأنه فرعه على المختار عنده، وإلا فعند المالكية أنه لا يجوز، وقيل: إن دفعه الواقف لغيره ليجمع غلَّته ولا يتولى تفرقتها إلا الواقف جاز، والذي احتج به المصنف من قصة عمر ظاهر في الجواز، ثم قوّاه بقوله: \"وكذلك كل من جعل بدنة. . .\" إلخ، وقال ابن بطال (^٥): لا يجوز للواقف أن ينتفع بوقفه لأنه أخرجه لله وقطعه عن ملكه فانتفاعه بشيء منه رجوع في صدقته، ثم قال: وإنما يجوز له ذلك إن شرطه في الوقف أو افتقر هو أو ورثته، انتهى.\nقال الحافظ (^٦): والذي عند الجمهور جواز ذلك إذا وقفه على الجهة العامة دون الخاصة كما سيأتي في ترجمة مفردة (^٧)، انتهى.\nوقال الحافظ (^٨) في \"باب الوقف كيف يكتب؟ \": يستنبط من الحديث\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ٣٨٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٥/ ٣٨٣).\n(^٣) كتاب الوصايا، باب (٢٨).\n(^٤) كتاب الوصايا، باب (٢٢).\n(^٥) (٨/ ١٧١).\n(^٦) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٨٤).\n(^٧) كتاب الوصايا، باب (٣٣).\n(^٨) \"فتح الباري\" (٥/ ٤٠٣، ٤٠٤).","vol":"4","page":200},{"text":"صحة الوقف على النفس وهو قول ابن أبي ليلى وأبي يوسف وأحمد في الأرجح عنه، وقال به من المالكية ابن شعبان، وجمهورهم على المنع إلا إذا استثنى لنفسه شيئًا يسيرًا بحيث لا يتهم أنه قصد حرمان ورثته، ومن الشافعية ابن سريج وطائفة، واستدل له بقصة عمر هذه، إلى آخر ما بسط.\nوفي هامش \"اللامع\" (^١): وفي \"المغني\" (^٢): من وقف شيئًا فقد صارت منافعه جميعها للموقوف عليه، فلم يجز أن ينتفع بشيء منها، إلا أن يكون قد وقف شيئًا للمسلمين، فيدخل في جملتهم، مثل أن يقف مسجدًا، فله أن يصلي فيه، أو مقبرة فله الدفن فيها، أو بئرًا فله الاستقاء منها، لا نعلم في هذا كله خلافًا، وإذا اشترط في الوقف أن ينفق منه على نفسه، أو أهله صح الوقف والشرط، فذكر نحو ما تقدم في كلام الحافظ.\nوالأوجه عندي: أن ههنا مسألتين: إحداهما انتفاع الواقف من وقفه وهو مقصود هذا الباب، والثانية اشتراط الواقف لنفسه شيئًا وسيأتي في باب مستأنف قريبًا، وهو \"باب إذا وقف أرضًا أو بئرًا أو اشترط لنفسه. . .\" إلخ، وطالما التبستا على الشرَّاح فيذكرونهما واحدة، وميل البخاري إلى الجواز في كلتيهما.\n\n(١٣ -<span data-type='title' id=toc-1961> باب إذا وقف شيئًا فلم يدفعه إلى غيره. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٣): أي: صحيح وهو قول الجمهور، وعن مالك: لا يتم الوقف إلا بالقبض، وبه قال محمد بن الحسن والشافعي في قول، واحتج الطحاوي للصحة بأن الوقف شبجه بالعتق لاشتراكهما في أنهما تمليك لله تعالى فينفذ بالقول المجرد عن القبض، ويفارق الهبة في أنها تمليك الآدمي فلا تتم إلا بقبضه، واستدل البخاري في ذلك بقصة عمر فقال: لأن عمر\n_________\n(^١) هامش \"اللامع\" (٧/ ١٨٧).\n(^٢) \"المغني\" (٨/ ١٩١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٥/ ٣٨٤).","vol":"4","page":201},{"text":"أوقف وقال: \"لا جناح على من وليه أن يأكل\" ولم يخص إن وليه عمر أو غيره، وفي وجه الدلالة منه غموض، وقد تعقب بأن غاية ما ذكر عن عمر هو أن كل من ولي الوقف أبيح له التناول، وقد تقدم ذلك في الترجمة التي قبلها، ولا يلزم من ذلك أن كل أحد يسوغ له أن يتولى الوقف المذكور.\nقال الحافظ: والذي يظهر أن مراده أن عمر لما وقف ثم شرط لم يأمره النبي - ﷺ - بإِخراجه عن يده فكان تقريره لذلك دالًا على صحة الوقف وإن لم يقبضه الموقوف عليه، قال الداودي: ما استدل به البخاري على صحة الوقف قبل القبض من قصة عمر حمل للشيء على ضده وتمثيله بغير جنسه. . .، إلى آخر ما بسطه.\n\n(١٤ -<span data-type='title' id=toc-1962> باب إذا قال: داري صدقة لله. . .) إلخ</span>\nأي: تتم الصدقة قبل تعيين جهة مصرفها ثم يعيِّن بعد ذلك فيما شاء، وقوله: \"فأجاز النبي - ﷺ -\" هو من تفقه المصنف، وقوله: \"قال بعضهم. . .\" إلخ، أي: لا يجوز حتى يعيِّن، وسيأتي بيانه في الباب الآتي الذي يليه، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(١٥ -<span data-type='title' id=toc-1963> باب إذا قال: أرضي أو بستاني صدقة. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٢): هذه الترجمة أخصر من التي قبلها؛ لأن الأولى فيما إذا لم يعيِّن المتصدق عنه ولا المتصدق عليه، وهذه فيما عيَّن المتصدق عنه فقط، قال ابن بطال (^٣): ذهب مالك إلى صحة الوقف وإن لم يعيِّن مصرفه، ووافقه أبو يوسف ومحمد والشافعي في قول، والقول الآخر للشافعي أن الوقف لا يصح حتى يعيِّن جهة مصرفه وإلا فهو باق على ملكه، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ٣٨٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٥/ ٣٨٥).\n(^٣) (٨/ ١٧٣).","vol":"4","page":202},{"text":"قال العيني (^١): قال أبو حنيفة: إذا قال الرجل: أرضي هذه صدقة، ولم يزد على هذا شيئًا أنه ينبغي له أن يتصدق بأصلها على الفقراء والمساكين، أو يبيعها ويتصدق بثمنها على المساكين، ولا يكون وقفًا، ولو مات كان جميع ذلك ميراثًا بين ورثته، انتهى.\n\n(١٦ -<span data-type='title' id=toc-1964> باب إذا تصدق أو أوقف بعض ماله. . .) إلخ</span>\nهذه الترجمة معقودة لجواز وقف المنقول، والمخالف فيه أبو حنيفة، ويؤخذ منها جواز وقف المشاع، والمخالف فيه محمد بن الحسن لكن خصَّ المنع بما يمكن قسمته، واحتج له الجوري - بضم الجيم - من الشافعية بأن القسمة بيع وبيع الوقف لا يجوز، وتعقب بأن القسمة إفراز فلا محذور، ووجه كونه يؤخذ منه وقف المشاع ووقف المنقول هو من قوله: \"أو بعض رقيقه أو دوابه\" فإنه يدخل فيه ما إذا وقف جزءًا من العبد أو الدابة أو وقف أحد عبديه أو فرسيه مثلًا فيصح كل ذلك عند من يجيز وقف المنقول ويرجع إليه في التعيين. وشاهد الترجمة من الحديث قوله: \"أمسك عليك بعض مالك\" فإنه عام من أن يكون مقسومًا أو مشاعًا، انتهى مختصرًا من \"الفتح\" (^٢).\nقال العيني (^٣): أما أبو حنيفة فلا يرى بالوقف أصلًا، فضلًا عن صحة وقف المنقول، وأما إذا وقف بعض ماله فهو وقف المشاع، فإنه يجوز عند أبي يوسف والشافعي ومالك؛ لأن القبض ليس بشرط عندهم، وعند محمد: لا يجوز وقف المشاع فيما يقبل القسمة؛ لأن القبض شرط عنده، انتهى.\nوبجواز وقف المشاع قال أحمد، كما في \"المغني\" (^٤).\nثم لا يذهب عليك أنهم قالوا: في غرض الترجمة أمران:\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٠/ ٣٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٥/ ٣٨٧).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٠/ ٣٩).\n(^٤) \"المغني\" (٨/ ٢٣٣).","vol":"4","page":203},{"text":"الأول: وقف المنقول، وسيأتي في ترجمة مستقلة في \"باب وقف الدواب والكراع\"، قال الحافظ (^١): هذه الترجمة معقودة لبيان وقف المنقولات، انتهى. على هذا فتكون الترجمة مكررة.\nفالأوجه حملها على وقف المشاع، وهو الأمر الثاني من قول الشرَّاح، وعليه حمل الشيخ الترجمة، ولا يقال: إنه سيأتي أيضًا \"باب إذا وقف جماعة أرضًا مشاعًا\"، فإن هذا الباب الأول في وقف الواحد المشاع، والثاني في وقف جماعة مشاعًا، فافترقا (^٢).\n\n(١٧ -<span data-type='title' id=toc-1965> باب من تصدق إلى وكيله. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٣): هذه الترجمة وحديثها سقط من أكثر الأصول ولم يشرحه ابن بطال، وثبت في رواية أبي ذر عن الكشميهني خاصة، وقد نوزع البخاري في انتزاع هذه الترجمة من قصة أبي طلحة، وأجيب بأن مراده أن أبا طلحة لما أطلق أنه تصدق وفوَّض إلى النبي - ﷺ - تعيين المصرف، وقال له النبي - ﷺ -: \"دعها في الأقربين\" كان شبيهًا بما ترجم به، ومقتضى ذلك الصحة، انتهى.\n\n(١٨ -<span data-type='title' id=toc-1966> باب قول الله - ﷿ -: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى. . .﴾ [النساء: ٨]) إلخ</span>\nقال القسطلاني (^٤): وكان ذلك واجبًا في ابتداء الإسلام لأن أنفسهم تتشوّف إلى شيء من ذلك إذا رأوا هذا يأخذ وهذا يأخذ وهم آيسون لا يعطون شيئًا؛ فأمر الله تعالى برأفته ورحمته أن يرضخ لهم شيء من الوسط إحسانًا إليهم وجبرًا لقلوبهم، ثم نسخ ذلك بآية المواريث، وهذا مذهب\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ٤٠٥).\n(^٢) انظر: \"لامع الدراري\" (٧/ ١٩٠ - ١٩١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٥/ ٣٨٧).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (٦/ ٢٧٦).","vol":"4","page":204},{"text":"الجمهور، ومنهم الأئمة الأربعة، وقالت طائفة: هي محكمة وليست بمنسوخة.\nوبسط الكلام على هذه الآية في هامش \"اللامع\" (^١).\n\n(١٩ -<span data-type='title' id=toc-1967> باب ما يستحب لمن توفي فجاءة. . .) إلخ</span>\nوفي الترجمة مسألتان: الأولى: التصدق عن الميت، والثانية: قضاء النذر عنه، وهما خلافيتان، تقدم الكلام على الثانية منهما في \"باب من مات وعليه صوم\" من كتاب الصيام، وأما المسألة الأولى فقال النووي في \"شرح مقدمة مسلم\" (^٢) تحت قول عبد الله بن المبارك: ولكن ليس في الصدقة اختلاف.\nقال النووي: من أراد بر والديه فليتصدق عنهما فإن الصدقة تصل إلى الميت وينتفع بها بلا خلاف بين المسلمين وهذا هو الصواب، وأما ما حكاه أقضى القضاة أبو الحسن الماوردي البصري الفقيه الشافعي في كتابه \"الحاوي\" عن بعض أصحاب الكلام من أن الميت لا يلحقه بعد موته ثواب، فهو مذهب باطل قطعًا وخطأ بيِّن مخالف لنصوص الكتاب والسُّنَّة وإجماع الأمة، فلا التفات إليه ولا تعريج عليه، وأما الصلاة والصوم فمذهب الشافعي وجماهير العلماء أنه لا يصل ثوابهما إلى الميت إلا إذا كان الصوم واجبًا على الميت فقضاه عنه وليُّه أو من أذن له الولي فإن فيه قولين للشافعي أشهرهما عنه أنه لا يصح، وأصحهما عند محققي متأخري أصحابه أنه يصح، وأما قراءة القرآن فالمشهور من مذهب الشافعي أنه لا يصل ثوابها إلى الميت، وقال بعض أصحابه: يصل ثوابها إلى الميت. . . إلى آخر ما بسط في الاختلاف والدلائل.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٧/ ١٩٣ - ١٩٤).\n(^٢) \"صحيح مسلم بشرح النووي\" (١/ ١٣٧ - ١٣٨).","vol":"4","page":205},{"text":"وبسط الكلام على المسألة في \"الأوجز\" (^١) في \"كتاب الأقضية\" أشد البسط بما لا مزيد عليه، وفيه نقلًا عن النووي في \"شرح الأذكار\" (^٢): واختلف العلماء في وصول ثواب قراءة القرآن، والمشهور من مذهب الشافعي وجماعة أنه لا يصل، وذهب أحمد وجماعة من العلماء وجماعة من أصحاب الشافعي إلى أنه يصل، انتهى.\nوأما مذهب المالكية فقال الدردير (^٣): وفُضِّلَ تطوع وليه أو قريبه عن الميت وكذا عن الحي بغير الحج كصدقة ودعاء وهدي وعتق؛ لأنها تقبل النيابة، لا كصوم وصلاة، ويكره تطوعه عنه بالحج، وأما القرآن فأجازه بعضهم، وكرهه بعضهم، قال الدسوقي: قوله: فأجازه بعضهم، وهو الذي جرى به العمل، وهو ما عليه المتأخرون، وقوله: كرهه بعضهم، وهو أصل المذهب، انتهى.\nوأما مذهب الحنفية فقال ابن عابدين (^٤): صرَّح علماؤنا في \"باب الحج عن الغير\" بأن للإنسان أن يجعل ثواب عمله لغيره صلاة أو صومًا أو صدقةً أو غيرها، كذا في \"الهداية\" (^٥)، وهو مذهب أهل السُّنَّة والجماعة، لكن استثنى مالك والشافعي العبادات البدنية المحضة كالصلاة والتلاوة فلا يصل ثوابها إلى الميت عندهما، بخلاف غيرها؛ كالصدقة والحج، وخالف المعتزلة في الكل، وتمامه في \"فتح القدير\" (^٦) إلى آخر ما ذكر.\n\n(٢٠ -<span data-type='title' id=toc-1968> باب الإشهاد في الوقف والصدقة)</span>\nقال الحافظ (^٧): ألحق المصنف الوقف بالصدقة، لكن في الاستدلال لذلك بقصة سعد نظر؛ لأن قوله: \"أشهدك\" يحتمل إرادة الإشهاد المعتبر\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (١٤/ ٢٦٠ - ٢٦٩).\n(^٢) \"الأذكار\" للنووي (ص ٢٥٨).\n(^٣) \"الشرح الكبير\" (١/ ٤٢٣) و(٢/ ١٠).\n(^٤) \"رد المحتار\" (٤/ ١٠ - ١١).\n(^٥) \"الهداية\" (١/ ١٧٨).\n(^٦) \"فتح القدير\" (٣/ ١٤٢ - ١٤٣).\n(^٧) \"فتح الباري\" (٥/ ٣٩١).","vol":"4","page":206},{"text":"ويحتمل أن يكون معناه الإعلام، واستدل المهلب للإشهاد في الوقف بقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] قال: فإذا أمر بالإشهاد في البيع وله عوض فلأن يشرع في الوقف الذي لا عوض له أولى، وقال ابن المنيِّر: كأن البخاري أراد دفع التوهم عمَّن يظن أن الوقف من أعمال البر فيندب إخفاؤه، فبيَّن أنه يشرع إظهاره؛ لأنه بصدد أن ينازع فيه ولا سيما من الورثة، انتهى.\n\n(٢١ -<span data-type='title' id=toc-1969> باب قول الله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ. . .﴾ [النساء: ٢]) إلخ</span>\nأي: إذا بلغوا الحلم كاملةً موفرة، \" ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ \" المراد بالخبيث أموالهم الحرام عليكم، وبالطيب الحلال من أموالكم، قال سعيد بن جبير: لا تعطوا هزيلًا وتأخذوا سمينًا، وقال السدّي: كان أحدهم يأخذ الشاة السمينة من غنم اليتيم ويجعل مكانها الشاة المهزولة، ويقول: شاة بشاة، ويأخذ الدراهم الجيدة ويطرح مكانها الزائف، ويقول: درهم بدرهم، فنُهو عن ذلك، انتهى من \"القسطلاني\" (^١).\n\n(٢٢ -<span data-type='title' id=toc-1970> باب قول الله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ [النساء:</span> ٦])\nالغرض من الترجمة عندي الإشارة إلى أنه ينبغي للوصي والولي الاحتراز عن الأكل بغير المعروف.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): غرضه بإيراد الروايتين في هذا الباب إثبات أن المحبوس في حق أحد وعمله يأكل منه بقدر عمالته، غير أن العامل على مال اليتيم لا يجوز له الأخذ على عمالته إن كان غنيًا لتصريح النص بذلك الاستثناء ولا كذلك في غيره، أي: اليتيم فإنه يرخص في أخذ العمالة ثمة الغني والفقير، انتهى.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٦/ ٢٧٩).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٧/ ١٩٥ - ١٩٦).","vol":"4","page":207},{"text":"وفي هامشه: بسط الكلام على تلك المسألة في \"الأوجز\" (^١)، وفيه: قال ابن القاسم عن مالك: لا أعلم أنه يجوز لولي اليتيم أن يصيب من مال اليتيم شيئًا إلا من اللبن، إن كان بموضع لا ثمن له، وحكى الصاوي عن مالك: له أجرة مثله مطلقًا زادت عن كفايته أو لا.\nوبسط الجصّاص في \"أحكام القرآن\" (^٢) في تفسير الآية، ثم قال: والذي نعرفه من مذهب أصحابنا أنه لا يأخذه قرضًا ولا غيره غنيًا كان أو فقيرًا، وذكر الطحاوي أن مذهب أبي حنيفة أنه يأخذ قرضًا إذا احتاج ثم يقضيه، انتهى.\nومذهب الشافعية كما في \"الفتح\" (^٣): أن يأخذ أقل الأمرين من أجرته ونفقته، ولا يجب رده على الصحيح، انتهى.\n\n(٢٣ -<span data-type='title' id=toc-1971> باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى. . .﴾ [النساء: ١٠]) إلخ</span>\nالغرض من الباب عند هذا العبد الضعيف التأكيد للمعنى المقصود من الترجمة السابقة، فافهم.\n\n(٢٤ -<span data-type='title' id=toc-1972> باب قول الله - ﷿ -: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى. . .﴾ [البقرة: ٢٢٠]) إلخ</span>\nاعلم أن المصنف قد أجاد في ترتيب هذه التراجم الثلاثة، حيث أشار بالترجمة الأولى إلى الاحتياط في أموال اليتامى، وبالترجمة الثانية إلى تأكيده، وما في ترك الاحتياط من الوعيد الشديد، وبالثالثة إلى مفهوم الاحتياط، وهو ما فيه إصلاحهم كما نطق به نص التنزيل العزيز.\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (١٦/ ٤٤٥ - ٤٥٠).\n(^٢) \"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ٦٤ - ٦٥).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٥/ ٣٩٢).","vol":"4","page":208},{"text":"(٢٥ -<span data-type='title' id=toc-1973> باب استخدام اليتيم في السفر والحضر. . .) إلخ</span>\nلعله أشار بذلك إلى دفع ما يُتوهم من أن الاستخدام فيه ازدراء لليتيم، فدفعه المصنف بقوله: \"إذا كان صلاحًا له\".\nوقال القسطلاني (^١): مطابقة الحديث للترجمة في السفر والحضر من قوله: \"فخدمته في السفر والحضر\" وفي قوله: \"ونظر الأم\" من جهة أن أبا طلحة لم يفعل ذلك إلا بعد رضا أم سليم، وفي قوله: \"أو زوجها\" من قوله: \"فأخذ أبو طلحة بيدي\" إلى آخره.\nوزاد الحافظ (^٢) في مطابقة \"نظر الأم\" إذ قال: أو أشار إلى ما ورد في بعض طرقه \"أن أم سليم هي التي أحضرته إلى النبي - ﷺ - أول ما قدم المدينة\" وأما أبو طلحة فأحضره إليه لما أراد الخروج إلى غزوة خيبر كما سيأتي ذلك صريحًا في \"باب من غزا بصبي للخدمة\" من كتاب الجهاد (^٣).\n\n(٢٦ -<span data-type='title' id=toc-1974> باب إذا وقف أرضًا ولم يبيِّن الحدود. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٤): يعني بذلك: أن ذكر الحدود وإنما هو لتعيين الموقوف وتمييزه من غيره، فإذا حصل التمييز بدون ذكر الحدود كما في الرواية، فإن الحديقة تكون متميزة منحازة بحدودها لم يفتقر إلى ذكر الحدود، انتهى.\nوفي هامشه: قال الحافظ (^٥): قوله: \"ولم يبيِّن الحدود\" كذا أطلق الجواز وهو محمول على ما إذا كان الموقوف أو المتصدق به مشهورًا متميزًا بحيث يؤمن أن يلتبس بغيره، وإلا فلا بدَّ من التحديد اتفاقًا، ويحتمل أن يكون مراد البخاري أن الوقف يصح بالصيغة التي لا تحديد فيها بالنسبة\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٦/ ٢٨٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٥/ ٣٩٥).\n(^٣) كتاب الجهاد، باب (٧٤).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٧/ ١٩٨).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٥/ ٣٩٦).","vol":"4","page":209},{"text":"إلى اعتقاد الواقف وإرادته لشيء معيَّن في نفسه، وإنما يعتبر التحديد لأجل الإشهاد عليه ليبين حق الغير، انتهى.\nقال ابن عابدين (^١): لم يذكر المصنف، أي: صاحب \"الدر\" لصحة الوقف اشتراط تحديد العقار؛ لأن الشرط كونه معلومًا، إلى آخر ما في هامش \"اللامع\".\n(فائدة): قال الحافظ (^٢): أشار الشافعي إلى أن الوقف من خصائص أهل الإسلام، أي: وقف الأراضي والعقار، قال: ولا نعرف أن ذلك وقع في الجاهلية، انتهى. (الوقف للغني والفقير).\n\n(٢٧ -<span data-type='title' id=toc-1975> باب إذا وقف جماعة أرضًا مشاعًا. . .) إلخ</span>\nقال ابن المنيِّر (^٣): احترز عما إذا وقف الواحد المشاع فإن مالكًا لا يجيزه لئلا يدخل الضرر على الشريك، وفي هذا نظر؛ لأن الذي يظهر أن البخاري أراد الرد على من ينكر وقف المشاع مطلقًا، وقد تقدم قبل أبواب (^٤) أنه ترجم \"إذا تصدق أو وقف بعض ماله فهو جائز\" وهو وقف الواحد المشاع، ثم قال الحافظ بعد ذكر مطابقة الحديث للترجمة: وأما ما ذكره الواقدي أن أبا بكر دفع ثمن الأرض لمالكها منهم وقدره عشرة دنانير، فإن ثبت ذلك كانت الحجة للترجمة من جهة تقرير النبي - ﷺ - على ذلك، إذ لو كان وقف المشاع لا يجوز لأنكر عليهم، انتهى مختصرًا (^٥).\n\n(٢٨ -<span data-type='title' id=toc-1976> باب الوقف كيف يكتب</span>؟)\nلمَّا كان الوقف معاملةً دائمةً ناسب لها الكتابة، قاله صاحب \"الفيض\" (^٦).\n_________\n(^١) \"رد المحتار\" (٦/ ٥٥٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٥/ ٤٠٣)\n(^٣) \"المتواري\" (ص ٣٢٨).\n(^٤) كتاب الوصايا، باب (١٦).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٥/ ٣٩٩).\n(^٦) \"فيض الباري\" (٤/ ١٤٤).","vol":"4","page":210},{"text":"وقال العيني (^١): ومطابقة الحديث للترجمة تؤخذ من قوله: \"إن شئت حبست أصلها\" إلى آخر الحديث، ويؤخذ من هذه الألفاظ شروط وهي تكتب كلها في كتاب الوقف، وقد كتب عمر - ﵁ - كتاب وقفه، كتبه معيقيب، وكان كاتبه، وشهد عبد الله بن الأرقم، وكان هذا في زمن خلافته؛ لأن معيقيبًا كان يكتب له في خلافته، إلى آخر ما ذكر.\n\n(٢٩ -<span data-type='title' id=toc-1977> باب الوقف للفقير والغني والضيف)</span>\nكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٢): يعني بذلك: أنه لا ضير في الوقف على الأغنياء تبعًا للفقراء، فإذا أطلق الوقف ولم يقيِّده بالفقراء كان للأغنياء أكله أيضًا، وإن خصصه بهم لم يجز للأغنياء أن يأكلوا منه، ولا يجوز الوقف على الأغنياء فقط، انتهى.\nوفي هامشه: حكى ابن عابدين (^٣) عن \"النهر\" عن \"المحيط\": لو وقف على الأغنياء وحدهم لم يجز لأنه ليس بقربة، أما لو جعل آخره للفقراء فإنه يكون قربة في الجملة. . . إلى آخر ما بسط من البحث في ذلك.\nوقال الحافظ (^٤) في فوائد حديث عمر - ﵁ - في الوقف: وفيه جواز الوقف على الأغنياء لأن ذوي القربى والضيف لم يقيد بالحاجة وهو الأصح عند الشافعية، انتهى.\nوفي \"الفيض\" (^٥): يعني أن الوقف ليس صدقة محضة، فيجوز أن تصرف غلته إلى الأغنياء أيضًا، وفي \"الهداية\": التصدق على الغني هبة، والهبة للفقير تصدق، انتهى.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٠/ ٦١).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٧/ ١٩٨، ١٩٩).\n(^٣) \"رد المحتار\" (٦/ ٥١٩).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٥/ ٤٠٣).\n(^٥) \"فيض الباري\" (٤/ ١٤٤).","vol":"4","page":211},{"text":"(٣٠ -<span data-type='title' id=toc-1978> باب وقف الأرض للمسجد)</span>\nقال ابن المنيِّر: لعل البخاري أراد الرد على من خصَّ جواز الوقف بالمسجد، وكأنه قال: قد نفذ وقف الأرض المذكورة قبل أن تكون مسجدًا فدل على أن صحة الوقف لا تختص بالمسجد، ووجه أخذه من حديث الباب أن الذين قالوا: لا نطلب ثمنها إلا إلى الله، كأنهم تصدقوا بالأرض المذكورة فتم انعقاد الوقف قبل البناء. قلت: ولا يخفى تكلفه، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(٣١ -<span data-type='title' id=toc-1979> باب وقف الدواب والكراع. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٢): هذه الترجمة معقودة لبيان وقف المنقولات، و\"الكراع\" بضم الكاف وتخفيف الراء اسم لجميع الخيل، فهو بعد الدواب من عطف الخاص على العام، و\"العروض\" بضم المهملة جمع عرض بالسكون وهو جميع ما عدا النقد من المال، و\"الصامت\" ضد الناطق، والمراد به من النقد الذهب والفضة، ووجه أخذ ذلك من حديث الباب المشتمل على قصة فرس عمر أنها دالة على صحة وقف المنقولات فيلحق به ما في معناه من المنقولات إذا وجد الشرط وهو تحبيس العين، فلا تباع ولا توهب بل ينتفع بها، والانتفاع في كل شيء بحسبه، انتهى.\nقال القسطلاني (^٣): مطابقة الحديث للترجمة في قوله: \"حمل على فرس في سبيل الله\" قاله العيني (^٤)، وفيه نظر؛ لأنه إنما تصدق به على الرجل من غير أن يقفه، إلى آخر ما ذكر فارجع إليه لو شئت.\nويشكل ههنا وقف الصامت، إذ المراد منه النقدان ولا يصدق عليه تعريف الوقف من تحبيس الأصل وتصدق المنافع، وأجاب عنه\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ٤٠٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٥/ ٤٠٥).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (٦/ ٢٩٥).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٠/ ٦٤).","vol":"4","page":212},{"text":"الحافظ (^١) بأنه يمكن الانتفاع بالصامت بطريق الارتفاق بأن يحبس مثلًا منه ما يجوز لبسه للمرأة فيصح بأن يحبس أصله وينتفع به النساء باللبس عند الحاجة إليه، انتهى.\nوالأوجه عندي: أن الإمام البخاري ذكر أثر الزهري لهذا الإشكال، وأشار إليه فإن من ذهب إلى صحة وقف الصامت قال: يعطيه مضاربة وينتفع بربحها، ولما كانت الدراهم والدنانير لا تتعين بالتعين فبدلها قائم مقامها، فتدبر.\n\n(٣٢ -<span data-type='title' id=toc-1980> باب نفقة القيِّم للوقف)</span>\nقال العيني (^٢): القيِّم: العامل على الوقف، ويدخل فيه الأجير والناظر والوكيل، انتهى.\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): قوله: \"ما تركتُ بعد نفقة نسائي\" فيه الترجمة إن أريد بالقيِّم المتولي وهو النبي - ﷺ -، وإن أريد به الحافظ عليه والناظر فالترجمة في قوله: \"مئونة عاملي\"، انتهى.\nقال الحافظ (^٤): الحديث دالٌّ على مشروعية أجرة العامل على الوقف، والمراد بالعامل في هذا الحديث: القيم على الأرض والأجير ونحوهما أو الخليفة بعده - ﷺ -، وهم من قال: إن المراد بـ أجرة حافر قبره.\nقال العيني (^٥): قال ابن بطال: أراد البخاري بتبويبه أن يبين أن المراد بقوله: \"مئونة عاملي\" عامل أرضه التي أفاءها الله عليه من بني النضير وفدك وسهمه من خيبر، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ٤٠٦).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٠/ ٦٤).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٧/ ١٩٩).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٥/ ٤٠٦).\n(^٥) \"عمدة القاري\" (١٠/ ٦٤).","vol":"4","page":213},{"text":"وبسط الكلام على حديث الباب في \"الأوجز\" (^١) وفيه: يتحصل من المجموع خمسة أقوال في المراد بالعامل: الخليفة، والصانع، والناظر، والخادم، وحافر قبره، وفي ترجمة المصنف إشارة إلى ترجيح حمل العامل على الناظر.\n\n(٣٣ -<span data-type='title' id=toc-1981> باب إذا وقف أرضًا أو بئرًا أو اشترط لنفسه. . .) إلخ</span>\nالمقصود من هذه الترجمة الإشارة إلى جواز شرط الواقف لنفسه منفعة من وقفه، وقال ابن بطال: لا خلاف بين العلماء أن من شرط لنفسه ولورثته نصيبًا في وقفه أن ذلك جائز، وقد مضى هذا المعنى في \"باب هل ينتفع الواقف بوقفه؟ \"، انتهى (^٢).\nقلت: ما حكى العلَّامة العيني عن ابن بطال من عدم الخلاف في ذلك ليس بصحيح، والمسألة خلافية شهيرة، والأوجه عندي: أن ههنا مسألتين: إحداهما: انتفاع الواقف بوقفه وقد تقدم في الباب المذكور، والثانية: اشتراط الواقف لنفسه شيئًا، وهو المقصود من هذه الترجمة، وهو جائز عند أبي يوسف وأحمد، ولا يجوز عند مالك والشافعي ومحمد.\n\n(٣٤ -<span data-type='title' id=toc-1982> باب إذا قال الواقف: لا نطلب ثمنه إلا إلى الله. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): يعني بذلك: أن الوقف غير متوقف على خصوص لفظ الوقف بل المقصود هو المعنى كيفما حصل، انتهى.\nوبه جزم العلَّامة العيني (^٤) وابن المنيِّر، والمسألة خلافية.\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (١٧/ ٥٤٦ - ٥٥٠).\n(^٢) انظر: \"عمدة القاري\" (١٠/ ٦٥).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٧/ ٢٠١).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٠/ ٦٨).","vol":"4","page":214},{"text":"قال الحافظ (^١): قال الإسماعيلي: قول المالك: \"لا أطلب ثمنه إلا إلى الله\" لا يصيِّره وقفًا، وقد يقول الرجل هذا لعبده فلا يصيِّره وقفًا، ويقوله للمدبر فيجوز بيعه، قال ابن المنيِّر (^٢): مراد البخاري أن الوقف يصح بأي لفظ دل عليه إما بمجرده وإما بقرينة، كذا قال، وفي الجزم بأن هذا مراده نظر، بل يحتمل أنه أراد أنه لا يصير بمجرد ذلك وقفًا، انتهى.\nقلت: وما ذكره الحافظ من الاحتمال توجيه للقول بما لا يرضى به قائله فإن الإمام البخاري يقول: إذا قال الواقف كذا فهو جائز، ومعناه ظاهر أنه يجوز الوقف، والحافظ يقول: أي لا يصير به وقفًا، والعجب من العلَّامة العيني أنه كيف ترك التعقب على ذلك مع شدته في التعقبات عليه، ولعل الباعث للحافظ على ذلك أن الوقف لا يصح بهذا اللفظ عند الشافعية.\nوبسط الكلام على اختلاف الأئمة في هذه المسألة في هامش \"اللامع\" (^٣)، فارجع إليه.\n\n(٣٥ -<span data-type='title' id=toc-1983> باب قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ. . .﴾ [المائدة: ١٠٦]) إلخ</span>\nقال العيني (^٤): هذا باب في بيان سبب نزول قول الله - ﷿ -: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلى قوله: ﴿الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة: ١٠٨]، وإنما قلنا كذلك لأن في حديث الباب صرَّح بقوله: وفيهم نزلت هذه الآية، انتهى.\nوكتب مولانا محمد حسن المكي في تقريره: قوله: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ. . .﴾ إلخ المراد بها الوصية، ولهذا أوردها في \"كتاب الوصايا\"، انتهى.\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"الكوكب الدري\" (^٥): الشهادة هي الوصية\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ٤٠٩).\n(^٢) \"المتواري\" (ص ٣٢٩).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٧/ ٢٠١ - ٢٠٢).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٠/ ٦٩).\n(^٥) \"الكوكب الدري\" (٤/ ١٢٩ - ١٣٠).","vol":"4","page":215},{"text":"ههنا، وقيل: اليمين، وغير ذلك من الأقوال ذكرها في هامش \"اللامع\" (^١).\nوقال الحافظ (^٢): قال الزجاج في \"المعاني\": هذه الآيات الثلاث من أشكل ما في القرآن إعرابًا وحكمًا ومعنىً، انتهى.\nوبسط الكلام على هذا الباب في هامش \"اللامع\" (^٣).\n\n(٣٦ -<span data-type='title' id=toc-1984> باب قضاء الوصي ديون الميت بغير محضر من الورثة)</span>\nكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٤): وذلك لأن حقهم لم يتعلق بالمال ما لم تقض ديونه، فلا حاجة إلى إحضارهم عند قضاء الديون؛ لأنهم بعدُ كالأجانب في ماله والأمر إلى الوصي فيه، انتهى.\nقال الحافظان ابن حجر (^٥) والعيني (^٦): لا خلاف بين العلماء في حكم هذه الترجمة أنه جائز، انتهى.\nثم البراعة سكت عنها ولعله لوضوحها لأن الوصايا كلها عندي مذكِّر للموت، ويمكن في قوله: \"اسْتُشْهِدَ\" فافهم.\n* * *\n_________\n(^١) هامش \"اللامع\" (٧/ ٢٠٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٥/ ٤١٠).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٧/ ٢٠٣ - ٢٠٥).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٧/ ٢٠٥).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٥/ ٤١٣).\n(^٦) \"عمدة القاري\" (١٠/ ٧٤).","vol":"4","page":216},{"text":"٥٦ -<span data-type='title' id=toc-1985> كتاب الجهاد</span>\nكذا لابن شبويه، وكذا للنسفي لكن قدَّم البسملة، وسقط \"كتاب\" للباقين واقتصروا على \"باب فضل الجهاد\"، لكن عند القابسي \"كتاب فضل الجهاد\" ولم يذكر \"باب\". والجهاد بكسر الجيم أصله لغة: المشقة، يقال: جهدت جهادًا: بلغت المشقة، وشرعًا: بذل الجهد في قتال الكفار، ويطلق أيضًا على مجاهدة النفس والشيطان والفساق، فأما مجاهدة النفس فعلى تعلم أمور الدين ثم على العمل بها ثم على تعليمها، وأما مجاهدة الشيطان فعلى دفع ما يأتي به من الشبهات وما يزيِّنه من الشهوات، وأما مجاهدة الكفار فتقع باليد والمال واللسان والقلب، وأما مجاهدة الفساق فباليد ثم اللسان ثم القلب، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوفي هامش \"اللامع\" (^٢): قال ابن العربي في \"العارضة\" (^٣): مذهب الصوفية أن الجهاد الأكبر جهاد العدو الداخل وهو النفس، قالوا: وهو المراد بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩]، وليس المجاهد من جاهد العدو المبائن وإنما المجاهد من جاهد العدو المخالط، ولذا قال النبي - ﷺ - وقد رجع من غزوة: \"رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر\"، انتهى مختصرًا. فهذا حديث معروف عند الصوفية ذكره الغزالي في عدة مواضع من \"الإحياء\"، قال صاحب \"الإتحاف\" (^٤): قال العراقي: رواه البيهقي من حديث جابر وقال: هذا إسناد فيه ضعف، انتهى.\nثم اختلفوا في حكم جهاد الكفار، قال الحافظ (^٥): وللناس في\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٣).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٧/ ٢٠٧).\n(^٣) \"عارضة الأحوذي\" (٧/ ١٢٢).\n(^٤) \"إتحاف السادة المتقين\" (٨/ ٣٩٧).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٦/ ٣٧).","vol":"4","page":217},{"text":"الجهاد حالان: إحداهما في زمن النبي - ﷺ -، والأخرى بعده، فأما الأولى: فأول ما شرع الجهاد بعد الهجرة النبوية اتفاقًا، ثم بعد أن شرع هل كان فرض عين أو كفاية؟ قولان مشهوران للعلماء، وهما في مذهب الشافعي، قال الماوردي: كان عينًا على المهاجرين دون غيرهم، ويؤيده وجوب الهجرة قبل الفتح في حق كل من أسلم إلى المدينة لنصر الإسلام، وقال السهيلي: كان عينًا على الأنصار دون غيرهم، ويؤيده مبايعتهم النبي - ﷺ - ليلة العقبة على أن يؤووا رسول الله - ﷺ - وينصروه، فيخرج من قولهما: إنه كان عينًا على الطائفتين كفاية في حق غيرهم، وقيل: كان عينًا في الغزوة التي يخرج فيها النبي - ﷺ - دون غيرها، والتحقيق: أنه كان عينًا على من عيَّنه النبي - ﷺ - في حقه ولو لم يخرج.\nالحال الثاني: بعده - ﷺ - فهو فرض كفاية على المشهور إلا أن تدعو الحاجة إليه كأن يدهم العدو ويتعين على من عينه الإمام، ويتأدى فرض الكفاية بفعله في السنة مرة عند الجمهور، وقيل: تجب كل ما أمكن وهو قوي، والذي يظهر أنه استمر على ما كان عليه في زمن النبي - ﷺ - إلى أن تكاملت فتوح معظم البلاد، وانتشر الإسلام في أقطار الأرض، ثم صار إلى ما تقدم ذكره، والتحقيق أيضًا: أن جنس جهاد الكفار متعين على كل مسلم إما بيده وإما بلسانه وإما بقلبه، والله أعلم.\nوفي \"البذل\" (^١) عن \"الهداية\" (^٢): الجهاد فرض على الكفاية إذا قام به فريق من الناس سقط عن الباقين، فإن لم يقم به أحد أثم جميع الناس بتركه؛ إلا أن يكون النفير عامًا فحينئذ يصير من فروض الأعيان لقوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: ٤١]، انتهى.\n_________\n(^١) \"بذل المجهود\" (٩/ ٧).\n(^٢) \"الهداية\" (١/ ٣٧٨).","vol":"4","page":218},{"text":"(١ -<span data-type='title' id=toc-1986> باب فضل الجهاد والسير. . .) إلخ</span>\nالسير بكسر السين جمع السيرة وهي الطريقة، وترجموه بها لأن الأحكام المذكورة فيه متلقاة من سيرة رسول الله - ﷺ - في غزواته، كذا قال الكرماني (^١)، وتبعه الحافظ (^٢).\nقال ابن عابدين (^٣): هذا الكتاب يعبر بالسير والجهاد والمغازي، فالسير جمع سيرة وهي فعلة بكسر الفاء من السير، فتكون لبيان هيئة السير وحالته، إلا أنها غلبت في لسان الشرع على أمور المغازي وما يتعلق بها كالمناسك على أمور الحج، انتهى.\nقال الشيخ ابن عابدين (^٤): وفضل الجهاد عظيم، كيف وحاصله بذل أعز المحبوبات وهو النفس، وإدخال أعظم المشقات عليه تقربًا بذلك إلى الله تعالى، وأشق منه قصر النفس على الطاعات على الدوام، ومجانبة هواها، ولذا قال - ﷺ - وقد رجع من غزاة: \"رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر\" ويدل عليه أنه - ﷺ - أخَّره في الفضيلة عن الصلاة على وقتها في حديث ابن مسعود، أي: المذكور في البخاري قريبًا، ولا تردد في أن المواظبة على أداء فرائض الصلاة في أوقاتها أفضل من الجهاد؛ لأنها فرض عين، ولأن الجهاد ليس إلا للإيمان وإقامة الصلاة، فكان حسنًا لغيره والصلاة حسنة لعينها وهي المقصودة منه، انتهى.\nقال الخرقي (^٥): قال أبو عبد الله: لا أعلم شيئًا من العمل بعد الفرائض أفضل من الجهاد، وقال صاحب \"الفيض\" (^٦): إن شغل العلم أفضل الأشغال عند أبي حنيفة ومالك، وعند أحمد الجهاد أفضلها، كذا في \"منهاج السُّنَّة\" لابن تيمية، وفي \"كتاب السفاريني\" عن أحمد رواية نحو\n_________\n(^١) \"الكرماني\" (١٢/ ٩٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ٤).\n(^٣) \"رد المحتار\" (٦/ ١٩٣).\n(^٤) \"رد المحتار\" (٦/ ١٩٥).\n(^٥) انظر: \"المغني\" (١٣/ ١٠).\n(^٦) \"فيض الباري\" (٤/ ١٥٠).","vol":"4","page":219},{"text":"أبي حنيفة ومالك، وهذا كله إذا لم يكن الجهاد فرض الوقت؛ لأن الكلام في الفضائل دون الفرائض، وقال أيضًا في موضع آخر (^١): إن مالكًا وأبا حنيفة ذهبا إلى أن الاشتغال بالعلم خير من الاشتغال بالنوافل على عكس ما ذهب إليه الشافعي، وعن أحمد روايتان: إحداهما في فضل العلم، ولأخرى في فضل الجهاد، كما في \"منهاج السُّنَّة\"، انتهى.\nقلت: وما حكى من مسلك الشافعية يخالفه ما في \"المرقاة\" (^٢) عن \"شرح السُّنَّة\" عن الشافعي رحمه الله تعالى: طلب العلم أفضل من صلاة النافلة، قال القاري: لأنه إما فرض عين أو فرض كفاية، وهما أفضل من النافلة، انتهى. وبسط الكلام في هامش \"اللامع\" (^٣).\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-1987> باب أفضل الناس مؤمن مجاهد بنفسه. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٤) في الباب السابق: ثم إن الفضيلة المذكورة ههنا جزئية وهي كون المجاهد مشتغلًا فيما خرج لأجله ليله ونهاره في يقظته ورقدته حاضرًا أو لاهيًا، ولذلك كان له الأجر في كل ما يفعله هو أو أجيره أو دابته إلى غير ذلك، وليس تلك الفضيلة في سائر الطاعات غير الجهاد فإن المصلي والصائم يؤجران ما كانا في صلاتهما أو صومهما لا بعد، وإن كانت فضيلة الصلاة أو غيرها من الطاعات أزيد من فضل الجهاد في نفسها لا من تلك الحيثية، وعلى هذا فلا تنافي بين هذه الرواية والتي تقدمت من أفضل العمل الصلاة لوقتها، انتهى.\nقال العلَّامة العيني (^٥): واختلاف الأحاديث في أفضل الأعمال لاختلاف السائلين واختلاف مقاصدهم، أو باختلاف الوقت أو بالنسبة إلى بعض الأشياء، انتهى. وغير ذلك من وجوه الجمع.\n_________\n(^١) \"فيض الباري\" (١/ ٢٤٠).\n(^٢) \"مرقاة المفاتيح\" (١١/ ٤٦٩).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٧/ ٢٠٨ - ٢١٠).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٧/ ٢٠٨).\n(^٥) \"عمدة القاري\" (١٠/ ٧٨).","vol":"4","page":220},{"text":"(٣ -<span data-type='title' id=toc-1988> باب الدعاء بالجهاد والشهادة للرجال والنساء. . .) إلخ</span>\nقال العلَّامة القسطلاني (^١): كأن يقول: اللهم اجعلني من المجاهدين في سبيلك، وكأن يقول: اللَّهم ارزقنا الشهادة في سبيلك، انتهى.\nقال الحافظ (^٢): قال ابن المنيِّر (^٣) وغيره: وجه دخول هذه الترجمة في الفقه أن الظاهر من الدعاء بالشهادة يستلزم طلب نصر الكافر على المسلم وإِعانة من يعصي الله على من يطيعه، لكن القصد الأصلي إنما هو حصول الدرجة العليا المترتبة على حصول الشهادة، وليس ما ذكره مقصودًا لذاته وإنما يقع من ضرورة الوجود.\nقلت: أو لما يوهمه قوله - ﷺ -: \"لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية\" الحديث، وقد ترجم به المصنف فيما سيأتي، ثم أورد المصنف فيه حديث أنس في قصة أم حرام، وهو ظاهر فيما ترجم له في حق النساء، ويؤخذ منه حكم الرجال بطريق الأولى، وأغرب ابن التِّين فقال: ليس في الحديث تمني الشهادة وإنما فيه تمني الغزو، ويجاب بأن الشهادة هي الثمرة العظمى المطلوبة في الغزو، انتهى.\nقوله: (وقال عمر: اللَّهم ارزقني. . .) إلخ، كتب الشيخ في \"اللامع\" (^٤): وكانت المدينة مخصصة بمنقبة وكرامة فسأل الشهادة فيها دون المعركة لئلا يدفن خارجًا منها ولا يموت خارجها ولو شهيدًا، انتهى.\n\n(٤ -<span data-type='title' id=toc-1989> باب درجات المجاهدين في سبيل الله. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٥): أي: بيانها، \"يقال: هذه سبيلي. . .\" إلخ، يريد المؤلف أن السبيل يؤنث ويذكر وبذلك جزم الفراء، انتهى.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٦/ ٣١٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ١٠ - ١١).\n(^٣) \"المتواري\" (ص ١٥٤ - ١٥٥).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٧/ ٢١١).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٦/ ١١).","vol":"4","page":221},{"text":"(٥ -<span data-type='title' id=toc-1990> باب الغدوة والروحة في سبيل الله. . .) إلخ</span>\nأي: بيان فضلها، والغدوة بالفتح المرة الواحدة من الغدو وهو الخروج في أي وقت كان من أول النهار إلى انتصافه، والروحة المرة الواحدة من الرواح وهو الخروج في أي وقت كان من زوال الشمس إلى غروبها.\nقوله: (في سبيل الله) أي: الجهاد.\nقوله: (وقاب قوس) أي: قدره، والقاب بتخفيف القاف وآخره موحدة معناه القدر، وكذلك القيد بكسر القاف، وقيل: القاب ما بين مقبض القوس وسيته، وقيل: ما بين الوتر والقوس، وقيل: المراد بالقوس هنا الذراع الذي يقاس به، وكأن المعنى بيان فضل قدر الزراع من الجنة، انتهى (^١).\n\n(٦ -<span data-type='title' id=toc-1991> باب الحور العين. . .) إلخ</span>\nأي: بيان صفتهن.\nقوله: (يحار فيه الطرف) أي: يتحير، قال ابن التِّين: هذا يشعر بأنه رأى أن اشتقاق الحور من الحيرة، وليس كذلك، فإن الحور بالواو والحيرة بالياء.\nقال الحافظ (^٢): قلت: لعل البخاري لم يرد الاشتقاق الأصغر.\n\n(٧ -<span data-type='title' id=toc-1992> باب تمني الشهادة)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): دفع بذلك التوهم الناشئ عن نهي التمني المتعلق بالموت، انتهى.\nوفي هامشه: أجاد الشيخ قُدِّس سرُّه في غرض الترجمة، وعلى\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (٦/ ١٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ١٥).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٧/ ٢١٢).","vol":"4","page":222},{"text":"ما أفاده لا تكون الترجمة مكررة لما تقدم قريبًا من \"باب الدعاء بالجهاد\" ولم يتعرض لذلك العيني ولا القسطلاني، وأحال الحافظ (^١) هذه الترجمة على الماضية فقال: تقدم توجيهه في أول \"كتاب الجهاد\"، وأن تمنيها والقصد لها مرغب فيه مطلوب، انتهى.\nقلت: وعلى هذا فتكون الترجمة مكررة، وأما على ما أفاده الشيخ يكون الغرض من هذه الترجمة الثانية دفع ما يتوهم من النهي عن تمني الموت، وأما الترجمة الأولى التي أشار إليها الحافظ بقوله: تقدم توجيهه، هو ما قال في الباب المذكور: قال ابن المنيِّر وغيره: وجه دخول هذه الترجمة في الفقه. . . إلى آخر ما تقدم.\n\n(٨ -<span data-type='title' id=toc-1993> باب فضل من يُصْرَعُ في سبيل الله فمات. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٢): قوله: \"فهو منهم\" أي: من المجاهدين، قوله: \"وقول الله - ﷿ -. . .\" إلخ، أي: يحصل الثواب بقصد الجهاد إذا خلصت النية فحال بين القاصد وبين الفعل مانع، فإن قوله: ﴿ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ﴾ [النساء: ١٠٠] أعم من أن يكون بقتل أو وقوع من دابته وغير ذلك فتناسب الآية الترجمة، قال ابن بطال (^٣): روى ابن وهب من حديث عقبة بن عامر مرفوعًا: \"من صرع عن دابته في سبيل الله فمات فهو شهيد\" فكأنه لما لم يكن على شرط البخاري أشار إليه في الترجمة، انتهى.\n\n(٩ -<span data-type='title' id=toc-1994> باب من ينكب ويطعن في سبيل الله)</span>\nقال القسطلاني (^٤): \"من ينكب\" بضم أوله وفتح ثالثه وآخره موحدة، أي: أدمي عضو منه أو أعم، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ١٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ١٨).\n(^٣) (٥/ ١٧، ١٨).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (٦/ ٣٢٦).","vol":"4","page":223},{"text":"وقال الحافظ (^١): والنكبة أن يصيب العضو شيء فيدميه، والمراد بيان فضل من وقع له ذلك في سبيل الله، انتهى.\nقوله: (أقوامًا من بني سليم. . .) إلخ، قال الحافظ (^٢): قال الدمياطي: هو وهم، فإن بني سليم مبعوث إليهم، والمبعوثون هم القراء وهم من الأنصار، قال الحافظ: التحقيق أن المبعوث إليهم بنو عامر، وأما بنو سليم فغدروا بالقراء المذكورين، والوهم في هذا السياق من حفص بن عمر شيخ البخاري. . .، إلى آخر ما بسط من توجيهه، كما ذكر في هامش \"اللامع\" (^٣)، وهو من منتقدات شيخنا السهارنفوري كما تقدم في \"مقدمة اللامع\"، ووجهه الشيخ الكَنكَوهي قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٤) فارجع إليه.\n\n(١٠ -<span data-type='title' id=toc-1995> باب من يُجْرَحُ في سبيل الله)</span>\nأي: فضله، وقوله في الحديث: \"والله أعلم بمن يُكْلَمُ في سبيله\" جملة معترضة قصد بها التنبيه على شرطية الإخلاص في نيل هذا الثواب، انتهى من \"الفتح\" (^٥).\n\n(١١ -<span data-type='title' id=toc-1996> باب قول الله - ﷿ -: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا. . .﴾ [التوبة: ٥٢]) إلخ</span>\nسيأتي في تفسير براءة تفسير ﴿إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ بأنه الفتح أو الشهادة، وبه تتبين مناسبة قول المصنف بعد هذا: \"والحرب سجال\" ثم أورد المصنف طرفًا من حديث أبي سفيان قي قصة هرقل، والغرض منه قوله فيه: \"فزعمت أن الحرب بينكم. . .\" إلخ، وقال ابن المنيِّر (^٦): التحقيق أنه ما ساق حديث هرقل إلا لقوله: \"وكذلك الرسل تبتلى ثم تكون لهم العاقبة\"\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ١٩).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ١٩).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٧/ ٢١٤ - ٢١٥).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (١/ ٢٤٥).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٦/ ٢٠).\n(^٦) \"المتواري\" (ص ١٥٥).","vol":"4","page":224},{"text":"قال: فبذلك يتحقق أن لهم إحدى الحسنيين، إن انتصروا فلهم العاجلة والعاقبة، وإن انتصر عدوهم فللرسل العاقبة، انتهى.\nوهذا لا يستلزم نفي التقدير الأول ولا يعارضه، بل الذي يظهر أن الأول أولى؛ لأنه من نقل أبي سفيان عن حال النبي - ﷺ -، وأما الآخر فمن قول هرقل مستندًا فيه إلى ما تلقفه من الكتب، انتهى كله من \"الفتح\" (^١).\n\n(١٢ -<span data-type='title' id=toc-1997> باب قول الله - ﷿ -: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا. . .﴾ [الأحزاب: ٢٣]) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٢): المراد بالمعاهدة المذكورة ما تقدم ذكره من قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ﴾ [الأحزاب: ١٥] وكان ذلك أول ما خرجوا إلى أحد، وهذا قول ابن إسحاق، وقيل: ما وقع ليلة العقبة من الأنصار إذ بايعوا النبي - ﷺ - أن يؤووه وينصروه ويمنعوه، والأول أولى، انتهى.\n\n(١٣ -<span data-type='title' id=toc-1998> باب عمل صالح قبل القتال. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): يعني بذلك: أن الصالح يؤجر في عمله ما لا يؤجر الفاسق، فوجب تقديم العمل الصالح ليؤجر أكثر مما يؤجر دونه، ودلالة الرواية ظاهرة، فإن الإسلام من العمل الصالح، وقد أمر بتقديمه، انتهى.\nوفي هامشه: قال الحافظ (^٤): قال ابن المنيِّر (^٥): مناسبة الترجمة والآية للحديث ظاهرة، وفي مناسبة الترجمة للآية خفاء، وكأنه من جهة أن الله تعالى عاتب من قال: إنه يفعل الخير ولم يفعله، وأثنى على من وفى\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٢٠ - ٢١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ٢٢).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٧/ ٢١٧).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٦/ ٢٤ - ٢٥).\n(^٥) \"المتواري\" (ص ١٥٦).","vol":"4","page":225},{"text":"وثبت عند القتال، أو من جهة أنه أنكر على من قدم على القتال قولًا غير مرضي، فكشف الغيب أنه أخلف، فمفهومه ثبوت الفضل في تقديم الصدق، والعزم الصحيح على الوفاء وذلك من أسلم الأعمال، قال الحافظ: وهذا الثاني أظهر فيما أرى.\nوقال الكرماني (^١): المقصود من الآية في الترجمة قوله في آخرها: ﴿صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤]؛ لأن الصف في القتال من العمل الصالح قبل القتال، انتهى.\nوفي \"الفيض\" (^٢): قوله: \"باب عمل صالح. . .\" إلخ، لعله مأخوذ من قوله - ﷺ -: \"كما تحيون تموتون وكما تموتون تحشرون\" فهذا يشعر بأنه ينبغي أن تكون خاتمة المرء على عمل خير؛ وكان السلف يستحبون أن يكون لهم عمل صالح قبل القتال، لدلالته على الإخلاص، انتهى.\n\n(١٤ -<span data-type='title' id=toc-1999> باب من أتاه سهم غرب. . .) إلخ</span>\nالغرب: بفتح الغين المعجمة وسكون الراء آخره موحدة منونًا كسهم صفة له، قال أبو عبيد وغيره: أي: لا يعرف راميه أو لا يعرف من أين أتى أو جاء على غير قصد من راميه، وعن أبي زيد فيما حكاه الهروي: إن جاء من حيث لا يعرف فهو بالتنوين والإسكان، وإن عرف راميه لكن أصاب من لم يقصد فهو بالإضافة وفتح الراء، وأنكر ابن قتيبة السكون ونسبه لقول العامة وجوَّز الفتح وإضافة سهم لغرب، انتهى من \"القسطلاني\" (^٣). .\nوزاد الحافظ (^٤): وقصة حارثة منزلة على الثاني، فإن الذي رماه قصد غرته فرماه وحارثة لا يشعر به، انتهى.\nقلت: ولعل الإمام البخاري ترجم به لدفع ما يتوهم من أنه إذا لم يدر\n_________\n(^١) \"الكرماني\" (١٢/ ١١٠).\n(^٢) \"فيض الباري\" (٤/ ١٦٠).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (٦/ ٣٣٦).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٦/ ٢٧).","vol":"4","page":226},{"text":"القاتل فلا يدري أقتل من سهم كافر أو مسلم، فنبَّه الإمام البخاري بالترجمة والحديث على أن قتيل المعركة شهيد وإن لم يدر قاتله.\n\n(١٥ -<span data-type='title' id=toc-2000> باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا)</span>\nقال الحافظ (^١): أي فضله، أو الجواب محذوف تقديره: فهو المعتبر.\nوبسط الحافظ في شرح قوله: \"لتكون كلمة الله هي العليا\" فذكر فيه خمس مراتب، فارجع إليه لو شئت.\nوفي \"الفيض\" (^٢) تحت الباب: أعرض عن التفصيل المتعذر، وعدل إلى الجواب الجملي، فقال: من قاتل لإعلاء كلمة الله فهو في سبيل الله، انتهى.\n\n(١٦ -<span data-type='title' id=toc-2001> باب من اغبرّت قدماه في سبيل الله. . .) إلخ</span>\nأي: بيان ما له من الفضل، قال ابن بطال: والمراد في سبيل الله جميع طاعاته، قال الحافظ: وهو كما قال، إلا أن المتبادر عند الإطلاق من لفظ سبيل الله الجهاد، وقد أورده المصنف في \"فضل المشي إلى الجمعة\" (^٣) استعمالًا للفظ في عمومه، انتهى من \"الفتح\" (^٤).\n\n(١٧ -<span data-type='title' id=toc-2002> باب مسح الغبار عن الرأس)</span>\nقال ابن المنيِّر (^٥): ترجم بهذا وبالذي بعده دفعًا لتوهم كراهية غسل الغبار ومسحه، لكونه من جملة آثار الجهاد، كما كره بعض السلف المسح بعد الوضوء.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٢٨، ٢٩).\n(^٢) \"فيض الباري\" (٤/ ١٦١).\n(^٣) كتاب الجمعة، باب (١٨)، (ح: ٩٠٧).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٦/ ٢٩).\n(^٥) \"المتواري\" (ص ١٥٧).","vol":"4","page":227},{"text":"قال الحافظ (^١): الفرق بينهما من جهة أن التنظيف مطلوب شرعًا، والغبار أثر الجهاد وإذا انقضى فلا معنى لبقاء أثره، وأما الوضوء فالمقصود به الصلاة فاستحب بقاء أثره حتى يحصل المقصود فافترق المسحان، انتهى.\n\n(١٨ -<span data-type='title' id=toc-2003> باب الغُسل بعد الحرب والغبار)</span>\nأي: جوازه، وتقدم توجيهه في الباب السابق، قاله القسطلاني (^٢).\n\n(١٩ -<span data-type='title' id=toc-2004> باب فضل قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا. . .﴾ [آل عمران: ١٦٩]) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٣): أي: فضل من ورد فيه قول الله، وقد حذف الإسماعيلي لفظ \"فضل\" من الترجمة، انتهى.\nتكلم الحافظ في مطابقة الحديث الثاني بالترجمة فإنها خفية، وأجاد الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٤) حيث قال: قوله: \"اصطبح ناس الخمر\" دلالته على الآية وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [التوبة: ١٢٠] ظاهرة، فإنهم لو أخذوا على فعلتهم تلك كان ذلك إضاعةً لفعل المحسنين حيث كانوا لم يرتكبوا محرم مذهبهم، انتهى.\n\n(٢٠ -<span data-type='title' id=toc-2005> باب ظل الملائكة على الشهيد)</span>\nذكر فيه حديث جابر في قصة قتل أبيه، وهو ظاهر فيما ترجم له، قاله الحافظ (^٥). وفي \"الفيض\" (^٦): ولعل في هذا الإظلال إجلالًا للميت، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٣٠).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٦/ ٣٤١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٦/ ٣١).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٧/ ٢١٩).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٦/ ٣٢).\n(^٦) \"فيض الباري\" (٤/ ١٦٤).","vol":"4","page":228},{"text":"(٢١ -<span data-type='title' id=toc-2006> باب تمني المجاهد أن يرجع إلى الدنيا)</span>\nقال الحافظ (^١): أورد فيه حديث قتادة \"ما أحد يدخل الجنة يحب\" بلفظ الحب، وقد ورد بلفظ التمني في رواية النسائي والحاكم عن أنس مرفوعًا وفيه: \"فيقول: سل وتمنه، فيقول: ما أسألك وأتمنى؟ أسألك أن تردني\" الحديث، وقال ابن بطال (^٢): هذا الحديث أجلّ ما جاء في فضل الشهادة، انتهى.\n\n(٢٢ -<span data-type='title' id=toc-2007> باب الجنة تحت بارقة السيوف. . .) إلخ</span>\nمن إضافة الصفة إلى الموصوف، وقد تطلق البارقة ويراد بها نفس السيف فتكون الإضافة بيانية، وقد أورده بلفظ \"تحت ظلال السيوف\" وكأنه أشار بالترجمة إلى حديث عمار بن ياسر، أخرجه الطبراني بإسناد صحيح عن عمار أنه قال يوم صفين: \"الجنة تحت الأبارقة\" كذا وقع فيه والصواب \"البارقة\" وهي السيوف اللامعة، وكذا وقع على الصواب في ترجمة عمار من \"طبقات ابن سعد\"، لكن المصنف لم يسقه لكونه ليس على شرطه، واستنبط معناها مما هو على شرطه فإنه إذا ثبت لها ظلال ثبت لهما بارقة ولمعان، انتهى من \"الفتح\" (^٣) و\"القسطلاني\" (^٤).\n\n(٢٣ -<span data-type='title' id=toc-2008> باب من طلب الولد للجهاد. . .) إلخ</span>\nأي: ينوي عند المجامعة حصول الولد ليجاهد في سبيل الله، فيحصل له بذلك أجر وإن لم يقع ذلك، انتهى من \"الفتح\" (^٥).\nقوله: (إلا امرأة واحدة جاءت بشق) كتب الشيخ في \"اللامع\" (^٦): ولعل إتيانها بشق كان مبنيًا على ما عزم سليمان من أن يقول: إن شاء الله، ثم إنه\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٣٢).\n(^٢) (٥/ ٣٠).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٦/ ٣٣).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (٦/ ٣٤٧ - ٣٤٨).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٦/ ٣٤).\n(^٦) \"لامع الدراري\" (٧/ ٢٢٠ - ٢٢٢).","vol":"4","page":229},{"text":"لم يمكن له أن يتم عزمه فبقي ناقصًا، فكذلك الولد صار باقيًا بنقصان فيه ولم يكمل، انتهى.\nوفي هامشه: أجاد الشيخ قُدِّس سرُّه في وجه الإتيان بواحدٍ ساقطًا أحد شقيه، ولم يتعرض لذلك الشرَّاح، وفيه أيضًا: قال الحافظ (^١): حكى النقاش في تفسيره أن الشق المذكور هو الجسد الذي ألقي على كرسيه، وقال غير واحد من المفسرين: إن المراد بالجسد المذكور شيطان. . .، إلى آخر ما بسط في هامش \"اللامع\"، وذكر فيه أيضًا اختلاف الروايات في عدد النسوة اللاتي جامعهن سليمان - ﵇ - في تلك الليلة.\n\n(٢٤ -<span data-type='title' id=toc-2009> باب الشجاعة في الحرب والجبن)</span>\nأي: مدح الشجاعة وذم الجبن، بضم الجيم وسكون الموحدة ضد الشجاعة، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\nوزاد العيني (^٣): وأما الجبن الذي يؤكل فهو بتشديد النون، انتهى.\n\n(٢٥ -<span data-type='title' id=toc-2010> باب ما يتعوذ من الجبن)</span>\nبضم أول يُتعوَّذ على البناء للمجهول، أي: بيان التعوذ من الجبن، وكلمة \"ما\" مصدرية.\n\n(٢٦ -<span data-type='title' id=toc-2011> باب من حدّث بمشاهده. . .) إلخ</span>\nقال القسطلاني (^٤): أي: ليتأسى بذلك ويرغب فيه لا للرياء والسمعة.\nقوله: (فما سمعت أحدًا منهم يحدث. . .) إلخ، خشية التزايد والنقصان والدخول في الوعيد.\nقوله: (يحدث عن يوم أُحد) أي: بما وقع له فيه من ثبات القدم أو نحو\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٤٦١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ٣٥).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٠/ ١٣٠).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (٦/ ٣٥٣ - ٣٥٤).","vol":"4","page":230},{"text":"ذلك، وقد كان من أهل النجدة، وذكر المؤلف في \"المغازي\" عن قيس قال: \"رأيت يد طلحة شلاء وقى بها رسول الله - ﷺ - يوم أُحد\"، وعن أبي عثمان النهدي \"أنه لم يبق مع رسول الله - ﷺ - تلك الأيام غير طلحة وسعد\" ولهذا حدَّث طلحة عن مشاهده يوم أُحد ليقتدى به ويرغب الناس في مثل فعله، انتهى من \"القسطلاني\" (^١).\n\n(٢٧ -<span data-type='title' id=toc-2012> باب وجوب النفير، وما يجب من الجهاد. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٢): النفير: الخروج إلى قتال الكفار.\nقوله: (وما يجب. . .) إلخ، أي: وبيان القدر الواجب من الجهاد ومشروعية النية في ذلك، انتهى.\nقلت: وتقدم الكلام على حكم الجهاد عند الجمهور في مبدأ هذا الكتاب، وفي \"الأوجز\" (^٣): قال ابن المسيب: الجهاد فرض عين، لقوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: ٤١] وغير ذلك من العمومات، انتهى.\nولا يبعد أن يقال: إن ميل المصنف إلى هذا القول بذكره في الترجمة ما استدل به ابن المسيب، فتدبر.\nقوله: (﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا. . .﴾) إلخ [التوبة: ٤١]، هذه الآية متأخرة في التنزيل عن الآية الثانية، لكن قدَّمها المصنف، ولعل وجهه عند هذا العبد الضعيف الإشارة إلى الحالتين المذكورتين في أول \"كتاب الجهاد\" من كلام الحافظ، أي: الجهاد في زمنه - ﷺ -، والحال الثانية بعده - ﷺ -، فقد قيل: إنه كان فرض عين في الحال الأولى، وفرض كفاية في الحال الثانية، إلا وقت النفير العام، فلعل المصنف قدم الآية المتأخرة لدلالتها على فرض\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٦/ ٣٥٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ٣٧).\n(^٣) \"أوجز المسالك\" (٩/ ٩ - ١٠).","vol":"4","page":231},{"text":"الخروج مطلقًا، وأشار به إلى أن الجهاد كان فرض عين في الحال الأولى، وأخَّر المتقدمة لكونها مقيدة بقوله: ﴿إِذَا قِيلَ لَكُمُ﴾ [التوبة: ٣٨] فإن فرضية الجهاد في الحال الثاني مقيدة بالنفير العام، وهو المستفاد بقوله: \"وإذا قيل لكم\" فتأمل.\n\n(٢٨ -<span data-type='title' id=toc-2013> باب الكافر يقتل المسلم ثم يسلم. . .) إلخ</span>\nأي: القاتل.\n(فيسدّد بعد) أي: يعيش على سداد، أي: استقامة في الدين، قال ابن المنيِّر: في الترجمة \"فيسدّد\" والذي وقع في الحديث \"فيستشهد\" وكأنه نبَّه بذلك على أن الشهادة ذكرت للتنبيه على وجوه التسديد، وأن كل تسديد كذلك وإن كانت الشهادة أفضل، لكن دخول الجنة لا يختص بالشهيد، فجعل المصنف الترجمة كالشرح لمعنى الحديث.\nقال الحافظ: ويظهر لي أن البخاري أشار في الترجمة إلى ما أخرجه أحمد والنسائي وغيرهما عن أبي هريرة مرفوعًا: \"لا يجتمعان في النار مسلم قتل كافرًا ثم سدّد المسلم وقارب\" الحديث، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(٢٩ -<span data-type='title' id=toc-2014> باب من اختار الغزو على الصوم)</span>\nأي: لئلا يضعفه الصوم عن القتال، ولا يمتنع ذلك لمن عرف أنه لا ينقصه كما سيأتي بعد ستة أبواب، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\n\n(٣٠ -<span data-type='title' id=toc-2015> باب الشهادة سبع سوى القتل)</span>\nقال العلَّامة العيني (^٣): قيل: لا مطابقة بين الحديث والترجمة؛ لأن الترجمة سبع، وفي الحديث: خمسة، قال ابن بطال: هذا يدل على أن البخاري مات ولم يهذب كتابه، وأجيب بأن البخاري أراد التنبيه على أن\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٤٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ٤٢).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٠/ ١٤٦).","vol":"4","page":232},{"text":"الشهادة لا تنحصر في القتل بل لها أسباب أخر، وتلك الأسباب اختلفت الأحاديث فيها، ففي بعضها: خمسة، وهو الذي صح عند البخاري، ووافق شرطه، وفي بعضها سبع، لكن لم يوافق شرطه فنبَّه عليه في الترجمة إيذانًا بأن الوارد في عددها من الخمسة أو السبعة ليس على معنى التحديد، وقال الكرماني (^١): الجواب: أن بعض الرواة نسي الباقي، قال العيني: وفيه نظر لا يخفى، انتهى.\nقال الحافظ (^٢): هذه الترجمة لفظ حديث أخرجه مالك من رواية جابر بن عتيك وفيه \"الشهداء سبعة\" سوى القتل في سبيل الله، انتهى.\nقلت: وعندي يمكن أن يقال: إن لفظ \"سبع\" يطلق ويراد به الكثرة، ومعنى الترجمة أن أسباب الشهادة سوى القتل كثيرة، فافهم.\nوفي \"الأوجز\" (^٣) في حديث جابر بن عتيك المذكور: قال السيوطي في \"التنوير\" (^٤): وقد جمعتهم فناهزوا الثلاثين.\nقلت: وسمَّاها \"أبواب السعادة في أسباب الشهادة\".\nوجمع العيني (^٥) الروايات الواردة في ذلك لا يسعها هذا الأوجز، نعم سيأتي في آخر الحديث تلخيص ما أطلق عليه الشهادة في تلك الروايات، وفيه بعد تلخيصها: وهكذا كما رأيت ترتقي الشهادة إلى قريب من ستين، انتهى.\n\n(٣١ -<span data-type='title' id=toc-2016> باب قول الله: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ. . .﴾ الآية [النساء:</span> ٩٥])\nأي: بيان سبب نزول هذه الآية الشريفة.\n_________\n(^١) \"الكرماني\" (١٢/ ١٢٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ٤٣).\n(^٣) \"أوجز المسالك\" (٤/ ٥٤٢ - ٥٤٧).\n(^٤) \"تنوير الحوالك\" (١/ ٢٣٣).\n(^٥) \"عمدة القاري\" (١٠/ ١٤٣ - ١٤٦).","vol":"4","page":233},{"text":"(٣٢ -<span data-type='title' id=toc-2017> باب الصبر عند القتال)</span>\nالمقصود بيان فضله.\n\n(٣٣ -<span data-type='title' id=toc-2018> باب التحريض على القتال)</span>\nقال الحافظ (^١): انتزاع الترجمة من الحديث من جهة أن في مباشرته - ﷺ - الحفر بنفسه تحريضًا للمسلمين على العمل ليتأسوا به في ذلك، انتهى.\n\n(٣٤ -<span data-type='title' id=toc-2019> باب حفر الخندق)</span>\nقال العيني (^٢): أي: في ذكر حفر الصحابة رضي الله تعالى عنهم الخندق حول المدينة، انتهى.\nقوله: (حول المدينة) كتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): أراد بذلك في حواليه وفي جانب منها، فإن الخندق لم يحفر حول المدينة بل حول الجيش، غير أنهم كانوا على قرب من المدينة نحوًا من ثلاثة أميال، فعبر عنه بقوله: \"حول المدينة\" فليحفظ.\n\n(٣٥ -<span data-type='title' id=toc-2020> باب من حبسه العذر عن الغزو)</span>\nالعذر الوصف الطارئ على المكلف المناسب للتسهيل عليه، ولم يذكر الجواب، وتقديره: فله أجر الغازي إذا صدقت نيَّته، انتهى (^٤).\n\n(٣٦ -<span data-type='title' id=toc-2021> باب فضل الصوم في سبيل الله)</span>\nقال ابن الجوزي (^٥): إذا أطلق ذكر سبيل الله فالمراد به الجهاد، وقال القرطبي (^٦): سبيل الله طاعة الله، فالمراد من صام قاصدًا وجه الله، وقال\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٤٦).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٠/ ١٥١).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٧/ ٢٢٢).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٦/ ٤٧).\n(^٥) \"كشف المشكل\" (٣/ ١٥٣)، (رقم ١٤٦٣/ ١٧٧١).\n(^٦) \"المفهم\" (٣/ ٢١٧).","vol":"4","page":234},{"text":"ابن دقيق العيد: العرف الأكثر استعماله في الجهاد، إلى آخر ما في \"الفتح\" (^١)، ولا يقال: هذا يعارض ما تقدم من \"باب من اختار الغزو على الصوم\" (^٢) لأن فضل الصوم محمول على من لم يخش ضعفه، ولا سيّما من اعتاد به فصار ذلك من الأمور النسبية، انتهى من \"الفتح\" وغيره.\n\n(٣٧ -<span data-type='title' id=toc-2022> باب فضل النفقة في سبيل الله)</span>\nقال القسطلاني (^٣): أي الإنفاق في الجهاد وغيره مما يقصد به وجه الله تعالى، انتهى.\nقال الحافظ (^٤): قال المهلب (^٥): في هذا الحديث أن الجهاد أفضل الأعمال؛ لأن المجاهد يعطى أجر المصلي والصائم والمتصدق وإن لم يفعل ذلك؛ لأن باب الريَّان للصائمين، وقد ذكر في هذا الحديث أن المجاهد يدعى من تلك الأبواب كلها بإنفاق قليل المال في سبيل الله.\nقال الحافظ: وما جرى فيه على ظاهر الحديث يرده ما قدمته في \"الصيام\" من زيادة في الحديث لأحمد حيث قال فيه: \"لكل أهل عمل باب يدعون بذلك العمل\" وهذا يدل على أن المراد بسبيل الله ما هو أعم من الجهاد وغيره من الأعمال الصالحة، انتهى.\nوبسط العلَّامة السندي (^٦) في الجمع بين الروايتين فقال: المقصود تكريمه بالمناداة وإلا فهو يدخل الجنة من ذلك الباب. ثم قال بعد ما بسط الكلام: الخلاف لا يخلو إما أن يكون لسهو وقع من بعض الرواة وهو الظاهر في مثل هذا، وإما أن يكون لأنهما واقعتان في مجلسين، فلعله - ﷺ - أوحي إليه أولًا بالمناداة من باب واحد وثانيًا بالمناداة من تمام الأبواب، فأخبر في كل مجلس بما أوحي إليه، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٤٨).\n(^٢) كتاب الجهاد، باب (٢٩).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (٦/ ٣٧١).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٦/ ٤٩).\n(^٥) انظر: \"شرح ابن بطال\" (٥/ ٤٩).\n(^٦) \"حاشية السندي على صحيح البخاري\" (٢/ ١٤٤).","vol":"4","page":235},{"text":"(٣٨ -<span data-type='title' id=toc-2023> باب فضل من جهّز غازيًا أو خلفه بخير)</span>\nقال الحافظ (^١): \"جهّز\" أي: هيّأ له أسباب سفره، \"أو خَلَفه\" بفتح المعجمة واللام الخفيفة، أي: قام بحال من يتركه، ومطابقة حديث أنس للترجمة من جهة قوله: \"أو خلفه في أهله\" لأن ذلك أعم من أن يكون في حياته أو بعد موته، والنبي - ﷺ - كان يجبر قلب أم سليم بزيارتها، ويعلل ذلك لأن أخاها قتل معه، ففيه أنه خلفه في أهله بخير بعد وفاته، وذلك من حسن عهده - ﷺ -، انتهى.\nوذكر الشيخ قُدِّس سرُّه وجه المطابقة بنوع آخر فقال: ويمكن أن تكون أم سليم خليفة من أخيها على أهله وأولاده بعد خروجه إلى القتال فيكون إيراد الرواية ههنا لذلك، انتهى (^٢).\nوقال القسطلاني (^٣): فإن قلت: هل من جهّز غازيًا على الكمال ويخلفه بخير في أهله له أجر غازيين أو غاز واحد؟ أجاب ابن أبي جمرة: بأن ظاهر اللفظ يفيد أن له أجر غازيين؛ لأنه ﵊ جعل كل فعل مستقلًا بنفسه غير مرتبط بغيره، انتهى.\nثم في رواية لمسلم (^٤) أن رسول الله بعث بعثًا وقال: \"ليخرج من كل رجلين رجل والأجر بينهما\"، وفي رواية له: \"وأيكم خلف الخارج في أهله وماله بخير، كان له مثل نصف أجر الخارج\"، وذكر الحافظ (^٥) وجه الجمع فارجع إليه لو شئت.\n\n(٣٩ -<span data-type='title' id=toc-2024> باب التحنط عند القتال)</span>\nأي: استعمال الحنوط وهو ما يطيب به الميت، وقد تقدم بيانه في كتاب الجنائز (^٦)، انتهى من \"القسطلاني\" (^٧). قال الأزهري: يدخل فيه\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٥٠، ٥١).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٧/ ٢٢٢).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (٦/ ٣٧٥).\n(^٤) \"صحيح مسلم\" (ح: ١٨٩٦).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٦/ ٥٠).\n(^٦) كتاب الجنائز، باب (٢٠).\n(^٧) \"إرشاد الساري\" (٦/ ٣٧٦).","vol":"4","page":236},{"text":"الكافور، والصندل الأحمر، والأبيض، وقال غيره: الحنوط ما يخلط من الطيب للموتى خاصةً، ولا يقال لطيب الأحياء حنوط (^١)، انتهى.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): قوله: \"وهو يتحنط\" ليكون أنظف وأزكى عند لقاء ربه ﵎، انتهى.\nوفي \"الفيض\" (^٣): كان من دأب السلف أنهم إذا تهيأوا للقتال حنطوا مخافة أن تتغير أجسادهم بعد القتل؛ لأن الأوان أوان الحرب، وقد يتأخر فيه الدفن. . .، إلى آخر ما قال.\nقلت: وما أفاده الشيخ الكَنكَوهي أوجه كما لا يخفى.\n\n(٤٠ -<span data-type='title' id=toc-2025> باب فضل الطليعة)</span>\nأي: من يُبْعَثُ إلى العدو ليطلع على أحوالهم، وهو اسم جنس يشمل الواحد فما فوقه، انتهى من \"الفتح\" (^٤).\n\n(٤١ -<span data-type='title' id=toc-2026> باب هل يبعث الطليعة وحده)</span>\nقال العيني (^٥): وجواب: هل، محذوف، والتقدير: يبعث، أو: يجوز بعثه وحده، انتهى.\nوقال الحافظ (^٦): وفي الحديث: جواز استعمال التجسس في الجهاد، وفيه أيضًا جواز سفر الرجل وحده، وأن النهي عن السفر وحده إنما هو حيث لا تدعو الحاجة إلى ذلك، انتهى.\nقلت: وسيبوب البخاري لهذا المعنى ترجمة مستقلة بـ \"باب السير وحده\" (^٧)، ويذكر فيه حديثين متعارضين.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٣/ ٣٧٨).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٧/ ٢٢٤).\n(^٣) \"فيض الباري\" (٤/ ١٧٣).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٦/ ٥٢).\n(^٥) \"عمدة القاري\" (١٠/ ١٦٥).\n(^٦) \"فتح الباري\" (٦/ ٥٣).\n(^٧) كتاب الجهاد، باب (١٣٥)، (ح: ٢٩٩٧، ٢٩٩٨).","vol":"4","page":237},{"text":"والأوجه عندي: في الفرق بين الترجمتين أن مبنى الطليعة على السر والإخفاء لأنها تبعث إلى العدو للتجسس والاطلاع على أحواله، ولذا قال ابن المنيِّر (^١): السير لمصلحة الحرب أخص من السفر، فيؤخذ من حديث جابر جواز السفر منفردًا للضرورة والمصلحة التي لا تنتظم إلى بالانفراد كإرسال الجاسوس، انتهى.\nقلت: ولهذا الفرق المذكور بين مطلق السفر والسير لمصلحة الحرب لم يذكر في هذا الباب إلا حديث جابر الدال على الجواز ولم يذكر حديث المنع، كما ذكره في الباب الآتي لكنه نبَّه بقوله: \"هل\" على الأمن من الموانع والمضار، انتهى مختصرًا من هامش \"اللامع\" (^٢) وسيأتي شيء من الكلام هناك إن شاء الله.\n\n(٤٢ -<span data-type='title' id=toc-2027> باب سفر الاثنين)</span>\nأي: جوازه، والمراد سفر الشخصين لا سفر يوم الاثنين، بخلاف ما فهمه الداودي ثم اعترض على البخاري، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\nوقال القسطلاني (^٤): وحديث \"الراكبان شيطانان\" المروي بإسناد حسن وصححه ابن خزيمة قال الطبري: إنه زجر أدب وإرشاد حسمًا للمادة فلا يتناول ما إذا وقعت الحاجة له، انتهى.\n\n(٤٣ -<span data-type='title' id=toc-2028> باب الخيل معقود في نواصيها الخير. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٥): هكذا ترجم بلفظ الحديث من غير مزيد، وقد استنبط منه ما يأتي في الباب بعده، انتهى.\n_________\n(^١) \"المتواري\" (ص ١٦٩).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٧/ ٢٢٨).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٦/ ٥٣).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (٦/ ٣٨٠).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٦/ ٥٤).","vol":"4","page":238},{"text":"(٤٤ -<span data-type='title' id=toc-2029> باب الجهاد مَاضٍ مع الْبَرِّ والفاجر. . .) إلخ</span>\nهذه الترجمة لفظ حديث أخرجه بنحوه أبو داود وأبو يعلى مرفوعًا وموقوفًا عن أبي هريرة.\nقوله: (لقول النبي - ﷺ -:. . .) إلخ، سبقه إلى الاستدلال بها الإمام أحمد؛ لأنه - ﷺ - ذكر بقاء الخير في نواصي الخيل إلى يوم القيامة، وفسَّره بالأجر والمغنم، والمغنم المقترن بالأجر إنما يكون من الخيل بالجهاد، ولم يقيِّد ذلك بما إذا كان الإمام عادلًا فدل على أن لا فرق في حصول هذا الفضل بين أن يكون الغزو مع الإمام العادل أو الجائر، انتهى (^١).\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٢): ودلالة الرواية على الترجمة من حيث إن الجهاد لما كان ماضيًا إلى يوم القيامة، ومن المعلوم أن الناس إلى يوم القيامة ليس جميعهم بارًا، فلم يكن مضي الجهاد إلى يوم القيامة إلا وهو جائز مع البر والفاجر، انتهى.\n\n(٤٥ -<span data-type='title' id=toc-2030> باب من احتبس فرسًا في سبيل الله. . .) إلخ</span>\nالغرض من الترجمة بيان فضله كما في \"الفتح\" (^٣) وغيره، ويستنبط من الحديث جواز وقف المنقولات، وتقدم الكلام عليه فقهًا في محله.\n\n(٤٦ -<span data-type='title' id=toc-2031> باب اسم الفرس والحمار)</span>\nأي: مشروعية تسميتهما، وكذا غيرهما من الدواب بأسماء تخصها غير أسماء أجناسها، وقد اعتنى من ألَّف في السيرة النبوية لسرد أسماء ما ورد في الأخبار من خيله - ﷺ -، وغير ذلك من دوابه، وفي الأحاديث الواردة في هذا الباب ما يقوي قول من ذكر أنساب بعض الخيول العربية الأصلية؛ لأن الأسماء توضع للتمييز بين أفراد الجنس، انتهى\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٥٦).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٧/ ٢٢٩ - ٢٣٠).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٦/ ٥٧).","vol":"4","page":239},{"text":"من \"الفتح\" (^١).\nقلت: وترجم الإمام أبو داود في \"السنن\" \"باب في الرجل يسمي دابته\" وكتب عليه شيخنا في \"البذل\" (^٢): عقد هذا الباب إشارة إلى مشروعية تسمية الدواب من الحمار والفرس، انتهى.\nوفي تقرير الوالد قُدِّس سرُّه: لئلا يتوهم أنه من رسوم الجاهلية، انتهى.\n\n(٤٧ -<span data-type='title' id=toc-2032> باب ما يذكر من شؤم الفرس)</span>\nأي: هل هو على عمومه، أو مخصوص ببعض الخيل؟ وهل هو على ظاهره، أو مؤول؟ وقد أشار بإيراد حديث سهل بعد حديث ابن عمر إلى أن الحصر الذي في حديث ابن عمر ليس على ظاهره، وبترجمة الباب الذي بعده وهي: \"الخيل لثلاثة\" إلى أن الشؤم مخصوص ببعض الخيل دون بعض، وكل ذلك من لطيف نظره ودقيق فكره، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\nثم اختلفت الروايات في إثبات الشؤم ونفيه، وكذا اختلفوا في وجوه الجمع بينهما، وترجم الإمام البخاري في \"كتاب النكاح\": \"باب ما يتقى من شؤم المرأة\".\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه هناك في \"اللامع\" (^٤): أشار بذلك إلى توجيه الجمع بين روايتي إثبات الشؤم للمرأة ونفيه عنها بأن الشؤم المنفي هو الشؤم بمعنى النحوسة، والمثبت هو بمعنى الإضرار والمخالفة والعداوة ظاهرة كانت أو باطنة، انتهى.\nوفي هامشه: بسط الكلام على الحديث في \"الأوجز\" (^٥) وفيه: قال\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٥٨).\n(^٢) \"بذل المجهود\" (٩/ ١٣٤).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٦/ ٦٠).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٧/ ٢٦٦ - ٢٦٧).\n(^٥) \"أوجز المسالك\" (١٧/ ٣٢٠ - ٣٢٤).","vol":"4","page":240},{"text":"الحافظ (^١): مال مالك وابن قتيبة وغيرهما إلى ظاهره، وقال آخرون: المراد على شرط وجوده كما ورد في الروايات، قال الحافظ: وقع في رواية الباب في \"البخاري\" عن ابن عمر بلفظ: \"إن كان في شيء\" وهكذا في الروايات الأخر التي ذكرت في \"الأوجز\"، وهذه الروايات تقتضي عدم الجزم بذلك، قال الطحاوي (^٢): ففي هذه الروايات: \"إن تكن في شيء\" أي: لو كانت تكون في شيء لكانت في هؤلاء، فإذا لم تكن في هؤلاء الثلاث فليست في شيء، قال الحافظ (^٣): وقال آخرون: يحمل الشؤم على قلة الموافقة وسوء الطباع، انتهى.\nقلت: وأوجه الأقوال عندي في ذلك ما أفاده الشيخ الكَنكَوهي قُدِّس سرُّه في \"الكوكب الدري\" (^٤) إذ قال: وأصح التأويلات فيه أن الشؤم يراد به معنيان: النحوسة المطلقة، والثاني: اشتماله على ما يكرهه الطبيعة، ويجتذب منه المشاق، وكونه سببًا لما يتنفر منه الطبيعة، فحيث نفى الشؤم أصلًا، أو قال: لو كان الشؤم لكان في هذه الثلاثة، فالمراد هو المعنى الأول، وحيث أثبته أراد الثاني، انتهى.\nوفي مكتوبات (^٥) الشيخ المجدد السرهندي قُدِّس سرُّه: أن النحوسة كانت في الأيام قبل بعثته - ﷺ -، فلما بعث النبي - ﷺ - رحمة للعالمين صارت كلها سواء، لا نحوسة فيها، ولا شؤم، انتهى من هامش \"فيض الباري\" (^٦).\n\n(٤٨ -<span data-type='title' id=toc-2033> باب الخيل لثلاثة)</span>\nقال الحافظ (^٧): هكذا اقتصر على صدر الحديث، وأحال بتفسيره على ما ورد فيه، وقد فهم بعض الشرَّاح منه الحصر فقال: اتخاذ الخيل لا يخرج\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٦١).\n(^٢) \"شرح معاني الآثار\" (٢/ ٣٨١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٦/ ٦٢).\n(^٤) \"الكوكب الدري\" (٣/ ٤١٨ - ٤١٩).\n(^٥) (١/ ٢٥٦ - ٢٧٨).\n(^٦) \"فيض الباري\" (٤/ ١٧٧).\n(^٧) \"فتح الباري\" (٦/ ٦٤).","vol":"4","page":241},{"text":"عن أن يكون مطلوبًا أو مباحًا أو ممنوعًا، فيدخل في المطلوب الواجب والمندوب، ويدخل في الممنوع المكروه والحرام بحسب اختلاف المقاصد، واعترض بعضهم بأن المباح لم يذكر في الحديث وقال: والسر فيه أنه - ﷺ - غالبًا إنما يعتني بذكر ما فيه حض أو منع، وأما المباح الصرف فيسكت عنه لما عرف أن سكوته عنه عفو، انتهى.\nويحتمل عندي في وجه الغرض من الترجمة أنه الإشارة إلى نفي ما سبق من شؤم الفرس من حيث الحصر الوارد في الحديث، فإنه لم يتعرض فيه إلى الشؤم فافهم، وهذا ما عندي، وأما عند الحافظ فقد تقدم في الباب السابق من أن المؤلف أشار بهذه الترجمة إلى أن الشؤم مخصوص ببعض الخيول.\n\n(٤٩ -<span data-type='title' id=toc-2034> باب من ضرب دابة غيره في الغزو)</span>\nأي: إعانة له ورفقًا به، قاله الحافظ (^١).\n\n(٥٠ -<span data-type='title' id=toc-2035> باب الركوب على دابة صعبة)</span>\nقال الحافظ: \"الصعبة\" بسكون العين، أي: الشديدة، و\"الفحولة\" بالفاء والمهملة جمع فحل، والتاء فيه لتأكيد الجمع، وأخذ المصنف ركوب الصعبة من ركوب الفحل؛ لأنه في الغالب أصعب ممارسة من الأنثى، وأخذ كونه فحلًا من ذكره بضمير المذكر، وقال ابن المنيِّر: هو استدلال ضعيف؛ لأن العود يصح على اللفظ، ولفظ الفرس مذكر وإن كان يقع على المؤنث وعكسه الجماعة، فيجوز إعادة الضمير على اللفظ وعلى المعنى، إلى آخر ما في \"الفتح\" (^٢).\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): دلالة الرواية على هذا المعنى من حيث\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٦٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ٦٦).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٧/ ٢٣٢).","vol":"4","page":242},{"text":"إن الدابة الصعبة كما تخل بالسير وقطع المسافة، فكذلك القطوف البطيء المشي، فلما جاز الركوب عليه جاز على صعبة أيضًا، والاستدلال على ركوب الفحولة من حيث إطلاق اللفظة أو تذكيرها، انتهى.\nقلت: ظاهر كلام الشيخ أنه حمل الترجمة على بيان الجواز، وعليه حمل العلَّامة العيني (^١).\nوالأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن غرض الإمام البخاري ترغيب الركوب على الدابة الصعبة والفحولة كما يدل عليه أثر راشد بن سعد: \"كان السلف يستحبون الفحولة\" ودلالة الرواية عليه بما صار حال فرس أبي طلحة بعد ركوبه - ﷺ - حتى قال: \"وجدناه لبحرًا\"، وبهذا اللفظ استدل البخاري على الترجمة، ووجه أفضلية الركوب على الدابة الصعبة أنه دليل على مهارة الراكب بالركوب وتدربه على الفروسية البالغة، ولأجل ذلك كان عمر - ﵁ - يأمر بقطع الركب، وإليه أشار البخاري كما سيأتي قريبًا بـ \"باب ركوب الفرس العري\"، انتهى من هامش \"اللامع\" (^٢).\n\n(٥١ -<span data-type='title' id=toc-2036> باب سهام الفرس. . .) إلخ</span>\nأي: ما يستحقه الفارس من الغنيمة بسبب فرسه، قاله الحافظ (^٣).\nوالمسألة خلافية شهيرة، فعند الإمام أبي حنيفة للفرس سهم، وعند الأئمة الثلاثة وصاحبي أبي حنيفة للفرس سهمان، وأما قوله: \"يسهم للخيل والبراذين\" فأيضًا مسألة خلافية بسطت في \"الأوجز\" (^٤)، فبقول مالك المذكور قال الشافعي والحنفية من أن سهم الخيل والبراذين سواء، وعن أحمد في ذلك ثلاث روايات: إحداها: موافقة للجمهور، والثانية: أن للبرذون سهمًا واحدًا، قال الخلّال: تواترت الروايات عن أبي عبد الله في سهام البرذون أنه واحد، والثالثة: أن البراذين إن أدركت إدراك العراب،\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٠/ ١٨١).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٧/ ٢٣٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٦/ ٦٧).\n(^٤) \"أوجز المسالك\" (٩/ ٢٥٠ - ٢٦٦).","vol":"4","page":243},{"text":"أسهم لها مثل الفرس العربي، وإلا فلا، وههنا مسألة ثالثة وهي ما قاله: لا يسهم لأكثر من فرس، بسط الكلام على ذلك في \"الأوجز\".\nقال الحافظ: قوله: \"لا يسهم لأكثر. . .\" إلخ، هو بقية كلام مالك، وهو قول الجمهور، وقال الليث وأبو يوسف وأحمد وإسحاق: يسهم لفرسين لا لأكثر، انتهى.\nوفي \"الأوجز\" (^١): وبقول مالك قال أبو حنيفة والشافعي ومحمد وأهل الظاهر، وذلك لأنه إنما يسهم لفرس يركبه فارس، وأما فرس لا يركبه فلا منفعة فيه، وهذا الفارس لا يمكن أن يقاتل على اثنين منهما في وقت واحد، فوجب أن لا يسهم إلا لفرس واحد، كذا في \"المنتقى\" (^٢)، انتهى مختصرًا.\n\n(٥٢ -<span data-type='title' id=toc-2037> باب من قاد دابة غيره في الحرب)</span>\nأي: إعانة للغازي فالمقصود بيان فضله كما تقدم نظيره من \"باب من ضرب دابة غيره\" ولك أن تقول: إنه أشار بذلك إلى أن النهي عن الجلب لا يتناول هذا.\n\n(٥٣ -<span data-type='title' id=toc-2038> باب الركاب والغرز للدابة)</span>\nقيل: الركاب يكون من الحديد والخشب، والغرز لا يكون إلا من الجلد، وقيل: هما مترادفان، أو الغرز للجمل، والركاب للفرس، وحديث الباب ظاهر فيما ترجم له من الغرز، وأما الركاب فألحقه به لأنه في معناه، قال ابن بطال (^٣): كأنه أشار إلى أن ما جاء عن عمر أنه قال: \"اقطعوا الركب وثبوا على الخيل وثبًا\" ليس على منع اتخاذ الركب أصلًا، وإنما أراد تدريبهم على ركوب الخيل، انتهى (^٤).\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (٩/ ٢٥٨).\n(^٢) \"المنتقى\" (٣/ ١٩٦).\n(^٣) (٥/ ٧٠).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٦/ ٦٩ - ٧٠).","vol":"4","page":244},{"text":"(٥٤ -<span data-type='title' id=toc-2039> باب ركوب الفرس العري)</span>\nبضم المهملة وسكون الراء، أي: ليس عليه سرج ولا أداة، ولا يقال في الآدميين إنما يقال عريان، ثم قال الحافظ: وفي الحديث ما كان عليه النبي - ﷺ - من التواضع والفروسية البالغة، فإن الركوب المذكور لا يفعله إلا من أحكم الركوب وأدمن على الفروسية، وفيه أيضًا ما يشير إلى أنه ينبغي للفارس أن يتعاهد للفروسية، ويروض طباعه عليها، لئلا يفجأه شدة فيكون قد استعد لها، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(٥٥ -<span data-type='title' id=toc-2040> باب الفرس القطوف)</span>\nيمكن عندي أن يقال: إن الغرض الكلي لمثل هذه التراجم العديدة إثبات ركوبه - ﷺ - على تلك الأنواع من الخيول فتكون هذه التراجم من الأصل الرابع عشر.\nقال العلَّامة العيني: القطوف: بفتح القاف وضم الطاء المهملة، وهو من الدواب: المقارب الخطو، وقيل: الضيق المشي، يقال: قطفت الدابة تقطف قطافًا وقطوفًا بالضم، إذا أبطأت السير مع تقارب الخطو، وقال الثعالبي: إن مشى وثبًا فهو قطوف، وإن كان يرفع يديه ويقوم على رجليه فهو سبوت، وإن التوى براكبه فهو قموص، وإن منع ظهره فهو شموس، انتهى من \"العيني\" (^٢).\n\n(٥٦ -<span data-type='title' id=toc-2041> باب السبق بين الخيل)</span>\nأي: مشروعية ذلك، والسبق بفتح المهملة وسكون الموحدة وهو المراد هنا، وبالتحريك الرهن الذي يوضع بذلك، قاله الحافظ (^٣).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٧٠).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٠/ ١٨٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٦/ ٧١).","vol":"4","page":245},{"text":"(٥٧ -<span data-type='title' id=toc-2042> باب إضمار الخيل للسبق)</span>\nإشارة إلى أن السُّنَّة في المسابقة أن يتقدم إضمار الخيل وإن كانت التي لا تضمر لا تمتنع المسابقة عليها، قاله الحافظ (^١).\nوفي \"العيني\" (^٢) أي: بيان إضمار الخيل لأجل السبق، هل هو شرط أم لا؟ والإضمار والتضمير أن يظاهر على الخيل بالعلف حتى يسمن، ثم لا تعلف إلا قوتًا لتخف، وقيل: يشد عليها سروجها وتجلل بالأجلة حتى تعرق تحتها فيذهب رهلها، ويشتد لحمها، فيكون أقوى لجريه، انتهى.\nوقال القسطلاني (^٣): وقد أورد ابن بطال هنا سؤالًا وهو كيف ترجم على إضمار الخيل؟ وذكر أن النبي - ﷺ -: \"سابق بين الخيل التي لم تضمر\"، وأجاب بأنه أشار بطرف من الحديث إلى بقيته لأن تمام الحديث: \"سابق بين الخيل التي أضمرت وبين الخيل التي لم تضمر\"، وتعقبه ابن المنيِّر فقال: إنما كان البخاري يترجم على الشيء من الجهة العامة لما قد يكون ثابتًا ولما قد يكون منفيًا، فمعنى قوله: \"باب إضمار الخيل. . .\" إلخ، هل هو شرط أو لا؟ فبيَّن أنه ليس بشرط، وهذا أقعد لمقاصد البخاري من قول الشارح: إنما ذكر طرفًا من الحديث. . . إلخ؛ لأن لقائل أن يقول: إذا لم يكن بد من الاختصار فذكر الطرف المطابق للترجمة أولى لا سيما والطرف المطابق هو أول الحديث، قال ابن حجر: ولا منافاة بين كلامه وكلام ابن بطال بل أفاد النكتة في الاقتصار، انتهى.\n\n(٥٨ -<span data-type='title' id=toc-2043> باب غاية السبق للخيل المضمّرة)</span>\nقال الحافظ (^٤) ابن حجر: أي: بيان ذلك وبيان غاية التي لم تضمر، ثم قال بعد ذكر الحديث: وفيه مشروعية المسابقة، وأنه ليس من العبث بل\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٧١).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٠/ ١٩٠).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (٦/ ٤٠١ - ٤٠٢).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٦/ ٧١ - ٧٢).","vol":"4","page":246},{"text":"من الرياضة المحمودة الموصلة إلى تحصيل المقاصد في الغزو والانتفاع بها عند الحاجة، وهي دائرة بين الاستحباب والإباحة بحسب الباعث على ذلك.\nقال القرطبي: لا خلاف في جواز المسابقة على الخيل وغيرها من الدواب والأقدام، وكذا الترامي بالسهام واستعمال الأسلحة لما في ذلك من التدريب على الحرب، وفيه جواز إضمار الخيل، ولا يخفى اختصاص استحبابها بالخيل المعدة للغزو، انتهى مختصرًا.\n\n(٥٩ -<span data-type='title' id=toc-2044> باب ناقة النبي - ﷺ -. . .) إلخ</span>\nوفي بعض النسخ: \"باب ناقة النبي - ﷺ - القصواء والعضباء. . .\" إلخ، قاله العيني (^١).\nوقال الحافظ (^٢): كذا أفرد الناقة في الترجمة إشارة إلى أن العضباء والقصواء واحدة، انتهى.\nوفي \"الفيض\" (^٣): اختلف أهل السِّيَر في أن القصواء والجدعاء والعضباء كانت ثلاث نوق للنبي - ﷺ -، أو كلها أسماء لناقة واحدة، انتهى.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٤) في \"كتاب المغازي\": قوله: \"وهي الجدعاء\" وليست هي بالجدعاء التي هي ناقة رسول الله - ﷺ - المشهورة بالقصواء، انتهى.\nوفي هامشه: المسألة خلافية، وبسطه أشد البسط، وفيه: قال الحافظ (^٥): اختلف هل العضباء هي القصواء أو غيرها؟ فجزم الحربي بالأول وقال: تسمى العضباء والقصواء والجدعاء، وروى ذلك ابن سعد عن\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٠/ ١٩٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ٧٣).\n(^٣) \"فيض الباري\" (٤/ ١٨٢).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٨/ ٣٢٠).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٦/ ٧٤).","vol":"4","page":247},{"text":"الواقدي، وقال غيره بالثاني، وقال: الجدعاء كانت شهباء وكان لا يحمله عند نزول الوحي غيرها، وذكر له عدة نوق غير هذه تتبعها من اعتنى بجمع السيرة، انتهى.\n\n(٦٠ -<span data-type='title' id=toc-2045> باب بغلة النبي - ﷺ -. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^١): قوله: \"قاله أنس\" يشير إلى حديثه الطويل في قصة حنين، وسيأتي موصولًا مع شرحه في \"المغازي\" (^٢) وفيه \"وهو على بغلة بيضاء\"، قوله: \"وقال أبو حميد: أهدى ملك أيلة\" يشير إلى حديثه الطويل في غزوة تبوك، ومما ينبَّه عليه هنا أن البغلة البيضاء التي كان عليها في حنين غير البغلة البيضاء التي أهداها له ملك أيلة؛ لأن ذلك كان في تبوك وغزوة حنين كانت قبلها. . .، إلى آخر ما قال.\n\n(٦١ -<span data-type='title' id=toc-2046> باب جهاد النساء)</span>\nكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٣) أي: ما هو؟ أو المعنى بيان جوازه، ودلالة الروايتين عليه ظاهرة لأن النبي - ﷺ - لم ينكر على السائلة سؤالها، فكان تقريرًا لجوازه لهن، غير أنه مشروط بعدم الفتنة، انتهى.\nوفي هامشه: قال الحافظ (^٤): قال ابن بطال (^٥): دلَّ حديث عائشة على أن الجهاد غير واجب على النساء ولكن ليس في قوله: \"جهادكن الحج\" أنه ليس لهن أن يتطوعن بالجهاد، وإنما لم يكن عليهن واجبًا لما فيه من مغايرة المطلوب منهن من الستر ومجانبة الرجال، فلذلك كان الحج أفضل لهن من الجهاد، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٧٥).\n(^٢) كتاب المغازي، باب (٥٤)، وفيه: \"عن البراء لا عن أنس\".\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٧/ ٢٣٤).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٦/ ٧٦).\n(^٥) (٥/ ٧٥).","vol":"4","page":248},{"text":"قال الحافظ: وقد لمَّح البخاري بذلك في إيراده الترجمة مجملة وتعقيبها بالتراجم المصرَّحة بخروج النساء إلى الجهاد، انتهى.\n\n(٦٢ -<span data-type='title' id=toc-2047> باب غزوة المرأة في البحر)</span>\nتقدم في كلام الحافظ آنفًا ما هو الغرض عنده، وعندي: أن الإمام البخاري أشار بذلك إلى الاختلاف فيه، والمعروف عن الإمام مالك المنع مطلقًا للمرأة، بسط الكلام عليه في \"الأوجز\" (^١)، وفيه: وفي الحديث جواز ركوب البحر الملح للغزو، وكان عمر يمنع منه، ثم أذن فيه عثمان، ثم منع منه عمر بن عبد العزيز، ثم أذن فيه من بعده، واستقر الأمر عليه، ونقل عن عمر أنه إنما منع عن ركوبه لغير الحج والعمرة، ونقل ابن عبد البر أنه يحرم ركوبه عند ارتجاجه اتفاقًا، وكره مالك ركوب النساء البحر لما يخشى من اطلاعهن على عورات الرجال فيه، إذ يتعسر الاحتراز من ذلك، وخص أصحابه ذلك بالسفن الصغار، وأما الكبار التي يمكنهن فيها من الاستتار بأماكن تخصهن فلا حرج فيه.\nوفي \"التمهيد\" (^٢) لابن عبد البر: كان مالك يكره للمرأة الحج في البحر فهو للجهاد أكره، انتهى من هامش \"اللامع\" (^٣).\nثم لا يخفى عليك ما في \"الأوجز\" (^٤) في ذيل شرح حديث الباب عن ابن عبد البر (^٥): واحتج بذلك قوم، وقالوا: شهيد البر أفضل، وقال آخرون: شهيد البحر أفضل، والغزو في البحر أفضل، واحتجوا بحديث منقطع عن النبي - ﷺ - قال: \"من لم يدرك الغزو معي فليغز في البحر، فإن غزاة في البحر أفضل من غزوتين في البر، وإن شهيد البحر له أجر شهيدي البر، وإن أفضل الشهداء عند الله يوم القيامة أصحاب الوكوف، قالوا:\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (٩/ ٤٠٣).\n(^٢) \"التمهيد\" (١/ ٢٣٣).\n(^٣) \"هامش اللامع\" (٧/ ٢٣٥).\n(^٤) \"أوجز المسالك\" (٩/ ٤٠٦).\n(^٥) \"التمهيد\" (١/ ٢٣٥ - ٢٤٠).","vol":"4","page":249},{"text":"يا رسول الله! وما أصحاب الوكوف؟ قال: قوم تكفأ بهم مراكبهم في سبيل الله\". وعن عبد الله بن عمرو أنه قال: غزوة في البحر أفضل من عشر غزوات في البر، انتهى من \"الأوجز\".\n(فائدة): وأول من ركب البحر للغزاة معاوية، وذلك في خلافة عثمان، كما في \"الفتح\" (^١).\n\n(٦٣ -<span data-type='title' id=toc-2048> باب حمل الرجل امرأته في الغزو دون بعض نسائه)</span>\nقال العيني (^٢): أراد أنه لما غزا أخذ معه من نسائه واحدة منهن، ولكن بعد القرعة بينهن، كما صرَّح به في حديث الباب، انتهى.\n\n(٦٤ -<span data-type='title' id=toc-2049> باب غزو النساء وقتالهن مع الرجال)</span>\nقال الحافظ (^٣) بعد ذكر عدة روايات: ولم أر في شيء من ذلك التصريح بأنهن قاتلن، ولأجل ذلك قال ابن المنيِّر (^٤): بوَّب على قتالهن وليس هو في الحديث، فإما أن يريد أن إعانتهن للغزاة غزو، وإما أن يريد أنهن ما ثبتن لسقي الجرحى ونحو ذلك إلا وهن بصدد أن يدافعن عن أنفسهن، وهو الغالب، انتهى.\nقال الحافظ (^٥): وقد وقع عند مسلم عن أنس \"أن أم سليم اتخذت خنجرًا يوم حنين فقالت: اتخذته إن دنا مني أحد من المشركين بقرت به بطنه\" ويحتمل أن يكون غرض البخاري بالترجمة أن يبيِّن أنهن لا يقاتل وإن خرجن في الغزو، فالتقدير بقوله: \"وقتالهن مع الرجال\" أي: هل هو سائغ؟ أو إذا خرجن مع الرجال في الغزو يقتصرن على ما ذكر من مداواة الجرحى ونحو ذلك، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٧٧).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٠/ ١٩٨).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٦/ ٧٨).\n(^٤) \"المتواري\" (ص ١٦١).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٦/ ٧٨).","vol":"4","page":250},{"text":"(٦٥ -<span data-type='title' id=toc-2050> باب حمل النساء القرب إلى الناس. . .) إلخ</span>\nأي: مشروعية ذلك، والقرب بكسر القاف جمع قربة، قاله العيني (^١).\n\n(٦٦ -<span data-type='title' id=toc-2051> باب مداواة النساء الجرحى)</span>\nمن الرجال وغيرهم، جمع جريح، قال الحافظ (^٢): وفي الحديث جواز معالجة المرأة الأجنبية الرجل الأجنبي للضرورة، قال ابن بطال (^٣): ويختص ذلك بذوات المحارم ثم بالمتجالات منهن؛ لأن موضع الجرح لا يلتذ بلمسه بل يقشعر منه الجلد، فإن دعت الضرورة لغير المتجالات فليكن بغير مباشرة ولا مس، ويدل على ذلك اتفاقهم على أن المرأة إذا ماتت ولم توجد امرأة تغسلها أن الرجل لا يباشر غسلها بالمس بل يغسلها من وراء حائل، في قول بعضهم كالزهري وإسحاق، وعند سعيد بن المسيب ومالك والكوفيين وأحمد: تيمم بالصعيد، وهو أصح الأوجه عند الشافعية، وقال الأوزاعي: تدفن كما هي ولا تيمم، وقيل: الفرق بين حال المداواة وتغسيل الميت أن الغسل عبادة والدواء ضرورة، والضرورات تبيح المحظورات، انتهى بزيادة من \"العيني\" (^٤).\n\n(٦٧ -<span data-type='title' id=toc-2052> باب ردّ النساء الجرحى والقتلى)</span>\nكذا في رواية الأكثرين، وفي رواية الكشميهني: \"إلى المدينة\" بعد قوله: القتلى، وقال ابن التِّين: كانوا يوم أُحد يجمعون الرجلين والثلاثة من الشهداء على دابة وتردهن النساء إلى موضع قبورهم، انتهى من \"العيني\" (^٥).\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٠/ ٢٠١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ٨٠).\n(^٣) (٥/ ٨٠).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٠/ ٢٠٣).\n(^٥) \"عمدة القاري\" (١٠/ ٢٠٣).","vol":"4","page":251},{"text":"(٦٨ -<span data-type='title' id=toc-2053> باب نزع السهم من البدن)</span>\nأي: مشروعية نزع السهم من بدن المصاب، قاله العيني (^١).\nوقال الحافظ: قال المهلب (^٢): فيه جواز نزع السهم من البدن وإن كان في غبه الموت، وليس ذلك من الإلقاء إلى التهلكة إذا كان يرجو الانتفاع بذلك، قال: ومثله البط والكي وغير ذلك من الأمور التي يتداوى بها، وقال ابن المنيِّر: لعله ترجم بهذا لئلا يتخيل أن الشهيد لا ينزع منه السهم بل يبقى فيه، كما أمر بدفنه بدمائه حتى يبعث كذلك، فبيَّن بهذه الترجمة أن هذا مما شرع، انتهى.\nوالذي قاله المهلب أولى؛ لأن حديث الباب يتعلق بمن أصابه ذلك وهو في الحياة بعد، والذي أبداه ابن المنيِّر يتعلق بنزعه بعد الوفاة، انتهى كله من \"الفتح\" (^٣).\n\n(٦٩ -<span data-type='title' id=toc-2054> باب الحراسة في الغزو في سبيل الله - ﷿ </span>-)\nأي: بيان ما فيها من الفضل، وفي الحديث: الأخذ بالحذر والاحتراس من العدو، وأن على الناس أن يحرسوا سلطانهم خشية القتل، وإنما عانى النبي - ﷺ - ذلك مع قوة توكله للاستنان به في ذلك، وقد ظاهر بين درعين مع أنهم كانوا إذا اشتد البأس كان أمام الكل، وأيضًا فالتوكل لا ينافي تعاطي الأسباب؛ لأن التوكل عمل القلب وهي عمل البدن، انتهى.\nثم قال الحافظ (^٤): قال ابن بطال (^٥): نسخ ذلك بحديث عائشة عند الترمذي (^٦): كان النبي - ﷺ - يحرس حتى نزلت هذه الآية ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٠/ ٢٠٣).\n(^٢) انظر: \"شرح ابن بطال\" (٥/ ٨١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٦/ ٨١).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٦/ ٨٢).\n(^٥) (٥/ ٨٢).\n(^٦) \"سنن الترمذي\" (ح: ٣٠٤٦).","vol":"4","page":252},{"text":"النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]، قال القرطبي (^١): ليس في الآية ما ينافي الحراسة كما أن إعلام الله بنصر دينه وإظهاره ما يمنع الأمر بالقتال وإعداد العُدَد، وعلى هذا فالمراد العصمة من الفتنة والإضلال أو إزهاق الروح، والله أعلم، انتهى.\n\n(٧٠ -<span data-type='title' id=toc-2055> باب فضل الخدمة في الغزو)</span>\nأي: سواء كانت من صغير لكبير أو عكسه أو مع المساواة، وأحاديث الباب الثلاثة يؤخذ منها حكم هذه الأقسام، ثم قال بعد الحديث الأول: وهذا الحديث من الأحاديث التي أوردها المصنف في غير مظنتها، وأليق المواضع بها المناقب، وكذا قال بعد الحديث الثالث، وزاد: لكونه لم يذكره في الصيام واقتصر على إيراده هنا، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\nوقال القسطلاني (^٣) بعد الحديث الأول وحكاية قول الحافظ: وفيه - أي: في كلام الحافظ - إشعار بأنه لا مطابقة بين الحديث والترجمة، لكن قال العيني (^٤): إن المطابقة تؤخذ مما زاده مسلم (^٥) وهو قوله: \"في سفر\" لشموله الغزو وغيره، انتهى.\nقلت: لكن صرَّح الحافظ بحصول المطابقة كما تقدم.\nوقال القسطلاني أيضًا بعد الحديث الثالث: ولم تظهر لي المطابقة بين الترجمة والحديث، نعم يحتمل أن تكون مما زاده مسلم حيث قال: \"في سفر\" الشامل لسفر الغزو وغيره مع قوله: \"فبعثوا الركاب وامتهنوا وعالجوا\" المفسر بالخدمة، انتهى.\n_________\n(^١) \"المفهم\" (٦/ ٢٨٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ٨٤).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (٦/ ٤١٩ - ٤٢١).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٠/ ٢٠٩).\n(^٥) \"صحيح مسلم\" (ح: ٢٥١٣).","vol":"4","page":253},{"text":"(٧١ -<span data-type='title' id=toc-2056> باب فضل من حمل متاع صاحبه في السفر)</span>\nقال الحافظ (^١): ذكر فيه حديث أبي هريرة، وهو ظاهر فيما ترجم له؛ لأنه يتناول حالة السفر من هذا الإطلاق بطريق الأولى، قال ابن بطال (^٢) في شرح الحديث: وإذا أجر من فعل ذلك بدابة غيره فإذا حمل غيره على دابة نفسه احتسابًا كان أعظم أجرًا، انتهى.\n\n(٧٢ -<span data-type='title' id=toc-2057> باب فضل رباط يوم في سبيل الله)</span>\nالرباط بكسر الراء: ملازمة المكان الذي بين المسلمين والكفار لحراسة المسلمين منهم، قال ابن التِّين: بشرط أن يكون غير الوطن، قاله ابن حبيب عن مالك، انتهى.\nقلت: وفيه نظر في إطلاقه فقد يكون وطنه وينوي بالإقامة فيه دفع العدو، ومن ثم اختار كثير من السلف سكنى الثغور، فبين المرابطة والحراسه عموم وخصوص وجهي، واستدلال المصنف بالآية اختيار لأشهر التفاسير، فعن الحسن البصري وقتادة: ﴿اصْبِرُوا﴾ على طاعة الله ﴿وَصَابِرُوا﴾ أعداء الله في الجهاد ﴿وَرَابِطُوا﴾ [آل عمران: ٢٠٠] في سبيل الله، وعن محمد بن كعب القرظي: صابروا لانتظار الوعد ورابطوا العدو، إلى أن قال الحافظ: وفي \"الموطأ\" عن أبي هريرة مرفوعًا: \"وانتظار الصلاة فذلكم الرباط\"، وفي \"المستدرك\" عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن الآية نزلت في ذلك، واحتج بأنه لم يكن في زمن رسول الله غزو فيه رباط، انتهى.\nقال الحافظ: وحمل الآية على الأول أظهر، وأما التقييد باليوم في الترجمة وإطلاقه في الآية فكأنه أشار إلى أن مطلقها يقيّد بالحديث، فإنه يشعر بأن أقل الرباط يوم لسياقه في مقام المبالغة، وذكره مع موضع سوط يشير إلى ذلك أيضًا، انتهى كله من \"الفتح\" (^٣).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٨٥).\n(^٢) (٥/ ٨٦).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٦/ ٨٥ - ٨٦).","vol":"4","page":254},{"text":"(٧٣ -<span data-type='title' id=toc-2058> باب من غزا بصبي للخدمة)</span>\nيشير إلى أن الصبي لا يخاطب بالجهاد ولكن يجوز الخروج به بطريق التبعية، قاله الحافظ (^١).\nوالوجه عند هذا العبد الضعيف: أنه أراد إثبات الجواز لدفع توهم ما ورد في حق بعض الصبيان من الصحابة لما عرضوا للخروج إلى الغزو ردهم النبي - ﷺ -، منهم ابن عمر، وزيد بن ثابت، وأسامة بن زيد، وغيرهم - ﵃ -، ووجه الدفع أن عرضهم إنما كان للقتال لا للخدمة.\n\n(٧٤ -<span data-type='title' id=toc-2059> باب ركوب البحر)</span>\nقال الحافظ (^٢): كذا أطلق الترجمة، وخصوص إيراده في أبواب الجهاد يشير إلى تخصيصه بالغزو، وقد اختلف السلف في جواز ركوبه، وفي حديث زهير بن عبد الله يرفعه: \"من ركب البحر إذا ارتج فقد برئت منه الذمة\"، وفي رواية: \"فلا يلومن إلا نفسه\" أخرجه أبو عبيد في \"غريب الحديث\" وفيه تقييد المنع بالارتجاج، ومفهومه الجواز عند عدمه، وهو المشهور من أقوال العلماء، فإذا غلبت السلامة فالبر والبحر سواء، ومنهم من فرَّق بين الرجل والمرأة وهو عن مالك، فمنعه للمرأة مطلقًا، وهذا الحديث حجة للجمهور، انتهى.\nوتقدمت المذاهب في \"باب غزوة المرأة في البحر\".\n\n(٧٥ -<span data-type='title' id=toc-2060> باب من استعان بالضعفاء والصالحين في الحرب)</span>\nأي: ببركتهم ودعائهم، ذكر فيه طرفًا من الحديث الطويل تقدم موصولًا في بدء الوحي (^٣)، والغرض منه قوله في الضعفاء \"وهم أتباع\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٨٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ٨٨).\n(^٣) \"صحيح البخاري\" (ح ٧).","vol":"4","page":255},{"text":"الرسل\"، وطريق الاحتجاج به حكاية ابن عباس ذلك وتقريره له، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(٧٦ -<span data-type='title' id=toc-2061> باب لا يقال: فلان شهيد. . .) إلخ</span>\nأي: على سبيل القطع بذلك إلا إن كان بالوحي، وكأنه أشار إلى حديث عمر أنه خطب فقال: تقولون في مغازيكم: فلان شهيد ومات فلان شهيدًا، ولعله قد يكون قد أوقر راحلته، ألا لا تقولوا ذلكم، ولكن قولوا كما قال رسول الله - ﷺ -: \"من مات في سبيل الله أو قتل فهو شهيد\" وهو حديث أخرجه أحمد وسعيد بن منصور وغيرهما.\nوقال الحافظ أيضًا في حديث سهل بن سعد في قصة الذي بالغ في القتال: ووجه أخذ الترجمة منه أنهم شهدوا برجحانه في أمر الجهاد، فلو كان قتل لم يمتنع أن يشهدوا له بالشهادة، وقد ظهر منه أنه لم يقاتل لله وإنما قاتل غضبًا لقومه، فلا يطلق على كل مقتول في الجهاد أنه شهيد لاحتمال أن يكون مثل هذا، وإن كان مع ذلك يعطى حكم الشهداء في الأحكام الظاهرة، ولذلك أطبق السلف على تسمية المقتولين في بدر وأُحد وغيرهما شهداء، والمراد بذلك الحكم الظاهر المبني على الظن الغالب، والله أعلم.\nوقد يتعجب من المهلب حيث قال: إن حديث الباب ضد ما ترجم به البخاري لأنه قال: \"لا يقال فلان شهيد\" والحديث فيه ضد الشهادة، وكأنه لم يتأمل مراد البخاري، وهو ظاهر كما قررته بحمد الله تعالى، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\n\n(٧٧ -<span data-type='title' id=toc-2062> باب التحريض على الرمي. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٣): قوله: \"وقول الله - ﷿ -\" لمح بما جاء في تفسير القوة\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٨٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ٩١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٦/ ٩١).","vol":"4","page":256},{"text":"في هذه الآية أنها الرمي، وهو عند مسلم من حديث عقبة بن عامر، ولفظه: \"سمعت رسول الله - ﷺ - يقول وهو على المنبر: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] ألا إن القوة الرمي ثلاثًا\"، انتهى.\n\n(٧٨ -<span data-type='title' id=toc-2063> باب اللهو بالحراب ونحوها)</span>\nوفي \"الفيض\" (^١): المراد به اللهو للتعليم، انتهى.\nوقال العيني (^٢): أي: مشروعية اللهو بالحراب، بكسر الحاء: جمع الحربة، وقوله: \"ونحوها\" أي: نحو الحراب من آلات الحرب كالسيف والقوس والنبل، انتهى.\nقال الحافظ (^٣): وكأنه يشير بقوله: \"ونحوها\" إلى ما روى أبو داود والنسائي (^٤) من حديث عقبة بن عامر مرفوعًا: \"ليس من اللهو - أي: مشروع أو مطلوب - إلا تأديب الرجل فرسه وملاعبته أهله ورميه بقوسه ونبله\"، انتهى.\nوقال القسطلاني (^٥): قال الحافظ ابن حجر وتبعه العيني (^٦): لم يقع في هذه الرواية ذكر الحرب، فكأنه أشار إلى ما ورد في بعض طرقه كما تقدم بيانه في \"باب أصحاب الحراب في المسجد\" (^٧) من \"كتاب الصلاة\"، انتهى.\nومراده حديث عائشة قالت: \"رأيت النبي - ﷺ - والحبشة يلعبون بحرابهم\"، قال القسطلاني: وهذا عجيب، فقد ثبت ذكر ذلك في حديث هذا الباب في غير ما نسخة، انتهى.\n_________\n(^١) \"فيض الباري\" (٤/ ١٩١).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٠/ ٢٢٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٦/ ٩٣).\n(^٤) \"سنن أبي داود\" (ح: ٢٥١٥)، \"سنن النسائي\" (ح: ٣٥٧٨).\n(^٥) \"إرشاد الساري\" (٦/ ٤٣٤).\n(^٦) \"عمدة القاري\" (١٠/ ٢٢ - ٢٢٣).\n(^٧) انظر: \"صحيح البخاري\" (ح: ٤٥٤).","vol":"4","page":257},{"text":"(٧٩ -<span data-type='title' id=toc-2064><span data-type='title' id=toc-2065> باب </span>المِجَنِّ ومن تترس بتُرْسِ صاحبه)</span>\nالمجن بكسر الميم وفتح الجيم وتثقيل النون، أي: الدرقة، وفي \"الفيض\" (^١): المجن من الجلد، والترس من الحديد، انتهى.\nقال ابن المنيِّر: وجه هذه التراجم دفع من يتخيل أن اتخاذ هذه الآلات ينافي التوكل، والحق أن الحذر لا يرد القدر، ولكن يضيق مسالك الوسوسة لما طبع عليه البشر، قوله: \"ومن تترس\" أي: فلا بأس به، وقال أيضًا بعد آخر حديث الباب: ودخول هذا الحديث هنا غير ظاهر لأنه لا يوافق واحدًا من ركني الترجمة، وقد أثبت ابن شبويه في روايته قبله لفظ \"باب\" بغير ترجمة، وله مناسبة بالترجمة التي قبله من جهة أن الرامي لا يستغني عن شيء يقي به عن نفسه سهام من يراميه، انتهى كله من \"الفتح\" (^٢).\n\n(٨٠ - باب)\nبغير ترجمة، هكذا في النسخة الهندية، أي: موافقًا لرواية ابن شبويه، وتقدم ما يتعلق به من كلام الحافظ في الباب السابق.\n\n(٨١ -<span data-type='title' id=toc-2066> باب الدّرق)</span>\nأي: جواز اتخاذ ذلك أو مشروعيته، والدرق جمع درقة، وهي الحجفة، ويقال: هو الترس الذي يتخذ من الجلود، انتهى.\nوتقدم في أبواب العيدين (^٣) \"باب الحراب والدرق\" وذكر هنا هذا الحديث بعينه، ثم يشكل ههنا تكرار الترجمة بما تقدم من باب المجن، فإنهم فسروا المجن بالدرقة، فإما أن يقال بالفرق بين المجن والدرقة، كما قيل، أو يقال: إن المقصود من السابقة هو الجزء الثاني من الترجمة أعني\n_________\n(^١) \"فيض الباري\" (٤/ ١٩٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ٩٤).\n(^٣) كتاب العيدين، باب (٢)، (ح: ٩٤٩).","vol":"4","page":258},{"text":"\"ومن تترس بترس صاحبه\" (^١).\n\n(٨٢ -<span data-type='title' id=toc-2067> باب الحمائل وتعليق السيف بالعنق)</span>\nالحمائل بالمهملة جمع حميلة وهي ما يقلد به السيف، قاله الحافظ.\nوقال العيني (^٢): هي جمع حمالة بالكسر، علاقة مثل السيف المحمل، هذا قول الخليل، وقال الأصمعي: حمائل السيف لا واحد لها من لفظها، وإنما واحدها: محمل، وقال بعضهم: جمع حميلة.\nقلت: هذا ليس بصحيح، والحميلة ما حمله السيل من الغثاء، انتهى.\nوالغرض من الحديث هنا قوله: \"وفي عنقه السيف\" فدل على جواز ذلك، قال ابن المنيِّر: مقصود المصنف من هذه التراجم أن يبين زي السلف في آلة الحرب وما سبق استعماله في زمن النبي - ﷺ - ليكون أطيب للنفس وأنفى للبدعة، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\nوقلت: وعلى هذا تكون الترجمة من الأصل الرابع عشر.\n\n(٨٣ -<span data-type='title' id=toc-2068> باب ما جاء في حلية السيوف)</span>\nأي: من الجواز وعدمه، والحلية والحلي اسم لكل ما يتزين به من مصاغ الذهب والفضة، وتطلق الحلية على الصفة أيضًا، انتهى من \"العيني\" (^٤).\nوقال القسطلاني (^٥) بعد ذكر الحديث: ولا يلزم من كون حلية سيوفهم ما ذكر عدم جواز غيره فيجوز للرجل تحلية السيف وغيره من آلات الحرب بالفضة كالرمح وأطراف السهام والدرع وغيرها لأنه يغيظ الكفار، وقد كان للصحابة - ﵃ - غنية عن ذلك لشدتهم في أنفسهم وقوتهم في إيمانهم،\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٩٥)، و\"عمدة القاري\" (١٠/ ٢٢٧).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٠/ ٢٢٨).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٦/ ٩٥).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٠/ ٢٢٩).\n(^٥) \"إرشاد الساري\" (٦/ ٤٤١ - ٤٤٢).","vol":"4","page":259},{"text":"ولا يجوز تحلية شيء مما ذكر بالذهب قطعًا ويحرم على النساء تحلية آلات الحرب بالفضة والذهب جميعًا لأن في استعمالهن ذلك تشبهًا بالرجال، كذا قاله الجمهور فيما حكاه في \"الروضة\" وصوَّبه، انتهى مختصرًا.\nقلت: وما ذكره القسطلاني من مذهب الجمهور هو مذهب الحنفية، كما في \"الدر المختار\" (^١) وهكذا قال الموفق، ثم قال الموفق (^٢): وما عدا ذلك من الذهب فقد روي عن أحمد الرخصة فيه في السيف، وروي عنه رواية أخرى تدل على تحريم ذلك، انتهى.\nوبسط الكلام في هامش \"اللامع\" (^٣) فارجع إليه.\n\n(٨٤ -<span data-type='title' id=toc-2069> باب من علّق سيفه بالشجر في السفر. . .) إلخ</span>\nقال العيني (^٤): \"القائلة\" الظهيرة، وقد يكون بمعنى النوم في الظهيرة، وفائدة هذه الترجمة بيان شجاعة النبي - ﷺ - وحسن توكله بالله وصدق يقينه وإظهار معجزته وبيان عفوه وصفحه عمن يقصده بسوء، انتهى.\n\n(٨٥ -<span data-type='title' id=toc-2070> باب لبس البيضة)</span>\nبفتح وهو ما يلبس في الرأس من آلات السلاح.\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه (^٥): يعني بذلك: جوازه بدفع ما يتوهم أنه ينافي التوكل، انتهى.\n\n(٨٦ -<span data-type='title' id=toc-2071> باب من لم ير كسر السلاح عند الموت)</span>\nكأنه يشير إلى رد ما كان عليه أهل الجاهلية من كسر السلاح وعقر الدواب إذا مات الرئيس فيهم، وربما كان يعهد بذلك لهم، ولعل المصنف\n_________\n(^١) \"رد المحتار\" (٩/ ٤٩٢).\n(^٢) \"المغني\" (١٢/ ٥٢٣).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٧/ ٢٤٠).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٠/ ٢٣٠).\n(^٥) \"لامع الدراري\" (٧/ ٢٤٠).","vol":"4","page":260},{"text":"لمح بذلك إلى من نقل عنه أنه كسر رمحه عند الاصطدام حتى لا يغنمه العدو أن لو قتل وكسر جفن سيفه وضرب بسيفه حتى قتل كما جاء نحو ذلك عن جعفر بن أبي طالب في غزوة مؤتة، فأشار إلى أن هذا شيء فعله جعفر وغيره عن اجتهاد، والأصل عدم جواز إتلاف المال؛ لأنه يفعل شيئًا محققًا في أمر غير محقق، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوترجم الإمام أبو داود في \"السنن\" (^٢): \"باب في الدابة تُعَرْقَبُ في الحرب\" وذكر فيه فعل جعفر بن أبي طالب المذكور في كلام الحافظ المتقدم.\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٣): \"باب من لم ير. . .\" إلخ، أي: يتوقف جوازه على تضمنه فائدةً وإلا كان إسرافًا منهيًا عنه، انتهى.\nقال الحافظ (^٤): زعم الكرماني (^٥) أن مناسبة الحديث بالترجمة أنه - ﷺ - مات وعليه دين ولم يبع فيه شيئًا من سلاحه ولو كان رهن درعه، وعلى هذا فالمراد بكسر السلاح بيعه، ولا يخفى بعده، انتهى.\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٦): قوله: \"إلا سلاحه. . .\" إلخ، فإنه لم يكسر سلاحه لأنه لم يتضمن فائدة، ولا كذلك إذا تضمن كسره منفعة معتدة كمن خاف وقوعه في أيدي العدو أو من يخاف عنه على نفسه أو غيره؛ كصبي أو مجنون أو كان فيه تهمة أو لوث كما كان في فتنة الهند، انتهى.\nوقال القسطلاني (^٧): وفي إبقاء السلاح كما قال ابن المنيِّر عنوان للمسلم على إبقاء ذكره واستنماء أعماله الحسنة التي سنَّها للناس وعادته\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٩٧).\n(^٢) \"سنن أبي داود\" (ح: ٢٥٦٦).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٧/ ٢٤١).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٦/ ٩٧).\n(^٥) \"الكرماني\" (١٢/ ١٧٢).\n(^٦) \"لامع الدراري\" (٧/ ٢٤١ - ٢٤٢).\n(^٧) \"إرشاد الساري\" (٦/ ٤٤٤).","vol":"4","page":261},{"text":"الجميلة التي حمل عليها العباد بخلاف أهل الجاهلية ففي فعلهم ذلك إشارة إلى انقطاع أعمالهم وذهاب آثارهم، انتهى.\nقلت: ومطابقة الحديث للترجمة على ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه من غرض الترجمة أوفق مما قاله الشرَّاح.\n\n(٨٧ -<span data-type='title' id=toc-2072> باب تفرق الناس عن الإمام. . .) إلخ</span>\nحديث الباب ظاهر فيما ترجم له، قال القرطبي (^١): هذا يدل على أنه - ﷺ - كان في هذا الوقت لا يحرسه أحد من الناس، بخلاف ما كان عليه في أول الأمر فإنه كان يحرس حتى نزل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧].\nقال الحافظ: لكن قد قيل: إن هذه القصة سبب نزول قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] كما في رواية ابن أبي شيبة، فيحتمل إن كان محفوظًا أن يقال: كان مخيرًا في اتخاذ الحرس فتركه مرة لقوة يقينه، فلما وقعت هذه القصة ونزلت هذه الآية ترك ذلك، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\nقلت: لم يتعرض الحافظ ولا غيره لغرض الترجمة، والأوجه عندي: أنه أشار بهذه الترجمة إلى الجواز لدفع ما يتوهم من رواية أبي داود \"إن تفرقكم في الشعاب والأودية من الشيطان\" فقد أخرج الإمام أبو داود (^٣) في \"باب ما يؤمر من انضمام العسكر\" عن أبي ثعلبة الخُشَني قال: كان الناس إذا نزلوا منزلًا - قال عمرو: كان الناس إذا نزل رسول الله - ﷺ - منزلًا - تفرقوا في الشعاب والأودية، فقال رسول الله - ﷺ -: \"إن تفرقكم في هذه الشعاب والأودية إنما ذلكم من الشيطان\" فلم ينزل بعد ذلك منزلًا إلا انضم بعضهم إلى بعض حتى يقال: لو بسط عليهم ثوب لعمهم، فحينئذ وقع\n_________\n(^١) \"المفهم\" (٢/ ٤٧٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ٩٨).\n(^٣) \"سنن أبي داود\" (ح: ٢٦٢٨).","vol":"4","page":262},{"text":"التعارض بين ترجمتي الإمام البخاري وأبي داود، وكذا بين الروايتين، فيمكن أن يجاب عنه: بأن المنع عن التفرق إنما هو عند ابتداء النزول لمصالح تقتضيه؛ كأن يكون جميع العسكر بمرأى من الإمام ليراقبهم ويشاورهم ونحو ذلك من الفوائد، وأما جواز التفرق فالمراد به التفرق بعد النزول مجتمعًا في وقت آخر لقيلولة وغيرها من الحاجات، ولعل الإمام البخاري أشار إليه بقوله في الترجمة: \"عند القائلة والاستظلال بالشجر\"، والله تعالى أعلم.\n\n(٨٨ -<span data-type='title' id=toc-2073> باب ما قيل في الرماح. . .) إلخ</span>\nأي: في اتخاذها واستعمالها من الفضل، انتهى (^١).\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٢): \"باب ما قيل في الرماح\" إن أراد بذلك جواز اتخاذه فهو ظاهر الاستنباط بالرواية، وإن قصد غير ذلك فكما قال المحشي، انتهى.\nقلت: وهذا الباب هو أيضًا عندي من الأصل الرابع عشر، كما تقدم قريبًا.\n\n(٨٩ -<span data-type='title' id=toc-2074> باب ما قيل في درع النبي - ﷺ </span>-)\nأي: من أي شيء كانت؟ وقوله: \"والقميص في الحرب\" أي: حكمه وحكم لبسه، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٤): الظاهر أن المراد بذلك إثبات أن النبي - ﷺ - كان له درع وبذلك تنطبق الروايات، وما قال المحشي: إن المقصود بيان أن درعه مم كانت، فلا يدرى وجهه، إذ لا يناسبه الرواية الأولى إلا أن يقال: إثبات أنها كانت من حديد يكفي\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٩٨).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٧/ ٢٤٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٦/ ٩٩).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٧/ ٢٤٢ - ٢٤٣).","vol":"4","page":263},{"text":"ولو في رواية، ثم تحمل بقية الروايات عليه وإن لم تذكر فيها مم كانت، انتهى.\nوفي هامشه: هذا - أي: إثبات الدرع له - هو المتعين بملاحظة الروايات، وما قال المحشي في بيان المقصود لا يوافقه الروايات، انتهى.\n\n(٩٠ -<span data-type='title' id=toc-2075> باب الجبّة في السفر والحرب)</span>\nقال العيني (^١): أي بيان لبس الجبة في السفر والحرب، يعني: في الغزاة، وهو من عطف الخاص على العام، وقال بعد ذكر الحديث: مطابقته للترجمة في قوله: \"وعليه جبة شامية\" وكان في السفر وكان في غزاة، انتهى.\n\n(٩١ -<span data-type='title' id=toc-2076> باب الحرير في الحرب)</span>\nأي: جواز لبسه، قاله القسطلاني (^٢)، وقال الحافظ (^٣): وقد ترجم في اللباس (^٤) \"ما يرخص للرجال من الحرير للحكة\" ولم يقيِّده بالحرب فزعم بعضهم أن الحرب في الترجمة بالجيم وفتح الراء، وليس كما زعم لأنها لا يبقى لها في أبواب الجهاد مناسبة، ويلزم منه إعادة الترجمة في اللباس، إذ الحكة والجرب متقاربان، وجعل الطبري جوازه في الغزو مستنبطًا من جوازه للحكة فقال: دلَّت الرخصة في لبسه بسبب الحكة أن من قصد بلبسه ما هو أعظم من أذى الحكة كدفع سلاح العدو ونحو ذلك فإنه يجوز، وقد تبع الترمذي البخاري فترجم له \"باب ما جاء في لبس الحرير في الحرب\" ثم المشهور عن القائلين بالجواز أنه لا يختص بالسفر، وعن بعض يختص.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٠/ ٢٣٨).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٦/ ٤٥١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٦/ ١٠١).\n(^٤) كتاب اللباس، باب (٢٩).","vol":"4","page":264},{"text":"وقد اختلف السلف في لباسه، فمنع مالك وأبو حنيفة مطلقًا، وقال الشافعي وأبو يوسف بالجواز للضرورة، وحكى ابن حبيب عن ابن الماجشون أنه يستحب في الحرب، وقال المهلب: لباسه في الحرب لإرهاب العدو وهو مثل الرخصة في الاختيال في الحرب، انتهى.\nوفي \"الفيض\" (^١): اعلم أن الثوب إذا كانت لحمته وسداه حريرًا، فهو حرام مطلقًا، وإن كان سداه حريرًا فقط فهو حلال مطلقًا، وإن كانت لحمته حريرًا فقط، فهو جائز في الحرب، دون غيره، وأما مسألة التداوي، فهي مسألة أخرى، انتهى.\nوفي \"الهداية\" (^٢): ولا بأس بلبس الحرير والديباج في الحرب عندهما، لما روى الشعبي - ﵀ - أنه - ﵇ - رخَّص في لبس الحرير والديباج في الحرب؛ ولأن فيه ضرورة، فإن الخالص منه أدفع لمعرّة السلاح، وأهيب في عين العدو لبريقه، ويكره عند أبي حنيفة؛ لأنه لا فصل فيما روينا، والضرورة اندفعت بالمخلوط، وهو الذي لحمته حرير، وسداه غير ذلك، وما رواه محمول على المخلوط، انتهى.\nوقال العلَّامة العيني (^٣): قال ابن العربي: اختلف العلماء في لباسه على عشرة أقوال، ثم ذكرها.\n\n(٩٢ -<span data-type='title' id=toc-2077> باب ما يذكر في السكين)</span>\nأي: من جواز استعماله، فإن قلت: روى أبو داود النهي عن قطع اللحم بالسكين. قلت: هو منكر، وقيل: إنما يكره قطع الخبز بالسكين، قاله العيني (^٤).\n_________\n(^١) \"فيض الباري\" (٤/ ١٩٦).\n(^٢) \"الهداية\" (٧/ ١٨١).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٠/ ٢٤٠).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٠/ ٢٤٢).","vol":"4","page":265},{"text":"(٩٣ -<span data-type='title' id=toc-2078> باب ما قيل في قتال الروم)</span>\nقال الحافظ (^١): أي: من الفضل، واختلف في الروم فالأكثر أنهم من ولد عيص بن إسحاق بن إبراهيم، واسم جدهم قيل: روماني، وقيل: هو ابن ليطا بن يونان بن يافث بن نوح، انتهى.\nقال العيني (^٢): مطابقة حديث الباب للترجمة في قوله: \"يغزون البحر\" لأن المراد من غزو البحر هو قتال الروم الساكنين من وراء البحر الملح، انتهى.\nوترجم الإمام أبو داود \"باب فضل قتال الروم على غيرهم من الأمم\" وأخرج فيه عن ثابت بن قيس بن شماس قصة امرأة جاءت إلى النبي - ﷺ - يقال لها أم خلّاد تسأل عن ابنها وهو مقتول، وفيه: فقال رسول الله - ﷺ -: \"ابنك له أجر شهيدين\" قالت: ولم ذاك يا رسول الله؟ قال: \"لأنه قتله أهل الكتاب\" الحديث، وفي هامش \"البذل\" (^٣): استدل بحديث الباب ابن قدامة (^٤) على أن قتال أهل الكتاب أفضل من قتال غيرهم، انتهى.\nوفي \"الفيض\" (^٥): أراد بيان الأقوام التي قاتلهم النبي - ﷺ -، انتهى.\nقلت: وفيه ما فيه كما لا يخفى، قال المهلب (^٦): في هذا الحديث منقبة لمعاوية - ﵁ - لأنه أول من غزا البحر، ومنقبة لولده يزيد لأنه أول من غزا مدينة قيصر، وتعقبه ابن التِّين وابن المنيِّر بما حاصله: أنه لا يلزم من دخوله في ذلك العموم أن لا يخرج بدليل خاص إذ لا يختلف أهل العلم أن قوله - ﷺ -: \"مغفور لهم\" مشروط بأن يكونوا\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ١٠٢).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٠/ ٢٤٣).\n(^٣) \"بذل المجهود\" (٩/ ٢٧).\n(^٤) \"المغني\" (١٣/ ١٣).\n(^٥) \"فيض الباري\" (٤/ ١٩٧).\n(^٦) انظر: \"شرح ابن بطال\" (٥/ ١٠٧).","vol":"4","page":266},{"text":"من أهل المغفرة حتى لو ارتد واحد ممن غزاها بعد ذلك لم يدخل في ذلك العموم اتفاقًا، انتهى.\nوههنا بحث لعن يزيد هل يجوز أم لا؟ بسط الكلام عليه في هامش \"اللامع\" (^١) أشد البسط فارجع إليه لو شئت.\n\n(٩٤ -<span data-type='title' id=toc-2079> باب قتال اليهود)</span>\nذكر فيه حديثي ابن عمر وأبي هريرة في ذلك، وهو إخبار بما يقع في مستقبل الزمان، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\n\n(٩٥ -<span data-type='title' id=toc-2080> باب قتال الترك)</span>\nقال العيني (^٣): أي: قتال المسلمين مع الترك الذي هو من أشراط الساعة، انتهى.\nوقال الحافظ (^٤): اختلف في أصل الترك، فقال الخطابي (^٥): هم بنو قنطوراء أمة كانت لإبراهيم - ﵇ -، وقال كراع: هم الديلم، وقال أبو عمر بن عبد البر: وهم من أولاد يافث وهم أجناس كثيرة، وقال وهب بن منبه: هم بنو عم يأجوج ومأجوج، لما بنى ذو القرنين السَّدَّ كان بعض يأجوج ومأجوج غائبين فتركوا لم يدخلوا مع قومهم فسموا الترك، إلى آخر ما قال.\nوقال العيني (^٦) في شرح قوله: \"ينتعلون نعال الشعر\": قال بعضهم - أي: الحافظ -: هذا الحديث والذي بعده ظاهر في أن الذين ينتعلون نعال\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٧/ ٢٤٤ - ٢٤٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ١٠٣).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٠/ ٢٤٥).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٦/ ١٠٤).\n(^٥) \"الأعلام\" (٣/ ١٤٠٥).\n(^٦) \"عمدة القاري\" (١٠/ ٢٤٦).","vol":"4","page":267},{"text":"الشعر غير الترك، وتعقب عليه العيني وقال في آخره: ومع هذا لا تبقى مطابقة بين الحديث والترجمة أصلًا، انتهى.\n\n(٩٦ -<span data-type='title' id=toc-2081> باب قتال الذين ينتعلون الشَّعر)</span>\nوهم غير الترك على ما اختاره الحافظ (^١) كما تقدم، وأما على رأي العلَّامة العيني (^٢) والقسطلاني (^٣) فهم من الترك، فحينئذ تتكرر الترجمة، واجتهد العيني في دفع هذا التكرار إذ قال: وهم أيضًا من الترك، كما ذكرنا، لكن لما روى الحديث المذكور في الباب السابق عن أبي هريرة - ﵁ - من وجه آخر، عقد له هذه الترجمة؛ لأن لفظ أبي هريرة في الحديث الماضي: \"لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قومًا نعالهم الشعر\" وقع في آخر الحديث، وهو في هذا الحديث وقع في صدره، انتهى.\nوهذا كما ترى لا يجدي شيئًا، والأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن الإمام البخاري ترجم به مستقلًا إشارة إلى الاختلاف في مصداقهم كما تقدم بعض الخلاف فيه، وقيل: هم قوم من الخوارج، كما في \"أشراط الساعة\"، والله أعلم.\n\n(٩٧ -<span data-type='title' id=toc-2082> باب من صفّ أصحابه عند الهزيمة. . .) إلخ</span>\nأي: صفَّ من ثبت معه بعد هزيمة من انهزم، ذكر فيه حديث البراء في قصة حنين، وهو ظاهر فيما ترجم له، ووقع في آخره \"ثم صف أصحابه وذلك بعد أن نزل واستنصر\" والمراد بقوله: \"واستنصر\" أي: استنصر الله بعد أن رمى الكفار بالتراب، انتهى من \"الفتح\" (^٤).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ١٠٤).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٠/ ٢٤٨).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (٦/ ٤٥٧).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٦/ ١٠٥).","vol":"4","page":268},{"text":"(٩٨ -<span data-type='title' id=toc-2083> باب الدعاء على المشركين بالهزيمة والزلزلة)</span>\nذكر المصنف فيه خمسة أحاديث، ومطابقتها للترجمة ظاهرة إلا الحديث الأخير منها، وفيه: \"فلم تسمعي ما قلت: وعليكم\"، قال الحافظ (^١): وكأنه أشار إلى ما ورد في بعض طرقه \"يستجاب لنا فيهم ولا يستجاب لهم فينا\"، ففيه مشروعية الدعاء على المشركين ولو خشي الداعي أنهم يدعون عليه، انتهى.\n\n(٩٩ -<span data-type='title' id=toc-2084> باب هل يرشد المسلم أهل الكتاب</span>. . .؟)\nقال الحافظ (^٢): المراد بالكتاب الأول التوراة والإنجيل، وبالكتاب الثاني ما هو أعم [منهما] ومن القرآن وغير ذلك، انتهى.\nوقال القسطلاني (^٣): قوله: \"هل يرشد المسلم\" أي: إلى طريق الهدى ويعرفهم بمحاسن الإسلام ليرجعوا إليه، \"أو يعلمهم الكتاب؟ \" أي: القرآن رجاء أن يرغبوا في دين الإسلام، انتهى.\nفاختار القسطلاني أن المراد بالكتاب الثاني القرآن على خلاف ما قال الحافظ، وتعقب العلَّامة العيني (^٤) أيضًا على تفسير الحافظ.\nوالأوجه عندي: ما اختاره العيني والقسطلاني، وأورد فيه طرفًا من حديث ابن عباس في شأن هرقل، وإرشادهم منه ظاهر، وأما تعليمهم الكتاب فكأنه استنبطه من كونه كتب إليهم بعض القرآن بالعربية، وكأنه سلَّطهم على تعليمه إذ لا يقرؤونه حتى يترجم لهم حتى يعرف المترجم كيفية استخراجه، وهذه المسألة مما اختلف فيه السلف، فمنع مالك من تعليم الكافر القرآن، ورخَّص الإمام أبو حنيفة، واختلف قول الشافعي، والذي يظهر أن الراجح التفصيل بين من يرجى منه الرغبة في\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ١٠٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ١٠٧).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (٦/ ٤٦٤).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٠/ ٢٥٥).","vol":"4","page":269},{"text":"الدين والدخول فيه مع الأمن منه أن يتسلط بذلك إلى الطعن فيه، وبين من يتحقق أن ذلك لا ينجع (^١) فيه أو يظن أنه يتوصل بذلك إلى الطعن في الدين، انتهى (^٢).\n\n(١٠٠ -<span data-type='title' id=toc-2085> باب الدعاء للمشركين بالهدى. . .) إلخ</span>\nحديث الباب ظاهر فيما ترجم له، وقوله: \"ليتألفهم\" من تفقه المصنف إشارة منه إلى الفرق بين المقامين، وأنه - ﷺ - كان تارة يدعو عليهم وتارة يدعو لهم، فالحالة الأولى حيث تشتد شوكتهم ويكثر أذاهم كما تقدم في الأحاديث التي قبل هذا بباب، والحالة الثانية حيث تؤمن غائلتهم ويرجى تألفهم كما في قصة دوس، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\nقال القسطلاني (^٤) في شرح الحديث: \"اللَّهم اهد دوسًا\" إلى الإسلام \"وأت بهم\" مسلمين وهذا من كمال خلقه العظيم ورحمته ورأفته بأمته، جزاه الله عنا أفضل ما جزى نبيًا عن أمته وصلى عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وأما دعاؤه ﵊ على بعضهم فذلك حيث لا يرجو ويخشى ضررهم وشوكتهم، انتهى.\n\n(١٠١ -<span data-type='title' id=toc-2086> باب دعوة اليهود والنصارى، وعلى ما يقاتلون. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٥): أي: إلى الإسلام، وقوله: \"وعلى ما يقاتلون\" إشارة إلى ما ذكر في الباب الذي بعده عن علي حيث قال: \"نقاتلهم حتى يكونوا مثلنا\" وفيه أمره - ﷺ - له بالنزول بساحتهم، ثم دعائهم إلى الإسلام ثم القتال،\n_________\n(^١) كذا في \"إرشاد الساري\"، وفي \"الفتح\": \"لا ينجح\".\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (٦/ ١٠٧)، و\"إرشاد الساري\" (٦/ ٤٦٤ - ٤٦٥).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٦/ ١٠٨).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (٦/ ٤٦٥).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٦/ ١٠٨).","vol":"4","page":270},{"text":"ووجه أخذه من حديثي الباب أنه - ﷺ - كتب إلى الروم يدعوهم إلى الإسلام قبل أن يتوجه إلى مقاتلتهم.\nوقوله: (والدعوة قبل القتال) كأنه يشير إلى حديث ابن عون في إغارة النبي - ﷺ - على بني المصطلق على غرة، وهو متخرج عنده في \"كتاب الفتن\"، انتهى.\nوقال العيني (^١) بعد الحديث الأول: للترجمة أربعة أجزاء، الجزء الأول: هو قوله: \"دعوة اليهودي والنصراني\"، ووجه المطابقة فيه أنه - ﷺ - دعا هرقل إلى الإسلام، وهو على دين النصارى، واليهودي ملحق به، والجزء الثاني: هو قوله: \"على ما يقاتلون عليه\" ووجه المطابقة فيه أنه - ﷺ - أشار في كتابه أن مراده أن يكونوا مثلنا، وإلا يقاتلون عليه، كما في حديث علي الآتي بعد هذا الباب، فقال: \"نقاتلهم حتى يكونوا مثلنا\"، والجزء الثالث: هو قوله: \"وما كتب إلى كسرى وقيصر\" وهذا ظاهر، والجزء الرابع: هو قوله: \"قبل القتال\" فإنه - ﷺ - دعاهم إلى الإيمان بالله وتصديق رسوله ولم يكن بينه وبينهم قبل ذلك قتال، فافهم، فإنه فتح لي من الفيض الإلهي، ولم يسبقني إلى ذلك أحد.\nوقال أيضًا قبل ذلك: وهذا أوجه وأقرب إلى القبول من قول بعضهم في بيان المطابقة في بعض المواضع بين الحديث والترجمة أنه أشار بهذا إلى حديث خرَّجه فلان ولم يذكره في كتابه، انتهى.\nقال الحافظ (^٢): قوله: \"والدعوة قبل القتال\" هي مسألة خلافية: فذهب طائفة منهم عمر بن عبد العزيز إلى اشتراط الدعاء إلى الإسلام قبل القتال، وذهب الأكثر إلى أن ذلك كان في بدء الأمر، قبل انتشار دعوة الإسلام، فإن وجد من لم تبلغه الدعوة لم يقاتل حتى يدعى، نص عليه\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٠/ ٢٥٧ - ٢٥٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ١٠٨).","vol":"4","page":271},{"text":"الشافعي، وقال مالك: من قربت داره قتل بغير دعوة لاشتهار الإسلام، ومن بعدت داره فالدعوة أقطع للشك، انتهى.\nوقال الخرقي: يقاتل أهل الكتاب والمجوس، ولا يدعون لأن الدعوة قد بلغتهم، ويُدعى عبدةُ الأوثان قبل أن يُحاربوا، قال الموفق (^١): أما قوله في أهل الكتاب والمجوس فهو على عمومه؛ لأن الدعوة قد انتشرت وعمّت، فلم يبق منهم من لم تبلغه إلا نادر بعيد، وأما قوله في عبدة الأوثان فليس بعام، فمن بلغه الدعوة منهم لا يدعون، وإن وجد منهم من لم تبلغه الدعوة دعي قبل القتال، وكذلك إن وجد من أهل الكتاب، انتهى.\nومذهب الحنفية في ذلك كالجمهور كما في \"الهداية\" (^٢) وغيره: ويستحب لمن بلغته الدعوة مبالغة في الإنذار، ولا يجب.\nوبسط الكلام في هامش \"اللامع\" (^٣) فارجع إليه.\nوقال الحافظ (^٤) في فوائد الحديث: وفيه الدعاء إلى الإسلام بالكلام والكتابة، وأن الكتابة تقوم مقام النطق، انتهى.\n\n(١٠٢ -<span data-type='title' id=toc-2087> باب دعاء النبي - ﷺ - إلى الإسلام والنبوة. . .) إلخ</span>\nأي: الاعتراف بها، \"وقوله تعالى\" بالجر عطفًا على السابق، قاله القسطلاني (^٥).\nقال الحافظ (^٦): أورد فيه أحاديث: أحدها: حديث ابن عباس في كتاب النبي - ﷺ - إلى قيصر، وفيه حديث عن أبي سفيان وقد تقدم بطوله\n_________\n(^١) \"المغني\" (١٣/ ٢٩).\n(^٢) \"الهداية\" (٤/ ٢٢٣).\n(^٣) \"هامش اللامع\" (٧/ ٢٤٩ - ٢٥١).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٦/ ١٠٩).\n(^٥) \"إرشاد الساري\" (٦/ ٤٦٧).\n(^٦) \"فتح الباري\" (٦/ ١١٢).","vol":"4","page":272},{"text":"في بدء الوحي (^١) وهو ظاهر فيما ترجم له، وأما قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ﴾ [آل عمران: ٧٩] فالمراد من الآية الإنكار على من قال: ﴿كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ومثلها قوله تعالى: ﴿يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦] وقوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا﴾ [التوبة: ٣١].\nوثانيها: حديث سهل بن سعد في إعطاء علي الراية يوم خيبر، والغرض منه قوله: \"ثم ادعهم إلى الإسلام\".\nثالثها: حديث أنس في ترك الإغارة على من سمع منهم الأذان، وهو دالٌّ على جواز قتال من بلغته الدعوة بغير دعوة، وغير ذلك من الفوائد.\nرابعها: حديث أبي هريرة \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا. . .\" إلخ، وهو ظاهر فيما ترجم له أولًا حيث قال: \"وعلى ما يقاتلون عليه؟ \"، انتهى.\nقلت: وأنت خبير بأن هذه الترجمة جزء للباب السابق، لا لهذا الباب كما أقر به الحافظ فتأمل.\n\n(١٠٣ -<span data-type='title' id=toc-2088> باب من أراد غزوة فَوَرَّى بغيرها. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٢): أما الجملة الأولى فمعنى \"ورى\" ستر، وتستعمل في إظهار شيء مع إرادة غيره، وأصله من الوري بفتح ثم سكون وهو ما يجعل وراء الإنسان؛ لأن من ورّى بشيء كأنه جعله وراءه، وقيل: هو في الحرب أخذ العدو على غرة، وأما الخروج يوم الخميس فلعل سببه ما روي من قوله - ﷺ -: \"بورك لأمتي في بكورها يوم الخميس\" وهو حديث ضعيف أخرجه الطبراني من حديث نبيط بن شريط بفتح المعجمة.\n_________\n(^١) انظر: \"صحيح البخاري\" (ح ٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ١١٣).","vol":"4","page":273},{"text":"ثم أورد المصنف أطرافًا من حديث كعب بن مالك الطويل في قصة غزوة تبوك (^١) ظاهرة فيما ترجم له، انتهى.\nوفي \"الفيض\" (^٢): قوله: \"باب من أراد غزوة. . .\" إلخ، وكانت عامّة عادات النبي - ﷺ - التورية في الغزوات، لكونها أنفع في الحروب، إلا في تبوك، فإنه جلّى للناس أمرهم ليتأهبوا، انتهى.\n\n(١٠٤ -<span data-type='title' id=toc-2089> باب الخروج بعد الظهر)</span>\nذكر فيه حديث أنس - ﵁ - وكأنه أورده إشارة إلى أن قوله - ﷺ -: \"بورك لأمتي في بكورها\" لا يمنع جواز التصرف في غير وقت البكور، وإنما خص البكور بالبركة لكونه وقت النشاط، وحديث \"بورك لأمتي. . .\" إلخ، أخرجه أصحاب السنن، وصححه ابن حبان من حديث صخر الغامدي، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\n\n(١٠٥ -<span data-type='title' id=toc-2090> باب الخروج آخر الشهر)</span>\nأي: ردًا على من كره ذلك من طريق الطيرة، وقد نقل ابن بطال أن أهل الجاهلية كانوا يتحرون أوائل الشهور للأعمال، ويكرهون التصرف في محاق القمر، انتهى من \"الفتح\" (^٤).\nوفي \"الفيض\" (^٥): يشير إلى ضعف ما نقل عن علي أن أواخر الشهر منحوسة، وفسَّر بعضهم قوله تعالى: ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ [القمر: ١٩] بأواخر الأيام، ونبَّه على أنه ليس بشيء، انتهى.\n_________\n(^١) انظر: \"صحيح البخاري\" (ح ٤٤١٨).\n(^٢) \"فيض الباري\" (٤/ ٢٠٣، ٢٠٤).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٦/ ١١٤).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٦/ ١١٤).\n(^٥) \"فيض الباري\" (٤/ ٢٠٥).","vol":"4","page":274},{"text":"(١٠٦ -<span data-type='title' id=toc-2091> باب الخروج في رمضان)</span>\nقال الحافظ (^١): أراد به رفع وهم من يتوهم كراهة ذلك، انتهى.\nأي: السفر في رمضان.\n\n(١٠٧ -<span data-type='title' id=toc-2092> باب التَّودِيْع عند السفر)</span>\nأعم من أن يكون من المسافر للمقيم أو عكسه، وحديث الباب ظاهر للأول، ويؤخذ الثاني منه بطريق الأولى، وهو الأكثر في الوقوع، انتهى من \"الفتح\" (^٢) و\"العيني\" (^٣).\n\n(١٠٨ -<span data-type='title' id=toc-2093> باب السمع والطاعة للإمام. . .) إلخ</span>\nأي: وجوب السمع والطاعة للإمام، ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرة (^٤).\n\n(١٠٩ -<span data-type='title' id=toc-2094> باب يُقَاتل من وراء الإمام ويتقى به)</span>\nيقاتل بفتح المثناة، ولم يزد البخاري على لفظ الحديث، والمراد به المقاتلة للدفع عن الإمام، سواء كان ذلك من خلفه حقيقة أو قدامه، ووراء يطلق على المعنيين، انتهى من \"الفتح\" (^٥).\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٦): قوله: \"وإنما الإمام جنة\" التشبيه في مجرد المقاتلة معه لا القتال دونه، انتهى.\nقلت: وما أفاده الشيخ واضح، يعني: ليس التشبيه بالجنة بأن يكون الإمام مقدمًا على القوم والقوم خلفه، كما تقدم في شرح الرجمة من كلام الحافظ.\nقوله: (نحن الآخرون السابقون) هذه الجملة طرف من حديث سبق بيانه في كتاب الجمعة وسبق في الطهارة أن عادته في إيراد هذه النسخة - وهي شعيب عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة - أن يصدر بأول\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ١١٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ١١٥).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٠/ ٢٧٢).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٠/ ٢٧٤).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٦/ ١١٦).\n(^٦) \"لامع الدراري\" (٧/ ٢٥٤).","vol":"4","page":275},{"text":"حديث فيها، ويعطف الباقي عليه لكونه سمعها هكذا، وأن مسلمًا في نسخة معمر عن همام عن أبي هريرة سلك طريقًا نحو هذه، فإنه يقول في أول كل حديث منها: فذكر أحاديث منها وقال رسول الله - ﷺ - كيت وكيت، انتهى من \"الفتح\" (^١). قلت: وهذا التوجيه هو الأوجه عندي من بين التوجيهات الأخر كما تقدم في الطهارة.\n\n(١١٠ -<span data-type='title' id=toc-2095> باب البيعة في الحرب على أن لا يفروا وقال بعضهم: على الموت)</span>\nكأنه أشار إلى أن لا تنافي بين الروايتين لاحتمال أن يكون ذلك في مقامين، أو أحدهما يستلزم الآخر.\nقوله: (لقوله تعالى. . .) إلخ، قال ابن المنيِّر (^٢): أشار البخاري بالاستدلال بالآية إلى أنهم بايعوا على الصبر، ووجه أخذه منها قوله تعالى: ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح: ١٨] والسكينة الطمأنينة في موقف الحرب، فدل ذلك على أنهم أضمروا في قلوبهم أن لا يفروا فأعانهم على ذلك، ثم ذكر الحافظ التعقب على قول ابن المنيِّر هذا، فارجع إليه (^٣).\nقوله: (لا أبايع على هذا أحدًا. . .) إلخ، كتب الشيخ في \"اللامع\" (^٤): لأن احتمال الخطأ لم يكن فيه - ﷺ - دون غيره، فلعلي يتبين لي خطأ الأمير فأتركه ويلزم الموت على خلاف الحق، أو ترك البيعة، والثاني أسهل، انتهى.\nقوله: (فبايعته الثانية) وإنما كرر عليه البيعة لأن الشدة في بيعة الشجعان أهيب للعدو، فإن البطل المقدام في الحروب الشجاع إذا تبايع على أنه لا يفر إلى أن يموت، كان ثباته في البلاء أظهر، وفي ثباته وتوطئة النفس على الهلاك هلاك نفوس الأعداء ما لا يخفى، فكان تكراره مفيدًا، انتهى من \"اللامع\" (^٥). وبسط في هامشه الكلام على هذين القولين.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ١١٦).\n(^٢) \"المتواري\" (ص ١٦٤، ١٦٥).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٦/ ١١٨).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٧/ ٢٥٥).\n(^٥) \"لامع الدراري\" (٧/ ٢٥٦، ٢٥٧).","vol":"4","page":276},{"text":"(١١١ -<span data-type='title' id=toc-2096> باب عزم الإمام على الناس فيما يطيقون)</span>\nالمراد بالعزم: الأمر الجازم الذي لا تردد فيه، والذي يتعلق به الجار والمجرور محذوف تقديره، مثلًا: محله، والمعنى: وجوب طاعة الإمام محله فيما لهم به طاقة، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(١١٢ -<span data-type='title' id=toc-2097> باب كان النبي - ﷺ - إذا لم يقاتل أول النهار. . .) إلخ</span>\nأي: لأن الرياح تهب غالبًا بعد الزوال، فيحصل بها تبريد حدة السلاح والحرب وزيادة في النشاط.\nوأورد فيه حديث عبد الله بن أبي أوفى بمعنى ما ترجم به، لكنه ليس فيه: \"إذا لم يقاتل أول النهار\"، وكأنه أشار بذلك إلى ما ورد في بعض طرقه، فعند المصنف في الجزية (^٢) من حديث النعمان بن مقرن: \"كان إذا لم يقاتل أول النهار انتظر حتى تهب الأرواح، وتحضر الصلوات\"، وفي رواية: \"وينزل النصر\". فيظهر أن فائدة التأخير لكون أوقات الصلاة مظنة إجابة الدعاء، وهبوب الريح قد وقع النصر به في الأحزاب فصار مظنة لذلك، انتهى ملخصًا من \"الفتح\" (^٣).\n\n(١١٣ -<span data-type='title' id=toc-2098> باب استئذان الرجل الإمام. . .) إلخ</span>\nأي: في الرجوع أو التخلف عن الخروج أو نحو ذلك، قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية [النور: ٦٢]. قال ابن التين: هذه الآية احتج بها الحسن على أنه ليس لأحد أن يذهب من العسكر حتى يستأذن الأمير، وهذا عند سائر الفقهاء كان خاصًا بالنبي - ﷺ -، كذا قال، والذي يظهر أن الخصوصية في عموم وجوب الاستئذان، وإلا فلو كان ممن عينه الإمام فطرأ له ما يقتضي التخلف أو الرجوع فإنه يحتاج إلى الاستئذان، انتهى (^٤).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ١١٩).\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (ح ٣١٦٠).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٦/ ١٢٠، ١٢١).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٦/ ١٢١).","vol":"4","page":277},{"text":"(١١٤ -<span data-type='title' id=toc-2099> باب من غزا وهو حديث عهد بعرسه. . .) إلخ</span>\nبكسر العين؛ أي: بزوجته، وبضمها؛ أي: بزمان عرسه، وفي رواية الكشميهني: \"بعرس\"، وهو يؤيد الاحتمال الثاني.\nقوله: (فيه جابر. . .) إلخ، يشير إلى حديثه المذكور في الباب قبله، وأن ذلك في بعض طرقه، وسيأتي في أوائل النكاح بلفظ: \"فقال: ما يعجلك؟ قلت: كنت حديث عهد بعرس. . .\" الحديث، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nقلت: ولم يتعرض الشراح ههنا لغرض الترجمة، وتعرض له الشيخ قُدِّس سره في \"اللامع\" (^٢) إذ قال: يعني بذلك أنه لا ضير فيه إذا لم يكن قلبه مشغولًا به؛ لأن ذلك يخل بالاجتهاد في أمر الجهاد، انتهى.\nويدل عليه الحديث الذي أشار إليه الإمام البخاري إذ فيه: \"فقال: ما يعجلك؟. . .\" إلخ، كما تقدم في كلام الحافظ.\nوقريب منه ما في \"الفيض\" (^٣): إذ قال: قوله: \"باب من غزا. . .\" إلخ، وإنما اهتم به لما روي عن يوشع ﵊ حين خرج في الغزو نادى في الناس: أن لا يصحبه من كان حديث عهد بعرس، وليصحبه من كان فارغ القلب ليست له حاجة إلى البناء وغيره، انتهى.\nقلت: ذكر الشراح هذا الغرض في الباب الآتي، وكلا البابين متقاربان.\n\n(١١٥ -<span data-type='title' id=toc-2100> باب من اختار الغزو بعد البناء)</span>\nقال الحافظ: قوله: \"فيه أبو هريرة. . .\" إلخ، يشير إلى حديثه الآتي في الخمس (^٤) من طريقهما عنه فقال: \"غزا نبيّ من الأنبياء، فقال: لا يتبعني\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ١٢٢).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٧/ ٢٥٩).\n(^٣) \"فيض الباري\" (٤/ ٢١٠).\n(^٤) انظر: \"صحيح البخاري\" (ح: ٣١٢٤).","vol":"4","page":278},{"text":"رجل ملك بضع امرأة [وهو يريد أن يبني بها] ولمَّا يَبْنِ بها. . .\" الحديث. وترجم عليه في النكاح: \"من أحب البناء بعد الغزو\" (^١)، وساق الحديث، والغرض هنا من ذلك أن يتفرغ قلبه للجهاد، ويقبل عليه بنشاط.\nوقال الكرماني (^٢): كأنه اكتفى بالإشارة إلى هذا الحديث؛ لأنه لم يكن على شرطه.\nقال الحافظ: ولم يستحضر أنه أورده موصولًا في مكان آخر كما سيأتي قريبًا، والجواب الصحيح أنه جرى على عادته الغالبة في أنه لا يعيد الحديث الواحد إذا اتحد مخرجه في مكانين بصورته غالبًا، بل يتصرف فيه بالاختصار ونحوه في أحد الموضعين، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\n\n(١١٦ -<span data-type='title' id=toc-2101> باب مبادرة الإمام عند الفزع)</span>\nقال العيني (^٤): أي: مسارعة الإمام بالركوب عند وقوع الفزع، والفزع في الأصل الخوف، فوضع موضع الإغاثة والنصر؛ لأن من شأنه الإغاثة، انتهى.\n\n(١١٧ -<span data-type='title' id=toc-2102> باب السرعة والركض عند الفزع)</span>\nأي: سرعة الإمام والمبادرة إلى الركوب عند وقوع الفزع، والركض ضرب من السير. انتهى من \"العيني\" (^٥)، و\"القسطلاني\" (^٦)\n\n(١١٨ -<span data-type='title' id=toc-2103> باب الخروج في الفزع وحده)</span>\nكذا ثبتت هذه الترجمة بغير حديث، وكأنه أراد أن يكتب فيه حديث أنس المذكور من وجه آخر فاخترم قبل ذلك، قال الكرماني (^٧): ويحتمل أن\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" كتاب النكاح، باب (٥٨)، (ح: ٥١٥٧)، وفيه: \"باب من أحبّ البناء قبل الغزو\".\n(^٢) (١٢/ ٢٠٤).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٦/ ١٢٢).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٠/ ٢٨٦).\n(^٥) \"عمدة القاري\" (١٠/ ٢٨٧).\n(^٦) \"إرشاد الساري\" (٦/ ٤٩٨).\n(^٧) \"شرح الكرماني\" (١٢/ ٢٠٥).","vol":"4","page":279},{"text":"يكون اكتفى بالإشارة إلى الحديث الذي قبله. كذا قال، وفيه بعد: وقد ضم أبو علي ابن شبويه هذه الترجمة إلى التي بعدها فقال: \"باب الخروج في الفزع وحده، والجعائل. . .\" إلى آخره. وليس في أحاديث باب الجعائل مناسبة لذلك أيضًا، إلا أنه يمكن حمله على ما قلت أوَّلًا. انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوأفاد ابن بطال (^٢) غرضًا يتعلق بهذه التراجم الثلاثة، حكاه الحافظ إذ قال: جملة ما في هذه التراجم أن الإمام ينبغي له أن يشح بنفسه لما في ذلك من النظر للمسلمين، إلا أن يكون من أهل الغناء الشديد والثبات البالغ، فيحتمل أن يسوغ له ذلك، وكان في النبي - ﷺ - من ذلك ما ليس في غيره، ولا سيما مع ما علم أن الله يعصمه وينصره، انتهى.\n\n(١١٩ -<span data-type='title' id=toc-2104> باب الجعائل والحملان في السبيل. . .) إلخ</span>\nالجعائل بالجيم جمع جعيلة، وهي: ما يجعله القاعد من الأجرة لمن يغزو عنه. والحملان بضم المهملة وسكون الميم، مصدر كالحمل.\nقال ابن بطال (^٣): إن أخرج الرجل من ماله شيئًا فتطوع به أو أعان الغازي على غزوه بفرس ونحوه فلا نزاع فيه، وإنما اختلفوا فيما إذا آجر نفسه أو فرسه في الغزو؛ فكره ذلك مالك، وكره أن يأخذ جعلًا على أن يتقدم إلى الحصن. وكره أصحاب أبي حنيفة الجعائل إلَّا إن كان بالمسلمين ضعف، وليس في بيت المال شيء، وقالوا: إن أعان بعضهم بعضًا جاز لا على وجه البدل. قال الشافعي: لا يجوز أن يغزو بجُعلٍ يأخذه، وإنما يجوز من السلطان دون غيره.\nوالذي يظهر أن البخاري أشار إلى الخلاف فيما يأخذه الغازي، هل يستحقه بسبب الغزو فلا يتجاوزه إلى غيره، أو يملكه فيتصرف فيه ما شاء؟\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ١٢٣).\n(^٢) (٥/ ١٣٦).\n(^٣) (٥/ ١٣٧).","vol":"4","page":280},{"text":"كما سيأتي بيان ذلك. انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوفي \"الفيض\" (^٢) الجعيلة: الأجرة التي يجعلها القاعد لمن يغزو عنه في الجهاد، ولا ريب في كونه مكروهًا؛ أما أخذ أجرة الجهاد فهو جائز، وإن حبط الأجر. وفي \"الكنز\"؛ وكره الجعل، وهو بمعنى قطعة من المال يضعها الإمام على الناس لتسوية أمر الجهاد، وهو مكروه إذا كانت في بيت المال فسحة، أما إذا لم يكن فيه مال فلا بأس، ولعل المصنف أيضًا نظر إليه، انتهى.\nقوله: (ولكن لا أجد حمولة. . .) إلخ، كتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): ولا بد من فصل بين مرادي الجملتين لئلّا يلزم التكرار، فإما أن يحمل الأول على الوجدان بطريق الملك والثاني بغيره من عارية ونحوها، أو يراد بالأول وجدان الحمولة نفسها وبالثاني وجدان ما يوصل إلى تحصيل الحمولة من الذهب والفضة ونحوهما إلى غير ذلك، انتهى.\nقلت: أجاد الشيخ قدس سره في دفع التكرار ولم يتعرض لذلك الشراح.\n\n(١٢٠ -<span data-type='title' id=toc-2105> باب الأجير. . .) إلخ</span>\nللأجير في الغزو حالان: إما أن يكون استؤجر للخدمة، أو استؤجر ليقاتل.\nأما الأول: قال الأوزاعي وأحمد وإسحاق: لا يسهم له. وقال الأكثر: يسهم له؛ لحديث سلمة: \"كنت أجيرًا لطلحة أسوس فرسه\"، أخرجه مسلم، وفيه: \"أن النبي - ﷺ - أسهم له\". وقال الثوري: لا يسهم للأجير إلا إن قاتل.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ١٢٤).\n(^٢) \"فيض الباري\" (٤/ ٢١٢).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٧/ ٢٦٠).","vol":"4","page":281},{"text":"وأما الأجير: إذا استؤجر ليقاتل؛ فقال المالكية والحنفية: لا يسهم له. وقال الأكثر: له سهمه. وقال أحمد: لو استأجر الإمام قومًا على الغزو لم يسهم لهم سوى الأجرة. وقال الشافعي: هذا فيمن لم يجب عليه الجهاد، أما الحر البالغ المسلم إذا حضر الصف فإنه يتعين عليه الجهاد؛ فيسهم له ولا يستحق أجرة.\nقوله: (وأخذَ عطية بن قيس. . .) إلخ، وهذا الصنيع جائز عند من يجيز المخابرة، وقال بصحته هنا الأوزاعي وأحمد خلافًا للثلاثة، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(١٢١ -<span data-type='title' id=toc-2106> باب ما قيل في لواء النبي - ﷺ </span>-)\nقال الحافظ (^٢): اللواء بكسر اللام والمد هي الراية، ويسمى أيضًا العلم، وكان الأصل أن يمسكها رئيس الجيش، ثم صارت تحمل على رأسه. وقال أبو بكر بن العربي: اللواء غير الراية، فاللواء: ما يعقد في طرف الرمح ويلوى عليه، والراية: ما يعقد فيه ويترك حتى تصفقه الرياح. وقيل: اللواء دون الراية. وقيل: اللواء العلم الضخم، والعلم علامة لمحمل الأمير يدور معه حيث دار، والراية يتولاها صاحب الحرب. وجنح الترمذي إلى التفرقة، فترجم بالألوية، ثم ترجم للرايات.\nثم ذكر الحافظ عدة روايات مختلفة في صفة لون لواء النبي - ﷺ - ورايته، وقال أيضًا: في هذه الأحاديث استحباب اتخاذ الألوية في الحروب، وأن اللواء يكون مع الأمير أو من يقيمه لذلك عند الحرب، انتهى.\n\n(١٢٢ -<span data-type='title' id=toc-2107> باب قول النبيﷺ -: \"نُصِرْتُ بالرعب. . .\") إلخ</span>\nقال الحافظ (^٣): قوله: \"جابر\" يشير إلى حديثه الذي أوله: \"أعطيت\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ١٢٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ١٢٦ - ١٢٧).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٦/ ١٢٨).","vol":"4","page":282},{"text":"خمسًا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي\"، فإن فيه: \"ونُصرت بالرعب مسيرة شهر\"، ووقع في الطبراني من حديث أبي أمامة: \"شهرًا أو شهرين\"، وله من حديث السائب بن يزيد: \"شهرًا أمامي وشهرًا خلفي\". وظهر لي أن الحكمة في الاقتصار على الشهر أنه لم يكن بينه وبين الممالك الكبار التي حوله أكثر من ذلك؛ كالشام والعراق واليمن ومصر ليس بين المدينة النبوية للواحدة منها إلا شهر فما دونه، وليس المراد بالخصوصية مجرد حصول الرعب بل هو وما ينشأ عنه من الظفر بالعدو، انتهى.\n\n(١٢٣ -<span data-type='title' id=toc-2108> باب حمل الزاد في الغزو)</span>\nأشار بهذه الترجمة إلى أن حمل الزاد في السفر ليس منافيًا للتوكل. انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوقال العيني (^٢): أي: جواز حمل الزاد في الغزو، وهو لا ينافي التوكل، انتهى.\nقلت: وعندي المقصود: بيان الاستحباب والترغيب في حمله؛ لذكره الآية المتضمنة بالأمر، وتأسيًا بالنبي - ﷺ - لئلّا يضعف فيخل بالمقصود؛ أي: الجهاد، ويؤيده قوله ﵊: \"ليس من البر الصيام في السفر\" (^٣)، فمنع - ﷺ - عن الصوم خشية الضعف، فيكون مخلًّا بالمقصود، فافهم.\nقوله: (كنا نتزوّد لحوم الأضاحي. . .) إلخ، فلما كان ذلك في سفر المدينة وهي مدينة مباركة وموطن مألوف، فأولى أن يحتمل الزاد في الغزو لما أن المسير فيه إلى أرض العدو، والضيافة معلومة - أي: أنها غير ممكنة - والسفر محتاجون فيه إلى مزيد قوة لأجل الغزو، انتهى من \"اللامع\" (^٤).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ١٢٩).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٠/ ٢٩٥).\n(^٣) أخرجه ابن ماجه (برقم ١٦٦٥)، كتاب الصيام، باب ما جاء في الإفطار في السفر.\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٧/ ٢٦٤).","vol":"4","page":283},{"text":"وقال القسطلاني (^١) في وجه المطابقة: إنه وإن لم يكن سفر غزو لكن سفر الغزو مقيس عليه، انتهى.\n\n(١٢٤ -<span data-type='title' id=toc-2109> باب حمل الزاد على الرقاب)</span>\nأي: عند تعذر حمله على الدواب، قاله الحافظ (^٢)، والأوجه عند هذا العبد الضعيف أن الإمام البخاري أشار بهذه الترجمة إلى قلة الزاد لئلَّا يحتاج إلى الحمولات ولا يشتغل بحفظها فافهم.\n\n(١٢٥ -<span data-type='title' id=toc-2110> باب إرداف المرأة خلف أخيها)</span>\nقال العلامة العيني (^٣): أي: جواز إرداف المرأة خلف أخيها، يقال: أردفته إردافًا: إذا أركبته معك. والردف، بكسر الراء: المرتدف: وهو الذي يركب خلف الراكب، انتهى.\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٤): إنما أورده ههنا لأن مثل هذه الأمور والحاجات كثيرًا ما تعرو في السفر لا سيما الجهاد، فبيّن بذلك جوازه، وكذلك كثير من الأبواب الموردة ههنا من هذا القبيل، انتهى.\n\n(١٢٦ -<span data-type='title' id=toc-2111> باب الارتداف في الغزو والحج. . .) إلخ</span>\nأي: في سفرة الغزاة وسفرة الحج. ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرة، ويقاس الغزو على الحج، انتهى من \"العيني\" (^٥).\n\n(١٢٧ -<span data-type='title' id=toc-2112> باب الردف على الحمار)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٦) يعني بذلك أنه لا بأس فيه إذا لم يكن الحمار يثقل عليه ذلك ويربو على قدر طاقته، انتهى.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٦/ ٥٠٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ١٣٠).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٠/ ٢٩٨).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٧/ ٢٦٥).\n(^٥) \"عمدة القاري\" (١٠/ ٢٩٩).\n(^٦) \"لامع الدراري\" (٧/ ٢٦٥).","vol":"4","page":284},{"text":"قلت: وهو كذلك كما تقدم الكلام عليه في كتاب الحج في \"باب استقبال الحاج القادمين والثلاثة على الدابة\"، ويشكل ذكر حديث ابن عمر في هذا الباب لأنه - ﷺ - كان إذا ذاك راكبًا على راحلته لا الحمار، وذكر الحافظ (^١) أيضًا هذا الإشكال ولم يجب عنه، وأجاب عنه العيني (^٢) فقال: كلاهما في نفس الارتداف سواء والفرق في الدابة، وتواضعه - ﷺ - في إردافه على الحمار أقوى وأعظم من إردافه على الراحلة، فيلحق هذا بذلك، انتهى.\n\n(١٢٨ -<span data-type='title' id=toc-2113> باب من أخذ بالركاب ونحوه)</span>\nأي: من الإعانة على الركوب وغيره، قاله الحافظ (^٣).\nقلت: وهذا كما تقدم من \"باب من قاد دابة غيره في الحرب\" ومن \"باب من ضرب دابة غيره. . .\" إلخ.\n\n(١٢٩ -<span data-type='title' id=toc-2114> باب كراهية السفر بالمصاحف إلى أرض العدو. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٤): قوله: \"وكذلك يروى. . .\" إلخ، وصل روايته إسحاق بن راهويه في \"مسنده\" (^٥) عنه بلفظ: \"كره رسول الله - ﷺ - أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو؛ مخافة أن يناله العدو\".\nقوله: (وقد سافر النبي - ﷺ -. . .) إلخ أشار البخاري بذلك إلى أن المراد بالنهي عن السفر بالقرآن السفر بالمصحف، خشية أن يناله العدو لا السفر بالقرآن نفسه، انتهى.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٦) أراد بإيراد الروايات المتخالفة أن الجواز مقيد بالأمن والنهي بغيره، ودلالة قوله: \"وهم يعلمون القرآن\" على مدعاه\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ١٣٢).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٠/ ٣٠١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٦/ ٢٤١).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٦/ ١٣٣).\n(^٥) \"تغليق التعليق\" (٣/ ٤٥٣).\n(^٦) \"لامع الدراري\" (٧/ ٢٦٥ - ٢٦٦).","vol":"4","page":285},{"text":"حسب قاعدتهم ظاهرة، فإنهما إذا علموا لا بد لهم من تعليمه، والتعليم أعم من التعليم حفظًا وكتابةً، انتهى.\nوفي تقرير مولانا محمد حسن المكي: قوله: \"وهم يعلمون\"؛ أي: يقرؤون القرآن، والقراءة قد تكوت من المصحف وقد تكون من الحفظ، فثبت جواز السفر بالمصحف إلى أرض العدو؛ لأن الفعل يعم عند البخاري، أو هو: \"يعلّمون\" بالتشديد، والتعليم في زمن الصحابة غالبًا كان من المصحف فثبت الجواز أيضًا، انتهى.\nثم مسألة الباب خلافية، قال الحافظ (^١): قال ابن عبد البر (^٢): أجمع الفقهاء أن لا يسافر بالمصحف في السرايا والعسكر الصغير المخوف عليه، واختلفوا في الكبير المأمون عليه، فمنع مالك أيضًا مطلقًا، وفصل أبو حنيفة، وأدار الشافعي الكراهة مع الخوف وجودًا وعدمًا، وقال بعضهم كالمالكية، ثم ذكر الاختلاف في تعليم الكافر القرآن، وقال أيضًا تحت قول البخاري: \"وقد سافر النبي - ﷺ -. . . إلخ\" عن المهلب (^٣): إن مراد البخاري بذلك تقوية القول بالتفرقة بين العسكر الكثير والطائفة القليلة، فيجوز في تلك دون هذه، انتهى.\nقلت: فعلى هذا ميل الإمام البخاري إلى مسلك الحنفية، وفي \"الدر المختار\" (^٤): \"نهينا عن إخراج ما يجب تعظيمه\" ويحرم الاستخفاف به، كمصحف وكتب فقه وحديث. قال ابن عابدين: خلافًا لقول الطحاوي: إن ذلك إنما كان عند قلة المصاحف كيلا تنقطع عن أيدي الناس، وأما اليوم فلا يكره، والبسط في \"هامش اللامع\" (^٥).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ١٣٣ - ١٣٤).\n(^٢) \"الاستذكار\" (١٣/ ٥١).\n(^٣) نقله عن \"شريح ابن بطال (٥/ ١٤٩ - ١٥٠).\n(^٤) (٤/ ٣١٦).\n(^٥) \"هامش اللامع\" (٧/ ٢٦٦ - ٢٦٨).","vol":"4","page":286},{"text":"(١٣٠ -<span data-type='title' id=toc-2115> باب التكبير عند الحرب)</span>\nأي: جوازه أو مشروعيته.\n\n(١٣١ -<span data-type='title' id=toc-2116> باب ما يكره من رفع الصوت في التكبير)</span>\nقال الحافظ (^١): \"أربعوا\"؛ أي: ارفقوا. قال الطبري: فيه كراهية رفع الصوت بالدعاء والذكر، وبه قال عامة السلف من الصحابة والتابعين. انتهى. قال الحافظ: وتصرف البخاري يقتضي أن ذلك خاص بالتكبير عند القتال، وأما رفع الصوت في غيره فقد تقدم في كتاب الصلاة حديث ابن عباس أن رفع الصوت بالذكر كان على العهد النبوي إذا انصرفوا من المكتوبة، وتقدم البحث فيه هناك، انتهى.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): \"باب ما يكره. . .\" إلخ، يعني به: البالغ حد الكراهة، الخارج عن التوسط والجواز، كما يدل عليه قوله - ﷺ -: \"اربعوا على أنفسكم\"، انتهى.\nوفي هامشه: أشار الشيخ بذلك إلى دفع ما يتوهم في الحديث من النهي عن الجهر بالذكر، كما قال ذلك بعض القائلين بالمنع عن الذكر المعتاد عند المشايخ، وأجاب الشيخ في \"الكوكب\" بجواب آخر إذ قال: استدل بذلك من منع الجهر بالذكر، ولا يتم، فقد ورد أنه كان ثَمّ عدو فأراد أن لا يعلموا بهم، فكأن الممانعة لأمر خارج، لا لشيء في نفس الذكر، وهذا هو الحق، فإن الذكر ليس شيء من أنواعه منهيًا عنه، وإنما ذلك لأمر خارج عنه. . .، إلى آخر ما بسط في هامش \"اللامع\". وفي \"الفيض\" (^٣): \"باب ما يكره من رفع الصوت\"؛ أي: في غير الجهاد، انتهى. وتقدم عن الحافظ ما يخالف ذلك.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ١٣٥).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٧/ ٢٦٨).\n(^٣) \"فيض الباري\" (٤/ ٢١٧).","vol":"4","page":287},{"text":"(١٣٢ -<span data-type='title' id=toc-2117> باب التسبيح إذا هبط واديًا)</span>\nأورد فيه حديث جابر: \"كنا إذا صعدنا كبرنا، وإذا نزلنا سبحنا\". ثم قال: \"<span data-type='title' id=toc-2118>باب التكبير إذا علا شرفًا</span>\" أورد فيه حديث جابر المذكور.\nقال المهلب: تكبيره - ﷺ - عند الارتفاع استشعار لكبرياء الله - ﷿ -، وعندما يقع عليه العين من عظيم خلقه أنه أكبر من كل شيء، وتسبيحه في بطون الأودية مستنبط من قصة يونس، فإن بتسبيحه في بطن الحوت نجّاه الله تعالى من الظلمات، فسبّح النبي - ﷺ - في بطون الأودية لينجيه الله منها، وقيل: مناسبة التسبيح في الأماكن المنخفضة من جهة أن التسبيح هو التنزيه، فناسب تنزيه الله عن صفات الانخفاض كما ناسب تكبيره عند الأماكن المرتفعة، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(١٣٣ - باب التكبير إذا علا شرفًا)\nتقدم الكلام عليه في الباب السابق.\n\n(١٣٤ -<span data-type='title' id=toc-2119> باب يكتب للمسافر مثل ما كان يعمل في الإقامة)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢)؛ أي: إذا لم يكن عاصيًا في سفره، وبه جزم الحافظان ابن حجر (^٣)، والعيني (^٤)، وقال القسطلاني (^٥): أي سفر طاعة.\n\n(١٣٥ -<span data-type='title' id=toc-2120> باب السير وحده)</span>\nوقد تقدم \"باب هل يبعث الطليعة وحده\" ولا يبعد أن يقال: إن الغرض من الأول بيان جوازه، ثم أعقبه هناك بـ \"باب سفر الاثنين\" لإثبات الجواز أيضًا، والغرض ههنا بيان عدم الأولوية، ولذا ذكره فيه الحديث\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ١٣٥ - ١٣٦).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٧/ ٢٦٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٦/ ١٣٦).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٠/ ٣٠٩).\n(^٥) \"إرشاد الساري\" (٦/ ٥٢١).","vol":"4","page":288},{"text":"الثاني حديث ابن عمر - ﵄ - المقتضي لعدم الجواز، ولا أقل من عدم الأولوية. وأما الحديث الأول فإنه وإن كان بظاهره يفيد الجواز، لكن يمكن أن يقال: إنه ﵊ ندب ثانيًا وثالثًا ليكون مع الزبير شخص آخر حذرًا عن سفر شخص واحد.\n\n(١٣٦ -<span data-type='title' id=toc-2121> باب السرعة في السير. . .) إلخ</span>\nأي: في الرجوع إلى الوطن. قال المهلب (^١): تعجله - ﷺ - إلى المدينة ليريح نفسه ويفرح أهله، انتهى. وتقدم في كتاب الحج ما في معناه من \"باب أسرع ناقته إذا بلغ المدينة\"، ومن \"باب المسافر إذا جدبه السير\"، وتقدم الكلام عليهما في محله.\n\n(١٣٧ -<span data-type='title' id=toc-2122> باب إذا حمل على فرس)</span>\nأي: ليجاهد عليها في سبيل الله (فرآها تباع) هل له أن يشتريها أم لا؟ قاله القسطلاني (^٢).\nقلت: والمسألة التي أشار إليها القسطلاني خلافية تقدمت في \"باب هل يشتري صدقته\" من \"كتاب الزكاة\"، ولا يبعد عندي أن يحمل الترجمة على معنى الرجوع في الهبة، فالمعنى: إذا تصدق رجل فرسًا ليجاهد عليه في سبيل الله، ثم رأى المتصدِّق أنها تباع على خلاف ما أراد من التصدق، فهل يرجع في تلك الصدقة أم لا؟ فافهم.\n\n(١٣٨ -<span data-type='title' id=toc-2123> باب الجهاد بإذن الأبوين)</span>\n[أي:] المسلمين، قاله القسطلاني (^٣). وفي \"الفتح\" (^٤) كذا أطلق، وهو قول الثوري، وقيده بالإسلام الجمهور، انتهى.\n_________\n(^١) انظر: \"شرح ابن بطال\" (٥/ ١٥٦).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٦/ ٥٢٦).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (٦/ ٥٢٧).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٦/ ١٤٠).","vol":"4","page":289},{"text":"قال العيني (^١): قال أكثر أهل العلم، منهم الأوزاعي والثوري ومالك والشافعي وأحمد: إنه لا يخرج إلى الغزو إلا بإذن والديه، ما لم تقع ضرورة وقوة العدو، فإذا كان كذلك تعين الفرض على الجميع وزال الاختيار فوجب الجهاد على الكل، فلا حاجة إلى الإذن من والد وسيد. وقال ابن حزم في \"مراتب الإجماع\" إن كان أبواه يضيعان بخروجه ففرضه ساقط عنه إجماعًا وإلا فالجمهور يوفقه على الاستئذان. والأجداد كالآباء، والجدات كالأمهات، وهذا إذا كانا مسلمين. فإن كانا كافرين فلا سبيل لهما إلى منعه ولو نفلًا، وطاعتهما حينئذ معصية. وعن الثوري: هما كالمسلمين، انتهى.\nوفي \"الدر المختار\" (^٢) ولا يفرض الجهاد على صبي وبالغ له أبوان أو أحدهما؛ لأن طاعتهما فرض عين. قال ابن عابدين: \"له أبوان\"، مفاده أنهما لا يأثمان في منعه، وإلا لكان له الخروج حتى يبطل عنهما الإثم مع أنهما في سعة من منعه إذا كان يدخلهما من ذلك مشقة شديدة، وشمل الكافرين أيضًا أو أحدهما إذا كره خروجه مخافةً ومشقةً. . . إلى آخر ما بسط.\nوسيأتي في \"كتاب الأدب\" أيضًا \"باب لا يجاهد إلا بإذن الأبوين\".\n\n(١٣٩ -<span data-type='title' id=toc-2124> باب ما قيل في الجرس. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٣): أي: من الكراهة، وقيده بالإبل لورود الخبر فيها بخصوصها. انتهى.\nقوله: (ونحوه) أي: مما يعلق كالقلائد، والنهي للتنزيه، كما حكاه النووي عن الجمهور، قاله القسطلاني (^٤). ثم ذكر الأقوال في حكمة النهي، وبسط الكلام عليه في هامش \"اللامع\" (^٥).\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٠/ ٣١٤، ٣١٥).\n(^٢) (٤/ ٣٠٠).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٦/ ١٤١).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (٦/ ٥٢٩).\n(^٥) \"لامع الدراري\" (٧/ ٢٧١ - ٢٧٣).","vol":"4","page":290},{"text":"(١٤٠ -<span data-type='title' id=toc-2125> باب من اكتتب في جيش. . .) إلخ</span>\nقال العيني (^١): اكتتب بلفظ المعلوم والمجهول، يقال: اكتتب فلان إذا كتب نفسه في ديوان السلطان، انتهى.\nقال الحافظ (^٢): ذكر فيه حديث ابن عباس في ذلك. ويستفاد منه أن الحج في حق مثله أفضل من الجهاد؛ لأنه اجتمع له مع حج التطوع في حقه تحصيل حج الفرض لامرأته، وكان اجتماع ذلك له أفضل من مجرد الجهاد الذي يحصل المقصود منه بغيره، وفيه مشروعية كتابة الجيش ونظر الإمام لرعيته بالمصلحة، انتهى.\n\n(١٤١ -<span data-type='title' id=toc-2126> باب الجاسوس. . .) إلخ</span>\nأي: حكمه إذا كان من جهة الكفار، ومشروعيته إذا كان من جهة المسلمين، ومناسبة الآية إما لما سيأتي في التفسير أن القصة المذكورة في حديث الباب كانت سبب نزولها، وإما لأن ينتزع منها حكم جاسوس الكفار، فإذا اطلع عليه بعض المسلمين لا يكتم أمره، بل يرفعه إلى الإمام ليرى فيه رأيه. وقد اختلف العلماء في جواز قتل جاسوس الكفار، وسيأتي البحث فيه في \"باب الحربي إذا دخل دار الإسلام بغير أمان\"، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\nقلت: والظاهر عند هذا العبد الضعيف هو الاحتمال الأول؛ أي: الجاسوس من جهة الكفار، وحكمه ظاهر، أنه لا يجوز، لقصة حاطب، والآية المذكورة في الترجمة. وأما حكم الجاسوس من جهة المسلمين فهو مشروع؛ لإرساله - ﷺ - عليًا - ﵁ - وغيره لتجسس الظعينة والكتاب.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٠/ ٣١٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ١٤٣).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٦/ ١٤٣ - ١٤٤).","vol":"4","page":291},{"text":"(١٤٢ -<span data-type='title' id=toc-2127> باب الكسوة للأسارى)</span>\nأي: بما يواري عوراتهم، إذ لا يجوز النظر إليها، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(١٤٣ -<span data-type='title' id=toc-2128> باب فضل من أسلم على يديه رجل)</span>\nحديث الباب ظاهر فيما ترجم له.\n\n(١٤٤ -<span data-type='title' id=toc-2129> باب الأسارى في السلاسل)</span>\nأي: مشروعية قيدهم بالسلاسل، لئلا يتوهم متوهم أن فيه تعذيب خلق الله، فتأمل.\n\n(١٤٥ -<span data-type='title' id=toc-2130> باب فضل من أسلم من أهل الكتابين)</span>\nقال العلامة القسطلاني (^٢): \"من أهل الكتابين\"؛ أي: التوراة والإنجيل، انتهى.\nقال الحافظ (^٣): قال المهلب: جاء النص في هؤلاء الثلاثة لينبه به على سائر من أحسن في معنيين في أيّ فعل كان من أفعال البر. قال ابن المنير (^٤): مؤمن أهل الكتاب لا بد أن يكون مؤمنًا بنبينا - ﷺ -، لما أخذ الله عليهم من العهد والميثاق، فإذا بعث فإيمانه مستمر فكيف يتعدد إيمانه حتى يتعدد أجره؟ ثم أجاب بأن إيمانه الأول الموصوف بكذا رسول، والثاني بأن محمدًا - ﷺ - هو الموصوف، فظهر التغاير فثبت التعدد، انتهى. ويحتمل أن يكون تعدد أجره، لكونه لم يعاند كما عاند غيره ممن أضله الله على علم، فحصل له الأجر الثاني بمجاهدته نفسه على مخالفة أنظاره، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ١٤٤).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٦/ ٥٣٧).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٦/ ١٤٦).\n(^٤) \"المتواري\" (ص ١٧٠ - ١٧١).","vol":"4","page":292},{"text":"قال القسطلاني (^١): واستشكل دخول اليهود في ذلك؛ لأن شرعهم نسخ بعيسى ﵊، والمنسوخ لا أجر في العمل به فيختص الأجران بالنصراني. وأجيب: بأنا لا نسلم أن النصرانية ناسخة لليهودية، نعم لو ثبت ذلك لكان كذلك. كذا قرره الكرماني وتبعه البرماوي وغيره. لكن قال في \"الفتح\": لا خلاف أن عيسى ﵊ أرسل إلى بني إسرائيل فمن أجاب منهم نسب إليه، ومن كذب منهم واستمر على يهوديته لم يكن مؤمنًا فلا يتناوله الخبر؛ لأن شرطه أن يكون مؤمنًا بنبيِّه. . . إلى آخر ما بسط من الكلام عليه.\nوقوله: (فله أجران) أجر الإيمان بنبيه، وأجر الإيمان بمحمد - ﷺ -، انتهى.\nوبسط شيخنا الكَنكَوهي قدّس سره في شرح قوله: \"ثلاثة يعطون أجرهم مرتين\"؛ أي: في وجه تضعيف الأجر لهم، فارجع إلى \"الكوكب الدري\" (^٢) لو شئت، وفي هامشه: وأفاد والدي المرحوم عند تدريس \"مشكاة المصابيح\" أن مناط تكرار الأجر هو التزاحم، فكل فعل يوجد فيه التزاحم يثنّى عليه الأجر؛ فرجل أدى حق الله وحق مولاه يتحقق التزاحم في كل من فِعليه فيثنّى الأجر على كل من فِعليه، فله أربعة أجور: اثنان على تأديته حقوق المولى، واثنان على تأديته حقوقه تعالى؛ ورجل تعلم الكتاب الأول والثاني [فلا تزاحم فيه إلا عند الثاني] إذ صار جاهلًا بعدما كان عالمًا، وصار مبتديًا بعدما كان منتهيًا، فيكرر أجره على هذا؛ ورجل أدب أمَته لا تزاحم فيه، لكن إعتاقها بعدما تأدبت وكذا التزوج بعده، فهذان الفعلان على كل واحد منهما الأجران، انتهى.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٦/ ٥٣٩).\n(^٢) (٢/ ٢٣٠).","vol":"4","page":293},{"text":"(١٤٦ -<span data-type='title' id=toc-2131> باب أهل الدار يبيتون. . .) إلخ</span>\nبفتح المثناة التحتية بعد الموحدة مبنيًّا للمفعول؛ أي: يُغار عليهم بالليل بحيث لا يميز بين أفراد \"فيصاب الولدان\"؛ أي: الصغار بسبب التبييت؛ أي: هل يجوز ذلك أم لا؟\nثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى تفسير ثلاث آيات من القرآن يوافقن ما في الخبر على عادته، انتهى من \"القسطلاني\" (^١).\nوقال الحافظ (^٢): وفهم من تقييده بإصابة من ذكر قصر الخلاف عليه، وجواز البيات إذا عري عن ذلك. قال أحمد: لا بأس بالبيات، ولا أعلم أحدًا كراهه، انتهى.\nقوله: (هم منهم)؛ أي: من أهل الدار من المشركين، وليس المراد إباحة قتلهم بطريق القصد إليهم، بل إذا لم يوصل إلى قتل الرجال إلا بذلك قتلوا وإلا فلا تقصد الأطفال والنساء بالقتل مع القدرة على ترك ذلك، جمعًا بين الأحاديث المصرحة بالنهي عن قتل النساء والصبيان وما هنا، انتهى من \"القسطلاني\" (^٣).\nقوله: (بياتًا ليلًا. . .) إلخ، وهذه عادة المصنِّف إذا وقع في الخبر لفظة توافق ما وقع في القرآن أورد تفسير اللفظ الواقع في القرآن، جمعًا بين المصلحتين وتبركًا بالأمرين، انتهى من \"الفتح\" (^٤).\n\n(١٤٧ -<span data-type='title' id=toc-2132> باب قتل الصبيان في الحرب)</span>\nقال الحافظ: أورد فيه حديث ابن عمر من طريق ليث بن سعد بلفظ: \"فأنكر\"، ثم قال: \"باب قتل النساء في الحرب\" وأورد الحديث المذكور من طريق عبيد الله بن عمر بلفظ: \"فنهى\"، واتفق الجميع كما نقل ابن بطال (^٥)\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٦/ ٥٤٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ١٤٦).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (٦/ ٥٤١).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٦/ ١٤٦).\n(^٥) (٥/ ١٦٨).","vol":"4","page":294},{"text":"وغيره على منع القصد إلى قتل النساء والولدان. وقال أيضًا في موضع آخر: وقال مالك والأوزاعي: لا يجوز قتل النساء والصبيان بحال، حتى لو تترس أهل الحرب بالنساء والصبيان لم يجز رميهم. وحكى الحازمي قولًا بجواز قتل النساء والصبيان على ظاهر حديث الصعب، وزعم أنه ناسخ لأحاديث النهي، وهو غريب، انتهى.\nقلت: وتبويب الإمام البخاري يدل على أنه حمل هذا الحديث على البيات، وهو قول الجمهور كما تقدم، وهذا إذا لم تقاتل المرأة، أما لو قاتلت فيجوز قتلها عند الشافعي والكوفيين وأحمد، كما في \"المغني\". وقال ابن حبيب من المالكية: لا يجوز القصد إلى قتلها إذا قاتلت إلا إن باشرت القتل. قال الحافظ: ويؤيد قول الجمهور ما أخرجه أبو داود وغيره من حديث رباح بن الربيع: \"كنا مع رسول الله - ﷺ - في غزوة، فرأى الناس مجتمعين، فرأى امرأة مقتولة فقال: ما كانت هذه لتقاتل\"، فإن مفهومه أنها لو قاتلت لقتلت، انتهى من \"الفتح\" (^١) بزيادة واختصار.\n\n(١٤٨ -<span data-type='title' id=toc-2133> باب قتل النساء في الحرب)</span>\nتقدم الكلام عليه آنفًا في الباب الذي قبله.\n\n(١٤٩ -<span data-type='title' id=toc-2134> باب لا يعذب بعذاب الله)</span>\nقال الحافظ (^٢) - ﵀ -: هكذا بت الحكم في هذه المسألة لوضوح دليلها عنده، ومحله إذا لم يتعين التحريق طريقًا إلى الغلبة على الكفار حال الحرب، ثم قال الحافظ في شرح الحديث: واختلف السلف في التحريق، فكره ذلك عمر، وابن عباس وغيرهما، مطلقًا، سواء كان ذلك بسبب كفر أو في حال مقاتلة أو كان قصاصًا، وأجازه علي وخالد بن الوليد وغيرهما.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ١٤٨ - ١٤٩).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ١٥٠).","vol":"4","page":295},{"text":"قال المهلب (^١): ليس هذا النهي على التحريم بل على سبيل التواضع، ويدل على جواز التحريق فعل الصحابة، وقد حرق أبو بكر البغاة بالنار بحضرة الصحابة، وأكثر علماء المدينة يجيزون تحريق الحصون والمراكب على أهلها، ورد على قول المهلب ابن المنير، كما في \"الفتح\" (^٢).\nوقال ابن قدامة (^٣): أما العدو إذا قدر عليه فلا يجوز تحريقه بالنار، بغير خلاف نعلمه، وقد كان أبو بكر رضي الله تعالى عنه يأمر بتحريق أهل الردة بالنار، وفعل ذلك خالد بن الوليد بأمره، فأما اليوم فلا أعلم فيه بين الناس خلافًا، ثم قال: وأما رميهم قبل أخذهم بالنار فإن أمكن أخذهم بدونها لم يجز رميهم بها؛ لأنهم في معنى المقدور عليه، وأما عند العجز عنهم بغيرها فجائز في قول أكثر أهل العلم، وبه قال الثوري والأوزاعي والشافعي، انتهى.\nقلت: وإليه أشار الحافظ بقوله: \"ومحله إذا لم يتعين التحريق. . .\" إلخ، كما تقدم.\n\n(١٥٠ -<span data-type='title' id=toc-2135> باب ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤]) إلخ</span>\nفيه حديث ثمامة. قال الحافظ (^٤): كأنه يشير إلى حديث أبي هريرة في قصة إسلام ثمامة بن أثال، وستأتي موصولة مطولة في أواخر كتاب المغازي، والمقصود منها هنا قوله: \"إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل منه ما شئت\"؛ فإن النبي - ﷺ - أقره على ذلك، ولم ينكر عليه التقسيم، ثم منَّ عليه بعد ذلك. فكان في ذلك تقوية لقول الجمهور: إن الأمر في أسرى الكفرة من الرجال إلى الإمام، يفعل ما هو الأحظ للإسلام والمسلمين. وعن مالك: لا يجوز المنُّ بغير فداء. وعن الحنفية: لا يجوز المنُّ أصلًا لا بفداء ولا بغيره، انتهى مختصرًا.\n_________\n(^١) انظر: \"شرح ابن بطال\" (٥/ ١٧٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ١٥٠).\n(^٣) \"المغني\" (١٣/ ١٣٨).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٦/ ١٥١ - ١٥٢).","vol":"4","page":296},{"text":"وكتب الشيخ قُدِّس سره في \"الكوكب الدري\" (^١) في أسير الجهاد أربعة شقوق، إما يمنُّ عليه فيتركه، أو يفدي، أو يقتل، أو يسترق، والأولان قد نسخا بآية السيف، انتهى.\nوفي \"البذل\" (^٢): قال أصحابنا الأحناف في ظاهر الرواية: لا يفادي الأسير بالمال، ولا يفادون بأسرى المسلمين أيضًا. وقال أبو يوسف ومحمد: لا بأس أن يفادي أسرى المسلمين بأسرى المشركين، وهو قول الأئمة الثلاثة. . .، إلى آخر ما بسط فيه.\nوذكر الخرقي في مذهب الحنابلة التخيير بين الأربعة، وبسط الكلام عليه الموفق (^٣)، وقال: وهو مذهب الشافعي، وعن مالك: كمذهبنا، وعنه لا يجوز المن بغير عوض. وقال أصحاب الرأي - الثاقب -: إن شاء ضرب أعناقهم وإن شاء استرقهم لا غير، ولا يجوز منٌّ ولا فداء. . .، إلى آخر ما بسط في الدلائل.\n\n(١٥١ -<span data-type='title' id=toc-2136> باب هل للأسير أن يقتل أو يخدع. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٤): قوله: \"فيه المسور. . .\" إلخ، يشير بذلك إلى قصة أبي بصير، وقد تقدم في أواخر الشروط، وهي ظاهرة فيما ترجم له، وهي من مسائل الخلاف أيضًا، ولهذا لم يبت الحكم فيها. قال الجمهور: إن ائتمنوه يف لهم بالعهد، حتى قال مالك: لا يجوز أن يهرب منهم، وخالفه أشهب فقال: لو خرج به الكافر ليفادي به فله أن يقتله. وقال أبو حنيفة: إعطاء العهد على ذلك باطل، ويجوز له أن لا يفي لهم به. وقال الشافعية: يجوز أن يهرب من أيديهم، ولا يجوز أن يأخذ من أموالهم، قالوا: وإن لم يكن بينهم عهد جاز له أن يتخلص منهم بكل طريق ولو بالقتل وأخذ المال وتحريق الدار وغير ذلك. انتهى.\n_________\n(^١) (٢/ ٤٠٩).\n(^٢) \"بذل المجهود\" (٩/ ٣٣٠).\n(^٣) \"المغني\" (١٣/ ٤٥).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٦/ ١٥٣).","vol":"4","page":297},{"text":"(١٥٢ -<span data-type='title' id=toc-2137><span data-type='title' id=toc-2138> باب </span>إذا حرّق المشرك المسلم هل يحرق</span>؟)\nأي: جزاء بفعله، وكأنه أشار بذلك إلى تخصيص النهي في قوله: \"لا يعذب بعذاب الله\" بما إذا لم يكن ذلك على سبيل القصاص. وليس في حديث الباب التصريح بأن العرنيين فعلوا ذلك بالرعاء، لكنه أشار إلى ما ورد في بعض طرقه عند مسلم عن أنس قال: \"إنما سمل النبي - ﷺ - أعين العرنيين لأنهم سملوا أعين الرعاء\". قال ابن بطال (^١): ولو لم يرد ذلك لكان أخذ ذلك من قصة العرنيين بطريق الأولى؛ لأنه إذا جاز سمل أعينهم وهو تعذيب بالنار ولو لم يفعلوا ذلك بالمسلمين فجوازه إن فعلوه أولى، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\n\n(١٥٣ - باب)\nبغير ترجمة، وهو كالفصل من الباب السابق، والمناسبة بينهما أن لا يتجاوز بالتحريق، حيث يجوز إلى من لم يستوجب ذلك، فإنه أورد فيه حديث أبي هريرة في تحريق قرية النمل، وأشار بذلك إلى ما وقع في بعض طرقه: \"أن الله أوحى إليه: فهلا نملة واحدة\" ولا يخفى أن صحة الاستدلال بذلك متوقفة على أن شرع من قبلنا هو شرع لنا؟ انتهى من \"الفتح\" (^٣).\n\n(١٥٤ -<span data-type='title' id=toc-2139> باب حرق الدور والنخيل)</span>\nأي: التي للمشركين، كذا وقع في جميع النسخ: \"حرق\"، وضبطوه بفتح أوله وإسكان الراء، وفيه نظر؛ لأنه لا يقال في المصدر: \"حرق\"، وإنما يقال: تحريق وإحراق؛ لأنه رباعي، انتهى من \"الفتح\" (^٤). وتعقب عليه العلامة العيني (^٥) بأنه يجوز أن يكون الحرق اسمًا للإحراق. . . إلى آخر ما بسط.\n_________\n(^١) (٥/ ١٧٩).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ١٥٣).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٦/ ١٥٤).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٦/ ١٥٤).\n(^٥) \"عمدة القاري\" (١٠/ ٣٣٩).","vol":"4","page":298},{"text":"ثم مسألة الباب خلافية. قال الحافظ (^١): ذهب الجمهور إلى جواز التحريق والتخريب في بلاد العدو، وكرههه الأوزاعي والليث وأبو ثور، واحتجوا بوصية أبي بكر لجيوشه أن لا يفعلوا شيئًا من ذلك، وأجاب الطبري بأن النهي محمول على القصد لذلك بخلاف ما إذا أصابوا ذلك في خلال القتال، ونحو ذلك القتل بالتغريق. وقال غيره: إنما نهى أبو بكر عن ذلك؛ لأنه علم أن تلك البلاد ستفتح؛ فأراد إبقاءها على المسلمين، انتهى. وبسط الكلام على المسألة في \"الأوجز\" (^٢) وهامش \"اللامع\" (^٣).\nوقال القسطلاني (^٤): واستدل الجمهور بحديث الباب على جواز التحريق والتخريب إذا تعين طريقًا في نكاية العدو، وخالف بعضهم فقال: لا يجوز قطع المثمر أصلًا، وحمل ما ورد في ذلك إما على غير المثمر وإما على أن الشجر الذي قطع في قصة بني النضير كان في الموضع الذي يقع فيه القتال، وهذا قول الليث والأوزاعي وأبو ثور، انتهى.\n\n(١٥٥ -<span data-type='title' id=toc-2140> باب قتل النائم المشرك)</span>\nقال الحافظ (^٥): ذكر فيه قصة قتل أبي رافع اليهودي، وهي ظاهرة فيما ترجم له؛ لأن الصحابي طلب قتل أبي رافع وهو نائم، وإنما ناداه ليتحقق أنه هو لئلَّا يقتل غيره ممن لا غرض له إذ ذاك في قتله، وبعد أن أجابه كان في حكم النائم؛ لأنه حينئذ استمر على خيال نومه، بدليل أنه بعد أن ضربه لم يفر من مكانه ولا تحوّل من مضجعه، حتى عاد إليه فقتله، ثم قال في فوائد الحديث: وأما قتله إذا كان نائمًا فمحله أن يعلم أنه مستمر على كفره وأنه قد يئس من فلاحه، وطريق العلم بذلك إما بالوحي وإما بالقرائن الدالة على ذلك، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ١٥٥).\n(^٢) \"أوجز المسالك\" (٩/ ٨١، ٨٢).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٧/ ٢٧٩ - ٢٨٠).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (٦/ ٥٥٢).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٦/ ١٥٥، ١٥٦).","vol":"4","page":299},{"text":"(١٥٦ -<span data-type='title' id=toc-2141> باب لا تمنَّوا لقاء العدو)</span>\nقال ابن بطال (^١): حكمة النهي أن المرء لا يعلم ما يؤول إليه الأمر، وهو نظير سؤال العافية من الفتن، وقد قال الصديق - ﵁ -: \"لأن أُعافى فأشْكُر أحبّ إليّ من أن أُبتلى فاصبِر\". وقال غيره: إنما نهي عنه لما فيه من صورة الإعجاب والاتكال على النفوس والوثوق بالقوة وقلة الاهتمام بالعدو، وكل ذلك يباين الاحتياط والأخذ بالحزم، إلى آخر ما بسط في الحكم، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\nقلت: وقد تقدم ما بظاهره ينافي هذا الباب، وهو \"باب الدعاء بالجهاد والشهادة. . .\" إلخ. ويمكن الجمع بينهما بأن النهي على سبيل الإعجاب مثلًا، والدعاء يحمل على بذل الجهد في إعلاء كلمة الله، فافهم.\n\n(١٥٧ -<span data-type='title' id=toc-2142> باب الحرب خدعة)</span>\nبفتح الخاء المعجمة وسكون الدال المهملة كما في الفرع وأصله وهي الأفصح، وجزم بها أبو ذر الهروي والقزاز. وقال ثعلب: بلغنا أنها لغة النبي - ﷺ -. وقيل: بضم الخاء مع سكون الدال، وجوز بضم أوله وفتح ثانيه كهُمَزَة ولُمَزَة وهي صيغة مبالغة. وحكى المنذري بفتح الأول والثاني جمع خادع. وحكى مكي وغيره خِدعة بكسر أوله وسكون ثانيه، فهي خمسة. ومعنى الإسكان أنها تخدع أهلها، من وصف الفاعل باسم المصدر، أو وصف للمفعول، كهذا الدرهم ضرب الأمير؛ أي: مضروبه. وعن الخطابي أنها المرة الواحدة؛ يعني: أنه إذا خدع مرة لم تقل عثرته، ومعنى الضم مع السكون أنها تخدع الرجال؛ أي: هي محل الخداع وموضعه، ومع فتح الدال؛ أي: تخدع الرجال تمنيهم الظفر ولا تفي لهم كالضحكة إذا كان يضحك بالناس، وقيل: الحكمة في الإتيان بالتاء الدلالة على الواحدة، فإن\n_________\n(^١) (٥/ ١٨٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ١٥٦).","vol":"4","page":300},{"text":"الخداع إن كان من المسلمين فكأنه حضهم على ذلك ولو مرة واحدة، وإن كان من الكفار فكأنه حذرهم من مكرهم، ولو وقع مرة واحدة فلا ينبغي التهاون بهم لما ينشأ عنه من المفسدة ولو قلّ، انتهى كله من \"القسطلاني\" (^١).\nقال الحافظ (^٢): وقال النووي (^٣): واتفقوا على جواز خداع الكفار في الحرب كيف ما أمكن إلا أن يكون فيه نقض عهد أو أمان فلا يجوز. قال ابن المنير: معنى الحديث: الحرب الجيدة لصاحبها الكاملة في مقصودها إنما هي المخادعة لا المواجهة، وذلك لخطر المواجهة، وحصول الظفر مع المخادعة بغير خطر.\nقال الحافظ: ذكر الواقدي: أول ما قال النبي - ﷺ -: \"الحرب خدعة\" في غزوة الخندق، انتهى.\n\n(١٥٨ -<span data-type='title' id=toc-2143> باب الكذب في الحرب)</span>\nذكر فيه حديث جابر في قصة قتل كعب بن الأشرف. قال ابن المنير: الترجمة غير مطابقة؛ لأن الذي وقع منهم في قتل كعب يمكن أن يكون تعريضًا؛ لأن قولهم: \"عنّانا\"؛ أي: كلفنا بالأوامر والنواهي، وقولهم: \"سألنا الصدقة\"؛ أي: طلبها منا ليضعها مواضعها، انتهى.\nقال الحافظ: والذي يظهر أنه لم يقع منهم في ما قالوا بشيء من الكذب أصلًا، وجميع ما صدر منهم تلويح كما سبق، لكن ترجم بذلك لقول محمد بن مسلمة للنبي - ﷺ - أولًا: \"ائذن لي أن أقول، قال: قل\" فإنه يدخل فيه الإذن في الكذب تصريحًا وتلويحًا، وهذه الزيادة وإن لم تذكر في سياق حديث الباب فهي ثابتة فيه كما في الباب الذي بعده، على أنه لو لم يرد ذلك لما كانت الترجمة منافرة للحديث؛ لأن معناها حينئذ باب الكذب\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٦/ ٥٥٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ١٥٨).\n(^٣) \"المنهاج\" (١٢/ ٤٤).","vol":"4","page":301},{"text":"في الحرب هل يسوغ مطلقًا أو يجوز منه الإيمان دون التصريح؟ وقد جاء من ذلك صريحًا ما أخرجه الترمذي مرفوعًا: \"لا يحل الكذب إلا في ثلاث: تحديث الرجل امرأته ليرضيها، والكذب في الحرب، وفي الإصلاح بين الناس\". قال النووي (^١): الظاهر إباحة حقيقة الكذب في الأمور الثلاثة، لكن التعريض أولى، انتهى في \"الفتح\" (^٢).\n\n(١٥٩ -<span data-type='title' id=toc-2144> باب الفَتْكِ بأهل الحرب)</span>\nأي: جواز قتل الحربي سرًّا. وبين هذه الترجمة وبين الترجمة الماضية - وهي \"قتل المشرك النائم\" - عموم وخصوص وجهي، وإنما فتكوا به لأنه نقض العهد، وأعان على حرب النبي - ﷺ - وهجاه، ولم يقع لأحد ممن توجه إليه تأمين له بالتصريح، وإنما أوهموه ذلك وآنسوه حتى تمكنوا من قتله، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\nقلت: ويشكل عليه ما أخرجه أبو داود عن أبي هريرة مرفوعًا: \"الإيمان قيد الفتك، لا يفتك مؤمن\". ويمكن الجواب عنه بما في \"الدرجات\" للدمنتي في تفسير الفتك: هو قتل المؤمن غيره غدرًا في حال غفلته، انتهى. فهذا الحديث محمول على الغدر وهو لا يجوز. وأما فتك كعب بن الأشرف إنما كان لنقضه العهد وغيره، كما تقدم في كلام الحافظ، أو يقال بضعف هذا الحديث، فقد تكلم الحافظ المنذري على إسناده كما في \"البذل\" (^٤) في \"باب العدو يؤتى على غِرَّةٍ\".\n\n(١٦٠ -<span data-type='title' id=toc-2145> باب ما يجوز من الاحتيال والحذر. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٥): قوله: \"معرته\" بفتح الميم وتشديد الراء؛ أي: شره وفساده. انتهى.\n_________\n(^١) \"المنهاج\" (١٢/ ٤٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ١٥٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٦/ ١٦٠).\n(^٤) \"بذل المجهود\" (٩/ ٥٠١).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٦/ ١٦٠).","vol":"4","page":302},{"text":"قلت: لعله أراد المصنف أنه غير داخل في العذر المنهي عنه.\n\n(١٦١ -<span data-type='title' id=toc-2146> باب الرجز في الحرب. . .) إلخ</span>\nالرجز - بفتح الراء والجيم والزاي - من بحور الشعر على الصحيح، وجرت عادة العرب باستعماله في الحرب ليزيد في النشاط ويبعث الهمم. وفيه: جواز رفع الصوت في عمل الطاعة لينشط نفسه وغيره. وكأن المصنف أشار في الترجمة بقوله: \"ورفع الصوت في حفر الخندق\" إلى أن كراهة رفع الصوت في الحرب مختصة بحالة القتال، وذلك فيما أخرجه أبو داود ومن طريق قيس بن عباد قال: \"كان أصحاب رسول الله - ﷺ - يكرهون الصوت عند القتال\". انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(١٦٢ -<span data-type='title' id=toc-2147> باب من لا يثبت على الخيل)</span>\nأي: ينبغي لأهل الخير أن يدعو له بالثبات. وفيه إشارة إلى فضيلة ركوب الخيل والثبات عليها، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\n\n(١٦٣ -<span data-type='title' id=toc-2148> باب دواء الجرح بإحراق الحصير. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٣): اشتمل هذا الباب على ثلاثة أحكام، وحديث الباب ظاهر فيها، وقد أفرد الثاني منها في \"كتاب الطهارة\" (^٤)، وأورد فيه هذا الحديث بعينه، انتهى.\n\n(١٦٤ -<span data-type='title' id=toc-2149> باب ما يكره من التنازع والاختلاف في الحرب. . .) إلخ</span>\nأي: من المقاتلة في أحوال الحرب.\nقوله: (وعقوبة من عصى إمامه)؛ أي: بالهزيمة وحرمان الغنيمة. والغرض من ثاني حديثي الباب في قصة أُحد أن الهزيمة وقعت بسبب\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ١٦١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ١٦١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٦/ ١٦٢).\n(^٤) انظر: \"صحيح البخاري\" (ح ٢٤٣).","vol":"4","page":303},{"text":"مخالفة الرماة لقول النبي - ﷺ -: \"لا تبرحوا من مكانكم\"، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(١٦٥ -<span data-type='title' id=toc-2150> باب إذا فزعوا بالليل)</span>\nأي: ينبغي لأمير العسكر أن يكشف الخبر بنفسه أو بمن يندبه لذلك، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\n\n(١٦٦ -<span data-type='title' id=toc-2151> باب من رأى العدو فنادى بأعلى صوته: \"يا صباحاه</span>\")\nقال ابن المنير (^٣): موضع هذه الترجمة أن هذه الدعوة ليست من دعوى الجاهلية المنهي عنها؛ لأنها استغاثة على الكفارة.\nوقوله: (يا صباحاه) هو منادى مستغاث، والألف للاستغاثة والهاء للسكت، وكأنه نادى الناس استغاثة بهم في وقت الصباح، وكانت عادتهم يغيرون في وقت الصباح، فكأنه قال: تأهبوا لما دهمكم صباحًا، انتهى من \"الفتح\" (^٤).\nقوله: (واليوم يوم الرضع) اختلفوا في معناه على أقوال، ذكرت في هامش \"اللامع\" وكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٥) معناه: أن اليوم يوم ظهور الكرام من اللئام. وأراد بالرضع اللئام فإنهم يسترضعون من دون أن يحلبوا لئلا يفطن بذلك مسكين أو ضيف فيسأل ويعتري، فإذا مصه مصًا من الضرع أمن ذلك، وهذا إذا أريد باللبن لبن الناقة. فإن أريد لبن المرأة فهو كناية عن الذي لم يجرب الأمور ولم يباشرها، فكأنه لما لم يخرج عن بيته كان كمن لم يزل يشرب لبن أمه مدة عمره، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ١٦٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ١٦٣).\n(^٣) \" المتواري\" (ص ١٧٦).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٦/ ١٦٤).\n(^٥) \"لامع الدراري\" (٧/ ٢٨٣ - ٢٨٤).","vol":"4","page":304},{"text":"(١٦٧ -<span data-type='title' id=toc-2152> باب من قال: خذها وأنا ابن فلان. . .) إلخ</span>\nهي كلمة تقال عند التمدح. قال ابن المنير: موقعها من الأحكام أنها خارجة عن الافتخار المنهي عنه لاقتضاء الحال ذلك.\nقلت: وهو قريب من جواز الاختيار - بالخاء المعجمة - في الحرب دون غيرها، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(١٦٨ -<span data-type='title' id=toc-2153> باب إذا نزل العدو على حكم رجل)</span>\nأي: فأجازه الإمام، نفذ، ذكر فيه حديث أبي سعيد في نزول بني قريظة على حكم سعد بن معاذ - ﵁ -. قال ابن المنير (^٢): يستفاد من الحديث لزوم حكم المحكم برضى الخصمين، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\nوزاد القسطلاني (^٤): سواء كان في أمور الحرب أو غيرها، وهو رد على الخوارج الذين أنكروا التحكيم على علي - ﵁ -. . .، إلى آخر ما ذكر من فوائد الحديث.\n\n(١٦٩ -<span data-type='title' id=toc-2154> باب قتل الأسير، وقتل الصبر)</span>\nوفي رواية الكشميهني: \"قتل الأسير صبرًا\"، وهي أخصر، وأورد فيه حديث أنس في قتل ابن خطل.\nوقد تقدم أن الإمام يتخير - متبعًا ما هو الأحظ للإسلام والمسلمين- بين قتل الأسير، أو المن عليه بفداء، أو بغير فداء، أو استرقاقه، انتهى من \"الفتح\" (^٥).\nوقال القسطلاني (^٦): قوله: \"قتل الصبر\" بأن يمسَك ذو روح ثم يرمى بشيء حتى يموت. وفي الحديث: النهي عن قتل شيء من الدواب صبرًا.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ١٦٤ - ١٦٥).\n(^٢) \"المتواري\" (ص ١٦٧).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٦/ ١٦٥).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (٦/ ٥٧٤).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٦/ ١٦٥).\n(^٦) \"إرشاد الساري\" (٦/ ٥٧٥).","vol":"4","page":305},{"text":"والصبر لغة: الحبس، وإذا شدت يدا رجل ورجلاه وأمسكه آخر وضرب عنقه، يقال: قتل صبرًا. وقال أيضًا: وفيه جواز إقامة الحد والقصاص بمكة خلافًا لأبي حنيفة. . .، إلى آخر ما ذكر.\nقلت: وقد تقدم الكلام على المسألة واختلاف الأئمة في \"باب لا يحل القتال بمكة\" من \"كتاب الحج\".\n\n(١٧٠ -<span data-type='title' id=toc-2155> باب هل يستأسر الرجل؟ ومن لم يستأسر. . .) إلخ</span>\nقال العلامة العيني (^١): أي: هل يطلب أن يجعل نفسه أسيرًا؟ يعني: هل يسلم نفسه للأسر أم لا؟ وهذه الترجمة مشتملة على ثلاثة أشياء: الأول: قوله: \"هل يستأسر الرجل؟ \" والثاني: قوله: \"ومن لم يستأسر\"، والثالث: قوله: \"ومن ركع ركعتين عند القتل\"، ثم قال بعد ذكر الحديث: المطابقة للجزء الأول في قوله: \"فنزل إليهم ثلاثة رهط\" وللجزء الثاني في قوله: \"أما أنا فوالله لا أنزل اليوم. . .\" إلخ، وللجزء الثالث في قول خبيب: \"ذروني أركع ركعتين\"، انتهى ملخصًا.\n\n(١٧١ -<span data-type='title' id=toc-2156> باب فكاك الأسير)</span>\nأي: من أيدي العدو بمال أو غيره. والفكاك - بفتح الفاء ويجوز كسرها -: التخليص. قال ابن بطال (^٢): فكاك الأسير واجب على الكفاية، وبه قال الجمهور. وقال إسحاق بن راهويه: من بيت المال. وروي عن مالك أيضًا. وقال أحمد: يفادي بالرؤوس، وأما بالمال فلا أعرفه، ولو كان عند المسلمين أسارى وعند المشركين أسارى واتفقوا على المفاداة تعينت، ولم تجز مفاداة أسارى المشركين بالمال، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٠/ ٣٦٩ - ٣٧٠).\n(^٢) (٥/ ٢١٠).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٦/ ١٦٧).","vol":"4","page":306},{"text":"(١٧٢ -<span data-type='title' id=toc-2157> باب فداء المشركين)</span>\nأي: بمال يؤخذ منهم، كذا في الشروح الثلاثة (^١)\n\n(١٧٣ -<span data-type='title' id=toc-2158> باب الحربي إذا دخل دار الإسلام بغير أمان)</span>\nأي: هل يجوز قتله؟ وهي من مسائل الخلاف. قال مالك: يتخير فيه الإمام، وحكمه حكم أهل لحرب. وقال الأوزاعي والشافعي: إن ادعى أنه رسول قبل منه. وقال أبو حنيفة وأحمد: لا يقبل ذلك منه، وهو فَيْئ للمسلمين. قاله الحافظ (^٢).\nقلت: وما حكى الحافظ من مذهب أحمد يخالفه ما قال الموفق (^٣) إذ قال: فإن دخل بغير أمان سئل، فإن قال: جئت رسولًا؛ فالقول قوله؛ لأنه تتعذر إقامة البينة على ذلك، ولم تزل الرسل تأتي من غير تقدم أمان. . . إلى أن قال: وكذلك أيضًا - لم يقبل قوله - مدعي الرسالة، إذا لم يكن معه رسالة يؤديها، أو كان ممن لا يكون مثله رسولًا. انتهى. وكذلك عندنا فيه تفصيل. قال ابن نجيم، ولو قال: أنا رسول، فإن وجد معه كتاب يعرف أنه كتاب ملكهم بعلامة تعرف ذلك كان آمنًا، وإن لم يعرف فهو زور، فيكون هو وما معه فيئًا. . .، إلى آخر ما بسط في \"الأوجز\" (^٤).\n(تنبيه) قد ترجم الإمام أبو داود على حديث الباب \"باب الجاسوس المستأمن\" مع أنه ليس في الحديث ذكر الاستئمان، والظاهر المطابق للحديث ترجمة الإمام البخاري، وذكرت في هامشي على \"البذل\" (^٥) توجيهًا لما فعل الإمام أبو داود فارجع إليه، ويستفاد من كلام العيني (^٦) وجه\n_________\n(^١) انظر: \"إرشاد الساري\" (٦/ ٥٨٢)، و\"عمدة القاري\" (١٠/ ٣٧٦)، و\"فتح الباري\" (٦/ ١٦٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ١٦٨).\n(^٣) \"المغني\" (١٣/ ٨٣).\n(^٤) \"أوجز المسالك\" (٩/ ١٤٩، ١٥٠).\n(^٥) \"بذل المجهود\" (٩/ ٢٦١).\n(^٦) \"عمدة القاري\" (١٠/ ٣٧٧).","vol":"4","page":307},{"text":"لترجمة الإمام أبي داود إذ قال: إن العين المذكور في الحديث أوهم أنه ممن له أمان، فلما قضى حاجته من التجسس انفتل مسرعًا، فعلموا أنه حربي دخل بغير أمان، انتهى.\nثم هذا الخلاف المذكور إنما هو في الجاسوس الحربي الكافر، أما لو كان الجاسوس مسلمًا فهل يجوز قتله؟ مسألة خلافية أيضًا، فذهب الإمام مالك ومن وافقه إلى جواز قتله، فقد قال الحافظ (^١) في حديث قصة حاطب بن أبي بلتعة: واستدل باستئذان عمر على قتل حاطب لمشروعية قتل الجاسوس ولو كان مسلمًا، وهو قول مالك ومن وافقه، ووجه الدلالة أنه - ﷺ - أقرّ عمر على إرادة القتل لولا المانع، وبيَّن المانع وهو كون حاطب شهد بدرًا، وهذا منتف في غير حاطب، فلو كان الإسلام مانعًا من قتله لما علل بأخص منه، انتهى.\nوفي \"البذل\" (^٢) في شرح حديث الباب، حديث سلمة بن الأكوع: قال النووي (^٣): وفيه قتل الجاسوس الحربي، وهو كذلك بإجماع المسلمين، وأما الجاسوس المعاهد والذمي، فقال مالك والأوزاعي: يصير ناقضًا للعهد، فإن رأى استرقاقه أرقه، ويجوز قتله. وقال جماهير العلماء: لا ينتقض عهده بذلك. قال أصحابنا: إلا أن يكون قد شرط عليه انتقاض العهد بذلك.\nوأما الجاسوس المسلم. فقال الشافعي والأوزاعي وأبو حنيفة وبعض المالكية وجماهير العلماء - رحمهم الله تعالى -: يعزره الإمام بما يرى من ضرب وحبس ونحوهما، ولا يجوز قتله. وقال مالك رحمه الله تعالى: يجتهد فيه الإمام، ولم يفسر الاجتهاد. وقال القاضي عياض: قال كبار\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٦٨٤).\n(^٢) \"بذل المجهود\" (٩/ ٢٥١ - ٢٦٤، ٢٦٥).\n(^٣) \"شرح صحيح مسلم\" (٦/ ٣١١).","vol":"4","page":308},{"text":"أصحابه: يقتل، قال: واختلفوا في تركه بالتوبة. قال ابن الماجشون: إن عرف بذلك قتل وإلا عزر. انتهى. وفي هامشه: حكى العيني (^١) عن أبي حنيفة: يحبس ويوجع عقوبة، وبه صرّح محمد في \"السير الكبير\".\n\n(١٧٤ -<span data-type='title' id=toc-2159> باب يقاتل عن أهل الذمة ولا يسترقون)</span>\nقال القسطلاني (^٢): \"يقاتل\" بفتح رابعة \"عن أهل الذمة\" لأنهم بذلوا الجزية على أن يأمنوا في أنفسهم وأموالهم وأهليهم فيقاتل عنهم كما يقاتل عن المسلمين، انتهى. أي: ولو نقضوا العهد.\nوتعقب ابن التين بأنه ليس في الحديث ما يدل على الترجمة من عدم الاسترقاق، وأجاب ابن المنير بأنه أخذ من قوله: \"وأوصيه بذمة الله\" فإن مقتضى الوصية بالإشفاق أن لا يدخلوا في الاسترقاق، والذي قال: \"إنهم يسترقون إذا انقضوا العهد\": ابن القاسم، وخالفه الأشهب والجمهور، ومحل ذلك إذا سبى الحربي الذمي ثم أسر المسلمون الذمي، وأغرب ابن قدامة فحكى بالإجماع، وكأنه لم يطلع على خلاف ابن القاسم، وكأن البخاري اطلع عليه فلذلك ترجم به، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\nوتعقب العيني (^٤) على قول الحافظ: وأغرب ابن قدامة. . . إلخ، إذ قال: يحتمل أنه أراد به إجماع الأئمة الأربعة، انتهى.\nقوله: (ولا يسترقون) كتب الشيخ في \"اللامع\" (^٥)؛ أي: لا يسترقهم المسلمون أو لا يتركون من غير حماية حتى يسترقهم آخرون، ودلالة قوله: \"أوصيه بذمة الله\". وكذا قوله: \"ولا يكلفون فوق طاقتهم\" على هذا المعنى ظاهرة. انتهى.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٠/ ٣٢٣).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٦/ ٥٨٥).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٦/ ١٧٠).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٠/ ٣٧٩).\n(^٥) \"لامع الدراري\" (٧/ ٢٨٥).","vol":"4","page":309},{"text":"(١٧٥ -<span data-type='title' id=toc-2160> باب هل يستشفع إلى أهل الذمة ومعاملتهم</span>؟)\nهكذا في النسخة الهندية من غير ذكر حديث، وفي نسخ الشروح الثلاثة: \"الفتح\" و\"القسطلاني\" و\"العيني\" هذه الترجمة موفرة، وذكر تحتها حديث ابن عباس الآتي في النسخة الهندية في \"باب جوائز الوفد\". قال الحافظ (^١): قوله: \"باب جوائز الوفد\"، \"باب هل يستشفع\" كذا في جميع النسخ من طريق الفربري، إلا أن في رواية ابن شبويه عن الفربري تأخير ترجمة \"جوائز الوفد\" عن ترجمة \"هل يستشفع\" - كما في النسخة الهندية - وكذا هو عند الإسماعيلي وبه يرتفع الإشكال، فإن حديث ابن عباس مطابق لترجمة \"جوائز الوفد\" لقوله فيه: \"وأجيزوا الوفد\" بخلاف الترجمة الأخرى، وكأنه ترجم بها وأخلى بياضًا ليورد فيه حديثًا يناسبها فلم يتفق ذلك، ووقع للنسفي حذف ترجمة \"جوائز الوفد\" أصلًا واقتصر على ترجمة \"هل يستشفع. . .\"، إلى آخر ما قال.\nوكتب الشيخ قُدِّس سره في \"اللامع\" (^٢) قوله: \"باب هل يستشفع. . .\" إلخ، كما فعله جابر؛ حيث ذهب بالنبي - ﷺ - إلى اليهودي ليخفف عن دينه شيئًا، فافهم، انتهى.\nقلت: وحديث جابر هذا وإن لم يذكره البخاري ههنا لكن لما كان مشهورًا وقد ذكر في البخاري في مواضع كثيرة لم يذكره البخاري ههنا تشحيذًا للأذهان، وهذا أصل مطرد من أصول التراجم وهو الأصل السابع والعشرون، وقد تقدم عن الحافظ أنه قال: كأنه ترجم بها وأخلى بياضًا ليورد فيها حديثًا يناسبها.\nقلت: فحديث جابر الذي أشار إليه الشيخ قدس سره يناسب هذا الباب، فللَّه در الشيخ ما أدق نظره.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ١٧٠).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٧/ ٢٨٥، ٢٨٦).","vol":"4","page":310},{"text":"(١٧٦ -<span data-type='title' id=toc-2161> باب جوائز الوفد)</span>\nجمع جائزة وهي: العطلة. والوفد: الجماعة يَرِدون، انتهى من \"القسطلاني\" (^١). وقال العيني (^٢): والوفد هم القوم يجتمعون ويَرِدون البلاد، واحدهم وافد، وكذلك الذين يقصدون الأمراء لزيارةٍ واسترفادٍ وانتجاعٍ وغير ذلك، انتهى.\nقوله: (وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم) قال ابن المنير (^٣): والذي بقي من هذا الرسم ضيافات الرسل وإقطاعات الأعراب ورسومهم في أوقات، ومنه إكرام أهل الحجاز إذا وفدوا، انتهى.\nقوله: (أهجر رسول الله - ﷺ -) كتب الشيخ في \"اللامع\" (^٤): استفهام إنكار؛ يعني: أنهم لما اختلفوا في الكتابة حين طلب النبي - ﷺ - الكتابة. قال بعضهم: إنه لم يهجر حتى يختلف فيه، فهلَّا تسألونه عن ذلك فيفصل بينكم بشيء؟ انتهى. وبسط في هامشه كلام الشراح في معناه وتوجيهه.\n\n(١٧٧ -<span data-type='title' id=toc-2162> باب التجمل للوفد)</span>\nقال القسطلاني (^٥): ولم ينكر ﵊ عليه طلبه التجمل وإنما أنكر عليه التجمل بهذا الشيء المنهي عنه، وهذا موضع الترجمة، انتهى.\n\n(١٧٨ -<span data-type='title' id=toc-2163> باب كيف يعرض الإسلام على الصبي)</span>\nقال الحافظ (^٦): وقد تقدم توجيه هذه الترجمة في \"باب هل يعرض الإسلام على الصبي؟ \" في \"كتاب الجنائز\"، ووجه مشروعية عرض الإسلام\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٦/ ٥٨٦).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٠/ ٣٨٠).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٩/ ٥٩٠)، كتاب المغازي، باب (٨٣)، (ح: ٤٤٣١)، و\"إرشاد الساري\" (٦/ ٥٨٨).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٧/ ٢٨٦ - ٢٨٨).\n(^٥) \"إرشاد الساري\" (٦/ ٥٩٠).\n(^٦) \"فتح الباري\" (٦/ ١٧٢).","vol":"4","page":311},{"text":"على الصبي في حديث الباب من قوله - ﷺ - لابن صياد: \"أتشهد أني رسول الله - ﷺ -؟ \" وكان إذ ذاك لم يحتلم، فإنه يدل على المدْعِيِّ، ويدل على صحة إسلام الصبي، وأنه لو أقر تقبل لأنه فائدة العرض، انتهى.\nوفي \"الفيض\" (^١) قوله: \"باب كيف يعرض. . .\" إلخ، وافق فيه الحنفية، وإسلام الصبي معتبر عندنا دون ارتداده حتى يحتلم، وأما عند الشافعي فإسلامه أيضًا غير معتبر، انتهى.\nوقال الحافظ (^٢) في \"كتاب الجنائز\": هذه الترجمة معقودة لصحة إسلام الصبي، وهي مسألة خلافية، وقوله: \"وهل يعرض عليه؟ \" ذكره هنا بلفظ الاستفهام، وترجم في \"كتاب الجهاد\" بصيغة تدل على الجزم بذلك فقال: وكيف يعرض الإسلام. . . إلخ، وكأنه لما أقام الأدلة هنا على صحة إسلامه استغنى بذلك وأفاد هناك ذكر الكيفية، انتهى.\n\n(١٧٩ -<span data-type='title' id=toc-2164> باب قول النبي - ﷺ - ليهود: \"أسلموا تسلموا\". . .) إلخ</span>\nهو طرف من حديث سيأتي موصولًا في الجزية (^٣) في \"باب إخراج اليهود من جزيرة العرب\".\n\n(١٨٠ -<span data-type='title' id=toc-2165> باب إذا أسلم قوم في دار الحرب. . .) إلخ</span>\nأشار بذلك إلى الرد على من قال من الحنفية: إن الحربي إذا أسلم في دار الحرب وأقام بها حتى غلب المسلمون عليها فهو أحق بجميع ماله إلا أرضه وعقاره فإنها تكون فيئًا للمسلمين، وقد خالفهم أبو يوسف في ذلك فوافق الجمهور، انتهى من \"الفتح\" (^٤).\nوذكر العلامة العيني (^٥) في هذه المسألة تفصيلًا فارجع إليه لو شئت.\n_________\n(^١) \"فيض الباري\" (٤/ ٢٤١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٤/ ١٣٤).\n(^٣) \"صحيح البخاري\"، كتاب الجزية والموادعة، باب (٦)، (ح: ٣١٦٧).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٦/ ١٧٥).\n(^٥) \"عمدة القاري\" (١٠/ ٣٨٧).","vol":"4","page":312},{"text":"وفي \"الفيض\" (^١) أي: إذا أسلم قوم طوعًا بدون جهاد وقتال في دار الحرب، ثم ظهر المسلمون على تلك الدار، فإنهم يستقرون على أملاكهم في الأراضي وغيرها عند الشافعي، وعندنا يستقرون على أملاكهم في المنقولات دون الأراضي، فإنها تتبع الدار، وتصير ملكًا للغانمين، بخلاف المنقولات، فإنها تابعة للمالكين، فتبقى معصومة، والمصنف لم يأت فيه بحديث صريح؛ ولعلّ مسألة الحنفية فيما إذا أسلم قوم من بينهم، وبقي الكفر فيمن حولهم، ويقرب من مذهب الحنفية مذهب مالك في \"موطئه\"، وراجع \"البحر\"، فإن فيه جزئيات يستقيم عليها مذهب الحنفية أيضًا.\nوقوله: (خيف بني كنانة) احتج المصنف بالإضافة إلى كنانة أن الأراضي كانت للمالكين، وهو ضعيف جدًا.\nقوله: (قاتلوا عليها في الجاهلية، وأسلموا عليها في الإسلام) فيه دليل على كون تلك الأراضي مملوكة لهم، وذا لا يرد علينا؛ لأن المتبادر منه أنهم أسلموا كلهم، ومسألتنا فيما إذا أسلم قوم، وبقي الكفر من حولهم، انتهى. وبسط الكلام على المسألة على عدة أبواب ومباحث من حكم الصلح والعنوة وانتقال الأملاك فارجع إليه لو شئت، وسيأتي في \"البخاري\" في \"باب ما كان رسول الله - ﷺ - يعطي المؤلفة قلوبهم. . . إلخ\" حديث ابن عمر في إجلاء اليهود والنصارى من أرض الحجاز بلفظ: \"وكانت الأرض لما ظهر عليها لله وللرسول وللمسلمين\".\n\n(١٨١ -<span data-type='title' id=toc-2166> باب كتابة الإمام للناس)</span>\nأي: من المقاتلة أو غيرهم، والمراد: ما هو أعم من كتابته بنفسه أو بأمره، ثم قال بعد ذكر الحديث: وفيه مشروعية كتابة دواوين الجيوش، وقد يتعين ذلك عند الاحتياج إلى تمييز من يصلح للمقاتلة بمن لا يصلح.\n_________\n(^١) \"فيض الباري\" (٤/ ٣٤٤).","vol":"4","page":313},{"text":"وقال ابن المنير (^١): موضع الترجمة من الفقه أن لا يتخيل أن كتابة الجيش وإحصاء عدده يكون ذريعة لارتفاع البركة، بل الكتابة المأمور بها لمصلحة دينية، والمؤاخذة التي وقعت في حنين كانت من جهة الإعجاب.\nثم ذكر المصنف حديث ابن عباس وفيه: \"إني اكتتبت في غزوة كذا\" مشعرة بأنه كان من عادتهم كتابة من يتعين للخروج في المغازي، انتهى ملخصًا من \"الفتح\" (^٢).\nوقد ترجم الإمام أبو داود \"باب في تدوين العطاء\" قال الشيخ قدس سره في \"البذل\" (^٣): قال في \"القاموس\" (^٤): والديوان ويفتح، مجتمع الصحف، والكتاب يكتب فيه أهل الجيش وأهل العطية، وأوّل من وضعه عمر رضي الله تعالى عنه. انتهى.\n\n(١٨٢ -<span data-type='title' id=toc-2167> باب إن الله يؤيد الدين بالرجل الفاجر)</span>\nقال ابن المنير (^٥): موضع الترجمة من الفقه أن لا يتخيل في الإمام إذا حمى حوزة الإسلام وكان غير عادل أنه يطرح النفع في الدين لفجوره فيجوز الخروج عليه، فأراد أن هذا التخيل مندفع بهذا النص، وأن الله قد يؤيد دينه بالفاجر، وفجوره على نفسه، وقال الحافظ أيضًا: قال المهلب (^٦) وغيره: لا يعارض هذا قوله - ﷺ -: \"لا نستعين بمشرك\" لأنه إما خاص بذلك الوقت، وإما أن يكون المراد به الفاجر غير المشرك، انتهى. ثم ذكر الحافظ عدة توجيهات لدفع التعارض.\n\n(١٨٣ -<span data-type='title' id=toc-2168> باب من تأمر في الحرب بغير إمرة. . .) إلخ</span>\nأي: جاز ذلك، وحديث الباب ظاهر فيما ترجم له به.\n_________\n(^١) \"المتواري\" (ص ١٨٠، ١٨١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ١٧٩).\n(^٣) \"بذل المجهود\" (١٠/ ١٣٧).\n(^٤) \"القاموس المحيط\" (٣/ ٣٢٥).\n(^٥) نقله عن \"شرح ابن بطال\" (٥/ ٢٢٢).\n(^٦) \"فتح الباري\" (٦/ ١٧٩، ١٨٠).","vol":"4","page":314},{"text":"قال ابن المنير (^١): يؤخذ من حديث الباب أن من تعين لولاية وتعذرت مراجعة الإمام أن الولاية تثبت بذلك المعين شرعًا وتجب طاعته حكمًا، كذا قال. ولا يخفى أن محله ما إذا اتفق الحاضرون عليه، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\n\n(١٨٤ -<span data-type='title' id=toc-2169> باب العون بالمدد)</span>\nبفتح الميم: ما يمد به الأمير بعض العسكر من الرجال، قاله الحافظ (^٣).\nقال العيني (^٤): أي: باب في بيان عون الجيش بالمدد، وهو في اللغة ما يمد به الشيء أن يزاد ويكثر، ومنه أمد الجيش بمدد إذا أرسل إليه زيادة، ويجمع على أمداد. وقال ابن الأثير: هم الأعوان والأنصار الذين كانوا يمدون المسلمين في الجهاد، انتهى.\nوقال الحافظ: وحديث الباب ظاهر فيما ترجم به. قال ابن المنير: وفيه: أن الاجتهاد والعمل بالظاهر لا يضر صاحبه أن يقع التخلف ممن ظن به الوفاء، انتهى من \"الفتح\" (^٥).\nقوله: (أتاه رعل وذكوان. . .) إلخ، هذا وهم؛ لأن هؤلاء ليسوا أصحاب بئر معونة، وإنما هم أصحاب الرجيع، وقد تقدم التنبيه عليه قبل ذلك أيضًا.\n\n(١٨٥ -<span data-type='title' id=toc-2170> باب من غلب العدو فأقام على عرصتهم ثلاثًا)</span>\nالعرصة: بفتح المهملتين وسكون الراء بينهما هي البقعة الواسعة بغير بناء من دار وغيرها.\n_________\n(^١) \"المتواري\" (ص ١٨١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ١٨٠).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٦/ ١٨٠).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٠/ ٣٩٥).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٦/ ١٨١).","vol":"4","page":315},{"text":"قال المهلب (^١): حكمة الإقامة لإراحة الظهر والأنفس، ولا يخفى أن محله إذا كان في أمن من عدو طارق.\nوقال ابن الجوزي (^٢): إنما كان يقيم ليظهر تأثير الغلبة وتنفيذ الأحكام وقلة الاحتفال، فكأنه يقول: من كانت فيه قوة منكم فليرجع إلينا.\nوقال ابن المنير: يحتمل أن يكون المراد أن تقع ضيافة الأرض التي وقعت فيها المعاصي بإيقاع الطاعة فيها بذكر الله، وإظهار شعار المسلمين، وإذا كان ذلك في حكم الضيافة ناسب أن يقيم عليها ثلاثًا؛ لأن الضيافة ثلاثة، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\n\n(١٨٦ -<span data-type='title' id=toc-2171> باب من قسم الغنيمة في غزوه وسفره. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٤): أشار بذلك إلى الرد على قول الكوفيين: إن الغنائم لا تقسم في دار الحرب، واعتلّوا بأن الملك لا يتم عليها إلا بالاستيلاء، ولا يتم الاستيلاء إلا بإحرازها في دار الإسلام. وقال الجمهور: هو راجع إلى نظر الإمام واجتهاده، وتمام الاستيلاء يحصل بإحرازها بأيدي المسلمين. وكلا الحديثين ظاهر فيما ترجم له، انتهى.\nوتعقب العيني (^٥) على كلام الحافظ إذ قال: هذا مردود؛ لأن الباب فيه حديثان، وليس واحد منها يدل على أن قسمة الغنيمة كانت في دار الحرب، أما حديث رافع فيدل على أنها كانت بذي الحليفة، وأما حديث أنس فيدل على أنها كانت في الجعرانة، وكل من ذي الحليفة والجعرانة من دار الإسلام، ففي الحقيقة: الحديثان حجة للكوفيين؛ لأنه لم يقسم إلا في دار الإسلام.\n_________\n(^١) انظر: \"شرح ابن بطال\" (٥/ ٢٢٦).\n(^٢) \"كشف المشكل\" (٢/ ٧٤)، (رقم ٥٤٦/ ٦٦٠).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٦/ ١٨١).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٦/ ١٨١، ١٨٢).\n(^٥) \"عمدة القاري\" (١٠/ ٣٩٧).","vol":"4","page":316},{"text":"ثم قال في شرح الحديث: وممن أجاز قسمة الغنائم في دار الحرب: مالك والأوزاعي والشافعي وأبو ثور، وقال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه: لا تقسم حتى يخرجها إلى دار الإسلام، لما ذكرنا في أول الباب على أنهم قالوا: روي أنه - ﷺ - نهى عن بيع الغنيمة في دار الحرب، والبيع في معنى القسمة، فكما لا يجوز البيع كذلك لا تجوز القسمة، انتهى.\n\n(١٨٧ -<span data-type='title' id=toc-2172> باب إذا غنم المشركون مال المسلم. . .) إلخ</span>\nقال القسطلاني (^١): قوله: \"ثم وجده المسلم\" بعد استيلاء المسلمين عليهم هل يأخذه؛ لأنه أحق به أو يكون من الغنيمة؟ انتهى.\nقال الحافظ (^٢): وهذا مما اختلف فيه، فقال الشافعي وجماعة: لا يملك أهل الحرب بالغلبة شيئًا من مال المسلم، ولصاحبه أخذه قبل القسمة وبعدها. وقال عطاء والليث ومالك وأحمد: إن وجده صاحبه قبل القسمة فهو أحق به، وإن وجده بعد القسمة فلا يأخذه إلا بالقيمة، واحتجوا بحديث عن ابن عباس مرفوعًا بهذا التفصيل أخرجه الدارقطني وإسناده ضعيف جدًا. وعن أبي حنيفة كقول مالك إلا في الآبق فقال هو والثوري: صاحبه أحق به مطلقًا، انتهى.\nقلت: وهذه المسألة الخلافية المذكورة في الباب مبنية على أصل كلي مختلف فيه بين الأئمة، وهي أن استيلاء الكفار على مال المسلم سبب لملكهم أم لا؟ فعند الشافعي ليس بسبب للملك مطلقًا، وعند مالك يكون سببًا مطلقًا، وعندنا سبب للملك بعد الإحراز إلى دارهم لا قبله. وعن أحمد روايتان: الأول كالشافعي، والثاني كمذهبنا الحنفية، وهو الراجح عندهم، واختلفت الحنفية في العبد الآبق، فقال الإمام: لا يملكونه، وقال صاحباه - وبه قال مالك -: يملكونه، وعن أحمد روايتان، كما بسط في \"الأوجز\" (^٣).\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٦/ ٦٠٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ١٨٢).\n(^٣) \"أوجز المسالك\" (٩/ ١٦٥ - ١٧٠).","vol":"4","page":317},{"text":"(١٨٨ -<span data-type='title' id=toc-2173> باب من تكلم بالفارسية والرطانة)</span>\nبفتح الراء ويجوز كسرها وهي التكلم بلسان العجم.\n(وقوله تعالى) بالجر عطفًا على السابق: ﴿وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ﴾؛ أي: من آيات الله اختلاف لغاتكم أو أجناس نطقكم وأشكاله، خالف جل وعلا بين هذه الأشياء حتى لا تكاد تسمع منطقين متفقين في همس واحد، ولا جهارة، ولا حدّة، ولا رخاوة، ولا فصاحة، ولا لكنة، ولا نظم، ولا أسلوب، ولا غير ذلك من صفات النطق وأحواله، ﴿وَأَلْوَانِكُمْ﴾ بياض الجلد وسواده، أو تخطيطات الأعضاء وهيئاتها وألوانها، ولاختلاف ذلك وقع التعارف، وإلا فلو اتفقت وتشاكلت وكانت ضربًا واحدًا لوقع التجاهل والالتباس، ولتعطلت مصالح كثيرة، انتهى من \"القسطلاني\" (^١).\nقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤] قال الحافظ (^٢): كأنه أشار إلى أن النبي - ﷺ - كان يعرف الألسنة؛ لأنه أرسل إلى الأمم كلها على اختلاف ألسنتهم، فجميع الأمم قومه بالنسبة إلى عموم رسالته فاقتضى أن يعرف ألسنتهم ليفهم عنهم ويفهموا عنه، ويحتمل أن يقال: لا يستلزم ذلك نطقه بجميع الألسنة لإمكان الترجمان الموثوق به عندهم، انتهى.\nوأما الغرض من الترجمة فقال الحافظ: قالوا: فقه هذا الباب يظهر في تأمين المسلمين لأهل الحرب بألسنتهم، وسيأتي مزيد لذلك في أواخر الجزية في \"باب إذا قالوا: صبأنا ولم يقولوا أسلمنا\". وقال في موضع آخر: أشار المصنف إلى ضعف ما ورد من الأحاديث الواردة في كراهة الكلام بالفارسية كحديث: \"كلام أهل النار بالفارسية\"، وكحديث: \"من تكلم بالفارسية زادت في خبثه ونقصت من مروءته\" أخرجه الحاكم في \"مستدركه\" وسنده واه، وأخرج فيه أيضًا عن عمر رفعه: \"من أحسن العربية\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٦/ ٦٠٧، ٦٠٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ١٨٤).","vol":"4","page":318},{"text":"فلا يتكلمن بالفارسية فإنه يورث النفاق\" الحديث، وسنده واه أيضًا، انتهى.\nوقال القسطلاني (^١): قال ابن المنير: ومقصود البخاري من إدراج هذا الباب في الجهاد أن الكلام بالفارسية يحتاج إليه المسلمون لأجل رسل العجم، انتهى.\nقال الحافظ (^٢): وقد نازع الكرماني (^٣) في كون الألفاظ الثلاثة - الواردة في أحاديث الباب، الأول: لفظ السؤر، والثاني: لفظ سَنَه سَنَه، والثالث: لفظ كِخْ كِخْ - عجمية؛ لأن الأول يجوز أن يكون من توافق اللغتين، والثاني يجوز أن يكون \"حسنة\" فحذف أوله إيجازًا، والثالث من أسماء الأصوات. وقد أجاب عن الأخير ابن المنير (^٤) فقال: وجه مناسبة أنه - ﷺ - خاطبه بما يفهمه مما لا يتكلم به الرجل مع الرجل، فهو كمخاطبة العجمي بما يفهمه من لغته.\nقلت: وبهذا يجاب عن الباقي، ويزاد بأن تجويزه حذف أول حرف من الكلمة لا يعرف، وتشبيهه بقوله: \"كفى بالسيف شا\" لا يتجه؛ لأن حذف الأخير معهود في الترخيم، والله أعلم.\nثم إنه قد ورد تكلمه - ﷺ - باللغة الفارسية سوى ما ورد عند البخاري في أحاديث هذا الباب، فعند ابن ماجه (^٥) في حديث أبي هريرة أنه ﵊ قال له: \"اشِكَمَتْ دَرْدْ\". قلت: نعم. . . الحديث، وفي \"هامش ابن ماجه\" قال الفيروزآبادي في \"باب تكلم النبي - ﷺ - بالفارسية\" ومثَّل: \"العنب دو دو والتمر يك، ويا سلمان شكمت درد\" ما صح شيء، انتهى. وكذا ذكر بعض الألفاظ الفارسية في \"بستان العارفين\" لأبي الليث السمرقندي، وفي \"المقاصد الحسنة\" (^٦) حديث: \"العنب دو دو والتمر يك\" مشهور بين الأعاجم ولا أصل له، انتهى.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٦/ ٦١٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ١٨٥).\n(^٣) شرح الكرماني\" (١٣/ ٦٣).\n(^٤) \"المتواري\" (ص ١٨٢).\n(^٥) (رقم ٣٤٥٨).\n(^٦) \"المقاصد الحسنة\" (١/ ٤٦٧).","vol":"4","page":319},{"text":"(١٨٩ -<span data-type='title' id=toc-2174> باب الغلول، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران:</span> ١٦١])\nالغلول بضم المعجمة واللام؛ أي: الخيانة في المغنم. قال ابن قتيبة: سمي بذلك لأن آخذه يغله في متاعه؛ أي: يخفيه فيه، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوقال القسطلاني (^٢): الغلول مطلق الخيانة، أو في الفيء خاصة، قال في \"المشارق\": كل خيانة غلول، لكنه صار في عرف الشرع: الخيانة في المغنم، وزاد في \"النهاية\": قيل: القسمة، فإن كان الغلول مطلق الخيانة فهو أعم من السرقة، وإن كان من المغنم خاصة، فبينه وبينها عموم وخصوص من وجه، ونقل النووي (^٣) الإجماع على أنه من الكبائر. انتهى.\nوقال الحافظ (^٤): قال ابن المنذر: أجمعوا على أن على الغال أن يعيد ما غلّ قبل القسمة، وأما بعدها فقال الثوري والأوزاعي والليث ومالك: يدفع إلى الإمام خمسه ويتصدق بالباقي، وكان الشافعي لا يرى بذلك ويقول: إن كان ملكه فليس عليه أن يتصدق به، وإن كان لم يملكه فليس له الصدقة بمال غيره، قال: والواجب أن يدفعه إلى الإمام كالأموال الضائعة. انتهى.\nقال الشيخ في \"البذل\" (^٥): وأما قول الحنفية في ذلك فما قال في \"السير الكبير\": ولو أن رجلًا غلّ شيئًا من الغنائم، ثم ندم، فأتى به الإمام بعد القسمة وتفرق الجيش، فللإمام في ذلك رأي: إن شاء كذبه فيما قال، وإن شاء أخذ ذلك منه، وجعل خمسه لمن سمى الله تعالى. . .، إلى آخر ما بسط.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ١٨٥).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٦/ ٦١١).\n(^٣) \"المنهاج\" (١٢/ ٢١٦).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٦/ ١٨٦).\n(^٥) \"بذل المجهود\" (٩/ ٣٨٢).","vol":"4","page":320},{"text":"وفي هامشي على \"البذل\" (^١) عن الموفق (^٢): إذا تاب قبل القسمة ردّ ما أخذه في القسمة بلا خلاف، وإن تاب بعده فمقتضى المذهب أن يؤدي خمسه إلى الإمام، ويتصدق بما بقي، وبه قال مالك. وقال الشافعي: لا أعرف للصدقة وجهًا، انتهى مختصرًا.\n\n(١٩٠ -<span data-type='title' id=toc-2175> باب القليل من الغلول. . .) إلخ</span>\nأي: هل يلتحق بالكثير في الحكم أم لا؟ وقوله: \"وهذا أصح\" أشار إلى تضعيف ما روي عن عبد الله بن عمرو في الأمر بحرق رحل الغال، أخرجه أبو داود (^٣)، انتهى من \"الفتح\" (^٤).\n\n(١٩١ -<span data-type='title' id=toc-2176> باب ما يكره من ذبح الإبل والغنم في المغانم)</span>\nقال الحافظ: موضع الترجمة من الحديث أمره - ﷺ - بإكفاء القدور؛ فإنه مشعر بكراهة ما صنعوا من الذبح بغير إذن.\nوقال المهلب (^٥): إنما أكفأ القدور ليعلم أن الغنيمة إنما يستحقونها بعد قسمته لها، وذلك أن القصة وقعت في دار الإسلام لقوله فيها \"بذي الحليفة\".\nوأجاب ابن المنير (^٦) بأنه قد قيل: إن الذبح إذا كان على طريق التعدي كان المذبوح ميتة. وكأن البخاري انتصر لهذا المذهب، أو حمل الإكفاء على العقوبة بالمال، وإن كان ذلك المال لا يختص بأولئك الذين ذبحوا، لكن لما تعلق به طمعهم، كانت النكاية حاصلة لهم.\nوقال القرطبي (^٧): المأمور بإكفائه إنما هو المرق، وأما نفس اللحم\n_________\n(^١) هامش \"البذل\" (٩/ ٣٨١، ٣٨٢).\n(^٢) \"المغني\" (١٣/ ١٧١).\n(^٣) \"سنن أبي داود\" (ح: ٢٧١٣).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٦/ ١٨٧).\n(^٥) انظر: \"شرح ابن بطال\" (٥/ ٢٣٦).\n(^٦) \"المتواري\" (ص ١٨٢).\n(^٧) \"المفهم\" (٥/ ٣٧٥).","vol":"4","page":321},{"text":"فلم يتلف، بل يحمل على أنه جمع ورد إلى المغانم؛ لأن النهي عن إضاعة المال تقدم. . .، إلى آخر ما في \"الفتح\" (^١).\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢) \"باب ما يكره من ذبح الإبل. . .\" إلخ، يعني به قبل القسمة، انتهى. وفي هامشه: اعلم أن المسلمين يجوز لهم الأكل من المغانم في دار الحرب قبل القسمة سواء كان مهيَّأ للأكل كالطعام والفواكه وغيرها أو غير مهيَّئ للأكل كالدواب، كما بسط في \"الأوجز\" (^٣)، وفيه بعد ذكر أقاويل العلماء في ذلك: أن الحيوانات يجوز ذبحها وأكلها، إلا ما حكى الحافظ عن الشافعي من التقييد بالحاجة، وما مال إليه الخرقي من المنع بدون الاضطرار، وفي \"المغني\" (^٤): ظاهر كلام أحمد إباحته، ويشكل عليهم حديث البخاري هذا، واختلفوا في توجيهه، وظاهر ميل البخاري إلى الكراهة مطلقًا، وترجم عليه أبو داود في \"سننه\": \"باب في النهي عن النهي إذا كان في الطعام قلة في أرض العدو\". وفي \"الأوجز\" (^٥) اختلفت شراح الحديث في توجيه هذه القصة فقيل: كانت في دار الإسلام، وقيل: كان في الطعام قلة، وقيل: كان الذبح على طريق التعدي. انتهى.\nوأما مسألة الأكل من طعام الغنيمة في دار الحرب فسيأتي بعد عدة أبواب من \"باب ما يصيب من الطعام في أرض الحرب\".\n\n(١٩٢ -<span data-type='title' id=toc-2177> باب البشارة في الفتوح)</span>\nقال القسطلاني (^٦): أي: مشروعيته، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ١٨٨).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٧/ ٢٨٩).\n(^٣) \"أوجز المسالك\" (٩/ ١٥١ - ١٥٥).\n(^٤) \"المغني\" (١٣/ ١٢٦).\n(^٥) \"أوجز المسالك\" (٩/ ١٥٦).\n(^٦) \"إرشاد الساري\" (٦/ ٦١٥).","vol":"4","page":322},{"text":"(١٩٣ -<span data-type='title' id=toc-2178> باب ما يعطى البشير. . .) إلخ</span>\nيشير إلى حديثه الطويل في قصة تخلُّفه في غزوة تبوك، وهو ظاهر فيما ترجم له، وسيأتي أن البشير هو سلمة بن الأكوع، قاله الحافظ (^١).\nوقال القسطلاني (^٢) كذا في \"فتح الباري\"، وتبعه العيني (^٣) أن البشير سلمة بن الأكوع. وفي المقدمة: في \"المغازي\" إن الذي بشر كعبًا بتوبة وسعى إليه حمزة بن عمرو الأسلمي، وكذا هو في \"المصابيح\" لا ابن الأكوع. انتهى.\n\n(١٩٤ -<span data-type='title' id=toc-2179> باب لا هجرة بعد الفتح)</span>\nأي: فتح مكة، أو المراد ما هو أعم من ذلك، إشارة إلى أن حكم غير مكة في ذلك حكمها، فلا تجب الهجرة من بلد قد فتحه المسلمون، أما قبل فتح البلد فمن به من المسلمين أحد ثلاثة: الأول: قادر على الهجرة منها لا يمكنه إظهار دينه بها، ولا أداء واجباته، فالهجرة منه واجبة، والثاني: قادر، لكنه يمكنه إظهار دينه وأداء واجباته، فمستحبة لتكثير المسلمين ومعونتهم، وجهاد الكفار والأمن من عذرهم والراحة من رؤية المنكر بينهم، الثالث: عاجز بعذر - مِن أسرٍ أو مرضٍ أو غيره - فتجوز له الإقامة، فإن حمل على نفسه وتكلف الخروج منها أجر، انتهى من \"الفتح\" (^٤).\nقال القسطلاني (^٥) في شرح قوله: \"ولكن جهاد ونية\"؛ أي: الهجرة بسبب الجهاد في سبيل الله والهجرة بسبب النية الخالصة لله - ﷿ - كطلب العلم والفرار من الفتن - باقيان مدى الدهر. انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ١٨٩).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٦/ ٦١٧).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٠/ ٤٠٩).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٦/ ١٩٠).\n(^٥) \"إرشاد الساري\" (٦/ ٦١٧).","vol":"4","page":323},{"text":"(١٩٥ -<span data-type='title' id=toc-2180> باب إذا اضطر الرجل إلى النظر في شعور أهل الذمة. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^١) - ﵀ -: مناسبة الحديث بالترجمة ظاهرة في رؤية الشعر من قوله في الرواية الأخرى: \"فأخرجت من عقاصها\" وهي ذوائبها المضفورة. وفي التجريد من قول علي: \"لأجردنك\". قال ابن المنير (^٢): ليس في الحديث بيان هل كانت المرأة مسلمة أو ذمية، لكن لما استوى حكمهما في تحريم النظر لغير حاجة شملهما الدليل. وقال ابن التين: إن كانت مشركة لم توافق الترجمة، وأجيب بأنها كانت ذات عهد فحكمها حكم أهل الذمة، انتهى.\n\n(١٩٦ -<span data-type='title' id=toc-2181> باب استقبال الغزاة)</span>\nأي: عند رجوعهم.\nقوله: (قال: نعم فحملنا وتركك) قال الحافظ: ظاهره أن القائل: \"فحملنا\" هو عبد الله بن جعفر، وأن المتروك هو ابن الزبير. وأخرجه مسلم من طريق أبي أسامة وابن علية كلاهما عن حبيب بن الشهيد بهذا الإسناد مقلوبًا ولفظه: \"قال عبد الله بن جعفر لابن الزبير\"، جعل المستفهم عبد الله بن جعفر، والقائل: \"فحملنا\" عبد الله بن الزبير، والذي في \"البخاري\" أصح. وقد نبه عياض على أن الذمي وقع في \"البخاري\" هو الصواب، قال: وتأويل رواية مسلم: أن يجعل الضمير في \"حملنا\" لابن جعفر فيكون المتروك ابن الزبير. . .، إلى آخر ما في \"الفتح\" (^٣).\n\n(١٩٧ -<span data-type='title' id=toc-2182> باب ما يقول إذا رجع من الغزو)</span>\nقال الحافظ (^٤): قوله: \"كنا مع النبي - ﷺ - مقفله من عسفان\". قال الدمياطي: هذا وهم لأن غزوة عسفان إلى بني لحيان كانت سنة ست،\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ١٩١).\n(^٢) \"المتواري\" (ص ١٨٣).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٦/ ١٩٢).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٦/ ١٩٣).","vol":"4","page":324},{"text":"وإرداف صفية - ﵂ - كان في غزوة خيبر سنة سبع، وجوز بعضهم أن يكون في طريق خيبر مكان يقال له عسفان وهو مردود، والذي يظهر أن الراوي أضاف المقفل إلى عسفان؛ لأن غزوة خيبر كانت عقبها، وكأنه لم يعتد بالإقامة المتخللة بين الغزوتين لتقاربهما، انتهى.\n\n(١٩٨ -<span data-type='title' id=toc-2183> باب الصلاة إذا قدم من سفر)</span>\nقال العلامة العيني (^١) في حديث جابر: هذا الحديث قد مر في \"كتاب الصلاة\" في: \"باب الصلاة إذا قدم من سفر\". انتهى.\nوقال القسطلاني (^٢): أخرجه المؤلف في نحو عشرين موضعًا مطولًا ومختصرًا، انتهى.\nوفي الحديث: أن الصلاة عند القدوم من السفر سُنّة وفضيلة فيها معنى الحمد لله على السلامة والتبرك بالصلاة أو ما يبدأ في الحضر، ونعم المفتاح إلى كل خير، وفيها يناجي العبد ربه، وذلك هدي رسوله وسُنَّته، ولنا فيه الأسوة، قاله العيني (^٣).\n\n(١٩٩ -<span data-type='title' id=toc-2184> باب الطعام عند القدوم. . .) إلخ</span>\nأي: بيان مشروعية اتخاذ الطعام. . . إلخ، قاله العيني (^٤).\nوهذا الطعام يقال له: النقيعة بالنون والقاف، قيل: اشتق فمن النقع وهو الغبار؛ لأن المسافر يأتي وعليه غبار السفر، وقيل: النقيعة من اللبن إذا برد، وقيل غير ذلك.\nقوله: (وكان ابن عمر يفطر. . .) إلخ، والأصل فيه: أن ابن عمر كان لا يصوم في السفر لا فرضًا ولا تطوعًا، وكان يكثر من صوم التطوع في الحضر، وكان إذا سافر أفطر وإذا قدم صام إما قضاء إن كان سافر في\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٠/ ٤١٦).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٦/ ٦٢٥).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٠/ ٤١٧).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٠/ ٤١٧).","vol":"4","page":325},{"text":"رمضان وإما تطوعًا إن كان في غيره، لكنه يفطر أول قدومه لأجل الذين يغشونه للسلام عليه والتهنئة بالقدوم ثم يصوم.\nقال ابن بطال (^١): فيه إطعام الإمام والرئيس أصحابه عند القدوم من السفر، وهو مستحب عند السلف، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\nثم البراعة عند الحافظ في قوله: \"قدمت من سفر، فقال النبي - ﷺ -: صل ركعتين\". ولا يذهب عليك أن \"كتاب الجهاد\" عندي ينتهي إلى بدء الخلق، فلا حاجة عندي إلى البراعة، أما عند الحافظ قدّس سره فقد تم \"كتاب الجهاد\" عنده إلى ههنا، وعلى هذا يكفي عند هذا العبد الضعيف للبراعة لفظ \"محارب ودثار\" الواقعتين في سند آخر حديث الباب، وتقدم توضيحه في \"مقدمة اللامع\"، وقد أقرّ الحافظ (^٣) بما اخترته في آخر \"الجهاد\" حيث قال: أحاديث فرض الخمس والجزية هي في التحقيق من بقايا الجهاد، وإنما أفردها زيادة في الإيضاح، كما أفردت العمرة وجزاء الصيد من \"كتاب الحج\"، انتهى.\n* * *\n_________\n(^١) (٥/ ٢٤٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ١٩٤).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٦/ ٢٨٥).","vol":"4","page":326},{"text":"٥٧ -<span data-type='title' id=toc-2185> كتاب فرض الخمس</span>\nقال الحافظ - ﵀ - (^١): كذا وقع عند الإسماعيلي، وللأكثر \"باب\"، وحذفه بعضهم، وثبتت البسملة للأكثر، و\"الخُمُس\" بضم المعجمة والميم ما يؤخذ من الغنيمة، والمراد بقوله: \"فرض الخمس\" أي: وقت فرضه أو كيفية فرضه أو ثبوت فرضه، والجمهور على أن ابتداء فرض الخمس كان بقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ الآية [الأنفال: ٤١]، وكانت الغنائم تقسم على خمسة أقسام: فيعزل خمس منها يصرف في من ذكر في الآية، وسيأتي البحث في مستحقيه بعد أبواب، وكان خُمُس هذا الخُمُس لرسول الله - ﷺ -، واختلف فيمن يستحقه بعده - ﷺ -، فمذهب الشافعي أنه يصرف في المصالح، وعنه يرد على الأصناف الثمانية المذكورين في الآية، وهو قول الحنفية مع اختلافهم فيهم كما سيأتي، وقيل: يختص به الخليفة، ويقسم أربعة أخماس الغنيمة على الغانمين إلا السلب؛ فإنه للقاتل على الراجح كما سيأتي.\nوذكر المصنف في الباب حديث علي في قصة الشارفين، قال ابن بطال (^٢): ظاهره أن الخمس شرع يوم بدر، ولم يختلف أهل السير أن الخمس لم يكن يوم بدر، وقد ذكر إسماعيل القاضي في غزوة بني قريظة قال: قيل: إنه أول يوم فرض فيه الخمس، قال: وقيل: نزل بعد ذلك، قال: ولم يأت ما فيه بيان شاف، وإنما جاء صريحًا في غنائم حنين، قال ابن بطال: وإذا كان كذلك فيحتاج هذا الحديث إلى تأويل.\nقال الحافظ: ولم أقف على ما نقله عن أهل السير صريحًا في أنه لم\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ١٩٨).\n(^٢) \"شرح ابن بطال\" (٥/ ٢٤٨).","vol":"4","page":327},{"text":"يكن في غنائم بدر خمس، وقد جزم الداودي الشارح بأن آية الخمس نزلت يوم بدر، قال السبكي: نزلت الأنفال في بدر وغنائمها، انتهى ملخصًا من \"الفتح\".\nثم ذكر المصنف في الباب ثلاثة أحاديث، ووقع في حديث عائشة ثاني حديثي الباب قوله: \"فغضبت فاطمة. . .\" إلخ.\nوكتب عليه الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^١): وهذا ظن من الراوي حيث استنبط من عدم تكلمها إياه أنها غضبت عليه مع أنها كانت نادمة فيما بدرت إليها وكان عدم التكلم لأجل الندامة، أو المنفي التكلم في هذا الباب، أو المعنى غضبت على نفسها حيث ذهبت إلى الخليفة تطلب شيئًا من الدنيا مع أنه رضي الله تعالى عنه كان بارًا راشدًا غير ظلوم، ولو سلم أنها غضبت عليه لذلك ولم تتكلمه مطلقًا فإن الأمر والجناية عائد إليها لا إليه حيث غضبت على أبي بكر لأنه عمل بحديث النبي - ﷺ - وتركته لأجل الدنيا مع أن هجران المسلم لا لوجه شرعي قد ورد فيه ما ورد، انتهى.\nوبسط في هامشه الكلام عليه، وفيه عن الحافظ: روى البيهقي من طريق الشعبي أن أبا بكر عاد فاطمة فقال لها علي رضي الله تعالى عنه: هذا أبو بكر يستأذن عليك، قالت: أتحب أن آذن له؟ قال: نعم، فأذنت له فدخل عليها فترضاها حتى رضيت. وهو وإن كان مرسلًا فإسناده إلى الشعبي صحيح، وبه يزول الإشكال، إلى آخر ما ذكر في هامش \"اللامع\" من التوجيهات.\nوالأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن ما يتوهم أن سخطها كان لعدم حصول مال الإرث بعيد من شأنها ومن ما هو المعروف من حالها من زهدها ومعالجة الفقر مدة عمرها وإيثارها الفقراء والمساكين على حاجتها وغير ذلك من أحوالها المعروفة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، بل كان ذلك كله\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٧/ ٢٩٠ - ٢٩١).","vol":"4","page":328},{"text":"عند هذا العبد الضعيف من التصلب في الدين وطلب الحق الواجب شرعًا، ومعلوم من أحوال الصحابة - ﵃ - أنهم كانوا في أمر الدين أشداء على الناس لا يخافون في ذلك لومة لائم ولا مخالفة الأمراء، وكانت بضعة رسول الله - ﷺ - فاطمة رضي الله تعالى عنها ظنت أن حديث الإرث ليس بعام وذلك حق لها شرعي بخلاف ما فهمه الصديق - ﵁ -. . .، إلى آخر ما في هامش \"اللامع\" (^١).\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-2186> باب أداء الخمس من الدين)</span>\nأورد فيه حديث ابن عباس في قصة وفد عبد القيس، وترجم عليه في \"كتاب الإيمان\": \"أداء الخمس من الإيمان\" وهو على قاعدته في ترادف الإيمان والإسلام والدين، انتهى [من \"الفتح\" (^٢)].\nقلت: ولا يتوهم التكرار؛ لأن المقصود هناك بيان أمور الإيمان، والغرض ههنا بيان أداء الخمس اهتمامًا له.\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-2187> باب نفقة نساء النبي - ﷺ - بعد وفاته)</span>\nقال القسطلاني (^٣): قوله: \"ما تركت بعد نفقة نسائي فهو صدقة\" لأني لا أورث ولا أخلف مالًا. ونص على نفقة نسائه لكونهن محبوسات عن الأزواج بسببه أو لعظم حقوقهن في بيت المال لفضلهن وقدم هجرتهن وكونهن أمهات المؤمنين، ولذلك اختصصن بمساكنهن ولم يرثها ورثتهن، انتهى.\nوفي \"الفيض\" (^٤): أما نفقتهن فإن شئت قلت: إن الأنبياء إذا كانوا أحياءً في قبورهم فنفقة أزواجهم تكون في مال الله لا محالة، وإن شئت قلت: إنهن إذا اخترن الله ورسوله عادت نفقتهن إلى ماله تعالى، انتهى.\n_________\n(^١) \"اللامع\" (٧/ ٢٩٠ - ٢٩٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ٢٠٩).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (٧/ ١٧).\n(^٤) \"فيض الباري\" (٤/ ٢٥٨).","vol":"4","page":329},{"text":"وقال الحافظ (^١) في حديث عائشة ثاني حديثي الباب: قال ابن المنيِّر (^٢): وجه دخول هذا الحديث في الترجمة أنها لو لم تستحق النفقة بعد موت النبي - ﷺ - لأخذ الشعير منها، انتهى.\nوأوضح منه عبارة القسطلاني (^٣) إذ قال: مطابقة الحديث للترجمة في قولها: \"فأكلت منه. . .\" إلخ، فإنها لم تذكر أنها أخذته في نصيبها بالميراث إذ لو لم تستحق النفقة لأخذ الشعير منها لبيت المال، انتهى.\nوقال العيني (^٤) في آخر حديث الباب: مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: \"وأرضًا تركها صدقة\" وذلك لأن نفقة نسائه - ﷺ - بعد موته كانت مما خصه الله به من الفيء، ومنه فدك وسهمه من خيبر، انتهى.\n\n(٤ -<span data-type='title' id=toc-2188> باب ما جاء في بيوت أزواج النبي - ﷺ -. . .) إلخ</span>\nكتب في \"اللامع\" (^٥): يعني بذلك: أن إضافتها إليهن تمليكية، وإليه - ﷺ - لأدنى ملابسة، فكان قد ملكهن إياها قبل الموت، فلا يعترض على قوله: \"لا نورث ما تركناه صدقة\"، انتهى.\nوفي هامشه: قال الحافظ (^٦): قال ابن المنيِّر (^٧): غرضه بهذه الترجمة أن يبين أن هذه النسبة تحقق دوام استحقاقهن للبيوت ما بقين؛ لأن نفقتهن وسكناهن من خصائص النبي - ﷺ -، والسر فيه حبسهن عليه.\nقال الطبري: قيل: كان النبي - ﷺ - ملَّك كلًّا من أزواجه البيت الذي هي فيه، فسكنَّ بعده فيهن بذلك التمليك، وقيل: إنما لم ينازعهن في مساكنهن؛ لأن ذلك من جملة مؤنتهن التي كان النبي - ﷺ - استثناها لهن مما كان بيده أيام حياته حيث قال: \"ما تركت بعد نفقة نسائي\" قال: وهذا\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٢٠٩).\n(^٢) \"المتواري\" (ص ١٨٥).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (٧/ ١٨).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٠/ ٤٣٣).\n(^٥) \"لامع الدراري\" (٧/ ٢٩٤).\n(^٦) \"فتح الباري\" (٦/ ٢١١).\n(^٧) \"المتواري\" (ص ١٨٦، ١٨٧).","vol":"4","page":330},{"text":"أرجح، ويؤيده أن ورثتهن لم يرثن عنهن منازلهن، ولو كانت البيوت ملكًا لهن لانتقلت إلى ورثتهن، ولهذا زيدت بيوتهن في المسجد النبوي بعد موتهن لعموم نفعه للمسلمين كما فعل فيما كان يصرفه لهن من النفقات، وادعى المهلب أن النبي - ﷺ - كان حبس عليهن بيوتهن، ثم استدل به على أن من حبس دارًا جاز له أن يسكن منها في موضع، وتعقبه ابن المنيِّر بمنع أصل الدعوى، ثم على التنزل لا يوافق ذلك مذهبه إلا إن صرَّح بالاستثناء، ومن أين له ذلك؟! انتهى مختصرًا.\nقلت: ذكر الإمام البخاري في الترجمة آيتين، في إحداهما: نسبة البيوت إلى الأزواج، وفي الأخرى: إلى النبي - ﷺ -، ولعله أشار بذلك إلى الاختلاف في ذلك، وقول البخاري في الترجمة: \"وما نسب إليهن\" لعله إشارة إلى ترجيح ملكهن، وعليه بنى الشيخ قُدِّس سرُّه تقريره، والمسألة خلافية، كما في هامش \"اللامع\" (^١) عن \"حاشية الجمل\".\n\n(٥ -<span data-type='title' id=toc-2189> باب ما ذكر من درع النبي - ﷺ -. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): يعني بذلك: أن ما تركه النبي - ﷺ - وقت موته كان حقًا مشتركًا بين المسلمين أجمعين لكونه صدقة إلا أن يكون ملَّكه أحدًا من أصحابه قبل موته، وإذا ثبت فيه اشتراك الكل فيد الصحابي الذي هو عنده يد تولية وحفظ، لا يد استبداد بالتصرف وتملك، انتهى.\nوقال الحافظ (^٣): الغرض من هذه الترجمة تثبيت أنه - ﷺ - لم يورث ولا بيع موجوده، بل ترك بيد من صار إليه للتبرك، ولو كانت ميراثًا لبيعت وقسمت، ولهذا قال بعد ذلك: \"مما لم تذكر قسمته\" وقوله: \"مما تبرك أصحابه\" أي: به، وحذفه للعلم به، كذا للأصيلي، ولأبي ذر عن شيخيه \"شرك\" بالشين من الشركة وهو ظاهر، وأما قول المهلب: إنه إنما ترجم\n_________\n(^١) \"اللامع\" (٧/ ٢٩٤، ٢٩٥).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٧/ ٢٩٦ - ٢٩٧).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٦/ ٢١٣).","vol":"4","page":331},{"text":"بذلك ليتأسى به ولاة الأمور في اتخاذ هذه الآلات، ففيه نظر، وما تقدم أولى، وهو الأليق لدخوله في أبواب الخمس، انتهى.\nوفي \"الفيض\" (^١): قوله: \"باب ما ذكر. . .\" إلخ، يقول: إن بعض الأشياء قد بقيت بعده - ﷺ - بطريق التبرك، ولم تجر فيه القسمة، انتهى.\nقال العيني (^٢): الترجمة مشتملة على تسعة أجزاء، وفي الباب ستة أحاديث، الأول: في ذكر الخاتم، والثاني: في النعل، والثالث: في الكساء الملبد، والرابع: في القدح، والخامس: في الصيف، والسادس: في الصدقة التي كان ذكرها في الصحيفة، ولم يذكر فيه ما يطابق درعه وعصاه وشعره وآنيته، انتهى مختصرًا. ثم ذكر العيني وكذا الحافظ الروايات الدالة على تلك البقية، كما ذكر في هامش \"اللامع\" (^٣).\n\n(٦ -<span data-type='title' id=toc-2190> باب الدليل على أن الخمس لنوائب رسول الله - ﷺ -. . .) إلخ</span>\nأي: خمس الغنيمة، والنوائب جمع نائبة وهو ما ينوب الإنسان من الأمر الحادث، قوله: \"وإيثار النبي\" أي: ولأجل إيثاره، وقوله: \"حين سألته\" ظرف للإيثار، انتهى من \"الفتح\" (^٤) و\"العيني\" (^٥).\nوقال السندي (^٦): الظاهر أن \"الدليل\" مبتدأ، خبره قوله: \"حين سألته\" بتقدير ما فعله حين سألته فإنه حين ذلك ما أعطاها، بل وكلها إلى الله تعالى، فهذا دليل على أن الخمس له أن يصرفه في أيّ مصرف من مصارف الخمس، ولا يلزم إعطاء المصارف الخمس كلها بل له أن يعطي بعضها، انتهى.\n_________\n(^١) \"فيض الباري\" (٤/ ٢٦١).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٠/ ٤٣٧).\n(^٣) \"اللامع\" (٧/ ٢٩٦ - ٢٩٧).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٦/ ٢١٦).\n(^٥) \"عمدة القاري\" (١٠/ ٤٤٣).\n(^٦) \"حاشية السندي على صحيح البخاري\" (٢/ ١٩٠).","vol":"4","page":332},{"text":"وقال صاحب \"الفيض\" (^١): واعلم أن أربعة أخماس من الغنيمة للغانمين بالاتفاق، بقي الخمس، فقد تكفل القرآن ببيان مستحقيه، وذكرها في ستة، فخرجها الحنفية على أن ذكر اسم الله تعالى لمجرد التبرك، بقي رسوله، فسقط سهمه بعد وفاته، وأما ذو قرابته فإنما يعطون من أجل الفقر، وكونهم من أقربائه - ﷺ - ليس بمعتبر في باب الإعطاء، فيقدمون فقراء ذوي القرابة على غيرهم، وإِذن لم يبق من الستة إلا ثلاثة، وذهب مالك إلى أنهم ليسوا بمستحقين، ولكنهم مصارف، فيصرفه الإمام من ولايته كيف شاء، وكم شاء.\nأما الفيء فلم يذهب أحد إلى إيجاب الخمس فيه إلا الشافعي، ولا خمس فيه عند الجمهور، فإنه مال حصل بدون إيجاف خيل ولا ركاب، فيستبد بصرفه الإمام، ولا يخرج منه الخمس، ومذهب الشافعي مرجوح في ذلك، ولعل المصنف رجح مذهب مالك، واختار أن قسمة الخمس إلى الإمام يقسمه كيف شاء، وترجم لذلك أربعة تراجم:\nالأولى: هذه الترجمة، وأخرج تحتها حديث شكاية فاطمة، وما كانت تجد من الطحن والرحى، واستدل منه على أن ذوي القرابة لو كانوا مستحقين لأعطاها النبي - ﷺ - غلامًا من الخمس البتة.\nوالثانية: باب قول الله: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٤١] إلخ، ثم فسَّره بقوله يعني: للرسول قسم ذلك، فجعل القسمة إليه يقسمه كيف يشاء.\nوالثالثة: ما سيأتي بعد سبعة أبواب \"باب من قال: ومن الدليل على أن الخمس لنوائب المسلمين. . .\" إلخ، حيث جعله في النوائب، ولم يخصه بصنف دون صنف، واستدل عليه بأنه - ﷺ - أعطى الأنصار وجابرًا من تمر خيبر، مع أنهما لم يكونا من ذوي القرابة.\n_________\n(^١) \"فيض الباري\" (٤/ ٢٦٢، ٢٦٣).","vol":"4","page":333},{"text":"والرابعة: ما سيأتي بعد تسعة أبواب \"باب ومن الدليل على أن الخمس للإمام. . .\" إلخ، فهذه تراجم كلها - كما ترى - قريبة المعاني، ومرماها واحد، وهو الموافقة بمذهب مالك، انتهى.\nوقال صاحب \"الجمل\" (^١) في قوله تعالى: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ الآية: أضيف الخمس لهؤلاء الستة وظاهرها أنه يقسم ستة أقسام، وبه قال أبو العالية فقال: إن الذي لله يصرف إلى الكعبة، ثم يقسم ما بقي على خمسة أقسام، وقيل: سهم الله لبيت المال، وقيل: مضموم إلى سهم الرسول، والجمهور على أن ذكر الله للتعظيم، وقال أيضًا: وبعد وفاة النبي - ﷺ - يصرف خمس الخمس الذي كان له - ﷺ - إلى مصالح المسلمين، وهذا مذهب الشافعي، وقال مالك: الرأي فيه إلى الإمام، وقال أبو حنيفة: سقط سهمه وسهم ذوي القربى لوفاته - ﷺ -، وصار الكل مصروفًا إلى الثلاثة الباقية، انتهى.\nقلت: ومذهب أحمد كمذهب الشافعي كما في \"المغني\"، وهو كما قال الرازي في تفسيره (^٢): أما بعد وفاته - ﷺ - فعند الشافعي أنه يقسم على خمسة أسهم، سهم للرسول يصرف إلى ما كان يصرفه إليه من مصالح المسلمين كعدة الغزاة، وسهم لذوي القربى من أغنيائهم وفقرائهم يقسم بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين، انتهى.\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٣) تحت الترجمة: ودلالة الرواية عليه من حيث إن فاطمة رضي الله تعالى عنها سألته منه فعلم أنه كان لنوائبه، وحاجة فاطمة رضي الله تعالى عنها إنما هي حاجته - ﷺ -، انتهى.\nوقال الحافظ (^٤): قال إسماعيل القاضي: هذا الحديث يدل على أن\n_________\n(^١) \"الفتوحات الإلهية\" (٢/ ٢٤٥).\n(^٢) \"التفسير الكبير\" (١٥/ ١٣٢).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٧/ ٣٠١).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٦/ ٢١٦).","vol":"4","page":334},{"text":"للإمام أن يقسم الخمس حيث يرى؛ لأن الأربعة الأخماس استحقاق للغانمين، والذي يختص بالإمام هو الخمس، وقد منع النبي - ﷺ - ابنته وأعز الناس عليه من أقربائه وصرفه إلى غيرهم، انتهى.\nوتعقب عليه الحافظ نصرة لمذهب الشافعي، وقد تقدم أن ميل الإمام البخاري في هذه المسألة إلى مسلك الإمام مالك، وقال الحافظ أيضًا: ليس في الحديث ذكر أهل الصفة ولا الأرامل، وكأنه أشار بذلك إلى ما ورد في بعض طرق الحديث كعادته، وهو ما أخرجه أحمد (^١) عن علي في هذه القصة مطولًا وفيه: \"والله لا أعطيكم وأح أهل الصفة تطوى بطونهم من الجوع\" الحديث، انتهى.\n\n(٧ -<span data-type='title' id=toc-2191> باب قول الله تعالى: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ. . .﴾) إلخ</span>\nهذه هي الترجمة الثانية المشار إليها في الباب السابق، وتقدم شيء من الكلام عليه هناك.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): يعني بذلك: أن إضافة الخمس إليه ﵎ تبرك، وإلى النبي - ﷺ - باعتبار أنه يقسمه وإنما هو لنوائب المسلمين، وأما ما ذكره أولًا فلأن نوائب رسول الله - ﷺ - هي نوائب المسلمين، واستدل على مدعاه من حيث إنه - ﷺ - سمى نفسه قاسمًا والله المعطي، فعلم أنه لم يكن يملك شيئًا، والله أعلم، انتهى.\nوفي هامشه: اعلم أن ههنا مسألتين: إحداهما: أن خمس الرسول هل هو ملك له - ﷺ - أو مفوض إليه - ﷺ - قسمته؟.\nوالثانية: ماذا يفعل بهذا الخمس الذي لرسول - ﷺ - بعد وفاته؟ وتقدم الكلام على هذه المسألة الثانية في الباب السابق مبسوطًا، وأما المسألة\n_________\n(^١) \"مسند أحمد\" (١/ ١٠٦)، وانظر أيضًا \"تغليق التعليق\" (٣/ ٤٧٠).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٧/ ٣٠٢ - ٣٠٣).","vol":"4","page":335},{"text":"الأولى وهي مقصود البخاري، فقال الحافظ (^١): قوله: \"للرسول قسم ذلك\"، هذا اختيار منه لأحد الأقوال في تفسير هذه الآية، والأكثر على أن اللام في قوله: \"للرسول\" للملك، وأن للرسول خمس الخمس من الغنيمة سواء حضر القتال أو لم يحضر، وهل كان يملكه أو لا؟ وجهان للشافعية، ومال البخاري إلى الثاني، انتهى.\nوقال الكرماني (^٢): قوله يعني: للرسول قسمته لا أن سهمًا منه له، قال شارح التراجم: مقصود البخاري ترجيح قول من قال: إن النبي - ﷺ - لم يملك خمس الخمس، وإنما كان عليه قسمته، انتهى.\n\n(٨ -<span data-type='title' id=toc-2192> باب قول النبي - ﷺ -: \"أحلت لكم الغنائم\". . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٣): كذا للجميع، ووقع عند ابن التِّين \"أحلت لي\" وهو أشبه؛ لأنه ذكر بهذا اللفظ في هذا الباب، وهذا الثاني طرف من حديث جابر الماضي في التيمم (^٤)، وقد تقدم بيان ما كان من قبلنا يصنع في الغنيمة، انتهى.\n\n(٩ -<span data-type='title' id=toc-2193> باب الغنيمة لمن شهد الوقعة)</span>\nهذا لفظ أثر أخرجه عبد الرزاق بإسناد صحيح عن طارق بن شهاب: \"أن عمر - ﵁ - كتب إلى عمار أن الغنيمة لمن شهد الوقعة\"، ذكره في قصة، انتهى من \"الفتح\" (^٥).\nوقال العيني (^٦): وعليه جماعة الفقهاء، فإن قلت: قسم النبي - ﷺ - لجعفر بن أبي طالب ولمن قدم في سفينة أبي موسى من غنائم خيبر لمن لم يشهدها؟\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٢١٧، ٢١٨).\n(^٢) \"شرح الكرماني\" (١٣/ ٩١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٦/ ٢٢٠).\n(^٤) \"صحيح البخاري\" (ح: ٣٣٥).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٦/ ٢٢٤).\n(^٦) \"عمدة القاري\" (١٠/ ٤٥٥).","vol":"4","page":336},{"text":"قلت: إنما فعل ذلك لشدة احتياجهم في بدء الإسلام فإنهم كانوا للأنصار تحت منح من النخيل والمواشي لحاجتهم، فضاقت بذلك أحوال الأنصار، وكان المهاجرون في ذلك في شغل، فلما فتح الله خيبر عوض الشارع المهاجرين ورد إلى الأنصار منائحهم، وقال الطحاوي - ﵀ -: إنه - ﷺ - استطاب أنفس أهل الغنيمة، وقد روي ذلك عن أبي هريرة، كما يجيء عن قريب، انتهى.\nقلت: وترجم الإمام أبو داود: \"من جاء بعد الغنيمة فلا سهم له\"، قال الشيخ في \"البذل\" (^١): قال في \"الهداية\" (^٢): وإذا لحقهم المدد في دار الحرب قبل أن يخرجوا الغنيمة إلى دار الإسلام شاركوهم فيها خلافًا للشافعي - ﵀ - بعد انقضاء القتال، انتهى.\nوفي \"الموطأ\": قال مالك: أرى أن لا يقسم إلا لمن شهد القتال من الأحرار.\nوبسط في \"الأوجز\" الكلام في صفات استحقاق السهم وشرائطه، وفيه عن الباجي (^٣): قوله: \"إلا لمن شهد القتال\" هذا كما قال، فمن جاء بعد القتال وإحراز الغنيمة لم يسهم له، وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: من جاء بعد تقضِّي القتال وإحراز الغنيمة وقبل الخروج من دار الحرب فله سهمه، ومن جاء بعد الخروج من دار الحرب فلا سهم له، انتهى من \"الأوجز\" (^٤).\nوذكر العلَّامة العيني (^٥) اختلاف العلماء في حكم الأرض المفتوحة وهي خلافية شهيرة.\n_________\n(^١) \"بذل المجهود\" (٩/ ٤١٥).\n(^٢) \"الهداية\" (٢/ ٣٨٥).\n(^٣) \"المنتقى\" (٣/ ١٧٨).\n(^٤) أوجز المسالك\" (٩/ ١٣٥ - ١٤٤).\n(^٥) \"عمدة القاري\" (١٠/ ٤٥٦).","vol":"4","page":337},{"text":"(١٠ -<span data-type='title' id=toc-2194> باب من قاتل للمغنم هل ينقص من أجره؟. . .) إلخ</span>\nقال ابن المنيِّر: أراد البخاري أن قصد الغنيمة لا يكون منافيًا للأجر ولا منقصًا إذا قصد معه إعلاء كلمة الله؛ لأن السبب لا يستلزم الحصر، ولهذا يثبت الحكم الواحد بأسباب متعددة، ولو كان قصد الغنيمة ينافي قصد الإعلاء لما جاء الجواب عامًا ولقال مثلًا: من قاتل للمغنم فليس هو في سبيل الله.\nقال الحافظ: وما ادعى أنه مراد البخاري فيه بعد، والذي يظهر أن النقص من الأجر أمر نسبي كما تقدم تحرير ذلك في أوائل الجهاد، فليس من قصد إعلاء كلمة الله محضًا في الأجر مثل من ضم إلى هذا القصد قصدًا آخر من غنيمة أو غيرها، وقال ابن المنيِّر في موضع آخر: ظاهر الحديث أن من قاتل للمغنم - يعني: خاصة - فليس في سبيل الله، وهذا لا أجر له البتة، فكيف يترجم له بنقص الأجر، وجوابه ما قدمته، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nقلت: واختار العلَّامة القسطلاني في بيان ميل المصنف ما اختاره ابن المنيِّر، أي: لا ينقص من أجره شيء، ولكن اختار هو بنفسه ما حققه الحافظ أنه نقص نسبي، كما تقدم في كلام الحافظ، وقال العلَّامة العيني تحت الباب (^٢): أي: من قاتل لأجل حصول الغنيمة هل ينقص أجره؟ وجوابه أنه ليس له أجر فضلًا عن النقصان؛ لأن المجاهد الذي يجاهد في سبيل الله هو الذي يجاهد لإعلاء كلمة الله، انتهى.\nفالعلَّامة العيني حمل الترجمة على من قاتل للغنيمة خاصة، ولذا قال: لا أجر له أصلًا، وترجم الإمام أبو داود في \"سننه\" (^٣): \"باب في الرجل يغزو يلتمس الأجر والغنيمة\"، وأخرج فيه حديث عبد الله بن حوالة\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٢٢٦).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٠/ ٤٥٦).\n(^٣) انظر: \"بذل المجهود\" (٩/ ١٠٢).","vol":"4","page":338},{"text":"الأزدي: \"بعثنا رسول الله - ﷺ - لنغنم على أقدامنا فرجعنا فلم نغنم شيئًا، وعرف الجهد في وجوهنا، فقام فينا، فقال: اللَّهم لا تكلهم إلي فأضعف عنهم، ولا تكلهم إلى أنفسهم فيعجزوا عنها\" الحديث، ويستأنس منه أن لا منافاة بين قصد الأجر وقصد الغنيمة فيجتمعان، وإن لزم منه نقص الأجر فإنه أمر آخر.\n\n(١١ -<span data-type='title' id=toc-2195> باب قسمة الإمام ما يقدم عليه)</span>\nأي: من جهة أهل الحرب.\nقوله: (ويخبأ لمن لم يحضره) أي: في مجلس القسمة، \"أو غاب عنه\" أي: في غير بلد القسمة، قال ابن المنيِّر: فيه رد لما اشتهر بين الناس أن الهدية لمن حضر، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(١٢ -<span data-type='title' id=toc-2196> باب كيف قسم النبي - ﷺ - قريظة والنضير)</span>\nقال الحافظ (^٢): ذكر فيه حديث أنس وهو مختصر سيأتي بتمامه مع بيان الكيفية المترجم بها في \"المغازي\" (^٣)، ومحصل القصة أن أرض بني النضير كانت مما أفاء الله على رسوله وكانت له خالصة، لكنه آثر بها المهاجرين وأمرهم أن يعيدوا إلى الأنصار ما كانوا واسوهم به لما قدموا عليهم المدينة ولا شيء لهم، فاستغنى الفريقان جميعًا بذلك، ثم فتحت قريظة لما نقضوا العهد فحوصروا فنزلوا على حكم سعد بن معاذ، وقسَّمها النبي - ﷺ - في أصحابه وأعطى من نصيبه في نوائبه - أي: في نفقات أهله ومن يطرأ عليه - ويجعل الباقي في السلاح والكراع عدة في سبيل الله كما ثبت في الصحيحين من حديث مالك بن أوس عن عمر في بعض طرقه مختصرًا، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٢٢٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ٢٢٧).\n(^٣) انظر: \"صحيح البخاري\" (ح: ٤١٢٠).","vol":"4","page":339},{"text":"(١٣ -<span data-type='title' id=toc-2197> باب بركة الغازي في ماله حيًّا ومَيِّتًا. . .) إلخ</span>\n\" البركة\" بالموحدة وصحفه بعضهم بالمثناة الفوقية، \"حيًّا وميتًا\" أي: في حال كونه حيًّا وميتًا، فكم من فقير أغناه الله ببركة غزوة، قاله القسطلاني (^١)، وقال أيضًا بعد ذكر الحديث: والظاهر أن الغرض ذكر الكثرة التي نشأت عن البركة في تركة الزبير إذ خلف دينًا كثيرًا ولم يخلف إلا العقار المذكور، ومع ذلك فبورك فيه حتى تحصل منه هذا المال العظيم، انتهى.\nوقال الحافظ (^٢): وقصة الزبير بن العوام في دينه وما جرى لابنه في وفاته من الأحاديث المذكورة في غير مظنتها، والذي يدخل في المرفوع منه قول ابن الزبير: \"وما ولي إمارة قط، ولا جباية خراج، ولا شيئًا إلا أن يكون في غزوة مع النبي - ﷺ -\"، وهذا القدر هو المطابق للترجمة، وما عدا ذلك كله موقوف، انتهى.\nقلت: والأوجه عندي: أن قصة الزبير وما يتعلق بها جميع ذلك بيان لما حصل ووجد في زمنه ﵊ وبعده مما يتعلق بالغنيمة وغيرها، وهذا أصل مطرد من أصول التراجم، وهو الأصل الرابع عشر المتقدمة في الجزء الأول.\nوفي هامش \"اللامع\" (^٣): في حديث الباب إِشكالات بسطت في الشروح، وأشدها ما في آخر الحديث من قوله: \"فأصاب كل امرأة ألف ألفٍ ومائتا ألف، فجميع ماله خمسون ألف ألف ومائتا ألف\"، انتهى.\nوهذان لا يستقيمان أصلًا، إلى آخر ما بسط في هامش \"اللامع\" في تفسير الحساب وإظهار ما وقع فيه من الغلط مع توجيه هذا الغلط.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٧/ ٥١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ٢٢٨).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٧/ ٣٠٦ - ٣٠٨).","vol":"4","page":340},{"text":"(١٤ -<span data-type='title' id=toc-2198> باب إذا بعث الإمام رسولًا في حاجته. . .) إلخ</span>\nقال القسطلاني (^١) بعد ذكر الحديث: واحتج أبو حنيفة بهذا على أن من بعثه الإمام لحاجة يسهم له، وقال الشافعي ومالك وأحمد: لا يسهم من الغنيمة إلا لمن حضر الوقعة، وأجابوا عن هذا الحديث بأنه خاص بعثمان - ﵁ -، انتهى.\n\n(١٥ -<span data-type='title' id=toc-2199> باب من قال: ومن الدليل على أن الخمس لنوائب المسلمين)</span>\nهكذا في نسخ الهندية، وليس في نسخ الشروح لفظ: \"من قال\"، بل فيها: \"باب ومن الدليل. . .\" إلخ، وهذه ترجمة ثالثة من التراجم الأربعة المعقودة لبيان أن خمس الغنيمة موكول إلى رأي الإمام، كما تقدم في \"باب الدليل على أن الخمس لنوائب رسول الله - ﷺ -. . .\" إلخ.\nقال الحافظ (^٢): هو عطف على الترجمة التي قبل ثمانية أبواب حيث قال: \"الدليل على أن الخمس لنوائب رسول الله - ﷺ -\"، وقال بعد باب: \"ومن الدليل على أن الخمس للإمام\"، والجمع بين هذه التراجم أن الخمس لنوائب المسلمين وإلى النبي - ﷺ - مع تولي قسمته أن يأخذ منه ما يحتاج إليه بقدر كفايته، والحكم بعده كذلك يتولى الإمام ما كان يتولاه.\nوجوَّز الكرماني (^٣) أن تكون كل ترجمة على وفق مذهب من المذاهب، وفيه بعد؛ لأن أحدًا لم يقل: إن الخمس للمسلمين دون النبي - ﷺ - ودون الإمام، ولا للنبي - ﷺ - دون المسلمين، فالتوجيه الأول هو اللائق، وحاصل مذاهب العلماء أكثر من ثلاثة، ثم بسطها الحافظ سبع مذاهب من مذاهب السلف، وتقدم مذاهب الأئمة في أول ترجمة من هذه التراجم.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٧/ ٥١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ٢٣٨).\n(^٣) \"شرح الكرماني\" (١٣/ ١٠٤).","vol":"4","page":341},{"text":"وتعقب العلَّامة العيني (^١) على كلام الحافظ في العطف إذ قال: لا وجه لدعوى هذا العطف البعيد المتخلل بين المعطوف والمعطوف عليه أبواب بأحاديثها، وليست هذه بواو العطف، بل مثل هذا يأتي كثيرًا بدون أن يكون معطوفًا على شيء، وتسمى هذه واو الاستفتاح، وهو المسموع من الأساتذة الكبار، انتهى.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): قوله: \"باب من قال\" ما يستنبط من الترجمة فمقول القول محذوف، والجواب عنه أنه إنما تحلل عندهم نصيبهم لا الخمس الذي كان له، انتهى.\nومطابقة حديث جابر آخر حديث الباب سكت عنه الحافظ، وقال العيني (^٣): لا يمكن توجيه المطابقة بين حديث الباب وبين الترجمة إلا بأن يقال: لما كان التصرف في الفيء والأنفال والغنائم والأخماس للنبي - ﷺ -، وفي الحديث ذكر قسمة الغنيمة، وفي الترجمة ما يدل على هذا، حصلت المطابقة من هذا الوجه، وإن كان فيه بعض التعسف، انتهى من هامش الهندية (^٤).\nوالأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن النبي - ﷺ - لما أعطى بعضهم أزيد من بعض حمله المعترض على خلاف العدل، كما عند مسلم فإنه أخرج الحديث أتم مما في \"البخاري\"، وكان تصرفه - ﷺ - ذلك من الخمس، فطابق الحديث الترجمة.\n\n(١٦ -<span data-type='title' id=toc-2200> باب ما منّ النبي - ﷺ - على الأسارى. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٥): أراد بهذه الترجمة أنه كان له - ﷺ - أن يتصرف في الغنيمة بما يراه مصلحة فينفل من رأس الغنيمة وتارة من الخمس، واستدل على الأول بأنه كان يمن على الأسارى من رأس الغنيمة وتارة من الخمس، فدل على أنه كان له أن ينفل من رأس الغنيمة.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٠/ ٤٧٠).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٧/ ٢٠٨، ٢٠٩).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٠/ ٤٧٨).\n(^٤) \"صحيح البخاري بحاشية السهارنفوري\" (٦/ ٤٥٤).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٦/ ٢٤٣).","vol":"4","page":342},{"text":"وذكر فيه حديث جبير بن مطعم (^١): \"لو كان المطعم حيًّا. . .\" إلخ، قال ابن بطال (^٢): وجه الاحتجاج به أنه - ﷺ - لا يجوز في حقه أن يخبر عن شيء لو وقع لفعله وهو غير جائز، فدل على أن للإمام أن يمن على الأسارى بغير فداء خلافًا لمن منع ذلك كما تقدم، واستدل به على أن الغنائم لا يستقر ملك الغانمين عليها إلا بعد القسمة، وبه قال المالكية والحنفية، وقال الشافعي: يملكون بنفس الغنيمة، والجواب عن حديث الباب أنه محمول على أنه كان يستطيب أنفس الغانمين، وليس في الحديث ما يمنع ذلك.\nثم قال الحافظ: والذي يظهر أن هذا كان باعتبار ما تقدم في أول الأمر أن الغنيمة كانت للنبي - ﷺ - يتصرف فيها حيث شاء، وفرض الخمس إنما نزل بعد قسمة غنائم بدر كما تقرر، فلا حاجة إذن في هذا الحديث لما ذكرنا، انتهى.\nوفي \"الفيض\" (^٣) تحت هذا الباب: وهذه أيضًا ناظرة إلى مذهب مالك، فإنه إذا مَنَّ عليهم ولم يأخذ منهم الخمس دلَّ على كونه إلى رأي الإمام، انتهى.\n\n(١٧ -<span data-type='title' id=toc-2201> باب ومن الدليل على أن الخمس للإمام. . .) إلخ</span>\nهذه هي الترجمة الرابعة من التراجم الأربعة المشار إليها قبل قوله: \"وقال عمر بن عبد العزيز: لم يعمهم بذلك. . .\" إلخ، يعني: أن النبي - ﷺ - لم يعط من ذي قرابته كله، بل قسم لبني المطلب وبني هاشم فقط، ثم لم يعط منهم كلهم أيضًا، بل أعطى بعضًا دون بعض، فدل على أن ما ذكر في القرآن إنما هو مصارف له فقط، دون مستحقيه.\n_________\n(^١) قال الحافظ في \"التغليق\" (٣/ ٤٧٧): ليس فيه ذكر صدور المن منه، بل فيه جوازه، وقد وقع ذلك مصرحًا في حديث رواه المصنف من حديث أبي هريرة في كتاب المغازي، باب (٧٠)، (ح: ٤٣٧٢) في قصة ثمامة بن أثال.\n(^٢) \"شرح ابن بطال\" (٥/ ٣٠٤).\n(^٣) \"فيض الباري\" (٤/ ٢٧٣).","vol":"4","page":343},{"text":"قوله: (ولم يخص قريبًا. . .) إلخ، وهذا نظر الحنفية أن العبرة في أهل قرابة النبي - ﷺ - للفقر دون جهة القرابة، فليست القرابة جهةً مستقلة عندنا، فوافقنا في هذا النظر، وإن كان وافق في أصل المسألة مالكًا كما مرّ، انتهى من \"الفيض\" (^١).\n\n(١٨ -<span data-type='title' id=toc-2202> باب من لم يُخَمِّس الأسلاب. . .) إلخ</span>\nالسلب بفتح المهملة واللام بعدها موحدة، هو ما يوجد مع المحارب من ملبوس وغيره عند الجمهور، وعن أحمد: لا تدخل الدابة، وعن الشافعي: يختص بأداة الحرب، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\nومسألة تخميس السلب خلافية شهيرة، فعند أحمد وهو المشهور عن الشافعي: أنه لا يخمس، وروي ذلك عن ابن عباس، وبه قال الأوزاعي والثوري: أنه يخمس، وقال إسحاق: إن استكثر الإمام السلب يخمسه، وإلا لا، ومذهب مالك كما في فروعه كلها أن السلب من الخمس، وحكى عنه الحافظ في \"الفتح\" (^٣) التخيير للإمام في ذلك، وعند الحنفية إن قيد الإمام ذلك بقوله فله السلب بعد الخمس يخمس وإلا لا، وبه جزم في \"الفتاوى الهندية\" إذ قال: إن نفل الإمام السلب بعد الخمس بأن قال: من قتل قتيلًا فله السلب بعد الخمس يخمس السلب، وإن نفل السلب مطلقًا بأن قال: من قتل قتيلًا فله السلب لا يخمس، كذا في \"الأوجز\" (^٤).\nقوله: (ومن قتل قتيلًا فله سلبه. . .) إلخ، قال الحافظ (^٥): هو قطعة من حديث أبي قتادة ثاني حديثي الباب، وأما قوله: \"من غير أن يخمس\" فهو من تفقهه، وكأنه أشار بهذه الترجمة إلى الخلاف في المسألة وهو شهير.\n_________\n(^١) \"فيض الباري\" (٤/ ٢٧٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ٢٤٧).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٦/ ٢٤٧).\n(^٤) \"أوجز المسالك\" (٩/ ٢٠٣).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٦/ ٢٤٧).","vol":"4","page":344},{"text":"قال الحافظ: ذهب الجمهور إلى أن القاتل يستحق السلب، سواء قال أمير الجيش قبل ذلك: من قتل قتيلًا فله سلبه، أو لم يقل ذلك، وهو ظاهر حديث أبي قتادة، وقال: إنه فتوى من النبي - ﷺ - وإخبار عن الحكم الشرعي، وعن المالكية والحنفية: لا يستحقه القاتل إلا إن شرط له الإمام ذلك، وعن مالك: يخيَّر الإمام بين أن يعطي القاتل السلب أو يخمسه، انتهى.\nوفي \"الأوجز\" (^١): وفيه الاختلاف المشهور بين العلماء من أنه يستحقه القاتل قاله الإمام أو لم يقل، وبه قال الشافعي وأحمد، وقال الحنفية بشرط أن يقوله الإمام قبل إحراز الغنيمة وقت القتال، وروي عن أحمد مثل قولهم، وهو اختيار أبي بكر من الحنابلة، وقال مالك: ينفّل الإمام من الخمس إن رأى المصلحة، ولا يقوله من قبل، ومع ذلك لو قاله ينفذ قوله، انتهى.\nقلت: وهكذا ذكر الشرَّاح هذه المسألة ههنا، واختلف العلماء في مسائل السلب في فروع كثيرة، ذكرت منها في \"الأوجز\" (^٢) بعد التتبع البليغ ثمانية عشر بحثًا، ومن جملتها هاتان المسألتان المذكورتان في هذه الترجمة، ومنها اختلافهم في مصداق السلب، وقد تقدم في كلام الحافظ في أول الباب.\nقوله: (من غير الخمس) وفي نسخة الشروح \"من غير أن يخمس\" وهذا بظاهره مكرر فإنه قال أولًا: \"من لم يخمس الأسلاب\" اللَّهم إلا أن يقال: إن قوله الأول: \"من لم يخمس\" إشارة إلى كون المسألة خلافية، وأشار بهذا القول الأخير إلى ما هو المختار عنده، ولذا قال الحافظ: هو من تفقه المصنف، فافهم.\nقوله: (وحكم الإمام فيه) قال العيني (^٣): عطف على قوله: \"من لم\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (٩/ ٢٠٤).\n(^٢) \"أوجز المسالك\" (٩/ ١٨٤ - ٢٠٦).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٠/ ٤٨٤).","vol":"4","page":345},{"text":"يخمس\"، وقال القسطلاني (^١): \"وحكم الإمام فيه\" أي: في السلب، عطف على \"من لم يخمس\"، انتهى.\nقلت: لم يتعرض الشرَّاح لمعناه وما هو الغرض منه، ويمكن عندي أن يقال: إن الإمام البخاري أشار به إلى مسألة خلافية من المسائل الثمانية عشر المذكورة في \"الأوجز\" (^٢)، وهي: الثاني عشر: ما قاله الإمام أحمد: لا يعجبني ذلك إلا بإذن الإمام، فإنه أمر مجتهد فيه، فلا ينفذ بدون إذنه، وقال الموفق (^٣): يحتمل قوله الاستحباب خروجًا عن الخلاف، وقال الشافعي: لا حاجة إلى إذنه، انتهى.\nقلت: وفي \"الموطأ\" تصريح عن الإمام مالك باشتراط الإذن، انتهى.\n\n(١٩ -<span data-type='title' id=toc-2203> باب ما كان النبي - ﷺ - يعطي المؤلفة قلوبهم. . .) إلخ</span>\nوهم من أسلم ونيته ضعيفة، أو كان يتوقع بإعطائه إسلام نظرائه.\nقوله: (وغيرهم) أي: غير المؤلفة ممن تظهر له المصلحة في إعطائه، (من الخمس ونحوه) أي: من مال الخراج والجزية والفيء، قال إسماعيل القاضي: في إعطاء النبي - ﷺ - للمؤلفة من الخمس دلالة على أن الخمس إلى الإمام يفعل فيه ما يرى من المصلحة، وقال الطبري: استدل بهذه الأحاديث من زعم أن النبي - ﷺ - كان يعطي من أصل الغنيمة لغير المقاتلين، قال: وهو قول مردود بدليل القرآن والآثار الثابتة، واختلف بعد ذلك من أين كان يعطي المؤلفة؟ فقال مالك وجماعة: من الخمس، وقال الشافعي وجماعة: من خمس الخمس، قيل: ليس في أحاديث الباب شيء صريح بالإعطاء من نفس الخمس.\nقوله: (رواه عبد الله بن زيد. . .) إلخ، يشير إلى حديثه الطويل في قصة حنين، كما سيأتي هناك، ثم أورد في الباب تسعة أحاديث، انتهى من \"الفتح\" (^٤) مختصرًا.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٧/ ٦٤).\n(^٢) \"أوجز المسالك\" (٩/ ٢٠٤).\n(^٣) \"المغني\" (١٣/ ٧٢).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٦/ ٢٥٢).","vol":"4","page":346},{"text":"وفي \"الفيض\" (^١): ولعله ذكر المؤلفة قلوبهم تأييدًا لما اختاره من أن الخمس إلى الإمام؛ لأن النبي - ﷺ - إذا أعطاهم - مع أنهم لا ذكر لهم في القرآن - دل على أن المذكورين فيه مصارف لا غير، ولذا وسع له أن يصرفه إلى غيرهم أيضًا، فثبت أن لا مزية لمن سمي في القرآن على غيرهم، ونقول: إن هؤلاء كانوا مصارف إلى زمن، ثم نسخ، أو انتهى الحكم بانتهاء العلة، فلا حجة فيه، انتهى.\nقال العلَّامة العيني (^٢) في حديث أسماء المذكور في الباب: \"قالت: كنت أنقل النوى من أرض الزبير\" الحديث: وجه المطابقة بينه وبين قوله في الترجمة: \"وغيرهم\" أي: وغير المؤلفة، وفي قوله: \"وغيره\"، أي: وغير الخمس يؤخذ من هذا، وفيه دقة.\nثم قال في حديث ابن عمر: \"أن عمر بن الخطاب أجلى اليهود والنصارى من أرض الحجاز\" الحديث، قيل: لا مطابقة بين الحديث والترجمة؛ لأنه ليس للعطاء فيه ذكر، وأجيب: بأن فيه جهات قد علم من مكان آخر أنها كانت جهات عطاء، فبهذا الطريق يدخل تحت الترجمة، انتهى.\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٣): لعل إيراد هذه الرواية، أي: رواية ابن عمر آخر أحاديث الباب ههنا لأجل أن النبي - ﷺ - كان يأمر أصحابه أن يتركوا لهم بعد الخرص ربعًا أو ثلثًا كما تشهد به الروايات، وليس ذلك إلا إعطاء، فكان هذا الحديث مما يناسب الباب باعتبار إعطاء الغير المؤلفة إن أريد به المؤمنون، وإن كان أعم ممن آمن ولم يكمل إيمانه بعد، وممن لم يكن مؤمنًا بعد، فهو من قبيل إعطاء المؤلفة وكان ذلك إعطاء من الخمس ونحوه معًا؛ لأن ما كان يجيء إلى المسلمين كان يخمس منه أولًا ثم يقسم بين الغانمين على حسب حصصهم، فما انتقص من نصيبهم وجبايتهم بترك الربع والخمس والثلث ونحوه انتقص بحسبه من الخمس\n_________\n(^١) \"فيض الباري\" (٤/ ٢٧٨).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٠/ ٤٩٥ - ٤٩٦).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٧/ ٣١٣ - ٣١٤).","vol":"4","page":347},{"text":"أيضًا، فكان هذا الحط لهم من المسلمين إعطاء أيضًا، فافهم فإنه غريب، وكم للأستاذ مثل ذلك من عجيب، انتهى.\nقلت: أجاد الشيخ قُدِّس سرُّه في بيان المناسبة حيث أنكر الشرَّاح المطابقة، فقد قال الحافظ (^١) - ﵀ -: قال ابن المنيِّر: أحاديث الباب مطابقة للترجمة إلا هذا الأخير، وليس فيه للعطاء ذكر، ثم ذكر ما تقدم عن العلَّامة العيني.\n\n(٢٠ -<span data-type='title' id=toc-2204> باب ما يصيب من الطعام في أرض الحرب)</span>\nأي: هل يجب تخميسه في الغانمين، أو يباح أكله للمقاتلين؟ وهي مسألة خلاف، والجمهور على جواز أخذ الغانمين من القوت وما يصلح به، وكل طعام يعتاد أكله عمومًا، وكذلك علف الدواب، سواء كان قبل القسمة أو بعدها بإذن الإمام وبغير إذنه، والمعنى فيه أن الطعام يعز في دار الحرب فأبيح للضرورة، والجمهور أيضًا على جواز الأخذ ولو لم تكن الضرورة ناجزة، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\nوفي \"البذل\" (^٣): قال القاري (^٤): قال عياض: أجمع العلماء على جواز أكل طعام الحربين ما دام المسلمون في دار الحرب على قدر حاجتهم، ولم يشترط أحد من العلماء استئذان الإمام إلا الزهري، وجمهورهم على أنه لا يجوز أن يخرج معه منه شيئًا إلى عمارة دار الإسلام، فإن أخرجه لزمه ردّه إلى المغنم، ولا يجوز بيع شيء منه في دار الحرب، انتهى.\nوأما مسألة ركوب دوابهم واستعمال سلاحهم فأيضًا خلافية ذكره الشرَّاح، وتحقيق المذاهب فيه في \"الأوجز\"، ولما لم يتعرض لها المصنف في تراجمه طويناه على غرة.\nثم البراعة عند الحافظ في قوله: \"حرمها البتة\" وعندي في قوله: \"فانتحرناها\".\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٢٥٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ٢٥٥).\n(^٣) \"بذل المجهود\" (٩/ ٣٥٨).\n(^٤) \"مرقاة المفاتيح\" (٧/ ٥٧٢ - ٥٧٣).","vol":"4","page":348},{"text":"٥٨ -<span data-type='title' id=toc-2205> كتاب الجزية</span>\nكذا في نسخة \"العيني\"، وهكذا في هامش النسخة الهندية، وفي نسخة \"القسطلاني\" و\"الفتح\": \"باب\" بدل \"كتاب\".\nقال الحافظ (^١): كذا للأكثر، ووقع عند ابن بطال وأبي نعيم: \"كتاب الجزية\"، ووقع لجميعهم البسملة أوله سوى أبي ذر. قوله: \"الجزية والموادعة. . .\" إلخ، فيه لف ونشر مرتب؛ لأن الجزية مع أهل الذمة، والموادعة مع أهل الحرب، والجزية بكسر الجيم من جزأت الشيء إذا قسَّمته ثم سهّلت الهمزة، وقيل: من الجزاء، أي: لأنها جزاء تركهم ببلاد الإسلام، أو من الإجزاء؛ لأنها تكفي من توضع عليه في عصمة دمه، والموادعة المتاركة، والمراد بها متاركة أهل الحرب مدة معينة لمصلحة.\nوالجزية في الاصطلاح: مال مأخوذ من أهل الذمة لإسكاننا إياهم في دارنا، أو لحقن دمائهم وذراريهم وأموالهم، أو لكفنا عن قتالهم، قال العلماء: الحكمة في وضعها أن الذلّ الذي يلحقهم يحملهم على الدخول في الإسلام مع ما في مخالطة المسلمين من الاطلاع على محاسن الإسلام.\nوفي \"الدر المختار\" (^٢): وهي - أي: الجزية - ليست رضًا منا بكفرهم كما طعن الملحدة، بل إنما هي عقوبة لهم على إقامتهم على الكفر فإذا جاز إِمهالهم للاستدعاء إلى الإيمان بدونها فبها أولى، قال ابن عابدين: ولأنها دعوة إلى الاسلام بأحسن الجهات، وهو أن يسكن بين المسلمين فيرى محاسن الإسلام، فيسلم مع دفع شره في الحال، انتهى.\nواختلف في سنة مشروعيتها، فقيل: في سنة ثمان، وقيل: في سنة تسع.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٢٥٨ - ٢٥٩).\n(^٢) \"رد المحتار\" (٦/ ٣٢٣).","vol":"4","page":349},{"text":"قوله: (وقول الله - ﷿ -. . .) إلخ، هذه الآية هي الأصل في مشروعية الجزية، ودلّ منطوق الآية على مشروعيتها مع أهل الكتاب، ومفهومها أن غيرهم لا يشاركهم فيها، انتهى من \"الفتح\" (^١) بزيادة من \"القسطلاني\" (^٢).\nوبسط الكلام على الجزية في \"الأوجز\" (^٣)، وذكر فيه أبحاثًا كثيرة عديدة في هذه المسألة، وفيه عن \"البداية\" (^٤): الكلام المحيط بأصول هذا الفصل ينحصر في ست مسائل: الأولى: ممن يجوز أخذ الجزية؟ الثانية: على أي الأصناف منهم تجب؟ الثالثة: كم تجب؟ الرابعة: متى تجب ومتى تسقط؟ الخامسة: كم أصناف الجزية؟ السادسة: فيماذا يصرف مال الجزية؟ ثم بسط فيه الكلام على هذه المسائل.\nقوله: (يعني: أذلاء) قال الحافظ (^٥): هو تفسير ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ قال أبو عبيدة في \"المجاز\" (^٦): الصاغر: الذليل الحقير، قوله: \"والمسكنة مصدر المسكين. . .\" إلخ، هذا الكلام ثبت في كلام أبي عبيدة في \"المجاز\" (^٧)، والقائل \"ولم يذهب إلى السكون\" قيل: هو الفربري الراوي عن البخاري، أراد أن ينبّه على أن قول البخاري: \"أسكن\" من المسكنة لا من السكون، وإن كان أصل المادة واحدًا، ووجه ذكر المسكنة هنا أنه لمَّا فسَّر الصغار بالذلة، وجاء في وصف أهل الكتاب أنهم ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ ناسب ذكر المسكنة عند ذكر الذلة.\nقول: (وما جاء في أخذ الجزية. . .) إلخ، هذه بقية الترجمة، أما اليهود والنصارى فهم المراد بأهل الكتاب بالاتفاق، وأما المجوس فقد ذكر مستنده في الباب، وفرق الحنفية فقالوا: تؤخذ من مجوس العجم دون مجوس العرب، وحكى الطحاوي عنهم: تقبل الجزية من أهل الكتاب\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٢٥٨).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٧/ ٨٢).\n(^٣) \"أوجز المسالك\" (٦/ ١٩٠ - ١٩٨).\n(^٤) \"بداية المجتهد\" (١/ ٤٠٣).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٦/ ٢٥٩ - ٢٦٠).\n(^٦) \"مجاز القرآن\" (١/ ٢٥٦).\n(^٧) \"مجاز القرآن\" (١/ ٤٢).","vol":"4","page":350},{"text":"ومن جميع كفار العجم، ولا يقبل من مشركي العرب إلا الإسلام أو السيف، وعن مالك: تقبل من جميع الكفار إلا من ارتدّ، وحكى ابن عبد البر الاتفاق على قبولها من المجوس، لكن حكى ابن التِّين عن عبد الملك: أنها لا تقبل إلا من اليهود والنصارى فقط، وقال الشافعي: تقبل من أهل الكتاب عربًا كانوا أو عجمًا، ويلتحق بهم المجوس في ذلك، واحتج بالآية المذكورة، فإن مفهومها أنها لا تقبل من غير أهل الكتاب، وقد أخذها النبي - ﷺ - من المجوس، فدل على إلحاقهم بهم واقتصر عليه، واحتج غيره بعموم قوله في حديث بريدة وغيره: \"فإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوا وإلا فالجزية\"، واحتجوا أيضًا بأن أخذها من المجوس يدل على ترك مفهوم الآية، فلما انتفى تخصيص أهل الكتاب بذلك دلَّ على أن لا مفهوم لقوله: \"أهل الكتاب\"، وأجيب بأن المجوس كان لهم كتاب ثم رفع، انتهى.\nوقال القسطلاني (^١) تحت قول البخاري: \"والمجوس والعجم\": وهذا قول أبي حنيفة: تؤخذ الجزية من جميع الأعاجم سواء كانوا من أهل الكتاب أو من المشركين، وعند الشافعي وأحمد: لا تؤخذ إلا ممن له كتاب أو شبهة كتاب، فلا تؤخذ من عبدة الأوثان والشمس والقمر ومن في معناهم، ولا من المرتد؛ لأن الله تعالى أمر بقتل جميع المشركين إلى أن يسلموا بقوله: ﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ الآية السابقة، وعن مالك: تقبل من جميع الكفار إلا من ارتد، انتهى مختصرًا.\nوذكر الحافظ الكلام على أن المجوس هم أهل كتاب أم لا؟ وبسط الكلام عليه أيضًا في \"الأوجز\" (^٢) فارجع إليه لو اشتقت.\nوقال أيضًا: قال ابن المنيِّر: ليس في أحاديث الباب ما يوافق الموادعة - الجزء الثاني من الترجمة - إلا الحديث الأخير في تأخير\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٧/ ٨٢ - ٨٣).\n(^٢) \"أوجز المسالك\" (٦/ ٢٠٢).","vol":"4","page":351},{"text":"النعمان بن مقرن القتال وانتظاره زوال الشمس، ثم تعقب عليه الحافظ كما في \"الفتح\" (^١).\nقوله: (ما شأن أهل الشام عليهم أربعة دنانير. . .) إلخ، كتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): فكان ثمانية وأربعين درهمًا كما هو عند الحنفية، وكان وضع الدينار على كل فقير وغني من أهل اليمن من دون تفرقة بينهما لأجل المصالحة على ذلك، انتهى.\nقلت: وهي المسألة الثالثة من ست مسائل المشار إليها سابقًا. وفي هامش \"اللامع\": أخرج مالك في \"موطئه\": أن عمر - ﵁ - ضرب الجزية على أهل الذهب أربعة دنانير، وعلى أهل الورق أربعين درهمًا، قال الزرقاني: وإليه ذهب مالك، فلا يزاد عليه ولا ينقص إلا من يضعف عن ذلك، فيخفف عنه بقدر ما يراه الإمام، وقال الشافعي: أقلّها دينار ولا حد لأكثرها، وقال أبو حنيفة وأحمد: أقلّها على الفقراء اثنا عشر درهمًا، وعلى الأوساط أربعة وعشرون درهمًا أو ديناران، وعلى الأغنياء ثمانية وأربعون درهمًا أو أربعة دنانير، إلى آخر ما بسط في \"الأوجز\" (^٣) من الأقول والدلائل في ذلك.\nوفيه أيضًا: والأصل في ذلك أن الجزية على نوعين: جزية صلح، وجزية جبر، أما الأولى فعلى ما يتصالحون، وأما الثانية فعلى التفصيل المذكور، قيل: وإليه أشار الشيخ قُدَّس سرُّه بقوله: وكان وضع الدينار على كل فقير وغني من دون تفرقة بينهما. . . إلخ.\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-2206> باب إذا وادع الإمام ملك القرية. . .) إلخ</span>\nأي: صالح على ترك الحرب والأذى، وقوله: \"لبقيتهم\" أي: لبقية أهل القرية، وقد أجمع على أن الإمام إذا صالح ملك القرية يدخل في ذلك\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٢٥٩).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٧/ ٣١٥ - ٣١٧).\n(^٣) \"أوجز المسالك\" (٦/ ٢٠٤).","vol":"4","page":352},{"text":"الصلح لبقيتهم، انتهى من \"القسطلاني\" (^١).\nوفيه أيضًا بعد ذكر الحديث: وعند ابن إسحاق: لما انتهى النبي - ﷺ - إلى تبوك أتى يُحنة بن رؤبة صاحب أيلة، فصالحه وأعطاه الجزية، وكتب له - ﷺ - كتابًا، فهو عندهم: بسم الله الرحمن الرحيم، هذه أمنة من الله ومن محمد النبي رسول الله - ﷺ - ليُحنة بن رؤبة (^٢) وأهل أيلة، فبهذه الطريق تحصل المطابقة بين الحديث والترجمة، كما قاله في \"الفتح\".\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-2207> باب الوصاة بأهل ذمة رسول الله - ﷺ </span>-)\nالوصاة بفتح الواو والمهملة مخففًا بمعنى الوصية، قوله: \"والإِلّ: القرابة\" هو تفسير الضحاك في قوله تعالى: ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾ [التوبة: ١٠]، وقال أبو عبيدة في \"المجاز\" (^٣): الإل: العهد والميثاق واليمين، وعن مجاهد: الإلّ الله، وأنكره عليه غير واحد، قاله الحافظ (^٤).\nوقال أيضًا بعد ذكر حديث الباب: في رواية عمرو بن ميمون: \"وأوصيه بذمة الله وذمة رسوله أن يوفي لهم بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم، وأن لا يكلفوا إلا طاقتهم\"، ويستفاد من هذه الزيادة أن لا يؤخذ من أهل الجزية إلا قدر ما يطيق المأخوذ منه، انتهى.\n\n(٤ -<span data-type='title' id=toc-2208> باب ما أقطع النبي - ﷺ - من البحرين. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٥): اشتملت هذه الترجمة على ثلاثة أحكام، وأحاديث الباب ثلاثة موزعة عليها على الترتيب، فأما إقطاعه - ﷺ - من البحرين فالحديث الأول دالٌّ على أنه - ﷺ - همّ بذلك، وأشار على الأنصار به مرارًا،\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٧/ ٨٩، ٩٠).\n(^٢) وفي \"فتح الباري\" (٦/ ٢٦٧): بحنة بن رؤبة، بالباء الموحدة في الموضعين.\n(^٣) \"مجاز القرآن\" (١/ ٢٥٣).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٦/ ٢٦٧).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٦/ ٢٦٨، ٢٦٩).","vol":"4","page":353},{"text":"فلما لم يقبلوا تركه، فنزّل المصنف ما بالقول منزلة ما بالفعل، وهو في حقه - ﷺ - واضح؛ لأنه لا يأمر إلا بما يجوز فعله، وتقدم في \"كتاب الشرب\" في الكلام على هذا الحديث أن المراد بإقطاعها للأنصار تخصيصهم بما يتحصل من جزيتها وخراجها لا تمليك رقبتها؛ لأن أرض الصلح لا تقسم ولا تقطع بها، وأما ما وعد من مال البحرين والجزية - وهو الجزء الثاني من الترجمة - فحديث جابر دالٌّ عليه، وأما مصرف الفيء والجزية - وهو الجزء الثالث من الترجمة - فعطف الجزية على الفيء من عطف الخاص على العام؛ لأنها من جملة الفيء، وقد مرَّ تعريف الفيء، وحديث أنس المعلق يشعر بأنه راجع إلى نظر الإمام يفضل من شاء بما شاء، وتقدم في الخمس أن مصرف الجزية مصرف الفيء، وتقدم بيان الاختلاف في مصرف الفيء، وأن المصنف يختار أنه إلى نظر الإمام، والله أعلم، انتهى.\nقلت: قال الحافظ (^١) في \"باب فرض الخمس\": اختلف العلماء في مصرف الفيء؟ فقال مالك: الفيء والخمس سواء يجعلان في بيت المال ويعطي الإمام أقارب النبي - ﷺ - بحسب اجتهاده، وفرق الجمهور بين خمس الغنيمة وبين الفيء، فقالوا: الخمس موضوع فيما عيَّنه الله فيه من الأصناف في آية الخمس من سورة الأنفال لا يتعدى به إلى غيرهم، وأما الفيء فهو الذي يرجع النظر في مصرفه إلى رأي الإمام بحسب المصلحة، وانفرد الشافعي كما قال ابن المنذر وغيره بأن الفيء يخمس، وأن أربعة أخماسه للنبي - ﷺ - وله خمس الخمس كما في الغنيمة وأربعة أخماس الخمس لمستحق نظيرها من الغنيمة، وقال الجمهور: مصرف الفيء كله إلى رسول الله - ﷺ -، واحتجوا بقول عمر: فكانت هذه لرسول الله - ﷺ - خاصة، وتأول الشافعي قول عمر المذكور بأنه يريد الأخماس الأربعة، انتهى.\nوفي \"الدر المختار\" (^٢): ومصرف الجزية والخراج ومال التغلبي\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٢٠٨).\n(^٢) \"رد المحتار\" (٦/ ٣٤٨ - ٣٥١).","vol":"4","page":354},{"text":"وهديتهم للإمام، وما أخذ منهم بلا حرب، ومنه تركة ذمي وما أخذه عاشر منهم، مصالحنا كسد ثغور وبناء قنطرة وجسر وكفاية العلماء والمتعلمين والقضاة والعمال ورزق المقاتلة وذراريهم، وهذا مصرف جزية وخراج، انتهى.\n\n(٥ -<span data-type='title' id=toc-2209> باب إثم من قتل معاهدًا بغير جرم)</span>\nقوله: (معاهدًا) ضبطه القسطلاني (^١) بفتح الهاء، أي: ذميًّا، وقال الحافظ (^٢): كذا قيَّده في الترجمة، وليس التقييد في الخبر؛ لكنه مستفاد من قواعد الشرع، ووقع منصوصًا في رواية أبي معاوية الآتي ذكرها بلفظ \"بغير حق\"، وفيما أخرجه النسائي وأبو داود من حديث أبي بكرة بلفظ \"من قتل نفسًا معاهدة بغير حلها حرَّم الله عليه الجنة\"، انتهى من \"الفتح\".\n\n(٦ -<span data-type='title' id=toc-2210> باب إخراج اليهود من جزيرة العرب)</span>\nوفي حديث ابن عباس ثاني حديثي الباب بلفظ: \"أخرجوا المشركين\"، وكأن المصنف اقتصر على ذكر اليهود؛ لأنهم يوحدون الله تعالى إلا القليل منهم، ومع ذلك أمر بإخراجهم، فيكون إخراج غيرهم من الكفار بطريق الأولى، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\nقوله: (بينما نحن في المسجد. . .) إلخ، هذا مشكل جدًا فإن إخراج بني قينقاع كان في السنة الثانية من الهجرة، وإخراج بني النضير كان في السنة الرابعة، وقتل بني قريظة في السنة الخامسة، فكيف يصحّ قول أبي هريرة: \"بينما نحن في المسجد\" الحديث، فإن إسلامه كان عام خيبر، وأوّله الحافظ بوجوه.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٧/ ٩٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ٢٧٠).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٦/ ٢٧١).","vol":"4","page":355},{"text":"(٧ -<span data-type='title' id=toc-2211> باب إذا غدر المشركون بالمسلمين هل يعفى عنهم</span>؟)\nقال الحافظ (^١): ذكر فيه حديث أبي هريرة في قصة اليهود في سم الشاة بعد فتح خيبر، ولم يجزم البخاري بالحكم إشارة إلى ما وقع من الاختلاف في معاقبة المرأة التي أهدت السم، انتهى.\n\n(٨ -<span data-type='title' id=toc-2212> باب دعاء الإمام على من نكث عهدًا)</span>\nذكر فيه حديث أنس في القنوت، وقد تقدم في \"كتاب الوتر\".\n\n(٩ -<span data-type='title' id=toc-2213> باب أمان النساء وجوارهن)</span>\nالجُوار بكسر الجيم وضمها: المجاورة، والمراد هنا الإجارة، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على جواز أمان المرأة، إلا شيئًا ذكره ابن الماجشون، لا أحفظ ذلك عن غيره، قال: إن أمر الأمان إلى الإمام، وتأول ما ورد مما يخالف ذلك على قضايا خاصة، قال ابن المنذر: وفي قول النبي - ﷺ -: \"يسعى بذمتهم أدناهم\" دلالة على إغفال هذا القائل.\nقال الحافظ: وجاء عن سحنون مثل قول ابن الماجشون فقال: هو إلى الإمام إن أجازه جاز وإن رده رُدّ، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\n\n(١٠ -<span data-type='title' id=toc-2214> باب ذمة المسلمين وجوارهم واحدة. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٣): ذكر فيه حديث علي، وهو ظاهر فيما يتعلق بصدر الترجمة، وأما قوله: \"يسعى بذمتهم أدناهم\" فأشار به إلى ما ورد في بعض طرقه، ويأتي بهذا اللفظ بعد خمسة أبواب، ودخل في قوله: \"أدناهم\" أي: أقلَّهم كل وضيع بالنص، وكل شريف بالفحوى، فدخل فيه المرأة والعبد\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٢٧٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ٢٧٣).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٦/ ٢٧٣، ٢٧٤).","vol":"4","page":356},{"text":"والصبي والمجنون، فأما المرأة فتقدم في الباب الذي قبله، وأما العبد فأجاز الجمهور أمانه - قاتل أو لم يقاتل -، وقال أبو حنيفة: إن قاتل جاز أمانه وإلا فلا، وقال سحنون: إذا أذن له سيده في القتال صحّ أمانه وإلا فلا، وأما الصبي فقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم أن أمان الصبي غير جائز.\nقلت: وكلام غيره يشعر بالتفرقة بين المراهق وغيره، وكذلك المميز الذي يعقل، والخلاف عن المالكية والحنابلة، وأما المجنون فلا يصح أمانه بلا خلاف كالكافر، لكن قال الأوزاعي: إن غزا الذمي مع المسلمين فأَمَّنَ أحدًا فإن شاء الإمام أمضاه وإلا فليرده إلى مأمنه، انتهى.\n\n(١١ -<span data-type='title' id=toc-2215> باب إذا قالوا: صَبَأْنَا، ولم يحسنوا أسلمنا. . .) إلخ</span>\n(قالوا) أي: المشركون حين يقاتلون.\nقوله: (صبأنا) وأرادوا الإخبار بأنهم أسلموا.\nقوله: (ولم يحسنوا أسلمنا) أي: جريًا منهم على لغتهم، هل يكون ذلك كافيًا في رفع القتال عنهم أم لا؟\nقال ابن المنيِّر: مقصود الترجمة أن المقاصد تعتبر بأدلتها كيفما كانت الأدلة لفظية أو غير لفظية بأي لغة كانت.\nقوله: (وقال ابن عمر. . .) إلخ، هذا طرف من حديث طويل سيأتي في \"المغازي\"، وحاصله: أن خالد بن الوليد غزا بأمر النبي - ﷺ - قومًا فقالوا: صبأنا، وأرادوا أسلمنا، فلم يقبل خالد ذلك منهم، وقتلهم بناء على ظاهر اللفظ، فبلغ النبي - ﷺ - ذلك، فأنكره، فدل على أنه يكتفي من كل قوم بما يعرف من لغتهم، وقد عذر النبي - ﷺ - خالد بن الوليد في اجتهاده، ولذلك لم يقد منه، وهذا من المواضع التي يتمسك بها في أن البخاري يترجم ببعض ما ورد في الحديث، وإن لم يورده في تلك الترجمة، فإنه ترجم بقوله: \"صبأنا\" ولم يوردها، واكتفى بطرف الحديث الذي وقعت هذه اللفظة فيه.\nقوله: (وقال: تكلم لا بأس) فاعل قال هو عمر، وروى ابن أبي شيبة","vol":"4","page":357},{"text":"ويعقوب بن سفيان في \"تاريخه\" من طرق بإسناد صحيح عن أنس قال: حاصرنا تستر، فنزل الهرمزان على حكم عمر، فلما قدم به عليه استعجم، فاقال له عمر: تكلم لا بأس عليك، وكان ذلك تأمينًا من عمر، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nقلت: وذكرت القصة بطولها في \"فتوح البلدان\" (^٢).\nقوله: (إن الله يعلم الألسنة كلها) المراد اللغات، ويقال: إنها اثنتان وسبعون لغة: ستة عشر في ولد سام، ومثلها في ولد حام، والبقية في ولد يافث، انتهى من \"الفتح\".\nوقد تقدمت الإشارة فيما سبق من \"باب من تكلم بالفارسية والرطانة\" إلى هذا الباب، وتقدم هناك عن الحافظ: قالوا: فقه هذا الباب يظهر في تأمين المسلمين لأهل الحرب بألسنتهم كما سيأتي في \"باب إذا قالوا: صبأنا\".\n\n(١٢ -<span data-type='title' id=toc-2216> باب الموادعة والمصالحة مع المشركين بالمال وغيره)</span>\nأي: كالأسرى.\nقوله: (﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ. . .﴾ [الأنفال: ٦١] إلخ) أي: أن هذه الآية دالَّة على مشروعية المصالحة مع المشركين، ومعنى الشرط في الآية أن الأمر بالصلح مقيَّد بما إذا كان الأحظ للإسلام المصالحة، أما إذا كان الإسلام ظاهرًا على الكفر ولم تظهر المصلحة في المصالحة فلا، ذكر المصنف فيه حديث سهل في قصة عبد الله بن سهل وقتله بخيبر، والغرض منه قوله: \"انطلق إلى خيبر وهي يومئذ صلح\"، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٢٧٤ - ٢٧٥).\n(^٢) \"فتوح البلدان\" (٢/ ٤٦١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٦/ ٢٧٥ - ٢٧٦).","vol":"4","page":358},{"text":"وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" على قوله: \"وهي يومئذ صلح\": فيه الترجمة حيث لم يكن مصالحة أهل خيبر يوم ذلك على مال ولا غيره، انتهى.\nوأما أصل المسألة فاختلف فيه؟ فذكر الحافظ فيه بعض المذاهب، وتقدم تفصيل الأقوال فيه مع البسط في \"باب الصلح مع المشركين\" من \"كتاب الصلح\"، فارجع إليه لو شئت.\nقوله: (وإثم من لم يف. . .) إلخ، قال الحافظ (^١): ليس في حديث الباب ما يشعر به، وسيأتي البحث فيه في \"كتاب القسامة\"، انتهى.\nقلت: ويمكن عندي أن يقال: إن المصنف أراد ذكر شيء يناسب الباب، فلم يتفق له كما هو المعروف عند الشرَّاح في مثل هذه المواضع.\nوالأوجه عندي في مثل هذه المواضع أن الإمام البخاري رحمه الله تعالى لا يذكر الحديث عمدًا تشحيذًا للأذهان [و] تنبيهًا على ما ذكره في موضع آخر، كما تقدم في أصل الرابع والعشرين، وقد تكلمت على ذلك في مبدأ \"كتاب العلم\" في \"باب فضل العلم\"، وذلك فإن إثم من لم يف بالعهد ورد في عدة روايات، فلو اقتصر على رواية يتوهم اقتصار الإثم على هذا النوع خاصة، والمقصود التنبيه على إثمه بجهات كثيرة، فقد ذكر في \"باب إثم من قاتل معاهدًا\" ما قاله النبي - ﷺ -: \"لم يرح رائحة الجنة\" الحديث، وأخرج أيضًا في \"باب دعاء الإمام على من نكث عهدًا\" حديث القنوت، وأخرج في \"باب ذمة المسلمين\": \"من أخفر مسلمًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين\"، وفي \"باب إثم من عاهد ثم غدر\": \"أربع خلال من كن فيه كان منافقًا خالصًا\"، وفيه: \"إذا عاهد غدر\"، وفي \"باب إثم الغادر\" عدة روايات بمعنى: \"لكل غادر لواء ينصب بغدرته\"، فأشار بالترجمة إلى هذه الروايات كلها، وهذا كله إذا كان قوله: \"إثم من لم يف. . .\" إلخ، جزء\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٢٧٦).","vol":"4","page":359},{"text":"للترجمة، ولا يبعد أن يقال: إن الإمام البخاري رحمه الله تعالى أشار بذلك إلى التأكيد والتنبيه بالوفاء بالعهد للروايات المذكورة.\n\n(١٣ -<span data-type='title' id=toc-2217> باب فضل الوفاء بالعهد)</span>\nذكر فيه طرفًا من حديث أبي سفيان في قصة هرقل، قال ابن بطال: أشار البخاري بهذا إلى أن الغدر عند كل أمة قبيح مذموم، وليس هو من صفات الرسل، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(١٤ -<span data-type='title' id=toc-2218> باب هل يعفى عن الذمي إذا سحر</span>؟)\nقال الحافظ (^٢): قوله: \"وقال ابن وهب\" وصله ابن وهب في \"جامعه\" هكذا.\nقوله: (وكان من أهل الكتاب) قال الكرماني (^٣): ترجم بلفظ \"الذمي\"، وسئل الزهري بلفظ \"أهل العهد\" وأجاب بلفظ: \"أهل الكتاب\"، فالأولان متقاربان، وأما \"أهل الكتاب\" فمراده من له منهم عهد، وكان الأمر في نفس الأمر كذلك.\nقال ابن بطال (^٤): لا حجة لابن شهاب في قصة الذي سحر النبي - ﷺ -؛ لأنه كان لا ينتقم لنفسه، ولأن السحر لم يضره في شيء من أمور الوحي ولا في بدنه، وإنما كان اعتراه شيء من التخيل، وإنما ناله من ضرر السحر ما ينال المريض من ضرر الحمى.\nقال الحافظ: ولهذا الاحتمال لم يجزم المصنف بالحكم، ثم ذكر المصنف طرفًا من حديث عائشة: أن النبي - ﷺ - سحر، وأشار بالترجمة إلى ما وقع في بقية القصة: أن النبي - ﷺ - لما عوفي أمر بالبئر فردمت، وقال: \"كرهت أن أثير على الناس شرًا\"، ذكره المصنف تامًا في \"كتاب الطب\"، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٢٧٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ٢٧٦).\n(^٣) \"شرح الكرماني\" (١٣/ ١٣٩ - ١٤٠).\n(^٤) \"شرح ابن بطال\" (٥/ ٣٥٨).","vol":"4","page":360},{"text":"وأما مسألة الباب فنقل الحافظ عن ابن بطال: لا يقتل ساحر أهل العهد، لكن يعاقب إلا إن قتل بسحره فيقتل، أو أحدث حدثًا فيؤخذ به، وهو قول الجمهور، وقال مالك: إن أدخل بسحره ضررًا على مسلم نقض عهده بذلك، وقال أيضًا: يقتل الساحر ولا يستتاب، وبه قال أحمد وجماعة، وهو عندهم كالزنديق، انتهى.\n\n(١٥ -<span data-type='title' id=toc-2219> باب ما يحذر من الغدر)</span>\n(يحذر) بضم أوله مخففًا ومثقلًا، (وقول الله - ﷿ -) بالجر عطفًا على لفظ: \"الغدر\"، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوقال العيني (^٢): \"وقوله تعالى\" بالجر عطفًا على \"ما يحذر\"؛ لأنه مجرور بالإضافة، تقديره: وفي بيان قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا. . .﴾ إلخ، انتهى.\nوقال الحافظ (^٣): وفي هذه الآية إشارة إلى أن احتمال طلب العدو للصلح خديعه، لا يمنع من الإجابة إذا ظهر للمسلمين، بل يعزم ويتوكل على الله - ﷾ -، انتهى. وقال فيما يستفاد من الحديث: فيه أن الغدر من أشراط الساعة، انتهى.\n\n(١٦ -<span data-type='title' id=toc-2220> باب كيف ينبذ إلى أهل العهد. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٤): قوله: \" ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ﴾ \" أي: اطرح إليهم عهدهم، وذلك بأن يرسل إليهم من يعلمهم بأن العهد انتقض، قال ابن عباس: أي: على مثل، وقيل: على عدل، وقيل: أعلمهم أنك قد حاربتهم حتى يصيروا مثلك في العلم بذلك.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٢٧٧).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٠/ ٥٢٨).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٦/ ٢٧٧، ٢٧٨).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٦/ ٢٧٩).","vol":"4","page":361},{"text":"وقال الأزهري: المعنى إذا عاهدت قومًا فخشيت منهم النقض فلا توقع بهم بمجرد ذلك حتى تعلمهم، ثم ذكر فيه حديث أبي هريرة، قال المهلب: خشي رسول الله - ﷺ - غدر المشركين؛ فلذلك بعث من ينادي بذلك، انتهى.\n\n(١٧ -<span data-type='title' id=toc-2221><span data-type='title' id=toc-2222> باب </span>إثم من عاهد ثم غدر)</span>\nالغدر حرام باتفاق، سواء كان في حق المسلم أو الذمي، قاله الحافظ (^١).\nوقال في آخر حديث الباب: فيه علم من أعلام النبوَّة، والتوصية بالوفاء لأهل الذمة لما في الجزية التي تؤخذ منهم من نفع المسلمين، وفيه التحذير من ظلمهم، وأنه متى وقع ذلك نقضوا العهد، فلم يجتب المسلمون منهم شيئًا فتضيق أحوالهم، انتهى.\n\n(١٨ - باب)\nبغير ترجمة، كذا هو عند الجميع، وهو كالفصل من الباب الذي قبله، وذكر فيه حديثين: أحدهما: في قصة الحديبية، والثاني: حديث أسماء في وفود أمها، ووجه تعلق الأول من جهة ما آل إليه أمر قريش في نقضها العهد من الغلبة عليهم وقهرهم بفتح مكة، فإنه يوضح أن مآل الغدر مذموم، ومقابل ذلك ممدوح، ومن هنا يتبين تعلق الحديث الثاني، ووجهه أن عدم الغدر اقتضى جواز صلة القريب، ولو كان على غير دين الواصل، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\nقلت: ويمكن أن يترجم لهذا الباب بلفظ مضار الغدر ومنافع عدمه، أي: الوفاء، وتكلم الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٣) على شرح قوله: \"اتهموا رأيكم\" الواقع في حديث الباب فأجاد، فارجع إليه لو شئت.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٢٨٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ٢٨١).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٧/ ٣٢٦).","vol":"4","page":362},{"text":"(١٩ -<span data-type='title' id=toc-2223> باب المصالحة على ثلاثة أيام. . .) إلخ</span>\nأي: يستفاد من وقوع المصالحة على ثلاثة أيام جوازها في وقت معلوم ولو لم تكن ثلاثة، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(٢٠ -<span data-type='title' id=toc-2224> باب الموادعة من غير وقت وقول النبي - ﷺ -. . .) إلخ</span>\nهو طرف من حديث معاملة أهل خيبر، وقد تقدم شرحه في \"المزارعة\"، وبيان الاختلاف في أصل المسألة، وأما ما يتعلق بالجهاد فالموادعة فيه لا حد لها معلوم لا يجوز غيره، بل ذلك راجع إلى رأي الإمام بحسب ما يراه الأحظ والأحوط للمسلمين، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\n\n(٢١ -<span data-type='title' id=toc-2225> باب طرح جيف المشركين في البئر. . .) إلخ</span>\nذكر فيه حديث ابن مسعود في دعاء النبي - ﷺ - على أبي جهل بن هشام وغيره من قريش، وفيه: \"فلقد رأيتهم قتلوا يوم بدر، فألقوا في بئر\"، وقد تقدم بهذا الإسناد في \"باب الطهارة\".\nقوله: (ولا يؤخذ لهم ثمن) أشار به إلى حديث ابن عباس أن المشركين أرادوا أن يشتروا جسد رجل من المشركين، فأبى النبي - ﷺ - أن يبيعهم جسد نوفل بن عبد الله بن المغيرة، وكان اقتحم الخندق، فقال النبي - ﷺ -: \"لا حاجة لنا بثمنه ولا جسده\"، فقال ابن هشام: بلغنا عن الزهري: أنهم بذلوا فيه عشرة آلاف، وأخذه من حديث الباب من جهة أن العادة تشهد أن أهل قتلى بدر لو فهموا أنه يقبل منهم فداء أجسادهم لبذلوا فيها ما شاء الله، فهذا شاهد لحديث ابن عباس وإن كان إسناده غير قوي، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٢٨٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ٢٨٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٦/ ٢٨٣).","vol":"4","page":363},{"text":"وحديث ابن عباس هذا ذكره ابن إسحاق في مغازيه كما في \"القسطلاني\" (^١).\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): قوله: \"ولا يؤخذ لهما ثمن\" فإن البيع وإن كان فيه توهين للمبيع، ولكنه لا يخلو عن إعزاز له أيضًا لما فيه من جعله ذا خطر، إذ البيع لا يجري فيما لا رغبة فيه، ولا هو ذو خطر، فنهينا عن بيع أجساد المشركين لئلا يلزم فيه إعزازها، انتهى.\n\n(٢٢ -<span data-type='title' id=toc-2226> باب إثم الغادر للبر والفاجر)</span>\nقال الحافظ (^٣): أي: سواء كان من بر لفاجر أو بر، أو من فاجر لبر أو فاجر، وبين هذه الترجمة والترجمة السابقة بثلاثة أبواب عموم وخصوص، انتهى.\nقلت: وأشار الحافظ بذلك إلى \"باب إثم من عاهد ثم غدر\"، ولا يبعد عندي في الفرق بين الترجمتين الإشارة إلى اختلاف نوعية الإثم، ولأجل ذلك ذكره لهذا المعنى عدة أبواب، وكتب الشيخ - ﵀ - في \"اللامع\" على هذا الباب: لما كان من الأمور المنكرة ما لا كراهة فيه إذا ارتكبها مؤمن كامل في إيمانه، ولا يمكن من ارتكابه الفاسق الغير الآمن على إيمانه توهم أن الغدر لعله من هذا القبيل، فدفعه بإطلاق الرواية ولفظ: \"كل\" الدال على العموم، انتهى.\nوفي هامشه: أجاد الشيخ قدِّس سرُّه بطبعه اللطيف في توجيه ذكر البر والفاجر، ولما أفاده نظائر كثيرة، منها قوله: أنبت الربيع البقل، ومنها صوم يوم الشك، ومنها ما في \"الأشباه\" (^٤): قال قاضي خان: الفقاعي إذا قال عند فتح الفقاع للمشتري: صَلِّ على محمد، قالوا: يكون آثمًا، وكذا الحارس إذا قال في الحراسة: لا إله إلا الله، يعني: لأجل الإعلام بأنه\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٧/ ١١٧).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٧/ ٣٢٧، ٣٢٨).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٦/ ٢٨٤).\n(^٤) \"الأشباه والنظائر\" (١/ ١٨٢).","vol":"4","page":364},{"text":"مستيقظ، بخلاف العالم إذا قال في المجلس: صلوا على النبي، فإنه يثاب على ذلك، وكذا الغازي إذا قال: كبروا؛ لأن الحارس والفقاعي يأخذان بذلك أجرًا، انتهى.\nثم المصنف - ﵀ - ذكر في الباب أربعة أحاديث، ومناسبة الثلاثة الأول منها بالترجمة غير خفية، وأما الحديث الرابع فقد قال الحافظ (^١): في تعلق الحديث بالترجمة غموض، ثم ذكر عدة توجيهات للمطابقة، وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٢): مطابقة الحديث بالترجمة من حيث إنه - ﷺ - قال في خطبته يومئذ: \"فإن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا\"، فكان التعرض بشيء منها غدرًا وهتكًا لحرمة الله ﵎، انتهى.\nقلت: وبما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه في وجه المطابقة جزم ابن بطال كما حكى عنه الحافظ في \"الفتح\"، وقال أيضًا (^٣): ويحتمل أن يكون أشار بذلك إلى ما وقع من سبب الفتح الذي ذكر في الحديث، وهو غدر قريش بخزاعة حلفاء النبي - ﷺ -، فكان عاقبة نقض قريش العهد أن غزاهم المسلمون حتى فتحوا مكة، واضطروا إلى طلب الأمان، وصاروا بعد العز والقوة في غاية الوهن، ولعله أشار بقوله في الترجمة: \"بالبر\" إلى المسلمين، و\"بالفاجر\" إلى خزاعة؛ لأن أكثرهم إذ ذاك لم يكن أسلم بعد، انتهى مختصرًا.\nوقال العلَّامة العيني (^٤): وجه مطابقته للترجمة يمكن أخذه من قوله: \"فانفروا\" إذ معناه لا تغدروهم ولا تخالفوهم، إذ إيجاب الوفاء بالخروج مستلزم لتحريم الغدر، ووجه آخر هو أن النبي لم يغدر في استحلال القتال بمكة؛ لأنه كان بإحلال الله تعالى له ساعة، ولولا ذلك لما جاز له، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٢٨٤).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٧/ ٣٢٩، ٣٣٠).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٦/ ٢٨٥).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٠/ ٥٣٩).","vol":"4","page":365},{"text":"وبما أفاده العيني أولًا ذكره العلَّامة السندي (^١) وقال: ثم رأيت الكرماني (^٢) مال إلى ذلك، انتهى. وسكت القسطلاني عن بيان المناسبة.\nثم البراعة في اختتام \"كتاب الجزية\" عند الحافظ (^٣) قُدِّس سرُّه في قوله: \"فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة\"، وقد تقدم أن كتاب الجهاد عند هذا العبد الضعيف ينتهي إلى بدء الخلق، فالبراعة في قوله: \"وإذا استنفرتم فانفروا\" وبلفظ: \"يوم القيامة\"، وكذا بلفظ: \"الإذخر\"، فقد ورد في بعض الطرق: \"فإنه لقبورهم\"، أو يقال: الجهاد كله مذكر للموت (^٤).\n* * *\n_________\n(^١) انظر: \"صحيح البخاري بحاشية السندي\" (٢/ ٢٠٦).\n(^٢) انظر: \"شرح الكرماني\" (١٣/ ١٤٨ - ١٤٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٣/ ٥٤٣).\n(^٤) انظر: \"لامع الدراري\" (١/ ١١٧).","vol":"4","page":366},{"text":"٥٩ -<span data-type='title' id=toc-2227> كتاب بدء الخلق</span>\nقال الحافظ (^١): كذا للأكثر، وسقطت البسملة لأبي ذر، وللنسفي: \"ذكر\" بدل \"كتاب\"، وللصغاني: \"أبواب\" بدل \"كتاب\"، و\"بدء الخلق\" بفتح أوله وبالهمز، أي: ابتداؤه، ومناسبة هذا الكتاب لما قبله ما تقدم في مقدمة \"اللامع\" (^٢) من كلام الحافظ (^٣) حيث قال: ويظهر لي أنه إنما ذكر بدء الخلق عقب \"كتاب الجهاد\" لما أن الجهاد يشتمل به على إزهاق النفس، فأراد أن يذكر أن هذه المخلوقات محدثات، وأن مآلها إلى الفناء، وأنه لا خلود لأحد، انتهى.\nوكتبت هناك في هامشه: ولا يبعد عندي أن يقال: إن ذكر مغازيه - ﷺ - كانت من تكملة الجهاد، فإنها أسوة لكثير من مسائل الجهاد، فالمقصود أصالة ذكرها، أي: المغازي، ولذا بسطها أشد البسط، وكان الجدير بذكرها أن يذكر أولًا أحوال النبي - ﷺ -؛ لأن ذكره الشريف أيضًا من المقاصد، فبسط في ذكره وذكر أتباعه الصحابة الكرام - ﵃ -، فإنهم المجاهدون في هذه المغازي، وقدم على ذكره الشريف ذكر الأنبياء توطئة، وأولهم آدم - ﵇ -، فذكره وذكر معه خلق آدم، وقدم قبله بدء الخلق تمهيدًا لما سيأتي بعده، فتأمل.\nوفي هامش \"اللامع\" (^٤): لما كان \"صحيح البخاري\" جامعًا من أنواع كتب الحديث، والجامع ما يكون فيه الأبواب الثمانية من أبواب الحديث كما تقدم مفصلًا في المقدمة، ومنها التاريخ، شرع من ههنا أبواب التاريخ وتنتهي إلى كتاب التفسير، وليس كتاب المغازي بكتاب مستأنف عند هذا\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٢٨٦).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (١/ ٢٧٦).\n(^٣) \"مقدمة فتح الباري\" (ص ٤٧١).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٧/ ٣٣١).","vol":"4","page":367},{"text":"العبد الضعيف، بل هو جزء لسيرته - ﷺ - المبدوءة من قبل ذلك، ولكنها لما كانت أبوابها مبسوطة أفردها باسم الكتاب، ولذلك ذكر بعده \"باب حجة الوداع وأبواب مرضه ووفاته - ﷺ -\"، فإنها أيضًا من تكملة أحواله - ﷺ -، وتقدم شيء من ذلك في المقدمة في الفائدة الثالثة عشرة في مناسبة الترتيب بين الكتب والأبواب، انتهى.\nوفي \"الفيض\" (^١): وقد مرَّ نظائرُ هذا الكتاب من قوله: \"بَدْء الوحي\" و\"بَدْء الحَيْضِ\"، فهذا \"بَدْء الخَلْقِ\". ويَذْكُرُ في ضِمْنِهِ الأحوالَ إلى الحشر. وهذا الكتابُ في كُتُبِ الأحاديث أقربُ إلى سِفْر التكوين من التوراة، انتهى.\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-2228> باب ما جاء في قول الله - ﷿ -: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [الروم:</span> ٢٧])\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): المقصود من هذا الباب إثبات أنه ليس شيء سواه ﵎ قديمًا، بل الكل محدث ومخلوق، انتهى.\nقال الحافظ (^٣): قوله: \"كل عليه هين\" أي: البدء والإعادة، أي: وأنهما حَمَلَا أهون على غير التفضيل، وأن المراد بها الصفة؛ كقوله: الله أكبر، وأثر الحسن روأه الطبري من طريق قتادة، وأظنه عن الحسن، ولكن لفظه: \"وإعادته أهون عليه من بدئه، وكل على الله هين\"، وظاهر هذا اللفظ إبقاء صيغة أفعل على بابها، وكذا قال مجاهد، وقد ذكر عبد الرزاق في \"تفسيره\": أن ابن مسعود كان يقرؤها \"وهو عليه هين\"، وحُكي عن ابن عباس: أن الضمير للمخلوق؛ لأنه ابتدئ نطفة ثم علقة ثم مضغة، والإعادة أن يقول له: \"كن فيكون\"، فهو أهون على المخلوق، ولا يثبت هذا عن ابن عباس، بل هو من تفسير الكلبي، انتهى.\n_________\n(^١) \"فيض الباري\" (٤/ ٢٩٩).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٧/ ٣٣٤).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٦/ ٢٨٧).","vol":"4","page":368},{"text":"قال القسطلاني (^١): ثم أشار المؤلف إلى قوله تعالى: \" ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ﴾ \" [ق: ١٥]، أي: \"أفأعيا علينا، حين أنشأكم وأنشأ خلقكم\" أي: ما أعجزنا الخلق الأول حين أنشأناكم وأنشأنا خلقكم حتى نعجز عن الإعادة، والهمزة فيه للإنكار، وعدل عن التكلم في قوله: \"أنشأناكم\" إلى الغيبة التفاتًا، قال الكرماني: والظاهر أن لفظ \"حين أنشأكم\" إشارة إلى آية أخرى مستقلة، و\"أنشأ خلقكم\" إلى تفسيره، وهو قوله تعالى: ﴿إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [النجم: ٣٢]، فنقله البخاري بالمعنى حيث قال: \"حين أنشأكم\" بدل ﴿إِذْ أَنْشَأَكُمْ﴾، أو هو محذوف في اللفظ، واستغنى بالمفسر عن المفسر، انتهى.\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٢): قوله: \"أفأعيا. . .\" إلخ، أشار بذلك إلى أن كلمة \"عيينا\" صارت متعدية بالباء في الخلق الأول، وكأن المعنى: أفأعيا علينا خلقكم حين أنشأناكم؟ لكنه حذف الفاعل استغناء بدلالة الظرف عليه، وأقام النائب مقام المتكلم رعاية لما ورد في الآية الأخرى، ثم لما ذكر الإنشاء ذكر معناه، فقال: \"أنشأ، أي: خلق\"، لكنه لما كان المذكور في الآية ﴿أَنْشَأَكُمْ﴾ أورد في التفسير أيضًا خلقكم، ولم يكتف بقوله: خلق فقط، انتهى.\nقوله: (لغوب: النَّصَب) أي: تفسير قوله: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨] أي: من نصب، والنصَّب: التعب وزنًا ومعنًى، وهذا تفسير مجاهد فيما أخرجه ابن أبي حاتم، وغفل الداودي الشارح فظن أن النصب في كلام المصنف بسكون الصاد، وأنه أراد ضبط اللغوب، فقال متعقبًا عليه: لم أر أحدًا نصب اللام في الفعل، قال: وإنما هو بالنصب: الأحمق.\nقوله: (أطوارًا. . .) إلخ، يريد تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ [نوح: ١٤]، والأطوار: الأحوال المختلفة، واحدها طور بالفتح، وأخرج\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٧/ ١٢١ - ١٢٢).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٧/ ٣٣١ - ٣٣٢).","vol":"4","page":369},{"text":"ابن أبي حاتم عن ابن عباس في معنى الأطوار كونه مرة نطفة ومرة علقة. . . إلخ، وأخرج الطبري عن ابن عباس وجماعة نحوه، وقال: المراد اختلاف أحوال الإنسان من صحة وسقم، وقيل: معناه أصنافًا في الألوان واللغات، انتهى.\nوزاد العيني: قال ابن الأثير: الأطوار: التارات والحدود، واحدها طور، أي: مرة ملك ومرة هلك ومرة بؤس ومرة نعم، انتهى من هامش \"اللامع\" (^١)، وسيأتي هذا القول في البخاري في سورة نوح من \"كتاب التفسير\".\nولم يتعرض الحافظ لقوله: \"عدا طوره، أي: قدره\" وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\": يعني بذلك: أنه في الأصل للقدر، ثم صار معناه قدرًا من الزمان أو غيره، انتهى.\nوفي تقرير مولانا محمد حسن المكي: قوله: \"عدا طوره\": أي: \"بر هـ كَيا انداز ابنى سى\"، انتهى.\nقوله: (كان الله ولم يكن شيء) قال العلَّامة السندي (^٢): قوله: \"كان الله\" أي: مع صفاته العليا، وترك ذكرها؛ لأنها كالتوابع، فلا يلزم من الحديث نفي الصفات القديمة، وقد يقال: ولم يكن شيء غيره مبني على أن الصفات ليست غير الذات، كما قرره أهل الكلام، لكن الحق أن ذلك اصطلاح منهم، فبناء الحديث عليه لا يخلو عن خفاء، نعم يمكن أنهم بنوا اصطلاحهم على ظاهر هذا الحديث بعد إثبات قدم الصفات، كما أن المعتزلة بنوا نفيها عليه وعلى ما خيلوا من الأدلة العقلية الباطلة، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٧/ ٣٣٢ - ٣٣٣)، وانظر: \"فتح الباري\" (٦/ ٢٨٨)، و\"عمدة القاري\" (١٠/ ٥٤١).\n(^٢) \"صحيح البخاري مع حاشية السندي\" (٢/ ٢٠٧).","vol":"4","page":370},{"text":"قوله: (وكان عرشه على الماء. . .) إلخ، أي: بعد أن خلق بقرينة أول الحديث، ولا حاجة إلى حمل الواو على معنى ثم، إذ الواو لا تنفي الترتيب في الوجود الخارجي، انتهى.\n(فأخبرنا عن بدء الخلق حتى. . .) إلخ، كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^١): أي: إجمالًا، انتهى.\nوبسط الكلام عليه في هامشه، وكتب العلَّامة السندي (^٢): قوله: \"حتى دخل. . .\" إلخ، أي: حتى أخبر عن دخولهم، أو هو غاية لبدء الخلق على معنى بدء الخلق وما بعده، والله تعالى أعلم، انتهى.\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-2229> باب ما جاء في سبع أرضين)</span>\nقال الحافظان ابن حجر والعيني (^٣): أي: في بيان وضعها، ولفظ القسطلاني في \"شرحه\" (^٤): أي: في وصفها، ولا يبعد عند هذا العبد الضعيف أن الإمام البخاري رحمه الله تعالى ترجم بسبع أرضين إشارة إلى الاختلاف الوارد في العدد، وبتّ الحكم لقوة الدليل عنده، فقد قال الحافظ (^٥): قوله: \"وقول الله - ﷾ -: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ الآية [الطلاق: ١٢] \" قال الداودي: فيه دلالة على أن الأرضين بعضها فوق بعض مثل السماوات، ونقل عن بعض المتكلمين أن المثلية في العدد خاصة، وأن السبع متجاورة، وحكى ابن التِّين عن بعضهم أن الأرض واحدة، قال: وهو مردود بالقرآن والسُّنَّة.\nقلت: لعله القول بالتجاور، وإلا فيصير صريحًا في المخالفة، ويدل للقول الظاهر ما رواه ابن جرير عن ابن عباس في هذه الآية: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٧/ ٣٣٣).\n(^٢) \"صحيح البخاري مع حاشية السندي\" (٢/ ٢٠٧).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٦/ ٢٨٨)، \"عمدة القاري\" (١٠/ ٥٤١).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (٧/ ١٢٩).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٦/ ٢٩٣).","vol":"4","page":371},{"text":"مِثْلَهُنَّ﴾ قال: في كل أرض مثل إبراهيم، ونحو ما على الأرض من الخلق، هكذا أخرجه مختصرًا، وإسناده صحيح، وأخرجه الحاكم والبيهقي مطولًا، وأوله، أي: سبع أرضين، في كل أرض آدم كآدمكم ونوح كنوحكم وإبراهيم كإبراهيمكم وعيسى كعيسى ونبي كنبيكم، قال البيهقي: إسناده صحيح إلا أنه شاذ بمرة، وروى ابن أبي حاتم من طريق مجاهد عن ابن عباس قال: لو حدثتكم بتفسير هذه الآية لكفرتم وكفركم تكذيبكم بها، ومن طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس نحوه، انتهى مختصرًا.\nقلت: ولشيخ مشايخنا مولانا محمد قاسم النانوتوي مؤسس دار العلوم بديوبند رسالة مستقلة باللغة الأردية اسمها: \"تحذير الناس من إنكار أثر ابن عباس\"، وذكر في آخره أنه بسط الكلام على ذلك في رسالتين له أخريين: أحدهما: \"الآيات البينات على وجود الأنبياء في الطبقات\"، والثانية: \"دافع الوسواس لأثر ابن عباس\"، انتهى.\nقلت: وبعين ما ترجم به الإمام البخاري ترجم الحافظ ابن كثير في \"البداية والنهاية\" (^١) وقال: \"باب ما جاء في سبع أرضين\" ثم ذكر فيه عدة أحاديث، ثم قال: فهذه الأحاديث كالمتواترة في إثبات سبع أرضين، والمراد بذلك أن كل واحدة فوق الأخرى، والتي تحتها شي وسطها عند أهل الهيئة، حتى ينتهي الأمر إلى السابعة وهي صماء لا جوف لها، إلى آخر ما قال.\nقلت (^٢): وما أيد الحافظ القول الظاهر بأثر ابن عباس المذكور لا حاجة إلى ذلك، فإن روايات هذا الباب كلها صريحة في الدلالة على الظاهر؛ لأن الغاصب شبرًا من الأرض إذا يطوق إلى سبع أرضين أو يخسف إلى سبع أرضين، فلا بد أن تكون بعضهن فوق بعض.\n_________\n(^١) \"البداية والنهاية\" (١/ ١٦).\n(^٢) انظر: \"لامع الدراري\" (٧/ ٣٣٧ - ٣٣٨).","vol":"4","page":372},{"text":"وكتب مولانا محمد حسن المكي في تقريره تحت الباب: بأنها مخلوقة لله تعالى ليست بقديمة، والغرض من هذه الأبواب عد مخلوقات الله تعالى من الصغير والكبير والشريف والرذيل مما نقل فيه الأحاديث الصحيحة عنده.\nولا يبعد عندي أيضًا: أن في تبويب الإمام البخاري رحمه الله تعالى بالأرضين وتخصيصها بالذكر مع تقديم ذكر السماوات على الأرض في الآية الكريمة إشارة لطيفة إلى مسألة أخرى خلافية أيضًا، وهي اختلافهم في التفضيل بين السماء والأرض، ففي \"الفتاوى الحديثية\" لابن حجر المكي (^١): وسئل - نفع الله به -: أيما أفضل السماء أو الأرض؟ فأجاب بقوله: الأصح عند أئمتنا ونقلوه عن الأكثرين: السماء؛ لأنه لم يعص الله فيها، ومعصية إبليس لم تكن فيها، أو وقعت نادرًا فلم يلتفت إليها. وقيل: الأرض، ونقل عن الأكثرين أيضًا؛ لأنها مستقر الأنبياء ومدفنهم.\nوفي \"الشرح الكبير\" للمالكية (^٢): الأكثر على أن السماء أفضل من الأرض، والله أعلم بحقيقة الحال، انتهى.\nوقال القاري في \"شرح المناسك\" (^٣) في بحث التفضيل بين مكة والمدينة: والخلاف فيما عدا موضع القبر المقدس، فما ضم أعضاؤه الشريفة فهو أفضل بقاع الأرض بالإجماع، حتى من الكعبة ومن العرش على ما صرح به بعضهم، وقد صرح التاج الفاكهي بتفضيل الأرض على السماوات لحلوله - ﷺ - بها، وحكاه بعضهم عن الأكثرين لخلق الأنبياء منها ودفنهم فيها، وقال النووي: الجمهور على تفضيل السماء، انتهى مختصرًا.\nقلت: ومال شيخ مشايخنا مولانا محمد قاسم النانوتوي قُدِّس سرُّه في قصيدته المدحية في شأنه - ﷺ - المطبوع باسم \"قصيدة بهائية\" إلى فضيلة الأرض على السماء.\n_________\n(^١) \"الفتاوى الحديثية\" (ص ٢٤٨).\n(^٢) \"الشرح الكبير\" (٢/ ١٧٣).\n(^٣) (ص ٥٣١ - ٥٣٢).","vol":"4","page":373},{"text":"قوله: (يوم خلق الله السماوات والأرض. . .) إلخ، كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^١): إن كانت الرواية \"والأرضين\" بلفظ الجمع فدلالته على الترجمة ظاهرة، وإن كانت بلفظ المفرد فيحمل اللام على الجنس، أو للإشارة إلى ما ورد في غير هذه الرواية من لفظ الجمع، انتهى.\nوذكر في هامشه: أن الرواية وردت بكلا اللفظين بلفظ الجمع والمفرد، وفيه أيضًا: قال الحافظ ابن كثير: ومراد البخاري بذكر هذا الحديث ههنا تقرير معنى قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] أي: في العدد، انتهى.\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-2230> باب في النجوم)</span>\nوالظاهر من سياق الترجمة ومما ذكر فيها أن الغرض بيان المقاصد المعتبرة الثابتة من خلق النجوم، وردّ ما أحدثها المخترعون فيها.\nقال الحافظ (^٢): قوله: \"قال قتادة. . .\" إلخ، وصله عبد بن حميد، وزاد في آخره: أن ناسًا جهلة بأمر الله قد أحدثوا في هذه النجوم كهانة: من غرس بنجم كذا كان كذا، ومن سافر بنجم كذا كان كذا، ولعمري ما من النجوم نجم إلا ويولد به الطويل والقصير والأحمر والأبيض والحسن والدميم، وما علم هذه النجوم وهذه الدابة وهذا الطائر شيء من هذا الغيب، انتهى. وبهذه الزيادة تظهر مناسبة إيراد المصنف ما أورده من تفسير الأشياء التي ذكرها من القرآن، وإن كان ذكر بعضها وقع استطرادًا، والله أعلم.\nوقال العلَّامة السندي (^٣): قوله: \"وقال ابن عباس: هشيمًا. . .\" إلخ، كأنه ذكر تفسير هذه الألفاظ لتعلقها بالخلق وإن لم يكن لها تعلق بالنجوم.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٧/ ٣٣٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ٢٩٥).\n(^٣) \"صحيح البخاري مع حاشية السندي\" (٢/ ٢٠٨).","vol":"4","page":374},{"text":"وقال العيني والقسطلاني (^١): ذكرها استطرادًا على عادته لأدنى ملابسة تكثيرًا للفائدة، انتهى.\nوتقدم ما قال الحافظ في وجه مناسبة ذكرها، ويمكن عند هذا العبد الضعيف: أن يقال: إنه قد تقرر في محله أن للشمس والقمر وبعض النجوم تأثيرًا في نضج الثمار وإحداث النضارة واللذة فيها، فتأمل فإنه لطيف.\n\n(٤ -<span data-type='title' id=toc-2231> باب صفة الشمس والقمر بحسبان)</span>\nأي: تفسير ذلك، وقوله: \"قال مجاهد: بحسبان كحسبان الرحى. . .\" إلخ، قال الكرماني (^٢): أراد أنهما يجريان على حسب الحركة الرحوية والدورية وعلى وضعها، \"ولا يعدوانها\": لا يتجاوزانها، انتهى.\nزاد الحافظ (^٣) بعد قوله: \"على حسب الحركة الرحوية\": \"وقال غيره: بحساب ومنازل لا يعدوانها\"، انتهى.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٤): يعني بذلك: أنهما لا يتخلفان عما هو مقرر لهما كالرحى لا يمكن دورانها على غير ما هو معين في دورانها من القرب والبعد من القطب، انتهى.\nوفي تقرير مولانا محمد حسن المكي: التشبيه في الجري على وضع واحد وموضع واحد لا يمكن أن يتغير عنه، وإلا فحركة الشمس والقمر دولابي، فمآل هذا التفسير والتفسير الثاني واحد، انتهى.\nوهكذا في \"اللامع\" إذ قال: قوله: \"وقال غيره\" ليس المراد أن بينهما اختلافًا، بل المراد نقل قول كل منهما وإن كان المؤدى واحدًا، انتهى.\nوسيأتي الكلام أيضًا على هذا القول في محله في تفسير سورة الرحمن من \"كتاب التفسير\".\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٠/ ٥٥١)، \"إرشاد الساري\" (٧/ ١٣٨).\n(^٢) \"شرح الكرماني\" (١٣/ ١٥٨).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٦/ ٢٩٨).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٧/ ٣٣٨).","vol":"4","page":375},{"text":"قوله: (أرجائها: ما لم تنشق منها) قال الحافظ (^١): يريد تفسير قوله تعالى: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ [الحاقة: ١٧]، وروى عبد بن حميد من طريق قتادة: أي: على حافات السماء، وعن سعيد بن جبير: على حافات الدنيا، وصوَّب الأول، وعن ابن عباس: والملك على حافات السماء حين تنشق، والأرجاء بالمد جمع رجا بالقصر، والمراد النواحي، انتهى.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): قوله: \"ما لم ينشق منها\" يعني: أن قوله تعالى: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ [الحاقة: ١٧] المراد به ما إذا لم تنشق السماء، فإذا انشقت لم تبق لها الأرجاء، ثم أخذ في بيان معناه، فقال: على حافتيه كما تقول: على أرجاء البئر، فإن معناه على أطرافه، قوله: \"وليجة كل شيء. . .\" إلخ، فكان فعيلة بمعنى مفعولة، انتهى.\n\n(٥ -<span data-type='title' id=toc-2232> باب ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا. . .﴾ [الفرقان: ٤٨]) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٣): \"نُشرًا\" بضم النون والمعجمة، وسيأتي تفسيره في الباب. قوله: \"قاصفًا. . .\" إلخ، يريد تفسير قوله تعالى: ﴿فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ﴾ [الإسراء: ٦٩]، قال أبو عبيدة: هي التي تقصف كل شيء، أي: تحطم، انتهى.\nكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٤): قوله: \"لواقح ملاقح. . .\" إلخ، يعني: أن الرياح ليست لاقحة بل هي ملقحة، فكان اللازم بمعنى المتعدي، انتهى.\nففي هامشه عن تقرير المكي: يريد أن المراد باللواقح الملاقح دون معناه الحقيقي؛ لأن اللاقح لازم يقال: لقحت الناقة، أي: حملت،\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٢٩٨).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٧/ ٣٣٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٦/ ٣٠٠).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٧/ ٣٤٠).","vol":"4","page":376},{"text":"والملقحة متعدية يقال: ألقح الفحل الناقة، وما قيل: إن اللواقح جمع ملقحة على خلاف القياس فغلط، فإنها جمع لاقحة، \"أستاذ\".\nوقال الكرماني (^١): قوله: \"لواقح\" أي: ملاقح جمع الملقحة وهو من النوادر، يقال: ألقح الفحل الناقة والريح السحاب، ورياح لواقح. . .، إلى آخر ما بسط في هامش \"اللامع\" من \"الفتح\" (^٢) وغيره.\n\n(٦ -<span data-type='title' id=toc-2233> باب ذكر الملائكة)</span>\nقدَّم المصنف ذكر الملائكة على الأنبياء، لا لكونهم أفضل عنده، بل لتقدمهم في الخلق، ولسبق ذكرهم في القرآن في عدة آيات، ووقع في حديث جابر الطويل عند مسلم في صفة الحج: \"ابدؤا بما بدأ الله به\" ولأنهم وسائط بين الله وبين الرسل في تبليغ الوحي والشرائع، فناسب أن يقدم الكلام فيهم على الأنبياء، ولا يلزم من ذلك أن يكونوا أفضل من الأنبياء، وقد ذكرت مسألة تفضيل الملائكة في \"كتاب التوحيد\" عند شرح حديث: \"ذكرته في ملأ خير منهم\"، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٤) تحت الباب: وجملة الروايات الموردة فيه تدل على وجود الملك وثبوته وهو المراد، انتهى.\nوبسط في هامشه الكلام على الملائكة لفظًا ومعنًى، والاختلاف في حقيقتهم، وكذا في وجودهم، فارجع إليه.\nقال الحافظ (^٥): ومن أدلة كثرتهم ما يأتي في حديث الإسراء: \"أن البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، ثم لا يعودون\"، ثم ذكر المصنف في الباب أحاديث تزيد على ثلاثين حديثًا، وهو من نوادر ما وقع\n_________\n(^١) \"شرح الكرماني\" (١٣/ ١٦١ - ١٦٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ٣٠١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٦/ ٣٠٦).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٧/ ٣٤١).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٦/ ٣٠٦ - ٣٠٧).","vol":"4","page":377},{"text":"في هذا الكتاب أعني كثرة ما فيه من الأحاديث، فإن عادة المصنف غالبًا يفصل الأحاديث بالتراجم ولم يصنع ذلك ههنا، انتهى.\nقلت: وسيأتي الكلام في تلك الأحاديث على حديث ابن مسعود: \"يجمع أحدكم في بطن أمه أربعين يومًا\" في أول \"كتاب القدر\" إن شاء الله تعالى.\n\n(٧ -<span data-type='title' id=toc-2234> باب إذا قال أحدكم: آمين. . .) إلخ</span>\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^١): زيادة الباب هنا من تصرف النساخ، فإن الأحاديث الموردة بعد ذلك من الباب الأول من غير تفاوت، انتهى.\nوفي هامشه: أشكل زيادة لفظ الباب ههنا قديمًا وحديثًا، واخترع شيخ مشايخنا الشاه ولي الله الدهلوي نوَّر الله مرقده لهذا الباب أصلًا برأسه إذ قال في الأصول (^٢): إن لفظ الباب قد يكتب مكان قول المحدثين بهذا الإسناد كما يكتبون ح، كما تقدم البسط في ذلك في الأصل السابع من أصول التراجم، وتقدم فيه ما اختاره هذا العبد الضعيف، وهو أن هذا الباب ليس بمثبت - بفتح الباء -، بل هو مثبت - بكسر الباء - للترجمة السابقة، ثم رأيت العلَّامة السندي مال إلى ذلك إذ قال (^٣): لعلّ مراده أن من جملة الأدلة على وجود الملائكة هذا الباب، أي: ما ذكر فيه، وما يتعلق به من الأحاديث، فلم يأت بالباب ليذكر أحاديثه، نعم ذكر بعض أحاديثه ليستدل به على وجود الملائكة فيما بعد أيضًا في جملة سائر الأحاديث لهذا المطلوب، انتهى.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٧/ ٣٤٧).\n(^٢) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٢٠).\n(^٣) \"صحيح البخاري مع حاشية السندي\" (٢/ ٢١٣).","vol":"4","page":378},{"text":"وقال صاحب \"الفيض\" (^١): وهذا البابُ غريبٌ في سلسلة ذكر الملائكة، إلَّا أنه أدخله في أضعاف ذكرهم لفائدةٍ، وهي: أنهم موكَّلُون على قول: آمين أيضًا، انتهى.\nقلت: وأول حديث هذا الباب حديث عائشة: \"حشوت للنبي - ﷺ - وسادة\"، الحديث، يخالفه ما تقدم في \"باب كسر الدنان\" من قول عائشة: \"فاتخذت منه نمرقتين\"، وتقدم الكلام عليه في الباب المذكور من \"أبواب المظالم والقصاص\"، فكن منه على ذكر.\n\n(٨ -<span data-type='title' id=toc-2235> باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة. . .) إلخ</span>\nأي: موجودة الآن، وأشار بذلك إلى الرد على من زعم من المعتزلة أنها لا توجد إلا يوم القيامة، وقد ذكر المصنف في الباب أحاديث كثيرة دالة على ما ترجم به، فمنها ما يتعلق بكونها موجودة الآن، ومنها ما يتعلق بصفتها، وأصرح مما ذكره في ذلك ما أخرجه أحمد وأبو داود بإسناد قوي عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: \"لما خلق الله الجنة قال لجبريل: اذهب فانظر إليها\" الحديث (^٢)، وهكذا قال العيني (^٣): فيه رد على المعتزلة حيث قالوا: إنها لا توجد إلا يوم القيامة، وكذلك قالوا في النار: إنها تخلق يوم القيامة، انتهى.\nقلت: ولذا قال في \"باب صفة النار\": إنها مخلوقة، كما سيأتي.\nقوله: (لكل امرئ منهم زوجتان) كتب الشيخ في \"اللامع\" (^٤): يصح إرجاع الضمير إلى الفريقين جميعًا، وإلى الثانية منهما، انتهى.\nقلت: ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه محتمل، وعلى الاحتمال الثاني يكون للفريق الأول أكثر من ثنتين.\n_________\n(^١) \"فيض الباري\" (٤/ ٣١٥).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (٦/ ٣٢٠).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٠/ ٥٩٣).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٧/ ٣٥٣ - ٣٥٤).","vol":"4","page":379},{"text":"وقال الحافظ (^١): قوله: \"زوجتان\" أي: من نساء الدنيا، فقد روى أحمد عن أبي هريرة مرفوعًا في صفة أدنى أهل الجنة منزلة: \"وإن له من الحور العين لاثنتين وسبعين زوجة سوى أزواجه من الدنيا\"، وفي سنده شهر بن حوشب وفيه مقال، وذكر الحافظ الروايات العديدة المختلفة في تعداد النساء من الحور العين. . .، إلى آخر ما بسط في هامش \"اللامع\".\nوقال العلَّامة السندي (^٢): لعل الزوجتين تكونان على هذه الصفة - أي: المذكورة في الحديث -، والباقيات على غير هذه الصفة، وإلا فقد ورد: للمؤمن ثلاث وسبعون زوجة، ونحو ذلك، والله تعالى أعلم، انتهى.\nقوله في آخر حديث من أحاديث الباب: (رجال آمنوا بالله. . .) إلخ، وفى هامش المصرية عن شيخ الإسلام (^٣): فإن قلت: فلا يبقى في غير الغرف أحد؛ لأن أهل الجنة كلهم مؤمنون مصدقون بالرسل؟ قلت: المصدقون بجميع الرسل هم أمة محمد - ﷺ - فتبقى أمة غيره من سائر الأنبياء في غير الغرف، انتهى.\n\n(٩ -<span data-type='title' id=toc-2236> باب صفة أبواب الجنة. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٤): هكذا ترجم بالصفة، ولعله أراد بالصفة العدد أو التسمية؛ فإنه أورد فيه حديث سهل بن سعد مرفوعًا: \"في الجنة ثمانية أبواب\" الحديث، وقال فيه: وقال النبي - ﷺ -: \"من أنفق زوجين في سبيل الله دعي من باب الجنة\"، وأشار بهذا إلى حديث أسنده في الصيام، وفي الجهاد من حديث أبي هريرة، وفيه: \"فمن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد\"، وورد في صفة أبواب الجنة: \"أن ما بين المصراعين مسيرة أربعين سنة\"، ومن حديث أبي سعيد ومعاوية بن حيدة ولقيط بن عامر، وأحاديث\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٣٢٥).\n(^٢) \"صحيح البخاري مع حاشية السندي\" (٢/ ٢١٧).\n(^٣) \"تحفة الباري\" (٤/ ٢٦).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٦/ ٣٢٨، ٣٢٩).","vol":"4","page":380},{"text":"الثلاثة عند أحمد، وهي مرفوعة، ولها شاهد عند مسلم من حديث عتبة بن غزوان، لكنه موقوف، انتهى من \"الفتح\".\nوتعقب العلَّامة العيني (^١) على قول الحافظ: لعله أراد بالصفة العدد أو التسمية فقال: هذا تخمين؛ لأنه لا وجه لما ذكره، أما ذكر الصفة وإرادة العدد ففيه ما فيه، والذي يظهر لي أن ذكر الصفة إشارة إلى قوله: الريان؛ لأنه صفة للباب، انتهى مختصرًا.\nوبسط الكلام على هامش \"اللامع\" (^٢) على الروايات الواردة في عدد أبواب الجنة وأسمائها، وفيه: قال ابن رسلان في \"شرح أبي داود\": قال ابن القيم: أبواب الجنة لا تنحصر في الثمانية، بل هي أكثر كما دلَّت عليه الأحاديث، انتهى.\nوفيه أيضًا: وبسط الكلام على ذلك في \"الأوجز\" (^٣) بما لا مزيد عليه، وفيه برواية ابن جرير وغيره عن ابن عمر مرفوعًا: \"إن في الجنة قصرًا يقال له: عدن، له خمسة آلاف باب\"، وفي رواية: قرأ عمر على المنبر: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾، فقال: أيها الناس هل تدرون ما جنات عدن؟ قصر في الجنة له عشرة آلاف باب، وعن ابن عباس: \"أخص أهل الجنة منزلًا يوم القيامة، له قصر من درة جوفاء، فيها سبعة آلاف غرفة لكل غرفة سبعون ألف باب\"، وغير ذلك من الروايات، فلا بد للجمع بينهما من حمل هذه الأبواب الكثيرة على أبواب من داخل أبواب الجنة الأصلية، كما تقدم في كلام الحافظ، وبه جزم مشايخي عند الدرس.\nوقال ابن العربي في \"العارضة\" (^٤): الذين يدعون من أبواب الجنة الثمانية أربعة: الأول: \"من أنفق زوجين في سبيل الله\"، وهو متفق عليه، الثاني: من قال هذا الذكر، وهو في \"صحيح مسلم\": \"من توضأ فأحسن\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٠/ ٦١١).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٧/ ٣٥٦ - ٣٥٨).\n(^٣) \"أوجز المسالك\" (٩/ ٤٥٣ - ٤٦٣).\n(^٤) \"عارضة الأحوذي\" (١/ ٧٤).","vol":"4","page":381},{"text":"الوضوء، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله\" الحديث، الثالث: \"من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه\"، أخرجه البخاري، الرابع: \"من مات يؤمن بالله واليوم الآخر، قيل له: ادخل من أي أبواب الجنة الثمانية شئت\"، أخرجه أحمد بسنده إلى عقبة بن عامر عن عمر مرفوعًا، انتهى مختصرًا من هامش \"اللامع\".\n\n(١٠ -<span data-type='title' id=toc-2237> باب صفة النار وأنها مخلوقة)</span>\nالقول فيه كالقول في \"باب صفة الجنة\" سواء.\nقوله: (غسَّاقًا. . .) إلخ، قال الحافظ (^١): وهذا مأخوذ من كلام أبي عبيدة (^٢)، فإنه قال في قوله تعالى: ﴿إلا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾ [النبأ: ٢٥] الحميم: الماء الحار، والغسَّاق: ما هَمَى وسَالَ، والمراد في الآية ما سال من أهل النار من الصديد، وقيل: من دموعهم، وقيل: الغساق البارد الذي يحرق ببرده، قال أبو عبيد الهروي: من قرأه بالتشديد أراد السائل، ومن قرأه بالتخفيف أراد البارد. . .، إلى آخر ما في \"الفتح\".\nوقول البخاري: (كأن الغساق) كتب عليه مولانا محمد حسن المكي في تقريره: من دأب البخاري إذا لم يتحقق عنده من كتب اللغة معنى لفظ أو غيره كالترادف ونحوه؛ بل يقول ذلك من رأيه يصدِّره بـ \"كأنَّ\"، انتهى.\nقوله: (الحمّى من فيح جهنم فأبردوها بالماء) قال العلَّامة السندي (^٣): يحتمل أن يكون كناية عن تغطية المحموم، والسعي في خروج العرق منه بما أمكن على أن المراد بالماء العرق المعلوم بأنه يبرد الحمى، ويحتمل أن يكون كناية عن الاشتغال بما يستحق به المحموم الرحمة من التصدق وغيره من أعمال البر، على أن المراد بالماء ماء الرحمة المعارض لنار جهنم،\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٣٣١).\n(^٢) \"مجاز القرآن\" (٢/ ٢٨٢).\n(^٣) \"صحيح البخاري مع حاشية السندي\" (٢/ ٢١٩).","vol":"4","page":382},{"text":"وقد حمله بعضهم على التصدق بالماء، والله تعالى أعلم، وللشرَّاح معان وتأويلات مشهورة، انتهى.\nوبسط الكلام على معناه أيضًا في \"الأوجز\" (^١).\nقوله: (لو أتيت فلانًا فكلمته. . .) إلخ، كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٢): وحاصل كلامه: أنكم تظنون أني أكلمه في ذلك جهرة، لا والله لا أفعل ذلك، فأفتح به بابًا من الفتنة، وهذا إذا كان المراد بالكلام هو الكلام فيما يستقبل، ويمكن أن يكون المراد أنكم تزعمون أني لم أكلمه فيما مضى؛ لأنكم لم تروني كلمته، مع أن الأمر ليس كذلك، بل إني أكلمه في ذلك الباب سرًّا، ولا يمنعني كون أحد أميرًا على أن أقول: إنه خير فلا أنصحه ولا آمره بالمعروف.\nقوله: (ولا أقول لرجل إن كان علي أميرًا) يعني بذلك: أن عثمان - ﵁ - لا شك أنه من المبشرين بالجنة إلا أنه ليس معصومًا حتى آمن عليه الخطأ، فلعل أن تأخذه العصبية والحمية إذ أمرته بشيء مما يخالف طبعه أو يثقل عليه، وقد سمعت منه - ﷺ - ما يدل على أن كثيرًا من الأمراء يأمر ولا يأتمر وينهى ولا ينتهي، وعثمان - ﵁ - وإن لم يكن من جملتهم لكنه يخاف عليه أن تأخذه العصبية؛ لأنه بشر وليس معصومًا، فافهم فإنه دقيق، انتهى.\nوبسط في هامشه الكلام في شح هذا الحديث من كلام الشرَّاح، ثم لا يخفى عليك أن ظاهر كلام الشرَّاح قاطبة وكذا كلام الشيخ قُدِّس سرُّه والمشايخ أن المراد بالرجل في قوله: \"ولا أقول لرجل. . .\" إلخ، هو عثمان - ﵁ -، ثم بعد ذلك أوّلوا وعيد الحديث في شأن عثمان، والأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن مصداق الأمير هو الوليد، والمعنى أن كون الوليد أميرًا لا يمنعني أن أكلم فيه بعد أن سمعت هذا الوعيد الشديد،\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (١٦/ ٥٤٣ - ٥٤٩).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٧/ ٣٦٦ - ٣٦٧).","vol":"4","page":383},{"text":"وعلى هذا فيكون مورد الحديث هو الوليد، فحينئذ لا يشكل الحديث بمناقب عثمان - ﵁ -، فتأمل فإنه لطيف.\nقوله: (فيجتمع أهل النار عليه. . .) إلخ، ظاهره رؤية أهل النار المعذب وإن كان مسلمًا مع أن المسلمين لا يعذبون بمحضر من الكفار، قال الرازي (^١) في تفسير قوله تعالى: ﴿لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ الآية [التحريم: ٨]: يجوز أن يعذبهم بحيث لا يراه الكفرة، لكن صريح روايات \"مسند أبي حنيفة\" وما في حاشيته من الروايات الكثيرة يؤيد الأول، فتأمل.\n\n(١١ -<span data-type='title' id=toc-2238> باب صفة إبليس وجنوده. . .) إلخ</span>\nإبليس اسم أعجمي عند الأكثر، وقيل: مشتق من أَبْلَسَ إذا أَيئِسَ، قال ابن الأنباري: لو كان عربيًا لصرف، وقال الطبري: إنما لم يصرف وإن كان عربيًّا لقلة نظيره في كلام العرب، فشبَّهوه بالعجمي، وتُعقِّب بأنّ ذلك ليس من موانع الصرف، إلى أن قال الحافظ: رُوي عن ابن عباس قال: كان اسم إبليس حيث كان مع الملائكة عزازيل، ثم إبليس بعد.\nوقول البخاري: \"وجنوده\" كأنه يشير بذلك إلى حديث أبي موسى الأشعري مرفوعًا: قال: \"إذا أصبح إبليس بثَّ جنوده، فيقول: من أضلّ مسلمًا ألبستُه التاجَ\" الحديث، أخرجه ابن حبان والحاكم. ولمسلم من حديث جابر مرفوعًا: \"عرش إبليس على البحر، فيبعث سراياه، فيفتنون الناس، فأعظمهم عنده أعظمهم فتنة\"، واختلف هل كان من الملائكة ثم مسخ لما طرد أو لم يكن منهم أصلًا؟ على قولين مشهورين، انتهى (^٢).\nقلت: ولجنود إبليس ذكر في الآيات والروايات كثيرًا، كما في روايات الباب وغيرها. . .، إلى آخر ما بسط في هامش \"اللامع\" (^٣)، وفيه\n_________\n(^١) \"التفسير الكبير\" (٣٠/ ٤٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ٣٣٩).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٧/ ٣٦٨، ٣٦٩).","vol":"4","page":384},{"text":"أيضًا: بسط المفسرون منهم صاحب \"الجمل\" (^١) الكلام على ذرية إبليس في تفسير سورة الكهف في قوله تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ﴾ [الكهف: ٥٠].\nوقال العلَّامة العيني (^٢): والكلام في صفة إبليس وحقيقة أمره على أنواع: الأول: في اسمه، هل هو مشتق أم لا؟ النوع الثاني: في بيان أصل خلقه، أي: هل كان من الجن أو من الملائكة أو ليس منهما؟ النوع الثالث: في حده وصفته، النوع الرابع: في أولاده وجنوده، ثم بسط الكلام على هذه الأنواع الأربعة، فارجع إليه، وسيأتي الكلام على وجود الجن وإثباته في الباب الآتي، ثم لا يذهب عليك أن ما في بين سطور الكتاب تحت قوله: \"قرين\" أي: في قوله تعالى: ﴿فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ وهي آية من سورة الزخرف هو ليس بوجيه عندي، فإن القرين ههنا ليس بمعنى الشيطان بل هو بمعنى المصاحب، كما لا يخفى، بل الأوجه عند هذا العبد الضعيف أنه إشارة إلى ما في سورة ق: ﴿قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ﴾ الآية [ق: ٢٧]، وقد ذكر الإمام البخاري هذا التفسير في سورة قاف، ولم يذكره في سورة الزخرف، فتنبه.\n\n(١٢ -<span data-type='title' id=toc-2239> باب ذكر الجن وثوابهم وعقابهم. . . . . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٣): لما كان الباب المعقود قبل ذلك يوهم أن الجن ليس منهم إلا الشر؛ لأن الشيطان هو الجن دفعه بأنهم مكلفون مثل الإنس، فمطيعهم مثاب وعاصيهم معذب، والشيطان وإن كان منهم فإنه رجم لشيطنته وعصيانه لا لكونه من الجن، انتهى.\nوفي هامشه: قال الحافظ (^٤): أشار بهذه الترجمة إلى إثبات وجود الجن، وإلى كونهم مكلفين، وأما إثبات وجودهم فقد نقل إمام الحرمين عن\n_________\n(^١) \"تفسير الجمل\" (٣/ ٢٩).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٠/ ٦٢١).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٧/ ٣٧٩ - ٣٨١).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٦/ ٣٤٣ - ٣٤٤).","vol":"4","page":385},{"text":"كثير من الفلاسفة والزنادقة والقدرية أنهم أنكروا وجودهم رأسًا، قال: ولا يتعجب ممن أنكر ذلك من غير المشرعين، إنما العجب من المشرعين مع نصوص القرآن والأخبار المتواترة، قال: وليس في قضية العقل ما يقدح في إثباتهم، قال القاضي أبو بكر: وكثير من هؤلاء يثبتون وجودهم وينفونه الآن، ومنهم من يثبتهم وينفي تسلطهم على الإنس، وقال عبد الجبار المعتزلي: الدليل على إثباتهم السمع دون العقل، إلى آخر ما بسط الحافظ في وجودهم، وفي أي شيء خلقوا؟ وفي أنهم هل يأكلون ويشربون ويتناكحون أم لا؟ وبسط الكلام على ذلك في \"الأوجز\".\nثم قال الحافظ (^١): وأما كونهم مكلفين فقد قال ابن عبد البر: الجن عند الجماعة مكلفون، وقال عبد الجبار: لا نعلم خلافًا بين أهل النظر في ذلك، إلا ما حكي عن بعض الحشوية أنهم مضطرون إلى أفعالهم، وليسوا بمكلفين، إلى آخر ما بسط من الاختلاف في أنه هل كان فيهم نبي أم لا؟ مع اتفاقهم على أن نبينا - ﷺ - بعث إلى الجن والإنس، وهذا مما فضل به على الأنبياء.\nوأما قول المصنف: \"وثوابهم وعقابهم\" فلم يختلف من أثبت تكليفهم أنهم يعاقبون على المعاصي، واختلف هل يثابون؟ فروى الطبري وابن أبي حاتم من طريق أبي الزناد موقوفًا قال: \"إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، قال الله لمؤمن الجن وسائر الأمم - أي: من غير الإنس -: كونوا ترابًا، فحينئذ يقول الكافر: يا ليتني كنت ترابًا\"، وروى ابن أبي الدنيا عن ليث بن أبي سليم قال: ثواب الجن أن يجاروا من النار، ثم يقال لهم: كونوا ترابًا، وروي عن أبي حنيفة نحو هذا القول، وذهب الجمهور إلى أنهم يثابون على الطاعة، وهو قول الأئمة الثلاثة والأوزاعي وأبي يوسف ومحمد.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٣٤٤ - ٣٤٦).","vol":"4","page":386},{"text":"ثم اختلفوا هل يدخلون مدخل الإنس على أربعة أقوال: أحدها: نعم، وهو قول الأكثر، وثانيها: يكونون في ربض الجنة، وهو منقول عن مالك وطائفة، وثالثها: أنهم أصحاب الأعراف، ورابعها: التوقف عن الجواب، ثم ذكر دلائل الجمهور.\nوبسط العيني (^١) أيضًا أبحاثًا عديدةً في مسائل الجن، إلى آخر ما بسط في هامش \"اللامع\" (^٢)، وفيه أيضًا: وعلم من ذلك أن ما قرره الشيخ مبني على مسلك الجمهور بخلاف المعروف عن الإمام أبي حنيفة، ولعل مأخذ قول الإمام في سورة الأحقاف: ﴿يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٣١]، فإنه مرتب فيه على الإيمان وإجابة داعي الله الإجارة من النار فقط، انتهى.\nونقل عن الإمام التوقف أيضًا كما سيأتي في الباب الآتي.\nقوله: (لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس. . .) إلخ، كتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): فيه إثبات الجن وأن منهم مسلمين، فإن الشهادة للغير فرع كونه ناجيًا زكيًا غير مأخوذ، انتهى.\nقلت: وما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه في المطابقة أجود مما قاله الشرَّاح. قال الحافظ وتبعه القسطلاني (^٤): والغرض منه ههنا أنه يدل على أن الجن يحشرون يوم القيامة، انتهى.\nوقال العيني (^٥): مطابقته للترجمة في قوله: \"الجن\" وهو أيضًا يدل على وجود الجن خلافًا لمن أنكر ذلك، انتهى.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٠/ ٦٤٢ - ٦٤٦).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٧/ ٣٧٩ - ٣٨١).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٧/ ٣٨٣).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٦/ ٣٤٦)، \"إرشاد الساري\" (٧/ ٢٣٨).\n(^٥) \"عمدة القاري\" (١٠/ ٦٤٨).","vol":"4","page":387},{"text":"(١٣ -<span data-type='title' id=toc-2240> باب قوله - ﷿ -: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾ [الأحقاف:</span> ٢٩])\nقال العلَّامة القسطلاني (^١): سقط لفظ \"باب\" لغير أبي ذر، قوله: \"مصرفًا: معدلًا\" قاله أبو عبيدة، ومراده قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾ [الكهف: ٥٣]. قوله: \"صرفنا\" في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا. . .﴾ إلخ [الأحقاف: ٢٩]، قال المؤلف: أي: \"وجهنا\"، وكان ذلك حين انصرف - ﷺ - راجعًا من الطائف إلى مكة حين يئس من ثقيف، [و] عن ابن عباس: أن الجن كانوا سبعة من جن نصيبين، فجعلهم رسول الله رسلًا إلى قومهم، وعن مجاهد فيما ذكره ابن أبي حاتم: كانوا ثلاثة من حران، وأربعة من نصيبين، ذكر القسطلاني أسماءهم، ثم قال: وقيل: إنهم كانوا اثني عشر ألفًا، انتهى.\nقلت: لم يتعرض الشرَّاح لغرض الترجمة، والأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن الإمام البخاري - ﵀ - أشار به إلى مستدل الإمام أبي حنيفة - ﵀ - في المسألة المذكورة في الباب السابق، فإن مستدل الإمام في مسلكه فيه هو هذه الآية، إذ ليس فيها إلا الإجارة من العذاب، ففي \"التفسير الأحمدي\": وقال إمامنا الأعظم: إنهم لم يثابوا كالإنس، وغاية نفع إيمانهم أنهم ينجون من العذاب؛ لقوله تعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٣١]، هكذا ذكر في \"المدارك\" و\"الكشاف\" و\"البيضاوي\"، انتهى.\nقلت: ونُقل فيه عن الإمام التوقف أيضًا، ففي \"روح المعاني\" (^٢): قال النسفي في \"التيسير\" - في الآية المذكورة قبل -: توقف أبو حنيفة في ثواب الجن في الجنة ونعيمهم؛ لأنه لا استحقاق للعبد على الله تعالى، ولم يقل بطريق الوعد في حقهم إلا المغفرة والإجارة من النار، وأما نعيم الجنة فموقوف على الدليل، انتهى.\nثم قال الحافظ (^٣): لم يذكر المصنف في هذا الباب حديثًا، واللائق\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٧/ ٢٣٨).\n(^٢) \"روح المعاني\" (١٣/ ١٨٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٦/ ٣٤٧).","vol":"4","page":388},{"text":"به حديث ابن عباس الذي تقدم في صفة الصلاة في توجه النبي - ﷺ - إلى عكاظ واستماع الجن لقراءته، وقد أشار إليه المصنف بالآية التي صدر بها هذا الباب، انتهى.\n\n(١٤ -<span data-type='title' id=toc-2241> باب قول الله تعالى: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ [البقرة: ١٦٤]. . . إلخ)</span>\nقال الحافظ (^١): كأنه أشار إلى سبق خلق الملائكة والجن [على] الحيوان، أو سبق جميع ذلك على خلق آدم، والدابة لغة: ما دبَّ من الحيوان، واستثنى بعضهم الطير لقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ الآية [الأنعام: ٣٨]، والأول أشهر لقوله تعالى: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ [هود: ٥٦]، وعرفًا: ذوات الأربع، وقيل: يختص بالفرس، وقيل: بالحمار، والمراد هنا المعنى اللغوي، وفي حديث أبي هريرة عند مسلم: \"أن خلق الدواب كان يوم الأربعاء\"، وهو دال على أن ذلك قبل خلق آدم، انتهى.\nقلت: وأجاد الإمام البخاري بالإشارة إلى الآيات في الترجمة حيث أشار بها إلى استيعاب جميع أنواع الحيوانات، فإنها ثلاثة أنواع: [الأول:] ما يسكن في الأرض من الحشرات، وأشار إليه بذكر الحيات، والثاني: ما يدبّ على الأرض، وأشار إليه بقوله: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ [هود: ٥٦]، والثالث: ما يطير في الجو، وأشار إليه بقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ﴾ الآية [الملك: ١٩].\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٢): لما كانت العادة جارية بأن العظيم لا ينسب إليه الحقير، وقد كانت الفلاسفة زعمت أنه ﵎ لم يخلق إلا العقل الأول، وجملة ما يتكوّن في عالم الكون والفساد فإنه\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٣٤٧).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٧/ ٣٨٣ - ٣٨٨).","vol":"4","page":389},{"text":"إلى العقل العاشر، دفعه بأن كل ذرة من ذرات العالم وكل دابة مما على الأرض صغيرة كانت أو كبيرة، حقيرة أو ذات خطر فإنما خلقه الله ﵎، ومنه الخلق والأمر ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤]، ثم إن جميع ما أورده في الباب من الروايات فمقصوده منها أن للدواب ذكرًا فيها، غير أن بعض الروايات لما كانت تتضمن فائدة أزيد من هذا القدر نبَّه عليها بزيادة لفظ الباب هناك، وأورد الرواية المتضمنة لتلك الفائدة، ثم أخذ في سرد الروايات كما كان يسردها، وهذا كقوله: \"باب خير مال المسلم\"، وقوله: \"باب خمس من الدواب\"، فإنهما لما تضمنا فائدة كثيرة الاعتناء نبَّه عليهما بلفظ الباب، فافهم، انتهى.\nوبسط في هامشه الكلام في توضيح ما قاله الشيخ قُدِّس سرُّه وتأييده.\n\n(١٥ -<span data-type='title' id=toc-2242> باب خير مال المسلم غنم يتبع بها. . .) إلخ</span>\nهكذا ثبتت هذه الترجمة في النسخ الهندية، وكذا في نسخة \"العيني\" و\"القسطلاني\"، وكذا في النسخة المصرية التي عليها حاشية السندي، وليست هذه في نسخة \"الفتح\".\nقال الحافظ (^١): سقطت هذه الترجمة من رواية النسفي، ولم يذكرها الإسماعيلي أيضًا، وهو اللائق بالحال؛ لأن الأحاديث التي تلي حديث أبي سعيد ليس فيها ما يتعلق بالغنم إلا حديث أبي هريرة المذكور بعده، انتهى.\nوهكذا قال العلَّامة العيني (^٢)، وقد تقدم ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه مما يتعلق بهذا الباب والباب الآتي، وعلى ما أفاده لا يحتاج إلى ما اضطر إليه الشرَّاح من القول بأولوية سقوط هذا الباب، فللَّه در الشيخ قُدِّس سرُّه،\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٣٥٢).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٠/ ٦٥٥).","vol":"4","page":390},{"text":"وما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه هو أصل مطرد من أصول التراجم، وهو الأصل السادس منها.\n\n(١٦ -<span data-type='title' id=toc-2243> باب خمس من الدواب فواسق. . .) إلخ</span>\nكذا في النسخ الهندية، وكذا في نسخة \"العيني\" والنسخة المصرية التي عليها حاشية العلَّامة السندي، وفي نسخة الحافظ هكذا: \"باب إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه. . . إلخ، وخمس من الدواب فواسق يقتلن في الحرم\"، وهكذا في نسخة القسطلاني.\nقال الحافظ (^١): ولا معنى لذكر هذا الباب ههنا، وتبعه القسطلاني في ذلك، وتقدم توجيهه اللطيف في كلام الشيخ قُدِّس سرُّه في الباب السابق.\n\n(١٧ -<span data-type='title' id=toc-2244> باب إذا وقع الذباب في شراب أحدكم. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٢): هذا الباب في رواية أبي ذر، وحذف عند الباقين، وهو أولى؛ فإن الأحاديث التي بعده لا تعلق لها بذلك، كما تقدم نظيره، انتهى بتغير ما. وتقدم الجواب عنه في كلام الشيخ - ﵀ - فيما سبق.\nثم لم يذكر الحافظ ههنا براعة الاختتام؛ لأنه جعل كتاب بدء الخلق والأنبياء كتابًا واحدًا، فذكر البراعة في آخر \"كتاب الأنبياء\"، ولو جعل هذا الكتاب مستقلًا فيمكن أن يقال: إن البراعة في قوله: \"نقص من عمله كل يوم قيراط\"، وجزاء الأعمال يكون في الآخرة بعد الموت (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٣٥٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ٣٦٠).\n(^٣) انظر: \"لامع الدراري\" (١/ ١١٧).","vol":"4","page":391},{"text":"٦٠ -<span data-type='title' id=toc-2245> كتاب الأنبياء على نبينا وعليهم الصلاة والسلام</span>\nفي رواية كريمة: \"كتاب أحاديث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام\"، في بعض النسخ: \"باب خلق آدم - ﷺ -\" من غير ذكر شيء غيره، قاله العيني (^١).\nقال الحافظ (^٢): الأنبياء جمع نبي، وقد قرئ بالهمزة فقيل: هو الأصل وتركه تسهيل، وقيل: الذي بالهمز من النبأ والذي بغير همز من النبوَّة وهي الرفعة، والنبوَّة نعمة يمنُّ بها الله على من يشاء، ولا يبلغها أحد بعلمه ولا كشفه ولا يستحقها باستعداد ولايته، ومعناها الحقيقي شرعًا: من حصلت له النبوَّة، وليست راجعة إلى جسم النبي - ﷺ -، ولا إلى عرض من أعراضه، بل ولا إلى علمه بكونه نبيًا، بل المرجع إلى إعلام الله له بأني نبأتك أو جعلتك نبيًا، وعلى هذا فلا تبطل بالموت كما لا تبطل بالنوم والغفلة.\nقال الحافظ أيضًا (^٣): وقع في ذكر عدد الأنبياء حديث أبي ذر مرفوعًا: \"إنهم مائة ألف وأربعة وعشرون ألفًا، الرسل منهم ثلاثمائة وثلاث عشرة\" صححه ابن حبان، وهكذا في \"العيني\" (^٤)، وزاد: وعن أنس بن مالك: قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"بعث الله ثمانية آلاف نبي، أربعة آلاف إلى بني إسرائيل، وأربعة آلاف إلى سائر الناس\" رواه أبو يعلى الموصلي، وعنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"بعثت على أثر ثمانية آلاف نبي، منهم أربعة آلاف من بني إسرائيل\" رواه الحافظ أبو بكر الإسماعيلي، انتهى.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١١/ ٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ٣٦١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٦/ ٣٦١).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١١/ ٣).","vol":"4","page":392},{"text":"قلت: وحديث أبي ذر المتقدم في كلام الحافظ والعيني ذكره ابن الجوزي في \"التلقيح\" (^١) مفصلًا، كما ذكر في هامش \"اللامع\" (^٢)، وقال القاري (^٣) في شرح حديث أبي ذر: العدد في هذا الحديث وإن كان مجزومًا به، لكنه ليس بمقطوع، فيجب الإيمان بالأنبياء والرسل مجملًا من غير حصر في عدد لئلا يخرج أحد منهم، ولا يدخل أحد من غيرهم فيهم، انتهى.\nثم لا يذهب عليك أن الإمام البخاري - ﵁ - كما أنه مجتهد في المسائل الفقهية لا يبالي خلاف أحد، كذلك له رأي مستقل في التاريخ لا يبالي خلاف المؤرخين، كما سترى في ذكر ترتيب الأنبياء، فقد ترى أنه ذكر إدريس بعد نوح، وجمهور المؤرخين على أن إدريس من أجداد نوح - ﵉ - إلا أن البخاري خالفهم، فذكره بعد نوح، ولعل مستنده في ذلك حديث المعراج، وقد ذكره المصنف في \"باب ذكر إدريس\"، فإنه وقع فيه قول إدريس للنبي - ﷺ -: \"مرحبًا بالنبي الصالح والأخ الصالح\"، فلو كان إدريس من أجداد نوح لما قال: بالأخ الصالح، بل قال: بالابن الصالح، وهو استدلال جيد، وإليه ذهب الشيخ أبو بكر بن العربي، وأجاب عنه الجمهور بأنه قال ذلك على سبيل التواضع والتلطف، فليس ذلك نصًا فيه، وهكذا ترى في مواضع أخر.\nوترتيبهم على ما ذكره ابن الجوزي في \"التلقيح\" (^٤) إذ قال: ذكر ترتيب كبار الأنبياء: كان من بعد آدم شيث - ﵇ -، وهو وصي آدم، وأنزل الله عليه خمسين صحيفة، قال محمد بن جرير: وإلى شيث تنتهي أنساب بني آدم كلهم اليوم، وذلك أن نسل ولد آدم، غير نسل شيث، انقرضوا فلم يبق أحد منهم، ثم كان إدريس - ﵇ -، قال أبو بكر بن أبي خيثمة: وكان من بعد - بياض في الأصل -[إدريس] نوح، ثم هود ثم صالح ثم إبراهيم ثم كان\n_________\n(^١) \"تلقيح فهوم أهل الأثر\" (ص ٣).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٨/ ١، ٢).\n(^٣) \"مرقاة المفاتيح\" (٩/ ٧٣١).\n(^٤) \"تلقيح فهوم أهل الأثر\" (ص ٤ - ٥).","vol":"4","page":393},{"text":"لقمان الحكيم، وكان - بياضر في الأصل - موسى بن ميشا ثم من بعده موسى بن عمران، ثم يوشع بن كالب بن يوقنا، ثم حزقيل، ثم إلياس ثم طالوت الملك، ثم داود ثم سليمان ثم أيوب ثم يونس بن متى ثم شعيا ثم أمصيا ثم زكريا ويحيى وعيسى وأرميا، وكان ذو القرنين بين عيسى ومحمد صلوات الله وسلامه على نبينا وعليهم أجمعين [في الفترة].\nقال المصنف: كذا ذكروا، والصواب أن ذا القرنين كان في زمن الخليل ﵊، إلا أن يعني به اليوناني، انتهى.\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-2246> باب خلق آدم وذريته)</span>\nذكر المصنف آثارًا، ثم أحاديث تتعلق بذلك، ومما لم يذكره ما رواه الترمذي والنسائي والبزار، وصححه ابن حبان عن أبي هريرة مرفوعًا: \"إن الله خلق آدم من تراب، فجعله طينًا، ثم تركه، حتى إذا كان حمأً مسنونًا خلقه وصوره ثم تركه، حتى إذا كان صلصالًا كالفخار كان إبليس يمر به فيقول: لقد خلقت لأمر عظيم، ثم نفخ الله فيه من روحه، وكان أول ما جرى فيه الروح بصره وخياشيمه، فعطس فقال: الحمد لله، فقال الله: يرحمك ربك\" الحديث، وفي الباب عدة أحاديث، منها حديث أبي موسى مرفوعًا: \"إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض\" الحديث، أخرجه أبو داود والترمذي وصححه ابن حبان.\nوآدم اسم سرياني، وهو عند أهل الكتاب آدام بإشباع فتحة الدال بوزن خاتام، وزنه فاعال، وامتنع صرفه للعجمة والعلمية، وقال الثعلبي: التراب بالعبرانية آدام فسمي آدم به، وحذفت الألف الثانية، وقيل: هو عربي، جزم به الجوهري والجواليقي، وقيل: هو بوزن أفعل من الأدمة، وقيل: من الأديم؛ لأنه خلق من أديم الأرض، وهذا عن ابن عباس، ووجهوه بأنه يكون كأعين، ومنع الصرف للوزن والعلمية، وقيل: هو","vol":"4","page":394},{"text":"من أدمت بين الشيئين إذا خلطت بينهما؛ لأنه كان ماء وطينًا فخلطا جميعًا، انتهى (^١).\nقوله: (صلصال: طين. . .) إلخ، كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٢): وذلك لأن الصوت مأخوذ في معناه، ولا يتصوت الطين ما لم يخالط معه شيء كالرمل ونحوه، وقيل: معناه: المنتن، وأيًّا ما كان فهو مضاعف، وأصله الصلّ، فألحق بالرباعي مبالغة في المعنى، انتهى.\nوقال الحافظ (^٣): \"طين خلط. . .\" إلخ، هذا هو تفسير الفراء، هكذا ذكره، وقال أبو عبيدة (^٤): الصلصال اليابس الذي لم تصبه نار، فإذا نقرته صل فسمعت له صلصلة، فإذا طبخ بالنار فهو فخار، وكل شيء له صوت فهو صلصال، وروى الطبري عن قتادة بإسناد صحيح نحوه، انتهى.\nقال المجد (^٥): صَلَّ يَصِلّ صَليلًا: صَوَّتَ، كَصَلْصَلَ صَلْصَلَةً ومُصَلْصَلًا، انتهى.\n(وطوله ستون ذراعًا) قال السندي (^٦): الظاهر بالذراع المتعارف يومئذٍ عند المخاطبين، وقيل: بذراع نفسه، وهو مردود بأن الحديث مسوق للتعريف، فهذا رد إلى الجهالة؛ لأن حاصله أن ذراعه جزء من ستين جزءًا للطول، وهذا يتصور في طويل غاية الطول وقصير غاية القصر، وبأن ذراع كل واحد مثل ربعه، فلو كان ستين ذراعًا بذراع نفسه لكانت يده قصيرة في جنب طول جسده جدًا، ويلزم منه قبح الصورة وعدم اعتدالها، وأن يكون عديم المنافع المعدّة لها اليدان، وقد وقع ههنا في عبارة الحافظ ابن حجر سهو، وتبعه القسطلاني في ذلك، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٣٦٤).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٨/ ٣).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٦/ ٣٦٤).\n(^٤) \"مجاز القرآن\" (١/ ٣٥٠) و(٢/ ٢٤٣).\n(^٥) \"القاموس\" (ص ٩٤١).\n(^٦) \"صحيح البخاري بحاشية السندي\" (٢/ ٢٢٨).","vol":"4","page":395},{"text":"قلت: وعبارة الحافظ في \"الفتح\" (^١): يحتمل أن يريد بقدر ذراع نفسه، ويحتمل أن يريد بقدر الذراع المتعارف يومئذ عند المخاطبين، والأول أظهر؛ لأن ذراع كل أحد بقدر ربعه، فلو كان بالذراع المعهود لكانت يده قصيرة في جنب طول جسده، انتهى.\nقوله: (فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن) أي: أن كل قرن يكون نشأته في الطول أقصر من القرن الذي قبله، فانتهى تناقص الطول إلى هذه الأمة، واستقر الأمر على ذلك، وقال ابن التِّين: قوله: \"فلم يزل الخلق ينقص\" أي: كما يزيد الشخص شيئًا فشيئًا، ولا يتبين ذلك فيما بين الساعتين ولا اليومين، حتى إذا كثرت الأيام تبين، فكذلك هذا الحكم في النقص، ويشكل على هذا ما يوجد الآن من آثار الأمم السالفة كديار ثمود، فإن مساكنهم تدل على أن قاماتهم لم تكن مفرطة الطول على حسب ما يقتضيه الترتيب السابق، ولا شك أن عهدهم قديم، وأن الزمان الذي بينهم وبين آدم دون الزمان الذي بينهم وبين أول هذه الأمة، ولم يظهر لي إلى الآن ما يزيل هذا الإشكال، انتهى.\nويمكن الجواب عنه عندي بأن يقال: إنهم شبهوا العالم كله بمنزلة شخص، فالزمن الذي من آدم إلى نوح كأنه زمن الطفولية، ومن نوح إلى إبراهيم زمن الشباب، ثم الزمن بعد زمن الكهولة، كما تقدمت الإشارة إليه في الجزء الأول في بدء الوحي تحت قوله: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ﴾ الآية [النساء: ١٦٣]، وأنت خبير بأن القامة في زمن الطفولية تطول يومًا فيومًا إلى الشباب، ولما كان ها هنا السير من الطول إلى القصر فيكون السير في الأول، أي: من زمن آدم إلى نوح في القصر سريعًا غاية التسرع على عكس ما يوجد من النمو السريع في زمن الطفولية إلى الشباب، فافهم فإنه دقيق.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٣٦٦ - ٣٦٧).","vol":"4","page":396},{"text":"قوله: (وأما أول طعام. . .) إلخ، كتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): لا ينافيه ما ورد أن أول طعامهم الأرض تخبز لهم؛ لأن الأولية في إحديهما إضافية أو يقال: إنهما تؤكلان معًا، انتهى. وذكر في هامشه الكلام عليه.\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-2247> باب الأرواح جنود مجندة. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٢): كذا ثبتت هذه الترجمة في معظم الروايات، وهي متعلقة بترجمة خلق آدم وذريته، للإشارة إلى إنهم ركبوا من الأجسام والأرواح، انتهى.\nوعندي: بل لأن الأصل في الإنسان الأرواح، وأما معنى الحديث فقال الخطابي: يحتمل أن يكون إشارة إلى معنى التشاكل في الخير والشر والصلاح والفساد، وأن الخيِّر من الناس يحن إلى شكله، والشرير نظير ذلك يميل إلى نظيره، فتعارف الأرواح يقع بحسب الطباع التي جبلت عليها من خير وشر، فإذا اتفقت تعارفت، وإذا اختلفت تناكرت، ويحتمل أن يراد الإخبار عن بدء الخلق في حال الغيب على ما جاء أن الأرواح خلقت قبل الأجسام، وكانت تلتقي فتتشاءم، فلما حلَّت بالأجسام تعارفت بالأمر الأول، فصار تعارفها وتناكرها على ما سبق من العهد المتقدم، وقال غيره: المراد أن الأرواح أول ما خلقت خلقت على قسمين، ومعنى تقابلها أن الأجساد التي فيها الأرواح إذا التقت في الدنيا ائتلفت أو اختلفت على حسب ما خلقت عليه الأرواح في الدنيا إلى غير ذلك بالتعارف.\nقال الحافظ (^٣): ولا يعكر عليه أن بعض المتنافرين ربما ائتلفا؛ لأنه محمول على مبدأ التلاقي، فإنه يتعلق بأثر الخلقة (^٤) بغير سبب، وأما في ثاني الحال فيكون مكتسبًا لتجدد وصف يقتضي الألفة بعد النفرة؛ كإيمان\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٨/ ٩).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ٣٦٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٦/ ٣٦٩ - ٣٧٠).\n(^٤) كذا في الأصل، وفي \"الفتح\": \"بأصل الخلقة\".","vol":"4","page":397},{"text":"الكافر وإحسان المسيء. وقوله: \"جنود مجندة\" أي: أجناس مجنسة أو جموع مجمعة، قال ابن الجوزي (^١): ويستفاد من الحديث أن الإنسان إذا وجد من نفسه نفرة ممن له فضيلة أو صلاح، فينبغي أن يبحث عن المقتضى لذلك ليسعى في إزالته حتى يتخلص من الوصف المذموم، وكذلك القول في عكسه، انتهى.\nقلت: وبسط الكلام على معنى الحديث في \"اليواقيت والجواهر\" (^٢)، وكذا بسط القاري في \"المرقاة\" (^٣).\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-2248> باب قول الله - ﷿ -: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا﴾ [هود: ٢٥]. . .) إلخ</span>\nوهو ابن خمسين سنة، وقال مقاتل: ابن مائة سنة، وعند ابن جرير: ثلاث مائة وخمسين سنة، وقال ابن عباس: سمي نوحًا لكثرة نوحه على نفسه، واختلف في سبب نوحه، فقيل: لدعوته على قومه بالهلاك، وقيل: لمراجعته ربه في شأن ابنه كنعان، وهو نوح بن لَمْك بن متوشلخ بن خنوخ، وهو إدريس، وهو أول نبي بعثه الله تعالى بعد إدريس، وقال القرطبي: أول نبي بعثه الله بعد آدم بتحريم البنات والعمات والخالات، وكان مولده فيما ذكره ابن جرير بعد وفاة آدم بمائة وستة وعشرين عامًا، ومات وعمره ألف سنة وأربعمائة سنة، ودفن بالمسجد الحرام، وقيل غير ذلك، وعن أبي أمامة: \"أن رجلًا قال: يا رسول الله! أنبي كان آدم؟ قال: نعم، قال: فكم كان بينه وبين نوح؟ قال: عشرة قرون\"، رواه ابن حبان وصححه، قال ابن كثير: وهو على شرط مسلم ولم يخرجوه، انتهى من \"القسطلاني\" (^٤).\nقلت: ويشكل تقديم الإمام البخاري نوحًا على إدريس عليهما الصلاة والسلام، وقد حكي الإجماع على أن إدريس من أجداده، لكن في هذا\n_________\n(^١) \"كشف المشكل\" (٣/ ٥٦٤).\n(^٢) \"اليواقيت والجواهر\" (٢/ ١٣٩).\n(^٣) \"مرقاة المفاتيح\" (٨/ ٧٣٣ - ٧٣٤).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (٧/ ٢٧٧، ٢٧٨).","vol":"4","page":398},{"text":"الإجماع نظر كما سيأتي، وتقدم منا الجواب عن أصل الإشكال في مبدأ \"كتاب الأنبياء\"، فكن منه على ذكر.\n\n(٤ -<span data-type='title' id=toc-2249> باب ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ. . .﴾ [الصافات: ١٢٣]) إلخ</span>\nقال الحافظ (^١): إلياس بهمزة قطع، وهو اسم عبراني، وأما قوله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾ [الصافات: ١٣٠] فقرأه الأكثر بصورة الاسم المذكور، وزيادة ياء ونون في آخره، وقرأ أهل المدينة (آل ياسين) بفصل آل من ياسين، وكان بعضهم يتأول أن المراد: سلام على آل محمد - ﷺ -، وهو بعيد، وإنما زيدت فيه الياء والنون كما قالوا في إدريس: إدراسين، انتهى.\nقال القسطلاني (^٢): هو إلياس بن ياسين سبط هارون أخي موسى - ﵇ - بعث بعده، وقال عبد الله بن مسعود فيما وصله ابن أبي حاتم: هو إدريس، وفي مصحفه: \"وإن إدريس لمن المرسلين\"، فيكون له اسمان، وسبق أن إلياس من ولد هارون أخي موسى - ﵉ -، وعلى هذا فليس إدريس جدًا لنوح؛ لأنه من بني إسرائيل، والصحيح أن إلياس غير إدريس؛ لأن الله تعالى ذكره في سورة الأنعام حيث قال: ﴿وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ إلى أن قال: ﴿وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ﴾ [الأنعام: ٨٤، ٨٥]، فدلّ على أن إلياس من ذرية نوح، وإدريس جد أبي نوح، كما يأتي قريبًا إن شاء الله، انتهى.\nوقال الحافظ (^٣): وكأن المصنف رجح عنده كون إدريس ليس من أجداد نوح، ولهذا ذكره بعده، وسأذكر ما في ذلك في الباب الذي يليه، انتهى.\nقلت: ما قال الحافظ من رجحان المصنف هو المختار عندي كما تقدم في مبدأ هذا الكتاب، ويشكل عليه ما سيأتي في الباب الآتي من قول المصنف في حق إدريس: \"وهو جد نوح\". والجواب عنه عندي: أما أولًا:\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٣٧٣).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٧/ ٢٨٦).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٦/ ٣٧٣).","vol":"4","page":399},{"text":"فبأن هذه الزيادة لم تثبت في أكثر النسخ كما قال الحافظ وغيره، وكذا هو ليس بموجود في النسخ الهندية التي بأيدينا، وثانيًا بأن يقال: إن الإمام البخاري أشار بهذا القول إلى ما هو المعروف على الألسنة حتى حكى بعضهم الإجماع عليه، وليس هذا مصير منه إلى اختيار هذا القول، فتأمل.\n\n(٥ -<span data-type='title' id=toc-2250> باب ذكر إدريس وقول الله - ﷿ -: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم:</span> ٥٧])\nقال الحافظ (^١): سقط لفظ \"باب\" من رواية أبي ذر، وزاد في رواية الحفصي: \"وهو جد أبي نوح، وقيل: جد نوح\"، واختلف في لفظ إدريس، فقيل: هو عربي، واشتقاقه من الدراسة، وقيل له ذلك لكثرة درسه الصحف، وقيل: بل هو سرياني، انتهى.\nوقال القسطلاني (^٢): وكان أول نبي أعطي النبوَّة بعد آدم وشيث، وأول من خط بالقلم، وأدرك من حياة آدم ثلاثمائة سنة وثمان سنين، وقال ابن كثير: وقد قالت طائفة: إنه المشار إليه في حديث معاوية بن الحكم السلمي لما سأل النبي - ﷺ - عن الخط بالرمل فقال: \"إنه كان نبي يخط بالرمل\" الحديث، وزعم كثير من المفسرين أنه أول من تكلم في ذلك، ويسمونه هرمس الهرامسة، ويكذبون عليه في أشياء كثيرة كما كذبوا على غيره من الأنبياء، انتهى.\nقوله: \" ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ \" ثم ساق حديث الإسراء، وكأنه أشار بالترجمة إلى ما وقع فيه أنه وجده في السماء الرابعة، وهو مكان علي بغير شك، واستشكل بعضهم ذلك بأن غيره من الأنبياء أرفع مكانًا منه، ثم أجاب بأن المراد أنه لم يرفع إلى السماء من هو حي غيره، وفيه نظر؛ لأن\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٣٧٣ - ٣٧٤).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٧/ ٣٨٦ - ٣٨٧).","vol":"4","page":400},{"text":"عيسى أيضًا قد رفع وهو حي على الصحيح، وكون إدريس رفع وهو حي لم يثبت من طريق مرفوعة قوية، وذكر ابن قتيبة: أن إدريس رفع وهو ابن ثلاثمائة وخمسين سنة، وفي حديث أبي ذر الطويل الذي صححه ابن حبان: \"أن إدريس كان نبيًا رسولًا\"، وذكر ابن إسحاق له أوليات كثيرة، منها [أنه] أول من خاط الثياب، انتهى مختصرًا من \"الفتح\" (^١).\n\n(٦ -<span data-type='title' id=toc-2251> باب قول الله - ﷿ -: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ [الأعراف: ٦٥]. . .) إلخ</span>\nهو: هود بن عبد الله بن رباح بن جاور بن عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح، وسماه أخًا لهم لكونه من قبيلتهم، لا من جهة أخوة الدين، هذا هو الراجح في نسبه، وأما ابن هشام فقال: اسمه عابر بن أرفخشد بن سام بن نوح، قاله الحافظ (^٢)، هكذا ذكر النسب العيني، لكن فيه \"رباح بن خلود\" بدل \"ابن جاور\"، وهكذا في تفسير الخطيب كما في هامش \"الفتح\".\nوقال العيني (^٣): وكان هود أشبه ولد آدم بآدم خلا يوسف، وكانت عاد ثلاث عشرة قبيلة، ينزلون الرمل بالدو والدهناء وعالج ووبار [ويبرين] وعمان إلى حضرموت إلى اليمن، وكانت ديارهم أخصب البلاد، فلما سخط الله عليهم جعلها مفاوز، وكان هود من قبيلة يقال لها: عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح، وهم عاد الأولى، وكانوا عربًا يسكنون في المواضع المذكورة، وأرسل الله تعالى هودًا إليهم وهو قوله تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا. . .﴾، إلى آخر ما ذكر من أحواله.\nوقال أيضًا (^٤): ثم إن هودًا - ﵇ - بقي بعد هلاك قومه ما شاء الله، ثم مات، وعمره مائة وخمسون سنة، وحكى الخطيب عن ابن عباس: أنه عاش أربعمائة وستين سنة، وكان بينه وبين نوح ثمانمائة وستين سنة، واختلفوا في أيّ مكان توفي، فقيل: بأرض الشحر من بلاد حضرموت،\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٣٧٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ٣٧٦).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١١/ ٣٢).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١١/ ٣٣ - ٣٤).","vol":"4","page":401},{"text":"وقبره ظاهر هناك، ذكره ابن سعد في \"الطبقات\"، وعن عبد الرحمن بن ساباط: بين الركن والمقام وزمزم قبر تسعة وتسعين نبيًا، وأن قبر هود وشعيب وصالح وإسماعيل - على نبينا وعليهم الصلاة والسلام - في تلك البقعة، وقيل: بجامع دمشق في حائط القبلة يزعم بعض الناس أنه قبر هود - ﵇ -، قال ابن الكلبي: لم يكن بين نوح وإبراهيم من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام [إلا هود وصالح]، انتهى.\nقوله: (لأقتلنهم قتل عاد) وسيأتي في المغازي: بدله: \"قتل ثمود\".\nقال الحافظ (^١): والغرض من الحديث ههنا قوله: \"لأقتلنهم قتل عاد\" أي: قتلًا لا يبقي منهم أحدًا، إشارة إلى قوله تعالى: ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٨]، ولم يرد أنه يقتلهم بالآلة التي قتلت بها عاد بعينها، ويحتمل أن يكون من الإضافة إلى الفاعل ويراد به القتل الشديد القوي؛ إشارة إلى أنهم موصوفون بالشدة والقوة، ويؤيده أنه وقع في طريق أخرى: \"قتل ثمود\"، انتهى من \"الفتح\".\n\n(٧ -<span data-type='title' id=toc-2252> باب قصة يأجوج ومأجوج. . .) إلخ</span>\nليس هذا الباب في نسخة \"الفتح\"، وهو موجود ههنا في نسخة العيني والقسطلاني، وكذا في النسخة الهندية التي بأيدينا، وفي النسخة المصرية التي عليها حاشية السندي، واكتفى المصنف بالآية، ولم يذكر في هذا الباب حديثًا، ولعدم ذكر المصنف حديثًا تحت الباب وجوه شهيرة تقدمت مرارًا في أمثال هذا الباب، فلا حاجة إلى إعادتها، وهو الأصل السابع والعشرون من أصول التراجم، وهذا كله على النسخ الهندية والمصريه، فإن فيها بعد قول الله تعالى: ﴿إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية [الكهف: ٩٤]:: \"باب قول الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ. . .﴾ إلخ\"\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٣٧٧).","vol":"4","page":402},{"text":"[لكهف: ٨٣]، فتبقى على هذا هذه الترجمة من غير حديث، ولا يشكل عدم ذكر الحديث بحسب نسخة العيني والقسطلاني، فإنه ليس في نسختهما لفظ \"باب\" على الآية الثانية، أي: قول الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾، وأما قصة يأجوج ومأجوج فبسط الكلام عليها العلَّامة العيني.\nوقال القسطلاني (^١): قال في \"الأنوار\": هما قبيلتان من ولد يافث بن نوح، وقيل: يأجوج من الترك ومأجوج من الجيل، وعن قتادة فيما ذكره محيي السُّنَّة: أن يأجوج ومأجوج اثنتان وعشرون قبيلة، بنى ذو القرنين السدَّ على إحدى وعشرين قبيلة، وبقيت واحدة، فهم الترك، سموا بالترك؛ لأنهم تركوا خارج السدِّ، وعن حذيفة مرفوعًا: إن يأجوج أمة ومأجوج أمة، كل أمة أربعمائة ألف، لا يموت الرجل منهم حتى ينظر إلى ألف ذكر من صلبه، كلهم قد حمل السلاح، قال: وهم ثلاثة أصناف: صنف منهم مثل الأرز شجر بالشام طوله عشرون ومائة ذراع في السماء، وصنف منهم طوله وعرضه سواء عشرون ومائة ذراع، وهؤلاء لا يقوم لهم جبل ولا حديد، وصنف منهم يفترش إحدى أذنيه ويلتحف بالأخرى، لا يمرون بفيل ولا وحش ولا خنزير إلا أكلوه، وفي \"كتاب الأمم\" لابن عبد البر: أن مقدار الربع العامر من الدنيا مائة وعشرون سنة، وأن تسعين منها ليأجوج ومأجوج، إلى آخر ما ذكر القسطلاني من أحوالهم. وفي \"القول الفصيح\": ثم الظاهر من صنيع المؤلف أنه يرى ذا القرنين نبيًا، وإلا فلا وجه لذكره في عداد الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين، أما ذكر يأجوج ومأجوج فلتعلق قصتهم بقصة ذي القرنين، وعلى هذا فالمناسب إما إدراجهما تحت ترجمة ذي القرنين أو وضعهما في ترجمة مستقلة بعد هذه الترجمة، وأما ما وقع في النسخ الموجودة عندنا من البداية بقصتهما والاستتباع بقصة ذي\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٧/ ٢٩٧).","vol":"4","page":403},{"text":"القرنين، فهذا لا يرجع إلى معنى صحيح، وليس له وجه وجيه عندنا إلا أن يكون سوى بها تمهيدًا لذكر ذي القرنين، وهذا كما ترى، ولعل أمثال تلك السقطات وقعت من النساخ، انتهى.\n\n<span data-type='title' id=toc-2253>(باب قول الله - ﷿ -: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾ [الكهف:</span> ٨٣])\nقال العلَّامة العيني (^١): وذو القرنين المذكور في القرآن المذكور في ألسنة الناس بالإسكندر ليس الإسكندر اليوناني، فإنه مشرك، ووزيره أرسطاطاليس، والإسكندر المؤمن الذي ذكره الله في القرآن اسمه عبد الله بن الضحاك، قاله ابن عباس، وقيل: مصعب بن عبد الله إلى آخر ما ذكر في نسبه، وقد جاء في حديث أنه من حمير، وأمه رومية، وأنه كان يقال له: ابن الفيلسوف لعقله، قال مقاتل: هو من حمير، ووفد أبوه إلى الروم، فتزوج امرأة من غسَّان، فولدت له ذا القرنين عبدًا صالحًا، وقال وهب بن منبِّه: اسمه الإسكندر.\nقلت: ومن هنا يشارك الإسكندر اليوناني في الاسم، وكثير من الناس يخطئون في هذا، ويزعمون أن الإسكندر المذكور في القرآن هو هذا، وهذا زعم فاسد؛ لأن الإسكندر اليوناني الذي بنى الإسكندرية كافر مشرك، وذو القرنين عبد صالح ملك الأرض شرقًا وغربًا، حتى ذهب جماعة إلى نبوته، منهم الضحاك وعبد الله بن عمر، وقيل: كان رسولًا، ووزيره الخضر - ﵇ -.\nواختلفوا في زمانه، فقيل: في القرن الأول، من ولد يافث بن نوح ﵊، وأنه ولد بأرض الروم، وقيل: كان بعد نمرود لعنه الله، وقيل: كان في الفترة بين موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام، وقيل: في الفترة بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، والأصح أنه\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١١/ ٤٢ - ٤٣).","vol":"4","page":404},{"text":"كان في أيام إبراهيم ﵊، ولما فاته عين الحياة وحظي بها الخضر - ﵇ - اغتم غمًّا شديدًا، فأيقن بالموت، فمات بدومة الجندل، وكان منزله، وقيل: بشهر زور، وقيل: بأرض بابل، وكان قد ترك الدنيا وتزهد، وقال مجاهد: عاش ألف سنة مثل آدم - ﵇ -، وقال ابن عساكر: بلغني أنه عالش ستًّا وثلاثين سنة، وسمي ذا القرنين؛ لأنه ملك المشرق والمغرب، أو لأنه طاف قرني الدنيا شرقها وغربها، ولأنه كان له قرنان، أي: ضفيرتان، أو لقب بذلك لشجاعته، انتهى مختصرًا من \"العيني\" بزيادة من \"القسطلاني\" (^١).\nقال الحافظ (^٢): وفي إيراد المصنف - ﵀ - ترجمة ذي القرنين قبل إبراهيم إشارة إلى توهين قول من زعم أنه الإسكندر اليوناني؛ لأن الإسكندر كان قريبًا من زمن عيسى - ﵇ -، وبين زمن إبراهيم وعيسى أكثر من ألفي سنة، والحق أن الذي قصَّ الله نبأه في القرآن هو المتقدم، والفرق بينهما من أوجه، ثم ذكر عدة أوجه تقدم بعض منها في كلام العيني، منها أن ذا القرنين كان من العرب، وأما الإسكندر فهو من اليونان، والعرب كلها من ولد سام بن نوح بالاتفاق، وإن وقع الاختلاف هل هم كلهم من بني إسماعيل أو لا؟ واليونان من ولد يافث بن نوح على الراجح فافترقا، ثم بسط الكلام على نبوته، وملخصه أن فيه ثلاثة أقاويل، قيل: كان نبيًا، وقيل: كان من الملائكة، وقيل: كان من الملوك، وعليه الأكثر.\nوقال في مقدمة \"الفتح\" (^٣): مال البخاري إلى أنه نبي، ولذا ذكره في الأنبياء، وإلى أنه مقدم على إبراهيم - ﵇ -، ولذا قدَّم ترجمته على ترجمته.\nثم اعلم أنه وقع في نسخة \"الفتح\" قبل هذا الباب المذكور \"باب قول الله تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا. . .﴾ \" إلخ، مع ذكر ما فيه\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٧/ ٢٩٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ٣٨٢ - ٣٨٣).\n(^٣) مقدمة \"فتح الباري\" (ص ٤٧٢).","vol":"4","page":405},{"text":"من الأحاديث، وسيجيئ هذا الباب والأحاديث الذي ذكر فيه في النسخة الهندية، وكذا في \"المصرية\" و\"العيني\" و\"القسطلاني\" بعد عدة أبواب.\nقال الحافظ (^١): وقع هذا الباب \"باب قوله تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ. . .﴾ \" إلخ، في أكثر نسخ البخاري متأخرًا عن هذا الموضع بعدة أبواب، والصواب إثباته ههنا، وهذا مما يؤيد ما حكاه أبو الوليد الباجي عن أبي ذر الهروي: أن نسخة الأصل من البخاري كانت ورقًا غير محبوك، فربما وجدت الورقة في غير موضعها، فنسخت على ما وجدت، فوقع في بعض التراجم إشكال بحسب ذلك، وإلا فقد وقع في القرآن ما يدل على أن ثمود كانوا بعد عاد كما كان عاد بعد قوم نوح، انتهى.\n\n(٨ -<span data-type='title' id=toc-2254> باب قول الله - ﷿ -: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء:</span> ١٢٥])\nقال الحافظ (^٢): كأنه أشار بهذه الآيات إلى ثناء الله تعالى على إبراهيم - ﵇ -، وإبراهيم بالسريانية معناه: أب راحم، وإبراهيم هو ابن آزر، واسمه تارح - بمثناة وراء مفتوحة وآخره حاء مهملة - ابن ناحور - بنون ومهملة مضمومة - ابن شاروخ - بمعجمة وراء مضمومة وآخره خاء معجمة - ابن راغوء - بغين معجمة - ابن فالخ - بفاء ولام مفتوحة بعدها معجمة - أبن عبير، ويقال: عابر - بمهملة وموحدة - ابن شالخ - بمعجمتين - ابن أرفخشذ بن سام بن نوح، لا يختلف جمهور أهل النسب ولا أهل الكتاب في ذلك إلا في النطق ببعض هذه الأسماء، نعم ساق ابن حبان في أول تاريخه خلاف ذلك، وهو شاذ، انتهى.\nوبسط الحافظ أيضًا في معنى الخليل ومأخذ اشتقاقه.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٣٨١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ٣٨٩).","vol":"4","page":406},{"text":"(٩ -<span data-type='title' id=toc-2255> باب ﴿يَزِفُّونَ﴾: النسلان في المشي)</span>\nهكذا وقع هذا الباب في النسخ الهندية، وكذا في نسخة العيني والقسطلاني والنسخة المصرية التي عليها حاشية السندي، وليس هو في نسخة \"الفتح\".\nقال الحافظ (^١): وقع في رواية الحموي والكشميهني قبل حديث أبي هريرة - أي: الحديث الأول من هذا الباب - هذا ما صورته: \" ﴿يَزِفُّونَ﴾: النسلان في المشي\"، وفي رواية المستملي والباقين \"باب\" بغير ترجمة، وسقط ذلك من رواية النسفي، ووهم من وقع عنده \"باب ﴿يَزِفُّونَ﴾: النسلان\" فإنه كلام لا معنى له، والذي يظهر ترجيح ما وقع عند المستملي، وقوله: \"باب\" بغير ترجمة يقع عندهم كالفصل من الباب، وتعلقه بما قبله واضح، فإن الكل من ترجمة إبراهيم، وأما تفسير هذه الكلمة من القرآن فإنها من جملة قصة إبراهيم - ﵇ - مع قومه حين كسر أصنامهم، قال الله تعالى: ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ [الصافات: ٩٤]، قال مجاهد: الوزيف: النسلان، أخرجه الطبري وابن أبي حاتم، انتهى.\nوفي هامش الهندية (^٢): وقع هذا الباب بغير ترجمة، أما قوله: \" ﴿يَزِفُّونَ﴾. . .\" إلخ، ليس هو ترجمة الباب بل أراد به تفسير قوله تعالى: ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ [الصافات: ٩٤]، وفيه عن الكرماني: زف القوم في مشيهم أي: أسرعوا، والنسلان الإسراع، انتهى.\nقلت: وسيأتي في \"البخاري\" في تفسير سورة الصافات قوله: \" ﴿يَزِفُّونَ﴾: النسلان في المشي\".\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٣٩٩).\n(^٢) \"صحيح البخاري بحاشية السهارنفوري\" (٦/ ٧٥١).","vol":"4","page":407},{"text":"(١١ -<span data-type='title' id=toc-2256> باب قوله تعالى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحجر: ٥١]. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^١): كذا اقتصر في هذا الباب على تفسير هذه الكلمة، وبذلك جزم الإسماعيلي وقال: ساق الآيتين بلا حديث، انتهى.\nقال الحافظ: والتفسير المذكور مروي عن عكرمة عند ابن أبي حاتم، ولعله كان عقب هذا في الأصل بياض فحذف. وقصة أضياف إبراهيم أوردها ابن أبي حاتم من طريق السدي مبينة، وفيها: أنه لما قرب إليهم العجل قالوا: إنا لا نأكل طعامًا إلا بثمن، قال إبراهيم: إن له ثمنًا، قالوا: وما ثمنه؟ قال: تذكرون اسم الله على أوله وتحمدونه على آخره، قال: فنظر جبريل إلى ميكائيل فقال: حق لهذا أن يتخذه ربه خليلًا، فلما رأى أنهم لا يأكلون فزع منهم. ومن طريق عثمان بن محصن قال: كانوا أربعة: جبريل وميكائيل وإسرافيل ورفاييل، وفي رواية: أن جبريل مسح بجناحيه العجل فقام يدرج حتى لحق بأمه في الدار، انتهى.\nقوله: (نحن أحق بالشك من إبراهيم) كتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): مدح لهؤلاء الثلاثة بأنه لو كان سؤال إبراهيم لأجل الشك لكنا أحق به، ولكنا لم نشك فهو أولى بعدم الشك، ولكنه إنما سأل ذلك طلبًا للمشاهدة ليطمئن عند الخصومات، فإن الخبر دون المعاينة. \"ويرحم الله لوطًا\" تمنى أن تكون له قوة من نفسه أو قومه فيقاوم بها أعداء الله ولا يتركهم يتعرضوا لأضيافه، فقوله: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً﴾ أراد بها القوة الحاصلة له من دون إعانة أحد. وقوله: ﴿رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ قصد به القوة الحاصلة له بإعانة من قومه، وأما الاستعانة بالرب ﵎ فإنه لم يذكرها؛ لأنه كان يعلم أن الله جعل الدنيا عالم أسباب، فليس فيها شيء إلا وهو مستند إلى سبب له، فلما كانت الاستعانات والإعانات في الدار الدنيا منحصرتين\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٤١١).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٨/ ٢١ - ٢٦).","vol":"4","page":408},{"text":"في نوعين من نفسه ومن غيره ذكرهما، والله هو المنظور إليه المعتمد عليه في الكل، انتهى. وبسط في هامشه الكلام عليه فارجع إليه.\nوفيه أيضًا ذكر شيخ مشايخنا الدهلوي في \"الإنجاح\" (^١): ذكر شيخنا المجدد: أن العارف الكامل متى توجه إلى هداية الخلق عرضت له مناسبة بالعوام؛ لأنه لو لم يكن لانسدّ باب النفع، فمن كان رجوعه إلى الخلق أكمل كان إرشاده أوفر، قال المرتعش: ما وجدت باطني بباطن الخواص إلا وجدت ظاهري بظاهر العوام، فربما يحتاج إلى الاستدلال، فلما كان إرشاد نبينا - ﷺ - أعمّ كان ظاهره معنا أتمّ، ولذا قال: \"لا رهبانية في الإسلام\"، فعلى هذا كان أحق بالشك من إبراهيم - ﵇ -، انتهى.\nقلت: وهذا الذي أشار إليه الشيخ قُدِّس سرُّه يسمى في الاصطلاح بالرجوع إلى البداية، ثم ذكر فيه أقوال عديدة في سبب سؤال إبراهيم هذا.\n\n(١٢ -<span data-type='title' id=toc-2257> باب قول الله - ﷿ -: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ. . .﴾ [مريم: ٥٤]) إلخ</span>\nقدَّمه على الباب الآتي؛ لأنه أسن من إسحاق كما سيأتي في الباب الآتي.\nقال العيني (^٢): أي: بيان ما جاء في حق إسماعيل من قوله - ﷿ -: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ﴾ الآية، وتمام الآية: ﴿وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾، قال المفسرون: قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ [مريم: ٥٤]: كان بينه وبين رجل ميعاد، فأقام ينتظره مدة، واختلفوا في تلك المدة، فقيل: حولًا حتى أتاه جبريل ﵊، وقال: إن الفاجر الذي وعدته بالقعود إبليس عليه اللعنة، وقوله: ﴿رَسُولًا﴾ أي: إلى جرهم، انتهى.\n_________\n(^١) \"سنن ابن ماجه مع إنجاح الحاجة\" (ص ٢٩١). (ط): الهند.\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١١/ ٨٩).","vol":"4","page":409},{"text":"وقال القسطلاني (^١): قال ابن جريج: لم يعد ربه عدة إلا أنجزها، وقال ابن كثير: يعني: ما التزم عبادة قط بنذر إلا قام به ووفاها حقها، ثم ذكر نحو ما تقدم عن العيني، وقال أيضًا: وناهيك أنه وعد الصبر على الذبح حيث قال: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢] فوفى به، انتهى.\nقال الحافظ (^٢): ذكر المصنف فيه حديث سلمة بن الأكوع: \"ارموا بني إسماعيل\"، وقد تقدم شرحه في \"باب التحريض على الرمي\" من \"كتاب الجهاد\"، واحتج به المصنف على أن اليمن من بني إسماعيل كما سيأتي في أوائل المناقب، انتهى.\nثم اعلم أن الذبيح إسماعيل أو إسحاق؟ مسألة خلافية شهيرة، بسط الكلام عليها أيضًا الحافظ ابن القيم في \"زاد المعاد\" (^٣)، وحقق أن الذبيح إسماعيل - ﵇ -، وبه جزم ابن عابدين - ﵀ -.\n\n(١٣ -<span data-type='title' id=toc-2258> باب قصة إسحاق بن إبراهيم)</span>\nقال العلَّامة العيني (^٤): أي: بيان ذكر قصة إسحاق، وعن ابن إسحاق: بشَّر الله إبراهيم بإسحاق من سارة، فحملت وكانت بنت تسعين سنة، وإبراهيم ابن مائة وعشرين سنة، وقد كانت هاجر حملت بإسماعيل فوضعتا معًا، وشبَّ الغلامان، ونقل ابن كثير عن أهل الكتاب أن هاجر ولدت إسماعيل ولإبراهيم من العمر ست وثلاثون سنة قبل مولد إسحاق بثلاث عشرة سنة، وقال ابن الجوزي في \"أعمار الأعيان\": إن إسحاق عاش مائة وثمانين سنة، وفي قول وهب بن منبه: عاش مائة وخمسة وثمانين سنة، ودفن عند قبر أبيه إبراهيم في مزرعة جروم (^٥)، انتهى.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٧/ ٣٤٧، ٣٤٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ٤١٣).\n(^٣) \"زاد المعاد\" (١/ ٧١).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١١/ ٨٩).\n(^٥) كذا في الأصل، وفي \"العمدة\": \"مزرعة حبرون\".","vol":"4","page":410},{"text":"قلت: ولعل الإمام البخاري أشار بالقصة إلى ما ذكره العلَّامه العيني.\nوقال القسطلاني (^١): قوله: \"فيه\" أي: في الباب \"ابن عمر وأبو هريرة. . .\" إلخ، وكأنه يشير بالحديث الأول إلى الآتي إن شاء الله تعالى في قصة يوسف، وبالثاني إلى الحديث المذكور في الباب اللاحق، كذا قرره في \"الفتح\" (^٢)، ثم قال: وأغرب ابن التِّين فقال: لم يقف البخاري على سنده فأرسله، وهو كلام من لم يفهم مقاصد البخاري، ونحوه قول الكرماني: قوله: \"فيه\" أي: في الباب حديث من رواية ابن عمر في قصة إسحاق بن إبراهيم - ﵉ - فأشار البخاري إليه إجمالًا، ولم يذكره بعينه؛ لأنه لم يكن على شرطه، انتهى. قال: وليس الأمر كذلك لما بيَّنته.\nوتعقبه العيني فقال: هذه مناقشة باردة؛ لأن كل من له أدنى فهم يفهم أن ما قاله ابن التِّين والكرماني هو الكلام الواقع في محله، وكلاهما أوجه من كلامه، فلينظر المتأمل الحاذق في حديث ابن عمر الذي في قصة يوسف هل يجد لما ذكره من الإشارة إليه وجهًا قريبًا أو بعيدًا؟ وأجاب الحافظ في \"انتقاض الاعتراض\": بأنه لما أورد في آخر قصة يوسف حديث ابن عمر: \"الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم\" الحديث، وكان معناه أن من جملة قصته أنه من أنبياء الله تعالى، وأن النبي - ﷺ - سوّى بينه وبين من ذكر من آبائه في صفة الكريم، فأشار إلى ذلك في قصة والده للتسوية المذكورة، وأما حديث أبي هريرة الذي في الباب الذي يليه، فإنه يشتمل على ما تضمنه حديث ابن عمر مع بيان سبب الحديث، وغير ذلك من الزيادة فيه. . .، إلى آخر ما قال.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٧/ ٣٤٩).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ٤١٢).","vol":"4","page":411},{"text":"(١٤ -<span data-type='title' id=toc-2259> باب قوله تعالى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ. . .﴾ [البقرة: ١٣٣]) إلخ</span>\nقال الحافظ (^١): أورد فيه حديث أبي هريرة: \"أكرم الناس يوسف نبي الله ابن نبي الله\" الحديث، ومناسبته بهذه الترجمة من جهة موافقة الحديث الآية في سياق نسب يوسف - ﵇ -، فإن الآية تضمنت أن يعقوب خاطب أولاده عند موته محرضًا لهم على الثبات على الإسلام، وقال له أولاده: إنهم يعبدون إلهه وإله آبائه إبراهيم وإسماعيل وإسحاق، ومن جملة أولاد يعقوب يوسف - ﵇ -، فنص الحديث على نسب يوسف، وأنه ابن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، وزاد أن الأربعة أنبياء في نسق، انتهى.\nوهكذا ذكر العلَّامة العيني (^٢) في المطابقة بالباب: يستفاد من كلامهما أن الغرض من الترجمة بيان نسب يوسف - ﵇ -، ويشكل ههنا أن هذه الترجمة تأتي قريبًا فيلزم التكرار، وسيأتي جواب الشرَّاح عن التكرار هناك.\nوالأوجه عند هذا العبد الضعيف في الفرق بين الترجمتين أن المقصود ههنا بيان ذكر يعقوب - ﵇ - لا ذكر يوسف ونسبه كما قالوا، وفي الباب الآتي الغرض بيان ذكر نسب يوسف فلا تكرار حينئذ، أو يقال: إن المقصود ههنا بيان ملَّة إبراهيم وإسحاق، وبه ينحل ما يشكل على الترجمة الآتية في ذكر لوط - ﵇ - بأنه مقدم على يعقوب، فلم أخره المصنف عنه؟ والله أعلم بالصواب.\n\n(١٥ -<span data-type='title' id=toc-2260> باب ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ. . .﴾ [الأعراف: ٨٠]) إلخ</span>\nيقال: إنه لوط بن هاران بن تارخ، وهو ابن أخي إبراهيم - ﵉ -، وقد قص الله تعالى قصته مع قومه في الأعراف وهود والشعراء والنمل\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٤١٤).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١١/ ٩٠).","vol":"4","page":412},{"text":"والصافات وغيرها، وحاصلها أنهم ابتدعوا وطء الذكور، فدعاهم لوط - ﵇ - إلى التوحيد وإلى الإقلاع عن الفاحشة، فأصروا على الامتناع، ولم يتفق أن يساعده منهم أحد، وكانت مدائنهم تسمى سدوم، وهي بغور زغر من البلاد الشامية، فلما أراد الله إهلاكهم بعث جبريل وميكائيل وإسرافيل إلى إبراهيم، فاستضافوه، فكان ما قص الله في سورة هود، ثم توجهوا إلى لوط فاستضافوه فخاف عليهم من قومه، وأراد أن يخفي عليهم خبرهم، فنمّت عليهم امرأته، فجاؤوا إليه وعاتبوه على كتمانه أمرهم، وظنوا أنهم ظفروا بهم، فأهلكهم الله على يد جبريل، فقلّب مدائنهم بعد أن خرج عنهم لوط بأهل بيته إلا امرأته فإنها تأخرت مع قومها، أو خرجت مع لوط فأدركها العذاب، فقلب جبريل المدائن بطرف جناحه، فصار عاليها سافلها، وصار مكانها بحيرة منتنة لا ينتفع بمائها ولا بشيء مما حولها، انتهى (^١).\n\n(١٦ -<span data-type='title' id=toc-2261> باب قوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (٦١) قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ [الحجر: ٦١، ٦٢]. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٢): قوله: \"بركنه بمن معه. . .\" إلخ، هو تفسير الفراء، وقال أبو عبيدة (^٣): فتولى بركنه وبجانبه سواء، إنما يعني: ناحيته، وقال في قوله: ﴿أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ أي: عشيرة عزيزة منيعة، كذا أورد المصنف هذه الجملة في قصة لوط، وهو وهم، فإنها من قصة موسى في قوله تعالى: ﴿وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٣٨) فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ﴾ [الذاريات: ٣٨، ٣٩] والسبب في ذلك أن ذلك وقع تلو قصة لوط حيث قال تعالى في آخر قصة لوط: ﴿وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [الذاريات: ٣٧]، ثم قال عقب ذلك: ﴿وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٣٨) فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ﴾ [الذاريات: ٣٨، ٣٩]، أو ذكره\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (٦/ ٤١٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ٤١٦).\n(^٣) \"مجاز القرآن\" (٢/ ٢٢٧).","vol":"4","page":413},{"text":"استطرادًا لقوله في قصة لوط: ﴿أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠]، انتهى من \"الفتح\" بزيادة من \"القسطلاني\" (^١). واقتصر القسطلاني على توجيه أنه ذكره استطرادًا.\n\n(١٧ -<span data-type='title' id=toc-2262> باب قول الله - ﷿ -: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ [الأعراف:</span> ٧٣])\nهكذا هذه الترجمة ههنا في النسخ الهندية، وكذا في نسخة العيني والقسطلاني، وقد وقع هذا الباب في نسخة \"الفتح\" قبل عدة أبواب بعد ذكر هود كما نبَّهنا عليه هناك.\nقال الحافظ (^٢) اعتذارًا عما في النسخ الهندية إذ قال: أورد المصنف ههنا قصة ثمود وصالح، وقد قدمتها في مكانها عقب قصة عاد وهود، وكأن السبب في إيرادها ههنا أنه لما أورد التفاسير من سورة الحجر كان آخرها قوله: ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧) وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ (٧٨) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ (٧٩) وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الحجر: ٧٦ - ٨٠] إلخ، فجاءت قصة ثمود وهم أصحاب الحجر في هذه السورة تالية بقصة قوم لوط، فتخلل بينهما قصة أصحاب الأيكة مختصرة، وأوردها من أوردها على ذلك، انتهى.\nأما ثمود فهم قبيلة من العرب، سموا باسم أبيهم الأكبر ثمود بن عابر بن إرم بن سام، وقيل: سموا لقلة مائهم من الثمد، وهو الماء القليل، وكانت مساكنهم الحجر بين الحجاز والشام إلى وادي القرى، وأما صالح فهو ابن عبيد بن ماشخ بن عبيد بن حاذر بن ثمود، هكذا في \"القسطلاني\" (^٣).\nوأما في \"الفتح\" (^٤): فقال: هو صالح بن عبيد بن أسيف بن ماشخ\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٧/ ٣٥٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ٤١٦).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (٧/ ٣٥٤).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٦/ ٣٧٩).","vol":"4","page":414},{"text":"ابن عبيد بن حاجر بن ثمود، وذكر العيني (^١) الاختلاف في نسبه، وذكر في جملة أحواله - ﵇ -: ولما شبّ صالح بعثه الله إلى قومه قبل البلوغ، ولكنه قد راهق، قاله وهب، وقال ابن عباس: لما تم له أربعون سنة أرسله إليهم، وذكره الله تعالى في القرآن في خمسة مواضع، وبيَّن قصته مع قومه، فلما أهلك الله قومه نزل صالح بفلسطين، وأقام بالرملة، وقيل: إلى مكة، وأقام هو ومن معه من المؤمنين يتعبدون حتى ماتوا، فقبورهم غربي الكعبة بين دار الندوة والحجر، قيل: مات وهو ابن مائة وثمان وخمسين سنة، وقيل: ابن ثلاثمائة وست وثلاثين سنة، وحكاه الخطيب عن ابن عباس، وهو الأظهر، وكان بين صالح وبين هود مائة سنة، وبين صالح وبين إبراهيم ستمائة سنة وثلاثون سنة، انتهى ملخصًا.\nقوله: (من البئر التي كانت تردها الناقة) كتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): فيه دلالة على أنه كانت لهم آبار شتى، وأن الانتياب والتهايؤ إنما كان في بئر واحد لا الآبار كلها، غير أن المرأة التي بعثت قدار على عقر الناقة كانت من أهل هذه البئر التي ترد عليها الناقة، انتهى.\nوذكرت في هامشه قصة عقر الناقة بطولها.\n\n(١٨ -<span data-type='title' id=toc-2263> باب ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ. . .﴾ [البقرة: ١٣٣]) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٣): كذا ثبتت هذه الترجمة ههنا، وهي مكررة كما سبق قريبًا، والصواب أن حديثها تلو حديث الباب الذي يليها وهي من قصة يوسف - ﵇ -، انتهى.\nقلت: وعلى تقدير ثبوت هذه الترجمة الفرق بين الترجمتين هو ما تقدم.\n_________\n(^١) انظر: \"عمدة القاري\" (١١/ ٩٤ - ٩٥).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٨/ ٢٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٦/ ٤١٧).","vol":"4","page":415},{"text":"(١٩ -<span data-type='title' id=toc-2264> باب قول الله - ﷿ -: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ﴾ [يوسف:</span> ٧])\nأي: في قصتهم ﴿آيَاتٌ﴾ علامات على قدرته تعالى أو على نبوتك أو عبرة للمعتبرين، فإنها تشتمل على رؤيا يوسف وما حقق الله منها، وعلى صبر يوسف عن قضاء الشهوة، وعلى الرق والسجن وما آل إليه أمره من الملك، وعلى حزن يعقوب وصبره، وما آل إليه أمره من الوصول إلى المراد، ووصفها الله تعالى بأنها أحسن القصص إذ ليس في القصص غيرها ما فيها من العبر والحكم مع اشتمالها على ذكر الأنبياء والصالحين وسير الملوك والمماليك والتجار والنساء وحيلهن ومكرهن والتوحيد وتعبير الرؤيا والسياسة والمعاشرة وتدبير المعاش، وجمل الفوائد التي تصلح للدين والدنيا، وذكر الحبيب والمحبوب وسيرهما، انتهى من \"القسطلاني\" (^١).\nوقال الحافظ (^٢): اسم إخوة يوسف: روبيل - بضم الراء - وهو أكبرهم، وشمعون، ولاوي، ويهوذا، وداني، ونفتالي - بفاء ومثناة -، وكاد، وأشير، وأيساجر، ورايلون، وبنيامين، وهم الأسباط، وقد اختلف فيهم فقيل: كانوا أنبياء، ويقال: لم يكن فيهم نبي، وإنما المراد بالأسباط قبائل من بني إسرائيل، وقد كان فيهم من الأنبياء عدد كثير، انتهى.\nوقال العلَّامة العيني (^٣): ويوسف فيه ستة أوجه: ضم السين وكسرها وفتحها مع الهمزة وتركه، واختلفوا فيه هل هو أعجمي أو عربي؟ فالأكثرون على أنه أعجمي ولهذا لم ينصرف، وقيل: عربي مأخوذ من الأسف وهو الحزن، أو الأسيف وهو العبد، وقد اجتمعا في يوسف - ﵇ - فسمي به، وقال مقاتل: ذكر الله يوسف في القرآن في سبعة وعشرين موضعًا، انتهى.\nقوله: (سألت أم رومان وهي أم عائشة عما قيل فيها. . .) إلخ، كتب\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٧/ ٣٥٨ - ٣٥٩).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ٤١٩).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١١/ ١٠١).","vol":"4","page":416},{"text":"الشيخ في \"اللامع\" (^١): في الرواية حذف واختصار كثير حتى أخل بالمرام وأوهم خلاف المقصود، وقد مرت الرواية بتمامها، فعليها ينبغي أن تحمل ما ههنا، فقوله: \"وهي تقول\" ليس حالًا عن قوله: \"ولجت علينا امرأة من الأنصار\"؛ لأن ذلك يصير غلطًا، بل المعنى ولجت امرأة من الأنصار، فذهبت بها عائشة قبل المناصع، فبينا ذاهبة معها إذ عثرت فقامت وهي تقول: فعل الله بفلان وفعل، فقالت: إنه نمى الحديث، وغير ذلك من الاختصارات التي لا تكاد تذهب على بصير، وقوله: \"كمثل يعقوب\" رواية بحسب المعنى، وإلا فقد صرحت عائشة فيما تقدم أنها لم تذكر اسم يعقوب، فعبرت عنه بأبي يوسف، وبه يصح إيراد الحديث ههنا في قصة يوسف - ﵇ -، انتهى.\nومطابقة حديث عائشة في شرح قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ. . .﴾ [يوسف: ١١٠] إلخ، ما قال الحافظ (^٢): هو وقوع الآية في سورة يوسف ودخوله هو في عموم قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إلا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ [يوسف: ١٠٩]، وكان مقامه في السجن تلك المدة الطويلة إلى أن جاءه النصر من عند الله تعالى بعد اليأس، انتهى.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): قوله: \" ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ. . .﴾ إلخ\" [يوسف: ١١٠] والحاصل: أن عائشة قرأتها بالتشديد من التفعيل، وقراءة العامة بتخفيفه، فسأل عروة عن وجه القراءة ما هو؟ بالتخفيف أو التشديد؟ فقالت: كذبه قومهم، فكانوا مكذبين، فأورد عليه عروة أنه لو كان المراد ذلك لما كان لقوله: ﴿وَظَنُّوا﴾ معنى؛ لأنهم تيقنوا بتكذيبهم؛ لأن القوم كانوا يكذبونهم جهرة وعيانًا، فقالت عائشة: نعم استيقنوا بتكذيبهم، لكنهم غير مقصود بهذا، فإن المتيقن تكذيب المخالفين، والمظنون تكذيب الموافقين،\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٨/ ٢٩ - ٣٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ٤٢٠).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٨/ ٣٣ - ٣٦).","vol":"4","page":417},{"text":"فظنت الرسل بتأخر النصر أن الذين آمنوا بهم وصدقوهم من قبل سيكذبونهم، غير أن عائشة لم يكن ختمت كلامها ولا زادت على قولها: لقد استيقنوا بذلك إذ بدر عروة فقال: لما كان تكذيبهم مستيقنًا به لم يكن لقراءة التشديد معنى فيكون كذبوا بالتخفيف، فقالت عائشة بعد ذلك ما تم به كلامها، ومعنى قوله: ﴿كذبُوا﴾ بالتخفيف أنهم وعدوا كذبًا، ولذلك تبرأت عائشة من هذا المعنى، والذين يقرأونها مخففًا يرجعون الضمير إلى الأتباع لا إلى الرسل، والمعنى: وظن الأتباع أن الرسل وعدوهم كذبًا، ثم إن المراد بالظن هو الهاجس والوسوسة الغير المؤاخذ عليها، فكان يخطر ببالهم ذلك، ويدفعونه حسب طاقتهم، فلا يضر ذلك إيمانهم، وبهذا المعنى لا يبعد إرجاع الضمير إلى الرسل أيضًا، أي: توسوس الرسل أن وعدهم الذي وعدوا من الإنجاء والنصر كان كاذبًا، فإن ذلك وإن لم يستقر في قلوبهم حاشاهم عن ذلك إلا أنه كان يخطر بالبال خطورًا ما، وكانوا بشرًا، والبشرية لا تتخلف عن مقتضاها، والله تعالى أعلم، انتهى.\nوبسط في هامشه الكلام من الشرَّاح والمفسرين.\n\n(٢٠ -<span data-type='title' id=toc-2265> باب قول الله - ﷿ -: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾ [الأنبياء:</span> ٨٣])\nوذكر الحافظ نسبه والاختلاف فيه، ثم قال (^١): وزعم بعض المتأخرين أنه من ذرية روم بن عيص، ولا يثبت ذلك، وحكى ابن عساكر أن أمه بنت لوط - ﵇ -، وأن أباه كان ممن آمن بإبراهيم، وعلى هذا فكان قبل موسى، وقال ابن إسحاق: الصحيح أنه كان من بني إسرائيل، ولم يصح في نسبه شيء إلا أن اسم أبيه أمص، والله أعلم. وقال الطبري: كان بعد شعيب، وقال ابن أبي خيثمة: كان بعد سليمان.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٤٢٠).","vol":"4","page":418},{"text":"ثم قال الحافظ بعد ذكر الحديث (^١): لم يثبت عند البخاري في قصة أيوب شيء، فاكتفى بهذا الحديث الذي على شرطه، وأصح ما ورد في قصته ما أخرجه ابن أبي حاتم وابن جريج، وصححه ابن حبان والحاكم بسنده عن أنس: أن أيوب - ﵇ - ابتلي فلبث في بلائه ثلاث عشرة سنة، فرفضه القريب والبعيد إلا رجلين من إخوانه، إلى آخر ما ذكر الحافظ من القصة بطولها، فارجع إليه لو شئت.\nوقال أيضًا: واختلف في مدة بلائه، فقيل: ثلاث عشرة سنة كما تقدم، وقيل: ثلاث سنين، وقيل: سبع سنين، وقيل: إن امرأته قالت له: ألا تدعو الله ليعافيك؟ فقال: قد عشت صحيحًا سبعين سنة أفلا أصبر سبع سنين! والصحيح ما تقدم أنه لبث في بلائه ثلاث عشرة سنة، وروى الطبري: أن مدة عمره كانت ثلاثًا وتسعين سنة، فعلى هذا فيكون عاش بعد أن عوفي عشر سنين، والله تعالى أعلم، انتهى.\nقال القسطلاني (^٢): وكان روميًا من ولد عيص بن إسحاق، استنبأه الله، وكثر أهله وماله، فابتلاه الله بهلاك أولاده بهدم بيت عليهم وذهاب أمواله والمرض في بدنه، فخرج من قرنه إلى قدمه ثآليل مثل أليات الغنم في سائر بدنه، ولم يبق منه سليم سوى قلبه ولسانه يذكر بهما الله - ﷿ - إلى أن قال: وهو في كل ذلك صابر يحمد الله ويحسن الثناء عليه، ولذا كان عبرة للصابرين وذكرى للعابدين، انتهى.\n\n(٢١ -<span data-type='title' id=toc-2266> باب ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى. . .﴾ [مريم: ٥١]) إلخ</span>\nفي رواية أبي ذر: \"قول الله: ﴿وَاذْكُرْ﴾. . .\" إلخ، وليس فيه لفظ: \"باب\"، وموسى هو ابن عمران بن لاهب بن عازر بن لاوي بن يعقوب، لا اختلاف في نسبه، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٤٢١ - ٤٢٢).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٧/ ٣٦٦ - ٣٦٧).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٦/ ٤٢٢).","vol":"4","page":419},{"text":"وقال القسطلاني (^١) في شرح قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا﴾: قال الثوري عن عبد العزيز بن رفيع عن أبي أمامة: قال الحواريون: يا روح الله! أخبرنا عن المخلص لله، قال: الذي يعمل لله لا يحب أن يحمده الناس.\nقوله: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ وعند ابن جرير عن ابن عباس: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ قال: أُدْني حتى سمع صريف القلم، انتهى.\nوصريف القلم صوت جريانه بما يكتب من أقضية الله ووحيه وما ينسخه من اللوح المحفوظ، وقال ابن كثير: صريف القلم بكتابة التوراة، وقال السدي: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ قال: أدخل في السماء وكلَّمه، انتهى.\n\n(٢٢ -<span data-type='title' id=toc-2267> باب قول الله - ﷿ -: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى. . .﴾ [طه: ٩]) إلخ</span>\nسقط لفظ \"باب\" عند أبي ذر وكريمة.\nقوله: (قال ابن عباس: ﴿الْمُقَدَّسِ﴾: المبارك ﴿طُوًى﴾: اسم الوادي) هكذا وقع هذا التفسير وما بعده في رواية أبي ذر عن المستملي والكشميهني خاصة، ولم يذكره جميع رواة البخاري هنا، وإنما ذكروا بعضه في تفسير سورة طه، وقال أيضًا في آخر الباب: لمح المصنف بهذه التفاسير لما جرى لموسى في خروجه إلى مدين، ثم في رجوعه إلى مصر، ثم في أخباره مع فرعون، ثم في غرق فرعون، ثم في ذهابه إلى الطور، ثم في عبادة بني إسرائيل العجل، وكأنه لم يثبت عنده في ذلك من المرفوعات ما هو على شرطه، وأصح ما ورد في جميع ذلك ما أخرجه النسائي وأبو يعلى بإسناد حسن عن ابن عباس في حديث القنوت الطويل في قدر ثلاث ورقات، وهو في تفسير طه عنده، وعند ابن أبي حاتم وابن جرير وابن مردويه وغيرهم ممن خرج التفسير المسند، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٧/ ٣٦٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ٤٢٤ - ٤٢٧).","vol":"4","page":420},{"text":"(٢٣ -<span data-type='title' id=toc-2268> باب ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ. . .﴾ [غافر: ٢٨]) إلخ</span>\nقال الحافظ (^١): كذا وقعت هذه الترجمة بغير حديث، ولعله أخلى بياضًا في الأصل، فوصل كنظائره، ووقع هذا في رواية النسفي مضمومًا إلى ما في الباب الذي بعده، وهو متجه، واختلف في اسم هذا الرجل، فذكر أقاويل مختلفة منها شمعان بالشين المعجمة، قال: وصححه السهيلي، انتهى.\nقلت: واقتصر على ذكر هذا الاسم العلَّامة القسطلاني (^٢)، وقال العيني (^٣): في اسمه ستة أقوال، ثم ذكرها.\n\n(٢٤ -<span data-type='title' id=toc-2269> باب قول الله - ﷿ -: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾ [طه: ٩]. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٤): ذكر في الباب ثلاثة أحاديث: أحدها: حديث أبي هريرة في صفة موسى وعيسى وغير ذلك، ثانيها: حديث ابن عباس وفيه ذكر يونس، ثالثها: حديثه في صوم عاشوراء، انتهى.\nثم هذه الترجمة بظاهرها مكررة قد تقدم مثله قبل باب، وليس بتكرار في الحقيقة، وذلك لأن هذه الأبواب كلها في حديث موسى، أي: في ذكره وأحواله، فالمقصود في هذين البابين هو الجزء المذكور بعده، ففي الباب الأول المقصود هو قوله: ﴿إِذْ رَأَى نَارًا﴾ الآية [طه: ١٠]، أي: بيان بدء نبوته، والمقصود في هذا الباب هو حال ما بعد النبوَّة، أي: تكليم الله تعالى إياه، فلا تكرار، وللتوجيه مساغ.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٤٢٨).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٧/ ٣٦٩).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١١/ ١٢٠).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٦/ ٤٢٩).","vol":"4","page":421},{"text":"(٢٥ -<span data-type='title' id=toc-2270> باب قول الله - ﷿ -: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً. . .﴾ [الأعراف: ١٤٢]) إلخ</span>\nأي: ذا القعدة، ﴿وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ من ذي الحجة، روي أن موسى ﵊ وعد بني إسرائيل بمصر أن يأتيهم بعد مهلك فرعون بكتاب من الله، فيه بيان ما يأتون وما يذرون، فلما هلك سأل ربه فأمره بصوم ثلاثين، فلما أتم أنكر خلوف فمه فتوسك فقالت الملائكة: كنا نشمّ من فيك رائحة المسك، فأفسدته بالسواك، فأمره الله تعالى أن يزيد عليه عشرًا، انتهى من \"القسطلاني\" (^١).\nقال الحافظ (^٢): قوله: ﴿وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ فيه إشارة إلى أن المواعدة وقعت مرتين، وقوله: ﴿صَعِقًا﴾ أي: مغشيًّا عليه، انتهى. ليس في نسخة.\nقوله: (فدكتا فدككن) إلى قوله: (ولم يقل: كنَّ رتقًا: ملتصقتين) قال الحافظ: ذكر هذا استطرادًا إذ لا تعلق له بقصة موسى، وكذا قوله: \"رتقًا: ملتصقتين\"، انتهى.\nوتعقَّب عليه العيني (^٣) إذ قال: قلت: ليس كذلك، بل ذكره تنظيرًا لما قبله؛ ولهذا قال بكاف التشبيه، أراد أن نظير \"دكتا\" التي هي التثنية والقياس \"دككن\": ﴿كَانَتَا رَتْقًا﴾ [الأنبياء: ٣٠] فإن القياس أن يقال فيه: \"كن رتقا\"، انتهى مختصرًا.\nوالإيراد عندي: ليس بصحيح كما ذكر في هامش \"اللامع\" (^٤)، وكتب الشيخ في \"اللامع\": قوله: \"رتقًا: ملتصقتين\" مفسر وتفسير، ولا علاقة لهما بما تقدم، وتم الكلام على قوله: كن، انتهى.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٧/ ٣٧٨ - ٣٧٩).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ٤٣٠).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١١/ ١٢٦).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٨/ ٤٤).","vol":"4","page":422},{"text":"(٢٦ -<span data-type='title' id=toc-2271> باب طوفان من السيل، ويقال للموت. . .) إلخ</span>\nليس في نسخة القسطلاني لفظ \"باب\"، بل فيها: \"طوفان من السيل. . .\" إلخ.\nقال العلَّامة العيني (^١): أي: هذا باب يذكر فيه طوفان من السيل، وليس قوله: \"طوفان من السيل\" بترجمة له، وإنما هو مجرد عن الترجمة، وهو كالفصل للباب المتقدم، وسقط جميعه من رواية النسفي.\nقوله: (طوفان) أشار به إلى ما في قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ﴾ الآية [الأعراف: ١٣٣]، أما الطوفان فقد اختلفوا فيه، فقال البخاري: هو من السيل يكون من المطر الغالب، وعن ابن عباس: الطوفان كثرة الأمطار المغرقة المتلفة للزروع والثمار، وبه قال الضحاك، وعنه: كثرة الموت، وبه قال عطاء، وقال مجاهد: الطوفان الماء والطاعون، وروى ابن جرير بإسناده عن عائشة قالت: قال رسول الله - ﷺ -: \"الطوفان الموت\"، انتهى.\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): قوله: \"طوفان من السيل\" لما كان الطوفان يستعمل في معان شتى بيَّن أن المراد في الآيات التسع بالطوفان هو السيل، انتهى.\n\n(٢٧ -<span data-type='title' id=toc-2272> باب حديث الخضر مع موسى - ﵉ </span>-)\nفي نسخة القسطلاني (^٣): \"حديث الخضر مع موسى\" بغير لفظ: \"باب\"، وقال: ولأبي ذر: \"باب حديث الخضر\"، انتهى.\nقال الحافظ (^٤): ذكر فيه حديث ابن عباس عن أُبيّ بن كعب من وجهين، وسيأتي أولهما بأتم من سياقه في تفسير سورة الكهف، وذكر المصنف في هذا الباب حديث أبي هريرة: \"إنما سمي الخضر لأنه\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١١/ ١٢٧ - ١٢٨).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٨/ ٤٥ - ٤٦).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (٧/ ٣٨٢).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٦/ ٤٣٣).","vol":"4","page":423},{"text":"جلس. . .\" إلخ، وتعلقه بالباب ظاهر من جهة ذكر الخضر فيه، وحكي عن مجاهد أنه قيل له: الخضر؛ لأنه كان إذا صلى اخضرّ ما حوله، انتهى.\nقال العلَّامة العيني (^١): والكلام في الخضر على أنواع، الأول: في اسمه، النوع الثاني: في نسبه، والثالث: في نبوته، والنوع الرابع: في حياته، ثم بسط تلك المباحث أشد البسط.\nأما النوع الأول: فذكر في اسمه عدة أقوال، وصدَّر الكلام بقول مجاهد: اسمه اليسع بن ملكان بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح - ﵇ -، وذكر أيضًا: قال مقاتل: بليا - بفتح الباء الموحدة وسكون اللام وبالياء آخر الحروف - ابن ملكان بن يقطن بن فالغ إلى آخره، واقتصر القسطلاني (^٢) على هذا الثاني.\nأما النوع الثاني: فذكر فيه عن الطبري: أن الخضر هو الرابع من ولد إبراهيم بصلبه، وقال مجاهد: هو من ولد يافث.\nأما النوع الثالث: فذكر فيه الجمهور على أنه نبي، وهو الصحيح؛ لأن أشياء في قصته تدلّ على نبوته، وروى مجاهد عن ابن عباس: أنه كان نبيًا، وقيل: كان وليًا، وعن علي - ﵁ -: أنه كان عبدًا صالحًا، وقيل: كان ملكًا - بفتح اللام -، وهذا غريب جدًا.\nوذكر في النوع الرابع الجمهور - خصوصًا مشايخ الطريقة والحقيقة وأرباب المجاهدات والمكاشفات -: أنه حي يرزق ويشاهد في الفلوات، ورآه عمر بن عبد العزيز وإبراهيم بن أدهم وبشر الحافي ومعروف الكرخي وسري السقطي وجنيد وإبراهيم الخواص وغيرهم رضي الله تعالى عنهم، وفيه دلائل وحجج تدل على حياته، ذكرناها في \"تاريخنا الكبير\"، وقال البخاري وابن الجوزي: إنه مات، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ [الأنبياء: ٣٤]. . .، إلى آخر ما بسط.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١١/ ١٣٢).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٧/ ٣٨٩).","vol":"4","page":424},{"text":"(٢٨ -<span data-type='title' id=toc-2273> باب)</span>\nبغير ترجمة، كذا لأبي ذر وغيره بغير ترجمة، وهو كالفصل من الباب الذي قبله، وتعلقه به ظاهر، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nقلت: والأوجه عند هذا العبد الضعيف: أنه رجوع إلى قصة موسى وقومه بعد قصته مع الخضر، فهذا رجوع إلى الأصل، وهو أصل من أصول التراجم، وهو الأصل السابع والخمسون.\n\n(٢٩ -<span data-type='title' id=toc-2274> باب قوله: ﴿يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ. . .﴾ [الأعراف: ١٣٨]) إلخ</span>\nقال القسطلاني (^٢): أي: يقيمون على عبادتها، قيل: كانت تماثيل بقر، وذلك أول شأن العجل، وكانوا من العمالقة الذين أمر موسى بقتالهم، انتهى.\nقال الحافظ (^٣): أي: تفسير ذلك، والمراد تفسير قوله تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٣٨]، ولم يفسر المؤلف من الآية إلا قوله تعالى فيها: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ﴾ الآية [الأعراف: ١٣٩]، فقال: إن تفسير \"متبر\" خسران، وهذا أخرجه الطبري عن ابن عباس، والخسران تفسير التتبير الذي اشتق منه المتبر، وأما قوله: \" ﴿وَلِيُتَبِّرُوا﴾: ليدمروا\" فذكره استطرادًا، وهو تفسير قتادة أخرجه الطبري في قوله: ﴿وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ [الإسراء: ٧] قال: ليدمروا ما غلبوا عليه تدميرًا.\nوأما حديث جابر في رعي الغنم فمناسبته للترجمة غير ظاهرة، وقال شيخنا ابن الملقن في \"شرحه\": قال بعض شيوخنا: لا مناسبة، قال شيخنا:\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٤٣٦).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٧/ ٣٩٣).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٦/ ٤٣٩).","vol":"4","page":425},{"text":"بل هي ظاهرة لدخول موسى فيمن رعى الغنم، قال الحافظ: وهذا مناسب لذكر المتن في أخبار موسى، وأما مناسبة الترجمة للحديث فلا، والذي يهجس في خاطري أنه كان بين التفسير المذكور وبين الحديث بياض أُخلي لحديث يدخل في الترجمة ولترجمة تصلح لحديث جابر، ثم وصل ذلك، كما في نظائره. ومناسبة حديث جابر لقصص موسى من جهة عموم قوله: \"وهل من نبي إلا وقد رعاها\"، فدخل فيه موسى، كما أشار إليه شيخنا، بل وقع في [بعض] طرق هذا الحديث: \"ولقد بعث موسى وهو يرعى الغنم\"، وذلك فيما أخرجه النسائي في \"التفسير\"، ويؤيد هذا الذي قلت أنه وقع في رواية النسفي \"باب\" بغير ترجمة، وساق فيه حديث جابر، ولم يذكر ما قبله، وكأنه حذف الباب الذي فيه التفاسير الموقوفة، كما هو الأغلب من عادته، واقتصر على الباب الذي فيه الحديث المرفوع. . .، إلى آخر ما قال.\n\n(٣٠ -<span data-type='title' id=toc-2275> باب ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ. . .﴾ [البقرة: ٦٧]) إلخ</span>\nلم يذكر فيه سوى شيء من التفسير عن أبي العالية، وقصة البقرة أوردها آدم بن أبي إياس في تفسيره، ثم ذكرها الحافظ (^١) بطولها، فارجع إليه لو شئت.\n\n(٣١ -<span data-type='title' id=toc-2276> باب وفاة موسى - ﵇ - وذكره بعد)</span>\nقال العلَّامة العيني (^٢): أي: هذا باب في بيان وفاة موسى ﵊، وليس في رواية أبي ذر ذكر لفظ: \"باب\".\nقوله: (وذكره بعد) بضم الدال؛ لأنه مبني عليه لكونه قطع عن الإضافة، والتقدير: وفي بيان ذكره بعد وفاته ﵊، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٤٤٠).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١١/ ١٤٠).","vol":"4","page":426},{"text":"كتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): قوله: \"وذكره بعد\" أي: وما ذكر به موسى بعد وفاته، ويمكن أن يكون كلمة \"بعد\" بمعنى الأُخر، ويكون كثيرًا في مثل هذا المقام، أي: وفي بيان بعض أحواله الأُخر غير ذكر وفاته، انتهى.\nقلت: واكتفى الشرَّاح على الاحتمال الأول، كما تقدم في كلام العيني، وقال العيني بعد ذكر الحديث الأول: وعن وهب أن الملائكة تولّوا دفنه والصلاة عليه، وأنه عاش مائة وعشرين سنة، وقال وهب: وصلى عليه جبريل - ﵇ -، وكان موته بعد موت هارون بأحد عشر شهرًا، وكان بين وفاة إبراهيم ومولد موسى مائتان وخمسون سنة، وقد مضت بقية الكلام في \"كتاب الجنائز\"، انتهى.\nقلت: وقد تقدم الكلام على حديث الباب، أعني: حديث صكّ موسى ملك الموت مع الإشكال والجواب عنه في \"باب من أحبّ الدفن في الأرض المقدسة\" من \"كتاب الجنائز\".\n\n(٣٢ -<span data-type='title' id=toc-2277> باب قول الله - ﷿ -: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا. . .﴾ [التحريم: ١١]) إلخ</span>\nالغرض من هذه الترجمة ذكر آسية، وهي بنت مزاحم امرأة فرعون، قيل: إنها من بني إسرائيل، وإنها عمة موسى، وقيل: إنها من العماليق، وقيل: ابنة عم فرعون، وأما مريم فسيأتي ذكرها مفردًا بعد، قاله الحافظ (^٢).\nقوله: (ولم يكمل من النساء إلا آسية) الحديث، استدل بهذا الحصر على أنهما نبيتان؛ لأن أكمل النوع الإنساني الأنبياء، ثم الأولياء والصديقون والشهداء، فلو كانتا غير نبيتين للزم أن لا يكون في النساء وليّة ولا صدِّيقة ولا شهيدة، والواقع أن هذه الصفات في كثير منهن موجودة، فكأنه قال:\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٨/ ٥٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ٤٤٦).","vol":"4","page":427},{"text":"ولم ينبأ من النساء إلا فلانة وفلانة، ولو قال: لم تثبت صفة الصديقية أو الولاية أو الشهادة إلا لفلانة وفلانة لم يصح لوجود ذلك في غيرهن، إلا أن يكون المراد في الحديث كمال غير الأنبياء، فلا يتم الدليل على ذلك لأجل ذلك، وعلى هذا فالمراد من تقدم زمانه - ﷺ -، ولم يتعرض لأحد من نساء زمانه إلا لعائشة، وليس فيه تصريح بأفضلية عائشة - ﵂ - على غيرها؛ لأن فضل الثريد على غيره من الطعام إنما هو لما فيه من تيسير المؤنة وسهولة الإساغة، وكان أجلّ أطعمتهم يومئذ، وكل هذه الخصال لا تستلزم ثبوت الأفضلية له من كل جهة، فقد يكون مفضولًا بالنسبة لغيره من جهات أخرى، وقد ورد في هذا الحديث من الزيادة بعد قوله: \"ومريم ابنة عمران\": \"وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد\" - ﷺ -، أخرجه الطبراني، ثم ذكر الحافظ الكلام على التفضيل بينهن.\nثم قال: قال القرطبي: الصحيح أن مريم نبية؛ لأن الله تعالى أوحى إليها بواسطة الملك، وأما آسية فلم يرد ما يدل على نبوتها.\nوقال الكرماني: لا يلزم من لفظ الكمال ثبوت نبوتها؛ لأنه يطلق لتمام الشيء وتناهيه في بابه، فالمراد بلوغها النهاية في جميع الفضائل التي للنساء، قال: وقد نُقل الإجماع على عدم نبوة النساء.\nقال الحافظ: كذا قال، وقد نُقل عن الأشعري: أن من النساء من نُبِّئَ، وهن ست: حواء وسارة وأم موسى وهاجر وآسية ومريم، والضابط عنده أن من جاءه الملك عن الله بحكم من أمر أو نهي أو بإعلام مما سيأتي فهو نبي، وقد ثبت مجيء الملك لهؤلاء بأمور شتى من ذلك، إلى أن قال الحافظ: ومن فضائل آسية [امرأة فرعون] أنها اختارت القتل على الملك، والعذاب في الدنيا على النعيم الذي كانت فيه، وكانت فراستها في موسى - ﵇ - صادقة حين قالت: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي﴾، انتهى كله من \"الفتح\" (^١).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٤٤٧).","vol":"4","page":428},{"text":"وذكر القسطلاني (^١) قصة إسلامها وتعذيبها وقتلها، لا نطيل الكلام بذكرها، وسيأتي الكلام في الأفضلية بين فاطمة وعائشة وغيرهما في \"كتاب المناقب\" إن شاء الله، وسيأتي أيضًا نقل الخلاف في نبوة مريم في \"باب ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ﴾ الآية\".\n\n(٣٣ -<span data-type='title' id=toc-2278> باب قوله: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى. . .﴾ [القصص: ٧٦]) إلخ</span>\nهو قارون بن يصفد بن يصهر ابن عم موسى، وقيل: كان عم موسى، والأول أصحّ، وقد روى ابن أبي حاتم بإسناد صحيح عن ابن عباس: أنه كان ابن عم موسى.\nواختلف في تفسير بغي قارون، فقيل: الحسد؛ لأنه قال: ذهب موسى وهارون بالأمر فلم يبق لي شيء، وقيل: إنه واطأ امرأة من البغايا أن تقذف موسى بنفسها، فألهمها الله أن اعترفت بأنه هو الذي حملها على ذلك، وقيل: الكبر؛ لأنه طغى بكثرة ماله، وقيل: هو أول من أطال ثيابه حتى زادت على قامته شبرًا.\nثم قال الحافظ (^٢): لم يذكر المصنف في قصة قارون إلا هذه الآثار، وهي ثابتة في رواية المستملي والكشميهني فقط، وقد أخرج ابن أبي حاتم بإسناد صحيح عن ابن عباس، فذكر قصة خسفه وقصة أخرى في كثرة ماله، فارجع إليه لو شئت.\nوإلى ههنا انتهت سلسلة التراجم المعقودة في ذكر موسى - ﵇ -، ولعمري لقد أكثر المصنف في عقد التراجم في ذكره حتى تجاوز عن اثني عشر بابًا، فكأنه اقتفى في ذلك أثر القرآن الكريم في تكرار ذكره مرة بعد أخرى، فنعم الاقتفاء.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٧/ ٤٠١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ٤٤٨).","vol":"4","page":429},{"text":"(٣٤ -<span data-type='title' id=toc-2279> باب قول الله - ﷿ -: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا. . .﴾ [الأعراف: ٨٥]) إلخ</span>\nمدين قيل: عجمي منع من الصرف للعجمة والعلمية، وهو مدين بن إبراهيم - ﵇ -، وشعيب هو ابن ميكيل بن يشجر بن لاوي بن يعقوب، كذا قال ابن إسحاق ولا يثبت، وقيل: يشجر بن عنقا بن مدين بن إبراهيم، وقيل: هو شعيب بن صفور بن عنقا بن ثابت بن مدين، وكأنّ مدين ممن آمن بإبراهيم لما أحرق، وروى ابن حبان في حديث أبي ذر الطويل: \"أربعة من العرب: هود وصالح وشعيب ومحمد عليهم الصلاة والسلام\"، فعلى هذا هو من العرب العاربة، وقيل: إنه من بني عنزة بن أسد.\nولم يذكر المصنف في قصة شعيب سوى هذه الآثار، وهي للكشميهني والمستملي فقط، وقد ذكر الله تعالى قصته في الأعراف وهود والشعراء والعنكبوت وغيرها، وجاء عن قتادة: أنه أرسل إلى أمتين: أصحاب مدين وأصحاب الأيكة، والجمهور على أن أصحاب مدين هم أصحاب الأيكة، انتهى مختصرًا من \"الفتح\" (^١).\nقال العيني (^٢): قال علماء السير: أقام شعيب مدةً بعد هلاك قومه، ووصل إليه موسى وزوّجه بنته، وقال ابن الجوزي: ثم خرج إلى مكة ومات بها، وعمره مائة وأربعون سنة، ودفن في المسجد الحرام حيال الحجر الأسود، وقال سبطه: وعند طبرية بالساحل قرية يقال لها: حطين فيها قبر يقال: إنه قبر شعيب ﵊، وقال أبو المفاخر في \"تاريخه\": إن شعيبًا كان عمره ستمائة وخمسين سنة، انتهى.\nوفي \"الفيض\" (^٣): واعلم أن اسم شعيب في التوراة: يثروب، كما أن اسم عيسى ﵊: يشوع، وأيشوع. ولما نزل القرآن بلغة\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٤٤٩، ٤٥٠).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١١/ ١٤٨).\n(^٣) \"فيض الباري\" (٤/ ٣٨٨).","vol":"4","page":430},{"text":"العرب اختار ما كان المعروف عندهم، أعني: شعيبًا وعيسى عليهما الصلاة والسلام.\nقوله: (لأن مدين بلد) واعلم أن مداين اسم لابن إبراهيم - ﵇ - من بطن قنطوراء، وهي امرأة نكحها بعد هاجر، ثم سمي البلد على اسمه: مدين، انتهى.\nولا يخفى عليك أن مقتضى ما ذكر الحافظ في نسبه من الأقوال أن يذكر شعيب قبل ذكر موسى، وهو مقتضى ترتيب الأنبياء في سورة الأعراف وسورة هود.\nوقد ذكر الحافظ ابن كثير في \"البداية والنهاية\" (^١) قصة مدين قوم شعيب - ﵇ - بعد ذكر لوط وقبل أيوب ويونس، وذكر قصة موسى بعد يونس، وقال في آخر قصة قوم شعيب: وذكرنا ما وقع في زمان إبراهيم من قصة قوم لوط، وأتبعنا ذلك بقصة مدين قوم شعيب - ﵇ -؛ لأنها قرينتها في كتاب الله - ﷿ - في مواضع متعددة، يذكر تعالى بعد قصة قوم لوط قصة مدين، وهم أصحاب الأيكة على الصحيح، فذكرناها تبعًا لها إقتداء بالقرآن العظيم، فلتقديم الإمام البخاري ذكر موسى على ذكر شعيب ليس له وجه وجيه، اللَّهم إلا أن يقال: إنه قدَّمه عليه لجلالة شأنه لكونه من أولي العزم من الرسل مع اتحاد زمانهما.\n\n(٣٥ -<span data-type='title' id=toc-2280> باب قول الله - ﷿ -: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٣٩]) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٢): هو يونس بن متى، ووقع في \"تفسير عبد الرزاق\" أنه اسم أمه، وهو مردود بما في حديث ابن عباس في هذا الباب، ونسبه إلى أبيه فهذا أصح، ولم أقف في شيء من الأخبار على اتصال نسبه، وقد قيل: إنه كان في زمن ملوك الطوائف من الفرس، انتهى.\n_________\n(^١) \"البداية والنهاية\" (١/ ٤٤١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ٤٥١ - ٤٥٢).","vol":"4","page":431},{"text":"وقال أيضًا: وأما قوله في الرواية: \"ونسبه إلى أبيه\" ففيه إشارة إلى الرد على من زعم أن متى اسم أمه، وهو محكي عن وهب بن منبه، والذي في \"الصحيح\" أصح، وقيل: سبب قوله: \"ونسبه إلى أبيه\" أنه كان في الأصل يونس بن فلان، فنسي الراوي اسم الأب وكنى عنه بفلان، وقيل: إن ذلك هو السبب في نسبته إلى أمه، فقال الذي نسي اسم أبيه: يونس بن متى وهو أمه، انتهى مختصرًا.\nقال العلَّامة العيني (^١): وكان - أي: متى - رجلًا صالحًا من أهل بيت النبوَّة، ولم يكن له ولد ذكر، فقام إلى العين التي اغتسل فيها أيوب ﵊، فاغتسل هو وزوجته منها، وصلَّيا ودعوا الله تعالى أن يرزقهما ولدًا مباركًا، فيبعثه الله في بني إسرائيل، فاستجاب الله دعاءهما، ورزقهما يونس، وتوفي متى ويونس في بطن أمه وله أربعة أشهر، وقد قيل: إنه من بني إسرائيل، وإنه من سبط بنيامين، وكان من أهل قرية من قرى الموصل يقال لها: نينوى، وكان قومه يعبدون الأصنام فبعثه الله إليهم، انتهى.\nقوله: (من يقطين من غير ذات أصل. . .) إلخ، وصله عبد بن حميد من طريق مجاهد، وزاد: \"ليس لهما ساق\"، وكذا قال أبو عبيدة: كل شجرة لا تقوم على ساق فهي يقطين، نحو الدباء والحنظل والبطيخ، والمشهور أنه القرع، وقيل: التين، وقيل: الموز، وجاء في حديث مرفوع في القرع: \"هي شجرة أخي يونس\".\nثم قال الحافظ (^٢): روى ابن أبي حاتم من طريق السدي عن أبي مالك أنه لبث في بطن الحوت أربعين يومًا، ومن طريق جعفر الصادق قال: سبعة أيام، ومن طريق قتادة قال: ثلاثًا، ومن طريق الشعبي قال: التقمه ضحى ولَفَظَهُ عشيةً، انتهى من \"الفتح\".\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١١/ ١٥١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ٤٥١ - ٤٥٢).","vol":"4","page":432},{"text":"(٣٦ -<span data-type='title' id=toc-2281> باب قوله: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ. . .﴾ [الأعراف: ١٦٣]) إلخ</span>\nقال الحافظ (^١): الجمهور أن القرية المذكورة أيلة، وهي التي على طريق الحاج الذاهب إلى مكة من مصر، وحكى ابن التِّين عن الزهري: أنها طبرية.\nثم قال الحافظ: لم يذكر المصنف في هذه القصة حديثًا مسندًا، ثم ذكر الحافظ قصتهم، وقال: رواها عبد الرزاق من حديث ابن عباس بسند فيه مبهم، وحكاه مالك عن يزيد بن رومان معضلًا، انتهى.\nقلت: قال الحافظ في مقدمة \"الفتح\" (^٢): ذكره بعد قصة يونس؛ لأن يونس - ﵇ - التقمه الحوت، فابتلي به فصبر ونجا، وهؤلاء ابتلوا بحيتان، فمنهم من صبر ونجا، ومنهم من لم يصبر فعذب، انتهى مختصرًا.\nقلت: وكانت واقعة أهل القرية المذكورة في زمن داود على نبينا ﵊ كما في كتب التفسير من حاشية الجمل وغيره، وبهذا ظهرت المناسبة بين هذه الترجمة والترجمة الآتية.\n\n(٣٧ -<span data-type='title' id=toc-2282> باب قول الله - ﷿ -: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا. . .﴾ [الإسراء: ٥٥]) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٣): هو داود بن إيشاء - بكسر الهمز وسكون التحتانية بعدها معجمة - ابن عوبد بوزن جعفر ابن باعر - بموحدة ومهملة مفتوحة - ابن سلمون بن يارب - بتحتانية وآخره موحدة - ابن رام بن حفرون - بمهملة ثم معجمة - ابن فارص - بفاء وآخره مهملة - ابن يهوذا بن يعقوب، انتهى.\nوقال العيني (^٤): وداود اسم أعجمي، وعن ابن عباس: هو بالعبرانية\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٤٥٣).\n(^٢) مقدمة \"فتح الباري\" (ص: ٤٧٣).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٦/ ٤٥٤).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١١/ ١٥٦).","vol":"4","page":433},{"text":"القصير العمر، ويقال: سمي به؛ لأنه داوى جراحات القلوب، وقال مقاتل: ذكره الله في القرآن في اثني عشر موضعًا. ثم ذكر نسبه مثل ما تقدم من \"الفتح\"، وزاد بعده: ومنهم من زاد بعد سلمون يحشون بن عمينا بن داب بن رام، وقيل: إرم.\nقال ابن كثير في \"البداية والنهاية\" (^١): لما قتل داود جالوت فأحبته بنو إسرائيل، ومالوا إليه وإلى ملكه عليهم، فكان من أمر طالوت ما كان، وصار الملك إلى داود - ﵇ -، وجمع الله له بين الملك والنبوَّة بين خيري الدنيا والآخرة، وكان الملك يكون في سبط والنبوَّة في آخر، فاجتمع في داود هذا وهذا، كما قال تعالى: ﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾ الآية [البقرة: ٢٥١].\nوأما وفاته - ﵇ - فقال الإمام أحمد في \"مسنده\" (^٢) بسنده عن أبي هريرة: أن رسول الله - ﷺ - قال: \"كان داود - ﵇ - فيه غيرة شديدة، فكان إذا خرج أغلق الأبواب، فلم يدخل على أهله أحد حتى يرجع، قال: فخرج ذات يوم وغلقت الدار، فأقبلت امرأته تطلع إلى الدار فإذا رجل قائم وسط الدار، فقالت لمن في البيت: من أين دخل هذا الرجل والدار مغلقة؟ والله لتفتضحن بداود، فجاء داود فإذا الرجل قائم في وسط الدار، فقال له داود: من أنت؟ فقال: أنا الذي لا أهاب الملوك ولا أمنع من الحجاب. فقال داود: أنت والله إذن ملك الموت مرحبًا بأمر الله. ثم مكث حتى قبضت روحه، فلما غسل وكفن وفرغ من شأنه طلعت عليه الشمس. فقال سليمان للطير: أظلي على داود، فأظلَّته الطير حتى أظلمت عليه الأرض، فقال سليمان للطير: اقبضي جناحًا\"، قال أبو هريرة: فطفق رسول الله - ﷺ - يرينا كيف فعلت الطير، وقبض رسول الله - ﷺ - بيده. انفرد بإخراجه الإمام أحمد، وإسناده جيد قوي رجاله ثقات.\n_________\n(^١) \"البداية والنهاية\" (٢/ ٣٠٠).\n(^٢) \"مسند أحمد\" (٢/ ٤١٩).","vol":"4","page":434},{"text":"قوله: (زبورا) هو اسم الكتاب الذي أنزل الله عليه، وروي عن ابن عباس أنه قال: أنزل الله الزبور على داود - ﵇ - مائة وخمسين سورة بالعبرانية، في خمسين منها ما يلقونه من بخت نصر، وفي خمسين ما يلقونه من الروم، وفي خمسين مواعظ وحكم، ولم يكن فيه حلال ولا حرام ولا حدود ولا أحكام، وروي أنه نزل عليه في شهر رمضان، انتهى.\nقوله: (بسطة: زيادة وفضلًا) أي: في قوله تعالى: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة: ٢٤٧]. وهذه الكلمة في قصة طالوت، وكأنه ذكرها لما كان آخرها متعلقًا بداود، فلمح بشيء من قصة طالوت، وقد قصَّها الله في القرآن، قاله الحافظ (^١).\n\n(٣٨ -<span data-type='title' id=toc-2283> باب أحب الصلاة إلى الله صلاة داود. . .) إلخ</span>\nيشير إلى الحديث المذكور قبله (^٢).\n\n(٣٩ -<span data-type='title' id=toc-2284> باب ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ. . .﴾ [ص: ١٧]) إلخ</span>\n﴿الْأَيْدِ﴾: القوة، وكان داود موصوفًا بفرط الشجاعة.\nقوله: (قال مجاهد: الفهم في القضاء) أي: المراد بفصل الخطاب، وروى ابن أبي حاتم من طريق أبي بشر عن مجاهد قال: ﴿الْحِكْمَةَ﴾: الصواب، ومن طريق ليث عن مجاهد: ﴿فَصْلَ الْخِطَابِ﴾: إصابة القضاء وفهمه، ومن طريق بن جريج عن مجاهد قال: ﴿فَصْلَ الْخِطَابِ﴾: العدل في الحكم وما قال من شيء أنفذه، وقال الشعبي: ﴿فَصْلَ الْخِطَابِ﴾: قوله: أما بعد، وفي ذلك حديث مسند من طريق بلال بن أبي بردة عن أبيه عن جده قال: \"أول من قال: أما بعد: داود النبي - ﷺ -، وهو فصل الخطاب\"، أخرجه ابن أبي حاتم، وروى ابن أبي حاتم من طريق شريح قال: ﴿فَصْلَ الْخِطَابِ﴾: الشهود والأيمان، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٤٥٤).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (٦/ ٤٥٥).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٦/ ٤٥٦).","vol":"4","page":435},{"text":"(٤٠ -<span data-type='title' id=toc-2285> باب قول الله - ﷿ -: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ. . .﴾ [ص: ٣٠]) إلخ</span>\nسقط لفظ \"باب\" في نسخة \"الفتح\".\nقوله: (الراجع: المنيب) هو تفسير الأواب، وقد أخرج ابن جريج من طريق مجاهد قال: الأواب الرجَّاع عن الذنوب، ومن طريق قتادة: المطيع، ومن طريق السدي قال: هو المسبح، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوقال ابن كثير في \"البداية\" (^٢): قال أصبغ بن الفرج وعبد الله بن وهب، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال: قال سليمان لملك الموت: إذا أمرت بي فأعلمني، فأتاه فقال: يا سليمان! قد أمرت بك، قد بقيت لك سويعة، فدعا الشياطين، فبنوا عليه صرحًا من قوارير، ليس له باب، فقام يصلي فاتكأ على عصاه، قال: فدخل عليه ملك الموت فقبض روحه وهو مُتَوَكِّئٌ على عصاه، ولم يصنع ذلك فرارًا من ملك الموت، قال: والجن تعمل بين يديه وينظرون إليه يحسبون أنه حي، ثم ذكر ما قصَّه الله تعالى في القرآن. وعن محمد بن إسحاق عن الزهري وغيره: أن سليمان - ﵇ - عاش ثنتين وخمسين سنة، وكان ملكه أربعين سنة، وعن عكرمة عن ابن عباس: أن ملكه كان عشرين سنة، والله أعلم. وقال ابن جرير: فكان جميع عمر سليمان بن داود - ﵇ - نيِّفًا وخمسين سنة. وفي سنة أربع من ملكه ابتدأ ببناء بيت المقدس فيما ذكر، انتهى.\n\n(٤١ -<span data-type='title' id=toc-2286> باب قول الله - ﷿ -: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ. . .﴾ [لقمان: ١٢]) إلخ</span>\nقال الحافظ في مقدمة \"الفتح\" (^٣): ذكره بعد سليمان؛ لأنه نبي عنده أو لأنه من أتباع داود.\nوقال القسطلاني (^٤): هو أعجمي، منع الصرف للتعريف والعجمة،\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٤٥٨).\n(^٢) \"البداية والنهاية\" (٢/ ٣٥٥).\n(^٣) مقدمة \"فتح الباري\" (ص ٤٧٣).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (٧/ ٤٢٨).","vol":"4","page":436},{"text":"أو عربي مشتق من اللقم، وهو حينئذ مرتجل؛ لأنه لم يسبق له وضع في النكرات ومنعه حينئذ للتعريف وزيادة الألف والنون، قال ابن إسحاق: لقمان هو ابن باعوراء بن ناحور بن تارح وهو آزر، واختلف في نبوته، واتفق على أنه كان حكيمًا.\nوقال الحافظ (^١): اختلف في لقمان، فقيل: كان حبشيًا، وقيل: كان نوبيًا، واختلف هل كان نبيًا؟ قال السهيلي: كان نوبيًا من أهل أيلة، واسم أبيه عنقا بن شيرون، وقال غيره: هو ابن باعور بن ناحر بن آزر، فهو ابن أخي إبراهيم، وذكر وهب في \"المبتدأ\": أنه كان ابن أخت أيوب، وقيل: ابن خالته، وروى الثوري في \"تفسيره\" عن أشعث عن عكرمة عن ابن عباس قال: كان لقمان عبدًا حبشيًا نجارًا، وفي \"مصنف ابن أبي شيبة\" عن خالد بن ثابت الربعي أحد التابعين مثله، وعن سعيد بن المسيب: كان من سودان مصر، ذو مشافر، أعطاه الله الحكمة، ومنعه النبوَّة. وفي \"المستدرك\" بإسناد صحيح عن أنس قال: كان لقمان عند داود وهو يسرد الدرع، فجعل لقمان يتعجب ويريد أن يسأله عن فائدته، فتمنع حكمته أن يسأل، وهذا صريح في أنه عاصر داود - ﵇ -، وقد ذكره ابن الجوزي في \"التلقيح\" بعد إبراهيم قبل إسماعيل وإسحاق، والصحيح أنه كان في زمن داود، وقد أخرج الطبري وغيره عن مجاهد: أنه كان قاضيًا على بني إسرائيل زمن داود - ﵇ -، وقيل: إنه عاش ألف سنة، نقل عن ابن إسحاق وهو غلط، وكأنه اختلط عليه بلقمان بن عاد، وروى ابن أبي حاتم عن قتادة: أن لقمان خُيِّر بين الحكمة والنبوَّة، فاختار الحكمة، فسئل عن ذلك فقال: خفت أن أضعف عن حمل أعباء النبوَّة، وقيل: كان خياطًا، وقيل: نجارًا، انتهى من \"الفتح\".\nوذكر العلَّامة العيني الاختلاف في نسبه، وقال (^٢) أيضًا: ولد على\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٤٦٦).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١١/ ١٧٣).","vol":"4","page":437},{"text":"عشر سنين خلت من أيام داود - ﵇ -. وقال الواقدي والسدي: إنه مات بأيلة، وقال قتادة: بالرملة. [واتفق العلماء أنه كان حكيمًا] ولم يكن نبيًا، إلا عكرمة فإنه كان يقول: إنه كان نبيًا، انتهى.\nوبسط ابن كثير في \"البداية\" (^١) في أوصافه وسيرته، وقال: والمشهور عن الجمهور أنه كان حكيمًا وليًا، ولم يكن نبيًا، انتهى.\n\n(٤٢ -<span data-type='title' id=toc-2287> باب قول الله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ. . .﴾ [يس: ١٣]) إلخ</span>\nالمراد بالقرية هي الأنطاكية، وقوله: ﴿إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ أي: رسل عيسى، وقوله: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ﴾ قال وهب: يوحنا وبولس، والثالث هو شمعون، وقال كعب: الرسولان: صادق وصدوق، والثالث شلوم، ولم يذكر المصنف حديثًا مرفوعًا ههنا، وعلى الباب وتاليه علامة السقوط فقط في الفرع وأصله من غير عزو، قاله القسطلاني (^٢).\nقال الحافظ (^٣): روى الطبراني من حديث ابن عباس مرفوعًا: \"السبق ثلاثة: يوشع إلى موسى، وصاحب يس إلى عيسى، وعلي إلى محمد\" - ﷺ -، وفي إسناده حسين بن حسين الأشقر وهو ضعيف، فإن ثبت دل على أن القصة كانت في زمن عيسى أو بعده، وصنيع المصنف يقتضي أنها قبل عيسى، انتهى.\nقلت: وعامة الشرَّاح والمفسرين صرحوا بأن الرسل الثلاثة المذكورون في هذه الآية رسل المسيح - ﵇ -، وأنهم بعثوا على أهل أنطاكية، وردّ الحافظ ابن كثير في \"البداية والنهاية\" (^٤) على كلا الأمرين، فارجع إليه لو شئت.\n_________\n(^١) \"البداية والنهاية\" (٣/ ١٠).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٧/ ٤٣٠).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٦/ ٤٦٧).\n(^٤) انظر: \"البداية والنهاية\" (٢/ ١٢).","vol":"4","page":438},{"text":"ويستفاد من كلامه أن هذه الرسل المذكورون في الآية مقدمون على المسيح، ولذا قدَّم ذكرهم على قصة موسى فيما اختاره من الترتيب في كتابه \"البداية والنهاية\"، فهذا يؤيد ما اختاره الإمام البخاري من تقديم ذكرهم على ذكر عيسى - ﵇ -، والله تعالى أعلم.\n\n(٤٣ -<span data-type='title' id=toc-2288> باب قوله: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾ [مريم: ٢]. . .) إلخ</span>\nفي زكريا أربع لغات: المد والقصر وحذف الألف مع إبقاء الياء مشددة وتخفيف الياء، فإن مددت أو قصرت لم تصرف، وإن حذفت الألف مع إبقاء الياء مشددة صرفته، وزكريا بن آدن بن مسلم بن صدوق بن نخشان بن داود بن سليمان بن مسلم بن صديقة بن ناخور بن شلوم بن بهفاشاط بن أسا بن أخيا بن رحيم بن سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام، كذا ذكره الثعلبي، وقال ابن عساكر في \"تاريخه\": زكريا بن برخيا، ويقال: زكريا بن دان، ويقال: ابن آدن إلى آخره. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"كان زكريا نجارًا\" انفرد بإخراجه مسلم، وقال ابن إسحاق: كان زكريا وابنه يحيى صلى الله تعالى عليهم وسلم آخر من بعث في بني إسرائيل من أنبيائهم قبل عيسى - ﵇ -، انتهى من \"العيني\" (^١).\nقال الحافظ (^٢): وزكريا هو ابن أدن، ويقال: ابن شبوي، ويقال: ابن بارخيا، ويقال: ابن أبي بن بارخيا، ومريم بنت عمران بن ناشي، وهما من ذرية سليمان بن داود - ﵇ -.\n\n(٤٤ -<span data-type='title' id=toc-2289> باب قوله: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا. . .﴾ [مريم: ١٦]) إلخ</span>\nهذه الترجمة معقودة لأخبار مريم - ﵇ -، ومريم بالسريانية الخادم،\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١١/ ١٧٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ٤٦٨).","vol":"4","page":439},{"text":"وسميت به والدة عيسى، فامتنع الصرف للتأنيث والعلمية، ومريم هي بنت عمران بن ماثان، وقيل: ابن ناشي بدل ابن ماثان، واسم أم مريم حنة بمهملة ونون بنت فاقود، واسم أختها والدة يحيى إيشاع، قال ابن إسحاق في \"المبتدأ\": كانت حنة عند عمران، وأختها عند زكريا، وكانت حنة أمسك عنها الولد ثم حملت بمريم، فمات عمران وهي حامل، انتهى من \"الفتح\" (^١) بزيادة من \"العيني\" (^٢).\nقلت: وستأتي هذه الترجمة بعينها بعد ثلاثة أبواب، فالأوجه عندي في الفرق بين الترجمتين أن المقصود ههنا بيان مريم - ﵍ - كما تقدم عن الحافظ، وبالترجمة الآتية بيان ابنها عيسى - ﵇ -، فذكر مريم ههنا عندي تمهيد لذكر عيسى الآتي، فإن حملها إياه كانت عجيبة نادرة غريبة خارقة للعادة، فلا حاجة إلى ادعاء نبوتها كما قال الحافظ في مقدمة \"الفتح\" (^٣)، ذكرها البخاري؛ لأنها نبية عنده، انتهى.\n\n(٤٥ -<span data-type='title' id=toc-2290> باب ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ .. . .﴾ [آل عمران: ٤٢]) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٤): واستدل به على أنها كانت نبيَّة، وليس بصريح في ذلك، وأيد بذكرها مع الأنبياء في سورة مريم، ولا يمنع وصفها بأنها صديقة، قد وصف يوسف بذلك، وقد نقل عن الأشعري أن في النساء عدة نبيات، وحصرهن ابن حزم في ست: حواء وسارة وهاجر وأم موسى وآسية ومريم، وأسقط القرطبي سارة وهاجر، ونقله في \"التمهيد\" عن أكثر الفقهاء، وقال القرطبي: الصحيح أن مريم نبيَّة، وقال عياض: الجمهور على خلافه، ونقل النووي في \"الأذكار\": أن الإمام نقل الإجماع على أن مريم ليست نبيَّة، وعن الحسن: ليس في النساء نبيَّة ولا في الجن، وقال السبكي\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٤٦٨ - ٤٧٠).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١١/ ١٧٩).\n(^٣) مقدمة \"فتح الباري\" (ص ٤٧٣).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٦/ ٤٧٠، ٤٧١).","vol":"4","page":440},{"text":"الكبير: لم يصح عندي في هذه المسألة شيء، ونقله السهيلي في آخر \"الروض\" عن أكثر الفقهاء، انتهى.\nوتقدم ذكر الخلاف في ذلك في \"باب قول الله - ﷿ -: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا. . .﴾ الآية\".\n\n(٤٦ -<span data-type='title' id=toc-2291> باب قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ﴾ [آل عمران: ٤٥]) إلخ</span>\nمن ههنا عند هذا العبد الضعيف شروع في ذكر عيسى - ﵇ -، فهذه بشارة لولادته.\n\n(٤٧ -<span data-type='title' id=toc-2292> باب قوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ. . .﴾ [النساء: ١٧١]) إلخ</span>\nقال الحافظ (^١): قال عياض: وقع في رواية الأصيلي: \" ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾ \"، ولغيره بحذف \"قل\" وهو الصواب.\nقال الحافظ: هذا هو الصواب في هذه الآية التي هي من سورة النساء، لكن قد ثبت \"قل\" في الآية الأخرى في سورة المائدة: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ الآية [المائدة: ٧٧]، ولكن مراد المصنف آية سورة النساء بدليل إيراده لتفسير بعض ما وقع فيها فالاعتراض متجه، انتهى.\nقلت: ومقصود الترجمة عندي بيان ولادته - ﵇ - بدون الأب بكلمة \"كن\" وردّ ما غلت النصارى في حقه.\n\n(٤٨ -<span data-type='title' id=toc-2293> باب قول الله - ﷿ -: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ. . .﴾ [مريم: ١٦]) إلخ</span>\nهذا الباب معقود لأخبار عيسى - ﵇ -، والأبواب التي قبله في أخبار أمه مريم، قاله الحافظ (^٢).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٤٧٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ٤٧٩).","vol":"4","page":441},{"text":"قلت: وهذه الترجمة كما تقدم مكررة، وذكرت وجه الفرق هناك.\nوفي هامش \"اللامع\" (^١): ثم لا يذهب عليك أن الإمام البخاري ترجم هنا بعدة تراجم متقاربة، ولم يتعرض الشرَّاح للفرق بينهما إلا ما قالوا في دفع التكرار في \"باب قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾ \" [مريم: ١٦]: إن الأولى متعلقة بمريم، والثانية متعلقة بعيسى - ﵇ -، وهو كذلك عندي، لكن ما قال الحافظ في التراجم المتوسطة بين هاتين الترجمتين أنها متعلقة بمريم ليس بوجيه عندي، بل الأوجه عندي: أن الترجمة الأولى معقودة لحال مريم كما قال الحافظ، ويدل عليه الحديث الوارد فيه من قوله: \"غير مريم وابنها\"، والباب الثاني، أي: قوله: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ. . .﴾ إلخ [آل عمران: ٤٢] أيضًا متعلقة بمريم، والباب الثالث من قوله: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ. . .﴾ إلخ [آل عمران: ٤٥] متعلق ببشارة ولادة عيسى، وهو مشترك بينه وبين أمه، ولذا أورد في الترجمة الأقوال المتعلقة بعيسى - ﵇ -، والروايات الواردة فيه متعلقة بأمه، وأما \"باب قوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ. . .﴾ إلخ [النساء: ١٧١] \" متعلقة بولادة عيسى من كونه مولودًا بكلمته بدون أب، ومن ههنا بدئ ذكر عيسى عندي، انتهى.\n\n(٤٩ -<span data-type='title' id=toc-2294> باب نزول عيسى ابن مريم)</span>\nكذا في النسخ الهندية والعيني والقسطلاني، وسقط لفظ \"باب\" في نسخة \"الفتح\"، قال الحافظ (^٢): يعني: في أواخر الزمان، كذا لأبي ذر بغير \"باب\"، وأثبته غيره، انتهى من \"الفتح\".\nوكتب أخونا ومولانا محمد إدريس الكاندهلوي في \"التعليق الصبيح\" (^٣): اعلم أن نزول عيسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام في آخر\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٨/ ٧١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ٤٩١).\n(^٣) \"التعليق الصبيح\" (٦/ ٢٥٩).","vol":"4","page":442},{"text":"الزمان من السماء إلى الأرض حق ثابت بالكتاب والسُّنَّة وإجماع الأمة، من أنكره فقد كفر، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩] والمعنى: ليؤمنن بعيسى قبل موت عيسى، وقال تعالى في حق عيسى - ﵇ -: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ [الزخرف: ٦١] قرئ بفتح اللام والعين، والضمير في \"إنه\" راجع إلى عيسى - ﵇ - لقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا﴾ [الزخرف: ٥٧] والمعنى: أن نزوله علامة القيامة.\nوأما الأحاديث فهي كثيرة بلغت مبلغ التواتر كما صرح به الحافظ ابن كثير في \"تفسيره\" (^١) والحافظ العسقلاني في \"الفتح\" (^٢)، وقد ألف شيخنا الأكبر أستاذنا ومولانا الشاه محمد أنور - نوَّر الله وجهه يوم القيامة ونضَّر - رسالة وجيزة (^٣) في أحاديث النزول أورد فيها أكثر من سبعين حديثًا فشفى وكفى وجمع فأوعى، جزاه الله الجزاء الأوفى.\nوأما الإجماع فقال أبو حيان في \"البحر المحيط\" (^٤): قال ابن عطية: وأجمعت الأمة على ما تضمنه الحديث المتواتر من أن عيسى في السماء حي، وأنه ينزل في آخر الزمان، وقال الشيخ محيي الدين في \"الفتوحات\": لا خلاف في أنه ينزل في آخر الزمان، وقال السفاريني: قد أجمعت الأمة على نزوله، ولم يخالف فيه أحد من أهل الشريعة، وإنما أنكره الفلاسفة والملاحدة مما لا يعتد بخلافه. . . إلى آخر ما قال، كذا في \"شرح العقيدة السفارينية\" (^٥)، انتهى.\nثم ذكر النقول في كفر من أنكر نزوله، وأيضًا بسط الكلام في لطائف\n_________\n(^١) \"تفسير ابن كثير\" (٢/ ٤٥٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ٤٩٣، ٤٩٤).\n(^٣) اسمه: \"التصريح بما تواتر في نزول المسيح\" حققه الشيخ عبد الفتاح أبو غدة - ﵀ - وعلق عليه.\n(^٤) \"تفسير البحر المحيط\" (٣/ ٢٥٢).\n(^٥) \"شرح العقيدة السفارينية\" (٢/ ٩٠).","vol":"4","page":443},{"text":"الأسرار والحكم في نزوله - ﵇ -، فارجع إليه لو شئت، وسيأتي شيء من الكلام عليه عن \"فتح الملهم\".\nقال الحافظ (^١): الحكمة في نزول عيسى دون غيره من الأنبياء الرد على اليهود في زعمهم أنهم قتلوه، فبيَّن الله تعالى كذبهم، وأنه الذي يقتلهم، أو نزوله لدنو أجله ليدفن في الأرض، إذ ليس لمخلوق من التراب أن يموت في غيرها، وقيل: إنه دعا الله لما رأى صفة محمد - ﷺ - وأمته أن يجعله منهم، فاستجاب الله دعاءه، وأبقاه حتى ينزل في آخر الزمان مجددًا لأمر الإسلام، فيوافق خروج الدجال فيقتله، والأول أوجه، وروى مسلم من حديث ابن عمر في مدة إقامة عيسى بالأرض بعد نزوله أنها سبع سنين، وروى نعيم بن حماد في \"كتاب الفتن\" من حديث ابن عباس: \"أن عيسى إذ ذاك يتزوج في الأرض، ويقيم بها تسع عشرة سنة\"، وبإسناد فيه مبهم عن أبي هريرة: \"يقيم بها أربعين سنة\"، وروى أحمد وأبو داود بإسناد صحيح من طريق عبد الرحمن بن آدم عن أبي هريرة مثله مرفوعًا.\nوقد اختلف في موت عيسى - ﵇ - قبل رفعه، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ﴾ [آل عمران: ٥٥]، فقيل: على ظاهره، وعلى هذا فإذا نزل في الأرض ومضت المدة المقدرة له يموت ثانيًا، وقيل: معنى قوله: ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ من الأرض، فعلى هذا لا يموت إلا في آخر الزمان. واختلف في عمره حين رفع، فقيل: ابن ثلاث وثلاثين، وقيل: مائة وعشرين، انتهى كله من \"الفتح\".\nوأجاد صاحب \"فتح الملهم\" (^٢) في بيان الحكمة في نزول عيسى - ﵇ - حيث كتب: قال العبد الضعيف: اعلم أن الله - ﷾ - لما أراد أن يظهر صفة إنعامه وانتقامه خلق الخلق، وجعله أصنافًا، فخلق منابع الإيمان والهداية، من غير نوع الإنسان، وهم الملائكة، ومن النوع الإنساني وهم الأنبياء\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٤٩٣).\n(^٢) \"فتح الملهم\" (٢/ ١٣٢).","vol":"4","page":444},{"text":"والمرسلون صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وخلق معادن الكفر والضلالة من غير نوع الإنسان وهم الشياطين، ومن النوع الإنساني وهم الدجالون الكذابون عليهم لعنة الله، فالأولون هم سادة السعداء النازلين في دار كرامته وفضله ومظاهر رحمته ورضاه - ﷾ -، والآخرون هم رؤوس الأشقياء الساقطين في محل عقوبته وسخطه ومظاهر نقمته وغضبه، والمحاربة قائمة بين الفريقين، والمخالفة واقعة بين الطرفين على ما يَقتضيه نظام التجاذب الواقع بين صفات الله الجمالية والقهرية، فملائكة الله في طرف، والشياطين في طرف آخر، وأولياء الرحمن في جانب، والدجاجلة أعداء الله في جانب آخر، وما زالوا يتحاربون ويتقاتلون في كل عصر، ولا يزالون مختلفين حتى يأتي أمر الله، ولذلك خلقهم، وكُلًّا يمدّ هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورًا، ومن المعلوم المتيقن أنه كلما ظهر في هذه الأمة دجال كذاب قام من ورثة سيد الأنبياء - ﷺ - شخص أو قوم لدفع مكائده وإبطال حيله، والله - ﷾ - نصر الصادق وخذل الكاذب، ولا تزال هذه المحاربة بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان حتى يخرج رأس الكفر من المشرق وهو الدجال الأعظم وعدو الله الأكبر الذي أنذر به كل نبي قومه، وختمت به سلسلة الدجل والكذب إلى أن كتب: وهذه فتنة لا توجد فتنة أعظم منها، وهناك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالًا شديدًا، فكأن الظاهر أن لا يقدم بمقاومة خاتم الدجاجلة الكاذبين إلا خاتم الأنبياء والمرسلين، ودعا له الخليل والذبيح، وبشّر بمقدمه المسيح، وانتهت إليه مراتب النبوَّة والرسالة الذي أرسل بالحق كافة للناس بشيرًا ونذيرًا، فلا يبقى على ظهر الأرض بيت وبر ولا مدر إلا أدخله الله دينه القويم، فكان الأوفق فيما يبدو للناس أن يكون النبي - ﷺ - بنفسه النفيسة حجيج عدو الله الأكبر إلا أن الله - ﷾ - رفع منزلته، وجعل أمر الدجال اللعين أهون من أن يقدم في مقابلته - ﷺ -. . .، إلى آخر ما بسط.","vol":"4","page":445},{"text":"(٥٠ -<span data-type='title' id=toc-2295> باب ما ذكر عن بني إسرائيل)</span>\nتقدم في مقدمة \"اللامع\" (^١) في بيان مناسبة الترتيب بين الأبواب من كلام الحافظ قُدِّس سرُّه: ثم ذكر المصنف بعد الأنبياء أشياء من العجائب الواقعة في زمن بني إسرائيل، انتهى.\nوبنو إسرائيل ذرية يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، وإسرائيل لقب يعقوب، أي: من الأعاجيب التي كانت في زمانهم، ذكر فيه أربعة وثلاثين حديثًا، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\nوذكر العيني (^٣) قصة في سبب تسمية يعقوب بإسرائيل، ويستفاد من كلام الحافظ والقسطلاني أن هذه الأبواب التي في ذكر بني إسرائيل ملحقة بأحاديث الأنبياء، كما سيأتي في مبدأ باب المناقب.\n\n(٥١ -<span data-type='title' id=toc-2296> باب حديث أبرص وأقرع وأعمى. . .) إلخ</span>\nكذا في الهامش الهندية معلمًا عليه علامة النسخة، وليس لفظ: \"باب\" في النسخة الهندية ولا في نسخة الشروح الثلاثة \"الفتح\" و\"العيني\" و\"القسطلاني\".\nقال الحافظ (^٤): هكذا ترجم لهذا الحديث في أثناء ذكر بني إسرائيل، وهو الحديث الثاني عشر.\nوقال العيني والقسطلاني (^٥): وفي بعض النسخ: \"باب حديث أبرص. . .\" إلخ.\n\n(٥٢ -<span data-type='title' id=toc-2297> باب قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ. . .﴾ [الكهف: ٩]) إلخ</span>\nهكذا في النسخ الهندية و\"العيني\" و\"القسطلاني\"، وليس في نسخة \"الفتح\" لفظ \"باب\".\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (١/ ٢٧٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ٤٩٦).\n(^٣) انظر: \"عمدة القاري\" (١١/ ٢٠٤).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٦/ ٥٠١).\n(^٥) \"عمدة القاري\" (١١/ ٢١٣)، \"إرشاد الساري\" (٧/ ٤٧٠).","vol":"4","page":446},{"text":"قال الحافظ (^١): كذا لأبي ذر عن المستملي والكشميهني وحدهما إلى آخر الترجمة، ولغيره في أوله: \"باب\"، ولم يورد في ذلك إلا تفاسير مما وقع في قصة أصحاب الكهف، وسقط كله من رواية النسفي. وقال أيضًا: لم يذكر المصنف في هذه الترجمة حديثًا مسندًا، وقد روى عبد بن حميد بإسناد صحيح عن ابن عباس قصة أصحاب الكهف مطوّلة غير مرفوعة، ذكرها الحافظ، ملخصًا من \"الفتح\".\nقوله: (الكهف: الفتح في الجبل) هو قول الضحاك، أخرجه عنه ابن أبي حاتم، واختلف في مكان الكهف، فالذي تضافرت به الأخبار أنه في بلاد الروم، وعن ابن عباس: أنه بالقرب من أيلة، وقيل: بالقرب من طرسوس، وفي \"تفسير ابن مردويه\" عن ابن عباس: أصحاب الكهف أعوان المهدي، وسنده ضعيف، فإن ثبت حمل على أنهم لم يموتوا بل هم في المنام إلى أن يبعثوا لإعانة المهدي، وقد ورد في حديث آخر بسند واه أنهم يحجون مع عيسى - ﵇ -.\nقوله: (والرقيم: الكتاب. . .) إلخ، قال أبو عبيدة: الرقيم الوادي الذي فيه الكهف، وعن كعب الأحبار قال: هو اسم القرية، وعن سعيد بن جبير: أن الرقيم اسم الكلب، وقيل: الرقيم هو الغار، كما سأبيِّنه في حديث الغار، وقيل: الرقيم الصخرة التي أطبقت على الوادي، وسيأتي في التفسير قول ابن عباس: إن الرقيم لوح من رصاص كتبت فيه أسماء أصحاب الكهف، وقيل: الرقيم الدواة، وقال قوم: أخبر الله عن قصة أصحاب الكهف ولم يخبر عن قصة أصحاب الرقيم، قلت: وليس كذلك، بل السياق يقتضي أن أصحاب الكهف هم أصحاب الرقيم، والله أعلم، انتهى مختصرًا من \"الفتح\" (^٢).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٥٠٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ٥٠٣، ٥٠٤).","vol":"4","page":447},{"text":"(٥٣ -<span data-type='title' id=toc-2298><span data-type='title' id=toc-2299> باب </span>حديث الغار)</span>\nفي نسخ الشروح سقط لفظ \"باب\".\nقال الحافظ (^١): عقب المصنف قصة أصحاب الكهف بحديث الغار إشارة إلى ما ورد أنه قد قيل: إن الرقيم المذكور في قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ﴾ الآية [الكهف: ٩] هو الغار الذي أصاب فيه الثلاثة ما أصابهم، وذلك فيما أخرجه البزار والطبراني بإسناد حسن عن النعمان بن بشير - ﵄ -: أنه سمع النبي - ﷺ - يذكر الرقيم قال: \"انطلق ثلاثة، فكانوا في كهف، فوقع الجبل على باب الكهف، فأوصد عليهم\" فذكر الحديث، انتهى من \"الفتح\".\nوهكذا في \"العيني\" (^٢)، ثم قال: قلت: يحتمل أنه ذكر هذا عقيب ذاك؛ لأن هؤلاء الثلاثة كانوا في زمن بني إسرائيل، يدل عليه ما رواه الطبراني عن عقبة بن عامر: \"أن ثلاثة نفر من بني إسرائيل\"، الحديث.\n\n(٥٤ - باب)\nبغير ترجمة، وهكذا في \"العيني\" و\"القسطلاني\" (^٣) وقالا: هو كالفصل لما قبله، وليس في أكثر النسخ لفظ: \"باب\"، انتهى.\nولم يتعرض له الحافظ، وليس هو بموجود في نسخة شرحه.\nثم البراعة عندي وكذا عند الحافظ في قوله: \"قدم معاوية المدينة آخر قدمة قدمها\".\n* * *\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٥٠٧).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١١/ ٢١٨).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١١/ ٢٢١)، \"إرشاد الساري\" (٧/ ٤٧٩).","vol":"4","page":448},{"text":"٦١ -<span data-type='title' id=toc-2300> كتاب المناقب</span>\nهكذا في نسخة \"العيني\"، وكذا على هامش النسخة الهندية بعلامة النسخة، وفي النسخ الهندية وكذا في نسخة \"الفتح\" و\"القسطلاني\": \"باب المناقب\".\nقال الحافظ (^١): كذا في الأصول التي وقفت عليها من كتاب البخاري، وذكر صاحب \"الأطراف\" وكذا في بعض الشروح أنه قال: \"كتاب المناقب\"، فعلى الأول هو من جملة كتاب أحاديث الأنبياء، وعلى الثاني هو كتاب مستقل، والأول أولى؛ فإنه يظهر من تصرفه أنه قصد به سياق الترجمة النبوية بأن يجمع فيه أمور النبي - ﷺ - من المبدأ إلى المنتهى، فبدأ بمقدماتها من ذكر ما يتعلق بالنسب الشريف، فذكر أشياء تتعلق بالأنساب، ومن ثم ذكر أمورًا تتعلق بالقبائل، ثم النهي عن دعوى الجاهلية؛ لأن معظم فخرهم كان بالأنساب، ثم ذكر صفة النبي ﷺ تسليمًا كثيرًا كثيرًا، وشمائله ومعجزاته، واستطرد منها بفضائل أصحابه، ثم أتبع بأحواله قبل الهجرة وما جرى له بمكة، فذكر المبعث، ثم إسلام الصحابة وهجرة الحبشة والمعراج ووفود الأنصار والهجرة إلى المدينة، ثم ساق المغازي على ترتيبها عنده، ثم الوفاة، فهذا آخر هذا الباب، وهو من جملة تراجم الأنبياء، وختمها بخاتم الأنبياء ﷺ تسليمًا كثيرًا كثيرًا، انتهى من \"الفتح\".\nقلت: وهو كذلك، وقد تقدم في هامش مقدمة \"اللامع\" (^٢) أيضًا: أن الأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن ذكر الفضائل والمناقب المتعلقة بهذه\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٥٢٦).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (١/ ٢٧٧).","vol":"4","page":449},{"text":"الأمة تمهيد وتكميل لذكر نبينا سيد الأنبياء عليه أفضل الصلوات والتسليمات، ولما كان ذكره الشريف أصلًا ومقصودًا بسط في ذكر التمهيد والتكميل، فذكر قريشًا؛ لأنها قبيلته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا كثيرًا.\nثم المناقب جمع منقبة، وهي ضد المثلبة، قاله العيني (^١)، وقال السندي (^٢): المناقب: المكارم والمفاخر، واحدها منقبة ضد المثلبة كأنها تنقب قلب الحسود، انتهى.\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-2301> وقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ﴾ الآية [الحجرات: ١٣]. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٣): يشير إلى ما تضمنته هذه الآية من أن المناقب عند الله إنما هي بالتقوى بأن يعمل بطاعته ويكف عن معصيته، وقد ورد في الحديث ما يوضح ذلك، ففي صحيحي ابن خزيمة وابن حبان من حديث ابن عمر في خطبته - ﷺ - يوم الفتح، وفيه: \"يا أيها الناس! الناس رجلان مؤمن تقي كريم على الله، وفاجر شقي هين على الله\"، ثم تلا هذه الآية، وروى أحمد وغيره في خطبة النبي - ﷺ - بمنى: \"يا أيها الناس! إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى، خيركم عند الله أتقاكم\"، انتهى.\nقوله: (﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ﴾ الآية) [النساء: ١] قال الحافظ (^٤): المراد بذكر هذه الآية الإشارة إلى الاحتياج إلى معرفة النسب أيضًا؛ لأنه يعرف به ذو الأرحام المأمور بصلتهم، وذكر ابن حزم في مقدمة كتاب\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١١/ ٢٣٩).\n(^٢) \"صحيح البخاري مع حاشية السندي\" (٢/ ٢٦٤).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٦/ ٥٢٧).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٦/ ٥٢٧).","vol":"4","page":450},{"text":"\"النسب\" له فصلًا في الرد على من زعم أن علم النسب علم لا ينفع وجهل لا يضر؛ بأن في علم النسب ما هو فرض على كل أحد، وما هو فرض على الكفاية، وما هو مستحب، قال: فمن ذلك أن يعلم أن محمدًا رسول الله - ﷺ - هو ابن عبد الله الهاشمي، فمن زعم أنه لم يكن هاشميًا فهو كافر، إلى آخر ما ذكر الحافظ، ونقل ابن عبد البر أنه قال في أول كتابه \"النسب\": ولعمري لم ينصف من زعم أن علم النسب علم لا ينفع وجهل لا يضر، انتهى.\n\n<span data-type='title' id=toc-2302>باب</span>\nبغير ترجمة، ليس لفظ الباب في نسخة \"الفتح\"، وهو موجود في النسخ الهندية والعيني والقسطلاني.\nقال العيني (^١): هو كالفصل لما قبله، وقال تحت الحديث الأول من هذا الباب: ووجه ذكره عقيب الحديث السابق أن المذكور فيه: أن الناس تبع لقريش، وفيه تفضيلهم على غيرهم، والمذكور في هذا أنه لم يكن بطن من قريش إلا وللنبي فيه قرابة، فيقتضي هذا تفضيله على الكل، انتهى.\nقال الحافظ (^٢): دخول هذا الحديث في هذه الترجمة - أي: في ترجمة الباب السابق، فإن هذا الباب ليس في نسخة \"الفتح\" - واضح من جهة تفسير المودة المطلوبة في الآية بصلة الرحم التي بينه وبين قريش، وهم الذين خوطبوا بذلك، وذلك يستدعي معرفة النسب التي تحقق بها صلة الرحم، قال عكرمة: كانت قريش تصل الأرحام في الجاهلية، فلما دعاهم النبي - ﷺ - إلى الله تعالى خالفوه وقاطعوه، فأمرهم بصلة الرحم التي بينه وبينهم، انتهى.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١١/ ٢٤٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ٥٣١).","vol":"4","page":451},{"text":"(٢ -<span data-type='title' id=toc-2303> باب مناقب قريش)</span>\nقال العلَّامة العيني (^١): الكلام في قريش على أنواع:\nالأول: من هو الذي تسمى بقريش من أجداد النبي - ﷺ -؟ فقال الزبير: قالوا: قريش اسم فهر بن مالك، وما لم يلد فهر فليس من قريش، قال الزبير: قال عمي: فهر هو قريش اسمه وفهر لقبه، قال ابن دريد: الفهر: الحجر الأملس يملأ الكف، وهو مؤنث، وقيل: يذكر ويؤنث، وكنية فهر أبو غالب، وقال ابن هشام: النضر هو قريش، فمن كان من ولده فهو قريشي، ومن لم يكن من ولده فليس بقريشي، وهذا قول الجمهور، وقيل: قصي هو قريش، والقولان الأولان حكاهما غير واحد من أئمة علم النسب، والصحيح الذي عليه الجمهور هو النضر، وقيل: الصحيح هو فهر.\nالنوع الثاني: في وجه التسمية بقريش، وفيه خمسة عشر قولًا، الأول: أنه من التقرش وهو التكسب والتجارة، وكانت قريش يتقرشون في البياعات، وهذا قاله ابن هشام، ثم ذكر العيني بقية الأقوال فيه.\nوالنوع الثالث: فيما جاء فيهم، فروي عن سعد بن أبي وقاص - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"من يريد هوان قريش أهانه الله\"، وعن واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى هاشمًا من قريش، واصطفاني من بني هاشم\" رواه مسلم، وكانت لقريش في الجاهلية مكارم، منها: السقاية والعمارة والرفادة والحجابة والحكومة وغير ذلك، ذكره العيني.\nوكانوا يسمون آل الله وجيران الله، والنسبة إلى قريش قريشي، وعن الخليل: قرشي أيضًا، فإن أردت بقريش الحي صرفته، وإن أردت به القبيلة لم تصرفه، انتهى مختصرًا.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١١/ ٢٤٨، ٢٤٩).","vol":"4","page":452},{"text":"قوله: (فغضب معاوية) كتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): كان وجه الغضب أنه حمل قول عبد الله بن عمرو على أنه يكون خليفة حق، وليس المراد في الحديث ذلك، بل المراد أنه يتغلب، والحاصل أن أحد الصحابيين أخطأ فيه، فإما أن يكون مراد عبد الله أنه سيكون عن قريب أو أنه يكون خليفة حق، وهما غير صحيحين؛ لأنه يكون متغلبًا، ويكون في آخر الزمان، أو يكون الراوي أصاب في فهم ما روى، إلا أن معاوية - ﵁ - فهم منه خلاف ما قصد، فغضب لذلك، والله أعلم، انتهى.\nوفي هامشه: قال الحافظ (^٢): في إنكار معاوية ذلك نظر؛ لأن الحديث الذي استدل به مقيد بإقامة الدين، فيحتمل أن يكون خروج القحطاني إذا لم تقم قريش أمر الدين، وقد وجد ذلك، انتهى.\nوقال العلَّامة السندي (^٣): وإنما فعل ما فعل معاوية؛ لأنه ما بلغه ذلك الحديث، واستدلاله بحديث \"إن هذا الأمر. . .\" إلخ، دليل عليه لا له؛ لأن تقييد \"ما أقاموا الدين\" يشعر أن هذا الأمر لا يبقي فيهم حين تركهم مراعاة الدين، والله تعالى أعلم، انتهى ملخصًا.\nوالأوجه عند هذا العبد الضعيف في سبب إنكار معاوية أنه حمل الحديث على أنهم يريدون بمعاونة هذا الحديث إخراج الخلافة من قريش، ويؤيده قول معاوية: إياكم والأماني، وبسط في هامش \"اللامع\" أيضًا أنهم اختلفوا في القحطاني هل يكون من الخلفاء الصالحين أم لا؟ فارجع إليه لو شئت.\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-2304> باب نزل القرآن بلسان قريش)</span>\nقال الحافظ (^٤): أورد فيه طرفًا من حديث أنس في أمر عثمان - ﵁ -،\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٨/ ١٠١، ١٠٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ٥٣٥).\n(^٣) \"صحيح البخاري مع حاشية السندي\" (٢/ ٢٦٥).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٦/ ٥٣٧).","vol":"4","page":453},{"text":"وسيأتي مبسوطًا ومشروحًا في \"فضائل القرآن\"، ووجه دخوله في مناقب قريش ظاهر، والله أعلم، انتهى.\nوسنذكر الكلام في جمع القرآن هناك إن شاء الله.\n\n(٤ -<span data-type='title' id=toc-2305> باب نسبة اليمن إلى إسماعيل - ﵇ </span>-)\nأي: ابن إبراهيم الخليل، ونسبة مضر وربيعة إلى إسماعيل متفق عليها، وأما اليمن فجماع نسبهم ينتهي إلى قحطان، واختلف في نسبه، فالأكثر على أنه ابن عابر بن شالخ بن أرفشخذ بن سام بن نوح، وقيل: هو من ولد هود - ﵇ -، وقيل: هو هود نفسه، وقيل: ابن أخيه، ويقال: إن قحطان أول من تكلم بالعربية، وهو والد العرب المتعربة، وأما إسماعيل فهو والد العرب المستعربة، وأما العرب العاربة فكانوا قبل ذلك كعاد وثمود وغيرهما، وزعم الزبير بن بكار إلى أن قحطان من ذرية إسماعيل، وأنه قحطان بن الهميسع بن تيم بن نبت بن إسماعيل - ﵇ -، وهو ظاهر قول أبي هريرة المتقدم في ذكر قصة هاجر حيث قال وهو يخاطب الأنصار: \"فتلك أمكم يا بني ماء السماء\"، هذا هو الذي يترجح في نقدي، انتهى من \"الفتح\" (^١) وبسط أشد البسط.\nقوله: (منهم أسلم بن أفصى) بفتح الهمزة وسكون الفاء بعدها مهملة مقصورًا، ووقع في رواية الجرجاني: \"أفعى\" بعين مهملة بدل الصاد، وهو تصحيف، وأراد المصنف أن نسب حارثة بن عمرو متصل باليمن، وقد خاطب النبي - ﷺ - بني أسلم بأنهم من بني إسماعيل كما في حديث سلمة بن الأكوع الذي في هذا الباب، فدلَّ على أن اليمن من بني إسماعيل، وفي هذا الاستدلال نظر؛ لأنه لا يلزم من كون بني أسلم من بني إسماعيل أن يكون جميع من ينسب إلى قحطان من بني إسماعيل لاحتمال\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٥٣٧).","vol":"4","page":454},{"text":"أن يكون وقع في أسلم ما وقع في إخوتهم خزاعة من الخلاف، هل هم من بني قحطان أو من بني إسماعيل؟ إلى آخر ما بسطه (^١).\nقوله: (وأنت مع بني فلان. . .) إلخ، كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٢): ومن المعلوم أن النصر لا تكون إلا لمن هو معهم، فلذا أمسكوا عن الرمي؛ لأن الرمي إنما كان ليروا إليهم ينصر بإصابة المرمى، فإذا قال: وأنا معكم كلكم أخذوا في المراماة، ولم يكن الفريقان مقابلًا بحيث يرمي كل منهم الآخر، انتهى وذكر في \"هامشه\" كلام الشرَّاح مما يتعلق به فارجع إليه.\n\n٥ - <span data-type='title' id=toc-2306>(باب)</span>\nبغير ترجمة، كذا هو بلا ترجمة، وهو كالفصل من الباب الذي قبله، ووجه تعلقه به من الحديثين الأولين ظاهر، وهو الزجر عن الادعاء إلى غير الأب الحقيقي؛ لأن اليمن إذا ثبت نسبهم إلى إسماعيل فلا ينبغي لهم أن ينسبوا إلى غيره، وأما الحديث الثالث فله تعلق بأصل الباب، وهو أن عبد القيس ليسوا من مضر، وأما الرابع فإشارة إلى ما وقع في بعض طرقه من الزيادة بذكر ربيعة ومضر، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\n\n(٦ -<span data-type='title' id=toc-2307> باب ذكر أسلم وغفار ومزينة وجهينة وأشجع)</span>\nهذه خمس قبائل، كانت في الجاهلية في القوة والمكانة دون بني عامر بن صعصعة وبني تميم بن مرة وغيرهما من القبائل، فلما جاء الإسلام كانوا أسرع دخولًا فيه من أولئك، فانقلب الشرف إليهم بسبب ذلك، فأما أسلم فقد تقدم ذكر نسبهم في الباب الماضي، ثم ذكر الحافظ نسب الباقي من القبائل الأربعة (^٤).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٥٣٩).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٨/ ١٠٤ - ١٠٥).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٦/ ٥٤٠).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٦/ ٥٤٣).","vol":"4","page":455},{"text":"(٧ -<span data-type='title' id=toc-2308> باب ذكر قحطان)</span>\nهكذا في النسخ الهندية و\"الفتح\"، وفي نسخة \"العيني\" و\"القسطلاني\" ها هنا بدله \"باب ابن أخت القوم ومولى القوم منهم\"، ولا شك أن نسخ البخاري في سياق هذه التراجم مختلفة جدًا تقديمًا وتأخيرًا كما يظهر من الشروح، ونسخة \"الفتح\" في أكثرها موافقة للنسخة الهندية التي بأيدينا، تقدم القول في قحطان، وهل هو من ذرية إسماعيل أم لا؟ وإلى قحطان تنتهي أنساب أهل اليمن من حمير وكندة وهمدان وغيرهم.\nقوله: (حتى يخرج رجل من قحطان) لم أقف على اسمه، ولكن جوَّز القرطبي أن يكون جهجاه الذي وقع ذكره في مسلم من طريق أخرى عن أبي هريرة بلفظ: \"لا تذهب الأيام والليالي حتى يملك رجل يقال له: جهجاه\"، أخرجه عقب حديث القحطاني، ثم قال الحافظ: وهذا الحديث يدخل في علامات النبوَّة من جملة ما أخبر به - ﷺ - قبل وقوعه ولم يقع بعد، وقد روى نعيم بن حماد في \"الفتن\" من طريق أرطاة بن المنذر أحد التابعين من أهل الشام: أن القحطاني يخرج بعد المهدي، ويسير على سيرة المهدي. . .، إلى آخر ما قال في \"الفتح\" (^١).\nتنبيه: قد تقدم في مقدمة \"اللامع\" (^٢) في بيان مناسبة الترتيب بين الكتب والأبواب على الهامش، وأجاد شيخ مشايخنا في تراجمه ههنا كلامًا لطيفًا فقال في \"باب ذكر قحطان\": تحير الناس في هذه المطالب التي ترجم لها البخاري ولم يهتدوا إلى مقصده فيها، والذي وفق هذا العبد الضعيف بفهمه أن البخاري عمد ها هنا إلى قصص أطال الكلام محمد بن إسحاق فيها في \"سيرته\"، فأقام لكل منها شاهدًا من الأحاديث الصحيحة على شرطه، فذكر ابن إسحاق قصة (^٣) اليمن من حر، فأتى البخاري لها شاهدًا\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٥٤٥، ٥٤٦).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (١/ ٢٧٧، ٢٧٨).\n(^٣) كذا في الأصل مع بياض قبله، (ز).","vol":"4","page":456},{"text":"وهو ذكر قحطان في الحديث الصحيح، وذكر حلف الفضولي وغيرهما من معاداتهم في ما بينهم، فأشار إليه البخاري بقوله: \"باب ما ينهى من دعوى الجاهلية\"، وذكر تسلط خزاعة على مكة بعد ما أخرجوا، فأتى لها بشاهد، وهو ذكر عمرو بن لحي وتسييبه السوائب، وذكر قصة حفر عبد المطلب زمزم فأتى لها بشاهد، وهو حديث إسلام أبي ذر وشربه من زمزم، فإنه يدل على أن زمزم كان موجودًا في أول مبعث النبي - ﷺ -، وذكر الدارمي قبل ذكر مبعث النبي - ﷺ - جهل العرب، وأخرج قصة رجل ذكر عنده - ﷺ - أنه قتل ابنيه في الجاهلية، فأتى البخاري لها بشاهد، وهو قوله تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٤٠] وذكر ابن إسحاق نسبه - ﷺ - إلى سيدنا إسماعيل، وروي عن مالك أنه كره رفع النسب إلى ما فوق الإسلام، فانتصر البخاري لابن إسحاق، وذكر ابن إسحاق في ميلاد النبي - ﷺ - قصة الفيل واستيلاء الجيش على اليمن، فلم يجد البخاري لها شاهدًا فأتى بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل: ١]، وذكر الحبشة في الحديث، وخطابه لبني أرفدة، هذا ما لاح لي، والله تعالى أعلم، انتهى بلفظه الشريف، نوَّر الله مرقده، انتهى من هامش مقدمة \"اللامع\".\n\n(٨ -<span data-type='title' id=toc-2309> باب ما ينهى عنه من دعوة الجاهلية)</span>\nقال الحافظ (^١): ودعوى الجاهلية: الاستغاثة عند إرادة الحرب، كانوا يقولون: يا آل فلان، فيجتمعون فينصرون القائل ولو كان ظالمًا، فجاء الإسلام بالنهي عن ذلك، وكأن المصنف أشار إلى ما ورد في بعض طرق حديث جابر المذكور، وهو ما أخرجه إسحاق بن راهويه والمحاملي في \"الفوائد الأصبهانية\" من طريق أبي الزبير عن جابر قال: اقتتل غلام من المهاجرين وغلام من الأنصار، فذكر الحديث، وفيه فقال رسول الله - ﷺ -:\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٥٤٦، ٥٤٧).","vol":"4","page":457},{"text":"\"أدعوى الجاهلية؟ قالوا: لا، قال: لا بأس، ولينصر الرجل أخاه ظالمًا أو مظلومًا، فإن كان ظالمًا فلينهه، فإنه له نصر\"، وعرف من هذا أن الاستغاثة ليست حرامًا، وإنما الحرام ما يترتب عليها من دعوى الجاهلية، انتهى.\n\n(٩ -<span data-type='title' id=toc-2310> باب قصة خزاعة)</span>\nاختلف في نسبهم مع الاتفاق على أنهم من ولد عمرو بن لحي باللام والمهملة مصغرًا، وهو ابن حارثة بن عمرو بن عامر بن ماء السماء، وقد تقدم نسبه في أسلم، وأسلم هو عم عمرو بن لحي، ويقال: إن اسم لحي ربيعة، وقد صحف بعض الرواة فقال: عمرو بن يحيى، ووقع مثل ذلك في \"الجمع\" للحميدي (^١)، والصواب باللام وتشديد الياء آخره مصغر، ويقال لخزاعة: بنو كعب، نسبوا إلى جدهم كعب بن عمرو بن لحي، قال ابن الكلبي: لما تفرق أهل سبأ بسبب سيل العرم نزل بنو مازن على ماء يقال له: غسَّان، فمن أقام به منهم فهو غسَّاني، وانخزعت منهم بنو عمرو بن لحي عن قومهم، فنزلوا مكة وما حولها فسموا خزاعة، وتفرقت سائر الأزد، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\n\n(١٠ -<span data-type='title' id=toc-2311> باب قصة إسلام أبي ذر)</span>\n\" باب قصة زمزم\" هكذا في النسخ الهندية، وفي نسخة \"القسطلاني\" ها هنا: \"باب قصة زمزم\"، قال القسطلاني (^٣): ولأبي ذر: \"قصة إسلام أبي ذر - ﵁ -\" وعند \"العيني\": \"باب قصة زمزم، وفيه: إسلام أبي ذر\"، وفي نسخة \"الفتح\": \"قصة زمزم\"، وذكر فيه الحديث المذكور في النسخ الهندية، لكن ذكر فيه قبله: \"باب قصة إسلام أبي ذر\"، وذكر فيه الحديث بطوله في\n_________\n(^١) \"الجمع بين الصحيحين\" (٣/ ١٨)، (ح ٢١٨٤)، وفيه: \"عمرو بن لحي\" على الصواب.\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ٥٤٧، ٥٤٨).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (٨/ ٢٧).","vol":"4","page":458},{"text":"قصة إسلامه، وهذا الباب مع ما ذكر فيه من الحديث يأتي في النسخ الهندية بعد عدة أبواب، يعني: بعد \"إسلام أبي بكر وسعد\"، ولهذا قال الحافظ (^١) ها هنا: وسقط هذا الباب (أي: إسلام أبي ذر) لغير أبي ذر، وكأنه أولى؛ لأن هذه الترجمة ستأتي بعد إسلام أبي بكر وسعد وغيرهما، انتهى.\nوقال العيني (^٢) بعد ذكر حديث الباب: مطابقته للترجمة ظاهرة، أما قصة زمزم فلأن فيه ذكر زمزم، واكتفى أبو ذر - ﵁ - به في المدة التي أقام فيها بمكة، وأما قصة إسلامه فظاهرة من هذا الباب، انتهى.\nقلت: وقد تقدم في مقدمة \"اللامع\" (^٣) في الفائدة الثالثة عشر في مناسبة الترتيب بين الكتب والأبواب ما قال الحافظ: ولما ذكر أسلم وغفارًا ذكر قريبًا منه إسلام أبي ذر؛ لأنه أول من أسلم من غفار، انتهى.\nوتقدم هناك في هامشه: قلت: بل ذكره ها هنا لبيان زمزم كما ترجم به، وذكر إسلامه استطرادي من حيث إنه أول من أسلم من غفار، كما أفاده الحافظ، وذكر إسلامه يناسب الترجمة الثانية الآتية بعد النبوَّة، وإلا فلا وجه لذكر إسلامه قبل مبعثه - ﷺ -.\n\n(١٢ -<span data-type='title' id=toc-2312> باب جهل العرب)</span>\nوفي نسخة \"الفتح\": \"باب قصة زمزم وجهل العرب\"، وذكر فيه الحديث المذكور في النسخ الهندية، وفي نسخة \"العيني\" و\"القسطلاني\" ها هنا: \"باب ذكر قحطان\"، وهذا الباب قد تقدم في النسخ الهندية، وكذا في نسخة \"الفتح\" بعد ذكر أسلم وغفار.\nقال الحافظ (^٤): كذا لأبي ذر ولغيره \"باب جهل العرب\"، وهو أولى إذ لم يجر في حديث الباب لزمزم ذكر، وأما الإسماعيلي فجمع هذه الأحاديث في ترجمة واحدة وهو متجه، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٥٥٠).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١١/ ٢٧١).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (١/ ٢٧٧، ٢٧٨).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٦/ ٥٥١).","vol":"4","page":459},{"text":"(١٣ -<span data-type='title' id=toc-2313> باب من انتسب إلى آبائه)</span>\nقال العيني (^١): أي: بيان جواز انتساب من انتسب إلى آبائه الذين مضوا في الإسلام أو في الجاهلية، وكره بعضهم ذلك مطلقًا، ومحل الكراهة إنما كان إذا ذكره على طريق المفاخرة والمشاجرة، وقد روى الإمام أحمد وأبو يعلى في \"مسنديهما\" بإسناد حسن من حديث أبي ريحانة رفعه: \"من انتسب إلى تسعة آباء كفار يريد بهم عزًا أو كرامة، فهو عاشرهم في النار\"، انتهى. وكذا في \"الفتح\" (^٢).\n\n(١٤ -<span data-type='title' id=toc-2314> باب ابن أخت القوم ومولى القوم منهم)</span>\nوهكذا هذه الترجمة ها هنا في نسخة \"الفتح\"، وفي نسخة \"العيني\" و\"القسطلاني\" تقدم هذا الباب كما سبق في \"باب ذكر قحطان\" وفي نسختيهما ها هنا: \"باب قصة الحبش\" الآتي بعد هذا الباب.\nقال الحافظ (^٣): قوله: \"منهم\" أي: فيما يرجع إلى المناظرة والتعاون ونحو ذلك، وأما بالنسبة إلى الميراث ففيه نزاع، كما سيأتي بسطه في \"كتاب الفرائض\"، ولم يذكر المصنف حديث \"مولى القوم منهم\" مع ذكره في الترجمة، فزعم بعضهم أنه لم يقع له حديث على شرطه فأشار إليه، وفيه نظر؛ لأنه قد أورده في الفرائض من حديث أنس، ولفظه: \"مولى القوم من أنفسهم\" والمراد بالمولى ها هنا المعتق بفتح المثناة، أو الحليف، وأما المولى من أعلى فلا يراد ها هنا، ووقع في حديث أبي هريرة عند البزار مضمون الترجمة وزيادة عليها بلفظ: \"مولى القوم منهم، وحليف القوم منهم، وابن أخت القوم منهم\"، انتهى.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٤): وإثبات الجزء الثاني بالرواية مقايسة، انتهى.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١١/ ٢٧٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ٥٥١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٦/ ٥٥٢، ٥٥٣).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٨/ ١٠٨).","vol":"4","page":460},{"text":"وتقدم عن الحافظ أنه أشار به إلى ما سيأتي، وبه جزم العيني.\n\n(١٥ -<span data-type='title' id=toc-2315> باب قصة الحبش)</span>\nقال الحافظ (^١): والحبش هم الحبشة، يقال: إنهم من ولد حبش بن كوش بن حام بن نوح، وهم مجاورون لأهل اليمن يقطع بينهم البحر، وقد غلبوا على اليمن قبل الإسلام وملكوها، وغزا أبرهة من ملوكهم الكعبة ومعه الفيل، وقد ذكر ابن إسحاق قصته مطوَّلة، وأخرجها الحاكم ثم البيهقي من طريق قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن ابن عباس ملخصة، وإلى هذا القدر أشار المصنف بذكرهم في مقدمة السيرة النبوية، انتهى من \"الفتح\".\nوقال العيني (^٢): لم يذكر في الباب من قصة الحبشة إلا شيئًا نزرًا، وذكر ابن إسحاق قصتهم مطوَّلة، فمن أراد الوقوف عليها فليرجع إلى كتابه، انتهى.\nقوله: (يا بني أرفدة) هو بفتح الهمزة وسكون الراء وكسر الفاء، اسم لجد لهم وقيل: معنى الأرفدة الأمة، وقد تقدم شيء من ذلك في أبواب العيدين.\nثم قال الحافظ: وقد استدل قوم من الصوفية بحديث الباب على جواز الرقص وسماع آلات الملاهي، وطعن فيه الجمهور باختلاف المقصدين، فإن لعب الحبشة بحرابهم كان للتمرين على الحرب، فلا يحتج به للرقص في اللهو، والله أعلم، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\n\n(١٦ -<span data-type='title' id=toc-2316> باب من أحب أن لا يسب نسبه)</span>\nيسب بضم أوله، والمراد بالنسب الأصل، وبالسب الشتم، والمراد أن لا يشتم أهل نسبه، انتهى من \"الفتح\" (^٤).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٥٥٣).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١١/ ٢٧٨).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٦/ ٥٥٣).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٦/ ٥٥٣، ٥٥٤).","vol":"4","page":461},{"text":"ومطابقة الحديث للترجمة تؤخذ من قوله: \"فقال: كيف بنسبي\"؟ فإنه - ﷺ - لم يرد أن يهجى نسبه مع هجو الكفار، انتهى من \"العيني\" (^١).\n\n(١٧ -<span data-type='title' id=toc-2317> باب ما جاء في أسماء رسول الله - ﷺ -. . .) إلخ</span>\nقوله: (﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ. . .﴾) إلخ، ليست هذه الآية في نسخة \"الفتح\". قال القسطلاني (^٢): ثبتت هذه الآية ههنا في رواية أبي الوقت، انتهى.\nقوله - ﷿ -: (﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ. . .﴾) إلخ، قال الحافظ (^٣): كأنه يشير إلى أن هذين الاسمين أشهر أسمائه، وأشهرهما محمد - ﷺ -، وقد تكرر في القرآن، وأما أحمد فذكر فيه حكاية عن قول عيسى - ﵇ -، فأما محمد فمن باب التفعيل للمبالغة، وأما أحمد فمن باب التفضيل، وقيل: سمي أحمد؛ لأنه عَلَمٌ منقولٌ من صفة، وهي أفعل التفضيل، ومعناه: أحمد الحامدين، وسبب ذلك ما ثبت في الصحيح أنه يفتح عليه في المقام المحمود بمحامد لم يفتح بها على أحد قبله، وقيل: الأنبياء حمادون وهو أحمدهم، أي: أكثرهم حمدًا أو أعظمهم في صفة الحمد، وأما محمد فمنقول من صفة الحمد أيضًا، وهو بمعنى محمود، وفيه معنى المبالغة، وقد أخرج المصنف في \"التاريخ الصغير\" من طريق علي بن زيد قال: كان أبو طالب يقول:\nوَشَقَّ لَهُ مِن اسْمِهِ لِيُجِلَّهُ … فَذُو الْعَرْشِ مَحْمُودٌ وَهَذَا مُحَمَّدٌ\nوالمحمد الذي حمد مرة بعد مرة كالممدح، أو الذي تكاملت فيه الخصال المحمودة. قال عياض (^٤): كان رسول الله - ﷺ - أحمد قبل أن يكون محمدًا، كما وقع في الوجود؛ لأن تسميته أحمد وقعت في الكتب السالفة، وتسميته محمدًا وقعت في القرآن العظيم، وذلك أنه حمد ربه قبل أن يحمده\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١١/ ٢٧٩).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٨/ ٤١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٦/ ٥٥٥).\n(^٤) \"الشفا\" (١/ ٣٢٨).","vol":"4","page":462},{"text":"الناس، وكذلك في الآخرة يحمد ربه فيشفعه فيحمده الناس، وقد خص بسورة الحمد وبلواء الحمد وبالمقام المحمود، وشرع له الحمد بعد الأكل، وبعد الشرب، وبعد الدعاء، وبعد القدوم من السفر، وسميت أمته الحمَّادين، فجمعت له معاني الحمد وأنواعه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا كثيرًا، انتهى.\nقوله: (لي خمسة أسماء) قال القسطلاني (^١): فإن قيل: إن المقرر في علم المعاني أن تقديم الجار والمجرور يفيد الحصر، وقد وردت الرواية بأكثر من ذلك، حتى قال ابن العربي: إن له - ﷺ - ألف اسم، أجيب بأنه لم يرد الحصر فيها، فالظاهر أنه أراد أن لي خمسة أسماء أختص بها، أو خمسة أسماء مشهورة عند الأمم السابقة، انتهى.\nقال الحافظ (^٢): وقال عياض (^٣): حمى الله هذه الأسماء أن يسمى بها أحد قبله، وإنما تسمى بعض العرب محمدًا قرب ميلاده لما سمعوا من الكهان والأحبار أن نبيًّا سيبعث في ذلك الزمان يسمى محمّدًا، فرجوا أن يكونوا هم، فسموا أبناءهم بذلك، قال: وهم ستة لا سابع لهم، كذا قال، وقال السهيلي في \"الروض\": لا يعرف في العرب من تسمى محمدًا قبل النبي - ﷺ - إلا ثلاثة: محمد بن سفيان بن مجاشع، ومحمد بن أحيحة [بن الجلاح]، ومحمد بن حمران بن ربيعة، قال الحافظ: وهو حصر مردود، وقد جمعت أسماء من تسمى بذلك في جزء مفرد، فبلغوا نحو العشرين لكن مع تكرر في بعضهم، ووهم في بعض، فيتخلص منهم خمسة عشر نفسًا.\nوقال الحافظ (^٤) أيضًا بعد ذكر حديث الباب: قال ابن دحية في تصنيف له مفرد في الأسماء النبوية: قال بعضهم: أسماء النبي - ﷺ - عدد\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٨/ ٤١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ٥٥٦).\n(^٣) \"الشفا\" (١/ ٣٣٠).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٦/ ٥٥٨).","vol":"4","page":463},{"text":"أسماء الله الحسنى تسعة وتسعون اسمًا، قال: ولو بحث عنها باحث لبلغت ثلاثمائة اسم، وذكر في تصنيفه المذكور أماكنها من القرآن والأخبار، وضبط ألفاظها وشرح معانيها، وغالب الأسماء التي ذكرها وصف بها النبي - ﷺ -، ولم يرد الكثير منها على سبيل التسمية، مثل عدّه اللبنة - بفتح اللام وكسر الموحدة ثم النون - في أسمائه للحديث المذكور في الباب بعده في القصر الذي من ذهب وفضة إلا موضع لبنهَ قال: \"فكنت أنا اللبنة\"، ونقل ابن العربي في \"شرح الترمذي\" عن بعض الصوفية: أن لله ألف اسم ولرسوله ألف اسم.\n\n(١٨ -<span data-type='title' id=toc-2318> باب خاتم النبيين)</span>\nيعني: المراد بالخاتم في أسمائه أنه خاتم النبيين، ولمح بما وقع في القرآن، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوأما مطابقة الحديث الأول بالترجمة فما قال العيني (^٢): تؤخذ المطابقة من معناه؛ لأن في طريق من طرق الحديث عند الإسماعيلي: \"فأنا موضع اللبنة، جئت فختمت الأنبياء عليهم الصلاة والسلام\"، انتهى.\nوقال الحافظ (^٣) تحت الباب: أشار إلى ما أخرجه في \"التاريخ\" من حديث العرباض بن سارية رفعه: \"إني عبد الله وخاتم النبيين، وإن آدم لمنجدل في طينته\" الحديث، وأخرجه أيضًا أحمد وصححه ابن حبان والحاكم، انتهى.\n\n(١٩ -<span data-type='title' id=toc-2319> باب وفاة النبي - ﷺ </span>-)\nكذا في النسخ الهندية، وكذا في نسخة الشروح، ويشكل إيراده ها هنا فإنه سيأتي في محله.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٥٥٩).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١١/ ٢٨٤).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٦/ ٥٥٩).","vol":"4","page":464},{"text":"قال الحافظ (^١): كذا وقعت هذه الترجمة عند أبي ذر، وسقطت من رواية النسفي، ولم يذكرها الإسماعيلي، وفي ثبوتها هنا نظر؛ فإن محلها في آخر المغازي كما سيأتي، والذي يظهر أن المصنف قصد بإيراد حديث عائشة هنا بيان مقدار عمر النبي - ﷺ - فقط، لا خصوص زمن وفاته، وأورده في الأسماء إشارة إلى أن من جملة صفاته عند أهل الكتاب أن مدة عمره القدر الذي عاشه، وسيأتي نقل الخلاف في مقداره في آخر المغازي إن شاء الله، انتهى.\n\n(٢٠ -<span data-type='title' id=toc-2320> باب كنية النبي ﷺ تسليمًا كثيرًا كثيرًا)</span>\nقال الحافظ (^٢): الكنية بضم الكاف وسكون النون مأخوذة من الكناية، تقول: كنيت عن الأمر بكذا إذا ذكرته بغير ما يستدل به عليه صريحًا، وقد اشتهرت الكنى للعرب حتى ربما غلبت على الأسماء؛ كأبي طالب وأبي لهب، وقد يكون للواحد كنية واحدة فأكثر، وقد يشتهر باسمه وكنيته جميعًا، فالاسم والكنية واللقب يجمعها العلم بفتحتين، وتتغاير بأن اللقب ما أشعر بمدح أو ذم، والكنية ما صدرت بأب أو أم، وما عدا ذلك فهو اسم.\nوكان النبي - ﷺ - يكنى أبا القاسم بولده القاسم، وكان أكبر أولاده، واختلف هل مات قبل البعثة أو بعدها؟ وقد ولد له - ﷺ - إبراهيم في المدينة من مارية - ﵂ -، وفي حديث أنس: أن جبريل قال للنبي - ﷺ -: \"السلام عليك يا أبا إبراهيم\". وقد اختلف في جواز التكني بكنيته - ﷺ -؛ فالمشهور عن الشافعي المنع على ظاهر هذه الأحاديث، وقيل: يختص ذلك بزمانه، وقيل: بمن تسمى باسمه، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٥٥٩).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ٥٦٠).","vol":"4","page":465},{"text":"وسيأتي بسط ذلك وتوجيه هذه المذاهب في كتاب الأدب إن شاء الله تعالى.\n\n(٢١ -<span data-type='title' id=toc-2321> باب)</span>\nبغير ترجمة، قال الحافظ (^١): كذا للأكثر بغير ترجمة، وضمه بعضهم إلى الباب الذي قبله، ولا تظهر مناسبته له، ولا يصلح أن يكون فصلًا من الذي قبله، بل هو طرف من الحديث الذي بعده، ولعل هذا من تصرف الرواة، نعم وجهه بعض شيوخنا بأنه أشار إلى أن النبي - ﷺ - وإن كان ذا اسم وكنية لكن لا ينبغي أن ينادى بشيء منهما بل يقال له: يا رسول الله كما خاطبته خالة السائب لما أتت به إليه، ولا يخفى تكلفه، انتهى.\n\n(٢٢ -<span data-type='title' id=toc-2322> باب خاتم النبوَّة)</span>\nأي: صفته، وهو الذي كان بين كتفي النبي - ﷺ -، وكان من علاماته التي كان أهل الكتاب يعرفونه بها، وادعى عياض (^٢): أن الخاتم هو أثر شق الملكين لما بين كتفيه، وتعقبه النووي وقال: هذا باطل؛ لأن الشق إنما كان في صدره وبطنه، وكذا قال القرطبي (^٣): وأثره إنما كان خطًا واضحًا من صدره إلى مراق بطنه، كما في الصحيحين، قال: ولم يثبت قط أنه بلغ بالشق حتى نفذ من وراء ظهره، فهذه غفلة من هذا الإمام، ولعل ذلك وقع من بعض نساخ كتابه، فإنه لم يسمع عليه فيما علمت، كذا قال.\nقال الحافظ: وقد وقفت على مستند القاضي ثم ذكره، فارجع إليه (^٤). وقد بسط الحافظ في صفة الخاتم بما ورد فيه من الروايات وآراء العلماء.\nقوله: (الحجلة من حجل الفرس. . .) إلخ، أورد عليه الشرَّاح بأن التحجيل إنما يكون في القوائم، وأما الذي في الوجه هو الغرة، ووجهه\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٥٦١).\n(^٢) \"الإكمال\" (٧/ ٣١٤).\n(^٣) \"المفهم\" (٦/ ١٣٧).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٦/ ٥٦١).","vol":"4","page":466},{"text":"الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^١) إذ قال: المقصود منه بيان مادة الاشتقاق لا أن معناه في الرواية ذلك، فلا حاجة إلى التغليط، انتهى.\nوبسط في هامش \"اللامع\" من كلام الشرَّاح، وكذا ما في تقرير مولانا محمد حسن المكي، فارجع إليه لو اشتقت.\n\n(٢٣ -<span data-type='title' id=toc-2323> باب صفة النبي - ﷺ </span>-)\nأي: خلقه وخلقه، وأورد فيه أربعة وعشرين حديثًا، منها حديث أبي هريرة وفيه قوله: \"بعثت من خير قرون بني آدم قرنًا فقرنًا. . .\" إلخ، كتب مولانا محمد حسن المكي في تقريره: هذا بيان لشرافة نسبه - ﷺ -، يعني: أن القرون التي هي خير من قرون بني آدم أنا منها، والقرن: طبقة الناس، وقوله: \"قرنًا فقرنًا\" يعني: أنا خير طبقتي، وأبي خير طبقته، وجدي خير طبقته، وأب جدي خير طبقته، وهكذا حتى تنتهي إلى آدم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، انتهى.\nوالأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن هذا بيان لأفضلية طبقته - ﷺ -، والمعنى أنه - ﷺ - بعث في خير القرون باعتبار الابتداء، وكذا باعتبار الانتهاء، أما باعتبار الابتداء فلأجل هذا الحديث، فإن المعنى أن القرون الماضية تترقى إلى الخيرية قرنًا فقرنًا، فقد قالوا: إن زمن آدم كان زمن الصبا، وزمن نوح كان زمن الشباب، وزمن إبراهيم زمن الكهولة، وزمن نبينا صلوات الله وسلامه عليهم زمن المشيخة، وأما باعتبار الانتهاء فبمقتضى الحديث المعروف الآتي في باب فضائل أصحاب النبي - ﷺ -: \"خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم\" الحديث، فالغرض من حديث الباب (حديث أبي هريرة) بيان أفضلية طبقته باعتبار الابتداء، انتهى من هامش \"اللامع\" (^٢).\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٨/ ١٠٩).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٨/ ١١٢).","vol":"4","page":467},{"text":"(٢٤ -<span data-type='title' id=toc-2324> باب كان النبي - ﷺ - تنام عينه. . .) إلخ</span>\nوفي رواية الكشميهني: \"عيناه\" بدل \"عينه\".\nقوله: (وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم) قال الحافظ (^١): قد تقدم مثل هذا من قول عبيد بن عمير في أوائل الطهارة، ومثله لا يقال من قبل الرأي، وهو ظاهر في أن ذلك من خصائصه - ﷺ -، لكنه بالنسبة للأمة، وزعم القضاعي أنه مما اختص به عن الأنبياء أيضًا، وهذان الحديثان يردان عليه، انتهى.\nويظهر من كلام العيني (^٢) أنه جعل هذا الباب بغير ترجمة، فإنه قال بعد لفظ: \"باب\" أي: هذا باب، وهو كالفصل لما قبله، ثم ذكر قوله: \"كان النبي - ﷺ - تنام. . .\" إلخ، منفردًا عما قبله.\n\n(٢٥ -<span data-type='title' id=toc-2325> باب علامات النبوَّة في الإسلام)</span>\nأي: الواقعة \"في\" زمن \"الإسلام\" من حين البعث دون ما وقع منها قبل، وعبَّر بالعلامات لتشمل المعجزات التي هي خوارق عادات مع التحدي والكرامات، قاله القسطلاني (^٣).\nوقال الحافظ (^٤): جمع علامة، وعبَّر بها المصنف لكون ما يورده من ذلك أعمُّ من المعجزة والكرامة، والفرق بينهما أن المعجزة أخصّ؛ لأنه يشترط فيها أن يتحدى النبي - ﷺ - من يكذبه بأن يقول: إن فعلت كذلك أتصدق بأني صادق، أو يقول من يتحداه: لا أصدقك حتى تفعل كذا، ويشترط أن يكون المتحدي به مما يعجز عنه البشر في العادة المستمرة، وقد وقع النوعان للنبي - ﷺ - في عدة مواطن، والهاء فيها للمبالغة، أو هي صفة محذوف، وأشهر معجزات النبي - ﷺ - القرآن؛ لأنه - ﷺ - تحدى به العرب - وهم\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٥٧٩).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١١/ ٣٠٨).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (٨/ ٧١).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٦/ ٥٨١ - ٥٨٣).","vol":"4","page":468},{"text":"أفصح الناس لسانًا وأشدهم اقتدارًا على الكلام - بأن يأتوا بسورة مثله، فعجزوا مع شدة عداوتهم له وصدِّهم عنه، إلى آخر ما بسط في بيان إعجاز القرآن إلى أن قال: وأما ما عدا القرآن - من نبع الماء من بين أصابعه وتكثير الطعام وانشقاق القمر ونطق الجماد -، فمنه ما وقع التحدي به، ومنه ما وقع دالًا على صدقه من غير سبق تحد، ومجموع ذلك يفيد القطع بأنه ظهر على يده - ﷺ - من خوارق العادات شيء كثير، كما يقطع بوجود جود حاتم وشجاعة علي - ﷺ -، وإن كانت أفراد ذلك ظنية وردت مورد الآحاد مع أن كثيرًا من المعجزات النبوية قد اشتهر وانتشر، ورواه العدد الكثير والجم الغفير، وأفاد الكثير منه القطع عند أهل العلم بالآثار.\nوذكر النووي في \"مقدمة شرح مسلم\": أن معجزات النبي - ﷺ - تزيد على ألف ومائتين، وقال البيهقي في \"المدخل\": بلغت ألفًا، وقال الزاهدي من الحنفية: ظهر على يديه ألف معجزة، وقيل: ثلاثة آلاف، وقد اعتنى بجمعها جماعة من الأئمة؛ كأبي نعيم والبيهقي وغيرهما، انتهى من \"الفتح\" مختصرًا.\nقلت: وكذا بسطها السيوطي في \"الخصائص\" (^١)، والقسطلاني في \"المواهب\" (^٢). وكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): قوله: \"باب علامات النبوَّة\" يعني بها: معجزاته - ﷺ -، ويندرج فيه كرامات صحابته؛ لأن كرامة الولي تكون معجزة لنبيِّه، ويندرج فيه إخباره - ﷺ - عما سيقع، وعن علامات الساعة وعما يجري في عالم الغيب، انتهى.\nوفي هامشه: قال الحافظ (^٤): قوله: \"في الإسلام\" أي: من حين المبعث وهلم جرّا دون ما وقع قبل ذلك، وقد جمع ما وقع من ذلك قبل المبعث بل قبل المولد الحاكم في \"الإكليل\"، وأبو سعيد النيسابوري في\n_________\n(^١) \"الخصائص الكبرى\" (٢/ ١٨٦ - ١٨٧).\n(^٢) المواهب اللدنية (٢/ ٤٩٥ - ٥٧٧).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٨/ ١١٦، ١١٧).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٦/ ٥٨٣).","vol":"4","page":469},{"text":"\"شرف المصطفى\"، وأبو نعيم والبيهقي في \"دلائل النبوَّة\"، ثم بسط الحافظ في ذكر علامات النبوَّة الواردة عند مولده - ﷺ - وقبله وبعده، ومال العلَّامة الكشميري - ﵀ - كما في \"الفيض\" (^١) إلى أن المصنف بصدد بيان العلامات سواء كانت من جنس الإرهاصات، وهي ما تقع قبل النبوَّة، أو من جنس المعجزات، أي: ما يصدر بعد النبوَّة، وقال الحافظ: أورد المصنف في هذا الباب نحو خمسين حديثًا، انتهى.\nقوله: (كنا نعد الآيات بركة. . .) إلخ، كتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): بيان لفساد الزمان وانقلاب الأمر من الخير إلى الشر، يعني: أن الآيات في زمنه - ﷺ - كانت بركة وبشارات للمسلمين، وأما اليوم فلم يبق منها غير التهويل والتخويف؛ كالزلزلة وقحوط المطر وغيرهما، فذكر العدد وأراد ملزومه وهو الوجود، انتهى.\nقلت: وما أفاده الشيخ هو أجود بل أصح عندي مما قاله الشرَّاح، كما بسط في هامش \"اللامع\"، فارجع إليه لو شئت.\nأما مطابقة حديث عبد الرحمن بن أبي بكر في قصة أضيافه بالباب فقال العيني (^٣): قيل: لا مطابقة بينهما؛ لأن الترجمة في علامات النبوَّة والحديث في كرامة الصديق، وأجيب بأنه يجوز أن تظهر المعجزة على يد الغير، أو استفيد الإعجاز من آخره حيث قال: أكلوا منها أجمعون، انتهى.\nقلت: ومن المعروف أن كرامة الولي معجزة لنبيِّه كما تقدم قريبًا.\n\n(٢٦ -<span data-type='title' id=toc-2326> باب قول الله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ الآية [البقرة:</span> ١٤٦])\nقال الحافظ (^٤): وجه دخول هذه الترجمة في أبواب علامات النبوَّة\n_________\n(^١) \"فيض الباري\" (٤/ ٤٥٣).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٨/ ١١٨).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١١/ ٣١٩).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٦/ ٦٣١).","vol":"4","page":470},{"text":"من جهة أنه أشار في الحديث إلى حكم التوراة، وهو أمي لم يقرأ التوراة قبل ذلك، فكان الأمر كما أشار إليه، انتهى.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): دلالة الرواية على الترجمة من حيث إنهم كانوا قد تعاهدوا فيما بينهم أن يأتوا هذا النبي - ﷺ -، فإن أمرهم بالرجم أنكروه، وإن أمرهم بالجلد جلدوه، فإن سألهم الرب ﵎ يوم القيامة عن اكتفائهم بالجلد احتجوا بأنهم فعلوا ذلك بأمر رسوله ونبيِّه، وفيه دلالة على أنهم قد عرفوا ذلك، أي: كونه نبيًا، انتهى.\nقلت: ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه واضح، كما هو نص رواية أبي داود، وبه يظهر المطابقة بين الحديث والترجمة، وذكر القسطلاني أيضًا رواية أبي داود.\n\n(٢٧ -<span data-type='title' id=toc-2327> باب سؤال المشركين أن يريهم النبي - ﷺ - آية. . .) إلخ</span>\nذكر فيه حديث ابن مسعود وأنس وابن عباس في ذلك، وقد ورد انشقاق القمر أيضًا من حديث علي وحذيفة وجبير بن مطعم وابن عمر وغيرهم، فأما أنس وابن عباس فلم يحضرا ذلك؛ لأنه كان بمكة قبل الهجرة بنحو خمس سنين، وكان ابن عباس إذ ذاك لم يولد، وأما أنس فكان ابن أربع أو خمس بالمدينة، وأما غيرهما فيمكن أن يكون شاهد ذلك، وممن صرح برؤية ذلك ابن مسعود، وقد أورد المصنف حديثه هنا مختصرًا، وليس فيه التصريح بحضور ذلك، وأورده في التفسير بتمامه، ووقع في رواية لأبي نعيم في \"الدلائل\" عن ابن مسعود: \"فلقد رأيت أحد شقيه على الجبل الذي بمنى ونحن بمكة\"، انتهى (^٢).\nقال القسطلاني (^٣): قوله - أي: في الحديث -: \"اشهدوا\" وإنما قال\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٨/ ١٣٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ٦٣٢).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (٨/ ١٤٦، ١٤٧).","vol":"4","page":471},{"text":"ذلك؛ لأنها معجزة عظيمة لا يكاد يعد لها شيء من آيات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ومعجزة انشقاق القمر من أمهات المعجزات، وأجمع عليه المفسرون وأهل السُّنَّة، وروي عن جماعة كثيرة من الصحابة، انتهى.\nقلت: وترجم المصنف فيما سيأتي بعد \"<span data-type='title' id=toc-2328>باب </span>إسلام عمر - ﵁ -\" \"باب انشقاق القمر\"، ولا يتوهم التكرار بينهما، فإن المقصود ها هنا بيان كونه علامة وآية، فإن هذه الأبواب في علامات النبوَّة في الإسلام، وذكره فيما سيأتي لكونه من الوقائع المهمة.\n\n(٢٨ - باب)\nبغير ترجمة، كذا في الأصول بغير ترجمة، وكان من حقه أن يكون قبل البابين اللذين قبله؛ لأنه ملحق بعلامات النبوَّة، وهو كالفصل منها، لكن لما كان كل من البابين راجعًا إلى الذي قبله، وهو علامات النبوَّة سهل الأمر في ذلك، انتهى (^١).\nوتعقب عليه العيني (^٢) إذ قال: قلت: لا يحتاج إلى هذا الكلام ولا الاعتذار عنه؛ لأن البابين اللذين قبله من علامات النبوَّة أيضًا، وهذا الباب المجرد في نفس الأمر ملحق بما ألحق به البابان اللذان قبله، وقال أيضًا: وهذا الباب كالفصل لما قبله، وقال بعد ذكر الحديث: كرامة أحد من الصحابة وممن كان بعدهم من معجزات النبي - ﷺ - ويلحق بها، والحديث بعينه سندًا ومتنًا مر في باب مجرد بين أبواب المساجد، ومثل هذا هو المكرر حقيقة، وهو قليل، والرجلان في الحديث: أسيد بن حضير وعباد بن بشر، انتهى.\n* * *\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٦٣٣).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١١/ ٣٧٢، ٣٧٣).","vol":"4","page":472},{"text":"٦٢ -<span data-type='title' id=toc-2329> كتاب فضائل الصحابة</span>\n(١ -<span data-type='title' id=toc-2330> باب فضائل أصحاب النبي - ﷺ -. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^١): أي بطريق الإجمال ثم التفصيل. أما الإجمال فيشمل جميعهم، لكنه اقتصر فيه على شيء مما يوافق شرطه، وأما التفصيل فلمن ورد فيه شيء بخصوصه على شرطه، وسقط لفظ: \"باب\" من رواية أبي ذر وحده، انتهى.\nقلت: وللصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين فضيلة يشمل جميعهم ويعم كلهم، وهي أنهم - ﵃ - من خير القرون ابتداء وانتهاء، أما الأول فلحديث أبي هريرة: \"بعثت من خير قرون بني آدم قرنًا فقرنًا\" كما تقدم في \"باب صفة النبي - ﷺ -\" وأما باعتبار الانتهاء فلحديث: \"خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم\" الحديث، وتوضيح الكلام قد مرَّ منا في \"باب صفة النبي - ﷺ -\".\nثم إن العلماء قد ذكروا ترتيب الصحابة من حيث التفضيل مجملًا، فكتب مولانا محمد أحمد علي المحدث السهارنفوري في هامش البخاري (^٢): وفي \"شرح السُّنَّة\" (^٣): قال أبو منصور البغدادي: أصحابنا مجمعون على أن أفضلهم الخلفاء الأربعة على ترتيب الخلافة، ثم تمام العشرة، ثم أهل بدر، ثم أُحد، ثم بيعة الرضوان، ومن له مزية من أهل العقبتين من الأنصار، وكذلك السابقون الأولون، وهم من صلى [إلى] القبلتين، وقيل: أهل بيعة الرضوان، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٦٣٧).\n(^٢) \"صحيح البخاري بحاشية السهارنفوري\" (٧/ ٣٧٠).\n(^٣) انظر: \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٨/ ١٦٥).","vol":"4","page":473},{"text":"قوله: (ومن صحب النبي - ﷺ - أو رآه. . .) إلخ، يعني: أن اسم صحبة النبي - ﷺ - مستحق لمن صحبه أقلّ ما يطلق عليه اسم صحبة لغة، وإن كان العرف يخص ذلك ببعض الملازمة، ويطلق أيضًا على من رآه رؤية ولو على بعد، وهذا الذي ذكره البخاري هو الراجح، إلا أنه هل يشترط في الرائي أن يكون بحيث يميز ما رآه أو يكتفي بمجرد حصول الرؤية؟ محل نظر، وعمل من صنَّف في الصحابة يدل على الثاني، فإنهم ذكروا مثل محمد بن أبي بكر الصديق، وإنما ولد قبل وفاة النبيﷺ - بثلاثة أشهر وأيام، كما ثبت في الصحيح: أن أمه أسماء بنت عميس ولدته في حجة الوداع قبل أن يدخلوا مكة، ومع ذلك فأحاديث هذا الضرب مراسيل، والخلاف الجاري بين الجمهور وبين أبي إسحاق الإسفرايني ومن وافقه على رد المراسيل مطلقًا حتى مراسيل الصحابة لا يجري في أحاديث هؤلاء؛ لأن أحاديثهم لا من قبيل مراسيل كبار التابعين، ولا من قبيل مراسيل الصحابة الذين سمعوا من النبي - ﷺ -، وهذا مما يلغز به فيقال: صحابي حديثه مرسل لا يقبله من يقبل مراسيل الصحابة.\nومنهم من بالغ فكان لا يعد في الصحابة إلا من صحب الصحبة العرفية، كما جاء عن عاصم الأحول قال: رأى عبد الله بن سرجس رسول الله - ﷺ - غير أنه لم يكن له صحبة، أخرجه أحمد، وكذا روي عن سعيد بن المسيب: أنه كان لا يعد في الصحابة إلا من أقام مع النبي - ﷺ - سنة فصاعدًا، أو غزا معه غزوة فصاعدًا، والعمل على خلاف هذا القول؛ لأنهم اتفقوا على عد جمع جم في الصحابة لم يجتمعوا بالنبي - ﷺ - إلا في حجة الوداع، ومن اشترط الصحبة العرفية أخرج من له رؤية أو من اجتمع به لكن فارقه عن قرب، ومنهم من اشترط في ذلك أن يكون حين اجتماعه به بالغًا، وهو مردود أيضًا؛ لأنه يخرج مثل الحسن بن علي ونحوه من أحداث الصحابة، والذي جزم به البخاري هو قول أحمد والجمهور من المحدثين.","vol":"4","page":474},{"text":"وقول البخاري: \"من المسلمين\" قيد يخرج به من صحبه أو من رآه من الكفار، فأما من أسلم بعد موته منهم فإن كان قوله: \"من المسلمين\" حالًا خرج من هذه صفته وهو المعتمد، ويرد على التعريف من صحبه أو رآه مؤمنًا به ثم ارتد بعد ذلك ولم يعد إلى الإسلام فإنه ليس صحابيًا اتفاقًا، فينبغي أن يزاد فيه \"ومات على ذلك\"، مثل ربيعة ابن أمية بن خلف الجمحي، وقد وقع حديثه في \"مسند أحمد\"، وإخراج حديث مثل هذا مشكل، ولعل من أخرجه لم يقف على قصة ارتداده، فلو ارتد ثم عاد إلى الإسلام لكن لم يره ثانيًا بعد عوده فالصحيح أنه معدود في الصحابة لإطباق المحدثين على عدِّ الأشعث بن قيس ونحوه ممن وقع له ذلك.\nوهل يختص جميع ذلك ببني آدم أو يعم غيرهم من العقلاء؟ محل نظر، أما الجن فالراجح دخولهم؛ لأن النبي - ﷺ - بعث إليهم قطعًا، وهم مكلفون، فيهم العصاة والطائعون، فمن عرف اسمه منهم لا ينبغي التردد في ذكره في الصحابة، وإن كان ابن الأثير عاب ذلك على أبي موسى فلم يستند في ذلك إلى حجة.\nوأما الملائكة فيتوقف عدُّهم فيهم على ثبوت بعثته إليهم، فإن فيه خلافًا بين الأصوليين، حتى نقل بعضهم الإجماع على ثبوته، وعكس بعضهم، وهذا كله فيمن رآه، وهو في قيد الحياة الدنيوية، وأما من رآه بعد موته وقبل دفنه فالراجح أنه ليس بصحابي، وإلا لعد من اتفق أن يرى جسده المكرم وهو في قبره المعظم ولو في هذه الأعصار، وكذلك من كشف له عنه من الأولياء فرآه كذلك على طريق الكرامة، وكذلك المراد بهذه الرؤية من اتفقت له وهو يقظان، أما من رآه في المنام وإن كان قد رآه حقًّا فذلك مما يرجع إلى الأمور المعنوية لا الأحكام الدنيوية، فلا يعد صحابيًا، ولا يجب عليه أن يعمل بما أمره به في تلك الحالة، والله تعالى أعلم باختصار يسير (^١).\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (٧/ ٤، ٥).","vol":"4","page":475},{"text":"وهذه المسألة من مسائل الأصول، بسط الكلام عليه الحافظ في مبدء كتابه \"الإصابة\" (^١)، وابن عبد البر في \"الاستيعاب\" (^٢)، والسيوطي في \"التدريب\" (^٣).\nثم اعلم أن المصنف رحمه الله تعالى كما قال الحافظ (^٤): لم يراع الترتيب في أسماء من ذكر من الصحابة في أبواب المناقب، لا من حيث الأفضلية ولا من حيث السابقية ولا الأسنية، وهذه هي جهات التقديم في الترتيب، وهذا يدل على أنه كتب كل ترجمة على حدة فضم بعض النقلة بعضها إلى بعض.\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-2331> باب مناقب المهاجرين وفضلهم) ومنهم أبو بكر عبد الله بن أبي قحافة - ﵃ </span>-\nسقط لفظ \"باب\" من رواية أبي ذر، والمهاجرون هم الذين هاجروا من مكة إلى المدينة إلى الله تعالى، وقيل: المراد بالمهاجرين من عدا الأنصار ومن أسلم يوم الفتح وهلمَّ جرّا، فالصحابة من هذه الحيثية ثلاثة أصناف، والأنصار هم الأوس والخزرج وحلفاؤهم ومواليهم، انتهى من \"العيني\" (^٥). واقتصر الحافظ في \"الفتح\" (^٦) على القول الأخير، أي: المراد بهم من عدا الأنصار. . . إلخ.\nقوله: (منهم أبو بكر. . .) إلخ، هكذا جزم بأن اسم أبي بكر - ﵁ - عبد الله، وهو المشهور، ويقال: كان اسمه قبل الإسلام عبد الكعبة، وكان يسمى أيضًا عتيقًا، واختلف هل هو اسم له أصلي أو قيل له ذلك؟ لأنه ليس في نسبه ما يعاب به، أو لقدمه في الخير وسبقه إلى الإسلام، أو قيل له ذلك لحسنه، أو لأن أمه كان لا يعيش لها ولد،\n_________\n(^١) \"الإصابة\" (١/ ٧، ٨).\n(^٢) \"الاستيعاب\" (١/ ٢٤).\n(^٣) \"تدريب الراوي\" (٢/ ٦٦٧ - ٦٧٢).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٧/ ٩٣).\n(^٥) \"عمدة القاري\" (١١/ ٣٨٤).\n(^٦) \"فتح الباري\" (٧/ ٩).","vol":"4","page":476},{"text":"فلما ولد استقبلت به البيت فقالت: اللَّهم هذا عتيقك من الموت، أو لأن النبي - ﷺ - بشَّره بأن الله أعتقه من النار، وقد ورد في هذا الأخير حديث عن عائشة عند الترمذي، وآخر عن عبد الله بن الزبير عند البزار، وصححه ابن حبان وزاد فيه: \"وكان اسمه قبل ذلك عبد الله بن عثمان\"، وعثمان اسم أبي قحافة لم يختلف في ذلك، كما لم يختلف في كنيته الصديق، ولُقِّب الصديق لسبقه إلى تصديق النبي - ﷺ -، وقيل: كان ابتداء تسميته بذلك صبيحة الإسراء، وروى الطبراني من حديث علي \"أنه كان يحلف أن الله أنزل اسم أبي بكر من السماء الصديق\" رجاله ثقات.\nوأما نسبه فهو عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد ابن تيم ابن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب، يجتمع مع النبي - ﷺ - في مرة بن كعب، وعدد آبائهما إلى مرة سواء، وأم أبي بكر سلمى، وتكنى أم الخير بنت صخر بن مالك بن عامر بن عمرو المذكور، أسلمت وهاجرت، وذلك معدود من مناقبه؛ لأنه انتظم إسلام أبويه وجميع أولاده.\nقوله: (وقول الله - ﷿ -: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ الآية) ساقها الأصيلي وكريمة إلى قوله: ﴿هُمُ الصَّادِقُونَ﴾، وأشار المصنف بهذه الآية إلى ثبوت فضل المهاجرين لما اشتملت عليه من أوصافهم الجميلة وشهادة الله تعالى لهم بالصدق.\nقوله: (وقال الله تعالى: ﴿إلا تَنْصُرُوهُ﴾ الآية) أشار المصنف بها إلى ثبوت فضل الأنصار؛ فإنهم امتثلوا الأمر في نصره، وفي الآية أيضًا فضل أبي بكر الصديق؛ لأنه انفرد بهذه المنقبة حيث صاحب رسول الله - ﷺ - في تلك السفرة ووقاه بنفسه، انتهى كله من \"الفتح\" (^١).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٧/ ٩).","vol":"4","page":477},{"text":"(٣ -<span data-type='title' id=toc-2332> باب قول النبي - ﷺ -: \"سدوا الأبواب إلا باب أبي بكر. . .\") إلخ</span>\nقال الحافظ (^١): قوله: \"قاله ابن عباس. . .\" إلخ، وصله المصنف في الصلاة بلفظ: \"سدوا عني كل خوخة\" فكأنه ذكره بالمعنى، وقوله في الحديث: \"إلا باب أبي بكر\" قال الحافظ (^٢): هو استثناء مفرغ، والمعنى: لا تبقوا بابًا غير مسدود إلا باب أبي بكر فاتركوه بغير سد، قال الخطابي (^٣) وابن بطال (^٤) وغيرهما: في هذا الحديث اختصاص ظاهر لأبي بكر، وفيه إشارة قوية إلى استحقاقه للخلافة، ولا سيما وقد ثبت أن ذلك كان في آخر حياته - ﷺ - في الوقت الذي أمرهم فيه أن لا يؤمهم إلا أبو بكر، وقد ادعى بعضهم أن الباب كناية عن الخلافة، والأمر بالسد كناية عن طلبها، كأنه قال: لا يطلبن أحد الخلافة إلا أبا بكر، فإنه لا حرج عليه في طلبها، وإلى هذا جنح ابن حبان فقال - بعد أن أخرج هذا الحديث -: في هذا دليل على أنه الخليفة بعد النبي - ﷺ - إلى آخر ما قال، زاد الطبراني في آخر هذا الحديث بمعناه: \"فإني رأيت عليه نورًا\"، ثم ذكر الحافظ ههنا الكلام على الأحاديث التي يخالف ظاهرها حديث الباب الواردة في استثناء باب علي، فارجع إليه لو شئت.\n\n(٤ -<span data-type='title' id=toc-2333> باب فضل أبي بكر بعد النبي - ﷺ </span>-)\nأي: في رتبة الفضل، وليس المراد البعدية الزمانية؛ فإن فضل أبي بكر كان ثابتًا في حياته - ﷺ -، كما دلَّ عليه حديث الباب، انتهى من \"الفتح\" (^٥).\nوقال القسطلاني (^٦): وأما البعدية في الرتبة فيقال فيها: الأفضل بعد الأنبياء أبو بكر، وقد أطبق السلف على أنه أفضل الأمة، حكى الشافعي وغيره إجماع الصحابة والتابعين على ذلك، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٧/ ١٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٧/ ١٤).\n(^٣) \"الأعلام\" (١/ ٤٠٤، ٤٠٥).\n(^٤) \"شرح ابن بطال\" (٢/ ١١٥).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٧/ ١٦).\n(^٦) \"إرشاد الساري\" (٨/ ١٦٨).","vol":"4","page":478},{"text":"(٥ -<span data-type='title' id=toc-2334> باب قول النبي - ﷺ -: \"لو كنت متخذًا خليلًا. . .\") إلخ</span>\nقال الحافظ (^١): قوله: \"قاله أبو سعيد. . .\" إلخ، يشير إلى حديثه السابق قبل بباب، انتهى.\nقوله: (ولكن أخوة الإسلام أفضل. . .) إلخ، قال العلَّامة السندي (^٢): أي: الاكتفاء بأخوة الإسلام أفضل من ارتكاب اتخاذ غير الله خليلًا، فتركت الاتخاذ واكتفيت بالإخوة، انتهى.\n\n<span data-type='title' id=toc-2335>(باب)</span>\nبغير ترجمة، قال القسطلاني (^٣) تبعًا للعيني (^٤): هذا بغير ترجمة، فهو كالفصل من سابقه، وليس هذا الباب في نسخة \"الفتح\"، ولم يتعرض له أيضًا.\nقوله: (والله يغفر له ضعفه) كتب الشيخ في \"اللامع\" (^٥): أي: لا مؤاخذة عليه في ضعفه ذلك؛ لأنه ليس لصنعه، فهو مغفور له في ذلك، وليس المعنى أنه ذنب حتى يغفر، انتهى.\nوأفاد الشيخ قُدِّس سرُّه في \"الكوكب الدري\" (^٦): أما وجه الضعف فليس يرجع إلى نقص في فضل الصديق، بل السبب في ذلك ما كان في زمنه من تزلزل في الملك وارتداد في الإسلام، حتى إن أمثال عمر - ﵁ - - وكان علمًا في بأسه ونجدته - قد كان تخوَّف كما يظهر بالمراجعة إلى كتب السير، وبسط في هامش \"الكوكب\" في معنى قوله: \"والله يغفر له\".\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٧/ ٢٣).\n(^٢) \"صحيح البخاري بحاشية السندي\" (٢/ ٢٨٩).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (٨/ ١٧١).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١١/ ٣٩٤).\n(^٥) \"لامع الدراري\" (٨/ ١٤٦).\n(^٦) \"الكوكب الدري\" (٣/ ٢٠٦، ٢٠٧).","vol":"4","page":479},{"text":"والأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن هذا إشارة إلى نسبة اتحادية بالنبي - ﷺ -، كما تقدم البسط في النسب الأربعة في بدء الوحي - أي: في هامش \"اللامع\" - فإنه - ﷺ - لما أخبر بقرب أجله بقوله عزَّ اسمه: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر: ٣]، أخبر النبي - ﷺ - بقرب أجل صديقه بقوله: \"والله يغفر له\"، فكأنه إشارة إلى قرب وفاته بعد خلافته، ولهذا المعنى ذكره الإمام البخاري - ﵀ - هذا الحديث ههنا، فأي منقبة تكون أعظم من الاتحاد معه ﷺ تسليمًا كثيرًا كثيرًا، ولذلك عندي نظائر كثيرة من رأيه في قبول الفدية عن أسارى بدر وجوابه لعمر في الحديبية بعين ما أجاب به النبي - ﷺ -.\nفائدة: ذكرها الحافظ في \"الفتح\" (^١): مات أبو بكر - ﵁ - بمرض السل على ما قاله الزبير بن بكار، وعن الواقدي: أنه اغتسل في يوم بارد فحم خمسة عشر يومًا، وقيل: بل سمَّته اليهود في حريرة أو غيرها، وذلك على الصحيح لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة من الهجرة، فكانت مدة خلافته سنتين وثلاثة أشهر وأيامًا، وقيل غير ذلك، ولم يختلفوا أنه استكمل سنَّ النبي - ﷺ - فمات وهو ابن ثلاث وستين، والله أعلم، انتهى.\n\n(٦ -<span data-type='title' id=toc-2336> باب مناقب عمر بن الخطاب - ﵁ </span>-)\nهكذا في نسخ الشروح بإثبات لفظ: \"باب\"، قال القسطلاني (^٢): وسقط لفظ: \"باب\" لأبي ذر، انتهى.\nقلت: وكذا سقطت الأبواب الآتية في النسخ الهندية التي بأيدينا، قال الحافظ (^٣): سقطت الأبواب كلها من رواية أبي ذر، وأبقى التراجم بغير لفظ باب، وثبت ذلك في رواية الباقين، انتهى.\nأي: ابن نفيل - بنون وفاء مصغر - ابن عبد العزى بن رياح - بكسر\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٧/ ٤٠).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٨/ ١٩٤).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٧/ ٧٥).","vol":"4","page":480},{"text":"الراء بعدها تحتانية وآخره مهملة - ابن عبد الله بن قرط بن رزاح - بفتح الراء بعدها زاي وآخره مهملة - ابن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب، يجتمع مع النبي - ﷺ - في كعب، وعدد ما بينهما من الآباء إلى كعب متفاوت بواحد، بخلاف أبي بكر فبين النبي - ﷺ - وكعب سبعة آباء، وبين عمر وبين كعب ثمانية، وأم عمر حنتمة بنت هاشم بن المغيرة ابنة عم أبي جهل والحارث ابني هشام بن المغيرة، ووقع عند ابن منده أنها بنت هشام أخت أبي جهل، وهو تصحيف، نبَّه عليه ابن عبد البر.\nقوله: (أبي حفص. . .) إلخ، أما كنيته فجاء في \"السيرة\" لابن إسحاق: أن النبي - ﷺ - كنَّاه بها، وكانت حفصة أكبر أولاده، وأما لقبه فهو الفاروق باتفاق، فقيل: أول من لقبه به النبي - ﷺ -، رواه أبو جعفر بن أبي شيبة في \"تاريخه\" عن طريق ابن عباس عن عمر، ورواه ابن سعد من حديث عائشة، وقيل: أهل الكتاب، أخرجه ابن سعد عن الزهري، وقيل: جبرئيل، رواه البغوي، انتهى (^١).\nقوله: (فلما استأذن عمر قمن فبادرن الحجاب. . .) إلخ، قال العلَّامة السندي (^٢): لا يخفى أن المبادرة إلى الحجاب لازمة عند دخول الأجنبي، سواء كان عمر أو لا، فما وجه التعجب؟ فلعل هذه الواقعة كانت قبل آية الحجاب، لكن حينئذ يكفي القيام، ولا حاجة إلى الحجاب، فلعل فيهن من يجوز لهن الكشف عند عمر كحفصة مثلًا، فالتعجب بالنظر إلى قيامهن، أو يقال: لعل التعجب من إسراعهن قبل أن يعلمن أن النبي - ﷺ - يأذن له أم لا؟ وهذا أقرب، والله أعلم، انتهى.\nقلت: إن كانت الواقعة قبل الحجاب فإسراعهن إلى الحجاب لسترهن عن عمر خوفًا منه.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٧/ ٤٤).\n(^٢) \"صحيح البخاري بحاشية السندي\" (٢/ ٢٩٤).","vol":"4","page":481},{"text":"(٧ -<span data-type='title' id=toc-2337> باب مناقب عثمان بن عفان أبي عمرو القرشي - ﵁ </span>-)\nهو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، يجتمع مع النبي - ﷺ - في عبد مناف، وعدد ما بينهما من الآباء متفاوت، فالنبي - ﷺ - من حيث العدد في درجة عفان كما وقع لعمر سواء، وأما كنيته فهو الذي استقر عليه الأمر، وقد نقل عن الزهري: أنه كان يكنى أبا عبد الله بابنه عبد الله الذي رزقه من رقية بنت رسول الله - ﷺ -، ومات عبد الله المذكور صغيرًا وله ست سنين، وحكى ابن سعد أن موته كان سنة أربع من الهجرة، وماتت أمه رقية قبل ذلك سنة اثنتين، والنبي - ﷺ - في غزوة بدر، وكان بعض من ينتقصه يكنيه أبا ليلى يشير إلى لين جانبه، حكاه ابن قتيبة، وقد اشتهر أن لقبه ذو النورين، وروى خيثمة في \"الفضائل\" والدارقطني في \"الأفراد\" من حديث علي أنه ذكر عثمان فقال: \"ذاك امرؤ يدعى في السماء ذا النورين\" (^١).\nوقال الحافظ (^٢) أيضًا في شرح حديث ابن عمر: \"كنا في زمن النبي - ﷺ - لا نعدل بأبي بكر أحدًا، ثم عمر، ثم عثمان، ثم نترك أصحاب النبي - ﷺ - لا نفاضل بينهم\"، قال الخطابي (^٣): إنما لم يذكر ابن عمر عليًّا؛ لأنه أراد الشيوخ وذوي الأسنان الذين كان رسول الله - ﷺ - إذا حزبه أمر شاورهم، وكان علي في زمانه - ﷺ - حديث السن، قال: ولم يرد ابن عمر الازدراء به ولا تأخيره عن الفضيلة بعد عثمان، انتهى.\nوما اعتذر به من جهة السن بعيد لا أثر له في التفضيل المذكور، وقد اتفق العلماء على تأويل كلام ابن عمر هذا لما تقرر عند أهل السُّنَّة قاطبة من تقديم علي بعد عثمان، ومن تقديم بقية العشرة المبشرة على غيرهم،\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٧/ ٥٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٧/ ٥٨).\n(^٣) \"معالم السنن\" (٤/ ٢٧٩).","vol":"4","page":482},{"text":"ومن تقديم أهل بدر على من لم يشهدها وغير ذلك، فالظاهر أن ابن عمر إنما أراد بهذا النفي أنهم كانوا يجتهدون في التفضيل فيظهر لهم فضائل الثلاثة ظهورًا بينًا فيجزمون به، ولم يكونوا حينئذ اطلعوا على التنصيص، إلى آخر ما بسطه الحافظ.\nوقال القسطلاني عن الكرماني (^١): وإلى القول بتفضيل عثمان ذهب الشافعي وأحمد، كما رواه البيهقي عنهما، وحكاه الشافعي عن إجماع الصحابة والتابعين، وهو المشهور عن مالك وكافة أئمة الحديث والفقه وكثير من المتكلمين، وإليه ذهب أبو الحسن الأشعري والقاضي أبو بكر الباقلاني، لكنهما اختلفا في التفضيل أهو قطعي أم ظني؟ فالذي مال إليه الأشعري الأول، وإلى الثاني مال الباقلاني، واختاره إمام الحرمين في \"الإرشاد\"، انتهى.\n\n(٨ -<span data-type='title' id=toc-2338> باب قصة البيعة والاتفاق على عثمان بن عفان. . .) إلخ</span>\nقال القسطلاني (^٢): ولفظ: \"باب\" ثابت لأبي ذر وساقط لغيره، فالقصة والاتفاق رفع، وسقط الباب والترجمة للكشميهني والمستملي، انتهى.\nقال العلَّامة العيني (^٣) بعد ذكر حديث الباب: مطابقته للترجمة ظاهرة؛ لأن الحديث يشتمل على جميع ما في الترجمة، انتهى.\nقوله: (وتناول عمر يد عبد الرحمن. . .) إلخ، كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٤): الظاهر أنه أتم تلك الصلاة ولم يستأنفها، ويرد عليه تكلم عمر قبل التقديم والاستخلاف، والجواب أنه من تصرف الرواة، أو كان\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٨/ ٢١٥)، \"شرح الكرماني\" (١٤/ ٢٣٢، ٢٣٣).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٨/ ٢١٧، ٢١٨).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١١/ ٤٣٥).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٨/ ١٧٠ - ١٧٢).","vol":"4","page":483},{"text":"استخلافه إياه قبل أن يقول مقالته، ولا يمكن الجواب أنه استأنف بهم الصلاة، ولم يبن عليها إذ يلزم عليه فساد صلاة المأمومين حيث لم يستأنفوا صلاتهم، وبقوا على التحريمة الأولى، انتهى.\nقلت: لله در الشيخ قُدِّس سرُّه ما أدق نظره فقهًا وحفظًا للفروع، ولم يتعرض لهذه المسألة في هذا الحديث أحد من الشرَّاح، والمسألة خلافية عندنا الحنفية أيضًا، كما بسطت في هامش \"اللامع\"، فارجع إليه.\nقوله: (ما أجد أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر. . .) إلخ، كتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): إنما جعل الخلافة شورى بينهم مع علمه بترتيب الخلافة، وأن الخليفة بعده عثمان - ﵁ - لا غير اقتداءً بالنبي - ﷺ - في عدم تصريحه بالخليفة بعده، دافعًا للتهمة عن نفسه، وتوقيًا عن مؤاخذة الرب ﵎، واعتراض الخليقة لو أتى الخليفة بعده بأمور هي منكرة شرعًا، انتهى.\nقوله: (ارفع يدك يا عثمان فبايعه) كتب الشيخ (^٢): وكان من الأسباب المرجحة لعثمان أن عبد الرحمن حين سأل عثمان - ﵁ -: بم يعمل بعد الكتاب والسُّنَّة؟ قال: بسيرة الشيخين، وإذا سأل عليًّا: بم يعمل بعد الكتاب والسُّنَّة؟ أجاب: إني أجتهد برأيي، وإنما كان ابن عوف تكلم بكل منهما ما تكلم في خلوة عن صاحبه لئلا يعلم كل منهما ماذا قال لصاحبه وما أجابه هو، وأيضًا فإن عثمان - ﵁ - كان أشدهما كراهية للخلافة إذ ذاك، وكان علي كرم الله وجهه يرغب فيها رغبة ما، فإذا وصلت النوبة إلى علي كان علي أشد الناس كراهية لها، وقد قال النبي - ﷺ -: \"تجدون من أشد الناس كراهية لهذا الشأن حتى يقع فيه\"، انتهى.\nوبسط في هامشه الكلام في تأييد كلام الشيخ قُدِّس سرُّه.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٨/ ١٧٤، ١٧٥).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٨/ ١٧٦ - ١٧٩).","vol":"4","page":484},{"text":"(٩ -<span data-type='title' id=toc-2339> باب مناقب علي بن أبي طالب كرم الله وجهه)</span>\nقال الحافظ (^١): هو ابن عم رسول الله - ﷺ - شقيق أبيه، واسمه عبد مناف على الصحيح، ولد قبل البعثة بعشر سنين على الراجح، وكان قد ربَّاه النبي - ﷺ - من صغره لقصة مذكورة في السيرة النبوية، فلازمه من صغره، فلم يفارقه إلى أن مات، وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم، وكانت ابنة عمة أبيه، وهي أول هاشمية ولدت لهاشمي، وقد أسلمت وصحبت وماتت في حياة النبي - ﷺ -.\nقال أحمد وإسماعيل القاضي والنسائي وأبو علي النيسابوري: لم يرد في حق أحد من الصحابة بالأسانيد الجياد أكثر مما جاء في علي، وكأن السبب في ذلك أنه تأخر، ووقع الاختلاف في زمانه، وخروج من خرج عليه، فكان ذلك سببًا لانتشار مناقبه من كثرة من كان بينها من الصحابة ردًّا على من خالفه، فكان الناس طائفتين، لكن المبتدعة قليلة جدًا، ثم كان من أمر علي ما كان فنجمت طائفة أخرى حاربوه، ثم اشتد الخطب فتنقصوه واتخذوا لعنه على المنابر سُنَّة، ووافقهم الخوارج على بغضه، وزادوا حتى كفَّروه مضمومًا ذلك منهم إلى عثمان، فصار الناس في حق علي ثلاثة: أهل السُّنَّة، والمبتدعة من الخوارج، والمحاربين له من بني أمية وأتباعهم، فاحتاج أهل السُّنَّة إلى بثِّ فضائله، فكثر الناقل لذلك لكثرة من يخالف ذلك، وإلا فالذي في نفس الأمر أن لكل من الأربعة من الفضائل إذا حرر بميزان العدل لا يخرج عن قول أهل السُّنَّة والجماعة أصلًا، وروى يعقوب بن سفيان بإسناد صحيح عن عروة قال: أسلم علي وهو ابن ثمان سنين، وقال ابن إسحاق: عشر سنين، وهذا أرجحها، وقيل غير ذلك، انتهى.\nوقال الحافظ (^٢) أيضًا: وقد أخرج المصنف من مناقب علي أشياء في\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٧/ ٧١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٧/ ٧٤).","vol":"4","page":485},{"text":"غير هذا الموضع، منها حديث عمر: \"علي أقضانا\"، وسيأتي في تفسير البقرة، ومنها حديث \"قتاله البغاة\"، ومنها حديث \"قتاله الخوارج\"، وقد تقدم من حديث أبي سعيد في علامات النبوَّة، وغير ذلك مما يعرف بالتتبع، وأوعب من جمع مناقبه من الأحاديث الجياد النسائي في \"كتاب الخصائص\"، وأما حديث \"من كنت مولاه فعلي مولاه\" فقد أخرجه الترمذي والنسائي، وهو كثير الطرق جدًا، وقد استوعبها ابن عقدة في كتاب مفرد، وكثير من أسانيدها صحاح وحسان، وقد روينا عن الإمام أحمد قال: ما بلغنا عن أحد من الصحابة ما بلغنا عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، انتهى.\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^١): ومن لطائف قدرته ﵎ أن الخلافة ترتبت على بعد النسب من النبي - ﷺ -، فأقربهم نسبًا أبعدهم في الترتيب، وبالعكس، وكذلك فيما بينهما، انتهى.\nوفي هامشه: ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه ظاهر لا سيما في عليّ كرم الله تعالى وجهه، فإنه أقربهم نسبًا إلى رسول الله - ﷺ - ابن عمه، ثم بعد ذلك أقربهم عثمان - ﵁ -، إلا أن عمر - ﵁ - أبعد نسبًا من الصديق الأكبر، كما يظهر من أنسابهم، ثم ذكرت في هامش \"اللامع\" صورة أنسابهم بطريق الجدول مع التوضيح البالغ، فارجع إليه لو اشتقت.\n\n(١٠ -<span data-type='title' id=toc-2340> باب مناقب جعفر بن أبي طالب الهاشمي. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٢): سقطت الأبواب كلها من رواية أبي ذر، وأبقى التراجم بغير لفظ: \"باب\"، وثبت ذلك في رواية الباقين، وجعفر هو أخو علي شقيقه، وكان أسن منه بعشر سنين، واستشهد بمؤتة كما سيأتي في المغازي، وقد جاوز الأربعين.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٨/ ١٨٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٧/ ٧٥).","vol":"4","page":486},{"text":"قوله: (وقال له النبي - ﷺ -. . .) إلخ، هو من حديث البراء الذي ذكره في أول مناقب علي، وسيأتي بتمامه في عمرة الحديبية، انتهى.\nوكنية جعفر أبو عبد الله، أسلم قديمًا، وهاجر الهجرتين، ويقال له: عبد الله الطيار ذو الجناحين وذو الهجرتين الشجاع الجواد، هاجر الحبشة، وكان هو سبب إسلام النجاشي، أمَّره رسول الله - ﷺعلى جيش غزوة مؤتة، ولما قطعت يده في غزوة مؤتة جعل الله تعالى جناحين يطير بهما في الجنة مع الملائكة رضي الله تعالى عنه وأرضاه، انتهى ملخصًا من \"العيني\" و\"القسطلاني\" (^١).\n\n(١١ -<span data-type='title' id=toc-2341> باب ذكر عباس بن عبد المطلب)</span>\nذكر فيه حديث أنس: \"إن عمر كانوا إذا قحطوا استسقى بالعباس\"، وهذه الترجمة وحديثها سقطا من رواية أبي ذر والنسفي، وقد تقدم الحديث المذكور في الاستسقاء، وكان العباس - ﵁ - أسنّ من النبي - ﷺ - بسنتين أو بثلاث، وكان إسلامه على المشهور قبل فتح مكة، وقيل: قبل ذلك، وليس ببعيد، وكان ممن أُسر يوم بدر، وفدى نفسه وعقيلًا ابن أخيه أبي طالب كما سيأتي، ولأجل أنه لم يهاجر قبل الفتح لم يدخله عمر في أهل الشورى مع معرفته بفضله واستسقائه به، وسيأتي حديث عائشة في إجلال النبي - ﷺ - عمه العباس في آخر المغازي في الوفاة النبوية، وكنية العباس أبو الفضل، ومات العباس في خلافة عثمان سنة اثنتين وثلاثين، وله بضع وثمانون سنة، انتهى (^٢).\nوقال القسطلاني (^٣): وكان العباس جميلًا وسيمًا أبيض، له ضفيرتان معتدلًا، وقيل: طوالًا، وكان فيما رواه ابن أبي حاتم مرفوعًا: \"أجود قريش كفًا وأوصلها رحمًا\"، وزاد أبو عمرو: \"كان ذا رأي حسن ودعوة مرجوة\"،\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١١/ ٤٤٨)، \"إرشاد الساري\" (٨/ ٢٢٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٧/ ٧٧).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (٨/ ٢٣٦).","vol":"4","page":487},{"text":"وقد قيل: إنه أسلم قديمًا، وكان يكتم إسلامه وأظهره يوم الفتح، وتوفي في خلافة عثمان قبل مقتله بسنتين بالمدينة يوم الجمعة لاثنتي عشرة خلت من رجب أو من رمضان سنة اثنتين وثلاثين، وهو ابن ثمان وثمانين سنة، وصلى عليه عثمان رضي الله تعالى عنه ودفن بالبقيع رضي الله تعالى عنه وأرضاه.\n\n(١٢ -<span data-type='title' id=toc-2342> باب مناقب قرابة رسول الله - ﷺ </span>-)\nقال الحافظ (^١): زاد غير أبي ذر في هذا الموضع: \"ومنقبة فاطمة بنت النبي - ﷺ -\"، وقال النبي - ﷺ -: \"فاطمة سيدة نساء أهل الجنة\"، وهذا الحديث سيأتي موصولًا في باب مفرد ترجمته \"منقبة فاطمة\"، وهو يقتضي أن يكون ما اعتمده أبو ذر أولى، انتهى.\nقلت: وهذه الزيادة موجودة في نسخة \"العيني\" و\"القسطلاني\".\nقوله: (قرابة النبي - ﷺ -) يريد بذلك من ينسب إلى جده الأقرب، وهو عبد المطلب ممن صحب النبي - ﷺ - منهم، أو من رآه من ذكر أو أنثى، وهم علي وأولاده: الحسن والحسين ومحسن وأم كلثوم من فاطمة - ﵂ -، وجعفر وأولاده: عبد الله وعون ومحمد، ويقال: إنه كان لجعفر بن أبي طالب ابن اسمه أحمد، وعقيل بن أبي طالب وولده مسلم بن عقيل، وحمزة بن عبد المطلب وأولاده: يعلى وعمارة وأمامة، والعباس بن عبد المطلب وأولاده الذكور عشرة وهم: الفضل وعبد الله وقثم وعبيد الله والحارث ومعبد وعبد الرحمن وكثير وعون وتمام، وفيه يقول العباس:\nتموا بتمام فصاروا عشره … يا رب فاجعلهم كرامًا بررة\nويقال: إن لكل منهم رواية، وكان له من الإناث أم حبيب وآمنة\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٧/ ٧٨).","vol":"4","page":488},{"text":"وصفية، وأكثرهم من لبابة أم الفضل، ومعتب بن أبي لهب، والعباس بن عتبة بن أبي لهب، وكان زوج آمنة بنت العباس، وعبد الله بن الزبير بن عبد المطلب وأخته ضباعة، وكانت زوج المقداد بن الأسود، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وابنه جعفر ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب وابناه المغيرة والحارث، ولعبد الله بن الحارث هذا رواية، وكان يلقب بـ \"ببّه\" بموحدتين الثانية ثقيلة، وأميمة وأروى وعاتكة وصفية بنات عبد المطلب، أسلمت صفية وصحبت، وفي الباقيات خلاف، والله تعالى أعلم، ثم ذكر المصنف حديث عائشة، والمراد منه هنا قول أبي بكر: \"لقرابة رسول الله - ﷺ - أحبّ إليّ أن أصل من قرابتي\"، انتهى كله من \"الفتح\".\n\n(١٣ -<span data-type='title' id=toc-2343> باب مناقب الزبير بن العوام. . .) إلخ</span>\nأي: ابن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي، يجتمع مع النبي - ﷺ - في قصي، وعدد ما بينهما من الآباء سواء، وأمه صفية بنت عبد المطلب عمة النبي - ﷺ -، وكان يكنى أبا عبد الله، وروى الحاكم بإسناد صحيح عن عروة قال: أسلم الزبير وهو ابن ثمان سنين، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(١٤ -<span data-type='title' id=toc-2344> ذكر طلحة بن عبيد الله. . .) إلخ</span>\nوهكذا في نسخة \"الفتح\"، وفي نسخة \"القسطلاني\": \"باب ذكر طلحة\"، وفي نسخة \"العيني\": \"باب مناقب طلحة\"، وقال في \"شرحه\" (^٢): وفي بعض النسخ: \"باب ذكر طلحة. . .\" إلخ وفي رواية أبي ذر: \"مناقب طلحة\" بدون لفظ باب، انتهى.\nقال الحافظ (^٣): هو طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٧/ ٨٠).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١١/ ٤٥٨).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٧/ ٨٢).","vol":"4","page":489},{"text":"ابن تيم بن مرة بن كعب، يجتمع مع النبي - ﷺ - في مرة بن كعب، ومع أبي بكر الصديق في تيم بن مرة، وعدد ما بينهم من الآباء سواء، يكنى أبا محمد، وأمه الصعبة بنت الحضرمي أخت العلاء، أسلمت وهاجرت وعاشت بعد أبيها قليلًا، وقتل طلحة يوم الجمل سنة ست وثلاثين، رمي بسهم، جاء من طرق كثيرة: أن مروان بن الحكم رماه فأصاب ركبته، فلم يزل ينزف الدم منها حتى مات، وكان يومئذ أول قتيل، واختلف في سنه على أقوال أكثرها أنه خمس وسبعون، وأقلها ثمان وخمسون، وانتهى.\n\n(١٥ -<span data-type='title' id=toc-2345> باب مناقب سعد بن أبي وقاص الزهري)</span>\nأي: أحد العشرة، يكنى أبا إسحاق، قوله: وهو سعد بن مالك أي: اسم أبي وقاص مالك بن وهيب - ويقال: أهيب - بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة، يجتمع مع النبي - ﷺ - في كلاب بن مرة، وعدد ما بينهما من الآباء متقارب، وأمه حمنة بنت سفيان بن أمية بن عبد شمس، لم تسلم، مات بالعقيق سنة خمس وخمسين، وقيل بعد ذلك إلى ثمانية وخمسين، وعاش نحوًا من ثمانين سنة، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nقال العيني (^٢): وكان يقال له: فارس الإسلام، وهو أول من رمى بسهم في الإسلام، وكان مجاب الدعوة، وكان سابع سبعة في الإسلام، وهو الذي كوَّف الكوفة، ونفى الأعاجم، وفتح الله على يديه أكثر فارس، ومات في قصره بالعقيق على عشرة أميال من المدينة، وحمل على رقاب الناس إلى المدينة، ودفن بالبقيع، وصلى عليه مروان بن الحكم، وهو آخر العشرة وفاة في سنة خمس وخمسين، وهو المشهور، وعمره يوم مات ثلاث وثمانون، وقيل: ثلاث وسبعون، انتهى، ويأتي باب مستقل في إسلامه.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٧/ ٨٣، ٨٤).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١١/ ٤٥٩، ٤٦٠).","vol":"4","page":490},{"text":"(١٦ -<span data-type='title' id=toc-2346> باب ذكر أصهار النبي - ﷺ -. . .) إلخ</span>\nأي: الذين تزوجوا إليه - وليس المراد من تزوج النبي - ﷺ - إليه كما سيأتي -، والصهر يطلق على جميع أقارب المرأة والرجل، ومنهم من يخصّه بأقارب المرأة.\nقوله: (منهم أبو العاص بن الربيع) أي: ابن ربيعة بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف، ويقال بإسقاط ربيعة، وهو مشهور بكنيته، واختلف في اسمه على أقوال أثبتها عند الزبير مقسم، وأمه هالة بنت خويلد أخت خديجة، فكان ابن أختها، وأصل المصاهرة المقاربة، وقال الراغب: الصهر: الختن، وأهل بيت المرأة يقال لهم: الأصهار.\nقال الحافظ (^١): وكأنه لمح بالترجمة إلى ما جاء عن عبد الله بن أبي أوفى رفعه: \"سألت ربي أن لا أتزوج أحدًا من أمتي ولا أتزوج إليه إلا كان معي في الجنة، فأعطاني\" أخرجه الحاكم في مناقب علي.\nقال النووي: الصهر يطلق على أقارب الزوجين، وعلى هذا عمل البخاري، فإن أبا العاص بن الربيع ليس من أقارب نساء النبي - ﷺ - إلا من جهة كونه ابن أخت خديجة، وليس المراد هنا نسبته إليها بل إلى تزوجه بابنتها، وتزوج زينب بنت رسول الله - ﷺ - قبل البعثة، وهي أكبر بنات النبي - ﷺ -، وقد أسر أبو العاص ببدر مع المشركين، وفدته زينب، فشرط عليه النبي - ﷺ - أن يرسلها إليه، فوفى له بذلك، فهذا معنى قوله في آخر الحديث: \"ووعدني فوفى لي\"، ثم أُسر أبو العاص مرة أخرى فأجارته زينب، فأسلم، فردَّها النبي - ﷺ - إلى نكاحه، وولدت أمامة التي كان النبي - ﷺ - يحملها وهو يصلي، كما تقدم في الصلاة، وولدت له أيضًا ابنًا اسمه علي، كان في زمن النبي - ﷺ - مراهقًا، فيقال: إنه مات قبل وفاة النبي - ﷺ -.\nوأما أبو العاص فمات سنة اثنتي عشرة، وأشار المصنف بقوله:\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٧/ ٨٥، ٨٦).","vol":"4","page":491},{"text":"\"منهم\" إلى من لم يذكره ممن تزوج إلى النبي - ﷺ - كعثمان وعلي، وقد تقدمت ترجمة كل منهما، ولم يتزوج أحد من بنات النبي - ﷺ - غير هؤلاء الثلاثة؛ إلا ابن أبي لهب فإنه كان تزوج رقية قبل عثمان ولم يدخل بها، فأمره أبوه بمفارقتها ففارقها، فتزوجها عثمان، وأما من تزوج النبي - ﷺ - إليه، فلم يقصده البخاري بالذكر هنا، والله أعلم، انتهى من \"الفتح\".\n\n(١٧ -<span data-type='title' id=toc-2347> باب مناقب زيد بن حارثة. . .) إلخ</span>\nوهو من بني كلب، أُسر في الجاهلية فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة، فاستوهبه النبي - ﷺ - منها، ذكر قصته محمد بن إسحاق في \"السيرة\"، وأن أباه وعمه أتيا مكة فوجداه، فطلبا أن يفدياه، فخيَّره النبي - ﷺ - بين أن يدفعه إليهما أو يثبت عنده، فاختار أن يبقى عنده، وقد أخرج ابن منده في \"معرفة الصحابة\" بإسناد مستغرب: أن حارثة أسلم يومئذ، واستشهد زيد بن حارثة في غزوة مؤتة، ومات أسامة بن زيد بالمدينة أو بوادي القرى سنة أربع وخمسين، وقيل: قبل ذلك، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(١٨ -<span data-type='title' id=toc-2348> باب ذكر أسامة بن زيد)</span>\nذكر فيه حديث المخزومية التي سرقت، والغرض منه قوله: \"ومن يجترئ أن يكلمه إلا أسامة بن زيد حب رسول الله - ﷺ -\" وكانوا يسمون أسامة حب رسول الله - ﷺ - بكسر المهملة أي: محبوبه - لما يعرفون من منزلته عنده؛ لأنه كان يحب أباه قبله حتى تبناه، فكان يقال له: زيد بن محمد، وأمه أم أيمن حاضنة رسول الله - ﷺ -، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\n\n(١٩ -<span data-type='title' id=toc-2349> باب مناقب عبد الله بن عمر)</span>\nوهو أحد العبادلة وفقهاء الصحابة والمكثرين منهم، وأمه زينب - ويقال: رائطة - بنت مظعون أخت عثمان وقدامة ابني مظعون، للجميع\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٧/ ٨٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٧/ ٨٨).","vol":"4","page":492},{"text":"صحبة، وكان مولده في السنة الثانية أو الثالثة من المبعث؛ لأنه ثبت أنه كان يوم بدر ابن ثلاث عشرة سنة، وكانت بدر بعد البعثة بخمس عشرة سنة، وكانت وفاته بسبب من دسَّه عليه الحجاج، فمسَّ رجله بحربة مسمومة، فمرض بها إلى أن مات ﵁ وأرضاه أوائل سنة أربع وسبعين، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوقال الحافظ في ترجمته في \"الإصابة\" (^٢): وعند ابن سعد عن نافع قال: كانت لابن عمر جارية معجبة فاشتد عجبه بها، فأعتقها وزوَّجها مولى له، فأتت منه بولد، فكان ابن عمر يأخذ الصبي فيقبله، ثم يقول: واهًا لريح فلانة. قال البخاري في \"التاريخ\": حدثني الأويسي حدثني مالك: أن ابن عمر بلغ سبعًا وثمانين سنة، وقال غير مالك: عاش أربعًا وثمانين، والأول أثبت، وقال ضمرة بن ربيعة في \"تاريخه\": مات سنة اثنتين أو ثلاثًا وسبعين، وجزم مرّة بثلاث، وكذا أبو نعيم ويحيى بن بكير والجمهور، وزاد بعضهم: في ذي الحجة، وقال الفلاس مرة: سنة أربع، وبه جزم خليفة وسعيد بن جبير وابن زبير، انتهى.\n\n(٢٠ -<span data-type='title' id=toc-2350> باب مناقب عمّار وحذيفة)</span>\nأما عمَّار فهو ابن ياسر، يكنى أبا اليقظان العنسي بالنون، وأمه سمية بالمهملة مصغرًا، أسلم هو وأبوه قديمًا، وعذبوا لأجل الإسلام، وقتل أبو جهل أمه، فكانت أول شهيد في الإسلام، ومات أبوه قديمًا، وعاش هو إلى أن قتل بصفين مع علي ﵁ وعنهم أجمعين، وكان قد ولي شيئًا من أمور الكوفة لعمر، فلهذا نسبه أبو الدرداء إليها.\nوأما حذيفة فهو ابن اليمان بن جابر بن عمرو العبسي بالموحدة حليف بني عبد الأشهل من الأنصار، وأسلم هو وأبوه اليمان كما سيأتي، وولي\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٧/ ٩٠).\n(^٢) \"الإصابة\" (٢/ ٣٤٩).","vol":"4","page":493},{"text":"حذيفة بعض أمور الكوفة لعمر، وولي إمرة المدائن، ومات بعد قتل عثمان بيسير بها، وكان عمار من السابقين الأولين، وحذيفة من القدماء في الإسلام أيضًا؛ إلا أنه متأخر فيه عن عمار.\nوإنما جمع المصنف بينهما في الترجمة لوقوع الثناء عليهما من أبي الدرداء في حديث واحد، وقد أفرد ذكر ابن مسعود، وإن كان ذكر معهما لوجوده ما يوافق شرطه غير ذلك من مناقبه، وقد أفرد ذكر حذيفة في أواخر المناقب، وهو مما يؤيد ما سنذكره أنه لم يهذب ترتيب من ذكره من أصحاب هذه المناقب، ويحتمل أن يكون إفراده بالذكر؛ لأنه أراد ذكر ترجمة والده اليمان، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(٢١ -<span data-type='title' id=toc-2351> باب مناقب أبي عبيدة بن الجراح)</span>\nقال الحافظ (^٢): كذا أخَّر ذكره عن إخوانه من العشرة، ولم أقف في شيء من نسخ البخاري على ترجمة لمناقب عبد الرحمن بن عوف ولا لسعيد بن زيد، وهما من العشرة، وإن كان قد أفرد ذكر إسلام سعيد بن زيد بترجمة في أوائل السيرة النبوية، وأظن ذلك من تصرف الناقلين لكتاب البخاري، كما تقدم مرارًا أنه ترك الكتاب مسودة، فإن أسماء من ذكرهم هنا لم يقع فيهم مراعاة الأفضلية ولا السابقية ولا الأسنية، وهذه جهات التقديم في الترتيب، فلما لم يراع واحدًا منها دلَّ على أنه كتب كل ترجمة على حدة، فضمَّ بعض النقلة بعضها إلى بعض حسبما اتفق.\nوأبو عبيدة اسمه عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث بن فهر، يجتمع مع النبي - ﷺ - في فهر بن مالك، وعدد ما بينهما من الآباء متفاوت جدًا بخمسة آباء، ومنهم من أدخل في نسبه بين الجراح وهلال: ربيعة، وبذلك جزم أبو الحسن بن سميع، ولم يذكره\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٧/ ٩١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٧/ ٩٣).","vol":"4","page":494},{"text":"غيره، وأم أبي عبيدة هي من بنات عم أبيه، وذكر أبو أحمد بن الحاكم: أنها أسلمت، وقتل أبوه كافرًا يوم بدر، ويقال: إنه هو الذي قتله، ومات أبو عبيدة وهو أمير على الشام من قبل عمر بالطاعون سنة ثمان عشرة باتفاق.\nثم قال الحافظ (^١) بعد ذكر حديث الباب حديث أنس: أورد الترمذي وابن حبان هذا الحديث مطوَّلًا بهذا الإسناد، وأوله: \"أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأقرأهم لكتاب الله أُبيّ، وأفرضهم زيد، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ، ألا وإن لكل أمة أمينًا\" الحديث، وإسناده صحيح؛ إلا أن الحفاظ قالوا: إن الصواب في أوله الإرسال والموصول منه ما اقتصر عليه البخاري، والله أعلم، انتهى.\n\n(٢٢ -<span data-type='title' id=toc-2352> باب مناقب الحسن والحسين)</span>\nكذا في النسخ الهندية، وذكر في نسخ الشروح الثلاثة قبله: \"باب ذكر مصعب بن عمير\" من غير ذكر حديث.\nقال الحافظ (^٢): قوله: ذكر مصعب بن عمير أي: ابن هاشم بن عبد الدار بن عبد مناف، وقع كذلك في غير رواية أبي ذر، وكأنه بيَّض له، وقد تقدم من فضائله في \"كتاب الجنائز\": أنه لما استشهد لم يوجد له ما يكفن فيه، انتهى.\nوقوله: (باب مناقب الحسن. . .) إلخ، كأنه جمعهما لما وقع لهما من الاشتراك في كثير من المناقب، وكان مولد الحسن في رمضان سنة ثلاث من الهجرة عند الأكثر، وقيل: بعد ذلك، ومات بالمدينة مسمومًا سنة خمسين، ويقال: قبلها، ويقال: بعدها، وكان مولد الحسين في شعبان سنة أربع في قول الأكثر، وقتل يوم عاشوراء سنة إحدى وستين بكربلاء من أرض\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٧/ ٩٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٧/ ٩٤).","vol":"4","page":495},{"text":"العراق، وكان أهل الكوفة لما مات معاوية واستخلف يزيد كاتبوا الحسين بأنهم في طاعته، فخرج الحسين - ﵁ - إليهم، فسبقه عبيد الله بن زياد إلى الكوفة، فخذل غالب الناس عنه فتأخروا رغبة ورهبة، وقتل ابن عمه مسلم بن عقيل، وكان الحسين قد قدَّمه قبله ليبايع له الناس، ثم جهز إليه عسكرًا، فقاتلوه إلى أن قتل هو وجماعة من أهل بيته، والقصة مشهورة فلا نطيل بشرحها، انتهى.\nوقال القسطلاني (^١): وكان الحسين - ﵁ - لما مات معاوية وبويع يزيد ابنه أبى أن يبايعه، وكتب إلى الحسين رجال من شيعة أبيه من الكوفة: هلُّم إلينا نبايعك، فأنت أحق من يزيد، فخرج الحسين من مكة إلى العراق، فأخرج إليه عبيد الله بن زياد من الكوفة جيشه، فالتقيا بكربلاء على الفرات، وقتل الحسين من عسكر ابن زياد قتلى كثيرة حتى قتل، فقيل: قتله شمر بن ذي الجوشن الضبابي، وقيل: سنان بن أبي سنان، واحتز رأسه وأتى بها ابن زياد، انتهى.\nوفي \"الفيض\" (^٢): ومن غرائب قدرته تعالى: أنه أتي برأس عبيد الله بن زياد أيضًا بعيد ذلك في هذا المحل بعينه، انتهى.\n\n(٢٣ -<span data-type='title' id=toc-2353> باب مناقب بلال بن رباح. . .) إلخ</span>\nرباح بفتح الراء والموحدة وبعد الألف حاء مهملة، وأمه حمامة، وكان صادق الإسلام، طاهر القلب، شحيحًا على دينه، وعُذِّب في الله عذابًا شديدًا فصبر، وهان على قومه فأعطوه الولدان، فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة وهو يقول: أحد أحد، وكان أمية بن خلف ممن يوالي على بلال العذاب، فكان قتله على يد بلال، فقال أبو بكر - ﵁ - أبياتًا، منها:\nهنيئًا زادك الرحمن خيرًا … فقد أدركت ثأرك يا بلال\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٨/ ٢٦٥).\n(^٢) \"فيض الباري\" (٤/ ٤٩١).","vol":"4","page":496},{"text":"وكان شديد الأدمة نحيفًا طوالًا، خفيف العارضين، من مولدي مكة، مولى لبعض بني جمح، وأصله من الحبشة، توفي بدمشق سنة عشرين، وهو ابن ثلاث وستين سنة، وكان مولى أبي بكر الصديق، وعند ابن أبي شيبة بإسناد صحيح: \"أن أبا بكر اشتراه بخمس أواق، وهو مدفون بالحجارة\"، انتهى من \"القسطلاني\" (^١).\nوفي \"الفتح\" (^٢): أن أبا بكر قال لبلال: أنشدك الله وحقي، فأقام معه بلال حتى توفي، فلما مات أذن له عمر فتوجَّه إلى الشام مجاهدًا، فمات بها في طاعون عمواس، وكانت وفاته بدمشق، وزعم ابن السمعاني: أن بلالًا مات بالمدينة وغلطوه، انتهى.\nوقال الحافظ في \"التهذيب\" (^٣): بلال بن رباح التيمي مولاهم، المؤذن، أبو عبد الله، ويقال: أبو عبد الرحمن، وقيل غير ذلك في كنيته، وهو ابن حَمَامة وهي أمه، أسلم قديمًا، وعذب في الله، وشهد بدرًا والمشاهد كلها، وسكن دمشق، ومات بها في طاعون عمواس سنة سبعة عشر أو ثمانية عشر، وقال ابن زبر: مات بداريَّا، وحمل على رقاب الرجال، فدفن بباب كيسان، وقيل: دفن بباب الصغير، وقال ابن منده في \"المعرفة\": دفن بحلب - ﵁ -، انتهى.\nقلت: وتكلم الحافظ في \"اللسان\" (^٤) في ترجمة إبراهيم بن محمد على قصة رحيل بلال إلى الشام ومجيئه إلى المدينة وأذانه بها.\n\n(٢٤ -<span data-type='title' id=toc-2354> باب مناقب ابن عباس)</span>\nوفي نسخ الشروح الثلاثة: \"ذكر ابن عباس\" بدل \"مناقب\"، ولفظ الباب موجود في بعض دون بعض.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٨/ ٢٦٩).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٧/ ٩٩).\n(^٣) \"تهذيب التهذيب\" (١/ ٢٥٤).\n(^٤) \"لسان الميزان\" (١/ ١٥٧).","vol":"4","page":497},{"text":"قال العلَّامة العيني (^١): وإنما لم يقل: \"مناقب ابن عباس\" مثل غيره؛ لأنه قد عقد له بابًا في \"كتاب العلم\" حيث قال: \"باب قول النبي - ﷺ -: اللَّهم علمه الكتاب\"، ثم ذكر عنه أنه قال: \"ضمَّني رسول الله - ﷺ - وقال: اللَّهم علمه الكتاب\"، وهذه منقبة عظيمة، فاكتفى به عن ذكر لفظ مناقب ههنا، انتهى.\nقال الحافظ (^٢) تحت الترجمة: أي: عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم ابن عم النبي - ﷺ -، يكنى أبا العباس، ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، ومات بالطائف سنة ثمان وستين، وكان من علماء الصحابة حتى كان عمر يقدمه مع الأشياخ وهو شاب، أورد فيه حديثه قال: \"ضمني النبي - ﷺ - إليه وقال: اللَّهم علِّمه الحكمة\"، وفي لفظ: \"علِّمه الكتاب\"، وهو يؤيد من فسر الحكمة ههنا بالقرآن، وقد استوعبت ما قيل في تفسيرها في أوائل \"كتاب العلم\"، إلى آخر ما قال.\nقال القسطلاني (^٣): ولد بالشعب قبل خروج بني هاشم منه، وحنَّكه - ﷺ - بريقه، وسمَّاه ترجمان القرآن، وكان طويلًا أبيض جسيمًا وسيمًا صبيح الوجه، قال مسروق: كنت إذا رأيت ابن عباس قلت: أجمل الناس، فإذا تكلم قلت: أفصح الناس، وإذا تحدث قلت: أعلم الناس، وتوفي بالطائف بعد أن عمي سنة ثمان وستين، وهو ابن سبعين سنة، وصلى عليه محمد ابن الحنفية، انتهى.\nكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٤): قوله: (الحكمة: الإصابة في غير النبوَّة) يعني بذلك: أن الحكمة قد تستعمل في الأنبياء، ومعناها الإصابة والنبوَّة، وقد تستعمل في غير الأنبياء، كما ذكرت ههنا، ومعناها الإصابة دون الإصابة التي في النبوَّة، والظاهر أن غرض المؤلف أن الحكمة إذا استعملت في غير محل النبوَّة فمعناها بالإصابة، انتهى.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١١/ ٤٨٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٧/ ١٠٠).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (٨/ ٢٧٠).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٨/ ١٨٩).","vol":"4","page":498},{"text":"وذكر في \"هامشه\" بعض الأقوال في تفسير الحكمة، وفيه أيضًا: قال الحافظ (^١): واختلف في المراد بالحكمة ههنا، فقيل: الإصابة في القول، وقيل: الفهم عن الله، وقيل: ما يشهد العقل بصحته، وقيل: نور يفرق به بين الإلهام والوسواس، وقيل: سرعة الجواب بالصواب، وقيل غير ذلك، انتهى.\nوسيأتي الكلام في تفسير الحكمة في تفسير سورة الأحزاب أيضًا.\n\n(٢٥ -<span data-type='title' id=toc-2355> باب مناقب خالد بن الوليد)</span>\nأي: ابن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة - بفتح التحتانية والقاف والمشالة - ابن مرة بن كعب، يجتمع مع النبي - ﷺ - ومع أبي بكر جميعًا في مرة بن كعب، يكنى أبا سليمان، وكان من فرسان الصحابة، أسلم بين الحديبية والفتح، ويقال: قبل غزوة مؤتة بشهرين، وكانت في جمادى سنة ثمان، ومن ثم جزم مغلطاي بأنها كانت في صفر، وكان الفتح بعد ذلك في رمضان، وحكى ابن أبي خيثمة: أنه أسلم سنة خمس وهو غلط، فإنه كان بالحديبية طليعة للمشركين، وهي في ذي القعدة سنة ست، وقال الحاكم: أسلم سنة سبع، زاد غيره، وقيل: عمرة القضاء، والراجح الأول وما وافقه، وشهد مع النبي - ﷺ - عدة مشاهد، ظهرت فيها نجابته، ثم كان قتل أهل الردة على يديه، ثم فتوح البلاد الكبار، ومات على فراشه سنة إحدى وعشرين، وذلك في خلافة عمر بحمص، وقيل: إنه مات بالمدينة وغلطوه، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\n\n(٢٦ -<span data-type='title' id=toc-2356> باب مناقب سالم مولى أبي حذيفة)</span>\nأي: ابن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، وكان مولاه أبو حذيفة من أكابر الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، وشهد بدرًا مع النبي - ﷺ -، وقتل أبوه يومئذ كافرًا فساءه ذلك، فقال: كنت أرجو أن يسلم لما كنت\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٧/ ١٠٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٧/ ١٠١).","vol":"4","page":499},{"text":"أرى من عقله، واستشهد أبو حذيفة باليمامة، وأما سالم فكان من السابقين الأولين، وقد أشير في هذا الحديث إلى أنه كان عارفًا بالقرآن، وسبق في \"كتاب الصلاة\": أنه كان يؤمّ المهاجرين بقباء لما قدموا من مكة، وشهد سالم بدرًا وما بعدها، ويقال: إن اسم أبيه معقل، وكان مولى لامرأة من الأنصار، فتبناه أبو حذيفة لما تزوجها، فنسب إليه، واستشهد سالم باليمامة أيضًا، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوقال القسطلاني (^٢): كان من أهل فارش من فضلاء الصحابة الموالي وكبارهم، معدود في المهاجرين؛ لأنه هاجر إلى المدينة، وفي الأنصار؛ لأنه مولى امرأة أبي حذيفة، انتهى.\n\n(٢٧ -<span data-type='title' id=toc-2357> باب مناقب عبد الله بن مسعود)</span>\nهو: ابن مسعود بن غافل بن حبيب بن شمخ بن هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر، مات أبوه في الجاهلية، وأسلمت أمه وصحبت، فلذلك نسب إليها أحيانًا، وكان هو من السابقين، وكان سادس ستة في الإسلام، وهاجر الهجرتين، وسيأتي في غزوة بدر شهوده إياها، وولي بيت المال بالكوفة لعمر وعثمان، وقدم في أواخر عمره المدينة، ومات في خلافة عثمان سنة اثنتين وثلاثين، وقد جاوز الستين، وكان من علماء الصحابة، وممن انتشر علمه بكثرة أصحابه والآخذين عنه، وكانت أمه تكنى أم عبد، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\nوفي القسطلاني (^٤): وهو من القراء المشهورين، وممن جمع القرآن على عهد النبي - ﷺ -، وهاجر الهجرتين، وصلى إلى القبلتين، وشهد بدرًا والحديبية، وشهد له رسول الله - ﷺ - بالجنة، وكان قصيرًا نحيفًا يكاد طوال الرجال يوازونه جلوسًا وهو قائم، ودفن بالبقيع، وصلى عليه عثمان، وكان\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٧/ ١٠١، ١٠٢).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٨/ ٢٧٣).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٧/ ١٠٣).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (٨/ ٢٧٤).","vol":"4","page":500},{"text":"له من الولد عبد الرحمن، وبه كان يكنى، وعتبة وأبو عبيدة واسمه عامر، انتهى.\n\n(٢٨ -<span data-type='title' id=toc-2358> باب ذكر معاوية)</span>\nأي: ابن أبي سفيان - واسمه صخر، ويكنى أيضًا أبا حنظلة - بن حرب بن أمية بن عبد شمس، أسلم قبل الفتح، وأسلم أبواه بعده، وصحب النبي - ﷺ - وكتب له، وولي إمرة دمشق عن عمر بعد موت أخيه يزيد بن أبي سفيان سنة تسع عشرة، واستمر عليها بعد ذلك إلى خلافة عثمان، ثم زمان محاربته لعلي وللحسن، ثم اجتمع عليه الناس في سنة إحدى وأربعين إلى أن مات سنة ستين، فكانت ولايته بين إمارة ومحاربة ومملكة أكثر من أربعين سنة متوالية، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوفي القسطلاني (^٢): وكان معاوية يقول: إنه أسلم يوم الحديبية وكتم إسلامه من أبيه وأمه، وهو وأبوه من المؤلفة قلوبهم، ومن الطبقة الأولى في قسم غنائم حنين، ثم حسن إسلامهما، وكان أبيض جميلًا، وهو من الموصوفين بالحلم، وتوفي بدمشق، انتهى.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): قوله: \"ذكر معاوية\" ولعله غير العنوان، ولم يعبِّر بالمناقب؛ لأنه لم يزد على الصحبة والفقاهة المشتركة بين أكثر الصحابة رضي الله تعالى عنهم، انتهى.\nقلت: وبنحو ذلك قالت الشرَّاح عامة، قال القسطلاني: ومناسبة هذه الأحاديث لما ترجم له ما فيها من ذكر الصحبة المقتضية للشرف العالي على أنه قد ورد في فضل السيد معاوية - ﵁ - أحاديث، لكنها ليست على شرط المؤلف، فمن ثم لم يقل \"باب مناقب معاوية أو فضائله\"، إذ أنه لا تصريح بذلك فيما ساقه في الباب على ما لا يخفى، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٧/ ١٠٤).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٨/ ٢٧٧).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٨/ ١٩٠، ١٩١).","vol":"4","page":501},{"text":"قال الحافظ: ونقل ابن الجوزي عن إسحاق بن راهويه أنه قال: لم يصح في فضائل معاوية شيء، فهذه النكتة في عدول البخاري عن التصريح بلفظ منقبة اعتمادًا على قول شيخه إلى أن قال: وقد ورد في فضائل معاوية أحاديث كثيرة، لكن ليس فيها ما يصح من طريق الإسناد، وبذلك جزم إسحاق بن راهويه والنسائي، انتهى.\nقلت: ويشكل على هذا كله أن الإمام البخاري لم يترجم بلفظ ذكر بدل المناقب في هذا الباب خاصة، بل ترجم بلفظ الذكر في عدة أبواب كما تقدم، وأيضًا سيأتي: ذكر جرير وذكر حذيفة وغير ذلك، اللَّهم إلا أن يقال: إنه ليس في هذه الأبواب كلها التي غيَّر فيها العنوان ذكر منقبة خاصة، كما يظهر من مطالعة هذه الأحاديث الواردة في هذه الأبواب، ولما كان أمر الأمير معاوية - ﵁ - مشهورًا بين الناس، وقد ورد في فضله أحاديث كثيرة غير صحيحة عندهم نبَّهوا على ذلك خاصة.\n\n(٢٩ -<span data-type='title' id=toc-2359> باب مناقب فاطمة)</span>\nالزهراء البتول، بنت رسول الله - ﷺ - رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وأمها خديجة، ولدت فاطمة في الإسلام، وقيل: قبل البعثة، وتزوجها علي - ﵁ - بعد بدر في السنة الثانية، وولدت له حسنًا وحسينًا ومحسنًا وزينب وأم كلثوم ورقية فماتت رقية ولم تبلغ، ومات محسن صغيرًا، ولم يكن للنبي - ﷺ - عقب إلا من ابنته فاطمة رضي الله تعالى عنها، وكانت وفاتها ليلة الثلاثاء لثلاث خلون من شهر رمضان سنة إحدى عشرة بعد النبي - ﷺ - بستة أشهر، وقد ثبت في الصحيح من حديث عائشة، وقيل: بل عاشت بعده ثمانية، وقيل: ثلاثة، وقيل: شهرين، وقيل: شهرًا واحدًا، ولها أربع وعشرون سنة، وقيل غير ذلك، وقيل: خمس، وقيل: تسع، وقيل: عاشت ثلاثين سنة، وصلى عليها علي، وقيل: العباس، وقيل: أبو بكر - ﵁ -، وأقوى ما يستدل به على تقديم فاطمة على غيرها من نساء عصرها","vol":"4","page":502},{"text":"ومن بعدهن ما ذكر من قوله - ﷺ -: \"إنها سيدة نساء العالمين إلا مريم\"، انتهى من \"الفتح\" (^١) و\"القسطلاني\" (^٢).\n\n(٣٠ -<span data-type='title' id=toc-2360> باب فضل عائشة)</span>\nهي الصدِّيقة بنت الصدِّيق وأمها أم رومان - ﵃ -، وكان مولدها في الإسلام قبل الهجرة بثمان سنين أو نحوها، ومات النبي - ﷺ - ولها نحو ثمانية عشر عامًا، وقد حفظت عنه شيئًا كثيرًا، وعاشت بعده قريبًا من خمسين سنة، فأكثر الناس الأخذ عنها، ونقلوا عنها من الأحكام والآداب شيئًا كثيرًا حتى قيل: إن ربع الأحكام الشرعية منقول عنها - ﵂ -، قال الزهري: لو جمع علم عائشة إلى علم جميع أزواج النبي - ﷺ - وعلم جميع النساء لكان علم عائشة أفضل، وكان موتها في خلافة معاوية سنة ثمان وخمسين، وذلك ليلة الثلاثاء سبع عشرة خلت من رمضان، وصلى عليها أبو هريرة، وقيل في التي بعدها، ولم تلد للنبي - ﷺ - شيئًا على الصواب، وقول: إنها أسقطت من النبي - ﷺ - سقطًا لم يثبت، وسألته أن تكتني فقال: اكتني بابن أختك، فاكتنت أم عبد الله، وأخرج ابن حبان في \"صحيحه\" من حديث عائشة: \"أنه كناها بذلك لما أحضر إليه ابن الزبير ليحنكه فقال: هو عبد الله، وأنت أم عبد الله\"، قالت: فلم أزل أكنى بها، انتهى من \"الفتح\" (^٣) و\"القسطلاني\" (^٤) ملخصًا.\nولا يذهب عليك أن الإمام البخاري ترجم بفضل عائشة بعد مناقب فاطمة، ولا يبعد عندي أنه أشار بهذا الترتيب إلى ترتيب الفضيلة بينهما، والمسألة خلافية شهيرة.\nقال الحافظ (^٥): قال السبكي الكبير: الذي ندين الله به أن فاطمة\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٧/ ١٠٥).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٨/ ٢٧٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٧/ ١٠٧).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (٨/ ٢٨٠).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٧/ ١٠٩).","vol":"4","page":503},{"text":"أفضل ثم خديجة ثم عائشة، والخلاف شهير، ولكن الحق أحق أن يتبع، وقال ابن تيمية: جهات الفضل بين خديجة وعائشة متقاربة، وكأنه رأى التوقف، وقال ابن القيم: إن أريد بالتفضيل كثرة الثواب عند الله فذاك أمر لا يطلع عليه، فإن عمل القلوب أفضل من عمل الجوارح، وإن أريد كثرة العلم فعائشة لا محالة، وإن أريد شرف الأصل ففاطمة لا محالة، وهي فضيلة لا يشاركها فيها غير أخواتها، وإن أريد شرف السيادة فقد ثبت النصر لفاطمة وحدها.\nقال الحافظ: وقيل: انعقد الإجماع على أفضلية فاطمة، وبقي الخلاف بين عائشة وخديجة، انتهى.\nوبسط الحافظ - ﵀ - الكلام على ذلك في \"باب فضل خديجة\"، وهكذا بسط الكلام عليه أشد البسط صاحب \"تيسير القاري\" إلى آخر ما ذكر في هامش \"اللامع\" (^١)، وفي \"القول الفصيح\": افتتح المؤلف مناقب المهاجرين بالصديق - ﵁ - وختمها بعائشة بنت الصديق، فنعم المدخل ونعم المخرج، انتهى.\nالتنبيه: قال العيني (^٢): قال الكرماني: والمعتنون بهذا الكتاب من الشيوخ رضي الله تعالى عنهم ضبطوه فقالوا: ههنا منتصف الكتاب، أي: كتاب البخاري، و\"باب مناقب الأنصار\" هو ابتداء النصف الآخر منه، انتهى.\nوهكذا ذكر القسطلاني (^٣)، وسكت عنه الحافظ، ولم يتعرض لذلك، وأما بحسب النسخ الهندية فمنتصف كتاب البخاري على آخر باب من أبواب المناقب أعني \"باب إسلام سلمان الفارسي\"، وابتداء النصف الثاني منه من كتاب المغازي.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١١/ ٤٩٤)، \"شرح الكرماني\" (١٥/ ٣٢).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٨/ ٢٦٨).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٨/ ١٩٢، ١٩٣).","vol":"4","page":504},{"text":"[٦٣ -<span data-type='title' id=toc-2361> كتاب مناقب الأنصار]</span>\n(١ -<span data-type='title' id=toc-2362> باب مناقب الأنصار)</span>\nلفظ الباب سقط لأبي ذر والوقت، والأنصار جمع ناصر، كالأصحاب جمع صاحب، ويقال: جمع نصير كشريف وأشراف، والنسبة أنصاري، وليس نسبة لأب ولا أم، بل سموا بذلك لم فازوا به دون غيرهم من نصرته - ﷺ - وإيوائه وإيواء من معه، ومؤاساتهم بأنفسهم وأموالهم، وكان القياس أن يقال: ناصري، فقالوا: أنصاري كأنهم جعلوا الأنصار اسم المعنى، فإن قلت: الأنصار جمع قلة فلا يكون لما فوق العشرة وهو ألوف؟ أجيب بأن جمعي القلة والكثرة إنما يعتبران في نكرات الجموع، أما في المعارف فلا فرق بينهما، والأنصار هم ولد الأوس والخزرج وحلفاؤهم أبناء حارثة بن ثعلبة، وهو اسم إسلامي، واسم أمهم قيلة بالقاف المفتوحة والتحتية الساكنة، انتهى من \"القسطلاني\" (^١).\nوفي \"الفتح\" (^٢): والأوس ينسبون إلى أوس بن حارثة، والخزرج ينسبون إلى الخزرج بن حارثة، وهما ابنا قيلة، وهو اسم أمهم، وأبوهم هو حارثة بن عمرو بن عامر الذي يجتمع إليه انساب الأزد.\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-2363> باب قول النبي - ﷺ -: \"لولا الهجرة لكنت من الأنصار</span>\")\nهو طرف من حديث سيأتي في غزوة حنين، قال الخطابي (^٣): أراد - ﷺ -\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٨/ ٢٨٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٧/ ١١٠).\n(^٣) \"الأعلام\" (٣/ ١٧٥٩).","vol":"4","page":505},{"text":"بذلك استطابة قلوب الأنصار حيث رضي أن يكون واحدًا منهم لولا ما منعه من سمة الهجرة، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-2364> باب إخاء النبي - ﷺ - بين المهاجرين والأنصار)</span>\nسقط لفظ \"باب\" لأبي ذر، فما بعده رفع، و\"الإخاء\" بكسر الهمزة، وعند ابن سعد: أنه آخى بين مائة: خمسين من المهاجرين وخمسين من الأنصار، وكان قبل بدر بخمسة أشهر في دار أنس، يأتي ذكر من سمي منهم في \"باب كيف آخى النبي - ﷺ - بين أصحابه\" قبيل المغازي، انتهى من \"القسطلاني\" (^٢). وسيأتي تفصيل الكلام هناك إن شاء الله تعالى.\n\n(٤ -<span data-type='title' id=toc-2365> باب حب الأنصار)</span>\nأي: فضله، ذكر فيه حديث البراء: \"لا يحبهم إلا مؤمن\"، وحديث أنس: \"آية الإيمان حب الأنصار\"، قال ابن التِّين: المراد حب جميعهم وبغض جميعهم؛ لأن ذلك إنما يكون للدين، ومن أبغض بعضهم لمعنى يسوغ البغض له فليس داخلا في ذلك، وهو تقرير حسن، وقد سبق الكلام على شرح الحديث في \"كتاب الإيمان\"، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\n\n(٥ -<span data-type='title' id=toc-2366> باب قول النبي - ﷺ - للأنصار: \"أنتم أحب الناس إليَّ</span>\")\nقالوا: هو على طريق الإجمال، أي: مجموعكم أحب إلي من مجموع غيركم، فلا يعارض ما تقدم: \"من أحب الناس إليكم؟ قال: أبو بكر\" الحديث (^٤).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٧/ ١١٢).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٨/ ٢٩٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٧/ ١١٣).\n(^٤) انظر: \"فتح الباري\" (٧/ ١١٤).","vol":"4","page":506},{"text":"(٦ -<span data-type='title' id=toc-2367> باب أتباع الأنصار)</span>\nبفتح الهمزة جمع تبع، وفي هامش المصرية: جمع تابع، وأراد بهم الحلفاء والموالي؛ لأنهم أتباع الأنصار، وليسوا بأنصار، انتهى من \"العيني\" (^١) بزيادة.\nوقال القسطلاني (^٢): وسقط لفظ: \"باب\" لأبي ذر، وقال أيضًا بعد ذكر حديث الباب: وفيه التنبيه على شرف صحبة الأخيار، وصح \"المرء مع من أحب\"، وتأمل تأثير الصحة في كل شيء حتى في البواشق بالصحبة رفعت على أيدي الملوك، وحتى في الحطب بصحبة النجار يعتق من النار، فعليك بصحبة الأخيار، انتهى.\n\n(٧ -<span data-type='title' id=toc-2368> باب فضل دور الأنصار)</span>\nأي: منازلهم، قاله الحافظ (^٣). وزاد القسطلاني (^٤): وكانت كل قبيلة منهم تسكن محلة، فسميت تلك المحلة دارًا، انتهى.\nقلت: والمراد بالمنازل هي القبائل، ولذا قال شيخ الإسلام في شرحه (^٥): يعني: فضل قبائلهم، انتهى.\n\n(٨ -<span data-type='title' id=toc-2369> باب قول النبي - ﷺ - للأنصار: \"اصبروا حتى تلقوني على الحوض</span>\")\nقال الحافظ (^٦): قوله: (قاله عبد الله بن زيد) أي: ابن عاصم المازني، وحديثه هذا وصله المؤلف بأتم من هذا في غزوة حنين كما سيأتي إن شاء الله تعالى، انتهى.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١١/ ٥٠٢).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٨/ ٣٠٠، ٣٠١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٧/ ١١٥).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (٨/ ٣٠١).\n(^٥) \"تحفة الباري\" (٤/ ٢٣٤).\n(^٦) \"فتح الباري\" (٧/ ١١٧).","vol":"4","page":507},{"text":"(٩ -<span data-type='title' id=toc-2370> باب دعاء النبي - ﷺ -: \"أصلح الأنصار والمهاجرة</span>\")\nبكسر الجيم: جماعة المهاجرين الذين هاجروا من مكة إلى المدينة، وسقط لفظ \"باب\" لأبي ذر، انتهى من \"القسطلاني\" (^١).\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢) على قوله في الحديث: \"فاغفر للمهاجرين والأنصار\": وكان يورده أحيانًا كذلك استبعادًا من هيئة الشعر لقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩]، انتهى.\nوفي هامشه: هكذا ذكره ابن كثير في \"تفسيره\" إذ قال: ورد أنه - ﷺ - كان لا يحفظ بيتًا على وزن منتظم، بل إن أنشده زحفه أو لم يتمه، وقال أبو زرعة بسنده عن الشعبي أنه قال: ما ولد عبد المطلب ذكرًا ولا أنثى إلا يقول الشعر إلا رسول الله - ﷺ -، إلى آخر ما في هامشه.\n\n(١٠ -<span data-type='title' id=toc-2371> باب قوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر:</span> ٩])\nقال الحافظ (^٣): هو مصير منه إلى أن الآية نزلت في الأنصار، وهو ظاهر سياقها، وحديث الباب ظاهر في أنها نزلت في قصة الأنصاري فيطابق الترجمة، وقد قيل: إنها نزلت في قصة أخرى ويمكن الجمع، انتهى كلام الحافظ.\n\n(١١ -<span data-type='title' id=toc-2372> باب قول النبي - ﷺ -: \"اقبلوا من محسنهم. . .\") إلخ</span>\nيعني: الأنصار.\nقوله: (ويتجاوز عن مسيئهم) أي: في غير الحدود وحقوق الناس، ومطابقة الحديث للترجمة في آخر الحديث؛ لأنه عين الترجمة، انتهى من \"الفتح\" و\"العيني\" (^٤).\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٨/ ٣٠٦).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٨/ ١٩٦).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٧/ ١١٩).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٧/ ١٢١، ١٢٢)، \"عمدة القاري\" (١١/ ٥١١).","vol":"4","page":508},{"text":"(١٢ -<span data-type='title' id=toc-2373> باب مناقب سعد بن معاذ)</span>\nذكر المصنف أولًا مناقب جماعة الأنصار على العموم، والآن يذكر مناقب بعض الأشخاص منهم على الخصوص منهم سعد بن معاذ.\nوقال الحافظ (^١): سعد بن معاذ، أي: ابن النعمان بن امرئ القيس بن عبد الأشهل، وهو كبير الأوس، كما أن سعد بن عبادة كبير الخزرج، وإياهما أراد الشاعر بقوله:\nفإن يسلم السعدان يصبح محمد … بمكة لا يخشى خلاف المخالف\nانتهى من \"الفتح\".\nقوله: (إنه كان بين هذين الحيين ضغائن. . .) إلخ، كتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): يعني بذلك: أن البراء أوسي كالسعد، فلو قال أحد من الخزرج لكان له وجه، وأما ظهور ذلك المقال عنه فبعيد، فافهم، وقد ذكره المحشي أيضًا، انتهى.\nوذكر في \"هامشه\" كلام المحشي والشرَّاح.\n\n(١٣ -<span data-type='title' id=toc-2374> باب منقبة أسيد بن حضير وعبَّاد بن بشر)</span>\nهو أسيد بن حضير بن سماك بن عتيك بن رافع بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل الأنصاري الأوسي الأشهلي، يكنى أبا يحيى، وقيل غير ذلك، ومات في سنة عشرين في خلافة عمر على الأصح، وعبَّاد بن بشر هو ابن وقش كما سأبينه، وفي \"تاريخ البخاري\"، و\"مسند أبي يعلى\" وصححه الحاكم بسنده عن عائشة قالت: \"ثلاثة من الأنصار لم يكن أحد يعتد عليهم فضلًا كلهم من بني عبد الأشهل: سعد بن معاذ وأسيد بن حضير وعباد بن بشر\".\nقوله: (أن رجلين. . .) إلخ، ظهر من رواية معمر أن أسيد بن حضير\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٧/ ١٢٣).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٨/ ١٩٧، ١٩٨).","vol":"4","page":509},{"text":"أحدهما، ومن رواية حماد أن الثاني عباد بن بشر، ولذلك جزم به المؤلف في الترجمة وأشار إلى حديثهما، فأما رواية معمر فوصلها عبد الرزاق في \"مصنفه\" (^١)، فذكر الحافظ تلك الرواية، وأما رواية حماد بن سلمة فوصلها أحمد والحاكم في \"المستدرك\" (^٢)، ثم ذكرها الحافظ.\nقوله: (عباد بن بشر) كذا للأكثر بكسر الموحدة وسكون المعجمة، وفي رواية أبي الحسن القابسي \"بشير\" بفتح أوله وكسر ثانيه وزيادة تحتانية وهو غلط، وفي الصحابة عباد بن بشر بن قيظي وعباد بن بشر بن نهيك وعباد بن بشر بن وقش، وصاحب هذه القصة هو هذا الثالث، ووهم من زعم خلاف ذلك، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\n\n(١٤ -<span data-type='title' id=toc-2375> باب مناقب معاذ بن جبل)</span>\nأي: ابن عمرو بن أوس، من بني أسد بن شاردة بن تزيد - بفتح المثناة الفوقانية - ابن جشم بن الخزرج الخزرجي، يكنى أبا عبد الرحمن، شهد بدرًا والعقبة، وكان أميرًا للنبي - ﷺ - على اليمن، ورجع بعده إلى المدينة، ثم خرج إلى الشام مجاهدًا، فمات في طاعون عمواس سنة ثماني عشرة، وعاش ثلاثًا وثلاثين سنة على الصحيح، انتهى من \"الفتح\" (^٤).\n\n(١٥ -<span data-type='title' id=toc-2376> باب منقبة سعد بن عبادة)</span>\nبضم العين وتخفيف الموحدة ابن دليم بن حارثة بن أبي حزيمة - بفتح الحاء المهملة وكسر الزاء بعدها تحتية ثم ميم - ابن ثعلبة بن طريف بن الخزرج بن ساعدة الأنصاري الساعدي نقيب من بني ساعدة، يكنى أبا ثابت، وهو والد قيس بن سعد أحد مشاهير الصحابة،\n_________\n(^١) \"مصنف عبد الرزاق\" (١١/ ٢٨٠)، (ح ٢٠٥٤١).\n(^٢) \"مسند أحمد\" (٣/ ٢٧٢)، \"المستدرك\" (٣/ ٢٨٨).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٧/ ١٢٥).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٧/ ١٢٥، ١٢٦).","vol":"4","page":510},{"text":"وكان سعد كبير الخزرج وأحد المشهورين بالجود، شهد بدرًا كما في \"صحيح مسلم\"، لكن المعروف عند أهل المغازي أنه تهيأ للخروج فنهش فأقام، نعم ذكره في البدريين الواقدي والمدائني وابن الكلبي، ومات بحوران من أرض الشام سنة أربع عشرة أو خمس عشرة في خلافة عمر، قال ابن الأثير في \"أسد الغابة\" (^١): ولم يختلفوا أنه وجد ميتًا في مغتسله وقد اخضر جسده ولم يشعروا بموته بالمدينة حتى سمعوا قائلًا يقول من بئر ولا يرون أحدًا:\nنحن قتلنا سيد الخزرج سعد بن عبادة … فرميناه بسهم فلم يخط فؤاده\nقال ابن سيرين: بينا سعد يبول قائمًا إذ اتكأ فمات، قتلته الجن، وقبره بالمنيحة قرية من غوطة دمشق مشهور يزار إلى اليوم، انتهى من \"الفتح\" (^٢) و\"القسطلاني\" (^٣).\nوذكر شيء من الكلام عليه في هامش \"اللامع\" (^٤) في مناقب أبي بكر تحت قول عمر: \"قتله الله\"، وذكر فيه أيضًا الخلاف في سبب موته، فارجع إليه.\n\n(١٦ -<span data-type='title' id=toc-2377> باب مناقب أُبيّ بن كعب)</span>\nأي: ابن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار الأنصاري الخزرجي النجاري، يكنى أبا المنذر وأبا الطفيل، كان من السابقين من الأنصار، شهد العقبة وبدرًا وما بعدهما، مات سنة ثلاثين، وقيل غير ذلك، وكان عمر يقول: أُبيّ سيد المسلمين، قال ابن سعد عن الواقدي: أول من كتب لرسول الله - ﷺ - مقدمه المدينة أُبيّ بن كعب، وهو أول من كتب في آخر الكتاب، وكتبه فلان ابن فلان، انتهى من \"الفتح\" (^٥) و\"القسطلاني\" (^٦).\n_________\n(^١) \"أسد الغابة\" (٢/ ٢٠٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٧/ ١٢٦).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (٨/ ٣١٨، ٣١٩).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٨/ ١٥١، ١٥٢).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٧/ ١٢٧).\n(^٦) \"إرشاد الساري\" (٨/ ٣٢٠).","vol":"4","page":511},{"text":"(١٧ -<span data-type='title' id=toc-2378> باب مناقب زيد بن ثابت)</span>\nأي: ابن الضحاك بن زيد بن لوذان، من بني مالك بن النجار، كاتب الوحي وأحد فقهاء الصحابة، وكان عمره لما قدم النبي - ﷺ - المدينة إحدى عشرة سنة، وكان أعلم الصحابة بالفرائض ومن أعلم الصحابة والراسخين في العلم، ومن أفكه الناس إذا خلا مع أهله، مات سنة خمس وأربعين، وصلى عليه مروان بن الحكم، انتهى من \"القسطلاني\" (^١) و\"الفتح\" (^٢).\n\n(١٨ -<span data-type='title' id=toc-2379> باب مناقب أبي طلحة)</span>\nسقط لفظ \"باب\" لأبي ذر، وأبو طلحة هو زيد بن سهل بن الأسود بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار الأنصاري الخزرجي النجاري، عقبي بدري نقيب، وأمه عبادة بنت مالك بن عدي بن زيد مناة بن عدي، يجتمعان في زيد مناة، وهو مشهور بكنيته، وكان زوج أم سليم بنت ملحان أم أنس بن مالك، وفي \"أسد الغابة\": أنه لما خطب أم سليم قالت له: يا أبا طلحة، ما مثلك يردّ لكنك امرءٌ كافر وأنا امرأة مسلمة، ولا يحل لي أن أتزوجك، فإن تسلم فذلك مهري لا أسألك غيره، فأسلم فكان ذلك مهرها، توفي سنة اثنتين وثلاثين أو أربع وثلاثين، وقال المدائني: سنة إحدى وخمسين، وقيل: إنه كان لا يكاد يصوم في عهد النبي - ﷺ - من أجل الغزو، فلما توفي - ﷺ - صام أربعين سنة لم يفطر إلا أيام العيد، وهو يؤيد قول من قال: إنه توفي سنة إحدى وخمسين - ﵁ -، انتهى من \"الفتح\" (^٣) و\"القسطلاني\" (^٤).\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٨/ ٣٢١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٧/ ١٢٧).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٧/ ١٢٨).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (٨/ ٣٢٢).","vol":"4","page":512},{"text":"(١٩ -<span data-type='title' id=toc-2380> باب مناقب عبد الله بن سلام)</span>\nسقط لفظ \"باب\" لأبي ذر، بتخفيف اللام ابن الحارث الإسرائيلي ثم الأنصاري، كان حليفًا لهم من بني قينقاع، وهو من ولد يوسف بن يعقوب - ﵉ -، وكان اسمه في الجاهلية الحصين، فسماه النبي - ﷺ - حين أسلم عبد الله، وكان إسلامه لما قدم النبي - ﷺ - المدينة مهاجرًا، وفي الترمذي: أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إنه عاشر عشرة في الجنة\"، توفي سنة ثلاث وأربعين - ﵁ -، انتهى من \"القسطلاني\" (^١).\nوقال الحافظ (^٢): زعم الداودي أنه كان من أهل بدر، ولا يثبت، وغلط من قال: إنه أسلم قبل وفاة النبي - ﷺ - بعامين، انتهى من \"الفتح\".\nقوله: (ما سمعت النبي - ﷺ - يقول لأحد. . .) إلخ، قال العلَّامة السندي (^٣): يحتمل أن الحصر بالنظر إلى خصوص اللفظ، وهو لفظ \"إنه في الجنة\"، أو بالنظر إلى خصوص الحالة وهي حالة المشي أو بالنظر إليهما، ويحتمل أن الحصر بالنظر إلى السماع، وهو الذي اختاره النووي، انتهى.\nووجه الحافظ بوجوه أخر، فارجع إليه لو شئت (^٤).\nقوله: (لا ينبغي لأحد أن يقول ما لا يعلم) تكلم عليه الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٥)، ووجهه بحيث لا يرد ما أورده المحشي، وذكر في \"هامشه\" كلام الشرَّاح فارجع إليه لو شئت.\n\n(٢٠ -<span data-type='title' id=toc-2381> باب تزوج النبي - ﷺ - خديجة وفضلها)</span>\nهكذا وقع ههنا في النسخ الهندية، وكذا في نسخة \"العيني\" و\"القسطلاني\"، وفي نسخة \"الفتح\" هذا الباب مؤخر من ذكر جرير وذكر\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٨/ ٣٢٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٧/ ١٢٩).\n(^٣) \"صحيح البخاري بحاشية السندي\" (٢/ ٣١٤).\n(^٤) انظر: \"فتح الباري\" (٧/ ١٣٠).\n(^٥) \"لامع الدراري\" (٨/ ٢٠٠).","vol":"4","page":513},{"text":"حذيفة، ورجحه الحافظ (^١) إذ قال: وقع ذكر جرير وحذيفة مؤخرًا عن ذكر خديجة، وفي بعضها مقدمًا وهو أليق، فإن الذي يظهر أنه أخر ذكر خديجة عمدًا لكون غالب أحوالها متعلقة بأحوال النبي - ﷺ - قبل المبعث، فوقع له في ذلك حسن التخلص من المناقب التي استطرد من ذكر النبي - ﷺ - إليها، فلما فرغ منها رجع إلى بقية سيرته ومغازيه، والله أعلم، انتهى.\nقلت: الظاهر عند هذا العبد الضعيف: أن المصنف لما فرغ عن المناقب شرع من ههنا ذكر الواقعات المهمة من بدء المبعث، ومنها تزويجه - ﷺ - خديجة - ﵂ -.\nأما خديجة فهي بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشية الأسدية، أول خلق الله إسلامًا اتفاقًا، وكانت له - ﷺ - وزير صدق عند ما بعث، فكان لا يسمع من المشركين شيئًا يكرهه من ردٍّ عليه وتكذيب له إلا فرَّج الله بها عنه تثبته وتصدقه، وتخفف عنه وتُهَوِّن عليه ما يلقى من قومه، واختارها الله تعالى له - ﷺ - لما أراد بها من كرامته، وكانت تدعى في الجاهلية الطاهرة، تزوجها - ﷺ - وسنه خمس وعشرون سنة في قول الجمهور، وكانت قبله عند أبي هالة بن النباش بن زياد التميمي حليف بني عبد الدار، وتوفيت على الصحيح بعد النبوَّة بعشر سنين في شهر رمضان، فأقامت معه - ﷺ - خمسًا وعشرين سنة، واستشكل قوله - في الترجمة -: \"تزويج\" بصيغة التفعيل إذ مقتضاه أن يكون التزويج لغيره، وأجيب بأن التفعيل قد يجيء بمعنى التفعل، أو المراد تزويجه - ﷺ - خديجة من نفسه، انتهى من \"القسطلاني\" (^٢).\nقال الحافظ (^٣): ذكر المصنف في الباب أحاديث لا تصريح فيها بما في الترجمة، إلا أن ذلك يؤخذ بطريق اللزوم من قول عائشة: \"ما غرت على امرأة\"، ومن قوله - ﷺ -: \"وكان لي منها ولد\"، وغير ذلك، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ١٣٣).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٨/ ٣٢٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٧/ ١٣٥).","vol":"4","page":514},{"text":"(٢١ -<span data-type='title' id=toc-2382> باب ذكر جرير بن عبد الله البجلي)</span>\nابن جابر - وهو الشليل بشين معجمة مفتوحة فلامين بينهما تحتية ساكنة - ابن مالك من بني أنمار بن أراش، نسبوا إلى أمهم بجيلة، يكنى أبا عمرو على المشهور، واختلف في وقت إسلامه، والصحيح أنه في سنة الوفود سنة تسع، ووهم من قال: إنه أسلم قبل موت النبي - ﷺ - بأربعين يومًا؛ لما ثبت في \"الصحيح\": إن النبي - ﷺ - قال له: \"استنصت الناس\" في حجة الوداع، وذلك قبل موته - ﷺ - بأكثر من ثمانين يومًا، وكان موت جرير سنة خمسين، وقيل: بعدها، انتهى من \"الفتح\" (^١) [\"والقسطلاني\"] (^٢).\nوقال الحافظ (^٣) أيضًا: قوله: \"وكان يقال له: الكعبة اليمانية. . .\" إلخ، استشكل الجمع بين هذين الوصفين، وسيأتي جوابه في أواخر المغازي، انتهى.\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٤): ليس المعنى: أن هذين الاسمين كانا له، بل المعنى أن الكعبة البيت الحرام لأجل الكعبة اليمانية احتاج إلى تمييزها بالصفة الزائدة للاشتراك في الاسم، فقوله: كان يقال له معناه: كان يقال لأجله إذ لو لم تكن لم يحتج إلى زيادة الصفة للتمييز لحصول التميز بمطلق الاسم، انتهى.\nوبسط الكلام في \"هامشه\" في شرح هذا القول.\nوفيه أيضًا: وما اختاره الشيخ قُدِّس سرُّه هو ما اختاره السهيلي، كما تقدم في كلام الحافظ. وهو مختار العلَّامة السندي (^٥)، والأوجه عند هذا العبد الضعيف ما أتذكره من زمان الدرس أن الضمير المجرور في قوله: \"له\" راجع إلى بيت الجاهلية، والمعنى يقال: ذو الخلصة، ويقال له:\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٧/ ١٣٢).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٨/ ٣٣٥).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٧/ ١٣٢).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٨/ ٢٠١ - ٢٠٣).\n(^٥) \"صحيح البخاري بحاشية السندي\" (٢/ ٣١٦).","vol":"4","page":515},{"text":"الكعبة اليمانية، وأما قوله: الكعبة الشامية جملة مستأنفة مبتدأ وخبر، والمعنى: والكعبة المكرمة المعظمة البيت الحرام يقال له: الشامية، ثم الغرض من هذه الترجمة على ما اخترته هو بيان هدم ذي الخلصة، وهي من جملة الوقائع المهمة، وهو المقصود عندي من سياق هذه التراجم كما تقدم.\n\n(٢٢ -<span data-type='title' id=toc-2383> باب ذكر حذيفة بن اليمان العبسي)</span>\nبالموحدة، واسم اليمان حصل - بمهملتين وكسر أوله وسكون ثانيه ثم لام - ابن جابر، له ولأبيه صحبة، رضي الله تعالى عنهما، قاله الحافظ (^١).\nزاد القسطلاني (^٢): وإنما قيل له اليمان؛ لأنه أصاب دمًا في قومه فهرب إلى المدينة، وحالف بني عبد الأشهل من الأنصار، فسماه قومه اليمان؛ لأنه حالف الأنصار، وهو من اليمن، وكان صاحب سر رسول الله - ﷺ -، واستعمله عمر - ﵁ - أميرًا على المدائن، ومات بعد قتل عثمان بأربعين يومًا سنة ست وثلاثين، وسقط لفظ \"باب\" لأبي ذر، انتهى.\nقلت: وقد تقدم ذكر حذيفة مع عمار قبل عدة أبواب، وتقدم هنا الكلام على التكرار وغير ذلك، وتقدم قريبًا عن الحافظ أن الأليق ذكر هذا الباب قبل \"باب تزويج خديجة\"، ويمكن توجيهه عندي: أن المقصود ههنا بيان معاداة إبليس واجتهاده في أذى المسلمين في مبدأ الإسلام، فتأمل، ويشكل عليه أنه كان حقه إذًا أن يذكر بعد المبعث، ويمكن التفصي عنه بأن يقال: إن الجن كانوا مبهوتين من وقت ولادته - ﷺ -.\n\n(٢٣ -<span data-type='title' id=toc-2384> باب ذكر هند بنت عتبة بن ربيعة)</span>\nوعندي: أن المقصود بيان عداوة المشركين في مبدأ الإسلام حتى النساء يحببن ذلة المسلمين، لكن فيه أن العداوة حدثت بعد المبعث، فكان ينبغي ذكرها بعدها.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٧/ ١٣٢).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٨/ ٣٣٧).","vol":"4","page":516},{"text":"وقال الحافظ (^١): هي بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، وهي والدة معاوية، قتل أبوها ببدر كما سيأتي في المغازي، وشهدت مع زوجها أبي سفيان أحدًا، وحرَّضت على قتل حمزة عم النبي - ﷺ - لكونه قتل عمها شيبة، وشرك في قتل أبيها عتبة، فقتله وحشي بن حرب كما سيأتي بيان ذلك في حديث وحشي، ثم أسلمت هند يوم الفتح، وكانت من عقلاء النساء، وكانت قبل أبي سفيان عند الفاكه بن المغيرة المخزومي، ثم طلقها في قصة جرت، فتزوجها أبو سفيان، فأنتجت عنده، وهي القائلة للنبي - ﷺ - لما شرط على النساء المبايعة ولا يسرقن ولا يزنين: \"وهل تزني الحرة\"، وماتت هند في خلافة عمر، انتهى من \"الفتح\".\nوقال القسطلاني (^٢): أسلمت في الفتح بعد إسلام زوجها أبي سفيان، وأقرها رسول الله - ﷺ - على نكاحها، وكانت امرأة ذات أنفة ورأي وعقل، وشهدت أُحدًا كافرة، فلما قتل حمزة مثّلت به وشقت كبده فلاكتها، انتهى.\nقال الحافظ (^٣): وقد كانت هند في منزلة أمهات نساء النبي - ﷺ -؛ لأن أم حبيبة - ﵂ - إحدى زوجاته - ﷺ - بنت زوجها أبي سفيان، انتهى.\n\n(٢٤ -<span data-type='title' id=toc-2385> باب حديث زيد بن عمرو بن نفيل)</span>\nابن عبد العزى بن رباح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك القرشي العدوي، والد سعيد بن زيد أحد العشرة المبشرة، وابن عم عمر بن الخطاب - ﵁ -، يجتمع هو وعمر في نفيل، وسقط لفظ \"باب\" لأبي ذر، انتهى من \"القسطلاني\" (^٤).\nقال الحافظ (^٥): وكان ممن طلب التوحيد، وخلع الأوثان، وجانب الشرك، لكنه مات قبل المبعث، فروى محمد بن سعد والفاكهي من حديث\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٧/ ١٤١).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٨/ ٣٣٨).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٧/ ١٤٢).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (٨/ ٣٣٩).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٧/ ١٤٣).","vol":"4","page":517},{"text":"عامر بن ربيعة حليف بني عدي بن كعب قال: قال لي زيد بن عمرو: إني خالفت قومي، واتبعت ملة إبراهيم وإسماعيل وما كانا يعبدان، وكانا يصليان [إلى] هذه القبلة، وأنا أنتظر نبيًا من بني إسماعيل يبعث، ولا أراني أدركه، وأنا أؤمن به وأصدقه وأشهد أنه نبي، وإن طالت بك حياة فأقرئه مني السلام، قال عامر: فلما أسلمت أعلمت النبي - ﷺ - بخبره، قال: فردَّ ﵇ وترحّم عليه، قال: \"ولقد رأيته في الجنة يسحب ذيولًا\"، وروى البزار والطبراني من حديث سعيد بن زيد قال: \"خرج زيد بن عمرو وورقة بن نوفل يطلبان الدين، حتى أتيا الشام، فتنصر ورقة، وامتنع زيد، فأتى الموصل فلقي راهبًا، فعرض عليه النصرانية فامتنع\" وذكر الحديث نحو حديث ابن عمر الآتي في ترجمته، وفيه: \"قال سعيد بن زيد: فسألت أنا وعمر رسول الله - ﷺ - عن زيد، فقال: غفر الله له ورحمه، فإنه مات على دين إبراهيم\"، وروى الزبير بن بكار من طريق هشام بن عروة قال: بلغنا أن زيدًا كان بالشام، فبلغه مخرج النبي - ﷺ -، فأقبل يريده، فقتل بمضيعة من أرض البلقاء، وقال ابن إسحاق: لما توسط بلاد لخم قتلوه، وقيل: إنه مات قبل المبعث بخمس سنين عند بناء قريش الكعبة، انتهى من \"الفتح\".\nوعلى هذا فالترجمة على محلها، ويمكن الإشارة إلى حال الجاهلية بأن بعضهم كانوا طالبين الدين أيضًا، وهذا بيان لشدة استعدادهم الخير.\nوقال العيني (^١): ولما مات دفن بأصل حراء، ثم قال: فإن قلت: ما حكمه من جهة الدين؟ قلت: ذكره الذهبي في \"تجريد الصحابة\" وقال: قال النبي - ﷺ -: \"يبعث أمة وحده\"، وعن جابر - ﵁ - قال: سئل رسول الله عن زيد بن عمرو بن نفيل أنه كان يستقبل القبلة في الجاهلية ويقول: إلهي إله إبراهيم، وديني دين إبراهيم، ويسجد، فقال رسول الله - ﷺ -: \"يحشر ذاك أمة وحده، بيني وبين عيسى ابن مريم - ﵉ -\" رواه ابن أبي شيبة، وذكر\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١١/ ٥٣٨، ٥٣٩).","vol":"4","page":518},{"text":"الروايات التي تقدم في كلام الحافظ، وقال أيضًا: فإن قلت: لم ذكر البخاري هذا الباب في كتابه؟ قلت: أشار به إلى أن النبي لقيه قبل أن يبعث، وذكر في شأنه ما ذكره حتى إن الذهبي وغيره ذكروه في الصحابة، وقال صاحب \"التوضيح\": ميل البخاري إليه، قلت: فلذلك ذكره بين ذكر الصحابة، انتهى.\n\n(٢٥ -<span data-type='title' id=toc-2386> باب بنيان الكعبة)</span>\nأي: على يد قريش في حياة النبي - ﷺ - قبل بعثته، وقد تقدم ما يتعلق ببناء إبراهيم - ﵇ - قبل بناء قريش، وما يتعلق ببناء عبد الله بن الزبير في الإسلام، وذكر بن إسحاق وغيره: إن قريشًا لما بنت الكعبة كان عمر النبي - ﷺ - خمسًا وعشرين سنة، وروى إسحاق بن راهويه من طريق خالد بن عرعرة عن علي - ﵁ - في قصة بناء إبراهيم - ﵇ - البيت قال: فمر عليه الدهر فانهدم، فبنته العمالقة فمر عليه الدهر فانهدم، فبنته جرهم فمر عليه الدهر فانهدم، فبنته قريش ورسول الله - ﷺ -[يومئذ] شاب، فلما أرادوا أن يضعوا الحجر الأسود اختصموا فيه، فقالوا: نحكم بيننا أول من يخرج من هذه السكة، فكان النبي - ﷺ - أول من خرج منها، فحكم بينهم أن يجعلوه في ثوب ثم يرفعه من كل قبيلة رجل، وذكر أبو داود الطيالسي في الحديث، وفيه: فأمر بثوب، فوضع الحجر في وسطه، وأمر كل فخذ أن يأخذوا بطائفة من الثوب، فرفعوه، ثم أخذه فوضعه بيده، انتهى من \"العيني\" (^١) وبسطه.\n\n(٢٦ -<span data-type='title' id=toc-2387> باب أيام الجاهلية)</span>\nقال الحافظ (^٢): أي: مما كان بين المولد النبوي والمبعث، هذا هو المراد به هنا، ويطلق غالبًا على ما قبل البعثة، ومنه ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١١/ ٥٤٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٧/ ١٤٩).","vol":"4","page":519},{"text":"ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، وقوله: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب: ٣٣]، ومنه أكثر أحاديث الباب، وأما جزم النووي في عدة مواضع من \"شرح مسلم\" أن هذا هو المراد حيث أتى ففيه نظر؛ فإن هذا اللفظ وهو الجاهلية يطلق على ما مضى، والمراد ما قبل إسلامه، وضابط آخره غالبًا فتح مكة، ومنه قول مسلم في \"مقدمة صحيحه\": إن أبا عثمان وأبا رافع أدركا الجاهلية، وقول ابن عباس: سمعت أبي يقول في الجاهلية: اسقنا كأسًا دهاقًا، وابن عباس إنما ولد بعد البعثة، وأما قول عمر: نذرت في الجاهلية فمحتمل، وقد نبَّه على ذلك شيخنا العراقي في الكلام على المخضرمين من علوم الحديث، انتهى.\nقال القسطلاني (^١): أيام الجاهلية أيام الفترة، وسميت بها لكثرة جهالاتهم، وسقط لأبي ذر لفظ: \"باب\"، انتهى.\nوقوله: (إن هذا الحديث له شأن) أي: قصة طويلة، وذكر موسى بن عقبة أن السيل كان يأتي من فوق الردم الذي بأعلى مكة، فيجريه، فتخوفوا أن يدخل الماء الكعبة، فأرادوا تشييد بنيانها، وكان أول من طلعها وهدم منها شيئًا الوليد بن المغيرة، وذكر القصة في بنيان الكعبة قبل المبعث النبوي، وأخرج الشافعي في \"الأم\" بسند له عن عبد الله بن الزبير: أن كعبًا قال له وهو يعمل بناء مكة: اشدده وأوثقه، فإنا نجد في الكتب أن السيول ستعظم في آخر الزمان، انتهى.\nفكان الشأن المشار إليه أنهم استشعروا من ذلك السيل الذي لم يعهدوا مثله أنه مبدأ السيول المشار إليها، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\nقوله: (كنت في أهلك ما أنت) اختلفوا في معنى هذا الكلام على أقوال ذكرت في هامش \"اللامع\"، وأفاد الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٣) فأجاد\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٨/ ٣٤٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٧/ ١٥٠).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٨/ ٢٠٦).","vol":"4","page":520},{"text":"حيث كتب: والظاهر في معناها أنها كلمة تحسر، والمقصود أنك كنت ما كنت واليوم صرت لا تقدرين على شيء، انتهى.\n\n(٢٧ -<span data-type='title' id=toc-2388> القسامة في الجاهلية)</span>\nهذه الترجمة موجودة في النسخ الهندية، وكذا في نسخة \"العيني\" و\"القسطلاني\"، وليست في نسخة \"الفتح\".\nقال الحافظ (^١): ثبت عند أكثر الرواة عن الفربري هنا ترجمة \"القسامة في الجاهلية\"، ولم يقع عند النسفي وهو أوجه؛ لأن الجميع من ترجمة أيام الجاهلية، ويظهر ذلك من الأحاديث التي أوردها تلو هذا الحديث، انتهى.\nقلت: ذكر البخاري فيه حديث القسامة بطوله، ويأتي \"باب القسامة\" في محله من \"كتاب الديات\"، وسيأتي الكلام عليه من حيث الفقه واختلاف الأئمة وغير ذلك من المباحث هناك إن شاء الله، وهي من الأمور الجاهلية التي أثبتها الشرع، فلذلك ذكرها المصنف - ﵀ - ههنا.\nقوله: (قد انقطعت عروة جوالقه) أجاد الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٢) في توضيح معناه، ولم يتعرض لذلك أحد من الشرَّاح فكتب: أراد به العروة التي يشد بها بين الجوالقين ليحمل بهما على الدابة، ولما كان يرد على مسألته تلك إني أعطيتك عقالي نفرًا، بلى الذي أعطيتك عقاله دفعه، فقال: لا تنفر الإبل فإن العادة أن بعيرًا أو بعيرين إن بقيا غير معقولين فإنهما لا ينفران، فإن سائر جمالك إذا كانت معقولة لم يضرك لو تترك واحدًا منها غير معقول.\nوقوله: (عقلت الإبل إلا بعيرًا) فإنه لم يعقل، ولا يردّ عليه أنه لم يصدق قول الهاشمي الذي بيَّن له، ووجه عدم الورود أنه كان قد نفى النفور فقط، ولم يوجد، نعم تنبه مالكه أنه لم يعقل، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٧/ ١٥٦).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٨/ ٢٠٨).","vol":"4","page":521},{"text":"قوله: (ليس السعي ببطن الوادي سُنَّة) كتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): إن كان المراد أنهم كانوا يشتدون بين الجبلين كملا، ولا يكتفون في الاشتداد بين الميلين كما هو السُّنَّة الآن صح نسبته إليهم، وإن كان المراد هو الذي معمول بيننا كما يدل عليه قوله: ليس السعي ببطن الوادي، حيث صرح بلفظ البطن، فالمراد أنه ليس سُنَّة مبتدأة من النبي - ﷺ -، بل سُنَّة إبراهيمية قديمة حتى استعى العرب أيضًا، انتهى.\nوذكر في \"هامشه\" توجيهات أخر، فارجع إليه لو شئت.\nقوله: (قد زنت فرجموها) قالت الكرماني (^٢): قال ابن عبد البر: إضافة الزنا إلى غير المكلف وإقامة الحدود في البهائم عند جماعة أهل العلم منكر، ولو صح لكانوا من الجن؛ لأن العبادات في الجن والإنس دون غيرهما إلى آخر ما بسط من الكلام عليه في هامش \"اللامع\".\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٣): قوله: \"قد زنت\" والله أعلم كيف فهم الرجل أنها زنت، إذ ليس فيهم زواج، وأنها ليست بزوجته، وأنهم يريدون قتلها حدًّا، ولا يدرى وجهه، انتهى.\n\n(٢٨ -<span data-type='title' id=toc-2389> باب مبعث النبي - ﷺ </span>-)\nالمبعث مصدر ميمي من البعث وهو الإرسال، وساق المصنف ههنا النسب الشريف.\nقوله: (محمد. . .) إلخ، قال العلَّامة العيني (^٤): بالجر عطف بيان للنبي - ﷺ -، انتهى.\nقال الحافظ (^٥): واقتصر البخاري من النسب الشريف على عدنان، وقد أخرج في \"التاريخ\" عن عبيد بن يعيش عن يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٨/ ٢٠٩).\n(^٢) \"شرح الكرماني\" (١٥/ ٧٥).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٨/ ٢١٢).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١١/ ٥٥٩).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٧/ ١٦٤).","vol":"4","page":522},{"text":"مثل هذا النسب، وزاد بعد عدنان: ابن أدد بن المقوم بن تارح بن يشجب بن يعرب بن نابت بن إسماعيل بن إبراهيم - ﵇ -، وقد قدمت في أول الترجمة النبوية الاختلاف فيمن بين عدنان وإبراهيم، وفيمن بين إبراهيم وآدم، وأخرج ابن سعد من حديث ابن عباس: \"أن النبي - ﷺ - كان إذا انتسب لم يجاوز في نسبه معد بن عدنان\"، انتهى.\nقال القسطلاني (^١): وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: ما وجدنا من يعرف ما وراء عدنان إلى ما وراء قحطان، وقال ابن جريج عن القاسم بن أبي مرة عن عكرمة: أضلت نزار نسبها من عدنان، انتهى.\nقوله: (أنزل على رسول الله - ﷺ - وهو ابن أربعين) هذا هو المقصود من هذا الحديث في هذا الباب، وهو متفق عليه، وقد مضى في صفة النبي - ﷺ - حديث أنس: \"أنه - ﷺ - بعث على رأس أربعين\"، وتقدم في بدء الوحي: أنه أنزل عليه في شهر رمضان، فعلى الصحيح المشهور أن مولده في شهر ربيع الأول يكون حين أنزل عليه ابن أربعين سنة وستة أشهر، وكلام ابن الكلبي يؤذن بأنه ولد في رمضان فإنه قال: مات وله اثنتان وستون سنة ونصف سنة، وقد أجمعوا على أنه مات في ربيع الأول فيستلزم ذلك أن يكون ولد في رمضان، وبه جزم الزبير بن بكار، وهو شاذ، وفي مولده أقوال أخر أشدّ شذوذًا من هذا، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\nوقال أيضًا (^٣) في تفسير سورة اقرأ تحت قوله: \"وهو في غار حراء فجاءه الملك\".\nتنبيه: إذا علم أنه كان يجاور في غار حراء في شهر رمضان، وأن ابتداء الوحي جاءه وهو في الغار المذكور، اقتضى ذلك أنه نبئ في شهر رمضان، ويعكر على قول ابن إسحاق: أنه بعث على رأس الأربعين مع قوله: إنه في شهر رمضان ولد، ويمكن أن يكون المجيء في الغار كان\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٨/ ٣٦٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٧/ ١٦٤).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٧١٦ - ٧١٨).","vol":"4","page":523},{"text":"أولًا في شهر رمضان، وحينئذ نبئ وأنزل عليه ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾، ثم كان المجيء الثاني في شهر ربيع الأول بالإنذار، وأنزلت عليه ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢)﴾، فيحمل قول ابن إسحاق على رأس الأربعين، أي: عند المجيء بالرسالة، والله أعلم، انتهى.\nوقال أيضًا (^١) تحت قوله: \"الليالي ذوات العدد\": في رواية ابن إسحاق: أنه كان يعتكف شهر رمضان، وقال أيضًا تحت قوله: \"فيتزود لمثلها\": ويؤخذ منه إعداد الزاد للمتخلي، إذا كان بحيث يتعذر عليه تحصيله لبعد مكان اختلائه من البلد مثلًا، وأن ذلك لا يقدح في التوكل، وذلك لوقوعه من النبي - ﷺ - بعد حصول النبوَّة له بالرؤيا الصالحة، وإن كان الوحي في اليقظة قد تراخى عن ذلك، انتهى.\nقلت: وهذا تصريح من الحافظ قُدِّس سرُّه بحصول النبوَّة له - ﷺ - في زمان الرؤيا الصالحة، كما هو ظاهر قوله: \"أول ما بدئ من الوحي الرؤيا الصالحة\".\nقوله: (بمكة ثلاث عشرة سنة): هذا أصح مما رواه مسلم من طريق عمار بن أبي عمار عن ابن عباس: \"أن النبي - ﷺ - أقام بمكة خمس عشرة سنة\"، وسيأتي البحث في ذلك في أبواب الهجرة إن شاء الله تعالى، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\nوبسط الكلام في \"الأوجز\" (^٣) في زمان مبعثه - ﷺ - على أقوال كثيرة، والراجح أنه مبعثه - ﷺ - كان وهو ابن أربعين سنة، وأقام بمكة المكرمة ثلاث عشرة سنة، وبالمدينة المنورة عشر سنين، وتوفي وهو ابن ثلاث وستين، وهذا هو الراجح المعتمد، وما روي في ذلك من الروايات المختلفة بسط الكلام عليها في \"الأوجز\"، وسيأتي شيء من ذلك في \"باب وفاة النبي - ﷺ -\" من آخر \"المغازي\".\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٧١٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٧/ ١٦٤).\n(^٣) \"أوجز المسالك\" (١٦/ ٢٢٤ - ٢٢٧).","vol":"4","page":524},{"text":"(٢٩ -<span data-type='title' id=toc-2390> باب ذكر ما لقي النبي - ﷺ - وأصحابه من المشركين بمكة)</span>\nأي: من وجوه الأذى، وذكر فيه أحاديث في المعنى، وقد تقدم في \"ذكر الملائكة\" من بدء الخلق حديث عائشة: أنها قالت للنبي - ﷺ -: \"هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أُحد؟ قال: لقد لقيت من قومك، وكان أشد ما لقيت منهم\" فذكر قصته بالطائف، وروى أحمد والترمذي وابن حبان عن أنس مرفوعًا: \"لقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد، وأخفت في الله وما يخاف أحد\" الحديث، وقد استشكل بما جاء من صفات ما أوذي به الصحابة كما سيأتي لو ثبت، ثم ذكر بعض تلك الروايات الواردة في أذى الصحابة، ثم قال: وأجيب بأن جميع ما أوذي به أصحابه كان يتأذى هو به لكونه بسببه، واستشكل أيضًا بما أوذي به الأنبياء من القتل كما في قصة زكريا وولده يحيى، ويجاب بأن المراد هنا غير إزهاق الروح، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوقال أيضًا (^٢): تنبيه: كان حق هذا الحديث - أي: الحديث الثاني حديث ابن مسعود - أن يذكر في \"باب الهجرة إلى الحبشة\" المذكور بعد قليل، فسيأتي فيها أن سجود المشركين المذكور فيه كان سبب رجوع من هاجر الهجرة الأولى إلى الحبشة، لظنهم أن المشركين كلهم أسلموا، فلما ظهر لهم خلاف ذلك هاجروا الهجرة الثانية، انتهى.\nقلت: ويمكن عندي أن يوجه أن ذلك لما كان سببًا لزيادة المشقة والتعب في حق الصحابة ذكره في هذا الباب.\n\n(٣٠ -<span data-type='title' id=toc-2391> باب إسلام أبي بكر الصديق - ﵁ </span>-)\nكان حق هذا الباب أن يكون متقدمًا جدًا، إما في \"باب المبعث\" أو عقبه، لكن وجهه ههنا ما وقع في حديث عمرو بن العاص الذي قبله أنه\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٧/ ١٦٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٧/ ١٦٧).","vol":"4","page":525},{"text":"قام بنصر النبي - ﷺ - وتلا الآية المذكورة، فدل ذلك على أن إسلامه متقدم على غيره، بحيث أن عمارًا مع تقدم إسلامه لم ير مع النبي - ﷺ - غير أبي بكر وبلال، وعنى بذلك الرجال، وبلال إنما اشتراه أبو بكر لينقذه من تعذيب المشركين لكونه أسلم، وقال أيضًا: ذكر المصنف فيه حديث عمار، واكتفى به؛ لأنه لم يجد شيئًا على شرطه غيره، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(٣١ -<span data-type='title' id=toc-2392> باب إسلام سعد)</span>\nولأبي ذر زيادة \"ابن أبي وقاص\"، وسقط في نسخته لفظ \"باب\".\nقال الحافظ (^٢): ذكر فيه حديثه، وقد تقدم في مناقبه، ومناسبته لما قبله، واجتماعهما في أن كلًا منهما يقتضي سبق من ذكر فيه إلى الإسلام خاصة، لكنه محمول على ما اطلع عليه، وإلا فقد أسلم قبل إسلام بلال وسعد خديجة وسعد بن حارثة وعلي بن أبي طالب وغيرهم.\nقوله: (ما أسلم أحد إلا في اليوم الذي أسلمت فيه) قاله بحسب ما علمه وإلا فقد أسلم قبله خديجة وعلي وأبو بكر وزيد ونحوهم، وقال الكرماني: لعلهم أسلموا أول النهار وهو آخره، انتهى (^٣).\n\n(٣٢ -<span data-type='title' id=toc-2393> باب ذكر الجن)</span>\nتقدم الكلام عليه في أوائل بدء الخلق. (وقول الله - ﷿ -: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ الآية) [الجن: ١]، يريد تفسير هذه الآية، وقد أنكر ابن عباس أنهم اجتمعوا بالنبي - ﷺ - كما تقدم في الصلاة أنه قال: \"ما قرأ النبي - ﷺ - على الجن ولا رآهم\" الحديث، وحديث أبي هريرة في هذا الباب، وإن كان ظاهرًا في اجتماع النبي - ﷺ - بالجن وحديثه معهم، لكنه ليس فيه أنه قرأ عليهم، ولا أنهم الجن الذين استمعوا القرآن؛ لأن في حديث أبي هريرة: \"أنه كان\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٧/ ١٧٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٧/ ١٧٠).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (٨/ ٣٢٧).","vol":"4","page":526},{"text":"مع النبي - ﷺ - ليلتئذ\"، وأبو هريرة إنما قدم على النبي - ﷺ - في السنة السابعة المدينة، وقصة استماع الجن للقرآن كان بمكة قبل الهجرة، وحديث ابن عباس صريح في ذلك، فيجمع بين ما نفاه وما أثبته غيره بتعدد وفود الجن على النبي - ﷺ -، إلى آخر ما بسط الحافظ (^١).\nقلت: وفي \"مجمع البحار\" (^٢) \"تاريخ الخميس\" (^٣): أن قدومهم كان سنة عشر، وعلى هذا فذكر الجن ههنا ليس على محله، والجواب أن مجيئهم وإن كان على المشهور سنة عشر كما تقدم، لكن التحقيق أن وفادة الجن وقعت بمرات، فمنها بمكة ثلاث مرات، كما ذكر في هامش \"الكوكب الدري\" (^٤) أيضًا، ورميهم بالشهب كان بعد عشرين يومًا من المبعث كما في \"تاريخ الخميس\"، وقد وقع الاضطراب فيهم قبيل المبعث أو بعده قريبًا كما سيأتي في \"باب إسلام عمر\" من حديث عمر، وفيه: \"ألم تر الجن وإبلاسها ويأسها من بعد إنكاسها\" الحديث.\nثم رأيت الحافظ: قال (^٥) بعد ذكر قول ابن إسحاق: أن استماع الجن كان بعد رجوع النبي - ﷺ - من الطائف لما خرج إليها يدعو ثقيفًا إلى نصره، وكان ذلك في سنة عشر من المبعث، وقول من قال: إن وفود الجن كان بعد رجوعه - ﷺ - من الطائف ليس صريحًا في أولية قدوم بعضهم، والذي يظهر من سياق الحديث الذي فيه المبالغة في رمي الشهب لحراسة السماء من استراق الجن السمع دالٌّ على أن ذلك كان قبل المبعث النبوي وإنزال الوحي إلى الأرض، فكشفوا ذلك إلى أن وقفوا على السبب، ولذلك لم يقيِّد الترجمة بقدوم ولا وفادة، ثم لما انتشرت الدعوة وأسلم من أسلم قدموا فسمعوا فأسلموا، وكان ذلك بين الهجرتين، ثم تعدد مجيئهم حتى في المدينة، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٧/ ١٧١).\n(^٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٥/ ٢٧٢).\n(^٣) \"تاريخ الخميس\" (١/ ٣٠٣).\n(^٤) \"الكوكب الدري\" (١/ ١٢١).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٧/ ١٧٢).","vol":"4","page":527},{"text":"فثبت بهذا كله أن هذا الباب ليس في غير محله.\n\n(٣٣ -<span data-type='title' id=toc-2394> باب إسلام أبي ذر)</span>\nتقدم هذا الباب قبل \"باب جهل العرب\" من \"كتاب بدء الخلق\"، وذكر هناك اختلاف النسخ، وهذه الترجمة بحسب بعض النسخ مكررة، فذكرها ههنا ثانيًا لكون إسلامه في بدء المبعث، فقد قيل: إن إسلامه كان بعد أربعة، كما في \"الإصابة\" (^١).\nوأبو ذر اسمه جندب، وقيل: بريد بن جنادة - بضم الجيم والنون الخفيفة - ابن سفيان، وقيل: سفير بن عبيد بن حرام بالمهملتين ابن غفار، وغفار من بني كنانة، واختلف في اسمه واسم أبيه اختلافًا كثيرًا، وأمه رملة بنت الوقيعة من بني غفار، قال خليفة بن خياط: مات سنة اثنتين وثلاثين بالربذة قرية من قرى المدينة في خلافة عثمان بن عفان، وصلى عليه عبد الله بن مسعود ﵁ وعنهم أجمعين، انتهى من \"الفتح\" (^٢) و\"العيني\" (^٣).\nوقال الحافظ في \"الإصابة\" (^٤): أبو ذر الغفاري الزاهد المشهور الصادق اللهجة، مختلف في اسمه واسم أبيه، والمشهور أنه جندب بن جنادة بن سكن، وقيل: ابن عبد الله، وقيل: اسمه برير، وقيل بالتصغير، والاختلاف في أبيه كذلك، ووقع في رواية لابن ماجه: \"أن النبي - ﷺ - قال لأبي ذر: يا جنيدب\"، وكان من السابقين إلى الإسلام، وقصة إسلامه في الصحيحين على صفتين بينهما اختلاف ظاهر إلى آخر ما بسط، وكانت وفاته بالربذة سنة إحدى وثلاثين، وقيل: في التي بعدها، وعليه الأكثر، ويقال: إنه صلى عليه عبد الله بن مسعود في قصة رويت بسند لا بأس به، انتهى.\n_________\n(^١) \"الإصابة\" (٤/ ٦٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٧/ ١٧٣).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١١/ ٥٧٣، ٥٧٤).\n(^٤) \"الإصابة\" (٤/ ٦٢ - ٦٤).","vol":"4","page":528},{"text":"(٣٤ -<span data-type='title' id=toc-2395> باب إسلام سعيد بن زيد)</span>\nأي: ابن عمرو بن نفيل، وأبوه تقدم ذكره، وأنه ابن ابن عم عمر بن الخطاب، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوقال القسطلاني (^٢): أحد العشر المبشرة بالجنة، وهو ابن عم عمر بن الخطاب وزوج أخته أم جميل فاطمة بنت الخطاب، انتهى.\nوقوله: (ابن عم عمر) كذا في الأصل، والصواب ابن ابن عم عمر كما تقدم في كلام الحافظ.\nقال الحافظ في \"الإصابة\" (^٣): أسلم قبل دخول رسول الله - ﷺ - دار الأرقم، وهاجر، وشهد أُحدًا والمشاهد بعدها، ولم يكن بالمدينة زمان بدر، فلذلك لم يشهدها، ذكر عروة وابن إسحاق وغيرهما في المغازي: أن رسول الله - ﷺ - ضرب له بسهمه يوم بدر؛ لأنه كان غائبًا بالشام، وكان إسلامه قديمًا قبل عمر، وكان إسلام عمر عنده في بيته؛ لأنه كان زوج أخته فاطمة.\nقال الواقدي: توفي بالعقيق، فحمل إلى المدينة، وذلك سنة خمسين، وقيل: إحدى وخمسين، وقيل: سنة اثنتين، وعاش بضعًا وسبعين سنة، وزعم الهيثم بن عدي أنه مات بالكوفة، وصلى عليه المغيرة بن شعبة، قال: وعاش ثلاثًا وسبعين سنة، انتهى.\nقوله: (وإن عمر لموثقي على الإسلام. . .) إلخ، قال الحافظ (^٤): أي: ربطه بسبب إسلامه إهانة له وإلزامًا بالرجوع عن الإسلام، وقال الكرماني (^٥) في معناه: كان يثبتني على الإسلام ويسددني، كذا قال، وكأنه ذهل عن قوله ها هنا: \"قبل أن يسلم\"، فإن وقوع التثبيت منه وهو كافر لضمره على\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٧/ ١٧٦).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٨/ ٣٧٧).\n(^٣) \"الإصابة\" (٢/ ٤٦).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٧/ ١٧٦).\n(^٥) \"شرح الكرماني\" (١٥/ ٨٥).","vol":"4","page":529},{"text":"الإسلام بعيد جدًا، مع أنه خلاف الواقع، إلى آخر ما قال.\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^١): يعني بذلك: أن الناس قد تفاوت ما بينهم في الزمان المتقدم والموجود، فإن عمر مع شدته على الكفر لم يزد على الوثاق، وأنتم قتلتم عثمان مع ادعائكم الإسلام والإيمان، ويحتمل أن يكون المعنى أنكم فعلتم بعثمان مع أنكم مسلمون، وقد كانت الكفار مع كفرهم يحثون على الإسلام ويحضون عليه، ولكنه موقوف على أن يثبت فعل عمر مع سعيد، كما ذكر أنه كان يجعله واثقًا على الإسلام، والثابت خلافه، انتهى.\nقلت: أجاد الشيخ قُدِّس سرُّه في توضيح هذا المعنى - أي: المعنى الأول من المعنيين -، وعلى هذا يكون تعلق قوله: \"إن عمر لموثقي. . .\" إلخ، مع ما صنعوا بعثمان واضح، وعلى ما ذكره الحافظ من معناه لا يرتبط إحدى الكلمتين بالأخرى كما وضح الارتباط بينهما في المعنى الذي ذكره الشيخ قُدِّس سرُّه، فللَّه دره، والبسط في هامش \"اللامع\".\n\n(٣٥ -<span data-type='title' id=toc-2396> باب إسلام عمر بن الخطاب - ﵁ </span>-)\nسقط لفظ: \"باب\" لأبي ذر، قاله القسطلاني (^٢).\nتقدم نسبه - ﵁ - في المناقب، وفي \"الخميس\" (^٣): وفي السنة السادسة من النبوَّة أسلم حمزة بن عبد المطلب وعمر بن الخطاب، وقد قيل: أسلما في سنة خمس، كذا في \"المنتقى\"، وكان إسلام حمزة قبل إسلام عمر بثلاثة أيام بعد دخول النبي - ﷺ - دار الأرقم، كذا في \"الصفوة\".\nقال الحافظ (^٤) في الحديث الثاني حديث ابن عمر: قوله: \"وأنا غلام\" في رواية أخرى: \"أنه كان ابن خمس سنين\"، وإذا كان كذلك خرج منه أن\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٨/ ٢١٥ - ٢١٧).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٨/ ٣٧٨).\n(^٣) \"تاريخ الخميس\" (١/ ٢٩٣).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٧/ ١٧٨).","vol":"4","page":530},{"text":"إسلام عمر كان بعد المبعث بست سنين أو بسبع؛ لأن ابن عمر كما سيأتي في المغازي كان يوم أُحد ابن أربع عشرة سنة، وذلك بعد المبعث بست عشرة سنة، فيكون مولده بعد المبعث بسنتين، انتهى.\nوقال أيضًا (^١): تنبيه: جعل ابن إسحاق إسلام عمر بعد هجرة الحبشة، ولم يذكر انشقاق القمر، فاقتضى صنيع المصنف أنه وقع في تلك الأيام، وقد ذكر ابن إسحاق من وجه آخر أن إسلام عمر كان عقب هجرة الحبشة الأولى.\nوقال أيضًا (^٢) بعد ذكر الحديث الرابع حديث ابن عمر: لمَح المصنف بإيراد هذه القصة في \"باب إسلام عمر\" بما جاء عن عائشة وطلحة عن عمر - ﵃ - من أن هذه القصة كانت سبب إسلامه، فروى أبو نعيم في \"الدلائل\": أن أبا جهل جعل لمن يقتل محمدًا مائة ناقة، قال عمر: فقلت له: يا أبا الحكم آلضمان صحيح؟ قال: نعم، قال: فتقلدت سيفي أريده، فمررت على عجل وهم يريدون أن يذبحوه، فقمت أنظر إليهم، فإذا صائح يصيح من جوف العجل: يا آل ذريح، أمر نجيح، رجل يصيح بلسان فصيح، قال عمر: فقلت في نفسي: إن هذا الأمر ما يراد به إلا أنا، قال: فدخلت على أختي فإذا عندها سعيد بن زيد، فذكر القصة في سبب إسلامه بطولها، وتأمل ما في إيراده - أي: المصنف - حديث سعيد بن زيد الذي بعد هذا - وهو الحديث الخامس - من المناسبة لهذه القصة، انتهى.\n\n(٣٦ -<span data-type='title' id=toc-2397> باب انشقاق القمر)</span>\nأي: في زمن النبي - ﷺ - على سبيل المعجزة له، وقد ترجم بمعنى ذلك في علامات النبوة. انتهى (^٣).\nقلت: وقد تقدم هناك الإشارة إلى وجه الفرق لئلا يتكرر، وانشقاق\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٧/ ١٨٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٧/ ١٨١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٧/ ١٨٢).","vol":"4","page":531},{"text":"القمر كما في \"تاريخ الخميس\" (^١): كان في السنة التاسعة من المبعث، وفي \"المواهب\" (^٢): كان قبل الهجرة بنحو خمس سنين.\nقوله: (إن أهل مكة. . .) إلخ قال الحافظ (^٣): هذا من مراسيل الصحابة؛ لأن أنسًا لم يدرك هذه القصة، وقد جاءت هذه القصة من حديث ابن عباس، وهو أيضًا ممن لم يشاهدها، ومن حديث ابن مسعود وجبير بن مطعم وحذيفة وهؤلاء شاهدوها، ولم أر في شيء من طرقه أن ذلك كان عقب سؤال المشركين إلا في حديث أنس، فلعله سمعه من النبي - ﷺ -، ثم وجدت في بعض طرق حديث ابن عباس بيان صورة السؤال، وهو وإن كان لم يدرك القصة لكن في بعض طرقه ما يشعر بأنه حمل الحديث عن ابن مسعود كما سأذكره، فأخرج أبو نعيم في \"الدلائل\" من وجه ضعيف عن ابن عباس قال: \"اجتمع المشركون إلى رسول الله - ﷺ -، منهم الوليد بن المغيرة وأبو جهل بن هشام والعاص بن وائل ونظراؤهم؛ فقالوا للنبي - ﷺ -: إن كنت صادقًا فشقّ لنا القمر فرقتينّ فسأل ربه فانشق\".\nقوله: (شقتين) وفي رواية لمسلم: \"فأراهم انشقاق القمر مرتين\"، وفي رواية: \"فرقتين\"، أو \"فلقتين\" بالراء أو اللام، وفي رواية: \"فانشق باثنتين\"، وفي أخرى \"فصار قمرين\". ووقع في \"نظم السيرة\" لشيخنا الحافظ أبي الفضل: \"وانشق مرتين\" بالإجماع.\nقال الحافظ: ولا أعرف من جزم من علماء الحديث بتعدد الانشقاق في زمنه - ﷺ -، ولم يتعرض لذلك أحد من شرح الصحيحين، وتكلم ابن القيم على هذه الرواية، وقال: وقد خفي على بعض الناس فادعى أن انشقاق القمر وقع مرتين، وهذا غلط، فإنه لم يقع إلا مرة واحدة، وقد قال العماد بن كثير: في الرواية التي فيها \"مرتين\" نظر، ولعل قائلها أراد\n_________\n(^١) \"تاريخ الخميس\" (١/ ٢٩٨).\n(^٢) \"المواهب اللدنية\" (٢/ ٥٢٣)\n(^٣) \"فتح الباري\" (٧/ ١٨٢).","vol":"4","page":532},{"text":"فرقتين. قال الحافظ: وهذا الذي لا يتجه غيره؛ جمعًا بين الروايات. انتهى ملخصًا من \"الفتح\" (^١).\nوقال أيضًا (^٢): وقد أنكر جمهور الفلاسفة انشقاق القمر متمسكين بأن الآيات العلوية لا يتهيأ فيها الانخراق والالتئام، وكذا قالوا في فتح أبواب السماء ليلة الإسراء، إلى غير ذلك من إنكارهم. . .، إلى آخر ما بسط في الجواب عنه.\nقال الخطابي (^٣): انشقاق القمر آية عظيمة لا يكاد يعدلها شيء من آيات الأنبياء، وذلك أنه ظهر في ملكوت السماء خارجًا من جملة طباع ما في هذا العالم المركب من الطبائع، فليس مما يطمع في الوصول إليه بحيلة، فلذلك صار البرهان به أظهر. انتهى من \"الفتح\".\n\n(٣٧ -<span data-type='title' id=toc-2398> باب هجرة الحبشة)</span>\nأي: هجرة المسلمين من مكة إلى أرض الحبشة، وكان وقوع ذلك مرتين، وذكر أهل السير أن الأولى كانت في شهر رجب من سنة خمس من المبعث، وأن أول من هاجر منهم أحد عشر رجلًا وأربع نسوة، وقيل: وامرأتان، وقيل: كانوا اثني عشر رجلًا، وقيل: عشرة، وأنهم خرجوا مشاةً إلى البحر، فاستأجروا سفينة بنصف دينار.\nوذكر ابن إسحاق أن السبب في ذلك أن النبي - ﷺ - قال لأصحابه لما رأى المشركين يؤذونهم ولا يستطيع أن يكفهم عنهم: \"إن بالحبشة ملكًا لا يظلم عنده أحد، فلو خرجتم إليه حتى يجعل الله لكم فرجًا\"؛ فكان أول من خرج منهم عثمان بن عفان ومعه زوجته رقية بنت رسول الله - ﷺ -.\nوأخرج يعقوب بن سفيان بسند موصول إلى أنس قال: \"أبطأ على رسول الله - ﷺ - خبرهما، فقدمت امرأة فقالت له: لقد رأيتهما وقد حمل عثمان امرأته على حمار، فقال: صحبهما الله إن عثمان لأول من هاجر بأهله بعد لوط\".\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٧/ ١٨٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٧/ ١٨٥).\n(^٣) \"الأعلام\" (٣/ ١٦١٨).","vol":"4","page":533},{"text":"قلت: وبهذا تظهر النكتة في تصدير البخاري الباب بحديث عثمان.\nوقد سرد ابن إسحاق أسماءهم. ذكرها الحافظ إلى أن قال: ذكر ابن إسحاق وموسى بن عقبة وغيرهما من أهل السير أن المسلمين بلغهم وهم بأرض الحبشة أن أهل مكة أسلموا، فرجع ناس، منهم عثمان بن مظعون إلى مكة، فلم يجدوا ما أخبروا به من ذلك صحيحًا، فرجعوا وسار معهم جماعة إلى الحبشة، وهي الهجرة الثانية.\nوسرد ابن إسحاق أسماء أهل الهجرة الثانية، وهم زيادة على ثمانين رجلًا.\nوقال ابن جرير الطبري: كانوا اثنين وثمانين رجلًا سوى نسائهم وأبنائهم، وشك في عمار بن ياسر هل كان فيهم، وبه تكمل العدة ثلاثة وثمانين، وقيل: إن عدة نسائهم كانت ثماني عشرة امرأة. انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوقال القسطلاني (^٢): ثم رجعوا عندما بلغهم عن المشركين سجودهم معه - ﷺ - عند قراءة سورة النجم فلقوا من المشركين أشدّ مما عهدوا فهاجروا ثانية. انتهى.\nقلت: وما ذكره الحافظ من أن الهجرة الأولى كانت سنة خمس من المبعث وافقه في ذلك القسطلاني، وهكذا في \"المواهب اللدنية\" (^٣)، وذكر صاحب \"الخميس\" (^٤): أن الأولى كانت في السنة الرابعة أو الخامسة.\n\n(٣٨ -<span data-type='title' id=toc-2399> باب موت النجاشي)</span>\nقال الحافظ (^٥): تقدم ذكر اسمه واسم أبيه في \"الجنائز\"، وأن النجاشي لقب من ملك الحبشة، ولقبه الآن الحطي بفتح الحاء وكسر الطاء\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٧/ ١٨٨، ١٨٩).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٨/ ٣٨٨).\n(^٣) \"المواهب اللدنية\" (١/ ٢٤٠).\n(^٤) \"تاريخ الخميس\" (١/ ٢٨٨).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٧/ ١٩١).","vol":"4","page":534},{"text":"الخفيفة المهملتين آخره تحتية خفيفة، وأفاد ابن التين: أن النجاشي بسكون الياء؛ يعني: أنها أصلية لا ياء النسب، وحكى غيره تشديدها أيضًا، وحكى ابن دحية كسر نونه. وذكر موته ههنا استطرادًا لكون المسلمين هاجروا إليه، وإنما وقعت وفاته بعد الهجرة سنة تسع عند الأكثر، وقيل: سنة ثمان قبل فتح مكة كما ذكره البيهقي في \"دلائل النبوة\".\nوقد استشكل كونه لم يترجم بإسلامه - وهذا موضعه - وترجم بموته، وإنما مات بعد ذلك بزمن طويل! والجواب: أنه لما لم يثبت عنده القصة الواردة في صفة إسلامه، وثبت عنده الحديث الدال على إسلامه، وهو صريح في موته ترجم به ليستفاد من الصلاة عليه أنه كان قد أسلم. انتهى.\nأقول: فكأن هذه الترجمة تتمة للسابقة؛ لأن هجرة المسلمين إلى الحبشة إنما كانت لأجل النجاشي رضي الله تعالى عنه لكونه مأمنًا لهم.\nوقال القسطلاني (^١) بعد ذكر الحديث: هذا النجاشي هو الذي هاجر إليه المسلمون، وكتب له - ﷺ - كتابًا يدعوه فيه إلى الإسلام مع عمرو بن أمية سنة ست من الهجرة، وأسلم على يد جعفر بن أبي طالب، وأما النجاشي الذي ولي بعده الحبشة فكان كافرًا لم يعرف له إسلام ولا اسم. انتهى.\n\n(٣٩ -<span data-type='title' id=toc-2400> باب تقاسم المشركين على النبي - ﷺ </span>-)\nقال القسطلاني (^٢): سقط لفظ \"باب\" لأبي ذر، \"وتقاسم المشركين\"؛ أي: تحالفهم.\nثم قال في شرح الحديث: قوله: \"حيث تقاسموا على الكفر\" زاد في الحج: وذلك أن قريشًا وكنانة تحالفت على بني هاشم وبني عبد المطلب أو بني المطلب أن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم حتى يسلموا إليهم النبي - ﷺ -.\nوفي \"السيرة\": وكتبوا بذلك كتابًا بخط بغيض بن عامر بن هاشم\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٨/ ٣٩٥).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٨/ ٣٩٦).","vol":"4","page":535},{"text":"وعلقوه في جوف الكعبة، وتمادوا على العمل بما فيه من ذلك ثلاث سنين، فاشتد البلاء على بني هاشم في شعبهم، وعلى كل من معهم، فلما كان رأس ثلاث سنين تلاوم قوم من قصي ممن ولدتهم بنو هاشم ومن سواهم، فأجمعوا أمرهم على نقض ما تعاهدوا عليه من الغدر والبراءة، وبعث الله على صحيفتهم الأرضة فأكلت ولحست ما فيها من ميثاق وعهد، وبقي ما كان فيها من ذكر الله - ﷿ -، وأطلع الله تعالى نبيه على ذلك، فأخبر عمه أبا طالب بذلك. فقال: أربُّك أخبرك بذلك؟ قال: نعم؛ فقال أبو طالب: لا والثواقب ما كذبتني. ثم خرج أبو طالب فقال: يا معشر قريش إن ابن أخي أخبرني أن الله - ﷿ - قد سلط على صحيفتكم الأرضة، فإن كان كما يقول: فوالله لا نسلمه حتى نموت من عند آخرنا، وإن كان الذي يقول باطلًا دفعنا إليكم صاحبنا قتلتم أو استحييتم؛ فقالوا: قد رضينا بالذي تقول؛ ففتحوا الصحيفة فوجدوها كما أخبر، فقالوا: هذا سحر ابن أخيك. وزادهم ذلك بغيًا وعدوانًا. انتهى.\nقال الحافظ (^١): كان ذلك التقاسم أول يوم من المحرم سنة سبع من البعثة، وكان النجاشي قد جهز جعفرًا ومن معه، فقدموا والنبي - ﷺ - بخيبر، وذلك في صفر منها، فلعله مات بعد أن جهزهم، وفي \"الدلائل\" للبيهقي: أنه مات قبل الفتح، وهو أشبه. ثم بسط الحافظ في تفصيل القصة والاختلاف في زمان ابتداء حصرهم، وكذا في مدته وغير ذلك، ثم قال: ولما لم يثبت عند البخاري شيء من هذه القصة اكتفى بإيراد حديث أبي هريرة؛ لأن فيه دلالة على أصل القصة لأن الذي أورده أهل المغازي من ذلك كالشرح لقوله في الحديث: \"تقاسموا على الكفر\". انتهى.\nقلت: وذكر صاحب \"مجمع البحار\" (^٢) هذه القصة من وقائع السنة الثامنة.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٧/ ١٩٢، ١٩٣).\n(^٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٥/ ٢٧١).","vol":"4","page":536},{"text":"(٤٠ -<span data-type='title' id=toc-2401> باب قصة أبي طالب)</span>\nواسمه عند الجميع عبد مناف، وشذّ من قال: عمران، بل هو قول باطل، نقله ابن تيمية في \"كتاب الرد على الرافضي\": أن بعض الروافض زعم أن قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ﴾ [آل عمران: ٣٣]: إن \"آل عمران\" هم آل أبي طالب، وأن اسم أبي طالب عمران، واشتهر بكنيته، وكان شقيق عبد الله والد رسول الله - ﷺ -، ولذلك أوصى به عبد المطلب عند موته إليه فكفله إلى أن كبر، واستمر على نصره بعد أن بعث إلى أن مات أبو طالب، وقد ذكرنا أنه مات بعد خروجهم من الشعب، وذلك في آخر السنة العاشرة من المبعث، وكان يذب عن النبي - ﷺ -، ويرد عنه كل من يؤذيه، وهو مقيم مع ذلك على دين قومه. انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(٤١ -<span data-type='title' id=toc-2402> حديث الإسراء. . .) إلخ</span>\nقال ابن دحية: جنح البخاري إلى أن ليلة الإسراء كانت غير ليلة المعراج؛ لأنه أفرد لكل منهما ترجمة.\nقلت: ولا دلالة في ذلك على التغاير عنده، بل كلامه في أول الصلاة ظاهر في اتحادهما، وذلك أنه ترجم: \"باب كيف فرضت الصلاة ليلة الإسراء\"، والصلاة إنما فرضت في المعراج، فدل على اتحادهما عنده، وإنما أفرد كلًّا منهما بترجمة؛ لأن كلَّا منهما يشتمل على قصة مفردة، وإن كان وقعا معًا.\nوقد روى كعب الأحبار أن باب السماء الذي يقال له: مصعد الملائكة يقابل بيت المقدس، فأخذ منه بعض العلماء أن الحكمة في الإسراء إلى بيت المقدس قبل العروج ليحصل العروج مستويًا من غير\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٧/ ١٩٣، ١٩٤).","vol":"4","page":537},{"text":"تعويج! وفيه نظر؛ لورود أن في كل سماء بيتًا معمورًا، وأن الذي في السماء الدنيا حيال الكعبة، وكان المناسب أن يصعد من مكة ليصل إلى البيت المعمور بغير تعويج؛ وقد ذكر غيره مناسبات أخرى ضعيفة، ذكرها الحافظ، ثم قال: وقد اختلف السلف، فمنهم من ذهب إلى أن الإسراء والمعراج وقعا في ليلة واحدة في اليقظة بجسد النبي - ﷺ - وروحه بعد المبعث، وإلى هذا ذهب الجمهور من علماء المحدثين والفقهاء والمتكلمين، إلى آخر ما بسط في \"الفتح\" (^١) من المباحث مما يتعلق بالإسراء، وأزيد منه العلامة القسطلاني في \"المواهب اللدنية\" (^٢)، فإنه أجاد الكلام مختصرًا على حديث الإسراء، وتكلم على كل جزء من أجزائه، وبسط شارحه العلامة الزرقاني (^٣)، وسيأتي الاختلاف في زمان وقوعه في الباب الآتي.\n\n(٤٢ -<span data-type='title' id=toc-2403> باب المعراج)</span>\nكذا للأكثر، وللنسفي \"قصة المعراج\"، وهو بكسر الميم، وحكي ضمها، من عرج بفتح الراء، يعرج بضمها: إذا صعد.\nوقد اختلف في وقت المعراج، فقيل: كان قبل المبعث وهو شاذ، إلا إن حمل على أنه وقع حينئذٍ في المنام كما تقدم. وذهب الأكثر إلى أنه كان بعد المبعث، ثم اختلفوا فقيل: قبل الهجرة بسنة، قاله ابن سعد وغيره، وبه جزم النووي، وبالغ ابن حزم فنقل الإجماع فيه، وهو مردود؛ فإن في ذلك اختلافًا كثيرًا يزيد على عشرة أقوال، منها ما حكاه ابن الجوزي أنه كان قبلها بثمانية أشهر، وقيل: بستة أشهر، وقيل: بأحد عشر شهرًا، جزم به إبراهيم الحربي حيث قال: كان في ربيع الآخر قبل الهجرة بسنة، ورجحه\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٧/ ١٩٦ - ١٩٨).\n(^٢) \"المواهب اللدنية\" (١/ ٢٧٣ - ٢٧٥) و(٣/ ٧ - ١١٧).\n(^٣) \"شرح المواهب اللدنية\" (٨/ ٤).","vol":"4","page":538},{"text":"ابن المنير في \"شرح السيرة\" لابن عبد البر، وقيل: قبل الهجرة بسنة وشهرين، حكاه ابن عبد البر، وقيل: قبلها بسنة وثلاثة أشهر، حكاه ابن فارس، وقيل: بسنة وخمسة أشهر، قال السدي، وأخرجه من طريقه الطبري والبيهقي، وعلى هذا كان في شوال، أو في رمضان على إلغاء الكسرين منه ومن ربيع الأول، وبه جزم الواقدي، وعلى ظاهره ينطبق ما ذكره ابن قتيبة، وحكاه ابن عبد البر أنه كان قبلها بثمانية عشر شهرًا، وعند ابن سعد عن ابن أبي سبرة: أنه كان في رمضان قبل الهجرة بثمانية عشر شهرًا، وقيل: كان في رجب، حكاه ابن عبد البر وجزم به النووي في \"الروضة\"، وقيل: قبل الهجرة بثلاث سنين، خطاه ابن الأثير، وحكى عياض وتبعه القرطبي والنووي عن الزهري: أنه كان قبل الهجرة بخمس سنين، ورجحه عياض ومن تبعه، واحتج بأنه لا خلاف أن خديجة صلت معه بعد فرض الصلاة، ولا خلاف أنها توفيت قبل الهجرة إما بثلاث أو نحوها وإما بخمس، ولا خلاف أن فرض الصلاة كان ليلة الإسراء.\nقلت: في جميع ما نفاه من الخلاف نظر:\nأما أولًا: فإن العسكري حكى أنها ماتت قبل الهجرة بسبع سنين، وقيل: بأربع، وعن ابن الأعرابي: أنها ماتت عام الهجرة.\nوأما ثانيًا: فإن فرض الصلاة اختلف فيه، فقيل: كان من أول البعثة، وكان ركعتين بالغداة وركعتين بالعشي، وإنما الذي فرض ليلة الإسراء الصلوات الخمس.\nوأما ثالثًا: فقد تقدم في ترجمة خديجة في الكلام على حديث عائشة في بدء الخلق: أن عائشة جزمت بأن خديجة ماتت قبل أن تفرض الصلاة.\nوأما رابعًا: ففي سنة موت خديجة اختلاف آخر، فحكى العسكري عن الزهري: أنها ماتت لسبع مضين من البعثة، وظاهره أن ذلك قبل الهجرة بست سنين، فرعه العسكري على قول من قال: إن المدة بين البعثة والهجرة","vol":"4","page":539},{"text":"كانت عشرًا. انتهى كله من \"الفتح\" (^١).\nوبسط الحافظ الكلام في شرح حديث الباب أشد البسط. وذكر قصة المعراج صاحب \"مجمع البحار\" (^٢) في السنة الثانية عشر من المبعث، وكذا صاحب \"الخميس\" (^٣).\nومن المباحث التي ذكرها العلماء في حديث المعراج ما قال الحافظ (^٤) وبسطه شارح \"المواهب\" (^٥) أيضًا: وقد اختلف في الحكمة في اختصاص كل من الأنبياء بالسماء التي التقاه بها، فقيل: ليظهر تفاضلهم في الدرجات، وقيل: لمناسبة تتعلق بالحكمة في الاقتصار على هؤلاء دون غيرهم من الأنبياء، فقيل: أمروا بملاقاته، فمنهم من أدركه في أول وهلة، ومنهم من تأخر فلحق، ومنهم من فاته، وهذا زيَّفه السهيلي فأصاب. وقيل: الحكمة في الاقتصار على هؤلاء المذكورين للإشارة إلى ما سيقع له - ﷺ - مع قومه من نظير ما وقع لكل منهم، ثم بسطه الحافظ.\n\n(٤٣ -<span data-type='title' id=toc-2404> باب وفود الأنصار إلى النبي - ﷺ - بمكة)</span>\nقال العلامة العيني (^٦): أي هذا باب في بيان وفود الأنصار؛ أي: قدومهم إلى النبي - ﷺ - وهو بمكة، قوله: \"وبيعة العقبة\"؛ أي: التي ينسب إليها جمرة العقبة، وهي بمنى، كان رسول الله - ﷺ - يعرض نفسه على القبائل في كل موسم، وأنه أتى كندة وبني حنيفة وبني كلب وبني عامر بن صعصعة وغيرهم، فلم يجب أحد منهم إلى ما سأل، وقال موسى بن عقبة عن الزهري: كان يقول لهم: لا أكره أحدًا منكم على شيء، بل أريد أن تمنعوا من يؤذيني حتى أبلغ رسالة ربي. فلا يقبله أحد، بل يقولون: قوم الرجل أعلم به. فبينا هو عند العقبة إذ لقي رهطًا من الخزرج، فدعاهم إلى الله\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٧/ ٢٠٣).\n(^٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٥/ ٢٧٣).\n(^٣) \"تاريخ الخميس\" (١/ ٣٠٦).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٧/ ٢١٠).\n(^٥) \"شرح المواهب اللدنية\" (٨/ ١٤٢).\n(^٦) \"عمدة القاري\" (١١/ ٦١٠).","vol":"4","page":540},{"text":"تعالى، فأجابوه، فجاء في العام المقبل اثنا عشر رجلًا إلى الموسم من الأنصار، أحدهم عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه، فاجتمعوا برسول الله - ﷺ - في العقبة، وبايعوه وهي بيعة العقبة الأولى، فجاء في العام الآخر سبعون إلى الحج، فواعدهم رسول الله - ﷺ -، فلما اجتمعوا أخرجوا من كل فرقة نقيبًا فبايعوه ثمة ليلًا، وهي البيعة الثانية. انتهى من \"العيني\".\nوذكر صاحب \"مجمع بحار الأنوار\" في السنة الحادية عشر النبوية أنه - ﷺ - على دأبه كان يعرض نفسه على القبائل موسم الحج، ويقول: من ينصرني ويأخذني معه حتى أؤدي كلام ربي، فلقي رهطًا من الخزرج ودعاهم، فآمنوا وكانوا ستة من أسعد بن زرارة، وفي الثانية عشر كانت بيعة العقبة الأولى حيث قدم من الأنصار اثنا عشر أحدهم عبادة بن الصامت، وفي الثالثة عشر كانت بيعة العقبة الثانية، وكانوا سبعين رجلًا وامرأتين. انتهى. كما تقدم في الجزء الثاني من كتاب الإيمان، وبسط الكلام في \"الفتح\".\n\n(٤٤ -<span data-type='title' id=toc-2405> باب تزويج النبي - ﷺ - عائشة - ﵂ </span>-)\nوفي \"تاريخ الخميس\" (^١): وفي شوال هذه السنة - أي: العاشرة من النبوة - تزوج رسول الله - ﷺ - سودة وعائشة.\nوفي \"أسد الغابة\" لابن الأثير: تزوج - ﷺ - بعد خديجة سودة بنت زمعة، قال الزهري: تزوجها قبل عائشة وهو بمكة، وبنى بها بمكة أيضًا، وقال غيره: تزوج عائشة قبل سودة، وإنما ابتنى بسودة قبل عائشة لصغر عائشة، وتزوج عائشة بمكة وبنى بها بالمدينة سنة اثنين.\nوفي \"المواهب اللدنية\": تزوج سودة بمكة بعد موت خديجة قبل أن يعقد على عائشة. هذا قول قتادة وأبي عبيدة، ولم يذكر ابن قتيبة غيره،\n_________\n(^١) \"تاريخ الخميس\" (١/ ٣٠٥).","vol":"4","page":541},{"text":"ويقال: تزوجها بعد عائشة، ويجمع بين القولين بأنه - ﷺ - عقد على عائشة قبل سودة ودخل بسودة قبل عائشة، والتزويج يطلق على كل واحد من العقد والدخول.\nوفي \"سيرة اليعمري\" تزوج عائشة بمكة قبل الهجرة بسنتين، وقيل: بثلاث، وهي بنت ست أو سبع، إلى آخر ما بسط.\nثم قال (^١) في وقائع السنة الأولى من الهجرة: وفي هذه السنة بنى رسول الله - ﷺ - بعائشة، وكان البناء بها على رأس تسعة أشهر، وقيل: ثمانية عشر شهرًا في شوال، كذا في \"المواهب اللدنية\" و\"تاريخ اليافعي\"، وكذا في \"الوفاء\" من غير لفظ شوال.\nوفي \"المشكاة\": عن عائشة أنها قالت: تزوجني رسول الله - ﷺ - في شوال وبنى بي في شوال، فأي نساء رسول الله - ﷺ - كان أحظى عنده مني.\nوقيل: البناء بها في الثامن والعشرين من ذي الحجة، وقيل: زفافها وقع في السنة الثانية. والأول أصح، وكان البناء بها يوم الأربعاء ضحى في منزل أبي بكر بالسنح. انتهى.\nقوله: (فلبث سنتين أو قريبًا من ذلك. . .) إلخ، قال الكرماني (^٢): فإن قلت: كيف يصح ذلك وخديجة ماتت قبل الهجرة بثلاث سنين؟ فإذا نكحها بعد ذلك بثلاث كان نكاحها حال الهجرة أو بعدها وهو خلاف ما اتفقوا عليه؟ قلت: قد نقل أيضًا أنها توفيت قبل الهجرة بخمس سنين، وقد قال: أو قريبًا من ذلك، ولا يخفى عليك أن الحديث مرسل. انتهى.\nوكتب الشيخ قدس سره في \"اللامع\" (^٣): قوله: \"أو قريبًا من ذلك\"؛ يعني بالقرب في جانب الزيادة لا النقصان كما يشهد به الروايات. انتهى.\nوالأوجه عند هذا العبد الضعيف أنه لا إشكال في حديث البخاري\n_________\n(^١) \"تاريخ الخميس\" (١/ ٣٥٧، ٣٥٨).\n(^٢) \"شرح الكرماني\" (١٥/ ١٠٩).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٨/ ٢٢٤).","vol":"4","page":542},{"text":"هذا أصلًا، بل فيه بيان لموت خديجة ونكاح عائشة - ﵄ -، وقوله: \"فلبث سنتين\" توضيح لما سبق من قوله: \"بثلاث سنين\"، والمعنى أنها - ﵂ - توفيت قبل الهجرة بثلاث سنين، فلبث النبي - ﷺ - بعد وفاتها بمكة سنتين أو أكثر من ذلك، وأما نكاح عائشة والبناء بها فأمر مستقبل، والمعنى: أنه - ﷺ - تزوجها وهي بنت ست في شوال من السنة العاشرة النبوية التي توفيت فيها خديجة، وبنى بها في شوال من السنة الأولى الهجرية، وهي بنت تسع، وعلى هذا فلا يرِد على الحديث إشكال ولا يرِد عليه مخالفة؛ لما رجحه المحققون في نكاح عائشة والبناء بها. انتهى.\n\n(٤٥ -<span data-type='title' id=toc-2406> باب هجرة النبي - ﷺ </span>-)\nقال القسطلاني (^١): بإذن الله - ﷿ - له في ذلك بقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ [الإسراء: ٨٠] بعد بيعة العقبة بشهرين وبضعة عشر يومًا.\nقوله: (وأصحابه) أبي بكر وعامر بن فهيرة وصاحبين له من مكه (إلى المدينة) وكان قد هاجر بين العقبتين جماعة ابن أم مكتوم وغيره. انتهى.\nزاد الحافظ (^٢): ذكر الحاكم أن خروجه - ﷺ - من مكة كان بعد بيعة العقبة بثلاثة أشهر أو قريبًا منها، وجزم ابن إسحاق بأنه خرج أول يوم من ربيع الأول، فعلى هذا يكون بعد البيعة بشهرين وبضعة عشر يومًا، وكذا جزم به الآمدي في المغازي عن ابن إسحاق، فقال: كان مخرجه من مكة بعد العقبة بشهرين وليال، قال: وخرج لهلال ربيع الأول وقدم المدينة لاثنتي عشرة خلت من ربيع الأول، قلت: وعلى هذا خرج يوم الخميس، وأما أصحابه فتوجَّه معه أبو بكر الصديق وعامر بن فهيرة، وتوجَّه قبل ذلك بين العقبتين جماعة منهم ابن أم مكتوم، ويقال: إن أول من هاجر إلى المدينة أبو سلمة بن عبد الأشهل المخزومي زوج أم سلمة، وقدم المدينة\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٨/ ٤١٩).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٧/ ٢٢٧، ٢٢٨).","vol":"4","page":543},{"text":"بكرة، وقدم بعده عامر بن ربيعة عشية، ثم توجَّه مصعب بن عمير ليفقه من أسلم من الأنصار، ثم كان أول من هاجر بعد بيعة العقبة عامر بن ربيعة على ما ذكر ابن إسحاق، وسيأتي ما يخالفه في الباب الذي يليه وهو قول البراء: أول من قدم علينا من المهاجرين مصعب بن عمير. . . إلخ، ثم توجه باقي الصحابة شيئًا فشيئًا كما سيأتي في الباب الذي يليه، ثم لما توجَّه النبي - ﷺ - واستقر بها خرج من بقي من المسلمين، وكان المشركون يمنعون من قدروا على منعه منهم، فكان أكثرهم يخرج سرًّا إلى أن لم يبق منهم بمكة إلا من غلب على أمره من المستضعفين. انتهى من \"الفتح\".\nوفي \"تاريخ الخميس\" (^١): قال أصحاب السير: لما استقر رأي قريش بعد المشاورة على قتله - ﷺ - أتاه جبرئيل وأخبره بذلك، وقال: لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه، وأذن الله عند ذلك بالخروج إلى المدينة، كذا في \"معالم التنزيل\"، وفي رواية: قال له جبريل: إن الله يأمرك بالهجرة.\nوفي \"شواهد النبوة\" لما أمر - ﷺ - بالهجرة سأل جبرئيل عمن يهاجر معه، قال: أبو بكر الصديق؛ فمن ذلك اليوم سماه الله صديقًا؛ وعن ابن عباس قال: إن الله آذن نبيه في الهجرة بهذه الآية ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ﴾ الآية [الإسراء: ٨٠]، أخرجه الترمذي وصححه والحاكم، كذا في \"الوفاء\" و\"المواهب اللدنية\". انتهى مختصرًا.\nثم ذكر المصنف في الباب نحوًا من ستة وعشرين حديثًا.\nوقال الحافظ (^٢) في شرح أثر عائشة: \"لا هجرة اليوم، كان المؤمنون يفرّ أحدهم بدينه. . .\" إلخ: أشارت عائشة إلى بيان مشروعية الهجرة، وأن سببها خوف الفتنة، والحكم يدور مع علته، فمقتضاه: أن من قدر على عبادة الله في أي موضع اتفق لم تجب عليه الهجرة منه وإلا وجبت. ومن\n_________\n(^١) \"تاريخ الخميس\" (١/ ٣٢٢، ٣٢٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٧/ ٢٢٩).","vol":"4","page":544},{"text":"ثم قال الماوردي: إذا قدر على إظهار الدين في بلد من بلاد الكفر فقد صارت البلد به دار إسلام، فالإقامة فيها أفضل من الرحلة منها لما يترجى من دخول غيره في الإسلام.\nوقال الخطابي: كانت الهجرة؛ أي: إلى النبي - ﷺ - في أول الإسلام مطلوبة، ثم افترضت لما هاجر إلى المدينة إلى حضرته للقتال معه وتعلم شرائع الدين، وقد أكد الله ذلك في عدة آيات حتى قطع الموالاة بين من هاجر ومن لم يهاجر، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢]، فلما فتحت مكة ودخل الناس في الإسلام من جميع القبائل سقطت الهجرة الواجبة وبقي الاستحباب، إلى آخر ما في \"الفتح\".\nقوله في حديث أنس: (أقبل نبي الله - ﷺ - إلى المدينة وهو مردف أبا بكر - ﵁ -. . .) إلخ، قال العلامة السندي (^١): كأنه وقع كذلك أحيانًا. أو المعنى: أن راحلته متأخرة عن راحلة النبي - ﷺ - وإلا فهما كانا على راحلتين على مقتضى الأحاديث الأخر. انتهى.\nوبسط الكلام عليه في هامش \"اللامع\" (^٢) في كتاب المغازي. قوله: (إذا قيل له: هاجر قبل أبيه يغضب. . .) إلخ، يشكل عليه ما سيأتي في بيعة الحديبية أنه رد على من قال: إنه أسلم قبل أبيه، وسيأتي الجمع هناك إن شاء الله تعالى.\n\n(٤٦ -<span data-type='title' id=toc-2407> باب مقدم النبي - ﷺ - وأصحابه المدينة)</span>\nقال العلامة العيني (^٣): أي هذا باب في بيان قدوم النبي - ﷺ - وقدوم أصحابه المدينة. وكان وصول النبي إلى قباء يوم الاثنين أول شهر ربيع\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري مع حاشية السندي\" (٢/ ٣٣٤).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٨/ ٣٨١).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١١/ ٦٤٦).","vol":"4","page":545},{"text":"الأول، ومر الكلام فيه عن قريب، وكان وصول أكثر أصحابه قبله، ونزل رسول الله - ﷺ - على كلثوم [بن الهدم]، قاله ابن شهاب، وقيل: نزل على سعد بن خيثمة وجمع بينهما بأن نزوله كان على كلثوم وكان يجلس مع أصحابه عند سعد بن خيثمة؛ لأنه كان أعزب، وكان يقال لبيته: بيت العزاب، قال ابن شهاب: وبلغ علي بن أبي طالب نزوله أمنًا بقباء، فركب راحلته فلحق به وهو بقباء. انتهى.\nوشرح العلامة القسطلاني (^١) الترجمة بقوله: \"باب مقدم النبي - ﷺ -\" إلى قباء يوم الاثنين أول ربيع الأول، وقيل: في ثامنه، \"ومقدم\" أكثر \"أصحابه المدينة\" قبله. انتهى.\nوقال الحافظ (^٢) تحت الباب: تقدم بيان الاختلاف فيه في آخر شرح حديث عائشة الطويل في شأن الهجرة، وقال هناك: دخل المدينة بعد أن استهل ربيع الأول، ثم قال: أقل ما قيل: إنه دخل في اليوم الأول منه، وأكثر ما قيل: إنه دخل في الثاني عشر منه.\nوقال أيضًا في شرح قوله: \"حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف\": ومنازلهم بقباء، وهي على فرسخ من المسجد النبوي بالمدينة، وكان نزوله على كلثوم بن الهرم (^٣)، وقيل: كان يومئذٍ مشركًا، وجزم به محمد بن الحسن بن زبالة في \"أخبار المدينة\".\nقوله: (وذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الأول) وهذا هو المعتمد. وشذّ من قال: يوم الجمعة.\nفي رواية موسى بن عقبة عن ابن شهاب \"قدمها لهلال ربيع الأول\"؛\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٨/).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٧/ ٢٦٠) و(٧/ ٢٤٧) و(٧/ ٢٤٣، ٢٤٤).\n(^٣) كذا في \"الفتح\"، والصواب: \"الهدم\" كما في \"العيني\" (١١/ ٦٤٦)، و\"الطبقات\" (١/ ٢٣٣)، و\"أسد الغابة\" (١/ ٤٢٨).","vol":"4","page":546},{"text":"أي: أول يوم منه. وفي رواية جرير بن حازم عن ابن إسحاق: \"قدمها لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول\". ونحوه عند أبي معشر لكن قال: \"ليلة الاثنين\". ومثله عن ابن البرقي، وثبت كذلك في أواخر \"صحيح مسلم\". وفي رواية إبراهيم بن سعد عن ابن إسحاق: \"قدمها لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول\". وعند أبي سعيد في \"شرف المصطفى\" من طريق أبي بكر بن حزم: \"قدم لثلاث عشرة من ربيع الأول\". فهذا يجمع بينه وبين الذي قبله بالحمل على الاختلاف في رؤية الهلال.\nوعنده من حديث عمر: \"ثم نزل على بني عمرو بن عوف يوم الاثنين لليلتين بقيتا من ربيع الأول\"، كذا فيه، ولعله كان فيه \"خلتا\" ليوافق رواية جرير بن حازم.\nوعن ابن شهاب \"في نصف ربيع الأول\"، وقيل: كان قدومه في سابعه، وجزم ابن حزم بأنه خرج من مكة لثلاث ليال بقين من صفر، وهذا يوافق قول هشام بن الكلبي: \"إنه خرج من الغار ليلة الاثنين أول يوم من ربيع الأول\" فإن كان محفوظًا فلعل قدومه قباء كان يوم الاثنين ثامن ربيع الأول، وإذا ضم إلى قول أنس: \"إنه أقام بقباء أربع عشرة ليلة\" خرج منه أن دخوله المدينة كان لاثنين وعشرين منه، لكن الكلبي جزم بأنه دخلها لاثنتي عشرة خلت منه، فعلى قوله تكون إقامته بقباء أربع ليال فقط، وبه جزم ابن حبان فإنه قال: \"أقام بها الثلاثاء والأربعاء والخميس\"؛ يعني: وخرج يوم الجمعة، فكأنه لم يعتد بيوم الخروج، ولا الدخول. وعن قوم من بني عمرو بن عوف: أنه أقام فيهم اثنين وعشرين يومًا، حكاه الزبير بن بكار. والأكثر أنه قدم نهارًا، ووقع في رواية مسلم ليلًا، ويجمع بأن القدوم كان آخر الليل فدخل نهارًا. انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوفي \"تاريخ الخميس\" (^٢): وفي سيرة أبي محمد عبد الملك بن هشام\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٧/ ٢٤٤).\n(^٢) \"تاريخ الخميس\" (١/ ٣٣٧).","vol":"4","page":547},{"text":"عن محمد بن إسحاق المطلبي قال: قدم علينا رسول الله - ﷺ - يوم الاثنين حين اشتد ضحى وكادت الشمس تعتدل لاثنتي عشرة ليلة مضت من ربيع الأول وهو التاريخ فيما قاله ابن هشام إلى آخر ما بسط.\nوقال أيضًا قبل: كان أول ما سمع من النبي - ﷺ -: \"أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام\".\nوأكثر أهل السير أن ذلك اليوم كان يوم الاثنين، وشذّ من قال: يوم الجمعة من ربيع الأول في الضحوة الكبرى قريبًا من نصف النهار، وبسط الكلام أيضًا على مدة إقامته - ﷺ - بقباء.\n\n(٤٧ -<span data-type='title' id=toc-2408> باب إقامة المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه)</span>\nأي: من حج أو عمرة.\nقال الحافظ (^١): قوله: \"ثلاث للمهاجر بعد الصدر\" بفتح المهملتين؛ أي: بعد الرجوع من منى.\nوفقه هذا الحديث: أن الإقامة بمكة كانت حرامًا على من هاجر منها قبل الفتح، لكن أبيح لمن قصدها منهم بحج أو عمرة أن يقيم بعد قضاء نسكه ثلاثة أيام لا يزيد عليها، ولهذا رثى النبي - ﷺ - لسعد بن خولة أن مات بمكة، ويستنبط من ذلك أن إقامة ثلاثة أيام لا تخرج صاحبها عن حكم المسافر.\nوفي كلام الداودي اختصاص ذلك بالمهاجرين الأولين، ولا معنى لتقييده بالأولين. قال النووي: معنى هذا الحديث: أن الذين هاجروا يحرم عليهم استيطان مكة. وحكى عياض (^٢) أنه قول الجمهور. قال: وأجازه لهم جماعة - يعني بعد الفتح - فحملوا هذا القول على الزمن الذي كانت الهجرة\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٧/ ٢٦٧).\n(^٢) \"الإكمال\" (٤/ ٤٦٧).","vol":"4","page":548},{"text":"المذكورة واجبة فيه، قال: واتفق الجميع على أن الهجرة قبل الفتح كانت واجبة [عليهم]، وأن سكنى المدينة كان واجبًا لنصرة النبي - ﷺ - ومواساته بالنفس، وأما غير المهاجرين فيجوز له سكنى أي بلد أراد سواء مكة وغيرها بالاتفاق. انتهى كلام القاضي. ويستثنى من ذلك من أذن له النبي - ﷺ - بالإقامة في غير المدينة.\nوقال القرطبي (^١): المراد بهذا الحديث: من هاجر من مكة إلى المدينة لنصر النبي - ﷺ -، ولا يعني به من هاجر من غيرها؛ لأنه خرج جوابًا عن سؤالهم لما تحرجوا من الإقامة بمكة إذ كانوا قد تركوها لله تعالى، فأجابهم بذلك، وأعلمهم أن إقامة الثلاث ليس بإقامة، قال: والخلاف الذي أشار إليه عياض كان فيمن مضى. انتهى.\n\n(٤٨ -<span data-type='title' id=toc-2409> باب)</span>\nبغير ترجمة، هكذا في النسخ الهندية بغير ترجمة، وهكذا في نسخة الكرماني والقسطلاني.\nوفي نسخة \"الفتح\" والعيني: \"باب التاريخ من أين أرخوا التاريخ؟ \".\nقال الحافظ (^٢): قال الجوهري: التاريخ: تعريف الوقت، والتوريخ مثله؛ تقول: أرخت وورخت، وقيل: اشتقاقه من الأرخ وهو الأنثى من بقر الوحش؛ كأنه شيء حدث كما يحدث الولد، وقيل: هو معرب، ويقال: أول ما أحدث التاريخ من الطوفان.\n[قوله]: (من أين أرخوا التاريخ؟) كأنه يشير إلى اختلاف في ذلك، وقد روى الحاكم في \"الإكليل\" بسنده عن الزهري: \"أن النبي - ﷺ - لما قدم المدينة أمر بالتاريخ فكتب في ربيع الأول\"، وهذا معضل، والمشهور خلافه كما سيأتي، وأن ذلك كان في خلافة عمر. وأفاد السهيلي: أن الصحابة\n_________\n(^١) \"المفهم\" (٣/ ٤٦٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٧/ ٢٦٨).","vol":"4","page":549},{"text":"أخذوا التاريخ بالهجرة من قوله تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ [التوبة: ١٠٨]؛ لأنه من المعلوم أنه ليس أول الأيام مطلقًا، فتعين أنه أضيف إلى شيء مضمر، وهو أول الزمن الذي عز فيه الإسلام، وعبَدَ فيه النبيُّ - ﷺ - ربَّه آمنا، وابتدأ بناء المسجد، فوافق رأي الصحابة ابتداء التاريخ من ذلك اليوم، وفهمنا من فعلهم أن قوله تعالى: ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ أنه أول أيام التاريخ الإسلامي، كذا قال، والمتبادر أن معنى قوله: ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾؛ أي: دخل فيه النبي - ﷺ - وأصحابه المدينة، والله أعلم.\nقوله: (إلا من مقدمه المدينة)؛ أي: زمن قدومه، ولم يرد شهر قدومه؛ لأن التاريخ إنما وقع من أول السنة، وقد أبدى بعضهم للبداءة بالهجرة مناسبة فقال: كانت القضايا التي اتفقت له ويمكن أن يؤرخ بها أربعة: مولده ومبعثه وهجرته ووفاته، فرجح عندهم جعلها من الهجرة؛ لأن المولد والمبعث لا يخلو واحد منهما من النزاع في تعيين السنة، وأما وقت الوفاة فأعرضوا عنه لما توقع بذكره من الأسف عليه، فانحصر في الهجرة، وإنما أخروه من ربيع الأول إلى المحرم؛ لأن ابتداء العزم على الهجرة كان في المحرم إذ البيعة وقعت في أثناء ذي الحجة، وهي مقدِّمة الهجرة، فكان أول هلال استهل بعد البيعة والعزم على الهجرة هلال المحرم، فناسب أن يجعل مبتدأ، وهذا أقوى ما وقفت عليه من مناسبة الابتداء بالمحرم.\nوذكروا في سبب عمل عمر التاريخ أشياء، منها: ما أخرجه أبو نعيم في \"تاريخه\"، ومن طريقه الحاكم من طريق الشعبي: أن أبا موسى كتب إلى عمر: أنه يأتينا منك كتب ليس لها تاريخ، فجمع عمر الناس فقال بعضهم: أرخ بالمبعث، وبعضهم: أرخ بالهجرة؛ فقال عمر: الهجرة فرقت بين الحق والباطل، فأرخوا بها. وذلك سنة سبع عشرة، فلما اتفقوا قال بعضهم: ابدءوا برمضان؛ فقال عمر: بل بالمحرم فإنه منصرف الناس من حجهم؛ فاتفقوا عليه. وقيل: أول من أرخ التاريخ يعلى بن أمية حيث كان باليمن، أخرجه أحمد بإسناد صحيح، لكن فيه انقطاع، وذكر روايات أخر، ثم قال:","vol":"4","page":550},{"text":"فاستفدنا من مجموع هذه الآثار أن الذي أشار بالمحرم عمر وعثمان وعلي - ﵃ -، انتهى من \"الفتح\".\nومناسبة حديث عائشة ثاني حديثي الباب بالترجمة مما يحتاج إلى بيان، ولم يتعرض له الحافظ ولا القسطلاني، وقال العلامة العيني (^١): لما كان البابان السابقان داخلين في باب هجرة النبي - ﷺ - جاءت المناسبة لذكر هذا الحديث ههنا، انتهى.\n\n(٤٩ -<span data-type='title' id=toc-2410> باب قول النبي - ﷺ -: \"اللهم أمض لأصحابي هجرتهم</span>\")\nقال الحافظ (^٢): قوله: (ومرثيته. . .) إلخ، بتخفيف التحتانية وهو عطف على قول، والمرثية تعديد محاسن الميت، والمراد هنا التوجع له لكونه مات في البلد التي هاجر منها، وقد تقدم بيان الحكمة في ذلك قبل بباب، انتهى.\n\n(٥٠ -<span data-type='title' id=toc-2411> باب كيف آخى النبي - ﷺ - بين أصحابه. . .) إلخ</span>\nتقدم في \"مناقب الأنصار\": \"باب آخى النبي - ﷺ - بين المهاجرين والأنصار\"، ولا يتوهم التكرار بينهما لاختلاف المقاصد، فإن الغرض من الأول بيان فضيلة الأنصار، والمقصود ههنا ما وقع بعد الهجرة، وفرق آخر وهو أن المقصود هناك ذكر المؤاخاة نفسها، وههنا بيان كيفيتها.\nقال الحافظ (^٣): قال ابن عبد البر: كانت المؤاخاة مرتين: مرة بين المهاجرين خاصة وذلك بمكة، ومرة بين المهاجرين والأنصار فهي المقصودة هنا. وذكر ابن سعد بأسانيد الواقدي إلى جماعة من التابعين قالوا: لما قدم النبي - ﷺ - المدينة آخى بين المهاجرين، وآخى بين المهاجرين والأنصار على المواساة، وكانوا يتوارثون، وكانوا تسعين نفسًا بعضهم من\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١١/ ٦٦٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٧/ ٢٦٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٧/ ٢٧٠).","vol":"4","page":551},{"text":"المهاجرين وبعضهم من الأنصار، وقيل: كانوا مائة، فلما نزل ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ﴾ [الأنفال: ٧٥] بطلت المواريث بينهم بتلك المؤاخاة.\nقال الحافظ: قال السهيلي: آخى [- ﷺ -] بين أصحابه ليذهب عنهم وحشة الغربة ويتأنسوا من مفارقة الأهل والعشيرة، ويشدُّ بعضهم أزر بعض، فلما عزَّ الإسلام واجتمع الشمل وذهبت الوحشة أبطل المواريث، وجعل المؤمنين كلهم إخوة، وأنزل ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]؛ يعني: في التوادد وشمول الدعوة.\nواختلفوا في ابتدائها، فقيل: بعد الهجرة بخمسة أشهر، وقيل: بتسعة، وقيل: وهو يبني المسجد، وقيل غير ذلك. وعند أبي سعيد في \"شرف المصطفى\": كان الإخاء بينهم في المسجد، وأنكر ابن تيمية في \"كتاب الرد على ابن المطهر الرافضي\" المؤاخاة بين المهاجرين، وخصوصًا مؤاخاة النبي - ﷺ - لعلي، قال: لأن المؤاخاة شرعت لإرفاق بعضهم بعضًا، ولتأليف قلوب بعضهم على بعض، فلا معنى لمؤاخاة النبي - ﷺ - لأحد منهم، ولا لمؤاخاة مهاجري لمهاجريّ وهذا ردٌّ للنص بالقياس، وإغفال عن حكمة المؤاخاة؛ إلى آخر ما قال في \"الفتح\" (^١).\n\n(٥١ -<span data-type='title' id=toc-2412> باب)</span>\nبغير ترجمة، كذا لهم بغير ترجمة، وهو كالفصل من الباب الذي بعده، ولعله كان بعده، قاله الحافظ (^٢). وقال العلامة العيني (^٣): هو كالفصل للباب الذي قبله، وقال بعد ذكر الحديث: مطابقته للترجمة لباب هجرة النبي - ﷺ - ظاهرة، وذلك أنا قد ذكرنا أن الأبواب المذكورة بعد \"باب هجرة النبي\" كلها تابعة لباب هجرة النبي - ﷺ -. انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٧/ ٢٧٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٧/ ٢٧٣).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١١/ ٦٥٨).","vol":"4","page":552},{"text":"(٥٢ -<span data-type='title' id=toc-2413> باب إتيان اليهود النبي - ﷺ - حين قدم المدينة)</span>\nقال العيني (^١): قوله: \"هادوا صاروا يهود. . .\" إلخ، مشى البخاري ههنا على عادته في ذكر ألفاظ من القرآن مما يماثل لفظ الحديث، فإن قوله: ﴿هَادُوا﴾ مذكورين في قوله: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ [المائدة: ٤١] ومعناه هنا: صاروا يهود، وأما قوله: ﴿هُدْنَا فمذكور في قوله: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦] ومعناه: تُبنا إليك، وكذا فسَّر أبو عبيدة اللفظين المذكورين. انتهى.\nقال الحافظ (^٢): وذكر ابن عائذ من طريق عروة: أن أول من أتاه منهم أبو ياسر بن أخطب أخو حيي بن أخطب، فسمع منه، فلما رجع قال لقومه: أطيعوني فإن هذا النبي الذي كنا ننتظر، فعصاه أخوه وكان مطاعًا فيهم، فاستحوذ عليه الشيطان، فأطاعوه على ما قال.\nوروى أبو سعيد في \"شرف المصطفى\" من طريق سعيد بن جبير: جاء ميمون بن يامين - وكان رأس اليهود - إلى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله ابعث إليهم فاجعلي حكمًا، فإنهم يرجعون إلي، فأدخله داخلًا، ثم أرسل إليهم فأتوه فخاطبوه، فقال: اختاروا رجلًا يكون حكمًا بيني وبينكم، قالوا: قد رضينا ميمون بن يامين، فقال: اخرج إليهم، فقال: أشهد أنه رسول الله؛ فأبوا أن يصدقوه.\nوذكر ابن إسحاق أن النبي - ﷺ - وادع اليهود لما قدم المدينة وامتنعوا من اتباعه، فكتب بينهم كتابًا، وكانوا ثلاث قبائل: قينقاع والنضير وقريظة. فنقض الثلاثة العهد طائفة بعد طائفة، فمنّ على بني قينقاع وأجلى بني النضير واستأصل بني قريظة، وسيأتي بيان ذلك كله مفصلًا إن شاء الله تعالى.\nوذكر ابن إسحاق أيضًا عن الزهري: سمعت رجلًا من مزينة يحدث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة: أن أحبار يهود اجتمعوا في بيت المدراس\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١١/ ٦٦٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٧/ ٢٧٥).","vol":"4","page":553},{"text":"حين قدم النبي - ﷺ - المدينة فقالوا: غدًا انطلقوا إلى هذا الرجل فاسألوه عن حد الزاني، فذكر الحديث. انتهى.\nقوله: (لو آمن بي عشرة من اليهود. . .) إلخ، كتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): يعني من علمائهم لكان ذلك سببًا لإيمان بقيتهم، وإلا فقد آمن منهم أكثر من ذلك العدد. انتهى. وذكر في هامشه كلام الشراح، وفيه أيضًا: قال النووي: قال صاحب \"التحرير\": المراد عشرة من أحبارهم. انتهى. وهو الذي اختاره الشيخ قدس سره في توجيه الحديث، وقد عزاه صاحب \"الفيض\" (^٢) إلى الرواية، فقال: وقد روي فيه قيد وهو \"عشرة من أحبار اليهود\"، فانحلّ الإشكال، انتهى.\n\n(٥٣ -<span data-type='title' id=toc-2414> باب إسلام سلمان الفارسي - ﵁ </span>-)\nقال العلامة العيني (^٣): أي هذا باب في ذكر شيء فيه دلالة على إسلام سلمان الفارسي، وقد مضى في \"كتاب البيوع\" في \"باب الشراء من المشركين\" كيفية إسلام سلمان ومكاتبته، وقصته مشهورة، وولَّاه عمر - ﵁ - العراق، وكان يعمل في الخوص بيده فيأكل منه، عاش مائتين وخمسين سنة بلا خلاف، وقيل: ثلاثمائة وخمسين، وقيل: إنه أدرك وحي عيسى ابن مريم - ﵉ -، ومات بالمداين سنة ست وثلاثين. انتهى.\nقلت: وبسط ترجمته في هامش \"اللامع\" (^٤)، وفيه: قال الحافظ في \"الإصابة\" (^٥): سلمان الفارسي، ويقال له: سلمان الخير. وقال ابن حبان: من زعم أن سلمان الخير آخر فقد وهم. كان أول مشاهده الخندق، وشهد بقية المشاهد، وقال ابن عبد البر: يقال: إنه شهد بدرًا، رويت قصته من طرق كثيرة، وفي سياق قصته في إسلامه اختلاف يتعسر الجمع فيه. انتهى.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٨/ ٢٣٧).\n(^٢) \"فيض الباري\" (٤/ ٥٥٠).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١١/ ٦٦٢).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٨/ ٢٣٨ - ٢٤٠).\n(^٥) \"الإصابة\" (٢/ ٦٢).","vol":"4","page":554},{"text":"قال القسطلاني (^١) في شرح قوله: \"أنه تداوله بضعة عشر من ربّ إلى رب\"؛ أي: أخذه سيد من سيد، وكان حرًّا فظلموه وباعوه، وذلك أنه هرب من أبيه لطلب الحق، وكان مجوسيًا فلحق براهب ثم براهب ثم بآخر، وكان يصحبهم إلى وفاتهم حتى دلّه الأخير على ظهور النبي - ﷺ - فقصده مع بعض الأعراب فغدروا به فباعوه في وادي القرى ليهودي، ثم اشتراه منه يهودي آخر من بني قريظة، فقدم به المدينة، فلما قدم النبي - ﷺ - المدينة ورأى علامات النبوة أسلم، فقال له رسول الله - ﷺ -: \"كاتب عن نفسك\"، فكاتب على أن يغرس ثلاثمائة نخلة وأربعين أوقية من ذهب، فغرس له رسول الله - ﷺ - بيده المباركة الكل، وقال: \"أعينوا أخاكم\"، فأعانوه حتى أدى ذلك كله. ثم ذكر مدة عمره كما تقدم في كلام العيني.\nوكتب شيخنا مولانا خليل المحدث السهارنفوري في \"بذل المجهود (^٢) شرح سنن أبي داود\" في ترجمة سلمان الفارسي: قال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" (^٣): قرأت بخط أبي عبد الله الذهبي: رجعت عن القول بأنه قارب ثلاثمائة أو زاد عليها، وتبين لي أنه ما جاوز الثمانين، ولم يذكر مستنده في ذلك. انتهى.\nقوله: (فترة بين عيسى ومحمد صلى الله عليهما ستمائة سنة) كتب الشيخ قدس سره في \"اللامع\" (^٤): فيه إتمام الكسر عددًا فإن الأكثر من خمس مائة بعد ست مائة في العرف، وكثيرًا ما يسقط الكسر أيضًا وكلاهما جار، والله تعالى أعلم، وعلمه أتم وأحكم. تم المجلد الأول من تقريرات على البخاري. انتهى.\nوفي هامشه: قال الحافظ (^٥): المراد بالفترة المدة التي لا يبعث فيها رسول من الله، ولا يمتنع أن ينبأ فيها من يدعو إلى شريعة الرسول الأخير.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٨/ ٤٧٤).\n(^٢) \"بذل المجهود\" (١/ ١٨٤).\n(^٣) \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ١٣٩).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٨/ ٢٤٠، ٢٤١).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٧/ ٢٧٧).","vol":"4","page":555},{"text":"ونقل ابن الجوزي الاتفاق على ما اقتضاه حديث سلمان هذا، وتعقب بأن الخلاف في ذلك منقول، فعن قتادة: \"خمسمائة وستين سنة\" أخرجه عبد الرزاق عن معمر عنه، وعن الكلبي \"خمسمائة وأربعين\" وقيل: \"أربعمائة سنة\".\nووجه تعلق هذه الأحاديث بإسلام سلمان الإشارة إلى أن الأحاديث التي وردت في سياق قصته ما هي على شرط البخاري في الصحيح، وإن كان إسناد بعضها صالحًا.\nوأما أحاديث الباب فمحصلها أنه أسلم بعد أن تداوله جماعة بالرق، وبعد أن هاجر من وطنه، وغاب عنه هذه المدة الطويلة حتى منَّ الله عليه بالإسلام طوعًا. انتهى.\nثم لا يذهب عليك أن الحافظ رحمه الله تعالى قال في \"مقدمة الفتح\" (^١) في ذكر مناسبة الترتيب بين الأبواب: إن الإمام البخاري ساق المغازي على ترتيب ما صحّ عنده، وبدأ بإسلام ابن سلام تفاؤلًا بالسلامة في المغازي. انتهى. كذا أفاد.\nوالأوجه عندي أن يقال: بدأ بإسلام سلمان الفارسي فإن هذا الباب هو المتصل بكتاب المغازي، ولم يترجم البخاري بباب إسلام عبد الله بن سلام، بل ذكر حديث إسلامه قبل \"باب إتيان اليهود النبي - ﷺ - حين قدم المدينة\".\nوما كتب الشيخ قدس سره: تم المجلد الأول. . . إلخ مبني على ما في أيدينا من النسخ المطبوعة الهندية كما ترى، وأما بحسب نسخ الشروح فمنتصف كتاب البخاري على \"باب مناقب عائشة\" كما تقدم هناك.\nثم البراعة عندي كما أفاده الحافظ في لفظ الفترة وهو ظاهر.\n* * *\n_________\n(^١) \"مقدمة فتح الباري\" (ص ٤٧٢).","vol":"4","page":556},{"text":"٦٤ -<span data-type='title' id=toc-2415> كتاب المغازي</span>\nكذا في النسخ الهندية، وكذا في نسخ الشروح بعد البسملة.\nقال الحافظ (^١): كذا لأبي ذر، ولغيره تأخير البسملة عن قوله: \"كتاب المغازي\"، ولابن عساكر \"باب في المغازي، غزوة العشيرة أو العسيرة\"، والمغازي جمع مغزى، يقال: غزا يغزو غزوًا ومغزى، والأصل غزو، والواحدة غزوة وغزاة والميم زائدة، وعن ثعلب: الغزوة المرة والغزاة عمل سنة كاملة، وأصل الغزو القصد، ومغزى الكلام مقصده، والمراد بالمغازي ههنا ما وقع من قصد النبي - ﷺ - الكفار بنفسه أو بجيش من قبله، وقصدهم أعم من أن يكون إلى بلادهم أو إلى الأماكن التي حلّوها حتى دخل مثل أُحد والخندق، انتهى.\nوقال القسطلاني (^٢) تبعًا للعيني: المغازي جمع مغزى، والمغزى يصلح أن يكون مصدرًا تقول: غزا يغزو غزوًا ومغزىً، ويصلح أن يكون موضع الغزو، ولكن كونه مصدرًا متعين ههنا، انتهى من \"الفتح\" بزيادة.\nقلت: والغزوة في اصطلاح المحدثين وأهل السير: ما خرج فيها النبي - ﷺ - بنفسه الشريفة ويقابلها السرية، وهو ما لم يحضره بنفسه الشريفة، وهذا هو المعروف صرّح به الزرقاني على \"المواهب\" (^٣) وغيره كما ذكر في هامش \"اللامع\" (^٤)، إلا أن الإمام البخاري رحمه الله تعالى لم يفرق بينهما، ولذا ذكر في كتاب المغازي السرايا والبعوث أيضًا، ويؤيده ما تقدم من كلام الحافظ.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٧/ ٢٧٩).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٩/ ٣)، و\"عمدة القاري\" (١٢/ ٣).\n(^٣) \"شرح الزرقاني على المواهب\" (٢/ ٢٢٠).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٨/ ٢٤٣).","vol":"4","page":557},{"text":"وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\": ثم إن الغزوة هي الخروج على قصد الجهاد سواء وقع حرب بينهم أو لا، واختصت بما فيها النبي - ﷺ - بنفسه النفيسة، والسرية تقابلها، انتهى.\nوسيأتي الكلام على تعريف السرية وغيرها من الأسماء في \"باب السرية قبل نجد\".\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-2416> باب غزوة العشيرة أو العسيرة)</span>\nهكذا في النسخ الهندية و\"العيني\" و\"القسطلاني\"، وفي نسخة \"الفتح\": \"باب غزوة العشيرة\" بدون زياده قوله: \"أو العسيرة\".\nقال القسطلاني (^١): \"العشيرة\" بضم العين المهملة وفتح الشين المعجمة، \"أو العسيرة\" بالشك، هل هي بالمعجمة أو بالمهملة، وسقط لأبي ذر لفظ \"باب\"، وكذا قوله: \"أو العسيرة\"، ولفظه بعد البسمله: \"كتاب المغازي، غزوة العشيرة\" حسب، ولابن عساكر \"باب في المغازي، غزوة العشيرة أو العسيرة\"، انتهى.\nوبسط العلَّامة العيني في ضبطهما، وقال أيضًا (^٢): قال النووي: جاء في \"كتاب المغازي\" من \"صحيح البخاري\": العسيرة، أي: بضم المهملة الأولى وفتح الثانية، والعسير بفتح المهملة الأولى وكسر الثانية بحذف الهاء، والمعروف فيها العشيرة بإعجام الشين وبالهاء، انتهى.\nوفي هامش الهندية عن \"التوشيح\" (^٣): \"العشيرة\" بالمعجمة، وهو الصواب، وعليه اتفق أهل السير، انتهى.\nوفي \"تاريخ الخميس\" (^٤): وفي البخاري: \"العشير أو العسيرة\" بالتصغير، والأولى بالمعجمة بلا هاء، والثانية بالمهملة وبالهاء، وأما غزوة العسرة بالمهملة بغير تصغير فهي غزوة تبوك، انتهى.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٩/ ٣).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٢/ ٣)\n(^٣) \"التوشيح\" (٦/ ٢٤٨٢).\n(^٤) \"تاريخ الخميس\" (١/ ٣٦٣).","vol":"4","page":558},{"text":"قال الحافظ (^١): ومكانها - أي: العشيرة - عند منزل الحج بينبع، ليس بينهما وبين البلد إلا الطريق، وخرج في خمسين ومائة، وقيل: مائتين، واستخلف فيها أبا سلمة بن عبد الأسد، انتهى.\nقوله: (وقال ابن إسحاق: أول ما غزا النبي - ﷺ - الأبواء. . .) إلخ، كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٢): اختلف في الأولى منها، ورأي البخاري أنها العشيرة كما أيّده بقول قتادة، غير أن مقالة ابن إسحاق كانت بمنزلة عنده، فأورده أيضًا، ومن دأبه أن لا يبالي بما لم يعتد به من المقالات عند الاختلاف، انتهى.\nوفي هامشه: ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه هو الظاهر من تبويب البخاري فإنه بدأ كتاب المغازي بـ \"باب غزوة العشيرة\"، لكن المعروف عند أهل السير هو ما قاله ابن إسحاق، كما سيأتي.\nوالأوجه عند هذا العبد الضعيف المبتلى بالسيئات المعترف بالتقصيرات أن غرض الإمام البخاري من ذكر هذه الغزوة في مبدإ الكتاب ليس هو كونها أول المغازي، بل المقصود ذكره هذه الغزوة خاصة لا الإشارة إلى كونها أول المغازي، ولما كان يتوهم من قول زيد بن أرقم كونها أول المغازي دفعها بقول ابن إسحاق، فرأي الإمام البخاري في هذا هو ما قال ابن إسحاق، كما هو المعروف عند أهل السير، ففي \"المجمع\" (^٣): خرج - ﷺ - غازيًا في ثاني عشر صفر غزوة الأبواء، ثم قال: وغزا غزوة بواط في ربيع الأول، ثم غزا في جمادى الأولى غزوة العشيرة، انتهى مختصرًا.\nوهكذا ذكر هذه الثلاثة بهذا الترتيب في \"سيرة ابن هشام\" (^٤)، وقال\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٧/ ٢٧٩).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٨/ ٢٤٤ - ٢٤٦).\n(^٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (٥/ ٢٧٧، ٢٧٨).\n(^٤) \"سيرة ابن هشام\" (٢/ ٢٠٣، ٢١٠).","vol":"4","page":559},{"text":"صاحب \"المواهب\" (^١)، أول المغازي ودان وهي الأبواء، وهي أول مغازيه - ﷺ - كما ذكره ابن إسحاق وغيره، انتهى.\nوفي \"الخير الجاري\" كما في هامش \"الهندية\" (^٢): اختلفوا في أول الغزوات، قال محمد بن إسحاق وجماعة: أولها غزوة أبواء، ثم بواط، ثم عشيرة، والأول أرجح عند الشيخ ابن حجر، انتهى.\nفعند هذا العبد الضعيف رأي الإمام البخاري في هذه المسألة موافق لرأي الجمهور، وهو قول ابن إسحاق، لكن يرد عليه ذكر المصنف غزوة العشيرة في مبدإ المغازي ووجهه عندي وخاطري أبو عذره أن أصل غرض المصنف بيان قصة بدر الكبرى، ولما كان غزوة العشيرة مقدمة لها ذكرها قبله كالتقدمة لها، وذلك أن هذه العير التي خرج إليها رسول الله - ﷺ - في غزوة العشيرة كانت ذاهبة إلى الشام، ولما رجعت هذه من الشام تعرض لها النبي - ﷺ - مرة أخرى عند الرجوع، ووقعت غزوة بدر الكبرى لهذه العير.\nقال القسطلاني في \"المواهب\" (^٣) في ذكر غزوة العشيرة: خرج إليها رسول الله - ﷺ - في خمسين ومائة رجل، وقيل: في مائتين، يريد عير قريش التي صدرت من مكة إلى الشام بالتجارة، وكان قريش جمع أموالها في تلك العير، ويقال: إن فيها خمسين ألف دينار وألف بعير، فخرج إليهما ليغنمها فوجدها قد مضت قبل ذلك بأيام، وهي العيرة التي خرج إليها حين رجعت من الشام، فكان بسببها وقعة بدر الكبرى كما في \"العيون\" وغيرها، انتهى بزياده من الزرقاني، فتدبر وتشكر.\nوأما ما وقع في رواية زيد بن أرقم عند البخاري من أن أولها العشيرة فهذا مخالف لما هو المعروف بين أهل السير، ولذا أوّلوا قوله بوجوه: منها\n_________\n(^١) \"المواهب اللدنية\" (١/ ٣٣٨).\n(^٢) \"صحيح البخاري بحاشية السهارنفوري\" (٨/ ٧).\n(^٣) \"شرح القسطلاني على المواهب\" (١/ ٣٤٠).","vol":"4","page":560},{"text":"ما حكاه الحافظ (^١) عن ابن التِّين: أن يحمل قول زيد بن أرقم على أن العشيرة أول ما غزا هو - أي: زيد بن أرقم -، والتقدير فقلت: ما أول غزوة غزاها - أي: وأنت معه -؟ قال: العشيرة، وغير ذلك من الوجوهات كما ذكر في هامش \"اللامع\" (^٢).\nقوله: (أبواء) قال العلَّامة العيني (^٣): قال الواقدي: هي أول غزوة غزاها رسول الله - ﷺ - بنفسه، ويقال لها: غزوة ودان بفتح الواو وتشديد الدال، وقال ابن إسحاق: خرج النبي - ﷺ - غازيًا في صفر على رأس اثني عشر شهرًا من مقدمه المدينة، وقال ابن هشام: واستعمل على المدينة سعد بن عبادة، وقال ابن جرير: يريد قريشًا وبني ضمرة بن بكر بن عبد مناف من كنانة، فوادعته فيها بنو ضمرة، ورجع رسول الله - ﷺ -، ولم يلق كيدًا، والأبواء بفتح الهمزة وبالباء الموحدة الساكنة ممدودًا: موضع معروف بين مكة والمدينة، وهي إلى المدينة أقرب، كأنه سمي بجمع: بو، وهو جلد ولد الإبل المحشي بالتين، وودّان بفتح الواو وتشديد الدال المهملة على وزن فعلان، قال البكري: قرية من أمهات القرى، وقال ياقوت: بينها وبين أبواء ثمانية أميال، انتهى.\nوفي \"التلقيح\" (^٤) لابن الجوزي بعد ذكر سرية سعد بن أبي وقاص إلى الخرّار: ثم غزوة الأبواء، يعترض لعير قريش، وهي أول غزوة غزاها رسول الله - ﷺ - بنفسه، ثم غزوة بواط يعترض لعير قريش، انتهى.\nقال العلَّامة العيني (^٥): بواط بضم الباء الموحدة وتخفيف الواو، قال الصغاني: بواط جبل من جبال جهينة، بين بواط والمدينة ثلاثة برد أو أكثر، وقال ابن إسحاق: غزا رسول الله - ﷺ - في شهر ربيع الأول، يعني: من السنة\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٧/ ٢٨١).\n(^٢) انظر: \"لامع الدراري\" (٨/ ٢٤٥، ٢٤٦).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٢/ ٤).\n(^٤) \"تلقيح فهوم أهل الأثر\" (ص ٤٩).\n(^٥) \"عمدة القاري\" (١٢/ ٤).","vol":"4","page":561},{"text":"الثانية من الهجرة يريد قريشًا، واستعمل على المدينة السائب بن عثمان بن مظعون، وقال الواقدي: استخلف عليها سعد بن معاذ، وكان رسول الله - ﷺ - في مائتي راكب، وكان لواؤه مع سعد بن أبي وقاص، وكان قصده أن يتعرض لعير قريش، وكان فيه أمية بن خلف ومائة رجل وخمسمائة بعير، قال ابن إسحاق: حتى بلغ بواط ثم رجع إلى المدينة ولم يلق فيها كيدًا، انتهى.\nقوله: (كم غزا النبي - ﷺ -؟ قال: تسع عشرة) قال الحافظ (^١): كذا قال، ومراده الغزوات التي خرج النبي - ﷺ - فيها بنفسه، سواء قاتل أو لم يقاتل، لكن روى أبو يعلى من طريق أبي الزبير عن جابر: أن عدد الغزوات إحدى وعشرون، وإسناده صحيح، وأصله في مسلم، فعلى هذا ففات زيد بن أرقم ذكر ثنتين منها، ولعلهما الأبواء وبواط، وكأن ذلك خفي عليه لصغره، ويؤيد ما قلته ما وقع عند مسلم بلفظ: \"قلت: ما أول غزوة غزاها؟ قال: ذات العشير أو العشيرة\"، انتهى.\nوالعشيرة كما تقدم هي الثالثة، إلى آخر ما بسط الحافظ.\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٢): وقد اختلف في عدد الغزوات، ومنشأ الاختلاف اعتبارات الرواة، فكم من راو جعل السفرة الواحدة من المدينة غزوةً واحدةً وإن تضمنت غزوات، فعدّ على رأيه هذا غزوة الفتح وطائفًا وحنينًا وأوطاس واحدةً، ولا ضير فيه، وآخر نظر إلى وقوع محاربة ولو قليلًا، إلى غير ذلك من الاعتبارات، مع أن مفهوم العدد لا معتبر به عند الثقات، انتهى.\nوبسط في هامشه الكلام على عدد الغزوات، وفيه: وحصل من مجموع ذلك أنهم اختلفوا في ذلك على سبعة أقوال: من تسعة عشر إلى سبع وعشرين، ما عدا العشرين وثلاث وعشرين، ثم قال الزرقاني: وقاتل في\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٧/ ٢٨٠).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٨/ ٢٤٦ - ٢٤٨).","vol":"4","page":562},{"text":"تسع منها بنفسه، قال ابن تيمية: لا يعلم أنه قاتل في غزاة إلا في أُحد، ولم يقتل أحدًا إلا أُبيّ بن خلف فيها، فلا يفهم من قولهم: قاتل في كذا أنه قاتل بنفسه كما فهمه بعض الطلبة ممن لا اطلاع له على أحواله ﵊، وأجيب بأن المراد قتال أصحابه بحضوره فنسب إليه، ولم يقع في باقي الغزوات قتال منه ولا منهم، وأما السرايا فكانت سراياه والبعوث التي بعث فيها سبعًا وأربعين سرية كما رواه ابن سعد عمن ذكر في عدد المغازي، وبه جزم في أول \"الاستيعاب\"، والذي في \"النور\": قال ابن عبد البر في ديباجة \"الاستيعاب\": كانت بعوثه وسراياه خمسًا وثلاثين، وقال ابن إسحاق: رواية البكائي ثمانيًا وثلاثين، وفي \"الفتح\": عن ابن إسحاق: ستًّا وثلاثين، والواقدي: ثمانيًا وأربعين، وابن الجوزي: ستًا وخمسين، والمسعودي: ستين، ومحمد بن نصر المروزي: سبعين، والحاكم في \"الإكليل\": أنها فوق المائة، قال العراقي: ولم أجده لغيره، وقال الحافظ: لعله أراد بضم المغازي إليها، وقرأت بخط مغلطائي: أن مجموع الغزوات والسرايا مائة، وهو كما قال، انتهى.\nوسيأتي تفصيل الكلام عليه في آخر المغازي في \"باب كم غزا النبي - ﷺ -؟ \"\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-2417> باب ذكر النبي - ﷺ - من يقتل ببدر)</span>\nأي: قبل وقعة بدر بزمان، فكان كما قال، ووقع عند مسلم من حديث أنس عن عمر قال: \"إن النبي - ﷺ - ليرينا مصارع أهل بدر يقول: هذا مصرع فلان غدًا إن شاء الله تعالى، وهذا مصرع فلان، فوالذي بعثه بالحق ما أخطأوا تلك الحدود\" الحديث، وهذا وقع وهم ببدر في الليلة التي التقوا في صبيحتها، بخلاف حديث الباب فإنه قبل ذلك بزمان، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٧/ ٢٨٢).","vol":"4","page":563},{"text":"وفي \"القسطلاني\" (^١): وسقط لفظ \"باب\" لأبي ذر، وفي نسخة: \"باب ذكر من قتل ببدر\"، انتهى.\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-2418> باب قصة غزوة بدر)</span>\nهكذا في \"العيني\" و\"القسطلاني\"، وفي نسخة \"الفتح\": سقط لفظ \"باب\".\nقال القسطلاني (^٢): وللأصيلي وابن عساكر وأبي ذر \"قصة بدر\"، وسقط لفظ \"باب\" لأبي ذر، وقال في \"الفتح\": ثبت لفظ: \"باب\" في رواية كريمة، وبدر بالفتح والسكون: قرية مشهورة نسبت إلى بدر بن مخلد بن النضر بن كنانة كان نزلها، أو بدر اسم بئر بها، سميت بذلك لاستدارتها أو لصفاء مائها، وكان البدر يُرى فيها، وكذا في \"الفتح\" (^٣)، وزاد: وحكى الواقدي إنكار ذلك كله عن غير واحد من شيوخ بني غفار، وإنما هي مأوانا ومنازلنا وما ملكها أحد قط يقال له بدر، وإنما هو علم عليها كغيرها من البلاد.\nقوله: (﴿وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾) [آل عمران: ١٢٣]، أي: قليلون بالنسبة إلى من لقيهم من المشركين، ومن جهة أنهم كانوا مشاة إلا القليل منهم، ومن جهة أنهم كانوا عارين من السلاح، وكان المشركون على العكس من ذلك، والسبب في ذلك أن النبي - ﷺ - ندب الناس إلى تلقي أبي سفيان لأخذ ما معه من أموال قريش، وكان من معه قليلًا، فلم يظن أكثر الأنصار أنه يقع قتال فلم يجز معه منهم إلا القليل، ولم يأخذوا أهبة الاستعداد كما ينبغي، بخلاف المشركين فإنهم خرجوا مستعدين ذابين عن أموالهم.\nوأما قوله: (﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾) [آل عمران: ١٢٤] فاختلف فيها أهل التأويل، فمنهم من قال: هي متعلقة بقوله: ﴿نَصَرَكُمُ﴾ فعلى هذا هي في\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٩/ ٥).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٩/ ٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٧/ ٢٨٥).","vol":"4","page":564},{"text":"قصة بدر، وعليه عمل المصنف، وهو قول الأكثر، وبه جزم الداودي، وأنكره ابن التِّين فذهل، وقيل: هي متعلقة بقوله: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ الآية [آل عمران: ١٢١]، فعلى هذا هي متعلقة لغزوة أُحد، وهو قول عكرمة وطائفة، ثم ذكر الحافظ تأييد الأول ثم قال: وقد لمح المصنف بالاختلاف في النزول فذكر قوله تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ في غزوة أُحد، وكذلك قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨] وذكر ما عدا ذلك في غزوة بدر، وهو المعتمد، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوفي \"تاريخ الخميس\" (^٢): وفي هذه السنة - أي: الثانية من الهجرة - وقعت غزوة بدر الكبرى، في \"معالم التنزيل\" و\"سيرة ابن هشام\": قال ابن إسحاق: كانت وقعة بدر يوم الجمعة صبيحة السابع عشر من رمضان على رأس ثمانية عشر شهرًا من الهجرة، وقيل: التاسع عشر من رمضان، والأول أصح، وكذا في \"المنتقى\"، وفي \"المواهب اللدنية\": بعد الهجرة بتسعة عشر شهرًا، وكان خروج المسلمين من المدينة لاثنتي عشرة ليلة مضت من رمضان، وقال ابن هشام: لثمان ليال خلون من رمضان، وفي \"الاستيعاب\": وكانت غزوة بدر في السنة الثانية من الهجرة لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان، وليس في غزواته ما يعدل بها في الفضل، ويقرب منها غزوة الحديبية حيث كان فيها بيعة الرضوان.\nوقال ابن هشام (^٣): خرج يوم الاثنين لثمان ليال خلون من شهر رمضان، واستعمل على المدينة عمرو ابن أم مكتوم - ويقال: اسمه عبد الله بن أم مكتوم - على الصلاة بالناس، ثم رد أبا لبابة من الروحاء، واستعمله على المدينة، وكان المسلمون ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا على عدد أصحاب طالوت يوم جالوت الذين جاوزوا معه النهر، وقد ذكرهما الإمام\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٧/ ٢٨٥).\n(^٢) \"تاريخ الخميس\" (١/ ٣٦٨ - ٣٧١).\n(^٣) \"سيرة ابن هشام\" (٢/ ٢٢٤).","vol":"4","page":565},{"text":"البخاري في \"صحيحه\"، وفي \"المواهب\": كان عدد المشركين ألفًا، ويقال: تسعمائة وخمسين رجلًا، انتهى.\nوفي \"المجمع\" (^١): خرج رسول الله - ﷺ - إليه يوم السبت لاثنتي عشرة من رمضان، انتهى.\n\n(٤ -<span data-type='title' id=toc-2419> باب قول الله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ الآية [الأنفال:</span> ٩])\nقال الحافظ (^٢): أورد البخاري فيه حديثين، فقصة المقداد فيها بيان ما وقع قبل الوقعة، وحديث ابن عباس فيه بيان الاستغاثة، وقوله: ﴿أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ﴾ [الأنفال: ٩] وهذا آية الأنفال، تقدم ما يخالفه في العدد من آية آل عمران.\nقال الحافظ (^٣): روى ابن أبي حاتم بسند صحيح إلى الشعبي: أن المسلمين بلغهم يوم بدر أن كرز بن جابر يمد المشركين، فأنزل الله تعالى: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ﴾ الآية [آل عمران: ١٢٤]، قال: فلم يمد كرز المشركين ولم يمد المسلمين بالخمسة، ومن طريق سعيد عن قتادة قال: \"أمد الله المسلمين بخمسة آلاف من الملائكة\"، وعن الربيع بن أنس قال: \"أمد الله المسلمين يوم بدر بألف، ثم زادهم فصاروا ثلاثة آلاف، ثم زادهم فصاروا خمسة آلاف\"، قال الحافظ: وكأنه جمع بذلك بين آيتي آل عمران والأنفال، انتهى.\nقوله: (﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً﴾) [الأنفال: ١١] قال العلَّامة القسطلاني (^٤): قال ابن مسعود: النعاس في القتال أمنة من الله تعالى، وفي الصلاة من الشيطان لعنه الله تعالى، وقال قتادة: النعاس في الرأس والنوم\n_________\n(^١) \"مجمع بحار الأنوار\" (٥/ ٢٧٩).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٧/ ٢٨٧).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٧/ ٢٨٥).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (٩/ ١٢).","vol":"4","page":566},{"text":"في القلب، وقال ابن كثير: أما النعاس فقد أصابهم يوم أحد، وأما يوم بدر فتدل له هذه الآية أيضًا، انتهى.\n\n(٥ -<span data-type='title' id=toc-2420> باب)</span>\nبغير ترجمة، قال الحافظ (^١): كذا للجميع بغير ترجمة، ووقع في شرح شيخنا ابن الملقن: \"باب فضل من شهد بدرًا\" وتبع في ذلك بعض النسخ، وهو خطأ من جهة أن هذه الترجمة بعينها ستأتي فيما بعد، فلا معنى لتكرارها، انتهى.\n\n(٦ -<span data-type='title' id=toc-2421> باب عدة أصحاب بدر)</span>\nأي: الذين شهدوا الوقعة مع النبي - ﷺ -، ومن ألحق بهم، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\nقلت: وبسط الحافظ في عدد من شهد بدرًا، وذكر اختلاف الروايات فيه، والجمع بينها، وقال أيضًا: ولأحمد والبزار والطبراني من حديث ابن عباس: كان أهل بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر، قال: وهذا هو المشهور عند ابن إسحاق وجماعة من أهل المغازي، انتهى.\nقوله: (وكان المهاجرون يوم بدر نيفًا على ستين) قال الحافظ: كذا في هذه الرواية، وسيأتي في آخر الكلام على هذه الغزوة أنهم كانوا ثمانين أو زيادة، انتهى.\n\n(٧ -<span data-type='title' id=toc-2422> باب دعاء النبي - ﷺ - على كفار قريش. . .) إلخ</span>\nالمراد دعاؤه - ﷺ - السابق وهو بمكة، وقد مضى بيانه في كتاب الطهارة، حيث أورده المصنف من حديث ابن مسعود المذكور في هذا الباب بأتم منه سياقًا، وأورده في الطهارة لقصة سلى الجزور ووضعه على\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٧/ ٢٩٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٧/ ٢٩١).","vol":"4","page":567},{"text":"ظهر المصلي فلم تفسد صلاته، وفي الصلاة مستدلًا به على أن ملاصقة المرأة في الصلاة لا تفسدها، وفي الجهاد في \"باب الدعاء على المشركين\"، وفي الجزية مستدلًا به على أن جيف المشركين لا يفادى بها، وفي المبعث في \"باب ما لقي المسلمون من المشركين بمكة\"، ثم قال:\n(تنبيه): ثبتت هذه الترجمة للأكثر، وسقطت لأبي ذر عن المستملي والكشميهني، وثبوتها أوجه، إذ لا تعلق لحديثها بباب عدة أهل بدر، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nقلت: وهؤلاء الذين دعا عليهم النبي - ﷺ - هم الذين كانوا صرعى ببدر، كما في حديث الباب، وبهذه المناسبة ذكر المصنف هذا الباب في قصة بدر كما في \"الخير الجاري\".\n\n(٨ -<span data-type='title' id=toc-2423> باب قتل أبي جهل)</span>\nقال العلَّامة العيني (^٢): أي: بيان كيفية قتله، وهذه الترجمة ثبتت لغير أبي ذر، قيل - والقائل الحافظ - ﵀ -: سقوطها أوجه؛ لأن فيه هلاك غير أبي جهل أيضًا.\nقلت: وفي بعض النسخ أيضًا \"باب قتل أبي جهل وغيره\" فعلى هذا ثبوتها أوجه، انتهى.\nقلت: ويشكل ههنا أنه ليس في بعض أحاديث الباب ذكر قتل أبي جهل، فيمكن أن يقال في الجواب عنه: أن هذه الترجمة من الأصل السادس من أصول التراجم، وهو الذي يقال له: باب في باب، فعلى هذا يكفي مناسبة تلك الروايات بالباب السابق فتأمل، وجواب آخر وهو أن في بعض النسخ ههنا \"باب قتل أبي جهل وغيره\" كما تقدم في كلام العيني،\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٧/ ٢٩٣، ٢٩٤).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٢/ ١٨).","vol":"4","page":568},{"text":"ولعله لهذا قال العلَّامة العيني في أحاديث الباب: مطابقته للترجمة ظاهرة، مع أنه ليس في بعضها ذكر أبي جهل.\nثم إنهم اختلفوا في قاتل أبي جهل بسطه الحافظ وغيره، وفي هامش \"الهندية\" (^١): قوله: \"ضربه ابنا عفراء\" هما معاذ ومعوذ، وفي مسلم أن اللذين قتلاه معاذ بن عمرو بن الجموع ومعاذ بن عفراء هو ابن الحارث، وعفراء أمه، وروي أن ابن مسعود هو الذي أجهز فيه، وأخذ رأسه، قال الشيخ يحمل هذا على أن الثلاثة اشتركوا في قتله، وكان الإثخان من معاذ بن عمرو بن الجموع، وجاء ابن مسعود بعد ذلك، وفيه رمق فجزّ رأسه، كذا في الطيبي.\nقال الكرماني: قال النووي: قتله معاذ بن عمرو وابن عفراء، قلت: لعل القتل كان بفعل الكل فأسند كل راو إلى ما رواه من القرب أو زيادة الأثر على حسب اعتقاده، وقول ابن عبد البر: الأصح أنه قد ضربه ابنا عفراء حتى برد، أي: مات، كذا في الكرماني، انتهى من هامش الهندية.\n(تنبيه): قال الإمام أبو داود في \"سننه\" في \"باب الأسير يوثق\" قال أبو داود: وهما - أي: عوف ومعوذ - قتلا أبا جهل بن هشام، وكانا انتدبا له ولم يعرفاه، قال الشيخ في \"البذل\" (^٢): قلت: اللذان قتلا أبا جهل هما معاذ ومعوذ ابنا عفراء، وفي بعض الروايات ذكر معاذ بن عمرو بن الجموح، ولم أر أحدًا ذكر عوفًا فيمن قتل أبا جهل إلا أبا داود وابن سعد، فإنه قال في \"طبقاته\" (^٣): وقتل عوف بن الحارث يوم بدر شهيدًا، قتله أبو جهل بن هشام بعد أن ضربه عوف وأخوه معوذ ابنا الحارث، فأثبتاه إلى أن قال: ولكن قاتل أبي جهل الذين ذكروا في البخاري ومسلم هم ثلاثة، معاذ ومعوذ ابنا عفراء ومعاذ بن عمرو بن الجموح، ولم أر لعوف ذكرًا وشركة في قتل أبي جهل، انتهى.\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري بحاشية السهارنفوري\" (٨/ ٢٢).\n(^٢) \"بذل المجهود\" (٩/ ٣١٠).\n(^٣) \"الطبقات الكبرى\" (٣/ ٣٧٥).","vol":"4","page":569},{"text":"وفي \"عون المعبود\" (^١): المشهور في الروايات أن ابني عفراء اللذين قتلا أبا جهل هما معاذ ومعوذ، انتهى.\nقوله: (ضرب ثنتين يوم بدر. . .) إلخ، تعارضت ههنا بين رواية معمر عن هشام وبين رواية عبد الله بن المبارك، ففي رواية معمر: \"ضرب ثنتين يوم بدر فواحدة يوم اليرموك\"، وفي رواية ابن المبارك بلفظ \"ضربتين على عاتقه بينهما ضربة ضرب بها يوم بدر\"، واختلفوا في الجمع بينهما كما ذكر في هامش \"اللامع\"، وكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): ليس المقصود أنه لم يضرب يوم اليرموك إلا واحدة، لما سيجيء أنه ضرب يوم اليرموك ضربتين، بل المراد أنه ضرب يوم اليرموك ضربة بين ضربتي يوم بدر، وكانت ضربة من ضربتي يوم اليرموك على طرف الضربات، فالحاصل أن الضربات صارت أربعًا لكل يوم ضربتان، غير أن ضربتي يوم اليرموك وقعتا بحيث صارت ضربة من ضربتي يوم بدر بينهما، وكانت الضربة الثانية من ضربتي يوم بدر على طرف الضربات، ثم أوضحه الشيخ بالشكل، فارجع إليه لو شئت.\nقوله: (يقول حين تَبَوَّءُوا. . .) إلخ، كتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): إشارة إلى تفسير قوله: \"الآن\" فالضمير عائد إليه - ﷺ -، والمراد بتبوء المقاعد من النار ابتلاؤهم في عذاب القبر ومصائب البرزخ، وهو تفسير من بعض الرواة، انتهى.\nوفي هامشه: ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه أوجه وأوضح مما قالته الشرَّاح ههنا، وذكر فيه كلام الشرَّاح.\n\n(٩ -<span data-type='title' id=toc-2424> باب فضل من شهد بدرًا)</span>\nسقط لفظ الباب لأبي ذر والأصيلي وابن عساكر، قاله القسطلاني (^٤).\n_________\n(^١) \"عون المعبود\" (٧/ ٢٤٥).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٨/ ٢٥٤، ٢٥٥).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٨/ ٢٥٨).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (٩/ ٣٥).","vol":"4","page":570},{"text":"قال الحافظ (^١): فضل من شهد بدرًا، أي: مع النبي - ﷺ - من المسلمين مقاتلًا للمشركين، وكأن المراد بيان أفضليتهم لا مطلق فضلهم، انتهى.\n\n(١٠ -<span data-type='title' id=toc-2425> باب)</span>\nبغير ترجمة، هذا رجوع إلى أصل القصة، قال الحافظ (^٢): كذا في الأصول بغير ترجمة، وهو فيما يتعلق ببدر أيضًا، انتهى.\nوقال العلَّامة العيني (^٣): وكل ما ذكر فيه لا يخلو عن أمر من أمور بدر، وقال (^٤) فيما سيأتي في هذا الباب من قول كعب بن مالك: ذكروا مرارة بن الربيع وهلال بن أمية قد شهدا بدرًا: لما كانت هذه الأبواب المذكورة فيما يتعلق بغزوة بدر، والترجمة الأولى في \"باب عدة أصحاب بدر\" ذكر أن مرارة بن الربيع وهلال بن أمية من أهل بدر، وأنهما داخلان في العدة ردًا على من أنكر من الناس أنهما لم يشهدا بدرًا، إلى آخر ما قال.\nوسيأتي الاختلاف في كونهما بدريًا أيضًا في \"باب حديث كعب بن مالك\".\n\n(١١ -<span data-type='title' id=toc-2426> باب شهود الملائكة بدرًا)</span>\nتقدم القول في ذلك في \"باب قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ \" [الأنفال: ٩].\nقال الحافظ (^٥): أخرج يونس بن بكير في \"زيادات المغازي\" والبيهقي من طريق الربيع بن أنس قال: \"كان الناس يوم بدر يعرفون قتلى الملائكة من قتلى الناس بضرب فوق الأعناق وعلى البنان مثل وسم النار\" وفي\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٧/ ٣٠٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٧/ ٣٠٦).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٢/ ٣٣).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٢/ ٤٠).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٧/ ٣١٢، ٣١٣).","vol":"4","page":571},{"text":"\"مسند إسحاق\" عن جبير بن مطعم قال: \"رأيت قبل هزيمة القوم ببدر مثل النجا والأسود أقبل من السماء كالنمل فلم أشك أنها الملائكة، فلم يكن إلا هزيمة القوم\"، وعند مسلم من حديث ابن عباس: \"بينما رجل مسلم يشتد في أثر رجل مشرك إذ سمع ضربةً بالسوط فوقه وصوت الفارس\" الحديث، وفيه: فقال النبي - ﷺ -: \"ذلك مدد من السماء الثالثة\".\nووقع عند البيهقي من طريق ابن محمد بن جبير بن مطعم، أنه سمع عليًا يقول: \"هبّت ريح شديدة لم أر مثلها، ثم هبت ريح شديدة - وأظنه ذكر ثالثة - فكانت الأولى جبريل، والثانية ميكائيل، والثالثة إسرافيل، وكان ميكائيل عن يمين النبي - ﷺ - وفيها أبو بكر، وإسرافيل عن يساره وأنا فيها\"، ومن طريق أبي صالح عن علي قال: قيل لي ولأبي بكر يوم بدر: \"مع أحدكما جبريل ومع الآخر ميكائيل، وإسرافيل ملك عظيم يحضر الصف ويشهد القتال\"، وأخرجه أحمد وصححه الحاكم، والجمع بينه وبين الذي قبله ممكن، قال الشيخ تقي الدين السبكي: سئلت عن الحكمة في قتال الملائكة مع النبي - ﷺ - مع أن جبريل قادر على أن يدفع الكفار بريشة من جناحه؟ فقلت: وقع ذلك لإرادة أن يكون الفعل للنبي - ﷺ - وأصحابه، وتكون الملائكة مددًا على عادة مدد الجيوش رعاية لصورة الأس<span data-type='title' id=toc-2427>باب </span>وسُنَّتها التي أجراها الله تعالى في عباده، والله تعالى هو فاعل الجميع، والله أعلم.\n\n(١٢ - باب)\nبغير ترجمة، كذا للجميع بغير ترجمة، وهو فيما يتعلق ببيان من شهد بدرًا، قاله الحافظ (^١).\nقوله: (يقرأ في المغرب بالطور، وذلك أول ما وقر الإيمان) كتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): وكان وروده المدينة في فداء أسارى بدر، وبذلك يصح\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٧/ ٣١٤).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٨/ ٢٦٩، ٢٧٠).","vol":"4","page":572},{"text":"إيراده ههنا، وقوله: (لو كان مطعم بن عدي. . .) إلخ، تأليف لابنه جبير وهو سبب آخر لإيمانه، انتهى.\nوفي هامشه: قال الحافظ (^١): وجه إيراده ههنا ما تقدم في الجهاد أنه كان قدم في أسارى بدر، أي: في طلب فدائهم، انتهى.\nوقال الكرماني (^٢): فإن قلت: تقدم في الجهاد في \"باب فداء المشركين\" أن جبيرًا حين سمع قراءته في المغرب بالطور كان كافرًا وجاء في المدينة في أسارى بدر، وإنما أسلم بعد ذلك يوم الفتح، قلت: التصريح بالكلمة والتزام أحكام الإسلام كان عند الفتح، وأما حصول وقار الإيمان في صدره فكان في ذلك اليوم، انتهى. وتبعه العيني (^٣).\nقوله: (وقعت الفتنة الأولى) ولم يعد مقتل عمر فتنة؛ لأنه كان قتل رجل فحسب، والفتنة ما يلتبس الأمر فيه على المسلمين، ثم إن المراد بقوله: \"فلم تبق من أصحاب بدر أحدًا\" ليس هو استيعاب الفتنة هؤلاء الصحابة، بل المراد شروعها في إفنائهم وإهلاكهم حتى انقضوا عن قريب، وذلك في الاثنتين الباقيتين، انتهى من \"اللامع\" (^٤).\nوذكر في هامشه ما يتعلق بكلام الشرَّاح.\n\n(١٣ -<span data-type='title' id=toc-2428> باب تسمية من سمي من أهل بدر)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٥): أشار بذلك إلى تفصيل من ورد عليه في كتابه هذا تصريح كونه بدريًا كقوله: شهد بدرًا، أو هو بدري إلى غير ذلك، انتهى.\nوفي هامشه: يعني: المذكور في هذا الباب أسماء من ذكر فيه\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٧/ ٣٢٤).\n(^٢) \"شرح الكرماني\" (١٥/ ١٩٥).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٢/ ٦٢).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٨/ ٢٧٠، ٢٧١).\n(^٥) \"لامع الدراري\" (٨/ ٢٧٤).","vol":"4","page":573},{"text":"البخاري أنه بدري في الرواية المتقدمة لا أسماء جميع البدريين، وهكذا في تقرير المكي إذ قال: ليس المراد كل من ذكر في هذا الكتاب، ولا كل من روي عنه الحديث في هذا الكتاب، بل المراد به من قيل في حقه في هذه الأبواب هو بدري أو شهد بدرًا ونحوهما، انتهى.\nوقال الحافظ (^١): قوله: \"باب تسمية من سمي من أهل بدر في الجامع\" أي: دون من لم يسم فيه، ودون من لم يذكر فيه أصلًا، والمراد بالجامع هذا الكتاب، والمراد بمن سمي من جاء ذكره فيه برواية عنه أو عن غيره بأن شهدها، لا بمجرد ذكره دون التنصيص على أنه شهدها، وبهذا يجاب عن ترك إيراده مثل أبي عبيدة بن الجراح فإنه شهدها باتفاق، وذكر في الكتاب في عدة مواضع، إلا أنه لم يقع في التنصيص على أنه شهد بدرًا، انتهى.\nقال القسطلاني (^٢): قال في \"الكواكب\": والمقصود منه تسمية من علم في هذا الكتاب أنه من أهل بدر على الخصوص، فكأنه فذلكة وإجمال لما تقدم مفصلًا، لا تسمية المذكورين منهم فيه مطلقًا، إذ كثير ممن لم يختلف في شهوده بدرًا كأبي عبيدة بن الجراح - ﵁ - لم يذكره ههنا، ولا تسمية من روى حديثًا منهم، فإن كثيرًا من المذكورين ههنا لم يرو حديثًا فيه نحو حارثة وغيره، انتهى.\n(فائدة): قال الزرقاني: قال العلَّامة الدواني: سمعنا من مشايخ الحديث أن الدعاء عند ذكرهم في البخاري مستجاب، وقد جرّب، انتهى.\nوهكذا حكاه عن العلَّامة الدواني صاحب \"تاريخ الخميس\" (^٣) وقال: قاله الدواني في \"شرح العقائد العضدية\".\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٧/ ٣٢٧).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٩/ ٧٧).\n(^٣) \"تاريخ الخميس\" (١/ ٣٧١).","vol":"4","page":574},{"text":"ثم لا يذهب عليك أن المذكور في النسخ الهندية التي بأيدينا بعد اسمه الشريف - ﷺ -: إياس بن البكير، فذكر أسماءهم على ترتيب الحروف المعجم، وهكذا في متن شرح الكرماني، وقال القسطلاني (^١): ذكرهم على حروف المعجم إلا رسول الله - ﷺ - والخلفاء الأربعة فقدمهم لشرفهم، وفي بعضها تقديمه - ﷺ - فقط.\n\"النبي - ﷺ -، أبو بكر الصديق، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، ثم إياس بن البكير. . .\" إلخ، مختصرًا بدون ذكر \"ثم\" بين النبي - ﷺ - وأبي بكر، وهكذا الترتيب في شرح العيني موافقًا للقسطلاني، وهكذا الترتيب في \"الفتح\" بدون ذكر \"ثم\" في الأسماء كلها، وهكذا في \"شرح الكرماني\"، وهكذا رواه صاحب \"المشكاة\" عن البخاري، ولعله مبني على اختلاف نسخ البخاري، انتهى من هامش \"اللامع\" (^٢).\nقوله: (النبي محمد بن عبد الله الهاشمي - ﷺ -) قال الشرَّاح: ذكره تبركًا وإلا فكونه حضر بدرًا من المقطوع به.\nوقال الحافظ (^٣) بعد سرد الأسماء: فجملة من ذكر من أهل بدر ههنا أربعة وأربعون رجلًا، وزاد العيني والقسطلاني في غير النبي - ﷺ -، لكن في نسخة \"القسطلاني\" أربعة وثلاثون بدل أربعة وأربعين، فلعله من زلة الناسخ.\nقال الحافظ: وقد سبق البخاري إلى ترتيب أهل بدر على حروف المعجم، وهو أضبط لاستيعاب أسمائهم، ولكنه اقتصر على ما وقع عنده منهم، واستوعبهم الحافظ ضياء الدين المقدسي في \"كتاب الأحكام\"، وبيَّن اختلاف أهل السير في بعضهم، وهو اختلاف غير فاحش، وأورد ابن سيد الناس أسماءهم في \"عيون الأثر\"، لكن على القبائل، كما صنع ابن إسحاق\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٩/ ٧٧).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٨/ ٢٧٤، ٢٧٥).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٧/ ٣٢٩).","vol":"4","page":575},{"text":"وغيره، واستوعب ما وقع له من ذلك، فزادوا على ثلاثمائة وثلاثة عشر خمسين رجلًا، قال: وسبب الزيادة الاختلاف في بعض الأسماء.\nقلت: ولولا خشية التطويل لسردت أسماءهم مفصلًا مبينًا للراجح، لكن في هذه الإشارة كفاية، والله المستعان، انتهى.\nقلت: وهذا على حسب نسخ الشروح، وبحسب النسخ الهندية المذكور ههنا ثلاثة وأربعون غير النبي - ﷺ -، وذلك لأنه ليس في النسخ الهندية عتبة بن مسعود الهذلي، وهو موجود في نسخة الشرَّاح، لكنهم تكلموا عليه، وقالوا: لم يتقدم له ذكر في البخاري ولا ذكره أحد ممن صنف في المغازي في البدريين، قال القسطلاني (^١): وقد رقم عليه في الفرع علامة السقوط، قال في \"الفتح\" (^٢): وهو ساقط عند النسفي، ولم يذكره الإسماعيلي وأبو نعيم في \"مستخرجيهما\"، وهو المعتمد، وكذا قالوا في قوله (^٣): \"رفاعة بن عبد المنذر، أبو لبابة الأنصاري\" أنه تقدم في الباب المتقدم آنفًا: قال: حدثه أبو لبابة البدري، قال الدمياطي: إنما هو أخو أبي لبابة، وليس بأبي لبابة، واسم أبي لبابة بشير بن عبد المنذر، انتهى.\nوقال القسطلاني (^٤): قال في \"الكواكب\": وفائدة ذكرهم معرفة فضيلة السبق، وترجيحهم على غيرهم، والدعاء لهم بالرضوان على التعيين، ﵃ أجمعين، انتهى.\n\n(١٤ -<span data-type='title' id=toc-2429> باب حديث بني النضير)</span>\nقال الحافظ (^٥): هم قبيلة كبيرة من اليهود، وقد مضت الإشارة إلى التعريف بهم في أوائل الكلام على أحاديث الهجرة، وكان الكفار بعد الهجرة مع النبي - ﷺ - على ثلاثة أقسام: قسم وادعهم على أن لا يحاربوه\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٩/ ٨٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٧/ ٣٢٨).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٢/ ٦٧).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (٩/ ٨٢).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٧/ ٣٣٠).","vol":"4","page":576},{"text":"ولا يمالئوا عليه عدوه، وهم طوائف اليهود الثلاثة: قريظة والنضير وقينقاع، وقسم: حاربوه ونصبوا له العداوة كقريش، وقسم: تاركوه وانتظروا ما يؤول إليه أمره كطوائف من العرب، فمنهم من كان يحب ظهوره في الباطن كخزاعة، وبالعكس كبني بكر، ومنهم من كان معه ظاهرًا ومع عدوه باطنًا، وهم المنافقون، فكان أول من نقض العهد من اليهود بنو قينقاع، فحاربهم في شوال بعد وقعة بدر، فنزلوا على حكمه، وأراد قتلهم فاستوهبهم منه عبد الله بن أبي وكانوا خلفاء فوهبهم له، وأخرجهم من المدينة إلى أذرعات، ثم نقض العهد بنو النضير كما سيأتي، وكان رئيسهم حيي بن أخطب، ثم نقضت قريظة كما سيأتي شرح حالهم بعد غزوة الخندق إن شاء الله تعالى، انتهى.\nثم اعلم أن الإمام البخاري - ﵀ - ذكر غزوة بني النضير ههنا بعد غزوة بدر، وعامة أهل السير ذكروها بعد أُحد، فجمهور أهل السير على أن قصتهم كانت بعد بئر معونة كما حكاه البخاري عن ابن إسحاق، وبعضهم كعروة على أن قصتهم إنما وقعت بعد بدر بستة أشهر، كما حكاه البخاري عنه أولًا، وذلك لأنهم أختلفوا في سبب هذه الغزوة ما هو؟ فالجمهور ومنهم ابن إسحاق ذكروا في سبب هذه الغزوة أنه خرج رسول الله إلى بني النضير ليستعين بهم في دية القتيلين اللذين قتلا بعد وقعة بئر معونة، وكان بين بني النضير وبني عامر عقد وحلف، فلما أتاهم ﵊ ليستعينهم في ديتهما قالوا: نعم يا أبا القاسم اجلس فنتشاور فيما جئتنا به، ثم خلا بعضهم ببعض، فقالوا: إنكم لن تجدوه على مثل هذا الحال منفردًا ليس معه من أصحابه إلا نحو العشرة، فقالوا: من رجل يعلو على هذا البيت فيلقي هذه الصخرة عليه فيقتله ويريحنا منه؟ وأتى رسول الله - ﷺ - الخبر من السماء بما أراد القوم، فقام ﵊ ورجع مسرعًا إلى المدينة.\nوالسبب الآخر لهذه الغزوة ما روى ابن مردويه بسند صحيح عن","vol":"4","page":577},{"text":"الزهري أنه قال: كتب كفار قريش إلى عبد الله بن أُبيّ وغيره ممن يعبد الأوثان قبل بدر يهددونهم بإيوائهم النبيَّ - ﷺ - وأصحابه ويتوعدونهم أن يغزوهم بجميع العرب، إلى أن قال: فلما كانت وقعة بدر كتب كفار قريش بعدها إلى اليهود: إنكم أهل الحلقة والحصون يتهددونهم، فاجتمع بنوا النضير على الغدر، فأرسلوا إليه - ﷺ -: اخرج إلينا في ثلاثة من أصحابك ويلقاك ثلاثة من علمائنا، إلى آخر القصة، قال الحافظ: هذا أقوى مما ذكر ابن إسحاق أن سبب غزوة بني النضير دية الرجلين، لكن وافقه جل أهل المغازي، انتهى مختصرًا (^١).\nفمن قال بالسبب الأول ذكرها بعد غزوة أُحد كما هو قول الجمهور؛ لأن قصة بئر معونة كانت بعد أحد بالاتفاق، ومن قال بالسبب الثاني ذكرها بعد بدر، ومنهم عروة وإليه ميل البخاري، لكن يشكل عليه أن الإمام البخاري ذكر بعد قوله: حديث بني النضير قوله: ومخرج رسول الله - ﷺ - إليهم في دية الرجلين، وهذا الخروج الذي كان في قصة الدية كان بعد بئر معونة باتفاق المحدثين والمؤرخين، فكيف ذكره ههنا بعد بدر اللَّهم إلا أن يقال: إنه ذكره لكونه معروفًا فيما بين المؤرخين في سبب تلك الغزوة لا لأنه اختار هذا القول، ومن دأب الإمام البخاري أنه قد يذكر قولًا لكونه معروفًا بين العلماء مع أنه ليس مختارًا عنده، ويظهر هذا لمن أمعن النظر في كتابه، والله تعالى أعلم، والبسط في هامش \"اللامع\" (^٢).\nقوله: (وأجلى يهود المدينة: بني قينقاع) وكان أول من أخرج من المدينة، ذكر الواقدي: أن إجلاءهم كان في شوال سنة اثنتين، يعني: بعد بدر بشهر، ويؤيده ما روى ابن إسحاق بإسناد حسن عن ابن عباس قال: \"لما أصاب رسول الله - ﷺ - قريشًا يوم بدر جمع يهود في سوق بني قينقاع، فقال: يا يهود، أسلموا قبل أن يصيبكم ما أصاب قريشًا يوم بدر،\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٧/ ٣٣١، ٣٣٢).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٨/ ٢٧٦ - ٢٧٩).","vol":"4","page":578},{"text":"فقالوا: إنهم كانوا لا يعرفون القتال، ولو قاتلتنا لعرفت أنَّا الرجال، فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ إلى قوله: ﴿لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [آل عمران: ١٢ - ١٣]. وأغرب الحاكم فزعم أن إجلاء بين قينقاع وإجلاء بني النضير كان في زمن واحد، ولم يوافق على ذلك؛ لأن إجلاء بني النضير كان بعد بدر بستة أشهر على قول عروة، أو بعد ذلك بمدة طويلة على قول ابن إسحاق كما تقدم بسطه، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوفي \"تاريخ الخميس\" (^٢): وفي نصف شوال هذه السنة، أي: الثانية من الهجرة يوم السبت وقعت غزوة بني قينقاع، انتهى.\n\n(١٥ -<span data-type='title' id=toc-2430> باب قتل كعب بن الأشرف)</span>\nأي: اليهودي، وقال ابن إسحاق وغيره: كان عربيًا من بني نبهان، وهم بطن من طيئ، وكان أبوه أصاب دمًا في الجاهلية، فأتى المدينة فحالف بني النضير، فشرف فيهم، وتزوج عقيلة بنت أبي الحقيق، فولدت له كعبًا، وكان طويلًا جسيمًا ذا بطن وهامة، وهجا المسلمين بعد وقعة بدر، وخرج إلى مكة فنزل على ابن وداعة السهمي والد المطلب، فهجاه حسان وهجا امرأته عاتكة بنت أسيد بن أبي العيص بن أمية فطردته، فرجع كعب إلى المدينة، وتشبب بنساء المسلمين حتى آذاهم، وروى أبو داود والترمذي عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه: أن كعب بن الأشرف كان شاعرًا، وكان يهجو رسول الله - ﷺ -، ويحرض عليه كفار قريش، وكان النبي - ﷺ - قدم المدينة وأهلها أخلاط، فأراد رسول الله - ﷺ - استصلاحهم، وكان اليهود والمشركون يؤذون المسلمين أشد الأذى، فأمر الله رسوله والمسلمين بالصبر، فلما أبى كعب أن ينزع عن أذاه أمر رسول الله - ﷺ - سعد بن معاذ أن يبعث رهطًا ليقتلوه، وذكر ابن سعد أن قتله كان في ربيع\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٧/ ٣٣٢).\n(^٢) \"تاريخ الخميس\" (١/ ٤٠٨).","vol":"4","page":579},{"text":"الأول من السنة الثالثة، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوفيه أيضًا (^٢): قال السهيلي في قصة كعب بن الأشرف: قتل المعاهد إذا سبّ الشارع، خلافًا لأبي حنيفة، قال الحافظ: وفيه نظر، وصنيع المصنف في الجهاد يعطي أن كعبًا كان محاربًا حيث ترجم لهذا الحديث \"الفتك بأهل الحرب\" وترجم له أيضًا \"الكذب في الحرب\"، انتهى.\nقوله: (جاء معه برجلين. . .) إلخ، كتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): ليس فيه نفي للزيادة، انتهى.\nوفي هامشه: والمعروف في كتب السير أنهم كانوا خمسة، قال الحافظ (^٤): وقع في رواية الحميدي قال: فأتاه ومعه أبو نائلة وعباد بن بشر وأبو عبس بن جبر والحارث بن معاذ إن شاء الله، كذا أدرجه، ووقعت تسميتهم كذلك في رواية ابن سعد، فكانوا خمسة، وهو أولى مما وقع في رواية محمد بن محمود: كان مع محمد بن مسلمة أبو عبس بن جبر وأبو عتيك، ولم يذكر غيرهما، وكذا في مرسل عكرمة: ومعه رجلان من الأنصار، ويمكن الجمع بأنهم كانوا مرةً ثلاثة وفي الأخرى خمسة، انتهى.\nقال القسطلاني (^٥) في \"المواهب\": وهؤلاء الخمسة من الأوس، قال الزرقاني (^٦): فتفردت الأوس بقتل كعب كما تفردت الخزرج بقتل سلّام بن أبي الحقيق، قاله عبد الغني الحافظ، قال القسطلاني (^٧): كان ذلك، أي: قتل كعب بن الأشرف لأربع عشرة ليلة [مضت] من ربيع الأول، وهكذا في \"المجمع\" (^٨)، وكذا نقل الحافظ (^٩) عن ابن سعد: أن\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٧/ ٣٣٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٧/ ٣٤٠).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٨/ ٢٨٦).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٧/ ٣٣٩).\n(^٥) \"المواهب\" (١/ ٣٨٧).\n(^٦) \"شرح الزرقاني على المواهب\" (٢/ ٣٧٤، ٣٧٥).\n(^٧) \"المواهب\" (١/ ٣٨٦).\n(^٨) \"مجمع بحار الأنوار\" (٥/ ٢٨٠).\n(^٩) \"فتح الباري\" (٧/ ٣٣٧).","vol":"4","page":580},{"text":"قتله كان في ربيع الأول، وقال العيني (^١): كان قتله في رمضان من سنة ثلاث، وقيل: في ربيع الأول، والأول أشهر، انتهى.\nقلت: وعامة المحدثين والمؤرخين على أن قتله كان في ربيع الأول.\n\n(١٦ -<span data-type='title' id=toc-2431> باب قتل أبي رافع. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٢): وكان قبل إجلاء بني النضير في حوالي المدينة، فلما أجلاهم النبي - ﷺ - نزل ابن أبي الحقيق هذا خيبر، فلا منافاة بينهما، وهما صحيحان إن أريد بالكون مطلقه، وإن كان غرض المؤلف بيان كونه عند القتل، والاختلاف فيه فلا يمكن جمعهما، ولا وجه حينئذ لصحة القول الثاني، انتهى.\nوفي هامشه: في \"مجمع البحار\" (^٣): في السنة السادسة قتل أبي رافع عبد الله بن أبي الحقيق، انتهى.\nوفي \"المواهب\" (^٤) وشرحه للزرقاني: سرية عبد الله بن عتيك - بفتح العين المهملة وبالكاف - الخزرجي من بني سلمة لقتل أبي رافع عبد الله - ويقال: سلام بشد اللام - ابن أبي الحقيق اليهودي - بضم المهملة وقافين مصغر -، حكى البخاري القولين في اسمه ممرضًا الثاني، وجزم ابن إسحاق بأن اسمه سلام، وتبعه اليعمري، وهو الذي حزَّب الأحزاب على محاربته - ﷺ - يوم الخندق، وكانت هذه السرية في رمضان سنة ست كما ذكره ابن سعد ههنا، وذكر في ترجمة ابن عتيك أمير السرية أنه بعثه في ذي الحجة إلى أبي رافع سنة خمس بعد وقعة بني قريظة، ومشى عليه ابن إسحاق فذكرها بعد قريظة، وقيل: في جمادى الآخرة سنة ثلاث، وقيل: في رجب\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٢/ ٧٩).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٨/ ٢٨٨ - ٢٩٠).\n(^٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (٥/ ٢٨٥).\n(^٤) \"المواهب اللدنية\" (١/ ٤٨٢)، و\"شرح الزرقاني على المواهب\" (٣/ ١٤١).","vol":"4","page":581},{"text":"سنة ثلاث، وقيل: في ذي الحجة سنة أربع، وفي البخاري: قال الزهري: بعد قتل كعب بن الأشرف، وهذا يقرب القول أنه في جمادى الآخرة سنة ثلاث.\nقال الحافظ (^١): وبيَّن ابن إسحاق أن الزهري أخذ ذلك عن ابن كعب، فقال: لما قتلت الأوس كعب بن الأشرف استأذنت الخزرج في قتل سلام بن أبي الحقيق، وكان مما صنع الله لرسوله أن الأوس والخزرج كانا يتصاولان مع رسول الله - ﷺ - تصاول الفحلين، لا تصنع الأوس شيئًا فيه عنه - ﷺ - غناءً إلا قالت الخزرج: والله لا يذهبون بهذه فضلًا علينا عند رسول الله - ﷺ -، ولما أصابت الأوس كعب بن الأشرف، قالت الخزرج: والله لا يذهبون بهذه فضلًا علينا أبدًا، فتذاكروا من رجل لرسول الله - ﷺ - في العداوة كابن الأشرف، فذكروا ابن أبي الحقيق، فاستأذنوه - ﷺ - في قتله فأذن لهم، فخرج إليه من الخزرج من بني سلمة خمسة، انتهى من هامش \"اللامع\".\nقلت: قد تقدم الأقوال في زمان قتله، وأكثر أهل السير على أن قتله كان في سنة ست، فلذا ذكروا صاحب \"مجمع البحار\" وصاحب \"تاريخ الخميس\" في وقائع السنة السادسة، وكذا ذكره ابن سعد في موضع سنة ست، وفي موضع آخر سنة خمس كما تقدم، ويشكل على هذا ذكره قبل غزوة أُحد، فإنها في شوال سنة ثلاث كما سيأتي، ويمكن الجواب عنه بأن المصنف - ﵀ - مال فيه إلى ما حكاه هو عن الزهري وهو أن قتله كان بعد كعب بن الأشرف، وقد تقدم عن الحافظ أن هذا يقرب القول أنه في جمادى الآخرة سنة ثلاث، وهو أقل ما قيل في زمان قتله، وأيضًا لذكره بعد قتل كعب مناسبة وهو أن قتل كعب كان سببًا لقتله كما تقدم في بيان تصاول الأوس والخزرج معه - ﷺ -.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٧/ ٣٤٢).","vol":"4","page":582},{"text":"(١٧ -<span data-type='title' id=toc-2432> باب غزوة أُحد. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^١): سقط لفظ \"باب\" من رواية أبي ذر، و\"أُحد\" بضم الهمزة والمهملة: جبل معروف بينه وبين المدينة أقلّ من فرسخ، وهو الذي قاله فيه - ﷺ -: \"جبل يحبنا ونحبه\" كما سيأتي في آخر الباب، ونقل السهيلي عن الزبير بن بكار في فضل المدينة أن قبر هارون - ﵇ - بأُحد، وأنه قدم مع موسى في جماعة من بني إسرائيل حجاجًا فمات هناك، قلت: وسند الزبير بن بكار في ذلك ضعيف جدًا من جهة شيخه محمد بن الحسن بن زبالة، ومنقطع أيضًا وليس بمرفوع، وكانت عنده الوقعة المشهورة في شوال سنة ثلاث باتفاق الجمهور، وشذّ من قال: سنة أربع، قال ابن إسحاق: لإحدى عشرة ليلة خلت منه، وقيل: لسبع ليال، وقيل: لثمان، وقيل: لتسع، وقيل: في نصفه، وقال مالك: كانت بعد بدر بسنة، وفيه تجوز؛ لأن بدرًا كانت في رمضان باتفاق، فهي بعدها بسنة وشهر لم يكمل، ولهذا قال مرة أخرى: كانت بعد الهجرة بأحد وثلاثين شهرًا، وكان السبب فيها ما ذكره ابن إسحاق وموسى بن عقبة وغيرهما، ثم ذكر الحافظ تلخيصه.\n\n(١٨ -<span data-type='title' id=toc-2433> باب قوله تعالى: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا. . .﴾ [آل عمران: ١٢٢]) إلخ</span>\nقال القسطلاني (^٢): أي: حيان من الأنصار: بنو سلمة من الخزرج وبنو حارثة من الأوس، وكان ﵊ خرج إلى أحد في ألف والمشركون في ثلاثة آلاف، ووعدهم بالفتح إن صبروا، فانخزل ابن أبي بثلث الناس، وقال: علام نقتل أنفسنا وأولادنا؟ فهم الحيان باتباعه فعصمهم الله تعالى فمضوا مع رسول الله - ﷺ -، وعن ابن عباس - ﵄ -: أضمروا أن يرجعوا فعزم الله تعالى لهم على الرشد فثبتوا، والظاهر أنها ما كانت إلا همة\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٧/ ٣٤٥، ٣٤٦).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٩/ ١١٦، ١١٧).","vol":"4","page":583},{"text":"وحديث نفس، وكما لا تخلو النفس عند الشدة من بعض الهلع، ثم يردها صاحبها إلى الثبات والصبر، ويوطنها على احتمال المكروه، ولو كانت عزيمة لما ثبتت معها الولاية، والله تعالى يقول: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾، انتهى.\nقوله: (ولقد وقع السيف من يد أبي طلحة. . .) إلخ، كتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): يعني بذلك: أن الناعسين كانوا هم المؤمنون، وكان أبو طلحة منهم، انتهى.\nوفي \"هامشه\": قال الحافظ (^٢): قوله: \"ولقد وقع السيف\" زاد مسلم (^٣) عن الدارمي عن أبي معمر شيخ البخاري فيه بهذا الإسناد \"من النعاس\"، فأفاد سبب وقوع السيف من يده، وسيأتي بعد باب من وجه آخر عن أنس عن أبي طلحة: \"كنت فيمن يغشاه النعاس يوم أُحد، حتى سقط سيفي من يدي مرارًا\"، انتهى.\nقلت: وهم الذين وردت فيهم آية أخرى في سورة الأنفال [١١] ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ﴾ الآية، انتهى من هامش \"اللامع\".\nوقد تقدم شرح قوله: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ﴾ في \"باب قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ الآية [الأنفال: ٩] \".\n\n(١٩ -<span data-type='title' id=toc-2434> باب قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ [آل عمران:</span> ١٥٥])\nهكذا في النسخ الهندية، وكذا في نسخة \"العيني\" و\"القسطلاني\"، وكذا في نسخة متن \"الفتح\"، وأما في نسخة الشرح \" ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ﴾ الآية\" حسب، وليس فيه لفظ \"باب قوله تعالى\"، قال القسطلاني (^٤): سقط لفظ \"باب قول الله تعالى\" لأبي ذر، انتهى.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٨/ ٢٩٩، ٣٠٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٧/ ٣٦٢).\n(^٣) \"صحيح مسلم\" (ح ١٨١١).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (٩/ ١٢٥).","vol":"4","page":584},{"text":"قال الحافظ (^١): اتفق أهل العلم بالنقل على أن المراد به ههنا يوم أُحد، وغفل من قال: يوم بدر؛ لأنه لم يقول فيها أحد من المسلمين، نعم المراد بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ [الأنفال: ٤١] وهي في سورة الأنفال يوم بدر، ولا يلزم منه أن يكون حيث جاء ﴿الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ المراد به يوم بدر، انتهى.\n\n(٢٠ -<span data-type='title' id=toc-2435> باب ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ﴾ الآية [آل عمران:</span> ١٥٣])\nقال الحافظ (^٢): قوله: (﴿تُصْعِدُونَ﴾: تذهبون. . .) إلخ، سقط هذا التفسير للمستملي، كأنه يريد الإشارة إلى التفرقة بين الثلاثي والرباعي، فالثلاثي بمعنى ارتفع والرباعي بمعنى ذهب، وقال بعض أهل اللغة: أصعد إذا ابتدأ السير، وقوله: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ [آل عمران: ١٥٣] روى عبد بن حميد من طريق مجاهد قال: \"كان الغم الأول حين سمعوا الصوت أن محمدًا قد قتل، والثاني لما انحازوا [إلى النبي - ﷺ -] وصعدوا في الجبل، فتذكروا قتل من قتل منهم فاغتموا\"، ومن طريق سعيد عن قتادة نحوه وزاد: \"وقوله: ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٣]، أي: من الغنيمة ﴿وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٣]، أي: من الجراح وقتل إخوانكم\"، وروى الطبري من طريق السدي نحوه، لكن قال: \"الغم الأول ما فاتهم من الغنيمة، والثاني ما أصابهم من الجراح\"، وزاد: \"قال: لما صعدوا أقبل أبو سفيان بالخيل حتى أشرف عليهم، فنسوا ما كانوا فيه من الحزن على من قتل منهم، واشتغلوا بدفع المشركين\"، انتهى.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): قوله: (أصعد وصعد. . .) إلخ، يعني به: أن اللفظ مشترك بين الذهاب في الأرض والرقي على الشيء المرتفع،\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٧/ ٣٦٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٧/ ٣٦٤).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٨/ ٣٠١، ٣٠٢).","vol":"4","page":585},{"text":"ولا فرق في معناه بين مجرده ومزيده حتى إنه ليقال: أصعدت وصعدت بكليهما إذا ذهبت، وكذلك إذا رقيت، والله أعلم، وذكر في \"هامشه\" تأييده من كلام الشرَّاح وبعض المفسرين.\n\n(٢١ -<span data-type='title' id=toc-2436> باب قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا﴾ الآية [آل عمران:</span> ١٥٤])\nذكر فيه حديث أبي طلحة: \"كنت فيمن تغشاه النعاس\" الحديث، وقد تقدم شرحه قريبًا - قبل بابين - قال ابن إسحاق: أنزل الله النعاس، أمنة لأهل اليقين فهم نيام لا يخافون، والذين أهمتهم أنفسهم أهل النفاق في غاية الخوف، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوقال القسطلاني (^٢): وإنما لم يغش الطائفة الأخرى؛ لأنهم مستغرقون في هم أنفسهم، فلا تنزل عليهم السكينة؛ لأنها وارد روحاني لا يتلوث بهم، انتهى.\n\n(٢٢ -<span data-type='title' id=toc-2437> باب ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ الآية [آل عمران:</span> ١٢٨])\nقال الحافظ (^٣): أي: بيان سبب نزول هذه الآية، وقد ذكر في الباب سببين، ويحتمل أن تكون نزلت في الأمرين جميعًا فإنهما كانا في قصة واحدة، وسأذكر في آخر الباب سببًا آخر، وقال في آخر الباب: ووقع في رواية يونس عن الزهري عن سعيد وأبي سلمة عن أبي هريرة نحو حديث ابن عمر، لكن فيه: \"اللهم العن لحيان ورعلًا وذكوان وعصية\" قال: \"ثم بلغنا أنه ترك ذلك لما نزلت ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ \"، قلت: وهذا إن كان محفوظًا احتمل أن يكون نزول الآية تراخيًا عن قصة أُحد؛ لأن قصة\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٧/ ٣٦٥).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٩/ ١٢٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٧/ ٣٦٥، ٣٦٦).","vol":"4","page":586},{"text":"رعل وذكوان كانت بعدها، وفيه بعد، والصواب أنها نزلت في شأن الذين دعا عليهم بسبب قصة أُحد، انتهى.\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^١): بعد ذكر الباب: ولما كان في نزوله اختلاف أورد بعض الأقوال الأخر أيضًا في تفسيره، وإن لم يكن من المباحث المتعلقة بأُحد تبعًا واستطرادًا، انتهى.\nقلت: وغرض الشيخ قُدِّس سرُّه أن الحديث الأول من الباب متعلق بأُحد دون الأخيرين، فنبَّه الشيخ بذلك أن ذكرهما للتنبيه على اختلاف في سبب النزول، نقل العيني فيه عدة أقوال، ذكرت في هامش \"اللامع\".\n\n(٢٣ -<span data-type='title' id=toc-2438> باب ذكر أم سليط)</span>\nبفتح المهملة وكسر اللام، هي والدة أبي سعيد الخدري، كانت زوجًا لأبي سليط فمات عنها قبل الهجرة، فتزوجها مالك بن سنان الخدري فولدت له أبا سعيد، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\nقال القسطلاني (^٣): لا يعرف اسمها، وعند ابن سعد أنها أم قيس بنت عبيد بن زياد، من بني مازن، وكان يقال لها: أم سليط؛ لأن اسم ابنها سليط، انتهى.\nقال العيني (^٤): وهي امرأة من المبايعات، حضرت مع رسول الله - ﷺ - يوم أُحد، ثم قال: وحديث الباب مضى في \"كتاب الجهاد\" وفي \"باب حمل النساء القرب إلى الناس في الغزو\"، انتهى.\n\n(٢٤ -<span data-type='title' id=toc-2439> باب قتل حمزة)</span>\nليس في نسخة \"الفتح\" لفظ: \"باب\"، قال الحافظ (^٥): كذا لأبي ذر،\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٨/ ٣٠٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٧/ ٣٦٧).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (٩/ ١٣٣).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٢/ ١١١).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٧/ ٣٦٨ - ٣٧١).","vol":"4","page":587},{"text":"ولغيره \"باب قتل حمزة\" فقط، وللنسفي: \"قتل حمزة سيد الشهداء\"، وهذا اللفظ قد ثبت في حديث مرفوع أخرجه الطبراني من طريق الأصبغ بن نباته عن علي قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب\" ثم ذكر الحافظ في آخر الباب: ذكر ابن سعد (^١) قال: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير قال: \"خرج رسول الله - ﷺ - يلتمس حمزة، فوجده ببطن الوادي قد مثل به، فقال: لولا أن تحزن صفية - يعني: بنت عبد المطلب - وتكون سُنَّة بعدي لتركته حتى يحشر من بطون السباع - وهو أصل الطير -\"، زاد ابن هشام قال: \"وقال: لن أصاب بمثلك أبدًا، ونزل جبرئيل فقال: إن حمزة مكتوب في السماء أسد الله وأسد رسوله\"، وروى البزار والطبراني بإسناد فيه ضعف عن أبي هريرة \"أن النبي - ﷺ - لما رأى حمزة قد مثل به قال: رحمة الله عليك، لقد كنت وصولًا للرحم، فعولًا للخير، ولولا حزن من بعدك لسرني أن أدعك حتى تحشر من أجواف شتى، ثم حلف وهو بمكانه لأمثلن بسبعين منهم، فنزل القرآن ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ﴾ الآية [النحل: ١٢٦] \"، انتهى.\nقوله: (فهل تستطيع أن تغيب وجهك) كتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): وإنما فعل ذلك مع قبول إسلامه، والإسلام يهدم ما كان قبله خوفًا من أن يدركه حمية وحماية، فيدعوا عليه ويضرّ ذلك بدينه، ولا كذلك إذا تغيب عنه فإنه لا يتذكر، انتهى.\nوفي هامشه: ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه ظاهر؛ لأن تذكره - ﷺ - برؤية الوحشي لا مرية في ذلك، ولا حاجة حينئذ إلى الدعاء عليه، بل تحزن قلبه وتكدره عنه رضي الله تعالى عنه يكفي لمضرته، وهذا مجرب، فإنه التكدر في قلوب المشايخ يوصل المرء إلى المهالك، انتهى.\n_________\n(^١) كذا في الأصل، وفي \"الفتح\": \"ابن إسحاق\"، لعله هو الصواب.\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٨/ ٣٠٧).","vol":"4","page":588},{"text":"(٢٥ -<span data-type='title' id=toc-2440><span data-type='title' id=toc-2441> باب </span>ما أصاب النبي - ﷺ - من الجراح يوم أُحد)</span>\nقال الحافظ (^١): وقد تقدم شيء من ذلك في \"باب قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾، ومجموع ما ذكر في الأخبار أنه شج وجهه، وكسرت رباعيته، وجرحت وجنته، وشفته السفلى من باطنها، ووهى منكبه من ضربة ابن قمئة، وجحشت ركبته، وروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال: \"ضرب وجه النبي - ﷺ - يومئذ، بالسيف سبعين ضربة، وقاه الله شرها كلها\"، وهذا مرسل قوي، ويحتمل أن يكون أراد بالسبعين حقيقتها أو المبالغة في الكثرة، وقال أيضًا في آخر الباب: وفي الحديث جواز التداوي، وأن الأنبياء قد يصابون ببعض العوارض الدنيوية من الجراحات والآلام والأسقام ليعظم لهم بذلك الأجر وتزداد درجاتهم رفعة، وليتأسى بهم أتباعهم في الصبر على المكاره والعاقبة للمتقين، انتهى.\n\n(٢٦ - باب)\nبغير ترجمة، وهكذا في نسخة \"العيني\" و\"القسطلاني\"، وقالا (^٢): هو كالفصل من سابقه وسقط لأبي ذر، انتهى.\nقلت: وليس هو في نسخة \"الفتح\" ولم يتعرض له الحافظ.\n\n(٢٧ -<span data-type='title' id=toc-2442> باب ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [آل عمران:</span> ١٧٢])\nأي: سبب نزولها، وأنها تتعلق بأُحد، إلى آخر ما في \"الفتح\" (^٣).\nقلت: وهذه الآية نزلت في غزوة حمراء الأسد، صرح به أهل السير والمفسرون، لكن كما قال الحافظ: له تعلق بقصة أُحد، وذلك لأن رسول الله - ﷺ - خرج إليها الغد من يوم أُحد، وأذن مؤذن رسول الله - ﷺ - في\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٧/ ٣٧٢، ٣٧٣).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٢/ ١١٦)، و\"إرشاد الساري\" (٩/ ١٣٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٧/ ٣٧٣).","vol":"4","page":589},{"text":"الناس بطلب العدو، وأن لا يخرج معنا إلا من حضر بالأمس إلى آخر القصة، ذكرها صاحب \"الخميس\" (^١) ولذا ذكره الإمام البخاري في أبواب غزوة أُحد.\nقال الحافظ (^٢): وروى ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما رجع المشركون عن أُحد قالوا: لا محمدًا قتلتم، ولا الكواعب ردفتم، بئسما صنعتم، فرجعوا فندب رسول الله - ﷺ - الناس فانتدبوا حتى بلغ حمراء الأسد، فبلغ المشركين فقالوا: نرجع من قابل، فأنزل الله تعالى ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الآية، أخرجه النسائي وابن مردويه، ورجاله رجال الصحيح إلا أن المحفوظ إرساله عن عكرمة ليس فيه ابن عباس، انتهى.\n\n(٢٨ -<span data-type='title' id=toc-2443> باب من قتل من المسلمين يوم أُحد)</span>\nقال الحافظ (^٣): أما حمزة فتقدم ذكره في باب مفرد، وأما اليمان وهو والد حذيفة فتقدم في آخر \"باب ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ﴾ الآية\" [آل عمران: ١٢٢]، وأما النضر بن أنس فكذا وقع لأبي ذر عن شيوخه، وكذا وقع عند النسفي، وهو خطأ، والصواب ما وقع عند الباقين \"أنس بن النضر\"، وقد تقدم ذكره في أوائل الغزوة على الصواب، فأما النضر بن أنس فهو ولده، وكان إذ ذاك صغيرًا، وعاش بعد ذلك زمانًا، وقد تقدم في هذه الأبواب ممن استشهد بها عبد الله بن عمرو والد جابر، ومن المشهورين عبد الله بن جبير أمير الرواة، وسعد بن الربيع، ومالك بن سنان والد أبي سعيد الخدري، وأوس بن ثابت أخو حسان، وحنظلة بن أبي عامر المعروف بغسيل الملائكة، وخارجة بن زيد بن أبي زهير صهر أبي بكر الصديق، وعمرو بن الجموح ﵃ أجمعين، ولكل من هؤلاء قصة مشهورة عند أهل المغازي.\n_________\n(^١) \"تاريخ الخميس\" (١/ ٤٤٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٢٨).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٧/ ٣٧٥).","vol":"4","page":590},{"text":"ثم قال الحافظ: قوله: (قتل منهم يوم أُحد سبعون) هذا هو المقصود بالذكر من هذا الحديث ههنا، وظاهره أن الجميع من الأنصار، وهو كذلك إلا القليل، وقد سرد ابن إسحاق أسماء من استشهد من المسلمين بأُحد فبلغوا خمسة وستين، منهم أربعة من المهاجرين: حمزة وعبد الله بن جحش وشماس بن عثمان ومصعب بن عمير، وأغفل ذكر سعد مولى حاطب، وقد ذكره موسى بن عقبة، وروى الحاكم في \"الإكليل\" وابن منده من حديث أُبي بن كعب قال: \"قتل من الأنصار يوم أُحد أربعة وستون، ومن المهاجرين ستة\"، وصححه ابن حبان من هذا الوجه، ولعل السادس ثقيف بن عمرو الأسلمي حليف بني عبد شمس، فقد عدّه والواقدي منهم، وعدّ ابن سعد ممن استشهد بأُحد من غير الأنصار الحارث بن عقبة بن قابوس المزني وعمه وهب بن قابوس وعبد الله وعبد الرحمن ابني الهبيب - بموحدتين مصغر - من بني سعد بن ليث، ومالكًا والنعمان ابني خلف بن عوف الأسلميين، قال: إنهما كانا طليعة للنبي - ﷺ - فقتلا.\nقال الحافظ: ولعل هؤلاء كانوا من حلفاء الأنصار فعدوا فيهم، فإن كانوا من غير المعدودين فحينئذ تكمل العدة سبعين من الأنصار، ويكون جملة من قتل من المسلمين أكثر من سبعين، فمن قال: قتل منهم سبعون ألغى الكسر، والله أعلم، انتهى من \"الفتح\".\nوفي هامش \"اللامع\" (^١): قال الزرقاني على \"المواهب\" (^٢) روى سعيد بن منصور من مرسل أبي الضحى: قتل يوم أُحد سبعون: أربعة من المهاجرين وسائرهم من الأنصار، ثم ذكر ما تقدم من رواية ابن حبان والحاكم، ثم قال: وذكر المحب الطبري عن الشافعي أنهم اثنان وسبعون، وعن مالك خمسة وسبعون، من الأنصار خاصة أحد وسبعون، وسرد\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٨/ ٣٠٨).\n(^٢) \"شرح الزرقاني على المواهب\" (٢/ ٤١٩).","vol":"4","page":591},{"text":"أبو الفتح اليعمري أسماءهم فبلغوا ستة وتسعين، من المهاجرين أحد عشر، وسائرهم من الأنصار، قال اليعمري: ومن الناس من يجعل السبعين من الأنصار خاصة وبه جزم ابن سعد، انتهى مختصرًا.\n\n(٢٩ -<span data-type='title' id=toc-2444> باب أُحد يحبنا)</span>\nقال السهيلي: سمي أُحدًا لتوحده وانقطاعه عن جبال أخرى هناك، أو لما وقع من أهله من نصر التوحيد، قوله: \"قاله عباس بن سهل. . .\" إلخ، هو طرف من حديث وصله البزار في الزكاة مطولًا، وقد تقدم شرح ما فيه هناك، إلا ما يتعلق بأُحد، ونسبه مغلطاي إلى تخريجه موصولًا في كتاب الحج، وإنما خرج هناك أصله دون خصوص هذه الزيادة.\nثم قال الحافظ: ظهر من الرواية التي بعدها أنه - ﷺ - قال ذلك لما رآه في حال رجوعه من الحج، ووقع في رواية أبي حميد أنه قال لهم ذلك لما رجع من تبوك وأشرف على المدينة، قال: \"هذه طابة\" فلما رأى أُحدًا قال: \"هذا جبل يحبنا ونحبه\" فكأنه - ﷺ - تكرر منه ذلك القول، وللعلماء في معنى ذلك أقوال: أحدها: أنه على حذف مضاف والتقدير أهل أُحد، والمراد بهم الأنصار؛ لأنهم جيرانه، ثانيها: أنه قال ذلك للمسرة بلسان الحال إذا قدم من سفر لقربه من أهله ولقيامهم، وذلك فعل من يحب بمن يحب، ثالثها: أن الحب من الجانبين على حقيقته، وظاهره لكون أُحد من جبال الجنة كما ثبت في حديث أبي عبس بن جبر مرفوعًا: \"جبل أُحد يحبنا ونحبه، وهو من جبال الجنة\" أخرجه أحمد، انتهى كله من \"الفتح\" (^١).\n\n(٣٠ -<span data-type='title' id=toc-2445> باب غزوة الرجيع ورعل وذكوان وبئر معونة. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٢): سقط لفظ: \"باب\" لأبي ذر، والرجيح بفتح الراء وكسر الجيم، هو في الأصل اسم للروث، سمي بذلك لاستحالته، والمراد\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٧/ ٣٣٧ - ٣٧٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٧/ ٣٧٩، ٣٨٠).","vol":"4","page":592},{"text":"ههنا اسم موضع من بلاد هذيل كانت الوقعة بقرب منه فسميت به.\nقوله: (رعل وذكوان) أي: غزوة رعل وذكوان، فأما رعل بكسر الراء وسكون المهملة بطن من بني سليم ينسبون إلى رعل بن عوف بن مالك بن امرئ القيس بن لهيعة بن سليم، وأما ذكوان فبطن من بني سليم أيضًا ينسبون إلى ذكوان بن ثعلبة بن بهثة بن سليم فنسبت الغزوة إليهما، قوله: \"وبئر معونة\" موضع في بلاد هذيل بين مكة وعسفان، وهذه الوقعة تعرف بسرية القراء، وكانت مع بني رعل وذكوان المذكورين، وسيذكر ذلك في حديث أنس المذكور في الباب.\nقوله: (وحديث العضل والقارة) أما عضل فبطن من بني الهول بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر ينسبون إلى عضل بن الديش بن محكم، وأما القارة فبالقاف وتخفيف الراء بطن من الهول أيضًا ينسبون إلى الديش المذكور، وقصة العضل والقارة كانت في غزوة الرجيع لا في سرية بئر معونة، وقد فصل بينهما ابن إسحاق، فذكر غزوة الرجيع في أواخر سنة ثلاث، وبئر معونة في أوائل سنة أربع، ولم يقع ذكر عضل وقارة عند المصنف صريحًا، وإنما وقع ذلك عند ابن إسحاق، فإنه بعد أن استوفى قصة أُحد قال: ذكر يوم الرجيع، حدثني عاصم بن عمر بن قتادة، قال: قدم على رسول الله - ﷺ - بعد أُحد رهط من عضل والقارة فقالوا: يا رسول الله! إن فينا إسلامًا، فابعث معنا نفرًا من أصحابك يفقهوننا، فبعث معهم ستة من أصحابه، فذكر القصة، وعرف بها بيان قول المصنف: قال ابن إسحاق: حدثنا عاصم بن عمر: أنها بعد أُحد، وأن الضمير يعود على غزوة الرجيع لا على غزوة بئر معونة، انتهى.\nقلت: وبهذا حصل شرح الترجمة، وكان فيه من الإغلاق ما لا يخفى، هاليه أشار الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^١) حيث كتب: قوله: \"باب غزوة\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٨/ ٣٠٩).","vol":"4","page":593},{"text":"الرجيع ورعل. . .\" إلخ، وفيه خفايا وخبايا ورزايا كامنة في الزوايا، فليفحص حقيقة الأمر، انتهى.\nوفي هامشه: وهو كذلك فإن الإمام البخاري دمج في هذا الباب بين السريتين المختلفتين.\nقال الحافظ: سياق هذه الترجمة يوهم أن غزوة الرجيع وبئر معونة شيء واحد، وليس كذلك كما أوضحته، فغزوة الرجيع كانت سرية عاصم وخبيب في عشرة أنفس، وهي مع عضل والقارة، وبئر معونة كانت سرية القراء السبعين، وهي مع رعل وذكوان، وكأن المصنف أدرجها معها لقربها منها، وذكر الواقدي أن خبر بئر معونة وخبر أصحاب الرجيع جاء إلى النبي - ﷺ - في ليلة واحدة، قال الحافظ: وقد فصل بينهما ابن إسحاق فذكر غزوة الرجيع في أواخر سنة ثلاث، وبئر معونة في أوائل سنة أربع، انتهى مختصرًا.\nقلت: وهذا الباب من المنتقدات كما تقدم في مقدمة \"اللامع\" (^١) في الانتقاد الحادي والعشرين، وبسطت هناك شيئًا من الكلام على ذلك، وأجملت الكلام على السريتين أيضًا، وسأذكر ههنا أيضًا مختصرًا ففي \"المجمع\" (^٢): في السنة الرابعة سرية بئر معونة في صفر، وذلك أن عامر بن مالك قال: لو بعثت معي رجالًا لرجوت أن يجيب قومي، فبعث سبعين من الأنصار شببة يسمون القراء، وكتب إلى عامر بن الطفيل، فلما بلغوا بئر معونة استصرخ عليهم من سليم عصبة ورعلًا وذكوان فقتلوهم، فقالوا: بلغوا عنا قومنا أنا قد لقينا ربنا، فدعا عليهم أربعين صباحًا بالقنوت، انتهى.\nقال الزرقاني (^٣): وهم سبعون، كما في الصحيحين، قال السهيلي:\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (١/ ٢٤٥).\n(^٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٥/ ٢٨٢).\n(^٣) \"شرح الزرقاني على المواهب\" (٢/ ٤٩٨).","vol":"4","page":594},{"text":"هو الصحيح، وقيل: أربعون كما في رواية ابن إسحاق وموسى بن عقبة، قال الحافظ: ويمكن الجمع بأن الأربعون كانوا رؤساء وبقية العدة أتباعًا، وقيل: ثلاثون، قال الحافظ: وهو وهم، انتهى مختصرًا.\nوفي \"المجمع\" بعد ذكر سرية بئر معونة: وفيها - أي: في السنة الرابعة - سرية الرجيع، وذلك أن قومًا من المشركين قالوا: إن فينا إسلامًا فابعث نفرًا يفقهوننا، فبعث مرثدًا وعاصم بن ثابت وخبيبًا وغيرهم، فلما بلغوا الرجيع غدروا واستصرخوا عليهم هزيلًا، فقتلوا بعضهم وأسروا آخرين، وباعوهم من مشركي مكة ليقتلوهم بمقتوليهم في بدر، انتهى.\nوذكر صاحب \"المواهب\" (^١) بعث الرجيع قبل بئر معونة وقال: سرية عاصم بن ثابت، في صغر على رأس ستة وثلاثين شهرًا من الهجرة، فتكون في السنة الرابعة إلى الرجيع، وقصة عضل والقارة كانت في بعث الرجيع لا في سرية بئر معونة كما يوهمه ترجمة البخاري، وفصل بينهما ابن إسحاق، فذكر بعث الرجيع في أواخر سنة ثلاث، وهذا قول ابن إسحاق، وما مر أنها في صفر قول ابن سعد، وبئر معونة في أوائل سنة أربع، وذكر الواقدي أن خبر بئر معونة وخبر أصحاب الرجيع جاءا إلى النبي - ﷺ - في ليلة واحدة، والجائي بالخبر الوحي، وسياق ترجمة البخاري يوهم أن بعث الرجيع وبئر معونة شيء واحد، وليس كذلك، انتهى مختصرًا بزيادة من الزرقاني، كذا في هامش \"اللامع\" (^٢).\nقوله: (ما إن أبالي حين أقتل مسلمًا. . .) إلخ، ذكرت هذه القصيدة التي أنشدها خبيب رضي الله تعالى عنه في \"اللامع\"، وذكر في هامشه ترجمتها وشرحها باللغة الأردية فارجع إليه لو شئت (^٣)، ولم تذكر هذه القصيدة في الشروح، بل أحالوها، قال الحافظ: ساقها ابن إسحاق ثلاثة عشر بيتًا، انتهى.\n_________\n(^١) \"المواهب اللدنية\" (١/ ٤١٦).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٨/ ٣١٠).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٨/ ٣١١ - ٣١٥).","vol":"4","page":595},{"text":"وكذا ذكر الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" في هذا الباب من عدة مواضع منه مما يحتاج إلى شرح أو توجيه لما حمله الشرَّاح على الوهم والسهو كما هو دأبه في التقرير، فارجع إليه لو شئت.\n\n(٣١ -<span data-type='title' id=toc-2446> باب غزوة الخندق وهي الأحزاب. . .) إلخ</span>\nيعني: أن لها اسمين، وهو كما قال، والأحزاب جمع حزب، أي: طائفة، فأما تسميتها الخندق فلأجل الخندق الذي حفر حول المدينة بأمر النبي - ﷺ -، وكان الذي أشار بذلك سلمان فيما ذكره أصحاب المغازي منهم أبو معشر، فأمر النبي - ﷺ - بحفر الخندق حول المدينة، وعمل فيه بنفسه ترغيبًا للمسلمين، فسارعوا إلى عمله حتى فرغوا منه، وجاء المشركون فحاصروهم، وأما تسميتها الأحزاب فلاجتماع طوائف من المشركين على حرب المسلمين، وهم قريش وغطفان واليهود ومن تبعهم، وقد أنزل الله تعالى في هذه القصة صدر سورة الأحزاب، وذكر ابن إسحاق بأسانيده أن عدتهم عشرة آلاف، قال: وكان المسلمون ثلاثة آلاف، وقيل: كان المشركون أربعة آلاف والمسلمون نحو الألف، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوفي \"تاريخ الخميس\" (^٢) من \"تهذيب ابن هشام\": وخرج رسول الله - ﷺ - في ثلاثة آلاف رجل يوم الاثنين لثمان ليال مضين من ذي القعدة، حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع، فضرب هناك عسكره والخندق بينهم وبين المشركين، إلى آخر ما بسط.\nوقال الحافظ (^٣): وذكر موسى بن عقبة أن مدة الحصار كانت عشرين يومًا، ولم يكن بينهم قتال إلا مراماة بالنبل والحجارة، وأصيب منها سعد بن معاذ بسهم فكان سبب موته كما سيأتي، وذكر أهل المغازي سبب رحيلهم، وأن نعيم بن مسعود الأشجعي ألقى بينهم الفتنة فاختلفوا، وذلك\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٧/ ٣٩٢، ٣٩٣).\n(^٢) \"تاريخ الخميس\" (١/ ٤٨٣).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٧/ ٣٩٣).","vol":"4","page":596},{"text":"بأمر النبي - ﷺ - له بذلك، ثم أرسل الله عليهم الريح فتفرقوا، وكفى الله المؤمنين القتال.\nقوله: (قال موسى بن عقبة: كانت في شوال سنة أربع) وتابع موسى على ذلك مالك، وأخرجه أحمد عن موسى بن داود عنه، وقال ابن إسحاق: كانت في شوال سنة خمس، وبذلك جزم غيره من أهل المغازي، ومال المصنف إلى قول موسى بن عقبة، وقوَّاه بما أخرجه أول أحاديث الباب من قول ابن عمر: أنه عرض يوم أُحد وهو ابن أربع عشرة، ويوم الخندق وهو ابن خمس عشرة، فيكون بينهما سنة واحدة، وأُحد كانت سنة ثلاث فيكون الخندق سنة أربع، ولا حجة فيه إذا ثبت أنها كانت سنة خمس لاحتمال أن يكون ابن عمر في أُحد كان في أول ما طعن في الرابعة عشر، وكان في الأحزاب قد استكمل الخمس عشرة، وبهذا أجاب البيهقي، ويؤيد قول ابن إسحاق أن أبا سفيان قال للمسلمين لما رجع من أُحد: موعدكم العام المقبل ببدر، فخرج النبي - ﷺ - من السنة المقبلة إلى بدر، فتأخر مجيء أبي سفيان تلك السنة للجدب الذي كان حينئذ، وقال لقومه: إنما يصلح الغزو في سنة الخصب، فرجعوا بعد أن وصلوا إلى عسفان أو دونها، ذكر ذلك ابن إسحاق وغيره من أهل المغازي.\nوقد بيَّن البيهقي (^١) سبب هذا الاختلاف، وهو أن جماعة من السلف كانوا يعدون التاريخ من المحرم الذي وقع بعد الهجرة ويلغون الأشهر التي قبل ذلك إلى ربيع الأول، وعلى ذلك جرى يعقوب بن سفيان في \"تاريخه\"، فذكر أن غزوة بدر الكبرى كانت في السنة الأولى، وأن غزوة أُحد كانت في الثانية، وأن الخندق كانت في الرابعة، وهذا عمل صحيح على ذلك البناء، لكنه بناء واه مخالف لما عليه الجمهور من جعل التاريخ من المحرم سنة الهجرة، وعلى ذلك تكون بدر في الثانية وأُحد في الثالثة والخندق في\n_________\n(^١) انظر: \"دلائل النبوة\" (٣/ ٤٧٨).","vol":"4","page":597},{"text":"الخامسة، وهو المعتمد، ثم ذكر المصنف في الباب سبعة عشر حديثًا، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(٣٢ -<span data-type='title' id=toc-2447> باب مرجع النبي - ﷺ - من الأحزاب)</span>\nأي: من الموضع الذي كان يقاتل فيه الأحزاب إلى منزله بالمدينة، قاله الحافظ (^٢).\nوفي \"تاريخ الخميس\" (^٣): وكان قد أقام بالخندق خمسة عشر يومًا، وقيل: أربعة وعشرين يومًا، وقيل: عشرين، وقيل: سبعة وعشرين، وقيل: قريبًا من شهر، قال - ﷺ -: \"لن تغزوكم قريش بعد عامكم هذا\"، وكان كذلك فهو معجزة، وانصرف ﵊ من غزوة الخندق يوم الأربعاء لسبع ليال بقين من ذي القعدة، كذا في \"المواهب اللدنية\"، انتهى.\nقوله: (ومخرجه إلى بني قريظة. . .) إلخ، قد تقدم السبب في ذلك، وهو ما وقع من بني قريظة من نقض عهده وممالأتهم لقريش وغطفان عليه، وتقدم نسب بني قريظة في غزوة بني النضير، وذكر عبد الملك بن يوسف في \"كتاب الأنواء\": أنهم كانوا يزعمون أنهم من ذرية شعيب نبي الله على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وهو بمحتمل وإن شعيبًا كان من بني جذام القبيلة المشهورة وهو بعيد جدًّا، وتقدم أن توجه النبي - ﷺ - إليهم كان لسبع بقين من ذي القعدة، وأنه خرج إليهم في ثلاثة آلاف، وذكر ابن سعد أنه كان مع المسلمين ستة وثلاثون فرسًا، انتهى من \"الفتح\" (^٤).\n\n(٣٣ -<span data-type='title' id=toc-2448> باب غزوة ذات الرقاع)</span>\nقال الحافظ (^٥): هذه الغزوة اختلف فيها متى كانت؟ واختلف في سبب تسميتها بذلك كما سيأتي، وقد جنح البخاري إلى أنها كانت بعد\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٧/ ٣٩٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٧/ ٤٠٨).\n(^٣) \"تاريخ الخميس\" (١/ ٤٩٣).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٧/ ٤٠٨).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٧/ ٤١٧).","vol":"4","page":598},{"text":"خيبر، واستدل لذلك في هذا الباب بأمور سيأتي الكلام عليها مفصلًا، ومع ذلك فذكرها قبل خيبر فلا أدري هل تعمد ذلك تسليمًا لأصحاب المغازي أنها كانت قبلها - كما سيأتي - أو أن ذلك من الرواة عنه، أو إشارة إلى احتمال أن تكون ذات الرقاع اسمًا لغزوتين مختلفتين كما أشار إليه البيهقي، على أن أصحاب المغازي مع جزمهم بأنها كانت قبل خيبر مختلفون في زمانها، فعند ابن إسحاق أنها بعد بني النضير وقبل الخندق سنة أربع، قال ابن إسحاق: أقام رسول الله - ﷺ - بعد غزوة بني النضير شهر ربيع وبعض جمادى يعني: من سنته، وغزا نجدًا يريد بني محارب وبني ثعلبة من غطفان حتى نزل نخلًا وهي غزوة ذات الرقاع.\nوعند ابن سعد وابن حبان، أنها كانت في المحرم سنة خمس، وأما أبو معشر فجزم بأنها كانت بعد بني قريظة والخندق، وهو موافق لصنيع المصنف، وقد تقدم أن غزوة قريظة كانت في ذي القعدة سنة خمس، فتكون ذات الرقاع في آخر السنة، وأول التي تليها، وأما موسى بن عقبة فجزم بتقديم وقوع غزوة ذات الرقاع، لكن تردد في وقتها، فقال: لا ندري كانت قبل بدر أو بعدها أو قبل أُحد أو بعدها، وهذا التردد لا حاصل له، بل الذي ينبغي الجزم به أنها بعد غزوة بني قريظة؛ لأنه تقدم أن صلاة الخوف في غزوة الخندق لم تكن شرعت، وقد ثبت وقوع صلاة الخوف في غزوة ذات الرقاع فدل على تأخرها بعد الخندق، وسأذكر بيان ذلك واضحًا.\nوفي هامش \"اللامع\" (^١) عن العيني (^٢): والحاصل أن غزوة ذات الرقاع عند ابن إسحاق كان بعد بني النضير وقبل الخندق سنة أربع، وعند ابن سعد وابن حبان أنها كانت في المحرم سنة خمس، ومال البخاري إلى أنها كانت بعد خيبر كما سيأتي، ومع هذا ذكرها قبل خيبر، والظاهر أن ذلك من الرواة، انتهى مختصرًا.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٨/ ٣٣٣).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٢/ ١٥٨).","vol":"4","page":599},{"text":"قوله: (وهي غزوة محارب خصفة) كذا فيه، وهو متابع في ذلك لرواية مذكورة في أواخر الباب، وخصفة هو ابن قيس بن غيلان بن إلياس بن مضر، ومحارب هو ابن خصفة، والمحاربيون من قيس ينسبون إلى محارب بن خصفة هذا، وفي مضر محاربيون أيضًا لكونهم ينسبون إلى محارب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر، وهم بطن من قريش، ولم يحرر الكرماني (^١) هذا الموضع فإنه قال: قوله: \"محارب\" هي قبيلة من فهر، و\"خصفة\" هو ابن قيس بن غيلان.\nقال الحافظ: وفي شرح قول البخاري: \"محارب خصفة\" بهذا الكلام من الفساد ما لا يخفى، ويوضحه أن بني فهر لا ينسبون إلى قيس بوجه، نعم وفي العرنيين محارب بن صباح، وفي عبد القيس محارب بن عمرو، ذكر ذلك الدمياطي وغيره، فلهذه النكتة أضيفت محارب إلى خصفة لقصد التمييز عن غيرهم من المحاربين، كأنه قال: محارب الذين ينسبون إلى خصفة لا الذين ينسبون إلى فهر ولا غيرهم.\nقوله: (من بني ثعلبة بن غطفان) قال الحافظ (^٢): كذا وقع فيه، وهو يقتضي أن ثعلبة جد لمحارب، وليس كذلك، ووقع في رواية القابسي: \"خصفة بن ثعلبة\" وهو أشدّ في الوهم، والصواب ما وقع عند ابن إسحاق غيره و\"بني ثعلبة\" بواو العطف، فإن غطفان هو ابن سعد بن قيس بن غيلان، فمحارب وغطفان ابنا عم، فكيف يكون الأعلى منسوبًا إلى الأدنى؟ وسيأتي في باب من حديث جابر بلفظ: \"محارب وثعلبة\" بواو العطف على الصواب، وفي قوله: \"ثعلبة بن غطفان\" بباء موحدة ونون نظر أيضًا، والأولى ما وقع عند ابن إسحاق: \"وبني ثعلبة من غطفان\" بميم ونون، فإنه ثعلبة بن سعد بن دينار بن معيص بن ريث بن غطفان، على أن لقوله: \"ابن غطفان\" وجهًا بأن يكون نسبه إلى جده الأعلى، انتهى من \"الفتح\".\n_________\n(^١) \"شرح الكرماني\" (١٦/ ٤١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٧/ ٤١٨).","vol":"4","page":600},{"text":"قلت: وهذا على نسخة \"الفتح\"، وفي النسخ الهندية على الصواب \"من غطفان\" بدل \"بن غطفان\"، وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^١): ومقصود المصنف من إيراد الآثار المختلفة في الترجمة بيان ما في صلاة الخوف من الاختلاف: أين صلاها أولًا؟ والجمع بينهما أن تحمل على الصلاة المطلقة عن قيد الأولية، فإنه - ﷺ - صلى في جملة تلك الغزوات، انتهى.\nوقال الحافظ (^٢): (تنبيه): جمهور أهل المغازي على أن غزوة ذات الرقاع هي غزوة محارب، كما جزم به ابن إسحاق، وعند الواقدي أنهما ثنتان، وتبعه القطب الحلبي في شرح \"السيرة\"، انتهى.\nقلت: وإلى مسلك الجمهور مال المصنف كما صرّح هو بنفسه في الترجمة.\nوأما سبب تسميتها بذات الرقاع فقال ابن هشام وغيره: سميت بذلك لأنهم رقعوا فيها راياتهم، وقيل: بشجر بذلك الموضع يقال له: ذات الرقاع، وقيل: بل الأرض التي كانوا نزلوا بها كانت ذات ألوان تشبه الرقاع، وقيل: لأن خيلهم كان بها سواد وبياض، قاله ابن حبان (^٣)، وقال الواقدي: سميت بجبل هناك فيه بقع، وهذا لعله مستند ابن حبان، ويكون قد تصحف \"جبل\" بـ \"خيل\" وقد رجح السهيلي السبب الذي ذكره أبو موسى - وهو ما سيأتي في البخاري -، وكذلك النووي، ثم قال: يحتمل أن تكون سميت بالمجموع، وأغرب الداودي فقال: سميت ذات الرقاع لوقوع صلاة الخوف فيها، فسميت بذلك لترقيع الصلاة فيها، وذكر الحافظ الكلام على تعدد غزوة سميت بذات الرقاع كما قيل، فارجع إليه لو شئت (^٤).\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٨/ ٣٣٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٧/ ٤١٨).\n(^٣) \"الثقات\" (١/ ٢٥٨) غزوة ذات الرقاع.\n(^٤) \"فتح الباري\" (٧/ ٤١٩).","vol":"4","page":601},{"text":"(٣٤ -<span data-type='title' id=toc-2449> باب غزوة بني المصطلق من خزاعة. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^١): هكذا وقع ههنا، وذكر ما يتعلق بها، ثم أورد حديث أبي سعيد في العزل، ثم قال بعد ذلك: \"حدثني محمود\" يعني: ابن غيلان \"حدثنا عبد الرزاق\" فذكر حديث جابر في غزوة نجد، وفيه قصة الأعرابي، وهذا محله في غزوة ذات الرقاع، وقد وقع في رواية أبي ذر عن المستملي: \"في غزوة ذات الرقاع\" وهو أنسب، ثم ذكر بعد هذه ترجمة وهي غزوة أنمار، وذكر فيها حديث جابر رأيت النبي - ﷺ - في غزوة أنمار يصلي على راحلته، وهذا الحديث قد تقدم في \"باب قصر الصلاة\"، وكان محل هذا قبل غزوة بني المصطلق؛ لأنه عقّبه بترجمة حديث الإفك، والإفك كان في غزوة بني المصطلق، فلا معنى لإدخال غزوة أنمار بينهما، بل غزوة أنمار إنما يشبه أن تكون هي غزوة محارب وبني ثعلبة، لما تقدم من قول أبي عبيد: إن الماء لبني أشجع وأنمار وغيرهما من قيس، والذي يظهر أن التقديم والتأخير في ذلك من النساخ، انتهى.\nقوله: (غزوة بني المصطلق) أما المصطلق فهو لقب، واسمه جذيمة بن سعد بن عمرو بن ربيعة بن حارثة، بطن من بني خزاعة، وقد تقدم بيان نسب خزاعة في أوائل السيرة النبوية، وأما المريسيع فهو ماء لبني خزاعة، بينه وبين الفرع مسيرة يوم، وقد روى الطبراني من حديث سفيان بن وبرة قال: كنا مع النبي - ﷺ - في غزوة المريسيع غزوة بني المصطلق.\nقوله: (قال ابن إسحاق: وذلك سنة ست) كذا هو في مغازي ابن إسحاق (^٢) رواية يونس بن بكير وغيره عنه، وقال في شعبان، وبه جزم خليفة والطبري، وروى البيهقي من طريق قتادة وعروة وغيرهما أنها كانت في شعبان سنة خمس، وكذا ذكرها أبو معشر قبل الخندق.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٧/ ٤٢٩).\n(^٢) \"تهذيب ابن هشام\" (٣/ ٢٩٧).","vol":"4","page":602},{"text":"قوله: (وقال موسى بن عقبة: سنة أربع) كذا ذكره البخاري، وكأنه سبق قلم أراد أن يكتب سنة خمس فكتب سنة أربع، والذي في مغازي موسى بن عقبة (^١) من عدة طرق أخرجها الحاكم وأبو سعيد النيسابوري والبيهقي في \"الدلائل\" وغيرهم سنة خمس، ولفظه عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب: ثم قاتل رسول الله - ﷺ - بني المصطلق وبني لحيان في شعبان سنة خمس، ويؤيده ما أخرجه البخاري في الجهاد عن ابن عمر: أنه غزا مع النبي - ﷺ - بني المصطلق في شعبان سنة أربع، ولم يؤذن له في القتال؛ لأنه إنما أذن له فيه في الخندق، كما تقدم، وهي بعد شعبان سواء قلنا: إنها كانت سنة خمس أو سنة أربع، وقال الحاكم في \"الإكليل\": قول عروة وغيره: إنها كانت في سنة خمس أشبه من قول ابن إسحاق، ثم رجح الحافظ كونها سنة خمس إذ قال: ويؤيده ما ثبت في حديث الإفك أن سعد بن معاذ تنازع هو وسعد بن عبادة في أصحاب الإفك، فلو كان المريسيع في شعبان سنة ست مع كون الإفك كان فيها لكان ما وقع في الصحيح من ذكر سعد بن معاذ غلطًا؛ لأن سعد بن معاذ مات أيام قريظة، وكانت سنة خمس على الصحيح كما تقدم تقريره، وإن كانت كما قيل سنة أربع فهي أشدّ، فيظهر أن المريسيع كانت سنة خمس في شعبان لتكون قد وقعت قبل الخندق؛ لأن الخندق كانت في شوال من سنة خمس أيضًا، فتكون بعدها، فيكون سعد بن معاذ موجودًا في المريسيع، ورمي بعد ذلك بسهم في الخندق، ومات من جراحته في قريظة، ويؤيده أيضًا أن حديث الإفك كان سنة خمس، إذ الحديث فيه التصريح بأن القصة وقعت بعد نزول الحجاب، والحجاب كان في ذي القعدة سنة أربع عند جماعة، فيكون المريسيع بعد ذلك، فيترجح أنها سنة خمس، أما قول الواقدي: إن الحجاب كان في ذي القعدة سنة خمس فمردود قد جزم خليفة وأبو عبيد وغير واحد بأنه كان سنة ثلاث، فحصلنا في الحجاب ثلاثة أقوال: أشهرها\n_________\n(^١) \"تغليق التعليق\" (٤/ ١٢٣).","vol":"4","page":603},{"text":"سنة أربع، والله أعلم (^١).\nوبسط الكلام على ذلك في هامش \"اللامع\" (^٢) في \"باب خروج النساء إلى البراز\" من كتاب الوضوء\" تحت قوله: \"فأنزل الله الحجاب\" وذكر فيه الكلام في تعيين آية الحجاب، فارجع إليه لو شئت.\nقوله: (كان حديث الإفك في غزوة المريسيع) وبهذا قال ابن إسحاق وغير واحد من أهل المغازي أن قصة الإفك كانت في رجوعهم من غزوة المريسيع، انتهى كله من \"الفتح\" (^٣).\n\n(٣٣ -<span data-type='title' id=toc-2450> باب غزوة أنمار)</span> [¬*]\nتقدم بعض ما يتعلق به في أول الباب السابق، وتقدم أيضًا من كلام الحافظ أن محل هذا الباب قبل غزوة بني المصطلق وغير ذلك.\nقال الحافظ (^٤): ولم يذكر أهل المغازي غزوة أنمار، وذكر مغلطاي أنها غزوة \"أَمِر\" بفتح الهمزة وكسر الميم، فقد ذكر ابن إسحاق أنها كانت في صفر، وعند ابن سعد \"قدم قادم بحلب فأخبر أن أنمار وثعلبة قد جمعوا لهم، فخرج لعشر خلون من المحرم فأتى محلهم بذات الرقاع\"، وقيل: إن غزوة أنمار وقعت في أثناء غزوة بني المصطلق لما روى أبو الزبير عن جابر: أرسلني رسول الله - ﷺ - وهو منطلق إلى بني مصطلق فأتيته وهو يصلي على بعير، الحديث، ويؤيده رواية الليث عن القاسم بن محمد: أن النبي - ﷺ - صلى في غزوة بني أنمار صلاة الخوف، ويحتمل أن رواية جابر لصلاته - ﷺ - تعددت، انتهى.\nقلت: وما حكى الحافظ مما قيل: إن غزوة أنمار وقعت في أثناء غزوة بني المصطلق لعله لهذا ذكرها البخاري بين هذين البابين.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٧/ ٤٣٠).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٢/ ١٠٣).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٧/ ٤٣٠).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٧/ ٤٢٩).\n\n[¬*] تعليق الشاملة: كذا في المطبوع، تكرر رقم هذا الباب والذي بعده.","vol":"4","page":604},{"text":"وقال القسطلاني (^١): غزوة أنمار وقد يقال: غزوة بني أنمار وهي قبيلة، ولم يزد القسطلاني في شرح الترجمة على هذا، وقال بعد ذكر حديث الباب: هذا الحديث قد مرَّ في \"باب صلاة التطوع على الدواب\" وفي \"باب ينزل للمكتوبة\"، وليس فيه ذكر قصة أنمار فلا معنى لذكره ها هنا على ما لا يخفى، انتهى.\nقلت: قد أخرج مالك في \"موطئه\" حديث جابر هذا: أنه قال: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - في غزوة بني أنمار، قال جابر: فبينا أنا نازل تحت شجرة إذا رسول الله - ﷺ - قال فقلت: يا رسول الله - ﷺ - علم إلى الظل الحديث، وبسطت في شرحه الكلام على مصداق هذه الغزوة في \"الأوجز\" (^٢)، وفيه: وفيما ألفته في \"الوقائع والدهور\" في السنة الثالثة من الهجرة: قال الطبري: لما رجع رسول الله - ﷺ - من غزوة السويق أقام بالمدينة بقية ذي الحجة والمحرم، ثم غزا نجدًا يريد غطفان وهي غزوة ذي أَمِر، فأقام بنجد الصفر كله، ثم رجع ولم يلق كيدًا، وفي \"الخميس\" (^٣): سماها الحاكم غزوة أنمار، وهكذا في \"المجمع\" (^٤)، وقال صاحب \"المحلى\": غزوة بني أنمار، يعني: أنمار بن يعيض، وهم قبائل في العرب، وتلك الغزوة اشتهرت بذات الرقاع، وكانت قبل الخندق بعد النضير إلى آخر ما قال.\nوقال الزرقاني (^٥): غزوة بني أنمار بناحية نجد في سنة ثلاث من الهجرة، وهي غزوة غطفان، وتعرف بذي أَمِر، وسببها أن جمعًا من بني ثعلبة ومحارب تجمعوا يريدون أن يصيبوا من أطراف رسول الله - ﷺ -، فخرج إليهم، فلما سمعوا بذلك هربوا في رؤوس الجبال فرقًا ممن نصر بالرعب، فرجع ولم يلق حربًا، وفي \"البداية والنهاية\" (^٦): في السنة الثالثة في أولها\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٩/ ٢٠٣).\n(^٢) \"أوجز المسالك\" (١٦/ ١٥٠).\n(^٣) \"تاريخ الخميس\" (١/ ٤١٤).\n(^٤) \"مجمع بحار الأنوار\" (٥/ ٢٨٠).\n(^٥) \"شرح الزرقاني\" (٤/ ٢٦٧).\n(^٦) \"البداية والنهاية\" (٤/ ٥).","vol":"4","page":605},{"text":"كانت غزوة نجد، ويقال لها: غزوة ذي أَمِر، فذكر القصة، وفي \"طبقات ابن سعد\": غزوة رسول الله - ﷺ - غطفان إلى نجد، وهي غزوة ذي أَمِر في شهر ربيع الأول على رأس خمس وعشرين شهرًا من مهاجرة رسول الله - ﷺ - فذكر القصة، انتهى.\n\n(٣٤ -<span data-type='title' id=toc-2451> باب حديث الإفك)</span>\nقد تقدم وجه مناسبة إيراده ها هنا من أن قصة الإفك كانت في غزوة المريسيع، قوله: (والإفك) بكسر الهمزة وفتحها مع سكون الفاء فيهما (بمنزلة النجس) بكسر النون وسكون الجيم (والنجس) بفتحها، انتهى من \"القسطلاني\" (^١).\nوقال العيني (^٢): أشار بهما إلى أنهما لغتان: الأولى: الإفك بكسر الهمزة وسكون الفاء كالنجس بكسر النون وسكون الجيم، والثانية: الأَفَك بفتح الهمزة والفاء معًا كالنجس بفتحتين، والأولى هي اللغة المشهورة، وقوله: \"بمنزلة النجس\" أي: في الضبط وكونهما لغتين، انتهى وهذا هو الصواب، وما قال القسطلاني في ضبط الإفك بسكون الفاء فيهما فيه نظر كما لا يخفى.\nقوله: (يقال: إفكهم وأفكهم) قال الحافظ (^٣): أي: في قوله تعالى: ﴿بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٨] فقرئ في المشهور بكسر الهمزة وسكون الفاء وبضم الكاف، وأما بالفتحات فقرئ بالشاذ، وهو عن عكرمة وغيره بثلاث فتحات فعلًا ماضيًا، أي: صرفهم، ثم ذكر المصنف حديث الإفك بطوله من طريق صالح بن كيسان عن ابن شهاب، وقد تقدم بطوله في الشهادات من طريق فليح عن ابن شهاب، وسيأتي في التفسير أيضًا، وذكر المصنف بعد سياقه قصة الإفك أحاديث تتعلق بها، انتهى.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٩/ ٢٠٣).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٢/ ١٧٠).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٧/ ٤٣٥).","vol":"4","page":606},{"text":"وفي \"الفيض\" (^١): (فائدة): والحكمة الإلهية في إجراء تلك القصة في بيت النبوَّة بيان صبر النبي - ﷺ -، وثباته على أحكام الشرع وعدم مجاوزته عن الحدود، فإن سعدًا لما سأل النبي - ﷺ - عن رجل يرى على امرأته رجلًا، ولم يجد عليه بيِّنة: كيف يفعل؟ قال له: إنه يأتي ببينة أو يُحدُّ حدّ القذف، فقال له سعد: ولكن والله أضربه بالسيف غير مصفح، فقال النبي - ﷺ -: انظروا إلى غيرة سعد، وأنا أغير منه، والله أغير مني، ثم نزل اللعان، فكشف الله سبحانه أنه لم يقله لسعد فقط، بل لما ابتلي به ترقب الوحي بنفسه أيضًا، ولم يعجل في أمره ولا احتال لدرئه، ثم إني أجد أنه ما من نبي إلا وقد ابتلي من جهة النساء أيضًا، إلى آخر ما ذكر.\nقوله: (ما كشفت من كنف أنثى قط) كتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): يعني: في حرام، انتهى.\nقلت: وهكذا أفاد الشيخ قُدِّس سرُّه في \"الكوكب الدري (^٣) إذ قال: أي: في الحرام لا في الجاهلية ولا في الإسلام، وبسط في \"هامشه\" الكلام عليه.\nقال الكرماني (^٤): وهو كناية عن عدم الجماع، ويروى أنه كان حصورًا، وأن معه مثل الهدبة، انتهى.\nويشكل على ذلك ما في أبي داود وفي قصة امرأة صفوان بن معطل هذا من حديث أبي سعيد الخدري: أنها شكت إلى رسول الله - ﷺ - أن زوجها يفطرها إذا صامت، وأجاب عنه صفوان بأني رجل شاب لا أصبر، قال البزار: هذا الحديث منكر، ولعل الأعمش أخذه من غير ثقة فدلسه، فصار ظاهر سنده الصحة، وليس للحديث عندي، أصل، وردّه الحافظ، وذكر للحديث متابعة جيدة تؤذن بأن للحديث أصلًا، ثم قال: والجمع\n_________\n(^١) \"فيض الباري\" (٥/ ٧٤).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٨/ ٢٣٥).\n(^٣) \"الكوكب الدري\" (٤/ ٢٢٥).\n(^٤) \"شرح الكرماني\" (١٦/ ٦١).","vol":"4","page":607},{"text":"بينهما على ما ذكره القرطبي: أن مراده بقوله: \"ما كشفت\" أي: بزنا.\nقال الحافظ (^١): وفيه نظر، لأن في رواية سعيد بن هلال عن هشام في قصة الإفك قال: والله ما أصبت امرأة قط حلالًا ولا حرامًا، فالذي يظهر أن مراده بالنفي المذكور ما قبل هذه القصة، ولا مانع أن يتزوج بعد ذلك، انتهى.\nقوله: (حدثني مسروق قال: حدثتني أم رومان. . .) إلخ، قال القسطلاني (^٢): اعترض الخطيب، وتبعه جماعة على هذا الحديث بأن مسروقًا لم يسمع من أم رومان؛ لأنها توفيت في زمنه - ﷺ - وسن مسروق إذ ذاك كان ست سنين، فالظاهر أنه مرسل، وأجاب الحافظ في \"المقدمة\": بأن الواقعة في البخاري هو الصواب؛ لأن راوي وفاة أم رومان في سنة ست علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف كما نبّه عليه البخاري في \"تاريخه الأوسط\" و\"الصغير\"، وحديث مسروق أصح إسنادًا، وقد جزم إبراهيم الحربي الحافظ بأن مسروقًا إنما سمع من أم رومان في خلافة عمر، وقال أبو نعيم الأصبهاني: عاشت أم رومان بعد النبي - ﷺ - دهرًا، وقال أيضًا في موضع آخر (^٣): قيل: إن أم رومان توفيت في زمنه - ﷺ - أربع أو خمس أو ست، ومسروق لم يدركها، لأنه لم يقدم من اليمن إلا بعد وفاته - ﷺ - في خلافة أبي بكر وعمر، وهذا ما ذكره الواقدي، وما في الصحيح أصح، وقد جزم إبراهيم الحربي بأن مسروقًا سمع من أم رومان وله خمس عشرة سنة، فيكون سماعه في خلافة عمر؛ لأن مولد مسروق كان في سنة الهجرة، انتهى.\n\n(٣٥ -<span data-type='title' id=toc-2452> باب غزوة الحديبية. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٤): في رواية أبي ذر عن الكشميهني: \"عمرة\" بدل غزوة،\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٤٦٢).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٥٢٣).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (٩/ ٢١٦، ٢١٧).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٧/ ٤٣٩).","vol":"4","page":608},{"text":"والحديبية بالتثقيل والتخفيف لغتان، وأنكر كثير من أهل اللغة التخفيف، وقال أبو عبيد البكري (^١): أهل العراق يثقلون وأهل الحجاز يخففون، انتهى.\nوقال القسطلاني (^٢): في \"القاموس\": الحديبية: بئر قرب مكة حرسها الله تعالى، انتهى.\nقوله: (وقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ. . .﴾ [الفتح: ١٨]) إلخ، يشير إلى أنها نزلت في قصة الحديبية، وكان توجهه - ﷺ - من المدينة يوم الاثنين مستهل ذي القعدة سنة ست، فخرج قاصدًا إلى العمرة، فصدّه المشركون عن الوصول إلى البيت، ووقعت بينهم المصالحة على أن يدخل مكة في العام المقبل، وجاء عن هشام بن عروة عن أبيه: أنه خرج في رمضان واعتمر في شوال، وشذّ بذلك، ومضى في الحج قول عائشة: \"ما اعتمر إلا في ذي القعدة\"، قال الحافظ: ذكر المصنف فيه ثلاثين حديثًا، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\nقوله: (ألفًا وثلاث مائة. . .) إلخ، كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٤): ثم تلاحق بهم آخرون، فصاروا أربعمائة، ثم آخرون فصاروا خمسة مائة، انتهى.\nوفي هامشه: ذكر الحافظ في \"الفتح\" الروايات المختلفة في عددهم، ففي رواية أربع عشرة مائة، وفي رواية ألفًا وأربعمائة أو أكثر، وفي رواية خمس عشر مائة، وفي أخرى ألفًا وثلاث مائة، ثم قال (^٥): والجمع بين هذا اختلاف أنهم كانوا أكثر من ألف وأربعمائة، فمن قال: ألفًا وخمس مائة جبر الكسر، ومن قال: ألفًا وأربعمائة ألغاه، ويؤيده ما في رواية\n_________\n(^١) \"معجم ما استعجم\" (٢/ ٣٨٤).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٩/ ٢٢٠).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٧/ ٤٤٠).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٨/ ٣٤١، ٣٤٢).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٧/ ٤٤٠).","vol":"4","page":609},{"text":"البراء: ألفًا وأربعمائة أو أكثر، واعتمد على هذا الجمع النووي، وأما البيهقي فمال إلى الترجيح، وقال: إن رواية من قال: ألف وأربعمائة أصح، ووقع عند ابن سعد عن معقل بن يسار زهاء ألف وأربعمائة، وهو ظاهر في عدم التحديد، وأما قول عبد الله بن أبي أوفى: ألفًا وثلثمائة فيمكن حمله على ما اطلع هو عليه، واطلع غيره على زيادة، والزيادة من الثقة مقبولة، ثم ذكر التوجيه الذي ذكره الشيخ في \"اللامع\" إلى آخر ما بسط في هامش \"اللامع\".\n(فإن يأتونا كان الله قد قطع عينًا من المشركين) كتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): أي: جماعة من المشركين، فإن الكفار لما رجعوا إلى أهليهم لم يبق مع أهل مكة منهم أحد، فتقل جماعتهم، ويمكن أن يكون المعنى أنهم إذا رجعوا إليهم لم تحتج إلى بعث جاسوس إلى مكة ليعلم لنا علم من اجتمع فيها من الكفار، إذ لا يبقى هناك غير قريش فلا يحتاج إلى بعث جاسوس، لحصول العلم بأنه ليس فيها أحد ممن سواهم، غير أن أبا بكر لم يوافق هذا الرأي لما فيه من رفض العمرة، وقد خرجوا لها، واشتهر فيما بينهم أنه خرج لها، فلو اشتغل بالقتال لكان فيه نوع تعزير، انتهى.\nوفي هامشه: قوله: \"أي: جماعة\" اختلف الشرَّاح في شرح هذا اللفظ على معان عديدة تأتي قريبًا بعضها أبعد من بعض، وهذا الذي اختاره الشيخ في معناه: أي جماعة هو الأوجه، بل هو المتيقن عند هذا العبد الضعيف إلى آخر ما بسط في هامش \"اللامع\" أشد البسط.\nقوله: (عند رجل من الأنصار) كتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): وكان في ناحية من العسكر هناك وطلب منه عمر فرسه لقتال، إذ كانوا يظنون أن القتال كائن لا محالة، ولا ينافيه ما في الحديث الآتي: \"أن عمر أرسل ابنه لينظر ما شأن الناس أحدقوا برسول الله - ﷺ -\"، وذلك لأنه يمكن أن يكون\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٨/ ٣٤٦، ٣٤٧).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٨/ ٣٤٧).","vol":"4","page":610},{"text":"أمر بهما، فقال له: اذهب وائتني بخبر القوم وبفرسه، فذكر كل من الرواة أمرًا ولم يذكرهما، انتهى.\nوفي هامشه: وإلى هذا التوجيه مال الحافظ (^١) إذ قال: في الحديث الآتي قوله: \"قد أحدقوا. . .\" إلخ، وهذا السبب الذي ها هنا في أن ابن عمر بايع قبل أبيه غير السبب الذي قبله، ويمكن الجمع بينهما بأنه بعثه يحضر له الفرس، ورأى الناس مجتمعين فقال له: انظر ما شأنه؟ فبدأ بكشف حاله فوجدهم يبايعون، فبايع وتوجّه إلى الفرس، فأحضرها وأعاد حينئذ الجواب على أبيه، انتهى مختصرًا، وتبعه القسطلاني (^٢) في ذلك ولم يزد شيئًا.\nوقال العيني (^٣): فإن قلت: السبب الذي ها هنا غير السبب الذي قبله؟ قلت: هذا السؤال فيه تعسف فلا يرد أصلًا، وذلك أن ابن عمر تكررت منه المبايعة، وتوحدت في الحديث السابق، وقد تكلف الشارحون بما ليس بطائل.\nوقال الكرماني (^٤): فإن قلت: المستفاد مما تقدم في آخر هجرة النبي - ﷺ - أن هذه القصة كانت عند قدوم عمر وعبد الله المدينة، ومن ها هنا أنه في الحديبية؟ قلت: هذه غيرها، وهذه البيعة المكررة وقعت فيهما، وذلك التحديث كان في الهجرة، وهذا في الإسلام، وبهذا قال ثمه إذا قيل: إنه هاجر قبل أبيه يغضب، وها هنا قال: يتحدثون أن ابن عمر أسلم قبل عمر إلى آخر ما بسط في هامش \"اللامع\" وفيه: وقد عرفت مما سبق أن الروايات في ذلك ثلاثة: الأولى ما تقدم في الهجرة، والاثنتان في هذا الباب من إرساله ليأتي الفرس ومن إرساله ليرى الناس محدقين.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٥): قوله: (فهي التي يتحدث الناس. . .)\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٧/ ٤٥٦).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٩/ ٢٤٣).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٢/ ٢٠٣).\n(^٤) \"شرح الكرماني\" (١٦/ ٨١).\n(^٥) \"لامع الدراري\" (٨/ ٣٤٩).","vol":"4","page":611},{"text":"إلخ، ووجه ذلك أن المتبادر من البيعة كانت هي البيعة للإسلام، فمن سمع - ممن لم يعلم بإسلام عمر أنه أسلم بمكة - لفظ (^١) البيعة أن ابن عمر بايع قبل أبيه حملها على الإسلام، وأما من كان يعرف القضية وإسلام عمر وابنه فقد عرف ما كان واقعًا، انتهى.\n\n(٣٦ -<span data-type='title' id=toc-2453> باب قصة عكل وعرينة)</span>\nقال العيني (^٢): هما قبيلتان، وقد مرَّ تفسيرهما في \"كتاب الطهارة\" في \"باب أبوال الإبل\" قال الحافظ (^٣): ذكر ابن إسحاق انها كانت بعد غزوة ذي قرد، انتهى.\nوقال الحافظ (^٤): \"كتاب الطهارة\": روي أبو عوانة والطبري عن أنس قال: كانوا أربعة من عرينة، وثلاثة من عكل، ولا يخالف هذا ما عند المصنف في الجهاد، وفي الديات: أن رهطًا من عكل ثمانية لاحتمال أن يكون الثامن من غير القبيلتين، وزعم ابن التِّين تبعًا للداودي أن عرينة هم عكل، وهو غلط بل هما قبيلتان متغايرتان عكل من عدنان وعرينة من قحطان، وعكل قبيلة من تيم الرباب وعرينة حي من قزاعة، وهي من بجيلة، والمراد ها هنا الثاني، وذكر ابن إسحاق في المغازي أن قدومهم كان بعد غزوة ذي قرد، وكانت في جمادى الآخرة سنة ست، وذكرها المصنف بعد الحديبية، وكانت في ذي القعدة منها، وذكر الواقدي أنها كانت في شوال منها، وتبعه ابن سعد وابن حبان وغيرهما.\nوقوله: (فبعث في آثارهم) وفي حديث سلمة بن الأكوع: \"خيلًا من المسلمين، أميرهم كرز بن جابر الفهري\" وكذا ذكره ابن إسحاق والأكثرون، وهو بضم الكاف وسكون الراء بعدها زاي، ولمسلم عن أنس: \"إنهم شباب من الأنصار، قريب من عشرين رجلًا\" وفي \"مغازي الواقدي\":\n_________\n(^١) مفعول لقوله: \"من سمع\".\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٢/ ٢٠٥).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٧/ ٤٥٨).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١/ ٣٣٧ - ٣٤٠).","vol":"4","page":612},{"text":"أن السرية كانت عشرين رجلًا، ولم يقل من الأنصار، بل سمى منهم جماعة من المهاجرين إلى آخر ما ذكره.\nقوله: (وقال شعبة وأبان وحماد. . .) إلخ، قال الحافظ (^١): وقع من قوله: \"وقال شعبة\" إلى آخر الباب عند أبي ذر بين غزوة ذي قرد وبين غزوة خيبر، وعليه جرى الإسماعيلي، ووقع عند الباقين تاليًا لحديث العرنيين الذي قبله وهو الراجح، ولعل الفصل وقع من تغيير بعض الرواة، ويحتمل أن يكون البخاري تعمد ذلك إشارة منه إلى أن قصة العرنيين متحدة مع غزوة ذي قرد، كما يشير إليه كلام بعض أهل المغازي، وإن كان الراجح خلافه، والله أعلم.\n\n(٣٧ -<span data-type='title' id=toc-2454> باب غزوة ذات القرد)</span>\nبفتح القاف والراء، وحكي الضم فيهما، وحكي ضم أوله وفتح ثانيه، قال الحازمي: الأول ضبط أصحاب الحديث، والضم عن أهل اللغة، وقال البلاذري: الصواب الأول، وهؤلاء على نحو بريد مما يلي بلاد غطفان، وقيل: على مسافة يوم.\nقوله: (قبل خيبر بثلاث) كذا جزم به، ومستنده في ذلك حديث إياس ابن سلمة بن الأكوع عن أبيه فإنه قال في آخر الحديث الطويل الذي أخرجه مسلم من طريقه: \"قال: فرجعنا، أي: من الغزوة إلى المدينة، فوالله ما لبثنا بالمدينة إلا ثلاث ليال حتى خرجنا إلى خيبر\"، وأما ابن سعد فقال: كانت غزوة ذي قرد في ربيع الأول سنة ست قبل الحديبية، وقيل: في جمادى الأولى، وعن ابن إسحاق: في شعبان منها، فإنه قال: كانت بنو لحيان في شعبان سنة ست، فلما رجع النبي - ﷺ - إلى المدينة فلم يقم بها إلا ليالي حتى أغار عيينة بن حصن على لقاحه، قال القرطبي شارح مسلم في الكلام\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٧/ ٤٦٩، ٤٧٠).","vol":"4","page":613},{"text":"على حديث سلمة بن الأكوع: لا يختلف أهل السير أن غزوة ذي قرد كانت قبل الحديبية، فيكون ما وقع في حديث سلمة من وهم بعض الرواة، ثم حكى الحافظ عن القرطبي الجمع بين هذين القولين المختلفين، لكن لم يرض به وقال: فعلى هذا ما في الصحيح من التاريخ لغزوة ذي قرد أصحّ مما ذكره أهل السير، ويحتمل في طريق الجمع أن تكون إغارة عيينة بن حصن على اللقاح وقعت مرتين: الأولى: التي ذكرها ابن إسحاق، وهي قبل الحديبية، والثانية: بعد الحديبية قبل الخروج إلى خيبر، وكان رأس الذين أغاروا عبد الرحمن بن عيينة كما في سياق سلمة عند مسلم، ويؤيده أن الحاكم ذكر في \"الإكليل\": أن الخروج إلى ذي قرد تكرر، ففي الأولى خرج إليها زيد بن حارثة قبل أُحد، وفي الثانية خرج إليها النبي - ﷺ - في ربيع الآخر سنة خمس، والثالثة هذه المختلف فيها، انتهى.\nفإذا ثبت هذا قوي هذا الجمع الذي ذكرت، والله تعالى أعلم، انتهى (^١).\n\n(٣٨ -<span data-type='title' id=toc-2455> باب غزوة خيبر)</span>\nقال الحافظ (^٢): بمعجمة وتحتانية وموحدة بوزن جعفر، وهي مدينة كبيرة ذات حصون ومزارع على ثمانية برد من المدينة إلى جهة الشام، ذكر أبو عبيد البكري: أنها سميت باسم رجل من العماليق نزلها، قال ابن إسحاق: خرج النبي - ﷺ - في بقية المحرم سنة سبع فأقام يحاصرها بضع عشرة ليلة إلى أن فتحها في صفر، قال ابن إسحاق: انصرف رسول الله - ﷺ - من الحديبية فنزلت عليه سورة الفتح فيما بين مكة والمدينة، فأعطاه الله فيها خيبر، بقوله: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾ [الفتح: ٢٠]، يعني: خيبر، فقدم المدينة في ذي الحجة فأقام بها حتى سار إلى خيبر في المحرم، وحكى ابن التِّين عن ابن الحصار: أنها كانت في\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (٧/ ٤٦٠، ٤٦١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٧/ ٤٦٤، ٤٦٥).","vol":"4","page":614},{"text":"آخر سنة ست، وهذا منقول عن مالك، وبه جزم ابن حزم، وهذه الأقوال متقاربة، والراجح منها ما ذكره ابن إسحاق، ويمكن الجمع بأن من أطلق سنة ست بناه على أن ابتداء السنة من شهر الهجرة الحقيقي وهو ربيع الأول، وذكر الواقدي أنها كانت في صفر، وذكر ابن سعد أنها كانت في جمادى الأولى، وقيل: في ربيع الأول، وأغرب من ذلك ما أخرجه ابن سعد: أنه - ﷺ - خرج إلى خيبر لثمان عشرة من رمضان، ثم ذكر المصنف في الباب ثلاثين حديثًا، انتهى مختصرًا من \"الفتح\".\n(فقال المسلمون: إحدى أمهات المؤمنين أو ما ملكت يمينه. . .) إلخ، كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^١) وكان هذا التردد ممن لم يحضر النكاح والوليمة، وأما من حضرهما أو أحدهما فقد عرف الأمر، ويمكن أن يكون هذا التردد قبل الوليمة والنكاح، ففي العبارة تقديم وتأخير، انتهى.\nقوله: (ومنهم حكيم إذا لقي الخيل - أو قال: العدو - وقال لهم: إن أصحابي يأمرونكم أن تنظروهم) كتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢) في كلامه هذا منقبة ظاهرة لحكيم حيث يقبل على العدو قبل أصحابه، ويبادرهم إليه ثم يحثهم على المقاتلة، انتهى.\nذكر في هامشه كلام الشرَّاح في شرحه، وفيه أيضًا: قلت: والأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن المراد بالخيل أيضًا خيل العدو، والمعنى أنه يهدد خيل المشركين ولا يخاف منهم مع كونه منفردًا، وهذا من كمال شجاعته، انتهى.\nقوله: (بلى والذي نفسي بيده) كتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): كلمة بلى ها هنا بمعنى لا، ولعله استعمل ها هنا استعمال أصحاب الهند كلمة \"ها\" بمد الصوت وتغير اللهجة، انتهى.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٨/ ٣٥٣، ٣٥٤).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٨/ ٣٥٦).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٨/ ٣٥٦، ٣٥٧).","vol":"4","page":615},{"text":"قلت: قد أجاد الشيخ قُدِّس سرُّه في توجيهه، وحمل الشرَّاح على التصحيف، وفي نسخة \"الفتح\" و\"العيني\" بدله \"بل\"، قال الحافظ (^١): وفي رواية الكشميهني: \"بلى\" وهو تصحيف، انتهى.\nولا يبعد عندي أن يقال: إن لفظ: \"بلى\" على معناه الأصلي، وهو تقرير منه - ﷺ - على شهادته، فإن المعصية لا تنافي الشهادة فإنه - ﷺ - قرر أولًا شهادته، ثم بيَّن عقوبة معصية أيضًا، قال ابن عابدين (^٢): من غرق في قطع الطريق فهو شهيد، وعليه إثم معصيته، وكل من مات بسبب معصية فليس بشهيد، وإن مات في معصية بسبب من أسباب الشهادة فله أجر شهادته، وعليه إثم معصيته، وكذلك أو قاتل على فرس مغصوب، أو كان قوم في معصية، فوقع عليهم البيت، فلهم الشهادة وعليهم إثم المعصية، انتهى.\n\n(٣٩ -<span data-type='title' id=toc-2456> باب استعمال النبي - ﷺ - على أهل خيبر)</span>\nقال الحافظ (^٣) وغيره: أي: بعد فتحها لتنمية الثمار، وحديث الباب مر في البيوع في \"باب إذا أراد بيع تمر بتمر خير منه\" انتهى.\n\n(٤٠ -<span data-type='title' id=toc-2457> باب معاملة النبي - ﷺ - أهل خيبر)</span>\nذكر فيه حديث ابن عمر مختصرًا، وقد تقدم في المزارعة.\n\n(٤١ -<span data-type='title' id=toc-2458> باب الشاة التي سمت للنبي - ﷺ -. . .) إلخ</span>\nأي: جعل فيها السم، والسم مثلث السين، قوله: \"رواه عروة عن عائشة\" لعله يشير إلى الحديث الذي ذكره في الوفاة النبوية، انتهى من \"الفتح\" (^٤).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٧/ ٤٨٩).\n(^٢) \"رد المحتار\" (٣/ ١٦٦).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٧/ ٤٩٦)، و\"عمدة القاري\" (١٢/ ٢٤٢).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٧/ ٤٩٧).","vol":"4","page":616},{"text":"(٤٢ -<span data-type='title' id=toc-2459> باب غزوة زيد بن حارثة)</span>\nمولى النبي - ﷺ - ووالد أسامة بن زيد، والغرض من قوله: (ذكر فيه حديث ابن عمر في بعث أسامة. . .) إلخ، قوله: فقد طعنتم في إمارة أبيه من قبله، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوقال القسطلاني (^٢) في شرح الحديث: قوله: (أمَّر أسامة على قوم) من كبار المهاجرين والأنصار، فيهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة وسعد وسعيد وقتادة بن النعمان وغيرهم - ﵃ - (فطعنوا في إمارته) أي: بعضهم، وكان أشدهم في ذلك عياش بن أبي ربيعة فقال: يستعمل هذا الغلام على المهاجرين، فكثرت المقالة في ذلك، فسمع عمر بن الخطاب بعض ذلك فردَّه على من تكلم، وأخبر بذلك النبي - ﷺ - فغضب غضبًا شديدًا فخطب، وقال: \"إن تطعنوا\" إلى آخر الحديث، وقد بعث - ﷺ - زيد بن حارثة في عدة سرايا، قال سلمة بن الأكوع فيما رواه أبو مسلم الكجي: غزوت مع زيد بن حارثة سبع غزوات يؤمره علينا، الحديث، ثم ذكرها القسطلاني، وكذا الحافظ في \"الفتح\" (^٣) قال: والسابعة: إلى ناس من بين فزارة، وكان خرج قبلها في تجارة فخرج عليه ناس من بني فزارة، فأخذوا ما معه وضربوه، فجهزه النبي - ﷺ - إليهم فأوقع بهم، وقتل أم قِرْفة بكسر القاف وسكون الراء بعدها فاء، وهي فاطمة بنت ربيعة بن بدر زوج مالك بن حذيفة بن بدر عم عيينة بن حصن وكانت معظمة فيهم، فيقال: ربطها في ذنب فرسين وأجراهما فتقطعت، وأسر بنتها وكانت جميلة، ولعل هذه السرية الأخيرة مراد المصنف، وقد ذكر مسلم طرفًا منها من حديث سلمة بن الأكوع، انتهى.\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٤): قوله: (باب غزوة\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٧/ ٤٩٨).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٩/ ٢٩٠، ٢٩١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٧/ ٤٩٨، ٤٩٩).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٨/ ٣٥٧).","vol":"4","page":617},{"text":"زيد بن حارثة. . .) إلخ، وهذه الغزوة غير الغزوة التي اشتهرت لغزوة مؤتة لتصريحه بها فيما بعد باسم على حدة، انتهى وستأتي غزوة مؤتة قريبًا.\n\n(٤٣ -<span data-type='title' id=toc-2460> باب عمرة القضاء)</span>\nقال الحافظ (^١): كذا للأكثر، وللمستملي وحده: \"غزوة القضاء\"، والأول أولى، ووجهوا كونها غزوة بأن موسى بن عقبة ذكر في المغازي عن ابن شهاب: أنه - ﷺ - خرج مستعدًا بالسلاح والمقاتلة خشية أن يقع من قريش غدر فبلغهم ذلك ففزعوا، فلقيه مكرز فأخبره أنه باق على شرطه وأن لا يدخل مكة بسلاح إلا السيوف في أغمادها، وإنما خرج في تلك الهيئة احتياطًا فوثق بذلك، وأخَّر النبي - ﷺ - السلاح مع طائفة من أصحابه خارج الحرم حتى رجع، ولا يلزم من إطلاق الغزوة وقوع المقاتلة، وقال ابن الأثير: أدخل البخاري عمرة القضاء في المغازي لكونها كانت مسببة عن غزوة الحديبية.\nواختلف في سبب تسميتها عمرة القضاء؟ قال السهيلي: لأنه قاضى فيها قريشًا، لا لأنها قضاء عن العمرة التي صدّ عنها؛ لأنها لم تكن فسدت حتى يجب قضاؤها بل كانت عمرة تامة، كما تقدم في \"كتاب الحج\"، وقال آخرون: بل كانت قضاء عن العمرة الأولى، وعدت عمرة الحديبية في العمر لثبوت الأجر فيها لا؛ لأنها كملت إلى آخر ما في \"الفتح\"، وفيه: فتحصل من أسمائها أربعة: القضاء، والقضية، والقصاص، والصلح. وقال ابن إسحاق خرج النبي - ﷺ - في ذي القعدة معتمرًا عمرة القضاء، وكذلك ذكر موسى بن عقبة عن ابن شهاب، انتهى من \"الفتح\".\nقلت: وبسط الكلام على قصة عمرة القضاء، وما يتعلق بها من المباحث الحديثية والفقهية، وكذا على بقية عمره صلى الله تعالى عليه\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٧/ ٥٠٠).","vol":"4","page":618},{"text":"وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا كثيرًا في جزء مفرد سميته \"جزء عمرات النبي - ﷺ -\" وهو ملحق في آخر \"جزء حجة الوداع\" (^١)، وهو أيضًا مما منّ الله تعالى علي بتأليفه، فارجع إليه لو شئت التفصيل.\n\n(٤٤ -<span data-type='title' id=toc-2461> باب غزوة مؤتة من أرض الشام)</span>\nبضم الميم وسكون الواو بغير همز لأكثر الرواة، وبه جزم المبرد، ومنهم من همزها، وبه جزم ثعلب والجوهري وابن فارس، وحكى صاحب \"الواعي\" الوجهين، وأما الموتة التي وردت الاستعاذة منها وفسرت بالجنون فهي بغير همز.\nقوله: (من أرض الشام) قال ابن إسحاق: هي بالقرب من البلقاء، وقال غيره: هي على مرحلتين من بيت المقدس، ويقال: إن السبب فيها أن شرحبيل بن عمرو الغسَّاني - وهو من أمراء قيصر على الشام - قتل رسولًا أرسله النبي - ﷺ - إلى صاحب بصرى، واسم الرسول الحارث بن عمير، فجهز إليهم النبي - ﷺ - عسكرًا في ثلاثة آلاف، وفي \"مغازي أبي الأسود\": عن عروة: \"بعث رسول الله - ﷺ - الجيش إلى مؤتة في جمادى من سنة ثمان\"، وكذا قال ابن إسحاق وموسى بن عقبة وغيرهما من أهل المغازي، لا يختلفون في ذلك، إلا ما ذكر خليفة في \"تاريخه\" أنها كانت سنة سبع، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\n\n(٤٥ -<span data-type='title' id=toc-2462> باب بعث النبي - ﷺ - أسامة بن زيد إلى الحرقات)</span>\nبضم الحاء والراء المهملتين وفتح القاف وبعد الألف فوقية، نسبة إلى الحرقة، واسمه جهيش بن عامر بن ثعلبة بن مودعة بن جهينة، وسمي\n_________\n(^١) طبع هذا الكتاب بتحقيقي وتعليقي باسم: \"جزء حجة الوداع وعمرات النبي - ﷺ -\" في دبي.\n(^٢) \"فتح الباري\" (٧/ ٥١٠، ٥١١).","vol":"4","page":619},{"text":"الحرقة؛ لأنه حرّق قومًا بالقتل فبالغ في ذلك، والجمع فيه باعتبار بطون تلك القبيلة، انتهى من \"القسطلاني\" (^١).\nقال العيني (^٢): قوله: \"الحرقات\" بضم الحاء المهملة وفتح الراء وبالقاف، وهي قبيلة من جهينة، والظاهر أنه جمع حرقة، انتهى.\nوكذا في \"الفتح\" (^٣): \"الحرقات\" بضم المهملة وفتح الراء.\nقوله: (بعثنا رسول - ﷺ - إلى الحرقة) قال الحافظ (^٤): ليس في هذا ما يدل على أنه كان أمير الجيش كما هو ظاهر الترجمة، وقد ذكر أهل المغازي سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى الميفعة بتحتانية ساكنة وفاء مفتوحة، وهي وراء بطن نخل، وذلك في رمضان سنة سبع، وقالوا: إن أسامة قتل الرجل في هذه السرية، فإن ثبت أن أسامة كان أمير الجيش فالذي صنعه البخاري هو الصواب؛ لأنه ما أمّر إلا بعد قتل أبيه في غزوة مؤتة، وذلك في رجب سنة ثمان، وإن لم يثبت أنه كان أميرها رجح ما قال أهل المغازي، انتهى.\nقوله: (حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم) كتب الشيخ - ﵀ - في \"اللامع\" (^٥): وكثيرًا ما ينظر إلى أمور هي مقاصد بالذات، ولا ينظر إلى ما لا يلزم فيها من المفاسد، فكأن أسامة تمنى إذ ذاك براءته من هذه الجناية مع عظم أمرها وهول ما يعقبها كيف حصلت، ولم ينظر إلى ما لزم فيه من التلبث بالكفر مدة كذا، انتهى.\nوذكر في هامشه كلام الشرَّاح، وفيه أيضًا: ونظير ذلك التمني الدعاء بالشهادة فإنه يستلزم طلب نصر الكافر على المسلم كما تقدم تقريره مفصلًا في \"كتاب الجهاد\"، فإنهم قالوا: إن القصد الأصلي فيه حصول\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٩/ ٣٠٥).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٢/ ٢٥٧).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٧/ ٥١٨).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٧/ ٥١٨).\n(^٥) \"لامع الدراري\" (٨/ ٣٦٠).","vol":"4","page":620},{"text":"الدرجة العليا لحصول الشهادة، وليس طلب نصر الكافر هناك مقصودًا، انتهى.\n\n(٤٦ -<span data-type='title' id=toc-2463> باب غزوة الفتح)</span>\nوما بعث حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة، قال الحافظ (^١): أي: فتح مكة شرفها الله تعالى، وسقط لفظ: \"باب\" من نسخة الصغاني، وكان سبب ذلك أن قريشًا نقضوا العهد الذي وقع في الحديبية، فبلغ ذلك النبي - ﷺ -، قال ابن إسحاق: حدثني الزهري، عن عروة، عن المسور بن مخرمة: أنه كان في الشرط: من أحبّ أن يدخل في عقد رسول الله - ﷺ - وعهده فليدخل، ومن أحبّ أن يدخل في عقد قريش وعهدهم فليدخل، فدخلت بنو بكر بن عبد مناة بن كنانة في عهد قريش، ودخلت خزاعة في عهد رسول الله - ﷺ -، قال ابن إسحاق: وكان بين بني بكر وخزاعة حروب وقتلى في الجاهلية، فتشاغلوا عن ذلك لما ظهر الإسلام، فلما كانت الهدنة خرج نوفل بن معاوية الديلي من بني بكر في بني الديل حتى بيت خزاعة على ماء لهم يقال له: الوتير، فأصاب منهم رجلًا يقال له: منبه، واستيقظت لهم خزاعة، فاقتتلوا إلى أن دخلوا الحرم ولم يتركوا القتال، وأمدت قريش بني بكر بالسلاح، وقاتل بعضهم معهم ليلًا في خفية، فلما انقضت الحرب خرج عمرو بن سالم الخزاعي حتى قدم على رسول الله - ﷺ - وهو جالس في المسجد، فأنشد أشعارًا فيه بيان نقض قريش العهد، ذكرها الحافظ، قال ابن إسحاق: فقال له رسول الله - ﷺ -: \"نصرت يا عمرو بن سالم\" فكان ما هاج فتح مكة، انتهى.\nقوله: (وما بعث حاطب. . .) إلخ، قال العيني (^٢): هذا عطف على قوله: \"غزوة الفتح\" والتقدير: وفي بيان ما بعث به حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة. . . إلخ، والمبعوث منه الكتاب، وصورته: أما بعد يا معشر قريش،\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٧/ ٥١٩).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٢/ ٢٦٠).","vol":"4","page":621},{"text":"فإن رسول الله - ﷺ - جاءكم بجيش كالليل، يسير كالسيل، فوالله لو جاءكم وحده نصره الله عليكم، وأنجز له وعده، فانظروا لأنفسكم، والسلام، انتهى.\nقال الحافظ (^١): فلما أجمع رسول الله - ﷺ - المسير إلى مكة، كتب حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش يخبرهم بذلك، ثم أعطاه امرأة من مزينة، وعند ابن أبي شيبة: ثم قال النبي - ﷺ - لعائشة: \"جهزيني ولا تُعلمي بذلك أحدًا\"، فدخل عليها أبو بكر فأنكر بعض شأنها فقال: ما هذا؟ فقالت له: فقال: والله ما انقضت الهدنة بيننا، فذكر ذلك للنبي - ﷺ -، فذكر له أنهم أول من غدر، ثم أمر بالطرق فحبست، فعمي على أهل مكة لا يأتيهم خبر، انتهى.\nقلت: ومقصود المصنف بهذه الترجمة بيان التهيؤ له، فلا يتوهم التكرار بالترجمة الآتية.\n\n(٤٧ -<span data-type='title' id=toc-2464> باب غزوة الفتح في رمضان)</span>\nأي: بيان أن غزوة يوم فتح مكة كانت في شهر رمضان سنة ثمان من الهجرة، وكان خروجه - ﷺ - من المدينة يوم الأربعاء لعشر ليال خلون من رمضان، وروى ابن إسحاق عن الزهري أنه - ﷺ - استعمل على المدينة أبا رهم الغفاري، انتهى من \"العيني\" (^٢).\nوفي حديث الباب: \"أنه - ﷺ - خرج من المدينة ومعه عشرة آلاف\" وعند ابن إسحاق في اثني عشر ألفًا من المهاجرين والأنصار وأسلم وغفار ومزينة وجهينة وسليم، وجمع بين الروايتين بأن عشرة آلاف من نفس المدينة، ثم تلاحق به ألفان، قاله القسطلاني (^٣).\nوقال الحافظ (^٤): أخرج البيهقي من طريق ابن أبي حفصة عن الزهري\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٧/ ٥٢٠).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٢/ ٢٦٢).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (٩/ ٣١٢).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٨/ ٤).","vol":"4","page":622},{"text":"بهذا الإسناد وقال: \"صبّح رسول الله - ﷺ - مكة لثلاث عشرة خلت من رمضان\"، وروى أحمد بإسناد صحيح عن أبي سعيد قال: \"خرجنا مع النبي - ﷺ - عام الفتح لليلتين خلتا من شهر رمضان\"، ويعطي هذا أنه أقام في الطريق اثني عشر يومًا، وأما ما قال الواقدي: إنه خرج لعشر خلون من رمضان فليس بقوي لمخالفته ما هو أصح منه، وفي تعيين هذا التاريخ أقوال أخرى: منها عند مسلم \"لست عشرة\"، ولأحمد: \"لثماني عشرة\"، وفي أخرى: \"لثنتي عشرة\"، والجمع بين هاتين بحمل إحداهما على ما مضى والأخرى على ما بقي، والذي في المغازي: دخل لتسع عشرة مضت، وهو محمول على الاختلاف في أول الشهر، ووقع في أخرى بالشك في تسع عشرة أو سبع عشرة، وروى يعقوب بن سفيان من رواية ابن إسحاق عن جماعة من مشايخه أن الفتح كان في عشر بقين من رمضان، فإن ثبت حمل على أن مراده أنه وقع في العشر الأوسط قبل أن يدخل العشر الأخير، انتهى.\nوفي \"تاريخ الخميس\" (^١): وفي عشرين من رمضان هذه السنة يوم الجمعة، وقيل: في سادس عشر منه وقعت غزوة فتح مكة، انتهى.\n\n(٤٨ -<span data-type='title' id=toc-2465> باب أين ركز النبي - ﷺ - الراية. . .) إلخ</span>\nأي: بيان المكان الذي ركزت في راية النبي - ﷺ - بأمره، قاله الحافظ (^٢).\nوقال العيني (^٣): بعد ذكر الحديث: ومطابقته بالترجمة في قوله: \"وأمر رسول الله - ﷺ - أن تركز رايته بالحجون\" وهو بفتح المهملة وضم الجيم الخفيفة مكان معروف بالقرب من مقبرة مكة، انتهى.\n_________\n(^١) \"تاريخ الخميس\" (٢/ ٧٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٦).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٢/ ٢٦٦ - ٢٦٨).","vol":"4","page":623},{"text":"(٤٩ -<span data-type='title' id=toc-2466><span data-type='title' id=toc-2468> باب </span>دخول النبي - ﷺ - من أعلى مكة)</span>\nقال الحافظ (^١): أي: حين فتحها، وقد روى الحاكم في \"الإكليل\" من طريق جعفر بن سليمان عن ثابت عن أنس قال: \"دخل رسول الله - ﷺ - مكة يوم الفتح وذقنه على رحله متخشعًا\"، انتهى.\n\n(٥٠ -<span data-type='title' id=toc-2467> باب منزل النبي - ﷺ - يوم الفتح)</span>\nأي: المكان الذي نزل فيه، وقد تقدم قريبًا في الكلام على الحديث الثالث أنه نزل بالمحصب، وهنا أنه في بيت أم هاني، وكذا في \"الإكليل\": وكان النبي - ﷺ - نازلًا عليها يوم الفتح، ولا مغايرة بينهما؛ لأنه لم يقم في بيت أم هاني، وإنما نزل به حتى اغتسل وصلى، ثم رجع إلى حيث ضربت خيمته عند شعب أبي طالب، وهو المكان الذي حصرت فيه قريش المسلمين، وروى الواقدي من حديث جابر: أن النبي - ﷺ - قال: \"منزلنا إذا فتح الله تعالى علينا مكة في الخيف حيث تقاسموا على الكفر وجاه شعب أبي طالب حيث حصرونا\"، انتهى (^٢).\n\n(٥١ - باب)\n(بغير ترجمة)، ذكر فيه الأحاديث المتفرقة التي فيها ذكر فتح مكة، قال الحافظ (^٣): كذا في الأصول بغير ترجمة، وكأنه بيض له فلم يتفق له وقوع ما يناسبه، انتهى.\nوقال العلَّامة العيني (^٤): هو كالفصل لما قبله، انتهى.\nوقد ذكر فيه أربعة أحاديث: الأول: حديث عائشة أورده مختصرًا، ووجه دخوله ها هنا ما سيأتي في التفسير بلفظ \"ما صلى النبي - ﷺ - صلاة بعد أن نزلت عليه ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ إلا يقول فيها\" فذكر\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ١٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ١٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٠).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٢/ ٢٧٥).","vol":"4","page":624},{"text":"الحديث، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(٥٢ -<span data-type='title' id=toc-2469> باب مقام النبي - ﷺ - بمكة زمن الفتح)</span>\nبفتح ميم مقام الأولى في الفرع، وفي غيره بضمها، أي: الإقامة، والمراد وصفه بأنه أقام، انتهى (^٢).\nقلت: والأولى بضم الميم، وهو الذي ذكره العيني، واقتصر عليه، فإن المقصود ها هنا بيان الإقامة، أي: مدتها، وأما المقام بفتح الميم فهو ظرف يرادف المنزل، وقد تقدم \"باب منزله - ﷺ -\" وإلا لزم التكرار.\nقال الحافظ (^٣): ذكر فيه حديث أنس: \"أقمنا مع النبي - ﷺ - عشرًا\"، وحديث ابن عباس وفيه: \"أقام بمكة تسعة عشر يومًا\"، وفي الرواية الثانية عنه: \"أقمنا في سفر\"، ولم يذكر المكان، فظاهر هذين الحديثين التعارض، والذي أعتقده أن حديث أنس إنما هو في حجة الوداع، فإنها هي السفرة التي أقام فيها بمكة عشرًا، وأما حديث ابن عباس فهو في الفتح، وقد قدمت ذلك بأدلته في \"باب قصر الصلاة\"، وأوردت هناك التصريح بأن حديث أنس إنما هو في حجة الوداع، ولعل البخاري أدخل في هذا الباب إشارة إلى ما ذكرت، ولم يفصح بذلك تشحيذًا للأذهان، ومدة إقامتهم في سفر الفتح حتى رجعوا إلى المدينة أكثر من ثمانين يومًا، انتهى.\nوفي هامش الهندية (^٤): لعل البخاري أدخله في هذا الباب إشارة إلى أنه لا تعارض بين حديث أنس وحديث ابن عباس؛ لأن الإقامتين مختلفتان في سفرين، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٠).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٩/ ٣٢٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٢١).\n(^٤) \"صحيح البخاري بحاشية السهارنفوري\" (٨/ ٤٢٢).","vol":"4","page":625},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2470>(باب)</span>\n(بغير ترجمة)، كذا في الأصول بغير ترجمة، وسقط من رواية النسفي فصارت أحاديثه من جملة الباب الذي قبله، ومناسبتها له غير ظاهرة، ولعله كان قد بيض له ليكتب له ترجمة فلم يتفق، والمناسب لترجمته من شهد الفتح، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(٥٤ -<span data-type='title' id=toc-2471> باب قول الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ [التوبة: ٢٥] إلخ</span>\nقال الحافظ (^٢): وقع في رواية النسفي: \"باب غزوة حنين، وقول الله - ﷿ -. . .\" إلخ، وحنين - مهملة ونون مصغر - وادٍ إلى جنب ذي المجاز قريب من الطائف، بينه وبين مكة بضعة عشر ميلًا من جهة عرفات، قال أبو عبيد البكري (^٣): سمي باسم حنين بن قابثة، قال أهل المغازي: خرج النبي - ﷺ - إلى حنين لست خلت من شوال، وقيل: لليلتين بقيتا من رمضان، وجمع بعضهم بأنه بدأ بالخروج في أواخر رمضان وسار سادس شوال، وكان وصوله إليها في عاشره، وكان السبب في ذلك أن مالك بن عوف النضري جمع القبائل من هوازن ووافقه على ذلك الثقفيون، وقصدوا محاربة المسلمين، فبلغ ذلك النبي - ﷺ - فخرج إليهم.\nقال عمر بن شبة في \"كتاب مكة\" بسنده عن عروة: أنه كتب إلى الوليد: أما بعد فإنك كتبت إليّ تسألني عن قصة الفتح، فذكر له وقتها، فأقام عامئذ بمكة نصف شهر، ولم يزد على ذلك حتى أتاه أن هوازن وثقيفًا قد نزلوا حنينًا يريدون قتال رسول الله - ﷺ -، وكانوا قد جمعوا إليه ورئيسهم عوف بن مالك، ولأبي داود بإسناد حسن من حديث سهل بن الحنظلية:\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٧).\n(^٣) \"معجم ما استعجم\" (٢/ ٤٧١).","vol":"4","page":626},{"text":"أنهم ساروا مع النبي - ﷺ - إلى حنين فأطنبوا السير، فجاء رجل فقال: إني انطلقت من بين أيديكم حتى طلعت جبل كذا وكذا، فإذا أنا بهوازن عن بكرة أبيهم بظعنهم ونعمهم وشائهم قد اجتمعوا إلى حنين، فتبسم رسول الله - ﷺ - وقال: \"تلك غنيمة المسلمين غدًا إن شاء الله تعالى\"، وعند ابن إسحاق من حديث جابر ما يدلّ على أن هذا الرجل هو عبد الله بن حدرد الأسلمي، انتهى من \"الفتح\".\nوقال القسطلاني (^١): وكان المسلمون اثني عشر ألفًا، وهوازن وثقيف أربعة آلاف، وقد روى يونس بن بكير في \"زيادات المغازي\" قال: قال رجل يوم حنين: لن نغلب اليوم من قلة، فشق ذلك على النبي - ﷺ - فكانت الهزيمة، وقال في فتوح الغيب هذا من حيث الظاهر ليس كلمة إعجاب لكنها كناية عنها، فكأنه قال: ما أكثر عددنا فذلك قوله تعالى: ﴿إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ الآية، انتهى.\n\n(٥٥ -<span data-type='title' id=toc-2472> باب غزوة أوطاس)</span>\nقال عياض (^٢): هو واد في دار هوازن، وهو موضع حرب حنين، انتهى.\nوهذا الذي قاله ذهب إليه بعض أهل السير، والراجح أن وادي أوطاس غير وادي حنين ويوضح ذلك ما ذكره ابن إسحاق أن الوقعة كانت في وادي حنين، وأن هوازن لما انهزموا صارت طائفة منهم إلى الطائف، وطائفة إلى بجيلة، وطائفة إلى أوطاس، فأرسل النبي - ﷺ - عسكرًا مقدمهم أبو عامر الأشعري إلى من مضى إلى أوطاس - كما يدلّ عليه حديث الباب -، ثم توجه هو وعساكره إلى الطائف، وقال أبو عبيد البكري (^٣):\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٩/ ٣٤٠).\n(^٢) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٨١).\n(^٣) \"معجم ما استعجم\" (١/ ٢١٢).","vol":"4","page":627},{"text":"أوطاس وادٍ في ديار هوازن، وهناك عسكروهم (^١) وثقيف ثم التقوا بحنين، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\nوفي \"تاريخ الخميس\" (^٣): وفي شوال هذه السنة كانت سرية أبي عامر الأشعري إلى أوطاس، وهو عمّ أبي موسى الأشعري، وقال ابن إسحاق: ابن عمه، والأول أشهر، وأوطاس: وادٍ معروفٌ في ديار هوازن بين حنين والطائف، انتهى.\n\n(٥٦ -<span data-type='title' id=toc-2473> باب غزوة الطائف. . .) إلخ</span>\nهو بلد كبير مشهور، كثير الأعناب والنخيل، على ثلاث مراحل أو اثنتين من مكة من جهة المشرق، قيل: أصلها أن جبرئيل - ﵇ - اقتلع الجنة التي كانت لأصحاب الصريم فسار بها إلى مكة، فطاف بها حول البيت، ثم أنزلها حيث الطائف فسمي الموضع بها، وكانت أولًا بنواحي صنعاء، واسم الأرض \"وج\" بتشديد الجيم، سميت برجل وهو ابن عبد الجن من العمالقة، وهو أول من نزل بها، وسار النبي - ﷺ - إليها بعد منصرفه من حنين، وحبس الغنائم بالجعرانة، وكان مالك بن عوف النضري قائد هوازن لما انهزم دخل الطائف، وكان له حصن يلية، وهي بكسر اللام وتخفيف التحتانية على أميال من الطائف، فمر به النبي - ﷺ - وهو سائر إلى الطائف فأمر بهدمه، انتهى من \"الفتح\" (^٤).\nوفي \"تاريخ الخميس\" (^٥): قيل: إنه لما دعا إبراهيم - ﵇ - لأهل مكة أن يرزقوا من الثمرات نقل الله تعالى بقعة الطائف من الشام، فوضعها هناك رزقًا للحرم، قال أصحاب السير: لما فتح رسول الله - ﷺ - حنينًا لعشر\n_________\n(^١) في الأصل: \"عسكروهم\" فليفتش، قلت: في النسخة المحققة بين يدي: \"عسكرواهم\".\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٤٢).\n(^٣) \"تاريخ الخميس\" (٢/ ١٠٧).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٨/ ٤٣، ٤٤).\n(^٥) \"تاريخ الخميس\" (٢/ ١٠٩، ١١٠).","vol":"4","page":628},{"text":"أو لأحد عشر من شوال وهو من أشهر السنة الثامنة من الهجرة خرج إلى الطائف يريد جمعًا من هوازن وثقيف قد هربوا من معركة حنين، وتحصنوا بحصن الطائف، وقدم خالد بن الوليد في ألف رجل على مقدمته طليعة، ومر في طريقه بقبر أبي رغال وهو أبو ثقيف فيما يقال، فاستخرج منه غصنًا من ذهب، وقد كان فل ثقيف لما قدموا الطائف دخلوا حصنهم، وهو حصن الطائف، درموه، وأدخلوا فيه من الزاد وغيره من جميع ما يصلحهم لسنة، ثم رتبوا عليه من المجانيق وأدخلوا فيه الرماة، وأغلقوا عليهم أبواب مدينتهم وتهيئوا للقتال، انتهى.\nقوله: (في شوال سنة ثمان. . .) إلخ، كذا ذكره في مغازيه، وهو قول جمهور أهل المغازي، وقيل: بل وصل إليها في أول ذي القعدة، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nقوله: (فلم ينل منهم شيئًا) قال الحافظ (^٢): في مرسل ابن الزبير عند ابن أبي شيبة قال: \"لما حاصر النبي - ﷺ - الطائف قال أصحابه: يا رسول الله! أحرقتنا نبال ثقيف فادع الله عليهم، فقال: اللهم اهد ثقيفًا\"، وقال الحافظ أيضًا: ذكر أنس في حديثه عند مسلم أن مدة حصارهم كانت أربعين يومًا، وعند أهل السير اختلاف، قيل: عشرين يومًا، وقيل: بضع عشرة، وقيل: ثمانية عشر، وقيل: خمسة عشر، انتهى.\nقوله: (أو كأنهم وجدوا. . .) إلخ، كتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): والفرق أن الأول بزيادة الفاء على أول كلام دون الثاني، وهذا الفرق غير يسير في مذهب أهل الحديث، فكان مما يجب التنبيه عليه وتعيين الفرق بحسب المعنى، كما وقع من الشرَّاح تعسف، فإن الفرق المعنوي لا يكون موجبًا للترديد وإعادة الكلام، كما هو مشاهد في كثير من التأويلات المختلفة في معنى الحديث، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٤٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٤٥).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٨/ ٣٦٩، ٣٧٠).","vol":"4","page":629},{"text":"وذكر في \"هامشه\" كلام الشرَّاح، فارجع إليه لو شئت.\n\n(٥٧ -<span data-type='title' id=toc-2474> باب السرية التي قبل نجد)</span>\nقال الحافظ (^١): \"قبل\" بكسر القاف وفتح الموحدة، أي: في جهة نجد، هكذا ذكرها بعد غزوة الطائف، والذي ذكره أهل المغازي أنها كانت قبل التوجه لفتح مكة، فقال ابن سعد: كانت في شعبان سنة ثمان، وذكر غيره أنها كانت قبل مؤتة [ومؤتة]، كانت في جمادى كما تقدم من السنة، وقيل: كانت في رمضان، قالوا: وكان أبو قتادة أميرها، وكانوا خمسة وعشرين، وغنموا من غطفان بأرض محارب مائتي بعير وألفي شاة، انتهى.\n(فائدة) إلى ها هنا انتهت سلسلة تراجم الغزوات، فقد كانت التراجم السابقة من أول كتاب المغازي أكثرها في الغزوات إلا قلائل منها مثل: \"باب غزوة زيد بن حارثة\" و\"باب بعثه - ﷺ - أسامة إلى الحرقات\"، و\"باب غزوة مؤتة\" فإنها سرايا لا الغزوات على اصطلاح الجمهور، وقد تقدم أن المصنف لم يفرق بين الغزوة والسرية من حيث الإطلاق، فأطلق إحداهما على الأخرى على خلاف اصطلاح الجماهير، ومن ها هنا جل التراجم الآتية من قبيل السرايا سوى غزوة تبوك آخر الغزوات، ولذا ذكرها المصنف أخيرًا في ختام المغازي.\nأما تعريف السرية فهو ما قال الحافظ: \"السرية\" بفتح المهملة وكسر الراء وتشديد التحتانية: هي التي تخرج بالليل، و\"السارية\" التي تخرج بالنهار، وقيل: سميت بذلك؛ لأنها تخفي ذهابها، وهذا يقتضي أنها أخذت من السر، ولا يصح لاختلاف المادة، وهي قطعة من الجيش تخرج منه وتعود إليه، وهي من مائة إلى خمس مائة، فما زاد على خمسمائة يقال له: \"منسر\" بالنون والمهملة، فإن زاد على الثمان مائة سميت \"جيشًا\"، وما بينهما\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٥٦).","vol":"4","page":630},{"text":"يسمى \"هبطة\"، فإن زاد على أربعة آلاف يسمى \"جحفلًا\"، فإن زاد \"فجيش جرار\"، و\"الخميس\" الجيش العظيم، وما افترق من السرية يسمى \"بعثًا\"، فالعشرة فما بعدها تسمى \"حفيرة\"، والأربعون \"عصبة\" وإلى ثلاثمائة \"مقنب\" بقاف ونون ثم موحدة، فإن زاد سمي \"جمرة\" بالجيم، و\"الكتيبة\" ما اجتمع ولم ينتشر، انتهى.\nقلت: وقد تقدم ما قال الزرقاني (^١): قد جرت عادة المحدثين وأهل السير واصطلاحاتهم غالبًا أن يسموا كل عسكر حضره النبي - ﷺ - بنفسه الكريمة \"غزوة\"، وما لم يحضره بل أرسل بعضًا من أصحابه إلى العدو \"سرية\" و\"بعثًا\"، انتهى.\n\n(٥٨ -<span data-type='title' id=toc-2475> باب بعث النبي - ﷺ - خالد بن الوليد إلى بني جذيمة)</span>\nبفتح الجيم وكسر المعجمة ثم تحتانية ساكنة، أي: ابن عامر بن عبد مناة بن كنانة، ووهم الكرماني (^٢) فظنّ أنه من بني جذيمة بن عوف بن بكر بن عوف قبيلة من عبد قيس، وهذا البعث كان عقب فتح مكة في شوال قبل الخروج إلى حنين عند جميع أهل المغازي، وكانوا بأسفل مكة من ناحية يلملم، قال ابن سعد: بعث النبي - ﷺ - إليهم خالد بن الوليد في ثلاثمائة وخمسين من المهاجرين والأنصار داعيا إلى الإسلام لا مقاتلًا، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\n\n(٥٩ -<span data-type='title' id=toc-2476> باب سرية عبد الله بن حذافة السهمي. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٤): كذا ترجم، وأشار بأصل الترجمة إلى ما رواه أحمد وابن ماجه وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم من طريق عمر بن الحكم\n_________\n(^١) \"شرح الزرقاني على المواهب\" (٢/ ٢٢٠).\n(^٢) \"شرح الكرماني\" (١٦/ ١٦٥، ١٦٦).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٥٧).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٨/ ٥٨، ٥٩).","vol":"4","page":631},{"text":"عن أبي سعيد الخدري قال: \"بعث رسول الله - ﷺ - علقمة بن مجزز على بعث أنا فيهم، حتى انتهينا إلى رأس غزاتنا - أو كنا ببعض الطريق - أذن لطائفة من الجيش وأمر عليهم عبد الله بن حذافة السهمي وكان من أصحاب بدر، وكانت فيه دعابة\" الحديث، وذكر ابن سعد هذه القصة بنحو هذا السياق، وذكر أن سببها أنه بلغ النبي - ﷺ -: أن ناسًا من الحبشة تراآهم أهل جده، فبعث إليهم علقمة بن مجزز في ربيع الآخر في سنة تسع في ثلاثمائة، وانتهى إلى جزيرة في البحر فلما خاض البحر إليهم هربوا، فلما رجع تعجل بعض القوم إلى أهلهم فأمر عبد الله بن حذافة على من تعجل، زاد القسطلاني (^١): قال البرماوي: ولعل هذا عذر للبخاري حيث جمع بينهما مع أنه في الحديث لم يسم واحدًا منهما، وترجمة البخاري لعلها تفسير للمبهم الذي في الحديث، انتهى.\nوذكر ابن إسحاق أن سبب هذه القصة أن وقاص بن مجزز كان قتل يوم ذي قرد، فأراد علقمة بن مجزز أن يأخذ بثأره فأرسله رسول الله - ﷺ - في هذه السرية.\nقلت: وهذا يخالف ما ذكره ابن سعد، إلا أن يجمع بأن يكون أمر بالأمرين، وأرخها ابن سعد في ربيع الآخر سنة تسع، فالله أعلم.\nوأما قوله: (ويقال: إنها سرية الأنصاري) فأشار بذلك إلى احتمال تعدد القصة، وهو الذي يظهر لي لاختلاف سياقهما واسم أميرهما، والسبب في أمره بدخولهم النار، ويحتمل الجمع بينهما بضرب من التأويل، ويبعده وصف عبد الله بن حذافة السهمي القرشي المهاجري بكونه أنصاريًا، وقد تقدم بيان نسب عبد الله بن حذافة في \"كتاب العلم\"، ويحتمل الحمل على المعنى الأعم، أي: أنه نصر رسول الله - ﷺ - في الجملة، وإلى التعدد جنح ابن القيم، وأما ابن الجوزي فقال: قوله: \"من الأنصار\" وهم من بعض الرواة وإنما هو سهمي.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٩/ ٣٧٣).","vol":"4","page":632},{"text":"قلت: ويؤيده حديث ابن عباس عند أحمد في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ الآية [النساء: ٥٩]، نزلت في عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي بعثه رسول الله - ﷺ - في سرية، وسيأتي في تفسير سورة النساء، وقد رواه شعبة عن زبيد اليامي عن سعد بن عبيدة فقال: \"رجلًا\" ولم يقل \"من الأنصار\"، ولم يسمه، أخرجه المصنف في \"كتاب خبر الواحد\".\nوأما علقمة بن مجزز فهو بضم أوله وجيم مفتوحة ومعجمتين الأولى مكسورة ثقيلة وحكي فتحها، والأول أصوب، وقال عياض (^١): وقع لأكثر الرواة بسكون المهملة وكسر الراء المهملة، وعن القابسي بجيم ومعجمتين وهو الصواب، وهو ولد القائف الذي يأتي ذكره في النكاح في حديث عائشة في قوله في زيد بن حارثة وابنه أسامة \"أن بعض هذه الأقدام لمن بعض\"، فعلقمة صحابي ابن صحابي، انتهى.\nقلت: وسيأتي في التفسير عن ابن عباس أن قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ نزلت في عبد الله بن حذافة إذ بعثه النبي - ﷺ - في سرية، وسيأتي هناك قصة هذه السرية على ما نقله ابن سعد، وسياقه يغاير سياق حديث علي حديث الباب، قال العلَّامة القسطلاني (^٢): واختلاف السياقين يدل على التعدد إلى آخر ما قال.\n\n(٦٠ -<span data-type='title' id=toc-2477> باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن)</span>\nكأنه أشار بالتقييد بقوله: (قبل حجة الوداع) إلى ما وقع في بعض أحاديث الباب أنه رجع من اليمن، فلقي النبي - ﷺ - بمكة في حجة الوداع، لكن القبلية نسبية، وقد قدمت في الزكاة في الكلام على حديث معاذ متى كان بعثه إلى اليمن؟ وروى أحمد عن معاذ: \"لما بعثه رسول الله - ﷺ - خرج\n_________\n(^١) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٤٩٦).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ١٦٩).","vol":"4","page":633},{"text":"يوصيه ومعاذ راكب\" الحديث، وفي رواية عنه: \"لما بعثني النبي - ﷺ - إلى اليمن قال: قد بعثتك إلى قوم رقيقة قلوبهم، فقاتل بمن أطاعك من عصاك\"، وعند أهل المغازي أنها كانت في ربيع الآخر سنة تسع من الهجرة، انتهى (^١).\nوقال في \"كتاب الزكاة\" (^٢): وكان بعث معاذ - ﵁ - إلى اليمن سنة عشر قبل حج النبي - ﷺ - كما ذكره المصنف في أواخر المغازي، وقيل: كان ذلك في أواخر سنة تسع عند منصرفه - ﷺ - من تبوك، رواه الواقدي بإسناده إلى كعب بن مالك، وأخرجه ابن سعد في \"الطبقات\" عنه، ثم حكى ابن سعد أنه كان في ربيع الآخر سنة عشر، وقيل: بعثه عام الفتح سنة ثمان، واتفقوا على أنه لم يزل على اليمن إلى أن قدم في عهد أبي بكر، ثم توجه إلى الشام فمات بها، واختلف هل كان معاذ واليًا أو قاضيًا؟ فجزم ابن عبد البر بالثاني والغساني بالأول، انتهى.\nوقال الحافظ أيضًا (^٣): (تنبيه): كان بعث أبي موسى إلى اليمن بعد الرجوع من غزوة تبوك؛ لأنه شهد غزوة تبوك مع النبي - ﷺ - كما سيأتي، انتهى من \"الفتح\".\n\n(٦١ -<span data-type='title' id=toc-2478> باب بعث علي بن أبي طالب وخالد بن الوليد إلى اليمن)</span>\nقال الحافظ (^٤): قد ذكر في آخر الباب حديث جابر \"أن عليًّا قدم من اليمن فلاقى النبي - ﷺ - بمكة في حجة الوداع\"، وقد تقدم الكلام عليه في كتاب الحج، (قلت: وأحال في كتاب الحج على كتاب المغازي)، وقد أخرج أحمد وأبو داود والترمذي عن علي قال: \"بعثني النبي - ﷺ - إلى اليمن فقلت: يا رسول الله! أتبعثني إلى قوم أسنّ مني وأنا حديث السن لا أبصر\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٦١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٥٨).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٦٢).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٨/ ٦٥).","vol":"4","page":634},{"text":"القضاء؟ قال: فوضع يده على صدره، وقال: اللَّهم ثبت لسانه واهد قلبه، وقال: يا علي إذا جلس إليك الخصمان فلا تقض بينهما حتى تسمع من الآخر\" فذكر الحديث.\nثم قال الحافظ (^١): وحديث البراء أول أحاديث الباب أورده البخاري مختصرًا، وقد أورده الإسماعيلي فزاد فيه: قال البراء: فكنت ممن عقب معه، فلما دنونا من القوم خرجوا إلينا، فصلى بنا علي وصفنا صفًا واحدًا، ثم تقدم بين أيدينا فقرأ عليهم كتاب رسول الله - ﷺ - فأسلمت همدان جميعًا، فكتب علي - ﵁ - إلى رسول الله - ﷺ - بإسلامهم فلما قرئ الكتاب خر ساجدًا، ثم رفع رأسه وقال: \"السلام على همدان\"، انتهى.\nوقال القسطلاني (^٢): قوله: (بعثنا رسول الله - ﷺ - مع خالد بن الوليد إلى اليمن) أي: بعد رجوعهم من الطائف وقسمة الغنائم بالجعرانة، \"ثم بعث عليًا بعد ذلك\"، انتهى.\nوفي \"تاريخ الخميس\" (^٣): في هذه السنة أرسل خالد بن الوليد قبل حجة الوداع في ربيع الأول سنة عشر، وفي \"الإكليل\": في ربيع الآخر، وفي \"المنتقى\": في ربيع الآخر أو جمادى الأولى إلى عبد المدان قبيلة بنجران، وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام فأسلموا، كذا في \"المواهب اللدنية\" إلى آخر ما بسط في القصة، ثم ذكر: وفي رمضان هذه السنة بعث رسول الله - ﷺ - علي بن أبي طالب إلى اليمن، وعقد له لواءً، وعممه بيده، وفي رواية: وأرخى طرفها من قدّامه نحو ذراع، ومن خلفه قيد شبر، فخرج علي في ثلاثمائة فارس، ففرق أصحابه فأتوا بنهب وغنائم ونساء وأطفال ونعم وشاء وغير ذلك، ثم لقي جمعهم فدعاهم إلى الإسلام فأبوا ورموا بالنبل حتى حمل عليهم علي وأصحابه، فقتل منهم عشرين رجلًا فتفرقوا\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٦٦).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٩/ ٣٨٠).\n(^٣) \"تاريخ الخميس\" (٢/ ١٤٤، ١٤٥).","vol":"4","page":635},{"text":"وانهزموا، فكفّ عن طلبهم، ثم دعاهم إلى الإسلام فأسرعوا وأجابوا، وبايعه نفر من رؤسائهم، ثم قفل فوافى النبي - ﷺ - بمكة قد قدمها للحج سنة عشر، قال كعب بن الأحبار: لما قدم علي اليمن لقيته - وكان كعب إذ ذاك باليمن - فقلت له: أخبرني عن صفة رسول الله - ﷺ -، فجعل يخبرني عنها، وجعلت أتبسم فقال لي: ممن تبسم؟ قلت: مما يوافق ما عندنا في صفته إلى أن قال: وصدّقت برسول الله - ﷺ - وآمنت به، إلى آخر ما فيه.\n\n(٦٢ -<span data-type='title' id=toc-2479> باب غزوة ذي الخلصة)</span>\nبفتح الخاء المعجمة واللام بعدها مهملة، وحكى ابن دريد فتح أوله وإسكان ثانيه، وحكى ابن هشام ضمها، وقيل: بفتح أوله وضم ثانيه والأول أشهر، والخلصة نبات له حب أحمر كخرز العقيق، وذو الخلصة اسم للبيت الذي كان فيه الصنم، وقيل: اسم البيت الخلصة واسم الصنم ذو الخلصة، وحكى المبرد أن موضع ذي الخلصة صار مسجدًا جامعًا لبلدة يقال لها: العبلات من أرض خثعم، ووهم من قال: إنه كان في بلاد فارس (^١)، انتهى.\nوروى الحاكم في \"الإكليل\" من حديث البراء بن عازب قال: \"قدم على النبي - ﷺ - مائة رجل من بجيلة وبني قشير مع جرير بن عبد الله، فسأله عن بني خثعم فأخبرهم أنهم أبوا أن يجيبوا إلى الإسلام، فاستعمله على عامة من كان معه، وندب معه ثلاثة مائة من الأنصار، وأمره أن يسير إلى خثعم فيدعوهم ثلاثة أيام، فإن أجابوا إلى الإسلام قبل منهم وهدم صنمهم ذا الخلصة، وإلا وضع فيهم السيف\" (^٢)، انتهى.\nقلت: ذكرها صاحب \"مجمع البحار\" (^٣) في وقائع السنة العاشرة، ولم يذكرها صاحب \"الخميس\" ها هنا، واختار هو في ذكر وقائع هذه السنة\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٧١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٧٢).\n(^٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (٥/ ٢٩٢).","vol":"4","page":636},{"text":"ترتيب الإمام البخاري، فذكر أولًا بعث أبي موسى ومعاذ بن جبل إلى اليمن، ثم بعث خالد بن الوليد، ثم بعث علي بن أبي طالب إلى اليمن، ثم بعث جرير بن عبد الله إلى ذي الكلاع، وسيأتي ذكر بعث جرير إلى ذي الكلاع في البخاري مع الكلام عليه.\n\n(٦٣ -<span data-type='title' id=toc-2480> باب غزوة ذات السلاسل. . .) إلخ</span>\nبمهملتين، والمشهور أنها بفتح الأولى على لفظ جمع السلسلة، وضبطه كذلك أبو عبيد البكري (^١)، قيل: سمي المكان بذلك لأنه كان به رمل بعضه على بعض كالسلسلة، وضبطها ابن الأثير بالضم، وقال: هو بمعنى السلسال، أي: السهل (^٢) قيل: سميت ذات السلاسل؛ لأن المشركين ارتبط بعضهم إلى بعض مخافة أن يفروا، وقيل: لأن بها ماء يقال له: السلسل، وذكر ابن سعد أنها وراء وادي القرى وبينها وبين المدينة عشرة أيام، قال: وكانت في جمادى الآخرة سنة ثمان من الهجرة، وقيل: كانت سنة سبع، وبه جزم ابن أبي خالد في كتاب \"صحيح التاريخ\"، ونقل ابن عساكر الاتفاق على أنهما كانت بعد غزوة مؤتة إلا ابن إسحاق، فقال: قبلها، قلت: وهو قضية ما ذكر عن ابن سعد وابن أبي خالد (^٣).\nقوله: (وهي غزوة لخم وجذام) وعند ابن إسحاق أنه ماء لبني جذام ولخم، أما لخم فبفتح اللام وسكون المعجمة: قبيلة كبيرة شهيرة ينسبون إلى لخم، واسمه مالك بن عدي بن الحارث بن مرة بن أدد، وأما جذام فبضم الجيم بعدها معجمة خفيفة: قبيلة كبيرة شهيرة أيضًا ينسبون إلى عمرو بن عدي وهم إخوة لخم على المشهور، وقيل: هم من ولد أسد بن خزيمة.\nوقوله: (بلاد بلِيّ) بفتح الموحدة وكسر اللام الخفيفة بعدها ياء النسب: قبيلة كبيرة ينسبون إلى بلي بن عمرو بن الحاف بن قضاعة، وأما\n_________\n(^١) \"معجم ما استعجم\" (٣/ ٧٤٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٧/ ٢٦).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٧٤).","vol":"4","page":637},{"text":"عذرة فبضم العين المهملة وسكون الذال المعجمة: قبيلة كبيرة ينسبون إلى عذرة بن سعد هذيم بن زيد بن ليث بن سويد بن أسلم بضم اللام ابن الحاف ابن قضاعة، وأما بنوا القين فقبيلة كبيرة أيضًا ينسبون إلى القين بن حسر، ويقال: كان له عبد يسمى القين حضنه فنسب إليه.\nذكر ابن سعد أن جمعًا من قضاعة تجمّعوا وأرادوا أن يدنوا من أطراف المدينة فدعا النبي - ﷺ - عمرو بن العاص فعقد له لواءً أبيض، وبعثه في ثلاثمائة من سراة المهاجرين والأنصار، ثم أمدّه بأبي عبيدة بن الجراح في مائتين، وأمره أن يلحق بعمرو وأن لا يختلفا، فأراد أبو عبيدة أن يؤم بهم فمنعه عمرو، وقال: إنما قدمت عليّ مددًا وأنا الأمير، فأطاع له أبو عبيدة فصلى بهم عمرو، وتقدم في التيمم: أنه احتلم في ليلة باردة فلم يغتسل وتيمم وصلى بهم، الحديث، وسار عمرو حتى وطئ بلاد بلي وعذرة، وكذا ذكر موسى بن عقبة نحو هذه القصة.\nوذكر ابن إسحاق أن أم عمرو بن العاص كانت من بلي، فبعث النبي - ﷺ - عمرًا يستنفر الناس إلى الإسلام ويستألفهم بذلك، وروى إسحاق بن راهويه والحاكم من حديث بريدة أن عمرو بن العاص أمرهم في تلك الغزوة أن لا يوقدوا نارًا، فأنكر ذلك عمر، فقال له أبو بكر: دعه فإن رسول الله - ﷺ - لم يبعثه علينا إلا لعلمه بالحرب، فسكت عنه، فهذا السبب أصح إسنادًا من الذي ذكره ابن إسحاق، لكن لا يمتنع الجمع إلى آخر ما ذكر الحافظ في \"الفتح\" (^١).\nوقال أيضًا (^٢): وفي الحديث جواز تأمير المفضول على الفاضل إذا امتاز المفضول بصفة تتعلق بتلك الولاية، ومنقبة لعمرو بن العاص لتأميره على جيش فيهم أبو بكر وعمر - ﵄ -، وإن كان ذلك لا يقتضي أفضليته عليهم، لكن يقتضي أن له فضلًا في الجملة، وقد روينا في \"فوائد\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٧٤، ٧٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٧٥).","vol":"4","page":638},{"text":"أبي بكر بن أبي الهيثم\" من حديث رافع الطائي، قال: \"بعث النبي - ﷺ - جيشًا واستعمل عليهم عمرو بن العاص وفيهم أبو بكر\"، قال: وهي الغزوة التي يفتخر بها أهل الشام، إلى أن قال الحافظ بعد ذكر رواية: وفيه إشعار بأن بعثه كان عقب إسلامه، وكان إسلامه في أثناء سنة سبع من الهجرة، انتهى.\n\n(٦٤ -<span data-type='title' id=toc-2481> باب ذهاب جرير إلى اليمن)</span>\nذكر الطبراني من طريق إبراهيم بن جرير عن أبيه قال: \"بعثني النبي - ﷺ - إلى اليمن أقاتلهم وأدعوهم أن يقولوا لا إله إلا الله\"، فالذي يظهر أن هذا البعث غير بعثه إلى هدم ذي الخلصة، ويحتمل أن يكون بعثه إلى الجهتين على الترتيب، ويؤيده ما وقع عند ابن حبان في حديث جرير: \"أن النبي - ﷺ - قال له: يا جرير إنه لم يبق من طواغيت الجاهلية إلا بيت ذي الخلصة\"، فإنه يشعر بتأخير هذه القصة جدًا، وسيأتي في حجة الوداع: أن جريرًا شهدها فكأن إرساله كان بعدها، فهدمها ثم توجه إلى اليمن، ولهذا لما رجع بلغته وفاة النبي - ﷺ -.\nقوله: (كنت ياليمن) في رواية أبي إسحاق عن جرير عند ابن عساكر: أن النبي - ﷺ - بعثه إلى ذي عمرو وذي الكلاع يدعوهما إلى الإسلام فأسلما، قال: وقال لي ذو الكلاع، أدخل على أم شرحبيل يعني: زوجته، وعند الواقدي في الردة بأسانيد متعددة نحو هذا.\nوذو الكلاع بفتح الكاف وتخفيف اللام، واسمه اسميفع بسكون المهملة وفتح الميم وسكون التحتانية وفتح الفاء وبعدها مهملة، ويقال: أيفع بن باكوراء، ويقال: ابن حوشب بن عمرو، وأما ذو عمرو فكان أحد ملوك اليمن وهو من حمير أيضًا، ولم أقف له على اسم غيره، ولا رأيت من أخباره أكثر مما ذكر في حديث الباب، وكانا عزما على التوجه إلى المدينة فلما بلغهما وفاة النبي - ﷺ - رجعا إلى اليمن، ثم هاجرا في زمن","vol":"4","page":639},{"text":"عمر، انتهى كله من \"الفتح\" (^١).\n\n(٦٥ -<span data-type='title' id=toc-2482> باب غزوة سيف البحر. . .) إلخ</span>\nهو بكسر المهملة وسكون التحتانية وآخره فاء، أي: ساحل البحر.\nقوله: (وهم يتلقون عيرًا لقريش. . .) إلخ، هو صريح ما في الرواية الثانية في الباب حيث قال فيها: \"نرصد عير قريش\"، وقد ذكر ابن سعد وغيره: أن النبي - ﷺ - بعثهم إلى حي من جهينة بالقبلية بفتح القاف والموحدة مما يلي ساحل البحر، بينهم وبين المدينة خمس ليال، وأنهم انصرفوا ولم يلقوا كيدًا، وأن ذلك كان في رجب سنة ثمان، وهذا لا يغاير ظاهره ما في الصحيح؛ لأنه يمكن الجمع بين كونهم يتلقون عيرًا لقريش ويقصدون حيًّا من جهينة، ويقوي هذا الجمع ما عند مسلم عن جابر قال: \"بعث رسول الله - ﷺ - بعثًا إلى أرض جهينة\" فذكر هذه القصة، لكن تلقى عير قريش ما يتصور أن يكون في الوقت الذي ذكره ابن سعد في رجب سنة ثمان؛ لأنهم كانوا حينئذ في الهدنة، بل مقتضى ما في الصحيح أن تكون هذه السرية في سنة ست أو قبلها قبل هدنة الحديبية، نعم يحتمل أن يكون تلقيهم للعير ليس لمحاربتهم بل لحفظهم من جهينة، ولهذا لم يقع في شيء من طرق الخبر أنهم قاتلوا أحدًا، بل فيه أنهم قاموا نصف شهر أو أكثر في مكان واحد، فالله أعلم.\nقوله: (وأَمَّر عليهم أبا عبيدة) في رواية أبي حمزة الخولاني في الأطعمة: فأمّر علينا قيس بن سعد بن عبادة على عهد رسول الله - ﷺ -، والمحفوظ ما اتفقت عليه روايات الصحيحين أنه أبو عبيدة، وكأن أحد رواته ظن من صنيع قيس بن سعد في تلك الغزوة ما صنع من نحر الإبل التي اشتراها أنه كان أمير السرية، وليس كذلك، انتهى (^٢).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٧٦).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (٨/ ٧٨).","vol":"4","page":640},{"text":"قلت: وذكر الإمام مالك - ﵀ - هذه القصة في \"موطئه\" في الأطعمة من حديث جابر المذكور في هذا الباب، وبسط الكلام في \"الأوجز\" (^١) في تعيين تلك الغزوة وتاريخها، وفيه: ذكر هذه الغزوة صاحب \"الخميس\" (^٢) في سنة ثمان، فقال: وفي رجب هذه السنة كانت سرية أبي عبيدة إلى سيف البحر، وهي سرية الخبط، وكان فيها ثلثمائة من المهاجرين والأنصار، منهم عمر بن الخطاب وقيس بن سعد بن عبادة، انتهى.\nوذكرها ابن الجوزي في \"التلقيح\" (^٣) بعد عمرة القضاء قبل فتح مكة، وذكرها صاحب \"المجمع\" (^٤) في سنة ثمان، وإليه يظهر ميل البخاري، لكن مال الحافظ في موضع من \"الفتح\" (^٥) إلى أنها في السنة الثانية إذ قال: زعم الواقدي أن هذه القصة كانت في رجب سنة ثمان، وهو عندي خطأ إلى آخر ما تقدم، ثم إلى أن قال: ثم ظهر لي الآن تقوية ذلك، أي: كونها في السنة الثانية بقول جابر في رواية مسلم: \"إنهم خرجوا في غزوة بواط\" فذكر فيها قصة الحوت نحو حديث الباب، وغزوة بواط كانت في السنة الثانية من الهجرة قبل وقعة بدر، وكان النبي - ﷺ - خرج في مائتين من أصحابه يعترض عيرًا لقريش، فبلغ بواطًا، وهي جبال الجهينة مما يلي الشام، بينها وبين المدينة أربعة برد، فلم يلق أحدًا فرجع، فكأنه أفرد أبا عبيدة فيمن معه يرصدون العير المذكور، ويؤيد تقدم أمرها ما ذكر فيها من القلة والجهد، والواقع أنهم في سنة ثمان اتسع حالهم بفتح خيبر وغيرها، والجهد المذكور في القصة يناسب ابتداء الأمر، فيترجح ما ذكرته، انتهى من \"الفتح\".\nقلت: والأوجه عندي أن يقال: إنهم خرجوا ابتداء لعير قريش، ثم أفرد - ﷺ - أبا عبيدة ومن معه بعثًا إلى جهينة، فتجتمع الروايتان، وما أيَّد به الحافظ كلامه من زمان العسرة، يشكل عليه أن غزوة تبوك كانت بعد فتح\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (١٦/ ٣٨٣ - ٤٠٠).\n(^٢) \"تاريخ الخميس\" (٢/ ٧٥).\n(^٣) \"تلقيح فهوم أهل الأثر\" (ص ٧٠).\n(^٤) \"مجمع بحار الأنوار\" (٥/ ٢٨٨).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٨/ ٧٨).","vol":"4","page":641},{"text":"مكة بلا خلاف، وتسمى جيش العسرة، وللتوجيه مساغ، وما الزيلعي تبعًا لعبد الحق أنهما قصتان، وتعقب كلامه الحافظ في \"الفتح\" ومال إلى توحيدهما، انتهى من \"الأوجز\" (^١)، وتقدم ذكر غزوة بواط في أول المغازي.\n\n(٦٦ -<span data-type='title' id=toc-2483> باب حج أبي بكر بالناس في سنة تسع)</span>\nكذا في النسخ الهندية، وليس في نسخ الشروح الثلاثة لفظة \"باب\".\nقال الحافظ (^٢): كذا جزم به، ونقل المحب الطبري عن \"صحيح ابن حبان\" أن فيه عن أبي هريرة: \"لما قفل النبي - ﷺ - من حنين اعتمر من الجعرانة وأَمَّر أبا بكر في تلك الحجة\"، قال المحب: إنما حج أبو بكر سنة تسع والجعرانة كانت سنة ثمان، قال: وإنما حجّ فيها عتاب بن أسيد، كذا قال، وكأنه تبع الماوردي فإنه قال: إن النبي - ﷺ - أَمَر عتابًا أن يحج بالناس عام الفتح، والذي جزم به الأزرقي في \"أخبار مكة\" خلافه فقال: لم يبلغنا أنه استعمل في تلك السنة على الحج أحدًا، وإنما ولى عتابًا إمرة مكة فحج المسلمون والمشركون جميعًا، وكان المسلمون مع عتاب لكونه الأمير.\nقلت: والحق أنه لم يختلف في ذلك، وإنما وقع الاختلاف في أي شهر حج أبو بكر - ﵁ -، فذكر ابن سعد وغيره بإسناد صحيح عن مجاهد أن حجة أبي بكر وقعت في ذي القعدة، ووافقه عكرمة بن خالد فيما أخرجه الحاكم في \"الإكليل\"، ومن عدا هذين إما مصرح بأن حجة أبي بكر كانت في ذي الحجة - كالداودي وبه جزم من المفسرين الرماني والثعلبي والماوردي وتبعهم جماعة - وإما ساكت، والمعتمد ما قاله (^٣) مجاهد وبه جزم الأزرقي، ويؤيده أن ابن إسحاق صرّح بأن النبي - ﷺ - أقام بعد أن رجع من تبوك رمضان وشوالًا وذا القعدة، ثم بعث أبا بكر أميرًا على الحج، فهو\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (١٦/ ٣٨٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٨٢).\n(^٣) كذا في نسخة \"الفتح\" التي بأيدينا وعلى هذا لا يتم التقريب، [ز].","vol":"4","page":642},{"text":"ظاهر في أن بعث أبي بكر كان بعد انسلاخ ذي القعدة، فيكون حجه في ذي الحجة على هذا، والله أعلم.\nوذكر الواقدي أنه خرج في تلك الحجة مع أبي بكر ثلاثمائة من الصحابة، وبعث معه رسول الله - ﷺ - عشرين بدنة، انتهى.\nوقال العلَّامة العيني (^١): ولم يختلف في أن حجه كان في سنة تسع، ولكنهم اختلفوا في أي شهر حج أبو بكر، فذكر أقوالًا ثلاثة كما تقدم في كلام الحافظ من أنها في ذي القعدة أو في ذي الحجة، والقول الثالث السكوت، وتقدم شيء من الكلام عليه في هامش \"اللامع\" (^٢) في أول بدء الخلق تحت قوله: \"إن الزمان استدار كهيئته\".\nقال الحافظ (^٣): (تنبيه): وقع هنا ذكر حجة أبي بكر قبل الوفود، والواقع أن ابتداء الوفود كان بعد رجوع النبي - ﷺ - من الجعرانة في أواخر سنة ثمان وما بعدها، بل ذكر ابن إسحاق أن الوفود كانوا بعد غزوة تبوك، نعم اتفقوا على أن ذلك كله كان في سنة تسع، قال ابن هشام: حدثني أبو عبيدة قال: كانت سنة تسع تسمى سنة الوفود، وقد تقدم في غزوة الفتح في حديث عمرو بن سلمة: \"كانت العرب تلوم بإسلامها الفتح\" الحديث، فلما كان الفتح بادر كل قوم بإسلامهم، ولعل ذلك من تصرف الرواة كما قدمته غير مرة، وسيأتي نظير هذا في تقديم حجة الوداع على غزوة تبوك، وقد سرد محمد بن سعد في \"الطبقات\" الوفود، وتبعه الدمياطي في \"السيرة\" التي جمعها، وتبعه ابن سيد الناس، ومغلطاي، وشيخنا في نظم السيرة، ومجموع ما ذكروه يزيد على الستين، انتهى من \"الفتح\".\n\n(٦٧ -<span data-type='title' id=toc-2484> باب وفد بني تميم)</span>\nوليس في نسخ الشروح لفظ \"باب\"، قال العلَّامة العيني: شرح البخاري من ها هنا في بيان الوفود ذكر ابن إسحاق أن أشراف بني تميم\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٢/ ٣٣١).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٧/ ٣٣٥، ٣٣٦).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٨٣).","vol":"4","page":643},{"text":"قدموا على النبي - ﷺ -، منهم عطارد بن حاجب الدارمي والأقرع بن حابس الدارمي وقيس بن عاصم المنقري وغيرهم، وقال ابن إسحاق: عيينة بن حصن، وقد كان الأقرع وعيينة شهدا الفتح، ثم كانا مع بني تميم، فلما دخلوا المسجد نادوا رسول الله - ﷺ - من وراء حجرته، فنزل فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ [الحجرات: ٤] إلى قوله: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: ٥] فأسلموا، وجوَّزهم رسول الله - ﷺ - كل رجل اثني عشرة أوقية ونشًا، وأعطى لعمر بن الأهتم خمس أواق لحداثة سنه، وكان هذا قبل الفتح، انتهى.\nوهكذا في \"الفتح\"، وقد مرَّ آنفًا الكلام على تعيين زمن الوفود وغير ذلك.\n\n(٦٨ -<span data-type='title' id=toc-2485> باب، قال ابن إسحاق: غزوة عيينة بن حصن. . .) إلخ</span>\nقال العلَّامة العيني (^١): بعد ذكر لفظ: \"باب\"، أي: هذا باب، ولا يعرّب إلا بهذا التقدير؛ لأن الإعراب لا يكون إلا بالعقد والتركيب، وهذا كالفصل لما قبله، انتهى.\nفكأنه جعله بابًا بغير ترجمة، ولم يتعرض له الحافظ والقسطلاني لذلك.\nقال الحافظ (^٢): ذكر الواقدي أن سبب بعث عيينة أن بني تميم أغاروا على ناس من خزاعة، فبعث النبي - ﷺ - إليهم عيينة بن حصن في خمسين، ليس فيهم أنصاري ولا مهاجري، فأسر منهم أحد عشر رجلًا وإحدى عشرة امرأة وثلاثين صبيًا، فقدم رؤساؤهم بسبب ذلك، قال ابن سعد: كان ذلك في المحرم سنة تسع، انتهى.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٢/ ٣٣٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٨٤).","vol":"4","page":644},{"text":"(٦٩ -<span data-type='title' id=toc-2486> باب وفد عبد القيس)</span>\nهي قبيلة كبيرة يسكنون البحرين ينسبون إلى عبد القيس بن أفصى - بسكون الفاء بعدها مهملة بوزن أعمى - ابن دعمي - بضم ثم سكون المهملة وكسر الميم بعدها تحتانية ثقيلة - ابن جديلة - بالجيم وزن كبيرة - ابن أسد بن ربيعة بن نزار، والذي تبين لنا أنه كان لعبد القيس وفادتان:\nإحداهما: قبل الفتح، ولهذا قالوا للنبي - ﷺ -: \"بيننا وبينك كفار مضر\"، وكان ذلك قديمًا إما في سنة خمس أو قبلها، وكانت قريتهم بالبحرين أو قرية أقيمت فيها الجمعة بعد المدينة كما ثبت في آخر حديث في الباب، وكان عدد الوفد الأول ثلاثة عشر رجلًا، وفيها سألوا عن الإيمان وعن الأشربة، وكان فيهم الأشجع، وقال له النبي - ﷺ -: \"إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة\" كما أخرج ذلك مسلم من حديث أبي سعيد.\nوثانيتهما: كانت في سنة الوفود، وكان عددهم حينئذ أربعين رجلًا كما في حديث أبي حيوة الصناحي الذي أخرجه ابن منده، وكان فيهم الجارود العبدي، وقد ذكر ابن إسحاق قصته، وأنه كان نصرانيًا فأسلم وحسن إسلامه، ويؤيد التعدد ما أخرجه ابن حبان من وجه آخر أن النبي - ﷺ - قال لهم: \"ما لي أرى ألوانكم تغيرت\" ففيه إشعار بأنه كان رآهم قبل التغير، انتهى كله من \"الفتح\" (^١).\nقلت: وبسط الكلام على الوفادتين في هامش \"اللامع\" في أوائل كتاب الجمعة أشدّ البسط مع ترجيح الراجح فارجع إليه لو شئت.\nقوله في أول أحاديث الباب: (قدم وفد عبد القيس. . .) إلخ، قال القسطلاني (^٢): أي: القدمة الثانية، وهكذا في بين سطور نسخ الهندية.\nوالصواب عندي القدمة الأولى، كما تقدم عن \"الفتح\".\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٨٥، ٨٦).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٩/ ٤٠٠).","vol":"4","page":645},{"text":"(٧٠ -<span data-type='title' id=toc-2487> باب وفد بني حنيفة وحديث ثمامة بن أثال)</span>\nأما حنيفة فهو ابن لجيم - بجيم - ابن صعب بن علي بن بكر بن وائل، وهي قبيلة كبيرة شهيرة ينزلون اليمامة بين مكة واليمن، وكان وفد بني حنيفة كما ذكره ابن إسحاق وغيره في سنة تسع، وذكر الواقدي أنهم كانوا سبعة عشر رجلًا فيهم مسيلمة، وأما ثمامة بن أثال فأبوه بضم الهمزة وبمثلثة خفيفة ابن النعمان بن مسلمة الحنفي، وهو من فضلاء الصحابة، وكانت قصته قبل وفد بني حنيفة بزمان، فإن قصته صريحة في أنها كانت قبل فتح مكة كما سنبينه، وكأن البخاري ذكرها ها هنا استطرادًا.\nقوله: (بعث النبي - ﷺ - خيلًا قبل نجد) أي: بعث فرسان خيل إلى جهة نجد، وزعم سيف في \"كتاب الزهد\" له أن الذي أخذ ثمامة وأسره هو عباس بن عبد المطلب، وفيه نظر؛ لأن العباس إنما قدم على رسول الله - ﷺ - في زمان فتح مكة، وقصة ثمامة تقتضي أنها كانت قبل ذلك بحيث اعتمر ثمامة، ثم رجع إلى بلاده، ثم منعهم أن يميروا أهل مكة، ثم شكا أهل مكة إلى النبي - ﷺ - ذلك، ثم بعث يشفع فيهم عند ثمامة، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nقلت: وذكر صاحب \"الخميس\" (^٢) في وقائع السنة السادسة، فقال: وفي محرم هذه السنة لعشر خلون منه كانت سرية محمد بن مسلمة إلى القرطاء بطن من أبي بكر بن كلاب، روي أنه بعث رسول الله - ﷺ - محمد بن مسلمة في ثلاثين راكبًا على جماعة من بني بكر بن كلاب بموضع يقال له: الضرية بفتح الضاد المعجمة وكسر الراء وتشديد التحتانية قرية على سبع مراحل بطريق خارج البصرة إلى مكة، وأمره أن يغير عليهم بغتة، وكان محمد يسير بالليل ويختفي بالنهار حتى أغار عليهم فجاءة، وهم عارون غافلون، وهرب سائرهم، وعند الدمياطي قتل نفرًا منهم، وهرب سائرهم،\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٨٧).\n(^٢) \"تاريخ الخميس\" (٢/ ٢، ٣).","vol":"4","page":646},{"text":"وأصاب منهم خمسين بعيرًا وثلاثة آلاف شاة وساقها، وقدم المدينة لليلة بقيت من المحرم، فقسمها النبي - ﷺ - بين أصحابه بعد إخراج الخمس، وكانت غيبته في تلك السرية تسع عشرة ليلة، وكان معه ثمامة بن أثال الحنفي سيد اليمامة أسيرًا فربط بسارية من سواري المسجد، انتهى.\nقلت: ولذا ذكر البخاري هذا الحديث في \"باب ربط الأسير في المسجد\" مختصرًا.\nقال العلَّامة العيني (^١): مطابقته للجزء الثاني من الترجمة ظاهرة، وقال بعد ذكر الحديث الثاني: مطابقته للجزء الأول من الترجمة؛ لأن مسيلمة قدم في وفد بني حنيفة، قال ابن إسحاق: ادعى مسيلمة النبوَّة سنة عشر، وقدم مع قومه، إلى آخر ما ذكر.\nقوله: (وقدمها في بشر كثير. . .) إلخ، قال الواقدي: كان معه من قومه سبعة عشر نفسًا، وقال الحافظ (^٢) بحثًا على قصة قدومه: يحتمل أن يكون مسيلمة قدم مرتين إلى آخر ما ذكر فارجع إليه.\n\n(٧١ -<span data-type='title' id=toc-2488> باب قصة الأسود العنسي)</span>\nبسكون النون، وحكى ابن التِّين جواز فتحها، ولم أر له في ذلك سلفًا، ثم قال بعد ذكر حديث الباب: أما مسيلمة فقد ذكرت خبره، وأما العنسي وفيروز فكان من قصة أن العنسي وهو الأسود واسمه عبهلة بن كعب، وكان يقال له أيضًا: ذو الخمار بالخاء المعجمة؛ لأن كان يخمر وجهه، وقيل: هو اسم شيطانه، وكان الأسود وقد خرج بصنعاء وادعى النبوَّة وغلب على عامل صنعاء المهاجر بن أبي أمية، ويقال له: إنه مر به فلما حازاه عشر الحمار فادعى أنه سجد له، ولم يقم الحمار حتى قال له شيئًا فقام، وروى البيهقي في \"الدلائل\": خرج الأسود الكذاب وهو من بني عنس\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٢/ ٣٣٨ - ٣٤٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٨٩).","vol":"4","page":647},{"text":"- يعني: بسكون النون - وكان معه شيطانان، يقال لأحدهما: سحيق بمهملتين وقاف مصغر، والآخر شقيق بمعجمة وقافين مصغر، وكانا يخبرانه بكل شيء يحدث من أمور الناس، وكان باذان عامل النبي - ﷺ - بصنعاء فمات، فجاء شيطان الأسود فأخبره فخرج في قومه حتى ملك صنعاء وتزوج المرزبانة زوجة باذان، فذكر القصة في مواعدتها دادويه وفيروز وغيرهما حتى دخلوا على الأسود ليلًا، وقد سقته المرزبانة الخمر صرفًا حتى سكر، وكان على بابه ألف حارس فنقب فيروز ومن معه الجدار حتى دخلوا فقتله فيروز واحتز رأسه، وأخرجوا المرأة وما أحبوا من متاع البيت، وأرسلوا الخبر إلى المدينة فوافى بذلك عند وفاة النبي - ﷺ -، قال أبو الأسود: عن عروة: أصيب الأسود قبل وفاة النبي - ﷺ - بيوم وليلة، فأتاه الوحي فأخبر به أصحابه، ثم جاء الخبر إلى أبي بكر - ﵁ -، وقيل: وصل الخبر بذلك صبيحة دفن النبي - ﷺ -، انتهى (^١).\n\n(٧٢ -<span data-type='title' id=toc-2489> باب قصة أهل نجران)</span>\nبفتح النون وسكون الجيم بلد كبير على سبع مراحل من مكة إلى جهة اليمن يشتمل على ثلاثة وسبعين قرية مسيرة يوم للراكب السريع، كذا في زيادات يونس بن بكير بإسناد له في المغازي، وذكر ابن إسحاق أنهم وفدوا على رسول الله - ﷺ - بمكة وهم حينئذ عشرون رجلًا لكن أعاد ذكرهم في الوفود بالمدينة فكأنهم قدموا مرتين، وقال ابن سعد: كان النبي - ﷺ - كتب إليهم فخرج إليه وفدهم في أربعة عشر رجلًا من أشرافهم، وعند ابن إسحاق أيضًا من حديث كرز بن علقمة، أنهم كانوا أربعة وعشرين رجلًا وسرد أسماءهم، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٩٢، ٩٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٩٤).","vol":"4","page":648},{"text":"(٧٣ -<span data-type='title' id=toc-2490> باب قصة عمان والبحرين)</span>\nأما البحرين فبلد عبد القيس بين البصرة وعُمان، وأما عُمان فبضم المهملة وتخفيف الميم، قال عياض (^١) هي فرضة بلاد اليمن، لم يزد في تعريفها على ذلك، وقال الرشاطي: عُمان في اليمن سميت بعُمان بن سبأ، ينسب إليه الجلندي رئيس أهل عُمان، ذكر وثيمة أن عمرو بن العاص قدم عليه من عند النبي - ﷺ - فصدقه، وذكر غيره أن الذي آمن على يد عمرو بن العاص ولدا الجلندي عياذ وجيفر، وكان ذلك بعد خيبر، ذكره أبو عمرو، انتهى.\nوروى الطبراني من حديث المسور بن المخرمة قال: \"بعث رسول الله - ﷺ - رسله إلى الملوك\" فذكر الحديث، وفيه: \"وبعث عمرو بن العاص إلى جيفر وعياذ ابني الجلندي ملك عُمان\"، فرجعوا جميعًا قبل وفاة رسول الله - ﷺ - إلا عمرًا فإنه توفي وعمرو بالبحرين.\nوفي هذا إشعار بقرب عُمان من البحرين، وبقرب البعث إلى الملوك من وفاته - ﷺ -، فلعلها كانت بعد حنين فتصحفت، ولعل المصنف أشار بالترجمة إلى هذا الحديث لقوله في حديث الباب: \"فلم يقدم مال البحرين حتى قبض رسول الله - ﷺ -\".\n(تنبيهان): بعمل الشام بلدة يقال لها: عمَّان لكنها بفتح العين وتشديد الميم، وليست مرادة ها هنا قطعًا، وإنما وقع اختلاف الرواة فيما وقع في صفة الحوض النبوي كما سيأتي في مكانه حيث جاء في بعض طرقه ذكر عمان، وجيفر مثل جعفر: إلا أن بدل العين تحتانية، وعياذ بفتح المهملة وتشديد التحتانية وآخره ذال معجمة، والجلندي بضم الجيم وفتح اللام وسكون النون والقصر، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\n_________\n(^١) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ١٣٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٩٥، ٩٦).","vol":"4","page":649},{"text":"(٧٤ -<span data-type='title' id=toc-2491> باب قدوم الأشعريين وأهل اليمن)</span>\nهو من عطف العام على الخاص؛ لأن الأشعريين من أهل اليمن، ومع ذلك ظهر لي أن في المراد بأهل اليمن خصوصًا آخر، وهو ما سأذكره من قصة نافع بن زيد الحميري أنه قدم وافدًا في نفر من حمير، وبالله التوفيق.\nثم قال: كان قدوم أبي موسى عند فتح خيبر لما قدم جعفر بن أبي طالب، وقيل: إنه قدم عليه بمكة قبل الهجرة ثم كان ممن هاجر إلى الحبشة الهجرة الأولى، ثم قدم الثانية صحبة جعفر، والصحيح أنه خرج طالبًا المدينة في سفينة فألقتهم الريح إلى الحبشة، فاجتمعوا هناك بجعفر ثم قدموا صحبته، وعلى هذا فإنما ذكره البخاري ها هنا ليجمع ما وقع على شرطه من البعوث والسرايا والوفود، ولو تباينت تواريخهم، ومن ثم ذكر غزوة سيف البحر مع أبي عبيدة بن الجراح، وكانت قبل فتح مكة بمدة، وكنت أظن قوله: \"وأهل اليمن\" بعد الأشعريين من عطف العام على الخاص، ثم ظهر لي أن لهذا العام خصوصًا أيضًا، وأن المراد بهم بعض أهل اليمن وهم وفد حمير، فوجدت في \"كتاب الصحابة\" لابن شاهين من طريق إياس بن عمير الحميري: أنه قدم وافدًا على رسول الله - ﷺ - في نفر من حمير فقالوا: أتيناك لنتفقه في الدين، الحديث، وقد ذكرت فوائده في أول بدء الخلق.\nوحاصله: أن الترجمة مشتملة على طائفتين، وليس المراد اجتماعهما في الوفادة، فإن قدوم الأشعريين كان مع أبي موسى في سنة سبع عند فتح خيبر، وقدوم وفد حمير في سنة تسع وهي سنة الوفود، ولأجل هذا اجتمعوا مع بني تميم، وقد عقد محمد بن سعد في الترجمة النبوية من الطبقات للوفود بابًا، وذكر فيه القبائل من مضر ثم من ربيعة ثم من اليمن، وكاد يستوعب ذلك بتلخيص حسن، وكلامه أجمع ما يوجد في ذلك مع أنه ذكر وفد حمير، ولم يقع له قصة نافع بن زيد التي ذكرتها،","vol":"4","page":650},{"text":"انتهى كله من \"الفتح\" (^١).\n\n(٧٥ -<span data-type='title' id=toc-2492> باب قصة دوس والطفيل بن عمرو الدوسي)</span>\nبفتح الدال المهملة وسكون الواو، ابن عدنان بن عبد الله بن زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن مالك بن نصر بن الأزد، وقوله: \"الطفيل بن عمرو\" أي: قصة الطفيل بن عمرو بن طريف بن العاص بن ثعلبة بن سليم بن فهم بن غنم بن دوس، وله حكاية عجيبة غريبة طويت ذكرها مخافة التطويل، انتهى من \"العيني\" (^٢).\nوقال الحافظ (^٣): كان يقال له (أي: للطفيل): ذو النور - آخره راء - لأنه لما أتى النبي - ﷺ - وأسلم بعثه إلى قومه فقال: اجعل لي آية، فقال: \"اللَّهم نور له\"، فسطع نور بين عينيه، فقال: يا رب أخاف أن يقولوا: إنه مثلة، فتحول إلى طرف سوطه، وكان يضيء في الليلة المظلمة، ذكره هشام بن الكلبي في قصة طويلة، وفيها أنه دعا قومه إلى الإسلام فأسلم أبوه ولم تسلم أمه، وأجابه أبو هريرة وحده.\nقلت: وهذا يدل على تقدم إسلامه، وقد جزم ابن أبي حاتم بأنه قدم مع أبي هريرة بخيبر، وكأنها قدمته الثانية، انتهى.\n\n(٧٦ -<span data-type='title' id=toc-2493> باب قصة وفد طيئ)</span>\nوحديث عدي بن حاتم، أي: ابن عبد الله بن سعد بن الحشرج - بوزن جعفر - ابن امرئ القيس بن عدي الطائي، منسوب إلى طيئ - بفتح المهملة وتشديد التحتانية المكسورة بعدها همزة - ابن أدد ابن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ يقال: كان اسمه جلهمة فسمي طيئًا؛ لأنه أول من طوى بئرًا، ويقال: أول من طوى المناهل، وأخرج مسلم\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٩٧).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٢/ ٣٥٣).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ١٠١، ١٠٢).","vol":"4","page":651},{"text":"من وجه آخر عن عدي بن حاتم قال: أتيت عمر فقال: إن أول صدقة بيّضت وجه رسول الله - ﷺ - ووجوه أصحابه صدقة طيئ جئت بها إلى النبي - ﷺ -\"\nوقال الحافظ بعد ذكر الحديث: روى الترمذي من وجه آخر عن عدي بن حاتم قال: \"أتيت النبي - ﷺ - في المسجد فقال: هذا عدي بن حاتم، وكان النبي - ﷺ - قبل ذلك يقول: إني لأرجو الله أن يجعل يده في يدي\"، انتهى (^١).\n\n(٧٧ -<span data-type='title' id=toc-2494> باب حجة الوداع)</span>\nبكسر الحاء المهملة وبفتحها، وبكسر الواو وبفتحها، ذكر جابر في حديثه الطويل في صفتها كما أخرجه مسلم وغيره \"أن النبي - ﷺ - مكث تسع سنين - أي: منذ قدم المدينة - لم يحج، ثم أذَّن في الناس في العاشرة أن النبي - ﷺ - حاج، فقدم المدينة بشر كثير كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله - ﷺ -\" الحديث، وعند الترمذي من حديث جابر: \"أنه - ﷺ - حجّ قبل أن يهاجر ثلاث حجج\"، وعن ابن عباس مثله أخرجه ابن ماجه والحاكم.\nقلت: وهو مبني على عدد وفود الأنصار إلى العقبة بمنى بعد الحج، فإنهم قدموا أولًا فتواعدوا، ثم قدموا ثانيًا فبايعوا البيعة الأولى، ثم قدموا ثالثًا فبايعوا البيعة الثانية كما تقدم بيانه أول الهجرة، وهذا لا يقتضي نفي الحج قبل ذلك، وقد أخرج الحاكم بسند صحيح إلى الثوري: \"أن النبي - ﷺ - حجّ قبل أن يهاجر حِججا\".\nوفي حديث ابن عباس أن خروجه من المدينة كان لخمس بقين من ذي القعدة أخرجه المصنف في الحج، وأخرجه هو ومسلم من حديث عائشة مثله، وجزم ابن حزم بأن خروجه كان يوم الخميس، وفيه نظر؛ لأن أول\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ١٠٢، ١٠٣).","vol":"4","page":652},{"text":"ذي الحجة كان يوم الخميس قطعًا لما ثبت وتواتر أن وقوفه بعرفة كان يوم الجمعة، فتعين أن أول الشهر يوم الخميس فلا يصح أن يكون خروجه يوم الخميس، بل ظاهر الخبر أن يكون يوم الجمعة، لكن ثبت في الصحيحين عن أنس: \"صلينا الظهر مع النبي - ﷺ - بالمدينة أربعًا والعصر بذي الحليفة ركعتين\" فدلّ على أن خروجهم لم يكن يوم الجمعة، فما بقي إلا أن يكون خروجهم يوم السبت، ويحمل قول من قال: \"لخمس بقين\" أي: إن كان الشهر ثلاثين، فاتفق أن جاء تسعًا وعشرين، فيكون يوم الخميس أول ذي الحجة بعد مضي أربع ليال لا خمس، وبهذا تتفق الأخبار، هكذا جمع الحافظ عماد الدين ابن كثير بين الروايات.\nوكان دخوله - ﷺ - مكة صبح رابعة كما ثبت في حديث عائشة، وذلك يوم الأحد، وهذا يؤيد أن خروجه من المدينة كان يوم السبت كما تقدم، فيكون مكثه في الطريق ثمان ليال، وهي المسافة الوسطى.\nثم ذكر المصنف في الباب سبعة عشر حديثًا تقدم غالبها في كتاب الحج، انتهى (^١).\nقلت: واختار ابن القيم أيضًا في \"زاد المعاد\" (^٢) خروجه - ﷺ - من المدينة يوم السبت وهو الراجح عندي كما حققته في \"جزء حجة الوداع\" لهذا العبد الضعيف، وتقدم تعريفه في كتاب الحج، وذكرت فيه أن هذه الحجة كما تسمى بحجة الوداع تسمى بحجة الإسلام، وبحجة البلاغ، وبحجة التمام أيضًا، وفيه أيضًا حكى صاحب \"الخميس\" (^٣) عن ابن عباس - ﵄ -: أنه كره أن تسمى بحجة الوداع، قلت: لكن تسميته بحجة الوداع هو الأشهر من بين أساميه كما قال العلَّامة العيني، ووقع هذه التسمية في عدة أحاديث صحيحة، فكان ما ذهب إليه ابن عباس مذهبًا تفرد به.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ١٠٣، ١٠٤).\n(^٢) \"زاد المعاد\" (٢/ ١٠٢).\n(^٣) \"تاريخ الخميس\" (٢/ ١٤٨).","vol":"4","page":653},{"text":"ثم لا يذهب عليك أن الشرَّاح استشكلوا ذكر حجة الوداع ها هنا قبل غزوة تبوك، وجعلوا ذلك من تصرف النساخ، كما سيأتي هناك، وفي \"الفيض\" (^١): ولم يظهر لي وجه تقديمها على غزوة تبوك مع كونها في السنة التاسعة وتلك في العاشرة، انتهى.\nوالأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن المصنف - ﵀ - قصد بذكر ها هنا بعد الفراغ من بيان الوفود الإشارة إلى أن سلسلة الوفود انجرت إلى حجة الوداع، ولذا لم يذكر بعدها وفدًا كما ترى، وأما كونها بعد غزوة تبوك فكان معروفًا بين العام والخاص فلم يلتفت إلى ذلك، والله تعالى أعلم.\nثم إن المصنف ذكر تحت هذا الباب حديث ابن عمر سادس أحاديث الباب، قال القسطلاني (^٢) تبعًا للحافظ: قد استشكل دخول هذا الحديث في باب حجة الوداع؛ لأن فيه التصريح بأن القصة كانت عام الفتح، وعام الفتح كان سنة ثمان وحجة الوداع، كانت سنة عشر، انتهى.\nوالعجب من العلَّامة العيني إذ قال (^٣): مطابقته للترجمة في قوله: \"عام الفتح\"؛ لأن حجة الإسلام كانت فيه، وهو حجة الوداع، انتهى ولم أتحصل ما قال.\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٤) بعد ذكر الإشكال: والجواب: أنه إثبات لما اختلفوا فيه من دخوله في البيت يوم حجة الوداع فمن مثبت لذلك وناف له، فأورد هذا الحديث تنبيهًا على أنه إذا دخل البيت يوم الفتح، ولم يكن سفره هذا لقصد زيارة البيت، بل للجهاد والغزو، فأولى أن يكون دخله في الحج لوقوع سفره هذا للبيت خاصة، انتهى.\n_________\n(^١) \"فيض الباري\" (٥/ ١٤٩).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (٩/ ٤٣١)، و\"فتح الباري\" (٨/ ١٠٦).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٢/ ٣٥٨).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٨/ ٣٩١، ٣٩٢).","vol":"4","page":654},{"text":"قلت: وهذا يقال له: الإثبات بالأولوية، وهو أصل مطرد من أصول التراجم.\n\n(٧٨ -<span data-type='title' id=toc-2495> باب غزوة تبوك وهي غزوة العسرة)</span>\nهكذا أورد المصنف هذه الترجمة بعد حجة الوداع، وهو خطأ، وما أظن ذلك إلا من النساخ، فإن غزوة تبوك كانت في شهر رجب من سنة تسع قبل حجة الوداع بلا خلاف، وعند ابن عائذ من حديث ابن عباس أنها كانت بعد الطائف بستة أشهر، وليس مخالفًا لقول من قال: في رجب إذا حذفنا الكسور؛ لأنه - ﷺ - قد دخل المدينة من رجوعه من الطائف في ذي الحجة.\nوتبوك مكان معروف هو نصف طريق المدينة إلى دمشق، ويقال: بين المدينة وبينها أربع عشرة مرحلة، وذكرها في \"المحكم\" في الثلاثي الصحيح، وكلام ابن قتيبة يقتضي أنها من المعتل فإنه قال: جاءها النبي - ﷺ - وهم يبوكون مكان مائها بقدح فقال: ما زلتم تبوكونها، فسميت حينئذ تبوك.\nقوله: (وهي غزوة العسرة) بمهملتين الأولى مضمومة، بعدها سكون مأخوذ من قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ [التوبة: ١١٧] وهي غزوة تبوك، وفي حديث ابن عباس: \"قيل لعمر: حدثنا عن شأن ساعة العسرة، قال: خرجنا إلى تبوك في قيظ شديد فأصابنا عطش\" الحديث، أخرجه ابن خزيمة، وفي \"تفسير عبد الرزاق\": عن معمر عن ابن عقيل قال: \"خرجوا في قلة من الظَّهر، وفي حر شديد حتى كانوا ينحرون البعير فيشربون ما في كرشه من الماء، فكان ذلك عسرة من الماء وفي الظَّهر وفي النفقة، فسميت غزوة العسرة\". وتبوك المشهور فيها عدم الصرف للتأنيث والعلمية، ومن صرفها أراد الموضع، ووقعت تسميتها بذلك في الأحاديث الصحيحة، ثم ذكر الحافظ عدة روايات من حديث مسلم وأحمد وغيرهما.","vol":"4","page":655},{"text":"وكان السبب فيها ما ذكره ابن سعد وشيخه وغيره قالوا: بلغ المسلمين من الأنباط الذين يقدمون بالزيت من الشام إلى المدينة أن الروم جمعت جوعًا، وأجلبت معهم لخم وجذام وغيرهم من منتصرة العرب، وجاءت مقدمتهم إلى البلقاء، فندب النبي - ﷺ - إلى الخروج، وأعلمهم بجهة غزوهم، وروى الطبراني من حديث عمران بن حصين قال: \"كانت نصارى العرب كتبت إلى هرقل: أن هذا الرجل الذي خرج يدعي النبوَّة هلك وأصابتهم سنون فهلكت أموالهم، فبعث رجلًا من عظمائهم يقال له: قباذ، وجهز معه أربعين ألفًا، فبلغ النبي - ﷺ - ذلك ولم يكن للناس قوة، وكان عثمان قد جهز عيرًا إلى الشام، فقال: يا رسول الله - ﷺ -! هذه مائتا بعير بأقتابها وأحلاسها، ومائتا أوقية، قال: فسمعته يقول: لا يضر عثمان ما عمل بعدها\"، وأخرجه الترمذي والحاكم من حديث عبد الرحمن بن حباب نحوه.\nوذكر أبو سعيد في \"شرف المصطفى\" والبيهقي في \"الدلائل\": أن اليهود قالوا: يا أبا القاسم إن كنت صادقًا فالحق بالشام فإنها أرض المحشر وأرض الأنبياء، فغزا تبوك لا يريد إلا الشام، فلما بلغ تبوك أنزل الله تعالى الآيات من سورة بني إسرائيل: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا﴾ الآية [الإسراء: ٧٦]، انتهى. وإسناده حسن مع كونه مرسلًا، انتهى (^١).\nوفي \"تاريخ الخميس\" (^٢): وفي رجب هذه السنة لستة أشهر وخمسة أيام خلت منها وقعت غزوة تبوك، وهي غزوة العسرة، وتعرف بالفاضحة لافتضاح المنافقين فيها، وكانت يوم الخميس في رجب سنة تسع من الهجرة بلا خلاف، ولم يقع في هذه الغزوة قتال، ولكن فتحوا في هذا السفر دومة الجندل، وكانت الروم والشام من أعظم أعداء المسلمين وأهيبهم عندهم، وكان رسول الله - ﷺ - إذا غزا غزوة ورّى بغيرها إلا غزوة تبوك، فإنه أخبر\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ١١١، ١١٢).\n(^٢) \"تاريخ الخميس\" (٢/ ١٢٢ - ١٢٥).","vol":"4","page":656},{"text":"الناس بها وأظهر ليتأهبوا لها الأهبة، ويستعدوا لبعد السفر وشدة الزمان، وفي \"المنتقى\": استخلف على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري، وقيل: محمد بن مسلمة، انتهى.\nوقال الدمياطي: استخلاف محمد بن مسلمة هو أثبت عندنا ممن قال استخلف غيره، وفي \"المواهب اللدنية\": أمر رسول الله - ﷺ - بكل بطن من الأنصار والقبائل من العرب أن يتخذوا لواء وراية، وكان معه ثلاثون ألفًا، وعند أبي زرعة سبعون ألفًا، وفي رواية عنه أيضًا أربعون ألفًا، وكانت الخيل عشرة آلاف فرس، وفي كل منزل نزله اتخذ مسجدًا، وجميعها معروفة إلى مسجد تبوك، انتهى مختصرًا.\nوقال الحافظ (^١): في شرح قوله: \"ولا يجمعهم كتاب حافظ\" المذكور في حديث الباب: وللحاكم في \"الإكليل\" من حديث معاذ: \"خرجنا مع رسول الله - ﷺ - إلى غزوة تبوك زيادة على ثلاثين ألفًا\"، وبهذه العدة جزم ابن إسحاق، وأورده الواقدي بسند آخر موصول وزاد: \"أنه كان معهم عشرة آلاف فرس\"، وقد نقل عن أبي زرعة أنهم كانوا أربعين ألفًا، ولا تخالف رواية \"الإكليل\" \"أكثر من ثلاثين ألفًا\" لاحتمال أن يكون من قال: أربعين ألفًا جبر الكسر، انتهى.\n\n(٧٩ -<span data-type='title' id=toc-2496> باب حديث كعب بن مالك)</span>\nقال العيني (^٢): هو كعب بن مالك بن أبي كعب الأنصاري السلمي ينتهي نسبه إلى الخزرج، يكنى أبا عبد الله، شهد العقبة الثانية، واختلف في شهوده بدرًا، وشهد أُحدًا والمشاهد كلها حاشا تبوك، فإنه تخلَّف عنها، وكان أحد الشعراء في الجاهلية، وتوفي في خلافة معاوية سنة خمسين، وقيل: ثلاث وخمسين، وهو ابن سبع وسبعين، وكان قد عمي\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ١١٧، ١١٨).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٢/ ٣٧٠).","vol":"4","page":657},{"text":"في آخر عمره، ويعد في المدنيِّين، روى عنه جماعة من التابعين.\nقال الحافظ (^١): في فوائد الحديث: قال ابن التِّين: فيه أن كعب بن مالك من المهاجرين الأولين الذين صلَّوا إلى القبلتين، كذا قال، وليس كعب من المهاجرين، إنما هو من السابقين من الأنصار.\nوقال العيني (^٢): قوله: (﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ الآية [التوبة: ١١٨]) وهم كعب بن مالك المذكور، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، أما هلال هو ابن أمية الأنصاري الواقفي من بني واقف ابن امرئ القيس بن مالك بن الأوس، وأما مرارة فبضم الميم وتخفيف الرائين، ابن الربيع، يقال: ابن ربيعة العمري نسبة إلى بني عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس، وقال الكرماني: وفي بعض الروايات العامري، وأنكره العلماء وقالوا: صوابه العمري، انتهى من كلام العيني وقال أيضًا: إنهما شهدا بدرًا.\nوقال القسطلاني (^٣): في شرح قوله: (فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرًا. . .) إلخ، قد استشكل بأن أهل السير لم يذكروا واحدًا منهما فيمن شهد بدرًا، ولا يعرف ذلك في غير هذا الحديث، وممن جزم بأنهما شهدا بدرًا الأثرم وهو ظاهر صنيع البخاري، وتعقب الأثرم ابن الجوزي ونسبه إلى الغلط، لكن قال الحافظ ابن حجر: إنه لم يصب قال: واستدل بعض المتأخرين بكونهما لم يشهدا بدرًا بما وقع في قصة حاطب: وأن النبي - ﷺ - لم يهجره ولا عاقبه مع كونه جس عليه، بل قال لعمر لما همّ بقتله: \"وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر\" الحديث، قال: وأين ذنب التخلف من ذنب الجس؟ قال في \"الفتح\": وليس ما استدل به بواضح؟ لأنه يقتضي أن البدري عنده إذا جنى جناية ولو كبرت لا يعاقب عليها، وليس\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ١٢٥).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٢/ ٣٧٠ - ٣٧٦).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (٩/ ٤٥٤).","vol":"4","page":658},{"text":"كذلك، فهذا عمر مع كونه المخاطب بقصة حاطب قد جلد قدامة بن مظعون الحدّ لما شرب الخمر وهو بدري، وإنما لم يعاقب - ﷺ - حاطبًا ولا هجره؛ لأنه قبل عذره في أنه إنما كاتب قريشًا خشية على أهله وولده بخلاف تخلف كعب وصاحبيه فإنهم لم يكن لهم عذر أصلًا، انتهى.\nوبسط الحافظ (^١) الكلام فيما يستفاد من الحديث، فذكر فوائد كثيرة وقال العيني (^٢): فوائد الحديث المذكور أكثر من خمسين فائدة، وقال أيضًا: وقد أخرج المؤلف حديث غزوة تبوك وتوبة الله على كعب بن مالك في عشرة مواضع مطولًا ومختصرًا، إلى آخر ما قال.\n\n(٨٠ -<span data-type='title' id=toc-2497><span data-type='title' id=toc-2498> باب </span>نزول النبي - ﷺ - الحجر)</span>\nبكسر المهملة وسكون الجيم، وهي منازل ثمود بين المدينة والشام عند وادي القرى، زعم بعضهم أنه مرَّ به ولم ينزل، ويرده التصريح في حديث ابن عمر بأنه \"لما نزل الحجر أمرهم أن لا يشربوا\"، انتهى من \"الفتح\" (^٣) بزيادة من \"العيني\".\nوقال العيني (^٤) بعد ذكر الحديث: مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: \"حتى أجاز الوادي\"؛ لأن فيه معنى النزول إلى الوادي والصعود منه، ولو قال في الترجمة: باب مرور النبي - ﷺ - بالحجر لكان أصوب وأقرب، انتهى.\n\n(٨١ - باب)\nبغير ترجمة، قال العيني (^٥): كذا بلا ترجمة، وهو كالفصل لما تقدم؛ لأن أحاديثه تتعلق ببقية قصة تبوك، والباب الذي قبله أيضًا يتعلق بتبوك\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (١٢/ ١٢٣، ١٢٤).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٢/ ٣٧٩، ٣٨٠).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ١٢٥)، وعمدة القاري\" (١٢/ ٣٨٠).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٢/ ٣٨٠).\n(^٥) \"عمدة القاري\" (١٢/ ٣٨١).","vol":"4","page":659},{"text":"فافهم، انتهى، وهكذا في \"الفتح\" (^١) مختصرًا.\n\n(٨٢ -<span data-type='title' id=toc-2499> باب كتاب النبي - ﷺ - إلى كسرى وقيصر)</span>\nمناسبة هذا الباب بما قبله من حيث إنه - ﷺ - كتب إليهما إذ كان هو - ﷺ - في تبوك كما سيأتي بيانه، وكسرى هو ابن برويز بن هرمز بن أنوشروان، وهو كسرى الكبير، وقيل: إن الذي بعث إليه النبي - ﷺ - هو أنوشروان، وفيه نظر لما سيأتي أن النبي - ﷺ - أخبر أن زربان ابنه يقتله، والذي قتله ابنه هو كسرى ابن برويز بن هرمز، وكسرى بفتح الكاف وكسرها لقب كل من تملك الفرس، ومعناه بالعربية المظفري، وأما قيصر فهو هرقل، وقد تقدم شأنه في أول الكتاب، انتهى (^٢).\nوتقدم في هامش \"اللامع\" (^٣): أن هرقل بكسر الهاء وفتح الراء وسكون القاف على المشهور، ويقال أيضًا: بكسر الهاء والقاف وسكون الراء، قال الكرماني (^٤): اسم علم له فهو غير منصرف للعلمية والعجمة، وهو صاحب حروب الشام، ملك إحدى وثلاثين سنة، وفي ملكه مات النبي - ﷺ -، ولقبه قيصر، وكذا كل من ملك الروم يقال له: قيصر، كما أن ملك فارس يسمى: كسرى.\nقال العيني (^٥): وكان هرقل أول من ضرب الدينار، وأحدث البيعة، قال الحافظ (^٦) واستمر هرقل على نصرانية، وآثر ملكه على الإيمان، ومما يقويه أنه حارب المسلمين في غزوة مؤتة، وروى ابن حبان في \"صحيحه\" عن أنس: أن النبي - ﷺ - كتب إليه أيضًا من تبوك يدعوه، وأنه قارب الإجابة، ولم يجب، فدلّ ظاهره على استمراره على الكفر، ويحتمل أنه كان يضمر الإيمان ويفعل هذه المعاصي مراعاة لملكه وخوفًا من أن يقتله قومه،\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ١٢٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ١٢٧).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (١/ ٥١٤).\n(^٤) \"شرح الكرماني\" (١/ ٥٣).\n(^٥) \"عمدة القاري\" (١/ ٢١١).\n(^٦) \"فتح الباري\" (١/ ٣٧).","vol":"4","page":660},{"text":"إلا أن في \"مسند أحمد\": أنه كتب من تبوك إلى النبي - ﷺ -: إني مسلم، فقال النبي - ﷺ -: \"كذب، بل هو على نصرانيته\"، انتهى من هامش \"اللامع\" مختصرًا.\nوقال الحافظ (^١): جزم ابن سعد بأن بعث عبد الله بن حذافة إلى كسرى كان في سنة سبع في زمن الهدنة، وهو عند الواقدي من حديث الشفاء بنت عبد الله بلفظ: \"منصرفه من الحديبية\"، وصنيع البخاري يقتضي أنه كان في سنة تسع، فإنه ذكره بعد غزوة تبوك، وذكر في آخر الباب حديث السائب أنه تلقى النبي - ﷺ - لما رجع من تبوك إشارة إلى ما ذكرت، وقد ذكر أهل المغازي أنه - ﷺ - لما كان بتبوك كتب إلى قيصر وغيره، وهي غير المرة التي كتب إليه مع دحية، فإنها كانت في زمن الهدنة كما صرّح به في الخبر، وذلك سنة سبع، ثم ذكر الحافظ من رواية الطبراني أسماء الملوك الذين كتب إليهم النبي - ﷺ - وأسماء من بعث إليهم من الصحابة ﵃ أجمعين.\n\n(٨٣ -<span data-type='title' id=toc-2500> باب مرض النبي - ﷺ - ووفاته. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٢): وذكر في الباب أيضًا ما يدلّ على جنس مرضه كما سيأتي، وأما ابتداءه فكان في بيت ميمونة كما سيأتي، ووقع في \"السيرة\" لأبي معشر: في بيت زينب بنت جحش، وفي \"السيرة\" لسليمان التيمي: في بيت ريحانة، والأول هو المعتمد، وذكر الخطابي (^٣): أنه ابتدأ به يوم الاثنين، وقيل: يوم السبت، وقال الحاكم أبو أحمد: يوم الأربعاء. واختلف في مدة مرضه فالأكثر على أنها ثلاثة عشر يومًا، وقيل: بزيادة يوم، وقيل: بنقصه، والقولان في \"الروضة\"، وصدّر بالثاني، وقيل: عشرة أيام، وبه جزم سليمان التيمي في مغازيه، وأخرجه البيهقي بإسناد صحيح،\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ١٢٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ١٢٩).\n(^٣) \"الأعلام\" (٣/ ١٧٩٥).","vol":"4","page":661},{"text":"وكانت وفاته - ﷺ - يوم الاثنين بلا خلاف من ربيع الأول، وكاد يكون إجماعًا، لكن في حديث ابن مسعود عند البزار في حادي عشر رمضان، ثم عند ابن إسحاق والجمهور أنها في الثاني عشر منه، وعند موسى بن عقبة والليث والخوارزمي وابن زبر: مات لهلال ربيع الأول، وعند أبي مخنف والكلبي في ثانيه، ورجحه السهيلي، وعلى القولين يتنزل ما نقله الرافعي أنه عاش بعد حجته ثمانين يومًا، وقيل: أحدًا وثمانين، وأما على ما جزم به في \"الروضة\" فيكون عاش بعد حجته تسعين يومًا أو أحدًا وتسعين.\nوقد استشكل ذلك السهيلي ومن تبعه - أعني: كونه مات يوم الاثنين ثاني عشر شهر ربيع الأول -، وذلك أنهم اتفقوا على أن ذا الحجة كان أوله يوم الخميس، فمهما فرضت الشهور الثلاثة توام أو نواقص أو بعضها لم يصح، وهو ظاهر لمن تأمله، وأجاب البارزي ثم ابن كثير باحتمال وقوع الأشهر الثلاثة كوامل، وكان أهل مكة والمدينة اختلفوا في رؤية هلال ذي الحجة فرآه أهل مكة ليلة الخميس ولم يره أهل المدينة إلا ليلة الجمعة، فحصلت الوقفة برؤية أهل مكة، ثم رجعوا إلى المدينة فأرّخوا برؤية أهلها فكان أول ذي الحجة الجمعة وآخره السبت، وأول المحرم الأحد وآخره الاثنين، وأول صفر الثلاثاء وآخره الأربعاء، وأول ربيع الأول الخميس فيكون ثاني عشره الاثنين، وهذا الجواب بعيد من حيث إنه يلزم توالي أربعة أشهر كوامل. . .، إلى آخر ما بسط الحافظ أشد البسط.\nقوله: (فقال: ائتوني اكتب لكم كتابًا) قال الحافظ (^١): هو تعيين الخليفة بعده، وسيأتي شيء من ذلك في \"كتاب الأحكام\" في \"باب الاستخلاف\" منه، انتهى.\nوقد تقدم شيء من الكلام عليه في \"كتاب العلم\"، وبسط الكلام عليه أيضًا في \"اللامع\" (^٢) في \"كتاب العلم\" إذ كتب الشيخ قُدِّس سرُّه على قول\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ١٣٣).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٢/ ٦٣، ٦٤).","vol":"4","page":662},{"text":"عمر: (إن النبي - ﷺ - قد غلبه الوجع. . .) إلخ: إنما حسن ذلك من عمر لما علم أنه يكتب الخلافة لأبي بكر ونحن متفقون عليه، فلا حاجة إلى تصديعه. . .، إلى آخر ما تقدم، وتقدم هناك في هامشه: هذا هو الظاهر فيما أراد النبي - ﷺ - كتابته.\nقال الحافظ (^١): اختلف في المراد بالكتاب، قيل: كان أراد أن يكتب كتابًا ينصّ فيه على الأحكام ليرتفع الاختلاف، وقيل: بل أراد أن ينصّ على أسامي الخلفاء بعده حتى لا يقع بينهم الاختلاف، قاله سفيان بن عيينة، ويؤيده أنه - ﷺ - قال في أوائل مرضه وهو عند عائشة: \"ادعي لي أباك حتى أكتب كتابًا، فإني أخاف أن يتمنى متمن، ويقول قائل، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر\" أخرجه مسلم، وللبخاري معناه، قال الحافظ: والأول أظهر لقول عمر: حسبنا كتاب الله، أي: كافينا مع أنه يشمل الوجه الثاني؛ لأنه بعض أفراده، انتهى.\nقلت: الأظهر هو الثاني لموافقة قوله - ﷺ -: \"حتى أكتب كتابًا\"، انتهى من هامش \"اللامع\".\nقوله: (استأذن أزواجه أن يمرض في بيتي. . .) إلخ، قال الحافظ (^٢): وفي رواية عن عائشة عند أحمد: \"أنه - ﷺ - قال لنسائه: إني لا أستطيع أن أدور بيوتكن، فإذا شئتن أذنتن لي\"، وسيأتي بعد قليل عن عائشة أنه \"كان يقول: أين أنا غدًا؟ يريد يوم عائشة\"، وكان أول ما بدأ مرضه في بيت ميمونة، انتهى.\nقلت: وأتذكر من إفادات مولانا الشيخ فضل رحمان كَنج مراد آبادي قُدِّس سرُّه: أن التمريض في بيت عائشة لعله لأجل أن الوحي لا يأتي في لحاف أحد غيرها.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٢٠٩).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ١٤١).","vol":"4","page":663},{"text":"قوله: (في يومي. . .) إلخ، كتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): أي: لو كان ثمة نوبة بحسب عادته لكان اليوم يوم نوبتي، انتهى.\nوفي هامشه: كما هو نص الرواية المتقدمة قريبًا قالت عائشة: \"فمات في اليوم الذي كان يدور عليّ فيه في بيتي\"، وفي هامش النسخة الهندية: قوله: \"في يومي\" أي: يوم نوبتي بحساب الدور المتقدم المعهود، قال في \"جامع الأصول\" (^٢): كان ابتداء مرض النبي - ﷺ - من صداع عرض له، وهو في بيت عائشة، ثم اشتد به وهو في بيت ميمونة، ثم استأذن نساءه أن يمرّض في بيت عائشة، فأذِنَّ له، وكان مدة مرضه اثني عشر يومًا، ومات يوم الاثنين ضحى من ربيع الأول، فقيل: لليلتين خلتا منه، وقيل: لاثنتي عشرة خلت منه، وهو الأكثر، هكذا في \"المرقاة\" (^٣)، انتهى.\nوهكذا حكى القاري كلام \"جامع الأصول\" في \"جمع الوسائل\" (^٤)، ولم يتعرض فيها عن إشكال، وهو أن مدة مرضه - ﷺ - لما كانت اثني عشر يومًا، وكان بدء المرض في بيت عائشة فكيف رجعت النوبة إليها بعد اثني عشر يومًا؛ لأنه - ﷺ - توفي عن تسع نسوة، منها يومان لعائشة، ولم يتعرض لهذا الإشكال أحد من الشرَّاح، ويمكن التقصي عنه باختيار قول آخر، فإن الروايات في مدة مرضه ووفاته - ﷺ - مختلفة. . .، إلى آخر ما بسط في هامش \"اللامع\"، وفيه: روى البيهقي في \"دلائل النبوَّة\" بإسناد صحيح إلى سليمان التيمي: \"أن رسول الله مرض لاثنتين وعشرين ليلة من صفر، وكان أول يوم مرض فيه يوم السبت، وكانت وفاته اليوم العاشر يوم الاثنين لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول\"، انتهى.\nوإذا كان مدة مرضه - ﷺ - عشرة أيام فترجع النوبة إلى عائشة بلا مرية، انتهى من هامش \"اللامع\".\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٨/ ٤١٢، ٤١٣).\n(^٢) \"جامع الأصول\" (١٢/ ١١٠).\n(^٣) \"مرقاة المفاتيح\" (١٠/ ٣٠١).\n(^٤) \"جمع الوسائل\" (٢/ ٢٠٢).","vol":"4","page":664},{"text":"(٨٤ -<span data-type='title' id=toc-2501> باب آخر ما تكلم النبي - ﷺ </span>-)\nقال العيني (^١): أي: عند طلوع روحه الكريم، انتهى.\nوقال الحافظ (^٢): ذكر فيه حديث عائشة، وقد شرح في الحديث السابع من الباب الذي قبله، انتهى.\nوقال (^٣) في الباب الذي قبله: قوله: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ \" [النساء: ٦٩]: في رواية المطلب عن عائشة عند أحمد: فقال: \"مع الرفيق الأعلى، ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾ إلي قوله: ﴿رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]، وفي رواية عند النسائي وصححه ابن حبان فقال: \"أسأل الله الرفيق الأعلى الأسعد، مع جبريل وميكائيل وإسرافيل\"، وظاهره أن الرفيق: المكان الذي تحصل المرافقة فيه مع المذكورين، وهذه الأحاديث ترد على من زعم أن \"الرفيق\" تغيير من الراوي وأن الصواب \"الرقيع\" بالفاف والعين المهملة، وهو من أسماء السماء، وقال الجوهري: الرفيق الأعلى: الجنة، وقيل: بل الرفيق ها هنا اسم جنس يشمل الواحد وما فوقه، والمراد الأنبياء ومن ذكر في الآية، ونكتة الإتيان بهذه الكلمة بالإفراد الإشارة إلى أن أهل الجنة يدخلونها على قلب رجل واحد، نبّه عليه السهيلي، وزعم بعض المغاربة أنه يحتمل أن يراد بالرفيق الأعلى الله - ﷿ -؛ لأنه من أسمائه كما أخرج أبو داود من حديث عبد الله بن مغفل رفعه: \"إن الله رفيق يحب الرفق\" كذا اقتصر عليه، والحديث عند مسلم عن عائشة فعزوه إليه أولى.\nقال السهيلي: الحكمة في اختتام كلام المصطفى بهذه الكلمة كونها تتضمن التوحيد والذكر بالقلب حتى يستفاد منه الرخصة لغيره أنه لا يشترط أن يكون الذكر باللسان؛ لأن بعض الناس قد يمنعه من النطق مانع فلا يضره إذا كان قلبه عامرًا بالذكر، انتهى ملخصًا.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٢/ ٤٠٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ١٥٠).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ١٣٧).","vol":"4","page":665},{"text":"ثم قال الحافظ (^١) ها هنا في هذا الباب: وكأن عائشة أشارت إلى ما أشاعته الرافضة أن النبي - ﷺ - أوصى إلى علي بالخلافة وأن يوفي ديونه، وقد أخرج العقيلي وغيره في \"الضعفاء\" عن سلمان أنه قال: قلت: \"يا رسول الله! إن الله لم يبعث نبيًا إلا بيّن له من يلي بعده فهل بيَّن لك؟ قال: نعم، علي بن أبي طالب\"، ومن طريق آخر عنه: قلت: \"يا رسول الله، من وصيك؟ قال: وصيي وموضع سري وخليفتي على أهلي وخير من أخلفه بعدي علي بن أبي طالب\" (كرم الله وجهه)، ومن طريق آخر: \"لكل نبي وصي وأن عليًا وصيي وولدي\"، وفي رواية عن أبي ذر رفعه: \"أنا خاتم النبيين وعلي خاتم الأوصياء\"، أوردها وغيرها ابن الجوزي في \"الموضوعات\"، انتهى ويأتي في \"كتاب الدعوات\" \"باب دعاء النبي - ﷺ -: اللهم الرفيق الأعلى\".\n\n(٨٥ -<span data-type='title' id=toc-2502> باب وفاة النبي - ﷺ </span>-)\nقال الحافظ (^٢): أي: في أي السنين وقعت؟ وكذا قال العيني (^٣) وزاد: وفي بعض النسخ: \"باب وفاة النبي - ﷺ - ومتى توفي؟ وابن كم؟ \"، انتهى من \"العيني\".\nقلت: وبهذا اندفع توهم تكرار الترجمة بما تقدم من باب مرضه - ﷺ - ووفاته كما لا يخفى.\nقال الحافظ (^٤): قوله: (لبث بمكة عشر سنين. . .) إلخ، هذا يخالف المروي عن عائشة عقبه أنه عاش ثلاثًا وستين، إلا أن يحمل على إلغاء الكسر، وأكثر ما قيل في عمره أنه خمس وستون سنة، أخرجه مسلم وأحمد عن ابن عباس، وهو مغاير لحديث الباب؛ لأن مقتضاه أن يكون عاش ستين إلا أن يحمل على إلغاء الكسر، أو على قول من قال: إنه بعث\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ١٥٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ١٥٠).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٢/ ٤٠٥).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٨/ ١٥٠، ١٥١).","vol":"4","page":666},{"text":"ابن ثلاث وأربعين، وهو مقتضى ما روي عن ابن عباس أنه مكث بمكة ثلاث عشرة، ومات ابن ثلاث وستين، وفي رواية عنه: لبث بمكة ثلاث عشرة، وبعث لأربعين، ومات وهو ابن ثلاث وستين، وهذا موافق لقول الجمهور.\nوالحاصل: أن كل من روي عنه من الصحابة ما يخالف المشهور - وهو ثلاث وستون - جاء عنه المشهور، وهم ابن عباس وعائشة وأنس، ولم يختلف على معاوية أنه عاش ثلاثًا وستين، وبه جزم سعيد بن المسيب والشعبي ومجاهد، وقال أحمد: هو الثبت عندنا، وقد جمع السهيلي بين القولين بوجه آخر، وهو أن من قال: مكث ثلاث عشرة عدّ من أول ما جاءه الملك بالنبوَّة، ومن قال: مكث عشرًا أخذ ما بعد فترة الوحي ومجيء الملك بـ ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾.\nومن الشذوذ ما رواه عمر بن شبة أنه عاش إحدى أو اثنتين وستين، ولم يبلغ ثلاثًا وستين، وكذا رواه ابن عساكر أنه عاش اثنتين وستين ونصفًا، وهذا يصح على قول من قال: ولد في رمضان، وهو شاذ، انتهى مختصرًا، وتقدم شيء من ذلك في \"باب مبعث النبي - ﷺ -\".\n\n<span data-type='title' id=toc-2503>(باب)</span>\nبغير ترجمة، كذا للجميع بغير ترجمة، وقال بعد حديث الباب: ووجه إيراده ها هنا الإشارة إلى أن ذلك من آخر أحواله، وهو يناسب حديث عمرو بن الحارث في الباب الأول أنه لم يترك دينارًا ولا درهمًا، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nزاد العيني (^٢): هو كالفصل لما قبله، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ١٥١).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٢/ ٤٠٥).","vol":"4","page":667},{"text":"(٨٧ -<span data-type='title' id=toc-2504> باب بعث النبي - ﷺ - أسامة بن زيد. . .) إلخ</span>\nإنما أخَّر المصنف هذه الترجمة لما جاء أنه كان تجهيز أسامة يوم السبت قبل موت النبي - ﷺ - بيومين، وكان ابتداء ذلك قبل مرض النبي - ﷺ -، فندب الناس لغزو الروم في آخر صفر، ودعا أسامة فقال: \"سر إلى موضع مقتل أبيك فأوطئهم الخيل، فقد وليتك هذا الجيش، وأغر صباحًا على أُبْنَى، وحرق عليهم، وأسرع المسير تسبق الخير، فإن ظفرك الله بهم فأقل اللبث فيهم\"، فبدأ برسول الله - ﷺ - وجعه في اليوم الثالث، فعقد لأسامة لواء بيده، فأخذه أسامة فدفعه إلى بريدة وعسكر بالجرف، وكان ممن انتدب مع أسامة كبار المهاجرين والأنصار، منهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة وسعد وسعيد، فتكلم في ذلك قوم منهم عياش بن أبي ربيعة المخزومي، فردّ عليه عمر، وأخبر النبي - ﷺ - فخطب بما ذكر في هذا الحديث، ثم اشتد برسول الله - ﷺ - وجعه فقال: \"أنفذوا بعث أسامة\" فجهزه أبو بكر بعد أن استخلف، فسار عشرين ليلة إلى الجهة التي أمر بها، وقتل قاتل أبيه، ورجع بالجيش سالمًا وقد غنموا.\nوقد قصّ أصحاب المغازي قصةً مطولة فلخصتها، وكانت آخر سرية جهزها النبي - ﷺ -، وأوّل شيء جهزه أبو بكر - ﵁ -، وقد أنكر ابن تيمية في \"كتاب الرد على ابن المطهر\" أن يكون أبو بكر وعمر كانا في بعث أسامة، ومستند ما ذكره ما أخرجه الواقدي بأسانيده في المغازي، وذكره ابن سعد في أواخر الترجمة النبوية بغير إسناد، وذكره ابن إسحاق في السيرة المشهورة. . .، إلى آخر ما ذكر الحافظ، وعند الواقدي أيضًا: أن عدة ذلك الجيش كانت ثلاثة آلاف، فيهم سبعمائة من قريش، وفيه عن أبي هريرة: كانت عدة الجيش سبعمائة، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ١٥٢).","vol":"4","page":668},{"text":"(٨٨ -<span data-type='title' id=toc-2505> باب)</span>\nبغير ترجمة، كذا للجميع بغير ترجمة، قال العلَّامة العيني (^١): بعد ذكر الحديث: مطابقته للترجمة التي هي قوله: \"باب وفاة النبي - ﷺ -\" في قوله: \"دفنا النبي - ﷺ -\"، والبابان اللذان بعده متعلقان به، وليس لهما حكم الاستبداد، فافهم، كذا أفاد ﵀، ولم يتعرض له الحافظ ولا القسطلاني.\n\n(٨٩ -<span data-type='title' id=toc-2506> باب كم غزا النبي - ﷺ </span>-)\nختم البخاري كتاب المغازي بنحو ما ابتدأه به، وقد تقدم الكلام في أول المغازي على حديث زيد بن أرقم، وزاد ها هنا عن أبي إسحاق حديث البراء، وكأن أبا إسحاق كان حريصًا على معرفة عدد غزوات النبي - ﷺ -، وسأل زيد بن أرقم والبراء وغيرهما، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\nوقال العيني (^٣): واختلف في عدد غزواته - ﷺ - فعن مكحول: أن رسول الله - ﷺ - غزا ثمان عشرة غزوة، وقاتل في ثمان (^٤) غزوات: أولهن بدر، ثم أُحد، ثم الأحزاب، ثم قريظة، ثم بئر معونة، ثم غزوة بني المصطلق، ثم غزوة خيبر، ثم غزوة مكة، ثم حنين والطائف، قال ابن كثير: قوله: إن بئر معونة بعد بني قريظة فيه نظر، والصحيح أنها بعد أُحد، انتهى من \"العيني\".\nوفي \"الفتح\" (^٥): قال موسى بن عقبة: \"قاتل رسول الله - ﷺ - بنفسه في ثمان: بدرٍ ثم أحد ثم الأحزاب ثم المصطلق ثم خيبر ثم مكة ثم حنين ثم الطائف\" قال الحافظ: وأهمل غزوة قريظة؛ لأنه ضمها إلى الأحزاب لكونها\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٢/ ٤٠٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ١٥٤).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٢/ ٤٠٩).\n(^٤) كذا في الأصل، والمذكور بعده في التفصيل: \"تسع\"، فليحرر (ز).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٧/ ٢٨١).","vol":"4","page":669},{"text":"كانت في إثرها، وأفردها غيره لوقوعها منفردة بعد هزيمة الأحزاب، وكذا وقع لغيره عد الطائف وحنين واحدة لتقاربهما، انتهى.\nوفي هامش \"اللامع\" (^١): قال القسطلاني في \"المواهب\" (^٢): كان عدد مغازيه ﵊ التي خرج فيها بنفسه سبعًا وعشرين، كما قاله أئمة المغازي موسى بن عقبة وابن إسحاق وأبو معشر والواقدي وابن سعد، وجزم ابن الجوزي والدمياطي والعراقي وغيرهم، وقال ابن إسحاق في رواية البكائي عنه ستًا وعشرين، وجزم به في ديباجة \"الاستيعاب\" قائلًا: وهذا أكثر ما قيل، وقيل: خمسًا وعشرين، ولعبد الرزاق بسند صحيح عن ابن المسيب أربعًا وعشرين، وعند أبي يعلى بإسناد صحيح عن جابر أنها إحدى وعشرون، وروى الشيخان عن زيد بن أرقم أنها تسع عشرة، وفي \"خلاصة السير\" للمحب الطبري: جملة المشهور منها اثنتان وعشرون، انتهى مختصرًا بزيادة من الزرقاني (^٣).\nوقال النووي (^٤): قد اختلف أهل المغازي في عدد غزواته - ﷺ - وسراياه، فذكر ابن سعد وغيره عددهن مفصلات على ترتيبهن، فبلغت سبعًا وعشرين غزاة، وستًّا وخمسين سرية، قالوا: قاتل في تسع من غزواته وهي بدر، وأُحد، والمريسيع، والخندق، وقريظة، وخيبر، والفتح، وحنين، والطائف، هكذا عدّوا الفتح فيها، وهذا على قول من يقول: فتحت مكة عنوة، ولعل بريدة أراد بقوله: قاتل في ثمان إسقاط غزاة الفتح، ويكون مذهبه أنها فتحت صلحًا، كما قاله الشافعي وموافقوه، انتهى.\nقال الحافظ (^٥) بعد ذكر حديث الباب: وأخرج مسلم أيضًا من وجه\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٨/ ٢٤٦).\n(^٢) \"المواهب اللدنية\" (١/ ٣٣٥).\n(^٣) \"شرح الزرقاني على المواهب\" (٢/ ٢٢٠).\n(^٤) \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٦/ ٤٣٦).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٨/ ١٥٣، ١٥٤).","vol":"4","page":670},{"text":"آخر عن عبد الله بن بريدة عن أبيه أنه غزا مع رسول الله - ﷺ - تسع عشرة غزوة، وقد تقدم في أول المغازي توجيه ذلك وعدد الغزوات، انتهى.\nقلت: لم أجد في أول المغازي ما أحاله الحافظ من التوجيه بين حديثي بريدة، نعم تكلم الحافظ هناك على حديث زيد بن أرقم، ومع ذلك ليس في روايتي بريدة تعارض بين عدد ست عشرة وتسع عشرة، وذلك لأن لفظ رواية مسلم عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: \"غزا رسول الله - ﷺ - تسع عشرة غزوة\" الحديث، لا كما نقل الحافظ بلفظ: \"أنه غزا مع رسول الله - ﷺ - تسع عشر غزوة\"، ولفظ الرواية الثانية عند مسلم عنه: \"أنه غزا مع رسول الله - ﷺ - ست عشرة غزوة\" كما في حديث الباب، وعلى هذا لا تعارض بين روايتيه كما لا يخفى.\n(فائدة) قال الحافظ في آخر حديث الباب: حديث بريدة بن الحصيب: وهو أحد الأحاديث الأربعة التي أخرجها مسلم عن شيوخ أخرج البخاري تلك الأحاديث بعينها عن أولئك الشيوخ بواسطة، ووقع من هذا النمط للبخاري أكثر من مائتي حديث، وقد جردتها في جزء مفرد، انتهى.\nثم البراعة عند الحافظ كما تقدم في \"المقدمة\" هو ما قاله، وفي آخر المغازي الوفاة النبوية وما يتعلق بها، وعند هذا العبد الضعيف في قوله: \"قلت: كم غزا النبي - ﷺ -\" الحديث فإن الغزوة والحرب من مظان الموت، والإمام البخاري عندي يذكّر الرجل وقارئ كتابه في آخر كل كتاب موته كما تقدم في بدء الكتاب.\nوهذا آخر الجزء الرابع من \"الأبواب والتراجم لصحيح البخاري\"، وقد بدئ تبييض هذا الجزء في الرابع عشر من أول الربيعين سنة خمس وتسعين بعد ألف وثلاثمائة بالمدينة المنورة - زادها الله تعظيمًا وتكريمًا - بين منبر النبي - ﷺ - وقبره الأطهر روضة من رياض الجنة بيدي الأعزين المكرمين ختني المولوي الحافظ الحاج محمد عاقل صدر المدرسين بمدرسة مظاهر علوم وختني الآخر المولوي الحافظ الحاج محمد سلمان من أكابر","vol":"4","page":671},{"text":"المدرسين بالمدرسة المذكورة، وكانا يراجعان إلى وقت التبييض في المواضع المشكلة والتراجم الصعبة، فجزاهما الله تعالى عني وعن سائر الناظرين لهذا الجزء أحسن الجزاء، بارك الله في علومها، وأذاقهما من شراب حبه، وكان مجيئهما من الهند إلى البقعة الطاهرة لأجل هذا العمل، وذلك أن اشتغالهما في الهند بالتدريس وغيره كان حاجبًا عن تكميل هذا التبييض مسرعًا، ولذا تراخى تبييض الجزئين الأولين، فإنه كمل في عدة سنوات، ووقع فراغهما عن تبييض هذا الجزء بأقصر مدة، أعني: زهاء ثلاثة أشهر في السابع والعشرين من أولى الجمادين من السنة المذكورة، وما ذلك إلا بفضل الله - ﷾ - وببركة تلك البقعة الطاهرة الطيبة.\nفالحمد لله أولًا وآخرًا، والصلاة والسلام على سيدنا وسيد المرسلين محمد وآله وصحبه أجمعين إلى يوم الدين.\nوأنا العبد الضعيف المفتقر إلى رحمة ربه العليا المدعو بمحمد زكريا سابع والعشرين من أولى الجمادين سنة خمس وتسعين بعد ألف وثلاثمائة.\nتم الجزء الرابع\nويتلوه الجزء الخامس أوله \"كتاب التفسير\".","vol":"4","page":672},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nنحمده ونصلي على رسوله الكريم\n\n٦٥ -<span data-type='title' id=toc-2507> كتاب التَّفسير</span>\nكذا في النسخ \"الهندية\" وكذا في نسخة \"الفتح\" لكن بتقديم البسملة على الكتاب، وفي نسخة \"العيني\" و\"القسطلاني\" بعد ذكر البسملة كتاب تفسير القرآن.\nقال الحافظ (^١): التَّفسير تفعيل من الفسر وهو البيان تقول: فسرت الشيء بالتخفيف أَفْسُرُه فَسْرًا وفسّرته بالتشديد [أُفَسِّره] تفسيرًا إذا بيّنته، وقيل: هو مقلوب من سفر كجذب وجبذ تقول: سفر إذا كشف وجهه، ومنه أسفر الصبح إذا أضاء، واختلفوا في التَّفسير والتأويل قال أبو عبيدة وطائفة: هما بمعنى، وقيل: التَّفسير هو بيان المراد باللفظ، والتأويل هو بيان المراد بالمعنى، وقيل: في الفرق بينهما غير ذلك، انتهى.\nزاد القسطلاني (^٢): قال أبو العباس الأزدي: النظر في القرآن من وجهين، الأول: من حيث هو منقول، وهي جملة التَّفسير وطريقه الرواية والنقل، والثاني: من حيث هو معقول وهي جملة التأويل، وطريقه الدراية والعقل، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف: ٣] فلا بد من معرفة اللسان العربي في فهم القرآن العربي، انتهى.\nوقال العيني (^٣) تبعًا للكرماني: ومعناه الاصطلاحي هو: التكشيف عن مدلولات نظم القرآن، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ١٥٥).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٣).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٢/ ٤١٠)، \"شرح الكرماني\" (١٨/ ٢).","vol":"5","page":5},{"text":"قلت: ومما يجب التنبيه عليه أن مقصد الإمام البخاري ها هنا في كتاب التَّفسير أعم مما ذكر كما سيأتي أيضًا في كلام الشيخ الكَنكَوهي قُدِّس سرُّه في باب غير المغضوب عليهم.\nوقال صاحب \"الفيض\" (^١): اعلم أن أول من خدم القرآن أئمة النحو، فللفرّاء تفسير في معاني القرآن وكذا للزجاج، وذكر الذهبي أن الفراء كان حافظ الحديث أيضًا، وقد أخذ ابن جرير الطبري في تفسيره عن أئمة النحو كثيرًا، ولذا جاء تفسيره عدم النظير، ولو كان البخاري أيضًا سار سَيْرَه لكان أحسن لكنه كان عنده \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة معمر بن المثنى فأخذ منه تفسير المفردات وذلك أيضًا بدون ترتيب وتهذيب، فصار كتابه أيضًا على وزان كتاب أبي عبيدة في سوء الترتيب [والركة] والإتيان بالأقوال المرجوحة، والانتقال من مادة إلى مادة، ومن سورة إلى سورة، فصعب على الطالبين فهمه، ومن لا يدري حقيقة الحال يظن أن المصنف أتى بها إشارةً إلى اختياره تلك الأقوال المرجوحة مع أنه رتب كتاب التَّفسير كله من كلام أبي عبيدة ولم يعرج إلى النقد أصلًا، وهذا الذي عَرا شَقِيّ القاديان حيث زعم أن البخاري أشار في تفسيره إلى أن التوفي بمعنى الموت؛ لأنه فسر قوله تعالى: ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ [آل عمران: ٥٥] بمميتك، وهذا الآخر لم يوفق، ليفهم أن الحال ليس كما زعم، ولكنه كان في \"مجاز القرآن\" فنقله بعينه كسائر التَّفسير، فإن كان ذلك مختارًا كان لأبي عبيدة لا للمصنف، ثم إنّ هذا غير أبي عبيد صاحب \"كتاب الأموال\" فإنه متقدم على معمر بن المثنى، وهو أبو عبيد قاسم بن سلام من تلامذة محمد بن الحسن أول من صنف في غريب الحديث.\nثم إن المجاز في مصطلح القدماء ليس هو المجاز المعروف عندنا بل هو عبارة عن موارد استعمالات اللفظ، ومن ها هنا سمى أبو عبيدة\n_________\n(^١) \"فيض الباري\" (٥/ ١٨٥).","vol":"5","page":6},{"text":"تفسيره بمجاز القرآن، وهذا الذي يريده الزمخشري من قوله: ومن المجاز كذا، لا يريد به المجاز المعروف.\nثم اعلم أن تفسير المصنف ليس على شاكلة تفسير المتأخرين في كشف المغلقات وتقرير المسائل بل قصد فيه إخراج حديث مناسب متعلق به ولو بوجه، والتَّفسير عند مسلم أقل بقليل، وأكثر منه عند الترمذي، وليس عند غيرهم من الصحاح الست، ولذا خصت باسم الجامع وإنما كثرت أحاديث التَّفسير عند الترمذي لخفة شرطه، أما البخاري فإن له مقاصد أخرى أيضًا مع عدم مبالاته بالتكرار فجاء تفسيره أبسط من هؤلاء كلهم، انتهى من \"الفيض\"، وتكلم فيه على معنى التَّفسير بالرأي أيضًا فارجع إليه لو شئت.\nوما أفاد من أنه ليس عند غيرهم من الصحاح الست هو كذلك على الظاهر، لكن ذكر الإمام أبو داود في \"سننه\" \"كتاب الحروف\" وهو أيضًا داخل في \"كتاب التَّفسير\" على دأب الإمام البخاري.\nوما أفاده أيضًا من أن الإمام البخاري قد أخذ في تفسيره هذا كثيرًا من كتاب أبي عبيدة هو كذلك، كما ستقف عليه في هذا الكتاب \"كتاب التَّفسير\"، وحكى الحافظ في موضع من كتاب التَّفسير أن الإمام البخاري كان عنده صحيفة في التَّفسير رواها أبو صالح بسنده عن ابن عباس، قد اعتمد عليها الإمام البخاري في صحيحه هذا كثيرًا، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nقوله: (الرحمن الرحيم اسمان من الرَّحمة. . .) إلخ، كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٢) يعني: أن أصل معناهما ومادة اشتقاقهما واحد وإن كان الغالب في الفاعل استعماله من حيث الحدوث دون فعيل، ثم قد تستعمل كل منهما موضع الآخر بتجريده عن المعنى الزائد على أصل معنى قيام الفعل به، وإنما استعمل لفظ الفعيل في الصفات الخلقية لخلوها عن الحدوث بحسب أحوال المتصف به إذ لم يخل زمان من أزمانه إلا وهي قائمة به، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٤٣٨).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٩/ ٢، ٣).","vol":"5","page":7},{"text":"قال الحافظ (^١): قوله: اسمان من الرَّحمة، أي: مشتقان من الرَّحمة، والرَّحمة لغةً الرقة والانعطاف، وعلى هذا فوصفه به تعالى مجاز عن إنعامه على عباده، وهي صفة فعل لا صفة ذات، وقيل: ليس الرحمن مشتقًا لقولهم: وما الرحمن؟ وأجيب بأنهم جهلوا الصفة والموصوف، ولهذا لم يقولوا: من الرحمن وقيل: هو علم بالغلبة لأنه جاء غير تابع لموصوف في قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ﴾، ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: ١١٠] وغير ذلك، وتعقب بأنه لا يلزم من مجيئه غير تابع أن لا يكون صفة؛ لأن الموصوف إذا علم جاز حذفه وإبقاء صفته، انتهى.\nقوله: (الرحيم والراحم بمعنى واحد) تقدم في كلام الشيخ قُدِّس سرُّه وإن كان الغالب في الفاعل استعماله من حيث الحدوث دون فعيل، انتهى.\nقال القسطلاني (^٢): قوله: \"بمعنى واحد\" هذا بالنظر إلى أصل المعنى وإلا فصيغة فعيل من صيغ المبالغة فمعناها زائد على معنى الفاعل، وقد ترد صيغة فعيل بمعنى الصفة المشبهة وفيها أيضًا زيادة لدلالتها على الثبوت بخلاف مجرد الفاعل فإنه يدل على الحدوث، ويحتمل أن يكون المراد أن فعيلًا بمعنى فاعل لا بمعنى مفعول؛ لأنه قد يرد بمعنى مفعول فاحترز عنه، انتهى.\nوبسط الحافظ (^٣) الكلام على الفرق بينهما فقيل: الرحمن أبلغ لأنه يتناول جلائل النعم وأصولها، تقول: فلان غضبان إذا امتلأ غضبًا، وأردف بالرحيم ليكون كالتتمة ليتناول ما دق، وقيل: الرحيم أبلغ بما يقتضيه صيغة فعيل، والتحقيق أن جهة المبالغة فيهما مختلفة، انتهى مختصرًا.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ١٥٥).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٥).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ١٥٥).","vol":"5","page":8},{"text":"(١)<span data-type='title' id=toc-2508> سورة الفاتحة</span>\n(١ -<span data-type='title' id=toc-2509> باب ما جاء في فاتحة الكتاب. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^١): أي: من الفضل أو من التَّفسير أو أعم من ذلك مع التقييد بشرطه في كل وجه، انتهى.\nوكذا قال العيني والقسطلاني (^٢)، لكن العجب عن العلَّامة العيني أنه ذكر دأب الإمام البخاري في هذا الباب هذا، ثم أورد على البخاري في الباب الآتي فقال (^٣): لا وجه لذكر لفظ \"باب\" هنا، ولا ذكره حديث الباب ها هنا مناسبًا؛ لأنه لا يتعلق بالتَّفسير، وإنما محله أن يذكر في فضل القرآن، انتهى.\nوأنت خبير بأن لا إيراد على البخاري بعد تسليم الأصل المذكور، قلت: وما قال الحافظ في شرح الترجمة هو كذلك، نبَّه عليه الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٤) أيضًا إذ كتب في الباب الآتي: ثم الذي ينبغي التنبه له أن التَّفسير عند هؤلاء الكرام أعم من أن يكون شرح كلمة أو تفصيل قصَّة مما يتعلق بالكلام أو بيان فضيلة أو بيان ما يقرأ بعد تمام سورة، ولا أقل من أن يكون لفظ القرآن واردًا في الحديث وكون الأمور المتقدمة من التَّفسير ظاهر، وإنما الخفاء في هذا الأخير. والنكتة فيه أن لفظ الحديث يفسر لفظ القرآن بحيث يعلم منه أن المراد في الموضعين واحد، وكثيرًا ما ينكشف معنى اللفظ بوقوعه في قصة وكلام، ولا يتضح مراده لو وقع هذا اللفظ في غير تلك القصَّة، فإذا لاحظ الرجل الآية والرواية معًا كانت له مكنة على تحصيل المعنى، والله تعالى أعلم، انتهى.\nقلت: أجاد الشيخ قُدِّس سرُّه في ذلك فإنه يزول منه كثير من الإيرادات الواردة على البخاري في ذكر الروايات الكثيرة التي لا تعلق لها بتفسير الآية.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ١٥٦).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٢/ ٤١٠)، و\"إرشاد الساري\" (١٠/ ٥).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٢/ ٤١٣).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٩/ ٤).","vol":"5","page":9},{"text":"قوله: (مدينين محاسبين) كتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): هو من إطلاق أحد المساوقين على الآخر، فإن الحساب لا يكون إلا للجزاء، والجزاء لا يمكن بدون المحاسبة، انتهى.\nوذكر في هامشه توضيح ذلك وتأييد كلام الشيخ قُدِّس سرُّه، ثم ذكر المصنف فيه حديث أبي سعيد بن المعلى: كنت أصلي في المسجد فدعاني رسول الله - ﷺ -. . .، الحديث.\nقال القسطلاني (^٢) تبعًا للحافظ: واستدل به على أن إجابته واجبة يعصي المرء بتركه. وهل تبطل الصلاة أم لا؟ صرَّح جماعة من أصحابنا الشافعية وغيرهم بعدم البطلان، وأنه حكم مختص به صلى الله تعالى عليه وسلم، فهو مثل خطاب المصلي له بقوله: السلام عليك أيها النبي، ومثله لا يبطل الصلاة. وفيه بحث، لاحتمال أن تكون إجابته واجبة سواء كان المخاطب في الصلاة أم لا، إما كونه يخرج بالإجابة من الصلاة أو لا يخرج؛ فليس في الحديث ما يستلزمه، فيحتمل أن تجب الإجابة ولو خرج المجيب من الصلاة، وإلى ذلك جنح بعض الشافعية، انتهى. ولم يتعرض لهذه المسألة ها هنا العلَّامة العيني.\nوفي \"الأوجز\" (^٣): وهل تبطل الصلاة بهذه الإجابة أم لا؟ مختلف عند الفقهاء وصرَّح جماعة بأن الصلاة لا تبطل بذلك، وهو المعتمد عند الشافعية والمالكية، قاله الزرقاني (^٤).\nقال الدردير: يجب على المصلي إجابة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إذا دعاه حال الصلاة، وهل تبطل؟ قولان، الأظهر عدم البطلان، انتهى.\nوكذا قال الدسوقي في موضع آخر أن المعتمد عدم البطلان، وبحث\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٩/ ٣).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٧، ٨).\n(^٣) \"أوجز المسالك\" (٢/ ١٥٧).\n(^٤) \"شرح الزرقاني\" (١/ ١٧٤).","vol":"5","page":10},{"text":"فيه الحافظ في \"الفتح\" (^١) كما ذكر في \"الأوجز\"، فالظاهر أن الحافظ مال إلى الخروج عن الصلاة وإليه جنح بعض الشافعية، وصرَّح في \"حاشية الإقناع\" بعدم الفساد عندهم، وكذلك هو مختلف عندنا الحنفية، قال الطحطاوي على \"مراقي الفلاح\" (^٢): يفترض على المصلي إجابة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم واختلف في بطلانها حينئذ، كذا ذكره البدر العيني (^٣)، انتهى.\nكذا في \"البذل\" (^٤) انتهى من \"الأوجز\" والبسط فيه، وفيه أيضًا: ميل العلَّامة العيني إلى عدم الفساد وميل الطحاوي (^٥) كما في \"مشكله\" إلى عدم الفساد.\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-2510> باب ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ. . .﴾ إلخ)</span>\nتقدم في الباب السابق إيراد العيني عليه، وأن الإيراد ليس بصحيح.\nقال الحافظ (^٦): روى أحمد وابن حبان من حديث عدي بن حاتم: \"أن النبي - ﷺ - قال: المغضوب عليهم: اليهود، ولا الضالين: النصارى\" هكذا أورده مختصرًا، وهو عند الترمذي في حديث طويل، قال ابن أبي حاتم: لا أعلم بين المفسرين في ذلك اختلافًا، قال السهيلي: وشاهد ذلك قوله: تعالى في اليهود: ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [البقرة: ٩٠]، وفي النصارى: ﴿قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ [المائدة: ٧٧]، انتهى.\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (٨/ ١٥٧).\n(^٢) (ص ٣٠٢).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٥/ ٦٠٦).\n(^٤) \"بذل المجهود\" (٦/ ١٦٨).\n(^٥) \"مشكل الآثار\" (٤/ ٤٤) رقم (١٣٠٥).\n(^٦) \"فتح الباري\" (٨/ ١٥٩).","vol":"5","page":11},{"text":"(٢)<span data-type='title' id=toc-2511> سورة البقرة</span>\nوهكذا في نسخة \"العيني\"، وفي نسخة \"الفتح\" و\"القسطلاني\" بزيادة البسملة قبل سورة البقرة.\nقال الحافظ (^١): كذا لأبي ذر وسقطت البسملة لغيره، انتهى.\nوقال العلَّامة العيني (^٢): السورة في اللغة واحد السور، وهي كل منزلة من البناء، ومنه سور القرآن؛ لأنها منزلة بعد منزلة مقطوعة عن الأخرى، والجمع سور بفتح الواو، قال الجوهري: ويجوز أن يجمع على سُوْرَات [وسُوَرَات] وهي مدنية في قول الجميع، وحكى الماوردي والقشيري إلا آية واحدة وهي قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١] فإنَّها نزلت يوم النحر في حجة الوداع بمنى، وهي أول سورة نزلت بالمدينة في قول، وقيل لها: فسطاط القرآن، انتهى مختصرًا.\nقلت: وسيأتي الاختلاف في زمان نزول هذه الآية في آخر السورة.\nوقال الحافظ (^٣): اتفقوا على أنها مدنيَّة وأنها أول سورة نزلت بها، وسيأتي قول عائشة: ما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده - ﷺ -. ولم يدخل عليها إلا بالمدينة، انتهى.\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-2512> باب قول الله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ. . .﴾ [البقرة: ٣١]) إلخ</span>\nوقال القسطلاني (^٤): وفي نسخة: باب تفسير سورة البقرة ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ. . .﴾ إلخ، انتهى.\nقال الحافظ (^٥): واختلف في المراد بالأسماء فقيل: أسماء ذريته، وقيل: أسماء الملائكة، وقيل: أسماء الأجناس دون أنواعها، وقيل: أسماء كل ما في الأرض، وقيل: أسماء كل شيء حتى القصعة، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ١٦٠).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٢/ ٤١٤).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ١٦٠).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ١١).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٨/ ١٦٠).","vol":"5","page":12},{"text":"(٢ -<span data-type='title' id=toc-2513> باب)</span>\nبغير ترجمة، قال الحافظان ابن حجر والعيني (^١): كذا لهم بغير ترجمة.\nوقوله: (قال مجاهد) إلى آخر ما أورده عنه من التفاسير سقط جميع ذلك للسرخسي.\nقوله: (﴿إِلَى شَيَاطِينِهِمْ. . .﴾) إلخ، وصله عبد بن حميد بسنده عن مجاهد في قوله: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾، انتهى من \"الفتح\".\nقوله: (﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾) كتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): يعني: أن لفظ الخلف قد يطلق على من سبق وليس بمراد ها هنا، انتهى.\nقوله: (يولُونكم) يعني بذلك: أن في كل من تلك الألفاظ معنى القرب، وإن خصَّ الاستعمالُ مكسورَ الواو بالإمارة ومفتوحَهُ بالربوية إلى غير ذلك، انتهى.\nوذكر في هامشه توضيح كلام الشيخ قُدِّس سرُّه وتأييده.\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-2514> باب قوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا. . .﴾ [البقرة:</span> ٢٢])\nسقط لفظ \"باب\" لأبي ذر، والأنداد جمع ند بكسر النون وهو: النظير، وروى ابن أبي حاتم من طريق أبي العالية قال: الند العدل، ومن طريق الضحاك عن ابن عباس قال: الأنداد والأشباه، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\n\n(٤ -<span data-type='title' id=toc-2515> باب قوله تعالى: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ. . .﴾ [البقرة:</span> ٥٧])\nسقط لأبي ذر لفظ \"باب\".\nقوله: (وقال مجاهد: المن صمغة) أي: بفتح الصاد المهملة وسكون الميم ثم غين معجمة، وصله الفريابي بسنده عن مجاهد، وروى ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: كان المن ينزل على\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ١٦١)، و\"عمدة القاري\" (١٢/ ٤١٦).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٩/ ٥).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ١٦٣).","vol":"5","page":13},{"text":"الشجر فيأكلون منه ما شاءوا، ومن طريق عكرمة قال: كان مثل الرُّب الغليظ، أي: بضم الراء بعدها موحدة. ومن طريق السدي قال: كان مثل الترنجبيل (^١). وعن قتادة قال: كان المن يسقط عليهم سقوط الثلج أشد بياضًا من اللبن وأحلى من العسل. وهذه الأقوال كلها لا تَنافي فيها، ومن طريق وهب بن منبه قال: المنّ خبز الرقاق وهذا مغاير لجميع ما تقدم. وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: السلوى طائر يشبه السماني، ومن طريق وهب بن منبه قال: هو السماني، وعنه أنه قال: هو طير سمين مثل الحمام، ومن طريق عكرمة قال: طير أكبر من عصفور، ثم ذكر المصنف حديث سعيد بن زيد في \"الكمأة من المن\"، ووقع في رواية ابن عيينة عن عبد الملك بن عمير في حديث الباب \"من المن الذي أنزل على بني إسرائيل\"، وبه تظهر مناسبة ذكره في التَّفسير، والرد على الخطابي (^٢) حيث قال: لا وجه لإدخال هذا الحديث ها هنا. . .، إلى آخر ما قال في \"الفتح\" (^٣).\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٤): المن صمغة، أي: شبيهة بها في انجمادها على أغصان الشجر وإن لم يكن عين الصمغة، فإن الصمغة ما تخرج من نفس الشجر وليس الترنجبين بهذه المثابة، فإنه شيء يحصل بانجماد ما ينزل من الطل على شجرة مخصوصة لا توجد في ديارنا هذه، انتهى.\nوذكر في هامشه شرح قوله: \"الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين\".\n\n(٥ -<span data-type='title' id=toc-2516> باب ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا. . .﴾) إلخ</span>\nليس في بعض النسخ لفظ \"باب\".\nكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٥): قوله: وقالوا: حطة حبة. . . إلخ،\n_________\n(^١) كذا في الأصل، والمشهور: \"الترنجبين\"، (ز).\n(^٢) \"الأعلام\" (٣/ ١٧٩٩، ١٨٠٠).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ١٦٤).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٩/ ٧).\n(^٥) \"لامع الدراري\" (٩/ ٨).","vol":"5","page":14},{"text":"أي: قالوا: موضع حطة حبة في شعرة، وأما على ما في بعض النسخ \"حنطة حبة\" فلعلهم جمعوا بين اللفظين، أو يكون بعضهم قال: حنطة وبعض آخرون: حبة في شعيرة، ولا يخفى ما في تلك الكلمة من أثر الإهمال، انتهى.\n\n(٦ -<span data-type='title' id=toc-2517> قوله: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ. . .﴾ الآية [البقرة:</span> ٩٧])\nهكذا في النسخ الهندية بغير لفظ \"باب\"، وكذا في نسخة العلَّامة \"العيني\" و\"القسطلاني\"، وفي نسخة \"الفتح\" بزيادة لفظ \"باب\".\nقال الحافظ (^١): كذا لأبي ذر ولغيره قوله: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾، قيل: سبب عداوة اليهود لجبريل أنه أُمِر باستمرار النبوة فيهم فنقلها لغيرهم، وقيل: لكونه يطلع على أسرارهم. قال الحافظ: وأصح منهما ما سيأتي بعد قليل: لكونه الذي ينزل عليهم بالعذاب، انتهى.\n\n(٧ -<span data-type='title' id=toc-2518> قوله: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا. . .﴾ [البقرة:</span> ١٠٦])\nهكذا في النسخ الهندية بغير لفظ \"باب\"، وفي نسخ الشروح لفظ \"الباب\" موجود.\nقال الحافظ (^٢): كذا لأبي ذر \"نُنسِها\" بضم أوله وكسر السين بغير همز، ولغيره \"ننسأها\" والأول قراءة الأكثر، واختارها أبو عبيد وعليه أكثر المفسرين، والثانية قراءة ابن كثير وأبي عمرو وطائفة، وسأذكر توجيهها، وفيها قراءات أخرى في الشواذ. وقال في شرح الحديث: قوله: \"وقد قال الله تعالى\"، هو مقول عمر محتجًا به على أُبي بن كعب ومشيرًا إلى أنه ربما قرأ ما نسخت تلاوته لكونه لم يبلغه النسخ، واحتج عمر لجواز وقوع ذلك بهذه الآية، وقد أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: خطبنا عمر فقال: إن الله يقول: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾، أي: نؤخرها، وهذا يرجح رواية من قرأ بفتح أوله وبالهمز، وأما بضم أوله\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ١٦٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ١٦٧).","vol":"5","page":15},{"text":"فمن النسيان، وكذلك كان سعيد بن المسيب يقرأها فأنكر عليه سعد بن أبي وقاص، أخرجه النسائي، وكانت قراءة سعد (أو تنساها) بفتح المثناة خطابًا للنبي - ﷺ -، واستدل بقوله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾ [الأعلى: ٦]، وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: \"ربما نزل على النبي - ﷺ - الوحي بالليل ونسيه بالنهار، فنزلت\"، واستدل بالآية المذكورة على وقوع النسخ خلافًا لمن شذ فمنعه، وتعقب بأنها قضية شرطية لا تستلزم الوقوع، وأجيب بأن السياق وسبب النزول كان في ذلك؛ لأنها نزلت جوابًا لمن أنكر ذلك، انتهى.\n\n(٨ -<span data-type='title' id=toc-2519> باب قوله: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ﴾ [البقرة:</span> ١١٦])\nقال الحافظ (^١): كذا للجميع وهي قراءة الجمهور، وقرأ ابن عامر \"قالوا\" بحذف الواو، واتفقوا على أن الآية نزلت في من زعم أن لله ولدًا من يهود خيبر ونصارى نجران، ومن قال من مشركي العرب: الملائكة بنات الله، فرد الله تعالى عليهم.\nوقوله: \"قال الله تعالى. . .\" إلخ، هذا من الأحاديث القدسية، انتهى.\n\n(٩ -<span data-type='title' id=toc-2520> قوله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة:</span> ١٢٥])\nكذا بغير لفظ \"باب\" في النسخ \"الهندية\" وفي نسخ الشروح الثلاثة: \"الفتح\" و\"العيني\" و\"القسطلاني\" بزيادة لفظ \"الباب\".\nقال الحافظ (^٢): الجمهور على كسر الخاء من قوله: ﴿وَاتَّخِذُوا﴾ بصيغة الأمر، وقرأ نافع وابن عامر بفتح الخاء بصيغة الخبر، والمراد من اتبع إبراهيم، وهو معطوف على قوله: ﴿جَعَلْنَا﴾ فالكلام جملة واحدة، وقيل: على ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا﴾ فيحتاج إلى تقدير \"إذ\" ويكون الكلام جملتين، وقيل: على محذوف تقديره \"فثابوا\" أي: رجعوا واتخذوا، وتوجيه قراءة الجمهور أنه\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ١٦٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ١٦٨).","vol":"5","page":16},{"text":"معطوف على ما تضمنه قوله: ﴿مَثَابَةً﴾ كأنه قال: ثوبوا واتخذوا، أو معمول لمحذوف، أي: وقلنا: اتخذوا، ويحتمل أن يكون الواو للاستئناف.\nوقال الحافظ (^١) أيضًا في شرح ﴿مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾: إن أثر قدميه في المقام كرقم الباني في البناء ليذكر به بعد موته، ولم تزل آثار قدميه حاضرة في المقام معروفة عند أهل الحرم. وفي \"موطأ ابن وهب\" بسنده عن أنس قال: رأيت المقام فيه أصابع إبراهيم وأخمص قدميه غير أنه أذهبه مسح الناس بأيديهم، وأخرج الطبري في \"تفسيره\" (^٢) عن قتادة في هذه الآية: إنما أمروا أن يصلوا عنده ولم يؤمروا بمسحه، قال: ولقد ذكر لنا من رأى أثر عقبه وأصابعه فيها فما زالوا يمسحونه حتى اخلولق وانمحى، وكان المقام من عهد إبراهيم لزق البيت إلى أن أخَّره عمر - ﵁ - إلى المكان الذي هو فيه إلى الآن، أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (^٣) بسند صحيح عن عطاء وغيره، وأخرج البيهقي (^٤) عن عائشة مثله بسند قوي ولفظه: \"أن المقام كان في زمن النبي - ﷺ - وفي زمن أبي بكر ملتصقًا بالبيت ثم أخَّره عمر، وروي بسند ضعيف عن مجاهد: أن النبي - ﷺ - هو الذي حوَّله، والأول أصح، وأخرج ابن أبي حاتم بسند صحيح عن ابن عيينة قال: كان المقام في سقع البيت في عهد رسول الله - ﷺ - فحوَّله عمر - ﵁ -، فجاء سيل فذهب به فرده عمر إليه، انتهى.\nقال الحافظ: ولم تنكر الصحابة فعل عمر ولا من جاء بعدهم فصار إجماعًا وكان عمر رأى أن إبقاءه يلزم منه التضييق على الطائفين أو على المصلين فوضعه في مكان يرتفع به الحرج، وتهيأ له ذلك لأنه الذي كان أشار باتخاذه مصلى، وأول من عمل عليه المقصورة الموجودة الآن، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ١٦٩).\n(^٢) (٢/ ٣٥).\n(^٣) \"مصنف عبد الرزاق\" (٨٩٥٣ - ٨٩٥٥).\n(^٤) \"دلائل النبوة\" (١/ ٤٤٠) رقم (٣٩٣).","vol":"5","page":17},{"text":"(١٠ -<span data-type='title' id=toc-2521> باب قوله: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ﴾ [البقرة:</span> ١٢٧])\nقوله: (﴿الْقَوَاعِدَ﴾ أساسه. . .) إلخ، قال أبو عبيدة في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾، قال: قواعده أساسه، قال الفراء: القواعد أساس البيت، قال الطبري (^١): اختلفوا في القواعد التي رفعها إبراهيم وإسماعيل أهما أحدثاها أم كانت قبلهما؟ ثم روى بسند صحيح عن ابن عباس قال: \"كانت قواعد البيت قبل ذلك\"، ومن طريق عطاء قال: قال آدم: أي رب لا أسمع أصوات الملائكة قال: ابنِ لي بيتًا ثم احفف به كما رأيت الملائكة تحف ببيتي الذي في السماء، فيزعم الناس أنه بناه من خمسة أجبل حتى بناه إبراهيم بعد (^٢)، انتهى.\nقلت: وقد تقدم في آخر كتاب الأنبياء \"باب بنيان الكعبة\"، وتقدم هناك شيء من الكلام على بنائه.\n\n(١١ -<span data-type='title' id=toc-2522> باب قوله الله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ. . .﴾ الآية [البقرة:</span> ١٣٦])\nسقط لفظ \"باب\" لغير أبي ذر.\nقال الحافظ (^٣): قوله: \"لا تصدقوا أهل الكتاب\" أي: إذا كان ما يخبرونكم به محتملًا لئلا يكون في نفس الأمر صدقًا فتكذبوه، أو كذبًا فتصدقوه، ولم يرد النهي عن تكذيبهم في ما ورد شرعنا بخلافه، ولا عن تصديقهم فيما ورد شرعنا بوفائه، نبَّه على ذلك الشافعي - ﵀ -، ويؤخذ من هذا الحديث التوقف عن الخوض في المشكلات والجزم فيها بما يقع في الظن، انتهى.\n_________\n(^١) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٥٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ١٧٠).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ١٧٠).","vol":"5","page":18},{"text":"(١٢ -<span data-type='title' id=toc-2523> باب ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾ الآية [البقرة:</span> ١٤٢])\nوسقط لفظ \"باب\" لغير أبي ذر. والسفهاء جمع سفيه وهو خفيف العقل، وأصله من قولهم: ثوب سفيه، أي: خفيف النسج، واختلف في المراد بالسفهاء فقال البراء كما في حديث الباب وابن عباس ومجاهد: هم اليهود، وأخرج ذلك الطبري عنهم بأسانيد صحيحة، وروي من طريق السدي قال: هم المنافقون، والمراد بالسفهاء: الكفار وأهل النفاق واليهود، أما الكفار فقالوا لما حولت القبلة: رجع محمد إلى قبلتنا وسيرجع إلى ديننا، فإنه علم أنّا على الحق، وأما أهل النفاق فقالوا: إن كان أولًا على الحق فالذي انتقل إليه باطل وكذلك بالعكس، وأما اليهود فقالوا: خالف قبلة الأنبياء، ولو كان نبيًا لما خالف، فلما كثرت أقاويل هؤلاء السفهاء أنزلت هذه الآيات من قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ الآية، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(١٣ -<span data-type='title' id=toc-2524> باب قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا. . .﴾ [البقرة:</span> ١٤٣])\nسقط لفظ \"باب\" في نسخة \"القسطلاني\"، بل فيها: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ. . .﴾ إلخ.\nقال القسطلاني (^٢): ولأبي ذر: باب قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ﴾، أي: وكما جعلناكم مهديين إلى الصراط المستقيم وجعلنا قبلتكم أفضل القبل ﴿جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ أي: خيارًا أو عدولًا، وجعل بمعنى صيَّر فيتعدى لاثنين، فالضمير مفعول أول وأمة ثانٍ، و﴿وَسَطًا﴾ نعت وهو بالتحريك اسم لما بين الطرفين، ويطلق على خيار الشيء، وقيل: كل ما صلح فيه لفظٌ بيِّن يقال بالسكون وإلا فبالتحريك، وقيل: المفتوح في الأصل مصدر والساكن ظرف، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ١٧١).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٣٠).","vol":"5","page":19},{"text":"قال الحافظ (^١): قوله: \"والوسط العدل\" هو مرفوع من نفس الخبر، وليس بمدرج من قول بعض الرواة كما وهم فيه بعضهم، انتهى.\n\n(١٤ -<span data-type='title' id=toc-2525> باب قوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾ [البقرة:</span> ١٤٣])\nليس في نسخة \"القسطلاني\" لفظ \"باب\"، قال القسطلاني (^٢): قيل: القبلة مفعول أول والتي كنت عليها ثانٍ، فإن الجعل بمعنى التصيير، أي: الجهة التي كنت عليها وهي الكعبة، فإنه ﵊ كان يصلي إليها بمكة، ثم لما هاجر أمر بالصلاة إلى بيت المقدس تألفًا لليهود، أي: أن أصل أمرك أن تستقبل الكعبة وما جعلنا قبلتك بيت المقدس إلا لنعلم الآية، انتهى.\n\n(١٥ -<span data-type='title' id=toc-2526> باب قوله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ [البقرة:</span> ١٤٤])\nقال الحافظ (^٣): قوله: لم يبق ممن صلى القبلتين غيري. . . إلخ، في هذا إشارة إلى أن أنسًا آخر من مات ممن صلَّى إلى القبلتين، والظاهر أن أنسًا قال ذلك وبعض الصحابة ممن تأخر إسلامه موجود، ثم تأخر أنس إلى أن كان آخر من مات بالبصرة من أصحاب رسول الله - ﷺ -، قاله علي بن المديني وغيره، بل قال ابن عبد البر (^٤): هو آخر الصحابة موتًا مطلقًا لم يبق بعده غير أبي الطفيل، كذا قال، وفيه نظر، وقوله تعالى: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ [البقرة: ١٤٤]، هي الكعبة، وروى الحاكم من حديث ابن عمر في قوله: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً. . .﴾ إلخ، قال: نحو ميزاب الكعبة، وإنما قال ذلك؛ لأن تلك الجهة قبلة أهل المدينة، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ١٧٢).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٣١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ١٧٣).\n(^٤) \"الاستيعاب\" (١/ ١١٠) ترجمة (٨٤).","vol":"5","page":20},{"text":"(١٦ -<span data-type='title' id=toc-2527> باب قوله: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ. . .﴾ [البقرة: ١٤٥]) إلخ</span>\nليس في نسخة \"القسطلاني\" لفظ \"باب\".\nقال الحافظ (^١): ذكر فيه حديث ابن عمر المشار إليه قبل باب من وجه آخر، انتهى.\nوقال العلَّامة العيني (^٢): مطابقة الآية تتأتى بالتعسف يوضحها من يمعن النظر فيه، انتهى.\n\n(١٧ -<span data-type='title' id=toc-2528> باب قوله: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة:</span> ١٤٦])\nوليس لفظ \"باب\" في نسخة \"القسطلاني\"، وموجود في نسخة \"العيني\" و\"الفتح\".\nقال الحافظ (^٣): ساق فيه حديث ابن عمر المذكور من وجه آخر، انتهى.\nقال القسطلاني (^٤): قوله: ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ - ﷺ - بنعته وصفته ﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ روي أن عمر سأل عبد الله بن سلام عن رسول الله - ﷺ - فقال: أنا أعلم به مني بابني، قال: ولم؟ قال: لأني لم أشك في محمد أنه نبي، فأما ولدي فلعل والدته خانت، زاد السمرقندي في روايته: أقر الله عينك يا عبد الله. وقيل: الضمير في ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ للقرآن، وقيل: لتحويل القبلة، وظاهر سياق الآية، ثم يقتضي اختياره، انتهى.\nقلت: وأشار القسطلاني به إلى أن الإمام البخاري كأنه اختار هذا القول، أي: إرجاع الضمير إلى تحويل القبلة.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ١٧٤).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٢/ ٤٣٣).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ١٧٤).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٣٤).","vol":"5","page":21},{"text":"وكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): قوله: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ. . .﴾ إلخ، يعني: أنهم عرفوا محمدًا - ﷺ - أنه النبي الموعود المنعوت في التوراة، وقد كان في نعته أنه يصلي إلى القبلة آخرًا ويصلي إلى بيت المقدس أول قدومه مدة كذا، فمن هذه الحيثية كان عرفانهم بمحمد - ﷺ - عرفانًا بأمر التحويل، ولا حاجة في تصحيح إيراد هذه الرواية في هذا الباب إلى إرجاع ضمير يعرفونه إلى التحويل، فإن المرام حاصل بدونه أيضًا، فإن عرفان محمد - ﷺ - بنعته عرفان لجميع ما هو من أحواله المختصة، سيما أمر التحويل، فإنه كان علامة مكتوبة، انتهى.\nثم لا يذهب عليك أن الإمام البخاري بوَّب ها هنا بعدة أبواب، وذكر فيها عدة آيات متعلقة بتحويل القبلة وذكر في أكثرها حديثًا واحدًا، وهو حديث تحويل القبلة ولم يتعرض لوجه ذلك أحد من الشرَّاح، وهذا الصنيع مثل صنيعه في تفسير سورة المنافقون، وأجاد الشيخ قُدِّس سرُّه في تقريره هناك كما حكاه الشيخ المكي في تقريره إذ قال: اعلم أن هذه السورة نزلت دفعة واحدة في قصَّة ابن أُبي، فغرض البخاري من تعداد آياتها وتكرار تلك القصَّة فيها دفع احتمال نزول واحدة منها في غيرها، انتهى.\nوهذا التوجيه يتمشى ها هنا أيضًا، فلعل الإمام البخاري أشار ها هنا أيضًا بأن هذه الآيات كلها نزلت في قصَّة تحويل القبلة، ويؤيده ما تقدم في باب ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ. . .﴾ إلخ، ما حكى الحافظ عن السدي أنه قال في سبب نزول هذه الآيات: أنزلت هذه الآيات من قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ ثم رأيت الحافظين ابن حجر والعيني قد تعرضا لمثل هذا الإيراد والجواب في تفسير سورة مريم، فإن الإمام البخاري قد ترجم في تلك السورة بعدة آيات متعلقة بقصَّة العاص بن وائل وذكر في كل منها حديثًا واحدًا كما سيأتي هناك إن شاء الله تعالى.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٩/ ٨، ٩).","vol":"5","page":22},{"text":"(١٨ -<span data-type='title' id=toc-2529> باب قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ [البقرة:</span> ١٤٨])\nليس في نسخة \"القسطلاني\" ها هنا لفظ \"باب\"، وقال القسطلاني (^١): وفي نسخة \"باب ولكل من أهل الملل وجهة. . .\" إلخ.\nقوله: (ستة عشر أو سبعة عشر شهرًا. . .) إلخ، تقدم الكلام على الاختلاف في مدة التحويل في كتاب الإيمان.\n\n(١٩ -<span data-type='title' id=toc-2530><span data-type='title' id=toc-2531> باب ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ الآية [البقرة:</span></span> ١٤٩])\nهكذا في النسخ \"الهندية\" بزيادة لفظ \"باب\"، وليس هو في نسخة من نسخ الشروح الثلاثة.\nقوله: (شطره تلقاءه) قال الحافظ (^٢): قال الفراء في قوله تعالى: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ يريد نحوه، قال: وفي بعض القراءات، \"تلقاءه\" وروى الطبري من طريق أبي العالية قال: \"شطر المسجد الحرام تلقاءه\" ومن طريق قتادة نحوه، ثم ذكر المصنف حديث ابن عمر من طريق أخرى، انتهى.\n\n(٢٠ - باب ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. . .﴾ الآية [البقرة: ١٥٠])\nكذا بزيادة لفظ \"باب\" في النسخ \"الهندية\"، وفي نسخ الشروح بدونها ولم يتعرضوا ها هنا لاختلاف النسخ، ثم إن هذه الآية غير الآية الأولى، ولعل المصنف أشار باستقلال الترجمة إلى اختلافهم في أن هذا تأكيد أو مرتب على الأحوال المختلفة.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٣٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ١٧٥).","vol":"5","page":23},{"text":"فقد قال العلَّامة القسطلاني تبعًا للعيني (^١): هذا أمر ثالث منه تعالى باستقبال الكعبة، واختلف في حكمة التكرار فقيل: تأكيد لأنه أول ناسخ وقع في الإسلام على ما نص عليه ابن عباس وغيره، والنسخ من مظان الفتنة والشبهة، فبالحري أن يؤكد أمرها ويعاد ذكرها مرة بعد أخرى، وقيل: إنه منزل على أحوال، فالأول: لمن هو مشاهد للكعبة، والثاني: لمن هو في مكة غائبًا عن مشاهدة الكعبة، والثالث: لمن هو في غيرها من البلدان، أو الأول: لمن بمكة، والثاني: لمن هو بغيرها من البلدان، والثالث: لمن خرج في الأسفار، انتهى.\n\n(٢١ -<span data-type='title' id=toc-2532> باب قوله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ. . .﴾ [البقرة: ١٥٨]) إلخ</span>\nسقط لفظ \"باب\" في نسخة \"القسطلاني\".\nقال الحافظ (^٢): قوله: \" ﴿شَعَائِرِ﴾ علامات. . .\" إلخ، هو قول أبي عبيدة (^٣)، قوله: \"وقال ابن عباس: الصفوان. . .\" إلخ، وصله الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عنه، قوله: \"الحجارة الملس. . .\" إلخ، هو كلام أبي عبيدة (^٤) أيضًا، قال: الصفوان: جمع، ويقال للواحدة: صفوانة في معنى: الصفا، والصفا للجميع، وهي الحجارة الملس التي لا تنبت شيئًا أبدًا من الأرضين والرؤوس، وواحد الصفا صفاة، وقيل: الصفا اسم جنس يفرق بينه وبين مفرده بالتاء وقيل: مفرد يجمع على فعول وأفعال كقفا وأقفاء، فيقال فيه: صفا وأصفاء، ويجوز كسر صاد صفا أيضًا، ثم ساق حديث عائشة في سبب نزول هذه الآية، وقد تقدم في كتاب الحج، انتهى.\nوأجاد الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٥) في حل هذا المقام بما يناسب\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٣٦)، \"عمدة القاري\" (١٢/ ٤٣٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ١٧٦).\n(^٣) انظر: \"مجاز القرآن\" (١/ ٦٢).\n(^٤) انظر: \"مجاز القرآن\" (١/ ٨٢).\n(^٥) \"لامع الدراري\" (٩/ ١٠).","vol":"5","page":24},{"text":"جودة طبعه فللّه دره إذ كتب: قوله: \"الصفوان الحجر\" الظاهر أنه أراد بالحجر الجنس، فلا خلاف بين التَّفسيرين لهذا القدر، وأما قيد الملاسة فلعل ابن عباس قصد بالتَّفسير تعيين الجنس لا النوع، فلا يكون الخلاف فيه أيضًا، ويرد على تفسيره بالجمع أن العائد إليه في الآية ضمير المفرد حيث قال: ﴿كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ﴾، والجواب: أنه اسم جنس يطلق على المفرد والجمع، نعم يتقيد بالمفرد بزيادة التاء فيه، فلا يخالف قول ابن عباس وقول الآخر في ما بينهما ولا للآية.\nفحاصل كلامهما: أنه يطلق على المفرد والجمع كليهما ويتخصص بالمفرد بزيادة التاء.\nثم قوله: \"بمعنى الصفاء\"، متعلق بالصفوان لا الصفوانة؛ لأنه مصرّح بكونه جمعًا وليس الصفوانة جمعًا حتى يكون الصفا بمعناه، فيكون بمعنى الصفوان؛ لأنه بمعنى الجمع في صحة إطلاقه على المفرد والجمع؛ كالصفاء فإنه اسم جنس أيضًا يتقيد بالمفرد بزيادة تاء الوحدة، انتهى.\n\n(٢٢ -<span data-type='title' id=toc-2533> باب قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا. . .﴾ الآية [البقرة:</span> ١٦٥])\nقال القسطلاني (^١): سقط لفظ \"باب قوله\" لأبي ذر، انتهى.\nقد تقدم تفسير الأنداد بالأضداد لأبي عبيدة وهو تفسير باللازم، انتهى من \"الفتح\" (^٢) بزيادة.\n\n(٢٣ -<span data-type='title' id=toc-2534> باب ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ الآية [البقرة:</span> ١٧٨])\nليس في نسخة \"القسطلاني\" لفظ \"باب\".\nقال العلَّامة القسطلاني (^٣): روى ابن أبي حاتم في سبب نزول هذه\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٤٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ١٧٦).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٤١).","vol":"5","page":25},{"text":"الآية أن حيين من العرب اقتتلوا في الجاهلية قبل الإسلام بقليل، وكان بينهم قتل وجراحات حتى قتلوا العبيد والنساء، فلم يأخذ بعضهم من بعض حتى أسلموا، وكان أحد الحيين يتطاول على الآخر في العدة والأموال فحلفوا أن لا يرضوا حتى يقتل الحر منكم بالعبد والذكر بالأنثى، فنزلت، واستدل بها المالكية والشافعية على أنه لا يقتل الحر بالعبد، لكن قال البيضاوي (^١): لا دلالة فيها على أنه لا يقتل الحر بالعبد والذكر بالأنثى كما لا تدل على عكسه، فإن المفهوم إنما يعتبر حيث لم يظهر للتخصيص غرض سوى اختصاص الحكم، وقد بيَّنا ما كان الغرض، وإنما منع مالك والشافعي قتل الحر بالعبد سواء كان عبده أو عبد غيره لحديث: \"لا يقتل حر بعبد\"، رواه الدارقطني (^٢).\nوقال الحنفية: آية البقرة منسوخة بآية المائدة ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ فالقصاص ثابت بين العبد والحر والذكر والأنثى، ويستدلون بقوله ﵊: \"المسلمون تتكافأ دماؤهم\" وبأن التفاضل غير معتبر في الأنفس بدليل أن جماعة لو قتلوا واحدًا قُتِلوا به. أجيب بأن دعوى النسخ بآية المائدة غير سائغة لأنه حكاية ما في التوراة فلا ينسخ ما في القرآن، وعن الحسن وغيره: لا يقتل الرجل بالمرأة بهذه الآية، وخالفهم الجمهور وهو مذهب الأئمة الأربعة فقالوا: يقتل الذكر بالأنثى والأنثى بالذكر بالإجماع، وحينئذ فما نقله في الكشاف عن الشافعي ومالك أنه لا يقتل الذكر بالأنثى لا عمل عليه، انتهى.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): قوله: \"كان في بني إسرائيل القصاص. . .\" إلخ، ولا ينافيه ما ثبت أن يهود كانت الدية شائعة بينهم؛ لأن ذلك كان منهم تغييرًا لحكم الكتاب، انتهى.\nوذكر في هامشه الروايات وكلام المفسرين في تأييد كلام الشيخ قُدِّس\n_________\n(^١) \"تفسير البيضاوي\" (١/ ١٠٢).\n(^٢) \"سنن الدارقطني\" (٣/ ١٣٣).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٩/ ١١، ١٢).","vol":"5","page":26},{"text":"سرُّه، وقال القسطلاني (^١): وأهل التوراة كتب عليهم القصاص فقط وحرم عليهم العفو وأخذ الدية، وأهل الإنجيل العفو، وحرم عليهم القصاص والدية، وخيرت هذه الأمة المحمدية بين الثلاثة: القصاص والدية والعفو، تيسيرًا عليهم وتوسعة، انتهى.\n\n(٢٤ -<span data-type='title' id=toc-2535> باب ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ. . .﴾ [البقرة: ١٨٣] إلخ)</span>\nأما قوله: ﴿كُتِبَ﴾ فمعناه فرض، والمراد بالمكتوب فيه اللوح المحفوظ، وأما قوله: ﴿كَمَا﴾ فاختلف في التشبيه الذي دلَّت عليه الكاف هل هو على الحقيقة فيكون صيام رمضان قد كتب على الذين من قبلنا، أو المراد مطلق الصيام دون وقته وقدره؛ فيه قولان. . . إلى آخر ما بسط الحافظ (^٢) وقد تقدم في كتاب الصيام الكلام على التشبيه فارجع إليه.\n\n(٢٥ -<span data-type='title' id=toc-2536> باب قوله: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا. . .﴾ [البقرة: ١٨٤]) إلخ</span>\nقال القسطلاني (^٣): سقط لفظ \"باب\" لغير أبي ذر، انتهى.\nوقال الحافظ (^٤): قوله: \"قال عطاء: يفطر من المرض كله. . .\" إلخ، وصله عبد الرزاق (^٥) عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: من أي وجع أفطر في رمضان؛ قال: من المرض كله، قلت: يصوم فإذا غلب عليه أفطر؟ قال: نعم. وللبخاري في هذه الأثر قصة مع شيخه إسحاق بن راهويه ذكرتها في ترجمة البخاري من \"تغليق التعليق\" (^٦)، وقد اختلف السلف في\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٤٢).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (٨/ ١٧٨).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٤٦).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٨/ ١٧٩).\n(^٥) \"مصنف عبد الرزاق\" (٤/ ٢١٩) رقم (٧٥٦٨).\n(^٦) (٥/ ٤٢٩).","vol":"5","page":27},{"text":"الحد الذي إذا وجده المكلف جاز له الفطر، والذي عليه الجمهور أنه المرض الذي يبيح له التيمم مع وجود الماء، وهو ما إذا خاف على نفسه لو تمادى على الصوم أو على عضو من أعضائه أو زيادة في المرض الذي بدأ به أو تماديه، انتهى من هامش \"اللامع\" (^١)، وذكر فيه أيضًا القصَّة التي أحالها الحافظ، وكذا ذكر فيه الأقوال في مسألة الإفطار للمرض فارجع إليه لو شئت.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): قوله: \"يفطر من المرض كله\" إن حمل قول عطاء هذا على أنه لا يتوقف جواز الفطر على خوف الهلاك أو المشقة الشديدة، بل على أنه يجوز الإفطار في كل مرض أضر به الصوم أعم من أن يؤدي إلى الهلاك، وكانت المشقة فيه شديدة أم لا، كان غير مستبعد، ولا يخالف حينئذ قوله قول الجمهور، انتهى.\nقلت: وظاهر كلام البخاري والشرَّاح عامة أنهم فرقوا بين قول عطاء والجمهور، لكن ما تقدم عن \"الفتح\" من رواية عبد الرزاق من قول ابن جريج يشير إلى ما أفاده الشيخ.\nقوله: (وقال الحسن وإبراهيم في المرضع والحامل إذا خافتا على أنفسهما أو ولدهما: تفطران ثم تقضيان) هذه المسألة خلافية ففي \"بذل المجهود\" (^٣) تحت قوله: \"إن ابن عباس قال: أثبتت للحبلى والمرضع\": اختلفت الروايات في الحبلى والمرضع، ففي رواية عن ابن عباس: \"للحبلى والمرضع إذا خافتا أفطرتا وأطعمتا مكان كل يوم مسكينًا، ولا قضاء عليهما\"، وفي رواية عن ابن عباس أنه كان يقرأ: (وعلى الذين يطوّقونه) مشددة، قال: يكلفونه ولا يطيقونه، ويقول: ليست بمنسوخة، هو الشيخ الكبير الهرم والكبيرة الهرمة يطعمون لكل يوم مسكينًا ولا يقضون. . .، إلى\n_________\n(^١) انظر: \"لامع الدراري\" (٩/ ١٣).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٩/ ١٢).\n(^٣) \"بذل المجهود\" (٨/ ٤٣٤).","vol":"5","page":28},{"text":"آخر ما ذكر من الروايات المختلفة عن ابن عباس إلى أن قال: قال في \"بداية المجتهد\" (^١): وأما باقي هذا الصنف وهو المرضع والحامل والشيخ الكبير فإن فيه مسألتين مشهورتين: إحداهما: الحامل والمرضع إذا أفطرتا ماذا عليهما؟ وهذه المسألة للعلماء فيها أربعة مذاهب: أحدها: إنهما يطعمان ولا قضاء عليهما، وهو مروي عن ابن عمر وابن عباس، والقول الثاني: إنهما يقضيان فقط ولا إطعام عليهما، وهو مقابل الأول، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، والثالث: إنهما يقضيان ويطعمان، وبه قال الشافعي: والقول الرابع: إن الحامل تقضي ولا تطعم.\nوأما الشيخ الكبير والعجوز اللذان لا يقدران على الصيام فإنهم أجمعوا على أن لهما أن يفطرا، واختلفوا فيما عليهما إذا أفطرا، فقال قوم: عليهما إطعام، وقال قوم: ليس عليهما إطعام، وبالأول قال الشافعي وأبو حنيفة، وبالثاني قال مالك، انتهى. مختصرًا.\nقلت: والقول الرابع المذكور في كلام ابن رشد هو المشهور من أقوال مالك، والقول الثاني عنه لمالك في ذلك عليهما القضاء مع الإطعام، والقول الثالث له إنهما يطعمان ولا قضاء عليهما كما في \"الأوجز\" (^٢).\nوأما مذهب الحنابلة في ذلك ففي \"الأوجز\" (^٣) عن \"الروض\" (^٤): إن أفطرت حامل أو مرضع خوفًا على أنفسهما فقط أو مع الولد قضتاه فقط من غير فدية؛ لأنهما بمنزلة المريض الخائف على نفسه، وإن أفطرتا خوفًا على ولديهما فقط قضتا وأطعمتا لكل يوم مسكينًا ما يجزئ في كفارة، انتهى.\nوقال إسحاق على ما حكاه الترمذي: يفطران ويطعمان ولا قضاء عليهما، وإن شاءتا قضتا ولا إطعام عليهما، انتهى.\n_________\n(^١) (١/ ٣٠٠).\n(^٢) \"أوجز المسالك\" (٥/ ٢٩٦).\n(^٣) \"أوجز المسالك\" (٥/ ٢٩٦).\n(^٤) \"الروض المربع\" (١/ ٤١٧).","vol":"5","page":29},{"text":"وقال القاري (^١): المرضع والحبلى يقضيان ولا فدية عليهما عندنا. . .، إلى آخر ما بسط في \"الأوجز\".\n\n(٢٦ -<span data-type='title' id=toc-2537> باب قوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْه﴾ الآية [البقرة:</span> ١٨٥])\nوسقط لفظ \"باب\" في نسخة \"القسطلاني\" ذكر فيه حديث ابن عمر أنه قرأ \"فدية طعام\" بالإضافة، و\"مساكين\" بلفظ الجمع وهي قراءة نافع وابن ذكوان، والباقون بتنوين \"فدية\" وتوحيد \"مسكين\"، و\"طعام\" بالرفع على البدلية، وأما الإضافة فهي من إضافة الشيء إلى نفسه، والمقصود به البيان مثل خاتم حديد وثوب حرير؛ لأن الفدية تكون طعامًا وغيره، ومن جمع \"مساكين\" فلمقابلة الجمع بالجمع، ومن أفرد، فمعناه: فعلى كل واحد ممن يطيق الصوم، ويستفاد من الإفراد أن الحكم لكل يوم يفطر فيه إطعام مسكين، ولا يفهم ذلك من الجمع، والمراد بالطعام الإطعام (^٢).\nقوله: (قال: هي منسوخة) هو صريح في دعوى النسخ ورجحه ابن المنذر من جهة قوله: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ قال: لأنها لو كانت في الشيخ الكبير الذي لا يطيق الصيام لم يناسب أن يقال له: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ مع أنه لا يطيق الصيام (^٣)، انتهى.\nقلت: وتقدم الكلام على نسخة في \"باب ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ. . .﴾ \" إلخ، من كتاب الصوم، وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٤): والمدار على اختلاف التأويل فمن ذهب في تفسير الآية إلى أن معناه الاستطاعة ذهب إلى النسخ، والذي فسرها بعدم الاستطاعة ذهب إلى بقائها على حكمها، انتهى.\n_________\n(^١) \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ٢٧٨).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (٨/ ١٨١).\n(^٣) انظر: \"فتح الباري\" (٨/ ١٨١).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٩/ ١٤).","vol":"5","page":30},{"text":"وبسط في هامشه الكلام عليه، وكذا بسط فيه درجات فرضية الصوم.\n\n(٢٧ -<span data-type='title' id=toc-2538> باب قوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ. . .﴾ الآية [البقرة:</span> ١٨٧])\nليس لفظ \"الباب\" في نسخة \"القسطلاني\".\nقال الحافظ (^١): قوله: \"لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء. . .\" إلخ، قد تقدم في كتاب الصيام من حديث البراء أيضًا: إنهم كانوا لا يأكلون ولا يشربون إذا ناموا، وأن الآية نزلت في ذلك، وبيَّنت هناك أن الآية نزلت في الأمرين معًا، وظاهر سياق حديث الباب أن الجماع كان ممنوعًا في جميع الليل والنهار بخلاف الأكل والشرب فكانا مأذونًا فيه ليلًا ما لم يحصل النوم، لكن بقية الأحاديث الواردة بهذا المعنى تدل على عدم الفرق كما سأذكرها بعد، ويحمل قوله: \"كانوا لا يقربون النساء\" على الغالب جمعًا بين الأخبار.\nثم ذكر الحافظ بعد ذلك ما يدل على عدم الفرق وهو ما رواه أحمد وأبو داود (^٢) وعن معاذ بن جبل قال: \"أحيل الصيام ثلاثة أحوال\"، فذكر الحديث إلى أن قال: \"وكانوا يأكلون ويشربون ويأتون النساء ما لم يناموا، فإذا ناموا امتنعوا\" الحديث، وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه قال: \"كان الناس في رمضان إذا صام الرجل فأمسى فنام حرم عليه الطعام والشراب والنساء حتى يفطر من الغد، فرجع عمر من عند النبي - ﷺ - وقد سمر عنده، فأراد امرأته فقالت: إني قد نمت قال: ما نمت، ووقع عليها، وصنع كعب مثل ذلك فنزلت\" أي: قوله: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية [البقرة: ١٨٧]، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ١٨١، ١٨٢).\n(^٢) \"مسند أحمد\" (٥/ ٢٤٦)، \"سنن أبي داود\" رقم (٥٠٧).","vol":"5","page":31},{"text":"وكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): قوله: \"لا يقربون النساء رمضان كله\" أي: بعد النوم، وكان في تشديد هذا الحكم عليهم بمرة واحدة إظهار امتثالهم لمن خلفهم فإن افتقارهم إلى النساء وشدة مشقتهم كان قد أخرجهم عن حيطة الاختيار، ومع ذلك قالوا: سمعنا وأطعنا، وسلموا أمرهم لله تعالى، انتهى.\n\n(٢٨ -<span data-type='title' id=toc-2539> باب قوله: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ. . .﴾ [البقرة: ١٨٧]) إلخ</span>\nقال القسطلاني (^٢): سقط التبويب وتاليه لغير أبي ذر، انتهى.\nالعاكف: المقيم، ثبت هذا التَّفسير في رواية المستملي وحده، وهو تفسير أبي عبيدة (^٣) قال في قوله تعالى: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج: ٢٥] أي: المقيم والذي لا يقيم، ثم ذكر حديث عدي بن حاتم من وجهين في تفسير الخيط الأبيض والأسود، وحديث سهل بن سعد في ذلك وقد تقدما في الصيام، انتهى من \"الفتح\" (^٤).\n\n(٢٩ -<span data-type='title' id=toc-2540> باب قوله: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة: ١٨٩] الآية [البقرة:</span> ١٨٩])\nليس في نسخة \"القسطلاني\" لفظ \"باب\".\nوقال الحافظ (^٥): كذا لأبي ذر، وساق في رواية كريمة إلى آخرها، ثم ذكر حديث البراء في سبب نزولها، وقد تقدم شرحه في كتاب الحج، انتهى من \"الفتح\".\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٩/ ١٦).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٥٢).\n(^٣) انظر: \"مجاز القرآن\" (٢/ ٤٨).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٨/ ١٨٣).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٨/ ١٨٣).","vol":"5","page":32},{"text":"قلت: وقد تقدم الكلام عليه في باب قوله تعالى: ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩]، من كتاب الحج.\n\n(٣٠ -<span data-type='title' id=toc-2541> باب قوله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ. . .﴾ [البقرة: ١٩٣]) إلخ</span>\nوفي نسخة \"القسطلاني\" (^١): ﴿وَقَاتِلُوهُمْ. . .﴾ إلخ، بدون لفظ \"باب\".\nقال الحافظ (^٢): قوله: \"أتاه رجلان. . .\" إلخ، تقدم في مناقب عثمان أن اسم أحدهما العلاء بن عرار وهو بمهملات، واسم الآخر حبان السلمي صاحب الدثينة، أخرج سعيد بن منصور من طريقه ما يدل على ذلك، وسيأتي في تفسير سورة الأنفال أن رجلًا اسمه حكيم سأل ابن عمر عن شيء من ذلك، ويأتي شرح الحديث هناك. وقوله: \"في فتنة ابن الزبير\" في رواية سعيد بن منصور أن ذلك عام نزول الحجاج بابن الزبير، فيكون المراد بفتنة ابن الزبير ما وقع في آخر أمره، وكان نزول الحجاج وهو ابن يوسف الثقفي من قبل عبد الملك بن مروان جهزه لقتال عبد الله بن الزبير وهو بمكة في أواخر سنة ثلاث وسبعين، وقتل عبد الله بن الزبير في أواخر تلك السنة، ومات عبد الله بن عمر في أول سنة أربع وسبعين، انتهى.\nقوله: (فما يمنعك أن تخرج. . .) إلخ، كتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): أي: فتقاتل أقوامًا بغوا وعتوا، وإنما لم يخرج ابن عمر؛ لأنه لم ير طاقة، والفتنة في الآية أريد بها الشرك، وفي كلام ابن عمر أريد بها ما يشابهها من مقاتلة المسلمين وإفساد ذات بينهم.\nوقوله: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ ولكنه لم ير للمصالحة سبيلًا فلم يقع بينهما، وأما قوله: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾، فكانت المقاتلة لا تتيسر إلا بعدة وعدد ولم يكن لهم شيء من ذلك حتى يقاتلوا فلم يبق إلا السكوت والاستسلام، انتهى.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٥٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ١٨٤).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٩/ ١٨ - ٢٠).","vol":"5","page":33},{"text":"وبسط في هامشه في شرح هذا المقام فارجع إليه لو شئت.\n\n(٣١ -<span data-type='title' id=toc-2542> باب قوله: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ. . .﴾ [البقرة: ١٩٥]) إلخ</span>\nقال القسطلاني (^١): سقط لفظ \"باب\" لغير أبي ذر، انتهى.\nوقال الحافظ (^٢): قوله: \"التهلكة والهلاك واحد\" هو تفسير أبي عبيدة، وزاد: والهلاك والهلك يعني بفتح الهاء وبضمها واللام ساكنة فيهما، وكل هذه مصادر هلك بلفظ الفعل الماضي، وقيل: التهلكة ما أمكن التحرز منه، والهلاك بخلافه، وقيل: التهلكة نفس الشيء المهلك، وقيل: ما تضر عاقبته، والمشهور الأول.\nوقوله: (نزلت في النفقة) أي: في ترك النفقة في سبيل الله - ﷿ -، وهذا الذي قاله حذيفة جاء مفسرًا في حديث أبي أيوب الذي أخرجه مسلم والنسائي وأبو داود والترمذي وغيرهم، ثم ذكره الحافظ، وروى ابن أبي حاتم أنها كانت نزلت في ناس كانوا يغزون بغير نفقة، فيلزم على قوله: اختلاف المأمورين، فالذين قيل لهم: ﴿أَنْفِقُوا﴾ ﴿وَأَحْسِنُوا﴾ أصحاب الأموال، والذين قيل لهم: ﴿وَلَا تُلْقُوا﴾ الغزاة بغير نفقة، ولا يخفى ما فيه. وجاء عن البراء بن عازب في الآية تأويل آخر أخرجه ابن جرير وغيره عنه بإسناد صحيح عن أبي إسحاق قال: قلت للبراء: أرأيت قول الله - ﷿ -: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ هو الرجل يحمل على الكتيبة فيها ألف؟ قال: لا، ولكنه الرجل يذنب فيلقي بيده فيقول: لا توبة لي. والأول أظهر لتصدير الآية بذكر النفقة فهو المعتمد في نزولها، وأما قصرها عليه ففيه نظر؛ لأن العبرة بعموم اللفظ، انتهى مختصرًا وملخصًا من \"الفتح\".\nثم قال: وأما مسألة حمل الواحد على [العدد] الكثير من العدو\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٥٩).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ١٨٥)، \"مجاز القرآن\" (١/ ٦٨).","vol":"5","page":34},{"text":"فصرَّح الجمهور بأنه إن كان بفرط شجاعته وظنه أنه يرهب العدو بذلك أو يجرئ المسلمين عليهم أو نحو ذلك من المقاصد الصحيحة فهو حسن، ومتى كان مجرد تهور فممنوع، ولا سيما إن ترتب على ذلك وهن في المسلمين، والله أعلم، انتهى.\n\n(٣٢ -<span data-type='title' id=toc-2543> باب قوله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ. . .﴾ [البقرة: ١٩٦]) إلخ</span>\nليس في نسخة \"القسطلاني\" لفظ \"باب\" وقال (^١): ولأبي ذر: \"باب قوله. . .\" إلخ.\nقال الحافظ (^٢): ذكر فيه حديث كعب بن عجرة في سبب نزول هذه الآية، وقد تقدم في كتاب الحج، انتهى.\n\n(٣٣ -<span data-type='title' id=toc-2544> باب قوله: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة:</span> ١٩٦])\nوفي نسخة \"القسطلاني\" (^٣): ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ. . .﴾ إلخ، بدون لفظ \"باب\"، قال: ولأبي ذر: \"باب ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ. . .﴾ \" إلخ.\nقال الحافظ (^٤): قوله: \"نزلت آية المتعة. . .\" إلخ، يعني: متعة الحج، والمراد بالرجل في قوله: \"قال رجل برأيه\" هو عمر، انتهى.\nوقال القسطلاني: قيل: هو عثمان؛ لأنه كان يمنع التمتع، وقال أيضًا: زاد في نسخة: قال محمد، أي: البخاري يقال: إنه، أي: الرجل عمر لأنه كان ينهى عنها، وفي نفس الأمر لم يكن عمر - ﵁ - ينهى عنها محرّمًا لها إنما كان ينهى عنها ليكثر قصد الناس البيت حاجين ومعتمرين، قاله الحافظ عماد الدين ابن كثير في تفسيره، انتهى.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٦٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ١٨٦).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٦١).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٨/ ١٨٦).","vol":"5","page":35},{"text":"(٣٤ -<span data-type='title' id=toc-2545> باب قوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة:</span> ١٩٨])\nسقط لفظ \"باب\" في نسخة \"القسطلاني\".\nقال الحافظ (^١): ذكر فيه حديث ابن عباس، وقد تقدم في كتاب الحج.\n\n(٣٥ -<span data-type='title' id=toc-2546> باب قوله: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة:</span> ١٩٩])\nذكر فيه حديث عائشة، وقد تقدم في كتاب الحج أيضًا، ثم ذكر فيه حديث ابن عباس، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\nقلت: وسياق الحديثين مختلف.\nقال الكرماني (^٣) في حديث ابن عباس: فإن قلت: هذا السياق يدل على أن الإفاضة في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا﴾ من المزدلفة، والحديث السابق يعني حديث عائشة يدل على أنها من عرفات، قلت: لا منافاة إذ هذا تفسير ابن عباس والمراد من الناس الحمس، وذلك تفسير عائشة والمراد من الناس غير الحمس، انتهى من هامش \"الهندية\".\nوفيه أيضًا: قال القاضي ثناء الله في \"المظهري\" (^٤): كانت العرب تقف بعرفة وكان قريش تقف دون ذلك بالمزدلفة فأنزل الله تعالى ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ وهو قول أكثر المفسرين. وقيل: معنى الآية ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا﴾، يعني: بعد إفاضتكم من عرفات أفيضوا، ﴿مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾، يعني: من المزدلفة إلى منى، انتهى.\nقلت: قد عرفت أن الأول هو تفسير عائشة والثاني من تفسير ابن عباس، ثم أشكل عليَّ التَّفسير الأول بلفظة ﴿ثُمَّ﴾ لأنه مقدم على\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ١٨٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ١٨٧).\n(^٣) \"شرح الكرماني\" (١٧/ ٣٣).\n(^٤) \"تفسير المظهري\" (١/ ٢٣٦).","vol":"5","page":36},{"text":"الوقوف بمشعر الحرام. . .، إلى آخر ما ذكر في توجيهه في الهامش.\n\n(٣٦ -<span data-type='title' id=toc-2547> باب قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا. . .﴾ [البقرة: ٢٠١]) إلخ</span>\nليس في \"قس\" (^١) لفظ \"باب\".\nقال العلَّامة العيني (^٢): قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: كان قوم من الأعراب يجيئون إلى الموقف فيقولون: اللَّهمَّ اجعله عام غيث وعام خصب وعام ولاد حسن، ولا يذكرون من أمر الآخرة شيئًا فأنزل الله تعالى فيهم: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ أي: نصيب، وكان يجيء بعدهم آخرون من المؤمنين فيقولون: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ فأنزل الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾، وعن علي رضي الله تعالى عنه، الحسنة في الدنيا المرأة الصالحة وفي الآخرة الجنة، وعذاب النار المرأة السوء، انتهى.\n\n(٣٧ -<span data-type='title' id=toc-2548> باب قوله: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة:</span> ٢٠٤])\nليس في \"قس\" (^٣) لفظ \"باب\".\n﴿أَلَدُّ﴾ أفعل تفضيل من اللدد وهو: شدة الخصومة، و﴿الْخِصَامِ﴾ جمع خصم وزن كلب وكلاب، والمعنى: هو أشد المخاصمين مخاصمة، ويحتمل أن يكون مصدرًا، تقول: خاصم خصاما كقاتل قتالًا، والتقدير: وخاصمه أشد الخصام، أو هو أشد ذوي الخصام مخاصمة، وقيل: أفعل ها هنا ليست للتفضيل بل بمعنى الفاعل، أي: وهو لديد الخصام، أي: شديد المخاصمة فيكون من إضافة الصفة المشبهة، انتهى من \"الفتح\" (^٤).\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٦٤).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٢/ ٤٥٤).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٦٥).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٨/ ١٨٨).","vol":"5","page":37},{"text":"(٣٨ -<span data-type='title' id=toc-2549> باب قوله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ. . .﴾ [البقرة: ٢١٤]) إلخ</span>\nكذا في النسخ \"الهندية\" \"والعيني\"، وفي نسخة \"الفتح\" و\"القسطلاني\" بغير لفظ \"باب\".\nذكر فيه حديثي ابن عباس وعائشة في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ. . .﴾ إلخ، وتقدم شرحه من كلام الشيخ الكَنكَوهي قُدِّس سرُّه في باب قوله - ﷿ -: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ. . .﴾ [يوسف: ٧] إلخ، من كتاب الأنبياء.\nقوله: (ذهب بها هناك)، قال القسطلاني (^١): \"ذهب بها\"، أي: بهذه الآية ابن عباس، أي: فهم منها ما فهمه من آية البقرة من الاستبعاد والاستبطاء وتلا: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [البقرة: ٢١٤] لتناهي الشدة واستطالة المدة بحيث تقطعت حبال الصبر ﴿مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ استبطاء لتأخره فقيل لهم: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ إسعافًا لهم إلى طلبتهم من عاجل النصر. وهذه الآية كآية سورة يوسف في مجيء النصر بعد اليأس والاستبعاد، وفي ذلك إشارة إلى أن الوصول إلى الله تعالى والفوز بالكرامة عنده برفض اللذات ومكابدة الشدائد والرياضات.\n\n(٣٩ -<span data-type='title' id=toc-2550> باب قوله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ. . .﴾ الآية [البقرة:</span> ٢٢٣])\nاختلف في معنى ﴿أَنَّى﴾ فقيل: كيف، وقيل: حيث، وقيل: متى، وبحسب هذا الاختلاف جاء الاختلاف في تأويل الآية، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\nوقال الحافظ في شرح الحديث: قوله: \"يأتيها في\" هكذا وقع في جميع النسخ، لم يذكر ما بعد الظرف وهو المجرور، ووقع في \"الجمع بين\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٦٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ١٨٩، ١٩٠).","vol":"5","page":38},{"text":"الصحيحين\" (^١) للحميدي: \"يأتيها في الفرج\"، وهو من عنده بحسب ما فهمه، ثم وقفت على سلفه فيه وهو البرقاني فرأيت في نسخة الصغاني: \"زاد البرقاني، يعني: الفرج\" وليس مطابقًا لما في نفس الرواية عن ابن عمر لما سأذكره، وقد قال أبو بكر بن العربي في \"سراج المريدين\": أورد البخاري هذا الحديث في التَّفسير فقال: \"يأتيها في\" وترك بياضًا، والمسألة مشهورة، صنف فيها محمد بن سحنون جزءًا، وصنف فيها محمد بن شعبان كتابًا، وبيَّن أن حديث ابن عمر في إتيان المرأة في دبرها، انتهى.\nثم ذكر الحافظ عدة روايات عن ابن عمر بطرق مختلفة فيه التصريح بأن الآية نزلت في إتيان النساء في أدبارهن.\nوتكلم على هذه الروايات القسطلاني أيضًا وقال (^٢): ولم ينفرد ابن عمر بذلك بل رواه أيضًا أبو سعيد الخدري كما عند ابن جرير والطحاوي في \"مشكله\" بلفظ: إن رجلًا أصاب امرأته في دبرها فأنكر الناس عليه، فأنزل الله الآية، وقد نقل إباحة ذلك عن جماعة من السلف لهذا الحديث وظاهر الآية، ونسبه ابن شعبان لكثير من الصحابة والتابعين ولإمام الأئمة مالك في روايات كثيرة، قال أبو بكر الجصاص في \"أحكام القرآن\" له: المشهور عن مالك إباحته، وأصحابه ينفون هذه المقالة عنه لقبحها وشناعتها، وهي عنه أشهر من أن تندفع بنفيهم عنه، انتهى.\nلكن روى الخطيب عن مالك من طريق إسرائيل بن روح قال: سألت مالكًا عن ذلك فقال: ما أنتم قوم عرب هل يكون الحرث إلا موضع الزرع لا تعدو الفرج، قلت: يا أبا عبد الله إنهم يقولون: إنك تقول ذلك، قال: يكذبون علي يكذبون علي. فالظاهر أن أصحابه المتأخرين اعتمدوا على هذه القصَّة، ولعل مالكًا رجع عن قوله الأول، ولذا قال بعض المالكية: إن ناقل إباحته عن مالك كاذب مفتر، ومذهب الشافعي وأبي حنيفة وصاحبيه وأحمد\n_________\n(^١) (٢/ ٢٨٠)، (ح ١٤٤٠).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٧١).","vol":"5","page":39},{"text":"والجمهور التحريم لورود النهي عن فعله وتعاطيه، وحملوا ما ورد عن ابن عمر على أنه يأتيها في قبلها من دبرها. . . إلى آخر ما بسط القسطلاني.\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^١): قوله: \"يأتيها في\" ولم يذكر المجرور استهانةً وصونًا للسانه من أن يجري عليه شيء من هذا القبيل، ونسبه العلماء إلى ما هو خلاف الجمهور، فقالوا: إنه جوّز الإتيان في الدبر والظاهر على ذلك أنه أراد بالحرث المرأة مطلقًا لا موضع الوطء خاصًا كما اختاره الآخرون، فقالوا: ليس الدبر موضع الحرث فلم يجز إتيانها منه، فإذا أريدت بالحرث هي بتمامها لكونها محل نشوة الولد ومنبته كان المعنى: وأتوا نسوتكم من أين شئتم، هذا والصواب إرجاع كلامه إلى ما يوافق رأي الجمهور، فيقال: كلمة \"في\" ها هنا بمعنى من، أو يقال: المضاف المجرور هو الجانب، أي: ائتوها في أيّ جهاتها شئتم لا في أي صماخها شئتم، انتهى.\n\n(٤٠ -<span data-type='title' id=toc-2551> باب قوله: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ. . .﴾ الآية [البقرة:</span> ٢٣١])\nاتفق أهل التَّفسير على أن المخاطب بذلك الأولياء، ذكره ابن جرير وغيره، وروى ابن المنذر عن ابن عباس: هي في الرجل يطلق امرأته فتقضي عدتها فيبدو له أن يراجعها وتريد المرأة ذلك فيمنعه وليها، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\n\n(٤١ -<span data-type='title' id=toc-2552> باب قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا. . .﴾ [البقرة: ٢٣٤]) إلخ</span>\nليس في \"قس\" (^٣) لفظ \"باب\".\nقال الحافظ (^٤): \" ﴿يَعْفُونَ﴾: يهبن. . .\" إلخ، ثبت هذا ها هنا في\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٩/ ٢٠، ٢١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ١٩٢).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٧٤).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٨/ ١٩٤).","vol":"5","page":40},{"text":"نسخة الصغاني، وهو تفسير أبي عبيدة، قال (^١): ﴿يَعْفُونَ﴾ يتركن، يهبن، وهو على رأي الحميدي خلافًا لمحمد بن كعب فإنه قال: المراد عفو الرجال، وهذه اللفظة ونظائرها مشتركة بين جمع المذكر والمؤنث، لكن في الرجال النون علامة الرفع، وفي النساء النون ضمير لهن، ووزن جمع المذكر يفعلون وجمع المؤنث يفعلن، انتهى.\nقوله: (قال: قد نسختها الآية الأخرى) كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٢): هي التي عقد لها الباب وبذلك يصح إيراد الرواية فيه، انتهى.\nقوله: (كانت هذه العدة، تعتد عند. . .) إلخ، هذا البحث من مزالق الأقدام، والروايات في ذلك عن ابن عباس مختلفة، وكذا الفرق بين قول مجاهد وعطاء غامض كما بسط الكلام على ذلك في هامش \"اللامع\" من كلام الشرَّاح وغيره، ومن تقارير مولانا محمد حسن المكي المنقول عن شيخه الشيخ الكَنكَوهي وبسط الكلام عليه أيضًا في \"اللامع\" حيث كتب: حاصل كلامه هذا: أنه لا نسخ في شيء من الآيتين، وأن الأولى متقدمة في النزول على المتأخرة.\nوحاصله: أنه يجب على المرأة أن تعتد أربعة أشهر وعشرًا، ويجب على الورثة تمتيعهن إلى تمام الحول، فإن قصدت المرأة أن تخرج في تلك المدة الزائد على أربعة أشهر وعشر كان لها ذلك، والظاهر أن ذلك بيان منه لما كانت عليه النساء قبل نزول الميراث، وإذا نزلت آية الميراث لم يبق لها وجوب الإيصاء على الأزواج فسقط التمتيع، وعلى هذا فلا يكون بين كلام عطاء ومجاهد خلاف، فلا يلزم تناف وتضاد بين كلام ابن عباس لأنهما يأخذان منه وينقلان منه، وعلى هذا فمعنى قوله: فالعدة كما هي واجب عليها أن المرأة تتربص هذه المدة ولا تتزوج وإن كان لها أن تذهب حيث شاءت، وأما حاصل كلام عطاء فإن المرأة كانت مأمورة بالاعتداد في بيته، فإذا نزلت الآية ﴿وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ. . .﴾ إلخ، أبيح لهن الخروج قبل انقضاء\n_________\n(^١) انظر: \"مجاز القرآن\" (١/ ٧٦).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٩/ ٢٢ - ٢٧).","vol":"5","page":41},{"text":"مدة العدة وأمر الأزواج بالإيصاء وورثتهم بعدم الإخراج، ثم لما نزلت آية الميراث سقط عنهن ذلك، فلم يبق إلا التربص حيث ما كان مدة أربعة أشهر وعشرًا، وهذا مخالف لما ذهب إليه الجمهور من أن الآية الأولى ناسخة للثانية، انتهى.\nوذكر في هامش \"اللامع\": ثم لا يذهب عليك أن ها هنا ثلاث مسائل كلها خلافية، طالما يلتبس إحداها بالأخرى على نقلة المذاهب، الأولى: وجوب سكنى المتوفى عنها على الزوج يعني في ماله، والثانية: جواز خروجها عن بيت العدة ليلًا أو نهارًا لحوائجها، والثالثة: الاعتداد في بيتها الذي بلغها فيه نعيه سواء كانت السكنى عليها أو على زوجها، وبسط الكلام على تلك المسائل أشد البسط في \"الأوجز\" (^١).\nأما مسألة المتوفى عنها زوجها في النفقة والسكنى، التي هي مسألة الباب ففي \"الأوجز\" (^٢) قال النووي: المتوفى عنها زوجها لا نفقة لها بالإجماع، والأصح عندنا وجوب السكنى، ولو كانت حاملًا فالمشهور أنه لا نفقة لها كما لو كانت حائلًا، وقال بعض أصحابنا: تجب وهو غلط، انتهى.\nوقال الباجي المالكي: المتوفى عنها زوجها لا نفقة لها وإن كانت حاملًا، وقال الموفق: المعتدة من الوفاة إن كانت حائلًا فلا نفقة لها ولا سكنى، وإن كانت حاملًا ففيها روايتان: إحداهما: هذه، والثانية: لها السكنى والنفقة، وللشافعي في سكنى المتوفى عنها قولان، انتهى.\nوفي \"البدائع\": المعتدة عن وفاة لا نفقة لها ولا سكنى في مال الزوج سواء كانت حائلًا أو حاملًا، إلى أن قال: إذا مات الزوج انتقل ملك أمواله إلى الورثة فلا يجوز أن تجب النفقة والسكنى في مال الورثة، انتهى ملخصًا من \"الأوجز\" وهامش \"اللامع\".\nوسيأتي تفصيل الخلاف في المعتدات من المطلقة المبتوتة والرجعية\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (١١/ ٤١٧).\n(^٢) المصدر السابق.","vol":"5","page":42},{"text":"والمتوفى عنها زوجها من حيث وجوب النفقة والسكنى في باب قصَّة فاطمة بنت قيس من كتاب العدة.\nقوله: (فقال عبد الرحمن: ولكن عمه كان لا يقول ذلك. . .) إلخ، بل يقول: تعتد بأبعد الأجلين، قال الحافظ (^١): كذا نقل عبد الرحمن بن أبي ليلى عنه، يعني: عن عبد الله بن مسعود، والمشهور عنه أنه كان يقول خلاف ما نقله ابن أبي ليلى فلعله كان يقول ذلك ثم رجع أو وهم الناقل عنه، انتهى.\nوقال الحافظ (^٢) في كتاب العدة: وقد ثبت عن ابن مسعود من عدة طرق أنه كان يوافق الجماعة حتى كان يقول من شاء لاعنته على ذلك، انتهى. وسيأتي شيء من الكلام على تلك المسألة في كتاب العدة.\n\n(٤٢ -<span data-type='title' id=toc-2553> باب قوله: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى. . .﴾ [البقرة:</span> ٢٣٨])\nقال الحافظ (^٣): هي تأنيث الأوسط، الأعدل من كل شيء، وليس المراد به التوسط بين الشيئين بأن فعلى معناها التفضيل، ولا ينبني للتفضيل إلا ما يقبل الزيادة والنقص، والوسط بمعنى الخيار، والعدل يقبلهما، بخلاف المتوسط فلا يقبلهما فلا ينبني منه أفعل تفضيل، انتهى.\nقال القسطلاني (^٤): قوله: ﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾، أي: الوسطى بينها أو الفضلى منها من قولهم للأفضل الأوسط قاله الزمخشري، وتعقب بأن الذي يقتضيه الظاهر أن تكون الوسطى فعلى مؤنث الأوسط كالفضلى مؤنث الأفضل، وقال تعالى: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ أي: أفضلهم، ومنه يقال: فلان واسطة قومه، أي: أفضلهم وعينهم، وليست من الوسط الذي معناه المتوسط بين الشيئين، ثم ذكر ما تقدم من كلام الحافظ. ثم الصلاة\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٦٥٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٤٧٤).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ١٩٥).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٨٠).","vol":"5","page":43},{"text":"الوسطى قال القسطلاني (^١): اختلف السلف والخلف في تعيينها، قال الترمذي والبغوي: أكثر علماء الصحابة وغيرهم أنها العصر. وقال الماوردي: إنه قول جمهور التابعين، وحكاه الدمياطي عن عمر وعلي وابن مسعود، ثم ذكر عدة أسماء وهو مذهب أحمد، قال ابن المنذر: إنه الصحيح عن أبي حنيفة وصاحبيه، واختاره ابن حبيب من المالكية لحديث علي مرفوعًا عند أحمد: \"شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر\"، وكذا عند مسلم والنسائي وأبي داود كل بلفظ صلاة العصر. . .، إلى آخر ما بسط القسطلاني في تأييده من الروايات، ثم قال: وقيل: إنها الصبح رواه مالك في موطئه بلاغًا عن علي وابن عباس، وهو مذهب مالك ونص عليه الشافعي محتجًا بقوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ والقنوت عنده في صلاة الصبح، وقيل: هي واحدة من الخمس لا بعينها، وأبهمت فيهن كليلة القدر في الحول أو الشهر أو العشر، واختاره إمام الحرمين، قال ابن كثير: والمدار ومعترك النزاع في الصبح أو العصر، وقد بيَّنت السُّنَّة أنها العصر فتعين المصير إليها، وقد جزم الماوردي بأن مذهب الشافعي أنها العصر وإن كان قد نص في الجديد أنها الصبح لصحة الأحاديث أنها العصر لقوله: إذا صح الحديث، وقلت قولًا فأنا راجع عن قولي وقائل بذلك. لكن قد صمم جماعة من الشافعية أنها الصبح قولًا واحدًا، انتهى من \"القسطلاني\" مختصرًا.\nوبسط الكلام على تعينها في \"البذل\" (^٢) وكذا في \"الأوجز\" (^٣) وفيه اختلفوا في تعيينها على أكثر من عشرين قولًا، ثم ذكر فيه اثنين وعشرين قولًا حكاه العيني عن الدمياطي في كتاب \"كشف المغطى عن الصلاة الوسطى\" والمشهور منها ثلاثة أقوال:\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٨١).\n(^٢) \"بذل المجهود\" (٣/ ٦٧، ٦٨).\n(^٣) \"أوجز المسالك\" (٣/ ٨٦).","vol":"5","page":44},{"text":"الأول: الصبح، وهو مذهب مالك والشافعي.\nوالثاني: العصر، وبه قال أبو حنيفة وأحمد.\nوالثالث: إنها الظهر، وبه قال زيد بن ثابت وعروة، انتهى.\n\n(٤٣ -<span data-type='title' id=toc-2554> باب قوله: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] مطيعين)</span>\nهو تفسير ابن مسعود أخرجه ابن أبي حاتم بإسناد صحيح، ونقله أيضًا عن ابن عباس وجماعة من التابعين، وذكر من وجه آخر عن ابن عباس قال: ﴿قَانِتِينَ﴾ أي: مصلين، وعن مجاهد قال: من القنوت الركوع والخشوع وطول القيام وغض البصر وخفض الجناح والرهبة لله. وأصح ما دل عليه حديث الباب - وهو حديث زيد بن أرقم - في أن المراد بالقنوت في الآية السكوت، والمراد به السكوت عن كلام الناس لا مطلق الصمت؛ لأن الصلاة لا صمت فيها بل جميعها قرآن وذكر، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوفي \"بذل المجهود\" (^٢) عن \"مجمع البحار\": القنوت يرد بمعنى طاعة وخشوع وصلاة ودعاء وعبادة وقيام وطول قيام وسكوت، فيصرف كل منها إلى ما يحتمله لفظ الحديث، انتهى.\nوقال ابن العربي في \"شرح الترمذي\" (^٣): للقنوت عشر معان، انتهى.\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٤) قوله: \"أي: مطيعين\" وغاية الإطاعة أن ينتهي عن كل شيء مما يخالف الحضور، ومنه الكلام، فصح إيراد الرواية الدالة على وجوب السكوت في هذا الباب، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ١٩٨، ١٩٩).\n(^٢) \"بذل المجهود\" (٦/ ١٠٨).\n(^٣) \"عارضة الأحوذي\" (٢/ ١٧٨، ١٧٩).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٩/ ٣٠).","vol":"5","page":45},{"text":"(٤٤ -<span data-type='title' id=toc-2555> باب قوله - ﷿ -: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا. . .﴾ إلخ، [البقرة:</span> ٢٣٩])\nليس في \"قس\" (^١) لفظ \"باب\".\nوقال: قوله: ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ نصب على الحال تقديره: فصلوا رجالًا. ورجالًا جمع راجل. كقائم وقيام، وأو للتقسيم أو الإباحة أو التخيير، انتهى.\nذكر فيه حديث ابن عمر في صلاة الخوف، وتقدم الكلام على المسألة في أبواب صلاة الخوف، وتقدم هناك أيضًا لاختلاف في تفسير قوله: ﴿رِجَالًا﴾ كرسيه: علمه.\nقال الحافظ (^٢): وصله سفيان الثوري في \"تفسيره\" في رواية أبي حذيفة عنه بإسناد صحيح، وأخرجه عبد بن حميد وابن أبي حاتم من وجه آخر عن سعيد بن جبير، فزاد فيه: عن ابن عباس، وأخرجه العقيلي من وجه آخر عن ابن عباس عن النبي - ﷺ -، والموقوف أشبه، قال العقيلي: إن رفعه خطأ، ثم هذا التَّفسير غريب، وقد روي عن ابن عباس أن الكرسي موضع القدمين، وعن السدي أن الكرسي بين يدي العرش، وليس ذلك مغايرًا لما قبله، والله أعلم، انتهى.\nوكتب الشيخ قُدِّس سره في \"اللامع\" (^٣): قوله: \"كرسيه علمه\" فسره به؛ لأن المقصود في الآية بيان سعة علمه ﵎، وإحاطة كرسيه بمعنى موضع الجلوس لا يقتضي إحاطة علمه بما أحاطه به كرسيه، فبيَّن أنه مجاز وأن المراد به علمه، والوجه في ذلك أن الجالس على شيء أقدر ما يكون عليه وأعلم بحاله من غيره، فيكون قادرًا على ما أحاطه به كرسيه وعالمًا به أيضًا، انتهى.\nوذكر في \"هامشه\" كلام الشرَّاح والمفسرين.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٨٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ١٩٩).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٩/ ٣١).","vol":"5","page":46},{"text":"(٤٥ -<span data-type='title' id=toc-2556> باب قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ [البقرة:</span> ٢٤٠])\nليس في \"قس\" لفظ \"باب\" وقال (^١): سقطت الآية لغير أبي ذر فصار الحديث الآتي من الباب السابق.\nقال الحافظ: ذكر فيه حديث ابن الزبير مع عثمان، وقد تقدم قبل بابين، وسقطت الترجمة لغير أبي ذر فصار من الباب الذي قبله عندهم، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\nوزاد العيني (^٣): وكان المناسب أن يذكر حديث هذا الباب بلا ترجمة عند الباب المترجم بهذه الآية، انتهى.\nقلت: ولا يخفى عليك أن هذه الآية غير الآية المذكورة في الترجمة السابقة، فإن المذكور سابقًا آية التربص، والمراد ها هنا آية الحول كما يدل عليه نسخة الحاشية، وكذا حديث الباب والآية الأولى منهما وإن كانت ناسخة وكان حقها أن تذكر بعد الآية المنسوخه، لكن قدمها رعاية لترتيب التلاوة، وأفاد صاحب \"الخير الجاري\" كما في هامش النسخة \"الهندية\" (^٤): ولعل مقصود البخاري من ذكره ها هنا الإعلام بأن المنسوخ يكتب إذا لم ينسخ تلاوته كما ظن ابن الزبير، وكان المقصود من الباب السابق بيان عدة المتوفى عنها زوجها وما يتعلق به، وكان بيان كل منهما مقصودًا عنده فعقد لكل بابًا، وذكر حديث ابن أبي مليكة سابقًا لأجل بيان النسخ بالكريمة، وهذا صنعته في هذا الكتاب المستطاب، ولهذا إكتفى ها هنا بهذا الحديث وذكر ثمة ما فيه بيان العدة وأقوال السلف فيه، انتهى.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٨٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٠١).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٢/ ٤٧٣).\n(^٤) \"صحيح البخاري بحاشية السهارنفوري\" (٨/ ٧٧٥).","vol":"5","page":47},{"text":"(٤٦ -<span data-type='title' id=toc-2557> باب قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ الآية [البقرة:</span> ٢٦٠])\nليس في \"قس\" لفظ \"باب\".\nقال الحافظ (^١): قوله: \" ﴿فَصُرْهُنَّ﴾: قطعهن. . .\" إلخ، ثبت هذا لأبي ذر وحده، وقد أخرجه ابن أبي حاتم من وجهين عن ابن عباس ومن وجه آخر عن ابن عباس قال: ﴿فَصُرْهُنَّ﴾ أي: أوثقهن، ثم اذبحهن. وقد اختلف نقلة القراءات في ضبط هذه اللفظة عن ابن عباس فقيل: بكسر أوله كقراءة حمزة، وقيل: بضمه كقراءة الجمهور، وقيل: بتشديد الراء مع ضم أوله وكسره، من: صره يصره إذا جمعه، ونقل أبو البقاء تثليث الراء في هذه القراءة وهي شاذة، قال عياض: تفسير صرهن بقطعهن غريب، والمعروف أن معناها أملهن، يقال: صاره يصيره ويصوره إذا أماله، وقال ابن التين: صرهن بضم الصاد معناها ضمهن، وبكسرها قطعهن، قلت: ونقل أبو علي الفارسي أنهما بمعنى واحد، وذكر صاحب \"المغرب\" أن هذه اللفظة بالسريانية، وقيل: بالنبطية لكن المنقول أولًا يدل على أنها بالعربية، والعلم عند الله تعالى، انتهى مختصرًا.\n\n(٤٧ -<span data-type='title' id=toc-2558> باب قوله: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ. . .﴾ [البقرة: ٢٦٦]) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٢) بعد ذكر حديث الباب: وأخرج ابن المنذر هذا الحديث من وجه آخر عن ابن أبي مليكة، وعنده بعد قوله: \"أي عمل؟ \" قال ابن عباس: شيء ألقي في روعي، فقال: صدقت يا ابن أخي. ولابن جرير من وجه آخر عن ابن أبي مليكة: \"عنى بها العمل، ابن آدم أفقر ما يكون إلى جنته إذا كبر سنه وكثر عياله، وابن آدم أفقر ما يكون إلى\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٠١).\n(^٢) المصدر السابق (٨/ ٢٠٢).","vol":"5","page":48},{"text":"عمله يوم يبعث، صدقت يا ابن أخي\"، وفي الحديث قوة فهم ابن عباس، وقرب منزلته من عمر - ﵁ -، وتحريض العالم تلميذه على القول بحضرة من هو أسن منه إذا عرف فيه الأهلية لما فيه من تنشيطه وبسط نفسه وترغيبه في العلم، انتهى.\nقوله: (الله أعلم. فغضب عمر. . .) إلخ، وأجاد الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^١) إذ كتب: والفرق بين عمر والنبي - ﷺ - حيث كان لا يغضب حين كانوا يذكرون له هذه الكلمة أنه - ﷺ - كان معلمًا بعث للتعليم، ولا شك أن الله تعالى ورسوله أعلم كما قالوا؛ فكان لا يضر ذلك في التعليم الذي هو مبعوث له بخلاف مقالتهم هذه لعمر فإنه كان يمتحنهم، والتبس الأمر حين أجابوا بذلك فإنه يصح من العالم والجاهل كليهما، فلم يتبين من عَلِمَ منهم ممن لم يعلم. وقوله: \"قال ابن عباس: ضربت مثلًا لعلم. . .\" إلخ، بتنوين التنكير، أي: لعملٍ أيه كان ولا أدري ما هو، انتهى.\nوذكر في هامشه ما يؤيد كلام الشيخ قُدِّس سرُّه، فارجع إليه.\n\n(٤٨ -<span data-type='title' id=toc-2559> باب قول الله تعالى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣] يقال: ألحف عليّ. . .) إلخ</span>\nليس في \"قس\" لفظ \"باب\".\nقال الحافظ: هو تفسير أبي عبيدة قال في قوله تعالى: ﴿. . . وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ (٣٦) إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا﴾ [محمد: ٣٦، ٣٧] يقال: أحفاني بالمسألة وألحف عليّ وألحّ علي بمعنى واحد، واشتقاق ألحف من اللحاف لأنه يشتمل على وجوه الطلب في المسألة كاشتمال اللحاف في التغطية، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٩/ ٣٣، ٣٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٠٣).","vol":"5","page":49},{"text":"(٤٩ -<span data-type='title' id=toc-2560> باب قول الله: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة:</span> ٢٧٥])\nليس في \"قس\" لفظ \"باب\".\nقال الحافظ: المس الجنون هو تفسير الفراء، قال في قوله تعالى: ﴿لَا يَقُومُونَ إلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، أي: لا يقوم في الآخرة، قال: والمس الجنون، والعرب تقول: ممسوس، أي: مجنون، انتهى.\nوقال أبو عبيدة: المس اللمم من الجن، وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنونًا، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(٥٠ -<span data-type='title' id=toc-2561> باب قوله: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٦] قال أبو عبد الله: يذهبه)</span>\nسقط لفظ \"باب\" في نسخة \"قس\".\nوقال الحافظ (^٢): قوله: \"يذهبه. . .\" إلخ، هو تفسير أبي عبيدة، وأخرج أحمد وابن ماجه وصححه الحاكم من حديث ابن مسعود رفعه: \"أن الربا وإن كثر فإن عاقبته إلى قلة\" ثم ذكر المصنف حديث عائشة المذكور قبله من وجه آخر، ومراده الإشارة إلى أن هذه الآية من جملة الآيات التي ذكرتها عائشة، انتهى.\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٣): قوله: \"يذهبه\" وأراد بذلك أن المراد بالمحق أعلى مراتبه، انتهى.\nوفي هامشه: نبَّه الشيخ قُدِّس سرُّه بذلك على أن أصل معنى المحق النقص كما في اللغة، فتفسيره بيذهبه للإشارة إلى كماله. . .، إلى آخر ما فيه.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٠٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٠٤).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٩/ ٣٤).","vol":"5","page":50},{"text":"(٥١ -<span data-type='title' id=toc-2562> باب قوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩] فاعلموا)</span>\nوفي نسخة \"القسطلاني\" (^١): ﴿فَأْذَنُوا. . .﴾ إلخ، وقال: وفي نسخة \"باب ﴿فَأْذَنُوا﴾ \"، انتهى.\nوقال الحافظ (^٢): قوله: \"فاعلموا\" هو تفسير ﴿فَأْذَنُوا﴾ على القراءة المشهورة بإسكان الهمزة وفتح الذال، قال أبو عبيدة: معنى قوله: ﴿فَأْذَنُوا﴾: أيقنوا، وقرأ حمزة وأبو بكر عن عاصم: (فآذنوا) بالمد وكسر الذال، أي: آذنوا غيركم وأعلموهم، والأول أوضح في مراد السياق، انتهى من \"الفتح\".\n\n(٥٢ -<span data-type='title' id=toc-2563> باب قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة:</span> ٢٨٠])\nهكذا في النسخ \"الهندية\" وليس في نسخ الشروح الثلاثة.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): مناسبته بالرواية الواردة فيه من حيث إن المأمور به وهو الإنظار والتصدق فكيف بمن يأخذ زيادة على أصل ماله، انتهى.\nقلت: أجاد الشيخ قُدِّس سرُّه في بيان مناسبة الحديث بالترجمة، وقال القسطلاني (^٤): في هذا الباب: اقتضى صنيع المؤلف في هذه التراجم أن المراد بالآيات آيات الربا كلها إلى آية الدين، انتهى.\nوهكذا قال الحافظ (^٥) في باب: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾، وقال العلَّامة العيني (^٦): قال الإسماعيلي: لا وجه لدخول هذه الآية - أي:\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٩٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٠٤).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٩/ ٣٤).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٩٥).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٠٤).\n(^٦) \"عمدة القاري\" (١٢/ ٤٧٩).","vol":"5","page":51},{"text":"﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ. . .﴾ إلخ -، في هذا الباب، وأجيب بأن هذه الآية متعلقة بآيات الربا فلذلك ذكرها معها، انتهى.\nوفي هامش النسخة الهندية (^١): وأشار المصنف بإيراد الحديث الواحد في هذه التراجم إلى أن المراد بالآيات آيات الربا كلها إلى آخر آية الدين، قال في \"الخير الجاري\" ما حاصله: إن مطابقة أحاديث هذه الأبواب بتراجمها المشتملة على الآيات من حيث بيان زمان قراءتها ومكانها وبيان حرمة تجارة الخمر عند ذلك، انتهى.\n\n(٥٣ -<span data-type='title' id=toc-2564> باب قوله: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ الآية [البقرة:</span> ٢٨١])\nقرأ الجمهور بضم التاء من ﴿تُرْجَعُونَ﴾ مبنيًا للمجهول، وقرأ أبو عمرو وحده بفتحها مبنيًا للفاعل، قاله الحافظ (^٢). وقال بعد ذكر الحديث: كذا ترجم المصنف بقوله: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ وأخرج هذا الحديث بهذا اللفظ، ولعله أراد أن يجمع بين قولي ابن عباس فإنه جاء عنه ذلك من هذا الوجه، وجاء عنه من وجه آخر: آخر آية نزلت على النبي - ﷺ -: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ أخرج الطبري من طرق عنه، وزاد عن ابن جريج قال: يقولون: إنه مكث بعدها تسع ليالٍ، ونحوه لابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير، وروى عن غيره أقل من ذلك وأكثر، فقيل: إحدى وعشرين، وقيل: سبعًا، وطريق الجمع بين هذين القولين (المحكيين عن ابن عباس) أن هذه الآية هي ختام الآيات المنزلة في الربا، إذ هي معطوفة عليهن، وأما ما سيأتي في آخر سورة النساء من حديث البراء: آخر سورة نزلت براءة، وآخر آية نزلت: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦] فيجمع بينه وبين قول ابن عباس بأن الآيتين نزلتا\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري بحاشية السهارنفوري\" (٨/ ٧٨٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٠٥).","vol":"5","page":52},{"text":"جميعًا فيصدق أن كلًّا منهما آخر بالنسبة لما عداهما، ويحتمل أن تكون الآخرية في آية النساء مقيَّدة بما يتعلق بالمواريث مثلًا بخلاف آية البقرة، ويحتمل عكسه، والأول أرجح. . .، إلى آخر ما قال في \"الفتح\". وقال أيضًا: المراد بالآخرية في الربا تأخر نزول الآيات المتعلقة به من سورة البقرة، وأما حكم تحريم الربا فنزوله سابق لذلك بمدة طويلة على ما يدل عليه قوله تعالى في آل عمران في أثناء قصَّة أحد: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠]، انتهى.\n\n(٥٤ -<span data-type='title' id=toc-2565> باب قوله: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ. . .﴾ [البقرة: ٢٨٤]) إلخ</span>\nكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^١): قوله: \"قد نسخت ﴿وَإِنْ تُبْدُوا. . .﴾ \" إلخ، أراد بالنسخ التخفيف فإن النسخ إنما هو في الأحكام وها هنا ليس كذلك، فالمراد أنه خفف عن الأمة، انتهى.\nوفي هامشه: قال الحافظ (^٢): المراد بقوله: \"نسختها\" أي: أزالت ما تضمنته من الشدة وبيَّنت أنه وإن وقعت المحاسبة به لكنها لا تقع المؤاخذة به، أشار إلى ذلك الطبري فرارًا من إثبات دخول النسخ في الأخبار، وأجيب بأنه وإن كان خبرًا لكنه يتضمن حكمًا، ومهما كان من الأخبار يتضمن الأحكام أمكن دخول النسخ فيه كسائر الأحكام، وإنما الذي لا يدخله النسخ من الأخبار ما كان خبرًا محضًا لا يتضمن حكمًا؛ كالإخبار عما مضى من أحاديث الأمم ونحو ذلك. ويحتمل أن يكون المراد بالنسخ في الحديث التخصيص فإن المتقدمين يطلقون لفظ النسخ عليه كثيرًا، والمراد بالمحاسبة بما يخفي الإنسان ما يصمم عليه ويشرع فيه دون ما يخطر له ولا يستمر عليه، والله أعلم انتهى.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٩/ ٣٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٠٧).","vol":"5","page":53},{"text":"(٥٥ -<span data-type='title' id=toc-2566> باب قوله: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ [البقرة:</span> ٢٨٥])\nقال الحافظ: أي: إلى آخر السورة.\nقوله: \"وقال ابن عباس: إصرًا عهدًا\" وصله الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، أي: عهدًا، وأصل الإصر الشيء الثقيل، ويطلق على الشديد، وتفسيره بالعهد تفسير باللازم؛ لأن الوفاء بالعهد شديد، انتهى.\n\n(٣)<span data-type='title' id=toc-2567> سورة آل عمران</span>\nهكذا في النسخ \"الهندية\" و\"القسطلاني\" بغير بسملة، وفي نسخة \"الفتح\" و\"العيني\" بزيادة: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.\nقال الحافظ (^١): كذا لأبي ذر، ولم أر البسملة لغيره.\nقوله: (تقاة وتقية) بوزن مطية (واحدة) وفي نسخة: \"واحد\"، أي: كلاهما مصدر بمعنى واحد، وبالثانية قرأ يعقوب، والتاء بدل من الواو؛ لأن أصل تقاة وقية مصدر على فعلة من الوقاية، وأراد المؤلف قوله تعالى: ﴿إلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران: ٢٨] المسبوق بقوله تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ [آل عمران: ٢٨] أي: اتخاذهم أولياء ﴿فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ أي: إلا أن تخافوا من جهتهم ما يجب اتقاؤه، والاستثناء مفرغ من المفعول من أجله، أي: لا يتخذ المؤمن الكافر وليًا لشيء من الأشياء إلا للتقية ظاهرًا، فيكون مواليه في الظاهر ومعاديه في الباطن، انتهى. كله من \"القسطلاني\" (^٢).\nقوله: (والمسوم الذي له سيماء بعلامة) كتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣):\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٠٧).\n(^٢) إرشاد الساري\" (١٠/ ٩٩).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٩/ ٣٦).","vol":"5","page":54},{"text":"ولا تكون العلامة بحسب العادة إلا للحصان المطهَّم فلا فصل بين التَّفسيرين، انتهى.\nقوله: (يخرج منها الحي) كتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): والخروج ها هنا عبارة عن كون بعد كونٍ فإن نشأة الخلق في المضغة والسقط والجنين وراء نشأة النطفة مع كونها أصلًا لتلك الأطوار المختلفة فكأنها هي المخرج.\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-2568> باب: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧] وقال مجاهد: الحلال والحرام. . .) إلخ</span>\nكذا في النسخ \"الهندية\" \"والقسطلاني\"، وليس في نسخة \"الفتح\" \"والعيني\" لفظ \"باب\".\nقال الحافظ (^٢): ثبت عند أبي ذر عن شيخه قبل قوله: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ باب بغير ترجمة، وقال أيضًا (^٣) بعد ذكر قول مجاهد من قوله: \"الحلال والحرام\" إلى قوله: \" ﴿زَادَهُمْ هُدًى﴾ \": هكذا وقع فيه وفيه تغيير، وبتحريره يستقيم الكلام، وقد أخرجه عبد بن حميد بسنده إلى مجاهد قال في قوله تعالى: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ قال: ما فيه من الحلال والحرام وما سوى ذلك منه متشابه يصدق بعضه بعضًا، هو مثل قوله: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إلا الْفَاسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٦]. . .، إلى آخر ما ذكره، انتهى.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٤): قوله: يصدق بعضه بعضًا، والضمير عائد إلى المتشابهات باعتبار كونها قرآنًا، ثم التقابل بين المتشابهات والمحكمات بحسب هذا التَّفسير غير ظاهر؛ لأن المحكمات نفسها تصدق بعضها بعضًا فدخلت في المتشابهات، إلا أن يقال: أريد بها ها هنا بقرينة\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٩/ ٣٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٢١٠).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٠٩).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٩/ ٣٧ - ٤٠).","vol":"5","page":55},{"text":"المقابلة ما لا تصدق بعضها بعضًا، فاللفظ وإن كان عامًا لكن المراد بها خاص، وصار المعنى: منه آيات هي متفردة في بيان معانيها لا تصدقها الآيات الأخر، ومنها ما هي متصادقة، فالأولى المحكمات والثانية المتشابهات. بقي ها هنا شيء وهو أنه قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧] والتقرير المتقدم يقتضي علم كل من أهل العلم بالمتشابه؛ لأنه داخل في جملة المحكمات بحسب هذا التَّفسير والتقسيم، والجواب أن المراد بما تشابه غير المراد بالمتشبهات، واختصاص الربّ ﵎ بالعلم دون العلماء في الأول دون الثاني، فالمتشابهات بهذا المعنى يعلمها العلماء والذي تشابه منه لا يعلمه إلا الله.\nوقوله: (﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾) المشتبهات فسر الفتنة بالمشتبهات بمعنى الأمور الملتبسة الغير الظاهرة والمعنى أن أصحاب الزيغ يتبعون ما تشابه من القرآن ليبتغوا بذلك طريقًا إلى إثارة الفتنة في اعتقادات العوام وإظهار الشبهات الزائغة للأنام، انتهى.\nوقال السندي: حاصل ما ذكره في تفسيره أنها متناسبات يشبه بعضها بعضًا في المعنى بحيث يصير كل منها كالمصدق لصاحبه، ولا يخفى أن هذا المعنى غير مناسب لما بعده وأن المناسب به أن يفسر بالمشتبهات التي يشتبه ويلتبس معانيها بحيث لا تكاد تفهم، انتهى.\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-2569> باب قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ. . .﴾ [آل عمران: ٧٧] لا خير. . .) إلخ</span>\nقال أبو عبيدة في قوله: ﴿مِنْ خَلَاقٍ﴾ أي: نصيب من خير.\nقوله: (أليم مؤلم. . .) إلخ، هو كلام أبي عبيدة أيضًا، ثم ذكر حديث ابن مسعود: \"من حلف يمين صبر\" وفيه قول الأشعث في هذه الآية أنها","vol":"5","page":56},{"text":"نزلت فيه وفي خصمه حين تحاكما في البئر، وحديث عبد الله بن أبي أوفى أنها نزلت في رجل أقام سلعة في السوق. . . إلخ، وقد تقدما جميعًا في الشهادات، وأنه لا منافاة بينهما، ويحمل على أن النزول كان بالسببين جميعًا، ولفظ الآية أعم من ذلك، ولهذا وقع في صدر حديث ابن مسعود ما يقتضي ذلك، وذكر الطبري من طريق عكرمة أن الآية نزلت في حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف وغيرهما من اليهود الذين كتموا ما أنزل الله في التوراة من شأن النبي - ﷺ - وقالوا وحلفوا أنه من عند الله، وقصّ الكلبي في \"تفسيره\" في ذلك قصَّة طويلة وهي محتملة أيضًا لكن المعتمد في ذلك ما ثبت في \"الصحيح\"، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nقوله: (كانتا تخرزان في البيت أو في الحجرة) وفي نسخة \"الفتح\": في بيت وفي الحجرة، قال الحافظ (^٢): كذا للأكثر بواو العطف، وللأصيلي وحده: \"في بيت أو في الحجرة\" بأو، والأول هو الصواب، ثم ذكر شرحه وسبب وقوع الخطإ فيه فارجع إليه.\n\n(٤ -<span data-type='title' id=toc-2570> باب قوله: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ. . .﴾ الآية [آل عمران:</span> ٦٤])\nقال الحافظ (^٣): قوله: \" ﴿سَوَاءٍ﴾: قصدًا\" كذا لأبي ذر بالنصب، ولغيره بالجر فيهما، وهو أظهر على الحكاية؛ لأنه يفسر قوله: ﴿إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ﴾، وقد قرئ في الشواذ بالنصب وهي قراءة الحسن البصري، أي: استوت سواء، والقصد بفتح القاف وسكون المهملة: الوسط المعتدل، قال أبو عبيدة في قوله: ﴿إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ﴾ أي: عدل. وعن أبي العالية أن المراد بالكلمة لا إله إلا الله، وعلى ذلك\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٢١٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٢١٤).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٢١٦).","vol":"5","page":57},{"text":"يدل سياق الآية. ثم ذكر المصنف حديث أبي سفيان في قصَّة هرقل بطوله، انتهى.\nوشرح الحافظ ها هنا الحديث بطوله مفصلًا وقال (^١): وقد شرحته في بدء الوحي، وأحلت بقية شرحه على الجهاد فلم يقدر إيراده هناك فأوردته ها هنا، انتهى.\nقلت: وكثيرًا ما يقع هكذا للحافظ قُدِّس سرُّه كما لا يخفى على ناظر شرحه.\nثم هذه الآية المترجم بها في هذا الباب مقدمة على الآية المترجم بها في الباب السابق، ولم يتعرض لهذا التقديم والتأخير الشرَّاح ولا لاختلاف النسخ فيمكن أن يقال: إنه مبني على تصرف النساخ، وسيأتي نظيره في تفسير سورة النساء أيضًا.\n\n(٥ -<span data-type='title' id=toc-2571> باب قوله: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران:</span> ٩٢])\nذكر المصنف فيه حديث أنس في قصة بيرحاء، وقد مضى في كتاب الزكاة في \"باب الزكاة على الأقارب\".\nقوله: (وأنا أقرب إليه. . .) إلخ، وقد تقدم في كتاب الوصايا: \"وكانا أقرب إليه مني\"، وتقدم الجمع بينهما هناك فلا حاجة إلى إعادته.\n\n(٦ -<span data-type='title' id=toc-2572> باب قوله: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا﴾ الآية [آل عمران:</span> ٩٣])\nذكر فيه حديث ابن عمر في قصَّة اليهوديين، وقد سبق مختصرًا في \"الجنائز\" ويأتي في \"الحدود\"، وقوله: \"يحني عليها\" بفتح حرف المضارع\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٢١٦).","vol":"5","page":58},{"text":"وسكون الحاء المهملة وكسر النون بعدها تحتية، أي: يميل وينعطف، وفي نسخة يجنؤ بفتح أوله وسكون الجيم وبعد النون المفتوحة همزة مضمومة، أي: أكب، انتهى من \"القسطلاني\" (^١).\nوقال أيضًا: وفي هذه القصَّة من حديث جابر عند أبي داود في \"سننه\": أنه شهد عنده - ﷺ - أربعة أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة.\nقال النووي: فإن صح هذا فإن كان الشهود مسلمين فظاهر، وإن كانوا كفارًا فلا اعتبار بشهادتهم، ويتعين أنهما أقرا بالزنا فلذا حكم ﵊ برجمهما.\nوفي هذا الحديث من الفوائد: وجوب حد الزنا على الكافر، وبه قال الشافعي وأحمد وأبو حنيفة والجمهور، خلافًا لمالك حيث قال: لا حد عليه، وأنه ليس من شرط الإحصان المقتضي للرجم الإسلام، وهو مذهب الشافعي وأحمد خلافًا لمالك وأبي حنيفة حيث قالا: لا يرجم الذمي؛ لأن من شرط الإحصان الإسلام، وأن أنكحة الكفار صحيحة وإلا لما ثبت إحصانهم، وأنهم مخاطبون بالفروع خلافًا للحنفية، انتهى.\nوفي \"الفيض\" (^٢): ثم إن في الحديث معركة للقوم وهي أن الإسلام شرط لإحصان الرجم عند إمامنا فكيف رجم النبي - ﷺ - اليهودي واليهودية مع كونهما كافرين؟ وذهب الشافعي إلى أن الكافر أيضًا يرجم، وفيه تفصيل عند المالكية، وبالجملة الحديث وارد على الحنفية. ثم إن ابن أبي شيبة أفرد كتابًا سماه \"كتاب الرد على أبي حنيفة\" وعدّد فيه مسائل الحنفية التي تناقض الأحاديث عنده، وبلغ عددها زهاء مائة وأربعة، وبدأ كتابه بهذا الحديث، وقد أجاب العلَّامة القاسم بن قطلوبغا عن كتابه ولكنه مفقود لا يوجد، ثم إن الطحاوي أجاب عن حديث الباب وأصاب.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ١٢٢).\n(^٢) \"فيض الباري\" (٥/ ٢٢٨).","vol":"5","page":59},{"text":"وحاصله: أن شرط الإحصان في شرعنا نزل بعد هذه القضية، فالقضايا التي كانت قبلها لا ترد علينا، وكان رجمه إذ ذاك بحكم التوراة ولم يكن فيه شرط الإحصان، قلت: ويعلم من \"فتح الباري\" أن النبي - ﷺ - كان يعمل بشريعة التوراة فيما لم ينزل فيه شرعه قبل الفتح، ثم خالف بعده إلى آخر ما قال.\n\n(٧ -<span data-type='title' id=toc-2573> باب قوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:</span> ١١٠])\nقال الحافظ (^١): ذكر فيه حديث أبي هريرة - ﵁ - في تفسيرها غير مرفوع، وقد تقدم في أواخر الجهاد من وجه آخر مرفوعًا، وهو يرد قول من تعقب البخاري فقال: هذا موقوف لا معنى لإدخاله في المسند.\nوقوله: (خير الناس للناس. . .) إلخ، كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٢): فيه إشارة إلى أن \"للناس\" متعلق بقوله: ﴿خَيْرَ﴾ لا بقوله: ﴿أُخْرِجَتْ﴾ والمعنى: أنتم خير الأمم في حق الناس لا أنكم خير من أخرجت للناس من الأمم، انتهى.\nوفي هامشه: قال البغوي: وقال قوم: قوله: ﴿لِلنَّاسِ﴾ صلة قوله: ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ أي: أنتم خير أمة للناس، وقيل: قوله: ﴿لِلنَّاسِ﴾ صلة قوله: ﴿أُخْرِجَتْ﴾ معناه: ما أخرج الله للناس أمة خيرًا من أمة محمد - ﷺ -، انتهى.\nوقال الحافظ (^٣): قوله: \"خير الناس. . .\" إلخ، أي: خير بعض الناس لبعضهم، أي: أنفعهم لهم، وإنما كان ذلك لكونهم كانوا سببًا في إسلامهم، وبهذا التقرير يندفع تعقب من زعم بأن التَّفسير المذكور ليس بصحيح، وروى ابن أبي حاتم من طريق السدّي قال: قال عمر: لو شاء الله تعالى لقال: أنتم خير أمة، وكنا كلنا، ولكن قال: كنتم، فهي خاصة\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٢٤).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٩/ ٤٠).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٢٥).","vol":"5","page":60},{"text":"لأصحاب محمد ومن صنع مثل صنيعهم، وهذا منقطع، وروى عبد الرزاق وأحمد وغيرهما من حديث ابن عباس بإسناد جيد قال: هم الذين هاجروا مع النبي - ﷺ -، وهذا أخص من الذي قبله. وللطبراني عن عكرمة، قال: نزلت في ابن مسعود وسالم مولى أبي حذيفة وأُبيّ بن كعب ومعاذ بن جبل، وهذا موقوف فيه انقطاع، وهو أخص مما قبله.\nوجاء في سبب هذا الحديث ما أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق عكرمة قال: كان من قبلكم لا يأمن هذا في بلاد هذا ولا هذا في بلاد هذا، فلما كنتم أنتم أمن فيكم الأحمر والأسود. ومن وجه آخر عنه قال: لم تكن أمة دخل فيها من أصناف الناس مثل هذه الأمة، وعن أُبي بن كعب قال: لم تكن أمة أكثر استجابة في الإسلام من هذه الأمة، أخرجه الطبري بإسناد حسن عنه، وهذا كله يقتضي حملها على عموم الأمة، وبه جزم الفراء واستشهد بقوله: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ﴾ [الأنفال: ٢٦]، وقوله: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا﴾ [الأعراف: ٨٦] قال: وحذف كان في مثل هذا وإظهارها سواء، وقال غيره: المراد بقوله: ﴿كُنْتُمْ﴾ في اللوح المحفوظ أو في علم الله، ورجح الطبري أيضًا حمل الآية على عموم الأمة، وأيّد ذلك بحديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول في هذه الآية ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ قال: \"أنتم متمون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله\" وهو حديث حسن صحيح أخرجه الترمذي وابن ماجه والحاكم وصححه، وفي حديث علي عند أحمد بإسناد حسن أن النبي - ﷺ - قال: \"وجعلت أمتي خير الأمم\"، انتهى من \"الفتح\".\n\n(٨ -<span data-type='title' id=toc-2574> باب قوله: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾ [آل عمران:</span> ١٢٢])\nتقدمت هذه الترجمة في المغازي مع شرحه.","vol":"5","page":61},{"text":"(٩ -<span data-type='title' id=toc-2575> باب قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران:</span> ١٢٨])\nقال الحافظ (^١): سقط \"باب\" لغير أبي ذر، وتقدم هذا الباب أيضًا في المغازي وتقدم هناك شرحه.\n\n(١٠ -<span data-type='title' id=toc-2576> باب قوله: ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٣] وهو تأنيث آخركم)</span>\nقال الحافظ (^٢): كذا وقع فيه، وهو تابع لأبي عبيدة فإنه قال: ﴿أُخْرَاكُمْ﴾: آخركم، وفيه نظر لأن أخرى تأنيث آخر بفتح الخاء لا كسرها، وقد حكى الفراء أن من العرب من يقول: في أخراتكم بزيادة المثناة، وهكذا قال العيني (^٣).\nوفي شرح القسطلاني (^٤): وتعقبه في \"المصابيح\" فقال: نظر البخاري أدق من هذا، وذلك أنه لو جعل أخرى ها هنا تأنيثًا لآخر بفتح الخاء لم يكن فيه دلالة على التأخر الوجودي وذلك لأنه أميتت دلالته على هذا المعنى بحسب العرف، وصار إنما يدل على الوجهين بالمغايرة فقط، تقول: مررت برجل حسن ورجل آخر، أي: مغاير للأول وليس المراد تأخره في الوجود عن السابق، والمراد في الآية الدلالة على التأخر فلذلك قال: \"تأنيث آخركم\" بكسر الخاء لتصير أخرى دالة على التأخر كما في ﴿وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ﴾ [الأعراف: ٣٩] أي: المتقدمة للمتأخرة، واستعماله في هذا المعنى موجود في كلامهم بل هو الأصل، انتهى.\nوسيأتي توجيه هذا الإيراد في كلام الشيخ قُدِّس سرُّه أيضًا قريبًا، قلت: وتقدم التبويب بصدر هذه الآية أعني ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٢٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٢٧).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٢/ ٥٠٤).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ١٢٨).","vol":"5","page":62},{"text":"أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ﴾ الآية [آل عمران: ١٥٣]، في المغازي، وتقدم أيضًا هناك شرحه.\nقوله: (وقال ابن عباس: ﴿إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ. . .﴾ [التوبة: ٥٢]) إلخ، قال الحافظ (^١): كذا وقع هذا التعليق بهذه الصورة ومحله في سورة براءة ولعله أورده ها هنا للإشارة إلى أن إحدى الحسنيين وقعت في أُحد وهى الشهادة، انتهى.\nوكذا أورد العلَّامة العيني (^٢) في ذكر هذا القول ها هنا ولم يذكر الجواب كما أجاب الحافظ.\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه (^٣): إيراده ها هنا تنظير على ما ذكره من أن الأخرى تأنيث الآخر بالكسر لا الآخر بالفتح حتى يكون اسم تفضيل، والوجه في ذلك أن كونه اسم تفضيل يقتضي أن يكون له مفضل عليه مع أنه ليس تفضيله على شيء آخر مقصودًا، أما في قوله: ﴿أُخْرَاكُمْ﴾ فلأنه - ﷺ - لم يكن في آخر الآخر حتى يصدق عليه اسم التفضيل، وأما في الحسنى فلأن المقصود بيان حسن الشهادة والفتح في نفسهما لا باعتبار فضيلتهما على غيرهما، وعلى هذا فليس ذكر إحدى الحسنيين في غير موضعه، انتهى.\n\n(١١ -<span data-type='title' id=toc-2577> باب قوله: ﴿أَمَنَةً نُعَاسًا﴾ [آل عمران:</span> ١٥٤])\nأي: أنزل الله عليكم بسبب ما أصابكم من الغم الأمن حتى أخذ بكم النعاس، قاله القسطلاني (^٤).\nوقال الحافظ (^٥): ذكر فيه حديث أبي طلحة في النعاس يوم أُحد وقد تقدم في المغازي (^٦) من وجه آخر عن قتادة، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٢٧).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٢/ ٥٠٤).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٩/ ٤١، ٤٢).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ١٣٠).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٢٨).\n(^٦) انظر: \"فتح الباري\" (٧/ ٣٦٥)، ولا يوجد فيه شرح، وإنما شرح في (٧/ ٣٦٢).","vol":"5","page":63},{"text":"قلت: قد تقدم الكلام عليه في باب قوله تعالى: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾ [آل عمران: ١٢٢] وقد ترجم البخاري في المغازي أيضًا بباب ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا﴾ [آل عمران: ١٥٤] وذكر هناك أيضًا حديث أبي طلحة.\n\n(١٢ -<span data-type='title' id=toc-2578> باب قوله: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ [آل عمران:</span> ١٧٢])\nتقدمت هذه الترجمة في المغازي وتقدم هناك أيضًا بيان سبب نزوله.\nقال الحافظ - ﵀ - (^١): لم يسق البخاري في هذا الباب حديثًا وكأنه بيض له، واللائق به حديث عائشة أنها قالت لعروة في هذه الآية: يا ابن أختي كان أبواك منهم: الزبير وأبو بكر، وقد تقدم في المغازي.\nقوله: (القرح الجراح) هو تفسير أبي عبيدة، وكذا أخرجه ابن جرير من طريق سعيد بن جبير مثله، وروى سعيد بن منصور عن ابن مسعود: أنه قرأ \"القرح\" بالضم، قلت: وهي قراءة أهل الكوفة، وذكر أبو عبيدة عن عائشة أنها قالت: أقرأها بالفتح لا بالضم، قال الأخفش: القرح بالضم وبالفتح المصدر، فالضم لغة أهل الحجاز والفتح لغة غيرهم؛ كالضعف والضعف، وحكى الفراء أنه بالضم الجرح وبالفتح ألمه، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\nقوله: (استجابوا: أجابوا)، قال الحافظ (^٣): هو قول أبي عبيدة، قال في قوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ﴾ أي: أجابهم، تقول العرب: استجبتك، أي: أجبتك، وقال في قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أي: يجيب الذين آمنوا، وهذه في سورة الشورى، وإنما أوردها المصنف استشهادًا للآية الأخرى، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٢٨).\n(^٢) المصدر السابق.\n(^٣) المصدر السابق.","vol":"5","page":64},{"text":"وكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): يعني: أن السين ليست للطلب وإنما عدل إليه ليكون أدلّ على المبادرة إلى امتثال ما أمروا، فكأنهم طلبوا ذلك من نفوسهم وكان ذلك ناشئ من قلوبهم لا دخل فيه لقول أحد، انتهى.\nقلت: وقد أبدع الشيخ قُدِّس سرُّه في بيان النكتة في هذا العدول ولم يتعرض لذلك الشرَّاح.\n\n(١٣ -<span data-type='title' id=toc-2579> باب ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ الآية [آل عمران:</span> ١٧٣])\nوهكذا في نسخة \"العيني\"، وهو رواية أبي ذر، وفي نسخة \"الفتح\" (^٢): باب قوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ. . .﴾ [آل عمران: ١٧٣] إلخ.\nقوله: (حين قالوا: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾)، قال الحافظ: فيه إشارة إلى ما أخرجه ابن إسحاق مطولًا في هذه القصَّة، وأن أبا سفيان رجع بقريش بعد أن توجه من أحد فلقيه معبد الخزاعي فأخبره أنه رأى النبي - ﷺ - في جمع كثير وقد اجتمع معه من كان تخلف عن أُحد وندموا، فثنى ذلك أبا سفيان وأصحابه فرجعوا، وأرسل أبو سفيان ناسًا فأخبروا النبي - ﷺ - أن أبا سفيان وأصحابه يقصدونهم، فقال: \"حسبنا الله ونعم الوكيل\" ورواه الطبري من طريق مجاهد: أن ذلك كان من أبي سفيان في العام المقبل بعد أُحد، وهي غزوة بدر الموعد، انتهى مختصرًا من \"الفتح\".\n\n(١٤ -<span data-type='title' id=toc-2580> باب قوله: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ الآية [آل عمران:</span> ١٨٠])\nكذا في النسخ الهندية ونسخة \"العيني\" تحسبن بالتاء، وفي نسخة \"الفتح\" و\"القسطلاني\" بالياء آخر الحروف، قال القسطلاني (^٣): قرئ بالياء\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٩/ ٤٣، ٤٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٢٩).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ١٣٣).","vol":"5","page":65},{"text":"والتاء، وعلى التقديرين المضاف محذوف، أي: بخل الذين، إذا كان الحسبان للنبي - ﷺ -، أو لكل أحد تقديره: بخل الذين يبخلون، وإذا كان الفاعل \"الذين\" فالتقدير: بخلهم هو خيرًا لهم، انتهى.\nقال الحافظ (^١): قال الواحدي: أجمع المفسرون على أنها نزلت في مانعي الزكاة، وفي صحة هذا القول نظر فقد قيل: إنها نزلت في اليهود الذين كتموا صفة محمد - ﷺ -، قاله ابن جريج، واختاره الزجاج، وقيل: فيمن يبخل بالنفقة في الجهاد، وقيل: على العيال وذي الرحم المحتاج، نعم الأول هو الراجح وإليه أشار البخاري.\nقوله: (﴿سَيُطَوَّقُونَ﴾ كقولك: طوقته بطوق) قال أبو عبيدة في قوله تعالى: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٠]، أي: يلزمون كقولك: طوقته بالطوق، وروى عبد الرزاق وغيره من إبراهيم النخعي في هذه الآية قال: بطوق من النار، وتقدم في أوائل كتاب الزكاة الاختلاف في التطويق المذكور هل يكون حسيًا أو معنويًا إلى آخر ما في \"الفتح\".\n\n(١٥ -<span data-type='title' id=toc-2581> باب قوله: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ. . .﴾ [آل عمران: ١٨٦]) إلخ</span>\nذكر عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك: أنها نزلت في كعب بن الأشرف فيما كان يهجو به النبي - ﷺ - وأصحابه من الشعر، وقد تقدم في المغازي خبره، وفيه شرح حديث \"من لكعب بن الأشرف؟ فإنه آذى الله ورسوله\". وروى ابن أبي حاتم وابن المنذر بإسناد حسن عن ابن عباس: أنها نزلت فيما كان بين أبي بكر وبين فنحاص اليهودي في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء﴾ [آل عمران: ١٨١] تعالى الله عن قوله، فغضب أبو بكر فنزلت، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٣٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٣١).","vol":"5","page":66},{"text":"(١٦ -<span data-type='title' id=toc-2582> باب قوله: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا﴾ الآية [آل عمران:</span> ١٨٨])\nقال الحافظ (^١): سقط لفظ \"باب\" لأبي ذر.\nقوله: (إن رجالًا من المنافقين. . .) إلخ، قال الحافظ (^٢): هكذا ذكره أبو سعيد الخدري في سبب نزول الآية، وأن المراد من كان يعتذر عن التخلف من المنافقين، وفي حديث ابن عباس الذي بعده أن المراد من أجاب من اليهود بغير ما سئل عنه وكتموا ما عندهم من ذلك، ويمكن الجمع بأن تكون الآية نزلت في الفريقين معًا، وبهذا أجاب القرطبي وغيره، وحكى الفراء أنها نزلت في قول اليهود: نحن أهل الكتاب الأول والصلاة والطاعة، ومع ذلك لا يقرّون بمحمد فنزلت: ﴿وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ [آل عمران: ١٨٨] وروي عن جماعة من التابعين نحو ذلك، ورجحه الطبري، ولا مانع أن تكون نزلت في كل ذلك، أو نزلت في أشياء خاصة، وعمومها يتناول كل من أتى بحسنة ففرح بها فرح إعجاب وأحب أن يحمده الناس ويثنوا عليه بما ليس فيه، والله تعالى أعلم.\nقوله: (فقال ابن عباس: وما لكم ولهذه. . .) إلخ، كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٣) حاصل كلامه: أن هذا ليس على عمومه الظاهر كما توهمه السائل بل الذي تناولته الآية هو الذي يكون على حسبه لا أزيد منه ولا أنقص، وليس فرح المسلم بما عمله من الخير وكذلك حبه الحمد على ما لم يفعله مساويًا لما فعلته اليهود من حبّ الحمد على ما ارتكبوه من الكتمان وهو حرام عليهم، وكذلك فرح المسلم بما أتاه ليس مماثلًا لفرح اليهود بما أتوا به من الأخبار لغير ما كان في كتابهم ثم فرحوا بذلك، فإن أتى آتٍ من المسلمين بمثل ما أتوا به فارتكب حرامًا ثم ودّ أن يحمد\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٣٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٣٣).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٩/ ٤٤ - ٤٦).","vol":"5","page":67},{"text":"عليه، أو افترى افتراءً ثم فرح بفعلته فإنه يؤاخذ على ذلك من غير ريبة.\nوحاصل كلامه: أن مصداق الآية: من فعل مثل فعلهم، وبين الفعلين الذي ذكره السائل والذي نزلت فيه الآية بون بعيد، فلا يلزم تخصيص النص بمورده، ولا مؤاخذة كل امرئ كما توهمه مروان، انتهى.\nوذكر في هامش \"اللامع\" كلام الحافظ ابن كثير - ﵀ - في تفسير هذه الآية بالبسط.\nوقال الحافظ (^١): قوله: \"وإنما دعا النبي - ﷺ - يهودًا فسألهم عن شيء\" في رواية حجاج بن محمد: إنما نزلت هذه الآية في أهل الكتاب.\nقوله: (ثم قرأ ابن عباس: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ. . .﴾) إلخ، فيه إشارة إلى أن الذين أخبر الله عنهم في الآية المسؤول عنها هم المذكورون في الآية التي قبلها، وأن الله ذمهم بكتمان العلم الذي أمرهم أن لا يكتموه وتوعدهم بالعذاب على ذلك.\n(تنبيه): الشيء الذي سأل النبي - ﷺ - عنه اليهود لم أره مفسرًا، وقد قيل: إنه سألهم عن صفته عندهم بأمر واضح فأخبروه عنه بأمر مجمل، وروى عبد الرزاق من طريق سعيد بن جبير في قوله: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧] قال: محمد وفي قوله: ﴿يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا﴾ قال: بكتمانهم محمدًا، وفي قوله: ﴿أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ قال: قولهم: نحن على دين إبراهيم، انتهى كله من \"الفتح\" (^٢).\n\n(١٧ -<span data-type='title' id=toc-2583> باب قوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ. . .﴾ [آل عمران: ١٩٠]) إلخ</span>\nورد في سبب نزول هذه الآية ما أخرجه ابن أبي حاتم والطبراني عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: أتت قريش اليهود، فقالوا: بما جاء به\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٣٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٣٥).","vol":"5","page":68},{"text":"موسى؟ قالوا: العصا ويده، الحديث، إلى أن قال: فقالوا للنبي - ﷺ -: اجعل لنا الصفا ذهبًا\" فنزلت هذه الآية، ورجاله ثقات إلا الحمّاني فإنه تكلم فيه، وقد خالفه الحسن بن موسى فرواه عن يعقوب عن جعفر عن سعيد مرسلًا وهو أشبه، وعلى تقدير كونه محفوظًا وصله ففيه إشكال من جهة أن هذه السورة مدنيّة وقريش من أهل مكة، قلت: ويحتمل أن يكون سؤالهم لذلك بعد أن هاجر النبي - ﷺ - إلى المدينة ولا سيما في زمن الهدنة، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n١٨ -<span data-type='title' id=toc-2584> باب قوله: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا﴾ الآية [آل عمران:</span> ١٩١])\nفي موضع جَرِّ نعت لـ \"أولي\"، أو خبر مبتدأ محذوف، أي: هم الذين يذكرون الله حال كونهم قيامًا وقعودًا، أي: يداومون على الذكر بألسنتهم وقلوبهم؛ لأن الشخص لا يخلو عن هذه الأحوال، وقيل: يصلون على الهيئات الثلاث حسب طاقتهم، انتهى من \"القسطلاني (^٢)، وقد بسط القسطلاني في تفسير هذه الآيات المذكورة في هذا الباب والتي قبله فأجاد، فارجع إليه لو شئت.\n\n(١٩ -<span data-type='title' id=toc-2585> باب قوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ الآية [آل عمران:</span> ١٩٢])\nقال العلَّامة القسطلاني (^٣): يعني: يتفكرون في خلق السماوات والأرض حال كونهم قائلين: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾، أي: أهنته وأذللته، أو أهلكته أو فضحته وأبلغت في إخزائه، والخزي ضرب من الاستخفاف أو انكسار يلحق الإنسان وهو الحياء المفرط، وقد\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٣٥).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ١٤٢).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ١٤٤).","vol":"5","page":69},{"text":"تمسك المعتزلة بهذا على أن صاحب الكبيرة غير مؤمن؛ لأنه إذا دخل النار فقد أخزاه الله والمؤمن لا يخزى لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ الآية [التحريم: ٨]، فوجب أن من يدخل النار لا يكون مؤمنًا، وأجيب بأن الخزي فسر بوجوه من المعاني فلم لا يجوز أن يراد في كل صورة معنى مثلًا في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ. . .﴾ إلخ، أي: لا يهلكهم، وفي الأول يريد الإهانة، والحاصل أن لفظ الإخزاء مشترك بين الإهلاك والتخجيل، واللفظ المشترك لا يمكن حمله في طريق النفي والإثبات على معنييه جميعًا، وحينئذ يسقط الاستدلال به، انتهى.\nقال الحافظ (^١): ذكر المصنف فيه حديث ابن عباس المذكور وليس فيه إلا تغيير شيخ شيخه فقط، وسياق الرواية في هذا الباب أتم من تلك، انتهى.\n\n(٢٠ -<span data-type='title' id=toc-2586> باب قوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾ الآية [آل عمران:</span> ١٩٣])\nذكر فيه الحديث المذكور عن شيخ له آخر عن مالك، وساقه أيضًا بتمامه، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\nقال القسطلاني (^٣): قوله: ﴿مُنَادِيًا﴾ هو محمد - ﷺ -، قال الله تعالى: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٤٦]، وقيل: القرآن لقوله تعالى: ﴿يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾ [الجن: ٢] فكأنه يدعو إلى نفسه، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٣٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٣٧).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ١٤٦).","vol":"5","page":70},{"text":"(٤)<span data-type='title' id=toc-2587> سورة النساء</span>\nوفي نسخة \"الفتح\" و\"العيني\" بعده: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وقالا (^١): لم تثبت البسملة إلا في رواية أبي ذر، انتهى.\nقال العيني (^٢): قال العوفي عن ابن عباس: نزلت سورة النساء بالمدينة، وكذا روى ابن مردويه عن عبد الله بن الزبير وزيد بن ثابت - ﵄ -، وقال ابن النقيب: جمهور العلماء على أنها مدنيَّة وفيها آية واحدة نزلت بمكة عام الفتح في عثمان بن أبي طلحة وهي ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ الآية [النساء: ٥٨]، انتهى.\nقوله: (قال ابن عباس: ﴿يَسْتَنْكِفَ﴾: يستكبر)، قال الحافظ (^٣): وقع هذا في رواية المستملي والكشميهني حسب، وقد وصله ابن أبي حاتم بإسناد صحيح عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ [النساء: ١٧٢] قال: يستكبر وهو عجيب؛ فإن في الآية عطف الاستكبار على الاستنكاف فالظاهر أنه غيره، ويمكن أن يحمل على التوكيد، انتهى.\nوقال القسطلاني (^٤): يريد به تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ فالعطف للتفسير.\nوقال ابن عباس أيضًا فيما وصله ابن أبي حاتم: \"قوامًا قوامكم من معايشكم\" بكسر القاف وبعدها واو والتلاوة بالياء التحتية إذ مراده ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: ٥] قيل: لم يقصد المؤلف بها التلاوة بلا حذف الكلمة القرآنية وأشار إلى تفسيرها، وقد قال أبو عبيدة: قيامًا وقوامًا بمنزلة واحدة، تقول: هذا قوام أمرك وقيامه، أي: ما يقوم به أمرك، والأصل بالواو فأبدلوها بكسرة القاف، ونقل أنها بالواو قراءة ابن عمر - ﵄ -، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٣٧)، \"عمدة القاري\" (١٢/ ٥١٧).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٢/ ٥١٧).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٣٧).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ١٣٨).","vol":"5","page":71},{"text":"وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^١): \"قوامكم: من معايشكم. . .\" إلخ، وهذا تفسير لقوله: \"قوامًا\" الوارد في سورة الفرقان فإن معناه القصد من العيش وما يتعيش به، وإيراده ها هنا دون \"تفسير قيامًا الوارد ها هنا إشارة إلى أن المراد بهما واحد، انتهى.\nوفي هامشه: ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه فهو محتمل ولكن الظاهر من كلام الشرَّاح أنه متعلق بآية سورة النساء. . .، إلى آخر ما بسط فيه من كلام الشرَّاح.\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-2588> باب: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ الآية [النساء:</span> ٣])\nسقطت هذه الترجمة لغير أبي ذر.\nومعنى ﴿خِفْتُمْ﴾ ظننتم، ومعنى ﴿تُقْسِطُوا﴾ تعدلوا، وهو من أقسط، يقال: قسط إذا جاد، وأقسط إذا عدل، وقيل: الهمزة فيه للسلب، أي: أزال القسط، ورجحه ابن التين لقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] لأن أفعل في أبنية المبالغة لا تكون في المشهور إلا من الثلاثي، نعم حكى السيرافي في جواز التعجب بالرباعي، وحكى غيره أن أقسط من الأضداد، والله أعلم انتهى من \"الفتح\" (^٢).\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-2589> باب قوله: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:</span> ٦])\nقال الحافظ (^٣): قوله: \" ﴿وَبِدَارًا﴾ مبادرة\" هو تفسير أول الآية المترجم بها، وقال أبو عبيدة في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا﴾ [النساء: ٦] الإسراف الإفراط، وبدارًا مبادرة، وكأنه فسر المصدر بأشهر منه، يقال: بادرت بدارًا ومبادرة.\nقوله: (﴿أَعْتَدْنَا﴾ أعددنا. . .) إلخ، كذا للأكثر وهو تفسير أبي عبيدة،\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٩/ ٤٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٣٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٤١).","vol":"5","page":72},{"text":"ولأبي ذر عن الكشميهني: \"اعتددنا افتعلنا\" والأول هو الصواب، والمراد أن أعتدنا وأعددنا بمعنى واحد؛ لأن العتيد هو الشيء المعدّ.\n(تنبيه): وقعت هذه الكلمة في هذا الموضع سهوًا من بعض نساخ الكتاب، ومحلها بعد هذا قبل \"باب ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ [النساء: ١٩]، انتهى من \"الفتح\".\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-2590> باب قوله: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى﴾ الآية [النساء:</span> ٨])\nسقط لفظ \"باب\" لغير أبي ذر، قاله الحافظ (^١).\nوبسط الكلام في تفسير هذه الآية وهل هي محكمة أو منسوخة.\nتقدمت هذه الترجمة في كتاب الوصايا مع شيء من الكلام عليها.\nقوله: (هي محكمة) كتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): أي: إذا أريد أمر استجاب، انتهى.\n\n(٤ -<span data-type='title' id=toc-2591> باب قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء:</span> ١١])\nسقط لغير أبي ذر لفظ \"باب\" و\" ﴿فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ \".\nوالمراد بالوصية ها هنا بيان قسمة الميراث (^٣)، انتهى.\nقوله: (فنزلت ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ الآية) كتب الشيخ في \"اللامع\" (^٤): يعني به آية الميراث ليشمل آية الكلالة الواقعة في آخر النساء، انتهى.\nقلت: دفع به الشيخ قُدِّس سرُّه ما يرد على هذا الحديث.\nقال الحافظ (^٥): قوله: \"فنزلت ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ \" هكذا وقع في رواية\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٤٢).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٩/ ٤٩).\n(^٣) انظر: \"الفتح\" (٨/ ٢٤٣).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٩/ ٤٩).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٤٣).","vol":"5","page":73},{"text":"ابن جريج، وقيل: إنه وهم في ذلك، وأن الصواب أن الآية التي نزلت في قصَّة جابر هذه الآية الأخيرة من النساء وهي: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦] لأن جابرًا يومئذ لم يكن له ولد ولا والد، والكلالة من لا ولد له ولا والد، وقد أخرجه مسلم والنسائي عن ابن المنكدر: حتى نزلت [عليه] آية الميراث: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾، ولمسلم أيضًا من طريق شعبة عن ابن المنكدر قال في آخر هذا الحديث: فنزلت آية الميراث، فقلت لمحمد بن المنكدر: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ قال: هكذا نزلت، وقد تفطن البخاري بذلك فترجم في أول الفرائض: قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] (زاد) إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [النساء: ١٢] ثم ساق حديث جابر المذكور وفي آخره: حتى نزلت آية الميراث، ولم يذكر الزيادة (أي: قوله: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ﴾) فأشعر البخاري بأن الزيادة عنده مدرجة من كلام ابن عيينة.\nوقد اضطرب فيه، ففي رواية عنه عند ابن خزيمة: حتى نزلت آية الميراث: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧٦] وقال مرة: حتى نزلت آية الكلالة، وفي رواية عنه عند الترمذي وغيره بلفظ: حتى نزلت ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ فمراد البخاري بقوله في الترجمة \"في كتاب الفرائض\": إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ الإشارة إلى أن مراد جابا من آية الميراث قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً﴾ [النساء: ١٢] (كما هو يناسب حال جابر) وأما الآية الأخرى وهي قوله: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ فسيأتي في آخر تفسير هذه السورة أنها من آخر ما نزل، فكأن الكلالة لما كانت مجملة في آية المواريث استفتوا منها.\nولم ينفرد ابن جريج بتعيين الآية المذكورة (أي: بقوله: فنزلت ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾) فقد ذكرها ابن عيينة أيضًا وقد أخرجه البخاري أيضًا عن ابن المديني وعن الجعفي مثل رواية قتيبة بدون الزيادة (أي: قوله: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ﴾) وهو المحفوظ، وكذا أخرجه مسلم","vol":"5","page":74},{"text":"أيضًا عن ابن المنكدر بلفظ: حتى نزلت آية الميراث، فالحاصل أن المحفوظ عن ابن المنكدر أنه قال: آية الميراث أو آية الفرائض.\nوالظاهر أنها ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ كما صرَّح به في رواية ابن جريج ومن تابعه، وأما من قال: إنها ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ فعمدته أن جابرًا لم يكن له حينئذ ولد وإنما كان يورث كلالة فكان المناسب لقصته نزول ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ لكن ليس ذلك بلازم؛ لأن الكلالة اختلف في تفسيرها فقيل: هي اسم المال الموروث، وقيل: اسم الميت، وقيل: اسم الإرث، فلما لم يتعين تفسيرها لمن لا ولد له ولا والد لم يصح الاستدلال؛ لأن ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ نزلت في آخر الأمر، وآية المواريث نزلت قبل ذلك بمدة في ورثة سعد بن الربيع، وكان قتل يوم أُحد فخلف ابنتين وأمهما وأخاه، فأخذ الأخ المال فنزلت، وبه احتج من قال: إنها لم تنزل في قصَّة جابر، وإنما نزلت في قصَّة ابنتي سعد بن الربيع، وليس ذلك بلازم؛ إذ لا مانع أن تنزل في الأمرين معًا، فقد ظهر أن ابن جريج لم يهم، انتهى ما في \"الفتح\" (^١) بإيضاح واختصار.\nقلت: ومحصل الكل أن رواية البخاري هذه صحيحة لا وهم فيها كما قيل، لكن يشكل عليه أنه لا يناسب حال جابر - ﵁ - فإنه كان كلالة، والجواب إما أولًا: فلأنه اختلف في تفسير الكلالة كما تقدم، وثانيًا: أن المراد به آية الميراث بتمامها إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ كما ذكره البخاري في الفرائض، وهو يتضمن آية الكلالة أيضًا، وتقدمت الإشارة إليه في كلام الشيخ من \"اللامع\"، وسيأتي الكلام على الكلالة قريبًا أيضًا، في آخر تفسير سورة النساء.\n\n(٥ -<span data-type='title' id=toc-2592> باب قوله: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء:</span> ١٢])\nسقط لفظ \"باب\" لغير أبي ذر، وثبت قوله: \"قوله\" للمستملي فقط.\nقوله: (كان المال للولد) يشير إلى ما كانوا عليه قبل، وقد روى الطبري من وجه آخر عن ابن عباس: أنها لما نزلت قالوا: يا رسول الله أن نعطي\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٤٤).","vol":"5","page":75},{"text":"الجارية الصغيرة نصف الميراث وهي لا تركب الفرس ولا تدفع العدو؛ قال: وكانوا في الجاهلية لا يعطون الميراث إلا لمن قاتل القوم.\nقوله: (فنسخ الله من ذلك ما أحبّ) هذا يدلّ على أن الأمر الأول استمر على نزول الآية، وفيه ردّ على من أنكر النسخ، ولم ينقل ذلك عن أحد من المسلمين إلا عن أبي مسلم الأصبهاني صاحب \"التَّفسير\" فإنه أنكر النسخ مطلقًا، وردّ عليه بالإجماع على أن شريعة الإسلام ناسخة لجميع الشرائع، وأجيب عنه بأنه يرى أن الشرائع الماضية مستقرة الحكم إلى ظهور هذه الشريعة، قال: فسمي ذلك تخصيصًا لا نسخًا، ولهذا قال ابن السمعاني: إن كان أبو مسلم لا يعترف بوقوع الأشياء التي نسخت في هذه الشريعة فهو مكابر، وإن قال: لا أسميه نسخًا كان الخلاف لفظيًا، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(٦ -<span data-type='title' id=toc-2593> باب قوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ الآية [النساء:</span> ١٩])\nسقط \"باب\" وما بعد ﴿كَرْهًا﴾ لغير أبي ذر.\nوقوله: ﴿كَرْهًا﴾ مصدر في موضع الحال، قرأها حمزة والكسائي بالضم والباقون بالفتح.\nقوله: (﴿حُوبًا﴾: إثمًا) محل هذه التفاسير من قوله: ﴿حُوبًا﴾ إلى آخرها في أول السورة، وكأنه من بعض نساخ الكتاب كما قدمناه غير مرة، وليس هذا خاصًا بهذا الموضع ففي التَّفسير في غالب السور أشباه هذا، انتهى كله من \"الفتح\" (^٢).\n\n(٧ -<span data-type='title' id=toc-2594> باب قوله: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ الآية [النساء:</span> ٣٣])\nكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٣): قوله: \"أولياء ورثة\" يعني: أن\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٤٥).\n(^٢) المصدر السابق.\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٩/ ٥٠).","vol":"5","page":76},{"text":"للمولى معان شتى منها الوارث ومنها مولى اليمين، انتهى.\nوفي هامشه: وهو كما أفاده الشيخ أن للمولى معان كثيرة، منها ما ذكره الإمام البخاري عدة معاني.\nقال الحافظ: ومما لم يذكره، أي: البخاري وذكره غيره من أهل اللغة: المولى: المحب والجار والناصر والصهر والتابع والولي والموازي، وذكروا أيضًا: العم والعبد وابن الأخ والشريك والنديم، ويلتحق بهم معلِّم القرآن جاء فيه حديث مرفوع: \"من علّم عبدًا آية من كتاب الله فهو مولاه\" الحديث أخرجه الطبراني من حديث أبي أُمامة، ونحوه قول شعبة: من كتبت عنه حديثًا فأنا له عبد، انتهى مختصرًا.\n\n(٨ -<span data-type='title' id=toc-2595> باب قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠] يعني: زنة ذرة)</span>\nهو تفسير أبي عبيدة قال في قوله تعالى: ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ أي: زنة ذرة، ويقال: هذا مثقال هذا، أي: وزنه، وهو مفعال من الثقل، والذرّة النملة الصغيرة، ويقال: واحدة الهباء، والذرة يقال: زنتها ربع ورقة نخالة، وورقة النخالة وزن ربع خردلة، وزنة الخردلة ربع سمسمة، ويقال: الذرة لا وزن لها، وإنّ شخصًا ترك رغيفًا حتى علاه الذر فوزنه فلم يزد شيئًا، حكاه الثعلبي.\nثم ذكر المصنف حديث أبي سعيد في الشفاعة وسيأتي في كتاب الرقاق مع حديث أبي هريرة المذكور هناك وهو بطوله في معناه، وقد وقع ذكرهما بتمامهما متواليين في كتاب التوحيد، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): دلالة الرواية على الترجمة في قوله: \"بَرّ وفاجر\" فإنه لو لم يعتبر من الإيمان قليله لزم الظلم، وأيضًا فإن البر وقع منكَّرًا، وأدنى المؤمنين بارّ أيضًا فلزم اعتباره من جملة الأبرار: إذ لو لم\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٥٠).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٩/ ٥٠، ٥١).","vol":"5","page":77},{"text":"يدخل فيهم لزم أن يكون بعض أفراد البر غير مجزي على ما عمله، والحال أن الله لا يظلم مثقال ذرة، انتهى.\nوفي هامشه: أجاد الشيخ قُدِّس سرُّه في مناسبة الحديث بالترجمة.\nوقال العيني (^١): مطابقته للترجمة من حيث إن المفهوم من معناه أن الله تعالى يحكم يوم القيامة بين عباده المؤمنين والكافرين بعدله العظيم ولا يظلم أحدًا منهم مثقال ذرة، ولم أر أحدًا من الشرَّاح ذكر وجه المطابقة ولا أنصف في شرح هذا الحديث، انتهى.\nثم ذكر شيئًا من شرح ألفاظ الحديث، والأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن المناسبة بما ورد في بعض طرق هذا الحديث من قوله تعالى: \"أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان\"، وقد تقدم هذا الجزء من الحديث في \"كتاب الإيمان\" في \"باب تفاضل أهل الإيمان\"، فقد أخرج المصنف هذا الحديث في \"كتاب الإيمان\" مختصرًا بهذه الزيادة، وسيأتي الحديث بطوله بهذه الزيادة في \"كتاب التوحيد\"، وفيه أيضًا: فقال أبو سعيد: فإن لم تصدقوني فاقرأوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠] الحديث.\nقوله: (وغُبّرات أهل الكتاب. . .) إلخ، بضم الغين المعجمة وتشديد الموحدة، وفي رواية مسلم: \"وغُبّر\" وكلاهما جمع غابر، أو الغبرات جمع غبّر، وغبّر جمع غابر، ويجمع أيضًا على أغبار، وغبر الشيء بقيته، وجاء بسكون الموحدة، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٣): وإنما يبقون هؤلاء مع إشراكهم بالله كالكفرة الأخر للادّعاء الظاهر منهم بعلاقة بالله، فإنهم لم يعبدوا عيسى أو عزيرًا إلا لاعتقادهم أنه ابن الله فكانت عبادتهم لهما عبادة الله في زعمهم الفاسد، انتهى.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٢/ ٥٣٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١١/ ٤٤٩).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٩/ ٥٢).","vol":"5","page":78},{"text":"وفي هامشه: قال العلَّامة السندي: قوله: \"فلا يبقى من كان يعبد غير الله\" أي: بخلاف من كان يعبد نحو عزير وعيسى على نبينا وعليهما الصلاة والسلام ضرورة أن نحو الأصنام في النار، فمن كانوا يعبدونها عند اتباعهم يلحقون بهم في النار بخلاف نحو عزير وعيسى، انتهى.\n\n(٩ -<span data-type='title' id=toc-2596> باب قوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ الآية [النساء:</span> ٤١])\nقال الحافظ (^١): وقع في الباب تفاسير لا تتعلق بالآية وقد قدّمتُ الاعتذار عن ذلك، انتهى.\n\n(١٠ -<span data-type='title' id=toc-2597> باب قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ الآية [النساء:</span> ٤٣])\nقال الحافظ (^٢): هذا القدر مشترك في آيتي النساء والمائدة، وإيراد المصنف له في تفسير سورة النساء يشعر بأن آية النساء نزلت في قصَّة عائشة، وقد سبق ما فيه من كتاب التيمم، انتهى.\nقوله: (وقال عكرمة: الجبت بلسان الحبشة الشيطان. . .) إلخ، قال الحافظ (^٣): وصله عبد بن حميد بإسناد صحيح عنه، وروى الطبري من طريق قتادة مثله بغير ذكر الحبشة، ومن طريق العوفي عن ابن عباس قال: الجبت الأصنام، والطواغيت الذين كانوا يعبرون عن الأصنام بالكذب، قال: وزعم رجال أن الجبت الكاهن، والطاغوت رجل من اليهود يدعى كعب بن الأشرف، وعن ابن عباس أيضًا قال: الجبت حيي بن أخطب، والطاغوت كعب بن الأشرف، واختار الطبري أن المراد بالجبت والطاغوت جنس\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٥٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٥١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٥٢، ٢٥٣).","vol":"5","page":79},{"text":"من كان يعبد من دون الله سواء كان صنمًا أو شيطانًا جنيًّا أو آدميًا فيدخل فيه الساحر والكاهن، والله أعلم.\nوأما قول عكرمة: إن \"الجبت بلسان الحبشة الشيطان\" فقد وافقه سعيد بن جبير على ذلك لكن عبَّر عنه بالساحر، وهذا مصير منهما إلى وقوع المعرَّب في القرآن، وهي مسألة اختلف فيها، فبالغ الشافعي وأبو عبيدة اللغوي وغيرهما في إنكار ذلك، فحملوا ما ورد من ذلك على توارد اللغتين، وأجاز ذلك جماعة واختاره ابن الحاجب، واحتج له بوقوع أسماء الأعلام فيه كـ \"إبراهيم\" فلا مانع من وقوع أسماء الأجناس، وقد وقع في \"صحيح البخاري\" جملة من هذا، وتتبع القاضي تاج الدين السبكي ما وقع في القرآن من ذلك ونظمه في أبيات ذكرها في \"شرحه على المختصر\" وقد تتبعت بعده زيادة كثيرة على ذلك تقرب من عدة ما أورد، ونظمتها أيضًا، وليس جميع ما أورد هو متفقًا على أنه من ذلك، لكن اكتفى بإيراد ما نقل في الجملة فتبعته في ذلك وقد رأيت إيراد الجميع للفائدة.\nثم ذكر الحافظ تلك الأبيات ثم قال: وأنا معترف أنني لم أستوعب ما يستدرك عليه فقد ظفرت بعد نظمي هذا بأشياء، وقد عزمت أني إذا أتيت على آخر شرح هذا التَّفسير إن شاء الله تعالى ألحق ما وقفت عليه من زيادة في ذلك منظومًا، انتهى من \"الفتح\".\n\n(١١ -<span data-type='title' id=toc-2598> باب قوله: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] ذوي الأمر)</span>\nهكذا في النسخة \"الهندية\" وكذا في نسخة \"القسطلاني\" لكن بدون لفظ \"باب\"، وفي نسخة \"الفتح\" و\"العيني\": \"باب ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ. . .﴾ \" إلخ.\nقال الحافظ (^١): وهو تفسير أبي عبيدة، قال ذلك في هذه الآية وزاد:\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٥٣).","vol":"5","page":80},{"text":"والدليل على ذلك أن واحدها \"ذو\" أي: واحد \"أولي\" لأنها لا واحد لها من لفظها، انتهى.\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^١): دفع به توهم الاشتراك فإن كلمة \"أولي\" كما هي بمعنى الجمع للفظة \"ذو\" فكذلك هي مستعملة لجمع \"الذي\"، قال: ألست ابن الأولي سعدوا وسادوا، انتهى.\nقوله: (نزلت في عبد الله بن حذافة. . .) إلخ، قال الحافظ (^٢): كذا ذكره مختصرًا، والمعنى نزلت في قصَّة عبد الله بن حذافة، أي: المقصود منها في قصته قوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ﴾ الآية [النساء: ٥٩]، انتهى.\nقال القسطلاني (^٣): قوله: \"إذ بعثه النبي - ﷺ - في سرية\" وكانت فيه دعابة، أي: لعب، فنزلوا ببعض الطريق وأوقدوا نارًا يصطلون عليها فقال: عزمت عليكم إلا تواثبتم في هذه النار، فلما همّ بعضهم بذلك قال: اجلسوا إنما كنت أمزح، فذكروا ذلك للنبي - ﷺ - فقال: \"من أمركم بمعصية فلا تطيعوه\" رواه ابن سعد، وبوّب عليه البخاري فقال: سرية عبد الله بن حذافة السهمي وعلقمة بن مجزز المدلجي، ثم روى عن علي قال: بعث النبي - ﷺ - سرية واستعمل رجلًا من الأنصار وأمرهم أن يطيعوه، فغضب فقال: أليس قد أمركم النبي - ﷺ -[أن تطيعوني]؟ قالوا: بلى، قال: فاجمعوا لي حطبًا. . .، إلى آخر ما تقدم. واختلاف السياقين يدل على التعدد لا سيما وعبد الله بن حذافة مهاجري قرشي، والذي في حديث علي أنصاري، انتهى.\nثم إنهم اختلفوا في تفسير \"أولي الأمر\" المذكور في الآية المترجم بها فقال القسطلاني (^٤): وهم الخلفاء الراشدون ومن سلك طريقهم في رعاية العدل، ويدرج فيهم القضاة وأمراء السرية، أمر الله تعالى الناس بطاعتهم\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٩/ ٥٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٥٤).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ١٦٩).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ١٦٨).","vol":"5","page":81},{"text":"بعد ما أمرهم بالعدل تنبيهًا على أن وجوب طاعتهم عا داموا على الحق، وقيل: علماء الشرع لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣]، انتهى.\nوقال العلَّامة العيني (^١): في تفسيره أحد عشر قولًا: الأول: الأمراء، قاله ابن عباس وأبو هريرة والسدي. الثاني: أبو بكر وعمر - ﵄ -، قاله عكرمة. الثالث: جميع الصحابة، قاله مجاهد. الرابع: الخلفاء الأربعة، قاله أبو بكر الوراق فيما قاله الثعلبي. الخامس: المهاجرون والأنصار، قاله عطاء. السادس: الصحابة والتابعون. السابع: أرباب العقل الذين يسوسون أمر الناس، قاله ابن كيسان. الثامن: العلماء والفقهاء، قاله الحسن وأبو العاليه. التاسع: أمراء السرايا، قاله ميمون بن مهران ومقاتل والكلبي. العاشر: أهل العلم والقرآن، قاله مجاهد، واختاره مالك. الحادي عشر: عام في كل من ولي أمر شيء، وهو الصحيح، وإليه مال البخاري بقوله: ذوي الأمر، انتهى.\n\n(١٢ -<span data-type='title' id=toc-2599> باب قوله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء:</span> ٦٥])\nسقط لفظ \"باب\" لغير أبي ذر.\nذكر فيه قصَّة الزبير مع الأنصاري الذي خاصمه في شراج الحرة، وقد تقدم في \"كتاب الشرب\" مع الكلام عليه.\n\n(١٣ -<span data-type='title' id=toc-2600> باب قوله: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ الآية [النساء:</span> ٦٩])\nذكر فيه حديث عائشة وقد تقدم في \"الوفاة النبوية\".\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٢/ ٥٣٧).","vol":"5","page":82},{"text":"(١٤ -<span data-type='title' id=toc-2601> باب قوله: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية [النساء:</span> ٧٥])\nوالأظهر أن \"المستضعفين\" مجرور بالعطف على اسم الله، أي: وفي سبيل المستضعفين، أو على سبيل الله، أي: وفي خلاص المستضعفين، وجوز الزمخشري، أن يكون منصوبًا على الاختصاص.\nقوله: (تلووا ألسنتكم بالشهادة) وصله الطبري عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا﴾ [النساء: ١٣٥] قال: تلووا ألسنتكم بشهادة أو تعرضوا عنها، وعن قتادة أنه قال: أن تدخل في شهادتك ما يبطلها أو تعرض عنها فلا تشهدها، وقرأ حمزة وابن عامر: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا﴾ بواو واحدة ساكنة، ويكون على هذا من الولاية، وصوّب أبو عبيدة قراءة الباقين وقال: وليس للولاية ها هنا معنى، وأجاب الفراء بأنها بمعنى الليّ كقراءة الجماعة إلا أن الواو المضمومة قلبت همزة ثم سهلت، وقال الفارسي: إنها على بابها من الولاية، والمراد: وإن وليتم إقامة الشهادة، انتهى (^١).\n\n(١٥ -<span data-type='title' id=toc-2602> باب قوله: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ﴾ الآية [النساء:</span> ٨٨])\n(قال ابن عباس: بددهم) وصله الطبري بسنده عن ابن عباس، وبسند آخر عنه قال: \"أوقعهم\"، وفي رواية قال: \"أهلكهم\"، وهو تفسير باللازم؛ لأن الركس: الرجوع، فكأنه ردّهم إلى حكمهم الأول، انتهى (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-2603>(باب قوله: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ. . .﴾ [النساء: ٨٣] أفشوه) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٣): وصله ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿أَذَاعُوا بِهِ﴾ أي: أفشوه.\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (٨/ ٢٥٥، ٢٥٦).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (٨/ ٢٥٦).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٥٧).","vol":"5","page":83},{"text":"قوله: (﴿يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾ يستخرجونه) قاله أبو عبيدة.\nوقوله: (﴿إلا إِنَاثًا﴾ الموات. . .) إلخ، قاله أبو عبيدة في قوله تعالى: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إلا إِنَاثًا﴾ [النساء: ١١٧] والمراد بالموات ضد الحيوان، وقال غيره: قيل لها إناث لأنهم سموها مناة واللات والعزى وإساف ونائلة ونحو ذلك، وعن الحسن البصري: لم يكن حي من أحياء العرب إلا ولهم صنم يعبدونه يسمى أنثى بني فلان، وسيأتي في الصافات حكاية عنهم أنهم كانوا يقولون: الملائكة بنات الله، تعالى الله عن ذلك. وفي رواية عبد الله بن أحمد في مسند أبيه عن أُبي بن كعب في هذه الآية، قال: مع كل صنم جنِّية، ورواته ثقات، ومن هذا الوجه أخرجه ابن أبي حاتم، انتهى.\nوقال القسطلاني (^١): قال الحسن: كل شيء لا روح فيه كالحجر والخشبة هي إناث، وقد كانوا يسمون أصنامهم بأسماء الإناث، انتهى.\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٢): قوله: يعني الموات إطلاق الإناث على الأحجار تشبيه في عدم الغناء وكثرة العناء مع ملاحظة التأنيث في الأسماء، انتهى.\nوفي \"تقرير المكي\": قوله: \"الموات\" يعني: المراد بالإناث الموات وهي اللات ومناة والعزى وأمثالها، انتهى.\nقال الحافظ (^٣): ثم إن المصنف ذكر في هذا الباب آثارًا ولم يذكر فيه حديثًا، وقد وقع عند مسلم من حديث عمر في سبب نزولها: أن النبي - ﷺ - لما هجر نساءه وشاع أنه طلقهن وأن عمر جاءه فقال: أطلقت نساءك؟ قال: \"لا\"، قال: فقمت على باب المسجد فناديت بأعلى صوتي: لم يطلق نساءه فنزلت هذه الآية، فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر، وأصل هذه القصَّة عند\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ١٧٧).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٩/ ٥٤).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٥٧).","vol":"5","page":84},{"text":"البخاري أيضًا لكن بدون هذه الزيادة فليست على شرطه فكأنه أشار إليها بهذه الترجمة، انتهى.\nويشكل ها هنا أن الآية المترجم بها في هذا الباب مقدمة على الآية المترجم بها في الباب السابق ولم يتعرض له الشرَّاح ولم أجد فيه اختلاف النسخ أيضًا، فيمكن أن يكون ذلك من تصرف النساخ وإن لم يذكر الشرَّاح ها هنا اختلاف النسخ أيضًا، والله تعالى أعلم، وتقدم نظيره في تفسير سورة آل عمران أيضًا.\n\n(١٦ -<span data-type='title' id=toc-2604> باب قوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء:</span> ٩٣])\nقال الحافظ (^١): يقال: نزلت في مقيس بن ضبابة وكان أسلم هو وأخوه هشام، فقتل هشامًا رجل من الأنصار غيلة فلم يعرف، فأرسل إليهم النبي - ﷺ - رجلًا يأمرهم أن يدفعوا إلى مقيس دية أخيه ففعلوا، فأخذ الدية وقتل الرسول ولحق بمكة مرتدًا، فنزلت فيه، وهو ممن أهدر النبي - ﷺ - دمه يوم الفتح، أخرجه ابن أبي حاتم من طريق سعيد بن جبير.\nوقوله: (هي آخر ما نزل) أي: في شأن قتل المؤمن عمدًا بالنسبة لآية الفرقان، وسيأتي مزيد فيه هناك، انتهى من \"الفتح\".\nقوله: (﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾) ولعله ذهب إلى نوع تخفيف في عذابه فرقًا بينه وبين الكافر فإن الكفر أعظم الجنايات، وعلى هذا فالعظمة في قوله: ﴿وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ عظمة في نفسه لا بنسبة من سواه من الكفرة، أو يكون العظم بحسب اعتبار من دخلها من فساق المؤمنين أول مرة وإن لم يكونوا خالدين وهو خالد فيها (أي: على رأي ابن عباس)، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٥٨).","vol":"5","page":85},{"text":"وفي هامشه: نبَّه الشيخ قُدِّس سرُّه على ذلك لأن قوله: ﴿وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ يوهم أن جزاءه يزيد على الكفرة أيضًا؛ لأن الخلود وهو جزاء الكفرة علم من قوله: ﴿خَالِدًا﴾، انتهى (^١).\nوسيأتي تمام الكلام عليه بالبسط في سورة الفرقان إن شاء الله تعالى.\n\n(١٧ -<span data-type='title' id=toc-2605> باب قوله: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء:</span> ٩٤])\nقال الحافظ (^٢): قوله: \"السّلَم والسِّلْم والسلام واحد\" الأول: بفتحتين، والثاني: بكسر ثم سكون، فالأول قراءة نافع وابن عامر وحمزة، والثاني قراءة رويت عن عاصم بن أبي النجود، والثالث: قراءة الباقين، وروي عن عاصم الجحدري بفتح ثم سكون. فأما الثالث فمن التحيَّة، وأما ما عداه فهو من الانقياد.\nوقوله: (فقتلوه وأخذوا غنيمته) زاد في رواية سماك: وقالوا: ما سلّم علينا إلا ليتعوذ منا، وأتوا بغنمه النبيَّ - ﷺ -؛ فنزلت. وروى البزار عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في سبب نزول هذه الآية قصَّة أخرى قال: \"بعث رسول الله - ﷺ - سرية فيها المقداد، فلما أتوا القوم وجدوهم قد تفرقوا وبقي رجل له مال كثير فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، فقتله المقداد، فقال له النبي - ﷺ -: كيف لك بلا إله إلا الله غدًا!! وأنزل الله هذه الآية\". وهذه القصة يمكن الجمع بينها وبين التي قبلها، ويستفاد منها تسمية القاتل، وأما المقتول فروى الثعلبي من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أن اسم المقتول مرداس بن نهيك من أهل فدك. . .، إلى آخر ما بسط الحافظ من الروايات المختلفة في سبب نزولها، وكذا في اسم القاتل والمقتول.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٩/ ٥٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٥٨).","vol":"5","page":86},{"text":"(١٨ -<span data-type='title' id=toc-2606> باب: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء:</span> ٩٥])\nقال القسطلاني (^١): كذا في الفرع وأصله، وغيرهما بإسقاط ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ وثبت ذلك في بعضها، ولأبي ذر: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية، وسقط ما بعد ذلك، انتهى.\nقال الحافظ (^٢): واختلفت القراءة في ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ فقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم بالرفع على البدل من ﴿الْقَاعِدُونَ﴾، وقرأ الأعمش بالجر على الصفة للمؤمنين، وقرأ الباقون بالنصب على الاستثناء، انتهى.\nولم يتعرض الحافظ ولا العلَّامة العيني لعدم ذكر البخاري لفظ ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ في الترجمة، ولعل النكتة في حذفه الإشارة إلى تأخر نزوله كما في حديث الباب.\n\n(١٩ -<span data-type='title' id=toc-2607> باب قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء:</span> ٩٧])\nهكذا في النسخ \"الهندية\" و\"العيني\"، و\"القسطلاني\" (^٣) بزيادة لفظ \"باب\"، قال القسطلاني: سقط لفظ الباب من أكثر النسخ وثبت في بعضها، انتهى.\nوليس لفظ \"باب\" في نسخة \"الفتح\" وقال (^٤): ليس عند الجميع لفظ \"باب\".\nوقوله: (قطع على أهل المدينة بعث. . .) إلخ، المعنى أنهم ألزموا بإخراج جيش لقتال أهل الشام، وكان ذلك في خلافة عبد الله بن الزبير على مكة، انتهى من \"الفتح\".\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ١٨١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٦٠).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ١٨٦).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٦٣).","vol":"5","page":87},{"text":"قال القسطلاني (^١): وغرض عكرمة أن الله ذمّ من كثّر سواد المشركين مع أنهم كانوا لا يريدون بقلوبهم موافقتهم فكذلك أنت لا تكثر سواد هذا الجيش وإن كنت لا تريد موافقتهم؛ لأنهم لا يقاتلون في سبيل الله، انتهى.\nقال الحافظ بعد ذكر حديث الباب (^٢): هكذا جاء في سبب نزولها، وعن ابن عباس عند ابن المنذر والطبري: كان قوم من أهل مكة قد أسلموا وكانوا يخفون الإسلام، فأخرجهم المشركون معهم يوم بدر فأصيب بعضهم، فقال المسلمون: هؤلاء كانوا مسلمين فأكرهوا فاستغفروا لهم، فنزلت، فكتبوا بها إلى من بقي بمكة منهم وأنهم لا عذر لهم، فخرجوا فلحقهم المشركون ففتنوهم فرجعوا، فنزلت: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ١٠] فكتب إليهم المسلمون بذلك فحزنوا فنزلت: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا﴾ الآية [النحل: ١١٠]، فكتبوا إليهم بذلك فخرجوا فلحقوهم فنجا من نجا وقتل من قتل، انتهى.\n\n(٢٠ -<span data-type='title' id=toc-2608> باب قوله: ﴿إلا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ﴾ الآية [النساء:</span> ٩٨])\nليس لفظ \"باب\" في نسخ الشروح الثلاثة، قال العلَّامة القسطلاني (^٣): وفي بعض النسخ \"باب\" بالتنوين، أي في قوله تعالى: ﴿إلا الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ استثناء من قوله: ﴿فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ٩٧]، فيكون الاستثناء متصلًا كأنه قيل: فأولئك في جهنم إلا المستضعفين، والصحيح أنه منقطع لأن الضمير في ﴿مَأْوَاهُمْ﴾ عائد على ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ﴾ [النساء: ٩٧] وهؤلاء المتوفون إما كفارًا أو عصاة بالتخلف وهم قادرون على الهجرة فلم يندرج فيهم المستضعفون فكان منقطعًا، انتهى.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ١٨٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٦٣).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ١٨٨).","vol":"5","page":88},{"text":"(٢١ -<span data-type='title' id=toc-2609> باب قوله: ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾)</span>\nوفي نسخة \"الفتح\" و\"القسطلاني\" و\"العيني\": \"باب قوله: ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ﴾ الآية [النساء: ٩٩] \".\nقال الحافظ (^١): كذا لأبي ذر ولغيره: ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ كذا وقع عند أبي نعيم في \"المستخرج\" وهو خطأ من النساخ بدليل وقوعه على الصواب في رواية أبي ذر: ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ﴾ الآية، وهي التلاوة، ووقع في \"تنقيح الزركشي\" ها هنا: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٩٩] قال: وهو خطأ أيضًا، قال الحافظ: لكن لم أقف عليه في رواية، انتهى.\n\n(٢٢ -<span data-type='title' id=toc-2610> باب قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ﴾ الآية [النساء:</span> ١٠٢])\nكذا لأبي ذر وسقط لغيره \"باب\" وزادوا: ﴿أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ﴾، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\nقوله: (قال عبد الرحمن: وكان جريحًا) وفي نسخة \"الفتح\" بزيادة الواو، قال الحافظ (^٣): في رواية: \"كان\" بغير واو، كذا وقع عنده مختصرًا، ومقول ابن عباس ما ذكر عن عبد الرحمن، وقوله: \"كان جريحًا\" أي: فنزلت الآية فيه، وقال الكرماني: يحتمل هذا، ويحتمل أن التقدير: قال ابن عباس: وعبد الرحمن بن عوف يقول: من كان جريحًا فحكمه كذلك، فكان عطف الجريح على المريض إلحاقًا به على سبيل القياس، أو لأن الجرح نوع من المرض فيكون كله مقول عبد الرحمن وهو مروي عن ابن عباس.\nقلت: وسياق ما أورده غير البخاري يدفع هذا الاحتمال، فقد وقع\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٦٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٦٤).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٦٤).","vol":"5","page":89},{"text":"عند أبي نعيم في \"المستخرج\" من طريق إبراهيم بن سعيد عن حجاج بن محمد قال: كان عبد الرحمن بن عوف جريحًا، وهو ظاهر في أن فاعل \"قال\" هو ابن عباس، وأنه لا رواية لابن عباس في هذا عن عبد الرحمن، انتهى من \"الفتح\".\n\n(٢٣ -<span data-type='title' id=toc-2611> باب قوله: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ [النساء:</span> ١٢٧])\nكذا لأبي ذر، وله عن غير المستملي \"باب يستفتونك\" (بغير واو) وسقط لغيره \"باب\"، وقوله: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ﴾ أي: يطلبون الفتيا أو الفتوى وهما بمعنى واحد، أي: جواب السؤال عن الحادثة التي تشكل على السائل، وهي مشتقة من الفتي، ومنه الفتى وهو الشاب القوي.\nثم ذكر حديث عائشة في قصَّة الرجل يكون عنده اليتيمة، وروى ابن أبي حاتم من طريق السدي قال: كان لجابر بنت عم دميمة ولها مال ورثته عن أبيها، وكان جابر يرغب عن نكاحها، ولا ينكحها خشية أن يذهب الزوج بمالها، فسأل النبي - ﷺ - عن ذلك فنزلت، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(٢٤ -<span data-type='title' id=toc-2612> باب قوله: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا﴾ [النساء:</span> ١٢٨])\nوفي نسخ الشروح الثلاثة بغير لفظ \"باب\"، قال الحافظان (^٢) ابن حجر والعيني: كذا وقع لجميع الرواة بغير ذكر لفظ \"باب\"، زاد العيني: ووقع في بعض النسخ، فالظاهر أنه من بعض النساخ.\nقوله: (وقال ابن عباس: ﴿شِقَاقَ﴾: تفاسد) أشار به إلى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ [النساء: ٣٥] وصله ابن أبي حاتم، وقال غيره:\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٦٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٦٥)، \"عمدة القاري\" (١٢/ ٥٥٦).","vol":"5","page":90},{"text":"الشقاق: العداوة لأن كلًا من المتعاديين في شق خلاف شق صاحبه، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوزاد القسطلاني (^٢): ومحل ذكر هذه الآية قبلُ على ما لا يخفى، انتهى.\nقلت: وذلك أن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ مقدم في التلاوة على الآية المترجم بها لكن هذا الإيراد في غير محله فإن الإمام البخاري ذكر هذه الآية بل أشار إليها بمناسبة الآية المترجم بها ولم يجعلها ترجمة برأسها حتى يرد عليه ما أورده، ومن دأبه المعروف أنه كثيرًا ما يشير إلى تفسير الآيات الأخر بمناسبة الترجمة، والعجب منه أنه أورد على هذا ولم يورد على ما هو جدير بالإيراد، وهو باب قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ﴾ الآية [آل عمران: ٧٧]، وقوله: باب ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ﴾ الآية [آل عمران: ٦٤]، كما تقدم فإن الإمام البخاري خالف في هذين البابين ترتيب التلاوة.\n\n(٢٥ -<span data-type='title' id=toc-2613> باب قوله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ الآية [النساء:</span> ١٤٥])\nكذا لأبي ذر وسقط لغيره \"باب\".\nقوله: (وقال ابن عباس: أسفل النار) وصله ابن أبي حاتم عنه قال: الدرك الأسفل أسفل النار، قال العلماء: عذاب المنافق أشد من عذاب الكافر لاستهزائهم بالدين، انتهى (^٣).\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٤): قوله: \"قال ابن عباس. . .\" إلخ، دفع بذلك ما يتوهم بكلمة \"من\" في قوله تعالى: ﴿فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّار﴾\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٦٥).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ١٩٢).\n(^٣) انظر: \"فتح الباري\" (٨/ ٢٦٦).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٩/ ٥٥، ٥٦).","vol":"5","page":91},{"text":"أن مقامهم خارج من النار؛ كقولك: هذا أسفل منه، فبين بهذا التَّفسير أن كلمة \"من\" ليست صلة في اسم التفضيل بل هي بيانية، فلا يلزم كون الدرك الأسفل سوى النار وأدون منه، وفي الآية إشارة إليه حيث أورد الأسفل معرفًا، واسم التفضيل بعد تعريفه باللام لا يحتاج إلى صلة فلا يكون مقام المنافقين أدون من النار خارجًا منها، انتهى.\nقوله: (نفقًا سربًا) وصله ابن أبي حاتم بسنده عن ابن عباس، وهذه الكلمة ليست من سورة النساء وإنما هي من سورة الأنعام، ولعل مناسبة ذكرها ها هنا للإشارة إلى اشتقاق النفاق؛ لأن النفاق إظهار غير ما يبطن، كذا وجّهه الكرماني، وليس ببعيد مما قالوه في اشتقاق النفاق أنه من النافقاء وهو جُحر اليربوع، وقيل: هو من النفق وهو السرب حكاه في \"النهاية\"، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوهكذا أفاد الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٢) أنه أشار بذلك إلى وجه اشتقاقه منه. . .، إلى آخر ما ذكر فيه وفي هامشه في تأييد كلامه فارجع إليه.\nقوله: (عجبت من ضحكه) قال الحافظ (^٣): أي: من اقتصاره على ذلك، وقد عرف ما قلت، أي: فهم مرادي وعرف أنه الحق، انتهى.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٤): قوله: \"عجبت من ضحكه. . .\" إلخ، حيث اكتفى بالضحك ولم يبين لكم ما أردته بكلامي مع أنه قد فهمه، وكان مراده بذلك تحذيرهم من أن يأمنوا من النفاق بأن النفاق قد نزل على قوم كانوا في قرن هو خير من قرنكم وإن لم يكونوا أخيارًا مدة نفاقهم، فإذا وقع النفاق في خير القرون ففي قرنكم هذا هو أولى بالوقوع، فلتكونوا منه على حذر ولا تأمنوا، ولتشتغلوا بتوبة واستغفار، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٦٦).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٩/ ٥٧).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٦٧).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٩/ ٥٧).","vol":"5","page":92},{"text":"(٢٦ -<span data-type='title' id=toc-2614> باب قوله: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ إلى قوله: ﴿وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ﴾ [النساء:</span> ١٦٣])\nسقط لفظ \"باب\" لغير أبي ذر.\nقوله: (ما ينبغي لأحد) في رواية: \"لعبد\"، (أن يقول: أنا خير) يحتمل أن يكون المراد أن العبد القائل هو الذي لا ينبغي له أن يقول ذلك، ويحتمل أن يكون المراد بقوله: أنا رسول الله - ﷺ -، وقاله تواضعًا، ودلّ حديث أبي هريرة ثاني حديثي الباب على أن الاحتمال الأول أولى، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(٢٧ -<span data-type='title' id=toc-2615> باب قوله: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء:</span> ١٧٦])\nسقط \"باب\" لغير أبي ذر.\nوالمراد بقوله: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ أي: عن مواريث الكلالة، وحذف لدلالة السياق عليه في قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\nقوله: (والكلالة من لم يرثه أب أو ابن) قال الحافظ (^٣): هو قول أبي بكر الصديق، أخرجه ابن أبي شيبة عنه، وجمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وروي عن عمرو بن شرحبيل وهو من كبار التابعين أنه قال: ما رأيتهم إلا تواطئوا على ذلك.\nقوله: (وهو مصدر من تكلله النسب) هو قول أبي عبيدة، قال في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً﴾ [النساء: ١٢] قال: وهو مصدر من تكلله النسب، أي: تعطف النسب عليه، وزاد غيره: كأنه أخذ طرفيه من جهة الولد والوالد وليس له منهما أحد، وهو قول البصريين قالوا: هو مأخوذ من الإكليل كأن الورثة أحاطوا به وليس له أب ولا ابن، وقيل: هو\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٦٧).\n(^٢) المصدر السابق (٨/ ٢٦٧).\n(^٣) المصدر السابق (٨/ ٢٦٨).","vol":"5","page":93},{"text":"من كَلّ يكِلّ يقال: كلّت الرحم إذا تباعدت وطال انتسابها، وقيل: الكلالة من سوى الولد، وزاد الداودي: وولد الولد، وقيل: من سوى الوالد، وقيل: هم الإخوة، وقيل: من الأم، وقال الأزهري: سمي الميت الذي لا والد له ولا ولد كلالة، وسمي الوارث كلالة، وسمي الإرث كلالة، وعن عطاء: الكلالة هي المال، وقيل: الفريضة، وقيل: الورثة والمال، وقيل: بنوا العم ونحوهم، وقيل: العصبات وإن بعدوا، وقيل غير ذلك، ولكثرة الاختلاف فيها صح عن عمر أنه قال: لم أقل في الكلالة شيئًا، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): قوله: من تكلله النسب، أي: أعياه وأعجزه حيث لم يبق له ولد ولا والد، انتهى.\nوفي هامشه: قال القسطلاني: قيل: الكلالة في الأصل مصدر بمعنى الكلال، وهو ذهاب القوة من الإعياء، انتهى.\nوفي \"الفيض\" (^٣): الكلالة في اللغة التعب، والمراد منه المورث الذي ليس له وارث من أصوله وفروعه، أو الوارث الذي يكون على تلك الشاكلة فلا يكون له غير الحواشي، انتهى.\nبسم الله الرحمن الرحيم\nقال العلَّامة العيني (^٤): لم تذكر البسملة في رواية أبي ذر، ولقد أحسن من ذكرها.\n\n(٥)<span data-type='title' id=toc-2616> سورة المائدة</span>\nوهكذا في نسخة \"الفتح\" (^٥). وفي نسخة \"العيني\" و\"القسطلاني\": \"باب تفسير سورة المائدة\"، قال العلَّامة العيني (^٦): أي: بيان تفسير بعض\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٦٨).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٩/ ٥٩).\n(^٣) \"فيض الباري\" (٥/ ٢٤٩).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٢/ ٥٦٢).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٦٨)، و\"إرشاد الساري\" (١٠/ ١٩٨)، و\"عمدة القاري\" (١٢/ ٥٦٢).\n(^٦) \"عمدة القاري\" (١٢/ ٥٦٢).","vol":"5","page":94},{"text":"شيء من سورة المائدة، وهي على وزن فاعلة بمعنى مفعولة، أي: ميد بها صاحبها، وقال الجوهري: مادهم يميدهم لغة في مارهم من الميرة، ومنه المائدة، وهي خوان عليه طعام، فإذا لم يكن عليه طعام فليس بمائدة وإنما هو خوان، وقال أبو عبيدة: مائدة فاعلة بمعنى مفعولة مثل ﴿عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] بمعنى مرضية، انتهى.\nقلت: وسيأتي في البخاري تفسير لفظ المائدة في \"باب قوله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ. . .﴾ [المائدة: ١٠٣] إلخ.\nوقال القسطلاني (^١): وهي مدنية إلا ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾ [المائدة: ٣] فبعرفة عشيتها، قال في \"الينبوع\": ومن نسب هذه السورة إلى عرفة فقد سها، بل نزلت بالمدينة سوى الآيات من أولها فإنهن نزلن في حجة الوداع وهو على راحلته بعرفة بعد العصر، انتهى.\nوقد روى الإمام أحمد عن أسماء بنت يزيد قالت: \"إني لآخذة بزمام العضباء ناقة رسول الله - ﷺ - إذ نزلت عليه المائدة كلها، وكادت من ثقلها تدق عضد الناقة\". وعن ابن عمر: \"آخر سورة أنزلت المائدة والفتح\"، قال الترمذي: حسن غريب، انتهى.\nوقال العيني (^٢): قال عطاء بن مسلم: نزلت سورة المائدة ثم سورة التوبة، وقال أبو العباس في \"مقامات التنزيل\": هي آخر ما نزل، وفيها اختلاف في ست آيات. . .، إلى آخر ما ذكر.\nقوله: (﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ١]) يريد قوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾، \"واحدها حرام\" هو قول أبي عبيدة، وزاد: حرام بمعنى محرم، وقرأ الجمهور بضم الراء، ويحيى بن وثاب بإسكانها، وهي لغة كرسل ورسل، انتهى من \"الفتح\" (^٣) بزيادة.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ١٩٨).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٢/ ٥٦٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٦٨).","vol":"5","page":95},{"text":"وكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): قوله: واحدها حرام: أي: لا حرمة، انتهى.\nوفي هامشه: نبَّه بذلك على دفع توهم أنها جمع حرمة، وفي \"المجمع\": في حديث أشهر الحج: \"وحرم الحج\" بضم الحاء والراء كأنها تريد الأوقات والمواضع، وعند الأصيلي بفتح راء جمع حرمة، أي: ممنوعات الشرع ومحرماته، انتهى.\nوالحاصل: أن الحرم بضمتين واحدها حرام، وأما الحرم بضم ففتح واحدها حرمة، انتهى من هامش \"اللامع\".\nقوله: (جعل الله لكم. . . .) إلخ، كتب الشيخ: يعني أن \"كتب\" ليس ها هنا بمعنى فرض بل بمعنى التقدير والتعيين. وقوله: \" ﴿تَبُوءَ﴾: تحمل\" يعني: أنَّ \"تبوء\" ها هنا ليست بمعنى: جعل الشيء وطنًا، كما في قوله: ﴿تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ﴾ [الحشر: ٩] بل بمعنى الحمل، والنكتة في تعبيره بلفظ دون لفظ آخر مما فيه معنى الحمل الإشارة إلى أنه باجترام هذه الكبيرة يقتحم فيها، فكأنه محاط بها إحاطة المكان بالمتمكن، انتهى من \"اللامع\" (^٢).\nقال الحافظ (^٣): قال أبو عبيدة في قوله تعالى: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ [المائدة: ٢٩] أي: تحمل إثمي وإثمك، قال: وله تفسير آخر: تبؤ، أي: تقر، وليس مرادًا ها هنا، انتهى.\nقوله: (وقال غيره: الإغراء التسليط) قال العلَّامة القسطلاني (^٤): قيل: هو غير السدّي أو غير من فسّر السابق، وسقط للنسفي: و\"قال غيره\" فلا إشكال، والإغراء المذكور في قوله تعالى: ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ﴾ [المائدة: ١٤] هو \"التسليط\" وقيل: أغرينا: ألقينا. \" ﴿أُجُورَهُنَّ﴾ \" يريد: ﴿إِذَا\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٩/ ٦٠).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٩/ ٦٠، ٦١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٦٩).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ١٩٩).","vol":"5","page":96},{"text":"آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾: \"مهورهن\" وهذا تفسير أبي عبيدة، انتهى من \"القسطلاني\".\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه (^١): قوله: \" ﴿أُجُورَهُنَّ﴾ مهورهن\" فسّره به لما في حمله على ظاهره من توهم جواز المتعة، ولعل الوجه في تعبير المهر بالأجر التحضيض على أدائها؛ لأنه عوض عن البضعة فكان حبسها كحبس أجرة الأجير، ولا شك في كونه معيوبًا، انتهى.\nوفي هامشه: قال ابن الجوزي في \"تفسيره\": وقد تكلم قوم من مفسري القرآن فقالوا: المراد بهذه الآية نكاح المتعة ثم نسخت بما روي عن النبي - ﷺ -: أنه نهى عن متعة النساء، وهذا تكلف لا يحتاج إليه، وفيه أيضًا: وقال ابن جرير الطبري: أولى التأويلين في ذلك بالصواب تأويل من تأوَّله: فما نكحتموه منهن فجامعتموهن فآتوهن أجورهن، فقوله تعالى: ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: ٢٤] يعني: مهورهن.\nقوله: (﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ يعني. . .) إلخ، كتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): لما كان الإحياء صفة خاصة بالرب ﵎ وجب حمله على المجاز، فاحتاج إلى بيان معناه، انتهى.\nوذكر في هامشه أقوال المفسرين في تفسير هذه الآية، وقد ترجم المصنف، في كتاب الديات \"باب قول الله - ﷿ -: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ [المائدة: ٣٢]، قال ابن عباس: من حرم قتلها\".\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-2617> باب قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة:</span> ٣])\nسقط \"باب\" لغير أبي ذر، قاله الحافظ (^٣).\nقوله: (فقال عمر: إني لأعلم حيث أنزلت وأين أنزلت) قال في \"المغني\" (^٤): وحيث للمكان اتفاقًا، وقال الأخفش: قد ترد للزمان، و\"أين\"\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٩/ ٦١، ٦٢).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٩/ ٦٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٧٠).\n(^٤) \"مغني اللبيب\" لابن هشام (٢/ ٢٩٩).","vol":"5","page":97},{"text":"قال في \"الصحاح\" (^١): إذا قلت: أين زيد، فإنما تسأل عن مكانه، فتكون \"حيث\" ها هنا للزمان و\"أين\" للمكان فلا تكرار.\nقوله: (وأشك كان يوم الجمعة أم لا؟) سبق في \"الإيمان\" من وجه آخر عن قيس بن مسلم الجزم بأنه كان يوم الجمعة، وهذا الحديث قد مر في \"كتاب الإيمان\"، انتهى من \"القسطلاني\" (^٢).\nقال الحافظ (^٣): فإن قيل: كيف طابق الجواب السؤال لأنه قال: لاتخذناه عيدًا، وأجاب عمر - ﵁ - بمعرفة الوقت والمكان ولم يقل: جعلناه عيدًا؟ والجواب عن هذا: أنها نزلت في أخريات نهار عرفة ويوم العيد إنما يتحقق بأوله، وقد قال الفقهاء: إن رؤية الهلال بعد الزوال للقابلة، قاله هكذا بعض من تقدم، وعندي أن هذه الرواية اكتفى فيها بالإشارة وإلا فرواية إسحاق عن قبيصة التي قدّمناها قد نصّت على المراد، ولفظه: نزلت يوم جمعة يوم عرفة، وكلاهما بحمد الله لنا عيد، ولفظ الطبري والطبراني: وهما لنا عيدان، وكذا عند الترمذي من حديث ابن عباس: أن يهوديًّا سأله عن ذلك فقال: نزلت في يوم عيدين: يوم جمعة ويوم عرفة، انتهى.\nوقال العيني (^٤): قال المفسرون: هذه أكبر نعم الله - ﷿ - على هذه الأمة حيث أكمل لهم دينهم فلا يحتاجون إلى دين غيره، ولا إلى نبي غير نبيهم، ولهذا جعله الله خاتم الأنبياء وبعثه إلى الإنس والجن، فلا حلال إلا ما أحله الله ولا حرام إلا ما حرمه الله، ولا دين إلا ما شرعه، وكل شيء أخبر به فهو حق وصدق لا كذب فيه ولا خلف، وعن ابن عباس: ﴿أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ هو الإسلام، والمراد باليوم يوم عرفة، وعن السدي: لم ينزل بعدها حلال ولا حرام، انتهى.\nقلت: وقد تقدم الحديث في \"باب زيادة الإيمان ونقصانه\" من كتاب الإيمان، وتقدم هناك شيء من الكلام عليه.\n_________\n(^١) \"الصحاح\" (٥/ ٢٠٧٦).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٢٠١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١/ ١٠٥).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٢/ ٥٦٦).","vol":"5","page":98},{"text":"(٣ -<span data-type='title' id=toc-2618> باب قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا. . .﴾ [المائدة: ٦]) إلخ</span>\nقال الحافظ (^١): قوله: \" ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ تعمدوا. . .\" إلخ، قال أبو عبيدة في قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا﴾ أي: فتعمدوا، وقال في قوله تعالى: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٢]: ولا عامدين، ويقال: أممت، وبعضهم يقول: تيممت، قال الشاعر:\nإني كذاك إذا ما ساءَني بلد … يممت صدر بعيري غيره بلدا\nثم قال الحافظ: قرأ الجمهور ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ﴾ بإثبات النون، وقرأ الأعمش بحذف النون مضافًا كقوله: ﴿مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ [المائدة: ١].\n\n(٤ -<span data-type='title' id=toc-2619> باب قول الله: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾ الآية [المائدة:</span> ٢٤])\nأغرب الداودي فقال: مرادهم بقولهم: ﴿وَرَبُّكَ﴾ أخوه هارون لأنه كان أكبر منه سنًّا، وتعقبه ابن التين بأنه خلاف قول أهل التَّفسير كلهم، انتهى (^٢).\n\n(٥ -<span data-type='title' id=toc-2620> باب قوله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. . .﴾ [المائدة: ٣٣]) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٣) - ﵀ -: تحت قوله: \"المحاربة لله: الكفر به\": هذا قول سعيد بن جبير والحسن وصله ابن أبي حاتم عنهما، وفسره الجمهور ها هنا بالذي يقطع الطريق على الناس مسلمًا أو كافرًا، وقيل: نزلت في النفر العرنيين وقد تقدم في مكانه، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٧٢).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (٨/ ٢٧٣).\n(^٣) المصدر السابق (٨/ ٢٧٤).","vol":"5","page":99},{"text":"قوله: (أنه كان جالسًا خلف عمر بن عبد العزيز. . .) إلخ، وكان قد أبرز سريره للناس ثم أذن لهم فدخلوا، \"فذكروا\" القسامة لما استشارهم عمر فيها، \"وذكروا\" له شأنها \"فقالوا\" نقول: فيها القود، \"وقالوا: قد أقادت بها الخلفاء\" قبلك، وفي المغازي: فقالوا: حق قضى بها رسول الله - ﷺ - وقضت بها الخلفاء قبلك، \"فالتفت\" عمر - ﵀ -. \"ما تقول يا أبا قلابة\" زاد في الديات: فقلت: يا أمير المؤمنين، عندك رؤوس الأجناد وأشراف العرب أرأيت لو أن خمسين منهم شهدوا على رجل محصن بدمشق أنه قد زنى ولم يروه أكنت ترجمه؟ قال: لا، قلت: أرأيت لو أن خمسين منهم شهدوا على رجل بحمص أنه سرق أكنت تقطعه ولم يروه؟ قال: لا، انتهى من \"القسطلاني\" (^١).\nقلت: وبما شرح الحديث العلَّامة القسطلاني ستأتي القصَّة كذلك عند البخاري في كتاب الديات.\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٢): قوله: \"ما تقول يا أبا قلابة. . .\" إلخ، حاصله: أن أبا قلابة حصر الأسباب المجوزة للقتل في ثلاثة وليست القسامة منها فلم يجز القتل فيها، ثم أورد عنبسة على حصره ذلك حديث العرنيين حيث قتلوا ولم يكن فيهم شيء من هذه الثلاثة، فأراد عنبسة بذلك إثبات أنه ليس جواز القتل مقصورًا على هذه الثلاثة كما يدل عليه حديث العرنيين، فأجاب عنه أبو قلابة بأنهم ليسوا خارجين من هذه الثلاثة، فلا إيراد بالحديث على الحصر، ثم إن قول عنبسة: \"سبحان الله\" كان تعجبًا منه وتصديقًا لكلامه ولكن هذه الكلمة قد تستعمل في الإنكار، فلذلك سأل عنه أبو قلابة هل تتهمني؟ فقال: لا، فكان ذلك تسليمًا منه لما ادعاه أبو قلابة من ترك القتل بالقسامة وهو المذهب، انتهى.\nوفي هامشه: أجاد الشيخ قُدِّس سرُّه في توضيح معنى الحديث، وفي\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٢٠٧، ٢٠٨).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٩/ ٦٣، ٦٤).","vol":"5","page":100},{"text":"\"تقرير المكي\": قوله: \"قادت بها الخلفاء\" قلنا: لم يثبت أن النبي - ﷺ - أو أحد من الخلفاء قاد بالقسامة إلا أن عبد الملك كان قد قاد بالقسامة، فلذلك احتاج عمر بن عبد العزيز إلى المشورة فيه، وأما قول الشيخ قُدِّس سرُّه: وهو المذهب، فالمراد مذهب الحنفية وهو المشهور من مذهب الشافعية بخلاف الإمامين: مالك وأحمد فإنهما قائلان بالقود بالقسامة في بعض الصور، كما بسط المذاهب في \"الأوجز\" (^١).\nولا يذهب عليك أن المعروف عند شراح الحديث أن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى لم يكن قائلًا بالقسامة، قالوا: وإليه ميل البخاري، وليس بصحيح عند هذا العبد الضعيف، والصواب عندي أنهما أنكرا القود بالقسامة لا الحكم بالقسامة أصلًا كما هو مذهبنا الحنفية، وسيأتي البسط في ذلك في \"باب القسامة\" من كتاب الديات إن شاء الله ﵎.\n\n(٦ -<span data-type='title' id=toc-2621> باب قوله: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة:</span> ٤٥])\nسقط لفظ \"باب\" لغير أبي ذر.\nقوله: (﴿قِصَاصٌ﴾) أي: ذات قصاص فيما يمكن أن يقتص منه، وهذا تعميم بعد التخصيص؛ لأن الله تعالى ذكر النفس والعين والأنف والأذن فخص الأربعة بالذكر ثم قال: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ على سبيل العموم فيما يمكن أن يقتص منه كاليد والرجل، وأما ما لا يمكن ككسر في عظم أو جراحة في بطن يخاف منها التلف فلا قصاص فيه بل فيه الأرش والحكومة، انتهى من \"القسطلاني\" (^٢).\nوحديث الباب قد سبق في \"باب الصلح في الدية\" من كتاب الصلح، وتقدم شيء من الكلام عليه هناك.\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (١٥/ ١٥٤).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٢٠٩).","vol":"5","page":101},{"text":"(٧ -<span data-type='title' id=toc-2622> باب قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [المائدة:</span> ٦٧])\nذكر فيه طرفًا من حديث عائشة، وسيأتي بتمامه مع كمال شرحه في كتات التوحيد إن شاء الله تعالى، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(٨ -<span data-type='title' id=toc-2623> باب قوله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ الآية [المائدة:</span> ٨٩])\nسقط \"باب قوله\" لغير أبي ذر، وفسرت عائشة لغو اليمين بما يجري على لسان المكلف من غير قصد، وقيل: هو الحلف على غلبة الظن، وقيل: في الغضب، وقيل: في المعصية، وفيه خلاف آخر سيأتي بيانه في الأيمان والنذور، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\nقوله: (أنزلت هذه الآية في قول الرجل: لا والله. . .) إلخ، كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٣): وهذا اجتهاد منها لا أنه حديث مرفوع، انتهى.\nقلت: هو كذلك كما أوضحته في هامشه، وفيه أيضًا: لا يقال: إن الحديث مرفوع في \"سنن أبي داود\"، وذلك لأن الإمام أبا داود أشار إلى ترجيح الوقف.\n\n(٩ -<span data-type='title' id=toc-2624> باب قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ. . .﴾ [المائدة: ٨٧]) إلخ</span>\nسقط \"باب قوله\" لغير أبي ذر، قاله الحافظ (^٤).\nقوله: (ثم قرأ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا. . .﴾) إلخ، كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٥): ولا يبعد إرجاع الآية إلى النهي عن الاختصاء، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٧٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٧٥).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٩/ ٦٥).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٧٦).\n(^٥) \"لامع الدراري\" (٩/ ٦٥، ٦٦).","vol":"5","page":102},{"text":"قلت: ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه وجيه، وبه جزم الشيخ في كتاب النكاح إذ قال: دلالة الآية على حرمة التبتل والاختصاء ظاهرة، وإليه يظهر ميل أكثر المفسرين، وإن كان يحتمل إرجاع الضمير إلى المتعة لقربها في الحديث.\nوبسط في هامش \"اللامع\" الكلام في سبب نزول هذه الآية من كلام المفسرين، وفيه: قال الحافظ (^١): قوله: \"ثم قرأ\" في رواية مسلم: \"ثم قرأ علينا عبد الله\" وظاهر استشهاد ابن مسعود بهذه الآية ها هنا يشعر بأنه كان يرى بجواز المتعة، فقال القرطبي: لعله لم يكن حينئذ بلغه الناسخ ثم بلغه فرجع بعدُ.\nقال الحافظ: يؤيده ما ذكره الإسماعيلي أنه وقع في رواية أبي معاوية عن إسماعيل بن أبي خالد: ففعله ثم ترك ذلك، وفي رواية: ثم جاء تحريمها بعدُ، وفي رواية: ثم نسخ، انتهى مختصرًا.\nوقال القرطبي: الخصاء في غير بني آدم ممنوع في الحيوان إلا لمنفعة حاصلة في ذلك كتطييب اللحم أو قطع ضرر عنه، وقال النووي: يحرم خصاء الحيوان غير المأكول مطلقًا، وأما المأكول فيجوز في صغيره دون كبيره، انتهى.\nوفي \"الدر المختار\": وجاز خصاء البهائم حتى الهرة، وأما خصاء الآدمي فحرام، قيل: والفرس، وقيدوه بالمنفعة وإلا فحرام، وإنزاء الحمير على الخيل كعكسه، \"قهستاني\". قال ابن عابدين: قوله: قيدوه، أي: جواز خصاء البهائم بالمنفعة وهي إرادة سمنها أو منعها عن العضّ بخلاف بني آدم فإنه يراد به المعاصي فيحرم، أفاده الأتقاني عن الطحاوي، انتهى (^٢). وسيأتي في كتاب النكاح التبويبُ بقوله: ما يكره من التبتل والخصاء.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ١١٩).\n(^٢) \"رد المحتار\" (٩/ ٥٥٧، ٥٥٨).","vol":"5","page":103},{"text":"(١٠ -<span data-type='title' id=toc-2625> باب قوله: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ﴾ الآية [المائدة:</span> ٩٠])\nسقط \"باب قوله\" لغير أبي ذر.\nقوله: (وقال ابن عباس: الأزلام. . .) إلخ، وصله ابن أبي حاتم من طريق عطاء عن ابن عباس مثله.\nقوله: (وقال غيره: الزُّلَم: القدح لا ريش له. . .) إلخ، قال أبو عبيدة: واحد الأزلام: زلَمٌ بفتحتين، وزُلَم بضم أوله وفتح ثانيه، لغتان، وهو القدح، أي: بكسر القاف وسكون الدال، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nقوله: (قال: فما سألوا عنها ولا راجعوها. . .) إلخ، كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٢): فيه دلالة على غاية امتثالهم لأوامر الشرع وانتهائهم عن نواهيه ﵃ أجمعين، انتهى.\nوذكر في هامشه روايات كثيرة ووقائع عديدة في امتثال الصحابة - ﵃ - لأمره - ﷺ -، فارجع إليه لو شئت.\n\n(١١ -<span data-type='title' id=toc-2626> باب قوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ الآية [المائدة:</span> ٩٣])\nذكر المصنف فيه حديث أنس: أن الخمر التي هريقت الفضيخ، وسيأتي شرحه في الأشربة.\nوقوله: (فنزل تحريم الخمر فأمر مناديًا. . .) إلخ، الآمر بذلك هو النبي - ﷺ -، والمنادي لم أر التصريح باسمه، والوقت الذي وقع ذلك فيه زعم الواحدي أنه عقب قول حمزة: إنما أنتم عبيد لأبي، وحديث جابر يردّ عليه، والذي يظهر أن تحريمها كان عام الفتح سنة ثمان، ثم ذكر الحافظ (^٣) تأييد\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٧٧، ٢٧٨).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٩/ ٦٧).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٧٩).","vol":"5","page":104},{"text":"ذلك بعدة روايات من \"مسند أحمد\"، وسيأتي شيء من الكلام على زمان تحريم الخمر في مبدء \"كتاب الأشربة\".\n\n(١٢ -<span data-type='title' id=toc-2627> باب قوله: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة:</span> ١٠١])\nسقط \"باب قوله\" لغير أبي ذر.\nوقد تعلق بهذا النهي من كَرِه السؤال عما لم يقع، وقد أسنده الدارمي في مقدمة كتابه عن جماعة من الصحابة والتابعين، وقال ابن العربي: اعتقد قوم من الغافلين مَنعَ أسئلة النوازل حتى تقع تعلقًا بهذه الآية، وليس كذلك لأنها مصرحة بأن المنهي عنه ما تقع المساءة في جوابه، ومسائل النوازل ليست كذلك، وهو كما قال، إلا أنه أساء في قوله: الغافلين، على عادته كما نبَّه عليه القرطبي، وقد روى مسلم عن سعد بن أبي وقاص رفعه: \"أعظم المسلمين بالمسلمين جرمًا من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته\" وهذا يبين المراد من الآية، وليس مما أشار إليه ابن العربي في شيء، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): قوله: \"فغطى أصحاب رسول الله - ﷺ - وجوههم. . .\" إلخ، خوفًا من أن يسخط الله عليهم بسخط رسوله، وقوله: \"كان قوم يسألون. . .\" إلخ، وكان سببه ما كان النبي - ﷺ - عليه من حسن الخلق ولين الجانب، وكان ذلك أول أمرهم، فلا ينافيه ما ورد من كونهم في مجلسه: كأن على رؤوسهم الطير، انتهى.\nوفي هامشه: وفي \"تقرير المكي\": قوله: \"استهزاء\" ليس المراد به الاستهزاء حقيقة بل المراد به الكلام الذي كان استهزاء في حق النبي - ﷺ - (أي: بالنسبة إلى علو شأنه العظيم) بأن يقولوا: أخبرني يا رسول الله من مكاشفة أني ما أكلت اليوم؟ وما يطبخ في بيتي؟ أو من أبي؟ مع كونه\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٨٠، ٢٨١).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٩/ ٦٩).","vol":"5","page":105},{"text":"عالمًا بأبيه! وهذا كان من غاية حلم النبي - ﷺ - واختلاطهم معه، لا من أجل سخريتهم به، انتهى.\n\n(١٣ -<span data-type='title' id=toc-2628> باب قوله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ. . .﴾ [المائدة: ١٠٣]) إلخ</span>\nأي: ما حرم، ولم يرد حقيقة الجعل؛ لأن الكل خلقه وتقديره، ولكن المراد بيان ابتداعهم ما صنعوه من ذلك.\nقوله: (﴿وإِذْ قَالَ اللَّهُ﴾ يقول: قال الله. . .) إلخ، كذا ثبت هذا وما بعده ها هنا، وليس بخاص به، وهو على ما قدمنا من ترتيب بعض الرواة، وهذا الكلام ذكره أبو عبيدة في قوله تعالى: ﴿وإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١١٠] قال: مجازه: يقول الله، و\"إذ\" من حروف الزوائد، وكذلك قوله: ﴿وإِذْ عَلَّمْتُكَ﴾ أي: وعلمتك، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٢): يعني أن المراد بقوله: ﴿وإِذْ قَالَ اللَّهُ﴾ قال الله، فلا يراد بقوله: \"إذ\" ها هنا معنًى وهو المراد بقوله: \"وإذ ها هنا صلة\" أي: متعلقة بما لم يذكر ها هنا، وهي مزيدة بحسب هذا الكلام وإن لم تكن مزيدة في أصل الكلام فإنها زائدة من جملة: \"يقول الله\" لأنها ظرف للفعل المحذوف، انتهى.\nقوله: (المائدة وأصله مفعولة. . .) إلخ، قال ابن التين: هو قول أبي عبيدة، وقال غيره: هي من ماد يميد إذا تحرك، وقيل: من ماد يميد إذا أطعم، قال ابن التين: وقوله: (تطليقة بائنة) غير واضح إلا أن يريد أن الزوج أبان المرأة بها، وإلا فالظاهر أنها فرقت بين الزوجين، فهي فاعل على بابها، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٨٣).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٩/ ٧١، ٧٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٨٣).","vol":"5","page":106},{"text":"وتقدم الكلام على تحقيق لفظ المائدة في أول السورة، وكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): قوله: \"تطليقة بائنة\" فإن التطليقة ليست بائنة، وإنما هي مبانة بها، فكانت صيغة الفاعل بمعنى المفعول، فالتطليقة مبانة بها كما أن المائدة مميدة بها صاحبها، انتهى.\nوقد أجاد الشيخ قُدِّس سرُّه فيما أفاده وإلا فعامة الشرَّاح قالوا: التمثيل غير واضح، ووافق الكرماني ما قاله الشيخ قُدِّس سرُّه، والبسط في هامش \"اللامع\" فارجع إليه.\nقوله: (وقال ابن عباس: متوفيك مميتك) قال الحافظ (^٢): هكذا ثبت ها هنا، وهذه اللفظة إنما هي في سورة آل عمران، فكأن بعض الرواة ظنها من سورة المائدة، فكتبها فيها، أو ذكرها المصنف هنا لمناسبة قوله في هذه السورة: ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ﴾ [المائدة: ١١٧]، وذكر هذين الوجهين العلَّامة العيني (^٣) ونسب الوجه الثاني إلى الكرماني، ثم تعقب على القولين، فقال: هذا بعيد لا يخفى بعده، والذي قاله بعضهم أبعد منه، انتهى. ولم يجب هو بنفسه عن هذا الإشكال.\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه (^٤): قوله: \"متوفيك مميتك\" وهذا بيان لأجله متى يكون، ولا ذكر فيه للتوفي قبل الرفع حتى يلزم خلاف المشهور من أنه رفع حيًّا، والأصل أن عيسى عليه وعلى نبينا صلوات الله وسلامه لما اشتد عليه أذى الأعداء وضاق به صدره أوحى الله إليه أني مميتك فكن على صبر حتى يحل أجلك، ثم أتبعه بمزيد مَنِّه فقال: ﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥] ليكون أبلغ في تحمل المشاق لقرب زمان الخلاص نسبة زمان الموت، ثم أتبعه بأخرى ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: ٥٥] حتى لا تصل إليك أدناسهم، فإن في الأول من التأخير في الخلاص ما ليس في الثاني،\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٩/ ٧٢، ٧٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٨٣).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٢/ ٥٨٧).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٩/ ٧٥، ٧٦).","vol":"5","page":107},{"text":"وكذلك في الثاني من تعجيل النصرة ما ليس في الثالث، ففي المراتب الثلاث ترق بعد ترق، وقد تمت عليها عدته المتعلقة بنفسه فأتبعه رابعًا ما تدل على إنعامه على من اتبعه لئلا تأخذ إياه شفقة عليهم، فقال: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. . .﴾ [آل عمران: ٥٥]، انتهى.\nوذكر في هامشه الكلام عليه وعلى مسألة نزول عيسى - ﵇ -.\n(تنبيه): قال الشاه أنور الكشميري في رسالته \"عقيدة الإسلام\": إن المعروف في كتب الحديث: \"لو كان موسى حيًّا لما وسعه إلا اتباعي\" كما بسط طرقه الحافظ في كتاب الاعتصام في \"باب قوله تعالى: ﴿لا تسألوا أهل الكتاب﴾ \" إلخ، فما وقع في \"تفسير ابن كثير\" تحت قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ الآية [آل عمران: ٨١]، من زيادة عيسى في هذا الحديث غلط من الناسخ، انتهى من هامش \"اللامع\".\nقوله: (البحيرة التي يمنع درّها للطواغيت) وهي الأصنام فلا يحلبها أحد من الناس، والبحيرة فعيلة بمعنى مفعولة، وهي التي بحرت أذنها، أي: خرمت، قال أبو عبيدة: جعلها قوم من الشاة خاصة إذا ولدت خمسة أبطن بحروا أذنها، أي: شقوها وتركت فلا يمسها أحد، وقال آخرون: بل البحيرة الناقة كذلك وخلوا عنها فلم تركب ولم يضربها فحل.\nوأما قوله: (فلا يحلبها أحد من الناس)، وهكذا أطلق نفي الحلب، وكلام أبي عبيدة يدلّ على أن المنفي إنما هو الشرب الخاص، قال أبو عبيدة: كانوا يحرمون وبرها ولحمها وظهرها ولبنها على النساء، ويحلون ذلك للرجال، وما ولدت فهو بمنزلتها، وإن ماتت اشترك الرجال والنساء في أكل لحمها.\nقوله: (والسائبة كانوا يسيبونها. . .) إلخ، قال أبو عبيدة: كانت السائبة من جميع الأنعام وتكون من النذور للأصنام فتسيب فلا تحبس عن مرعى ولا عن ماء ولا يركبها أحد، قال: وقيل: السائبة لا تكون إلا من الإبل كان الرجل ينذر إن برئ من مرضه أو قدم من سفره لَيُسَيِّبَنّ بعيرًا.\nقوله: (والوصيلة الناقة البكر. . .) إلخ، هكذا أورده متصلًا بالحديث","vol":"5","page":108},{"text":"المرفوع، وهو يوهم أنه من جملة المرفوع، وليس كذلك بل هو بقية تفسير سعيد بن المسيب، والمرفوع من الحديث إنما هو ذكر عمرو بن عامر فقط، وتفسير البحيرة وسائر الأربعة المذكورة في الآية عن سعيد بن المسيب.\nقوله: (والحام: فحل الإبل. . .) إلخ، وكلام أبي عبيدة يدل على أن الحام إنما يكون من ولد السائبة، وقال أيضًا: كانوا إذا ضرب فحل من ولد البحيرة فهو عندهم حام. وقال أيضًا: الحام من فحول الإبل خاصة إذ أنتجوا منه عشرة أبطن، قالوا: قد حمى ظهره فأحموا ظهره ووبره وكل شيء منه فلم يركب ولم يطرق، انتهى مختصرًا من \"الفتح\" (^١).\nوذكر في هامش \"اللامع\" (^٢) عن \"تقرير مولانا محمد حسن المكي\" في تعريف السائبة بحث فقهي فارجع إليه لو شئت.\n\n(١٤ -<span data-type='title' id=toc-2629> باب قوله: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي. . .﴾ [المائدة: ١١٧]) إلخ</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): والتوفي ها هنا أعم من المذكور قبله والأولى فيه الحملُ على الرفع دون الموت، انتهى.\nذكر فيه حديث ابن عباس: \"إنكم محشورون إلى الله حفاة\" الحديث وسيأتي شرحه في الرقاق، والغرض منه: \"فأقول كما قال العبد الصالح. . .\" إلخ، وقوله: \"أصيحابي\" كذا للأكثر بالتصغير وللكشميهني بغير تصغير، قال الخطابي: فيه إشارة إلى قلة عدد من وقع لهم ذلك وإنما وقع لبعض جفاة العرب ولم يقع من أحد من الصحابة المشهورين، انتهى من \"الفتح\" (^٤).\nقلت: وسيأتي الكلام على قوله: \"يا رب أصحابي. . .\" إلخ، في كتاب الرقاق إن شاء الله تعالى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٨٤).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٩/ ٧٠).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٩/ ٧٦).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٨٦).","vol":"5","page":109},{"text":"(١٥ -<span data-type='title' id=toc-2630> باب قوله: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة:</span> ١١٨])\nقال الحافظ (^١): ذكر فيه حديث ابن عباس المذكور قبل، أورده مختصرًا، انتهى.\nوقال العلَّامة القسطلاني (^٢): فإن قيل: كيف جاز أن يقول: ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ فتعرض بسؤاله العفو عنه ما علمه أنه تعالى قد حكم بأنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة؟ وأجيب بأن هذا ليس بسؤال وإنما هو كلام على طريق إظهار قدرته تعالى على ما يريد وعلى مقتضى حكمه وحكمته، ولذا قال: ﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ تنبيهًا على أنه لا امتناع لأحد من عزته ولا اعتراض في حكمه وحكمته، فإن عذّبتَ فعدلٌ وإن غفرت ففضلٌ، وعدم غفران الشرك مقتضى الوعيد فلا امتناع فيه لذاته، انتهى.\n\n(٦)<span data-type='title' id=toc-2631> سورة الأنعام</span>\nهكذا في النسخ الهندية بغير بسملة، وزاد في نسخ الشروح الثلاثة بعدها البسملة وقالوا (^٣): سقطت البسملة لغير أبي ذر.\nوقال العيني (^٤): ذكر ابن المنذر بإسناده عن ابن عباس قال: نزلت سورة الأنعام بمكة - شرّفها الله - ليلًا جملة وحولها سبعون ألف ملك يجأرون بالتسبيح، وعن مجاهد: نزل معها خمسمائة ملك يزفونها ويحفونها، وفي تفسير أبي محمد بن إسحاق البستي: خمسمائة ألف ملك، وروي عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما: نزلت الأنعام بمكة إلا ثلاث آيات فإنها نزلت بالمدينة وهي من قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا﴾ إلى\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٨٦).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٢٢٨، ٢٢٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٨٧)، و\"عمدة القاري\" (١٢/ ٥٩٢)، و\"إرشاد الساري\" (١٠/ ٢٣٠).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٢/ ٥٩٢).","vol":"5","page":110},{"text":"قوله: ﴿تَتَّقُونَ﴾ ثم ذكر أقوالًا في تعيين بعض تلك الآيات إلى آخر ما ذكر في فضائل تلك السورة.\nوقال القسطلاني (^١): وعند ابن مردويه عن أنس مرفوعًا: نزلت سورة الأنعام معها موكب من الملائكة سد ما بين الخافقين لهم زجل بالتسبيح والأرض بهم ترتج ورسول الله - ﷺ - يقول: \"سبحان الله الملك العظيم\"، انتهى.\nقوله: (وقال ابن عباس: ﴿فِتْنَتُهُمْ﴾ [الأنعام: ٢٣] معذرتهم) وفي نسخة \"الفتح\" (^٢) قبله: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ﴾ قال الحافظ: وصله ابن أبي حاتم من طريق ابن جريج عن عطاء عنه، وقال معمر عن قتادة: فتنتهم مقالتهم، قال: وسمعت من يقول: معذرتهم، أخرجه عبد الرزاق، انتهى.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): قوله: \"معذرتهم\" بحذف المضاف، أي: معذرة فتنتهم، أي: جريرتهم التي ارتكبوها في الدنيا.\nوقوله: (﴿وَلَلَبَسْنَا﴾ [الأنعام: ٩] لشبهنا) أي: لو أنزلنا ملكًا لأنزلناه بصورة إنسان إذ لا طاقة لهم برؤيته، مع أنه لو أنزل على هيئته وصورته لم يتأت الخلط والتباسط المتوقف عليه التعليم والتعلم، فإذا لم ينزل في صورته ونزل في صورة إنس عاد المحظور كما كان، وصار السؤال واردًا كما ورد على إرسال الإنس نفسه.\nوقوله: (البسط الضرب) يعني: أن المراد بالبسط ها هنا الضرب.\nوقوله: (سرمدًا دائمًا) الظاهر أن المصنف قصد بذلك دفع ما يرد على ظاهر آيتي الأنعام والقصص من توهم معارضة حيث قال في الأولى: ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ [الأنعام: ٩٦] وهو يقتضي اتصاف الليل بالسكون والقرار، وأيضًا فالليل كثيرًا ما يتصف بالسرمد فيقال: ليل سرمد، وصرَّح\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٢٣٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٨٧).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٩/ ٧٧ - ٨١).","vol":"5","page":111},{"text":"في الثانية بنقضها وعدم قرارها حيث قال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا﴾ الآية [القصص: ٧١].\nوحاصل الدفع: أن سرمدًا ها هنا وإن كان للدوام إلا أن السرمد في صفة الليل ليس بمعنى الدوام وإنما هو مجاز عن الطول، وكذلك السكن صفة لليل باعتبار ما فيه لا بحسب نفسه لأن كل ما فيه من الأناسي والدواب يسكن فيه فلو كان الليل ساكنًا بنفسه لسرمد الليل ولم ينقض وليس كذلك، والله أعلم، انتهى كله من \"اللامع\".\nوفي هامشه: قال الحافظ (^١): كذا وقع ها هنا وليس هذا في الأنعام وإنما هو في سورة القصص، قال أبو عبيدة في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا﴾، أي: دائمًا، قال: وكل شيء لا ينقطع فهو سرمد، وقال الكرماني: كأنه ذكرها ها هنا لمناسبة قوله تعالى في هذه السورة: ﴿وَجَاعل اللَّيْل سَكَنًا﴾، انتهى.\nوتبع الكرماني في ذلك الحافظ والقسطلاني من أنه ذكره ها هنا لمناسبة آية سورة الأنعام وإلا فلا وجه لذكره ها هنا.\nوأجاد الشيخ قُدِّس سرُّه في توجيه ذكره ها هنا بأنه أشار إلى دفع التعارض في الآيتين بأن السكون والقرار في الآية ليس بمعنى الدوام كما يتوهم من قولهم: ليل سرمد، بل هو مجاز عن الطول، انتهى من هامشه.\nقوله: (الصور) بضم الصاد وفتح الواو في قوله: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ [الأنعام: ٧٣] (جماعة صورة، كقوله: سورة وسور) قال ابن كثير: والصحيح أن المراد بالصور القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل - ﵇ - للأحاديث الواردة فيه، انتهى من \"القسطلاني\" (^٢)، قلت: وبه جزم المصنف في كتاب الرقاق إذ قال: باب نفخ الصور، قال مجاهد: الصور كهيئة البوق، انتهى.\nقال الحافظ (^٣): قال أبو عبيدة في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾:\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٨٨).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٢٣٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٨٨).","vol":"5","page":112},{"text":"يقال: إنها جمع صورة ينفخ فيها روحها فتحيى، بمنزلة قولهم: سور المدينة واحدها سورة، انتهى.\nوالثابت في الحديث أن الصور قرن ينفخ فيه، وهو واحد لا اسم جمع، وحكى الفراء الوجهين وقال في الأول: فعلى هذا فالمراد النفخ في الموتى، وذكر الجوهري في \"الصحاح\" أن الحسن قرأها بفتح الواو، انتهى.\nقوله: (رهبوت خير من رحموت. . .) إلخ، وكذلك قوله: \"ترهب. . .\" إلخ.\nحاصله: أن مقام الخشية أعلى وأفضل من مقام الرجاء فإن الخاشي يتكلف من الأعمال المشاق ما لا يحتمله الراجي فأنذر أكثر من الإبشار، انتهى من \"اللامع\" (^١).\nوفي \"تقرير المكي\": قوله: \"الملك\" يريد أن الواو والتاء مزيدتان للمبالغة كما في رهبوت ورحموت، ثم أورد ما كان ها هنا من المثل المشهور فقال: \"رهبوت خير من رحموت\" ثم فسر هذا المثل بقوله: \"وتقول: تُرهَب. . .\" إلخ، يريد أن الرهبوت والرحموت مصدران مجهولان وحاصل معناه: إنك أن ترهب وتؤدب في أمر خير كتعلم الدين مثلًا أولى لك من أن ترحم فتترك عنه، انتهى.\nوبسط في هامش \"اللامع\" الكلام في الرجاء والخوف وأيهما أفضل من كلام الغزالي في \"إحياء العلوم\" وشرحه وغيره، فارجع إليه لو شئت (^٢).\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-2632> باب قوله: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إلا هُوَ﴾ [الأنعام:</span> ٥٩])\nالمفاتح جمع مفتح بكسر الميم: الآلة التي يفتح بها، مثل منجل ومناجل، وهي لغة قليلة في الآلة، والمشهور مفتاح بإثبات الألف وجمعه\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٩/ ٨١، ٨٢).\n(^٢) انظر: \"إحياء علوم الدين\" (٤/ ١٤٠)، و\"إتحاف السادة المتقين\" (١١/ ٤٢٣).","vol":"5","page":113},{"text":"مفاتيح بإثبات الياء، وقد قرئ بها في الشواذ، وقيل: بل هو جمع مفتح بفتح الميم وهو المكان، ويؤيده تفسير السدي فيما رواه الطبري قال: ﴿مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾: خزائن الغيب، وجوّز الواحدي أنه جمع مفتح بفتح الميم على أنه مصدر بمعنى الفتح، أي: وعنده فتوح الغيب، أي: يفتح الغيب على من يشاء من عباده، ولا يخفى بعد هذا التأويل للحديث المذكور في الباب أن مفاتح الغيب لا يعلمها أحد إلا الله - ﷾ -، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-2633> باب قوله: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ﴾ الآية [الأنعام:</span> ٦٥])\nقال الحافظ (^٢): قوله: \" ﴿يَلْبِسَكُمْ﴾ يخلطكم. . .\" إلخ، هو من كلام أبي عبيدة في الموضعين.\nقوله: (﴿شِيَعًا﴾ فرقًا) هو كلام أبي عبيدة أيضًا، زاد: واحدها شيعة، وللطبري عن ابن عباس في قوله: ﴿شِيَعًا﴾ قال: الأهواء المختلفة، انتهى.\nوقد بسط الحافظ الكلام على شرح حديث الباب أشد البسط، وقال في آخره: إذا جمعت الخصال المستعاذ منها من هذه الأحاديث التي سقتها بلغت نحو العشرة، انتهى.\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-2634> باب قوله: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام:</span> ٨٢])\nذكر فيه حديث عبد الله بن مسعود وقد تقدم شرحه في كتاب الإيمان.\n\n(٤ -<span data-type='title' id=toc-2635> باب قوله: ﴿وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:</span> ٨٦])\nأي: عالمي زمانهم، وتمسك به من قال: إن الأنبياء أفضل من الملائكة لدخولهم في عموم الجمع المحلي، قاله القسطلاني (^٣).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٩١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٩١ - ٢٩٣).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٢٣٧).","vol":"5","page":114},{"text":"ذكر المصنف فيه حديثي ابن عباس وأبي هريرة: \"ما ينبغي لأحد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى\" وتقدم شرحه في آخر سورة النساء.\n\n(٥ -<span data-type='title' id=toc-2636> باب قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام:</span> ٩٠])\nقال القسطلاني (^١): وفي هذه الآية دلالة على فضل نبينا - ﷺ - على سائر الأنبياء لأنه سبحانه أمره بالاقتداء بهداهم ولا بد من امتثاله لذلك الأمر، فوجب أن يجتمع فيه جميع فضائلهم وأخلاقهم المتفرقة، فثبت بهذا أنه - ﷺ - أفضل الأنبياء، وتقديم قوله: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ يفيد حصر الأمر في هذا الاقتداء وأنه لا هدى غيره، والمراد أصول الدين وهو الذي يستحق أن يسمى بالهدى المطلق فإنه لا يقبل النسخ، وكذا في مكارم الأخلاق والصفات الحميدة المشهورة عن كل واحد من هؤلاء الأنبياء، ولو أمر بالاقتداء في مشروع تلك الأديان لم يكن ديننا ناسخًا وكان يجب محافظة كتبهم ومراجعتها عند الحاجة، وبطلان اللازم بالاتفاق يدل على بطلان الملزوم، انتهى.\n\n(٦ -<span data-type='title' id=toc-2637> باب قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ [الأنعام:</span> ١٤٦])\nقال الحافظ (^٢): قوله: \" ﴿الْحَوَايَا﴾ المبعر\" في رواية أبي الوقت \"المباعر\" وصله ابن جرير عن ابن عباس، والحوايا جمع حوية وهي ما تحوى واجتمع واستدار من البطن، وهي نبات اللبن وهي المباعر وفيها الأمعاء، ثم ذكر المصنف حديث جابر: \"قاتل الله اليهود حرمت عليهم شحومها\" الحديث وقد تقدم شرحه في أواخر كتاب البيوع.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٢٣٩).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٩٥).","vol":"5","page":115},{"text":"(٧ -<span data-type='title' id=toc-2638> باب قوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأنعام:</span> ١٥١])\nكتب الشيخ قُدِّس سرُّه (^١): قوله: \"وكيل: حفيظ محيط. . .\" إلخ، يعني: الوكالة ها هنا ليست بمعناه، بل المراد بها الحفظ والإحاطة، وهما وصفان لازمان للوكيل عادة لتمكنه من التصرف فيما وكل عليه.\nوقوله: (قبلًا جمع قبيل، والمعنى أنه ضروب للعذاب) يعني: أن العذاب أصناف وضروب، انتهى.\nوفي هامشه: بسط الشرَّاح في معنى قوله: \"قبلًا\"، وفي ضبط هذا اللفظ، قال الحافظ (^٢) بعد ما بسط الكلام على الأقاويل فيه: ولم أر من فسّره بأصناف العذاب فليحرر، انتهى.\nوحكى القسطلاني قول الحافظ هذا ولم يزد عليه بشيء.\nوقال العيني (^٣): قوله: \"ضروب للعذاب\" أشار به إلى قوله تعالى: ﴿وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا﴾ [الأنعام: ١١١] ثم قال: قبلًا جمع قبيل.\nقوله: \"والمعنى\" أشار به إلى أن معنى قبيل ضروب، يعني: أنواع للعذاب، كل ضرب، أي: كل نوع من تلك الضروب قبيل، أي: نوع، انتهى.\nوهذا التَّفسير من منتقدات الشيخ قُدِّس سرُّه كما تقدم في مقدمة \"اللامع\".\nوالأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن ذكر هذا التَّفسير ها هنا ليس في محله، بل هو تفسير لما سيأتي في سورة الكهف في قوله تعالى: وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إلا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا﴾ [الكهف: ٥٥]، وفي \"تفسير الجلالين\" (^٤): قوله: \"قبلًا\" مقابلة وعيانًا، وهو القتل يوم بدر، وفي قراءة بضمتين جمع قبيل، أي: أنواعًا، انتهى.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٩/ ٨٤، ٨٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٩٦).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٢/ ٦٠٦).\n(^٤) \"تفسير الجلالين\" (ص ٣٨٩).","vol":"5","page":116},{"text":"لكن فيه أن الإمام البخاري فسر قبلًا لذي في سورة الكهف بقوله: \"استئنافًا\"، نعم أخرج السيوطي في \"الدر\" (^١) عن مجاهد أنه قرأ: ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا﴾ أي: قبائل، قال العيني في الكهف (^٢): من قرأ بضمتين أراد أصناف العذاب، انتهى.\nقال البغوي في \"المعالم\": قرأ أبو جعفر وأهل الكوفة \"قبلًا\" بضم القاف والباء جمع قبيل، أي: أصناف العذاب نوعًا نوعًا، انتهى.\nفالظاهر عندي: أن التَّفسير كان لقبلًا الذي في الكهف، وذكره ها هنا من سهو الناسخ، انتهى.\n\n(٩ -<span data-type='title' id=toc-2639> باب قوله: ﴿هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ. . .﴾ [الأنعام: ١٥٠]) إلخ</span>\nهكذا في النسخ الهندية و\"القسطلاني\"، وفي نسخة \"الفتح\": \"باب قوله: ﴿قُلْ هَلُمَّ. . .﴾ \" إلخ، ولم يذكر المصنف في هذا الباب حديثًا، ولم يتعرض له الحافظ وغيره، وليس هذا الباب في نسخة \"العيني\"، بل ذكر في نسخة \"العيني\": \"قوله: ﴿هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ. . .﴾ \" إلخ تحت الباب الآتي، ولم يتعرض هو ولا غيره لاختلاف النسخ أيضًا، وعلى ما في نسخة \"العيني\" لا مناسبة بين حديث الباب وبين هذه الآية كما لا يخفى.\nقال الحافظ (^٣): قوله: \"هم للواحد والاثنين والجمع\" هو كلام أبي عبيدة بزيادة: والذكر والأنثى سواء، وأهل نجد يقولون للواحد: هلم، وللمرأة: هلمي، وللاثنين: هُلمّا، وللقوم: هلمّوا، وللنساء: هلممن، يجعلونها من هلممت، وعلى الأول فهو اسم فعل معناه طلب الإحضار، وشهداءكم مفعول به، انتهى من \"الفتح\".\n_________\n(^١) \"الدر المنثور\" (٥/ ٤٠٦).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٣/ ١٣٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٩٩٧).","vol":"5","page":117},{"text":"(١٠ -<span data-type='title' id=toc-2640> باب: ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ [الأنعام:</span> ١٥٨])\nهكذا في النسخ الهندية ونسخة \"الفتح\"، وفي نسخة \"العيني\": \"باب قوله تعالى: ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾.\nقال الحافظ (^١): ذكر فيه حديث أبي هريرة في طلوع الشمس من المغرب، وسيأتي شرحه في \"كتاب الرقاق\" إن شاء الله.\n\n(٧)<span data-type='title' id=toc-2641> سورة الأعراف</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\nهكذا في النسخ الهندية والعيني والحافظ، وليس في نسخة القسطلاني البسملة، قالوا (^٢): لم توجد البسملة إلا في رواية أبي ذر.\nقال القسطلاني (^٣): هي مكية إلا ثمان آيات من قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ﴾ [الأعراف: ١٦٣] إلى قوله: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ﴾ الآية [الأعراف: ١٧١]، انتهى.\nقال العلَّامة العيني (^٤): قال أبو العباس في كتابه في \"مقامات التنزيل\": هي مكية، وفيها اختلاف، وذكر الكلبي أن فيها خمس عشر آية مدنيات من قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ﴾ [الأعراف: ١٥٢] إلى قوله: ﴿وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، ومن قوله: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْر﴾ [الأعراف: ١٦٣] إلى قوله: ﴿وَدَرَسُوا مَا فِيهِ﴾ [الأعراف: ١٦٩] قال: ولم يبلغنا هذا عن غير الكلبي، وفيها آية أخرى ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ﴾ الآية [الأعراف: ٢٠٤]، ذكر جماعة أنها نزلت في الخطبة يوم الجمعة، والجمعة إنما كانت بالمدينة، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٩٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٩٨)، و\"عمدة القاري\" (١٢/ ٦٠٩)، و\"إرشاد الساري\" (١٠/ ٢٤٧).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٢٤٧).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٢/ ٦٠٩).","vol":"5","page":118},{"text":"قال الحافظ (^١): اختلف في المراد بالأعراف في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ﴾ [الأعراف: ٤٦] فقال: (بياض في الأصل) (^٢)، وعن أبي مجلز: هم ملائكة وكلوا بالصور ليميزوا المؤمن من الكافر، واستشكل بأن الملائكة ليسوا ذكورًا ولا إناثًا فلا يقال لهم: رجال، وأجيب بأنه مثل قوله في حق الجن: كانوا ﴿يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الجن: ٦] كذا ذكره القرطبي في \"التذكرة\"، وليس بواضح؛ لأن الجن يتوالدون، ولا يمتنع أن يقال فيهم الذكور والإناث بخلاف الملائكة، انتهى.\nقوله: (وقال ابن عباس: ورياشًا المال) قال العيني (^٣): ليس في كثير منِ النسخ لفظ \"باب\"، وأشار بقوله: \"رياشا\" إلى ما في قوله تعالى: ﴿قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا﴾ قرأ الجمهور: ﴿وَرِيشًا﴾ وقرأ الحسن وابن عباس ومجاهد وغيرهم (ورياشا) وهي قراءة النبي - ﷺ - رواها عنه عثمان، ثم إن البخاري فسَّره بالمال.\nوقال ابن الأعرابي: الريش الأكل والرياش المال المستفاد، وقال ابن دريد: الريش: الجمال، وقيل: هو اللباس، وقال قطرب: الريش والرياش واحد مثل حل وحلال وحرم وحرام، وعن ابن عباس: الرياش: اللباس والعيش والنعيم، وقال الثعلبي: الرياش في كلام العرب: الأثاث وما ظهر من المتاع والثياب والفرش وغيرها، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٩٨).\n(^٢) قد أثبتت هذه العبارة في النسخة المحققة لـ \"فتح الباري\" الصادرة من دار طيبة في موضع البياض معزوًّا إلى \"إتحاف القاري\" (ص ٢٧، ٢٨): فقال أبو جعفر: الأعراف جمع واحدها عرف، وكل مرتفع من الأرض عند العرب عرف، وهو الحجاب بين الجنة والنار، وأما الرجال فقيل: هم قوم من بني آدم استوت حسناتهم وسيئاتهم، وقيل: المقتول في سبيل الله عصاة لآبائهم في الدنيا، وعن مجاهد: هم قوم صالحون فقهاء علماء.\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٢/ ٦٠٩، ٦١٠).","vol":"5","page":119},{"text":"قوله: (الفتاح: القاضي) كذا وقع هنا، والفتاح لم يقع في هذه السورة، وإنما هو في سورة سبأ، وكأنه ذكره هنا توطئةً لتفسير قوله في هذه السورة: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٨٩]، ولعله وقع فيه تقديم وتأخير من النساخ، فقد قال أبو عبيدة في قوله: ﴿افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا﴾ أي: احكم بيننا، والفتاح القاضي، انتهى كلامه. ومنه ينقل البخاري كثيرًا، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nقوله: (خيفة: خوفًا) وإيراد \"خفية\" تنبيه على فرق بينهما، انتهى من \"اللامع\" (^٢).\nقلت: ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه ظاهر، وتوضيح المقام أن الإمام البخاري أشار بهاتين الكلمتين إلى الآيتين المختلفتين من سورة الأعراف، وأشار بقوله: \"خيفة\" إلى ما في آخر سورة الأعراف من قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ [الأعراف: ٢٠٥] وأشار بقوله: \"خُفية\" إلى ما في أوائل هذه السورة من قوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥].\nقال الحافظ (^٣): قال أبو عبيدة في قوله: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً﴾ أي: خوفًا، وذهبت الواو لكسرة الخاء، وقال ابن جريج في قوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ أي: سرًّا، وقوله: \"من الإخفاء\" فيه تجوز، والمعروف في عرف أهل الصرف من الخفاء؛ لأن المزيد مشتق من الثلاثي، ويوجه الذي هنا بأنه أراد انتظام الصفتين من معنى واحدٍ، انتهى من هامش \"اللامع\" مختصرًا وملخصًا.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٩٩).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٩/ ٨٦).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٣٠١).","vol":"5","page":120},{"text":"(١ -<span data-type='title' id=toc-2642> باب قول الله - ﷿ -: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ. . .﴾ [الأعراف: ٣٣]) إلخ</span>\nحكى ابن جرير أن أهل التأويل اختلفوا في المراد بالفواحش، فمنهم من حملها على العموم، وساق ذلك عن قتادة قال: المراد سر الفواحش وعلانيته، ومنهم من حملها على نوع خاص، وساق عن ابن عباس قال: كانوا في الجاهلية لا يرون بالزنا بأسًا في السر ويستقبحونه في العلانية، فحرم الله الزنا في السر والعلانية، وعن مجاهد: ما ظهر نكاح الأمهات، وما بطن الزنا، ثم اختار ابن جرير القول الأول وقال: ليس ما روي عن ابن عباس وغيره بمدفوع، ولكن الأولى الحمل على العموم، والله أعلم انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-2643> باب قوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ الآية [الأعراف:</span> ١٤٣])\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): قوله: \"قال ابن عباس: ﴿أَرِنِي﴾: أعطني\" فسَّره به لعدم ذكر المفعول، وقلما يحذف مفعول مثل تلك الأفعال بخلاف الإعطاء فإن مفعوله يقدر كثيرًا، انتهى.\nوفي هامشه: قال القسطلاني: أي: أرني نفسك أنظر إليك، فثاني مفعولي أرني محذوف والرؤية عين النظر، لكن المعنى اجعلني متمكنًا من رؤيتك بأن تتجلى لي فأنظر إليك وأراك، انتهى.\nقلت: وإنما احتاجوا إلى تفسير قوله: ﴿أَرِنِي﴾ بقولهم: أعطني أو مكنني، لدفع إيراد اتحاد الشرط والجزاء.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٣٠٢).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٩/ ٨٨).","vol":"5","page":121},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2644>(باب قوله: ﴿الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ [الأعراف:</span> ١٦٠])\nليس في نسخ الشروح الثلاثة لفظ \"باب\"، ولم يتعرض الحافظان لاختلاف النسخ، وقال القسطلاني (^١): وفي نسخة: \"باب المن والسلوى\"، انتهى.\nقال العيني (^٢): وليس في الحديث ذكر السلوى، وإنما ذكره رعاية للفظ القرآن، وفي بعض النسخ: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ [الأعراف: ١٦٠] وقد مرَّ تفسير ذلك في سورة البقرة.\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-2645> باب قوله: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾ الآية [الأعراف:</span> ١٥٨])\nكتب الشيخ قُدِّس سرُّه (^٣): قوله: \"غامر: سابق بالخير\" ليس المعنى أنه وارد في الرواية بهذا المعنى، بل الغرض منه أنه قد يأتي بهذا المعنى أيضًا ولا يبعد حمله في الرواية على هذا المعنى، انتهى.\nقلت: أراد الشيخ قُدِّس سرُّه بذلك أنه مستغرب كما قاله الحافظ، وهو من منتقدات شيخنا ومرشدنا الشيخ مولانا خليل أحمد قُدِّس سرُّه، وتقدم البسط في ذلك في مقدمة \"اللامع\"، وقوله: لا يبعد حمله في الرواية. . . إلخ، يؤيده ما قال الكرماني والعيني من أن غامر بالغين المعجمة من باب المفاعلة، أي: سبق بالخير أو وقع في أمر أو زاحم وخاصم إلى آخر ما بسطا في معانيه، وذكر بعض تلك المعاني في هامش \"اللامع\" من كلام أهل اللغة فارجع إليه لو شئت.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٢٥٦).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٢/ ٦٢١).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٩/ ٨٨، ٨٩).","vol":"5","page":122},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2646>(باب قوله: ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف: ١٤٣] فيه أبو سعيد وأبو هريرة. . .) إلخ</span>\nهكذا في النسخ الهندية، وليس هذا كله في نسخة من نسخ الشروح الثلاثة، وليس في النسخة المصرية التي عليها حاشية السندي، ولم يتعرضوا له أيضًا.\n\n(٤ -<span data-type='title' id=toc-2647> باب قوله: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [الأعراف:</span> ١٦١])\nقال الحافظ (^١): وعن قتادة في قوله: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ قال الحسن: أي: احطط عنا خطايانا، وهذا يليق بقراءة من قرأ حطة بالنصب، وهي قراءة إبراهيم بن أبي عبلة، وقرأ الجمهور بالرفع على أنه خبر لمبتدإ محذوف، أي: مسألتنا حطة، وقيل: أمروا أن يقولوا على هذه الكيفية فالرفع على الحكاية وهي في محل نصب بالقول وإنما منع النصب حركة الحكاية، وقيل: رفعت لتعطي معنى الثبات كقوله: سلام، واختلف في معنى هذه الكلمة فقيل: هي اسم للهيئة من الحط كالجلسة، وقيل: هي التوبة، وقيل: لا يدرى معناها وإنما تعبدوا بها، وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس وغيره قال: قيل لهم: قولوا مغفرة.\nثم قال الحافظ في آخر حديث الباب: ويستنبط منه أن الأقوال المنصوصة إذا تعبد بلفظها لا يجوز تغييرها ولو وافق المعنى، وليست هذه مسألة الرواية بالمعنى بل هي متفرعة منها، وينبغي أن يكون ذلك قيدًا في الجواز أعني يزاد في الشرط أن لا يقع التعبد بلفظه ولا بد منه، ومن أطلق فكلامه محمول عليه، انتهى.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): قوله: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ [الأعراف: ١٦١] المراد بالباب باب المسجد الذي كان معهم من الثوب\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٣٠٤).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٩/ ٨٩).","vol":"5","page":123},{"text":"فأمروا أن يدخل كل واحد منهم هذا المسجد بعد السجود على بابه ليدل ذلك على الانحناء والانقياد لأمر الله تعالى، انتهى.\nوبسط في \"هامشه\" الأقوال في مصداق الباب وفيه عن \"المدارك\": ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ﴾ أي: باب القرية أو باب القبة التي كانوا يصلون إليها، انتهى.\n\n(٥ -<span data-type='title' id=toc-2648> باب قوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ [الأعراف:</span> ١٩٩])\nوصله عبد الرزاق من طريق هشام بن عروة عن أبيه بهذا، وكذا أخرجه الطبري من طريق السدي وقتادة.\nثم قال الحافظ (^١): وإلى ما ذهب إليه ابن الزبير من تفسير الآية ذهب مجاهد، وخالف في ذلك ابن عباس فروى ابن جرير عنه قال: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ يعني: خذ ما عفا لك من أموالهم، أي: ما فضل، وكان ذلك قبل فرض الزكاة، وبذلك قال السدي وزاد: نسختها آية الزكاة، وبنحوه قال الضحاك وعطاء وأبو عبيدة، ورجح ابن جرير الأول واحتج له، وروي عن جعفر الصادق، وقال: ليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق منها، ووجهوه بأن الأخلاق ثلاثة بحسب القوى الإنسانية: عقلية وشهوية وغضبية، فالعقلية الحكمة ومنها الأمر بالمعروف، والشهوية العفة ومنها أخذ العفو، والغضبية الشجاعة ومنها الإعراض عن الجاهلين، وروى الطبري وابن مردويه من حديث جابر وغيره: \"لما نزلت: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ سأل جبريل فقال: لا أعلم حتى أسأله، ثم رجع فقال: إن ربك يأمرك أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك\"، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٣٠٥، ٣٠٦).","vol":"5","page":124},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n(٨)<span data-type='title' id=toc-2649> سورة الأنفال</span>\nهكذا في النسخ الهندية بتقديم البسملة على \"سورة الأنفال\"، وفي نسخ الشروح الثلاثة بعكسها.\nقال العلَّامة العيني (^١): وهي مدنية إلا خمس آيات فإنها مكية وهي قوله: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٢٢] إلى آخر الآيتين، وقوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال: ٣٠] إلى قوله: ﴿بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، وفيها آية أخرى اختلف فيها وهي قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ الآية [الأنفال: ٣٣]، وقال الحصار في كتابه \"الناسخ والمنسوخ\": مدنية باتفاق، وحكى القرطبي عن ابن عباس: مدنية إلا سبع آيات من قوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إلى آخر سبع آيات، وقال السخاوي: نزلت قبل آل عمران وبعد البقرة، انتهى.\nقوله: (﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ [الأنفال: ١]. . .) إلخ، كذا في النسخ الهندية بغير لفظ \"باب\" وكذا في نسخة \"الفتح\" و\"القسطلاني\"، وأما في نسخة \"العيني\" فبزيادة لفظ \"باب\" وقال (^٢): وليس في كثير من النسخ لفظ \"باب\"، انتهى.\nوقال القسطلاني (^٣): قوله تعالى: (﴿يَسْأَلُونَكَ﴾) من حضر بدرًا (﴿عَنِ الْأَنْفَالِ﴾) أي: عن حكمها لاختلاف وقع بينهم فيها، يأتي ذكره إن شاء الله تعالى، (﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾) يقسمها - ﷺ - على ما يأمره الله تعالى، (﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾) في الاختلاف، (﴿وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾) أي: الحال التي بينكم إصلاحًا يحصل به الألفة والاتفاق وذلك بالمواساة والمساعدة في الغنائم.\n(قال ابن عباس) فيما وصله ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٢/ ٦٢٦).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٢/ ٦٢٦).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٢٦٣).","vol":"5","page":125},{"text":"عنه: (الأنفال) هي (المغانم) كانت لرسول الله - ﷺ - خالصة ليس لأحد فيها شيء، وقيل: سميت الغنائم أنفالًا لأن المسلمين فُضِّلوا بها على سائر الأمم الذين لم تحلّ لهم، وسمي التطوع نافلة لزيادته على الفرض، وفي الاصطلاح: ما شرطه الإمام لمن يباشر خطرًا كتقدم طليعة وكشرط السلب للقاتل، انتهى.\nقال الحافظ (^١): وروى أبو داود والنسائي عن ابن عباس قال: لما كان يوم بدر قال رسول الله - ﷺ -: \"من صنع كذا فله كذا\" الحديث فنزلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾، انتهى.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): قوله: \"الأنفال المغانم\" احتاج إلى تفسيره لما اشتهر استعمال النفل فيما يعطيه الإمام زيادة على السهم وهو غير مراد ها هنا، وذكر العطية في ترجمة النافلة استطراد وتنبيه على المعنى اللغوي.\nقوله: (﴿وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: ٣٥] الصفير) فالفرق بين المكاء والتصدية بحسب هذا التَّفسير أن المكاء هو الصفير بإدخال الأصبع في الفم والتصدية بدونه، انتهى.\nوفي هامشه: أجاد الشيخ قُدِّس سرُّه في بيان الفرق بينهما ونبَّه بقوله على هذا التَّفسير: أن ذلك بيان لما اختاره البخاري، وإلا فالمفسرون مختلفون في ذلك كما سيأتي، وزاد في \"تقرير المكي\" بعد ما ذكر الفرق المذكور بين المكاء والتصدية: وكلاهما صوت الفم، وعامة المفسرين على أن التصدية ضرب الأكف، انتهى. وقال القسطلاني (^٣): وعن ابن عمر مما رواه ابن جرير: المكاء الصفير، والتصدية التصفيق، وعن ابن عباس مما رواه ابن أبي حاتم: كانت قريش تطوف بالبيت عراة تصفر وتصفق، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٣٠٦).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٩/ ٩٠، ٩١).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٢٦٥).","vol":"5","page":126},{"text":"(١ -<span data-type='title' id=toc-2650> باب: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الأنفال:</span> ٢٢])\nسقط لفظ \"باب\" في نسخ الشروح الثلاثة وكذا في النسخة المصرية التي عليها حاشية السندي، ذكر فيه حديث مجاهد عن ابن عباس: هم نفر من بني عبد الدار، وفي رواية الإسماعيلي: نزلت في نفر، زاد ابن جرير: لا يتبعون الحق، ثم أورد عن مجاهد في قوله: \" ﴿لَا يَعْقِلُونَ﴾ لا يتبعون الحق\"، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوقال العلَّامة القسطلاني (^٢): قوله: \"هم نفر من بني عبد الدار\" من قريش وكانوا يحملون اللواء يوم أُحد حتى قُتلوا، وأسماؤهم في السير، قاله في \"المقدمة\"، وهؤلاء شر البرية لأن كل دابة مما سواهم مطيعة لله فيما خلقت له، وهؤلاء خلقوا للعبادة فكفروا، وهذا يعم كل مشرك من حيث الظاهر وإن كان السبب خاصًا كما لا يخفى، انتهى.\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-2651> باب قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ الآية [الأنفال:</span> ٢٤])\nسقط لفظ \"باب\" في نسخ الشروح، قال العلَّامة القسطلاني (^٣): الاستجابة هي الطاعة والامتثال، والدعوة البعث والتحريض، ووحّد الضمير ولم يُثَنِّه لأن استجابة الرسول كاستجابة الباري جل وعلا، وإنما يذكر أحدهما مع الآخر للتوكيد.\n(﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾) من علوم الديانات والشرائع لأن العلم حياة كما أن الجهل موت، (﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾) أي: يحول بينه وبين الكفر إن أراد سعادته، وبينه وبين الإيمان إن قدّر شقاوته، والمراد\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٣٠٧).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٢٦٦).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٢٦٦، ٢٦٧).","vol":"5","page":127},{"text":"الحثّ على المبادرة على إخلاص القلب وتصفيته قبل أن يحول الله بينه وبينه بالموت، وفيه تنبيه على اطلاعه تعالى على مكنوناته، انتهى.\nقوله: (﴿اسْتَجِيبُوا﴾: أجيبوا. . .) إلخ، تقدم الكلام عليه في سورة آل عمران في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾.\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-2652> باب قوله: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ﴾ الآية [الأنفال:</span> ٣٢])\nقال القسطلاني (^١): قوله: \"قال ابن عيينة\" سفيان في تفسيره رواية سعيد بن عبد الرحمن المخزومي: \"ما سمى الله تعالى مطرًا في القرآن إلا عذابًا\" أورد عليه قوله تعالى: ﴿إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ﴾ [النساء: ١٠٢] فإن المراد به المطر قطعًا، ونسبة الأذى إليه بالبلل والوحل الحاصل منه لا يخرجه عن كونه مطرًا، انتهى من \"القسطلاني\".\n\n(٤ -<span data-type='title' id=toc-2653> باب قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ الآية [الأنفال:</span> ٣٣])\nقال العلَّامة العيني (^٢): وذكر هذا الباب مع ذكر هذا الحديث ترجمة ليس لها زيادة فائدة، لأن الآية بعينها مذكورة فيما قبلها وكذا الحديث بعينه مذكور بالإسناد المذكور بعينه، غير أن شيخه هناك أحمد بن النضر وشيخه ها هنا أخوه محمد بن النضر، وإنما وضع الباب للترجمة وذكر الحديث بعينه ليعلم أنه روى هذا الحديث عن شيخين وهما أخوان، وبدون هذا كان يعلم ما قصده، انتهى.\nقال العلَّامة القسطلاني (^٣): ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣] في موضع الحال ومعناه نفي الاستغفار عنهم، أي: ولو كانوا\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٢٦٩).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٢/ ٦٣٤).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٢٧٠).","vol":"5","page":128},{"text":"ممن يؤمن ويستغفر من الكفر لَمَا عذبهم ولكنهم لا يؤمنون ولا يستغفرون، أو ما كان الله معذبهم وفيهم من يستغفر، وهم المسلمون بين أظهرهم ممن تخلف من المستضعفين، أو من أولادهم من يستغفر، أو يريد إسلام بعضهم، أو استغفار الكفار إذ كانوا يقولون بعد التلبية: غفرانك، وفيه أن الاستغفار أمان من العذاب، انتهى.\n\n(٥ -<span data-type='title' id=toc-2654> باب قوله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ. . .﴾ [الأنفال: ٣٩]) إلخ</span>\nسقط \"باب\" لغير أبي ذر.\nقوله: (عن ابن عمر: أن رجلًا جاءه) تقدم في تفسير سورة البقرة ما أخرج سعيد بن منصور من أن السائل هو حيان صاحب الدثنية، وروى أبو بكر النجاد في \"فوائده\" أنه الهيثم بن حنش، وقيل: نافع بن الأزرق، ولعل السائلين عن ذلك جماعة أو تعددت القصَّة، قاله الحافظ (^١)، وقال أيضًا: والحاصل أن السائل كان يرى قتال من خالف الإمام الذي يعتقد طاعته، وكان ابن عمر يرى ترك القتال فيما يتعلق بالملك، وسيأتي مزيد لذلك في كتاب الفتن، انتهى.\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٢): قوله: \"أغتر بهذه. . .\" إلخ، وهذا تسليم منه لما ادعاه الرجل، وحاصل جوابه أن القتل إن كان جائزًا كما زعمت فذاك، وإن لم يكن جائزًا كان دوام العذاب لازمًا، فدرء المفسدة أولى من جلب المصلحة، فإن الأمر إذا دار بين حرمة ووجوب كان الترك هو الواجب.\nوقوله: (﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال: ٣٩]) وليس هذا تخصيصًا للآية بموردها حتى يتوهم أن العبرة لعموم اللفظ فكيف خصص ابن عمر تلك\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٣١٠).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٨/ ٩٢).","vol":"5","page":129},{"text":"الآية بقتال المشركين فقط؟ بل المقصود أن مورد الآية ما لم يلتبس فيه وجه القتال فهو واضح لا خفاء فيه، فلا يقاس عليه ما هو ملتبس الحقيقة فإن قتال ابن الزبير ومن قاتله لم يدر أيهما على الحق وإن كانت القرينة ترجح حقية ابن الزبير، فلا يقاس مظنون الخيرية على متيقنها، انتهى.\n\n(٦ -<span data-type='title' id=toc-2655> باب قول الله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ [الأنفال:</span> ٦٥])\nسقط \"باب\" عند غير أبي ذر.\nقوله: (وأرى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثل هذا) أي: أنه عنده في حكم الجهاد لجامع ما بينهما من إعلاء كلمة الحق وإخماد كلمة الباطل، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٢): أي: إذا كان الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر نصف المخالفين أو أكثر منهم وجب الأمر والنهي، وإن أقل منه لم يجب، وإن كان الأفضل هو الإتيان بهما، انتهى.\nقلت: وقوله: وإن كان الأفضل هو الإتيان بهما، فيه تفاصيل بسطت في محلها.\nوبسط الكلام على ذلك الغزالي في \"الإحياء\" (^٣) وذكر منه شيء من ذلك في هامش \"اللامع\" فارجع إليه لو شئت.\n\n(٧ -<span data-type='title' id=toc-2656> باب قوله: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ الآية [الأنفال:</span> ٦٦])\nقال الحافظ (^٤) بعد ذكر حديث الباب: واستدل بهذا الحديث على\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٣١٢).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٩/ ٩٤).\n(^٣) انظر: \"إحياء علوم الدين\" (٢/ ٢٦٥).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٨/ ٣١٣).","vol":"5","page":130},{"text":"وجوب ثبات الواحد المسلم إذا قاوم رجلين من الكفار، وتحريم الفرار عليه منهما، سواء طلباه أو طلبهما، سواء وقع ذلك وهو واقف في الصف مع العسكر أو لم يكن هناك عسكر، وهذا هو ظاهر تفسير ابن عباس، ورجحه ابن الصباع من الشافعية، وهو المعتمد؛ لوجود نص الشافعي عليه في الرسالة الجديدة رواية الربيع، لكن المنفرد لو طلباه وهو على غير أهبة جاز له التولي عنهما جزمًا، وإن طلبهما فهل يحرم؟ وجهان: أصحهما عند المتأخرين: لا، لكن ظاهر هذه الآثار المتضافرة عن ابن عباس يأباه وهو ترجمان القرآن وأعرف الناس بالمراد، لكن يحتمل أن يكون ما أطلقه إنما هو في صورة ما إذا قاوم الواحد المسلم من جملة الصف في عسكر المسلمين اثنين من الكفار، أما المنفرد وحده بغير العسكر فلا؛ لأن الجهاد إنما عهد بالجماعة دون الشخص المنفرد، وهذا فيه نظر فقد أرسل النبي - ﷺ - بعض أصحابه سرية وحده، وقد استوعب الطبري وابن مردويه طرق هذا الحديث عن ابن عباس، وفي غالبها التصريح بمنع تولي الواحد عن الاثنين، انتهى من \"الفتح\".\nوقال العلَّامة العيني (^١): ثم هذا في حقنا، وأما سيدنا رسول الله - ﷺ - فيجب عليه مصابرة العدد الكثير لأنه موعود بالنصر كامل القوة، انتهى.\n\n(٩)<span data-type='title' id=toc-2657> سورة براءة</span>\nقال الحافظ (^٢): هي سورة التوبة، وهي أشهر أسمائها، ولها أسماء أخرى تزيد على العشرة، واختلف في ترك البسملة أولها، فقيل: لأنها نزلت بالسيف والبسملة أمان، وقيل: لأنهم لما جمعوا القرآن شكوا هل هي والأنفال واحدة أو ثنتان؟ ففصلوا بينهما بسطر لا كتابة فيه ولم يكتبوا فيه البسملة، وروى ذلك ابن عباس عن عثمان وهو المعتمد، وأخرجه أحمد والحاكم وبعض أصحاب السنن، انتهى.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٢/ ٦٣٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٣١٤).","vol":"5","page":131},{"text":"وقال العلَّامة العيني (^١): قال أبو الحسن بن الحصار: هي مدنية باتفاق، وقال مقاتل: إلا آيتين من آخرها ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] إلى آخرها، فإنهما نزلتا بمكة، وقيل: فيها اختلاف في أربع عشرة آية، ولها ثلاثة عشر اسمًا، اثنان مشهوران: براءة والتوبة، ثم ذكر العيني بقية الأسماء، وكذا بسط الكلام على ترك البسملة في أولها.\nقوله: (أهوى: ألقاه في هوّة) كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٢): وليس هذا اللفظ ها هنا في هذه السورة، فإيراده تأييد لما ترجم به.\nقوله: (والمؤتفكات) حيث كان المراد هو السقوط والانقلاب كما هو مصرَّح في قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾ [النجم: ٥٣] انتهى.\nوفي هامشه: أجاد الشيخ قُدِّس سرُّه في توجيه ذكر هذه اللفظة التي في سورة النجم في تفسير سورة براءة، وما أفاده أوجه مما قاله الشرَّاح، وتوضيح ذلك أن الإمام البخاري قال أوّلًا: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتُ﴾ [التوبة: ٧٠] ائتكفت: انقلبت به الأرض، والمؤتفكات وارد في سورة براءة، ثم ذكر بعده متصلًا قوله: \" ﴿أَهْوَى﴾ ألقاه في هوة\".\nقال الحافظ (^٣) تبعًا للكرماني: قوله: \"أهوى ألقاه. . .\" إلخ، هذه اللفظة لم تقع في سورة براءة، وإنما هي في سورة النجم ذكرها المصنف ها هنا استطرادًا من قوله: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾، انتهى.\nوحاصل ما أفاده الشيخ أن الإمام البخاري ذكر أولًا قوله: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتُ﴾ وهو وارد في سورة براءة في قوله: ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ﴾ الآية [التوبة: ٧٠]، قال صاحب \"الجمل\" (^٤): أي: المنقلبات التي جعل الله عاليها سافلها، ويقال: أفكه إذا قلبه، وبابه ضرب، ولما كان ذكر قوم لوط\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٣).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٩/ ٩٥).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٣١٤).\n(^٤) \"تفسير الجمل\" (٢/ ٢٩٨).","vol":"5","page":132},{"text":"في سورة النجم بلفظ أوضح منه ذكرها توضيحًا لقوله الأول، وفي \"الجلالين\" (^١): قوله: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾ وهي قرى قوم لوط، وقوله: ﴿أَهْوَى﴾ أي: أسقطها بعد رفعها إلى السماء مقلوبة إلى الأرض، انتهى.\nوهكذا فسر عامة المفسرين لفظة أهوى بالإسقاط بعد الرفع، وفسره البخاري بقوله: \"ألقاه في هوة\" قال العيني (^٢): الهوة بضم الهاء وتشديد الواو وهو المكان العميق، انتهى.\nوتفسير البخاري بإلقائها إلى هوة ظاهر؛ لأن الأرض لما رفعت صار محلها هوة ثم إذا أسقطت في هذا المحل أسقطت في هوة وغار، انتهى.\nقوله: (وإن كان جمع الذكور) كتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): أشار بذلك إلى أن الخوالف على هذا التقدير شاذ، انتهى.\nوبسط توضيحه في هامش \"اللامع\" أشد البسط، فارجع إليه لو شئت.\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-2658> باب قوله: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ﴾ الآية [التوبة:</span> ١])\nقال الحافظ (^٤): قوله: \" ﴿أُذُنٌ﴾ يصدّق\" وصله ابن أبي حاتم في قوله: ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ﴾ [التوبة: ٦١] يعني: أنه يسمع من كل أحد، قال الله: ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ يعني: يصدّق بالله، وظهر أن \"يصدق\" تفسير \"يؤمن\" لا تفسير \"أذن\" كما يفهمه صنيع المصنف حيث اختصره، انتهى.\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-2659> باب قوله: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة:</span> ٢])\nقوله: ﴿فَسِيحُوا﴾: سيروا) هو كلام أبي عبيدة بزيادة، قال في قوله تعالى: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ﴾ قال: سيروا وأقبلوا وأدبروا، انتهى\n_________\n(^١) \"تفسير الجلالين\" (ص ٧٠٤).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٥).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٩/ ٩٦).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٨/ ٣١٦).","vol":"5","page":133},{"text":"من \"الفتح\" (^١).\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-2660> باب قوله: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ. . .﴾ [التوبة: ٣]) إلخ</span>\nأورد فيه حديث أبي هريرة المذكور في الباب قبله من وجهين.\nقال الحافظ (^٢) تحت شرح حديث الباب: وروى سعيد بن منصور والترمذي والنسائي من طريق أبي إسحاق عن زيد بن يُثَيْعٍ قال: \"سألت عليًا بأي شيء بُعِثتَ؟ قال: بأنه لا يدخل الجنّة إلا نفس مؤمنة، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يجتمع مسلم مع مشرك في الحج بعد عامهم هذا، ومن كان له عهد فعهده إلى مدته، ومن لم يكن له عهد فأربعة أشهر\" واستدل بهذا الكلام الأخير على أن قوله تعالى: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ يختص بمن لم يكن له عهد مؤقت أو لم يكن له عهد أصلًا، وأما من له عهد مؤقت فهو إلى مدته إلى آخر ما بسط.\nقوله: (﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾)، قال القسطلاني (^٣): يوم عرفة، كذا روي عن علي وعمر فيما رواه ابن جرير، وعن ابن عباس ومجاهد فيما رواه ابن أبي حاتم، وروي مرسلًا عن مخرمة أن رسول الله - ﷺ - خطب يوم عرفة فقال: \"هذا يوم الحج الأكبر\" وقيل: إنه يوم النحر، وروي عن ابن عمر: وقف رسول الله - ﷺ - يوم النحر عند الجمرات في حجة الوداع، فقال: \"هذا يوم الحج الأكبر\" وبه قال كثيرون؛ لأن أعمال المناسك تتم فيه، والجمهور أن الحج الأصغر العمرة، وقيل: الأصغر يوم عرفة والأكبر يوم النحر، وقيل: حجة الوداع هي الأكبر لما وقع فيها من إعزاز الإسلام وإذلال الكفر، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٣١٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٣١٩).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٢٨٤).","vol":"5","page":134},{"text":"(٤ -<span data-type='title' id=toc-2661> باب قوله: ﴿إلا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة:</span> ٤])\nليس في نسخ الشروح لفظ \"باب\"، قال القسطلاني (^١): وهذا استثناء من \"المشركين\" والتقدير: براءة من الله إلى المشركين إلا من الذين لم ينقضوا، وسقط هذا لأبي ذر، انتهى.\nقلت: وكذا ليس هو بمذكور في نسخة \"الفتح\" بل ذكر فيها حديث الباب بغير ترجمة.\n\n(٥ -<span data-type='title' id=toc-2662> باب قوله: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾ [التوبة:</span> ١٢])\nقرأ الجمهور بفتح الهمزة من أيمان، أي: لا عهود لهم، وعن الحسن البصري بكسر الهمزة وهي قراءة شاذة، وقد روى الطبري من طريق عمار بن ياسر وغيره في قوله: ﴿إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢]: لا عهد لهم، وهذا يؤيد قراءة الجمهور، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\n\n(٦ -<span data-type='title' id=toc-2663> باب قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ الآية [التوبة:</span> ٣٤])\nقال الحافظ (^٣): كذا أورده (حديث أبي هريرة) مختصرًا وهو عند أبي نعيم في \"المستخرج\" من وجه آخر عن أبي اليمان وزاد: \"يفر منه صاحبه ويطلبه: أنا كنزك، فلا يزال به حتى يلقمه إصبعه\" وتقدم في كتاب الزكاة مع شرح الحديث، ثم ذكر حديث أبي ذر في قصته مع معاوية في تأويل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ﴾ الآية، وقد تقدم في الزكاة أيضًا، انتهى من \"الفتح\" مختصرًا.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٢٨٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٣٢٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٣٢٤).","vol":"5","page":135},{"text":"(٧ -<span data-type='title' id=toc-2664> باب قوله - ﷿ -: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ الآية [التوبة:</span> ٣٥])\nقال العلَّامة العيني (^١): وليس في كثير من النسخ لفظ \"باب\"، انتهى.\n\n(٨ -<span data-type='title' id=toc-2665> باب قوله: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ الآية [التوبة:</span> ٣٦])\nليس في بعض النسخ لفظ \"باب\"، قاله العيني (^٢).\nقوله: (إن الزمان قد استدار كهيئته) قال الحافظ (^٣): تقدم الكلام عليه في أوائل بدء الخلق، وأن المراد بالزمان السنة، وقوله: \"كهيئته\" أي: استدار استدارة مثل حالته، ولفظ الزمان يطلق على قليل الوقت وكثيره، والمراد باستدارته وقوع تاسع ذي الحجة في الوقت الذي حلت فيه الشمس برج الحمل حيث يستوي الليل والنهار، انتهى.\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه (^٤) في أوائل بدء الخلق: قوله: (استدار كهيئته) أي: صار كما كان في الأول فلا يتطرق إليه تغيير وتبديل كما كانت العرب تفعله، وإلا فالزمان كان على هيئته، غير أن العرب لما كانت تغيره وتصرف الشهور عن أوقاتها عدّ ذلك تغيرًا، انتهى. وبسط في \"هامشه\" الكلام على شرح الحديث.\n\n(٩ -<span data-type='title' id=toc-2666> باب قوله: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ [التوبة:</span> ٤٠])\nكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٥): قوله: \"لو أن أحدهم رفع قدمه رآنا. . .\" إلخ، أراد بالرفع رؤيته إلى قدمه لما أن العادة أن القدم\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٣/ ١٨).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٣/ ١٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٣٢٤).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٧/ ٣٣٥).\n(^٥) \"لامع الدراري\" (٩/ ٩٨، ٩٩).","vol":"5","page":136},{"text":"لا ترفع إلا بعد النظر إلى موضعه الذي يرفع منه ويوضع فيه، سيّما في مثل تلك الجبال:\nقدِّرْ لرجلك قبل الخطو موضعه … فمن علا زَلَقًا عن غِرَّةٍ زَلَجا\nقوله: (حين وقع بينه وبين ابن الزبير) أي: حين وقع بين ابن عباس وبين عبد الله بن الزبير - ﵃ - وذلك بسبب البيعة، وملخص ذلك أن معاوية - ﵁ - لما مات امتنع ابن الزبير من البيعة ليزيد بن معاوية وأصرّ على ذلك، ولما بلغه خبر موت يزيد بن معاوية دعا ابن الزبير إلى نفسه فبويع بالخلافة، وأطاعه أهل الحجاز ومصر وعراق وخراسان وكثير من أهل الشام، ثم جرت أمور حتى آلت الخلافة إلى عبد الملك، وذلك كله في سنة أربع وستين، وكان محمد بن علي بن أبي طالب المعروف بابن الحنفية وعبد الله بن عباس مقيمين بمكة منذ قتل الحسين - ﵁ -، فدعاهما ابن الزبير إلى البيعة له فامتنعا وقالا: لا نبايع حتى يجتمع الناس على خليفة، وتبعهما على ذلك جماعة فشدد عليهم ابن الزبير وحصرهم، فبلغ الخبر المختارَ ابنَ أبي عبيد وكان قد غلب على الكوفة وكان فر منه من كان من قِبَلِ ابن الزبير، فجهز إليهم جيشًا فأخرجوهما واستأذنوهما في قتال ابن الزبير، فامتنعا وخرجا إلى الطائف فأقاما بها حتى مات ابن عباس في سنة ثمان وستين، ورحل ابن الحنفية بعده إلى جهة رضوى جبل منبع فأقام هناك، ثم أراد دخول الشام فتوجه إلى نحو أيلة، فمات في آخر سنة ثلاث أول سنة أربع وسبعين، وذلك عقيب قتل ابن الزبير على الصحيح، انتهى.\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): قوله: (قلت: أبوه الزبير وأمه أسماء. . .) إلخ، أي: كنت أقول ذلك لنفسي وأعده أهلًا للخلافة، وهذه مقولة ابن عباس، انتهى.\nوفي هامشه: وهو كذلك كما سيأتي قريبًا في حديث محمد بن عبيد\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٩/ ٩٩، ١٠٠).","vol":"5","page":137},{"text":"عن ابن أبي مليكة: دخلنا على ابن عباس فقال: ألا تعجبون لابن الزبير قام في أمره هذا؟ فقلت: لأحاسبن نفسي له ما حاسبتها لأبي بكر ولا لعمر، انتهى.\nوقول الشيخ: وهذه مقولة ابن عباس، أشار بذلك إلى الرد على القسطلاني إذ قال: قال ابن أبي مليكة: \"قلت\" أي: لابن عباس كالمنكر عليه امتناعه من مبايعة ابن الزبير معدّدًا شرفه واستحقاقه للخلافة: \"أبوه الزبير\" وهذا الكلام وإن أخذه القسطلاني عن العيني إذ قال: قوله: \"قلت: أبوه الزبير\" القائل هو ابن أبي مليكة يعدِّد بهذا إلى آخره شرف ابن الزبير واستحقاقه الخلافة إلخ، لكنه غير صحيح أصلًا والعجب منهما أنهما جزما في المناقب بكونه مقولة ابن عباس، فقد تقدم في كتاب المناقب في مناقب الزبير تعليقًا: قال ابن عباس: هو حواريّ رسول الله - ﷺ -، قال فيه الحافظ: هو طرف من حديث سيأتي في تفسير براءة من طريق ابن أبي مليكة عن ابن عباس، وهكذا قال العيني والقسطلاني، فهؤلاء كلهم جازمون بأنه مقولة ابن عباس لا ابن أبي مليكة وهو نص لفظ البخاري، انتهى من هامشه.\nقوله: (فقلت لسفيان: إسناده. . .) إلخ، كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\": إنما سأله إسناده لأنه كان أورده بالعنعنة، انتهى.\nقلت: وبه جزم الكرماني.\n\n(١٠ -<span data-type='title' id=toc-2667> باب قوله: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ. . .﴾ [التوبة: ٦٠]) إلخ</span>\nقال الحافظ (^١): ذكر فيه حديث أبي سعيد: بعث إلى النبي - ﷺ - بشيء فقسمه بين أربعة، أورده مختصرًا جدًا، وأبهم الباعث والمبعوث وتسمية الأربعة والرجل القائل، وقد تقدم بيان جميع ذلك في غزوة حنين من المغازي، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٣٣٠).","vol":"5","page":138},{"text":"(١١ -<span data-type='title' id=toc-2668> باب قوله: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. . .﴾ [التوبة: ٧٩]) إلخ</span>\nهذه الآية في صفات المنافقين، أي: لا يسلم أحد من عيبهم ولمزهم في جميع الأحوال حتى ولا المتصدقون لا يسلمون منهم، إن جاء أحد منهم بمال جزيل قالوا: هذا مُراءٍ، وإن جاء بشيء يسير قالوا: إن الله لغني عن صدقة هذا، انتهى من \"العيني\" (^١).\n\n(١٢ -<span data-type='title' id=toc-2669> باب قوله: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ الآية [التوبة:</span> ٨٠])\nأخبر الله تعالى في هذه الآية الكريمة أن هؤلاء المنافقين اللمَّازين ليسوا أهلًا للاستغفار، وأنه لو استغفر لهم ولو سبعين مرة فإن الله لا يغفر لهم، وذكر السبعين بالنصّ عليه لحسم مادة الاستغفار لهم؛ لأن العرب في أساليب كلامهم تذكر السبعين في مبالغة كلامهم، ولا يراد به التحديد ولا أن يكون ما زاد عليها بخلافها، قاله العيني (^٢).\nقوله: (لما توفي عبد الله بن أبي) إلخ، قال الحافظ (^٣): ذكر الواقدي ثم الحاكم في \"الإكليل\" أنه مات بعد منصرفهم من تبوك وذلك في ذي القعدة سنة تسع، وكانت مدة مرضه عشرين يومًا ابتداؤها من ليال بقيت من شوال، قالوا: وكان قد تخلف هو ومن تبعه عن غزوة تبوك وفيهم نزلت: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إلا خَبَالًا﴾ [التوبة: ٤٧]، وهذا يدفع قول ابن التِّين أن هذه القصَّة كانت في أول الإسلام قبل تقرير الأحكام، انتهى.\n\n(١٣ -<span data-type='title' id=toc-2670> باب قوله: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة:</span> ٨٤])\nقال الحافظ (^٤): ظاهر الآية أنها نزلت في جميع المنافقين، لكن ورد\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٢٦).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٢٧، ٢٨).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٣٣٣).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٨/ ٣٣٧، ٣٣٨).","vol":"5","page":139},{"text":"ما يدل على أنها نزلت في عدد معين منهم، قال الواقدي: أنبأنا معمر عن الزهري قال: قال حذيفة: قال لي رسول الله - ﷺ -: \"إني مسرٌّ إليك سرًّا فلا تذكره لأحد، إني نهيت أن أصلي على فلان وفلان\" - رهط ذوي عدد من المنافقين - قال: فلذلك كان عمر إذا أراد أن يصلي على أحد استتبع حذيفة، فإن مشى معه وإلا لم يصل عليه، ومن طريق أخرى عن جبير بن مطعم: أنهم اثنا عشر رجلًا، وقد تقدم حديث حذيفة قريبًا أنه لم يبق منهم غير رجل واحد، ولعل الحكمة في اختصاص المذكورين بذلك أن الله علم أنهم يموتون على الكفر بخلاف من سواهم فإنهم تابوا.\nثم أورد المصنف حديث ابن عمر المذكور في الباب قبله من وجه آخر، وقوله فيه: \"إنما خيرني الله أو أخبرني الله\" كذا وقع بالشك والأول بمعجمة مفتوحة وتحتانية ثقيلة من التخيير، والثاني بموحدة من الإخبار، وقد أخرجه الإسماعيلي من الطريق الذي أخرجه البخاري من طريقه بلفظ: \"إنما خيَّرني الله\" بغير شك، وكذا في أكثر الروايات بلفظ التخيير، أي: بين الاستغفار وعدمه.\nواستشكل فهم التخيير من الآية حتى أقدم جماعة من الأكابر على الطعن في صحة هذا الحديث مع كثرة طرقه واتفاق الشيخين وسائر الذين خرّجوا الصحيح على تصحيحه، وذلك ينادي على منكري صحته بعدم معرفة الحديث وقلة الاطلاع على طرقه، قال ابن المنيِّر: مفهوم الآية زلت فيه الأقدام حتى أنكر القاضي أبو بكر صحة الحديث وقال: لا يجوز أن يقبل هذا ولا يصح أن الرسول - ﷺ - قاله، وبنحوه قال أبو بكر الباقلاني، وقال إمام الحرمين في \"مختصره\": هذا الحديث غير مخرج في \"الصحيح\"، قال الغزالي في \"المستصفى\": الأظهر أن هذا الخبر غير صحيح، قال الداودي الشارح: هذا الحديث غير محفوظ، والسبب في إنكارهم صحته ما تقرر عندهم مما قدمناه وهو الذي فهمه عمر - ﵁ - من حمل \"أو\" على التسوية لما يقتضيه سياق القصَّة وحمل السبعين على المبالغة، قال ابن المنيِّر: ليس عند أهل البيان تردّد أن التخصيص بالعدد في هذا السياق غير مراد، انتهى.","vol":"5","page":140},{"text":"وأيضًا فشرط القول بمفهوم الصفة وكذا العدد عندهم مماثلة المنطوق للمسكوت وعدم فائدة آخرى وهنا للمبالغة فائدة واضحة، فأشكل قوله: \"سأزيد على السبعين\" مع أن حكم ما زاد عليها حكمها، وقد أجاب بعض المتأخرين عن ذلك بأنه إنما قال: \"سأزيد على السبعين\" استمالةً لقلوب عشيرته لا أنه أراد إن زاد على السبعين يغفر له، ويؤيده تردّدُه في ثاني حديثي الباب حيث قال: \"لو أعلم أني إن زدت على السبعين يغفر له لزدت\" لكن قدمنا أن الرواية ثبتت بقوله: \"سأزيد\" ووعده صادق ولا سيما وقد ثبت قوله: \"لأزيدنّ\" بصيغة المبالغة، وأجاب بعضهم باحتمال أن يكون فعل ذلك استصحابًا للحال؛ لأن جواز المغفرة بالزيادة كان ثابتًا قبل مجيء الآية فجاز أن يكون باقيًا على أصله في الجواز، وهذا جواب حسن، وقيل: إن الاستغفار يتنزل منزلة الدعاء إلى آخر ما بسط.\n\n(١٤ -<span data-type='title' id=toc-2671> باب قوله: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾ الآية [التوبة:</span> ٩٥])\nقال العلَّامة العيني (^١): سقط في رواية الأصيلي لفظ \"لكم\" والصواب إثباتها، أخبر الله عن المنافقين بأنهم إذا رجعوا إلى المدينة يعتذرون ويحلفون بالله ﴿لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ فلا تُؤَنِّبُوهم ﴿فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ احتقارًا لهم، ﴿إِنَّهُمْ رِجْسٌ﴾، أي: جبناء نجس بواطنهم واعتقاداتهم، ﴿وَمَأْوَاهُمْ﴾ في آخرتهم ﴿جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ من الآثام والخطايا، انتهى.\n\n(١٥ -<span data-type='title' id=toc-2672> باب قوله: ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ. . .﴾ [التوبة: ٩٦]) إلخ</span>\nقال العيني (^٢): هكذا ثبت هذا الباب لأبي ذر وحده بغير حديث، وليس بمذكور أصلًا في رواية الباقين، انتهى.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٣١).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٣٢).","vol":"5","page":141},{"text":"وكذا قال القسطلاني (^١) والحافظ وزاد: قد أخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد أن هذه الآية نزلت في المنافقين، انتهى.\nقلت: وهذا مبني على نسخ الشروح فإن في نسختهم هذه الآية والآية الثانية وهي قوله: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا. . .﴾ [التوبة: ١٠٢] إلخ، بابان مستقلان هكذا: \"باب قوله: ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ. . .﴾ \" إلخ، ثم بعده متصلًا بغير ذكر حديث: \"باب قوله: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ. . .﴾ \" إلخ، وليس في النسخ الهندية التي بأيدينا على الآية الثانية لفظة \"باب\" فصارت الآيتان ترجمة لباب واحد.\nوقال الحافظ (^٢): ذكر فيه طرفًا من حديث سمرة في المنام الطويل، وسيأتي بتمامه مع شرحه في التعبير، انتهى.\n\n(١٦ -<span data-type='title' id=toc-2673> باب قوله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الآية [التوبة:</span> ١١٣])\nسقط لفظ الباب لغير أبي ذر، وذكر فيه حديث سعيد بن المسيب عن أبيه في قصَّة وفاة أبي طالب، وقد سبق شرحه في كتاب الجنائز، ويأتي الإلمام بشيء منه في تفسير القصص إن شاء الله تعالى، قاله الحافظ (^٣).\nوقال القسطلاني (^٤) بعد ذكر حديث الباب: وقيل: إن سبب نزولها ما في \"مسلم\" و\"مسند أحمد\" و\"سنن أبي داود\" و\"النسائي\" و\"ابن ماجه\" عن أبي هريرة - ﵁ -: أتى رسول الله - ﷺ - قبر أمه فبكى وأبكى من حوله، فقال رسول الله - ﷺ -: \"استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يأذن لي، واستأذنت أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الآخرة\" قال في \"الكشاف\": وهذا أصح لأن موت أبي طالب كان قبل الهجرة وهذا آخر\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٣١١)، و\"فتح الباري\" (٨/ ٣٤٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٤١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٣٤١).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٣١٤).","vol":"5","page":142},{"text":"ما نزل بالمدينة، وتعقبه صاحب \"التقريب\" فيما حكاه الطيبي بأنه يجوز أن النبي - ﷺ - كان يستغفر لأبي طالب إلى حين نزولها، والتشديد مع الكفار إنما ظهر في هذه السورة، قال في \"فتوح الغيب\": وهذا هو الحق، ورواية نزولها في أبي طالب هي الصحيحة، انتهى.\n\n(١٧ -<span data-type='title' id=toc-2674> باب قوله: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ الآية [التوبة:</span> ١١٧])\nقال الحافظ (^١): ذكر فيه طرفًا من حديث كعب الطويل في قصَّة توبته، وقد سبق شرحه مستوفى في كتاب المغازي، والقدر الذي اقتصر عليه هنا أيضًا في الوصايا، انتهى.\n\n(١٨ -<span data-type='title' id=toc-2675> باب قوله: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ﴾ الآية [التوبة:</span> ١١٨])\nهكذا في النسخ الهندية وليس في نسخ الشروح لفظ \"باب\"، قال العيني (^٢): لم يذكر هنا لفظ \"باب\" والآية المذكورة بتمامها في رواية الأكثرين، وفي رواية أبي ذر إلى قوله: \" ﴿بِمَا رَحُبَتْ﴾ الآية\".\nقوله: (﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ﴾) أي: وتاب الله على الثلاثة وهم كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية، قوله: ﴿خُلِّفُوا﴾ أي: عن الغزو، وقرئ: خلفوا - بفتح الخاء واللام المخففة - أي: خلفوا الغازين بالمدينة وفسدوا، من الخالفة وخلوف الفم، وقرأ جعفر الصادق: خالفوا، وقرأ الأعمش: وعلى الثلاثة المخلفين، انتهى.\nقلت: وما فسر به العيني قوله: ﴿خُلِّفُوا﴾ قد تقدم في \"باب حديث كعب\": أن كعب بن مالك - ﵁ - كان ينكر هذا التَّفسير إذ قال في آخر القصَّة: فبذلك قال الله: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ وليس الذي ذكر الله\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٣٤٢).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٣٥).","vol":"5","page":143},{"text":"مما خلفنا عن الغزو، وإنما هو تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا عمن حلف له. . . إلخ.\n\n(١٩ -<span data-type='title' id=toc-2676> باب قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة:</span> ١١٩])\nقال العلَّامة العيني (^١): وهذه الآية عقيب قوله: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ الآية، ولما جرى على هؤلاء الثلاثة من الضيق والكرب وهجر المسلمين إياهم نحوًا من خمسين ليلة فصبروا على ذلك واستكانوا لأمر الله، فرّج الله عنهم بسبب صدقهم جميع ذلك وتاب عليهم، وكان عاقبة صدقهم وتقواهم نجاة لهم وخيرًا، وأعقب ذلك بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية، انتهى.\n\n(٢٠ -<span data-type='title' id=toc-2677> باب قوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ﴾ الآية [التوبة:</span> ١٢٨])\nقال العلَّامة العيني (^٢): كذا ثبت إلى آخر الآية في رواية الأكثرين، وفي رواية أبي ذر إلى قوله: \" ﴿مَاعَنِتُّمْ﴾ \" وقد منّ الله تعالى بهذه الآية على المؤمنين بما أرسل إليهم رسولًا من أنفسهم، أي: من جنسهم وعلى لغتهم، كما قال سيدنا إبراهيم ﵊: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٩] وقرئ: من أنفَسكم، من النفاسة، أي: من أشرفكم وأفضلكم، قيل: هي قراءة رسول الله - ﷺ -.\nقوله: (﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ﴾) أي: يعز عليه ما يشق عليكم، فلهذا جاء في الحديث: \"بعث بالحنيفية السمحة\" وعنتم من العنت وهو المشقة، وقال ابن الأنباري: أصله التشديد، وقيل: الإثم، وقيل: الضلال، وقيل: الهلاك، وجمعت هذه الآية ست صفات لسيدنا رسول الله صلى الله تعالى\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٣٦، ٣٧).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٣٧).","vol":"5","page":144},{"text":"عليه وسلم: الرسالة، والنفاسة، والعزة، وحرصه على إيصال الخيرات إلى أمته في الدنيا والآخرة، والرأفة، والرَّحمة، قال الحسين بن الفضل: لم يجمع الله لنبي من الأنبياء اسمين من أسمائه إلا لسيدنا رسول الله - ﷺ - حيث قال: ﴿. . . بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] وقال - ﷿ -: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣].\nقوله: (وقال أبو ثابت: حدثنا إبراهيم وقال: مع خزيمة أو أبي خزيمة. . .) إلخ، قال الحافظ (^١): مراده أن أصحاب إبراهيم بن سعد اختلفوا فقال بعضهم: مع أبي خزيمة، وقال بعضهم: مع خزيمة، وشكّ بعضهم، والتحقيق أن آية التوبة مع أبي خزيمة وآية الأحزاب مع خزيمة، وستكون لنا عودة إلى تحقيق هذا في تفسير سورة الأحزاب، وقال أيضًا: مما ننبه عليه أن آية التوبة وجدها زيد بن ثابت لما جمع القرآن في عهد أبي بكر، وآية الأحزاب وجدها لما نسخ المصاحف في عهد عثمان، وسيأتي بيان ذلك واضحًا في فضائل القرآن، انتهى.\n\n(١٠)<span data-type='title' id=toc-2678> سورة يونس</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\nقال العيني (^٢): وفي رواية أبي ذر البسملة بعد قوله: \"سورة يونس\"، انتهى.\nوهو كذلك في النسخ الهندية، وفي نسخ الشروح بتقديم البسملة على السورة.\nقال العيني (^٣): قال أبو العباس في \"مقامات التنزيل\": هي مكية وفيها آية ذكر الكلبي أنها مدنية: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ الآية\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٣٤٥).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٤١).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٤١).","vol":"5","page":145},{"text":"[يونس: ٦٤]، وما بلغنا أن فيها مدنيًّا غير هذه الآية، وفي تفسير ابن النقيب عن الكلبي: مكية إلا قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ﴾ فإنها نزلت بالمدينة، وقال مقاتل: كلها مكية غير آيتين: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ [يونس: ٩٤] إلى قوله: ﴿فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [يونس: ٩٥] هاتان الآيتان مدنيتان.\n(قال ابن عباس: ﴿فَاخْتَلَطَ﴾ فنبت بالماء. . .) إلخ، في بعض النسخ: \"باب، وقال ابن عباس. . .\" إلخ، وأشار به إلى قوله: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ﴾ [يونس: ٢٤] وهذا التعليق وصله ابن جرير من طريق ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ﴾ فنبت بالماء كل لون مما يأكل الناس؛ كالحنطة والشعير وسائر حبوب الأرض، انتهى من \"العيني\".\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^١): قوله: \"فنبت بالماء\" لما كان ظاهر قوله: ﴿فَاخْتَلَطَ﴾ إلى آخر الآية يقتضي وجود النبات قبل ذلك حتى يوجد الاختلاط افتقر إلى تفسيره فقال: المراد به النبت إلا أنه لما كان أسرع كان كأنه نبت حين نزل الماء فاختلط الماء بالنبات.\nقوله: (يقال: ﴿تِلْكَ آيَاتُ﴾ يعني: هذه) يعني: أن لفظة \"تلك\" موضوعة للإشارة إلى البعيد، وليس كذلك ها هنا إذ الإشارة إلى نفس هذه الآيات القرآنية لا آيات الكتب السماوية الأخر حتى يتحقق معنى البعد، \"ومثله\" في وضع اللفظة موضع أخرى قوله تعالى: (﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ﴾) [يونس: ٢٢] فالتشبيه إنما هو في وضع الكلمة مقام أخرى.\nقوله: (﴿أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾ [يونس: ٢٦]) لما كانت الزيادة تتوقف على تعيين مقدار نفس الأجر المترتب على الإحسان احتيج إلى تعيين ما في جزاء الحسنى لتصح الزيادة عليه فقال: \"مثلها حسنى\" أي: للمحسنين أجر\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٩/ ١٠١ - ١٠٣).","vol":"5","page":146},{"text":"الحسنى مثل الحسنى وزيادة عليه، فقوله: \"حسنى\" بعد قوله: \"مثلها\" إما بيان للضمير المجرور أو تمييز عن نسبة المثل إلى ضميره، انتهى.\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-2679> باب قوله: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ﴾ الآية [يونس:</span> ٩٠])\nسقط لفظ \"باب\" في نسخة \"القسطلاني\"، قال الحافظان (^١): سقط للأكثر لفظ \"باب\"، انتهى. وهو موجود في نسختهما.\nقوله: (﴿نُنْجِيكَ﴾ [يونس: ٩٢] نلقيك على نجوة) بسكون النون وتخفيف الجيم وهي قراءة يعقوب، وفي نسخة ﴿نُنَجِّيكَ﴾ بتشديد الجيم، \"وهو\" أي: النجوة \"النشز\" بفتح النون والمعجمة آخره زاي وهو \"المكان المرتفع\"، وقرأ ابن السميفع \"ننحيك\" بالحاء المهملة المشددة، أي: نلقيك بناحية مما يلي البحر ليراك بنو إسرائيل، قال كعب: رماه إلى الساحل كأنه ثور، وروى ابن أبي حاتم من طريق الضحاك عن ابن عباس قال: لما خرج موسى - ﵇ - وأصحابه قال من تخلف من قومِ فرعون: ما غرق فرعون وقومه ولكنهم في خزائن البحر يتصيدون، فأوحى الله تعالى إلى البحر أن الفظ فرعون عريانًا فلفظه عريانًا أصلع أخينس قصيرًا، ومن طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد: ﴿بِبَدَنِكَ﴾ [يونس: ٩٢] قال: بجسدك، ومن طريق أبي صخر المدني قال: البدن الدرع الذي كان عليه، قيل: وكانت له درع من ذهب يعرف بها، وكان في أنفسهم أن فرعون أعظم شأنًا من أن يغرق، انتهى من \"القسطلاني\" (^٢).\nوقوله: (في خزائن البحر) كذا في النسخة التي بأيدينا، والذي في \"الفتح\" (^٣) و\"العيني\": \"جزائر\" بالجيم والزاي.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٣٤٨)، و\"عمدة القاري\" (١٣/ ٤٤).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٣٢٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٣٤٨)، و\"عمدة القاري\" (١٣/ ٤٥).","vol":"5","page":147},{"text":"ومطابقة الحديث بالترجمة بما في بعض طرقه: ذاك يوم نجى الله فيه موسى - ﵇ - وأغرق فرعون، قاله الحافظ (^١).\n(فائدة): في \"الفيض\" (^٢): اعلم أن إيمان اليأس غير معتبر، وفسره الجمهور بالإيمان عند الدخول في مقدمات النزع، أو الإيمان عند مشاهدة عذاب الاستئصال، ولما كان فرعون قد أدركه الغرق فشاهد عذاب الاستئصال فإيمانه إيمان يأس وذلك غير معتبر، أما إنه قد كان دخل في النزع أو لا؟ فالله تعالى أعلم به، وكيفما كان إيمانه غير معتبر عند الجمهور، وقال الشيخ الأكبر: إن إيمانه معتبر كما في \"الفتوحات\" و\"الفصوص\".\nقلت: ولعل إيمان اليأس عنده مفسَّر بالإيمان عند الدخول في مقدمات النزع فقط، فمن شاهد عذاب الاستئصال وآمن لا يكون إيمانه إيمان يأس عنده، وإذ لا دليل على دخوله في مقدمات النزع بل كلماته قد تشعر بخلافه، فإذن ينبغي أن يعتبر إيمانه على اصطلاحه، ولكن ذبّ عنه الشيخ الشعراني وهو من أكبر معتقديه فقال: إن كثيرًا من عبارات \"الفتوحات\" مدسوسة وتلك المسألة أيضًا منها؛ لأن نسخة \"الفتوحات\" لابن السويكين موجودة عندي وليس فيها ما نسبوا إليه، وقد أبدى الشيخ عبد الحق في الشرح الفارسي تعارضًا بين كلامي الشيخ الأكبر، وحرر الدَّوَّاني رسالة في حمايته وردّ عليه علي القاري في رسالة سماها: \"فرّ العون من مدعي إيمان فرعون\"، انتهى من \"الفيض\". وبسط محشيه أيضًا الكلام عليه ونقل كلام الشيخ الأكبر من \"الفتوحات\".\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٣٤٨).\n(^٢) \"فيض الباري\" (٥/ ٢٨٢ - ٢٨٤).","vol":"5","page":148},{"text":"(١١)<span data-type='title' id=toc-2680> سورة هود</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\nقالوا: سقطت البسملة لغير أبي ذر.\nقال العلَّامة العيني (^١): قال أبو العباس في \"المقامات\": فيها آية مدنية، وقال بعضهم: آيتان، قال السدي: قال ابن عباس: سورة هود مكية غير قوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ الآية [هود: ١١٤]، وقال القرطبي عن ابن عباس: هي مكية مطلقًا، وبه قال الحسن وعكرمة ومجاهد وغيرهم إلى آخر ما ذكر من الاختلاف.\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-2681> باب: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ الآية [هود:</span> ٥])\nليس في نسخة \"العيني\" و\"القسطلاني\" لفظ \"باب\" وهو موجود في نسخة \"الفتح\" وقال (^٢): سقط الباب للأكثر.\nقوله: (﴿يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ شك وامتراء في الحق) كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٣): ولا يريد بذلك تفسير الثني بل المراد التنبه على علة فعلهم هذا حيث كانت باعثة لهم على ارتكابه فإنهم لما ارتابوا في علمه تعالى وشكوا فيه كان شكهم ذلك سببًا لثنيهم صدورهم ليستخفوا منه، فالمراد بالحق علمه الثابت المحيط لكل شيء، انتهى.\nوفي هامشه: قال الكرماني: قوله: ﴿يَثْنُونَ﴾ من الثني وهو الشك في الحق والازورار عنه، انتهى.\nوقال العيني (^٤): من الثني ويعبّر به عن الشك في الحق والإعراض عنه، قال الزمخشري: يزورّون عن الحق وينحرفون عنه؛ لأن من أقبل على الشيء استقبله بصدره، ومن ازورّ عنه وانحرف ثنى عنه صدره وطوى عنه كشحه، انتهى.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٤٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٣٥٠).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٩/ ١٠٣).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٤٧).","vol":"5","page":149},{"text":"وقال صاحب \"الجمل\" (^١): قوله: ﴿لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ﴾ متعلق بيثنون، والمعنى: أنهم يفعلون ثني الصدور لهذه العلة، انتهى.\nوذكر الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٢): ثم إن الظاهر من الروايتين أن نزول الآية في المؤمنين والكافرين، ولا يخفى أن الباعث للمؤمنين على ما ذكر في الرواية هو شدة الخشية، فلا يرد أنهم كيف جهلوا من صفات الله تعالى ما لا يجهله المؤمن، وأيضًا فإن ذلك كان شأن بعضهم لا كلهم، انتهى.\nوذكر في \"هامشه\" القولين في سبب نزوله من كلام المفسرين.\nقوله: (أنه سمع ابن عباس يقرأ: ألا إنهم يَثْنَوني صُدُورَهُمْ. . .) إلخ، يعني: بفتح أوله بتحتانية، وفي رواية بفوقانية، وسكون المثلثة وفتح النون وسكون الواو وكسر النون بعدها ياء على وزن تفعوعل، وهو بناء مبالغة كاعشوشب، لكن جعل الفعل للصدور، وحكى أهل القراءات عن ابن عباس في هذه الكلمة قراءات أخرى وهي \"يثنوِنَّ\" بفتح أوله وسكون المثلثة وفتح النون وكسر الواو وتشديد النون من الثني بالمثلثة والنون، وهو ما هشّ وضعف من النبات، وقراءة ثالثة عنه أيضًا بوزن يرعوي، وغلّطها أبو حاتم السجستاني، قلت: وفي الشواذ قراءات أخرى ليس هذا موضع بسْطها، انتهى مختصرًا من \"الفتح\" (^٣).\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-2682> باب قوله: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود:</span> ٧])\nقبل خلق السماوات والأرض، وعن ابن عباس: وكان الماء على متن الريح، انتهى من \"القسطلاني\" (^٤).\nقوله: (هو تأكيد التجبر) يعني: أن إيراد المترادفين لإفادة التوكيد، انتهى من \"اللامع\" (^٥).\n_________\n(^١) \"الفتوحات الإلهية\" (٢/ ٣٨١).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٩/ ١٠٤).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٣٥٠).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٣٣٤).\n(^٥) \"لامع الدراري\" (٩/ ١٠٥).","vol":"5","page":150},{"text":"وفي هامشه: ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه أوجه مما قاله الشرَّاح، فقد قال العيني: أشار بأن هذه الألفاظ الثلاثة معناها واحد وهو تأكيد التجبر، ووجه الأولوية أنه لا يبقى على هذا فائدة التكرار، وعلى ما أفاده الشيخ تظهر فائدته وهو التأكيد، انتهى.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): قوله: \"والظهري ها هنا. . .\" إلخ، أي: حيث يستعمل في معنى العون والمدد، وليس إشارة إلى ما في الآية؛ لأنه ليس فيها بالمعنى الذي ذكره بعد قوله \"ها هنا\"، انتهى.\nوبسط في \"هامشه\" توضيح ذلك فارجع إليه لو شئت، وفيه أيضًا: أورد الشرَّاح على لفظة \"ها هنا\" على الإمام البخاري فقد قال العيني: إن أراد بقوله: \"ها هنا\" تفسير الظهري الذي في القرآن فلا يصح ذلك؛ لأن تفسير الظهري هو الذي ذكره أولًا، انتهى.\nوفي \"التيسير\": لفظ \"ها هنا\" موهم أست كه ظهري در تفسير آية بإير معنى أست وإير باتفاق أهل علم باطل ونا درست أست، انتهى.\nوقال القسطلاني: حذف \"ها هنا\" كما لأبي ذر أوجه، انتهى.\nقلت: وما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه غاية توجيه الكلام لتصحيح كلام البخاري، وفي \"تقرير المكي\": والظهري ها هنا، أي: في كلامنا لا في الآية المذكورة، إلى آخر ما قال.\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه (^٢): قوله: \"مجريها ومرسيها\" الظاهر: أن ها هنا نسختين وقع بينهما خلط من النساخ، إحداهما: مُجْرِيْهَا ومُرْسِيْهَا: من فعل به، والثانية: مُجراها ومُرساها، من فعل به، فكتب الناسخ متعلق الأول بالثاني وهذا هو الظاهر من بعض حواشي الكتاب، ولا يبعد أن يقال في توجيه العبارة المكتوبة ها هنا أن المراد بقوله: \"فعل به\" على زنة المجهول هو الفعل المتعدي لا المجهول، ولما كان الأصل في الأفعال هو\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٩/ ١٠٦).\n(^٢) المصدر السابق (٩/ ١٠٦، ١٠٧).","vol":"5","page":151},{"text":"التعدية صح إرادته بإطلاق المتعدي، ودلالة المجهول على المتعدي ظاهرة فكان المعنى إن قرئ أيضًا مُجريها ومرسيها على زنة الفاعل من الفعل المتعدي وهو الإفعال، ولا يخفى ما فيه من التكلف المستغنى عنه غير أنه أيسر من التغليط، انتهى.\nوفي هامشه: اعلم أولًا أن الإمام البخاري أشار بذلك إلى تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ [هود: ٤١]، واختلط كلام الشرَّاح في شرح هذا الكلام، وما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه من تصحيح العبارة واضح جدًّا إلى آخر ما بسط فيه من كلام الشرَّاح.\n\n(٤ -<span data-type='title' id=toc-2683> باب قوله: ﴿وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا﴾ الآية [هود:</span> ١٨])\nقال العيني (^١): وليس في معظم النسخ لفظ \"باب\"، انتهى.\nقوله: (واحد الأشهاد شاهد). . . إلخ، قال الحافظ (^٢): هو كلام أبي عبيدة، واختلف في المراد بهم هنا، فقيل: الأنبياء، وقيل: الملائكة، أخرجه عبد بن حميد عن مجاهد، وعن زيد بن أسلم: الأنبياء والملائكة والمؤمنون، وهذا أعم، وعن قتادة فيما أخرجه عبد الرزاق: الخلائق، وهذا أعم من الجميع.\n\n(٥ -<span data-type='title' id=toc-2684> باب قوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى. . .﴾ الآية [هود:</span> ١٠٢])\nقال الحافظ (^٣) - ﵀ -: الكاف في ذلك لتشبيه الأخذ المستقبل بالأخذ الماضي، وأتى باللفظ الماضي موضع المضارعة على قراءة طلحة بن مصرف، وأخذ بفتحتين في الأول كالثاني مبالغة في تحققه، انتهى.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٣/. . . . .).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٣٥٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٣٥٤).","vol":"5","page":152},{"text":"(٦ -<span data-type='title' id=toc-2685> باب قوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ. . .﴾ [هود: ١١٤]) إلخ</span>\nواختلف في المراد بطرفي النهار، فقيل: الصبح والمغرب، وقيل: الصبح والعصر، وعن مالك وابن حبيب: الصبح طرف والظهر والعصر طرف، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nقوله: (أن رجلًا أصاب من امرأة قبلة. . .) إلخ، ذكر الحافظ في \"الفتح\" ها هنا عدة روايات في سبب نزول هذه الآية، وكذا ذكر الاختلاف في اسم هذا الرجل فارجع إليه لو شئت (^٢).\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n(١٢)<span data-type='title' id=toc-2686> سورة يوسف</span>\nهكذا في النسخ الهندية بتقديم البسملة، وفي نسخ الشروح الثلاثة بتأخير البسملة عن السورة.\nقال أبو العباس في \"مقامات التنزيل\": سورة يوسف مكية كلها، وما بلغنا فيها اختلاف، وفي تفسير ابن النقيب عن ابن عباس وقتادة: نزلت بمكة إلا أربع آيات فإنهن نزلن بالمدينة: ثلاث آيات من أولها، والرابعة: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾ [يوسف: ٧]، وسبب نزولها سؤال اليهود عن أمر يعقوب ويوسف - ﵉ -، انتهى من \"العيني\" (^٣).\nقوله: (قال فضيل عن حصين عن مجاهد: متكًا) بضم الميم وسكون الفوقية وتنوين الكاف من غير همز، وهي قراءة ابن عباس وغيره، \"الأترج\" بضم الهمزة وسكون الفوقية وضم الراء وتشديد الجيم، ولأبي ذر \"الأترنج\" بزيادة نون بعد الراء وتخفيف الجيم، لغتان.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٣٥٥).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (٨/ ٣٥٦).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٦١).","vol":"5","page":153},{"text":"قوله: (كل شيء قطع بالسكين) كالأترج وغيره من الفواكه، قيل: وهو من متك بمعنى بتك الشيء، أي: قطعه، فعلى هذا يحتمل أن يكون الميم بدلًا من الباء وهو بدل مطرد في لغة قوم، ويحتمل أن تكون مادة أخرى وافقت هذه، انتهى كله من \"القسطلاني\" (^١).\nقوله: (وقال بعضهم: واحدها شدّ) قال أبو عبيدة: الأشدّ جمع لا واحد له من لفظه، وحكى الطبري أنه واحد لا نظير له في الآحاد، وقال سيبويه: واحدها شدة، وكذا قال الكسائي لكن بلا هاء، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\nقوله: (والمتكأ) بتشديد الفوقية وبعد الكاف همزة على قراءة الجمهور، اسم مفعول: (ما اتكأت عليه لشراب. . .) إلخ، أي: لأجل شراب، (وأبطل) قول (الذي قال): إن المتكأ هو (الأترج)، ولأبي ذر (الأترنج، وليس في كلام العرب الأترج) أي: ليس مفسّرًا في كلامهم به، وهذا أخذه من كلام أبي عبيدة ولفظه: وزعم قوم أنه الترنج وهذا أبطل باطل في الأرض، انتهى من \"القسطلاني\" (^٣).\nقلت: وكذا قال الشيخ قُدَّس سرُّه في \"اللامع\" (^٤) إذ كتب: قوله: \"وليس في كلام العرب. . .\" إلخ، أي: المتكأ بمعنى الأترج؛ لأن الكلام فيه لا في الأترنج إلى آخر ما قال.\nوبسط في هامشه الكلام في شرح هذا المقام من كلام الشرَّاح ومن \"تقرير المكي\"، وفي \"الفتح\" (^٥): وأما المتكأ فقال أبو عبيدة: \"أعتدت\" أي: أعتدت لهن متكأ، أي: نمرقًا يتكأ عليه، وزعم قوم أنه الترنج، وهذا أبطل باطل في الأرض، ولكن عسى أن يكون مع المتكأ ترنج يأكلونه، ويقال: ألقي له متكأ يجلس عليه، انتهى.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٣٤٤، ٣٤٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٣٥٨).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٣٤٦).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٩/ ١١٠).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٨/ ٣٥٩).","vol":"5","page":154},{"text":"وقوله: (ليس في كلام العرب الأترج) يريد أنه ليس في كلام العرب تفسير المتكأ بالأترج، لكن ما نفاه المؤلف - ﵀ - تبعًا لأبي عبيدة قد أثبته غيره، وقد روى عبد بن حميد عن ابن عباس أنه كان يقرأها مُتكًا مخففة، ويقال: هو الأترج، وقد حكاه الفراء وتبعه الأخفش وأبو حنيفة الدينوري وغيرهم كصاحب \"المحكم\" و\"الجامع\" و\"الصحاح\"، قال الجوهري: وعن الأخفش: المتكأ: الأترج.\n(تنبيه): مُتكًا بضم أوله وسكون ثانيه وبالتنوين على المفعولية هو الذي فسّره مجاهد وغيره بالأترج أو غيره وهي قراءة، وأما القراءة المشهورة - أي: بالتشديد وبالهمز في آخره - فهو ما يتكأ عليه من وسادة وغيرها كما جرت به عادة الأكابر عند الضيافة، وبهذا التقرير لا يكون بين النقلين تعارض، وروى عبد بن حميد عن مجاهد قال: من قرأها مثقّلة قال: الطعام، ومن قرأها مخففة قال: الأترج، انتهى.\nقوله: (فلما احتج عليهم) بضم التاء، أي: على القائلين بأنه الأترج (بأنه المتكاء) بالتشديد والهمزة (من نمارق) يعني: وسائد (فروا إلى شر منه فقالوا: إنما هو المتك ساكنة التاء) مخففة وساكنة، (وإنما المتك) المخفف (طرف البظر) بفتح الموحدة وسكون المعجمة وهو موضع الختان من المرأة، (ومن ذلك) اللفظ (قيل لها) أي: للمرأة (متكاء وابن المتكاء) بفتح الميم والتخفيف والمد فيهما وهي التي لم تختن، ويقال: البظراء أيضًا، (فإن كان ثم) بفتح المثلثة، أي: هناك إلخ، وقد علم مما مر أن المتك المخفف يكون بمعنى الأترج وبمعنى طرف البظر، وأن المشدد هو ما يتكأ عليه من وسادة وحينئذ فلا تعارض بين النقلين كما لا يخفى، انتهى من \"القسطلاني\" (^١).\nقال الحافظ (^٢): ثم لا مانع أن يكون المتكأ مشتركًا بين الأترج وطرف البظر، والبظر موضع الختان من المرأة، انتهى.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٣٤٦، ٣٤٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٣٥٩).","vol":"5","page":155},{"text":"وفي هامش \"اللامع\" (^١): عن\"تقرير المكي\": قوله: \"فلما احتج\" يعني: فلما صاروا محجوجين وثبت عليهم أنه المتكأ الذي يكون من النمارق لا الأترنج فرّوا إلى شر من الأول فقالوا: المتك ها هنا بمعنى طرف البظر، وقد وجد المتك بمعنى طرف البظر في كلام العرب، قال قُدِّس سرُّه: ويمكن إصلاح هذا بأن يقال: المراد بالمتك ما يستقر عليه المتك، يعني: طرف البظر وهو المتكأ بعينه، فكان مجازًا من قبيل ذكر الحال وإرادة المحل، وكان مآل القراءتين إلى معنى واحد وهذا جيد، انتهى.\nوفي \"الفيض\" (^٢) قوله: \"فروا إلى شر منه\" أي: إنما عدل هؤلاء إلى توجيهه فأخذوه من المتك بمعنى طرف البظر ليكون قريبًا من معناه المشهور، أي: ما اتكأت عليه لشراب أو لطعام فوقعوا في شر من الأول وأقبح منه، وقوله: \"فإن كان ثم أترنج فإنه بعد المتكأ\" يعني: أن أكله لا يكون إلا بعد الجلوس، انتهى.\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-2687> باب قوله: ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ. . .﴾ [يوسف: ٦]) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٣): ذكر فيه حديث ابن عمر: \"الكريم بن الكريم\" الحديث، وأخرج الحاكم مثله من حديث أبي هريرة وهو دال على فضيلة خاصة وقعت ليوسف - ﵇ - لم يشركه فيها أحد، ومعنى قوله: \"أكرم الناس\" أي: من جهة النسب ولا يلزم من ذلك أن يكون أفضل من غيره مطلقًا، انتهى.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٩/ ١١١).\n(^٢) \"فيض الباري\" (٥/ ٢٩٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٣٦١).","vol":"5","page":156},{"text":"(٢ -<span data-type='title' id=toc-2688> باب قوله: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾ [يوسف:</span> ٧])\nذكر ابن جرير وغيره أسماء إخوة يوسف وهم: روبيل، وشمعون، ولاوي ويهوذا، وريالون، ويشجر، ودان، ونيال، وجاد، وآشر، وبنيامين، وأكبرهم أولهم، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوذكر القسطلاني (^٢) هذه الأسماء مع شيء من الاختلاف في بعض الأسماء، وقال أيضًا: ولم يقم دليل على نبوة إخوة يوسف، وذكر بعضهم أنه أوحي إليهم بعد ذلك، ولم يذكر لذلك مستندًا سوى قوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾ [البقرة: ١٣٦]، وهذا لا ينهض دليلًا لأن بطون بني إِسرائيل يقال لهم: الأسباط، كما يقال للعرب: قبائل، وللعجم: شعوب، بل ظاهر ما في هذه السورة من أحوالهم وأفعالهم يدل على أنهم لم يكونوا أنبياء على ما لا يخفى، انتهى.\nقلت: وقد تقدمت هذه الترجمة بعينها في \"كتاب الأنبياء\"، وقد تقدم الكلام عليه هناك من ذكر أسماء إخوة يوسف وغيره.\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-2689> باب قوله: ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ﴾ [يوسف:</span> ١٨])\nقوله: (﴿سَوَّلَتْ﴾: زينت) قال أبو عبيدة في قوله: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ﴾: أي: زينت وحسنت، قاله الحافظ (^٣).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٣٦٢).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٣٥١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٣٦٣).","vol":"5","page":157},{"text":"(٤ -<span data-type='title' id=toc-2690> باب قوله: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ. . .﴾ [يوسف: ٢٣]) إلخ</span>\nاسم هذه المرأة في المشهور زليخا، وقيل: راعيل، واسم سيدها العزيز قطفير بكسر أوله، وقيل: بهمزة بدل القاف، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nقوله: (﴿هَيْتَ لَكَ﴾) كتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢) قرأه ابن مسعود بضم التاء والآخرون بفتحها، وعليه مدار اعتراض أبي وائل، وكذلك اختلف ابن مسعود مع الجمهور في قوله: ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ [الصافات: ١٢] ولذلك أورده المؤلف ها هنا تنظيرًا للاختلاف، انتهى.\nوفي هامشه: اختلفت الروايات عن ابن مسعود في قراءته بالضم أو الفتح، كما ذكرها الحافظان ابن الحجر والعيني، وقد بسط القسطلاني الكلام في قراءات لفظ ﴿هَيْتَ﴾ فذكر تسع قراءات، أربعة منها شاذة وخمسة معروفة، وهي: هِيْتَ، هَيْتُ، هِئْتَ، هِئْتُ، هَيْتَ، وفي \"الجلالين\": ﴿وَقَالَت هَيْتَ لَكَ﴾ واللام للتبيين، قال صاحب \"الجمل\" بعد ذكر اختلاف القراءات في هذا اللفظ: فالقراءات السبعية سبعة وهذه كلها لغات في هذه الكلمة، وهي في كلها اسم فعل بمعنى هلمّ، أي: أقبل وتعال، انتهى.\nقوله: (وعن ابن مسعود: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾) [الصافات: ١٢] قال الحافظ (^٣): هكذا وقع في هذا الموضع معطوفًا على الإسناد الذي قبله، وقد وصله الحاكم في \"المستدرك\" من طريق جرير عن الأعمش بهذا، وقد أشكلت مناسبة إيراد هذه الآية في هذا الموضع فإنها من سورة والصافات وليس في هذه السورة من معناها شيء، لكن أورد البخاري في الباب حديث عبد الله بن مسعود: أن قريشًا لما أبطئوا. . . إلخ، ولا تظهر مناسبته\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٣٦٣).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٩/ ١١٣).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٣٦٥).","vol":"5","page":158},{"text":"أيضًا للترجمة المذكورة وهي قوله: \"باب قوله: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾ \" ثم حكى الحافظ عن أبي الأصبغ عيسى بن سهل مناسبة نادرة وهي مذكورة في \"الفتح\" فارجع إليه لو شئت.\nوقال القسطلاني تبعًا للعيني (^١): ووجه المناسبة بين الحديث والترجمة في قوله: فجاء أبو سفيان فقال: يا محمد جئت تأمر بصلة الرحم وإن قومك قد هلكوا فادع الله فدعا، ففيه أنه عفا عن قومه كما عفا يوسف - ﵇ - عن امرأة العزيز، انتهى.\nوهذا ملخص ما في \"الفتح\" (^٢)، وتقدم وجه مناسبة إيراد الآية ها هنا فىِ كلام الشيخ قُدِّس سرُّه، وبه جزم الكرماني (^٣) إذ قال: قوله: \" ﴿بَلْ عَجِبْتُ﴾ \" بالضم، كان شريح القاضي يقرأ بالفتح ويقول: إن الله تعالى لا يعجب من شيء وإنما يعجب من لا يعلم، فقال إبراهيم النخعي: إن شريحًا يعجبه علمه، وإن عبد الله بن مسعود كان يقرأ بالضم، فإن قلت: هذه سورة الصافات فلم ذكرها ها هنا؟ قلت: لبيان أن ابن مسعود يقرئه مضمومًا كما يقرأ هيت مضمومًا، انتهى.\nقال الحافظ (^٤) بعد ذكر قول الكرماني: وهي مناسبة لا بأس بها إلا أن الذي تقدم عن ابن سهل أدق، والله أعلم.\n\n(٥ -<span data-type='title' id=toc-2691> باب قوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ الآية [يوسف:</span> ٥٠])\nقوله: (حاش وحاشا: تنزيه واستثناء) قال الحافظ (^٥): قال أبو عبيدة في قوله: \"حاش لله\": الشين مفتوحة بغير ياء، وبعضهم يدخلها في آخره، ومعناه التنزيه والاستثناء عن الشر، تقول: حاشيته، أي: استثنيته، وقد قرأ\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٣٥٨)، و\"عمدة القارى\" (١٣/ ٧٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٣٦٥).\n(^٣) \"الكواكب الدراري\" (١٧/ ١٦٣).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٨/ ٣٦٥).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٨/ ٣٦٦).","vol":"5","page":159},{"text":"الجمهور بحذف الألف بعد الشين، وأبو عمرو بإشباعها في الوصل، وفي حذف الألف بعد الحاء لغة وقرأ بها الأعمش، واختلف في أنها حرف أو اسم أو فعل، وشرح ذلك يطول، والذي يظهر أن من حذفها رجّح فعليتها بخلاف من نفاها، ويؤيد فعليتها قول النابغة.\nولا أحاشي من الأقوام من أحد\nفإن تصرف الكلمة من الماضي إلى المستقبل دليل فعليتها، واقتضى كلامه أن إثبات الألف وحذفها سواء لغة، وقيل: إن حذف الألف الأخيرة لغة أهل الحجاز دون غيرهم، انتهى.\nذكر المصنف في الباب حديث أبي هريرة مرفوعًا: \"يرحم الله لوطًا لقد كان يأوي إلى ركن شديد\" الحديث، وقد تقدم شرحه في ترجمتي إبراهيم ولوط - ﵉ - في كتاب الأنبياء.\n\n(٦ -<span data-type='title' id=toc-2692> باب قوله: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ [يوسف:</span> ١١٠])\nتقدم الكلام عليه في \"باب قول الله - ﷿ -: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ (٧)﴾ \" من كتاب الأنبياء.\nوبسط الكلام عليه أيضًا في \"اللامع\" (^١) وهامشه فيما تقدم من الباب المذكور فارجع إليه لو شئت التفصيل.\nقال القسطلاني (^٢): قوله: \"قالت: معاذ الله لم تكن الرسل تظن ذلك بربها\" وهذا ظاهره أنها أنكرت قراءة التخفيف بناء على أن الضَّمير للرسل ولعلها لم تبلغها فقد ثبتت متواترة في قراءة الكوفيين في آخرين، ووجهت بأن الضمير في ﴿وَظَنُّوا﴾ عائد إلى المرسل إليهم لتقدمهم في قوله: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [يوسف: ١٠٩] والضميران في \"أنهم\" و\"كذبوا\" على الرسل، أي: وظن المرسل إليهم أن الرسل قد كذبوا، أي: كذبهم\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٨/ ٣٣).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٣٦١).","vol":"5","page":160},{"text":"من أرسلوا إليه بالوحي وبنصرهم عليهم، أو أن الضمائر كلها ترجع إلى المرسل إليهم، أي: ظن المرسل إليهم أن الرسل قد كذبوهم في ما ادعوا من النبوة وفيما يوعدون به من لم يؤمن من العقاب، أو كذبهم المرسل إليهم بوعد الإيمان، وقول الكرماني: لم تنكر عائشة القراءة وإنما أنكرت التأويل، خلاف الظاهر، قال عروة: \"فما هذه الآية؟ قالت: هم أتباع الرسل\" إلى آخره، فالضمائر كلها على قراءة التشديد عائدة على الرسل، أي: وظن الرسل أنهم قد كذبهم أممهم فيما جاءوا به لطول البلاء عليهم، والظن هنا بمعنى اليقين، أو على حقيقته وهو رجحان أحد الطرفين، انتهى.\n\n(١٣)<span data-type='title' id=toc-2693> سورة الرعد</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\nهكذا في نسخ الشروح بتأخير البسملة عن السورة، قال العيني (^١): لم تثبت البسملة إلا في رواية أبي ذر وحده، قيل: إن هذه السورة مكية، وقيل: مدنية، وقيل: فيها مكي ومدني، انتهى.\nقوله: (﴿مُعَقِّبَاتٌ﴾ [الرعد: ١١] ملائكة حفظة. . .) إلخ، وفي نسخة \"الفتح\" (^٢) \"يقال: معقبات. . .\" إلخ، قال الحافظ: سقط لفظ \"يقال\" من رواية غير أبي ذر وهو أولى، فإنه كلام أبي عبيدة قال في قوله تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ﴾ أي: ملائكة تعقب بعد ملائكة، حفظة بالليل تعقب بعد حفظة النهار، وحفظة النهار تعقب بعد حفظة الليل، وروى الطبري عن ابن عباس في هذه الآية أنه قال: ملائكة يحفظونه من بين يديه ومن خلفه فإذا جاء قدره خلوا عنه، وعنه في قوله: ﴿مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١] يقول: بإذن الله، فالمعقبات هن من أمر الله وهي الملائكة، ومن طريق إبراهيم النخعي قال: يحفظونه من الجن، ومن طريق كعب الأحبار قال:\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٧٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٣٧١، ٣٧٢).","vol":"5","page":161},{"text":"لولا أن الله وكّل بكم ملائكة يذبّون عنكم في مطعمكم ومشربكم وعوراتكم لَتُخُطِّفْتُمْ، وأخرج الطبري من طريق كنانة العدوي: أن عثمان سأل النبي - ﷺ - عن عدد الملائكة الموكّلة بالآدمي فقال: \"لكل آدمي عشرة بالليل وعشرة بالنهار: واحد عن يمينه، وآخر عن شماله، واثنان من بين يديه ومن خلفه، واثنان على جنبيه، وآخر قابض على ناصيته، فإن تواضع رفعه، وإن تكبر وضعه، واثنان على شفتيه ليس يحفظان عليه إلا الصلاة على محمد - ﷺ -، والعاشر يحرسه من الحية أن تدخل فاه، يعني: إذا نام\"، وجاء في تأويل ذلك قول آخر رجحه ابن جرير، فأخرج بإسناد صحيح عن ابن عباس في قوله: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ﴾ قال: ذلك ملك من ملوك الدنيا له حرس ومن دونه حرس، ومن طريق عكرمة في قوله: ﴿مُعَقِّبَاتٌ﴾ قال: المراكب، انتهى.\nقوله: (فكذلك يميز الحق من الباطل) كتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): فيكون للباطل غوغاء كغليان القدر ثم ينفى كأنه لم يكن شيئًا مذكورًا، انتهى.\nقال العيني (^٢): ومعنى قول البخاري: \"فكذلك\" أي: فكما مَيَّز الله الزبد الذي يبقى من الذي لا يبقى ولا ينتفع به مَيَّزَ الحق الذي يبقى ويستمر من الباطل الذي لا أصل له ولا يبقى، انتهى.\nوفي \"الفتح\" (^٣): وهي ثلاثة أمثال ضربها الله في مثل واحد يقول: كما اضمحل هذا الزبد وصار لا ينتفع به كذلك يضمحل الباطل من أهله، وكما مكث هذا الماء في الأرض فأمرعت وأخرجت نباتها كذلك يبقى الحق لأهله، ونظيره بقاء خالص الذهب والفضة إذا دخل النار وذهب خبثه وبقي صفوه كذلك يبقى الحق لأهله ويذهب الباطل، انتهى.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٩/ ١١٥).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٧٨).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٣٧٤).","vol":"5","page":162},{"text":"(١ -<span data-type='title' id=toc-2694> باب قول الله: ﴿يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى. . .﴾ [الرعد: ٨]) إلخ</span>\nقوله: (غيض نقص) قال أبو عبيدة في قوله: ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ أي: ذهب وقلّ، وهذا تفسير سورة هود، وإنما ذكره ها هنا لتفسير قوله: ﴿تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾ فإنها من هذه المادة، وروى عبد بن حميد عن مجاهد في قوله: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾ قال: إذا حاضت المرأة وهي حامل كان نقصانًا من الولد، فإن زادت على تسعة أشهر كان تمامًا لما نقص من ولدها، ثم روي من طريق منصور عن الحسن قال: الغيض ما دون تسعة أشهر، والزيادة ما زادت عليها يعني في الوضع، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوثم ذكر المصنف حديث ابن عمر في مفاتح الغيب، وقد تقدم الكلام عليه في سورة الأنعام.\n\n(١٤)<span data-type='title' id=toc-2695> سورة إبراهيم</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\nهكذا في نسخ الشروح.\nقال الحافظ (^٢): سقطت البسملة لغير أبي ذر، انتهى.\n\n<span data-type='title' id=toc-2696>(باب قال ابن عباس: هاد داع. . .) إلخ</span>\nوهكذا في نسخة \"القسطلاني\" وليس في نسخة \"الفتح\" و\"العيني\" لفظ \"باب\"، قال القسطلاني (^٣): سقط \"باب\" لغير أبي ذر، انتهى.\nقال الحافظ (^٤): كذا في جميع النسخ، وهذه الكلمة إنما وقعت في\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٣٧٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٣٧٥).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٣٧٠).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٨/ ٣٧٥، ٣٧٦).","vol":"5","page":163},{"text":"السورة التي قبلها في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد: ٧] والظاهر: أن ذكر هذا ها هنا من بعض النساخ، واختلف أهل التأويل في تفسيرها بعد اتفاقهم على أن المراد بالمنذر محمد - ﷺ -، فروى الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ وأي داعٍ، ومن طريق قتادة مثله، ومن طريق العوفي عن ابن عباس قال: الهادي الله، وهذا بمعنى الذي قبله كأنه لحظ قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [يونس: ٢٥] ومن طريق أبي العالية قال: الهادي القائد، ومن طريق مجاهد أيضًا قال: الهادي محمد، وهذا أخص من الجميع، والمراد بالقوم على هذا الخصوص، أي: هذه الأمة، والمستغرب ما أخرجه الطبري بإسناد حسن عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية وضع رسول - ﷺ - يده على صدره وقال: \"أنا المنذر\" وأومأ إلى علي وقال: \"أنت الهادي بك يهتدي المهتدون بعدي\" فإن ثبت هذا فالمراد بالقوم أخص من الذي قبله، أي: بني هاشم مثلًا، انتهى.\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-2697> باب قوله: ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ﴾ الآية [إبراهيم:</span> ٢٤])\nقال الحافظ (^١): كذا لأبي ذر، وساق غيره إلى ﴿حِينٍ﴾، وسقط عندهم \"باب قوله\"، انتهى.\nثم ذكر المصنف فيه حديث ابن عمر، وقد تقدم في كتاب العلم، وتقدم هناك شيء من الكلام عليه.\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-2698> باب: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم:</span> ٢٧])\nكلمة التوحيد: لا إله إلا الله؛ لأنها رسخت في القلب بالدليل، أي: يُديمهم الله عليها كما اطمأنت إليها نفوسهم في الدنيا، والجمهور على أنها\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٣٧٧).","vol":"5","page":164},{"text":"نزلت في سؤال المكلفين في القبر فَيُلقِّن الله المؤمنَ كلمةَ الحق عند السؤال فلا يزلّ، وسقط \"باب\" لغير أبي ذر، انتهى \"قسطلاني\" (^١).\nوقال أيضًا في شرح الحديث: وإنما حصل لهم الثبات في القبر بسبب مواظبتهم في الدنيا على هذا القول، ولا يخفى أن كل شيء كانت المواظبة عليه أكثر كان رسوخه في القلب أتم ثبتنا الله بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة بمنّه وكرمه، هذا الحديث قد سبق في \"باب ما جاء في عذاب القبر\" من الجنائز، انتهى.\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-2699> باب قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ [إبراهيم: ٢٨] ألم تعلم كقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ. . .﴾) إلخ</span>\nقال القسطلاني (^٢): لفظ \"باب\" ساقط لغير أبي ذر، انتهى.\nقال الحافظ (^٣): هذا قول أبي عبيدة، قوله: (البوار: الهلاك. . .) إلخ، هو كلام أبي عبيدة أيضًا، ثم ذكر حديث ابن عباس فيمن نزلت فيه الآية مختصرًا، وقد تقدم مستوفى في غزوة بدر، وروى الطبري من طريق أخرى عن ابن عباس: أنه سأل عمر عن هذه الآية فقال: من هم؟ قال: هم الأفجران من بني مخزوم وبني أمية أخوالي وأعمامك، فأما أخوالي فاستأصلهم الله يوم بدر، وأما أعمامك فأملى الله لهم إلى حين، ومن طريق علي قال: هم الأفجران بنو أمية وبنو المغيرة، فأما بنو المغيرة فقطع الله دابرهم يوم بدر، وأما بنو أمية فمتعوا إلى حين، وهو عند عبد الرزاق أيضًا والنسائي وصححه الحاكم قلت: والمراد بعضهم لا جميع بني أمية وبني مخزوم، فإن بني مخزوم لم يستأصلو يوم بدر، بل المراد بعضهم كأبي جهل من بني مخزوم، وأبي سفيان من بني أمية، انتهى من \"الفتح\".\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٣٧٤، ٣٧٥).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٣٧٥).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٣٧٨).","vol":"5","page":165},{"text":"زاد القسطلاني (^١): وعنده (الطبري) أيضًا من وجه آخر ضعيف عن ابن عباس: هم جبلة بن الأيهم والذين اتبعوه من العرب فلحقوا بالروم، قال الحافظ ابن كثير: والمشهور الصحيح عن ابن عباس هو القول الأول، وإن كان المعنى يعم جميع الكفار، فإن الله تعالى بعث محمدًا - ﷺ - رحمةً للعالمين ونعمة للناس، انتهى.\n\n(١٥)<span data-type='title' id=toc-2700> سورة الحجر</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\nوهكذا في نسخة \"العيني\"، وفي نسخة \"الفتح\": \"تفسير سورة الحجر\"، قال الحافظ (^٢): كذا لأبي ذر عن المستملي، وله عن غيره بدون لفظ \"تفسير\"، وسقطت البسملة للباقين، انتهى.\nقال العلَّامة العيني (^٣): قال الطبري: هي مكية بإجماع المفسرين، ويرد عليه بقول الكلبي: إن فيها آيةً مدنيةً، وقال السخاوي: نزلت بعد يوسف وقبل الأنعام، انتهى.\nقوله: (قال مجاهد ﴿صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الحجر: ٤١]) معناه (الحق يرجع إلى الله وعليه طريقه) لا يعرج على شيء، وقال الأخفش: عليّ الدلالة على الصراط المستقيم، وقال غيرهما: أي: من مرّ عليه مرّ عليّ، أي: على رضواني وكرامتي، وقيل: \"عليّ\" بمعنى إليّ، وهذا إشارة إلى الإخلاص المفهوم من المخلصين، وقيل: إلى انتفاء تزيينه وإغوائه، انتهى من \"القسطلاني\" (^٤).\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٣٧٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٣٧٩).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٨٧).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٣٧٧).","vol":"5","page":166},{"text":"(١ -<span data-type='title' id=toc-2701> باب قوله: ﴿إلا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾ [الحجر:</span> ١٨])\nليس لفظة \"باب\" في نسخة \"القسطلاني\"، وهو موجود في نسختي الحافظين، قال الحافظ (^١): ذكر فيه حديث أبي هريرة في قصَّة مسترقي السمع أورده أولًا معنعنًا ثم ساقه بالإسناد بعينه مصرِّحًا فيه بالتحديث وبالسماع في جميعه، وذكر فيه اختلاف القراءة في ﴿فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ [سبأ: ٢٣]، وسيأتي شرحه في تفسير سورة سبأ، انتهى.\nقال العيني (^٢): قوله: ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ الآية [الحجر: ١٨] وأوله ﴿وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (١٧) إلا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ الآية [الحجر: ١٧، ١٨] قوله: ﴿وَحَفِظْنَاهَا﴾ أي: السماع بالشهب، وقوله: ﴿إلا مَنِ اسْتَرَقَ. . .﴾ إلخ، استثناء منقطع، أي: لكن من استرق السمع، وعن ابن عباس: أنهم كانوا لا يحجبون عن السماوات فلما ولد عيسى ﵊ منعوا من ثلاث سماوات، فلما ولد نبينا محمد - ﷺ - منعوا من السماوات أجمع، فما منهم من أحد يريد استراق السمع إلا رُمي بشهاب مبين، أي: بنارٍ بيِّن، والشهاب في اللغة: النار الساطعة، انتهى.\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-2702> باب قوله: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الحجر:</span> ٨٠])\nقال القسطلاني (^٣): سقط قوله: \"باب\" لغير أبي ذر.\nقوله: (﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ﴾) وادي ثمود بين المدينة والشام (﴿الْمُرْسَلِينَ﴾) صالحًا، ومن كذب واحدًا من المرسلين، فكأنما كذب الجميع، أو صالحًا ومن معه من المؤمنين.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٣٨٠، ٣٨١).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٩٠).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٣٨٣).","vol":"5","page":167},{"text":"قوله: (أن يصيبكم مثل ما أصابهم من العذاب) لأن من دخل عليهم ولم يبك اعتبارًا بأحوالهم فقد شابههم في الأعمال، ودلّ على قساوة قلبه، فلا يأمن أن يجره ذلك إلى العمل بمثل أعمالهم، فيصيبه بمثل ما أصابهم، وهذا الحديث قد مر في \"باب الصلاة في مواضع الخسف\" من كتاب الصلاة، انتهى.\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-2703> باب قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر:</span> ٨٧])\nقال القسطلاني (^١): (﴿الْمَثَانِي﴾) صيغة جمع واحده مثناة، والمثناة كل شيء يثنى، من قولك: ثنيت الشيء ثنيًا، أي: عطفته وضممت إليه آخر، والمراد سبع من الآيات أو من السور أو من الفوائد، ليس في اللفظ ما يعين أحدها، (﴿وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾) من عطف العام على الخاص إذ المراد بالسبع إما الفاتحة أو السور الطوال، أو من عطف بعض الصفات على بعض، أو الواو مقحمة، انتهى.\nوقال بعد ذكر الحديث: وفيه وجوب إجابته ﵊، ونص جماعة من الأصحاب على عدم بطلان الصلاة، وفيه بحث سبق في البقرة، انتهى.\nقلت: وتقدمت هذه المسألة مع بيان مذاهب الأئمة الأربعة في \"باب ما جاء في فاتحة الكتاب\".\nوقال الحافظ (^٢): قال الخطابي: وفي الحديث رد على ابن سيرين حيث قال: الفاتحة لا يقال لها أم القرآن، وإنما يقال لها فاتحة الكتاب، ويقول: أم الكتاب هو اللوح المحفوظ، قال: وأم الشيء أصله، وسميت الفاتحة أم القرآن لأنها أصل القرآن، وقيل: لأنها مقدمة كأنها تؤمه.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٣٨٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٣٨١، ٣٨٢).","vol":"5","page":168},{"text":"قوله: (هي السبع المثاني والقرآن العظيم) هو معطوف على قوله: \"أم القرآن\" وهو مبتدأ وخبره محذوف، أو خبر مبتدأ محذوف تقديره: والقرآن العظيم ما عداها، وليس هو معطوفًا على قوله: \"السبع المثاني\" لأن الفاتحة ليست هي القرآن العظيم، وإنما جاز إطلاق القرآن عليها؛ لأنها من القرآن لكنها ليست هي القرآن كله، ثم وجدت في تفسير ابن أبي حاتم عن أبي هريرة، بلفظ: والقرآن العظيم الذي أعطيتموه، أي: هو الذي أعطيتموه، فيكون هذا هو الخبر، انتهى.\n\n(٤ -<span data-type='title' id=toc-2704> باب قوله: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ [الحجر:</span> ٩١])\nكذا في نسخة \"الفتح\" و\"العيني\"، وفي نسخة \"القسطلاني\" بدون لفظ \"باب\".\nقال الحافظ (^١): قيل: إن ﴿عِضِينَ﴾ جمع عضو فروى الطبري من طريق الضحاك قال في قوله: ﴿جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ أي: جعلوه أعضاء كأعضاء الجزور، وقيل: هي جمع عضة وأصلها عضهة فحذفت الهاء كما حذفت من الشفة وأصلها شفهة، وجمعت بعد الحذف على عضين مثل برة وبرين وكرة وكرين إلى آخر ما بسط في تفسيره.\n\n(٥ -<span data-type='title' id=toc-2705> باب قوله: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩] قال سالم: اليقين الموت)</span>\nقال القسطلاني (^٢): سقط \"باب قوله\" لغير أبي ذر كقوله: \"اليقين\" من قوله: \"اليقين: الموت\"، انتهى.\nقوله: (قال سالم: اليقين. . .) إلخ، وصله الفريابي وعبد بن حميد وأخرجه الطبري، من طرق عن مجاهد وقتادة وغيرهما مثله، واستشهد\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٣٨٢).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٣٨٧).","vol":"5","page":169},{"text":"الطبري لذلك بحديث أم العلاء في قصَّة عثمان بن مظعون: أما هو فقد جاءه اليقين، وإني لأرجو له الخير، وقد تقدم في الجنائز مشروحًا.\nوقد اعترض بعض الشرَّاح على البخاري لكونه لم يخرج هنا هذا الحديث، وقال: كان ذكره أليق من هذا، قال: ولأن اليقين ليس من أسماء الموت، قلت: لا يلزم البخاري ذلك وقد أخرج النسائي حديث بعجة عن أبي هريرة رفعه: \"خير ما عاش الناس به رجل ممسك بعنان فرسه\" الحديث وفي آخره: \"حتى يأتيه اليقين ليس هو من الناس إلا في خير\" فهذا شاهد جيد لقوله: سالم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ [المدثر: ٤٦، ٤٧] وإطلاق اليقين على الموت مجاز لأن الموت لا يشك فيه، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوقال القسطلاني (^٢): قوله: \"اليقين: الموت\" لأنه أمر متيقن وهو مروي عن ابن عباس أيضًا، وروى جبير بن نفير مرسلًا أن النبي - ﷺ - قال: \"ما أوحي إليّ أن أجمع المال وأكون من التاجرين، ولكن أوحي إليّ أن سَبِّح بحمد ربك، وكن من الساجدين، واعبد ربك حتى يأتيك اليقين\" رواه البغوي في \"شرح السُّنَّة\"، انتهى.\n\n(١٦)<span data-type='title' id=toc-2706> سورة النحل</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\nوهكذا في نسخة \"العيني\" بتأخير البسملة عن \"سورة النحل\"، وفي نسخة \"الفتح\" و\"القسطلاني\" بتقديم البسملة، وقالوا (^٣): سقطت البسملة لغير أبي ذر.\nقال العلَّامة العيني (^٤): روى همام عن قتادة أنها مدنية، وروى سعيد\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٣٨٣، ٣٨٤).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٣٨٧).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٣٨٤)، و\"عمدة القاري\" (١٣/ ٩٨)، و\"إرشاد الساري\" (١٠/ ٣٨٨).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٩٧، ٩٨).","vol":"5","page":170},{"text":"عنه: أولها مكي إلى قوله - ﷿ -: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ [النحل: ٤١] ومن هنا إلى آخرها مدني، وقال السدي: مكية إلا آيتين: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦] وقال القرطبي: قال ابن عباس: هي مكية إلا ثلاث آيات نزلت بعد قتل حمزة رضي الله تعالى عنه: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [النحل: ٩٥] الآيات، وقال السخاوي: نزلت بعد الكهف وقبل سورة نوح - ﵇ -، انتهى.\nقوله: (﴿رُوحُ الْقُدُسِ﴾) [النحل: ١٠٢] جبريل، (﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾) [الشعراء: ١٩٣]، قال الحافظ (^١): أما قوله: ﴿رُوحُ الْقُدُسِ﴾ جبريل، فأخرجه ابن أبي حاتم بإسناد رجاله ثقات عن عبد الله بن مسعود، وروى الطبري من طريق محمد بن كعب القرظي قال: روح القدس جبريل، وكذا جزم به أبو عبيدة وغيره واحد، وأما قوله: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ فذكره استشهادًا لصحة هذا التأويل؛ فإن المراد به جبريل اتفاقًا، وكأنه أشار إلى ردِّ ما رواه الضحاك عن ابن عباس قال: روح القدس: الاسم الذي كان عيسى يحيي به الموتى، أخرجه ابن أبي حاتم وإسناده ضعيف.\nقوله: (وقال غيره: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨] هذا مقدم ومؤخر. . .) إلخ، المراد بالغير أبو عبيدة فإن هذا كلامه بعينه، وقرره غيره فقال: إذا وصله بين الكلامين والتقدير: فإذا أخذت في القراءة فاستعذ، وقيل: هو على أصله لكن فيه إضمار، أي: إذا أردت القراءة؛ لأن الفعل يوجد عند القصد من غير فاصل، وقد أخذ بظاهر الآية ابن سيرين، ونقل عن أبي هريرة وعن مالك وهو مذهب حمزة الزيات فكانوا يستعيذون بعد القراءة، وبه قال داود الظاهري، انتهى.\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٢): قوله: \" ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ. . .﴾ \" إلخ، فيه تقديم وتأخير، يعني: بحسب الظاهر وليس ترتيب\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٣٨٤، ٣٨٥).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٩/ ١١٥، ١١٦).","vol":"5","page":171},{"text":"القراءة والاستعاذة على حسب ما ذكر في الآية، بل الاستعاذة مقدمة على القراءة، وعلى هذا فلا تنافي بين تأويله وتأويل الجمهور: أن المراد بالقراءة إِرادتها، بل معناهما واحد؛ لأن كلام المؤلف غير آب عنه، انتهى.\nوفي هامشه عن حاشية \"الجمل\": ووجه ما قال الجمهور: إن تقديم الاستعاذة على القراءة لتذهب الوسوسة عنه، أولى من تأخيرها عن وقت الحاجة إليها، ووجه مقابله أن القارئ يستحق ثوابًا عظيمًا وربما حصلت الوسوسة في قلبه فالاستعاذة بعد القراءة تدفع الوساوس، انتهى.\nقوله: (﴿شَاكِلَتِهِ﴾ ناحيته) قال الحافظ (^١): كذا وقع ها هنا وإنما هو في السورة التي تليها وقد أعاده فيها، ووقع في رواية أبي ذر عن الحموي \"نيته\" بدل \"ناحيته\" وسيأتي الكلام عليها هناك، وقال فيما سيأتي (^٢) قوله: \" ﴿شَاكِلَتِهِ﴾ ناحيته\" وصله الطبري عن ابن عباس وعن مجاهد قال: على طبيعته وعلى حدته، وعن قتادة قال: يقول على ناحيته وعلى ما ينوي، وقال أبو عبيدة: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ [الإسراء: ٨٤]؛ أي: على ناحيته وخلقته، ومنها قوله: هذا من شكل هذا، انتهى.\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٣): وليس هذا اللفظ من تلك السورة، ولعل الوجه في إيراده ها هنا التنبيه على أن قصده في القراءة لا ينبغي أن يكون إلا لله، وعلى هذا فالمناسب في ترجمة الشاكلة ها هنا هي النية، وفيما سيأتي الناحية ليفيد فائدة بعد فائدة، والمناسب على هذا الوجه ها هنا نسخة \"نيته\" لا \"ناحيته\" فافهم، انتهى.\nوبسط في هامشه الكلام في شرح هذا اللفظ من الشروح ومن كلام أهل اللغة.\nقوله: (السكر ما حرم من ثمرتها) كتب الشيخ في \"اللامع\" (^٤): ولا يبعد\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٣٨٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٣٩٣).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٩/ ١١٦).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٩/ ١١٨).","vol":"5","page":172},{"text":"أن يقال: إن الامتنان بما لم يسكر منها ولا شك في جواز القدر الذي لا يسكر منها فصح الامتنان، أو يقال: إن الآية مكية وتحريم المحرمات منها مدني فصح الامتنان وقت إنزال الآية، انتهى.\nوذكر في هامشه كلام الشرَّاح وفيه أيضًا: وفي \"الجلالين\": وهذا قبل تحريمها، وفي \"الجمل\": قوله: وهذا. . . إلخ، أي: الامتنان بأخذ السكر منها المقتضي لحله إذ الامتنان بالشي يقتضي حله، وفي \"الكرخي\": وهذا قبل تحريمها جزم به اعتمادًا على قولهم في السورة: إنها مكية إلا ثلاث آيات من آخرها والمائدة مدنية وتحريم الخمر فيها وهي آخر القرآن نزولًا، كما ثبت في الحديث، انتهى.\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-2707> باب قوله: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ [النحل:</span> ٧٠])\nقال الحافظ (^١): ذكر فيه حديث أنس في الدعاء بالاستعاذة من ذلك وغيره، وسيأتي شرحه في الدعوات، وروى ابن أبي حاتم من طريق السدي قال: أرذل العمر هو الخرف، وروى ابن مردويه من حديث أنس أنه مائة سنة، انتهى.\nوقال العيني (^٢): قال قتادة: تسعون سنة، وعن علي: خمس وسبعون، وعن عكرمة: من قرأ القرآن لم يردّ إلى أرذل العمر، انتهى.\n\n(١٧)<span data-type='title' id=toc-2708> سورة بني إسرائيل</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\nوهكذا في نسخة \"الفتح\" و\"العيني\" وسقطت البسملة في نسخة \"القسطلاني\" وقال (^٣): وزاد أبو ذر: \"بسم الله الرحمن الرحيم\" وسقطت لغيره، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٣٨٨).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٣/ ١٠٣).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٣٩٣).","vol":"5","page":173},{"text":"وقال العلَّامة العيني (^١): قال قتادة: هي مكية إلا ثمان آيات نزلن بالمدينة، وهي من قوله: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ [الإسراء: ٧٣] إلى آخرهن، وسجدتها مدنية، وفي تفسير ابن مردويه من غير طريق عن ابن عباس: هي مكية، وقال السخاوي: نزلت بعد القصص وقبل سورة يونس - ﵇ -، انتهى.\nقوله: (إنهن من العتاق الأول) بكسر المهملة وتخفيف المثناة جمع عتيق وهو القديم، أو هو كل ما بلغ الغاية في الجودة. وبالثاني جزم جماعة في هذا الحديث، وبالأول جزم أبو الحسن بن فارس، قال القسطلاني (^٢): والعرب تجعل كل شيء بلغ الغاية في الجودة عتيقًا، و\"الأول\" بضم الهمزة وفتح الواو المخففة، والأولية باعتبار حفظها، أو باعتبار نزولها؛ لأنها مكيات، ومراده تفضيل هذه السور لما يتضمن مفتتح كل منها بأمر غريب وقع في العالم خارق للعادة، وهو الإسراء، وقصَّة أصحاب الكهف، وقصَّة مريم، قاله الكرماني، انتهى.\nقوله: (هن من تلادي) بكسر المثناة وتخفيف اللام، أي: مما حفظ قديمًا، والتلاد قديم الملك وهو بخلاف الطارف، ومراد ابن مسعود أنهن من أول ما تعلم من القرآن وأن لهن فضلًا لما فيهن من القصص وأخبار الأنبياء والأمم، وسيأتي الحديث في فضائل القرآن بأتم من هذا السياق، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\nوزاد القسطلاني (^٤): وفي حديث عائشة عند الإمام أحمد: كان رسول الله - ﷺ - يقرأ كل ليلة بني إِسرائيل والزمر، انتهى.\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-2709> باب قوله: ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء:</span> ١])\nقال الحافظ (^٥): لم يختلف القراء في ﴿أَسْرَى﴾ بخلاف قوله في قصَّة\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٣/ ١٠٣).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٣٩٤).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٣٨٨).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٣٩٤).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٨/ ٣٩١).","vol":"5","page":174},{"text":"لوط: ﴿فَأَسْرِ﴾ فقرئت بالوجهين، وفيه تعقب على من قال من أهل اللغة: إن أسرى وسرى بمعنى واحد، قال السهيلي: السري من سريت إذا سرت ليلًا، يعني: فهو لازم، والإسراء يتعدى في المعنى لكن حذف مفعوله حتى ظن من ظن أنهما بمعنى واحد، وإنما معنى ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ جعل البراق يسري به كما تقول: أمضيت كذا بمعنى جعلته يمضي، لكن حسن حذف المفعول لقوة الدلالة عليه أو الاستغناء عن ذكره؛ لأن المقصود بالذكر المصطفى لا الدابة التي صارت به، وأما قصَّة لوط فالمعنى سر بهم على ما يتحملون عليه من دابة ونحوها، هذا معنى القراءة بالقطع، ومعنى الوصل سر بهم ليلًا، ولم يأت مثل ذلك في الإسراء؛ لأنه لا يجوز أن يقال: سرى بعبده بوجه من الوجوه، انتهى.\nوالنفي الذي جزم به إنما هو من هذه الحيثية التي قصد فيها الإشارة إلى أنه سار ليلًا على البراق، وإلا فلو قال قائل: سرت بزيد بمعنى صاحبته لكان المعنى صحيحًا، انتهى.\nوهكذا بسط الكلام العلَّامة القسطلاني في تحقيق هذا اللفظ وقال أيضًا (^١): قوله: ﴿لَيْلًا﴾ بلفظ التنكير قال الزَّمخشري: ليفيد تقليل مدة الإسراء، وأنه أسري في بعض الليل من مكة إلى الشام مسيرة أربعين ليلة، فدل على أن التنكير دل على البعضية، ويشهد لذلك قراءة عبد الله وحذيفة: من الليل، أي: بعضه كقوله: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ [الإسراء: ٧٩]، انتهى.\n\n(٤ -<span data-type='title' id=toc-2710> باب قوله: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ. . .﴾ [الإسراء: ٧٠]) إلخ</span>\nوهكذا في نسخة \"الفتح\" و\"العيني\"، وفي نسخة \"القسطلاني\": قوله: \" ﴿كَرَّمْنَا﴾ وأكرمنا واحد\" قال القسطلاني (^٢): ولأبي ذر \"باب قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ. . .﴾ \" إلخ، انتهى.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٣٩٨).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٤٠١).","vol":"5","page":175},{"text":"قلت: وإليه أشار العيني حيث قال (^١): وليست في بعض النسخ هذه الترجمة، انتهى.\nقوله: (كرمنا وأكرمنا واحد) أي: في الأصل وإلا فالتشديد أبلغ، قال أبو عبيدة: كرّمنا، أي: أكرمنا إلا أنه أشد مبالغة في الكرامة، انتهى.\nوهي من كرم بضم الراء مثل شرف، وليس من الكرم الذي هو في المال، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\nقوله: (﴿قَبِيلًا﴾ معاينة ومقابلة، وقيل: القابلة. . .) إلخ، قال أبو عبيدة: ﴿وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٩٢] مجاز مقابلة، أي: معاينة، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\nقلت: هو إشارة إلى قوله: ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٩٢]، وفي \"الجلالين\" (^٤): أي: مقابلة وعيانًا فنراهم، انتهى.\nوفسّره البخاري بقوله: \"معاينة ومقابلة\" ثم قال البخاري \"وقيل: القابلة\" ويتوهم منه أن هذا أيضًا قول في تفسير الآية فكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٥): وليس المراد أنه قيل ذلك في تفسير الآية بل المعنى أنه يقال لأجل هذا المعنى للقابلة قابلة أيضًا، انتهى.\nقال العيني (^٦): قوله: \"وقيل القابلة\" أراد أنه قيل للمرأة التي تتلقى الولد عند الولادة قابلة؛ لأنها مقابلتها، أي: مقابلة المرأة التي تولدها، وقوله: \"تقبل ولدها\" أي: تتلقاه عند الولادة، يقال: قبلت القابلة المرأة تقبلها قبالة بالكسر، أي: تلقته عند الولادة، وقال ابن التين: ضبطه بعضهم \"بتقبل ولدها\" بضم الموحدة وليس ببين، قلت: \"تقبل\" بالفتح هو البين لأنه من باب علم، وقد يظن أن \"تقبل ولدها\" من التقبيل وليس بظاهر، انتهى.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٣/ ١١٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٣٩٣).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٣٩٣).\n(^٤) \"تفسير الجلالين\" (ص ٣٧٦).\n(^٥) \"لامع الدراري\" (٩/ ١٢٠).\n(^٦) \"عمدة القاري\" (١٣/ ١١١).","vol":"5","page":176},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2711>(باب قوله: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا. . .﴾ [الإسراء: ١٦]) إلخ</span>\nقوله: (كنا نقول للحي) أي: للقبيلة (إذا كثروا في الجاهلية أمر) بفتح الهمزة وكسر الميم \"بنو فلان\"، وقوله: (قال) أي: الحميدي عن سفيان (أمر) بكسر الميم كالأول كذا في فرعين لليونينية كالأصل، وقال الحافظ ابن حجر وغيره: إن الأولى بكسر الميم والثانية بفتحها وهما لغتان، وبالفتح قرأ الجمهور الآية، وقرأها ابن عباس بالكسر، ويعقوب بمد الهمزة وفتح الميم، ومجاهد بتشديد الميم من الإمارة، والحاصل أن سياق المؤلف لحديث ابن مسعود لينبه على أن معنى ﴿أَمَرْنَا﴾ في الآية: كثرنا مترفيها، وهي لغة حكاها أبو حاتم، ونقلها الواحدي عن أهل اللغة، وقال أبو عبيدة: من أنكرها لم يلتفت إليه لثبوتها في اللغة، انتهى من \"القسطلاني\" (^١).\n\n(٥ -<span data-type='title' id=toc-2712> باب قوله: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء:</span> ٣])\nسقط الباب لغير أبي ذر، قاله القسطلاني (^٢)، وذكر فيه حديث أبي هريرة في الشفاعة، وسيأتي شرحه في \"الرقاق\"، وأورده ها هنا لقوله: فيه: \"يقولون: يا نوح أنت أول الرسل إلى أهل الأرض، وقد سماك الله عبدًا شكورًا\" وقد صحح ابن حبَّان من حديث سلمان الفارسي: \"كان نوح إذا طعم أو لبس حمد الله فسمي عبدًا شكورًا\"، وله شاهد عند ابن مردويه من حديث معاذ بن أنس، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\nوقال العيني (^٤): وعن عمران بن سليم: \"إنما سمي نوح - ﵇ - عبدًا شكورًا لأنه كان إذا أكل طعامًا قال: الحمد لله الذي أطعمني ولو شاء\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٤٠٥).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٤٠٦).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٣٩٦).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٣/ ١١٤).","vol":"5","page":177},{"text":"أجاعني، وإذا شرب شرابًا قال: الحمد لله الذي سقاني ولو شاء أظمأني، وإذا اكتسى قال: الحمد لله الذي كساني ولو شاء أعراني، وإذا احتذى قال: الحمد لله الذي حذاني ولو شاء أحفاني، وإذا قضى حاجته قال: الحمد لله الذي أخرج عني أذاه في عافية ولو شاء حبسه\"، انتهى.\nقوله: (أنت أول الرسل) كتب الشيخ في \"اللامع\" (^١) أي: أولي العزم منهم، انتهى.\nوفي هامشه: قال الحافظ: أما كونه أول الرسل فقد استشكل بأن آدم كان نبيًا وبالضرورة نعلم أنه كان على شريعة من العبادة، وأن أولاده أخذوا ذلك عنه، فعلى هذا فهو رسول إليهم فيكون هو أول رسول، ويحتمل أن تكون الأولية في قول أهل الموقف لنوح مقيدة بقولهم: إلى أهل الأرض: لأنه في زمن آدم لم يكن للأرض أهل أو لأن رسالة آدم إلى بنيه كانت كالتربية للأولاد، ويحتمل أن يكون المراد أنه رسول أرسل إلى بنيه وغيره من الأمم مع تفرقهم في عدة بلاد، وآدم إنما أرسل إلى بنيه فقط، وكانوا مجتمعين في بلدة واحدة، واستشكله بعضهم بإدريس ولا يرد؛ لأنه اختلف في كونه جدّ نوح، انتهى.\nوبسط القاري الكلام على ذلك بما لا مزيد عليه، وذكر في جملة كلامه (^٢): أما آدم وشيث فهما وإن كانا رسولين إلا أن آدم أرسل إلى بنيه ولم يكونوا كفارًا، وشيثًا كان خلفًا له فيهم بعده، بخلاف نوح فإنه مرسل إلى كفار أهل الأرض، وهذا أقرب من القول بأن آدم وإدريس لم يكونا رسولين، وقد يقال: إنه أول نبي بعثه الله بعد آدم على أن شيثًا كان خليفة له، فأوليته إضافية، أو أول نبي بعثه من أولي العزم، فالأولية حقيقية، وهذا أوفق الأقوال، وبه يزول الإشكال، انتهى.\nثم يشكل ها هنا أن الآية المترجم بها مقدمة على الآيتين في الترجمتين\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٨/ ١٣).\n(^٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٩/ ٥١٥).","vol":"5","page":178},{"text":"السابقتين، فكان حق هذه الترجمة التقدم عليهما، وقد تقدم مثل ذلك في سورة آل عمران أيضًا.\n\n(٦ -<span data-type='title' id=toc-2713> باب قوله: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [الإسراء:</span> ٥٥])\nذكر فيه حديث أبي هريرة: \"خفف على داود القرآن\"، ووقع في رواية لأبي ذر: \"القراءة\" والمراد بالقرآن مصدر القراءة لا القرآن المعهود لهذه الأمة، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوقال القسطلاني (^٢) بعد ذكر الحديث: وفيه أن البركة قد تقع في الزمن اليسير حتى يقع فيه العمل الكثير، فمن ذلك أن بعضهم كان يقرأ أربع ختمات بالليل وأربعًا بالنهار، وقد أنبئتُ عن الشيخ أبي طاهر المقدسي أنه يقرأ في اليوم والليلة خمس عشرة ختمة، وهذا الرجل قد رأيته بحانوته بسوق القماش في الأرض المقدسة سنة سبع وستين وثمان مائة، وقرأت في \"الإِرشاد\": أن الشيخ نجم الدين الأصبهاني رأى رجلًا من اليمن بالطواف ختم في شوط أو في أسبوع، شك، وهذا لا سبيل إلى إدراكه إلا بالفيض الرباني والمدد الرحماني، انتهى.\n\n(٧ -<span data-type='title' id=toc-2714> باب قوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾ [الإسراء:</span> ٥٦])\nقال القسطلاني (^٣): قوله: \"كان ناس من الإنس يعبدون ناسًا من الجن\" استشكله السفاقسي من حيث إن الناس ضد الجن، وأجيب بأنه على قول من قال: إنه من ناس إذا تحرك، وقال الجوهري في \"صحاحه\": والناس قد يكون من الإنس والجن، فهو صريح في استعمال ذلك، ولئن سلمنا أن الجن لا يسمون ناسًا فهذا يكون من المشاكلة، نحو ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٣٩٧).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٤١٢).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٤١٣).","vol":"5","page":179},{"text":"أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦] على ما تقرر في علم البديع، انتهى.\n\n(٨ -<span data-type='title' id=toc-2715> باب قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ الآية [الإسراء:</span> ٥٧])\nذكر فيه الحديث قبله من وجه آخر عن الأعمش مختصرًا، ومفعول ﴿يَدْعُونَ﴾ محذوف، تقديره: أولئك الذين يدعونهم آلهة يبتغون إلى ربهم الوسيلة، وقرأ ابن مسعود \"تدعون\" بالمثناة الفوقانية على أن الخطاب للكفار، وهو واضح، وقوله: ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ معناه: يبتغون من هو أقرب منهم إلى ربهم، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(٩ -<span data-type='title' id=toc-2716> باب قوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء:</span> ٦٠])\nسقط \"باب\" لغير أبي ذر.\nقوله: (هي رؤيا عين أُريها) لم يصرِّح بالمرئي، وعند سعيد بن منصور من طريق أبي مالك قال: هو ما أري في طريقه إلى بيت المقدس، قلت: وقد بينت ذلك واضحًا في الكلام على حديث الإسراء في السيرة النبوية من هذا الكتاب.\nوقوله: (ليلة أسري به) جاء فيه قول آخر، فروى ابن مردويه من طريق العوفي عن ابن عباس قال: أري أنه دخل مكة هو وأصحابه، فلما ردّه المشركون كان لبعض الناس بذلك فتنته، وجاء فيه قول آخر فروى ابن مردويه من حديث حسين بن علي رفعه: \"إني أريت كأن بني أمية يتعاورون منبري هذا فقيل: هي دنيا تنالهم، ونزلت هذه الآية، وأخرجه ابن أبي حاتم من حديث عمرو بن العاص، ومن حديث يعلى بن مرة، وأسانيد الكل ضعيفة، واستدل به على إطلاق لفظ الرؤيا على ما يرى\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٣٩٨).","vol":"5","page":180},{"text":"بالعين في اليقظة، وقد أنكره الحريري تبعًا لغيره، وقالوا: إنما يقال رؤيا في المنام، وأما التي في اليقظة فيقال رؤية، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(١٠ -<span data-type='title' id=toc-2717> باب قوله: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] قال مجاهد: صلاة الفجر)</span>\nوصله الطبري من طريق ابن أبي نجيح عنه، وزاد: \"يجتمع فيها ملائكة الليل وملائكة النهار\" ومن طريق العوفي عن ابن عباس نحوه، ثم ذكر فيه حديث أبي هريرة، وقد تقدم شرحه في صفة الصلاة، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\n\n(١١ -<span data-type='title' id=toc-2718> باب قوله: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:</span> ٧٩])\nيحمده فيه الأولون والآخرون، والمشهور أنه مقام الشفاعة للناس ليريحهم الله من كرب ذلك اليوم وشدته، وفي المقام المحمود أقوال أخر تأتي إن شاء الله تعالى في \"الرقاق\"، انتهى من \"القسطلاني\" (^٣).\n\n(١٢ -<span data-type='title' id=toc-2719> باب قوله: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ. . .﴾ [الإسراء: ٨١]) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٤): قوله: \"يزهق يهلك\" قال أبو عبيدة في قوله: ﴿وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة: ٥٥] أي: تخرج وتموت وتهلك، ويقال: زهق ما عندك، أي: ذهب كله، وروى ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١] أي: ذاهبًا، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٣٩٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٣٩٩).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٤١٦).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٨/ ٤٠٠).","vol":"5","page":181},{"text":"(١٣ -<span data-type='title' id=toc-2720> باب قوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ [الإسراء:</span> ٨٥])\nسقط لفظ \"باب\" لغير أبي ذر، قاله القسطلاني (^١).\nقوله: (في حرث) بفتح المهملة وسكون الراء بعدها مثلثة، ووقع في كتاب العلم من وجه آخر بخاء معجمة وموحدة، وضبطوه بفتح أوله وكسر ثانيه وبالعكس، والأولى أصوب فقد أخرجه مسلم من طريق مسروق عن ابن مسعود بلفظ: كان في نخل، وزاد في رواية \"العلم\" (^٢): بالمدينة، ولابن مردويه من وجه آخر عن الأعمش: في حرث للأنصار، وهذا يدل على أن نزول الآية وقع بالمدينة، لكن روى الترمذي من طريق داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس قال: قالت قريش لليهود: أعطونا شيئًا نسأل هذا الرجل، فقالوا: سلوه عن الروح، فسألوه فأنزل الله تعالى هذه الآية، ورجاله رجال مسلم، ويمكن الجمع بأن يتعدد النزول بحمل سكوته في المرة الثانية على توقع مزيد بيان في ذلك، إن ساغ هذا وإلا فما في \"الصحيح\" أصح.\nقوله: (فسألوه عن الروح) في رواية التوحيد: فقام رجل منهم فقال: يا أبا القاسم ما الروح؟ قال ابن التِّين: اختلف الناس في المراد بالروح المسؤول عنه في هذا الخبر على أقوال:\nالأول: روح الإنسان، الثاني: روح الحيوان، الثالث: جبريل، الرابع: عيسى، الخامس: القرآن، السادس: الوحي، السابع: ملك يقوم وحده صفًا يوم القيامة، الثامن: ملك له أحد عشر ألف جناح ووجه، وقيل: ملك له سبعون ألف لسان، وقيل: له سبعون ألف وجه، في كل وجه سبعون ألف لسان، لكل لسان ألف لغة، يسبح الله تعالى، يخلق الله تعالى بكل تسبيحة ملكًا يطير مع الملائكة، وقيل: ملك رجلاه في الأرض\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٤١٩).\n(^٢) ورد في كتاب \"العلم\" لفظ \"المدينة\"، وفي كتاب \"الاعتصام\": \"بالمدينة\".","vol":"5","page":182},{"text":"السفلى ورأسه عند قائمة العرش، التاسع: خلق كخلق بني آدم يقال لهم الروح يأكلون ويشربون، لا ينزل ملك من السماء إلا نزل معه، وقيل: بل هم صنف من الملائكة يأكلون ويشربون، انتهى كلامه ملخصًا بزيادات من كلام غيره.\nوهذا إنما اجتمع من كلام أهل التَّفسير في معنى لفظ الروح الوارد في القرآن لا خصوص هذه الآية، فمن الذي في القرآن: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢] ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ﴾ [غافر: ١٥] ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبأ: ٣٨] ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ [القدر: ٤]: فالأول جبريل، والثاني القرآن، والثالث الوحي، والرابع القوة، والخامس والسادس محتمل لجبريل ولغيره، ووقع إطلاق روح الله على عيسى.\nوقال القرطبي: الراجح أنهم سألوه عن روح الإنسان؛ لأن اليهود لا تعترف بأن عيسى روح الله، ولا تجهلون أن جبريل ملك وأن الملائكة أرواح، وقال الإمام فخر الدين الرازي: المختار أنهم سألوه عن الروح الذي هو سبب الحياة، وأن الجواب وقع على أحسن الوجوه، إلى آخر ما بسط الحافظ الكلام في تعريف الروح إلى أن قال: حتى قيل: إن الأقوال فيها بلغت مائة، انتهى (^١).\nوهذا الحديث سبق في كتاب العلم في \"باب ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إلا قَلِيلًا﴾ \" [الإسراء: ٨٥] وتقدم شيء من الكلام عليه هناك، وقد تكلم العلماء على مسألة الروح بتصانيف مستقلة، فيها رسالتان أحدهما للحافظ ابن القيم باسم \"كتاب الروح\" وهو مطبوع قديمًا، والرسالة الثانية للإمام الرازي وقد طبع قريبًا باسم \"كتاب النفس والروح\".\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٤٠٢، ٤٠٣).","vol":"5","page":183},{"text":"(١٤ -<span data-type='title' id=toc-2721> باب قوله: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء:</span> ١١٠])\nسقط \"باب\" لغير أبي ذر.\nقوله: (مختف بمكة) يعني: في أول الإسلام، وفي رواية الطبري من وجه آخر عن ابن عباس: فكان إذا صلى بأصحابه وأسمع المشركين فآذوه، وفسرت رواية الباب الأذى بقوله: سبوا القرآن، وللطبري من وجه آخر عن سعيد بن جبير: فقالوا له: لا تجهر فتؤذي آلهتنا فنهجو إلهك، ومن طريق أخرى عن ابن عباس: كان النبي - ﷺ - إذا جهر بالقرآن وهو يصلي تفرق عنه أصحابه، وإذا خفض صوته لم يسمعه من يريد أن يسمع قرآنه فنزلت، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوقال الحافظ (^٢) أيضًا تحت قوله: في الحديث الآتي: \"أنزل ذلك في الدعاء\": هكذا أطلقت عائشة وهو أعم من أن يكون ذلك داخل الصلاة أو خارجها، وقد أخرجه الطبري وغيره من طريق آخر فزاد في الحديث: في التشهد، وقد جاء عن ابن عباس نحو تأويل عائشة، أخرجه الطبري، ورجح النووي وغيره قول ابن عباس كما رجحه الطبري، لكن يحتمل الجمع بينهما بأنها نزلت في الدعاء داخل الصلاة، وجاء عن أهل التَّفسير في ذلك أقوال أخر ذكرها الحافظ، وفي آخر: وقيل: الآية في الدعاء وهي منسوخة، بقوله: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥]، انتهى ملخصًا.\n\n(١٨)<span data-type='title' id=toc-2722> سورة الكهف</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\nثبتت البسملة للأكثرين إلا لأبي ذر فإنها لم تثبت، ذكر ابن مردويه أن ابن عباس وعبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهم قالا: إنها مكية، وعن\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٤٠٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٤٠٥، ٤٠٦).","vol":"5","page":184},{"text":"القرطبي عن ابن عباس: مكية إلا قوله: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ﴾ الآية [الكهف: ٢٨]، فإنها مدنية، وفي \"مقامات التنزيل\" فيها ثلاث آيات مدنيات: قوله: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ﴾، وقوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾ [الكهف: ٨٣]، انتهى من \"العيني\" (^١).\nقال الحافظ (^٢): كلها مكية، عليه الجمهور، وشذّ من قال خلاف ذلك، انتهى.\nقوله: (﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ [الكهف: ٣٤] ذهب وفضة) كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٣): لأن الحجرين حاصل الثمار، انتهى.\nوفي هامشه: وهو مؤدى كلام الراغب إذ قال: الثمر هو الثمار، وقيل: هو جمعه، ويكنى به عن المال المستفاد، وعلى ذلك حمل ابن عباس ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ قال: ثمر الله ماله، انتهى.\nوقال أيضًا: الثمر اسم لكل ما يتطعم من أعمال الشجر، الواحدة ثمرة والجمع ثمار وثمرات، ثم بسط الآيات الدالة على هذا المعنى.\nوحكى الحافظ في \"الفتح\" عن مجاهد قال: ما كان في القرآن ثمر بالضم فهو المال وما كان بالفتح فهو النبات، انتهى.\nوالحاصل: أنه قال عز اسمه في سورة الكهف، ﴿. . . وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا (٣٣) وَكَانَ لَهُ ثَمَر﴾ [الكهف: ٣٣، ٣٤] قال صاحب \"تفسير الجلالين\": بفتح الثاء والميم، وبضمهما، وبضم الأول وسكون الثاني، وهو جمع ثمرة كشجرة وشجر، وخشبة وخشب، وبدنة وبدن، انتهى.\nوفي \"الجمل\": القراءات الثلاثة سبعية، وقوله: وهو جمع ثمرة، أي: على كل واحد من الأوجه الثلاثة، فالمفرد لا يختلف حاله، انتهى.\nوحاصل كلام الشرَّاح الاختلاف في المعنيين، قال الكرماني: قوله:\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٣/ ١٢٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٢٢).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٩/ ١٢١، ١٢٢).","vol":"5","page":185},{"text":"﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ أي: ذهب وفضة، وقيل: هو جمع الثمر، أي: الذي للشجر، انتهى.\nقوله: (بعثناهم: أحييناهم) يعني: بذلك: أن البعث ها هنا ليس هو البعث بعد الموت، بل المراد إحياؤهم من منامهم الذي كانوا فيه، انتهى من \"اللامع\".\nوقال الحافظ (^١): هو قول أبي عبيدة، وروى عبد الرزاق من طريق عكرمة قال: كان أصحاب الكهف أولاد ملوك اعتزلوا قومهم في الكهف، فاختلفوا في بعث الروح والجسد، فقال قائل: يبعثان، وقال قائل: تبعث الروح فقط، وأما الجسد فتأكله الأرض فأماتهم الله ثم أحياهم، فذكر القصة.\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-2723> باب قوله: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف:</span> ٥٤])\nقال الحافظ (^٢): ذكر فيه حديث علي مختصرًا، ولم يذكر مقصود الباب على عادته في التعمية، وقد تقدم شرحه مستوفى في صلاة الليل، وفيه ذكر الآية المذكورة، وقوله في آخره: \"ألا تصليان؟ \" زاد في نسخة الصغاني: \"وذكر الحديث والآية إلى قوله: ﴿أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ \"، انتهى.\nوهكذا قال القسطلاني (^٣): حيث قال: كذا ساقه مختصرًا، ولم يذكر المقصود منه جريًا على عادته في التعمية وتشحيذ الأذهان، فأشار بطرفه إلى بقيته، وهو قول علي: فقلت: يا رسول الله! أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا، فانصرف حين قلنا ذلك ولم يرجع إليّ شيئًا، ثم سمعته وهو مولٍّ يضرب فخذه وهو يقول: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾. وهذا يدل\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٤٠٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٤٠٨).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٤٢٧).","vol":"5","page":186},{"text":"على أن المراد بالإنسان الجنس، ففيه ردّ على من قال: المراد بالإنسان ها هنا الكافر لكن في الآية مع قوله: ﴿وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ﴾ [الكهف: ٥٦] إشعار بالتخصيص لأن ذلك صفة ذم ولا يستحقه إلا من هو له أهل وهم الكفار، وهذا الحديث قد مر في التهجد من أواخر كتاب الصلاة، انتهى.\nقوله: (سرادقها مثل السرادق) كتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): يعني بذلك: أن إطلاق السرادق ها هنا مجاز عن السور والجدار لجامع الإحاطة؛ لأن السرادق إذا حمل على حقيقته لم يمنع عن أن ينفذ الحر منه، وأيضًا فإن الروايات مصرّحة بأن عرض أسوار الجحيم وسائر طبقاتها أكثر أن يعبر عنها بالسرادق، انتهى.\nوقال الحافظ (^٢): وهو قول أبي عبيدة لكنه تصرف فيه، قال أبو عبيدة في قوله: ﴿أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩]: كسرادق الفسطاط وهي الحجرة التي تطوف بالفسطاط، قال الشاعر:\nسرادق المجد عليك ممدود\nوروى الطبري من طريق ابن عباس بإسناد منقطع قال: سرادقها حائط من نار، انتهى.\nوقال الراغب: بيت مسردق مجعول على هيئة السرادق، انتهى من هامش \"اللامع\".\nقوله: (قِبلًا وقُبلًا وقَبلًا استئنافًا) قال الحافظ (^٣): قال أبو عبيدة في قوله: ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا﴾ [الكهف: ٥٥] أي: أوّلًا، فإن فتحوا أولها فالمعنى استئنافًا، وغفل ابن التِّين، فقال: لا أعرف للاستئناف ها هنا معنى وإنما هو استقبالًا وهو يعود على \"قبلًا\" بفتح القاف، انتهى. والمؤتنف\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٩/ ١٢٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٤٠٨).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٤٠٨).","vol":"5","page":187},{"text":"قريب من المقبل فلا معنى لادعاء: تغييره (^١)، انتهى.\nقلت: وقد تقدم الكلام عليه مبسوطًا في سورة الأنعام تحت قول البخاري: \"قبلًا جمع قبيل، أي: ضروب للعذاب\".\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-2724> باب قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ﴾ الآية [الكهف:</span> ٦٠])\nقال العيني (^٢): موسى هو ابن عمران، ﴿لِفَتَاهُ﴾ أي: لصاحبه يوشع بن نون، قيل: كان معه في سفره، وقيل: فتاه عبده ومملوكه، قوله: (﴿لَا أَبْرَحُ﴾) أي: لا أزال أسير ﴿حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾ بحر فارس والروم مما يلي المشرق، وعن محمد بن كعب: بطنجه، وعن أُبي بن كعب: بإِفريقية، وقيل: هما بحر الأردن وقلزم، وعن ابن المبارك: قال بعضهم: بحر أرمينية، وعن السدي: هما الكر والرش حيث يصبان في البحر، (﴿أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾) أي: زمانًا طويلًا، وعن قتادة: الحقب الزمان، وعن ابن عباس: الحقب الدهر، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه ثمانون سنة، وعن مجاهد: سبعون سنة، انتهى.\nقال الحافظ (^٣): اختلف في مكان مجمع البحرين ثم ذكر عدة أقوال نحو ما تقدم عن العيني، ثم قال: وهذا اختلاف شديد، وأغرب من ذلك ما نقله القرطبي عن ابن عباس قال: المراد بمجمع البحرين اجتماع موسى والخضر لأنهما بحرا علم، وهذا غير ثابت ولا يقتضيه اللفظ، وإنما يحسن أن يذكر في مناسبة اجتماعهما بهذا المكان المخصوص كما قال السهيلي: اجتمع البحران بمجمع البحرين، ثم ذكر المصنف قصة موسى والخضر، انتهى مختصرًا.\n_________\n(^١) كذا في الأصل، وفي \"الفتح\": \"لادعاء تفسيره\".\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٣/ ١٣٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٤١٠).","vol":"5","page":188},{"text":"(٣ -<span data-type='title' id=toc-2725> باب قوله: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ [الكهف:</span> ٦١])\nووقع في رواية الأصيلي: \" ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا﴾ \" والأول هو الموافق للتلاوة.\nقوله: (﴿سَرَبًا﴾ مذهبًا. . .) إلخ، قال أبو عبيدة في قوله تعالى: ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾ [الكهف: ٦١] أي: مسلكًا ومذهبًا يسرب فيه، وفي آية أخرى: ﴿وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ [الرعد: ١٠] أي: سالك في سربه، أي: مذهبه، ومنه: أصبح فلان آمنًا في سربه، ومنه: انسرب فلان إذا مضى، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nقوله: (قال: ذكر الناس يومًا) كتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): قائل \"قال\" هو النبي - ﷺ - أو الراوي، ثم المراد بقول موسى في جواب السائل: \"هل في الأرض أحد أعلم؟ لا\" هو نفي وجود الأعلم في ظنه لا بحسب نفس الأمر، فلا يكون ذلك مخالفًا لما ورد في سائر الروايات أنه سأله: هل تعلم أحدًا أعلم؟ فإن السؤال والجواب كليهما بحسب اعتقاد المجيب وعلمه سواء صرَّح بعلمه أو لا، فلا فرق بين قوله: هل تعلم أحدًا أعلم منك؟ وبين قوله: هل أحدًا أعلم علم منك؟ وكذلك بين جوابيهما، انتهى.\nوفي هامشه: تقدم الكلام على ذلك مبسوطًا في كتاب العلم في \"باب ما يستحب للعالم إذا سئل: أي الناس أعلم؟ \" وفي كتاب الأنبياء في \"باب حديث الخضر مع موسى - ﵉ -\"، وميل الشيخ قُدِّس سرُّه في تلك المواضع الثلاثة، إلى نفي الوجود برأسه لا نفي وجود العلم كما يظهر من التأمل في كلامه، وما أفاده الشيخ من الاحتمالين في مرجع ضمير \"قال\" محتملان، والظاهر من سياق الروايات هو الأول، وفيه احتمال ثالث وهو أن يكون المرجع موسى - ﵇ -، وقوله: \"ذكر الناس\" جملة حالية بحذف الواو ومقول\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٤١٢).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٩/ ١٢٣).","vol":"5","page":189},{"text":"\"قال\" ما سيأتي من قوله: لا، ويؤيده ما تقدم من السياق في كتاب الشروط بلفظ: \"قال: قال رسول الله - ﷺ -: قال موسى رسول الله\" الحديث، انتهى.\nقوله: (ثم ذبحه بالسكين) ولا يخالف هذا سائر الروايات الأخر التي صرَّح فيها بأنه اقتلعه؛ إذ يمكن أن يكون قطعه قليلًا ثم اقتلعه ليتفصم ما بقي منه متعلقًا بجسده، انتهى.\nوفي هامشه: وبذلك جمع عامة الشرَّاح بين تلك الروايات المختلفة فقد قال العيني (^١): فإن قلت: قال أولًا: فقتله ثم قال: فذبحه، وفي رواية سفيان: فاقتلعه بيده\" قلت: لا منافاة بينهما لأنه لعله قطع بعضه بالسكين، ثم قلع الباقي، والقتل يشملهما، انتهى.\nقوله: (لو شئت لاتخذت) كتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): ولا يتوهم أن موسى كيف قصد أخذ الأجر على هذا الفعل القليل وهو إشارة باليد وأنه لو أخذ منهم شيئًا عليه لما أغناهم فكانوا ثلاثة لقلته؛ لأنا نقول: إنه ﵊ قصد بذلك أنك لو شئت لكلمت بهم في إجارة إقامة الجدار وتسويتها، ولا شك أنهم إذا استأجروه لإقامته لجعلوا له على عمله هذا قدرًا معلومًا من الأجر معتدًا به، فإذا استقر الأمر أقام بالإشارة فحسب ليكون ذلك سببًا لغدائهم وطعامهم، لا يقال إن موسى لم يصبر على الجوع وتبادر إلى الأسباب واستغنى عنه الخضر وكان موسى أفضل منه من غير شك؛ لأنا نقول التوكل هو ترك الاعتماد لا ترك الأسباب، فإن موسى وإن نظر إلى الأسباب إلا أنه لم يعتمد عليه، فكان توكل موسى أكثر من توكل الخضر لتركه الأسباب أصلًا، وكان توكل موسى مع مباشرة الأسباب، وهذا أعلى مراتبه، وأيضًا فإن الخضر لكشفه كان ينظر إلى مطعمه وموضع غدائه أين هو؟ فلم يفزع إليه، وكان موسى نبي الله لا ينظر إليه فكان أمره\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٣/ ١٣٩).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٩/ ١٢٥ - ١٢٨).","vol":"5","page":190},{"text":"خفيًّا عليه فأمره بمباشرة الأسباب لتحصيله اعتمادًا على الله تعالى في ذلك كله، انتهى.\nوبسط في هامشه الكلام على معنى التوكل وعلى مراتبه، وفيه أيضًا: كتب شيخ مشايخنا الشاه ولي الله الدهلوي في رسالته \"الدر الثمين\" التي ذكر فيها المنامات النبوية - ﷺ - فقال: سألته - ﷺ - عن التسبب وتركه أيهما أحسن لي؟ ففاض منه على روحي فيض برد بسببه قلبي عن الأسباب والأولاد، ثم انكشف الأمر بعد ساعة فرأيت الطبيعة تركن إلى الأسباب، ورأيت الروح تركن إلى التفويض، انتهى.\nوبه جزم الشيخ الكَنكَوهي قُدِّس سرُّه في \"الكوكب الدري\" (^١) فقال تحت حديث: \"اعقلها وتوكل\": فأعلى مراتب التوكل أن يباشر الأسباب ولا يعتمد عليها، ثم أن لا يباشر الأسباب، ثم لا شيء بعد ذلك وهو أن يباشر الأسباب ويتوكل عليها، انتهى.\n\n(٤ -<span data-type='title' id=toc-2726> باب قوله: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا﴾ الآية [الكهف:</span> ٦٢])\nذكر فيه الحديث المذكور في الباب السابق من طريق آخر، قال العيني (^٢): وهو طريق آخر في الحديث المذكور قبله، وهو عن قتيبة عن سفيان إلى آخره، وفيه بعض اختلاف في المتن ببعض زيادة وبعض نقصان، وقال أيضًا (^٣): وهذا الحديث أخرجه البخاري في أكثر من عشر مواضع، انتهى.\nقلت: وأول ما جاء ذكره في كتاب العلم، وقال الحافظ (^٤): ساق المصنف فيه قصة موسى عن قتيبة عن سفيان، وقد نبَّهت على ما فيه\n_________\n(^١) \"الكوكب الدري\" (٣/ ٣٠٤).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٣/ ١٤٣).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٣/ ١٣٤).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٨/ ٤٢٤).","vol":"5","page":191},{"text":"من فائدة زائدة في الذي قبله، وقوله: \"عن عمرو بن دينار\" تقدم قبل بباب من رواية الحميدي عن سفيان: حدثنا عمرو بن دينار، وروى الترمذي من طريق علي ابن المديني قال: حججت حجة وليس لي همة إلا أن أسمع من سفيان الخبر في هذا الحديث حتى سمعته، يقول: حدثنا عمرو، وكان قبل ذلك يقوله بالعنعنة، انتهى.\nقوله: (﴿رُحْمًا﴾ [الكهف: ٨١] من الرحم. . .) إلخ، هو من كلام أبي عبيدة ووقع عنده مفرقًا وقد تقدم في الحديث الذي قبله، وحاصل كلامه: أن رحمًا من الرحم التي هي القرابة، وهي أبلغ من الرحمة التي هي رقة القلب: لأنها تستلزمها غالبًا من غير عكس، وقوله: \"ويظن\" مبني للمجهول، وقوله: \"مشتق من الرحمة\" أي: التي اشتق منها الرحيم، وقوله: \"أم رحم\" بضم الراء والسكون وذلك لتنزل الرحمة بها، ففيه تقوية لما اختاره من أن الرحم من القرابة لا من الرقة، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): قوله: \" ﴿رُحْمًا﴾ من الرحم. . .\" إلخ، توجيهان نبَّه على أولهما بقوله: \"من الرحم. . .\" إلخ، وعلى الثاني بقوله: \"يظن. . .\" إلخ، وحاصل الأول أن الرحم مشتق من الرحم ككتف وهي أبلغ من الرحمة، والثاني أن الرحيم مشتق من الرحمة والرُحم من الرحيم، فلما كان بناء الرحيم دالًّا على نوع مبالغة والرُحم دال على المبالغة أيضًا ناسب اشتقاق الرحم من الرحيم لا من الرحمة لخلو الرحمة عن الدلالة على المبالغة وتضمن الرحم ذلك، ولا يضر لزوم الاشتقاق من المشتق؛ لأن الاشتقاق أن تجد بين اللفظين تناسبًا في الحروف الأصلية إلى آخر ما قالوا، انتهى.\nوبسط في هامشه في تأييد كلام الشيخ قُدِّس سرُّه وتوضيحه.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٤٢٤).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٩/ ١٢٩، ١٣٠).","vol":"5","page":192},{"text":"(٥ -<span data-type='title' id=toc-2727> باب قوله: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ [الكهف:</span> ١٠٣])\nقال الحافظ (^١): قوله: (هم الحرورية) بفتح المهملة وضم الراء نسبة إلى حروراء وهي القرية التي كان ابتداء خروج الخوارج على علي - ﵁ - منها، ولابن مردويه من طريق حصين بن مصعب: لما خرجت الحرورية قلت لأبي: أهؤلاء الذين أنزل الله فيهم؟ وله من طريق قاسم بن أبي بَزَّة عن أبي الطفيل عن علي في هذه الآية قال: أظن أن بعضهم الحرورية، وللحاكم من وجه آخر عن أبي الطفيل قال: قال علي: منهم أصحاب النهروان وذلك قبل أن يخرجوا، وأصله عند عبد الرزاق بلفظ: قام ابن الكواء إلى علي فقال: ما الأخسرين أعمالًا؟ قال: ويلك منهم أهل حروراء، ولعل هذا هو السبب في سؤال مصعب أباه عن ذلك، وليس الذي قاله علي - ﵁ - ببعيد؛ لأن اللفظ يتناوله وإن كان السبب مخصوصًا، انتهى.\nقوله: (وكان سعد يسميهم الفاسقين) والصواب الخاسرين، ووقع على الصواب كذلك عند الحاكم، ووجه خسرانهم أنهم تعبدوا على غير أصل فابتدعوا فخسروا الأعمار والأعمال، وعن علي: أنهم كفره أهل الكتاب كان أوائلهم على حق فأشركوا بربهم وابتدعوا في دينهم، وقيل: هم الصابئون، وقيل: المنافقون بأعمالهم المخالفون باعتقادهم، وهذه الأقوال كلها تقتضي التخصيص بغير مخصص، والذي يقتضيه التحقيق أنها عامة، فأما قول علي: أنهم الحرورية، فمعناه أن الآية تشملهم كما تشمل أهل الكتابين وغيرهم، لا أنها نزلت في هؤلاء على الخصوص لأنها مكية قبل خطاب أهل الكتاب ووجود الحرورية، وإنما هي عامة في كل من دان بدين غير الإسلام، انتهى من \"القسطلاني\" (^٢).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٤٢٥).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٤٥٤).","vol":"5","page":193},{"text":"(٦ -<span data-type='title' id=toc-2728> باب: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ﴾ الآية [الكهف:</span> ١٠٥])\nتقدم من حديث سعد بن أبي وقاص في الذي قبله بيان أنها نزلت في الأخسرين أعمالًا، وقوله - في الحديث -: \"وقال: اقرؤوا. . .\" إلخ، القائل يحتمل أن يكون الصحابي أو هو مرفوع من بقية الحديث، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(١٩) <span data-type='title' id=toc-2729>[سورة] كهيعص</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\nوهكذا في نسخة \"القسطلاني\"، وفي نسخة \"الفتح\" بتقديم البسملة وبزيادة لفظ \"سورة\".\nقال الحافظ (^٢): سقطت البسملة لغير أبي ذر وهي له بعد الترجمة، وروى الحاكم بسنده عن ابن عباس قال: الكاف من كريم، والهاء من هادي، والياء من حكيم، والعين من عليم، والصاد من صادق، ومن وجه آخر عن سعيد نحوه لكن قال: يمين بدل حكيم، وعزيز بدل عليم، وللطبري من وجه آخر عن سعيد نحوه لكن قال: الكاف من كبير، وروى الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: ﴿كهيعص﴾ قسم أقسم الله به وهو من أسمائه، ومن طريق فاطمة بنت علي قالت: كان علي يقول: يا كهيعص اغفر لي، وقال عبد الرزاق عن قتادة: هي اسم من أسماء القرآن، انتهى.\nوزاد القسطلاني (^٣): سأل رجل محمد بن علي المرتضى عن تفسيرها فقال: لو أخبرتك بتفسيرها لمشيت على الماء لا يواري قدميك، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٤٢٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٤٢٧).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٤٥٧).","vol":"5","page":194},{"text":"زاد العلامة العيني (^١): وقيل: اسم الله الأعظم، وقيل: اسم السورة، وعن الكلبي: هو ثناء أثنى الله به على نفسه، وقال أيضًا (^٢): قال الثعلبي: مكية كلها، وقال مقاتل: مكية كلها إلا سجدتها فإنها مدنية، وعن القرطبي عنه: نزلت بعد المهاجرة إلى أرض الحبشة، انتهى.\nقوله: (وقال ابن عباس: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ [مريم: ٣٨] الله يقوله: وهم اليوم. . .) إلخ، قال الحافظ (^٣): وصله ابن أبي حاتم عن ابن عباس، وعند عبد الرزاق عن قتادة: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ يعني: يوم القيامة، زاد الطبري من وجه آخر عن قتادة: سمعوا حين لا ينفعهم السمع وأبصروا حين لا ينفعهم البصر، انتهى.\nقلت: وحاصله: أن قوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ إنما هو باعتبار الآخرة لا الدنيا ثم أوضحه بقوله: \"وهم اليوم لا يسمعون. . .\" إلخ.\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٤): قوله: \"الله يقوله\" أي: في الآخرة \"وهم اليوم\" في الدنيا \"لا يسمعون ولا يبصرون\"، ثم فسره بقوله: \"في ضلال مبين\" ثم أراد تفسير قوله: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ فقال: \"الكفار يومئذ\" أي: يوم القيامة، وقوله: \"عتيًّا بكيًّا جماعة باك\" أي: وعاتٍ لكنه تركه لأنه علم بالمقايسة على البكي، انتهى.\nوفي هامشه: اعلم أولًا أن الإمام البخاري أشار بهذين اللفظين \"عتيًا وبكيًا\" إلى الآيتين من هذه السورة، فأشار بقوله: \"عتيًا\"، إلى قوله - ﷿ -: ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ [مريم: ٦٩]، وبقوله: \"بكيًّا\" إلى قوله: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨]، وثانيًا أن قوله: \"عتيًا\" لا يوجد إلا في النسخ \"الهندية\" ولا ذكر له في الشروح الأربعة، وثالثًا ما أفاد الشيخ من قوله: أنه جمع عات هو أحد القولين في تفسيره، قال الراغب: قيل: العتي ها هنا مصدر وقيل: هو جمع عات، انتهى.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٣/ ١٤٥).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٣/ ١٤٥).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٤٢٧).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٩/ ١٣١، ١٣٢).","vol":"5","page":195},{"text":"لكن المعروف في تفسيره هو الأول إلى آخر ما في هامش \"اللامع\" (^١).\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-2730> باب قوله: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ [مريم:</span> ٣٩])\nذكر فيه حديث أبي سعيد في ذبح الموت وسيأتي في الرقاق مشروحًا.\nوقوله: فيه (فيشرئبون) بمعجمة وراء مفتوحة ثم همزة مكسورة ثم موحدة ثقيلة مضمومة، أي: يمدون أعناقهم ينظرون، وقوله: \"أملح\" قال القرطبي: الحكمة في ذلك أن يجمع بين صفتي أهل الجنة والنار: السواد والبياض، قوله: \"ثم قرأ ﴿وَأَنْذِرْهُمْ﴾ الآية\" في رواية سعيد بن منصور في آخر الحديث: ثم قرأ رسول الله - ﷺ -، فيستفاد منه انتفاء الإدراج، وكذا في رواية الترمذي، انتهى ملخصًا من \"الفتح\" (^٢).\nوقال القسطلاني (^٣) في شرح الحديث: قوله: \"فيذبح\" وفي باب صفة الجنة والنار من كتاب الرقاق: \"جيء بالموت حتى يجعل بين الجنة والنار ثم يذبح\" وعند ابن ماجه: \"فيذبح على الصراط\" وعند الترمذي في باب خلود أهل الجنة: \"فيضجع فيذبح ذبحًا على السور الذي بين أهل الجنة وأهل النار\" وفي تفسير إسماعيل بن أبي زياد الشامي أحد الضعفاء في آخر حديث السور الطويل: أن الذابح له جبريل - ﵇ -، كما نقله عنه الحافظ ابن حجر، وذكر صاحب \"خلع النعلين\" فيما نقله في \"التذكرة\": أن الذابح له يحيى بن زكريا بين يدي النبي - ﷺ -، وقال قوم: المذبوح متولي الموت وكلهم يعرفه لأنه الذي تولى قبض أرواحهم في الدنيا.\nفإن قلت: ما الحكمة في مجيء الموت في صورة الكبش دون غيره؟ أجيب بأن ذلك إشارة إلى حصول الفداء لهم به كما فدى ولد الخليل - ﵉ -\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٩/ ١٣١، ١٣٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٤٢٨).\n(^٣) إرشاد الساري\" (١٠/ ٤٦٠).","vol":"5","page":196},{"text":"للكبش، وفي \"الأملح\" إشارة إلى صفتي أهل الجنة والنار، انتهى.\nوقال العيني (^١): فإن قلت: الموت عرض ينافي الحياة أو هو عدم الحياة فكيف يذبح؟ قلت: يجعله الله مجسمًا حيوانًا مثل الكبش، أو المقصود منه التمثيل، وعن ابن عباس: أن الموت والحياة جسمان فالموت في هيئة كبش لا يمر بشيء ولا يجد ريحه شيء إلا مات، وخلق الحياة على صورة فرس أنثى بلقاء وهي التي كان جبرئيل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام يركبونها، خطوها مد البصر، فوق الحمار دون البغل، لا يمر بشيء ولا يجد ريحها إلا حيي، وهو الذي أخذ السامري من أثرها فألقاه على العجل، انتهى.\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-2731> باب قوله: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إلا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ [مريم:</span> ٦٤])\nقال الحافظ (^٢): قوله: \"ما يمنعك أن تزورنا\" روى الطبري وابن مردويه عن ابن عباس قال: احتبس جبرئيل عن النبي - ﷺ -، وروى عبد بن حميد وابن أبي حاتم من طريق عكرمة قال: أبطأ جبريل في النزول أربعين يومًا فقال له النبي - ﷺ -: \"يا جبريل ما نزلت حتى اشتقت إليك قال: أنا كنت أشوق إليك ولكني مأمور، وأوحى الله إلى جبريل: قل له: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إلا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ \" وروى ابن مردويه في سبب ذلك عن أنس قال: \"سئل النبي - ﷺ - أي البقاع أحبّ إلى الله وأيها أبغض إلى الله؟ قال: ما أدري حتى أسأل فنزل جبريل وكان قد أبطأ عليه\" الحديث، وعند ابن إسحاق من وجه آخر عن ابن عباس: أن قريشًا لما سألوا عن أصحاب الكهف فمكث النبي - ﷺ - خمس عشرة ليلة لا يحدث الله له في ذلك وحيًا، فلما نزل جبريل قال له: \"أبطأت\" فذكره، وحكى ابن التِّين للداودي في هذا الموضع كلامًا في استشكال نزول الوحي في القضايا الحادثة مع أن القرآن قديم، وجوابه واضح فلم أتشاغل به هنا لكن ألممت به في كتاب التوحيد، انتهى.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٣/ ١٤٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٤٢٩).","vol":"5","page":197},{"text":"(٣ -<span data-type='title' id=toc-2732> باب قوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ [مريم:</span> ٧٧]\nقراءة الأكثر بفتحتين، والكوفيين سوى عاصم بضم ثم سكون، قال الطبري: لعلهم أرادوا التفرقة بين الواحد والجمع لكن قراءة الفتح أشمل وهي أعجب إليّ.\nقوله: (فقلت لا حتى تموت. . .) إلخ، مفهومه أنه يكفر حينئذ لكنه لم يرد ذلك لأن الكفر حينئذ لا يتصور فإنه قال: لا أكفر أبدًا، والنكتة في تعبيره بالبعث تعيير العاص بأنه لا يؤمن به، وبهذا التقرير يندفع إيراد من استشكل قوله هذا فقال: علّق الكفر ومن علّق الكفر كفر، وأجاب بأنه خاطب العاص بما يعتقده فعلّق على ما يستحيل بزعمه، والتقرير الأول يغني عن هذا الجواب، قاله الحافظ (^١).\n\n(٤ -<span data-type='title' id=toc-2733> باب قوله: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٧٨]) قال: موثقًا)</span>\nقال ابن عباس: أنظر في اللوح المحفوظ؟ يعني العاص بن وائل، وقال مجاهد: أعلم علم الغيب حتى يعلم أفي الجنة هو أم لا؟ قوله: ﴿أَطَّلَعَ﴾ من اطلع الجبل إذا ارتقى على أعلاه.\nقوله: (﴿عَهْدًا﴾) أي: أم قال: لا إله إلا الله؟ وعن قتادة: عمل صالحًا قدمه؟ وعن الكلبي: عهد إليه أنه يدخله الجنة؟ وفسر البخاري ﴿عَهْدًا﴾ بقوله: \"موثقًا\" وكذا أخرجه ابن أبي حاتم عن أبيه عن محمد بن كثير شيخ البخاري فيه، وليس في رواية أبي ذر قوله: \"موثقًا\" وأصله من الوثاق وهو حبل يشد به الأسير والدابة، وقال الجوهري: الموثق الميثاق، انتهى من \"العيني\" (^٢).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٤٢٩، ٤٣٠).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٣/ ١٥١).","vol":"5","page":198},{"text":"وقال أيضًا (^١): بعد ذكر حديث الباب: هذا طريق آخر في الحديث المذكور وقد أخرج هذا الحديث من أربع طرق وترجم لكل حديث آية من الآيات الأربعة المذكورة إشارة إلى أن هذه الآيات كلها في قصة العاص بن وائل، وذكر في كل ترجمة ما يطابقها من الحديث، انتهى.\nقلت: وتقدم نظير هذا الإيراد والجواب في تفسير سورة البقرة في تراجم متعلقة بتحويل القبلة.\n\n(٥ -<span data-type='title' id=toc-2734> باب قوله: ﴿كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا﴾ [مريم:</span> ٧٩])\nساق في الحديث المذكور من رواية شعبة عن الأعمش.\n\n(٦ -<span data-type='title' id=toc-2735> باب قوله: ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ [مريم:</span> ٨٠])\nقال الحافظ (^٢): ساق فيه الحديث المذكور من رواية وكيع وسياقه أتم كسياق أبي معاوية، ويؤخذ من هذا السياق الجوابُ عن إيراد المصنف الآياتِ المذكورةَ في هذه الأبواب مع أن القصة واحدة، وكأنه أشار إلى أنها كلها نزلت في هذه القصة بدليل هذه الرواية وما وافقها، انتهى.\nقلت: وتقدم هذا المعنى واضحًا من كلام العيني في الباب السابق.\n\n(٢٠)<span data-type='title' id=toc-2736> طه</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\nوفي نسخة \"الفتح\": \"سورة طه\"، وأما في نسخة \"العيني\" ففيها: \"باب سورة طه\" وفي نسخة \"القسطلاني\" كما في \"الهندية\"، والبسملة مؤخرة في جميع النسخ الموجودة وسقطت لغير أبي ذر كما قالوا.\nقال العلامة العيني (^٣): قال مقاتل: هذه السورة مكية كلها، وكذا ذكره\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٣/ ١٥١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٤٣١).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٣/ ١٥٢).","vol":"5","page":199},{"text":"ابن عباس وابن الزبير رضي الله تعالى عنهم فيما ذكره ابن مردويه، وفي \"مقامات التنزيل\": مكية كلها لم يعرف فيها اختلاف إلا ما ذكر عن الكلبي أنه قال: ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ [طه: ١٣٠] نزلت بالمدينة وهي في أوقات الصلاة، انتهى.\nقوله: (قال ابن جبير: بالنبطية طه: يا رجل. . .) إلخ، كذا في النسخة \"الهندية\"، وفي نسخة \"العيني\" و\"القسطلاني\": \"قال ابن جبير والضحاك. . .\" إلخ، وفي نسخة \"الفتح\" بدله: \"قال عكرمة والضحاك. . .\" إلخ.\nقال الحافظ (^١): كذا لأبي ذر والنسفي، ولغيرهما: \"قال ابن جبير\" - أي: سعيد -، وأما قول الضحاك فوصله الطبري في قوله: طه، قال: يا رجل بالنبطية، وأخرجه عبد بن حميد من وجه آخر قال: قال رجل من بني مازن: ما يخفى عليّ من القرآن شيء، فقال له الضحاك: ما طه؟ قال: اسم من أسماء الله تعالى، قال: إنما هو بالنبطية: يا رجل، وأما قول سعيد بن جبير فرويناه في \"الجعديات\" للبغوي.\nوفي \"القسطلاني\" (^٢): \"بالنبطية طه\" معناه \"يا رجل\" ولأبي ذر: \"أي: طه يا رجل\" بسكون الهاء والمراد النبي - ﷺ -، قال ابن الأنباري: ولغة قريش وافقت تلك اللغة في هذا؛ لأن الله تعالى لم يخاطب نبيَّه - ﷺ - بلسان غير قريش، وعن الخليل: من قرأ طه موقوفًا فهو يا رجل، ومن قرأ طه بحرفين من الهجاء فقيل: معناه اطمئن، وقيل: طأ الأرض، والهاء كناية عنها، وقال ابن عطية الضمير في طه للأرض وخففت الهمزة فصارت ألفًا ساكنة، وقرأ الحسن طَهْ بسكون الهاء من غير ألف بعد الطاء على أن الأصل طاء بالهمز أمر من وطئ يطأ، ثم أبدلت الهمزة هاء كإبدالهم في هرقت ونحوه، أو على إبدال الهمزة ألفًا كأنه أخذه من وطِئَ يطأ بالبدل ثم حذف الألف\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٤٣٢).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٤٦٦).","vol":"5","page":200},{"text":"حملًا للأمر على المجزوم وتناسبًا لأصل الهمزة، ثم ألحق هاء السكت وأجري الوصل مجرى الوقف، وفي حديث أنس عند عبد بن حميد: كان النبي - ﷺ - إذا صلى قام على رجل ورفع الأخرى فأنزل الله: ﴿طه﴾ أي: طأ الأرض، انتهى.\nقوله: (﴿أَلْقَى﴾ [طه: ٨٧] صنع) كتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): إنما عبَّر عنه بالإلقاء لأن الصائغ يلقي الذهب والفضة بعد إذابته في المصيغة، وقوله: \" ﴿عِوَجًا﴾ [طه: ١٠٧]: واديًا\" فسره به؛ لأن الوادي وهو مسيل الماء لا يخلو عن العوج، انتهى.\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-2737> باب قوله: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه:</span> ٤١])\nوقع في رواية أبي أحمد الجرجاني: \"واصطفيتك\" وهو تصحيف ولعلها ذكرت على سبيل التفسير، وذكر في الباب حديث أبي هريرة في محاجة موسى وآدم - ﵉ - وسيأتي شرحه في كتاب القدر، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\nقوله: (واليم البحر) قال العيني (^٣): إنما أورد هذا في آخر الحديث إشارة إلى تفسير ما وقع في كتاب الله تعالى من قوله: ﴿فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ﴾ [طه: ٣٩] وفسّر بأن المراد من اليم هو البحر، وقال الثعلبي: اليم نهر النيل، قيل: وموضع ذكر هذا في الباب الآتي وذكره هنا ليس بموجه، قلت: المراد باليم في الباب الآتي هو بحر القلزم، والذي ذكره هنا هو النيل أطلق عليه البحر لتبحره أيام الزيادة، والله أعلم، انتهى.\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-2738> باب قوله: ﴿أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي﴾ الآية [طه:</span> ٧٧])\nهكذا في النسخة \"الهندية\" و\"العيني\" و\"القسطلاني\"، وفي نسخة \"الفتح\": \"باب قوله: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا﴾. . .\" إلخ.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٩/ ١٣٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٤٣٤).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٣/ ١٦٠).","vol":"5","page":201},{"text":"قال الحافظ (^١): وقع عند غير أبي ذر: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى﴾ وهو خلاف التلاوة، انتهى.\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-2739> باب قوله: ﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ [طه:</span> ١١٧])\nسقط \"باب قوله\" لغير أبي ذر، قاله القسطلاني (^٢). ذكر فيه حديث أبي هريرة في محاجة موسى وآدم - ﵉ - وسيأتي في القدر إن شاء الله تعالى، من \"الفتح\" (^٣).\nقوله: (﴿فَتَشْقَى﴾) قال القسطلاني (^٤): أسند إلى آدم الشقاء وحده دون حواء بعد اشتراكهما في الخروج، لأن في ضمن شقاء الرجل وهو قيم أهله شقاءهم فاختصر الكلام بإسناده إليه دونها، أو لأن المراد بالشقاء التعب في طلب المعاش الذي هو وظيفة الرجال، انتهى.\n\n(٢١)<span data-type='title' id=toc-2740> سورة الأنبياء</span>\nهكذا في النسخ الهندية بغير بسملة، وفي نسخ الشروح بزيادة البسملة، قالوا (^٥): سقطت البسملة لغير أبي ذر.\nقال العيني (^٦): قال ابن مردويه: عن عبد الله بن الزبير وعبد الله بن عباس - ﵃ -: أنها نزلت بمكة، وكذا قال مقاتل، وفي \"مقامات التنزيل\": اختلفوا في آية منها وهي قوله: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ [الأنبياء: ٤٤]، وعن السخاوي: أنها نزلت بعد سورة إبراهيم وقبل سورة الفتح، انتهى.\nقال الحافظ (^٧): ذكر فيه حديث ابن مسعود قال: بني إسرائيل\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٤٣٤).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٤٧٤).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٤٣٥).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٤٧٤).\n(^٥) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٤٧٥).\n(^٦) \"عمدة القاري\" (١٣/ ١٦٢).\n(^٧) \"فتح الباري\" (٨/ ٤٣٥).","vol":"5","page":202},{"text":"والكهف. . . إلخ، وقد تقدم شرحه مستوفى في تفسير سبحان، وزاد في هذه الرواية ما لم يذكره في تلك، وحاصله: أنه ذكر خمس سور متوالية، ومقتضى ذلك أنهن نزلن بمكة، لكن اختلف في بعض آيات منهن، أما في سبحان فقوله: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا﴾ [الإسراء: ٣٣]، وقوله: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ﴾ - إلى - ﴿تَحْوِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٦] وقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ﴾ الآية [الإسراء: ١٠١]، وقوله: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ الآية [الإسراء: ٨٠]، وفي الكهف قوله: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ الآية [الكهف: ٢٨]، وقيل: من أولها إلى ﴿أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٧]، في مريم: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا﴾ الآية [مريم: ٧١]، وفي طه: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ الآية [طه: ١٣٠]، وفي الأنبياء: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا﴾ الآية [الأنبياء: ٤٤]، قيل في جميع ذلك: إنه مدني، ولا يثبت شيء من ذلك، والجمهور على أن الجميع مكيات، وشذّ من قال خلاف ذلك، انتهى.\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-2741> باب قوله: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ﴾ [الأنبياء:</span> ١٠٤])\nهكذا في النسخة الهندية، وليس في نسخ الشروح لفظة \"باب\".\nوذكر المصنف فيه حديث ابن عباس: \"إنكم محشورون إلى الله حفاة عراة\" الحديث، وتقدم في آخر سورة المائدة، وسيأتي أيضًا في \"كتاب الرقاق\"، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(٢٢)<span data-type='title' id=toc-2742> سورة الحج</span>\nسقطت البسملة في النسخ الهندية، وبإثباتها في نسخ الشروح، قال العيني (^٢): ذكر ابن مردويه عن ابن عباس وابن الزبير - ﵃ - أنهما قالا: نزلت سورة الحج بالمدينة، وقال مقاتل: بعضها مكي أيضًا، وعن قتادة: أنها\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٤٣٨).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٣/ ١٦٧).","vol":"5","page":203},{"text":"مكية، وعنه: مدنية غير أربع آيات، وعن عطاء: إلا ثلاث آيات منها قوله: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ﴾ [الحج: ١٩] وقال هبة بن سلامة: هي من أعاجيب سور القرآن لأن فيها مكيًا ومدنيًا وسفريًا وحضريًا وحربيًا وسلميًا وليليًا ونهاريًا وناسخًا ومنسوخًا، انتهى.\nقوله: (ويقال: أمنيته قراءته. . .) إلخ، قال الحافظ (^١): هو قول الفراء قال: التمني التلاوة، قال: وقوله: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إلا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة: ٧٨] قال: الأماني أن يفتعل الأحاديث وكانت أحاديث يسمعونها من كبرائهم وليست من كتاب الله، قال الفراء: والتمني أيضًا حديث النفس، قال أبو جعفر النحاس في كتاب \"معاني القرآن\" له بعد أن ساق رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في تأويل الآية: هذا من أحسن ما قيل في تأويل الآية وأعلاه وأجله، ثم أسند عن أحمد بن حنبل قال: بمصر صحيفة في التفسير رواها علي بن أبي طلحة لو رحل رجل فيها إلى مصر قاصدًا ما كان كثيرًا، انتهى.\nوهذه النسخة كانت عند أبي صالح كاتب الليث رواها عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وهي عند البخاري عن أبي صالح، وقد اعتمد عليها في صحيحه هذا كثيرًا على ما بيناه في أماكنه، وهي عند الطبري وابن أبي حاتم وابن المنذر بوسائط بينهم وبين أبي صالح، انتهى.\nوعلى تأويل ابن عباس هذا يحمل ما جاء عن سعيد بن جبير، وقد أخرجه ابن أبي حاتم والطبري وابن المنذر من طرق عن شعبة عن أبي بشر عنه قال: \"قرأ رسول الله - ﷺ - بمكة ﴿وَالنَّجْمِ﴾ فلما بلغ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩، ٢٠] ألقى الشيطان على لسانه: تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى، فقال المشركون: ما ذكر آلهتنا\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٤٣٨).","vol":"5","page":204},{"text":"بخير قبل اليوم فسجد وسجدوا، فنزلت هذه الآية\" إلى آخر ما بسط الحافظ الكلامَ في تحقيق هذه القصة إثباتًا ونفيًا، وعلى تقدير ثبوتها في ذكر توجيهاته أشد البسط، وقد تقدم شيء من الكلام عليه في أبواب سجود القرآن.\nوقال الكرماني: وما قيل: إن ذلك بسبب إلقاء الشيطان في أثناء قراءة رسول الله - ﷺ - لا صحة له عقلًا ولا نقلًا، انتهى.\nقال الحافظ (^١): بعد نقل الكلام الكرماني: هذا ومن تأمل ما أوردته من ذلك عرف وجه الصواب في هذه المسألة بحمد الله تعالى، انتهى.\nقلت: ومال القسطلاني أيضًا تبعًا للحافظ إلى صحة القصة إذ قال (^٢): والظاهر أن سبب سجودهم ما أخرجه ابن أبي حاتم والطبري وابن المنذر من طرق عن شعبة عن أبي بشر عن ابن جبير عن ابن عباس، ثم قال بعد ذكر هذه القصة، وقد روي من طرق ضعيفة ومنقطعة لكن كثرة الطرق تدل على أن لها أصلًا، مع أن لها طريقين مرسلين رجالهما على شرط الصحيح، وحينئذ فيتعين تأويل ما ذكر، وأحسن ما قيل: إن الشيطان قال ذلك محاكيًا نغمة النبي - ﷺ - عند ما سكت - ﷺ - بحيث سمعه من دنا إليه فظنها من قوله - ﷺ - وأشاعها، ويؤيده تفسير ابن عباس ﴿تَمَنَّى﴾ [الحج: ٥٢] بـ \"تلا\"، انتهى.\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-2743> باب قوله: ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى﴾ [الحج:</span> ٢])\nسقط الباب والترجمة لغير أبي ذر وقدّم عندهم الطريق الموصول على التعاليق، وعكس ذلك في رواية أبي ذر، وسيأتي شرح الحديث الموصول في كتاب الرقاق إن شاء الله تعالى، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\nقوله: (ومنكم واحد. . .) إلخ، كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٤):\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٦١٤).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٤٨١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٤٤١، ٤٤٢).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٩/ ١٣٤).","vol":"5","page":205},{"text":"خطاب لجماعة الصحابة والمقصود تسليتهم، فلا يلزم كون يأجوج ومأجوج أكثر من كل أمة النبي - ﷺ - حتى يتوهم أنهم مع وسعتهم وكثرتهم بتلك المنزلة كيف وسعتهم أرضهم، انتهى.\nوفي هامشه: ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه ظاهر في بادئ النظر فإنه كما أفاده يستلزم منه أن تكون أرضهم أضعاف مضاعف أراضي الدنيا ولكن الظاهر من روايات الحديث كونهم أضعاف مضاعف أمة النبي - ﷺ - بل أكثر من جميع الأمم، ثم ذكر الروايات في كثرتهم في هامش \"اللامع\" فارجع إليه لو شئت.\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-2744> باب قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ [الحج:</span> ١١])\nشك سقط لفظ \"شك\" لغير أبي ذر، وأراد بذلك تفسير قوله: ﴿حَرْفٍ﴾ وهو تفسير مجاهد أخرجه ابن أبي حاتم من طريقه، وقال أبو عبيدة: كل شاك في شيء فهو على حرف لا يثبت ولا يدوم، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-2745> باب قوله: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج:</span> ١٩])\nقال العلامة العيني (^٢): وليس في بعض النسخ لفظ \"باب\"، والخصمان تثنية خصم ويطلق على الواحد وغيره، ويقال: الخصم اسم شبيه بالمصدر فلذلك قال: ﴿اخْتَصَمُوا﴾ والخصم من تقع له المخاصمة، وحديث الباب قد مرّ في \"باب قتل أبي جهل\" من كتاب المغازي، انتهى.\nوقال أيضًا: فإن قلت: روى الطبري من طرق العوفي عن ابن عباس أنها نزلت في أهل الكتاب والمسلمين، ومن طريق الحسن قال: هم الكفار والمؤمنون، ومن طريق مجاهد: هو اختصام المؤمن والكافر في البعث،\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٤٤٢).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٣/ ١٧٢، ١٧٣).","vol":"5","page":206},{"text":"قلت: الآية إذا نزلت في سبب من الأسباب لا يمتنع أن تكون عامة في نظير ذلك السبب، والله أعلم، انتهى.\n\n(٢٣)<span data-type='title' id=toc-2746> سورة المؤمنين</span>\nليست البسملة في النسخة الهندية وموجودة في نسخ الشروح، و\"سورة المؤمنين\" هكذا في نسخة \"العيني\" و\"القسطلاني\"، وفي نسخة \"الفتح\": \"سورة المؤمنون\".\nقال القسطلاني (^١): بالياء وفي نسخة \"سورة المؤمنون\" بالواو، وهي مكية، انتهى.\nوهكذا في \"العيني\" إذ قال (^٢): قال أبو العباس: مكية كلها، انتهى.\nقوله: (وقال ابن عيينة) سفيان مما وصله في تفسيره من رواية سعيد بن عبد الرحمن المخزومي عنه في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ﴾ [المؤمنون: ١٧] أي: (سبع سماوات) سميت طرائق لتطارقها وهو أن بعضها فوق بعض، يقال: طارق النعل إذا أطبق نعلًا على نعل، وطارق بين الثوبين إذا لبس ثوبًا على ثوب، قاله الخليل والزجاج والفراء، أو لأنها طرق الملائكة في العروج والهبوط، قاله علي بن عيسى، وقيل: لأنها طرق الكواكب في مسيرها، والوجه في إنعامه علينا بذلك أنه جعلها موضعًا لأرزاقنا بإنزال الماء منها وجعلها مقرًّا للملائكة، ولأنها موضع الثواب ومكان إرسال الأنبياء ونزول الوحي، انتهى من \"القسطلاني\" (^٣).\n\n(٢٤)<span data-type='title' id=toc-2747> سورة النور</span>\nكذا بغير البسملة في النسخ الهندية، وفي نسخ الشروح الثلاثة ذكرت البسملة بعد السورة.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٤٩٠).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٣/ ١٧٣).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٤٩٠، ٤٩١).","vol":"5","page":207},{"text":"قال العيني (^١): قال أبو العباس ومقاتل وابن الزبير وابن عباس في آخرين: سورة النور مدنية كلها لم يذكر فيها اختلاف.\nقوله: (﴿مِنْ خِلَالِهِ. . .﴾) إلخ، أشار به إلى قوله تعالى: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ [النور: ٤٣] وفسره بقوله: \"من بين أضعاف السحاب\" وهكذا فسره أبو عبيدة، والخلال جمع خلل وهو الوسط ويقال: الخلل موضع المطر والودق المطير، انتهى من \"العيني\".\nقوله: (وقال ابن عباس: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا﴾ [النور: ١]، بيّنَّاها) قال عياض: كذا في النسخ، والصواب: \" ﴿أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾ بيناها\" وبيناها تفسير فرضناها ويدل عليه قوله بعد هذا: \"ويقال في فرضناها: أنزلنا فيها فرائض مختلفة\" فإنه يدل على أنه تقدم له تفسير آخر، انتهى.\nوقد روى الطبري عن ابن عباس في قوله: ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾ يقول: بيناها، وهو يؤيد قول عياض، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-2748> باب قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ الآية [النور:</span> ٦])\nذكر فيه حديث سهل بن سعد مطوّلًا وفي الباب الذي بعده مختصرًا، وسيأتي شرحه في كتاب اللعان، قاله الحافظ (^٣).\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-2749> باب قوله: ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النور:</span> ٧])\nتقدمت الإشارة إليه في الباب السابق.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٣/ ١٧٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٤٤٧).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٤٤٩).","vol":"5","page":208},{"text":"(٣ -<span data-type='title' id=toc-2750> باب قوله: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ الآية [النور:</span> ٨])\nقال القسطلاني (^١): سقط لفظ \"باب\" لغير أبي ذر، انتهى.\nقال الحافظ (^٢): ذكر فيه حديث ابن عباس في قصة المتلاعنين من رواية عكرمة عنه، وقد ذكره في اللعان من رواية قاسم بن محمد عنه، وبينهما في سياقه اختلاف سأبينه هناك، وأقتصر هنا عن بيان الراجح من الاختلاف في سبب نزول آيات اللعان دون أحكامه فأذكرها في بابها إن شاء الله تعالى، ثم قال في شرح الحديث: كذا في هذه الرواية أن آيات اللعان نزلت في قصة هلال بن أمية، وفي حديث سعد الماضي أنها نزلت في عويمر، وقد اختلف الأئمة في هذا الموضع، فمنهم من رجح أنها نزلت في شأن عويمر، ومنهم من رجح أنها نزلت في شأن هلال، ومنهم من جمع بينهما بأن أول من وقع له ذلك هلال وصادف مجيء عويمر أيضًا، فنزلت في شأنهما معًا في وقت واحد، وقد جنح النووي إلى هذا وسبقه الخطيب فقال: لعلهما اتفق كونهما جاءا في وقت واحد، ويؤيد التعدد أن القائل في قصة هلال: سعد بن عبادة، كما أخرجه أبو داود والطبري (ثم ذكر الحافظ ألفاظ الرواية) والقائل في قصة عويمر: عاصم بن عدي، كما في حديث سهل بن سعد في الباب الذي قبله، ولا مانع أن تتعدد القصص ويتحد النزول، وروى البزار من طريق زيد بن تبيع عن حذيفة قال: \"قال رسول الله - ﷺ - لأبي بكر: لو رأيت مع أم رومان رجلًا ما كنت فاعلًا به؟ قال: كنت فاعلًا به شرًّا، قال: فأنت يا عمر؟ قال: كنت أقول: لعن الله الأبعد قال: فنزلت، ويحتمل أن النزول سبق بسبب هلال فلما جاء عويمر ولم يكن علم بما وقع لهلال أعلمه النبي - ﷺ - بالحكم، ولهذا قال في قصة هلال: \"فنزل جبريل\" وفي\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٥٠٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٤٤٩، ٤٥٠).","vol":"5","page":209},{"text":"قصة عويمر: \"قد أنزل الله فيك\" فيؤول قوله: \"قد أنزل الله فيك\" أي: وفيمن كان مثلك، وبهذا أجاب ابن الصباغ في \"الشامل\" قال: نزلت الآية في هلال، وأما قوله لعويمر: \"قد نزل فيك وفي صاحبتك\" فمعناه ما نزل في قصة هلال، وجنح القرطبي إلى تجويز نزول الآية مرتين، قال: وهذه الاحتمالات وإن بعدت أولى من تغليط الرواة الحفاظ، وقد أنكر جماعة ذكر هلال فيمن لاعن قال القرطبي: أنكره أبو عبد الله بن أبي صفرة أخو المهلب وقال: هو خطأ والصحيح أنه عويمر، وسبقه إلى نحو ذلك الطبري.\nوقال النووي في \"مبهماته\" اختلفوا في الملاعن على ثلاثة أقوال: عويمر العجلاني، وهلال بن أمية، وعاصم بن عدي، ثم نقل عن الواحدي أن أظهر هذه الأقوال أنه عويمر.\nقال الحافظ: وكلام الجميع متعقب، إلى أن قال: وأما قول النووي تبعًا للواحدي وجنوحه إلى الترجيح فمرجوح لأن الجمع مع إمكانه أولى من الترجيح، انتهى من \"الفتح\" مختصرًا وملخصًا.\n\n(٤ -<span data-type='title' id=toc-2751> باب: ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور:</span> ٩])\nقال القسطلاني (^١): أي: فيما رماها به، وخصَّها بالغضب لأن الغالب أن الرجل لا يتجشم فضيحة أهله ورميها بالزنا إلا وهو صادق معذور وهي تعلم صدقه فيما رماها به، فلذا كانت الخامسة في حقها أن غضب الله عليها والمغضوب عليه هو الذي يعلم الحق ثم يحيد عنه، وسقط \"باب قوله\" لغير أبي ذر، انتهى.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٥٠٥).","vol":"5","page":210},{"text":"(٥ -<span data-type='title' id=toc-2752> باب قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ﴾ [النور: ١١]. . .) إلخ</span>\nوفي نسخة \"الفتح\": \"باب قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ \".\nقال الحافظ (^١): كذا لأبي ذر وساق غيره الآية إلى قوله: ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ وهو أولى؛ لأنه اقتصر في الباب على تفسير الذي تولى كبره فقط، انتهى.\nقلت: هذا على نسخة \"الحافظ\"، وأما على النسخة الهندية فليس كذلك بل ذكر فيها في هذا الباب حديث الإفك الطويل، وفي نسخة \"الفتح\" (^٢) على هذا الحديث ترجمة أخرى مستقلة وهي قوله:\n\n(٦ -<span data-type='title' id=toc-2753> باب ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [النور: ١٢] إلى قوله: ﴿الْكَاذِبُونَ﴾ ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا﴾ الآية [النور:</span> ١٦])\nوكذا في نسخة \"العيني\" و\"القسطلاني\"، وفي النسخة \"الهندية\" ذكرت هذه الآية الثانية بغير لفظ \"باب\".\n(فقام سعد بن معاذ الأنصاري. . .) إلخ، قال القسطلاني (^٣): واستشكل ذكر سعد بن معاذ هنا؛ لأن حديث الإفك كان سنة ست في غزوة المريسيع وسعد مات من الرمية التي رُميها بالخندق سنة أربع، وأجيب بأنه اختلف في المريسيع، ففي البخاري عن موسى بن عقبة أنها سنة أربع وكذلك الخندق، وقد جزم ابن إسحاق بأن المريسيع كانت في شعبان والخندق في شوال وإن كانا في سنة، فلا يمتنع أن يشهدها ابن معاذ، لكن الصحيح في النقل عن\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٤٥١).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (٨/ ٤٥٥).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٥١٨).","vol":"5","page":211},{"text":"موسى بن عقبة أن المريسيع سنة خمس، فالذي في البخاري حملوه على أنه سبق قلم، والراجح أيضًا أن الخندق أيضًا سنة خمس فيصح الجواب، انتهى.\nقلت: وهذا مأخوذ من كلام الحافظ في \"الفتح\" وقد بسط الحافظ الكلام على ذلك وعلى حديث الإفك بطوله مستوفى، وقال في ذكر ما يستفاد من الحديث (^١): وفيه تأخير الحد عمن يخشى من إيقاعه به الفتنة، نبَّه على ذلك ابن بطال مستندًا إلى أن عبد الله بن أُبي كان ممن قذف عائشة ولم يقع في الحديث أنه ممن حُدَّ، وتعقبه عياض بأن لم يثبت أنه قذف بل الذي ثبت أنه كان يستخرجه ويستوشيه، قلت: وقد ورد أنه قذف صريحًا ووقع ذلك في مرسل سعيد بن جبير عند ابن أبي حاتم وغيره، وفي مرسل مقاتل بن حيان عند الحاكم في \"الإكليل\" بلفظ: فرماها عبد الله بن أُبي، وفي حديث ابن عمر عند الطبراني بلفظ أشنع من ذلك، وورد أيضًا أنه ممن جلد الحد، وقع ذلك في رواية أبي أويس عن الحسن بن زيد وعبد الله بن أبي بكر بن حزم وغيرهما مرسلًا، أخرجه الحاكم في \"الإكليل\" فإن ثبتا سقط السؤال، وإن لم يثبتا فالقول ما قال عياض فإنه لم يثبت خبر بأنه قذف صريحًا ثم لم يحد، وقد حكى الماوردي إنكار وقوع الحد بالذين قذفوا عائشة أصلًا، واعتل قائله بأن حد القذف لا يجب إلا بقيام بيِّنة أو إقرار أو بطلب المقذوف، قال: ولم ينقل ذلك. قال الحافظ: كذا قال وفيه نظر يأتي إيضاحه في كتاب الحدود إن شاء الله تعالى، انتهى.\nوسيأتي الكلام على أن ابن أُبي حُدّ أو لم يحدّ وكذا في مسطح وغير ذلك في \"باب قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ﴾ الآية [النور: ١٩] \".\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٤٨١).","vol":"5","page":212},{"text":"(٧ -<span data-type='title' id=toc-2754> باب قوله: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٤]. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^١): قوله: \"قال مجاهد: ﴿تَلَقَّوْنَهُ﴾ [النور: ١٥] يرويه بعضكم عن بعض\" وصله الفريابي من طريقه وقال: معناه من التلقي للشيء وهو أخذه وقبوله، وهو على القراءة المشهورة، وبذلك جزم أبو عبيدة وغيره، و﴿تَلَقَّوْنَهُ﴾ بحذف إحدى التائين وقرأ ابن مسعود بإثباتها، وقراءة عائشة ويحيى بن يعمر \"تلقونه\" بكسر اللام وتخفيف القاف من الولق بسكون اللام وهو الكذب، وقال الفراء: الولق الاستمرار في السير وفي الكذب، ويقال للذي أدمن الكذب الألق بسكون اللام وبفتحها أيضًا، وقد تقدم في غزوة المريسيع التصريح بأن عائشة قرأته كذلك وأن ابن أبي مليكة قال: هي أعلم من غيرها بذلك لكونه نزل فيها، ثم ذكر المصنف فيه طرفًا من حديث أم رومان وقد تقدم بتمامه هناك، قال الإسماعيلي: هذا الذي ذكره من حديث أم رومان لا يتعلق بالترجمة، وهو كما قال إلا أن الجامع بينهما قصة الإفك في الجملة، انتهى من \"الفتح\" بتغير ما.\n\n(٨ -<span data-type='title' id=toc-2755> باب قوله: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ [النور:</span> ١٥])\nقال العيني (^٢): ليس في كثير من النسخ لفظ \"باب\"، انتهى.\nوقد تقدم الكلام على ما في حديث الباب من اختلاف القراءة في قوله: ﴿تَلَقَّوْنَهُ﴾ وعلى معناه في الباب السابق.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٤٨٢).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٣/ ١٩٤).","vol":"5","page":213},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2756>(باب قوله: ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا﴾ الآية [النور:</span> ١٦])\nقال العلامة العيني (^١): هذه الآية ذكرت عند قوله: \"باب ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ﴾ \" [النور: ١٢] الآية، (وتقدم أن هذا الباب في نسخ الشروح لا في النسخة الهندية) واقتصر أبو ذر إلى قوله: ﴿أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا﴾ وساق غيره بقية الآية وذكرها ها هنا تكرار على ما لا يخفى على أنها غير مذكورة في بعض النسخ، انتهى.\nقوله: (فقيل: ابن عم رسول الله - ﷺ -) كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٢): إنما قيل ذلك لما علم أنها لم تأذن له في الدخول وقصدت رَدَّه، انتهى.\nوفي هامشه: قال الحافظ: كأن القائل فهم عنها أنها تمنعه من الدخول للمعنى الذي ذكرته فذكرها بمنزلته، والذي راجع عائشة في ذلك هو ابن أخيها عبد الله بن عبد الرحمن، والذي استأذن لابن عباس على عائشة حينئذ هو ذكوان مولاها، وقد بين ذلك كلَّه أحمد وابن سعد إلى آخر ما بسط فيه.\nقوله: (ولم ينكح بكرًا غيرك) المراد بذلك أنه كان يحبك إلا أنه أقام السبب مقام المسبب، ولا شك أن محبته - ﷺ - موجبة للكرامة والنجاة كيفما كانت، انتهى من \"اللامع\" (^٣).\n\n(٩ -<span data-type='title' id=toc-2757> باب قوله: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا﴾ الآية [النور:</span> ١٧])\nسقط لفظ \"باب\" في نسخة \"القسطلاني\".\nقال الحافظ (^٤): قوله: \"قلت أتأذنين لهذا\" في رواية مؤمل: \"ما\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٣/ ١٩٥).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٩/ ١٣٥).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٩/ ١٣٥، ١٣٦).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٨/ ٤٨٥، ٤٨٦).","vol":"5","page":214},{"text":"تصنعين بهذا\"، وفي رواية شعبة في الباب الذي يليه: \"تدعين مثل هذا يدخل عليك وقد أنزل الله ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ﴾ [النور: ١١] \" وهذا مشكل؛ لأن ظاهره أن المراد بقوله: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ﴾ هو حسان بن ثابت وقد تقدم قبل هذا أنه عبد الله بن أُبي وهو المعتمد، وقد وقع في رواية أبي حذيفة عن سفيان الثوري عند أبي نعيم في \"المستخرج\": \"وهو ممن تولى كبره\"، فهذه الرواية أخفّ إشكالًا.\nقوله: (قالت: أو ليس قد أصابه عذاب عظيم) وفي رواية شعبة: قالت: وأي عذاب أشد من العمى؟\nقوله: (قال سفيان: تعني ذهاب بصره) زاد أبو حذيفة: \"وإقامة الحدود\" ووقع بعد هذا الباب في رواية شعبة تصريح عائشة بصفة العذاب دون رواية سفيان.\nقوله: (قالت: لكن أنت) في رواية شعبة: قالت: لست كذلك، وزاد في آخره: وقالت: قد كان يرد عن رسول الله - ﷺ -، وتقدم في المغازي من وجه آخر عن شعبة بلفظ: أنه كان ينافح أو يهاجي عن رسول الله - ﷺ -، ودلّ قول عائشة: لكن أنت، على أن حسان كان ممن تكلم في ذلك، وهذه الزيادة الأخيرة تقدمت هناك أتم من هذا، وتقدم هناك أيضًا في أثناء حديث الإفك، قال عروة: كانت عائشة تكره أن يسب عندها حسان وتقول: إنه الذي قال:\nفإن أبي ووالدتي وعرضي … لعرض محمد منكم وقاء\nانتهى من \"الفتح\".\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^١): قوله: \"لكن أنت\" وإنما قالته ليكون سبب مبالغته في التوبة والاستغفار والانتهاء عن ارتكاب مثله، فيكون ذلك سببًا لمزيد كرامته عند الله تعالى، وقوله: \"وأي عذاب أشد من العمى\"\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٩/ ١٣٦).","vol":"5","page":215},{"text":"وهذا الجواب تسليمي منها، أي: إن سلم أنه هو المتولي لكبر فإنه طهر عن ذنبه باحتمال مشقة ما أوعد به، وإلا فالجواب في الحقيقة أنه غفر ذنبه بتوبته، والعمى وإن لم يكن عذابًا مطلقًا لكل من ابتلي به لكنه لا يخلو منه فيمن ابتلي به لجريرة، انتهى.\nوفي هامشه عن \"تقرير المكي\": يعني أنه عذب مرة بالعمى فلعله لا يعذب أخرى به، انتهى من \"اللامع\".\nوفي \"تقرير اللاهوري\" قد تقدم في الحديث السابق أن الذي تولى كبره عبد الله، فيقال: لعلها أرادت أنهما مرادان والمراد من العذاب أعم من الدنيوي والأخروي، انتهى.\nقال السندي: كأنه قالت على تقدير فرض شمول الآية لحسان وإلا فهي في ابن أُبي، انتهى.\nقلت: وهذا هو الأوجه عندي من أنها قالت ذلك على سبيل الفرض والتسليم لقول المعترض، وإلا فقد صرَّحت هي بنفسها أن الذي تولى الإفك هو عبد الله بن أُبي كما تقدم في حديث الإفك في كتاب الشهادة، وأيضًا قد تقدم قريبًا في \"باب قوله - ﷿ -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ﴾ الآية [النور: ١١]، انتهى من هامش \"اللامع\" بتغير.\n\n(١٠ -<span data-type='title' id=toc-2758> باب قوله: ﴿وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور:</span> ١٨])\nذكر فيه بعض حديث مسروق عن عائشة، وتقدم بعض ما يتعلق به في الباب السابق.\n\n(١١ -<span data-type='title' id=toc-2759> باب قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا﴾ [النور:</span> ١٩])\nأي: بالحد، وفي \"تفسير النسفي\": وقد ضرب رسول الله - ﷺ - عبد الله بن أُبي وحسانًا ومسطحًا، وقد ذكر أبو داود أن حسانًا حُدَّ، زاد","vol":"5","page":216},{"text":"الطحاوي: ثمانين، وكذا حمنة ومسطح ليكفِّر الله عنهم بذلك إثم ما صدر منهم حتى لا يبقى عليهم تبعة في الآخرة، وأما ابن أُبي فإنه لم يحد لئلا ينقص من عذابه شيء أو إطفاء للفتنة وتألفًا لقومه، وقد روى القشيري في تفسيره أنه حُدّ ثمانين، وقال القشيري: ومسطح لم يثبت منه قذف صريح فلم يذكر فيمن حُدّ، وأغرب الماوردي فقال: إنه لم يحدّ أحد من أهل الإفك.\nقوله: (﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ [النور: ٢٠]) هذا إظهار المنة بترك المعاجلة بالعقاب وجواب ﴿لَوْلَا﴾ محذوف تقديره: لعاجلكم بالعذاب، انتهى من \"العيني\" (^١).\nوتقدم الكلام في عبد الله بن أُبي أنه حُدّ أو لم يحد ونحو ذلك في باب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ الآية.\nقوله: (﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ [النور: ٢٢]. . .) إلخ، كذا في النسخة \"الهندية\" بغير لفظ \"باب\" وكذا في نسخة \"الفتح\" و\"القسطلاني\"، فهذه الآية والآية الأولى ترجمة واحدة، وفي نسخة \"العيني\" بزيادة لفظ \"باب\" على هذه الآية، قال العيني (^٢): وليس في كثير من النسخ لفظ \"باب\"، وقال بعد ذكر حديث الباب: هذا طريق آخر في قصة الإفك وهو معلّق كما ذكرنا، وأسنده مسلم في كتاب التوبة مختصرًا، انتهى.\nوقال الحافظ (^٣): وصله أحمد بتمامه وقد ذكرت ما فيه من فائدة في أثناء حديث الإفك الطويل قريبًا، ووقع في رواية المستملي عن الفربري: حدثنا حميد بن الربيع حدثنا أبو أسامة، فظن الكرماني أن البخاري وصله عن حميد بن الربيع، وليس كذلك بل هو خطأ فاحش فلا يغتر به، انتهى.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٣/ ١٩٧، ١٩٨).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٢٠٠).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٤٨٩).","vol":"5","page":217},{"text":"(١٢ -<span data-type='title' id=toc-2760> باب قوله: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور:</span> ٣١])\nأي: وليضعن خمرهن - جمع خمار - على جيوبهن - جمع جيب -، وأريد به: على صدورهن، ليسترن بذلك شعورهن وأعناقهن وقرطهن، وذلك لأن جيوبهن كانت واسعة تبدو منها نحورهن وصدورهن وما حواليها وكن يسدلن الخمر من ورائهن فتبقى مكشوفة، فأمرن بأن يسدلنها من قدامهن حتى يغطينها.\nقوله: (فاختمرن) أي: غطين وجوههن، وصفة ذلك أن تضع الخمار على رأسها وترميه من الجانب الأيمن على العاتق الأيسر وهو التقنع، قال الفراء: كانوا في الجاهلية تسدل المرأة خمارها من ورائها وتكشف ما قدامها فأمرن بالاستتار، والخمار للمرأة كالعمامة للرجل، وقوله: (في الحديث الثاني) (أزرهن) بضم الهمزة جمع إزار وهي الملاءة بضم الميم وتخفيف اللام وبالمد وهي الملحفة.\nفإن قلت: حديث عائشة يدل على أن اللاتي شققن أزرهن النساء المهاجرات، وورد في حديث عائشة أيضًا أن ذلك كان في نساء الأنصار رواه ابن أبي حاتم، قلت: يمكن الجمع بينهما بأن نساء الأنصار بادرن إلى ذلك حين نزول الآية المذكورة، والله أعلم، انتهى مختصرًا من \"الفتح\" و\"العيني\" (^١).\n\n(٢٥)<span data-type='title' id=toc-2761> سورة الفرقان</span>\nهكذا في النسخ الهندية بغير لفظ \"سورة\" وبغير البسملة، وفي نسخ الشروح الثلاثة بزيادتهما.\nقال العلامة العيني (^٢): والفرقان مصدر فرق بين الشيئين إذا فصل\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٤٩٠)، و\"عمدة القاري\" (١٣/ ٢٠٢).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٢٠٢، ٢٠٣).","vol":"5","page":218},{"text":"بينهما، وسمي القرآن به لفصله بين الحق والباطل، وقيل: لأنه لم ينزل جملة واحدة ولكن مفروقًا مفصولًا بين بعضه وبعض في الإنزال، قال تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ [الإسراء: ١٠٦]، وهي مكية، وفي آية منها اختلاف وهي قوله - ﷿ -: ﴿إلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الفرقان: ٧٠] وقيل: فيها آيتان اختلف الناس فيهما فقيل: إنهما مدنيتان، وقيل: مكيتان، وقيل: إحداهما مكية والأخرى مدنية، وهما قوله: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ الآية [الفرقان: ٦٨]، وقوله: ﴿إلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾ الآية [الفرقان: ٧٠]، فالذي قال: إن الأولى مكية وهو سعيد بن جبير وهي قوله: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿مُهَانًا﴾، والثانية مدنية وهي قوله: ﴿إلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾ إلى قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، انتهى.\nقوله: (قال الحسن: ﴿هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا﴾ [الفرقان: ٧٤] في طاعة الله) وصله سعيد بن منصور: حدثنا جرير بن حازم سمعت الحسن وسأله رجل عن قوله: ﴿هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا﴾ ما القُرّة، أفي الدنيا أم في الآخرة؟ قال: بل في الدنيا هي والله أن يرى العبد من ولده طاعة الله إلى آخره، وأخرجه عبد الله بن المبارك في كتاب البر والصلة عن حزم القطعي عن الحسن وسمى الرجل السائل كثير بن زياد.\nقوله: (أن يرى حبيبه في طاعة الله) في رواية سعيد بن منصور: أن يرى حميمه، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٢): إن المراد بالقرة في الآية هي القرة الحاصلة بطاعة الله تعالى، ثم استدل عليه بقوله: \"وما شيء. . .\" إلخ، انتهى.\nوفي هامشه بعد ذكر ما تقدم من كلام الحافظ: وفي العيني (﴿قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾) بأن نراهم مؤمنين صالحين مطيعين لك، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٤٩١).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٩/ ١٣٦).","vol":"5","page":219},{"text":"وفي \"الجلالين\": قوله تعالى: ﴿قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ لنا بأن نراهم مطيعين لك، انتهى.\nقوله: (وقال ابن عيينة: ﴿عَاتِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٦] عتت على الخزان) قال الحافظ (^١): كذا في تفسيره وهذا في سورة الحاقة وإنما ذكر ها هنا استطرادًا لما ذكر قوله: ﴿عُتُوًّا﴾ [الفرقان: ٢١]، وقد تقدم ذكر هذا في قصة هود من أحاديث الأنبياء، انتهى.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢) هناك: قوله: \"عتت على الخزان\" أي: بإذن منه تعالى، انتهى. فأجاد الشيخ قُدِّس سرُّه في دفع ما يتوهم من عدوان الريح على الخزان؛ لأنها كيف عتت عليهم، وفي \"تقرير مولانا محمد حسن المكي\": قوله: \"عتت\" يعني إنما قال للريح عاتية لأنها عتت على خزنتها كأن خزنتها لم تقدر على إمساكها، انتهى.\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-2762> باب قوله: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ﴾ [الفرقان:</span> ٣٤])\nقال الحافظ (^٣): قوله: \"إن رجلًا قال: يا نبي الله\" لم أقف على اسم السائل، وسيأتي شرح الحديث مستوفى في كتاب الرقاق إن شاء الله تعالى.\n(يحشر الكافر) في رواية الحاكم من وجه آخر عن أنس: \"سئل رسول الله - ﷺ -: يحشر أهل النار على وجوههم؟ \"، وفي حديث أبي هريرة عند البزار: \"يحشر الناس على ثلاثة أصناف: صنف على الدواب، وصنف على أقدامهم، وصنف على وجوههم، فقيل: فكيف يمشون على وجوههم؟ \" الحديث، ويؤخذ من مجموع الأحاديث أن المقربين يحشرون ركبانًا ومن دونهم من المسلمين على أقدامهم، وأما الكفار فيحشرون على وجوههم، انتهى من \"الفتح\".\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٤٩٢).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٨/ ١٦).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٤٩٢).","vol":"5","page":220},{"text":"(٢ -<span data-type='title' id=toc-2763> باب قوله: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ الآية [الفرقان:</span> ٦٨])\nقوله: (﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾ العقوبة) قال أبو عبيدة في قوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: ٦٨] أي: عقوبة، وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة: ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾ قال: نكالًا، قال: ويقال: إنه وادٍ في النار، وهذا الأخير أخرجه ابن أبي حاتم عن عبد الله بن عمرو وعكرمة وغيرهما، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nقوله: (نزلت هذه الآية تصديقًا لقول رسول الله - ﷺ -. . .) إلخ، هكذا قال ابن مسعود، والقتل والزنا في الآية مطلقان وفي الحديث مقيدان وأما القتل فبالولد خشية الأكل معه، وأما الزنا فبزوجة الجار، والاستدلال لذلك بالآية سائغ لأنها وإن وردت في مطلق الزنا والقتل لكن القتل بذا والزنا بهذه أكبر وأفحش، وقد روى أحمد من حديث المقداد بن الأسود، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ما تقولون في الزنا؟ قالوا: حرام، قال: لأن يزني الرجل بعشرة نسوة أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره\"، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-2764> باب قوله: ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الفرقان: ٦٩]. . .) إلخ</span>\nقرأ الجمهور بالجزم في ﴿يُضَاعَفْ﴾ ﴿وَيَخْلُدْ﴾ بدلًا من الجزاء في قوله: ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾ بدل اشتمال، وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم بالرفع على الاستئناف، انتهى (^٣).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٤٩٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٤٩٤).\n(^٣) انظر: \"فتح الباري\" (٨/ ٤٩٤).","vol":"5","page":221},{"text":"(٤ -<span data-type='title' id=toc-2765> باب قوله: ﴿إلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الفرقان:</span> ٧٠])\nقوله: (عن هاتين الآيتين: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ الآية [النساء: ٩٣]. . .\" إلخ، هكذا أورده مختصرًا وسياق مسلم من هذا الوجه أتم، وأتم منهما ما تقدم في المبعث من رواية جرير بلفظ: هاتين الآيتين ما أمرهما التي في سورة الفرقان: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨] والتي في سورة النساء: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ قال: سألت ابن عباس فقال: لما نزلت التي في سورة الفرقان قال مشركو مكة: قد قتلنا النفس ودعونا مع الله إلهًا آخر وأتينا الفواحش، قال: فنزلت ﴿إلا مَنْ تَابَ﴾ الآية، قال: فهذه لأولئك، قال: وأما التي في سورة النساء فهو الذي قد عَرَفَ الإسلام ثم قتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم لا توبة له، قال: فذكرت ذلك لمجاهد فقال: إلا من ندم.\nوحاصل ما في هذه الروايات: أن ابن عباس كان تارة يجعل الآيتين في محل واحد فلذلك يجزم بنسخ إحداهما، وتارة يجعل محلهما مختلفًا، ويمكن الجمع بين كلاميه بأن عموم التي في الفرقان خصّ منها مباشرة المؤمن القتل متعمدًا، وكثير من السلف يطلقون النسخ على التخصيص، وهذا أولى من حمل كلامه على التناقض وأولى من دعوى أنه قال بالنسخ ثم رجع عنه، وقول ابن عباس بأن المؤمن إذا قتل مؤمنًا متعمدًا لا توبة له مشهور عنه، وقد جاء عنه في ذلك ما هو أصرح مما تقدم، ثم ذكر الحافظ رواية أحمد بطولها وفيه: أفرأيت إن تاب وآمن وعمل عملًا صالحًا ثم اهتدى؟ قال: وأنى له التوبة والهدى، وجاء على وفق ما ذهب إليه ابن عباس في ذلك أحاديث كثيرة.\nوقد حمل جمهور السلف وجميع أهل السُّنَّة ما ورد من ذلك على التغليظ، وصححوا توبة القاتل كغيره، وقالوا: معنى قوله: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣] أي: إن شاء الله أن يجازيه، لقوله تعالى في سورة","vol":"5","page":222},{"text":"النساء أيضًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] ومن الحجة في ذلك حديث الإسرائيلي الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا ثم أتى تمام المائة فقال له: لا توبة لك، فقتله فأكمل به مائة، ثم جاء آخر فقال: ومن يحول بينك وبين التوبة، الحديث، وهو مشهور سيأتي في الرقاق واضحًا، وإذا ثبت ذلك لمن قبل من غير هذه الأمة فمثله لهم أولى لما خفف الله عنهم من الأثقال التي كانت على من قبلهم، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(٥ -<span data-type='title' id=toc-2766> باب قوله: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ [الفرقان: ٧٧]: هَلَكَةً)</span>\nقال الحافظ (^٢): قال أبو عبيدة في قوله: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ أي: جزاء يلزم كل عامل بما عمل، وله معنى آخر: يكون هلاكًا، انتهى.\nقال العيني (^٣): وقال الثعلبي، اختلف في اللزام فقيل: يوم بدر قتل منهم سبعون وأسر سبعون وقيل: عذاب القبر، وقال ابن جرير: عذابًا دائمًا لازمًا وهلاكًا مستمرًا، وقال في شرح الحديث: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ قيل: هو القحط، وقيل: هو التصاق القتلى بعضهم ببعض في بدر، وقيل: هو الأسر فيه وقد أسر سبعون قرشيًا فيه، والحديث مرَّ في كتاب الاستسقاء، انتهى.\n\n(٢٦)<span data-type='title' id=toc-2767> سورة الشعراء</span>\nوفي نسخ الشروح الثلاثة بزيادة \"بسم الله الرحمن الرحيم\" بعد السورة.\nقال القسطلاني (^٤): سقط لفظ \"سورة\" والبسملة لغير أبي ذر، \"قال مجاهد\" فيما وصله الفريابي في قوله تعالى: ﴿تَعْبَثُونَ﴾ من قوله: ﴿أَتَبْنُونَ\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٤٩٥، ٤٩٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٤٩٦).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٢٠٩، ٢١٠).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٥٤٩).","vol":"5","page":223},{"text":"بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٨] أي: (تبنون) وقال الضحاك ومقاتل: هو الطريق، قال ابن عباس: كانوا يبنون بكل ريع عليًا يعبثون فيه بمن يمر في الطريق إلى هود - ﵇ -، وقيل: كانوا يبنون الأماكن المرتفعة ليعرف بذلك غناهم فنهوا عنه، ونسبوا إلى العبث، انتهى.\nوفي \"الفتح\" (^١): وقيل: كانوا يهتدون في الأسفار بالنجوم ثم اتخذوا أعلامًا في أماكن مرتفعة ليهتدوا بها، وكانوا في غنية عنها بالنجوم فاتخذوا البنيان، عبثًا، انتهى.\nقال العيني (^٢): وقال الكرماني: كانوا يبنون بروجًا للجمامات يعبثون بها، والريع المرتفع من الأرض، انتهى.\nقوله: (﴿هَضِيمٌ﴾ يتفتت إذا مُسّ) أي: في قوله: ﴿فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٤٧) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ [الشعراء: ١٤٧، ١٤٨] و\"مس\" بضم الميم وتشديد السين المهملة مبنيًا للمفعول، وهذا قاله مجاهد أيضًا، وقال ابن عباس: هو اللطيف، وقال عكرمة: اللين، وقيل: \"هضيم\"، أي: يهضم الطعام وكل هذا للطافته، انتهى من \"القسطلاني\" (^٣).\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٤): \"هضيم يتفتت\" يعني: أن إطلاق الهضيم عليه باعتبار صلاحه للتفتت والهضم لا أنه هضيم بالفعل.\nوقوله: (الليكة والأيكة جمع أيكة) قرئ بهما والليكة هي الأيكة إلا أنها خففت الهمزة. وإطلاق الجمع على المعرف باللام من حيث إن اللام إما أن تكون للعهد، والمعهود هي أشجارهم التي كانوا سكنوها، أو اللام للاستغراق، فكأنها لاجتماعها والتفافها كأنها هي الشجر لا غير، انتهى من \"اللامع\".\nوفي هامشه: قوله: قرئ بهما، وهو كذلك ففي \"الجلالين\" في قوله\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٤٩٧).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٢١٠).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٥٤٩).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٩/ ١٣٧، ١٣٨).","vol":"5","page":224},{"text":"تعالى: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٦]: وفي قراءة بحذف الهمزة وإلقاء حركتها على اللام وفتح الهاء، انتهى.\nوبسط علماء التفسير في هذه الكلمة وإعرابها وقال صاحب \"الجمل\": قد وقع لفظ الأيكة في القرآن أربع مرات: في الحجر، وفي ق، وما ها هنا، أي: في الشعراء، وفي ص، والأوّلان بأل والجر لا غير، والآخران يقرآن بأل وبالجر وبالتصرف الذي قاله الشارح ها هنا مع فتح التاء مع أن الكل مجرورات لإضافة لفظ \"أصحاب\" إليها، انتهى.\nوفي \"تقرير البنجابي\": الأيكة جمع أيكة، يعني: أدخل على أيكة لام الاستغراق، انتهى.\nوفي \"الجمل\" في شرح قول الجلال: وإلقاء حركتها على اللام: وهذا الصنيع يقتضي أن اللام الموجودة لام التعريف وحينئذ لا يصح قوله: وفتح الهاء إذ الاسم المقرون بأل سواء كانت معرّفة أو غيرها يجر بالكسرة سواء وقع فيه نقل أو لا، وبعضهم وجّه فتح الهاء بأن الاسم بوزن ليلة فاللام بنية الكلمة ولا نقل بل حركة اللام أصلية فجره بالفتحة حينئذ ظاهر، انتهى.\nقوله: (وهي جميع شجر) كتب الشيخ (^١): ترجمة المفرد لا الجميع، ومعنى الجميع المجموع، انتهى.\nوفي هامشه: هذا غاية توجيه لكلام البخاري، وإلا فكلام البخاري هذا منتقد عند جميع الشرَّاح كما تقدم البسط في ذلك في مقدمة \"اللامع\" وفي \"تقرير مولانا محمد حسن المكي\": قوله: جمع أيكة، أي: جماعة أشجار، فأيكة بمعنى مطلق الأشجار، والجمع بمعنى الجماعة، وقوله: \"وهي\" أي: الأيكة بمعناه الحقيقي (^٢)، وفيه تكلف، والظاهر أنه أراد أن الليكة والأيكة، أي: معرفين بلام الاستغراق جمع أيكة نكرة باعتبار المعنى، وإن كان هذا المعنى غير مراد ها هنا لأن أصحاب الأيكة لقب لهم، انتهى.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٩/ ١٣٨).\n(^٢) أي: بن [ز].","vol":"5","page":225},{"text":"قال القسطلاني (^١): قوله: \"والإيكة\" بألف وصل وسكون اللام وبعدها همزة مكسورة جمع أيكة، ولأبي ذر جمع الأيكة وهي جمع شجر، وكان شجرهم الدوم وهو المقل.\nقال العيني: الصواب أن الليكة والأيكة جمع أيك، وكيف يقال: الأيكة جمع أيكة، انتهى.\nوتقدم التوجيه من كلام الشيخ قُدِّس سرُّه.\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-2768> باب قوله: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ [الشعراء:</span> ٨٧])\nسقط \"باب\" لغير أبي ذر.\nقوله: (إن إبراهيم يرى أباه. . .) إلخ، كذا أورده مختصرًا، ولفظ النسائي: و\"عليه الغبرة والقترة فقال له: لقد نهيتك عن هذا فعصيتني قال: لكني لا أعصيك اليوم\" فعرف من هذا أن قوله: والغبرة هي القترة من كلام المصنف وأخذه من كلام أبي عبيدة، وأنه قال في تفسير سورة يونس: ﴿وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ﴾ [يونس: ٢٦] القتر الغبار، وأنشد لذلك شاهدين، قال ابن التِّين: وعلى هذا فقوله في سورة عبس: ﴿غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ [عبس: ٤٠، ٤١] تأكيد لفظي كأنه قال: غبرة فوقها غبرة، وقال غير هؤلاء: القترة ما يغشى الوجه من الكرب، والغبرة ما يعلوه من الغبار، أحدهما حسّيّ والآخر معنوي، وقيل: القترة شدة الغبرة بحيث يسوِّد الوجه، وقيل: القترة سواد الدخان فاستعير هنا، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-2769> باب قوله: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ﴾ [الشعراء: ٢١٤، ٢١٥]: أَلِنْ جَانِبَكَ)</span>\nهو قول أبي عبيدة، وزاد: \"وكلامك\".\nقوله: (عن ابن عباس قال: لما نزلت. . .) إلخ، هذا من مراسيل\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٥٥٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٤٩٩).","vol":"5","page":226},{"text":"الصحابة، وبذلك جزم الإسماعيلي؛ لأن أبا هريرة أسلم بالمدينة، وهذه القصة وقعت بمكة، وابن عباس كان حينئذ إما لم يولد وإما طفلًا، ويؤيد الثاني نداء فاطمة؛ فإنه يشعر بأنها كانت حينئذ بحيث تخاطب بالأحكام، وقد قدمت في \"باب من انتسب إلى آبائه\" في أوائل السيرة النبوية احتمال أن تكون هذه القصة وقعت مرتين، لكن الأصل عدم تكرار النزول، وقد صرَّح في هذه الرواية بأن ذلك وقع حين نزلت، نعم وقع عند الطبراني من حديث أبي أمامة قال: \"لما نزلت ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ﴾ جمع رسول الله - ﷺ - بني هاشم ونسائه وأهله فقال: يا بني هاشم اشتروا أنفسكم من النار واسعوا في فكاك رقابكم، يا عائشة بنت أبي بكر، يا حفصة بنت عمر، يا أم سلمة\" فذكر حديثًا طويلًا، فهذا إن ثبت دلّ على تعدد القصة؛ لأن القصة الأولى وقعمت بمكة لتصريحه في حديث الباب أنه صعد الصفا، ولم تكن عائشة وحفصة وأم سلمة عنده من أزواجه إلا بالمدينة فيجوز أن تكون متأخرة عن الأولى، فيمكن أن يحضرها أبو هريرة وابن عباس أيضًا، ويحمل قوله: \"لما نزلت جمع. . .\" إلخ، أي: بعد ذلك، لا أن الجمع وقع على الفور، ولعله كان نزل أولًا ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ فجمع قريشًا فعمّ ثم خصّ كما سيأتي، ثم نزل ثانيًا، \"ورهطك منهم المخلصين\" فخص بذلك بني هاشم ونسائه والله أعلم.\nوفي هذه الزيادة تعقب على النووي حيث قال في \"شرح مسلم\": إن البخاري لم يخرجها أعني \"ورهطك منهم المخلصين\" اعتمادًا على ما في هذه السورة، وأغفل كونها موجودة عند البخاري في سورة تبت.\nقوله: (لما نزلت ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾) زاد في تفسير تبّت من رواية أبي أسامة عن الأعمش بهذا السند \"ورهطك منهم المخلصين\" وهذه الزيادة وصلها الطبري من وجه آخر عن بهمرو بن مرة أنه كان يقرأها كذلك، قال القرطبي: لعل هذه الزيادة كانت قرآنًا فنسخت","vol":"5","page":227},{"text":"تلاوتها، إلى آخر ما في \"الفتح\" (^١).\n\n(٢٧)<span data-type='title' id=toc-2770> سورة النَّمْل</span>\nكذا في النسخة \"الهندية\" و\"القسطلاني\"، وفي نسخة \"الفتح\" و\"العيني\" \"سورة النمل\" مع زيادة البسملة بعد السورة.\nقال القسطلاني (^٢): ولأبي ذر: \"سورة النمل، بسم الله الرحمن الرحيم\" وسقطت البسملة لغير أبي ذر، وللنسفي تقديمها، انتهى.\nقال العلامة العيني (^٣): ذكر القرطبي وغيره أنها مكية بلا خلاف، وعند السخاوي: نزلت قبل القصص وبعد القصص سبحان، انتهى.\nقوله: (﴿الْخَبْءَ﴾ [النمل: ٢٥] ما خبأت) في رواية غير أبي ذر \"والخبأ\" بزيادة واو في أوله، وهذا قول ابن عباس أخرجه الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عنه قال: ﴿يُخْرِجُ الْخَبْءَ﴾ يعلم كل خفية في السماوات والأرض، وقال الفراء في قوله: ﴿يُخْرِجُ الْخَبْءَ﴾ أي: الغيث من السماء والنبات من الأرض، قال: و\"في\" هنا بمعنى \"من\" وهو كقولهم: ليستخرجن العلم فيكم، أي: الذي منكم، وقرأ ابن مسعود \"يخرج الخبء من\" بدل \"في\"، وروى عبد الرزاق عن قتادة قال: الخبء السر، ولابن أبي حاتم من طريق مجاهد قال: الغيث، ومن طريق سعيد بن المسيب قال: الماء، انتهى من \"الفتح\" (^٤).\nقوله: (﴿مُسْلِمِينَ﴾ طائعين)، كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٥): إنما فسره به لئلا يلزم أنه أجبرها أولًا على الإسلام مع أن الحكم أنه يقبل منهم إذا بذلوا الجزية، فإذا فسر الإسلام بالانقياد شمل الأمرين كليهما، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٥٠٢).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٥٥٦).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٢١٦).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٨/ ٥٠٤).\n(^٥) \"لامع الدراري\" (٩/ ١٣٩ - ١٤١).","vol":"5","page":228},{"text":"وذكر في هامشه كلام الشرَّاح وأهل التفسير فارجع إليه لو شئت، وكتب الشيخ أيضًا: قوله: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ﴾ [النمل: ٤٢] يقوله: سليمان\" هذا على ما ذهب إليه المفسرون ظاهر من أنه قول سليمان، وأما إذا كان هذه مقولة بلقيس لا غير أمكن إرجاع هذا التفسير إلى قوله: ﴿وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ١٦] فاكتفى بالتفسير ولم يذكر المفسر، انتهى من \"اللامع\".\nوبسط في هامشه الكلام في إيضاح هذا المقام فارجع إليه.\nوقال الحافظ (^١): قوله: \" ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ﴾ يقوله: سليمان\" وصله الطبري من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بهذا، ونقل الواحدي أنه من قول بلقيس قالته مُقِرَّةً بصحة نبوة سليمان والأول هو المعتمد، انتهى.\n\n(٢٨)<span data-type='title' id=toc-2771> القَصَص</span>\nوهكذا في نسخة \"القسطلاني\" بإسقاط البسملة ولفظ السورة، وفي نسخة \"الفتح\" و\"العيني\" بإثباتهما.\nقال الحافظ (^٢): سقطت سورة والبسملة لغير أبي ذر والنسفي، انتهى.\nقال العيني (^٣): قال أبو العباس: هي مكية إلا آية نزلت بالجحفة وهي قوله: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: ٨٥] أي: إلى مكة، وعن ابن عباس: إلى الموت، وعنه: إلى يوم القيامة، وعنه: إلى بيت المقدس، وعن أبي سعيد الخدري - ﵁ -: إلى الجنّة، انتهى.\nوقال القسطلاني (^٤): مكية، وقيل: إلا قوله: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ إلى ﴿الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٢ - ٥٥]، انتهى.\nقوله: (﴿إلا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] إلا ملكه) في رواية النسفي: \"وقال معمر\" فذكره، ومعمر هذا هو أبو عبيدة بن المثنى وهذا كلامه في كتابه\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٥٠٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٥٠٥).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٢١٩).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٥٥٧).","vol":"5","page":229},{"text":"\"مجاز القرآن\" لكن بلفظ \"إلا هو\" وكذا نقله الطبري عن بعض أهل العربية وكذا ذكره الفراء، وقال ابن التِّين: قال أبو عبيدة: ﴿إلا وَجْهَهُ﴾ أي: جلاله، وقيل: إلا إياه، تقول: أكرم الله وجهك، أي: أكرمك الله، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-2772> باب قوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص:</span> ٥٦])\nقال الحافظ (^٢): لم تختلف النقلة في أنها نزلت في أبي طالب، واختلفوا في المراد بمتعلق ﴿أَحْبَبْتَ﴾ فقيل: المراد أحببت هدايته، وقيل: أحببته هو لقرابته منك.\nقوله: (لما حضرت أبا طالب الوفاة. . .) إلخ، قال الكرماني (^٣): المراد علاماتها وإلا فلو كان انتهى إلى المعاينة لم ينفعه الإيمان لو آمن، ويدل على الأول ما وقع من المراجعة بينه وبينهم، انتهى.\nويحتمل أن يكون انتهى إلى تلك الحالة لكن رجا النبي - ﷺ - أنه إذا أقر بالتوحيد ولو في تلك الحالة أن ذلك ينفعه بخصوصه وتسوغ شفاعته - ﷺ - لمكانه منه، ولهذا قال: \"أجادل لك بها وأشفع لك\" ويؤيد الخصوصية أنه بعد ما امتنع من الإقرار بالتوحيد وقال: \"هو على ملة عبد المطلب\" ومات على ذلك أن النبي - ﷺ - لم يترك الشفاعة له بل شفع له حتى خفف عنه العذاب بالنسبة لغيره، وكان ذلك من الخصائص في حقه، انتهى من \"الفتح\" (^٤).\nوقال القسطلاني (^٥) في شرح الحديث: قوله: \"فأنزل الله ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [التوبة: ١١٣] \" إلخ، واستشكل هذا بأن وفاة أبي طالب\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٥٠٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٥٠٦).\n(^٣) \"الكواكب الدراري\" (٧/ ١٣٥).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٨/ ٥٠٦، ٥٠٧)\n(^٥) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٥٦٠، ٥٦١).","vol":"5","page":230},{"text":"وقعت قبل الهجرة بمكة بغير خلاف، وقد ثبت أن النبي - ﷺ - أتى قبر أمه لما اعتمر فاستأذن ربه أن يستغفر لها فنزلت هذه الآية، رواه الحاكم وابن أبي حاتم عن ابن مسعود، والطبراني عن ابن عباس، وفي ذلك دلالة على تأخر نزول الآية عن وفاة أبي طالب، والأصل عدم تكرار النزول، وأجيب باحتمال تأخر نزول الآية وإن كان سببها تقدم، ويكون لنزولها سببان: متقدم وهو أمر أبي طالب، ومتأخر وهو أمر آمنة، ويؤيد تأخر النزول ما في سورة براءة من استغفاره ﵊ للمنافقين حتى نزل النهي عنه، قاله في \"الفتح\"، قال: ويرشد إلى ذلك قوله: \"وأنزل الله في أبي طالب فقال. . .\" إلخ، ففيه إشعار بأن الآية الأولى نزلت في أبي طالب وغيره، والثانية نزلت فيه وحده، انتهى.\nقوله: (أم القرى: مكة وما حولها) كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^١): فإن أم القرى يطلق على قرية جامعة كبيرة واقعة بين قرى صغار واقعة حولها إلا أن مكة لما كانت كبيرة ما بين القرى الواقعة حولها أطلق عليها ذلك الاسم ثم غلب استعماله عليه لورود هذه الصفة لها في القرآن، انتهى.\nوبسط في هامشه الكلام على تسمية مكة بأم القرى فارجع إليه لو شئت.\nقوله: (وَيْكَ أَنَّ الله) كتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): كتبهما منفردين ليطابق بينه وبين تفسيره حيث قال: \"مثل ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ﴾ \" أي: في كونهما لفظين، فويك كلمة وأنّ كلمة أخرى، انتهى.\nوفي هامشه: وهما كذلك منفردين في النسخ الهندية، وما في النسخ المصرية من المتون والشروح كتبه متصلة ﴿وَيْكَأَنَّ﴾ [القصص: ٨٢] وهكذا تقدم في كتاب الأنبياء متصلة، فالظاهر أن ما ها هنا من الانفراد من تصرف النساخ.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٩/ ١٤٢، ١٤٣).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٩/ ١٤٣).","vol":"5","page":231},{"text":"وفي \"الجمل\" (^١): ولم يرسم في [القرآن] إلا ويكأن وويكأنه متصلة في الموضعين فعامة القراء اتبعوا الرسم والكسائي وقف على \"وَيْ\" وأبو عمرو على \"ويك\" كذا في \"السمين\"، وفي الخطيب: هذه الكلمة والتي بعدها متصلة بإجماع المصاحف واختلف القراء في الوقف، انتهى.\nقلت: وتقدم قول البخاري هذا في كتاب الأنبياء في \"باب قوله: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾ \" [القصص: ٧٦].\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه هناك (^٢): والغرض منه بيان المماثلة بينهما في أن كلًّا منها كلمتان، فقوله: \"ويك\" كلمة كقوله: \"ألم تر\" والباقي منه كالباقي منه، وهذا ردّ لما يتوهم من أن الكاف على حدة وقوله: \"وي\" كلمة مستقلة، وقوله: \"يبسط\" كلام على حدة مما قبله، انتهى.\nوبسط في هامشه أقوال المفسرين في تفسير هذا اللفظ فارجع إليه لو شئت.\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-2773> باب قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾ [القصص:</span> ٨٥])\nسقطت الترجمة لغير أبي ذر.\nقوله: (﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ قال: إلى مكة) هكذا في هذه الرواية، وروى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال: كان ابن عباس يكتم تفسير هذه الآية، وروى الطبري من وجه آخر عن ابن عباس قال: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ قال: إلى الجنّة، وإسناده ضعيف، ومن وجه آخر قال: إلى الموت، وأخرجه ابن أبي حاتم وإسناده لا بأس به، ومن طريق مجاهد قال: يحييك يوم القيامة، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\nوتقدم الأقوال في تفسيره في أول هذه السورة.\n_________\n(^١) \"الفتوحات الإلهية\" (٣/ ٣٦٣).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٨/ ٥٥).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٥١٠).","vol":"5","page":232},{"text":"(٢٩)<span data-type='title' id=toc-2774> العَنْكَبُوت</span>\nوهكذا في نسخة \"القسطلاني\" بدون البسملة ولفظ السورة، وفي نسخة الحافظين بزيادتهما.\nقال الحافظ (^١): سقطت السورة والبسملة لغير أبي ذر، انتهى.\nوقال العيني (^٢): وهي مكية، وقال ابن عباس: فيها اختلاف في سبع عشرة آية فذكرها، وقال مقاتل: نزلت ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ﴾ [العنكبوت: ١، ٢] في مهجع بن عبد الله مولى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أول قتيل من المسلمين يوم بدر رماه ابن الحضرمي بسهم فقتله، وهو أول من يدعى إلى الجنّة من شهداء أمة محمد - ﷺ -، وقال السخاوي: نزلت بعد ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم: ١، ٢] وقبل سورة المطففين.\nقوله: (قال مجاهد: ﴿وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٨] ضللة) أي: في قوله تعالى: ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾.\nقوله: (ضللة) جمع ضال، قاله الكرماني، وفيه ما فيه، والصواب ضلالة، وكذا هو في عامة النسخ، وفي التفسير ﴿مُسْتَبْصِرِينَ﴾ يعني: في الضلالة، وعن قتادة: مستبصرين في ضلالتهم معجبين بها، وعن الفراء: عقلاء ذوي بصائر، وعن الضحاك والكلبي ومقاتل: حسبوا أنهم على الحق والهدى وهم على الباطل، انتهى.\nقال القسطلاني (^٣): والمعنى أنهم كانوا عند أهلهم مستبصرين، وقال في \"الأنوار\": أي متمكنين من النظر والاستبصار ولكنهم لم يفعلوا، وفي نسخة \"ضلالة\" بألف بين اللامين، انتهى.\nقوله: (وقال غيره: الحيوان والحي واحد) كما في نسخة الحاشية، قال الحافظ (^٤): ثبت هذا لأبي ذر وحده، وللأصيلي: \"الحيوان والحياة واحد\"\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٥١٠).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٢٢٤، ٢٢٥).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٥٦٥).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٨/ ٥١٠).","vol":"5","page":233},{"text":"وهو قول أبي عبيدة قال: الحيوان والحياة واحد، وزاد: منه قولهم: نهر الحيوان، أي: نهر الحياة، وتقول: حييت حيًّا، والحيوان والحياة اسمان منه، وللطبري من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت: ٦٤] قال: لا موت فيها، انتهى.\n\n(٣٠) -<span data-type='title' id=toc-2775> الم غُلِبَتِ الرُّوم</span>\nكذا في النسخة \"الهندية\" وكذا في نسخة \"القسطلاني\" بغير زيادة \"سورة\" وبغير البسملة، وفي نسخة \"العيني\" بزيادة لفظ \"سورة\" والبسملة، وفي نسخة \"الفتح\": \"سورة الروم\" ثم ذكر البسملة، قال الحافظ (^١): سقطت \"سورة\" والبسملة لغير أبي ذر.\nقال العلامة العيني (^٢): وهي مكية وفيها اختلاف في آيتين: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ [لقمان: ٢٧] فذكر السدي أنها نزلت بالمدينة، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤]، انتهى.\nقلت: كذا قال وفيه سبق قلم ولعله التبس عليه هذه السورة بالآتية فإن هاتين الآيتين في سورة لقمان، وسيأتي هذا الكلام بعينه هناك.\nوقال القسطلاني (^٣): هي مكية إلا قوله: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ الآية [الروم: ١٧]، انتهى.\nقال العيني (^٤): وقال السخاوي: نزلت بعد ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ وقبل العنكبوت، ثم قال: والروم اثنان: الأول من ولد يافث بن نوح - ﵇ - وهو رومي بن لنطي بن يونان بن يافث، والثاني الذي رجع إليهم الملك من ولد رومي بن لنطي من ولد عيص بن إسحاق - ﵇ - غلبوا على اليونانين فبطل ذكر الأولين، وغلب هؤلاء على الملك، وروى\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٥١١).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٢٢٦).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٥٦٦).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٢٢٦).","vol":"5","page":234},{"text":"الواحدي من حديث الأعمش عن عطية عن أبي سعيد الخدري قال: لما كان يوم بدر ظهرت الروم على فارس فأعجب بذلك المؤمنون فنزلت: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم: ١، ٢] إلى أن قال: ﴿يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [الروم: ٤] بظهور الروم على أهل فارس، انتهى.\nقوله: (﴿فَلَا يَرْبُو﴾ [الروم: ٣٩] من أعطى يبتغي أفضل فلا أجر له فيها) وصله الطبري من ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ﴾ [الروم: ٣٩] قال: يعطي ماله يبتغي أفضل منه، وقال عبد الرزاق عن عبد العزيز بن أبي رواد عن الضحاك في هذه الآية، قال: هذا هو الربا الحلال يهدي الشيء ليصاب أفضل منه ذاك لا له ولا عليه، وأخرجه ابن أبي حاتم من وجه آخر عن عبد العزيز وزاد: ونهى النبي - ﷺ - عنه خاصة، ومن طريق إسماعيل بن أبي خالد عن إبراهيم قال: هذا في الجاهلية كان يعطي الرجل قرابته المال يكثر به ماله، إلى آخر ما في \"الفتح\" (^١).\nقال الحافظ (^٢): ثم ذكر المصنف حديث ابن مسعود في دعاء النبي - ﷺ - على قريش بالسنين وسؤالهم له الدعاءَ برفع القحط، وقد تقدم شرح ذلك في الاستسقاء، ويأتي ما يتعلق بالذي وقع في صدر الحديث من الدخان في تفسير سورة الدخان إن شاء الله، انتهى.\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): وإنما أنكر ابن مسعود على القاصّ بيانَ هذا الدخان في تفسير الآية لأن المذكور في الآية غير المذكور فيما ذكره الراوي من الرواية، وهو وإن كان صحيحًا في نفسه إلا أنه لم يصح ذكره في تفسير الآية، لا أن ابن مسعود لم يبلغه الرواية أصلًا فأنكر ذلك لأنه أرفع شأنًا من أن يظن به خفاء الرواية عليه، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٥١١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٥١٢).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٩/ ١٤٤، ١٤٥).","vol":"5","page":235},{"text":"وفي هامشه: ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه جدير بجلالة شأن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، ويؤيده ما سيأتي من الروايات عن ابن مسعود في تفسير سورة الدخان، لكن الظاهر من سياق حديث الباب الردّ من ابن مسعود على القاصّ مطلقًا فإن القاصّ لم يذكره في تفسير الآية بل ذكره في علامات القيامة، وقد أشبع الشيخ قُدِّس سرُّه الكلام على هذا الحديث في \"الكوكب الدري\" مع ما علّقت عليه.\nفكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"الكوكب\" (^١) في تفسير سورة الدخان: قد ورد ذلك في الرواية وعُدّ من أشراط الساعة واختلف في تفسير الآية ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] وتعيين المراد بالدخان فيها، فالصحيح الذي لا يحول حماه الريب ويكون مطابقًا للسياق والسباق من غير رجم غيب هو الذي أراد ابن مسعود وإن كان يصح حمل الآية على ما ذكره القاصّ أيضًا؛ فإنه يبقى أربعين يومًا ثم يكشف بعد ذلك، والقول الثالث الذي قيل: إنه يكون بعد الحشر، قال أصحابه: إنه على التقدير، أي: لو كشفنا عنهم العذاب لعادوا، وإنما ردّ ابن مسعود على القاصّ قوله ذلك ظنًا منه أنه إنما ذكر ما ذكر من غير أن يستند ذلك إلى نقل عن النبي - ﷺ -، فظاهر أن وقائع نزول الآيات لا دخل فيها للعقل وإنما هي منوطة بالرواية والنقل، ولم يكن قصد ابن مسعود ردّ الرواية التي ذكرها القاصّ فإنها مسلّمة، بل المقصود الردّ على كون ذلك الدخان الذي هو من أشراط الساعة مراد الآية، فإن مساق الكلام آب عنه، انتهى.\nقلت: ذكر المصنف حديث الباب مختصرًا في تفسير سورة الدخان.\nقال الحافظ (^٢): قد تقدم سبب قول ابن مسعود هذا في سورة الروم، وقد جرى البخاري على عادته في إيثار الخفي على الواضح، فإن هذه السورة كانت أولى بإيراد هذا السياق من سورة الروم لما تضمنته من ذكر\n_________\n(^١) \"الكوكب الدري\" (٤/ ٢٦٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٥٧٢).","vol":"5","page":236},{"text":"الدخان، لكن هذه طريقته يذكر الحديث في موضع ثم يذكره في الموضع اللائق به عاريًا عن الزيادة اكتفاء بذكرها في الموضع الآخر، شحذًا للأذهان وبعثًا على مزيد الاستحضار.\nوهذا الذي أنكره ابن مسعود قد جاء عن علي، فأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم من طريق الحارث عن علي قال: \"آية الدخان لم تمض بعد، يأخذ المؤمن كهيئة الزكام، وينفخ الكافر حتى ينفد\"، ويؤيد كون آية الدخان لم تمض ما أخرجه مسلم من حديث أبي شريحة رفعه: \"لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات: طلوع الشمس من مغربها، والدخان، والدابة\" الحديث، وروى الطبري من حديث ربعي عن حذيفة مرفوعًا في خروج الآيات والدخان قال حذيفة: يا رسول الله! وما الدخان؟ فتلا هذه الآية قال: \"أما المؤمن فيصيبه منه كهيئة الزكمة، وأما الكافر فيخرج من منخريه وأذنيه ودبره\" وإسناده ضعيف أيضًا ثم ذكر الحافظ عدة روايات بأسانيد ضعاف، ثم قال: لكن تضافر هذه الأحاديث يدلّ على أن لذلك أصلًا، ولو ثبت طريق حديث حذيفة لاحتمل أن يكون هو القاص المراد في حديث ابن مسعود، انتهى.\nقال القسطلاني (^١): وهذا الذي قاله ابن مسعود وافقه عليه جماعة كمجاهد وأبي العالية وإبراهيم النخعي والضحاك وعطية العوفي، واختاره ابن جرير، لكن أخرج ابن أبي حاتم عن الحارث عن علي فذكر ما تقدم في كلام الحافظ، وأخرج أيضًا عن عبد الله بن أبي مليكة قال: غدوت على ابن عباس ذات يوم فقال: ما نمت الليلة حتى أصبحت، قلت: لم؟ قال: قالوا: طلع الكوكب ذو الذنب فخشيت أن يكون الدخان قد طرق، فما نمت حتى أصبحت.\nقال الحافظ ابن كثير: وإسناده صحيح إلى ابن عباس حبر الأمة\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٥٦٩).","vol":"5","page":237},{"text":"وترجمان القرآن، ووافقه عليه جماعة من الصحابة والتابعين مع الأحاديث المرفوعة من الصحاح والحسان مما فيه دلالة ظاهرة على أن الدخان من الآيات المنتظرة، وهو ظاهر قوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] أي: بيِّن واضح، وعلى ما فسر به ابن مسعود إنما هو خيال رأوه في أعينهم من شدة الجوع والجهد، وكذا قوله: ﴿يَغْشَى النَّاسَ﴾ [الدخان: ١١]، أي: يعمهم، ولو كان خيالًا يخص مشركي مكة لما قيل: ﴿يَغْشَى النَّاسَ﴾، وأما قوله: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ﴾ [الدخان: ١٥] أي: ولو كشفنا عنكم العذاب ورجعناكم إلى الدنيا لعدتم إلى ما كنتم فيه من الكفر والتكذيب، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا﴾ [المؤمنون: ٧٥] وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨]، انتهى.\nقلت: ذكر الحافظ (^١) أثر ابن أبي مليكة وعزاه إلى عبد الرزاق ولفظه: قالوا: طلع الكوكب ذو الذنب فخشينا الدخان قد خرج، وهذا أخشى أن يكون تصحيفًا وإنما هو الدجال بالجيم الثقيلة واللام، انتهى.\n\n<span data-type='title' id=toc-2776>(باب قوله: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]: لِدِيْنِ الله، ﴿خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٧] دِيْنُ الأَوَّلِيْن)</span>\nقال العلامة العيني (^٢): وليس في كثير من النسخ لفظ \"باب\".\nقوله: (لدين الله) تفسير \" ﴿لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ \" وكذا روى الطبري عن إبراهيم النخعي، وفي التفسير، أي: لدين الله، أي: لا يصح ذلك ولا ينبغي أن يفعل، ظاهره نفي ومعناه نهي، هذا قول أكثر العلماء، وفيه قول آخر أخرجه الطبري من طرق عن ابن عباس وعكرمة ومجاهد: لا تغيير لخلق الله تعالى من البهائم بالخصاء ونحوها.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٥٧٣).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٢٢٨، ٢٢٩).","vol":"5","page":238},{"text":"قوله: (﴿خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾. . .) إلخ، أشار به إلى أن معنى قوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ يعني: دين الأولين، وهكذا روي عن ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عنه، وهذا يؤيد الأول، وفيه قول آخر أخرجه ابن أبي حاتم من طريق الشعبي عن علقمة في قوله: ﴿خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ قال اختلاق الأولين، ومن طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: كذبهم، ومن طريق قتادة قال: سيرتهم.\nقوله: (الفطرة الإسلام) أشار به إلى قوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ الآية [الروم: ٣٠] وفسّر الفطرة بالإسلام وهو قول عكرمة، وقيل: الفطرة هنا الفقر والفاقة، انتهى بزيادة من \"الفتح\" (^١).\n\n(٣١)<span data-type='title' id=toc-2777> لُقْمَان</span>\nهكذا في النسخ الهندية، وفي نسخة الحافظين بزيادة لفظ \"سورة والبسملة بعدها\"، وفي نسخة \"القسطلاني\" بزيادة البسملة وبدون لفظ \"السورة\".\nقال الحافظ (^٢): سقطت \"سورة والبسملة\" لغير أبي ذر، وسقطت البسملة فقط للنسفي، انتهى.\nقال العيني (^٣): وهي مكية وفيها اختلاف في آيتين، إلى آخر ما تقدم في مبدء سورة الروم، ثم قال: وقال ابن النقيب: قال ابن عباس: هي مكية إلا ثلاث آيات نزلن بالمدينة، وعن الحسن: إلا آية واحدة وهي قوله - ﷿ -: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [لقمان: ٤] لأن الصلاة والزكاة مدنيتان، انتهى.\nزاد القسطلاني (^٤)، وضعف لأنه لا ينافي شرعيتهما بمكة، ثم ذكر العيني ترجمة لقمان وقد تقدم في أحاديث الأنبياء فلا حاجة إلى إعادته.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٥١٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٥١٣).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٢٢٩).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٥٧٢).","vol":"5","page":239},{"text":"(١ -<span data-type='title' id=toc-2778> باب قوله تعالى: ﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:</span> ١٣])\nهكذا في النسخة \"الهندية\" وليس في نسخ الشروح الثلاثة لفظ \"باب\".\nقال الحافظ (^١): ذكر فيه حديث ابن مسعود في تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] وقد تقدم شرحه مستوفى في كتاب الإيمان، انتهى.\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-2779> باب قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان:</span> ٣٤])\nقال العلامة العيني (^٢): هذه الآية نزلت في الوارث بن عمر من أهل البادية أتى النبي - ﷺ - يسأله عن الساعة ووقتها، وقال: أرضنا أجدبت فمتى ينزل الغيث؟ وقد تركت امرأتي حبلى فمتى تلد؟ وقد علمت أين ولدت فبأي أرض أموت؟ فأنزل الله هذه الآية، انتهى.\nقال الحافظ (^٣): ذكر فيه حديث أبي هريرة في سؤال جبريل عن الإيمان والإسلام وغير ذلك، وفيه: \"خمس لا يعلمهن إلا الله\" وقد تقدم شرح الحديث مستوفى في كتاب الإيمان، وسيأتي في التوحيد شيء يتعلق بذلك، ثم ذكر الحافظ ها هنا الكلام على معنى الحصر في قوله: \"لا يعلمهن إلا الله\" وأنه لا منافاة بينه وبين قوله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦، ٢٧] وغير ذلك من الآيات والروايات مما يتعلق بعلم الغيب فارجع إليه لو شئت.\n\n(٣٢)<span data-type='title' id=toc-2780> سورة تنزيلُ السَّجْدَة</span>\nهكذا في النسخة \"الهندية\" وكذا في نسخة \"القسطلاني\"، وفي نسخة \"الفتح\" و\"العيني\": \"سورة السجدة\" مع البسملة أخيرًا،\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٥١٣).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٢٣٠).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٥١٤).","vol":"5","page":240},{"text":"قال الحافظ (^١): كذا لأبي ذر وسقطت البسملة للنسفي، ولغيرهما \"تنزيل السجدة\" حسب، انتهى.\nقال العلامة العيني (^٢): قال مقاتل: هي مكية وفيها من المدني ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ الآية [السجدة: ١٦] فإنها نزلت في الأنصار، قال السخاوي: نزلت بعد ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ وقبل الطور، انتهى.\nقوله: (وقال ابن عباس: ﴿الْجُرُزِ﴾ التي لا تمطر) أي: في تفسير قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ﴾ [السجدة: ٢٧].\nقال الحافظ (^٣): وصله الطبري من طريق ابن أبي نجيح عن رجل عن مجاهد عنه مثله، وذكره الفريابي وإبراهيم الحربي في \"غريب الحديث\" من طريق ابن أبي نجيح عن رجل عن ابن عباس كذلك، زاد إبراهيم: وعن مجاهد قال: هي أرض أبين، وأنكر ذلك الحربي وقال: أبين مدينة معروفة باليمن، فلعل مجاهدًا قال ذلك في وقت لم تكن أبين تنبت فيه شيئًا، وأخرج ابن عيينة في تفسيره عن عمرو بن دينار عن ابن عباس في قوله: ﴿إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ﴾ قال: هي أرض باليمن، وقال أبو عبيدة: ﴿الْأَرْضِ الْجُرُزِ﴾: اليابسة الغليظة التي لم يصبها مطر، انتهى من \"الفتح\".\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-2781> باب قوله: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ﴾ [السجدة:</span> ١٧])\nقرأ الجمهور ﴿أُخْفِيَ﴾ بالتحريك على البناء للمفعول، وقرأ حمزة بالإسكان فعلًا مضارعًا مسندًا للمتكلم، ويؤيده قراءة ابن مسعود \"نخفي\" بنون العظمة، وقرأها محمد بن كعب \"أخفى\" بفتح أوله وفتح الفاء على البناء للفاعل وهو الله، ونحوها قراءة الأعمش \"أخفيت\"، وذكر المصنف في آخر الباب أن أبا هريرة قرأ: \"قُرّات أعين\" بصيغة الجمع وبها قرأ ابن مسعود أيضًا وأبو الدرداء، قال أبو عبيدة: ورأيتها في المصحف الذي يقال له\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٥١٥).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٢٣١، ٢٣٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٥١٥).","vol":"5","page":241},{"text":"الإمام: ﴿قُرَّةَ﴾ بالهاء على الوحدة وهي قراءة أهل الأمصار.\nقوله: (يقول الله تعالى: أعددت لعبادي) ووقع في حديث آخر أن سبب هذا الحديث أن موسى ﵊ سأل ربه: \"من أعظم أهل الجنة منزلًا؟ فقال: غرست كرامتهم بيدي وختمت عليها، فلا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر\" أخرجه مسلم والترمذي من طريق الشعبي: سمعت المغيرة بن شعبة على المنبر يرفعه إلى النبي - ﷺ - \"أن موسى سأل ربه\" فذكر الحديث بطوله وفيه هذا، وفي آخره: قال: \"ومصداق ذلك في كتاب الله ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ \" [السجدة: ١٧].\nقوله: (ولا خطر على قلب بشر) زاد ابن مسعود في حديثه: \"ولا يعلمه ملك مقرب ولا نبي مرسل\" أخرجه ابن أبي حاتم، وهو يدفع قول من قال: إنما قيل: البشر؛ لأنه يخطر بقلوب الملائكة، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nقوله: (من بله ما أطلعتم عليه. . .) إلخ، قال الحافظ (^٢): قال الخطابي: كأنه يقول: دع ما أطلعتم عليه فإنه سهل في جنب ما ادخر لهم، قلت: وهذا لائق بشرح \"بله\" بغير تقدم \"من\" عليها، وأما إذا تقدمت \"من\" عليها فقد قيل: هي بمعنى \"كيف\"، ويقال: بمعنى \"أجل\"، ويقال: بمعنى \"غير\" أو \"سوى\"، ويقال: بمعنى \"فضل\"، لكن قال الصغاني: اتفقت نسخ الصحيح على \"من بله\" والصواب إسقاط كلمة \"من\" وتعقب بأنه لا يتعين إسقاطها إلا إذا فسرت بمعنى \"دع\"، وأما إذا فسرت بمعنى \"من أجل\" أو \"من غير\" أو \"سوى\" فلا، وقد ثبت في عدة مصنفات خارج الصحيح بإثبات من، إلى آخر ما بسط الحافظ.\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٣): كلمة \"من\" زائد و\"بله\" معناه حسب، أي: حسبكم ما ذكر في القرآن في تصديق ما قلته، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٥١٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٥١٦).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٩/ ١٤٦).","vol":"5","page":242},{"text":"وذكر في هامشه ما تقدم من كلام الحافظ وفيه أيضًا: قال المجد في \"القاموس\" (^١): بله، ككيف: اسم لدع، ومصدر بمعنى الترك، واسم مرادف لكيف، وما بعدها منصوب على الأول، مخفوض على الثاني، مرفوع على الثالث، وفتحها بناء على الأول والثالث، وإعراب على الثاني، وفي تفسير سورة السجدة من البخاري: \"ولا خطر على قلب بشر، ذخرًا من بله ما أطلعتم عليه\" فاستعملت معربة مجرورة بمن خارجة من المعاني الثلاثة وفسرت بغير وهو موافق لقول من يعدّها من ألفاظ الاستثناء وبمعناها، انتهى.\n\n(٣٣)<span data-type='title' id=toc-2782> الأحزاب</span>\nوهكذا في نسخة \"القسطلاني\" من غير لفظ السورة والبسملة، وفي نسخة الحافظين بزيادتهما.\nقال العيني (^٢): وهي مدنية كلها لا اختلاف فيها، قال السخاوي: نزلت بعد آل عمران وقبل سورة الممتحنة، انتهى.\nقوله: (وقال مجاهد) فيما وصله الفريابي من طريق ابن أبي نجيح عنه، في قوله: ﴿صَيَاصِيهِمْ﴾ [الأحزاب: ٢٦] هي (قصورهم) وحصونهم، جمع صيصة، يقال لكل ما يمتنع به ويتحصن: صيصة، ومنه قيل لقرن الثور ولشوكة الديك: صيصة، والصياصي أيضًا شوكة الحاكة وتتخذ من حديد، قال دريد ابن الصمة.\nكوقع الصياصي في النسيج الممدد، انتهى من \"القسطلاني\" (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-2783>(باب قوله: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب:</span> ٥])\nوفي نسخة الشروح بزيادة قوله: ﴿هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥].\nقال القسطلاني (^٤): وسقط ﴿هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ لغير أبوي الوقت وذر، و\"باب\" لغير أبي ذر، انتهى.\n_________\n(^١) \"القاموس\" (ص ١١٢٠).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٢٣٤).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٥٨٠).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٥٨١).","vol":"5","page":243},{"text":"قال الحافظ (^١): أي أعدل، وسيأتي تفسير القسط والفرق بين القاسط والمقسط في آخر الكتاب، انتهى.\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-2784> باب قوله: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ [الأحزاب: ٢٣]. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٢): قوله: \" ﴿نَحْبَهُ﴾ عهده\" قال أبو عبيدة في قوله: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ أي: نذره، والنحب النذر، والنحب أيضًا النفس، والنحب أيضًا الخطر العظيم، وقال غيره: النحب في الأصل النذر ثم استعمل في آخر كل شيء، وعن الحسن: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ قال: قضى أجله على الوفاء والتصديق، وهذا مخالف لما قاله غيره، بل ثبت عن عائشة أن طلحة دخل على النبي - ﷺ - فقال: \"أنت يا طلحة ممن قضى نحبه\" أخرجه ابن ماجه والحاكم، ويمكن أن يجمع بحمل حديث عائشة على المجاز، وقضى بمعنى يقضي، ووقع في تفسير ابن أبي حاتم: \"منهم عمار بن ياسر\"، وفي تفسير يحيى بن سلام: \"منهم حمزة وأصحابه\"، وقد تقدم في قصة أنس بن النضر قول أنس بن مالك: منهم أنس بن النضر، وعند الحاكم من حديث أبي هريرة: منهم مصعب بن عمير، انتهى.\nقوله: (لم أجدها إلا مع خزيمة. . .) إلخ، تقدم الكلام عليها من اختلاف الروايات والجمع بينها في آخر تفسير سورة براءة.\nقوله: (جعل شهادته رجلين. . .) إلخ، قال الحافظ (^٣): (تنبيه): زعم ابن التِّين أن النبي - ﷺ - قال لخزيمة لما جعل شهادته شهادتين: \"لا تعد\" أي: تشهد على ما لم تشاهده، انتهى، وهذه الزيادة لم أقف عليها، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٥١٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٥١٨).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٥١٩).","vol":"5","page":244},{"text":"(٤ -<span data-type='title' id=toc-2785> باب قوله: ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [الأحزاب:</span> ٢٨])\nقوله: (التبرج أن تخرج زينتها) هو قول أبي عبيدة واسمه معمر بن المثنى ولفظه في \"كتاب المجاز\" في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ الآية [الأحزاب: ٣٣] هو من التبرج وهو أن يبرزن محاسنهن، وتوهم مغلطاي ومن قلّده أن مراد البخاري معمر بن راشد فنسب هذا إلى تخريج عبد الرزاق في تفسيره عن معمر، ولا وجود لذلك في تفسير عبد الرزاق، وإنما أخرج عن معمر عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في هذه الآية، قال: كانت المرأة تخرج تتمشى بين الرجال فذلك تبرج الجاهلية، وعند ابن أبي حاتم عن قتادة قال: كانت لهن مشية وتكسر وتغنج إذا خرجن من البيوت فنهين عن ذلك، ومن طريق عكرمة عن ابن عباس قال: قال عمر: ما كانت إلا جاهلية واحدة، فقال له ابن عباس: هل سمعت بأولى إلا ولها آخر؟ ومن وجه آخر عنه قال: كانت الجاهلية الأولى ألف سنة فيما بين نوح وإدريس، وإسناده قوي، ومن حديث عائشة قالت: الجاهلية الأولى بين نوح وإبراهيم، وإسناده ضعيف، ومن طريق الشعبي قال: هي ما بين عيسى ومحمد، انتهى (^١).\nوتعقب العلامة العيني على قول الحافظ: وتوهم مغلطاي إلى آخر ما تقدم، فقال (^٢): لم يقل الشيخ علاء الدين مغلطاي معمر بن راشد وإنما قال: هذا رواه عبد الرزاق عن معمر، ولم يقل أيضًا: في تفسيره، حتى يشنع عليه بأنه لم يوجد في تفسيره، وعبد الرزاق له تآليف أخرى غير تفسيره وحيث أطلق معمرًا يحتمل أحد المعمرين، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٥١٩، ٥٢٠).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٢٣٧).","vol":"5","page":245},{"text":"(٥ -<span data-type='title' id=toc-2786> باب قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ﴾ [الأحزاب:</span> ٢٩])\nقوله: (وقال قتادة: الحكمة القرآن والسُّنَّة) وصله ابن أبي حاتم عن قتادة بلفظ \" ﴿مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ الآية [الأحزاب: ٣٤] القرآن والسُّنَّة\" أورده بصورة اللف والنشر المرتب، وكذا هو في تفسير عبد الرزاق، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوفي \"تفسير الجلالين\" (^٢): ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦٩] أي: العلم النافع المؤدي إلى العمل، انتهى.\nوفي حاشية \"الجمل\" (^٣): اختلف العلماء في الحكمة فقال السدي: هي النبوة، وابن عباس: هي المعرفة بالقرآن فقهه ونسخه ومحكمه ومتشابهه وغريبه ومقدّمه ومؤخره، وقال قتادة ومجاهد: الحكمة الفقه في القرآن، وقال مجاهد: الإصابة في القول والفعل، وقال ابن زيد: الحكمة الفقه في الدين، وقال مالك بن أنس: الحكمة المعرفة بدين الله والفقه فيه والاتباع له، وروى عنه ابن القاسم أنه قال: الحكمة التفكر في أمر الله تعالى والاتباع له.\nوقال أيضًا: الحكمة طاعة الله تعالى والفقه في الدين والعمل به، وقال الربيع بن أنس: هي الخشية، وقال النخعي: هي الفهم في القرآن، وقال الحسن: هي الورع، قلت: وهذه الأقوال كلها ما عدا قول السدي والربيع والحسن قريب بعضها من بعض؛ لأن الحكمة مصدر من الإحكام وهو الإتقان في عمل وقول وكل ما ذكر في قول من الأقوال فهو نوع من الحكمة التي هي الجنس، فكتاب الله حكمة، وسُنَّة نبيه حكمة، وأصل الحكمة ما يمتنع به من السفه، فقيل للعلم حكمة لأنه يمتنع به من السفه،\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٥٢٠).\n(^٢) \"تفسير الجلالين\" (ص ٦٠).\n(^٣) \"الفتوحات الإلهية\" (١/ ٢٢٣، ٢٢٤).","vol":"5","page":246},{"text":"وهو كل فعل قبيح، وكذا القرآن والعقل والفهم، انتهى.\nوقد تقدم بعض الأقوال في تفسير الحكمة في مناقب ابن عباس.\nقوله: (لما أمر رسول الله - ﷺ - بتخيير أزواجه) قال الحافظ (^١): ورد في سبب هذا التخيير ما أخرجه مسلم من حديث جابر قال: \"دخل أبو بكر يستأذن على رسول الله - ﷺ -\" الحديث.\nفي قوله - ﷺ -: (هن حولي كما ترى يسألنني النفقة) يعني: نساءه، وفيه أنه اعتزلهن شهرًا ثم نزلت عليه هذه الآية ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ حتى بلغ ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [لأحزاب: ٢٨ - ٢٩]، قال: فبدأ بعائشة فذكر نحو حديث الباب.\nثم ذكر الحافظ اختلاف الروايات في سبب الاعتزال إلى أن قال: ويمكن الجمع بأن تكون القضيتان جميعًا سبب الاعتزال فإن قصة المتظاهرتين خاصة بهما وقصة سؤال النفقة عامة في جميع النسوة، ومناسبة آية التخيير بقصة سؤال النفقة أليق منها بقصة المتظاهرتين، وقال الماوردي: اختلف هل كان التخيير بين الدنيا والآخرة أو بين الطلاق والإقامة عنده على قولين للعلماء أشبههما بقول الشافعي الثاني، ثم قال: إنه الصحيح.\nقال الحافظ: والذي يظهر الجمع بين القولين لأن أحد الأمرين ملزوم للآخر وكأنهن خيرن بين الدنيا فيطلقهن وبين الآخر فيمسكهن، وهو مقتضى سياق الآية، انتهى ملخصًا من \"الفتح\".\n\n(٦ -<span data-type='title' id=toc-2787> باب قوله: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ﴾ [الأحزاب:</span> ٣٧])\nقال الحافظ (^٢): لم تختلف الروايات أنها نزلت في قصة زيد بن حارثة وزينب بنت جحش.\nقوله: (إن هذه الآية ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ نزلت. . .) إلخ،\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٥٢٠، ٥٢١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٥٢٣، ٥٢٤).","vol":"5","page":247},{"text":"هكذا اقتصر على هذا القدر من هذه القصة، وقد أخرجه في التوحيد من وجه آخر عن أنس قال: جاء زيد بن حارثة يشكو فجعل النبي - ﷺ - يقول: \"اتق الله وأمسك عليك زوجك\" قال أنس: لو كان رسول الله - ﷺ - كاتمًا شيئًا لكتم هذه الآية، الحديث، وقد أخرج ابن أبي حاتم هذه القصة من طريق السدي فساقها سياقًا واضحا حسنًا، ولفظه: بلغنا أن هذه الآية نزلت في زينب بنت جحش وكانت أمها أميمة بنت عبد المطلب عمة رسول الله - ﷺ -، وكان رسول الله - ﷺ - أراد أن يزوجها زيد بن حارثة مولاه فكرهت ذلك، ثم إنها رضيت بما صنع رسول الله - ﷺ - فزوجها إياه، ثم أعلم الله - ﷿ - نبيه - ﷺ - بعد أنها من أزواجه، فكان يستحيي أن يأمر بطلاقها وكان لا يزال يكون بين زيد وزينب ما يكون من الناس، فأمره رسول الله - ﷺ - أن يمسك عليه زوجه وأن يتق الله، وكان يخشى الناس أن يعيبوا عليه ويقولوا: تزوج امرأة ابنه، وكان قد تبنى زيدًا.\nإلى أن قال الحافظ: ووردت آثار أخرى أخرجها ابن أبي حاتم والطبري ونقلها كثير من المفسرين لا ينبغي التشاغل بها، والذي أوردته منها هو المعتمد، انتهى.\nوفي \"الفيض\" (^١): قوله: \" ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ﴾ \" واعلم أن القصص المنقولة فيه كلها أباطيل وترّهات، والذي صح عندنا من خبره أنه كان بين زيد وزينب منافرة فكان النبي - ﷺ - يحب أن يمسكها وينصحه بذلك وينهاه عن فراقها، وكان يضمر في نفسه أنه إن أسمعه ما يكره فإنه يتزوجها بنفسه؛ وذلك لأن زيدًا كان مطعونًا في نسبه وكانت زينب فيهم ذات نسب، وإنما رضيت بالتزوج منه لوجه النبي - ﷺ - فقط فلما أزمع زيد على أن يطلقها تحدث نفسه أن يكرمها بتزوجها جبرًا لهذا الإيحاش والهوان، وكان في تزوج النبي - ﷺ - إياها تلافيًا لما صدر منه على أتم وجه، غير أن تزوج امرأة\n_________\n(^١) \"فيض الباري\" (٥/ ٣٥٧، ٣٥٨).","vol":"5","page":248},{"text":"المتبنى كان عندهم شينًا فأراد الله سبحانه أن لا يبقى في أزواج أدعيائهم حرج فأنكحه إياها بعد طلاقها، إلى آخر ما بسط.\n\n(٧ -<span data-type='title' id=toc-2788> باب قوله: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ. . .﴾ الآية [الأحزاب:</span> ٥١])\nقال الحافظ (^١): سقط لفظ \"باب\" لغير أبي ذر، وحكى الواحدي عن المفسرين أن هذه الآية نزلت عقب نزول آية التخيير، وذلك أن التخيير لما وقع أشفق بعض الأزواج أن يطلقهن ففوضن أمر القسم إليه فأنزلت ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ﴾ الآية.\nوقوله: (قلت: ما أرى ربك إلا يسارع في هواك) أي: ما أرى الله إلا موجدًا لما تريد بلا تأخير منزلًا لما تحب وتختار، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٣): قوله: \"ما أرى ربك. . .\" إلخ، حيث أطلق لك كل ما أحببته فكان كل امرأة لك كالإماء والمملوكات، وفيه يظهر المناسبة بقولها: \"كنت أغار على اللاتي. . .\" إلخ، فإن الآية إذا نزلت علم أن الواهبة نفسها لم ترتكب بأسًا حيث وهبت نفسها لمالك رقها بتصديق الآية وحكمها بذلك، والله أعلم، انتهى.\nوفي هامشه عن \"الفتح\": وحاصل ما نقل في تأويل ﴿تُرْجِي﴾ أقوال: أحدها: تطلق وتمسك، ثانيها: تعتزل من شئت منهن بغير طلاق وتقسم لغيرها، ثالثها: تقبل من شئت من الواهبات وترد من شئت، وحديث الباب يؤيد هذا والذي قبله، واللفظ محتمل للأقوال الثلاثة وظاهر ما حكته عائشة من استئذانه أنه لم يرج أحدًا منهن بمعنى أنه لم يعتزل، وهو قول الزهري: ما أعلم أنه أرجأ أحدًا من نسائه، أخرجه ابن أبي حاتم، وعن قتادة: أطلق له أن يقسم كيف شاء فلم يقسم إلا بالسوية، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٥٢٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٥٢٦).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٩/ ١٤٧).","vol":"5","page":249},{"text":"قال صاحب \"الجمل\" (^١): واختلف العلماء في تأويل هذه الآية وأصح ما قيل فيها التوسعة على النبي - ﷺ - في ترك القسم فكان لا يجب عليه القسم بين زوجاته، وهذا القول هو الذي ثبت معناه في \"الصحيح\" عن عائشة رضي الله تعالى عنها، فذكر حديث الباب، انتهى.\nوفي حاشية أبي داود: والمذهب عند الحنفية أنه لم يكن القسم واجبًا على رسول الله - ﷺ -، لقوله: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ﴾ الآية، وبذلك صرَّح الشامي أن القسم لم يكن واجبًا عليه، انتهى.\nوكذا حكى ابن كثير مذهب طائفة من الفقهاء الشافعية، وبسط البجيرمي الشافعي في حاشية \"شرح الإقناع\" الاختلاف بين الشافعية في ذلك، وهكذا صرَّح الدردير المالكي بعدم وجوب القسم وهو الراجح في مذهبهم، كما صرَّح به الزرقاني في \"شرح المواهب\" وقال في موضع آخر: وبه جزم الأصطخري من الشافعية، وصححه الغزالي في \"الخلاصة\"، واقتصر عليه في \"الوجيز\"، والبلقيني والسيوطي، وهو المختار للأدلة الصريحة الصحيحة، انتهى من هامش \"اللامع\".\n\n(٨ -<span data-type='title' id=toc-2789> باب قوله: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ [الأحزاب:</span> ٥٣]\nقوله: (يقال: ﴿إِنَاهُ﴾: إدراكه، أنى يأني أناة. . .) إلخ، قال الحافظ (^٢): أنى بفتح الألف والنون مقصور، ويأني بكسر النون، وأناة بفتح الهمزة والنون مخففًا وآخره هاء تأنيث بغير مدّ: مصدر، قال أبو عبيدة في قوله تعالى: ﴿إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ [الأحزاب: ٥٣] أي: إدراكه وبلوغه، ويقال: أنى يأنى أنيًا، أي: بلغ وأدرك، وقوله: أنيًا بفتح الهمزة وسكون النون مصدر أيضًا، وقرأ الأعمش وحده \"آناه\" بمد أوله بصيغة الجمع مثل\n_________\n(^١) \"الفتوحات الإلهية\" (٣/ ٤٤٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٥٢٨ - ٥٣١).","vol":"5","page":250},{"text":"﴿آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ ولكن بغير همز في آخره، انتهى.\nثم ذكر المصنف في الباب ثلاثة أحاديث: أحدها: حديث أنس عن عمر قال: \"قلت: يا رسول الله! يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب، فأنزل الله آية الحجاب\" وهو طرف من حديث أوله: \"وافقت ربي في ثلاث\" وقد تقدم بتمامه في أوائل الصلاة وفي تفسير البقرة.\nثانيها: حديث أنس في قصة بناء النبي - ﷺ - بزينب بنت جحش ونزول آية الحجاب، أورده من أربعة طرق عن أنس بعضها أتم من بعض.\nوثالثها: حديث عائشة: خرجت سودة بعد ما ضرب الحجاب. . . إلخ، وقد تقدم في كتاب الطهارة من طريق هشام بن عروة عن أبيه ما يخالف ظاهره رواية الزهري هذه عن عروة.\nقال الكرماني: فإن قلت: وقع هنا أنه كان بعد ما ضرب الحجات وتقدم في الوضوء أنه كان قبل الحجاب، فالجواب: لعله وقع مرتين، قلت: بل المراد بالحجاب الأول غير الحجاب الثاني، والحاصل أن عمر - ﵁ - وقع في قلبه نفرة من اطلاع الأجانب على الحريم النبوي حتى صرَّح بقوله له ﵊: \"احجب نساءك\" وأكد ذلك إلى أن نزلت آية الحجاب، ثم قصد بعد ذلك أن لا يبدين أشخاصهن أصلًا ولو كن مستترات، فبالغ في ذلك فمنع منه وأذن لهن في الخروج لحاجتهن دفعًا للمشقة ورفعًا للحرج، وقد اعترض بعض الشرَّاح بأن إيراد الحديث المذكور في الباب ليس مطابقًا بل إيراده في عدم الحجاب أولى، وأجيب بأنه أحال على أصل الحديث كعادته، وكأنه أشار إلى أن الجمع بين الحديثين ممكن، انتهى من \"الفتح\".\nقلت: وبالتوجيه الذي أجاب به الحافظ جزم الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^١) في كتاب الطهارة إذ كتب: قوله: \"فأنزل الله الحجاب\" أي:\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٢/ ١٠٣ - ١٠٧).","vol":"5","page":251},{"text":"الذي كان يهواه عمر لهن، إذ الحجاب الشرعي قد كان نزل من قبل، والحاصل أن عمر كان يهوى أن لا يخرجن محتجبات أيضًا ويتبرزن في البيوت، فصار ذلك مستحبًا بعد زمان، وإن بقي الجواز بعده أيضًا، فالفاء في قوله: \"فأنزل الله\" ليست للتعقيب الغير المتراخي، انتهى.\nوفي هامشه: وعلى هذا التوجيه لا يبقى الإشكال الذي أورده الكرماني من التعارض بين الروايتين والتفصيل في هامش \"اللامع\".\nثم إنه قد ترجم المصنف في كتاب الاستئذان بقوله: \"باب آية الحجاب\" وذكر فيه حديث أنس في قصة بناء النبي - ﷺ - بزينب بنت جحش، والثاني حديث عائشة في قصة سودة وهناك فيه زيادة ليست ها هنا، وهي قوله: \"قالت: فأنزل الله - ﷿ - آية الحجاب\" فيشكل ها هنا نزول آية الحجاب في قصتين.\nقال العلامة القسطلاني (^١): واستشكل بأنه ثبت أن قصة زينب كانت سببًا لنزول آية الحجاب فتعارضا، وأجيب: بأن عمر حرض على ذلك، حتى قال لسودة ما قال، فوقعت القصة المتعلقة بزينب فنزلت الآية، فكان كل من الأمرين سببًا لنزولها، أو أن عمر تكرر منه هذا القول قبل الحجاب وبعده، أو أن بعض الرواة ضم قصة إلى أخرى، انتهى.\nثم إنه قد ذكر العلامة القسطلاني ها هنا موافقات عمر - ﵁ - بتمامها مبسوطًا، قال (^٢): وقد تحصل من جملة الأخبار لعمر من الموافقات خمسة عشر: تسع لفظيات، وأربع معنويات، وثنتان في التوراة، ثم ذكرها، وفي هامش \"الكوكب الدري\" (^٣): وقد وصلها بعضهم إلى أكثر من عشرين، ذكرها صاحب \"الجمل\" والعلامة السيوطي في \"تاريخ الخلفاء\" وللسيوطي رسالة مستقلة فيها \"قطف الثمر في موافقات عمر\".\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ٢٨٥).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٠/ ٥٩٥).\n(^٣) \"الكوكب الدري\" (٢/ ٣٢١).","vol":"5","page":252},{"text":"(٩ -<span data-type='title' id=toc-2790> باب قوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب:</span> ٥٤])\nذكر فيه حديث عائشة في قصة أفلح أخي أبي القعيس، ومطابقته للترجمة من قوله: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٥] إلى آخره، فإن ذلك من جملة الآيتين، وقوله في الحديث: \"ائذني له فإنه عمك\" مع قوله في الحديث الآخر: \"العمّ صنو الأب\" وبهذا يندفع اعتراض من زعم أنه ليس في الحديث مطابقة للترجمة أصلًا، وكأنّ البخاري رمز بإيراد هذا الحديث إلى الردّ على من كره للمرأة أن تضع خمارها عند عمها أو خالها كما أخرجه الطبري عن عكرمة والشعبي أنه قيل لهما: لِم لَم يذكر العم والخال في هذه الآية فقالا: لأنهما ينعتاها لأبنائهما، وكرها لذلك أن تضع خمارها عند عمها أو خالها، وحديث عائشة في قصة أفلح يرد عليهما، وهذا من دقائق ما في تراجم البخاري، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(١٠ -<span data-type='title' id=toc-2791> باب قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ الآية [الأحزاب:</span> ٥٦])\nقوله: (قال ابن عباس: ﴿يُصَلُّونَ﴾ يبركون) وصله الطبري عنه في قوله: ﴿يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ قال: يبركون على النبي، أي: يدعون له بالبركة، فيوافق قول أبي العالية، لكنه أخصّ منه، وقد سئلت عن إضافة الصلاة إلى الله تعالى دون السلام وأمر المؤمنين بها وبالسلام، فقلت: يحتمل أن يكون السلام له معنيان: التحية والانقياد، فأمر به المؤمنون لصحتهما منهم، والله وملائكته لا يجوز منهم الانقياد، فلم يضف إليهم دفعًا للإيهام، والعلم عند الله.\nقوله: ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ﴾ لنسلطنك) كذا وقع هذا ها هنا، ولا تعلق له بالآية وإن كان من جملة السورة، فلعله من الناسخ، وهو قول ابن عباس، ووصله\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٥٣٢).","vol":"5","page":253},{"text":"الطبري أيضًا من طريق علي بن أبي طلحة عنه، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nقوله: (﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ [الأحزاب: ٦٩]. . .) إلخ، وهكذا في نسخة \"القسطلاني\" بغير لفظ \"باب\"، وفي نسخة \"الفتح\" و\"العيني\" بزيادة لفظ \"باب\"، فهذه ترجمة مستقلة.\nوقال الحافظ: ذكر فيه طرفًا من قصة موسى مع بني إسرائيل، وقد تقدم بسنده مطولًا في أحاديث الأنبياء، وقد روى أحمد بن منيع في \"مسنده\" والطبري وابن أبي حاتم بإسناد قوي عن ابن عباس عن علي قال: \"صعد موسى وهارون الجبل، فمات هارون، فقال بنو إسرائيل لموسى: أنت قتلته كان ألين لنا منك وأشد حبًا فآذوه بذلك، فأمر الله الملائكة فحملته، فمرت به على مجالس بني إسرائيل فعلموا بموته\"، قال الطبري: يحتمل أن يكون هذا المراد بالأذى في قوله: \" ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ \" قلت: وما في \"الصحيح\" أصح من هذا، لكن لا مانع أن يكون للشيء سببان فأكثر كما تقدم تقريره غير مرة، انتهى.\n\n(٣٤)<span data-type='title' id=toc-2792> سبأ</span>\nكذا في النسخة \"الهندية\"، وفي نسخة \"القسطلاني\" بزيادة البسملة بغير لفظ سورة، وفي نسخة الحافظين بزيادتهما. قال القسطلاني (^٢): سقطت البسملة لغير أبي ذر كلفظ سورة، انتهى.\nقال الحافظ (^٣): وهذه السورة سميت بقوله فيها: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ﴾ الآية [سبأ: ١٥]، قال ابن إسحاق وغيره: هو سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، ووقع عند الترمذي وحسّنه من حديث فروة بن مسيك قال: \"أنزل في سبأ ما أنزل، فقال رجل: يا رسول الله!\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٥٣٤).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٣).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٥٣٥).","vol":"5","page":254},{"text":"وما سبأ أرض أو امرأة؟ قال: ليس بأرض ولا امرأة، ولكنه رجل ولد عشرة من العرب، فتيامن ستة وتشاءم أربعة\" الحديث، قال: وفي الباب عن ابن عباس، قلت: حديث ابن عباس وفروة صححهما الحاكم، وأخرج ابن أبي حاتم في حديث فروة زيادة: \"أنه قال: يا رسول الله! إن سبأ قوم كان لهم عز في الجاهلية، وإني أخشى أن يرتدوا فأقاتلهم؟ قال: ما أمرت فيهم بشيء فنزلت: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ﴾ فقال له رجل: يا رسول الله! وما سبأ\" فذكره، انتهى.\nوقال العلامة العيني (^١): قال مقاتل: هي مكية غير آية واحدة: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ﴾ الآية [سبأ: ٦]، انتهى.\nقوله: (العرم السد) قال القسطلاني (^٢): أي: في قوله تعالى: ﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ [سبأ: ١٦] هو \"السد\" بضم السين وفتحها وتشديد الدال المهملتين، الذي يحبس الماء بنته بلقيس، وذلك أنهم كانوا يقتتلون على ماء واديهم فأمرت به فسدّ، ولأبي ذر عن المستملي والكشميهني: \"سيل العرم: السد\" وله عن الحموي \"الشديد\" بشين معجمة بوزن عظيم: السيل \"ماء أحمر أرسله في السد\"، ولأبي ذر: \"أرسله الله في السد\" بفتح سين السد فيهما في اليونينية، انتهى.\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٣): قوله: \"ماء أحمر. . .\" إلخ، وهذا ليس بيانًا للسد بل هو بيان لما \"أرسلنا\" في قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ [سبأ: ١٦]، ثم التفاسير الثلاثة للعرم متقاربة والاختلاف بينها غير كثير، انتهى.\nوفي هامشه: في \"تقرير المكي\": قوله: \"سيل العرم\" العرم بمعنى الشدة والفساد، وقوله: \"السد\" ليس تفسيرًا للعرم، بل هو تمهيد إلى القصة، وهو ما بيَّنه بقوله: \"ماء أحمر. . .\" إلخ، انتهى.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٢٥١).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٥).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٩/ ١٤٨، ١٤٩).","vol":"5","page":255},{"text":"والتفاسير الثلاثة للعرم التي أشار إليه الشيخ في كلامه هي التي ذكرها الإمام البخاري: الأول بقوله: \"العرم: السد\" والثاني بقوله: \"العرم: المسناة\" والثالث بقوله: \"الوادي\" إلى آخر ما بسط في هامش \"اللامع\".\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-2793> باب قوله: ﴿فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ [سبأ: ٢٣]. . .) إلخ</span>\nوفي نسخ الشروح الثلاثة: \"باب ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ﴾ الآية\" كما في التنزيل العزيز.\nقوله: (إذا قضى الله الأمر في السماء) قال الحافظ (^١): في حديث النواس بن سمعان عند الطبراني مرفوعًا: \"إذا تكلم الله بالوحي أخذت السماء رجفة شديدة من خوف الله تعالى، فإذا سمع أهل السماء بذلك صعقوا وخروا سجدًا، فيكون أولهم يرفع رأسه جبريل، فيكلمه الله من وحيه بما أراد فينتهي به على الملائكة، كلما مرَّ بسماء سأله أهلها ماذا قال ربنا، قال: الحق فينتهي به حيث أمر\".\nقوله: (كأنه) أي: القول المسموع (سلسلة على صفوان) هو مثل قوله في بدء الوحي: \"صلصلة كصلصلة الجرس\" وهو صوت الملك بالوحي، وقد روى ابن مردويه من حديث ابن مسعود رفعه: \"إذا تكلم الله بالوحي يسمع أهل السماوات صلصلة كصلصلة السلسلة على الصفوان فيفزعون ويرون أنه من أمر الساعة\" وقرأ ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ﴾ الآية، قال الخطابي: الصلصلة صوت الحديد إذا تحرك وتداخل، وكأن الرواية وقعت له بالصاد، وأراد أن التشبيه في الموضعين بمعنى واحد فالذي في بدء الوحي هذا، والذي هنا جر السلسلة من الحديد على الصفوان الذي هو الحجر الأملس يكون الصوت الناشي، عنهما سواء، انتهى.\nقوله: (وصفه سفيان بكفه فحرفها وبدد بين أصابعه. . .) إلخ، أي:\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٥٣٨).","vol":"5","page":256},{"text":"فرّق، وفي رواية عليّ: \"ووصف سفيان بيده ففرج بين أصابع يده اليمنى، نصبها بعضها فوق بعض\" وفي حديث ابن عباس عند ابن مردويه: \"كان لكل قبيل من الجن مقعد من السماء يسمعون منه الوحي يعني يلقيها\" زاد علي عن سفيان: \"حتى ينتهي إلى الأرض فيلقي على لسان الساحر. . .\" إلخ، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٢): قوله: \"فحرفها\" أي: أشار بها محرفة لا بجعل اليد مستقيمة فيفعلها هكذا (الخط المستقيم)، بل فعلها هكذا/ (الخط المعوج)، انتهى.\nوفي هامشه بعد نقل كلام الحافظ المتقدم: قلت: وحديث علي الذي أشار إليه الحافظ تقدم في البخاري في تفسير سورة الحجر، وفي \"مجمع البحار\": ووصف سفيان بكفه فحرفها أي أمالها، انتهى.\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-2794> باب قوله: ﴿إِنْ هُوَ إلا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبأ:</span> ٤٦])\nقال الحافظ (^٣): ذكر فيه طرفًا من حديث ابن عباس في نزول قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] وقد تقدم شرحه مستوفى سورة الشعراء، انتهى.\n\n(٣٥)<span data-type='title' id=toc-2795> الملائكة</span>\nكذا في النسخة \"الهندية\"، وكذا في نسخة \"القسطلاني\" بزيادة البسملة بعده، وفي نسخة \"العيني\": \"سورة الملائكة\". وفي نسخة \"الفتح\": \"سورة الملائكة ويس\" قال الحافظ (^٤): كذا لأبي ذر، وسقط لغيره لفظ سورة ويس والبسملة، والأولى سقوط لفظ يس لأنه مكرر، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٥٣٨).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٩/ ١٥٠).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٥٣٩).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٨/ ٥٤٠).","vol":"5","page":257},{"text":"وقال العيني (^١): وهي مكية نزلت قبل سورة مريم وبعد سورة الفرقان، انتهى.\nقلت: وسورة الملائكة هي المعروفة بسورة فاطر.\nقوله: (قال مجاهد) فيما وصله الفريابي: (القطمير) هو (لفافة النواة) وهو مثل في القلة كقوله:\nوأبوك يخصف نعله متوركًا … ما يملك المسكين من قطمير\nوقيل: هو القمع، وقيل: ما بين القمع والنواة.\n(وقال ابن عباس) في تفسير الحرور: (الحرور بالليل، والسموم) بفتح المهملة (بالنهار) ونقله ابن عطية عن روبة، وقال: ليس بصحيح بل الصحيح ما قاله الفراء، وذكره في \"الكشاف\" الحرور السموم إلا أن السموم بالنهار والحرور فيه وفي الليل، قال في \"الدر\": وهذا عجيب منه كيف يردّ على أصحاب اللسان بقول من يأخذ عنهم، انتهى من \"القسطلاني\" (^٢).\n\n(٣٦)<span data-type='title' id=toc-2796> سورة يس</span>\nهكذا في \"الهندية\"، وكذا في نسخ الشروح الثلاثة، وليست البسملة إلا في نسخة \"العيني\" أخيرًا. قال العلامة العيني (^٣): ولم يثبت هذا (سورة يس) هنا لأبي ذر، وقد مرّ أن في روايته \"سورة الملائكة ويس\" والصواب إثباته ها هنا، وقال أبو العباس: هي مكية بلا خلاف نزلت قبل سورة الفرقان وبعد سورة الجن.\nوقوله: (قال مجاهد: فعزّزنا شدّدنا) أي: في قوله تعالى: ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ [يس: ١٤] ولفظه في تفسير عبد بن حميد: شدّدنا بثالث، وكانت\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٢٥٧).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٩، ١٠).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٢٥٨).","vol":"5","page":258},{"text":"رسل عيسى ﵊ الذين أرسلهم إلى صاحب أنطاكية ثلاثة: صادق وصدوق وشلوم، والثالث هو شلوم، وقيل: الثالث شمعون، انتهى.\nقلت: وتقدم في \"باب قول الله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾ [يس: ١٣] من كتاب الأنبياء الكلام على أسماء هذه الرسل الثلاثة، والتحقيق في أنهم هم رسل المسيح أم لا، فكن منه على ذكر.\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-2797> باب قوله: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [يس:</span> ٣٨])\nقال العلامة القسطلاني (^١): وسقط \"باب\" لغير أبي ذر.\nقوله: (﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾) واللام في \"لمستقر\" بمعنى إلى، والمراد بالمستقر إما الزماني وهو منتهى سيرها وسكون حركتها يوم القيامة حين تكور، وينتهي هذا العالم إلى غايته، وإما المكاني وهو ما تحت العرش مما يلي الأرض من ذلك الجانب، وهي أينما كانت فهي تحت العرش كجميع المخلوقات، لأنه سقفها، وليس بكرة كما يزعمه كثير من أهل الهيئة، بل هو قبة ذات قوائم تحمله الملائكة، أو المراد غاية ارتفاعها في كبد السماء فإن حركتها إذ ذاك يوجد فيها إبطاء بحيث يظن أن لها هناك وقفة، والثاني أنسب بالحديث المسوق في الباب، انتهى.\nقال الحافظ (^٢): ذكر فيه حديث أبي ذر مختصرًا، وأخرجه النسائي عن إسحاق بن إبراهيم عن أبي نعيم شيخ البخاري فيه بلفظ: \"تذهب حتى تنتهي تحت العرش عند ربها\" وزاد: \"ثم تستأذن فيؤذن لها، ويوشك أن تستأذن فلا يؤذن لها، وتستشفع وتطلب فإذا كان ذلك قيل: اطلعي من مكانك\" وذلك قوله: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾، انتهى.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١١/ ١٢، ١٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٥٤١).","vol":"5","page":259},{"text":"قال العيني (^١): والحديث أخرجه البخاري في مواضع: منها في بدء الخلق، انتهى.\nقلت: وسيأتي في التوحيد أيضًا.\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٢): هناك: قوله: \"مستقرها تحت العرش\" فكان عروجًا لها إليه، ولا ينكر ما في الشمس من روحانية، انتهى.\nوفي هامشه: أجاب به الشيخ قُدِّس سرُّه ما يرد على استئذان الشمس وسجودها مع كونها من الجمادات.\nقال الحافظ: قال ابن بطال: استئذان الشمس معناه: أن الله تعالى يخلق فيها حياةً يوجد القول عندها؛ لأن الله تعالى قادر على إحياء الجماد والموات، وقال غيره: يحتمل أن يكون الاستئذان أسند إليها مجازًا، والمراد من هو موكل بها من الملائكة، انتهى.\nقال النووي: وأما سجود الشمس فهو تمييز وإدراك يخلقه الله فيها، انتهى من \"هامش اللامع\".\nقلت: وبسط العلَّامة النووي في \"شرح مسلم\" (^٣) الكلام على معنى قوله: مستقرها تحت العرش، فارجع إليه لو شئت.\nقال العلامة العيني (^٤): فإن قلت: قد قال الله تعالى: ﴿فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ [الكهف: ٨٦] فبينهما تخالف؟ قلت: لا تخالف فيه لأن المذكور في الآية إنما هو نهاية مدرك البصر إياها حال الغروب، ومصيرها تحت العرش للسجود إنما هو بعد الغروب، وليس معنى ﴿فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ سقوطها فيها، وإنما هو خبر عن الغاية التي بلغها ذو القرنين في مسيره حتى لم يجد\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٢٦٠).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٣٤٣).\n(^٣) انظر: \"شرح النووي على صحيح مسلم\" (١/ ٤٧٤).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٢٦١).","vol":"5","page":260},{"text":"وراءها مسلكًا لها فوقها أو على سمتها، كما يرى عند غروبها من كان في لجة البحر لا يبصر الساحل كأنها تغرب في البحر وهي في الحقيقة تغرب وراءها، والله أعلم، انتهى.\n\n(٣٧)<span data-type='title' id=toc-2798> وَالصَّافَّات</span>\nوهكذا في نسخة \"القسطلاني\" بدون البسملة ولفظ السورة، وفي نسخة الحافظين بزيادتهما.\nقال العيني (^١): وهي مكية إلا ما روي عن عبد الرحمن بن زيد أن قوله: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾ [الصافات: ٥١] إلى آخر هذه القصة، انتهى من \"العيني\".\nقوله: (وقال مجاهد) في قوله تعالى بسورة سبأ: (﴿وَيَقْذِفُونَ﴾) بفتح أوله وكسر ثالثه (﴿بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾) [سبأ: ٥٣] أي: من كل مكان، وعند ابن أبي حاتم عنه من مكان بعيد، يقولون: هو ساحر هو كاهن هو شاعر، انتهى من \"القسطلاني\" (^٢).\nوقال الحافظ (^٣): سقط هذا لأبي ذر، انتهى.\nقلت: وليس هذا القول في نسخة \"الكرماني\" و\"العيني\"، وليس هو من سورة الصافات بل من سورة سبأ كما تقدم، ولعل الإمام البخاري ذكره لمناسبة قوله: ﴿. . . وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُورًا﴾ وهو من \"الصافات\"، ومن دأب الإمام البخاري أنه يذكر بعضُ الألفاظ لمناسبة بعض كما لا يخفى على ناظري الكتاب، والبسط في هامش \"اللامع\" (^٤).\nقوله: (﴿تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾ [الصافات: ٢٨]) كتب الشيخ في \"اللامع\" (^٥): وإتيان اليمين كناية عن كون المقالة حقًا، والمعنى تظهرون لنا أن الذي تقولون لنا حق وصواب، انتهى.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٢٦١).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١١/ ١٤).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٥٤٢).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٩/ ١٥١).\n(^٥) \"لامع الدراري\" (٩/ ١٥٢، ١٥٣).","vol":"5","page":261},{"text":"وبسط في هامشه الكلام على تفسير هذه الآية، وكتب الشيخ أيضًا: قوله: \"لا تذهب عقولهم\" تفسير للنفي لا المنفي فقط، وإن لم يذكر حرف النفي ها هنا، انتهى.\nقوله: (غول وجع بطن) أشار به إلى قوله تعالى: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾ [ال<span data-type='title' id=toc-2800>ص</span>افات: ٤٧] وفسر قوله: \"غول\" بقوله: \"وجع بطن\"، وهذا قول قتادة، وعن الكلبي: لا فيها إثم، نظيره: ﴿لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور: ٢٣] وعن الحسن: صداع، وقيل: لا تذهب عقولهم، وقيل: لا فيها ما يكره.\nقوله: (﴿يَزِفُّونَ﴾ النسلان في المشي) قال الحافظ (^١): سقط هذا لأبي ذر، وقد وصله عبد بن حميد من طريق شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله: ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ [الصافات: ٩٤] قال: الوزيف النسلان، انتهى.\nوالنسلان بفتحتين: الإسراع مع تقارب الخطا، وهو دون السعي، انتهى.\nقلت: وقد تقدم في \"كتاب الأنبياء\" \"باب يزفون النسلان في المشي\"، وتقدم الكلام عليه هناك.\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-2799> باب قوله: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات:</span> ١٣٩])\nذكر فيه حديث ابن مسعود \"لا ينبغي لأحد أن يكون خيرًا من يونس ابن متى\" وحديث أبي هريرة، وقد تقدم الكلام عليه في كتاب الأنبياء (^٢).\n\n(٣٨) ص\nكذا في النسخة \"الهندية\" بدون لفظ سورة، وكذا في نسخة \"القسطلاني\" لكن بزيادة البسملة بعدها، وفي نسخة \"الحافظين\" بزيادة لفظ السورة والبسملة كليهما.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٥٤٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٥٤٣).","vol":"5","page":262},{"text":"قال الحافظ (^١): سقطت البسملة فقط للنسفي، واقتصر الباقون على ص، وحكمها حكم الحروف المقطعة أوائل السور، وقد قرأها عيسى بن عمر بكسر الدال، فقيل: للدرج، وقيل: بل هي عنده فعل أمر من المصاداة وهي المعارضة كأنه قيل: عارض القرآن بعملك، والأول هو المشهور، وسيأتي مزيد بيان في أسماء السور في أول غافر، انتهى.\nوقال العلامة العيني (^٢): وهي مكية بلا خلاف نزلت بعد سورة الانشقاق وقبل الأعراف، واختلف في معناه؛ فعن ابن عباس: بحر بمكة كان عليه عرش الرحمن لا ليل ولا نهار، وعن سعيد بن جبير: بحر يحيي الله به الموتى بين النفختين، وعن الضحاك: (ص) صدق الله تعالى، وعن مجاهد: فاتحة السورة، وعن قتادة، اسم من أسماء القرآن، وعن السدي: اسم من أسماء الله، وعن محمد القرظي: هو مفتاح أسماء الله تعالى: صمد وصانع المصنوعات وصادق الوعد، إلى آخر ما ذكر من الأقوال.\nقوله: (﴿الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾ [ص: ٧] ملة قريش) قال الحافظ (^٣): وصله الفريابي أيضًا عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾ [ص: ٧] قال: ملة قريش، وأخرج الطبري عن ابن عباس في قوله: ﴿الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾ قال: النصرانية، وعن السدي نحوه، وكذا قال عبد الرزاق: عن معمر عن الكلبي، قال: وقال قتادة: دينهم الذي هم عليه، انتهى.\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٤): قوله: \"ملة قريش\" لكونها آخر الملل في زعمهم الباطل لأنهم لم يكونوا مؤمنين باليهودية ولا بالنصرانية فلم يبق إلا الحنفية آخرًا، انتهى.\nوفي هامشه: ذهب المفسرون في تفسيرها إلى قولين: أحدهما\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٥٤٤).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٢٦٤).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٥٤٥).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٩/ ١٥٤).","vol":"5","page":263},{"text":"النصرانية وكونها آخر الملل ظاهر، والثاني ملة قريش كما فسّره به الإمام البخاري، وما وجهه به الشيخ قُدِّس سرُّه في توجيه آخر الملة لطيف جدًا لم يتعرض لذلك الشرَّاح ولا المفسرون، قال الرازي: والملة الآخرة هي ملة النصارى، فقالوا: إن هذا التوحيد الذي أتى به محمد - ﷺ - ما سمعناه في دين النصارى، أو يكون المراد بالملة الآخرة ملة قريش التي أدركوا آباءهم عليها، انتهى.\nوكذا ذكر القولين الخازن في تفسيره كما في هامش \"اللامع\".\nقوله: (﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا﴾ [ص: ٦٣] أحطنا بهم) أشار به إلى قوله تعالى: ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ﴾ [ص: ٦٣] وفسره بقوله: \"أحطنا بهم\".\nقال القسطلاني (^١): هو من الإحاطة، وقال الدمياطي في حواشيه: لعله أخطأناهم وحذف مع ذلك القول الذي هذا تفسيره وهو ﴿أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ﴾، انتهى.\nوعند ابن أبي حاتم من طريق مجاهد: أخطأناهم أم هم في النار لا يعلم مكانهم، وقال ابن عطية: المعنى ليسوا معنا أم هم معنا لكن أبصارنا تميل عنهم، وقال ابن كيسان: أم كانوا خيرًا منا ونحن لا نعلم فكأن أبصارنا تزيغ عنهم في الدنيا فلا نعدّهم شيئًا، انتهى.\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٢): فسر السخرية بالإحاطة لأن الإحاطة لازمة لها عادة، فإنهم إذا أرادوا الاستهزاء بأحد جعلوه وسطهم ليتمكن كل منهم على الاستهزاء كل التمكن، انتهى.\nوفي هامشه: أجاد الشيخ قُدِّس سرُّه في وجه تفسير اتخذناهم بالإحاطة وهكذا في \"تقرير المكي\" إذ قال: قوله: \"أحطنا بهم\" تفسير باللازم؛ لأن الساخر يحيط بمن يسخر به حين السخرية، انتهى.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٢١).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٩/ ١٥٥).","vol":"5","page":264},{"text":"وما أفاده الشيخ أقرب إلى سياق البخاري، ثم قال بعد ذكر ما تقدم عن القسطلاني: وما يظهر من التدبر في أقوال هؤلاء المشايخ الكبار أن قول البخاري: \"أحطنا بهم\" إن كان من الإحاطة فهو تفسير لقوله: ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا﴾ ووجه تفسير السخرية بالإحاطة هو ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه، وعلى هذا يكون معنى الآية: ما لنا لا نرى في جهنم رجالًا كنا نعدهم في الدنيا من الأشرار وكنا نحيط بهم في الدنيا بالسخرية أم هم موجودون في جهنم ولا نراهم؟ وأما على قول الدمياطي وغيره من أن الصواب \"أخطأناهم\" بالخاء المعجمة بدل \"أحطنا بهم\" فيكون هذا تفسيرًا لقوله تعالى: ﴿أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ﴾ وظاهر سياق البخاري الأول، انتهى من هامش \"اللامع\".\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-2801> باب قوله: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ الآية [ص:</span> ٣٥])\nأي: لا يصلح لأحد أن يسلبنيه، وظاهر السياق أنه سأل ملكًا لا يكون لبشر من بعده مثله ليكون معجزة مناسبة لحاله، انتهى من \"القسطلاني\" (^١).\nقال العلامة العيني (^٢) بعد ذكر حديث الباب: مطابقته للترجمة ظاهرة، والحديث مرَّ في كتاب الصلاة في \"باب الأسير أو الغريم يربط في المسجد\" بعينه متنًا وسندًا، انتهى.\nقوله: (فذكرت قول أخي سليمان) قال الحافظ (^٣): وأما ما أخرج الطبري عن قتادة قال في قوله: ﴿لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ لا أسلبه كما سلبته أول مرة، وظاهر حديث الباب يردّ عليه، وكأن سبب تأويل قتادة هذا هكذا طعن بعض الملاحدة على سليمان ونسبته في هذا إلى الحرص على الاستبداد بنعمة الدنيا، وخفي عليه أن ذلك بإذن له من الله وأن تلك كانت معجزته، كما اختص كل نبي بمعجزة دون غيره، والله أعلم، انتهى.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٢١).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٢٦٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٥٤٧).","vol":"5","page":265},{"text":"وتقدم في \"باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه\" من كتاب الإيمان الإيراد بقول سليمان ﵊: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ مع الجواب عنه.\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-2802> باب قوله: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص:</span> ٨٦])\nذكر فيه حديث ابن مسعود في قصة الدخان، وقد تقدم قريبًا في تفسير سورة الروم ويأتي في تفسير الدخان، وقد تقدم ما يتعلق منه بالاستسقاء.\n\n(٣٩)<span data-type='title' id=toc-2803> الزُّمَر</span>\nهكذا في النسخة \"الهندية\" بغير لفظ السورة، وهكذا في نسخة \"القسطلاني\" لكن بزيادة البسملة بعدها، وأما في نسخة الحافظين فبزيادتهما كلتيهما.\nقال العلامة العيني (^١): قال ابن عباس: هي مكية إلا آيتان مدنيتان: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣] نزلت في وحشي بن حرب ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ الآية [الزمر: ٦٧]. وقال السخاوي: نزلت بعد سورة سبأ وقبل سورة المؤمن، انتهى.\nقوله: (﴿وَرَجُلًا سَلَمًا﴾. . .) إلخ، بفتح اللام من غير ألف مصدر وصف به، ولأبي ذر وابن عساكر: \"سالمًا\" بكسرها مع الألف وهي قراءة أبي عمرو وابن كثير، اسم فاعل من الثلاثي، (﴿لِرَجُلٍ﴾) أي: (صالحًا) كذا لأبي ذر عن الحموي والمستملي، وفي رواية الكشميهني: \"خالصًا\" بدل \"صالحًا\"، ومراده قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾ [الزمر: ٢٩] أي: متنازعون كل يدعي أنه عبده فهم يتجاذبونه حوائجهم وهو متحير في أمره كلما أرضى أحدهم غضب الباقون، وإذا احتاج إليهم ردّه كل واحد إلى الآخر فهو في عذاب دائم، ورجلًا سالمًا لرجل واحد لا يملكه غيره\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٢٧٠).","vol":"5","page":266},{"text":"فهو يخدمه على سبيل الإخلاص وسيده يعينه على مهماته، هذا \"مثل لآلهتهم الباطل والإله الحق\" قاله مجاهد فيما وصله الفريابي، انتهى من \"القسطلاني\" (^١).\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٢): وتفسير السالم بالصالح مبني على أن العبد المشترك بين اثنين لا يبقى صالحًا لكل من الشركاء، ولا يبعد أن يقال: صلاح الغلام كناية عن صلاح الموالي، فإن الناس على دين ملوكهم، والرجل على سيرة صاحبه، فيؤثر صلاح الموالي في صلاح العبد، وكذلك عدمه في عدمه، فصار المعنى أن العبد إما أن يكون مشتركًا بين اثنين متشاكسين أو لا، فإما أن لا يكون مشتركًا أصلًا أو يكون مشتركًا بين اثنين صالحين، فشقا الترديد الآخران داخلان في قوله: ﴿وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ يعني: أنه يكون صالحًا، ثم بعد ذلك تحصل له فاصلة وهي كونه لواحد لا مشتركًا فيه بين كثيرين، انتهى.\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-2804> باب قوله: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية [الزمر:</span> ٥٣])\nذكر فيه حديث ابن عباس: \"إن ناسًا من أهل الشرك كانوا قد قتلوا\".\nقال القسطلاني (^٣): سمّى الواقدي منهم وحشي بن حرب قاتل حمزة، وكذا هو عند الطبراني عن ابن عباس من وجه آخر، انتهى.\nزاد الحافظ (^٤): وأنه لما قال ذلك نزلت: ﴿إلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ الآية [الفرقان: ٧٠]، فقال: هذا شرط شديد، فنزلت: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية، وروى ابن إسحاق في \"السيرة\" قال: حدثني نافع عن ابن عمر عن عمر قال: \"اتعدت أنا وعياش بن أبي ربيعة\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٢٥).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٩/ ١٥٦).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٢٧).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٨/ ٥٥٠).","vol":"5","page":267},{"text":"وهشام بن العاص أن نهاجر\": فذكر الحديث في قصتهم ورجوع رفيقه فنزلت: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية، قال: فكتبت بها إلى هشام.\nقوله: (ونزل ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾) في رواية الطبراني: \"فقال الناس: يا رسول الله! إنا أصبنا ما أصاب وحشي فقال: هي للمسلمين عامة\"، وروى أحمد والطبراني في \"الأوسط\" من حديث ثوبان قال: \"سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: ما أحب أن لي بهذه الآية الدنيا وما فيها ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية، فقال رجل: ومن أشرك؟ فسكت ساعة ثم قال: ومن أشرك، ثلاث مرات\".\nقال الحافظ (^١): واستدل بعموم هذه الآية على غفران جميع الذنوب كبيرها وصغيرها سواء تعلقت بحق الآدميين أم لا، والمشهور عند أهل السُّنَّة أن الذنوب كلها تغفر بالتوبة، وأنها تغفر لمن شاء الله ولو مات على غير توبة، لكن حقوق الآدميين إذا تاب صاحبها من العود إلى شيء من ذلك تنفعه التوبة من العود، وأما خصوص ما وقع منه فلا بد له من رده لصاحبه أو محاللته منه، نعم في سعة فضل الله ما يمكن أن يعوض صاحب الحق عن حقه ولا يعذب العاصي بذلك، ويرشد إليه عموم قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] والله أعلم، انتهى.\nوقال القسطلاني (^٢): قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣] الكبائر وغيرها الصادرة عن المؤمنين بعد التوبة، لكن قال القاضي ناصر الدين: تقييده بالتوبة خلاف الظاهر، وإضافة العباد تخصصه بالمؤمنين كما هو عرف القرآن، وقال أيضًا: والذين أسرفوا عام في جميع المسرفين، ويغفر الذنوب جميعًا شامل لكبائرها وصغائرها فتغفر مع التوبة أو بدونها،\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٥٥٠).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٢٦، ٢٧).","vol":"5","page":268},{"text":"خلافًا للمعتزلة حيث ذهبوا إلى أنه يعفو عن الصغائر قبل التوبة وعن الكبائر بعدها، وجمهور أصحابنا أنه يعفو عن بعض الكبائر مطلقًا ويعذب ببعضها إلا أنه لا علم لنا الآن بشيء من هذين البعضين بعينه، وقال كثير منهم: لا نقطع بعفوه عن الكبائر بلا توبة بل نجوزه، واحتج الجمهور بوجهين:\nالأول: أن العفو لا يعذب على الذنب مع استحقاق العذاب، ولا تقول المعتزلة بذلك الاستحقاق في غير صورة النزاع إذ لا استحقاق بالصغائر أصلًا ولا بالكبائر بعد التوبة فلم يبق إلا الكبائر قبلها فهو يعفو عنها كما ذهبنا إليه.\nالثاني: الآيات الدالة على العفو عن الكبيرة قبل التوبة نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ الآية، فإن ما عدا الشرك داخل فيه، ولا يمكن التقييد بالتوبة لأن الكفر معفو معها فيلزم تساوي ما نفي عنه الغفران وما أثبت له، وذلك مما لا يليق بكلام عاقل فضلًا عن كلام الله تعالى، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ عام للكل فلا يخرج عنه إلا ما أجمع عليه، انتهى.\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-2805> باب قوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ الآية [الزمر:</span> ٦٧])\nأي: ما عظّموه حق عظمته حين أشركوا به غيره، وسقط \"باب\" لغير أبي ذر، انتهى من \"القسطلاني\" (^١).\nقوله: (جاء حبر) لم أقف على اسمه.\nقوله: (إنا نجد أن الله يجعل السماوات على أصبع) الحديث يأتي شرحه في كتاب التوحيد إن شاء الله تعالى، قال ابن التِّين: تكلّف الخطابي في تأويل الإصبع، وبالغ حتى جعل ضحكه - ﷺ - تعجبًا وإنكارًا لما قال الحبر، وردّ ما وقع في الرواية الأخرى \"فضحك - ﷺ - تعجبًا وتصديقًا\" بأنه على قدر\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٢٨).","vol":"5","page":269},{"text":"ما فهم الراوي، قال النووي: وظاهر السياق أنه ضحك تصديقًا له، بدليل قراءته الآية التي تدل على صدق ما قال الحبر، والأولى في هذه الأشياء الكفّ عن التأويل مع اعتقاد التنزيه، فإن كل ما يستلزم النقص من ظاهرها غير مراد، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-2806> باب قوله: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر:</span> ٦٧])\nلما وقع ذكر الأرض مفردًا حسن تأكيده بقوله: ﴿جَمِيعًا﴾ إشارة إلى أن المراد جميع الأراضي، وحديث الباب سيأتي شرحه مستوفي في كتاب التوحيد إن شاء الله تعالى (^٢).\n\n(٤ -<span data-type='title' id=toc-2807> باب قوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر:</span> ٦٨])\nاختلف في تعيين من استثنى الله، وقد لَمحت بشيء من ذلك في ترجمة موسى من أحاديث الأنبياء، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\nقال العيني (^٤): قوله: ﴿إلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ اختلفوا فيه فقيل: هم الشهداء، عن أبي هريرة: أن النبي - ﷺ - سأل جبريل - ﵇ - عن هذه الآية: \"من أولئك الذين لم يشأ الله؟ قال: هم الشهداء متقلدين أسيافهم حول العرش\" وقيل: هم جبريل وميكائيل وإسرافيل، رواه أنس عن النبي - ﷺ -، وعن كعب الأحبار: اثنا عشر: حملة العرش ثمانية وجبرائيل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت، وعن الضحاك: هم رضوان والحور العين ومالك والزبانية، وعن الحسن: ﴿إلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ يعني: الله وحده، وقيل: عقارب النار وحياتها، وحديث الباب قد مضى مطولًا في أول \"باب\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٥٥١).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (٨/ ٥٥١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٥٥٢).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٢٧٦).","vol":"5","page":270},{"text":"الإشخاص\" ومضى أيضًا في أحاديث الأنبياء - ﵈ - في \"باب وفاة موسى\".\nقوله: (بعد النفخة الآخرة) وهي نفخة الإحياء، والنفخة الأولى نفخة الإماتة.\nقوله: (فلا أدري أكذلك كان؟) أي: أنه لم يمت عند النفخة الأولى واكتفى بصعقة الطور، أم أحيى بعد النفخة الثانية قبلي، وتعلق بالعرش، هكذا فسره الكرماني، والتحقيق في هذا الموضع أن يقال: إن حديث أبي هريرة الذي مضى في الإشخاص: أن الناس يصعقون يوم القيامة فيصعق معهم النبي - ﷺ -، فيكون النبي أول من يفيق، فإذا أفاق يرى موسى - ﵇ - متعلقًا بالعرش، ولا يدري أنه كان فيمن صعق فأفاق قبله - ﷺ - أو كان ممن استثنى الله - ﷿ -، وهذا الذي ذكرناه مضمون ذلك الحديث الذي أخرجه في الإشخاص، وفي أحاديث الأنبياء، انتهى (^١).\nقلت: وتقدم الكلام على قوله: \"فأكون أول من يفيق\" في هامش \"اللامع\" (^٢) في أول الخصومات، وتقدم أيضًا في \"اللامع\" (^٣) في كتاب الأنبياء ما كتب الشيخ قُدِّس سرُّه: قوله: \"فيصعق من في السماوات. . .\" إلخ. وهذه الصعقة سوى الصعقة التي تهلك بها الأحياء، وسوى التي تحيى بها الخلائق، وهذه النفخة إنما هي عند إتيان العرش وغيره في أرض المحشر، فينفخ في الصور ليصعق الناس وغيرهم ليخفى الأمر عليهم فلا ينظروا إلى ما يكون هناك إذًا، والاستثناء في قوله تعالى: ﴿إلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ جار في تلك الصعقة لا صعقة الموت ونفخة الفناء، فإنها عامة، قال الله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إلا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] فليتحفظ فإنه غريب، والله تعالى أعلم، انتهى.\nوفي هامشه: اختلفوا في عدد الصعقات والنفخات من ثنتين إلى\n_________\n(^١) انظر: \"عمدة القاري\" (١٣/ ٣٧٧).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٦/ ٣٠٠).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٨/ ٥٨).","vol":"5","page":271},{"text":"خمسة، واختلفوا أيضًا في أن الاستثناء في قوله تعالى: ﴿إلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ بأيتهن يتعلق.\nوحاصل ما أفاده الشيخ: أنها ثلاثة: صعقة الإماتة وصعقة الإحياء، والثالثة عند إتيان العرش في أرض المحشر، والاستثناء متعلق بهذه الثالثة.\nوحاصل ما أفاده في \"الكوكب\" (^١): أنها أربعة إلى آخر ما ذكر في هامش \"اللامع\" من كلام الشيخ قُدِّس سرُّه عن \"الكوكب\"، وكذا ذكر الكلام على تفصيل النفخات، فارجع إليه لو شئت.\nوقال العلامة القسطلاني (^٢) في كتاب الرقاق: اختار ابن العربي أنها ثلاث: نفخة الفزع لقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية [النمل: ٨٧]، ونفختا الصعق والبعث لقوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨] واستدل ابن العربي بما في حديث الصور الطويل من قوله: \"ثم ينفخ في الصور ثلاث نفخات: نفخة الفزع فيفزع أهل السماء والأرض بحيث تذهل كل مرضعة عما أرضعت، ثم نفخة الصعق، ثم نفخة القيام لرب العالمين\"، أخرجه الطبري، لكن سنده ضعيف ومضطرب، وصحح القرطبي أنهما نفختان فقط فالأوليان عائدتان إلى واحدة، فزعوا إلى أن صعقوا، وفي مسلم عن عبد الله بن عمرو: \"ثم ينفخ في الصور فلا يسمع أحد إلا أصغى ليتا ورفع ليتا ثم يرسل الله مطرًا كأنه الطل، فينبت منه أجساد الناس، ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون\" ففيه التصريح بأنهما نفختان فقط، انتهى.\n_________\n(^١) \"الكوكب الدري\" (٤/ ٢٥٥).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ٦٠٦).","vol":"5","page":272},{"text":"(٤٠)<span data-type='title' id=toc-2808> المُؤْمِن</span>\nكذا في النسخ الهندية و\"القسطلاني\" بدون لفظ سورة والبسملة، وفي نسخة الحافظين بزيادتهما.\nقال العيني (^١): وهي مكية بلا خلاف، وقال السخاوي: نزلت بعد الزمر وقبل حم السجدة، وبعد السجدة الشورى ثم الزخرف ثم الدخان ثم الجاثية، انتهى.\nقوله: (قال مجاهد: ﴿حم﴾ مجازها مجاز أوائل السور) قال العلامة العيني (^٢): قوله: \"حم\" في محل الابتداء، و\"مجازها\" مبتدأ ثان، وقوله: \"مجاز أوائل السور\" خبره، والجملة خبر المبتدأ الأول، و\"مجازها\" بالجيم والزاي، أي: طريقها، أي: حكمها حكم سائر الحروف المقطعة التي في أوائل السور للتنبيه على أن هذا القرآن من جنس هذه الحروف، وقيل: لقرع العصا عليهم، وعن عكرمة قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" ﴿حم﴾ اسم من أسماء الله تعالى، وهي مفتاح خزائن ربك - ﷻ -\"، وعن ابن عباس: هو اسم الله الأعظم، وعنه: قسم أقسم الله به، وعن قتادة: اسم من أسماء القرآن، وعن الشعبي: شعار السورة، وعن عطاء الخراساني: الحاء افتتاح أسماء الله تعالى: حليم وحميد وحيّ وحنان وحكيم وحفيظ وحبيب، والميم افتتاح اسمه: مالك ومجيد ومنان، وعن الضحاك والكسائي: معناه: قضى ما هو كائن كأنهما أرادا الإشارة إلى \"حم\" بضم الحاء وتشديد الميم، انتهى.\nقال الحافظ (^٣): ووقع في رواية أبي ذر: \"وقال البخاري: ويقال: \" ﴿حم﴾ مجازها\" إلخ، وهذا الكلام لأبي عبيدة في \"مجاز القرآن\" ولفظه: \" ﴿حم﴾ مجازها\" مجاز أوائل السور، وقال بعضهم: بل هو اسم، وهو يطلق المجاز ويريد به التأويل، أي: تأويل ﴿حم﴾ وتأويل أوائل السور،\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٢٧٨).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٢٧٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٥٥٤).","vol":"5","page":273},{"text":"أي: أن الكل في الحكم واحد فمهما قيل مثلًا في ﴿الم﴾ يقال مثله في ﴿حم﴾، وقد اختلف في هذه الحروف المقطعة التي في أوائل السور على أكثر من ثلاثين قولًا ليس هذا موضع بسطها، إلى آخر ما في \"الفتح\".\n\n(٤١)<span data-type='title' id=toc-2809> حم السجْدَة</span>\nكذا في النسخة \"الهندية\" بدون لفظ السورة، وكذا في نسخة \"القسطلاني\" لكن بزيادة البسملة بعدها، وفي نسخة الحافظين ابن حجر والعيني بزيادتهما.\nقال العيني (^١): وهي مكية بلا خلاف، نزلت بعد المؤمن وقبل الشورى، انتهى.\nقوله: (وقال طاوس عن ابن عباس: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ [فصلت: ١١] أعطيا. . .) إلخ.\nقال الحافظ (^٢): وصله الطبري وابن أبي حاتم بإسناد على شرط البخاري في الصحة، ولفظ الطبري في قوله: ﴿ائْتِيَا﴾ قال: أعطيا، وفي قوله: ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا﴾ قالتا أعطينا، وقال عياض: ليس \"أتى\" ها هنا بمعنى \"أعطى\"، وإنما هو من الإتيان، وهو المجيء بمعنى الانفعال للوجود، بدليل الآية نفسها، وبهذا فسّره المفسرون أن معناه: جيئا بما خلقت فيكما وأظهراه، قالتا: أجبنا، وروي ذلك عن ابن عباس، قال: وقد روي عن سعيد بن جبير نحو ما ذكره المصنف، ولكنه يخرج على تقريب المعنى أنهما لما أمرتا بإخراج ما فيهما من شمس وقمر ونهر ونبات وغير ذلك وأجابتا إلى ذلك كان كالإعطاء؛ فعبر بالإعطاء عن المجيء بما أودعتاه، قلت: فإذا كان موجهًا وثبتت به الرواية فأي معنى لإنكاره عن ابن عباس، وكأنه لما رأى عن ابن عباس أنه فسره بمعنى المجيء نفى أن يثبت عنه أنه\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٢٨٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٥٥٦، ٥٥٧).","vol":"5","page":274},{"text":"فسره بالمعنى الآخر، وهذا عجيب، فما المانع أن يكون له في الشيء، قولان بل أكثر.\nوقال ابن التِّين: لعلّ ابن عباس قرأها، \"آتينا\" بالمد ففسّرها على ذلك، قلت: وقد صرَّح أهل العلم بالقراءة أنها قراءته، وبها قرأ صاحباه مجاهد وسعيد بن جبير، وقال السهيلي في أماليه: قيل: إن البخاري وقع له في آي من القرآن وهم، فإن كان هذا منها وإلا فهي قراءة بلغته، ووجهه: أعطيا الطاعة، كما يقال: فلان يعطي الطاعة لفلان، قال: وقد قرئ ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا﴾ [الأحزاب: ١٤] بالمد والقصر، والفتنة ضد الطاعة، وإذا جاز في إحداهما جاز في الأخرى، انتهى.\nوقال القسطلاني (^١): بعد ذكر الإشكال: وأجيب بأن ابن عباس ومجاهدًا وابن جبير قرءوا آتيا قالتا آتينا بالمد فيهما، وفيه وجهان:\nأحدهما: أنه من المواتاة وهي الموافقة، أي: لتوافق كل منكما الأخرى كما يليق بها، وإليه ذهب الرازي والزمخشري، فوزن آتيا فاعلا كقاتلا وآتينا فاعلنا كقاتلنا.\nوالثاني: أنه من الإيتاء بمعنى الإعطاء، فوزن آتيا أفعلا كأكرما، ووزن آتينا افعلنا كأكرمنا، فعلى الأول يكون قد حذف مفعولًا، وعلى الثاني مفعولين إذ التقدير: أعطيا الطاعة من أنفسكما من أمركما، قالتا: آتينا الطاعة، انتهى.\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٢): قوله: \"ائتيا أعطيا\" فسره به لأنهما لم يكونا موجودين حين أمرا ذلك، فلا يصح إرادة الإتيان منهما نعم طلب منهما الوجود والتكون فأعطياه وسارا موجودين، انتهى.\nوفي هامشه: أجاد الشيخ قُدِّس سرُّه في وجه تفسير الإتيان بالإعطاء، وعلى هذا لا يرد ما أورده الشرَّاح، ثم ذكر ما تقدم من كلام الشرَّاح وغيره من كلام المفسرين.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٣٩).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٩/ ١٥٦ - ١٥٩).","vol":"5","page":275},{"text":"قوله: (والهدى الذي هو الإرشاد. . .) إلخ، كتب الشيخ في \"اللامع\": حاصله أن الهداية قد تكون بمعنى الدلالة كما سبق، وقد تكون بمعنى الإيصال وهو الإصعاد، أي: جعله صاعدًا على المراد، ونسخة الإسعاد أظهر، انتهى.\nوبسط في هامشه توضيحه وتشريحه.\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-2810> باب قوله: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ﴾ الآية [فصلت:</span> ٢٢])\nقال الحافظ (^١): قال الطبري: اختلف في معنى قوله: ﴿تَسْتَتِرُونَ﴾، ثم أخرج من طريق السدي قال: تستخفون، ومن طريق مجاهد قال: تتقون، ومن طريق شعبة عن قتادة قال: ما كنتم تظنون أن يشهد عليكم. . . إلخ، انتهى.\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-2811> باب قوله: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ﴾ الآية [فصلت:</span> ٢٣])\nقال الحافظ (^٢): الإشارة في قوله: ﴿وَذَلِكُمْ﴾ لما تقدم من صنيع الاستتار ظنّا منهم أنهم يخفى عملهم عند الله، وهو مبتدأ: والخبر ﴿أَرْدَاكُمْ﴾ [فصلت: ٢٣] و﴿ظَنُّكُمُ﴾ بدل من ذلك، ثم ذكر المصنف فيه الحديث الذي قبله، ثم قال: الحافظ تحت قوله: \"كثيرة شحم بطونهم. . .\" إلخ، وفيه إشارة إلى أن الفطنة قلما تكون مع البطنة، قال الشافعي: ما رأيت سمينًا عاقلًا إلا محمد بن الحسن، انتهى.\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-2812> باب قوله: ﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ الآية [فصلت:</span> ٢٤])\nكذا في النسخ الهندية، وليس في نسخ الشروح الثلاثة لفظ \"باب\".\nقال القسطلاني (^٣): وسقطت الآية كلها لأبي ذر، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٥٦١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٥٦٢).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٤٨).","vol":"5","page":276},{"text":"(٤٢)<span data-type='title' id=toc-2813> حم عسق</span>\nكذا في النسخ الهندية ونسخة \"القسطلاني\" بغير لفظ سورة وبغير البسملة، وفي نسخة الحافظين بزيادتهما، قال العلامة العيني (^١): وفي بعض النسخ: \"سورة حم عسق\"، وفي بعضها: \"ومن سورة حم عسق\"، انتهى.\nقلت: وهذا الأخير صنيع الإمام الترمذي في كتاب التفسير من \"جامعه\" فإنه يقول: من سورة كذا ومن سورة كذا، وذلك لأن المذكور تفسير لبعض آيات السورة لا لجميعها، فيستحسن إيراد \"من\" التبعيضية لأجل ذلك.\nثم قال العلامة العيني (^٢): قيل: قطع ﴿حم (١) عسق﴾ ولم يقطع ﴿كهيعص﴾ و﴿الم﴾ و﴿المص﴾ لكونها بين سور أوائلها ﴿حم﴾، فجرت مجرى نظائرها قبلها وبعدها، فكان ﴿حم﴾ مبتدأ و﴿عسَق﴾ خبره ولأنهما عدًّا آيتين وعدت أخواتهما التي كتبت موصولة آية واحدة، وذكروا في ﴿حم (١) عسق﴾ معاني كثيرة ليس لها محل ها هنا، وهي مكية، قال مقاتل: وفيها من المدني قوله: ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ﴾ الآية [الشورى: ٢٣]، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٩] إلى قوله: ﴿فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤١]، انتهى.\nقوله: (ويذكر عن ابن عباس: ﴿عَقِيمًا﴾ التي لا تلد) قال الحافظ (^٣): وصله ابن أبي حاتم والطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس بلفظ ﴿وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا﴾ [الشورى: ٥٠] قال: لا يلقح، وذكره باللفظ المعلق بلفظ جويبر عن الضحاك عن ابن عباس، وفيه ضعف وانقطاع، فكأنه (أي: البخاري) لم يجزم به لذلك، انتهى.\nقوله: (﴿فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ﴾ [الشورى: ٣٣] أي: يتحركن. . .) إلخ،\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٢٩٠).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٢٩٠، ٢٩١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٥٦٣).","vol":"5","page":277},{"text":"وروى الطبري من طريق سعيد عن قتادة قال: سفن هذا البحر تجري بالريح فإذا أمسكت عنها الريح ركدت، وقوله: \"يتحركن\" أي: يضربن بالأمواج، ولا يجرين في البحر بسكون الريح، وبهذا التقرير يندفع اعتراض من زعم أن \"لا\" سقطت في قوله: \"يتحركن\" قال: لأنهم فسروا \"رواكد\" بسواكن، وتفسير \"رواكد\" بسواكن قول أبي عبيدة، ولكن السكون والحركة في هذا أمر نسبي، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٢): قوله: \"يتحركن\" إنما فسره، بذلك لئلا يستبعد الركود على ظهر الماء بحيث يستقر ولا يتحرك أصلًا، فإنه وإن كان ممكنًا إلا أنه مستبعد عادة، فلا حاجة إليه، إذ لا يتوقف معنى الآية عليه، فإن المراد عدم الجري لا عدم الحركة أصلًا، فافهم فإنه مفيد، انتهى.\nوذكر في هامشه ما تقدم من كلام الحافظ وغيره، وفيه أيضًا: قلت: وما أشار إليه الحافظ بقوله: يندفع اعتراض من زعم، بيَّنه القسطلاني بقوله: وقول صاحب \"المصابيح\" كأنه سقط منه \"لا\" إلخ.\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-2814> باب قوله: ﴿إلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى:</span> ٢٣])\nذكر فيه حديث طاوس عن ابن عباس: \"سئل عن تفسيرها\" إلخ، وهذا الذي جزم به سعيد بن جبير قد جاء عنه من روايته عن ابن عباس مرفوعًا، فأخرج الطبري وابن أبي حاتم من طريق قيس بن الربيع عن الأعمش عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لما نزلت قالوا: يا رسول الله! من قرابتك الذي وجبت علينا مودتهم؟ الحديث، وإسناده ضعيف وهو ساقط لمخالفته هذا الحديث الصحيح، والمعنى: إلا أن تودوني لقرابتي فتحفظوني، والخطاب لقريش خاصة، والقربى قرابة العصوبة والرحم، فكأنه\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٥٦٣).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٩/ ١٥٩، ١٦٠).","vol":"5","page":278},{"text":"قال: احفظوني للقرابة، إن لم تتبعوني للنبوة، ثم ذكر ما تقدم عن عكرمة في سبب نزول [هذه الآية في المناقب] وقد جزم بهذا التفسير جماعة من المفسرين، واستندوا إلى ما ذكرته عن ابن عباس من الطبري وابن أبي حاتم، وإسناده واهٍ فيه ضعيف ورافضي، وذكر الزمخشري ها هنا أحاديث ظاهر وضعها، وردّه الزجاج بما صحّ عن ابن عباس من رواية طاوس في حديث الباب، وبما نقله الشعبي عنه، وهو المعتمد، وجزم بأن الاستثناء منقطع.\nوفي سبب نزولها قول آخر ذكره الواحدي عن ابن عباس قال: لما قدم النبي - ﷺ - المدينة كانت تنوبه نوائب، وليس بيده شيء، فجمع له الأنصار مالًا فقالوا: يا رسول الله! إنك ابن اختنا وقد هدانا الله بك، تنوبك النوائب وحقوق، وليس لك سعة، فجمعنا لك من أموالنا ما تستعين به علينا، فنزلت، وهذه من رواية الكلبي ونحوه من الضعفاء، وأخرج من طريق مقسم عن ابن عباس أيضًا قال: بلغ النبي - ﷺ - عن الأنصار شيء فخطب فقال: \"ألم تكونوا ضلالًا فهداكم الله بي\" الحديث، وفيه فجثوا على الركب وقالوا: أنفسنا وأموالنا لك فنزلت، وهذا أيضًا ضعيف، ويبطله أن الآية مكية، والأقوى في سبب نزولها [ما ذكره القرطبي في تفسيره] عن قتادة قال: قال المشركون: لعل محمدًا يطلب أجرًا على ما يتعاطاه فنزلت، انتهى (^١).\nقال القسطلاني (^٢): وأما حديث ابن عباس أيضًا عند ابن أبي حاتم: لما نزلت هذه الآية، ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣] قالوا: يا رسول الله! من هؤلاء الذين أمر الله بمودتهم، قال: \"فاطمة وولدها - ﵈ -\"، فقال ابن كثير: إسناده ضعيف، فيه متهم لا يعرف إلا عن شيخ شيعي مخترع، وهو حسين الأشقر، ولا يقبل خبره في هذا المحل، والآية مكية، ولم يكن إذ ذاك لفاطمة أولاد بالكلية فإنها لم تتزوج بعلي إلا\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (٨/ ٥٦٤).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٥٠).","vol":"5","page":279},{"text":"بعد بدر من السنة الثانية، وتفسير الآية بما فسر به حبر الأمة وترجمان القرآن ابن عباس أحق وأولى، ولا تنكر الوصاة بأهل البيت واحترامهم وإكرامهم، إذ هم من الذرية الطاهرة التي هي أشرف بيت وجد على وجه الأرض فخرًا وحسبًا ونسبًا، ولا سيما إذا كانوا متبعين للسُّنَّة الصحيحة، كما كان عليه سلفهم كالعباس وبنيه وعلي وآل بيته وذريته ﵃ أجمعين ونفعنا بمحبتهم، انتهى.\nوفي حاشية البخاري (^١) عن الكرماني: وحاصل كلام ابن عباس: أن جميع قريش أقارب رسول الله - ﷺ -، وليس المراد من الآية بنو هاشم ونحوهم كما يتبادر إلى الذهن من قول سعيد بن جبير، انتهى.\nوذكره العيني من غير عزو إلى الكرماني، قلت: وتقدم حديث الباب في أوائل المناقب بلفظ: \"قربى محمد - ﷺ -\" وكتب الشيخ قُدِّس سرُه هناك (^٢): وكان سعيد يقول أولًا: إن المراد في الآية قرابة محمد - ﷺ - وأهل بيته، والاستثناء متصل، والمعنى لا أسألكم أجرًا على التبليغ إلا أن تصلوا أهل قرابتي، وكونه أجرة ظاهر، فردّ عليه ابن عباس قوله، وجعل الاستثناء منقطعًا بحمل القربى على المصدر لا الأقرباء، والمعنى لا أسألكم أجرًا إنما أسألكم أن تعاملوا بي ما تعاملون به فيما بينكم من وصل الأرحام فتصلوا ما بيني وبينكم من القرابة، وظاهر أنه ليس أجرًا لأن المطلوب فيه ليس شيء من العروض أو النقدين أو غيرها، بل المطلوب ترك التعرض له بالأذى والتكذيب وغيرهما فإذا بيَّن ابن عباس ذلك ترك سعيد ما كان يقوله، انتهى.\n\n(٤٣)<span data-type='title' id=toc-2815> حم الزُّخْرُفْ</span>\nوهكذا في نسخة \"القسطلاني\" وفي نسخة \"الفتح\" و\"العيني\" بزيادة لفظ السورة والبسملة بعدها.\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري بحاشية السهارنفوري\" (٩/ ٧٠٣).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٨/ ٩٨).","vol":"5","page":280},{"text":"قال العيني (^١): قال مقاتل: هي مكية غير آية واحدة وهي ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا﴾ الآية [الزخرف: ٤٥]، وقال أبو العباس: مكية لا اختلاف فيها، قال ابن سيده: الزخرف الذهب، هذا الأصل، ثم سمي كل زينة زخرفًا، وزخرف البيت زينته، انتهى.\nقوله: (وقال ابن عباس: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [الزخرف: ٣٣] لولا أن أجعل الناس كلهم كفارًا. . .) إلخ، قال العيني (^٢): أي قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾ الآية، وقد فسرها ابن عباس بقوله: لولا أن أجعل. . . إلخ.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): قوله: \"لولا أن أجعل\" أي: لولا كراهية ذلك، انتهى.\nوفي هامشه: وفي \"الجلالين\": المعنى لولا خوف الكفر على المؤمن من إعطاء الكافر ما ذكر لأعطيناه ذلك، قال صاحب \"الجمل\": في الكلام حذف المضاف، أي: ولولا خوف أن يكون الناس، لكن في تقدير هذا المضاف شيء لأن الله تعالى لا يخاف من شيء، فالأولى في تقرير الآية ما سلكه البيضاوي ونصه: أي لولا أن يرغبوا في الكفر إذا رأوا الكفار في سعة وتنعم لحبهم الدنيا فيجتمعوا عليه، وقدر الزمخشري فيه مضافًا فقال: لولا كراهة أن يجتمعوا على الكفر. . . إلخ، والغرض من تقديره أن كراهة الاجتماع هي المانعة من تمتيع الكفار، انتهى مختصرًا.\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-2816> باب قوله تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف:</span> ٧٧])\nأي: الكفار ينادون لمالك خازن النار ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ أي: ليمتنا\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٢٩٣).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٢٩٤).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٩/ ١٦١).","vol":"5","page":281},{"text":"فنستريح، فيجيبهم مالك بعد ألف سنة: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ الآية [الزخرف: ٧٧] في العذاب، وفي \"تفسير الجوزي\": ينادون مالكًا أربعين سنة فيجيبهم بعدها: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ ثم ينادون ربّ العزة: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا﴾ [المؤمنون: ١٠٧] فلا يجيبهم مثل عمر الدنيا ثم يقول: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]، انتهى.\nوحديث الباب قد مضى في بدء الخلق في \"باب صفة النار\" (^١).\n\n(٤٤)<span data-type='title' id=toc-2817> الدُّخَان</span>\nوكذا في نسخة \"القسطلاني\"، وفي نسخة الحافظين ابن حجر والعيني: \"سورة حم الدخان\"، والبسملة بعدها موجودة في نسخ الشروح الثلاثة.\nقال العيني (^٢): وفي بعض النسخ \"الدخان\" بدون لفظ \"حم\"، قال مقاتل: هي مكية كلها، وقال أبو العباس: لا خلاف في ذلك، روى الترمذي مرفوعًا من حديث أبي هريرة: \"من قرأ حم الدخان في ليلة أصبح يستغفر له سبعون ألف ملك\"، وقال: غريب، وعنه: \"من قرأ الدخان في ليلة الجمعة غفر له\"، انتهى.\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-2818> باب: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان:</span> ١٠])\nقال القسطلاني (^٣): سقط لغير أبي ذر لفظ \"باب\" وقوله: ﴿فَارْتَقِبْ﴾ فقط، انتهى.\nثم ذكر المصنف حديثين مضى الأول منهما في آخر سورة الفرقان، والثاني سبق في تفسير سورة الروم وتقدم بسط الكلام عليه هناك.\n_________\n(^١) انظر: \"عمدة القاري\" (١٣/ ٢٩٧).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٢٩٩).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٥٩).","vol":"5","page":282},{"text":"(٢ -<span data-type='title' id=toc-2819> باب قوله تعالى: ﴿يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الدخان:</span> ١١])\nليس لفظ \"باب\" في نسخة \"الفتح\" وموجود في نسخة \"العيني\" و\"القسطلاني\".\nقال القسطلاني (^١): سقط لفظ \"باب\" لغير أبي ذر، انتهى.\nقال العلامة العيني (^٢) تحت حديث الباب: وقد ترجم لهذا الحديث ثلاث تراجم بعد هذا وساق الحديث بعينه مطوّلًا ومختصرًا، وقد مضى أيضًا في الاستسقاء وفي تفسير الفرقان مختصرًا وفي تفسير الروم وتفسير ص مطولًا، انتهى.\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-2820> باب قوله: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان:</span> ١٢])\nقال القسطلاني (^٣): سقط \"باب قوله\" لغير أبي ذر.\nثم فسّر القسطلاني الآية، فقال: أي عذاب القحط والجهد، أو عذاب الدخان الآتي قرب قيام الساعة أو عذاب النار حين يدعون إليها في القيامة، أو دخان يأخذ بأسماع المنافقين وأبصارهم ورجح الأول بأن القحط لما اشتد على أهل مكة أتاه أبو سفيان فناشده الرحم ووعده: إن كشف عنهم آمنوا، فلما كشف عادوا، ولو حملناه على الآخرين لم يصح لأنه لا يصح؛ أن يقال لهم حينئذ: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥]، انتهى.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٥٩).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٣٠٢).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٦١).","vol":"5","page":283},{"text":"(٤ -<span data-type='title' id=toc-2821> باب قوله: ﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ﴾ [الدخان:</span> ١٣])\nقال العيني والقسطلاني (^١): سقط \"باب\" لغير أبي ذر.\nقوله: (قال: دخلت على عبد الله ثم قال. . .) إلخ، قال القسطلاني (^٢): فيه حذف اختصره، والظاهر أن الذي اختصره قول مسروق: بينا رجل يحدث في كندة إلى قوله: فأتيت ابن مسعود وكان متكئًا فغضب فجلس فقال: من علم فليقل ومن لم يعلم فليقل الله أعلم، ثم قال: إلى آخر الحديث المذكور ها هنا، انتهى.\n\n(٥ -<span data-type='title' id=toc-2822> باب قوله: ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ [الدخان:</span> ١٤])\nسقط لفظ \"باب\" لغير أبي ذر، قاله القسطلاني (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-2823>(باب قوله: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥]. . .) إلخ</span>\nوفي نسخ الشروح الثلاثة ها هنا: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٦] بغير لفظ \"باب\".\nقال العلامة العيني (^٤): وقعت هذه الترجمة هكذا في النسخ كلها، انتهى.\n\n(٤٥)<span data-type='title' id=toc-2824> الجَاثِيَة</span>\nوفي نسخة \"القسطلاني\": \"سورة الجاثية\" وفي نسخة ابن حجر والعيني: \"سورة حم الجاثية\" والبسملة موجودة في نسخ الشروح الثلاثة.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٣٠٣)، و\"إرشاد الساري\" (١١/ ٦٢).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٦٣).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٦٣).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٣٠٤).","vol":"5","page":284},{"text":"قال العلامة العيني (^١): وفي بعض النسخ: \"ومن سورة الجاثية\" وهي مكية لا خلاف فيها، انتهى.\n\n<span data-type='title' id=toc-2825>(باب: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية:</span> ٢٤])\nهكذا في النسخ الهندية و\"الفتح\" و\"القسطلاني\"، وفي نسخة \"العيني\" بغير لفظ \"باب\"، قال (^٢): وفي بعض النسخ \"باب\" انتهى.\nقال القسطلاني (^٣) في تفسير الآية: أي وما يفنينا إلا مرّ الزمان وطول العمر واختلاف الليل والنهار، وقال في شرح قوله: \"وأنا الدهر. . .\" إلخ: روى نصب الدهر، أي: أقلب الليل والنهار في الدهر، والرفع كما مر أوجه، أي: أنا خالق الدهر، قال في \"شرح المشكاة\": لأنه لا طائل تحته على تقدير النصب؛ لأن تقديم الظرف إما للاهتمام أو للاختصاص، ولا يقتضي المقام ذلك لأن الكلام مفرغ في شأن المتكلم لا في الظرف، ولهذا عرف الخبر لإفادة الحصر فكأنه قيل: أنا أقلب الليل والنهار لا ما تنسبونه إليه، قيل: الدهر الثاني غير الأول، وإنما هو مصدر بمعنى الفاعل ومعناه: أنا الداهر المصرف المدبر المقدر لما يحدث فإذا سبّ ابن آدم الدهر من أجل أنه فاعل هذه الأمور عاد سبّه إليّ لأني فاعلها، وإنما الدهر زمان جعلته ظرفًا لمواقع الأمور، قاله الشافعي والخطابي وغيرهما، وهذا مذهب الدهرية من الكفار ومن وافقهم من مشركي العرب المنكرين للمعاد والفلاسفة الدهرية الدورية المنكرين للصانع المعتقدين أن في كل ستة وثلاثين ألف سنة يعود كل شيء إلى ما كان عليه، وكابروا المعقول وكذبوا المنقول، قال ابن كثير: وقد غلط ابن حزم ومن نحا نحوه من الظاهرية في عدّهم الدهر من الأسماء الحسنى أخذًا من هذا الحديث، وهذا الحديث أخرجه المؤلف أيضًا في التوحيد، ومسلم وأبو داود وفي الأدب، والنسائي في التفسير، انتهى.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٣٠٥).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٣٠٥).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٦٧).","vol":"5","page":285},{"text":"(٤٦)<span data-type='title' id=toc-2826> الأحْقَافُ</span>\nوهكذا في نسخة \"القسطلاني\"، وفي نسخة الحافظين: \"سورة حم الأحقاف\" والبسملة موجودة في الشروح الثلاثة.\nقال العلامة العيني (^١): قال أبو العباس: هي مكية وفيها آيتان مدنيتان: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ﴾ [الأحقاف: ١٠] وقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١١] والأحقاف قال الكسائي: هي ما استدار من الرمل، واحدها حقف وحقاف مثل دبغ ودباغ ولبس ولباس، وقيل: الحقاف جمع الحقف والأحقاف جمع الجمع، وقال ابن عباس: الأحقاف وادٍ بين عمان ومهرة، وعن مقاتل: كانت منازل عاد باليمن في حضرموت في موضع يقال له: مهرة تنسب إليها الجمال المهرية، وكانوا أهل عمد سيارة في الربيع فإذا هاج العود رجعوا إلى منازلهم وكانوا من قبيلة إرم، وعن الضحاك: الأحقاف جبل بالشام، وعن مجاهد: هي أرض حسمي، وعن الخليل: هي الرمال العظام، انتهى.\nقوله: (وقال غيره: ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ هذه الألف إنما هي توعد. . .) إلخ، أي: غير ابن عباس، ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ من قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ الآية، هذه الألف التي في أول ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ المستفهم بها إنّما هي توعد لكفار مكة حيث ادعوا صحة ما عبدوه من دون الله: إن صح ما تدعون - بتشديد الدال - في زعمكم ذلك لا يستحق أن يعبد لأنه مخلوق ولا يستحق أن يعبد إلا الخالق. . .، إلى آخر ما قال القسطلاني (^٢).\nوكذا قال العيني (^٣): إن الإمام البخاري أشار به إلى قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ﴾.\nوالأوجه عندي أن الإمام البخاري أشار به إلى تفسير قوله تعالى:\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٣٠٧).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٦٨).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٣٠٨).","vol":"5","page":286},{"text":"﴿أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [الأحقاف: ٤] وهو الأوفق بسياق البخاري كما هو ظاهر؛ فإن الاستدلال بالخلق وعدمه كما ذكره البخاري في كلامه إنما هو مذكور في هذه الآية لا في الآية التي ذكرها الشرَّاح.\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-2827> باب قوله: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي﴾ [الأحقاف: ١٧]. . .) إلخ</span>\nقال العيني (^١) تحت حديث الباب: مطابقته للترجمة ظاهرة.\nوقوله: (كان مروان على الحجاز) أي: أميرًا على المدينة من قبل معاوية.\nقوله: (فجعل يذكر يزيد بن معاوية) إلى آخره، قد أوضحه الإسماعيلي في روايته بلفظ: أراد معاوية أن يستخلف يزيد فكتب إلى مروان وكان على المدينة فجمع الناس فخطبهم فقال: إن أمير المؤمنين قد رأى رأيًا حسنًا في يزيد ودعا إلى بيعة يزيد، فقال عبد الرحمن: ما هي إلا هرقلية، إن أبا بكر والله لم يجعلها في أحد من ولده ولا من أهل بلده ولا من أهل بيته، فقال مروان: ألست الذي قال الله فيه: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا﴾؟ قال: فسمعتها عائشة فقالت: يا مروان أنت القائل لعبد الرحمن كذا وكذا؟ والله ما أنزلت إلا في فلان ابن فلان الفلاني، وفي لفظ: والله لو شئت أن أسميه لسميته ولكن رسول الله - ﷺ - لعن أبا مروان ومروان في صلبه، فمروان فضض - أي: قطعة - من لعنة الله - ﷿ -، فنزل مروان مسرعًا حتى أتى باب عائشة - ﵂ - فجعل يكلمها وتكلمه ثم انصرف، وفي لفظ: فقالت عائشة: كذب والله ما نزلت فيه.\nقوله: (فقال له عبد الرحمن شيئًا) ولم يبين ما هذا الشيء الذي قاله عبد الرحمن لمروان، وأوضح ذلك الإسماعيلي في رواية: فقال\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٣٠٩، ٣١٠).","vol":"5","page":287},{"text":"عبد الرحمن: ما هي إلا هرقلية، وله من طريق شعبة عن محمد بن زياد: فقال مروان: سُنَّة أبي بكر وعمر، فقال عبد الرحمن، سُنَّة هرقل وقيصر.\nقوله: (فقال: خذوه) أي: فقال مروان لأعوانه: خذوا عبد الرحمن.\nقوله: (دخل) أي: عبد الرحمن بيت عائشة رضي الله تعالى عنها ملتجئًا بها.\nقوله: (فلم يقدروا) على إخراجه من بيت عائشة إعظامًا لعائشة، امتنعوا من الدخول في بيتها.\nقوله: (فقال مروان: إن هذا الذي) أراد به عبد الرحمن \"أنزل الله فيه\" أي: في حقه ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي﴾ [الأحقاف: ١٧] فأجابت عائشة بقولها: ما أنزل الله فينا شيئًا، إلى آخره.\nقوله: (إن الله أنزل عذري) أرادت بها الآيات التي نزلت في براءة ساحة عائشة رضي الله تعالى عنها وهي ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ﴾ [النور: ١١] إلى آخره.\nقوله: (فينا) أرادت به بني أبي بكر لأن أبا بكر - ﵁ - نزل فيه ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ [التوبة: ٤٠] وقوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الفتح: ٢٩] وقوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ﴾ [التوبة: ١٠٠] وفي آي كثيرة، انتهى من \"العيني\".\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-2828> باب قوله: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ﴾ الآية [الأحقاف:</span> ٢٤])\nقال القسطلاني (^١): سقط لغير أبي ذر \"باب قوله\"، انتهى.\nقال الحافظ (^٢) في شرح حديث الباب: قوله: \"عذب قوم بالريح وقد رأى قوم العذاب فقالوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ﴾ \" ظاهر هذا أن الذي عذبوا بالريح غير الذين قالوا ذلك؛ لما تقرر أن النكرة إذا أعيدت نكرة كانت غير الأول، لكن ظاهر آية الباب على أن الذين عذبوا بالريح هم الذين قالوا:\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٧٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٥٧٨، ٥٧٩).","vol":"5","page":288},{"text":"هذا عارض، ففي هذه السورة: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾ الآية [الأحقاف: ٢١] الآيات، وفيها: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الأحقاف: ٢٤]، وقد أجاب الكرماني عن الإشكال بأن هذه القاعدة المذكورة إنما تطرد إذا لم يكن في السياق قرينة تدل على أنها عين الأول، فإن كان هناك قرينة كما في قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤] فلا، ثم قال: ويحتمل أن عادًا قومان: قوم بالأحقاف وهم أصحاب العارض، وقوم غيرهم، قلت: ولا يخفى بعده لكنه محتمل فقد قال تعالى في سورة النجم: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى﴾ [النجم: ٥٠]؛ فإنه يشعر بأن ثم عادًا أخرى، وقد أخرج قصة عاد الثانية أحمد ثم ذكرها الحافظ ثم قال: وأخرج الترمذي والنسائي وابن ماجه بعضه، والظاهر أنه في قصة عاد الأخيرة لذكر مكة فيه، وإنما بنيت بعد إبراهيم حين أسكن هاجر وإسماعيل بواد غير ذي زرع، فالذين ذكروا في سورة الأحقاف هم عاد الأخيرة، ويلزم عليه أن المراد بقوله تعالى: ﴿أَخَا عَادٍ﴾ نبي آخر غير هود، والله تعالى أعلم، انتهى.\nقال القسطلاني: وحديث أحمد ذكره ابن كثير بطوله في تفسيره وابن حجر مختصرًا.\n\n(٤٧)<span data-type='title' id=toc-2829> الَّذِينَ كَفَرُوا</span>\nكذا في النسخة الهندية و\"القسطلاني\"، وفي نسخة الحَافِظَينَ: \"سورة محمد - ﷺ -\" مع البسملة أخيرًا.\nقال القسطلاني (^١): مدنية، وقيل: مكية، ثم قال بعد ذكر اختلاف النسخ: وتسمى السورة أيضًا \"سورة القتال\"، انتهى.\nقال العيني (^٢): قال أبو العباس: ذكر عن الحكم عن السدي أنه قال:\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٧٢).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٣١٢).","vol":"5","page":289},{"text":"هي مكية ثم وجدنا عامة من نقلنا عنهم تفسير هذه السورة مجمعين على أنها مدنية، وقال الضحاك والسدي: مكية، وفي تفسير ابن النقيب: حكي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن قوله - ﷿ -: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾ [محمد: ١٣] نزلت بعد حجة النبي - ﷺ - حين خرج من مكة، شرّفها الله تعالى، انتهى.\nقال القسطلاني (^١): قوله: (﴿أَوْزَارَهَا﴾) في قوله: تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد: ٤] أي: \"آثامها\" أو آلاتها وأثقالها وهو من مجاز الحذف، أي: حتى تضع أمة الحرب أو فرقة الحرب أوزارها، والمراد انقضاء الحرب بالكلِّيَّة حتى لا يبقى إلا مسلم أو مسالم، والمعنى حتى يضع أهل الحرب شركهم ومعاصيهم وهو غاية للضرب أو الشد أو للمن والفداء أو للمجموع يعني أن هذه الأحكام جارية فيهم حتى لا يكون حرب مع المشركين بزوال شوكتهم، وقيل: بنزول عيسى، وأسند الوضع إلى الحرب لأنه لو أسنده إلى أهله بأن كان يقول: حتى تضع أمة الحرب جاز أن يضعوا الأسلحة ويتركوا الحرب وهي باقي كقول القائل:\nخصومتي ما انفصلت ولكن … تركتها في هذه الأيام\nانتهى.\nقال الحافظ (^٢): قال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ قال: حتى لا يكون شرك، قال: والحرب من كان يقاتله سماهم حربًا، قال ابن التِّين: لم يقل هذا أحد غير البخاري والمعروف أن المراد بأوزارها السلاح، وقيل: حتى ينزل عيسى ابن مريم، انتهى.\nقال الحافظ: وما نفاه قد علمه غيره، قال ابن قرقول: هذا التفسير يحتاج إلى تفسير وذلك لأن الحرب لا آثام لها، فلعله كما قال الفراء: آثام أهلها ثم حذف وأبقى المضاف إليه، أو كما قال النحاس: حتى تضع أهل الآثام فلا يبقى مشرك، انتهى.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٧٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٥٧٩).","vol":"5","page":290},{"text":"ولفظ الفراء: الهاء في ﴿أَوْزَارَهَا﴾ لأهل الحرب أي آثامهم، ويحتمل أن يعود على الحرب، والمراد بأوزارها سلاحها، انتهى. فجعل ما ادعى ابن التِّين أنه المشهور احتمالًا، انتهى.\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-2830> باب قوله: ﴿وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ الآية [محمد:</span> ٢٢])\nقرأ الجمهور بالتشديد ويعقوب بالتخفيف، قاله الحافظ (^١).\nوقال القسطلاني (^٢): وسقط لفظ \"باب\" لغير أبي ذر، انتهى.\n\n(٤٨)<span data-type='title' id=toc-2831> سُورَةُ الفَتْحِ</span>\nوفي نسخ الشروح الثلاثة بزيادة البسملة بعدها.\nقال العيني (^٣): وهي مدنية، قيل: نزلت بين الحديبية والمدينة منصرفه من الحديبية أو بكراع الغميم، والفتح صلح الحديبية، وقيل: فتح مكة، انتهى.\nقوله: (﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ﴾ [الفتح: ٢٩] السحنة) وفي رواية المستملي والكشميهني والقابسي: \"السجدة\" والأول أولى، فقد وصله ابن أبي حاتم من طريق الحاكم عن مجاهد كذلك، والسحنة بالسين وسكون الحاء المهملتين، وقيَّده ابن السكن والأصيلي بفتحهما، قال عياض: وهو الصواب عند أهل اللغة، وهو لين البشرة والنعمة وقيل: الهيئة، وقيل: الحال، انتهى.\nوقال العكبري: السحنة بفتح أوله وسكون ثانيه: لون الوجه، ولرواية المستملي ومن وافقه توجيه لأنه يريد بالسجدة أثرها في الوجه، يقال لأثر السجود في الوجه: سجدة وسجادة.\nقول: (وقال منصور عن مجاهد: التواضع) وصله علي بن المديني عن\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٥٨٠).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٧٣).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٣١٦).","vol":"5","page":291},{"text":"جرير عن منصور، ورويناه في \"الزهد\" لابن المبارك، وفي تفسير عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: هو الخشوع زاد في رواية زائدة: قلت: ما كنت أراه إلا هذا الأثر الذي في الوجه، فقال: ربما كان بين عيني من هو أقسى قلبًا من فرعون (^١)، انتهى.\nقال القسطلاني (^٢): وقال بعضهم: إن للحسنة نورًا في القلب وضياء في الوجه وسعة في الرزق ومحبة في قلوب الناس، فما كمن في النفس ظهر على صفحات الوجه، وفي حديث جندب بن سفيان البجلي عند الطبراني مرفوعًا: \"ما أسر أحد سريرة إلا ألبسه الله رداءها، إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر\"، وغير ذلك من الأقوال ذكرها القسطلاني.\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-2832> باب: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح:</span> ١])\nسقط لفظ \"باب\" لغير أبي ذر، قاله القسطلاني (^٣).\nقال العلامة العيني (^٤): عن أنس - ﵁ -: الفتح فتح مكة، وعن مجاهد والعوفي: فتح خيبر، وعن بعضهم: فتح الروم، وقيل: فتح الإسلام، وعن جابر: ما كنا نعد فتح مكة إلا يوم الحديبية، انتهى.\nوقال القسطلاني (^٥): الأكثرون على أنه صلح الحديبية، وقيل: فتح مكة، والتعبير عنه بالماضي لتحققه قال في \"الكشاف\": وفي ذلك من الفخامة والدلالة على علو شأن المخبر ما لا يخفى، انتهى.\nقال الطيبي: لأن هذا الأسلوب إنما يرتكب في أمر يعظم مناله ويعز الوصول إليه ولا يقدر على نيله إلا من له قهر وسلطان ولذا ترى أكثر أحوال القيامة واردة على هذا المنهج؛ لأن فتح مكة من أمهات الفتوح، وبه دخل الناس في دين الله أفواجًا، وأمر رسول الله - ﷺ - بالاستغفار والتأهب\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (٨/ ٥٨١، ٥٨٢).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٧٨).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٧٩).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٣١٨).\n(^٥) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٧٩).","vol":"5","page":292},{"text":"للمسير إلى دار القرار، ثم ذكر بعض الأقوال مما تقدم، وقيل: فتح الإسلام بالحجة والبرهان والسيف والسنان، انتهى.\nقال الحافظ (^١): قوله: \"كان في سفر\" جاء في رواية الطبراني من طريق عبد الرحمن بن أبي علقمة عن ابن مسعود أن السفر المذكور هو عمرة الحديبية، انتهى.\nقال العيني (^٢): قال القرطبي: وهذا السفر كان ليلًا منصرفه من الحديبية، لا أعلم بين أهل العلم في ذلك خلافًا، وهذا الحديث مضى في المغازي في \"باب غزوة الحديبية\"، انتهى.\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-2833> باب قوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢]. . .) إلخ</span>\nكذا في النسخ الهندية و\"القسطلاني\"، وفي نسخة \"العيني\" ذكرت هذه الآية بغير لفظ \"باب\"، وأما في نسخة شرح الحافظ فهذه الآية غير مذكورة، نعم هو موجود في نسخة متن شرح الحافظ.\nقال العيني (^٣): ليست هذه الآية بمذكورة في أكثر النسخ، انتهى.\nقال العلامة القسطلاني (^٤) في تفسير هذه الآية: أي: جميع ما فرط منك مما يصح أن تعاتب عليه، واللام في ﴿لِيَغْفِرَ﴾ متعلق بـ ﴿فَتْحًا﴾ وهي لام العلة، وقال الزمخشري: فإن قلت: كيف جعل فتح مكة علة للمغفرة؟ قلت: لم يجعل علة للمغفرة ولكن لاجتماع عدد ما من الأمور الأربعة وهي: المغفرة، وإتمام النعمة، وهداية الصراط المستقيم، والنصر العزيز، كأنه قال: يسرنا لك فتح مكة ونصرناك على عدوك لنجمع لك بين عز الدارين وأغراض العاجل والآجل، ويجوز أن يكون فتح مكة من حيث إنه جهاد للعدو سببًا للمغفرة والثواب، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٥٨٣).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٣١٨).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٣٢٠).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٨١، ٨٢).","vol":"5","page":293},{"text":"قال السمين: وهذا الذي قاله مخالف لظاهر الآية فإن اللام داخلة على المغفرة فتكون المغفرة علة للفتح والفتح معلل بها فكان ينبغي أن يقول: كيف جعل فتح مكة معللًا بالمغفرة ثم يقول: لم يجعل معللًا، وقال ابن عطية: أي أن الله فتح لك لكي يجعل الفتح علامة لغفرانه لك فكأنها لام الصيرورة فهو كلام ماش على الظاهر، انتهى.\n(فائدة): قال الحافظ (^١) تحت قوله: \"فلما كثر لحمه\": أنكره الداودي وقال: المحفوظ \"فلما بدن\" أي: كبر، فكأن الراوي تأوّله على كثرة اللحم، انتهى.\nوتعقبه أيضًا ابن الجوزي فقال: لم يصفه أحد بالسمن أصلًا، ولقد مات - ﷺ - وما شبع من خبز الشعير في يوم مرتين، وأحسب بعض الرواة لما رأى \"بدن\" ظنه كثر لحمه وليس كذلك وإنما هو بدن تبدينًا، أي: أسن، قاله أبو عبيد، قلت: وهو خلاف الظاهر، وفي استدلاله بأنه لم يشبع من خبز الشعير نظر؛ فإنه يكون من جملة المعجزات كما في كثرة الجماع وطوافه في الليلة الواحدة على تسع وإحدى عشرة مع عدم الشبع وضيق العيش، وأي فرق بين تكثير المني مع الجوع وبين وجود كثرة اللحم في البدن مع قلة الأكل، وقد أخرج مسلم من طريق عبد الله بن عروة عن عائشة قالت: لما بدن رسول الله - ﷺ - وثقل كان أكثر صلاته جالسًا، لكن يمكن تأويل قوله: ثقل، أي: ثقل عليه حمل لحمه وإن كان قليلًا لدخوله في السن، انتهى.\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-2834> باب قوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الفتح:</span> ٨])\nقال القسطلاني (^٢): سقط لفظ \"باب\" لغير أبي ذر، وقال أيضًا بعد ذكر حديث الباب: هذا الحديث سبق في أوائل البيع، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٥٨٤، ٥٨٥).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٨٣، ٨٤).","vol":"5","page":294},{"text":"(٤ -<span data-type='title' id=toc-2835> باب قوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح:</span> ٤])\nقال الحافظ (^١): ذكر فيه حديث البراء في نزول السكينة وسيأتي بتمامه في فضائل القرآن مع شرحه إن شاء الله تعالى، انتهى.\nقال القسطلاني (^٢): (﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ﴾): الطمأنينة والثبات في قلوب المؤمنين تحقيقًا للنصرة، والأكثرون على أن هذه السكينة غير التي في البقرة، انتهى.\nوقال العلامة العيني (^٣): قوله: ﴿أَنْزَلَ السَّكِينَةَ﴾ أي: الرحمة والطمأنينة، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: كل سكينة في القرآن فهي الطمأنينة إلا التي في البقرة، انتهى.\n\n(٥ -<span data-type='title' id=toc-2836> باب قوله: ﴿إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح:</span> ١٨])\nسقط \"باب قوله\" لغير أبي ذر، انتهى من \"القسطلاني\" (^٤).\nقال العلامة العيني (^٥): وأول هذه الآية ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ﴾ [الفتح: ١٨] وهي بيعة الرضوان سميت بذلك في قوله: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ والشجرة كانت سمرة، وقيل: سدرة، وروي أنها عميت عليهم من قابل فلم يدروا أين ذهبت، وقيل: كانت بفج نحو مكة، وقال نافع: ثم كان الناس بعد يأتونها فيصلون تحتها فبلغ ذلك عمر - ﵁ - فأمر بقطعها، وقال أيضًا تحت حديث عبد الله بن المغفل: مطابقته للترجمة في قوله: إني ممن شهد الشجرة، وأما الحديث الموقوف والمرفوع فلا تعلق لهما بتفسير هذه الآية ولا بهذه السورة، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٥٨٧).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٨٤).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٣٢٢).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٨٥).\n(^٥) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٣٢٢، ٣٢٣).","vol":"5","page":295},{"text":"وقال القسطلاني (^١): وقد أورد المؤلف الحديث الموقوف لبيان التصريح بسماع ابن صهبان من ابن المغفل، والمرفوع الأول لقوله: إني ممن شهد الشجرة لمطابقة الترجمة، انتهى.\nوقال العيني (^٢) بعد آخر حديث الباب: والحديث مر في باب الشروط في الجهاد مطولًا جدًا، وفيه قضية عمر رضي الله تعالى عنه، وقضية سهل بن حنيف مضت مختصرة، في غزوة الحديبية، وذكره البخاري أيضًا في الجزية والاعتصام وفي المغازي، وأخرجه مسلم أيضًا، انتهى.\n\n(٤٩)<span data-type='title' id=toc-2837> الحُجُرات</span>\nكذا في النسخة الهندية و\"القسطلاني\" بدون لفظ السورة، وفي نسخة الحافظين بزيادة السورة، والبسملة مذكورة في الشروح الثلاثة.\nقال العلامة العيني (^٣): قال أبو العباس: مدنية كلها ما بلغنا فيها اختلاف، وقال السخاوي: نزلت بعد المجادلة وقبل التحريم، قال الزجاج: يقرأ ﴿الْحُجُرَاتِ﴾ [الحجرات: ٤] بضم الجيم وفتحها، ويجوز في اللغة التسكين، ولا أعلم أحدًا قرأه، وهي جمع الحجر والحجر جمع حجرة وهو جمع الجمع والمراد بيوت أزواج النبي - ﷺ -، انتهى.\nقوله: (وقال مجاهد: ﴿لَا تُقَدِّمُوا﴾ [الحجرات: ١] لا تفتاتوا) قال العيني (^٤): أي لا تسبقوا من الافتيات وهو افتعال من الفوت وهو السبق إلى الشيء دون ائتمار من يؤتمر، ومادته فاء وواو وتاء مثناة من فوق، ثم ذكر الأقوال في تفسير هذه الآية.\nقال القسطلاني (^٥): قال الزركشي: إن هذا التفسير على قراءة ابن عباس بفتح التاء والدال وكذا قيَّده البياسي وهي قراءة يعقوب\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٨٧).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٣٢٤).\n(^٣) المصدر السابق.\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٣٢٦).\n(^٥) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٨٩).","vol":"5","page":296},{"text":"الحضرمي، والأصل لا تتقدموا فحذف إحدى التائين، وقال في \"المصابيح\" متعقبًا لقول الزركشي: ليس هذا بصحيح بل هذا التفسير متأت على القراءة المشهورة أيضًا فإن قدّم بمعنى تقدم، قال الجوهري: وقدّم بين يديه، أي: تقدم، قال الله تعالى: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ١]، انتهى.\nقال الإمام فخر الدين: والأصح أنه إرشاد عام يشمل الكل، ومنع مطلق يدخل فيه كل إثبات وتقدُّمٍ واستبدادٍ بالأمر وإقدامٍ على فعلٍ غيرِ ضروريٍ من غير مشاورةٍ، انتهى.\n\n<span data-type='title' id=toc-2838>(باب ﴿تَنَابَزُوا﴾ يُدْعَى بالكفْر بَعْدَ الإسلام. . .) إلخ</span>\nليس في نسخ الشروح الثلاثة ها هنا لفظ \"باب\"، ثم اختلفت النسخ ففي نسخة \"العيني\": \"تنابزوا: يدعى بالكفر بعد الإسلام\"، وفي نسخة \"الفتح\": \"ولا تنابزوا: يدعى. . .\" إلخ، وفي نسخة \"القسطلاني\": \"تنابزوا: لا يدعى. . .\" إلخ.\nقال الحافظ (^١): وصله الفريابي عن مجاهد بلفظ: لا يدعوا الرجل بالكفر وهو مسلم، وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [الحجرات: ١١] قال: لا يطعن بعضكم على بعض، ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ [الحجرات: ١١] قال: لا تقل لأخيك المسلم: يا فاسق يا منافق، وعن الحسن قال: كان اليهودي يسلم فيقال: يا يهودي، فنهوا عن ذلك، وروى أحمد وأبو داود من طريق الشعبي: حدثني أبو جبيرة بن الضحاك قال: فينا نزلت ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ قدم رسول الله - ﷺ - المدينة وليس فينا رجل إلا وله لقبان أو ثلاثة، فكان إذا دعا أحدًا منهم باسم من تلك الأسماء قالوا: إنه يغضب منه، فنزلت، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٥٨٩).","vol":"5","page":297},{"text":"(١ -<span data-type='title' id=toc-2839> باب قوله: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ الآية [الحجرات:</span> ٢])\nسقط لفظ \"باب\" في نسخة \"القسطلاني\"، ولأبي ذر: \"باب ﴿لَا تَرْفَعُوا﴾ الآية\". ثم قال (^١) في تفسير الآية: أي إذا كلمتموه لأنه يدل على قلة الاحتشام وترك الاحترام، ومن خشي قلبه ارتجف وضعفت حركته الدافعة فلا يخرج منه الصوت بقوة ومن لم يخف بالعكس، وليس المراد بنهي الصحابة عن ذلك أنهم كانوا مباشرين ما يلزم منه الاستخفاف والاستهانة، كيف وهم خير الناس؟ بل المراد أن التصويت بحضرته مباين لتوقيره وتعزيره، انتهى.\nقال الحافظ (^٢) في شرح الحديث: قوله: \"فأنزل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ﴾ الآية [الحجرات: ٢] \" في رواية ابن جريج: \"فنزلت ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١] إلى قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا﴾ [الحجرات: ٥] \" وقد استشكل ذلك، قال ابن عطية: الصحيح أن سبب نزول هذه الآية كلام جفاة الأعراب، قلت: لا يعارض ذلك هذا الحديث فإن الذي يتعلق بقصة الشيخين في تخالفهما في التأمير هو أول السورة: ﴿لَا تُقَدِّمُوا﴾ ولكن لما اتصل بها قوله: ﴿لَا تَرْفَعُوا﴾ تمسك عمر منها بخفض صوته، وجفاة الأعراب الذين نزلت فيهم هم من بني تميم والذي يختص بهم قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ [الحجرات: ٤] قال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة: أن رجلًا جاء إلى النبي - ﷺ - من وراء الحجرات فقال: يا محمد إن مدحي زين، وإن شتمي شين، فقال النبي - ﷺ -: \"ذاك الله - ﷿ -\" ونزلت، قلت: ولا مانع أن تنزل الآية لأسباب تتقدمها فلا يعدل للترجيح مع ظهور الجمع وصحة\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٩٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٥٩١، ٥٩٢).","vol":"5","page":298},{"text":"الطرق، ولعل البخاري استشعر ذلك فأورد قصة ثابت بن قيس عقب هذا ليبين ما أشرت إليه من الجمع، ثم عقب ذلك كله بترجمة \"باب قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ \" [الحجرات: ٥] إشارة إلى قصة جفاة الأعراب من بني تميم لكنه لم يذكر في الترجمة حديثًا كما سأبينه قريبًا، وكأنه ذكر حديث ثابت لأنه هو الذي كان الخطيب لما وقع الكلام في المفاخرة بين بني تميم المذكورين كما أورده ابن إسحاق في \"المغازي\" مطولًا.\nقوله: (فما كان عمر يُسْمِعُ رسولَ الله - ﷺ -. . .) إلخ، في رواية وكيع في الاعتصام: فكان عمر بعد ذلك إذا حدّث النبي - ﷺ - بحديث حدّثه كأخي السرار لم يسمعه حتى يستفهمه، قلت: وقد أخرج ابن المنذر من طريق محمد بن عمرو بن علقمة أن أبا بكر الصديق قال مثل ذلك للنبي - ﷺ - وهذا مرسل، وقد أخرجه الحاكم موصولًا من حديث أبي هريرة ونحوه، وأخرجه ابن مردويه من طريق طارق بن شهاب عن أبي بكر قال: لما نزلت ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ﴾ الآية، قال أبو بكر: قلت: يا رسول الله! آليتُ أن لا أكلمك إلا كأخي السرار.\nقوله: (ولم ينكر ذلك عن أبيه - يعني: أبا بكر) قال مغلطاي: يحتمل أنه أراد بذلك أبا بكر عبد الله بن الزبير، أو أبا بكر عبد الله بن أبي مليكة، فإن أبا مليكة له ذكر في الصحابة، قلت: وهذا بعيد عن الصواب بل قرينة ذكر عمر ترشد إلى أن مراده أبو بكر الصديق، وقد وقع في رواية الترمذي، قال: وما ذكر ابن الزبير جده، زاد في رواية الطبري: جده - يعني: أبا بكر -، انتهى.\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-2840> باب قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ الآية [الحجرات: ٤]. . .) إلخ</span>\nذكر فيه حديث ابن الزبير وقد تقدم شرحه في الذي قبله.","vol":"5","page":299},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2841>(باب قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ﴾ [الحجرات:</span> ٥])\nقال العلامة العيني (^١): وليس في كثير من النسخ لفظ \"باب\"، وهكذا في جميع الروايات الترجمة بلا حديث، والظاهر أنه أخلى موضع الحديث فإما أنه لم يظفر بشيء على شرطه أو أدركه الموت، والله أعلم، انتهى.\nوتبعه القسطلاني في ذلك، وقال الحافظ (^٢): هكذا في جميع الروايات الترجمة بغير حديث، وقد أخرج الطبري والبغوي وابن أبي عاصم في كتبهم في الصحابة من طريق موسى بن عقبة عن أبي سلمة قال: حدثني الأقرع بن حابس التميمي أنه أتى النبي - ﷺ - فقال: يا محمد! أخرج إلينا؛ فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ الحديث، وسياقه لابن جرير، قال ابن منده: الصحيح عن أبي سلمة أن الأقرع، مرسل، وكذا أخرجه أحمد على الوجهين، وقد ساق محمد بن إسحاق قصة وفد بني تميم في ذلك مطولة بانقطاع، انتهى.\n\n(٥٠)<span data-type='title' id=toc-2842> سورةُ ﴿ق﴾</span>\nوهكذا في نسخة \"القسطلاني\"، وفي نسخة الحافظين بزيادة البسملة بعدها.\nقال الحافظ (^٣): روى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة: ﴿ق﴾ اسم من أسماء القرآن، وعن مجاهد قال: جبل محيط بالأرض، وقيل: هي القاف من قوله: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ دلت على بقية الكلمة كما قال الشاعر:\nقلت لها قفي لنا قالت قاف\nقال العلامة العيني (^٤): هي مكية كلها، وعن ابن عباس: أنه اسم\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٣٢٩).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٥٩٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٥٩٣).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٣٣٠).","vol":"5","page":300},{"text":"من أسماء الله تعالى أقسم الله به، وعن القرطبي: افتتاح اسم الله تعالى: قدير وقادر وقاهر وقريب وقاضي وقابض، وعن عكرمة والضحاك: هو جبل محيط بالأرض من زمردة خضراء متصلة عروقه بالصخرة التي عليها الأرض كهيئة القبة، وعليه كتف السماء وخضرة السماء منه، والعالم داخله ولا يعلم ما وراءه إلا الله تعالى، وما أصاب الناس من زمرد ما سقط من ذلك الجبل، وهي رواية عن ابن عباس، وعن مقاتل: هو أول جبل خلق وبعده أبو قبيس، انتهى.\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-2843> باب قوله: ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ الآية [ق:</span> ٣٠])\nقال الحافظ (^١): اختلف النقل عن قول جهنم ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ فظاهر أحاديث الباب أن هذا القول منها لطلب المزيد، وجاء عن بعض السلف أنه استفهام إنكار كأنها تقول: ما بقي فيَّ موضع للزيادة، فروى الطبري عن عكرمة في قوله: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ أي: هل من مدخل؟ قد امتلأت. ومن طريق مجاهد نحوه، ورجح الطبري أنه لطلب الزيادة على ما دلت عليه الأحاديث المرفوعة، وقال الإسماعيلي: الذي قاله مجاهد موجه فيحمل على أنها قد تزاد وهي عند نفسها لا موضع فيها للمزيد.\nثم قال الحافظ: واختلف في المراد بالقدم، ثم بسط الأقوال فيه.\nقال القسطلاني (^٢): قال محيي السُّنَّة: القدم والرجل في هذا الحديث من صفات الله تعالى المنزهة عن التكييف والتشبيه، فالإيمان بها فرض والامتناع عن الخوض فيها واجب، فالمهتدي من سلك فيها طريق التسليم، والخائض فيها زائغ، والمنكر معطل، والمكيف مشبه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، انتهى.\nثم ذكر المصنف في الباب حديث اختصام الجنة والنار.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٥٩٥).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٩٩).","vol":"5","page":301},{"text":"كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^١): قوله: (ما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس. . .) إلخ، ولم تذكر المحاجة على وجهها فإن ما ذكر من مقالة الجنة لا تؤذن بالمحاجة لأنها أذعنت بالخضوع، والصحيح أنها ذكرت مقالتها هذه للاستدلال على علو مكانتها حتى أنها تجعل الضعفاء الغرباء ملوكًا وجبابرة، انتهى.\nوفي هامشه: وهو كذلك فإن قولها: ما لي لا يدخلني إلا. . . إلخ، اعتراف منها بعجزها وغلبة الأخرى، وهذا ليس من شأن المحاجة، وما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه بقوله: والصحيح. . . إلخ، هو أيضًا واضح، وعلى هذا تصح المحاجة بينهما، فإن في هذه السورة ادعى كل واحد منهما غلبته على الآخر، وبهذا جزم الشيخ قُدِّس سرُّه في \"كتاب الرد على الجهمية\" فإن هذا الحديث سيأتي هناك في \"باب قوله: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦] \" ولا يبعد عند هذا العبد الضعيف أن يقال: إن جهنم لما كانت مثوى المتكبرين عبرت كلامها بكلام المتكبرين فقالت: أنا كذا وكذا، ولما كانت الجنة مثوى المتواضعين ذكرت مقالتها على منوال المتواضعين، إلى آخر ما بسط في هامش \"اللامع\" مما ذكره الشيخ قُدِّس سرُّه في \"الكوكب\" (^٢) ومن كلام الشرَّاح في شرح هذا الحديث.\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-2844> باب قوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق:</span> ٣٩])\nسقط لفظ \"باب\" في نسخة \"القسطلاني\"، وهو موجود في نسخة الحافظين، ثم اختلفت نسخ الشروح، ففي نسخة \"الفتح\": فسبح بالفاء، وفي نسخة \"العيني\" و\"القسطلاني\": وسبح بالواو.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٩/ ١٦٤، ١٦٥).\n(^٢) انظر: \"الكوكب الدري\" (٣/ ٣١٩).","vol":"5","page":302},{"text":"قال الحافظ (^١): كذا لأبي ذر في الترجمة، وفي سياق الحديث، ولغيره: وسبح بالواو فيهما وهو الموافق للتلاوة، فهو الصواب، وعندهم أيضًا: ﴿وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ وهو الموافق لآية السورة، ثم أورد فيه حديث جرير: \"إنكم سترون ربكم\" الحديث وفي آخره: ثم قرأ ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه: ١٣٠] وهذه الآية في طه.\nقال الكرماني: المناسب لهذه السورة و\"قبل الغروب\" لا غروبها قلت: لا سبيل إلى التصرف في لفظ الحديث، وإنما أورد الحديث هنا لاتحاد دلالة الآيتين، وقد تقدم في الصلاة، وكذا وقع هنا في نسخة من وجه آخر عن إسماعيل بن أبي خالد بلفظ: ثم قرأ ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾، انتهى.\n\n(٥١) <span data-type='title' id=toc-2845>﴿وَالذَّارِيَاتِ﴾</span>\nكذا في \"الهندية\" و\"القسطلاني\"، وفي نسخة \"الفتح\" و\"العيني\" بزيادة لفظ السورة والبسملة بعدها.\nقال العيني (^٢): وهي مكية كلها قاله مقاتل وغيره، وقال السخاوي: نزلت بعد سورة الأحقاف وقبل سورة الغاشية، انتهى.\nقال الحافظ (^٣): والواو للقسم والفاءات بعدها عاطفات من عطف المتغايرات وهو الظاهر، وجوّز الزمخشري أنها من عطف الصفات وأن الحاملات وما بعدها من صفات الريح، انتهى.\nقوله: (﴿إلا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] ما خلقت أهل السعادة. . .) إلخ، قال العلامة العيني (^٤): فإن قلت: ما الفرق بين هذين التأويلين؟ قلت: الأول لفظ عام أريد به الخصوص، وهو أن المراد أهل السعادة من الفريقين، والثاني على عمومه بمعنى خلقهم معدين لذلك، لكن منهم من أطاع ومنهم\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٥٩٨).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٣٣٧).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٥٩٩).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٣٤٠).","vol":"5","page":303},{"text":"من عصى، ومعنى الآية في الجملة أن الله تعالى لم يخلقهم للعبادة خلق جبلة واختيار، وإنما خلقهم لها خلق تكليف واختبار، فمن وفقه وسدده أقام العبادة التي خلق لها، ومن خذله وطرده حرمها وعمل بما خلق له كقوله - ﷺ -: \"اعملوا فكل ميسر لما خلق له\" وفي نفس الأمر هذا سر لا يطلع عليه غير الله تعالى، وقال: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]، انتهى.\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^١): والفرق بين التأويلين أن المراد بالجن والإنس في التوجيه الأول صلحاؤهما فقط، وفي الثاني أعم منهم غير أن الطلحاء لم يأتوا ما أريد منهم، انتهى. وهو حاصل ما تقدم عن كلام العلامة العيني وهو مؤدى كلام الحافظ.\nوكتب الشيخ أيضًا: قوله: (وليس فيه حجة لأهل القدر) القائلين بوقوع الشر من غير إرادته تعالى وأن الشر غير مخلوق له، وعدم حجيته لهم ظاهر فإن عدم كونه مرادًا لا يقتضي أنه ليس مخلوقًا له، انتهى.\nذكر الحافظ (^٢) في آخره هذه السورة: (تنبيه): لم يذكر البخاري في هذه السورة حديثًا مرفوعًا، ويدخل فيها على شرطه حديث أخرجه أحمد والترمذي والنسائي من طريق أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن يزيد عن عبد الله بن مسعود - ﵁ -، قال: \"أقرأني رسول الله - ﷺ -: إني أنا الرزاق ذو القوة المتين\"، قال الترمذي: حسن صحيح، وصححه ابن حبان، انتهى.\n\n(٥٢) <span data-type='title' id=toc-2846>﴿وَالطُّورِ﴾</span>\nهكذا في النسخة \"الهندية\"، وفي نسخ الشروح الثلاثة بزيادة لفظ \"سورة\" والبسملة بعدها.\nقال العلامة العيني (^٣): قال أبو العباس: مكية كلها، وذكر الكلبي أن\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٩/ ١٦٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٦٠١).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٣٤٢).","vol":"5","page":304},{"text":"فيها آية مدنية وهي قوله: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الطور: ٤٧] زعم أنها نزلت فيمن قتل ببدر من المشركين.\nقال الثعلبي: كل جبل طور ولكن الله - ﷿ - يعني بالطور هنا الجبل الذي كلّم الله عليه موسى - ﵇ - بالأرض المقدسة وهو بمدين واسمه زبير، وقال مقاتل بن حيان: هما طوران يقال لأحدهما: طور زيتا، وللآخر: طور تينا؛ لأنهما ينبتان الزيتون والتين، ولما كذّب كفار مكة أقسم الله بالطور وهو الجبل بلغة النبط الذي كلم الله عليه موسى - ﵇ - بالأرض المقدسة، وقال الجوزي: وهو طور سيناء، وقال أبو عبد الله الحموي في كتابه \"المشترك\": طور زيتا مقصورًا: علم لجبل بقرب رأس عين وطور زيتا أيضًا جبل بالبيت المقدس وفي الأثر: مات بطور زيتا سبعون ألف نبي قتلهم الجوع وهو شرقي وادي سلوان، ثم ذكر عدة جبال المسمى بالطور، فارجع إليه لو شئت.\nقوله: (قال مجاهد: الطور الجبل بالسريانية) قال الحافظ (^١): وصله الفريابي من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بهذا، قال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة: قوله: ﴿وَالطُّورِ﴾ قال: جبل يقال له الطور، وعمن سمع عكرمة مثله، وقال أبو عبيدة: الطور الجبل في كلام العرب، وفي \"المحكم\": الطور الجبل وقد غلب على طور سيناء جبل بالشام وهو بالسريانية طورى بفتح الراء، والنسبة إليه طوري وطوراني، انتهى.\nوقال القسطلاني (^٢): وهو طور سينين جبل بمدين سمع فيه موسى كلام الله - ﷿ -، انتهى.\n\n(٥٣) <span data-type='title' id=toc-2847>﴿وَالنَّجْمِ﴾</span>\nوفي نسخ الشروح الثلاثة بزيادة لفظ \"سورة\" والبسملة بعدها.\nقال العيني (^٣): وهي مكية، قال مقاتل: غير آية نزلت في نبهان التمار\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٦٠٢).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١١/ ١٠٤).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٣٤٦).","vol":"5","page":305},{"text":"وهي ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ﴾ [النجم: ٣٢] وفيه رد لقول أبي العباس في \"مقامات التنزيل\" وغيره: مكية بلا خلاف، وقال السخاوي: نزلت بعد سورة الإخلاص وقبل سورة عبس.\nوالواو في ﴿وَالنَّجْمِ﴾ للقسم، والنجم الثريا، قاله ابن عباس، والعرب تسمي الثريا نجمًا وإن كانت في العدد نجومًا، وعن مجاهد: نجوم السماء كلها حين تغرب، لفظه واحد ومعناه جمع، وسمي الكوكب نجمًا لطلوعه وكل طالع نجم، ﴿إِذَا هَوَى﴾ [النجم: ١] أي: إذا غاب وسقط، وقوله: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ﴾ [النجم: ٢] جواب القسم والصاحب هو محمد - ﷺ -، انتهى.\n\n<span data-type='title' id=toc-2848>(باب قوله: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم:</span> ٩])\nقال العيني (^١): ولم تثبت هذه الترجمة إلا لأبي ذر وحده، وفي بعض النسخ لم يذكر لفظ \"باب\" وقد تقدم تفسيره قريبًا عن مجاهد، انتهى.\nقلت: وأشار به إلى ما تقدم في أوائل هذه السورة بقوله: ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ﴾: حيث الوتر من القوس، قال الحافظ (^٢) هناك: وصله الفريابي من طريق مجاهد، وقال أبو عبيدة: ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ﴾، أي: قدر قوسين أو أدنى أو أقرب، انتهى.\nوقال القسطلاني (^٣): وفيه مضافان محذوفان، أي: فكان مقدار مسافة قربه ﵊ منه تعالى مثل مقدار مسافة قاب، انتهى.\nقال الحافظ (^٤): والقاب ما بين القبضة والسية من القوس، قال الواحدي: هذا قول جمهور المفسرين أن المراد القوس التي يرمى بها، قال: وقيل: المراد بها الذراع لأنه يقاس به الشيء، قلت: وينبغي أن يكون هذا القول هو الراجح، فقد أخرج ابن مردويه بإسناد صحيح عن ابن عباس قال: القاب القدر والقوسين الذراعان، ويؤيده أنه لو كان المراد به القوس\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٣٥١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٦٠٤).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١١/ ١٠٧، ١٠٨).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٨/ ٦١٠).","vol":"5","page":306},{"text":"التي يرمى بها لم يمثل بذلك ليحتاج إلى التثنية فكان يقال مثلًا: قاب رمح أو نحو ذلك، وقد قيل: إنه على القلب، والمراد: فكان قاب قوس؛ لأن القاب ما بين المقبض إلى السية فلكل قوس قابان بالنسبة إلى خالفته، وسيأتي بيان الاختلاف في معنى قوله: ﴿فَتَدَلَّى﴾ في كتاب التوحيد إن شاء الله تعالى، انتهى. ثم اعلم أنهم اختلفوا أن هذا الدنو والتدلي فيما بين نبينا - ﷺ - وجبريل أو بينه - ﷺ - وبين ربه - ﷿ - فهي مسألة خلافية بين العلماء.\nوها هنا مسألة أخرى وهي رؤية النبي - ﷺ - ربّه - ﷿ - ليلة المعراج وهي أيضًا خلافية، ذكر شيء من الكلام عليهما في هامش \"اللامع\"، وسيأتي من كتاب التوحيد في \"باب قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]، وتقدم آنفًا في كلام القسطلاني ما يدل أن هذا الدنو والتدلي فيما بين نبينا - ﷺ - وبين الرب ﵎.\n\n<span data-type='title' id=toc-2849>(باب قوله: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم:</span> ١٠])\nسقط لفظ \"باب\" ولاحقه لغير أبي ذر، قاله القسطلاني (^١).\nوقال الحافظ (^٢): ثبتت هذه الترجمة لأبي ذر وحده، وهي عند الإسماعيلي أيضًا فأورد فيه حديث ابن مسعود المذكور في الذي قبله، انتهى.\n\n<span data-type='title' id=toc-2850>(باب قوله: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم:</span> ١٨])\nقال القسطلاني (^٣): سقط لغير أبي ذر لفظ \"باب\" وما بعده، انتهى.\nقال الحافظ (^٤): واختلف في الآيات المذكورة فقيل: المراد بها جميع ما رأى - ﷺ - ليلة الإسراء، وحديث الباب يدل على أن المراد صفة جبريل، انتهى.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١١/ ١١١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٦١٠).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١١/ ١١٢).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٨/ ٦١١).","vol":"5","page":307},{"text":"(٢ -<span data-type='title' id=toc-2851> باب قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ [النجم:</span> ١٩])\nقال العيني (^١): وفي بعض النسخ لم يذكر لفظ \"باب\".\nواللات مأخوذ من لفظة \"الله\" ثم ألحقت بها تاء التأنيث فأنثت، كما قيل للرجل: عمرو، ثم يقال للأنثى: عمرة، كذا قاله الثعلبي، وقيل: أرادوا أن يسموا إلههم الباطل باسم الله فصرفه الله تعالى إلى اللات صونًا له وحفظًا لحرمته، وفي \"التفسير\": كانت اللات صخرة بالطائف، وعن ابن زيد: بيت بنخلة كانت قريش تعبده، والعزى شجرة لغطفان يعبدونها، قاله مجاهد، قلت: هي التي بعث إليها رسول الله - ﷺ - خالد بن الوليد فقطعها، وله قصة مشهورة، وعن الضحاك: صنم لغطفان وضعها لهم سعد بن ظالم الغطفاني، وعن ابن زيد: بيت بالطائف كانت ثقيف تعبده، انتهى.\nقوله: (عن ابن عباس: ﴿اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ كانت اللات رجلًا يلتّ سويق الحاج. . .) إلخ، قال الحافظ (^٢): قال الإسماعيلي: هذا التفسير على قراءة من قرأ اللات بتشديد التاء، قلت: وليس ذلك بلازم بل يحتمل أن يكون هذا أصله وخفف لكثرة الاستعمال، والجمهور على القراءة بالتخفيف، وقد روي التشديد عن قراءة ابن عباس وجماعة من أتباعه ورويت عن ابن كثير أيضًا، والمشهور عنه التخفيف كالجمهور، انتهى.\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-2852> باب قوله: ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم:</span> ٢٠])\nقال الحافظ (^٣): سقط \"باب\" لغير أبي ذر، وقد تقدم شرح مناة في سورة البقرة، وقرأ ابن كثير وابن محيصن: مناءة بالمد والهمز.\nقوله: (قلت: لعائشة - ﵂ - فقالت. . .) إلخ، كذا أورده مختصرًا وتقدم في تفسير البقرة بيان ما قال وأنه سأل عن وجوب السعي بين الصفا والمروة، انتهى.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٣٥٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٦١٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٦١٣).","vol":"5","page":308},{"text":"قال العيني (^١): وسيأتي تفسيرها - أي: مناة - في الحديث، وقال أيضًا بعد ذكر حديث الباب: وهذا الحديث قد مضى مطولًا في الحج في \"باب وجوب الصفا والمروة\" وتكلم الشرَّاح ها هنا على قوله: ﴿الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ فإن الثالثة لا يقال لها الأخرى فارجع إليه لو شئت.\n\n(٤ -<span data-type='title' id=toc-2853> باب قوله: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ [النجم:</span> ٦٢])\nفي رواية الأصيلي: \"واسجدوا\" وهو غلط، قاله الحافظ (^٢).\nوتعقبه العيني فقال (^٣): لا ينسب الغلط للأصيلي بل للناسخ لعدم تمييزه، وقال أيضًا: وحديث الباب قد مضى في أبواب سجود القرآن في \"باب سجود المسلمين مع المشركين\" ومضى الكلام فيه هناك، انتهى.\nقلت: لعله أشار بقوله: تقدم الكلام عليه هناك، إلى ما اشتهر من قصة الغرانيق وتقدم الكلام عليه في أبواب سجود القرآن، وكذا في تفسير سورة الحج.\n\n(٥٤) <span data-type='title' id=toc-2854>﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾</span>\nوفي نسخ الشروح الثلاثة بزيادة لفظ السورة والبسملة بعدها.\nقال العيني (^٤): وتسمى أيضًا سورة القمر، قال مقاتل فيما ذكره ابن النقيب وغيره: مكية إلا ثلاث آيات أولها: ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ [القمر: ٤٤] وآخرها قوله: ﴿وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ [القمر: ٤٦] كذا قالوه عن مقاتل، وفيه نظر من حيث إن الذي في تفسيره: هي مكية غير آية ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ﴾ [القمر: ٤٥] فإنها نزلت في أبي جهل بن هشام يوم بدر، انتهى.\nقوله: (يقول كفر له. . .) إلخ، كتب الشيخ في \"اللامع\" (^٥): الظاهر أن\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٣٥٥، ٣٥٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٦١٤).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٣٥٦، ٣٥٧).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٣٥٨).\n(^٥) \"لامع الدراري\" (٩/ ١٦٩).","vol":"5","page":309},{"text":"قوله: \"له\" متعلق بقوله: \"جزاء\" يعني أن ذلك الذي فعلنا بهم كان جزاء لمن كفروه ولم يؤمنوا به، انتهى.\nوفي هامشه: وفي \"تقرير المكي\": قوله: \"كفر له\" يعني المراد بمن كفر من كفر له، وهو نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وسيجيء تفسير هذا قريبًا في البخاري بقوله: كفر فعلنا به إلخ، انتهى من هامش \"اللامع\".\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-2855> باب قوله: ﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا﴾ [القمر:</span> ١، ٢])\nقال الحافظ (^١): سقطت هذه الترجمة لغير أبي ذر، ثم ذكر حديث انشقاق القمر من وجهين عن ابن مسعود، وفيه فرقتين، ومن حديث ابن عباس: انشق القمر في زمان النبي - ﷺ -، ومن حديث أنس: سأل أهل مكة أن يريهم آية، ومن وجه آخر عن أنس: انشق القمر فرقتين، وقد تقدم الكلام عليه مستوفى في أوائل السيرة النبوية، انتهى.\nقلت: وكذا تقدم في هذا الجزء الكلام عليه هناك.\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-2856> باب قوله: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ الآية [القمر:</span> ١٤])\nقوله: (قال قتادة: أبقى الله سفينة نوح. . .) إلخ، قال الحافظ (^٢): وصله عبد الرزاق عن معمر عن قتادة بلفظه وزاد: على الجودي، وأخرج ابن أبي حاتم من طريق سعيد عن قتادة قال: أبقى الله السفينة في أرض الجزيرة عبرة وآية حتى نظر إليها أوائل هذه الأمة نظرًا، وكم من سفينة بعدها فصارت رمادًا.\nقوله: (أنه كان يقرأ: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾) أي: بالدال المهملة وسبب ذكر ذلك أن بعض السلف قرأها بالمعجمة، وهو منقول أيضًا عن قتادة.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٦١٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٦١٨).","vol":"5","page":310},{"text":"ثم ذكر المصنف لهذا الحديث خمس تراجم في كل ترجمة آية من هذه السورة، ومدار الجميع على أبي إسحاق عن الأسود بن يزيد، وساق في الجميع الحديث المذكور ليبين أن لفظ ﴿مُدَّكِرٍ﴾ في الجميع واحد، وقد تكرر في هذه السورة قوله: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ بحسب تكرر القصص من أخبار الأمم استدعاءً لأفهام السامعين ليعتبروا، وقال في الأولى: \"وقال مجاهد: ﴿يَسَّرْنَا﴾: هونا قراءته\" وقال في الثانية عن أبي إسحاق: أنه سمع رجلًا سأل الأسود فهل من مدكر أو مذكر؟ أي: بمعجمة أو بمهملة، فذكر الحديث وفي آخره: \"دالًا\" أي: مهملة، ولفظ الثالث والرابع كالأول، ولفظ الخامس: عن عبد الله: قرأت على النبي - ﷺ -: فهل من مذكر، أي: بالمعجمة فقال: فهل من مدكر، أي: بالمهملة، وقوله: ﴿مُدَّكِرٍ﴾ أصله مذتكر بمثناة بعد ذال معجمة فأبدلت التاء دالًا مهملة ثم أهملت المعجمة لمقاربتها ثم أدغمت، انتهى من \"الفتح\"\".\nوسيأتي الكلام على تكرار حديث واحد في عدة تراجم في \"باب قوله: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ﴾ الآية [القمر: ٥١]. . .\" إلخ.\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-2857> باب: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:</span> ٢٢])\nقال القسطلاني (^١): سقط الباب لغير أبي ذر.\nقوله: (﴿يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ﴾) أي: سهلنا لفظه ويسرنا معناه لمن أراده ليتذكر الناس كما قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩].\nقوله: (قال مجاهد) فيما وصله الفريابي (﴿يَسَّرْنَا﴾) أي: (هونا قراءته) وليس شيء يقرأ كله ظاهرًا إلا القرآن، انتهى من \"القسطلاني\" (^٢).\nوسيأتي عن ابن عباس: لولا أن الله يسره على لسان الآدميين ما استطاع أحد أن يتكلم بكلام الله - ﷿ -.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١١/ ١٢٢).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١١/ ١٢٢).","vol":"5","page":311},{"text":"(٤ -<span data-type='title' id=toc-2858> باب قوله: ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ [القمر:</span> ٢٠، ٢١])\nقال في \"الأنوار\": أصول نخل منقلع عن مغارسه ساقط على الأرض، وقيل: شبهوا بالأعجاز لأن الريح طيرت رؤوسهم وطرحت أجسادهم، وتذكير منقعر للحمل على اللفظ، والتأنيث في قوله: ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧] للمعنى، انتهى من \"القسطلاني\" (^١).\n\n(٥ -<span data-type='title' id=toc-2859> باب قوله: ﴿فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ الآية [القمر:</span> ٣١])\nسقط لغير أبي ذر لفظ \"باب\"، قوله: ﴿الْمُحْتَظِرِ﴾ بكسر الظاء المشالة المعجمة قراءة الجمهور اسم فاعل، قال ابن عباس: المحتظر هو الرجل يجعل لغنمه حظيرة بالشوك والشجر، فما سقط من ذلك وداسته الغنم فهو الهشيم، وقرأ الحسن بفتحها فقيل: هو مصدر، أي: كهشيم الاحتظار، وقيل: اسم مكان، ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ [القمر: ٣٢]) يسرنا تلاوته على الألسن، وعن ابن عباس: لولا أن الله يسره على لسان الآدميين ما استطاع أحد أن يتكلم بكلام الله - ﷿ -، انتهى من \"القسطلاني\" (^٢).\n\n(٦ -<span data-type='title' id=toc-2860> باب قوله: ﴿وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾ [القمر:</span> ٣٨])\nدائم متصل بعذاب الآخرة، (﴿فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ [القمر: ٣٩]) يريد العذاب الذي نزل بهم من طمس الأعين غير العذاب الذي أهلكوا به، فلذلك حسن التكرير، انتهى من \"القسطلاني\" (^٣).\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١١/ ١٢٣).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١١/ ١٢٣، ١٢٤).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١١/ ١٢٤).","vol":"5","page":312},{"text":"(٧ -<span data-type='title' id=toc-2861> باب قوله: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:</span> ٥١])\nأشياعكم، أي: أشباهكم ونظراءكم في الكفر من الأمم السالفة، وسقط لفظ \"باب\" لغير أبي ذر، انتهى من \"القسطلاني\" (^١).\nقلت: وقد تقدم الكلام على هذه الأبواب الخمسة، أعني من \"باب ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ [القمر: ٣٢] \" إلى ها هنا من كلام الحافظ قُدِّس سرُّه في \"باب قوله: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤].\nوقال العلامة العيني (^٢) بعد ذكر الحديث: واعلم أن البخاري روى هذا الحديث من ستة طرق كما رأيت، الأول مترجم بقوله: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا. . .﴾ إلخ، والباقي وهو الخمسة بخمس تراجم أيضًا على رأس كل ترجمة لفظ \"باب\" وفي بعض النسخ لم يذكر لفظ \"باب\" أصلًا.\nوقال الكرماني: ما معنى تكرار هذا الحديث في هذه التراجم الستة؟ وما وجه المناسبة بينه وبينها؟ فأجاب بقوله: لعل غرضه أن المذكور (^٣) في هذه السورة الذي هو في المواضع الستة كله بالمهملة، انتهى.\nقلت: مدار هذا الحديث بطرقه على أبي إسحاق عن الأسود بن يزيد، وأما فائدة قوله: ﴿فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٩) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ٣٩، ٤٠] أن يجددوا عند استماع كل نبأ من الأنباء التي أتت من الأمم السالفة ادكارًا واتعاظًا، وينتبهوا إذا سمعوا الحثّ على ذلك، انتهى.\nقلت: ولصنيع البخاري هذا - أعني إخراج حديث واحد بعدة طرق في تراجم عديدة - نظائر سيأتي ذكرها في تفسير سورة المنافقين.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١١/ ١٢٤).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٣٦٦).\n(^٣) كذا في الأصل: والمراد به لفظ \"مدَّكِرّ\".","vol":"5","page":313},{"text":"(٨ -<span data-type='title' id=toc-2862> باب قوله: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر:</span> ٤٥])\nقال القسطلاني (^١): سقط لفظ \"باب\" لغير أبي ذر، ثم قال بعد ذكر حديث الباب: وهذا الحديث مر في الجهاد في \"باب ما قيل في درع النبي - ﷺ -\"، انتهى.\nقال الحافظ (^٢): ذكر فيه حديث ابن عباس في قصة بدر وقد تقدم بيانه في المغازي، ثم قال الحافظ أيضًا: وهذا الحديث من مرسلات ابن عباس لأنه لم يحضر القصة، وقد روى عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن عكرمة أن عمر - ﵁ - قال: لما نزلت ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ جعلت أقول: أي جمع يهزم، فلما كان يوم بدر رأيت النبي - ﷺ - يثب في الدرع وهو يقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ﴾ الآية، فكأن ابن عباس حمل ذلك عن عمر، وكأن عكرمة حمله عن ابن عباس عن عمر، وقد أخرج مسلم من طريق سماك بن الوليد عن ابن عباس: حدثني عمر ببعضه، انتهى.\n\n(٩ -<span data-type='title' id=toc-2863> باب قوله: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ [القمر:</span> ٤٦])\nأي: موعد عذابهم، (﴿وَالسَّاعَةُ﴾) أي: عذابها (﴿أَدْهَى﴾) أعظم بلية (﴿وَأَمَرُّ﴾) أشد مرارة من عذاب الدنيا، \"يعني من المرارة\" لا من المرور، قاله القسطلاني (^٣).\nقال الحافظ (^٤): يعني من المرارة هو قول الفراء قال في هذه الآية معناه: أشد عليهم من عذاب يوم بدر، ﴿وَأَمَرُّ﴾ من المرارة، انتهى.\nقوله: (إني عند عائشة أم المؤمنين قالت: لقد نزل على محمد - ﷺ -) كذا\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١١/ ١٢٥، ١٢٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٦١٩).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١١/ ١٢٦).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٨/ ٦٢٠).","vol":"5","page":314},{"text":"ذكره ها هنا مختصرًا وفيه قصة حذفها، وسيأتي مطولًا في فضائل القرآن إن شاء الله تعالى، ثم ذكر فيه حديث ابن عباس المذكور في الباب الذي قبله، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(٥٥)<span data-type='title' id=toc-2864> سُورةُ الرَّحمنِ</span>\nكذا في النسخة الهندية و\"الفتح\" بدون البسملة، وهي مذكورة في نسخة \"العيني\" و\"القسطلاني\" ففي الأول أولًا وفي الثاني أخيرًا.\nقال الحافظ (^٢): والأكثر عدّوا ﴿الرَّحْمَنُ﴾ آية وقالوا: هو خبر مبتدأ محذوف، أو مبتدأ محذوف الخبر، وقيل: تمام الآية ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ وهو الخبر، انتهى.\nوقال العلامة العيني (^٣): قال أبو العباس: أجمعوا على أنها مكية، إلا ما روى همام عن قتادة أنها مدنية، قال: وكيف تكون مدنية وإنما قرأها النبي - ﷺ - بسوق عكاظ فسمعته الجن، وأول شيء سمعت قريش من القرآن جهرًا سورة الرحمن، قرأها ابن مسعود عند الحجر فضربوه حتى أثروا في وجهه، وفي رواية سعيد عن قتادة: أنها مكية، وقال السخاوي: نزلت قبل ﴿هَلْ أَتَى﴾ وبعد سورة الرعد، نزلت حين قالوا: وما الرحمن؟ انتهى.\nقول: (وقال مجاهد) فيما وصله عبد بن حميد في قوله تعالى: (﴿بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن: ٥]) أي: \"كحسبان الرحى\" ليس هذا في النسخ الهندية بل هو مذكور في نسخة الهامش، أي: يدوران في مثل قطب الرحى، والحسبان قد يكون مصدر حسبته أحسبه بالضم حسبًا حسابًا وحسبانًا مثل الغفران والكفران والرجحان، أو جمع حساب كشهاب وشهبان، أي: يجريان في منازلهما بحساب لا يغادران ذلك، انتهى من \"القسطلاني\" (^٤).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٦٢٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٦٢١).\n(^٣) عمدة القاري\" (١٣/ ٣٦٨).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (١١/ ١٢٨).","vol":"5","page":315},{"text":"وتقدم هذا القول أيضًا مع شرحه في أول بدء الخلق.\nقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ﴾ [الرحمن: ٩] يريد لسان الميزان) قال الحافظ (^١): هذا كلام الفراء بلفظه، وقد أخرج ابن أبي حاتم من طريق أبي المغيرة قال: رأى ابن عباس رجلًا يزن قد أرجح فقال: أقم اللسان كما قال الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ﴾ [الرحمن: ٩]، وأخرج ابن المنذر عن مجاهد قال: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ﴾ قال اللسان، انتهى.\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٢): قوله: \"يريد لسان الميزان\" لأنها إذا أقيمت كان الوزن غير بخس ولا زائد، انتهى.\nقوله: (﴿الْمُنْشَآتُ﴾ [الرحمن: ٢٤] ما رفع من قلعه من السفن) كتب الشيخ (^٣): يعني أن المنشآت ما كانت قلاعها مرفوعة، فقوله: \"من\" كما في نسخة المتن، ليس بيانًا لما بل هي زائدة، انتهى.\nوفي هامشه: لفظة \"من\" في قوله: \"من قلعه\" موجود في النسخ الهندية ولا يوجد في النسخ المصرية من نسخة \"الكرماني\" و\"الفتح\" و\"العيني\" و\"القسطلاني\" ولم يتعرض لذلك أحد من الشرَّاح، فالظاهر أنها سهو من الكاتب، انتهى.\nقوله: (وقال بعضهم: ليس الرمان والنخل بالفاكهة. . .) إلخ.\nقال الحافظ (^٤): قال شيخنا ابن الملقن: البعض المذكور هو أبو حنيفة، وقال الكرماني: قيل: أراد به أبا حنيفة، قلت: بل نقل البخاري هذا الكلام من كلام الفراء ملخصًا، ولفظه: قوله تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨] قال بعض المفسرين: ليس الرمان ولا النخل من الفاكهة، قال: وقد ذهبوا في ذلك مذهبًا، قلت: فنسبه الفراء لبعض المفسرين وأشار إلى توجيهه ثم قال: ولكن العرب تجعل ذلك فاكهة، وإنما\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٦٢١).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٩/ ١٧٠).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٩/ ١٧١).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٨/ ٦٢٣).","vol":"5","page":316},{"text":"ذكرا بعد الفاكهة كقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ٢٣٨] إلخ.\nوالحاصل: أنه من عطف الخاص على العام كما في المثالين اللذين ذكرهما إلى آخر ما ذكر الحافظ من الاعتراض والجواب عنه، كما ذكر في هامش \"اللامع\".\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^١): قوله: \"وقال بعضهم. . .\" إلخ، ولم يقل هذا البعض غير صواب فإن مبنى الأيمان على العرف فلم تكن الرمان والنخل فاكهة عندهم فكيف يدخل فيها، نعم هي فاكهة في عرفنا أهل الهند، ولم ينكر هذا البعض كونهما فاكهة عند العرب (^٢) حتى يعترض عليه، وأما الآية فإنهم لم يستدلوا بها حتى يفتقر إلى الجواب عنها، ومع ذلك فإن لهم أن يقولوا: إن تخصيصهما بالذكر بعد التعميم ليس إلا لمزيد فيهما أو منقصة، كما في قوله: ﴿الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ وهو المراد، انتهى.\nوبسط في هامشه الكلام في تأييد كلام الشيخ قُدِّس سرُّه من أقوال الفقهاء وأهل الأصول.\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-2865> باب قوله: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:</span> ٦٢])\nسقط \"باب قوله\" لغير أبي ذر.\nقوله: (﴿وَمِنْ دُونِهِمَا﴾) أي: الجنتين المذكورتين في قوله: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦]، (﴿جَنَّتَانِ﴾) لمن دونهم من أصحاب اليمين فالأوليان أفضل من اللتين بعدهما، وقيل بالعكس، انتهى من \"القسطلاني\" (^٣).\nوقال الترمذي الحكيم: المراد بالدون هنا القرب أي: وقربهما\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٩/ ١٧١ - ١٧٤).\n(^٢) كذا في الأصل، والصواب: \"عند أهل الهند\".\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١١/ ١٣٤).","vol":"5","page":317},{"text":"جنتان، أي: هما أدنى إلى العرش وأقرب، وزعم أنهما أفضل من اللتين قبلهما، وقال غيره: معنى دونهما بقربهما وليس فيه تفضيل، وذهب الحليمي إلى أن الأوليين أفضل من اللتين بعدهما، ويدل عليه تفاوت ما بين الفضة والذهب، وقد روى ابن مردويه من طريق حماد عن أبي عمران في هذا الحديث قال: من ذهب للسابقين ومن فضة للتابعين، وفي رواية ثابت عن أبي بكر: من ذهب للمقربين ومن فضة لأصحاب اليمين، انتهى (^١).\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-2866> باب قوله: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ [الرحمن:</span> ٧٢])\nسقط لفظ \"باب\" لغير أبي ذر، أي: محبوسات، ومن ثم سموا البيت الكبير قصرًا لأنه يحبس من فيه، قاله الحافظ (^٢).\nقال القسطلاني (^٣): قال الترمذي الحكيم في قوله: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ بلغنا في الرواية أن سحابة من العرش مطرت فخلقن من قطرات الرحمة، ثم ضرب على كل واحدة خيمة على شاطئ الأنهار سعتها أربعون ميلًا وليس لها باب، حتى إذا حل ولي الله بالخيمة انصدعت عن باب ليعلم ولي الله أن أبصار المخلوقين من الملائكة والخدم لم تأخذها، وقد اختلف أيها أتم حسنًا، الحور أم الآدميات؟ فقيل: الحور لما ذكر، ولقوله في صلاة الجنازة: \"وأبدله زوجًا خيرًا من زوجه\" وقيل: الآدميات أفضل بسبعين ألف ضعف، انتهى.\n\n(٥٦)<span data-type='title' id=toc-2867> الوَاقِعَةُ</span>\nكذا في النسخة \"الهندية\" و\"القسطلاني\" بغير لفظ \"سورة\"، وفي نسخة الحافظين بزيادتهما، وأما البسملة فموجودة في الشروح الثلاثة.\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (٨/ ٦٢٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٦٢٤).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١١/ ١٣٥).","vol":"5","page":318},{"text":"قال العلامة العيني (^١): قال أبو العباس: مكية، واختلف في ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة: ٢٧] وفي ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ [الواقعة: ٨١] والأولى نزلت في أهل الطائف وإسلامهم بعد الفتح وحنين، والثانية نزلت في دعائه بالسقيا فقيل: مطرنا بنوء كذا فنزلت: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢] وكان علي يقرؤها (وتجعلون شكركم)، والمراد بالواقعة القيامة، انتهى.\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-2868> باب قوله: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة:</span> ٣٠])\nقال العيني (^٢): قوله: ﴿مَمْدُودٍ﴾ أي: دائم لا تنسخه الشمس، وعن الربيع: يعني ظل العرش، وعن عمرو بن ميمون: مسيرة سبعين ألف سنة، ثم قال: وحديث الباب مضى في كتاب بدء الخلق في \"باب صفة الجنة\"، انتهى.\nقلت: والمذكور في حديث الباب: \"يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها\" قال القسطلاني (^٣): فالجنة كلها ظل لا شمس معه وليس هو ظل الشمس، بل ظل يخلقه الله تعالى، قال الربيع بن أنس: ظل العرش، انتهى.\n\n(٥٧)<span data-type='title' id=toc-2869> الحَديدُ</span>\nوهكذا في نسخة \"القسطلاني\"، وفي نسخة الحافظين: \"سورة الحديد والمجادلة\"، والبسملة مذكورة في الشروح الثلاثة.\nقال الحافظ (^٤): كذا لأبي ذر، ولغيره: \"الحديد\" حسب، وهو أولى، انتهى.\nقال القسطلاني (^٥): وهي مدنية أو مكية، انتهى.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٣٧٦).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٣٨٢).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١١/ ١٤٠).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٨/ ٦٢٨).\n(^٥) \"إشاد الساري\" (١١/ ١٤١).","vol":"5","page":319},{"text":"وقال العيني (^١): وهي مكية خلافًا للسدي، وقال الكلبي: فيها مكية وفيها مدنية هو الصحيح لأن فيها ذكر المنافقين ولم يكن النفاق إلا في المدينة، وفيها أيضًا ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ﴾ الآية [الحديد: ١٠]، ولم تنزل إلا بعد الفتح ولا قتال إلا بعد الهجرة، وأولها مكي فإن عمر - ﵁ - قرأه في بيت أخته قبل إسلامه، قال السخاوي: نزلت بعد سورة الزلزلة وقبل سورة محمد - ﷺ -، انتهى.\nقوله: (﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ [الحديد: ٢٩] ليعلم أهل الكتاب) قال الحافظ (^٢): هو قول أبي عبيدة، وقال الفراء: العرب تجعل \"لا\" صلة في الكلام إذا دخل في أوله جحد أو في آخره جحد كهذه الآية، وكقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢]، انتهى.\nوحكى عن قراءة ابن عباس والجحدري: ليعلم، وهو يؤيد كونها فريدة، وأما قراءة مجاهد: لكيلا فهي مثل لئلا، انتهى.\nوقال أيضًا: لم يذكر فيه حديثًا مرفوعًا ويدخل فيه حديث ابن مسعود: و\"لم يكن بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ١٦] إلا أربع سنين\" أخرجه مسلم من طريق عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن أبيه عن عمه، انتهى.\n\n(٥٨)<span data-type='title' id=toc-2870> المُجَادِلَةُ</span>\nوهكذا في نسخة \"القسطلاني\" بغير لفظ \"سورة\" والبسملة، وفي نسخة \"العيني\" بزيادة لفظ السورة والبسملة بعدها، وفي نسخة \"الفتح\" بزيادة لفظ \"سورة\" بغير بسملة.\nقال القسطلاني (^٣): هي مدنية أو العشر الأول مكي والباقي مدني، انتهى.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٣٨٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٦٢٨).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١١/ ١٤١).","vol":"5","page":320},{"text":"وقال العيني (^١): قال أبو العباس: مدنية بلا خلاف، وقال السخاوي: نزلت قبل الحجرات وبعد المنافقين، وفي تفسير عبد بن حميد: اسم هذه المجادلة خويلة، قاله محمد بن سيرين، وكان زوجها ظاهر منها وهو أول ظهار كان في الإسلام، وقال أبو العالية: هي خويلة بنت دليج، وقال عكرمة: هي خولة بنت ثعلبة وزوجها أوس بن الصامت، وسماها مجاهد جميلة، وسماها ابن منده خولة بنت الصامت، وقال أبو عمر: خولة بنت ثعلبة بن أصرم إلى آخر ما ذكر من الأقاويل.\nوقال الحافظ (^٢) - ﵀ -: (تنبيه): لم يذكر فيه حديثًا مرفوعًا، ويدخل فيه حديث التي ظاهر منها زوجها، وقد أخرجه النسائي، وأورد منه البخاري طرفًا في كتاب التوحيد معلقًا، انتهى.\n\n(٥٩)<span data-type='title' id=toc-2871> الحَشْرُ</span>\nوهكذا في نسخة \"القسطلاني\" بغير لفظ سورة، وفي نسخة \"الحافظين\" بزيادته، والبسملة مذكورة في نسخ الشروح الثلاثة.\nقال العيني (^٣): وهي مدنية، وسميت سورة الحشر لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ [الحشر: ٢]، يعني الله هو الذي أخرج الذين كفروا من بني النضير الذين كانوا بيثرب، وعن ابن إسحاق كان جلاء بني النضير مرجع النبي - ﷺ - من أُحد، وكان فتح قريظة عند مرجعه من الأحزاب وبينهما سنتان، وإنما قال: ﴿لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ لأنهم أول من حشروا من أهل الكتاب، ونفوا من الحجاز وكان حشرهم إلى الشام، وعن مرة الهمداني: كان هذا أول الحشر من المدينة، والحشر الثاني من خيبر وجميع جزيرة العرب إلى أذرعات وأريحا من الشام في أيام عمر بن الخطاب - ﵁ -، وعن قتادة: كان هذا أول الحشر، والحشر الثاني\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٣٨٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٦٢٨).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٣٨٥).","vol":"5","page":321},{"text":"نار تحشرهم من المشرق إلى المغرب تبيت معهم حيث باتوا وتقيل معهم حيث قالوا وتأكل منهم من تخلف، انتهى.\nقلت: وقد ترجم المصنف في كتاب الرقاق \"باب كيف الحشر\"، وسيأتي تفصيل الكلام على الحشر هناك، وسيأتي هناك أنها أربعة كما بسط في هامش \"اللامع\" (^١)، وسيأتي في البخاري عن سعيد بن جبير أنه قال: قلت لابن عباس: سورة الحشر، قال: قل: سورة بني النضير، قال القسطلاني (^٢): قال الزركشي: وإنما كره ابن عباس تسميتها بالحشر لأن الحشر يوم القيامة، وزاد في \"الفتح\": وإنما المراد به هنا إخراج بني النضير، انتهى.\nقوله: (الجلاء الإخراج من أرض إلى أرض) هو قول قتادة، أخرجه ابن أبي حاتم من طريق سعيد عنه، وقال أبو عبيدة: يقال الجلاء الإجلاء، أجْلَاه أخرجه، وأجليته أخرجته، والتحقيق أن الجلاء أخص من الإخراج؛ لأن الجلاء ما كان مع الأهل والمال، والإخراج أعم منه.\nقوله: (سورة الحشر؟ قال: قل سورة بني النضير) كأنه كره تسميتها بالحشر لئلا يظن أن المراد يوم القيامة، وإنما المراد به هنا إخراج بني النضير، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\nوتقدمت الإشارة إلى هذا القول قريبًا.\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-2872> باب قوله: \" ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ [الحشر: ٥] نخلة ما لم تكن عجوة أو برنية)</span>\nقال القسطلاني (^٤): سقط \"باب قوله\" لغير أبي ذر، انتهى.\nقال الحافظ (^٥): قال أبو عبيدة في قوله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾\n_________\n(^١) انظر: \"لامع الدراري\" (١٠/ ٨٠).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١١/ ١٤٣).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٦٢٩).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (١١/ ١٤٣).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٨/ ٦٢٩).","vol":"5","page":322},{"text":"أي: من نخلة، وهي من الألوان ما لم تكن عجوة أو برنية إلا أن الواو ذهبت بكسر اللام، وعند الترمذي من حديث ابن عباس: \"اللينة: النخلة\" في أثناء حديث، وروى سعيد بن منصور من طريق عكرمة قال: اللينة: ما دون العجوة، وقال سفيان: هي شديدة الصفرة تنشق عن النوى، انتهى.\nقال العيني (^١): وعن ابن عباس: هي لون من النخل، وأصل لينة: لونة، قلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، انتهى.\n(فائدة): قال الإمام الترمذي بعد ذكر حديث ابن عباس (المتقدم في كلام الحافظ) في تفسير سورة الحشر في قول الله - ﷿ -: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ قال: اللينة: النخلة، قال أبو عيسى: سمع مني محمد بن إسماعيل هذا الحديث، انتهى.\nقلت: ولذا عدوا في مناقب الإمام الترمذي أن شيخه الإمام البخاري أيضًا من تلامذته، وقالوا: إن الإمام البخاري سمع من تلميذه الإمام الترمذي حديثين (^٢): أحدهما حديث ابن عباس هذا، والثاني حديث أبي سعيد: \"يا علي لا يحل لأحد أن يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك\" قال الترمذي بعد إخراجه في مناقب علي: قد سمع محمد بن إسماعيل مني هذا الحديث، انتهى.\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-2873> باب قوله: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [الحشر:</span> ٧])\nقال القسطلاني (^٣): قال الزمخشري: لم يدخل العاطف على هذه الجملة لأنها بيان للأولى، وسقط \"باب\" لغير أبي ذر، انتهى.\nقال الحافظ (^٤): تقدم تفسير الفيء والفرق بينه وبين الغنيمة في أواخر الجهاد، انتهى.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٣٨٦).\n(^٢) انظر: \"سنن الترمذي\" (٣٣٠٣) و(٣٧٢٧).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١١/ ١٤٤).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٨/ ٦٣٠).","vol":"5","page":323},{"text":"قلت: وتقدم هناك أيضًا اختلاف العلماء في مصرف الفيء فكن منه على ذكر.\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-2874> باب قوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر:</span> ٧])\nأي: وما أمركم به فافعلوه؛ لأنه قابله بقوله: ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] قاله الحافظ (^١).\nوقال القسطلاني (^٢): سقط لفظ \"باب\" لغير أبي ذر، وذكر في تفسير الآية احتمالين إذ قال ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ﴾ أي: وما أعطاكم من الفيء أو أمر ﴿فَخُذُوهُ﴾ لأنه حلال لكم أو فتمسكوا به لأنه واجب الطاعة، انتهى.\n\n(٤ -<span data-type='title' id=toc-2875> باب قوله: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ﴾ [الحشر: ٩]. . .) إلخ</span>\nقال القسطلاني (^٣): سقط لفظ \"باب\" لغير أبي ذر.\nوقال الحافظ (^٤) في تفسير الآية: أي: استوطنوا المدينة، وقيل: نزلوا، فعلى الأول يختص بالأنصار، وهو ظاهر قول عمر، وعلى الثاني يشملهم ويشمل المهاجرين السابقين، ذكر فيه طرفًا من قصة عمر عند مقتله وقد تقدم في المناقب، انتهى.\n\n(٥ -<span data-type='title' id=toc-2876> باب قوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ الآية [الحشر:</span> ٩])\nقوله: (الخصاصة: الفاقة) قال الحافظ (^٥): وهو قول مقاتل بن حيان أخرجه ابن أبي حاتم من طريقه، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٦٣٠).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١١/ ١٤٥).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١١/ ١٤٧).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٨/ ٦٣١).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٨/ ٦٣٢).","vol":"5","page":324},{"text":"قوله: (حي على الفلاح: عجل) قال الحافظ (^١): هو تفسير حي، أي: معنى \"حي على الفلاح\" أي: عجل إلى الفلاح، قال ابن التِّين: لم يذكره أحد من أهل اللغة، وإنما قالوا: معناه هلم وأقبل، قلت: وهو كما قال، لكن فيه إشعار بطلب الإعجال، فالمعنى أقبل مسرعًا.\nوقال أيضًا (^٢) في شرح الحديث: قوله: (أتى رجل رسول الله - ﷺ -. . .) إلخ، هذا الرجل هو أبو هريرة، وقع مفسرًا في رواية للطبراني، وقد نسبته في المناقب إلى تخريج أبي البختري الطائي في صفة النبي - ﷺ -، وأبو البختري لا يوثق به.\nقوله: (فقام رجل من الأنصار) تقدم شرح هذا الحديث في مناقب الأنصار أنه أبو طلحة - ﵁ -، وتردّد الخطيب، هل هو زيد بن سهل المشهور أو صحابي آخر يكنى أبا طلحة؟ وتقدم أيضًا قول من قال: إنه ثابت بن قيس، انتهى.\n\n(٦٠)<span data-type='title' id=toc-2877> المُمْتَحِنَةِ</span>\nوهكذا في نسخة \"القسطلاني\" بغير لفظ سورة، وفي نسخة \"الحافظين\" بزيادة لفظ سورة، والبسملة غير مذكورة في نسخ الشروح أيضًا.\nقال العيني (^٣): قال السهيلي: هي بكسر الحاء: المختبرة أضيف إليها الفعل مجازًا كما سميت سورة براءة المبعثرة والفاضحة لما كشفت عن عيوب المنافقين، ومن قال بفتح الحاء فإنه أضافها إلى المرأة التي نزلت فيها، وهي أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وهي امرأة عبد الرحمن بن عوف وأم ولده إبراهيم، ثم ذكر الاختلاف في اسم هذه المرأة وهذا الاسم المذكور هو المشهور كما سيأتي.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٦٣٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٦٣٢).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٣٩٣).","vol":"5","page":325},{"text":"ثم قال العيني: وقال أبو العباس: هي مدنية بلا خلاف، وقال السخاوي: نزلت بعد سورة الأحزاب وقبل سورة النساء، انتهى.\nقال الحافظ (^١): والمشهور في هذه التسمية فتح الحاء، وقد تكسر وبه جزم السهيلي، فعلى الأول هي صفة المرأة التي نزلت السورة بسببها، والمشهور فيها أنها أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وقيل: سعيدة بنت الحارث، وقيل: أميمة بنت بشر، والأول هو المعتمد كما سيأتي إيضاحه في كتاب النكاح، ومن كسر جعلها صفة للسورة كما قيل لبراءة: الفاضحة، انتهى.\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-2878> باب: ﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ الآية [الممتحنة:</span> ١])\nليست هذه الترجمة في نسخة \"العيني\".\nوقال القسطلاني (^٢): سقط الباب ولاحقه لغير أبي ذر، انتهى.\nقال الحافظ (^٣): والعدو لما كان بزنة المصادر وقع على الواحد فما فوقه، وقوله: ﴿تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة: ١] تفسير للموالاة المذكورة، ويحتمل أن يكون حالًا أو صفة، وفيه شيء لأنهم نهوا عن اتخاذهم أولياء مطلقًا، والتقييد بالصفة أو الحال يوهم الجواز عند انتفائهما، لكن علم بالقواعد المنع مطلقًا فلا مفهوم لهما، ويحتمل أن تكون الولاية تستلزم المودة، فلا تتم الولاية بدون المودة فهي حال لازمة، والله أعلم، انتهى من \"الفتح\" (^٤).\nقوله: (قال سفيان: هذا في حديث الناس) قال الحافظ (^٥): يعني هذه\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٦٣٣).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١١/ ١٥١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٦٣٤).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٨/ ٦٣٤).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٨/ ٦٣٥).","vol":"5","page":326},{"text":"الزيادة، يريد الجزم برفع هذا القدر، وهذا يدل على أن هذه الزيادة لم يكن سفيان يجزم برفعها، وقد أدرجها عنه ابن أبي عمر أخرجه الإسماعيلي من طريقه فقال في آخر الحديث: قال: وفيه نزلت هذه الآية، وكذا أخرجه مسلم عن ابن أبي عمر وعمرو الناقد، انتهى.\nقال العلامة العيني (^١): قال سفيان بن عيينة: هذا في حديث الناس ورواياتهم، وأما الذي حفظته من عمرو بن دينار فهو الذي رويته من غير ذكر النزول، وما تركت منه حرفًا، وملخص ما قاله سفيان: لا أدري أن حكاية نزول الآية من تتمة الحديث الذي رواه علي بن أبي طالب - ﵁ -، وقول عمرو بن دينار موقوفًا عليه أدرجه هو من عنده، وسفيان لم يجزم بهذه الزيادة، انتهى.\nقلت: وقد اختلف أئمة الحديث في أن هذه الزيادة مدرجة من عمرو أو من غيره كما بسطه الحافظ.\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٢): يعني أن إدخال هذه الكلمة في الحديث صدر من آخرين وأما أنا فلم يذكر لي عمرو أنها في الحديث، أو المعنى أن إدخال تلك الكلمة في الحديث من غير عمرو، وأما هو فلم يصرِّح بذلك، انتهى.\nقلت: ما أفاده الشيخ من الاحتمال الثاني يدل عليه ما ذكره الحافظ إذ قال: وقع عند الطبري من طريق أخرى عن علي الجزم بذلك، لكنه من أحد رواة الحديث حبيب بن أبي ثابت الكوفي أحد التابعين، وبه جزم إسحاق في روايته عن محمد بن جعفر عن عروة في هذه القصة إلى آخر ما قال.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٣٩٥).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٩/ ١٧٦).","vol":"5","page":327},{"text":"(٢ -<span data-type='title' id=toc-2879> باب قوله: ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ [الممتحنة:</span> ١٠])\nقال الحافظ (^١): اتفقوا على نزولها بعد الحديبية، وأن سببها ما تقدم من الصلح بين قريش والمسلمين على أن من جاء من قريش إلى المسلمين يردونه إلى قريش، ثم استثنى الله من ذلك النساء بشرط الامتحان، انتهى.\nقلت: قد اختلف العلماء هل دخل ردّ النساء في عقد الهدنة أم لا، اختلف العلماء في ذلك، وتقدم شيء من الكلام عليه في أوائل كتاب الشروط.\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-2880> باب قوله: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ [الممتحنة:</span> ١٢])\nسقط لفظ \"باب\" لغير أبي ذر.\nقوله: (فانطلقت ورجعت) قال القسطلاني (^٢): أي \"انطلقت\" من عنده \"ورجعت\" إليه ﵊ \"فبايعها\"، وللنسائي قال: \"فاذهبي فأسعديها، قالت: فذهبتُ فساعدتها ثم جئت فبايعته\"، وعند مسلم: أن أم عطية قالت: إلا آل فلان فإنهم كانوا أسعدوني في الجاهلية، فلا بدّ لي من أن أسعدهم فقال رسول الله - ﷺ -: \"إلا آل فلان\" وحمله النووي على الترخيص لأم عطية في آل فلان خاصة، قال: فلا تحل النياحة لغيرها، ولا لها في غير آل فلان، كما هو صريح الحديث، وللشارع أن يخصّ من العموم ما شاء، انتهى.\nوعند أحمد والطبري من طريق مصعب بن نوح قال: أدركت عجوزًا لنا في من بايع رسول الله - ﷺ - قالت: فأخذ علينا: \"ولا تنحن\"، فقالت عجوز: يا نبي الله الحديث، وفيه: قال: \"اذهبي فكافئيهم\" قالت: فانطلقت فكافَأْئُهم، ثم أنها أتت فبايعته، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٦٣٦).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١١/ ١٥٥، ١٥٦).","vol":"5","page":328},{"text":"قلت: فالظاهر على هذه الروايات الصريحة أن معنى قوله: فانطلقت، أي: لإسعادها في النوحة، ثم بعد ذلك رجعت للبيعة، ولما كان الحديث بظاهره مخالفًا لجمهور العلماء وسائر الروايات المحرمة للنياحة احتاج الشرَّاح إلى تأويل هذا الحديث، كما تقدم في كلام القسطلاني عن النووي، وعملًا بظاهر الحديث قال بعض المالكية: إن النياحة ليست بحرام، وإنما المحرم ما كان معه شيء من أفعال الجاهلية من شق جيب وخمش خد ونحو ذلك، خلافًا للجمهور، فإنهم قالوا: إن النياحة حرام مطلقًا، وأوّلوا هذا الحديث.\nوأوّل الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^١) ما وقع ها هنا من قوله: \"فانطلقت ورجعت\" بما يناسب طبعه اللطيف بحيث لا يخالف الجمهور وسائر الروايات إذ كتب: قوله: \"فانطلقت ورجعت\" أي: ولم تساعدها في النوحة، انتهى.\nولا يخفى أن هذا التوجيه لا يتمشى إلا في هذه الرواية، بخلاف ما ورد من الروايات الصريحة في ذلك كما تقدمت، وبسط الكلام في الجواب عن هذا الحديث في هامش \"اللامع\" من كلام الشرَّاح، فارجع إليه.\n\n(٦١)<span data-type='title' id=toc-2881> سورةُ الصَّفِّ</span>\nوفي نسخ الشروح بزيادة البسملة بعدها.\nقال الحافظ (^٢): ويقال لها أيضًا: سورة الحواريين، أخرج الطبري من طريق معمر عن قتادة: أن الحواريين من أصحاب النبي - ﷺ - كلهم من قريش، فسمى العشرة المشهورين إلا سعيد بن زيد وحده وحمزة وجعفر بن أبي طالب وعثمان بن مظعون، وقد وقع لنا سماع هذه السورة مسلسلًا في حديث ذكر في أوله سبب نزولها وإسناده صحيح قلَّ أن وقع في المسلسلات مثله مع مزيد علوه، انتهى.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٩/ ١٧٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٦٤١).","vol":"5","page":329},{"text":"قال أبو العباس: مدنية بلا خلاف، وذكر ابن النقيب عن ابن بشار أنها مكية، وقال السخاوي: نزلت بعد التغابن وقبل الفتح، انتهى من \"العيني\" (^١).\nوقال القسطلاني (^٢): مدنية أو مكية، انتهى.\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-2882> باب ﴿يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف:</span> ٦])\nوفي نسخ الشروح الثلاثة ﴿مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ حسب من غير زيادة \"باب و﴿يَأْتِي﴾ \".\nقال القسطلاني: ولأبي ذر \"باب يأتي. . .\" إلخ.\nقال الحافظ: ذكر فيه حديث جبير بن مطعم، وقد تقدم شرحه مستوفى في أوائل السيرة النبوية، انتهى.\n\n(٦٢)<span data-type='title' id=toc-2883> الجُمُعَةِ</span>\nوفي نسخ الشروح الثلاثة سورة الجمعة، وأما البسملة فمذكورة في نسخة الحافظين دون القسطلاني.\nقال العيني (^٣): ومرَّ الكلام في ضبط الجمعة ومعناه في كتاب الصلاة، قال أبو العباس: مدنية بلا خلاف، وقال السخاوي: نزلت بعد التحريم وقبل التغابن، انتهى.\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-2884> باب قوله: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ الآية [الجمعة:</span> ٣])\nقال العلامة العيني (^٤): ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ﴾ فيه وجهان من الإعراب: أحدهما: الخفض على الردّ إلى الأميين مجازه: \"وفي آخرين\"، والثاني: النصب على الرد إلى الهاء والميم في قوله: \"ويعلمهم\" أي: ويعلم آخرين منهم، أي: من المؤمنين الذين يدينون بدينه.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٤٠٠).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١١/ ١٥٩).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٤٠١).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٤٠١).","vol":"5","page":330},{"text":"قوله: (﴿لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾) أي: لم يدركوهم، ولكنهم يكونون بعدهم، انتهى.\nقال القسطلاني (^١): أي: ويعلم آخرين لم يلحقوا بهم وسيلحقون، وكل من تعلم شريعة محمد - ﷺ - إلى آخر الزمان، فرسول الله - ﷺ - معلمه بالقوة لأنه أصل ذلك الخير العظيم والفضل الجسيم، انتهى.\nوقال العيني (^٢) تحت قوله في الحديث: \"من هؤلاء\": ثم إنهم اختلفوا في آخرين منهم فقيل: هم التابعون، وقيل: هم العجم، وقيل: أبناؤهم، وقيل: كل من كان بعد الصحابة، وقال أبو روق: جميع من أسلم إلى يوم القيامة، وقال القرطبي: أحسن ما قيل فيهم أنهم أبناء فارس بدليل هذا الحديث: \"لناله رجال من هؤلاء\"، وقد ظهر ذلك بالعيان فإنهم ظهر فيهم الدين وكثر فيهم العلماء، وكان وجودهم كذلك دليلًا من أدلة صدقه - ﷺ -، انتهى.\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-2885> باب قوله: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً﴾ [الجمعة:</span> ١١])\nقال الحافظ (^٣): قال ابن عطية: قال: ﴿انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١] ولم يقل \"إليهما\" اهتمامًا بالأهم، إذ كانت هي سبب اللهو من غير عكس، كذا قيل، وفيه نظر؛ لأن العطف بأو لا يثنى معه الضمير، لكن يمكن أن يدعى أن \"أو\" هنا بمعنى الواو على تقدير أن تكون \"أو\" على بابها، فحقه أن يقول: جيء بضمير التجارة دون ضمير اللهو للمعنى الذي ذكره، وقد تقدم بيان اختلاف النقلة في سبب انفضاضهم في كتاب الجمعة، انتهى.\nقلت: والحديث قد مرَّ في الجمعة في \"باب إذا نفر الناس عن الإمام في صلاة الجمعة\".\nقال الحافظ (^٤) هناك: والنكتة في قوله: ﴿انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ دون قوله:\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١١/ ١٦٠).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٤٠٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٦٤٣).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٢/ ٤٢٤).","vol":"5","page":331},{"text":"\"إليهما\" أو \"إليه\" أن اللهو لم يكن مقصودًا لذاته، وإنما كان تبعًا للتجارة أو حذف لدلالة أحدهما على الآخر، انتهى.\n\n(٦٣) <span data-type='title' id=toc-2886>﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ إلى ﴿لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون]</span>\nهكذا في النسخة \"الهندية\"، وفي نسخة الحافظين: \"سورة المنافقين، بسم الله الرحمن الرحيم، باب قوله: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾، زاد في نسخة \"العيني\" بعده: \"إلى ﴿لَكَاذِبُونَ﴾ \". وفي نسخة \"القسطلاني\": \"سورة المنافقين، قوله: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ إلى ﴿لَكَاذِبُونَ﴾ \".\nقال القسطلاني (^١) تبعًا للعيني (^٢): وهي مدنية، انتهى.\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-2887> باب قوله: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ يجتنون بها [المنافقون:</span> ٢])\nأي: يستترون بها، قاله العيني (^٣): قال الحافظ (^٤): قال عبد بن حميد: حدثني شبابة عن ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ قال: يجتنون أنفسهم، وأخرجه الطبري من وجه آخر عن ابن أبي نجيح باللفظ الذي ذكره المصنف، ثم ساق حديث زيد بن أرقم، وقد تقدم في الباب الذي قبله، انتهى.\nوذكر الحافظ (^٥) في تعيين الغزوة المذكورة في هذا الحديث اختلافًا إذ قال: وقع في رواية محمد بن كعب عن زيد بن أرقم عند النسائي: أنها غزوة تبوك، ثم قال بعد ذكر الرواية المؤيدة لذلك: والذي عليه أهل المغازي أنها غزوة بني المصطلق، إلى آخر ما قال.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١١/ ١٦٢).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٤٠٤).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٤٠٥).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٨/ ٦٤٦).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٨/ ٦٤٤).","vol":"5","page":332},{"text":"(٢ -<span data-type='title' id=toc-2888> باب قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ الآية [المنافقون:</span> ٣])\nقال القسطلاني (^١): سقط \"باب قوله\" لغير أبي ذر.\nقال العيني (^٢) في تفسير الآية: أي ذلك كله بسبب أنهم آمنوا، أي: نطقوا بكلمة الشهادة، وفعلوا كما يفعل من يدخل في الإسلام، ثم كفروا ثم ظهر كفرهم بعد ذلك، فطبع على قلوبهم حتى لا يدخلهم الإيمان جزاء على نفاقهم فهم لا يفقهون ولا يفهمون صحة الإيمان وإعجاز القرآن كما يفهمه المؤمنون، انتهى.\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-2889> باب قوله: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾ الآية [المنافقون:</span> ٤])\nأي: لحسن منظرهم كما يأتي.\n﴿وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ لفصاحتهم.\n﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ جملة مستأنفة أو خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هم كأنهم، أو في محل نصب على الحال من الضمير في قولهم، أي: تسمع لما يقولونه مشبهين بأخشاب منصوبة مسندة إلى الحائط في كونهم أشباحًا خالية عن العلم والنظر، انتهى من \"القسطلاني\" (^٣).\nقلت: وسيأتي تفسير قوله: ﴿تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾ في آخر الحديث بقوله: كانوا رجالًا أجمل شيء، وإليه أشار القسطلاني بقوله: كما يأتي، ثم ذكر المصنف في هذه الأبواب حديثًا واحدًا أعني حديث زيد بن أرقم بطرق مختلفة، سيأتي الكلام عليه في آخر السورة.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١١/ ١٦٥).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٤٠٦).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١١/ ١٦٦).","vol":"5","page":333},{"text":"(٤ -<span data-type='title' id=toc-2890> باب قوله: ﴿خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون:</span> ٤])\nهكذا وقعت هذه الترجمة في النسخ الهندية، وليست هذه في شيء من نسخ الشروح الثلاثة، وهذا القول مذكور في نسخ الشروح في آخر الحديث المذكور حديث زيد بن أرقم.\nقال القسطلاني (^١): قوله: \" ﴿خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ قال: كانوا رجالًا أجملَ شيء\"، قال الحافظ ابن حجر: وهذا وقع في نفس الحديث، وليس مدرجًا، فقد أخرجه أبو نعيم من وجه آخر عن عمرو بن خالد شيخ المؤلف فيه بهذه الزيادة، وكذا أخرجه الإسماعيلي من وجه آخر عن زهير، انتهى.\nقال الحافظ (^٢): قوله: \"كانوا رجالًا أجمل شيء\" هذا تفسير لقوله: ﴿تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾ و﴿خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ تمثيل لأجسامهم، انتهى.\n\n(٥ -<span data-type='title' id=toc-2891> باب قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ﴾ الآية [المنافقون:</span> ٥])\nقال الحافظ (^٣): وفي مرسل سعيد بن جبير: وجاء عبد الله بن أُبي فجعل يعتذر، فقال له النبي - ﷺ -: \"تب\" فجعل يلوي رأسه فنزلت، ثم ذكر حديث زيد بن أرقم من وجه آخر كما مضى بيانه، ووقع لأكثر الرواة مختصرًا من أثنائه، وساقه أبو ذر تامًا إلا قوله: \"وصدقهم\" وقد تعقبه الإسماعيلي بأنه ليس في السياق الذي أورده خصوص ما ترجم به، والجواب أنه جرى على عادته في الإشارة إلى أصل الحديث، ووقع في مرسل الحسن: فقال قوم لعبد الله بن أُبي: لو أتيت رسول الله - ﷺ - فاستغفر لك، فجعل يلوي رأسه فنزلت، انتهى.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١١/ ١٦٧، ١٦٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٦٤٧).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٦٤٨).","vol":"5","page":334},{"text":"زاد العيني (^١) على ما تقدم من كلام الحافظ: وها أنت قد رأيت أخرج البخاري حديث زيد بن أرقم من خمسة طرق، وترجم على رأس كل حديث منها أربعة منها عن أبي إسحاق عن زيد بن أرقم، وواحد عن محمد بن كعب القرظي عنه، انتهى.\nوأفاد مولانا محمد حسن المكي من تقرير شيخه القطب الكَنكَوهي قُدِّس سرُّه: اعلم أن هذه السورة نزلت دفعة واحدة في قصة عبد الله بن أُبي، فغرض الإمام البخاري من تعداد آياتها وتكرار تلك القصة فيها بيان أن تلك الآيات بأسرها نزلت في هذه القصة لا غير، انتهى (^٢).\nقلت: وضع الإمام البخاري مثل ذلك في تفسير سورة البقرة في باب قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ﴾ الآية [البقرة: ١٤٢] وفي الأبواب التي بعدها مما يتعلق بتحويل القبلة كما تقدم هناك أيضًا، وهكذا صنيعه في تفسير سورة ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾، وكذا في تفسير سورة ﴿تَبَّتْ﴾.\n\n(٦ -<span data-type='title' id=toc-2892> باب قوله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ الآية [المنافقون:</span> ٦])\nقال الحافظ (^٣): أخرج الطبري من طريق العوفي عن ابن عباس قال: \"أنزلت هذه الآية بعد التي في التوبة ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]، وقوله: كنا في غزاة قال سفيان: مرة في جيش\" وسمى ابن إسحاق هذه الغزوة غزوة بني المصطلق، وكذا وقع عند الإسماعيلي من طريق ابن أبي عمر عن سفيان قال: يرون أن هذه الغزاة غزاة بني المصطلق، وكذا في مرسل عروة الذي سأذكره إلى آخر ما ذكر الحافظ تفصيل القصة المذكورة في الحديث بعدة طرق.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٤٠٩).\n(^٢) انظر: \"لامع الدراري\" (٩/ ١٧٨).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٦٤٩).","vol":"5","page":335},{"text":"(٧ -<span data-type='title' id=toc-2893> باب قوله: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ الآية [المنافقون:</span> ٧])\nوهكذا في نسخة الحافظين، وفي نسخة \"القسطلاني\" بدون لفظ \"باب\".\nقال الحافظ (^١): ووقع في رواية زهير سبب قول عبد الله بن أُبي ذلك وهو قوله: خرجنا في سفر أصاب الناس فيه شدة، فقال عبد الله بن أُبي: ﴿لَا تُنْفِقُوا﴾ الآية، فالذي يظهر أن قوله: ﴿لَا تُنْفِقُوا﴾ كان سبب الشدة التي أصابتهم، وقوله: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ سببه مخاصمة المهاجري والأنصاري كما تقدم في حديث جابر، انتهى.\nقوله: (فكتب إليه زيد بن أرقم) قال الحافظ: وكان يومئذ بالكوفة يسليه، ومحصل ذلك أن الذي يصير إلى مغفرة الله لا يشتد الحزن عليه، فكان ذلك تعزية لأنس فيهم، وللترمذي (^٢) من رواية علي بن زيد عن النضر بن أنس عن زيد بن أرقم أنه كتب إلى أنس بن مالك يعزيه فيمن أصيب من أهله وبني عمه يوم الحرة، فكتب إليه: إني أبشرك ببشرى من الله، أني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"اللهم اغفر للأنصار ولذراري الأنصار ولذراري ذاريهم\" انتهى.\nوقال العيني (^٣): مطابقة الحديث للترجمة تؤخذ من آخر الحديث وهو قوله: \"هذا الذي أوفى الله له بأذنه\" وذلك أن زيد بن أرقم لما حكى لرسول الله - ﷺ - قول عبد الله بن أُبي قال له - ﷺ -: \"لعله أخطأ سمعك\" قال: لا، فلما نزلت الآية التي هي الترجمة لحق رسول الله - ﷺ - زيدًا من خلفه فحرك أذنه فقال: \"وفت أذنك يا غلام\"، وهو معنى قوله: \"هذا الذي أوفى الله له بأذنه\"، وهذا الحديث من أفراده، انتهى.\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٤): قوله: \"هو الذي يقول\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٦٥١).\n(^٢) انظر: \"سنن الترمذي\" (٣٩٠٢).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٤١١).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٩/ ١٧٨).","vol":"5","page":336},{"text":"رسول الله - ﷺ -. . .\" إلخ، ومناسبته بالسورة ظاهرة فإن مقالته - ﷺ - هذه كانت في الغزوة التي ذكرت في السورة، انتهى.\n\n(٨ -<span data-type='title' id=toc-2894> باب قوله: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ الآية [المنافقون:</span> ٨])\nقال القسطلاني (^١): سقط لأبي ذر ما بعد قوله: ﴿الْأَذَلَّ﴾ ولغيره \"باب\" انتهى.\nقال الحافظ (^٢): ذكر فيه حديث جابر الماضي، ولعله أشار بالترجمة إلى ما وقع في آخر الحديث المذكور، فإن الترمذي لما أخرجه عن ابن أبي عمر عن أبي سفيان بإسناد حديث الباب قال في آخره: وقال غير عمرو: فقال له ابنه عبد الله بن عبد الله بن أُبي: والله لا ينقلب أبي إلى المدينة حتى تقول: إنك أنت الذليل ورسول الله - ﷺ - العزيز، ففعل، وهذه الزيادة أخرجها ابن إسحاق في المغازي عن شيوخه، وذكرها أيضًا الطبري من طريق عكرمة، انتهى.\n\n(٦٤)<span data-type='title' id=toc-2895> سورة التَّغَابُنِ</span>\nوهكذا في نسخة \"القسطلاني\" و\"العيني\" بزيادة البسملة بعدها، وفي نسخة \"الفتح\": \"سورة التغابن والطلاق\" من غير ذكر بسملة.\nقال الحافظ (^٣): كذا لأبي ذر ولم يذكر غيره: \"والطلاق\" بل اقتصروا على التغابن وأفردوا الطلاق بترجمة، وهو الأليق بمناسبة ما تقدم، انتهى.\nقال العيني (^٤): قال أبو العباس: مدنية بلا خلاف، وقال مقاتل: مدنية وفيها مكي، وقال الكلبي: مكية ومدنية، وقال ابن عباس: مكية إلا آيات من آخرها نزلت بالمدينة، قال: والتغابن اسم من أسماء القيامة،\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١١/ ١٧٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٦٥٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٦٥٢).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٤١٢).","vol":"5","page":337},{"text":"وسميت بذلك لأنه يغبن فيها المظلوم الظالم، وقيل: يغبن فيها الكفار في تجارتهم التي أخبر الله أنهم اشتروا الضلالة بالهدى، انتهى.\nقال القسطلاني (^١): قيل: مكية، وقيل: مدنية.\nقوله: (وقال علقمة) ابن قيس فيما وصله عبد الرزاق، (عن عبد الله) ابن مسعود في قوله: تعالى: (﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١]) مجزوم بالشرط، (هو الذي إذا أصابته مصيبة رضي بها وعرف أنها من الله) - ﷿ - فيسلم لقضائه، وعن محيي السُّنَّة فيما ذكره في \"فتوح الغيب\": ﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾: يوفقه لليقين حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه فيسلم لقضائه.\n(وقال مجاهد) فيما وصله الفريابي: (التغابن) هو (غبن أهل الجنة أهل النار) لنزول أهل الجنة منازل أهل النار لو كانوا سعداء وبالعكس، مستعار من تغابن التجار، كذا قرره القاضي كـ \"الكشاف\" لكن قال في \"فتوح الغيب\": لا يستقيم باعتبار الأشقياء لأنهم لا يغبنون السعداء بنزولهم في منازلهم من النار إلا بالاستعارة التهكمية، ولذا قال في \"الكشاف\": وفيه تهكم بالأشقياء لأن نزولهم ليس بغبن، وجعل الواحد التغابن من طرف واحد للمبالغة حيث قال: يوم التغابن يغبن فيه أهل الحق أهل الباطل وأهل الإيمان أهل الكفر، ولا غبن أبين من هذا: هؤلاء يدخلون الجنة وهؤلاء يدخلون النار، انتهى كله من \"القسطلاني\" (^٢).\nقلت: وليس في النسخ الهندية قوله: \"قول مجاهد: التغابن غبن أهل الجنة. . .\" إلخ، نعم هو مذكور على هامش الهندية معلمًا بعلامة النسخة وكذا هو موجود في نسخ الشروح الثلاثة.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١١/ ١٧٤).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١١/ ١٧٤، ١٧٥).","vol":"5","page":338},{"text":"(٦٥)<span data-type='title' id=toc-2896> سورةُ الطَّلَاقِ</span>\nوهكذا في نسخ الشروح الثلاثة من غير بسملة.\nقال العيني (^١): هكذا لغير أبي ذر، وفي روايته سورة الطلاق ذكرت مع التغابن كما ذكرناه، وهي مدنية كلها بلا خلاف، وقال مقاتل: وهي سورة النساء الصغرى، قيل: إنها نزلت بعد ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ وقيل ﴿لَمْ يَكُنِ﴾، انتهى.\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-2897> باب قوله: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ الآية [الطلاق:</span> ٤])\nلفظة \"باب\" مذكورة في النسخ الهندية وكذا في نسخة \"العيني\" و\"القسطلاني\"، وفي نسخة \"الفتح\" بغير لفظ \"باب\".\nقوله: (﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ﴾ واحدها ذات حمل) قال الحافظ (^٢): هو قول أبي عبيدة، انتهى.\nوقال العيني (^٣): أشار بهذا إلى أن \"أولات\" جمع ذات و\"الأحمال\" جمع حمل، والمعنى أن أجلهن موقت وهو وضع حملهن، وهذا عام في المطلقات والمتوفى عنهن أزواجهن، وهو قول عمر وابنه وابن مسعود وأبي مسعود البدري وأبي هريرة وفقهاء الأمصار، وعن ابن عباس أنه قال: تعتد أبعد الأجلين، وعن الضحاك: أنه قرأ ﴿آجالهن﴾ على الجمع، وقال أيضًا في شرح الحديث: وفقه هذا الحديث أن أجل المتوفى عنها زوجها آخر الأجلين عند ابن عباس، وروي عن علي وابن أبي ليلى أيضًا، واختاره سحنون، وروي عن ابن عباس رجوعه وانقضاء العدة بوضع الحمل، وعليه فقهاء الأمصار، وهو قول أبي هريرة وعمر وابن مسعود وأبي سلمة، وسبب\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٤١٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٦٥٤).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٤١٥، ٤١٦).","vol":"5","page":339},{"text":"الخلاف تعارض الآيتين فإن كلًا منهما عام من وجه وخاص من وجه، فقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٣٤] عام في المتوفى عنهن أزواجهن سواء كن حوامل أم لا، وقوله: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ﴾ عام في المتوفى عنهن سواء كن حوامل أم لا، (كذا في الأصل وفيه سبق قلم والصواب هكذا: قوله: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ﴾ عام في الحوامل سواء كن متوفى عنهن أزواجهن أو مطلقات) فهذا هو السبب في اختيار من اختار عكس الأجلين لعدم ترجيح أحدهما على الآخر فيوجب أن لا يرفع تحريم العدة إلا بيقين وذلك بأقصى الأجلين، غير أن فقهاء الأمصار اعتمدوا على الحديث المذكور، فإنه مخصص لعموم قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ وليس بناسخ لأنه أخرج بعض متناولاتها وحديث السبيعة أيضًا متأخر عن عدة الوفاة لأنه كان بعد حجة الوداع، انتهى من \"العيني\".\nقال الحافظ (^١): قوله: (جاء رجل إلى ابن عباس) الحديث، ووقع عند الإسماعيلي: قيل لابن عباس في امرأة وضعت بعد وفاة زوجها بعشرين ليلة أيصلح أن تتزوج؟ قال: لا إلى آخر الأجلين، قال أبو سلمة: فقلت: قال الله: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] قال: إنما ذاك في الطلاق، وهذا السياق أوضح لمقصود الترجمة لكن البخاري على عادته في إيثار الأخفى على الأجلى، وقد أخرج الطبري وابن أبي حاتم بطرق متعددة إلى أُبي بن كعب أنه قال النبي - ﷺ -: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ المطلقة ثلاثًا أو المتوفى عنها زوجها؟ قال: هي للمطلقة ثلاثًا أو المتوفى عنها، وهذا المرفوع وإن كان لا يخلو شيء من أسانيده عن مقال لكن كثرة طرقه تشعر بأن له أصلًا ويعضده قصة سبيعة المذكورة، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٦٥٤).","vol":"5","page":340},{"text":"(٦٦)<span data-type='title' id=toc-2898> سورةُ المُتَحَرِّم</span>\nوفي نسخة \"الفتح\" و\"القسطلاني\": \"سورة التحريم\" وفي نسخة \"العيني\": \"سورة لم تحرم\" والبسملة مذكورة في الكل.\nقال العيني (^١): وهي مدنية لا خلاف فيها، وقال السخاوي: نزلت بعد سورة الحجرات وقبل سورة الجمعة، قيل: نزلت في تحريم مارية، أخرجه النسائي وصححه الحاكم على شرط مسلم، وقال الداودي في إسناده نظر، ونقله الخطابي عن أكثر المفسرين، والصحيح أنه في العسل، وقال النسائي: حديث عائشة في العسل جيد غاية، وحديث مارية وتحريمهما لم يأت من طريق جيدة، انتهى.\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-2899> باب: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ الآية [التحريم:</span> ١])\nليس في نسخة \"العيني\" لفظ \"باب\".\nقال القسطلاني (^٢) في تفسير الآية: قوله: \" ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ \" من شرب العسل أو مارية القبطية قال ابن كثير: الصحيح أنه كان في تحريمه العسل، وقال الخطابي: الأكثر على أن الآية نزلت في تحريم مارية حين حرمها على نفسه، ورجحه في \"فتح الباري\" بأحاديث عند سعيد بن منصور والضياء في \"المختارة\" والطبراني في \"عشرة النساء\" وابن مردويه والنسائي، ولفظه: عن ثابت عن أنس أن النبي - ﷺ - كانت له أمة يطأها فلم تزل به حفصة وعائشة - ﵄ - حتى حرمها فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ﴾ الآية، انتهى.\nقلت: وما قال العلامة القسطلاني ورجحه - أي: نزول الآية في تحريم مارية - في \"فتح الباري\" بأحاديث إلخ كذا قال، والذي ذكره الحافظ\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٤١٨).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١١/ ١٧٩، ١٨٠).","vol":"5","page":341},{"text":"ها هنا في \"الفتح\" هو غير ذلك؛ لأنه قال في \"الفتح\" (^١): واختلف في المراد بتحريمه ففي حديث عائشة ثاني حديثي الباب أن ذلك بسبب شربه - ﷺ - العسل عند زينب، ثم قال: ووقع عند سعيد بن منصور بإسناد صحيح إلى مسروق قال: \"حلف رسول الله - ﷺ - لحفصة لا يقرب أمته\"، وقال: \"هي علي حرام\" إلى أن قال: وهذه طرق يقوي بعضها بعضًا، فيحتمل أن تكون الآية نزلت في السببين معًا، انتهى.\nنعم قد بسط الحافظ ابن حجر الكلام على تلك المسألة في \"كتاب النكاح\" حيث قال في أول البحث (^٢): وقد اختلف في الذي حرّم على نفسه وعوتب على تحريمه، كما اختلف في سبب حلفه على أن لا يدخل على نسائه على أقوال، ثم قال في آخره: والراجح من الأقوال كلها قصة مارية لاختصاص عائشة وحفصة بها بخلاف العسل فإنه اجتمع فيه جماعة منهن، ويحتمل أن تكون الأسباب جميعها اجتمعت فأشير إلى أهمها، ويؤيده شمول الحلف للجميع ولو كان مثلًا في قصة مارية فقط لاختص بحفصة وعائشة، انتهى.\nثم ها هنا اختلاف آخر وهو أن شرب العسل عند أية امرأة كان من أمهات المؤمنين ﵅، قال العيني (^٣) تحت قوله في حديث الباب: يشرب عسلًا عند زينب إلخ: واختلف في التي شرب النبي - ﷺ - في بيتها العسل فعند البخاري زينب، كما في حديث الباب وأن القائلة: أكلت مغافير: عائشة وحفصة، وفي رواية حفصة أن القائلة: أكلت مغافير: عائشة وسودة وصفية ﵅، وفي تفسير عبد بن حميد أنها سودة، وكان لها أقارب أهدوا لها عسلًا من اليمن، والقائل له عائشة وحفصة، والذي يظهر أنها زينب على ما عند البخاري؛ لأن أزواجه - ﷺ - كن حزبين على\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٦٥٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٢٨٩، ٢٩٠).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٤٢١).","vol":"5","page":342},{"text":"ما ذكرت عائشة قالت: أنا وسودة وحفصة وصفية في حزب، وزينب وأم سلمة والباقيات في حزب، انتهى.\nوبسط العلامة القسطلاني الكلام عليه وعلى الروايات الواردة فيه، وفي آخره بعد ذكر الحزبين من أمهات المؤمنين (^١): وهذا يرجح أن زينب هي صاحبة العسل، ولذا غارت عائشة منها لكونها من غير حزبها، انتهى.\n\n<span data-type='title' id=toc-2900>(باب ﴿تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التحريم:</span> ١])\nهكذا في النسخ الهندية وعلى هذا فالباب الأول خال عن الحديث، وأما بحسب نسخ الشروح فليس ها هنا لفظ \"باب\" فالآية بتمامها من قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ترجمة واحدة.\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-2901> باب: ﴿تَبْتَغِي﴾ بذلك ﴿مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾</span>\nباب: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ الآية [التحريم: ٢])\nهكذا في النسخ الهندية، وفي نسخ الشروح الثلاثة مجموع الآيتين ترجمة واحدة من غير زيادة لفظ \"باب\" قبل قوله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ﴾.\nقال العيني (^٢) في تفسير الآية: ﴿تَبْتَغِي﴾: أي تطلب رضا أزواجك وتحلف، ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ﴾ أي: بيَّن الله أو قدَّر الله ما تحللون به أيمانكم وقد بيَّنها في سورة المائدة، انتهى.\nوقال القسطلاني (^٣): أي شرع لكم تحلة أيمانكم، أي: تحليلها بالكفارة، وقد كفر ﵊ قال مقاتل: أعتق رقبة في تحريم مارية، وقال الحسن: لم يكفر لأنه مغفور له، انتهى.\nقال الحافظ (^٤): قوله: \"مكثت سنة أريد أن أسأل عمر بن الخطاب\"\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١١/ ١٨٢).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٤٢١).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١١/ ١٨٢).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٨/ ٦٥٨).","vol":"5","page":343},{"text":"فذكر الحديث بطوله في قصة اللتين تظاهرتا وقد ذكره في النكاح مختصرًا من هذا الوجه ومطولًا من وجه آخر، وتقدم طرف منه في كتاب العلم، وفي هذا الطريق هنا من الزيادة مراجعة امرأة عمر له ودخوله على حفصة بسبب ذلك بطوله ودخول عمر على أم سلمة، وذكر في آخر الأخرى قصة اعتزاله - ﷺ - نساءه، وفي آخره حديث عائشة في التخيير، وسيأتي الكلام على ذلك كله مستوفى في كتاب النكاح إن شاء الله تعالى، انتهى.\n﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-2902> باب: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ [التحريم: ٣]. . .) إلخ</span>\nهكذا بزيادة البسملة في النسخ الهندية وكذا في نسخة \"القسطلاني\"، وليست البسملة مذكورة في نسخة الحافظين ولم يتعرضوا لاختلاف النسخ.\nقوله: (فيه عائشة عن النبي - ﷺ -) قال الحافظ (^١): يشير إلى حديثها المذكور قبل بباب، انتهى.\nقوله: (فما أتممت كلامي) كتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): ولا ينافيه ما ذكر في الروايات أنه سرد الحديث بأسره إذ يحتمل أنه سماها أولًا تشفية للسائل عن كمد الانتظار ثم ذكر له القصة بتمامها، انتهى.\nوفي هامشه: وذلك لأنه الوارد في الروايات المتقدمة أن عمر - ﵁ - ذكر القصة بطولها فجمع بينهما الشيخ بأن عمر - ﵁ - ذكر أولًا جواب السؤال بقوله: عائشة وحفصة وتم جواب السائل لكنه - ﵁ - سرد القصة بطولها تكميلًا للفائدة وتكميلًا للقصة، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٦٥٩).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٩/ ١٧٩).","vol":"5","page":344},{"text":"(٤ -<span data-type='title' id=toc-2903> باب قوله: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم:</span> ٤])\nقال القسطلاني (^١) في تفسير الآية: خطاب لحفصة وعائشة، وجواب الشرط: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ أي: فقد وجد منكما ما يوجب التوبة، وهو ميل قلوبكما عن الواجب من مخالصة الرسول بحب ما يحبه وكراهة ما يكرهه، أو جواب الشرط محذوف تقديره: فذاك واجب عليكما، أو فتاب الله عليكما، انتهى.\nقوله: (صغوت وأصغيت: ملت. . .) إلخ، سقط هذا لأبي ذر، وهو قول أبي عبيدة، قال في قوله: ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ [الأنعام: ١١٣] لتميل، من صغوت إليه ملت إليه، وأصغوت إليه مثله، وقال في قوله: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾: أي عدلت ومالت، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-2904>(باب ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ﴾ الآية [التحريم:</span> ٤])\nهكذا في النسخ الهندية ترجمة مستقلة، وفي نسخ الشروح الثلاثة هذه بقية الترجمة السابقة وليست ترجمة مستقلة.\nقوله: (وقال مجاهد: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ﴾ [التحريم: ٦] بتقوى الله) اختلفت النسخ ها هنا ففي نسخة \"الفتح\": \"قال مجاهد: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أوصوا أهليكم بتقوى الله\"، وفي نسخة \"العيني\" و\"القسطلاني\": ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ﴾ أوصوا أنفسكم وأهليكم. . .\" إلخ.\nقال الحافظ (^٣): (تنبيه): وقع في جميع النسخ التي وقفت عليها \"أوصوا\" بفتح الألف وسكون الواو بعدها صاد مهملة من الإيصاء وسقطت\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١١/ ١٨٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٦٥٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٦٥٩، ٦٦٠).","vol":"5","page":345},{"text":"هذه اللفظة للنسفي، وذكرها ابن التِّين بلفظ \" (قوا أهليكم): أو قفوا أهليكم\" قال ابن التِّين: ولعل المعنى أوقفوا بتقديم القاف على الفاء، أي: أوقفوهم عن المعصية، قال: لكن الصواب على هذا حذف الألف لأنه ثلاثي من وقف، قال: ويحتمل أن يكون أوقفوا؛ يعني: بفتح الفاء وضم القاف: لا تعصوا فيعصوا مثل لا تزن فيزن أهلك، وتكون \"أو\" على هذا للتخيير، والمعنى: إما أن تأمروا أهليكم بالتقوى أو فاتقوا أنتم فيتقوا هم تبعًا لكم، انتهى.\nوكل هذه التكلفات نشأت عن تحريف الكلمة وإنما هي \"أوصوا\" بالصاد، والله المستعان، ثم ذكر المصنف في الباب أيضًا طرفًا من حديث ابن عباس عن عمر أيضًا في قصة المتظاهرتين، انتهى.\n\n(٥ -<span data-type='title' id=toc-2905> باب قوله: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا﴾ الآية [التحريم:</span> ٥])\nليس في نسخة \"القسطلاني\" لفظ \"باب\" وقال (^١): ولأبي ذر \"باب\"، انتهى.\nذكر فيه طرفًا من حديث أنس عن عمر في موافقاته واقتصر منه على قصة الغيرة، وقد تقدم بهذا الإسناد في أوائل الصلاة تامًا، وذكرنا كل موافقة منها في بابها، وسيأتي ما يتعلق بالغيرة في كتاب النكاح إن شاء الله تعالى، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\nقوله: (في الغيرة عليه. . .) إلخ، لفظ الغيرة يطلق على كل ما يراد تغييره لأنفة أو غيرها، انتهى من \"اللامع\" (^٣).\nقال الحافظ (^٤): الغيرة مشتقة من تغير القلب وهيجان الغضب بسبب\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١١/ ١٨٩).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٦٦٠).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٩/ ١٨٠).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٩/ ٣٢٠).","vol":"5","page":346},{"text":"المشاركة فيما به الاختصاص، وأشد ما يكون ذلك بين الزوجين، وقيل: الغيرة في الأصل الحمية والأنفة وهو تفسير بلازم التغير فيرجع إلى الغضب، انتهى.\nوبسط العيني في اشتقاقه كما في هامش \"اللامع\".\n\n(٦٧) <span data-type='title' id=toc-2906>﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾</span>\nوفي نسخ الشروح بزيادة لفظ \"سورة\"، والبسملة ساقطة عن الكل.\nقال العيني (^١): وفي بعض النسخ: \"سورة الملك\" ولم تثبت البسملة ههنا للكل، وهي مكية كلها، قاله مقاتل، وقال السخاوي: نزلت قبل الحاقة وبعد الطور، انتهى.\n\n(٦٨) <span data-type='title' id=toc-2907>﴿ن وَالْقَلَمِ﴾</span>\nوفي نسخ الشروح الثلاثة بزيادة لفظ \"سورة\" والبسملة بعدها.\nقال القسطلاني (^٢): سقط لفظ \"سورة\" والبسملة لغير أبي ذر.\nقال العيني (^٣): قال مقاتل: مكية كلها، وذكر ابن النقيب عن ابن عباس: من أولها إلى قوله: ﴿سَنَسِمُهُ﴾ الآية [القلم: ١٦] مكي، ومن بعد ذلك إلى قوله: ﴿يَعْلَمُونَ﴾ مدني، قال السخاوي: نزلت بعد سورة المزمل وقبل المدثر، واختلف المفسرون في معناه؛ فعن مجاهد ومقاتل والسدي وآخرين: هو الحوت الذي يحمل الأرض، وهي رواية عن ابن عباس وقيل: هي من حروف الرحمن، وهي رواية عن ابن عباس قال: ﴿الر﴾ و﴿حم﴾ و﴿ن﴾ حروف الرحمن مقطعة، وعن الحسن وقتادة والضحاك: النون الدواة وهي رواية عن ابن عباس أيضًا وغير ذلك من الأقاويل التي ذكرها العيني.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٤٢٧).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١١/ ١٩٢).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٤٢٩).","vol":"5","page":347},{"text":"قال الحافظ (^١): والمشهور في ﴿ن﴾ أن حكمها حكم أوائل السور في الحروف المقطعة وبه جزم الفراء، وقيل: بل المراد بها الحوت، وجاء ذلك في حديث ابن عباس أخرجه الطبراني مرفوعًا قال: \"أول ما خلق الله القلم والحوت، قال: أكتب، قال: ما أكتب؟ قال: كل شيء كائن إلى يوم القيامة، ثم قرأ: ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾ فالنون الحوت والقلم القلم\"، انتهى.\nوذكر القسطلاني بعض أحوال هذا الحوت المعروف بين الناس ثم قال (^٢): والقلم هو الذي خط اللوح والذي يخط به وأقسم به لكثرة فوائده، وجواب القسم الجملة المنفية، انتهى.\nقوله: (﴿كَالصَّرِيمِ﴾ [القلم: ٢٠]: كالصبح انصرم. . .) إلخ، كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٣): والتشبيه في بقاء الأشجار كأنها لم تكن عليها ثمار كالصبح إذا انفصلت الليلة عنها آل الأمر كأنها لم تكن، انتهى.\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-2908> باب قوله: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ [القلم:</span> ١٣])\nاختلف في الذي نزلت فيه فقيل: هو الوليد بن المغيرة، وذكره يحى بن سلام في تفسيره، وقيل: الأسود بن عبد يغوث، ذكره سنيد بن داود في تفسيره، وقيل: الأخنس بن شريق، وذكره السهيلي عن القتيبي، وحكى هذين القولين الطبري فقال: يقال: هو الأخنس، وزعم قوم أنه الأسود، وليس به وأبعد من قال: إنه عبد الرحمن بن الأسود، فإنه يصغر عن ذلك، وقد أسلم وذكر في الصحابة، انتهى من \"الفتح\"\" (^٤).\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-2909> باب قوله: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم:</span> ٤٢])\nأخرج أبو يعلى بسند فيه ضعف عن أبي موسى مرفوعًا في قوله: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ قال: عن نور عظيم فيخرون له سجدًا، وقال عبد الرزاق\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٦٦١).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١١/ ١٩٢).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٩/ ١٨٠).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٨/ ٦٦٢، ٦٦٣).","vol":"5","page":348},{"text":"عن معمر عن قتادة في قوله: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ قال: عن شدة أمر، وعند الحاكم من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: هو يوم كرب وشدة، قال الخطابي: فيكون المعنى: يكشف عن قدرته التي تنكشف عند الشدة والكرب، وذكر غير ذلك من التأويلات كما سيأتي بيانه عند شرح حديث الشفاعة مستوفى في كتاب الرقاق إن شاء الله تعالى، انتهى من \"الفتح\"\" (^١).\n\n(٦٩) <span data-type='title' id=toc-2910>﴿الْحَاقَّةُ﴾</span>\nوفي نسخ الشروح الثلاثة بزيادة لفظ السورة والبسملة بعدها.\nقال القسطلاني (^٢): سقط لفظ \"سورة\" والبسملة لغير أبي ذر، وهي مكية، انتهى.\nوقال العيني (^٣): هي مكية في قول الجميع، وقال السخاوي: نزلت قبل المعارج وبعد سورة الملك، وفي مسند ابن عباس عن معاذ: إنما سميت الحاقة لأن فيها حقائق الأعمال من الثواب والعقاب، انتهى.\nقوله: (﴿الْقَاضِيَةَ﴾ [الحاقة: ٢٧]: الموتة الأولى التي متها لم أحي بعدها) قال العيني (^٤): أشار به إلى قوله تعالى: ﴿يَالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ أي: ليت الموتة الأولى كانت القاطعة لأمري لن أحي بعدها ولا يكون بعث ولا جزاء، وقال قتادة: تمنى الموت ولم يكن عنده في الدنيا شيء أكره من الموت، انتهى.\nقوله: (لم أحي بعدها) وهكذا في نسخة \"الفتح\"، وفي نسخة \"العيني\" و\"القسطلاني\" \"ثم\" بدل \"لم\"، قال العيني (^٥): وفي رواية أبي ذر: \"لم أحي بعدها\" وهذه هي الأصح، والظاهر أن الناسخ صحّف \"لم\" بـ \"ثم\"، انتهى.\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٦): قوله: \"لم أحي بعدها. . .\"\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٦٦٤).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١١/ ١٩٥).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٤٣٣).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٤٣٤).\n(^٥) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٤٣٤).\n(^٦) \"لامع الدراري\" (٩/ ١٨١).","vol":"5","page":349},{"text":"إلخ، زاد ذلك لأن مطلق القضاء من غير هذه الزيادة غير مطلوب لأنها قد وجدت، وإنما المطلوب استمرار هذا الموت حتى لا يوجد بعده حياة، فافهم، انتهى.\n\n(٧٠) <span data-type='title' id=toc-2911>﴿سَأَلَ سَائِلٌ﴾</span>\nوفي نسخ الشروح الثلاثة بزيادة لفظ \"سورة\"، وأما البسملة فساقطة عن الجميع، كذا قال الحافظ (^١)، قال العيني (^٢): وتسمى سورة المعارج، وهي مكية، انتهى.\nقوله: (﴿لِلشَّوَى﴾ [المعارج: ١٦]: اليدان والرجلان والأطراف وجلدة الرأس يقال لها شواة. . .) إلخ، قال الحافظ (^٣): هو كلام الفراء بلفظه أيضًا، وقال أبو عبيدة: الشوى واحدتها شواة وهي اليدان والرجلان والرأس من الآدميين، قال: وسمعت رجلًا من أهل المدينة يقول: اقشعرت شواتي، قلت له: ما معناه؟ قال: جلدة رأسي. والشوى قوائم الفرس يقال: عبل الشوى، ولا يراد في هذا الرأس لأنهم وصفوا الخيل بأسالة الخدين ورقة الوجه، انتهى.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٤): قوله: \"وما كان غير مقتل فهو شوى\" تعميم بعد بيان المراد في الآية، انتهى.\nوفي هامشه: وفي \"الجمل\": الشوى الأطراف، جمع شواة كنوى ونواة، وقيل: الشوى الأعضاء التي ليست بمقتل، ومنه يقال للرامي إذا رمى الصيد ولم يصب مقتله: رماه فأشواه، أي: أصاب الشوى، وقيل: هو جلد الإنسان، وقيل: جلد رأسه. انتهى.\nوفي تقرير المكي: قوله: \"غير مقتل\" أي: لا يقتل منه صاحبه كاليدين، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٦٦٥).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٤٣٥).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٦٦٥).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٩/ ١٨٢).","vol":"5","page":350},{"text":"(٧١) <span data-type='title' id=toc-2912>﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا﴾</span>\nوفي نسخة \"القسطلاني\" \"سورة ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا﴾ \" بزيادة لفظ السورة، وفي نسخة الحافظين: \"سورة نوح\"، والبسملة ساقطة للجميع كما قال الحافظ (^١)، قال العلامة العيني (^٢): وهي مكية نزلت بعد النحل وقبل سورة إبراهيم ﵊، انتهى.\nقوله: ﴿أَطْوَارًا﴾ [نوح: ١٤]: طورًا كذا وطورًا كذا. . .) إلخ، تقدم قول البخاري هذا في أوائل بدء الخلق وتقدم هناك شرحه فارجع إليه لو شئت.\nقال الحافظ (^٣): وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾: نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم خلقًا آخر، انتهى.\nقوله: (﴿دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦]: من دور) بفتح الدال وسكون الواو \"ولكنه فيعال\" بفتح الفاء وسكون التحتية \"من الدوران\" لأن أصله دَيوار فأبدلت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء، ولو كان فعّالًا لكان دوّارًا، انتهى من \"القسطلاني\" (^٤).\nوكتب الشيخ (^٥): قوله: \"ولكنه فيعال\" إذ لو كان فعّالًا لكان دوّارًا، انتهى.\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-2913> باب: ﴿وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح:</span> ٢٣])\nقال الحافظان ابن حجر والعيني (^٦): سقطت هذه الترجمة لغير أبي ذر، قال العيني: وعن محمد بن كعب: كان لآدم ﵊ خمس بنين: وَدّ، وسُواع، ويغوث، ويعوق، ونسر، فمات رجل منهم فحزنوا عليه فقال الشيطان: أنا أصور لكم مثله إذا نظرتم إليه ذكرتموه، قالوا: افعل،\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٦٦٦).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٤٣٦).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٦٦٦).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (١١/ ١٩٧).\n(^٥) \"لامع الدراري\" (٩/ ١٨٢).\n(^٦) \"فتح الباري\" (٨/ ٦٦٧)، و\"عمدة القاري\" (١٣/ ٤٣٨).","vol":"5","page":351},{"text":"فصوّره في المسجد من صفر ورصاص، ثم مات آخر وصوره، حتى ماتوا كلّهم وتنغصت الأشياء إلى أن تركوا عبادة الله بعد حين، فقال الشيطان للناس: ما لكم لا تعبدون إلهكم وإله آبائكم؟ ألا ترونها في مصلاكم؟ فعبدوها من دون الله، حتى بعث الله - ﷿ - نوحًا ﵊، إلى آخر ما بسط العيني في هؤلاء الخمس المذكورين.\nقوله: (وقال عطاء عن ابن عباس) قال الحافظ (^١): قيل: هذا منقطع لأن عطاء المذكور هو الخراساني ولم يلق ابن عباس، فقد أخرج عبد الرزاق هذا الحديث في تفسيره عن ابن جريح، فقال: أخبرني عطاء الخراساني عن ابن عباس، إلى آخر ما بسط الحافظ من الكلام على انقطاع هذا الحديث والجواب عنه.\nولخصه القسطلاني فقال (^٢): لكن عطاء لم يسمع من ابن عباس، وابن جريج لم يسمع التفسير من عطاء الخراساني، إنما أخذ الكتاب من ابنه عثمان فنظر فيه، لكن البخاري ما أخرجه إلا أنه من رواية عطاء بن أبي رباح؛ لأن الخراساني ليس على شرطه، ولقائل أن يقول: هذا ليس بقاطع في أن عطاء المذكور هو الخراساني فيحتمل أن يكون هذا الحديث عند ابن جريج عن الخراساني وابن أبي رباح جميعًا، قال في \"المقدمة\": وهذا جواب إقناعي، وهذا عندي من المواضع العقيمة عن الجواب السديد، ولا بد للجواد من كبوة، انتهى.\nقوله: (﴿وَنَسْرًا﴾: أسماء رجال صالحين) كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٣): كثيرًا ما يذكر اللفظ بعد بيانه سابقًا مزيدًا للتأكيد، انتهى.\nوفي هامشه أراد الشيخ قُدِّس سرُّه دفع ما يرد على الإمام البخاري أنه ذكر نسرًا وغيره أولًا، ثم ذكر نسرًا ثانيًا، فقال الشيخ قُدِّس سرُّه: إنه\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٦٦٧).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١١/ ١٩٨).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٩/ ١٨٣).","vol":"5","page":352},{"text":"للتأكيد، أي: في بيان مزيد أحوالهم، فما ذكره أولًا من كونهم آلهة هو بيان آخر حالهم إذ جعلوا أصنامًا، وما ذكره آخرًا من قوله: \" ﴿وَنَسْرًا﴾ أسماء رجال. . .\" إلخ، هو بيان ابتداء أحوالهم كما تقدم مفصلًا، فكأنه أشار بقوله: ﴿نَسْرًا﴾ إلى تمام الآية بذكر آخرها، انتهى.\n\n(٧٢) <span data-type='title' id=toc-2914>﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ﴾</span>\nوفي نسخة الشروح بزيادة لفظ \"سورة\" بغير بسملة.\nقال العيني (^١): وتسمى سورة الجن، وهي مكية، انتهى.\nوقال أيضًا بعد ذكر حديث الباب: مطابقته للترجمة ظاهرة، ويوضح سبب النزول أيضًا، والحديث قد مضى في الصلاة في \"باب الجهر بقراءة الصبح\"، انتهى.\nقوله: (وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم الشهب. . .) إلخ، قال الحافظ (^٢): وظاهر هذا أن الحيلولة وإرسال الشهب وقعا في هذا الزمان المقدم ذكره، والذي تضافرت به الأخبار أن ذلك وقع لهم من أول البعثة النبوية، وهذا مما يؤيد تغاير زمن القصتين وأن مجيء الجن لاستماع القرآن كان قبل خروجه - ﷺ - إلى الطائف بسنتين، ولا يعكر على ذلك إلا قوله في هذا الخبر أنهم رأوه يصلي بأصحابه صلاة الفجر؛ لأنه يحتمل أن يكون ذلك قبل فرض الصلوات ليلة الإسراء فإنه - ﷺ - كان قبل الإسراء يصلي قطعًا وكذلك أصحابه، ولكن اختلف هل افترض قبل الخمس شيء من الصلاة أم لا؟ فيصح على هذا قول من قال: إن الفرض أولًا كان صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها، والحجة فيه قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه: ١٣٠] ونحوها من الآيات، فيكون إطلاق صلاة الفجر في حديث الباب باعتبار الزمان\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٤٤٠، ٤٤١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٦٧١).","vol":"5","page":353},{"text":"لا لكونها إحدى الخمس المفترضة ليلة الإسراء فتكون قصة الجن متقدمة من أول المبعث، وهذا الموضع مما لم ينبه عليه أحد ممن وقفت على كلامهم في شرح هذا الحديث، وقد أخرج الترمذي والطبري حديث الباب بسياق سالم من الإشكال الذي ذكرته، ثم ذكر الحافظ تلك الرواية إلى أن قال (^١): وقد استشكل عياض وتبعه القرطبي والنووي وغيرهما من حديث الباب موضعًا آخر ولم يتعرضوا لما ذكرته، فقال عياض: ظاهر الحديث أن الرمي بالشهب لم يكن قبل مبعث النبي - ﷺ - لإنكار الشياطين له وطلبهم سببه، ولهذا كانت الكهانة فاشية في العرب ومرجوعًا إليها في حكمهم حتى قطع سببها بأن حيل بين الشياطين وبين استراق السمع، وقد جاءت أشعار العرب باستغراب رميها وإنكاره إذ لم يعهدوه قبل المبعث وكان ذلك أحد دلائل نبوته، قال: وقال بعضهم: لم تزل الشهب يرمى بها مذ كانت الدنيا، واحتجوا بما جاء في أشعار العرب من ذلك، قال: وهذا مروي عن ابن عباس والزهري، ورفع فيه ابن عباس حديثًا عن النبي - ﷺ -، وقال القرطبي: ويجمع بأنها لم تكن يرمى بها قبل المبعث رميًا يقطع الشياطين عن استراق السمع، ولكن كانت ترمى تارة ولا ترمى أخرى، وترمى من جانب ولا ترمى من جميع الجوانب، إلى آخر ما ذكر الحافظ الجواب بعد ذلك من جانبه، فارجع إليه لو شئت.\n\n(٧٣) <span data-type='title' id=toc-2915>﴿الْمُزَّمِّلُ﴾</span>\nوفي نسخة \"العيني\" و\"القسطلاني\": \"سورة المزّمل\" بزيادة لفظ سورة، وفي نسخة \"الفتح\": \"سورة المزمل والمدثر\" والبسملة ساقطة عن الكل.\nقال الحافظ (^٢): كذا لأبي ذر واقتصر الباقون على المزمل وهو أولى؛ لأنه أفرد المدثر بعدُ بالترجمة، والمزّمل بالتشديد أصله المتزمل فأدغمت التاء في الزاي، وقد جاءت قراءة أُبي بن كعب على الأصل، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٦٧٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٦٧٥).","vol":"5","page":354},{"text":"قال العيني (^١): قال مقاتل: هي مكية إلا قوله: ﴿وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠]، انتهى.\nوقال القسطلاني (^٢): هي مكية، ولم يذكر الاستثناء المذكور، انتهى.\nقلت: تكلم الشرَّاح على كون السورة مكية وعلى تحقيق استثناء هذه الآية في مبدء كتاب التهجد، وتقدم هناك في هامش \"اللامع\" (^٣).\nقال الحافظ (^٤): (تنبيه): لم يورد المصنف في هذه السورة حديثًا مرفوعًا، وقد أخرج مسلم حديث سعد بن هشام عن عائشة فيما يتعلق منها بقيام الليل وقولها فيه: فصار قيام الليل تطوعًا بعد فريضة، ويمكن أن يدخل في قوله تعالى في آخرها: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ [المزمل: ٢٠] حديث ابن مسعود: \"إنما مال أحدكم ما قدم، ومال وارثه ما أخر\" وسيأتي في الرقاق، انتهى.\n\n(٧٤) <span data-type='title' id=toc-2916>﴿الْمُدَّثِّرُ﴾</span>\nهكذا في النسخ الهندية بغير لفظ \"سورة\" والبسملة وفي نسخ الشروح الثلاثة بزيادتهما.\nقال الحافظ (^٥): سقطت البسملة لغير أبي ذر، قرأ أُبي بن كعب بإثبات المثناة المفتوحة بغير إدغام كما تقدم في المتزمل، وقرأ عكرمة فيهما بتخفيف الزاي والدال اسم فاعل، انتهى.\nقال العيني (^٦): وهي مكية، قال الثعلبي: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١] أي: في القطيفة، والجمهور على أنه المدثر بثيابه، انتهى.\n_________\n(^١) \"ع\" (١٣/ ٤٤١).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٢٠١).\n(^٣) انظر: \"لامع الدراري\" (٤/ ٢٢٩).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٨/ ٦٧٦).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٨/ ٦٧٦).\n(^٦) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٤٤٢).","vol":"5","page":355},{"text":"(١ -<span data-type='title' id=toc-2917> باب قوله: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر:</span> ٢])\nهكذا في النسخة \"الهندية\"، وفي نسخة \"العيني\" و\"القسطلاني\": \"قوله: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ \" بدون لفظ \"باب\".\nقال القسطلاني (^١): وسقط هذا لأبي ذر، انتهى.\nقلت: وهكذا في \"الفتح\" فلم يأخذه الحافظ في شرحه ولم يتعرض له أيضًا.\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-2918> باب قوله: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر:</span> ٣])\nوهكذا في نسخة الحافظين، وفي نسخة \"القسطلاني\" بغير لفظ \"باب\".\nوذكر المصنف فيه حديث جابر المذكور في الباب السابق، وفيه قوله: \"أي القرآن أنزل أول؟ فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ \".\nكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٢): وكأن السؤال عما نزل أولًا بعد الفترة كما يدل عليه قول جابر نفسه: \"فإذا الملك الذي جاءني بحراء\" فإن هذا القول يشعر أنه كان يعلم أن نزوله هذا لم يكن أولًا حقيقيًا، فافهم وتفكر، انتهى.\nوفي هامشه ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه واضح من سياق الرواية التي ستأتي قريبًا في \"باب ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ \" [المدثر: ٤]، وبهذا استدل الحافظ ابن كثير في تفسيره فقال: وهذا السياق هو المحفوظ، وهو يقتضي أنه قد نزل الوحي قبل هذا لقوله: \"فإذا الملك الذي جاءني بحراء\" ثم قال: ووجه الجمع أن أول شيء نزل بعد فترة الوحي هذه السورة كما قال الإمام أحمد بسنده إلى جابر: أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: \"ثم فتر الوحي عني فترة فبينا أنا أمشي\" الحديث أخرجاه من حديث الزهري به، انتهى مختصرًا.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٢٠٣).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٩/ ١٨٣، ١٨٤).","vol":"5","page":356},{"text":"وقال الحافظ (^١): تقدم في بدء الوحي أن رواية الزهري عن أبي سلمة عن جابر تدل على أن المراد بالأولية في قوله: \"أول ما نزل سورة المدثر\" أولية مخصوصة بما بعد فترة الوحي أو مخصوصة بالأمر بالإنذار؛ لا أن المراد أنها أولية مطلقة.\nقال الكرماني: استخرج جابر أن أول ما نزل ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ باجتهاد وليس هو من روايته، والصحيح ما وقع في حديث عائشة، إلى آخر ما ذكر في \"الفتح\".\nوهكذا قال القسطلاني فقال (^٢): وليس في هذا الحديث أن أول ما نزل ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ وإنما استخرج ذلك جابر باجتهاده، وظنه لا يعارض الحديث الصحيح الصريح السابق أول هذا الجامع أنه ﴿اقْرَأْ﴾، انتهى.\nقلت: وهذا الجواب تسليمي، وما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه واختاره الحافظ ابن كثير جواب منعي، ثم إنهم اختلفوا في أول ما نزل على أربعة أقوال: والراجح المعروف: أنه خمس آيات من سورة اقرأ، والثاني: أنه المدثر كما في حديث الباب على بادئ النظر، الثالث: أنه الفاتحه كما في حديث مرسل عند البيهقي، والرابع: البسملة كما ورد في بعض الآثار.\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-2919> باب قوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾)</span>\nكذا في نسخة \"العيني\" و\"القسطلاني\" وقال (^٣): سقط لفظ \"باب\" لغير أبي ذر، انتهى.\nقلت: وهكذا في نسخة الحافظ بدون لفظ \"باب\".\nقال القسطلاني: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ أي: عن النجاسة أو قصرها خلاف جر العرب ثيابهم خيلاء فربما أصابتها النجاسة، وقال في آخر الحديث:\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٦٧٨).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٢٠٣).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٢٠٥، ٢٠٦).","vol":"5","page":357},{"text":"قوله: \"فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ إلى ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ قبل أن تفرض الصلاة\" فيه إشعار بأن الأمر بتطهير الثياب كان قبل فرض الصلاة، انتهى.\nوهكذا ذكر الحافظ في \"الفتح\" ثم قال (^١): وأخرج ابن المنذر من طريق محمد بن سيرين قال: اغسلها بالماء، وعلى هذا حمله ابن عباس فيما أخرجه ابن أبي حاتم، وأخرج من وجه آخر عنه قال: فطهر من الإثم، ومن وجه آخر عن ابن عباس قال: لا تلبسها على غدرة ولا فجرة، ومن طريق طاوس قال: شَمِّر، ومن طريق منصور قال: وعن مجاهد مثله، قال: أصلح عملك، وأخرج ابن المنذر من طريق الحسن قال: خلقك فحسِّنه، وقال الشافعي - ﵀ -: قيل في قوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾: صَلِّ في ثياب طاهرة، وقيل غير ذلك والأول أشبه، ويؤيده ما أخرج ابن المنذر في سبب نزولها من طريق زيد بن مرثد قال: ألقي على رسول الله - ﷺ - سلى جزور فنزلت، ويجوز أن يكون المراد جميع ذلك، انتهى. كله من \"الفتح\"\".\n\n(٤ -<span data-type='title' id=toc-2920> باب قوله: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾. . .) إلخ</span>\nوهكذا في نسخة \"العيني\" و\"القسطلاني\" وفي نسخة \"الفتح\": قوله: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ بدون لفظ \"باب\".\nقال القسطلاني (^٢): وسقط لفظ \"باب\" لغير أبي ذر. قوله: (يقول: الرجز والرجس العذاب) قال الحافظ (^٣): هو قول أبي عبيدة، وقد تقدم في الذي قبله أن الرجز الأوثان، وهو تفسير معنى، أي: اهجر أسباب الرجز، أي: العذاب وهي الأوثان.\nوقال الكرماني: فسر المفرد بالجمع لأنه اسم جنس، وبين ما في سياق رواية الباب أن تفسيرها بالأوثان من قول أبي سلمة، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٦٧٩).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٢٠٦).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٦٧٩).","vol":"5","page":358},{"text":"(٧٥)<span data-type='title' id=toc-2921> سورة ﴿الْقِيَامَةِ﴾</span>\nقال العيني والقسطلاني (^١): هي مكية، وقال أيضًا: ومضى حديث الباب في بدء الوحي ومضى الكلام فيه هناك، انتهى.\nقال الحافظ (^٢): تقدم الكلام على ﴿لَا أُقْسِمُ﴾ في آخر سورة الحجر، وأن الجمهور على أن \"لا\" زائدة والتقدير: أقسم، وقيل: هي حرف تنبيه مثل \"ألا\".\nوقوله: (﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ \" [القيامة: ١٦] لم يختلف السلف أن المخاطب بذلك النبي - ﷺ - في شأن نزول الوحي كما دل عليه حديث الباب، وحكى الفخر الرازي أن القفال جوَّز أنها نزلت في الإنسان المذكور قبل ذلك في قوله تعالى: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ [القيامة: ١٣] قال: يعرض عليه كتابه فيقال: اقرأ كتابك، فإذا أخذ في القراءة تلجلج خوفًا فأسرع في القراءة فيقال: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ﴾ أي: أن نجمع عملك وأن يقرأ عليك ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾ عليك ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ بالإقرار بأنك فعلت ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا﴾ بيان أمر الإنسان وما يتعلق بعقوبته، قال: وهذا وجه حسن ليس في العقل ما يدفعه وإن كانت الآثار غير واردة فيه، والحامل على ذلك عسر بيان المناسبة بين هذه الآية وما قبلها من أحوال القيامة، حتى زعم بعض الرافضة أنه سقط من السورة شيء وهي من جملة دعاويهم الباطلة، وقد ذكر الأئمة لها مناسبات، ثم ذكر الحافظ ثلاث مناسبات ثم قال: ومنها مناسبات أخرى ذكرها الفخر الرازي لا طائل فيها مع أنه لا تخلو عن تعسب، انتهى.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٤٤٧، ٤٤٨)، و\"إرشاد الساري\" (١١/ ٢٠٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٦٨٠).","vol":"5","page":359},{"text":"(١ -<span data-type='title' id=toc-2922> باب: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة:</span> ١٧])\nقال الحافظ (^١): ذكر فيه حديث ابن عباس المذكور من رواية إسرائيل عن موسى بن أبي عائشة أتم من رواية ابن عيينة، وسيأتي الحديث في الباب الذي بعده أتم سياقًا، انتهى مختصرًا.\nقال العيني (^٢): قوله: \" ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ﴾. . .\" إلخ، يحتمل أن يكون معلقًا عن ابن عباس وسياق الحديث الذي بعده أتم منه، انتهى.\nقال القسطلاني (^٣): قوله: \" ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ \" أي أن نبيِّنه على لسانك وفسره غير ابن عباس ببيان ما أشكل من معانيه، وفيه دليل على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب، انتهى.\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-2923> باب قوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة:</span> ١٨])\nقال القسطلاني (^٤): سقط لفظ \"باب\" لغير أبي ذر.\nقوله: (قال ابن عباس) فيما وصله ابن أبي حاتم: \" ﴿قُرْآنَهُ﴾ \" أي: \"بيناه ﴿فَاتَّبِعْ﴾ \" أي: \"اعمل به\" وقال ابن عباس أيضًا فيما ذكره ابن كثير: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾: نبين حلاله وحرامه، انتهى.\nقال الحافظ (^٥): هذا التفسير رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم، وسيأتي في الباب عن ابن عباس تفسيره بشيء آخر.\nقوله: (فيشتد عليه) ظاهر هذا السياق أن السبب في المبادرة حصول المشقة التي يجدها عند النزول فكان يتعجل بأخذه لتزول المشقة سريعًا، وبيَّن في رواية إسرائيل أن ذلك كان خشية أن ينساه حيث قال: \"فقيل له: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ تخشى أن ينفلت\"، وأخرج ابن أبي حاتم من طريق أبي رجاء عن الحسن: كان يحرك به لسانه يتذكره، فقيل له: إنا سنحفظه\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٦٨١).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٤٤٨).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٢٠٩).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٢٠٩).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٨/ ٦٨٢، ٦٨٣).","vol":"5","page":360},{"text":"عليك، وللطبري من طريق الشعبي: كان إذا نزل عليه عجل يتكلم به من حبه إياه، وظاهره أنه كان يتكلم بما يلقى إليه منه أولًا فأولًا من شدة حبه إياه، فأمر أن يتأنى إلى أن ينقضي النزول، ولا بعد في تعدد السبب.\nقوله: (علينا أن نجمعه في صدرك) كذا فسره ابن عباس وعبد الرزاق عن معمر عن قتادة تفسيره بالحفظ، ووقع في رواية أبي عوانة: جمعه لك في صدرك، ورواية جرير أوضح، وأخرج الطبري عن قتادة أن معنى ﴿جَمْعَهُ﴾ تأليفه.\nقوله: (﴿قُرْآنَهُ﴾) زاد في رواية إسرائيل: \"أن تقرأه\" أي: أنت، ووقع في رواية الطبري: وتقرأه بعد قوله: \" ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾ \" أي: قرأه عليك الملك \" ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ فإذا أنزلناه فاستمع\" هذا تأويل آخر لابن عباس غير المنقول عنه في الترجمة، والحاصل أن لابن عباس في تأويل قوله تعالى: ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ وفي قوله: ﴿فَاسْتَمِعْ﴾ [طه: ١٣] قولين، وعند الطبري من طريق قتادة في قوله: استمع اتبع حلاله واجتنب حرامه، انتهى من \"الفتح\".\n\n(٧٦) <span data-type='title' id=toc-2924>﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾</span>\nكذا في النسخ الهندية بغير لفظ \"سورة\" والبسملة، وفي نسخ الشروح الثلاثة بزيادتهما.\nقال العيني (^١): ثبتت البسملة لأبي ذر، ثم قال: وهي مكية، قاله قتادة والسدي، وعن الكلبي أنها مكية إلا آيات ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ إلى قوله: ﴿قَمْطَرِيرًا﴾ [الإنسان: ٨ - ١٠] ويذكر عن الحسن أنها مكية وفيها آية مدنية: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤]، وقيل: ما صح في ذلك قول الحسن ولا الكلبي وجاءت أخبار فيها أنها نزلت بالمدينة في شأن علي وفاطمة وابنيهما رضي الله تعالى عنهم، وذكر ابن النقيب أنها مدنية كلها، قاله الجمهور، وقال السخاوي: نزلت بعد سورة الرحمن وقبل الطلاق، انتهى.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٤٥٠).","vol":"5","page":361},{"text":"قوله: (يقال معناه: أتى على الإنسان. . .) إلخ، قال الحافظ (^١): كذا للأكثر، وفي بعض النسخ: و\"قال يحيى\" وهو صواب لأنه قول يحيى بن زياد الفراء بلفظ وزاد: لأنك تقول: هل وعظتك؟ هل أعطيتك؟ تقرره بأنك وعظته وأعطيته، والجحد أن تقول: هل يقدر أحد على مثل هذا؟ والتحرير أن \"هل\" للاستفهام لكن تكون تارة للتقرير وتارة للإنكار، فدعوى زيادتها لا يحتاج إليه، وقال أبو عبيدة: ﴿هَلْ أَتَى﴾: معناه قد أتى وليس باستفهام، وقال غيره: بل هي للاستفهام التقريري كأنه قيل لمن أنكر البعث: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان: ١] فيقول: نعم، فيقال: فالذي أنشأه - بعد أن لم يكن - قادر على إعادته، ونحوه ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٦٢] أي: فتعلمون أن من أنشأ قادر على أن يعيد، انتهى.\nزاد القسطلاني (^٢) بعده: فهي هنا للاستفهام التقريري لا للاستفهام المحض، وهذا هو الذي يجب أن يكون؛ لأن الاستفهام لا يرد من الباري جلّ وعلا إلا على هذا النحو وما أشبهه، وقال أيضًا تحت قول البخاري: \"وهذا من الخبر\" أي: الذي بمعنى قد، والمعنى كما في \"الكشاف\": قد أتى، على التقرير والتقريب جميعًا، أي: أتى على الإنسان قبل زمن قريب حين من الدهر لم يكن فيه شيئًا مذكورًا، أو هي للاستفهام التقريري لمن أنكر البعث كأنه قيل، إلى آخر ما تقدم.\nقوله: (يقول: كان شيئًا فلم يكن مذكورًا) قال الحافظ (^٣): هو كلام الفراء أيضًا وحاصله: انتفاء الموصوف بانتفاء الصفة، ولا حجة فيه للمعتزلة في دعواهم أن المعدوم شيء، انتهى.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٤): قوله: \"فلم يكن مذكورًا\" فالنفي ليس\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٦٨٤).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٢١١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٦٨٤).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٩/ ١٨٦).","vol":"5","page":362},{"text":"واردًا على الشيئية لأنه كأنه شيئًا إذ ذاك وإنما المنفي كونه مذكورًا، انتهى.\nوفي هامشه: قال الكرماني: ومعنى ﴿لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾، أنه كان شيئًا لكنه لم يكن مذكورًا، يعني انتفاء هذا المجموع بانتفاء صفة لا بانتفاء الموصوف، انتهى.\nقال القسطلاني (^١): قوله: \"فلم يكن مذكورًا\" بل كان شيئًا منسيًا غير مذكور بالإنسانية والمراد بالإنسان آدم، و﴿حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ أربعون سنة، أو المراد بالإنسان الجنس وبالحين مدة الحمل، انتهى.\nقال الحافظ (^٢): لم يورد المصنف في تفسير ﴿هَلْ أَتَى﴾ حديثًا مرفوعًا، ويدخل فيه حديث ابن عباس في قراءتها في صلاة الصبح يوم الجمعة وقد تقدم في الصلاة، انتهى.\n\n(٧٧) <span data-type='title' id=toc-2925>﴿وَالْمُرْسَلَاتِ﴾</span>\nهكذا في النسخ الهندية و\"القسطلاني\" بغير لفظ \"سورة\"، وفي نسخة الحافظين بزيادته، والبسملة ساقطة في الكل.\nقال العيني (^٣): وهي مكية بغير خلاف، قاله أبو العباس، وقال مقاتل: فيها من المدني: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات: ٤٨]، وقال السخاوي: نزلت بعد الهمزة وقبل ق، انتهى.\nقال الحافظ (^٤): أخرج الحاكم بإسناد صحيح عن أبي هريرة قال: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ [المرسلات: ١] الملائكة أرسلت بالمعروف، انتهى.\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-2926> باب قوله: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾ [المرسلات:</span> ٣٢])\nسقط لفظ \"باب\" لغير أبي ذر، قاله القسطلاني (^٥).\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٢١١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٦٨٥).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٤٥٢).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٨/ ٦٨٦).\n(^٥) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٢١٦).","vol":"5","page":363},{"text":"قال الحافظ (^١): أي كقدر القصر، ثم قال في شرح الحديث: قوله: \"فنرفعه للشتاء فنسميه القصر\" بسكون الصاد وبفتحها وهو على الثاني جمع قصرة، أي: كأعناق الإبل، ويؤيده قراءة ابن عباس: كالقصر بفتحتين، وقيل: هو أصول الشجر، وقيل: أعناق النخل، وقال ابن قتيبة: القصر البيت، ومن فتح أراد أصول النخل المقطوعة، شبهًا بقصر الناس، أي: أعناقهم فكأن ابن عباس فسر قراءته بالفتح بما ذكر، وأخرج أبو عبيد بسنده عن ابن عباس: بشرر كالقصر بفتحتين، قال هارون: وأنبأنا أبو عمرو أن سعيدًا وابن عباس قرءا كذلك، وأسنده أبو عبيد عن ابن مسعود أيضًا بفتحتين، وقد أخرج الطبراني في \"الأوسط\" من حديث ابن مسعود في قوله تعالى: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾ قال: ليست كالشجر والجبال ولكنها مثل المدائن والحصون، انتهى.\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-2927> باب قوله: ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾ [المرسلات:</span> ٣٣])\nليس في نسخة \"القسطلاني\" لفظ \"باب\" وقال (^٢): ولأبي ذر \"باب\" وسقط لفظ \"باب\" لغير أبي ذر، انتهى.\nقال الحافظ (^٣): ذكر فيه الحديث الذي قبله، ثم قال: قوله: \"حتى تكون كأوساط الرجال\" قلت: هو من تتمة الحديث وقد أخرجه عبد الرزاق عن الثوري بإسناده، وقال في آخره: وسمعت ابن عباس يسأل عن قوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾ قال: حبال السفن يجمع بعضها إلى بعض حتى تكون كأوساط الرجال، وفي رواية قيس بن الربيع عن عبد الرحمن بن عابس: هي القلوص التي تكون في الجسور، والأول هو المحفوظ، انتهى.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٤): قوله: \"كأوساط الرجال\" جمع وسط: ما بين خاصرتيه، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٦٨٨).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٢١٦).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٦٨٨).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٩/ ١٨٧، ١٨٨).","vol":"5","page":364},{"text":"وفي هامشه: أفاد بذلك دفعًا لما يتوهم من أن المراد به الرجال الذين هم متوسطو القامة، قال الكرماني: قوله: \"تجمع\" أي: يضم بعضها إلى بعض حتى تصير قوية غليظة كوسط الرجل، انتهى.\nوفي \"تقرير مولانا محمد حسن المكي\": يعني مانندِ كمرهائى رجال، انتهى.\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-2928> باب قوله: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ﴾ [المرسلات:</span> ٣٥])\nقال الحافظ (^١): ذكر فيه حديث عبد الله بن مسعود في الحية، قوله: \"قال عمر: حفظته من أبي في غار بمنى\" يريد أن أباه زاد بعد قوله في الحديث: كنا مع النبي - ﷺ - في غار بمنى\" انتهى.\n\n(٧٨) <span data-type='title' id=toc-2929>﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾</span>\nوفي نسخ الشروح بزيادة لفظ \"سورة\"، والبسملة ليست بمذكورة في شيء من النسخ الهندية ولا المصرية.\nقال الحافظ (^٢): قرأ الجمهور ﴿عَمَّ﴾ بميم فقط، وعن ابن كثير رواية بالهاء وهي هاء السكت أجري الوصل مجرى الوقف، وعن أُبي بن كعب وعيسى بن عمر بإثبات الألف على الأصل، وهي لغة نادرة، ويقال لها أيضًا: سورة النبأ، انتهى.\nوقال العيني (^٣): وهي مكية، و﴿عَمَّ﴾ أصله \"عما\" حذفت الألف للتخفيف، انتهى.\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-2930> باب قوله: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا﴾ [النبأ: ١٨]: زمرًا)</span>\nوصله ابن أبي حاتم من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله: ﴿فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا﴾ قال: زمرًا زمرًا، ذكر فيه حديث أبي هريرة: \"ما بين\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٦٨٩).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٦٨٩).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٤٥٧).","vol":"5","page":365},{"text":"النفختين أربعون\" وقد تقدم شرحه في تفسير الزمر، انتهى (^١).\n\n(٧٩) <span data-type='title' id=toc-2931>﴿وَالنَّازِعَاتِ﴾</span>\nوفي نسخ الشروح الثلاثة بزيادة لفظ \"سورة\" وليست البسملة في شيء من النسخ.\nقال العلامة العيني (^٢): وتسمى سورة الساهرة، وهي مكية لا اختلاف فيها، وقال السخاوي: نزلت بعد سورة النبأ وقبل سورة ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الانفطار: ١] وفي النازعات أقوال: الملائكة تنزع نفوس بني آدم، روي ذلك عن ابن عباس، والموت ينزع النفوس، قاله سعيد بن جبير، والنجوم تنزع من أفق إلى أفق تطلع ثم تغيب، والغزاة الرماة، قاله عطاء وعكرمة، انتهى.\n\n(٨٠) <span data-type='title' id=toc-2932>﴿عَبَسَ﴾</span>\nهكذا في النسخ الهندية بغير لفظ \"سورة\" وبسملة، وفي نسخ الشروح الثلاثة بزيادتهما.\nقال الحافظ (^٣): سقطت البسملة لغير أبي ذر.\nقال العيني (^٤): وتسمى سورة السفرة، وهي مكية، وذكر السخاوي أنها نزلت قبل سورة القدر وبعد سورة النجم، وذكر الحاكم مصححًا عن عائشة \"أنها نزلت في ابن أم مكتوم الأعمى، أتى رسول الله - ﷺ - فجعل يقول: يا رسول الله أرشدني، وعند رسول الله - ﷺ - رجال من عظماء المشركين، فجعل رسول الله - ﷺ - يعرض عنه ويقبل على الآخرين\" الحديث، انتهى.\nقوله: (كلح وأعرض) وفي نسخة \"العيني\" و\"القسطلاني\" بعد ذكر\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (٨/ ٦٩٠).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٤٥٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٩/ ٦٩٢).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٤٦١).","vol":"5","page":366},{"text":"البسملة: \" ﴿عَبَسَ﴾: كلح وأعرض\" أعني بإعادة لفظ عبس، وفي نسخة الحافظ: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾، ثم ذكر التفسير المذكور.\nقال الحافظ (^١): أما تفسير ﴿عَبَسَ﴾ فهو لأبي عبيدة، وأما تفسير ﴿تَوَلَّى﴾ فهو في حديث عائشة الذي سأذكره بعد، ولم يختلف السلف في أن فاعل ﴿عَبَسَ﴾ هو النبي - ﷺ -، وأغرب الداودي فقال: هو الكافر، وأخرج الترمذي والحاكم من طريق يحيى بن سعيد الأموي، وابن حبان من طريق عبد الرحيم بن سليمان، كلاهما عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: \"نزلت في ابن أم مكتوم الأعمى فقال: يا رسول الله أرشدني - وعند النبي - ﷺ - رجل من عظماء المشركين - فجعل النبي - ﷺ - يعرض عنه ويقبل على الآخر فيقول له: أترى بما أقول باسًا؟ فيقول: لا، فنزلت: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ \" قال الترمذي: حسن غريب، وقد أرسله بعضهم عن عروة لم يذكر عائشة، وذكر عبد الرزاق عن معمر عن قتادة أن الذي كان يكلمه أبي بن خلف، وروى سعيد بن منصور من طريق أَبي مالك أنه أمية بن خلف، وروى ابن مردويه من حديث عائشة أنه كان يخاطب عتبة وشيبة ابني ربيعة، ومن طريق العوفي عن ابن عباس قال: عتبة وأبو جهل وعياش، ومن وجه آخر عن عائشة: كان في مجلس فيه ناس من وجوه المشركين منهم أبو جهل وعتبة، فهذا يجمع الأقوال، انتهى.\nقوله: (﴿مُطَهَّرَةٍ﴾: لا يمسها إلا المطهرون وهم الملائكة. . .) إلخ، قال العيني (^٢): أشار به إلى قوله تعالى: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ﴾ [عبس: ١٣، ١٤] وفسر المطهرة بقوله: ﴿لا يمسها إلا المطهرون﴾، وهم الملائكة\" يعني: لما كانت الصحف قد تتصف بالتطهير وصف أيضًا حاملها، أي: الملائكة فقيل: ﴿لا يمسها إلا المطهرون﴾، وهذا كما في\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٦٩٢).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٤٦٢).","vol":"5","page":367},{"text":"﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ [النازعات: ٥]، فإن التدبير لمحمول خيول الغزاة فوصف الحامل يعني الخيول به فقيل: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ﴾.\nوقال الكرماني: وفي بعض النسخ لا يقع بزيادة لا، وفي توجيهه تكلف، قلت: وجهه أن الصحف لا يقع عليها التطهير الذي هو خلاف التنجيس حقيقة وإنما المراد أنها مطهرة عن أن ينالها أيدي الكفار، وقيل: مطهرة عما ليس بكلام الله تعالى فهو الوحي الخالص والحق المحض، انتهى.\nقلت: اختلفت النسخ ففي النسخة الهندية بلفظ: \"لا يقع عليها التطهير\" بزيادة حرف النفي، وفي نسخ الشروح الثلاثة: \"الفتح\" و\"العيني\" و\"القسطلاني\": \"يقع عليها التطهير\" بغير لفظة لا، وفي هامش الهندية (^١) عن \"الخير الجاري\" بعد قول الكرماني: وفي توجيهه تكلف، وتوجيهها أنها ليست مما يحتاج إلى التطهير بل هي طاهرة بذاتها مطهرة لغيرها من الأنجاس الباطنة، انتهى.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): قوله: \"لا يقع عليها التطهير\" يعني أن التطهير الواقع بعد قابلية التنجيس غير واقع على الصحف لتطهرها ذاتًا فلم يكن إطلاق المطهر عليها إلا مجازًا، والحاصل أن المطهر إما أن يكون صفة الصحف حقيقة والملائكة مجازًا أو بالعكس، وعلى الأول فالصحيح نسخة \"يقع\" بالإثبات وعلى الثاني فلكل منهما وجه نفيًا كان أو إثباتًا، وأيضًا فالتطهير على التوجيه الأول يعني إذا كان صفة للصحف ما لم يتقدمه صلاح التنجس وقابليته، وعلى الثاني ما كان قبله ذلك، وإذا علمت هذا فنقول: معنى قوله: ﴿مُطَهَّرَةٍ. . .﴾ إلخ، أن الصحف مطهرة بذواتها كما ذكر ههنا في السورة، وإطلاق المطهر في قوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] مجاز من قبيل وصف الحامل بصفة محموله، كما في قوله\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري بحاشية السهارنفوري\" (١٠/ ١٥٥).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٩/ ١٨٨، ١٨٩).","vol":"5","page":368},{"text":"تعالى: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ حيث وقع المدبر صفةً للخيل وكانت لراكبيه، وذلك لأن الملائكة ليست متصفة بهذا النوع من الطهر، وأما على الثاني فمعنى قوله: ﴿مُطَهَّرَةٍ﴾ إلخ أن إطلاق المطهرة على الصحف مجاز، وأما الحقيقة فما هو في قوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ فإن المطهر صفة للملك لأنه الذي طهر عن المأثم وسائر الأنجاس حدثًا كان أو خبثًا، وأما الصحف فلا يقع عليها التطهير لأنها لا تقبل النجس، ولا تصلح له حتى يصح ورود التطهير عليها، فليس ذلك إلا وصفًا للشيء بما يلابسه، كما وصفت الخيول بصفة الراكبين وإن كان الوصف في الخيول للركب وههنا بالعكس، وعلى هذا فقوله: \"فجعل التطهير لمن حملها أيضًا\" لا يخلو إرجاعه إلى هذا التقرير عن تكلف؛ لأن ظاهره لا يفيد هذا المدعي، وغاية توجيهه أن يقال: \"فجعل التطهير\" صفة للصحف \"لأجل من حملها\" أي: بواسطته ولتوصله \"أيضًا\" أي: كما قال صفة للصحف أصالة، انتهى.\nقوله: (وهو عليه شديد فله أجران) قال الحافظ (^١): قال ابن التِّين: اختلف هل له ضعف أجر الذي يقرأ القرآن حافظًا أو يضاعف له أجره وأجر الأول أعظم، قال: وهذا أظهر، ولمن رجح الأول أن يقول: الأجر على قدر المشقة، انتهى.\nزاد القسطلاني (^٢): لكن لا نسلم أن الحافظ الماهر خال عن مشقة لأنه لا يصير كذلك إلا بعد عناء كثير ومشقة شديدة غالبًا، انتهى.\n\n(٨١) <span data-type='title' id=toc-2933>﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾</span>\nهكذا في النسخة \"الهندية\" بغير لفظ سورة وبدون البسملة، وفي نسخ الشروح الثلاثة من \"الفتح\"\" و\"العيني\" و\"القسطلاني\" بزيادتهما.\nقال القسطلاني (^٣): سقط لفظ سورة والبسملة لغير أبي ذر، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٦٩٣).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٢٢٣).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٢٢٤).","vol":"5","page":369},{"text":"قال العلامة العيني (^١): ويقال لها: سورة كورت، وسورة التكوير، وهي مكية، انتهى.\nقوله: (وقال مجاهد: البحر المسجور: المملوء) قال العلامة العيني (^٢) رحمه الله تعالى: وهو في سورة الطور ذكره استطرادًا.\nقول: (وقال غيره) أي: غير مجاهد، والأصوب أن يقال: غير الحسن على ما لا يخفى، انتهى.\nقال الحافظ (^٣): (تنبيه): لم يورد المصنف فيها حديثًا مرفوعًا، وفيها حديث جيد أخرجه أحمد والترمذي والطبراني وصححه الحاكم من حديث ابن عمر - ﵄ - رفعه: \"من سرّه أن ينظر إلى يوم القيامة كأنه رأي عين فليقرأ: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ، و<span data-type='title' id=toc-2934>إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ</span>\" لفظ أحمد، انتهى.\n\n(٨٢) ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾\nهكذا في النسخة \"الهندية\" بغير لفظ سورة والبسملة، وفي نسخ الشروح الثلاثة بزيادتهما.\nقال القسطلاني (^٤): سقط لفظ سورة والبسملة لغير أبي ذر، انتهى.\nقال العلامة العيني (^٥): ويقال لها أيضًا: سورة الانفطار، وهي مكية، انتهى.\nقوله: (وقرأ الأعمش وعاصم: ﴿فَعَدَلَكَ﴾ بالتخفيف، وقرأه أهل الحجاز بالتشديد) قلت: قرأ أيضًا بالتخفيف حمزة والكسائي وسائر الكوفيين، وقرأ أيضًا بالتثقيل من عداهم من قراء الأمصار.\nقوله: (وأراد معتدل الخلق. . .) إلخ، هو قول الفراء بلفظه إلى قوله: بالتشديد، ثم قال: فمن قرأ بالتخفيف فهو والله أعلم يصرفك في أي صورة\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٤٦٤).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٤٦٥).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٦٩٥).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٢٢٥).\n(^٥) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٤٦٦).","vol":"5","page":370},{"text":"شاء إما حسن إلى آخره ومن شدّد فإنه أراد والله أعلم جعلك معتدلًا معتدل الخلق، قال: وهو أجود القراءتين في العربية وأحبهما إليّ، وحاصل القراءتين: أن التي بالتثقيل من التعديل، والمراد التناسب، وبالتخفيف من العدل وهو الصرف إلى أي صفة أراد، انتهى كله من \"الفتح\" (^١).\nوقال العلامة العيني (^٢): قوله: (ومن خفف) يحتمل أن يكون عطفًا على فاعل أراد، أي: ومن خفف أراد أيضًا معتدل الخلق، ولفظ: في أي صورة لا يكون متعلقًا به بل هو كلام مستأنف تفسير لقوله تعالى: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار: ٨]، والباقي ظاهر، انتهى.\nقلت: وعلى ما أفاده العيني يلزم أن يكون معنى القراءتين واحدًا من غير فرق بينهما أعني اعتدال الخلق، وقد عرفت من كلام الحافظ الفرق بين المعنيين، وكذا ما قال العيني: إن قوله: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ﴾ لا يكون متعلقًا به. . . إلخ، ليس كذلك كما عرفت في كلام الحافظ، فإن نقل عبارة الأصل المنقول عنه الذي هو مأخذ كلام البخاري، والله أعلم.\nوفي هامش \"اللامع\" (^٣) عن حاشية \"الجمل\": قرأ الكوفيون ﴿عَدَلَكَ﴾ مخففًا والباقون مثقلًا، فالتثقيل بمعنى جعلك متناسب الأعضاء، فلم يجعل إحدى يديك أو رجليك أطول، ولا إحدى عينيك أوسع، فهو من التعديل، وقراءة التخفيف يحتمل هذا، أي: عدل بعض أعضائك ببعض، ويحتمل أن يكون من العدول، أي: حرفك إلى ما شاء من الهيآت والأشكال والأشباه، انتهى. والمذكور ههنا في البخاري على ما أفاده الحافظ هو الاحتمال الثاني المذكور في عبارة \"الجمل\" كما لا يخفى، واختار العيني الاحتمال الأوّل، لكن لا يساعده سياق البخاري، ثم قال الحافظ (^٤): لم يورد المصنف فيها حديثًا مرفوعًا، ويدخل فيها حديث ابن عمر المنبه عليه في التي قبلها، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٦٩٥).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٤٦٧).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٩/ ١٩١).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٨/ ٦٩٥).","vol":"5","page":371},{"text":"(٨٣) <span data-type='title' id=toc-2935>﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾</span>\nوفي نسخ الشروح الثلاثة بزيادة لفظ سورة والبسملة بعدها.\nقال القسطلاني (^١): سقط لفظ سورة والبسملة لغير أبي ذر، انتهى.\nقال العيني (^٢): وفي بعض النسخ: سورة المطففين، وقال أبو العباس: في رواية همام وسعيد عن قتادة ومحمد بن ثور عن معمر أنها مكية، وقال السدي: إنها مدنية، وعن الكلبي أنها نزلت على رسول الله - ﷺ - في طريقه من مكة إلى المدينة، وقال مقاتل: مدنية غير آية نزلت بمكة: ﴿قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [المطففين: ١٣] وعند ابن النقيب عنه: هي أول سورة نزلت بالمدينة، وذكر السخاوي أنها نزلت بعد سورة العنكبوت، وفي \"سنن النسائي\" و\"ابن ماجه\" بإسناد صحيح عن ابن عباس قال: لما قدم النبي - ﷺ - المدينة كانوا من أخبث الناس كيلًا، فأنزل الله - ﷿ -: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: ١] فأحسنوا الكيل بعد ذلك، وقال الثعلبي: مدنية، انتهى. وقال أيضًا: قوله: \"ويل\" قال مقاتل: ويل واد في جهنم قعره سبعون سنة، فيه سبعون ألف شعب، إلى آخر ما ذكر من أحواله الهائلة، فارجع إليه لو شئت التفصيل.\n\n(٨٤) <span data-type='title' id=toc-2936>﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾</span>\nوفي نسخ الشروح الثلاثة بزيادة لفظ سورة والبسملة ساقطة عن الكل.\nقال الحافظ (^٣): ويقال لها أيضًا: سورة الانشقاق وسورة الشفق.\nوفي \"العيني\": وتسمى أيضًا: سورة الانشقاق، وسورة انشقت، وهي مكية، انتهى.\nقوله: (حدثنا عمرو بن علي. . .) إلخ، هكذا في النسخ الهندية، وفي نسخ الشروح على هذا الحديث ترجمة وهي \"باب ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٢٢٦).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٤٦٧).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٦٩٧).","vol":"5","page":372},{"text":"يَسِيرًا﴾ \" [لانشقاق: ٨] قال الحافظ (^١): سقطت هذه الترجمة لغير أبي ذر، انتهى.\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-2937> باب قوله: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ [الانشقاق:</span> ١٩])\nقال القسطلاني (^٢): سقط لفظ \"باب\" وما بعده لغير أبي ذر.\nقوله: (قال ابن عباس: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾: حالًا بعد حال، قال: هذا نبيكم صلى الله تعالى عليه وسلم) أي: الخطاب له، وهو على قراءة فتح الموحدة وبها قرأ ابن كثير والأعمش والأخوان، وقد أخرج الطبري الحديث المذكور بلفظ: أن ابن عباس كان يقرأ: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ يعني: نبيكم حالًا بعد حال، وأخرجه أبو عبيد في \"كتاب القراءات\" عن هشيم وزاد: يعني بفتح الباء، قال الطبري: قرأها ابن مسعود وابن عباس وعامة قراء أهل مكة والكوفة بالفتح، والباقون بالضم على أنه خطاب للأمة، ورجحها أبو عبيد لسياق ما قبلها وما بعدها، ثم أخرج عن الحسن وعكرمة وسعيد بن جبير وغيرهم قالوا: ﴿طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ يعني: حالًا بعد حال، ومن طريق الحسن أيضًا وأبي العالية ومسروق قال: السماوات، وفي لفظ للطبري عن ابن مسعود قال: المراد أن السماء تصير مرة كالدهان، ومرة تشقق ثم تحمر ثم تنفطر، ورجح الطبري الأول، وأصل الطبق الشدة، والمراد بها هنا ما يقع من الشدائد يوم القيامة، والطبق ما طابق غيره، يقال: ما هذا بطبق كذا، أي: لا يطابقه، ومعنى قوله: \"حالًا بعد حال\" أي: حال مطابقة للتي قبلها في الشدة، أو هو جمع طبقة وهي المرتبة، أي: هي طبقات بعضها أشد من بعض.\nوقيل: المراد اختلاف أحوال المولود منذ يكون جنينًا إلى أن يصير إلى أقصى العمر، فهو قبل أن يولد جنين، ثم إذا ولد صبي، فإذا فطم\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٦٩٧).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٢٢٩).","vol":"5","page":373},{"text":"غلام، فإذا بلغ سبعًا يافع، فإذا بلغ عشرًا حزور، فإذا بلغ خمس عشرة قمدّ، فإذا بلغ خمسًا وعشرين عنطنط، فإذا بلغ ثلاثين صملّ، فإذا بلغ أربعين كهل، فإذا بلغ خمسين شيخ، فإذا بلغ ثمانين همّ، فإذا بلغ تسعين فان، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوقال القسطلاني (^٢): قوله: \"هذا نبيكم صلى الله تعالى عليه وسلم\" يعني يكون لك الظفر والغلبة على المشركين حتى يختم لك بجميل العاقبة، فلا يحزنك تكذيبهم وتماديهم في كفرهم، وقيل: سماء بعد سماء كما وقع في الإسراء والمعنى على الجمع: لتركبن أيها الناس حالًا بعد حال وأمرًا بعد أمر، وذلك في موقف القيامة، أو الشدائد والأهوال: الموت ثم البعث ثم العرض، أو حال الإنسان حالًا بعد حال: رضيع ثم فطيم ثم غلام ثم شاب ثم كهل ثم شيخ، انتهى.\n\n(٨٥) <span data-type='title' id=toc-2938>﴿الْبُرُوجِ﴾</span>\nهكذا في النسخ الهندية، وفي نسخ الشروح الثلاثة بزيادة لفظ \"سورة\".\nقال الحافظ (^٣): تقدم في أواخر الفرقان تفسير البروج، انتهى.\nقال العيني (^٤): وهي مكية، والبروج الاثنا عشر وهي قصور السماء على التشبيه، وقيل: البروج النجوم التي هي منازل القمر، وقيل: عظام الكواكب، وقيل: أبواب السماء، انتهى.\nقوله: (وقال مجاهد: ﴿الْأُخْدُودِ﴾ [البروج: ٤]: شق في الأرض) قال الحافظ (^٥): وصله الفريابي بلفظ: شق بنجران كانوا يعذبون الناس فيه، وأخرج مسلم والترمذي وغيرهما من حديث صهيب قصة أصحاب الأخدود\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٦٩٨).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٢٣٠).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٦٩٨).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٤٧٣).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٨/ ٦٩٨).","vol":"5","page":374},{"text":"مطولة، وفيه قصة الغلام الذي كان يتعلم من الساحر فمر بالراهب فتابعه على دينه، فأراد الملك قتل الغلام لمخالفته دينه، فقال: إنك لن تقدر على قتلي حتى تقول إذا رميتني: بسم الله رب الغلام، ففعل، فقال الناس: آمنا برب الغلام، فخد لهم الملك الأخاديد في السلك وأضرم فيها النيران ليرجعوا إلى دينه، وفيه قصة الصبي الذي قال لأمه: اصبري فإنك على الحق، صرَّح برفع القصة بطولها حماد بن سلمة عن ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب، ومن طريقه أخرجه مسلم والنسائي وأحمد، ووقفها معمر عن ثابت ومن طريقه أخرجها الترمذي وعنده في آخره: يقول الله تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾ إلى ﴿الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج: ٤ - ٨]، انتهى.\nقلت: وذكر القسطلاني (^١) قصة أصحاب الأخدود مطولة بتمامها من رواية مسلم فارجع إليه، انتهى.\n\n(٨٦) <span data-type='title' id=toc-2939>﴿الطَّارِقُ﴾</span>\nكذا في النسخة \"الهندية\"، وفي نسخ الشروح الثلاثة بزيادة لفظ \"سورة\".\nقال العيني (^٢): وهي مكية نزلت في أبي طالب وذلك لأنه أتى النبي - ﷺ - فأتحفه بلبن وخبز فبينما هو جالس يأكل إذ انحطّ نجم فامتلأ ماء ثم نارًا ففزع أبو طالب، وقال: أي شيء هذا؟ فقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: \"هذا نجم رمي به وهو آية من آيات الله تعالى\" فعجب أبو طالب فأنزل الله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ [الطارق: ١]، انتهى.\nقال الحافظ (^٣): لم يورد المصنف في الطارق حديثًا مرفوعًا وقد وقع حديث جابر في قصة معاذ: فقال النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: \"أفتان يا معاذ؟! يكفيك أن تقرأ بالسماء والطارق، والشمس وضحاها\"\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٢٣٠، ٢٣١).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٤٧٤).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٦٩٩).","vol":"5","page":375},{"text":"الحديث، أخرجه النسائي هكذا ووصله في الصحيحين، انتهى.\n\n(٨٧) <span data-type='title' id=toc-2940>﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾</span>\nكذا في النسخة \"الهندية\" بغير لفظ \"سورة\" وفي نسخ الشروح الثلاثة بزيادته.\nقال العلامة العيني (^١): ويقال لها سورة الأعلى، وهي مكية، وعن ابن عباس: أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قرأ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، فقال: \"سبحان ربي الأعلى\"، وكذلك يروى عن علي وأبي موسى وابن عمر وابن عباس وابن الزبير رضي الله تعالى عنهم أنهم كانوا يفعلون ذلك، وأخرج سعيد بن منصور بإسناد صحيح عن سعيد بن جبير: سمعت ابن عمر يقرأ: (سبحان ربي الأعلى الذي خلق فسوى)، وهي قراءة أُبي بن كعب - ﵁ -، انتهى.\n\n(٨٨) <span data-type='title' id=toc-2941>﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾</span>\nكذا في النسخة \"الهندية\"، وكذا في نسخة \"القسطلاني\" بغير لفظ \"سورة\" والبسملة، وفي نسخة الحافظين ابن حجر والعيني بزيادتهما.\nقال الحافظ (^٢): ويقال لها أيضًا: سورة الغاشية، وأخرج ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: الغاشية من أسماء يوم القيامة، انتهى.\nقال العلامة العيني (^٣): وهي مكية بالإجماع، والغاشية اسم من أسماء يوم القيامة، يعني: تغشى كل شيء بالأهوال، قاله أكثر المفسرين، وعن محمد بن كعب: الغاشية النار، دليله قوله تعالى: ﴿وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ [إبراهيم: ٥٠].\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٤٧٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٧٠٠).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٤٧٦).","vol":"5","page":376},{"text":"قال الحافظ (^١): (تنبيه): لم يذكر فيها حديثًا مرفوعًا، ويدخل فيها حديث جابر رفعه: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله\" الحديث، وفي آخره: \"وحسابهم على الله، ثم قرأ: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ إلى آخر السورة [الغاشية: ٢١ - ٢٦]، أخرجه الترمذي والنسائي والحاكم وإسناده صحيح، انتهى.\n\n(٨٩) <span data-type='title' id=toc-2942>﴿وَالْفَجْرِ﴾</span>\nكذا في النسخة \"الهندية\" وفي نسخ الشروح الثلاثة بزيادة لفظ \"سورة\"، والبسملة ساقطة عن الكل.\nقوله: (﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ [الفجر: ٧] يعني: عادًا الأولى) ولأبي ذر \"يعني: القديمة\" وفي اليونينية: \"إرْم ذات\" بكسر الهمز وسكون الراء وفتح الميم، ورويت عن الضحاك لكن بفتح الهمزة وأصله أرم على وزن فَعِل كفخذ مخفف، \"والعماد\" رفع مبتدأ خبره \"أهل عمود لا يقيمون في بلد\" وكانوا سيارة ينتجعون الغيث وينتقلون إلى الكلأ حيث كان، وعن ابن عباس: إنما قيل لهم ذات العماد لطولهم، واختار الأول ابن جرير وردّ الثاني، قال ابن كثير: فأصاب، وحينئذ فالضمير يعود على القبيلة، قال: وأما ما ذكره جماعة من المفسرين عند هذه الآية من ذكر مدينة يقال لها: إرم ذات العماد، مبنية بلبن الذهب والفضة، وأن حصباءها اللآلي وجواهر، وترابها بنادق المسك إلى غير ذلك من الأوصاف، وأنها تنتقل فتارةً تكون بالشام وتارة باليمن، وأخرى بغيرهما من الأرض، فمن خرافات الإسرائيليين وليس لذلك حقيقة، وأما ما أخرجه ابن أبي حاتم من طريق وهب بن منبه عن عبد الله بن أبي قلابة في هذه القصة أيضًا وذكر عجائبها فقال في \"الفتح\": فيها ألفاظ منكرة، وراويها عبد الله بن أبي قلابة لا يعرف، وفي إسناده ابن لهيعة، ومثله ما يخبر به\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٧٠١).","vol":"5","page":377},{"text":"كثير من الكذبة المتحيلين من وجود مطالب تحت الأرض بها قناطير الذهب والفضة والجواهر واليواقيت واللآلي والإكسير، لكن عليها موانع تمنع من الوصول إليها فيحتالون على أموال ضعفة العقول والسفهاء فيأكلونها بحجة صرفها في بخورات ونحوها من الهذيانات، وتراهم ينفقون على حفرها الأموال الجزيلة ويبلغون في العمق غاية ولا يظهر لهم إلا التراب والحجر فيفتقر الرجل منهم، وهو مع ذلك لا يزداد إلا طلبًا حتى يموت (^١)، انتهى.\nوكتب الشيخ (^٢): قوله: \"يعني: القديمة\" تفسير لما لم يذكر ههنا وهو قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ﴾ [الفجر: ٦] والعاد عادان: أول وثانٍ فبيَّن المؤلف أن المراد في الآية القديمة منهما.\nوفي هامشه عن الكرماني قال تعالى: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ أي: القديمة لما كانت عاد قبيلتين: عاد الأولى وعاد الأخيرة، جعل إرم عطف بيان لعاد إيذانًا بأنهم عاد الأولى القديمة، وهي اسم أرضهم التي كانوا فيها، انتهى.\nوبسط الحافظ في تحقيق لفظ إرم وفي معنى ذات العماد، وذكر فيهما أقوالًا عديدة، انتهى.\nقال الحافظ (^٣): قيل: إرم هو ابن سام بن نوح، وعاد ابن عوص بن إرم، وقيل: إرم اسم المدينة، وقيل أيضًا: إن المراد بالعماد شدة أبدانهم وإفراط طولهم، وقد أخرج ابن مردويه من طريق المقدام بن معديكرب قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم في قوله: ﴿ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ وقال: \"كان الرجل يأتي الصخرة فيحملها على كاهله فيلقيها على أي حي أراد فيهلكهم\" إلى آخر ما بسط من الأقاويل في تحقيق إرم وذات العماد.\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (٨/ ٢٣٥، ٢٣٦).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٩/ ١٩١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٧٠١ - ٧٠٣).","vol":"5","page":378},{"text":"وقال الحافظ أيضًا: لم يذكر المصنف في الفجر حديثًا مرفوعًا ويدخل فيه حديث ابن مسعود رفعه في قوله تعالى: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ [الفجر: ٢٣] قال: \"يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها\"، أخرجه مسلم والترمذي.\n\n(٩٠) <span data-type='title' id=toc-2943>﴿لَا أُقْسِمُ﴾</span>\nكذا في النسخة \"الهندية\" وفي نسخ الشروح الثلاثة بزيادة \"سورة\"، وليست البسملة في شيء من النسخ الموجودة.\nقال العيني (^١): وهي مكية.\nقال الحافظ (^٢): ويقال لها أيضًا: سورة البلد، واتفقوا على أن المراد بالبلد مكة شرفها الله تعالى.\nقوله: (وقال مجاهد: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد: ٢]: مكة، ليس عليك ما على الناس فيه من الإثم) قال الحافظ (^٣): وصله الفريابي من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بلفظ: يقول: لا تؤاخذ بما عملت فيه، وليس عليك فيه ما على الناس، وقد أخرجه الحاكم من طريق منصور عن مجاهد فزاد فيه عن ابن عباس بلفظ: أحل الله له أن يصنع فيه ما شاء. ولابن مردويه من طريق عكرمة عن ابن عباس: يحل لك أن تقاتل فيه، وعلى هذا فالصيغة للوقت الحاضر، والمراد الآتي لتحقق وقوعه؛ لأن السورة مكية والفتح بعد الهجرة بثمان سنين، انتهى.\nقال العيني (^٤): ومعنى ﴿حِلٌّ﴾: أنت يا محمد حلال بهذا البلد في المستقبل تصنع فيه ما تريد من القتل والأسر، وذلك أن الله - ﷿ - أحلَّ لنبيِّه يوم الفتح حتى قتل من قتل وأخذ ما شاء وحرم ما شاء، فقتل ابن خطل\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٤٨١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٧٠٣).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٧٠٤).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٤٨١).","vol":"5","page":379},{"text":"وأصحابه، وحرم دار أبي سفيان، وقال الواسطي: المراد المدينة، حكاه في \"الشفاء\"، والأول أصح؛ لأن السورة مكية، انتهى.\nقال الحافظ (^١): لم يذكر المصنف في سورة البلد حديثًا مرفوعًا ويدخل فيها حديث البراء قال: \"جاء أعرابي فقال: يا رسول الله علمني عملًا يدخلني الجنة، قال: لئن كنت أقصرت الخطبة لقد أعرضت المسألة، أعتق النسمة أو فكَّ الرقبة، قال: أوليستا بواحدة؟ قال: لا، إن عتق النسمة أن تنفرد بعتقها، وفك الرقبة أن تعين في عتقها\" أخرجه أحمد وابن مردويه من طريق عبد الرحمن بن عوسجة عنه، وصححه ابن حبان، انتهى.\n\n(٩١) <span data-type='title' id=toc-2944>﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\nوفي نسخ الشروح الثلاثة بزيادة لفظ \"سورة\".\nقال العلامة العيني (^٢): وهي مكية.\n\n(٩٢) <span data-type='title' id=toc-2945>﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\nوفي نسخ الشروح بزيادة لفظ \"سورة\".\nقال العيني (^٣): وهي مكية في رواية قتادة والكلبي والشعبي وسفيان، وعن ابن عباس أنها نزلت في أبي بكر الصديق حين أعتق بلالًا، وفي أبي سفيان، وقال عكرمة وعبد الرحمن بن زيد: مدنية نزلت في أبي الدحداح رجل من الأنصار وأم سمرة في قصة لهما طويلة، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٧٠٤).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٤٨٢).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٤٨٥).","vol":"5","page":380},{"text":"(١ -<span data-type='title' id=toc-2946> باب: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ [الليل:</span> ٢])\nقال الحافظ (^١): ذكر فيه الحديث الآتي في الباب الذي بعده وسقطت الترجمة لأبي ذر والنسفي، انتهى.\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-2947> باب قوله: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ [الليل:</span> ٣])\nقوله: (وهؤلاء يريدونني على أن أقرأ: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾) ووقع في رواية داود بن أبي هند عن الشعبي عن علقمة في هذا الحديث: \"وإن هؤلاء يريدونني أن أزول عما أقرأني رسول الله - ﷺ - يقولون لي: اقرأ: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ وإني والله لا أطيعهم\"، أخرجه مسلم وابن مردويه، وفي هذا بيان واضح أن قراءة ابن مسعود كان كذلك، والذي وقع في غير هذه الطريق أنه قرأ: ﴿والذي خلق الذكر والأنثى﴾، كذا في كثير من كتب القراءات الشاذة، وهذه القراءة لم يذكرها أبو عبيد إلا عن الحسن البصري، وأما ابن مسعود فهذا الإسناد المذكور في \"الصحيحين\" عنه من أصح الأسانيد يروي به الأحاديث.\nقوله: (قال علقمة: والذكر والأنثى) في رواية سفيان: فقرأت: (والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى والذكر والأنثى) وهذا صريح في أن ابن مسعود كان يقرؤها كذلك، وفي رواية إسرائيل عن مغيرة في المناقب: (والليل إذا يغشى والذكر والأنثى) بحذف ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ كذا في رواية أبي ذر وأثبتها الباقون (^٢)، انتهى.\nكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٣): قوله: \"والذكر والأنثى. . .\" إلخ، وكان قد نزل كذلك أولًا ثم نزل قوله: ﴿وَمَا خَلَقَ﴾ ولعل ابن مسعود - ﵁ - لم يقف عليه أو يكون يرى القراءتين جائزة، غير أنه أحب أن يقرأ ما أقرأه النبي - ﷺ -، وكذلك فعل أبو الدرداء، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٧٠٧).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (٨/ ٧٠٧).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٩/ ١٩٢، ١٩٣).","vol":"5","page":381},{"text":"وفي هامشه بعد ذكر ما سيأتي من كلام الشرَّاح: ولعلك قد دريت من هذا كله أن مآل كلام الشيخ وكلام الشرَّاح واحد، فالذي عبره الشيخ بتعدد النزول عبره الشرَّاح بالنسخ، والمؤدى واحد.\nقال الحافظ (^١): ثم هذه القراءة لم تنقل إلا عمن ذكر هنا، ومن عداهم قرءوا: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ وعليها استقر الأمر مع قوة إسناد ذلك إلى أبي الدرداء ومن ذكر معه، ولعل هذا ممن نسخت تلاوته ولم يبلغ النسخ أبا الدرداء ومن ذكر معه، والعجب من نقل الحفاظ من الكوفيين هذه القراءة عن علقمة، وعن ابن مسعود وإليهما تنتهي القراءة بالكوفة، ثم لم يقرأ بها أحد منهم، وكذا أهل الشام حملوا القراءة عن أبي الدرداء ولم يقرأ أحد بهذا، فهذا مما يقوي أن التلاوة بها نسخت، انتهى.\nقال العيني (^٢): وإنما قال: \"لا أتابعهم\" مع كون قراءتهم متواترة؛ لكون طريقه طريقًا يقينيًا وهو سماعه من النبي - ﷺ -، فإن قلت: فعلى هذا كان ينبغي أن لا يخالفوه، قلت: لهم طريق يقيني أيضًا وهو ثبوت قراءتهم بالتواتر، وقال المازري: يجب أن يعتقد في هذا وما في معناه أنه كان قرآنًا ثم نسخ، ولم يعلم من خالف النسخ فبقي على النسخ، قال: أو لعله وقع من بعضهم قبل أن يبلغ مصحف عثمان - ﵁ - المجمع عليه المحذوف منه كل منسوخ، وأما بعد ظهور مصحف عثمان فلا يظن واحد منهم أنه خالف فيه، انتهى.\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-2948> باب قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ [الليل:</span> ٥])\nذكر فيه حديث علي - ﵁ -: \"كنا مع النبي - ﷺ - في بقيع الغرقد\" الحديث، ذكره في خمسة تراجم أخرى الآتية من هذه السورة كلها من طريق الأعمش، إلا الخامس فمن طريق منصور، كلاهما عن سعد بن عبيدة عن\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٧٠٧).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٤٨٧).","vol":"5","page":382},{"text":"أبي عبد الرحمن السلمي عن علي، وصرح في الترجمة الأخيرة بسماع الأعمش له من سعد، وسيأتي شرحه مستوفى في كتاب القدر إن شاء الله تعالى، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nقال العيني (^٢): والحديث مضى في الجنائز في \"باب موعظة المحدث عند القبر\" ومرَّ الكلام فيه هناك، انتهى.\n\n(٤ -<span data-type='title' id=toc-2949> باب قوله: ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ [الليل:</span> ٦])\nقال الحافظ (^٣): سقطت هذه الترجمة لغير أبي ذر والنسفي، وسقط لفظ \"باب\" من التراجم كلها لغير أبي ذر، انتهى.\n\n(٥ -<span data-type='title' id=toc-2950> باب قوله: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل:</span> ٧])\nقال القسطلاني (^٤): أي: للجنة، وقال العيني: أي: فسنهيئه لليسرى، أي: للخلة اليسرى وهو العمل بما يرضاه الله تعالى، انتهى.\n\n(٦ -<span data-type='title' id=toc-2951> باب قوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى﴾ [الليل:</span> ٨])\nأي: أما من بخل بالنفقة في الخير واستغنى عن ربه فلم يرغب في ثوابه، ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٩، ١٠] أي: للعمل بما لا يرضى الله تعالى حتى يستوجب النار، انتهى (^٥).\n\n(٧ -<span data-type='title' id=toc-2952> باب قوله: ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾ [الليل:</span> ٩])\nتقدم بعض ما يتعلق بهذه التراجم الستة في الأولى منها، أعني: في \"باب قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ \".\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٧٠٨).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٤٨٨).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٧٠٨).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٢٤٣)، و\"عمدة القاري\" (١٣/ ٤٨٨).\n(^٥) انظر: \"عمدة القاري\" (١٣/ ٤٨٩).","vol":"5","page":383},{"text":"(٨ -<span data-type='title' id=toc-2953> باب قوله: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل:</span> ١٠])\nقال العيني (^١) تحت حديث الباب: هذا طريق سادس للحديث المذكور أخرجه من ستة طرق، ووضع على كل طريق ترجمة مقطعة، وفي هذا الطريق التصريح بسماع الأعمش عن سعد بن عبيدة، وانظر التفاوت اليسير في متونها من بعض زيادة ونقصان، انتهى.\nوسيأتي في تفسير ﴿تَبَّتْ﴾ من كلام الحافظ (^٢): إن من دأب الإمام البخاري إذا كان للحديث طرق أن لا يجمعها في باب واحد بل يجعل لكل طريق ترجمة تليق به، انتهى.\nوقال القسطلاني (^٣): قوله: \"ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ \" وقد ذكر ابن جرير أن هذه الآية نزلت في الصديق، ثم روى بسنده إلى عبد الله بن الزبير قال: \"كان أبو بكر يعتق على الإسلام بمكة وكان يعتق عجائز ونساء إذا أسلمن، فقال له أبوه: أي بني أراك تعتق أناسًا ضعافًا، فلو أنك تعتق رجالًا جلداء يقومون معك ويمنعونك ويدفعون عنك، فقال: أي أبت إنما أريد ما عند الله، قال: فحدثني بعض أهل بيتي أن هذه الآية أنزلت فيه: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى﴾ إلى آخرها\"، وذكر غير واحد من المفسرين أن قوله تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى﴾ [الليل: ١٧] إلى آخرها نزلت فيه أيضًا حتى أن بعضهم حكى إجماع المفسرين عليه، ولا شك أنه داخل فيها وأولى الأمة بعمومها، ولكنه مقدم الأمة وسابقهم في جميع الأوصاف الحميدة، انتهى. وتقدم شيء من الكلام في سبب نزولها في أول هذه السورة.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٤٩٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٧٣٨).\n(^٣) \"إشاد الساري\" (١١/ ٢٤٧).","vol":"5","page":384},{"text":"(٩٣)<span data-type='title' id=toc-2954> سورة ﴿وَالضُّحَى﴾</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\nقال العلامة العيني (^١): وهي مكية، ثم قال: ﴿وَالضُّحَى﴾ [الضحى: ١] يعني: النهار كله، قاله الثعلبي، وعن قتادة ومقاتل: يعني: وقت الضحى وهي الساعة التي فيها ارتفاع الشمس واعتدال النهار من الحر والبرد في الشتاء والصيف، وهو قسم تقديره: ورب الضحى، انتهى.\nقوله: (﴿عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى: ٨]: ذا عيال) قال الحافظ (^٢): هو قول أبي عبيدة، وقال الفراء: معناه فقيرًا، وقد وجدتها في مصحف عبد الله قديمًا، والمراد أنه أغناه بما أرضاه لا بكثرة المال، انتهى.\nقال القسطلاني (^٣): يقال: أعال الرجل، أي: كثر عياله، وعال، أي: افتقر، انتهى.\nوقال العلامة العيني (^٤): فسر العائلة بقوله: ذو عيال، وقال الثعلبي: فأغناك بمال خديجة رضي الله تعالى عنها ثم بالغنائم، وقال مقاتل: أرضاك بما أعطاك من الرزق، وعن ابن عطاء: وجدك فقير النفس فأغنى قلبك، انتهى.\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-2955> باب ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى:</span> ٣])\nسقطت هذه الترجمة لغير أبي ذر، وذكر في سبب نزولها حديث جندب وأن ذلك سبب شكواه - ﷺ -، وقد تقدمت في صلاة الليل أن الشكوى المذكورة لم ترد بعينها وأن من فسرها بإصبعه التي دميت لم يصب، ووجدت الآن في الطبراني بإسناد فيه من لا يعرف أن سبب نزولها وجود جرو كلب تحت سريره - ﷺ - ولم يشعر به فأبطأ عنه جبريل لذلك، وقصة\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٤٩١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٧٠٩).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٢٤٨).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٤٩١).","vol":"5","page":385},{"text":"إبطاء جبريل بسبب كون الكلب تحت سريره مشهورة، لكن كونها سبب نزول هذه الآية غريب بل شاذ مردود بما في الصحيح، والله أعلم.\nوورد لذلك سبب ثالث وهو ما أخرجه الطبري من طريق العوفي عن ابن عباس قال: \"لما نزل على رسول الله - ﷺ - القرآن أبطأ عنه جبريل أيامًا فتغير بذلك فقالوا: ودعه ربه فقلاه، فأنزل الله تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ \"، ومن طريق إسماعيل مولى آل الزبير قال: فتر الوحي حتى شق ذلك على النبي - ﷺ - وأحزنه، فقال: \"لقد خشيت أن يكون صاحبي قلاني\"، فجاء جبريل بسورة ﴿وَالضُّحَى﴾، وذكر سليمان التيمي في السيرة التي جمعها ورواها محمد بن عبد الأعلى عن معتمر بن سليمان عن أبيه قال: وفتر الوحي فقالوا: لو كان من عند الله لتتابع ولكن الله قلاه، فأنزل الله: ﴿وَالضُّحَى﴾ و﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ بكمالهما، وكل هذه الروايات لا تثبت، والحق أن الفترة المذكورة في سبب نزول ﴿وَالضُّحَى﴾ غير الفترة المذكورة في ابتداء الوحي، فإن تلك دامت أيامًا وهذه لم تكن إلا ليلتين أو ثلاثًا، فاختلطتا على بعض الرواة، وتحرير الأمر في ذلك ما بيَّنته وقد أوضحت ذلك في التعبير، ولله الحمد.\nووقع في سيرة ابن إسحاق في سبب نزول ﴿وَالضُّحَى﴾ شيء آخر فإنه ذكر أن المشركين لما سألوا النبي - ﷺ - عن ذي القرنين والروح وغير ذلك ووعدهم بالجواب ولم يستثن، فأبطأ عليه جبريل اثنتي عشرة ليلة أو أكثر، فضاق صدره وتكلم المشركون فنزل جبريل بسورة ﴿وَالضُّحَى﴾ وبجواب ما سألوا وبقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤]، انتهى.\nوذكر سورة الضحى ههنا بعيد لكن يجوز أن يكون الزمان في القصتين متقاربًا فضم بعض الرواة إحدى القصتين إلى الأخرى، وكل منهما لم يكن في ابتداء البعث وإنما كان بعد ذلك بمدة، والله أعلم (^١).\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (٨/ ٧١٠).","vol":"5","page":386},{"text":"قوله: (فجات امرأة فقالت: يا محمد إني لأرجو أن يكون شيطانك تركك) هي أم جميل بنت حرب امرأة أبي لهب، وقد تقدم بيان ذلك في كتاب قيام الليل، وقد بيَّنت هناك أنه وقع في رواية أخرى عند الحاكم: فقالت خديجة، وأخرجه الطبري أيضًا من طريق عبد الله بن شداد: فقالت خديجة: ولا أرى ربك، ومن طريق هشام بن عروة عن أبيه: فقالت خديجة لما ترى من جزعه، وهذان طريقان مرسلان ورواتهما ثقات، فالذي يظهر أن كلًّا من أم جميل وخديجة قالت ذلك لكن أم جميل عبَّرت لكونها كافرة بلفظ: شيطانك، وخديجة عبَّرت لكونها مؤمنة بلفظ: ربك أو صاحبك، وقالت أم جميل شماتة، وخديجة توجعًا، انتهى كله من \"الفتح\" (^١).\nوقال العلامة العيني (^٢): ههنا فصلان: الأول في مدة احتباس جبريل - ﵇ - فعن ابن جريج: اثنا عشر يومًا، وعن ابن عباس: خمسة عشر يومًا، وعنه خمسة وعشرين يومًا، وعن مقاتل: أربعون يومًا، وقيل: ثلاثة أيام، الثاني سبب الاحتباس ففيه أقوال، إلى آخر ما ذكر، فقد تقدم تحقيقه في كلام الحافظ قُدِّس سرُّه.\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-2956> باب قوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى:</span> ٣])\nقال الحافظان (^٣): كذا ثبتت هذه الترجمة في رواية المستملي، وهو تكرار بالنسبة إليه لا بالنسبة للباقين؛ لأنهم لم يذكروها في الأولى، انتهى.\nقوله: (تقرأ بالتشديد والتخفيف بمعنى واحد. . .) إلخ، أما القراءة بالتشديد فهي قراءة الجمهور، وقرأ بالتخفيف عروة وابنه هشام وابن أبي علية، وقال أبو عبيدة: ﴿مَا وَدَّعَكَ﴾ يعني: بالتشديد من التوديع، وما ودعك يعني بالتخفيف من ودعت، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٧١٠، ٧١١).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٤٩٣).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٧١١)، و\"عمدة القاري\" (١٣/ ٤٩٣).","vol":"5","page":387},{"text":"ويمكن تخريج كونهما بمعنى واحد على أن التوديع مبالغة في الودع لأن من ودعك مفارقًا فقد بالغ في تركك.\nقوله: (قالت امرأة: يا رسول الله ما أرى صاحبك إلا أبطأك) هذا السياق يصلح أن يكون خطاب خديجة دون الخطاب الأول، فإنه يصلح أن يكون خطاب حمالة الحطب لتعبيرها بالشيطان والترك ومخاطبتها بمحمد، بخلاف هذه فقالت: صاحبك، وقالت: أبطأ، وقالت: يا رسول الله، وجوَّز الكرماني أن يكون من تصرف الرواة، وهو موجه لأن مخرج الطريقين واحد، وقوله: \"أبطأك\" أي: صيرك بطيئًا في القراءة لأن بطأه في الإقراء يستلزم بطأ الآخر في القراءة، ووقع في رواية: \"إلا أبطأ عنك\"، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(٩٤)<span data-type='title' id=toc-2957> سورة ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\nوفي نسخ الشروح الثلاثة: \"سورة ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ﴾ \".\nقال الحافظ (^٢): كذا لأبي ذر، وللباقين: \" ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ﴾ \" حسب، انتهى.\nقال العيني (^٣): وهي مكية، انتهى.\nقوله: (قال ابن عيينة: أي إن مع ذلك العسر يسرًا آخر، كقوله: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إلا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [لتوبة: ٥٢]) قال الحافظ (^٤): وهذا مصير من ابن عيينة إلى اتباع النحاة في قولهم: إن النكرة إذا أعيدت نكرة كانت غير الأولى، وموقع التشبيه أنه كما ثبت للمؤمنين تعدد الحسنى كذا ثبت لهم تعدد اليسر، أو أنه ذهب إلى أن المراد بأحد اليسرين الظفر وبالآخر الثواب فلا بد للمؤمن من أحدهما، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٧١١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٧١١).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٤٩٣).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٨/ ٧١٢).","vol":"5","page":388},{"text":"وكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١) تحت قوله: \" ﴿هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا. . .﴾ \" إلخ،: وهذا بيان لما كان الكفار يظنون بالمسلمين، وأما المسلمون فلا يخلون من الحسنيين كلتيهما: الأجر والمغنم، وهذا عين المدعى من وصول يسرين بعسر واحد، انتهى.\nوفي هامشه: وهذا ظاهر لأن الكفار لا يظنون الأجر والشهادة حسنى بل يعدون الغنيمة الحسنى فقط، وأما عند المؤمنين فالأجر والشهادة أعلى مراتب الحسنى.\nقال الكرماني: فإن قلت: ما وجه تعليله بالآية؟ قلت: إشعارها بأن للمؤمنين حسنتين في مقابلة مشقتهم وهو حسن الظفر وحسن الثواب، انتهى.\nوقد تقدم في كتاب الجهاد \"باب قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ \" وأورد فيه البخاري طرفًا من حديث هرقل، واختلفوا في مناسبة الحديث بالباب، قال ابن المنيِّر هناك: التحقيق أنه ما ساق حديث هرقل إلا لقوله: \"وكذلك الرسل تبتلى ثم تكون لهم العاقبة\" قال: فبذلك يتحقق أن لهم إحدى الحسنيين: إن انتصروا فلهم العاجلة والعاقبة، وإن انتصر عدوهم فللرسل العاقبة، انتهى.\nقوله: (ولن يغلب عسر يسرين) قال الحافظ (^٢): روي هذا مرفوعًا موصولًا ومرسلًا، وروي أيضًا موقوفًا، أما المرفوع فأخرجه ابن مردويه من حديث جابر بإسناد ضعيف ولفظه: \"أوحي إليّ أن مع العسر يسرًا، أن مع العسر يسرًا، ولن يغلب عسر يسرين\" وأخرج سعيد بن منصور وعبد الرزاق من حديث ابن مسعود قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لو كان العسر في جحر لدخل عليه اليسر حتى يخرجه، ولن يغلب عسر يسرين\" ثم قال: \"إن مع العسر يسرًا، إن مع العسر يسرًا\" وإسناده ضعيف، وأخرجه\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٩/ ١٩٣ - ١٩٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٧١٢).","vol":"5","page":389},{"text":"عبد الرزاق والطبري من طريق الحسن عن النبي - ﷺ -، وأخرجه عبد بن حميد عن ابن مسعود بإسناد جيد من طرق قتادة قال: ذكر لنا أن رسول الله - ﷺ - بشر أصحابه بهذه الآية فقال: \"لن يغلب عسر يسرين إن شاء الله\".\nوأما الموقوف فأخرجه مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر أنه كتب إلى أبي عبيدة يقول: مهما ينزل بامرئ من شدة يجعل الله له بعدها فرجًا، وإنه لن يغلب عسر يسرين، وقال الحاكم: صح ذلك عن عمر وعلي وهو في \"الموطأ\" عن عمر لكن من طريق منقطع، وأخرجه عبد بن حميد عن ابن مسعود بإسناد جيد، وأخرجه الفراء بإسناد ضعيف عن ابن عباس، انتهى من \"الفتح\".\nثم قال الحافظ في آخر هذه السورة (^١): لم يذكر المصنف في سورة ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ حديثًا مرفوعًا، ويدخل فيها حديث أخرجه الطبري وصححه ابن حبان من حديث أبي سعيد رفعه: \"أتاني جبريل فقال: يقول لك ربك: أتدري كيف رفعت ذكرك؟ قال: الله أعلم، قال: إذا ذُكرتُ ذُكرتَ معي\" وهذا أخرجه الشافعي وسعيد بن منصور وعبد الرزاق من طريق مجاهد قوله، وذكر الترمذي والحاكم في تفسيرهما قصة شرح صدره - ﷺ - ليلة الإسراء، وقد مضى الكلام عليه في أوائل السيرة النبوية، انتهى.\n\n(٩٥) <span data-type='title' id=toc-2958>﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\nوفي نسخ الشروح الثلاثة بزيادة لفظ \"سورة\"، والبسملة ساقطة عن نسخ الشروح.\nقال القسطلاني تبعًا للعيني (^٢): وهي مكية، وقيل: مدنية.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٧١٢).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٢٥١)، و\"عمدة القاري\" (١٣/ ٤٩٥).","vol":"5","page":390},{"text":"قوله: (وقال مجاهد: هو التين والزيتون الذي يأكل الناس) قال الحافظ (^١): وصله الفريابي من طريق مجاهد في قوله: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ [التين: ١]، قال: الفاكهة التي تأكل الناس، ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ الطور الجبل وسينين المبارك، وأخرجه الحاكم من وجه آخر عن ابن أبي نجيح عن ابن عباس، وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس مثله، ومن طريق العوفي عن ابن عباس قال: التين مسجد نوح الذي بني على الجودي، ومن طريق الربيع بن أنس قال: التين جبل عليه التين، والزيتون جبل عليه الزيتون، ومن طريق قتادة: الجبل الذي عليه دمشق، ومن طريق محمد بن كعب قال: مسجد أصحاب الكهف والزيتون مسجد إيلياء، ومن طريق قتادة: جبل عليه بيت المقدس، انتهى.\nقال القسطلاني (^٢): وخصهما بالقسم لأن التين فاكهة طيبة لا فضل فيها، وغذاء لطيف سريع الهضم ودواء كثير النفع؛ لأنه يلين الطبع، ويحلل البلغم ويطهر الكليتين، ويزيل رمل المثانة، ويفتح سدة الكبد والطحال، ويسمن البدن، ويقطع البواسير، وينفع من النقرس، ويشبه فواكه الجنة لأنه بلا عجم، ولا يمكث في المعدة، ويخرج بطريق الرشح، وأما الزيتون ففاكهة وإدام ودواء، وله دهن لطيف كثير المنافع، وينبت في الجبال التي ليست فيها دهنية، فلما كان فيهما هذه المنافع الدالة على قدرة خالقهما لا جرم أقسم الله بهما، ثم ذكر الأقوال الأخر في مصداقهما كما تقدم عن الحافظ.\nكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٣): قوله: \"والزيتون الذي يأكل الناس\" رد بذلك ما زعم بعضهم أن المراد بهما جبلان، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٧١٣).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٢٥١).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٩/ ١٩٥).","vol":"5","page":391},{"text":"(٩٦)<span data-type='title' id=toc-2959> سورة ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\nكذا في النسخة الهندية، وفي نسخ الشروح الثلاثة بغير البسملة.\nقال العيني (^١): وتسمى سورة العلق وهي مكية، انتهى.\nقال الحافظ (^٢): قال صاحب \"الكشاف\": ذهب ابن عباس ومجاهد إلى أنها أول سورة نزلت، وأكثر المفسرين إلى أن أول سورة نزلت فاتحة الكتاب، كذا قال، والذي ذهب أكثر الأئمة إليه هو الأول، وأما الذي نسبه إلى الأكثر فلم يقل به إلا عدد أقل من القليل بالنسبة إلى من قال بالأول.\nقوله: (عن الحسن قال: اكتب في المصحف في أول الإمام بسم الله الرحمن الرحيم، واجعل بين السورتين خطًا) وقوله: في أول الإمام: أي أم الكتاب، وقوله: \"خطًا\" قال الداودي: إن أراد خطًا فقط بغير بسملة فليس بصواب لاتفاق الصحابة على كتابة البسملة بين كل سورتين إلا براءة، وإن أراد بالإمام إمام كل سورة فيجعل الخط مع البسملة فحسن، فكان ينبغي أن يستثني براءة.\nوقال الكرماني: معناه اجعل البسملة في أوله فقط، واجعل بين كل سورتين علامة للفاصلة، وهو مذهب حمزة من القراء السبعة، قلت: المنقول ذلك عن حمزة في القراءة لا في الكتابة، قال: وكأن البخاري أشار إلى أن هذه السورة لما كان أولها مبتدئًا بقوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ أراد أن يبين أنه لا تجب البسملة في أول كل سورة بل من قرأ البسملة في أول القرآن كفاه في امتثال هذا الأمر، نعم استنبط السهيلي من هذا الأمر ثبوت البسملة في أول الفاتحة؛ لأن هذا الأمر هو أول شيء نزل من القرآن فأولى مواضع امتثاله أول القرآن، انتهى من \"الفتح\".\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٤٩٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٧١٤).","vol":"5","page":392},{"text":"وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^١): قوله: \"واجعل بين السورتين خطًا\" فيه دلالة على أنه سلك مسلك الحنفية في كون البسملة آية واحدة من القرآن أنزلت للفصل بين السور فاستغنى عنها إذا كتبت مرة واحدة ولا يفتقر إلى كتابتها في أول كل سورة، انتهى.\nوبسط في هامشه الكلام على شرح قول البخاري هذا الذي حكاه عن الحسن، وكذا بسط الكلام فيه على المسألة الخلافية التي أشار إليه الشيخ قُدِّس سرُّه أشد البسط، فارجع إليه لو شئت، وذكر الحافظ هذه المسألة الخلافية مبسوطًا تحت قوله: ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ حيث قال: استدل به السهيلي على أن البسملة يؤمر بقراءتها أول كل سورة، لكن لا يلزم من ذلك أن تكون آية من كل سورة، إلى آخر ما بسط.\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-2960> باب)</span>\nبغير ترجمة، قال القسطلاني (^٢): هذا بدون ترجمة، وهو ثابت لأبي ذر.\nقال العيني (^٣): هذا كالفصل بالنسبة إلى الباب وليس في كثير من النسخ لفظ \"باب\" بموجود، انتهى.\nقوله: (حدثنا يحيى بن بكير حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب، ح وحدثني سعيد بن مروان. . .) إلخ، وفي نسخة \"الفتح\" و\"القسطلاني\" بدون: ح.\nقال الحافظ (^٤): الإسناد الأول قد ساق البخاري المتن به في أول الكتاب، وساق في هذا الباب المتن بالإسناد والثاني، ثم قال الحافظ: وقد تقدم شرح هذا الحديث مستوفى في أوائل هذا الكتاب وسأذكره هنا ما لم يتقدم ذكره مما اشتمل عليه من سياق هذه الطريق وغيرها من الفوائد، إلى\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٩/ ١٩٦، ١٩٧).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٢٥٣).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٤٩٧).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٨/ ٧١٦).","vol":"5","page":393},{"text":"آخر ما بسط من الكلام في شرح هذا الحديث، وأيضًا قد بسط الحافظان الكلام في شرح إسناد هذا الحديث وقالا (^١) من جملة ما أفادا: أن عبد الله - الواقع في السند - هو ابن المبارك الإمام المشهور وقد نزل البخاري في حديثه في هذا الإسناد درجتين، وفي حديث الزهري ثلاث درجات، قاله الحافظ، زاد العيني: وهذا من الغرائب إذ البخاري كثيرًا يروي عن ابن المبارك بواسطة شخص واحد مثل عبدان وغيره وهنا روى عنه بثلاث وسائط، وهذا الحديث من ثمانيات البخاري، انتهى.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): قوله: \"فقال: اقرأ. . .\" إلخ، ومفعول القراءة ما أقرأه جبريل بعد ذلك من الآيات في أوقاتها، وأيضًا فالمقروء هو نفس هذه الآيات التي صدرها بقوله: اقرأ، انتهى.\n(تنبيه): إلى ههنا تم ما في \"لامع الدراري\" مما يتعلق بكتاب التفسير، ثم بعد ذلك ترك الشيخ قُدِّس سرُّه بياضًا بقدر ثلاثة أوراق ولم أدر ما سبب ذلك، ولا يكون سببه عدم حضور الوالد في الدرس فإنه نوَّر الله مرقده قال مرارًا: لم يفتني حديث واحد بحمد الله تعالى من حضور الدرس عند شيخي وأستاذي القطب الكُنكَوهي نوَّر الله مرقده، ولا يكون سبب ذلك أيضًا القطب الكَنكَوهي قُدِّس سرُّه لم يقرر بشيء من الكلام على ما بقي من كتاب التفسير؛ لأنه لو كان كذلك لما ترك الوالد - نوَّر الله مرقده وأعلى الله مراتبه - البياض في الأصل، فالظاهر أنه ترك الكتابة لحدوث عارض من المرض وغيره، وأراد أن يكتبه بعد ذلك لكنه لم يتفق له ذلك لعارض.\nوقد وجدت في تقرير مولانا محمد حسن المكي عن الشيخ الكَنكَوهي قُدِّس سرُّه الكلام على بعض المواضع من كتاب التفسير فذكرته في هامش\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٧١٦)، و\"عمدة القاري\" (١٣/ ٤٩٨).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٩/ ١٩٩، ٢٠٠).","vol":"5","page":394},{"text":"\"اللامع\" تتميمًا للفائدة، وأضفت من عندي بعض ما سنح لي من مطالعة الشروح فارجع إليه لو شئت، وأنا ألتقط منها شيئًا ههنا مما يليق بهذا الجزء إن شاء الله تعالى.\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-2961> باب قوله: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ [العلق:</span> ٢])\nقد أورد الحافظ على الإمام البخاري في اختصاره حديث الباب غاية الاختصار إذ قال (^١): ذكر فيه طرفًا من الحديث الذي قبله برواية عقيل عن ابن شهاب واختصره جدًا، قال: أول ما بدئ به رسول الله - ﷺ - من الوحي الرؤيا الصالحة، قال: فجاءه الملك فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ وهذا في غاية الإجحاف، ولا أظن يحيى بن بكير حدث البخاري به هكذا ولا كان له هذا التصرف، وإنما هذا صنيع البخاري وهو دال على أنه كان يجيز الاختصار من الحديث إلى هذه الغاية، انتهى.\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-2962> باب قوله: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ [العلق:</span> ٣])\nقال العيني (^٢) بعد ذكر حديث الباب: هذا أيضًا مختصرًا من حديث عائشة جدًا، وأخرجه من طريقين: الأول عن عبد الله بن محمد المسندي عن عبد الرزاق بن همام عن معمر عن الزهري، والثاني عن الليث عن عقيل عن الزهري عن عروة، وهذا معلق وصله في بدء الوحي، ثم في الباب الذي قبله، ثم في التعبير، أخرجه في المواضع الثلاثة عن يحى بن بكير عن الليث، انتهى.\n\n(٤ -<span data-type='title' id=toc-2963> باب قوله: ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ [العلق:</span> ٤])\nقال الحافظ (^٣): كذا لأبي ذر وسقطت الترجمة لغيره، وأورد طرفًا من حديث بدء الوحي عن عبد الله بن يوسف عن الليث مقتصرًا منه على\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٧٢٣).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٥٠٣).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٧٢٣).","vol":"5","page":395},{"text":"قوله: \"فرجع النبي - ﷺ - إلى خديجة، فقال: زملوني زملوني\" فذكر الحديث كذا فيه، وقد ذكر من الحديث في ذكر الملائكة من بدء الخلق حديث جابر مقتصرًا عليه، انتهى.\n\n(٥ -<span data-type='title' id=toc-2964> باب قوله: ﴿كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ الآية [العلق:</span> ١٥])\nقال الحافظ (^١): سقط لأبي ذر \"باب\" ومن ﴿نَاصِيَةٍ﴾ إلى آخره، وقوله: ﴿لَنَسْفَعًا﴾ كذا في النسخ الهندية بالألف وكذا في نسخة \"العيني\"، وقال (^٢): وكتب بالألف في المصحف على حكم الوقف، انتهى.\nوفي نسخة \"الفتح\" و\"القسطلاني\": \"لَنَسْفَعن\" أي: بالنون، وقد تقدم في أول السورة قوله البخاري: \"لَنَسْفَعًا\" قال: \"لنأخذًا\" وقد اختلفت النسخ ههنا أيضًا، ففي النسخة الهندية بالألف وفي نسخ الشروح الثلاثة \"لَنَسْفَعن\" أي: بالنون.\nقال الحافظ (^٣): هو كلام أبي عبيدة أيضًا ولفظه: \"ولَنَسْفَعن\" إنما يكتب بالنون لأنها نون خفيفة، انتهى.\nوقد روي عن أبي عمرو بتشديد النون والموجود في مرسوم المصحف بالألف، والسفع القبض على الشيء بشدة، وقيل: أصله الأخذ بسفعة الفرس، أي: سواد ناصيته، انتهى.\nوفي هامش \"اللامع\" (^٤): اعلم أن الإمام البخاري ترجم في سورة اقرأ بأربعة تراجم، وذكر فيها قطعًا من حديث بدء الوحي، وذكر في الباب الخامس حديثًا آخر فلعله أشار بذلك إلى أن الايات الأول من سورة اقرأ نزلت في بدء الوحي إلى قوله تعالى: ﴿كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ﴾ ثم ترجم \"باب قوله:\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٧٢٤).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٥٠٣).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٧١٤).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٩/ ٢٠٠).","vol":"5","page":396},{"text":"﴿كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ﴾ \" وذكر فيه حديثًا آخر غير الأول إشارة إلى أنها نزلت بعد ذلك في قصة أبي جهل، وقد صرَّح المفسرون به، ففي \"الجلالين\": سورة اقرأ مكية، تسع عشر آية، صدرها إلى ﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ أول ما نزل من القرآن وذلك بغار حراء رواه البخاري، انتهى.\nوفي \"حاشية الجمل\": وهي خمس آيات، انتهى.\nوقال الحافظ (^١) في شرح حديث الباب: قوله: \"فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ إلى قوله: ﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ \" هذا القدر من هذه السورة هو الذي نزل أولًا بخلاف بقية السورة فإنما نزل بعد ذلك بزمان، وقد قدمت في تفسير المدثر بيان الاختلاف في أول ما نزل، والحكمة في هذه الأولية أن هذه الآيات الخمس اشتملت على مقاصد القرآن ففيها براعة الاستهلال وهي جديرة بأن تسمى عنوان القرآن؛ لأن عنوان الكتاب يجمع مقاصده بعبارة وجيزة في أوله، وهذا بخلاف الفن البديعي المسمى العنوان فإنهم عرفوه بأن يأخذ المتكلم في فن فيؤكده بذكر مثال سابق، وبيان كونها اشتملت على مقاصد القرآن أنها تنحصر في علوم التوحيد والأحكام والأخبار، وقد اشتملت على الأمر بالقراءة والبداءة فيها ببسم الله، وفي هذه الإشارة إلى الأحكام وفيها ما يتعلق بتوحيد الرب وإثبات ذاته وصفاته من صفة ذات وصفة فعل، وفي هذا إشارة إلى أصول الدين وفيها ما يتعلق بالأخبار من قوله: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٥]، انتهى.\n\n(٩٧) <span data-type='title' id=toc-2965>﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\nوفي نسخ الشروح \"سورة ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ \" بزيادة لفظ سورة بإسقاط البسملة.\nقال العيني (^٢): هذا في رواية أبي ذر، وفي رواية غيره: \"سورة\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٧١٨، ٧١٩).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٥٠٤).","vol":"5","page":397},{"text":"القدر\"، وهي مدنية في قول الأكثرين، وحكى الماوردي عكسه، وذكر الواحدي أنها أول سورة نزلت بالمدينة، قال أبو العباس: مكية بلا خلاف، انتهى.\nقوله: (﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ الهاء كناية عن القرآن) أي: الضمير راجع إلى القرآن وإن لم يتقدم له ذكر.\nقوله: (﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ خرج مخرج الجمع. . .) إلخ، هو قول أبي عبيدة، ووقع في رواية أبي نعيم في \"المستخرج\" نسبته إليه قال: قال معمر، وهو اسم أبي عبيدة، كما تقدم غير مرة.\nوقوله: (ليكون أثبت وأوكد) قال ابن التِّين: النحاة يقولون: إنه للتعظيم، يقوله المعظم عن نفسه ويقال عنه، انتهى. وهذا هو المشهور أن هذا جمع التعظيم، قاله الحافظ.\nوقال أيضًا: لم يذكر المصنف في سورة القدر حديثًا مرفوعًا، ويدخل فيها حديث \"من قام ليلة القدر\" وقد تقدم في أواخر الصيام، انتهى (^١).\n\n(٩٨)<span data-type='title' id=toc-2966> سورة ﴿لَمْ يَكُنْ﴾</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\nهكذا في نسخ الشروح والبسملة ساقطة عن نسخة \"العيني\".\nقال الحافظ (^٢): سقطت البسملة لغير أبي ذر، ويقال لها أيضًا: سورة القيِّمة وسورة البيِّنة، انتهى.\nزاد العيني (^٣): ويقال لها: سورة المنفكين، وهي مدنية في قول الجمهور، وحكى أبو صالح عن ابن عباس أنها مكية، وفي رواية همام عن قتادة أنها مكية، وفي رواية سعيد عن قتادة أنها مدنية، انتهى.\nقوله: (أضاف الدين إلى المؤنث) قال العيني (^٤): أشار به إلى قوله\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٧٢٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٧٢٥).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٥٠٥).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٥٠٥).","vol":"5","page":398},{"text":"تعالى: ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥] وفسرها بقوله: \"القائمة\" أي: دين الملة القائمة المستقيمة، فالدين مضاف إلى مؤنث وهي الملة، والقيمة صفته فحذف الموصوف، انتهى.\nوقال القسطلاني (^١): أضاف الدين إلى المؤنث على تأويل الدين بالملة، أو التاء تاء المبالغة كعلامة.\nوفي تقرير (^٢) المكي: غرضه أن القيمة وإن كان مضافًا إليه لكنه في الحقيقة صفة للدين كما جاء في موضع آخر بالتركيب التوصيفي، وذلك صحيح لأن الدين هو الملة فكان مؤنثًا، انتهى، إلى آخر ما بسط في هامش \"اللامع\"، وفيه أيضًا: لا يذهب عليك أن الشرَّاح قاطبة لم يفصلوا في كلام البخاري، والأوجه عند هذا العبد الضعيف أن الإمام البخاري أشار في كلامه إلى آيتين من سورة ﴿لَمْ يَكُنْ﴾ فأشار بقوله: قيمة، إلى قوله تعالى: ﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ [البينة: ٣] وفسرها بقوله: القائمة، وأشار بقوله: دين القيمة، إلى قوله تعالى: ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾، إلى آخر ما ذكر فيه.\nقوله: (أمرني أن أقرأ عليك ﴿لَمْ يَكُنْ﴾) فيه ثلاثة مسائل: الأولى تخصيص أُبي - ﵁ - بالقراءة عليه، والثانية تخصيص هذه السورة، والثالثة بكاء أُبي - ﵁ -، أجاد الشيخ قُدِّس سرُّه في تقرير الترمذي المطبوع باسم \"الكوكب الدري\" الكلام على اثنتين منها بعبارة وجيزة إذ قال: والمناسبة ما فيها من ذكر أهل الكتاب وقوله: \"فبكى\" أي: شوقًا وتلذذًا بأمر الله، إلى آخر ما بسط من الكلام على المسائل الثلاث في هامش \"اللامع\" (^٣) أشد البسط فارجع إليه لو شئت.\nوقال العيني (^٤): والحديث مضى في \"باب مناقب أُبي بن كعب\" فإنه\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٢٦٢).\n(^٢) انظر: \"لامع الدراري\" (٩/ ٢٠٣، ٢٠٤).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٩/ ٢٠٤).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٥٠٥).","vol":"5","page":399},{"text":"أخرجه هناك بعين هذا الإسناد، انتهى. قاله العيني في الحديث الأول من هذا الباب، ثم ذكر البخاري هذا الحديث بعد ذلك بطريقين آخرين كما ترى.\n\n(٩٩) <span data-type='title' id=toc-2967>﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\nهكذا في النسخ الهندية، وفي نسخة \"القسطلاني\" بغير لفظ \"سورة\" وبغير البسملة، وفي نسخة الحافظين بإثباتهما.\nقال العيني (^١): وهي مكية وتسمى سورة الزلزلة، وقوله: ﴿زُلْزِلَتِ﴾ أي: حركت حركة شديدة لقيام الساعة، انتهى.\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-2968> باب قوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة:</span> ٧])\nقال العيني (^٢): لم يثبت لفظ \"باب\" إلا لأبي ذر، والمثقال على وزن مفعال من الثقل، ومعنى المثقال هنا الوزن، وسئل ثعلب عن الذّرّة فقال: إن مائة نملة وزن حبة والذرة واحدة منها، وعن يزيد بن هارون: زعموا أن الذرة ليس لها وزن، قوله: \"يقال ﴿أَوْحَى لَهَا﴾. . .\" إلخ، أشار به إلى قوله تعالى: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة: ٥] وغرضه أن هذه الألفاظ الأربعة بمعنى واحد، وجاء استعمالها بكلمة إلى وباللام، ومعناه أمرها بالكلام وأذن لها فيه، انتهى.\nوقال الحافظ (^٣): قال أبو عبيدة في قوله: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾: قال العجاج: أوحي لها القرار فاستقرت، وقيل: اللام بمعنى \"من أجل\" والموحى إليه محذوف أي: أوحي إلى الملائكة من أجل الأرض، والأول\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٥٠٧).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٥٠٧، ٥٠٨).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٧٢٧).","vol":"5","page":400},{"text":"أصوب، وقد أخرج ابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: أوحي إليها، انتهى من \"الفتح\". وقال أيضًا: تقدم شرح الحديث مستوفى في كتاب الجهاد.\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-2969> باب قوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة:</span> ٨])\nقال القسطلاني (^١): ثبت لفظ \"باب\" لأبي ذر.\nوقال العيني (^٢): وليس في كثير من النسخ لفظ \"باب\"، انتهى.\nذكر المصنف فيه حديث أبي هريرة من وجه آخر عن مالك بسنده المذكور في الباب السابق مقتصرًا على القصة الأخيرة.\n\n(١٠٠) <span data-type='title' id=toc-2970>﴿وَالْعَادِيَاتِ﴾</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\nاختلفت النسخ ههنا، ففي النسخة \"الهندية\" كما ذكر بغير لفظ سورة مع ذكر البسملة، وفي نسخة \"العيني\": \"سورة والعاديات\"، وفي نسخة \"القسطلاني\": \"والعاديات\" بغير لفظ \"سورة\"، وفي نسخة \"الفتح\": \"والعاديات والقارعة\".\nوأما البسملة فليست في نسخة من نسخ الشروح الثلاثة.\nقال الحافظ (^٣): كذا لأبي ذر، ولغيره: \"والعاديات\" حسب، والمراد بالعاديات الخيل، وقيل: الإبل، انتهى.\nقال العيني (^٤): وهي مكية، انتهى.\nقوله: (وقال مجاهد: الكنود الكفور) قال الحافظ (^٥): وصله الفريابي عن مجاهد بهذا، وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس مثله، ويقال: إنه بلسان\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٢٦٦).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٥٠٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٧٢٧).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٥٠٩).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٨/ ٧٢٧).","vol":"5","page":401},{"text":"قريش الكفور، وبلسان كنانة البخيل، وبلسان كندة العاصي، وروى الطبراني من حديث أبي أمامة رفعه: \"الكنود الذي يأكل وحده، ويمنع رفده، ويضرب عبده\"، انتهى.\n\n(١٠١)<span data-type='title' id=toc-2971> سورة ﴿الْقَارِعَةُ﴾</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\nكذا في الهندية مع ذكر البسملة وكذا في نسخة \"العيني\" وسقطت عن نسخة \"الفتح\" و\"القسطلاني\".\nقال العلامة العيني (^١): وهي مكية، انتهى.\nقوله: (﴿كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾ [القارعة: ٤]: كغوغاء الجراد. . .) إلخ، قال الحافظ (^٢): هو كلام الفراء قال في قوله: ﴿كَالْفَرَاشِ﴾: يريد كغوغاء الجراد، إلى آخره، وقال أبو عبيدة: الفراش طير لا ذباب ولا بعوض، والمبثوث المتفرق، وحمل الفراش على حقيقته أولى، والعرب تشبه بالفراش كثيرًا كقول جرير:\nإن الفرزدق ما علمت وقومه … مثل الفراش غشين نار المصطلى\nوصفهم بالحرص والتهافت، وفي تشبيه الناس يوم البعث بالفراش مناسبات كثيرة بليغة كالطيش والانتشار والكثرة والضعف والذلة والمجيء بغير رجوع والقصد إلى الداعي والإسراع وركوب بعضهم بعضًا والتطاير إلى النار، انتهى.\nوفي \"تفسير الجلالين\" (^٣): ﴿كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾ كغوغاء الجراد المنتشر، وفي \"حاشية الجمل\" (^٤): الغوغاء الجراد بعد أن ينبت شعره، انتهى.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٥١٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٧٢٨).\n(^٣) \"تفسير الجلالين\" (ص ٨١٩).\n(^٤) \"حاشية الجمل\" (٤/ ٥٧٨).","vol":"5","page":402},{"text":"وقال في \"القاموس\" (^١): الغوغاء الجراد بعد أن ينبت جناحه، أو إذا انسلخ من الألوان وصار إلى الحمرة، وشيء يشبه البعوض ولا يعض لضعفه، انتهى.\nوقال في \"البحر\" (^٢): غوغاء الجراد صغيره الذي ينتشر في الأرض، انتهى.\nقوله: (﴿كَالْعِهْنِ﴾: كألوان العهن) وهو قول الفراء قال: ﴿كَالْعِهْنِ﴾ لأن ألوانها مختلفة كالعهن وهو الصوف، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\nوفي هامش \"اللامع\" (^٤): قال الرازي في \"التفسير الكبير\" العهن الصوف ذو الألوان، وفي قراءة ابن مسعود: كالصوف المنفوش، واعلم أن الله تعالى أخبر أن الجبال مختلفة الألوان على ما قال: ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ [فاطر: ٢٧] ثم إنه - ﷾ - يفرق أجزاءها ويزيل التأليف والترتيب عنها فيصير ذلك مشابهًا بالصوف الملون بالألوان المختلفة، انتهى.\n\n(١٠٢) <span data-type='title' id=toc-2972>﴿أَلْهَاكُمُ﴾</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\nكذا في النسخة \"الهندية\" بدون لفظ \"سورة\" وبزيادة البسملة، وفي نسخ الشروح الثلاثة بزيادة لفظ \"سورة\" مع البسملة.\nقال الحافظ (^٥): ويقال لها: سورة التكاثر، وأخرج ابن أبي حاتم من طريق سعيد بن أبي بلال قال: كان أصحاب رسول الله - ﷺ - يسمونها المقبرة، انتهى.\nقال العيني (^٦): وهي مكية.\n_________\n(^١) \"القاموس المحيط\" (ص ٧٢٥).\n(^٢) \"البحر المحيط\" (٨/ ٥٠٦).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٧٢٨).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٩/ ٢٠٨، ٢٠٩).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٨/ ٧٢٨).\n(^٦) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٥١٠).","vol":"5","page":403},{"text":"ثم قال الحافظ (^١): (تنبيه): لم يذكر في هذه السورة حديثًا مرفوعًا، وسيأتي في الرقاق من حديث أُبي بن كعب ما يدخل فيها، انتهى.\n\n(١٠٣) <span data-type='title' id=toc-2973>﴿وَالْعَصْرِ﴾</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\nوفي نسخ الشروح الثلاثة بزياد لفظ \"سورة\"، والبسملة ساقطة عن نسخ الشروح.\nقال العيني (^٢): وهي مكية.\nقال الحافظ (^٣): العصر اليوم والليلة، قال عبد الرزاق عن معمر: قال الحسن: العصر العشي، وقال قتادة: ساعة من ساعات النهار.\nقوله: (يقال الدهر، أقسم به) وفي نسخة الشروح: \"وقال يحيى: الدهر أقسم به\" قال الحافظ (^٤): سقط \"يحيى\" لأبي ذر وهو يحيى بن زياد الفراء فهذا كلامه في \"معاني القرآن\"، انتهى.\nقلت: إنما ذكره الإمام البخاري لأنهم اختلفوا في تفسير العصر على أقوال كما تقدم عن \"الفتح\".\nوفي \"الجلالين\" (^٥): قوله: (العصر): الدهر، أو ما بعد الزوال إلى الغروب، أو صلاة العصر، انتهى.\nزاد الرازي قولًا رابعًا: إنه قسم بزمان الرسول ﵊ لقوله - ﷺ -: \"مثلكم ومثل من كان قبلكم مثل رجل استأجر أجيرًا\" الحديث، فهذا الخبر دال على أن العصر هو الزمان المختص به وبأمته، إلى آخر ما بسط، ثم قال البخاري \"أقسم به\" نبه بذلك على أن الواو\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٧٢٨).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٥١١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٧٢٩).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٨/ ٧٢٩).\n(^٥) \"تفسير الجلالين\" (ص ٨٢٠).","vol":"5","page":404},{"text":"للقسم، وأشار إشارة لطيفة إلى جواز حلفه تعالى بمخلوقه، وفي \"الجمل\" تحت قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ الآية [الواقعة: ٧٥]: قال القشيري: هو قسم ولله أن يقسم بما يريد، وليس لنا أن نقسم بغير الله تعالى وصفاته القديمة، انتهى. إلى آخر ما بسط في هامش \"اللامع\" (^١).\nقال الحافظ (^٢): (تنبيه): لم أر في تفسير هذه السورة حديثًا مرفوعًا صحيحًا، لكن ذكر بعض المفسرين فيها حديث ابن عمر: \"من فاتته صلاة العصر\" وقد تقدم في صفة الصلاة مشروحًا، انتهى.\n\n(١٠٤) <span data-type='title' id=toc-2974>﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\nكذا في النسخ الهندية، وفي نسخة \"الفتح\" و\"القسطلاني\" بزيادة لفظ \"سورة\"، وفي نسخة \"العيني\": \"سورة الهمزة\" والبسملة ثابتة في الجميع.\nقال العيني (^٣): وهي مكية، وعن ابن عباس: الهمزة المشاؤون بالنميمة المفرقون بين الأحبة، وعن قتادة: الهمزة الذي يأكل لحوم الناس ويغتابهم، واللمزة الطعّان، انتهى.\nقال الحافظ (^٤): والمراد الكثير الهمز وكذا اللمزة الكثير اللمز، ثم ذكر أثر ابن عباس المتقدم، وقال: أخرجه سعيد بن منصور، انتهى.\nلم يذكر المصنف فيه حديثًا مرفوعًا، وسيأتي ما يناسبه في سورة ﴿لِإِيلَافِ﴾ من كلام الحافظ.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٩/ ٢٠٩).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٧٢٩).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٥١١).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٨/ ٧٢٩).","vol":"5","page":405},{"text":"(١٠٥)<span data-type='title' id=toc-2975> سورة ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ﴾</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\nهكذا في النسخ الهندية، وفي نسخة الحافظين: \"سورة ألم تر\" وفي نسخة \"القسطلاني\": \"ألم تر\" حسب، وليست البسملة في نسخ الشروح.\nقال العيني (^١): وتسمى سورة الفيل، وهي مكة، انتهى.\nقوله: (وقال مجاهد: ﴿أَبَابِيلَ﴾: متتابعة مجتمعة) قال العيني (^٢): أشار به إلى قوله: تعالى: ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾ [الفيل: ٣] وفسر الأبابيل بقوله: متتابعة مجتمعة، روي هذا عن مجاهد، وقال النسفي في تفسير ﴿أَبَابِيلَ﴾: جمع إبّالة، وقيل: أبابيل مثل عباديد لا واحد لها، وقيل: جمع أبول مثل عجول يجمع على عجاجيل، انتهى.\nقلت: وما زعمه كثير من الناس من أنّ أبابيل اسم طير معروف ليس بصحيح.\nوقوله: (قال ابن عباس: ﴿سِجِّيلٍ﴾: من سَنْكِ وَكِلْ) أي: السجيل معرب من سنكَـ بمعنى الحجر وكَل بمعنى الطين، وفي \"الجلالين\" (^٣): والسجيل طين مطبوخ بنار جهنم، وفي \"القسطلاني\"، وقيل: السجيل الديوان الذي كتب فيه عذاب الكفار، والمعنى ترميهم بحجارة من جملة العذاب المكتوب المدون مما كتب الله في ذلك الكتاب، انتهى.\nبسط الكلام على هذين القولين في هامش \"اللامع\"، فارجع إليه لو شئت، لم يذكر المصنف فيه حديثًا مرفوعًا وسيأتي ما يناسبه في سورة ﴿لِإِيلَافِ﴾ من كلام الحافظ قُدِّس سرُّه.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٥١٢).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٥١٢).\n(^٣) \"تفسير الجلالين\" (ص ٨٢٢)، و\"إرشاد الساري\" (١١/ ٢٧٠)، وانظر: \"لامع الدراري\" (٩/ ٢١١).","vol":"5","page":406},{"text":"(١٠٦) <span data-type='title' id=toc-2976>﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\nهكذا في نسخة \"القسطلاني\"، وفي نسخة \"العيني\" بزيادة لفظ \"سورة\" وفي نسخة الحافظ: \"سورة لإيلاف\" حسب، والبسملة ساقطة عن نسخ الشروح.\nقال العيني (^١): ذكر أبو العباس أنها مكية بلا خلاف، وذكر الضحاك وعطاء بن السائب أنها مدنية، انتهى.\nثم اختلفوا في متعلق اللام في قوله: ﴿لِإِيلَافِ﴾ بسط الكلام عليه في هامش \"اللامع\" (^٢): فارجع إليه لو شئت.\nقال الحافظ (^٣) - ﵀ -: قيل: اللام متعلقة بالقصة التي في السورة التي قبلها، ويؤيده أنهما في مصحف أُبي بن كعب سورة واحدة، وقيل: متعلقة بشيء مقدر، أي: اعجب لنعمتي على قريش، انتهى.\n(تنبيه): لم يذكر في هذه السورة ولا (^٤) التي قبلها حديثًا مرفوعًا، فأما سورة الهمزة ففي صحيح ابن حبان من حديث جابر: أن النبي - ﷺ - قرأ ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ﴾ [الهمزة: ٣] يعني: بفتح السين، وأما سورة الفيل ففيها من حديث المسور الطويل في صلح الحديبية.\nقوله: (حبسها حابس الفيل) قد تقدم شرحه مستوفي في كتاب الشروط، وفيها حديث ابن عباس مرفوعًا: \"إن الله حبس عن مكة الفيل\" الحديث، وأما هذه السورة فلم أر فيها حديثًا مرفوعًا صحيحًا، انتهى من \"الفتح\"\".\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٥١٢).\n(^٢) انظر: \"لامع الدراري\" (٩/ ٢١٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٧٣٠).\n(^٤) كذا في الأصل ولعله: \"اللتين قبلها\"، [ز].","vol":"5","page":407},{"text":"(١٠٧) <span data-type='title' id=toc-2977>﴿أَرَأَيْتَ﴾</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\nوكذا في نسخة \"القسطلاني\" بغير لفظ \"سورة\" وفي نسخة الحافظين بزيادة لفظ \"سورة\"، والبسملة ساقطة عن نسخ الشروح.\nقال العلامة العيني (^١): وتسمى سورة الماعون، وهي مكية، قال الثعلبي: قال مقاتل والكلبي: نزلت في العاص بن وائل السهمي، وعن السدي وابن كيسان: في الوليد بن مغيرة، وعن الضحاك: في عمرو بن عائذ، وقيل: في هبيرة بن وهب المخزومي، وقال الفراء: وقرأ ابن مسعود: أرأيتك الذي يكذب، قال: والكاف صلة، وقال النسفي: ﴿أَرَأَيْتَ﴾ هل عرفت ﴿الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ بالجزاء من هو؟ إن لم تعرفه ﴿فَذَلِكَ الَّذِي﴾ يكذب بالجزاء هو الذي ﴿يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾ أي: يقهره ويزجره، انتهى.\nقوله: (﴿الْمَاعُونَ﴾: المعروف كله) قال العيني (^٢): ذكر البخاري في تفسير الماعون ثلاثة أقوال: الأول: المعروف كله، وهو الذي يتعاطاه الناس بينهم كالدلو والفأس والقدر، وهو قول الكلبي ومحمد بن كعب، الثاني: الماعون الماء، وهو قول سعيد بن المسيب والزهري ومقاتل، قالوا: الماعون الماء بلغة قريش، الثالث: قول عكرمة وهو أعلاها الزكاة، إلى آخره، وهو قول ابن عمر والحسن وقتادة، وقوله: \"عارية المتاع\" أي الماعون اسم جامع لمتاع البيت كالمنخل والغربال ونحو ذلك مما يستعمل في البيوت، وقيل: الماعون ما لا يحل منعه مثل الماء والملح والنار وغير ذلك، إلى آخر ما بسط الكلام في تحقيقه في هامش \"اللامع\" (^٣).\nوقال الحافظ (^٤): أما القول الأول فقال الفراء: قال بعضهم: إن\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٥١٣).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٥١٤).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٩/ ٢١٣).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٨/ ٧٣١).","vol":"5","page":408},{"text":"الماعون المعروف كله حتى ذكر القصعة والدلو والفأس، ولعله أراد ابن مسعود فإنه أخرج أبو داود والنسائي عن ابن مسعود: كنا نعد الماعون على عهد رسول الله - ﷺ - عارية الدلو والقدر، وإسناده صحيح إلى ابن مسعود، وأخرجه البزار والطبراني من حديث ابن مسعود مرفوعًا صريحًا، إلى آخر ما ذكر الحافظ في تأييد القول الثاني والثالث، ثم قال في آخر هذه السورة: لم يذكر المصنف في تفسير هذه السورة حديثًا مرفوعًا ويدخل فيه حديث ابن مسعود المذكور قبل، انتهى ملخصًا من \"الفتح\".\n\n(١٠٨) <span data-type='title' id=toc-2978>﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\nوفي نسخ الشروح الثلاثة بزيادة لفظ \"سورة\" بغير البسملة.\nقال العيني (^١): وهي مكية عند الجمهور، وقال قتادة والحسن وعكرمة: مدنية، وسبب الاختلاف فيه لأجل الاختلاف في سبب النزول، فعن ابن عباس: نزلت في العاص بن وائل فإنه قال في حق النبي - ﷺ -: الأبتر، وقيل: في عقبة بن أبي معيط، وعن عكرمة: في جماعة من قريش، وقيل: في أبي جهل، وقال السهيلي: في كعب بن الأشرف، قال: ويلزم من هذا أن تكون السورة مدنية، وفيه تأمل، انتهى.\nوقال القسطلاني (^٢): مكية أو مدنية، انتهى.\nقال الحافظ (^٣): هي سورة الكوثر، وقد قرأ ابن محيصن: إنا أنطيناك الكوثر بالنون، وكذا قرأها طلحة بن مصرف، والكوثر فوعل من الكثرة سمي به النهر لكثر مائه وآنيته وعظم قدره وخيره.\nقوله: (﴿شَانِئَكَ﴾: عدوك) وقد وصله ابن مردويه من طريق\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٥١٤).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٢٧٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٧٣١ - ٧٣٣).","vol":"5","page":409},{"text":"علي بن أبي طلحة عن ابن عباس كذلك، واختلف الناقلون في تعيين الشانئ المذكور فقيل: هو العاصي بن وائل، وقيل: أبو جهل، وقيل: عقبة بن أبي معيط، ثم ذكر المصنف في الباب ثلاثة أحاديث.\nالأول: حديث أنس وقد تقدم شرحه في أوائل المبعث في قصة الإسراء في أواخرها، ويأتي بأوضح من ذلك في أواخر كتاب الرقاق، وقوله: \"لما عرج بالنبي - ﷺ - إلى السماء قال: أتيت على نهر حافتاه قباب اللؤلؤ مجوف، فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر\" هكذا اقتصر على بعضه ساقه البيهقي من طريق إبراهيم بن الحسن عن آدم شيخ البخاري فيه فزاد بعد قوله: الكوثر: \"الذي أعطاك ربك فأهوى الملك بيده فاستخرج من طينه مسكًا أذفر\" وأورده البخاري بهذه الزيادة في الرقاق من طريق همام عن أبي هريرة.\nالثاني: حديث عائشة وفيه: \"هو نهر أعطيه نبيكم\" زاد النسائي: \"في بطنان الجنة، قلت: ما بطنان الجنة؟ قالت: وسطها\" انتهى. وبطنان بضم الموحدة وسكون المهملة بعدها نون.\nالحديث الثالث: حديث ابن عباس من رواية أبي بشر عن سعيد بن جبير عنه، ثم ذكر الحافظ ألفاظ الرواية ثم قال: هذا تأويل من سعيد بن جبير جمع به بين حديثي عائشة وابن عباس، وكأن الناس الذين عناهم أبو بشر أبو إسحاق وقتادة ونحوهما ممن روي ذلك صريحًا أن الكوثر هو النهر، وقد أخرج الترمذي من طريق ابن عمر رفعه: \"الكوثر نهر في الجنة حافتاه من ذهب ومجراه على الدر والياقوت\" الحديث، قال: إنه حسن صحيح، وفي \"صحيح مسلم\" عن أنس: \"بينما نحن عند النبي - ﷺ - إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه متبسّمًا فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: نزلت علي سورة فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ إلى آخرها [الكوثر: ١ - ٣] \"، ثم قال: \"أتدرون ما الكوثر؟ \" قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه نهر وعدنيه ربي عليه خير كثير هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة\" الحديث.","vol":"5","page":410},{"text":"وحاصل ما قاله سعيد بن جبير: أن قول ابن عباس: إنه الخير الكثير، لا يخالف قول غيره: إن المراد به نهر في الجنة؛ لأن النهر فرد من أفراد الخير الكثير، ولعل سعيدًا أومأ إلى أن تأويل ابن عباس أولى لعمومه، لكن ثبت تخصيصه بالنهر من لفظ النبي - ﷺ - فلا معدل عنه، وقد نقل المفسرون في الكوثر أقوالًا أخرى غير هذين تزيد على العشرة، منها قول عكرمة: الكوثر النبوة، وقول الحسن: الكوثر القرآن، وقيل: تفسيره، وقيل: الإسلام، وقيل: إنه التوحيد، وقيل: كثرة الأتباع، وقيل: الإيثار، وقيل: رفعة الذكر، وقيل: نور القلب، وقيل: الشفاعة، وقيل: المعجزات، وقيل: إجابة الدعاء، وقيل: الفقه في الدين، وقيل: الصلوات الخمس، وسيأتي مزيد بسط في أمر الكوثر وهل الحوض النبوي هو أو غيره في كتاب الرقاق إن شاء الله تعالى.\n\n(١٠٩) <span data-type='title' id=toc-2979>﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\nوفي نسخ الشروح الثلاثة بزيادة لفظ \"سورة\" من غير بسملة.\nقال العلامة العيني (^١): ويقال لها: سورة الكافرين والمتشقسة - كذا في النسخة التي بأيدنا، وفي نسخة الحافظ بدله المقشقشة - أي: المبرئة من النفاق، وهي مكية، والخطاب لأهل مكة منهم الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل وأُمية بن خلف، قالو: \"يا محمد فاتبع ديننا ونتبع دينك، ونشركك في أمرنا كله، تعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة، فقال: معاذ الله أن أشرك به غيره، فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ \" إلى آخر السورة، انتهى.\nقال الحافظ (^٢): وقد أخرج ابن أبي حاتم من حديث ابن عباس قال:\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٥١٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٧٣٣).","vol":"5","page":411},{"text":"قالت قريش للنبي - ﷺ -: \"كفّ عن آلهتنا فلا تذكرها بسوء، فإن لم تفعل فاعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة، فنزلت\"، وفي إسناده أبو خلف عبد الله بن عيسى وهو ضعيف.\nوقال الحافظ أيضًا: (تنبيه): لم يورد في هذه السورة حديثًا مرفوعًا، ويدخل فيها حديث جابر: أن النبي - ﷺ - قرأ في ركعتي الطواف: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾: أخرجه مسلم، وقد ألزمه الإسماعيلي بذلك حيث قال في تفسير ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ لما أورد البخاري حديث البراء: أن النبي - ﷺ - قرأ بها في العشاء، قال الإسماعيلي: ليس لإيراد هذا معنى هنا وإلا للزمه أن يورد كل حديث وردت فيه قراءته لسورة مسماة في تفسير تلك السورة، انتهى.\n\n(١١٠)<span data-type='title' id=toc-2980> سورة ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\nقال الحافظ (^١): سقطت البسملة لغير أبي ذر، انتهى.\nوقال العيني (^٢): ويقال لها: سورة النصر، وقال أبو العباس: هي مدنية بلا خلاف، انتهى.\nقال الحافظ (^٣): وقد أخرج النسائي من حديث ابن عباس أنها آخر سورة نزلت من القرآن، وقد تقدم في تفسير براءة أنها آخر سورة نزلت، والجمع بينهما أن آخرية سورة النصر نزولها كاملة بخلاف براءة كما تقدم توجيهه، ويقال: إن ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ [النصر] نزلت يوم النحر وهو بمنى في حجة الوداع، وقيل: عاش بعدها أحدًا وثمانين يومًا، وليس منافيًا للذي قبله بناء على بعض الأقوال في وقت الوفاة النبوية، وعند ابن أبي حاتم\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٧٣٤).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٥١٧).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٧٣٤).","vol":"5","page":412},{"text":"من حديث ابن عباس: عاش بعدها تسع ليال، وعن مقاتل: سبعًا وعن بعضهم: ثلاثًا، وقيل: ثلاث ساعات وهو باطل، وأخرجه ابن أبي داود في \"كتاب المصاحف\" بإسناد صحيح عن ابن عباس: أنه كان يقرأ: إذا جاء فتح الله والنصر.\nوقال الحافظ (^١) أيضًا في شرح حديث الباب: قوله: \"يتأول القرآن\" أي: يجعل ما أمر به من التسبيح والتحميد والاستغفار في أشرف الأوقات والأحوال، وقد أخرجه ابن مردويه من طريق أخرى عن مسروق عن عائشة فزاد فيه: \"علامة في أمتي أمرني ربي إذا رأيتها أكثر من قول سبحان الله وبحمده وأستغفر الله وأتوب إليه، فقد رأيت جاء نصر الله والفتح فتح مكة، ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجًا\"، وقال ابن القيم في \"الهدي\": كأنه أخذه من قوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ لأنه كان يجعل الاستغفار في خواتم الأمور فيقول إذا سلم من الصلاة: \"أستغفر الله\" ثلاثًا، وإذا خرج من الخلاء قال: \"غفرانك\"، وورد الأمر بالاستغفار عند انقضاء المناسك: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ الآية [البقرة: ١٩٩]، قلت: ويؤخذ أيضًا من قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ فقد كان يقول عند انقضاء الوضوء: \"اللهم اجعلني من التوابين\"، انتهى.\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-2981> باب قوله: ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ [النصر:</span> ٢])\nوثبت لفظ \"باب\" لأبي ذر، ثم قال في تفسير الآية: قوله: ﴿أَفْوَاجًا﴾ أي: جماعات بعد ما كان يدخل فيه واحد واحد، وذلك بعد فتح مكة جاء العرب من أقطار الأرض طائعين، ونصب ﴿أَفْوَاجًا﴾ على الحال من فاعل ﴿يَدْخُلُونَ﴾، انتهى (^٢).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٧٣٤).\n(^٢) انظر: \"إرشاد الساري\" (١١/ ٢٧٦).","vol":"5","page":413},{"text":"وزاد العيني (^١) في تفسيره: من غير قتال، انتهى.\nوبسط في هامش \"اللامع\" الكلام على استنباط ابن عباس أجله - ﷺ - من هذه السورة من كلام الشرَّاح ومن كلام الشيخ الكَنكَوهي وشيخ مشايخنا الشاه عبد العزيز الدهلوي نوَّر الله مرقده، فارجع إليه لو شئت (^٢).\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-2982> باب قوله: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر:</span> ٣])\nوليست في نسخة \"القسطلاني\" لفظة \"باب\"، وقال (^٣): ولأبي ذر \"باب ﴿فَسَبِّحْ﴾. . .\" إلخ.\nقوله: (تواب على العباد. . .) إلخ، قال العيني (^٤): أشار بهذا إلى أن التواب له معنيان: أحدهما: تواب يقال لله تعالى بمعنى أنه رجّاع عليهم بالمغفرة وقبول التوبة، وقيل: الذي يرجع إلى كل مذنب بالتوبة، وأصله من التوب وهو الرجوع، وقيل: هو الذي ييسّر للمذنبين أسباب التوبة ويوفقهم لها، ويسوق إليهم ما ينبههم عن رقدة الغفلة ويطلعهم على ضخامة عواقب الزلة فسمي المسبب للشيء باسم المباشر له، كما أسند إليه فعله في قولهم: بنى الأمير المدينة، والمعنى الآخر: تواب يقال للعبد بمعنى أنه تائب من الذنوب التي اقترفها، وقال أيضًا تحت حديث الباب: مطابقته للترجمة ظاهرة تؤخذ من قوله: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ إلى آخره، والحديث مرَّ في المغازي في باب مجرد عقيب \"باب منزل النبي - ﷺ - يوم الفتح\"، فإنه أخرجه هناك عن أبي النعمان عن أبي عوانة إلى آخره، انتهى.\nوقال الحافظ (^٥) في شرح حديث الباب: ولأبي يعلى من حديث ابن عمر: نزلت هذه السورة في أوسط أيام التشريق في حجة الوداع فعرف\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٥١٨).\n(^٢) انظر: \"لامع الدراري\" (٩/ ٢١٧).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٢٧٧).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٥١٨، ٥١٩).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٨/ ٧٣٦).","vol":"5","page":414},{"text":"رسول الله - ﷺ - أنه الوداع، وسئلت عن قول \"الكشاف\": إن سورة النصر نزلت في حجة الوداع أيام التشريق، فكيف صدرت بإذا الدالة على الاستقبال؟ فأجبت بضعف ما نقله، وعلى تقدير صحته فالشرط لم يتَكمَّل بالفتح؛ لأن مجيء الناس أفواجًا لم يكن كَمُل فبقية الشرط مستقبل، وقد أورد الطيبي السؤال وأجاب بجوابين: أحدهما: أن \"إذا\" قد ترد بمعنى إذ كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً﴾ الآية [الجمعة: ١١]، ثانيهما: أن كلام الله ﵎ قديم، وفي كل من الجوابين نظر لا يخفى، انتهى.\n\n(١١١) <span data-type='title' id=toc-2983>﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\nوفي نسخ الشروح الثلاثة بزيادة لفظ \"سورة\".\nقال العيني (^١): وهي مكية، وأبو لهب ابن عبد المطلب واسمه عبد العزى وأمه خزاعية، وكني أبا لهب فقيل بابنه لهب، وقيل: لشدة حمرة وجنتيه وكان وجهه يتلهب من حسنه، ووافق ذلك ما آل إليه أمره وهو دخوله نارًا ذات لهب، وكان من أشد الناس عداوة للنبي - ﷺ - وتمادى على عداوته حتى مات بعد بدر بأيام ولم يحضرها بل أرسل عنه بديلًا، فلما بلغه ما جرى لقريش مات غمًا، انتهى.\nوقال أيضًا تحت حديث الباب: مطابقته للترجمة ظاهرة وفيه بيان سبب نزول السورة، والحديث قد تقدم بتمامه في \"مناقب قريش\" وببعضه في الجنائز، انتهى.\nقوله: (﴿تَبَابٍ﴾ [غافر: ٣٧]: خسران. . .) إلخ، هكذا في النسخة \"الهندية\" وهكذا في نسخة \"القسطلاني\". زاد في نسخة الحافظين وكذا في نسخة الحاشية قبل هذا: \" ﴿وَتَبَّ﴾: خسر\" وهو الأولى؛ لأن هذا اللفظ هو\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٥١٩، ٥٢٠).","vol":"5","page":415},{"text":"الواقع في هذه السورة بخلاف اللفظين المذكورين بعده فقد ذكرهما لمناسبة اللفظ.\nقال العيني (^١): قوله: \"وتب خسر، تباب خسران، تتبيب تدمير\" أشار به إلى قوله تعالى: ﴿. . . وَتَبَّ (١) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ﴾ [المسد: ١ - ٢] وفسَّر تبَّ بقوله: خسر، وفسر تباب بقوله: خسران، وأشار به إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إلا فِي تَبَابٍ﴾ [غافر: ٣٧] وأشار بقوله: تتبيب إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ [هود: ١٠١] أي: غير تدمير، أي: غير هلاك، انتهى.\nقوله: (ورهطك منهم المخلصين) قال الحافظ (^٢): كذا وقع في رواية أبي أسامة عن الأعمش، وقد تقدم البحث فيه في تفسير سورة الشعراء مع بقية مباحث هذا الحديث وفوائده، انتهى.\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-2984> باب قوله: ﴿. . . وَتَبَّ﴾ [المسد:</span> ١])\nذكر فيه الحديث الذي قبله من وجه آخر، وقوله فيه: \"فهتف\" أي: صاح، وقوله: \"يا صباحاه\" أي: هجموا عليكم صباحًا، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-2985> باب قوله: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد:</span> ٣])\nقال الحافظ (^٤): ذكر فيه حديث ابن عباس المذكور مختصرًا، وقد قدمت أن عادة المصنف غالبًا إذا كان للحديث طرق أن لا يجمعها في باب واحد بل يجعل لكل طريق ترجمة تليق به، وقد يترجم بما يشتمل عليه الحديث وإن لم يسقه في ذلك الباب اكتفاءً بالإشارة، وهذا من ذلك، انتهى.\nقلت: وما ذكر الحافظ من عادة البخاري: إذا كان للحديث طرق. . .\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٥٢٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٧٣٧).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٧٣٨).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٨/ ٧٣٨).","vol":"5","page":416},{"text":"إلخ، هو كذلك وله نظائر كثيرة تقدم ذكرها في تفسير سورة المنافقين.\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-2986> باب قوله: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ [المسد:</span> ٤])\nاسم امرأة أبي لهب العوراء، وتكنى أم جميل، وهي بنت حرب ابن أمية أخت أبي سفيان والد معاوية، وتقدم لها ذكر في تفسير ﴿وَالضُّحَى (١)﴾ يقال: إن اسمها أروى والعوراء لقب، ويقال: لم تكن عوراء وإنما قيل لها ذلك لجمالها، إلى آخر ما ذكر الحافظ (^١) في سبب نزول هذه السورة.\nقوله: (وقال مجاهد: ﴿حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾: تمشي بالنميمة) بسط الكلام عليه في هامش \"اللامع\" (^٢).\nوقال الحافظ (^٣): وصله الفريابي عنه، وأخرج سعيد بن منصور من طريق محمد بن سيرين قال: كانت امرأة أبي لهب تنم على النبي - ﷺ - وأصحابه إلى المشركين، وقال الفراء: كانت تنم فتحرش فتوقد بينهما العداوة، فكنى عن ذلك بحملها الحطب، انتهى.\nقوله: (﴿مِنْ مَسَدٍ﴾ [المسد: ٣]) قيل: هو ليف المقل، وقيل هو مطلق الليف، والمقل شجر الدوم، انتهى من \"الجمل\" (^٤). ليف بوست درخت خرما مقل نوع از دوا (كَوكَل)، انتهى.\nكذا في \"الصراح\"، وفي \"بيان القرآن\" (^٥): يه إيك رسي هوكَي خوب بتي هوئي، انتهى.\nوفي \"الفيض\" (^٦): (كَوكَل كي جهال)؛ لأنه يأخذ النار بالسرعة، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٧٣٨).\n(^٢) انظر: \"لامع الدراري\" (٩/ ٢٢٠، ٢٢١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٧٣٨).\n(^٤) \"حاشية الجمل\" (٤/ ٦٠٢).\n(^٥) \"بيان القرآن\" (٣/ ٦٧١).\n(^٦) \"فيض الباري\" (٥/ ٤٦٤).","vol":"5","page":417},{"text":"(١١٢) <span data-type='title' id=toc-2987>﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\nوهكذا في نسخة \"القسطلاني\" بغير لفظ \"سورة\" مع ذكر البسملة، وفي نسخة \"العيني\" بزيادة لفظ \"سورة\" بغير البسملة، وفي نسخة \"الفتح\" بزيادتهما.\nقال العيني (^١): وتسمى سورة الإخلاص، وهي مكية، وقيل: مدنية نزلت لما قال قريش أو كعب بن الأشرف أو مالك بن الصعب أو عامر بن الطفيل العامري: انسب لنا ربك، انتهى.\nقال الحافظ (^٢): وجاء في سبب نزولها من طريق أبي العالية عن أُبي بن كعب: أن المشركين قالوا للنبي - ﷺ -: انسب لنا ربك، فنزلت، أخرجه الترمذي والطبري، وفي آخره: قال: \" ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ لأنه ليس شيء يولد إلا سيموت ولا شيء يموت إلا سيورث، وربنا لا يموت ولا يورث، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾: شبيه ولا عدل\"، وأخرجه الترمذي من وجه آخر عن أبي العالية مرسلًا وقال: هذا أصح، وصحح الموصول ابن خزيمة والحاكم، وله شاهد من حديث جابر عند أبي يعلى والطبري والطبراني في \"الأوسط\"، انتهى.\nقوله: (لا ينون ﴿أَحَدٌ﴾) بسط الكلام عليه في هامش \"اللامع\" (^٣) وفيه: قال القسطلاني: قوله: \"لا ينون ﴿أَحَدٌ﴾ \" أي في الوصل يقال: ﴿أحد الله﴾ بحذف التنوين لالتقاء الساكنين، ورويت قراءة عن زيد بن علي وأبان بن عثمان والحسن وأبي عمرو في رواية عنه، وقوله: \"واحد\" قال العيني: تفسير قوله: ﴿أَحَدٌ﴾، إلى آخر ما ذكر في هامش \"اللامع\" من الفرق بين واحد وأحد.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٥٢٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٧٣٩).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٩/ ٢٢)، و\"إرشاد الساري\" (١١/ ٢٨٢)، و\"عمدة القاري\" (١٣/ ٥٢٢).","vol":"5","page":418},{"text":"(١ -<span data-type='title' id=toc-2988> باب قوله: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص:</span> ٢])\nهكذا هذه الترجمة في النسخة \"الهندية\" وكذا في نسخة الحافظين ابن حجر والعيني.\nقال الحافظ (^١): ثبتت هذه الترجمة لأبي ذر، انتهى.\nوفي نسخة \"القسطلاني\": قوله: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ بدون لفظ \"باب\".\nقوله: (والعرب تسمي أشرافها الصمد) قال الحافظ (^٢): وقال أبو عبيدة: الصمد السيد الذي يصمد إليه ليس فوقه أحد، فعلى هذا هو فعل بفتحتين بمعنى مفعول، انتهى.\nوقال القسطلاني (^٣) في تفسير الصمد: قال ابن عباس: الذي تصمد إليه الخلائق في حوائجهم ومسائلهم، وهو من صمد إذا قصد، وهو الموصوف به على الإطلاق فإنه مستغن عن غيره مطلقًا، وكل ما عداه محتاج إليه في جميع جهاته، وقال الحسن وقتادة: هو الباقي بعد خلقه، وعن الحسن: الصمد الحي القيوم الذي لا زوال له، وعن عكرمة: الذي لم يخرج منه شيء ولا يطعم، وعن الضحاك والسدي: الذي لا جوف له، وعن عبد الله بن يزيد: الصمد نور يتلألأ، وكل هذه الأوصاف صحيحة في صفاته تعالى على ما لا يخفى، انتهى.\n\n(١١٣) <span data-type='title' id=toc-2989>﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\nهكذا في النسخ \"الهندية\" بغير لفظ \"سورة\" وفي نسخ الشروح الثلاثة بزيادة لفظ \"سورة\".\nقال العيني (^٤): وفي بعض النسخ، \"سورة الفلق\" ولم تثبت البسملة إلا\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٧٤٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٧٤٠).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٢٨٤، ٢٨٥).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٥٢٤).","vol":"5","page":419},{"text":"لأبي ذر، وهي مدنية في قول سفيان، وفي رواية همام وسعيد عن قتادة: مكية، وكذا قاله السدي، وقال سفيان: الفلق والناس نزلتا فيما كان لبيد بن الأعصم سحر رسول الله - ﷺ -، وقصته مشهورة في التفاسير، والفلق الصبح كذا روي عن ابن عباس، وعنه: سجن في جهنم، وعن السدي: جب في جهنم وعن أبي هريرة يرفعه بسند لا بأس به: \"الفلق جب في جهنم مغطى\"، وعن كعب: الجب بيت في جهنم إذا فتح صاح أهل النار من شر حره، وقيل غير ذلك، انتهى.\nقوله: (سألت أُبي بن كعب. . .) إلخ، قال الحافظ (^١): سيأتي في تفسير السورة التي بعدها بأتم من هذا السياق، ويشرح ثمة إن شاء الله تعالى، انتهى.\n\n(١١٤) <span data-type='title' id=toc-2990>﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\nفي نسخ الشروح الثلاثة بزيادة لفظ \"سورة\" من غير بسملة.\nقال العيني (^٢): وفي بعض النسخ: \"سورة الناس\"، وهي مدنية، انتهى.\nوقال القسطلاني (^٣): هي مكية أو مدنية، فإن قلت: إنه تعالى رب جميع العالمين فلم خص الناس؟ أجيب: لشرفهم، أو لأن المأمور هو الناس، انتهى.\nقوله: (ويذكر عن ابن عباس: الوسواس إذا ولد. . .) إلخ، وفي نسخة الحافظ: \"وقال ابن عباس\" قال الحافظ (^٤): كذا لأبي ذر، ولغيره: \"ويذكر عن ابن عباس \"وكأنه أولى؛ لأن إسناده إلى ابن عباس ضعيف، أخرجه\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٧٤١).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٥٢٥).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٢٨٨).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٨/ ٧٤١، ٧٤٢).","vol":"5","page":420},{"text":"الطبري والحاكم، وفي إسناده حكيم بن جبير وهو ضعيف، ولفظه: \"ما من مولود إلا على قلبه الوسواس، فإذا عمل فذكر الله خنس، فإذا غفل وسوس\" ورويناه في \"الذكر\" لجعفر بن أحمد بن فارس من وجه آخر عن ابن عباس وفي إسناده محمد بن حميد الرازي وفيه مقال، ولفظه: \"يحط الشيطان فاه على قلب ابن آدم، فإذا سها وغفل وسوس، وإذا ذكر الله تعالى خنس\"، ولسعيد بن منصور من طريق عروة بن رويم، قال: سأل عيسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام ربّه أن يريه موضع الشيطان من ابن آدم فأراه، فإذا رأسه مثل رأس الحية واضع رأسه على ثمرة القلب، فإذا ذكر العبد ربه خنس، وإذا ترك منّاه وحدثه، وقال ابن التِّين: ينظر في قوله: خنسه الشيطان، فإن المعروف في اللغة: خنس إذا رجع وانقبض، وقال عياض: كذا في جميع الروايات وهو تصحيف وتغيير، ولعله كان فيه نخسه، أي: بنون ثم خاء معجمة ثم سين مهملة مفتوحات، إلى آخر ما بسط الحافظ في تحقيقه، والمختصر ما قاله العيني (^١): قوله: \"خنس الشيطان\" قال الصاغاني: الأولى: نخسه الشيطان، مكان: خنسه الشيطان، فإن سلمت اللفظة من الانقلاب والتصحيف فالمعنى والله تعالى أعلم: أخره وأزاله عن مكانه لشدة نخسه وطعنه في خاصرته، ثم قال تحت حديث الباب: هذا طريق آخر في حديث أُبي بن كعب، وفيه قوله: \"يقول كذا وكذا\" يعني: أنهما ليستا من القرآن.\nقوله: (قيل لي) أي: إنهما من القرآن، وهذا كان مما اختلف فيه الصحابة ثم ارتفع الخلاف ووقع الإجماع عليه، فلو أنكر اليوم أحد قرآنيتهما كفر، وقال بعضهم: ما كانت المسألة في قرآنيتهما بل في صفة من صفاتهما وخاصة من خاصتهما، ولا شك أن هذه الرواية تحتملها فالحمل عليها أولى، والله أعلم، فإن قلت: قد أخرج أحمد وابن حبان\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٥٢٦).","vol":"5","page":421},{"text":"من رواية حماد بن سلمة عن عاصم بلفظ: أن ابن مسعود كان لا يكتب المعوذتين في مصحفه، وأخرج عبد الله بن أحمد في \"زيادات المسند\" والطبراني وابن مردويه من طريق الأعمش عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن يزيد النخعي قال: كان عبد الله بن مسعود يحكّ المعوذتين من مصاحفه، ويقول: إنهما ليستا من القرآن أو من كتاب الله تعالى. قلت: قال البزار: لم يتابع ابن مسعود على ذلك أحد من الصحابة، وقد صح عن النبي - ﷺ - أنه قرأهما في الصلاة، وهو في \"صحيح مسلم\" عن عقبة بن عامر، وزاد فيه ابن حبان من وجه آخر عن عقبة بن عامر: \"فإن استطعت أن لا تفوتك قراءتهما في صلاة فافعل\" وأخرج أحمد من طريق أبي العلاء بن الشخير عن رجل من الصحابة: أن النبي - ﷺ - أقرأه المعوذتين، وقال له: \"إذا أنت صليت فاقرأ بهما\" وإسناده صحيح، وروى سعيد بن منصور من حديث معاذ بن جبل - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - صلى الصبح فقرأ فيهما بالمعوذتين، انتهى.\nوقال القسطلاني (^١): وعنه - أي: عقبة بن عامر - أيضًا: أمرني رسول الله - ﷺ - أن أقرأ بالمعوذات في دبر كل صلاة، رواه أبو داود والترمذي، وعند النسائي عنه أيضًا: أن النبي - ﷺ - قرأ بهما في صلاة الصبح، وقد روي ذلك من طرق قد تفيد التواتر يطول إيرادها، والله الموفق للصواب، انتهى.\nوبسط الكلام على هذه المسألة في هامش \"اللامع\" (^٢) فارجع إليه لو شئت، وفيه عن \"الإتقان\" للسيوطي.\nقال الحافظ ابن حجر: قد صح عن ابن مسعود إنكار ذلك، ثم قال بعد ذكر الروايات المروية عن ابن مسعود: إن أسانيدها صحيحة، فقول\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٢٨٩، ٢٩٠).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٩/ ٢٢٤ - ٢٢٦).","vol":"5","page":422},{"text":"من قال: إنه كذب على ابن مسعود مردود، والطعن في الروايات الصحيحة بغير مستند لا يقبل، بل الروايات صحيحة والتأويل محتمل، وقد أوّله القاضي وغيره على إنكار الكتابة كما سبق، وهو تأويل حسن إلا أن الرواية الصريحة التي جاء فيها: \"ويقول: إنهما ليستا من كتاب الله\" تدفع ذلك، ويمكن حمل لفظ: كتاب الله، على المصحف فيتم التأويل المذكور، انتهى.\nوقوله: كما سبق، إشارة إلى ما تقدم في هامش \"اللامع\" أيضًا، وهو ما قال الحافظ: وقد تأول القاضي، أبو بكر الباقلاني في \"كتاب الانتصار\" وتبعه عياض وغيره ما حكي عن ابن مسعود فقال: لم ينكر ابن مسعود كونهما من القرآن وأنكر إثباتهما في المصحف، فإنه كان يرى أن لا يكتب في المصحف شيئًا إلا إن كان النبي - ﷺ - أذن في كتابته فيه، وكأنه لم يبلغه الإذن في ذلك، انتهى.\nقلت: بسط بحر العلوم الكلام على ذلك أشد البسط، وقال بعد نقل كلام صاحب \"الإتقان\" والنووي وابن حزم: فما قال الشيخ ابن حجر في شرح صحيح البخاري: أنه قد صح عن ابن مسعود إنكار ذلك، باطل لا يلتفت إليه، والذي صح عنه ما روى أحمد وابن حبان: أنه كان لا يكتب المعوذتين في مصحفه، وإنما صح خلو مصحفه عنها، إلى آخر ما بسط في هامش \"اللامع\".\nوقال الحافظ ابن كثير في \"تفسيره\" (^١): وهذا مشهور عند كثير من القراء والفقهاء أن ابن مسعود كان لا يكتب المعوذتين في مصحفه، فلعله لم يسمعها من النبي - ﷺ - ولم يتواتر عنده، ثم قد رجع عن قوله ذلك إلى قول الجماعة، فإن الصحابة رضي الله تعالى عنهم أثبتوهما في المصاحف ونفذوها إلى سائر الآفاق كذلك، ولله الحمد والمنة، ثم ذكر\n_________\n(^١) \"تفسير ابن أبي كثير\" (٦/ ٥١٥).","vol":"5","page":423},{"text":"عدة روايات صريحة دالة على كونهما من القرآن، فذكر حديث عقبة بن عامر المذكور قريبًا من عدة طرف، وذكر حديثين آخرين: أحدهما عن عبد الله الأسلمي هو ابن أنيس، وحديثًا آخر عن جابر بن عبد الله فارجع إليه لو شئت.\nقلت: وما يخطر ببالي من قديم الزمان أن السؤال في قوله: سألت أُبي بن كعب عن المعوذتين، ليسر عن قرآنيتهما بل مقصود السائل السؤال عن قراءة لفظ ﴿قُلْ﴾ كما هو في أول هاتين السورتين، والمعنى أقرأهما بلفظ قل أو بدونه؟ فقال: سألت رسول الله - ﷺ - فقال: \"قيل لي\" أي: أقرأنيهما جبريل بلفظ: \"قل، فقلت\" أي: قرأت بلفظ: قل، والله - ﷾ - أعلم، وهذا آخر ما يتعلق بكتاب التفسير.\nأما براعة الاختتام فعند الحافظ كما تقدم في مقدمة \"اللامع\" (^١) من قول الحافظ: وفي آخر التفسير تفسير المعوذتين، وأما عند هذا العبد الضعيف فقد تقدم أيضًا بلفظ: وفي آخر التفسير شرور الشيطان والنفس فإنها كلها من مهلكات الآخرة.\n* * *\n_________\n(^١) \"مقدمة لامع الدراري\" (١/ ١١١ - ١١٨).","vol":"5","page":424},{"text":"٦٦ -<span data-type='title' id=toc-2991> كتاب أبواب فضائل القرآن</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\nهكذا في النسخ \"الهندية\"، وفي نسخ الشروح الثلاثة: \"كتاب فضائل القرآن\".\nقال العيني (^١): ولم يقع لفظ كتاب إلا في رواية أبي ذر، والمناسبة بين كتاب التفسير وبين كتاب فضائل القرآن ظاهرة لا تخفى، والفضائل جمع فضيلة قال الجوهري: الفضل والفضيلة خلاف النقص والنقيصة، انتهى.\nوفي هامش \"اللامع\" (^٢): قال السيوطي في \"الإتقان\": اختلف الناس هل في القرآن شيء أفضل من شيء، فذهب الأشعري والباقلاني وابن حبان إلى المنع؛ لأن الجميع كلام الله - ﷿ - ولئلا يوهم التفضيل نقص المفضل عليه، وروي هذا عن مالك، وذهب الجمهور إلى التفضيل لظواهر الأحاديث، قال القرطبي: إنه الحق، وقال ابن الحصار: العجب ممن يذكر الاختلاف في ذلك مع النصوص الواردة في التفضيل، ثم ذكر في هامش \"اللامع\" كلام الإمام الغزالي عن \"جواهر القرآن\" فارجع إليه لو شئت.\nقال القسطلاني (^٣): اختلف [هل] في القرآن شيء أفضل من شيء، فذهب الأشعري والقاضي أبو بكر إلى أنه لا فضل لبعضه على بعض؛ لأن الأفضل يشعر بنقص المفضول وكلام الله تعالى حقيقة واحدة لا نقص فيه، وقال قوم بالأفضلية لظواهر الأحاديث كحديث: \"أعظم سورة في القرآن\"،\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٥٢٧).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٩/ ٢٣١).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٢٩١).","vol":"5","page":425},{"text":"ثم اختلفوا فقال قوم: الفضل راجع إلى عظم الأجر والثواب، وقال آخرون: بل لذات اللفظ، وأن ما تضمنته آية الكرسي وآخر سورة الحشر وسورة الإخلاص من الدلالة على وحدانيته تعالى وصفاته ليس موجودًا مثلًا في ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ فالتفضيل بالمعاني العجيبة وكثرتها لا من حيث الصفة، وقال الجويني: من قال: إن ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ أبلغ من ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ بجعل مقابلة بين ذكر الله وذكر أبي لهب وبين التوحيد والدعاء على الكافرين فذلك غير صحيح، بل ينبغي أن يقال: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ دعاء عليه بالخسران فهل توجد عبارة للدعاء بالخسران أحسن من هذه، وكذلك في ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ لا توجد عبارة تدل على الوحدانية أبلغ منها، فالعالم إذا نظر إلى ﴿تَبَّتْ﴾ في باب الدعاء بالخسران ونظر إلى ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ في باب التوحيد لا يمكنه أن يقول: أحدهما أبلغ من الآخر، وهذا التقييد يغفل عنه من لا علم عنده بعلم البيان، ولعل الخلاف في هذه المسألة يلتفت إلى الخلاف المشهور: أن كلام الله شيء واحد أم لا؟ وعند الأشعري أنه لا يتنوع في ذاته بل بحسب متعلقاته، وليس لكلام الله الذي هو صفة ذاته بعض لكن بالتأويل والتعبير وفهم السامعين اشتمل على أنواع المخاطبات، ولولا تنزله في هذه المواقع لما وصلنا إلى فهم شيء منه، انتهى.\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-2992> باب كيف نزل الوحي وأول ما نزل. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^١): قد تقدم البحث في كيفية نزوله في حديث عائشة: \"إن الحارث بن هشام سأل النبي - ﷺ - كيف يأتيك الوحي\" في أول الصحيح، وكذا أول نزوله في حديثها: \"أول ما بدئ به رسول الله - ﷺ - من الوحي الرؤيا الصادقة\" لكن التعبير بأول ما نزل أخص من التعبير بأول ما بدئ؛ لأن النزول يقتضي وجود من ينزل به، وأول ذلك مجيء الملك له عيانًا\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٤).","vol":"5","page":426},{"text":"مبلغًا عن الله بما شاء من الوحي، وإيحاء الوحي أعم من أن يكون بإنزال أو بإلهام، سواء وقع ذلك في النوم أو في اليقظة، انتهى.\nقلت: ما أفاده الحافظ متعلق بالجزء الثاني من الترجمة، والظاهر عند هذا العبد الضعيف أن بين الترجمتين بين قوله: \"كيف كان بدء الوحي\" وبين قوله: \"كيف نزل الوحي\" عمومًا وخصوصًا من وجه، فإن المنظور في الأول بدء الوحي أعم من أن يكون قرآنًا أو غيره، والمنظور ههنا كيفية نزول القرآن كما يدل عليه ذكره في كتاب فضائل القرآن أعم من أن يكون بدءً أو لا، كما يظهر من ملاحظة الروايات الواردة في الباب، فتدبر.\nقوله: (قال ابن عباس: المهيمن الأمين) قال الحافظ (^١): تقدم بيان هذا الأثر وذكر من وصله في تفسير سورة المائدة، وهو يتعلق بأصل الترجمة وهي فضائل القرآن، وتوجيه كلام ابن عباس: أن القرآن تضمن تصديق جميع ما أنزل قبله؛ لأن الأحكام التي فيه إما مقررة لما سبق، وإما ناسخة، وذلك يستدعي إثبات المنسوخ، وإما مجددة وكل ذلك دال على تفضيل المجدد، انتهى.\nقوله: (ما مثله آمن عليه البشر) كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٢): أي من شأنه وشأن جنسه أن يصدقه المتحدى به فيكون معجزة له، انتهى.\nوبسط في هامشه في شرح هذا الحديث من كلام الشرَّاح أشد البسط فارجع إليه لو شئت.\nوقال القسطلاني (^٣): وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الاعتصام، ومسلم في الإيمان، والنسائي في التفسير وفضائل القرآن.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٤).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٩/ ٢٣٣).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٢٩٤).","vol":"5","page":427},{"text":"(٢ -<span data-type='title' id=toc-2993> باب نزل القرآن بلسان قريش)</span>\nأي: بلغة معظمهم، \"والعرب\" من عطف العام على الخاص، ﴿قُرْآنًا﴾ [الزخرف: ٣]، ولأبي ذر: \"وقول الله تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ \".\n(﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾) [الشعراء: ١٩٥] قال القاضي أبو بكر الباقلاني: لم تقم دلالة قاطعة على نزول القرآن جميعه بلسان قريش، بل ظاهر قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: ٣] أنه نزل بجميع ألسنة العرب لأن اسم العرب يتناول الجميع تناولًا واحدًا، وقال أبو شامة: أي ابتداء نزوله بلغة قريش، ثم أبيح أن يقرأ بلغة غيرهم، انتهى من \"القسطلاني\" (^١).\nقال الحافظ (^٢): أما نزوله بلغة قريش فمذكور في الباب من قول عثمان، وقد أخرج أبو داود من طريق كعب الأنصاري: \"أن عمر كتب إلى ابن مسعود: أن القرآن نزل بلسان قريش، فأقرئ الناس بلغة قريش لا بلغة هذيل\"، وأما عطف العرب عليه فمن عطف العام على الخاص: لأن قريشًا من العرب، وأما ما ذكره من الآيتين فهو حجة لذلك، وقد أخرج ابن أبي داود في \"المصاحف\" من طريق أخرى عن عمر قال: \"إذا اختلفتم في اللغة فاكتبوها بلسان مضر\"، انتهى.\nومضر هو ابن نزار بن معد بن عدنان، وإليه تنتهي أنساب قريش وقيس وهذيل وغيرهم.\nوقال الحافظ أيضًا بعد نقل قول أبي شامة المذكور سابقًا: وتكملته أن يقال: إنه نزل أولًا بلسان قريش أحد الأحرف السبعة، ثم نزل بالأحرف السبعة المأذون في قرأتها تسهيلًا، كما سيأتي بيانه، فلما جمع عثمان الناس على حرف واحد رأى أن الحرف الذي نزل القرآن أولًا بلسانه أولى الأحرف، فحمل الناس عليه لكونه لسان النبي - ﷺ - ولما له من الأولية المذكورة، وعليه يحمل كلام عمر لابن مسعود أيضًا.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٢٩٥، ٢٩٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٩، ١٠).","vol":"5","page":428},{"text":"وقال الحافظ أيضًا بعد ذكر حديث صفوان بن يعلى: وقد خفي وجه دخول هذا الحديث في هذا الباب على كثير من الأئمة حتى قال ابن كثير في \"تفسيره\": ذكر هذا الحديث في الترجمة التي قبل هذه أظهر وأبين، فلعل ذلك وقع من بعض النساخ، قال ابن بطال: مناسبة الحديث للترجمة أن الوحي كله متلوًّا كان أو غير متلوٍ إنما نزل بلسان العرب، ولا يرد على هذا كونه - ﷺ - بعث إلى الناس كافة عربًا وعجمًا وغيرهم؛ لأن اللسان الذي نزل عليه به الوحي عربي وهو يبلغه إلى طوائف العرب وهم يترجمونه لغير العرب بألسنتهم، ولذا قال ابن المنيِّر: كان إدخال هذا الحديث في الباب الذي قبله أليق، لكن لعله قصد التنبيه على أن الوحي بالقرآن والسُّنَّة كان على صفة واحدة ولسان واحد، انتهى.\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-2994> باب جمع القرآن)</span>\nالمراد بالجمع ههنا جمع مخصوص وهو جمع متفرقه في صحف ثم جمع تلك الصحف في مصحف واحد مرتب السور، وسيأتي بعد ثلاثة أبواب \"باب تأليف القرآن\" والمراد به هناك تأليف الآيات في السورة الواحدة أو ترتيب السور في المصحف، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوقد جمع القرآن ثلاث مرات، قال الخطابي: إنما لم يجمع النبي - ﷺ - في المصحف لما كان يترقبه من ورود ناسخ لبعض أحكامه أو تلاوته، فلما انقضى نزوله بموته ألهم الله الخلفاء الراشدين ذلك، وفاء بوعده الصادق بضمان حفظه على هذه الأمة، وكان ابتداء ذلك على يد الصديق بمشورة عمر - ﵄ -، وقد كان القرآن كله كتب في عهد رسول الله - ﷺ - لكن غير مجموع في موضح واحد ولا مرتب السور، ولهذا قال الحاكم: جمع القرآن ثلاث مرات: أحدها: بحضرة النبي - ﷺ -، وأخرج بسنده على شرط الشيخين عن زيد بن ثابت قال: \"كنا جلوسًا عند رسول الله - ﷺ - نؤلف القرآن في\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ١١).","vol":"5","page":429},{"text":"الرقاع\" الحديث، قال البيهقي: يشبه أن يكون المراد تأليف ما نزل من الآيات المفردة في سورها وجمعها فيها بإشارة النبي - ﷺ -، والثانية: بحضرة أبي بكر المذكورة في حديث الباب، الثالث: جمع عثمان جمع الصحابة فنسخوها في المصاحف وكتبوها بلغة قريش، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وكان ذلك في سنة خمس وعشرين، وأما ترتيب السور والآيات فالإجماع والنصوص مترادفة على أن ترتيب الآيات توقيفي ولا خلاف فيه بين المسلمين، انتهى من حاشية \"الهندية\" عن \"اللمعات\" (^١).\nوقال السيوطي في \"الإتقان\": الإجماع والنصوص مترادفة على أن ترتيب الآيات توقيفي لا شبهة في ذلك، أما الإجماع فنقله غير واحد منهم الزركشي وأبو جعفر بن الزبير وعبارته: ترتيب الآيات في سورها واقع بتوقيفه - ﷺ - وأمره من غير خلاف في هذا بين المسلمين، ثم بسط السيوطي في النصوص الدالة على ذلك ذكر بعض منها في هامش \"اللامع\" (^٢) فارجع إليه لو شئت.\nقوله: (مع أهل لعراق) كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٣): متعلق بأهل الشام فهم من جملة الغازين أيضًا، انتهى.\nوفي هامشه: دفع الشيخ بذلك ظاهر ما يتوهم أن الغزوة كانت مع أهل العراق يعني يتوهم أن أهل العراق كانوا كفارًا، وأيضًا ظاهر قوله: \"كان يغازي أهل الشام\" أيضًا يوهم ذلك فدفعهما الشيخ بقوله: إن أهل الشام وأهل العراق كلاهما كانوا غزاة.\nقال القسطلاني: قوله: و\"كان عثمان يغازي أهل الشام\"، أي: يجهز أهل الشام، وأمر أهل الشام أن يجتمعوا مع أهل العراق في غزو أرمينية وأذربيجان وفتحهما، انتهى مختصرًا.\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري بحاشية السهارنفوري\" (١٠/ ٢٥٧ - ٢٥٨).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٩/ ٢٣٧، ٢٣٨).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٩/ ٢٣٦، ٢٣٧).","vol":"5","page":430},{"text":"قال الحافظ: والمراد أن أرمينية فتحت في خلافة عثمان وكان أمير العسكر من أهل العراق سلمان بن ربيعة الباهلي، وكان عثمان أمر أهل الشام وأهل العراق أن يجتمعوا على ذلك، وكان أمير أهل الشام على ذلك العسكر حبيب بن مسلمة الفهري، وكان حذيفة من جملة من غزا معهم وكان هو على أهل المدائن وهي من جملة أعمال العراق، وفي رواية يونس بن يزيد: اجتمع لغزوة أذربيجان وأرمينية أهل الشام وأهل العراق، واتفق غزوهما في سنة واحدة، واجتمع في غزوة كل واحد منها أهل الشام وأهل العراق، وكانت في سنة خمس وعشرين في السنة الثالثة أو الثانية من خلافة عثمان، انتهى مختصرًا.\n\n(٤ -<span data-type='title' id=toc-2995> باب كاتب النبي - ﷺ </span>-)\nوكانوا جماعة، ولم يذكر الإمام البخاري منهم غير زيد بن ثابت، ولعل غيره لم يكن على شرطه، ولا إشكال على الترجمة، فإنها بلفظ الإفراد، وقد أورد الحافظ ابن كثير على الإمام البخاري كما سيأتي في كلام الحافظ، ولعله وقع في بعض النسخ كما قال العيني (^١): \"باب كُتَّاب النبي - ﷺ -\" بلفظ الجمع، والتوجيه ظاهر من أنه أشار بالترجمة إلى الجماعة، ولما لم يكن غير زيد على شرطه لم يذكر.\nقال العلامة العيني (^٢): وكُتّاب النبي - ﷺ - كثيرون غير زيد بن ثابت؛ لأنه أسلم بعد الهجرة، وكان له - ﷺ - كُتّاب بمكة، فأوّل من كتب له بمكة من قريش عبد الله بن أبي سرح، ثم ارتد ثم عاد إلى الإسلام يوم الفتح، وكتب له في الجملة الخلفاء الأربعة والزبير بن العوام وخالد وأبان ابنا سعيد بن العاص بن أمية وحنظلة بن الربيع الأسدي ومعيقيب بن أبي فاطمة وعبد الله بن أرقم الزهري وشرحبيل بن حسنة وعبد الله بن رواحة، وأوّل من كتب بالمدينة أُبي بن كعب كتب له قبل زيد بن ثابت، وجماعة آخرون كتبوا له، انتهى.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٥٣٧).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٥٣٧).","vol":"5","page":431},{"text":"قال الحافظ (^١): قال ابن كثير: ترجم كُتَّاب النبي - ﷺ -، ولم يذكر سوى حديث زيد بن ثابت، وهذا عجيب وكأنه لم يقع له على شرطه غير هذا، ثم أشار إلى أنه استوفى بيان ذلك في السيرة النبوية.\nقال الحافظ: لم أقف في شيء من النسخ إلا بلفظ \"كاتب\" بالإفراد، وهو مطابق لحديث الباب، ثم ذكر أسماء كاتبي النبي - ﷺ - بنحو ما تقدم من كلام العيني.\n\n(٥ -<span data-type='title' id=toc-2996> باب أنزل القرآن على سبعة أحرف)</span>\nأي: على سبعة أوجه، يجوز أن يقرأ بكل وجه منها، وليس المراد أن كل كلمة ولا جملة منه تقرأ على سبعة أوجه، بل المراد أن غاية ما انتهى إليه عدد القراآت في الكلمة الواحدة إلى سبعة.\nفإن قيل: فإنا نجد بعض الكلمات يقرأ على أكثر من سبعة أوجه؟\nفالجواب: أن غالب ذلك إما لا يثبت الزيادة وإما أن يكون من قبيل الاختلاف في كيفية الأداء، كما في المدّ والإمالة ونحوهما، وقيل: ليس المراد بالسبعة حقيقة العدد بل المراد التسهيل والتيسير، ولفظ السبعة يطلق على إرادة الكثرة في الآحاد كما يطلق السبعين في العشرات، والسبعمائة في المئين، ولا يراد العدد المعين، وإلى هذا جنح عياض ومن تبعه، وذكر القرطبي عن ابن حبان أنه بلغ الاختلاف في معنى الأحرف السبعة إلى خمسة وثلاثين قولًا، ولم يذكر القرطبي منها سوى خمسة، وقال المنذري: أكثرها غير مختار، ولم أقف على كلام ابن حبان في هذا بعد تتبعي مظانه من \"صحيحه\"، وسأذكر ما انتهى إليّ من أقوال العلماء في ذلك مع بيان المقبول منها والمردود إن شاء الله تعالى في آخر هذا الباب، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\nوقد بسط الكلام في شرح هذا الحديث على عشرة أبحاث في \"أوجز\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٢٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٢٣).","vol":"5","page":432},{"text":"المسالك شرح موطأ الإمام مالك\" (^١) وفيه: قال الحافظ (^٢): قد اختلف العلماء في المراد بالأحرف السبعة على أقوال كثيرة بلّغها أبو حاتم بن حبان إلى خمسة وثلاثين قولًا، وقال المنذري: أكثرها غير مختار، انتهى. وقال القاري: اختلف في معناه على أحد وأربعين قولًا، منها أنه مما لا يدرى معناه، انتهى. وقال ابن العربي: لم يأت في ذلك نص ولا أثر، وقال أبو جعفر محمد بن سعدان النحوي: هذا من المشكل الذي لا يدرى معناه؛ لأن الحرف يأتي لمعان: للهجاء والكلمة وللمعنى والجهة، قاله الزرقاني، قال السيوطي في \"التنوير\" و\"زهر الربى\": هذا أرجح الأقوال عندي، وبسط السيوطي في \"الإتقان\" الأربعين قولًا مع النسبة إلى قائليها، انتهى.\n\n(٦ -<span data-type='title' id=toc-2997> باب تأليف القرآن)</span>\nقال الحافظ (^٣): أي جمع آيات السورة الواحدة، أو جمع السور مرتبة في المصحف، وقال أيضًا: إن ترتيب الآيات توقيفي إجماعًا، وترتيب السور اجتهادي، ولذا أجمعوا على جواز أن يقرأ سورة قبل سورة بخلاف آية قبل آية، انتهى.\nوالأوجه عند هذا العبد الضعيف أن المراد ههنا ترتيب السور، فإنه كان مختلفًا في زمانه، فإن ترتيب ابن مسعود غير ترتيب علي وأُبي، وإليه أشار المصنف بذكر الروايات في الباب.\nقوله: (فأملت عليه آي السور) قال العلامة القسطلاني (^٤): أي: آيات كل سورة كأن قالت له مثلًا: سورة البقرة كذا وكذا آية، وهذا يؤيد أن السؤال وقع عن تفصيل آيات كل سورة، انتهى.\nوقال الحافظ في شرح حديث الباب (^٥): وهذا كله على أن السؤال\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (٤/ ٢٣٩).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٢٦).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٩/ ٣٩، ٤٠).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٣١٢).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٩/ ٤٠).","vol":"5","page":433},{"text":"إنما وقع عن ترتيب السور، ويدل على ذلك قولها له: \"وما يضرك أية قرأت قبل\" ويحتمل أن يكون أراد تفصيل آيات كل سورة لقوله في آخر الحديث: \"فأملت عليه آي السور\" أي: آيات كل سورة كأن تقول له: سورة كذا مثلًا كذا كذا آية، الأولى كذا الثانية. . . إلخ، وهذا يرجع إلى اختلاف عدد الآيات، وفيه اختلاف بين المدني والشامي والبصري، وقد اعتنى أئمة القراء بجمع ذلك وبيان الخلاف فيه، والأول أظهر، ويحتمل أن يكون السؤال وقع عن الأمرين، والله أعلم، انتهى.\nقلت: والظاهر عندي في غرض المصنف ترتيب السور كما يدل عليه روايات الباب، وإن كان المراد في هذا الحديث تفصيل الآيات مع احتمال أنها - ﵂ - عدّت الآيات استطرادًا، وغرض السؤال كان ترتيب السور.\n\n(٧ -<span data-type='title' id=toc-2998> باب كان جبريل يعرض القرآن على النبي - ﷺ </span>-)\nبكسر الراء من العرض وهو بفتح العين وسكون الراء، أي: يقرأ، والمراد يستعرضه ما أقرأه إياه، وقال أيضًا في شرح قوله: \"كان يعارضني بالقرآن\": والمعارضة مفاعلة من الجانبين كأن كلًا منهما كان تارة يقرأ والآخر يستمع، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nقوله: (يعرض عليه رسول الله - ﷺ - القرآن) قال الحافظ (^٢): هذا عكس ما وقع في الترجمة لأن فيها أن جبريل كان يعرض على النبي - ﷺ -، وفي هذا أن النبي - ﷺ - كان يعرض على جبريل، وتقدم في بدء الوحي بلفظ: \"وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان، فيدارسه القرآن\" فيحمل على أن كلًا منهما كان يعرض على الآخر، ويؤيده ما وقع في رواية أبي هريرة آخر أحاديث الباب كما سأوضحه، انتهى.\nقلت: وحديث الباب قد سبق أول الصحيح، وكذا في كتاب الصوم،\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٤٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٤٤).","vol":"5","page":434},{"text":"وتقدم الكلام في أن العرض كان من جانب أو جانبين مع بيان اختلاف الروايات في كتاب الصوم فارجع إليه لو شئت.\n\n(٨ -<span data-type='title' id=toc-2999> باب القرَّاء من أصحاب النبي - ﷺ </span>-)\nقال الحافظ (^١): أي الذين اشتهروا بحفظ القرآن والتصدي لتعليمه، وهذا اللفظ كان في عرف السلف أيضًا لمن تفقه في القرآن وذكر فيه ستة أحاديث، وقال بعد ذكر الحديث الأول: قال الكرماني: يحتمل أنه - ﷺ - أراد الإعلام بما يكون بعده، أي: أن هؤلاء الأربعة يبقون حتى ينفردوا بذلك، وتعقب بأنهم لم ينفردوا بل الذين مهروا في تجويد القرآن بعد العصر النبوي أضعاف المذكورين، وقد قتل سالم مولى أبي حذيفة بعد النبي - ﷺ - في وقعة اليمامة، ومات معاذ في خلافة عمر، ومات أُبي وابن مسعود في خلافة عثمان، وقد تأخر زيد بن ثابت وانتهت إليه الرئاسة في القراءة، وعاش بعدهم زمانًا طويلًا.\nفالظاهر: أنه أمر بالأخذ عنهم في الوقت الذي صدر فيه ذلك القول، ولا يلزم من ذلك أن لا يكون أحد في ذلك الوقت شاركهم في حفظ القرآن، بل كان الذي يحفظون مثل الذين حفظوه وأزيد منهم جماعة من الصحابة، وقد تقدم في غزوة بئر معونة أن الذين قتلوا بها من الصحابة كان يقال لهم: القراء وكانوا سبعين رجلًا، انتهى.\n\n(٩ -<span data-type='title' id=toc-3000> باب فضل فاتحة الكتاب)</span>\nكذا في النسخة \"الهندية\" ونسخة \"الفتح\"، وفي نسخة \"القسطلاني\" \"باب فاتحة الكتاب\"، وفي نسخة \"العيني\" \"باب فضائل فاتحة الكتاب\".\nقال العيني (^٢): ومن أول قوله: \"باب فضائل القرآن\" إلى هنا ليس فيها شيء يتعلق بفضائل القرآن نعم يتعلق بأمور القرآن، وهي التراجم التي ذكرها إلى هنا، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٤٧، ٤٨).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٥٥٠).","vol":"5","page":435},{"text":"وقال الحافظ (^١): ذكر فيه حديثين: أحدهما: حديث أبي سعيد بن المعلى في أنها أعظم سورة في القرآن، والمراد بالعظم عظم القدر بالثواب المرتب على قراءتها، وإن كان غيرها أطول منها، وذلك لما اشتملت عليه من المعاني المناسبة لذلك، ثانيهما: حديث أبي سعيد الخدري في الرقية بفاتحة الكتاب، وقد تقدم شرحه مستوفى في كتاب الإجارة، وهو ظاهر الدلالة على فضل الفاتحة، قال القرطبي: اختصت الفاتحة بأنها مبدأ القرآن وحاوية لجميع علومه لاحتوائها على الثناء على الله والإقرار بعبادته والإخلاص له وسؤال الهداية منه والإشارة إلى الاعتراف بالعجز عن القيام بنعمه وإلى شأن المعاد وبيان عاقبة الجاحدين إلى غير ذلك مما يقتضي أنها كلها موضع الرقية، وذكر الروياني في \"البحر\": أن البسملة أفضل آيات القرآن، وتعقب بحديث آية الكرسي وهو الصحيح، انتهى.\nوقال العلامة القسطلاني (^٢): قال علي: لو أردت أن أملي (^٣) وقر بعير على الفاتحة لفعلت، انتهى.\n\n(١٠ -<span data-type='title' id=toc-3001> فضل البقرة)</span>\nكذا في النسخة \"الهندية\" بدون لفظ \"باب\" وهكذا في نسخة \"القسطلاني\"، وفي نسخة الحافظين ابن حجر والعيني: \"باب فضل سورة البقرة\".\nذكر المصنف فيه حديثين وقع في الأول منهما قوله: \"من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه\" قال الحافظ (^٤): قوله: \"كفتاه\" أي: أجزأتا عنه من قيام الليل بالقرآن، وقيل: أجزأتا عنه عن قراءة القرآن مطلقًا سواء كان داخل الصلاة أم خارجها، وقيل معناه: أجزأتاه فيما يتعلق بالاعتقاد لما اشتملتا عليه من الإيمان والأعمال إجمالًا، وقيل معناه: كفتاه كل سوء، وقيل: شر الشيطان، وقيل: دفعتا عنه شر الإنس والجن، وقيل\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٥٤).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٣٢٣).\n(^٣) الوقر، بالكسر: الحمل الثقيل.\n(^٤) \"فتح الباري\" (٩/ ٥٦).","vol":"5","page":436},{"text":"معناه: كفتاه ما حصل له بسببهما من الثواب عن طلب شيء آخر وكأنهما اختصتا بذلك لما تضمنتاه من الثناء على الصحابة بجميل انقيادهم إلى الله وابتهالهم ورجوعهم إليه وما حصل لهم من الإجابة إلى مطلوبهم، انتهى.\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"الكوكب\" (^١): قوله: \"كفتاه\" أي: عن حق قراءة القرآن، فلو قرأ قارئ كل يوم آيتين لم يعد تاركًا للقراءة، وفيه وجوه أخر، انتهى.\nقال القسطلاني: عند الحاكم وصححه عن النعمان بن بشير رفعه: \"إن الله كتب كتابًا وأنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة لا يقرآن في دار فيقربها الشيطان ثلاث ليال\" وزاد أبو عبيدة من مرسل ابن جبير: \"فاقرؤوهما وعلّموهما أبناءكم فإنهما قرآن وصلاة ودعاء\"، انتهى.\n\n(١١ -<span data-type='title' id=toc-3002> باب فضل سورة الكهف)</span>\nوفي نسخ الشروح الثلاثة \"باب فضل الكهف\".\nقال الحافظ (^٢): وسقط لفظ \"باب\" لغير أبي ذر في هذا والذي قبله والثلاثة بعده.\nقوله: (كان رجل يقرأ سورة الكهف) قال الحافظ (^٣): قيل: هو أسيد بن حضير كما سيأتي من حديثه نفسه بعد ثلاثة أبواب، لكن فيه أنه كان يقرأ سورة البقرة، وفي هذا أنه كان يقرأ سورة الكهف وهذا ظاهره التعدد، وقد وقع قريب من القصة التي لأسيد لثابت بن قيس بن شماس لكن في سورة البقرة أيضًا، وأخرج أبو داود من طريق مرسلة قال: قيل للنبي - ﷺ -: ألم تر ثابت بن قيس لم تزل داره البارحة تزهر بمصابيح، قال: \"فلعله قرأ سورة البقرة\" فسئل قال: قرأت سورة البقرة، ويحتمل أن يكون قرأ سورة البقرة وسورة الكهف جميعًا، أو من كل منهما، انتهى.\n_________\n(^١) \"الكوكب الدري\" (٤/ ٨)، و\"إرشاد الساري\" (١١/ ٣٢٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٥٧).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٩/ ٥٧).","vol":"5","page":437},{"text":"(١٢ -<span data-type='title' id=toc-3003> باب فضل سورة الفتح)</span>\nوفي رواية غير أبي ذر بغير \"باب\" كما تقدم.\n\n(١٣ -<span data-type='title' id=toc-3004> باب ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] فيه عمرة عن عائشة. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^١): هو طرف من حديث أوله: \"أن النبي - ﷺ - بعث رجلًا على سرية فكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم فيختم بقل هو الله أحد\" الحديث وفي آخره: \"أخبروه أن الله يحبه\" وسيأتي موصولًا بتمامه في أول كتاب التوحيد، وتقدم في صفة الصلاة من وجه آخر عن أنس، وذهل الكرماني فقال: قوله: \"فيه عمرة\" أي: روت عن عائشة حديثًا في فضل سورة الإخلاص ولما لم يكن على شرطه لم يذكره بنصّه واكتفى بالإشارة إليه إجمالًا، كذا قال، وغفل عما في كتاب التوحيد، والله أعلم، انتهى.\nقوله: (ثلث القرآن) اختلفوا في معناه على أقوال بسطها الحافظ في \"الفتح\" وأجملها صاحب \"التعليق الممجد\" فقال (^٢): قوله: \"إنها لتعدل\" أي: تساوي ثلث القرآن؛ لأن معاني القرآن ثلاثة علوم: علم التوحيد، وعلم الشرائع وعلم تهذيب الأخلاق، وسورة الإخلاص تشتمل على القسم الأشرف منها الذي هو كالأصل للقسمين وهو علم التوحيد، وقال الطيبي: وذلك لأن القرآن على ثلاثة أنحاء: قصص، وأحكام، وصفات الله - ﷿ -، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ﴾ متمحضة للصفات فهي ثلث القرآن، وقيل: ثوابها يضاعف بقدر ثلث القرآن، فعلى الأول لا يلزم من تكريرها استيعاب القرآن وختمه، وعلى الثاني يلزم، وقال ابن عبد البر: من لم يتأول هذا الحديث أخلص ممن اختار الرأي، وإليه ذهب أحمد وإسحاق فإنهما حملا الحديث على أن\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٥٩).\n(^٢) \"التعليق الممجد\" (١/ ٥٢٦، ٥٢٧)، وانظر: \"فتح الباري\" (٩/ ٦١).","vol":"5","page":438},{"text":"معناه أن لها فضلًا في الثواب تحريضًا على تعلمها لا أن قراءتها ثلاث مرات كقراءة القرآن، قال: وهذا لا يستقيم ولو قرأها مائتي مرة، كذا في \"المرقاة\" (^١)، انتهى.\nوقال صاحب \"التعليق\" (^٢) أيضًا: قد وقع النزاع بين طلبتي المستفيدين مني بحضرتي في أنه إذا قرأ سورة الإخلاص هل يجد ثواب قراءة تمام القرآن؟ فقال بعضهم: نعم مستندًا بهذا الحديث، ورده بعضهم بأن جمع الأثلاث إنما يبلغ إلى الواحد التام إذا كانت من جنس واحد وإلا فلا، فحضروا لديّ سائلين تحقيق الحق في ذلك فقلت: قد صرَّح جمع من الفقهاء والمحدثين لذلك، فقالوا: غرضنا أنه هل يستنبط ذلك من هذا الحديث أم لا؟ فقلت: إن كانت الثلثية معللة باشتمالها على ثلث معاني القرآن وهو التوحيد كما هو رأي جماعة فلا دلالة لهذا الحديث على حصول ثواب ختم القرآن للتثليث؛ لأن التثليث حينئذ يكون تثليثًا لآيات التوحيد فقط، ولا يشتمل على باقي القرآن، وإن حمل ذلك على كون ثوابه بقدر ثواب ثلث القرآن مع قطع النظر عما ذكر يمكن ثواب الختم التام للتثليث فانقطع النزاع بينهم، ثم وجدت في \"معجم الطبراني الصغير\" بسنده عن أبي هريرة مرفوعًا: \"من قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ بعد صلاة الصبح اثنتي عشر مرة فكأنما قرأ القرآن أربع مرات، وكان أفضل أهل الأرض يومئذ إذا اتقى\" فصار هذا أدل على المقصود قاطعًا للنزاع، انتهى مختصرًا.\n\n(١٤ -<span data-type='title' id=toc-3005> باب فضل المعوذات)</span>\nقال القسطلاني (^٣): بكسر الواو، وثبت لفظ \"باب\" لأبي ذر، انتهى.\nقال الحافظ (^٤): أي: الإخلاص والفلق والناس، وقد كنت جوَّزت في باب الوفاة النبوية من كتاب المغازي أن الجمع فيه بناء على أن أقل الجمع\n_________\n(^١) \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ٣٤٩).\n(^٢) \"التعليق الممجد\" (١/ ٥٢٧).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٣٣٤).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٩/ ٦٢).","vol":"5","page":439},{"text":"اثنان، ثم ظهر من حديث هذا الباب أنه على الظاهر وأن المراد به أنه كان يقرأ بالمعوذات، أي: السور الثلاث وذكر سورة الإخلاص معهما تغليبًا لما اشتملت عليه من صفة الرب وإن لم يصرِّح فيها بلفظ التعويذ، وقد أخرج أصحاب السنن الثلاثة وأحمد وابن خزيمة وابن حبان من حديث عقبة بن عامر قال: قال لي رسول الله - ﷺ -: \" ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ تعوذ بهن فإنه لم يتعوذ بمثلهن\" وفي لفظ: \"اقرأ المعوذات دبر كل صلاة\" فذكرهن، انتهى.\n\n(١٥ -<span data-type='title' id=toc-3006> باب نزول السكينة والملائكة عند قراءة القرآن)</span>\nكذا جمع بين السكينة والملائكة ولم يقع في حديث الباب ذكر السكينة ولا في حديث البراء الماضي في فضل سورة الكهف ذكر الملائكة، فلعل المصنف كان يرى أنهما قصة واحدة، ولعله أشار إلى أن المراد بالظلة في حديث الباب السكينة، لكن ابن بطال جزم بأن الظلة السحابة وأن الملائكة كانت فيها ومعها السكينة، قال ابن بطال: قضية الترجمة أن السكينة تنزل أبدًا مع الملائكة (^١)، انتهى.\n\n(١٦ -<span data-type='title' id=toc-3007> باب من قال: لم يترك النبي - ﷺ - إلا ما بين الدفتين)</span>\nقال القسطلاني (^٢): أي إلا ما جمعه الصحابة من القرآن بين الدفتين - بفتح الدال والفاء المشددة - أي: اللوحتين ولم يفتهم منه شيء لذهاب حملته ولم يكتموا منه شيئًا، خلافًا لما ادعته الروافض لتصحيح دعواهم الباطلة أن التنصيص على إمامة علي بن أبي طالب واستحقاقه للخلافة كان ثابتًا عند موت النبي - ﷺ - في القرآن فكتموه، وقال أيضًا تحت أثر محمد\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (٩/ ٦٣).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٣٣٨).","vol":"5","page":440},{"text":"ابن الحنفية \"ما ترك إلا ما بين الدفتين\": ولا يرد على هذا حديث علي السابق في العلم: \"ما عندنا إلا كتاب الله وما في هذه الصحيفة\"؛ لأنه أراد الأحكام التي كتبها عنه - ﷺ - ولم ينف أن عنده أشياء أخر من الأحكام لم يكن كتمها، ونفي ابن عباس وابن الحنفية وارد على ما يتعلق بالنص في القرآن من إمامة علي، واستدل المؤلف - ﵀ - على بطلان مذهب الرافضة بمحمد ابن الحنفية أحد أئمتهم في دعواهم وهو ابن علي، وابن عباس ابن عمه وأشد الناس له لزومًا، فلو كان شيء مما ادعوه لكانا أحق الناس بالاطلاع عليه ولما وسعهما كتمانه، فللَّه در المؤلف ما أدق نظره وألطف إشارته - ﵀ - وإيانا، انتهى.\nوقال الحافظ (^١) في شرح ترجمة الباب: قوله: \"إلا ما بين الدفتين\" أي: ما في المصحف وليس المراد أنه ترك القرآن مجموعًا بين الدفتين؛ لأن ذلك يخالف ما تقدم من جمع أبي بكر ثم عثمان، وهذه الترجمة ردّ على من زعم أن كثيرًا من القرآن ذهب لذهاب حملته، وهو شيء اختلقه الروافض لتصحيح دعواهم أن التنصيص على إمامة علي واستحقاقه الخلافة عند موت النبي - ﷺ - كان ثابتًا في القرآن، وأن الصحابة كتموه، وهي دعوى باطلة؛ لأنهم لم يكتموا مثل: \"أنت عندي بمنزلة هارون من موسى\" وغيرها من الظواهر التي قد يتمسك بها من يدعي إمامته، كما لم يكتموا ما يعارض ذلك، أو يخصص عمومه، أو يقيد مطلقه، وقد تلطف المصنف في الاستدلال على الرافضة بما أخرجه عن أحد أئمتهم، فذكر نحو ما تقدم عن القسطلاني.\n\n(١٧ -<span data-type='title' id=toc-3008> باب فضل القرآن على سائر الكلام)</span>\nغرض المصنف عندي تقوية حديث الترمذي: \"فضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على سائر خلقه\" ومن دأبه أنه قد يترجم لتأييد بعض\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٦٥).","vol":"5","page":441},{"text":"الروايات بالأحاديث التي على شرطه. قال الحافظ (^١): هذه الترجمة لفظ حديث أخرج الترمذي معناه من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"يقول الرب - ﷿ -: من شغله القرآن عن ذكري وعن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين، وفضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه\" ورجاله ثقات إلا عطية العوفي وفيه ضعف، وأخرجه ابن عدي من رواية شهر بن حوشب عن أبي هريرة مرفوعًا: \"فضل القرآن على سائر الكلام كفضل الله على خلقه\" إلى آخر ما بسط الحافظ في تخريجه.\nقال القسطلاني (^٢): وقال المظهري: ينبغي أن لا يظن القارئ أنه إذا لم يطلب من الله حوائجه لا يعطيه أكمل الإعطاء فإنه من كان لله كان الله له، وعن العارف أبي عبد الله بن خبيق قدَّس الله سرّه: شغل القرآن القيام بموجباته من إقامة فرائضه والاجتناب عن محارمه، فإن الرجل إذا أطاع الله فقد ذكره وإن قل صلاته وصومه، وإن عصاه نسيه وإن كثر صلاته وصومه، وعند ابن الضريس من طريق الجراح بن الضحاك عن علقمة بن مرثد عن أبي عبد الرحمن السلمي عن عثمان رفعه: \"خيركم من تعلم القرآن وعلمه\" ثم قال: \"وفضل القرآن على سائر الكلام كفضل الله على خلقه\" وذلك أنه منه، وقد بيَّن العسكري أن هذه الزيادة من قول أبي عبد الرحمن السلمي، انتهى.\nوقال الحافظ (^٣): ثم ذكر المصنف في الباب حديثين، ومطابقة الحديث الأول بالترجمة من جهة ثبوت فضل قارئ القرآن على غيره فيستلزم فضل القرآن على سائر الكلام كما فضل الأترج على سائر الفواكه، ومناسبة الحديث الثاني من جهة ثبوت فضل هذه الأمة على غيرها من الأمم، وثبوت الفضل لها بما ثبت من فضل كتابها الذي أمرت بالعمل به، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٦٦).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٣٣٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٩/ ٦٦، ٦٧).","vol":"5","page":442},{"text":"قال الكرماني (^١): فإن قلت: الترجمة بفضل القرآن وفي الحديث الأول فضل القارئ، وأما الحديث الثاني فلا دلالة على الترجمة فيه أصلًا، قلت: فضل القارئ بقراءة القرآن وكذلك فضل هذه الأمة على الأمم إنما هو بسبب القرآن، انتهى.\n\n(١٨ -<span data-type='title' id=toc-3009> باب الوصاة بكتاب الله)</span>\nكذا في النسخة \"الهندية\" و\"الفتح\" و\"القسطلاني\"، وفي نسخة \"العيني\" \"باب الوصاية بكتاب الله\".\nقال القسطلاني (^٢): بألف بعد الصاد، ولأبي ذر عن الكشميهني \"الوصية\" بالتحتية المشددة بدل الألف، انتهى.\nقال الحافظ (^٣): في رواية الكشميهني \"الوصية\" وقد تقدم بيان ذلك في كتاب الوصايا، وتقدم فيه حديث الباب مشروحًا، وقوله فيه: \"أوصى بكتاب الله\" بعد قوله: \"لا\" حين قال له: هل أوصى بشيء؟ ظاهرهما التخالف وليس كذلك لأنه نفى ما يتعلق بالإمارة ونحو ذلك لا مطلق الوصية، والمراد بالوصية بكتاب الله حفظه حسًا ومعنى، فيكرم ويصان ولا يسافر به إلى أرض العدو، ويتبع ما فيه فيعمل بأوامره ويجتنب نواهيه، ويداوم تلاوته وتعلمه وتعليمه ونحو ذلك، انتهى.\n\n(١٩ -<span data-type='title' id=toc-3010> باب من لم يتغن بالقرآن)</span>\nقال الحافظ (^٤): هذه الترجمة لفظ حديث أورده المصنف في الأحكام من طريق ابن جريج عن ابن شهاب بسند حديث الباب بلفظ: \"من لم يتغن بالقرآن فليس منا\" وهو في \"السنن\" من حديث سعد بن أبي وقاص وغيره.\n_________\n(^١) \"شرح الكرماني\" (١٩/ ٢٩، ٣٠).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٣٤٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٩/ ٦٧).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٩/ ٦٨).","vol":"5","page":443},{"text":"قوله: (وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾) [العنكبوت: ٥١] أشار بهذه الآية إلى ترجيح تفسير ابن عيينة: يتغنى يستغني، كما سيأتي في هذا الباب عنه، وأخرجه أبو داود عن ابن عيينة ووكيع جميعًا، وقد بيَّن إسحاق بن راهويه عن ابن عيينة أنه استغناء خاص، وكذا قال أحمد عن وكيع: يستغني به عن أخبار الأمم الماضية، وقد أخرج الطبري وغيره من طريق عمرو بن دينار عن يحيى بن جعدة قال: جاء ناس من المسلمين بكتب وقد كتبوا فيها بعض ما سمعوه من اليهود، فقال النبي - ﷺ -: \"كفى بقوم ضلالة أن يرغبوا عمّا جاء به نبيهم إلى ما جاء به غيره إلى غيرهم\"، فنزل ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ الآية، وقد خفي وجه مناسبة تلاوة هذه الآية هنا على كثير من الناس كابن كثير، فنفى أن يكون لذكرها وجه، على أن ابن بطال مع تقدمه قد أشار إلى المناسبة فقال: قال أهل التأويل في هذه الآية. . . فذكر أثر يحيى بن جعدة مختصرًا، قال: فالمراد بالآية الاستغناء عن أخبار الأمم الماضية، وليس المراد الاستغناء الذي هو ضد الفقر، قال: واتباع البخاري الترجمة بالآية يدل على أنه يذهب إلى ذلك، انتهى.\nوقال القسطلاني (^١): قوله: \"قال سفيان: تفسيره يستغني به\" أي: عن غيره من الكتب السالفة، أو من الإكثار من الدنيا، وارتضى ذلك أبو عبيد في تفسيره وقال: إنه جائز في كلام العرب، واحتج بقول ابن مسعود - ﵁ -: من قرأ آل عمران فهو غني، وقيل: المراد به الغنى المعنوي وهو غنى النفس وهو القناعة لا المحسوس الذي هو ضد الفقر، فإن ذلك لا يحصل بمجرد ملازمة القرآن، وقال النووي: معناه عند الشافعي وأصحابه وأكثر العلماء: تحسين الصوت به، انتهى.\nقال الطيبي: قال الشافعي: لو كان معنى يتغنى بالقرآن على الاستغناء\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٣٤٤).","vol":"5","page":444},{"text":"لقال: يستغني، وتحسين الصوت هو يتغنى، ونقل ابن الجوزي عن الشافعي أن المراد به التحزن، قال في \"الفتح\": ولم أره صريحًا إنما قال في \"مختصر المزني\": وأحب أن يقرأ حدرًا وتحزينًا، انتهى.\nوالحدر الإدراج من غير تمطيط، والتحزين رقة الصوت وتصيره كصوت الحزين، وقال ابن الأنباري في \"الزاهر\": المراد بالتغني التلذذ به كما يستلذ أهل الطرب بالغناء فأطلق عليه تغنيًا من حيث إنه يفعل عنده كما يفعل عند الغناء، وقيل: المراد الترنم به لحديث ابن أبي داود والطحاوي عن أبي هريرة - ﵁ -: \"حسن الترنم بالقرآن\"، قال الطبري: والترنم لا يكون إلا بالصوت إذا حسنه القارئ وطرب به، قال: ولو كان معناه الاستغناء لما كان لذكر الصوت ولا لذكر الجهر معنى، انتهى.\nويمكن كما في \"الفتح\" الجمع بين أكثر التأويلات المذكورة وهو أنه يحسن به صوته جاهرًا به مترنمًا على طريق التحزن مستغنيًا به عن غيره طالبًا به غنى النفس راجيًا به غنى اليد، انتهى.\nقال الحافظ (^١): وسيأتي ما يتعلق بحسن الصوت في القرآن في ترجمة مفردة، ولا شك أن النفوس تميل إلى سماع القراءة بالترنم أكثر من ميلها لمن لا يترنم؛ لأن للتطريب تأثيرًا في رقة القلب وإجراء الدمع، وكان بين السلف اختلاف في جواز القرآن بالألحان، أما تحسين الصوت وتقديم حسن الصوت على غيره فلا نزاع في ذلك، ثم بسط الحافظ اختلاف العلماء في جواز القراءة بالألحان، انتهى.\n\n(٢٠ -<span data-type='title' id=toc-3011> باب اغتباط صاحب القرآن)</span>\nتقدم في أوائل كتاب العلم: \"باب الاغتباط في العلم والحكمة\" وذكرت هناك تفسير الغبطة، والفرق بينها وبين الحسد، وأن الحسد في\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٧٢).","vol":"5","page":445},{"text":"الحديث أطلق عليها مجازًا، قال الإسماعيلي: ترجمة الباب اغتباط صاحب القرآن وهذا فعل صاحب القرآن فهو الذي يغتبط، وإذا كان يغتبط بفعل نفسه كان معناه أنه يسر ويرتاح بعمل نفسه، وهذا ليس مطابقًا.\nقلت: ويمكن الجواب بأن مراد البخاري بأن الحديث لما كان دالًا على أن غير صاحب القرآن يغتبط صاحب القرآن بما أعطيه من العمل بالقرآن فاغتباط صاحب القرآن بعمل نفسه أولى إذا سمع هذه البشارة الواردة في حديث الصادق، انتهى (^١).\nويمكن عندي أن يقال: إن الاغتباط المذكور في الترجمة مصدر مضاف إلى مفعوله، أي: الاغتباط على صاحب القرآن، فحينئذ مطابقة الحديث بالترجمة ظاهرة، ثم إن الترجمة شارحة في أن المراد بالحسد في الحديث هو الغبطة، ولذا قال القسطلاني (^٢): قوله: \"باب اغتباط\" أي: تمنى مثل ما له من نعمة القرآن من غير أن تتحول عنه.\n\n(٢١ -<span data-type='title' id=toc-3012> باب خيركم من تعلم القرآن وعلمه)</span>\nقال الحافظ (^٣): كذا ترجم بلفظ المتن وكأنه أشار إلى ترجيح الرواية بالواو، وقال أيضًا في شرح حديث الباب: قوله: \"خيركم من تعلم القرآن وعلمه\" كذا للأكثر، وللسرخسي \"أو علمه\" وهي للتنويع لا للشك، وكذا الأحمد عن غندر عن شعبة، وزاد في أوله: \"إن\"، وأكثر الرواة عن شعبة يقولونه بالواو، وكذا أخرجه الترمذي من حديث علي وهي أظهر من حيث المعنى؛ لأن التي بأو تقتضي إثبات الخيرية المذكورة لمن فعل أحد الأمرين، فيلزم أن من تعلم القرآن ولو لم يعلمه غيره أن يكون خيرًا ممن عمل بما فيه مثلًا وإن لم يتعلمه، ولا يقال يلزم على رواية الواو أيضًا أن من تعلمه وعلّمه غيره أن يكون أفضل ممن عمل بما فيه من غير أن يتعلمه\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (٩/ ٧٣).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٣٤٥).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٩/ ٧٤ - ٧٦).","vol":"5","page":446},{"text":"ولم يعلمه غيره لأنا نقول: يحتمل أن يكون المراد بالخيرة من جهة حصول التعليم بعد العلم، والذي يعلم غيره يحصل له النفع المتعدي بخلاف من يعمل فقط بل من أشرف العمل تعليم الغير، فمعلم غيره يستلزم أن يكون تعلمه وتعليمه لغيره عمل وتحصيل نفع متعد، ولا يقال: لو كان المعنى حصول النفع المتعدي لاشترك كل من علم غيره علمًا ما في ذلك؛ لأنا نقول: القرآن أشرف العلوم، فيكون من تعلمه وعلمه لغيره أشرف ممن تعلم غير القرآن وإن علمه فيثبت المدعى، ولا شك أن الجامع بين تعلم القرآن وتعليمه مكمل لنفسه ولغيره جامع بين النفع القاصر والنفع المتعدي؛ ولهذا كان أفضل، وهو من جملة من عنى - ﷾ - بقوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: ٣٣] والدعاء إلى الله تعالى يقع بأمور شتى، من جملتها: تعليم القرآن وهو أشرف الجميع، وعكسه الكافر المانع لغيره من الإسلام، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا﴾ [الأنعام: ١٥٧]، فإن قيل: فيلزم على هذا أن يكون المقرئ أفضل من الفقيه، قلنا: لا؛ لأن المخاطبين بذلك كانوا فقهاء النفوس لأنهم كانوا أهل اللسان فكانوا يدرون معاني القرآن بالسليقة أكثر مما يدريها من بعدهم بالاكتساب فكان الفقه لهم سجية، فمن كان في مثل شأنهم شاركهم في ذلك لا من كان قارئًا أو مقرئًا محضًا لا يفهم شيئًا من معاني ما يقرؤه أو يقرئه، انتهى.\nقوله: (وأقرأني أبو عبد الرحمن. . .) إلخ، هكذا في النسخ الهندية التي بأيدينا، ومحا والدي قُدِّس سرُّه عن نسخة كتابه لفظ \"ني\" وهو الصواب؛ فإنه لا يوجد في النسخ المصرية لكن حكاه الحافظ في \"الفتح\" (^١) عن الكرماني أنه وقع في بعض نسخ البخاري: \"قال سعد بن عبيدة: وأقرأني أبو عبد الرحمن\" قال: وهي أنسب لقوله: وذاك الذي أقعدني إلخ، أي: أن\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٧٧).","vol":"5","page":447},{"text":"إقراءه إياي هو الذي حملني على أن قعدت هذا المقعد الجليل، انتهى.\nوالذي في معظم النسخ \"وأقرأ\" بحذف المفعول وهو الصواب، وكأن الكرماني ظن أن قائل: وذاك الذي أقعدني، هو سعد بن عبيدة وليس كذلك بل قائله أبو عبد الرحمن إلى آخر ما بسط.\n\n(٢٢ -<span data-type='title' id=toc-3013> باب القراءة عن ظهر القلب)</span>\nذكر فيه حديث سهل في الواهبة مطولًا، وهو ظاهر فيما ترجم له لقوله: فيه: \"أتقرأهن عن ظهر قلبك؟ قال: نعم\" فدل على فضل القراءة عن ظهر القلب لأنها أمكن في التوصل إلى التعليم، وقال ابن كثير: إن كان البخاري أراد بهذا الحديث الدلالة على أن تلاوة القرآن عن ظهر قلب أفضل من تلاوته نظرًا من المصحف، ففيه نظر؛ لأنها قضية عين فيحتمل أن يكون الرجل كان لا يحسن الكتابة وعلم النبي - ﷺ - ذلك، فلا يدل ذلك على أن التلاوة عن ظهر قلب أفضل في حق من يحسن ومن لا يحسن، وأيضًا فإن سياق هذا الحديث إنما هو لاستثبات أنه يحفظ تلك السور عن ظهر قلب ليتمكن من تعليمه لزوجته، وليس المراد أن هذا أفضل من التلاوة نظرًا ولا عدمه.\nقلت: ولا يرد على البخاري شيء مما ذكر؛ لأن المراد بقوله: \"باب القراءة عن ظهر قلب\" مشروعيتها أو استحبابها، والحديث مطابق لما ترجم به، ولم يتعرض لكونها أفضل من القراءة نظرًا، وقد صرَّح كثير من العلماء بأن القراءة من المصحف نظرًا أفضل من القراءة عن ظهر قلب، ثم ذكر الحافظ بعض الروايات الدالة على أفضلية قراءة القرآن نظرًا، ثم قال: لكن القراءة عن ظهر قلب أبعد من الرياء وأمكن للخشوع، والذي يظهر أن ذلك يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص (^١)، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٧٨، ٧٩).","vol":"5","page":448},{"text":"وتعقب العلامة العيني (^١): كلام الحافظ بأن المراد من الترجمة مشروعيتها أو استحبابها، ولم يتعرض لكونها أفضل. . . إلخ.\nقلت: سبحان الله ما أبعد هذا الجواب وأبرده، والباب مذكور في بيان فضائل القرآن، فكيف يقول ذلك، ولم يضع هذه الترجمة إلا لبيان أفضلية القراءة نظرًا، إلى آخر ما قال.\n\n(٢٣ -<span data-type='title' id=toc-3014> باب استذكار القرآن وتعاهده)</span>\nأي: طلب ذكره بضم الذال، وتعاهده، أي: تجديد العهد به بملازمة تلاوته، انتهى من \"الفتح\" (^٢). وهكذا قال العيني والقسطلاني.\nقوله: (بئسما لأحدهم أن يقول: نسيت آية كيت وكيت بل نُسِّي) كتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): يعني بذلك: أنه لا ينبغي له التغافل وعليه أن يتعاهد القرآن، فإذا ذهب عنه مع تعاهده فهو تنسية من الله تعالى وليس بنسيان، ولا مؤاخذة فيه، ولا ينبغي له أن يغفل عنه حتى يلزم النوبة أن يقول: نسيته، انتهى.\nقال الحافظ في \"الفتح\" (^٤): قال إسحاق بن راهويه: يكره للرجل أن يمر عليه أربعون يومًا لا يقرأ فيه القرآن، ثم ذكر حديث عبد الله بن مسعود: بئس ما لأحد أن يقول: نسيت آية كيت وكيت، انتهى.\n\n(٢٤ -<span data-type='title' id=toc-3015> باب القراءة على الدابة)</span>\nقال الحافظ (^٥): أي: لراكبها، وكأنه أشار إلى الرد على من كره ذلك وقد نقله ابن أبي داود عن بعض السلف، وتقدم البحث في كتاب الطهارة في قراءة القرآن في الحمام وغيرها، وقال ابن بطال: إنما أراد بهذه الترجمة\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٥٧٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٧٠٩)، و\"عمدة القاري\" (١٣/ ٥٧٥)، و\"إرشاد الساري\" (١١/ ٣٥١).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٩/ ٢٤٩).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٩/ ٨٦).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٩/ ٨٣).","vol":"5","page":449},{"text":"أن في القراءة الدابة سُنَّة موجودة، وأصل هذه السُّنَّة قوله تعالى: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ الآية [الزخرف: ١٣] ثم ذكر المصنف حديث عبد الله بن المغفل مختصرًا وقد تقدم بتمامه في تفسير سورة الفتح، ويأتي بعد أبواب، انتهى.\n\n(٢٥ -<span data-type='title' id=toc-3016> باب تعليم الصبيان القرآن)</span>\nكأنه أشار إلى الرد على من كره ذلك، وقد جاءت كراهية ذلك عن سعيد بن جبير وإبراهيم النخعي، وأسنده ابن أبي داود عنهما، ولفظ إبراهيم: كانوا يكرهون أن يعلّموا الغلام القرآن حتى يعقل، وكلام سعيد بن جبير يدل على أن كراهة ذلك من جهة حصول الملال له، ولفظه عند ابن أبي داود أيضًا: كانوا يحبون أن يكون يقرأ الصبي بعد حين، وحجة من أجاز ذلك أنه أدعى إلى ثبوته ورسوخه عنده، كما يقال: التعلم في الصغر كالنقش في الحجر، وكلام سعيد بن جبير يدل على أنه يستحب أن يترك الصبي أولًا مرفهًا ثم يؤخذ بالجد على التدريج، والحق أن ذلك يختلف بالأشخاص، والله أعلم، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوقال القسطلاني (^٢): وعند ابن سعد بإسناد صحيح أن ابن عباس قال: سلوني عن التفسير فإني حفظت القرآن وأنا صغير، وفي \"تهذيب النووي\": إن سفيان بن عيينة حفظ القرآن وهو ابن أربع سنين، انتهى.\n\n(٢٦ -<span data-type='title' id=toc-3017> باب نسيان القرآن)</span>\nكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٣): يعني بذلك: أنه لا كراهة في إطلاق هذا اللفظ ونسبته إليه، وإنما المنهي التغافل وترك التعاهد المفضي إلى النسيان، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٨٣).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٣٥٤، ٣٥٥).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٩/ ٢٥٠).","vol":"5","page":450},{"text":"قال الحافظ (^١): كأنه يريد أن النهي عن قوله: نسيت آية كذا وكذا، ليس للزجر عن هذا اللفظ بل للزجر عن تعاطي أسباب النسيان المقتضية لقول هذا اللفظ، ويحتمل أن ينزل المنع والإباحة على حالتين: فمن نشأ نسيانه عن اشتغاله بأمر دين كالجهاد لم يمتنع عليه قول ذلك؛ لأن النسيان لم ينشأ عن إهمال ديني، وعلى ذلك يحمل ما ورد من ذلك عن النبي - ﷺ - من نسبة النسيان إلى نفسه، ومن نشأ نسيانه عن اشتغاله بأمر دنيوي ولا سيما إن كان محظورًا امتنع عليه لتعاطيه أسباب النسيان، انتهى.\nقوله: (كنت أنسيتها) قال الإسماعيلي: النسيان من النبي - ﷺ - لشيء من القرآن يكون على قسمين: أحدهما: نسيانه الذي يتذكره عن قرب وذلك قائم بالطباع البشرية، كما قال في حديث السهو: \"إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون\"، والثاني: أن يرفعه الله عن قلبه على إرادة نسخ تلاوته، وهو المشار إليه بالاستثناء في قوله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) إلا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى: ٦، ٧].\nقال الحافظ (^٢): وفي الحديث حجة لمن أجاز النسيان على النبي - ﷺ - فيما ليس طريقه البلاغ مطلقًا وكذا فيما طريقه البلاغ لكن بشرطين: أحدهما: أنه بعد ما يقع منه تبليغه، والآخر: أنه لا يستمر على نسيانه بل يحصل له تذكره إما بنفسه وإما بغيره، وهل يشترط في هذا الفور؟ قولان، فأما قبل تبليغه فلا يجوز عليه فيه النسيان أصلًا، وزعم بعض الأصوليين وبعض الصوفية أنه لا يقع منه نسيان أصلًا وإنما يقع منه صورته ليسن، قال عياض: لم يقل به من الأصوليين أحد إلا أبا المظفر الإسفرايني، انتهى من \"الفتح\".\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٨٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٨٦).","vol":"5","page":451},{"text":"(٢٧ -<span data-type='title' id=toc-3018> باب من لم ير بأسًا أن يقول: سورة البقرة وسورة كذا)</span>\nقال الحافظ (^١): أشار بذلك إلى الرد على من كره ذلك، وقال: لا يقال إلا السورة التي يذكر فيها كذا، وقد تقدم في الحج من طريق الأعمش أنه سمع الحجاج بن يوسف على المنبر يقول: السورة التي يذكر فيها كذا، وأنه رد عليه بحديث أبي مسعود، قال عياض: حديث أبي مسعود حجة في جواز قول سورة البقرة ونحوها، وقد اختلف في هذا فأجازه بعضهم وكرهه بعضهم.\nقلت: وقد تقدم في أبواب الرمي من كتاب الحج أن إبراهيم النخعي أنكر قول الحجاج: لا تقولوا سورة البقرة، ففي رواية مسلم أنها سُنَّة، وأورد حديث أبي مسعود، وأقوى من هذا في الحجة ما أورده المصنف من لفظ النبي - ﷺ -، وجاءت فيه أحاديث كثيرة صحيحة من لفظ النبي - ﷺ -.\nقال النووي \"في الأذكار\": يجوز أن يقول: سورة البقرة، إلى أن قال: وسورة العنكبوت، وكذلك الباقي، ولا كراهة في ذلك، وقال بعض السلف: يكره ذلك، والصواب الأول، وهو قول الجماهير، قلت: وقد جاء فيما يوافق ما ذهب إليه البعض المشار إليه حديث مرفوع عن أنس رفعه: \"لا تقول سورة البقرة ولا سورة آل عمران ولا سورة النساء وكذلك القرآن كله\" أخرجه أبو الحسين بن قانع في \"فوائده\" والطبراني في \"الأوسط\" وفي سنده عبيس بن ميمون العطار وهو ضعيف، وأورده ابن الجوزي في \"الموضوعات\" قلت: وقد تقدم في \"باب تأليف القرآن\" أن النبي - ﷺ - كان يقول: \"ضعوها في السورة التي يذكر فيها كذا\"، قال ابن كثير في تفسيره: ولا شك أن ذلك أحوط ولكن استقر الإجماع على الجواز، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٨٧، ٨٨).","vol":"5","page":452},{"text":"(٢٨ -<span data-type='title' id=toc-3019> باب الترتيل في القراءة)</span>\nأي: تبيين حروفها والتأني في أدائها ليكون أدعى إلى فهم معانيها. قوله: (قال ابن عباس: ﴿فَرَقْنَاهُ﴾ فصلناه) وصله ابن جريج من طريق علي بن أبي طلحة عنه، وعند أبي عبيد من طريق مجاهد أن رجلًا سأله عن رجل قرأ البقرة وآل عمران، ورجل قرأ البقرة فقط، قيامهما واحد وركوعهما واحد وسجودهما واحد، فقال: الذي قرأ البقرة فقط أفضل، ثم تلا: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ [الإسراء: ١٠٦]، وعند ابن أبي داود من طريق أخرى عن أبي حمزة، قلت لابن عباس: إني رجل سريع القراءة إني لأقرأ القرآن في ليلة، فقال ابن عباس: لأن أقرأ سورة أحب إليّ، إن كنت لا بد فاعلًا فاقرأ قراءة تسمعها أذنيك ويوعيها قلبك، والتحقيق أن لكل من الإسراع والترتيل جهة فضل بشرط أن يكون المسرع لا يخل بشيء من الحروف والحركات والسكون الواجبات، فلا يمتنع أن يفضل أحدهما الآخر وأن يستويا، إلى آخر ما ذكر الحافظ في \"الفتح\" (^١).\n\n(٢٩ -<span data-type='title' id=toc-3020> باب مدّ القراءة)</span>\nالمدّ عند القراء على ضربين: أصلي وهو إشباع الحرف الذي بعده ألف أو واو أو ياء، وغير أصلي وهو ما إذا أعقب الحرف الذي هذه صفته همزة وهو متصل ومنفصل، فالمتصل ما كان من لفظ الكلمة، والمنفصل ما كان بكلمة أخرى، فالأول: يؤتى فيه بالألف والواو والياء ممكنات من غير زيادة، والثاني: يزاد في تمكين الألف والواو والياء زيادة على المد الذي لا يمكن النطق بها إلا به من غير إسراف، والمذهب الأعدل أنه يمد كل حرف منها ضعفي ما كان يمده أولًا وقد يزاد على ذلك قليلًا وما أفرط فهو غير محمود، والمراد من الترجمة الضرب الأول، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٨٩).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٩١).","vol":"5","page":453},{"text":"وقال القسطلاني (^١): \"باب مد القراءة\" في حروف المد وهي: و، ا، ي، المدّ الأصلي الذي لا تقوم ذواتها إلا به، ومباحث مقادير المد للهمزة للقراء مذكورة في الدواوين المؤلفة في ذكر قراءاتهم، انتهى.\n\n(٣٠ -<span data-type='title' id=toc-3021> باب الترجيع)</span>\nفي القراءة هو تقارب ضروب حركاتها وترديد الصوت في الحلق، قاله القسطلاني (^٢).\nوقال الحافظ (^٣): وقد فسره كما سيأتي في حديث عبد الله بن المغفل المذكور في هذا الباب في كتاب التوحيد بقوله: آء آء آء بهمزة مفتوحة بعدها ألف ساكنة ثم همزة أخرى، ثم قالوا: يحتمل أمرين:\nأحدهما: أن ذلك حدث من هزّ الناقة، والآخر: أنه أشبع المد في موضعه فحدث ذلك، وهذا الثاني أشبه بالسياق، فإن في بعض طرق: \"لولا أن يجتمع الناس لقرأت لكم بذلك اللحن\" أي: النغم، وقد ثبت الترجيع في غير هذا الموضع فأخرج الترمذي في \"الشمائل\" والنسائي وابن ماجه وابن أبي داود - واللفظ له - من حديث أم هانئ: \"كنت أسمع صوت النبي - ﷺ - وهو يقرأ وأنا نائمة على فراشي يرجع القرآن\" قال الشيخ ابن أبي جمرة: معنى الترجيع تحسين التلاوة لا ترجيع الغناء: لأن القراءة بترجيع الغناء تنافي الخشوع الذي هو مقصود التلاوة، انتهى.\nوقال القسطلاني (^٤) في شرح قوله: \"وهو يرجع\": زاد في التوحيد: قال: آء آء آء، وهو محمول على إشباع في محله، وإذا جمعت هذا إلى قوله ﵊: \"زينوا القرآن بأصواتكم\" ظهر لك أن هذا الترجيع منه ﵊ كان اختيارًا لا اضطرارًا لهز الناقة له، فإنه لو كان لهز الناقة لما كان داخلًا تحت الاختيار، فلم يكن عبد الله بن مغفل\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٣٦٤، ٣٦٥).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٣٦٥).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٩/ ٩٢).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٣٦٥، ٣٦٦).","vol":"5","page":454},{"text":"يفعله ويحكيه اختيارًا ليتأسى به وهو يراه من هز الناقة له، ثم يقول: كان يرجع في قراءته فنسب الترجيع إلى فعله، وليس المراد ترجيع الغناء كما أحدثه قراء زماننا، عفا الله عنا وعنهم ووفقنا أجمعين لتلاوة كتابه على النحو الذي يرضيه عنا بمنّه وكرمه، انتهى.\n\n(٣١ -<span data-type='title' id=toc-3022> باب حسن الصوت بالقراءة)</span>\nقال القسطلاني (^١): ولا ريب أنه يستحب تحسين الصوت بالقراءة، وحكى النووي الإجماع عليه لكونه أوقع في القلب وأشد تأثيرًا وأرق لسامعه، فإن لم يكن القارئ حسن الصوت فليحسنه ما استطاع، فمن جملة تحسينه أن يراعي فيه قوانين النغم فإن الحسن الصوت يزداد حسنًا بذلك، وهذا إذا لم يخرج عن التجويد المعتبر عند أهل القراءات، فإن خرج عنها لم يف تحسين الصوت بقبح الأداء، انتهى.\nقال الحافظ (^٢): وقد تقدم في \"باب من لم يتغن بالقرآن\" نقل الإجماع على استحباب سماع القرآن من ذي الصوت الحسن، وأخرج ابن أبي داود من طريق ابن أبي مسجعة قال: كان عمر يقدم الشاب الحسن الصوت لحسن صوته بين يدي القوم، انتهى.\n\n(٣٢ -<span data-type='title' id=toc-3023> باب من أحب أن يسمع القرآن من غيره)</span>\nفي رواية الكشميهني \"القراءة\" بدل \"القرآن\"، ذكر فيه حديث ابن مسعود: \"قال لي النبي - ﷺ -: اقرأ عليّ القرآن\" أورده مختصرًا، ثم أورده مطولًا في الباب الذي بعده، قال ابن بطال: يحتمل أن يكون أحب أن يسمعه من غيره ليكون عرض القرآن سُنَّة، ويحتمل أن يكون لكي يتدبره ويتفهمه، وذلك أن المستمع أقوى على التدبر ونفسه أخلى وأنشط لذلك من القارئ لاشتغاله بالقراءة وأحكامها، وهذا بخلاف قراءته هو - ﷺ - على\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٣٦٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٩٢).","vol":"5","page":455},{"text":"أُبي بن كعب كما تقدم في المناقب وغيرها، فإنه أراد أن يعلمّه كيفية أداء القراءة ومخارج الحروف ونحو ذلك، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(٣٣ -<span data-type='title' id=toc-3024> باب قول المقرئ للقارئ: حسبك)</span>\nقال القسطلاني (^٢): \"باب قول المقرئ\" أي: الذي يقرأ غيره \"للقارئ\" أي: الذي يقرأ عليه \"حسبك\" أي: يكفيك.\nوقال بعد ذكر حديث الباب: وفي الحديث كما قال النووي: استحباب استماع القراءة والإصغاء إليها والبكاء عندها والتدبر فيها، واستحباب طلب القراءة من الغير ليستمع عليه وهو أبلغ في التدبر كما مر، وهذا الحديث سبق في سورة النساء، انتهى.\nقلت: وسكت الشرَّاح عن غرض الترجمة ولعل الغرض منه الإشارة إلى جواز هذا القول؛ لأنه يتوهم المنع عن الخير، وثبوت الجواز لفعله - ﷺ - ظاهر.\n\n(٣٤ -<span data-type='title' id=toc-3025> باب في كم يقرأ القرآن، وقول الله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل:</span> ٢٠])\nقال الحافظ (^٣): كأنه أشار إلى الرد على من قال: أقل ما يجزئ من القراءة في كل يوم وليلة جزء من أربعين جزءًا من القرآن، وهو منقول عن إسحاق بن راهويه والحنابلة؛ لأن عموم قوله: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ يشمل أقل من ذلك فمن ادعى التحديد فعليه البيان، وقد أخرج أبو داود من وجه آخر عن عبد الله بن عمرو: \"في كم يقرأ القرآن؟ قال: في أربعين يومًا، ثم قال: في شهر\" الحديث ولا دلالة فيه على المدعى.\nوقال الحافظ (^٤) أيضًا: وقد خفيت مناسبة حديث أبي مسعود بالترجمة\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٩٣، ٩٤).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٣٦٨، ٣٦٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٩/ ٩٥).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٩/ ٩٥ - ٩٧).","vol":"5","page":456},{"text":"على ابن كثير، والذي يظهر أنها من جهة أن الآية المترجم بها تناسب ما استدل به ابن عيينة من حديث أبي مسعود، والجامع بينهما أن كلًّا من الآية والحديث يدل على الاكتفاء بخلاف ما قال ابن شبرمة، ولأبي عبيد من طريق الطيب بن سلمان عن عمرة عن عائشة: \"أن النبي - ﷺ - كان لا يختم القرآن في أقل من ثلاث\" فهذا اختيار أحمد وأبي عبيدة وإسحاق بن راهويه وغيرهم، وثبت عن كثير من السلف أنهم قرءوا القرآن في دون ذلك.\nقال النووي: والاختيار أن ذلك يختلف بالأشخاص فمن كان من أهل الفهم وتدقيق الفكر استحب له أن يقتصر على القدر الذي لا يختل به المقصود من التدبر واستخراج المعاني، وكذا من كان له شغل بالعلم أو غيره من مهمات الدين ومصالح المسلمين العامة يستحب له أن يقتصر منه على القدر الذي لا يخل بما هو فيه، ومن لم يكن كذلك فالأولى له الاستكثار ما أمكنه من غير خروج إلى الملل ولا يقرءوه هذرمة، والله تعالى أعلم، انتهى.\nوقال القسطلاني (^١) تحت حديث عبد الله بن عمرو: \"فاقرأه في سبع ولا تزد على ذلك\" وليس النهي للتحريم كما أن الأمر في جميع ما مر في الحديث ليس للوجوب، خلافًا لبعض الظاهرية، حيث قال بحرمة قراءته في أقل من ثلاث، وأكثر العلماء كما قاله النووي على عدم التقدير في ذلك، وإنما هو بحسب النشاط والقوة إلى أن قال: وقد كان بعضهم يختم في اليوم والليلة، وبعضهم ثلاثًا، وكان ابن الكاتب الصوفي يختم أربعًا بالنهار وأربعًا بالليل، وقد رأيت بالقدس الشريف في سنة سبع وستين وثمانمائة رجلًا يكنى بأبي الطاهر من أصحاب الشيخ شهاب الدين بن رسلان ذكر لي أنه كان يقرأ في اليوم والليلة خمس عشرة ختمة، وثبتني في ذلك في هذا\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (٣٧٣، ٣٧٤).","vol":"5","page":457},{"text":"الزمن شيخ الإسلام البرهان بن أبي شريف المقدسي نفع الله بعلومه، وأما الذين ختموا القرآن في ركعة فلا يحصون كثرة، منهم عثمان وتميم الداري وسعيد بن جبير، والله تعالى يهب ما يشاء لمن يشاء، انتهى من \"القسطلاني\".\nوبسط الكلام على هذه المسألة في \"الأوجز\" وفيه (^١): قال ابن قدامة: يستحب أن يقرأ القرآن في كل سبعة أيام ليكون له ختمة في كل أسبوع، وهكذا في \"نيل المآرب\" في فقه الحنابلة إلى آخر ما بسط، وفيه أيضًا: قال القاري: وقد روي عن الشيخ موسى السدراني من أصحاب الشيخ أبي مدين المغربي أنه كان يختم في الليل والنهار سبعين ألف ختمة، ونقل عنه أنه ابتدأ بعد تقبيل الحجر وختم في محاذاة الباب بحيث سمعه بعض الأصحاب حرفًا حرفًا، انتهى.\nقلت: وهذا من الغرائب وقد روى الحسن بن زياد عن الإمام الأعظم أبي حنيفة أنه قال: قراءة القرآن في كل سنة مرتين إعطاء لحقه لأنه - ﷺ - عرض على جبريل - ﵇ - في السنة التي قبض فيها مرتين، انتهى.\n\n(٣٥ -<span data-type='title' id=toc-3026> باب البكاء عند قراءة القرآن)</span>\nقال الحافظ (^٢): قال النووي: البكاء عند قراءة القرآن صفة العارفين وشعار الصالحين، قال الله تعالى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ﴾ [الإسراء: ١٠٩]، ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨] والأحاديث فيه كثيرة، قال الغزالي: يستحب البكاء مع القراءة وعندها، وطريق تحصيله أن يحضر قلبه الحزن والخوف بتأمل ما فيه من التهديد والوعيد الشديد والوثائق والعهود ثم ينظر تقصيره في ذلك، وإن لم يحضره حزن فليبك على فقد ذلك وأنه من أعظم المصائب.\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (٤/ ٢٢٨ - ٢٣٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٩٨، ٩٩).","vol":"5","page":458},{"text":"وقال الحافظ أيضًا تحت حديث الباب: وأخرج ابن المبارك في \"الزهد\" من طريق سعيد بن المسيب قال: ليس من يوم إلا يعرض على النبي - ﷺأمته غدوة وعشية، فيعرفهم بسيماهم وأعمالهم فلذلك يشهد عليهم، انتهى.\nقوله: (قال يحيى: بعض الحديث عن عمرو بن مرة) قال الحافظ (^١): وحاصله: أن الأعمش سمع الحديث المذكور من إبراهيم النخعي وسمع بعضه من عمرو بن مرة عن إبراهيم، وقد أوضحت ذلك في تفسير سورة النساء أيضًا، ويظهر لي أن القدر الذي عند الأعمش عن عمرو بن مرة من هذا الحديث من قوله: \"فقرأت النساء\" إلى آخر الحديث، وأما ما قبله إلى قوله: \"أن أسمعه من غيري\" فهو عند الأعمش عن إبراهيم كما هو في الطريق الثانية في هذا الباب، وكذا أخرجه المصنف من وجه آخر عن الأعمش قبل ببابين، وتقدم قبل بباب واحد عن محمد بن يوسف الفريابي عن سفيان الثوري مقتصرًا على طريق الأعمش عن إبراهيم من غير تبيين التفصيل الذي في رواية يحيى القطان عن الثوري، وهو يقتضي أن في رواية الفريابي إدراجًا، وقوله في هذه الرواية: \"عن أبيه\" هو معطوف على قوله عن سليمان، وهو الأعمش وحاصله: أن الثوري روى هذا الحديث عن الأعمش، ورواه أيضًا عن أبيه وهو سعيد بن مسروق عن أبي الضحى، ورواية إبراهيم عن عبيدة عن ابن مسعود موصولة، ورواية أبي الضحى عن ابن مسعود منقطعة، انتهى.\nقوله: (يعني تسفحان عن أبيه. . .) إلخ، هكذا في النسخ الهندية وليس هذا اللفظ في الشروح الثلاثة بل انتهى فيها على قوله: \"تذرفان\" ووجّه المحشي بقوله: لعل المراد أن هذا التفسير رواه الثوري في رواية عن أبيه، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٩٨، ٩٩).","vol":"5","page":459},{"text":"ولم يتعرض له في تقرير الوالد المغفور له ولا في تقرير مولانا أنور شاه - ﵀ -.\n\n(٣٦ -<span data-type='title' id=toc-3027> باب من رايا بقراءة القرآن)</span>\nهكذا في النسخة \"الهندية\" وكذا في نسخة \"العيني\" و\"القسطلاني\"، وفي نسخة \"الفتح\": \"باب إثم من راءى\" قال الحافظ (^١): كذا للأكثر وفي رواية \"رايا\" بتحتانية بدل الهمزة، و\"تأكل\" أي: طلب الأكل، وقوله: \"أو فجر به\" للأكثر بالجيم، وحكى ابن التِّين أن في رواية بالخاء المعجمة، ثم ذكر في الباب ثلاثة أحاديث: أحدها: حديث علي في ذكر الخوارج، وقد تقدم في علامات النبوة، والحديث الثاني: حديث أبي سلمة عن أبي سعيد في ذكر الخوارج أيضًا، وسيأتي شرحه أيضًا في استتابة المرتدين، وتقدم من وجه آخر في علامات النبوة ومناسبة هذين الحديثين للترجمة أن القراءة إذا كانت لغير الله فهي للرياء أو للتأكل به ونحو ذلك، فالأحاديث الثلاثة دالة لأركان الترجمة لأن منهم من رايا به وإليه الإشارة في حديث أبي موسى، ومنهم من تأكل به وهو مخرج من حديثه أيضًا، ومنه من فجر به وهو مخرج من حديث علي وأبي سعيد، والحديث الثالث: حديث أبي موسى الذي تقدم مشروحًا في \"باب فضل القرآن على سائر الكلام\" وهو ظاهر فيما ترجم له، انتهى.\nقوله: (وريحها مر) وسيأتي في كتاب التوحيد وكذا في الأطعمة في \"باب قراءة الفاجر والمنافق\" بلفظ: \"لا ريح لها\" وهكذا تقدم بلفظ \"لا ريح لها\" في \"باب فضل القرآن على سائر الكلام\".\nقال الحافظ (^٢) في \"باب فضل القرآن\": قوله: \"لا ريح لها\" في رواية شعبة: \"وريحها مر\" واستشكلت هذه الرواية من جهة أن المرارة من أوصاف\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ١٠٠، ١٠١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٦٧).","vol":"5","page":460},{"text":"الطعوم فكيف يوصف بها الريح؟ وأجيب بأن ريحها لما كان كريهًا استعير له وصف المرارة، انتهى.\nقلت: ويمكن الجواب عنه عندي أن بعض الأشياء يدرك طعمها في الفم بالريح والشم كبعض الأشياء الحامضة وذوي المرارة، وهكذا يظهر حلاوه بعض الفواكه بالشم وهو مشاهد.\nوقال العيني (^١): أثبت الريح هناك ونفى ههنا؛ لأن المنفي الريح الطيبة بقرينة المقام، والمثبت المر، انتهى.\nوقال الكرماني مجيبًا عن هذا الإشكال: قلت: المقصود منهما واحد وذلك هو بيان عدم النفع لا له ولا لغيره وربما كان مضرًا فمعناه: لا ريح لها نافعة، انتهى.\n\n(٣٧ -<span data-type='title' id=toc-3028> باب اقرؤوا القرآن ما ائتلفت قلوبكم)</span>\nأي: ما اجتمعت قلوبكم عليه، يعني: اقرءوه على نشاط منكم وخواطركم مجموعة، فإذا حصل لكم ملالة فاتركوه فإنه أعظم من أن يقرأه أحد من غير حضور القلب، كذا فسَّره الطيبي.\nوقال الكرماني: الظاهر أن المراد اقرؤوا ما دام بين أصحاب القراءة ائتلاف فإذا حصل اختلاف فقوموا عنه، وقال ابن الجوزي: كان اختلاف الصحابة يقع في القراءات واللغات فأمروا بالقيام عند الاختلاف لئلا يجحد أحدهم ما يقرؤه الآخر فيكون جاحدًا لما أنزل الله - ﷿ -، انتهى من \"العيني\" (^٢).\nوقال القسطلاني (^٣): وحمله القاضي عياض على الزمن النبوي خوف\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٤٣٠).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٥٩٥، ٥٩٦).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٣٧٩، ٣٨٠).","vol":"5","page":461},{"text":"نزول ما يسوء ويحتمل كما في \"الفتح\" أن يكون المعنى: اقرءوا والزموا الائتلاف على ما دل عليه وقاد إليه، فإذا وقع الاختلاف، أي: أو عرض عارض شبهة يقتضي المنازعة الداعية إلى الافتراق فاتركوا القراءة، وتمسكوا بالمحكم الموجب للألفة وأعرضوا عن المتشابه المؤدي إلى الفرقة، قال: وهو كقوله - ﷺ -: \"فإذا رأيتم الذين يتبعون المتشابه منه فاحذروهم\"، انتهى.\nومناسبة الحديث الأخير قال العيني (^١): مطابقته للترجمة في آخر الحديث، انتهى. يعني: في النهي عن المخالفة وهو ضد الائتلاف، والحديث قد مر في \"الإشخاص\"، وقال العيني أيضًا: واعلم أن الاختلاف المنهي هو الخارج عن اللغات السبع أو ما لا يكون متواترًا، وأما غيره فهو رحمة لا بأس به وذلك مثل الاختلاف بزيادة الواو ونقصانها في ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ﴾ [يونس: ٦٨] وبالجمع والإفراد ﴿كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] والكتاب، إلى آخر ما ذكر من الأمثلة.\nثم البراعة عند الحافظ كما تقدم في \"مقدمة اللامع\" (^٢) من قوله: وفي آخر فضائل القرآن: \"اختلفوا فأهلكوا\"، انتهى. وهكذا عندي في قوله: \"فأهلكهم الله\".\n* * *\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٥٩٧، ٥٩٨).\n(^٢) \"مقدمة لامع الدراري\" (١/ ١١١).","vol":"5","page":462},{"text":"٦٧ -<span data-type='title' id=toc-3029> كتاب النكاح</span>\nتقدم مناسبة هذا الكتاب بما قبله في \"مقدمة اللامع\" (^١) من كلام الحافظ قُدِّس سرُّه، وكذا من هذا العبد الضعيف من أن النكاح يحصل به النسل والذرية التي يقوم منها جيل بعد جيل يحفظون أحوال التنزيل، انتهى.\nقال الحافظ (^٢): النكاح في اللغة الضم والتداخل، وتجوَّز من قال: إنه الضم، وقال الفراء: النكح بضم ثم سكون اسم الفرج، ويجوز كسر أوله، وكثر استعماله في الوطء وسمي به العقد لكونه سببه، وقال أبو القاسم الزجاجي: هو حقيقة فيهما، وقال الفارسي: إذا قالوا: نكح فلانة أو بنت فلان فالمراد العقد، وإذا قالوا: نكح زوجته فالمراد الوطء، ويكون في المحسوسات وفي المعاني، قالوا: نكح المطر الأرض ونكح النعاس عينه، وفي الشرع حقيقة في العقد مجاز في الوطء على الصحيح، والحجة في ذلك كثرة وروده في الكتاب والسُّنَّة للعقد حتى قيل: إنه لم يرد في القرآن إلا للعقد، ولا يرد مثل قوله: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] لأن شرط الوطء في التحليل إنما ثبت بالسُّنَّة وإلا فالعقد لا بد منه؛ لأن قوله: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ﴾ معناه حتى تتزوج، أي: يعقد عليها، ومفهومه أن ذلك كاف بمجرده لكن بيَّنت السُّنَّة أن لا عبرة بمفهوم الغاية بل لا بد بعد العقد من ذوق العسيلة، كما أنه لا بد بعد ذلك من التطليق ثم العدة، نعم أفاد أبو الحسين بن فارس أن النكاح لم يرد في القرآن إلا للتزويج إلا في قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ [النساء: ٦] فإن المراد به الحلم، والله أعلم.\nوفي وجه للشافعية كقول الحنفية أنه حقيقة في الوطء مجاز في العقد،\n_________\n(^١) \"مقدمة لامع الدراري\" (١/ ٢٧٩).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ١٠٣).","vol":"5","page":463},{"text":"وقيل: مقول بالاشتراك على كل منهما، وبه جزم الزجاجي وهذا الذي يترجح في نظري وإن كان أكثر ما يستعمل في العقد، ورجح بعضهم الأول بأن أسماء الجماع كلها كنايات لاستقباح ذكره، فيبعد أن يستعير من لا يقصد فحشًا اسم ما يستفظعه لما لا يستفظعه فدل على أنه في الأصل للعقد، وهذا يتوقف على تسليم المدعى أنها كلها كنايات، وقد جمع اسم النكاح ابن القطاع فزادت على الألف، انتهى.\nقال العلامة العيني (^١): وفي \"التوضيح\": وللنكاح عدة أسماء جمعها أبو القاسم اللغوي فبلغت ألف اسم وأربعين اسمًا، انتهى.\nوفي هامش \"اللامع\" (^٢): اختلف في معناه لغة وشرعًا وفي حكمه عند الفقهاء، كما بسط في \"الأوجز\"، وفيه: قال الموفق في \"المغني\": النكاح في الشرع عقد التزويج، وقال القاضي: الأشبه في أصلنا أنه حقيقة في العقد والوطء جميعًا، وفي \"الدر المختار\": هو عند الفقهاء عقد يفيد ملك المتعة، وعند أهل الأصول واللغة حقيقة في الوطء مجاز في العقد، وليس لنا عبادة شرعت من عهد آدم إلى الآن ثم تستمر في الجنة إلا النكاح والإيمان، واختلف في حكم النكاح وهو فرض عين؛ كالصوم والصلاة مطلقًا عند داود وغيره من الظاهرية، وأما عند الأئمة الأربعة فواجب عند التوقان كما هو المعروف، لكن المنصوص في كتب الشافعية أنه مستحب غير واجب عند التوقان أيضًا، ففي \"الإقناع\" النكاح مستحب لتائق له بتوقانه للوطء إن وجد أهبته من مهر وكسوة فضل التمكين ونفقة يومه تحصينًا لدينه، سواء كان مشتغلًا بالعبادة أم لا، فإن فقد أهبته فتركه أولى، وكسر إرشادًا توقانه بصوم، انتهى.\nوهكذا ذكر مذهب الشافعية العلامة النووي والحافظ والقسطلاني،\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٣).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٩/ ٢٥٣)، وانظر: \"أوجز المسالك\" (١٠/ ٢٧٦).","vol":"5","page":464},{"text":"وأما في غير حال التوقان فمندوب عند الأئمة الثلاثة ومباح عند الشافعية، وحكي عن الحنفية الوجوب عينًا أو كفاية، وحكي أيضًا أنه فرض كفاية، وفي \"الدر المختار\": أنه سُنَّة مؤكدة، انتهى من هامش \"اللامع\". وسيأتي الكلام على حكم النكاح في الباب الآتي أيضًا.\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-3030> الترغيب في النكاح لقول الله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء:</span> ٣])\nكذا في النسخة \"الهندية\" بدون لفظ \"باب\" وكذا في نسخة \"القسطلاني\"، وفي نسخة الحافظين ابن حجر والعيني بزيادة لفظ \"باب\".\nقال الحافظ (^١): وجه الاستدلال أنها صيغة أمر تقتضي الطلب وأقل درجاته الندب فثبت الترغيب، وقال القرطبي: لا دلالة فيه لأن الآية سيقت لبيان ما يجوز الجمع بينه من أعداد النساء، ويحتمل أن يكون البخاري انتزع ذلك من الأمر بنكاح الطيب مع ورود النهي عن ترك الطيب ونسبة فاعله إلى الاعتداء في قوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾ [المائدة: ٨٧]، وقد اختلف في النكاح فقال الشافعية: ليس عبادة، ولهذا لو نذره لم ينعقد، وقال الحنفية: هو عبادة، والتحقيق أن السورة التي يستحب فيها النكاح تستلزم أن يكون حينئذ عبادة، فمن نفى نظر إليه في حد ذاته، ومن أثبت نظر إلى الصورة المخصوصة، انتهى.\nوقال القسطلاني (^٢) بعد ذكر حديث الباب: وفيه الترغيب في النكاح وقد اختلف هل هو من العبادات أو المباحات، فقال الحنفية: هو سُنَّة مؤكدة على الأصح، وقال الشافعية: من المباحات، قال القمولي في \"شرح الوسيط\" المسمى بالبحر: نص الإمام على أن النكاح من الشهوات لا من القربات، وإليه أشار الشافعي في \"الأم\" حيث قال: قال الله تعالى:\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ١٠٤).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٣٨٥).","vol":"5","page":465},{"text":"﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [آل عمران: ١٤] وقال ﵊: \"حبب إليّ من دنياكم الطيب والنساء\" وابتغاء النسل به أمر مظنون، ثم لا يدرى أصالح أم طالح، إلى آخر ما بسط الكلام عليه من كلام الشيخ ابن الهمام وغيره، وفي تراجم شيخ مشايخنا الدهلوي (^١): فإن قلت: الأمر في قوله: ﴿فَانْكِحُوا﴾ للإباحة فمن أين فهم البخاري الترغيب؟ قلت: فهمه من سوق الكلام بيانه أن الله تعالى أشار عند صورة العدل إلى نكاح النساء، وعند خوف عدم العدل في ذلك إلى نكاح الواحدة أو التسري، فنبَّه بذلك على أن النكاح أمر مهم في صورة العدل في ذلك، انتهى.\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-3031> باب قول النبي - ﷺ -: من استطاع منكم الباءة. . .) إلخ</span>\nبالموحدة والهمزة المفتوحتين وتاء التأنيث ممدودًا، وقد لا يهمز ولا يمد، وقد يهمز ويمد من غير هاء، انتهى من \"القسطلاني\" (^٢).\nقوله: (وهل يتزوج) كأنه يشير إلى ما وقع بين ابن مسعود وعثمان فعرض عليه عثمان فأجابه بالحديث، فاحتمل أن يكون لا أرب فيه له فلم يوافقه، واحتمل أن يكون وافقه وإن لم ينقل ذلك، ولعله رمز إلى ما بين العلماء فيمن لا يتوق إلى النكاح هل يندب إليه أم لا؟ وسأذكر ذلك بعد (^٣)، انتهى.\nقلت: وتقدم الكلام عليه في أول كتاب النكاح.\nقوله: (من استطاع منكم الباءة. . .) إلخ، قال الحافظ (^٤): قال النووي: اختلف العلماء في المراد بالباءة هنا على قولين يرجعان إلى معنى واحد، أصحهما: أن المراد معناها اللغوي وهو الجماع، فتقديره: من استطاع\n_________\n(^١) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" للشاه الدهلوي (ص ٤٠٩).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٣٨٧).\n(^٣) انظر: \"فتح الباري\" (٩/ ١٠٧).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٩/ ١٠٨ - ١١١).","vol":"5","page":466},{"text":"منكم الجماع لقدرته على مؤنه وهي مؤن النكاح فليتزوج، ومن لم يستطع الجماع لعجزه عن مؤنه فعليه بالصوم ليدفع شهوته ويقطع شر منيه كما يقطعه الوجاء، وعلى هذا القول وقع الخطاب مع الشباب الذين هم مظنة شهوة النساء ولا ينفكون عنها غالبًا.\nوالقول الثاني: أن المراد هنا بالباءة مؤن النكاح سميت باسم ما يلازمها، والذي حمل القائلين بهذا على ما قالواه قوله: \"ومن لم يستطع فعليه بالصوم\" قالوا: والعاجز عن الجماع لا يحتاج إلى الصوم لدفع الشهوة، فجواب تأويل الباءة على المؤن، وانفصل القائلون بالأول عن ذلك بالتقدير المذكور، انتهى إلى آخر ما بسط الكلام عليه الحافظ قُدِّس سرُّه فارجع إليه لو شئت المزيد.\nوقد بسط الحافظ أيضًا الكلام على حكم النكاح وقال: وقد قسم العلماء الرجل في التزويج إلى أقسام، ثم بسطها، وأيضًا ذكر عدة روايات واردة في الترغيب بالنكاح، وذكر من جملتها الحديث المعروف على الألسنة لكن لم يخرجه بل أحاله على السابق حيث قال: وقد تقدم في الباب الأول الإشارة إلى حديث عائشة: \"النكاح سُنَّتي فمن رغب عن سُنَّتي فليس مني\"، انتهى. لكن لم أجد تلك الإشارة في الباب الأول فليتتبع.\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-3032> باب من لم يَسْتطع الباءةَ فلْيصُم)</span>\nقال الحافظ (^١): أورد فيه حديث ابن مسعود المذكور في الباب قبله، وهذا اللفظ ورد في رواية الثوري عن الأعمش في حديث الباب فعند الترمذي عنه بلفظ: \"فمن لم يستطع الباءة فعليه بالصوم\" وعند النسائي بلفظ: \"ومن لا فليصم\"، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ١١٢).","vol":"5","page":467},{"text":"(٤ -<span data-type='title' id=toc-3033> باب كثرة النساء)</span>\nيعني لمن قدر على العدل بينهن، وهكذا قال القسطلاني والعيني (^١).\nقلت: ولعل المصنف أراد الترغيب إليها يعني بالشرط الذي ذكره الشرَّاح.\nقوله: (كان عند النبي - ﷺ - تسع) أي: عند موته وهن: سودة وعائشة وحفصة وأم سلمة وزينب بنت جحش وأم حبيبة وجويرية وصفية وميمونة ﵅، هذا ترتيب تزويجه إياهن، ومات وهن في عصمته، واختلف في ريحانة هل كانت زوجة أو سرية وهل ماتت قبله أو لا.\nقوله: (كان يقسم لثمان ولا يقسم لواحدة) زاد مسلم في روايته: قال عطاء: التي لا يقسم لها صفية بنت حيي بن أخطب، قال عياض: قال الطحاوي: هذا وهم وصوابه سودة كما تقدم أنها وهبت يومها لعائشة، وإنما غلط فيه ابن جريج راويه عن عطاء، كذا قال، قال عياض: قد ذكروا في قوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥١] أنه آوى عائشة وحفصة وزينب وأم سلمة، فكان يستوفي لهن القسم وأرجى سودة وجويرية وأم حبيبة وميمونة وصفية فكان يقسم لهن ما شاء، قال: فيحتمل أن تكون رواية ابن جريج صحيحة ويكون ذلك في آخر أمره حيث آوى الجميع فكان يقسم لجميعهن إلا لصفية، قلت: وقد أخرج ابن سعد من ثلاثة طرق: \"أن النبي - ﷺ - كان يقسم لصفية كما يقسم لنسائه\"، لكن في الأسانيد الثلاثة الواقدي وليس بحجة، فيترجح أن مراد ابن عباس بالتي لا يقسم لها سودة كما قاله الطحاوي، لحديث عائشة: \"أن سودة وهبت يومها لعائشة\" وسيأتي في باب مفرد قبل كتاب الطلاق بأربعة وعشرين بابًا، والراجح عندي ما ثبت في \"الصحيح\"، ولعل البخاري حذف هذه الزيادة عمدًا، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٣٩٠)، و\"عمدة القاري\" (١٤/ ٩).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ١١٣).","vol":"5","page":468},{"text":"(فائدة): ذكر الحافظ في حكمة استكثاره - ﷺ - من النساء عشرة أوجه، فارجع إليه لو شئت (^١).\n\n(٥ -<span data-type='title' id=toc-3034> باب من هاجر أو عمِلَ خيرًا لتزويج امرأةٍ فله ما نوى)</span>\nقال الحافظ (^٢): ذكر فيه حديث عمر بلفظ \"العمل بالنية، وإنما لامرئ ما نوى\" وقد تقدم شرحه مستوفى في أول الكتاب، وما ترجم به من الهجرة منصوص في الحديث، ومن عمل الخير مستنبط لأن الهجرة من جملة أعمال الخير، فكما عمم في الخير في شق المطلوب وتممه بلفظ \"فهجرته إلى ما هاجر إليه\" فكذلك شق الطلب يشمل أعمال الخير هجرة أو حجًّا مثلًا أو صلاة أو صدقة، وقصة مهاجر أم قيس أوردها الطبراني مسندة والآجري في \"كتاب الشريعة\" بغير إسناد، انتهى.\nقال القسطلاني (^٣): قال في \"الفتح\": وهو محمول على أنه رغب في الإسلام ودخله من وجه وضم إلى ذلك إرادة التزويج المباح فصار كمن نوى بصومه العبادة والحمية، وأما إذا نوى العبادة وخالطها شيء مما يغاير الإخلاص فقد نقل أبو جعفر بن جرير الطبري عن جمهور السلف: أن الاعتبار بالابتداء، فإن كان في ابتدائه لله خالصًا لم يضره ما عرض له بعد ذلك من إعجاب وغيره، والله أعلم.\n\n(٦ -<span data-type='title' id=toc-3035> باب تزويج المُعْسِر الذي معه القرآن والإسلام، فيه سهل بن سعد)</span>\nيعني: حديث سهل بن سعد في قصة التي وهبت نفسها، وما ترجم به مأخوذ من قوله: \"التمس ولو خاتمًا من حديد\"، فالتمس فلم يجد شيئًا ومع\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (٩/ ١١٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ١١٥).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٣٩٥).","vol":"5","page":469},{"text":"ذلك زوجه، ثم ذكر طرفًا من حديث ابن مسعود \"كنا نغزو وليس لنا نساء، فقلنا: يا رسول الله ألا نستخصي؟ فنهانا عن ذلك\" وقد تلطف المصنف في استنباطه الحكم كأنه يقول: لما نهاهم عن الاختصاء مع احتياجهم إلى النساء - وهم مع ذلك لا شيء لهم كما صرَّح به في نفس هذا الخبر كما سيأتي تامًا بعد باب واحد - وكان كل منهم لا بد وأن يكون حفظ شيئًا من القرآن فيتعين التزويج بما معهم من القرآن، فحكمة الترجمة من حديث سهل بالتنصيص ومن حديث ابن مسعود بالاستدلال، انتهى (^١).\n\n(٧ -<span data-type='title' id=toc-3036> باب قول الرجل لأخيه: انظر أي زوجتي شئت حتى أنزل لك عنها)</span>\nهذه الترجمة لفظ حديث عبد الرحمن بن عوف في البيوع، قاله الحافظ (^٢).\nقال القسطلاني (^٣): قوله: \"حتى أنزل لك\" بفتح الهمزة وكسر الزاي، أي: أطلقها، فإذا انقضت عدتها تزوجها، وحديث الباب قد مر في البيع، انتهى.\nقال الحافظ (^٤): وفي الحديث ما كانوا عليه من الإيثار حتى بالنفس والأهل، وفيه جواز نظر الرجل إلى المرأة عند إرادة تزويجها، وجواز المواعدة بطلاق المرأة وسقوط الغيرة في مثل ذلك، إلى آخر ما ذكر.\nولا يبعد عندي أنه أشار إلى الجواز لما يدل على التحريم ما ورد من الوعيد عن الخطبة على خطبة أخيه وسؤال المرأة طلاق أختها، وعلى هذا لا يلزم التكرار بما سيأتي من \"باب النظر إلى المرأة قبل التزويج\".\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (٩/ ١١٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ١١٧).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٣٩٦، ٣٩٧).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٩/ ١١٧).","vol":"5","page":470},{"text":"(٨ -<span data-type='title' id=toc-3037> باب ما يكره من التبتل والخِصَاء)</span>\nقال الحافظ (^١): المراد بالتبتل هنا الانقطاع عن النكاح وما يتبعه من الملاذ إلى العبادة، وأما المأمور به في قوله تعالى: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: ٨] فقد فسَّره مجاهد فقال: أخلص له إخلاصًا، وهو تفسير معنى، وإلا فأصل التبتل الانقطاع، والمعنى انقطع إليه انقطاعًا، لكن لما كانت حقيقة الانقطاع إلى الله إنما تقع بإخلاص العبادة له فسَّرها بذلك، ومنه صدقة بتلة، أي: منقطعة عن الملك، ومريم البتول لانقطاعها عن التزويج إلى العبادة، وقيل لفاطمة: \"البتول\" إما لانقطاعها عن الأزواج غير علي أو لانقطاعها عن نظرائها في الحسن والشرف.\nقوله: (والخصاء) هو الشق على الأنثيين وانتزاعهما.\nوإنما قال: \"ما يكره من التبتل والخصاء\" للإشارة إلى أن الذي يكره من التبتل هو الذي يفضي إلى التنطع وتحريم ما أحل الله، وليس التبتل من أصله مكروهًا، وعطف الخصاء عليه لأن بعضه يجوز في الحيوان المأكول، انتهى.\nوقد تقدم حكم الاختصاء في تفسير سورة المائدة.\n\n(٩ -<span data-type='title' id=toc-3038> باب نكاح الأبكارِ)</span>\nقال العيني (^٢): وهو جمع بكر، والبكر خلاف الثيب، وهي التي لم توطأ واستمرت على حالتها الأولى، ويقعان على الرجل والمرأة، ومنه \"البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة\" انتهى بزيادة من \"الفتح\".\nقلت: لعل غرض المصنف من الترجمة التأييد لما ورد من الترغيب في نكاح الأبكار، وفي \"الإقناع\" (^٣): ويسن أن يتزوج بكرًا لخبر الصحيحين\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ١١٨).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٤/ ١٦)، و\"فتح الباري\" (٩/ ١٢٠).\n(^٣) \"الإقناع\" (٢/ ١١٦).","vol":"5","page":471},{"text":"عن جابر: \"هلا بكرًا تلاعبها وتلاعبك\" إلا لعذر كضعف آلته عن الافتضاض - إزالة البكارة - أو احتياجه لمن يقوم على عياله، انتهى.\n\n(١٠ -<span data-type='title' id=toc-3039> باب تزويج الثيبات)</span>\nجمع ثيِّبة بمثلثة ثم تحتانية ثقيلة مكسورة ثم موحدة ضد البكر، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nقال العيني (^٢): وقال بعضهم: جمع ثيِّبة وليس كذلك بل جمع ثيب، انتهى.\nقوله: \"فهلا جارية تلاعبها. . .\" إلخ، كتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): ودلالة الحديث على الترجمة فيما لم يذكر ههنا، وهو أنه - ﷺ - حسّن فعله، انتهى.\nوفي هامشه: لم يتعرض الشرَّاح قاطبة عن غرض الإمام البخاري بالترجمة إلا ما في \"التيسير\" إذ قال: أي في بيان جواز نكاح الثيب، انتهى معربًا.\nوإليه يظهر ميل العلامة العيني إذ قال: مطابقته للترجمة في قوله: \"ثيبًا\" انتهى.\nوظاهر ألفاظ الترجمة والحديث الوارد فيها أن غرض المصنف بيان إباحة نكاح الثيِّب مع التنبيه على ترجيح نكاح البكر، فإن الإمام البخاري أورد في الباب حديث جابر مقتصرًا فيه على قوله: \"هلَّا بكرًا\" الحديث، ولم يذكر الزيادة التي أشار إليها الشيخ.\nوالظاهر عند هذا العبد الضعيف بعد ملاحظة كلام الشيخ قُدِّس سرُّه أن غرض البخاري رحمه الله تعالى بالترجمة ترجيح نكاح الثيب لمصلحة دينية، فإنه - ﷺ - ردّ عليه أولًا بقوله: \"هلا بكرًا\" فلما ذكر جابر مصلحة مهمة\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ١٢١).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٤/ ١٨).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٩/ ٢٥٧).","vol":"5","page":472},{"text":"حسّن رسول الله - ﷺ - فعله، فقد تقدم الحديث في كتاب الوكالة في \"باب إذا وكل رجلًا أن يعطي شيئًا. . .\" إلخ، وفيه قول جابر - ﵁ -: \"فأردت أن أنكح امرأةً قد جربت وخلا منها قال: فذلك\".\nقال الكرماني (^١): قوله: \"فذلك\" مبتدأ خبره محذوف، أي: فذلك مبارك ونحوه، انتهى.\nوإلى هذه الزيادة أشار الشيخ بقوله: دلالة الرواية على الترجمة فيما لم يذكر ههنا.\nقال الحافظ (^٢) بعد ذكر حديث الباب: وفي الحديث الحثّ على نكاح البكر، وقد ورد بأصرح من ذلك عند ابن ماجه بلفظ: \"عليكم بالأبكار فإنهن أعذب أفواهًا وأنتق أرحامًا\" ثم قال: وفي الحديث فضيلة لجابر لشفقته على أخواته وإيثاره مصلحتهن على حظّ نفسه، ويؤخذ منه إذا تزاحمت مصلحتان قدّم أهمهما؛ لأن النبي - ﷺ - صوّب فعل جابر ودعا له لأجل ذلك، واستنبط المصنف الترجمة من قوله: \"بناتكن\" لأنه خاطب بذلك نساءه، فاقتضى أن لهن بنات من غيره، فيستلزم أنهن ثيبات كما هو الأكثر الغالب، انتهى.\n\n(١١ -<span data-type='title' id=toc-3040> باب تزويج الصغار من الكبار)</span>\nأي: في السن، قال العيني (^٣): مطابقة الحديث بالترجمة من حيث إن النبي - ﷺ - تزوج عائشة وهي صغيرة، وكان عمرها ست سنين، انتهى.\nقال الحافظ (^٤): قال الإسماعيلي: ليس في الرواية ما ترجم به الباب، وصغر عائشة عن كبر رسول الله - ﷺ - معلوم من غير هذا الخبر، ثم الخبر الذي أورده مرسل، فإن كان مثل هذا يدخل في \"الصحيح\" فيلزمه في غيره\n_________\n(^١) \"شرح الكرماني\" (١٠/ ١٤١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ١٢٠ - ١٢٣).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٢٠).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٩/ ١٢٤).","vol":"5","page":473},{"text":"من المراسيل. قلت: الجواب عن الأول يمكن أن يؤخذ من قول أبي بكر: \"إنما أنا أخوك\" فإن الغالب في بنت الأخ أن تكون أصغر من عمها، وأيضًا فيكفي ما ذكر في مطابقة الحديث للترجمة ولو كان معلومًا عن خارج، وعن الثاني أنه وإن كان صورة سياقه الإرسال، فهو من رواية عروة في قصة وقعت لخالته عائشة وجده لأمه أبي بكر، فالظاهر أنه حمل ذلك عن خالته عائشة أو عن أمه أسماء بنت أبي بكر، وقد قال ابن عبد البر: إذا علم لقاء الراوي لمن أخبر عنه ولم يكن مدلسًا حمل ذلك على سماعه ممن أخبر عنه، ثم قال الحافظ: قال ابن بطال: يجوز تزويج الصغيرة بالكبير إجماعًا ولو كانت في المهد، لكن لا يمكّن منها حتى تصلح للوطء، فرمز بهذا إلى أن لا فائدة للترجمة لأنه أمر مجمع عليه، انتهى.\n\n(١٢ -<span data-type='title' id=toc-3041> باب إلى من ينكح وأي النساء خير. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^١): اشتملت الترجمة على ثلاثة أحكام، وتناول الأول والثاني من حديث الباب واضح، وأن الذي يريد التزويج ينبغي أن ينكح إلى قريش لأن نساءهنَّ خير النساء وهو الحكم الثاني، وأما الثالث فيؤخذ منه بطريق اللزوم لأن من ثبت أنهن خير من غيرهن استحب تخيرهن للأولاد، وقد ورد في الحكم الثالث حديث صريح أخرجه ابن ماجه وصححه الحاكم من حديث عائشة مرفوعًا: \"تخيروا لنطفكم وانكحوا الأكفاء\" وأخرجه أبو نعيم من حديث عمر أيضًا، وفي إسناده مقال ويقوى أحد الإسنادين بالآخر، انتهى.\n\n(١٣ -<span data-type='title' id=toc-3042> باب اتخاذ السراري)</span>\nلعله أشار إلى تقوية معنى ما رواه الطبراني: \"عليكم بالسراري\" الحديث وسيأتي في كلام الحافظ.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ١٢٥).","vol":"5","page":474},{"text":"قال الحافظ: جمع سرية بضم السين وكسر الراء الثقيلة ثم تحتانية ثقيلة وقد تكسر السين أيضًا، وهي الأمة المتخذة للوطء، واشترط الفقهاء في صدق هذه التسمية حصول الوطء ولو مرة، سميت بذلك لأنها مشتقة من التسرر وأصله من السر، وهو من أسماء الجماع ويقال له الاستسرار أيضًا، وأطلق عليها ذلك لأنها في الغالب يكتم أمرها عن الزوجة، والمراد بالاتخاذ الاقتناء، وقد ورد الأمر بذلك صريحًا في حديث أبي الدرداء مرفوعًا: \"عليكم بالسراري فإنهن مباركات الأرحام\" أخرجه الطبراني وإسناده واه، ولأحمد من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا: \"انكحوا أمهات الأولاد فإني أباهي بكم يوم القيامة\" وإسناده أصلح من الأول لكنه ليس بصريح في التسري، انتهى بزيادة من \"القسطلاني\" (^١).\nقوله: (ومن أعتق جارية ثم تزوجها) عطف هذا الحكم على الاقتناء؛ لأنه قد يقع بعد التسري وقبله، وأول أحاديث الباب منطبق على هذا الشق الثاني.\nثم قال الحافظ (^٢) بعد حديث الباب: وفيه دلالة على مزيد فضل من أعتق أمته ثم تزوجها سواء أعتقها ابتداءً لله أو لسبب، وقد بالغ قوم فكرهوه فكأنهم لم يبلغهم الخبر، فمن ذلك ما وقع في رواية هشيم عن صالح بن صالح الراوي المذكور وفيه قال: رأيت رجلًا من أهل خراسان سأل الشعبي فقال: إن من قبلنا من أهل خراسان يقولون في الرجل إذا أعتق أمته ثم تزوجها: فهو كالراكب بدنته، فقال الشعبي. . . فذكر هذا الحديث، وأخرج الطبراني بإسناد رجاله ثقات عن ابن مسعود أنه كان يقول ذلك، وأخرج سعيد بن منصور عن ابن عمر مثله، وعند ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن أنس: أنه سئل عنه فقال: إذا أعتق أمته لله تعالى فلا يعود فيها، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ١٢٦، ١٢٧)، و\"إرشاد الساري\" (١١/ ٤٠٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ١٢٧).","vol":"5","page":475},{"text":"قلت: وقصة سؤال الخراساني أخرجها مسلم أيضًا في \"صحيحه\" ولعل الإمام البخاري أشار إلى الرد على هذه الروايات المروية عن ابن مسعود وابن عمر وأنس وغيرهم من أهل العراق.\n\n<span data-type='title' id=toc-3043>(باب من جعل عتق الأمة صداقها)</span>\nقال الحافظ (^١): كذا أورده غير جازم بالحكم، وقد أخذ بظاهره من القدماء سعيد بن المسيب والنخعي وطاوس والزهري، ومن فقهاء الأمصار الثوري وأبو يوسف وأحمد وإسحاق قالوا: إذا أعتق أمته على أن يجعل عتقها صداقها صحّ العقد والعتق والمهر على ظاهر الحديث، وأجاب الباقون عن ظاهر الحديث بأجوبة أقربها إلى لفظ الحديث: أنه أعتقها بشرط أن يتزوجها فوجبت له عليها قيمتها وكانت معلومة فتزوجها بها، ويؤيده قوله في رواية عبد العزيز بن صهيب: سمعت أنسًا - ﵁ -، قال: \"سبى النبي - ﷺ - صفية فأعتقها وتزوجها، فقال ثابت لأنس - ﵁ -: ما أصدقها؟ قال: نفسها فأعتقها\"، هكذا أخرجه المصنف في المغازي، وفي رواية حماد عن ثابت وعبد العزيز عن أنس في حديث قال: و\"صارت صفية لرسول الله - ﷺ - ثم تزوجها وجعل عتقها صداقها، فقال عبد العزيز لثابت: يا أبا محمد أنت سألت أنسًا: ما أمهرها؟ قال: أمهرها نفسها فتبسم\"، فهو ظاهر جدًا في أن المجعول مهرًا هو نفس العتق فالتأويل الأول لا بأس به، فإنه لا منافاة بينه وبين القواعد حتى لو كانت القيمة مجهولة فإن في صحة العقد بالشرط المذكور وجهًا عند الشافعية.\nوقال آخرون: بل جعل نفس العتق المهر ولكنه من خصائصه، وممن جزم بذلك الماوردي، وقال آخرون: قوله: \"أعتقها وتزوجها\" معناه: أعتقها ثم تزوجها، فلما لم يعلم أنه ساق لها صداقًا قال: أصدقها نفسها، أي: لم يصدقها شيئًا فيما أعلم، ولم ينف أصل الصداق، ومن ثم قال أبو الطيب\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ١٢٩، ١٣٠).","vol":"5","page":476},{"text":"الطبري من الشافعية وابن المرابط من المالكية ومن تبعهما: إنه قول أنس - ﵁ -، قاله ظنًا من قبل نفسه ولم يرفعه، وربما تأيّد ذلك عندهم بما أخرجه البيهقي من حديث أميمة - ويقال: أمة الله - بنت رزينة عن أمها: أن النبي - ﷺ - أعتق صفية وخطبها وتزوجها وأمهرها رزينة، وكان أتى بها مسبية من قريظة والنضير، وهذا لا يقوم به حجة لضعف إسناده، ومن المستغربات قول الترمذي بعد أن أخرج الحديث: وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق، قال: وكره بعض أهل العلم أن يجعل عتقها صداقها حتى يجعل لها مهرًا سوى العتق، والقول الأول أصح، وكذا نقل ابن حزم عن الشافعي، والمعروف عند الشافعية أن ذلك لا يصح لكن لعل مراد من نقله عنه صورة الاحتمال الأول، إلى آخر ما ذكر الحافظ.\nقال القسطلاني (^١): وقد تمسك بظاهر الحديث أبو يوسف وأحمد فقالا: إذا أعتق أمته على أن يجعل عتقها صداقها صح العقد والعتق والمهر على ظاهر الحديث، انتهى.\n\n(١٤ -<span data-type='title' id=toc-3044> باب تزويج المُعْسِر)</span>\nقال الحافظ (^٢): تقدم في أوائل كتاب النكاح: \"باب تزويج المعسر الذي معه القرآن والإسلام\" وهذه الترجمة أخص من تلك وعلّق هناك حديث سهل الذي أورده في هذا الباب مبسوطًا، وسيأتي شرحه بعد ثلاثين بابًا.\nقوله: (لقوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٢]) هو تعليل لحكم الترجمة، ومحصله أن الفقر في الحال لا يمنع التزويج لاحتمال حصول المال في المآل، والله تعالى أعلم، انتهى.\nقلت: والظاهر عندي في غرض الترجمة أن المصنف أراد دفع توهم ما يتوهم من ظاهر قوله - ﵇ -: \"فمن لم يستطع فعليه صوم\" وأوضح منه قوله\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٤١١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ١٣١).","vol":"5","page":477},{"text":"عز اسمه: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٣] فإنه يشير إلى أن المعسر لا ينكح ما دام معسرًا، فأراد الإمام البخاري بهذا الباب بيان الجواز.\n\n(١٥ -<span data-type='title' id=toc-3045> باب الأكفاء في الدين)</span>\nقال الحافظ (^١): جمع كُفْءٍ بضم أوله وسكون الفاء بعدها همزة: المثل والنظير، واعتبار الكفاءة في الدين متفق عليه فلا تحل المسلمة للكافر أصلًا.\nقوله: (﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ الآية [الفرقان: ٥٤])، قال الفراء: النسب من لا يحل نكاحه والصهر من يحل نكاحه، فكأن المصنف لما رأى الحصر وقع بالقسمين صلح التمسك بالعموم لوجود الصلاحية إلا ما دل الدليل على اعتباره وهو استثناء الكافر، وقد جزم بأن اعتبار الكفاءة مختص بالدين مالك، ونقل عن ابن عمر وابن مسعود ومن التابعين عن محمد بن سيرين وعمر بن عبد العزيز، واعتبر الكفاءة في النسب الجمهور.\nوقال أبو حنيفة: قريش أكفاء بعضهم بعضًا والعرب كذلك، وهو وجه للشافعية، وقال الثوري: إذا نكح المولى العربية يفسخ النكاح، وبه قال أحمد في رواية، وتوسط الشافعي فقال: ليس نكاح غير الأكفاء حرامًا فأراد به النكاح، وإنما هو تقصير بالمرأة والأولياء، فإذا رضوا صح ويكون حقًا لهم تركوه، فلو رضوا إلا واحدًا فله فسخه.\nقال الحافظ (^٢): ولم يثبت في اعتبار الكفاءة بالنسب حديث، إلى آخر ما ذكر.\nوبسط الكلام على مسألة الكفاءة في هامش \"اللامع\" وفيه (^٣): قال\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ١٣٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ١٣٣).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٩/ ٢٥٨ - ٢٦٠)، و\"بذل المجهود\" (٨/ ٦).","vol":"5","page":478},{"text":"الشيخ ابن القيم: وقد تنازع الفقهاء في أوصاف الكفاءة فقال مالك في ظاهر مذهبه: إنها الدين، وفي رواية عنه: إنها ثلاثة: الدين والحرية والسلامة من العيوب، وقال أبو حنيفة: هي النسب والدين، وقال أحمد في رواية عنه: هي الدين والنسب خاصة، وفي رواية أخرى: هي خمسة: الدين والنسب والحرية والصناعة والمال، إلى آخر ما قال، وفي \"البذل\": ومذهب الحنفية أن الكفاءة تعتبر نسبًا فقريش أكفاء بعضهم بعضًا، وباقي العرب أكفاء بعضهم بعضًا، وحرية وإسلامًا وديانةً ومالًا، وتعتبر للنساء لا للرجال؛ لأن النصوص وردت في جانب الرجال خاصة، إلى آخر ما ذكر.\nوقال القسطلاني (^١): الكفاءة معتبرة في النكاح لما روى جابر أنه - ﷺ - قال: \"ألا لا يزوج النساء إلا الأولياء، ولا يزوجن من غير الأكفاء\" ولأن النكاح يعقد للعمر ويشتمل على أغراض ومقاصد كالازدواج والصحبة والألفة وتأسيس القرابات، ولا ينتظم ذلك عادة إلا بين الأكفاء، وقد جزم مالك رحمه الله تعالى بأن اعتبار الكفاءة مختص بالدين، لقوله ﵊: \"الناس سواء لا فضل لعربي علي عجمي، إنما الفضل بالتقوى\" وقال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] وأجيب بأن المراد في حكم الآخرة وكلامنا في الدنيا، انتهى.\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٢): قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا﴾ إيراد الرواية في هذا الباب مع إيراد الآية قبلها إشارة منه إلى أن المناكحة جائزة فيما بين من ليسوا أكفاء إلا أن اعتبار الكفوء والنسب أفضل؛ لأن الله تعالى مدح بالنسب فلا يخلو اعتباره عن مصالح وفوائد وإن لم يكن أمرًا لا بد له منه، كيف وقد أنكح أبو حذيفة سالمًا وكان مولاه بنت أخيه هند، وكذلك ضباعة كانت تحت المقداد، وكذلك الأمر في\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٤١٤).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٩/ ٢٥٨ - ٢٦٤).","vol":"5","page":479},{"text":"قوله: \"فاظفر بذات الدين\" يرجح اعتبار الدين على النسب، وكذلك قوله - ﷺ -: \"هذا خير من ملء الأرض مثل هذا\" أشار إلى أن الدين هو المرجح القابل المزيد الاعتناء، فالمتدين أفضل من غيره وإن كان أدون منه في النسب والمال، وإذا كان خيرًا منه كان الإنكاح منه أفضل فعلم بذلك أن الأحق بالاعتناء في الكفاءة هو الدين، انتهى.\n\n(١٦ -<span data-type='title' id=toc-3046> باب الأكفاء في المال)</span>\nبسط الكلام على المسألة في هامش \"اللامع\" (^١) فارجع إليه لو شئت التفصيل.\nوقال القسطلاني (^٢): واختلف فيه والأشهر عند الشافعية أنه لا أثر له في الكفاءة، فالمعسر كفء للموسرة لأن المال غاد ورائح ولا يفتخر به أهل المروءات والبصائر، نعم لو زوج الولي بالإجبار موليته معسرًا بغير رضاها بمهر المثل لم يصح النكاح؛ لأنه بخس حقها كتزويجها بغير كفء، نقله في \"الروضة\" عن فتاوى القاضي، ومنعه البلقيني، وقال الزركشي: هو مبني على اعتبار اليسار مع أنه نقل عن عامة الأصحاب عدم اعتباره، انتهى.\nونقل صاحب \"الإفصاح\" فيما حكاه في \"الفتح\" عن الشافعي أنه قال: الكفاءة في الدين والمال والنسب، وجزم باعتباره أبو الطيب والصيمري وجماعة، واعتبره الماوردي في أهل الأمصار وخص الخلاف بأهل البوادي والقرى المتفاخرين بالنسب دون المال، انتهى.\nوقد تقدم في الباب السابق تفصيل الخلاف في الأوصاف التي تعتبر في الكفاءة، ثم إنهم اختلفوا أن الكفاءة من حق العباد، والأوجه عندي أنها في الدين من حق الله، وفي البواقي من حق العبد يسقط بالرضا.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٩/ ٢٦٥).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٤٢٢).","vol":"5","page":480},{"text":"(١٧ -<span data-type='title' id=toc-3047> باب ما يتقى من شؤم المرأة)</span>\nقال الحافظ (^١): الشؤم بضم المعجمة بعدها واو ساكنة وقد تهمز وهو ضد اليُمن يقال: تشاءمت بكذا وتيمنت بكذا.\nقوله: (وقوله تعالى: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ﴾ [التغابن: ١٤]) كأنه يشير إلى اختصاص الشؤم ببعض النساء دون بعض مما دلت عليه الآية من التبعيض، وذكر في الباب حديث ابن عمر من وجهين وحديث سهل من وجه آخر، وقد تقدم شرحهما مبسوطًا في كتاب الجهاد، وقد جاء في بعض الأحاديث ما لعله يفسر ذلك، وهو ما أخرجه أحمد وصححه ابن حبان والحاكم من حديث سعد مرفوعًا: \"من سعادة ابن آدم ثلاثة: المرأة الصالحة والمسكن الصالح والمركب الصالح، ومن شقاوة ابن آدم ثلاثة: المرأة السوء والمسكن السوء والمركب السوء\".\nقوله: (ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء) قال الشيخ تقي الدين السبكي: في إيراد البخاري هذا الحديث عقب حديثي ابن عمر وسهل بعد ذكر الآية في الترجمة: إشارة إلى تخصيص الشؤم بمن تحصل منها العداوة والفتنة، لا كما يفهمه بعض الناس من التشاؤم بكعبها (^٢) أو أن لها تأثيرًا في ذلك، وهو شيء لا يقول به أحد من العلماء، ومن قال: إنها سبب في ذلك فهو جاهل، إلى آخر ما ذكر.\nقلت: وهو الأوجه عندي، يعني: أن المراد بالشؤم الوارد في الأحاديث ما تدل عليه الآية من كونها ذات عداوة للزوج.\n\n(١٨ -<span data-type='title' id=toc-3048> باب الحرة تحت العبد)</span>\nقال الحافظ (^٣): أي: جواز تزويج العبد الحرة، إن رضيت به، أورد\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ١٣٧، ١٣٨).\n(^٢) وفي بعض النسخ بدله بعينها وهو الأوضح، (ز).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٩/ ١٣٩).","vol":"5","page":481},{"text":"فيه طرفًا من قصة بريرة حيث خيِّرت حين عتقت، وسيأتي شرحه مستوفى في كتاب الطلاق، وهو مصير من المصنف إلى أن زوج بريرة حين عتقت كان عبدًا، انتهى.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): \"باب الحرة تحت العبد\" وهذا لا يثبت بالرواية الموردة فيه إلا إذا سلم ما ذهبت إليه الشافعية من أن زوجها كان حين عتقها عبدًا، انتهى.\nوفي هامشه توضيح المسألة كما بسط في \"الأوجز\": أنهم اختلفوا في مسألة خيار العتق وهي أن الأمة إذا عتقت وكان زوجها عبدًا فللأمة المعتقة الخيار إجماعًا، لكن إذا كان زوجها حرًا فالمسألة خلافية لا خيار لها عند الأئمة الثلاثة وغيرهم، وذهبت جماعة منهم الشعبي والثوري والنخعي والحنفية إلى ثبوت الخيار لها، ومبنى الاختلاف بينهم هو اختلافهم في علة الخيار، فعلتها عند الأئمة الثلاثة عدم الكفاءة، ولذا قالوا: إن الزوج إذا كان حرًا فالكفاءة ثابتة فلا خيار لها حينئذٍ بخلاف ما إذا كان عبدًا، وعندنا الحنفية علة الخيار ملكها بضعها فإن الأمة قبل ذلك كانت محلًا للطلاقين فقط، وبعد العتق صارت محلًا للثلاث، وهذه العلة أولى لكونها مستفادة من قوله - ﷺ - لبريرة حين عتقت: \"ملكت بضعك فاختاري\" ثم اختلفت الروايات في زوج بريرة حين عتقت هل كان حرًا أو عبدًا، ورجح الأئمة الثلاثة رواية كونه عبدًا لكونها موافقة لأصلهم، ورجحت الحنفية رواية كونه حرًا إلى آخر ما بسط في هامش \"اللامع\".\nقلت: وميل المصنف إلى مسلك الجمهور وقد ترجم فيما سيأتي \"باب خيار الأمة تحت العبد\".\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٩/ ٢٦٩)، \"أوجز المسالك\" (١١/ ١٣٩).","vol":"5","page":482},{"text":"(١٩ -<span data-type='title' id=toc-3049> باب لا يتزوج أكثر من أربع، لقوله تعالى: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾)</span>\nقال القسطلاني (^١): كما اتفق عليه الأربعة وجمهور المسلمين، وأجاز الروافض تسعًا من الحرائر وكذا المدبرة وأم الولد، ونقل عن النخعي وابن أبي ليلى؛ لأنه بيَّن العدد المحلل بمثنى وثلاث ورباع بحرف الجمع، والحاصل عن ذلك تسع، وقد تزوج ﵊ تسعًا، والأصل عدم الخصوصية إلا بدليل وأجاز الخوارج ثمان عشرة لأن مثنى وثلاث ورباع معدول عن عدد مكرر على ما عرف في العربية فيصير الحاصل ثمانية عشر، وحكي عن بعض الناس إباحة أيّ عدد شاء بلا حصر للعمومات من نحو ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ ولفظ ﴿مَثْنَى﴾ إلى آخره تعداد عرفي لا قيد، إلى آخر ما بسط.\nوقال الحافظ (^٢): أما حكم الترجمة فبالإجماع إلا قول من لا يعتد بخلافه من رافضي ونحوه، وأما انتزاعه من الآية فلأن الظاهر منها التخيير بين الأعداد المذكورة بدليل قوله تعالى في الآية نفسها: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ [النساء: ٣] ولأن من قال: جاء القوم مثنى وثلاث ورباع، أراد أنهم جاؤوا اثنين اثنين وثلاثة ثلاثة وأربعة أربعة، فالمراد تبيين حقيقة مجيئهم وأنهم لم يجيئوا جملة ولا فرادى، وعلى هذا فمعنى الآية انكحوا اثنتين اثنتين وثلاثة ثلاثة وأربعة أربعة، فالمراد الجميع لا المجموع، ولو أريد مجموع العدد المذكور لكان قوله مثلًا: تسعًا أرشق وأبلغ وأيضًا فإن لفظ مثنى معدول عن اثنين اثنين كما تقدم تقريره في تفسير سورة النساء، فدل إيراده أن المراد التخيير بين الأعداد المذكورة، واحتجاجهم بأن الواو للجمع لا يفيد مع وجود القرينة الدالة على عدم الجمع، وبكونه - ﷺ - جمع بين تسع معارض بأمره - ﷺ - من أسلم على أكثر من أربع بمفارقة من زاد على\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٤٢٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ١٣٩).","vol":"5","page":483},{"text":"الأربع، وقد وقع ذلك لغيلان بن سلمة وغيره، كما خرج في كتب السنن، فدل على خصوصيته - ﷺ - بذلك.\nوقوله: ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [فاطر: ١]، تقدم الكلام عليه في تفسير فاطر، وهو ظاهر في أن المراد به تنويع الأعداد لا أن لكل واحد من الملائكة مجموع العدد المذكور.\nقوله: (وقال علي بن الحسين) أي: ابن علي بن أبي طالب \"يعني مثنى أو ثلاث أو رباع\" أراد أن الواو بمعنى أو، فهي للتنويع أو هي عاطفة على العامل والتقدير: فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى، وانكحوا ما طاب من النساء ثلاث إلخ، وهذا من أحسن الأدلة في الرد على الرافضة لكونه من تفسير زين العابدين وهو من أئمتهم الذين يرجعون إلى قولهم ويعتقدون عصمتهم، انتهى.\n\n(٢٠ -<span data-type='title' id=toc-3050> باب: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء:</span> ٢٣])\nقال الحافظ (^١): هذه الترجمة وثلاث تراجم بعدها تتعلق بأحكام الرضاعة، ووقع ههنا في بعض الشروح: \"كتاب الرضاع\" ولم أره في شيء من الأصول، وأشار بقوله: \"ويحرم. . .\" إلخ، أن الذي في الآية بيان بعض من يحرمه بالرضاعة وقد بيَّنت ذلك السُّنَّة، ووقع في رواية الكشميهني: ويحرم من الرضاعة، انتهى.\n\n(٢١ -<span data-type='title' id=toc-3051> باب من قال: لا رضاع بعد حولين)</span>\nقال الشرَّاح: غرض الترجمة الرد على الإمام أبي حنيفة في قوله: إن أكثر مدة الرضاع ثلاثون شهرًا.\nوالأوجه عندي: أن الغرض من الترجمة الرد على رضاعة الكبير فقد ترجم الإمام أبو داود على حديث الباب: \"باب في رضاعة الكبير\"، قال\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ١٤٠).","vol":"5","page":484},{"text":"الشيخ في \"البذل\" (^١): وإليه ذهبت عائشة وعروة بن الزبير وعطاء بن أبي رباح والليث بن سعد وابن علية، وحكاه النووي عن داود الظاهري، وإليه ذهب ابن حزم، انتهى.\nفههنا مسألتان: الأولى: اختلافهم في أقصى مدة الرضاع، وهي التي ذكرها الشرَّاح ههنا، والثانية: مسألة رضاعة الكبير.\nقال الحافظ (^٢): أشار بهذا إلى قول الحنفية: إن أقصى مدة الرضاع ثلاثون شهرًا، وحجتهم قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] أي: المدة المذكورة لكل من الحمل والفصال، وهذا تأويل غريب، والمشهور عند الجمهور أنها تقدير مدة أقل الحمل وأكثر مدة الرضاع، وإلى ذلك صار أبو يوسف ومحمد بن الحسن ويؤيد ذلك أن أبا حنيفة لا يقول: إن أقصى الحمل سنتان ونصف، وعند المالكية رواية توافق قول الحنفية لكن منزعهم في ذلك أنه يغتفر بعد الحولين مدة يدمن الطفل فيها على الفطام؛ لأن العادة أن الصبي لا يفطم دفعة واحدة، بل على التدريج في أيام قليلات، فللأيام التي يحاول فيها فطامه حكم الحولين، ثم اختلفوا في تقدير تلك المدة، قيل: يغتفر نصب سنة، وقيل: شهران، وقيل: شهر ونحوه، وقيل: أيام يسيرة، وقيل: شهر، وقيل: لا يزاد على الحولين، وهي رواية ابن وهب عن مالك، وبه قال الجمهور، ومن حجتهم حديث ابن عباس رفعه: \"لا رضاع إلا ما كان في الحولين\" أخرجه الدارقطني وقال: لم يسنده عن ابن عيينة غير الهيثم بن جميل وهو ثقة حافظ، إلى آخر ما بسط في فروع المسألة.\nوقال القسطلاني (^٣): وقد ورد ظواهر أحاديث تمسك بها العلماء، فذهب الشافعي والجمهور إلى إناطة الحكم بالحولين بالأهلة من تمام\n_________\n(^١) \"بذل المجهود\" (٧/ ٦١٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ١٤٦).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٤٣٧).","vol":"5","page":485},{"text":"انفصال الولد، وعن أبي حنيفة إناطته بحولين ونصف، وعن زفر بثلاثة، وعن مالك بزيادة أيام بعد الحولين، وعنه بزيادة شهر وشهرين، ورواية بثلاثة أشهر لأنه يغتفر بعد الحولين مدة يدمن فيها الطفل على الفطام لأن العادة أن الطفل لا يفطم دفعة واحدة بل على التدريج، وقيل: لا يزاد على الحولين، وهو رواية ابن وهب عن مالك وبه قال الجمهور، لحديث ابن عباس عند الدارقطني مرفوعًا: \"لا رضاع إلا ما كان في الحولين\"، وللترمذي وحسّنه: \"لا رضاع إلا ما فتق الأمعاء، وكان قبل الحولين\"، وأما حديث سهلة السابق بعضه في \"باب الأكفاء في الدين\" أنها قالت: يا رسول الله إنا كنا نرى سالمًا ولدًا وقد أنزل الله فيه ما قد علمت فإذا تأمرني؟ فقال: \"أرضعيه خمس رضعات يحرم بهن عليك\" ففعلت فكانت تراه ابنًا، فأجاب عنه الشافعي وغيره بأنه مخصوص بسالم، قال القاضي: ولعل سهلة حلبت لبنها فشربه من غير أن يمص ثديها ولا التقت بشرتاهما، قال النووي: وهو حسن، ويحتمل [أنه] عفي عن مسه لحاجة كما خص بالرضاعة مع الكبر، انتهى.\nقوله: (وما يحرم من قليل الرضاع وكثيره) تمسكًا بعمومات أحاديث كحديث الباب، وهو قول مالك وأبي حنيفة ومشهور مذهب أحمد، وذهب آخرون إلى أن الذي يحرم ما زاد على رضعة، وورد عن عائشة عشر رضعات، أخرجه مالك في \"الموطأ\"، وعنها أيضًا: سبع، أخرجه ابن أبي خيثمة بإسناد صحيح، وعنها أيضًا في مسلم: \"كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات ثم نسخن بخمس رضعات محرمات\" الحديث، وإلى هذا ذهب إمامنا الشافعي رحمه الله تعالى، انتهى، قاله القسطلاني (^١).\nفي هامش النسخة \"الهندية\" عن الكرماني: مذهب البخاري أن الحرمة تثبت برضعة واحدة وعليه أبو حنيفة ومالك وقد صرَّح في الترجمة به، انتهى.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٤٣٧)، و\"شرح الكرماني\" (١٩/ ٨٠).","vol":"5","page":486},{"text":"(٢٢ -<span data-type='title' id=toc-3052> باب لبن الفحل)</span>\nقال القسطلاني (^١): بفتح الفاء وسكون الحاء المهملة: الرجل، أي: هل يثبت حرمة الرضاع بينه وبين الرضيع ويصير ولدًا له أم لا؟ ونسبة اللبن إليه مجاز لكونه سببًا فيه، ثم قال بعد حديث الباب: وفيه دليل على أن لبن الفحل يحرم حتى تثبت الحرمة في جهة صاحب اللبن كما تثبت في جانب المرضعة، فإن النبي - ﷺ - أثبت عمومة الرضاع وألحقها بالنسب لأن سبب اللبن هو ماء الرجل والمرأة معًا، فوجب أن يكون الرضاعه منهما، ولذا أشار ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بقوله: المروي عند ابن أبي شيبة: اللقاح واحد، وهذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة وصاحبيه ومالك وأحمد كجمهور الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار، وقال قوم منهم ربيعة الرأي وابن علية وابن بنت الشافعي وداود وأتباعه: الرضاعة من قبل الرجل لا تحرم شيئًا، واحتج بعضهم لذلك بأن اللبن لا ينفصل من الرجل، وإنما ينفصل من المرأة فكيف تنتشر الحرمة إلى الرجل؟ وأجيب بأنه قياس في مقابلة النص، فلا يلتفت إليه، وهذا الحديث سبق في كتاب الشهادة، انتهى.\nوقال الحافظ (^٢): وفي الحديث أن لبن الفحل يحرم فتنتشر الحرمة لمن ارتضع الصغير بلبنه فلا تحل له بنت زوج المرأة التي أرضعته من غيرها مثلًا.\nثم قال الحافظ بعد ذكر من قال بهذه المسألة: وحجتهم في ذلك قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، ولم يذكر العمة ولا البنت كما ذكرهما في النسب، وأجيبوا بأن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي الحكم عما عداه، ولا سيما وقد جاءت الأحاديث الصحيحة، وحجة الجمهور حديث الباب، انتهى مختصرًا.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٤٣٨، ٤٣٩).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ١٥١).","vol":"5","page":487},{"text":"(٢٣ -<span data-type='title' id=toc-3053> باب شهادة المرضعة)</span>\nقال الحافظ (^١): أي: وحدها وقد تقدم بيان الاختلاف في ذلك في كتاب الشهادات، وأغرب ابن بطال هنا فنقل الإجماع على أن شهادة المرأة وحدها لا تجوز في الرضاع وشبهه، وهو عجيب منه، فإنه قول جماعة من السلف حتى أن عند المالكية رواية أنها تقبل وحدها لكن بشرط فشو ذلك في الجيران، انتهى.\nوقد تقدم بيان مذاهب الأئمة في كتاب الشهادات فارجع إليه لو شئت.\n\n(٢٤ -<span data-type='title' id=toc-3054> باب ما يحل من النساء وما يحرم وقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]. . .) إلخ</span>\nقال العلامة العيني (^٢): وقد بيَّن الله تعالى ههنا المحرمات من النساء وهن أربع عشرة امرأة: سبع من نسب وسبع بسبب، فالسبع التي من نسب هي قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ ثم بسط العيني تلك السبعة، وأما السبع التي من جهة السبب فهي من قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ إلى آخر الآية، ثم بسطها مع ذكر الاختلاف في بعضها.\nقوله: (وقال أنس: لا يرى بأسًا أن ينزع الرجل جاريته. . .) إلخ، قال الحافظ (^٣): وصله إسماعيل القاضي في كتاب \"أحكام القرآن\" بإسناد صحيح من طريق سليمان التيمي عن أبي مجلز عن أنس بن مالك: أنه قال في قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ﴾: ذوات الأزواج الحرائر ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] فإذا هو لا يرى بما ملك اليمن بأسًا أن ينزع الرجل الجارية\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ١٥٢، ١٥٣).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٥١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٩/ ١٥٤).","vol":"5","page":488},{"text":"من عبده فيطأها، وأخرجه ابن أبي شيبة من طريق أخرى عن التيمي بلفظ: ذوات البعول، وكان يقول: بيعها طلاقها، والأكثر على أن المراد بالمحصنات ذوات الأزواج يعني أنهن حرام، وأن المراد بالاستثناء في قوله: ﴿إلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ المسبيات إذا كن متزوجات فإنهن حلال لمن سباهن، انتهى.\nقلت: وما ذهب إليه أنس ليس مذهبًا لأحد من الأئمة الأربعة، نعم روي ذلك عن بعض الصحابة كما سيأتي في كلام الباجي، كتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): قوله: \"لا يرى بأسًا أن ينزع. . .\" إلخ، ذهب في تفسير الآية إلى أن المراد بما ملكت أيمانكم أن الرجل إذا أنكح جاريته عبده فله أن ينزعها منه ويطلقها، والجمهور على أنه لا يملك المولى تطليق أمته، لقوله: \"الطلاق لمن أخذ بالساق\" ومحمل الآية السبايا اللاتي لهن أزواج فيطأهن بعد الاستبراء، انتهى.\nوفي هامشه: وفي \"الأوجز\": في حديث: \"الموطأ\" عن ابن عمر - ﵄ - كان يقول: \"من أذن لعبده أن ينكح فالطلاق بيد العبد\" الحديث، قال الباجي: يريد أن السيد لا يملك أن يفرق بينه وبين زوجته ولا يوقع عليها طلاقًا، ولا يمنع العبد من إيقاع ذلك وإن كان له منعه من النكاح، وبهذا قال جمهور الصحابة عمر وعلي وعبد الرحمن بن عوف، وبه أخذ مالك وأبو حنيفة والشافعي وسائر فقهاء الحجاز والعراق، وروي عن جابر وعبد الله بن عباس أن الطلاق بيد السيد، وقال غيرهما: إن كان السيد زوّجه فالطلاق بيد العبد، وإن كان اشتراه مزوجًا فله أن يفرق بينهما، انتهى.\nقوله: (وجمع عبد الله بن جعفر) أي: ابن أبي طالب \"بين بنت علي وامرأة علي\" قال الحافظ (^٢): فإنه أشار بذلك إلى دفع من يتخيل أن العلة\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٩/ ٢٧٤)، و\"أوجز المسالك\" (١١/ ٢٨١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ١٥٥)، و\"عمدة القاري\" (١٤/ ٥٣، ٥٤).","vol":"5","page":489},{"text":"في منع الجمع بين الأختين ما يقع بينهما من القطيعة فيطرده إلى كل قريبتين ولو بالصهارة، فمن ذلك الجمع بين المرأة وبنت زوجها، والأثر المذكور وصله البغوي في \"الجعديات\" من طريق عبد الرحمن بن مهران أنه قال: \"جمع عبد الله بن جعفر بين زينب بنت علي وامرأة علي ليلى بنت مسعود\".\nقوله: (وليس فيه تحريم لقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]) هذا من تفقه المصنف وقد صرَّح به قتادة قبله كما ترى، وقد قال ابن المنذر: لا أعلم أحدًا أبطل هذا النكاح، قال: وكان يلزم من يقول بدخول القياس في مثل هذا أن يحرمه، وقد أشار جابر بن زيد إلى العلة بقوله: للقطيعة، أي: لأجل وقوع القطيعة بينهما لما يوجبه التنافس بين الضرتين في العادة، وقد أخرج أبو داود وابن أبي شيبة من مرسل عيسى بن طلحة: نهى رسول الله أن تنكح المرأة على قرابتها مخافة القطيعة، وأخرج الخلال بسنده عن أبي بكر وعمر وعثمان أنهم كانوا يكرهون الجمع بين القرابة مخافة الضغائن، وقد نقل العمل بذلك عن ابن أبي ليلى وعن زفر أيضًا، ولكن انعقد الإجماع على خلافه، نقله ابن عبد البر وابن حزم وغيرهما، انتهى من \"الفتح\".\nونقل العيني عن ابن بطال: قال ابن أبي ليلى: لا يجوز هذا النكاح، وكرهه عكرمة، ونقل العيني أيضًا عن ابن بطال الكراهة عن مالك، قال: وليس بحرام إنما هو لأجل القطيعة، انتهى.\nوتقدم عن الحافظ أن الإجماع قد انعقد على خلافه وأنه ليس بمكروه.\n\n(٢٥ -<span data-type='title' id=toc-3055> باب قوله: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء:</span> ٢٣])\nهذه الترجمة معقودة لتفسير الربيبة وتفسير المراد بالدخول، فأما الربيبة فهي بنت امرأة الرجل، قيل لها ذلك لأنها مربوبة، وغلط من قال: هو من التربية، وأما الدخول ففيه قولان: أحدهما: أن المراد به الجماع وهو","vol":"5","page":490},{"text":"أصح قولي الشافعي، والقول الآخر وهو قول الأئمة الثلاثة: المراد به الخلوة، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nقوله: (ومن قال: بنات ولدها. . .) إلخ، كتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): يعني بذلك: أن التحريم غير مقتصر على الربائب اللاتي في حجوره بل تحرم بنت ولد زوجته وإن سفلت، انتهى.\nوفي هامشه: لا يخفى عليك أن ههنا مسألتين: الأولى: التي أشار إليها المصنف بقوله: \"ومن قال: بنات ولدها. . .\" إلخ، والثانية: التي ذكرها بقوله: \"وهل تسمى الربيبة. . .\" إلخ، بسط الكلام عليهما في هامش اللامع.\nقوله: (وهل تسمى الربيبة وإن لم تكن في حجره) قال القسطلاني (^٣): الجمهور: تسمى به سواء كانت في حجره أم لا؟ لأن ذكر الحجر خرج مخرج العادة لا مخرج الشرط، فهو تقييد عرفي لا تقييد للحكم؛ بدليل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] علَّق الإباحة بعدم الدخول فقط، ولو كانت الحرمة مقيدة بهما لتعلقت الإباحة بعدمهما، وقال علي - ﵁ -: لا تحرم الربيبة إلا إذا كانت في حجره لظاهر الآية، وقول علي - ﵁ - هذا رواه عنه ابن أبي حاتم في تفسيره وقال به أيضًا عمر بن الخطاب فيما رواه عنه أبو عبيد، انتهى.\n\n(٢٦ -<span data-type='title' id=toc-3056> باب قوله: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء:</span> ٢٣])\nقال الحافظ (^٤): أورد فيه حديث أم حبيبة المذكور لقوله: \"فلا تعرضن علي بناتكن ولا أخواتكن\" والجمع بين الأختين في التزويج حرام\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ١١٨).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٩/ ٢٧٨).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٤٤٧).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٩/ ١٦٠).","vol":"5","page":491},{"text":"بالإجماع، سواء كانتا شقيقتين، أم من أب، أم من أم، وسواء النسبي والرضاعي، واختلف فيما إذا كانتا بملك اليمين فأجازه بعض السلف وهو رواية عن أحمد، والجمهور وفقهاء الأمصار على المنع ونظيره الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، وحكاه النووي عن الشيعة، انتهى.\n\n(٢٧ -<span data-type='title' id=toc-3057> باب لا تنكح المرأة على عمتها)</span>\nأي: ولا على خالتها، وهذا اللفظ رواية أبي بكر بن أبي شيبة عن عبد الله بن المبارك بإسناد حديث الباب، وكذا هو عند مسلم من حديث أبي هريرة، انتهى من \"الفتح\" (^١) مختصرا.\nوقال أيضًا: قال الترمذي: والعمل على هذا عند عامة أهل العلم لا نعلم بينهم اختلافًا أنه لا يحل للرجل أن يجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، ولا أن تنكح المرأة على عمتها أو خالتها، وقال ابن المنذر: لست أعلم في منع ذلك اختلافًا اليوم، وإنما قال بالجواز فرقة من الخوارج، وإذا ثبت الحكم بالسُّنَّة واتفق أهل العلم على القول به لم يضره خلاف من خالفه.\nوكذا نقل الإجماع ابن عبد البر وابن حزم والقرطبي والنووي، لكن استثنى ابن حزم عثمان البتي وهو أحد الفقهاء القدماء من أهل البصرة، وهو بفتح الموحدة وتشديد المثناة، واستثنى النووي طائفة من الخوارج والشيعة، واستثنى القرطبي الخوارج ولفظه: اختار الخوارج الجمع بين الأختين وبين المرأة وعمتها وخالتها، ولا يعتد بخلافهم لأنهم مرقوا من الدين، انتهى.\nوفي نقله عنهم جواز الجمع بين الأختين غلط بيِّن، فإن عمدتهم التمسك بأدلة القرآن لا يخالفونها البتة، وإنما يردون الأحاديث لاعتقادهم عدم الثقة بنقلها، وتحريم الجمع بين الأختين بنصوص القرآن، ونقل\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ١٦٠، ١٦١).","vol":"5","page":492},{"text":"ابن دقيق العيد: تحريم الجمع بين المرأة وعمتها عن جمهور العلماء ولم يعين المخالف، انتهى.\nوفي \"الفيض\" (^١) تحت ترجمة الباب: والضابطة فيه عندنا أنه لا يجوز الجمع بين كل امرأتين لو فرضت إحداهما ذكرًا لم تحل له النكاح بالأخرى، ويشترط ذلك أن يتصور من الطرفين، انتهى.\n\n(٢٨ -<span data-type='title' id=toc-3058> باب الشغار)</span>\nقال العلامة القسطلاني (^٢): مصدر شاغر يشاغر شغارًا ومشاغرة، وسمّي شغارًا إما من قولهم: شغر البلد عن السلطان: إذا خلا عنه، لخلوه عن المهر، وقيل: لخلوه عن بعض الشرائط، وقال ثعلب: هو من قولهم: شغر الكلب: إذا رفع رجله ليبول، وفي التشبيه بهذه الهيئة القبيحة تقبيح للشغار وتغليظ على فاعله، كأن كلًا من الوليين يقول للآخر: لا ترفع رجل ابنتي حتى أرفع رجل ابنتك.\nقوله: (والشغار أن يزوج الرجل ابنته أو موليته من أخت وغيرها. . .) إلخ، وقد اختلف الرواة عن مالك فيمن ينسب إليه تفسير الشغار، فالأكثر لم ينسبوه لأحد، ولذا قال الشافعي فيما حكاه البيهقي في \"معرفة السنن\": لا أدري [التفسير] عن النبي - ﷺ -، أو عن ابن عمر - ﵄ -، أو عن نافع الراوي عنه، أو عن مالك، وقال الخطيب: إنه قول مالك وصله بالمتن المرفوع، وفي \"ترك الحيل\" من البخاري أنه من قول نافع، وقال الباجي: هو من جملة الحديث، وبالجملة فإن كان مرفوعًا فهو المراد، وإن كان من قول الصحابي فمقبول لأنه أعلم بالمقال، انتهى.\nقال الحافظ (^٣): وقد اختلف الفقهاء هل يعتبر في الشغار الممنوع ظاهر الحديث في تفسيره، فإن فيه وصفين: أحدهما تزويج كل من الوليين\n_________\n(^١) \"فيض الباري\" (٥/ ٥١٤).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٤٥١، ٤٥٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٩/ ١٦٣).","vol":"5","page":493},{"text":"وليته للآخر بشرط أن يزوجه وليته، والثاني خلو بضع كل منهما من الصداق، فمنهم من اعتبرهما معًا حتى لا يمنع مثلًا إذا زوج كل منهما الآخر بغير شرط وإن لم يذكر الصداق، أو زوج كل منهما الآخر بالشرط وذكر الصداق، وذهب أكثر الشافعية إلى أن علة النهي الاشتراك في البضع لأن بضع كل منهما يصير مورد العقد، وجعل البضع صداقًا مخالف لإيراد عقد النكاح، وليس المقتضي للبطلان ترك ذكر الصداق لأن النكاح يصح بدون تسمية الصداق، إلى آخر ما بسط في فروع المسألة.\nوأما حكمه ففي هامش \"الكوكب\" (^١): قال النووي: أجمعوا على أنه منهي عنه لكن اختلفوا هل هو نهي يقتضي إبطال النكاح أم لا؟ فعند الشافعي يقتضي إبطاله، وحكاه الخطابي عن أحمد وإسحاق، وقال مالك: يفسخ قبل الدخول وبعده، وفي رواية قبله لا بعده، وقال جماعة: يصح بمهر المثل، وهو مذهب أبي حنيفة، وحكي عن الزهري والليث وهو رواية عن أحمد وإسحاق، وبه قال أبو ثور وابن جرير، كذا في \"البذل\"، انتهى.\n\n(٢٩ -<span data-type='title' id=toc-3059> باب هل للمرأة أن تهب نفسها لأحد)</span>\nاعلم أن في الترجمة والحديث عدة مباحث: الأول: أن هبة المرأة نفسها خاص بالنبي - ﷺ - أو يعم غيره أيضًا؟ وإليه أشار الإمام البخاري بقوله: \"هل\" ويتفرع على الثاني اختلافهم في أن النكاح بلفظ الهبة جائز أم لا؟ وهو البحث الثاني، والبحث الثالث: هل يجوز النكاح بغير صداق كما يدل عليه لفظ الهبة، ويتضمن هذا مسألتين: الأولى: هل يصح النكاح بغير ذكر الصداق، والثانية: هل يصح بنفي الصداق أم لا؟ والأنسب لهاتين المسألتين ما سيأتي من تبويب المصنف \"باب التزويج على القرآن وبغير صداق\" فنذكرهما هناك إن شاء الله تعالى.\n_________\n(^١) \"الكوكب الدري\" (٢/ ٢٣٥)، و\"بذل المجهود\" (٧/ ٦٣٩).","vol":"5","page":494},{"text":"والبحث الخامس: ما ذكره الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^١) إذ كتب: وفي كلام عائشة نوع اختصار من الراوي والأصل أنها قطعت أول الكلام ثم أخذت في الكلام، وهو أنه - ﷺ - رخص في نسائه ولم يبق القسم واجبًا عليه، ودلالة الآية على هذا المعنى ظاهرة، وأما إذا أريد الاحتجاج على جواز هبة المرأة نفسها على أن يكون هذا هو المراد بقولها في: \"هواك\" فهو في قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا﴾ الآية [الأحزاب: ٥٠]، وهو وإن لم يكن مذكورًا لكنه على هذا التقرير الثاني مراد، وكفت الإشارة بذكر بعض الآية، انتهى.\nوالأوجه عندي: أن المراد بآية الإرجاء عدم نكاح الواهبات وهو أحد الأقوال المعروفة في سبب نزول الآية وإن كانت مسألة القسم أشهر، وهذا أحد الأبحاث الخمسة بسط الكلام على تلك المباحث في هامش \"اللامع\" (^٢) فارجع إليه لو شئت التفصيل.\nوأما الإجمال فنذكر ههنا: أما البحث الأول - أعني: هبة المرأة نفسها - فلا يجوز لغير النبي - ﷺ - اتفاقًا، ففي \"الأوجز\" عن الباجي: لا خلاف أنه لا يجوز نكاح بدون صداق لغير النبي - ﷺ -، والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا﴾ الآية، إلى آخر ما بسط في هامش \"اللامع\". البحث الثاني جواز النكاح بلفظ الهبة، وهو مختلف بين الأئمة ففي \"الأوجز\"، قال الموفق: ينعقد النكاح بلفظ الإنكاح والتزويج إجماعًا، ولا ينعقد بغيرهما، وبهذا قال ابن المسيب وعطاء والزهري والشافعي، وقال الثوري والحسن بن صالح وأبو حنيفة وأصحابه وأبو ثور وأبو عبيدة وداود: ينعقد بلفظ الهبة والصدقة والتمليك، وقال مالك: ينعقد بذلك إذا ذكر المهر.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٩/ ٢٨٩).\n(^٢) انظر: \"لامع الدراري\" (٩/ ٢٨٢ - ٢٨٨)، \"أوجز المسالك\" (١٠/ ٣١٤)، \"فتح الباري\" (٩/ ١٦٤).","vol":"5","page":495},{"text":"قال الحافظ: قوله: \"باب هل للمرأة أن تهب. . .\" إلخ، أي: فيحل له نكاحها بذلك، وهذا يتناول صورتين: أحدهما مجرد الهبة من غير ذكر مهر والثاني العقد بلفظ الهبة، فالصورة الأولى ذهب الجمهور إلى بطلان النكاح وأجازه الحنفية والأوزاعِي ولكن قالوا: يجب مهر المثل، وحجة المجمهور قوله تعالى: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] فعدوا ذلك من خصائصه - ﷺ -، وأنه يتزوج بلفظ الهبة بغير مهر في الحال ولا في المآل، انتهى.\nإلى آخر ما ذكر في هامش \"اللامع\"، في دلائل الفريقين.\n\n(٣٠ -<span data-type='title' id=toc-3060> باب نكاح المحرم)</span>\nقال الحافظ (^١): كأنه يحتج إلى الجواز لأنه لم يذكر في الباب شيئًا غير حديث ابن عباس في ذلك، ولم يخرج حديث المنع كأنه لم يصح عنده على شرطه، انتهى.\nوالمسألة خلافية شهيرة تقدم شيء من الكلام عليها في \"باب تزويج المحرم\" من كتاب الحج، وبسط الكلام عليها الشيخ قُدِّس سرُّه في \"البذل\" (^٢)، وكذا العبد الضعيف في \"الأوجز\".\n\n(٣١ -<span data-type='title' id=toc-3061> باب نهى رسول الله - ﷺ - عن نكاح المتعة أخيرًا)</span>\nقال الحافظ (^٣): يعني تزويج المرأة إلى أجل فإذا انقضى وقعت الفرقة، وقوله في الترجمة: \"أخيرًا\" يفهم منه أنه مباحًا وأن النهي عنه وقع في آخر الأمر، وليس في أحاديث الباب التي أوردها التصريح بذلك، لكن قال في آخر الباب: إن عليًّا - ﵁ - بيَّن أنه منسوخ، وقد وردت عدة أحاديث\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ١٦٥).\n(^٢) راجع: \"بذل المجهود\" (٧/ ٢١٣ - ٢٢٥)، و\"أوجز المسالك\" (٧/ ٤٧، ٤٨).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٩/ ١٦٧ - ١٧٠).","vol":"5","page":496},{"text":"صحيحة صريحة بالنهي عنها بعد الإذن فيها، وأقرب ما فيها عهدًا بالوفاة النبوية ما أخرجه أبو داود من طريق الزهري قال: \"كنا عند عمر بن عبد العزيز فتذاكرنا متعة النساء، فقال رجل يقال له ربيع بن سبرة: أشهد على أبي أنه حدَّث أن رسول الله - ﷺ - نهى عنها في حجة الوداع\"، وسأذكر الاختلاف في حديث سبرة هذا، انتهى.\nوقال في الكلام على الروايات: وأما حجة الوداع فهو اختلاف على الربيع بين سبرة والرواية عنه بأنها في الفتح أصح وأشهر، انتهى.\nقوله: (أن عليًّا قال لابن عباس) سيأتي بيان تحديثه له بهذا الحديث في ترك الحيل بلفظ: أن عليًا قيل له: إن ابن عباس - ﵄ - لا يرى بمتعة النساء بأسًا، وفي رواية الثوري ويحيى بن سعيد كلاهما عن مالك عند الدارقطني: أن عليًّا سمع ابن عباس - ﵄ - وهو يفتي في متعة النساء، فقال: أما علمت. . . وأخرجه سعيد بن منصور عن هشيم عن يحيى بن سعيد عن الزهري بدون ذكر مالك، ولفظه أن عليًّا مر بابن عباس رضي الله تعالى عنهما وهو يفتي في متعة النساء أنه لا بأس بها، ولمسلم من طريق جويرة عن مالك يسنده: أنه سمع عليًّا يقول لفلان: إنك رجل تائه، وفي رواية الدارقطني من طريق الثوري أيضًا: تكلم علي وابن عباس في متعة النساء، فقال له علي: إنك امرأ تائه، ولمسلم من وجه آخر: أنه سمع ابن عباس أنه يلين في متعة النساء فقال له: مهلًا يا ابن عباس، ولأحمد من طريق معمر: رخص في متعة النساء، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nقال النووي في \"شرح مسلم\" (^٢): قال المازري: ثبت أن نكاح المتعة كان جائزًا في أول الإسلام، ثم ثبت بالأحاديث الصحيحة المذكورة ههنا أنه نسخ وانعقد الإجماع على نسخه وتحريمه، ولم يخالف فيه إلا طائفة\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ١٦٨).\n(^٢) \"شرح النووي على صحيح مسلم\" (٥/ ٢٠٠).","vol":"5","page":497},{"text":"من المبتدعة، وتعلقوا بالأحاديث الواردة في ذلك، وقد ذكرنا أنها منسوخة فلا دلالة لهم فيها، وتعلقوا بقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: ٢٤] وفي قراءة ابن مسعود: فما استمعتم به منهن إلى أجل، وقراءة ابن مسعود هذه شاذة لا يحتج بها قرآنًا ولا خبرًا، قال: وقال زفر: من نكح نكاح متعة تأبد نكاحه وكأنه جعل ذكر التأجيل من باب الشروط الفاسدة في النكاح، فإنها تلغى وتصح النكاح، انتهى.\nوبسط الجصاص (^١) في \"أحكام القرآن\" على مباحث المتعة في تفسير قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ الآية، وقال: وقد كان ابن عباس يتأول هذه الآية على متعة النساء، وروي عنه فيها أقاويل، روي أنه كان يتأول الآية على إباحة المتعة، إلى آخر ما بسط في الروايات الواردة عنه، ثم قال: فالذي حصل من أقاويل ابن عباس القول بإباحة المتعة في بعض الروايات من غير تقييد لها بضرورة ولا غيرها، والثاني أنها كالميتة تحل بالضرورة، والثالث أنها محرمة، وقد قدمنا ذكر سنده وقوله أيضًا: أنها منسوخة، ثم ذكر الجصاص ما يدل صريحًا على رجوعه عن إباحتها، حيث قال: ذاك السفاح.\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٢): قوله: \"أن عليًّا قال لابن عباس. . .\" إلخ، فظاهر كلام علي أنه حمل متعة الأوطاس على أنها كانت للاضطرار ورخصة ثابتة على غير القياس؛ إذ لو لم تكن كذلك لما أفاد التقييد بيوم خيبر معنى بل كان مضرًا له في إثبات مدعاه لأن الفعل الأخير يكون ناسخًا للأول، فإذا انتسخت الحرمة بمتعة الأوطاس لم يبق له دليل على ما أراد الاحتجاج به على ابن عباس، وأما ابن عباس فلعله لم يقتنع بكلام علي - ﵁ - هذا حيث أفتى بجواز المتعة، انتهى.\n_________\n(^١) \"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ١٤٦ - ١٤٨).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٩/ ٢٩٠، ٢٩١).","vol":"5","page":498},{"text":"وفي هامشه: بسط الكلام في نكاح المتعة الحافظ في \"الفتح\" (^١) بما لا مزيد عليه، ولخص كلامه وكلام غيره في \"الأوجز\" (^٢) وهو مبسوط أيضًا، واختلفت الروايات في زمن النهي عنه، والصحيح الراجح عند الحافظ من تلك الروايات رواية غزوة الفتح، كما سيأتي.\nقال الحافظ بعد ما ذكر عن السهيلي اختلاف الروايات في ذلك: فتحصل مما أشار إليه ستة مواطن: خيبر، ثم عمرة القضاء، ثم الفتح، ثم أوطاس، ثم تبوك، ثم حجة الوداع، وبقي حنين فإما أن يكون ذهل عنها أو تركها عمدًا لخطأ راويها أو لكون غزوة أوطاس وحنين واحدًا، ثم ذكر روايات هذه المواضع وتكلم عليها حديثًا حديثًا، فارجع إليه لو شئت.\nثم قال: فلم يبق من المواطن صحيحًا صريحًا سوى غزوة خيبر وغزوة الفتح، وفي غزوة خيبر من كلام أهل العلم ما تقدم، كذا في \"الأوجز\"، وفيه أيضًا: قال النووي: الصواب أن تحريمها وإباحتها وقعتا مرتين، فكانت مباحة قبل خيبر ثم حرمت فيها، ثم أبيحت عام الفتح وهو عام أوطاس، ثم حرمت تحريمًا مؤبدًا، قال: ولا مانع من تكرير الإباحة، انتهى مختصرًا.\nوقال الحافظ في \"التلخيص\": حكى العبادي في طبقاته عن الشافعي قال: ليس في الإسلام شيء أحل ثم حرم ثم أحل ثم حرم إلا المتعة، وقال بعضهم: نسخت ثلاث مرات، وقيل: أكثر، ويدل على ذلك اختلاف الروايات في وقت تحريمها، وإذا صحت كلها فطريق الجمع بينها الحمل على التعدد، والأجود في الجمع ما ذهب إليه جمع من المحققين أنها لم تحل قط في حال الحضر والرفاهية بل في حال السفر والحاجة، والأحاديث ظاهرة في ذلك، ويبين ذلك حديث ابن مسعود - ﵁ -: \"كنا نغزو وليس لنا نساء فرخص لنا أن ننكح\" فعلى هذا كل ما ورد من التحريم في\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ١٦٨ - ١٧٤).\n(^٢) راجع: \"أوجز المسالك\" (١٠/ ٥١٨ - ٥٣٤).","vol":"5","page":499},{"text":"المواطن المتعددة يحمل على أن المراد بتحريمها في ذلك الوقت أن الحاجة انقضت، ووقع العزم على الرجوع إلى الوطن، فلا يكون في ذلك تحريم أبدًا إلا الذي وقع آخرًا، انتهى.\nقوله: (نهى عن المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية) قال الحافظ (^١): والحكمة في جمع علي بين النهي عن الحمر والمتعة أن ابن عباس كان يرخص في الأمرين معًا، وسيأتي النقل عنه في الرخصة في الحمر الأهلية في أوائل كتاب الأطعمة فرد عليه علي - ﵁ - في الأمرين معًا، انتهى.\nقوله: (فقال ابن عباس: نعم) كتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): فيه دلالة أيضًا على أنه لم يجوزها على الإطلاق، انتهى.\nبل يجوزها لمن يضطر إليها فإنه قد روي عنه كما في هامش \"اللامع\" أنه قال: ما هي إلا كالميتة لا تحل إلا للمضطر، وقد تقدم اختلاف الروايات عن ابن عباس في هذه المسألة من كلام أبي بكر الجصاص.\n\n(٣٢ -<span data-type='title' id=toc-3062> باب عرض المرأة نفسها على الرجل الصالح)</span>\nقال الحافظ (^٣): قال ابن المنيِّر في الحاشية: من لطائف البخاري أنه لما علم الخصوصية في قصة الواهبة استنبط من الحديث ما لا خصوصية فيه، وهو جواز عرض المرأة نفسها على الرجل الصالح رغبة في صلاحه فيجوز لها ذلك، وإذا رغب فيها تزوجها بشرطه، انتهى.\nقوله: \"جاءت امرأة\" قال الحافظ: لم أقف على تعينها، وأشبه من رأيت بقصتها بمن تقدم ذكر اسمهن في الواهبات ليلى بنت قيس بن الخطيم، ويظهر لي أن صاحبة هذه القصة غير التي في حديث سهل، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ١٧٠، ١٧١).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٩/ ٢٩١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٩/ ١٧٥).","vol":"5","page":500},{"text":"(٣٣ -<span data-type='title' id=toc-3063> باب عرض الإنسان ابنته أو أخته على أهل الخير)</span>\nقال الحافظ (^١) تحت حديث الباب: وفيه عرض الإنسان بنته وغيرها من مولياته على من يعتقد خيره وصلاحه؛ لما فيه من النفع العائد على المعروضة عليه، وأنه لا استحياء في ذلك، وفيه أنه لا بأس بعرضها عليه ولو كان متزوجًا؛ لأن أبا بكر كان حينئذ متزوجًا، انتهى.\n\n(٣٤ -<span data-type='title' id=toc-3064> باب قول الله - ﷿ -: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ﴾ الآية [البقرة:</span> ٢٣٥])\nقال الحافظ (^٢): قال ابن التِّين: تضمنت الآية أربعة أحكام: اثنان مباحان: التعريض والإكنان، واثنان ممنوعان: النكاح في العدة والمواعدة فيها، انتهى.\nثم قال الحافظ: اقتصر المصنف في هذا الباب على حديث ابن عباس الموقوف، وفي الباب حديث صحيح مرفوع وهو قوله - ﷺ - لفاطمة بنت قيس: \"إذا حللت فآذنيني\" وهو عند مسلم، وفي لفظ: \"لا تفوتينا بنفسك\" أخرجه أبو داود، واتفق العلماء على أن المراد بهذا الحكم من مات عنها زوجها، واختلفوا في المعتدة من الطلاق البائن وكذا من وقف نكاحها.\nوأما الرجعية فقال الشافعي: لا يجوز لأحد أن يعرض لها بالخطبة فيها، والحاصل أن التصريح بالخطبة حرام لجميع المعتدات، والتعريض مباح للأولى، حرام في الأخيرة، مختلف فيه للبائن، انتهى.\nولم يتعرض العلامة العيني لهذا الاختلاف، نعم تعرض لاختلاف آخر حيث قال (^٣): وإن صرَّح بالخطبة في العدة لكن لم يعقد إلا بعد انقضاء العدة صح العقد عند أبي حنيفة والشافعي رحمهما الله تعالى، ولكن ارتكب\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ١٧٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ١٧٩).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٧٦).","vol":"5","page":501},{"text":"المنهي، وقال مالك: يفارقها دخل بها أو لم يدخل، ولو وقع العقد في العدة ودخل [بها] فيها يفرق بينهما بلا خلاف بين الأئمة، وقال مالك والليث والأوزاعي: لا يحل له بعد ذلك نكاحها، وقال الباقون: يحل له إذا انقضت العدة أن يتزوجها إن شاء، انتهى.\n\n(٣٥ -<span data-type='title' id=toc-3065> باب النظر إلى المرأة قبل التزويج)</span>\nاستنبط البخاري جواز ذلك من حديثي الباب، لكون التصريح الوارد في ذلك ليس على شرطه، وقد ورد ذلك في أحاديث أصحها حديث أبي هريرة: قال رجل: إنه تزوج امرأة من الأنصار، فقال رسول الله - ﷺ -: \"أنظرت إليها\"؟ قال: لا، قال: \"فاذهب فانظر إليها؛ فإن في أعين الأنصار شيئًا\" أخرجه مسلم والنسائي، وفي لفظ له صحيح: إن رجلًا أراد أن يتزوج امرأة، فذكره، قال الغزالي في \"الإحياء\": اختلف في المراد بقوله: \"شيئًا\" فقيل: عمش، وقيل: صغر، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوأما حكم المسألة عند الأئمة فقال العلامة العيني (^٢): اختلف فيه العلماء فقال طاوس والزهري والحسن البصري والأوزاعي وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد والشافعي ومالك وأحمد وآخرون: يباح النظر إلى المرأة التي يريد نكاحها.\nوقال عياض: وقال الأوزاعي: ينظر إليها ويجتهد وينظر [منها] مواضع اللحم منها، وقال الشافعي وأحمد: وسواء بإذنها أو بغير إذنها إذا كانت مستترة، وحكى بعض شيوخنا تأويلًا على قول مالك: أنه لا ينظر إليها إلا بإذنها لأنه حق لها، ولا يجوز عند هؤلاء المذكورين أن ينظر إلى عورتها ولا وهي حاسرة، وعن داود: ينظر إلى جميعها حتى قال ابن حزم: يجوز النظر إلى فرجها، إلى آخر ما بسط في فروع المسألة وتفاصيلها، ثم\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ١٨١).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٧٧).","vol":"5","page":502},{"text":"قال: وقال طائفة، منهم يونس بن عبيد وإسماعيل ابن علية وقوم من أهل الحديث: لا يجوز النظر إلى الأجنبية مطلقًا إلا لزوجها أو ذي رحم محرم منها، إلى آخر ما ذكر.\nقال الحافظ (^١): قال الجمهور: لا بأس أن ينظر الخاطب إلى المخطوبة، قالوا: ولا ينظر إلى غير وجهها وكفيها، وقال الأوزاعي: يجتهد وينظر إلى ما يريد منها إلا العورة، وقال ابن حزم: ينظر إلى ما أقبل منها وإلى ما أدبر منها، وعن أحمد ثلاث روايات: الأولى كالجمهور، والثانية ينظر إلى ما يظهر غالبًا، والثالثة ينظر إليها متجردة، وقال الجمهور أيضًا: يجوز أن ينظر إليها إذا أراد ذلك بغير إذنها، عن مالك رواية: يشترط إذنها، ونقل الطحاوي عن قوم أنه لا يجوز النظر إلى المخطوبة قبل العقد بحال؛ لأنها حينئذ أجنبية، ورد عليه للأحاديث المذكورة، انتهى.\nويظهر مما تقدم من كلام الحافظين ابن حجر والعيني جواز النظر إلى المخطوبة فقط، ويظهر من كلام القسطلاني استحباب النظر إليها، كما سيأتي كلام القسطلاني.\nوفي \"الإقناع\" (^٢) من فروع الشافعية بحثًا على أنواع النظر: والضرب الرابع النظر لأجل النكاح فيجوز بل يسن إذا قصد نكاحها ورجا رجاء ظاهرًا أنه يجاب إلى خطبته، إلى آخر ما ذكر.\nفقال القسطلاني (^٣): \"باب استحباب النظر إلى المرأة\" والمرأة إلى الرجل \"قبل التزويج\" والخطبة لحديث المغيرة عند الترمذي وحسنه والحاكم وصححه أنه خطب امرأة فقال النبي - ﷺ -: \"انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما\" أي: تدوم بينكما المودة والألفة وأن يكون بعد العزم وقبل الخطبة لحديث أبي داود: \"إذا ألقى الله في قلب امرئ خطبة امرأة فلا بأس أن\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ١٨٢).\n(^٢) \"الإقناع\" (٢/ ١١٨ - ١٢٠).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٤٦٦).","vol":"5","page":503},{"text":"ينظر إليها\" وإنما اعتبر ذلك قبل الخطبة لأنه لو كان بعد فلربما أعرض عنها فيؤذيها، إلى آخر ما بسط.\n\n(٣٦ -<span data-type='title' id=toc-3066> باب من قال: لا نكاح إلا بولي)</span>\nقال العيني (^١): هذا لفظ حديث رواه أبو داود والترمذي من حديث أبي موسى الأشعري، وإنما ترجم بهذا ولم يخرجه لكونه ليس على شرطه وكذلك لم يخرجه مسلم، وفيه كلام كثير قد ذكرناه عن قريب، ولكن لما كان ميله إلى من قال: لا نكاح إلا بولي، احتج بثلاث آيات ذكر هنا من كل آية قطعة، انتهى.\nقال الحافظ (^٢): استنبط المصنف هذا الحكم من الآيات والأحاديث التي ساقها لكون الحديث الوارد بلفظ الترجمة على غير شرطها، ثم بسط الحافظ الكلام على هذا الحديث، ورجح وصله إذ قال: ومن تأمل ما ذكرته عرف أن الذين صححوا وصله لم يستندوا في ذلك إلى كونه زيادة ثقة فقط بل للقرائن المذكورة المقتضية لترجيح رواية إسرائيل الذي وصله على غيره، إلى آخر ما ذكر.\nوالمسألة خلافية قال الشيخ في \"الكوكب\" (^٣): وقال الشافعي بظاهر الحديث أن لا نكاح إلا بولي، وعندنا إما أن يكون المراد بالنكاح هو الذي لا يستغنى فيه عن الولي كنكاح الصغيرة والأمة، أو المراد به نفي نفاذه وتمامه بحيث لا يتيسر للولي إبطاله إذا كان فيه إبطال حق له، كما إذا تزوجت في غير كُفْءٍ أو بأقل من مهر مثلها جمعًا بين الروايات وبينها وبين الآيات، أو يراد نفي حسنه فإن النكاح الذي لم يرض به الأولياء غير مستحسن شرعًا وعرفًا، انتهى.\nوفي هامشه: وبقول الشافعي قال أحمد، وقال مالك: إن كانت\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٧٩).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ١٨٣، ١٨٤).\n(^٣) \"الكوكب الدري\" (٢/ ٢١٧).","vol":"5","page":504},{"text":"المرأة دنية يجوز لها أن تزوج نفسها أو توكل من يزوجها، وإن كانت شريفة لا بد من وليها، وقال الإمام الأعظم: لا يعتبر الولي في البالغة، وفي ابن الهمام: حاصل ما في الولي عن علمائنا سبع روايات، روايتان عن أبي حنيفة، هكذا في \"البذل\" (^١)، انتهى.\nقلت: والروايات السبع بسطت في \"فتح القدير\" وظاهر الرواية عن أبي حنيفة وأبي يوسف ينعقد بدون الولي لكن لا يستحب، وعن محمد: ينعقد موقوفًا.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): قوله: \"باب من قال: لا نكاح إلا بولي\" وجملة ما أورده فيه لا تثبت أن جواز النكاح متوقف على إجازته فلا حاجة إلى الجواب أصلًا، انتهى.\nوفي هامشه: ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه واضح فإن الإمام البخاري ذكر في الباب أربعة أحاديث ليس في واحد منها توقف النكاح على الولي، غاية ما في تلك الأحاديث إنكاح الرجل وليته، ولا ينكره أحد، إلى آخر ما بسط في هامش \"اللامع\".\nوفي \"الفيض\" (^٣): واعلم أن ههنا مسألتين: الأولى: أن النكاح لا ينعقد إلا برضا الولي وإجازته، وإليه ذهب مالك والشافعي وأحمد، والثانية: أن النساء لا أهلية فيهن للإنكاح فلا ينعقد النكاح بعبارتهن وإن أجاز به الولي ألف مرة، فمحصّل مذهب الجمهور أن رضا الولي مقدم على رضا المولية، وكذا العقد الذي هو عبارة عن الإيجاب والقبول لا يصلح إلا للرجال فإن عقدت النكاح بنفسها لم ينعقد وإن رضي به الولي أيضًا، وذهب صاحبا أبي حنيفة إلى اشتراط الولي فقط، فالضروري عندهما رضا الولي سواء صدر النكاح بعبارته أو بعبارتها، قلت: وليت شعري من أين\n_________\n(^١) \"بذل المجهود\" (٧/ ٦٥٦)، وانظر: \"فتح القدير\" (٣/ ٣٥٥).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٩/ ٢٩٦ - ٢٩٩).\n(^٣) \"فيض الباري\" (٥/ ٥٢٠، ٥٢١).","vol":"5","page":505},{"text":"فهموا أن الحديث حجة لهم في المسألة الثانية أيضًا، فإن أقصى ما يدل عليه الحديث لغةً هو أن رضا الولي وشركته أمر ضروري وأن النكاح لا يكون إلا بشهوده، سواء لحقته إجازة سابقة أو لاحقة، وسواء صدر النكاح من عبارة المولية أو وليها، فالحديث إن كان حجة ففي المسألة الأولى، وأما المسألة الثانية فلا مساس له بها، إلى آخر ما بسط الكلام على المسألة وفي ترجيح مسلك الحنفية أشد البسط.\n\n(٣٧ -<span data-type='title' id=toc-3067> باب إذا كان الولي هو الخاطب)</span>\nقال الحافظ (^١) - ﵀ -: أي: هل يزوج نفسه أو يحتاج إلى ولي آخر، قال ابن المنيِّر: ذكر في الترجمة ما يدل على الجواز والمنع معًا ليكل الأمر في ذلك إلى نظر المجتهد، كذا قال، وكأنه أخذه من تركه الجزم بالحكم، لكن الذي يظهر من صنيعه أنه يرى الجواز فإن الآثار التي فيها أمر الولي غيره أن يزوجه ليس فيها التصريح بالمنع من تزويجه نفسه، وقد أورد في الترجمة أثر عطاء الدالّ على الجواز، وإن كان الأولى عنده أن لا يتولى أحد طرفي العقد، وقد اختلف السلف في ذلك فقال الأوزاعي وربيعة والثوري ومالك وأبو حنيفة وأكثر أصحابه: يزوج الولي نفسه، وعن مالك: لو قالت الثيب لوليها: زوجني بمن رأيت، فزوّجها من نفسه أو ممن اختار لزمها ذلك ولو لم تعلم عين الزوج، وقال الشافعي: يزوجهما السلطان أو ولي آخر مثله أو أقعد منه، ووافقه زفر وداود، وحجتهم أن الولاية شرط في العقد فلا يكون الناكح منكحًا كما لا يبيع من نفسه، انتهى.\nوقال القسطلاني (^٢): قوله: \"إذا كان الولي هو الخاطب\" كابن العم هل يزوج نفسه أو يزوجه ولي غيره، اختلف في ذلك فقال الشافعية: إذا أراد الولي تزويجها كابن العم لم يتول الطرفين فيزوجه من في درجته كابن عم آخر، فإن لم يكن زوّجه القاضي فإن أراد القاضي تزويجها زوّجه قاض\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ١٨٨).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٤٧٥ - ٤٧٧).","vol":"5","page":506},{"text":"آخر بمحل ولايته إذا كانت المرأة في عمله أو يستخلف من يزوجه إن كان له الاستخلاف، وقال أيضًا بعد الحديث الأول من حديثي الباب: فإن قلت: ما وجه المطابقة؟ أجيب: في قوله: \"فيرغب عنها أن يتزوجها\" لأنه أعم من أن يتولى ذلك بنفسه أو يأمر غيره فيزوجه، وبه احتج محمد بن الحسن؛ لأن الله تعالى لما عاتب الأولياء في تزويج من كانت من أهل الجمال والمال بدون سنتها من الصداق، وعاتبهم على ترك تزويج من كانت قليلة المال والجمال دل على أن الولي يصح منه تزويجها من نفسه إذ لا يعاتب أحد على ترك ما هو حرام عليه، انتهى من \"الفتح\".\nوقال بعد الحديث الثاني: قال في \"فتح الباري\": ووجه المطابقة بهذا الحديث يعني لمناسبة الترجمة الإطلاق أيضًا لكن انفصل من منع ذلك بأنه معدود من خصائصه أن يزوج نفسه وبغير ولي ولا شهود ولا استئذان وبلفظ هبة، انتهى.\nوفي \"الفيض\" (^١): باب إذا كان الولي هو الخاطب، كابن العم ببنت عمه وحينئذ هل يكفي له اللفظ الواحد أو يجب اللفظان؛ فليراجع له \"الكنز\"، وأما ما في حديث البخاري من قوله: \"قد تزوجتك\" ففيه لفظ واحد فقط، ثم في \"الهداية\": إن إحدى الصيغتين إذا كانت للأمر والأخرى للماضي انعقد النكاح، ثم للمشايخ فيه بحث وهو أن صيغة الأمر منهما إيجاب والماضي قبول، أو أنها توكيل والماضي يقوم مقام الإيجاب والقبول، وليراجع له \"البحر الرائق\".\n\n(٣٨ -<span data-type='title' id=toc-3068> باب إنكاح الرجل ولده الصغار)</span>\nضبط \"ولده\" بضم الواو وسكون اللام على الجمع وهو واضح، وبفتحهما على أنه اسم جنس وهو أعم من الذكور والإناث.\n_________\n(^١) \"فيض الباري\" (٥/ ٥٢٧).","vol":"5","page":507},{"text":"قوله: (لقول الله تعالى: ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤]. . .) إلخ، أي فدل على أن نكاحها قبل البلوغ جائز، وهو استنباط حسن لكن ليس في الآية تخصيص ذلك بالوالد ولا بالبكر، ويمكن أن يقال: الأصل في الأبضاع التحريم إلا ما دل عليه الدليل، وقد ورد حديث عائشة في تزويج أبي بكر لها وهي دون البلوغ، فبقي ما عداه على الأصل، ولهذا السر أورد حديث عائشة قال المهلب: أجمعوا أنه يجوز للأب تزويج ابنته الصغيرة البكر ولو كانت لا يوطأ مثلها لعموم قوله: ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ فيجوز نكاح من لم يحضن من أول ما يخلق، وإنما اختلفوا في غير الآباء إلا أن الطحاوي حكى عن ابن شبرمة منعه فيمن لا توطأ وحكى ابن حزم عن ابن شبرمة مطلقًا أن الأب لا يزوّج بنته البكر الصغيرة حتى تبلغ وتأذن، وزعم أن تزويج النبي - ﷺ - عائشة وهي بنت ست سنين كان من خصائصه، ومقابله تجويز الحسن والنخعي للأب إجبار بنته كبيرة كانت أو صغيرة بكرًا كانت أو ثيبًا، انتهى من \"الفتح\" بزيادة من \"العيني\" (^١).\nوفي \"فيض الباري\" (^٢): قوله: \"فجعل عدتها ثلاثة أشهر قبل البلوغ\" ومعلوم أنها لا تعتد إلا بعد النكاح ثم الطلاق، والظاهر أن الصغير لا ينكحه إلا أبوه فظهرت الترجمة، انتهى.\nقلت: وسيأتي قريبًا \"باب لا ينكح الأب وغيره البكر والثيب إلا برضاها\" وقالت الشرَّاح كما سيأتي هناك: أي سواء كانتا صغيرتين أو كبيرتين، فعلى هذا الظاهر عندي أن يقال: إن غرض المصنف بهذه الترجمة الردّ على ابن شبرمة حيث لم يجوز نكاح الصغيرة التي لا توطأ مطلقًا، والغرض من الترجمة الآتية بيان مسألة الإجبار، قال العيني (^٣) ههنا: قال صاحب \"التلويح\": وكأن البخاري أراد بهذه الترجمة الردّ على ابن شبرمة فإن الطحاوي حكى عنه أن تزويج الآباء الصغار لا يجوز ولهن الخيار إذا بلغن، قال: وهذا لم يقل به أحد غيره، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ١٩٠)، و\"عمدة القاري\" (١٤/ ٨٧).\n(^٢) \"فيض الباري\" (٥/ ٥٢٧).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٨٧).","vol":"5","page":508},{"text":"وعلى هذا لا مخالفة بين هذه الترجمة وبين الترجمتين الآتيتين: \"باب لا ينكح الأب وغيره. . .\" إلخ\" و\"باب إذا زوج ابنته. . .\" إلخ.\n\n(٣٩ -<span data-type='title' id=toc-3069> باب تزويج الأب ابنته من الإمام)</span>\nفي هذه الترجمة إشارة إلى أن الولي الخاص يقدّم على الولي العام، وقد اختلف فيه عن المالكية، قال ابن بطال: دل حديث الباب على أن الأب أولى في تزويج ابنته من الإمام، وأن السطان ولي من لا ولي لها، وأن الولي من شروط النكاح.\nقلت: ولا دلالة في الحديثين على اشتراط شيء من ذلك وإنما فيهما وقوع ذلك ولا يلزم منه ما عداه، وإنما يؤخذ ذلك من أدلة أخرى، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(٤٠ -<span data-type='title' id=toc-3070> باب السلطان ولي. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٢): ساق فيه حديث سهل بن سعد في الواهبة، وقد ورد التصريح بأن السلطان ولي في حديث عائشة المرفوع: \"أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل\" الحديث وفيه: \"السلطان ولي من لا ولي لها\" أخرجه أبو داود والترمذي وحسّنه، وصححه أبو عوانة وابن خزيمة وابن حبان والحاكم، لكنه لما لم يكن على شرط استنبطه من قصة الواهبة، انتهى.\nوقال العيني (^٣): قال ابن بطال: أجمع العلماء على أن السلطان ولي من لا ولي له، وأجمعوا أن له أن يزوجها إذا دعت إلى كفء وامتنع الولي أن يزوجها، واختلفوا إذا غاب عن البكر أبوها وعمي خبره وضربت فيه الآجال من يزوجها، فقال أبو حنيفة ومالك: يزوجها أخوها بإذنها، وقال\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ١٩٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ١٩١).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٤/ ٨٨، ٨٩).","vol":"5","page":509},{"text":"الشافعي: يزوجها السلطان دون باقي الأولياء، وكذلك الثيب إذ غاب أقرب أوليائها، واختلفوا في الولي من هو؟ فقال مالك والشافعي: هو العصبة الذي يرث وليس الخال ولا الجد لأم ولا الإخوة للأم أولياء عند مالك في النكاح، وقال محمد بن الحسن: كل من لزمه اسم ولي فهو ولي يعقد النكاح، انتهى.\nوفي \"الفيض\" (^١): والسلطان قد يكون وليًا في فقهنا أيضًا كما إذا لم يكن له العصبة بنفسه، انتهى.\n\n(٤١ -<span data-type='title' id=toc-3071> باب لا ينكح الأب وغيره البكر والثيب إلا برضاها)</span>\nكذا في النسخة \"الهندية\" بإفراد الضمير، وفي نسخة \"الفتح\" و\"القسطلاني\" وكذا في نسخة الحاشية \"برضاهما\" بضمير التثنية، قال صاحب \"الفيض\" (^٢): والظاهر أنه أشار إلى موافقته لأبي حنيفة أن ولاية الإجبار تنقطع بالبلوغ؛ لأن الصغيرة لا ولاية لها على نفسها فهي مستثناة عقلًا، انتهى.\nقال الحافظ (^٣): الترجمة معقودة لاشتراط رضا المزوجة بكرًا كانت أو ثيبًا، صغيرة كانت أو كبيرة، وهو الذي يقتضيه ظاهر الحديث، لكن تستثنى الصغيرة من حيث المعنى لأنها لا عبارة لها، انتهى.\nوهكذا قال القسطلاني إلا أنه لم يذكر ما ذكره الحافظ بقوله: لكن تستثنى الصغيرة إلخ.\nقال الحافظ (^٤): في هذه الترجمة أربع صور: تزويج الأب البكر،\n_________\n(^١) \"فيض الباري\" (٥/ ٥٢٨).\n(^٢) \"فيض الباري\" (٥/ ٥٢٨).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٩/ ١٩١، ١٩٢)، وانظر: \"إرشاد الساري\" (١١/ ٤٨٠).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٩/ ١٩١).","vol":"5","page":510},{"text":"وتزويج الأب الثيب، وتزويج غير الأب البكر، وتزويج غير الأب الثيب، وإذا اعتبرت الكبر والصغر زادت الصور، فالثيب البالغ لا يزوجها الأب ولا غيره إلا برضاها اتفاقًا إلا من شذ كما تقدم، والبكر الصغيرة يزوجها أبوها اتفاقًا إلا من شذ كما تقدم، والثيب غير البالغ اختلف فيها فقال مالك وأبو حنيفة: يزوجها أبوها كما يزوج البكر، وقال الشافعي وأبو يوسف ومحمد: لا يزوجها إذا زالت البكارة بالوطء لا بغيره، والعلة عندهم أن إزالة البكارة تزيل الحياء الذي في البكر، والبكر البالغ يزوجها أبوها وكذا غيره من الأولياء، واختلف في استئمارها والحديث دال على أنه لا إجبار للأب عليها إذا امتنعت، وقد ألحق الشافعي الجد بالأب، وقال أبو حنيفة والأوزاعي في الثيب الصغيرة: يزوجها كل ولي فإذا بلغت ثبت لها الخيار، وقال أحمد: إذا بلغت تسعًا جاز للأولياء غير الأب نكاحها، وكأنه أقام المظنة مقام المئنة، وقال مالك: يلتحق بالأب في ذلك وصي الأب دون بقية الأولياء لأنه أقامه مقامه، انتهى.\nوقال القسطلاني (^١): وللعلماء في هذا المقام تفصيل واختلاف، فذكر نحو ما تقدم عن الحافظ، والظاهر من هذه الترجمة وكذا من الترجمة الآتية أن المصنف ذهب إلى المنع مطلقًا ولم يقل بالإجبار أصلًا ولم يذهب في المسألة إلى التفصيل المذكور التي اختارها الأئمة الأربعة، ويؤيد أيضًا ما سيأتي في كتاب الإكراه \"باب لا يجوز نكاح المكره\" ولم يذكر فيه تفصيلًا.\nوحاصل الخلاف في هذه المسألة: أن الأئمة الأربعة أجمعوا على جواز إجبار البكر الغير البالغة، وكذا أجمعوا على عدم جواز إجبار الثيب البالغة، واختلفوا في إجبار الثيب الصغيرة يجوز عندنا ومالك لا عندهما، وكذا اختلفوا في البكر البالغة فلا يجوز عندنا ويجوز عند الأئمة الثلاثة،\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٤٨١).","vol":"5","page":511},{"text":"قال ابن رشد (^١) في سبب اختلافهم: إنهم اختلفوا في موجب الإجبار هل هو البكارة أو الصغر، فمن قال: الصغر قال: لا يجبر البكر البالغة، ومن قال: البكارة قال: يجبر البكر البالغ ولا تجبر الثيب الصغيرة، ومن قال: كل واحد منهما قال: يجبر البكر البالغ والثيب الغير البالغ، والتعليل الأول تعليل أبي حنيفة، والثاني تعليل الشافعي، والثالث تعليل مالك، والأصول أكثر شهادة بتعليل أبي حنيفة، انتهى.\n\n(٤٢ -<span data-type='title' id=toc-3072> باب إذا زوج ابنته وهي كارهة فنكاحه مردود)</span>\nقال الحافظ (^٢): هكذا أطلق فشمل البكر والثيب لكن حديث الباب مصرح فيه بالثيوبة، فكأنه أشار إلى ما ورد في بعض طرقه كما سأبينه، وردّ النكاح إذا كانت ثيبًا فزوجت بغير رضاها إجماع إلا ما نقل عن الحسن أنه أجاز إجبار الأب للثيب ولو كرهت، وعن النخعي: إن كانت في عياله جاز وإلا ردّ، واختلفوا إذا وقع العقد بغير رضاها فقالت الحنفية: إن أجازته جاز، وعن المالكية: إن أجازته عن قرب جاز وإلا فلا، وردّه الباقون مطلقًا، انتهى.\nوكتب مولانا الشيخ أحمد علي المحدث السهارنفوري في حاشية البخاري (^٣) تفريعًا على قول الحافظ: فشمل البكر والثيب: كما هو مذهب الحنفية، وكتب أيضًا على قوله: كما سأبينه. ولعل المراد به ما ذكره بقوله: وقع في رواية الثوري: \"فقالت: أنكحني أبي وأنا كارهة وأنا بكر\" والأول أرجح، انتهى.\nلكن لا يخفى أن وقوع الواقعة للثيبة بحسب الاتفاق لا يوجب أن يكون حكم البكر مخالفًا لها، والله تعالى أعلم، انتهى.\nقال العيني (^٤): قيل: هذه الترجمة مخالفة للترجمة السابقة حيث قال:\n_________\n(^١) \"بداية المجتهد\" (٢/ ٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ١٩٤).\n(^٣) \"صحيح البخاري بحاشية السهارنفوري\" (١٠/ ٤٧١).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٩١).","vol":"5","page":512},{"text":"باب نكاح الرجل ولده الصغار، وأجيب بأن المراد بنته البالغة، يدل عليه قوله: \"وهي كارهة\" لأن هذه الصفة للبالغات، انتهى.\nوقال القسطلاني (^١) في شرح قول المصنف في الترجمة: فنكاحه مردود: إذا كانت ثيبًا اتفاقًا من الأئمة الأربعة، انتهى.\nقلت: وقد ذكرت مقصود الترجمة السابقة هناك ولا يبقى حينئذ المخالفة بين الترجمتين كما ذكر العيني، وقد تقدم مني أيضًا أن الإمام البخاري لا يقول بالإجبار مطلقًا كما يستأنس ذلك من صنيعه في وضع التراجم في تلك المسألة، والله تعالى أعلم، وكذا لا يجوّز الإمام البخاري نكاح الرجل المكره فقد ترجم في كتاب الإكراه بعدم جوازه كما يأتي في محله.\n\n(٤٣ -<span data-type='title' id=toc-3073> باب تزويج اليتيمة، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا﴾ الآية [النساء:</span> ٣])\nقال الحافظ (^٢): ذكر فيه حديث عائشة في تفسير الآية المذكورة وفيه دلالة على تزويج الولي غير الأب التي دون البلوغ بكرًا كانت أو ثيبًا؛ لأن حقيقة اليتيمة من كانت دون البلوغ ولا أب لها وقد أذن في تزويجها بشرط أن لا يبخس من صداقها، فيحتاج من منع ذلك إلى دليل قوي، انتهى.\nوكذا قال القسطلاني (^٣) وزاد: وقد اختلف في ذلك فقال أصحاب أبي حنيفة: يصح النكاح ولها الخيار إذا بلغت في فسخ النكاح وإجازته، وقال الشافعي: باطل لأن النبي - ﷺ - قال: \"اليتيمة تستأمر\" واليتيمة اسم للصغيرة التي لا أب لها وهي قبل البلوغ لا عبرة بإذنها، وكأنه - ﷺ - شرط بلوغها فمعناه: لا تنكح حتى تبلغ فتستأمر، انتهى.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٤٨٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ١٩٧).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٤٨٥).","vol":"5","page":513},{"text":"قلت: فحديث الباب يوافق الحنفية ويخالف الشافعية قال صاحب \"الجوهر النقي\" (^١) جوابًا عن استدلال البيهقي بحديث: \"تستأمر اليتيمة\": قلت: قد ذكر البيهقي فيما بعد في \"باب اليتيمة تكون في حجر وليها\" عن عائشة سبب نزول قوله تعالى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧] وعزاه إلى الصحيحين، وفيه دليل على أن للأولياء إنكاح اليتامى قبل بلوغهن إذ لا يتم بعد الاحتلام، إلى آخر ما ذكر.\nقوله: (وإذا قال: زوجني فلانة فمكث ساعة. . .) إلخ.\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): يعني بذلك: أن الإيجاب لا يبطل بالمكث والسكوت ما لم يشتغل بأمر آخر يدل على الإعراض، وفيه رد على أصحاب مالك حيث ذهبوا إلى بطلان الإيجاب إذا لم يقارنه القبول من غير تلبث وتربث، انتهى.\nوفي هامشه: كما هو المعروف عند المالكية، ثم ذكر فيه النصوص عن كتب فروع المالكية، ثم ذكر: وبنحو قول المالكية قال الشافعية، قال الشلبي على \"هامش الزيلعي على الكنز\": وفي \"البدائع\": الفور في القبول ليس بشرط عندنا خلافًا للشافعي، وفي \"التجريد\": قبول النكاح في المجلس قول أصحابنا، وقال الشافعي على الفور، انتهى.\nقوله: (فيه سهل عن النبي - ﷺ -) قال الحافظ (^٣): يعني حديث الواهبة وقد تقدم مرارًا، ومراده منه أن التفريق بين الإيجاب والقبول إذا كان في المجلس لا يضر ولو تخلل بينهما كلام آخر، وفي أخذه من هذا الحديث نظر لأنها واقعة عين يطرقها احتمال أن يكون قبل عقب (^٤) الإيجاب، انتهى.\n_________\n(^١) \"الجوهر النقي\" (٧/ ١٣١).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٩/ ٣٠٣، ٣٠٤).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٩/ ١٩٧).\n(^٤) كذا في الأصل والظاهر أنه تصحيف والصواب: \"قبل عقد الإيجاب\"، (ز).","vol":"5","page":514},{"text":"قال العلامة العيني (^١) في وجه الاستدلال بحديث سهل: وفي آخر هذا الحديث: ملكتكها أو زوجتكها، وجرى بين قوله: زوجنيها، وبين قوله ﵊: \"زوجتكها\" أشياء كثيرة كما ذكرها في الحديث ولم يضر ذلك لاتحاد المجلس، انتهى.\n\n(٤٤ -<span data-type='title' id=toc-3074> باب إذا قال الخاطب: زوجني فلانة. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٢): في رواية الكشميهني: \"إذا قال الخاطب للولي\" وبه يتم الكلام وهو الفاعل في قوله: \"وإن لم يقل\" وأورد المصنف فيه حديث سهل بن سعد في قصة الواهبة أيضًا، وهذه الترجمة معقودة لمسألة هل يقوم الالتماس مقام القبول فيصير كما لو تقدم القبول على الإيجاب كأن يقول: تزوجت فلانة على كذا فيقول الولي: زوجتكها بذلك، أو لا بد من إعادة القبول، فاستنبط المصنف من قصة الواهبة أنه لم ينقل بعد قول النبي - ﷺ -: \"زوجتكها بما معك من القرآن\" أن الرجل قال: قد قبلت، لكن اعترضه المهلب فقال: بساط الكلام في هذه القصة أغنى عن توقيف الخاطب على القبول لما تقدم من المراوضة والطلب والمعاودة في ذلك، فمن كان في مثل حال هذا الرجل الراغب لم يحتج إلى تصريح منه بالقبول لسبق العلم برغبته، بخلاف غيره ممن لم تقم القرائن على رضاه، انتهى.\nوغايته أنه يسلم الاستدلال لكن يخصه بخاطب دون خاطب وقد قدمت في الذي قبله وجه الخدش في أصل الاستدلال، انتهى.\nقلت: وهو ما تقدم في الباب السابق من قوله: وفي أخذه من هذا الحديث نظر إلخ.\nوقال القسطلاني (^٣) تحت الترجمة: وهذا مذهب الشافعية لوجود الاستدعاء الجازم، ولقوله في حديث الباب: \"زوجنيها، فقال: زوجتكها\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٩٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ١٩٨).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٤٨٥).","vol":"5","page":515},{"text":"بما معك من القرآن\" ولم ينقل أنه قال بعد ذلك: قبلت نكاحها، انتهى.\nقلت: وكذا عند الحنفية، وفي تقرير مولانا محمد حسن المكي: قوله: \"جاز النكاح\" ولا حاجة إلى القبول وهو المذهب فإن الواحد يتولى طرفي النكاح، وفي \"الهداية\": وينعقد باللفظين يعبر بأحدهما عن الماضي وبالآخر عن المستقبل، مثل أن يقول: زوجني، فيقول: زوجتك؛ لأن هذا توكيل بالنكاح والواحد يتولى طرفي النكاح، انتهى (^١).\n\n(٤٥ -<span data-type='title' id=toc-3075> باب لا يخطب على خطبة أخيه حتى ينكح أو يدع)</span>\nقال الحافظ (^٢) بعد ذكر حديث الباب: قال الجمهور: هذا النهي للتحريم، وقال الخطابي: هذا النهي للتأديب وليس بنهي تحريم يبطل العقد عند أكثر الفقهاء كذا قال، ولا ملازمة بين كونه للتحريم وبين البطلان عند الجمهور بل عندهم للتحريم ولا يبطل العقد، بل حكى النووي أن النهي فيه للتحريم بالإجماع، ولكن اختلفوا في شروطه فقال الشافعية والحنابلة: محل التحريم ما إذا صرَّحت المخطوبة أو وليها الذي أذنت له حيث يكون إذنها معتبرًا بالإجابة، فلو وقع التصريح بالردّ فلا تحريم، فلو لم يعلم الثاني بالحال فيجوز الهجوم على الخطبة لأن الأصل الإباحة، وعند الحنابلة في ذلك روايتان، وإن وقعت الإجابة بالتعريض كقولها: لا رغبة عنك، فقولان عند الشافعية: الأصح وهو قول المالكية والحنفية لا يحرم أيضًا وإذا لم تردّ ولم تقبل فيجوز، وإذا وجدت شروط التحريم ووقع العقد للثاني فقال الجمهور: يصح مع ارتكاب التحريم، وقال داود: يفسخ النكاح قبل الدخول وبعده، وعند المالكية خلاف كالقولين، وقال بعضهم: يفسخ قبله لا بعده، وحجة الجمهور أن المنهي عنه الخطبة والخطبة ليست شرطًا في\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٩/ ٣٠٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ١٩٩، ٢٠٠).","vol":"5","page":516},{"text":"صحة النكاح فلا يفسخ النكاح بوقوعها غير صحيحة، فحكى الطبري أن بعض العلماء، قال: إن هذا النهي منسوخ بقصة فاطمة بنت قيس، ثم ردّه وغلّطه بأنها جاءت مستشيرة فأشير عليها بما هو الأولى ولم يكن هناك خطبة على خطبة كما تقدم، انتهى.\nوقال القسطلاني (^١) في بيان المذاهب: وقال الشيخ خليل من المالكية: تحرم خطبة راكنة لغير فاسق، قال شارحه: قوله: لغير فاسق، احتراز مما إذا ركنت لفاسق فإن خطبتها لا تحرم، انتهى.\nوذكره الحافظ أيضًا وزاد ورجحه ابن العربي من المالكية وهو متجه فيما إذا كانت المخطوبة عفيفة فيكون الفاسق غير كُفْءٍ لها فتكون خطبته كلا خطبة، ولم يعتبر الجمهور ذلك إذا صدرت منها علامة القبول. . . إلى آخر ما ذكر في فروع تلك المسألة.\n\n(٤٦ -<span data-type='title' id=toc-3076> باب تفسير ترك الخطبة)</span>\nذكر فيه طرفًا من حديث عمر حين تأيمت حفصة، وفي آخره قول أبي بكر الصديق - ﵁ -: ولو تركها لقبلتها، قال ابن بطال ما ملخصه: تقدم في الباب الذي قبله تفسير ترك الخطبة صريحًا في قوله: \"حتى ينكح أو يترك\" وحديث عمر في قصة حفصة لا يظهر منه تفسير ترك الخطبة؛ لأن عمر لم يكن علم أن النبي - ﷺ - خطب حفصة، قال: ولكنه قصد معنى دقيقًا يدل على ثقوب ذهنه ورسوخه في الاستنباط، وذلك أن أبا بكر علم أن النبي - ﷺ - إذا خطب إلى عمر أنه لا يرده بل يرغب فيه ويشكر الله على ما أنعم الله عليه به من ذلك، فقام علم أبي بكر بهذا الحال مقام الركون والتراضي، فكأنه يقول: كل من علم أنه لا يصرف إذا خطب لا ينبغي لأحد أن يخطب على خطبته.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٤٨٨)، و\"فتح الباري\" (٩/ ٢٠٠).","vol":"5","page":517},{"text":"وقال ابن المنيِّر: الذي يظهر لي أن البخاري أراد أن يحقق امتناع الخطبة على الخطبة مطلقًا؛ لأن أبا بكر امتنع ولم يكن انبرم الأمر بين الخاطب والولي، فكيف لو انبرم وتراكنا، فكأنه استدلال منه بالأولى، قلت: وما أبداه ابن بطال أدق وأولى، والله أعلم، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nقلت: وحاصل ما أبداه ابن بطال وهو الأوجه عندي أن الإمام البخاري أشار أن إرادة الرجل الخطبة أيضًا داخل في الخطبة؛ لأن أبا بكر امتنع عن الخطبة لعلمه إرادته - ﷺ - الخطبة، مع أنه - ﵇ - يخطب بعد، وإذا كانت إرادة الخطبة في حكم الخطبة فترك الإرادة تركها، فطابق الحديث بالترجمة.\nوكتب الشيخ المحدث مولانا أحمد علي السهارنفوري في هامش النسخة \"الهندية\" (^٢): قوله: \"تفسير ترك الخطبة\" أي: الاعتذار عن تركها، قال شارح التراجم: مراد البخاري الاعتذار عن الولي إذا خطب رجلًا على وليته لما في ذلك من ألم عار الردّ على الولي كذا في الكرماني، ثم ذكر ما تقدم من كلام الحافظ.\nوفي \"الفيض\" (^٣) في شرح ترجمة الباب: يعني أن القرائن الدالة على إرادة ترك التزوج كافية ولا يحتاج إلى أن يصرِّح به أيضًا.\nقوله: (ولو تركها لقبلتها) قاله أبو بكر لعمر، بقي أن أبا بكر كيف علم أن النبي - ﷺ - تاركها؟ قلت: بهذه القرائن التي يعرف بها الدنيا.\n\n(٤٧ -<span data-type='title' id=toc-3077> باب الخطبة)</span>\nقال العلامة القسطلاني (^٤): الخطبة بضم الخاء، أي: استحبابها قبل العقد، قال في \"فتح الباري\" (^٥): وجه مناسبة الحديث للترجمة كأنه أشار\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٢٠١).\n(^٢) \"صحيح البخاري بحاشية السهارنفوري\" (١٠/ ٤٨١).\n(^٣) \"فيض الباري\" (٥/ ٥٣١).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٤٨٩، ٤٩٠).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٩/ ٢٠٢).","vol":"5","page":518},{"text":"إلى أن الخطبة وإن كانت مشروعة في النكاح فينبغي أن لا يكون فيها ما يقتضي صرف الحق إلى الباطل بتحسين الكلام، وقال المهلب: الخطبة في النكاح إنما شرعت للخاطب ليسهل أمره فشبه حسن التوصل إلى الحاجة بحسن الكلام فيه لاستنزال المرغوب إليه بالبيان بالسحر، وإنما كان كذلك لأن النفوس طبعت على الأنفة من ذكر الموليات في أمر النكاح، فكان حسن التوصل لدفع تلك الأنفة وجهًا من وجوه السحر الذي يصرف الشيء إلى غيره، والمستحب في النكاح أربع خطب: خطبة من الخاطب قبل الخطبة بكسر الخاء، وخطبة من المجيب قبل الإجابة، وخطبتان قبل النكاح: إحداهما من الولي قبل الإيجاب، والأخرى من الخاطب قبل القبول؛ لحديث: \"كل أمر ذي بال\" ثم ذكر القسطلاني ألفاظ الخطبة المخرجة في \"السنن\" فارجع إليه لو شئت.\nوقال الحافظ (^١): قال الترمذي: وقد قال أهل العلم: إن النكاح جائز بغير خطبة، وهو قول سفيان الثوري وغيره من أهل العلم، انتهى.\nوقد شرطه في النكاح بعض أهل الظاهر وهو شاذ، انتهى.\nوفي \"الفيض\" (^٢) تحت ترجمة الباب: وهي مستحبة إلا أن الحديث فيه ليس على شرطه فأتى بحديث في الجنس، انتهى.\n\n(٤٨ -<span data-type='title' id=toc-3078> باب ضرب الدف في النكاح والوليمة)</span>\nيجوز في الدف ضم الدال وفتحها - وقال القسطلاني (^٣): والضم أفصح - وقوله: \"والوليمة\" معطوف على النكاح، أي: ضرب الدف في الوليمة وهو من العام بعد الخاص، ويحتمل أن يريد وليمة النكاح خاصة، وأن ضرب الدف يشرع في النكاح عند العقد وعند الدخول مثلًا وعند الوليمة كذلك، والأول أشبه، وكأنه أشار بذلك إلى ما في بعض طرقه على\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٢٠٢).\n(^٢) \"فيض الباري\" (٥/ ٥٣١).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٤٩٠).","vol":"5","page":519},{"text":"ما سأبينه، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nقلت: ولعله أشار بذلك إلى ما ذكره بعد ذلك إذ قال: وأخرج الطبراني في \"الأوسط\" بإسناد حسن من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها \"أن النبي - ﷺ - مر بنساء من الأنصار في عرس لهن وهن يغنين\" الحديث، قال المهلب: في هذا الحديث إعلان النكاح بالدف وبالغناء المباح، انتهى.\nقلت: وأوضح من ذلك ما في العيني (^٢) برواية الترمذي عن محمد بن حاطب الجمحي قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"فصل ما بين الحلال والحرام الدف والصوت\" وصححه ابن حبان والحاكم وبسط العيني الكلام على سند هذا الحديث.\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٣): قوله: \"في النكاح والوليمة\" عطف على النكاح، ودلالة الحديث على الجزء الثاني ظاهرة لقولها: \"غداة بنى بي\" وإذا جاز في الوليمة وهي من متعلقات النكاح جاز فيه أيضًا، انتهى.\nقال القسطلاني (^٤) تحت حديث الباب: وفيه جواز ضرب الدف في النكاح، وقد قال الشافعية بجواز اليراع والدف وإن كان فيه جلاجل في الأملاك والختان وغيرهما، وقيل: يحرم اليراع وهو المزمار العراقي، ويحرم الغناء مع الآلات مما هو من شعار شاربي الخمر كالطنبور وسائر المعازف، أي: الملاهي من الأوتار والمزامير فيحرم استعماله واستماعه قصدًا، فلو لم يقصد لم يحرم، ولا يحرم الطبل إلا الكوبة وهي طبل طويل متسع الطرفين ضيق الوسط يعتاد ضربه المخنثون، ولا يحرم ضرب الكف بالكف كما صرَّح به في \"الإرشاد\" وغيره، ولا الرقص إلا أن يكون فيه تكسر وتثن، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٢٠٢).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٤/ ١٠٠).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٩/ ٣٠٧).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٤٩١).","vol":"5","page":520},{"text":"وبسط الكلام في حكم الغناء ومسالك الأئمة فيه في هامش \"اللامع\" في كتاب العيدين، وفيه عن العيني بحثًا على المسألة (^١): ولا يلزم من إباحة الضرب بالدف في العرس ونحوه إباحه غيره من الآلات كالعود ونحوه، وسئل أبو يوسف عن الدف أتكرهه في غير العرس مثل المرأة في منزلها والصبي؟ قال: فلا كراهة، وأما الذي يجيء منه اللعب الفاحش فإني أكرهه، انتهى.\nوقال ابن عابدين (^٢): وعن الحسن: لا بأس بالدف في العرس ليشتهر، وفي \"السراجية\": هذا إذا لم يكن له جلاجل ولم يضرب على هيئة التطرب، انتهى.\nوقال الحافظ (^٣): وفي حديث عبد الله بن الزبير عند أحمد وصححه ابن حبان والحاكم: \"أعلنوا النكاح\"، زاد الترمذي وابن ماجه من حديث عائشة: \"واضربوا عليه بالدف\" وسنده ضعيف، ولأحمد والترمذي والنسائي من حديث محمد بن حاطب: \"فصل ما بين الحلال والحرام الضرب بالدف\"، واستدل بقوله: \"واضربوا\" على أن ذلك لا يختص بالنساء لكنه ضعيف، والأحاديث القوية فيها الإذن في ذلك للنساء فلا يلتحق بهن الرجال لعموم النهي عن التشبه بهن، انتهى.\nوقال صاحب \"الفيض\" (^٤): قوله: \"باب ضرب الدف. . .\" إلخ، ويستفاد من تكملة \"فتح القدير\" جواز الطبل أيضًا لأنه لا حظّ فيه للنفس، وإنما يتلذذ به من مسخ طبعه، وهو المختار عندي، وإن كان فيه خلافًا للشاه محمد إسحاق، فظهر أن المناط على حظ الطبائع السليمة، انتهى.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٤/ ١٠٥).\n(^٢) \"رد المحتار\" (٩/ ٥٠٥).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٩/ ٢٢٦).\n(^٤) \"فيض الباري\" (٥/ ٥٣١).","vol":"5","page":521},{"text":"(٤٩ -<span data-type='title' id=toc-3079> باب قول الله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً. . .﴾ [النساء: ٤]) إلخ</span>\nقال صاحب \"الفيض\" (^١): الظاهر أنه اختار مذهب الشافعي في عدم تعيين المهر، وقال أبو حنيفة: لا مهر أقل من عشرة دراهم، إلا أن في إسناده حجاج بن أرطاة، وحسن الترمذي حديثه في غير واحد من المواضع من كتابه، وإن كان المحدِّثون لا يعتبرون بتحسينه، أما أنا فأعتمد بتحسينه، وذلك لأن الناس عامة ينظرون إلى صورة الإسناد فقط، والترمذي ينظر إلى حاله في الخارج أيضًا، وهذا الذي ينبغي، والقصر على الإسناد فقط قصور، إلى آخر ما بسط.\nقال الحافظ (^٢): هذه الترجمة معقودة لأن المهر لا يتقدر أقله، والمخالف في ذلك المالكية والحنفية، ووجه الاستدلال مما ذكره الإطلاق من قوله: ﴿صَدُقَاتِهِنَّ﴾ ومن قوله: ﴿فَرِيضَةٌ﴾، وقوله: في حديث سهل: \"ولو خاتمًا من حديد\"، وأما قوله: \"وكثرة المهر\" فهو بالجر عطف على قول الله في الآية التي تلاها، وهو قوله: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ [النساء: ٢٠] فيه إشارة إلى جواز كثرة المهر، انتهى.\nقلت: واختلف الأئمة في مقدار أقل المهر، قال الحافظ (^٣): قال ابن المنذر: وهو ما تراضى عليه الزوجان أو من العقد إليه بما فيه منفعة كالسوط والنعل وإن كانت قيمته أقل من درهم، وبه قال أهل المدينة غير مالك والأوزاعي والثوري والشافعي وداود وابن وهب من المالكية، وقال أبو حنيفة: أقله عشرة، وقال ابن شبرمة: أقله خمسة، ومالك: أقله ثلاثة أو ربع دينار بناء على اختلافهم في مقدار ما يجب فيه القطع.\nوقال الحافظ (^٤) أيضًا: ونقل عياض الإجماع أن مثل الشيء الذي\n_________\n(^١) \"فيض الباري\" (٥/ ٥٣١، ٥٣٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٢٠٤).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٩/ ٢٠٩).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٩/ ٢١١).","vol":"5","page":522},{"text":"لا يتمول ولا له قيمة لا يكون صداقًا ولا يحل به النكاح، فإن ثبت نقله فقد خرق هذا الإجماع أبو محمد ابن حزم فقال: يجوز بكل ما يسمى شيئًا ولو كان حبة من شعير، انتهى.\nوقال القسطلاني (^١) تحت ترجمة الباب: والآية الأولى دالة بأكثر الصداق والحديث لأدناه، وهل يتقدر أدناه أم لا؟ فمذهب الشافعية والحنابلة أدنى متموّل لقوله - ﷺ -: \"التمس ولو خاتمًا من حديد\" والضابط كل ما جاز أن يكون ثمنًا، وعند الحنفية عشرة دراهم، والمالكية ربع دينار، فيستحب عند الشافعية والحنابلة أن لا ينقص عن عشرة دراهم خروجًا من خلاف أبي حنيفة وأن لا يزيد على خمسمائة درهم كأصدقة بنات النبي - ﷺ - وزوجاته، وأما إصداق أم حبيبة أربعمائة دينار فكان من النجاشي إكرامًا له - ﷺ -، وللصداق أسماء ثمانية مشهورة جمعت في قوله:\nصداق ومهر نحلة وفريضة … حباء وأجر ثم عقر علائق\nتْم ذكر الفرق بينها.\nوقال أيضًا (^٢): قوله: \"على وزن نواة\" اختلف في المراد بالنواة فقيل: واحدة نوى التمر كما يوزن بنوى الخروب، وأن القيمة عنها يومئذ خمسة دراهم، وقيل: ربع دينار، وضعف بأن نوى التمر يختلف في الوزن فكيف يجعل معيارًا، أو أن لفظ النواة من الذهب خمسة دراهم من الورق، وجزم به الخطابي، ويشهد له رواية البيهقي عن قتادة: وزن نواة من ذهب قومت خمسة دراهم أو وزنها من الذهب خمسة دراهم حكاه ابن قتيبة، واستبعد لأنه يستلزم أن يكون ثلاث مثاقيل ونصفًا، وعن بعض المالكية النواة عند أهل المدينة ربع دينار، وعن الشافعي النواة ربع النش والنش نصف أوقية والأوقية أربعون درهمًا فتكون خمسة دراهم، انتهى كله من \"القسطلاني\".\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٤٩٢، ٤٩٣).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٤٩٣، ٤٩٤).","vol":"5","page":523},{"text":"وقال (^١) أيضًا تحت قوله: \"زنة نواة من ذهب. . .\" إلخ،: وسيأتي في \"باب الصفرة للمتزوج\" قال ابن دقيق العيد: في معنى ذلك قولان: أحدهما: أن المراد نواة من نوى التمر، وهو قول مرجوح، والثاني: أنه عبارة عن قدر معلوم عندهم، وهو وزن خمسة دراهم، قال: ثم في المعنى وجهان: أحدهما: أن يكون المصدق ذهبًا وزنه خمسة دراهم، والثاني: أن يكون المصدق دراهم بوزن نواة من ذهب، قال: وعلى الأول يتعلق قوله: \"من ذهب\" بلفظ زنة، وعلى الثاني يتعلق بنواة، إلى آخر ما ذكر.\n\n(٥٠ -<span data-type='title' id=toc-3080> باب التزويج على القرآن وبغير صداق)</span>\nأي: على تعليم القرآن وبغير صداق مالي عيني، ويحتمل غير ذلك كما سيأتي البحث فيه، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"الكوكب\" (^٣): قوله: \"هل معك من القرآن شيء. . .\" إلخ، كأنه رغب المرأة أن تعفو عنه ما لها من المهر المعجل وتقنع بما سيؤتيها إذا يسره الله تعالى له، ثم ما قال: \"زوجتكها بما معك من القرآن\" فالباء فيه للسببية وليست للعوض والمقابلة إذ كيف يصح المقابلة بما معك والحال أن كونه معه ليس شيئًا يعوض به، وتقدير المضاف خلاف الظاهر حتى يقال: إنه قال: زوجتكها لتعليم ما معك من القرآن، ثم إنهم اختلفوا فيما بينهم على جواز أخذ الأجر على تعليم القرآن وعدم جوازه، فجوزه الشافعية ومنعه الحنفية، إلى آخر ما ذكر من دليل المسألة، انتهى.\nوفي هامشه: ولو سلم فهذا خاص بهذا الرجل كما جزم به الطحاوي والأبهري لما أخرجه سعيد بن منصور وابن السكن عن أبي النعمان الأزدي الصحابي قال: زوّج رسول الله - ﷺ - امرأة على سورة من القرآن، وقال: \"لا يكون لأحد بعدك مهرًا\" قاله أبو الطيب، انتهى.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٥٠٠، ٥٠١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٢٠٥).\n(^٣) \"الكوكب الدري\" (٢/ ٢٢٦، ٢٢٧).","vol":"5","page":524},{"text":"وبسط الكلام في شرح هذا الحديث وبيان مذاهب الأئمة وتفاريعها في \"الأوجز\" (^١) وفيه: الباء يحتمل أن يكون للعوض كبعتك ثوبي بدينار، وعلى هذا يحتاج إلى تأويل لأن القرآن الذي معه لا يمكن أن يكون ثمنًا فيؤول بتعليمه والثاني أن يكون للسببية، أي: إكرامًا للقرآن الذي معك، وعلى هذا يكون النكاح بدون مهر كما هو ظاهر، ولذا اختلفت الأئمة في ذلك قال الموفق: إن أصدقها تعليم صناعة أو تعليم عبدها صناعة يصح لأنه منفعة معلومة يجوز بذل العوض عنها فجاز جعلها صداقًا، إلى أن قال: وكذا تعليم غير ذلك من العلوم الشرعية التي يجوز أخذ الأجرة على تعليمها، فأما تعليم القرآن فاختلفت الرواية عن أحمد في جعله صداقًا فقال في موضح: أكرهه، وقال في موضع: جاز، وهو مذهب الشافعي، ولا يجوز عند مالك والليث وأبي حنيفة، واحتج من أجازه بحديث الباب، انتهى.\nوفي \"نيل المآرب\" في فروع الحنابلة: إن أصدقها تعليم شيء من القرآن ولو معينًا لم يصح وفاقًا لأبي حنيفة، انتهى.\nوكذا في \"الروض المربع\"، وفي \"المحلى\": قال الحنفية: الباء للسببية، أي: بسبب ما معك من القرآن، فيخلو النكاح عن المهر فيرجع إلى مهر المثل، قال الترمذي: هو قول أحمد وإسحاق، فالنكاح عندهم جائز ولها صداق مثلها، إلى آخر ما بسط في \"الأوجز\".\nثم إنه قد تقدم في \"باب هل للمرأة أن تهب نفسها\" الإشارة إلى مسألتين تناسبان هذا الباب: الأولى: هل يصح النكاح بغير ذكر صداق؟ والثانية: هل يصح بنفي الصداق أم لا؟ أما الأولى ففي \"البحر\": ذكر الأكمل والكمال أنه لا خلاف لأحد في صحته بلا ذكر المهر، انتهى.\nوفي \"الأوجز\" عن \"شرح الإقناع\": إن لم يسم صداقًا صح العقد بالإجماع لكن مع الكراهة كما صرَّح به الماوردي وغيره، إلى آخر ما بسط\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (١٠/ ٣٢٨ - ٣٣١).","vol":"5","page":525},{"text":"في هامش \"اللامع\" (^١).\nوأما المسألة الثانية ففي هامش \"اللامع\" (^٢) أيضًا: قال الموفق بعد ذكر صحة النكاح بدون التسمية: والاستدلال عليه بقوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [البقرة: ٢٣٦] ولأن القصد من النكاح الوصل والاستمتاع دون الصداق فصح من غير ذكره كالنفقه، وسواء تركا ذكر المهر أو شرطا نفيه، مثل أن يقول: زوجتك بغير مهر فيقبله كذلك، ولو قال: زوجتك بغير مهر في الحال ولا في الثاني صح أيضًا، وقال بعض الشافعية: لا يصح في هذه الصورة لأنها تكون كالموهوبة، وليس بصحيح لأن الشرط يفسد ويجب المهر، انتهى.\nوفي \"الهداية\" (^٣): وكذا يصح إذا تزوجها بشرط أن لا مهر لها وفيه خلاف مالك، انتهى.\nلكن الموفق لم يذكر فيه خلاف مالك بل حكى خلاف بعض الشافعية كما تقدم، وقال الدردير: وفسد النكاح إن نقص صداقه عن ربع دينار أو ثلاثة دراهم أو وقع العقد بإسقاطه، أي: على شرط إسقاطه فيفسخ، قيل: وفيه بعده صداق المثل، انتهى.\n\n(٥١ -<span data-type='title' id=toc-3081> باب المهر بالعروض وخاتم من حديد)</span>\nالعروض بضم العين والراء المهملتين جمع عرض بفتح أوله وسكون ثانيه والضاد المعجمة، ما يقابل النقد، وقوله بعده: \"وخاتم من حديد\" هو من الخاص بعد العام فإن الخاتم من حديد من جملة العروض، والترجمة مأخوذة من حديث الباب للخاتم بالتنصيص والعروض بالإلحاق، وتقدم في أوائل النكاح حديث ابن مسعود \"فرخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب\" وتقدم في الباب قبله عدة أحاديث في ذلك، انتهى من \"الفتح\" (^٤).\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٩/ ٢٨٥).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٩/ ٢٨٧، ٢٨٨).\n(^٣) \"الهداية\" (١/ ١٩٨).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٩/ ٢١٦، ٢١٧).","vol":"5","page":526},{"text":"وفي هامش النسخة الهندية (^١): قال الكرماني: هذا هو المرة الثامنة من ذكر هذا الحديث في كتاب النكاح، انتهى.\n\n(٥٢ -<span data-type='title' id=toc-3082> باب الشروط في النكاح)</span>\nقال العيني (^٢): وهي على أنواع منها: ما يجب الوفاء به كحسن العشرة، ومنها: ما لا يلزم كسؤال طلاق أختها، ومنها: ما هو مختلف فيه مثل أن لا يتزوج عليها، انتهى.\nوقال الحافظ (^٣): أي التي تحل وتعتبر، وقد ترجم في كتاب الشروط: \"الشروط في المهر عند عقدة النكاح\" وأورد فيه الأثر المعلق والحديث الموصول المذكور ههنا، انتهى.\nقوله: (مقاطع الحقوق عند الشروط) كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٤): يعني أن حق صاحب الحق ينقطع باشتراط عدمه فإن المسلمين على شروطهم، وفيه خلاف مشهور، وهذا مع اتفاق العلماء على أن الشروط المخالفة لمقتضى الشريعة باطلة فالاختلاف فيما بينهم حينئذ إلى مخالفة الشروط للشرع فكم من شرط يخالف أصول الشرع عند أحدهم دون الآخر، ومن جملتها اشتراط الزوج أن لا يخرجها من بيت أهلها فإنه يبطل عندنا لمخالفته قوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ [الطلاق: ٦] وقوله: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤]، انتهى.\nوقال الحافظ (^٥): قوله: \"مقاطع الحقوق. . .\" إلخ، وصله ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور عن عبد الرحمن بن غنم قال: كنت مع عمر رضي الله تعالى عنه من حيث تمس ركبتي ركبته، فجاءه رجل فقال: يا أمير\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري بحاشية السهارنفوري\" (١٠/ ٤٩٠).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٤/ ١٠٦).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٩/ ٢١٧).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٩/ ٣٠٩ - ٣١١).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٩/ ٢١٧، و٥/ ٣٢٣).","vol":"5","page":527},{"text":"المؤمنين! تزوجت هذه وشرطت لها دارها وإني أجمع لأمري أو لشأني أن أنتقل إلى أرض كذا وكذا، فقال: لها شرطها، فقال الرجل: هلك الرجال إذ لا تشاء امرأة أن تطلق زوجها إلا طلقت، فقال عمر - ﵁ -: المؤمنون على شروطهم عند مقاطع حقوقهم، انتهى.\nقلت: واستفيد من هذه القصة أن عمر - ﵁ - ممن يجوز اشتراط الدار كما هو مذهب الحنابلة خلافًا للأئمة الثلاثة كما سيأتي بيان المذاهب، وذكره الإمام البخاري في الشروط التي تحل في النكاح، فعلى هذا مسلك الإمام البخاري في هذا يوافق مذهب الإمام أحمد.\nقوله: (أحق ما أوفيتم من الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج) تقدم في أول الترجمة أن شروط النكاح على أنواع، ولم يقل بعموم هذا الحديث أحد من الأئمة، قال النووي في \"شرح مسلم\" (^١): قال الشافعي وأكثر العلماء: هذا محمول على شروط لا تنافي مقتضى النكاح بل تكون من مقتضياته ومقاصده كاشتراط العشرة بالمعروف والإنفاق عليها وكسوتها وسكناها بالمعروف ونحو ذلك، وأما شرط يخالف مقتضاه كشرط أن لا يقسم لها ولا يتسرى عليها ولا ينفق عليها ولا يسافر بها ونحو ذلك فلا يجب الوفاء بها، بل يلغو الشرط ويصح النكاح بمهر المثل، لقوله - ﷺ -: \"كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل\" وقال أحمد وجماعة: يجب الوفاء بالشرط مطلقًا لحديث الباب، والله أعلم، انتهى.\nقلت: وترجم الإمام أبو داود على هذا الحديث: \"باب في الرجل يشترط لها دارها\" فأثبت الإمام أبو داود بهذا الحديث جواز اشتراط الدار كما هو مذهب الإمام أحمد بخلاف الأئمة الثلاثة، فإن لم يف الزوج بالشرط المذكور فلها فسخ نكاحها عند أحمد، والإمام أبو داود - كما ذكرت في محله - حنبلي (^٢).\n_________\n(^١) \"شرح النووي على صحيح مسلم\" (٥/ ٢١٨).\n(^٢) انظر: \"بذل المجهود\" (٨/ ٧١).","vol":"5","page":528},{"text":"قال الموفق (^١): الشروط في النكاح تنقسم أقسامًا ثلاثة، أحدها: ما يلزم الوفاء به، وهو ما يعود إليها نفعه مثل أن يشترط أن لا يخرجها من دارها أو بلدها أو لا يسافر بها، أو لا يتزوج عليها، ولا يتسرى عليها، فهذا يلزم الوفاء لها به، فإن لم يفعل فلها فسخ النكاح، وبه قال الأوزاعي وإسحاق وغيرهما، وأبطل هذه الشروط مالك والشافعي وأصحاب الرأي - الثاقب - وغيرهم، ولنا قوله - ﷺ -. . . ثم ذكر حديث الباب إلى آخر ما ذكر.\nقلت: وبهذا ظهر ما نقل بعضهم عن الحنابلة من أنه يجب الوفاء بالشرط عندهم مطلقًا غير واضح.\n(تنبيه): قال الترمذي بعد تخريجه هذا الحديث: والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من الصحابة منهم عمر، قال: إذا تزوج الرجل المرأة وشرط أن لا يخرجها لزم وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق، انتهى.\nفذكر موافقة الشافعي لأحمد وليس كذلك كما تقدمت المذاهب، ولذا قال الحافظ (^٢): كذا قال، والنقل في هذا عن الشافعي غريب، والحديث عندهم محمول على الشروط التي لا تنافي مقتضى النكاح، انتهى.\n\n(٥٣ -<span data-type='title' id=toc-3083> باب الشروط التي لا تحل في النكاح)</span>\nكأنه استثناء من الباب السابق، قال الحافظ (^٣): في هذه الترجمة إشارة إلى تخصيص الحديث الماضي في عموم الحث على الوفاء بالشرط بما يباح لا بما نهي عنه لأن الشروط الفاسدة لا يحل الوفاء بها فلا يناسب الحث عليها، انتهى.\nقوله: (لا يحل لامرأة تسأل طلاق أختها) قال الحافظ (^٤): ظاهر في تحريم ذلك، وهو محمول على ما إذا لم يكن هناك سبب يجوز ذلك كريبة\n_________\n(^١) \"المغني\" (٩/ ٤٨٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٢١٨)، وانظر: \"سنن الترمذي\" (٣/ ٤٣٤).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٩/ ٢١٩).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٩/ ٢٢٠).","vol":"5","page":529},{"text":"في المرأة لا ينبغي معها أن تستمر في عصمة الزوج، إلى آخر ما ذكر. وقال ابن حبيب: حمل العلماء هذا النهي على الندب فلو فعل ذلك لم يفسخ النكاح، وتعقبه ابن بطال بأن نفي الحل صريح في التحريم ولكن لا يلزم منه فسخ النكاح، وإنما فيه التغليظ على المرأة أن تسأل طلاق الأخرى ولترض بما قسم الله لها، انتهى.\nوقال القسطلاني (^١): وقد اختلف في حكم ذلك فقال الحنابلة: إن شرط لها طلاق ضرتها صح، وقيل: لا، وهو الأظهر واختاره جماعة، وكذا حكم بيع أمته، وعلى القول بالصحة فإن لم يف فلها الفسخ، وقال الشافعي: يصح ولها مهر المثل وفى لها أو لم يف، انتهى.\n\n(٥٤ -<span data-type='title' id=toc-3084> باب الصفرة للمتزوج)</span>\nكذا قيده بالمتزوج إشارة إلى الجمع بين حديث الباب وحديث النهي عن التزعفر للرجال، وسيأتي البحث فيه بعد أبواب، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\nقوله: (وبه أثر صفرة من خلوق) وهو طيب من زعفران وغيره تعلق به من زوجته فهو غير مقصود وإلا فالتزعفر منهي عنه عند الشافعية والحنفية، وقال المالكية: يجوز في الثوب دون البدن، ونقله إمامهم رحمه الله تعالى عن علماء المدينة، وفيه حديث أبي موسى مرفوعًا: \"لا يقبل الله صلاة رجل في جسده شيء من خلوق\"، انتهى من \"القسطلاني\" (^٣).\nوسيأتي في كتاب اللباس \"باب النهي عن التزعفر للرجال\" ونقل الحافظ (^٤) هناك عن النووي: ورخص مالك في المعصفر والمزعفر في البيوت وكرهه في المحافل، انتهى.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٥٠٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٢٢١).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٥٠٠).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٠/ ٣٠٤).","vol":"5","page":530},{"text":"(٥٥ -<span data-type='title' id=toc-3085> باب)</span>\nبغير ترجمة، قال الحافظ (^١): كذا لهم بغير ترجمة وسقط لفظ \"باب\" من رواية النسفي وكذا من شرح ابن بطال ثم استشكله بأن الحديث المذكور لا يتعلق بترجمة الصفرة للمتزوج، وأجيب بما ثبت في أكثر الروايات من لفظ \"باب\" والسؤال باق فإن الإتيان بلفظ \"باب\" وإن كان بغير ترجمة لكنه كالفصل من الباب الذي قبله كما تقرر غير مرة، ومناسبة حديث الباب للترجمة من جهة أنه لم يقع في قصة تزويج زينب بنت جحش ذكر للصفرة فكأنه يقول: الصفرة للمتزوج من الجائز لا من المشروط لكل متزوج، انتهى.\n\n(٥٦ -<span data-type='title' id=toc-3086> باب كيف يدعى للمتزوج)</span>\nقال ابن بطال: إنما أراد بهذا الباب - والله أعلم - ردّ قول العامة عند العرس بالرفاء والبنين، فكأنه أشار إلى تضعيفه ونحو ذلك كحديث معاذ بن جبل: \"أنه شهد إملاك رجل من الأنصار فخطب رسول الله - ﷺ - وأنكح الأنصاري وقال: على الألفة والخير والبركة والطير الميمون والسعة في الرزق\" الحديث أخرجه الطبراني في \"الكبير\" بسند ضعيف، وأخرجه في \"الأوسط\" بسند أضعف منه، وأخرجه أبو عمرو البرقاني في \"كتاب معاشرة الأهلين\" من حديث أنس، وزاد فيه: والرفاء والبنين، وفي سنده أبان العبدي وهو ضعيف.\nقال الحافظ (^٢): وقوله: بالرفاء والبنين، كانت كلمة تقولها أهل الجاهلية فورد النهي عنها، كما رواه بقي بن مخلد، إلى آخر ما ذكر من الروايات والكلام عليها.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٢٢١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٢٢٢).","vol":"5","page":531},{"text":"(٥٧ -<span data-type='title' id=toc-3087> باب الدعاء للنساء اللاتي يهدين العروس)</span>\nلعله أشار إلى ندبه وترغيبه، وفي هامش النسخة \"الهندية\" (^١): قوله: \"يهدين\" بفتح أوله من الهداية وبضمه من الهدية، ولما كانت العروس تجهز من عند أهلها إلى الزوج احتاجت إلى من يهديها الطريق إليه، وأما قوله: \"وللعروس\" فهو اسم للزوجين عند أول اجتماعهما يشمل الرجل والمرأة، وهو داخل في قول النسوة على الخير والبركة فإن ذلك يشمل المرأة وزوجها، ولعله أشار إلى ما ورد في بعض طرق حديث عائشة وفيه: \"أن أمها لما أجلستها في حجر رسول الله - ﷺ - قالت: هؤلاء أهلك يا رسول الله! بارك الله لك فيهم\" كذا قاله الشيخ ابن حجر (^٢)، قال في \"المجمع\" (^٣): والمهدية كانت أم عائشة، فهن دعون لها ولمن معها وللعروس لقولهن: على الخير، أي: جئتن أو قد متن على الخير، وكذا في الكرماني، انتهى من الحاشية بزيادة من \"الفتح\".\nقال الحافظ (^٤): أورد في الباب حديث عائشة وظاهره مخالف للترجمة فإن فيه دعاء النسوة لمن أهدى العروس لا الدعاء لهن إلى آخر ما بسط من الكلام في مناسبة الحديث بالترجمة وغير ذلك أشد البسط، وقال العلامة السندي: قلت: ليس في الحديث ما يدل على الدعاء لهن وإنما فيه الدعاء للعروس، وقد تكلف بعضهم تكلفًا.\nوحاصل تكلفهم: أن الدعاء المذكور وهو على الخير والبركة شامل لعائشة وأمها فإنها مهدية لها وهي العروس، والله تعالى أعلم، انتهى.\nوفي \"فيض الباري\" (^٥): واعلم أن في الترجمة إِشكالًا، فإن المتبادر من الترجمة كونهن مدعوات لهن، لا كونهن داعيات، مع أن المراد منه كونهن داعيات، وهذا هو في الحديث.\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري بحاشية السهارنفوري\" (١٠/ ٤٩٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٢٢٣).\n(^٣) \"مجمع البحار\" (٥/ ١٥٩).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٩/ ٢٢٣).\n(^٥) \"فيض الباري\" (٥/ ٥٣٨، ٥٣٩).","vol":"5","page":532},{"text":"فقال الحافظ: إن المراد، من النساء هي أم رومان، قلت: فلزمه أن يريد من الجمع إياها، وفيه ما فيه، قلت: إن اللام بعد المصدر قد تدخل على الفاعل أيضًا، كما صرَّح به الأشموني في باب فعلي التعجب، فحينئذ النساء كلها مهديات وداعيات، فلا يلزم إطلاق الجمع على الواحد، وإليه تلوح الترجمة الآتية، وحينئذ لا حاجة إلى التأويل الذي ذكره الحافظ، انتهى.\n\n(٥٨ -<span data-type='title' id=toc-3088> باب من أحب البناء قبل الغزو)</span>\nأي: إذا حضر الجهاد ليكون فكره مجتمعًا، ذكر فيه حديث أبي هريرة الماضي في كتاب الجهاد ثم في فرض الخمس، قال ابن المنيِّر: يستفاد منه الردّ على العامة في تقديمهم الحج على الزواج ظنًّا منهم أن التعفف إنما يتأكد بعد الحج بل الأولى أن يتعفف ثم يحج، انتهى (^١).\nقلت: وهذه الخصلة أعني تقديم الحج على الزواج توجد في هذا الزمان في سكان إندونيشيا، وتقدم أيضًا في كتاب الجهاد \"باب من اختار الغزو بعد البناء\" ولم يذكر هناك فيه حديثًا بل أحال إلى حديث أبي هريرة المذكور ههنا.\n\n(٥٩ -<span data-type='title' id=toc-3089> باب من بنى بامرأة وهي بنت تسع)</span>\nذكر فيه حديث عائشة في ذلك، وقد تقدم شرحه في مناقبها قاله الحافظ (^٢).\n\n(٦٠ -<span data-type='title' id=toc-3090> باب البناء في السفر)</span>\nقال الحافظ (^٣): ذكر فيه حديث أنس في قصة صفية، وقد تقدم في\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (٩/ ٢٢٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٢٢٤).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٩/ ٢٢٤).","vol":"5","page":533},{"text":"أول النكاح، وفيه إشارة إلى أن سُنَّة الإقامة عند الثيب لا تختص بالحضر ولا تتقيد بمن له امرأة غيرها، ويؤخذ منه جواز تأخير الأشغال العامة للشغل الخاص إذا كان لا يفوت به غرض والاهتمام بوليمة العرس وغير ذلك، انتهى.\nوحديث الباب قد سبق في غزوة خيبر.\n\n(٦١ -<span data-type='title' id=toc-3091> باب البناء بالنهار بغير مركب ولا نيران)</span>\nكالشموع ونحوها بين يدي العروس، قاله القسطلاني (^١).\nأشار بقوله: \"بالنهار\" إلى أن الدخول على الزوجة لا يختص بالليل، وبقوله: \"بغير مركب ولا نيران\" إلى ما أخرجه سعيد بن منصور ومن طريقه أبو الشيخ بن حبان في كتاب النكاح من طريق عروة بن رويم أن عبد الله بن قرط الثمالي - وكان عامل عمر على حمص - مرت به عروس وهم يوقدون النيران بين يديها، فضربهم بدرته حتى تفرقوا عن عروسهم، ثم خطب فقال: إن عروسكم أوقدوا النيران وتشبهوا بالكفرة، والله مطفئ نورهم، وفيه دليل على كراهة ذلك، انتهى من \"الفتح\" بزيادة من \"القسطلاني\" (^٢).\n\n(٦٢ -<span data-type='title' id=toc-3092> باب الأنماط ونحوها للنساء)</span>\nقال العلامة القسطلاني (^٣): أي: جواز اتخاذها، والأنماط بفتح الهمزة وسكون النون جمع نمط بفتح النون: ضرب من البسط له خمل، \"ونحوها\" من الحلل والأستار والفرش، انتهى.\nقال الحافظ (^٤): وتقدم بيان وجه الاستدلال على الجواز من هذا\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٥٠٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٢٢٤)، و\"إرشاد الساري\" (١١/ ٥٠٥).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٥٠٦).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٩/ ٢٢٥).","vol":"5","page":534},{"text":"الحديث - في علامات النبوة - ولعل المصنف أشار إلى ما أخرجه مسلم من حديث عائشة، إلى آخر ما ذكر، سيأتي قريبًا عن القسطلاني.\nقال القسطلاني (^١) تحت حديث الباب: قال النووي: فيه جواز اتخاذ الأنماط إذا لم تكن من حرير، تعقب بأنه لا يلزم من الإخبار بأنها ستكون الإباحة، وأجيب بأن إخباره ﵊ أنها ستكون ولم ينه فكأنه أقره، نعم في حديث عائشة عند مسلم: أنها أخذت نمطًا فسترته على الباب فجذبه - ﷺ - حتى هتكه وقال: \"إن الله لم يأمرنا أن نكسو الحجارة والطين\" قالت: فقطعت منه وسادتين فلم يعب ذلك، قال في \"الفتح\" فيؤخذ منه أن الأنماط لا يكره اتخاذها لذاتها بل لما يصنع بها، وقد اختلف في ستر البيوت والجدار، والذي جزم به جمهور الشافعية الكراهة بل صرَّح الشيخ أبو نصر المقدسي منهم بالتحريم لحديث عائشة هذا، انتهى.\nوحديث الباب سبق في علامات النبوة.\n\n(٦٣ -<span data-type='title' id=toc-3093> باب النسوة اللاتي يهدين المرأة إلى زوجها)</span>\nوفي هامش النسخة \"الهندية\" (^٢) عن الكرماني: قوله: \"يهدين\" من الإهداء أو من الهدي، واكتفى العيني والقسطلاني على الأول، انتهى.\nولعل المصنف أشار بالترجمة إلى جواز أو ندب اجتماعهن للعروس قوله: \"أنها زفت\" بالزاي المفتوحة والفاء المشددة المفتوحة أيضًا، قاله القسطلاني (^٣).\nوفي هامش \"الهندية\" (^٤) عن \"الخير الجاري\": فيه المطابقة لأنه من زفت العروس أزفها إذا أهديتها إلى زوجها، انتهى.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٥٠٦).\n(^٢) \"صحيح البخاري بحاشية السهارنفوري\" (١٠/ ٤٩٧).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٥٠٧).\n(^٤) \"صحيح البخاري بحاشية السهارنفوري\" (١٠/ ٥٠٣).","vol":"5","page":535},{"text":"(٦٤ -<span data-type='title' id=toc-3094> باب الهدية للعروس)</span>\nأي: صبيحة بنائه بأهله قاله الحافظ (^١).\nقلت: ولعل المصنف أشار إلى ندبه وترغيبه، وذكر العلامة العيني (^٢) تحت حديث الباب عدة فوائد إذ قال: وفيه فوائد: الأولى: كونه أصلًا في هدية العروس، وكان الإهداء قديمًا فأقرها الإسلام، الثانية: كونها قليلة فالمودة إذا صحت سقط التكلف فحال أم سليم كان أقل، الثالثة: اتخاذ الوليمة في العرس قال ابن العربي: بعد الدخول، وقال البيهقي: كان دخوله - ﷺ - بعد هذه الوليمة، إلى آخر ما ذكر من الفوائد.\n\n(٦٥ -<span data-type='title' id=toc-3095> باب استعارة الثياب للعروس وغيرها)</span>\nأي: وغير الثياب، كذا في \"الفتح\" (^٣).\nوقال القسطلاني (^٤): قوله: \"وغيرها\" أي: وغير الثياب مما تتجمل به العروس كالحلي أو غير العروس، انتهى.\nقلت: غرض الترجمة بيان الجواز وتقدم الكلام عليه في \"باب الاستعارة للعروس عند البناء\" من كتاب الهبة، وأيضًا يأتي في كتاب اللباس \"باب استعارة القلائد\" وذكر فيه حديث الباب أيضًا ذكر فيه حديث عائشة أنها استعارت من أسماء قلادة، فقد تقدم شرحه مستوفى في كتاب التيمم، ووجه الاستدلال به من جهة المعنى الجامع بين القلادة وغيرها من أنواع الملبوس الذي يتزين به للزوج أعم من أن يكون عند العرس أو بعده.\nوقد تقدم في كتاب الهبة لعائشة حديث أخص من هذا وهو قولها: \"كان لي منهن - أي: من الدروع القطنية - درع على عهد رسول الله - ﷺ - فما كانت امرأة تقين بالمدينة، أي: تتزين إلا أرسلت إليّ تستعيره\"، وترجم عليه\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٢٢٧).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٤/ ١٢١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٩/ ٢٢٨).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٥١٠).","vol":"5","page":536},{"text":"\"الاستعارة للعرس\"، وينبغي استحضار هذه الترجمة وحديثها هنا، انتهى (^١).\nقال القسطلاني (^٢) بعد ذكر الحديث: قيل: لا مطابقة بين الحديث والترجمة؛ إذ ليست القلادة من الثياب، ولم تكن عائشة حينئذ عروسًا، وأجاب في \"الفتح\"، فذكر ما تقدم عن \"الفتح\"، وأجاب العيني بأنا إذا أعدنا الضمير في قوله: في الترجمة \"وغيرها\" إلى العروس تحصل المطابقة، انتهى.\nوفي هامش \"الهندية\" (^٣) عن \"الخير الجاري\": المطابقة باعتبار أن ضمير \"غيرها\" راجع إلى الثياب ويفهم من استعارة عائشة إياها بعد أن لم تكن عروسًا جوازها للعروس بالطريق الأولى، وكذا إن أرجع الضمير إلى العروس، انتهى.\n\n(٦٦ -<span data-type='title' id=toc-3096> باب ما يقول الرجل إذا أتى أهله)</span>\nقال العلامة العيني (^٤): يعني: إذا أراد الجماع، وقوله: في الحديث: \"لم يضره شيطان\" كذا بالتنكير وفي رواية مسلم وأحمد: \"لم يسلط عليه الشيطان\" أو \"لم يضره الشيطان\" معناه: لم يسلط عليه بحيث لم يكن له العمل الصالح، وقال القاضي: لم يحمله أحد على العموم في جميع الضرر والوساوس، فقيل: المراد إنه لا يصرعه شيطان، وقيل: لا يطعن فيه عند ولادته، وفيه نظر لقوله - ﷺ -: \"ما من مولود إلا يمسه الشيطان حين يولد\" الحديث، وقيل: لم يسلط عليه من أجل بركة التسمية بل يكون من جملة العباد الذين قيل فيهم: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ وقيل: لم يضره في بدنه، وقيل: لم يضره بمشاركة أبيه في جماع أمه كما جاء عن مجاهد: إن الذي يجامع ولا يسمي يلتفت الشيطان على إحليله فيجامع معه، انتهى.\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (٩/ ٢٢٨).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٥١٠).\n(^٣) \"صحيح البخاري بحاشية السهارنفوري\" (١٠/ ٥٠٧).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٤/ ١٢٣).","vol":"5","page":537},{"text":"وذكر الحافظ (^١) هذه المعاني مع ترجيح بعض على بعض فارجع إليه لو شئت، وذكر من جملة الأقوال في معنى الحديث: قال الداودي: معنى \"لم يضره\" أي: لم يفتنه عن دينه إلى الكفر، وليس المراد عصمته منه عن المعصية، وقال أيضًا: وفي الحديث من الفوائد أيضًا استحباب التسمية والدعاء والمحافظة على ذلك حتى في حالة الملاذ كالوقاع، وقد ترجم عليه المصنف في كتاب الطهارة وتقدم ما فيه، انتهى.\nقلت: ولفظه في كتاب الطهارة: \"باب التسمية على كل حال وعند الوقاع\".\n\n(٦٧ -<span data-type='title' id=toc-3097> باب الوليمة حق)</span>\nقال الحافظ (^٢): هذه الترجمة لفظ حديث أخرجه الطبراني من حديث وحشي بن حرب رفعه: \"الوليمة حق، والثانية معروف، والثالثة فخر\" ولأبي الشيخ والطبراني في \"الأوسط من طريق مجاهد عن أبي هريرة رفعه: \"الوليمة حق وسُنَّة، فمن دعي فلم يجب فقد عصى\" الحديث، وروى أحمد من حديث بريدة قال: لما خطب علي - ﵁ - فاطمة قال رسول الله - ﷺ -: \"إنه لا بد للعروس من وليمة\" وسنده لا بأس به، قال ابن بطال: قوله: \"الوليمة حق\" أي: ليست بباطل بل يندب إليها وهي سُنَّة فضيلة، وليس المراد بالحق الوجوب، ثم قال: ولا أعلم أحدًا أوجبها، كذا قال، وغفل عن رواية في مذهبه بوجوبها نقلها القرطبي، وقال: إن مشهور المذهب أنها مندوبة، وابن التِّين عن أحمد لكن الذي في \"المغني\" أنها سُنَّة، بل وافق ابن بطال في نفي الخلاف بين أهل العلم في ذلك، قال: وقال بعض الشافعية: هي واجبة، إلى آخر ما ذكر.\nقال الحافظ: والبعض الذي أشار إليه من الشافعية هو وجه معروف عندهم وقد جزم به سليم الرازي وقال: إنه ظاهر نص \"الأم\" ونقله عن\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٢٢٩).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٢٣٠، ٢٣١).","vol":"5","page":538},{"text":"النص أيضًا الشيخ أبو إسحاق في \"المهذب\" وهو قول أهل الظاهر كما صرَّح به ابن حزم، ثم بسط الحافظ الاختلاف في وقت الوليمة هل هو عند العقد أو عقبه أو عند الدخول أو عقبه أو موسع؟ إلى آخر ما بسط.\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^١): قوله: \"الوليمة حق\" أي: ثابت على سُنِّيَّتها غير منسوخة، أو هو من الأمور الثابتة شرعًا لا من رسوم الجاهلية، انتهى.\nوفي هامشه عن \"الأوجز\": قال الموفق: لا خلاف بين أهل العلم أن الوليمة سُنَّة في العرس لرواية عبد الرحمن بن عوف وغيره، وليست واجبة في قول أكثر أهل العلم، انتهى مختصرًا.\nوفي \"العيني\": الأمر للاستحباب وعند الظاهرية للوجوب، وبه قال بعض الشافعية لظاهر الأمر، انتهى.\nوذكر العلامة القسطلاني مذهب الشافعية الوجوب واقتصر عليه، وتقدم عن الحافظ آنفًا أنه وجه معروف عندهم بل هو نص \"الأم\"، ونقل العلامة العيني الوجوب عن المالكية وقال: وهو مشهور مذهبهم كما قال القرطبي، انتهى.\nوقد تقدم عن الحافظ خلاف ذلك وهو الحق ففي هامش \"اللامع\": قال الدردير: الوليمة وهي طعام العرس خاصة مندوبة، انتهى.\n\n(٦٨ -<span data-type='title' id=toc-3098> باب الوليمة ولو بشاة)</span>\nأي: لمن كان موسرًا كما سيأتي البحث فيه، وذكر المصنف في الباب خمسة أحاديث كلها عن أنس.\nقاله الحافظ (^٢)، وبه جزم القسطلاني (^٣) إذ قال تحت الترجمة: أي للموسر، وسكت عنه العيني.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٩/ ٣١١)، و\"أوجز المسالك\" (١٠/ ٥٧٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٢٣٢).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٥١٣).","vol":"5","page":539},{"text":"(٦٩ -<span data-type='title' id=toc-3099> باب من أولم على بعض نسائه أكثر من بعض)</span>\nكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^١): يعني: أن ذلك لا ينافي العدل في القسمة حتى يكون منهيًا عنه، وكذلك إذا أولم الرجل في نكاح بعض ولده أكثر من بعض إلى غير ذلك؛ لأنه مستبد بالتصرف في ماله، انتهى.\nوبه جزم العلامة السندي كما في هامش \"اللامع\".\nقال الحافظ (^٢): ذكر فيه حديث أنس وهو ظاهر فيما ترجم لما يقتضيه سياقه، وأشار ابن بطال إلى أن ذلك لم يقع قصدًا لتفضيل بعض النساء على بعض، بل باعتبار ما اتفق وأنه لو وجد الشاة في كل منهن لأولم بها؛ لأنه كان أجود الناس، ولكن كان لا يبالغ فيما يتعلق بأمور الدنيا في التأنق، وجوَّز غيره أن يكون فعل ذلك لبيان الجواز.\nوقال الكرماني: لعل السبب في تفضيل زينب في الوليمة على غيرها كان للشكر لله على ما أنعم به عليه من تزويجه إياها بالوحي، وقال ابن المنيِّر: يؤخذ من تفضيل بعض النساء على بعض في الوليمة جواز تخصيص بعضهن دون بعض بالأتحاف والألطاف والهدايا.\nقلت: وقد تقدم البحث في ذلك في كتاب الهبة، انتهى من \"الفتح\". فقد ترجم الإمام البخاري هناك \"باب من أهدى إلى صاحبه وتحرى بعض نسائه. . .\" إلخ.\n\n(٧٠ -<span data-type='title' id=toc-3100> باب من أولم بأقل من شاة)</span>\nهذه الترجمة وإن كان حكمها مستفادًا من التي قبلها، لكن الذي وقع في هذه بالتنصيص، قاله الحافظ (^٣).\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٩/ ٣١٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٢٣٨).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٩/ ٢٣٨).","vol":"5","page":540},{"text":"قوله: (أَوْلَمَ على بعض نسائه بمُدَّين من شَعير) قال الحافظ (^١): لم أقف على تعيين اسمها صريحًا، وأقرب ما يفسر به أم سلمة فقد أخرج ابن سعد عن شيخه الواقدي بسند له إلى أم سلمة قال: لما خطبني النبي - ﷺ - فذكر قصة تزويجه بها فأدخلني بيت زينب بنت خزيمة، فإذا جرة فيها شيء من شعير فأخذته فطحنتُه ثم عَصَدْتُه في البُرْمَةِ، وأخذت شيئًا من إهالة فأدمته، فكان ذلك طعام رسول الله - ﷺ -، وأما ما أخرجه الطبراني في \"الأوسط\" من طريق شريك عن حميد عن أنس قال: \"أولم رسول الله - ﷺ - على أم سلمة بتمر وسمن\" فهو وهم من شريك لأنه كان سيئ الحفظ أو من الراوي عنه وهو جَنْدَل بن والِقٍ، فإِنّ مسلمًا والبزار ضعّفاه، وإنما المحفوظ من حديث حميد عن أنس أن ذلك في قصة صفية (^٢)، كذلك أخرجه النسائي، وهذا الحديث مرسل لأن صفية (^٣) ليست بصحابية، أو صحابية لكنها لم تحضر القصة لأنها كانت بمكة طفلة، أو لم تولد وتزويج المرأة كان بالمدينة، إلى آخر ما بسط الكلام عليه.\n\n(٧١ -<span data-type='title' id=toc-3101> باب حقّ إجابة الوليمة والدعوة)</span>\nقال القسطلاني (^٤): أي: وجوب الإجابة إلى طعام العرس والدعوة بفتح الدال على المشهور، وهي أعم من الوليمة لأن الوليمة خاصة بالعرس، كما نقله ابن عبد البر عن أهل اللغة، ونقل عن الخليل وثعلب وجزم به الجوهري وابن الأثير، وعلى هذا فيكون قوله: \"والدعوة\" من عطف العام على الخاص، انتهى.\nوبسط الحافظ (^٥) الكلام على تحقيق الوليمة لغة، وذكر أيضًا: قال النووي تبعًا لعياض: إن الولائم ثمانية، ثم بسط أسماءها مع وجه تسميتها،\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٢٣٩ - ٢٤٠).\n(^٢) أي: بنت حي زوج النبي - ﷺ -.\n(^٣) أي: بنت شيبة.\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٥١٧).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٩/ ٢٤١ - ٢٤٢).","vol":"5","page":541},{"text":"ثم قال: وأما قول المصنف: \"حق إجابة\" فيشير إلى وجوب الإجابة، وقد نقل ابن عبد البر ثم عياض ثم النووي الاتفاق على القول بوجوب الإجابة لوليمة العرس، وفيه نظر، نعم المشهور من أقوال العلماء الوجوب، وصرح جمهور الشافعية والحنابلة بأنها فرض عين، ونصّ عليه مالك، وعن بعض الشافعية والحنابلة أنها مستحبة، وذكر اللخمي من المالكية أنه المذهب، وكلام صاحب \"الهداية\" يقتضي الوجوب مع تصريحه بأنها سُنَّة، فكأنه أراد أنها وجبت بالسُّنَّة وليست فرضًا كما عرف من قاعدتهم، وعن بعض الشافعية والحنابلة: هي فرض كفاية، إلى آخر ما بسط الحافظ في تفاصيل المسألة وشرائطها.\nقوله: (ومن أولم سبعة أيام ونحوه) يشير إلى ما أخرجه ابن أبي شيبة من طريق حفصة بنت سيرين قالت: لما تزوّج أبي دعا الصحابة سبعة أيام، فلما كان يوم الأنصار دعا أُبي بن كعب وزيد بن ثابت وغيرهما، فكان أُبَيّ صائمًا فلما طَعِمُوا دعا أُبي وأثنى، وأخرجه البيهقي من وجه آخر أتم سياقًا منه، وأخرجه عبد الرزاق من وجه آخر إلى حفصة، وقال فيه: ثمانية أيام، وإليه أشار المصنف بقوله: \"ونحوه\" لأن القصة واحدة، وهذا وإن لم يذكره المصنف لكنه جنح إلى ترجيحه لإطلاق الأمر بإجابة الدعوة بغير تقييد، كما سيظهر من كلامه الذي سأذكره وقد نبّه على ذلك ابن المنيِّر (^١).\nقوله: (ولم يوقت النبي - ﷺ - يومًا ولا يومين) أخذ ذلك من الإطلاق وقد أفصح بمراده في \"تاريخه\" فإن أورد في ترجمة زهير بن عثمان الحديث الذي أخرجه أبو داود والنسائي من طريق قتادة عن عبد الله بن عثمان الثقفي عن رجل من ثقيف كان يثني عليه إن لم يكن اسمه زهير بن عثمان فلا أدري ما اسمه يقوله: قتادة قال: قال رسول الله: \"الوليمة أول يوم حق، والثاني معروف، والثالث رياء وسمعة\" قال البخاري: لا يصح إسناده\n_________\n(^١) راجع: \"فتح الباري\" (٩/ ٢٤٢).","vol":"5","page":542},{"text":"ولا يصح له صحبة يعني لزهير، قال: وقال ابن عمر وغيره، عن النبي - ﷺ -: \"إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليجب\" ولم يخص ثلاثة أيام ولا غيرها، وهذا أصح، قال: وقال ابن سيرين عن أبيه: إنه لما بنى بأهله أولم سبعة أيام فدعا في ذلك أُبي بن كعب فأجابه، انتهى.\nثم قال الحافظ (^١): وقد وجدنا لحديث زهير بن عثمان شواهد، وقال بعد ذكرها: وهذه الأحاديث وإن كان كل منها لا يخلو عن مقال فمجموعها يدل على أن للحديث أصلًا، وقد وقع في رواية أبي داود والدارمي في آخر حديث زهير بن عثمان: قال قتادة: بلغني عن سعيد بن المسيب أنه دعي أول يوم فأجاب، ودعي ثاني يوم فأجاب، ودعي ثالث يوم فلم يجب، وقال: أهل رياء وسمعة، فكأنه بلغه الحديث فحمل بظاهره إن ثبت ذلك عنه، وقد عمل به الشافعية والحنابلة.\nقال النووي: إذا أولم ثلاثًا فالإجابة في اليوم الثالث مكروهة، وفي الثاني لا تجب قطعًا ولا يكون استحبابها فيه كاستحبابها في اليوم الأول، وقد حكى صاحب \"التعجيز\" في وجوبها في اليوم الثاني وجهين، وقال في شرحه: أصحهما الوجوب، واعتبر الحنابلة الوجوب في اليوم الأول، وأما الثاني فقالوا: سُنَّة تمسكًا بظاهر لفظ حديث ابن مسعود، وفيه بحث، وأما الكراهة في اليوم الثالث فأطلقه بعضهم لظاهر الخبر، وقال العمراني: إنما تكره إذا كان المدعوّ في الثالث هو المدعو في الأول، وكذا صوره الروياني، وإلى ما جنح إليه البخاري ذهب المالكية، قال عياض: استحب أصحابنا لأهل السعة كونها أسبوعًا، قال: وقال بعضهم: محله إذا دعا في كل يوم من لم يدع قبله ولم يكرر عليهم، وهذا شبيه بما تقدم عن الروياني، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٢٤٢، ٢٤٣).","vol":"5","page":543},{"text":"(٧٢ -<span data-type='title' id=toc-3102> باب من ترك الدعوة فقد عصى الله ورسوله)</span>\nقوله: (شر الطعام طعام الوليمة يدعى لها الأغنياء، ويترك الفقراء) قال القسطلاني (^١): وهذا موقوف على أبي هريرة لكن قوله: \"ومن ترك الدعوة فقد عصى الله ورسوله - ﷺ -\" يقتضي كونه مرفوعًا إذ مثل هذا لا يكون من قبيل الرأي لكن جل رواة مالك كما قال ابن عبد البر: لم يصرحوا برفعه، نعم قال روح ابن القاسم عن مالك بسنده: قال رسول الله - ﷺ -، وكذا أخرجه الدارقطني من طريق إسماعيل بن سلمة عن مالك، ولمسلم من طريق سفيان: سمعت زياد بن سعد يقول: سمعت ثابتًا الأعرج يحدث عن أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال. . . فذكر نحوه، وفي قوله: \"عصى الله ورسوله\" دليل لوجوب الإجابة بأن العصيان لا يطلق إلا على ترك الواجب كما لا يخفى، وهذا الحديث أخرجه مسلم في النكاح، وأبو داود في الأطعمة، والنسائي في الوليمة، وابن ماجه في النكاح، انتهى.\n\n(٧٣ -<span data-type='title' id=toc-3103> باب من أجاب إلى كراع)</span>\nقال القسطلاني: بضم الكاف وتخفيف الراء، أي: من أجاب إلى وليمة فيها كراع، وهو مستدق الساق من الرجل ومن حد الرسغ من اليد، وهو من البقر والغنم بمنزل الوظيف من الفرس والبعير، انتهى.\nقال الحافظ (^٢): الكراع ما دون الكعب من الدواب، وقال ابن فارس: كراع كل شيء طرفه.\nقوله: (لو دعيت إلى كراع لأجبت. . .) إلخ، وقد زعم بعض الشرَّاح وكذا وقع للغزالي أن المراد بالكراع في هذا الحديث المكان المعروف في كراع الغميم بفتح المعجمة، وهو موضع بين مكة والمدينة، وزعم أنه أطلق ذلك على سبيل المبالغة في الإجابة ولو بعد المكان، لكن المبالغة في الإجابة مع\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٥٢١، ٥٢٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٢٤٦).","vol":"5","page":544},{"text":"حقارة الشيء أوضح في المراد، ولهذا ذهب الجمهور إلى أن المراد بالكراع هنا كراع الشاة، وأغرب الغزالي في \"الإحياء\" فذكر الحديث بلفظ: \"لو دعيت إلى كراع الغميم\" ولا أصل لهذه الزيادة، انتهى.\nقلت: وقوله الحافظ: وزعم بعض الشرَّاح، أراد به الكرماني كما قال العيني (^١): قال الكرماني: المراد به عند الجمهور كراع الشاة، وقيل: كراع الغميم، وتعقب العيني كلام الحافظ حيث قال: والكرماني نقل هذا بقوله: قيل، وما زعم هو بذلك فكيف يقول هذا القائل: وزعم بعض الشرَّاح، وكان ينبغي أن يقول: ونقل بعض الشرَّاح كذا وكذا، انتهى.\nقلت: ولا يخفى أن هذا الإيراد في غير محله فإنه يمكن أن يكون مراد الحافظ ببعض الشرَّاح هو قائل هذا القول الذي نقل عنه الكرماني، فافهم.\n\n(٧٤ -<span data-type='title' id=toc-3104> باب إجابة الداعي في العرس وغيرها)</span>\nذكر فيه حديث ابن عمر: \"أجيبوا هذه الدعوة\" وهذه اللام يحتمل أن تكون للعهد والمراد وليمة العرس، ويؤيده رواية ابن عمر الأخرى: \"إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها\" وقد تقرر أن الحديث الواحد إذا تعددت ألفاظه وأمكن حمل بعضها على بعض تعين ذلك، ويحتمل أن تكون اللام للعموم وهو الذي فهمه راوي الحديث فكان يأتي الدعوة للعرس وغيره، وقد أخذ بظاهر الحديث بعض الشافعية فقال بوجوب الإجابة إلى الدعوة مطلقًا، عرسًا كان أو غيره بشرطه، وجزم بعدم الوجوب في غير وليمة النكاح المالكية والحنفية والحنابلة وجمهور الشافعية، وبالغ السرخسي منهم فنقل فيه الإجماع، انتهى (^٢).\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٤/ ١٣٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٢٤٦، ٢٤٧).","vol":"5","page":545},{"text":"(٧٥ -<span data-type='title' id=toc-3105> باب ذهاب النساء والصبيان إلى العرس)</span>\nقال الحافظ (^١): كأنه ترجم بهذا لئلا يتخيل أحد كراهة ذلك فأراد أنه مشروع بغير كراهة، انتهى.\nوبما أفاده الحافظ في غرض الترجمة جزم العلامة العيني، وأشار إليه القسطلاني.\n\n(٧٦ -<span data-type='title' id=toc-3106> باب هل يرجع إذا رأى منكرًا في الدعوة)</span>\nهكذا أورد الترجمة بصورة الاستفهام ولم يبتّ الحكم لما فيها من الاحتمال، كما سأبينه إن شاء الله، ثم قال الحافظ (^٢):\nذكر المصنف حديث عائشة في الصور، وسيأتي شرحه وبيان حكم الصور مستوفى في كتاب اللباس، وموضع الترجمة منه قولها: \"قام على الباب فلم يدخل\" قال ابن بطال: فيه أنه لا يجوز الدخول في الدعوة يكون فيها منكر مما نهى الله عنه ورسوله لما في ذلك من إظهار الرضا بها، ونقل مذاهب القدماء في ذلك وحاصله: إن كان هناك محرم وقدر على إزالته فأزاله فلا بأس، وإن لم يقدر فليرجع، وإن كان مما يكره كراهة تنزيه فلا يخفى الورع، ومما يؤيد ذلك ما وقع في قصة ابن عمر من اختلاف الصحابة في دخول البيت الذي سترت جدره ولو كان حرامًا ما قعد الذين قعدوا ولا فعله ابن عمر، فيحمل فعل أبي أيوب على كراهة التنزيه جمعًا بين الفعلين، ويحتمل أن يكون أبو أيوب كان يرى التحريم والذين لم ينكروا كانوا يرون الإباحة.\nوقد فصل العلماء ذلك على ما أشرت إليه - كما تقدم في شرح ترجمة الباب - قالوا: إن كان لهوًا مما اختلف فيه فيجوز الحضور والأولى الترك، وإن كان حرامًا كشرب الخمر نظر فإن كان المدعوّ ممن إذا حضر رفع\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٢٤٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٢٤٩ - ٢٥١).","vol":"5","page":546},{"text":"لأجله فليحضر، وإن لم يكن كذلك ففيه للشافعية وجهان: أحدهما يحضر وينكر بحسب قدرته وإن كان الأولى أن لا يحضر.\nقال البيهقي: وهو ظاهر نص الشافعي، وقال صاحب \"الهداية\" من الحنفية: لا بأس أن يقعد ويأكل إذا لم يكن يقتدى به، فإن كان ولم يقدر على منعهم فليخرج لما فيه من شين الدين وفتح باب المعصية، وحكي عن أبي حنيفة أنه قعد وهو محمول على أنه وقع له ذلك قبل أن يصير مقتدى به، قال: وهذا كله بعد الحضور، فإن علم قبله لم تلزمه الإجابة، والوجه الثاني للشافعية تحريم الحضور، إلى آخر ما ذكره من تفصيل مذاهب بقية الأئمة، ثم قال:\nوأما حكم ستر البيوت والجدران ففي جوازه اختلاف قديم، وجزم جمهور الشافعية بالكراهة، وصرح الشيخ (^١) أبو نصر المقدسي منهم بالتحريم، وعند سعيد بن منصور من حديث سلمان موقوفًا، إنه أنكر ستر البيت، وقال: أمحموم بيتكم أو تحولت الكعبة عندكم، قال: لا أدخله حتى يهتك، انتهى.\n\n(٧٧ -<span data-type='title' id=toc-3107> باب قيام المرأة على الرجال في العرس وخدمتهم بالنفس)</span>\nأي: بنفسها، ذكر فيه حديث سهل بن سعد في قصة عرس أبي أسيد وترجم عليه في الذي بعده: \"النقيع والشراب الذي لا يسكر في العرس\"، وتقدم قبل أبواب في إجابة الدعوة، ثم قال الحافظ (^٢) بعد حديث الباب: وفي الحديث جواز خدمة المرأة زوجها ومن يدعوه، ولا يخفى أن محل ذلك عند أمن الفتنة ومراعاة ما يجب عليها من الستر، وجواز استخدام الرجل امرأته في مثل ذلك، انتهى.\n_________\n(^١) كذا في الأصل، والصواب: أبو الفتح نصر المقدسي، [ز].\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٢٥١).","vol":"5","page":547},{"text":"(٧٨ -<span data-type='title' id=toc-3108> باب النقيع والشراب الذي لا يسكر في العرس)</span>\nتقدم في الذي قبله، وقوله: \"الذي لا يسكر\" استنبطه من قرب العهد بالنقع لقوله: أنقعته من الليل؛ لأنه في مثل هذه المدة من أثناء الليل إلى أثناء النهار لا يتخمر وإذا لم يتخمر لم يسكر، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nقال القسطلاني (^٢): وعطف الشراب على النقيع من عطف العام على الخاص لأنه يعم نقيع التمر وغيره، انتهى.\n\n(٧٩ -<span data-type='title' id=toc-3109> باب المداراة مع النساء. . .) إلخ</span>\nقال القسطلاني (^٣): أي: المجاملة والملاينة معهن للألفة واستمالة قلوبهن لما جبلن عليه من الأخلاق، وقوله: \"إنما المرأة كالضلع\" بكسر الضاد المعجمة وفتح اللام وسكونها والفتح أفصح، ثم قال بعد حديث الباب: وفيه إشارة إلى الإحسان إلى النساء بالرفق بهن والصبر على عوج أخلاقهن واحتمال ضعف عقولهن وغير ذلك، انتهى.\n\n(٨٠ -<span data-type='title' id=toc-3110> باب الوصاة بالنساء)</span>\nبفتح الواو والصاد المهملة مقصور وهي لغة في الوصية، وفي بعض الروايات \"الوصاية\"، انتهى من \"الفتح\" (^٤).\nوقال القسطلاني (^٥): قوله: \"استوصوا بالنساء خيرًا\" أي: أوصيكم فاقبلوا وصيتي فيهن، كذا قرره البيضاوي لأن الاستيصاء استفعال وظاهره طلب الوصية وليس هو المراد، وقال الطيبي: الأظهر أن السين للطلب مبالغة، أي: اطلبوا الوصية من أنفسكم في حقهن بخير، ويجوز أن يكون من الخطاب العام، أي: يستوصي بعضكم من بعض في حق النساء، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٢٥٢).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٥٢٧).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٥٢٨، ٥٢٩).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٩/ ٢٥٣).\n(^٥) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٥٢٩، ٥٣٠).","vol":"5","page":548},{"text":"ذكر المصنف في الباب حديثين ومطابقة الحديث الأول ظاهر، وأما مطابقة الحديث الثاني فغير واضح.\nقال العيني (^١): قيل: لا مطابقة بين الترجمة وبين هذا الحديث، ويمكن أن تؤخذ المطابقة من قوله: \"وانبسطنا\" لأن الانبساط إليهن من جملة الوصاية بهن، انتهى.\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٢): قوله: \"كنا نتقي الكلام والانبساط\" وذلك لاستلزامه شيئًا من الضرب والتأديب فإن الرجل إذا انبسط إلى أهله أدى ذلك إلى دلّ وقلة مبالاة بأمر الزوج فيقع العصيان ويؤدي ذلك إلى ضرب وتأديب وقد كانوا نهوا عن ذلك، وبذلك يطابق الحديث بالترجمة، انتهى.\nولا يخفى أن المناسبة التي ذكرها الشيخ أدق وأجود.\n\n(٨١ -<span data-type='title' id=toc-3111> باب قوله تعالى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم:</span> ٦])\nوهذا الباب عندي تقييد للباب السابق بأن المداراة والوصاة يتقيد بحدّ الجواز، أما المداراة في الأمور المنكرة التي لا تجوز لا يجوز.\nقال القسطلاني (^٣): وفي ذكر المؤلف هذه الآية عقب الباب السابق المذكور فيه \"واستوصوا بالنساء خيرًا\" كما قال في \"فتح الباري\" رمز إلى أنه يقومهن برفق بحيث لا يبالغ فيكسر، وليس المراد أنه يتركهن على الاعوجاج إذا تعدين ما طبعن عليه من النقص إلى تعاطي المعصية بمباشرتها أو ترك الواجب، بل المراد أن يتركهن على اعوجاجهن في الأمور المباحة كما لا يخفى، فللَّه در المؤلف ما أدق نظره، قال الحسن: ما أطاع رجل امرأته فيما تهوى إلا كبّه الله في النار، انتهى.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٤/ ١٤٣).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٩/ ٣١٤).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٥٣١).","vol":"5","page":549},{"text":"(٨٢ -<span data-type='title' id=toc-3112> باب حسن المعاشرة مع الأهل)</span>\nقال ابن المنيِّر: نبَّه بهذه الترجمة على أن إيراد النبي - ﷺ - هذه الحكاية، يعني: حديث أم زرع ليس خليًا عن فائدة شرعية، وهي الإحسان في معاشرة الأهل.\nقلت: وليس فيما ساقه البخاري التصريح بأن النبي - ﷺ - أورد الحكاية، وسيأتي بيان الاختلاف في رفعه ووقفه، وليست الفائدة من الحديث محصورة فيما ذكر بل سيأتي له فوائد أخرى منها ما ترجم عليه النسائي والترمذي، وقد شرح حديث أم زرع إسماعيل بن أبي أويس شيخ البخاري وأبو عبيد القاسم بن سلّام في \"غريب الحديث\" وذكر أنه نقله عن عدة من أهل العلم لا يحفظ عددهم، ثم ذكر الحافظ عدة شروح لهذا الحديث إلى أن قال: ثم الزمخشري في \"الفائق\" ثم القاضي عياض وهو أجمعها وأوسعها، وأخذ منه غالب الشرَّاح بعده، وقد لخصت جميع ما ذكروه، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوقال القسطلاني (^٢): وهذا الحديث أخرجه مسلم في \"الفضائل\" والنسائي، وأخرجه الترمذي في \"الشمائل\"، انتهى.\nوشرحه هذا العبد الضعيف في شرح شمائل الترمذي المسمى بـ \"خصائلِ نبوي\" في اللغة الأردية مع التعليق عليه باللغة العربية وفيه (^٣): قوله: \"حديث أم زرع\" بزاي مفتوحة وراء ساكنة وعين مهملة: واحدة من النساء المذكورات في الحديث أضيف إليه الحديث لأن معظم الكلام فيه يتعلق بها، ولهذا الحديث ألقاب أشهرها هذا، وأفرده الأئمة بالتأليف منهم القاضي عياض والرافعي في مؤلف جامع، وساقه بتمامه في \"تاريخ قزوين\" وآخرهم مولانا فيض الحسن الأديب السهارنفوري شرحه في مؤلف سماه\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٢٥٥، ٢٥٦).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٥٥٠).\n(^٣) \"خصائل نبوي\" (ص ٣٢٨)، وانظر: \"جمع الوسائل\" لعلي القاري (٢/ ٤٨).","vol":"5","page":550},{"text":"\"التحفة الصديقية\" قال الحافظ ابن حجر: روي هذا الحديث من أوجه بعضها موقوف وبعضها مرفوع، ويقوي رفعه ما في آخره: \"كنت لك كأبي زرع لأم زرع\" متفق على رفعه وذلك يقتضي أنه ﵊ سمع القصة وأقرها فيكون كله مرفوعًا من هذه الحيثية، قاله المناوي، انتهى.\n\n(٨٣ -<span data-type='title' id=toc-3113> باب موعظة الرجل ابنته لحال زوجها)</span>\nأي: لأجل زوجها، قال العلامة العيني (^١) تحت حديث الباب: مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: \"فدخلت على حفصة فقلت: أي حفصة\" إلى قوله: \"يريد عائشة\" والحديث قد مضى في تفسير سورة التحريم، ومضى أيضًا مطولًا في كتاب المظالم في \"باب الغرفة والعلية المشرفة\" ومضى أيضًا مختصرًا في كتاب العلم ومضى الكلام فيه في المواضع المذكورة، فالناظر فيه يعتبر التفاوت من حيث الزيادة والنقصان في الإسناد والمتن، انتهى.\nقوله: (حين أفشته حفصة إلي عائشة. . .) إلخ، قال الحافظ (^٢): كذا في هذه الطريق لم يفسر الحديث المذكور الذي أفشته حفصة، وفيه أيضًا: \"وكان قال: ما أنا بداخل عليهن شهرًا، من شدة موجدته عليهن حين عاتبه الله\" وهذا أيضًا مبهم ولم أره مفسرًا، ثم قال: والمراد بالمعاتبة قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١]، الآيات، وقد اختلف في الذي حرم على نفسه وعوتب على تحريمه، كما اختلف في سبب حلفه على أن لا يدخل على نسائه على أقوال، فالذي في \"الصحيحين\" أنه العسل كما مضى في سورة التحريم مختصرًا، وسيأتي بأبسط منه في كتاب الطلاق، وذكرت في التفسير قولًا آخر أنه في تحريم جاريته مارية، وذكرت هناك كثيرًا من طرقه، ووقع في رواية عن عائشة عند ابن مردويه ما يجمع القولين، إلى أن قال:\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٤/ ١٦١، ١٦٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٢٨٩، ٢٩٠).","vol":"5","page":551},{"text":"وجاء في ذلك ذكر قول ثالث أخرجه ابن مردويه عن ابن عباس قال: دخلت حفصة على النبي - ﷺ - بيتها فوجدت معه مارية فقال: \"لا تخبري عائشة حتى أبشرك ببشارة، إن أباك يلي هذا الأمر بعد أبي بكر إذا أنا مُت\" فذهبت إلى عائشة فأخبرتها فقالت له عائشة ذلك، والتمست منه أن يحرم مارية فحرمها، ثم جاء إلى حفصة فقال: \"أمرتك أن لا تخبري عائشة فأخبرتها\" فعاتبها [على ذلك] ولم يعاتبها على أمر الخلافة، فلهذا قال الله تعالى: ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾ [التحريم: ٣] وأخرج الطبراني في \"الأوسط\" وفي \"عشرة النساء\" عن أبي هريرة نحوه بتمامه وفي كل منهما ضعف.\nوجاء في سبب غضبه منهن وحلفه أن لا يدخل عليهن شهرًا قصة أخرى، فأخرج ابن سعد من طريق عمرة عن عائشة قالت: أهديت لرسول الله - ﷺ - هدية فأرسل إلى كل امرأة من نسائه نصيبها فلم ترض زينب بنت جحش بنصيبها فزادها مرة أخرى فلم ترض، فقالت عائشة: لقد أقمئت وجهك ترد عليك الهدية، فقال: \"لأنتن أهون على الله من أن تقمئنني لا أدخل عليكن شهرًا\".\nوفيه قول آخر أخرجه مسلم من حديث جابر، فذكر الحافظ قصة سؤالهن النفقه ثم قال: ويحتمل أن يكون مجموع هذه الأشياء كان سببًا لاعتزالهن وهذا هو اللائق بمكارم أخلاقه صلى الله تعالى عليه وسلم وسعة صدره وكثرة صفحه، وأن ذلك لم يقع منه حتى تكرر موجبه منهن، - ﷺ - ورضي عنهن، والراجح من الأقوال كلها قصة مارية، إلى آخر ما تقدم في سورة التحريم فارجع إليه لو شئت.\n\n(٨٤ -<span data-type='title' id=toc-3114> باب صوم المرأة بإذن زوجها تطوعًا)</span>\nقال الحافظ (^١): هذا الأصل لم يذكره البخاري في كتاب الصيام، وذكره أبو مسعود في أفراد البخاري من حديث أبي هريرة، وليس كذلك فإن\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٢٩٣).","vol":"5","page":552},{"text":"مسلمًا ذكره في أثناء حديث في كتاب الزكاة، ووقع للمزي في \"الأطراف\" فيه وهم بيَّنته فيما كتبته عليه، انتهى.\nقال القسطلاني (^١) تحت حديث الباب: وفي رواية المستملي كما في \"الفتح\" \"لا تصومن\" بزيادة نون التأكيد، وفي الطبراني من حديث ابن عباس مرفوعًا في أثنائه: \"ومن حق الزوج على زوجة أن لا تصوم تطوعًا إلا بإذنه، فإن فعلت لم يقبل منها\" وهذا يدل على تحريم الصوم المذكور عليها، وهو قول الجمهور، قال النووي في \"المجموع\": وقال أصحابنا: يكره، والصحيح الأول، قال النووي: ومقتضى المذهب عدم الثواب، إلى آخر ما ذكره.\nوقال العلامة العيني (^٢) تعليلًا لمسألة الباب: لأن حقه مقدم على الصوم التطوع بخلاف رمضان فإنه لا يحتاج فيه إلى الإذن لأنه أيضًا صائم، والخلاف في صوم قضاء رمضان فمنهم من قال: ليس لها ذلك بل تؤخره إلى شعبان، ومنهم من قال: لها ذلك، انتهى.\n\n(٨٥ -<span data-type='title' id=toc-3115> باب إذا باتت المرأة مهاجرة فراش زوجها)</span>\nأي: بغير سبب لم يجز لها ذلك، قاله الحافظ (^٣).\n\n(٨٦ -<span data-type='title' id=toc-3116> باب لا تأذن المرأة في بيت زوجها إلا بإذنه)</span>\nوالمراد ببيت زوجها مسكنه سواء كان ملكه أم لا؟ كذا في \"الفتح\" و\"العيني\" (^٤).\nقوله: (ولا أن تأذن في بيت إلا بإذنه) فلو علمت رضاه جاز، قال قي \"الفتح\" (^٥): وفي الحديث حجة على المالكية في تجويز دخول الأب ونحوه\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٥٥٨، ٥٥٩).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٤/ ١٦٥).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٩/ ٢٩٤).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٩/ ٢٩٥)، و\"عمدة القاري\" (١٤/ ١٦٨).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٩/ ٢٩٧)، و\"إرشاد الساري\" (١١/ ٥٦١).","vol":"5","page":553},{"text":"بيت المرأة بغير إذن زوجها، وأجابوا عن الحديث بأنه معارض بصلة الرحم، وأن بين الحديثين عمومًا وخصوصًا وجيهًا فيحتاج إلى مرجح، ويمكن أن يقال: صلة الرحم إنما تندب بما يملكه الواصل والتصرف في بيت الزوج لا تملكه المرأة إلا بإذن الزوج، فكما لأهلها أن لا تصلهم بماله إلا بإذنه فإذنها لهم في دخول البيت كذلك. انتهى من \"القسطلاني\".\n\n(٨٧ -<span data-type='title' id=toc-3117> باب)</span>\n(بغير ترجمة)، قال العيني (^١): هو كالفصل لما قبله، انتهى.\nوقال الحافظ (^٢): كذا لهم بغير ترجمة وأورد فيه حديث أسامة لقوله فيه: \"وقفت على باب النار فإذا عامة من دخلها النساء\" وسقط للنسفي لفظ \"باب\" فصار الحديث الذي فيه من جملة الباب الذي قبله، ومناسبته له من جهة الإشارة إلى أن النساء غالبًا يرتكبن النهي المذكور، ومن ثم كن أكثر من دخل النار، والله أعلم، انتهى من \"الفتح\".\n\n(٨٨ -<span data-type='title' id=toc-3118> باب كفران العشير وهو الزوج وهو الخليط، من المعاشرة)</span>\nقال العيني (^٣): قوله: \"وهو الزوج. . .\" إلخ، أي: العشير هو الزوج والعشير على وزن فعيل بمعنى معاشر كالمصادق في الصديق؛ لأنها تعاشره ويعاشرها من العشرة وهي الصحبة، وقوله: \"وهو الخليط\" أي: العشير هو الخليط، أي: المخالط لأن بينهما مخالطة، قوله: \"من المعاشرة\" أراد به أن العشير الذي هو الزوج مأخوذ من المعاشرة التي بمعنى المصاحبة، واحترز به عن العشير الذي بمعنى العشر بالضم كما في الحديث: \"تسعة أعشراء الرزق في التجارة\" وهو جمع عشير كنصيب وأنصباء، ومن العشير\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٤/ ١٦٩).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٢٩٨).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٤/ ١٧٠).","vol":"5","page":554},{"text":"الذي بمعنى المعشور فإنه [من] عشرت المال أعشره إذا أخذت عشرًا، انتهى.\n\n(٨٩ -<span data-type='title' id=toc-3119> باب لزوجك عليك حق)</span>\nأشار المصنف بهذا الباب والباب الآتي إلى رعاية الحقوق من الطرفين، قوله: \"قاله أبو جحيفة عن النبي - ﷺ -\".\nقال الحافظ (^١): وهو طرف من حديثه في قصة سلمان وحديثه وقد مضى موصولًا مشروحًا في كتاب الصيام، قال ابن بطال: لما ذكر في الباب قبله حق الزوج على الزوجة ذكر في هذا عكسه، وأنه لا ينبغي له أن يجهد بنفسه في العبادة حتى يضعف عن القيام بحقها من جماع واكتساب، واختلف العلماء فيمن كفّ عن جماع زوجته فقال مالك: إن كان بغير ضرورة ألزم به أو يفرق بينهما، ونحوه عن أحمد، والمشهور عن الشافعية أنه لا يجب عليه، وقيل: يجب مرة، وعن بعض السلف: في كل أربع ليلة، وعن بعضهم: في كل طهر مرة، انتهى من \"الفتح\".\nزاد العيني (^٢): وقال أبو حنيفة - ﵁ -: يؤمر أن يبيت عندها، انتهى.\n\n(٩٠ -<span data-type='title' id=toc-3120> باب المرأة راعية في بيت زوجها)</span>\nقال الحافظ (^٣): ذكر فيه عن ابن عمر وسيأتي شرحه مستوفى في كتاب الأحكام إن شاء الله تعالى.\nوقال العيني (^٤): والحديث قد مرَّ في صلاة الجمعة في \"باب الجمعة في القرى والمدن\" بأتم منه، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٢٩٩).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٤/ ١٧٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٩/ ٣٠٠).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٤/ ١٧٣).","vol":"5","page":555},{"text":"(٩١ -<span data-type='title' id=toc-3121> باب قول الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء:</span> ٣٤])\nقال الحافظ (^١): إلى هنا عند أبي ذر، وزاد غيره: \" ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ إلى قوله: ﴿عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٤] وبسياق الآية تظهر مطابقة الترجمة لأن المراد منها قوله تعالى: ﴿فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ فهو الذي يطابق قوله: \"آلى النبي - ﷺ - من نسائه شهرًا\" لأن مقتضاه أنه هجرهن، وخفي ذلك على الإسماعيلي فقال: لم يتضح لي دخول هذا الحديث في هذا الحديث في هذا الباب ولا تفصيل الآية التي ذكرها، انتهى.\nوبما قال الحافظ جزم العيني في المناسبة.\nوذكر صاحب \"التيسير\" المطابقة بوجهين: الأول: أن إيلاءه - ﷺ - كان للتنبيه والتحديد لنسائه ليتعظن ويمتنعن ويتبن عما لا يليق بشأنهن، وقد وقع ما أراده - ﷺ - فناسب الحديث قوله تعالى: ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾، والوجه الثاني: ما ذكر الحافظ وغيره من المناسبة بقوله: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ﴾، انتهى.\nوكتب الشيخ قُدِّس سره في \"اللامع\" (^٢): دلالة الرواية عليه من حيث إن الزوج كان له الإيلاء والامتناع عن قربانها ولا يمكن ذلك للمرأة إن قصدت، انتهى.\nوفي هامشه: وعلى ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه لا يحتاج للمناسبة إلى ذكر تمام الآية التي لم يذكرها البخاري بل الحديث مطابق لما ذكره البخاري من جزء الآية من قوله: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ﴾ بأن الزوج لما كان له الإيلاء والامتناع وليس ذلك للمرأة فكون الرجال قوامين ظاهر، والجدير بشأن البخاري أن تثبت المطابقة بما أفاده الشيخ لدقته، وأما إثبات المناسبة بقوله: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ﴾ فظاهر لا يليق بدقة شأن البخاري.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٣٠٠)، وانظر: \"عمدة القاري\" (١٤/ ١٧٤).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٩/ ٣٢٧، ٣٢٨).","vol":"5","page":556},{"text":"(٩٢ -<span data-type='title' id=toc-3122> باب هجرة النبي - ﷺ - نساءه في غير بيوتهن)</span>\nكأنه يشير إلى أن قوله: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ لا مفهوم له وأنه تجوز الهجرة فيما زاد على ذلك، كما وقع للنبي - ﷺ - من هجره لأزواجه في المشربة، وللعلماء في ذلك اختلاف.\nقوله: (ويذكر عن معاوية رفعه: ولا تهجر إلا في البيت) وهذا طرف من حديث طويل أخرجه أحمد وأبو داود وغيرهما عن حكيم بن معاوية عن أبيه وفيه: ما حق المرأة على الزوج؟ قال: \"يطعمها إذا طعم، ويكسها إذا اكتسى، ولا يضرب الوجه ولا يقبح ولا يهجر إلا في البيت\"، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nقوله: (والأول أصح) قال القسطلاني (^٢): أي حديث أنس المروي في الباب السابق المذكور فيه هجره - ﷺ - نساءه في غير بيوتهن أصح من حديث معاوية بن حيدة هذا، وعبَّر المؤلف بيذكر التي للتمريض إشارة إلى انحطاط رتبته بالنسبة لغيرها مع الصلاحية للاحتجاج بذلك، وللكرماني والعيني ههنا كلام أضربت عنه لطوله، والذي تقرر هنا من معنى الحديث المعلق مع الاستشهاد له بلفظ أبي داود هو الظاهر فليتأمل مع ما أبداه العيني في شرحه متعقبًا لما في \"الفتح\" مما ذكرته هنا منتصرًا للكرماني والله الموفق والمعين.\nوالحاصل: أن الهجران يجوز أن يكون في البيوت وغيرها، وأن الحصر المذكور في حديث معاوية المعلق هنا غير معمول به بل يجوز في غير البيوت، كما فعله - ﷺ -، وقول المهلب: إن الهجران في غير البيوت فيه رفق بالنساء إذ هو معهن في البيوت آلم لقلوبهن، ليس على إطلاقه، بل يختلف باختلاف الأحوال على أن الغالب أن الهجران في غير البيوت أشق، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٣٠١).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٥٦٨)، وانظر: \"فتح الباري\" (٩/ ٣٠١).","vol":"5","page":557},{"text":"وهذا الذي ذكره القسطلاني ملخص ما بسطه الحافظ في \"الفتح\".\n\n(٩٣ -<span data-type='title' id=toc-3123> باب ما يكره من ضرب النساء)</span>\nفيه إشارة إلى أن ضربهن لا يباح مطلقًا بل فيه ما يكره كراهة تنزيه أو تحريم على ما سنفصله.\nقوله: (وقول الله تعالى: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ أي: ضربًا غير مبرح) هذا التفسير منتزع من المفهوم من حديث الباب من قوله: \"ضرب العبد\" كما سأوضحه، وقد جاء ذلك صريحًا في حديث عمرو بن الأحوص \"أنه شهد حجة الوداع مع رسول الله - ﷺ -\" فذكر حديثًا طويلًا، وفيه: \"فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضربًا غير مبرح\" الحديث أخرجه أصحاب السنن وصححه الترمذي واللفظ له، وفي حديث جابر الطويل عند مسلم: \"فإن فعلن فاضربوهن ضربًا غير مبرح\"، قلت: وسبق التنصيص في حديث معاوية بن حيدة على النهي عن ضرب الوجه، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nثم بسط الحافظ في الروايات الواردة في إباحة ضربهن ومنعه إلى أن قال: وفي قوله: \"لن يضرب خياركم\" دلالة على أن ضربهن مباح في الجملة، ومحل ذلك أن يضربها تأديبًا إذا رأى منها ما يكره فيما يجب عليها فيه طاعته، فإن اكتفى بالتهديد ونحوه كان أفضل، ومهما أمكن الوصول إلى الغرض بالإيهام لا يعدل إلى الفعل لما في وقوع ذلك من النفرة المضادة لحسن المعاشرة المطلوبة في الزوجية، إلا إذا كان في أمر يتعلق بمعصية الله، وقد أخرج النسائي حديث عائشة: \"ما ضرب رسول الله امرأة له ولا خادمًا قط، ولا ضرب بيده شيئًا قط إلا في سبيل الله، أو تنتهك حرمات الله فينتقم لله\" صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا كثيرًا، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٣٠٣، ٣٠٤).","vol":"5","page":558},{"text":"(٩٤ -<span data-type='title' id=toc-3124> باب لا تطيع المرأة زوجها في معصية)</span>\nلمَّا كان الذي قبله يشعر بندب المرأة إلى طاعة زوجها في كل ما يرومه خصص ذلك بما لا يكون فيه معصية الله، فلو دعاها الزوج إلى معصية فعليها أن تمتنع، فإن أدّبها على ذلك كان الإثم عليه، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(٩٥ -<span data-type='title' id=toc-3125> باب قوله: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ [النساء:</span> ١٢٨])\nقال الحافظ (^٢): قد تقدم الباب وحديثه في تفسير سورة النساء، وسياقه ههنا أتم، وذكرت هناك سبب نزولها وفيمن نزلت، واختلف السلف فيما إذا تراضيا على أن لا قسمة لها هل لها أن ترجع في ذلك؟ فقال الثوري وأحمد - وأخرجه البيهقي عن علي - ﵁ - وغيرهم ذكر أسماءهم الحافظ: إن رجعت فعليه أن يقسم لها وإن شاء فارقها، وعن الحسن: ليس لها أن تنقض، وهو قياس قول مالك في الإنظار والعارية، والله أعلم، انتهى.\n\n(٩٦ -<span data-type='title' id=toc-3126> باب العزل)</span>\nقال القسطلاني (^٣): قال النووي: قال أصحابنا: لا يحرم في مملوكته ولا زوجته الأمة سواء رضيت أم لا؛ لأن عليه ضررًا في مملوكته بأن تصير أم ولد لا يجوز بيعها، وفي زوجته الرقيقة بمصير ولده رقيقًا تبعًا لأمه، أما زوجته الحرة فإن أذنت فيه لم يحرم وإلا فوجهان: أصحهما لا يحرم، واستدلوا بحديث البخاري، ثم ذكر حديث الباب، انتهى.\nقال في \"الدر المختار\" (^٤): ويعزل عن الحرة بإذنها، وعن أمته بغير إذنها بلا كراهة، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٣٠٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٣٠٤).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٥٧٤).\n(^٤) \"رد المحتار\" (٤/ ٣٣٤ - ٣٣٦).","vol":"5","page":559},{"text":"وقال أيضًا: والإذن في العزل لمولى الأمة لا لها، قال ابن عابدين: وهذا هو ظاهر الرواية عن الثلاثة، انتهى.\nوفي \"الأوجز\" (^١): قال الموفق: يجوز العزل عن أمته بغير إذنها، نص عليه أحمد، وهو قول مالك وأبي حنيفة والشافعي، ولا يعزل عن زوجته الحرة إلا بإذنها، قال القاضي: ظاهر كلام أحمد وجوب الاستئذان ويحتمل الاستحباب لأن حقها في الوطء دون الإنزال، وللشافعية في ذلك وجهان، وأما زوجته الأمة فيحتمل جواز العزل عنها بغير إذنها وهي قول الشافعي، إلى آخر ما ذكر.\nوفي \"الأوجز\" أيضًا عن \"الفتح\": واختلفوا في الأمة المزوجة فعند المالكية يحتاج إلى إذن سيدها وهو قول أبي حنيفة، والراجح عن أحمد، وقال محمد وأبو يوسف: الإذن لها وهي رواية عن أحمد، انتهى.\nوكذا لا يعزل عن الحرة إلا بإذنها عند المالكية كما قال ابن عبد البر ونقل عليه الإجماع، وإن كان حكاية الإجماع متعقبًا عليه فإن للشافعية في المسألة قولان، والأصح الجواز كما تقدم في كلام النووي، وفي \"الفتح\": قال الغزالي وغيره: يجوز وهو المصحح عند المتأخرين.\n\n(٩٧ -<span data-type='title' id=toc-3127> باب القرعة بين النساء إذا أراد سفرًا)</span>\nتقدم في حديث الإفك في التفسير مثل ذلك من حديث عائشة أيضًا، وساق المصنف في الباب قصة أخرى ولعلها كانت أيضًا في تلك السفرة، ولكن بينت في شرح حديث الإفك في التفسير أنه لم يكن معه في غزوة المريسيع إلا عائشة، وقد تقدم في الهبة والشهادات مثل ذلك في أول حديث آخر عن عائشة أيضًا، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (١١/ ٤٥٨، ٤٥٩)، انظر: \"المغني\" (١٠/ ٢٣٠)، و\"فتح الباري\" (٩/ ٣٠٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٣١٠، ٣١١).","vol":"5","page":560},{"text":"وفيه أيضًا: واستدل بحديث الباب على مشروعية القرعة في القسمة بين الشركاء وغير ذلك، كما تقدم في أواخر الشهادات، والمشهور عن الحنفية والمالكية عدم اعتبار القرعة قال عياض: هو مشهور عن مالك وأصحابه؛ لأنه من باب الخطر والقمار، وحكي عن الحنفية إجازتها، انتهى.\nوقد قالوا به في مسألة الباب، إلى آخر ما في \"الفتح\".\nوفي هامش النسخة الهندية (^١): القرعة عند إرادة السفر مستحقة عند الشافعية وعند الحنفية مستحبة، كذا في \"الهداية\"، انتهى.\nقال القسطلاني (^٢): قال أصحابنا: لا يجوز للزوج السفر ببعض أزواجه إلا بالقرعة إذا تنازعن، وإذا سافر بإحداهن بها فلا قضاء عليه، إلى آخر ما ذكر في فروع المسألة، ثم قال: وهذا الحديث أخرجه مسلم في \"الفضائل\" والنسائي في \"عشرة النساء\"، انتهى.\nوقد تقدم الكلام على القرعة مرارًا فإن الإمام البخاري رحمه الله تعالى قد ترجم لها في عدة مواضع كما نبهت عليه في كتاب الشركة فارجع إليه لو شئت.\n\n(٩٨ -<span data-type='title' id=toc-3128> باب المرأة تهب يومها من زوجها لضرّتها)</span>\n\" من\" يتعلق بـ \"يومها\" لا بـ \"تهب\" أي: يومها الذي يختص بها، قوله: \"وكيف يقسم ذلك\" قال العلماء: إذا وهبت يومها لضرتها قسم الزوج لها يوم ضرتها فإن كان تاليًا ليومها فذاك وإلا لم يقدمه عن رتبته في القسم إلا برضا من بقي، وقالوا: إذا وهبت المرأة يومها لضرتها فإن قبل الزوج لم يكن للموهوبة أن تمتنع، وإن لم يقبل لم يكره على ذلك، وللواهبة في\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري بحاشية السهارنفوري\" (١٠/ ٥٨٤).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٥٧٧، ٥٧٨).","vol":"5","page":561},{"text":"جميع الأحوال الرجوع عن ذلك متى أحبت لكن فيما يستقبل لا فيما مضى، وأطلق ابن بطال أنه لم يكن لسودة - ﵂ - الرجوع في يومها الذي وهبته لعائشة، انتهى من \"الفتح\" (^١) باختصار.\nوقد ذكر الحافظ الروايات في سبب هبة سودة يومها لعائشة مما أخرجها مسلم وأبو داود وغيرهما من أصحاب الصحاح وغيرهم، ثم قال: فتواردت هذه الروايات على أنها خشيت الطلاق فوهبت، وأخرج ابن سعد بسند رجاله ثقات من رواية القاسم بن أبي بزة مرسلًا \"أن النبي - ﷺ - طلقها فقعدت له على طريقه فقالت: والذي بعثك بالحق ما لي في الرجال حاجة ولكن أحبّ أن أبعث مع نسائك يوم القيامة فأنشدك بالذي أنزل عليك الكتاب هل طلقتني لموجدة وجدتها علي؟ قال: لا\" الحديث، انتهى مختصرًا.\n\n(٩٩ -<span data-type='title' id=toc-3129> باب العدل بين النساء ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ. . .﴾ [النساء: ١٢٩]) إلخ</span>\nكتب مولانا أحمد علي المحدث السهارنفوري على الحاشية (^٢): ليس في هذا الباب حديث، ومرَّ توجيهه مرارًا فيما تقدم من أنه لم يجد على شرطه، أو أراد ولم يتفق، وهذا على ما يوجد في بعض النسخ من قوله: \"باب إذا تزوج البكر على الثيب\" بين الآية والحديث.\nوقال القسطلاني: سقط التبويب ولاحقه لأبي ذر فعلى هذا لا إشكال، وعليه شرح ابن حجر حيث قال بعد قوله: \"باب العدل بين النساء ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا. . .﴾ \" إلخ: أشار بذكر الآية إلى أن المنفي فيها العدل بينهن من كل جهة، وبالحديث إلى أن المراد بالعدل التسوية بينهن بما يليق بكل\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٣١٢، ٣١٣).\n(^٢) \"صحيح البخاري بحاشية السهارنفوري\" (١٠/ ٥٨٦)، وانظر: \"إرشاد الساري\" (١١/ ٥٧٩)، و\"فتح الباري\" (٩/ ٣١٣).","vol":"5","page":562},{"text":"منهن، فإذا أوفى لكل واحدة منهن كسوتها ونفقتها والإيواء لم يضر ما زاد على ذلك من ميل قلب أو تبرع بتحفة، وقد روى الأربعة وصححه ابن حبان والحاكم عن عائشة \"أن النبي - ﷺ - كان يقسم بين نسائه فيعدل ويقول: اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك\" قال الترمذي: يعني به المحبة والمودة، انتهى.\n\n(١٠٠ -<span data-type='title' id=toc-3130> باب إذا تزوج البكر على الثيب)</span>\nكذا ثبتت هذه الترجمة في النسخة \"الهندية\" و\"القسطلاني\" و\"العيني\"، وليست في نسخة \"الحافظ\" كما تقدم في الباب السابق.\nولذا قال الحافظ (^١) في شرح الباب الآتي: قوله: \"<span data-type='title' id=toc-3131>باب إذا تزوج الثيب على البكر</span>\" أي: أو عكس كيف يصنع؟ والمسألة خلافية كما ستأتي في الباب الآتي.\nقال العيني (^٢): ولم يذكر جواب إذا الذي هو يبين الحكم اكتفاء بما في حديث الباب، والبكر خلاف الثيب ويقعان على الرجل والمرأة، انتهى.\n\n(١٠١ - باب إذا تزوج الثيب على البكر)\nقال العلامة العيني (^٣): وهذه الترجمة عكس الترجمة التي قبلها، ثم قال بعد حديث الباب: أخرج الطحاوي هذا الحديث من عشر طرق صحاح، ثم قال: فذهب قوم إلى أن الرجل إذا تزوج الثيب أنه بالخيار إن شاء سبَّع لها وسبَّع لسائر نسائه، وإن شاء أقام عندها ثلاثًا ودار على بقية نسائه يومًا يومًا وليلة ليلة، قلت: أراد بالقوم إبراهيم النخعي وعامر الشعبي ومالكًا والشافعي وأحمد وإسحاق وأبا ثور وأبا عبيد، ثم قال: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: إن ثلَّث لها ثلَّث لسائر نسائه كما إذا سبّع لها سبّع لسائر نسائه.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٣١٤).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٤/ ١٨٨).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٤/ ١٨٩، ١٩٠).","vol":"5","page":563},{"text":"قلت: أراد بالقوم هؤلاء: حماد بن أبي سليمان والحكم بن عتيبة وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا رحمهم الله تعالى، واحتجوا في ذلك بحديث أم سلمة أخرجه الطحاوي أن رسول الله - ﷺ - قال لها: \"إن شئت سبَّعت عندك سبعت عندهن\" وأخرجه أحمد في \"مسنده\" مطولًا، وأخرجه الطبراني بأطول منه، وأخرجه أبو يعلى أيضًا والبيهقي، قال الطحاوي: فلما قال لها رسول الله - ﷺ -: \"إن شئت سبعت لك سبعت عندهن\" أي: أعدل بينهن وبينك فأجعل لكل واحدة منهم سبعًا كما أقمت عندك سبعًا، كذلك إذا جعل لها ثلاثًا جعل لكل واحدة منهن ثلاثًا.\nقالت الشافعية: حديث أنس المذكور - في البخاري - حجة على الحنفية، قلت: كذلك حديث أم سلمة حجة على الشافعية، واحتجت الحنفية أيضًا بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها \"أن النبي - ﷺ - كان يقسم بين نسائه فيعدل\" الحديث رواه الأربعة وقد مر عن قريب، فظاهره يقتضي المساواة بينهن مطلقًا، انتهى.\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"الكوكب الدري\" (^١): قوله: \"ثم قسم بينهما بالعدل\" الرواية غير صريحة في إخراج هذه الأيام من القسمة فلا بد له من دليل، يعني: أن هذا الذي ذهبوا إليه ليس لهم حجة عليه فالصحيح أن تعتبر هذه المدة في القسم، انتهى.\nوفي هامش النسخة \"الهندية\" (^٢): قوله: \"السُّنَّة إذا تزوج البكر. . .\" إلخ، قال علي القاري في \"المرقاة\": أخذ بظاهر الشافعي، وعندنا لا فرق بين القديمة والحديثة لإطلاق الحديثين الآتيين في الفصل الثاني - أي: في \"المشكاة\" - وإطلاق قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ [النساء: ٣] وقوله: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا﴾ وخبر الواحد لا ينسخ إطلاق الكتاب، انتهى.\nوههنا مذهب ثالث حكاه الحافظ عن الأوزاعي وهو: أن للبكر ثلاث\n_________\n(^١) \"الكوكب الدري\" (٢/ ٢٤٣).\n(^٢) \"صحيح البخاري بحاشية السهارنفوري\" (١٠/ ٥٨٧).","vol":"5","page":564},{"text":"وللثيب يومان، وفيه حديث مرفوع عن عائشة أخرجه الدارقطني بسند ضعيف جدًّا، انتهى.\nوذكر الحافظ التفصيل في فروع تلك المسألة.\n\n(١٠٢ -<span data-type='title' id=toc-3132> باب من طاف على نسائه في غسل واحد)</span>\nذكر فيه حديث أنس في ذلك وقد تقدم سندًا ومتنًا في كتاب الغسل مع شرحه وفوائده والاختلافُ على قتادة في كونهن تسعًا أو إحدى عشرة، وبيانُ الجمع بين الحديثين، قاله الحافظ (^١).\nوقال العيني (^٢): مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة، انتهى. كذا قال.\nوقال القسطلاني (^٣): فإن قلت: ليس في الحديث مطابقة للترجمة فالجواب أنه أشار إلى ما روي في بعض طرقه \"أنه - ﷺ - كان يطوف على نسائه في غسل واحد\" رواه الترمذي وقال: حسن صحيح، انتهى.\nوترجمة المصنف في كتاب الغسل \"باب إذا جامع ثم عاد\" وتقدم هناك عن تراجم شيخ مشايخنا الدهلوي (^٤): مقصوده إثبات جواز ذلك مع سُنِّية أن يتوضأ بين الجماعين، وذلك ثابت بالأحاديث الأخر، ويحتمل عندي أنه أشار إلى ترجيح رواية أنس - ﵁ - عند أبي داود فجعلها غسلًا واحدًا كما رجحه أبو داود، ويحتمل أيضًا أنه أراد الرد على وجوب الوضوء على المعاود كما قال به الظاهرية وابن حبيب المالكي، انتهى.\n\n(١٠٣ -<span data-type='title' id=toc-3133> باب دخول الرجل على نسائه في اليوم)</span>\nأي: ليعلم أن عماد القسم الليل لأنه وقت السكون، والنهار تابع له إلا نحو الحارس والخفير فإن نهاره ليله فهو عماد قسمه لأنه وقت سكونه،\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٣١٦).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٤/ ١٩١).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٥٨١).\n(^٤) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ١١٢).","vol":"5","page":565},{"text":"فلو دخل من عماد قسمه الليل على إحدى زوجاته في ليلة غيرها ولو لحاجة حرم إلا لضرورة كمرضها المخوف ويقضي إن طال الزمن، وأما النهار فلا يجوز دخوله فيه على الأخرى إلا لحاجة كعيادة ووضع متاع، إلى آخر ما ذكره القسطلاني (^١).\n\n(١٠٤ -<span data-type='title' id=toc-3134> باب إذا استأذن الرجل نساءه في أن يمرَّض في بيت بعضهن فأذِنّ له)</span>\nقوله: (أن يمرض) في هامش \"الهندية\" (^٢) عن \"المجمع\": بضم تحتية وفتح راء مشددة، أي: يخدم في مرضه، انتهى.\nقال الحافظ (^٣): ذكر فيه حديث عائشة في ذلك وقد تقدم شرحه في الوفاة النبوية في آخر المغازي، والغرض منه هنا أن القسم لهن يسقط بإذنهن في ذلك فكأنهن وهبن أيامهن تلك للتي هو في بيتها، وقد تقدم في بعض طرقه التصريح بذلك، انتهى.\n\n(١٠٥ -<span data-type='title' id=toc-3135> باب حبّ الرجل بعض نسائه أفضل من بعض)</span> [¬*]\nقال العلامة القسطلاني (^٤): أي: جواز ذلك فلا يؤاخذ بميل قلبه إلى بعضهن ولا بعدم التسوية في الجماع؛ لأن ذلك يتعلق بالنشاط والشهوة وهو لا يملك ذلك، انتهى.\nوقال الحافظ (^٥): ذكر فيه طرفًا من حديث ابن عباس عن عمر الذي\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٥٨٢).\n(^٢) \"صحيح البخاري بحاشية السهارنفوري\" (١٠/ ٥٩٠)، وانظر: \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٥٨١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٩/ ٣١٧).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٥٨٣).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٩/ ٣١٧).\n\n[¬*] تعليق الشاملة: كان ترقيم هذا الباب خطأ في المطبوع، فصححناه","vol":"5","page":566},{"text":"تقدم في \"باب موعظة الرجل ابنته\" وهو ظاهر فيما ترجم له، انتهى.\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^١): ودلالة الرواية عليه في اعتراف عمر بذلك في تقرير النبي - ﷺ - حين ذكر له عمر ذلك فلم يردّ عليه.\n\n(١٠٦ -<span data-type='title' id=toc-3136> باب المتشبع بما لم ينل، وما ينهى من افتخار الضرّة)</span>\nقال القسطلاني (^٢): أي: باب ذم المتشبع بما لم ينل يتكثر بذلك ويتزين بالباطل، انتهى.\nوقال الحافظ (^٣): أشار بهذا إلى ما ذكره أبو عبيد في تفسير الخبر قال: قوله: \"المتشبع\" أي: المتزين بما ليس عنده يتكثر بذلك ويتزين بالباطل، كالمرأة تكون عند الرجل ولها ضرة فتدعي من الحظوة عند زوجها أكثر مما عنده تريد بذلك غيظ ضرتها، وكذلك هذا في الرجال، ثم بسط الحافظ الكلام في شرح حديث الباب.\n\n(١٠٧ -<span data-type='title' id=toc-3137> باب الغيرة)</span>\nبفتح المعجمة وسكون التحتانية بعدها راء، قال عياض وغيره: هي مشتقة من تغير القلب وهيجان الغضب بسبب المشاركة فيما به الاختصاص، وأشد ما يكون ذلك بين الزوجين، انتهى.\nوأورد المصنف في الباب تسعة أحاديث، وفي الحديث الأول قوله: \"وقال وراد\" هو كاتب المغيرة بن شعبة ومولاه، وحديثه هذا المعلق عن المغيرة سيأتي موصولًا في كتاب الحدود واختصره ههنا، ويأتي أيضًا في كتاب التوحيد أتم سياقًا، انتهى (^٤).\n(فائدة): قال الحافظ (^٥) تحت آخر أحاديث الباب في شرح قوله: \"بينا\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٩/ ٣٣٢).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٥٨٤).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٩/ ٣١٧).\n(^٤) انظر: \"فتح الباري\" (٩/ ٣٢٠).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٩/ ٣٢٥).","vol":"5","page":567},{"text":"أنا نائم رأيتني في الجنة فإذا امرأة تتوضأ. . .\" إلخ: استدل الداودي بهذا الحديث على أن الحور في الجنة يتوضأن ويصلين.\nقلت: ولا يلزم من كون الجنة لا تكليف فيها بالعبادة أن لا يصدر من أحد من العباد باختياره ما شاء من أنواع العبادة، وفيه أن الجنة موجودة وكذلك الحور، وقد تقدم تقرير ذلك في بدء الخلق، انتهى.\n\n(١٠٨ -<span data-type='title' id=toc-3138> باب غيرة النساء ووجدهن)</span>\nهذه الترجمة أخص من التي قبلها، والوجد بفتح الواو: الغضب، ولم يبتّ المصنف حكم الترجمة لأن ذلك يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، وأصل الغيرة غير مكتسب من النساء لكن إذا أفرطت في ذلك بقدر زائد عليه تلام، وضابط ذلك ما ورد في الحديث الآخر: \"إن من الغيرة ما يحب الله ومنها ما يبغض الله\" الحديث، إلى آخر ما ذكر الحافظ (^١).\n\n(١٠٩ -<span data-type='title' id=toc-3139> باب ذبّ الرجل عن ابنته في الغيرة والإنصاف)</span>\nأي: في دفع الغيرة عنها وطلب الإنصاف لها، قاله الحافظ (^٢).\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٣): معنى الإنصاف القيام لاستيفاء نصيب صاحبها، ولا ريب في أن فاطمة لو أخذتها الغيرة في أمر ما أدى ذلك إلى افتتان في دينها وكان فيه فوات حقها، فافهم وتدبر، انتهى.\nوفي هامشه: اختلفوا في شرح ألفاظ الترجمة، ثم ذكر ما تقدم من كلام الحافظ، ثم قال: وتبعه القسطلاني إذ قال: أي: دفعه عن ابنته في الغيرة وطلب الإنصاف لها، انتهى.\nوقال العيني: أي: في بيان دفعه عن ابنته الغيرة وفي بيان الإنصاف لها، والإنصاف من أنصف إذا عدل، انتهى.\nوفي \"التيسير\": \"باب ذب الرجل. . .\" إلخ، أي: باز داشتنِ مرد أز\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٣٢٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٣٢٧).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٩/ ٣٣٣).","vol":"5","page":568},{"text":"دخترِ خود غيرت را، إين جنين شرح كرد عيني إين ترجمة را، وكَويا كلمه \"في\" زائد داشته، وحاصل: معنى آن كه دور كردن آن جه دختر أو را در غيرت وخشم آرد، ومي توان كَفت كه \"في\" بمعنى لام أست أز جهت غيرت، وقوله: \"والإنصاف\" أي: در بيان عدالت أست جناد كه أز آخر حديث معلوم شود، انتهى.\nوأما الغرض من الترجمة فيمكن أنه أشار به إلى أن العون لها في دفع الغيرة بحد الإنصاف لا يدخل في العصبية المنهي عنها.\n\n(١١٠ -<span data-type='title' id=toc-3140> باب يقل الرجال ويكثر النساء)</span>\nيعني: في آخر الزمان، قاله العيني (^١) وغيره.\nقوله: (وقال أبو موسى. . .) إلخ، وهذا التعليق مضى موصولًا في كتاب الزكاة في \"باب الصدقة قبل الرد\" ثم قال بعد ذكر الحديث: ومطابقته للترجمة ظاهرة، والحديث مضى في كتاب العلم في \"باب رفع العلم\"، انتهى من \"العيني\".\nوقال القسطلاني (^٢): قوله: \"ويقل الرجال ويكثر النساء\" بسبب القتل في الرجال من كثرة الفتن دون النساء لأنهن لسن من ذوات الحرب، وقيل: بل هي علامة محضة لا بسبب آخر بل يقدر الله في آخر الزمان أن يقلّ من يولد من الذكور ويكثر من يولد من النساء، انتهى.\n\n(١١١ -<span data-type='title' id=toc-3141> باب لا يخلون رجل بامرأة إلا ذو محرم، والدخول على المغيبة)</span>\nبضم الميم وكسر الغين المعجمة وبعد التحتية الساكنة موحدة: التي غاب عنها زوجها لسفر أو غيره، انتهى من \"القسطلاني\" (^٣).\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٢٠٦).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٥٩٧، ٥٩٨).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٥٩٨).","vol":"5","page":569},{"text":"قال الحافظ (^١): وأحد ركني الترجمة أورده المصنف صريحًا في الباب، والثاني يؤخذ بطريق الاستنباط من أحاديث الباب، وقد ورد في حديث مرفوع صريحًا أخرجه الترمذي من حدث جابر رفعه: \"لا تدخلوا على المغيبات فإن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم\" ورجاله موثقون لكن مجالد بن سعيد مختلف فيه، ولمسلم من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا: \"لا يدخل رجل على مغيبة إلا ومعه رجل أو اثنان\" ذكره في أثناء حديث، انتهى.\n\n(١١٢ -<span data-type='title' id=toc-3142> باب ما يجوز أن يخلو الرجل بالمرأة عند الناس)</span>\nقال الحافظ (^٢): أي: لا يخلو بها بحيث تحتجب أشخاصهما عنهم بل بحيث لا يسمعون كلامهما إذا كان بما يخافت به كالشيء الذي تستحيي المرأة من ذكره بين الناس، وأخذ المصنف قوله في الترجمة: \"عند الناس\" من قوله: في بعض طرق الحديث: \"فخلا بها في بعض الطرق أو في بعض السكك\" وهي الطريق المسلوكة التي لا تنفك عن مرور الناس غالبًا، انتهى.\nقال القسطلاني (^٣): \"أن يخلو الرجل\" الأمين \"بالمرأة\" الأجنبية في ناحية \"عند الناس\" لتسأله عن بواطن أمرها في دينها وغيره من أحوالها سرًا حتى لا يسمع الناس ذلك، إذ هو من الأمور التي تستحيي المرأة من ذكرها بين الناس، وليس المراد أن يخلو بها بحيث تحتجب أشخاصهما عنهم، انتهى.\n\n(١١٣ -<span data-type='title' id=toc-3143> باب ما ينهى من دخول المتشبهين بالنساء على المرأة)</span>\nأي: بغير إذن زوجها وحيث تكون مسافرة مثلًا، انتهى من \"الفتح\" (^٤)\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٣٣١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٣٣٣).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٦٠٠).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٩/ ٣٣٣).","vol":"5","page":570},{"text":"(١١٤ -<span data-type='title' id=toc-3144> باب نظر المرأة إلى الحبش ونحوهم من غير ريبة)</span>\nأي: تهمة، و\"نحوهم\" أي: من الأجانب.\nقال الحافظ (^١): وظاهر الترجمة أن المصنف كان يذهب إلى جواز نظر المرأة إلى الأجنبي بخلاف عكسه وهي مسألة شهيرة، واختلف الترجيح فيها عند الشافعية، وحديث الباب يساعد من أجاز، إلى آخر ما بسط الحافظ.\nوقال القسطلاني (^٢): قال النووي: نظر الوجه والكفين عند أمن الفتنة من المرأة إلى الرجل وعكسه جائز وإن كان مكروهًا، لقوله تعالى في الثانية: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١] وهو مفسر بالوجه والكفين وقيس بها الأولى، وهذا ما في \"الروضة\" عن أكثر الأصحاب، والذي صححه في \"المنهاج\" التحريم وعليه الفتوى، إلى آخر ما ذكر.\nوقال العيني (^٣): أشار بهذا إلى أن عنده جواز نظر المرأة إلى الأجنبي دون نظر الأجنبي إليها، وإنما ذكر الحبشة وإن كان الحكم في غيرهم كذلك لأجل ما ورد في حديث الباب، وأراد البخاري به الردّ لحديث أم سلمة أنها قالت: \"كنت أنا وميمونة جالستين عند رسول الله - ﷺ - فاستأذن عليه ابن أم مكتوم فقال: احتجبا منه، فقلنا: يا رسول الله! أليس أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا؟ فقال: أفعمياوان أنتما؟ ألستما تبصرانه\"؟ أخرجه الأربعة وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، قال ابن بطال: حديث عائشة أعني حديث الباب أصح من حديث نبهان لأن نبهان ليس بمعروف بنقل العلم، إلى آخر ما بسط.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٣٣٦).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٦٠٣).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٢١١، ٢١٢).","vol":"5","page":571},{"text":"وفي \"الأوجز\" (^١): قال الموفق: أما نظر الرجل إلى الأجنبية من غير سبب فإنه محرم إلى جميعها في ظاهر كلام أحمد، وقال القاضي: يحرم عليه النظر إلى ما عدا الوجه والكفين لأنه عورة ويباح له النظر إليها مع الكراهة إذا أمن الفتنة ونظر بغير شهوة، وهذا مذهب الشافعي؛ لقوله عز اسمه: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال ابن عباس: الوجه والكفين، إلى أن قال: وأما نظر المرأة إلى الرجل ففيه روايتان إحداهما: لها النظر إلى ما ليس بعورة، والأخرى: لا يجوز لها النظر من الرجل إلا إلى مثل ما ينظر إليها منها، وهذا أحد قولي الشافعي لحديث نبهان عن أم سلمة - المذكور سابقًا - رواه أبو داود وغيره، إلى آخر ما بسط.\nوقال الدردير: وهي من حرة مع رجل أجنبي مسلم غير الوجه والكفين من جميع جسدها حتى قصتها وإن لم يحصل الالتذاذ، وأما مع أجنبي كافر فجميع جسدها حتى الوجه والكفين، وترى المرأة من الرجل الأجنبي ما يراه الرجل من محرمه: الوجه والأطراف، أي: من عنق ورأس وظهر قدم، قال الدسوقي: قوله: غير الوجه والكفين، أي: وأما هما فغير عورة يجوز النظر إليهما، ولا فرق بين ظاهر الكفين وباطنهما بشرط أن لا يخشى بالنظر لذلك فتنة وأن يكون النظر لغير قصد لذة، وإلا فحرم النظر لهما، انتهى.\nوفي \"الهداية\": لا يجوز أن ينظر الرجل إلى الأجنبية إلا إلى وجهها وكفيها، ويجوز للمرأة أن تنظر من الرجل إلى ما ينظر الرجل إليه منه - أي: من الرجل - إذا أمنت الشهوة لاستواء الرجل والمرأة في النظر إلى ما ليس بعورة، انتهى.\nوفي \"الإقناع\" (^٢) في الفروع الشافعية: ونظر الرجل إلى المرأة على\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (١١/ ٣٣٣ - ٣٣٥)، وانظر: \"المغني\" (٩/ ٤٩٨)، و\"الشرح الكبير\" (١/ ٢١٤)، و\"الهداية\" (٢/ ٣٦٨).\n(^٢) \"الإقناع\" (٢/ ١١٨).","vol":"5","page":572},{"text":"سبعة أضرب: أحدها: نظره إلى أجنبية غير الوجه والكفين ولو غير مشتهاة قصدًا لغير حاجة فغير جائز قطعًا وإن أمن الفتنة، وأما نظره إلى الوجه والكفين فحرام عند خوف فتنة تدعو إلى الاختلاء بها لجماع أو مقدماته بالإجماع كما قاله الإمام، ولو نظر إليهما بشهوة وهي قصد التلذذ بالنظر المجرد وأمن الفتنة حرم قطعًا، وكذا يحرم النظر إليهما عند الأمن من الفتنة فيما يظهر له من نفسه من غير شهوة على الصحيح كما في \"المنهاج\"، ووجهه الإمام باتفاق المسلمين على منع النساء من الخروج سافرات الوجوه، وبأن النظر مظنة الفتنة ومحرك للشهوة، وقد قال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ الآية [النور: ٣٠]، واللائق بمحاسن الشريعة سدّ الباب والإعراض عن تفاصيل الأحوال كالخلوة بالأجنبية بأنهم لم يفصلوا في ذلك بل حرموا الاختلاء بها مطلقًا سدًّا لباب الفساد، وقيل: لا يحرم، أي: النظر للوجه والكفين لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ وهو مفسر بالوجه والكفين، ونسبه الإمام للجمهور والشيخان للأكثرين، وقال في \"المهمات\": إنه الصواب لكون الأكثرين عليه، وقال البلقيني: الترجيح بقوة المدرك، والفتوى على ما في \"المنهاج\"، انتهى.\nوفي هامش النسخة \"الهندية\" (^١) عن \"التوشيح\": قوله: \"وأنا أنظر إلى الحبشة. . .\" إلخ، كان ذلك عام قدومهم سنة سبع ولعائشة يومئذ ست عشرة سنة وذلك بعد الحجاب، فيستدل به على جواز نظر المرأة إلى الرجل، انتهى.\nوالجملة أن الغرض من الترجمة بيان جواز نظر المرأة إلى الرجل الأجنبي وهو كذلك عند الأئمة الثلاثة، كما يظهر من النقول المتقدمة، ويخالف مذهب الشافعية على قول، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري بحاشية السهارنفوري\" (١٠/ ٦١٣).","vol":"5","page":573},{"text":"(١١٥ -<span data-type='title' id=toc-3145> باب خروج النساء لحوائجهن)</span>\nقال الحافظ (^١): ذكر المصنف فيه حديث عائشة: \"خرجت سودة لحاجتها\" وقد تقدم شرحه وتوجيه الجمع بينه وبين حديثها الآخر في نزول الحجاب في تفسير سورة الأحزاب، وذكرت هناك التعقب على عياض في زعمه أن أمهات المؤمنين كان يحرم عليهن إبراز أشخاصهن ولو كن منتقبات متلففات، والحاصل في ردّ قوله: كثرة الأخبار الواردة أنهن كن يحججن ويطفن ويخرجن إلى المساجد في عهد النبي - ﷺ - وبعده، انتهى.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): قوله: \"يا سودة ما تخفين علينا\" ناداها بذلك لتتأذى بذلك فيذكر ذلك له - ﷺ - فيغار فينزل الحجاب، انتهى.\nوفي هامشه: قوله: فينزل الحجاب، وهو نص الرواية المتقدمة في كتاب الطهارة في \"باب خروج النساء للبراز\" بلفظ \"فناداها عمر: ألا قد عرفناك يا سودة\" حرصًا على أن ينزل الحجاب، فأنزل الله الحجاب، ولكن يشكل عليه ما في تفسير سورة الأحزاب من حديث عائشة قالت: \"خرجت سودة بعدما ضرب الحجاب\" الحديث، إلى آخر ما بسط في وجه الجمع بينهما في هامش \"اللامع\" وقد تقدم في تفسير سورة الأحزاب فارجع إليه لو شئت.\n\n(١١٦ -<span data-type='title' id=toc-3146> باب استئذان المرأة زوجها في الخروج إلى المسجد وغيره)</span>\nقال ابن التِّين: ترجم بالخروج إلى المسجد وغيره، واقتصر في الباب على حديث المسجد، وأجاب الكرماني بأنه قاسه عليه والجامع بينهما ظاهر ويشترط في الجميع أمن الفتنة، انتهى (^٣).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٣٣٧).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٩/ ٣٣٥).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٩/ ٣٣٧).","vol":"5","page":574},{"text":"(١١٧ -<span data-type='title' id=toc-3147> باب ما يحل من الدخول والنظر إلى نسائه في الرضاع)</span>\nقال القسطلاني (^١): أي: في وجود الرضاع بين الرجل الداخل والمرأة المدخول عليها، ثم قال بعد حديث الباب: وهذا الحديث قد سبق في أوائل النكاح، انتهى.\nقال الحافظ (^٢): وقد تقدمت مباحث الحديث مستوفاة في أوائل النكاح، وهو أصل في أن للرضاع حكم النسب من إباحة الدخول على النساء وغير ذلك من الأحكام، انتهى.\n\n(١١٨ -<span data-type='title' id=toc-3148> باب لا تباشر المرأة المرأة فتنعتها لزوجها)</span>\nكذا استعمل لفظ الحديث في الترجمة بغير زيادة، وذكر الحديث من وجهين، انتهى من \"الفتح\" مختصرًا (^٣).\n\n(١١٩ -<span data-type='title' id=toc-3149> باب قول الرجل: لأطوفن الليلة على نسائه)</span>\nهكذا في النسخ الهندية، وفي نسخة الشروح الثلاثة \"على نسائي\". قال العلامة العيني (^٤): أي: لأدورنّ على نسائي في هذه الليلة بالجماع، وهذه الترجمة إنما وضعها في قول سليمان - ﵇ -: \"لأطوفن الليلة بمائة امرأة\" على ما يجيء الآن، انتهى.\nوقال الحافظ (^٥): تقدم في كتاب الطهارة \"باب من دار على نسائه في غسل واحد\" وهو قريب من معنى هذه الترجمة، والحكم في الشريعة المحمدية أن ذلك لا يجوز في الزوجات إلا إن ابتدأ الرجل القسم بأن تزوج دفعة واحدة أو يقدم من سفر، وكذا يجوز إذا أذنّ له ورضين بذلك، انتهى.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٦٠٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٣٣٨).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٩/ ٣٣٨).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٢١٦).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٩/ ٣٣٩).","vol":"5","page":575},{"text":"وتعقب عليه العيني (^١) حيث قال: هذا الكلام هنا طائح لأنه لم يقصد من الترجمة هذا، وإنما قصد بذلك بيان قول سليمان - ﵇ - ولذلك أورد حديثه، انتهى.\nقلت: وما أفاده الحافظ هو واضح والتعقب ليس في محله، والظاهر عندي في غرض الترجمة أن المصنف أشار بذلك إلى أن القول المذكور وإظهار ذلك الأمر لا يدخل في النعت المنهي عنه المذكور فيما سبق، فتأمل.\n\n(١٢٠ -<span data-type='title' id=toc-3150> باب لا يطرق أهله ليلًا إذا طال الغيبة مخافة أن يخونهم)</span>\nبفتح الخاء المعجمة وكسر الواو المشددة، أي: لأجل خوف تخوينه إياهم، أي: ينسبهم إلى الخيانة، قال السفاقسي: الصواب \"يتخونهن وزلاتهن\" بالنون فيهما قال في \"الفتح\": بل ورد في الصحيح بالميم فيهما في صحيح مسلم وغيره، وتوجيهه ظاهر، كذا قال، ولم يبين وجهه إلا من جهة المروي وهو وإن كان قويًّا في الحجة لكن يبقى الوجه في العربية، ويحتمل أن يكون المراد بالأهل أعم من الزوجة فيشمل الأولاد مثلًا فعبر بالميم تغليبًا، قاله القسطلاني (^٢).\nقلت: وأشار بقوله: \"مخافة أن. . .\" إلخ، إلى علة المنع، ولعله أشار إلى أن العلة إذا ارتفعت ارتفع الحكم فعموم الأحاديث معللة بذلك.\nوقال القسطلاني (^٣) أيضًا في شرح حديث الباب: والعلة في ذلك أنه ربما يجد أهله على غير أهبة من التنظيف والتزين المطلوب من المرأة فيكون ذلك سببًا للنفرة بينهما، أو يجدها على غير حالة مرضية والستر\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٢١٦).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٦٠٩، ٦١٠).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٦١٠).","vol":"5","page":576},{"text":"مطلوب بالشرع، والتقييد بطول الغيبة يفيد عدم النهي في قصيرها كمن يخرج لحاجة مثلًا نهارًا ويرجع ليلًا إذ لا يتأتى فيه ما في طويلها، انتهى.\nوفي هامش النسخة \"الهندية\" (^١) عن \"التوشيح\": قوله: \"فلا يطرق أهله ليلًا\" زاد مسلم: \"يتخونهم أو يطلب عثراتهم\" وحذفه المصنف للاختلاف في إدراجه، انتهى.\nزاد الحافظ: فاقتصر البخاري على القدر المتفق على رفعه واستعمل بقيته في الترجمة، انتهى.\n\n(١٢١ -<span data-type='title' id=toc-3151> باب طلب الولد)</span>\nأي: مطلوب ورد على المعالجة بأن لا تحمل.\nقال الحافظ (^٢): أي: بالاستكثار من جماع الزوجة، أو المراد الحثّ على قصد الاستيلاد بالجماع لا لاقتصار على مجرد اللذة، وليس ذلك في حديث الباب صريحًا لكن البخاري أشار إلى تفسير الكيس كما سأذكره، ثم قال في تفسير الكيس: جزم ابن حبان في \"صحيحه\" بعد تخريج هذا الحديث بأن الكيس الجماع وأصل الكيس العقل، كما ذكر الخطابي لكنه بمجرده ليس المراد ههنا، وقال ابن الأعرابي: الكيس العقل كأنه جعل طلب الولد عقلًا، انتهى من \"الفتح\".\n\n(١٢٢ -<span data-type='title' id=toc-3152> باب تستحدّ المغيبة وتمتشط)</span>\nكأنه نبَّه بذلك على اهتمام النساء بذلك إذا آن رجوع أزواجهن.\n\n(١٢٣ -<span data-type='title' id=toc-3153> باب ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور:</span> ٣١])\nقال الحافظ (^٣): في رواية أبي ذر: \"إلى قوله: ﴿عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ \" وبهذه الزيادة تظهر المطابقة بين الحديث والترجمة.\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري بحاشية السهارنفوري\" (١٠/ ٦٢١)، وانظر: \"فتح الباري\" (٩/ ٣٤٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٣٤١، ٣٤٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٩/ ٣٤٣).","vol":"5","page":577},{"text":"وقال الحافظ أيضًا تحت حديث الباب: تقدم الكلام على شرح الحديث في \"باب غزوة أُحد\" والغرض منه هنا كون فاطمة باشرت ذلك من أبيها - ﷺ - فيطابق الآية، وهي جواز إبداء المرأة زينتها لأبيها وسائر من ذكر في الآية، انتهى.\n\n(١٢٤ -<span data-type='title' id=toc-3154> باب ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ﴾ [النور:</span> ٥٨])\nالأطفال الذين لم يحتلموا من الأحرار، والمراد بيان حكمهم بالنسبة إلى الدخول على النساء ورؤيتهم إياهن، انتهى من \"القسطلاني\" (^١).\n\n(١٢٥ -<span data-type='title' id=toc-3155> باب قول الرجل لصاحبه: هل أعرستم الليلة</span>؟)\nلعله أشار إلى أن هذا القول غير داخل في النعت المنهي عنه، كما تقدم في \"باب قول الرجل: لأطوفن الليلة. . .\" إلخ.\nكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٢): أراد إثبات ذلك قياسًا على ما ذكر في الحديث أن أبا بكر دخل عليهما والنبي - ﷺ - واضع رأسه على فخذها فلما لم يمنعه ذلك علم جواز سؤاله عن الإعراس بالطريق الأولى لأنه أدون من ذلك وأيسر، انتهى.\nوفي هامشه: ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه أجود من توجيه الشرَّاح، وبهذا وجه في \"تقرير المكي\" إذ قال: قوله: \"ورأسه على فخذي\" فيه الترجمة لأنه لما جاز أن يرى أحد هذه الحالة بين المرء وزوجته جاز أن يقول له: هل أعرستم الليلة، انتهى.\nوليست هذه الترجمة في نسخة \"الفتح\" بل فيها \"باب طعن الرجل ابنته في الخاصرة عند العتاب\" وهذه الترجمة موجودة في نسخة \"العيني\"، وقال:\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١١/ ٦١٥).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٩/ ٣٣٨ - ٣٤٠)، وانظر: \"عمدة القاري\" (١٤/ ٢٢٣).","vol":"5","page":578},{"text":"وهذا المقدار زاده ابن بطال في شرحه ولم يذكر غيره إلا \"باب طعن الرجل ابنته في الخاصرة عند العتاب\"، انتهى.\nوقال الكرماني (^١): فإن قلت: الحديث كيف يدل على الجزء الأول من الترجمة؟ قلت: هذا مفقود في أكثر النسخ، وعلى تقدير وجودها فوجهه أن البخاري كثيرًا يترجم ولا يذكر حديثًا، إلى آخر ما ذكر في هامش \"اللامع\" من الأجوبة. وفيه أيضًا: والأوجه عند هذا العبد الضعيف وهو الراجح عندي في أمثال هذه المواضع أن الإمام البخاري - ﵁ - كثيرًا ما يخلي الأبواب عن الروايات تشحيذًا للأذهان إشارة إلى أنه يثبت بحديث ما وارد في صحيحه، فينبغي أن يجهد في التتبع والتدبر بسهر الليالي، انتهى.\nوسيأتي هذا اللفظ في قصة أم سليم في \"باب تسمية المولود\" من \"كتاب العقيقة\".\nثم براعة الاختتام فعند الحافظ وكذا عند هذا العبد الضعيف كما تقدم من \"مقدمة اللامع\" (^٢) من قوله: \"فلا يمنعني من التحرك\" كما هو ظاهر فإن عدم التحرك من شأن الأموات.\n* * *\n_________\n(^١) \"شرح الكرماني\" (١٩/ ١٧٦).\n(^٢) \"مقدمة لامع الدراري\" (١/ ١١١).","vol":"5","page":579},{"text":"٦٨ -<span data-type='title' id=toc-3156> كتاب الطلاق</span>\nبسط الكلام عليه لغة وشرعًا في \"الأوجز\" (^١) وفيه: إنه اسم بمعنى المصدر الذي هو التطليق كالسلام، وهو في اللغة حل الوثاق، وفي \"الدر المختار\": هو لغة رفع القيد لكن جعلوه في المرأة طلاقًا وفي غيرها إطلاقًا فلذا كان أنت مطلقة بالسكون كناية، وفي \"البحر\": إنه يستعمل في النكاح بالتطليق، في غيره بالإطلاق حتى كان الأول صريحًا والثاني كناية، قال إمام الحرمين: هو لفظ جاهلي ورد الشرع بتقريره، ثم الطلاق قد يكون حرامًا أو مكروهًا أو واجبًا أو مندوبًا أو جائزًا، إلى آخر ما بسط في \"الأوجز\"، انتهى من هامش \"اللامع\" (^٢).\nقوله: (وطلاق السُّنَّة أن يطلقها طاهرًا من غير جماع) قال العلامة العيني (^٣): أي: الطلاق السُّنِّي إن يطلق امرأته حالة طهارتها عن الحيض ولا تكون موطوءة في ذلك الطهر وأن يشهد شاهدين على الطلاق، فمفهومه إن طلقها في الحيض أو في طهر وطئها فيه أو لم يشهد يكون طلاقًا بدعيًا، واختلفوا في طلاق السُّنَّة فقال مالك: طلاق السُّنَّة أن يطلق الرجل امرأته في طهر لم يمسها فيه تطليقة واحدة، ثم يتركها حتى تنقضي العدة برؤية أول الدم من الحيضة الثالثة، وهو قول الليث والأوزاعي، وقال أبو حنيفة: هذا أحسن من الطلاق.\nوزعم المرغيناني أن الطلاق على ثلاثة أوجه عند أصحاب أبي حنيفة: حسن وأحسن وبدعي: فالأحسن أن يطلقها وهو مدخول بها تطليقة واحدة في طهر لم يجامعها فيه ويتركها حتى تنقضي عدتها، والحسن وهو طلاق\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (١١/ ٥، ٦).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٩/ ٣٤١).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٢٢٦).","vol":"5","page":580},{"text":"السُّنَّة وهو أن يطلق المدخول بها ثلاثًا في ثلاثة أطهار، والبدعي أن يطلقها ثلاثًا بكلمة واحدة أو ثلاثًا في طهر واحد فإذا فعل ذلك وقع الطلاق وكان عاصيًا، انتهى.\nوفي \"المغني\" (^١): وطلاق السُّنَّة أن يطلقها طاهرًا من غير جماع واحدة ثم يدعها حتى تنقضي عدتها، وكذلك قال مالك والأوزاعي والشافعي وأبو عبيد، وقال أبو حنيفة والثوري: السُّنَّة أن يطلقها ثلاثًا في كل قرء طلقةً وهو قول سائر الكوفيين، إلى آخر ما بسط في الدلائل.\nقال ابن رشد (^٢): أجمع العلماء على أن المطلق للسُّنَّة في المدخول بها هو الذي يطلق امرأته في طهر لم يمسها فيه طلقة واحدة، وأن مطلق في الحيض أو الطهر الذي مسها فيه غير مطلق للسُّنَّة، انتهى. وسيأتي بقية كلامه.\nوفي \"المغني\" (^٣) في موضع آخر: ولو طلقها ثلاثًا في طهر لم يصبها فيه كان أيضًا للسُّنَّة وكان تاركًا للاختيار واختلفت الروايات عن أحمد في جمع الثلاثة، فروي عنه أنه غير محرم، اختاره الخرقي وهو مذهب الشافعي، والرواية الثانية أن جمع الثلاث طلاق بدعةٍ محرم، اختارها أبو بكر وأبو حفص وهو قول مالك وأبي حنيفة، انتهى.\nقلت: قد صرَّح في فروع الشافعية أنه لا يحرم الجمع بين الطلقات الثلاث كما في \"الأنوار لأعمال الأبرار\" وغيره، وفيه الطلاق على أربعة أقسام: الأول الواجب، والثاني المستحب، الثالث المكروه وتسمى الثلاثة سُنِّيًا، الرابع: المحرم وتسمى بدعيًّا، ولتحريمه أسباب: الأول: الحيض، الثاني: المجامعة في الطهر، والسبب الثالث: الظلم، ولا يحرم الجمع بين الطلقات الثلاث، ويستحب التفريق، انتهى ملخصًا.\n_________\n(^١) \"المغني\" (١٠/ ٣٢٥، ٣٢٦).\n(^٢) \"بداية المجتهد\" (٢/ ٦٣).\n(^٣) \"المغني\" (١٠/ ٣٣٠، ٣٣١).","vol":"5","page":581},{"text":"وفي \"البذل\" (^١) عن ابن رشد بحثًا على طلاق السُّنَّة: واختلفوا من هذا الباب في ثلاثة مواضع: الموضع الأول: هل من شرطه، أي: طلاق السُّنَّة أن لا يتبعها طلاقًا في العدة؟ والثاني: هل المطلق ثلاثًا بلفظ الثالث مطلق للسُّنَّة أم لا؟ أما الأول فاختلف فيه مالك وأبو حنيفة ومن تبعهما، فقال مالك: من شرطه أن لا يتبعها في العدة طلاقًا آخر، وقال أبو حنيفة: إن طلقها عند كل طهر طلقة واحدة كان مطلقًا للسُّنَّة، وأما الثاني فإن مالكًا ذهب إلى أن المطلق ثلاثًا بلفظ واحد مطلق لغير سُنَّة، وذهب الشافعي إلى أنه مطلق للسُّنَّة، انتهى ملخصًا من \"البذل\". وعن أحمد روايتان كما تقدم عن \"المغني\".\nوفي \"الفيض\" (^٢) في \"باب من أجاز طلاق الثلاث\": واعلم أن الطلاق البدعي ينقسم عندنا إلى قسمين: بدعي من حيث الوقت وهو في زمان الحيض، وبدعي من حيث العدد، وأما عند الشافعي فلا بدعي عنده من حيث العدد، فلا يكون الجمع بين الطلقات الثلاث بعدة عنده، وإليه مال المصنف خلافًا للجمهور، انتهى.\nقوله: (مره) قال العيني (^٣): اختلفوا في معنى هذا الأمر فقال مالك: هذا للوجوب، ومن طلق زوجته حائضًا أو نفساء فإنه يجبر على رجعتها، وقال ابن أبي ليلى، والشافعي وأحمد والأوزاعي وهو قول الكوفيين: يؤمر برجعتها ولا يجبر على ذلك، وحملوا الأمر في ذلك على الندب ليقع الطلاق على سُنَّة.\nقوله: (فليراجعها) واختلف في وجوب الرجعة، فذهب إليه مالك وأحمد في رواية، والمشهور عنه وهو قول الجمهور: إنها مستحبة، وذكر صاحب \"الهداية\" أنها واجبة لورود الأمر بها، انتهى.\n_________\n(^١) \"بذل المجهود\" (٨/ ١٣٨).\n(^٢) \"فيض الباري\" (٥/ ٥٧٥).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٢٢٧).","vol":"5","page":582},{"text":"قوله: (ثم ليمسكها حتى تطهر) قال الحافظ (^١): واختلف في جواز تطليقها في الطهر الذي يلي الحيضة التي وقع فيها الطلاق والرجعة، وفيه للشافعية وجهان: أصحهما المنع، وكلام المالكية يقتضي أن التأخير مستحب، وقال ابن تيمية في \"المحرر\" ولا يطلقها في الطهر المتعقب له فإنه بدعة، وعنه، أي: عن أحمد، جواز ذلك، وفي كتب الحنفية عن أبي حنيفة الجواز، وعن أبي يوسف ومحمد المنع، انتهى.\nوفي \"الأوجز\" (^٢) عن \"البذل\": أن قولهما ظاهر الرواية عن أبي حنيفة، والجواز رواية له، وقال الموفق: فإن راجعها وجب إمساكها حتى تطهر، واستحب إمساكها حتى تحيض حيضة أخرى، انتهى.\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-3157> باب إذا طلقت الحائض يعتد بذلك الطلاق)</span>\nقال الحافظ (^٣): كذا بتّ الحكم بالمسألة، وفيها خلاف قديم عن طاوس وعن خلاس بن عمرو وغيرهما أنه لا يقع، ومن ثم نشأ سؤال من سأل ابن عمر عن ذلك، انتهى.\nقال العيني (^٤): وعليه أجمع أئمة الفتوى من التابعين وغيرهم، وقالت الظاهرية والخوارج والرافضة: لا يقع، وحكي عن ابن علية أيضًا، انتهى.\nويمكن أن يقال: إن المصنف أراد به الردّ على ما في بعض طرق هذا الحديث من قوله: \"ولم يرها شيئًا\" كما عند أبي داود وتكلم عليه الإمام أبو داود، فذكر اختلاف الروايات ثم قال (^٥): والأحاديث كلها على خلاف ما قال أبو الزبير، انتهى.\nقلت: وهو قوله: \"ولم يرها شيئًا\"، وفي \"هامش أبو داود\": ويمكن\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٣٤٩، ٣٥٠).\n(^٢) \"أوجز المسالك\" (١١/ ٢٩٧)، و\"بذل المجهود\" (٨/ ١٤٠).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٩/ ٣٥١).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٢٢٨).\n(^٥) انظر: \"سنن أبي داود\" (١/ ٦٦٣)، (ح ٢١٨٥).","vol":"5","page":583},{"text":"تأويله بأن معناه لم يرها شيئًا مانعًا عن الرجعة، قال الخطابي: قال أهل الحديث: لم يرو أبو الزبير حديثًا أنكر من هذا، انتهى.\nوفي \"الفيض\" (^١): قوله: \"باب إذا طلقت الحائض\" وهذه هي المسألة التي أنكرها ابن تيمية فإنه قال: إنه لا يعتد بالطلاق في حال الحيض مع أن ابن عمر الذي هو صاحب تلك الواقعة أقرّ باعتدادها، إلى آخر ما ذكر.\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-3158> باب من طلق وهل يواجه الرجل امرأته بالطلاق)</span>\nقال الحافظ (^٢): كذا للجميع، وحذف ابن بطال من الترجمة قوله: \"من طلق\" فكأنه لم يظهر له وجهه وأظن المصنف قصد إثبات مشروعية جواز الطلاق وحمل حديث: \"أبغض الحلال إلى الله الطلاق\" على ما إذا وقع من غير سبب، وهو حديث أخرجه أبو داود وغيره وأعل بالإرسال، وأما المواجهة فأشار إلى أنها خلاف الأولى لأن ترك المواجهة أرفق وألطف، إلا إن احتيج إلى ذكر ذلك، انتهى.\nوتبع القسطلاني (^٣) الحافظ في توجيه الترجمة فذكر بعد قوله: \"باب من طلق\" امرأته جاز له ذلك لأن الله تعالى شرع الطلاق كما شرع النكاح قال تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] و﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: ١].\nوأما حديث: \"ليس شيء من الحلال أبغض إلى الله من الطلاق\" فذكر نحو ما تقدم عن الحافظ، وأما العلامة العيني فتعقب أولًا كلام الحافظ، ورجح ما فعل ابن بطال من حذف هذا الجزء من الترجمة، ثم قال (^٤): وعلى تقدير وجوده يمكن أن يقال: تقديره، فذكر نحو ما أفاده الحافظ والقسطلاني، فلزم القرار على ما منه الفرار.\n_________\n(^١) \"فيض الباري\" (٥/ ٥٧٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٣٥٦).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ١١).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٢٣٠).","vol":"5","page":584},{"text":"قوله: (فأهوى بيده يضع يده عليها) لا يذهب عليك أن بعض الجهلة أوردوا عليه بأنه - ﷺ - كيف بسط يده الشريفة إلى الأجنبية، والبعض الآخر أوردوا على الإمام البخاري في تخريجه هذه القصة في كتابه، وهذا كله نشأ من الجهالة، فقد قال الحافظ: واعترض بعضهم بأنه لم يتزوجها إذ لم يجر ذكر صورة العقد وامتنعت أن تهب له نفسها فكيف يطلقها؟ والجواب: أنه - ﷺ - كان له أن يزوج من نفسه بغير إذن المرأة وبغير إذن وليها، فكان مجرد إرساله إليها وإحضارها ورغبته فيها كافيًا في ذلك، إلى آخر ما ذكر الحافظ.\nوسبق إلى ذلك الجواب الكرماني إذ قال (^١): فإن قلت: كيف دلّ الحديث على الترجمة إذ لا طلاق إذ لم يكن ثم عقد نكاح، إلى آخر ما في هامش \"اللامع\"، وفيه: والأوجه عندي في الجواب أن النبي - ﷺ - قد تزوجها قبل ذلك، وبذلك جزم الشيخ المكي في \"تقريره\" إذ قال: قوله: \"هبي نفسك\" أي: سلمي نفسك أما نفس النكاح فقد وجد قبل هذه القصة كما سيصرِّح به في السطر الرابع، انتهى. أي: في الرواية المعلقة الآتية عن الحسين.\nقال الحافظ: وصله أبو نعيم في \"المستخرج\"، إلى آخر ما بسط في توضيح هذا المقام، فارجع إليه لو شئت (^٢).\n\n(٤ -<span data-type='title' id=toc-3159> باب من أجاز طلاق الثلاث)</span>\nأي: دفعة واحدة أو مفرقًا \"لقول الله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ أي: تطليقة بعد تطليقة على التفريق دون الجمع \" ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ \" [البقرة: ٢٢٩] برجعة \" ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ \" وهذا عام يتناول إيقاع الثلاث دفعة واحدة، وقد دلّت الآية على ذلك من غير نكير خلافًا لمن لم يجز ذلك لحديث:\n_________\n(^١) \"شرح الكرماني\" (١٩/ ١٨١).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٩/ ٣٤٢).","vol":"5","page":585},{"text":"\"أبغض الحلال إلى الله الطلاق\" وقال الشيعة وبعض أهل الظاهر: لا يقع إذا أوقعه دفعة واحدة، وعن بعض المبتدعة أنه إنما يلزم بالثلاث إذا كانت مجموعةً واحدة وهو قول محمد بن إسحاق صاحب \"المغازي\" وحجاج بن أرطاة، إلى آخر ما ذكره القسطلاني (^١).\nوذكر الحافظ (^٢) في معنى الترجمة وجهين إذ قال: وفي الترجمة إشارة إلى أن من السلف من لم يجز وقوع الطلاق الثلاث، فيحتمل أن يكون مراده بالمنع من كره البينونة الكبرى وهي بإيقاع الثلاث أعم من أن تكون مجموعة أو مفرقة، ويمكن أن يتمسك له بحديث: \"أبغض الحلال إلى الله الطلاق\" وأخرج سعيد بن منصور عن أنس \"أن عمر - ﵁ - كان إذا أتي برجل طلق امرأته ثلاثًا أوجع ظهره\" وسنده صحيح، ويحتمل أن يكون مراده بعدم الجواز من قال: لا يقع الطلاق إذا أوقعها مجموعة للنهي عنه وهو قول الشيعة وبعض أهل الظاهر، ثم بسط الحافظ الكلام على المسألة وكذا بسط الكلام عليه الشيخ في \"البذل\" (^٣) فارجع إليهما لو شئت.\nوتقدم من كلام صاحب \"الفيض\" أن ميل المصنف إلى مذهب الشافعي من أنه لا بدعي عنده من حيث العدد، فلذا لا يكون الجمع بين الطلقات الثلاث بدعة عنده.\nقوله: (وقال ابن الزبير في مريض طلق. . .) إلخ، سكت الشرَّاح عن بيان مذاهب الأئمة في ذلك، قال الحافظ (^٤): ومحل المسألة المذكورة كتاب الفرائض وإنما ذكرت هنا استطرادًا، وفي \"الهداية\" (^٥): إذا طلق امرأته في مرض موته بائنًا فمات وهي في العدة ورثته، وإن مات بعد انقضاء العدة فلا ميراث، وقال الشافعي: لا ترث في الوجهين، وقال ابن الهمام (^٦): أجمعوا\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ١٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٣٦٢).\n(^٣) \"بذل المجهود\" (٨/ ١٥٥ - ١٦٠)، و\"فيض الباري\" (٥/ ٥٧٥).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٩/ ٣٦٦).\n(^٥) \"الهداية\" (١/ ٢٥١).\n(^٦) \"فتح القدير\" (٤/ ١٤٥).","vol":"5","page":586},{"text":"على أنها ترث في العدة في الطلاق الرجعي، وقيده بالعدة لأنها لا ترث بعدها خلافًا لمالك إذ قال: ترث وإن تزوجت بعشر، ولابن أبي ليلى: ترث ما لم تتزوج بآخر، وهو قول أحمد، انتهى.\nوفي هامش \"اللامع\" (^١): بسط الكلام على إطلاق المريض في \"الأوجز\" وفيه: حكى صاحب \"التعليق الممجد\" عن \"البناية\" فيه ثنتي عشرة مذاهب، ثم ذكر فيه مذاهب الأئمة الأربعة في تلك المسألة فارجع إليه لو شئت.\nقوله: (فطلقها ثلاثًا) في الحاشية: فيه المطابقة للترجمة وقال صاحب \"الفيض\" (^٢): واستدل منه البخاري على أنه جمع بينها في اللفظ ولم ينكر عليه النبي - ﷺ - فدلّ على عدم كونها بدعة، إلى آخر ما بسط في الجواب عنه.\n\n(٥ -<span data-type='title' id=toc-3160> باب من خَيَّر نِساءَه)</span> [¬*]\nقال القسطلاني (^٣): وفي نسخة \"أزواجه\" أي: بين أن يطلقن أنفسهن أو يستمررن في العصمة، انتهى.\nوفي هامش النسخة \"الهندية\" (^٤): قال النووي: وفي هذه الأحاديث دلالة لمذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد وجماهير العلماء أن من خير زوجته فاختارته لم يكن ذلك طلاقًا ولا يقع به فرقة، وروي عن علي وزيد بن ثابت والحسن والليث بن سعد أن نفس التخيير يقع به طلقة بائنة اختارت زوجها أم لا، ثم هو مذهب ضعيف مردود بهذه الأحاديث الصريحة، ولعل القائلين به لم تبلغهم هذه الأحاديث، انتهى.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٩/ ٣٤٦)، وانظر: \"أوجز المسالك\" (١١/ ٢٦١)، و\"التعليق الممجد\" (٢/ ٥٣٣).\n(^٢) \"فيض الباري\" (٥/ ٥٧٦).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٢١).\n(^٤) \"صحيح البخاري بحاشية السهارنفوري\" (١٠/ ٦٥١).\n\n[¬*] تعليق الشاملة: كان ترقيم هذا الباب خطأ في المطبوع، فصححناه","vol":"5","page":587},{"text":"قال الحافظ (^١): وبقول عائشة المذكور يقول جمهور الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار وهو أن من خيَّر زوجته فاختارته لا يقع بذلك طلاق، لكن اختلفوا فيما إذا اختارت نفسها هل يقع طلقة واحدة رجعية أو بائنًا أو يقع ثلاثًا، وحكى الترمذي عن علي: إن اختارت نفسها فواحدة بائنة، وإن اختارت زوجها فواحدة رجعية، وعن زيد بن ثابت: إن اختارت نفسها فثلاث، وإن اختارت زوجها فواحدة بائنة، إلى آخر ما بسط من ذكر الاختلاف.\n\n(٦ -<span data-type='title' id=toc-3161> باب إذا قال: فارقتك أو سرحتك)</span>\nقال القسطلاني (^٢) في شرحه: باب في كنايات الطرق وهي ما يحتمل الطلاق وغيره، ولا يقع الطلاق بها إلا بالنية لأنها غير موضوعة للطلاق بل موضوعة لما هو أعم من حكمه، والأعم في المادة الاستعمالية يحتمل كلًّا من ما صدقاته، ولا يتعين أحدها إلا بمعين، والمعين في نفس الأمر هو النية، ومقتضى ما ذكره المصنف أن لا صريح عنده إلا لفظ الطلاق وما تصرف منه، وهو قول الشافعي في القديم، لكن نصّ في الجديد على أن الصريح لفظ الطلاق والفراق والسراح لورود ذلك في القرآن بمعنى الطلاق، قوله: \"فهو على نيته\" إن نوى الطلاق وقع وإلا فلا، انتهى مختصرًا.\nقال الحافظ (^٣): وحجة القديم أنه ورد في القرآن لفظ الفراق والسراح لغير الطلاق بخلاف الطلاق فإنه لم يرد إلا للطلاق، وقد رجح جماعة القديم كالطبري والمحاملي وغيرهما وهو قول الحنفية، واختاره القاضي عبد الوهاب من المالكية، انتهى.\nوفي \"الفيض\" (^٤): قوله: \"باب إذا قال. . .\" إلخ، شرع في الكنايات\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٣٦٨).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٢٣).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٩/ ٣٦٩).\n(^٤) \"فيض الباري\" (٥/ ٥٧٨).","vol":"5","page":588},{"text":"وهي عندنا بوائن وعند الشافعية رواجع، وذلك لأنهم أخذوها كنايات على مصطلح علماء البيان فيكون العامل لفظ التطليق ولا يقع منه إلا رجعيًّا، وهي عندنا كنايات على اصطلاح الأصوليين، أي: باعتبار استتار المراد، فالعوامل فيها ألفاظها وهي ألفاظ البينونة فقلنا بموجباتها، انتهى.\n\n(٧ -<span data-type='title' id=toc-3162> باب من قال لامرأته: أنت عليّ حرام)</span>\nكتب الشيخ قدس سره في \"اللامع\" (^١): ومذهب الحنفية أنه إن نوى بذلك يمينًا كان يمينًا، وإن ثلاثًا فثلاث، وإن واحدة بائنة فذلك، انتهى.\nوفي \"الفيض\" (^٢): قوله: \"وقال الحسن: نيته\" أي: ما نوى يمينًا أو طلاقًا أو ظهارًا، وهو أصل مذهبنا وإن أفتى المتأخرون بكونه طلاقًا، انتهى.\nوالمسألة خلافية شهيرة بسط الكلام عليها في هامش \"اللامع\" وأبسط منه في \"الأوجز\" ففي هامش \"اللامع\" (^٣): قال الحافظ: في المسألة اختلاف كثير عن السلف بلّغها القرطبي إلى ثمانية عشر قولًا، وزاد غيره عليها، قال القرطبي: قال بعض علمائنا: سبب الاختلاف أنه لم يقع في القرآن صريحًا ولا في السُّنَّة [نصّ] ظاهر صحيح يعتمد عليه في حكم هذه المسألة، فتجاذبها العلماء فمن تمسك بالبراءة الأصلية قال: لا يلزمه شيء، ومن قال: إنه يمين أخذ بظاهر قوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢] بعد قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١]، إلى آخر ما ذكر.\nوذكر ابن القيم في \"الهدي (^٤) \" ثلاثة عشر مذهبًا أصولًا تفرعت على عشرين مذهبًا، وذكر في \"إعلام الموقعين\" خمسة عشر مذهبًا.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٩/ ٣٤٦).\n(^٢) \"فيض الباري\" (٥/ ٥٧٩).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٩/ ٣٤٧، ٣٤٨)، وانظر: \"أوجز المسالك\" (١١/ ٣٧ - ٤٤).\n(^٤) \"زاد المعاد\" (٥/ ٢٧٦).","vol":"5","page":589},{"text":"واختلفت الروايات عن الأئمة الأربعة في ذلك والمرجح عندهم ما في فروعهم، قال الموفق: إذا قال لزوجته: أنت عليّ حرام، وأطلق فهو ظهار، وأما إن نوى غير الظهار فالمنصوص عن أحمد أنه ظهار نوى الطلاق أو لم ينوه، وعده في \"شرح الإقناع\" للشافعية من ألفاظ الكناية قال البجيرمي: كناية إن قصد بها الطلاق وقع وإلا فلا، ومع عدم النية يلزمه كفارة يمين، وعدّه صاحب \"الهداية\" (^١) من فروع الحنفية في الكنايات التي إذا نوى بها الطلاق كانت واحدة بائنة، وإن نوى ثلاثًا كانت ثلاثًا، ثم قال في الإيلاء: وإن قال: أردت الظهار فهو ظهار عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: ليس بظهار إن قال: أردت التحريم أو لم أرد شيئًا فهو يمين يصير به مؤليًا.\nوقال الباجي: الذي ذهب إليه مالك أنها في المدخول بها ثلاث نوى واحدة أو ثلاثًا، وإن زعم أنه لم ينو طلاقًا لم يصدق، وأما غير المدخول بها فإن مالكًا ينويه، وقوله: أردت واحدة ويحمله على الثلاثة إذا لم ينو عددًا، وفي \"المحلى\": قال عياض: المشهور عن مالك أنه يقع به ثلاث سواء كانت مدخولة بها أو لا لكن لو نوى أقل من ثلاث قبل في غير المدخول بها خاصة، انتهى.\nوعده الدردير في ألفاظ تجب به الثلاث إلا أن ينوي أقل في غير المدخول بها.\nوالظاهر عند هذا العبد الضعيف أن الإمام البخاري مال في هذه المسألة إلى مذهب الإمام مالك كما يدل عليه الروايات الواردة في ذلك، لا يقال: إن المعروف من دأبه أن ميله يظهر من الآثار التي أورده في الباب، وههنا ذكر أولًا أثر الحسن وهو يشعر أنه مال إلى مذهب الشافعي فإن مسلك الشافعي موافق لأثر الحسن، وذلك لأن الإمام البخاري ذكر ههنا الأقوال المختلفة للعلماء ومن جملتها قول الحسن أيضًا.\nوقال الحافظ (^٢): الذي يظهر من مذهب البخاري أن الحرام ينصرف\n_________\n(^١) \"الهداية\" (١/ ٢٥٩).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٣٧٤).","vol":"5","page":590},{"text":"إلى نية القائل، ولذا صدر الباب بقول الحسن، وهذه عادته في موضع الاختلاف مهما صدر به من النقل عن صحابي أو تابعي فهو اختياره، إلى آخر ما قال.\nقلت: وكان رأي أولًا في ذلك ما ذهب إليه الحافظ من أن ميل البخاري في ذلك إلى قول الحسن كما هو الظاهر من صنيعه، لكن النظر الدقيق يشعر إلى أنه مال في ذلك إلى قول مالك للروايات المرفوعة الواردة في الباب، إلى آخر ما في هامش \"اللامع\".\nقوله: (قال أهل العلم: إذا طلق ثلاثًا. . .) إلخ، كتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): استدلال على وقوع الثلاث بلفظ الحرام إذا نوى به الطلاق ويستنبط منه الحكم في غير الثلاث، انتهى.\nوبسط الكلام في شرح قول البخاري هذا في هامش \"اللامع\" فارجع إليه لو شئت.\nقوله: (وليس هذا كالذي يحرم الطعام) قال العلامة القسطلاني (^٢): أي: ليس هذا التحريم المذكور في المرأة كالذي يحرم الطعام على نفسه \"لأنه يقال لطعام الحل\" ولأبي ذر \"للطعام الحل\"، \"حرام\" قال الشافعي: وإن حرم طعامًا وشرابًا فلغو، ويقال للمطلقة حرام خلافًا لما نقل عن الأصبغ وغيره ممن سوّى بين الزوجة والطعام والشراب، وقد ظهر أن الشيئين وإن استويا من جهة فقد يفترقان من جهة أخرى، فالزوجة إذا حرمها على نفسه وأراد بذلك تطليقها حرمت عليه، والطعام والشراب إذا حرمه على نفسه لم يحرم عليه ولا يلزمه كفارة لاختصاص الأبضاع بالاحتياط وشدة قبولها التحريم، ولذا احتج باتفاقهم على أن المرأة بالطلقة الثالثة تحرم على الزوج، فقال: \"وقال\" تعالى \"في الطلاق ثلاث. . .\" إلخ، انتهى من \"القسطلاني\".\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٩/ ٣٤٩).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٢٥، ٢٦).","vol":"5","page":591},{"text":"وكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): قوله: \"لأنه لا يقال. . .\" إلخ، فلم يحتمل إلا اليمين بخلاف المرأة فإنها تصير حرامًا بتحريمه إياها عليه فاحتمل طلاقًا ويمينًا والمصير في مثله النية، انتهى.\nقال الحافظ (^٢): وأظن البخاري أشار إلى قول أصبغ وغيره ممن سوّى بين الزوجة والطعام والشراب، ثم قال الحافظ: وقد اختلف العلماء فيمن حرم على نفسه شيئًا فقال الشافعي: إن حرم زوجته أو أمته ولم يقصد الطلاق ولا الظهار ولا العتق فعليه كفارة يمين، وإن حرم طعامًا أو شرابًا فلغو، وقال أحمد عليه في الجميع كفارة يمين، انتهى مختصرًا.\nوفي \"الإكليل شرح مدارك التنزيل\" عن كتاب \"رحمة الأمة في اختلاف الأئمة\": اختلفوا في الرجل إذا حرم طعامه أو شرابه أو أمته فقال أبو حنيفة وأحمد: هو حالف وعليه كفارة يمين بالحنث، وقال الشافعي: إن حرم الطعام أو الشراب أو الملبوس فليس بشيء ولا كفارة عليه، وإن حرم الأمة فقولان: أحدهما لا شيء عليه، والثانية لا يحرم ولكن عليه كفارة يمين، وهو الراجح، وقال مالك: لا يحرم عليه شيء من ذلك على الإطلاق ولا كفارة، انتهى مختصرًا، كذا في هامش \"اللامع\".\nقال صاحب \"الفيض\" (^٣): لفظ الحرام مؤثر في النساء عندنا وعند غيرنا، أما في غير النساء كالطعام والشراب فيؤثر فيه أيضًا عندنا بخلاف الشافعي، وتفرّد ابن عباس حيث أنكر تأثيره في النساء وغيرها سواء، انتهى.\nويأتي تبويب المصنف على هذه المسألة في كتاب الأيمان والنذور إذ ترجم بقوله: \"باب إذا حرم طعامًا\".\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٩/ ٣٥١، ٣٥٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٣٧٢، ٣٧٣).\n(^٣) \"فيض الباري\" (٥/ ٥٧٩).","vol":"5","page":592},{"text":"(٨ -<span data-type='title' id=toc-3163> باب ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم:</span> ١])\nالأوجه عند هذا العبد الضعيف أن الغرض من هذه الترجمة تفسير الآية بأنها وردت في القصتين معًا ولذا ذكر في الباب الوقعتين، وأما مسألة التحريم فقد تقدم في الباب السابق.\nقوله: (إذا حرم امرأته ليس بشيء) في \"الفيض\" (^١): وذلك من تفرد ابن عباس، انتهى.\n\n(٩ -<span data-type='title' id=toc-3164> باب لا طلاق قبل النكاح)</span>\nكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٢): وأنت تعلم أنا لم نقل بوقوعه قبل النكاح حتى يجري علينا شيء من احتجاجاته التي ساقها، انتهى.\nوفي هامشه: قال العيني: قال الكرماني: مذهب الحنفية صحة الطلاق قبل النكاح فأراد البخاري الردّ عليه، قال العيني: لم تقل الحنفية أن الطلاق يقع قبل وجود النكاح وليس هذا بمذهب لأحد، فالعجب من الكرماني ومن وافقه في كلامه هذا كيف يصدر منهم مثل هذا الكلام؟ إلى آخر ما ذكر، والمسألة خلافية شهيرة بسطت في \"الأوجز\"، وفيه: أن العلماء كافة أجمعوا على أن تنجيز الطلاق على الأجنبية لا يصح، أما تعليق الطلاق فالخلاف فيه شهير معروف في الفقه والأصول.\nومذهب الحنفية في ذلك أن الرجل إذا علّق الطلاق أو العتق على الملك أو سبب الملك فيصح التعليق وينفذ في الطلاق والعتق معًا، مثل أن يقول الرجل: إذا زوجت فلانة فهي طالق، أو: إن ملكت هذا العبد فهو حر، فينفذ الطلاق والعتق في الصور كلها عندنا الحنفية، ولا يصح الطلاق ولا العتق عند الشافعية لا تنجيزًا كما تقدم ولا تعليقًا ولا تعميمًا\n_________\n(^١) \"فيض الباري\" (٥/ ٥٨٠).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٩/ ٣٥٢، ٣٥٣)، وانظر: \"أوجز المسالك\" (١١/ ٣٦٦ - ٣٧٢).","vol":"5","page":593},{"text":"ولا تخصيصًا، وللإمام أحمد في ذلك ثلاث روايات: الأولى مثل الحنفية، والثانية مثل الشافعية، والثالثة التفريق بين الطلاق والعتق، ففي الطلاق مثل الشافعية وفي العتق مثل الحنفية، واختلفت الحنابلة في الترجيح فمنهم من رجح الرواية الثانية كالموفق، ومنهم من اختار الثالثة كالخرقي، وللإمام مالك في ذلك ثلاث روايات: الأولى المرجوحة، وهي عدم الوقوع مطلقًا وهي رواية ابن وهب والمخزومي عنه، والثانية التوقف في ذلك، والثالثة الراجحة في المذهب، والمشهور المعروف من مذهبه والمختار عند المالكية أنه إن عيَّن امرأة أو عبدًا مثل أن يقول: إن تزوجت هذه المرأة أو ملكت هذا العبد أو نسبهما إلى قبيلة أو مكان أو زمان لزمه الطلاق أو العتق، وإن أطلق أو عمم مثل أن يقول: كل امرأة أتزوجها أو كل عبد ملكت فلا ينفذ الطلاق ولا العتق، إلى آخر ما بسطه في \"الأوجز\"، كذا في هامش \"اللامع\".\n\n(١٠ -<span data-type='title' id=toc-3165> باب إذا قال لامرأته وهو مكره: هذه أختي. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^١): قال ابن بطال: أراد بذلك الردّ على من كره أن يقول لامرأته: يا أختي، وقد روى عبد الرزاق من طريق أبي تميمة الهجيمي: \"مر النبي - ﷺ - على رجل وهو يقول لامرأته: يا أخية، فزجره\" قال ابن بطال: ومن ثم قال جماعة من العلماء: يصير بذلك مظاهرًا إذا قصد ذلك فأرشده النبي - ﷺ - إلى اجتناب اللفظ المشكل، قال: وليس بين هذا الحديث وبين قصة إبراهيم ﵊ معارضة؛ لأن إبراهيم إنما أراد بها أنها أخته في الدين، فمن قال ذلك ونوى أخوة الدين لم يضره.\nقال الحافظ: وقد قيَّد البخاري بكون قائل ذلك إذا كان مكرهًا لم يضره، وتعقبه بعض الشرَّاح بأنه لم يقع في قصة إبراهيم إكراه، وهو كذلك لكن لا تعقب على البخاري لأنه أراد بذكر قصة إبراهيم الاستدلال\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٣٨٧).","vol":"5","page":594},{"text":"على أن من قال ذلك في حالة الإكراه لا يضره قياسًا على ما وقع في قصة إبراهيم، انتهى.\nقال العيني (^١): قال أبو يوسف - فيمن قال لامرأته: يا أختي -: إن لم يكن له نية فهو تحريم، قال محمد بن الحسن: هو ظهار إذا لم يكن له نية، ذكره الخطابي، انتهى.\n\n(١١ -<span data-type='title' id=toc-3166> باب الطلاق في الإغلاق. . .) إلخ</span>\nاشتملت هذه الترجمة على أحكام يجعلها أن الحكم إنما يتوجه على العاقل المختار العامد الذاكر، وشمل ذلك الاستدلال بالحديث لأن غير العاقل المختار لا نية له فيما يقول أو يفعل، وكذلك الغالط والناسي والذي يكره على الشيء، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\nوقوله: (الإغلاق) اختلفوا في تفسيره على أقوال، قال الحافظ (^٣): الإغلاق بكسر الهمزة وسكون المعجمة: الإكراه على المشهور، وقيل: هو العمل في الغضب، وبالأول جزم أبو عبيد وجماعة، وإلى الثاني أشار أبو داود فإنه أخرج حديث عائشة: \"لا طلاق ولا عتاق في غلاق\" قال أبو داود: والغلاق أظنه الغضب، وترجم على الحديث: \"الطلاق على غيظ\" ووقع عنده غلاق بغير ألف، وحكى البيهقي أنه روي على الوجهين، ورد الفارسي في \"مجمع الغرائب\" على من قال: الإغلاق الغضب، وغلطه في ذلك وقال: طلاق الناس غالبًا إنما هو في حالة الغضب، وقيل: معناه النهي عن إيقاع الطلاق البدعي مطلقًا، والمراد النفي عن فعله لا النفي عن حكمه كأنه يقول: بل يطلق للسُّنَّة، انتهى مختصرًا.\nوفي \"البذل\" (^٤) عن \"المجمع\": أو معناه لا يغلق التطليقات دفعة\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٢٥٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٣٨٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٩/ ٣٨٩).\n(^٤) \"بذل المجهود\" (٨/ ١٧٨).","vol":"5","page":595},{"text":"واحدة حتى لا يبقى فيه شيء لكن يطلق طلاق السُّنَّة، وعن الشوكاني: قيل: الجنون، واستبعده المطرزي، انتهى مختصرًا.\nأما غلق التطليقات بأن يطلق ثلاثًا بلفظ واحد فقد تقدم الكلام عليه قريبًا في \"باب من أجاز طلاق الثلاث\" وأما الطلاق في الغضب فقد تقدم قريبًا أن الإمام أبا داود مال إلى عدم وقوع الطلاق في الغضب.\nقال الحافظ (^١): وأراد بذلك الردّ على من ذهب إلى أن الطلاق في الغضب لا يقع، وهو مروي عن بعض متأخري الحنابلة، ولم يوجد عن أحد من متقدميهم إلا ما أشار إليه أبو داود، انتهى.\nقلت: ومذهب الحنابلة كما في فروعهم: إن الطلاق في حالة الغضب يقع بالكنايات أيضًا بدون النية فكيف بالصريح؟\nقوله: (والكره) قال الحافظ (^٢): في عطفه على الإغلاق نظر إلا إن كان يذهب إلى أن الإغلاق الغضب، ويحتمل أن يكون قبل الكاف ميم لأنه عطف عليه السكران فيكون التقدير: باب حكم الطلاق في الإغلاق وحكم المكره والسكران إلخ، وقد اختلف السلف في طلاق المكره، إلى آخر ما ذكر، وبسط الكلام على المسألة في \"الأوجز\" (^٣) وفيه عن \"المغني\": لا تختلف الرواية عن أحمد - ﵀ - أن طلاق المكره لا يقع، روي ذلك عن عمر وعلي وجماعة نقلت أسماءهم في \"الأوجز\" منهم مالك والشافعي وإسحاق، وأجازه ابن عمر والشعبي والنخعي والزهري والثوري وأبو حنيفة وصاحباه وجماعة؛ لأنه طلاق من مكلف في محل يملكه فينفذ كطلاق غير المكره، انتهى.\nولا يذهب عليك أنه وقع التحريف من الكاتب في حاشية النسخة \"الهندية\" (^٤) في نقل المذاهب في طلاق المكره إذ نقل فيه: قال الحنفية\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٣٨٩).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٣٩٠).\n(^٣) \"أوجز المسالك\" (١١/ ٣٩٢)، وانظر: \"المغني\" (١٠/ ٣٥٠).\n(^٤) \"صحيح البخاري بحاشية السهارنفوري\" (١٠/ ٦٦٧).","vol":"5","page":596},{"text":"لا يصح طلاق المكره، وقالت الأئمة الثلاثة يصح وعليه الجمهور، فانعكست المذاهب فإن مذهب الحنفية أنه يصح طلاق المكره بخلاف الأئمة الثلاثة.\nقوله: (ولا السكران) قال الحافظ (^١): وذهب إلى عدم وقوع طلاق السكران عطاء وربيعة والمزني، واختاره الطحاوي، وقال بوقوعه طائفة من التابعين كسعيد بن المسيب وغيره، وبه قال الثوري ومالك وأبو حنيفة، وعن الشافعي قولان المصحح منهما وقوعه، والخلاف عند الحنابلة لكن الترجيح بالعكس، انتهى.\nقلت: وفيه عن الإمام أحمد ثلاث روايات: الأولى يقع الطلاق، والثانية لا، والثالثة التوقف عن الجواب، قال ابن القيم في \"الهدي\" (^٢): وهي الرواية الثانية التي استقر عليها مذهبه، يعني: أحمد، وصرح برجوعه إليها، واختاره من الحنفية الطحاوي والكرخي.\nوفي \"الفيض\" (^٣): ولنا في السكر من الحرام قولان، فإن كان من الحلال لا يقع طلاقه قولًا واحدًا، انتهى.\nوفي \"الدر المختار\" (^٤): ويقع طلاق سكران ولو بنبيذ قال ابن عابدين: أي: سواء كان سكره من الخمر أو الأشربة الأربعة المحرمة أو غيرها من الأشربة المتخذة من الحبوب والعسل عند محمد، قال في \"الفتح\": وبقوله يفتى لأن السكر من كل شراب محرام، انتهى.\nوما في \"الخانية\" من تصحيح عدم الوقوع فهو مبين على قولهما من أن النبيذ حلال والمفتى به خلافه، نعم لو زال عقله بمباح كما إذا سكر من ورق الرمان فإنه لا يقع طلاقه ولا عتاقه، ونقل الإجماع على ذلك صاحب \"التهذيب\" كذا في \"الهندية\"، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٣٩١).\n(^٢) \"زاد المعاد\" (٥/ ١٩٠).\n(^٣) \"فيض الباري\" (٥/ ٥٨٤).\n(^٤) \"رد المحتار\" (٤/ ٤٤٤ - ٤٤٧).","vol":"5","page":597},{"text":"قوله: (والمجنون) قال الموفق (^١): أجمع أهل العلم على أن الزائل العقل بغير سكر أو ما في معناه لا يقع طلاقه، كذلك قال عثمان وعلي وجماعة من التابعين وغيرهم ذكر أسماءهم الموفق ومنهم مالك والشافعي وأصحاب الرأي، وأجمعوا على أن الرجل إذا طلق في حال نومه لا طلاق له، وقد ثبت أن النبي - ﷺ - قال: \"رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق\"، انتهى.\nقوله: (والغلط) في \"الفيض\" (^٢): هو الخطأ، أي: أراد أن يسبح الله فسبق على لسانه ذكر الطلاق.\nقوله: (والنسيان. . .) إلخ، قال الحافظ (^٣): أي: إذا وقع من المكلف ما يقتضي الشرك غلطًا أو نسيانًا هل يحكم عليه به؟ وإذا كان لا يحكم عليه به فليكن الطلاق كذلك، وقوله: \"وغيره\" أي: وغير الشرك مما هو دونه، ثم بسط الحافظ الكلام على ما في بعض النسخ من لفظ الشك بدل الشرك وقال: إن ثبت فهو عطف على النسيان لا على الطلاق، ثم قال: واختلف السلف في طلاق الناسي فكان الحسن يراه كالعمد إلا إن اشترط فقال: إلا أن أنسى، وعن عطاء أنه كان لا يراه شيئًا وهو قول الجمهور، وكذلك اختلف في طلاق المخطئ فذهب الجمهور إلى أنه لا يقع، وعن الحنفية فيمن أراد أن يقول لامرأته شيئًا فسبق لسانه فقال: أنت طالق، يلزمه الطلاق، انتهى.\nوهكذا ذكر العيني (^٤) في بيان المذاهب في المخطئ لكن قال في طلاق الغالط والناسي: إنه واقع وهو قول عطاء والشافعي في قول وإسحاق ومالك والثوري والأوزاعي، انتهى.\nوفي \"الدر المختار\" (^٥): يقع طلاق كل زوج بالغ عاقل ولو عبدًا\n_________\n(^١) \"المغني\" (١٠/ ٣٤٥).\n(^٢) \"فيض الباري\" (٥/ ٥٨٤).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٩/ ٣٩٠).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٢٦٠).\n(^٥) \"رد المحتار\" (٤/ ٤٣٨ - ٤٤٩).","vol":"5","page":598},{"text":"أو مكرهًا أو هازلًا أو مخطئًا بأن أراد التكلم بغير الطلاق فجرى على لسانه الطلاق أو غافلًا أو ساهيًا، قال ابن عبادين: المراد بالغافل ههنا الناسي وصورته أن يعلق طلاقها على دخول الدار مثلًا فدخلها ناسيًا التعليق، انتهى.\nوفي \"الفيض\" (^١): استشكلت على بعضهم صورة النسيان وذكر له في \"البحر\" صورًا نحو أن يقول: إن أجزت لك أن تذهبي إلى بيت فلان فأنت طالق فنسي وأجاز، انتهى.\nثم قال البخاري رحمه الله تعالى: \"وما لا يجوز من إقرار الموسوس\" ثم حكى عن عقبة: \"لا يجوز طلاق الموسوس\" قال الحافظ (^٢): بمهملتين والواو الأولى مفتوحة والثانية مكسورة، أي: لا يقع طلاقه لأن الوسوسة حديث النفس ولا مؤاخذة بما يقع في النفس، انتهى.\nوهكذا في شرح الكرماني والعيني والقسطلاني.\nثم قال الحافظ (^٣) في أثر قتادة: \"إذا طلق في نفسه فليس بشيء\": وصله عبد الرزاق عن قتادة والحسن قالا: من طلق سرًّا في نفسه فليس طلاقه ذلك بشيء، وهذا قول الجمهور، وخالفهم ابن سيرين وابن شهاب فقالا: تطلق وهي رواية عن مالك، انتهى.\nوفي \"الأوجز\" (^٤) عن \"المغني\": الطلاق لا يقع إلا بلفظ فلو نواه بقلبه من غير لفظ لم يقع في قول عامة أهل العلم، وقال الزهري: إذا عزم على ذلك طلقت، وقال ابن سيرين فيمن طلق في نفسه: أليس قد علمه الله، ولنا قول النبي - ﷺ -: \"إن الله تعالى تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل\" رواه الترمذي، وقال: صحيح، انتهى.\nوفي \"تقرير المكي\": قوله: \"من إقرار الموسوس\" أي: من إقرار\n_________\n(^١) \"فيض الباري\" (٥/ ٥٨٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٣٩٠ - ٣٩٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٩/ ٣٩٤).\n(^٤) \"أوجز المسالك\" (١١/ ٢٥).","vol":"5","page":599},{"text":"المجنون بالطلاق، انتهى ملخصًا من هامش \"اللامع\" (^١) والبسط فيه.\nوفي \"الفيض\" (^٢): الموسوس المجنون أو المعتوه، والعته أخف من الجنون وضبطه مشكل، انتهى. وسيأتي حكم طلاق المعتوه في كلام المصنف.\nقوله: (وقال عطاء: إذا بدأ بالطلاق فله شرطه) قال القسطلاني (^٣): أي: إذا أرد أن يطلق وبدأ بالطلاق قبل الشرط بأن قال: أنت طالق إن دخلت الدار، فله شرطه كما في العكس بأن يقول: إن دخلت الدار فأنت طالق، فلا يلزم تقديم الشرط على الطلاق بل يصح سابقًا ولاحقًا، انتهى.\nكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٤): أشار بذلك إن لفظ الطلاق لا يكون سببًا لوقوعه ما لم يجامعه النية، فإن من قال: أنت طالق وكان من نيته تقييده بشرط حتى عقبه بالشرط فقال: إن دخلت الدار لم يقع طلاقه هذا ما لم تدخل الدار، فلو كان الطلاق واقعًا بمجرد اللفظ لما أفاد تقييده هذا بالشرط لتقدم الطلاق ووقوعه وإن كانت نيته أن يقيده، وكذلك قوله: طلق رجل امرأته إن خرجت، انتهى.\nوفي هامشه: أجاد الشيخ قُدِّس سرُّه في مناسبة الأثر بالترجمة، ولم يتعرض لذلك أحد من الشرَّاح، وكأنّ الشيخ أشار بذلك إلى أن الترجمة من الأصل الثامن عشر من الأصول المذكورة في المقدمة وهو إرادة العام بالترجمة الخاصة وهو نص كلام الشيخ المكي في \"تقريره\" إذ قال: غرض البخاري أن طلاق هؤلاء لا يقع أصلًا لا قضاء ولا ديانة لعدم النية لهم، وكذلك لا يقع عندنا أيضًا، إلا أن القاضي يقضي بالوقوع لمكان التهمة لا أنه يقع، انتهى.\nقوله: (وطلاق كل قوم بلسانهم) عجميًا أو غيره وهذا وصله ابن أبي\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٩/ ٣٥٩ - ٣٧٠)\n(^٢) \"فيض الباري\" (٥/ ٥٨٥).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٣٨)\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٩/ ٣٥٦).","vol":"5","page":600},{"text":"شيبة، وقال في \"الروضة\": ترجمة لفظ الطلاق بالعجمية وسائر اللغات صريح على المذهب لشهرة استعمالها في معناها عند أهل تلك اللغات كشهرة العربية عند أهلها، وقيل: وجهان ثانيهما أنها كناية (^١)، انتهى.\nوفي \"الدر المختار\" (^٢): صريحه ما لا يستعمل إلا فيه ولو بالفارسية، قال ابن عابدين: قوله: بالفارسية، فما لا يستعمل فيها إلا في الطلاق فهو صريح يقع بلا نية، وما استعمل فيها استعمال الطلاق وغيره فحكمه حكم كنايات العربية، إلى آخر ما بسط فيه من الألفاظ التركية وغيرها، انتهى.\nقوله: (وقال قتادة: إذا قال: إذا حملت فأنت طالق ثلاثًا. . .) إلخ، وصله ابن أبي شيبة بسنده عن قتادة مثله لكن قال: عند كل طهر مرة ثم يمسك حتى تطهر، وذكر بقيته نحوه، ومن طريق أشعث عن الحسن: يغشاها إذا طهرت من الحيض ثم يمسك عنها إلى مثل ذلك، وقال ابن سيرين: يغشاها حتى تحمل، وبهذا قال الجمهور، واختلفت الرواية عن مالك ففي رواية ابن القاسم: إن وطئها مرة بعد التعليق طلقت سواء استبان بها حملها أم لا، وإن وطئها في الطهر الذي قال لها ذلك بعد الوطء طلقت مكانها، وتعقبه الطحاوي بالاتفاق على أن مثل ذلك إذا وقع في تعليق العتق لا يقع إلا إذا وجد الشرط، قال: فكذلك الطلاق فليكن، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\nوهكذا ذكر القسطلاني (^٤) قول ابن القاسم وقال: لأن الحمل موقوف على سبب والسبب بيد الحالف إن شاء أوقعه وإن شاء لم يوقعه وهو الوطء، ثم ذكر أقوال المالكية الأخر ووجوهها.\nقوله: (وكل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه) قال العيني (^٥): وهو الناقص العقل فيدخل فيه الطفل والمجنون والسكران، وقد روى الترمذي بسنده عن\n_________\n(^١) انظر: \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٣٩).\n(^٢) \"ردّ المحتار\" (٤/ ٤٥٧).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٩/ ٣٩٢).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٣٩).\n(^٥) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٢٦٥).","vol":"5","page":601},{"text":"أبي هريرة مرفوعًا: \"كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه المغلوب على عقله\" وقال: هذا حديث لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث عطاء بن عجلان وهو ضعيف ذاهب الحديث، والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي - ﷺ - وغيرهم أن طلاق المعتوه المغلوب على عقله لا يجوز إلا أن يكون معتوهًا يفيق الأحيان فيطلق في حال إفاقته، انتهى.\nقال القسطلاني (^١): والمعتوه كالمجنون في نقص العقل فمنه الطفل والمجنون والسكران، وذكر أقوالًا أخر في تعريف المعتوه، قلت: قد علمت فيما سبق حكم طلاق المجنون والسكران، وأما طلاق الصبي فقال القسطلاني أيضًا: ولو فرض لبعض الصبيان المراهقين عقل جيد لا يعتبر في التصرفات لأن المدار البلوغ لانضباطه فتعلق به الحكم، وبهذا يبعد ما نقل عن ابن المسيب أنه، إذا عقل الصبي الطلاق جاز طلاقه، وعن ابن عمر جواز طلاق الصبي ومراده العاقل، ومثله عن الإمام أحمد، والله أعلم بصحة هذه النقول، قاله الشيخ كمال الدين ابن الهمام رحمه الله تعالى، وعن ابن عباس عند ابن أبي شيبة: لا يجوز طلاق الصبي، انتهى.\nقال الخرقي: وإذا عقل الصبي الطلاق فطلَّق لزمه، قال الموفق (^٢): وأما الصبي الذي لا يعقل فلا خلاف فيه أنه لا طلاق له، وأما الذي يعقل الطلاق ويعلم أن زوجته تبين به وتحرم عليه فأكثر الروايات عن أحمد أن طلاقه يقع، اختارها أبو بكر والخرقي وروي نحو ذلك عن ابن المسيب وعطاء والحسن والشعبي وإسحاق، وروى أبو طالب عن أحمد: لا يجوز طلاقه حتى يحتلم، وهو قول النخعي ومالك والثوري وأبي عبيد، وذكر أبو عبيد أنه قول أهل العراق وأهل الحجاز لقول النبي - ﷺ -: \"رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم\"، انتهى.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٤١).\n(^٢) \"المغني\" (١٠/ ٣٤٨، ٣٤٩).","vol":"5","page":602},{"text":"(١٢ -<span data-type='title' id=toc-3167> باب الخلع وكيف الطلاق فيه)</span>\nالخلع بضم الخاء المعجمة وسكون اللام مأخوذ من الخلع بفتح الخاء وهو النزع، سمّي به لأن كلًا من الزوجين لباس الآخر في المعنى، قال تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] وضُمَّ مصدره تفرقة بين الحسي والمعنوي، قاله القسطلاني (^١).\nقال الحافظ في \"الفتح\" (^٢): ويسمى أيضًا فدية وافتداءً، وأجمع العلماء على مشروعيته إلا بكر بن عبد الله المزني التابعي المشهور فإنه قال: لا يحل للرجل أن يأخذ من امرأته في مقابل فراقها شيئًا: لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠] فأوردوا عليه ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] إلى أن قال الحافظ: وضابطه شرعًا فراق الرجل زوجته ببذل قابل للعوض يحصل لجهه الزوج، وهو مكروه إلا في حال مخافة أن لا يقيما أو واحد منهما ما أمر به، انتهى مختصرًا.\nقوله: (وكيف الطلاق فيه) قال الحافظ (^٣): أي: هل يقع الطلاق بمجرده أو لا يقع حتى يذكر الطلاق إما باللفظ وإما بالنية؟ وللعلماء فيما إذا وقع الخلع مجردًا عن الطلاق لفظًا ونيةً ثلاثة آراء، وهي أقوال للشافعي، ثم بسطها.\nوفي هامش النسخة \"الهندية\" (^٤): قال الطيبي نقلًا عن المظهر: اختلف في أنها لو قالت: خالعتك على كذا، فقال: قبلت وحصلت الفرقة بينهما هل هي طلاق أم فسخ؟ ومذهب أبي حنيفة ومالك وأصح قولي الشافعي أنه طلاق بائن، ومذهب أحمد وأحد قولي الشافعي أنه فسخ، انتهى.\nوقال العلامة العيني (^٥): وللفقهاء فيه خلاف فعند أصحابنا الواقع بلفظ\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٤٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٣٩٥، ٣٩٦).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٩/ ٣٩٦).\n(^٤) \"صحيح البخاري بحاشية السهارنفوري\" (١٠/ ٦٧٨).\n(^٥) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٢٧٣).","vol":"5","page":603},{"text":"الخلع والواقع بالطلاق على مالٍ بائن، وعند الشافعي في القديم فسخ وليس بطلاق، يروى ذلك عن ابن عباس حتى لو خالعها مرارًا ينعقد النكاح بينهما بغير تزوج بزوج آخر، وبه قال أحمد، وفي قول للشافعي أنه رجعي، وفي قول وهو أصح أقواله أنه طلاق بائن كمذهبنا، لقوله - ﷺ -: \"الخلع تطليقة بائنة\".\nوفي \"التوضيح\": اختلف العلماء في البينونة بالخلع على قولين: أحدهما: أنه تطليقة بائنة إلا أن تكون سمت ثلاثًا فهي ثلاث، وهو قول مالك والثوري والأوزاعي والكوفيين وهو أحد قولي الشافعي، والثاني: أنه فسخ وليس بطلاق إلا أن ينويه، وبه قال أحمد وإسحاق وهو قول الشافعي الآخر، انتهى.\nثم ذكر العيني تخريج الحديث المذكور الذي هو مستدل الحنفية مع الكلام عليه.\nقوله: (اقبل الحديقة وطلقها) كتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): ولا يتوهم أنه يدل على أن الخلع لا يكون طلاقًا إذ لو كان كذلك لما احتيج إلى ذكر الطلاق؛ لأنا نقول: كان ذلك طلاقًا على مالٍ فاحتيج إلى ذكره إذ لو كان خلعًا لكان لفظه مذكورًا، وإذا كان الخلع والطلاق على مال في حكم واحد لم يحتج في إثبات أنه طلاق لا فسخ إلى علة أو حجة أخرى، فإن في هذه الرواية كفاية، فلو كان الخلع فسخًا كما قالته الشافعية لم يكن إيقاع الطلاق، انتهى.\nوفي هامشه: قوله: كما قالته الشافعية، أي: على أحد الأقوال عنهم وإلا فهو مشهور مذهب الإمام أحمد، انتهى.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٩/ ٣٧٢ - ٣٧٤).","vol":"5","page":604},{"text":"(١٣ -<span data-type='title' id=toc-3168> باب الشقاق)</span>\nقال العيني (^١): هو بالكسر الخلاف: وقيل: الخصام، وقوله: \"هل يشير بالخلع\" فاعل يشير محذوف وهو إما الحكم من أحد الزوجين أو الولي أو أحد منهما أو الحاكم إذا ترافعا إليه، والقرينة الحالية والمقالية تدل على ذلك، انتهى.\nثم استشكلوا وجه المطابقة بين الحديث والترجمة وذكروا له وجوهًا.\nقال القسطلاني (^٢): وأجاب في \"الكواكب\" فأجاد بأن كون فاطمة ما كانت ترضى بذلك فكان الشقاق بينها وبين علي متوقعًا، فأراد النبي - ﷺ - دفع وقوعه بمنع علي من ذلك بطريق الإيماء والإشارة، وقيل غير ذلك مما فيه تكلف وتعسف، انتهى.\nوكذا رجح هذا الجواب العلامة العيني بقوله: وأحسن من هذا وأوجه ما قاله الكرماني، فذكر ما تقدم عن القسطلاني.\nوقال شيخ مشايخنا الدهلوي (^٣) في \"التراجم\": غرضه أنه يلزم دفع الشقاق بين الزوجين إما بصلح كما في قصة سودة، أو خلع كما في قصة امرأة بانت، أو بمنع الزوج عما يؤذيها كما في قصة علي - ﵁ - وعنهم، انتهى.\nقلت: هكذا في النسخة التي بأيدينا من \"التراجم\" والمذكور في حديث الباب إنما هي قصة علي فقط.\n\n(١٤ -<span data-type='title' id=toc-3169> باب لا يكون بيع الأمة طلاقًا)</span>\nأورد فيه قصة بريرة، قال ابن التِّين: لم يأت في الباب بشيء مما يدل عليه التبويب، لكن لو كانت عصمتها عليه باقية ما خيِّرت بعد عتقها لأن\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٢٧٩).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٥٢، ٥٣)، و\"عمدة القاري\" (١٤/ ٢٨٠).\n(^٣) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٤١٣).","vol":"5","page":605},{"text":"شراء عائشة كان العتق بإزائه، وهذا الذي قاله عجيب، أما أولًا فإن الترجمة مطابقة فإن العتق إذا لم يستلزم الطلاق فالبيع بطريق الأولى، وأيضًا فإن التخيير الذي جرّ إلى الفراق لم يقع إلا بسبب العتق لا بسبب البيع، وأما ثانيًا فإنها لو طلقت بمجرد البيع لم يكن للتخيير فائدة، وأما ثالثًا فإن آخر كلامه يردّ أوله فإنه يثبت ما نفاه من المطابقة.\nقال ابن بطال: اختلف السلف هل يكون بيع الأمة طلاقًا؟ فقال الجمهور: لا يكون بيعها طلاقًا، وروي عن ابن مسعود ابن عباس وأُبي بن كعب، ومن التابعين عن سعيد بن المسيب والحسن ومجاهد قالوا: يكون طلاقًا، وتمسكوا بظاهر قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] وحجة الجمهور حديث الباب وهو أن بريرة عتقت فخيرت في زوجها فلو كان طلاقها يقع بمجرد البيع لم يكن للتخيير معنى، والآية نزلت في المسبيات فهن المراد بملك اليمين على ما ثبت في الصحيح من سبب نزولها، انتهى ملخصًا.\nوما نقله عن الصحابة أخرجه ابن أبي شيبة بأسانيد فيها انقطاع، إلى آخر ما ذكر الحافظ (^١).\n\n(١٥ -<span data-type='title' id=toc-3170> باب خيار الأمة تحت العبد)</span>\nقال الحافظ (^٢): يعني إذا عتقت، وهذا مصير من البخاري إلى ترجيح قول من قال: إن زوج بريرة كان عبدًا، وقد ترجم في أوائل النكاح بحديث عائشة في قصة بريرة \"باب الحرة تحت العبد\" وهو جزم منه أيضًا بأنه كان عبدًا اعترض عليه هناك ابن المنيِّر بأنه ليس في حديث الباب أن زوجها كان عبدًا، وإثبات الخيار لها لا يدل لأن المخالف يدعي أن لا فرق بين ذلك في الحر والعبد، والجواب أن البخاري جرى على عادته من الإشارة إلى\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٤٠٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٤٠٧).","vol":"5","page":606},{"text":"ما في بعض طرق الحديث، إلى آخر ما بسط الحافظ من الكلام على الروايات المختلفة الواردة في هذا ال<span data-type='title' id=toc-3172>باب </span>وترجيح ما هو الراجح عنده، ومسألة الباب خلافية تقدم في أوائل النكاح في \"باب الحرة تحت العبد\".\nوفي \"الفيض\" (^١): خالف أبا حنيفة وجعل لها الخيار إن كانت تحت العبد، وإن كانت تحت الحر فلا خيار لها.\n\n(١٦ -<span data-type='title' id=toc-3171> باب شفاعة النبي - ﷺ - في زوج بريرة)</span>\nأي: عند بريرة لترجع إلى عصمته، قال ابن المنيِّر: موقع هذه الترجمة من الفقه تسويغ الشفاعة للحاكم عند الخصم في خصمه أن يحط عنه أو يسقط ونحو ذلك، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\n\n(١٧ - باب)\n(بغير ترجمة)، قال الحافظ (^٣): كذا لهم بغير ترجمة وهو من متعلقات ما قبله، ثم بسط الحافظ الكلام على حديث قصة بريرة من ذكر اختلاف الروايات وترجيح ما هو الراجح عنده، وفي ذكر ما يستفاد منه من الفوائد الكثيرة فارجع إليه لو شئت.\nقال العيني (^٤): قوله: \"باب\" أي: هذا باب ذكره مجردًا لأنه كالفصل لما قبله، وقد جرت عادته بذلك كما يذكر الفقهاء في كتبهم: فصل، بعد ذكر لفظة كتاب أو باب، انتهى.\n\n(١٨ -<span data-type='title' id=toc-3173> باب قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة:</span> ٢٢١])\nلم يبتّ البخاري حكم المسألة لقيام الاحتمال عنده في تأويلها فالأكثر أنها على العموم وأنها خصت بآية المائدة، وعن بعض السلف أن المراد\n_________\n(^١) \"فيض الباري\" (٥/ ٥٨٩).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٤٠٨).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٩/ ٤١٠).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٢٨٥).","vol":"5","page":607},{"text":"بالمشركات هنا عبدة الأوثان والمجوس، حكاه ابن المنذر وغيره، ثم أورد المصنف فيه قول ابن عمر في نكاح النصرانية وهذا مصير منه إلى استمرار حكم عموم آية البقرة فكأنه يرى أن آية المائدة منسوخة، وبه جزم إبراهيم الحربي وردّه النحاس وحمله على التورع كما سيأتي، وذهب الجمهور إلى أن عموم آية البقرة خص بآية المائدة وهي قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥] فبقي سائر المشركات على أصل التحريم، وأطلق ابن عباس أن آية البقرة منسوخة بآية المائدة، وقد قيل: إن ابن عمر شذ بذلك فقال ابن المنذر: لا يحفظ عن أحد من الأوائل أنه حرم ذلك، انتهى.\nلكن أخرج ابن أبي شيبة بسند حسن أن عطاء كره نكاح اليهوديات والنصرانيات، وقال: كان ذلك والمسلمات قليل وروي عن عمر أنه كان يأمر بالتنزه عنهن من غير أن يحرمهن، وقيل: إن هذا مراد ابن عمر لكنه خلاف ظاهر السياق لكن الذي احتج به ابن عمر يقتضي تخصيص المنع بمن يشرك من أهل الكتاب لا من يوحّد، وقد فصل كثير من العلماء كالشافعية بين من دخل آباؤها في ذلك الدين قبل التحريف أو النسخ أو بعد ذلك، وهو من جنس مذهب ابن عمر بل يمكن أن يحمل عليه، وذهب الجمهور إلى تحريم النساء المجوسيات، وجاء عن حذيفة أنه تسرى بمجوسية، أخرجه ابن أبي شيبة وأورده أيضًا عن سعيد بن المسيب وطائفة، وبه قال أبو ثور، وقال ابن بطال: هو محجوج بالجماعة والتنزيل، وأجيب بأنه لا إجماع مع ثبوت الخلاف عن بعض الصحابة والتابعين.\nوأما التنزيل فظاهره أن المجوس ليسوا أهل كتاب، لقوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [الأنعام: ١٥٦] لكن لما أخذ النبي - ﷺ - الجزية من المجوس دل على أنهم أهل كتاب، فكان القياس أن تجري عليهم بقية أحكام الكتابيين لكن أجيب عن أخذ الجزية من المجوس انهم اتبعوا فيهم الخير ولم يرد مثل ذلك في النكاح والذبائح، وسيأتي","vol":"5","page":608},{"text":"تعرض لذلك في كتاب الذبائح إن شاء الله تعالى، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nقال العيني (^٢) في شرح ترجمة الباب: وإنما ذكر هذه الآية الكريمة توطئة للأحاديث التي ذكرها في هذا الباب وفي البابين اللذين بعده، وإنما لم ينبه على المقصود من إيرادها للاختلاف القائم فيها وقد أخذ ابن عمر بعموم قوله تعالى ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] حتى كره نكاح أهل الكتاب وأشار إليه البخاري بإيراد حديثه في هذا الباب، ونكح جماعة من الصحابة نساء نصرانيات ولم يروا بذلك بأسًا، إلى آخر ما بسط.\nوقال القسطلاني (^٣): والأئمة الأربعة على حلّ الكتابية الحرة وعلى المنع من غير أهل الكتابين من المجوس وإن كان لهم شبهة كتاب إذ لا كتاب بأيديهم، وكذا المتمسكون بصحف شيث وإدريس وإبراهيم وزبور داود لأنها لم تنزل بنظم يدرس ويتلى وإنما أوحي إليهم معانيها، إلى آخر ما ذكر.\nقلت: والذي يظهر عند هذا العبد الضعيف أن المصنف مال في تلك المسألة إلى قول ابن عمر ومن وافقه من بعض السلف، ثم لا يذهب عليك أن حكم الحرائر من الكتابيات يخالف حكم إماء أهل الكتاب، أما الأول فقد تقدم الحكم في ذلك وأن الأئمة الأربعة متفقة في إباحة النكاح فيها، وفي \"الأوجز\" (^٤): لا اختلاف بين أهل العلم في حل حرائر أهل الكتاب قال ابن المنذر: لا يصح عن أحد من الأوائل أنه حرم ذلك، وبه قال سائر أهل العلم، وحرمته الإمامية لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ [البقرة: ٢٢١] وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠] إلى آخر ما بسط فيه، وقد تقدم الخلاف فيه لبعض السلف كابن عمر وغيره.\nوأما حكم إماء أهل الكتاب فهي مسألة خلافية فقد ترجم الإمام مالك\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٤١٦، ٤١٧).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٢٨٦).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٦١).\n(^٤) \"أوجز المسالك\" (١٠/ ٤٩٠).","vol":"5","page":609},{"text":"في \"موطئه\": النهي عن نكاح إماء أهل الكتاب، وفي \"الأوجز\" (^١): قال الموفق: وليس للمسلم وإن كان عبدًا أن يتزوج أمة كتابية لقوله تعالى: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥] وهذا ظاهر مذهب أحمد وهو قول مالك والشافعي، وقال أبو ميسرة وأبو حنيفة: يجوز للمسلم نكاحها لأنها تحل بملك اليمين فحلت بالنكاح، ونقل ذلك عن أحمد إلا أن الخلال ردّ هذه الرواية وقال: إنما توقف أحمد فيها، إلى آخر ما فيه.\nوههنا مسألة ثالثة وهي إجماعية بين الأئمة الأربعة، وهي إباحة وطء الأمة الكتابية بملك اليمين، ففي \"الأوجز\" (^٢) عن \"المغني\": إن أمته الكتابية حلال له وهذا قول عامة أهل العلم إلا الحسن البصري فإنه كرهه، انتهى.\n\n(١٩ -<span data-type='title' id=toc-3174> باب نكاح من أسلم من المشركات وعدتهن)</span>\nقال الحافظ (^٣): أي: قدرها، والجمهور على أنها تعتد عدة الحرة، وعن أبي حنيفة: يكفي أن تستبرئ بحيضة، انتهى.\nقال العيني (^٤): أي هذا باب في بيان حكم من أسلم من المشركات وبيان حكم عدتهن، فإذا أسلمت وهاجرت إلى المسلمين وقعت الفرقة بإسلامها بينها وبين زوجها الكافر عند جماعة الفقهاء ووجب استبراؤها بثلاث حيض ثم تحل للأزواج، هذا قول مالك وأبي يوسف ومحمد والشافعي، وقال أبو حنيفة - ﵁ -: لا عدة عليها وإنما عليها استبراء رحمها بحيضة، واحتج بأن العدة إنما تكون عن طلاق وإسلامها فسخ وليس بطلاق، انتهى.\nقلت: وفي المسألة فروع كثيرة متقاربة خلافية بين الأئمة بسطت في \"الأوجز\" (^٥) في \"باب نكاح المشرك إذا أسلمت زوجته\"، وفي \"الفيض\" (^٦):\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (١٠/ ٤٩٩، ٥٠٠).\n(^٢) \"أوجز المسالك\" (١٠/ ٤٩٧).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٩/ ٤١٨).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٢٨٧).\n(^٥) انظر: \"أوجز المسالك\" (١٠/ ٥٤١ - ٥٤٤).\n(^٦) \"فيض الباري\" (٥/ ٥٩٠).","vol":"5","page":610},{"text":"أي: ما الحكم فيما أسلم أحد الزوجين؟ قلنا: إن كان الزوجان في دار الإسلام يعرض الإسلام على الآخر، فإن أسلم هو أيضًا فهما على نكاحهما وإلا بانت منه، وإن كانا في دار الحرب لم يقع الفرقة حتى تحيض ثلاث حيض، وإذا خرجت المرأة إلينا مهاجرة وقعت البينونة بمجرد المهاجرة ولا عدة عليها.\n\n(٢٠ -<span data-type='title' id=toc-3175> باب إذا أسلمت المشركة أو النصرانية تحت الذمي والحربي)</span>\nقال العيني (^١): واقتصاره على النصرانية ليس بقيد لأن اليهودية أيضًا مثلها، ولو قال: إذا أسلمت المشركة أو الذمية لكان أحسن وأشمل، ولم يذكر جواب \"إذا\" الذي هو الحكم لإشكاله، إلى آخر ما ذكر.\nقال الحافظ (^٢): وكأنه راعى لفظ الأثر المنقول في ذلك ولم يجزم بالحكم لإشكاله بل أورد الترجمة مورد السؤال فقط، وقد جرت عادته أن دليل الحكم إذا كان محتملًا لا يجزم بالحكم، والمراد بالترجمة بيان حكم إسلام المرأة قبل زوجها هل تقع الفرقة بينهما بمجرد إسلامها، أو يثبت لها الخيار، أو يوقف في العدة فإن أسلم استمر النكاح وإلا وقعت الفرقة بينهما؟ وفيه خلاف مشهور وتفاصيل يطول شرحها، وميل البخاري إلى أن الفرقة تقع بمجرد الإسلام كما سأبينها، انتهى.\nوكتب الشيخ في \"الكوكب الدري\" (^٣) تحت ترجمة الإمام الترمذي \"باب في الزوجين المشركين يسلم أحدهما\": هذا يشمل ما إذا بقي بعد الإسلام في دار الكفر ولم ينتقل إلى دار الإسلام، وما إذا هاجر أحد الزوجين بعد الإسلام فعندنا لا يفرق بينهما من غير تباين الدارين وهو الثابت بالحديث، وأما إذا أسلم وبقي هناك فلا يقع التفريق بنفس الإسلام\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٢٨٩).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٤٢٠).\n(^٣) \"الكوكب الدري\" (٢/ ٢٤٣).","vol":"5","page":611},{"text":"ما لم يصدر أمر ينسب إليه التفريق كالإباء فإن الإسلام جامع لا مفرق، إلى آخر ما بسط فيه من قصة زينب وغيرها.\nوفي هامشه: قال ابن عباس: إذا أسلمت النصرانية قبل زوجها بساعة حرمت عليه، وبذلك قال عطاء والثوري وفقهاء الكوفة، واختاره ابن المنذر وإليه جنح البخاري، وشرط أهل الكوفة ومن وافقهم أن يعرض على زوجها الإسلام في تلك المدّة فيمتنع إن كانا معًا في دار الإسلام، وقال مجاهد: إذا أسلم في العدة يتزوجها وبه قال الشافعي ومالك وأحمد وإسحاق وأبو عبيد، قاله الحافظ.\nقلت: أي: بدون تجديد العقد في العدة كما صرَّحوا به.\nقوله: (عن ابن عباس: إذا أسلمت. . .) إلخ، فقال بالحرمة بدون عرض الإسلام أو غيره وهو مختار البخاري فيقع الفرقة بلا مهلة، انتهى من \"الفيض\" (^١).\nوفيه أيضًا: قوله: \"وقال الحسن وقتادة في مجوسيين أسلما\" أي: أسلما معًا فهما على نكاحهما وهو المذهب عندنا ولا عبرة بالنظر المنطقي بأن صورة إسلامهما متعذر فلا بد من التقدم ولو يسيرًا لأن التقدم مثله ساقط لا يعتبر به.\nقوله: (وإذا سبق أحدهما صاحبه وأبى الآخر بانت. . .) إلخ، وهذا يشير إلى عرض الإسلام أيضًا؛ لأنه أدار البينونة على الإباء والإباء يشعر بعرض الإسلام عنده أيضًا، انتهى كلام \"الفيض\".\nثم ذكر الحافظ في \"الفتح\" (^٢):\n(تنبيه): استطرد البخاري من أصل ترجمة الباب إلى شيء مما يتعلق بشرح آية الامتحان، فذكر أثر عطاء فيما يتعلق بالمعاوضة المشار إليها في الآية بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ﴾ [الممتحنة: ١١]\n_________\n(^١) \"فيض الباري\" (٥/ ٥٩١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٤٢٣، ٤٢٤).","vol":"5","page":612},{"text":"ثم ذكر أثر مجاهد المقوي لدعوى عطاء أن ذلك كان خاصًا بذلك العهد الذي وقع بين المسلمين وبين قريش، وأن ذلك انقطع يوم الفتح، وكأنه أشار بذلك إلى أن الذي وقع في ذلك الوقت من تقرير المسلمة تحت المشركة لانتظار إسلامه ما دامت في العدة منسوخ، لما دلت عليه هذه الآثار من اختصاص ذلك بأولئك، وأن الحكم بعد ذلك فيمن أسلمت أن لا تقرّ تحت زوجها المشرك أصلًا ولو أسلم وهي في العدة، وقد ورد في أصل المسألة حديثان متعارضان: أحدهما: ما أخرجه أحمد من حديث ابن عباس أن رسول الله - ﷺ - ردّ ابنته زينب على أبي العاص وكان إسلامها قبل إسلامه بست سنين على النكاح الأول ولم يحدث شيئًا، والحديث الثاني: ما خرجه الترمذي وابن ماجه من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي - ﷺ - ردّ ابنته زينب على أبي العاص الربيع بمهر جديد ونكاح جديد، إلى آخر ما بسط الحافظ من الكلام على هذين الحديثين فارجع إليه.\nوقال أيضًا: ثم ذكر البخاري حديث عائشة في شأن الامتحان وبيانه لشدة تعلقه بأصل المسألة، انتهى.\n\n(٢١ -<span data-type='title' id=toc-3176> باب قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ الآية [البقرة:</span> ٢٢٦])\nووقع في شرح ابن بطال \"باب الإيلاء، وقوله تعالى .. . .\" إلخ، قاله الحافظ (^١).\nوقال العيني (^٢): واعلم أن الكلام ههنا، أي: في الإيلاء في عدة مواضع، ثم بسطها أشد البسط، وفي هامش النسخة \"الهندية\" (^٣) عن \"العيني\": الإيلاء في اللغة الحلف والإيلاء المذكور في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٤٢٦).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٢٩٣).\n(^٣) \"صحيح البخاري بحاشية السهارنفوري\" (١٠/ ٧٠١).","vol":"5","page":613},{"text":"يُؤْلُونَ﴾ هو الحلف على ترك قربان امرأته، أي: وطئها أربعة أشهر أو أكثر منها، كقوله لامرأته: والله لا أقربك أربعة أشهر، أو لا أقربك، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والثوري، وقال ابن المنذر: أكثر أهل العلم قالوا: لا يكون الإيلاء أقل من أربعة أشهر، وقال مالك والشافعي وأحمد وأبو ثور: الإيلاء أن يحلف أن لا يطأ امرأته أكثر من أربعة أشهر، وإن حلف على أربعة أشهر أو فيما دونها لم يكن مؤليًا، انتهى.\nثم قال العيني (^١): الموضع الثاني في حكم الإيلاء وهو أنه إن وطئها في الأربعة الأشهر كفّر؛ لأنه حنث في يمينه، وإن لم يطأها حتى مضت أربعة أشهر بانت المرأة منه بتطليقة واحدة وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه، وعند ابن المسيب ومكحول وربيعة والزهري: يقع تطليقة رجعية، وذكر البخاري عن ابن عمر أن المولي يوقف حتى يطلق، وقال مالك: كذلك الأمر عندنا، وبه قال الليث والشافعي وأحمد وإسحاق، فإن طلق فهي واحدة رجعية إلا أن مالكًا قال: لا تصح رجعته حتى يطأ في العدة ولا يعلم أحد قاله غيره، انتهى.\nوقال الإمام الترمذي (^٢) في \"جامعه\": والإيلاء أن يحلف الرجل أن لا يقرب امرأته أربعة أشهر أو أكثر، واختلف أهل العلم فيه إذا مضت أربعة أشهر فقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي - ﷺ - وغيرهم: إذا مضت أربعة أشهر يوقف فإما أن يفيء، وإما أن يطلق وهو قول مالك ابن أنس والشافعي وأحمد وإسحاق، وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي - ﷺ - وغيرهم: إذا مضت أربعة أشهر فهي تطليقة بائنة، وهو قول الثوري وأهل الكوفة، انتهى.\nوفي هامشه: قال محمد في \"الموطأ\": قال ابن عباس في تفسير آية الإيلاء أنه قال: الفيء الجماع في الأربع الأشهر وعزيمة الطلاق انقضاء\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٢٩٣).\n(^٢) \"سنن الترمذي\" (١٢٠١).","vol":"5","page":614},{"text":"الأربعة، فإذا مضت بانت بتطليقة ولا يوقف بعدها، وكان عبد الله بن عباس أعلم بتفسير القرآن من غيره، وهو قول أبي حنيفة والعامة، انتهى.\nوفي \"التعليق الممجد\" (^١): ثم عند أبي حنيفة وأصحاب والشافعي في الجديد: إذا حلف على ترك قربان زوجته أربعة أشهر يكون مؤليًا، واشترط مالك أن يكون مضرًا بها أو يكون حالة الغضب، فإن كان للإصلاح لم يكن مؤليًا، ووافقه أحمد واتفق الأئمة الأربعة وغيرهم على أنه لو حلف أن لا يقرب أقل من أربعة أشهر لا يكون مؤليًا، ثم في الإيلاء الشرعي إن جامع زوجته في أربعة أشهر فليس عليه إلا كفارة يمين، وإن مضت أربعة أشهر ولم يفيء بجماع ولا بلسان طلقت طلقة بائنة عند الحنفية، وبه قال ابن مسعود وعلي وزيد بن ثابت وغيرهم، وذهب مالك والشافعي وأحمد إلى أن المولي إذا لم يفئ ومضت أربعة أشهر لا يقع بمضي هذه المدة طلاق بل يوقف حتى يفيء أو يطلق، انتهى مختصرًا.\nوكتب الشيخ قدس سره في \"الكوكب الدري\" (^٢): وفسروا - أي: الحنفية - قوله تعالى فيه: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا﴾ الآية [البقرة: ٢٢٦] في أيام التربص فكذا وإن عزموا الطلاق فلم يفيئوا فكذا وهو أوفق بقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لما فيه من نقض ما حلفوا عليه من عدم القربان أربعة أشهر بخلاف ما فسروه، انتهى.\n\n(٢٢ -<span data-type='title' id=toc-3177> باب حكم المفقود فيى أهله وماله)</span>\nكذا أطلق ولم يفصح بالحكم ودخول حكم الأهل يتعلق بأبواب الطلاق بخلاف المال لكن ذكره معه استطرادًا، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\nوفي هامش \"الهندية\" (^٤): قوله: \"وقال ابن المسيب\" وصله عبدر\n_________\n(^١) \"التعليق الممجد\" (٢/ ٥٣٨).\n(^٢) \"الكوكب الدري\" (٢/ ٢٧٤).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٩/ ٤٣٠).\n(^٤) \"صحيح البخاري بحاشية السهارنفوري\" (١٠/ ٧٠٤).","vol":"5","page":615},{"text":"الرزاق بأتم منه عن الثوري عن داود بن أبي هند عنه قال: إذا فقد في الصف تربصت امرأته سنة، وإذا فقد في غير الصف فأربع سنين، وإلى قول ابن المسيب ذهب مالك لكن فرق بين ما إذا وقع القتال في دار الحرب أو في دار الإسلام، وفرق مالك بين من فقد في الحرب فتؤجل الأجل المذكور وبين من فقد في غير الحرب فلا تؤجل بل ينتظر مضي العمر الذي يغلب على الظن أنه لا يعيش أكثر منه، وقال أحمد وإسحاق: من غاب عن أهله فلم يعلم خبره لا تأجيل فيه وإنما يؤجل من فقد في البحر أو في الحرب أو نحو ذلك، وجاء عن علي: إذا فقدت المرأة زوجها لا تزوج حتى يقدم أو يموت، قال عبد الرزاق: بلغني عن ابن مسعود أنه وافق عليًا في أنها تنتظره أبدًا، وروي من طريق النخعي: لا تزوج حتى يستبين أمره، وهو قول فقهاء الكوفة والشافعي، كذا في \"الفتح\"، قال العيني: والكوفيون يقولون: لا يقسم ماله حتى يأتي عليه من الزمان ما لا يعيش مثله، وقال الشافعي: لا يقسم حتى يعلم وفاته، انتهى.\nثم قال القسطلاني: ومطابقة الحديث للترجمة من جهة أن الضالة كالمفقود فكما لم يزل ملك المالك فيها فكذلك يجب أن يكون النكاح باقيًا بينهما، وقد سبق الحديث مرات في اللقطة، انتهى.\nقال صاحب \"الفيض\" (^١) تحت ترجمة الباب: ويحكم عندنا بموته - أي: المفقود - بموت أقرانه ثم يجري الإرث في ماله، وفي \"الهداية\" (^٢): إنه هو الأقيس وقد قدّره بعضهم بتسعين وغيره، وأما عند مالك فينتظر أربع سنين ثم يحكم بموته، وبه يفتي علماء زماننا، ونقل الشامي مذهب مالك ثم لم ينقل شرائطه عنده، والناس اليوم يفتون بمذهبه ولا يراعون شرائطه المدونة عندهم فهؤلاء لا يعملون بمذهبهم ولا بمذهبه، إلى آخر ما ذكره، انتهى.\n_________\n(^١) \"فيض الباري\" (٥/ ٥٩٣، ٥٩٤).\n(^٢) \"الهداية\" (١/ ٤٢٣).","vol":"5","page":616},{"text":"(٢٣ -<span data-type='title' id=toc-3178> باب ﴿قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة:</span> ١])\nكذا في النسخة \"الهندية\"، وفي نسخ الشروح الثلاثة \"باب الظهار، وقول الله تعالى. . .\" إلخ، ولم يتعرضوا عن اختلاف النسخ، وفي \"الأوجز\" (^١): والظهار بكسر الظاء المعجمة مصدر ظاهر مفاعلة من الظهر.\nقال الحافظ: الظهار قول الرجل لامرأته: أنت علي كظهر أمي، وإنما خص الظهر بذلك دون سائر الأعضاء لأنه محل الركوب غالبًا، ولذلك سمي المركوب ظهرًا فشبهت الزوجة بذلك؛ لأنها مركوب الرجل، انتهى.\nوذكر في \"الأوجز\" في ذلك وجوه آخر فارجع إليه لو شئت، وكذا بسط فيه فروع عديدة مما يتعلق بالظهار.\nوقال العيني (^٢): ثم الكلام فيه على أنواع: الأول: سبب نزول هذه الآيات، ثم بسطها.\nالنوع الثاني: في صورة الظهار واعلم أن الألفاظ التي يصير به المرء مظاهرًا على نوعين: صريح نحو: أنت علي كظهر أمي، أو أنت عندي كظهر أمي، وكناية نحو أن يقول: أنت علي كأمي أو مثل أمي أو نحوهما، يعتبر فيه نيته فإن أراد ظهارًا كان ظهارًا، وإن لم ينو لا يصير مظاهرًا، وعند محمد بن الحسن: هو ظهار، وعن أبي يوسف: هو مثله إن كان في الغضب، وعنه أن يكون إيلاء وإن نوى [طلاقًا كان] طلاقًا بائنًا.\nالنوع الثالث: لا يكون الظهار إلا بالتشبيه بذات محرم فإذا ظاهر بغير ذات محرم فليس بظهار، وبه قال الحسن وعطاء وهو قول أبي حنيفة والشافعي في قول، وعنه وهو أشهر أقواله: إن كل من ظاهر بامرأة حل له نكاحها يومًا من الدهر فليس ظهارًا، ومن ظاهر بامرأة لم يحل له نكاحها\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (١١/ ٩٥ - ٩٩).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٣٠١ - ٣٠٣).","vol":"5","page":617},{"text":"قط فهو ظهار، وقال مالك: من ظاهر بذات محرم أو بأجنبية فهو كله ظهار، وعن الشعبي: أنه لا ظهار إلا بأم أو جدة، وهو قول للشافعي وبه قالت الظاهرية.\nالنوع الرابع: فيمن يصح منه الظهار ثم بسط الاختلاف فيه.\nوالنوع الخامس: في بيان الكفارة وهو تحرير رقبة قبل الوطء سواء كانت ذكرًا أو أنثى، صغيرة أو كبيرة، مسلمة أو كافرة لإطلاق النص، وقال الشافعي: لا تجوز الكافرة، وبه قال مالك وأحمد، إلى آخر ما بسط.\nوفي هامش \"الهندية\" (^١): واختلف فيما إذا لم يعين الأم بأن قال مثلًا: كظهر أختي، فعن الشافعي في القديم لا يكون ظهارًا بل يختص بالأم، وقال في الجديد: يكون ظهارًا وهو قول الجمهور وعليه الحنفية، قوله: \"وقول الله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللهُ﴾. . .\" إلخ، واستدل بقوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ الآية [المجادلة: ٢] على أن الظهار حرام، وقد ذكر المصنف في الباب آثارًا واقتصر على الآية وعليها، وكأنه أشار بذكر الآية إلى الحديث المرفوع الوارد في سبب ذلك وقد ذكر بعض طرقه تعليقًا في أوائل كتاب التوحيد من حديث عائشة، وفيه تسمية المظاهر وتسمية المجادلة وهي التي ظاهر منها، والراجح أنها خولة بنت ثعلبة، وأنه أول ظهار كان في الإسلام، كذا في \"الفتح\"، انتهى ما في الهامش.\n\n(٢٤ -<span data-type='title' id=toc-3179> باب الإشارة في الطلاق والأمور. . .) إلخ</span>\nقال ابن بطال: ذهب الجمهور إلى أن الإشارة إذا كانت مفهمة تتنزل منزلة النطق، وخالفه الحنفية في بعض ذلك، ولعل البخاري ردّ عليهم بهذه الأحاديث التي جعل فيها النبي - ﷺ - الإشارة قائمة مقام النطق، وإذا جازت الإشارة في أحكام مختلفة في الديانة فهي لمن لا يمكنه النطق أجوز، وقال\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري بحاشية السهارنفوري\" (١٠/ ٧٠٨)، وانظر: \"فتح الباري\" (٩/ ٤٣٣).","vol":"5","page":618},{"text":"ابن المنيِّر: أراد البخاري أن الإشارة بالطلاق وغيره من الأخرس وغيره التي يفهم منه الأصل والعدد نافذ كاللفظ.\nقال الحافظ (^١): ويظهر لي أن البخاري أورد هذه الترجمة وأحاديثها توطئة لما يذكره من البحث في الباب الذي يليه مع من فرق بين لعان الأخرس وطلاقه، والله تعالى أعلم.\nوقد اختلف العلماء في الإشارة المفهمة فأما في حقوق الله تعالى فقالوا: يكفي ولو من القادر على النطق، وأما في حقوق الآدميين كالعقود والإقرار والوصية ونحو ذلك فاختلف العلماء فيمن اعتقل لسانه. ثالثها عن أبي حنيفة إن كان مأيوسًا من نطقه وعن بعض الحنابلة إن اتصل بالموت، ورجحه الطحاوي، وعن الأوزاعي إن سبقه كلام، ونقل عن مكحول: إن قال فلان حر ثم أصمت فقيل له وفلان فأومأ صح، وأما القادر على النطق فلا تقوم إشارته مقام نطقه عند الأكثرين، انتهى.\nوتقدم شيء من الكلام على الإشارة في كتاب الوصايا في \"باب إذا أومأ المريض برأسه\" كذا في هامش \"اللامع\" (^٢).\nوردّ العلامة العيني (^٣) على أبلغ وجه وأوكده على من قال من الشرَّاح من ابن بطال وغيره: أن الإمام البخاري أراد بهذا الباب الردّ على أبي حنيفة، إذ قال: وكذلك ابن بطال الذي أطلق لسانه في أبي حنيفة بوجه باطل حيث قال: حاول البخاري بهذا الباب الردّ على أبي حنيفة لأنه - ﷺ - حكم بالإشارة في هذه الأحاديث، إلى أن قال: وإنما حمل أبا حنيفة على قوله هذا أنه لم يعلم السنن التي جاءت بجواز الإشارات في أحكام مختلفة، انتهى.\nقلت: هذا الذي قاله قلة أدب فمن قال: إن أبا حنيفة لم يعلم هذه\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٤٣٨).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٩/ ٣٧٩، ٣٨٠).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٣٠٧).","vol":"5","page":619},{"text":"السنن فمن نقله عنه أنه لم يجوز العمل بالإشارة؟ وهذه كتب أصحابه ناطقة بجواز ذلك كما نبهنا على بعض شيء من ذلك، وقال أصحابنا: إشارة الأخرس وكتابته كالبيان باللسان فيلزمه الأحكام بالإشارة وبالكتابة حتى يجوز نكاحه وطلاقه وعتاقه وبيعه وشراؤه وغير ذلك من الأحكام بخلاف معتقل اللسان الذي حبس لسانه فإن إشارته غير معتبرة لأن الإشارة لا تنبئ عن المراد إلا إذا طالت وصارت معهودة كالأخرس، انتهى.\nقلت: وطلاق الأخرس واقع عند الأئمة الأربعة قال الموفق (^١): ولا يقع الطلاق بغير لفظ الطلاق إلا في موضعين: أحدهما من لا يقدر على الكلام؛ كالأخرس إذا طلق بالإشارة طلقت زوجته، وبهذا قال مالك والشافعي وأصحاب الرأي، ولا نعلم عن غيرهم خلافهم، إلى آخر ما فيه.\n\n(٢٥ -<span data-type='title' id=toc-3180> باب اللعان)</span> [¬*]\nقال العلامة العيني (^٢): هو مصدر لاعن وهو مشتق من اللعن وهو الطرد والإبعاد؛ لبعدهما من الرحمة أو لبعد كل منها عن الآخر ولا يجتمعان أبدًا، واللعان والالتعان والملاعنة بمعنى، وسمي به لما فيه من لعن نفسه في الخامسة، وهي من تسمية الكل باسم البعض كالصلاة تسمى ركوعًا وسجودًا، ومعناه الشرعي: شهادات مؤكدات بالأيمان مقرونة باللعن، وقال الشافعي: هي أيمان مؤكدات بلفظ الشهادة، فيشترط أهلية اليمين عنده فيجري بين المسلم وامرأته الكافرة، وبين الكافر والكافرة، وبين العبد وامرأته، وبه قال مالك وأحمد، وعندنا يشترط أهلية الشهادة فلا يجري إلا بين المسلمين الحرين العاقلين البالغين غير محدودين في قذف، واختير لفظ اللعن على لفظ الغضب وإن كانا مذكورين في الآية لتقدمه فيهما، ولأن جانب الرجل فيه أقوى من جانب المرأة لأنه قادر على الابتداء باللعان، إلى آخر ما ذكر.\n_________\n(^١) \"المغني\" (١٠/ ٥٠٢).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٣١٣، ٣١٤).\n\n[¬*] تعليق الشاملة: كان ترقيم هذا الباب خطأ في المطبوع، فصححناه","vol":"5","page":620},{"text":"وقال أيضًا: وجوِّز اللعان لحفظ الأنساب ودفع المعرة عن الأزواج، وأجمع العلماء على صحته، انتهى.\nقوله: (فإذا قذف الأخرس امرأته. . .) إلخ، قال العيني (^١): أراد البخاري بهذا الكلام كله بيان الاختلاف بين أهل الحجاز وبين الكوفيين في حكم الأخرس في اللعان والحدّ فلذلك قال: \"فإذا قذف الأخرس\" إلى آخره بالفاء عقب ذكر قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ الآية [النور: ٦]، وأخذ بعموم قوله: ﴿يَرْمُونَ﴾ لأن الرمي أعم من أن يكون باللفظ أو بالإشارة المفهمة، وبنى على هذا كلامه فقال: إذا قذف الأخرس امرأته إلخ، انتهى.\nثم قال العيني (^٢): قوله: \"وقال بعض الناس\" أراد به الكوفيين لأنه لما فرغ من الاحتجاج لكلام أهل الحجاز شرع لبيان قول الكوفيين في قذف الأخرس، إلى آخر ما بسط في شرح كلام البخاري والجواب عن الحنفية فارجع إليه لو شئت.\nواختلفت الأئمة في لعان الأخرس والخرساء قال الموفق (^٣): فأما الأخرس والخرساء فإن كانا غير معلومي الإشارة والكتابة فهما كالمجنونين لأنه لا يتصور منهما لعان، وإن كانا معلومي الإشارة والكتابة فقد قال أحمد: إذا كانت المرأة خرساء لم تلاعن لأنه لا تعلم مطالبتها، وحكاه ابن المنذر عن أحمد وأصحاب الرأي، وكذلك ينبغي أن يكون في الأخرس، وقال القاضي وأبو الخطاب: هو كالناطق في قذفه ولعانه، وهو مذهب الشافعي، انتهى مختصرًا.\nوأما مذهب المالكية فموافق للشافعي قال الدردير (^٤): شهد بالله أربعًا لرأيتها تزني وأشار الأخرس ذكرًا كان أو أنثى أو كتب ما يدل عليه، انتهى.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٣١٥).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٢١٦).\n(^٣) \"المغني\" (١١/ ١٢٧، ١٢٨).\n(^٤) \"الشرح الكبير\" (٢/ ٤٦٤).","vol":"5","page":621},{"text":"قوله: (ثم زعم إن طلقوا بكتاب أو إشارة. . .) إلخ، في هامش \"الهندية\" (^١) عن \"الخير الجاري\": المؤلف أورد النقض في كلام الحنفية حيث جعلوا أحد الكلامين وهو الطلاق صحيحًا بالإشارة دون الآخر وهو القذف، وهذا النقض غير وارد عليهم فإن القذف من الحدود وهي تندرء بالشبهات والطلاق من الأمور التي جدهن جد وهزلهن جد، فجده وهزله سواء، فأين أحدهما من الآخر؟ انتهى.\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٢): قوله: \"فإذا قذف الأخرس امرأته. . .\" إلخ، بحثه عن الإشارة بعد باب اللعان إشارة إلى أن الإشارة معتبرة في جملة هذه الأبواب لعانًا كان أو طلاقًا أو غير ذلك، ولذلك عمم في ترجمة الباب الأول لفظ الأمور ليشمل كل باب، وأنت تعلم أن اندراء الحدود عندنا مبني على قوله - ﷺ -: \"ادرءوا الحدود بالشبهات\" فلا يضرنا ما ساقه من الروايات والآثار وغيرها؛ لأنا لم ننكر ثبوت الحكم بالإشارة حتى يفتقر إلى ثبوته، وإنما قلنا: إن الإشارة غير صريحه في المراد ولا شك فيه فنشأت شبهة درأت الحد في القاذف وكذلك في غيره من الحدود، وإنما سقط اللعان لقيامه مقام الحد، انتهى.\n\n(٢٦ -<span data-type='title' id=toc-3181> باب إذا عرّض بنفي الولد)</span>\nقال الحافظ (^٣): بتشديد الراء من التعريض وهو ذكر شيء يفهم منه شيء آخر لم يذكر، ويفارق الكناية بأنها ذكر شيء بغير لفظه الموضوع يقوم مقامه، وترجم البخاري لهذا الحديث في الحدود \"ما جاء في التعريض\" وكأنه أخذه من قوله في بعض طرقه: يعرّض بنفيه، انتهى.\nوقال العيني (^٤): مطابقة الحديث للترجمة تؤخذ من قوله: \"ولد لي\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري بحاشية السهارنفوري\" (١٠/ ٧٢٠).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٩/ ٣٧٩ - ٣٨٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٩/ ٤٤٢).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٣٢٠).","vol":"5","page":622},{"text":"غلام أسود\" فإن فيه تعريضًا لنفيه عنه، يعني: أنا أبيض وهذا أسود فلا يكون مني، انتهى.\nقال القسطلاني (^١) تحت حديث الباب: وفائدة الحديث المنع عن نفي الولد بمجرد الأمارات الضعيفة بل لا بد من تحقق كأن رآها تزني، أو ظهور دليل قوي كأن لم يكن وطئها، أو أتت بولد قبل ستة أشهر من مبدء وطئها، أو لأكثر من أربع سنين، بل يلزمه نفي الولد لأن ترك نفيه يتضمن استلحاقه واستلحاق من ليس منه حرام، كما يحرم نفي من هو منه، وقال أيضًا: وفي الحديث أن التعريض بالقذف ليس قذفًا، وبه قال الجمهور واستدل به إمامنا الشافعي لذلك، وعن المالكية: يجب به الحدّ إذا كان مفهومًا، انتهى.\nقال العيني (^٢) في كتاب الحدود: اختلف العلماء في هذا الباب فقال قوم: لا حدّ في التعريض وإنما يحد الحد بالتصريح البين، وبه قال الثوري وأبو حنيفة والشافعي إلا أنهما يوجبان الأدب والزجر، وعليه يدل تبويب البخاري، وقال الآخرون: التعريض كالتصريح وبه قال مالك والأوزاعي، انتهى.\nقلت: ففي \"الموطأ\": قال مالك: لا حد عندنا إلا في قذف أو نفي أو تعريض يُرى أن قائله إنما أراد بذلك نفيًا أو قذفًا، فعلى من قال ذلك الحد تامًا.\nوفي \"الأوجز\" (^٣): قال الباجي: وقد جلد عمر بن الخطاب في التعريض وبه قال عمر بن عبد العزيز، وقال أبو حنيفة والشافعي: ليس في التعريض حدّ، إلى آخر ما بسط. وقال الموفق: واختلفت الرواية عن أحمد في التعريض بالقذف مثل أن يقول لمن يخاصمه: ما أنت بزان، أو ما يعرفك الناس بالزنا، أو يقول: ما أنا بزان، فروى عنه حنبل: لا حدّ عليه، وهو\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٩٢).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٦/ ١٢٣).\n(^٣) \"أوجز المسالك\" (١٥/ ٣٦٩ - ٣٧٢).","vol":"5","page":623},{"text":"ظاهر كلام الخرقي واختيار أبي بكر، وبه قال الشافعي وأصحاب الرأي، ثم ذكر حديث الباب، وروى الأثرم وغيره عن أحمد أن عليه الحدّ، وبه قال إسحاق، إلى آخر ما فيه.\nوفي \"فيض الباري\" (^١): \"باب إذا عرض. . .\" إلخ، والتعريض كالإيماء والإشارة بالقذف وعدّهما البخاري كالصريح، فلزمه أن يقول باللعان في صورة التعريض أيضًا، انتهى.\nقال الحافظ (^٢): وقد اعترضه ابن المنيِّر فقال: ذكر ترجمة التعريض عقب ترجمة الإشارة لاشتراكهما في إفهام المقصود، لكن كلامه يشعر بإلغاء حكم التعريض فيتناقض مذهبه في الإشارة، انتهى.\nوأجاب عنه الحافظ ببيان الفرق بينهما فارجع إليه.\n\n(٢٧ -<span data-type='title' id=toc-3182> باب إحلاف الملاعن)</span>\nالمراد بالإحلاف ههنا النطق بكلمات اللعان، وقد تمسك به من قال: إن اللعان يمين وهو قول مالك والشافعي والجمهور، وقال أبو حنيفة: اللعان شهادة وهو وجه للشافعية، وقيل: شهادة فيها شائبة اليمين، وقيل بالعكس، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\nوفي هامش \"اللامع\" (^٤): أشار الإمام البخاري بهذه الترجمة إلى مسألة خلافية شهيرة بسطت في \"الأوجز\" وهي أن اللعان شهادات مؤكدات بالأيمان أو هو أيمان مؤكدات بلفظ الشهادة، وقد تقدم الخلاف مع التفريع عليه في أول كتاب اللعان.\nقال القسطلاني (^٥) في شرح قوله: \"فأحلفهما النبي - ﷺ -: أي:\n_________\n(^١) \"فيض الباري\" (٥/ ٦٠١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٤٤٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٩/ ٤٤٤).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٩/ ٣٨٣)، وانظر: \"أوجز المسالك\" (١١/ ٢٢٦ - ٢٢٨).\n(^٥) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٩٣).","vol":"5","page":624},{"text":"الإحلاف المخصوص وهو اللعان وهو دليل على أن اللعان يمين، ثم ذكر الاختلاف المذكور.\n\n(٢٨ -<span data-type='title' id=toc-3183> باب يبدأ الرجل بالتلاعن)</span>\nأشار الإمام البخاري بذلك إلى مسألة خلافية بسطت في \"الأوجز\" (^١)، ومنه في هامش \"اللامع\" (^٢) وفيه أنه استدل بالآية وبحديث ابن عباس في قصة هلال على أن الرجل يقدم قبل المرأة في الملاعنة، وبه قال الشافعي ومن تبعه وأشهب من المالكية، ورجحه ابن العربي، وقال ابن القاسم: لو ابتدأت به المرأة تصح واعتد به وهو قول أبي حنيفة، واحتجوا بأن الله تعالى عطفه بالواو وهي لا تقتضي الترتيب، وفي \"الدر المختار\": فإن لاعن لاعنت بعده لأنه المدعي فلو بدأ بلعانها أعادت فلو فرق قبل الإعادة صح لحصول المقصود، قال ابن عابدين: قوله: أعادت، ليكون على الترتيب المشروع وظاهره الوجوب لكن في \"الغاية\" لا تجب الإعادة وقد أخطأ في السُّنَّة ورجحه في \"الفتح\" بأن الوجه وهو قول مالك، انتهى.\nقلت: ومقتضى كلام \"البدائع\" الوجوب كما في \"الأوجز\" وقال الموفق: يشترط في صحة اللعان شروط ستة: الخامس: الترتيب فإن قدّم لفظة اللعنة على شيء من الألفاظ الأربعة أو قدّمت المرأة لعانها على لعان الرجل لم يعتد به، انتهى.\n\n(٢٩ -<span data-type='title' id=toc-3184> باب اللعان ومن طلق بعد اللعان)</span>\nأشار الإمام بهذه الترجمة أيضًا إلى خلافية شهيرة ومال في ذلك إلى مسلك الحنفية، وهي أن الفرقة هل تقع بنفس اللعان أو بإيقاع الحاكم بعد الفراع أو بإيقاع الزوج؟ فذهب مالك والشافعي ومن تبعهما إلى أن الفرقة\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (١١/ ٢٣١).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٩/ ٣٨٣، ٣٨٤).","vol":"5","page":625},{"text":"تقع بنفس اللعان، ثم اختلفا قال مالك وغالب أصحابه: بعد فراغ المرأة، وقال الشافعي: بعد فراغ الزوج، وتظهر فائدة الخلاف في التوارث لو مات أحدهما عقب فراغ الرجل، وفيما إذا علّق طلاق امرأة بفراق أخرى ثم لاعن الأخرى، وقال الثوري وأبو حنيفة وأتباعهما: لا تقع الفرقة حتى يوقعها عليها الحاكم، وعن أحمد روايتان: إحداهما مع الحنفية، والثانية مع المالكية، والقول الثالث أنه لا تقع الفرقة حتى يوقعها الزوج، ذهب إليه عثمان البتي، ومقابله قول أبي عبيد أن الفرقة تقع بنفس القذف ولو لم يقع اللعان، انتهى من هامش \"اللامع\" (^١) ملخصًا.\nوسيأتي في هذا المعنى \"باب التفريق بين المتلاعنين\".\n\n(٣٠ -<span data-type='title' id=toc-3185> باب التلاعن في المسجد)</span>\nقال الحافظ (^٢): أشار بهذه الترجمة إلى خلاف الحنفية أن اللعان لا يتعين في المسجد وإنما يكون حيث كان الإمام أو حيث شاء، انتهى.\nوتعقبه العلامة العيني (^٣) فقال: قلت: الذي يفهم مما قاله إنما وضع هذه الترجمة لتعين اللعان في المسجد، وليس كذلك وإنما هذا بيان ما قد وقع من التلاعن في المسجد، ولا يلزم من ذلك أن يكون المسجد متعينًا، ولهذا قال صاحب \"التوضيح\": استحب جماعة أن يكون التلاعن بعد العصر في أي مكان كان والمسجد الجامع أحرى، انتهى.\nوتقدم بيان الخلاف في المسألة في أبواب المساجد فإنه قد ترجم المصنف هناك بقوله: \"باب القضاء واللعان في المسجد\" فارجع إليه.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٩/ ٣٨٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٤٥٣).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٣٢٣).","vol":"5","page":626},{"text":"(٣١ -<span data-type='title' id=toc-3186> باب قول النبي - ﷺ -: لو كنت راجمًا بغير بينة. . .) إلخ</span>\nأي: من أنكر وإلا فالمعترف أيضًا يرجم، قاله الحافظ (^١).\nوقال العيني (^٢): وجواب \"لو\" محذوف، أي: لرجمته، انتهى.\nوقال الحافظ (^٣) في شرح قوله في الحديث: \"لو كنت راجمًا بغير بينة\": تمسك به من قال: إن نكول المرأة عن اللعان لا يوجب عليها الحد، وهو قول الأوزاعي وأصحاب الرأي، واحتجوا بأن الحدود لا تثبت بالنكول، وبأن قوله - ﷺ -: \"لو كنت راجمًا\" لم يقع بسبب اللعان فقط، وقال أحمد: إذا امتنعت تحبس، وأهاب أن أقول: ترجم لأنها لو أقرت صريحًا ثم رجعت لم ترجم فكيف ترجم إذا أبت اللعان؟ انتهى.\n\n(٣٢ -<span data-type='title' id=toc-3187> باب صداق الملاعنة)</span>\nأي: بيان الحكم فيه، وقد انعقد الإجماع على أن المدخول بها تستحق جميعه، واختلف في غير المدخول بها فالجمهور على أن لها النصف كغيرها من المطلقات قبل الدخول، وقيل: بل لها جميعه، قاله أبو الزناد والحكم وحماد، وقيل: لا شيء لها أصلًا قاله الزهري، وروي عن مالك، انتهى من \"الفتح\" (^٤).\n\n(٣٣ -<span data-type='title' id=toc-3188> باب قول الإمام للمتلاعنين: إن أحدكما كاذب. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٥): قوله: \"وقال: الله يعلم أن أحدكما لكاذب\" قال عياض: ظاهره أنه قال هذا الكلام بعد فراغهما من اللعان، فيؤخذ منه\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٤٥٤).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٣٢٤).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٩/ ٤٥٦).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٩/ ٤٥٦).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٩/ ٤٥٨).","vol":"5","page":627},{"text":"عرض التوبة على المذنب ولو بطريق الإجمال، وأنه يلزم من كذبه التوبة من ذلك، وقال الداودي: قال ذلك قبل اللعان تحذيرًا لهما منه، والأول أظهر وأولى في سياق الكلام، قلت: والذي قاله الداودي أولى من جهة أخرى وهي مشروعية الموعظة قبل الوقوع في المعصية بل هو أحرى مما بعد الوقوع، إلى آخر ما ذكر.\n\n(٣٤ -<span data-type='title' id=toc-3189> باب التفريق بين المتلاعنين)</span>\nثبتت هذه الترجمة للمستملي وذكرها الإسماعيلي وثبت عند النسفي \"باب\" بلا ترجمة، وسقط ذلك للباقين والأول أنسب، قاله الحافظ (^١).\nوقال العيني (^٢) في شرح قوله في الحديث: \"فرّق بين رجل وامرأة\": فيه دليل لأبي حنيفة وصاحبيه أن اللعان لا يتم إلا بتفريق الحاكم وهو قول الثوري أيضًا، وقد مر الكلام فيه مبسوطًا، انتهى.\nقلت: وأشار بذلك إلى ما تقدم في \"باب اللعان ومن طلق بعد اللعان\" وقد تقدم هناك تفصيل الخلاف في هذه المسألة، وتقدم هناك أيضًا أن الظاهر أن ميل المصنف إلى مسلك الحنفية، وذكر الحافظ توجيه الحديث على مسلك الشافعية بأن قوله: \"فرق بينهما\" بيان حكم لا إيقاع فرقة، إلى آخر ما بسط من الكلام على الروايات المختلفة في مسألة الباب.\n\n(٣٥ -<span data-type='title' id=toc-3190> باب يلحق الولد بالملاعنة)</span>\nقال العلامة العيني (^٣): يعني: أن الولد يلحق بالمرأة الملاعنة إذا نفاه الزوج قبل الوضع أبو بعده، وحديث الباب رواه البخاري أيضًا في الفرائض، وأخرجه مسلم في اللعان، وأبو داود في الطلاق، وهو مشتمل على ثلاثة أحكام.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٤٥٨، ٤٥٩).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٣٢٩).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٣٣٠).","vol":"5","page":628},{"text":"الأول: اللعان، وليس فيه خلاف وأجمعوا على صحته ومشروعيته.\nالثاني: التفرقة، واختلف العلماء فيها وقد مر قريبًا في الباب السابق.\nوالثالث: إلحاق الولد بالأم، وذلك أنه إذا لاعنها ونفى عنه نسب الحمل انتفى عنه ويثبت نسبه من الأم ويرثها وترث منه، قال الطحاوي: ذهب قوم إلى أن الرجل إذا نفى ولد امرأته لم ينتف به ولم يلاعن به لقوله - ﷺ -: \"الولد للفراش وللعاهر الحجر\" قالوا: الفراش يوجب حق الولد في إثبات نسبه من الزوج والمرأة فليس لها إخراجه منه بلعان ولا غيره، قلت: أراد الطحاوي بالقوم هؤلاء: عامر الشعبي ومحمد بن أبي ذئب وبعض أهل المدينة، وخالفهم الآخرون وهم جمهور الفقهاء من التابعين ومن بعدهم منهم الأئمة الأربعة وأصحابهم فإنهم قالوا: إذا نفى الرجل ولد امرأته يلاعن وينتفي نسبه منه ويلزم أمه، انتهى مختصرًا.\n\n(٣٦ -<span data-type='title' id=toc-3191> باب قول الإمام: اللَّهم بين)</span>\nقال ابن العربي: ليس معنى هذا الدعاء طلب ثبوت صدق أحدهما فقط؛ بل معناه أن تلد ليظهر الشبه ولا يمتنع دلالتها بموت الولد مثلًا فلا يظهر البيان، والحكمة فيه ردع من شاهد ذلك عن التلبس بمثل ما وقع لما يترتب على ذلك من القبح ولو اندرأ الحد، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(٣٧ -<span data-type='title' id=toc-3192> باب إذا طلقها ثلاثًا ثم تزوجت بعد العدة زوجًا غيره فلم يمسّها)</span>\nأي: هل تحلّ للأول إن طلقها الثاني بغير مسيس، قاله الحافظ (^٢).\nقال العيني (^٣): وجواب \"إذا\" محذوف، أي: لا تحل للأول إلا بطلاق الزوج الثاني وكان قد وطئها، وهذا لا خلاف فيه إلا سعيد بن المسيب\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٤٦١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٤٦٤).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٣٣١ - ٢٣٩).","vol":"5","page":629},{"text":"فإنه قال: الصحيح كافٍ ويحصل به التحليل للزوج الأول، ولم يوافقه على هذا أحد إلا طائفة من الخوارج، وقيل: إن ابن المسيب رجع عن مذهبه، وقال الحسن البصري: الإنزال شرط، وزعم أن معنى العسيلة الإنزال، وخالفه سائر الفقهاء، فقالوا: التقاء الختانين يحلها للزوج الأول، انتهى مختصرًا.\nقال القسطلاني (^١): وليس المراد طلاق الملاعن لأن الملاعنة لا تعود للذي لاعن منها ولو تزوجت عشرة سواء وطئها أو لم يطأها، انتهى.\nقلت: وهكذا في \"الفتح\" وهو الصواب، وتوهم العلامة العيني فشرح الترجمة بطلاق الملاعن.\nثم لا يخفى عليك أن هذا الباب لا تعلق له باللعان بل هو متعلق بالعدة، ولذا قال الحافظ (^٢):\n(تنبيه): لم يفرد كتاب العدة عن كتاب اللعان فيما وقفت عليه من النسخ، ووقع في شرح ابن بطال قبل الباب الذي يلي هذا وهو \"باب ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾ [الطلاق: ٤]: \"كتاب العدة\"، ولبعضهم: \"أبواب العدة\"، والأولى إثبات ذلك هنا فإن هذا الباب لا تعلق له باللعان، ثم ذكر ما تقدم عن القسطلاني.\n* * *\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ١٠٦)، وانظر: \"فتح الباري\" (٩/ ٤٦٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٤٦٤).","vol":"5","page":630},{"text":"٦٨<span data-type='title' id=toc-3193> م - كتاب العدّة</span>\nهكذا في هامش النسخ الهندية معلمًا بعلامة النسخة وهكذا في نسخة \"العيني\" بلفظ \"كتاب العدة\" وليس في متن النسخ الهندية ولا في نسخة \"الفتح\" و\"القسطلاني\"، وتقدم بيان اختلاف النسخ في الباب السابق.\nقال العلامة العيني (^١): والعدة اسم لمدة تتربص بها المرأة عن الزوج بعد وفاة زوجها أو فراقه لها إما بالولادة أو بالأقراء أو بالأشهر، قلت: العدة مصدر من عدّ يعدّ يقال: عددت الشيء إذا أحصيته، وفي الشرع: هي تربص، أي: انتظار مدة تلزم المرأة عند زوال النكاح أو شبهه، إلى آخر ما بسط.\n\n(٣٨ -<span data-type='title' id=toc-3194> باب قوله: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ [الطلاق:</span> ٤])\nقال الحافظ (^٢): \"باب\" لأبي ذر وكريمة، وثبت للباقين، ووقع عند ابن بطال \"كتاب العدة، باب قول الله. . .\" إلخ، انتهى. وتقدم أيضًا ذكر اختلاف النسخ تحت الباب السابق.\nقوله: (قال مجاهد: إن لم تعلموا يحضن أو لا يحضن) أي: فسر قوله تعالى: ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ أي: لم تعلموا، وقوله: \"واللائي قعدن عن الحيض\" أي: حكمهن حكم اللائي يئسن، وقوله: \"واللائي لم يحضن فعدتهن ثلاثة أشهر\" أي: أن حكم اللائي لم يحضن أصلًا ورأسًا حكمهن في العدة حكم اللائي يئسن، فكان تقدير الآية، واللائي لم يحضن كذلك لأنها وقعت بعد قوله: ﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ وأثر مجاهد هذا وصله الفريابي، وتقدم بيانه\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٣٣٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٤٧٠).","vol":"5","page":631},{"text":"في تفسير سورة الطلاق، إلى آخر ما ذكر الحافظ (^١) في تفسير الآية وبيان الاختلاف.\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٢): قوله: \"إن لم تعلموا يحضن. . .\" إلخ، أي: اشتبه عليكم علمه بانجرار الدم من الاستحاضة وغيره، انتهى.\nوقال القسطلاني (^٣): قوله: \"واللائي قعدن عن الحيض\" أي: كبرن وصرن عجائز، وقوله: \"واللائي لم يحضن\"، أي: أصلًا وهن الصغار اللائي لم يبلغن سنَّ الحيض، انتهى.\nفعلى هذا المذكور ههنا ثلاثة أقسام: الأولى: التي اشتبه أمرها بانجرار الدم. الثانية: العجوز التي بلغت سنّ الإياس. والثالثة: الصغيرة التي لم تبلغ سنّ الحيض.\nقال القسطلاني (^٤): وقيل: إن ارتبتم في دم البالغات مبلغ اليأس وهو اثنتان وستون سنة أهو دم حيض أو استحاضة فعدتهن ثلاثة أشهر، وإذا كانت عدة المرتابات بها فغير المرتابات أولى، والأكثرون على أن المعنى: إن ارتبتم في الحكم لا في اليأس، انتهى.\nفحصل في تفسير الآية ثلاثة أقوال: الأول: المذكور في البخاري من قول مجاهد. والثاني والثالث ما حكاهما القسطلاني.\nوفي هامش \"اللامع\" (^٥): قال ابن كثير: وفي قوله تعالى: ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ قولان: أحدهما وهو قول طائفة من السلف كمجاهد والزهري: أي: إن رأين دمًا وشككتم في كونه حيضًا أو استحاضة وارتبتم فيه. والقول الثاني: إن ارتبتم في حكم عدتهن ولم تعرفوه فوق ثلاثة أشهر، وهذا مروي\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٤٧٠).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٩/ ٣٨٥).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ١٠٧).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ١٠٧).\n(^٥) \"لامع الدراري\" (٩/ ٣٨٥).","vol":"5","page":632},{"text":"عن سعيد بن جبير وهو اختيار ابن جرير وهو أظهر في المعنى، انتهى.\nقلت: وهذا الثاني هو المعنى الأخير المتقدم في كلام القسطلاني الذي نسبه إلى الأكثر.\nثم اعلم أنه اختلفت الأئمة في عدة المستحاضة فعن مالك فيه روايتان: إحداهما سنة مطلقًا، والثانية إن كانت مميزة فعدتها بالأقراء، وإلا فبالسُّنَّة، وفي مسلك الإمام أحمد تفاصيل كثيرة بسطت في \"الأوجز\" (^١) جملتها: أنها إن كانت مميزة أو معتادة فتعتد بالأقراء، وإن كانت مبتدئة أو ناسية فعن أحمد فيها روايتان: إحداهما أن عدتها ثلاثة أشهر، والثانية تعتد سنة، وأما عندنا الحنفية فقال محمد في \"موطئه\": المعروف عندنا أن عدتها على أقرائها التي كانت تجلس فيما مضى، وبه نأخذ وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا، انتهى من هامش \"اللامع\" (^٢).\n\n(٣٩ -<span data-type='title' id=toc-3195> باب ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:</span> ٤])\nيتناول المطلقات والمتوفى عنهن أزواجهن، قاله القسطلاني (^٣).\nوقال أيضًا تحت حديث الباب: وهو مخصِّص كآية الطلاق لعموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] ثم قال: وهذا قد أجمع عليه جمهور العلماء من السلف وأئمة الفتوى في الأمصار إلا ما روي عن علي أنها تعتد آخر الأجلين، يعني: إن وضعت قبل الأربعة الأشهر والعشر تربصت إلى انقضائها ولا تحل بمجرد الوضع، وإن انقضت المدة قبل الوضع تربصت إلى الوضع، وبه قال ابن عباس لكن روي أنه رجع عنه، انتهى.\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (١١/ ٣٥٣ - ٣٥٥).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٩/ ٣٨٥ - ٣٩٦).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ١٠٧ - ١٠٩).","vol":"5","page":633},{"text":"قال الحافظ (^١): وبه، أي: بقول علي، قال ابن عباس، ويقال: إنه رجع عنه، ويقويه أن المنقول عن أتباعه وفاق الجماعة في ذلك، وتقدم في تفسير الطلاق أن عبد الرحمن بن أبي ليلى أنكر على ابن سيرين القولَ بانقضاء عدتها بالوضع، وأنكر أن يكون ابن مسعود قال بذلك، وقد ثبت عن ابن مسعود من عدة طرق أنه كان يوافق الجماعة حتى كان يقول: من شاء لاعنته على ذلك، وقد وافق سحنون من المالكية عليًا، نقله المازري وغيره، وهو شذوذ مردود لأنه إحداث خلاف بعد استقرار الإجماع، والسبب الحامل له الحرصُ على العمل بالآيتين اللتين تعارض عمومهما، وقال ابن عبد البر: لولا حديث السبيعة لكان القول ما قال علي وابن عباس؛ لأنهما عدتان مجتمعتان بصفتين وقد اجتمعتا في الحامل المتوفى عنها زوجها فلا تخرج من عدتها إلا بيقين واليقين آخر الأجلين، انتهى ملخصًا من \"الفتح\".\nوتقدم الكلام على مسألة الباب في تفسير سورة البقرة أيضًا.\n\n(٤٠ -<span data-type='title' id=toc-3196> باب قول الله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:</span> ٢٢٨])\nقال العلامة القسطلاني (^٢): سقط لفظ \"باب\" لأبي ذر، قوله: \"قال إبراهيم فيمن تزوج في العدة\" تزويجًا فاسدًا \"فحاضت عنده\" أي: عند الثاني \"بانت\" بانقضاء هذه العدة \"من\" الزوج \"الأول ولا تحتسب به\" بالحيض \"لمن بعده\" لمن بعد الأول بل تعتد أخرى للثاني فلا تداخل لتعدد المستحق فتعتد لكل واحد منهما عدة كاملة، وروى المدنيون عن مالك: إن كانت حاضت حيضة أو حيضتين من الأول أنها تتم بقية عدتها منه ثم تستأنف عدة أخرى، وهو قول الشافعي وأحمد، \"وقال الزهري: تحتسب\"\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٤٧٤).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ١١٠).","vol":"5","page":634},{"text":"بالحيض الثاني كالأول فيكفي لهما عدة واحدة وهو قول الحنفية ورواية عن مالك، انتهى.\nقال العيني (^١): هذه مسألة اجتماع العدتين فنقول أولًا: إن العلماء مجمعون على أن الناكح في العدة يفسخ نكاحه ويفرق بينهما، فإذا تزوج في العدة فحاضت عنده ثلاث حيض بانت من الأول لأنها عدتها منه، ثم ذكر نحو ما تقدم عن القسطلاني.\nوفي هامش \"اللامع\" (^٢): بسط الكلام على المسألة في \"الأوجز\" وفيه: وعن \"المبسوط\" للسرخسي بعد ذكر مذهب الحنفية: وهو قول معاذ بن جبل، وقال الجصاص: وهو قول إبراهيم النخعي، انتهى.\n\n(٤١ -<span data-type='title' id=toc-3197> باب قصة فاطمة بنت قيس. . .) إلخ</span>\nسقط لفظ \"باب\" في نسخة الحافظ، وقال (^٣): كذا للأكثر ولبعضهم \"باب\" وبه جزم ابن بطال والإسماعيلي، وفاطمة هي بنت قيس بن خالد من بني محارب بن فهر بن مالك، وهي أخت الضحاك بن قيس الذي ولي العراق ليزيد بن معاوية، وقتل بمرج راهط، وهو من صغار الصحابة وهي أسن منه، وكانت من المهاجرات الأُول، وكان لها عقل وجمال وتزوجها أبو عمرو بن حفص، ويقال: أبو حفص بن عمرو، فخرج مع علي لما بعثه النبي - ﷺ - إلى اليمن فبعث إليها بتطليقة ثالثة بقيت لها، وأمر ابني عميه الحارث بن هشام وعياش بن أبي ربيعة أن يدفعا لها تمرًا وشعيرًا، فاستقلّت ذلك وشكت إلى النبي - ﷺ - فقال لها: \"ليس لك سكنى ولا نفقة\" هكذا أخرج مسلم قصتها من طرق متعددة عنها ولم أرها في البخاري، وإنما ترجم لها كما ترى، وأورد أشياء من قصتها بطريق الإشارة إليها\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٣٣٦).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٩/ ٣٨٦)، وانظر: \"أوجز المسالك\" (١٠/ ٤٤٧).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٩/ ٤٧٧، ٤٧٨).","vol":"5","page":635},{"text":"ووهم صاحب \"العمدة\" فأورد حديثها بطوله في المتفق، انتهى.\nقال العيني (^١): ثم العلماء اختلفوا في الباب في فصلين: الأول: أن المطلقة ثلاثًا تجب لها النفقة ولا السكنى عند قوم إذا لم تكن حاملًا وهم الحسن البصري وطاوس وعطاء بن أبي رباح وأحمد وإسحاق وأهل الظاهر، وقال قوم: لها النفقة والسكنى حاملًا أو غير حامل، وهم حماد وشريح والنخعي والثوري وأبو حنيفة وصاحباه وهو مذهب عمر وعبد الله بن مسعود - ﵄ -، وقال قوم: لها السكنى بكل حال والنفقة إذا كانت حاملًا وهم عبد الرحمن بن مهدي ومالك والشافعي، إلى آخر ما ذكر من الدلائل.\nوفي \"الأوجز\" (^٢): اختلفوا في مسألة النفقة والسكنى للمعتدة ففي \"التعليق الممجد\": اختلف العلماء في هذا الباب فذهب عمر بن الخطاب من الصحابة وآخرون وبه قال أصحابنا: أن للمطلقة المبتوتة النفقة والسكنى في العدة وإن لم تكن حاملًا، وقال ابن عباس وأحمد: لا نفقة لها ولا سكنى، وقال مالك والشافعي وغيرهما: يجب السكنى دون النفقة وأما المتوفى عنها زوجها فلا نفقة لها بالإجماع والأصح وجوب السكنى، وأما المطلقة الرجعية فيجب لها النفقة والسكنى، انتهى.\nوفي \"البذل\" عن \"البدائع\": أن المعتدة عن طلاق رجعي لها النفقة والسكنى بلا خلاف؛ لأن ذلك النكاح قائم فكان الحال بعد الطلاق كالحال قبله، وإن كان الطلاق ثلاثًا أو بائنًا فلها النفقة والسكنى إن كانت حاملًا بالإجماع، انتهى.\nوقال النووي: المطلقة الحائل البائن لها النفقة والسكنى عند أبي حنيفة، وقال أحمد: لا نفقة لها ولا سكنى، وقال مالك والشافعي:\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٣٣٩).\n(^٢) \"أوجز المسالك\" (١١/ ٣١١ - ٣١٤)، وانظر: \"التعليق الممجد\" (٢/ ٥٥٨).","vol":"5","page":636},{"text":"يجب لها السكنى لا النفقة، وأما البائن الحامل فتجب لها السكنى والنفقة، والرجعية تجبان لها بالإجماع، والمتوفى عنها زوجها فلا نفقة لها بالإجماع، والأصح عندنا وجوب السكنى لها، ولو كانت حاملًا فالمشهور أنه لا نفقة لها كما لو كانت حائلًا، انتهى، إلى آخر ما بسط فيه.\nوفي آخره: وقد علمت مما سبق أن السكنى للمبتوتة وإن لم تكن حاملًا تجب عندنا الحنفية، وبه قال مالك والشافعي وهو رواية لأحمد، والأخرى له وهو ظاهر مذهبه أن لا سكنى لها، وبه قال داود، أما إن كانت حاملًا فلا خلاف بين أهل العلم في وجوب السكنى، انتهى.\nقال العيني (^١): والفصل الثاني في حكم خروج المبتوتة بالطلاق من بيتها في عدتها، روي ذلك عن ابن مسعود وعائشة، وبه قال ابن المسيب قالوا: تعتد في بيت زوجها حيث طلقها، وحكى أبو عبيد هذا القول عن مالك والثوري والكوفيين، وأنهم كانوا يرون أن لا تبيت المبتوتة والمتوفى عنها زوجها إلا في بيتها، وفيه قول آخر أن المبتوتة تعتد حيث شاءت، روي ذلك عن ابن عباس وجابر وعطاء وطاوس والحسن وعكرمة، وكان مالك يقول: المتوفى عنها زوجها تزور وتقيم إلى قدر ما يهدأ الناس بعد العشاء ثم تنقلب إلى بيتها وهو قول الليث والشافعي وأحمد، وقال أبو حنيفة: تخرج المتوفى عنها نهارًا ولا تبيت إلا في بيتها، ولا تخرج المطلقة ليلًا ولا نهارًا، قال محمد: لا تخرج المطلقة ولا المتوفى عنها زوجها ليلًا ولا نهارًا في العدة، وقام الإجماع على أن الرجعية تستحق السكنى والنفقة إذ حكمها حكم الزوجات في جميع أمورها، انتهى.\nوفي \"الأوجز\" (^٢): اعلم أن ههنا ثلاثة مسائل كلها خلافية وطالما تلتبس إحداهما بالأخرى على نقلة المذاهب: الأولى: وجوب سكنى المتوفى عنها على الزوج يعني في ماله، الثانية: خروجها عن بيت العدة ليلًا\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٣٣٩، ٣٤٠).\n(^٢) \"أوجز المسالك\" (١١/ ٣٤٤ - ٤١٧).","vol":"5","page":637},{"text":"أو نهارًا لحوائجها، والثالثة: الاعتداد في بيتها الذي بلغها فيه نعيه سواء كانت السكنى عليها أو على زوجها، ثم بسط الكلام على تلك المسائل واختلاف العلماء فيها.\nأما المسألة الأولى فقد تقدم آنفًا، وأما الثانية وهي أيضًا خلافية شهيرة قال الموفق: للمعتدة الخروج في حوائجها نهارًا سواء كانت مطلقة أو متوفى عنها، انتهى.\nوقال محمد في \"موطئه\": المتوفى عنها تخرج بالنهار في حوائجها ولا تبيت إلا في بيتها، وأما المطلقة مبتوتة كانت أو غير مبتوتة فلا تخرج ليلًا أو نهارًا ما دامت في عدتها، انتهى.\nوقال مالك: تخرج المبتوتة أيضًا بالنهار لقضاء الحاجة وإنما تلزم بيتها في الليل، وسواء في ذلك الرجعية والبائنة، وقال الشافعي في الرجعية: لا تخرج ليلًا ولا نهارًا وإنما تخرج نهارًا المبتوتة، كذا قال ابن رسلان، وهكذا حكى الزرقاني مذهب مالك، انتهى من \"الأوجز\".\nوتقدم أيضًا بيان الاختلاف في سكنى المتوفى عنها ونفقتها في التفسير في \"باب قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ \".\n\n(٤٢ -<span data-type='title' id=toc-3198> باب المطلقة إذا خشي عليها في مسكن زوجها. . .) إلخ</span>\nقال العلامة القسطلاني (^١): وجواب \"إذا\" محذوف والتقدير: تنتقل إلى مسكن غير مسكن الطلاق، قال في \"الفتح\": وقد أخذ البخاري الترجمة من مجموع ما ورد في قصة فاطمة فرتب الجواز على أحد الأمرين: إما خشية الاقتحام عليها، وإما أن يقع منها على أهل مطلقها فحش في القول، ولم ير أن بين الأمرين في قصة فاطمة معارضة لاحتمال وقوعهما معًا في شأنها.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ١١٦).","vol":"5","page":638},{"text":"وقال الكرماني: فإن قلت: لم يذكر البخاري ما شرط في الترجمة من البذاء، قلت: علم من القياس على الاقتحام، والجامع بينهما رعاية المصلحة وشدة الحاجة إلى الاحتراز عنه، وقال شارح التراجم: ذكر في الترجمة الخوف عليها والخوف منها والحديث يقتضي الأول وقاس الثاني عليه، ويؤيده قول عائشة لها في بعض الطرق \"أخرجك هذا اللسان\" فكأن الزيادة لم تكن على شرطه فضمنها للترجمة قياسًا، انتهى.\n\n(٤٣ -<span data-type='title' id=toc-3199> باب قول الله: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] من الحيض والحمل)</span>\nقال الحافظ (^١) - ﵀ -: كذا للأكثر، وهو تفسير مجاهد، وفصل أبو ذر بين ﴿أَرْحَامِهِنَّ﴾ وبين \"من\" بدائرة إشارة إلى أنه أريد به التفسير، لا أنها قراءة، وأخرج الطبري عن طائفة أن المراد به الحيض، وعن آخرين الحمل، وعن مجاهد كلاهما، والمقصود من الآية أن أمر العدة لما دار على الحيض والطهر، والاطلاع على ذلك يقع من جهة النساء غالبًا، جعلت المرأة مؤتمنة على ذلك، وقد تقدم بيان مدة أكثر الحيض وأقله في كتاب الحيض والاختلاف في ذلك، انتهى.\nوفي هامش النسخة \"الهندية\" (^٢) عن \"الخير الجاري\": قوله: \"كئيبة\" أي: حزينة، وهذا موضع الترجمة إذ يفهم منه أنها أظهرت حيضها، انتهى.\nوقال القسطلاني (^٣): قال ابن المنيِّر: لما رتب - ﷺ - على مجرد قول صفية: أنها حائض تأخيره عن السفر أخذ منه تعدي الحكم إلى الزوج فتصدق المرأة في الحيض والحمل باعتبار رجعة الزوج وسقوطها وإلحاق الحمل به، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٤٨٢).\n(^٢) \"صحيح البخاري بحاشية السهارنفوري\" (١٠/ ٧٦١).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ١١٧).","vol":"5","page":639},{"text":"(٤٤ -<span data-type='title' id=toc-3200> باب قوله: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة:</span> ٢٢٨])\nقال القسطلاني (^١): جمع بعل، والتاء لاحقة لتأنيث الجمع، أي: أزواجهن أولى برجعتهن ما كن في العدة، فإذا انقضت العدة احتيج لعقد جديد، انتهى.\nقال الحافظ (^٢): وقال ابن بطال ما ملخصه: المراجعة على ضربين: إما في العدة فهي على ما في حديث ابن عمر لأن النبي - ﷺ - أمره بمراجعتها، ولم يذكر أنه احتاج إلى عقد جديد، وإما بعد العدة فعلى ما في حديث معقل، وقد أجمعوا على أن الحر إذا طلق الحرة بعد الدخول بها تطليقة أو تطليقتين فهو أحق برجعتها، ولو كرهت المرأة ذلك، فإن لم يراجع حتى انقضى العدة فتصير أجنبية، فلا تحل له إلا بنكاح مستأنف، واختلف السلف فيما يكون به الرجل مراجعًا، فذكر نحو ما سيأتي من كلام العيني.\nقوله: (وكيف يراجع) قال العيني (^٣): جزء آخر للترجمة، ولم يذكر جواب المسألة، إما بناء على عادته اعتمادًا على معرفة الناظر بذلك، وإما اكتفاء بما يعلم من أحاديث الباب، واختلفوا فيما يكون به مراجعًا، فقالت طائفة: إذا جامعها فقد راجعها، روي ذلك عن ابن المسيب والأوزاعي، وبه قال الثوري وأبو حنيفة، وقالا أيضًا: إذا لمسها أو نظر إلى فرجها بشهوة من غير قصد الرجعة فهي رجعة، وينبغي أن يشهد، وقال مالك وإسحاق: إذا وطئها في العدة وهو يريد الرجعة، وجهل أن يشهد فهي رجعة، وينبغي للمرأة أن تمنعه الوطء حتى يشهد، وقال ابن أبي ليلى: إذا راجع ولم يشهد صحت الرجعة، وهو قول أصحابنا أيضًا، والإشهاد مستحب، وقال الشافعي: لا تكون الرجعة إلا بالكلام فإن جامعها بنية الرجعة فلا رجعة، ولها عليه مهر المثل، انتهى.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ١١٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٤٨٣).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٣٤٧).","vol":"5","page":640},{"text":"(٤٥ -<span data-type='title' id=toc-3201> باب مراجعة الحائض)</span>\nأي: إذا طلقت طلاقًا غير بائن، واختلفوا في وجوب هذه المراجعة وعدمه، كما تقدم في مبدء كتاب الطلاق من أنها واجبة عند مالك والحنفية وأحمد في رواية، وقال الجمهور: هي مستحبة، وفي \"المغني\" (^١): فإن طلق للبدعة - وهو أن يطلقها حائضًا، أو في طهر أصابها فيه - أثم، ووقع طلاقه في قول عامة أهل العلم، ولم يخالف في ذلك إلا أهل البدع والضلال، ثم قال: ويستحب أن يراجعها لأمر النبي - ﷺ - بمراجعتها، وأقل أحوال الأمر الاستحباب، ولا يجب ذلك في ظاهر المذهب، وهو قول الثوري والشافعي وأصحاب الرأي، وعن أحمد رواية أخرى أنها تجب وهو قول مالك وداود، انتهى مختصرًا.\n\n(٤٦ -<span data-type='title' id=toc-3202> باب تحدّ المتوفى عنها أربعة أشهر وعشرًا)</span>\nتُحِدّ بضم الفوقية وكسر الحاء المهملة من الثلاثي المزيد فيه، من أحدّ تحدّ إحدادًا، وهو لغةً: المنع، واصطلاحًا: ترك المتوفى عنها زوجها في عدة الوفاة لُبسَ مصبوغ بما يقصد لزينة، إلى آخر ما ذكر القسطلاني (^٢).\nوبسط الحافظ الكلام عليه لغة، وقال (^٣): يروى بالجيم حكاه الخطابي، قال: يروى بالحاء والجيم، وبالحاء أشهر، والجيم مأخوذ من جددت الشيء إذا قطعته، فكأن المرأة انقطعت عن الزينة، انتهى.\nقوله: (وقال الزهري: لا أرى أن تقرب الصبية. . .) إلخ، وفي هامش النسخة \"الهندية\" (^٤) عن الكرماني: اختلفوا في الصغيرة التي مات عنها زوجها فقال أبو حنيفة: لا إحداد عليها، وقال الأئمة الثلاثة: عليها الإحداد يأمرها به من يتولاها، انتهى.\n_________\n(^١) \"المغني\" (١٠/ ٣٢٧، ٣٢٨).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ١٢٠).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٩/ ٤٨٥).\n(^٤) \"صحيح البخاري بحاشية السهارنفوري\" (١٠/ ٧٦٧).","vol":"5","page":641},{"text":"وهكذا حكى العيني عن الكرماني.\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^١): قوله: \"لا أرى أن تقرب الصبية. . .\" إلخ، يعني بذلك: أنها وإن لم تكن مكلَّفة بذلك إلا أن الأولياء ليس لهم التلبس بما يحرم على المعتدة، فلا يجوز لهم إلباسها مزعفرًا ولا معصفرًا وغير ذلك مما نهي عنه، فإن لبست هي بنفسها أو تطيبت كانت غير مأخوذة، وعلى هذا التقرير لا يخالف مذهبه مذهب الأحناف، انتهى.\nوفي هامشه: قال الحافظ: قوله: \"لأن عليها العدة\" أظنه من تصرف المصنف، فإن أثر الزهري وصله ابن وهب في \"موطئه\" عن يونس عنه بدونها، انتهى.\n\n(٤٧ -<span data-type='title' id=toc-3203> باب الكحل للحادة)</span>\nقال ابن التِّين: الصواب الحادّ بلا هاء؛ لأنه نعت للمؤنث كطالق وحائض، ثم رد الحافظ عليه بأنه جائز، وليس بخطأ، ثم ردّ العيني على الحافظ ثم أجاب عنه القسطلاني فارجع إليه (^٢).\nومسألة الباب خلافية، قال الموفق (^٣): يحرم عليها أن تختضب وأن تكتحل بالإثمد من غير ضرورة لرواية أم سلمة وغيرها؛ ولأن الكحل من أبلغ الزينة وتحرك الشهوة فهي كالطيب وأبلغ منه، وإن اضطرت إلى الكحل بالإثمد للتداوي فلها أن تكتحل ليلًا وتمسحه نهارًا، ورخص فيه عند الضرورة عطاء والنخعي ومالك وأصحاب الرأي وإنما منع من الكحل\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٩/ ٣٨٦، ٣٨٧).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (٩/ ٤٩٠)، و\"عمدة القاري\" (١٤/ ٣٥٢)، و\"إرشاد الساري\" (١٢/ ١٢٧).\n(^٣) \"المغني\" (١١/ ٢٨٥).","vol":"5","page":642},{"text":"بالإثمد لأنه الذي تحصل به الزينة، فأما الكحل بالتوتيا (^١) ونحوه فلا بأس به لأنه لا زينة فيه، انتهى مختصرًا.\nوقال النووي (^٢): في حديث الباب دليل على تحريم الاكتحال على الحادة سواء احتاجت إليه أم لا، وجاء في حديث أم سلمة في \"الموطأ\" وغيره: \"اجعليه بالليل وامسحيه بالنهار\" ووجه الجمع أنها إذا لم تحتج إليه لا يحل، وإذا احتاجت لم يجز بالنهار ويجوز بالليل، انتهى مختصرًا.\nوقال مالك في رواية عنه بمنعه مطلقًا، وعنه: يجوز إذا خافت على عينها بما لا طيب فيه، وبه قالت الشافعية مقيدًا بالليل، كذا في \"الفتح\"، قال الباجي: قال ابن المواز عن مالك: إن اكتحلت من علة وضرورة بالصبر بالليل فلتمسحه بالنهار، وقال مالك في \"المختصر الصغير\": لا تكتحل الحاد إلا أن تضطر فتكتحل بالليل وتمسحه بالنهار، انتهى مختصرًا من \"الأوجز\" (^٣).\nوفي \"الدر المختار\" (^٤): وتحد بترك الكحل والحناء ولبس المعصفر والمزعفر إلا بعذر، إذ الضرورات تبيح المحظورات، قال ابن عابدين: وقيد بعض الشافعية الاكتحال للعذر بكونه ليلًا ثم تنزعه نهارًا، كما وردت في الحديث، ولم أر من قيد بذلك من علمائنا، وكأنه معلوم من قاعدة: إن الضرورة تتقدر بقدرها، لكن إن كفاها الليل أو النهار اقتصرت على الليل ولا تعكس؛ لأن الليل أخفى لزينة الكحل، وهو محمل الحديث، والله سبحانه أعلم، انتهى.\n_________\n(^١) التوتيا: تكون في المعادن، منها بيضاء، ومنها إلى الخضرة، ومنها إلى الصفرة مشرب بحمرة، وهي جيدة لتقوية العين، \"الجامع لمفردات الأدوية\" (١/ ١٤٣).\n(^٢) \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٥/ ٢٥٥).\n(^٣) \"أوجز المسالك\" (١١/ ٤٧٣ - ٤٧٥).\n(^٤) \"رد المحتار\" (٥/ ٢١٨، ٢١٩).","vol":"5","page":643},{"text":"(٤٨ -<span data-type='title' id=toc-3204> باب القُسْطِ للحادة عند الطهر)</span>\nقال العيني (^١): أي: هذا باب في بيان استعمال القسط للمرأة الحادة عند طهرها من الحيض إذا كانت ممن تحيض، والقسط بضم القاف وسكون السين: وهو عود يتبخر به، وقال ابن الأثير: القسط: ضرب من العود، ثم قال العيني تحت حديث الباب: مطابقته للترجمة في قوله: \"من كست\" لأنه القسط فأبدلت الكاف من القاف والتاء من الطاء، وقد مر بيانه مستقصى في كتاب الحيض في \"باب الطيب للمرأة عند غسلها من الحيض\" فإنه أخرج هذا الحديث هناك بعين هذا الإسناد والمتن.\nوقال النووي: القسط والأظفار: نوعان معروفان من البخور، وليسا من مقصود الطيب، ورخص فيهما لإزالة الرائحة لا للتطيب، انتهى.\n\n(٤٩ -<span data-type='title' id=toc-3205> باب تلبس الحادّة ثياب العصب)</span>\nبفتح العين وسكون الصاد المهملتين وبالباء الموحدة: وهو برود اليمن يعصب غزلها، أي: يجمع ويشد ثم يصبغ وينسج، فيأتي موشيًا لبقاء ما عصب منه أبيض لم يأخذه صبغ، يقال: برد عصب وبرود عصب بالتنوين والإضافة، وقيل: هي برود مخططة، قال ابن الأثير: فيكون نهي المعتدة عما صبغ بعد النسج، انتهى من كلام العيني (^٢).\nوقال الحافظ (^٣): قوله: \"إلا ثوب عصب\" وهي برود اليمن يعصب غزلها، أي: يربط ثم يصبغ ثم ينسج معصوبًا وإنما يعصب السدي دون اللحمة، ثم ذكر أقوالًا أخر في تفسيره، وقال أيضًا: قال ابن المنذر: أجمع العلماء على أنه لا يجوز للحادة لبس الثياب المعصفر ولا المصبغ إلا ما صبغ بسواد فرخص فيه مالك والشافعي لكونه لا يتخذ للزينة بل هو من لباس الحزن، وكره عروة العصب، وكره مالك غليظه.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٣٥٤).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٣٥٥).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٩/ ٤٩١).","vol":"5","page":644},{"text":"قال النووي: الأصح عند أصحابنا تحريمه مطلقًا، وهذا الحديث حجة لمن أجازه، وقال ابن دقيق العيد: يفهم من مفهوم الحديث جواز ما ليس بمصبوغ وهي ثياب البيض، ومنع بعض المالكية المرتفع منها الذي يتزين به، وكذلك الأسود إذا كان مما يتزين به.\nقال النووي: ورخص أصحابنا فيما لا يتزين به ولو كان مصبوغًا، انتهى.\nوالحاصل أنها لا تلبس العصب عند الحنفية مطلقًا وهو الأصح عند الشافعي كما قال النووي، وقوله الآخر: إنه يجوز مطلقًا، وأجاز الإمام مالك غليظه دون رقيقه كما صرَّح بذلك في \"موطئه\"، وعن أحمد فيه روايتان: إحداهما - وهو الأصح - أنه يحرم، قال الموفق (^١): وما صبغ غزله ثم نسج فيه احتمالان: إحداهما: يحرم لبسه لأنه أرفع وأحسن ولأنه مصبوغ للحسن فأشبه ما صجغ بعد نسجه، والثاني: لا يحرم لقوله - ﷺ -: \"إلا ثوب عصب\" وهو ما صبغ غزله قبل نسجه، والأول أصح، انتهى.\n\n(٥٠ -<span data-type='title' id=toc-3206> باب ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ الآية [البقرة:</span> ٢٣٤])\nقد تقدم تبويب المصنف بهذه الترجمة في كتاب التفسير في تفسير سورة البقرة، وتقدم هناك الكلام على المسألة وبيان مسلك الجمهور ومذهب ابن عباس وعطاء ومجاهد في تلك المسألة بالبسط فارجع إليه لو شئت.\n\n(٥١ -<span data-type='title' id=toc-3207> باب مهر البغي والنكاح الفاسد)</span>\nالبغي بكسر المعجمة وتشديد التحتانية بوزن فعيل من البغاء وهو الزنا، يستوي فيه المذكر والمؤنث، والتقدير: ومهر من نكحت في النكاح\n_________\n(^١) \"المغني\" (١١/ ٢٨٩).","vol":"5","page":645},{"text":"الفاسد، أتي: بشبهة من إخلال شرط أو نحو ذلك، انتهى (^١).\nوقال العيني (^٢): قوله: \"والنكاح الفاسد\" وأنواعه كثيرة كالنكاح بلا، شهود، وبلا ولي عند البعض، ونكاح المعتدة، والنكاح الموقت، والشغار عند البعض ونحوها.\nقوله: (وقال الحسن: إذا تزوج محرمة. . .) إلخ، بضم الميم وتشديد الراء: امرأة محرمة عليه، وفي رواية المستملي \"محرمه\" بفتح الميم وسكون الحاء وفتح الراء والميم وبالضمير، وقوله: \"ولها ما أخذت\" أي: من الرجل يعني صداقها المسمى، \"وليس لها غيره\" وهو قول مالك المشهور، قوله: \"ثم قال\" أي: الحسن \"بعد\" أي: بعد أن قال: وليس له غيره \"لها صداقها\" يعني صداق مثلها، وسائر الفقهاء على هذين القولين فطائفة تقول بصداق المثل، وطائفة تقول بالمسمى، وأما من تزوج محرمة وهو عالم بالتحريم فقال مالك وأبو يوسف ومحمد والشافعي: عليه الحد ولا صداق في ذلك، وقال الثوري وأبو حنيفة: لا حد عليه وإن علم يعزر، انتهى.\n\n(٥٢ -<span data-type='title' id=toc-3208> باب المهر للمدخول عليها وكيف الدخول)</span> [¬*]\nقال العيني (^٣): عطف على ما قبله، أي: وفي بيان كيفية الدخول، يعني: بم يثبت بين العلماء؟ فقالت طائفة: إذا أغلق بابًا وأرخى سترًا على المرأة فقد وجب الصداق كاملًا والعدة، وهو قول الكوفيين والليث والأوزاعي وأحمد، وقالت طائفة: لا يجب المهر إلا بالمسيس، أي: الجماع، وإليه ذهب الشافعي وأبو ثور، وقال ابن المسيب: إذا دخل بالمرأة في بيتها صدق عليها، وإن دخلت عليه في بيته صدقت عليه وهو قول مالك.\nقوله: (أو طلقها قبل الدخول والمسيس) قال ابن بطال: تقديره:\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (٩/ ٤٩٤).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٣٥٧، ٣٥٨).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٣٥٩).\n\n[¬*] تعليق الشاملة: كان ترقيم هذا الباب خطأ في المطبوع، فصححناه","vol":"5","page":646},{"text":"أو كيف طلاقها؟ فاكتفى بذكر الفعل عن ذكر المصدر لدلالته عليه، انتهى.\nوإنما ذكر اللفظين أعني الدخول والمسيس إشارة إلى المذهبين: الاكتفاء بالخلوة، والاحتياج إلى الجماع إنتهى كله من \"العيني\".\nوقال الحافظ (^١) في بيان مسألة الباب: قال الكوفيون: الخلوة الصحيحة يجب معها المهر كاملًا سواء وطء أم لم يطأ، إلا إن كان أحدهما مريضًا أو صائمًا أو محرمًا أو كانت حائضًا فلها النصف وعليها العدة كاملًا، وذهب الشافعي وطائفة إلى أن المهر لا يجب كاملًا إلا بالجماع، انتهى.\n\n(٥٣ -<span data-type='title' id=toc-3209> باب المتعة للتي لم يفرض لها)</span>\nقال الحافظ (^٢): وتقييده في الترجمة بالتي لم يفرض لها قد استدل له بقوله في الآية: ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ الآية [البقرة: ٢٣٦] وهو مصير منه إلى أن \"أو\" للتنويع، فنفى الجناح عمن طلقت قبل المسيس فلا متعة لها لأنها نقصت عن المسمى فكيف يثبت لها قدر زائد عمن فرض لها قدر معلوم مع وجود المسيس، وهذا أحد قولي العلماء وأحد قولي الشافعي أيضًا، وعن أبي حنيفة: تختص المتعة بمن طلقها قبل الدخول ولم يسم لها صداقًا، وقال الليث: لا تجب المتعة أصلًا وبه قال مالك، وذهبت طائفة من السلف إلى أن لكل مطلقة متعة من غير استثناء، وعن الشافعي مثله، وهو الراجح، وكذا تجب في كل فرقة إلا في فرقة وقعت بسبب منها، انتهى.\nوقال العيني (^٣): قوله: \"لقوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٦]. . .\" إلخ، استدل البخاري بهذه الآية على وجوب المتعة لكل مطلقة مطلقًا وهو قول سعيد بن جبير وغيره واختاره ابن جرير، وقوله:\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٤٩٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٤٩٦).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٣٦٠، ٣٦١).","vol":"5","page":647},{"text":"\" ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٤١]. . .\" إلخ، أي: ولقوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ﴾ الآية، واستدل البخاري أيضًا بعموم هذه الآية في وجوب المتعة لكل مطلقة مطلقًا، انتهى.\nقلت: وأجاب الجصاص (^١) عن الجمهور بقوله: فإن قيل: قوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَات مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ الآية، عام في سائرهن إلا ما خصه الدليل، قيل له: هو كذلك إلا أن المتاع اسم لجميع ما ينتفع به؛ قال الله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتَاعًا لَكُمْ﴾ [عبس: ٣١، ٣٢] وقال تعالى: ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ [آل عمران: ١٩٧] وغير ذلك من الآيات، فالمتعة والمتاع اسم يقع على جميع ما ينتفع به ونحن متى أوجبنا للمطلقات شيئًا مما ينتفع به من مهر أو نفقة فقد قضينا عهدة الآية، إلى آخر ما ذكر.\nثم لم أتحصل ما قاله العيني من أن البخاري قائل بالعموم والحال أن المصنف قيد في الترجمة بقوله: للتي لم يفرض لها، فتأمل.\nثم المذكور في الآية شيئان: أحدهما: عدم المسيس وهو واضح، والثاني: تسمية المهر بقوله: ﴿تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦] ولم يتعرض المصنف في الترجمة للأول منهما، وتعرض للثاني بقوله: للتي لم يفرض لها، والظاهر أن المصنف أشار بذلك إلى أن الشيء الثاني منهما داخل تحت النفي، واختلف فيه أقوال المفسرين كما في \"الجمل\" وغيره، قال أبو بكر الجصاص في \"أحكام القرآن\" (^٢) في تفسير هذه الآية: تقديره: ما لم تمسوهن ولم تفرضوا لهن فريضة، ألا ترى أنه عطف عليه قوله: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٧] فلو كان الأول بمعنى: ما لم تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة أو لم تفرضوا، لَمَا عطف عليها المفروض لها، فدل ذلك على أن معناه: ما لم تمسوهن ولم تفرضوا لهن فريضة، ثم ذكر تفصيل الخلاف في المسألة.\n_________\n(^١) \"أحكام القرآن\" (١/ ٤٣٢).\n(^٢) \"أحكام القرآن\" (١/ ٤٢٧ - ٤٢٨).","vol":"5","page":648},{"text":"وقال أيضًا: وأما فقهاء الأمصار فإن أبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا قالوا: المتعة واجبة للتي طلقها قبل الدخول ولم يسم لها مهرًا، وقال ابن أبي ليلى وأبو الزناد: المتعة ليست واجبة إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل ولا يجبر عليها، ولم يفرقا بين المدخول بها وبين غير المدخول بها، وبين من سمى لها وبين من لم يسم لها، وهكذا ذكر مذهب مالك وقال في مذهب مالك أنه قال: وإنما هي مما ينبغي أن يفعله فلا يجبر عليها، وقال الشافعي: المتعة واجبة لكل مطلقة ولكل زوجة إذا كان الفراق من قبله إلا التي سمى لها وطلق قبل الدخول، انتهى مختصرًا.\nقوله: (ولم يذكر في الملاعنة متعة) قال الحافظ (^١): قد تقدمت أحاديث اللعان مستوفاة الطرق، وليس في شيء منها للمتعة ذكر، فكأنه تمسك في ترك المتعة للملاعنة بالعدم، انتهى.\nولم يذكر الحافظ ولا العلامة العيني ولا القسطلاني اختلاف الأئمة فيه، نعم قال الجصاص (^٢): قال مالك: وليس للملاعنة متعة على حال من الحالات، ولم يذكر فيه خلاف غيره من الأئمة، وأما عندنا الحنفية فاللعان لا ينافي وجوب المتعة لأن اللعان في حكم التطليقة البائنة وضابطة وجوب المتعة عندنا ما في \"البدائع\" (^٣) إذ قال: الطلاق الذي تجب فيه المتعة نوعان: أحدهما: أن يكون قبل الدخول في نكاح لا تسمية فيه ولا فرض بعده، والثاني: أن يكون قبل الدخول في نكاح لم يسم فيه المهر وإنما فرض بعده، وقال أيضًا بحثًا على مسائل المتعة: وكذا الفرقة بالإيلاء واللعان والجب والعنة، فكل فرقة جاءت من قبل الزوج قبل الدخول في نكاح لا تسمية فيه فتوجب المتعة، إلى آخر ما ذكر.\nوفي \"الدر المختار\" (^٤): وتجب متعة لمفوضة وهي من زوّجت بلا مهر\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٤٩٦).\n(^٢) \"أحكام القرآن\" (١/ ٤٢٨).\n(^٣) بدائع الصنائع\" (٢/ ٦٠١، ٦٠٢).\n(^٤) \"رد المحتار\" (٤/ ٢٤٣، ٢٤٤).","vol":"5","page":649},{"text":"طلقت قبل الوطء، قال ابن عابدين: قوله: طلقت قبل الوطء، أي: والخلوة، وقد مرَّ أنها وطء حكمًا، والمراد بالطلاق فرقة جاءت من قبل الزوج ولم يشاركه صاحب المهر في سببها طلاقًا كانت أو فسخًا كالطلاق والفرقة بالإيلاء واللعان والجب والعنة والردة وإبائه الإسلام، إلى آخر ما ذكر.\nوفي \"الأنوار\" في فروع الشافعية في بيان من تجب لها المتعة: وكل فراق يحصل في الحياة من جهته لا بسبب من جهتها كالطلاق، وكل فراق منها أو بسببها فلا متعة لها وإن لم يجب لها مهر، انتهى.\nلكن لم أجد فيه تصريح اللعان ثم وجدت في \"شرح الإقناع\" (^١) حيث قال: وفرقة لا بسببها بأن كانت من الزوج كردته ولعانه كطلاق في إيجاب المتعة، انتهى.\nوأما مذهب الحنابلة كمذهب مالك أنه لا متعة لها، ففي \"نيل المآرب\" (^٢): ويسقط الصداق كله قبل الدخول حتى المتعة بفرقة اللعان قبل تقريره لكون الفرقة من قبلها؛ لأن الفسخ إنما يقع إذا تم لعانها، إلى آخر ما ذكر.\nفالحاصل: أنهم اختلفوا في وجوب المتعة للملاعنة فعندنا الحنفية والشافعية: الملاعنة كالمطلقة فتجب فيما تجب للمطلقة، وعند المالكية والحنابلة: لا متعه لها.\nثم البراعة في قوله: \"أبعد لك منها\" عند الحافظ، وأما عندي ففي قوله: \"حسابكما على الله\".\n* * *\n_________\n(^١) \"شرح الإقناع\" (٢/ ١٣٨).\n(^٢) \"نيل المآرب\" (٢/ ١٩٤).","vol":"5","page":650},{"text":"٦٩ -<span data-type='title' id=toc-3210> كتاب النفقات</span>\nقال العلامة القسطلاني (^١): جمع نفقة، مشتقة من النفوق وهو الهلاك، يقال: نفقت الدابة تنفق نفوقًا: هلكت، وأنفق الرجل افتقر وذهب ماله، أو من النفاق وهو الرواج، يقال: نفقت السلعة نفاقًا راجت، وفي الشرع: عبارة عما وجب لزوجة أو قريب أو مملوك، وجمعها لاختلاف أنواعها من نفقة زوج وقريب ومملوك، انتهى مختصرًا.\nوسيأتي الكلام على وجوب النفقة في باب مستقل.\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-3211> باب فضل النفقة على الأهل)</span>\nوقع في النسخ الهندية هكذا، واختلفت النسخ ههنا كما ذكره الشرَّاح، وفي نسخ الشروح الثلاثة \"كتاب النفقات، وفضل النفقة على الأهل\".\nقال القسطلاني (^٢) في شرح حديث الباب: قوله: \"كانت له صدقة\" أي: كالصدقة في الثواب وإلا لحرمت على الهامشي والمطلبي، والصارف له عن الحقيقة الإجماع، وإطلاق الصدقة على النفقة مجاز، والمراد بها الثواب، فالتشبيه واقع على أصل الثواب لا في الكمية ولا في الكيفية، إلى آخر ما بسط.\nوقال الحافظ (^٣): قال الطبري ما ملخصه: الإنفاق على الأهل واجب، والذي يعطيه يؤجر على ذلك بحسب قصده، ولا منافاة بين كونها واجبة وبين تسميتها صدقة بل هي أفضل من صدقة التطوع، انتهى.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ١٣٩).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ١٤٠).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٩/ ٤٩٨).","vol":"5","page":651},{"text":"(٢ -<span data-type='title' id=toc-3212> باب وجوب النفقة على الأهل والعيال)</span>\nقال القسطلاني (^١): الأهل الزوجة، وقوله: \"والعيال\" من عطف العام على الخاص، وعيال الرجل من يقوم بهم وينفق عليهم، وبدأ بالزوجة لأنها أقوى لوجوبها بالمعاوضة وغيرها بالمواساة؛ ولأنها لا تسقط بمضي الزمان والعجز بخلاف غيرها، ولوجوبها سببان: نسب وملك، يجب بالنسب خمس نفقات: نفقة الأب الحر وآبائه وأمهاته، ونفقة الأم الحرة وآبائها وأمهاتها، ونفقة الأولاد الأحرار وأولادهم بشرط يسار المنفق بفاضل عن قوته وقوت زوجته وخادمها وخادمه وولده يومه وليلته، ويعتبر مع القوت الكسوة والسكنى، ويجب بالملك خمس أيضًا، إلى آخر ما بسط.\nوقال الحافظ (^٢): الظاهر أن المراد بالأهل في الترجمة الزوجة وعطف العيال عليها من العام بعد الخاص، أو المراد بالأهل الزوجة والأقارب والمراد بالعيال الزوجة والخدم، فتكون الزوجة ذكرت مرتين تأكيدًا لحقها، ووجوب نفقة الزوجة دليله الإجماع، قال المهلب: النفقة على الأهل واجبة بالإجماع، ودليله من السُّنَّة حديث جابر عند مسلم \"ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف\" ومن جهة المعنى أنها محبوسة عن التكسب لحق الزوج وانعقد الإجماع على الوجوب، لكن اختلفوا في تقديرها فذهب الجمهور إلى أنها بالكفاية، والشافعية وطائفة إلى أنها بالأمداد، ووافق الجمهورَ من الشافعية أصحابُ الحديث كابن خزيمة وابن المنذر ومن غيرهم أبو الفضل بن عبدان، إلى آخر ما بسط، انتهى مختصرًا ملتقطًا.\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-3213> باب حبس الرجل قوت سنة على أهله وكيف نفقات العيال)</span>\nقال الحافظ (^٣): ذكر فيه حديث عمر وهو مطابق لركن الترجمة\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ١٤٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٥٠٠).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٩/ ٥٠٣).","vol":"5","page":652},{"text":"الأول، وأما الركن الثاني وهو كيفية النفقة على العيال فلم يظهر لي أولًا وجه أخذه من الحديث، ولا رأيت من تعرض له، ثم رأيت أنه يمكن أن يؤخذ منه دليل التقدير لأن مقدار نفقة السَّنَة إذا عرف عرف منه توزيعها على أيام السَّنَة، فيعرف حصة كل يوم من ذلك فكأنه قال: لكل واحدة في كل يوم قدر معين من النخل المذكور، والأصل في الإطلاق التسوية، انتهى.\nوسيأتي في كتاب الأطعمة \"باب ما كان السلف يدخرون. . .\" إلخ، ولا يتوهم التكرار لاختلاف الأغراض، فالأوجه عند هذا العبد الضعيف أن الغرض من هذا الباب بيان ندب نفقة العيال لسنة لكونه فعله - ﷺ - ومداومة عليه، والغرض من الباب الآتي الردّ على من زعم من الصوفية أنه لا يجوز ادخار طعام لغد، وأنه ينافي التوكل، وما ورد في الترمذي من حديث أنس من أنه - ﷺ - كان لا يدخر شيئًا لغد لا ينافي الجواز، أو مخصوص بذاته الشريفة فإنه - ﷺ - كان يذكر شيئًا من التبر في الصلاة فيتخطى الناس حتى يأمر بقسمته، كما ورد في مواضع من البخاري، وهذا هو الجدير بشأنه الرفيع - ﷺ - كما هو أهله، انتهى من هامش \"اللامع\" (^١).\nوقال الحافظ (^٢): قال ابن دقيق العيد: في الحديث جواز الادخار للأهل قوت سنة، وفي السياق ما يؤخذ منه الجمع بينه وبين حديث: \"كان لا يدخر شيئًا لغد\" فيحمل على الادخار لنفسه، وحديث الباب على الادخار لغيره، إلى آخر ما ذكر.\n\n(٤ -<span data-type='title' id=toc-3214> باب قوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ [البقرة:</span> ٢٣٣])\nكذا في النسخ الهندية و\"العيني\" و\"القسطلاني\"، وأما في نسخة \"الفتح\" فهذا الباب متأخر عن الباب الآتي.\nقال العيني (^٣): وهذه الترجمة وقعت في رواية النسفي بعد الباب الذي\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٩/ ٣٨٧، ٣٨٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٥٠٣).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٣٧٢).","vol":"5","page":653},{"text":"يليه قوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ﴾ خبر ومعناه أمر لما فيه من الإلزام، أي: لترضع الوالدات أولادهن، يعني: الأولاد من أزواجهن وهن أحق، وليس ذلك بإيجاب إذا كان المولود له حيًّا موسرًا في قوله تعالى في سورة النساء القصرى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] وأكثر المفسرين على أن المراد بالوالدات هنا المبتوتات فقط، وقام الإجماع على أن أجر الرضاع على الزوج إذا خرجت المطلقة من العدة، واختلفوا في ذات الزوج هل تجبر على رضاع ولدها؟ قال ابن أبي ليلى: نعم ما كانت امرأته، وهو قول مالك وأبي ثور، وقال الثوري والكوفيون والشافعي: لا يلزمها رضاعه وهو على الزوج على كل حال، وقال ابن القاسم: تجبر على رضاعه إلا أن يكون مثلها لا ترضع، فذلك على الزوج.\nقوله: (﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]) ذكر هذه الآية الكريمة إشارة إلى قدر المدة التي يجب فيها الرضاع، قوله: \"وقال ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [الطلاق: ٦]. . .\" إلخ، أشار بهذه الآية الكريمة إلى مقدار الإنفاق وأنه بالنظر لحال المنفق، انتهى من \"العيني\".\nوقال العلامة القسطلاني (^١): قوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ وهذا الأمر على وجه الندب، أو على وجه الوجوب إذا لم يقبل الصبي إلا ثدي أمه، أو لم يوجد له ظئر، أو كان الأب عاجزًا عن الاستئجار، أو أراد الوالدات المطلقات، وإيجاب النفقة أو الكسوة لأجل الرضاع، قوله: \"قال: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ﴾ \" أي: تضايقتم فلم ترض الأم بما ترضع به الأجنبية ولم يزد الأب على ذلك ﴿فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ فستؤجر ولا تعوز مرضعة غير الأم ترضعه، وفيه طرف من معاتبة الأم على المعاسرة، وقوله: \" ﴿لَهُ﴾ \" أي: للأب، أي: سيجد الأب غير معاسرة ترضع له ولده إن عاسرته أمه، وفيه أنه لا يجب على الأم إرضاع ولدها، نعم عليها إرضاعه اللبأ - بالهمزة والقصر -\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ١٥٠، ١٥١).","vol":"5","page":654},{"text":"بأجرة وبدونها لأنه لا يعيش غالبًا إلا به وهو اللبن أول الولادة، وله إجبار أمته على إرضاع ولدها منه أو من غيره لأن لبنها ومنافعها له بخلاف الحرة، انتهى.\nوقال الحافظ (^١) في شرح ترجمة الباب: قيل: دلت الآية الأولى على إيجاب الإنفاق على المرضعة من أجل إرضاعها الولد سواء كان في العصمة أم لا؟ وفي الثانية الإشارة إلى قدر المدة التي يجب ذلك فيها، وفي الثالثة الإشارة إلى مقدار الإنفاق وأنه بالنظر لحال المنفق، وفيها أيضًا الإشارة إلى أن الإرضاع لا يتحتم على الأم، انتهى.\n\n(٥ -<span data-type='title' id=toc-3215> باب نفقة المرأة إذا غاب عنها زوجها)</span>\nقال القسطلاني (^٢): إذا غاب الزوج الموسر عن زوجته فليس لها فسخ النكاح لتمكنها من تحصيل حقها بالحاكم، فيبعث قاضي بلدها إلى قاضي بلده فيلزمه بدفع نفقتها إن علم موضعه، واختار القاضي الطبري وابن الصباغ جواز الفسخ لها إذا تعذر تحصيلها في غيبته للضرورة، ولو انقطع خبره ثبت لها الفسخ لأنّ تعذر النفقة بانقطاع خبره كتعذرها بالإفلاس، نقله الزركشي عن صاحبي \"المهذب\" و\"الكافي\" وأقره، وأما نفقة الولد فتجب بشرط الحاجة والأصح عند الشافعية اعتبار الصغر أو الزمانة، انتهى.\nوقال العيني (^٣) بعد الحديث الأول من حديثي الباب: مطابقته للترجمة ظاهرة في نفقة الولد فقط لأن أبا سفيان كان حاضرًا في المدينة، وقال بعد الحديث الثاني: قيل: لا وجه لإيراد هذا الحديث في هذا الباب فلا مطابقة بينه وبين الترجمة، وأجيب بأنه كما كان للمرأة أن تتصدق من مال زوجها من غير أمره بما تعلم أنه يسمح لمثله وهو غير واجب كان لها أن تأخذ من ماله بما يجب عليه بالطريق الأولى، وهذا هو الجامع بين الحديثين، وهذا القدر كاف في المطابقة، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٥٠٤).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ١٥٢).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٣٧١).","vol":"5","page":655},{"text":"(٦ -<span data-type='title' id=toc-3216> باب عمل المرأة في بيت زوجها)</span>\nالظاهر عندي أن المصنف أشار بالترجمة إلى مسألة خلافية شهيرة، وهي استخدام المرأة، قال ابن رسلان في شرح حديث عائشة: \"كان نبي الله - ﷺ - يعطيني السواك لأغسله\": قد يستدل به على أن على الزوجة خدمة زوجها لا سيما إذا طلب منها، واختلف العلماء فيه فمذهب الشافعي: ليس عليها الخدمة لأن العقد يتناول الاستمتاع لا الخدمة، وقال بعض المالكية: عليها خدمة مثلها: إن كانت شريفة المحل فعليها التدبير للمنزل، وإن كانت متوسطة فعليها أن تفرش الفراش وتناول الشراب، وإن كانت دون ذلك فعليها التكنس والتطبخ، قال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨] انتهى.\nقال الموفق: وليس على المرأة خدمة زوجها من العجن والخبز والطبخ وأشباهه، نص عليه أحمد، وقال أبو بكر بن أبي شيبة وأبو إسحاق الجوزجاني: عليها ذلك، واحتجا بقصة علي وفاطمة، انتهى مختصرًا.\nوفي \"الدر المختار\": امتنعت المرأة من الطحن والخبز إن كانت ممن لا تخدم، أو كان بها علة فعليه أن يأتيها بطعام مهيأ، وإن لا بأن كانت ممن تخدم نفسها وتقدر على ذلك لا يجب عليه ولا يجوز لها أخذ الأجرة على ذلك لوجوبه عليها ديانة ولو شريفة؛ لأنه - ﷺ - قسم الأعمال بين علي وفاطمة فجعل أعمال الخارج على علي والداخل على فاطمة - ﵄ - مع أنها سيدة نساء العالمين، قال ابن عابدين: قال السرخسي: لا تجبر ولكن إذا لم تطبخ لا يعطيها الإدام وهو الصحيح، انتهى (^١).\n\n(٧ -<span data-type='title' id=toc-3217> باب خادم المرأة)</span>\nأي: هل يشرع ويلزم الزوج إخدامها؟ ذكر فيه حديث علي المذكور في الباب الذي قبله، وسياقه أخصر منه، قاله الحافظ (^٢)، ثم قال:\n_________\n(^١) انظر: \"لامع الدراري\" (٩/ ٣٨٨، ٣٨٩).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٥٠٧).","vol":"5","page":656},{"text":"وحكى ابن حبيب عن أصبغ وابن الماجشون عن مالك أن خدمة البيت تلزم المرأة ولو كانت الزوجة ذات قدر وشرف إذا كان الزوج معسرًا، قال: ولذلك ألزم النبي - ﷺ - فاطمة بالخدمة الباطنة، وعليًّا بالخدمة الظاهرة، وحكى ابن بطال أن بعض الشيوخ قال: لا نعلم في شيء من الآثار أن النبي - ﷺ - قضى على فاطمة بالخدمة بالباطنة وإنما جرى الأمر بينهم على ما تعارفوه من حسن العشرة وجميل الأخلاق، بل الإجماع منعقد على أن على الزوج مؤنة الزوجة كلها، ونقل الطحاوي الإجماع على أن الزوج ليس له إخراج خادم المرأة من بيته، فدل على أنه يلزمه نفقة الخادم على حسب الحاجة إليه، وقال الشافعي والكوفيون: يفرض لها ولخادمها النفقة إذا كانت ممن تخدم، وشذ أهل الظاهر فقالوا: ليس على الزوج أن يخدمها ولو كانت بنت الخليفة، انتهى مختصرًا.\n\n(٨ -<span data-type='title' id=toc-3218> باب خدمة الرّجل في أهله)</span>\nحمل العلامة القسطلاني (^١) هذه الترجمة على بيان الجواز، ولذا قدّر لفظ الجواز فقال: باب جواز خدمة الرجل بنفسه، ولم يتعرض لذلك الحافظان، نعم قال العيني (^٢) في ذكر فوائد الحديث: وفيه أن خدمة الدار وأهله سُنَّة عباد الله الصالحين، انتهى.\nوهذا يومئ إلى الاستحباب، وهو الظاهر عند هذا العبد الضعيف.\n\n(٩ -<span data-type='title' id=toc-3219> باب إذا لم ينفق الرجل فللمرأة أن تأخذ. . .) إلخ</span>\nأي: مع حضور الزوج، فلا تكرار بما تقدم من \"باب نفقة المرأة إذا غاب عنها زوجها\" أو يقال: إن الغرض من الترجمة الأولى بيان\n_________\n(^١) انظر: \"إرشاد الساري\" (١٢/ ١٥٦).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٣٧٦).","vol":"5","page":657},{"text":"وجوب النفقة مطلقًا سواء كان الزوج حاضرًا أو غائبًا، والغرض من هذه الترجمة أن الزوج إذا لم يعطيها النفقة فماذا تفعل، هل تأخذ بغير إذنه أم لا؟\nقال الحافظ (^١): أخذ المصنف هذه الترجمة من حديث الباب بطريق الأولى؛ لأنه دل على جواز الأخذ لتكملة النفقة، وكذا يدل على جواز أخذ جميع النفقة عند الامتناع، ثم ذكر الحافظ فوائد عديدة في شرح الحديث فقال: وفيه وجوب نفقة الزوجة، وأنا مقدرة بالكفاية، ثم ذكر الخلاف فيه، وقد تقدم في باب وجوب النفقة على الأهل والعيال، ثم قال: وفيه اعتبار النفقة بحال الزوجة، وهو قول الحنفية، واختار الخصاف منهم أنها معتبرة بحال الزوجين معًا، قال صاحب \"الهداية\": وعليه الفتوى، والحجة فيه ضم قوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ الآية [الطلاق: ٧] إلى هذا الحديث، وذهبت الشافعية إلى اعتبار حال الزوج تمسكًا بالآية، وهو قول بعض الحنفية، واستدل به على أن من له عند غيره حق وهو عاجز عن استيفائه جاز له أن يأخذ من ماله قدر حقه بغير إذنه، وهو قول الشافعي وجماعة، وتسمى مسألة الظفر، والراجح عندهم لا يأخذ غير جنس حقه إلا إذا تعذر حق جنسه، وعن أبي حنيفة المنع، وعنه يأخذ جنس حقه ولا يأخذ من غير جنس حقه إلا أحد النقدين بدل الآخر.\nوعن مالك ثلاث روايات كهذه الآراء، وعن أحمد المنع مطلقًا، انتهى.\nوقد تقدمت هذه المسألة في أبواب المظالم والقصاص فإنه قد ترجم المصنف هناك على حديث الباب بقوله: قصاص المظلوم إذا وجد مال ظالمه، فارجع إليه لو شئت.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٥٠٧ - ٥١٠).","vol":"5","page":658},{"text":"(١٠ -<span data-type='title' id=toc-3220> باب حفظ المرأة زوجها في ذات يده والنفقة عليه)</span>\nالمراد بذات اليد المال وعطف النفقة عليه من عطف الخاص على العام، ووقع في شرح ابن بطال \"والنفقة عليه\" وزيادة لفظ عليه غير محتاج إليها في هذا الموضع، وليست من حديث الباب في شيء، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(١١ -<span data-type='title' id=toc-3221> باب كسوة المرأة بالمعروف)</span>\nهذه الترجمة لفظ حديث أخرجه مسلم من حديث جابر المطول في صفة الحج، ومن جملته في خطبة النبي - ﷺ - بعرفة: \"اتقوا الله في النساء، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف\" ولما لم يكن على شرط البخاري أشار إليه، واستنبط الحكم من حديث آخر على شرطه، قال ابن المنيِّر: وجه مطابقة الحديث أن الذي حصل لزوجته فاطمة - ﵂ - من الحلة قطعة فرضيت بها اقتصادًا بحسب الحال لا إسرافًا، وأما حكم المسألة فقال ابن بطال: أجمع العلماء على أن للمرأة مع النفقة على الزوج كسوتها وجوبًا، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\n\n(١٢ -<span data-type='title' id=toc-3222> باب عون المرأة زوجها في ولده)</span>\nكأنه استنبط قيام المرأة على ولد زوجها من قيام امرأة جابر على أخواته، ووجه ذلك منه بطريق الأولى قال ابن بطال: وعون المرأة زوجها في ولده ليس بواجب عليها وإنما هو من جميل العشرة ومن شيمة صالحات النساء، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٥١١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٥١٢، ٥١٣).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٩/ ٥١٣).","vol":"5","page":659},{"text":"(١٣ -<span data-type='title' id=toc-3223> باب نفقة المعسر على أهله)</span>\nقال الحافظ (^١) - ﵀ - بعد ذكر استنباط الترجمة عن ابن بطال: والذي يظهر أن الأخذ من جهة اهتمام الرجل بنفقة أهله حيث قال لما قيل له: تصدق به، فقال: أعلى أفقر منا؟ فلولا اهتمامه بنفقة أهله لبادر وتصدق، انتهى.\nقلت: أراد الإمام البخاري بالترجمة أن إعسار الزوج لا يسقط عنه النفقة على أهله.\n\n(١٤ -<span data-type='title' id=toc-3224> باب ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة:</span> ٢٣٣])\nقال ابن بطال ما ملخصه: اختلف السلف في المراد بقوله: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ فقال ابن عباس: عليه أن لا يضار، وبه قال الشعبي ومجاهد، والجمهور قالوا: ولا غرم على أحد من الورثة ولا يلزمه نفقة ولد الموروث، وقال آخرون: على من يرث الأب مثل ما كان على الأب من أجر الرضاع إذا كان الولد لا مال له، ثم اختلفوا في المراد بالوارث فقال الحسن والنخعي: هو كل من يرث الأب من الرجال والنساء، وهو قول أحمد وإسحاق، وقال أبو حنيفة وأصحابه: هو من كان ذا رحم محرم للمولود دون غيره، وقال زيد بن ثابت: إذا خلف أمًّا وعمًّا فعلى كل منهما إرضاع الولد بقدر ما يرث، وبه قال الثوري، قال ابن بطال: وإلى هذا القول أشار البخاري بقوله: \"وهل على المرأة منه شيء\" ثم أشار إلى رده بقوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ﴾ [النحل: ٧٦] فنزل المرأة من الوارث منزلة الأبكم من المتكلم، انتهى مختصرًا من \"الفتح\" (^٢).\nوقال الكرماني (^٣): قال شارح التراجم: مقصود البخاري الرد على\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٥١٤).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (٩/ ٥١٤، ٥١٥).\n(^٣) \"شرح الكرماني\" (٢٠/ ١٦).","vol":"5","page":660},{"text":"من أوجب النفقة الإرضاع على الأم بعد الأب، وذلك لأن الأم كل على الأب ومن تجب النفقة له كيف تجب عليه لغيره، وحمل حديث أم سلمة على التطوع لقوله: \"لك أجر\" وحديث هند إذا أباح لها أخذها من ماله دلّ عليه سقوطها عنه فكذلك بعد وفاته، قال: وفي استدلاله نظر، إلى آخر ما بسطه، انتهى مختصرًا من هامش \"اللامع\" (^١).\nوقال القسطلاني (^٢): قوله: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ﴾ عطف على قوله: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣] أي: وعلى وارث الصبي عند عدم الأب مثل الذي كان على أبيه في حياته من الرزق والكسوة وأجر الرضاع إذا كان الولد لا مال له، واختلف في الوارث فعند ابن أبي ليلى: كل من ورثه، وهو قول أحمد، وعند الحنفية: من كان ذا رحم محرم منه، وقال الجمهور: لا غرم على أحد من الورثة ولا يلزمه نفقة ولد الموروث، وقال زيد بن ثابت: إذا خلف أمًّا وعمًّا فعلى كل واحد منهما إرضاع الولد بقدر ما يرث، وإليه أشار المؤلف بقوله: \"وهل على المرأة\" أي: الأم \"منه\" أي: من إرضاع الصبي \"شيء\" وهل ههنا للنفي وأشار به إلى الردّ على قول زيد.\nثم قال القسطلاني بعد حديث الباب: وغرض المؤلف أنه لما لم يلزم الأمهات نفقة الأولاد في حياة الآباء فالحكم مستمر بعد الآباء ويقويه قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ أي: رزق الأمهات وكسوتهن من أجل الإرضاع للأبناء فكيف يجب لهن في أوّل الآية ويجب عليهن نفقة الأبناء في آخرها، قاله في \"الفتح\"، انتهى.\n\n(١٥ -<span data-type='title' id=toc-3225> باب قول النبي - ﷺ -: من ترك كلًّا أو ضياعًا فإلي)</span>\nقال الحافظ (^٣): ذكر فيه حديث أبي هريرة من غير لفظ الترجمة، وأما لفظ الترجمة فأورده في الاستقراض من طريق أبي حازم عن أبي هريرة،\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٩/ ٣٨٩، ٣٩٠).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ١٦٢ - ١٦٤).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٩/ ٥١٦).","vol":"5","page":661},{"text":"وأراد المصنف بإدخاله في أبواب النفقات الإشارةَ إلى أن من مات وله أولاد ولم يترك لهم شيئًا فإن نفقتهم تجب في بيت مال المسلمين، والله أعلم، انتهى.\n\n(١٦ -<span data-type='title' id=toc-3226> باب المراضع من المواليات وغيرهن)</span>\nقال العلامة القسطلاني (^١): بفتح الميم في الفرع كأصله، والذي في معظم الروايات \"من الموالي\"، انتهى.\nوفي \"شرح شيخ الإسلام\" (^٢): بفتح الميم جمع مولاة وهي الأمة، انتهى.\nوبسط الشرَّاح من الحافظين ابن حجر والعيني الكلام في تحقيق هذا اللفظ، قال العلامة العيني (^٣): قال ابن بطال: كانت العرب في أوّل أمرها تكره رضاع الإماء وتحبّ العربيات طلبًا لنجابة الولد، فأراهم النبي - ﷺ - وأنه قد رضع من غير العرب وأن رضاع الإماء لا يهجن.\nقوله: (وقال شعيب عن الزهري. . .) إلخ، تعليق مرّ في حديث موصول في أوائل كتاب النكاح وأراد بذكره ههنا إيضاح أن ثويبة كانت مولاة ليطابق الترجمة، انتهى.\nوبراعة الاختتام كما تقدم في مقدمة \"اللامع\" في قوله: أعتقها أبو لهب.\nوبه تم الجزء الخامس فالحمد لله أولًا وآخرًا، والصلاة والسلام على رسوله سرمدًا ودائمًا.\n* * *\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ١٦٥).\n(^٢) \"تحفة الباري\" (٥/ ٤٢٣).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٣٨٢، ٣٨٣).","vol":"5","page":662},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nنحمده ونصلي على رسوله الكريم\n\n٧٠ -<span data-type='title' id=toc-3227> كتاب الأطعمة</span>\nاعلم أن مناسبة هذا الكتاب بما قبله هي ما تقدم في \"مقدمة اللامع\" (^١) في الفائدة الثالثة عشر - في مناسبة الترتيب بين الكتب والأبواب المذكورة في \"صحيح البخاري\" - من قوله: ولما انقضت النفقات وهي من المأكولات غالبًا أردف \"كتاب الأطعمة\" وأحكامها وآدابها، انتهى.\nقال القسطلاني (^٢): الأطعمة جمع طعام كرحى وأرحية، قال في \"القاموس\": الطعام: البرّ وما يؤكل، وجمع الجمع أطعمات، وقال ابن فارس في \"المجمل\": يقع على كل ما يطعم حتى الماء قال تعالى: ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة: ٢٤٩]، وقال النبي - ﷺ - في زمزم: \"إنها طعام طعم وشفاء سقم\"، والطَّعْم بالفتح: ما يؤديه الذوق يقال: طعمه مرّ أو حلو، والطُعام (^٣) أيضًا بالضم: الطعام، وطَعِمَ بالكسر، أي: أكل وذاق، يَطْعَمُ بالفتح طعمًا فهو طاعم.\nوقول الله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ٥٧] من مستلذاته أو من حلالاته، والحلال المأذون فيه ضد الحرام الممنوع منه، والطيب في اللغة بمعنى الطاهر، والحلال يوصف بأنه طيب، والطيب في الأصل ما يستلذ ويستطاب، ووصف به الطاهر والحلال على جهة\n_________\n(^١) \"مقدمة لامع الدراري\" (١/ ٢٨٠).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ١٦٧).\n(^٣) كذا في الأصل، والصواب: \"الطعم\" (ز).","vol":"6","page":5},{"text":"التشبيه؛ لأن النجس تكرهه النفس ولا يستلذ، والحرام غير مستلذ؛ لأن الشرع زجر عنه، انتهى.\nوقال العلامة العيني (^١): \"كتاب الأطعمة\" أي: هذا كتاب في بيان أنواع الأطعمة وأحكامها، وهو جمع طعام، قال الجوهري: الطعام ما يؤكل، وربما خص بالطعام البُرّ، والطَّعم بالفتح: ما يؤديه ذوق الشيء من حلاوة ومرارة وغيرهما، والطُّعْم بالضم: الأكل، انتهى.\nوأما مطابقة الأحاديث بالترجمة فقال الحافظ (^٢): (تنبيه): ذكر لي محدث الديار الحلبية برهان الدين: أن شيخنا سراج الدين البلقيني قال: ليس في هذه الأحاديث الثلاثة ما يدل على الأطعمة المترجم عليها المتلو فيها الآيات المذكورة، قلت: وهو ظاهر إذا كان المراد مجرد ذكر أنواع الأطعمة، أما إذا كان المراد بها ذلك وما يتعلق به من أحوالها وصفاتها فالمناسبة ظاهرة؛ لأن من جملة أحوالها الناشئة عنها الشبع والجوع، ومن جملة صفاتها الحل والحرمة والمستلذ والمستخبث، وكل ذلك ظاهر من الأحاديث الثلاثة، وأما الآيات فإنها تضمنت الإذن في تناول الطيبات، فكأنه أشار بالأحاديث إلى أن ذلك لا يختص بنوع من الحلال ولا المستلذ ولا بحالة الشبع ولا بسدِّ الرمق، بل يتناول ذلك بحسب الوجدان وبحسب الحاجة، والله أعلم، انتهى.\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-3228> باب التسمية على الطعام والأكل باليمين)</span>\nأي: قول \"بسم الله\" في ابتداء الأكل، وأصرح ما ورد في صفة التسمية ما أخرجه أبو داود والترمذي (^٣) عن عائشة مرفوعًا: \"إذا أكل أحدكم طعامًا فليقل: بسم الله، فإن نسي في أوله فليقل: بسم الله في أوله\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٣٨٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٥٢٠).\n(^٣) \"سنن أبي داود\" (رقم ٣٧٦٧)، \"سنن الترمذي\" (رقم ١٨٥٨).","vol":"6","page":6},{"text":"وآخره\"، وقال النووي (^١): أجمع العلماء على استحباب التسمية على الطعام في أوله، وفي نقل الإجماع على الاستحباب نظر، إلا إن أريد بالاستحباب أنه راجح الفعل، وإلا فقد ذهب جماعة إلى وجوب ذلك.\nقوله: (وكل بيمينك) قال شيخنا في \"شرح الترمذي\": حمله أكثر الشافعية على الندب، وبه جزم الغزالي ثم النووي، لكن نصّ الشافعي في \"الرسالة\" وفي موضع آخر من \"الأم\" على الوجوب، انتهى (^٢).\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-3229> باب الأكل مما يليه)</span>\nقال العلامة العيني (^٣): ليس في بعض النسخ لفظ \"باب\"، انتهى.\nوقال القسطلاني (^٤): وقد نص أئمتنا على كراهة الأكل مما يلي غيره ومن الوسط والأعلى، لا نحو الفاكهة مما ينتقل به، وأما ما سبق من نص الشافعي على التحريم فمحمول على المشتمل على الإيذاء، انتهى.\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-3230> باب من تتبع حوالي القصعة)</span>\nحوالي بفتح اللام وسكون التحتانية أي: الجوانب، يقال: رأيت الناس حوله وحوليه وحواليه، واللام مفتوحة في الجميع، ولا يجوز كسرها، انتهى من \"الفتح\" (^٥).\nوعندي هذا الباب كالاستثناء مما قبله.\nوبسط الشرَّاح لا سيما الحافظ الكلام على الغرض من هذه الترجمة والجمع بين الروايات المختلفة في ذلك كما سيأتي.\nقوله: (إذا لم يعرف منه كراهية)، قال الحافظ (^٦): ذكر فيه حديث\n_________\n(^١) \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٧/ ٢١٠).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (٩/ ٥٢١، ٥٢٢).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٣٨٩).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ١٧٢).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٩/ ٥٢٤).\n(^٦) \"فتح الباري\" (٩/ ٥٢٤).","vol":"6","page":7},{"text":"أنس في تتبع النبي - ﷺ - الدباء من الصحفة، وهذا ظاهره يعارض الذي قبله في الأمر بالأكل مما يليه، فجمع البخاري بينهما بحمل الجواز على ما إذا علم رضاء من يأكل معه، ورمز بذلك إلى تضعيف حديث عكراش الذي أخرجه الترمذي حيث جاء فيه التفصيل بين ما إذا كان لونًا واحدًا فلا يتعدى ما يليه أو أكثر من لون فيجوز، وقد حمل بعض الشرَّاح فعله - ﷺ - في هذا الحديث على ذلك فقال: كان الطعام مشتملًا على مرق ودباء وقديد، فكان يأكل مما يعجبه وهو الدباء، ويترك ما لا يعجبه وهو القديد، وحمله الكرماني على أن الطعام كان للنبي - ﷺ - وحده، قال: فلو كان له ولغيره لكان المستحب أن يأكل مما يليه. . .، إلى آخر ما بسط الحافظ.\n\n(٤ -<span data-type='title' id=toc-3231> باب التيمن في الأكل وغيره)</span>\nحديث الباب ظاهر فيما ترجم له، وظن بعضهم أن في هذه الترجمة تكرارًا؛ لأنه تقدم في قوله: \"باب التسمية، والأكل باليمين\"، وقد أجاب عنه ابن بطال بأن هذه الترجمة أعمّ من الأولى؛ لأن الأولى لفعل الأكل فقط، وهذا لجميع الأفعال، فيدخل فيه الأكل والشرب بطريق التعميم، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(٥ -<span data-type='title' id=toc-3232> باب من أكل حتى شبع)</span>\nلعله أشار إلى إباحته لما ورد من ذمِّه في الروايات الكثيرة، قال الحافظ (^٢): ذكر فيه ثلاثة أحاديث، قال ابن بطال: في هذه الأحاديث جواز الشبع وإن كان تركه أحيانًا أفضل، وقد ورد عن سلمان وأبي جحيفة: أن النبي - ﷺ - قال: \"إن أكثر الناس شبعًا في الدنيا أطولهم جوعًا في الآخرة\" أخرجه ابن ماجه (^٣) بسند لَيّن، وأخرج عن ابن عمر نحوه، وفي سنده مقال أيضًا.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٥٢٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٥٢٧، ٥٢٨).\n(^٣) \"سنن ابن ماجه\" (رقم ٣٣٥١).","vol":"6","page":8},{"text":"قال القرطبي: وما جاء من النهي عنه محمول على الشبع الذي يثقل المعدة، ويُثَبِّطُ صاحبَه عن القيام للعبادة، ويُفْضي إلى البطر والأشر والنوم والكسل، وقد تنتهي كراهته إلى التحريم بحسب ما يترتب عليه من المفسدة، وذكر الكرماني تبعًا لابن المنيِّر: أن الشبع المذكور محمول على شبعهم المعتاد منهم، وهو أن الثلث للطعام والثلث للشراب والثلث للنفس، ويحتاج في دعوى أن تلك عادتهم إلى نقل خاص، وإنما ورد في ذلك حديث حسن أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه (^١). . . إلى آخر ما ذكر الحافظ.\n\n(٦ -<span data-type='title' id=toc-3233> باب ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ [النور:</span> ٦١]\nالظاهر عندي: أن غرض الإمام البخاري بهذه الترجمة الإشارة إلى اختلاف أقوال العلماء في سبب نزول الآية كما بسطه المفسرون، والإشارة إلى ترجيح قول عطاء بن يزيد الليثي كما يدل عليه ما قاله الشرَّاح في مناسبة الحديث بالآية.\nقال الحافظ (^٢): وحكى ابن بطال عن المهلب قال: مناسبة الآية لحديث سويد ما ذكره أهل التفسير أنهم كانوا إذا اجتمعوا للأكل عزل الأعمى على حدة والأعرج على حدة والمريض على حدة لتقصيرهم عن أكل الأصحاء، فكانوا يتحرجون أن يتفضلوا عليهم، وهذا عن ابن الكلبي، وقال عطاء بن يزيد: كان الأعمى يتحرج أن يأكل طعام غيره لجعله يده في غير موضعها، والأعرج كذلك لاتساعه في موضع الأكل، والمريض لرائحته، فنزلت هذه الآية فأباح لهم الأكل مع غيرهم، وفي حديث سويد معنى الآية؛ لأنهم جعلوا أيديهم فيما حضر من الزاد سواء، مع أنه لا يمكن أن يكون أكلهم بالسواء لاختلاف أحوال الناس في ذلك، وقد سوغ لهم الشارع\n_________\n(^١) \"سنن النسائي\" (رقم ٦٧٦٨)، \"سنن الترمذي\" (رقم ٢٣٨٠)، \"سنن ابن ماجه\" (رقم ٣٣٤٩).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٥٢٩).","vol":"6","page":9},{"text":"ذلك مع ما فيه من الزيادة والنقصان فكان مباحًا، والله أعلم، انتهى كلامه.\nوقال ابن المنيِّر: موضع المطابقة من الترجمة وسط الآية وهي قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ [النور: ٦١] وهي أصل في جواز أكل المُخارجة؛ ولهذا ذكر في الترجمة: \"النِّهد\"، والله أعلم، انتهى.\nقوله: (والنهد والاجتماع على الطعام)، قال الحافظ (^١): ثبتت هذه الترجمة في رواية المستملي وحده، والنِّهد بكسر النون وسكون الهاء، تقدم تفسيره في أول الشركة حيث قال: \"باب الشركة في الطعام والنهد\"، وتقدم هناك بيان حكمه، انتهى.\nوفي \"تقرير الشيخ المكي\" (^٢): قوله: \"والنهد\" وجوازه من الآية المذكورة\nقوله: (فما أتي. . .) إلخ، يعني: فجاء القوم كل واحد منهم بما عنده من السويق، فجمعنا السويق وأكلناه مع أن بعضنا كان أقلّ السويق من البعض، وبعضهم لم يكن عنده شيء فثبت النهد، انتهى.\nقلت: وعلى ما أفاده الشيخ لا يرد ما أورده الحافظ إذ قال: ليس حديث سويد ظاهرًا في المراد من النهد. . .، إلى آخر ما ذكر، والبسط في هامش \"اللامع\".\n\n(٧ -<span data-type='title' id=toc-3234> باب الخبز المرقق والأكل على الخوان والسفرة)</span>\nقال القسطلاني (^٣): \"المرقق\" بتشديد القاف الأولى: الملين المحسَّن كالحوارى أو الموسع، و\"الخوان\" بكسر الخاء المعجمة وقال في \"القاموس\": الخوان كغراب وكتاب: ما يؤكل عليه الطعام كالإخوان، وقال\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٥٢٩).\n(^٢) \"لامع الدراري \" (٩/ ٣٩٢، ٣٩٣).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ١٧٩).","vol":"6","page":10},{"text":"في \"الكواكب\": والأكل عليه من دأب المترفين وصنع الجبابرة؛ لئلا يفتقروا إلى التطأطؤ عند الأكل، انتهى.\nقال العيني (^١) في تفسير الخوان بعد ذكر ما تقدم عن القسطلاني: وليس فيما ذكر كله بيان هيئة الخوان، وهو طبق كبير من نحاس تحته كرسي من نحاس ملزوق به، طوله قدر ذراع يرص فيه الزباد، ويوضع بين يدي كبير من المترفين، ولا يحمله إلا اثنان فما فوقهما، ثم قال في شرح الحديث: قال ابن بطال: أكل المرقق جائز مباح، ولم يتركه سيدنا رسول الله - ﷺ - إلا زهدًا في الدنيا وتركًا للتنعم وإيثارًا لما عند الله وغير ذلك، وكذلك الأكل على الخوان، وليس نفي أنس - ﵁ - يردّ قول من روى أنه - ﷺ - أكل على خوان، وأنه أكل شواء، وإنما أخبر كلٌّ بما علم، ومن علم حجة على من لم يعلم، انتهى.\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"الكوكب\" (^٢): قوله: \"على خوان\" هو ما له قوائم غير صغار، ثم إن عدم الأكل عليه إما أن يكون قصدًا أو اتفاقًا، فإن كان الأول لزم كراهته، وإن كان الثاني فلا ضير في الأكل على الخوان، إلا أنه لما كان من ديدن الجبابرة ههنا كان منهيًّا إذا كان على دأبهم، والحاصل: أن الأكل عليه بحسب نفس ذاته لا يربو على ترك الأولوية، فأما إذا لزم فيه التشبه باليهود أو النصارى كما هو في ديارنا كان مكروهًا تحريميًا، إلى أن قال: والخبز المرقق على هذا القياس، فإن مع كونه من دأب المترفين المرفهين يكون سبب الإكثار في الأكل للآكل، انتهى مختصرًا.\n\n(٨ -<span data-type='title' id=toc-3235> باب السويق)</span>\nقال الحافظ (^٣): ذكر فيه حديث سويد بن النعمان، وقد تقدم شرحه في \"كتاب الطهارة\"، انتهى.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٣٩٦).\n(^٢) \"الكوكب الدري\" (٣/ ٣ - ٥).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٩/ ٥٣٤).","vol":"6","page":11},{"text":"(٩ -<span data-type='title' id=toc-3236> باب ما كان النبي - ﷺ - لا يأكل حتى يسمَّى له)</span>\nلأنه ربما يكون ذلك مما يعافه - ﷺ - أو لا يجوز أكله؛ لأن الشرع ورد بتحريم بعض الحيوانات وإباحة بعضها، وكانوا - أي: العرب - لا يحرمون شيئًا منها، وربما أتوا به مشويًّا أو مطبوخًا، فلا يتميز عن غيره إلا بالسؤال عنه، انتهى ملتقطًا من \"القسطلاني\" و\"الفتح\"، كذا في هامش الهندية (^١).\n\n(١٠ -<span data-type='title' id=toc-3237> باب طعام الواحد يكفي الاثنين)</span>\nأورد فيه حديث أبي هريرة: \"طعام الاثنين يكفي الثلاثة، وطعام الثلاثة يكفي الأربعة\"، واستشكل الجمع بين الترجمة والحديث، فإن قضية الترجمة مرجعها النصف وقضية الحديث مرجعها الثلث ثم الربع، وأجيب بأنه أشار بالترجمة إلى لفظ حديث آخر ورد ليس على شرطه، وبأن الجامع بين الحديثين أن مطلق طعام القليل يكفي الكثير، لكن أقصاه الضعف، وقال المهلب: المراد بهذه الأحاديث الحضُّ على المكارم والتقنع بالكفاية، يعني: وليس المراد الحصر في مقدار الكفاية، وإنما المراد المواساة. . .، إلى آخر ما بسط الحافظ (^٢).\nوقال العيني (^٣) تحت ترجمة الباب: وهذه الترجمة لفظ حديث أخرجه ابن ماجه بإسناده من حديث عمر مرفوعًا، وروى الطبراني من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"كلوا جميعًا ولا تفرقوا، فإن طعام الواحد يكفي الاثنين\"، انتهى مختصرًا.\nوقال القسطلاني (^٤): أشار بالترجمة إلى لفظ حديث آخر ليس على شرطه رواه مسلم، ثم ذكر ما تقدم عن الحافظين ابن حجر والعيني.\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري بحاشية السهارنفوري\" (١١/ ٦٢)، انظر: \"إرشاد الساري\" (١٢/ ١٨٤)، و\"فتح الباري\" (٩/ ٥٣٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٥٣٥).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٤٠٢، ٤٠٣).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ١٨٧).","vol":"6","page":12},{"text":"(١١ -<span data-type='title' id=toc-3238> باب المؤمن يأكل في معِى واحد)</span>\nالمعى بكسر العين مقصورًا، والجمع أمعاء ممدود، وهي المصارين، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوقال العيني (^٢): وحكى القاضي عياض عن أهل الطب والتشريح: أنهم زعموا أن أمعاء الإنسان سبعة: المعدة، ثم ثلاثة أمعاء بعدها متصلة بها، وهي كلها رقاق، ثم ثلاثة غلاظ، وذكر العيني أسماءها.\n\n(١٢ -<span data-type='title' id=toc-3239> باب المؤمن يأكل في معى واحد. . .) إلخ</span>\nهذه الترجمة مكررة في جميع النسخ الهندية والمصرية من المتون والشروح، غير الكرماني ففيها لم تتكرر هذه الترجمة.\nقال القسطلاني (^٣): كذا ثبت لأبي ذر وسقط ذلك للباقين، وهو أولى إذ لا فائدة في إعادته، انتهى. وبه جزم الحافظان ابن حجر والعيني.\nوالأوجه عند هذا العبد الضعيف: أنه لما ثبتت الترجمة مكررة في أكثر النسخ كما تقدم، فحينئذ هو من الأصل الثاني والعشرين من أصول التراجم، والغرض من الترجمة الأولى التحريض على تقليل الطعام للمؤمن، والغرض من الترجمة الثانية التنبيه على أن المؤمن ليس من شأنه إلا أن يأكل لسدِّ الجوع، فإنه اختلف في معنى الحديث على عشرة أقوال بسطت في \"الأوجز\" (^٤)، السابع منها ما قال القرطبي: شهوات الطعام سبع: شهوة الطبع والنفس والعين والفم والأذن والأنف وشهوة الجوع، وهي الضرورية يأكل بها المؤمن، وأما الكافر فيأكل بالجميع، انتهى.\nولا يبعد أيضًا أن يكون الترجمة من الأصل الرابع والخمسين كما\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٥٣٧).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٤٠٣).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ١٨٨).\n(^٤) \"أوجز المسالك\" (١٦/ ٣٠٤ - ٣٠٧).","vol":"6","page":13},{"text":"نبهت عليه في \"مقدمة اللامع\" في هذا الفصل، انتهى من هامش \"اللامع\" (^١).\nوذكر المعاني العديدة للحديث بالبسط في هامش النسخة الهندية (^٢) فارجع إليه لو شئت.\nوأفاد صاحب \"الفيض\" (^٣): أن المراد من معىً تدويرة، وفي الطب أنه ستة تدويرات، سَمَّوا كلًّا منها باسم، فأين تلك السابعة؟! وقد أجاب عنه الطحاوي في \"مشكله\": أن السابعة هي المعدة، أطلق عليها معىً تغليبًا. وحاصل الحديث أن الكافر يأكل الكثير والمؤمن القليل، انتهى.\n\n(١٣ -<span data-type='title' id=toc-3240> باب الأكل متكئًا)</span>\nأي: ما حكمه؟ وإنما لم يجزم به لأنه لم يأت فيه نهي صريح، واختلف في صفة الاتكاء فقيل: أن يتمكن في الجلوس للأكل على أيّ صفة كان، وقيل: أن يميل على أحد شقيه، وقيل: أن يعتمد على يده اليسرى من الأرض، انتهى من \"الفتح\" (^٤).\nوقال صاحب \"التوشيح\" بعد ذكر الأقوال الثلاثة: والأول هو المعتمد وهو شامل للقولين، والحكمة في تركه أنه من فعل ملوك العجم، وأنه أدعى إلى كثرة الأكل، انتهى من هامش \"الهندية\" (^٥).\nقال الحافظ (^٦): قال الخطابي: تحسب العامة أن المتكئ هو الآكل على أحد شقيه، وليس كذلك، بل هو المعتمد على الوطاء الذي تحته، قال: ومعنى الحديث: إني لا أقعد متكئًا على الوطاء عند الأكل فعل\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٩/ ٣٩٤).\n(^٢) \"صحيح البخاري بحاشية السهارنفوري\" (١١/ ٦٧).\n(^٣) \"فيض الباري\" (٥/ ٦٢٨).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٩/ ٥٤١).\n(^٥) \"صحيح البخاري بحاشية السهارنفوري\" (١١/ ٧٠).\n(^٦) \"فتح الباري\" (٩/ ٥٤١).","vol":"6","page":14},{"text":"من يستكثر من الطعام، فإني لا آكل إلا البلغة من الزاد، فلذلك أقعد مستوفرًا، وفي حديث أنس: \"أنه - ﷺ - أكل تمرًا وهو مقع\"، وفي رواية: \"وهو محتفز\"، والمراد الجلوس على وركيه غير متمكن، قلت: وجزم ابن الجوزي في تفسير الاتكاء بأنه الميل على أحد الشقين، ولم يلتفت لإنكار الخطابي لذلك. . .، إلى آخر ما ذكر الحافظ من حكم الاتكاء وعلة النهي.\nوفي \"الفيض\" (^١): ونبَّه الخطابي على أن المراد من الاتكاء الجلوس مطمئنًا بأي نحو كان.\n\n(١٤ -<span data-type='title' id=toc-3241> باب الشواء)</span>\nبكسر المعجمة وبالمد معروف، قاله الحافظ (^٢).\nوفي \"فيض الباري\" (^٣): أي: اللحم المشوي، ولعل الكباب أيضًا داخل فيه، انتهى.\nثم قال تحت حديث الباب: أشار ابن بطال إلى أن أخذ الحكم للترجمة ظاهر من جهة أنه - ﷺ - أهوى ليأكل، ثم لم يمتنع إلا لكونه ضبًّا، فلو كان غير ضبّ لأكل، انتهى.\n\n(١٥ -<span data-type='title' id=toc-3242> باب الخزيرة)</span>\nبخاء معجمة مفتوحة ثم زاي مكسورة وبعد التحتانية الساكنة راء، هي ما يتخذ من الدقيق على هيئة العصيدة، لكنه أرقّ منها، قاله الطبري، وقال ابن فارس: دقيق يخلط بشحم. . .، إلى آخر ما ذكر الأقوال في تفسيره (^٤).\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٥): قوله: \"الخزيرة من النخالة\" يعني بها الدقيق من غير أن ينخل وينقى لا أنها النخالة خالصة. وقوله:\n_________\n(^١) \"فيض الباري\" (٥/ ٦٢٩).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٥٤٢).\n(^٣) \"فيض الباري\" (٥/ ٦٣٠).\n(^٤) انظر: \"فتح الباري\" (٩/ ٥٤٣).\n(^٥) \"لامع الدراري\" (٩/ ٣٩٤).","vol":"6","page":15},{"text":"\"الحريرة من اللبن\" يقال: إنه يلقى فيه اللبن حقيقة، وقيل: المراد باللبن الدقيق نفسه؛ لأن رقيقه يشبه صورته صورة اللبن، انتهى.\n\n(١٦ -<span data-type='title' id=toc-3243> باب الأقط)</span>\nبفتح الهمزة وكسر القاف وقد تسكن بعدها طاء مهملة، وهو جبن اللبن المستخرج زبده، وقد تقدم تفسيره في \"باب زكاة الفطر\" وغيره، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوفي هامش النسخة \"الهندية\" (^٢): قال في \"القاموس\": الأَقْطُ، مثلثة ويحرك، ككتف ورجل وإبل: شيء يتخذ من المخيض الغنمي، انتهى.\n\n(١٧ -<span data-type='title' id=toc-3244> باب السلق والشعير)</span>\nبكسر السين المهملة: نوع من البقل معروف، فيه تحليل لسُدَدِ الكبد، ومنه صنف أسود يعقل البطن، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\n\n(١٨ -<span data-type='title' id=toc-3245> باب النهش وانتشال اللحم)</span>\nقال العلامة القسطلاني (^٤): النهش بفتح النون وسكون الهاء بعدها سين مهملة في الفرع وأصله، وبالمعجمة في غيرهما، والانتشال: استخراج اللحم من المرق قبل نضجه، واسم ذلك اللحم: النشيل. والنهس: القبض عليه بالفم وإزالته من العظم أو غيره بعد الانتشال، وقيل: النهس بالمهملة: الأخذ بمقدم الفم، وبالمعجمة بالأضراس، انتهى.\nوالأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن الغرض من هذا الباب ندب النهس إشارة إلى رواية الترمذي (^٥): \"انهشوا اللحم نهشًا فإنه أهنأ وأمرأ\".\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٥٤٤).\n(^٢) \"صحيح البخاري بحاشية السهارنفوري\" (١١/ ٧٨).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٩/ ٥٤٥).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ١٩٨).\n(^٥) \"سنن الترمذي\" (رقم ١٨٣٥).","vol":"6","page":16},{"text":"وقال الحافظ (^١): لعل البخاري أشار بهذه الترجمة إلى تضعيف الحديث الذي سأذكره في الباب الذي يلي الباب الذي بعد هذا في النهي عن قطع اللحم بالسكين، انتهى.\nقلت: وهذا ليس بواضح؛ بل هذا الغرض الذي ذكره الحافظ ههنا هو الغرض من الباب الآتي أعني \"<span data-type='title' id=toc-3247>باب قطع اللحم بالسكين</span>\"، فأشار الإمام البخاري بهذا الباب إلى تضعيف ما أخرجه أبو داود (^٢) من حديث عائشة مرفوعًا: \"لا تقطعوا اللحم بالسكين فإنه من صنيع الأعاجم\" الحديث، وهذا الحديث ضعيف جدًّا، وقد أورده ابن الجوزي في \"الموضوعات\" وقال: قال أحمد: ليس بصحيح، وأبو معشر: ليس بشيء، كما في هامش أبي داود.\nقال العيني (^٣): قال النسائي: أبو معشر له أحاديث مناكير، منها هذا، وقال ابن عدي: لا يتابع عليه وهو ضعيف، انتهى.\n\n(١٩ -<span data-type='title' id=toc-3246> باب تعرق العضد)</span>\nوهو العظم الذي بين الكتف والمرفق.\nقال العيني (^٤) في شرح قوله: \"تعرق\" على وزن تفعل بالتشديد أي: أكل ما كان من اللحم على الكتف، انتهى من كلام العيني.\n\n(٢٠ - باب قطع اللحم بالسكين)\nتقدم الكلام عليه في \"باب النهش\".\n\n(٢١ -<span data-type='title' id=toc-3248> باب ما عاب النبي - ﷺ - طعامًا قط)</span>\nأي: مباحًا، أما الحرام فكان يعيبه ويذمه وينهى عنه، وذهب بعضهم إلى أن العيب إن كان من جهة الخلقة كره، وإن كان من جهة الصنعة\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٥٤٥).\n(^٢) \"سنن أبي داود\" (رقم ٣٧٧٤).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٤١٦).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٤١٣).","vol":"6","page":17},{"text":"لم يكره، قال: لأن صنعة الله لا تعاب وصنعة الآدميين تعاب.\nقلت: والذي يظهر التعميم فإن فيه كسر قلب الصانع.\nقال النووي: من آداب الطعام المتأكدة أن لا يعاب كقوله: مالح، حامض، قليل الملح، غليظ، رقيق، غير ناضج، ونحو ذلك، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(٢٢ -<span data-type='title' id=toc-3249> باب النفخ في الشعير)</span>\nأي: بعد طحنه لتطير منه قشوره، وكأنه نبَّه بهذه الترجمة على أن النهي عن النفخ في الطعام خاص بالطعام المطبوخ، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\nوتعقبه العلامة العيني (^٣) بقوله: قلت: لا نسلم ذلك، بل المراد أن الشعير إذا طحن ينفخ فيه حتى يذهب عنه القشور، ثم يستعمل خبزًا أو طعامًا أو سويقًا أو غير ذلك، ولا ينخل بالمنخل، ونفس معنى الحديث يدل على ذلك، انتهى.\nقلت: لا منافاة بين ما أفاده الحافظ في الغرض من الترجمة وبين الغرض الذي ذكره العلامة العيني، فالترجمة يحتمل الغرضين، وما أفاده العيني من الغرض أيضًا وجيه، فسيأتي في الباب الآتي: \"هل كان لكم في عهد رسول الله مناخل؟ قال: ما رأى رسول الله - ﷺ - منخلًا من حين ابتعثه الله حتى قبضه الله\" الحديث.\n\n(٢٣ -<span data-type='title' id=toc-3250> باب ما كان النبي - ﷺ - وأصحابه يأكلون)</span>\nأي: في زمانه، قاله الحافظان (^٤).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٥٤٧، ٥٤٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٥٤٨).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٤١٦).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٩/ ٥٤٩)، و\"عمدة القاري\" (١٤/ ٤١٧).","vol":"6","page":18},{"text":"(٢٤ -<span data-type='title' id=toc-3251> باب التلبينة)</span>\nقال الكرماني: تفعيلة من اللبن بالموحدة، انتهى.\nوقال الحافظ: ويقال بلا هاء، انتهى. وقال أيضًا: هي بفتح المثناة وسكون اللام وكسر الموحدة بعدها تحتانية ساكنة ثم نون: طعام يتخذ من دقيق أو نخالة، وربما جعل فيها عسل، سميت بذلك لشبهها باللبن في البياض والرقة، والنافع منه ما كان رقيقًا نضيجًا لا غليظًا نيئًا، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوفيه: وفي موضع آخر: قال الأصمعي: هي حساء يعمل من دقيق أو نخالة ويجعل فيه عسل، قال غيره: أو لبن، سميت تلبينة تشبيهًا لها باللبن في بياضها ورقتها، وقال ابن قتيبة: وعلى قول من قال: يخلط فيها لبن سميت بذلك لمخالطة اللبن لها. . .، إلى آخر ما ذكر، وسيأتي في \"كتاب الطب\" \"باب التلبينة للمريض\".\n\n(٢٥ -<span data-type='title' id=toc-3252> باب الثريد)</span>\nبفتح المثلثة وكسر الراء معروف، وهو أن يثرد الخبز بمرق اللحم، وقد يكون معه اللحم، ومن أمثالهم: الثريد أحد اللحمين، وربما كان أنفع وأقوى من نفس اللحم النضيج إذا ثرد بمرقته، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\n\n(٢٦ -<span data-type='title' id=toc-3253> باب شاة مسموطة والكتف والجنب)</span>\nالمسموطة التي ينتف شعر جلدها ثم تشوى، وهو مأكل المترفين، وإنما كانت عادتهم أن يأخذوا جلد الشاة ينتفعوا به، انتهى من \"القسطلاني\" (^٣).\nقال العلامة العيني (^٤): والأولان منها مذكوران في حديثي الباب، وأما الجنب فلا ذكر له، وقال بعضهم (أي: الحافظ): وأما الجنب فأشار\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٥٥٠، ١٠/ ١٤٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٥٥١).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٢٠٩).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٤٢٤).","vol":"6","page":19},{"text":"به إلى حديث أم سلمة \"أنها قربت إلى رسول الله - ﷺ - جنبًا مشويًّا فأكل منه ثم قام إلى الصلاة\" أخرجه الترمذي (^١) وصححه، انتهى.\nثم تعقبه العيني، والتعقب عندي ليس بصحيح، ثم قال: والأوجه أن يقال: ذكر الجنب استطرادًا وإلحاقًا للجنب بالكتف والشاة المسموطة.\nوقال أيضًا في شرح الحديث: قال شارح \"التراجم\": مقصوده جواز أكل المسموط، ولا يلزم من كونه لم ير شاة مسموطة أنه لم ير عضوًا مسموطًا؛ فإن الأكارع لا تؤكل إلا كذلك، وقد أكلها، انتهى.\n\n(٢٧ -<span data-type='title' id=toc-3254> باب ما كان السلف يدخرون في بيوتهم وأسفارهم من الطعام. . .) إلخ</span>\nقال العيني (^٢): أراد البخاري بهذا الردَّ على الصوفية ومن يذهب إلى مذهبهم في قولهم: إنه لا يجوز ادخار طعام لغد، وأن المؤمن الكامل الإيمان لا يستحق اسم الولاية حتى يتصدق بما يفضل عن شبعه، ولا يترك طعامًا لغد، ولا يصبح عنده شيء من عين ولا عرض ويمسي كذلك، ومن خالف ذلك فقد أساء الظن بربّه، وفي هذه الأحاديث كفاية في الردّ على من زعم ذلك، انتهى مختصرًا.\nقلت: وحكى الحافظ في \"الفتح\" (^٣) الغرضَ المذكورَ عن ابن بطال، وتقدم أيضًا شيء من الكلام على هذا الباب في \"باب حبس الرجل قوت سنة على أهله. . .\" إلخ.\n\n(٢٨ -<span data-type='title' id=toc-3255> باب الحيس)</span>\nبالحاء المفتوحة والسين المهملتين بينهما تحتية ساكنة، وهي تمر يخلط بسمن وأقط، فيعجن شديدًا، ثم يندر نواه، وربما جعل فيه سويق،\n_________\n(^١) \"سنن الترمذي\" (رقم ١٩٢٩).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٤٢٤، ٤٢٥).\n(^٣) انظر \"فتح الباري\" (٩/ ٥٥٣).","vol":"6","page":20},{"text":"وقد حاسه يحيسه، انتهى من \"القسطلاني\" (^١).\n\n(٢٩ -<span data-type='title' id=toc-3256> باب الأكل في إناء مفضض)</span>\nأي: جعل فيه الفضة بالتضبيب أو بالخلط أو بالطلاء، قاله القسطلاني (^٢).\nقال الحافظ (^٣): والأكل في جميع الآنية مباح إلا إناء الذهب والفضة، واختلف في الإناء الذي فيه شيء من ذلك إما بالتضبيب وإما بالخلط، وحديث حذيفة الذي ساقه في الباب فيه النهي عن الشرب في آنية الذهب والفضة، ويؤخذ منع الأكل بطريق الإلحاق، قال مغلطاي: لا يطابق الحديث الترجمة إلا إن كان الإناء الذي سقي فيه حذيفة كان مضبّبًا؛ فإن الضبة موضع الشفة عند الشراب، وأجاب الكرماني بأن لفظ \"مفضض\" وإن كان ظاهرًا فيما فيه فضة لكنه يشمل ما إذا كان متخذًا كله من فضة، انتهى.\n\n(٣٠ -<span data-type='title' id=toc-3257> باب ذكر الطعام)</span>\nقال ابن بطال: معنى هذه الترجمة إباحة أكل الطعام الطيب، وأن الزهد ليس في خلاف ذلك؛ فإن في تشبيه المؤمن بما طعمه طيب، وتشبيه الكافر بما طعمه مرّ ترغيبًا في أكل الطعام الطيب والحلو، قال: وإنما كره السلف الإدمان على أكل الطيبات خشية أن يصير ذلك عادة، فلا تصبر النفس على فقدها، انتهى من \"الفتح\" (^٤).\nوالأوجه عندي في غرض الترجمة: أنه أراد بذلك أن ذكر الأطعمة المختلفة ليس بداخل في الحرص والشره كما هو ظاهر مؤدى لفظ الترجمة، والله أعلم، ويؤيده قول الحافظ: ذكر فيه ثلاثة أحاديث: أحدها حديث أبي موسى، والغرض منه تكرار ذكر الطعم فيه، والطعام يطلق بمعنى الطعم، انتهى.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٢١٢).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٢١٤).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٩/ ٥٥٤، ٥٥٥).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٩/ ٥٥٥).","vol":"6","page":21},{"text":"وقريب منه ما قال العلامة السندي (^١): قوله: \"باب ذكر الطعام\" أي: لا يكره ذكر الطعام في المجلس وعند ذكر العلوم، ولا يستدل به على حقارة طبع صاحبه أو على حاجته إليه، والله أعلم، انتهى.\n\n(٣١ -<span data-type='title' id=toc-3258> باب الأدم)</span>\nبضم الهمزة والدال المهملة ويجوز إسكانها جمع إدام، وقيل: هو بالإسكان المفرد، وبالضم الجمع.\nثم قال الحافظ (^٢): وقد اختلف الناس في الأدم، فالجمهور أنه ما يؤكل به الخبز مما يطيبه سواء كان مرقًا أم لا، واشترط أبو حنيفة وأبو يوسف الاصطناع، وسيأتي بسط ذلك في \"كتاب الأيمان والنذور\"، انتهى من \"الفتح\".\n\n(٣٢ -<span data-type='title' id=toc-3259> باب الحلواء والعسل)</span>\nكذا في النسخ الهندية ممدودًا، وفي بعض النسخ: \"الحلوى\"، وهما لغتان على قول، وعند الأصمعي بالقصر تكتب بالياء، وعند الفراء بالمد تكتب بالألف، وهو كل حلو يؤكل. وقال الخطابي: اسم الحلواء لا يقع إلا على ما دخلته الصنعة، وفي \"المخصص\" لابن سيده: هي ما عولج من الطعام بحلاوة، وقد تطلق على الفاكهة، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\n\n(٣٣ -<span data-type='title' id=toc-3260> باب الدباء)</span>\nبضم الدال المهملة وتشديد الباء الموحدة ممدودًا، ويجوز القصر، وهو القرع، وقيل: خاص بالمستدير منه، كذا في الحاشية \"الهندية\" عن \"الفتح\" (^٤).\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري بحاشية السندي\" (٣/ ٢٩٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٥٥٦).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٩/ ٥٥٧).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٩/ ٥٢٥)، \"صحيح البخاري بحاشية السهارنفوري\" (١١/ ١١٦).","vol":"6","page":22},{"text":"(٣٤ -<span data-type='title' id=toc-3261> باب الرجل يتكلف الطعام لإخوانه)</span>\nقال الكرماني: وجه التكلف من حديث الباب أنه حصر العدد بقوله: خامس خمسة، ولولا تكلفه لما حصر، وسبق إلى نحو ذلك ابن التِّين، وزاد أن التحديد ينافي البركة، ولذلك لما لم يحدد أبو طلحة حصلت في طعامه البركة حتى وسع العدد الكثير، انتهى من \"الفتح\" (^١). هكذا قال العيني وتبعه القسطلاني.\nواستدل المصنف لهذه المسألة، أعني: التكلف للضيف في \"كتاب الأدب\" بحديث أبي جحيفة في قصة سلمان وأبي الدرداء، وهو ظاهر في الدلالة على المسألة.\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٢) تحت ترجمة الباب: ودلالة الرواية عليه من حيث إنه جعل في طعامهم اللحم وهو غاية في التكلف، انتهى.\nوما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه أوجه مما قاله الشرَّاح، ولا يبعد أن يقال: إن تكلفه يظهر من صنيعه إذ قال: اصنع لي طعامًا أدعو رسول الله - ﷺ -، فإنه يشير إلى أنه أراد أطيب اللحم.\nوفي \"التيسير\" بعد ذكر كلام الكرماني والعيني: مي توا كَفت كه إين مرد در إذن ششم كس تكلف كرده أكَرجه كَفته أند \"طعام الواحد يكفي الاثنين\" ليكن خالي أز تكلف نيست، انتهى. فتأمل فإنه بعيد في بادئ الرأي؛ لأنه يدل أنه أذن السادس بالتكلف وهو ليس بتكلف في الطعام.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٥٥٩)، و\"عمدة القاري\" (١٤/ ٤٣٤)، و\"إرشاد الساري\" (١٢/ ٢٢٤).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٩/ ٣٩٨، ٣٩٩).","vol":"6","page":23},{"text":"ثم اعلم أنه لا بأس في التكلف للضيوف والإخوان لرواية الشيخين: \"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه\" الحديث.\nوفي \"الأوجز\" في حديث أبي الهيثم إذ ذبح لرسول الله - ﷺ - شاة: لا يدخل ذلك في التكلف المكروه، بل هو داخل في إكرام الضيف المأمور به.\nقال النووي: قد كره جماعة من السلف التكلفَ للضيف، وهو محمول على ما يشقّ على صاحب البيت مشقة ظاهرة؛ لأن ذلك يمنعه من الإخلاص وإكمال السرور بالضيف، وأما فعل الأنصاري فليس مما يشق عليه، بل لو ذبح أغنامًا بل جمالًا في ضيافة رسول الله - ﷺ - وصاحبيه كان مسرورًا بذلك مغبوطًا فيه. انتهى من هامش \"اللامع\"، وسيأتي في \"كتاب الأدب\" \"باب صنع الطعام والتكلف للضيف\"، وسيأتي هناك الجواب عما في الترجمتين من التكرار.\n\n(٣٥ -<span data-type='title' id=toc-3262> باب من أضاف رجلًا إلى طعام وأقبل هو على عمله)</span>\nقال الحافظ (^١): أشار بهذه الترجمة إلى أنه لا يتحتم على الداعي أن يأكل مع المدعو، وقال ابن بطال: لا أعلم في اشتراط أكل الداعي مع الضيف إلا أنه أبسط لوجهه وأذهب لاحتشامه، فمن فعل فهو أبلغ في قِرَى الضيف، ومن ترك فجائز، فقد تقدم في أضياف أبي بكر أنهم امتنعوا أن يأكلوا حتى يأكل معهم وأنه أنكر ذلك، انتهى.\nوزاد القسطلاني (^٢): والذي يظهر لي أنه يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص على ما لا يخفى، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٥٦٢).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٢٢٤).","vol":"6","page":24},{"text":"(٣٦ -<span data-type='title' id=toc-3263> باب المرق)</span>\nقال العلامة العيني (^١): وترجم به إشارة إلى أن له فضلًا على الطعام الثخين، ولهذا كان السلف يأكلون الطعام الممرق، وفي مسلم (^٢) من حديث أبي ذر رفعه: \"إذا طبخت قدرًا فأكثر مرقها\" وفيه: \"فليطعم جيرانه\"، وقد أمر النبي - ﷺ - بإكثار المرق بقصد التوسعة على الجيران، والأمر فيه محمول على الندب، انتهى.\n\n(٣٧ -<span data-type='title' id=toc-3264> باب القديد)</span>\nقال العلامة العيني (^٣): وترجم به إشارة إلى أن القديد من طعام النبي - ﷺ - وطعام السلف، انتهى.\nوفي هامش \"الهندية\" (^٤) عن \"النهاية\": القديد: اللحم المملوح المجفَّف في الشمس، فعيل بمعنى مفعول، انتهى. وهكذا في \"المجمع\" (^٥).\nوفي \"الفيض\" (^٦): كانوا يقدّون اللحم ثم يلقونه في الشمس حتى ييبس، ثم يدخرونه ويأكلونه متى احتاجوا إليه، انتهى.\n\n(٣٨ -<span data-type='title' id=toc-3265> باب من نَاوَل أو قدّم إلى صاحبه على المائدة شيئًا)</span>\nقال صاحب \"الفيض\" (^٧) في شرح ترجمة الباب: يعني: أن الناس إذا قعدوا على طعام حلقًا حلقًا فيجوز لأصحاب حلقة واحدة أن يناول أحدهما\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٤٣٦).\n(^٢) \"صحيح مسلم\" (رقم ٢٥٢٦) واللفظ لغيره.\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٤٣٧).\n(^٤) \"صحيح البخاري بحاشية السهارنفوري\" (١١/ ١٢١).\n(^٥) \"مجمع بحار الأنوار\" (٥/ ٦٣٨).\n(^٦) \"فيض الباري\" (٥/ ٦٣٨).\n(^٧) \"فيض الباري\" (٥/ ٦٣٩).","vol":"6","page":25},{"text":"الآخر مما عندهم من الطعام، ولا يجوز لصاحب حلقة أن يناوله لصاحب حلقة أخرى إلا أن يستأذن المضيف، انتهى.\nذكر فيه حديث أنس في قصة الخياط وفيه: وقال ثمامة عن أنس: \"فجعلت أجمع الدباء بين يديه\"، وصله قبل بابين من طريق ثمامة، وقد تقدم في \"باب من تتبع حوالي القصعة\" أن في رواية حميد عن أنس: \"فجعلت أجمعه فأدنيه منه\" وهو المطابق للترجمة. . .، إلى آخر ما ذكر الحافظ (^١) من الكلام على المطابقة بين الحديث والترجمة.\n\n(٣٩ -<span data-type='title' id=toc-3266> باب الرطب بالقثاء)</span>\nقال في \"القاموس\": القثاء بالكسر والضم معروف، أو هو الخيار، والمراد أكلهما معًا، قاله القسطلاني (^٢).\nثم قال في شرح الحديث: وإنما جمع - ﷺ - بينهما ليعتدلا، فإن كل واحد منهما مصلح للآخر مزيل لأكثر ضرره، فالقثاء مسكن للعطش منعش للقوى بشمِّه لما فيه من العطرية مطفئ لحرارة المعدة الملتهبة غير سريع الفساد، والرطب حار في الأولى، رطب في الثانية يقوي المعدة الباردة، لكنه معطش سريع التعفن، فقابل الشيء البارد بالمضاد له، إلى آخر ما ذكر فيه.\n\n(٤٠ -<span data-type='title' id=toc-3267> باب الحشف)</span>\nكذا في النسخة الهندية، وفي نسخ الشروح الثلاثة \"باب\" بغير ترجمة.\nقال القسطلاني: \"باب\" من غير ترجمة ولم يزد عليه.\nوقال العيني (^٣): كذا وقع عند جميع الرواة مجردًا، وكانت عادته أن يذكر مثل هذا كالفصل لما قبله، ويكون المذكور بعده ملحقًا به لمناسبة بينهما، ولا مناسبة أصلًا بين الحديث المذكور بعده وبين الحديث قبله،\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٥٦٤).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٢٢٧).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٤٣٩).","vol":"6","page":26},{"text":"ولهذا اعترض الإسماعيلي بأنه ليس فيه للرطب والقثاء ذكر، ولم يذكر لفظ الباب، انتهى.\nوقال الحافظ (^١): قوله: \"باب\" كذا هو في رواية الجميع بغير ترجمة، وسقط عند الإسماعيلي، فاعترض بأنه ليس فيه للرطب والقثاء ذكر، والذي أظنه أنه أراد أن يترجم به للتمر وحده أو لنوع منه، انتهى.\nوفي هامش النسخة الهندية (^٢) عن \"الخير الجاري\": هو كالفصل لما قبله حيث ذكر فيما قبله (^٣) وههنا ذكر التمرة، والمناسبة بينهما ظاهر، انتهى.\nقلت: ولم يذكر الحافظان ولا القسطلاني ما في النسخة الهندية من قوله: \"باب الحشف\"، وكذا لم يتعرضوا لترجمة الباب.\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٤): \"باب الحشف\"، أراد بذلك دفع ما يتوهم من باب التكلف أنه لعله لا بد له منه فأراد ردَّه بإثبات أن النبي - ﷺ - اكتفى بالحاضر عنده ولو حشفًا، فعلم أن التكلف ليس أمرًا لا بد له منه، انتهى.\nقلت: والحشف هو الفاسد اليابس من التمر، وقيل: الضعيف الذي لا نوى له، كما قاله العيني وغيره.\n\n(٤١ -<span data-type='title' id=toc-3268> باب الرطب والتمر)</span>\nقال العلامة العيني (^٥): أشار به إلى أن التمر له فضل على غيره من الأقوات؛ فلذلك ذكر قوله: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ﴾ الآية [مريم: ٢٥] على\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٥٦٤، ٥٦٥).\n(^٢) \"صحيح البخاري بحاشية السهارنفوري\" (١١/ ١٢٤).\n(^٣) كذا في الهامش، والظاهر أن فيه سقوطًا وهو لفظ: \"التمر\"، (ز).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (٩/ ٤٠٠).\n(^٥) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٤٤١).","vol":"6","page":27},{"text":"ما نذكره إن شاء الله تعالى، وقد روى الترمذي (^١) من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها مرفوعًا: \"بيت لا تمر فيه جياع أهله\"، وقد وقع في كتاب ابن بطال: \"باب الرطب بالتمر\" بالباء الموحدة، وليس في حديث الباب مثل لذلك، انتهى.\n\n(٤٢ -<span data-type='title' id=toc-3269> باب أكل الجمار)</span>\nبضم الجيم وتشديد الميم، ذكر فيه حديث ابن عمر في النخلة، وقد تقدم شرحه في \"كتاب العلم\" مستوفى، وتقدم الكلام على خصوص الترجمة بأكل الجمار في \"كتاب البيوع\"، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\n\n(٤٣ -<span data-type='title' id=toc-3270> باب العجوة)</span>\nبفتح العين المهملة وسكون الجيم: نوع من التمر معروف، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\nقال العيني (^٤): أي: باب فضل العجوة على غيرها من التمر، وفي الترغيب على أكلها، وهي أجود تمر المدينة، ويسمونه لينة، وقيل: هي أكبر من الصيحاني يضرب إلى السواد، وذكر ابن التِّين أن العجوة غرس النبي - ﷺ -، انتهى.\nوفي هامش الهندية (^٥): ودفع السحر والسم من خاصية ذلك النوع، أو من دعائه - ﷺ -، أي: بالبركة، أي: من أكله في الصباح قبل أن يطعم شيئًا، قاله الطيبي. قال الكرماني: هو ببركة دعوته لا من خاصيته، وتخصيص عجوة المدينة وعدد السبع توقيفية من باب عدد الركعات، انتهى من \"المجمع\".\n_________\n(^١) \"سنن الترمذي\" (ح: ١٨١٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٥٦٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٩/ ٥٦٩).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٤٤٥).\n(^٥) \"صحيح البخاري بحاشية السهارنفوري\" (١١/ ١٣٤).","vol":"6","page":28},{"text":"ولا نعلم نحن عن حكمها فيجب الإيمان بها، انتهى من كلام النووي.\n\n(٤٤ -<span data-type='title' id=toc-3271> باب القران في التمر)</span>\nبكسر القاف وتخفيف الراء، أي: ضم تمرة إلى أخرى إذا أكل مع غيره، ولأبي ذر: \"الإقران\" من أقرن، والمشهور استعماله ثلاثيًا، وسقط له: \"في التمر\"، انتهى من \"القسطلاني\" (^١).\nوبسط الحافظ الكلام على تحقيق لفظ الإقران لغة ورواية، وقال (^٢): وقد أوضحت في \"كتاب الحج\" أن اللغة الفصحى بغير ألف، قال ابن الأثير في \"النهاية\": إنما وقع النهي عن القران؛ لأن فيه شرهًا وذلك يزري بصاحبه، أو لأن فيه غبنًا برفيقه، وقيل: إنما نهى عنه لما كانوا فيه من شدة العيش وقلة الشيء، وكانوا مع ذلك يواسون من القليل، وإذا اجتمعوا ربما آثر بعضهم بعضًا، انتهى مختصرًا.\nوقد بسط الحافظ الكلام على حكم القران وذكر الاختلاف فيه.\n\n(٤٥ -<span data-type='title' id=toc-3272> باب بركة النخلة)</span>\nهكذا وقع في النسخة الهندية بتقديم هذا الباب على الباب الآتي، أي: \"<span data-type='title' id=toc-3273>باب القثاء</span>\"، وفي نسخ الشروح الثلاثة بعكس الترتيب.\n\n(٤٦ - باب القثاء)\nقال العلامة العيني (^٣): وهذه الترجمة زائدة لا فائدة تحتها؛ لأنه ذكر عن قريب \"باب الرطب بالقثاء\"، وذكر الحديث الذي ذكره في هذا الباب، انتهى. وسكت الحافظ عن ذلك وكذا العلامة القسطلاني.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٢٣٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٥٧٠ - ٥٧٢).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٤٤٨).","vol":"6","page":29},{"text":"(عجيبة) ذكرها الإمام أبو داود في \"باب صدقة الزرع\" من \"كتاب الزكاة\": قال أبو داود (^١): شبرت قثاءة بمصر ثلاثة عشر شبرًا، ورأيت أترجة على بعير بقطعتين قطعت وصيرت على مثل عدلين، انتهى.\n\n(٤٧ -<span data-type='title' id=toc-3274> باب جمع اللونين أو الطعامين بمرة)</span>\nأي: في حالة واحدة، ولعل البخاري لمح إلى تضعيف حديث أنس: \"أن النبي - ﷺ - أتي بإناء - أو بقعب - فيه لبن وعسل فقال: أدمان في إناء لا آكله ولا أحرمه\" أخرجه الطبراني وفيه راو مجهول، قاله الحافظ (^٢).\nوقال في شرح الحديث: ووقع في رواية الطبراني كيفية أكله لهما، فأخرج في \"الأوسط\" من حديث عبد الله بن جعفر قال: \"رأيت في يمين النبي - ﷺ - قثاء وفي شماله رطبًا وهو يأكل من ذا مرة ومن ذا مرة، وفي سنده ضعف، وأخرج فيه وهو في \"الطب\" لأبي نعيم من حديث أنس: \"كان يأخذ الرطب بيمينه والبطيخ بيساره فيأكل الرطب بالبطيخ\"، وأخرج النسائي عن أنس: \"رأيت رسول الله - ﷺ - يجمع بين الرطب والخربز\" وهو بكسر الخاء المعجمة وسكون الراء وكسر الموحدة بعدها زاي: نوع من البطيخ الأصفر، وقد تكبر القثاء فتصفر من شدة الحر فتصير كالخربز، كما شاهدته كذلك في الحجاز، وفي هذا تعقب على من زعم أن المراد بالبطيخ في الحديث الأخضر، واعتل بأن في الأصفر حرارة كما في الرطب، وقد ورد التعليل بأن أحدهما يطفئ حرارة الآخر، والجواب عن ذلك بأن في الأصفر بالنسبة للرطب برودة وإن كان فيه لحلاوته طرف حرارة، والله أعلم، انتهى من \"الفتح\".\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"الكوكب الدري\" (^٣): البطيخ هو المشهور\n_________\n(^١) انظر: \"بذل المجهود\" (٦/ ٤١٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٥٧٣).\n(^٣) \"الكوكب الدري\" (٣/ ٢٣، ٢٤).","vol":"6","page":30},{"text":"فينا بـ \"خربزه\"، وأما ما قال بعضهم في معناه أنه \"التربز\" فهو ليس بسديد، ومنشأ توهمه ما ورد في بعض الروايات أنه كان يميت بحر الرطب برده، والجواب عنه أن المراد بالحر والبرد ثمة حرارة الحس واللمس وبرودته لا حرارة المزاج وبرودته، فإن الحالي من الأشياء يحسّ كأنه حار، ولا كذلك البطيخ فإنه يتبرد بتركه مقطوعًا، وأما ما أجاب بعضهم بأنه كان نيًّا غير نضيج فيأبى عنه أنه لا يؤكل عادة، انتهى.\nوفي \"هامشه\": مال القاري في \"شرح الشمائل\" إلى أن المراد به الأخضر المشهور عندنا بـ \"تربوز\"، وقال: هو الأظهر لأنه رطب بارد، انتهى. وإليه مال غير واحد من الشرَّاح، ومال الحافظ في \"الفتح\" إلى الأول وتعقب الثاني وهو مختار الشيخ، وهو الأوجه لموافقة أهل اللغة فإنهم فسروه بالخربز، انتهى.\nوأما حكم مسألة الباب فقال الحافظ (^١): قال النووي: في حديث الباب جواز أكل الشيئين من الفاكهة وغيرها معًا، وجواز أكل طعامين معًا، ويؤخذ منه جواز التوسع في المطاعم، ولا خلاف بين العلماء في جواز ذلك، وما نقل عن السلف من خلاف هذا محمول على الكراهة منعًا لاعتياد التوسع والترفه لغير مصلحة دينية، انتهى.\n\n(٤٨ -<span data-type='title' id=toc-3275> باب من أدخل الضيفان عشرة عشرة. . .) إلخ</span>\nأي: إذا احتيج إلى ذلك لضيق الطعام أو مكان الجلوس عليه، قاله الحافظ (^٢).\nوقال أيضًا في شرح الحديث: قال ابن بطال: الاجتماع على الطعام من أسباب البركة، قال: وإنما أدخلهم عشرة عشرة؛ لأنها كانت قصعة واحدة، ولا يمكن الجماعة الكثيرة أن يقدروا على التناول منها مع قلة\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٥٧٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٥٧٤).","vol":"6","page":31},{"text":"الطعام، فجعلهم عشرة عشرة، وليس في الحديث المنع عن اجتماع أكثر من عشرة على الطعام، انتهى.\n\n(٤٩ -<span data-type='title' id=toc-3276> باب ما يكره من الثوم والبقول)</span>\nأي: التي لها رائحة كريهة، وهل النهي عن دخول المسجد لآكلها على التعميم أو على من أكل التي منها دون المطبوخ؟ وقد تقدم بيان ذلك في \"كتاب الصلاة\"، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوقال القسطلاني (^٢): وظاهر هذه الأحاديث شامل للنِّيِّ والمطبوخ، لكن عند أبي داود (^٣) من حديث علي: \"نهى عن أكل الثوم إلا مطبوخًا\" لأنه حينئذ تزول رائحته الكريهة لا سيما البصل، انتهى.\n\n(٥٠ -<span data-type='title' id=toc-3277> باب الكباث)</span>\nبفتح الكاف وتخفيف الموحدة وبعد الألف مثلثة.\nقوله: (وهو ورق الأراك) كذا وقع في رواية أبي ذر عن مشايخه، وقال: كذا في الرواية والصواب: \"تمر الأراك\"، انتهى. ووقع للنسفي \"ثمر الأراك\" وللباقين على الوجهين. وقال الكرماني: وقع في نسخة البخاري: \"وهو ورق الأراك\"، قيل: وهو خلاف اللغة، انتهى ملخصًا من \"الفتح\" (^٤).\n\n(٥١ -<span data-type='title' id=toc-3278> باب المضمضة بعد الطعام)</span>\nسقط الباب لغير أبي ذر، انتهى من \"القسطلاني\" (^٥).\nقال العلامة العيني (^٦) تحت حديث الباب: مطابقته للترجمة ظاهرة،\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٥٧٥).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٢٤٠).\n(^٣) \"سنن أبي داود\" (ح: ٣٨٢٨).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٩/ ٥٧٦).\n(^٥) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٢٤١).\n(^٦) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٤٥٢).","vol":"6","page":32},{"text":"وهذا الحديث بعين هذا الإسناد والمتن مع بعض اختلاف فيه بزيادة ونقصان قد مر في \"كتاب الأطعمة\" في \"باب ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١] \"، انتهى.\n\n(٥٢ -<span data-type='title' id=toc-3279> باب لعق الأصابع ومصّها. . .) إلخ</span>\nقال القسطلاني (^١): أي: استحبابه، انتهى.\nوقال الحافظ (^٢): قوله: (قبل أن تمسح. . .) إلخ، كذا قيده بالمنديل، وأشار بذلك إلى ما وقع في بعض طرق الحديث كما أخرجه مسلم عن جابر بلفظ: \"فلا يمسح يده بالمنديل. . .\" إلخ، لكن حديث جابر المذكور في الباب الذي يليه صريح في أنهم لم يكن لهم مناديل، ومفهومه يدل على أنهم لو كانت لهم مناديل لمسحوا بها، فيحمل حديث النهي على من وجد، وأما قوله في الترجمة: \"ومصّها\" فيشير إلى ما وقع في بعض طرقه عن جابر أيضًا، وذلك فيما أخرجه ابن أبي شيبة من رواية أبي سفيان عنه بلفظ: \"إذا طعم أحدكم فلا يمسح يده حتى يمصّها\"، وذكر القفال في \"محاسن الشريعة\": أن المراد بالمنديل هنا المنديل المعدّ لإزالة الزهومة لا المنديل المعدّ للمسح بعد الغسل، انتهى.\nوقال أيضًا في فوائد الحديث: وفي الحديث ردٌّ على من كره لعق الأصابع استقذارًا، نعم يحصل ذلك لو فعله في أثناء الأكل؛ لأنه يعيد أصابعه في الطعام وعليها أثر ريقه، قال الخطابي: عاب قوم أفسد عقلَهم الترفُّهُ فزعموا أن لعق الأصابع مستقبح؛ كأنهم لم يعلموا أن الطعام الذي علق بالأصابع أو الصحفة جزء من أجزاء ما أكلوه، إلى أن قال: ووقع في حديث كعب بن عجرة عند الطبراني في \"الأوسط\" صفة لعق الأصابع ولفظه: \"رأيت رسول الله - ﷺ - يأكل\" الحديث، وفيه: \"ثم رأيته يلعق أصابعه\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٢٤٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٥٧٧ - ٥٧٩).","vol":"6","page":33},{"text":"الثلاث: الوسطى ثم التي تليها ثم الإبهام\"، قال شيخنا في \"شرح الترمذي\": كأن السر فيه أن الوسطى أكثر تلويثًا لأنها أطول، انتهى مختصرًا.\n\n(٥٣ -<span data-type='title' id=toc-3280> باب المنديل)</span>\nترجم له ابن ماجه: \"مسح اليد بالمنديل\"، كذا في \"الفتح\" (^١). وفيه تحت الحديث المذكور في الباب السابق: وفي الحديث استحباب مسح اليد بعد الطعام، قال عياض: محله فيما لم يحتج فيه إلى الغسل مما ليس فيه غمر ولُزوجة مما لا يذهبه إلا الغسل؛ لما جاء في الحديث من الترغيب في غسله والحذر من تركه، وهو ما أخرجه أبو داود (^٢) عن أبي هريرة رفعه: \"من بات وفي يده غمر ولم يغسله فأصابه شيء فلا يلومنّ إلا نفسه\"، انتهى.\n\n(٥٤ -<span data-type='title' id=toc-3281> باب ما يقول إذا فرغ من طعامه)</span>\nقال ابن بطال: اتفقوا على استحباب الحمد بعد الطعام، ووردت في ذلك أنواع، يعني: لا يتعين شيء منها، كذا في \"الفتح\" (^٣). وفيه تحت حديث الباب: ووقع في حديث أبي سعيد عند أبي داود: \"الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين\"، ولأبي داود والترمذي من حديث أبي أيوب: \"الحمد لله الذي أطعم وسقى وسوغه وجعل له مخرجًا\"، انتهى.\n\n(٥٥ -<span data-type='title' id=toc-3282> باب الأكل مع الخادم)</span>\nقال القسطلاني (^٤): أي: للتواضع ونفي الكبر سواء كان الخادم حرًّا أو رقيقًا ذكرًا أو أنثى إذا جاز له النظر إليه، انتهى.\nوهكذا في \"الفتح\"، قلت: والمقصود بيان الأولوية.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٥٧٩).\n(^٢) \"سنن أبي داود\" (رقم ٣٨٥٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٩/ ٥٨٠).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٢٤٦)، و\"فتح الباري\" (٩/ ٥٨١).","vol":"6","page":34},{"text":"(٥٦ -<span data-type='title' id=toc-3283> باب الطاعم الشاكر مثل الصائم الصابر)</span>\n(فيه: عن أبي هريرة. . .) إلخ، هذا الحديث من الأحاديث المعلقة التي لم تقع في هذا الكتاب موصولة، وقد أخرجه المصنف في \"التاريخ\" والحاكم في \"المستدرك\" ولفظه: \"إن للطاعم الشاكر من الأجر مثل ما للصائم الصابر\"، قال ابن بطال: هذا من تفضل الله على عباده أن جعل للطاعم إذا شكر ربه على ما أنعم به عليه ثواب الصائم الصابر.\nوقال الكرماني: التشبيه ههنا في أصل الثواب لا في الكمية ولا الكيفية، والتشبيه لا يستلزم المماثلة من جميع الأوجه. . .، إلى آخر ما بسط الحافظ (^١) من الكلام والاختلاف في التفضيل بين الغني الشاكر والفقير الصابر.\n\n(٥٧ -<span data-type='title' id=toc-3284> باب الرجل يدعى إلى طعام فيقول: وهذا معي)</span>\nقال الحافظ (^٢): واعترض الإسماعيلي فقال: إن القصة ليس فيها ما ذكر وأن الرجل تبعهم من تلقاء نفسه، قلت: أشار به البخاري إلى حديث أنس في قصة الخياط الذي دعا النبي - ﷺ - فقال: \"وهذه\" يعني: عائشة، وإنما عدل البخاري عن إيراد حديث أنس هنا إلى حديث أبي مسعود إشارة منه إلى تغاير القصتين واختلاف الحالين، ثم قال الحافظ: ومطابقة الأثر للحديث من جهة كون اللحام لم يكن متهمًا، وأكل النبي - ﷺ - من طعامه ولم يسأله، انتهى من \"الفتح\".\n\n(٥٨ -<span data-type='title' id=toc-3285> باب إذا حضر العشاء فلا يعجل عن عشائه)</span>\nقال العلامة العيني (^٣): قال الكرماني: قوله: \"إذا حضر العشاء\" روي بفتح العين وكسرها، وهو بالكسر من صلاة المغرب إلى العتمة،\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٥٨٢، ٥٨٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٥٨٤).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٤٥٩).","vol":"6","page":35},{"text":"وبالفتح الطعام خلاف الغداء، ولفظ \"عن عَشائه\" هو بالفتح لا غير، انتهى.\nوقال القسطلاني (^١): إذا حضر العَشاء بفتح العين مصححًا عليها في الفرع كأصله.\nوقال الحافظ ابن حجر: إنها الرواية عنده وهو ضد الغداء، أي: حضر الأكل وصلاة المغرب، فلا يعجل أحدكم عن أكل عشائه بالفتح أيضًا، فإذا فرغ فليصل ليكون قلبه فارغًا لمناجاة ربه تعالى، انتهى.\nوقال الحافظ (^٢) - ﵀ -: ولفظ هذه الترجمة وقع معناه في حديث أورده المصنف في الصلاة في أوائل صلاة الجماعة، ثم قال بعد ذكر الحديث الأول من الباب: قال الكرماني: دلالته على الترجمة من جهة أنه استنبط من اشتغاله - ﷺ - بالأكل وقت الصلاة.\nقلت: ويظهر لي أن البخاري أراد بتقديم هذا الحديث بيان أن الأمر في حديث ابن عمر وعائشة بترك المبادرة إلى الصلاة قبل تناول الطعام ليس على الوجوب، انتهى.\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٣): أشار بتقديم هذه الرواية إلى تخصيص الترجمة وما دلّ عليها من الروايات بما إذا كانت له فاقة إلى الطعام، انتهى.\nوفي هامشه عن \"تقرير الشيخ المكي\": قوله: \"فألقاها. . .\" إلخ، فعلم أنه لم يكن مضطرًا من الأكل، وما سيجيئ من قوله: \"فابدؤا بالعشاء\" في حق المضطر، انتهى.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٢٤٩).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٥٨٥).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٩/ ٤٠١).","vol":"6","page":36},{"text":"(٥٩ -<span data-type='title' id=toc-3286> باب قول الله - ﷿ -: ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ [الأحزاب:</span> ٥٣])\nذكر فيه حديث أنس في قصة زينب بنت جحش والبناء عليها ونزول آية الحجاب، المراد بالانتشار ههنا التوجه عن مكان الطعام للتخفيف عن صاحب المنزل كما هو مقتضى الآية، وقد مر مستوفى في تفسير سورة الأحزاب، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nأما براعة الاختتام فكما تقدم في \"مقدمة اللامع\" (^٢) أنها في قوله: \"وأنزل الحجاب\" فإن الرجل محجوب في قبره.\n* * *\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٥٨٦).\n(^٢) \"مقدمة لامع الدراري\" (١/ ١١٢).","vol":"6","page":37},{"text":"٧١ -<span data-type='title' id=toc-3287> كتاب العقيقة</span>\nبفتح العين المهملة، وهي لغة: الشعر الذي على رأس الولد حين ولادته، وشرعًا: ما يذبح عند حلق شعره؛ لأن مذبحه يعقّ، أي: يشقّ ويقطع، ولأن الشعر يحلق إذ ذاك، وقال ابن أبي الدم: قال أصحابنا: يستحب تسميتها نسيكة أو ذبيحة، وتكره تسميتها عقيقة، كما تكره تسمية العشاء عتمة، والمعنى فيها إظهار البشر والنعمة ونشر النسب. . .، إلى آخر ما ذكر العلامة القسطلاني (^١) في حكمها شرعًا.\nوفي هامش \"اللامع\" (^٢): بسط الكلام على هذا الباب في \"الأوجز\"، وذكر فيه عشرة أبحاث: الأول: في لغتها، والثاني: في حكمها، والثالث: في وقتها، وفيه أنه إذا فات الوقت هل تقضى أم لا؟ الرابع: هل تختص بالذكر أو تسن للأنثى أيضًا، والخامس: هل يفرق بين الذكر والأنثى بالشاة والشاتين أو هي شاة شاة لكل منهما؟ والسادس: هل تختص بالشاة أو تكون من البقر والإبل أو الشركة فيهما أيضًا؟ والسابع: هل يشترط فيها ما يشترط في الضحايا؟ والثامن: المكلف بها الوالد خاصة أو غيره أيضًا، ويدخل فيه أنه إذا لم يعق عن الصغير هل يعق عن نفسه بعد البلوغ، التاسع: هل يكسر عظامها في الطبخ أم لا؟ العاشر: هل يلطخ رأس الصبي بدم العقيقة أم لا؟ فهذه عشرة أبحاث بسط الكلام عليها في \"الأوجز\" مفصلًا.\nأما البحث الثاني فقد اختلف العلماء في حكمها على مذاهب: أولها: أنها واجبة، وهو مذهب الليث وداود وأبي الزناد، وهو رواية عن أحمد\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٢٥٣).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٩/ ٤٠٢، ٤٠٣)، و\"أوجز المسالك\" (١٠/ ١٦٤ - ١٨٤).","vol":"6","page":38},{"text":"وروي عن الحسن وأهل الظاهر، وقال ابن حزم: هي فرض واجب يجبر الإنسان عليه إذا فضل من قوته مقدارها.\nالقول الثاني: أنها سُنَّة مؤكدة حكاها شارح \"الإقناع\" من فروع الشافعية، وهو مقتضى كلام صاحب \"الروض المربع\" من فروع الحنابلة، وبه جزم صاحب \"نيل المآرب\" منهم، وحكاه ابن عابدين أيضًا عن الشافعي وأحمد.\nالثالث: الندب، جزم به الدردير، وهو نص الإمام مالك في \"الموطأ\".\nواختلفت الروايات في ذلك عن الحنفية، والمعروف في فروعهم أنها مندوبة، وهو الصواب، والثانية أنها مباحة، والثالثة أنها بدعة، وأنكرها العيني وبسط الكلام على ردّ هذا القول، وأثبت الاستحباب في \"الأوجز\"، انتهى من هامش \"اللامع\". وفي \"الفيض\" (^١): وهي مستحبة كما في \"العالمكَيرية\"، وفي \"البدائع\": أنها منسوخة.\nقلت: وإنما حملته عليه عبارة محمد في \"موطئه\" قال محمد: العقيقة بلغنا أنها كانت في الجاهلية، وقد جعلت في أول الإسلام ثم نسخ الأضحى كل ذبح كان قبله. . .، إلى آخر ما قال.\nقال العلامة القسطلاني (^٢): والأصل فيها الأحاديث كحديث \"الغلام مرتهن بعقيقته تذبح عنه يوم السابع ويحلق رأسه\" رواه الترمذي (^٣) وقال: حسن صحيح، وعند البزار عن ابن عباس مرفوعًا: \"للغلام عقيقتان وللجارية عقيقة\" وقال: لا نعلمه بهذا اللفظ إلا بهذا الإسناد، انتهى.\nوقال الحافظ (^٤): ووقع في عدة أحاديث \"عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة\"، انتهى.\n_________\n(^١) \"فيض الباري\" (٥/ ٦٤٧).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٢٥٣).\n(^٣) \"سنن الترمذي\" (رقم ١٥٢٢).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٩/ ٥٨٦).","vol":"6","page":39},{"text":"(١ -<span data-type='title' id=toc-3288> باب تسمية المولود غداة يولد لمن لم يعق عنه)</span>\nقال الحافظ (^١): وقضية أن من لم يرد أن يعق عنه لا يؤخر تسميته إلى السابع، كما وقع في قصة إبراهيم بن أبي موسى وعبد الله بن أبي طلحة، وكذلك إبراهيم ابن النبي - ﷺ - وعبد الله بن الزبير، فإنه لم ينقل أنه عقّ عن أحد منهم، ومن أريد أن يعق عنه تؤخر تسميته إلى السابع، كما سيأتي في الأحاديث الأخرى، وهو جمع لطيف لم أره لغير البخاري.\nقوله: (وتحنيكه) أي: غداة يولد، وكأنه قيد بالغداة اتباعًا للفظ الخبر، والغداة تطلق ويراد بها مطلق الوقت وهو المراد هنا، وإنما اتفق تأخير ذلك لضرورة الواقع، والتحنيك: مضغ الشيء ووضعه في فم الصبي ودلك حنكه به، ويصنع ذلك بالصبي ليتمرن على الأكل ويقوى عليه، انتهى.\nقوله: (ساق الحديث. . .) إلخ، في الحاشية (^٢): هذا يوهم أنه يريد الحديث الذي قبله، وليس كذلك؛ لأن لفظهما مختلف، وهما حديثان عند ابن عون: أحدهما عنده عن أنس بن سيرين وهو المذكور ههنا، والثاني عنده عن محمد بن سيرين عن أنس، وقد ساقه المصنف في اللباس بهذا الإسناد، انتهى.\nوبسط الحافظ الاختلاف في سنده.\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-3289> باب إماطة الأذى عن الصبي في العقيقة)</span>\nقال العيني (^٣): وفي \"التوضيح\": وإماطة الأذى عن الصبي: حلق الشعر الذي على رأسه، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٥٨٧، ٥٨٨).\n(^٢) \"صحيح البخاري بحاشية السهارنفوري\" (١١/ ١٦٦).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٤٦٦).","vol":"6","page":40},{"text":"وفي هامش \"اللامع\" (^١): واختلفوا في مصداق الأذى؟ قال الكرماني: قيل: هو إما الشعر وإما الدم وإما الختان، قال الخطابي: قال محمد بن سيرين: لما سمعنا هذا الحديث طلبنا من يعرف إماطة الأذى عنه فلم نجد، وقيل: المراد بالأذى هو شعره الذي علق به دم الرحم فيماط عنه بالحلق، وقيل: إنهم كانوا يلطخون رأس الصبي بدم العقيقة وهو أذى فنهى عن ذلك، أقول: يحتمل أن يراد به آثار دم الرحم فقط، انتهى.\nوقال الحافظ: وقع عند أبي داود عن ابن سيرين: إن لم يكن الأذى حلق الرأس فلا أدري ما هو، وجزم الأصمعي بأنه حلق الرأس، انتهى مختصرًا.\nوالأوجه عند هذا العبد الضعيف - عفا الله تعالى عنه - أن المراد بالأذى البلايا المتعلقة بالمولود، قال القاري في شرح قوله - ﷺ -: \"الغلام مرتهن بعقيقته\" يعني: أنه محبوس سلامته عن الآفات بها، انتهى.\nوفي \"شرح شيخ الإسلام\" (^٢) على هامش النسخة المصرية: قوله \"باب إماطة الأذى. . .\" إلخ، أي: إزالة الشعر أو قلفة الختان عنه في وقت العقيقة، انتهى.\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-3290> باب الفرع)</span>\nبفتح الفاء والراء وبالعين المهملة، قال في \"القاموس\": وهو أول ولد تنتجه الناقة والغنم كانوا يذبحونه لآلهتهم، أو كانوا إذا تمت إبل واحد مائة، قدم بكره فنحره لصنمه، وكان المسلمون يفعلونه في صدر الإسلام ثم نسخ، انتهى من \"القسطلاني\" (^٣).\nوقال الحافظ (^٤): والفرع أيضًا طعام يصنع لنتاج الإبل كالخرس للولادة، ويؤخذ من هذا مناسبة ذكر البخاري حديث الفرع مع العقيقة، انتهى.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٩/ ٤٠٦).\n(^٢) \"تحفة الباري\" (٥/ ٤٥٤).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٢٦١).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٩/ ٥٩٦).","vol":"6","page":41},{"text":"(٤ -<span data-type='title' id=toc-3291> باب العتيرة)</span>\nتفسيره مذكور في حديث الباب، قال العلامة القسطلاني (^١): والعتيرة النسيكة التي تعتر، أي: تذبح، وكانوا يذبحونها في العشر الأول من رجب ويسمونها الرجبية، انتهى.\nقال الحافظ (^٢): قوله: \"كانوا يذبحونه لطواغيتهم. . .\" إلخ، فيه إشارة إلى علة النهي، واستنبط الشافعي منه الجواز إذا كان الذبح لله تعالى جمعًا بينه وبين حديث: \"الفرع حق\"، وهو حديث أخرجه أبو داود والنسائي والحاكم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو، وقال الشافعي فيما نقله البيهقي في معنى قوله: \"حق\": أي: ليس بباطل، ولا مخالفة بينه وبين الحديث الآخر: \"لا فرع ولا عتيرة\"، فإن معناه لا فرع واجب ولا عتيرة واجبة.\nوقال النووي: نص الشافعي في حرملة على أن الفرع والعتيرة مستحبان، وجزم أبو عبيد بأن العتيرة تستحب، وفي هذا تعقب على من قال: إن ابن سيرين تفرد بذلك، ونقل الطحاوي عن ابن عون أنه كان يفعله، ومال ابن المنذر إلى هذا، ثم نقل عن العلماء تركهما إلا ابن سيرين، وكذا ذكر عياض أن الجمهور على النسخ، وبه جزم الحازمي، وما تقدم نقله عن الشافعي يرد عليهم، وقد أخرج أبو داود من حديث أبي العشراء عن أبيه: \"أن النبي - ﷺ - سئل عن العتيرة فحسنها\"، وروى النسائي وصححه الحاكم (^٣) من حديث الحارث بن عمرو: \"أنه لقي رسول الله - ﷺ - في حجة الوداع، فقال رجل: يا رسول الله العتائر والفرائع؟ قال: من شاء عتر ومن شاء لم يعتر، ومن شاء فرع ومن شاء لم يفرع\"، وهذا صريح في عدم الوجوب، لكن لا ينفي الاستحباب، انتهى ملخصًا من \"الفتح\".\nثم البراعة سكت عنها الحافظ، وعندي في قوله: \"يذبحونه\" (^٤).\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٢٦٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٥٩٧، ٥٩٨).\n(^٣) \"سنن النسائي\" (رقم ٤٢٢٦)، \"المستدرك\" (٤/ ٢٦٤).\n(^٤) راجع: \"مقدمة لامع الدراري\" (١/ ١١٨).","vol":"6","page":42},{"text":"٧٢ -<span data-type='title' id=toc-3292> كتاب الذبائح والصيد</span>\nقال العلامة العيني (^١): أي: هذا كتاب في بيان أحكام الذبائح وأحكام الصيد وبيان التسمية عند إرسال الكلب على الصيد، والذبائح جمع ذبيحة بمعنى المذبوح، انتهى.\nوفي نسخة \"الفتح\": \"كتاب الذبائح والصيد، باب التسمية على الصيد\".\nقال الحافظ (^٢): سقط \"باب\" لكريمة والأصيلي وأبي ذر وثبت للباقين، والصيد في الأصل مصدر صاد يصيد صيدًا، عومل معاملة الأسماء فأوقع على الحيوان المصاد، انتهى.\nوفي نسخة \"العيني\": \"كتاب الذبائح والصيد والتسمية على الصيد، باب التسمية على الصيد\" وقال (^٣): أي: هذا باب في بيان وجوب التسمية على الصيد، ولفظ \"باب\" لم يثبت في رواية كريمة.\nثم قال بعد حديث الباب: مطابقته للترجمة ظاهرة على تقدير وجود قوله: \"باب التسمية على الصيد\"، وإلا فقوله: \"كتاب الذبائح والصيد والتسمية على الصيد\" أظهر لأن في الحديث ثلاثة أشياء: مشروعية الصيد، ووجوب ذكاته حقيقة أو حكمًا، ووجوب التسمية، وللترجمة ثلاثة أجزاء يطابق كل واحد من الثلاثة المذكورة لكل واحد من أجزاء الترجمة، انتهى.\nوليست لفظة \"باب\" في متن النسخ الهندية من البخاري، ولكن ذكرها في الحاشية بطريق النسخة.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٤٧٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٥٩٩).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٤٧٢ - ٤٧٥).","vol":"6","page":43},{"text":"وقال الحافظ (^١) في مطابقة الحديث بالترجمة: جرى المصنف على عادته في الإشارة إلى ما ورد في بعض طرق الحديث الذي يورده، وقد أورد البخاري بعده بقليل من طريق ابن أبي السفر عن الشعبي بلفظ: \"إذا أرسلت كلبك وسميت فكل\"، ومن رواية بيان عن الشعبي: \"إذا أرسلت كلابك المعلمة وذكرت اسم الله فكل\"، انتهى مختصرًا.\nوفي \"الهداية\" (^٢): الصيد الاصطياد، ويطلق على ما يصاد، والفعل مباح لغير المحرم في غير الحرم لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]، ولقوله - ﷿ -: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦] وقوله ﵊ لعدي بن حاتم الطائي - ﵁ -: \"إذا أرسلت كلبك المعلم فذكرت اسم الله عليه فكل\" الحديث، وعلى إباحته انعقد الإجماع. . .، إلى آخر ما ذكر.\nثم الاصطياد على نوعين: أحدهما الاصطياد بالجوارح كالكلاب المعلمة وغيرها من الحيوان، والثاني الاصطياد بالرمي فذكر الإمام البخاري النوع الثاني بالباب الآتي.\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-3293> باب صيد المعراض)</span>\nبكسر الميم وسكون العين المهملة وفي آخره ضاد معجمة، قال الخليل وآخرون: هو سهم لا ريش له ولا نصل، وقال ابن دريد وابن سيده: سهم طويل له أربع قذذ رقاق، فإذا رمى به اعترض، وقال الخطابي: المعراض نصل عريض له ثقل ورزانة، وقيل: عود رقيق الطرفين غليظ الوسط، وهو المسمى بالحذافة، وقال ابن التِّين: المعراض عصا في طرفها حديدة يرمي الصائد بها الصيد فما أصاب بحده فهو ذكي فيؤكل، وما أصاب بغير حده فهو وقيذ، انتهى من \"العيني\" (^٣).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٦٠٣).\n(^٢) \"الهداية\" (٢/ ٤٠١).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٤٧٥).","vol":"6","page":44},{"text":"وفي \"القسطلاني\" (^١): قال النووي: المعراض خشبة ثقيلة أو عصا في طرفها حديدة، وقد تكون بغير حديدة، هذا هو الصحيح في تفسيره، ثم ذكر نحو ما تقدم من الأقوال.\nوفي هامش النسخة الهندية (^٢): قيل: لا وجه لذكر أثر ابن عمر ولا الآثار التي بعده في هذا الباب، قلت: فيه وجه حسن، وهو أن المقتولة بالبندقة موقوذة، كما أن مقتولة المعراض بغير حده موقوذة، وهذا المقدار كاف في بيان المطابقة، انتهى من \"العيني\".\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-3294> باب ما أصاب المعراض بعرضه)</span>\nقال العلامة القسطلاني (^٣) تبعًا للعلامة العيني: أي: حكم ما أصاب المعراض من الصيد بعرضه، وهكذا شرح الباب الأول إذ قال في الباب السابق: أي: حكم صيد المعراض، وعلى هذا يلزم التكرار بين الترجمتين، فالأوجه أن يقال في الفرق بين الترجمتين: إن الغرض من السابق بيان لمصداق صيد المعراض، وأنه يشمل صيد البندقة أيضًا، والغرض من هذا الباب بيان حكمه فافترقا.\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-3295> باب صيد القوس)</span>\nأي: بيان حكم الصيد بالقوس، قاله العيني والقسطلاني (^٤).\nوفي \"شرح شيخ الإسلام\" (^٥): أي: بيان حكم مصيد سهمه، انتهى.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٢٦٦).\n(^٢) \"صحيح البخاري بحاشية السهارنفوري\" (١١/ ١٧٩).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٢٦٩)، و\"عمدة القاري\" (١٤/ ٤٧٨).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٤٧٨)، و\"إرشاد الساري\" (١٢/ ٢٧٠).\n(^٥) \"تحفة الباري\" (٥/ ٤٥٨).","vol":"6","page":45},{"text":"قوله: (وقال الحسن وابراهيم: إذا ضرب صيدًا فبان منه يد أو رجل. . .) إلخ، قال العيني (^١): قيل: لا وجه لإيراد الأثر المذكور في هذا الباب.\nقلت: له وجه؛ لأنه يمكن ضرب صيد بسهم قوس فأبان منه يده أو رجله، انتهى.\nوالمسألة خلافية، قال الحافظ (^٢): قال ابن المنذر: اختلفوا في هذه المسألة؟ فقال ابن عباس وعطاء: لا تأكل العضو منه، وذكِّ الصَّيْدَ وكُلْه، وقال عكرمة: إن عدا حيًّا بعد سقوط العضو منه فلا تأكل العضو، وذكِّ الصيد وكلْه، وإن مات حين ضرب فكلْه كُلَّه، وبه قال الشافعي، وقال: لا فرق أن ينقطع قطعتين أو أقل إذا مات من تلك الضربة، وعن الثوري وأبي حنيفة: إن قطعه نصفين أُكلا جميعًا، وإن قطع الثلث مما يلي الرأس فكذلك، ومما يلي العجز أُكل الثلثين مما يلي الرأس، ولا يأكل الثلث الذي يلي العجز، انتهى.\nوهكذا ذكر المذاهب العلامة العيني (^٣) وزاد: وفي \"التمهيد\" عن مالك: إن قطع عضوه لا يؤكل العضو وأكل الباقي، انتهى.\nوفي \"الهداية\" (^٤): وإذا رمى صيدًا فقطع عضوًا منه أكل الصيد ولا يؤكل العضو، وقال الشافعي: أكلا إن مات الصيد منه؛ لنا قوله - ﵇ -: \"ما أبين من الحي فهو ميت\". . .، إلى آخر ما ذكر في الدلائل.\nقوله: (وإذا ضربت عنقه أو وسطه فكله) كتب الشيخ - قُدِّس سرُّه - في \"اللامع\" (^٥): لأنه لا يمكن بقاؤه دون العنق، وكذلك إذا تقطع قطعتين فلم يبق مبانًا من الحي، بل هو مبان من المذكى، فلا يكون حرامًا، وهذا هو المذهب، انتهى.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٤٧٩).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٦٠٥).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٤٧٩).\n(^٤) \"الهداية\" (٢/ ٤٠٩).\n(^٥) \"لامع الدراري\" (٩/ ٤١١).","vol":"6","page":46},{"text":"(٤ -<span data-type='title' id=toc-3296> باب الخذف والبندقة)</span>\nأي: حكمهما، والخذف بالخاء والذال المعجمتين والفاء: الرمي بحصى أو نوى بين سبابتيه وبين الإبهام والسبابة، كذا في \"القسطلاني\" (^١).\nقال الحافظ (^٢): قال المهلب: أباح الله الصيد على صفة فقال: ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ [المائدة: ٩٤]، وليس الرمي بالبندقة ونحوها من ذلك، وإنما هو وقيذ، وأطلق الشارع أن الخذف لا يصاد به؛ لأنه ليس من المجهزات، وقد اتفق العلماء إلا من شذ منهم على تحريم أكل ما قتلته البندقة والحجر، انتهى. وإنما كان كذلك لأنه يقتل الصيد بقوة راميه لا بحده، انتهى.\nقلت: وسيأتي في \"كتاب الأدب\" \"باب الخذف\" ولا يتوهم التكرار، فإن الغرض ههنا بيان حكم صيدهما، والغرض هناك النهي عن هذا الفعل.\n\n(٥ -<span data-type='title' id=toc-3297> باب من اقتنى كلبًا ليس بكلب صيد أو ماشية)</span>\nالاقتناء هو الاتخاذ والادخار للقنية، قاله العيني (^٣).\nوقال الحافظ: (^٤) وقد أورد المصنف حديث الباب من حديث أبي هريرة في \"المزارعة\" وفي \"بدء الخلق\"، انتهى.\n\n(٦ -<span data-type='title' id=toc-3298> باب إذا أكل الكلب. . .) إلخ</span>\nقال العلامة العيني (^٥): وجواب \"إذا\" محذوف تقديره: إذا أكل الكلب من الصيد لا يؤكل، ولم يذكره اعتمادًا على ما يفهم من متن الحديث، انتهى.\nومسألة الباب خلافية، قال الحافظ (^٦): في الحديث تحريم أكل الصيد\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٢٧٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٦٠٧).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٤٨٣).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٩/ ٦٠٩).\n(^٥) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٤٨٤).\n(^٦) \"فتح الباري\" (٩/ ٦٠١).","vol":"6","page":47},{"text":"الذي أكل الكلب منه ولو كان الكلب معلمًا، وقد علل في الحديث بالخوف من أنه إنما أمسك على نفسه، وهذا قول الجمهور وهو الراجح من قولي الشافعي، وقال في القديم وهو قول مالك ونقل عن بعض الصحابة: يحل، واحتجوا بما ورد في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن أعرابيًا يقال له: أبو ثعلبة قال: يا رسول الله إن لي كلابًا مكلبة فأفتني في صيدها؟ قال: \"كل مما أمسكن عليك\" قال: وإن أكل منه؟ قال: \"وإن أكل منه\" أخرجه أبو داود (^١) ولا بأس بسنده، إلى آخر ما بسط الحافظ من الجمع بين الحديثين.\nقلت: وهذا الاختلاف مبني على اختلافهم في صفة التعليم وشروطه، كما بسط الكلام على ذلك في \"الأوجز\" (^٢)، وذكر فيه الاختلاف في صفة تعليم السباع، وكذا اختلافهم في صفة تعليم الطير وشرائطه.\nقوله: (وقال عطاء: إن شرب الدم. . .) إلخ، أي: قال عطاء بن أبي رباح: إن شرب الكلب دم الصيد \"ولم يأكل\" من لحمه \"فكل\" يعني: كل هذا الصيد، وهذا التعليق رواه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\"، وذكر عن عدي بن أبي حاتم: إن شرب من دمه فلا تأكل، فإنه لم يتعلم ما علمته، وزعم ابن حزم أن الجارح إذا شرب من دم الصيد لم يضر ذلك شيئًا، إلى آخر ما ذكر (^٣).\nقلت: وبه قال الحنفية، بل قال ابن عابدين (^٤): هو أشدّ تعليمًا إذا شرب ما يحرم على الصائد، وترك ما يحل له، انتهى.\n\n(٧ -<span data-type='title' id=toc-3299> باب الصيد إذا غاب عنه يومين أو ثلاثة)</span>\nأي: عن الصائد، قال العلامة العيني (^٥) تحت حديث الباب: وهذا الحديث مشتمل على أحكام إلى أن قال: الرابع: إذا رمى الصيد وغاب عنه\n_________\n(^١) \"سنن أبي داود\" (رقم ٢٨٥٧).\n(^٢) \"أوجز المسالك\" (١٠/ ٧٦ - ٨٤).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٤٨٦).\n(^٤) انظر: \"رد المحتار\" (١٠/ ٥٤).\n(^٥) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٤٨٧).","vol":"6","page":48},{"text":"ثم وجد بعد يوم أو بعد يومين، وليس به إلا أثر سهمه فإنه يؤكل، واختلف العلماء فيه؟ فقال الأوزاعي: إذا وجده من الغد ميتًا ووجد سهمه أو أثرًا من كلبه فليأكله، وهو قول أشهب وابن الماجشون، وروي عن مالك، والمعروف عنه خلافه، ففي \"الموطأ\" و\"المدونة\": لا بأس بأكل الصيد وإن غاب عنك مصرعه إذا وجدت به أثرًا من كلبك أو كان به سهمك ما لم يبت، فإذا بات لم يؤكل، وعنه الفرق بين السهم فيؤكل، وبين الكلب فلا يؤكل، وقال أبو حنيفة: إذا توارى عنه الصيد والكلب في طلبه فوجده مقتولًا والكلب عنده كرهت أكله، وقال الشافعي: القياس أنه لا يؤكل إذا غاب عنه لاحتمال أن غيره قتله، وقال النووي: الحِلّ أصح، انتهى.\nوبسط الكلام على المسألة في \"الأوجز\" (^١) من كتب فروع الأئمة وفيه: قال الخرقي: إذا رماه فغاب عنه، فوجده ميتًا وسهمه فيه، ولا أثر به غيره، حلّ أكله، قال الموفق: هذا هو المشهور عن أحمد، وكذلك لو أرسل كلبه على صيد فغاب عنه، ثم وجده ميتًا ومعه كلبه حلّ، وعن أحمد: إن غاب نهارًا فلا بأس به، وإن غاب ليلًا لم يأكله، وعن مالك كالروايتين، وعن أحمد ما يدل: إن غاب مدةً طويلةً لم يبح، وإن كانت يسيرة أبيح؛ لأنه قيل له: إن غاب يومًا؟ قال: يوم كثير، وكره عطاء والثوري أكل ما غاب، وعن أحمد مثل ذلك، وقال أبو حنيفة: يباح إن لم يكن ترك طلبه، وإن تشاغل عنه ثم وجده لم يبح، انتهى.\nوقال النووي في \"شرح مسلم\" - تحت حديث الباب -: هذا دليل لمن يقول: إذا أثر جرحه فغاب عنه فوجده ميتًا ليس فيه أثر غير سهمه حلّ، وهو أحد قولي الشافعي ومالك، والثاني يحرم، وهو الأصح عند أصحابنا، والثالث يحرم في الكلب دون السهم، والأول أقوى وأقرب إلى الأحاديث الصحيحة، انتهى.\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (١٠/ ٧١، ٧٢).","vol":"6","page":49},{"text":"قلت: والمدار عندنا على أمرين: أحدهما أن لا يقعد عن طلبه، والثاني أن لا يجد به جراحة سوى جراحة سهمه، فإن فقد أحد الشرطين لم يحل كما في \"الهداية\" (^١) وغيره.\n\n(٨ -<span data-type='title' id=toc-3300> باب إذا وجد مع الصيد كلبًا آخر)</span>\nذكر فيه حديث عدي بن حاتم، وقد تقدم البحث في ذلك في الباب الأول، قاله الحافظ (^٢).\n\n(٩ -<span data-type='title' id=toc-3301> باب ما جاء في التصيد)</span>\nوفي \"شرح شيخ الإسلام\" (^٣): أي: ما جاء في التكلف بالصيد والاشتغال به للتكسب، انتهى.\nقال ابن المنيِّر: مقصوده بهذه الترجمة التنبيه على أن الاشتغال بالصيد لمن هو عيشه به مشروع، ولمن عرض له ذلك وعيشه بغيره مباح، وأما التصيد لمجرد اللهو فهو محل الخلاف.\nقال الحافظ (^٤): وقد تقدم البحث في ذلك في الباب الأول، انتهى.\nوقال في الباب الأول الذي أحال عليه ههنا: وفيه (^٥) - أي: حديث عدي - إباحة الاصطياد للانتفاع بالصيد للأكل والبيع، وكذا للَّهو بشرط قصد التزكية والانتفاع، وكرهه مالك وخالفه الجمهور، قال الليث: لا أعلم حقًّا أشبه بباطل منه، فلو لم يقصد الانتفاع به حرم؛ لأنه من الفساد في الأرض بإتلاف نفس عبثًا. . .، إلى آخر ما ذكر.\nوفي \"القسطلاني\" (^٦) تحت ترجمة الباب: أي: التكلف بالصيد والاشتغال به للتكسب أكلًا وبيعًا مما يدل لمشروعيته أو إباحته، انتهى.\n_________\n(^١) \"الهداية\" (٢/ ٤٠٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٦١٢).\n(^٣) \"تحفة الباري\" (٥/ ٤٦٢).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٩/ ٦١٣).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٩/ ٦٠٢).\n(^٦) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٢٨٢).","vol":"6","page":50},{"text":"قلت: وهو كذلك، وإنما أثبت مشروعيته دفعًا لما يتوهم من حديث السنن عن ابن عباس مرفوعًا: \"من سكن البادية جفا، ومن اتبع الصيد غفل\" أخرجه الإمام أبو داود في \"سننه\" (^١) في \"باب اتباع الصيد\"، وكذا أخرجه الترمذي أيضًا، ومحمل هذا الحديث فيما إذا توغَّل في اتباع الصيد وانهمك به، فقد كتب شيخنا في \"البذل\" (^٢): لأنه إذا استولى عليه رغبة اتباع الصيد وحبه يغفل عن الصلاة وغيرها من الواجبات، أو يحمل على ما إذا لم يقصد به الانتفاع بالصيد بل قصد اللهو فقط، والله تعالى أعلم.\nوقال الحافظ (^٣) تحت حديث أنس: \"أنفجنا أرنبًا ونحن بمر الظهران\" الحديث كما سيأتي: وفي الحديث أيضًا جواز استثارة الصيد والغدو (^٤) في طلبه، وأما ما أخرجه أبو داود والنسائي من حديث \"من اتبع الصيد غفل\" فهو محمول على من واظب على ذلك حتى يشغله عن غيره من المصالح الدينية وغيرها.\n\n(١٠ -<span data-type='title' id=toc-3302> باب التصيد على الجبال)</span>\nبالجيم جمع جبل بالتحريك، أورد فيه حديث أبي قتادة في قصة الحمار الوحشي لقوله فيه: كنت رقّاء على الجبال، وهو بتشديد القاف مهموز، أي: كثير الصعود عليها، قال ابن المنيِّر: نبَّه بهذه الترجمة على جواز ارتكاب المشاق لمن له غرض لنفسه أو لدابته إذا كان الغرض مباحًا، وأن التصيد في الجبال كهو في السهل، وأن إجراء الخيل في الوعر جائز للحاجة، وليس هو من تعذيب الحيوان، انتهى من \"الفتح\" (^٥).\n_________\n(^١) \"سنن أبي داود\" (رقم ٢٨٥٩)، و\"سنن الترمذي\" (رقم ٢٢٥٦).\n(^٢) \"بذل المجهود\" (٩/ ٦٣٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٩/ ٦٦٢).\n(^٤) كذا في الأصل، وكذا في \"الفتح\"، والظاهر \"العدو\" بعين مهملة.\n(^٥) \"فتح الباري\" (٩/ ٦١٤).","vol":"6","page":51},{"text":"(١١ -<span data-type='title' id=toc-3303> باب قول الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة:</span> ٩٦])\nقال العلامة العيني (^١): روى سعيد بن جبير وسعيد بن المسيب عن ابن عباس في قوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ يعني: ما يصطاد منه طريًّا ﴿وَطَعَامُهُ﴾ ما يتزود منه مليحًا يابسًا، انتهى.\nقوله: (وقال عمر - ﵁ -. . .) إلخ، وصله المصنف في \"التاريخ\" وعبد بن حميد عن أبي هريرة قال: لما قدمت البحرين سألني أهلها عما قذف البحر؟ فأمرتهم أن يأكلوه، فلما قدمت على عمر فذكر قصة قال: فقال عمر: قال الله - ﷿ - في كتابه: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ فصيده ما صيد وطعامه ما قذف به، انتهى (^٢).\nقلت: اختلفوا في تفسير قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُهُ﴾، ففي \"تفسير الجلالين\" (^٣): ﴿وَطَعَامُهُ﴾ ما يقذفه إلى الساحل ميتًا، انتهى.\nوفي هامشه: كذا فسر عمر وابنه وابن عباس وأبو هريرة كما حكاه البغوي، وبه قال الشافعي: إنه يحل أكل جميع صيود البحر وما ألقاه ميتًا، وقال الزمخشري: صيد البحر مصيداته مما يؤكل ولا يؤكل، وطعامه ما يطعم من صيده، والمعنى: أحل لكم الانتفاع بجميع ما يصاد في البحر، وأحل لكم أكل المأكول منه وهو السمك وحده، انتهى.\nوهذا على قول أبي حنيفة أنه لا يحل من البحر إلا السمك ولا يحل أكل الطافي، وقيل: صيده طريه، وطعامه مالحه، انتهى.\nقوله: (وقال أبو بكر: الطافي حلال) وصله أبو بكر بن أبي شيبة والطحاوي والدارقطني من رواية عبد الملك بن أبي بشير عن عكرمة عن ابن عباس قال: أشهد على أبي بكر أنه قال: السمكة الطافية حلال، انتهى.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٤٩٢).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (٩/ ٦١٥).\n(^٣) \"تفسير الجلالين\" (ص ١٥٦).","vol":"6","page":52},{"text":"والطافي بغير همز من طفا يطفو: إذا علا الماء ولم يرسب، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٢): قوله: الطافي حلال، وأنت تعلم أن الترجيح عند اجتماع المحرم والمبيح للمحرم لا غير، انتهى.\nوفي هامشه: أشار الشيخ بذلك إلى اختلاف الروايات فيه كما بسط في \"الأوجز\" (^٣)، والمسألة خلافية شهيرة، وهي أن الطافي مباح عند الأئمة الثلاثة وغير مباح عندنا الحنفية، وبقولهم قال جماعة من الصحابة والتابعين بسطت أسماؤهم في \"الأوجز\"، وفيه: ولنا حديث جابر مرفوعًا: \"ما ألقى البحر أو جزر عنه فكلوه، وما مات فيه فطفا فلا تأكلوه\" رواه أبو داود (^٤)، وما تكلموا عليه أجاب عنه الزيلعي ولخَّص كلامه الشيخ في \"البذل\" (^٥)، وأكثر ما أوردوا عليه أنه موقوف، قال القاري في \"المرقاة\": لا يضر وقفه، فإن الموقوف في هذا كالمرفوع كما هو المعروف. . .، إلى آخر ما ذكر في هامش \"اللامع\".\nقوله: (وأما الطير فأرى أن يذبحه. . .) إلخ، كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٦): أي: مائي المعاش غير مائي المولد، وقوله: \"أصيدُ بحرٍ؟ قال: نعم\" وكان منشأ سؤاله اختصاص البحر بالمعظم منه المحيط بأقطار العالم وهو مالح، ولذلك استدل على دفع توهمه بقوله تعالى: ﴿هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ﴾ ليظهر أن الحكم فيهما سواء، وإذا ثبت الحكم في البحر العذب ثبت في الأنهار والفلات وغير ذلك قياسًا.\nقوله: (قال أبو الدرداء في المري. . .) إلخ، يعني: أنه استفتي في المري ماذا حكمه؟ فقال: إنه حلال أحلّه الحيتان ذوات الملح إلا أنه عبّر عن الحل بالذكاة لما أنها سببه، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٦١٥).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٩/ ٤١٣).\n(^٣) \"أوجز المسالك\" (١٠/ ١٠٥).\n(^٤) \"سنن أبي داود\" (ح: ٣٨١٥).\n(^٥) \"بذل المجهود\" (١١/ ٥٣٩).\n(^٦) \"لامع الدراري\" (٩/ ٤١٣ - ٤١٥).","vol":"6","page":53},{"text":"وبسط الكلام على هذه الأقوال في هامش \"اللامع\"، وفيه أيضًا: قال الحافظ: وكان أبو الدرداء وجماعة من الصحابة يأكلون هذا المري المعمول بالخمر، وأدخله البخاري في طهارة صيد البحر، يريد أن السمك طاهر حلال، وأن طهارته وحلّه يتعدى إلى غيره كالملح، حتى يصير الحرام النجس بإضافتها إليه طاهرًا حلالًا، وهذا على رأي من يجوز تخليل الخمر، وهو قول أبي الدرداء وجماعة، انتهى.\nقال العلامة العيني: إن أبا الدرداء ممن يرى جواز تخليل الخمر، وهو مذهب الحنفية، انتهى.\nقلت: والمسألة خلافية شهيرة، ذكر ههنا في هامش \"اللامع\" فارجع إليه لو شئت.\nقوله: (فألقى البحر حوتًا ميتًا. . .) إلخ، قال صاحب \"الفيض\" (^١): وليس كذلك، بل ألقاه البحر خارجه، فمات في البر لعدم الماء، فليس ذلك الطافي، انتهى.\n\n(١٢ -<span data-type='title' id=toc-3304> باب أكل الجراد)</span>\nذكر الحافظ شيئًا من أحوال الجراد والاختلاف في أصله وحقيقته، وهل هو برّيّ أو بحري؟ ثم قال (^٢): قد أجمع العلماء على جواز أكله بغير تذكية، إلا أن المشهور عند المالكية اشتراط تذكية، واختلفوا في صفتها، فقيل: يقطع رأسه، وقيل: إن وقع في قدر أو نار حلّ، وقال ابن وهب: أخذه ذكاته، ووافق مطرف منهم الجمهور في أنه لا يفتقر إلى ذكاته لحديث ابن عمر: \"أحلت لنا ميتتان ودمان: السمك والجراد، والكبد والطحال\" أخرجه أحمد والدارقطني (^٣) مرفوعًا، وقال: إن الموقوف أصح، ورجح البيهقي أيضًا الموقوف إلا أنه قال: إن له حكم الرفع، انتهى.\n_________\n(^١) \"فيض الباري\" (٥/ ٦٥٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٦٢١).\n(^٣) \"مسند أحمد\" (٢/ ٩٧)، \"سنن الدارقطني\" (٤/ ٢٧١) (رقم ٢٥).","vol":"6","page":54},{"text":"قال القسطلاني (^١) تبعًا للعيني في شرح ترجمة الباب: أي: باب جواز أكل الجراد، انتهى.\nقلت: ولعل الإمام البخاري أشار بهذه الترجمة إلى ثبوت أكله - ﷺ - الجراد، وإلى تضعيف ما ورد من حديث سلمان: \"سئل - ﷺ - عن الجراد فقال: لا آكله ولا أحرمه\" أخرجه أبو داود (^٢).\nوقال الحافظ (^٣): قوله: \"وكنا نأكل معه الجراد\" يحتمل أن يريد بالمعية مجرد الغزو دون ما تبعه من أكل الجراد، ويحتمل أن يريد مع أكله، ويدل على الثاني أنه وقع في رواية أبي نعيم في \"الطب\": \"ويأكل معنا\"، وقال أيضًا في حديث سلمان المذكور: الصواب أنه مرسل.\n\n(١٣ -<span data-type='title' id=toc-3305> باب آنية المجوس)</span>\nأي: حكمها في الاستعمال أكلًا وشربًا، واستشكل مطابقة الحديث للترجمة إذ ليس فيه ذكر ما ترجم به وهو المجوس، وأجاب ابن التِّين باحتمال أنه كان يرى أن المجوس أهل كتاب، وابن المنيِّر بأنه بناء على أن المحذور منهما واحد وهو عدم توقي النجاسات، وابن حجر بأنه أشار إلى ما عند الترمذي من طريق أخرى عن ثعلبة: \"سئل رسول الله - ﷺ - عن قدور المجوس، فقال: أنقوها غسلًا واطبخوا فيها\"، وهذه طريقة أكثر منها البخاري فيما كان سنده فيه مقال يترجم به، ثم يورد في الباب ما يؤخذ الحكم منه بطريق الإلحاق، انتهى من \"القسطلاني\" (^٤).\n\n(١٤ -<span data-type='title' id=toc-3306> باب التسمية على الذبيحة ومن ترك متعمدًا. . .) إلخ</span>\nوتقييده بالعمدية مشعر بالتفرقة بين العمد والنسيان، قاله القسطلاني (^٥)\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٢٩٤).\n(^٢) \"سنن أبي داود\" (رقم ٣٨١٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٩/ ٦٢١، ٦٢٢).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٢٩٦).\n(^٥) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٢٩٨، ٢٩٩).","vol":"6","page":55},{"text":"وقال أيضًا: والحاصل من اختلاف العلماء تحريم تركها عمدًا ونسيانًا، وهو قول ابن سيرين والشعبي ورواية عن أحمد لظاهر الآية، أو تخصيص التحريم بغير النسيان، وهو مذهب الحنفية ومشهور مذهب المالكية والحنابلة (وإليه ميل المصنف - ﵀ - كما تقدم)، والإباحة مطلقًا عمدًا أو نسيانًا وهو مذهب الشافعية، وروي عن مالك وأحمد، إلى آخر ما ذكر من الدلائل.\n\n(١٥ -<span data-type='title' id=toc-3307> باب ما ذبح على النصب والأصنام)</span>\nالنصب بضم النون واحد الأنصاب، وقيل: النصب جمع والواحد نصاب، وقال الجوهري: النصب بسكون الصاد وضمها: ما نُصب وعُبد من دون الله، وقال الزمخشري: كانت لهم أحجار منصوبة حول البيت، يذبحون عليها، ويشرحون اللحم عليها تعظيمًا لها بذلك، ويتقربون به إليها تسمى الأنصاب، قاله العيني (^١).\nوقال القسطلاني (^٢) بعد ذكر القول الثاني من هذه الأقوال: فقوله: \"والأصنام\" عطف تفسيري، وهي جمع صنم، وهو ما اتخذ إلهًا من دون الله، انتهى.\n\n(١٦ -<span data-type='title' id=toc-3308> باب قول النبي - ﷺ -: \"فليذبح على اسم الله</span>\")\nحديث الباب قد سبق في الضحايا قبل صلاة العيد، كذا في \"القسطلاني\" (^٣).\nويشكل ههنا أن مؤدى هذه الترجمة وما تقدم من \"باب التسمية على الذبيحة\" واحد.\nقال العلامة العيني (^٤): قيل: فائدة هذه الترجمة بعد تقدم الترجمة على\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٥٠٤).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٣٠٤).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٣٠٦).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٥٠٥).","vol":"6","page":56},{"text":"التسمية التنبيه على أن الناسي يذبح على اسم الله؛ لأنه لم يقل فيه: فليسم، وإنما جعل أصل ذبح المسلم على اسم الله من صفة فعله ولوازمه، كما ورد \"ذكر الله على قلب كل مسلم سمى أو لم يسم\"، انتهى.\nقلت: وهذا وجيه وإن تعقب عليه العلامة العيني.\n\n(١٧ -<span data-type='title' id=toc-3309> باب ما أنهر الدم من القصب والمروة والحديد)</span>\nأشار المصنف بذكرها إلى ما ورد في بعض طرق حديث رافع عند الطبراني: \"أفنذبح بالقصب والمروة؟ \"، وأما الحديد فمن قوله: \"وليست معنا مدى\"، فإن فيه إشارة إلى أن الذبح بالحديد كان مقررًا عندهم جوازه، كذا في الهامش (^١) عن \"الفتح\".\nوفي \"الأوجز\" (^٢): قال ابن رُشد في \"البداية\": أجمع العلماء على أن كل ما أنهر الدم وفرى الأوداج من حديد أو صخر أو غيرهما أن التذكية به جائز، واختلفوا في ثلاثة: في السن، والظفر، والعظم، ولا خلاف في المذهب أن الزكاة بالعظم جائز إذا أنهر الدم، واختلف في السن والظفر على الأقاويل الثلاثة: أعني بالمنع مطلقًا، وبالفرق بين الانفصال والاتصال، وبالكراهة لا المنع، انتهى.\nوقال الموفق: أما الآلة فلها شرطان: أحدهما: أن تكون محددة تقطع أو تخرق بحدها لا بثقلها، الثاني: أن لا تكون سنًا ولا ظفرًا، فإن اجتمع هذان الشرطان حلّ الذبح به، سواء كان حديدًا أو حجرًا أو خشبًا، وبهذا قال الشافعي وإسحاق، وبه قال أبو حنيفة إلا في السن والظفر فقال: إذا كانا منفصلين جاز، أما العظم غير السن فمقتضى إطلاق قول أحمد والشافعي إباحة الذبح به، وهو قول مالك وأصحاب الرأي، وقال\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري بحاشية السهارنفوري\" (١١/ ٢٢٢)، وانظر: \"فتح الباري\" (٩/ ٦٣١).\n(^٢) \"أوجز المسالك\" (١٠/ ٢٠ - ٢٢).","vol":"6","page":57},{"text":"ابن جريج: يذكى بعظم الحمار ولا يذكى بعظم القرد، وعن أحمد لا يذكى بعظم ولا ظفر، انتهى.\nوفي \"شرح الإقناع\": وتجوز الذكاة بكل ما يجرح إلا بالسن والظفر وباقي العظام متصلًا كان أو منفصلًا من آدمي أو غيره؛ لحديث الصحيح \"ليس السن والظفر. . .\" إلخ، انتهى من \"الأوجز\" والبسط فيه.\n\n(١٨ -<span data-type='title' id=toc-3310> باب ذبيحة الأمة والمرأة)</span>\nكأنه يشير إلى الردّ على من منع ذلك، ونقل محمد بن عبد الحكم عن مالك كراهته، وفي \"المدونة\" جوازه، وفي وجه للشافعية يكره ذبح المرأة الأضحية، وعند سعيد بن منصور بسند صحيح عن إبراهيم النخعي أنه قال في ذبيحة المرأة والصبي: لا بأس إذا أطاق الذبيحة وحفظ التسمية، وهو قول الجمهور، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوفيه أيضًا في فوائد الحديث: وفيه جواز أكل ما ذبحته المرأة سواء كانت حرة أو أمة، كبيرة أو صغيرة، مسلمة أو كتابية، طاهرًا أو غير طاهر؛ لأنه - ﷺ - أمر بأكل ما ذبحته ولم يستفصل، نصّ على ذلك الشافعي وهو قول الجمهور، وقد تقدم في صدر الباب، انتهى.\nقال العيني (^٢): واختلف في كراهة ذبح الخصي، وروى ابن حزم عن طاوس منع ذبيحة الزنجي، انتهى.\n\n(١٩ -<span data-type='title' id=toc-3311> باب لا يذكى بالسن والعظم والظفر)</span>\nقال الكرماني: ترجم بالعظم ولم يذكره في الحديث، ولكن حكمه يعلم منه - لأن المذكور في الحديث، أعني: السن والظفر أيضًا من العظم -.\nقال الحافظ (^٣): والبخاري في هذا ماشٍ على عادته في الإشارة إلى\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٦٣٢، ٦٣٣).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٢/ ٥٠٨).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٩/ ٦٣٤).","vol":"6","page":58},{"text":"ما يتضمنه أصل الحديث، فإن فيه: \"أما السن فعظم\"، وإن كانت هذه الجملة لم تذكر هنا لكنها ثابتة مشهورة في نفس الحديث، انتهى.\nوتقدم بيان الاختلاف في مسألة الباب في \"باب ما أنهر الدم. . .\" إلخ.\n\n(٢٠ -<span data-type='title' id=toc-3312> باب ذبيحة الأعراب ونحوهم)</span>\nوهم ساكن البادية من العرب الذين لا يقيمون في الأمصار ولا يدخلون المدن إلا لحاجة.\nقوله: (ونحوهم) بالواو في رواية الأكثرين، وفي رواية الكشميهني والنسفي: \"ونحرهم\" بالراء من نحر الإبل.\nومطابقة الحديث للترجمة تؤخذ من قوله: \"إن قومًا يأتوننا\" لأن المراد منهم الأعراب الذين يأتون إليهم من البادية، انتهى من كلام العيني (^١).\nقلت: وفي رواية النسائي كما قال القسطلاني (^٢) وغيره: \"إن ناسًا من الأعراب\" بدل قوله: \"إن قومًا. . .\" إلخ، ولم يتعرض الشرَّاح لما هو الغرض من الترجمة إلا ما أشار إليه صاحب \"الفيض\" (^٣) إذ قال: \"باب ذبيحة الأعراب\" أي: الجهلاء الذين يتوهم فيهم ترك التسمية تهاونًا أو لجهلهم بالمسائل، وأيضًا أفاد في توجيه الحديث: وليس معنى قوله: \"سموا عليه أنتم وكلوه\" أن التسمية ليست بواجبة، بل معناه أن احملوا أنتم حالهم على أعدل الأحوال وسموا أنتم قبل الأكل، فإن محل تسميتكم الآن، فلا تغفلوا عنها، وأما محل تسميتهم فكان عند الذبح، والظاهر من حالهم أنهم قد أتوا بما وجب عليهم، انتهى.\nوهكذا أفاد العلامة السندي (^٤) في توجيه الحديث بالبسط والإيضاح.\nولا يبعد عندي في غرض الترجمة ما يخطر ببالي أن الإمام البخاري\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٥٠٩، ٥١٠).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٣١٠).\n(^٣) \"فيض الباري\" (٥/ ٦٥٩).\n(^٤) انظر: \"صحيح البخاري بحاشية السندي\" (٣/ ٣١١).","vol":"6","page":59},{"text":"ترجم بذلك إشارة إلى جوازه دفعًا لما يتوهم من ظاهر حديث أبي داود (^١) عن ابن عباس قال: \"نهى رسول الله - ﷺ - عن معاقرة الأعراب\"، ومحل هذا الحديث هو ما نقله الشيخ قُدِّس سرُّه في \"البذل\" (^٢) في شرح هذا الحديث عن \"مجمع بحار الأنوار\" إذ قال: وهو ما كان يتبارى الرجلان في الجود والسخاء، فيعقر هذا إبلًا وهذا إبلًا، حتى يعجز أحدهم الآخر رياءً وسمعةً وتفاخرًا لا لوجه الله، كذا في \"المجمع\"، وكذلك كل طعام صنع رياء ومفاخرة، وكذا ما ذبح لقدوم أمير متقربًا إليه لا يجوز أكله، انتهى من \"البذل\".\n\n(٢١ -<span data-type='title' id=toc-3313> باب ذبائح أهل الكتاب وشحومها من أهل الحرب وغيرهم)</span>\nأي: هذا باب في بيان حكم ذبائح أهل الكتاب، \"وشحومها\" أي: شحوم أهل الكتاب، قاله العيني (^٣).\nقلت: والأولى إرجاع الضمير إلى الذبائح، أي: شحوم ذبائح أهل الكتاب، وهكذا شرح القسطلاني (^٤).\nوقال العيني (^٥): كلمة \"من\" يجوز أن تكون بيانية ويجوز أن تكون للتبعيض، أي: من أهل الحرب الذين لا يعطون الجزية، \"وغيرهم\" أي: وغير أهل الحرب من الذين يعطون الجزية، وأشار بهذه الترجمة إلى جواز ذبائح أهل الكتاب وجواز أكل شحومهم، وهو قول الجمهور، وعن مالك وأحمد تحريم ما حرم على أهل الكتاب كالشحوم، انتهى.\nوفي \"الأوجز\" (^٦): قال الموفق: أجمع أهل العلم على إباحة ذبائح\n_________\n(^١) \"سنن أبي داود\" (رقم ٢٨٢٠).\n(^٢) \"بذل المجهود\" (٩/ ٥٧٥)، و\"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٦٩٣).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٥١١).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٣١١).\n(^٥) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٥١١).\n(^٦) \"أوجز المسالك\" (١٠/ ٣٤، ٣٥).","vol":"6","page":60},{"text":"أهل الكتاب، وأكثر أهل العلم يرون إباحة صيدهم أيضًا، قال ذلك عطاء والليث والشافعي وأصحاب الرأي، ولا نعلم أحدًا حرم صيد أهل الكتاب إلا مالكًا أباح ذبائحهم وحرم صيدهم، ولا يصح؛ لأن صيدهم من طعامهم فيدخل في عموم الآية، ولا فرق بين العدل والفاسق من المسلمين وأهل الكتاب، ولا بين الحربي والذمي في إباحة ذبيحة الكتابي منهم وتحريم ذبيحة من سواه، انتهى.\nوذكر فيه عن ابن المنذر أنهم اختلفوا في نصارى بني تغلب ونصارى العرب، فارجع إليه لو شئت.\nقوله: (لا بأس بذبيحة الأقلف) أثر إبراهيم هذا أخرجه أبو بكر الخلال، وقد ورد ما يخالفه، فأخرج ابن المنذر عن ابن عباس: الأقلف لا تؤكل ذبيحته ولا تقبل صلاته ولا شهادته، وقال ابن المنذر: قال جمهور أهل العلم: تجوز ذبيحته؛ لأن الله سبحانه أباح ذبائح أهل الكتاب، ومنهم من لا يختتن، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nقلت: وبه يظهر مناسبة ذكر هذا الأثر في هذا الباب.\nوفي \"الفيض\" (^٢): قوله: \"لا بأس. . .\" إلخ، رفع توهم - عسى أن يتوهم - أن في الذكاة شرط الملة، والأقلف يخالف ملته فينبغي أن لا تجوز ذبيحته، انتهى.\n\n(٢٢ -<span data-type='title' id=toc-3314> باب ما ندّ من البهائم. . .) إلخ</span>\nأي: الإنسية، (فهو بمنزلة الوحش) أي: في جواز عقره على أي صفة اتفقت، وهو مستفاد من قوله في الخبر: \"فإذا غلبكم منها شيء فافعلوا به هكذا\"، كذا في \"الفتح\" (^٣).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٦٣٧).\n(^٢) \"فيض الباري\" (٥/ ٦٦٠).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٩/ ٦٣٨).","vol":"6","page":61},{"text":"قوله: (ورأى ذلك علي وابن عمر وعائشة) ذلك إشارة إلى ما ذكر من أن حكم البهيمة التي تندّ مثل حكم حيوان الوحشي، وأثر عائشة ذكره ابن حزم فقال: هو أيضًا قول عائشة، ولا يعرف لهم من الصحابة مخالف، قال: وهو قول أبي حنيفة والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأصحابهم وأصحابنا، وقال مالك: لا يجوز أن يذكَّى أصلًا إلا في الحلق واللبَّة، وهو قول الليث وربيعة، انتهى من \"العيني\" (^١).\nوهكذا حكى المذاهب الحافظ (^٢) إذ قال: ونقله ابن المنذر وغيره عن الجمهور، وخالفهم مالك والليث، ونقل أيضًا عن سعيد بن المسيب وربيعة فقالوا: لا يحل أكل الإنسي إذا توحش إلا بتذكيته في حلقه أو لبته، وحجة الجمهور حديث رافع، انتهى.\n\n(٢٣ -<span data-type='title' id=toc-3315> باب النحر والذبح)</span>\nقال ابن التِّين: الأصل في الإبل النحر، وفي الشاة ونحوها الذبح، وأما البقر فجاء في القرآن ذكر ذبحها وفي السُّنَّة ذكر نحرها، واختلف في ذبح ما ينحر ونحر ما يذبح، فأجازه الجمهور ومنع ابن القاسم، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\nوهكذا في العيني وزاد: قال ابن المنذر: روي عن أبي حنيفة والثوري والليث ومالك والشافعي جواز ذلك إلا أنه يكره، وقال أحمد وإسحاق: لا يكره، وقال أشهب: إن ذبح بعيرًا من غير ضرورة لا يؤكل، انتهى.\nقلت: وعندي أن الإمام البخاري أشار بهذه الترجمة إلى جواز الأمرين؛ لأن الوارد في أحد الحديثين المذكورين لفظ الذبح وفي الثاني لفظ النحر، لكن فيه أن المصنف ذكر المتابعة لأحد الطريقين بقوله: \"تابعه وكيع وابن عيينة عن هشام في النحر\"، وتكلم عليه الحافظ أيضًا فارجع إليه لو شئت.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٥١٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٦٣٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٩/ ٦٤٠)، و\"عمدة القاري\" (١٤/ ٥١٥).","vol":"6","page":62},{"text":"(٢٤ -<span data-type='title' id=toc-3316> باب ما يكره من المثلة)</span>\nبضم الميم وسكون المثلثة: هي قطع أطراف الحيوان أو بعضها، وهو حي، يقال: مثلت به أمثّل بالتشديد للمبالغة، (والمصبورة) بفتح الميم وسكون الصاد المهملة وضم الموحدة: الدابة التي تحبس حية لتقتل بالرمي ونحوه، (والمجثمة) بضم الميم وفتح الجيم والمثلثة المشددة: التي تربط وتجعل غرضًا للرمي أو خاصة بالطير، فإذا ماتت من ذلك حرم أكلها لأنها موقوذة، انتهى من \"القسطلاني\" (^١) بزيادة.\nوفي \"الفتح\" (^٢): والجثوم للطير ونحوها بمنزلة البروك للإبل، فلو جثمت بنفسها فهي جاثمة ومجثمة بكسر المثلثة، وتلك إذا صيدت على تلك الحالة فذبحت جاز أكلها، وإن رميت فماتت لم يجز لأنها تصير موقوذة، انتهى.\nوقال صاحب \"الفيض\" (^٣): قوله: \"باب ما يكره من المثلة. . .\" إلخ، أي: قطع القوائم والكراع عند الذبح، انتهى.\nقلت: أشار به إلى مناسبة الترجمة بـ \"كتاب الذبائح\".\n\n(٢٥ -<span data-type='title' id=toc-3317> باب لحم الدجاج)</span>\nهو اسم جنس، مثلث الدال، ذكره المنذري في الحاشية وابن مالك وغيرهما، ولم يحك النووي الضم، والواحدة دجاجة مثلث أيضًا، وقيل: إن الضم فيه ضعيف. . .، إلى آخر ما ذكر الحافظ (^٤) في تحقيقه لغةً.\nوقال بعد حديث الباب: وفيه جواز أكل الدجاج إنسيه ووحشيه وهو بالاتفاق، إلا عن بعض المتعمقين على سبيل الورع، إلا أن بعضهم استثنى الجلّالة، وهي ما تأكل الأقذار، ثم ذكر الحافظ الروايات في النهي عن الجلّالة واختلاف العلماء فيه.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٣١٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٦٤٣).\n(^٣) \"فيض الباري\" (٥/ ٦٦٢).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٩/ ٦٤٥ - ٦٤٨).","vol":"6","page":63},{"text":"(٢٦ -<span data-type='title' id=toc-3318> باب لحوم الخيل)</span>\nأي: بيان حل أكلها، كذا في هامش المصرية عن شيخ الإسلام (^١).\nوقال الحافظ (^٢): قال ابن المنيِّر: لم يذكر الحكم لتعارض الأدلة، كذا قال، ودليل الجواز ظاهر القوة كما سيأتي، انتهى.\nوقال العلامة العيني (^٣): واحتج بهذا الحديث عطاء وابن سيرين والحسن والشافعي وأبو يوسف ومحمد وأحمد على جواز أكل لحم الخيل، وقال أبو حنيفة والأوزاعي ومالك: يكره أكله، ثم قيل: الكراهة عند أبي حنيفة كراهة تحريم وقيل: كراهة تنزيه. . .، إلى آخر ما ذكر في الدلائل.\nوفي \"الفتح\" (^٤): قال الطحاوي: وذهب أبو حنيفة إلى كراهة أكل الخيل، وخالفه صاحباه وغيرهما، واحتجوا بالأخبار المتواترة في حلها، ولو كان ذلك مأخوذًا من طريق النظر لما كان بين الخيل والحمر الأهلية فرق، ولكن الآثار إذا صحت عن رسول الله - ﷺ - أولى أن يقال بها مما يوجبه النظر.\nقال الحافظ: وصح القول بالكراهة عن الحكم بن عيينة ومالك وبعض الحنفية، وعن بعض المالكية والحنفية التحريم، وقال الفاكهي: المشهور عند المالكية الكراهة، والصحيح عند المحققين منهم التحريم، إلى آخر ما بسط من الكلام على المسألة.\n\n(٢٧ -<span data-type='title' id=toc-3319> باب لحوم الحمر الإنسية)</span>\nالقول في عدم جزمه بالحكم في هذا كالقول في الذي قبله، لكن الراجح في الحمر المنع بخلاف الخيل، انتهى من \"الفتح\" (^٥).\n_________\n(^١) \"تحفة الباري\" (٥/ ٤٧٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٦٤٩)\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٥٢٤).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٩/ ٦٤٩، ٦٥٠).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٩/ ٦٥٤).","vol":"6","page":64},{"text":"وقال العيني (^١): واحترز بالإنسية عن الوحشية فإنها تؤكل، والإنسية بكسر الهمزة وسكون النون: نسبة إلى الإنس، ويقال فيه: أنسية بفتحتين نسبة إلى الأنس بفتحتين وهو ضد الوحشة، وقال أيضًا: قال ابن عبد البر: لا خلاف بين علماء المسلمين اليوم في تحريمه، وإنما حكي عن ابن عباس وعائشة إباحته بظاهر قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ الآية [الأنعام: ١٤٥].\nقلت: ذكر في التفريع للمالكية: ولا بأس بأكل لحم الحمر الأهلية ولا البغل، انتهى.\n\n(٢٨ -<span data-type='title' id=toc-3320> باب أكل كل ذي ناب من السباع)</span>\nقال الحافظ (^٢): لم يبتّ القول بالحكم للاختلاف فيه أو للتفصيل كما سأبينه، ثم قال بعد ذكر الحديث: قال الترمذي: العمل على هذا عند أكثر أهل العلم، وعن بعضهم لا يحرم، وحكى ابن وهب عن مالك كالجمهور، وقال ابن العربي: المشهور عنه الكراهة. . .، إلى آخر ما بسط، ثم قال: واختلف القائلون بالتحريم في المراد بما له ناب، فذكر الاختلاف في بعض أفراد السبع.\nفههنا اختلافان: الأول: أن النهي للتحريم أو الكراهة، والثاني: الاختلاف في مصداق ذي الناب.\nوبسط الكلام على المسألة في \"الأوجز\" (^٣)، وفيه: قال الزرقاني: قال ابن الأثير: الناب: السن الذي خلف الرباعية، وهل المراد كل ذي ناب مطلقًا أو المراد ناب يعدو به ويصول على غيره ويصطاد ويعدو بطبعه غالبًا، بخلاف غير العادي كثعلب وضبع، وبه قال الشافعي وأصحاب مالك المدنيين، انتهى.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٥٢٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٦٥٧).\n(^٣) \"أوجز المسالك\" (١٠/ ١١٦ - ١١٩).","vol":"6","page":65},{"text":"وهكذا قال الحافظ في \"الفتح\"، وذكر مذهب الشافعي الجواز في الضبع والثعلب، وعدَّ الخرقي في جملة المحرمات كل ذي مخلب من الطير، وهي التي تعلق بمخالبها الشيء وتصيد بها، قال الموفق: هذا قول أكثر أهل العلم، وبه قال الشافعي وأصحاب الرأي، وقال مالك والليث والأوزاعي: لا يحرم من الطير شيء، قال مالك: لم أر أحدًا من أهل العلم يكره سباع الطير. . .، إلى آخر ما بسط في \"الأوجز\".\n\n(٢٩ -<span data-type='title' id=toc-3321> باب جلود الميتة)</span>\nزاد في البيوع: \"قبل أن تدبغ\"، فقيّده هناك بالدباغ، وأطلق ههنا، فيحمل مطلقه على مقيده، قاله الحافظ (^١).\nومسألة طهارة الجلد بالدباغ خلافية شهيرة تقدم في \"كتاب البيوع\".\n\n(٣٠ -<span data-type='title' id=toc-3322> باب المسك)</span>\nبكسر المحم: الطيب المعروف، قال الكرماني: مناسبة ذكره في الذبائح أنه فضلة من الظبي وهو مما يصاد، قاله الحافظ (^٢).\nوذكر أيضًا مناسبة هذا الباب بالباب السابق، وهو ما حكاه عن القفال من أن السرة التي فيها الدم تندبغ بما فيها من المسك فتطهر كما يطهر غيرها من المدبوغات.\nتم بسط الكلام في حقيقة المسك في طريق أخذه، وقال أيضًا: قال النووي: أجمعوا على أن المسك طاهر، يجوز استعماله في البدن والثوب، ويجوز بيعه، ونقل أصحابنا عن الشيعة فيه مذهبًا باطلًا وهو مستثنى من القاعدة: ما أُبين من حي فهو ميت، انتهى.\nوقد أجمع المسلمون على طهارة المسك إلا ما حكي عن عمر\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٦٥٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٦٦٠، ٦٦١).","vol":"6","page":66},{"text":"من كراهته، وكذا حكى ابن المنذر عن جماعة ثم قال: ولا يصح المنع فيه إلا عن عطاء بناءً على أنه جزء منفصل، وقال ابن المنيِّر: وجه استدلال البخاري بهذا الحديث على طهارة المسك وقوع تشبيه دم الشهيد به؛ لأنه في سياق التكريم والتعظيم، فلو كان نجسًا لكان من الخبائث، ولم يحسن التمثيل به في هذا المقام، انتهى.\n\n(٣١ -<span data-type='title' id=toc-3323> باب الأرنب)</span>\nذكر الحافظ وغيره بعض أحواله وخصائصه وعجائب خلقته، ثم قال (^١): وفي الحديث جواز أكل الأرنب، وهو قول العلماء كافة إلا ما جاء في كراهتها عن عبد الله بن عمر من الصحابة، وعن عكرمة من التابعين، وعن محمد بن أبي ليلى من الفقهاء، واحتج بحديث خزيمة بن جزء: \"قلت: يا رسول الله، ما تقول في الأرنب؟ قال: لا آكله ولا أحرمه\"، إلى أن قال الحافظ: وحكى الرافعي عن أبي حنيفة أنه حرّمه، وغلَّطه النووي في النقل عن أبي حنيفة، انتهى.\n\n(٣٢ -<span data-type='title' id=toc-3324> باب الضبّ)</span>\nقال الحافظ (^٢) تحت ثاني حديثي الباب: وفيه من الفوائد جواز أكل الضبّ، وحكى عياض عن قوم تحريمه، وعن الحنفية كراهته، وأنكر ذلك النووي وقال: لا أظنه يصح عن أحد، فإن صحَّ فإنه محجوج بالنصوص وبإجماع من قبله.\nقلت: قد نقله ابن المنذر عن علي، فأيُّ إجماع يكون مع مخالفته، ونقل الترمذي كراهته عن بعض أهل العلم، وقال الطحاوي في \"معاني الآثار\": كره قوم أكل الضبّ، منهم أبو حنيفة وصاحباه. . .، إلى آخر ما ذكر في الدلائل.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٦٦٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٦٦٥).","vol":"6","page":67},{"text":"(٣٣ -<span data-type='title' id=toc-3325> باب إذا وقعت الفأرة في السمن الجامد أو الذائب)</span>\nأي: هل يفترق الحكم أو لا؟ وكأنه ترك الجزم بذلك لقوة الاختلاف، وقد تقدم في الطهارة ما يدل على أنه يختار أنه لا ينجس إلا بالتغير، ولعل هذا هو السرّ في إيراد طريق يونس المشعرة بالتفصيل، قاله الحافظ (^١).\nثم قال تحت حديث الباب: واستدل بهذا الحديث لإحدى الروايتين عن أحمد: أن المائع إذا حلّت فيه النجاسة لا ينجس إلا بالتغير، وهو اختيار البخاري وقول ابن نافع من المالكية وحكي عن مالك. وفرق الجمهور بين المائع والجامد، وقد تمسك ابن العربي بقوله: \"وما حولها\" على أنه كان جامدًا، قال: لأنه لو كان مائعًا لم يكن له حول، وأما ذكر السمن والفأرة فلا عمل بمفهومهما، وجمد ابن حزم على عادته فخصّ التفرقة بالفأرة فلو وقع غير جنس الفأرة من الدواب في مائع لم ينجس إلا بالتغير، انتهى من \"الفتح\".\nوبسط الكلام على المسألة في \"الأوجز\" (^٢) وفيه: قال الحافظ: أخذ الجمهور بحديث معمر الدال على التفرقة بين الجامد والذائب، ونقل ابن عبد البر الاتفاق على أن الجامد إذا وقعت فيه ميتة طرحت وما حولها منه إذا تحقق أن شيئًا من أجزائها لم يصل إلى غير ذلك، وأما المائع فاختلفوا فيه؟ فذهب الجمهور إلى أنه ينجس كله بملاقاة النجاسة، وخالف فريق منهم الزهري والأوزاعي، انتهى.\nقال العلامة العيني: ويقاس على السمن الجامد نحو العسل والدِّبْس إذا كان جامدًا، وأما المائع فذهب الجمهور إلى أنه ينجس كله قليلًا كان\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٦٦٨، ٦٧٠).\n(^٢) \"أوجز المسالك\" (١٧/ ٣١٢ - ٣١٤).","vol":"6","page":68},{"text":"أو كثيرًا، وشذّ قوم فجعلوا المائع كالماء، وسلك داود في ذلك مسلكهم إلا في السمن الجامد والذائب، فإنه تبع ظاهر هذا الحديث، وخالف معناه في العسل والخلّ وسائر المائعات، انتهى.\nوقال الموفق: إن النجاسة إذا وقعت في مائع غير الماء نجسته وإن كثر، وهذا ظاهر المذهب، وعن أحمد رواية أخرى: أنه كالماء لا ينجس إذا كثر، أي: بلغ القلتين. . .، إلى آخر ما في \"الأوجز\". وتقدم شيء من الكلام على المسألة في \"كتاب الطهارة\" في \"باب ما يقع من النجاسات في السمن والماء\".\nوالحاصل: أن الإمام البخاري رحمه الله تعالى لم يفرق بين مسألة الماء والمائع، وكذا لم يفرق بين المائع والجامد، خلافًا للجمهور فإنهم فرقوا بين مسألة الماء والمائع غير الماء، وكذا بين الجامد وغير الجامد، وقد تكلم صاحب \"الفيض\" (^١) على تحقيق مسلك المصنف في مسألة الباب، فارجع إليه لو اشتقت.\n\n(٣٤ -<span data-type='title' id=toc-3326> باب العلم والوسم في الصورة)</span>\nالعَلَم بفتحتين بمعنى العلامة، والوسم بالسين المهملة وقيل بالمعجمة، ومعناهما واحد، وهو: أن يعلم الشيء بشيء يؤثر فيه تأثيرًا بليغًا، وأصل ذلك أن يجعل في البهيمة ليميزها عن غيرها، وقيل: الوسم بالمهملة في الوجه، وبالمعجمة في سائر الجسد، فعلى هذا الصواب بالمهملة (أي: في الترجمة) لقوله: \"في الصورة\". وفي \"التوضيح\": الوسم في الصورة مكروه عند العلماء كما قاله ابن بطال، وعندنا حرام.\nوقال النووي: الضرب في الوجه منهي عنه في كل حيوان محترم، لكنه في الآدمي أشدّ؛ لأنه مجمع المحاسن، وأما الوسم ففي الآدمي حرام وفي غيره مكروه.\n_________\n(^١) راجع: \"فيض الباري\" (٥/ ٦٦٧، ٦٦٨).","vol":"6","page":69},{"text":"قال الكرماني: والوسم في نحو نَعَم الصدقة في غير الوجه مستحب، وقال أبو حنيفة: مكروه؛ لأنه تعذيب ومثلة، انتهى من كلام العيني (^١).\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٢): قوله: \"في آذانها\" وكان ذلك لعذر هناك، انتهى.\nوفي هامشه: أوله الشيخ قُدِّس سرُّه لكون ظاهر الحديث مخالفًا لمسلك الحنفية، قال الحافظ: وفي الحديث حجة للجمهور في جواز وسم البهائم في الكيّ، وخالف فيه الحنفية تمسكًا بعموم النهي عن التعذيب بالنار، انتهى.\nوأجاب عن الحديث صاحب \"التيسير\" بأنه يحتمل أن حديث الباب لم يثبت أو لم يصح عند الحنفية، انتهى.\nقلت: بل الجواب أنه يجوز الكيّ عندنا الحنفية، صرَّح به ابن عابدين إذ قال: لا بأس بكيّ البهائم للعلامة وثقب أذن الطفل من البنات؛ لأنهم كانوا يفعلونه في زمن رسول الله - ﷺ - من غير إنكار، انتهى.\nوفي \"البذل\" (^٣) في قوله - ﷺ -: \"أما بلغكم أني لعنت من وسم البهيمة في وجهها\" الحديث: كتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه - ﵁ -: الوسم لا ضير فيه، إذا اشتمل على فائدة بعد أن لا يكون في الوجه؛ لأنه في الوجه يقبح الوجه ويعود على بعض الحواسّ بالإبطال أو بالإفساد كالباصرة، انتهى.\nقلت: وقد تقدم التبويب في \"الزكاة\" بقوله: \"باب وسم الإمام إبل الصدقة بيده\"، وتقدم هناك أيضًا ذكر الخلاف في المسألة.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٥٣٩ - ٥٤١)\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٩/ ٤٢٣).\n(^٣) \"بذل المجهود\" (٩/ ١٣٩).","vol":"6","page":70},{"text":"(٣٥ -<span data-type='title' id=toc-3327> باب إذا أصاب قوم غنيمة فذبح بعضهم غنمًا. . .) إلخ</span>\nقوله: (لحديث رافع) هذا مصير من البخاري إلى أن سبب منع الأكل من الغنم التي طبخت في القصة التي ذكرها رافع بن خديج كونها لم تقسم، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nيعني: أنه كان بطريق التعدي لا بطريق الإصلاح، كما سيأتي في الباب الآتي.\n\n(٣٦ -<span data-type='title' id=toc-3328> باب إذا ندّ بعير لقوم. . .) إلخ</span>\nقال ابن المنيِّر: نبَّه بهذه الترجمة على أن ذبح غير المالك إذا كان بطريق التعدي كما في القصة الأولى فاسد، وأن ذبح غير المالك إذا كان بطريق الإصلاح للمالك خشية أن تفوت عليه المنفعة ليس بفاسد، انتهى (^٢).\nقلت: وقد ترجم المصنف في كتاب الوكالة بـ \"باب إذا أبصر الراعي أو الوكيل شاة تموت أو شيئًا يفسد ذبح أو أصلح ما يخاف عليه الفساد\"، ومؤدى الترجمتين واحد.\n\n(٣٧ -<span data-type='title' id=toc-3329> باب أكل المضطر)</span>\nأي: جواز أكل المضطر من الميتة، وفي بعض النسخ: \"باب إذا أكل المضطر\"، انتهى من \"القسطلاني\" (^٣).\nوقال الحافظ (^٤): كأنه أشار إلى الخلاف في ذلك وهو في موضعين: أحدهما في الحالة التي يصح الوصف بالاضطرار فيها ليباح الأكل، والثاني في مقدار ما يؤكل، فأما الأول فهو أن يصل به الجوع إلى حدّ الهلاك\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٦٧٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٦٧٣).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٣٤٥).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٩/ ٦٧٣، ٦٧٤).","vol":"6","page":71},{"text":"أو إلى مرض يفضي إليه، هذا قول الجمهور، وعن بعض المالكية تحديد ذلك بثلاثة أيام، قال ابن أبي جمرة: الحكمة في ذلك أن في الميتة سميةً شديدةً فلو أكلها ابتداء لأهلكته، فشرع له أن يجوع ليصير في بدنه بالجوع سمية أشد من سمية الميتة، فإذا أكل منها حينئذ لا يتضرر، انتهى.\nوهذا إن ثبت حسن بالغ في غاية الحسن.\nوأما الثاني فذكره في تفسير قوله تعالى: ﴿مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾ [المائدة: ٣] وقد فسره قتادة بالمتعدي وهو تفسير معنى، وقال غيره: الإثم أن يأكل فوق سدّ الرمق، وقيل: فوق العادة، وهو الراجح لإطلاق الآية، انتهى.\nوفي \"الأوجز\" (^١): قال الموفق: أجمع العلماء على تحريم الميتة على حال الاختيار، وعلى إباحة الأكل منه في الاضطرار، وكذلك سائر المحرمات، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾ الآية [البقرة: ١٧٣]، ويباح له الأكل ما يسدّ الرمق ويأمن معه الموت بالإجماع، ويحرم ما زاد على الشبع بالإجماع، وفي الشبع روايتان: أظهرهما لا يباح، وهو قول أبي حنيفة وإحدى الروايتين عن مالك وأحد القولين للشافعي، والثانية يباح له الشبع، اختارها أبو بكر، إلى آخر ما بسط.\nوقال ابن رُشد: أما مقدار ما يؤكل فإن مالكًا قال: حدّ ذلك الشبع والتزود منها حتى يجد غيرها، وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا يأكل منها إلا ما يمسك به الرمق، وبه قال بعض أصحاب مالك، انتهى.\nوبسط الكلام على مباحث تلك المسألة على ثمانية فصول في \"الأوجز\" (^٢)، فارجع إليه لو شئت.\nوفي هامش \"الجلالين\" المعروف بـ \"حاشية الجمل\" (^٣): واختلف\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (١٠/ ١٥١، ١٥٢).\n(^٢) راجع: \"أوجز المسالك\" (١٠/ ١٤٩ - ١٥٧).\n(^٣) \"الفتوحات الإلهية\" (١/ ١٣٩).","vol":"6","page":72},{"text":"العلماء في قدر ما يحل للمضطر أكله من الميتة على قولين: أحدهما: أن يأكل مقدار ما يمسك رمقه، وهو قول أبي حنيفة والراجح عند الشافعي، والقول الآخر: يجوز أن يأكل حتى يشبع، وبه قال مالك، انتهى، \"خطيب\".\nقال الحافظ (^١): قال الكرماني وغيره: عقد البخاري هذه الترجمة، ولم يذكر فيها حديثًا إشارة إلى أن الذي ورد فيها ليس فيه شيء على شرطه، فاكتفى بما ساق فيها من الآيات، ويحتمل أن يكون بيّض فانضم بعض ذلك إلى بعض عند تبييض الكتاب.\nقلت: والثاني أوجه، واللائق بهذا الباب على شرطه حديث جابر في قصة العنبر، فلعله قصد أن يذكر له طريقًا أخرى، انتهى.\nثم البراعة عندي في قول: \"المضطر والدم المسفوح\" (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٦٧٤).\n(^٢) انظر: \"مقدمة لامع الدراري\" (١/ ١١٨).","vol":"6","page":73},{"text":"٧٣ -<span data-type='title' id=toc-3330> كتاب الأضاحي</span>\nبسط الكلام على ذلك في \"الأوجز\" (^١)، وفيه: حكى الشيخ في \"البذل\" عن \"فتح الودود\": فيه أربع لغات: أضحية بضم الهمزة وبكسرها، وجمعها الأضاحي بتشديد الياء وتخفيفها، واللغة الثالثة ضحية وجمعها ضحايا كعطية وعطايا، والرابعة أضحاة بفتح الهمزة والجمع أضحى كأرطاة وأرطى، وبها سمي يوم الأضحى، وحكي فيه عن ابن عابدين ثمان لغات.\nقال الكرماني: وهي ما يذبح يوم العيد تقربًا إلى الله تعالى، وسميت بذلك لأنها تفعل في الضحى، انتهى.\nوفي \"التوشيح\" من فروع الشافعية: وهي اسم لما يذبح من النعم يوم عيد النحر وأيام التشريق بلياليها تقربًا إلى الله تعالى، وعن ابن عباس أنه يكفي إراقة الدم ولو من دجاج أو إوزّ، وكان الشيخ محمد الفضالي يأمر الفقير بتقليده، ويقاس على الأضحية العقيقة، فيجوز لمن لم يقدر على ثمن الشاة أن يعقّ ولده بالديكة على مذهب ابن عباس، انتهى.\nقال الموفق: الأصل في مشروعيتها الكتاب والسُّنَّة والإجماع، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢]، قال بعض أهل التفسير: المراد به الأضحية بعد صلاة العيد، وأما السُّنَّة فما روي عن أنس: \"أنه - ﷺ - ضحَّى بكبشين أملحين\" الحديث، متفق عليه. وأجمع المسلمون على مشروعيتها، وأكثر أهل العلم يرونها سُنَّةً مؤكدةً غير واجبة، وهو مذهب جماعة من الصحابة والتابعين، وقال مالك والثوري وأبو حنيفة وغيرهم: هي واجبة لرواية أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: \"من كانت له\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (١٠/ ٢٠٣)، \"بذل المجهود\" (٩/ ٥٢٦).","vol":"6","page":74},{"text":"سعة ولم يضحِّ فلا يقربنّ مصلانا\"، إلى آخر ما بسط في \"الأوجز\"، وما حكى الموفق عن مالك وجوبها رواية عنه، وإلا فمعروف مذهبه سنيتها، انتهى من هامش \"اللامع\" (^١).\nوسيأتي تفصيل الخلاف في ذلك في الباب الآتي.\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-3331> باب سُنَّة الأضحية)</span>\nكذا لأبي ذر والنسفي، ولغيرهما: \"سُنَّة الأضاحي\"، وهو جمع أضحية، وكأنه ترجم بالسُّنَّة إشارة إلى مخالفة من قال بوجوبها، قال ابن حزم: لا يصح عن أحد من الصحابة أنها واجبة، وصحَّ أنها غير واجبة عن الجمهور، ولا خلاف في كونها من شرائع الدين، وهي عند الشافعية والجمهور سُنَّة مؤكدة على الكفاية، وفي وجه للشافعية من فروض الكفاية، وعن أبي حنيفة: تجب على المقيم الموسر، وعن مالك مثله في رواية لكن لم يقيد بالمقيم، وخالف أبو يوسف من الحنفية وأشهب من المالكية فوافقا الجمهور، وعن أحمد: يكره تركها مع القدرة، وعنه: واجبة، وعن محمد بن الحسن: هي سُنَّة غير مرخص في تركها، قال الطحاوي: وبه نأخذه، ليس في الآثار ما يدلُّ على وجوبها، انتهى، كذا في \"الفتح\" (^٢).\nوفي \"الهداية\" (^٣): الأضحية واجبة على كل حُرٍّ مسلمٍ مقيمٍ موسرٍ في يوم الأضحى عن نفسه وعن ولده الصغار، أما الوجوب فقول أبي حنيفة ومحمد وزفر والحسن وإحدى الروايتين عن أبي يوسف رحمهم الله تعالى، وعنه (أي: أبي يوسف): أنها سُنَّة، ذكره في \"الجوامع\"، وهو قول الشافعي، وذكر الطحاوي أن على قول أبي حنيفة: واجبة، وعلى قول أبي يوسف ومحمد: سُنَّة مؤكدة، وهكذا ذكر بعض المشايخ الاختلاف، إلى آخر ما بسط في الدلائل، وسيأتي حكم الأضحية للمسافر في باب مستقل.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٩/ ٤٢٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٠/ ٣).\n(^٣) \"الهداية\" (٢/ ٣٥٥).","vol":"6","page":75},{"text":"قوله: (وقال ابن عمر: هي سُنَّة ومعروف) وصله حماد بن سلمة في \"مصنفه\"، وللترمذي: أن رجلًا سأل ابن عمر عن الأضحية: أهي واجبة؟ فقال: \"ضحَّى رسول الله - ﷺ - والمسلمون بعده\" قال الترمذي: العمل على هذا عند أهل العلم أن الأضحية ليست بواجبة، وكأنه فهم من كون ابن عمر لم يقل في الجواب: نعم أنه لا يقول بالوجوب، فإن الفعل المجرد لا يدلُّ على ذلك، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوقال القسطلاني (^٢): قوله: \"معروف\" أي: معروف بين الناس إذا رأوه لا ينكرونه، انتهى.\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٣): قوله: \"سُنَّة ومعروف. . .\" إلخ، أي: ثابت بالسُّنَّة وأمر معروف بين الناس، انتهى.\nوفي هامشه: أوّله الشيخ قُدِّس سرُّه لكون ظاهر الأثر مخالفًا للحنفية، انتهى.\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-3332> باب قسمة الإمام الأضاحي بين الناس)</span>\nأي: بنفسه أو بأمره. قوله: (قسم النبي - ﷺ -. . .) إلخ، سيأتي بعد أربعة أبواب أن عقبة هو الذي باشر القسمة، انتهى من \"الفتح\" (^٤).\nوتقدم حديث الباب في \"باب وكالة الشريك للشريك\" من أبواب الوكالة.\nوقال العلامة العيني (^٥): وغرضه من هذه الترجمة بيان قسمته - ﷺ - الضحايا بين أصحابه، فإن كان قسمها بين الأغنياء كانت من الفيء أو ما يجري مجراه مما يجوز أخذه للأغنياء، وإن كان قسمها بين الفقراء خاصة\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٣، ٤).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٣٤٨).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٩/ ٤٢٤).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٠/ ٤، ٥).\n(^٥) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٥٤٩).","vol":"6","page":76},{"text":"كانت من الصدقة، وإنما أراد البخاري بهذا - والله أعلم - أن إعطاء الشارع الضحايا لأصحابه دليل على تأكدها وندبهم إليها، انتهى.\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-3333> باب الأضحية للمسافر والنساء)</span>\nقال الحافظ (^١): فيه إشارة إلى خلاف من قال: إن المسافر لا أضحية عليه، وإشارة إلى خلاف من قال: إن النساء لا أضحية عليهن، ويحتمل أن يشير إلى خلاف من منع من مباشرتهن التضحية، فقد جاء عن مالك كراهة مباشرة المرأة الحائض للتضحية، انتهى.\nوتعقبه العيني (^٢) وقال: الكلام ههنا في فصلين: الأول: هل يجب على المسافر أضحية؟ اختلفوا فيه؟ فقال الشافعي: هي سُنَّة على جميع الناس وعلى الحاج بمنى، وقال مالك: لا أضحية عليه ولا يؤمر بتركها إلا الحاج بمنى، وقال أبو حنيفة: لا تجب على المسافر أضحية. والفصل الثاني: أن من أوجب الأضحية أوجبها على النساء، ومن لم يوجبها لم يوجبها عليهن، واستحبَّها في حقهن، انتهى مختصرًا.\nوأما مسلك الحنفية ففي \"البدائع\" (^٣): ذكر في الأصل وقال: ولا تجب الأضحية على الحاج، وأراد بالحاج المسافر، فأما أهل مكة فتجب عليهم الأضحية وإن حجوا، إلى آخر ما ذكر.\nويشكل مناسبة الحديث بالباب لأنه قصة حجة الوداع والبقرة كانت هديًا، ويمكن الجواب عنه أن من دأب الإمام البخاري أيضًا الاستدلال بظاهر اللفظ، والوارد في الحديث لفظ ضحى.\nقال الحافظ (^٤): قوله: \"ضحَّى النبي - ﷺ -. . .\" إلخ، ظاهر في أن الذبح المذكور كان على سبيل الأضحية، ثم ردّ الحافظ على ابن التِّين الذي\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٥).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٥٥٠).\n(^٣) \"بدائع الصنائع\" (٤/ ١٩٥).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٠/ ٥، ٦).","vol":"6","page":77},{"text":"أوّل الحديث وقال: المراد أنه ذبحها وقت ذبح الأضحية، لا أنها كانت أضحية. قال الحافظ: كذا قال، ولا يخفى بعده، انتهى.\nقلت: كذا قال الحافظ ههنا، لكنه رجح في \"باب النحر في منحر النبي - ﷺ - بمنى\" من \"كتاب الحج\" أنه كان هدي التمتع عمن اعتمر من نسائه، وهكذا أفاد الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^١) تحت حديث الباب حيث قال: وكان ذلك دم متعة وقران لا دم التضحية، انتهى.\nوذكر شيء من الكلام عليه في \"هامشه\".\n\n(٤ -<span data-type='title' id=toc-3334> باب ما يشتهى من اللحم يوم النحر)</span>\nأي: اتباعًا للعادة بالالتذاذ بأكل اللحم يوم العيد، قال الله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٨]، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\nقلت: لعل المصنف عقد الترجمة بذلك إشارة إلى اختلافهم في معنى الحديث الذي ذكره تحت الباب، فإنهم اختلفوا فيه على مسالك كما ستقف عليه.\nقوله: (إن هذا يوم يشتهى فيه اللحم) في رواية داود بن أبي هند عن الشعبي عند مسلم: فقال: يا رسول الله، إن هذا يومٌ اللحمُ فيه مكروه، وفي لفظ له: مقروم، قال عياض: وصوَّب بعضهم هذه الرواية الثانية وقال: معناه يُشتهى فيه اللحم، يقال: قرمت إلى اللحم وقرمته إذا اشتهيته، قال عياض: وقال بعض شيوخنا: صواب الرواية \"اللحَم فيه مكروه\" بفتح الحاء وهو اشتهاء اللحم، والمعنى ترك الذبح والتضحية وإبقاء أهله فيه بلا لحم حتى يشتهوه مكروه، انتهى.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٩/ ٤٢٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٠/ ٦).","vol":"6","page":78},{"text":"وبالغ ابن العربي فقال: الرواية بسكون الحاء هنا غلط. وإنما هو اللَّحَمُ بالتحريك، يقال: لَحِمَ الرجل بكسر الحاء يَلْحَمُ بفتحها إذا كان يشتهي اللحم، وأما القرطبي في \"المفهم\" فقال: تكلف بعضهم ما لا يصح رواية، أي: اللحم بالتحريك، إلى آخر ما في \"الفتح\" (^١).\n\n(٥ -<span data-type='title' id=toc-3335> باب من قال: الأضحى يوم النحر)</span>\nفي معنى الترجمة وجوه ستأتي.\nقال الحافظ (^٢): واختصاص النحر باليوم العاشر قول حميد بن عبد الرحمن ومحمد بن سيرين وداود الظاهري، وعن سعيد بن جبير مثله إلا في منى فيجوز ثلاثة أيام، قال ابن المنيِّر: أخذه من إضافة اليوم إلى النحر حيث قال: \"أليس يوم النحر\" واللام للجنس، فلا يبقى نحر إلا في ذلك اليوم، قال: والجواب على مذهب الجماعة أن المراد النحر الكامل، انتهى.\nوقال القرطبي: التمسك بإضافة النحر إلى اليوم الأول ضعيف.\nثم قال الحافظ في معنى الترجمة: ويحتمل أن يكون أراد أن أيام النحر الأربعة أو الثلاثة لكل واحد منها اسم يخصه، فالأضحى هو اليوم العاشر، والذي يليه يوم القر، والذي يليه يوم النفر الأول، والرابع يوم النفر الثاني، وقال ابن التِّين: مراده أنه يوم تنحر فيه الأضاحي في جميع الأقطار، وقيل: مراده لا ذبح إلا فيه خاصة، يعني: كما تقدم، وزاد مالك: ويذبح أيضًا في يومين بعده، وزاد الشافعي اليوم الرابع، قال: وقيل: يذبح عشرة أيام، ولم يعزه لقائل، وقيل: إلى آخر الشهر، وهو عن عمر بن عبد العزيز وأبي سلمة بن عبد الرحمن وغيرهما، وقال به ابن حزم متمسكًا لعدم ورود نصٍّ بالتقييد، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٠/ ٨).","vol":"6","page":79},{"text":"قلت: وأيام النحر عند الأئمة الثلاثة ثلاثة أيام، وعند الإمام الشافعي أربعة أيام.\n\n(٦ -<span data-type='title' id=toc-3336> باب الأضحى والنحر (^١) بالمصلى)</span>\nقال ابن بطال: هو سُنَّة للإمام خاصة عند مالك، قال مالك: إنما يفعل ذلك لئلا يذبح أحد قبله، زاد المهلب: وليذبحوا بعده على يقين وليتعلموا منه صفة الذبح، انتهى (^٢).\nوفي \"الأوجز\" (^٣) عن \"المسوى\": الذبح في المصلى أحسن إظهارًا لشعار الدين، انتهى.\n\n(٧ -<span data-type='title' id=toc-3337> باب أضحية النبي - ﷺ - بكبشين. . .) إلخ</span>\nلعل المصنف أشار إلى أفضلية الكبشر في الأضحية، أو إلى أفضلية الذكر، ويؤيد الأول قوله - ﷺ -: \"خير الأضحية الكبش الأقرن\" الحديث، كما في \"الترغيب\" برواية أبي داود والترمذي وابن ماجه، وفي \"التوشيح\": وأفضل أنواع الأضحية بالنسبة لكثرة اللحم ومن حيث إظهار شعار الشريعة إبل ثم بقر ثم غنم، وأما من حيث أطيبية اللحم فالضأن أفضل من المعز، ثم الجواميس أفضل من العراب لطيب لحمها عن لحم العراب، إلى آخر ما ذكر.\nوفي \"الدر المختار\" (^٤): الشاة أفضل من سبع البقرة إذا استويا في القيمة واللحم، فإن كان سبع البقرة أكثر لحمًا فهو أفضل، والكبش أفضل من النعجة، وهي الأنثى من الضأن إذا استويا فيهما، والأنثى من المعز أفضل من التيس إذا استويا قيمةً، والأنثى من الإبل والبقر أفضل، ومشى\n_________\n(^١) وقع في النسخة الهندية لفظ \"المنحر\".\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (١٠/ ٩).\n(^٣) \"أوجز المسالك\" (١٠/ ٢٢٥)، و\"المسوى\" (١/ ٢٢٩).\n(^٤) انظر: \"رد المحتار\" (٩/ ٤٦٦).","vol":"6","page":80},{"text":"ابن وهبان على أن الذكر في الضأن والمعز أفضل، لكنه مقيد بما إذا كان موجوءًا، قال العلامة عبد البر: ومفهومه أنه إذا لم يكن موجوءًا لا يكون أفضل، انتهى بزيادة من \"حاشية ابن عابدين\".\nقال الحافظ (^١): والكبش فحل الضأن في أي سنّ كان، واختلف في ابتدائه فقيل: إذا أثنى، وقيل: إذا أربع، ثم قال في فوائد الحديث: وفيه أن الذكر في الأضحية أفضل من الأنثى، وهو قول أحمد، وعنه رواية أن الأنثى أولى، وحكى الرافعي فيه قولين عن الشافعي، أحدهما عن نصه في البويطي الذكر لأن لحمه أطيب، وهذا هو الأصح، والثاني أن الأنثى أولى، وقال ابن العربي: الأصح أفضلية الذكور على الإناث في الضحايا، وقيل: هما سواء إلى آخر ما ذكر من الفوائد.\nولا يبعد عندي أن يقال: إن المصنف رحمه الله تعالى أراد بهذه الترجمة الترغيب في تسمين الأضحية، ولذا ذكر أثر أبي أمامة، والمعروف على الألسنة في هذا المعنى قوله - ﷺ -: \"سمِّنوا ضحاياكم فإنها على الصراط مطاياكم\"، لكن لما كان الحديث ضعيفًا أشار إلى مضمونه.\nثم اعلم أن هذا الحديث اختلف في لفظه، فذكره صاحب \"البدائع\" (^٢) بلفظ: \"عظموا ضحاياكم. . .\" إلخ، وذكره السخاوي في \"المقاصد الحسنة\" (^٣) بلفظ: \"استفرهوا ضحاياكم فإنها مطاياكم على الصراط\" وقال: أسنده الديلمي من طريق ابن المبارك عن يحيى بن عبيد الله عن أبيه عن أبي هريرة رفعه بهذا، ويحيى ضعيف جدًّا، ووقع في \"النهاية\" لإمام الحرمين، ثم في \"الوسيط\" ثم في \"العزيز\": \"عظموا ضحاياكم فإنها على الصراط مطاياكم\" وقال: الأول معناه أنها تكون مراكب للمضحين، وقيل: إنها تسهل الجواز على الصراط، لكن قد قال ابن الصلاح: إن هذا الحديث غير معروف\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ١٠، ١١).\n(^٢) \"بدائع الصنائع\" (٤/ ٢٢٣).\n(^٣) \"المقاصد الحسنة\" (ص ٧٨)، (ح ١٠٨).","vol":"6","page":81},{"text":"ولا ثابت فيما علمناه، وقال ابن العربي في \"شرح الترمذي\": ليس في فضل الأضحية حديث صحيح، ومنها قوله: \"إنها مطاياكم إلى الجنة\"، انتهى.\nوذكر الحافظ ابن كثير (^١) في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢]: شعائر الله، أي: أوامره، ومن ذلك تعظيم الهدايا والبدن، كما قال الحكم عن مقسم عن ابن عباس: تعظيمها استسمانها واستحسانها، ثم ذكر أثر أبي أمامة المذكور في ترجمة الباب، وعزاه إلى البخاري.\n\n(٨ -<span data-type='title' id=toc-3338> باب قول النبي - ﷺ - لأبي بردة: \"ضحّ بالجذع من المعز. . .\") إلخ</span>\nأشار بذلك إلى أن الضمير في قول النبي - ﷺ - في الرواية التي ساقها \"اذبحها\" للجذعة التي تقدمت في قول الصحابي: إن عندي داجنًا جذعة من المعز.\nثم قال الحافظ (^٢): وفي هذا الحديث تخصيص أبي بردة بإجزاء الجذع من المعز في الأضحية، لكن وقع في عدة أحاديث التصريح بنظير ذلك لغير أبي بردة، وفي حديث عقبة بن عامر كما تقدم قريبًا: \"ولا رخصة فيها لأحد بعدك\"، قال البيهقي: إن كانت هذه الزيادة محفوظة كان هذا رخصة لعقبة، كما رخّص لأبي بردة، قلت: وفي هذا الجمع نظر؛ لأن في كل منهما صيغة عموم فأيهما تقدم على الآخر اقتضى انتفاء الوقوع للثاني، إلى آخر ما بسط في الجمع بينهما.\nوأما مسألة الباب فقد قال الحافظ (^٣): وفي الحديث أن الجذع من المعز لا يجزئ وهو قول الجمهور، وعن عطاء وصاحبه الأوزاعي: يجوز مطلقًا، وهو وجه لبعض الشافعية، حكاه الرافعي.\n_________\n(^١) \"تفسير ابن كثير\" (١٠/ ٥٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٠/ ١٣، ١٤).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٠/ ١٥، ١٦).","vol":"6","page":82},{"text":"وقال النووي: هو شاذ أو غلط، وأغرب عياض فحكى الإجماع على عدم الإجزاء، وأما الجذع من الضأن فقال الترمذي: إن العمل عليه - أي: على أنه يجوز - عند أهل العلم من أصحاب النبي - ﷺ - وغيرهم، لكن حكى غيره عن ابن عمر والزهري: أن الجذع لا يجزئ مطلقًا سواء كان من الضأن أم من غيره، وبه قال ابن حزم وعزاه لجماعة من السلف، وأطنب في الردِّ على من أجازه.\nثم قال: واختلف القائلون بإجزاء الجذع من الضأن وهم الجمهور في سنِّه على آراء: أحدها: أنه ما أكمل سنة ودخل في الثانية، وهو الأصح عند الشافعية، وهو الأشهر عند أهل اللغة، ثانيها: نصف سنة وهو قول الحنفية والحنابلة، ثالثها: سبعة أشهر، وحكاه صاحب \"الهداية\" من الحنفية عن الزعفراني، وغير ذلك من الأقوال الذي ذكرها الحافظ، وقد قال صاحب \"الهداية\": إنه إذا كانت عظيمة بحيث لو اختلطت بالثنيات اشتبهت على الناظر من بعيد أجزأت، انتهى ملخصًا من \"الفتح\".\nوبسط الكلام على مباحث حديث الباب، وكذا في مذاهب العلماء في هامش \"اللامع\" (^١)، وفيه: قال الموفق: لا يجزئ إلا الجذع من الضأن والثني من غيره، وبهذا قال مالك والشافعي وأصحاب الرأي، وقال ابن عمر والزهري: لا يجزئ الجذع؛ لأنه لا يجزئ من غير الضأن فلا يجزئ منه، وعن عطاء والأوزاعي: يجزئ الجذع من جميع الأجناس، انتهى مختصرًا.\n\n(٩ -<span data-type='title' id=toc-3339> باب من ذبح الأضاحي بيده)</span>\nأي: وهل يشترط ذلك أو هو الأولى؟ وقد اتفقوا على جواز التوكيل فيها للقادر، لكن عند المالكية رواية بعدم الإجزاء مع القدرة، وعند أكثرهم يكره لكن يستحب أن يشهدها، انتهى (^٢).\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٩/ ٤٢٩).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (١٠/ ١٨).","vol":"6","page":83},{"text":"وفي \"الهداية\" (^١): والأفضل أن يذبح أضحيته بيده إن كان يحسن الذبح، وإن كان لا يحسنه فالأفضل أن يستعين بغيره، وإذا استعان بغيره ينبغي أن يشهدها بنفسه لقوله ﵊ لفاطمة - ﵂ -: \"قومي فاشهدي أضحيتك فإنه يغفر لك بأوّل قطرة من دمها كل ذنب\"، انتهى.\nوفي حاشيته: رواه الحاكم في \"المستدرك\" (^٢) عن عمران بن حصين، انتهى.\n\n(١٠ -<span data-type='title' id=toc-3340> باب من ذبح ضحية غيره. . .) إلخ</span>\nأراد بهذه الترجمة بيان أن التي قبلها ليست للاشتراط، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\nوقد تقدم الخلاف فيه في الباب السابق.\n\n(١١ -<span data-type='title' id=toc-3341> باب الذبح بعد الصلاة)</span>\nسيأتي الكلام عليه في الباب الذي يليه.\n\n(١٢ -<span data-type='title' id=toc-3342> باب من ذبح قبل الصلاة أعاده)</span>\nربما يتوهم في بادئ الرأي أن لا فرق بين هذه الترجمة والترجمة السابقة، فإن ألفاظهما وإن كانت مختلفة إلا أن المؤدى واحد، وبهذا لا يخرج عن التكرار كما تقدم مبسوطًا في الأصل الثاني والعشرين من أصول التراجم.\nوالأوجه عند هذا العبد الضعيف في الفرق بين الترجمتين أن ههنا مسألتين: إحداهما وقت الذبح وهو بعد الصلاة، فلو ذبح أحد قبله لم يجزئه كما عليه الجمهور خلافًا للشافعية، والثانية هل يجوز الذبح بعد الصلاة\n_________\n(^١) \"الهداية\" (٢/ ٣٦١).\n(^٢) \"المستدرك على الصحيحين\" (٤/ ٢٢٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٠/ ٩).","vol":"6","page":84},{"text":"مطلقًا أم يتوقف على شيء آخر؟ وفي هذه المسألة خلاف مالك.\nقال الحافظ: نقل الطحاوي عن مالك والأوزاعي والشافعي: لا تجوز أضحية قبل أن يذبح الإمام، وهو معروف عن مالك والأوزاعي لا الشافعي، فالترجمة الأولى ردّ على المالكية، إذ حاصلها أن الذبح بعد الصلاة يصحّ وإن لم يضحّ الإمام، وأما الترجمة الثانية فهي مسألة أخرى من أن الذبح لا يصح قبل الصلاة.\nويمكن أن يقال: إن الترجمة الأولى ردّ على المالكية كما تقدم، والترجمة الثانية ردّ على الشافعية إذ أباحوا الذبح بعد مضي قدر وقت الصلاة وإن لم يصلّ الإمام بعدُ، فالإمام البخاري قد وافق الحنفية والحنابلة إذ قالوا: لا يجوز قبل الصلاة ويجوز بعدها قبل ذبح الإمام.\nقال العلامة القسطلاني: اختلف في وقت الأضحية؟ فعند الشافعية بعد مضي قدر صلاة العيد وخطبتها من طلوع الشمس يوم النحر، سواء صلى أم لا، مقيمًا بالأمصار أم لا، وعند الحنفية وقتها في حق أهل الأمصار بعد صلاة الإمام وخطبته، وفي حق غيرهم بعد طلوع الفجر، وعند المالكية بعد فراغ الإمام من الصلاة والخطبة والذبح، وعند الحنابلة لا يجوز قبل صلاة الإمام ويجوز بعدها قبل ذبحه، انتهى من هامش \"اللامع\" (^١).\n\n(١٣ -<span data-type='title' id=toc-3343> باب وضع القدم على صفح الذبيحة)</span>\nقال الحافظ (^٢) تحت حديث الباب: وفيه استحباب وضع الرجل على صفحة عنق الأضحية الأيمن، واتفقوا على أن إضجاعها يكون على الجانب الأيسر، فيضع رجله على الجانب الأيمن؛ ليكون أسهل على الذابح في أخذ السكين باليمين وإمساك رأسها بيده اليسار، انتهى.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٩/ ٤٢٩ - ٤٣١)، \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٣٦٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٠/ ١٨).","vol":"6","page":85},{"text":"(١٤ -<span data-type='title' id=toc-3344> باب التكبير عند الذبح)</span>\nقال الحافظ (^١) في فوائد الحديث: وفيه استحباب التكبير مع التسمية، انتهى.\nوفي \"الهداية\" (^٢): وما تداولته الألسن عند الذبح وهو قوله: بسم الله والله أكبر، منقول عن ابن عباس - ﵄ - في قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج: ٣٦]، انتهى.\n\n(١٥ -<span data-type='title' id=toc-3345> باب إذا بعث بهديه ليذبح لم يحرم عليه شيء)</span>\nذكر فيه حديث عائشة، وقد تقدمت مباحثه في \"كتاب الحج\"، قاله الحافظ (^٣).\n\n(١٦ -<span data-type='title' id=toc-3346> باب ما يؤكل من لحوم الأضاحي)</span>\nأي: من غير تقييد بثلث ولا نصف، (وما يتزود منها) أي: للسفر وفي الحضر، وبيان أن التقييد بثلاثة أيام إما منسوخ وإما خاص بسبب، انتهى من \"الفتح\" (^٤).\nوحكى ابن عابدين (^٥) عن \"البدائع\": والأفضل أن يتصدق بالثلث، ويتخذ الثلث ضيافة لأقربائه وأصدقائه، ويدَّخِر الثلث ويستحب أن يأكل منها، ولو حبس الكل لنفسه جاز؛ لأن القربة في الإراقة والتصدق باللحم تطوع، انتهى.\nقال في \"الدر المختار\": وندب ترك التصدق لذي عيال غير موسع الحال توسعةً عليهم، انتهى.\nوفي \"التوشيح\" من فروع الشافعية: ويطعم حتمًا من الأضحية المتطوع\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ١٩).\n(^٢) \"الهداية\" (٢/ ٣٤٨).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٠/ ٢٣).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٠/ ٢٥).\n(^٥) \"رد المحتار\" (٩/ ٤٧٤).","vol":"6","page":86},{"text":"بها الفقراء والمساكين من المسلمين على سبيل التصدق جزءًا يسيرًا من لحمها نيئًا، والأفضل التصدق بجميعها إلا لقمة أو لقمتين يتبرك المضحي بأكلها فإنه يسنّ له ذلك، انتهى مختصرًا.\nثم البراعة عند الحافظ في قوله: \"حين ينفر من منى\"، وعندي في قوله: \"من الأضاحي\" أو في قوله: \"لحوم الهدي\" كما تقدم في مقدمة \"اللامع\" (^١).\n* * *\n_________\n(^١) \"مقدمة لامع الدراري\" (١/ ١١٨).","vol":"6","page":87},{"text":"٧٤ -<span data-type='title' id=toc-3347> كتاب الأشربة</span>\nالأشربة جمع شراب كأطعمة وطعام: اسم لما يشرب، وليس مصدرًا لأن المصدر هو الشرب بتثليث الشين، انتهى من \"القسطلاني\" (^١).\nوفي \"الدر المختار\" (^٢): الشراب لغة: كل مائع يشرب، واصطلاحًا: يسكر، انتهى.\nقلت: والإمام البخاري ذكر في الكتاب الشراب الحلال والحرام كلّها باعتبار أصل اللغة.\nقال الحافظ (^٣): ذكر الإمام البخاري الآية وأربعة أحاديث تتعلق بتحريم الخمر، وذلك أن الأشربة منها ما يحل وما يحرم، وينظر في حكم كل منهما، ثم بالآداب المتعلقة بالشرب، فبدأ بتبيين المحرم منه لقلته بالنسبة إلى الحلال، فإذا عرف ما يحرم كان ما عداه حلالًا، وقد بينت في تفسير المائدة الوقت الذي نزلت فيه الآية المذكورة، وأنه كان في عام الفتح قبل الفتح، ثم رأيت الدمياطي في \"سيرته\" جزم بأن تحريم الخمر كان سنة الحديبية سنة ست، وذكر ابن إسحاق أنه كان في وقعة بني النضير، وهي بعد وقعة أُحد وذلك سنة أربع على الراجح، وفيه نظر.\nثم قال الحافظ: وكأن المصنف لمح بذكر الآية إلى بيان السبب في نزولها، وقد مضى بيانه في تفسير المائدة أيضًا، إلى آخر ما ذكر.\nوقال العيني (^٤): ذكر الإمام البخاري هذه الآية تمهيدًا لما يذكره من الأحاديث التي وردت في الخمر، وقد ذكرناها في سورة المائدة، ثم\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٣٧٥).\n(^٢) \"رد المحتار\" (١٠/ ٢٦).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٠/ ٣٠، ٣١).\n(^٤) \"عمدة القارى\" (١٤/ ٥٧٤).","vol":"6","page":88},{"text":"ذكر سبب نزولها من حديث عمر مفصلًا، وفيه أن عمر قال لما نزل تحريم الخمر: اللَّهم بيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فنزلت هذه الآية التي في البقرة ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٩] الحديث بطوله، ثم نزلت الآية التي في سورة النساء ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣] فقال عمر: اللَّهم بيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فنزلت التي في المائدة ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ الآية [المائدة: ٩٠] التي ذكرت في صدر هذا الكتاب، وفيه ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] قال عمر: انتهينا، أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي كما ذكره العيني.\nقلت: وإنما ذكر الإمام البخاري هذه الآية من جملة آيات الخمر الثلاثة إشارة إلى أنها آخر ما نزلت في الخمر، وقد بسط صاحب \"الفيض\" (^١) الكلام على الأشربة أشد البسط.\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-3348> باب أن الخصر من العنب)</span>\nكذا في النسخة \"الهندية\" و\"العيني\" و\"القسطلاني\"، وفي نسخة \"الفتح\": \"باب الخمر من العنب وغيره\".\nوقال الحافظ (^٢): كذا في شرح ابن بطال، ولم أر لفظ \"غيره\" في شيء من نسخ الصحيح ولا المستخرجات ولا الشروح سواه، قال ابن المنيِّر: غرض البخاري الردّ على الكوفيين إذ فرقوا بين ماء العنب وغيره، فلم يحرموا من غيره إلا القدر المسكر خاصة، وزعموا أن الخمر ماء العنب خاصة، قال: لكن في استدلاله بقول ابن عمر، يعني: الذي أورده في الباب: \"حرمت الخمر وما بالمدينة منها شيء\" على أن الأنبذة التي كانت يومئذ تسمى خمرًا نظر؛ بل هو بأن يدل على أن الخمر من العنب خاصة أجدر لأنه قال: وما منها بالمدينة شيء، يعني: الخمر، وقد كانت الأنبذة من غير\n_________\n(^١) انظر: \"فيض الباري\" (٦/ ٣، ٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٠/ ٣٥).","vol":"6","page":89},{"text":"العنب موجودة حينئذ بالمدينة، فدل على أن الأنبذة ليست خمرًا، انتهى.\nوقال العلامة السندي (^١): وقد يقال: لعله قصد الردّ على من زعم الخصوص بماء العنب على أن ضمير \"منها\" لخمر العنب خاصة لا لمطلق الخمر بقرينة الردّ على الزاعم، أي: كيف يختص بماء العنب مع أنه يوم نزول التحريم ما كان في المدينة من ماء العنب شيء، وإنما كان الموجود غيره، فلا بد من شمول الاسم بذلك الغير، وهذا أوقع لتتبع الأحاديث، والله أعلم، انتهى.\nقال الحافظ (^٢): ويحتمل أن يكون مراد البخاري بهذه الترجمة وما بعدها أن الخمر يطلق على ما يتخذ من عصير العنب وعلى نبيذ البسر والتمر، ويطلق على ما يتخذ من العسل، فعقد لكل واحد منها بابًا، ولم يرد حصر التسمية في العنب بدليل ما أورده بعده، ويحتمل أن يريد بالترجمة الأولى الحقيقة وبما بعدها المجاز، والأول أظهر من تصرفه، وحاصله أنه أراد بيان الأشياء التي وردت فيها الأخبار على شرطه لما يتخذ منه الخمر، فبدأ بالعنب لكونه المتفق عليه، إلى آخر ما ذكر.\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-3349> باب نزل تحريم الخمر وهي من البسر والتمر)</span>\nقال العلامة القسطلاني (^٣): قوله: \"وهي\" أي: والحال أن الخمر كان يصنع من البسر والتمر، وإطلاق الخمر على غير ما اتخذ من العنب مجاز، وقيل: هو حقيقة لظاهر الأحاديث، انتهى.\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-3350> باب الخمر من العسل وهو البتع)</span>\nبكسر الموحدة وتفتح وسكون الفوقية وقد تحرك آخره عين مهملة، لغة يمانية، انتهى من \"القسطلاني\" (^٤).\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري بحاشية السندي\" (٣/ ٣٢١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٠/ ٣٥).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٣٨١).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٣٨٤).","vol":"6","page":90},{"text":"(٤ -<span data-type='title' id=toc-3351> باب ما جاء في أن الخمر ما خامر العقل. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^١): قوله: \"الخمر ما خامر العقل\" قال الكرماني: هذا تعريف بحسب اللغة، وأما بحسب العرف فهو ما يخامر العقل من عصير العنب خاصة، كذا قال، وفيه نظر؛ لأن عمر ليس في مقام تعريف اللغة بل هو في مقام تعريف الحكم الشرعي، إلى آخر ما بسط أشدّ البسط.\nقلت: الأول قول الحنفية، والثاني مسلك الجمهور من الأئمة الثلاثة، وحاصل اختلاف الأئمة في حكم الأشربة ما ذكرته في \"الأوجز\" (^٢) مبسوطًا، وعنه في هامش \"اللامع\" (^٣) مختصرًا.\nوفيه: اعلم أن الأشربة المسكرة كلها حرام عند الأئمة الثلاثة والإمام محمد ﵃ أجمعين، فإنهم جعلوا كلها خمرًا، وحرموا كل أنواعها بلا تفصيل وتفريق، والحنفية أهل الرأي الثاقب لما أمعنوا النظر في الروايات المختلفة في هذا الباب، ورأوا عمل جمهور الصحابة لا سيما أكابر الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين فرقوا في أنواع الأشربة، وجعلوها بأربعة أنواع، ففي \"الهداية\": إن الأشربة المحرمة أربعة:\nأحدها: الخمر، وهي عصير العنب إذا غلا واشتد وقذف بالزبد، الثاني: العصير إذا طبخ حتى يذهب أقل من ثلثيه وهو الطلاء، الثالث: نقيع التمر وهو السكر، الرابع: نقيع الزبيب إذا اشتد وغلا، إلى آخر ما ذكر فيه.\nوحاصل مذهبنا في الأشربة أنها ثلاثة أنواع: أحدها: الخمر، وهو التي من ماء العنب إذا اشتد وغلا وقذف بالزبد، وحكمها أن عينها حرام يحدّ بشرب قطرة منها وإن لم يسكر، ويكفر مستحلها، والثاني: الأشربة الثلاثة المذكورة أعني عصير العنب المطبوخ حتى يذهب أقل من ثلثيه،\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٤٧).\n(^٢) \"أوجز المسالك\" (١٥/ ٤٩٣ - ٤٩٦).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٩/ ٤٣٥ - ٤٣٧).","vol":"6","page":91},{"text":"ونقيع التمر، ونقيع الزبيب، وحكم هذه الثلاثة أنه يحرم قليلها وكثيرها، لكن لا يحدّ بها ما لم يسكر ولا يكفر مستحلها، النوع الثالث: ما سوى ذلك من الأشربة المسكرة كالمتخذة من الحنطة أو الشعير أو العسل، وحكمها أنه يجوز شربها عند أبي حنيفة وأبي يوسف للتقوي على العبادة لا للتلهي ما لم يبلغ حدّ السكر، فإن بلغ مقدار الشرب إلى حدّ السكر يحرم هذه الجرعة الأخيرة، ومع ذلك لا يحدّ شاربها على قول، قالوا: والأصح أنه يحدّ، انتهى ملخصًا من هامش \"اللامع\" بزيادة.\n\n(٥ -<span data-type='title' id=toc-3352> باب ما جاء فيمن يستحلّ الخمر ويسميه بغير اسمه)</span>\nذكر الخمر باعتبار الشراب وإلا فالخمر مؤنث سماعي. قاله القسطلاني (^١)، وعزاه الحافظ في \"الفتح\" (^٢) إلى الكرماني، وزاد: قلت: بل فيه لغة بالتذكير.\nثم قال القسطلاني: ومطابقة الجزء الأول من الترجمة للحديث ظاهرة، وأما الجزء الثاني ففي حديث مالك بن أبي مريم عند الإمام أحمد وابن أبي شيبة والبخاري في \"تاريخه\" عن أبي مالك الأشعري مرفوعًا: \"ليشربنّ أناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها\" كما هو عادة المؤلف - ﵀ - في الإشارة بالترجمة إلى حديث لم يكن على شرطه، وقال في \"الكواكب\": أو لعل نظر المؤلف إلى لفظ: \"من أمتي\" إذ فيه دليل على أنهم استحلوها بالتأويل، إذ لو لم يكن بالتأويل لكان كفرًا وخروجًا عن أمته؛ لأن تحريم الخمر معلوم من الدين بالضرورة، انتهى.\nواختار الحافظ التوجيه الأول، والحديث الذي ذكره القسطلاني، قال\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٣٨٨ - ٣٩٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٠/ ٥١).","vol":"6","page":92},{"text":"الحافظ فيه: أخرجه أبو داود وصححه ابن حبان، وله شواهد كثيرة، إلى آخر ما ذكر.\n\n(٦ -<span data-type='title' id=toc-3353> باب الانتباذ في الأوعية والتور)</span>\nهو من عطف الخاص على العام، لأن التور من جملة الأوعية، وهو بفتح المثناة: إناء من حجارة أو من نحاس أو من خشب، ويقال: لا يقال له تور إلا إذا كان صغيرًا، وقيل: هو قدح كبير كالقدر، وقيل: مثل الطست، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(٧ -<span data-type='title' id=toc-3354> باب ترخيص النبي - ﷺ - في الأوعية. . .) إلخ</span>\nذكر فيه خمسة أحاديث، الأول منها عام في الرخصة، وفي الثاني استثناء المزفت، وفي الثالث النهي عن الدباء والمزفت، وفي الرابع وهو حديث عائشة كذلك، وفي الخامس النهي عن الجر الأخضر، وظاهر صنيعه أنه يرى أن عموم الرخصة مخصوص بما ذكر في الأحاديث الأخرى، وهي مسألة خلاف، فذهب مالك إلى ما دلّ عليه صنيع البخاري، وقال الشافعي والثوري وابن حبيب من المالكية: يكره ذلك ولا يحرم، وقال سائر الكوفيين: يباح، وعن أحمد روايتان، وقال الخطابي: ذهب الجمهور إلى أن النهي إنما كان أولًا ثم نسخ، وذهب جماعة إلى أن النهي عن الانتباذ في هذه الأوعية باقٍ، منهم ابن عمر وابن عباس، وبه قال مالك وأحمد وإسحاق، كذا أطلق، قال: والأول أصح، انتهى بتغير واختصار (^٢).\nقلت: وقد أخرج الإمام مالك في \"الموطأ\" من حديث أبي هريرة مرفوعًا: \"أنه نهى عن أن ينتبذ في الدباء والمزفت\"، وبسط في \"الأوجز\" (^٣) في النقل عن كتب فروع المالكية، ثم قال: وعلم من ذلك أن المعروف في\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٥٦).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (١٠/ ٥٨).\n(^٣) \"أوجز المسالك\" (١٥/ ٥٢٨، ٥٢٩).","vol":"6","page":93},{"text":"مذهب الإمام مالك الكراهة عن الدباء والمزفت فقط، ولذا أورد الروايتين فيهما دون غيرهما من الظروف، قال الموفق: يجوز الانتباذ في كلها، وعن أحمد أنه كره الانتباذ في الأربعة، والصحيح الأول، انتهى.\n\n(٨ -<span data-type='title' id=toc-3355> باب نقيع التمر ما لم يسكر)</span>\nأشار بالترجمة إلى أن الذي أخرجه ابن أبي شيبة عن عبد الرحمن بن معقل وغيره من كراهة نقيع الزبيب محمول على ما تغير، وكاد يبلغ حدّ الإسكار، أو أراد قائله حسم المادة كما سيأتي عن عبيدة السلماني، وتقييده في الترجمة بما لم يسكر مع أن الحديث لا تعرض فيه للسكر لا إثباتًا ولا نفيًا إما من جهة أن المدة التي ذكرها سهل - وهو من أول الليل إلى أثناء نهاره - لا يحصل فيه التغير جملة، أو إنما خصه بما لا يسكر من جهة المقام، والله أعلم، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(٩ -<span data-type='title' id=toc-3356> باب الباذق ومن نهى عن كل مسكر من الأشربة)</span>\nبسط الكلام في هامش النسخة \"الهندية\" (^٢) في تحقيق الباذق.\nقال الحافظ (^٣): قوله: \"ومن نهى عن كل مسكر\" كأنه أخذه من قول عمر: \"فإن كان يسكر جلدته\" مع نقله عنه تجويز شرب الطلاء على الثلث، فكأنه يؤخذ من الخبرين أن الذي أباحه ما لم يسكر أصلًا، وأما قوله: \"من الأشربة\" فلأن الآثار التي أوردها مرفوعها وموقوفها تتعلق بما يشرب، انتهى من \"الفتح\".\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٦٢).\n(^٢) \"صحيح البخاري بحاشية السهارنفوري\" (١١/ ٣٤١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٠/ ٦٣).","vol":"6","page":94},{"text":"(١٠ -<span data-type='title' id=toc-3357> باب من رأى أن لا يخلط البسر والتمر. . .) إلخ</span>\nقال ابن بطال: قوله: \"إذا كان مسكرًا\" خطأ؛ لأن النهي عن الخليطين عام وإن لم يسكر كثيرهما لسرعة سريان الإسكار إليهما من حيث لا يشعر صاحبه به، فليس النهي عن الخليطين لأنهما يسكران حالًا بل لأنهما يسكران مآلًا، فإنهما إذا كانا مسكرين في الحال لا خلاف في النهي عنهما.\nقال الكرماني: فعلى هذا فليس هو خطأ، بل يكون أطلق ذلك على سبيل المجاز، وهو استعمال مشهور، وأجاب ابن المنيِّر بأن ذلك لا يرد على البخاري إما لأنه يرى جواز الخليطين قبل الإسكار، وإما لأنه ترجم على ما يطابق الحديث الأول، إلى آخر ما ذكر الحافظ (^١).\nوقال: الذي يظهر لي أن مراد البخاري بهذه الترجمة الردّ على من أوّل النهي عن الخليطين بأحد تأويلين: أحدهما: حمل الخليط على المخلوط، وهو أن يكون نبيذ تمر وحده مثلًا وقد اشتد، ونبيذ زبيب وحده مثلًا قد اشتد، فيخلطان ليصيرا خلًّا، فيكون النهي من أجل تعمد التخليل، وهذا مطابق للترجمة من غير تكلف، ثانيهما: أن يكون علة النهي عن الخلط الإسراف، فيكون كالنهي عن الجمع بين إدامين، ويؤيد الثاني قوله في الترجمة: \"وأن لا يجعل إدامين في إدام\"، وقد نصر الطحاوي من حمل النهي عن الخليطين على منع السرف، إلى آخر ما بسط الحافظ، وبسط في نقل مذاهب العلماء في حكم الخليط.\nوقال القسطلاني (^٢): وهل إذا خلط نبيذ البسر الذي لم يشتد مع نبيذ التمر الذي لم يشتد يمتنع أو يختص النهي عن الخلط عند الانتباذ؟ فقال الجمهور: لا فرق ولو لم يسكر، وقال الكوفيون بالحل، ولا خلاف أن\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٦٧).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٤٠٠).","vol":"6","page":95},{"text":"العسل باللبن ليس بخليطين؛ لأن اللبن لا ينبذ، واختلف في الخليطين بالتخليل، انتهى.\nقال العلامة العيني (^١): قلت: في هذا الباب أقوال: أحدها: أنه يحرم، وبه قال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق، والثاني: يحرم خليط كل نوعين مما ينتبذ في الانتباذ، وبعد الانتباذ لا يخص شيء، وهو قول بعض المالكية، والثالث: أن النهي محمول على التنزيه، وأنه ليس بحرام ما لم يصر مسكرًا، وقال شيخنا زين الدين: حكاه النووي عن مذهبنا وأنه قول جمهور العلماء، الرابع: روي عن الليث أنه قال: لا بأس أن يخلط نبيذ الزبيب ونبيذ التمر ثم يشربان جميعًا، وإنما جاء النهي عن أن ينتبذا جميعًا لأن أحدهما يشد صاحبه، الخامس: أنه لا كراهة في شيء من ذلك، وهو قول أبي حنيفة في رواية عن أبي يوسف.\nقال النووي: أنكر عليه الجمهور وقالوا: هذه منابذة لصاحب الشرع، فقد ثبتت الأحاديث الصحيحة الصريحة في النهي عنه، فإن لم يكن حرامًا كان مكروهًا.\nقلت: هذه جرأة شنيعة على إمام أجلّ من ذلك، وأبو حنيفة لم يكن قال ذلك برأيه، وإنما مستنده في ذلك أحاديث، ثم ذكر العلامة العيني تلك الأحاديث.\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"الكوكب\" (^٢): قوله: \"نهى عن أن ينتبذ البسر والرطب. . .\" إلخ، هذا النهي كالنهي عن الانتباذ في الظروف كان في أول الأمر لما فيه بعد الخلط من قوة فيسرع الاشتداد، ثم صار الأمر واسعًا غير أن المسكر حرام أيًّا ما كان، انتهى.\nوفي هامشه عن \"الهداية\": لا بأس بالخليطين لما روي عن ابن زياد أنه قال: سقاني ابن عمر شربة ما كدت أهتدي إلى أهلي، فغدوت إليه\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٦٠٣).\n(^٢) \"الكوكب الدري\" (٣/ ٣٥، ٣٦).","vol":"6","page":96},{"text":"من الغد فأخبرته بذلك فقال: ما زدناك على عجوة وزبيب، وهذا من الخليطين، ثم ذكر توجيه الحديث نحو ما قال الشيخ قُدِّس سرُّه.\nقوله: (وأن لا يجعل إدامين) أي: التمر والزبيب مثلًا فيكونان كالواحد فيكون تابعًا لما سبق، كذا قالوا.\nوالأوجه عندي: أنه تأسيس وحكم مستقل كما هو المعروف عن عمر - ﵁ -، وقد تقدم نحوه في كلام الحافظ.\n\n(١١ -<span data-type='title' id=toc-3358> باب شرب اللبن)</span>\nقال ابن المنيِّر: أطال التفنن في هذه الترجمة ليردّ قول من زعم أن اللبن يسكر كثيره، فردّ ذلك بالنصوص، وهو قول غير مستقيم؛ لأن اللبن لا يسكر بمجرده، وإنما يتفق فيه ذلك نادرًا بصفة تحدث، وقال غيره: قد زعم بعضهم أن اللبن إذا طال العهد به وتغيَّر صار يسكر، وهذا ربما يقع نادرًا إن ثبت وقوعه، ولا يلزم منه تأثيم شاربه، إلا إن علم أن عقله يذهب به فشربه لذلك، ثم ذكر الحافظ رواية عن \"سنن سعيد بن منصور\" من قول ابن عمر ما يؤيد اتخاذ الخمر باللبن، فارجع إليه لو شئت (^١).\nقلت: وعندي لا حاجة إلى هذه المباحث التي ذكرها الشرَّاح كما ترى ولا طائل تحتها، والظاهر أن المصنف - ﵀ - بدأ من ههنا من أنواع الأشربة ما يحلّ بعد الفراغ عن بيان ما يحرم منها، ويؤيده التراجم الآتية، وتقدم أيضًا في أول الكتاب أن المصنف - ﵀ - ذكر في \"كتاب الأشربة\" كلا النوعين: الحلال والحرام، والظاهر إنما شرع باللبن لكونه أشرف الأنواع، ويؤيده حديث الباب من حيث إنه عرض عليه - ﷺ - ليلة الإسراء، وأشار بذكر الآية في الترجمة إلى أصل حلِّه حيث منَّ الله تعالى على عباده به، ويمكن أن يقال: إن الإمام البخاري أشار بذكر هذه الآية إلى ما عسى أن يتوهمه\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٧١).","vol":"6","page":97},{"text":"أحد من قوله تعالى: ﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ﴾ [النحل: ٦٦] كراهة اللبن لكون معدنه قريبًا من معدن النجاسة، فذكر في الباب ما يزيل هذا التوهم [من] حديث الإسراء وعرض اللبن عليه - ﷺ -.\n\n(١٢ -<span data-type='title' id=toc-3359> باب استعذاب الماء)</span>\nبالذال المعجمة، أي: طلب الماء العذب، والمراد به الحلو، ذكر فيه حديث أنس في صدقة أبي طلحة لقوله فيه: \"ويشرب من ماء فيها طيب\"، وقد ورد في خصوص لفظ الترجمة حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: \"كان رسول الله - ﷺ - يستعذب له الماء من بيوت السقيا\"، والسقيا بضم المهملة وبالقاف بعدها تحتانية: عين بينها وبين المدينة يومان، هكذا أخرجه أبو داود، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nقلت: ولعل الإمام البخاري أشار بالترجمة إلى أن استعذاب الماء ثابت عنه - ﷺ -، وكان من دأبه الشريف - ﷺ -، ويمكن أنه أشار بذلك إلى ما يستفاد من كلام ابن بطال.\nقال الحافظ (^٢): قال ابن بطال: استعذاب الماء لا ينافي الزهد، ولا يدخل في الترفه المذموم، بخلاف تطييب الماء بالمسك ونحوه، وقد كرهه مالك لما فيه من السرف، أما شرب الماء الحلو وطلبه فمباح، فقد فعله الصالحون، وليس في شرب الماء الملح فضيلة، انتهى.\n\n(١٣ -<span data-type='title' id=toc-3360> باب شرب اللبن بالماء)</span>\nقال الحافظ (^٣): أي: ممزوجًا، وإنما قيَّده بالشرب للاحتراز عن الخلط عند البيع فإنه غش، قال ابن المنيِّر: مقصوده أن ذلك لا يدخل في النهي عن الخليطين، وهو يؤيد ما تقدم من فائدة تقييده الخليطين بالمسكر،\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٧٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٠/ ٧٤).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٠/ ٧٥، ٧٦).","vol":"6","page":98},{"text":"أي: إنما ينهى عن الخليطين إذا كان كل واحد منهما من جنس ما يسكر، وإنما كانوا يمزجون اللبن بالماء؛ لأن اللبن عند الحلب يكون حارًا، وتلك البلاد في الغالب حارة فكانوا يكسرون حرَّ اللبن بالماء البارد، انتهى.\n\n(١٤ -<span data-type='title' id=toc-3361> باب شراب الحلواء والعسل)</span>\nتقدم الكلام على تحقيق لفظ الحلواء ومعناه في \"باب الحلواء والعسل\" من \"كتاب الأطعمة\".\nقال القسطلاني (^١): وليس المراد بقوله: \"شراب الحلواء\" الحلواء المعهودة المعقودة بالنار، بل كل حلواء تشرب من نقيع حلو وغيره مما يشبهه، وقوله: \"الحلواء\" شامل للعسل، فذكره بعدها من التخصيص بعد التعميم، ثم ذكر أثرين للزهري وابن مسعود، ثم قال: فإن قلت: ما وجه المطابقة بين الترجمة والأثرين؟ أجاب ابن المنيِّر بأنه ترجم على شيء وأعقبه بضده قال: وبضدها تتبين الأشياء، ثم عاد إلى ما يطابق الترجمة نصًّا، ثم ذكر توجيهًا آخر، فارجع إليه لو شئت.\nوالأوجه عندي: أن المراد في الترجمة بشراب الحلواء والعسل الماء المخلوط بشيء حلو الذي يقال له في الهندية: \"شربت\"، و\"شربت العسل\" معروف في ديارنا، ولذا لم يترجم المصنف بالشراب الحلو؛ لأنه يطلق على العذب.\nوبسط الحافظ الكلام في مصداق الترجمة.\n\n(١٥ -<span data-type='title' id=toc-3362> باب الشرب قائمًا)</span>\nقال ابن بطال: أشار بهذه الترجمة إلى أنه لم يصح عنده الأحاديث الواردة في كراهة الشرب قائمًا، كذا قال وليس بجيد، بل الذي يشبه صنيعه أنه إذا تعارضت عنده الأحاديث لا يثبت الحكم، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٤٠٩، ٤١٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٠/ ٨١).","vol":"6","page":99},{"text":"والأوجه عندي ما قال ابن بطال من أنه أشار بالترجمة إلى ترجيح أحاديث الجواز، ولذا لم يذكر في الباب شيئًا من أحاديث النهي كما ترى، فمعنى الترجمة جواز الشرب قائمًا، والمسألة خلافية لأجل اختلاف الروايات.\nقال الحافظ (^١): واستدل بهذا الحديث على جواز الشرب للقائم، وقد عارض ذلك أحاديث صريحة في النهي عنه، منها عند مسلم عن أنس: \"أن النبي - ﷺ - زجر عن الشرب قائمًا\"، ومثله عنده عن أبي سعيد بلفظ: \"نهى\"، ولمسلم عن أبي هريرة بلفظ: \"لا يشربنّ أحدكم قائمًا فمن نسي فليستقئ\" إلى أن قال الحافظ: قال القرطبي: لم يصر أحد إلى أن النهي فيه للتحريم، وإن كان جاريًا على أصول الظاهرية القول به، وتعقب بأن ابن حزم جزم بالتحريم.\nثم قال: وسلك العلماء في ذلك مسالك:\nأحدها: الترجيح، وأن أحاديث الجواز أثبت من أحاديث النهي، وهذا طريقة أبي بكر بن الأثرم، الثاني: دعوى النسخ، وإليها جنح الأثرم وغيره فقالوا: إن أحاديث النهي منسوخة بأحاديث الجواز بقرينة عمل الخلفاء الراشدين ومعظم الصحابة والتابعين بالجواز، وقد عكس ذلك ابن حزم، فادعى نسخ أحاديث الجواز بأحاديث النهي، الثالث: الجمع بين الخبرين بضرب من التأويل فقيل: المراد بالقيام ههنا المشي، وجنح الطحاوي إلى حمل النهي على من لم يسمّ عند شربه، ومال جماعة إلى حمل النهي على كراهة التنزيه، وأحاديث الجواز على بيانه، وهذا أحسن المسالك، وقيل: إن النهي عن ذلك إنما هو من جهة الطبّ مخافة وقوع ضرر به، إلى آخر ما بسط في هامش \"اللامع\" (^٢).\nوفيه: وعلم مما سبق أنهم اختلفوا في ذلك على ستة أقوال:\nأحدها: أن النهي مخصوص بما سوى زم زم وفضل الوضوء، وهو\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٨٢ - ٨٤).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٥/ ١٩٨).","vol":"6","page":100},{"text":"مختار بعض أصحابنا الحنفية، كصاحب \"المنية\" وصاحب \"الدر المختار\" وغيرهما إلى أن قال: الخامس: النهي للتنزيه والفعل للجواز، وهو مختار النووي والسيوطي وغيرهما، وهو مختار أكثر أصحابنا الحنفية حتى أن الحلبي نقل عليه الإجماع، والسادس: ما اختاره الطحاوي أن النهي للمضرة، فهذا أمر إرشاد طبّيّ لا شرعي، انتهى.\n\n(١٦ -<span data-type='title' id=toc-3363> باب من شرب وهو واقف على بعيره)</span>\nقال ابن العربي: لا حجة في هذا على الشرب قائمًا؛ لأن الراكب على البعير قاعد غير قائم، كذا قال، والذي يظهر لي أن البخاري أراد حكم هذه الحالة وهل تدخل تحت النهي أو لا؟ وإيراده الحديث من فعله - ﷺ - يدلّ على الجواز، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوقال العلامة السندي (^٢): قوله: \"باب من شرب وهو واقف\" أي: بعرفة \"على بعيره\"، والوقوف بعرفة هو الكون فيها أعم من القيام والقعود والنوم كما لا يخفى، فلا يرد أن الراكب على البعير قاعد لا قائم، فكيف سماه واقفًا، ولا حاجة إلى الجواب عنه بأن الراكب من حيث كونه سائرًا يشبه القائم، ومن حيث كونه مستقرًا على الدابة يشبه القاعد، فمراده بيان حكم هذه الحالة هل تدخل تحت النهي أم لا؟ مع أن هذا يتحقق إذا كان البعير سائرًا لا واقفًا، والأمر ههنا بالعكس، والله أعلم، انتهى.\n\n(١٧ -<span data-type='title' id=toc-3364> باب الأيمن فالأيمن في الشرب)</span>\nهذا مستحب عند الجمهور، وقال ابن حزم: يجب، وقوله: \"في الشرب\" يعم الماء وغيره من المشروبات، ونقل عن مالك وحده أنه خصه بالماء، قال ابن عبد البر: لا يصح عن مالك، وقال عياض: يشبه أن يكون\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٨٥).\n(^٢) \"صحيح البخاري بحاشية السندي\" (٣/ ٣٢٥).","vol":"6","page":101},{"text":"مراده أن السُّنَّة ثبتت في الماء خاصة، وتقديم الأيمن في غير شرب الماء يكون بالقياس، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nقلت: وصنيع الإمام مالك في \"الموطأ\" أيضًا يدل على أنه لا يقول بتخصيص الماء فإنه قد ترجم فيه: \"السُّنَّة في الشراب وتناوله عن اليمين\" وذكر فيه حديث الباب، وفيه ذكر اللبن.\nوفي \"الأوجز\" (^٢): قال الباجي: قوله: \"الأيمن فالأيمن\" يقتضي أن التيامن مشروع في مناولة الشراب والطعام وما جرى مجراهما، وفي \"العتبية\" عن أشهب: يستحب في مكارم الأخلاق أن يبدأ بالأيمن فالأيمن في الكتاب بالشهادات والمجلس والوضوء وما أشبه ذلك، انتهى.\nقلت: ومسألة الباب أعني الأيمن فالأيمن إنما هو إذا كان الحاضرون مرتبون في الجلوس، وأما إذا كانوا غير مرتبين في جلوسهم فالأدب حينئذٍ الأكبر فالأكبر والأسنّ فالأسنّ، كما يستفاد مما ورد في حديث السواك أن \"كبر\" أي: أعط السواك أكبرهما، هكذا قال ابن رسلان في \"شرحه\".\n\n(١٨ -<span data-type='title' id=toc-3365> باب هل يستأذن الرجل من عن يمينه في الشرب)</span>\nكأنه لم يجزم بالحكم لكونها واقعة عين فيتطرق إليها احتمال الاختصاص، فلا يطرد الحكم فيها لكل جليسين، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\n\n(١٩ -<span data-type='title' id=toc-3366> باب الكرع في الحوض)</span>\nاختلفت الروايات فيه، فقد ورد النهي عن الكرع في بعض الروايات عند ابن ماجه كما سيأتي، فلعل المصنف أشار إلى ردّ تلك الروايات، والله أعلم.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٨٦).\n(^٢) \"أوجز المسالك\" (١٦/ ٣٣٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٠/ ٨٦).","vol":"6","page":102},{"text":"قال الحافظ (^١): الكرع: تناول الماء بالفم من غير إناء ولا كفٍّ، وقال ابن التِّين: حكى أبو عبد الملك أنه الشرب باليدين معًا قال: وأهل اللغة على خلافه قلت: ويرده ما أخرجه ابن ماجه (^٢) عن ابن عمر قال: \"مررنا على بركة فجعلنا نكرع فيها، فقال رسول الله - ﷺ -: لا تكرعوا ولكن اغسلوا أيديكم ثم اشربوا بها\" الحديث، ولكن في سنده ضعف، فإن كان محفوظًا فالنهي فيه للتنزيه، والفعل لبيان الجواز، أو قصة جابر قبل النهي، أو النهي في غير حال الضرورة، وهذا الفعل كان لضرورة شرب الماء الذي ليس ببارد فيشرب بالكرع لضرورة العطش لئلا تكرهه نفسه إذا تكررت الجرع، فقد لا يبلغ الغرض من الري، أشار إلى هذا الأخير ابن بطال، وإنما قيل للشرب بالفم: كرع؛ لأنه فعل البهائم لشربها بأفواهها، والغالب أنها تدخل أكارعها حينئذ في الماء، ووقع عند ابن ماجه (^٣) من وجه آخر عن ابن عمر فقال: \"نهانا رسول الله - ﷺ - أن نشرب على بطوننا وهو الكرع\" وسنده أيضًا ضعيف، انتهى مختصرًا.\nوأما مطابقة الحديث بالترجمة فقد قال الحافظ (^٤): وإنما قيد في الترجمة بالحوض؛ لأن جابرًا أعاد قوله: وهو يحول الماء في أثناء مخاطبة النبي - ﷺ - الرجل مرتين، والظاهر أنه كان ينقله من أسفل البئر إلى أعلاه، فكأنه كان هناك حوض يجمعه فيه ثم يحوله من جانب إلى جانب، انتهى.\n\n(٢٠ -<span data-type='title' id=toc-3367> باب خدمة الصغار الكبار)</span>\nذكر فيه حديث أنس: \"كنت قائمًا على الحي أسقيهم وأنا أصغرهم\" وهو ظاهر فيما ترجم به، انتهى من \"الفتح\" (^٥).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٧٧).\n(^٢) \"سنن ابن ماجه\" (رقم ٣٤٣٣).\n(^٣) \"سنن ابن ماجه\" (رقم ٣٤٣١).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٠/ ٨٨).\n(^٥) \"فتح الباري\" (١٠/ ٨٨).","vol":"6","page":103},{"text":"(٢١ -<span data-type='title' id=toc-3368> باب تغطية الإناء)</span>\nذكر فيه حديث جابر وفيه: \"وخمروا الطعام والشراب\"، ومعنى التخمير التغطية، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(٢٢ -<span data-type='title' id=toc-3369> باب اختناث الأسقية)</span>\nافتعال من الخنث بالخاء المعجمة والنون والمثلثة، وهو الانطواء والتكسر والانثناء، والأسقية جمع السقاء، والمراد به المتخذ من الأدم صغيرًا كان أو كبيرًا، وقيل: القربة قد تكون كبيرة وقد تكون صغيرة، والسقاء لا يكون إلا صغيرًا، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\n\n(٢٣ -<span data-type='title' id=toc-3370> باب الشرب من فم السقاء)</span>\nأشار المصنف إلى ترجيح روايات النهي وإلى أن النهي عامّ، ولذا لم يكتف على الترجمة السابقة، وكذا مال الحافظ إلى ترجيح المنع كما سيأتي.\nقال الحافظ (^٣): الفم بتخفيف الميم ويجوز تشديدها، قال ابن المنيِّر: لم يقنع بالترجمة التي قبلها لئلا يظن أن النهي خاصّ بصورة الاختناث فبين أن النهي عام، انتهى.\nقال النووي: اتفقوا على أن النهي هنا للتنزيه لا للتحريم، كذا قال، وفي نقل الاتفاق نظر؛ فقد جزم ابن حزم بالتحريم لثبوت النهي، قال النووي: ويؤيد كون هذا النهي للتنزيه أحاديث الرخصة في ذلك.\nقلت: لم أر في شيء من الأحاديث المرفوعة ما يدل على الجواز إلا من فعله - ﷺ -، وأحاديث النهي كلها من قوله، فهي أرجح، وأطلق أبو بكر الأثرم صاحب أحمد أن أحاديث النهي ناسخة للإباحة؛ لأنهم كانوا أولًا\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٨٩).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٠/ ٨٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٠/ ٩٠ - ٩٢).","vol":"6","page":104},{"text":"يفعلون ذلك حتى وقع دخول الحية في بطن الذي شرب من فم السقاء فنسخ الجواز.\nقال الحافظ: ومن الأحاديث الواردة في الجواز ما أخرجه الترمذي وصححه من حديث كبشة قالت: \"دخلت على رسول الله - ﷺ - فشرب من في قربة معلقة\"، وفي الباب عن عبد الله بن أنيس عند أبي داود والترمذي، وعن أم سلمة في \"الشمائل\"، انتهى، ملخصًا وملتقطًا من \"الفتح\".\nوقد بسط الحافظ في الجمع بين الروايات، وحاصله أن فعله - ﷺ - إما خاصّ به أو محمول على الجواز أو للضرورة أو منسوخ بأحاديث النهي، وكذا حكى الحافظ عن ابن أبي جمرة عدة أقوال في علة النهي، فارجع إليه لو شئت.\n\n(٢٤ -<span data-type='title' id=toc-3371> باب النهي عن التنفس في الإناء)</span>\nذكر فيه حديث أبي قتادة، وقد تقدم في \"كتاب الطهارة\".\nقال الحافظ (^١) تحت حديث الباب: زاد ابن أبي شيبة من وجه آخر النهي عن النفخ في الإناء، وله شاهد من حديث ابن عباس عند أبي داود والترمذي، وجاء في النهي عن النفخ في الإناء عدة أحاديث، وكذا النهي عن التنفس في الإناء، إلى آخر ما ذكره الحافظ.\n\n(٢٥ -<span data-type='title' id=toc-3372> باب الشرب بنفسين أو ثلاثة)</span>\nكذا ترجم مع أن لفظ الحديث الذي أورده في الباب: \"كان يتنفس\" فكأنه أراد أن يجمع بين حديث الباب والذي قبله؛ لأن ظاهرهما التعارض فحملهما على حالتين: التنفس داخل الماء والتنفس خارجه، انتهى مختصرًا من \"الفتح\" (^٢).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٩٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٠/ ٩٣).","vol":"6","page":105},{"text":"فأشار المصنف بعقد الترجمتين هذه والسابقة إلى أن كل واحد منهما من آداب الشرب، أحدهما عدم التنفس في الإناء، وثانيهما عدم الشرب بنفس واحد.\nقال القسطلاني (^١) تحت حديث الباب: أي: لا يجعل نفسه داخل الإناء لأنه قد يقع منه شيء من الريق فيعافه الشارب، و\"أو\" للتنويع أو للشك من الراوي، وفي حديث ابن عباس رفعه بسند ضعيف عند الترمذي: \"لا تشربوا واحدة كما يشرب البعير ولكن اشربوا مثنى وثلاث\" فلم يقل \"أو\"، انتهى.\nوقال العيني (^٢) بحثًا على المسألة: والأصل أن المستحب الشرب في ثلاثة أنفاس، واختلفوا هل يجوز الشرب بنفس واحد؟ فروي عن ابن عباس وطاوس وعكرمة كراهته، وقال ابن عباس: هو شرب الشيطان، إلى آخر ما ذكر.\n\n(٢٦ -<span data-type='title' id=toc-3373> باب الشرب في آنية الذهب)</span>\nكذا أطلق الترجمة، وكأنه استغنى عن ذكر الحكم بما صرح به بعد في \"كتاب الأحكام\" أن نهي النبي - ﷺ - على التحريم حتى يقوم دليل الإباحة، وقد وقع التصريح في حديث الباب بالنهي، ونقل ابن المنذر الإجماع على تحريم الشرب في آنية الذهب والفضة إلا عن معاوية بن قرة أحد التابعين، فكأنه لم يبلغه النهي، وعن الشافعي في القديم ونقل عنه أدت النهي فيه للتنزيه؛ لأن علته ما فيه من التشبه بالأعاجم، ونصّ في الجديد على التحريم، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٤٢٢، ٤٢٣).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٦٢٧).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٠/ ٩٤).","vol":"6","page":106},{"text":"(٢٧ -<span data-type='title' id=toc-3374> باب آنية الفضة)</span>\nتقدم حكمه في الباب السابق.\nقال الحافظ (^١): وفي هذه الأحاديث تحريم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة على كل مكلف رجلًا كان أو امرأة، ولا يلتحق ذلك بالحلي للنساء؛ لأنه ليس من التزين الذي أبيح لها في شيء، قال القرطبي وغيره: ويلتحق بهما (أي: بالأكل والشرب) ما في معناهما مثل التطيب والتكحل وسائر وجوه الاستعمالات، وبهذا قال الجمهور، وأغربت طائفة شذّت فأباحت ذلك مطلقًا، ومنهم من قصر التحريم على الأكل والشرب، ومنهم من قصره على الشرب؛ لأنه لم يقف على الزيادة في الأكل، قال: واختلف في علة المنع، فذكر فيه أقوالًا عديدة، فارجع إليه لو شئت.\n\n(٢٨ -<span data-type='title' id=toc-3375> باب الشرب في الأقداح)</span>\nأي: هل يباح أو يمنع لكونه من شعار الفسقة؟ ولعله أشار إلى أن الشرب فيها وإن كان من شعار الفسقة لكن ذلك بالنظر إلى المشروب وإلى الهيئة الخاصة بهم فيكره التشبه بهم، ولا يلزم من ذلك كراهة الشرب في القدح إذا سلم من ذلك، قاله الحافظ (^٢).\nوتعقب عليه العلَّامة العيني (^٣) إذ قال: هذا كلام غير مستقيم، وكيف يقول: إن الشرب فيها من شعائر الفسقة؟ وقد وضع البخاري عقيب هذا \"باب الشرب من قدح النبيﷺ -\"، وذكروا أيضًا أنه كان للنبي - ﷺ - قدح يقال له: الريان، وآخر يقال له: المغيث، وآخر مضبّب بثلاث ضبّات من فضة، وقيل: من حديد، وفيه حلقة يعلق بها، أصغر من المد وأكثر من نصف المد، إلى آخر ما بسط، وسكت العلامة القسطلاني عن غرض الترجمة.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٩٧، ٩٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٠/ ٩٨).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٦٣١).","vol":"6","page":107},{"text":"ولا يبعد عندي أن تكون إشارة إلى ترجيح القدح على الكوز والإبريق وغيرهما، فإن القدح لسعة فمه يظهر فيه للشارب ما قد يسقط فيه شيء من التبن ونحوه.\n\n(٢٩ -<span data-type='title' id=toc-3376> باب الشرب من قدح النبي - ﷺ </span>-)\nأي: تبركًا به، قال ابن المنيِّر: كأنه أراد بهذه الترجمة دفع توهم من يقع في خياله أن الشرب في قدح النبي - ﷺ - بعد وفاته تصرف في ملك الغير بغير إذن، فبيَّن أن السلف كانوا يفعلون ذلك؛ لأن النبي - ﷺ - لا يورث وما تركه فهو صدقة، لا يقال: إن الأغنياء كانوا يفعلون ذلك والصدقة لا تحل للغني؛ لأن الجواب أن الممتنع على الأغنياء من الصدقة هو المفروض منها، وهذا ليس من الصدقة المفروضة.\nقال الحافظ (^١): والذي يظهر أن الصدقة المذكورة من جنس الأوقاف المطلقة ينتفع بها من يحتاج إليها، وتقرّ تحت يد من يؤتمن عليها، ولهذا كان عند سهل قدح، وعند عبد الله بن سلام آخر، والجبة عند أسماء بنت أبي بكر وغير ذلك، انتهى من \"الفتح\".\nقلت: لا حاجة إلى هذا البحث الطويل، بل الغرض من الترجمة الشرب من قدح شرب منه - ﷺ - تبركًا به أعم من أن يكون ذلك القدح في ملكه - ﷺ - أم لا؟ وعلى هذا فمطابقة الحديث للترجمة أيضًا ظاهرة، فإن الظاهر أن القدح المذكور في أول حديث الباب كان لسهل لا للنبي - ﷺ -، فلا حاجة حينئذٍ في إثبات المطابقة إلى ما ذكره العلَّامة العيني (^٢) من أن هذا القدح في الأصل كان للنبي - ﷺ -، انتهى. فإنه خلاف الظاهر، بل الظاهر أنه كان لسهل - ﵁ -، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٩٩).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٦٣١، ٦٣٢).","vol":"6","page":108},{"text":"وقال الحافظ (^١) أيضًا: ومطابقة الحديث بالترجمة ظاهرة من جهة رغبة الذين سألوا سهلًا أن يخرج لهم القدح المذكورة ليشربوا فيه تبركًا به، انتهى.\nولم يتعرض القسطلاني لوجه المطابقة.\n\n(٣٠ -<span data-type='title' id=toc-3377> باب شرب البركة والماء المبارك)</span>\nقال المهلب: سمي الماء بركة؛ لأن الشيء إذا كان مباركًا فيه يسمى بركة، وقال ابن بطال: يؤخذ من الحديث أنه لا سرف ولا شره في الطعام أو الشراب الذي تظهر فيه البركة بالمعجزة، بل يستحب الإكثار منه، وقال ابن المنيِّر: في ترجمة البخاري إشارة إلى أنه يغتفر في الشرب منه الإكثار دون المعتاد الذي ورد باستحباب جعل الثلث له، انتهى (^٢).\nفعلى هذا الغرض من الترجمة بيان جواز الإكثار في الشرب من الماء المبارك.\nوالأوجه عندي: أن الغرض من الترجمة السابقة الاستبراك المخصوص بقدح النبي - ﷺ -، وأشار بهذه الترجمة إلى الاستبراك مطلقًا أعم من أن يكون حصل بيد النبي - ﷺ - أو بيد غيره من الصلحاء، ويشير إليه إطلاق لفظ الترجمة، وإن كان المذكور في حديث الباب ذكر بركته - ﷺ - فيقاس بركة غيره عليه - ﷺ -.\nوأما براعة الاختتام ففي قوله: \"ليس معنا ماء\"، وهكذا يمكن في قوله: \"تابعه سعيد. . .\" إلخ، كما أفاده الحافظ، فإن الناس يتبع أحدهم الآخر في كل يوم إلى دار القرار، وهو المعبر بلساننا بلفظ \"جل جلاؤ\" (^٣).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ١٠٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٠/ ١٠٢).\n(^٣) انظر: \"مقدمة لامع الدراري\" (١/ ١١٨).","vol":"6","page":109},{"text":"٧٥ -<span data-type='title' id=toc-3378> كتاب المرضى</span>\nهكذا في النسخة \"الهندية\" وكذا في نسخة \"الفتح\"، وفي نسخة \"العيني\" و\"القسطلاني\" \"كتاب المرضى والطب\"، ثم أفرد في نسختيهما فيما سيأتي \"كتاب الطب\"، فعلى هاتين النسختين يلزم التكرار، ولعل زيادة \"والطب\" في نسختيهما من تصرف النساخ، وليس في أصل نسختيهما فإنهما قد تعرضا ههنا لتحقيق لفظ المرضى ولم يتعرضا لمعنى الطب أصلًا، والله أعلم.\nقال القسطلاني (^١): وقال في \"الفتح\": \"كتاب المرضى،<span data-type='title' id=toc-3379> باب ما جاء في كفارة المرض</span>\"، كذا لهم إلا أن البسملة سقطت لأبي ذر، وخالفهم النسفي فلم يفرد كتاب المرضى من كتاب الطبّ بل صدر بـ \"كتاب الطب\"، ثم بسمل، ثم ذكر \"باب ما جاء في كفارة المرض\"، واستمر على ذلك إلى آخر \"كتاب الطب\"، ولكل وجه، والمرضى جمع مريض، والمرض خروج الجسم عن المجرى الطبيعي، ويعبر عنه بأنه حالة تصدر بها الأفعال خارجة عن الموضوع لها غير سليمة، انتهى.\nوقال الحافظ (^٢): المراد بالمرض ههنا مرض البدن، وقد يطلق المرض على مرض القلب إما للشبهة كقوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [البقرة: ١٠] وإما للشهوة كقوله تعالى: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ٣٢]، ووقع ذكر مرض البدن في القرآن في الوضوء والصوم والحج، انتهى.\n\n(١ - باب ما جاء في كفارة المرض)\nالكفارة صيغة مبالغة من الكفر وهو التغطية، ومعناه أن ذنوب المؤمن تتغطى بما يقع له من ألم المرض، وقوله: \"كفارة المرض\" هو من الإضافة\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٤٣٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٠/ ١٠٤).","vol":"6","page":110},{"text":"إلى الفاعل، وأسند التكفير للمرض لكونه سببه، وقال في \"الكواكب\": الإضافة بيانية كنحو: شجر الأراك، أي: كفارة هي مرض، إلى آخر ما ذكر القسطلاني (^١).\nوقال الحافظ (^٢): \"وقول الله - ﷿ -. . .\" إلخ، قال الكرماني: مناسبة الآية للباب أن الآية أعم إذ المعنى أن كل من يعمل سيئة فإنه يجازى بها، وقال ابن المنيِّر: الحاصل: أن المرض كما جاز أن يكون مكفرًا للخطايا فكذلك يكون جزاء لها، وقال ابن بطال: ذهب أكثر أهل التأويل إلى أن معنى الآية أن المسلم يجازى على خطاياه في الدنيا بالمصائب التي تقع له فيها فتكون كفارة لها، وعن الحسن أن الآية المذكورة نزلت في الكفارة خاصة، والأحاديث في هذا الباب تشهد للأول، انتهى.\nقال الحافظ: والأحاديث الواردة في سبب نزول الآية لما لم تكن على شرط البخاري ذكرها، ثم أورد من الأحاديث على شرطه ما يوافق ما ذهب إليه الأكثر من تأويلها، ثم ذكر الحافظ عدة روايات في شأن نزولها.\nقال العلامة السندي (^٣): في ذكر هذه الآية ههنا إشارة إلى أن المراد بالجزاء في الآية ما يعم المرض ونحوه كما ورد في الحديث: \"لا جزاء الآخرة فقط\"، انتهى.\nوفي \"الفيض\" (^٤): نقل عن الشافعي في \"المسامرة\": أن الصبر ليس بشرط في كون المصائب كفارات، نعم إن صبر يضاعف له الأجر، وقال: إن المصائب بمنزلة العذاب فإنه مكفر مطلقًا، كذلك إن المصائب أيضًا نوع من العذاب فلا يشترط فيها الصبر؛ بل تلك في المسلم بالكفارة وضعًا، قلت: ونحوه عندي الحرُّ والقرُّ فإنه يكفر أيضًا، وإليه يشير قوله: \"ما يصيب\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٤٣٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٠/ ١٠٤).\n(^٣) \"صحيح البخاري بحاشية السندي\" (٤/ ٢).\n(^٤) \"فيض الباري\" (٦/ ٣٢، ٣٣).","vol":"6","page":111},{"text":"المسلم من نصب ولا وصب ولا همّ ولا حزن ولا أذى ولا غم. . .\" إلخ.\nوقال الحافظ (^١) بعد حديث الباب: وفي هذا الحديث تعقب على الشيخ عز الدين بن عبد السلام حيث قال: ظن بعض الجهلة أن المصاب مأجور، وهو خطأ صريح، فإن الثواب والعقاب إنما هو الكسب، والمصائب ليست منها، بل الأجر على الصبر والرضا، ووجه التعقب أن الأحاديث الصحيحة صريحة في ثبوت الأجر بمجرد حصول المصيبة، وأما الصبر والرضا فقدر زائد يمكن أن يثاب عليهما زيادة على ثواب المصيبة، إلى آخر ما ذكر.\nوفي \"الأوجز\" (^٢) تحت حديث \"من يرد الله به خيرًا يصب منه. . .\" إلخ: وقد استدل به على أن مجرد حصول المرض يترتب عليه التكفير سواء انضم إلى ذلك صبر أم لا؟ وأبى ذلك قوم كالقرطبي في \"المفهم\" فقال: محل ذلك إذا صبر واحتسب، إلى آخر ما بسط الحافظ في ذلك.\nقلت: ومال أبو الوليد الباجي أيضًا إلى التقييد بالصبر والاحتساب كما في \"الأوجز\"، فارجع إليه لو شئت.\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-3380> باب شدة المرض)</span>\nأي: وبيان ما فيها من الفضل، هكذا في \"الفتح\" و\"العيني\" و\"القسطلاني\" (^٣).\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-3381> باب أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل الأول فالأول)</span>\nاختلفت النسخ، وفي نسخة الهندية هكذا، واكتفى في نسخة \"الفتح\" على لفظ: \"ثم الأمثل فالأمثل\"، وفي نسختي \"العيني\" و\"القسطلاني\": \"الأنبياء ثم الأول فالأول\".\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ١٠٥).\n(^٢) \"أوجز المسالك\" (١٦/ ٥١٤).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٠/ ١١٠)، و\"عمدة القاري\" (١٤/ ٤٣٨)، و\"إرشاد الساري\" (١٢/ ٦٤٢).","vol":"6","page":112},{"text":"قال الحافظ (^١): قوله: \"ثم الأمثل فالأمثل\" كذا للأكثر، وللنسفي \"الأول فالأول\" وجمعهما المستملي، والمراد بالأول الأولية في الفضل، والأمثل أفعل من المثالة والجمع أماثل، وهم الفضلاء، وصدر هذه الترجمة لفظ حديث أخرجه الدارمي وابن ماجه وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم عن سعد بن أبي وقاص قال: \"قلت: يا رسول الله، أي الناس أشد بلاء؟ قال: الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه\" الحديث، وفيه: \"حتى يمشي على الأرض وما عليه خطيئة\"، ولعل الإشارة بلفظ: \"الأول فالأول\" إلى ما أخرجه النسائي من حديث فاطمة أخت حذيفة وفيه: \"أشد الناس بلاءًا لأنبياء، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم\"، انتهى من \"الفتح\".\n\n(٤ -<span data-type='title' id=toc-3382> باب وجوب عيادة المريض)</span>\nكذا جزم بالوجوب على ظاهر الأمر بالعيادة، وتقدم حديث أبي هريرة في \"الجنائز\": \"حق المسلم على المسلم خمس\"، فذكر منها عيادة المريض، قال ابن بطال: يحتمل أن يكون الأمر على الوجوب بمعنى الكفاية كإطعام الجائع، ويحتمل أن يكون للندب، وجزم الداودي بالأوّل.\nوقال الجمهور: هي في الأصل ندب، وقد تصل إلى الوجوب في حق بعض دون بعض، وعن الطبري: تتأكد في حق من ترجى بركته، وتسنّ فيمن يراعى حاله، وتباح فيما عدا ذلك، ونقل النووي الإجماع على عدم الوجوب، يعني: على الأعيان.\nواستدل بعموم قوله: \"عودوا المريض\" على مشروعية العيادة في كل مريض، لكن استثنى بعضهم الأرمد، لكون عائده قد يرى ما لا يراه هو، وهذا الأمر خارجي، قد يأتي مثله في بقية الأمراض كالمغمى عليه، وقد\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ١١١).","vol":"6","page":113},{"text":"عقبه المصنف به، وقد جاء في عيادة الأرمد بخصوصها حديث زيد بن أرقم: \"عادني رسول الله - ﷺ - من وجع كان بعيني\" أخرجه أبو داود وصححه الحاكم، وهو عند البخاري في \"الأدب المفرد\" وسياقه أتم. وأما ما أخرجه البيهقي والطبراني مرفوعًا: \"ثلاثة ليس لهم عيادة: العين والدمل والدرس\" فصحح البيهقي أنه موقوف على يحيى بن أبي كثير، ويؤخذ من إطلاق الحديث أيضًا عدم التقييد بزمان يمضي من ابتداء مرضه وهو قول الجمهور.\nوجزم الغزالي في \"الإحياء\" بأنه لا يعاد إلا بعد ثلاث، واستند إلى حديث أخرجه ابن ماجه عن أنس: \"كان النبي - ﷺ - لا يعود مريضًا إلا بعد ثلاث\"، وهذا حديث ضعيف جدًا، تفرد به مسلمة بن علي وهو متروك، وقد سئل عنه أبو حاتم فقال: هو حديث باطل، انتهى.\nثم ذكر الحافظ الكلام على آداب العيادة، فارجع إليه لو شئت (^١).\nوفي هامش \"اللامع\" (^٢): بسط الكلام على المسألة في \"الأوجز\"، وحديث ابن ماجه ذكره ابن الجوزي في \"الموضوعات\"، وكذا ابن طاهر المقدسي في \"تذكرة الموضوعات\"، وذكر السخاوي له شواهد في \"المقاصد الحسنة\"، وقال السندي: لعله إن صح يحمل على أنه لتحقق مرضه، أي: يؤخر حتى يتحقق عنده أنه مريض، انتهى.\nوأطال الزرقاني الكلام عليه في \"شرح المواهب\"، انتهى.\n\n(٥ -<span data-type='title' id=toc-3383> باب عيادة المغمى عليه)</span>\nقال ابن المنيِّر: فائدة الترجمة أن لا يعتقد أن عيادة المغمى عليه ساقطة الفائدة لكونه لا يعلم بعائده.\nقال الحافظ (^٣): ومجرد علم المريض بعائده لا تتوقف مشروعية\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ١١٢، ١١٣).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٩/ ٤٤٥)، و\"أوجز المسالك\" (١٦/ ٥٤٩ - ٥٥٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٠/ ١١٤).","vol":"6","page":114},{"text":"العيادة عليه لأن وراء ذلك جبر خاطر أهله، وما يرجى من بركة دعاء العائد، ووضع يده على المريض، والمسح على جسده، والنفث عليه عند التعويذ إلى غير ذلك، انتهى من \"الفتح\".\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^١) تحت الترجمة: دفع بذلك ما عسى أن يتوهم من أن عيادته لغو؛ لأنها لم يتحصل بها تطييب قلبه لعدم عقله وكان الأهم هو هذا، انتهى.\n\n(٦ -<span data-type='title' id=toc-3384> باب فضل من يصرع من الريح)</span>\nاختلفوا في المراد من الريح على قولين: فالأكثرون على أن المراد منه مرض يحدث من حبس الرياح، وقال بعضهم: هو ما يحدث من أثر الجن، وفي \"المجمع\" (^٢) عن النووي في \"شرح مسلم\": قوله: \"يرقى من هذه الريح\" أراد به الجنون ومسّ الجن، وروي \"من الأرواح\" أي: الجن لأنهم كالريح أو الروح في عدم إبصارهم، انتهى.\nوقال العيني (^٣): قوله: \"من الريح\" كلمة \"من\" تعليلية، أي: بسبب الريح، انتهى.\nوبسط الكلام عليه الحافظ، ومنه في هامش \"اللامع\"، فارجع إليه (^٤).\n\n(٧ -<span data-type='title' id=toc-3385> باب فضل من ذهب بصره)</span>\nقال الحافظ (^٥): سقطت هذه الترجمة وحديثها من رواية النسفي، وقد جاء بلفظ الترجمة حديث أخرجه البزار عن زيد بن أرقم بلفظ: \"ما ابتلي عبد بعد ذهاب دينه بأشد من ذهاب بصره، ومن ابتلي ببصره فصبر حتى\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٩/ ٤٤٥).\n(^٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٢/ ٣٩٤).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٦٤٦).\n(^٤) راجع: \"فتح الباري\" (١٠/ ١١٤)، و\"لامع الدراري\" (٩/ ٤٤٦).\n(^٥) \"فتح الباري\" (١٠/ ١١٦).","vol":"6","page":115},{"text":"يلقى الله تعالى لقي الله تعالى ولا حساب عليه\"، وأصله عند أحمد بغير لفظه بسند جيد، انتهى.\n\n(٨ -<span data-type='title' id=toc-3386> باب عيادة النساء الرجال)</span>\nأي: ولو كانوا أجانب بالشرط المعتبر، انتهى من \"الفتح\" (^١)\n\n(٩ -<span data-type='title' id=toc-3387> باب عيادة الصبيان)</span>\nمصدر مضاف لمفعوله، أي: عيادة الرجال الصبيان، وقد مرَّ حديث الباب في \"الجنائز\"، قاله القسطلاني (^٢).\n\n(١٠ -<span data-type='title' id=toc-3388> باب عيادة الأعراب)</span>\nبفتح الهمزة، وهم سكان البوادي، قاله الحافظ (^٣).\nوقال تحت حديث الباب: قال المهلب: فائدة هذا الحديث أنه لا نقص على الإمام في عيادة مريض من رعيته ولو كان أعرابيًّا جافيًا، ولا على العالم في عيادة الجاهل ليعلّمه ويذكّره بما ينفعه ويأمره بالصبر، إلى آخر ما ذكر الحافظ.\n\n(١١ -<span data-type='title' id=toc-3389> باب عيادة المشرك)</span>\nقال الكرماني (^٤): قالوا: إنما يعاد المشرك ليدعى إلى الإسلام إذا رجي إجابته إليه، وأما إذا لم يطمع في إسلامه فلا يعاد، انتهى.\nوحكى الحافظ هذا القول عن ابن بطال، ثم قال (^٥): والذي يظهر أن ذلك يختلف باختلاف المقاصد، فقد يقع بعيادته مصلحة أخرى، قال الماوردي: عيادة الذمي جائزة والقربة موقوفة على نوع حرمة تقترن بها من جوار أو قرابة، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ١١٧).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٤٤٨).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٠/ ١١٩).\n(^٤) \"شرح الكرماني\" (٢٠/ ١١٨).\n(^٥) \"فتح الباري\" (١٠/ ١١٩).","vol":"6","page":116},{"text":"قلت: ذكر في \"الشرح الكبير\" للحنابلة عن أحمد فيه روايتان، وفي \"الدر المختار\": جاز عيادته بالإجماع، وفي عيادة المجوسي قولان، قال ابن عابدين: قوله: عيادته، أي: عيادة مسلم ذميًّا نصرانيًا أو يهوديًا لأنه نوع برٍّ في حقهم، وما نهينا عن ذلك، وصحَّ أن النبي - ﷺ - عاد يهوديًا، وقوله: في عيادة المجوسي. . . إلخ، قال في \"العناية\": فيه اختلاف المشايخ، فمنهم من قال به لأنهم أهل الذمة، وهو المروي عن محمد، ومنهم من قال: هم أبعد عن الإسلام من اليهود والنصارى، ألا ترى أنه لا تباح ذبيحة المجوس ونكاحهم، انتهى. فظاهر المتن كـ \"المنتقى\" وغيره اختيار الأول، انتهى مختصرًا من هامش \"اللامع\" (^١).\n\n(١٢ -<span data-type='title' id=toc-3390> باب إذا عاد مريضًا فحضرت الصلاة فصلى بهم)</span>\nأي: المريض بمن عاده، وتقدم شرح حديث الباب في أبواب الإمامة من \"كتاب الصلاة\"، وكذا قول الحميدي المذكور في آخره، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\n\n(١٣ -<span data-type='title' id=toc-3391> باب وضع اليد على المريض)</span>\nقال ابن بطال: في وضع اليد على المريض تأنيس له وتعرف لشدة مرضه ليدعو له بالعافية على حسب ما يبدو له منه، وربما رقاه بيده ومسح على ألمه بما ينتفع به العليل إذا كان العائد صالحًا.\nقلت: وقد يكون العائد عارفًا بالعلاج فيعرف العلة فيصف له ما يناسبه، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٩/ ٤٤٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٠/ ١٢٠).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٠/ ١٢٠).","vol":"6","page":117},{"text":"(١٤ -<span data-type='title' id=toc-3392> باب ما يقال للمريض وما يجيب)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): يعني بذلك أنه ينبغي للعائد أن يقول خيرًا، وللمريض أن يحسن الظن بربه تعالى، فلا يتكلم بشرٍّ، وأيضًا ففي الحديث دلالة على أنه لا بأس لو تكلم بشيء مما يجد إذا لم يكن على سبيل الشكوى، انتهى.\nقلت: ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه ظاهر مطابق لحديث الباب، والأوجه عندي: أن الإمام البخاري أشار بالترجمة على عادته المستمرة إلى ما أخرجه ابن ماجه والترمذي من حديث أبي سعيد رفعه: \"إذا دخلتم على المريض فنفسوا له في الأجل، فإن ذلك لا يردّ شيئًا، وهو يطيب نفس المريض\"، لكن لما كان في سنده ضعفًا (^٢) لم يخرجه البخاري بل أشار إليه.\nقال الحافظ (^٣) بعد ذكر حديث الترمذي هذا: وفي سنده لين، وقوله: \"نفسوا\" أي: أطمعوه في الحياة، ففي ذلك تنفيس لما هو فيه من الكرب وطمأنينة لقلبه، انتهى.\nوالتنفيس في الحديث الثاني من حديثي الباب الظاهر في قوله - ﷺ -: \"لا بأس\"، وأما في الحديث الأول ففي قول ابن مسعود: \"إنك لتوعك وعكًا شديدًا\" يعني: هذه عادة مستمرة لك ليس بأمر جديد يخاف منه، انتهى من هامش \"اللامع\" بزيادة.\n\n(١٥ -<span data-type='title' id=toc-3393> باب عيادة المريض راكبًا وماشيًا ورِدْفًا)</span>\nبكسر الراء وسكون الدال، أي: مرتدفًا لغيره، قاله القسطلاني (^٤).\n\n(١٦ -<span data-type='title' id=toc-3394> باب قول المريض: إني وجع)</span>\nكذا في النسخة \"الهندية\" و\"العيني\" و\"القسطلاني\"، وفي نسخة \"الفتح\": \"باب ما رخص للمريض أن يقول: إني وجع. . .\" إلخ.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٩/ ٤٤٨، ٤٤٩).\n(^٢) كذا في الأصل، والظاهر: \"ضعفٌ\".\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٠/ ١٢١).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٤٥٦).","vol":"6","page":118},{"text":"قال الحافظ (^١) في ذكر مناسبة أحاديث الباب بالترجمة: وأما قول أيوب - ﵇ - فاعترض ابن التِّين ذكره في الترجمة فقال: هذا لا يناسب التبويب؛ لأن أيوب إنما قاله داعيًا، ولم يذكره للمخلوقين، قلت: لعل البخاري أشار إلى أن مطلق الشكوى لا يمنع ردًّا على من زعم من الصوفية أن الدعاء بكشف البلاء يقدح في الرضاء والتسليم، فنبَّه على أن الطلب من الله ليس ممنوعًا، بل فيه زيادة عبادة؛ لما ثبت مثل ذلك عن المعصوم، وأثنى الله عليه بذلك، وأثبت له اسم الصبر مع ذلك، وقد بسط الحافظ الكلام على تفصيل ما يجوز من التشكي وما لا يجوز منه، فارجع إليه لو اشتقت.\nقوله: (بل أنا وارأساه) في هامش النسخة المصرية عن شيخ الإسلام (^٢): أي: دعي ذكر ما تجدينه من وجع رأسك واشتغلي بي، فإنك لا تموتين في هذه الأيام بل تعيشين بعدي.\nوقوله: (وأعهد) أي: أوصي بالخلافة لأبي بكر.\nوقوله: (أن يقول القائلون. . .) إلخ، أي: كراهة ذلك، انتهى.\n\n(١٧ -<span data-type='title' id=toc-3395> باب قول المريض: قوموا عني)</span>\nأي: إذا وقع من الحاضرين عنده ما يقتضي ذلك، وتقدم حديث الباب في \"كتاب العلم\" بلفظ: \"فقال رسول الله - ﷺ -: قوموا عني\"، وهو المطابق للترجمة، ويؤخذ من هذا الحديث أن الأدب في العيادة أن لا يطيل العائد عند المريض حتى يضجره، وأن لا يتكلم عنده بما يزعجه، وجملة آداب العيادة عشرة أشياء، إلى آخر ما ذكر الحافظ (^٣).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ١٢٤).\n(^٢) \"تحفة الباري\" (٥/ ٥١٧).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٠/ ١٢٦).","vol":"6","page":119},{"text":"(١٨ -<span data-type='title' id=toc-3396> باب من ذهب بالصبي المريض ليدعى له)</span>\nوفي رواية الكشميهني: \"ليدعو له\"، ذكر فيه حديث الجعيد وهو ابن عبد الرحمن والسائب هو ابن يزيد، وقد تقدم الحديث مشروحًا في الترجمة النبوية عند ذكر خاتم النبوة، وستأتي الإشارة إلى خصوص المسح على رأس المريض والدعاء بالبركة في \"كتاب الدعوات\" إن شاء الله تعالى (^١).\n\n(١٩ -<span data-type='title' id=toc-3397> باب نهي تمني المريض الموت)</span>\nكذا في النسخة \"الهندية\"، وفي نسخ الشروح الثلاثة: \"باب تمني المريض الموت\".\nقال الحافظ (^٢): أي: هل يمنع مطلقًا أو يجوز في حالة؟ ثم ذكر اختلاف النسخ المذكور آنفًا.\nوقال القسطلاني (^٣) تحت حديث الباب: ولابن حبان: \"لا يتمنى أحدكم الموت لضر نزل به في الدنيا\" الحديث، فلو كان الضرر أخرويّ (^٤) بأن خشي فتنة في دينه لم يدخل في النهي، وقد قال عمر بن الخطاب - ﵁ - كما في \"الموطأ\" (^٥): \"اللَّهم كبرت سني وضعفت قوتي وانتشرت رعيتي فاقبضني إليك غير مضيع ولا مفرط\"، وعند أبي داود (^٦) من حديث معاذ مرفوعًا: \"إذا أردت بقوم فتنة فتوفني إليك غير مفتون\"، انتهى.\nقوله: (لن يدخل أحدًا عمله الجنة) بسط العلامة السندي (^٧) الكلام على\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (١٠/ ١٢٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٠/ ١٢٨).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٤٦٧).\n(^٤) كذا في الأصل، وفي \"القسطلاني\": \"للأخرى\"، وهو الظاهر.\n(^٥) انظر \"أوجز المسالك\" (١٥/ ٣٠٣).\n(^٦) كذا قال الحافظ، ولم أعثر عليه في \"سنن أبي داود\"، انظر: \"أنيس الساري\" (١١/ ١١٩٩).\n(^٧) \"صحيح البخاري بحاشية السندي\" (٤/ ٧).","vol":"6","page":120},{"text":"شرح هذا الحديث، وقال أيضًا: وأما قوله: \"فسددوا\" فمعناه: فتوسطوا في الأعمال ولا تفرطوا فيها، إذ ليس المدار عليها بل على الفضل، والله - ﷾ - أعلم، انتهى.\n\n(٢٠ -<span data-type='title' id=toc-3398> باب دعاء العائد للمريض)</span>\nأي: بالشفاء ونحوه، وقد استشكل الدعاء للمريض بالشفاء مع ما في المرض من كفارة الذنوب والثواب كما تضافرت الأحاديث بذلك، والجواب أن الدعاء عبادة ولا ينافي الثواب والكفارة لأنهما يحصلان بأول مرض وبالصبر عليه، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(٢١ -<span data-type='title' id=toc-3399> باب وضوء العائد للمريض)</span>\nولا يخفى أن محله إذا كان العائد بحيث يتبرك المريض به، قاله الحافظ (^٢). وكذا في \"القسطلاني\"، وقال العيني (^٣): أي: هذا باب في بيان وضوء العائد عند دخوله على المريض، انتهى.\nوقال القسطلاني (^٤) تحت حديث الباب: وفيه أن وضوء العائد للمريض إذا كان إمامًا في الخير يتبرك به، وأن صبّه مما يرجى نفعه، وقيل: كان مرض جابر الحمى المأمور بإبرادها بالماء، وصفة ذلك أن يتوضأ الرجل المرجوّ خيره وبركته، ويصبّ فضل وضوئه عليه، قاله ابن بطال وغيره، انتهى.\n\n(٢٢ -<span data-type='title' id=toc-3400> باب من دعا برفع الوباء والحمى)</span>\nقال عياض: الوباء عموم الأمراض، وقد أطلق بعضهم على الطاعون أنه وباء لأنه من أفراده، لكن ليس كُلّ وباء طاعونًا، وعلى ذلك يحمل قول الداودي لما ذكر الطاعون: الصحيح أنه الوباء، وقال ابن الأثير في \"النهاية\": الطاعون المرض العام، والوباء الذي يفسد له الهواء فتفسد به\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ١٣١، ١٣٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٠/ ١٣٢)، و\"إرشاد الساري\" (١٢/ ٤٧٢).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٦٦٦).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٤٧٣).","vol":"6","page":121},{"text":"الأمزجة والأبدان، إلى آخر ما بسط الحافظ (^١).\nثم قال: وقد استشكل بعض الناس الدعاء برفع الوباء لأنه يتضمن الدعاء برفع الموت، والموت حتم مقضيّ فيكون ذلك عبثًا، وأجيب بأن ذلك لا ينافي التعبد بالدعاء لأنه قد يكون من جملة الأسباب في طول العمر أو رفع المرض، وقد تواترت الأحاديث بالاستعاذة من الجنون والجذام وسيئ الأسقام، انتهى مختصرًا.\nقلت: وما يظهر لهذا العبد الضعيف في الغرض من الترجمة أنه إنما ترجم بذلك لأن لا يتوهم أنه لا ينبغي الدعاء برفع الوباء والحمى، فإنهما من أسباب الشهادة وكفارة السيئات، فإن الطاعون من أسباب الشهادة لقوله ﵊: \"المطعون شهيد\".\nوبسط الكلام على أسباب الشهادة في آخر \"كتاب الجنائز\" من \"الأوجز\" (^٢)، وكذا في \"كتاب الجهاد\" منه، وفيه: ذكر الزرقاني منهم صاحب الحمى، انتهى.\nومطابقة الحديث بالترجمة قال القسطلاني (^٣): ولم يذكر في هذا الحديث رفع البلاء الذي ترجم به، أجيب بأنه أشار إلى ما وقع في بعض طرقه كما سبق في أواخر الحج بلفظ: قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: فقدمنا المدينة وهي أوبأ أرض الله، انتهى.\nوأما براعة اختتام الكتاب ففي قوله: \"وانقل حماها\" عند الحافظ - ﵀ -، وأوضح منه عندي في قوله: \"والموت أدنى من شراك نعله\" (^٤).\n* * *\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ١٣٣).\n(^٢) \"أوجز المسالك\" (٤/ ٥٤٢ - ٥٤٨، ٩/ ٣١٦).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٤٧٤).\n(^٤) انظر: \"مقدمة لامع الدراري\" (١/ ١١٨).","vol":"6","page":122},{"text":"٧٦ -<span data-type='title' id=toc-3401> كتاب الطب</span>\nتقدم في مبدأ \"كتاب المرضى\" اختلاف النسخ، وأن النسفي لم يفرد \"كتاب الطب\".\nقال الحافظ (^١): قوله: \"كتاب الطب\"، وفي نسخة الصغاني: \"والأدوية\"، والطبّ بكسر المهملة، وحكى ابن السيد تثليثها، والطبيب هو الحاذق بالطبّ، ويقال له أيضًا: طبّ بالفتح والكسر، ومستطب، وامرأة طبّ بالفتح، ونقل أهل اللغة أن الطبّ بالكسر يقال بالاشتراك للمداوي وللتداوي وللداء أيضًا، فهو من الأضداد، ويقال أيضًا للرفق والسحر، ويقال للشهوة، والطبيب الحاذق في كل شيء، وخص به المعالج عرفًا، والطب نوعان: طبّ جسد وهو المراد ههنا، وطبّ قلب، ومعالجته خاصة بما جاء به الرسول ﵊ عن ربه - ﷾ -، وأما طبّ الجسد فمنه ما جاء في المنقول عنه - ﷺ - ومنه ما جاء عن غيره، وغالبه راجع إلى التجربة، إلى آخر ما بسط.\nقال القسطلاني (^٢): والطبيب الحاذق في كل شيء، وخص به المعالج في العرف، لكن كره تسميته بذلك لقوله - ﷺ -: \"أنت رفيق والله الطبيب\" أي: أنت ترفق بالمريض والله الذي يبرئه ويعافيه، وترجم له أبو نعيم: كراهية أن يسمى الطبيب الله، انتهى.\nقلت: يعني: أنه ليس من أسماء الله الحسنى، فلا يقال لله: يا طبيب.\nوبسط الشيخ ابن القيم في \"زاد المعاد\" (^٣): في هديه - ﷺ - في الطب\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ١٣٤).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٤٧٥).\n(^٣) \"زاد المعاد\" (٤/ ٥).","vol":"6","page":123},{"text":"الذي تطبب به - ﷺ -، وبيَّن ما فيه من الحكمة التي تعجز عقول أكثر الأطباء عن الوصول إليها، إلى آخر ما ذكر في هامش \"اللامع\" (^١) مختصرًا.\nوترجم الإمام مالك في \"الموطأ\": \"تعالج المريض\"، وذكرت في \"الأوجز\" (^٢) بعض المباحث مما يتعلق بالعلاج والطب وفيه قال السيوطي: والأحاديث المأثورة في علمه - ﷺ - بالطب لا تحصى، وقد جمع منها دواوين، واختلف في مبدأ هذا العلم على أقوال كثيرة، والمختار أن بعضه علم بالوحي إلى بعض الأنبياء، وسائره بالتجارب؛ لما روى البزار والطبراني عن ابن عباس عن النبي - ﷺ -: \"إن نبي الله سليمان - ﵇ - كان إذا قام يصلي رأى شجرة ثابتة بين يديه فيقول لها: ما اسمك؟ فتقول: كذا، فيقول: لأي شيء أنت؟ فتقول: لكذا، فإن كانت لدواء كتبت\" الحديث، وفيه أيضًا عن النووي: مذهب السلف وعامة الخلف استحباب الدواء خلافًا لمن أنكره فقال: كل شيء بقضاء وقدر فلا حاجة إلى التداوي، انتهى.\nوكتب الشيخ في \"البذل\" في حديث أسامة: \"جاء الأعراب فقالوا: يا رسول الله، أنتداوى؟ فقال: تداووا\"، الظاهر أن الأمر للإباحة والرخصة، وهو الذي يقتضيه المقام؛ فإن السؤال كان عن الإباحة قطعًا، ويفهم من كلام بعضهم أنه للندب وهو بعيد، نعم قد تداوى رسول الله - ﷺ - بيانًا للجواز فمن نوى موافقته - ﷺ - يؤجر على ذلك، كذا في \"فتح الودود\"، انتهى.\nقلت: وبه جزم شيخ مشايخنا الكَنكَوهي في \"الكوكب الدري\" إذ قال: الأمر أمر إباحة وتخيير، ثم ذكر أنواع التوكل ومراتبه، إلى آخر ما بسط في \"الأوجز\".\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٩/ ٤٥٣).\n(^٢) \"أوجز المسالك\" (١٦/ ٥٢٦، ٥٢٧)، و\"بذل المجهود\" (١١/ ٥٨٤)، و\"الكوكب الدري\" (٣/ ٧٨).","vol":"6","page":124},{"text":"(١ -<span data-type='title' id=toc-3402> باب ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء)</span>\nقال الحافظ (^١): كذا للإسماعيلي وابن بطال ومن تبعه، ولم أر لفظ \"باب\" من نسخ الصحيح إلا للنسفي، انتهى.\nقلت: والترجمة لفظ حديث الباب، وأخرج مسلم من حديث جابر مرفوعًا: أنه - ﷺ - قال: \"لكل داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء برئ بإذن الله تعالى\".\nقال النووي (^٢): وفي هذا الحديث إشارة إلى استحباب الدواء، وهو مذهب أصحابنا وجمهور السلف وعامة الخلف، وردّ على من أنكر التداوي من غلاة الصوفية، وقال: كل شيء بقضاء وقدر فلا حاجة إلى التداوي، إلى آخر ما ذكر.\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-3403> باب هل يداوي الرجل المرأة)</span>\nههنا ثلاث أسئلة، ولكل منها جواب يستفاد ذلك من كلام الحافظ كما سترى، إذ قال: ليس في سياق حديث الباب تعرض للمداواة إلا أن يدخل في عموم قولها: \"نخدمهم\"، نعم ورد الحديث المذكور بلفظ: \"ونداوي الجرحى ونردّ القتلى\"، وقد تقدم كذلك في \"باب مداواة النساء الجرحى\" من \"كتاب الجهاد\"، فجرى البخاري على عادته في الإشارة إلى ما ورد في بعض ألفاظ الحديث، ويؤخذ حكم مداواة الرجل المرأة منه بالقياس، وإنما لم يجزم بالحكم لاحتمال أن يكون ذلك قبل الحجاب أو كانت المرأة تصنع ذلك بمن يكون زوجًا لها أو محرمًا، وأما حكم المسألة فتجوز مداواة الأجانب عند الضرورة، وتقدر بقدرها فيما يتعلق بالنظر والجسّ باليد وغير ذلك، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ١٣٤).\n(^٢) \"شرح النووي\" (٧/ ٤٥٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٠/ ١٣٦).","vol":"6","page":125},{"text":"(٣ -<span data-type='title' id=toc-3404> باب الشفاء في ثلاث)</span>\nسقطت الترجمة للنسفي، ولفظ \"باب\" للسرخسي، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n(فائدة): كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٢): قوله: \"ورواه القمي. . .\" إلخ، وهذا القمي غير القمي المعتبر في الروافض، فلا يغرنّ أحدًا قول الرافضة: أن القمي معتبر حتى إنه من رواة البخاري، انتهى.\nوفي هامشه: القمي منسوب إلى قم: بلد بعراق العجم، وما له في البخاري سوى هذا الموضع، ورقم عليه الحافظ في \"التهذيب\": خت والأربعة، وما أفاده الشيخ من أنه ليس من الروافض به جزم شيخنا في \"البذل\" إذ قال: ليس هو بابن بابويه القمي الرافضي كما زعمه بعض المتأخرين، انتهى.\nوهذا ظاهر فإن الرافضي هو ابن بابويه، وراوي البخاري ابن عبد الله بن سعد، وقد ذكره الحافظ في \"مقدمة الفتح\" في سياق أسماء من طُعِن فيه من رجال البخاري في المعلقات، انتهى ملخصًا.\n\n(٤ -<span data-type='title' id=toc-3405> باب الدواء بالعسل وقول الله تعالى: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل:</span> ٦٩])\nكأنه أشار بذكر الآية إلى أن الضمير فيها للعسل وهو قول الجمهور، وزعم بعض أهل التفسير أنه للقرآن.\nقال الحافظ (^٣): والعسل يذكر ويؤنث، وأسماؤه تزيد على المائة، وفيه منافع كثيرة، ثم بسطها.\nقوله: (إن كان في شيء من أدويتكم خير. . .) إلخ، قال السندي - ﵀ - في\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ١٣٧).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٩/ ٤٥٥، ٤٥٦).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٠/ ١٤٠).","vol":"6","page":126},{"text":"الحاشية (^١): التعليق بهذا الشرط ليس للشك، بل للتحقيق والتأكيد إذ وجود الخير في شيء من الأدوية من المحقق الذي لا يمكن فيه الشك، فالتعليق به يوجب تحقق المعلق به بلا ريب، كأن يقال: إن كان في أحد في العالم خير ففيك، ونحو ذلك، والله تعالى أعلم، انتهى.\n\n(٥ -<span data-type='title' id=toc-3406> باب الدواء بألبان الإبل)</span>\nأي: في المرض الملائم له، قاله الحافظ (^٢).\nوعندي أن المصنف - ﵀ - أشار بهذه الترجمة إلى أن شرب ألبان الإبل كان للتداوي كما أن شرب الأبوال كان للتداوي، فهذه الترجمة كالتوطئة للترجمة الآتية، فليس للذي يحل أبوالها كالمالكية والحنابلة مساغ لإثبات مذهبهم بأن شرب أبوالها كان للإباحة لاستوائه بشرب ألبانها وهو للتغذية، فنبَّه بهذه الترجمة بأن شرب الألبان أيضًا كان للتداوي، فتأمل فإنه لطيف، والله أعلم.\nوأجاد البحث في \"فيض الباري\" (^٣): وأبدى احتمال أن التداوي بالأبوال لم يكن بالشرب بل بالنشوق، وحكي عن بعض الأطباء أن رائحة أبوال الإبل نافعة لمرض الاستسقاء، انتهى.\nثم رأيت \"الفيض\" فإذا هو أيضًا قد أشار إلى نحو هذا.\n\n(٦ -<span data-type='title' id=toc-3407> باب الدواء بأبوال الإبل)</span>\nذكر فيه حديث العرنيين، ووقع في خصوص التداوي بأبوال الإبل حديث أخرجه ابن المنذر عن ابن عباس رفعه: \"عليكم بأبوال الإبل فإنها نافعة للذّرِبَة بطونَهم\" والذربة بفتح المعجمة وكسر الراء جمع ذرب، والذرب بفتحتين: فساد المعدة، انتهى من \"الفتح\" (^٤).\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري بحاشية السندي\" (٤/ ٩).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٠/ ١٤١).\n(^٣) \"فيض الباري\" (١/ ٤٢٩، ٤٣٠).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٠/ ١٤٣).","vol":"6","page":127},{"text":"(٧ -<span data-type='title' id=toc-3408> باب الحبة السوداء)</span>\nوسيأتي في آخر الحديث: \"والحبة السوداء الشونيز\"، والشونيز بضم المعجمة وسكون الواو وكسر النون التحتانية بعدها زاي، وروي بفتح الشين، وحكى عياض عن ابن الأعرابي أنه كسرها فأبدل الواو ياء فقال: الشينيز، وتفسير الحبة السوداء بالشونيز لشهرة الشونيز عندهم إذ ذاك، وأما الآن فالأمر بالعكس، وتفسيرها بالشونيز هو الأكثر الأشهر، وهي الكمون الأسود، ويقال له أيضًا: الكمون الهندي، وعن الحسن البصري أنها الخردل، وحكى أبو عبيد الهروي أنها ثمرة البطم بضم الموحدة وسكون المهملة، وقال الجوهري: هو صمغ شجرة تدعى الكمكام، قال القرطبي تفسيرها بالشونيز أولى من وجهين: أحدهما أنه قول الأكثر، والثاني كثرة منافعها بخلاف الخردل والبطم، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوفي \"فيض الباري\" (^٢): وقد كتب جالينوس في الشونيز أربعين فائدة، وما لنا ولجالينوس، وإنما هو دواء من ربّنا ينتفع به مَن توكَّل عليه وفوَّض أمره إليه، انتهى.\n\n(٨ -<span data-type='title' id=toc-3409> باب التلبينة للمريض)</span>\nتقدم تفسير التلبينة بالبسط في \"كتاب الأطعمة\".\n\n(٩ -<span data-type='title' id=toc-3410> باب السعوط)</span>\nبمهملتين: ما يجعل في الأنف مما يتداوى به، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\n\n(١٠ -<span data-type='title' id=toc-3411> باب السعوط بالقسط الهندي والبحري)</span>\nقال أبو بكر بن العربي: القسط نوعان: هندي وهو أسود، وبحري وهو أبيض، والهندي أشدهما حرارة، قاله الحافظ (^٤).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ١٤٥).\n(^٢) \"فيض الباري\" (٦/ ٤٦).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٠/ ١٤٧).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٠/ ١٤٨).","vol":"6","page":128},{"text":"(١١ -<span data-type='title' id=toc-3412> باب أي ساعة يحتجم)</span>\nوالمراد بالساعة في الترجمة مطلق الزمان لا خصوص الساعة المتعارفة، وورد في الأوقات اللائقة بالحجامة أحاديث ليس فيها شيء على شرطه، فكأنه أشار إلى أنها تصنع عند الاحتياج، ولا تتقيد بوقت دون وقت؛ لأنه ذكر الاحتجام ليلًا، وذكر حديث ابن عباس: \"أن النبي - ﷺ - احتجم وهو صائم\"، وهو يقتضي كون ذلك وقع منه نهارًا.\nثم ذكر الحافظ (^١) عدة روايات واردة في تعيين الأوقات والأيام للحجامة من روايات ابن ماجه و\"سنن أبي داود\" وغيرهما، وقال صاحب \"الفيض\" (^٢) تحت ترجمة الباب: لعل البخاري يشير إلى حديث عند أبي داود، فيه تفصيل الأيام للاحتجام، انتهى.\nوتقدم عن الحافظ أن البخاري مال فيه إلى عدم تعيين الزمان.\n\n(١٢ -<span data-type='title' id=toc-3413> باب الحجم في السفر)</span>\nقال الحافظ (^٣): كأنه يشير إلى ما أورده في الباب الذي يليه: \"أن النبي - ﷺ - احتجم في طريق مكة\"، وقد تبين في حديث ابن عباس أنه كان حينئذ محرمًا، فانتزعت الترجمة من الحديثين معًا، على أن حديث ابن عباس وحده كاف في ذلك؛ لأن من لازم كونه - ﷺ - كان محرمًا أن يكون مسافرًا؛ لأنه لم يحرم قط وهو مقيم، انتهى.\n\n(١٣ -<span data-type='title' id=toc-3414> باب الحجامة من الداء)</span>\nأي: بسبب الداء، قال الموفق البغدادي: الحجامة تنقي سطح البدن أكثر من الفصد، والفصد لأعماق البدن، والحجامة للصبيان، وفي البلاد الحارة أولى من الفصد وآمن غائلة، وقد تُغني عن كثير من الأدوية، إلى\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ١٤٩).\n(^٢) \"فيض الباري\" (٦/ ٤٧).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٠/ ١٥٠).","vol":"6","page":129},{"text":"آخر ما ذكر الحافظ (^١).\n\n(١٤ -<span data-type='title' id=toc-3415> باب الحجامة على الرأس)</span>\nورد في فضل الحجامة في الرأس حديث ضعيف أخرجه ابن عدي عن ابن عباس رفعه: \"الحجامة في الرأس تنفع من سبع: من الجنون، والجذام، والبرص، والنعاس، والصداع، ووجع الضرس، والعين\" وقال الأطباء: إن الحجامة في وسط الرأس نافعة جدًّا، وقد ثبت أن النبي - ﷺ - فعلها، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\nقلت: وترجم الإمام أبو داود في \"سننه (^٣): \"باب في موضع الحجامة\" وأخرج فيه عن أنس: \"أن النبي - ﷺ - احتجم ثلاثًا في الأخدعين والكاهل\" قال معمر: احتجمت فذهب عقلي حتى كنت ألقن فاتحة الكتاب في صلاتي، وكان احتجم على هامته، انتهى.\nوقال محشيه: كأنه أخطأ الموضع أو المرض، انتهى.\nفيمكن أن يكون الإمام البخاري تبادر ذهنه الثاقب إلى هذا الأثر فترجم بذلك.\n\n(١٥ -<span data-type='title' id=toc-3416> باب الحجامة من الشقيقة والصداع)</span>\nأي: بسببهما، والشقيقة وزن عظيمة: وجع يأخذ في أحد جانبي الرأس أو في مقدمه، وذكر الصداع بعده من العام بعد الخاص، إلى آخر ما بسط الحافظ (^٤) من الكلام على أسباب الصداع وغير ذلك.\n\n(١٦ -<span data-type='title' id=toc-3417> باب الحلق من الأذى)</span>\nأي: حلق شعر الرأس وغيره، وكأنه أورده عقب حديث الحجامة\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ١٥١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٠/ ١٥١).\n(^٣) انظر: \"بذل المجهود\" (١١/ ٥٨٩).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٠/ ١٥٣).","vol":"6","page":130},{"text":"وسط الرأس للإشارة إلى أن جواز حلق الشعر للمحرم لأجل الحجامة عند الحاجة إليها يستنبط من جواز حلق جميع الرأس للمحرم عند الحاجة، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(١٧ -<span data-type='title' id=toc-3418> باب من اكتوى أو كوى غيره وفضل من لم يكتو)</span>\nكأنه أراد أن الكيّ جائز للحاجة، وأن الأولى تركه إذا لم يتعين، وأنه إذا جاز كان أعم من أن يباشر الشخص ذلك بنفسه أو بغيره لنفسه أو لغيره، وعموم الجواز مأخوذ من نسبة الشفاء إليه، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\nقلت: واختلفت الروايات في الكيّ منعًا وجوازًا، وقد ترجم الإمام أبو داود في \"سننه (^٣): \"باب في الكيّ\"، وذكر فيه حديثين: أحدهما عن عمران بن حصين - ﵁ - أنه قال: \"نهى النبي - ﷺ - عن الكيّ فاكتوينا فما أفلحن ولا أنجحن\"، وثانيهما حديث جابر: \"أن النبي - ﷺ - كوى سعد بن معاذ من رمية\"، واختلفوا في الجمع بينهما والبسط في الشروح.\nقال الحافظ (^٤): والنهي فيه محمول على الكراهة أو على خلاف الأولى لما يقتضيه مجموع الأحاديث، وقيل: إنه - أي: النهي - خاصّ بعمران؛ لأنه كان به الباسور، وكان موضعه خطرًا، فنهاه عن كيّه.\nثم قال الحافظ: ولم أر في أثر صحيح أن النبي - ﷺ - اكتوى إلا أن القرطبي نسب إلى \"كتاب أدب النفوس\" للطبري: أن النبي - ﷺ - اكتوى، وذكره الحليمي بلفظ: روي أنه اكتوى للجرح الذي أصابه بأُحد، قلت: والثابت في الصحيح كما تقدم في غزوة أُحد أن فاطمة أحرقت حصيرًا فحشت به جرحه، وليس هذا الكيّ المعهود، وجزم ابن التِّين بأنه اكتوى، وعكسه ابن القيم في \"الهدي\"، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ١٥٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٠/ ١٥٥).\n(^٣) انظر: \"بذل المجهود\" (١١/ ٥٩٢).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٠/ ١٥٥، ١٥٦).","vol":"6","page":131},{"text":"(١٨ -<span data-type='title' id=toc-3419> باب الإثمد والكحل من الرمد)</span>\nأي: بسبب الرمد، والإثمد بكسر الهمزة والميم بينهما ثاء مثلثة ساكنة، وحكي فيه ضم الهمزة: حجر معروف أسود يضرب إلى الحمرة يكون في بلاد الحجاز، وأجوده يؤتى به من أصبهان، والرمد بفتح الراء والميم: ورم حار يعرض في الطبقة الملتحمة من العين، وهو بياضها الظاهر، وسببه انصباب أحد الأخلاط أو أبخرة تصعد من المعدة إلى الدماغ، فإن اندفع إلى الخياشيم أحدث الزكام، أو إلى العين أحدث الرمد، أو إلى اللهاة والمنخرين أحدث الخنان بالخاء المعجمة والنون، أو إلى الصدر أحدث النزلة، إلى آخر ما ذكر الحافظ (^١).\nقوله: (فيه عن أم عطية) يشير إلى حديث أم عطية مرفوعًا، وقد تقدم في أبواب العدة، لكن لم أر في شيء من طرقه ذكر الإثمد، فكأنه ذكره لكون العرب غالبًا إنما تكتحل به، وقد ورد التنصيص عليه في حديث ابن عباس رفعه: \"اكتحلوا بالإثمد فإنه يجلو البصر وينبت الشعر\" أخرجه الترمذي وحسّنه، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\n\n(١٩ -<span data-type='title' id=toc-3420> باب الجذام)</span>\nبضم الجيم وتخفيف المعجمة: هو علة رديئة تحدث من انتشار المِرَّة السوداء في البدن كله فتفسد مزاج الأعضاء، انتهى.\nثم إنه يشكل ههنا أن حق هذه الترجمة أن تذكر في \"كتاب المرضى\" السابق لا في \"كتاب الطب\"، ولم يتعرض لهذا الإشكال أحد من الشرَّاح، ويمكن التفصي عنه أن الإمام البخاري إنما ذكره ههنا لقوله - ﷺ - كما في حديث الباب: \"فرّ من المجذوم. . .\" إلخ، وإرشاده - ﷺ - هذا من قبيل الحِمْيَة التي تناسب \"كتاب الطب\"، لا يقال: إنه سيأتي في هذا الكتاب\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ١٥٧، ١٥٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٠/ ١٥٧).","vol":"6","page":132},{"text":"بعض الأبواب المتعلقة بالأمراض؛ فإن للتوجيه فيها مساغًا كما لا يخفى، ويشكل على الحديث أيضًا أن ظاهره يخالف قوله - ﷺ -: \"لا عدوى. . .\" إلخ، واختلف العلماء في الجمع بينهما كما بسط عليه الكلام الحافظ أشدَّ البسط، وكذا في \"الأوجز\"، ولخَّص في هامش \"اللامع\" من \"الأوجز\"، وفي آخره: فهذه ستة مسالك في الجمع بين تلك الأحاديث والاثنان في الترجيح، فصار المجموع ثمانية أقوال (^١)، انتهى.\nقلت: وسيأتي قريبًا \"باب لا عدوى\" ونذكر الكلام على دفع التعارض بين الروايات هناك.\n\n(٢٠ -<span data-type='title' id=toc-3421> باب المنّ شفاء للعين)</span>\nقال الحافظ (^٢): في هذه الترجمة إشارة إلى ترجيح القول السائر إلى أن المراد بالمنّ في حديث الباب الصنف المخصوص من المأكول لا المصدر الذي بمعنى الامتنان، وإنما أطلق على المنّ شفاء؛ لأن الخبر ورد أن الكمأة منه وفيها شفاء، فإذا ثبت الوصف للفرع كان ثبوته للأصل أولى، انتهى. وبسط الكلام في شرح حديث الباب.\n\n(٢١ -<span data-type='title' id=toc-3422> باب اللدود)</span>\nبفتح اللام وبمهملتين: هو الدواء الذي يصبّ في أحد جانبي فم المريض، واللدود بالضم: الفعل، ولددت المريض: فعلت ذلك به، وتقدم في \"باب وفاة النبي - ﷺ -\" بيان مما لدوه - ﷺ - به، قال الحافظ (^٣).\nقلت: واللدود في إباحته كالسعوط كلاهما من الأدوية المباحة، وإنما أنكر النبي - ﷺ - عليه؛ لأنه كان غير ملائم لدائه؛ لأنهم ظنوا أن به ذات الجنب فداووه بما يلائمها ولم يكن به ذلك.\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (١٠/ ١٥٨ - ١٦٣)، و\"أوجز المسالك\" (١٦/ ٥٥٨ - ٥٦٤)، و\"لامع الدراري\" (٩/ ٤٦٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٠/ ١٦٣).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٠/ ١٦٦).","vol":"6","page":133},{"text":"(٢٢ -<span data-type='title' id=toc-3423> باب)</span>\nبغير ترجمة، قال العلامة العيني (^١): كذا وقع \"باب\" مجردًا عن الترجمة، ولم يذكر ابن بطال لفظ \"باب\"، وأدخل الحديث في الباب الذي قبله، انتهى.\nقال الحافظ (^٢): وقد استشكل ابن بطال مناسبة حديث هذا الباب للترجمة الذي قبله بعد أن تقرر أن الباب إذا كان بلا ترجمة يكون كالفصل من الذي قبله، وأجاب باحتمال أن يكون أشار إلى أن الذي يفعل بالمريض بأمره لا يلزم فاعل ذلك لوم ولا قصاص؛ لأنه - ﷺ - لم يأمر بصبّ الماء على كل من حضره بخلاف ما نهى عنه أن لا يفعل به؛ لأن فعله جناية عليه فيكون فيه القصاص.\nقلت: ولا يخفى بعده، ويمكن أن يقرب بأن يقال أولًا: إنه أشار إلى أن الحديث عن عائشة في مرض النبي - ﷺ - وما اتفق له فيه واحد، ذكره بعض الرواة تامًا، واقتصر بعضهم على بعضه، وقصة اللدود كانت عند ما أغمي عليه وكذلك قصة السبع قرب، لكن اللدود كان نهى عنه، ولذلك عاتب عليه بخلاف الصبّ فإنه كان أمر به فلم ينكر عليهم، فيؤخذ منه أن المريض إذا كان عارفًا لا يكره على تناول شيء ينهى عنه ولا يمنع من شيء يأمر به، انتهى.\nوقال العيني (^٣) بعد ذكر الإشكال: وأجيب بجواب فيه تعسف، وهو أنه يحتمل أن يكون بينه وبين الحديث السابق نوع تضادٍ؛ لأن في الأول فعلوا ما لم يأمر به النبي - ﷺ - فحصل عليهم الإنكار واللوم بذلك، وفي هذا فعلوا بما أمر به وهو ضدّ ذلك في المعنى، والأشياء تتبين بضدها، انتهى.\nوسكت العلامة القسطلاني عن هذا البحث.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٦٩٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٠/ ١٦٧).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٦٩٧).","vol":"6","page":134},{"text":"والأوجه عندي: أن يقال: إن مَنْعَه - ﷺ - عن اللدود كان خاصًا لنفسه الشريف إذ لو كان عامًّا لم يأمر بلدودهم.\n\n(٢٣ -<span data-type='title' id=toc-3424> باب العذرة)</span>\nبضم المهملة وسكون الذال المعجمة: هو وجع الحلق وهو الذي يسمى سقوط اللهاة، وقيل: هو اسم اللهاة والمراد وجعها سمي باسمها، وقيل: هو موضع قريب من اللهاة، واللهاة بفتح اللام: اللحمة التي في أقصى الحلق، قاله الحافظ (^١).\n\n(٢٤ -<span data-type='title' id=toc-3425> باب دواء المبطون)</span>\nالمراد بالمبطون من اشتكى بطنه لإفراط الإسهال، وأسباب ذلك متعددة، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\nقوله: (كذب بطن أخيك) كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٣): فيه مجاز والجامع الدلالة، والمقصود أنه ينتفع ويخبرك أنه يستضر فكان كذبًا حيث أظهر ما أبطن خلافه، وأراك خلاف الواقع، انتهى.\nوأوضح منه ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه في \"الكوكب الدري\" (^٤) كما ذكر في هامش \"اللامع\"، وكذا ذكر فيه من كلام الشرَّاح، فارجع إليه لو شئت.\n\n(٢٥ -<span data-type='title' id=toc-3426> باب لا صفر وهو داء يأخذ البطن)</span>\nوهذا اختيار البخاري، وقيل: هو النسيء، أي: تأخير المحرم إلى صفر، وقيل: هو حية في البطن أعدى من الجرب، وقيل: هو الشؤم الذي كانوا يتشاءمون بدخول شهر صفر، كذا في الحاشية عن الكرماني (^٥).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ١٦٧، ١٦٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٠/ ١٦٨).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٩/ ٤٥٦).\n(^٤) انظر: \"الكوكب الدري\" (٣/ ٩٧).\n(^٥) \"صحيح البخاري بحاشية السهارنفوري\" (١١/ ٤٩٢)، وانظر: \"شرح الكرماني\" (٢١/ ٩).","vol":"6","page":135},{"text":"قال الحافظ (^١): وترجح عند البخاري ما قال لكونه قرن الحديث بالعدوى، إلى آخر ما بسط في تفسيره.\nوفي \"القسطلاني\" (^٢): قوله: \"وهو داء يأخذ البطن\" زاد في \"القاموس\": يصفر الوجه، انتهى.\n\n(٢٦ -<span data-type='title' id=toc-3427> باب ذات الجنب)</span>\nقال العلامة القسطلاني (^٣): أي: ذكر دواء داء، هو ذات الجنب الحادث في نواح الجنب من رياح غليظة تحتقن بين الصفاقات والعضل الذي في الصدر والأضلاع، انتهى.\nوقال أيضًا في شرح قوله: \"منها ذات الجنب\" إلخ،: أي: صاحبة الجنب، ومعناه باليونانية \"ورم الجنب\"، وهو من الأمراض الخطرة؛ لأنه يحدث بين القلب والكبد، وهو من سيئ الأسقام، وينقسم قسمين: حقيقي وغير حقيقي، إلى آخر ما بسط.\n\n(٢٧ -<span data-type='title' id=toc-3428> باب حرق الحصير ليسدّ به الدم)</span>\nقال الحافظ (^٤): قوله: \"حرق الحصير\" كذا لهم، وأنكره ابن التِّين فقال: والصواب \"إحراق الحصير\" لأنه من أحرق أو تحريق من حرّق، قال: فأما الحرق فهو: حرق الشيء يؤذيه، قلت: لكن له توجيه، انتهى.\nقلت: وفي \"مختار الصحاح\" (^٥): الحرق بفتحتين: النار، وأحرقه بالنار وحرّقه شُدِّد للكثرة، وتحرق الشيء بالنار واحترق، ثم قال: وحَرَقَ الشيءَ بالتخفيف بَرَدَه وحكّ بعضه ببعض، انتهى.\nوهذا يخالف ما ذكره البخاري من قوله: \"حرق الحصير\" لكن قال في\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ١٧١).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٥١٣).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٥١٤، ٥١٥).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٠/ ١٧٤).\n(^٥) \"مختار الصحاح\" (ص ٧٠).","vol":"6","page":136},{"text":"\"القاموس\" (^١): وحَرَقَه بالنار يَحْرِقُه، وأحرقه، وحرّقه بمعنى، انتهى، وهذا يوافق البخاري.\nوقال الحافظ (^٢): وقوله: \"ليسد به الدم\" أي: مجاري الدم، أو ضمّن سدّ معنى قطع، وهو الوجه، وكأنه أشار إلى أن هذا ليس من إضاعة المال؛ لأنه إنما يفعل للضرورة المبيحة، قال ابن بطال: زعم أهل الطبّ أن الحصير كلها إذا أحرقت تبطل زيادة الدم، بل الرماد كله كذلك؛ لأن الرماد من شأنه القبض، ولهذا ترجم الترمذي لهذا الحديث \"التداوي بالرماد\" انتهى.\n\n(٢٨ -<span data-type='title' id=toc-3429> باب الحمى من فيح جهنم)</span>\nقال الحافظ (^٣): وسيأتي في آخر الباب \"من فوح\" بالواو، وتقدم في صفة النار بلفظ \"فور\" بالراء بدل الحاء وكلها بمعنى، والمراد سطوع حرّها ووهجه، والحمى أنواع، واختلف في نسبتها إلى جهنم فقيل: حقيقة، واللهب الحاصل في جسم المحموم قطعة من جهنم، وقدر الله ظهورها بأسباب تقتضيها ليعتبر العباد بذلك، كما أن أنواع الفرح واللذة من نعيم الجنّة أظهرها في هذه الدار عبرة ودلالة، وقيل: بل الخبر ورد مورد التشبيه، والمعنى أن حرَّ الحمى شبيه بحرِّ جهنم تنبيهًا للنفوس على شدة حرّ النار، والأول أولى، والله أعلم.\nثم بسط الحافظ الكلام على شرح قوله: \"فأطفئوها بالماء\"، وكذا بسط الكلام عليه في \"الأوجز\" (^٤)، وذكر أيضًا مختصرًا في هامش \"اللامع\".\nوقال العلامة السندي (^٥): قوله: \"فأطفئوها بالماء. . .\" إلخ، للحديث\n_________\n(^١) \"القاموس المحيط\" (ص ٨٠٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٠/ ١٧٤).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٠/ ١٧٥).\n(^٤) \"أوجز المسالك\" (١٦/ ٥٤٠ - ٥٤٤)، و\"لامع الدراري\" (٩/ ٤٦٤).\n(^٥) \"صحيح البخاري بحاشية السندي\" (٤/ ١٤).","vol":"6","page":137},{"text":"تأويلات كثيرة أشار المصنف إلى بعضها بحديث أسماء المذكور بعد ذلك، وقد سبق في الكتاب إشارة إلى أن المراد بـ[الماء] ماءُ زمزم، ومما يحتمله الحديث أن يكون كناية عن تغطية المحموم، والسعي في خروج العرق منه بما أمكن على أن المراد بالماء العرق المعلوم أنه يبرد الحمى، ويحتمل أن يكون كناية عن الاشتغال بما يستحق به المحموم الرحمة من التصدق وغيره من أعمال البر على أن المراد بالماء ماء الرحمة المعارض لنار جهنم، انتهى مختصرًا.\nوقد وقع في سالف الزمان في بلدة ميرته وباء الحمى، وقد ضاع به رجال كثير، فعمل مولانا محمد قاسم النانوتوي نوَّر الله مرقده بهذا العلاج الغسل، فاشتفى به سبعمائة نفر، ولله در مشايخنا ﵏ ورضي عنهم، ومما يجب التنبيه عليه أن العبرة في أمثال هذه الأمور لقوة الإيمان وشدة الاعتقاد كما لا يخفى.\n\n(٢٩ -<span data-type='title' id=toc-3430> باب من خرج من أرض لا تلائمه)</span>\nمن الملائمة بالمدّ، أي: الموافقة وزنًا ومعنىً، وكأنه أشار إلى أن الحديث الذي أورده بعده في النهي عن الخروج من الأرض التي وقع فيها الطاعون ليس على عمومه، وإنما هو مخصوص بمن خرج فرارًا منه، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nقلت: ويناسب هذا الباب ما أخرجه أبو داود بسنده عن فروة بن مسيك - ﵁ -، قال \"قلت: يا رسول الله، أرض عندنا يقال لها أرض أبين هي أرض ريفنا وميرتنا وأنها وبيئة، أو قال: وباؤها شديد، فقال النبي - ﷺ -: دعها عنك فإن من القرف التلف\"، انتهى (^٢).\nقال الخطابي: ليس هذا من باب الطيرة والعدوى، وإنما هذا من باب\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ١٧٨).\n(^٢) انظر: \"بذل المجهود\" (١١/ ٦٥١، ٦٥٢)، و\"معالم السنن\" (٣/ ٥٠٩).","vol":"6","page":138},{"text":"الطبّ؛ لأن استصلاح الهواء من أعون الأشياء على صحة الأبدان، وفساد الهواء من أضرها وأسرعها إلى أسقام البدن عند الأطباء، وكل ذلك بإذن الله تعالى ومشيئته، ولا حول ولا قوة إلا بالله، انتهى.\n\n(٣٠ -<span data-type='title' id=toc-3431> باب ما يذكر في الطاعون)</span>\nأي: مما يصح على شرطه، والطاعون بوزن فاعول من الطعن، عدلوا به عن أصله ووضعوه دالًّا على الموت العام كالوباء، ويقال: طعن فهو مطعون وطعين إذ أصابه الطاعون، وإذا أصابه الطعن بالرمح فهو مطعون، هذا كلام الجوهري، إلى آخر ما بسط الحافظ من كلام أهل اللغة والفقه والأطباء في تعريفه، واختار الحافظ أن الطاعون يغاير الوباء، فارجع إليه لو شئت (^١).\n\n(٣١ -<span data-type='title' id=toc-3432> باب أجر الصابر في الطاعون)</span>\nوفي نسخة الحافظ: \"على الطاعون\"، وقال (^٢): أي: سواء وقع به أو وقع في بلد هو مقيم بها، انتهى.\nوقال العلَّامة القسطلاني (^٣) في شرح الترجمة: أي: ذكر أجر الصابر في الطاعون ولو لم يصبه، ثم قال في شرح قوله: \"فجعله الله رحمة للمؤمنين\": من هذه الأمة، وزاد في حديث أبي عسيب عند أحمد: \"ورجس على الكافر\"، وهل يكون الطاعون رحمة وشهادة للعاصي من هذه الأمة أو يختص بالمؤمن الكامل؟ والمراد بالعاصي مرتكب الكبيرة الذي يهجم عليه الطاعون وهو مصرّ، فإنه يحتمل أن لا يلحق بدرجة الشهداء لقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الجاثية: ٢١].\n_________\n(^١) راجع: \"فتح الباري\" (١٠/ ١٨٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٠/ ١٩٢).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٥٢٩، ٥٣٠).","vol":"6","page":139},{"text":"وفي حديث ابن عمر عند ابن ماجه: \"لم تظهر الفاحشة في قوم حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع\"، قال في \"الفتح\": فدل هذا وغيره مما روي معناه أن الطاعون قد يقع عقوبة بسبب المعصية فكيف يكون شهادة، نعم يحتمل أن تحصل له درجة الشهادة لعموم الأحاديث في ذلك، ولا يلزم المساواة بين الكامل والناقص في المنزلة؛ لأن درجات الشهادة متفاوتة، انتهى ملخصًا من \"الفتح\"، كذا في \"القسطلاني\"، وقد تقدم في مبدأ \"كتاب المرضى\" أن الثواب في المرض لا يتوقف على الصبر، نعم يحصل به مضاعفة الأجر.\n\n(٣٢ -<span data-type='title' id=toc-3433> باب الرقى بالقرآن والمعوذات)</span>\nالرقى بضم الراء وفتح القاف مقصورًا: جمع رقية بسكون القاف، أي: التعويذ، والمعوذات بكسر الواو المشددة: الفلق والناس والإخلاص من باب تسمية التغليب، أو المراد: المعوذتان وسائر العوذ كـ ﴿وقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾ [المؤمنون: ٩٧]، أو جمع اعتبارًا بأن أقل الجمع اثنان، وإنما اجتزأ بهما لما اشتملتا عليه من جوامع الاستعاذة من المكروهات جملةً وتفصيلًا من السحر والحسد وشرّ الشيطان ووسوسته وغير ذلك، انتهى من \"القسطلاني\" (^١).\nوفي \"الفيض\" (^٢): \"باب الرقى. . .\" إلخ، وترجمته فيما وافقت الشرع \"دم\" وفيما خالفته \"منتر\"، انتهى.\n\n(٣٣ -<span data-type='title' id=toc-3434> باب الرقى بفاتحة الكتاب)</span>\nذكر فيه حديث أبي سعيد، وقد تقدم في \"كتاب الإجارة\" في \"باب ما يعطى في الرقية بفاتحة الكتاب\".\nقال الحافظ (^٣): قال ابن القيم: إذا ثبت أن لبعض الكلام خواص\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٥٣١).\n(^٢) \"فيض الباري\" (٦/ ٦٠).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٠/ ١٩٨).","vol":"6","page":140},{"text":"ومنافع فما الظن بكلام ربِّ العالمين، ثم بالفاتحة التي لم ينزل في القرآن ولا في غيره من الكتب مثلها لتضمنها جميع معاني الكتاب إلى أن قال: وحقيق بسورة هذا بعض شأنها أن يستشفى بها من كل داء، والله أعلم، انتهى.\n\n(٣٤ -<span data-type='title' id=toc-3435> باب الشرط في الرقية بقطيع من الغنم)</span>\nأراد إثبات جواز أخذ الأجرة في الرقية، وهو جائز عند الأئمة الأربعة، وإنما اختلفوا في أخذ الأجر على تعليم القرآن، كما تقدم الاختلاف في ذلك في \"كتاب الإجارة\".\n\n(٣٥ -<span data-type='title' id=toc-3436> باب رقية العين)</span>\nأي: رقية الذي يصاب بالعين، تقول: عنت الرجل: أصبته بعينك، فهو معين ومعيون، ورجل عائن ومعيان وعيون، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوقال العيني (^٢) في شرح الترجمة: وليس المراد به الرمد، بل الإضرار بالعين والإصابة بها، كما يتعجب الشخص من الشيء بما يراه بعينه فيتضرر ذلك الشيء من نظره.\nوقال النووي: أنكرت طائفة العين قالوا: لا أثر لها، والدليل على فساد قولهم أنه أمر ممكن، والصادق أخبر بذلك فلا يجوز ردُّه، انتهى.\nوبسط الحافظ الكلام على حقيقة الإصابة بالعين (^٣).\n\n(٣٦ -<span data-type='title' id=toc-3437> باب العين حق)</span>\nأي: الإصابة بها من جملة ما تحقق من كونه لها تأثير في النفوس، قاله القسطلاني (^٤).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٢٠٠).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٧١٧).\n(^٣) انظر: \"فتح الباري\" (١٠/ ٢٠٠).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٥٣٧).","vol":"6","page":141},{"text":"وقال أيضًا تحت حديث الباب: وفي الحديث ردّ على طائفة من المبتدعة حيث أنكروا إصابة العين كما تقدم في الباب السابق، ثم قال: واختلف في القصاص فقال القرطبي: لو أتلف العائن شيئًا ضمنه، ولو قتل فعليه القصاص أو الدية إذا تكرر ذلك منه بحيث يصير عادة كالساحر عند من لا يقتله كفرًا، وقال الشافعي: لا قصاص ولا دية ولا كفارة، إلى آخر ما ذكر.\n\n(٣٧ -<span data-type='title' id=toc-3438> باب رقية الحية والعقرب)</span>\nأي: مشروعية ذلك، وأشار بالترجمة إلى ما ورد في بعض طرق حديث الباب على ما سأذكره. ثم قال تحت حديث الباب: ووقع في رواية أبي الأحوص عن الشيباني بسنده: \"رخص في الرقية من الحية والعقرب\"، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوقال العلَّامة العيني (^٢) بعد حديث الباب: مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: \"الرقية من كل ذي حمة\" لأن الحمة كل شيء يلدغ أو يلسع، قاله الخطابي، وقيل: هي شوكة العقرب، انتهى.\n\n(٣٨ -<span data-type='title' id=toc-3439> باب رقية النبي - ﷺ </span>-)\nأي: التي كان يرقي بها، قاله الحافظ (^٣).\nقلت: لعله أشار به إلى أولوية الأخذ في الرقى بالمأثور من الأدعية.\n\n(٣٩ -<span data-type='title' id=toc-3440> باب النفث في الرقية)</span>\nبفتح النون وسكون الفاء بعدها مثلثة، في هذه الترجمة إشارة إلى الردّ على من كره النفث مطلقًا كالأسود بن يزيد أحد التابعين تمسّكًا\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٢٠٦).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٧٢٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٠/ ٢٠٦).","vol":"6","page":142},{"text":"بقوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق: ٤] وعلى من كره النفث عند قراءة القرآن خاصة كإبراهيم النخعي، أخرج ذلك ابن أبي شيبة وغيره، فأما الأسود فلا حجة له في ذلك؛ لأن المذموم ما كان من نفث السحرة وأهل الباطل، ولا يلزم منه ذمّ النفث مطلقًا، ولا سيما بعد ثبوته في الأحاديث الصحيحة، إلى آخر ما ذكر الحافظ (^١).\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٢): إثبات الترجمة بالرواية مبنيّ على نوع مقايسة وتعدية للحكم لوجود علته، والله أعلم، انتهى.\nوبهذا جزم العلامة العيني، وتعقب على الحافظ كما ذكر في هامش \"اللامع\" فارجع إليه.\n\n(٤٠ -<span data-type='title' id=toc-3441> باب مسح الراقي في الوجع بيده اليمنى)</span>\nلعله دفع بهذه الترجمة ما يتوهم من النفث كون اليسار أولى به وإن لم يكن في حديث الباب ذكر النفث.\n\n(٤١ -<span data-type='title' id=toc-3442> باب المرأة ترقي الرجل)</span>\nمطابقة الحديث بالترجمة واضحة، وإنما ترجم المصنف بهذا الباب لكون الرقية متضمنة للنفث كما تقدم في الأبواب السابقة، والنفث يوجد فيه شيء من الريق البتة، وأيضًا لا يوجد بين الراقي والمرقي عادةً الحجاب، ولا إشكال في حديث الباب لكون الراقية من أزواجه، والإشكال إنما هو إذا كانت المرأة الراقية أجنبية، فإن ريقها مما يجتنب عنه، والله أعلم. ولم يتعرض لذلك أحد من الشرَّاح.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٢٠٩).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٩/ ٤٦٥).","vol":"6","page":143},{"text":"(٤٢ -<span data-type='title' id=toc-3443> باب من لم يرق)</span>\nهو بفتح أوله وكسر القاف مبنيًّا للفاعل، وبضم أوله وفتح القاف مبنيًّا للمفعول، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nقلت: وكأن المصنف أشار إلى كونه - أي: ترك الرقية - من أعلى مراتب التوكل، أو الغرض بيان مستدل من لم ير الرقية وكرهها.\nوقال العلامة القسطلاني (^٢) في شرح حديث الباب: قال ابن الأثير: وهذا من صفة الأولياء المعرضين عن الدنيا وأسبابها وعلائقها وهم خواص الأولياء، ولا يرد على هذا وقوع ذلك من النبي - ﷺ - فعلًا وأمرًا؛ لأنه كان في أعلى مقامات العرفان ودرجات التوكل، وكان ذلك منه للتشريع وبيان الجواز، ولا ينقص ذلك من توكله؛ لأنه كان كامل التوكل يقينًا، فلا يؤثر فيه تعاطي الأسباب شيئًا بخلاف غيره، انتهى.\n\n(٤٣ -<span data-type='title' id=toc-3444> باب الطيرة)</span>\nبكسر المهملة وفتح التحتانية وقد تسكن: هي التشاؤم، وهو مصدر تطير مثل تحير حيرة، وأصل التطير أنهم كانوا في الجاهلية يعتمدون على الطير، فإذا خرج أحدهم لأمر فإن رأى الطير طار يمنة تيمن به واستمر، وإن رآه طار يسرة تشاءم به ورجع، وربما كان أحدهم يهيج الطير ليطير فيعتمدها، فجاء الشرع بالنهي عن ذلك، وكانوا يسمونه السانح بمهملة ثم نون ثم حاء مهملة، والبارح بموحدة وآخره مهملة، وكانوا يتيمنون بالسانح ويتشائمون بالبارح، انتهى من \"الفتح\" (^٣) مختصرًا.\nوفيه أيضًا (^٤): أخرج عبد الرزاق حديثًا مرفوعًا: \"ثلاثة لا يسلم منهن أحد: الطيرة والظن والحسد، فإذا تطيرت فلا ترجع، وإذا حسدت فلا تبغ،\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٢١١).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٥٤٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٠/ ٢١٢).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٠/ ٢١٣).","vol":"6","page":144},{"text":"وإذا ظننت فلا تحقق\"، وأخرج البيهقي في \"الشعب\" من حديث عبد الله بن عمرو موقوفًا: \"من عرض له من هذه الطيرة شيء فليقل: اللَّهم لا طير إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك، ولا إله غيرك\"، انتهى.\n\n(٤٤ -<span data-type='title' id=toc-3445> باب الفأل)</span>\nبفاء ثم همزة وقد تسهل، والجمع فؤول بالهمزة جزمًا، وفي حديث عروة بن عامر الذي أخرجه أبو داود قال: \"ذكرت الطيرة عند رسول الله - ﷺ - فقال: خيرها الفأل ولا ترد مسلمًا، فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل: اللَّهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بالله\".\nوقوله: \"وخيرها الفأل\" قال الكرماني تبعًا لغيره: هذه الإضافة تشعر بأن الفأل من جملة الطيرة وليس كذلك، بل هي إضافة توضيح إلى آخر ما ذكر في الفرق بين الفأل والطيرة وغير ذلك، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(٤٥ -<span data-type='title' id=toc-3446> باب لا هامة)</span>\nوسيعيد المصنف هذه الترجمة قريبًا، وسيأتي هناك إن شاء الله وجه الفرق بين الترجمتين.\n\n(٤٦ -<span data-type='title' id=toc-3447> باب الكهانة)</span>\nبفتح الكاف ويجوز كسرها ادّعاء علم الغيب كالإخبار بما سيقع في الأرض مع الاستناد إلى سبب، قال الخطابي: الكهنة قوم لهم أذهان حادّة ونفوس شريرة وطباع نارية فألفتهم الشياطين لما بينهم من التناسب في هذه الأمور وساعدتهم بكل ما تصل قدرتهم إليه، وكانت الكهانة في الجاهلية فاشية، خصوصًا في العرب لانقطاع النبوة فيهم، وهي أصناف، إلى آخر\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٢١٤).","vol":"6","page":145},{"text":"ما بسط في \"الفتح\" (^١).\n\n(٤٧ -<span data-type='title' id=toc-3448> باب السحر وقول الله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا. . .﴾ [البقرة: ١٠٢]) إلخ</span>\nوالسحر بكسر السين وسكون الحاء المهملتين، وأما السحر بمعنى الصبح فبفتحتين، قال تعالى: ﴿إلا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾ [القمر: ٣٤]، وفي \"مختار الصحاح\" (^٢): السحر بالفتح وجمعه سحور كفلس وفلوس، وقد يحرك في مكان حرف الحلق، انتهى.\nوقال القسطلاني (^٣): والسحر أمر خارق للعادة صادر عن نفس شريرة لا تتعذر معارضته، واختلف هل له حقيقة أم لا؟ والصحيح وهو الذي عليه الجمهور أن له حقيقة، وعلى هذا فهل له تأثير فقط بحيث يغير المزاج فيكون نوعًا من الأمراض أو ينتهي إلى الإحالة بحيث يصير الجماد حيوانًا مثلًا وعكسه؟ فالذي عليه الجمهور هو الأول، وفرقوا بين المعجزة والكرامة والسحر بأن السحر يكون بمعاناة أحوال وأفعال حتى يتم للساحر ما يريد، والكرامة لا تحتاج إلى ذلك، بل إنما تقع غالبًا اتفاقًا، وأما المعجزة فتمتاز عن الكرامة بالتحدي، وقال القرطبي: الحق أن لبعض أصناف السحر تأثيرًا في القلوب كالحبّ والبغض وإلقاء الخير والشر، وفي الأبدان بالألم والسقم، وإنما المنكر أن الجماد ينقلب حيوانًا أو عكسه بسحر الساحر، انتهى من \"القسطلاني\".\nوقال الحافظ (^٤): قال الراغب وغيره: السحر يطلق على معان، ثم ذكر عدة معان ثم قال: واختلف في السحر فقيل: هو تخييل فقط ولا حقيقة له، وهذا اختيار أبي جعفر الأستراباذي من الشافعية وأبي بكر الرازي من الحنفية وابن حزم الظاهري وطائفة.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٢١٦، ٢١٧).\n(^٢) \"مختار الصحاح\" (ص ١٤٣).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٥٥٩).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٠/ ٢٢٢، ٢٢٣).","vol":"6","page":146},{"text":"قال النووي: والصحيح أن له حقيقة، وبه قطع الجمهور، وعليه عامة العلماء، ويدل عليه الكتاب والسُّنَّة الصحيحة المشهورة، انتهى.\nلكن محل النزاع هل يقع بالسحر انقلاب عين أو لا؟ إلى آخر ما تقدم في كلام القسطلاني.\nقال الحافظ: ونقل الخطابي أن قومًا أنكروا السحر مطلقًا، وكأنه عنى القائلين بأنه تخييل فقط، وإلا فهي مكابرة، وقال في الفرق بين السحر وبين غيره: ونقل إمام الحرمين الإجماع على أن السحر لا يظهر إلا من فاسق وأن الكرامة لا تظهر على فاسق، انتهى.\nوفي \"الفيض\" (^١) في الفرق بين المعجزة والسحر: أن السحر يحتاج إلى بقاء توجه نفس الساحر والتفاته إليه وتعلق عزيمته به، فإذا غفل عنه بطل أثره، بخلاف المعجزة فإنها أغنى عنه، وهذا لا ينافي بقاء بعض آثاره كالمرض والصحة، وإنما أريد به بطلانه حيث تأثيره في انقلاب الماهية، كجعل الدراهم دنانير، فتلك الدراهم لا تزال تخيل دنانير ما دام توجهه باقيًا إليها، فإذا انقطع تعود في المنظر كما كانت، ولذا تراهم يحتاجون إلى تجديد سحرهم في الأيام الخاصة ليقوى أثره، انتهى.\nوبسط الكلام على حقيقة السحر في \"الأوجز\" (^٢) تحت قول كعب الأحبار: لولا كلمات أقولهن لجعلتني اليهود حمارًا.\nوأما حكم السحر تعليمًا وتعلمًا فقال الحافظ (^٣): في المسألة اختلاف كثير وتفاصيل ليس هذا موضع بسطها، وقد أجاز بعض العلماء تعلم السحر لأحد أمرين: إما لتمييز ما فيه كفر من غيره، وإما لإزالته عمن وقع فيه، فالأول فلا محظور فيه إلا من جهة الاعتقاد، فإذا سلم الاعتقاد فمعرفة الشيء بمجرده لا تستلزم منعًا، كمن يعرف كيفية عبادة أهل الأوثان\n_________\n(^١) \"فيض الباري\" (٦/ ١٤١، ١٤٢).\n(^٢) \"أوجز المسالك\" (١٧/ ٦٨).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٠/ ٢٢٤، ٢٢٥).","vol":"6","page":147},{"text":"للأوثان؛ لأن كيفية ما يعمله الساحر إنما هي حكاية قول أو فعل بخلاف تعاطيه، والعمل به، وأما الثاني فإن كان لا يتم كما زعم بعضهم إلا بنوع من أنواع الكفر أو الفسق فلا يحلّ أصلًا، وإلا جاز للمعنى المذكور، وهذا فصل الخطاب في هذه المسألة، وفي إيراد المصنف هذه الآية إشارة إلى اختيار الحكم بكفر الساحر، انتهى.\nقلت: ويؤيده الباب الآتي، فقد قرن فيه بين الشرك والسحر، وسيأتي حكم الساحر بعد بابين.\nقوله: (لكنه دعا ودعا. . .) إلخ، في هامش المصرية عن \"شيخ الإسلام\" (^١): أي: لكنه لم يكن مشتغلًا بي بل بالدعاء، والمستدرك منه قوله: \"وهو عندي\" أو قوله: \"كان يخيل إليه\" أي: كان السحر أضرّ في بدنه لا في عقله وفهمه بحيث إنه توجه إلى الله ودعا، انتهى.\nوكذا أفاد صاحب \"الفيض\" (^٢): تحت قوله: \"حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن. . .\" إلخ، كما سيأتي في \"<span data-type='title' id=toc-3450>باب هل يستخرج السحر</span>\"، فاحفظ هذا اللفظ، فإنه صريح في أن السحر كان في أمور النساء، ولم يكن له تعلق بأمور الشرع، وفي أكثر الألفاظ إيهام كما في الرواية الآتية، ففيها أنه فعل الشيء وما فعله، فسبق إلى بعضهم الإطلاقُ نظرًا إلى اللفظ، فجعل يؤوله حتى إن أبا بكر الجصاص أنكر هذا الحديث رأسًا، انتهى.\n\n(٤٨ -<span data-type='title' id=toc-3449> باب الشرك والسحر من الموبقات)</span>\nأي: المهلكات.\n\n(٤٩ - باب هل يستخرج السحر؟)\nأي: من الموضع الذي وضع فيه، كذا في \"القسطلاني\" (^٣).\n_________\n(^١) \"تحفة الباري\" (٥/ ٥٤٧).\n(^٢) \"فيض الباري\" (٦/ ٦٧).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٥٦٥).","vol":"6","page":148},{"text":"قال صاحب \"الفيض\" (^١): واعلم أن في نقض الهيئة التركيبية للسحر أثرًا في إبطاله، انتهى.\nوقال الحافظ (^٢): كذا أورد الترجمة بالاستفهام إشارة إلى الاختلاف، وصدَّر بما نقله عن ابن المسيب من الجواز إشارة إلى ترجيحه، انتهى.\nقوله: (طبّ) بكسر الطاء المهملة وتشديد الموحدة: سحر، \"أو\" بإسكان الواو، \"يؤخذ\" بفتح الهمزة والخاء المعجمة المشددة، أي: يحبس، \"عن امرأته\" فلا يصل إلى جماعها، و\"الأخذة\" بضم الهمزة: هي الكلام الذي يقوله الساحر، وقيل: هي خرزة يرقى عليها، أو هي الرقية نفسها، \"أيحل عنه\" بهمزة الاستفهام وضم التحتية وفتح الهاء وتشديد اللام، \"أو ينشر\" بضم التحتية وسكون النون، وضبط بفتح النون وتشديد المعجمة من النشرة، وهي ضرب من العلاج يعالج به من يظن أن به سحرًا أو شيئًا من الجن.\nقال الكرماني: وكلمة \"أو\" يحتمل أن تكون شكًّا أو نوعًا شبيهًا باللفّ والنشر بأن يكون الحلّ في مقابلة الطبّ، والتنشير في مقابلة التأخيذ، انتهى من كلام القسطلاني (^٣).\nوقال الحافظ (^٤): ويؤيد مشروعية النشرة ما تقدم في حديث \"العين حق\" في قصة اغتسال العائن، وممن صرّح بجواز النشرة المزني صاحب الشافعي وأبو جعفر الطبري وغيرهما، ثم وقفت على صفة النشرة في \"كتاب الطبّ النبويّ\" لجعفر المستغفري، وفيه: وأما النشرة فإنه يجمع أيام الربيع ما قدر عليه من ورد المفازة وورد البساتين، ثم يلقيهما في إناء نظيف، ويجعل فيهما ماء عذبًا، ثم يغلي ذلك الورد في الماء غليًا يسيرًا، ثم يمهل حتى إذا فتر الماء أفاضه عليه، فإنه يبرأ بإذن الله تعالى، انتهى.\n_________\n(^١) \"فيض الباري\" (٦/ ٦٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٠/ ٢٣٣).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٥٦٥).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٠/ ٢٣٣، ٢٣٤).","vol":"6","page":149},{"text":"ثم قال الحافظ (^١) في شرح قوله: \"حتى استخرجه. . .\" إلخ، كذا وقع في رواية ابن عيينة، وفي رواية عيسى بن يونس: \"قلت: يا رسول الله أفلا استخرجته\"، وفي رواية وهيب: \"قلت: يا رسول الله، فأخرجه للناس\"، وفي رواية ابن نمير: \"أفلا أخرجته؟ قال: لا\"، وكذا في رواية أبي أسامة التي بعد هذا الباب، قال ابن بطال: ذكر المهلب: أن الرواة اختلفوا على هشام في إخراج السحر المذكور، فأثبته سفيان، وجعل سؤال عائشة عن النشرة، ونفاه عيسى بن يونس، وجعل سؤالها عن الاستخراج ولم يذكر الجواب، وصرَّح به أبو أسامة، قال: والنظر يقتضي ترجيح رواية سفيان لتقدمه في الضبط، ويؤيده أن النشرة لم تقع في رواية أبي أسامة، والزيادة من سفيان مقبولة لأنه أثبتهم، قال: ويحتمل وجهًا آخر فذكر ما محصله: أن الاستخراج المنفيّ في رواية أبي أسامة غير الاستخراج المثبت في رواية سفيان، فالمثبت هو استخراج الجفّ والمنفي استخراج ما حواه، قال: وكأن السرّ في ذلك أن لا يراه الناس فيتعلمه من أراد استعمال السحر، انتهى.\nقلت: ولعل المصنف زاد لفظة \"هل\" لأجل هذا الاختلاف في الاستخراج وعدمه.\nوقال القسطلاني (^٢): وفي حديث عمرة عن عائشة من الزيادة أنه وجد في الطلعة تمثالًا من شمع تمثال رسول الله - ﷺ -، وإذا فيه إبر مغروزة، وإذا وتر فيه إحدى عشرة عقدة، فنزل جبريل بالمعوذتين، وكلما قرأ آية انحلت عقدة، وكلما نزع إبرة وجد لها ألمًا، ثم يجد بعدها راحة، انتهى.\nقوله: (فلم ينهه عنه) كتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): يعني: ما لم تكن فيه كلمة منهية عنها مما فيه شرك أو كفر أو غير ذلك، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٢٣٤، ٢٣٥).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٥٦٨).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٩/ ٤٦٨، ٤٦٩).","vol":"6","page":150},{"text":"وذكر في \"هامشه\" ما يؤيد كلام الشيخ من الروايات، وفيه أيضًا عن \"تقرير مولانا محمد حسن المكي\" في بيان حكم النشرة: أن النشرة مشترك بين عمل خاص للحبّ وبين كشف السحر، ففي موضع النهي يراد به المعنى الأول، وفي موضع الإجازة يراد به المعنى الثاني، انتهى.\n\n(٥٠ -<span data-type='title' id=toc-3451> باب السحر)</span>\nقال الحافظ (^١): كذا وقع ههنا للكثير وسقط لبعضهم، وعليه جرى ابن بطال والإسماعيلي وغيرهما، وهو الصواب؛ لأن الترجمة قد تقدمت بعينها قبل ببابين، ولا يعهد ذلك للبخاري إلا نادرًا عند بعض دون بعض، انتهى.\nقلت: ولا يبعد عند هذا العبد الضعيف أن يقال في دفع التكرار: أن الغرض من الترجمتين مختلف، فالغرض من الأول إثبات حقيقة السحر ردًّا على من أنكره كما تقدم، والغرض ههنا ذكر أحكام السحر من جواز العلاج لإزالته بالدعاء وغيره، أو أشار إلى أن إزالته بالدعاء أفضل من العلاج بالدواء، وسيأتي في \"كتاب الدعوات\" \"باب تكرير الدعاء\"، فذكر فيه حديث سحره - ﷺ -، وأشار بذلك إلى أنه ينبغي للمسحور أن يكرر الدعاء، فقد كرر النبي - ﷺ - الدعاء له، فقد دعا ثم دعا.\nثم اعلم أنه قد تقدم حكم تعليم السحر وتعلمه منعًا وجوازًا قبل بابين، وأما حكم الساحر وبيان حدّه فذكره الحافظ (^٢) ههنا تحت حديث الباب فقال: استدل بهذا الحديث على أن الساحر لا يقتل حدًّا إذا كان له عهد، وأما ما أخرجه الترمذي: \"حدُّ الساحر ضربة بالسيف\" ففي سنده ضعف، فلو ثبت لخصّ منه من له عهد، قال ابن بطال: لا يقتل ساحر أهل الكتاب عند مالك والزهري إلا أن يقتل بسحره فيقتل، وهو قول أبي حنيفة\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٢٣٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٠/ ٢٣٦).","vol":"6","page":151},{"text":"والشافعي، وعن مالك: إن أدخل بسحره ضررًا على مسلم لم يعاهد عليه نقض العهد بذلك فيحلّ قتله، وإنما لم يقتل النبي - ﷺ - لبيد بن الأعصم؛ لأنه كان لا ينتقم لنفسه، قال: وعند مالك أن حكم الساحر حكم الزنديق، فلا تقبل توبته ويقتل حدًّا إذا ثبت عليه ذلك، وبه قال أحمد، وقال الشافعي: لا يقتل إلا إن اعترف أنه قتل بسحره فيقتل به، وادّعى أبو بكر الرازي في \"الأحكام\" أن الشافعي تفرد بقوله: إن الساحر يقتل قصاصًا إذا اعترف أنه قتله بسحره، والله تعالى أعلم، انتهى.\n\n(٥١ -<span data-type='title' id=toc-3452> باب من البيان سحر)</span>\nوفي نسخة الحافظ: \"إن من البيان سحرًا\" وقال: في رواية الكشميهني والأصيلي: \"السحر\".\nقوله: (قدم رجلان) قال الحافظ (^١): لم أقف على تسميتهما صريحًا، فقد زعم جماعة أنهما الزبرقان وعمرو بن الأهتم التميميان، قدما في وفد بني تميم على النبي - ﷺ - سنة تسع من الهجرة، ثم ذكر قصة قدومهم من رواية البيهقي في \"الدلائل\"، ثم قال تحت حديث الباب: وقد حمل بعضهم الحديث على المدح والحثّ على تحسين الكلام وتحبير الألفاظ، وهذا واضح إن صح أن الحديث ورد في قصة عمرو بن الأهتم، وحمله بعضهم على الذمّ لمن تصنّع في الكلام وتكلّف لتحسينه وصرف الشيء عن ظاهره، فشبّه بالسحر الذي هو تخييل لغير حقيقة، وإلى هذا أشار مالك حيث أدخل هذا الحديث في \"الموطأ\" في \"باب ما يكره من الكلام بغير ذكر الله\"، إلى آخر ما ذكر.\nقلت: وأما عند المصنف فيمكن أن يقال: إنه مال إلى حمله على الذمّ كما يظهر من صنيعه، فإن المذكور في سياق التراجم ههنا هو السحر المذموم كما هو ظاهر، فالتشبيه حينئذٍ يشعر بالذم لا محالة، والله أعلم.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٢٣٧).","vol":"6","page":152},{"text":"(٥٢ -<span data-type='title' id=toc-3453> باب الدواء بالعجوة للسحر)</span>\nأي: لأجل دفعه، والعجوة بفتح المهملة وإسكان الجيم: ضرب من أجود تمر المدينة يضرب إلى السواد، وهو مما غرسه النبي - ﷺ - بيده الشريفة، كذا في الحاشية (^١).\nقوله: (يعني حديث علي) كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٢): بيان للضمير المجرور في قوله: \"غيره\"، والحاصل: أن في غير حديث علي تنصيص على السبع، انتهى.\nقلت: والمراد بعلي، علي بن المديني شيخ البخاري، وللشرَّاح ههنا كلام فارجع إلى القسطلاني (^٣) لو شئت.\n\n(٥٣ -<span data-type='title' id=toc-3454> باب لا هامة)</span>\nقال أبو زيد: هي بالتشديد، وخالفه الجميع فخففوها، وهو المحفوظ في الرواية، وكأن من شدّدها ذهب إلى أنها واحدة الهوامّ وهي ذوات السموم، وقيل: دواب الأرض التي تهم بأذى الناس، وهذا لا يصح نفيه إلا إن أريد أنها لا تضر لذواتها وإنما تضر إذا أراد الله إيقاع الضرر بمن أصابته، انتهى من \"الفتح\" (^٤).\nوكتب الشيخ في \"البذل\" (^٥): بتخفيف الميم على المشهور ورجح القرطبي التشديد، انتهى.\nوقد تقدمت هذه الترجمة قبل سبعة أبواب، وذكر فيه أيضًا الحديث\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري بحاشية السهارنفوري\" (١١/ ٥٦١).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٩/ ٤٧١).\n(^٣) انظر: \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٥٧٣، ٥٧٤).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٠/ ٢٤١).\n(^٥) \"بذل المجهود\" (١١/ ٦٤١).","vol":"6","page":153},{"text":"المذكور مختصرًا، فهذا التكرار مشكل. ولذا قال الحافظ (^١): وهذا من نوادر ما اتفق له أن يترجم للحديث في موضعين بلفظ واحد.\nفالأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن الترجمة وإن كانت مكررة من حيث اللفظ لكن ليست بمكررة باعتبار المعنى والمقصود، وتقدم نظيره في \"كتاب العلم\" من \"باب فضل العلم\" وذلك أنهم اختلفوا في تفسير الهامة، فكتب شيخنا في \"البذل\" (^٢): فيه تأويلان: أحدهما: أن العرب كانت تتشاءم بالهامة، وهي الطائر المعروف من طير الليل، قيل: هي البومة، كانوا إذا سقط على دار أحدهم رآها ناعية له بعينه أو بعض أهله، وهذا تفسير مالك، والثاني: أن العرب كانت تعتقد أن روح الآدمي - وقيل: عظامه - تنقلب هامة يطير ويسمونها الصدى، وقيل: روح القتيل الذي لا تدرك بثأره يصير هامة فيقول: اسقوني فإذا أدرك بثأره طارت، والثاني قول أكثر العلماء، قاله ابن رسلان، انتهى.\nوفي رواية لأبي داود: قلت: فما الهامة؟ قال (أي: عطاء): يقول ناس: الهامة التي تصرِّح هامة الناس وليست بهامة الإنسان إنما هي دابة، انتهى.\nقلت: فلعل الإمام البخاري ترجم بالهامة في موضعين إشارة إلى هذين المعنيين، والمناسب للترجمة الأولى التأويل الأول، وحاصله أنه من أسباب النحوسة، ولذا ذكره الإمام البخاري في أبواب التطير والفأل، والمناسب لهذه الترجمة الثانية التأويل الثاني، ولذا أوردها في أبواب السحر، فإن تغير هامة الإنسان إلى الطيران نوع من السحر.\nثم رأيت الحافظ (^٣) أشار إلى نحو ما قلت حيث قال بعد ذكر الاختلاف في تفسير الهامة: ولعل المؤلف ترجم \"لا هامة\" مرتين بالنظر لهذين التفسيرين، والله أعلم، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٢١٥).\n(^٢) \"بذل المجهود\" (١١/ ٦٤١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٠/ ٢٤١).","vol":"6","page":154},{"text":"(٥٤ -<span data-type='title' id=toc-3455> باب لا عدوى)</span>\nالمذكور في حديث الباب شيئان: العدوى والطيرة، وتقدم في الأحاديث السابقة من \"باب الجذام\" وغيره ذكر أربعة أشياء، منها هذان الاثنان، والثالثة الهامة، والرابعة الصفر، وذكر الحافظ عدة روايات في ذلك ثم قال (^١): فالحاصل من ذلك ستة أشياء: العدوى والطيرة والهامة والصفر والغول والنوء، والأربعة الأُوَل قد أفرد البخاري لكل واحد منها ترجمة، انتهى.\nوتقدم الكلام على ما عدا العدوى من تلك الأربعة في تراجمها، وأما العدوى فقال القسطلاني (^٢) في شرح الحديث: أي: لا سراية للمرض عن صاحبه إلى غيره نفيًا لما كانت الجاهلية تعتقده في بعض الأدواء أنها تعدي بطبعها، وهو خبر أريد به النهي، انتهى.\nوقال العلامة العيني (^٣): العدوى اسم من الإعداء كالرعوى والبقوى من الإرعاء والإبقاء يقال: أعداه الداء يعديه إعداء، وهو أن يصيبه مثل ما بصاحب الداء، وكانوا يظنون أن المرض بنفسه يعدي، انتهى.\nوقال السندي في \"حاشية أبي داود\": هي مجاوزة العلة من صاحب إلى غيره بالمجاورة والقرب، انتهى.\nوأما الجمع بين روايتي الباب فقد بسط الكلام على ذلك الحافظ وغيره من الشرَّاح، وتقدم أيضًا الإشارة إليه مجملًا في \"باب الجذام\"، قال العلامة السندي: يحتمل أن المراد بقوله: \"لا عدوى\" نفي ذلك وإبطاله من أصله، وعلى هذا فما جاء من الأمر بالفرار من المجذوم ونحوه فهو من باب سدّ الذرائع، لئلا يظن المرض الحادث أنه بسبب المجاورة، ويحتمل أن المراد نفي التأثير وبيان أن مجاورة المريض من الأسباب العادية\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ١٥٩).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٥٠٣).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٦٩٣).","vol":"6","page":155},{"text":"لا هي مؤثرة كما يعتقده أهل الطبيعة، وعلى هذا فالأمر بالفرار وغيره ظاهر، انتهى.\nوقال الحافظ (^١): قال عياض: اختلفت الآثار في المجذوم، فجاء ما تقدم عن جابر: \"أن النبي - ﷺ - أكل مع مجذوم، وقال: ثقة بالله وتوكلًا عليه\" قال: فذهب عمر وجماعة من السلف إلى الأكل معه، ورأوا أن الأمر باجتنابه منسوخ، قال: والصحيح الذي عليه الأكثر ويتعين المصير إليه أن لا نسخ، بل يجب الجمع بين الحديثين، وحمل الأمر باجتنابه والفرار منه على الاستحباب والاحتياط والأكل معه على بيان الجواز، انتهى.\nهكذا اقتصر القاضي ومن تبعه على حكاية هذين القولين، وحكى غيره قولًا ثالثًا وهو الترجيح، وقد سلكه فريقان:\nأحدهما: مسلك ترجيح الأخبار الدالة على نفي العدوى وتزييف الأخبار الدالة على عكس ذلك فأعلّوه بالشذوذ، وبأن عائشة أنكرت ذلك، فأخرج الطبري عنها: أن امرأة سألتها عنه فقالت: ما قال ذلك، ولكنه قال: \"لا عدوى\"، وقال: \"فمن أعدى الأول\"؟ وبأن أبا هريرة تردد في ذلك الحكم كما سيأتي، فيؤخذ الحكم من رواية غيره، وبأن الأخبار الواردة في نفي العدوى كثيرة شهيرة بخلاف الأخبار المرخصة في ذلك.\nوالفريق الثاني: سلكوا في الترجيح عكس هذه المسألة، فردوا حديث \"لا عدوى\" بأن أبا هريرة رجع عنه، إما لشكه فيه، وإما لثبوت عكسه عنده، قالوا: والأخبار الدالة على الاجتناب أكثر مخارج وأكثر طرقًا، فالمصير إليه أولى، وأما حديث جابر ففيه نظر، وقد أخرجه الترمذي وبيَّن الاختلاف فيه ورجّح وقفه على عمر، انتهى من \"الفتح\".\nقلت: وميل الحافظ إلى الجمع، فإنه قال في الجواب عن كل فريق:\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ١٥٩، ١٦٠).","vol":"6","page":156},{"text":"إن طريق الترجيح لا يصار إليها إلا مع تعذر الجمع وهو ممكن، ثم ذكر الأقوال في طريق الجمع بالبسط، فارجع إليه لو شئت.\nوأفاد الشيخ مولانا أشرف علي التهانوي قُدِّس سرُّه كما حكاه في رسالة \"أنفاس عيسى\": أن في العدوى ثلاثة مذاهب: الأول: أن العدوى ثابت ولا يتوقف على مشيئة الله، وهذا كفر صريح وزندقة، والثاني: اعتقاد ثبوت العدوى بالمشيئة، لكن المشيئة ضرورية توجد لا محالة، وهذا المذهب باطل لكنه ليس بكفر، الثالث: أنه مقيد بالمشيئة، والمشيئة ليست بلازمة، إن شاء الله كان وإن لم يشأ لم يكن، ثم قال: لكن الأحاديث الصحيحة تدل على أن العدوى ليس بشيء، انتهى.\n\n(٥٥ -<span data-type='title' id=toc-3456> باب ما يذكر في سمّ النبي - ﷺ </span>-)\nالإضافة فيه إلى المفعول، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوفي \"القسطلاني\" (^٢): قال في \"القاموس\": السم: القاتل المعروف، ويثلث، الجمع سموم وسمام، انتهى.\nوهو هنا من إضافة المصدر لمفعوله، وقول الكرماني: سم بالحركات الثلاث، تعقبه العيني بأنه مصدر فلا تكون السين فيه مفتوحة جزمًا، والحركات الثلاث إنما تكون في كونه اسمًا، كذا في \"القسطلاني\"، وفيه تحريف، والموجود في نسخة \"العيني\" (^٣) هكذا: قلت: ليس في هذا المحل، فإن السين فيه مفتوحة جزمًا؛ لأنه مصدر. . . إلخ.\nقوله: (رواه عروة عن عائشة) كأنه يشير إلى ما علقه في الوفاة النبوية آخر المغازي، فقال: قال يونس عن ابن شهاب قال عروة: قالت عائشة: \"كان النبي - ﷺ - يقول في مرضه الذي مات فيه: يا عائشة ما أزال أجد ألم\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٢٤٥).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٥٨٠).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٧٥٢).","vol":"6","page":157},{"text":"الطعام الذي أكلت بخيبر، فهذا أوان انقطاع أبهري من ذلك السم\"، وصله البزار وغيره، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(٥٦ -<span data-type='title' id=toc-3457> باب شرب السمّ والدواء به وما يخاف منه والخبيث)</span>\nأي: الدواء الخبيث، كأنه يشير بالدواء بالسم إلى ما ورد من النهي عن التداوي بالحرام، وقد تقدم بيانه في \"كتاب الأشربة\"، وزعم بعضهم أن المراد بقوله: \"به\" منه، والمراد ما يدفع ضرر السم، وأشار بذلك إلى ما تقدم قبلُ من حديث: \"من تصبح بسبع تمرات\" الحديث، وفيه: \"لم يضره سم\" فيستفاد منه استعمال ما يدفع ضرر السم قبل وصوله، ولا يخفى بعد ما قال، لكن يستفاد منه مناسبة ذكر حديث العجوة في هذا الباب، وأما قوله: \"وما يخاف منه\" فهو معطوف على الضمير المجرور العائد على السم، وقوله: \"منه\" أي: من (^٢) الموت به أو استمرار المرض، فيكون فاعل ذلك قد أعان على نفسه، وأما مجرد شرب السم فليس بحرام على الإطلاق؛ لأنه يجوز استعمال اليسير منه إذا ركب معه ما يدفع ضرره إذا كان فيه نفع، أشار إلى ذلك ابن بطال، وقد أخرج ابن أبي شيبة وغيره: \"أن خالد بن الوليد لما نزل الحيرة قيل له: احذر السم لا تسقيكه الأعاجم، فقال: ائتوني به، فأتوه به فأخذه بيده ثم قال: بسم الله واقتحمه فلم يضره\"، فكأن المصنف رمز إلى أن السلامة من ذلك وقعت كرامةً لخالد بن الوليد، فلا يتأسى به في ذلك لئلا يفضي إلى قتل المرء نفسه، ويؤيد ذلك حديث أبي هريرة في الباب، ولعله كان عند خالد في ذلك عهد عمل به، وأما قوله: \"والخبيث\" فيجوز جرّه والتقدير: والتداوي بالخبيث،\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٢٤٥).\n(^٢) هكذا قال العلامة العيني، والظاهر أن الضمير المجرور فيه عائد إلى الموصول في قوله: \"بما. . .\" إلخ، \"ز\".","vol":"6","page":158},{"text":"ويجوز الرفع على أن الخبر محذوف والتقدير: ما حكمه؟ أو هل يجوز التداوي به؟ وقد ورد النهي عن تناوله صريحًا، أخرجه أبو داود والترمذي وغيرهما من حديث أبي هريرة مرفوعًا (^١)، انتهى.\nوفي \"القسطلاني\" (^٢): قوله: \"والخبيث\" لنجاسته كالخمر ولحم الحيوان المحرم الأكل، أو لاستقذاره، فتكون كراهته من جهة إدخال المشقة على النفس، وفي الترمذي: \"نهى النبي - ﷺ - عن الدواء الخبيث\" قال البدر الدماميني: وهو حجة على الشافعية في إجازتهم التداوي بالنجس، وقول الترمذي: يعني السمّ، غير مسلّم، فاللفظ عام، ولم يقم دليل على التخصيص بما ذكره، انتهى.\nقال في \"فتح الباري\" (^٣): حمل الحديث على ما ورد في بعض طرقه أولى، وقد ورد في آخر الحديث متصلًا به: يعني السم، قال: ولعل البخاري أشار في الترجمة إلى ذلك، انتهى.\nوقال العلامة العيني (^٤) تحت الترجمة: وأبهم الحكم اكتفاءً بما يفهم من حديث الباب، وهو عدم جوازه؛ لأنه يفضي إلى قتل نفسه، ثم قال بعد ذكر الحديث الأول: هذا الحديث يوضح إبهام ما في الترجمة من الحكم، وهو وجه المطابقة بينهما، انتهى.\nقلت: لم يتعرض لمطابقة أحاديث الباب بالترجمة العلامة القسطلاني، بل سكت عليه مع أن الترجمة ومطابقة أحاديث الباب بها تحتاج إلى تدقيق وتفتيش، وذلك أن الترجمة متضمنة لأربعة أجزاء، والمذكور في الحديث صريحًا واحد منها، فالجزء الأول من الترجمة شرب السم، والثاني التداوي بالسم، والثالث التداوي بما يخاف منه، والرابع\n_________\n(^١) انظر: \"لامع الدراري\" (٩/ ٤٧٢، ٤٧٣).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٥٨٣).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٠/ ٢٤٨).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٧٥٣، ٧٥٤).","vol":"6","page":159},{"text":"التداوي بالخبيث، كما هو ظاهر من ألفاظ الترجمة، وما ذكره الشرَّاح ههنا لا يشفي العليل ولا يروي الغليل.\nوالأوجه عند هذا العبد الضعيف كما ذكرت في هامش \"اللامع\" (^١): أن الجزء الأول من الترجمة ثابت بحديث الباب، كما هو ظاهر، وهو أن شرب السم حرام، وأما الجزء الثاني وهو التداوي بالسم فيستفاد من الحديث أنه جائز؛ لأن مدار النهي على القتل والإهلاك والضرر، فإذا لم يضر ولم يقتل بل يشرب دواءً فلا بأس به، كما يتداوى بالمباحات مثل العجوة وغيرها، ولذا ذكر الإمام البخاري حديث العجوة ثاني حديثي الباب إشارة إلى أن التداوي كما هو جائز بالمباحات فكذا بالسمّ إذا كان شربه بحدّ لا يضر، فالتداوي به حينئذٍ كالتداوي بالمباحات، وأما الجزء الثالث، أي: التداوي بما يخاف منه فهو ملحق بالسم، فما هو حكم السم هو حكمه، أي: الجواز حين ينفع ولا يضره، وعدم الجواز إذا كان مضرًا غير نافع، وأما الجزء الرابع، أي: التداوي بالخبيث فلم يثبت بحديثي الباب صريحًا فإما أن يقال: إنه أشار إلى ما ورد في بعض طرق الحديث كما تقدم في كلام الحافظ، وإما أن يقال: إنه يستفاد أيضًا بحديث السم؛ لأنه أيضًا خبيث، ويحتمل أن يقال: إن هذا الجزء ثابت بالحديث الآتي في الترجمة الآتية، فإن لبن الأتان خبيث لا محالة، وحينئذ فالترجمة الآتية جزء من هذه الترجمة، فهو من الأصل الستين وهو أصل مطرد من أصول التراجم.\n\n(٥٧ -<span data-type='title' id=toc-3458> باب ألبان الأتن)</span>\nبضم الهمزة والمثناة الفوقانية بعدها نون جمع أتان، قال في \"الفتح\" (^٢). قال العلَّامة العيني (^٣): أي: بيان حكم ألبان الأتن، وبيان الحكم في الحديث، انتهى.\n_________\n(^١) انظر: \"لامع الدراري\" (٩/ ٤٧٢، ٤٧٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٠/ ٢٤٩).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٧٥٥).","vol":"6","page":160},{"text":"قلت: المراد بالحكم حكم التداوي بها، ولذا ذكره في \"كتاب الطب\".\nوقال الحافظ (^١): وقد اختلف في ألبان الأتن، فالجمهور على التحريم، وعند المالكية قول في حلّها من القول بحل أكل لحمها، انتهى من \"الفتح\".\nوقد تقدم ذكر الخلاف في لحوم الحمر الأهلية في بابها من \"كتاب الذبائح والصيد\"، وفي \"البحر شرح الكنز\" (^٢): كره لبن الأتان؛ لأن اللبن يتولد من اللحم فصار مثله، وكذا لبن الخيل يكره عند الإمام كلحمه عنده، انتهى.\nوكذا في \"الدر المختار\" (^٣) إذ قال: وكره لحم الأتان، أي: الحمارة الأهلية خلافًا لمالك، ولبنها ولبن الجلالة. . . إلخ، قال ابن عابدين: قوله: الأهلية، بخلاف الوحشية فإنها ولبنها حلالان، قوله: خلافًا لمالك، وللخلاف لم يقل حرم فإنه دليل تعارض الأدلة، انتهى.\nوقال الموفق (^٤): وألبان الحمر محرمة في قول أكثرهم، ورخص فيها عطاء وطاوس والزهري، والأول أصح؛ لأن حكم الألبان حكم اللحمان، انتهى.\nقلت: والمبحوث عنه ههنا هو استعمال لبنها للتداوي، ولم أر من تعرض لحكم ألبان الأتن للتداوي فليفتش، نعم صرَّحوا في أبوال الإبل أنه لا بأس بها للتداوي عند صاحبي أبي حنيفة.\n\n(٥٨ -<span data-type='title' id=toc-3459> باب إذا وقع الذباب في الإناء)</span>\nوإنما عقد المصنف الترجمة بذلك؛ لأن ما هو المذكور في حديث الباب في حق الذباب إنما هو من باب الطب كما لا يخفى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٢٤٩).\n(^٢) \"البحر الرائق\" (٨/ ٢٠٧).\n(^٣) \"رد المحتار\" (٩/ ٤٩٠، ٤٩١).\n(^٤) \"المغني\" (١٣/ ٣١٩).","vol":"6","page":161},{"text":"قال الحافظ (^١) في ذكر ما يستفاد من الحديث: قال الطبري: لم يقصد النبي - ﷺ - بهذا الحديث بيان النجاسة والطهارة، وإنما قصد بيان التداوي من ضرر الذباب، انتهى.\nوذكر الحافظ وغيره من الشرَّاح بعض الروايات الواردة في الذباب وبعض خواصه وما يتعلق به من الأحكام، قال الحافظ (^٢): وقد أخرج أبو يعلى عن ابن عمر مرفوعًا: \"عمر الذباب أربعون ليلة، والذباب كله في النار إلا النحل\" وسنده لا بأس به، قال الجاحظ: كونه في النار ليس تعذيبًا له بل ليعذب أهل النار به، قال الجوهري: يقال: إنه ليس شيء من الطيور يلغ إلا الذباب، وقال أفلاطون: الذباب أحرص الأشياء حتى إنه يلقي نفسه في كل شيء ولو كان فيه هلاكه، ويحكى أن بعض الخلفاء سأل الشافعي: لأي علة خلق الذباب؟ فقال: مذلة للملوك، وكانت ألَحّت عليه ذبابة فقال الشافعي: سألني ولم يكن عندي جواب فاستنبطته من الهيئة الحاصلة، انتهى.\nوفي \"الفيض\" (^٣): وقد مرّ منّا أن الغمس إنما هو إذا لم يكن الشيء حارًّا، فإنه إذا كان حارًّا شديدًا كالشاي فإن الغمس لا يزيده إلا شرًّا، انتهى.\nقلت: وهذا رأيه وإلا فالواقع في الحديث هو الأمر المطلق، والله تعالى أعلم.\nثم براعة الاختتام عند الحافظ في قوله: \"ثم ليطرحه\" وعندي في قوله: \"فليغمسه\" وأيضًا في قوله: \"داءً\" (^٤).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٢٥١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٠/ ٢٥٠).\n(^٣) \"فيض الباري\" (٦/ ٧١).\n(^٤) انظر: \"مقدمة لامع الدراري\" (٩/ ١١٨).","vol":"6","page":162},{"text":"٧٧ -<span data-type='title' id=toc-3460> كتاب اللباس</span>\nقال العلَّامة العيني (^١): أي: هذا كتاب في بيان أنواع اللباس وأحكامها، واللباس ما يلبس، وكذلك الملبس واللبس بالكسر واللبوس أيضًا ما يلبس، وأورد ابن بطال هذا الكتاب بعد الاستئذان، ولا وجه له، انتهى.\nوفي \"الأوجز\" (^٢) عن القاري عن \"القاموس\": لبس الثوب كسمع، لبسًا بالضم ولباسًا بالكسر، وأما لبس كضرب لبسًا بالفتح فمعناه خلط، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ٤٢]، وإنما ذكرته للالتباس على كثير من الناس، انتهى.\nقال القسطلاني (^٣): واللبس بالكسر والملبس كمقعد ومنبر: ما يلبس، انتهى.\nقلت: مقصود المصنف بهذا الكتاب بيان اللباس ومتعلقاته من أبواب الزينة، فإن المصنف قد أدرج في هذا الكتاب كثيرًا من الأبواب التي ليست هي من جنس اللباس كالتزعفر للرجال والتلبيد والذبائب، وجملة من أبواب الطيب وإصلاح الشعر وغير ذلك، وقد اختلف صنيع المحدثين ههنا، فترجم الإمام النسائي \"كتاب الزينة\" بدل كتاب اللباس، وترجم الإمام أبو داود بترجمتين فترجم أولًا \"كتاب اللباس\" ثم ترجم بـ \"كتاب الترجل\"، وذكر فيه جملة من الأبواب التي يتعلق بالزينة، وأما الإمام أبو عيسى الترمذي فقد ذكر بعض هذه الأبواب تحت عنوان \"كتاب اللباس\" وبعضها في \"أبواب الاستئذان والآداب\".\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٥/ ٣).\n(^٢) \"أوجز المسالك\" (١٦/ ١٤٥)، و\"مرقاة المفاتيح\" (٨/ ٢٣٤).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٥٨٨).","vol":"6","page":163},{"text":"(١ -<span data-type='title' id=toc-3461> باب قول الله: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ﴾ الآية [الأعراف:</span> ٣٢])\nهكذا في النسخ الهندية و\"القسطلاني\"، وسقط لفظ \"باب\" في نسخة \"الفتح\" و\"العيني\"، بل ذكرا هذه الآية تحت \"كتاب اللباس\".\nقال الحافظ (^١): كأنه أشار إلى سبب نزول هذه الآية، وقد أخرجه الطبري بسنده عن ابن عباس قال: كانت قريش تطوف بالبيت عراة يصفّرون ويصفّقون، فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ الآية [الأعراف: ٣٢]، وسنده صحيح، انتهى.\nوذكر هذا الحديث الحافظ ابن كثير (^٢) أيضًا في تفسير هذه الآية وعزاه إلى أبي القاسم الطبراني وزاد في آخر الحديث: \"فأمروا بالثياب\".\nوفي \"الأوجز\" (^٣): التجمل بالثياب مشروع بل مندوب، فإنه ﵎ منّ بذلك على عباده بقوله: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا﴾ [الأعراف: ٢٦]، وفي \"تفسير الجلالين\": هو ما يتجمل به من الثياب، إلى آخر ما بسط في \"الأوجز\".\nثم لا يخفى عليك أن الأولى والأنسب لهذا المقام هو قوله ﵎: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا﴾ الآية، فهذه الآية هي التي ذكر فيها اللباس والزينة صريحًا، ومع ذلك لم يذكرها البخاري بل صدَّر \"كتاب اللباس\" بالآية الأخرى كما ترى، ولم يتعرض لذلك أحد من الشرَّاح، وما يظهر لهذا العبد الضعيف: أن من دأب الإمام البخاري كما تقدم في تفسير سورة الطلاق واضحًا هو إيثار الأخفى على الأجلى، فلذلك اختار هذه الآية، وأيضًا فإن المصنف قد ذكر في هذا الكتاب جملة من الأبواب التي يتعلق بالزينة كما تقدم آنفًا، فناسب ذكر هذه الآية لهذا الوجه أيضًا،\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٢٥٣).\n(^٢) \"تفسير ابن كثير\" (٢/ ٥٢٥).\n(^٣) \"أوجز المسالك\" (١٦/ ١٤٥).","vol":"6","page":164},{"text":"فإنه ذكر في هذه الآية لفظ الزينة، وهذا بحث لطيف لعلك لم تجده في غير هذا الكتاب.\nقوله: (في غير إسراف ولا مخيلة. . .) إلخ، قال العلامة السندي (^١): متعلق بالكل، والإسراف والمخيلة يتصوران في التصدق أيضًا، انتهى.\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-3462> باب من جرّ إزاره من غير خيلاء)</span>\nأي: فلا بأس به، قال القسطلاني: قال النووي (^٢): ظواهر الأحاديث في تقييدها بالجر خيلاء تدل على أن التحريم مخصوص بالخيلاء، وهكذا نصّ الشافعي على الفرق، فإن كان للخيلاء فهو ممنوع منع تحريم، وإلا فمنع تنزيه، والأحاديث المطلقة يجب حملها على المقيدة بالخيلاء، انتهى ملخصًا.\nوهكذا نقل القسطلاني (^٣) عن نصّ الشافعي أن التحريم مخصوص بالخيلاء وإلا كره تنزيهًا.\nوفي \"الفيض\" (^٤): وجرُّ الثوب عندنا ممنوع مطلقًا، فهو إذنْ من أحكام اللباس، وقصر الشافعية النهي على قيد المخيلة، فإن كان الجر بدون التكبر فهو جائز، وإذنْ لا يكون الحديث من أحكام اللباس، إلى آخر ما ذكر.\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-3463> باب التشمر في الثياب)</span>\nوهكذا في نسخة \"الفتح\" (^٥) هو بالشين المعجمة وتشديد الميم، انتهى.\nوفي نسخة \"العيني\" و\"القسطلاني\": \"التشمير\" بالياء من التفعيل، وهو رفع أسفل الثوب.\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري بحاشية السندي\" (٤/ ٢٣).\n(^٢) انظر: \"شرح النووي\" (٧/ ٣١٣).\n(^٣) انظر: \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٥٩٣).\n(^٤) \"فيض الباري\" (٦/ ٧٢).\n(^٥) \"فتح الباري\" (١٠/ ٢٥٦)، و\"عمدة القاري\" (١٥/ ٦)، و\"إرشاد الساري\" (١٢/ ٥٩١).","vol":"6","page":165},{"text":"قال الحافظ (^١): ويؤخذ من حديث الباب أن النهي عن كفّ الثياب في الصلاة محله في غير ذيل الإزار، ويحتمل أن تكون هذه الصورة وقعت اتفاقًا فإنها كانت في حالة السفر وهو محل التشمير، انتهى.\n\n(٤ -<span data-type='title' id=toc-3464> باب ما أسفل من الكعبين ففي النار)</span>\nكذا أطلق في الترجمة ولم يقيده بالإزار كما في الخبر إشارةً إلى التعميم في الإزار والقميص وغيرهما، وكأنه أشار إلى لفظ حديث أبي سعيد، وقد أخرجه مالك وأبو داود والنسائي وابن ماجه، وصححه أبو عوانة وابن حبان، كلهم من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي سعيد، ورجاله رجال مسلم، وكأنه أعرض عنه لاختلاف وقع فيه على العلاء وعلى أبيه، انتهى (^٢).\nقلت: ولفظه عند أبي داود (^٣) من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه قال: سألت أبا سعيد الخدري عن الإزار فقال: على الخبير سقطت، قال رسول الله - ﷺ -: \"أزرة المسلم إلى نصف الساق، ولا حرج - أو لا جناح - فيما بينه وبين الكعبين، وما كان أسفل من الكعبين فهو في النار، من جرّ إزاره بطرًا لم ينظر الله إليه\"، كذا في \"الأوجز\" (^٤).\nقلت: لكن فيه أن حديث أبي سعيد هذا الذي أحال عليه الحافظ قُدِّس سرُّه ليس بمطلق، بل سياقه في حق الإزار كما ترى، اللَّهم إلا أن يقال: إنه لم يقيد في سياق هذا الحديث قوله: \"من أسفل من الكعبين\" بقوله: \"من الإزار\"، كما قيد بذلك في حديث الباب.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٢٥٦).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (١٠/ ٢٥٦).\n(^٣) \"سنن أبي داود\" (رقم ٤٠٩٣).\n(^٤) \"أوجز المسالك\" (١٦/ ١٨٠).","vol":"6","page":166},{"text":"(٥ -<span data-type='title' id=toc-3465> باب من جرّ ثوبه من الخيلاء)</span>\nأي: بسبب الخيلاء، فكلمة \"من\" للتعليل، والغرض من الترجمة ظاهر من أن المنع لا يختص بالإزار، ففي \"المشكاة\" (^١) برواية أبي داود (^٢) والنسائي (^٣) وابن ماجه (^٤) من حديث ابن عمر عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"الإسبال في الإزار والقميص والعمامة، من جرّ منها شيئًا خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة\".\nوفي \"الأوجز\" (^٥): وقد أخرج أبو داود عن ابن عمر قال: ما قال رسول الله - ﷺ - في الإزار فهو في القميص، قال الطبري: إنما ورد الخبر بلفظ الإزار؛ لأن أكثر الناس في عهده كانوا يلبسون الإزار والأردية، فلما لبس الناس القميص والدراريع كان حكمها حكم الإزار في النهي. قال ابن بطال: هذا قياس صحيح لو لم يأت النصّ بالثوب فإنه يشمل جميع ذلك، انتهى.\nقال الحافظ (^٦): وقد نقل عياض الإجماع على أن المنع في حق الرجال دون النساء، قال الحافظ: والحاصل: أن للرجال حالين: حال استحباب وهو أن يقتصر بالإزار على نصف الساق، وحال جواز وهو إلى الكعبين، وكذلك للنساء حالان، إلى آخر ما ذكر.\nقلت: هكذا نقلوا في حق الرجال أن الجائز في أزرهم أنها إلى الكعبين، لكن لم يصرِّحوا في حكم الكعبين من أن الغاية هل هي داخلة في المغيّا أم لا؟ ويستفاد من روايةٍ أن الكعبين داخلان في المنع فلا يجوز سترهما، فقد ذكر الحافظ (^٧): أخرج النسائي وصحح الحاكم أيضًا\n_________\n(^١) \"مشكاة المصابيح\" (رقم ٤٣٣٢).\n(^٢) \"سنن أبي داود\" (رقم ٤٠٩٤).\n(^٣) \"سنن النسائي\" (رقم ٥٣٣٤).\n(^٤) \"سنن ابن ماجه\" (رقم ٣٥٧٦).\n(^٥) \"أوجز المسالك\" (١٦/ ١٨٠، ١٨١).\n(^٦) \"فتح الباري\" (١٠/ ٢٥٩).\n(^٧) \"فتح الباري\" (١٠/ ٢٥٧).","vol":"6","page":167},{"text":"من حديث حذيفة بلفظ \"الإزار إلى أنصاف الساقين، فإن أبيت فأسفل، فإن أبيت فمن وراء الساقين، ولا حق للكعبين في الإزار\"، انتهى.\nوهذا صريح في أنه لا يجوز ستر الكعبين، وقال ابن عابدين (^١) في الكلام على آداب اللبس وأحكامه: ويكره للرجال السراويل التي تقع على ظهر القدمين، \"عتابية\"، انتهى. وهكذا في \"البحر\" (^٢).\nوقال النووي في \"شرح مسلم\" (^٣): فالمستحب نصف الساقين، والجائز بلا كراهة ما تحته إلى الكعبين، فما نزل عن الكعبين فهو ممنوع، فإن كان للخيلاء فهو ممنوع منع تحريم وإلا فمنع تنزيه، انتهى.\n\n(٦ -<span data-type='title' id=toc-3466> باب الإزار المهدّب)</span>\nبدال مهملة ثقيلة مفتوحة، أي: الذي له هدب، وهي أطراف من سدى بغير لحمة، ربما قصد بها التجمل، وقد تفتل صيانة لها من الفساد، وقال الداودي: هي ما يبقى من الخيوط من أطراف الأردية.\nثم قال الحافظ تحت حديث الباب: ووقع في هذا الباب حديث مرفوع أخرجه أبو داود من حديث أبي جري جابر بن سليم قال: أتيت النبي - ﷺ - وهو محتب بشملة، وقد وقع هدبها على قدميه، انتهى من \"الفتح\" (^٤).\n\n(٧ -<span data-type='title' id=toc-3467> باب الأردية)</span>\nجمع رداء بالمدّ، وهو ما يوضع على العاتق أو بين الكتفين من الثياب على أيّ صفة كان، قاله الحافظ (^٥).\n_________\n(^١) \"ردّ المحتار\" (٩/ ٥٠٦).\n(^٢) انظر: \"البحر الرائق\" (٨/ ٢١٦).\n(^٣) \"شرح النووي على صحيح مسلم\" (٧/ ٣١٣).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٠/ ٢٦٥)، وانظر: \"سنن أبي داود\" (رقم ٤٤٧٥).\n(^٥) \"فتح الباري\" (١٠/ ٢٦٥).","vol":"6","page":168},{"text":"(٨ -<span data-type='title' id=toc-3468> باب لبس القميص وقال يوسف: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا. . .﴾ [يوسف: ٩٣] إلخ)</span>\nوفي نسخ الشروح: \"وقول الله تعالى حكاية عن يوسف\".\nقال الحافظ (^١): كأنه يشير إلى أن لبس القميص ليس حادثًا وإن كان الشائع في العرب لبس الإزار والرداء، ثم قال تحت حديث الباب: قال ابن العربي: لم أر للقميص ذكرًا صحيحًا إلا في الآية المذكورة وقصة ابن أُبي، ولم أر لهما ثالثًا فيما يتعلق بالنبي - ﷺ -، قال هذا في كتابه \"سراج المريدين\"، وكأنه صنفه قبل شرح الترمذي، فلم يستحضر حديث أم سلمة ولا حديث أبي هريرة: \"كان النبي - ﷺ - إذا لبس قميصًا بدأ بميامنه\"، ثم ذكر الحافظ عدة روايات أخر.\nقلت: وحديث أم سلمة الذي أشار إليه الحافظ أخرجه الترمذي (^٢) في \"باب ما جاء في القميص\" بعدة طرق ولفظه: قالت: \"كان أحبّ الثياب إلى رسول الله - ﷺ - القميص\"، وكتب الشيخ في \"الكوكب\" (^٣): هذا في الثياب المخيطة، والسبب في ترجيحه ما فيه من الستر ما ليس في غيره، ولم تكن سراويل إذا ذاك رائجة رواج القميص مع أنه ليس السراويل يجزئ عن القميص والقميص يجزئ عنه، وأيضًا فليس شمول الجسم في السراويل مثله في القميص، وأما حيث رجح الحلة فهو في غير المخيطة وترجحه من حيث إن فيها زيادة فائدة نسبة القميص من نزعه أنَّى شاء مع بقاء الستر بالرداء الأخرى، ولا يمكن ذلك في نحو القميص، إلى آخر ما ذكر.\n\n(٩ -<span data-type='title' id=toc-3469> باب جيب القميص من عند الصدر وغيره)</span>\nقال القسطلاني (^٤): قوله: \"وغيره\" بالجر عطفًا على القميص، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٢٦٦).\n(^٢) \"سنن الترمذي\" (رقم ١٧٦٢).\n(^٣) \"الكوكب الدري\" (٢/ ٤٥١).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٦٠٣).","vol":"6","page":169},{"text":"قال الحافظ (^١): الجيب بفتح الجيم وسكون التحتانية بعدها موحدة: هو ما يقطع في الثوب ليخرج منه الرأس أو اليد أو غير ذلك، واعترضه الإسماعيلي فقال: الجيب الذي يحيط بالعنق جيب الثوب، أي: جعل فيه ثقب، وأورده البخاري على أنه ما يجعل في الصدر ويوضع فيه الشيء، وبذلك فسّره أبو عبيد لكن ليس هو المراد هنا، وإنما الجيب الذي أشار إليه في الحديث هو الأول، كذا قال، ولا مانع من حمله على المعنى الآخر، بل استدل به ابن بطال (^٢) على أن الجيب في ثياب السلف كان عند الصدر، إلى آخر ما بسط الحافظ.\n\n(١٠ -<span data-type='title' id=toc-3470> باب من لبس جبة ضيقة الكمين في السفر)</span>\nترجم له في الصلاة \"الصلاة في الجبة الشامية\" وفي الجهاد \"الجبة في السفر والحرب\"، وكأنه يشير إلى أن لبس النبي - ﷺ - الجبة الضيقة إنما كان لحال السفر لاحتياج المسافر إلى ذلك، وأن السفر يغتفر فيه لبس غير المعتاد في الحضر، وقد تواردت الأحاديث عمن وصف وضوء النبي - ﷺ - وليس في شيء منها أن كميه ضاقا عن إخراج يديه منهما، أشار إلى ذلك ابن بطال (^٣)، انتهى من \"الفتح\" (^٤).\n\n(١١ -<span data-type='title' id=toc-3471> باب لبس جبة الصوف في الغزو)</span>\nقال ابن بطال (^٥): كره مالك لبس الصوف لمن يجد غيره لما فيه من الشهرة بالزهد لأن إخفاء العمل أولى. قال: ولم ينحصر التواضع في لبسه بل في القطن وغيره ما هو بدون ثمنه، انتهى من \"الفتح\" (^٦).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٢٦٧).\n(^٢) \"شرح ابن بطال\" (٩/ ٨٤).\n(^٣) \"شرح ابن بطال\" (٩/ ٨٥، ٨٦).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٠/ ٢٦٨).\n(^٥) \"شرح ابن بطال\" (٩/ ٨٦).\n(^٦) \"فتح الباري\" (١٠/ ٢٦٩).","vol":"6","page":170},{"text":"(١٢ -<span data-type='title' id=toc-3472> باب القباء وفرّوج حرير)</span>\nبفتح القاف وبالموحدة، ممدود، فارسي معرب، وقيل: عربيّ، واشتقاقه من القبو وهو الضم، قوله: \"وهو القباء\" قلت: وقع كذلك مفسّرًا في بعض طرق الحديث، قوله: \"ويقال: هو الذي له شقّ من خلفه\" أي: فهو قباء مخصوص، ولهذا جزم أبو عبيد (^١) ومن تبعه من أصحاب الغريب نظرًا لاشتقاقه، وقال ابن فارس: هو قميص الصبيّ الصغير.\nوقال القرطبي (^٢): القباء والفروج كلاهما ثوب ضيق الكمين والوسط مشقوق من خلف، يلبس في السفر والحرب لأنه أعون على الحركة، انتهى من كلام الحافظ (^٣).\n\n(١٣ -<span data-type='title' id=toc-3473> باب البرانس)</span>\nجمع برنس بضم الموحدة والنون بينهما راء ساكنة وآخره مهملة، تقدم تفسيره في \"كتاب الحج\". قاله الحافظ (^٤). وقال القسطلاني (^٥): قال في \"القاموس\" (^٦): قلنسوة طويلة كان النساء في صدر الإسلام يلبسنها، أو كل ثوب رأسه منه، انتهى.\nقال الحافظ (^٧): وقد كره بعض السلف لبس البرنس لأنه كان من لباس الرهبان، وقد سئل مالك عنه فقال: لا بأس به، قيل: فإنه من لبوس النصارى، قال: كان يلبس ههنا. ولعل من كرهه أخذ بعموم حديث علي رفعه: \"إياكم ولبوس الرهبان، فإنه من تزيّا بهم أو تشبَّه فليس مني\" أخرجه الطبراني في \"الأوسط\" (^٨) بسند لا بأس به، انتهى.\n_________\n(^١) \"غريب الحديث\" (٣/ ١٨٨).\n(^٢) \"المفهم\" (٥/ ٣٩٧).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٠/ ٢٦٩).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٠/ ٢٧٢).\n(^٥) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٦٠٩).\n(^٦) \"القاموس المحيط\" (ص ٤٩٣).\n(^٧) \"فتح الباري\" (١٠/ ٢٧٢).\n(^٨) \"المعجم الأوسط\" (رقم ٣٩٠٩).","vol":"6","page":171},{"text":"وذكر القسطلاني (^١) فيمن كرهه ابن عمر وسالمًا وابن جبير.\n\n(١٤ -<span data-type='title' id=toc-3474> باب السراويل)</span>\nذكر فيه حديث ابن عباس رفعه: \"من لم يجد إزارًا فليلبس السراويل\" ولم يرد فيه حديث على شرطه، ثم ذكر الحافظ عدة روايات في ذلك (^٢).\nوقال القسطلاني (^٣): والمطابقة للترجمة في قوله: \"السراويل\" كما لا يخفى، وفي حديث أبي هريرة مرفوعًا عند أبي نعيم الأصبهاني: \"إن أول من لبس السراويل إبراهيم الخليل - ﷺ -\"، وفي السنن الأربعة وصححه ابن حبان من حديث سويد بن قيس: \"أنه - ﷺ - اشترى من رجل سراويل\"، وعند أبي يعلى والطبراني في حديث طويل وفيه: \"فاشترى سراويل بأربعة دراهم\"، انتهى مختصرًا.\nقال الحافظ (^٤): ووقع في \"الإحياء\" للغزالي: أن الثمن ثلاثة دراهم، والذي تقدم أنه أربعة دراهم أولى، انتهى.\nوهل لبس - ﷺ - السراويل أم لا؟ بسط الكلام عليه أصحاب السير.\n\n(١٥ -<span data-type='title' id=toc-3475> باب العمائم)</span>\nقال الحافظ (^٥): كأنه لم يثبت عنده على شرطه في العمامة شيء، وقد ورد فيها حديث عمرو بن حريث أنه قال: \"كأني أنظر إلى رسول الله - ﷺ - وعليه عمامة سوداء قد أرخى طرفها بين كتفيه\" أخرجه مسلم، وعن أبي المليح بن أسامة عن أبيه رفعه: \"اعتموا تزدادوا حلمًا\" أخرجه الطبراني والترمذي في \"العلل المفرد\"، وضعّفه البخاري، وقد صححه الحاكم فلم يصب، إلى آخر ما ذكر.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٦٠٩).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (١٠/ ٢٧٢).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٦١١).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٠/ ٢٧٣).\n(^٥) \"فتح الباري\" (١٠/ ٢٧٣).","vol":"6","page":172},{"text":"قلت: وقد ذكر السخاوي في \"المقاصد الحسنة\" (^١) عدة روايات في هذا المعنى، وذكر فيه حديث: \"العمائم تيجان العرب\" الديلمي من جهة أبي نعيم، ثم من جهة ابن عباس به مرفوعًا بزيادة: \"والاحتباء حيطانها\"، وقال أيضًا: ومنه للبيهقي في \"الشعب\" عن ابن عباس مرفوعًا: \"عليكم بالعمائم فإنها سيما الملائكة، فأرخوها خلف ظهوركم\"، ومما لا يثبت ما أورده الديلمي في \"مسنده\" عن ابن عمر رفعه: \"صلاة بعمامة تعدل بخمس وعشرين صلاة\" وعن جابر: \"ركعتان بعمامة أفضل من سبعين بغيرها\"، ثم قال بعد ذكر الروايات: وبعضه أوهى من بعض، انتهى.\n\n(١٦ -<span data-type='title' id=toc-3476> باب التقنّع)</span>\nهو تغطية الرأس وأكثر الوجه برداء أو غيره.\nثم قال الحافظ (^٢): قال الإسماعيلي ما ذكره من العصابة لا يدخل في التقنع، فالتقنع تغطية الرأس، والعصابة شدّ الخرقة على ما أحاط بالعمامة، قلت: الجامع بينهما وضع شيء زائد على الرأس فوق العمامة، والله أعلم، انتهى.\nوقال القاري في \"شرح الشمائل\" (^٣): التقنع معروف، وهو تغطية الرأس بطرف العمامة أو برداء، أعم من أن يكون فوق العمامة أو تحتها؛ لما ورد في البخاري، ثم ذكر حديث الباب وفيه: \"متقنعًا بثوبه\"، والظاهر أنه كان متغشيًا به فوق العمامة لا تحتها؛ لأنه كان مستخفيًا من أهل مكة متوجهًا إلى المدينة، انتهى.\n(فائدة): وقد ترجم الإمام أبو داود (^٤): \"باب في التقنع\"، وذكر فيه حديث الباب أعني حديث الهجرة كما فعل المصنف، وترجم أيضًا الإمام\n_________\n(^١) \"المقاصد الحسنة\" (ص ٢٩٧)، (ح ٧١٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٠/ ٢٧٤).\n(^٣) \"شرح الشمائل\" (١/ ١٧٧).\n(^٤) \"سنن أبي داود\" (رقم ٤٠٨٣)، و\"الشمائل للترمذي\" (رقم ١٢٧).","vol":"6","page":173},{"text":"الترمذي في \"الشمائل\": \"باب ما جاء في تقنع رسول الله - ﷺ -\"، وذكر تحته حديث أنس قال: \"كان رسول الله - ﷺ - يكثر القناع، كأن ثوبه ثوب زيّات\"، ولا يخفى أن المراد بالتقنع ههنا غير المراد في ترجمة البخاري، ولذا قال القاري (^١): والمراد به هنا استعمال القناع، وهو ثوب يلقي [به] الشخص على رأسه بعد تدهينه لئلا يصل أثر الدهن إلى القلنسوة والعمامة وأعالي الثوب، انتهى.\nوقال الحافظ (^٢) في شرح قوله: \"متقنعًا\": أي: مطيلسًا رأسه، هذا أصل لبس الطيلسان.\nوبسط الكلام عليه المناوي (^٣) وقال: صح عن ابن مسعود وله حكم المرفوع: \"التقنع من أخلاق الأنبياء\"، وغير ذلك من الروايات.\n\n(١٧ -<span data-type='title' id=toc-3477> باب المغفر)</span>\nبكسر الميم وسكون المعجمة وفتح الفاء، ذكر ابن بطال (^٤): أن بعض المتعسفين أنكر على مالك قوله في هذا الحديث: \"وعلى رأسه المغفر\" وأنه تفرد به. قال: والمحفوظ أنه دخل مكة وعليه عمامة سوداء، ثم أجاب عن دعوى التفرد - كما ذكر في \"الفتح\" فارجع إليه - وعن الحديث الآخر بأنه دخل وعلى رأسه المغفر، وكانت العمامة السوداء فوق المغفر، انتهى مختصرًا من \"الفتح\" (^٥).\nوقال القسطلاني (^٦): وجمع بين الحديثين باحتمال أن أحدهما كان فوق الآخر، أو دخل أولًا وعليه المغفر ثم نزعه ولبس العمامة السوداء في بقية دخوله، انتهى.\n_________\n(^١) \"شرح الشمائل\" (١/ ١٧٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٠/ ٢٧٤).\n(^٣) \"شرح الشمائل\" (١/ ١٧٧).\n(^٤) \"شرح ابن بطال\" (٩/ ٩٧).\n(^٥) \"فتح الباري\" (١٠/ ٢٧٥).\n(^٦) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٦١٧).","vol":"6","page":174},{"text":"(١٨ -<span data-type='title' id=toc-3478> باب البرود)</span>\nجمع بردة بضم الموحدة، قال الجوهري: كساء أسود مربع فيه صور تلبسه الأعراب.\nقوله: (والحبرة) وفي نسخة \"الفتح\": \"والحبر\"، قال الحافظ: بكسر المهملة وفتح الموحدة جمع حبرة على وزن عنبة، وهي البرد اليماني، وقال الداودي: هي الخضراء؛ لأنها لباس أهل الجنّة، ولذلك يستحب في الكفن، وقال ابن بطال (^١): هي من برود اليمن تصنع من قطن، وكانت أشرف الثياب عندهم، سميت حبرة؛ لأنها تحبر، أي: تزين، والتحبير التزيين، انتهى من \"الفتح\" (^٢) بزيادة من كلام العيني.\nقال القسطلاني (^٣): و\"الشملة\" بفتح الشين المعجمة وسكون الميم: كساء دون القطيفة يشتمل به، انتهى.\n\n(١٩ -<span data-type='title' id=toc-3479> باب الأكسية والخمائص)</span>\nجمع خميصة بالخاء المعجمة والصاد المهملة، وهي كساء من صوف أسود أو خزّ مربعة لها أعلام، ولا يسمى الكساء خميصة إلا إن كان لها علم، انتهى من \"الفتح\" (^٤).\n\n(٢٠ -<span data-type='title' id=toc-3480> باب اشتمال الصماء)</span>\nفي \"القسطلاني\" (^٥) عن \"القاموس\": هو أن يردّ الكساء من قبل يمينه على يده اليسرى وعاتقه الأيسر، ثم يردّه ثانية من خلفه على يده اليمنى فعاتقه الأيمن فيغطيهما جميعًا، أو الاشتمال بثوب واحد ليس عليه غيره،\n_________\n(^١) \"شرح ابن بطال\" (٩/ ٩٩).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٠/ ٢٧٧)، \"عمدة القاري\" (١٥/ ٢٧).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٦١٧).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٠/ ٢٧٧).\n(^٥) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٦٢٣).","vol":"6","page":175},{"text":"ثم يرفعه من أحد جانبيه فيضعه على منكبه، فيبدو منه فرجه، انتهى.\nوفي هامش \"الهندية\" (^١) عن \"مجمع البحار\" (^٢): هو أن يتجلّل الرجل بثوبه ولا يرفع منه ويسدّ على يديه ورجليه المنافذ كلها كالصخرة الصماء [التي] ليس فيها خرق ولا صدع، ويقول الفقهاء: هو أن يتغطى بثوب واحد ليس عليه غيره فيرفعه من أحد جانبيه فيضعه على منكبه فتنكشف عورته، ويكره على الأول لئلا يعرض له حاجة من دفع بعض الهوامّ أو غيره فيتعذر عليه أو يعسر، ويحرم على الثاني إن انكشف بعض عورته وإلا يكره، انتهى.\n\n(٢١ -<span data-type='title' id=toc-3481> باب الاحتباء في ثوب واحد)</span>\nقال العيني (^٣): قال الجوهري: احتبى الرجل: إذا جمع ظهره وساقيه بعمامته، وقيل: هو أن يقعد الإنسان على إليتيه وينصب ساقيه ويحتوي عليهما بثوب ونحوه، انتهى.\nقلت: وقوله في الترجمة: \"في ثوب واحد\" كأنه أشار به إلى محمل النهي. قال القسطلاني (^٤): لأنه إذا لم يكن عليه إلا ثوب واحد ربما يتحرك فتبدو عورته، انتهى.\nقلت: وسيأتي بسط الكلام عليه في \"كتاب الاستئذان\"، فإن المصنف - ﵀ - بوّب هناك بـ \"باب الاحتباء باليد\".\n\n(٢٢ -<span data-type='title' id=toc-3482> باب الخميصة السوداء)</span>\nتقدم تفسيره قريبًا قبل بابين، قال القسطلاني (^٥): ثوب من حرير أو صوف معلم أو كساء رقيق من أيّ لون كان، وقيل: لا تسمى خميصة إلا إذا كانت سوداء معلمة، انتهى.\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري بحاشية السهارنفوري\" (١١/ ٦٢٥).\n(^٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٣٥٩).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٥/ ٣٢).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٦٢٥).\n(^٥) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٦٢٦).","vol":"6","page":176},{"text":"(٢٣ -<span data-type='title' id=toc-3483> باب الثياب الخضر)</span>\nكذا للكشميهني، وللمستملي والسرخسي: \"ثياب الخضر\" كقولهم: مسجد الجامع، قال ابن بطال (^١): الثياب الخضر من ثياب الجنة وكفى بذلك شرفًا لها.\nقلت: وأخرج أبو داود من حديث أبي رمثة: \"أنه رأى على النبي - ﷺ - بردين أخضرين\"، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\n\n(٢٤ -<span data-type='title' id=toc-3484> باب الثياب البيض)</span>\nكأنه لم يثبت عنده على شرطه فيها شيء صريح، فاكتفى بما وقع في الحديثين اللذين ذكرهما، وقد أخرج أحمد وأصحاب السنن وصححه الحاكم من حديث سمرة رفعه: \"عليكم بالثياب البيض فالبسوها فإنها أطيب وأطهر، وكفنوا فيها موتاكم\" وأخرج أحمد وأصحاب السنن إلا النسائي وصححه الترمذي وابن حبان من حديث ابن عباس بمعناه وفيه: \"فإنها من خير ثيابكم\"، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\n\n(٢٥ -<span data-type='title' id=toc-3485> باب لبس الحرير وافتراشه للرجال وقدر ما يجوز منه)</span>\nهكذا في النسخة \"الهندية\"، وكذا في نسخة \"العيني\" و\"القسطلاني\"، وليس في نسخة الحافظ ذكر افتراش، قال: ووقع في \"شرح ابن بطال\" و\"مستخرج أبي نعيم\" زيادة افتراشه في الترجمة، والأولى ما عند الجمهور، وقد ترجم للافتراش مستقلًا كما سيأتي بعد أبواب، والتقييد بالرجال يخرج النساء، وسيأتي في ترجمة مستقلة.\nقال ابن بطال (^٤): اختلف في الحرير فقال قوم: يحرم لبسه في كل\n_________\n(^١) \"شرح ابن بطال\" (٩/ ١٠٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٠/ ٢٨٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٠/ ٢٨٣).\n(^٤) \"شرح ابن بطال\" (٩/ ١٠٥، ١٠٦).","vol":"6","page":177},{"text":"الأحوال حتى على النساء، نقل ذلك عن علي وابن عمر وحذيفة وأبي موسى وابن الزبير، ومن التابعين عن الحسن وابن سيرين، وقال قوم: يجوز لبسه مطلقًا وحملوا أحاديث المنع على من لبسه خيلاء أو على التنزيه.\nقلت: وهذا الثاني ساقط لثبوت الوعيد على لبسه، قال القاضي عياض: إن الإجماع انعقد بعد ابن الزبير ومن وافقه على تحريم الحرير على الرجال وإباحته للنساء، واختلف في علة تحريم الحرير على رأيين مشهورين: أحدهما: الفخر والخيلاء، والثاني: لكونه ثوب رفاهية وزينة فيليق بزيّ النساء دون شهامة الرجال، ويحتمل علة ثالثة وهي التشبه بالمشركين (^١)، انتهى.\nقلت: وهذا الإجماع في الحرير الخالص، وأما المخلوط ففي \"الهداية\" (^٢): ولا بأس بلبس ما سداه حرير ولحمته غير حرير كالقطن والخز في الحرب وغيره؛ لأن الصحابة - ﵃ - كانوا يلبسون الخز مسدًّى بالحرير، ولأن الثوب إنما يصير ثوبًا بالنسج، والنسج باللحمة فكانت هي المعتبرة دون السدي، انتهى.\nوفي \"جامع الرموز\" (^٣): قوله: ولحمته غيره. . . إلخ، سواء كان مغلوبًا أو مساويًا للحرير كالقطن والكتان والصوف، فإن الاعتبار لآخر الوصفين، وقيل: لا يلبس إلا إذا غلب اللحمة على الحرير، والصحيح الأولى كما في \"المحيط\"، انتهى.\nوهذا التفصيل، أي: التفريق بين السدي واللحمة عندنا الحنفية، وأما الجمهور فالعبرة عندهم للغلبة، قال الموفق (^٤): فأما المنسوج من الحرير وغيره كثوب منسوج من قطن وإبريسم أو قطن وكتّان فالحكم للأغلب منها؛ لأن الأولى مستهلك فيه، قال ابن عبد البر: مذهب ابن عباس وجماعة\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٢٨٥).\n(^٢) \"الهداية\" (٢/ ٣٦٦).\n(^٣) \"جامع الرموز\" (٢/ ٣٠٣).\n(^٤) \"المغني\" (٢/ ٣٠٧).","vol":"6","page":178},{"text":"من أهل العلم أن المحرم الحرير الصافي الذي لا يخالطه غيره، فإن كان الأقل الحرير فهو مباح، وإن كان القطن فهو محرم، فإن استويا ففي تحريمه وإباحته وجهان، وهذا مذهب الشافعي، انتهى.\nوذكر العلامة العيني في هذه المسألة عشرة أقوال للعلماء.\nوأما الجزء الثالث من الترجمة ففيه خلاف أيضًا قال العيني (^١): قال شيخنا: في حديث عمر - ﵁ - حجة لما قاله أصحابنا من أنه لا يرخص في التطريز والعلم في الثوب إذا زاد على أربعة أصابع، وأنه تجوز الأربعة فما دونها، وممن ذكره من أصحابنا البغوي في \"التهذيب\" وتبعه الرافعي والنووي، انتهى.\nوذكر الزاهدي من أصحابنا الحنفية أن العمامة إذا كانت طُرّتُها قدر أربع أصابع من إبريسم بأصابع عمر، وذلك قيس شبرنا يرخص فيه، والأصابع لا مضمومة كل الضم ولا منشورة كل النشر، والعلم في مواضع قال بعضهم: يجمع، وقيل: لا يجمع، إلى آخر ما ذكر في تفصيل المسألة.\n\n(٢٦ -<span data-type='title' id=toc-3486> باب مس الحرير من غير لبس)</span>\nوفي نسخة \"الفتح\": \"من مس الحرير\"، ويستفاد غرض الترجمة مما حكاه الحافظ (^٢) عن ابن بطال (^٣) من أن النهي عن لبس الحرير ليس من أجل نجاسة عينه، بل من أجل أنه ليس من لباس المتقين، وعينه مع ذلك طاهرة فيجوز مسّه وبيعه والانتفاع بثمنه، انتهى.\nقلت: ومما ينبغي الوقوف عليه لكونه مناسبًا لهذا المقام، ولم يتعرض له أحد من الشرَّاح أنه لا يتوهم من ظاهر لفظ الترجمة أن البخاري أراد به أنه ﵊ لم يلبس الحرير، ويتأكد هذا التوهم من كلام\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٥/ ٤٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٠/ ٢٩١).\n(^٣) \"شرح ابن بطال\" (٩/ ١١١، ١١٢).","vol":"6","page":179},{"text":"العيني (^١) حيث قال: أي: هذا باب في بيان من مسّ الحرير وتعجب منه ولم يلبس، انتهى.\nلكن هذا ليس بصحيح فإنه قد أخرج الترمذي (^٢) في \"باب\" بلا ترجمة من أبواب اللباس بسنده عن واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ قال: \"قدم أنس بن مالك فأتيته، فقال: من أنت؟ فقلت: أنا واقد بن عمرو، قال: فبكى، وقال: إنك لشبيه بسعد، وإن سعدًا كان من أعظم الناس وأطولهم، وأنه بُعث إلى النبي - ﷺ - جبة من ديباج منسوج (^٣) فيها الذهب فلبسها رسول الله - ﷺ - فصعد المنبر فجعل الناس يلمسونها فقال: أتعجبون من هذا؟ لمناديل سعد في الجنة خير مما ترون\"، انتهى.\nوكذا أخرجه أحمد (^٤) ولفظه: \"إن أكيدر دومة أهدى إلى النبي - ﷺ - جبة سندس أو ديباج قبل أن ينهى عن الحرير فلبسها\" الحديث.\nقوله: (ويروى فيه عن الزبيدي عن الزهري. . .) إلخ، قال الحافظ (^٥): أراد البخاري بهذا التعليق ما رويناه في \"المعجم الكبير\" (^٦) للطبراني من طريق عبد الله بن سالم الحمصي عن الزبيدي عن الزهري عن أنس قال: \"أهدي للنبي - ﷺ - حلة من استبرق، فجعل ناس يلمسونها بأيديهم ويتعجبون منها، فقال النبي - ﷺ -: تعجبكم هذه؟ فوالله لمناديل سعد في الجنة أحسن منها\" قال الدارقطني في \"الأفراد\": لم يروه عن الزبيدي إلا عبد الله بن سالم، انتهى.\n\n(٢٧ -<span data-type='title' id=toc-3487> باب افتراش الحرير)</span>\nأي: حكمه في الحلّ والحرمة، قاله الحافظ (^٧).\nوقال في شرح الحديث: قوله: \"وأن نجلس عليه\" قد أخرج البخاري\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٥/ ٤٥).\n(^٢) \"سنن الترمذي\" (رقم ١٧٢٣).\n(^٣) في الأصل: \"ممسوج فيه\" وهو تحريف.\n(^٤) \"مسند أحمد\" (٣/ ٢٠٧).\n(^٥) \"فتح الباري\" (١٠/ ٢٩١).\n(^٦) \"المعجم الكبير\" (رقم ٥٣٤٧).\n(^٧) \"فتح الباري\" (١٠/ ٢٩٢).","vol":"6","page":180},{"text":"ومسلم حديث حذيفة من عدة أوجه ليس فيها هذه الزيادة، وهي قوله: \"وأن نجلس عليه\"، وهي حجة قوية لمن قال: يمنع الجلوس على الحرير، وهو قول الجمهور خلافًا لابن الماجشون والكوفيين وبعض الشافعية، وأجاب بعض الحنفية بأن لفظ \"نهى\" ليس صريحًا في التحريم، وبعضهم باحتمال أن يكون النهي ورد عن مجموع اللبس والجلوس لا عن الجلوس بمفرده، وأدار بعض الحنفية الجواز والمنع على اللبس لصحة الأخبار فيه، قالوا: والجلوس ليس بلبس، واحتج الجمهور بحديث أنس: \"فقمت إلى حصير لنا قد اسودَّ من طول ما لبس\"، ولأن لبس كل شيء بحسبه، انتهى من \"الفتح\" مختصرًا.\nوفي \"الدر المختار\" (^١): ويحلّ توسده وافتراشه والنوم عليه، وقالا والشافعي ومالك: حرام وهو الصحيح، انتهى.\nوذكر ابن عابدين: قيل: أبو يوسف مع أبي حنيفة، وقيل: مع محمد، انتهى.\nوذكر ابن عابدين وكذا العلَّامة العيني (^٢) مستدلات الحنفية في ذلك، وبحديث الباب استدل ابن قدامة على تحريم الافتراش كما في \"المغني\" (^٣)، وبه استدل الجمهور كما تقدم في كلام الحافظ.\n\n(٢٨ -<span data-type='title' id=toc-3488> باب لبس القسي)</span>\nبفتح القاف وتشديد المهملة بعدها ياء نسبة، وذكر أبو عبيد في \"غريب الحديث\": أن أهل الحديث يقولونه بكسر القاف، وأهل مصر يفتحونها، وهي نسبة إلى بلد يقال لها: القس رأيتها، ولم يعرفها الأصمعي، وكذا قال الأكثر: هي نسبة للقس قرية بمصر، منهم الطبري وابن سيده، ثم ذكر الحافظ الاختلاف في محل وقوع هذه القرية، ثم قال:\n_________\n(^١) \"ردّ المحتار\" (٩/ ٥١٢).\n(^٢) انظر: \"عمدة القاري\" (١٥/ ٤٦).\n(^٣) انظر: \"المغني\" (٢/ ٣٠٥).","vol":"6","page":181},{"text":"وحكاه أبو عبيد الهروي عن شمر اللغوي أنها بالزاي لا بالسين، نسبة إلى القز وهو الحرير، فأبدلت الزاي سينًا (^١)، انتهى.\nوقال العلَّامة العيني (^٢): أي: هذا باب في بيان لبس الثوب القسي.\nقلت: القس كانت بلدة على ساحل البحر الملح بالقرب من دمياط، كان ينسج فيها الثياب من الحرير، واليوم خرابة، انتهى.\nوفي الحاشية \"الهندية\" (^٣) عن \"المجمع\" (^٤): هي ثياب من كتّان مخلوط بحرير، وفسّر بثياب مضلعة فيها حرير أمثال الأترنج، انتهى.\nقلت: وهذا الثاني الأخير مصرَّح في حديث الباب.\n\n(٢٩ -<span data-type='title' id=toc-3489> باب ما يرخص للرجال من الحرير للحكّة)</span>\nبكسر المهملة وتشديد الكاف: نوع من الجرب، أعاذنا الله تعالى منه.\nوذكر الحكة مثالًا لا قيدًا، وقد ترجم له في الجهاد: \"الحرير للجرب\"، وتقدم أن الراجح أنه بالمهملة وسكون الراء، وقال في شرح الحديث: قال الطبري: فيه دلالة على أن النهي عن لبس الحرير لا يدخل فيه من كانت به علة يخففها لبس الحرير، انتهى.\nويلتحق بذلك ما يقي من الحر أو البرد حيث لا يوجد غيره، وقد تقدم في الجهاد أن بعض الشافعية خصّ الجواز بالسفر دون الحضر، واختاره ابن الصلاح، وخصّه النووي في \"الروضة\" مع ذلك بالحكة، ونقله الرافعي في القمل أيضًا، انتهى (^٥).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٢٩٢). وانظر: \"غريب الحديث\" (١/ ٢٢٦).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٥/ ٤٧).\n(^٣) \"صحيح البخاري بحاشية السهارنفوري\" (١١/ ٦٤٩).\n(^٤) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٢٧٢).\n(^٥) \"فتح الباري\" (١٠/ ٢٩٥).","vol":"6","page":182},{"text":"وقال النووي في \"شرح مسلم\" (^١) تحت حديث الباب: وهذا الحديث صريح في الدلالة لمذهب الشافعي وموافقيه أنه يجوز لبس الحرير للرجل إذا كانت به حكّة لما فيه من البرودة، وكذلك للقمل وما في معنى ذلك، وقال مالك: لا يجوز، وهذا الحديث حجة عليه، وفي هذا الحديث دليل لجواز لبس الحرير عند الضرورة، كمن فاجأته الحرب، ولمن خاف من حر أو برد أو نحوها ولم يجد غيره، ثم الصحيح عند أصحابنا والذي قطع به جماهيرهم أنه يجوز لبس الحرير للحكة ونحوها في السفر والحضر جميعًا، وقال بعض أصحابنا: يختص بالسفر وهو ضعيف، انتهى.\nوقال ابن قدامة في \"المغني\" (^٢): فإن لبس الحرير للقمل أو الحكة أو مرض ينفعه لُبسُ الحرير جاز في إحدى الروايتين، ثم ذكر حديث الباب، وقال: وما ثبت في حق صحابي ثبت في حق غيره ما لم يقم دليل التخصيص، والرواية الأخرى: لا يباح لُبسه للمرض لاحتمال أن تكون الرخصة خاصة لهما وهو قول مالك، والأول أصح إن شاء الله، والتخصيص على خلاف الأصل، انتهى.\nولم أجد الكلام على هذه المسألة مشبعًا في فروع الحنفية، وفي \"البحر\" (^٣) وفي \"التتارخانية\": وإنما يكره اللبس إذا لم تقع الحاجة في لُبس، فلو كان به جرب أو حكة كثيرًا ولا يجد غيره لا يكره لبسه، انتهى.\nوهكذا حكى ابن عابدين (^٤) عن \"التتارخانية\" بزيادة حديث الباب في الاستدلال، ثم قال: أقول: لكن صرّح الزيلعي قبيل الفصل الآتي أنه - ﵇ - رخص ذلك خصوصية لهما، تأمل، انتهى.\nقلت: وكذا حمل حديث الباب على الخصوصية أبو بكر الجصاص في \"أحكام القرآن\" (^٥) تحت قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣]،\n_________\n(^١) \"شرح النووي\" (٧/ ٣٠٢).\n(^٢) \"المغني\" (٢/ ٣٠٦).\n(^٣) \"البحر الرائق\" (٨/ ٢١٦).\n(^٤) \"ردّ المحتار\" (٩/ ٥١١).\n(^٥) \"أحكام القرآن\" (٢/ ٢٠٤).","vol":"6","page":183},{"text":"فإنه ذكر في تفسير هذه الآية ما ورد من خصوصية علي - ﵁ - في جواز المرور له في المسجد جنبًا وغير ذلك من الخصوصيات الواردة في حق بعض الصحابة، وعدّ من جملتها خصوصية الزبير بإباحة لبس الحرير، وذكر شيخنا في \"البذل\" (^١) تحت حديث الباب عن تقرير شيخ شيوخنا الكَنكَوهي: قوله: \"من حكة\" وقد تعين العلاج به ههنا لضرورة كونهم على السفر، ولا شيء ثمة يداوي به، فما أبيح للضرورة لا يتعداها ويتقدر بقدرها، انتهى.\nوهذا ما يتعلق بمسألة الباب، وأما ما يتعلق بصنيع المصنف من دقائق الترجمة فقوله: \"للحكة\" فلعله أشار به إلى ترجيحها في علة الجواز، فلا يختص الرخصة بالسفر.\nقال القسطلاني (^٢): قال السبكي: الروايات في الرخصة لعبد الرحمن والزبير يظهر أنها مرة واحدة اجتمع عليهما الحكة والقمل في السفر، وكأن الحكة نشأت عن أثر القمل، وحينئذ فقد يقال: المقتضي للترخيص إنما هو اجتماع الثلاثة، وليس أحدها بمنزلتها، فينبغي اقتصار الرخصة على مجموعها، إلى آخر ما ذكر.\nوعندي أيضًا لفظ الترجمة يشير إلى أن الحكم الوارد في حديث الباب ليس بخصيصة للزبير كما قاله الحنفية، بل هو رخصة عامة لجميع الرجال لأجل الحكة.\n\n(٣٠ -<span data-type='title' id=toc-3490> باب الحرير للنساء)</span>\nلعله أفرده بالذكر لوجود الخلاف فيه في السلف، كما تقدمت الإشارة إليه في \"باب لبس الحرير\".\nوقال الحافظ (^٣): كأنه لم يثبت عنده الحديثان المشهوران في\n_________\n(^١) \"بذل المجهود\" (١٢/ ٨٤، ٨٥).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٦٤٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٠/ ٢٩٦).","vol":"6","page":184},{"text":"تخصيص النهي بالرجال صريحًا، فاكتفى بما يدل على ذلك، وقد أخرج أحمد وأصحاب \"السنن\" وصححه ابن حبان والحاكم من حديث علي: \"أن النبي - ﷺ - أخذ حريرًا وذهبًا فقال: هذان حرامان على ذكور أمتي، حلّ لإناثهم\" وأخرج أبو داود والنسائي وصححه الترمذي والحاكم من حديث أبي موسى وأعلّه ابن حبان وغيره بالانقطاع، إلى آخر ما ذكر.\nقلت: ولفظه عند الترمذي (^١) عن أبي موسى الأشعري: أن رسول الله - ﷺ - قال: \"حرم لباس الحرير والذهب على ذكور أمتي، وأحل لإناثهم\" ثم قال الترمذي: وفي الباب عن عمر وعلي وعقبة بن عامر وأم هانيء وأنس وحذيفة وعبد الله بن عمرو وعمران بن حصين وعبد الله بن الزبير وجابر وأبي ريحانة وابن عمر والبراء، هذا حديث حسن صحيح، وقد تقدم الاختلاف في مسألة الباب في \"باب لبس الحرير وافتراشه\".\nوقال الحافظ (^٢): قال ابن أبي جمرة (^٣): إن قلنا: إن تخصيص النهي للرجال لحكمة فالذي يظهر أنه - ﷾ - علم قلة صبرهن عن التزين فلطف بهن في إباحته، ولأن تزيينهن غالبًا إنما هو للأزواج وقد ورد: \"أن حسن التبعل من الإيمان\" قال: ويستنبط من هذا أن الفحل لا يصلح له أن يبالغ في استعمال الملذوذات لكون ذلك من صفات الإناث، انتهى.\n\n(٣١ -<span data-type='title' id=toc-3491> باب ما كان النبي - ﷺ - يتجوّز من اللباس والبسط)</span>\nمعنى قوله: \"يتجوز\": يتوسع، فلا يضيق بالاقتصار على صنف بعينه، أو لا يضيق بطلب النفيس والغالي بل يستعمل ما تيسر، ووقع في رواية الكشميهني: \"يتجزى\" بجيم وزاي أيضًا لكنها ثقيلة مفتوحة بعدها ألف وهي أوضح، والبسط بفتح الموحدة: ما يبسط ويجلس عليه، انتهى من \"الفتح\" (^٤).\n_________\n(^١) \"سنن الترمذي\" (رقم ١٧٢٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٠/ ٢٩٦).\n(^٣) \"بهجة النفوس\" (٤/ ١٣٧).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٠/ ٣٠٢).","vol":"6","page":185},{"text":"وتعقب العلَّامة العيني (^١) على كلام الحافظ في ضبط هذين اللفظين فقال في الأول يعني قوله: \"يتجزى\": وما أظنه صحيحًا إلا بالحاء المهملة والراء، ثم حكى في ضبط لفظ البسط ما تقدم في كلام الحافظ.\nثم قال: وقال الكرماني: البسط جمع البساط فحينئذ لا تكون الباء إلا مضمومة، وما أظن الصحيح إلا هذا، انتهى.\nقلت: والذي ذكره الإمام البخاري في هذه الترجمة هو الأصل في دأبه - ﷺ - في اللباس أي: التوسع، فلا يضيق بالاقتصار على صنف بعينه بل يستعمل ما تيسر بلا كلفة، ولذا افتتح القسطلاني في \"المواهب اللدنية\" بيان لبسه - ﷺ - من ترجمة البخاري هذه (^٢).\n\n(٣٢ -<span data-type='title' id=toc-3492> باب ما يدعى لمن لبس ثوبًا جديدًا)</span>\nقال الحافظ (^٣): كأنه لم يثبت عنده حديث ابن عمر قال: \"رأى النبي - ﷺ - على عمر ثوبًا فقال: البس جديدًا، وعش حميدًا، ومت شهيدًا\" أخرجه النسائي وابن ماجه وصححه ابن حبان وأعله النسائي، وجاء أيضًا فيما يدعو به من لبس الثوب الجديد أحاديث: منها ما أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي وصححه من حديث أبي سعيد: \"كان رسول الله - ﷺ - إذا استجدّ ثوبًا سماه باسمه عمامة أو قميصًا أو رداء، ثم يقول: اللَّهم لك الحمد، أنت كسوتنيه، أسألك خيره وخير ما صنع له، وأعوذ بك من شره وشر ما صنع له\"، وغير ذلك من الروايات التي ذكرها الحافظ.\nوقال العيني (^٤) بعد ذكر تلك الروايات: ولم يرو البخاري حديثًا منها؛ لأنها لم تثبت على شرطه، انتهى.\nقلت: ولعله لم يترجم لهذا الوجه بما يقول الرجل عند لبسه ثوبًا\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٥/ ٥٣).\n(^٢) انظر: \"المواهب اللدنية\" (٢/ ٤٢٦).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٠/ ٣٠٣).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٤/ ٥٦).","vol":"6","page":186},{"text":"جديدًا، وإلا فمقتضى القياس أن يترجم لهذا المعنى ليتم المقابلة بهذه الترجمة، وهكذا صنع الإمام أبو داود في \"سننه\"، وأما الإمام الترمذي فقد ترجم في \"جامعه\" لكلا المعنيين على حدة.\n\n(٣٣ -<span data-type='title' id=toc-3493> باب التزعفر للرجال)</span>\nكذا في النسخة \"الهندية\" و\"العيني\" و\"القسطلاني\"، وفي نسخة \"الفتح\": \"النهي عن التزعفر للرجال\".\nقال الحافظ (^١) أي: في الجسد لأنه ترجم بعده \"باب الثوب المزعفر\"، وقيّده بالرجل ليخرج المرأة، انتهى.\nوقال العيني (^٢) تحت حديث الباب: قال ابن بطال وابن التِّين: هذا النهي خاصّ بالجسد ومحمول على الكراهة؛ لأن تزعفر الجسد من الرفاهية التي نهى الشارع عنها بقوله: \"البذاذة من الإيمان\"، والدليل على كون النهي محمولًا على الكراهة دون التحريم حديثُ أنس: \"أن عبد الرحمن بن عوف قدم على رسول الله - ﷺ - وبه أثر صفرة، فقال: مهيم\" الحديث، فلم ينكر عليه النبي - ﷺ - ولا أمره بغسلها فدلّ على أن نهيه عنه لمن لم يكن عروسًا إنما هو محمول على الكراهة، انتهى.\nقال الحافظ (^٣): واختلف في النهي عن التزعفر هل هو لرائحته لكونه من طيب النساء ولهذا جاء الزجر عن الخلوق، أو للونه فيلتحق به كل صفرة؟ وقد نقل البيهقي عن الشافعي أنه قال: أنهى الرجل الحلال بكل حال أن يتزعفر وأرخص في المعصفر، ثم ذكر عن البيهقي رواية في النهي عن المعصفر، ثم نقل عن البيهقي: ولو بلغ ذلك الشافعي لقال به اتباعًا للسُّنَّة كعادته.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٣٠٤).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٥/ ٥٧).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٠/ ٣٠٤).","vol":"6","page":187},{"text":"وقال النووي: ورخص مالك في المعصفر والمزعفر في البيوت وكرهه في المحافل.\nوقال الحافظ أيضًا: والكراهة لمن تزعفر في بدنه أشد من الكراهة لمن تزعفر في ثوبه، انتهى ملخصًا ومختصرًا.\nوتقدم في \"كتاب النكاح\" \"باب الصفرة للمتزوج\" وما قال الحافظ (^١) هناك من أن المصنف قيده بالمتزوج إشارةً إلى الجمع بين حديث الباب وحديث النهي عن التزعفر للرجال، وتقدم هناك عن القسطلاني (^٢) أن التزعفر منهي عنه عند الشافعية والحنفية، وقال المالكية: يجوز في الثوب دون البدن.\n\n(٣٤ -<span data-type='title' id=toc-3494> باب الثوب المزعفر)</span>\nقال الحافظ (^٣) في شرح الحديث: وقد أخذ من التقييد بالمحرم جواز لبس الثوب المزعفر للحلال، قال ابن بطال: أجاز مالك وجماعة لباس الثوب المزعفر للحلال، وقالوا: إنما وقع النهي عنه للمحرم خاصة، وحمله الشافعي والكوفيون على المحرم وغير المحرم، وحديث ابن عمر الآتي في \"باب النعال السبتية\" يدل على الجواز، فإن فيه أن النبي - ﷺ - كان يصبغ بالصفرة، قال المهلب: الصفرة أبهج الألوان إلى النفس، وقد أشار إلى ذلك ابن عباس في قوله تعالى: ﴿صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ [البقرة: ٦٩]، انتهى.\nوأخرج مالك في \"الموطأ\" عن نافع \"أن عبد الله بن عمر كان يلبس الثوب المصبوغ بالزعفران\".\nوفي \"الأوجز\" (^٤): قال الباجي (^٥): أما المصبوغ بالزعفران فذهب\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (٩/ ٢٢١).\n(^٢) انظر: \"إرشاد الساري\" (١١/ ٥٠٠).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٠/ ٢٠٥)، وانظر: \"شرح ابن بطال\" (٩/ ١١٩، ١٢٠).\n(^٤) \"أوجز المسالك\" (١٦/ ١٦٠).\n(^٥) \"المنتقى\" (٧/ ٢٢٠).","vol":"6","page":188},{"text":"ابن عمر إلى إباحة ذلك، وبه قال مالك وأكثر فقهاء المدينة، إلى آخر ما ذكر، وفي \"المحلى\": روى الشيخان عن أنس: \"أنه - ﷺ - هي أن يتزعفر الرجل\" وبه قال أبو حنيفة والشافعي والجمهور: أنه يكره تحريمًا لبس الثوب المزعفر، قال ابن الهمام: وإنما عملوا بالنهي مع معارضة أخبار الإباحة تقديمًا للمحرم على المبيح، انتهى من \"الأوجز\".\nوأما حكم الثوب المعصفر وإن لم يتعرض له البخاري فنحن نذكره تتميمًا للفائدة وتكميلًا لها، فقد أخرج مسلم في \"صحيحه\" عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: \"رأى رسول الله - ﷺ - عليّ ثوبين معصفرين فقال: إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسها\" وفي رواية فقال: \"أأمك أمرتك بهذا؟ قلت: أغسلهما؟ قال: بل أحرقهما\".\nقال النووي (^١): اختلف العلماء في الثياب المعصفرة وهي المصبوغة بعصفر، فأباحها جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة ومالك، لكنه قال: غيرها أفضل منها، وفي رواية عنه أنه أجاز لبسها في البيوت وأفنية الدور، وكرهه في المحافل والأسواق ونحوها، وقال جماعة من العلماء: هو مكروه كراهة تنزيه، وحملوا النهي على هذا؛ لأنه ثبت أن النبي - ﷺ - لبس حلة حمراء، وفي \"الصحيحين\" عن ابن عمر قال: \"رأيت النبي - ﷺ - يصبغ بالصفرة\" وقال الخطابي: النهي منصرف إلى ما صبغ بعد النسج، فأما ما صبغ غزله ثم نسج فليس بداخل في النهي، وحمل بعض العلماء النهي هنا على المحرم بالحج أو العمرة، ثم ذكر النووي عن الإمام البيهقي ما تقدم في الباب السابق، وحاصله ترجيح تحريم المعصفر للأحاديث الواردة فيه.\nقلت: وما حكى النووي من مذهب أبي حنيفة إباحة المعصفر ليس بصحيح، ففي \"الدر المختار\" (^٢): كره لبس المعصفر والمزعفر للرجال، انتهى.\n_________\n(^١) \"شرح النووي على صحيح مسلم\" (٧/ ٣٠٤).\n(^٢) \"ردّ المحتار\" (٩/ ٥١٥).","vol":"6","page":189},{"text":"قال صاحب \"المحلى\": حكاية الإباحة عن أبي حنيفة لا توجد في كتب المذهب، كذا في \"الأوجز\" (^١)، وذكر الزرقاني عن مالك فيه عدة روايات كما في \"الأوجز\"، منها ما تقدم في كلام النووي، وعنه الجواز مطلقًا، وعنه الكراهة مطلقًا وهي المشهورة، ففي \"المدونة\": كره مالك الثوب المعصفر المفدم للرجال في غير الإحرام، والمفدم بضم الميم وسكون الفاء وفتح الدال المهملة: القوي الصبغ الذي ردّ في العصفر مرة بعد أخرى، قال في \"التوضيح\": أما المعصفر غير المفدم والمزعفر فيجوز لبسها في غير الإحرام، نصّ على الأول في \"المدونة\" وعلى الثاني في غيرها، انتهى.\nوضبط الحافظ المفدم بتشديد الدال، كذا في \"الأوجز\"، وكذا يكره لبس المزعفر والمعصفر عند الحنابلة كما في \"المغني\" (^٢).\nفحاصل الخلاف في لبس المعصفر والمزعفر: أن المزعفر يكره لبسه للرجل عند الجمهور، منهم الأئمة الثلاثة خلافًا لمالك فإنه أباحه، وأما المعصفر فكالمزعفر يكره عندنا الحنفية والحنابلة، وأباحه الشافعي خلافًا للبيهقي فإنه رجّح الكراهة، واختلفت الروايات فيه عن مالك، والمشهور عندهم كراهة المعصفر المفدم وإباحة غيره.\n\n(٣٥ -<span data-type='title' id=toc-3495> باب الثوب الأحمر)</span>\nقال الحافظ (^٣): وتقدم في \"باب التزعفر\" ما يتعلق بالمعصفر فإنه غالب ما يصبغ بالعصفر يكون أحمر، وقد تلخص لنا من أقوال السلف في لبس الثوب الأحمر سبعة أقوال:\nالأول: الجواز مطلقًا، ونسب الحافظ هذا المذهب إلى جماعة من الصحابة والتابعين منهم ابن المسيب والنخعي.\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (١٦/ ١٦٥، ١٦٦).\n(^٢) \"المغني\" (٢/ ٢٩٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٠/ ٣٠٥، ٣٠٦).","vol":"6","page":190},{"text":"القول الثاني: المنع مطلقًا لما أخرجه ابن ماجه من حديث ابن عمر مرفوعًا من النهي عن المفدم وهو بالفاء وتشديد الدال وهو المشبع بالعصفر، ثم ذكر الحافظ عدة روايات في المنع عن الحمرة.\nالقول الثالث: يكره لبس الثوب المشبع بالحمرة دون ما كان صبغه خفيفًا، جاء ذلك عن عطاء وطاوس ومجاهد.\nالرابع: يكره لبس الأحمر مطلقًا لقصد الزينة والشهرة، ويجوز في البيوت والمهنة، جاء ذلك عن ابن عباس، وقد تقدم قول مالك في \"باب التزعفر\".\nالقول الخامس: يجوز لبس ما كان صبغ غزله ثم نسج، ويمنع ما صبغ بعد النسج، جنح إلى ذلك الخطابي، واحتج بأن الحلة الواردة في الأخبار الواردة في لبسه - ﷺ - الحلة الحمراء إحدى حلل اليمن، وكذلك البرد الأحمر وبرود اليمن يصبغ غزلها ثم ينسج.\nالقول السادس: اختصاص النهي بما يصبغ بالعصفر لورود النهي عنه، ولا يمنع ما صبغ بغيره من الأصباغ.\nالقول السابع: تخصيص المنع بالثوب الذي يصبغ كله، وأما ما فيه لون آخر غير الأحمر من بياض وسواد وغيرهما فلا، وعلى ذلك تحمل الأحاديث الواردة في الحلة الحمراء، فإن الحلل اليمانية غالبًا تكون ذات خطوط حمر وغيرها، إلى آخر ما ذكر الحافظ ما هو الراجح عنده من التحقيق في هذا المقام.\nوكتب الشيخ الكَنكَوهي في \"الكوكب الدري\": والمذهب في لبس الحمرة والصفرة أن المزعفر والمعصفر ممنوع عنه الرجال مطلقًا، والحمرة والصفرة غير ذلك، فالفتوى على جوازهما مطلقًا، لكن التقوى غير ذلك، والله أعلم بالصواب، انتهى.","vol":"6","page":191},{"text":"وفي هامشه عن \"الدر المختار\" (^١): كره لبس المعصفر والمزعفر الأحمر والأصفر للرجال ولا بأس بسائر الألوان، وفي \"شرح النقاية\" وغيره: لا بأس بالثوب الأحمر، ومفاده أن الكراهة تنزيهية، وصرَّح في \"التحفة\" بالحرمة، فأفاد أنها تحريمية وهي المحمل عند الإطلاق، وللشرنبلالي فيه رسالة نقل فيها ثمانية أقوال، منها أنه مستحب، انتهى.\nوقال القاري في \"شرح الشمائل\" (^٢) في شرح قوله: \"وعليه حلة حمراء\": أي: ما فيه خطوط حمر، وإلا فالأحمر البحت منهي عنه ومكروه لبسه، إلى آخر ما ذكر.\nولم يرض به الشارح المناوي وردّ على من قال: إن المراد به ما فيه خطوط حمر، وقال: ولبس المصطفى الأحمر القاني مع نهيه عنه ليبين جوازه، وأن النهي للتنزيه، انتهى.\nقلت: ولعله اختار ذلك رعايةً لمذهبه فإن الشافعي أباح لبس الثوب الأحمر كما في \"القسطلاني\" إذ قال (^٣): واختلف في لبس الثياب المصبوغة أحمر بالعصفر أو غيره، فأباحها جماعة من الصحابة والتابعين، وبه قال الشافعي، إلى آخر ما ذكر، وهكذا نقل القاضي مذهب الشافعي كما في \"البذل\" (^٤).\nوقال الموفق (^٥): وأما الصلاة في الثوب الأحمر فقال أصحابنا: يكره للرجال لبسه والصلاة فيه، ثم ذكر الأحاديث المتعارضة الواردة في لبس الأحمر، ورجّح أحاديث الجواز ثم قال: ولأن الحمرة لون فهي كسائر الألوان، انتهى.\n_________\n(^١) \"ردّ المحتار\" (٩/ ٥١٥، ٥١٦).\n(^٢) \"جمع الوسائل شرح الشمائل\" للقاري (١/ ١١٥).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٦٥٠، ٦٥١).\n(^٤) \"بذل المجهود\" (١٢/ ١٠٠).\n(^٥) \"المغني\" (٢/ ٣٠١، ٣٠٢).","vol":"6","page":192},{"text":"(٣٦ -<span data-type='title' id=toc-3496> باب الميثرة الحمراء)</span>\nوفي \"مرقاة الصعود\" (^١): الميثرة بالكسر وهي مفعلة من الوثارة بالمثلثة يقال: وثره وثارة فهو وثير، أي: وطيء؛ لأن أصلها مؤثرة فقلبت الواو ياء لكسرة الميم، وهي من مراكب العجم، تعمل من حرير أو ديباج، ويتخذ كالفراش الصغير، ويحشى بقطن يجعلها الراكب تحته على الرحال فوق الجمال، ويدخل فيه مياثر السرج؛ لأن النهي يشمل كل ميثرة حمراء كانت على رحل أو سرج، انتهى.\nوقال الشيخ في \"البذل\" (^٢): هي وطاء محشوّ يترك على رحل البعير تحت الراكب، وأصله الواو وميمه زائدة، وقيل: أغشية للسرج، والحرمة متعلقة بالحرير، وقيل: من الجلود، والنهي للإسراف، أو لأنه يكون فيها حرير، كذا في \"المجمع\" (^٣)، انتهى.\nقلت: واختلف في تفسيرها على أقوال كثيرة بسطها الحافظ في \"الفتح\" (^٤).\nقال القسطلاني (^٥) تحت حديث الباب: وهذه المنهيات كلها للتحريم بخلاف الأوامر فإنها على ما سبق، والتقييد بالحمر لا اعتبار بمفهومه إذا كانت من الحرير، انتهى.\n\n(٣٧ -<span data-type='title' id=toc-3497> باب النعال السبتيّة وغيرها)</span>\nجمع نعل، وهي مؤنثة، وقال ابن العربي: النعل لباس الأنبياء، وإنما اتخذ الناس غيرها لما في أرضهم من الطين، وقد يطلق النعل على كل ما يقي القدم.\n_________\n(^١) انظر: \"درجات مرقاة الصعود\" (ص ١٦٤).\n(^٢) \"بذل المجهود\" (١٢/ ٨٠).\n(^٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٦٥٦، ٥/ ١٥).\n(^٤) انظر: \"فتح الباري\" (١٠/ ٣٠٧).\n(^٥) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٦٥٢).","vol":"6","page":193},{"text":"قوله: \"السبتية\" بكسر المهملة وسكون الموحدة بعدها مثناة: منسوبة إلى السبت بمعنى القطع، قال أبو عبيد: هي المدبوغة، وقال بعضهم: إنها التي حلق عنها الشعر، انتهى مختصرًا من \"الفتح\" (^١).\nوقال العيني (^٢): وكانت عادة العرب لباس النعال بشعرها وغير مدبوغة، قال أبو عبيد: وكانوا في الجاهلية لا يلبس النعال المدبوغة إلا أهل السعة، وقال أيضًا بعد ذكر الحديث الأول: مطابقته للترجمة تؤخذ منه، وقال بعد الحديث الثاني: مطابقته للترجمة ظاهرة، انتهى.\nقلت: وعندي أن المصنف إنما ترجم بالنعال السبتية لما يتوهم من بعض الروايات من كراهتها، ولما قال عبيد بن جريج كما في رواية الباب من قوله: \"لم أر أحدًا يصنعها\" فأشار المصنف بالترجمة إلى مشروعيتها.\nقال الحافظ (^٣): واستدل بحديث ابن عمر في لباس النبي - ﷺ - النعال السبتية ومحبته لذلك على جواز لبسها على كل حال، وقال أحمد: يكره لبسها في المقابر لحديث بشير بن الخصاصية قال: \"بينما أنا أمشي في المقابر وعليّ نعلان إذا رجل ينادي من خلفي: يا صاحب السبتيتين، إذا كنت في هذا الموضع فاخلع نعليك\" أخرجه أحمد وأبو داود وصححه الحاكم، واحتج به على ما ذكر.\nوتعقبه الطحاوي بأنه يجوز أن يكون الأمر بخلعها لأذى فيهما، وقد ثبت في الحديث أن الميت يسمع قرع نعالهم إذا ولّوا عنه مدبرين، وهو دالّ على جواز لبس النعال في المقابر.\nقال الحافظ: ويحتمل أن يكون النهي لإكرام الميت، وليس ذكر السبتيتين للتخصيص بل اتفق ذلك، والنهي إنما هو للمشي على القبور بالنعال، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٣٠٨).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٥/ ٥٩، ٦٠).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٠/ ٣٠٩).","vol":"6","page":194},{"text":"(٣٨ -<span data-type='title' id=toc-3498> باب يبدأ بانتعال اليمنى)</span>\nحديث الباب ظاهر فيما ترجم له.\n\n(٣٩ -<span data-type='title' id=toc-3499> باب ينزع النعل اليسرى)</span>\nهكذا في نسخة \"العيني\" و\"القسطلاني\"، وفي نسخة الحافظ بتقديم الباب الآتي على هذا الباب، والمراد بقوله: \"ينزع النعل اليسرى\" أي: ابتداء ولم يصرّح بذلك؛ لأنه يظهر بمقابلة الترجمة السابقة، وفي \"الفتح\" (^١): قال ابن العربي: البداءة باليمين مشروعة في جميع الأعمال الصالحة لفضل اليمين حسًّا في القوة وشرعًا في الندب إلى تقديمها.\nوقال النووي: يستحب البداءة باليمين في كل ما كان من باب التكريم أو الزينة، والبداءة باليسار في ضد ذلك كالدخول إلى الخلاء ونزع النعل والخفّ والخروج من المسجد والاستنجاء وغيره من جميع المستقذرات، وقد مرَّ كثير من هذا في \"كتاب الطهارة\" في شرح حديث عائشة: \"كان يعجبه التيمن\"، انتهى.\n\n(٤٠ -<span data-type='title' id=toc-3500> باب لا يمشي في نعل واحدة)</span>\nقال ابن العربي: قيل: العلة فيها أنها مشية الشيطان، وقيل: لأنها خارجة عن الاعتدال، وقال البيهقي: الكراهة فيه للشهرة فتمتد الأبصار لمن ترى ذلك منه، وقد ورد النهي عن الشهرة في اللباس، فكل شيء صيّرَ صاحبه شهرة فحقه أن يجتنب، وغير ذلك من الحكم التي حكاها الحافظ (^٢).\nثم بسط الحافظ ههنا الكلام على اختلاف الروايات، فذكر من رواية مسلم عن أبي هريرة: \"إذا انقطع شسع أحدكم فلا يمش في نعل واحدة\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٣١١، ٣١٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٠/ ٣١٠).","vol":"6","page":195},{"text":"حتى يصلحها\" ثم قال: وهو دالّ على ضعف ما أخرجه الترمذي عن عائشة قال: \"ربما انقطع شسع نعل رسول الله - ﷺ - فمشى في النعل الواحدة حتى يصلحها\"، وقد رجح البخاري وغير واحد وقفه على عائشة، إلى آخر ما بسط من الكلام عليه.\n\n(٤١ -<span data-type='title' id=toc-3501> باب قبالان في نعل)</span>\nأي: في كل فردة، \"ومن رأى قبالًا واحدًا واسعًا\" أي: جائزًا، القبال بكسر القاف وتخفيف الموحدة: هو الزمام وهو السير الذي يعقد فيه الشسع الذي يكون بين أصبعي الرجل، قاله الحافظ (^١).\nوقال في شرح الحديث: قوله \"قبالان\" زاد ابن سعد: \"من سبت ليس عليهما شعر\"، قال الكرماني: دلالة الحديث على الترجمة من جهة أن النعل صادقة على مجموع ما يلبس في الرجلين، وأما الركن الثاني من الترجمة فمن جهة أن مقابلة الشيء بالشيء يفيد التوزيع، فلكل واحد من نعل كل رجل قبال واحد.\nقلت: بل أشار البخاري إلى ما ورد عن بعض السلف، فقد أخرج البزار والطبراني في \"الصغير\" من حديث أبي هريرة مثل حديث أنس هذا، وزاد: \"وكذا لأبي بكر ولعمر، وأول من عقد عقدة واحدة عثمان بن عفان - ﵁ -\"، ورجال سنده ثقات، انتهى.\nوسكت العلامة القسطلاني عن وجه المطابقة.\nوقال العلَّامة العيني (^٢) تحت كل واحد من حديثي الباب: مطابقته للترجمة ظاهرة، فكأنه لم يراع الركن الثاني من الترجمة، وقال أيضًا في شرح الترجمة: وأشار بهذا إلى أن قبالين أو قبالًا واحدًا مباح، وليس في ذلك شيء لا يجزي غيره، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٣١٢، ٣١٣).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٥/ ٦٣).","vol":"6","page":196},{"text":"كذا قال، والظاهر عندي من سياق الترجمة أن الإمام البخاري رجح القبالين على قبال واحد كما لا يخفى.\n\n(٤٢ -<span data-type='title' id=toc-3502> باب القبة الحمراء من أدم)</span>\nبفتح الهمزة والمهملة: هو الجلد المدبوغ وكأنه صبغ بحمرة قبل أن يجعل قبة، ذكر فيه طرفًا من حديث أبي جحيفة، وقد تقدم في أوائل الصلاة بتمامه، والغرض منه هذا قوله: \"وهو في قبة حمراء من أدم\" فهو مطابق لما ترجم له، ولعله أراد الإشارة إلى تضعيف حديث رافع المقدم ذكره في \"باب الثوب الأحمر\"، انتهى (^١).\nقلت: ولعل الحافظ أشار بقوله: حديث رافع إلى ما ذكره في الباب المذكور بقوله: ومن طريق البيهقي في \"الشعب\" من رواية أبي بكر الهذلي - وهو ضعيف - عن الحسن عن رافع بن يزيد الثقفي رفعه: \"إن الشيطان يحبّ الحمرة، وإياكم والحمرة وكل ثوب ذي شهرة\"، وأخرجه ابن منده وأدخل في رواية له بين الحسن ورافع رجلًا فالحديث ضعيف، وبالغ الجوزقاني فقال: إنه باطل (^٢)، انتهى.\nوأما مطابقة الحديث الثاني بالترجمة فذكر الحافظ (^٣): قال الكرماني (^٤): هذا لا يدل على أن القبة حمراء لكن يكفي أنه يدل على بعض الترجمة، وكثيرًا ما يفعل البخاري ذلك.\nقال الحافظ: ويمكن أن يقال: لعله حمل المطلق على المقيد وذلك لقرب العهد، فإن القصة التي ذكرها أنس كانت في غزوة حنين، والتي ذكرها أبو جحيفة كانت في حجة الوداع، وبينهما نحو سنتين، فالظاهر أنها هي تلك القبة لأنه - ﷺ - ما كان يتأنق في مثل ذلك حتى يستبدل، انتهى.\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (١٠/ ٣١٣).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (١٠/ ٣٠٦).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٠/ ٣١٣).\n(^٤) \"شرح الكرماني\" (٢١/ ٩٥).","vol":"6","page":197},{"text":"(٤٣ -<span data-type='title' id=toc-3503> باب الجلوس على الحصير ونحوه)</span>\nأما الحصير فمعروف، يتخذ من السعف وما أشبهه، وأما قوله: \"ونحوه\" فيريد من الأشياء التي تبسط وليس لها قدر رفيع.\nوفيه إشارة إلى ضعف ما أخرجه ابن أبي شيبة من طريق شريح بن هانئ أنه سأل عائشة: \"أكان النبي - ﷺ - يصلي على الحصير والله يقول: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨]؟ فقالت: لم يكن يصلي على الحصير\"، ويمكن الجمع بحمل النفي على المداومة، وقد تقدم شرح حديث عائشة في \"كتاب الصلاة\"، وترجم المصنف هناك \"باب الصلاة على الحصير\"، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(٤٤ -<span data-type='title' id=toc-3504> باب المزرّر بالذهب)</span>\nقال العلامة العيني (^٢): أي: هذا باب في ذكر لبس الثياب المزررة بالذهب وهو المشدود بالأزرار، انتهى.\nوذكر الحافظ في \"المقدمة\" (^٣): \"المزرر بالذهب\" أي: أزرارها ذهب، انتهى.\nقلت: والأزرار جمع زرّ بالكسر وهو الذي يوضع في القميص كما في \"القاموس\" (^٤)، وذكر له عدة معان، وقال أيضًا: وبالفتح: شدّ الأزرار، انتهى.\nوفي \"البذل\" (^٥) في شرح قوله: \"فبايعناه وإن قميصه لمطلق الأزرار\": وهو جمع زرّ ما يعلّق بالعروة، والعروة حلق الجيب، انتهى.\nقال الحافظ (^٦): قوله: \"فخرج وعليه قباء من ديباج مزرر بالذهب\"\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٣١٤).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٥/ ٦٦).\n(^٣) \"هدي الساري\" (ص ١٢٤).\n(^٤) \"القاموس المحيط\" (ص ٣٧٣).\n(^٥) \"بذل المجهود\" (١٢/ ١٠٩).\n(^٦) \"فتح الباري\" (١٠/ ٣١٥).","vol":"6","page":198},{"text":"هذا يحتمل أن يكون قبل التحريم فلما وقع تحريم الحرير والذهب على الرجال لم يبق في هذا حجة لمن يبيح شيئًا من ذلك، ويحتمل أن يكون بعد التحريم، فيكون أعطاه لينتفع به بأن يكسوه النساء أو ليبيعه، ويكون معنى قوله: \"فخرج وعليه قباء\" أي: على يده، فيكون من إطلاق الكل على البعض، انتهى.\nقلت: وهذا كله باعتبار الديباج والحرير كما في حديث الباب، وأما الثوب المزرر بالذهب إذا كان الثوب من غير حرير فهو مباح عندنا كما في \"الدر المختار\" (^١) إذ قال: وفي \"شرح الوهبانية\" عن \"المنتقى\": لا بأس بعروة القميص وزرّه من الحرير لأنه تبع، وفي \"السير الكبير\": لا بأس بأزرار الذهب والديباج، إلى آخر ما ذكر. وفي \"فتاوى رشيدية\" (^٢): أن العبرة في إباحة أزرار الذهب والفضة للمساحة لا الوزن، بخلاف الخاتم فإن العبرة فيها للوزن، انتهى.\nوقال صاحب \"الفيض\" (^٣): صرَّح محمد في \"السير الكبير\" أن أزرار الذهب جائز، وقال مولانا الكَنكَوهي: إن ما كان منها مخيطًا بالثوب فهو جائز لكونها تابعًا للثوب، وما كان منفصلًا عنه فإنه لا يجوز، انتهى.\nوفي \"الفيض\" (^٤) أيضًا في موضع آخر: والزر ترجمته (تكمه كَهندي) لا (بىن)، انتهى.\nقلت: والأول هو الذي يكون مخيطًا بالثوب، وأما الثاني (بىن) فهو الذي يكون منفصلًا عن الثوب غير مخيط به.\n\n(٤٥ -<span data-type='title' id=toc-3505> باب خواتيم الذهب)</span>\nجمع خاتم، ويجمع أيضًا على خواتم بلا ياء، وعلى خياتيم بياء بدل الواء، وبلا ياء أيضًا، وفي الخاتم ثمان لغات: فتح التاء وكسرها وهما\n_________\n(^١) \"ردّ المحتار\" (٩/ ٥١١).\n(^٢) \"فتاوى رشيدية\" (ص ٥٨٧).\n(^٣) \"فيض الباري\" (٦/ ٩٢).\n(^٤) \"فيض الباري\" (٦/ ١٥٩).","vol":"6","page":199},{"text":"واضحتان، ثم ذكر الحافظ (^١) بقية اللغات نظمًا ونثرًا، ثم قال في الكلام على الروايات الواردة في الباب: وقد أخرج ابن أبي شيبة من حديث عائشة: \"أن النجاشي أهدى للنبي - ﷺ - حلية فيها خاتم من ذهب، فأخذه وإنه لمعرض عنه، ثم دعا أمامة بنت ابنته فقال: تحلي به\"، قال ابن دقيق العيد: فظاهر النهي التحريم، وهو قول الأئمة واستقر الأمر عليه، قال عياض: وما نقل عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم [من] تختمه بالذهب فشذوذ، والأشبه أنه لم تبلغه السُّنَّة فيه، وكذا ما روي فيه عن خباب، وقد قال له ابن مسعود: \"أما آن لهذا الخاتم أن يلقى؟ فقال: إنك لن تراه عليّ بعد اليوم\"، قال: وقد ذهب بعضهم إلى أن لبسه للرجال مكروه كراهة تنزيه لا تحريم كما قال مثل ذلك في الحرير، قال ابن دقيق العيد: وهو يناقض القول بالإجماع على التحريم.\nقال الحافظ: التوفيق بين الكلامين ممكن بأن يكون القائل بكراهة التنزيه انقرض واستقر الإجماع بعده على التحريم، وقد جاء عن جماعة من الصحابة لبس خاتم الذهب، ثم بسط الكلام عليه، وقال أيضًا: النهي عن خاتم الذهب مختص بالرجال دون النساء، فقد نقل الإجماع على إباحته للنساء، انتهى.\nوقال المناوي في \"شرح الشمائل\" (^٢) نقلًا عن النووي: أجمعوا على تحريمه للرجال إلا ما حكي عن ابن حزم أنه أباحه، وعن بعضهم أنه مكروه لا حرام، قال: وهذان باطلان وقائلهما محجوج بالأحاديث التي ذكرها مسلم مع إجماع من قبله على تحريمه، انتهى.\nلكن قال الزين العراقي: لا يصح نقل الإجماع فقد لبسه جمع من الصحابة والتابعين، إلى آخر ما ذكر، وتقدم توجيه نقل الإجماع في كلام الحافظ.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٣١٦، ٣١٧).\n(^٢) \"جمع الوسائل شرح الشمائل\" (١/ ١٥٥).","vol":"6","page":200},{"text":"لكن في \"الأوجز\" (^١): قال صاحب \"المحلى\": مذهب الأئمة الأربعة والجمهور أنه يحرم، ورخص فيه طائفة منهم إسحاق بن راهويه، وقال: مات خمس من الصحابة وخواتيمهم من ذهب، رواه ابن أبي شيبة، انتهى.\n\n(٤٦ -<span data-type='title' id=toc-3506> باب خاتم الفضة)</span>\nأي: جواز لبسه، ولم يذكر الحافظ الخلاف ههنا، وذكر فيه الخلاف في \"الأوجز\" (^٢) ففيه: قال الباجي (^٣): روي عن بعض أهل الشام أنه منع من ذلك، أي: التختم بالفضة لغير السلطان لحديث أبي ريحانة: \"أنه سمع النبي - ﷺ - نهى عن عشر خصال: الوشم والوسم والتختم لغير السلطان\" الحديث، وهو حديث ضعيف، وقد أجمع الناس بعد هذا القائل على جواز التختم، وفي \"المحلى\": اختلفوا في إباحة لبس خاتم الفضة، فأباحه كثير مطلقًا، ومنهم من كرهه إذا قصد به الزينة، ومنهم من كرهه إلا لذي سلطان، والصحيح عند الشافعية والمالكية القول الأول، وقالوا: إن لبسه - ﷺ - وإن كان لمصلحة الكتابة ثم استدامه ولبسه أصحابه فلم ينكره عليهم بل أقرَّهم عليه، وأما حديث أبي ريحانة فقال الحافظ زين الدين بن رجب: ذكر بعض أصحابنا أن أحمد ضعّفه، انتهى.\nوقال الزرقاني (^٤): أما حديث أبي ريحانة الذي أخرجه أبو داود والنسائي فضعّفه مالك لما سئل عنه، وكذا ضعّفه أحمد، انتهى.\nوبسط الكلام عليه في \"الأوجز\" أشدّ البسط.\nثم جواز لبس خاتم الفضة مقيّد بما ورد عند أبي داود من حديث بريدة بن الحصيب: \"أن رجلًا جاء إلى النبي - ﷺ -\" الحديث بطوله كما سيأتي في \"باب خاتم الحديد\" وفي آخره: \"فقال: يا رسول الله، من أي شيء\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (١٦/ ٤٦٦، ٤٦٧).\n(^٢) \"أوجز المسالك\" (١٦/ ٤٦٨، ٤٦٩).\n(^٣) \"المنتقى\" (٧/ ٢٥٤).\n(^٤) \"شرح الزرقاني\" (٤/ ٣١٨).","vol":"6","page":201},{"text":"أتخذه؟ قال: اتخذه من ورق ولا تتمه مثقالًا\"، قال ابن رسلان في \"شرحه\" كما في \"البذل\" (^١): ولا يحلّ لبس خاتم ثقيل يزيد على مثقال، انتهى.\nوحكى القاري في \"جمع الوسائل\" (^٢) اختلاف الشافعية في الزيادة على المثقال، وفي \"شرح الإقناع\" (^٣): لم يتعرض الأصحاب لمقداره، ولعلهم اكتفوا على العرف، انتهى.\nوأما عند المالكية فقال الدردير (^٤): يحرم الزائد على الدرهمين، وأما عند الحنابلة ففي \"نيل المآرب\" (^٥): يباح للذكر الخاتم من الفضة ولو زاد على مثقال، انتهى.\nوأما عند الحنفية ففي \"الدر المختار\" (^٦): ولا يزيده على مثقال، انتهى.\nقال ابن عابدين: وقيل: لا يبلغ به المثقال، \"ذخيرة\"، أقول: ويؤيده نصّ الحديث السابق من قوله ﵊: \"ولا تتمه مثقالًا\"، انتهى.\n\n(٤٧ -<span data-type='title' id=toc-3507> باب)</span>\nبغير ترجمة، هكذا في النسخة \"الهندية\"، وكذا في نسخة \"العيني\" و\"القسطلاني\"، وسقط الباب في نسخة الحافظ، ولم يتعرض الحافظ لاختلاف النسخ ولا العيني، نعم تعرض له العلامة القسطلاني (^٧) إذ قال: وسقط هذا الباب لأبي ذر، انتهى.\nقال العيني (^٨): هو كالفصل للباب الذي قبله، انتهى.\n_________\n(^١) \"بذل المجهود\" (١٢/ ٢٥١).\n(^٢) \"جمع الوسائل\" (١/ ١٤٨).\n(^٣) \"شرح الإقناع\" (٢/ ٣٧٧).\n(^٤) \"الشرح الكبير\" (١/ ١٠٧).\n(^٥) \"نيل المآرب\" (١/ ١٦١).\n(^٦) \"ردّ المحتار\" (٩/ ٥٢٠).\n(^٧) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٦٦٤).\n(^٨) \"عمدة القاري\" (١٥/ ٧٠).","vol":"6","page":202},{"text":"كذا قال واقتصر عليه، وعندي لعله ذكره للتنبيه على تنقيح المطروح هل هو خاتم الذهب أو الفضة؟ فأورد الروايتين تحت الباب، رواية طرح الذهب وطرح الفضة.\nقال الحافظ (^١) تحت رواية طرح الفضة: هكذا روى الحديث الزهري عن أنس، واتفق الشيخان على تخريجه من طريقه، ونسب فيه إلى الغلط لأن المعروف أن الخاتم الذي طرحه النبي - ﷺ - بسبب اتخاذ الناس مثله إنما هو خاتم الذهب كما صرَّح به في حديث ابن عمر، قال النووي تبعًا لعياض (^٢): قال جميع أهل الحديث: هذا وهم من ابن شهاب؛ لأن المطروح ما كان إلا خاتم الذهب، ومنهم من تأوّله كما سيأتي.\nقال الحافظ: وحاصل الأجوبة ثلاثة، ثم ذكرها وزاد عليه من عنده وجهًا رابعًا ذكره فارجع إليه.\n\n(٤٨ -<span data-type='title' id=toc-3508> باب فصّ الخاتم)</span>\nقال الجوهري: الفصّ بفتح الفاء والعامة تكسرها، وأثبتها غيره لغة، وزاد بعضهم الضمَّ، وعليه جرى ابن مالك في المثلث، كذا في \"الفتح\" (^٣).\nوفيه أيضًا: قوله: \"وكان فصه منه\" لا يعارضه ما أخرجه مسلم وأصحاب \"السنن\" من حديث أنس: \"كان خاتم النبي - ﷺ - من ورق وكان فصه حبشيًّا\"؛ لأنه إما أن يحمل على التعدد، وحينئذ فمعنى قوله: \"حبشي\" أي: كان حجرًا من بلاد الحبشة، أو على لون الحبشة، أو كان جزعًا أو عقيقًا لأن ذلك قد يؤتى به من بلاد الحبشة، ويحتمل أن يكون هو الذي فصه منه ونسب إلى الحبشة لصفة فيه، إما الصياغة وإما النقش، انتهى.\nثم ذكر الحافظ في آخر الباب: وقد اعترضه الإسماعيلي، فقال: ليس هذا الحديث من الباب الذي ترجمه في شيء، ثم ذكر الجواب عنه، وأراد\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٣١٩، ٣٢٠).\n(^٢) \"الإكمال\" (٦/ ٦١٠).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٠/ ٣٢٢).","vol":"6","page":203},{"text":"بالحديث الحديث الأول من الباب، فإن مطابقته بالترجمة خفية، ولذا قال العيني (^١): مطابقته بالترجمة تؤخذ من قوله: \"أنظر إلى وبيص خاتمه\" لأن الوبيص لا يكون إلا من الفصّ غالبًا، سواء كان فصه منه أم لا؟ انتهى.\nوقال الحافظ (^٢): والذي يظهر لي أنه أشار إلى أن الإجمال في الرواية الأولى محمول على التبيين في الرواية الثانية، انتهى.\nوعندي أن في ترجمة المصنف بلفظ \"فص الخاتم\"، ثم في إيراده حديث أنس: \"كان فصه منه\" إيماء إلى ترجيح ذلك، أي: أن فصه كان منه بخلاف ما ورد أن فصه كان حبشيًا كما تقدم في كلام الحافظ، والله تعالى أعلم.\nثم ههنا اختلاف آخر في الروايات ذكره الحافظ والعلامة العيني وهو أن خاتمه - ﷺ - كان كلّه من فضة أو كان من حديد ملويًّا عليه فضة كما في رواية أبي داود والنسائي، وأجاب الحافظ عن ذلك الاختلاف بحمله على التعدد.\n\n(٤٩ -<span data-type='title' id=toc-3509> باب خاتم الحديد)</span>\nأراد المصنف بذلك إثبات جوازه، كما هو الراجح عند الشافعية خلافًا لما ذهب إليه الجمهور، لكن لا يصح الاستدلال بحديث الباب على جواز لبس خاتم الحديد، كما قال الحافظ (^٣) حيث قال: ولا حجة فيه لأنه لا يلزم من جواز الاتخاذ جواز اللبس، فيحتمل أنه أراد وجوده لتنتفع المرأة بقيمته، انتهى.\nواستدل الجمهور بما أخرجه أبو داود (^٤) وغيره من أصحاب \"السنن\" من رواية عبد الله بن بريدة عن أبيه: \"أن رجلًا جاء إلى النبي - ﷺ - وعليه\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٥/ ٧١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٠/ ٣٢٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٠/ ٣٢٣).\n(^٤) \"سنن أبي داود\" (رقم ٤٢٢٣).","vol":"6","page":204},{"text":"خاتم من شبه فقال: ما لي أجد منك ريح الأصنام، فطرحه، ثم جاء وعليه خاتم من حديد فقال: ما لي أرى عليك حلية أهل النار، فطرحه\" الحديث.\nوقال الحافظ (^١) تحت ترجمة الباب: قد ذكرت ما ورد فيه في الباب الذي قبله وكأنه لم يثبت عنده شيء من ذلك على شرطه، انتهى.\nوأشار الحافظ بقوله: قد ذكرت، ما تقدم في الباب السابق من رواية أبي داود: \"كان خاتم النبي - ﷺ - من حديد ملويّا عليه فضة\" الحديث، واختلفوا في التختم بالحديد كما سيأتي ذكر الخلاف فيه لو كان خاتم الحديد ملويًّا عليه فضة حتى لا يرى جاز، صرَّح به ابن عابدين، ففي \"الدر المختار\" (^٢): ولا يتختم إلا بالفضة لحصول الاستغناء بها، فيحرم بغيرها كحجر وذهب وحديد وصفر ورصاص وزجاج وغيرها، انتهى.\nوذكر ابن عابدين في الاستدلال عليه حديث أبي داود المذكور، وهذا الحديث صححه ابن حبان كما قال الحافظ، وقال المناوي (^٣) تعقبًا على كلام النووي: وخبر النهي عنه ضعيف إذ قال: واعترض بقول بعض الحفاظ: إن له شواهد إن لم ترقه إلى درجة الصحة لم تدعه ينزل عن درجة الحسن، ثم قال: والإنصاف أن خبر النهي دليل صالح للكراهة التنزيهية، انتهى.\nوفي هامشي على \"البذل\" (^٤): قال ابن العربي في \"شرح الترمذي\" (^٥): الأحاديث في ذلك صحاح، وإن لم يكن في الصحيح، ويعضده الإجماع على تركه عملًا، انتهى.\nوقال النووي في \"شرح مسلم\" (^٦): لأصحابنا في كراهة خاتم الحديد وجهان، أصحهما لا يكره، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٣٢٣).\n(^٢) \"ردّ المحتار\" (٩/ ٥١٧، ٥١٨).\n(^٣) \"جمع الوسائل شرح الشمائل\" (١/ ١٣٩).\n(^٤) \"بذل المجهود\" (١٢/ ٢٥٠).\n(^٥) \"شرح الترمذي\" (٧/ ٢٧٩).\n(^٦) \"شرح النووي على صحيح مسلم\" (٥/ ٢٣٢).","vol":"6","page":205},{"text":"وكذا يكره التختم بالحديد عند المالكية كما قال الدسوقي (^١)، وكذا عند الحنابلة، ففي \"نيل المآرب\" (^٢): كره تختمهما، أي: الرجل والمرأة بالحديد والرصاص والنحاس، انتهى.\n\n(٥٠ -<span data-type='title' id=toc-3510> باب نقش الخاتم)</span>\nأي: بيان نقش الخاتم وكيفيته، قاله العيني والقسطلاني (^٣)، وسكت الحافظ عن شرح الترجمة.\nوالظاهر عندي أنه أراد بيان جوازه لأن النقش مظنة المنع، ويؤيده ما قاله المناوي (^٤) بحثًا على مسألة جواز التختم وكراهته: لأن الفساد كما قاله ابن جماعة وغيره إنما هو ناشئ عن النقش لا التختم، انتهى.\nوفي \"الدر المختار\" (^٥): وينقشه اسمه أو اسم الله تعالى لا تمثال إنسان أو طير ولا محمد رسول الله، انتهى.\nقال ابن عابدين: وذلك لأنه نقش خاتمه - ﷺ -، وقد نهى ﵊ أن ينقش أحد عليه، كما رواه في \"الشمائل\"، ونقش خاتم أبي بكر: \"نعم القادر الله\" وعمر: \"كفى بالموت واعظًا\" وعثمان: \"لتصبرن أو لتندمن\" وعلي: \"الملك لله\" وأبي حنيفة: \"قل الخير وإلا فاسكت\" وأبي يوسف: \"من عمل برأيه فقد ندم\" ومحمد: \"من صبر ظفر\"، انتهى، \"قهستاني\" عن \"البستان\".\nقال الحافظ (^٦) في شرح قوله: \"نقشه: محمد رسول الله\": زاد ابن سعد من مرسل ابن سيرين: بسم الله محمد رسول الله، ولم يتابع على هذه الزيادة، وأما ما أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن\n_________\n(^١) \"حاشية الدسوقي\" (١/ ١٠٨).\n(^٢) \"نيل المآرب\" (١/ ٦١).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٥/ ٧٣)، و\"إرشاد الساري\" (١٢/ ٦٧٠).\n(^٤) \"جمع الوسائل شرح الشمائل\" (١/ ١٣٧).\n(^٥) \"ردّ المحتار\" (٩/ ٥١٩، ٥٢٠).\n(^٦) \"فتح الباري\" (١٠/ ٣٢٤).","vol":"6","page":206},{"text":"عبد الله بن محمد بن عقيل: أنه أخرج لهم خاتمًا وزعم أن رسول الله - ﷺ - كان يلبسه، فيه تمثال أسد، ففيه مع إرساله ضعف؛ لأن ابن عقيل مختلف في الاحتجاج به إذا انفرد، فكيف إذا خالف، وعلى تقدير ثبوته فلعله لبسه مرة قبل النهي، انتهى.\n\n(٥١ -<span data-type='title' id=toc-3511> باب الخاتم في الخنصر)</span>\nأي: دون غيرها من الأصابع، وكأنه أشار إلى ما أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي من حديث علي قال: \"نهاني رسول الله - ﷺ - عن ألبس خاتمي في هذه وفي هذه\" يعني: السبابة والوسطى، وسيأتي بيان أيّ الخنصرين اليمنى أو اليسرى كان يلبس الخاتم فيه، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nقلت: ومسألة الباب، أي: كون الخاتم في الخنصر إجماعية، ففي \"البذل\" (^٢): قال النووي (^٣): يكره جعل الخاتم في الوسطى والتي تليها لهذا الحديث (الذي تقدم في كلام الحافظ)، وأجمع المسلمون على جعل الخاتم في الخنصر، انتهى.\nوفي هامشي على \"البذل\": كذا حكى المناوي في \"شرح الشمائل\" (^٤) عن النووي الإجماع على سُنِّيته جعله في الخنصر، وقال: ورد النهي عن السبابة والوسطى، ولم يرد شيء في الإبهام والبنصر، انتهى.\nوقال ابن عابدين (^٥): ينبغي أن يكون في خنصرها (أي: اليسرى) دون سائر أصابعه، انتهى.\nوصرَّح في \"شرح الإقناع\" (^٦) بكراهة غير الخنصر، وذكر صاحب \"نيل\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٣٢٤).\n(^٢) \"بذل المجهود\" (١٢/ ٢٥٤).\n(^٣) \"شرح النووي\" (٧/ ٣٢٢).\n(^٤) \"جمع الوسائل شرح الشمائل\" (١/ ١٥٢).\n(^٥) \"ردّ المحتار\" (٩/ ٥١٩).\n(^٦) \"شرح الإقناع\" (٢/ ٣٣٧).","vol":"6","page":207},{"text":"المآرب\" (^١) الحكمة فيه، ولم يصرّح بالكراهة حيث قال: وإنما كان في الخنصر لكونها طرفًا فهو أبعد من الامتهان فيما تتناوله اليد، انتهى.\nوأما كونها في اليد اليسرى أو اليمنى فمسألة خلافية لم يترجم لها المصنف، وترجم له الإمام أبو داود إذ قال: \"باب ما جاء في التختم في اليمين أو اليسار\"، وأخرج فيه حديثين متعارضين، فأخرج أوّلًا حديث علي: \"أن النبي - ﷺ - كان يتختم في يمينه\"، ثم أخرج حديث ابن عمر: \"أن النبي - ﷺ - كان يتختم في يساره\"، وكتب الشيخ في \"البذل\": قال في \"فتح الودود\": قد صح تختمه - ﷺ - في اليمين واليسار جميعًا، فقال بعضهم: يجوز الوجهان، واليمين أفضل؛ لأنه زينة واليمين بها أولى، وقال آخرون بنسخ اليمين لما جاء في بعض الروايات الضعيفة أنه تختم أولًا في اليمين ثم حوّل إلى اليسار، ومنهم من يرى الوجهين مع ترجيح اليسار، انتهى.\nقلت: ولكن علماء الأحناف منعوا عن التختم في اليسار لما صار ذلك شعارًا لأهل البدع من الرافضة، وقد حرم التشبه بأهل الاهواء كما حرم بالكفرة، انتهى مختصرًا من \"البذل\".\nوهكذا كتب الشيخ الكَنكَوهي في \"الكوكب\" (^٢): إن اتخاذ الخاتم في اليسار من ديدن الروافض وشعارهم فكره لنا ذلك، وإلا فكان الأمران كأنهما متساويان، انتهى.\nقلت: ولكن في \"الدر المختار\" (^٣): ويجعله في اليد اليسرى، وقيل: اليمنى إلا أنه من شعار الروافض فيجب التحرز عنه، انتهى.\nوهذا خلاف ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه، والجواب أن هذا مبني على اختلاف حالهم بحسب اختلاف الزمان كما أشير إليه أيضًا بعد ذلك في \"الدر المختار\"، فارجع إليه.\n_________\n(^١) \"نيل المآرب\" (١/ ٦١).\n(^٢) \"الكوكب الدري\" (٢/ ٤٤٨).\n(^٣) \"ردّ المحتار\" (٩/ ٥١٩).","vol":"6","page":208},{"text":"وحاصل مذاهب الأئمة الأربعة كما في كتب فروعهم أن اليسار أولى عندنا الحنفية كما تقدم عن \"الدر المختار\"، وكذا عند الحنابلة كما في \"نيل المآرب\" (^١)، وعند المالكية اليسار سُنَّة، قال الدسوقي (^٢): لأنه آخر الفعلين عنه - ﷺ -، وللشافعية وجهان: الصحيح أن اليمين أفضل؛ لأنه زينة واليمين أشرف وأخص بالزينة، كما قال النووي (^٣).\nوبسط الحافظ الكلام في هذه المسألة ثم قال (^٤): ويظهر لي أن ذلك يختلف باختلاف القصد، فإن كان اللبس للتزين به فاليمين أفضل، وإن كان للتختم به فاليسار أولى، إلى آخر ما بسط. وأما الإمام البخاري فنقل الإمام الترمذي عنه أن حديث عبد الله بن جعفر أصح شيء روي في هذا الباب. وصرَّح فيه بالتختم في اليمين، قاله الحافظ.\n\n(٥٢ -<span data-type='title' id=toc-3512> باب اتخاذ الخاتم ليختم به الشيء أو ليكتب به. . .) إلخ</span>\nعندي أشار المصنف بقوله: \"ليختم به. . .\" إلخ، إلى أن تركه أولى لمن لا يحتاج إليه، وفي \"الدر المختار\" (^٥): وترك التختم لغير السلطان والقاضي وذي حاجة إليه كمُتَولٍّ أفضل، انتهى.\nقال ابن عابدين: أشار إلى أن التختم سُنَّة لمن يحتاج إليه كما في \"الاختيار\". قال القهستاني: وفي \"الكرماني\": نهى الحلواني بعض تلامذته عنه، وقال: إذا صرت قاضيًا فتختم، وفي \"البستان\" عن بعض التابعين: لا يتختم إلا ثلاثة: أمير، أو كاتب، أو أحمق، وظاهره أنه يكره لغير ذي الحاجة، لكن قول المصنف: أفضل؛ كـ \"الهداية\" وغيرها يفيد الجواز،\n_________\n(^١) \"نيل المآرب\" (١/ ٦١).\n(^٢) \"حاشية الدسوقي\" (١/ ١٠٧، ١٠٨).\n(^٣) \"شرح النووي\" (٧/ ٣٢٣).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٠/ ٣٢٧).\n(^٥) \"رد المحتار\" (٩/ ٥٢٠).","vol":"6","page":209},{"text":"فالنهي للتنزيه. وفي \"التتارخانية\": كره بعض الناس اتخاذ الخاتم إلا لذي سلطان وأجازه عامة أهل العلم، انتهى.\nوتقدم شيء من الكلام عليه في \"باب خاتم الفضة\".\nوبسط الكلام على المسألة في \"الأوجز\" (^١)، وفيه: قال المناوي (^٢): حلّ اتخاذ خاتم الفضة ولبسه بإجماع من يعتد به بل يسنّ ولو منقوشًا ولو لم يحتجه لختم ولا غيره، انتهى.\n(تكملة): قال الحافظ (^٣): جزم أبو الفتح اليعمري أن اتخاذ الخاتم كان في السنة السابعة، وجزم غيره بأنه كان في السادسة، ويجمع بأنه كان في أواخر السادسة وأوائل السابعة؛ لأنه إنما اتخذه عند إرادته مكاتبة الملوك، وكان إرساله إلى الملوك في مدة الهدنة، وكان في ذي القعدة سنة ست، ورجع إلى المدينة في ذي الحجة، ووجّه الرسل في المحرم من السابعة، وكان اتخاذه الخاتم قبل إرساله الرسل إلى الملوك، والله تعالى أعلم، انتهى.\n\n(٥٣ -<span data-type='title' id=toc-3513> باب من جعل فصّ الخاتم في بطن كفه)</span>\nقال ابن بطال (^٤): قيل لمالك: يجعل الفصّ في باطن الكف؟ قال: لا، قال ابن بطال: ليس في كون فصّ الخاتم في بطن الكفّ ولا ظهرها أمر ولا نهي، وقال غيره: السرّ في ذلك أن جعله في بطن الكف أبعد من أن يظن أنه فعله للتزين به، وقد أخرج أبو داود من حديث ابن عباس: \"جعله في ظاهر الكف\"، انتهى من \"الفتح\" (^٥).\nقلت: وهو ما أخرجه أبو داود (^٦) عن محمد بن إسحاق قال: رأيت\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (١٦/ ٤٦٨ - ٤٧٤).\n(^٢) \"جمع الوسائل شرح الشمائل\" (١/ ١٣٧).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٠/ ٣٢٥).\n(^٤) \"شرح ابن بطال\" (٩/ ١٣٦).\n(^٥) \"فتح الباري\" (١٠/ ٣٢٥، ٣٢٦).\n(^٦) \"سنن أبي داود\" (رقم ٤٢٢٩).","vol":"6","page":210},{"text":"على الصلت بن عبد الله بن نوفل بن عبد المطلب خاتمًا في خنصره اليمنى فقلت: ما هذا؟ قال: رأيت ابن عباس يلبس خاتمه هكذا وجعل فصّه على ظهرها، قال: ولا يخال ابن عباس إلا قد كان يذكر أن رسول الله - ﷺ - كان يلبس خاتمه كذلك، انتهى.\nوكتب شيخنا قُدِّس سرُّه في \"البذل\" (^١): قال العلماء: حديث الباطن أصح وأكثر وهو الأفضل، كذا في \"مرقاة الصعود\"، وقال ابن رسلان: يجوز أن يكون فعل ذلك في وقت لبيان الجواز، وأكثر أوقاته مما يلي باطن كفه، انتهى.\nقلت: وجعلُ فصِّه مما يلي بطنَ كفِّه مصرَّح في كتب مذاهب الأربعة، ففي \"الدر المختار\" (^٢) وشرحه: ويجعله، أي: الفص، لبطن كفه بخلاف النسوان لأنه تزين في حقهن \"هداية\"، انتهى.\nوفي \"شرح الإقناع\" (^٣): والسُّنَّة أن يجعل الفص مما يلي كفه، انتهى.\nوهكذا في \"نيل المآرب\" (^٤) إذ قال: ويجعل فصه مما يلي كفه، انتهى.\nوقال الدسوقي (^٥): وكما يندب لبسه في اليسرى يندب جعل فصّه للكف لأنه أبعد من العجب، انتهى.\n\n(٥٤ -<span data-type='title' id=toc-3514> باب قول النبي - ﷺ -: لا ينقشنّ على نقش خاتمه)</span>\nقوله: (لا ينقشنّ) هكذا في النسخة \"الهندية\" بنون التأكيد، وفي نسخ الشروح الثلاثة بغيرها.\n_________\n(^١) \"بذل المجهود\" (١٢/ ٢٥٧، ٢٥٨).\n(^٢) \"رد المحتار\" (٩/ ٥١٩).\n(^٣) \"شرح الإقناع\" (٢/ ٣٧٧).\n(^٤) \"نيل المآرب\" (١/ ٦١).\n(^٥) \"حاشية الدسوقي\" (١/ ١٠٧، ١٠٨).","vol":"6","page":211},{"text":"قال القسطلاني (^١): وسبب النهي كما قاله النووي أنه - ﷺ - إنما نقش على خاتمه ذلك ليختم به كتبه إلى الملوك، فلو نقش غيره مثله لحصل الخلل، انتهى.\n\n(٥٥ -<span data-type='title' id=toc-3515> باب هل يجعل نقش الخاتم ثلاثة أسطر)</span>\nقال ابن بطال (^٢): ليس كون نقش الخاتم ثلاثة أسطر أو سطرين أفضل من كونه سطرًا واحدًا، كذا قال، قلت: قد يظهر أثر الخلاف من أنه إذا كان سطرًا واحدًا يكون الفصّ مستطيلًا لضرورة كثرة الأحرف، فإذا تعددت الأسطر أمكن كونه مربعًا أو مستديرًا، وكل منهما أولى من المستطيل، قاله الحافظ (^٣).\nوقال (^٤) أيضًا في كيفية تلك الأسطر: وأما قول بعض الشيوخ: إن كتابته كانت من أسفل إلى فوق، يعني: أن الجلالة في أعلى الأسطر الثلاثة ومحمد في أسفلها، فلم أر التصريح بذلك في شيء من الأحاديث، بل رواية الإسماعيلي يخالف ظاهرها ذلك فإنه قال فيها: محمد سطر، والسطر الثاني: رسول، والسطر الثالث: الله، ولك أن تقرأ محمد بالتنوين، ورسول بالتنوين وعدمه، والله بالرفع وبالجر، انتهى.\n\n(٥٦ -<span data-type='title' id=toc-3516> باب الخاتم للنساء. . .) إلخ</span>\nأي: أعم من أن يكون من ذهب أو فضة كما هو ظاهر لفظ الترجمة وحديث الباب، فلعل الغرض منه أن لبسهن إياه ليس فيه التشبه بالرجال كما حكي عن الخطابي في خاتم الفضة، وسيأتي.\nقال الحافظ (^٥): قال ابن بطال (^٦): الخاتم للنساء من جملة الحلي الذي أبيح لهن، انتهى.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٦٧٤).\n(^٢) \"شرح ابن بطال\" (٩/ ١٣٧).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٠/ ٣٢٨).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٠/ ٣٢٩).\n(^٥) \"فتح الباري\" (١٠/ ٣٣٠).\n(^٦) \"شرح ابن بطال\" (٩/ ١٣٧، ١٣٨).","vol":"6","page":212},{"text":"قلت: وقد تقدم في \"باب خاتم الذهب\" من كلام الحافظ (^١) أن النهي عن خاتم الذهب مختص بالرجال دون النساء، فقد نقل الإجماع على إباحته للنساء، انتهى.\nوهذا الذي ذكره الحافظ في حق خاتم الذهب، ولم أجد الخلاف في كتب مذاهب الأئمة الأربعة في جواز خاتم الفضة للنساء إلا ما يحكى عن الخطابي فقد قال النووي (^٢): وقال الخطابي: يكره للنساء خاتم الفضة لأنه من شعار الرجال، قال: فإن لم تجد خاتم ذهب فلتصفره بزعفران وشبهه، وهذا الذي قاله ضعيف أو باطل لا أصل له، والصواب أنه لا كراهة في لبسها خاتم الفضة، انتهى.\nوهكذا بحث المناوي في \"شرح الشمائل\" (^٣) على هذه المسألة إذ قال: ثم إن مما يتعجب منه قول الشارح: فيه حلّ اتخاذ خاتم الفضة للرجال والنساء إذ ليس في اتخاذ النبي - ﷺ - له ما يفيد حلّه للنساء، بل احتمال اختصاصه بالرجال قائم لكونه من شعارهم، ووقائع الأحوال إذا تطرق إليه الاحتمال سقط بها الاستدلال، ومن ثم ذهب جمع، منهم الخطابي إلى كراهته للأنثى لما ذكر فإن لَبِسَتْه صَفَّرْته بنحو زعفران، لكن ليس بمقبول عند أجلاء الشافعية، نعم لُبسها له خلاف الأولى، فقد قال جمع من عظمائهم: الأولى لها أن لا تلبس البياض والفضة لما فيه من التشبه بالرجال، انتهى.\nولا يخفى أن هذا اختلاف في خاتم الفضة، وأما خاتم الذهب فليس فيه خلاف أحد، والله تعالى أعلم.\n\n(٥٧ -<span data-type='title' id=toc-3517> باب القلائد والسخاب للنساء)</span>\nالسخاب بكسر المهملة وتخفيف الخاء المعجمة وبعد الألف موحدة: هو قلادة من عنبر أو قرنفُلٍ أو غيره ولا يكون فيه خرز، وقيل: هو خيط فيه\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٣١٧).\n(^٢) \"شرح النووي\" (٧/ ٣١٧).\n(^٣) \"جمع الوسائل شرح الشمائل\" (١/ ١٣٧، ١٣٨).","vol":"6","page":213},{"text":"خرز، وسمي سخابًا لصوت خرزه عند الحركة، مأخوذ من السخب وهو اختلاط الأصوات، يقال بالصاد والسين، انتهى.\nقال الحافظ (^١): وتفسير السخاب أيضًا مذكور في الترجمة، وقال العلامة العيني (^٢): قال ابن الأثير: السخاب خيط ينظم فيه خرز تلبسه الصبيان والجواري، وقيل: هو قلادة تتخذ من قرنفل وطيب وسُكّ ونحوه، وليس فيها من اللؤلؤ والجوهر شيء، انتهى.\n(تنبيه): وفي \"الفتح\" (^٣): والسخاب جمع سُخُب بضمتين، انتهى.\nكذا في النسخة التي بأيدينا من \"الفتح\"، وفي هامش النسخة \"الهندية\" (^٤) معزيًا إلى \"المجمع\" (^٥): قوله: \"وسخابها\" جمع سخب، وهو قلادة من قرنفل إلخ، ويتوهم منه أن السخاب لفظ جمع ومفرده سُخُب، وليس كذلك بل الواقع عكسه، كما في \"القاموس\" (^٦) وهكذا في \"المجمع\"، وعبارة \"المجمع\" هكذا: والسخاب: هو خيط ينظم فيه خرز إلى أن قال: وحديث \"فكأنهم صبيان يمرثون سخبهم\" هي جمع سخاب، انتهى.\nفوقع الغلط في عبارة الحاشية في نقل كلام صاحب \"المجمع\" في الاختصار.\n\n(٥٨ -<span data-type='title' id=toc-3518> باب استعارة القلائد)</span>\nذكر فيه حديث عائشة في قصة قلادة أسماء، وقد تقدم في \"كتاب الهبة\" \"باب الاستعارة للعروس عند البناء\" وفي \"النكاح\" \"باب استعارة الثياب للعروس\"، وتقدم الكلام على الغرض من هذه التراجم الثلاثة في \"كتاب الهبة\".\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٤٥٤).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٥/ ٨١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٠/ ٣٣٠).\n(^٤) \"صحيح البخاري بحاشية السهارنفوري\" (١١/ ٦٩٨).\n(^٥) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٥٠).\n(^٦) \"القاموس المحيط\" (ص ١٠٢).","vol":"6","page":214},{"text":"(٥٩ -<span data-type='title' id=toc-3519> باب القرط للنساء)</span>\nبضم القاف وسكون الراء بعدها طاء مهملة: ما يحلى به الأذن ذهبًا كان أو فضة صرفًا أو مع لؤلؤ وغيره، ويعلّق غالبًا على شحمتها، قاله الحافظ (^١).\n\n(٦٠ -<span data-type='title' id=toc-3520> باب السخاب للصبيان)</span>\nتقدم الأقوال في تفسير السخاب قريبًا، ومنها ما قاله ابن الأثير أنه خيط ينظم فيه خرز تلبسه الصبيان والجواري، والغرض من الترجمة بيان جوازه كما هو ظاهر من حديث الباب، وتقدم حديث الباب في \"كتاب البيوع\"، وأخرجه مسلم أيضًا في الفضائل، وكذا النسائي وابن ماجه في \"السُّنَّة\"، قال العلامة النووي (^٢): وفي هذا الحديث جوازُ إلباس الصبيان القلائد والسُّخُب ونحوها من الزينة، واستحبابُ تنظيفهم لا سيما عند لقائهم أهلَ الفضل، واستحباب النظافة مطلقًا، انتهى.\nوقد أخرج الإمام أبو داود (^٣) من حديث ثوبان قصة يناسب هذا الباب وفيه: \"أن فاطمة رضي الله تعالى عنها حلّت الحسن والحسين قُلبين من فضة، فقدم رسول الله - ﷺ - (أي: من غزوة) ولم يدخل، فظنت أنه إنما منعه أن يدخل ما رأى، فهتكت الستر وَفَكَّكَتْ القُلبين عن الصبيين وقطعته بينهما، فانطلقا إلى رسول الله - ﷺ - وهما يبكيان فأخذه منهما وقال: يا ثوبان، اذهب بهذا إلى آل فلان أهل بيت بالمدينة، إن هؤلاء أهل بيتي أكره أن يأكلوا طيباتهم في حياتهم الدنيا، يا ثوبان اشتر لفاطمة قلادة من عصب وسوارين من عاج\"، انتهى.\nوفي \"فيض الباري\" (^٤) تحت ترجمة الباب: ذهب مالك إلى جواز\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٣٣١).\n(^٢) \"شرح النووي\" (٨/ ٢٠٨).\n(^٣) \"سنن أبي داود\" (رقم ٤٢١٣).\n(^٤) \"فيض الباري\" (٦/ ٩٧).","vol":"6","page":215},{"text":"الحلي للصبيان ما داموا صبيانًا، وهذا منه توسيع عظيم لم يذهب إليه أحد، انتهى.\nقلت: قال الدردير (^١): وأما الصغير فيكره لوليه إلباسُه الحريرَ والذهبَ، ويجوز له إلباسُه الفضةَ هذا هو المعتمد، انتهى.\n\n(٦١ -<span data-type='title' id=toc-3521> باب المتشبهين بالنساء والمتشبهات بالرجال)</span>\nأي: ذمّ الفريقين، ويدلّ على ذلك اللعن المذكور في الخبر، قاله الحافظ (^٢).\nوقال في شرح الحديث: قال الطبري: المعنى لا يجوز للرجال التشبه بالنساء في اللباس والزينة التي تختص بالنساء ولا العكس، قلت: وكذا في الكلام والمشي، وأما هيئة اللباس فتختلف باختلاف عادة كل بلد، فربّ قوم لا يفترق زيّ نسائهم من رجالهم في اللبس لكن يمتاز النساء بالاحتجاب والاستتار، انتهى.\n\n(٦٢ -<span data-type='title' id=toc-3522> باب إخراجهم)</span>\nوفي نسخ الشروح الثلاثة: \"باب إخراج المتشبهين بالنساء من البيوت\".\n\n(٦٣ -<span data-type='title' id=toc-3523> باب قصّ الشارب)</span>\nقد تقدم في مبدأ \"كتاب اللباس\" أن مقصود المصنف بهذا الكتاب ليس هو بيان اللباس خاصة، بل المقصود ذكر اللباس وما يناسبه من أبواب الزينة ونحوها، فكُنْ منه على ذكر.\nقال العلامة القسطلاني (^٣): ولما فرغ المصنف من اللباس شرع يذكر\n_________\n(^١) \"حاشية الدسوقي على الشرح الكبير\" (١/ ٦٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٠/ ٣٣٢).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٦٨٣).","vol":"6","page":216},{"text":"ما له تعلق به من جهة الاشتراك في الزينة، وبدأ بالتراجم المتعلقة بالشعور وما أشبهها، انتهى.\nوهكذا في \"الفتح\" وزاد (^١): وذكر ثانيًا التراجم المتعلقة بالتطيب، وثالثًا المتعلقة بتحسين الصورة، ورابعًا المتعلقة بالتصاوير لأنها قد تكون في الثياب، وختم بما يتعلق بالارتداف وتعلقه به خفي، وتعلقه بـ \"كتاب الأدب\" الذي يليه ظاهر، والله أعلم، انتهى من \"الفتح\".\nوفيه: وأصل القصّ تتبع الأثر، وقيّده ابن سيده في \"المحكم\" بالليل، والقصّ أيضًا إيراد الخبر تامًّا على من لم يحضره، ويطلق أيضًا على قطع شيء من شيء بآلة مخصوصة، والمراد به هنا قطع الشعر النابت على الشفة العليا من غير استئصال، انتهى.\nقال القسطلاني (^٢): وعند النسائي بلفظ الحلق، لكن أكثر الأحاديث بلفظ القصّ، وعند النسائي في رواية بلفظ تقصير الشارب، وفي حديث ابن عمر في الباب التالي: \"وأحفوا الشوارب\"، وفي الباب الذي بعده: \"أنهكوا الشوارب\"، وفي مسلم: \"جزوا الشوارب\"، وهي تدل على أن المطلوب المبالغة في الإزالة؛ لأن الإحفاء الإزالة والاستقصاء، والإنهاك المبالغة في الإزالة، والجزّ قصّ الشعر إلى أن يبلغ الجلد، انتهى مختصرًا.\nقال الحافظ (^٣): قال النووي: المختار في قصّ الشارب أنه يقصّه حتى يبدو طرف الشفة ولا يحفه من أصله، وأما رواية \"أحفوا\" فمعناها أزيلوا ما طال على الشفتين، قال ابن دقيق العيد: ما أدري هل نقله عن المذهب أو قاله اختيارًا منه لمذهب مالك.\nقال الحافظ: صرّح في \"شرح المهذب\" بأن هذا مذهبنا، وقال الطحاوي: لم أر عن الشافعي في ذلك نصًّا وأصحابه الذين رأيناهم\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٣٣٤، ٣٣٥).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٦٨٥).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٠/ ٣٤٧).","vol":"6","page":217},{"text":"كالمزني والربيع يحفون، وما أظنهم أخذوا ذلك إلا عنه، وكان أبو حنيفة وأصحابه يقولون: الإحفاء أفضل من التقصير، ونقل ابن القاسم عن مالك أن إحفاء الشارب مثلة، وأن المراد بالحديث المبالغة في أخذ الشارب حتى يبدو طرف الشفة، وقال أشهب: سألت مالكًا عمن يحفي شاربه فقال: أرى أن يوجع ضربًا، وقال الأثرم: كان أحمد يحفي إحفاء شديدًا، ونصّ على أنه من القصّ، انتهى.\nوأما مذهب الحنفية فقال الحافظ (^١): قال الطحاوي: الحلق مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، انتهى.\nوفي \"الدر المختار\" (^٢): وفيه - أي: \"المجتبى\" -: حلق الشارب بدعة، وقيل: سنة، انتهى.\nقال ابن عابدين: قوله: وقيل: سُنَّة، مشى عليه في \"الملتقى\"، وعبارة \"المجتبى\" بعد ما رمز للطحاوي: حلقه سُنَّة، ونسبه إلى أبي حنيفة وصاحبيه، انتهى.\nقلت: كذا نقل بعض العلماء عن الإمام الطحاوي أنه قال: الحلق مذهب الحنفية، وأصل عبارة الطحاوي في \"معاني الآثار\" (^٣): قصّ الشارب حسن وإحفاؤه أحسن وأفضل، وهذا مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، انتهى.\nوقال الطحطاوي (^٤): قال الطحاوي: يستحب إحفاء الشوارب ونراه أفضل من قصّها، وفي \"شرح شرعة الإسلام\": قال الإمام: الإحفاء قريب من الحلق، وأما الحلق فلم يرد بل كرهه بعض العلماء ورآه بدعة، انتهى.\nفالظاهر أن في نسبة الحلق إلى الطحاوي مسامحة.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٣٤٧).\n(^٢) \"ردّ المحتار\" (٩/ ٥٧٣).\n(^٣) \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ٢٣٠).\n(^٤) \"حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح\" (ص ٥٢٦).","vol":"6","page":218},{"text":"وأما الجمع بين تلك الروايات المختلفة ففي \"فتح الملهم\" (^١): قلت: في \"القاموس\": قصّ الشعر والظفر: قطع شيء منهما بالمقصّ، أي: المقراض، انتهى.\nوهذا لا ينافي في الإحفاء؛ فإن القصّ إذا بولغ فيه ينتهي إلى الإحفاء كما ذكره ابن الهمام في \"فتح القدير\"، والإحفاء الشديد قريب من الحلق، فيطلق عليه الحلق مبالغة كما ذكره الزبيدي في \"شرح الإحياء\"، وعلى هذا لا تتضاد الروايات، ويمكن أن يحمل حديث القصّ على أدنى ما تحصل به السُّنَّة ومخالفة المجوس وغيرهم، وحديث الإحفاء على أفضل مراتب السُّنَّة وأكملها، ويراد بالحلق الوارد في رواية النسائي الإحفاء الشديد كما ذكرنا، والله تعالى أعلم، انتهى.\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"الكوكب\" (^٢): في إحفاء الشوارب أقوال: حلقها أو قصّها قليلًا بحيث تظهر أطراف الشفة العليا فحسب، وقيل: بل قصّها بالمبالغة، ولعل هذا القول الثالث أصح، فإنه يجمع العمل بالروايتين معًا، أي: رواية القصّ ورواية الإحفاء، انتهى.\n\n(٦٤ -<span data-type='title' id=toc-3524> باب تقليم الأظفار)</span>\nوهو تفعيل من القلم، وهو القطع، والمراد إزالة ما يزيد على ما يلابس رأس الإصبع من الظفر؛ لأن الوسخ يجتمع فيه فيستقذر، وقد ينتهي إلى حدّ يمنع من وصول الماء إلى ما يجب غسله في الطهارة، وقد أخرج البيهقي في \"الشعب\" من طريق قيس بن أبي حازم قال: \"صلى النبي - ﷺ - صلاة فأوهم فيها، فسئل فقال: ما لي لا أوهم ورُفُغ أحدكم بين ظفره وأنملته\" رجاله ثقات مع إرساله، والرُفُغُ بضم الراء ويجمع على أرفاغ، وهي مغابن الجسد كالإبط وكل موضع يجتمع فيه الوسخ، والتقدير:\n_________\n(^١) \"فتح الملهم\" (٢/ ٣٣٣).\n(^٢) \"الكوكب الدري\" (٣/ ٤٠٢).","vol":"6","page":219},{"text":"وسخ رفغ أحدكم، والمعنى أنكم لا تقلمون أظفاركم ثم تحكّون بها أرفاغكم فيتعلق بها ما في الأرفاغ من الأوساخ المجتمعة (^١).\nثم قال الحافظ (^٢): ولم يثبت في ترتيب الأصابع عند القصّ شيء من الأحاديث، لكن جزم النووي في \"شرح مسلم\" بأنه يستحب البداءة بمسبحة اليمنى ثم بالوسطى ثم البنصر ثم الخنصر ثم الإبهام، وفي اليسرى بالبداءة بخنصرها ثم بالبنصر إلى الإبهام، ويبدأ في الرجلين بخنصر اليمنى إلى الإبهام، وفي اليسرى بإبهامها إلى الخنصر، ولم يذكر للاستحباب مستندًا، وقال ابن دقيق العيد: يحتاج من ادعى استحباب تقديم اليد في القصّ على الرجل إلى دليل؛ فإن الإطلاق يأبى ذلك.\nقلت: يمكن أن يؤخذ بالقياس على الوضوء والجامع التنظيف، وتوجيه البداءة باليمنى لحديث عائشة: \"كان يعجبه التيمن في طهوره وترجله وفي شأنه كله\"، والبداءة بالمسبحة منها لكونها أشرف الأصابع لأنها آلة التشهد، إلى آخر ما ذكر.\nوفي \"الدر المختار\" (^٣): ويستحب قلم أظافيره - إلا لمجاهد في دار الحرب فيستحبّ توفير شاربه وأظفاره - يوم الجمعة، وكونه بعد الصلاة أفضل إلا إذا أخَّره إليه تأخيرًا فاحشًا فيكره، انتهى.\nقال الحافظ (^٤): وقد ذكر في الباب ثلاثة أحاديث، الثالث منها لا تعلق له بالظفر، وإنما هو مختصّ بالشارب واللحية، فيمكن أن يكون مراده في هذه الترجمة والتي قبلها تقليم الأظفار وما ذكر معها وقصّ الشارب وما ذكر معه، ويحتمل أن يكون أشار إلى أن حديث ابن عمر في الأول وحديثه في الثالث واحد، منهم من طوّله ومنهم من اختصره، انتهى.\n(فائدة): ذكر السيوطي في رسالة \"نور اللمعة في خصائص الجمعة\"\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (١٠/ ٣٤٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٠/ ٣٤٥، ٣٤٦).\n(^٣) \"ردّ المحتار\" (٩/ ٥٨٠، ٥٨١).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٠/ ٣٤٩).","vol":"6","page":220},{"text":"عدة روايات في فضل تقليم الأظفار يوم الجمعة، فارجع إليه لو شئت.\n\n(٦٥ -<span data-type='title' id=toc-3525> باب إعفاء اللحى)</span>\nكذا استعمله من الرباعي، وهو بمعنى الترك، ثم قال: \"عفوا: كثروا أو كثرت أموالهم\" وأراد تفسير قوله تعالى في الأعراف: ﴿حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ﴾ [الأعراف: ٩٥] فإما أن يكون أشار بذلك إلى أصل المادة أو إلى أن لفظ الحديث وهو \"أعفوا اللحى\" جاء بالمعنيين؛ فعلى الأول يكون بهمزة قطع وعلى الثاني بهمزة وصل، وقد حكى ذلك جماعة من الشرَّاح منهم ابن التِّين قال: وبهمزة قطع أكثر، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوقال القسطلاني (^٢): واللحى بكسر اللام وتضم جمع لحية بالكسر فقط: اسم لما ينبت على العارضين والذقن، انتهى.\nوكتب الشيخ في \"الكوكب\" (^٣): وأما إعفاء اللحية فالظاهر من فعله - ﷺ - أن الإعفاء مسنون بحيث يخرج من التشبه بالهنود والمجوس فحسب، انتهى.\nوفي هامشه: قال الغزالي: اختلف السلف فيما زاد من اللحية فقيل: لا بأس أن يقبض عليها ويقصّ ما تحت القبضة، كان ابن عمر يفعله ثم جماعة من التابعين، والأمر في هذا قريب لأن الطول المفرط قد يشوّه الخلقة، قال النووي: والصحيح كراهة الأخذ منها مطلقًا ويتركها على حالها كيف كانت لحديث \"أعفوا اللحى\"، وأما حديث عمرو بن شعيب بسنده: \"أن النبي - ﷺ - كان يأخذ من لحيته\" فرواه الترمذي بإسناد ضعيف لا يحتج به، هكذا في \"البذل\" (^٤). وفي \"الدر المختار\" (^٥): لا بأس بأخذ أطراف\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٣٥١).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٦٨٨).\n(^٣) \"الكوكب الدري\" (٣/ ٤٠٢، ٤٠٣).\n(^٤) \"بذل المجهود\" (١٢/ ٢٢٥).\n(^٥) \"ردّ المحتار\" (٩/ ٥٨٣).","vol":"6","page":221},{"text":"اللحية، والسُّنَّة فيها القبضة، قال ابن عابدين: كذا ذكره محمد في \"كتاب الآثار\" عن الإمام قال: وبه نأخذ، انتهى.\nوفي موضع آخر من \"الدر المختار\" (^١): القدر المسنون هو القبضة، وصرّح في \"النهاية\" بوجوب قطع ما زاد على القبضة، ومقتضاه الإثم بتركه إلا أن يحمل الوجوب على الثبوت، قال ابن عابدين: قوله: وصرّح في \"النهاية. . .\" إلخ، ومثله في \"المعراج\"، وقد نقله عنها في \"الفتح\" وأقرَّه، قوله: إلا أن يحمل. . . إلخ، يؤيده أن ما استدل به صاحب \"النهاية\" لا يدل على الوجوب، ولذا حذف الزيلعي لفظ: يجب، وقال: وما زاد يقصّ، إلى آخر ما قال.\nوبسط الكلام على المسألة في \"الأوجز\" (^٢) وفيه: وفي \"الشرح الكبير\" (^٣) لابن قدامة: يستحب إعفاء اللحية لما ذكرنا من الحديث، وهل يكره أخذ ما زاد على القبضة فيه وجهان: أحدهما يكره، والثاني لا يكره لما روى البخاري ذلك من فعل ابن عمر، انتهى إلى آخر ما ذكر في \"الأوجز\" من النقول.\nثم قال: وعلم مما سبق أنهم اختلفوا فيما طال من اللحية على أقوال: الأول: يتركها على حالها ولا يأخذ منها شيئًا، وهو مختار الشافعية ورجحه النووي، وهو أحد الوجهين عند الحنابلة. والثاني: كذلك إلا في حج أو عمرة فيستحب أخذ شيء منها، قال الحافظ: هو المنصوص عن الشافعي. والثالث: يستحب أخذ ما فحش طولها جدًا بدون التحديد بالقبضة، وهو مختار الإمام مالك، ورجحه القاضي عياض. والرابع: يستحب أخذ ما زاد على القبضة وهو مختار الحنفية، انتهى.\n_________\n(^١) \"ردّ المحتار\" (٣/ ٣٩٧).\n(^٢) \"أوجز المسالك\" (١٧/ ١٠).\n(^٣) \"الشرح الكبير\" (١/ ١٠٥).","vol":"6","page":222},{"text":"(٦٦ -<span data-type='title' id=toc-3526> باب ما يذكر في الشيب)</span>\nأي: هل يخضب أو يترك، قاله الحافظ (^١).\nوقال العيني (^٢): الشيب بياض الرأس عن الأصمعي وغيره، وقال الجوهري: الشيب والمشيب واحد، والأشيب المبيض الرأس، وقال في شرح الحديث: اختلف في خضابه - ﷺ -، فمنعه الأكثرون منهم أنس، وأثبته بعضهم لحديث أم سلمة وابن عمر: \"أنه رأى النبي - ﷺ - يصبغ بالصفرة\"، وجمع بينهما بأن ذلك كان طيبًا فظنّه من رآه صبغًا، انتهى.\nقال الحافظ (^٣) بعد ما بسط شيئًا من الكلام على هذا الاختلاف: وقد أنكر أحمد إنكار أنس أنه خضب، وذكر حديث ابن عمر: \"أنه رأى النبي - ﷺ - يخضب بالصفرة\" وهو في الصحيح، ووافق مالك أنسًا في إنكار الخضاب وتأوّل ما ورد في ذلك، انتهى.\nوقال الشيخ ابن القيم في \"زاد المعاد\" (^٤): فإن قيل: قد ثبت في \"الصحيح\" عن أنس - ﵁ - أنه قال: \"لم يختضب النبي - ﷺ -\" قيل: قد أجاب أحمد بن حنبل عن هذا وقال: قد شهد به غير أنس على النبي - ﷺ - أنه خضب، وليس من شهد بمنزلة من لم يشهد، فأحمد أثبت خضاب النبي - ﷺ - ومعه جماعة من المحدثين ومالك أنكره، انتهى.\nقلت: هكذا حمل الشرَّاح هذه الترجمة على أن المراد به الخضاب وتركه، لكن فيه أن الترجمة الآتية صريح في حكم الخضاب، فحينئذٍ يلزم التكرار، فالأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن المقصود بالترجمة الآتية بيان حكم الخضاب على ما هو صريح مدلول الترجمة، وأما القصد من هذا الباب فليس إلى خصوص الخضاب بل إلى ما ورد من الروايات في الشيب من فضله والمنع عن نتفه ونحو ذلك، لكن لما لم تكن هذه الروايات على\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٣٥٢).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٥/ ٩٢، ٩٣).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٦/ ٥٧٢).\n(^٤) \"زاد المعاد\" (٤/ ٣٦٧).","vol":"6","page":223},{"text":"شرط المصنف لم يذكرها في الباب، وذكر في الباب ما كان على شرطه كما هو دأبه في مثل ذلك، ولا يخفى ذلك على من أمعن النظر في تراجمه، وقد أوضح هذا المرام الإمام أبو داود في \"سننه\" فترجم بترجمتين متعاقبتين، فترجم أولًا \"باب في نتف الشيب\" ثم ترجم \"باب في الخضاب\"، وذكر في الثانية ما ذكره البخاري في \"<span data-type='title' id=toc-3527>باب الخضاب</span>\" الباب الآتي، وأخرج في الترجمة الأولى حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا تنتفوا الشيب، ما من مسلم يشيب شيبة في الإسلام إلا كانت له نورًا يوم القيامة\" (^١)، ولفظ الترمذي (^٢) من حديث عمرو بن شعيب أيضًا: \"أن النبي - ﷺ - نهى عن نتف الشيب، وقال: إنه نور المسلم\"، انتهى.\nقال صاحب \"العون\" (^٣): فإن قلت: فإذا كان حال الشيب كذلك فلِمَ شرع ستره بالخضاب؟ قلنا: ذلك لمصلحة أخرى دينية وهو إرغام الأعداء وإظهار الجلادة لهم، قال ابن العربي: وإنما نهى عن النتف دون الخضب؛ لأن فيه تغيير الخلقة من أصلها بخلاف الخضب فإنه لا يغير الخلقة على الناظر إليه، انتهى.\nقوله: (وقبض إسرائيل ثلاث أصابع من قصة. . .) إلخ، قد اختلط كلام الشرَّاح في شرح هذا المقام.\nوبسط الكلام عليه الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٤) وكذا في \"هامشه\".\n\n(٦٧ - باب الخضاب)\nأي: تغيير لون شيب الرأس واللحية، قاله الحافظان (^٥).\n_________\n(^١) \"سنن أبي داود\" (رقم ٤٢٠٢).\n(^٢) \"سنن الترمذي\" (رقم ٢٨٢١).\n(^٣) \"عون المعبود\" (١١/ ١٧١).\n(^٤) انظر: \"لامع الدراري\" (١٠/ ٣).\n(^٥) \"فتح الباري\" (١٠/ ٣٥٤)، \"عمدة القاري\" (١٥/ ٩٥).","vol":"6","page":224},{"text":"زاد العيني: قال الجوهري: الخضاب ما يختضب به، وقد خضبت الشيء أخضبه خضبًا واختضبت بالحناء ونحوه، وكفّ خضيب، انتهى.\nوقال العلامة القسطلاني (^١) في شرح قوله: \"فخالفوهم\" أي: اصبغوا شيب لُحَاكم بالصفرة أو الحمرة، وفي \"السنن\" وصححه الترمذي من حديث أبي ذر مرفوعًا: \"إن أحسن ما غيرتم به الشيب الحناء والكتم\" وهو يحتمل أن يكون على التعاقب والجمع، والكتم بفتح الكاف والفوقية: يخرج الصبغ أسود يميل إلى الحمرة، وصبغ الحناء أحمر، فالجمع بينهما يخرج الصبغ بين السواد والحمرة، وأما الصبغ بالأسود البحت فممنوع لما ورد في الحديث من الوعيد عليه، وأوّل من خضب به من العرب عبد المطلب، وأما مطلقًا ففرعون لعنه الله تعالى، انتهى.\nوقال العيني (^٢): اختلفوا فيما يصبغ به، فالجمهور على أن الخضاب بالحمرة والصفرة دون السواد لما روي فيه من الأخبار المشتملة على الوعيد، ثم ذكر تلك الروايات، وقال: وذكر ابن أبي العاصم بأسانيد: أن حسنًا وحسينًا - ﵄ - كانا يختضبان به، أي: بالسواد، وعن عمر - ﵁ - أنه كان يأمر بالخضاب بالسواد ويقول: هو تسكين للزوجة وأهيب للعدو، وعن ابن أبي مليكة أن عثمان كان يخضب به، وروى ابن وهب عن مالك قال: لم أسمع في صبغ الشعر بالسواد نهيًا معلومًا، وغيره أحبّ إليّ، وعن أحمد فيه روايتان، وعن الشافعية أيضًا روايتان، والمشهور أنه يكره، وقيل: يحرم، ويتأكد المنع لمن دلّس به، انتهى.\nوبسط الكلام على المسألة في \"الأوجز\" (^٣) وفيه: وفي \"المحلى\": يكره عند مالك صبغ الشعر بالسواد من غير تحريم، وقال الحافظ: في السواد عن أحمد كالشافعية روايتان: المشهورة يكره، وقيل: يحرم، انتهى.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٦٩٣).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٥/ ٩٧).\n(^٣) \"أوجز المسالك\" (١٧/ ٤٣، ٤٤).","vol":"6","page":225},{"text":"وقال النووي: يحرم خضابه بالسواد على الأصح، وقيل: يكره تنزيهًا، والمختار التحريم لقوله - ﷺ -: \"اجتنبوا السواد\" وهذا مذهبنا، انتهى.\nوفي \"الدر المختار\" (^١): يكره بالسواد، وقيل: لا، قال ابن عابدين: قوله: يكره، أي: لغير الحرب، قال في \"الذخيرة\": أما الخضاب بالسواد للغزو ليكون أهيب في عين العدو فهو محمود بالاتفاق، وإن ليزين نفسه للنساء فمكروه، وعليه عامة المشايخ وبعضهم جوَّزه بلا كراهة، انتهى.\nوفي \"المحلى\": وكان يخضب بالسواد عثمان وسعد بن أبي وقاص، وعدّ جماعة من الصحابة والتابعين ممن كانوا يخضبون بالسواد، ثم قال: ومن كرهه تحريمًا احتج بما في مسلم عن جابر في قصة أبي قحافة من قوله - ﷺ -: \"اجتنبوا السواد\"، إلى آخر ما بسط في \"الأوجز\".\nقلت: وهذا الخلاف إنما هو في الخضاب بالسواد، وأما الخضاب مطلقًا فقال الحافظ (^٢): وقد اختلف في الخضب وتركه، فخضب أبو بكر وعمر وغيرهما كما تقدم، وترك الخضاب علي وأُبي بن كعب وأنس وجماعة إلى أن قال: ولكن الخضاب مطلقًا أولى؛ لأن فيه امتثال الأمر في مخالفة أهل الكتاب، وفيه صيانة للشعر عن تعلق الغبار وغيره به، إلا إن كان من عادة أهل البلد تركُ الصبغ، وأن الذي ينفرد بدونهم بذلك يصير في مقام الشهرة، فالترك في حقه أولى، انتهى.\nوفي \"الأوجز\" (^٣): قال النووي: قال القاضي: اختلف السلف من الصحابة والتابعين في الخضاب، فقال بعضهم: ترك الخضاب أفضل، ورووا حديثًا من النبي - ﷺ - في النهي عن تغيير الشيب، ولأنه - ﷺ - لم يغيِّر شيبه، وقال آخرون: الخضاب أفضل، وخضب جماعة من الصحابة والتابعين، انتهى.\n_________\n(^١) \"ردّ المحتار\" (٩/ ٦٠٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٠/ ٣٥٥).\n(^٣) \"أوجز المسالك\" (١٧/ ٤٨).","vol":"6","page":226},{"text":"وفي \"الدر المختار\" (^١): يستحب للرجل خضاب شعره ولحيته ولو في غير حرب في الأصح، انتهى.\nوقال الحافظ في \"الفتح\" (^٢): ونقل عن أحمد أنه يجب، وعنه: يجب ولو مرة، وعنه: لا أحبّ لأحد ترك الخضب ويتشبه بأهل الكتاب، لكن حكى الموفق (^٣) عنه الاستحباب فقط، فقال: ويستحب خضاب الشعر بغير سواد، قال أحمد: إني لأرى الشيخ المخضوب فأفرح به، انتهى.\nوقال النووي: مذهبنا استحباب خضاب الشيب للرجل والمرأة بصفرة أو حمرة، انتهى.\nوقال الإمام مالك في \"الموطأ\": وترك الصبغ كله واسع إن شاء الله، وليس على الناس فيه ضيق، قال الزرقاني (^٤): خلافًا لمن قال: الصبغ بغير السواد سُنَّة، انتهى.\n\n(٦٨ -<span data-type='title' id=toc-3528> باب الجعد)</span>\nهو صفة الشعر، يقال: شعر جعد بفتح الجيم وسكون المهملة وبكسرها، قاله الحافظ (^٥).\nوزاد العيني (^٦): وهو خلاف البسط، انتهى.\nوالظاهر عند هذا العبد الضعيف في الغرض من الترجمة على ما يستفاد من مجموع أحاديث الباب أن شدة الجعودة ليست بمحمودة فينبغي إزالته بالامتشاط وغيره، وقليله محمود لا يزال.\n\n(٦٩ -<span data-type='title' id=toc-3529> باب التلبيد)</span>\nهو جمع الشعر في الرأس بما يلزق بعضه ببعض كالخطمي والصمغ\n_________\n(^١) \"ردّ المحتار\" (٩/ ٦٠٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٠/ ٣٥٥).\n(^٣) \"المغني\" (١/ ١٢٥).\n(^٤) \"شرح الزرقاني\" (٤/ ٣٣٩).\n(^٥) \"فتح الباري\" (١٠/ ٣٥٧).\n(^٦) \"عمدة القاري\" (١٥/ ٩٧).","vol":"6","page":227},{"text":"لئلا يتشعث ويقمل في الإحرام، وقد تقدم بسطه في الحج (^١).\nقلت: ولما كان التلبيد مما يصنع عادةً وقت الإحرام، ولذا فسّروه بأنه جعل المحرم في رأسه شيئًا من الصمغ كما تقدم، وَجَّه العيني (^٢) ذكره ههنا فقال: وجه إيراد هذا الباب ههنا من حيث إن الأبواب الستة التي قبل هذا الباب كلها في أحوال الشعر، وتلبيد الشعر أيضًا من جملتها، انتهى.\nقوله: (من ضفّر فليحلق ولا تشبهوا بالتلبيد) قال الحافظ (^٣): حكى ابن بطال أنه بفتح أوله، والأصل: لا تتشبهوا فحذفت إحدى التائين، قال: ويجوز ضم أوله وكسر الموحدة والأول أظهر. ثم ذكر الحافظ في معنى الحديث احتمالين فارجع إليه لو شئت.\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٤): قوله: \"من ضفّر فليحلق. . .\" إلخ، الظاهر أن الأمر للاستحباب، ومعنى العبارة أن النبي - ﷺ - لبّد رأسه وحلق فكان الأدب للملبّد الحلق، وكذلك هو أدب لمن تشبّه بالملبّد بالتضفير، ثم حثّ على اختيار الأعلى بترك الأدنى فقال: \"لا تشبهوا بالتلبيد\" بأن تضفروا بل حصِّلوا عينَ التلبيد، ثم أورد ابن عمر تأييدًا لقول أبيه: \"إني رأيته - ﷺ - ملبدًا\"، وقيل في معنى العبارة: إن مفاد كلام عمر النهي عن التلبيد وما يشبهه وهو التضفير، غير أنه لم يذكرهما جميعًا للعلم بحال الأصل بذكر الشبه، فإذا كان التشبه بالتلبيد ممنوعًا كان عين التلبيد أولى بالمنع، والنهي مع ذلك تنزيه وأدب، وعلى هذا فكلام ابنه مسوق للردّ عليه حيث أثبت سُنِّية التلبيد فيكون التضفير ندبًا أيضًا لشبهه به لا منهيًا عنه، وما ذكرناه في معنى العبارة أولى، انتهى.\nقلت: ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه أوضح وأجود مما في الشروح، وذكر حاصله وحاصل كلام الشرَّاح في هامش \"اللامع\"، وأما قوله: \"من لبّد\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (١٠/ ٣٦٠).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٥/ ١٠٢)\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٠/ ٣٦١).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٦ - ٨).","vol":"6","page":228},{"text":"فليحلق\" فمسألة خلافية تقدمت في \"باب من لبّد رأسه عند الإحرام فليحلق\" من \"كتاب الحج\"، وكذا تقدم في \"باب من أهلّ ملبِّدًا\" أقوال الأئمة في حكم التلبيد عند الإحرام، وأما حكم التلبيد في غير الإحرام فلم أر من تعرض لذكر الخلاف فيه.\n\n(٧٠ -<span data-type='title' id=toc-3530> باب الفرق)</span>\nبفتح الفاء وسكون الراء، أي: فرق شعر الرأس، وهو قسمته في المفرق وهو وسط الرأس، يقال: فرق شعره فرقًا بالسكون، وأصله من الفرق بين الشيئين، والمفرق مكان انقسام الشعر من الجبين إلى دارة وسط الرأس، قاله الحافظ (^١).\nثم قال في شرح الحديث: قوله: \"ثم فرق بعد\" في رواية معمر \"ثم أمر بالفرق ففرق، وكان الفرق آخر الأمرين\"، ومما يشبه الفرق والسدل صبغ الشعر وتركه كما تقدم، ومنها صوم عاشوراء، ثم أمر بنوع مخالفة لهم فيه بصوم يوم قبله أو بعده، ومنها استقبال القبلة، إلى آخر ما ذكر.\nقال عياض: الفرق سُنَّة؛ لأنه الذي استقر عليه الحال، والذي يظهر أن ذلك وقع بوحي، انتهى.\nقال القسطلاني (^٢): وروي أن الصحابة - ﵃ - كان منهم من يفرق ومنهم من كان يسدل، ولم يعب بعضهم على بعض، وصحّ أنه - ﷺ - كانت له لمة، فإن انفرقت فرقها وإلا تركها، قال النووي: الصحيح جواز الفرق والسدل، انتهى.\n\n(٧١ -<span data-type='title' id=toc-3531> باب الذوائب)</span>\nجمع ذؤابة، والأصل ذئائب فأبدلت الهمزة واوًا، والذؤابة ما يتدلى من شعر الرأس، والغرض من حديث الباب ههنا قوله: \"فأخذ بذؤابتي\" فإن\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٣٦١، ٣٦٢).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٧٠٢).","vol":"6","page":229},{"text":"فيه تقريره - ﷺ - على اتخاذ الذؤابة، وفيه دفع لرواية من فسر القزع بالذؤابة كما سأذكره في الباب الذي يليه، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nقلت: وسيأتي في الباب الآتي من كلام الحافظ: أن من الذوائب بعضها من المأذون اتخاذها وبعضها ممنوع.\nوفي \"الفيض\" (^٢): الذوائب: الشعر الذي سوّاه بالمشط، والضفائر جمع ضفيرة وهي الشعر المنسوجة عرضًا، وفي \"العالمكَيرية\": أنها مكروهة.\nقلت: يجب تأويله بما إذا كانت كذوائب المتصوفة اليوم، وإلا فهي ثابتة عن النبي - ﷺ - أيضًا كما عند الترمذي، وقال أيضًا: يكره للرجل أن يجعل أشعاره ضفائر، فإن قسمها بدون ضفر جاز كما فعله النبي - ﷺ - في فتح مكة، انتهى.\n\n(٧٢ -<span data-type='title' id=toc-3532> باب القزع)</span>\nبفتح القاف والزاي ثم المهملة جمع قزعة، وهي القطعة من السحاب، وسمي شعر الرأس إذا حلق بعضه وترك بعضه قزعًا تشبيهًا بالسحاب المتفرق.\nقال النووي: الأصح أن القزع ما فسّره به نافع، وهو حلق بعض رأس الصبي مطلقًا، ومنهم من قال: هو حلق مواضع متفرقة منه، والصحيح الأول؛ لأنه تفسير الراوي، وهو غير مخالف للظاهر فوجب العمل به.\nقلت: إلا أن تخصيصه بالصبي ليس قيدًا، قال النووي: أجمعوا على كراهيته إذا كان في مواضع متفرقة إلا للمداواة ونحوها، وهي كراهة تنزيه، ولا فرق بين الرجل والمرأة، إلى أن قال الحافظ: وأما ما أخرجه أبو داود عن ابن عمر قال: \"نهى النبي - ﷺ - عن القزع، وهو أن يحلق رأس الصبي\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٣٦٣).\n(^٢) \"فيض الباري\" (٦/ ١٠٣، ١٠٤).","vol":"6","page":230},{"text":"ويتخذ له ذؤابة\"، فما أعرف الذي فسّر القزع بذلك، فقد أخرج أبو داود عقب هذا من حديث أنس: \"كانت لي ذؤابة فقالت أمي: لا أجزها فإن رسول الله - ﷺ - كان يمدّها ويأخذ بها\"، ويمكن الجمع بأن الذؤابة الجائز اتخاذها ما يفرد من الشعر فيرسل ويجمع ما عداها بالضفر وغيره، والتي تمنع أن يحلق الرأس كله ويترك ما في وسطه فيتخذ ذؤابة، وقد صرّح الخطابي بأن هذا مما يدخل في معنى القزع، والله أعلم، انتهى كله من \"الفتح\" (^١).\n\n(٧٣ -<span data-type='title' id=toc-3533> باب تطييب المرأة زوجها بيديها)</span>\nقال الحافظ (^٢): كأن فقه هذه الترجمة من جهة الإشارة إلى الحديث الوارد في الفرق بين طيب الرجل والمرأة، وأن طيب الرجل ما ظهر ريحه وخفي لونه، والمرأة بالعكس، فلو كان ثابتًا لامتنعت المرأة من تطييب زوجها بطيبه لما يعلق بيديها وبدنها منه حالة تطييبها له، وكان يكفيه أن يطيب نفسه، فاستدل المصنف بحديث عائشة المطابق للترجمة، والحديث الذي أشار إليه أخرجه الترمذي من حديث عمران بن حصين، وإذا كان الخبر ثابتًا فالجمع بينه وبين حديث الباب أن لها مندوحة أن تغسل أثره إذا أرادت الخروج لأن منعها خاصّ بحالة الخروج، انتهى.\n\n(٧٤ -<span data-type='title' id=toc-3534> باب الطيب في الرأس واللحية)</span>\nأي: هذا باب في بيان مشروعية الطيب الذي يستعمل في الرأس واللحية، انتهى من \"العيني\" (^٣).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٣٦٤، ٣٦٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٠/ ٣٦٦).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٥/ ١٠٨).","vol":"6","page":231},{"text":"(٧٥ -<span data-type='title' id=toc-3535> باب الامتشاط)</span>\nهو افتعال من المشط بفتح الميم، وهو تسريح الشعر بالمشط (^١)، انتهى.\nوقال القسطلاني (^٢) تبعًا للعيني: أي: باب استحباب الامتشاط، انتهى.\nوأما مطابقة الحديث بالترجمة فقال القسطلاني (^٣): قوله: \"يحكّ رأسه بالمدرى\" بكسر الميم وفتح الراء بينهما دال مهملة ساكنة، مقصور: عود تدخله المرأة في رأسها لتضم بعض شعرها إلى بعض أو هو المشط، إلى آخر ما ذكر من الأقوال، فعلى القول الأول تكون المطابقة بطريق المقايسة، واختاره الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" كما سيأتي، وعلى القول الثاني فالمطابقة ظاهرة واختاره العيني (^٤) إذ قال: مطابقة الحديث بالترجمة ظاهر من حيث إن المدرى هو المشط عند البعض، وقال ابن بطال: المدرى بالكسر عند العرب المشط، قال امرؤ القيس:\nيظلل المداري في مثنى ومرسل\nذكر أبو حاتم عن الأصمعي وأبي عبيد قال: المداري: الأمشاط، انتهى.\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٥): إثبات الترجمة بالرواية الموردة فيه مقايسة، فإن المدرى كالمشط غير أن أسنان المشط وافرة متقاربة، انتهى.\nوذكر في هامشه ما يؤيد كلام الشيخ - ﵀ -.\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (١٠/ ٣٦٧).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٧٠٧)، \"عمدة القاري\" (١٥/ ١٠٩).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٧٠٧).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٥/ ١٠٩، ١١٠).\n(^٥) \"لامع الدراري\" (١٠/ ١٤).","vol":"6","page":232},{"text":"(٧٦ -<span data-type='title' id=toc-3536> باب ترجيل الحائض زوجها)</span>\nأي: تسريحها شعره، ذكر فيها حديث عائشة، وسبق في \"باب غسل الحائض رأس زوجها وترجيله\" من \"كتاب الحيض\".\n\n(٧٧ -<span data-type='title' id=toc-3537> باب الترجل)</span>\nاختلفت النسخ ههنا في لفظ الترجمة، ففي نسخة \"الفتح\": \"باب الترجيل والتيمن فيه\"، وفي نسخة \"العيني\": \"باب الترجيل والتيمن\" بحذف لفظ: \"فيه\"، وفي نسخة \"القسطلاني\": \"باب الترجيل\".\nقال العلامة العيني (^١): أي: بيان استحبابه، وهو تسريح شعر اللحية والرأس ودهنه، واستحباب التيمن في كل شيء، وفي بعض النسخ: \"باب الترجل\"، وفي التفعل من المبالغة ما ليس في التفعيل، والترجل لنفسه والترجيل لغيره، انتهى.\nقال الحافظ (^٢): والتيمن في الترجل أن يبدأ بالجانب الأيمن وأن يفعله باليمنى، قال ابن بطال ما شرح الترجيل بما تقدم من كلام العيني وهو من النظافة، وقد ندب الشرع إليها قال الله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]، وأما حديث النهي عن الترجل إلا غبًّا فالمراد به ترك المبالغة في الترفه، انتهى.\n\n(٧٨ -<span data-type='title' id=toc-3538> باب ما يذكر في المسك)</span>\nقد تقدم التعريف بالمسك في \"كتاب الذبائح\" حيث ترجم له \"باب المسك\"، قاله الحافظ (^٣).\nووجه إيراد هذا الباب ههنا من جهة أن استعمال المسك وهو من أطيب الطيب نوع من الزينة.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٥/ ١١٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٠/ ٣٦٨).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٠/ ٣٦٩).","vol":"6","page":233},{"text":"(٧٩ -<span data-type='title' id=toc-3539> باب ما يستحب من الطيب)</span>\nقال العلامة العيني (^١): أي: في بيان ما يستحب استعمال أطيب ما يوجد من الطيب، ولا يستعمل الأدنى مع وجود الأعلى إلا عند الضرورة، انتهى.\nوزاد الحافظ (^٢): ويحتمل أن يشير إلى التفرقة بين الرجال والنساء في التطيب كما تقدمت الإشارة إليه قريبًا، ثم قال: والغرض من حديث الباب هنا أن المراد بأطيب (^٣) الطيب المسك، وقد ورد ذلك صريحًا أخرجه مالك من حديث أبي سعيد رفعه قال: \"المسك أطيب الطيب\" وهو عند مسلم أيضًا، انتهى.\n\n(٨٠ -<span data-type='title' id=toc-3540> باب من لم يردّ الطيب)</span>\nكأنه أشار إلى أن النهي عن ردّه ليس على التحريم، وقد ورد ذلك في بعض طرق حديث الباب وغيره، كذا في \"الفتح\" (^٤). وهكذا أفاد العيني، وسكت عن بيان الغرض القسطلاني.\nقلت: ووجه الإشارة إلى ما قاله الحافظان أن التبويب بلفظ: \"من\" يشعر إلى التخفيف والتوسع في ذلك، بخلاف ما لو ترجم بلفظ \"باب لا يردّ الطيب\" كما لا يخفى.\n\n(٨١ -<span data-type='title' id=toc-3541> باب الذريرة)</span>\nبمعجمة ورائين بوزن عظيمة، وهي نوع من الطيب مركب، قال الداودي: تجمع مفرداته ثم تسحق وتنخل ثم تذرّ في الشعر والطوق فلذلك سميت ذريرة، وعلى هذا أكل طيب مركب ذريرة، لكن الذريرة نوع\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٥/ ١١٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٠/ ٣٧٠).\n(^٣) كذا في الأصل، والمذكور في حديث الباب بلفظ: \"أطيب ما أجد\" والمراد واحد، (ز).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٠/ ٣٧١)، \"عمدة القاري\" (١٥/ ١١٢).","vol":"6","page":234},{"text":"من الطيب مخصوص، يعرفه أهل الحجاز وغيرهم، وجزم غير واحد، منهم النووي بأنه فتات قصب طيب يجاء به من الهند (^١)، انتهى.\n\n(٨٢ -<span data-type='title' id=toc-3542> باب المتفلجات للحسن)</span>\nأي: في بيان ذمّ النساء المتفلِّجات لأجل الحسن، والمتفلجات جمع متفلجة وهي التي تطلب الفلج أو تصنعه، والفلج: انفراج ما بين الثنيتين، والتفلج: أن يفرج بين المتلاصقين بالمبرد ونحوه، وهو مختص عادة بالثنايا والرباعيات، ويستحسن من المرأة، فربما صنعته المرأة التي تكون أسنانها متلاصقة لتصير متفلجة، وقد تفعله الكبيرة توهم أنها صغيرة؛ لأن الصغيرة غالبًا تكون مفلجة جديدة السنّ ويذهب ذلك في الكبر، وتحديد الأسنان يسمى الوشر بالراء، وقد ثبت النهي عنه أيضًا في بعض طرق حديث ابن مسعود من حديث غيره في \"السنن\" وغيرها (^٢)، انتهى.\nفورد النهي عن ذلك لما فيه من تغيير الخلقة الأصلية، انتهى من \"الفتح\" (^٣) بزيادة من \"العيني\".\n\n(٨٣ -<span data-type='title' id=toc-3543> باب الوصل في الشعر)</span>\nكذا في النسخة \"الهندية\" و\"العيني\" و\"القسطلاني\"، وفي نسخة \"الفتح\": \"باب وصل الشعر\".\nقال العلامة العيني (^٤): أي: في بيان ذمّ وصل الشعر، يعني: الزيادة فيه بشعر آخر، انتهى.\nوقال الحافظ (^٥) في شرح الترجمة: أي: الزيادة فيه من غيره، ثم قال\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (١٠/ ٣٧١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٠/ ٣٧٢)، \"عمدة القاري\" (١٥/ ١١٣).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٠/ ٣٧٢).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٥/ ١١٤).\n(^٥) \"فتح الباري\" (١٠/ ٣٧٤، ٣٧٥).","vol":"6","page":235},{"text":"تحت حديث الباب: وهذا الحديث حجة للجمهور في منع وصل الشعر بشيء آخر سواء كان شعرًا أم لا، يؤيده حديث جابر: \"زجر رسول الله - ﷺ - أن تصل المرأة بشعرها شيئًا\" أخرجه مسلم، انتهى.\nوتعقبه العلامة العيني (^١) إذ قال: هذا الذي قاله غير مستقيم؛ لأن الحديث الذي أشار به إليه الذي هو حديث معاوية لا يدلّ على المنع مطلقًا لأنه مقيد بوصل الشعر بالشعر، فكيف يجعله حجة للجمهور، فانظر إلى هذا التصرف العجيب، انتهى.\nقلت: وهذا الإيراد من العلامة العيني ليس بصحيح، فإن حديث الباب حديث معاوية مروي بعدة طرق بألفاظ مختلفة بزيادة ونقصان، أخرجه بهذه الطرق الإمام مسلم في \"صحيحه\"، أشار إلى بعضها الحافظ أيضًا، وفي طريق من تلك الطرق: \"وجاء رجل بعصىً على رأسها خرقة، قال معاوية: ألا وهذا الزور، قال قتادة: يعني ما تكثِّر به النساءُ أشعارَهن من الخرق\" فمجموع طرق الحديث يدل لا محالة على ما قاله الحافظ، ثم المسألة خلافية شهيرة بسط الكلام عليها في \"الأوجز\" (^٢).\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٣) في \"كتاب النكاح\": قوله: \"أنه قد لعن الموصلات\" لا يقال: لو كان النهي مقيدًا بما إذا كان الوصل بشعر الإنسان لما أورده النبي - ﷺ - مطلقًا؛ لأنا نقول: النهي عنه بصورة الإطلاق سدّ للباب، ويمكن أن يكون السؤال عن شعر الإنسان فقط، فلذلك أطلق الجواب، انتهى.\nوفي هامشه: وهذا مبني على مذهب الحنفية والجمهور من أن المراد النهي عن وصل الشعر بالشعر، وبه جزم الإمام أبو داود في \"سننه\" إذ قال: قال أبو داود: تفسير الواصلة التي تصل الشعر بشعر النساء، وبه جزم الإمام\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٥/ ١١٥).\n(^٢) \"أوجز المسالك\" (١٧/ ١٨ - ٢٢).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (٩/ ٣٢٩).","vol":"6","page":236},{"text":"محمد في \"موطئه\" إذ ترجم على حديث معاوية \"باب المرأة تصل شعرها بشعر غيرها\"، ثم قال بعد ذكر حديث معاوية: وبهذا نأخذ ولا بأس بالوصل في الرأس إذا كان صوفًا، فأما الشعر من شعور الناس فلا ينبغي، وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا، انتهى.\nوبهذا قال الإمام أحمد كما في \"سنن أبي داود\": كان أحمد يقول: القرامل ليس به بأس، انتهى.\nقال الحافظ: القرامل جمع قرمل بفتح القاف وسكون الراء: نبات طويل الفروع لين، والمراد به هنا خيوط من حرير أو صوف يعمل ضفائر تصل به المرأة شعرها، انتهى.\nقلت: وبما ذكره الإمام محمد من مذهب الحنفية جزم صاحب \"الدر المختار\" (^١) إذ قال: ووصل الشعر بشعر الآدمي حرام سواء كان شعرها أو شعر غيرها، انتهى.\nقال ابن عابدين: لكن في \"التتارخانية\": إذا وصلت المرأة شعر غيرها بشعرها فهو مكروه، وإنما الرخصة في غير شعر بني آدم، إلى آخر ما ذكر.\nوذكر العلامة النووي في \"شرح مسلم\" (^٢) تفصيلًا عند الشافعية في هذه المسألة، وحاصله: أن الوصل بشعر الآدميّ حرام مطلقًا، وإن كان بشعر غير الآدمي فإن كان شعرًا نجسًا كشعر الميتة فهو حرام أيضًا، وإن كان بشعر طاهر فإن لم يكن لها زوج أو سيد فهو أيضًا حرام، وإن كان لها زوج أو سيد فثلاثة أوجه: أحدها الجواز، والثاني الحرمة، والأصح عندهم إن فعلته بإذن السيد أو الزوج هو جائز وإلا فحرام.\nثم قال النووي: وقال القاضي عياض: اختلف العلماء في المسألة، فقال مالك والطبري وكثيرون أو الأكثرون: الوصل ممنوع بكل شيء سواء\n_________\n(^١) \"ردّ المحتار\" (٩/ ٥٣٥).\n(^٢) \"شرح النووي على صحيح مسلم\" (٧/ ٣٥٩، ٣٦٠).","vol":"6","page":237},{"text":"وصلته بشعر أو صوف أو خرق، واحتجوا بحديث جابر، وقال بعضهم: يجوز جميع ذلك وهو مروي عن عائشة، ولا يصح عنها بل الصحيح عنها كقول الجمهور، انتهى.\n\n(٨٤ -<span data-type='title' id=toc-3544> باب المتنمصات)</span>\nجمع متنمصة، وحكى ابن الجوزي متمنصة بتقديم الميم على النون، وهو مقلوب، والمتنمصة: التي تطلب النماص، والنامصة: التي تفعله، والنماص: إزالة شعر الوجه بالمنقاش، ويسمى المنقاش منماصًا لذلك، ويقال: إن النماص يختص بإزالة شعر الحاجبين لترفيعهما أو تسويتهما، قال أبو داود في \"السنن\": النامصة التي تنقش الحاجب حتى ترقه. قال الطبري: لا يجوز للمرأة تغيير شيء من خلقتها التي خلقها الله تعالى عليها بزيادة أو نقص التماسَ الحسن لا للزوج ولا لغيره، كمن تكون مقرونة الحاجبين فتزيل ما بينهما توهم البلج أو عكسه، ومن تكون لها سن زائد فتقلعها أو طويلة فتقطع منها أو لحية أو شارب أو عنفقة فتزيلها بالنتف، وكل ذلك داخل في النهي.\nوقال النووي: يستثنى من النماص ما إذا نبت للمرأة لحية أو شارب أو عنفقة فلا يحرم عليها إزالتها بل يستحب، انتهى مختصرًا من \"الفتح\" (^١).\nقال ابن عابدين (^٢): وفي \"تبيين المحارم\": إزالة الشعر من الوجه حرام، إلا إذا نبت للمرأة لحية أو شوارب فلا تحرم إزالته بل تستحب، انتهى.\n\n(٨٥ -<span data-type='title' id=toc-3545> باب الموصولة)</span>\nأي: ذمّ المرأة الموصولة، قاله العيني (^٣) والقسطلاني.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٣٧٧).\n(^٢) \"ردّ المحتار\" (٩/ ٥٣٦).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٥/ ١٩٩)، \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٧١٨).","vol":"6","page":238},{"text":"قوله: (يعني لعن النبي - ﷺ -)، في \"تراجم شيخ المشايخ\" (^١): قال في \"فتح الباري\" (^٢): لم يتجه لي هذا التفسير إلا إن كان المراد لعن الله تعالى على لسان نبيه.\nقلت: توجيه هذا التفسير - والله أعلم - أن قوله - ﷺ -: \"لعن الله الواشمة\" إلى آخره يحتمل معنيين: أحدهما: أن يكون خبرًا عن الله تعالى أنه لعن كذا وكذا، وثانيهما: أنه دعاء منه - ﷺ - على من فعل ذلك، فالتفسير نفس المعنى الأخير، انتهى.\nقلت: وسياق النسخ المصرية سوى نسخة الحافظ: \"قال النبي - ﷺ -: الواشمة والموتشمة والواصلة والمستوصلة، يعني: لعن النبي - ﷺ -\"، وهذا السياق واضح لا يرد عليه ما أورده الحافظ ومعناه ظاهر، وذلك أن الراوي لم يتذكر لفظ النبي - ﷺ - فذكره بلفظ \"يعني\" كما هو مطرد في مثل تلك المواضع، ويتمشى ما قال الحافظ في النسخة التي فيها لفظ \"لعن الله\" في صدر الحديث.\n\n(٨٦ -<span data-type='title' id=toc-3546> باب الواشمة)</span>\nأي: ذمّ المرأة التي تشم، والوشم: أن يغرز في العضو نحو إبرة فإذا سال الدم حشاه بنحو نورة فيخضر، وقد يكون في اليد وغيرها، وقد يفعل نقشًا، وقد يجعل دوائر، وقد يكتب اسم المحبوب، انتهى من \"القسطلاني\" (^٣).\n\n(٨٧ -<span data-type='title' id=toc-3547> باب المستوشمة)</span>\nأي: ذمّ المرأة الطالبة للوشم المفعول بها، قاله القسطلاني (^٤)\n_________\n(^١) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٤١٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٠/ ٣٧٩).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٧).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٧٢٢ - ٧٢٤).","vol":"6","page":239},{"text":"ثم قال في شرح الحديث: وسبب لعن المذكورات أن فعلهن تغيير لخلق الله وتزوير وتدليس وخداع، ولو رخّص فيه لاتخذه الناس وسيلة إلى أنواع الفساد، ولعله قد يدخل في معناه صنعة الكيمياء، فإن من تعاطاها إنما يروم أن يلحق الصنعة بالخلقة، وكذلك كل مصنوع يشبه بمطبوع وهو باب عظيم من الفساد حكاه في \"الكواكب\"، انتهى.\nوفي هامش \"اللامع\" (^١): ومما ينبغي أن يتدبر أن الإمام البخاري لم يترجم للواصلة كما ترجم للواشمة والمستوشمة، وأيضًا أدخل الباب الأجنبي \"باب المتنمصات\" بين الوصل والموصولة، ولم يتعرض لذلك أحد من الشرَّاح، وللتوجيه مساغ، انتهى.\nويمكن أن يجاب عن الإيراد الأول أنه ترجم لما يتعلق بالوصل ترجمتين: إحداهما بلفظ الموصولة، والثانية في حق الواصلة، وهو الترجمة الأولى، وإنما عبرها بلفظ الوصل دون الواصلة اعتبارًا لمادة الكلمة للتنفن، وأما الجواب عن إدخال الباب الأجنبي أن النمص خلاف الوصل وضده فذكره بجنبها لتناسب الضدين.\n\n(٨٨ -<span data-type='title' id=toc-3548> باب التصاوير)</span>\nجمع تصوير بمعنى الصورة، والمراد بيان حكمها من جهة مباشرة صنعتها، ثم من جهة استعمالها واتخاذها، قال الخطابي: والصورة التي لا تدخل الملائكة البيت الذي هي فيه ما يحرم اقتناؤه، وهو ما يكون من الصور التي فيها الروح مما لم يقطع رأسه أو لم يمتهن على ما سيأتي تقريره في \"باب ما وطئ من التصاوير\" بعد بابين، وأغرب ابن حبان فادّعى أن هذا الحكم خاص بالنبي - ﷺ - قال: وهو نظير الحديث الآخر: \"لا تصحب الملائكة رفقة فيها جرس\" قال: فإنه محمول على رفقة فيها رسول الله - ﷺ -.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (١٠/ ١٤).","vol":"6","page":240},{"text":"ثم قال الحافظ: وقد استشكل كون الملائكة لا تدخل المكان الذي فيه التصاوير مع قوله - ﷾ - عند ذكر سليمان - ﵇ -: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ﴾ [سبأ: ١٣]؟ والجواب: أن ذلك كان جائزًا في تلك الشريعة، ويحتمل أن يقال: إن التماثيل كانت على صورة النقوش لغير ذوات الأرواح (^١)، انتهى.\n\n(٨٩ -<span data-type='title' id=toc-3549> باب عذاب المصوّرين يوم القيامة)</span>\nأي: الذين يصنعون الصور، وقد استشكل كون المصوِّر أشدّ الناس عذابًا مع قوله تعالى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦]، فإنه يقتضي أن يكون المصوّر أشدّ عذابًا من آل فرعون، ثم بسط الحافظ في الجواب عنه فارجع إليه لو شئت (^٢).\n\n(٩٠ -<span data-type='title' id=toc-3550> باب نقض الصور)</span>\nبضم المهملة وفتح الواو جمع صورة، وحكي سكون الواو في الجمع أيضًا، كذا في \"الفتح\" (^٣).\nوقال العيني (^٤) تحت الحديث الأول: مطابقته للترجمة ظاهرة.\nوقوله: (فيه تصاليب) قال الكرماني: أي: التصاوير كالصليب، يقال: ثوب مصلب، أي: عليه نقش كالصليب الذي للنصارى، وقال بعضهم: التصاليب جمع صليب، كأنهم سموا ما كانت فيه صورة الصليب تصليبًا تسمية بالمصدر، قلت: على ما ذكره يكون التصاليب جمع تصليب لا جمع صليب، انتهى.\n\n(٩١ -<span data-type='title' id=toc-3551> باب ما وطئ من التصاوير)</span>\nأي: هل يرخص فيه؟ ووطئ بضم الواو مبني للمجهول، أي: صار يداس عليه ويمتهن، قاله الحافظ (^٥).\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (١٠/ ٣٨٠ - ٣٨٢).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (١٠/ ٣٨٣).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٠/ ٣٨٥).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٥/ ١٢٥).\n(^٥) \"فتح الباري\" (١٠/ ٣٨٧).","vol":"6","page":241},{"text":"وفي \"الفيض\" (^١) تحت ترجمة الباب: وحاصله كون التصاوير ممتهنة، واعلم أن فعل التصوير حرام مطلقًا، أي: تصوير الحيوان، سواء كانت صغيرة أو كبيرة، مجسمة أو مسطحة، ممتهنة أو موقرة، وإنما الكلام في نفس التصوير، أي: الصورة فيعلم من \"الكبيري شرح المنية\" أن الصغيرة هي التي لا تبدو للناظر أعضاؤها وإلا فهي كبيرة، انتهى.\nقوله: (فيه تماثيل. . .) إلخ، قال الحافظ (^٢): استدل بهذا الحديث على جواز اتخاذ الصور إذا كانت لا ظلّ لها، وهي مع ذلك مما يوطأ ويداس أو يمتهن بالاستعمال كالمخاد والوسائد. قال النووي: وهو قول جمهور العلماء من الصحابة والتابعين، وهو قول الثوري ومالك وأبي حنيفة والشافعي، ولا فرق في ذلك بين ما له ظل وما لا ظل له، فإن كان معلقًا على حائط أو ملبوسًا أو عمامة أو نحو ذلك مما لا يعدّ ممتهنًا فهو حرام.\nقلت: وفيما نقله مؤاخذات، ثم بسطها فارجع إليه لو شئت.\nقوله: (فجعلناه وسادتين. . .) إلخ، قال صاحب \"فيض الباري\" (^٣): ولم تتنقح المسألة من هذا اللفظ أيضًا؛ لأن صدر الحديث يدلّ على أن الإِباحة لأجل الهتك، وآخره يدلّ على أن الإباحة لكونها ممتهنة؛ لأنه لا دليل في جعلها وسادتين على انشقاق تلك التصاوير أيضًا، انتهى.\n\n(٩٢ -<span data-type='title' id=toc-3552> باب من كره القعود على الصور)</span>\nأي: ولو كانت مما توطأ، قاله الحافظ (^٤).\nوقال تحت حديث الباب: وظاهر حديثي عائشة هذا والذي قبله التعارض؛ لأن الذي قبله يدلّ على أنه - ﷺ - استعمل الستر الذي فيه الصورة\n_________\n(^١) \"فيض الباري\" (٦/ ١١١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٠/ ٣٨٨).\n(^٣) \"فيض الباري\" (٦/ ١١٢).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٠/ ٣٨٩، ٣٩٠).","vol":"6","page":242},{"text":"بعد أن قطع وعملت منه الوسادة، وهذا يدل على أنه لم يستعمله أصلًا، وقد أشار المصنف إلى الجمع بينهما؛ لأنه لا يلزم من جواز اتخاذ ما يوطأ من الصور جواز القعود على الصورة، فيجوز أن يكون استعمل من الوسادة ما لا صورة فيه، ويجوز أن يكون رأى التفرقة بين القعود والاتكاء، وهو بعيد، ويحتمل أيضًا أن يجمع بين الحديثين بأنها لما قطعت الستر وقع القطع في وسط الصورة مثلًا فخرجت عن هيئتها، فلهذا صار يرتفق بها، انتهى.\nوقال القسطلاني (^١): قال العيني: لا تعارض بين الحديثين أصلًا لأن حديث الباب وحديث مسلم المذكور فيه \"فجعلته مرفقتين فكان يرتفق بهما في البيت\" حديث واحد، لكن البخاري لم يذكر هذه الزيادة، والله أعلم، انتهى.\nكذا حكى القسطلاني عن العيني ولم يتعقبه بشيء، لكن التعارض بين الحديثين ظاهر كما لا يخفى، وقد أشار البخاري إلى الجمع بينهما بهاتين الترجمتين كما تقدم، وما أشار إليه العلامة العيني من الزيادة في رواية مسلم فلا يدفع التعارض، فإن الوارد فيها لفظ \"مرفقتين\" وفرق بين المرفقة والنمرقة، وإلا وقع التعارض بين أول الحديث وآخره.\nوقال العلامة السندي (^٢): وقد أجيب بأن الواقعة متحدة، ولا يخفى أنه يقوي التعارض، ويوجب أن إحدى الروايتين باطلة، وأطال العلامة السندي الكلام في بيان الجواب عنه.\nوذكر في هامش \"اللامع\" (^٣) أيضًا فارجع إليه لو اشتقت.\nوبسط صاحب \"الفيض\" (^٤) الكلام على هاتين الترجمتين أيضًا في\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٧٣١)، \"عمدة القاري\" (١٢/ ١٢٩).\n(^٢) \"صحيح البخاري بحاشية السندي\" (٤/ ٤٥).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (١٠/ ١٥، ١٦).\n(^٤) \"فيض الباري\" (٦/ ١١٢ - ١١٣).","vol":"6","page":243},{"text":"الفرق بينهما وبيان الغرض منهما، فذكر عدة وجوه محتملة، فارجع إليه لو شئت التفصيل.\n\n(٩٣ -<span data-type='title' id=toc-3553> باب كراهية الصلاة في التصاوير)</span>\nأي: في الثياب المصورة، ووجه انتزاع الترجمة من الحديث أن الصور إذا كانت تلهي المصلي وهي مقابله، فكذا تلهيه وهو لابسها بل حالة اللبس أشدّ، ويحتمل أن تكون \"في\" بمعنى \"إلى\"، فتحصل المطابقة وهو اللائق بمراده، فإن في المسألة خلافًا، فنقل عن الحنفية أنه لا تكره الصلاة إلى جهة فيها صورة إذا كانت صغيرة أو مقطوعة الرأس، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوفي \"الدر المختار\" (^٢) في ذكر مكروهات الصلاة: ولبس ثوب فيه تماثيل ذي روح، وأن يكون فوق رأسه أو بين يديه، أو بحذائه يمنة أو يسرة أو محل سجوده تمثال، ولو في وسادة منصوبة لا مفروشة، واختلف فيما إذا كان التمثال خلفه، والأظهر الكراهة، ولا يكره لو كانت تحت قدميه أو محل جلوسه لأنها مهانة، انتهى.\n\n(٩٤ -<span data-type='title' id=toc-3554> باب لا تدخل الملائكة بيتًا فيه صورة)</span>\nتقدم البحث في المراد بالصورة في \"باب التصاوير\".\nقال القرطبي في \"المفهم\" (^٣): إنما لم تدخل الملائكة البيت الذي فيه الصورة؛ لأن متخذها قد تشبه بالكفار؛ لأنهم يتخذون الصور في بيوتهم ويعظمونها، فكرهت الملائكة ذلك فلم تدخل بيته هجرًا له لذلك، انتهى من \"الفتح\" (^٤).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٣٩١).\n(^٢) \"ردّ المحتار\" (٢/ ٤١٦، ٤١٧).\n(^٣) \"المفهم\" (٥/ ٤٢١، ٤٢٢).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٠/ ٣٩١، ٣٩٢).","vol":"6","page":244},{"text":"(٩٥ -<span data-type='title' id=toc-3555> باب من لم يدخل بيتًا فيه صورة)</span>\nقال الرافعي: وفي دخول البيت الذي فيه الصورة وجهان: قال الأكثر: يكره، وقال أبو محمد: يحرم، فلو كانت الصورة في ممر الدار لا داخل الدار كما في ظاهر الحمام أو دهليزها لا يمتنع الدخول، قال: وكان السبب فيه أن الصورة في الممر ممتهنة، وفي المجلس مكرمة، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوفي \"الأوجز\" (^٢): قال الموفق (^٣): أما دخول منزل فيه صورة فليس بمحرم، وإنما أبيح ترك الدعوة لأجله عقوبةً للداعي بإسقاط حرمته لإيجاده المنكر في داره، ولا يجب على من رآه في منزل الداعي الخروجُ في ظاهر كلام أحمد، وهذا مذهب مالك، فإنه كان يكرهها تنزهًا ولا رآها محرمة، وقال أكثر أصحاب الشافعي: إذا كانت الصور على الستور أو ما ليس بموطوءة لم يجز له الدخول؛ لأن الملائكة لا تدخله، ولأنه لو لم يكن محرمًا لما جاز ترك الدعوة الواجبة عن أجله، ولنا ما روي \"أن النبي - ﷺ - دخل الكعبة فرأى فيها صورة إبراهيم وإسماعيل يستقسمان\" الحديث، رواه أبو داود، وكون الملائكة لا تدخله لا يوجب تحريم دخوله علينا، انتهى مختصرًا.\nوقال الزيلعي على \"الكنز\" (^٤): ومن دعي إلى وليمة وكان هناك لعب وغناء قبل أن يحضرها فلا يحضرها؛ لأنه لا يلزمه إجابة الدعوة إذا كان هناك منكر، وقال علي - ﵁ -: صنعت طعامًا فدعوت رسول الله - ﷺ - فجاء فرأى في البيت تصاوير فرجع، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٣٩٣).\n(^٢) \"أوجز المسالك\" (١٧/ ٢٤٩).\n(^٣) \"المغني\" (١٠/ ٢٠٢).\n(^٤) \"تبيين الحقائق\" (٦/ ١٣).","vol":"6","page":245},{"text":"(٩٦ -<span data-type='title' id=toc-3556><span data-type='title' id=toc-3557> باب </span>من لعن المصوّر)</span>\nأي: فهو جائز كما في حديث الباب.\n\n(٩٧ - باب)\nبغير ترجمة، هكذا في النسخة \"الهندية\" بغير ترجمة، وفي نسخ الشروح الثلاثة: \"باب من صوّر صورة كلّف يوم القيامة أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ\".\nقال الحافظ (^١): كذا ترجم بلفظ الحديث، ووقع عند النسفي \"باب\" بغير ترجمة، وثبتت الترجمة عند الأكثر، وسقط الباب والترجمة من رواية الإسماعيلي، وعلى ذلك جرى ابن بطال. ونقل عن المهلب توجيه إدخال حديث الباب في الباب الذي قبله فقال: اللعن في اللغة: الإبعاد من رحمة الله تعالى، ومن كلّف أن ينفخ الروح وليس بنافخ فقد أبعد من الرحمة، انتهى.\nقلت: وهذا التوجيه الذي حكاه الحافظ مبنيّ على النسخة التي سقط فيها الباب والترجمة كلاهما، وأما على النسخة التي بأيدينا فالأوجه عندي أن يقال: إن هذا الباب كالفصل لما قبله، وأشار المصنف بذلك الباب إلى نوع آخر من الوعيد غير اللعنة.\nوقال الحافظ بعد حديث الباب: وقد استشكل هذا الوعيد في حق المسلم، فإن وعيد القاتل عمدًا ينقطع عند أهل السُّنَّة مع ورود تخليده بحمل التخليد على مدة مديدة، وهذا الوعيد أشدّ منه؛ لأنه مغيًا بما لا يمكن وهو نفخ الروح، فلا يصح أن يحمل على أن المراد أنه يعذّب زمانًا طويلًا ثم يتخلص، والجواب أنه يتعين تأويل الحديث على أن المراد به الزجر الشديد بالوعيد بعقاب الكافر ليكون أبلغ في الارتداع، وظاهره غير مراد،\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٣٩٣، ٣٩٤).","vol":"6","page":246},{"text":"وهذا في حق العاصي بذلك، وأما من فعله مستحلًا فلا إشكال فيه، انتهى.\n\n(٩٨ -<span data-type='title' id=toc-3558> باب الارتداف على الدابَّة)</span>\nأي: إركاب راكب الدابة خلفه غيره، وقد كنت استشكلت إدخال هذه التراجم في \"كتاب اللباس\"، ثم ظهر لي أن وجهه أن الذي يرتدف لا يأمن من السقوط فينكشف، فأشار إلى أن احتمال السقوط لا يمنع من الارتداف إذ الأصل عدمه فيتحفظ المرتدف إذا ارتدف من السقوط، وإذا سقط فليبادر إلى الستر، وتلقيت فهمَ ذلك من حديث أنس في قصة صفية الآتي في \"باب إِرداف المرأة خلف الرجل\".\nوقال الكرماني: الغرض الجلوس على لباس الدابة وإن تعدد أشخاص الراكبين عليها، والتصريح بلفظ القطيفة في الحديث السابق مشعر بذلك (^١)، انتهى.\nوتعقب العلامة العيني على كلام الحافظ حسب عادته فارجع إليه لو شئت (^٢).\nوقال القسطلاني (^٣): ولم يظهر لي وجه دخول هذا الباب وما بعده بـ \"كتاب اللباس\"، لكن قال في \"الكواكب\"، فذكر ما تقدم عن الكرماني في كلام الحافظ، ثم قال: كذا قال، فليتأمل، انتهى.\nقلت: والأوجه عند هذا العبد الضعيف: أنه قد تقدم أن المصنف - ﵀ - ذكر عدة أبواب في \"كتاب اللباس\" مما يتعلق بالزينة كما تقدم في مبدأ هذا الكتاب، ولما كانت هذه الأبواب على الظاهر مما يخالف الزينة فذكرها بعد ذكر أبواب الزينة استطرادًا، فإن الضد أقرب خطورًا بالبال مع ضده، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (١٠/ ٣٩٥).\n(^٢) انظر: \"عمدة القاري\" (١٥/ ١٣٣).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٧٣٧، ٧٣٨).","vol":"6","page":247},{"text":"(٩٩ -<span data-type='title' id=toc-3559><span data-type='title' id=toc-3561> باب </span>الثلاثة على الدابة)</span>\nهذه الترجمة جزء من أجزاء الترجمة التي سبقت في \"كتاب الحج\"، وهو \"باب استقبال الحاج القادمين والثلاثة على الدابة\"، وتقدم هناك استطرادًا، وههنا ذكره المصنف قصدًا واستقلالًا، وأراد بذلك إثبات جواز ركوب الثلاثة على الدابة خلافًا لما ورد من النهي عن ذلك عند الطبراني والطبري، كما تقدمت الإشارة إلى بعض تلك الروايات في \"كتاب الحج\" في الباب المذكور.\nقال العلامة القسطلاني (^١): وأما الأحاديث المذكور فيها النهي عن ذلك فتكلم في سندها، ولئن سلمنا الاحتجاج بها فيجمع بأن ما ورد فيه النهي محمول على ما إذا كانت الدابة غير مطيقة.\nقال النووي: مذهبنا ومذهب العلماء كافة جواز ركوب ثلاثة على الدابة إذا كانت مطيقة، وقال الدميري: أفاد الحافظ ابن منده أن الذين أردفهم النبي - ﷺ - ثلاثة وثلاثون نفسًا، ولم يذكر منهم عقبة بن عامر الجهني، ولم يذكر أحد من علماء الحديث والسير أن النبي - ﷺ - أردفه، انتهى.\n\n(١٠٠ -<span data-type='title' id=toc-3560> باب حمل صاحب الدابة غيره بين يديه)</span>\nوقال بعضهم هو عامر الشعبي فيما أخرجه ابن أبي شيبة عنه، قاله القسطلاني (^٢).\n\n(١٠١ - باب)\nبغير ترجمة، هكذا في النسخة \"الهندية\" بغير ترجمة، وفي نسخ الشروح الثلاثة: \"باب إرداف الرجل خلف الرجل\".\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٧٣٨).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٧٣٩).","vol":"6","page":248},{"text":"قال العلامة العيني (^١): ووقع في كتاب ابن بطال \"باب\" بلا ترجمة، انتهى.\n\n(١٠٢ -<span data-type='title' id=toc-3562> باب إرداف المرأة خلف الرجل)</span>\nكذا في النسخة \"الهندية\" و\"العيني\" و\"القسطلاني\"، وفي نسخة الحاشية وكذا في نسخة \"الفتح\" بزيادة: \"ذا محرم\".\n\n(١٠٣ -<span data-type='title' id=toc-3563> باب الاستلقاء ووضع الرجل على الأخرى)</span>\nوجه دخول هذه الترجمة في \"كتاب اللباس\" من جهة أن الذي يفعل ذلك لا يأمن من الانكشاف، ولا سيما الاستلقاء يستدعي النوم والنائم لا يتحفظ، فكأنه أشار إلى أن من فعل ذلك ينبغي له أن يتحفظ لئلا ينكشف، وكأنه لم يثبت عنده النهي عن ذلك، وهو فيما أخرجه مسلم من حديث جابر رفعه: \"لا يستلقين أحدكم ثم يضع إحدى رجليه على الأخرى\" أو ثبت لكنه رآه منسوخًا، وسيأتي شرحه مستوفي في \"كتاب الاستئذان\" إن شاء الله تعالى، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\nقلت: وقد ترجم المصنف هناك أيضًا بـ \"باب الاستلقاء\"، وسيأتي الكلام عليه هناك في دفع التكرار، ولا يخفى عليك أنه قد تقدم أيضًا في أبواب المساجد \"باب الاستلقاء في المسجد\"، وتقدم هناك الجمع بين الروايات المختلفة الواردة في ذلك.\nوقال العلامة القسطلاني (^٣): ودلالة الاستلقاء المترجم له من الحديث من جهة أن رفع إحدى الرجلين على الأخرى لا يتأتى إلا عند الاستلقاء، انتهى.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٥/ ١٣٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٠/ ٣٩٩).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٢/ ٧٤٢).","vol":"6","page":249},{"text":"وتعقب عليه السندي (^١) وبسطه فارجع إليه لو شئت.\nثم البراعة في قوله: \"الاستلقاء\" لأنه هيئة الميت، وأيضًا في قوله: \"وضع الرجل على الرجل\" المذكِّر قوله تعالى: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ [القيامة: ٢٩، ٣٠] (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) انظر: \"صحيح البخاري بحاشية السندي\" (٤/ ٤٧).\n(^٢) انظر: \"مقدمة لامع الدراري\" (١/ ١١٨).","vol":"6","page":250},{"text":"٧٨ -<span data-type='title' id=toc-3564> كتاب الأدب</span>\nالأدب استعمال ما يحمد قولًا وفعلًا، وعبَّر بعضهم عنه بأنه الأخذ بمكارم الأخلاق، وقيل: الوقوف مع المستحسنات، وقيل: هو تعظيم من فوقك والرفق بمن دونك، قاله الحافظ (^١).\nوقال العلامة العيني (^٢): يقال: أَدُبَ الرجل يَأْدُبُ إذا كان أديبًا، كما يقال: كرم يكرم إذا كان كريمًا، والأدب مأخوذ من المأدبة، وهو طعام يتخذ ثم يدعى الناس إليه، فكأن الأدب مما يدعى كل أحد إليه، إلى آخر ما بسط.\nوفي \"فيض الباري\" (^٣): قال صاحب \"المغرب\": إن الأدب اسم لكل رياضة محمودة يتخرج بها الرجل إلى كل فضيلة من الفضائل، وترجمته في الهندية: \"تَمِيز\"، ويقال للفن المخصوص: الأدب؛ لأنه كان في زمن سلاطين الإسلام وسيلة إلى حسن التقرير والتحرير وكتابة الفرامين إلى غير ذلك من الملكات الحسنة مما لا بد لحُضَّار مجالسهم، انتهى.\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-3565> باب قوله: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ [العنكبوت:</span> ٨])\nكذا في النسخة \"الهندية\"، وفي نسخ الشروح الثلاثة: \"باب البر والصلة وقول الله - ﷾ -. . .\" إلخ.\nقال الحافظ (^٤): ووقع في أول \"الأدب المفرد\" للبخاري: \"باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ \"، وكتاب \"الأدب المفرد\" يشتمل على أحاديث زائدة على ما في \"الصحيح\"، وفيه قليل من الآثار الموقوفة، وهو كثير الفائدة، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٤٠٠).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٥/ ١٣٩).\n(^٣) \"فيض الباري\" (٦/ ١١٨).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٠/ ٤٠٠).","vol":"6","page":251},{"text":"(٢ -<span data-type='title' id=toc-3566> باب من أحق الناس بحسن الصحبة)</span>\nقال الحافظ (^١): الصحبة والصحابة مصدران بمعنىً وهو المصاحبة، ثم قال في شرح الحديث: قال ابن بطال: مقتضاه أن يكون بالأم ثلاثة أمثال ما للأب من البرّ، قال: وكان ذلك لصعوبة الحمل ثم الوضع ثم الرضاع، فهذه تنفرد به الأم ثم تشارك الأب في التربية، وقال القرطبي: المراد أن الأم تستحق على الولد الحظّ الأوفر في البر، وتقدم في ذلك على حق الأب عند المزاحمة، وقال عياض: وذهب الجمهور إلى أن الأم تفضل في البر على الأب، وقيل: يكون برّهما سواء، والصواب الأول، قلت: إلى الثاني ذهب بعض الشافعية، لكن نقل الحارث المحاسبي الإجماع على تفضيل الأم في البر، وفيه نظر، إلى آخر ما قال في الترتيب بين الأقرباء، ومال أبو بكر الجصاص في \"أحكام القرآن\" (^٢) في تفسير قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ الآية [الإسراء: ٢٣] إلى ترجيح حقّ الأم على الأب حيث قال: وقد روي عن النبي - ﷺ - أنه عظّم حق الأم على الأب، ثم ذكر حديث أبي هريرة حديث الباب.\nوفي \"شرح الإحياء\" (^٣): قال بعض العلماء: ينبغي أن يكون للأم ثلاثة أمثال ما للأب لأنه - ﷺ - كرّر الأم ثلاث مرات، وذكر الأب في المرة الرابعة فقط، وقيل: للأم ثُلُثَا البر وللأب الثُلُث، ووجهه الحديث الذي ذكر فيه حق الأم مرتين والأب مرة، وروي هذا عن الليث بن سعد، انتهى مختصرًا.\nقال العلامة العيني (^٤): وحديث أبي هريرة يدل على أن طاعة الأم مقدمة، وهو حجة على من خالفه، انتهى.\nوكتب الشيخ في \"الكوكب\" (^٥): قوله: \"من أبرّ. . .\" إلخ، وجه ذكر\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٤٠١، ٤٠٢).\n(^٢) \"أحكام القرآن\" (٣/ ١٩٧).\n(^٣) \"إتحاف السادة المتقين\" (٧/ ٢٨٨).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٥/ ١٤٢).\n(^٥) \"الكوكب الدري\" (٣/ ٤٤).","vol":"6","page":252},{"text":"الأم ترجيحها على الأب في أحكام البر والصلة، وأما الإطاعة ففيها تقديم للأب كالتعظيم، انتهى.\nقلت: وبه صرح في كراهية \"العالمكَيرية\" (^١) وهكذا قال صاحب \"الفيض\" (^٢).\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-3567> باب لا يجاهد إلا بإذن الأبوين)</span>\nتقدم الكلام عليه في \"كتاب الجهاد\" فإنه قد ترجم هناك بـ \"باب الجهاد بإذن الأبوين\" ومناسبته بالكتابين ظاهرة.\n\n(٤ -<span data-type='title' id=toc-3568> باب لا يسبّ الرجل والده)</span>\nوفي نسخ الشروح الثلاثة \"والديه\" بالتثنية.\nقال الحافظ (^٣): أي: ولا أحدهما، أي: لا يتسبب إلى ذلك، قال ابن بطال: وحديث الباب أصل في سدّ الذرائع، ويؤخذ منه أن من آل فعله إلى محرم يحرم عليه ذلك الفعل وإن لم يقصد إلى ما يحرم، والأصل في هذا الحديث قوله تعالى ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية [الأنعام: ١٠٨]، انتهى من \"الفتح\".\n\n(٥ -<span data-type='title' id=toc-3569> باب إجابة دعاء من برّ والديه)</span>\nذكر فيه قصة الثلاثة الذين انطبق عليهم فمُ الغار حتى ذكروا أعمالهم الصالحة ففرج عنهم، وقد تقدم شرحه مستوفى في \"كتاب الإجارة\"، قاله الحافظ (^٤).\n_________\n(^١) \"العالمكَيرية\" (٥/ ٣٦٥).\n(^٢) \"فيض الباري\" (٦/ ١٨١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٥/ ٤٠٣، ٤٠٤).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٠/ ٤٠٥).","vol":"6","page":253},{"text":"(٦ -<span data-type='title' id=toc-3570> باب عقوق الوالدين من الكبائر. . .) إلخ</span>\nالعقوق بضم العين المهملة مشتق من العقّ وهو القطع، والمراد به صدور ما يتأذى به الوالد من ولده من قول أو فعل إلا في شرك أو معصية ما لم يتعنت الوالد، وضبطه ابن عطية بوجوب طاعتهما في المباحات فعلًا وتركًا، واستحبابها في المندوبات، وفروض الكفاية كذلك، إلى آخر ما ذكر الحافظ (^١).\n\n(٧ -<span data-type='title' id=toc-3571> باب صلة الوالد المشرك)</span>\nمن جهة ولده المؤمن، قاله القسطلاني (^٢).\nوقال الحافظ (^٣): ذكر فيه حديث أسماء بنت أبي بكر: \"أتتني أمي وهي راغبة\"، وقد تقدم شرحه مستوفى في \"كتاب الهبة\"، وتقدم بيان الاختلاف في قوله: \"راغبة\" هل هي بالميم أو الموحدة، انتهى.\n\n(٨ -<span data-type='title' id=toc-3572> باب صلة المرأة أمها ولها زوج)</span>\nقال القسطلاني (^٤): مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة إذا قلنا: إن الضمير في \"ولها\" راجع إلى المرأة، إذ أسماء كانت زوجة للزبير وقت قدومها، وإن قلنا: إنه راجع إلى الأم فذلك باعتبار أن يراد بلفظ \"أبيها\" زوج أم أسماء، ومثل هذا المجاز شائع، وكونه كالأب لأسماء ظاهر، قاله في \"الكواكب\". وقال ابن بطال: في الحديث من الفقه أنه - ﷺ - أباح لأسماء أن تصل أمها ولم يشترط في ذلك مشاورة زوجها، وأن للمرأة أن تتصرف في مالها بدون إذن زوجها، انتهى.\nقلت: والمسألة خلافية تقدم الكلام عليها في \"كتاب الهبة\" في \"باب هبة المرأة لغير زوجها\"، والأوجه عندي: أن الإمام البخاري أشار بهذه\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٤٠٦).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ١٦).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٠/ ٤١٣).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ١٧).","vol":"6","page":254},{"text":"الترجمة إلى جواز ذلك كما هو مذهب الجمهور، خلافًا لما يتوهم عما ذكره الإمام أبو داود في \"باب عطية المرأة بغير إذن زوجها\" عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا يجوز لامرأة أمر في مالها إذا ملك زوجها عصمتها\" قال الشيخ في \"البذل\" (^١): قال الخطابي (^٢): عند أكثر العلماء هذا على معنى حسن العشرة واستطابة نفس الزوج بذلك، ثم ذكر خلاف مالك في المسألة، كذا في هامش \"اللامع\" (^٣).\n\n(٩ -<span data-type='title' id=toc-3573> باب صلة الأخ المشرك)</span>\nبالإِضافة إلى المفعول وطيّ ذكر الفاعل أن صلة المسلم لأخيه المشرك، ذكر في الباب حديث ابن عمر: \"رآى عمر حلة سيراء تباع\" الحديث، وقد تقدم في \"كتاب الهبة\"، انتهى من \"القسطلاني\" (^٤) بزيادة.\n\n(١٠ -<span data-type='title' id=toc-3574> باب فضل صلة الرحم)</span>\nبفتح الراء وكسر الحاء المهملة يطلق على الأقارب، وهم من بينه وبين الآخر نسب، سواء كان يرثه أم لا؟ سواء كان ذا محرم أم لا، وقيل: هم المحارم فقط، والأول هو المرجح؛ لأن الثاني يستلزم خروج أولاد الأعمام وأولاد الأخوال من ذوي الأرحام وليس كذلك، انتهى من \"الفتح\" (^٥).\n\n(١١ -<span data-type='title' id=toc-3575> باب إثم القاطع)</span>\nأي: قاطع الرحم، وللمصنف في \"الأدب المفرد\" من حديث أبي هريرة رفعه: \"إن أعمال بني آدم تعرض كل عشية خميس ليلة جمعة،\n_________\n(^١) \"بذل المجهود\" (١١/ ٢٧٥).\n(^٢) \"معالم السنن\" (٣/ ١٧٤).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (١٠/ ١٧).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ١٨).\n(^٥) \"فتح الباري\" (١٠/ ٤١٤).","vol":"6","page":255},{"text":"فلا يقبل عمل قاطع رحم\"، وللطبراني من حديث ابن مسعود: \"إن أبواب السماء مغلقة دون قاطع الرحم\" وغير ذلك من الروايات ذكرها الحافظ (^١).\n\n(١٢ -<span data-type='title' id=toc-3576> باب من بسط في الرزق لصلة الرحم)</span>\nأي: لأجل صلة رحمه، ثم قال الحافظ في شرح الحديث: وعند أحمد بسند رجاله ثقات عن عائشة مرفوعًا: \"صلة الرحم وحسن الجوار وحسن الخلق يعمران الديار ويزيدان في الأعمار\" ونحو ذلك من الروايات ذكرها الحافظ في \"الفتح\" (^٢).\nوقد تقدم في البيوع \"باب من أحب البسط في الرزق\"، وأخرج المصنف هناك ثاني حديثي الباب حديث أنس بن مالك.\n\n(١٣ -<span data-type='title' id=toc-3577> باب من وصل وصله الله)</span>\nأي: من وصل رحمه وصله الله، يعني: يعطف عليه بفضله إما في عاجل دنياه أو آجل آخرته، والعرب تقول إذا تفضّل رجل على رجل آخر بمال أو وهبه هبة: وصل فلان فلانًا، كذا قاله العلامة العيني (^٣).\nوذكر المصنف فيه ثلاثة أحاديث قال الحافظ: وفي الأحاديث الثلاثة تعظيم أمر الرحم، وأن صلتها مندوب مرغب فيه، وأن قطعها من الكبائر لورود الوعيد الشديد فيه، انتهى من \"الفتح\" (^٤).\n\n(١٤ -<span data-type='title' id=toc-3578> باب تبلّ الرحم ببلالها)</span>\nقال صاحب \"الفيض\" (^٥): وهذه محاورة يراد بها صلة الرحم وترجمته بالهندية: \"سينجنا\"، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٤١٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٠/ ٤١٥).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٥/ ١٥٥).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٠/ ٤١٩).\n(^٥) \"فيض الباري\" (٦/ ١٢٣).","vol":"6","page":256},{"text":"قال العلامة العيني (^١): \"يَبَلُّ\" على بناء المعلوم وفاعله محذوف تقديره يبلّ الشخص المكلف، و\"الرحم\" منصوب على أنه مفعول \"يبل\"، ويجوز أن يكون \"يبل\" على صيغة المجهول مسندًا إلى \"الرحم\" المرفوع به، والبلال بكسر الموحدة، وكل ما يبل به الحلق من الماء واللبن يسمى بلالًا، وقد يجمع البلة بالكسر وهي الندواة على بلال، وقال الخطابي: البلال مصدر بللت الرحم أبلّه بِلالًا وبَلالًا بالكسر والفتح إذا نديتها بآلة، انتهى.\n\n(١٥ -<span data-type='title' id=toc-3579> باب ليس الواصل بالمكافئ)</span>\nقال الحافظ (^٢): قال شيخنا في \"شرح الترمذي\": المراد بالواصل في هذا الحديث الكامل، فإن في المكافأة نوع صلة بخلاف من إذا وصله قريبه لم يكافئه، فإن فيه قطعًا بإعراضه عن ذلك وهو من قبيل: \"ليس الشديد بالصرعة\"، و\"ليس الغناء عن كثرة العرض\"، انتهى.\nوأقول: لا يلزم من نفي الوصل ثبوت القطع فهم ثلاث درجات: واصل ومكافئ وقاطع، فالواصل من يتفضل ولا يتفضل عليه، والمكافئ الذي لا يزيد في الإعطاء على ما يأخذ، والقاطع الذي يتفضل عليه ولا يتفضل، وكما تقع المكافأة بالصلة من الجانبين كذلك تقع بالمقاطعة من الجانبين، فمن بدأ حينئذٍ فهو الواصل، فإن جوزي سمي من جازاه مكافئًا، والله تعالى أعلم، انتهى.\n\n(١٦ -<span data-type='title' id=toc-3580> باب من وصل رحمه في الشرك ثم أسلم)</span>\nأي: هل يكون له في ذلك ثواب؟ وإنما لم يجزم بالحكم لوجود الاختلاف في ذلك، وتقدم البحث في ذلك في \"كتاب الإيمان\" في الكلام على حديث أبي سعيد الخدري: \"إذا أسلم العبد فحسن إسلامه\"، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٥/ ١٥٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٠/ ٤٢٣، ٤٢٤).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٠/ ٤٢٤).","vol":"6","page":257},{"text":"قلت: وترجم الإمام البخاري هناك بـ \"باب حسن إسلام المرء\"، وتقدم الكلام على المسألة هناك، يعني: هل الكافر يثاب على حسناته إذا أسلم؟ وأيضًا قد ترجم المصنف في \"كتاب الزكاة\" بـ \"باب من تصدق في الشرك ثم أسلم\"، وأخرج فيه حديث حكيم بن حزام المذكور في هذا الباب.\n\n(١٧ -<span data-type='title' id=toc-3581> باب من ترك صبية غيره حتى تلعب به)</span>\nأي: ببعض جسده.\nقوله: (أو قبلها أو مازحها) قال ابن التِّين: ليس في الخبر المذكور في الباب للتقبيل ذكر، فيحتمل أن يكون لما لم ينهها عن مسّ جسده صار كالتقبيل، وإلى ذلك أشار ابن بطال، والذي يظهر لي أن ذكر المزح بعد التقبيل من العام بعد الخاص، وأن الممازحة بالقول والفعل مع الصغيرة إنما يقصد به التأنيس، والتقبيل من جملة ذلك، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوأورد العلامة العيني (^٢) على قول الحافظ: من العام بعد الخاص: بأنه ليس كذلك؛ لأن لكل واحد من التقبيل والمزاح معنى خاصًّا، وليس بينهما عموم وخصوص، انتهى.\nوحكى القسطلاني قول ابن التِّين المتقدم في كلام الحافظ ثم قال: كذا قال فليتأمل (^٣)، انتهى.\nوالأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن الباب الآتي من قبيل باب في باب، كما هو معروف من أصول التراجم فلا إيراد ولا حاجة إلى الجواب.\n\n(١٨ -<span data-type='title' id=toc-3582> باب رحمة الولد وتقبيله ومعانقته)</span>\nلعل المصنف أشار إلى أن القبلة والمعانقة وغيرهما رحمة، وردّ على من أنكره من المتكبرين كما يستفاد من قول الأقرع بن حابس، قال\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٤٢٥).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٥/ ١٦١).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ٣١).","vol":"6","page":258},{"text":"ابن بطال: يجوز تقبيل الولد الصغير في كل عضو منه، وكذا الكبير عند أكثر العلماء ما لم يكن عورة، وتقدم في مناقب فاطمة - ﵍ - أنه - ﷺ - كان يقبلها، وكذا كان أبو بكر يقبل ابنته عائشة، قاله الحافظ (^١).\nوقال أيضًا في شرح حديث أبي هريرة: وفي جواب النبي - ﷺ - للأقرع إشارة إلى أن تقبيل الولد وغيره من الأهل المحارم وغيرهم من الأجانب إنما يكون للشفقة والرحمة لا للذة والشهوة، وكذا الضم والشم والمعانقة، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\nوحكى القاري في \"المرقاة\" (^٣) عن النووي: قبلة الوالد خدّ الولد واجب، وقبلة غيره من الأطراف، وقبلة غير الولد من أولاد الأصدقاء سنة، انتهى فتأمل.\nوالذي ذكره العلامة النووي في \"شرح مسلم\" تحت حديث أنس بن مالك: \"ما رأيت أحدًا كان أرحم بالعيال من رسول الله - ﷺ -\" الحديث، وفيه فضيلة رحمة العيال والأطفال وتقبيلهم (^٤)، انتهى.\n\n(١٩ -<span data-type='title' id=toc-3583> باب)</span>\nبغير ترجمة، كذا في النسخة \"الهندية\"، وفي نسخ الشروح: \"باب جعل الله الرحمة في مائة جزء\". قال الحافظ (^٥): هكذا ترجم ببعض الحديث، وفي رواية النسفي: \"باب من الرحمة\"، وللإسماعيلي: \"باب\" بغير ترجمة، انتهى.\nوفي \"فيض الباري\" (^٦): قوله: \"فمن ذلك الجزء يتراحم الخلق\"، وفيه رائحة من وحدة الوجود لأنه يدل على أن تلك الرحمة عينها جعلت بين العباد مع أنها كانت جزءًا من أجزاء رحمة الربّ، فما كان للربّ\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٤٢٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٠/ ٤٣٠).\n(^٣) \"مرقاة المفاتيح\" (٨/ ٤٦٠).\n(^٤) \"شرح النووي\" (٨/ ٨٥).\n(^٥) \"فتح الباري\" (١٠/ ٤٣١).\n(^٦) \"فيض الباري\" (٦/ ١٢٥، ١٢٦).","vol":"6","page":259},{"text":"جلّ مجده صارت للعباد بعينها، وهل الوحدة المذكورة ممكنة أو لا؟ فالوجه أنها ممكنة إلا أن الغلو فيها غلو، وقد أنكرها الشيخ المجدد السرهندي في \"مكتوباته\"، وفي \"العبقات\": أن بطاقة وجدت من تحت وسادة حضرة الشيخ المجدد فوجد فيها مكتوبًا: إن آخر ما انكشف عليَّ هو أن وحدة الوجود حق، قلت: وفيه احتمال بعد ما لم يثبت من جهة صاحب الشرع، وكيف ما كان ليست المسألة مما تصلح أن تدخل في العقائد، انتهى.\n\n(٢٠ -<span data-type='title' id=toc-3584> باب قتل الولد خشية أن يأكل معه)</span>\nقال الحافظ (^١): ووقع لأبي ذر عن المستملي والكشميهني: \"باب أيّ الذنب أعظم\"، وعند النسفي: \"باب من الرحمة\"، انتهى.\n\n(٢١ -<span data-type='title' id=toc-3585> باب وضع الصبي في الحجر)</span>\nشفقةً وتعطفًا عليه، الحجر بفتح الحاء المهملة وكسرها وسكون الجيم، قاله القسطلاني (^٢).\nقال الحافظ (^٣): ويستفاد من الحديث الرفق بالأطفال والصبر على ما يحدث منهم وعدمُ مؤاخذتهم لعدم تكليفهم، انتهى.\n\n(٢٢ -<span data-type='title' id=toc-3586> باب وضع الصبي على الفخذ)</span>\nهذه الترجمة أخصُّ من التي قبلها، قاله الحافظ (^٤).\nوقال القسطلاني (^٥) تحت حديث الباب: واستشكل بأن أسامة أسنّ من الحسن بكثير لأنه - ﷺ - أمّره على جيش عند وفاته الشريفة، وكان عمره\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٤٣٣).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ٣٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٠/ ٤٣٤).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٠/ ٤٣٤).\n(^٥) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ٤٠).","vol":"6","page":260},{"text":"فيما قيل: عشرين سنة حينئذ، وكان سنّ الحسن إذ ذاك ثمان سنين، وأجيب باحتمال أن يكون أقعد أسامة على فخذه لنحو مرض أصابه فمرَّضَه بنفسه الشريفة لمزيد محبته له، وجاء الحسن فأقعده على الآخر، أو أن إقعادهما ليس في وقت واحد، أو عبَّر به عن إقعاده بحذاء فخذه لينظر في مرضه بقوله: \"فيقعدني على فخذه\" مبالغة في شدة قربه منه، انتهى.\n\n(٢٣ -<span data-type='title' id=toc-3587> باب حسن العهد من الإيمان)</span>\nقال أبو عبيد: العهد هنا رعاية الحرمة، وقال عياض: هو الاحتفاظ بالشيء والملازمة له، وقال الراغب: حفظ الشيء ومراعاته حالًا بعد حال، إلى آخر ما بسط الحافظ (^١).\nوقال القسطلاني (^٢): فإن قلت: ما وجه المطابقة بين الحديث والترجمة؟ أجيب بأن لفظ الترجمة ورد في حديث عائشة عند الحاكم والبيهقي في \"الشعب\" قالت: \"جاءت عجوز إلى النبي - ﷺ - فقال: كيف أنتم، كيف حالكم، كيف كنتم بعدنا؟ قالت: بخير بأبي أنت وأمي يا رسول الله. فلما خرجت قلت: يا رسول الله تقبل على هذه العجوز هذا الإقبال؟ فقال: يا عائشة إنها كانت تأتينا زمان خديجة، وإن حسن العهد من الإيمان\"، فاكتفى البخاري بالإشارة على عادته تشحيذًا للأذهان، تغمده الله تعالى بالرحمة والرضوان، انتهى. وهكذا في \"الفتح\".\n\n(٢٤ -<span data-type='title' id=toc-3588> باب فضل من يعول يتيمًا)</span>\nأي: يربيه وينفق عليه، كذا في \"الفتح\" (^٣).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٤٣٥)، وانظر: \"غريب الحديث\" (٣/ ١٣٨)، \"مشارق الأنوار\" (٢/ ١٣٠)، \"المفردات\" (ص ٥٩١).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ٤١، ٤٢)، و\"فتح الباري\" (١٠/ ٤٣٦).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٠/ ٤٣٦).","vol":"6","page":261},{"text":"قوله: \"أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا. . .\" إلخ، قال العلامة السندي (^١): كأنه كناية عن زيادة قرب لكافل اليتيم إليه - ﷺ - من بعض الوجوه، وإلا فمعلوم أن درجته - ﷺ - أرفع، والله تعالى أعلم، انتهى.\n\n(٢٥ -<span data-type='title' id=toc-3589> باب الساعي على الأرملة)</span>\nبفتح الميم: التي لا زوج لها، سواء تزوجت قبل ذلك أم لا؟ أو هي التي فارقها زوجها، غنية كانت أو فقيرة، وقال ابن قتيبة: سميت بذلك لما يحصل لها من الإرمال وهو الفقر وذهاب الزاد بفقد الزوج، انتهى (^٢).\nقال الحافظ (^٣): قوله: \"باب الساعي على الأرملة. . .\" إلخ، أي: في مصالحها، ذكر فيه حديث أبي هريرة موصولًا، وحديث صفوان بن سليم مرسلًا، وقد تقدم شرحه في \"كتاب النفقات\"، قاله الحافظ.\n\n(٢٦ -<span data-type='title' id=toc-3590> باب الساعي على المسكين)</span>\nقال العلامة العيني (^٤): أي: فضل الساعي على المسكين، أي: الكاسب لأجل المسكين والقائم بمصلحته، انتهى.\n\n(٢٧ -<span data-type='title' id=toc-3591> باب رحمة الناس والبهائم)</span>\nأي: صدور الرحمة من الشخص لغيره، وكأنه أشار إلى حديث ابن مسعود رفعه قال: \"لن تؤمنوا حتى ترحموا، قالوا: كلنا رحيم يا رسول الله، قال: إنه ليس برحمة أحدكم صاحبه ولكنها رحمةُ الناس رحمةَ العامة\" أخرجه الطبراني ورجاله ثقات، انتهى من \"الفتح\" (^٥).\n_________\n(^١) \"حاشية السندي على صحيح البخاري\" (٤/ ٥٢).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ٤٢، ٤٣).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٠/ ٤٣٧).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٥/ ١٧٣).\n(^٥) \"فتح الباري\" (١٠/ ٤٣٨).","vol":"6","page":262},{"text":"(٢٨ -<span data-type='title' id=toc-3592> باب الوصاية بالجار)</span>\nهكذا في النسخ الهندية، وفي نسخ الشروح الثلاثة: \"الوصاءة\" بالهمزة بدل الياء.\nقال القسطلاني (^١): وفي نسخة: \"كتاب\"، يعني: بدل \"باب\"، وفي نسخة: \"كتاب البر والصلة\"، والوصاءة بفتح الواو والصاد المهملة المخففة بعدها همزة، ممدودًا، لغة في الوصية، وكذا الوصاية بإِبدال الهمزة ياءً، انتهى.\n\n(٢٩ -<span data-type='title' id=toc-3593> باب إثم من لا يأمن جاره بوائقه)</span>\nجمع بائقة، وهي الداهية والشيء المهلك والأمر الشديد الذي يوافي بغتةً، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\n\n(٣٠ -<span data-type='title' id=toc-3594> باب لا تحقرنّ جارة لجارتها)</span>\nيعني: لا تمنع الجارة عن إعطاء شيء حقير لجارتها لأجل قلَّته، قاله العيني (^٣).\n\n(٣١ -<span data-type='title' id=toc-3595> باب من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره)</span>\nالمراد به الإيمان الكامل، وخصّه بالله واليوم الآخر إشارة إلى المبدأ والمعاد، أي: من آمن بالله الذي خلقه وآمن بأنه سيجازيه بعمله فليفعل الخصال المذكورات، انتهى من \"الفتح\" (^٤).\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ٤٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٠/ ٤٤٣).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٥/ ١٨١).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٠/ ٤٤٦).","vol":"6","page":263},{"text":"(٣٢ -<span data-type='title' id=toc-3596> باب حق الجوار في قرب الأبواب)</span>\nقال الحافظ (^١): قوله \"أقربهما\" أي: أشدهما قربًا، قيل: الحكمة فيه أن الأقرب يرى ما يدخل بيت جاره من هدية وغيرها فيتشوف لها بخلاف الأبعد، وأن الأقرب أسرع إجابة لما يقع لجاره من المهمات، ولا سيَّما في أوقات الغفلة، واختلف في حدّ الجوار فجاء عن علي - ﵁ -: من سمع النداء فهو جار، وقيل: من صلى معك صلاة الصبح في المسجد فهو جار، وعن عائشة: حدّ الجوار أربعون دارًا من كل جانب، وعن الأوزاعي مثله، انتهى.\nوتقدم التبويب في الشفعة بـ \"باب أي الجوار أقرب\".\n\n(٣٣ -<span data-type='title' id=toc-3597> باب كل معروف صدقة)</span>\nأورد فيه حديث جابر - ﵁ - بهذا اللفظ، وقد أخرج مسلم من حديث حذيفة، وقد أخرجه الدارقطني والحاكم مثله، وزاد في آخره: \"وما أنفق الرجل على أهله كتب له به صدقة، وما وقى به المرء عرضه فهو صدقةً\"، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\n\n(٣٤ -<span data-type='title' id=toc-3598> باب طيب الكلام)</span>\nأصل الطيب ما تستلذّه الحواسُّ، ويختلف باختلاف متعلقه، قال ابن بطال: طيب الكلام من جليل عمل البر لقوله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [المؤمنون: ٩٦]، والدفع قد يكون بالقول كما يكون بالفعل، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٤٤٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٠/ ٤٤٧).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٠/ ٤٤٨)، وانظر: \"شرح ابن بطال\" (٩/ ٢٢٥).","vol":"6","page":264},{"text":"(٣٥ -<span data-type='title' id=toc-3599> باب الرفق في الأمر كله)</span>\nالرفق بكسر الراء: هو لين الجانب بالقول والفعل والأخذ بالأسهل، وهو ضد العنف، قاله الحافظ (^١).\n\n(٣٦ -<span data-type='title' id=toc-3600> باب تعاون المؤمنين بعضهم بعضًا)</span>\nقال الحافظ (^٢): بجر \"بعضهم\" على البدل ويجوز الضم، قال ابن بطال: والمعاونة في أمور الآخرة وكذا في الأمور المباحة من الدنيا مندوب إليها، وقد ثبت حديث أبي هريرة: \"والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه\".\nقال الحافظ: وقع في حديث عن ابن عباس سنده ضعيف رفعه: \"من سعى لأخيه المسلم في حاجة قضيت له أو لم تقض غفر له\"، انتهى.\n\n(٣٧ -<span data-type='title' id=toc-3601> باب ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً﴾ الآية [النساء:</span> ٨٥])\nوقد عقب المصنف الحديث المذكور قبله بهذه الترجمة إشارة إلى أن الأجر على الشفاعة ليس على العموم، بل مخصوص بما تجوز فيه الشفاعة، وهي الشفاعة الحسنة، وضابطها ما أذن فيه الشرع دون ما لم يأذن فيه كما دلت عليه الآية، وقد أخرج الطبري بسند صحيح عن مجاهد قال: هي في شفاعة الناس بعضهم لبعض، وقيل: الشفاعة الحسنة الدعاء للمؤمن، والسيئة الدعاء عليه، انتهى مختصرًا من \"الفتح\" (^٣).\n\n(٣٨ -<span data-type='title' id=toc-3602> باب لم يكن النبي - ﷺ - فاحشًا ولا متفحشًا)</span>\nالفحش كل ما خرج عن مقداره حتى يستقبح، ويدخل في القول\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٤٤٩).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٠/ ٤٥٠، ٤٥١)، \"شرح ابن بطال\" (٩/ ٢٢٧).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٠/ ٤٥١، ٤٥٢).","vol":"6","page":265},{"text":"والفعل والصفة، يقال: طويل فاحش الطول إذا أفرط في طوله، لكن استعماله في القول أكثر، والمتفحش بالتشديد، أي: الذي يتعمد ذلك ويكثر منه ويتكلفه، انتهى (^١).\n\n(٣٩ -<span data-type='title' id=toc-3603> باب حسن الخلق والسخاء وما يكره من البخل)</span>\nجمع في هذه الترجمة بين هذه الأمور الثلاثة؛ لأن السخاء من جملة محاسن الأخلاق بل هو من معظمها، والبخل ضده، ثم بسط الحافظ الكلام في تحقيق معنى الحسن والخلق والسخاء والبخل، ثم قال: وأشار بقوله: \"وما يكره من البخل\" إلى أن بعض ما يجوز إطلاق اسم البخل عليه قد لا يكون مذمومًا، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\n\n(٤٠ -<span data-type='title' id=toc-3604> باب كيف يكون الرجل في أهله)</span>\nذكر فيه حديث عائشة \"كان في مهنة أهله\"، وقد تقدم شرحه في أبواب صلاة الجماعة من \"كتاب الصلاة\"، والمهنة بكسر الميم وبفتحها، وأنكر الأصمعي الكسر وفسّرها هناك بخدمة أهله، وبينت أن التفسير من قول الراوي، وقد وقع في حديث آخر لعائشة أخرجه أحمد وابن سعد وصححه ابن حبان من رواية هشام بن عروة عن أبيه: \"قلت لعائشة: ما كان رسول الله - ﷺ - يصنع في بيته؟ قالت: يخيط ثوبه، ويخصف نعله، ويعمل ما يعمل الرجال في بيوتهم\"، ولأحمد من حديث عائشة: \"يخصف نعله، ويخيط ثوبه، ويرقع دلوه\"، وفي رواية عنها أيضًا بلفظ: \"ما كان إلا بشرًا من البشر، كان يفلي ثوبه، ويحلب شاته، ويخدم نفسه\"، وأخرجه الترمذي في \"الشمائل\" وفي رواية عند ابن سعد: \"كان ألين الناس وأكرم الناس وكان رجلًا من رجالكم، إلا أنه كان بسامًا\"، قال ابن بطال: من أخلاق الأنبياء التواضع، والبعد عن التنعم، وامتهان النفس ليستنّ بهم، ولئلا\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٤٥٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٠/ ٤٥٦، ٤٥٧).","vol":"6","page":266},{"text":"يخلدوا إلى الرفاهية المذمومة، وقد أشير إلى ذمّها بقوله تعالى: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا﴾ [المزمل: ١١]، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(٤١ -<span data-type='title' id=toc-3605> باب المقة من الله)</span>\nأي: ابتداؤها من الله، والمقة بكسر الميم وتخفيف القاف هي المحبة، وقد ومق يمق، والأصل الومق، والهاء فيه عوض عن الواو، كعدة ووعد وزنة ووزنَ. وهذه الترجمة لفظ زيادة وقعت في نحو حديث الباب في بعض طرقه، لكنها على غير شرط البخاري، فأشار إليها في الترجمة كعادته، أخرجه أحمد والطبراني وابن أبي شيبة عن أبي أمامة مرفوعًا قال: \"المقة من الله، والصيت من السماء، فإذا أحبّ الله عبدًا\" الحديث، وللبزار عن أبي هريرة رفعه: \"ما من عبد إلا وله صيت في السماء، فإن كان حسنًا وضع في الأرض، وإن كان سيئًا وضع في الأرض\"، والصيت بكسر الصاد المهملة وسكون التحتانية أصله الصوت كالريح من الروح، والمراد به الذكر الجميل، وربما قيل لضده لكن بقيد، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\nوقال صاحب \"الفيض\" (^٣): المقة المحبة، والجار والمجرور بعده فاعل له، وصرّح الأشموني أن الجار والمجرور بعد المصدر يصلح فاعلًا ومفعولًا، انتهى.\n\n(٤٢ -<span data-type='title' id=toc-3606> باب الحب في الله)</span>\nأي: في ذات الله من غير أن يشوبه رياء أو هوىً، قاله العيني والقسطلاني (^٤).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٤٦١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٠/ ٤٦١، ٤٦٢).\n(^٣) \"فيض الباري\" (٦/ ١٣٤).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٥/ ١٩٧)، \"إرشاد الساري\" (١٣/ ٧١).","vol":"6","page":267},{"text":"(٤٣ -<span data-type='title' id=toc-3607> باب قول الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ الآية [الحجرات:</span> ١١])\nقال العيني (^١): المناسبة بين الحديث والآية الكريمة هي أن ضحك الرجل مما يخرج من الأنفس فيه معنى الاستهزاء والسخرية، ثم قال: وتمام هذا الحديث على ثلاث قصص: القصة الأولى قصة عقر الناقة، والثانية قصة النهي عن الضحك مما يخرج من الإنسان، والثالثة قصة النهي عن جلد المرأة، وأخرج البخاري في تفسير سورة ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ الثلاثة عن موسى بن إسماعيل، وأخرج في أحاديث الأنبياء - ﵈ - بالقصة الأولى، وأخرج هنا بالقصة الثانية والثالثة، وأخرج في النكاح القصة الثالثة، انتهى.\n\n(٤٤ -<span data-type='title' id=toc-3608> باب ما ينهى عن السباب واللعن)</span>\nقال العلامة العيني (^٢): السباب بكسر السين المهملة، يحتمل أن يكون من باب المفاعلة، وأن يكون بمعنى السبّ، أي: الشتم، وهو التكلم في شأن الإنسان بما يعيبه، واللعن هو التبعيد عن رحمة الله - ﷿ -، انتهى.\nقوله: (لا يرمي رجل رجلًا بالفسوق ولا يرميه بالكفر إلا ارتدت عليه. . .) إلخ، قال صاحب \"الفيض\" (^٣): ذهب الغزالي من الشافعية والسرخسي من الحنفية إلى أن من رمى أخاه بكلمة الكفر فقد كفر هو بنفسه حقيقةً.\nوفي \"الدر المختار\": أنه لا يوجب كفرًا إذا قالها ستًا، نعم إن قالها جادًّا فكما قال الغزالي والسرخسي، انتهى. ثم بسط الكلام في شرح الحديث.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٥/ ١٩٩).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٥/ ٢٠٠).\n(^٣) \"فيض الباري\" (٦/ ١٣٦).","vol":"6","page":268},{"text":"(٤٥ -<span data-type='title' id=toc-3609> باب ما يجوز من ذكر الناس نحو قولهم: الطويل والقصير. . .) إلخ</span>\nهذه الترجمة معقودة لبيان حكم الألقاب وما لا يعجب الرجل أن يوصف به مما هو فيه، وحاصله أن اللقب إن كان مما يعجب الملقب ولا إطراء فيه مما يدخل في نهي الشرع فهو جائز أو مستحب، وإن كان مما لا يعجبه فهو حرام أو مكروه، إلا إن تعين طريقًا إلى التعريف به حيث يشتهر به ولا يتميز عن غيره إلا بذكره، ومن ثم أكثر الرواة من ذكر الأعمش والأعرج ونحوهما وعارم وغندر وغيرهم، والأصل فيه قوله - ﷺ - لما سلم في ركعتين من صلاة الظهر فقال: \"أكما يقول ذو اليدين\"؟ وقد أورده المصنف في الباب ولم يذكر هذه الزيادة. وإلى ما ذهب إليه البخاري من التفصيل في ذلك ذهب الجمهور، وشذّ قوم فشددوا حتى نقل عن الحسن البصري أنه كان يقول: أخاف أن يكون قولنا: \"حميد الطويل\" غيبة، وكأن البخاري لمح بذلك حيث ذكر قصة ذي اليدين وفيها: \"وفي القوم رجل في يديه طول\".\nقال ابن المنيِّر: أشار البخاري إلى أن ذكر مثل هذا إن كان للبيان والتمييز فهو جائز، وإن كان للتنقيص فهو لم يجز، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(٤٦ -<span data-type='title' id=toc-3610> باب الغيبة وقول الله تعالى ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا. . .﴾ [الحجرات: ١٢]) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٢): هكذا اكتفى بذكر الآية المصرّحة بالنهي عن الغيبة، ولم يذكر حكمها كما ذكر حكم النميمة بعد بابين حيث جزم بأن النميمة من الكبائر. وقد اختلف في حدّ الغيبة وفي حكمها، فأما حدّها فقال الراغب: هي أن يذكر الإنسان عيب غيره من غير محوج إلى ذكر ذلك،\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٤٦٨، ٤٦٩).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٠/ ٤٧٠، ٤٧١).","vol":"6","page":269},{"text":"وقال ابن الأثير في \"النهاية\": الغيبة أن تذكر الإنسان في غيبته بسوء وإن كان فيه.\nوقال النووي في \"الأذكار\" تبعًا للغزالي: ذكر المرء بما يكرهه سواء كان ذلك في بدن الشخص أو دينه أو دنياه أو نفسه أو خلقه أو خلقه أو ماله أو والده أو ولده أو زوجه أو خادمه أو ثوبه أو حركته أو طلاقته أو عبوسته أو غير ذلك مما يتعلق به، سواء ذكرته باللفظ أو بالإشارة والرمز.\nقال النووي: وممن يستعمل التعريض في ذلك كثير من الفقهاء في التصانيف وغيرها كقولهم: قال بعض من يدعي العلم، أو بعض من ينسب إلى الصلاح أو نحو ذلك مما يفهم السامع المراد به، وكل ذلك من الغيبة، وتمسك من قال: إنها لا يشترط فيها غيبة الشخص بالحديث المشهور الذي أخرجه مسلم وأصحاب السنن عن أبي هريرة رفعه وفيه: \"ذكرك أخاك بما يكرهه\" فلم يقيد ذلك بغيبة الشخص، فدلّ على أن لا فرق بين أن يقول ذلك في غيبته أو في حضوره، والأرجح اختصاصها بالغيبة مراعاةً لاشتقاقها، وبذلك جزم أهل اللغة.\nثم بسط الحافظ الكلام في حكم الغيبة، ونقل الإجماع على أنها من الكبائر، وقيل: من الصغائر، وتعقب هذا القول، ثم قال: ذكر المصنف في الباب حديث ابن عباس وليس فيه ذكر الغيبة بل فيه \"يمشي بالنميمة\" قال ابن التِّين: إنما ترجم بالغيبة وذكر النميمة لأن الجامع بينهما ذكر ما يكرهه المقول فيه بظهر الغيب، انتهى من \"الفتح\".\nوقال ابن عابدين (^١) بحثًا على تعريف الغيبة: قوله: حال كونه غائبًا، هذا القيد مأخوذ من مفهومها اللغوي ولم يذكر في الحديث، والظاهر أنه لو ذكر في وجهه فهو سبّ وشتم وهو حرام أيضًا بالأولى؛ لأنه أبلغ في الإيذاء عن حال الغيبة، انتهى.\n_________\n(^١) \"ردّ المحتار\" (٩/ ٥٨٥ - ٥٨٧).","vol":"6","page":270},{"text":"وقال أيضًا: أعلم أن الغيبة حرام بنص الكتاب العزيز، وشبّه المغتاب بآكل لحم أخيه ميتًا إذ هو أقبح من الأجنبي ومن الحي، فكما يحرم لحمه يحرم عرضه، قال - ﷺ -: \"كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه\" رواه مسلم وغيره، ولا تحل إلا عند الضرورة بقدرها كهذه المواضع (أي: التي ذكرت في \"الدر المختار\" كما سيأتي).\nوفي \"تنبيه الغافلين\" للفقيه أبي الليث: الغيبة على أربعة أوجه: في وجه هي كفر بأن قيل له: لا تغتب، فيقول: ليس هذا غيبة لأني صادق فيه، فقد استحلّ ما حرم بالأدلة القطعية وهو كفر، إلى أن قال: وفي وجه هي مباح وهو أن يغتاب معلنًا بفسقه أو صاحب بدعة، وإن اغتاب الفاسق ليحذره الناس يثاب عليه؛ لأنه من النهي عن المنكر، انتهى.\nأقول: والإباحة لا تنافي الوجوب في بعض المواضع الآتية، انتهى.\nوفي \"الدر المختار\": وكذا لا إثم عليه لو ذكر مساوئ أخيه على وجه الاهتمام فلا يكون غيبة، إنما الغيبة أن يذكر على وجه الغضب يريد السبّ، انتهى.\nقال ابن عابدين: قوله: لا يكون غيبة؛ لأنه لو بلغه لا يكرهه؛ لأنه مهتم له متحزن ومتحسر عليه، لكن بشرط أن يكون صادقًا في اهتمامه وإلا كان مغتابًا منافقًا مرائيًا مزكيًّا لنفسه؛ لأنه شتم أخاه المسلم وأظهر خلاف ما أخفى، وأشعر الناس أنه يكره هذا الأمر لنفسه ولغيره، وأنه من أهل الصلاح حيث لم يأت بصريح الغيبة، وإنما أتى بها في معرض الاهتمام، فقد جمع أنواعًا من القبائح، نسأل الله تعالى العصمة، انتهى.\nوقال صاحب \"الفيض\" (^١) بعد تعريف الغيبة: ذكر الشامي فيها المستثنيات، وملخصها يرجع عندي إلى كلمة واحدة وهي أن الغيبة هي التي كانت لتجريد الصدر والتلذذ بها وجعلها شغلًا، أما إذا كان بصدد ذكر\n_________\n(^١) \"فيض الباري\" (٦/ ١٣٨).","vol":"6","page":271},{"text":"حوادث الأيام وصروفها فذكر فيه أشياء لا يكون من الغيبة المحظورة.\nشر الورى بمساوئ الناس مشتغل … مثل الذباب يراعي موضع العلل\nانتهى.\nوسيأتي ترجمة المصنف بقوله: \"ما يجوز من اغتياب أهل الفساد\".\nقال الحافظ (^١): قال العلماء تباح الغيبة في كل غرض صحيح شرعًا حيث يتعين طريقًا إلى الوصول إليه بها كالتظلم والاستعانة على تغيير المنكر والاستفتاء والمحاكمة والتحذير من الشر، ويدخل فيه تجريح الرواة والشهود، وممن تجوز غيبتهم من يتجاهر بالفسق أو الظلم أو البدعة، انتهى.\n\n(٤٧ -<span data-type='title' id=toc-3611> باب قول النبي - ﷺ -: خير دور الأنصار)</span>\nوكأنَّ فيه تعريضًا لغيرهم، وبذلك يدخل هذا الباب في هذا الكتاب، أو يقال: إن الخير فيهم لأجل اهتمامهم ومراعاتهم الآداب، وبهذا يزول الإشكال.\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٢) تحت الترجمة: ظاهره إزراء بالآخرين فكان مظنة عدم الجواز، ودفعه بأن المنهي عنه هو الالتزام، وأما إذا لزم ذلك ولم يكن من قصده إزراء الآخرين وتحقيرهم، وإنما قصد امتداح قوم فلا ضير فيه، انتهى.\nوفي هامشه: ولأجل ذلك ذكره الإمام البخاري في أبواب الغيبة وغيرها.\nقال الحافظ: في إيراد هذه الترجمة هنا إشكال؛ لأن هذا ليس من الغيبة أصلًا إلا إن أخذ من أن المفضل عليهم يكرهون ذلك، فيستثنى ذلك من عموم قوله: \"ذكرك أخاك بما يكره\"، ويكون محل الزجر إذا\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٤٧٢).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٢١، ٢٢).","vol":"6","page":272},{"text":"لم يترتب عليه حكم شرعي، فأما ما يترتب عليه حكم شرعي فلا يدخل في الغيبة ولو كرهه المحدث عنه، انتهى.\nوقال العلامة العيني (^١): وهذا المقدار لا يعدّ غيبة وهذا نحو قولك: أبو بكر أفضل من عمر، وليس ذلك غيبة لعمر، انتهى.\n\n(٤٨ -<span data-type='title' id=toc-3612> باب ما يجوز من اغتياب أهل الفساد والريب)</span>\nوالمراد من أهل الريب المتهمون بالفساد، انتهى من كلام \"فيض الباري\" (^٢). ذكر فيه حديث عائشة في قوله: \"بئس أخو العشيرة\"، ونوزع في كون ما وقع من ذلك غيبة وإنما هو نصيحة ليحذر السامع، وإنما لم يواجه المقول فيه بذلك لحسن خلقه - ﷺ -، والجواب أن المراد أن صورة الغيبة موجودة فيه وإن لم يتناول الغيبة المذمومة شرعًا، وغايته أن تعريف الغيبة المذكور أولًا هو اللغوي، وإذا استثني منه ما ذكر كان ذلك تعريفها الشرعي، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\nقلت: وهذا الباب كالاستثناء من باب الغيبة، وتقدم الكلام هناك على المسألة مبسوطًا.\n\n(٤٩ -<span data-type='title' id=toc-3613> باب النميمة من الكبائر)</span>\nقال القسطلاني (^٤): وهي نقل مكروه بقصد الإفساد، وضابطها كشف ما يكره من شيء بكل ما يفهم، وهي أم الفتن، وقد قيل: إن النمام يفسد في ساعةٍ مما لا يفسده الساحر في شهر، وعلى سامعها إن جهل كونها نميمة أو نصحًا أن يتوقف حتمًا، فإن تبين أنها نميمة، فعليه أن لا يصدّقه لفسقه بها، ثم ينهاه عنها وينصحه، ثم يبغضه في الله ما لم يتب، ولا يظنّ بأخيه\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٥/ ٢٠٦).\n(^٢) \"فيض الباري\" (٦/ ١٣٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٠/ ٤٧١).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ٨٧).","vol":"6","page":273},{"text":"الغائب سوءًا، ويحرم بحثه عنها وحكاية ما نقل إليه كيلا ينتشر التباغض، ولا ينمّ على النمام فيصير نمامًا.\nقال النووي: وهذا إذا لم يكن في النقل مصلحة شرعية وإلا فهو مستحب أو واجب، كمن اطلع من شخص أنه يريد أن يؤذي شخصًا ظلمًا فحذره منه، انتهى.\nوفي \"المجمع\" (^١): النميمة نقل الحديث على جهة الفساد والشرِّ، نمَّ الحديث ينمّه وينمُّه فهو نمّام، وهو أقبح القبائح، وأكثر إطلاقه على من ينمّ قول الغير إلى المقول فيه إن كره، انتهى.\nقال الحافظ (^٢): واختلف في الغيبة والنميمة هل هما متغايرتان أو متحدتان؟ والراجح التغاير، وأن بينهما عمومًا وخصوصًا وجهيًّا، إلى آخر ما ذكر.\nوقال في مطابقة الحديث بالترجمة: ذكر فيه حديث ابن عباس في قصة القبرين وهو ظاهر فيما ترجم به لقوله في سياقه: \"وانه لكبير\"، وقد صحح ابن حبان من حديث أبي هريرة بلفظ: \"وكان الآخر يؤذي الناس بلسانه ويمشي بينهم بالنميمة\"، انتهى.\n\n(٥٠ -<span data-type='title' id=toc-3614> باب ما يكره من النميمة)</span>\nكأنه أشار بهذه الترجمة إلى أن بعض القول المنقول على جهة الإفساد يجوز إذا كان المقول فيه كافرًا مثلًا، كما يجوز التجسس في بلاد الكفار ونقل ما يضرّهم، قاله الحافظ (^٣).\n\n(٥١ -<span data-type='title' id=toc-3615> باب قول الله: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج:</span> ٣٠])\nقال الراغب: الزور الكذب، قيل له ذلك لكونه مائلًا عن الحق، والزور بفتح الزاي: الميل، وكان موقع هذه الترجمة للإشارة إلى أن القول\n_________\n(^١) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٨١٢، ٨١٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٠/ ٤٧٢، ٤٧٣).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٠/ ٤٧٢).","vol":"6","page":274},{"text":"المنقول بالنميمة لما كان أعم من أن يكون صدقًا أو كذبًا، فالكذب فيه أقبح، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(٥٢ -<span data-type='title' id=toc-3616> باب ما قيل في ذي الوجهين)</span>\nأورد فيه حديث أبي هريرة، وفيه تفسيره وهو من جملة صور النمام، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\n\n(٥٣ -<span data-type='title' id=toc-3617> باب من أخبر صاحبه بما يقال فيه)</span>\nكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٣): والفرق بينه وبين النميمة أن المقصود ههنا الإصلاح ودفع الشرّ، وفي النميمة الإفساد وإثارة الشر، فجاز ذلك دونها، انتهى.\nقال الحافظ (^٤): قد تقدمت الإشارة إلى أن المذموم من نقلة الأخبار من يقصد الإفساد، وأما من يقصد النصيحة ويتحرى الصدق ويجتنب الأذى فلا، وقلّ من يفرق بين البابين، فطريقُ السلامة في ذلك لمن يخشى عدم الوقوف على ما يباح من ذلك مما لا يباح الإمساكُ عن ذلك، وأراد البخاري بالترجمة بيان جواز النقل على وجه النصيحة لكون النبي - ﷺ - لم ينكر على ابن مسعود نقله ما نقل، بل غضب من قول المنقول عنه، انتهى.\nقال العلامة القسطلاني (^٥): ويفهم من الحديث أن الكبراء من الخواص قد يعز عليهم ما يقال فيهم من الباطل لما في فطر البشر إلا أن أهل الفضل يتلقون ذلك بالصبر الجميل اقتداءً بالسلف ليتأسى بهم الخلف، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٤٧٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٠/ ٤٧٤).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٢٢).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٠/ ٤٧٥، ٤٧٦).\n(^٥) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ٩٢).","vol":"6","page":275},{"text":"(٥٤ -<span data-type='title' id=toc-3618> باب ما يكره من التمادح)</span>\n[أي] بين الناس بما فيه الإطراء ومجاوزة الحد، قاله القسطلاني (^١).\nقال الحافظ (^٢): وكأنه ترجم ببعض ما يدل عليه الخبر من الصور لأنه أعم من أن يكون من الجانبين أو من جانب واحد، ويحتمل أن لا يريد حمل التفاعل فيه على ظاهره، وقد ترجم له في الشهادات: \"ما يكره من الإطناب في المدح\"، انتهى.\nوتعقب العلامة العيني (^٣) على كلام الحافظ، وذكر الفرق في المشاركة التي تكون في المفاعلة والتفاعل، فارجع إليه لو شئت.\n\n(٥٥ -<span data-type='title' id=toc-3619> باب من أثنى على أخيه بما يعلم)</span>\nأي: فهو جائز ومستثنى من الذي قبله، والضابط أن لا يكون في المدح مجازفة ويؤمن على الممدوح الإعجاب والفتنة، انتهى من \"الفتح\" (^٤).\nوفي \"فيض الباري\" (^٥): اعلم أن المصنف بوّب أولًا بكراهة التمادح، ولما علم أن إطلاقها غير مراد بَوَّبَ ثانيًا ليدل على استثناء فيه، انتهى.\n\n(٥٦ -<span data-type='title' id=toc-3620> باب قول الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل:</span> ٩٠])\nقال العيني (^٦): أشار البخاري بإيراد هذه الآيات إلى وجوب ترك إثارة الشر على مسلم أو كافر، يدل عليه قوله: ﴿وَالْإِحْسَانِ﴾ أي: إلى المسيء وترك معاقبته على إساءته، ثم في تفسير هذه الآية أقوال، ثم بسط العيني عشرة أقوال في تفسير العدل والإحسان.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ٩٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٠/ ٤٧٦).\n(^٣) انظر: \"عمدة القاري\" (١٥/ ٢١٢).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٠/ ٤٧٨، ٤٧٩).\n(^٥) \"فيض الباري\" (٦/ ١٤١).\n(^٦) \"عمدة القاري\" (١٥/ ٢١٥).","vol":"6","page":276},{"text":"وقال الحافظ (^١): قال ابن بطال: وجه الجمع بين الآيات المذكورة وترجمة الباب جمع الحديث أن الله تعالى لما نهى عن البغي، وأعلم أن ضرر البغي إنما هو راجع إلى الباغي، وضمن النصر لمن بغي عليه، كان حق من بغي عليه أن يشكر الله على إحسانه إليه بأن يعفو عمن بغى عليه، وقد امتثل النبي - ﷺ - فلم يعاقب الذي كاده بالسحر مع قدرته على ذلك.\nقال الحافظ: ويحتمل أن يكون مطابقة الترجمة للآيات والحديث أنه - ﷺ - ترك استخراج السحر خشية أن يثور على الناس منه شرّ، فسلك مسلك العدل في أن لا يحصل لمن لم يتعاط السحر من أثر الضرر الناشيء عن السحر شر، وسلك مسلك الإحسان في ترك عقوبة الجاني، انتهى.\n\n(٥٧ -<span data-type='title' id=toc-3621> باب ما ينهى عن التحاسد والتدابر وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ. . .﴾ [الفلق: ٥]) إلخ</span>\nأشار بذكر هذه الآية إلى أن النهي عن التحاسد ليس مقصورًا على وقوعه بين اثنين فصاعدًا، بل الحسد مذموم، ومنهي عنه لو وقع من جانب واحد، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\n\n(٥٨ -<span data-type='title' id=toc-3622> باب قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ [الحجرات:</span> ١٢])\nقال العلامة العيني (^٣): قال المفسرون: نزلت هذه الآية في رجلين من الصحابة اغتابا سلمان - ﵁ -، انتهى.\n\n(٥٩ -<span data-type='title' id=toc-3623> باب ما يكون في الظن)</span>\nكذا في النسخ الهندية، وفي نسخة \"العيني\" و\"القسطلاني\": \"ما يكون من الظن\"، وفي نسخة الحافظ: \"ما يجوز من الظن\".\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٤٨٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٠/ ٤٨١).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٣/ ٢١٩).","vol":"6","page":277},{"text":"قال الحافظ (^١): كذا للنسفي ولأبي ذر عن الكشميهني وكذا في ابن بطال، وفي رواية القابسي والجرجاني: \"ما يكره\" وللباقين: \"ما يكون\"، والأول أليق بسياق الحديث، انتهى.\nولم يتعرض الشرَّاح لما في النسخ الهندية بلفظ \"في\" بدل \"من\"، وتعرض له الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٢) إذ قال: لعل المعنى: هذا باب بيان جواز إظهار ما في ظن الرجل، أو المعنى: باب ما يكون في الظن من جواز أو كراهة أو حرمة، فالظن الظاهر دليله جائز كما هو ظاهر الحديث، والظن الذي ليس عليه قرينة وفيه إساءة ظن بالآخر لا يجوز، وهذا على نسخة \"في\"، وأما على نسخة \"من\" فالمعنى: باب بيان الظن، فإن كلمة \"من\" بيان لـ \"ما\"، والله تعالى أعلم، انتهى.\nولله در الشيخ قُدِّس سرُّه فإنه قد أجاد في شرح ألفاظ الترجمة على كلتا النسختين.\nثم قال الحافظ (^٣) بعد ذكر حديث الباب: قيل: الحديث لا يطابق الترجمة لأن في الترجمة إثبات الظن وفي الحديث نفي الظن، والجواب أن النفي في الحديث لظن النفي لا لنفي الظن، فلا تنافي بينه وبين الترجمة، وحاصل الترجمة أن مثل هذا الذي وقع في الحديث ليس من الظن المنهي عنه لأنه في مقام التحذير من مثل من قال حاله كحال الرجلين، والنهي إنما هو عن الظن السوء بالمسلم السالم في دينه وعرضه، انتهى.\nزاد العلامة العيني (^٤) بعد حكاية هذا الجواب: وقال الكرماني: العرف في قول القائل: ما أظن زيدًا في الدار: أظنه ليس في الدار، قلت: هو حاصل الجواب المذكور، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٤٨٥).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٢٣).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٠/ ٤٨٥، ٤٨٦).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٥/ ٢٢٠).","vol":"6","page":278},{"text":"(٦٠ -<span data-type='title' id=toc-3624> باب ستر المؤمن على نفسه)</span>\nقال الحافظ (^١): أي: إذا وقع منه ما يعاب فيشرع له ويندب له، ثم قال في شرح الحديث: قال ابن بطال: في الجهر بالمعصية استخفاف بحق الله ورسوله وبصالحي المؤمنين، وفيه ضرب من العناد لهم، وفي الستر بها السلامةُ من الاستخفاف، وقد استشكلت مطابقة الحديث للترجمة من جهة أنها معقودة لستر المؤمن على نفسه، والذي في الحديث ستر الله على المؤمن، والجواب أن الحديث مصرّح بذمّ من جاهر بالمعصية فيستلزم مدح من يستتر، انتهى.\n\n(٦١ -<span data-type='title' id=toc-3625> باب الكبر)</span>\nقال الراغب: الكبر والتكبر والاستكبار متقارب، فالكبر الحالة التي يختص بها الإنسان من إعجابه بنفسه، وذلك أن يرى نفسه أكبر من غيره، وأعظم ذلك أن يتكبر على ربّه بأن يمتنع من قبول الحقّ والإذعان له بالتوحيد والطاعة، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\nوقال القاري في \"المرقاة\" (^٣): قالت السادة الصوفية ﵏: إن آخر ما يخرج من رأس الصديقين محبة الجاه، فإن الجاه ولو كان في الأمور العلمية والعملية والمشيخة والحالات الكشفية فمن حيث النظر إلى المخلوق والغفلة عن الغيرة الربوبية أو الرؤية الإثنينية بعد ظهور أنوار الأحدية يحجب السالك عن الخلوة في الجلوة بوصف البقاء بالله والفناء عما سواه، هذا وقد روى صاحب \"الكشاف\" في \"ربيع الأبرار\" عن ابن مسعود - ﵁ -: يكون الرجل مرائيًا في حياته وبعد موته، قيل: كيف ذاك؟ قال: يحب أن يكثر الناس في جنازته، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٤٨٦، ٤٨٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٠/ ٤٨٩).\n(^٣) \"مرقاة المفاتيح\" (٩/ ٣٥، ٣٦).","vol":"6","page":279},{"text":"(٦٢ -<span data-type='title' id=toc-3626> باب الهجرة)</span>\nبكسر الهاء وسكون الجيم، أي: ترك الشخص مكالَمَتَه الآخر إذا تلاقيا، وهي في الأصل: الترك، فعلًا كان أو قولًا، وليس المراد بها مفارقة الوطن، فإن تلك تقدم حكمها.\nقال النووي: قال العلماء: تحرم الهجرة بين المسلمين أكثر من ثلاث ليال بالنصّ، وتباح في الثلاث بالمفهوم، وإنما عفي عنه في ذلك لأن الآدمي مجبول على الغضب فسومح بذلك القدر ليرجع ويزول ذلك العارض. وقال أبو العباس القرطبي: المعتبر ثلاث ليال حتى لو بدأ بالهجرة في أثناء النهار ألغي البعض وتعتبر ليلة ذلك اليوم وينقضي العفو بانقضاء الليلة الثالثة.\nقال الحافظ: وفي الجزم باعتبار الليالي دون الأيام جمود، وقد مضى في \"باب ما نهي عن التحاسد\" في حديث أبي أيوب بلفظ: \"ثلاثة أيام\" فالمعتمد أن المرخص فيه ثلاثة أيام بلياليها إلى آخر ما ذكر (^١).\nوقال القسطلاني (^٢): تزول الهجرة بمجرد السلام وردّه عند الأكثرين، وقال الإمام أحمد: لا يبرأ من الهجرة إلا بعوده إلى الحال التي كان عليها أولًا، انتهى.\n\n(٦٣ -<span data-type='title' id=toc-3627> باب ما يجوز من الهجران لمن عصى)</span>\nوهذا استثناء مما سبق، وذكره صاحب \"الفيض\" (^٣) أيضًا إذ قال: فعل فيه مثل ما فعل في الغيبة والنميمة؛ فترجم أولًا بالهجرة وذكر ما فيها من الوعيد، ثم نبَّه على أن فيها استثناء أيضًا، انتهى.\nوقال الحافظ (^٤): أراد بهذه الترجمة بيان الهجران الجائز؛ لأن عموم\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٤٩٢).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ١١٠).\n(^٣) \"فيض الباري\" (٦/ ١٤٥).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٠/ ٤٩٧).","vol":"6","page":280},{"text":"النهي مخصوص بمن لم يكن لهجره سبب مشروع، فبيَّن ههنا السبب المسوغ للهجر، وهو لمن صدرت منه معصية، فيسوغ لمن اطلع عليها منه هجره عليها ليكفّ عنها، قال المهلب: غرض البخاري في هذا الباب أن يبين صفة الهجران الجائز وأنه يتنوع بقدر الجرم، فمن كان من أهل العصيان يستحق الهجران بترك المكالمة كما في قصة كعب وصاحبيه، وما كان من المغاضبة بين الأهل والإخوان فيجوز الهجر فيه بترك التسمية مثلًا أو بترك بسط الوجه مع عدم هجر السلام والكلام، وقال الطبري: قصة كعب أصل في هجران أهل المعاصي، وقد استشكل كون هجران الفاسق أو المبتدع مشروعًا، ولا يشرع هجران الكافر وهو أشدّ جرمًا منهما، وأجاب ابن بطال بأن لله أحكامًا فيها مصالح للعباد، وهو أعلم بشأنها وعليهم التسليم لأمره فيها، فجنح إلى أنه تعبّد لا يعقل معناه، وأجاب غيره بأن الهجران على مرتبتين: الهجران بالقلب، والهجران باللسان، فهجران الكافر بالقلب وبترك التودد والتعاون والتناصر، وإنما لم يشرع هجرانه بالكلام لعدم ارتداعه بذلك عن كفره بخلاف العاصي المسلم، انتهى.\nوفي هامش \"اللامع\" (^١): اعلم أن الإمام البخاري رحمه الله تعالى ترجم للهجرة ببابين: الأول في النهي عن الهجرة لأمر دنيوي، والثاني في جوازها لأمر ديني، لكن يشكل إدخال حديث عائشة في هذا الباب.\nقال الكرماني: فإن قلت: كيف طابق الحديث الترجمة ولا معصية ثمة؟ قلت: لعل البخاري أراد قياس هجران الشخص للأمر المخالف للشريعة على هجران اسمه للأمر المخالف للطبيعة، قال ابن بطال: غرضه بيان صفة الهجران الجائز، وأن ذلك متنوع على قدر الأسباب، فما كان لمعصية ينبغي هجره مطلقًا كما في حديث كعب، وما كان (^٢) لمعاتبة بين\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٢٤).\n(^٢) في الأصل: \"قال\" بدل \"كان\"، وهو تحريف.","vol":"6","page":281},{"text":"الأهل والإخوان فيهجر عن التسمية ونحوها كما فعلت عائشة رضي الله تعالى عنها، قال القاضي: مغاضبة عائشة هي من الغيرة التي عفي عنها للنساء، ولولا ذلك لكان عليها في ذلك من الحرج ما فيه؛ لأن الغضب على النبي - ﷺ - معصية كبيرة، وفي قولها: \"لا أهجر إلا اسمك\" دلالة على أن قلبها مملوء من المحبة، وإنما الغيرة في النساء لفرط المحبة، انتهى بزيادة من \"الفتح\" (^١).\nوقال العلامة السندي (^٢) في شرح ترجمة الباب: قوله: \"لمن عصى\" أي: ونحوه كهجران الاسم لشدة الغيرة، فلذلك ذكر في الباب حديث عائشة، والله أعلم، انتهى.\n\n(٦٤ -<span data-type='title' id=toc-3628> باب هل يزور صاحبه كل يوم أو بكرة وعشيًّا)</span>\nقال الحافظ (^٣): وكأنّ البخاري رمز بالترجمة إلى توهين الحديث المشهور: \"زُرْ غبًّا تزدد حبًّا\"، وقد ورد من طرق أكثرها غرائب لا يخلو واحد منها عن مقال، وقد جمع طرقه أبو نعيم وغيره، وجاء من حديث علي وأبي ذر وأبي هريرة وعبد الله بن عمرو وأبي برزة وعبد الله بن عمر وأنس وجابر وحبيب بن مسلمة ومعاوية بن حيدة، وقد جمعتها في جزء مفرد.\nثم قال الحافظ: ولا منافاة بين هذا الحديث وحديث الباب لأن عمومه يقبل التخصيص فيحمل على من ليست له خصوصية ومودة ثابتة، فلا ينقص كثرة زيارته من منزلته، قال ابن بطال: الصديق الملاطف لا يزيده كثرة الزيارة إلا محبةً بخلاف غيره، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٤٩٧، ٤٩٨).\n(^٢) \"صحيح البخاري بحاشية السندي\" (٤/ ٦٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٠/ ٤٩٨، ٤٩٩).","vol":"6","page":282},{"text":"(٦٥ -<span data-type='title' id=toc-3629> باب الزيارة)</span>\nأي: مشروعيتها، \"ومن زار قومًا فطعم عندهم\" أي: من تمام الزيارة أن يقدّم للزائر ما حضر، قاله ابن بطال، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nقلت: لكن المذكور في الترجمة الطعم الذي هو فعل الزائر وليس المذكور فيه الإطعام، والذي ذكره ابن بطال يناسب هذا لا ذاك، فالأوجه عندي أن يقال في الغرض من الترجمة: إنه لا ينبغي للزائر أن يمتنع عن الطعام لأجل أنه لم يدعه لذلك من قبل، يعني: لا يقول الزائر: لا آكل الطعام؛ لأنك ما دعوتني، وأفاد العزيز المولوي محمد عاقل: (^٢) أنه يحتمل أن يكون الغرض أن طعامه عنده لا يقدح في إخلاص هذا العمل، أي: الزيارة.\n\n(٦٦ -<span data-type='title' id=toc-3630> باب من تجمّل للوفود)</span>\nأي: حسّن هيئته بالملبوس ونحوه لمن يقدم عليه، والمراد بالوفود من كان يرد على النبي - ﷺ - ممن يرسلهم قبائلهم يبايعون لهم على الإسلام ويتعلمون أمور الدين حتى يعلموهم، وإنما أورد الترجمة بصورة الاستفهام؛ لأن النبي - ﷺ - أنكر على عمر، فالظاهر أنه إنما أنكر لبس الحرير، ولم ينكر أصل التجمل لكنه محتمل مع ذلك (^٣)، انتهى.\nوفي \"الفيض\" (^٤): قال الشيخ ابن الهمام في \"الفتح\": إن الجمال غير الزينة، فإن التزين يكون من الأوصاف الرديئة بخلاف الجمال فإنه من الخصال الحميدة، ثم فرق أن الزينة هو جلب الحسن والتطرية ليكون له\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٤٩٩).\n(^٢) هو ختن المؤلف الشيخ المحدث محمد زكريا الكاندهلوي، من كبار مدرسي جامعة مظاهر علوم في سهار نفور الهند، وهو الآن رئيس هيئة التدريس في نفس الجامعة.\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٠/ ٥٠٠، ٥٠١).\n(^٤) \"فيض الباري\" (٦/ ١٤٦).","vol":"6","page":283},{"text":"منظرًا حسنًا عند الخلائق، بخلاف الجمال فإنه اكتساب الحسن لئلا يكون قبيح المنظر ومشارًا إليه بالأصابع، انتهى.\n\n(٦٧ -<span data-type='title' id=toc-3631> باب الإخاء والحلف)</span>\nبكسر المهملة وسكون اللام، وبفتح المهملة وكسر اللام، هو المعاهدة، وقد تقدم بيانها في أوائل الهجرة، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوقال العلامة العيني (^٢): أي: هذا باب في بيان مشروعية الإخاء، أي: المؤاخاة، ثم قال في شرح الحديث: وليس بين قوله: \"قد حالف\" وبين قوله: \"لا حلف في الإسلام\" منافاة؛ لأن المنفي هو المعاهدة الجاهلية والمثبت هو المؤاخاة.\nوقال النووي: \"لا حلف في الإسلام\" معناه حلف التوارث وما يمنع الشرع منه، وأما المؤاخاة والمحالفة على طاعة الله تعالى والتعاون على البرّ فلم ينسخ، إنما المنسوخ ما يتعلق بالجاهلية، انتهى.\nولا يبعد عندي أن يقال: إن الإخاء والحلف يشمل ما اشتهر في هذا الزمان باسم: (كميي بنانا).\n\n(٦٨ -<span data-type='title' id=toc-3632> باب التبسم والضحك)</span>\nقال الحافظ (^٣): قال أهل اللغة: التبسم مبادئ الضحك، والضحك انبساط الوجه حتى تظهر الأسنان من السرور، فإن كان بصوت وكان بحيث يسمع من بعد فهو القهقهة وإلا فهو الضحك، وإن كان بلا صوت فهو التبسم، انتهى.\nوقال العلامة العيني (^٤): أي: هذا باب في بيان إباحة التبسم والضحك، انتهى. وهكذا في \"القسطلاني\".\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٥٠١).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٥/ ٢٣٣).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٠/ ٥٠٤).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٥/ ٢٣٣)، \"إرشاد الساري\" (١٣/ ١١٧).","vol":"6","page":284},{"text":"قوله: (فقال عجبت من هؤلاء اللاتي كنّ عندي. . .) إلخ، قال العلامة السندي (^١): لا يخفى أن المبادرة إلى الحجاب لازمة عند دخول الأجنبي سواء كان عمر أو غيره فما وجه التعجب؟ فلعل الواقعة كانت قبل آية الحجاب، أو لعل فيهن من يجوز لها الكشف عند عمر كحفصة مثلًا، فالتعجب بالنظر إلى قيامها، أو لعل التعجب من إسراعهن قبل أن يعلمن أن النبي - ﷺ - يأذن له أم لا، وهذا أقرب إلى لفظ الحديث، والله أعلم، انتهى.\n\n(٦٩ -<span data-type='title' id=toc-3633> باب قول الله ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة:</span> ١١٩])\nقال ابن التِّين: اختلف في قوله: ﴿مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ فقيل: معناه: مثلهم، وقيل: منهم، قلت: وأظن المصنف لمح بذكر الآية إلى قصة كعب بن مالك وما أدّاه صدقه في الحديث إلى الخير الذي ذكره في الآية بعد أن وقع له ما وقع من ترك المسلمين كلامه تلك المدة حتى ضاقت عليه الأرض بما رحبت، ثم منّ الله عليه بقبول توبته، وقال في قصته: \"ما أنعم الله عليّ من نعمة بعد إذ هداني للإسلام أعظم في نفسي من صدقي أن لا أكون كذبت فأهلك كما هلك الذين كذبوا\"، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\n\n(٧٠ -<span data-type='title' id=toc-3634> باب الهدي الصالح)</span>\nبفتح الهاء وسكون الدال: هو الطريقة الصالحة، وهذه الترجمة لفظ حديث أخرجه البخاري في \"الأدب المفرد\" من وجهين عن ابن عباس رفعه: \"الهدي الصالح والسمت الصالح والاقتصاد جزء من خمسة وعشرين جزء من النبوة\"، وفي الطريق الأخرى: \"جزء من سبعين جزء من النبوة\"، وأخرجه أبو داود وأحمد باللفظ الأول وسنده حسن، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري بحاشية السندي\" (٤/ ٦٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٠/ ٥٠٧، ٥٠٨).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٠/ ٥٠٩).","vol":"6","page":285},{"text":"(٧١ -<span data-type='title' id=toc-3635> باب الصبر والأذى وقول الله: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ﴾ [الزمر:</span> ١٠])\nكذا في النسخة \"الهندية\"، وفي نسخة \"العيني\": \"الصبر على الأذى\"، وفي نسخة \"الفتح\": \"الصبر في الأذى\".\nقال الحافظ (^١): أي: حبس النفس عن المجازاة على الأذى قولًا أو فعلًا، وقد يطلق على الحلم، قال بعض أهل العلم: الصبر على الأذى جهاد النفس، وقد جبل الله الأنفس على التألم بما يفعل بها، ويقال فيها، ولهذا شقّ على النبي - ﷺ - نسبتهم له إلى الجور في القسمة لكنه حلم عن القائل فصبر لما علم من جزيل ثواب الصابرين، وأن الله تعالى يأجره بغير حساب، والصابر أعظم أجرًا من المنفق؛ لأن حسنته مضاعفة إلى سبعمائة، والحسنة في الأصل بعشر أمثالها إلا من شاء الله أن يزيده، وقد تقدم في أوائل الإيمان حديث ابن مسعود: \"الصبر نصف الإيمان\"، وقد ورد في فضل الصبر على الأذى حديث ليس على شرط البخاري، وهو ما أخرجه ابن ماجه بسند حسن عن ابن عمر رفعه: \"المؤمن الذي خالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم\"، وأخرجه الترمذي من حديث صحابي لم يسم، انتهى.\n\n(٧٢ -<span data-type='title' id=toc-3636> باب من لم يواجه الناس بالعتاب)</span>\nأي: حياءً منهم، وقوله: \"ما بال أقوام؟ \" في رواية جرير: \"ما بال رجال؟ \" قال ابن بطال: هذا لا ينافي الترجمة؛ لأن المراد بها المواجهة مع التعيين كأن يقول: ما بالك يا فلان تفعل كذا، وما بال فلان يفعل كذا، فأما مع الإبهام فلم تحصل المواجهة، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\nوقال العلامة العيني (^٣): قال ابن بطال: إنما كان لا يواجه الناس\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٥١١، ٥١٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٠/ ٥١٣).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٥/ ٢٤٤).","vol":"6","page":286},{"text":"بالعتاب إذا كان في خاصة نفسه كالصبر على جهل الجهال وجفاء الأعراب، ألا يُرى أنه ترك الذي جبذ البردة عن عنقه حتى أثرت جبذته فيه، وأما إذا انتهكت من الدين حرمة فإنه لا يترك العتاب عليها والتقريع فيها، ويصدع بالحق فيما يجب على منتهكها ويقتصّ منه، انتهى.\nقلت: وإليه أشار الإمام البخاري من الترجمة التي تأتي بعد بابين، وما حكى الحافظ عن ابن بطال في شرح الترجمة يؤيده ما أخرجه الإمام أبو داود في \"سننه\" (^١) في \"باب حسن العشرة\" من \"كتاب الأدب\" عن عائشة قالت: \"كان النبي - ﷺ - إذا بلغه عن الرجل الشيء لم يقل: ما بال فلان يقول، ولكن يقول: ما بال أقوام يقولون كذا وكذا\"، وأخرج من حديث أنس: \"كان رسول الله - ﷺ - قلما يواجه رجلًا في وجهه بشيء يكرهه\" الحديث.\n\n(٧٣ -<span data-type='title' id=toc-3637> باب من أكفر أخاه بغير تأويل فهو كما قال)</span>\nكذا قيد مطلق الخبر بما إذا صدر ذلك بغير تأويل من قائله، واستدل لذلك في الباب الذي يليه، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\nوقال العيني (^٣): قوله: \"بغير تأويل\" يعني: في تكفيره، قيّد به لأنه إذا تأوّل في تكفيره يكون معذورًا غير آثم، ولذلك عذر النبي - ﷺ - عمر - ﵁ - في نسبة النفاق إلى حاطب بن أبي بلتعة لتأويله، وذلك أن عمر بن الخطاب ظنّ أنه صار منافقًا بسبب ذلك، انتهى.\nوقال القسطلاني (^٤) في شرح الحديث: كذا حمله البخاري على تحقق الكفر على أحدهما بمقتضى الترجمة، ولذا ترجم عليه مقيّدًا بغير تأويل، وحمله بعضهم على الزجر والتغليظ، فيكون ظاهره غير مراد، انتهى.\n_________\n(^١) \"سنن أبي داود\" (رقم ٤٧٨٨، ٤٧٨٩).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٠/ ٥١٤).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٥/ ٢٤٥).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ١٣٤).","vol":"6","page":287},{"text":"(٧٤ -<span data-type='title' id=toc-3638> باب من لم ير إكفار من قال ذلك متأوّلًا أو جاهلًا)</span>\nأي: بالحكم أو بحال المقول فيه، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوقال العيني (^٢): قوله: \"من قال ذلك\" إشارة إلى قوله في الترجمة السابقة: \"من كفر أخاه بغير تأويل\" يعني: من قال ذلك القول حال كونه متأولًا بأن ظنه كذا، أو قاله حال كونه جاهلًا بحكم ما قاله أو بحال المقول فيه، انتهى.\nوهكذا شرح الترجمة العلامة القسطلاني، فظاهر كلام الشرَّاح أن كلا البابين متعلق بمسألة واحدة وهي قول الرجل لآخر: يا كافر، فإن قال ذلك بغير تأويل فهو لا يجوز وهو مؤدّى الباب الأول، وإن قاله متأوّلًا فهو جائز وهو مؤدّى الباب الثاني على رأي الشرَّاح.\nوأنت تعلم أن أحدهما مستلزم للآخر فيلزم التكرار بين هذين البابين، وما يخطر بالبال - والله أعلم بحقيقة الحال - أنهما مسألتان مختلفتان، فالباب الأول كما قال الشرَّاح في حق من قال للآخر: يا كافر بغير تأويل في هذا القول، وأما الباب الثاني فمؤدّاه عندي مسألة أخرى، وهي تكفير من قال كلمة الكفر أو فعل فعلًا يوجب الكفر جاهلًا أو متأوّلًا، فمتعلق التأويل ههنا فعل المقول فيه لا فعل القائل بخلاف الترجمة السابقة فإنها على عكس ذلك، وعلى هذا لا يلزم التكرار، فتأمل فإنه لطيف مناسب لدقائق تراجم البخاري.\nومطابقة حديث الباب أعني قصة حاطب إما على قول الشرَّاح ففي قول عمر: إنه منافق، فإنما قال عمر ما قاله متأولًا، وإما على ما اخترته في معنى الترجمة فالمطابقة في فعل حاطب، فإنه فعل ما فعله متأوّلًا، والله أعلم.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٥١٦).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٥/ ٢٤٧)، و\"إرشاد الساري\" (١٣/ ١٣٦).","vol":"6","page":288},{"text":"وترجم الإمام البخاري في \"كتاب استتابة المعاندين والمرتدين\" بلفظ \"باب ما جاء في المتأولين\"، وسيأتي شيء من الكلام على المسألة هناك إن شاء الله تعالى.\n\n(٧٥ -<span data-type='title' id=toc-3639> باب ما يجوز من الغضب والشدة لأمر الله تعالى. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^١): كأنه يشير إلى أن الحديث الوارد في أنه - ﷺ - وكان يصبر على الأذى إنما هو فيما كان من حق نفسه، وأما إذا كان لله تعالى فإنه يمتثل فيه أمر الله من الشدة، انتهى.\n\n(٧٦ -<span data-type='title' id=toc-3640> باب الحذر من الغضب لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ﴾ الآية [الشورى:</span> ٣٧])\nأي: الحذر من الغضب لغير أمر الله لقوله في الترجمة الأولى: \"لأمر الله\".\n\n(٧٧ -<span data-type='title' id=toc-3641> باب الحياء)</span>\nقال العلامة القسطلاني (^٢): أي: فضل الحياء، وهو تغير وانكسار يعمري الإنسان من خوف ما يعاب به ويذمّ، وفي الشرع: خلق يبعث على اجتناب القبيح ويمنع من التقصير في حق ذي الحق، انتهى.\nقلت: وتقدم بعض المباحث المتعلقة بالحياء في \"كتاب الإيمان\"، وذكر المصنف فيه ثلاثة أحاديث: أحدها حديث عمران بن حصين، وقد أخرجه مسلم أيضًا في \"كتاب الإيمان\"،\nقال الحافظ (^٣): وقد ذكر مسلم في مقدمة \"صحيحه\" لبشير بن كعب\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٥١٨).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ١٤٨).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٠/ ٥٢٢).","vol":"6","page":289},{"text":"هذا قصة مع ابن عباس تشعر بأنه كان يتساهل في الأخذ عن كل من لقيه، انتهى.\nوأما الحديث الثاني فقد تقدم في \"كتاب الإيمان\"، وأما الثالث فقد تقدم قريبًا في \"باب من لم يواجه الناس بالعتاب\" وفي \"باب صفته - ﷺ -\".\n\n(٧٨ -<span data-type='title' id=toc-3642> باب إذا لم تستحي فاصنع ما شئت)</span>\nكذا في النسخة \"الهندية\" بإثبات الياء التحتانية، وفي نسخ الشروح الثلاثة: \"إذا لم تستح\" بحذف الياء.\nقال القسطلاني (^١): لم تستح بكسر الحاء، وفي نسخة \"الكرماني\": \"لم تستحي\" بإثبات الياء كما في النسخة \"الهندية\"، وهو القياس فإنه في الأصل تستحيي بيائين، وبدخول الجازم سقطت إحدى اليائين.\nقال الكرماني في الباب السابق: قوله: \"إنك تستحي\" بياء واحدة وبيائين، فإذا جزم يجوز أن يبقى بدونها، انتهى.\nقال الحافظ (^٢): كذا ترجم بلفظ الحديث، وضمّه في \"الأدب المفرد\" إلى ترجمة الحياء، ثم قال في شرح الحديث: وقد سبق هذا الحديث في ذكر بني إسرائيل في أواخر أحاديث الأنبياء.\nقال النووي في \"الأربعين\": الأمر فيه للإباحة، أي: إذا أردت فعل شيء فإن كان مما لا تستحي إذا فعلته من الله ولا من الناس فافعله وإلا فلا، وعلى هذا مدار الإسلام، وتوجيه ذلك أن المأمور به الواجب والمندوب يستحي من تركه، والمنهي عنه الحرام والمكروه يستحي من فعله، وأما المباح فالحياء من فعله جائز وكذا من تركه، فتضمن الحديث الأحكام الخمسة، وقيل: هو أمر تهديد، ومعناه إذا نزع منك الحياء فافعل ما شئت\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ١٥١)، \"شرح الكرماني\" (٢١/ ٢٣٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٠/ ٥٢٣).","vol":"6","page":290},{"text":"فإن الله مجازيك عليه، وفيه إشارة إلى تعظيم أمر الحياء، وقيل: هو أمر بمعنى الخبر، أي: من لا يستحيي يصنع ما أراد، انتهى.\n\n(٧٩ -<span data-type='title' id=toc-3643> باب ما لا يستحي من الحق للتفقه في الدين)</span>\nهذا تخصيص للعموم الماضي في الذي قبله أن الحياء خير كله، أو يحمل الحياء في الخبر الماضي على الحياء الشرعي، فيكون ما عداه مما يوجد فيه حقيقة الحياء لغة، ليس مرادًا بالوصف المذكور، وذكر فيه ثلاثة أحاديث تقدمت، وهي ظاهرة فيما ترجم له، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوقد ترجم على حديث أم سلمة وابن عمر حديثي الباب في \"كتاب العلم\" \"باب الحياء في العلم\"، وتقدم هناك آراء المشايخ والشرَّاح في غرض المصنف بالترجمة.\n\n(٨٠ -<span data-type='title' id=toc-3644> باب قول النبي - ﷺ -: يسّروا ولا تعسّروا)</span>\nقال الحافظ (^٢): أما حديث \"يسّروا\" فوصله في الباب، وأما الحديث الآخر فأخرجه مالك في \"الموطأ\" عن عائشة، فذكر حديثًا في صلاة الضحى وفيه: \"وكان يحبّ ما خفّ على الناس\"، انتهى.\n\n(٨١ -<span data-type='title' id=toc-3645> باب الانبساط إلى الناس)</span>\nقال العيني (^٣): وفي رواية الكشميهني: \"مع الناس\"، والمراد به أن يتلقى الناس بوجه بشوش وينبسط معهم بما ليس فيه ما ينكره الشرع وما يرتكب فيه الإثم، وكان النبي - ﷺ - أحسن الأمة أخلاقًا وأبسطهم وجهًا، وقد وصفه الله - ﷿ - بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]، فكان ينبسط\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٥٢٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٠/ ٥٢٥).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٥/ ٢٦٢، ٢٦٣).","vol":"6","page":291},{"text":"إلى النساء والصبيان ويداعبهم ويمازحهم، وقد قال - ﷺ -: \"إني لأمزح ولا أقول إلا حقًّا\" فينبغي للمؤمن الاقتداء بحسن أخلاقه وطلاقة وجهه.\nقوله: (والدعابة مع الأهل) بالجر عطفًا على الانبساط، وهي من بقية الترجمة، وهي بضم الدال: الملاطفة في القول بالمزاح، من دعب يدعب فهو دعاب، قال الجوهري: أي: لعاب، والمداعبة الممازحة، فإن قلت: قد أخرج الترمذي من حديث ابن عباس رفعه: \"لا تمار أخاك - أي: لا تخاصمه - ولا تمازحه\" الحديث.\nقلت: يجمع بينهما بأن المنهي عنه ما فيه إِفراط أو مداومة عليه؛ لأنها تؤول إلى الإيذاء والمخاصمة وسقوط المهابة والوقار، والذي يسلم من ذلك هو المباح فافهم، انتهى.\n\n(٨٢ -<span data-type='title' id=toc-3646> باب المداراة مع الناس)</span>\nهو بغير همز وأصله الهمز لأنه من المدافعة (^١)، والمراد به الدفع برفق، وأشار المصنف بالترجمة إلى ما ورد فيه على غير شرطه، واقتصر على إيراد ما يؤدي معناه، فمما ورد فيه صريحًا حديث لجابر عن النبي - ﷺ - قال: \"مداراة الناس صدقة\" أخرجه ابن عدي والطبراني في \"الأوسط\"، وحديث أبي هريرة: \"رأس العقل بعد الإيمان بالله مداراة الناس\" أخرجه البزار بسند ضعيف.\nقال ابن بطال: المداراة من أخلاق المؤمنين، وهي خفض الجناح للناس ولين الكلمة وترك الإغلاظ لهم في القول، وذلك من أقوى أسباب الألفة، وظنّ بعضهم أن المداراة هي المداهنة فغلط؛ لأن المداراة مندوب إليها، والمداهنة محرمة، والفرق أن المداهنة من الدهان، وهو الذي يظهر على الشيء ويستر باطنه، وفسّرها العلماء بأنها معاشرة الفاسق وإظهار\n_________\n(^١) كذا في الأصل، (ز).","vol":"6","page":292},{"text":"الرضا بما هو فيه من غير إنكار عليه، والمداراة هي الرفق بالجاهل في التعليم وبالفاسق في النهي عن فعله وترك الإغلاظ عليه حيث لا يظهر ما هو فيه، والإنكار عليه بلطف القول والفعل، ولا سيما إذا احتيج إلى تألفه ونحو ذلك، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوقال العلامة القسطلاني (^٢) في تعريف المداهنة: هي معاشرة المعلن بالفسق وإظهار الرضاء بما هو فيه من غير إنكار عليه باللسان ولا بالقلب، انتهى.\n\n(٨٣ -<span data-type='title' id=toc-3647> باب لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين، وقال معاوية: لا حلم إلا عن تجربة)</span>\nكذا في النسخة \"الهندية\"، وفي نسخة \"الكرماني\" و\"القسطلاني\": \"لا حكيم إلا ذو تجربة\"، وفي نسخة \"الفتح\": \"لا حكيم إلا بتجربة\"، وفي نسخة \"العيني\": \"لا حليم إلا ذو تجربة\".\nقال العلامة العيني (^٣): ومناسبة ذكر أثر معاوية للحديث الذي هو الترجمة هي أن الحليم الذي ليس له تجربة قد يقع في أمر مرة بعد أخرى، فلذلك قيَّد الحليم بذي التجربة، والحلم عبارة عن التأني في الأمور المقلقلة، والمعنى أن المرء لا يوصف بالحلم حتى يجرب الأمور، وقيل: إن من جرّب الأمور وعرف عواقبها آثر الحلم وصبر على قليل الأذى ليدفع به ما هو أكثر منه، انتهى.\nوقال الحافظ (^٤): وهذا الأثر وصله أبو بكر بن أبي شيبة في \"مصنفه\" (^٥) ولفظه: \"قال معاوية: لا حلم إلا بالتجارب\"، وأخرجه البخاري\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٥٢٨).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ١٦٠).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٥/ ٢٦٧).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٠/ ٥٢٩، ٥٣٠).\n(^٥) \"مصنف ابن أبي شيبة\" (٨/ ٤٠٩) و(١١/ ٩٤).","vol":"6","page":293},{"text":"في \"الأدب المفرد\" (^١) من طريق علي بن مسهر عن هشام عن أبيه قال: \"كنت جالسًا عند معاوية فحدث نفسه ثم انتبه فقال: لا حليم إلا ذو تجربة، قالها ثلاثًا\"، وأخرج من حديث أبي سعيد مرفوعًا: \"لا حليم إلا ذو عشرة، ولا حكيم إلا ذو تجربة\"، وأخرجه أحمد وصححه ابن حبان، قال ابن الأثير: معناه لا يحصل الحلم حتى يرتكب الأمور ويعثر فيها، فيعتبر بها ويستبين مواضع الخطأ ويجتنبها، وقال غيره: المعنى لا يكون حليمًا كاملًا إلا من وقع في زَلّة، وحصل منه خطأ فحينئذٍ يخجل، فينبغي لمن كان كذلك أن يستر من رآه على عيب فيعفو عنه، وكذلك من جرَّب الأمور علم نفعها وضررها، فلا يفعل شيئًا إلا عن حكمة، انتهى.\nقال الكرماني (^٢): قوله: \"لا يلدغ المؤمن\" الحديث، قال الخطابي: \"لا يلدغ\" خبر ومعناه أمر، يقول: ليكن المؤمن حازمًا حذرًا لا يؤتى عن ناحية الغفلة فيخدع مرة بعد أخرى، وقد يكون ذلك في أمر الدين كما يكون في أمر الدنيا، وقد يرويه بعضهم: \"لا يلدغ\" بكسر الغين في الوصل فيتحقق معنى النهي فيه، انتهى.\nقال القسطلاني (^٣): نقل النووي عن القاضي عياض: سبب هذا الحديث معروف وهو أنه - ﷺ - أسر أبا عزة الشاعر يوم بدر، فمنّ عليه وعاهده أن لا يحرض عليه ولا يهجوه فأطلقه، فلحق بقومه ثم رجع إلى التحريض والهجاء، ثم أسر يوم أُحد فسأله المنّ فقال - ﷺ -: \"لا يلدغ المؤمن\" الحديث، وذكر القسطلاني أيضًا الخلاف في أن هذا القول مثل قديم تمثل به النبي - ﷺ - أو هو أول من تكلم به فارجع إليه لو شئت.\nوفي \"فيض الباري\" (^٤): قوله: \"لا يلدغ المؤمن. . .\" إلخ، يعني: من شأن المؤمن أن لا يلدغ من جحر واحد مرتين، فكأنه يكون معتبرًا\n_________\n(^١) \"الأدب المفرد\" (ص ١٩٥)، (رقم ٥٦٤).\n(^٢) \"شرح الكرماني\" (٢٢/ ٨).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ١٦٣، ١٦٤).\n(^٤) \"فيض الباري\" (٦/ ١٥٩).","vol":"6","page":294},{"text":"من الحوادث لا كالفساق لا يبالي بشيء وإن أفرغت عليه المصائب وأقيمت عليه الحدود ويبتلى بالفتن، فالمؤمن يكون فطنًا متيقظًا يتقي مواضع التهم، وإذا ابتلي مرة بشرّ لا يأتيه ثانيًا حتى لا يكون مطعنًا للناس، وهذا لا ينافي كونه أبله، فإن ترجمته (ساده)، ويقابله (جالاك)، وليست ترجمته (بيوقوف)، فالمؤمن لا يكون خداعًا، انتهى.\nوفي حاشية العلامة السندي (^١): ولعل هذا الحديث محمول على أمور الدين كما يقتضيه اسم المؤمن، أي: ليس من شأن المؤمن على مقتضى إيمانه أن يصدّق الكاذب الذي ظهر كذبه مرة ثانية فينخدع في المرتين جميعًا لقوله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦]، وهذا هو مورد الحديث، وأما الانخداع في أمور الدنيا بناءً على قلة التفاته إليها وعدم اهتمامه بها فهو ممدوح مطلوب، وعليه يحمل حديث: \"المؤمن غر كريم\" فلا تدافع بين الحديثين، انتهى.\n\n(٨٤ -<span data-type='title' id=toc-3648> باب حق الضيف)</span>\nقد تقدم حديث الباب مشروحًا في \"كتاب الصيام\"، والغرض منه قوله: \"وإن لزورك عليك حقًّا\"، والزور بفتح الزاء وسكون الواو: الزائر، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\n\n(٨٥ -<span data-type='title' id=toc-3649> باب إكرام الضيف)</span>\nقال القسطلاني (^٣): أي: استحبابه، مصدر مضاف لمفعوله والفاعل محذوف، أي: إكرام المضيف، \"و\" استحباب \"خدمته إياه بنفسه\" من عطف الخاص على العامّ، إذ الإكرام أعم من أن يكون بالنفس أو بأحد، \"وقوله\" بالجر عطفًا على السابق، \" ﴿ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [الذاريات: ٢٤]، قال\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري بحاشية السندي\" (٤/ ٧٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٠/ ٥٣١).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ١٦٦).","vol":"6","page":295},{"text":"أبو عبد الله\" المؤلف: \"يقال\" في المفرد: \"هو زور\" وفي الجمع: \"هؤلاء زور\" فيستوي فيه الجمع والمفرد، \"و\" كذا \"ضيف ومعناه أضيافه وزواره لأنها مصدر مثل قوم رضى وعدل\" يعني: مرضيون وعدول، فالمعنى جمع واللفظ مفرد، انتهى من \"القسطلاني\".\nثم اعلم أن ما تقدم من قوله: \"قال أبو عبد الله\" إلى آخره هذا كله ساقط من نسخة \"الكرماني\"، وموجودة في نسخ الشروح الثلاثة من \"الفتح\" و\"العيني\" و\"القسطلاني\" في هذا الباب، وأما في النسخة \"الهندية\" ففيها هذه العبارة في آخر الباب الأول.\n\n(٨٦ -<span data-type='title' id=toc-3650> باب صنع الطعام والتكلف للضيف)</span>\nذكر فيه حديث أبي جحيفة في قصة سلمان وأبي الدرداء وهو ظاهر فيما ترجم له، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوقال العيني (^٢): مطابقة الحديث بالترجمة في قوله: \"فصنع له طعامًا\"، انتهى.\nوأنت خبير بأن الترجمة مشتملة على جزئين: صنع الطعام والتكلف للضيف.\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٣): ولعله قصد إثبات الجزء الثاني بقوله: \"كُلْ فإني صائم\" فإنهم لما كانت عادتهم الصوم والتبذل فالظاهر أنهم لم يكونوا يصنعون طعامًا بالنهار وكانوا يكتفون بطعام الليل فكان صنع الطعام الجديد له تكلفًا.\nولا يبعد أن يستنبط التكلف من قوله: \"فأكل\"، فإنه لما اعتاد الصوم والتزمه كان الإفطار لأجل الضيف احتمالًا للكلفة من غير شك، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٥٣٤).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٥/ ٢٧٢).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٣١).","vol":"6","page":296},{"text":"قال الحافظ (^١): أشار المصنف بالترجمة إلى حديث يروى عن سلمان في النهي عن التكلف للضيف ولفظه: \"نهانا رسول الله - ﷺ - أن نتكلف للضيف\" أخرجه أحمد والحاكم بسند لين، وفيه قصة سلمان مع ضيفه حيث طلب منه زيادة على ما قدّم له فرهن مطهرته بسبب ذلك، ثم قال الرجل لما فرغ: \"الحمد لله الذي قنعنا بما رزقنا، فقال له سلمان: لو قنعت ما كانت مطهرتي مرهونة\"، والجمع بينهما أنه يقرّب لضيفه ما عنده ولا يتكلف ما ليس عنده، فإن لم يكن عنده شيء فيسوغ حينئذٍ التكلفُ بالطبخ ونحوه، انتهى.\nوقال القسطلاني (^٢): وقد كان سلمان إذا دخل عليه رجل دعا بما حضر خبزًا أو ملحًا وقال: لولا أنا نهينا أن يتكلف بعضنا لتكلفت لك، انتهى.\nوتقدم شيء من الكلام على الخلاف في التكلف للضيف في \"باب الرجل يتكلف الطعام لإخوانه\" من \"كتاب الأطعمة\"، ثم إنه يشكل ههنا في بادئ الرأي التكرار في الترجمة، ويمكن التفصي عنه باختلاف الكتابين؛ لأنه ذكره هناك لكونه من فروع الأطعمة، وذكره ههنا لكونه من جملة الآداب، وله نظائر كثيرة في \"صحيح البخاري\"، وأوجه منه أن يقال في الفرق بينهما نظرًا إلى حديثي البابين واختلاف ألفاظ الترجمتين: أنه أثبت في الباب الأول التكلف للضيف المدعوّ، وأثبت ههنا التكلف للضيف الوارد غير المدعوّ، ثم إن حديث الباب قد تقدم في \"كتاب الصوم\" في \"باب من أقسم على أخيه ليفطر\".\n\n(٨٧ -<span data-type='title' id=toc-3651> باب ما يكره من الغضب والجزع عند الضيف)</span>\nقال الحافظ (^٣): ذكر فيه حديث عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق في قصة أضياف أبي بكر، وقد تقدم شرحه في \"علامات النبوة\" من الترجمة\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (١٠/ ٥٣٤) و(١٤/ ٢١١).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ١٧٣).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٠/ ٥٣٥).","vol":"6","page":297},{"text":"النبوية، وأخذ الغضب منه من قول عبد الرحمن: \"فعرفت أنه يجد علي\" وهي من الموجدة وهي الغضب، وقد وقع التصريح بذلك في الطريق التي بعد هذه حيث قال فيه: \"فغضب أبو بكر\"، انتهى.\nقلت: ولا يخفى عليك أن ما ذكره الحافظ فيه إثبات الغضب وترجمة الإمام البخاري بكراهة الغضب، ومقتضاه نفي الغضب لا إثباته، ولذا قال الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^١): قوله: \"باب ما يكره من الغضب. . .\" إلخ، دلّ عليه قوله: \"لم أر في الشرّ كالليلة\" وقوله: \"الأولى من الشيطان\"، فإن مقالته هذه دلّت على أنه عدّ غضبه وحلفه وجميع ما جرى شرًا ومن أمر الشيطان، انتهى.\nويترتب على هذا كراهة الغضب وهو الترجمة، فللّه درّ الشيخ قُدِّس سرُّه.\n\n(٨٨ -<span data-type='title' id=toc-3652> باب قول الضيف لصاحبه: لا آكل حتى تأكل. . .) إلخ</span>\nلم تقع هذه الترجمة ولا هذا التعليق في رواية أبي ذر، وإنما ساق قصة أضياف أبي بكر تلو الطريق التي قبلها، وهي من هذا الوجه مختصرة، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\nوقال العيني (^٣): ولم تقع هذه الترجمة ولا التعليق المذكور في رواية أبي ذر، وإنما ساق هذا الحديث الذي في هذا الباب عقيب الحديث الذي في الباب السابق، انتهى.\n\n(٨٩ -<span data-type='title' id=toc-3653> باب إكرام الكبير ويبدأ الأكبر بالكلام والسؤال)</span>\nالمراد الأكبر في السنّ إذا وقع التساوي في الفضل، وإلا فيقدّم الفاضل في الفقه والعلم إذا عارضه السنّ، ذكر فيه حديث سهل بن أبي حثمة\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٣٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٠/ ٥٣٥).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٥/ ٢٧٤).","vol":"6","page":298},{"text":"ورافع بن خديج في قصة محيصة وحويصة، وسيأتي شرحه في \"كتاب القسامة\"، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(٩٠ -<span data-type='title' id=toc-3654> باب ما يجوز من الشعر والرجز)</span>\nقال العلامة القسطلاني (^٢): أي: ما يجوز أن ينشد من الشعر وهو الكلام المقفى الموزون قصدًا، والتقييد بالقصد مخرج ما وقع موزونًا اتفاقًا فلا يسمى شعرًا، قوله: \"الرجز\" أي: وما يجوز من الرجز وهو بفتح الراء والجيم بعدها زاي، وهو نوع من الشعر عند الأكثر، فعلى هذا يكون عطفه على الشعر من عطف الخاصّ على العامّ، واحتج القائل بأنه ليس بشعر بأنه يقال فيه: راجز لا شاعر، وسمي رجزًا لتقارب أجزائه واضطراب اللسان به، يقال: رجز البعير إذا تقارب خطوه واضطرب لضعف فيه.\nوفي \"المجمع\" (^٣): الرجز بحر من البحور ونوع من أنواع الشعر، يكون كل مصراع منه مفردًا، وتسمى قصائده أراجيز جمع أرجوزة، فهو كهيئة السجع إلا أنه في وزن الشعر، ويسمى قائله راجزًا كتسمية قائل بحور الشعر شاعرًا، انتهى.\nوقال القسطلاني (^٤): \"و\" ما يجوز من \"الحداء\" بضم الحاء وتخفيف الدال المفتوحة المهملتين، يمد ويقصر: سوق الإبل بضرب مخصوص من الغناء، ويكون بالرجز غالبًا، ويلحق به غناء الحجيج المشوق للحج بذكر الكعبة البيت الحرام وغيرها من المشاعر العظام، وما يحرض أهل الجهاد على القتال، ومنه غناء المرأة لتسكيت الولد في المهد، \"و\" بيان \"ما يكره\" إنشاده \"منه\" من الشعر، والجائز من الشعر ما لم يكثر منه في المسجد، وخلا عن الهجو وعن الإغراق في المدح والكذب المحض فالتغزل بمعين لا يسوغ، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٥٣٦).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ١٧٩).\n(^٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (٢/ ٢٩٣).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ١٧٩، ١٨٠).","vol":"6","page":299},{"text":"وزاد الحافظ (^١): وقد نقل ابن عبد البر الإجماع على جوازه إذا كان كذلك، واستدل بأحاديث الباب وغيرها، قلت: وقد جمع ابن سيد الناس شيخ شيوخنا مجلدًا في أسماء من نقل عنه من الصحابة شيء من شعر متعلق بالنبي - ﷺ - خاصة، وقد ذكر في الباب خمسة أحاديث دالة على الجواز بعضها مفصل لما يكره مما لا يكره، وترجم في \"الأدب المفرد\": \"ما يكره من الشعر\"، وأورد فيه حديث عائشة مرفوعًا: \"إن أعظم الناس فرية الشاعر يهجو القبيلة بأسرها\" وسنده حسن، وأخرجه ابن ماجه من هذا الوجه بلفظ: \"أعظم الناس فرية رجل هاجى رجلًا فهجا القبيلة بأسرها\" وصححه ابن حبان.\nوقال الحافظ أيضًا: ونقل ابن عبد البر الاتفاق على إباحة الحداء، وفي كلام بعض الحنابلة إشعار بنقل خلاف فيه، ومانعه محجوج بالأحاديث الصحيحة، واستدل بجواز الحداء على جواز غناء الركبان المسمى بالنصب وهو ضرب من النشيد بصوت فيه تمطيط، وأفرط قوم فاستدلوا به على جواز الغناء مطلقًا بالألحان التي تشتمل عليها المُوسِيقَى، وفيه نظر، وقال الماوردي: اختلف فيه فأباحه قوم مطلقًا، ومنعه قوم مطلقًا، وكرهه مالك والشافعي في أصح القولين، ونقل عن أبي حنيفة المنع وكذا أكثر الحنابلة إلى آخر ما ذكر.\nوقال بعد ذكر حديث الباب: قال الطبري: في هذا الحديث ردّ على من كره الشعر مطلقًا واحتج بقول ابن مسعود: الشعر مزامير الشيطان، وعن أبي أمامة رفعه: \"إن إبليس لما أهبط إلى الأرض قال: رب اجعل لي قرآنًا، قال: قرآنك الشعر\"، ثم أجاب عن ذلك بأنها أخبار واهية، وهو كذلك، فحديث أبي أمامة فيه علي بن يزيد ألهاني وهو ضعيف، وعلى تقدير قوتها فهو محمول على الإفراط فيه والإكثار منه، كما سيأتي تقريره\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٥٣٨، ٥٣٩، ٥٤٠، ٥٤٣).","vol":"6","page":300},{"text":"بعد باب، ويدل على الجواز سائر أحاديث الباب، إلى آخر ما بسط الحافظ.\n\n(٩١ -<span data-type='title' id=toc-3655> باب هجاء المشركين)</span>\nالهجاء والهجو بمعنى، وأشار بهذه الترجمة إلى أن بعض الشعر قد يكون مستحبًّا، وقد أخرج أحمد وأبو داود والنسائي وصححه ابن حبان من حديث أنس رفعه: \"جاهدوا المشركين بألسنتكم\"، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوكذا حمله القسطلاني (^٢) على الاستحباب، وحمله العيني (^٣) على الجواز إذ قال: أي: هذا باب في بيان جواز الهجاء للمشركين، انتهى. لكن اختار هو أيضًا بعد ذلك الاستحباب لحديث أبي داود المذكور في كلام الحافظ.\n\n(٩٢ -<span data-type='title' id=toc-3656> باب ما يكره أن يكون الغالب على الإنسان الشعر. . .) إلخ</span>\nأشار المصنف بهذه الترجمة إلى محمل روايات النهي والذمّ.\nقال الحافظ (^٤) تحت ترجمة الباب: هو في هذا الحمل متابع لأبي عبيد، انتهى.\n\n(٩٣ - باب قول النبي - ﷺ -: \"تربت يمينك\" و\"عقرى حلقى\")\nكأنه أراد جواز استعمال مثل هذه الألفاظ إذا لم تكن محمولة على حقيقة معناها، أي: الدعاء عليه.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٥٢٦).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ١٨٩).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٥/ ٢٨٥).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٠/ ٥٤٨).","vol":"6","page":301},{"text":"(٩٤ -<span data-type='title' id=toc-3658> باب ما جاء في زعموا)</span>\nقال الحافظ (^١): كأنه يشير إلى حديث أبي قلابة قال: \"قيل لأبي مسعود: ما سمعت رسول الله - ﷺ - يقول في زعموا؟ قال: بئس مطية الرجل\" أخرجه أحمد وأبو داود ورجاله ثقات إلا أن فيه انقطاعًا، وكأن البخاري أشار إلى ضعف هذا الحديث بإخراجه حديث أم هانئ، وفيه قولها: \"زعم ابن أمي\" فإن أم هاني أطلقت ذلك في حق عليّ، ولم ينكر عليها النبي - ﷺ -، والأصل في \"زعم\" أنها تقال في الأمر الذي لا يوقف على حقيقته، وقال ابن بطال (^٢): معنى هذا الحديث أن من أكثر من الحديث بما لا يتحقق صحته لم يؤمن عليه الكذب، انتهى.\nوفي \"فيض الباري\" (^٣): وذلك لأن الإنسان إذا أراد أن يتكلم بأمر يعلم أنه كذب يصدّره بتلك الكلمة ويقول: زعم الناس كذلك، كأنه لا يحمله على نفسه ويعزوه إلى الناس احترازًا عن صريح الكذب والزور، فالمعنى أن تلك الكلمة آلة لإشاعة الزور، كما أن المطية آلة لقطع السفر، فإذا أراد الرجل أن لا يمشي على أقدامه ركب راحلته وذهب، كذلك إذا أراد أن يتكلم بالكذب ولا يحمله على نفسه قال: زعموا، فأجرى الكذب بين الناس، انتهى.\nقال القسطلاني (^٤) وفي المثل: زعموا مطية الكذب، انتهى.\nقلت: فأشار المصنف بالترجمة وبإيراد الحديث تحته إلى جواز استعمال هذا اللفظ، خلافًا لما يتوهم من حديث أبي داود المتقدم، وذلك لأن هذا اللفظ كثيرًا ما يستعمل بمعنى القول.\nقال الحافظ (^٥): وقد وقع في حديث ضمام بن ثعلبة الماضي في\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٥٥١).\n(^٢) \"شرح ابن بطال\" (٩/ ٣٣٠).\n(^٣) \"فيض الباري\" (٦/ ١٦٧، ١٦٨).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ١٩٧).\n(^٥) \"فتح الباري\" (١٠/ ٥٥١).","vol":"6","page":302},{"text":"\"كتاب العلم\": \"زعم رسولك\"، وقد أكثر سيبويه في كتابه من قوله في أشياء يرتضيها: زعم الخليل، انتهى.\n\n(٩٥ -<span data-type='title' id=toc-3659> باب ما جاء في قول الرجل: ويلك)</span>\nلعله رمز إلى تضعيف الحديث الوارد عن عائشة - ﵂ -: \"أن النبي - ﷺ - قال لها في قصة: لا تجزعي من الويح فإنه كلمة رحمة، ولكن اجزعي من الويل\" أخرجه الخرائطي في \"مساوئ الأخلاق\" بسند واه، وهو آخر حديث فيه.\nوذكر المصنف في الباب تسعة أحاديث تقدمت كلها، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nقلت: وأفرد المصنف لهذا اللفظ بابًا مستقلًا مع أنه قد أثبت قبل باب جواز استعمال مثل هذه الألفاظ من قوله: \"تربت يمينك\" و\"عقرى حلقى\" إما لأنه ورد في منعه حديث أو لأنه أشدّ من تلك الألفاظ من حيث المعنى.\n\n(٩٦ -<span data-type='title' id=toc-3660> باب علامة الحبّ في الله لقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ. . .﴾ [آل عمران: ٣١]) إلخ</span>\nذكر فيه حديث: \"المرء مع من أحب\".\nقال الكرماني (^٢): يحتمل أن يكون المراد بالترجمة محبة الله للعبد أو محبة العبد لله أو المحبة بين العباد في ذات الله بحيث لا يشوبها شيء من الرياء، والآية مساعدة للأولين، واتباع الرسول علامة للأولى لأنها مسببة للاتباع، وللثانية لأنها سببه، انتهى.\nولم يتعرض لمطابقة الحديث للترجمة، وقد توقف فيه غير واحد، والمشكل منه جعل ذلك علامة الحبّ في الله، وكأنه محمول على الاحتمال\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٥٥٣، ٥٥٤).\n(^٢) \"شرح الكرماني\" (٢٢/ ٣٤).","vol":"6","page":303},{"text":"الثاني الذي أبداه الكرماني، وأن المراد علامة حبّ العبد لله، فدلّت الآية أنها لا تحصل إلا باتباع الرسول، ودلّ الخبر على أن اتباع الرسول وإن كان الأصل أنه لا يحصل إلا بامتثال جميع ما أمر به أنه قد يحصل من طريق التفضل باعتقاد ذلك، وإن لم يحصل استيفاء العمل بمقتضاه، دل محبة من يعمل ذلك كافية في حصول أصل النجاة والكون مع العاملين بذلك لأن محبتهم إنما هي لأجل طاعتهم، والمحبة من أعمال القلوب، فأثاب الله محبهم على معتقده، إذ النية هي الأصل والعمل تابع لها، وليس من لازم المعية الاستواء في الدرجات، ثم ذكر الحافظ الاختلاف في سبب نزول الآية (^١).\nوأجاد شيخ مشايخنا الشاه ولي الله الدهلوي في \"تراجمه\" (^٢) إذ قال: قال الزركشي: وجه مطابقة الأحاديث لباب علامة الحب غير ظاهر.\nقلت: الترجمة تحلّ محلّ التفسير للحديث، فأفاد أن محبّ النبي - ﷺ - يعرف بالاتباع كأنه قال: علامة الحبّ في الله الاتباع لقوله تعالى إلخ، انتهى.\nفكأن المصنف أشار بالترجمة إلى تقييد الروايات بالاتباع، وأنه لا يكفي مجرد دعوى المحبة، فإن المحب لمن يحبّ مطيع.\n(فائدة): قال الحافظ (^٣): قد جمع أبو نعيم طرق هذا الحديث، يعني: \"المرء مع من أحب\" في جزء سماه \"كتاب المحبين مع المحبوبين\"، وبلغ عدد الصحابة فيه نحو العشرين، وفي رواية أكثرهم بهذا اللفظ، وفي بعضها بلفظ أنس الآتي، أي: \"أنت مع من أحببت\"، انتهى.\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (١٠/ ٥٥٨).\n(^٢) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٤٥٨).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٠/ ٥٦٠).","vol":"6","page":304},{"text":"(٩٧ -<span data-type='title' id=toc-3661> باب قول الرجل للرجل: اخسأ)</span>\nقال ابن بطال: اخسأ زجر للكلب وإبعاد له، هذا أصل هذه الكلمة، واستعملتها العرب في كل من قال أو فعل ما لا ينبغي له مما يسخط الله، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوقال الكرماني (^٢): قيل: هو زجر للكلب وإبعاد له، قال تعالى: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]، أي: ابعدوا بُعدَ الكلاب ولا تكلمون في رفع العذاب عنكم، وكل من عصى الله سقطت حرمته، فجاز خطابه بنحوه من الغلظة والذمّ ليرجع عن ذلك، انتهى.\nفغرض الترجمة إثبات جواز هذا القول لمن كان أهلًا له، وهو المستفاد من حديث الباب.\n\n(٩٨ -<span data-type='title' id=toc-3662> باب قول الرجل: مرحبًا. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٣): كذا للأكثر، وفي رواية المستملي: \"باب قول النبي - ﷺ -: مرحبًا\" قال الأصمعي: معنى قوله: مرحبًا: لقيت رحبًا وسعة، وقال الفراء: نصب على المصدر، وفيه معنى الدعاء بالرحب والسعة، وقيل: هو مفعول به، أي: لقيت سعة لا ضيقًا، انتهى.\n\n(٩٩ -<span data-type='title' id=toc-3663> باب يدعى الناس بآبائهم)</span>\nكذا في النسخة \"الهندية\"، وفي نسخة \"الفتح\": \"باب ما يدعى الناس بآبائهم\".\nقال الحافظ (^٤): كذا للأكثر، وذكره ابن بطال بلفظ: \"هل يدعى الناس\" زاد في أوله: هل، وقد ورد في ذلك حديث مرفوع لأم (^٥) الدرداء\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٥٦١)، \"شرح ابن بطال\" (٩/ ٣٣٣).\n(^٢) \"شرح الكرماني\" (٢٢/ ٣٦).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٠/ ٥٦٢).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٠/ ٥٦٣، ٥٧٧).\n(^٥) كذا في الأصل، والصواب: \"لأبي الدرداء\"، (ز).","vol":"6","page":305},{"text":"أخرجه أبو داود وصححه ابن حبان ولفظه: \"إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم، فأحسنوا أسماءكم\" ورجاله ثقات إلا أن في سنده انقطاعًا بين عبد الله بن أبي زكريا راويه عن أبي الدرداء [وأبي الدرداء] فإنه لم يدركه، واستغنى المصنف عنه لما لم يكن على شرطه بحديث الباب وهو حديث ابن عمر لقوله فيه: \"غدرة فلان ابن فلان\" فتضمن الحديث أنه ينسب إلى أبيه في الموقف الأعظم.\nوقال ابن بطال (^١): في هذا الحديث ردّ لقول من زعم أنهم لا يدعون يوم القيامة إلا بأمهاتهم سترًا على آبائهم قلت: هو حديث أخرجه الطبراني من حديث ابن عباس وسنده ضعيف جدًا، قال ابن بطال: والدعاء بالآباء أشدّ في التعريف وأبلغ في التمييز، انتهى ملتقطًا.\nوقال القسطلاني (^٢): وفي الحديث العمل بظواهر الأمور، قال في \"فتح الباري\": وهو يقتضي حمل الآباء على من كان ينسب إليه في الدنيا لا على من هو في نفس الأمر وهو المعتمد، انتهى.\n\n(١٠٠ -<span data-type='title' id=toc-3664> باب لا يقل: خبثت نفسي)</span>\nبفتح الخاء المعجمة وضم الموحدة، ويقال: بفتح الموحدة، والضم أصوب، قال الراغب (^٣): الخبث يطلق على الباطل في الاعتقاد والكذب في المقال والقبيح في الفعال.\nقلت: وعلى الحرام والصفات المذمومة القولية والفعلية، قال الخطابي (^٤) تبعًا لأبي عبيد (^٥): لقست وخبثت بمعنى واحد، وإنما كره - ﷺ - من ذلك اسم الخبث فاختار اللفظة السالمة من ذلك، وكان من سُنَّته تبديل الاسم القبيح بالحسن، وقال غيره: معنى لقست غثت بغين معجمة ثم\n_________\n(^١) \"شرح ابن بطال\" (٩/ ٣٣٥).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ٢١٦).\n(^٣) \"المفردات\" (ص ٢٧٢).\n(^٤) \"أعلام الحديث\" (٣/ ٢٢٠٩).\n(^٥) \"غريب الحديث\" (٢/ ٧٢).","vol":"6","page":306},{"text":"مثلثة، وهو يرجع أيضًا إلى معنى خبثت، وقيل: معناه ساء خلقها، قال ابن أبي جمرة (^١): النهي عن ذلك للندب، والخبث واللقس وإن كان المعنى المراد يتأدى بكل منهما لكن لفظ الخبث قبيح، ويجمع أمورًا زائدة على المراد بخلاف اللقس فإنه يختص بامتلاء المعدة، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\n\n(١٠١ -<span data-type='title' id=toc-3665> باب لا تسبوا الدهر)</span>\nقال العلامة العيني (^٣): أي: هذا باب فيه المنع عن سبّ الدهر، وذكره في الترجمة بقوله: \"لا تسبوا الدهر\" فإنه في لفظ مسلم هكذا، ولفظه عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: \"لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر\"، وروى مسلم هذا الحديث بطرق مختلفة ومتون متباينة، انتهى.\nقلت: وهو آخر حديث من \"سنن أبي داود\".\nوبسط الشيخ قُدِّس سرُّه الكلام على شرح هذا الحديث في \"البذل\" (^٤).\n\n(١٠٢ -<span data-type='title' id=toc-3666> باب قول النبي - ﷺ - إنما الكرم قلب المؤمن. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٥): غرض البخاري أن الحصر ليس على ظاهره، وإنما المعنى أن الأحق باسم الكرم قلب المؤمن، ولم يرد أن غيره لا يسمى كرمًا كما أن المراد بقوله: \"إنما المفلس من ذكر\"، ولم يرو أن من يفلس في الدنيا لا يسمى مفلسًا، وبقوله: \"إنما الصرعة\" كذلك، وكذا قوله: \"لا ملك إلا الله\" لم يرد أنه لا يجوز أن يسمى غيره ملكًا، وإنما أراد الملك\n_________\n(^١) \"بهجة النفوس\" (٤/ ١٧٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٠/ ٥٦٤).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٥/ ٣٠٧، ٣٠٨).\n(^٤) \"بذل المجهود\" (١٣/ ٦٦١ - ٦٦٣)، (ح ٥٢٧٤).\n(^٥) \"فتح الباري\" (١٠/ ٥٦٦).","vol":"6","page":307},{"text":"الحقيقي، وإن سمي غيره ملكًا، واستشهد لذلك بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ﴾ [النمل: ٣٤]، وفي القرآن من ذلك عدة أمثلة.\nثم قال الحافظ (^١) في شرح الحديث: وقد أخرج الطبراني والبزار من حديث سمرة رفعه: \"إن اسم الرجل المؤمن في الكتب: الكرم من أجل ما أكرمه الله على الخليقة، وإنكم تدعون الحائط من العنب الكرم\" الحديث، قال الخطابي ما ملخصه: إن المراد بالنهي تأكيد تحريم الخمر بمحو اسمها، ولأن في تبقية هذا الاسم لها تقريرًا لما كانوا يتوهمونه من تكرم شاربها، فنهى عن تسميتها كرمًا، وقال: \"إنما الكرم قلب المؤمن\" لما فيه من نور الإيمان وهدى الإسلام، وحكى ابن بطال عن ابن الأنباري: أنهم سموا العنب كرمًا لأن الخمر المتخذة منه تحثّ على السخاء وتأمر بمكارم الأخلاق، فلذلك نهى عن تسمية العنب بالكرم حتى لا يسموا أصل الخمر باسم مأخوذ من الكرم، وجعل المؤمن الذي يتقي شربها ويرى الكرم في تركها أحق بهذا الاسم، انتهى إلى آخر ما بسطه الحافظ.\n\n(١٠٣ -<span data-type='title' id=toc-3667> باب قول الرجل: فداك أبي وأمي. . .) إلخ</span>\nقال العلامة العيني (^٢): أي: هذا باب في ذكر قول الرجل بين كلامه: \"فداك أبي وأمي\"، الفداء بكسر الفاء والمد وبفتح الفاء ويقصر، يعني: أنت مفدى بأبي وأمي. والفداء: فكاك الأسير، يقال: فداه يفديه فداء وفدىً وفاداه يفاديه مفاداة إذا أعطى فداءه وأنقذه، وفداه بنفسه فداء إذا قال له: جُعِلْتُ فداك، انتهى.\nوقال القسطلاني (^٣): \"باب قول الرجل\" لغيره \"فداك\" بفتح الفاء والقصر \"أبي وأمي\"، انتهى.\nقال الكرماني (^٤): الفداء إذا كسر أوله يمدّ ويقصر، وإذا فتح فهو مقصور، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٥٦٧).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٥/ ٣١٠، ٣١١).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ٢٢٠).\n(^٤) \"شرح الكرماني\" (٢٢/ ٤٣).","vol":"6","page":308},{"text":"فعلى هذا يجوز أن يكون المذكور في الترجمة من لفظ فداك بفتح الفاء وكسرها، فلا وجه لقول القسطلاني: \"بفتح الفاء\" نظرًا إلى الضابطة المذكورة.\nوسكت الشرَّاح عن غرض الترجمة، وتعرض له الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^١) إذ قال: قوله \"باب قول الرجل. . .\" إلخ، بيَّنه لما في ظاهره مظنة الكراهة لترك حرمة الأب ولأنه لا يملكه حتى يفديه، انتهى.\nوفي هامشه: قال النووي: فيه جواز التفدية بالأبوين، وبه قال جماهير العلماء، وكرهه عمر بن الخطاب والحسن البصري، وكرهه بعضهم في التفدية بالمسلم من أبويه، والصحيح الجواز مطلقًا؛ لأنه ليس فيه حقيقة فداء، وإنما هو كلام وإلطاف وإعلام لمحبته له ومنزلته، وقد وردت الأحاديث الصحيحة بالتفدية مطلقًا، انتهى.\nنعم قد تعرض الحافظ وغيره من الشرَّاح لغرض الترجمة الآتية وذكروا فيها الخلاف كما سيأتي، وكأنهم جعلوا حكم ما ذكر في الترجمتين واحدًا، يعني: جعلوا تفدية الرجل بنفسه وبأبويه في حكم واحد.\n\n(١٠٤ -<span data-type='title' id=toc-3668> باب قول الرجل: جعلني الله فداك)</span>\nأي: هل يباح أو يكره؟ وقد استوعب الأخبار الدالة على الجواز أبو بكر بن أبي عاصم في أول كتابه \"آداب الحكماء\"، وجزم بجواز ذلك فقال: للمرء أن يقول ذلك لسلطانه ولكبيره ولذوي العلم ولمن أحب من إخوانه، غير محظور عليه ذلك، بل يثاب عليه إذا قصد توقيره واستعطافه، ولو كان ذلك محظورًا لنهى النبي - ﷺ - قائلَ ذلك ولأعلمه أن ذلك غير جائز أن يقال لأحد غيره.\nوقد ترجم أبو داود نحو هذه الترجمة وساق حديث أبي ذر: \"قلت\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٣٧).","vol":"6","page":309},{"text":"للنبي - ﷺ -: لبيك وسعديك، جعلني الله فداك\" الحديث، وكذا أخرجه البخاري في \"الأدب المفرد\" في الترجمة، قال الطبراني: في هذه الأحاديث دليل على جواز قول ذلك، وأما ما رواه مبارك بن فضالة عن الحسن قال: \"دخل الزبير على النبي - ﷺ - وهو شاكٍ فقال: كيف تجدك جعلني الله فداك، قال: ما تركت أعرابيتك بعد\"، ثم قال: لا حجة في ذلك على المنع لأنه لا يقاوم تلك الأحاديث في الصحة، وعلى تقدير ثبوت ذلك فليس فيه صريح المنع بل فيه إشارة إلى أنه ترك الأولى في القول للمريض، إما بالتأنيس والملاطفة وإما بالدعاء والتوجع.\nقال الحافظ: ويمكن أن يعترض بأنه لا يلزم من تسويغ قول ذلك للنبي - ﷺ - أن يسوغ لغيره لأن نفسه أعز من أنفس القائلين وآبائهم، والجواب أن الأصل عدم الخصوصية، انتهى مختصرًا من \"الفتح\" (^١).\nوقال العلامة الكرماني (^٢) بعد ذكر حديث الباب: قال ابن بطال: فيه ردّ قول من لم يجوِّز تفدية الرجل بنفسه أو بأبويه، وزعم أنه إنما فدى النبي - ﷺ - سعدًا بأبويه لأنهما كانا مشركين، فأما المسلم فلا يجوز له ذلك، انتهى.\n\n(١٠٥ -<span data-type='title' id=toc-3669> باب أحبّ الأسماء إلى الله، وقول الرجل لصاحبه: يا بني)</span>\nكذا في النسخة \"الهندية\" بزيادة: \"قول الرجل. . .\" إلخ، ولم يذكره هذه الزيادة في نسخة من نسخ الشروح، ولا في المتون المصرية الأخر الموجودة عندنا، ولم يتعرض له أحد من الشرَّاح، وليس له ذكر في حديث الباب، فالظاهر أنه من تصرف النساخ، والله أعلم بحقيقة الحال.\nوالأوجه عندي على ثبوت هذه النسخة أنه من الأصل الثامن والثلاثين\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٥٦٩).\n(^٢) \"شرح الكرماني\" (٢٢/ ٤٤).","vol":"6","page":310},{"text":"من أصول التراجم، وهذا أصل مطرد تقدمت نظائره في \"مقدمة اللامع\"، فكأنه أشار بذلك إلى روايات وردت في ذلك، وقد ترجم الإمام الترمذي في \"جامعه\": \"باب ما جاء يا بني\"، وذكر فيه حديث أنس: \"أن النبي - ﷺ - قال له: يا بني\".\nوكتب الشيخ في \"الكوكب\" (^١) تحت ترجمة الباب: يعني أنه ليس سبًّا إنما هي كلمة ترحم وتلطف تكلم بها النبي - ﷺ -، انتهى مختصرًا من هامش \"اللامع\" (^٢).\nقال الحافظ (^٣): قوله: \"أحب الأسماء إلى الله. . .\" إلخ، ورد بهذا اللفظ حديث أخرجه مسلم من طريق نافع عن ابن عمر رفعه: \"إن أحبّ أسمائكم إلى الله: عبد الله وعبد الرحمن\"، قال القرطبي: يلتحق بهذين الاسمين ما كان مثلهما كعبد الرحيم وعبد الملك وعبد الصمد، وإنما كانت أحبّ إلى الله لأنها تضمنت ما هو وصف واجب لله، وما هو وصف للإنسان وواجب له وهو العبودية، ثم أضيف العبد إلى الربّ إضافة حقيقة، فصدقت أفراد هذه الأسماء وشرفت بهذا التركيب فحصلت لها هذه الفضيلة، وقال غيره: الحكمة في الاقتصار على الاسمين أنه لم يقع في القرآن إضافة عبد إلى اسم من أسماء الله تعالى غيرهما؟ قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [الجن: ١٩]، وقال في آية أخرى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان: ٦٣]، وقد أخرج الطبراني من حديث [أبي] زهير الثقفي رفعه: \"إذا سميتم فعبِّدوا\"، ومن حديث ابن مسعود رفعه: \"أحبّ الأسماء إلى الله ما تعبد به\"، وفي إسناد كل منهما ضعف، انتهى.\n_________\n(^١) \"الكوكب الدري\" (٣/ ٤٢٤)، (ح ٢٨٣١).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٣٨).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٠/ ٥٧٠)، \"المفهم\" (٥/ ٤٥٣).","vol":"6","page":311},{"text":"(١٠٦ -<span data-type='title' id=toc-3670> باب قول النبي - ﷺ -: سموا باسمي ولا تكتنوا بكنيتي)</span>\nقال العلامة القسطلاني (^١): قوله: \"لا تكتنوا\" بسكون الكاف وفتح الفوقية وضم النون، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: \"ولا تكنوا\" بفتح الكاف والنون المشددة على حذف إحدى التائين أو بسكون الكاف وضم النون، \"بكنيتي\" بالياء.\nقال في \"الفتح\" (^٢): وللأصيلي: \"بكنوتي\" بالواو بدل التحتية وهي بمعناها، تقول: كنيته وكنوته بمعنى، والكنية ما أوله أب أو أم، والاسم ما عري عنه، \"قاله أنس. . .\" إلخ، فيما سبق موصولًا في البيوع وصفة النبي - ﷺ - بلفظ: \"سموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي\"، انتهى بزيادة من \"الفتح\".\nوأما حديث الباب أعني حديث جابر فقد تقدم في \"أبواب الخمس\"، وما قاله القسطلاني تقدم موصولًا في \"صفة النبي - ﷺ -\"، قاله تبعًا للحافظ، وهو زَلَّة قلم والصواب بدله: في \"باب كنية النبي - ﷺ -\".\nومسألة الباب خلافية شهيرة، تقدمت الإشارة إليها في الباب المذكور، قال النووي: اختلف في التكني بأبي القاسم على ثلاثة مذاهب: الأول: المنع مطلقًا سواء كان اسمه محمدًا أم لا، ثبت ذلك عن الشافعي، والثاني: الجواز مطلقًا ويختص النهي بحياته - ﷺ -، والثالث: لا يجوز لمن اسمه محمد ويجوز لغيره، قال الرافعي: يشبه أن يكون هذا هو الأصح لأن الناس لم يزالوا يفعلونه في جميع الأعصار من غير إنكار، وتعقب النووي كلام الرافعي هذا كما في \"الفتح\".\nقال الحافظ: وبالمذهب الأول قال الظاهرية، وبالغ بعضهم فقال: لا يجوز لأحد أن يسمي ابنه القاسم، وحكى الطبري مذهبًا رابعًا وهو المنع من التسمية بمحمد مطلقًا، وكذا التكني بأبي القاسم مطلقًا، ثم ساق\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ٢٢٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٠/ ٥٧٢).","vol":"6","page":312},{"text":"من طريق سالم بن أبي الجعد: كتب عمر: لا تسموا أحدًا باسم نبي، واحتج لصاحب هذا القول بما أخرجه عن أنس رفعه: \"يسمونهم محمدًا ثم يلعنونهم\" وهو حديث أخرجه البزار وأبو يعلى أيضًا وسنده لين. وحكى غيره مذهبًا خامسًا وهو المنع مطلقًا في حياته، والتفصيل بعده بين من اسمه محمد وأحمد فيمتنع وإلا فيجوز، إلى آخر ما بسط الحافظ في الدلائل والروايات الواردة فيه، ثم قال: وفي الجملة أعدل المذاهب المذهب المفصل المحكيُّ أخيرًا مع غرابته، انتهى كله من \"الفتح\" (^١).\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"الكوكب\" (^٢): والأصح أن النهي مقيَّد بزمان حياته - ﷺ -، انتهى.\nوفي هامشه: وهو مختار صاحب \"الدر المختار\" إذ قال (^٣): ومن كان اسمه محمدًا لا بأس بأن يكنى أبا القاسم لأن قوله - ﷺ -: \"سموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي\" قد نسخ؛ لأن عليًّا كنى ابنه محمد ابن الحنفية: أبا القاسم، انتهى.\nوقال القاضي في \"الشفاء\" (^٤): حمل محققو العلماء نهيه - ﷺ - على مدة حياته وأجازوه بعد وفاته لارتفاع العلة، وللناس فيه مذاهب، وما ذكرنا هو مذهب الجمهور، والصواب إن شاء الله تعالى، انتهى.\nقال النووي (^٥): هذا مذهب مالك، انتهى.\n\n(١٠٧ -<span data-type='title' id=toc-3671> باب اسم الحزن)</span>\nبفتح المهملة وسكون الزاي: ما غلظ من الأرض وهو ضدّ السهل، واستعمل في الخلق يقال: في فلان حزونة، أي: في خلقه غلظة وقساوة، قاله الحافظ (^٦).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٥٧٢ - ٥٧٤).\n(^٢) \"الكوكب الدري\" (٣/ ٤٢٥).\n(^٣) \"ردّ المحتار\" (٩/ ٥٩٨).\n(^٤) \"الشفاء\" (٢/ ٢١٨).\n(^٥) \"شرح النووي\" (٧/ ٣٦٨).\n(^٦) \"فتح الباري\" (١٠/ ٥٧٤).","vol":"6","page":313},{"text":"(١٠٨ -<span data-type='title' id=toc-3672> باب تحويل الاسم إلى اسم هو أحسن منه)</span>\nقال الحافظ (^١): هذه الترجمة منتزعة مما أخرج ابن أبي شيبة من مرسل عروة: \"كان النبي - ﷺ - إذا سمع الاسم القبيح حوَّله إلى ما هو أحسن منه\" وقد وصله الترمذي من وجه آخر عن هشام بذكر عائشة فيه، وقال أيضًا: وقد ورد الأمر بتحسين الأسماء وذلك فيما أخرجه أبو داود وصححه ابن حبان من حديث أبي الدرداء رفعه: \"إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم فأحسنوا أسماءكم\" (وقد تقدم مفصّلًا في \"باب ما يدعى الناس بآبائهم\")، قال أبو داود: وقد غيَّر النبي - ﷺ - العاصَ وعتلةَ - بفتح المهملة والمثناة بعدها لام - وشيطان وغراب وحباب - بضم المهملة وتخفيف الموحدة - وشهاب وحرب وغير ذلك، ثم ذكر الحافظ تعيين هؤلاء، وقال في آخره: وأسانيدها مبينة في كتابي في الصحابة، انتهى.\n\n(١٠٩ -<span data-type='title' id=toc-3673> باب من سمى بأسماء الأنبياء)</span>\nقال الحافظ (^٢): في هذه الترجمة حديثان صريحان: أحدهما: أخرجه مسلم من حديث المغيرة بن شعبة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: \"إنهم كانوا يسمون بأسماء أنبيائهم والصالحين قبلهم\"، وثانيهما: أخرجه أبو داود والنسائي والمصنف في \"الأدب المفرد\" من حديث أبي وهب الجُشَمِي رفعه: \"تسمَّوا بأسماء الأنبياء، وأحبّ الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن، وأصدقها حارث وهمام\"، وكأنّ المؤلف - ﵀ - لما لم يكونا على شرطه اكتفى بما استنبطه من أحاديث الباب، وأشار بذلك إلى الردّ على من كره ذلك كما تقدم عن عمر أنه أراد أن يغير أسماء أولاد طلحة وكان سماهم بأسماء الأنبياء، انتهى.\nقال الحافظ (^٣) أيضًا في \"باب قول النبي - ﷺ -: سموا باسمي. . .\"\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٥٧٥ - ٥٧٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٠/ ٥٧٨).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٠/ ٥٧٣).","vol":"6","page":314},{"text":"إلخ: أخرج أحمد والطبراني من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى: \"أرسل عمر إلى بني طلحة وهم سبعة يغيِّر أسماءهم فقال له محمد وهو كبيرهم: والله لقد سمّاني النبي - ﷺ - محمدًا، فقال: قوموا فلا سبيل إليكم\" قال الحافظ: فهذا يدلّ على رجوعه عن ذلك، انتهى.\nوفي \"القسطلاني\" (^١): كره مالك التسمية بأسماء الملائكة كجبريل، وقال أيضًا: وفي هذه الأحاديث جواز التسمية بأسماء الأنبياء، وقد ثبت عن سعيد بن المسيب أنه قال: أحب الأسماء إلى الله تعالى أسماء الأنبياء، انتهى.\nقوله: (ولو قضى أن يكون. . .) إلخ، كتب الشيخ قدس سره في \"اللامع\" (^٢): وهذا حكم منه بحسب ظنه لما تفرس في إبراهيم من أمارات النجابة وخلال السعادة، فحاصله أنه لو كان بعده نبي لكان إبراهيم، لا أنه لو كان إبراهيم حيًّا لكان نبيًّا لا محالة فإن العكس غير لازم، انتهى.\nوبسط العلامة السندي (^٣) أيضًا الكلام على شرح هذا الحديث فارجع إليه لو شئت.\n\n(١١٠ -<span data-type='title' id=toc-3674> باب تسمية الوليد)</span>\nكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٤): يعني بذلك جواز تسمية المسلم بشيء من أسماء أهل الشرك إذا لم يتضمن شيئًا من المعاني القبيحة، انتهى.\nقال الحافظ (^٥): ورد في كراهة هذا الاسم حديث أخرجه الطبراني من حديث ابن مسعود: \"نهى رسول الله - ﷺ - أن يسمي الرجل عبده أو ولده\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ٢٢٦ - ٢٣٣).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٤١).\n(^٣) \"صحيح البخاري بحاشية السندي\" (٤/ ٨٠، ٨١).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٤٢).\n(^٥) \"فتح الباري\" (١٠/ ٥٨٠).","vol":"6","page":315},{"text":"حربًا أو مُرّة أو وليدًا\" الحديث، وسنده ضعيف جدًا، وورد فيه أيضًا حديث آخر مرسل أخرجه يعقوب بن سفيان في \"تاريخه\" والبيهقي في \"الدلائل\" من طريقه عن سعيد بن المسيب قال: ولد لأخي أم سلمة ولد فسماه الوليد، فقال رسول الله - ﷺ -: \"سميتموه بأسماء فراعنتكم، ليكونن في هذه الأمة رجل يقال له الوليد، هو أشر على هذه الأمة من فرعون لقومه\"، ثم بسط الحافظ الكلام على ثبوت هذا الحديث وعدمه، وأورده ابن الجوزي في \"الموضوعات\".\nوقال العلامة القسطلاني (^١): وفي حديث معاذ بن جبل عند الطبراني أيضًا قال: خرج علينا رسول الله - ﷺ -: فذكر حديثًا فيه قال: \"الوليد اسم فرعون هادم شرائع الإسلام يبوء بدمه رجل من أهل بيته\"، وسنده ضعيف جدًا، وفسر بالوليد بن يزيد بن عبد الملك لفتنة الناس به حتى خرجوا عليه فقتلوه، وانفتحت الفتن على الأمة بسبب ذلك، انتهى.\n\n(١١١ -<span data-type='title' id=toc-3675> باب من دعا صاحبه فنقص من اسمه حرفًا)</span>\nكذا اقتصر على حرف، وهو مطابق لحديث عائشة في عائش، ولحديث أنس في أنجش، وأما حديث أبي هريرة فنازع ابن بطال في مطابقته فقال: ليس من الترخيم، وإنما هو نقل اللفظ من التصغير والتأنيث إلى التكبير والتذكير، وذلك أنه كناه أبا هريرة، وهريرة تصغير هرة، فخاطبه باسمها مذكرًا فهو نقصان في اللفظ وزيادة في المعنى.\nقلت: وهو نقص في الجملة لكن كون النقص منه حرفًا فيه نظر، وكأنه لحظ الاسم قبل التصغير وهي هرة، فإذا حذفت التاء الأخيرة صدق أنه نقص من الاسم حرفًا، وقد ترجم في \"الأدب المفرد\" مثله، لكن قال: \"شيئًا\" بدل \"حرفًا\"، إلى آخر ما ذكر الحافظ في \"الفتح\" (^٢).\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ٢٣٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٠/ ٥٨١).","vol":"6","page":316},{"text":"(١١٢ -<span data-type='title' id=toc-3676> باب الكنية لصبي قبل أن يولد للرجل)</span>\nقال العلامة السندي (^١): وفي نسخة: \"قبل أن يلد الرجل\" والمعنى، أي: قبل أن يصير رجلًا فيولد له أو فيلد، والله أعلم، انتهى.\nوقال الحافظ (^٢): ذكر فيه قصة أبي عمير وهو مطابق لأحد ركني الترجمة، والركن الثاني مأخوذ من الإلحاق بل بطريق الأولى، وأشار بذلك إلى الردّ على من منع تكنية من لم يولد له مستندًا إلى أنه خلاف الواقع، فقد أخرج ابن ماجه وأحمد والطحاوي وصححه الحاكم من حديث صهيب: \"أن عمر قال له: ما لك تكنى أبا يحيى وليس لك ولد؟ قال: إن النبي - ﷺ - كناني\"، وأخرج ابن أبي شيبة عن الزهري قال: \"كان رجال من الصحابة يكتنون قبل أن يولد لهم\"، انتهى.\nوتعقب العيني (^٣) قول الحافظ: أن الركن الثاني مأخوذ بالإلحاق، إذ قال: هذا كلام غير موجه لأن جواز التكني للصبي لا يستلزم جواز التكني للرجل قبل أن يولد له، فكيف يصح الإلحاق به فضلًا عن الأولوية؟! والظاهر أنه لم يظفر بحديث على شرطه مطابق للجزء الثاني، فلذلك لم يذكر له شيئًا، انتهى.\nوحكى القسطلاني تعقبَ العيني وسكت عليه.\nقلت: والتعقب ليس بوجيه عندي، وسبق إلى وجه المطابقة الذي ذكره الحافظ ابن بطال أيضًا، قال الكرماني (^٤): قال ابن بطال: بناء الكنية إنما هي على معنى التكرمة والتفاؤل له أن يكون أبا وأن يكون له ابن، وإذا جاز للصبي في صغره فالرجل قبل أن يولد له أولى بذلك، انتهى.\nقال القسطلاني: وحديث الباب فيه فوائد جمعها أبو العباس بن القاصّ\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري بحاشية السندي\" (٤/ ٨١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٠/ ٥٨٢).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٥/ ٣٢٣).\n(^٤) \"شرح الكرماني\" (٢٢/ ٥٣).","vol":"6","page":317},{"text":"من الشافعية في جزء مفرد، وسبقه إلى ذلك أبو حاتم الرازي أحد أئمة الحديث، ثم الترمذي في \"الشمائل\"، ثم الخطابي، انتهى.\nقلت: ووجهه ما ذكره الحافظ في \"الفتح\" إذ قال: ذكر ابن القاصّ في أول كتابه: أن بعض الناس عاب على أهل الحديث أنهم يروون أشياء لا فائدة فيها، ومثل ذلك لحديث أبي عمير هذا قال: وما درى أن في هذا الحديث من وجوه الفقه وفنون الأدب والفائدة ستين وجهًا، ثم ساقها مبسوطة.\nقال الحافظ: فلخصتها مستوفيًا مقاصده، ثم أتبعته بما تيسر من الزوائد عليه ثم ذكرها، فارجع إليه لو شئت (^١).\n\n(١١٣ -<span data-type='title' id=toc-3677> باب التكني بأبي تراب وإن كانت له كنية أخرى)</span>\nقال الحافظ (^٢): ذكر فيه قصة علي بن أبي طالب في ذلك، وقد تقدمت بأتم من هذا السياق في مناقبه، وفيه بيان الاختلاف في سبب ذلك وأن الجمع بينهما ممتنع، ثم ظهر لي إمكان الجمع، وقد ذكرته في بابه من \"كتاب الاستئذان\"، انتهى.\nوقال في \"المناقب\": ظاهره أن ذلك أول ما قال له ذلك، وروى ابن إسحاق من طريقه وأحمد من حديث عمار بن ياسر قال: \"نِمت أنا وعلي في غزوة العسيرة في نخل، فما أفقنا إلا بالنبي - ﷺ - يحركنا برجله يقول لعلي: قم يا أبا تراب، لما يُرى عليه من التراب\"، وهذا إن ثبت حمل على أنه خاطبه بذلك في هذه الكائنة الأخرى، إلى آخر ما ذكر.\nوذكره الحافظ ههنا أيضًا في آخر الباب وزاد: وغزوة العشيرة كانت\n_________\n(^١) راجع: \"فتح الباري\" (١٠/ ٥٨٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٧/ ٧٢) و(١٠/ ٥٨٧، ٥٨٨).","vol":"6","page":318},{"text":"في أثناء السنة الثانية قبل وقعة بدر، وذلك قبل أن يتزوج عليّ فاطمة، فإن كان محفوظًا أمكن الجمع بأن يكون ذلك تكرر منه في حق علي، ثم قال: ويستفاد من الحديث جواز تكنية الشخص بأكثر من كنية، وذكر فوائد أُخر.\nقال العلامة العيني (^١): مطابقة الحديث للترجمة في آخر الحديث، انتهى.\nقلت: أي: في قوله: \"اجلس يا أبا تراب\"، وأوضحه الكرماني (^٢) فقال: فإن قلت: ما وجه دلالته على الكنيتين وهو الجزء الآخر من الترجمة؟ قلت: أبو الحسن هو الكنية المشهورة لعلي - ﵁ - فلما كني بأبي تراب صار ذا كنيتين، انتهى.\nقلت: ويخطر بالبال - والله أعلم بحقيقة الحال - أن المصنف أشار بالجزء الأول من الترجمة إلى جواز التكني بأبي تراب دفعًا لما يتوهم أن فيه نوع مذلة.\n\n(١١٤ -<span data-type='title' id=toc-3678> باب أبغض الأسماء إلى الله ﵎)</span>\nقال الحافظ (^٣): كذا ترجم بلفظ \"أبغض\" وهو بالمعنى، وقد ورد بلفظ \"أخبث\" بمعجمة وموحدة ثم مثلثة، وبلفظ \"أغيظ\"، وهما عند مسلم من وجه آخر عن أبي هريرة - ﵁ -، ولابن أبي شيبة عن مجاهد بلفظ: \"أكره الأسماء\"، ونقل ابن التِّين عن الداودي قال: ورد في بعض الأحاديث: \"أبغض الأسماء إلى الله خالد ومالك\" قال: وما أراه محفوظًا لأن في الصحابة من يسمى بهما، قال: وفي القرآن تسمية خازن النار مالكًا، قال: والعباد وإن كانوا يموتون فإن الأرواح لا تفنى، انتهى كلامه.\nفأما الحديث الذي أشار إليه فما وقفت عليه بعد البحث، ثم رأيت\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٥/ ٣٢٤).\n(^٢) \"شرح الكرماني\" (٢٢/ ٥٤).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٠/ ٥٨٨، ٥٨٩).","vol":"6","page":319},{"text":"في ترجمة إبراهيم بن الفضل المدني أحد الضعفاء من مناكيره عن سعيد المقبري عن أبي هريرة - ﵁ - رفعه: \"أحب الأسماء إلى الله ما سمي به، وأصدقها الحارث وهمام، وأكذب الأسماء خالد ومالك، وأبغضها إلى الله ما سمي لغيره\" فلم يضبط الداودي لفظ المتن أو هو متن آخر اطلع عليه، وأما استدلاله على ضعفه بما ذكر من تسمية بعض الصحابة وبعض الملائكة فليس بواضح لاحتمال اختصاص المنع بمن لا يملك شيئًا، وأما احتجاجه لجواز التسمية بخالد بما ذكر من أن الأرواح لا تفنى، فعلى تقدير التسليم فليس بواضح أيضًا؛ لأن الله - ﷾ - قد قال لنبيه - ﷺ -: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ [الأنبياء: ٣٤] والخلد: البقاء الدائم بغير موت، فلا يلزم من كون الأرواح لا تفنى أن يقال صاحب تلك الروح: خالد، انتهى.\nقوله: (تفسيره شاهان شاه) قال الحافظ (^١): وقد تعجب بعض الشرَّاح من تفسير سفيان بن عيينة اللفظة العربية باللفظة العجمية، وأنكر ذلك آخرون، وهو غفلة منهم عن مراده، وذلك أن لفظ \"شاهان شاه\" كان قد كثر التسمية به في ذلك العصر، فنبّه سفيان على أن الاسم الذي ورد الخبر بذمّه لا ينحصر في ملك الأملاك بل كل ما أدّى معناه بأيِّ لسان كان فهو مراد بالذمّ، ويؤيد ذلك أنه وقع عند الترمذي: \"مثل شاهان شاه\"، وقوله: \"شاهان شاه\" هو المشهور في روايات هذا الحديث، وحكى عياض عن بعض الروايات \"شاهٍ شاه\" بالتنوين بغير إشباع في الأولى والأصل هو الأولى، وهذه الرواية تخفيف منها، وزعم بعضهم أن الصواب \"شاه شاهان\"، وليس كذلك لأن قاعدة العجم تقديم المضاف إليه على المضاف، فإذا أرادوا قاضي القضاة بلسانهم قالوا: \"موبذان موبذ\"، فموبذ هو القاضي وموبذان جمعه، فكذا شاه هو الملك وشاهان هو الملوك، انتهى.\nوهكذا قال الكرماني (^٢) حيث قال: معناه ملك الملوك، لكن في\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٥٩٠).\n(^٢) \"شرح الكرماني\" (٢٢/ ٥٤).","vol":"6","page":320},{"text":"قاعدة العجم تقديم المضاف إليه على المضاف، انتهى.\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^١): قوله: \"شاهان شاه\" الظاهر أنه من التركيب المقلوب كقولهم: \"سرا برده\"، انتهى.\nقلت: ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه هو كذلك، أي: أنه من التركيب المقلوب، وما قال الشرَّاح كما تقدم من أن قاعدة العجم تقديم المضاف إليه على المضاف فإنما هو في اللغة الهندية، وأما في اللغة الفارسية فليس كذلك، بل القاعدة عندهم تقديم المضاف على المضاف إليه كما هو في اللغة العربية، فتأمل.\n\n(١١٥ -<span data-type='title' id=toc-3679> باب كنية المشرك)</span>\nقال الحافظ (^٢): أي: هل يجوز ابتداء؟ وهل إذا كانت له كنية تجوز مخاطبته أو ذكره بها؟ وأحاديث الباب مطابقة لهذا الأخير ويلتحق به الثاني في الحكم، انتهى.\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٣): دَفَعَ به مظنة الكراهة لما فيه من الاحترام والإعزاز بحسب الظاهر، انتهى.\nقلت: وقد قيّد العلماء جواز تكنية المشرك بالشرائط والمصالح، فقد ترجم الإمام النووي في كتاب \"الأذكار\" (^٤): \"باب جواز تكنية الكافر والمبتدع والفاسق إذا كان لا يعرف إلا بها أو خيف من ذكره باسمه فتنة\"، ثم ذكر تحت ترجمة الباب: قال تعالى ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: ١] واسمه عبد العزى، قيل: ذكر تكنيته لأنه بها يعرف، وقيل: كراهةً لاسمه حيث جعل عبدًا للصنم، وتكرر في الحديث تكنية أبي طالب واسمه عبد مناف، وفي \"الصحيح\": \"هذا قبر أبي رغال\"، ونظائر هذا كثيرة، هذا\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٤٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٠/ ٥٩٢).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٤٤).\n(^٤) \"كتاب الأذكار\" (ص ٤٢٣).","vol":"6","page":321},{"text":"كله إذا وجد الشرط الذي ذكرناه في الترجمة، فإن لم يوجد لم يزد على الاسم، إلى آخر ما ذكر.\nوتعقب عليه الحافظ في \"الفتح\" فارجع إليه لو شئت، وقال أيضًا: قال ابن بطال: في الحديث جواز تكنية المشركين على وجه التألف إما رجاءً لإسلامهم أو لتحصيل منفعة منهم (^١)، انتهى.\n\n(١١٦ -<span data-type='title' id=toc-3680> باب المعاريض مندوحة عن الكذب)</span>\nقال الحافظ (^٢): \"مندوحة\" بوزن مفعولة بنون ومهملة، أي: فسحة ومتسع، ندحت الشيء وسعته، وانتدح فلان بكذا اتسع، والمعنى أن في المعاريض من الاتساع ما يغني عن الكذب، وهذه الترجمة لفظ حديث أخرجه المصنف في \"الأدب المفرد\" من طريق قتادة عن مطرف بن عبد الله قال: \"صحبت عمران بن حصين من الكوفة إلى البصرة فما أتى عليه يوم إلا أنشدنا فيه شعرًا، وقال: إن في معاريض الكلام مندوحة عن الكذب\" وأخرجه الطبراني في \"الكبير\" ورجاله ثقات، وأخرجه ابن عدي من وجه آخر عن قتادة مرفوعًا ووهّاه.\nثم قال الحافظ: والمعاريض جمع معراض من التعريض بالقول، قال الجوهري: وهو خلاف التصريح وهو التورية بالشيء عن الشيء، وقال الراغب: التعريض كلام له وجهان في صدق وكذب أو باطن وظاهر، قلت: والأولى أن يقال: كلام له وجهان يطلق أحدهما والمراد لازمه، ومما يكثر السؤال عنه الفرق بين التعريض والكناية، وللشيخ تقي الدين السبكي جزء جمعه في ذلك، انتهى.\nقال الكرماني (^٣): وفي المثل: إن في المعاريض لمندوحة، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٥٩٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٠/ ٥٩٤).\n(^٣) \"شرح الكرماني\" (٢٢/ ٥٨).","vol":"6","page":322},{"text":"وبسط الحافظ (^١) الكلام في مطابقة حديثي الباب للترجمة، وقال الكرماني (^٢): قال شارح (^٣) التراجم: حديث القوارير والفرس ليسا من المعاريض بل من باب المجاز، ولعل البخاري لما رأى ذلك جائزًا قال: فالمعاريض التي هي حقيقة أولى بالجواز، انتهى.\nقال القسطلاني (^٤): ومحل جواز استعمال المعاريض إذا كانت فيما يخلص من الظلم أو يحصل الحق، وأما استعمالها في إبطال حق أو تحصيل باطل فلا يجوز، انتهى.\n\n(١١٧ -<span data-type='title' id=toc-3681> باب قول الرجل للشيء: ليس بشيء، وهو ينوي أنه ليس بحق. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٥): قوله: \"قول الرجل: ليس بشيء\" يعني بذلك أنه لا يعدّ كذبًا، فإن المراد أنه ليس بشيء معتدّ به، وقوله: \"قرّ الدجاجة\" أي: كما يقرّ الدجاجة النطفة في فرج امرأتها، انتهى.\nوهذا المعنى ذكره القاري أيضًا في \"المرقاة\" (^٦)، ولم يذكره شرَّاح البخاري.\n\n(١١٨ -<span data-type='title' id=toc-3682> باب رفع البصر إلى السماء. . .) إلخ</span>\nقال ابن التِّين: غرض البخاري الردّ على من كره أن يرفع بصره إلى السماء، كما أخرجه الطبري عن إبراهيم التيمي وعن عطاء السلمي: أنه مكث أربعين سنة لا ينظر إلى السماء تخشعًا، نعم صحّ النهي عن رفع\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (١٠/ ٥٩٥).\n(^٢) \"شرح الكرماني\" (٢٢/ ٦٠).\n(^٣) هو: ابن المنير كما في \"القسطلاني\"، (ز).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ٢٤٧).\n(^٥) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٤٤، ٤٥).\n(^٦) \"مرقاة المفاتيح\" (٨/ ٣٥٩، ٣٦٠).","vol":"6","page":323},{"text":"البصر إلى السماء في حالة الصلاة، كما تقدم في الصلاة عن أنس رفعه: \"ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم\" الحديث، والجمع بين الحديثين أن النهي خاصّ بالصلاة (^١)، انتهى مختصرًا.\nوهكذا في \"شرح الكرماني\" إذ قال: قال ابن بطال: فيه ردّ على أهل الزهد في قولهم: إنه لا ينبغي النظر إلى السماء تخشعًا وتذللًا لله - ﷾ -، انتهى من \"الفتح\".\nوقال القسطلاني (^٢): ويحكى أن في بني إسرائيل من إذا عبد الله ثلاثين سنة أظلّته سحابة فعبدها فتى فلم تظله، فقالت له أمه: لعل فرطة فرطتْ منك في مدتك، قال: ما أذكر، قالت: لعلك نظرتَ مرةً إلى السماء ولم تعتبر، قال: لعل، قالت: فما أتيت إلا من ذاك، انتهى.\n\n(١١٩ -<span data-type='title' id=toc-3683> باب من نكت العود بين الماء والطين)</span>\nقال الحافظ (^٣): النكت بالنون والمثناة: الضرب المؤثر، ذكر فيه حديث أبي موسى وقد تقدم مطوّلًا في المناقب، وهو ظاهر فيما ترجم له، وفقه الترجمة أن ذلك لا يعدّ من العبث المذموم؛ لأن ذلك إنما يقع من العاقل عند التفكر في الشيء، انتهى بزيادة من \"العيني\".\nوقال القسطلاني (^٤): والنكت بالعصا يقع كثيرًا عند التفكر في شيء لكن لا يسوغ استعماله، إلا فيما لا يضر، فلو ضرّ بجدارٍ أو غيره منع، والحديث مر في المناقب، انتهى.\nقلت: ومما يقوي الاحتياج إلى عقد هذه الترجمة ما يتوهم من عدم جوازه لما في \"المشكاة\" (^٥) برواية الترمذي وابن ماجه من حديث\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٥٩٦)، \"شرح الكرماني\" (٢٢/ ٦٣).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ٢٥١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٠/ ٥٩٧)، \"عمدة القاري\" (١٥/ ٣٣٤).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ٢٥٢).\n(^٥) \"مشكاة المصابيح\" (رقم ٣٨٧٢).","vol":"6","page":324},{"text":"عقبة بن عامر رفعه: \"كل شيء يلهو به الرجل باطل إلا رميه بقوسه وتأديبه فرسَه وملاعبته امرأتَه فإنهن من الحق\" الحديث، وذلك لأن اللهو الباطل ما لا منفعة فيه ولا طائل تحته، ووقوع هذا النكت كما تقدم إنما يكون عند التفكر في شيء فلا يعدّ مذمومًا، ويأتي ترجمة المصنف في \"كتاب الاستئذان\" \"باب كل لهو باطل إذا شغله عن طاعة الله. . .\" إلخ، ولمح صاحب \"الفيض\" (^١) إلى غرض آخر إذ قال: ولما ثبت عن النبي - ﷺ - لا يكون مخالفًا للوقار والمتانة، انتهى.\n\n(١٢٠ -<span data-type='title' id=toc-3684> باب الرجل ينكت الشيء بيده في الأرض)</span>\nقال الحافظ (^٢): ذكر فيه حديث علي بن أبي طالب - ﵁ -: \"اعملوا فكلٌّ مُيَسَّرٌ لما خُلِق له\"، ومضى بأتم من هذا السياق في تفسير سورة ﴿وَاللَّيْلِ﴾، والغرض منه قوله: \"ينكت في الأرض بعود\"، انتهى.\nقال القسطلاني (^٣): وهذا الفعل يقع غالبًا ممن يتفكر في شيء يريد استحضار معانيه، انتهى.\nقلت: ولعل التبويب بهذه الترجمة مع أن معناه قد تقدم في الباب السابق إشارة منه إلى مزيد الاهتمام في أمر التفكر والتدبر، وإلا فأصل النكت قد ثبت جوازه في الباب السابق، وقد ورد الحثّ والتحريض في عدة آيات من القرآن في الأمر بالتفكر بقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ [البقرة: ٢١٩]، فتأمل فإنه لطيف.\n\n(١٢١ -<span data-type='title' id=toc-3685> باب التكبير والتسبيح عند التعجب)</span>\nقال الحافظ (^٤): قال ابن بطال: التسبيح والتكبير معناه تعظيم الله وتنزيهه من السوء، واستعمال ذلك عند التعجب واستعظام الأمر حسن،\n_________\n(^١) \"فيض الباري\" (٦/ ١٨٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٠/ ٥٩٧).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ٢٥٣).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٠/ ٥٩٨).","vol":"6","page":325},{"text":"وفيه تمرين اللسان على ذكر الله تعالى، وهذا توجيه جيد، كأن البخاري رمز إلى الردّ على من منع من ذلك، انتهى.\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^١): وفي الترجمة دلالة على ردّ ما قال بعضهم: إن من قال لآخر: كل، فقال: اذكروا باسم الله، كفر، ووجه الردّ ظاهر، فإن في الحديث وضع اسم الله موضع كلام الناس كما في مسألة \"بسم الله\" فافهم، انتهى.\nوفي \"فيض الباري\" (^٢): أباح المصنف إخراج الأذكار عن معناها واستعمالها في غيره، وهو ثابت في السلف ثبوتًا لا مردّ له، وحينئذ ينبغي أن يؤوّل ما في \"الدر المختار\": أن الطلبة إن اصطلحوا على أن يكبروا أو يسبحوا عند ختم الدرس فهو مكروه؛ لأنه إخراج الذكر عن مدلوله، نعم إن كان إخراجه إلى محل ممتهن فله وجه كما ذكره الحنفية أن السائل إن ذكر اسم الله على الباب لا يقول السامع: \"ﷻ\" أو كلمة تدل على عظمته تعالى، وإن كان أدبًا في عامة الأحوال، وذلك لأنه قال باسمه في موضع لم يكن له ذلك، انتهى.\n\n(١٢٢ -<span data-type='title' id=toc-3686> باب الخذف)</span>\nهكذا في النسخة \"الهندية\"، وفي نسخ الشروح الأربعة من \"الكرماني\" \"والفتح\" و\"العيني\" و\"القسطلاني\": \"باب النهي عن الخذف\"، وهو بفتح الخاء وسكون الذال المعجمتين وبالفاء، وهو: رمي الحصا بالأصابع، قاله القسطلاني (^٣).\nوقال تحت حديث الباب: والغرض النهي عن أذى المسلمين، وهو من آداب الإسلام، والحديث مر في الصيد وغيره، انتهى.\nقلت: وقد ترجم هناك \"باب الخذف والبندقة\"، فارجع إليه لو شئت.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٤٥، ٤٦).\n(^٢) \"فيض الباري\" (٦/ ١٨٤).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ٢٥٥، ٢٥٦).","vol":"6","page":326},{"text":"(١٢٣ -<span data-type='title' id=toc-3687> باب الحمد للعاطس)</span>\nأي: مشروعيته، فظاهر الحديث يقتضي وجوبه لثبوت الأمر الصريح به، ولكن نقل النووي الاتفاق على استحبابه، وأما لفظه فنقل ابن بطال وغيره عن طائفة أنه لا يزيد على: الحمد لله، كما في حديث أبي هريرة الآتي بعد بابين، وعن طائفة: يقول: الحمد لله على كل حال، قال: وقد جاء النهي عن ابن عمر أخرجه الترمذي قال: \"عطس رجل فقال: الحمد لله والصلاة على رسول الله - ﷺ -، فقال ابن عمر: الحمد لله والصلاة على رسول الله ولكن ليس هكذا علّمنا رسول الله - ﷺ -\"، وعند الطبراني من حديث أبي مالك الأشعري رفعه: \"إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله على كل حال\"، ومثله عند أبي داود من حديث أبي هريرة، وعن طائفة: يقول: الحمد لله رب العالمين.\nقلت: ورد ذلك في حديث لابن مسعود أخرجه المصنف في \"الأدب المفرد\" والطبراني، وورد الجمع بين اللفظين فعنده في \"الأدب المفرد\" عن علي بلفظ: \"الحمد لله رب العالمين على كل حال\"، وهذا موقوف رجاله ثقات، إلى آخر ما بسط الحافظ في تلك الروايات وفي آداب العاطس، فارجع إليه لو شئت (^١).\nوقال العلامة القسطلاني (^٢): والحكمة فيه كما قاله الحليمي أن العطاس يدفع الأذى عن الدماغ الذي فيه قوة الفكر، ومنه منشأ الأعصاب التي هي معدن الحسّ، وبسلامته تسلم الأعضاء، فيظهر بهذا أنه نعمة جليلة يناسب أن تقابل بالحمد لما فيه من الإقرار لله بالحق والقدرة وإضافة الخلق إليه لا إلى الطبائع، انتهى ملتقطًا.\n_________\n(^١) راجع: \"فتح الباري\" (١٠/ ٦٠٠).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ٢٥٦).","vol":"6","page":327},{"text":"(١٢٤ -<span data-type='title' id=toc-3688> باب تشميت العاطس إذا حمد الله)</span>\nقال الحافظ (^١): أي: مشروعية التشميت بالشرط المذكور، ولم يعين الحكم، وقد ثبت الأمر بذلك كما في حديث الباب، انتهى.\nوقال العلامة الكرماني (^٢): التشميت بالمعجمة أصله إزالة شماتة الأعداء، والتفعيل للسلب فاستعمل للدعاء بالخير لا سيما بلفظ: يرحمكم الله، وبالمهملة بكونه على سمت حسن، انتهى.\nوبسط الكلام على ذلك في \"الأوجز\" (^٣) في لغته، هل هو بالشين المعجمة أو المهملة، واختلافهم في حكمه وغير ذلك من المباحث، أما حكمه فظاهر الأمر الوارد في الحديث الوجوبُ، وبه قال ابن المزين من المالكية: وبه قال جمهور أهل الظاهر، وقال ابن أبي جمرة: قال جماعة من علمائنا: إنه فرض عين، وقوّاه ابن القيم في حواشي السنن، وذهب آخرون إلى أنه فرض كفاية ورجحه ابن رُشد وابن العربي، وبه قال الحنفية وجمهور الحنابلة، وذهب جماعة من المالكية إلى أنه مستحب، ويجزئ الواحد عن الجماعة وهو قول الشافعية.\nوقال العيني: وعند جمهور العلماء من أصحاب المذاهب الأربعة أنه فرض كفاية، انتهى من هامش \"اللامع\" (^٤).\nوأما مطابقة الحديث بالترجمة فقال الكرماني (^٥): فإن قيل: الترجمة في التشميت للحامد وحديث البراء عامّ؟ قلت: هو وإن كان مطلقًا لكن لا بد من التقييد بالحامد للحديث الذي بعده والذي قبله حملًا للمطلق على المقيد، قال ابن بطال: كان ينبغي للبخاري أن يذكر حديث أبي هريرة في هذا الباب، قال: وهذا الباب من الأبواب التي عجلت المنية عن تهذيبه، لكن المعنى المترجم به مفهوم منه، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٦٠٣).\n(^٢) \"شرح الكرماني\" (٢٢/ ٦٧).\n(^٣) \"أوجز المسالك\" (١٧/ ٢٢٤ - ٢٢٨).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٤٧).\n(^٥) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ٢٦٠).","vol":"6","page":328},{"text":"(١٢٥ -<span data-type='title' id=toc-3689> باب ما يستحب من العطاس وما يكره من التثاؤب)</span>\nقال العلامة القسطلاني (^١): العطاس بضم العين، والتثاؤب بالفوقية ثم المثلثة والواو بغير همز في الفرع وأصله، قال في \"الكواكب\": وهو بالهمز على الأصح، وهو تنفس ينفتح منه الفم من الامتلاء وثقل النفس وكدورة الحواسّ، انتهى.\nقال الحافظ (^٢): قال الخطابي: معنى المحبة والكراهة فيها منصرف إلى سببهما، وذلك أن العطاس يكون من خفة البدن وانفتاح المسامّ وعدم الغاية في الشبع، وهو بخلاف التثاؤب، فإنه يكون من علة امتلاء البدن وثقله مما يكون ناشئًا عن كثرة الأكل والتخليط فيه، والأول يستدعي النشاط في العبادة والثاني على عكسه، انتهى.\n\n(١٢٦ -<span data-type='title' id=toc-3690> باب إذا عطس كيف يشمّت)</span>\nبفتح الميم المشددة على صيغة المجهول، ثبت بحديث الباب أنه يقول له: \"يرحمك الله\".\nقال الحافظ (^٣): قال ابن بطال: ذهب إلى هذا قوم فقالوا: يقول له: \"يرحمك الله\"، يخصّه بالدعاء وحده، وقد أخرج البيهقي في \"الشعب\" وصححه ابن حبان عن أبي هريرة رفعه: \"لما خلق الله آدم عطس فألهمه ربّه أن قال: الحمد لله، فقال له ربّه: يرحمك الله\"، وأخرج الطبري عن ابن مسعود قال: \"يقول: يرحمنا الله وإياكم\"، وأخرجه ابن أبي شيبة عن ابن عمر نحوه، وأخرج البخاري في \"الأدب المفرد\" بسند صحيح عن أبي جمرة: \"سمعت ابن عباس إذا شمّت يقول: عافانا الله وإياكم من النار يرحمكم الله\"، انتهى.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ٢٦٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٠/ ٦٠٧).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٠/ ٦٠٨، ٦٠٩).","vol":"6","page":329},{"text":"(١٢٧ -<span data-type='title' id=toc-3691> باب لا يشمّت العاطس إذا لم يحمد الله)</span>\nأورد فيه حديث أنس الماضي في \"باب الحمد للعاطس\"، وكأنه أشار إلى أن الحكم عامّ وليس مخصوصًا بالرجل الذي وقع له ذلك، وأخرج مسلم من حديث أبي موسى بلفظ: \"إذا عطس أحدكم فحمد الله فشمّتوه، وإن لم يحمد الله فلا تشمتوه\"، قال النووي: مقتضى هذا الحديث أن من لم يحمد الله لم يشمّت، قلت: هو منطوقه، لكن هل النهي فيه للتحريم أو للتنزيه، الجمهور على الثاني، انتهى مختصرًا من \"الفتح\" (^١).\n\n(١٢٨ -<span data-type='title' id=toc-3692> باب إذا تثاوب فليضع يده على فيه)</span>\nقال الحافظ (^٢): كذا للأكثر، وللمستملي \"تثاءب\" بهمزة بدل الواو، وقد أنكر الجوهري كونه بالواو، وقال غير واحد: إنهما لغتان، وبالهمز والمد أشهر، انتهى.\nوأما مطابقة الحديث بالترجمة فقال الكرماني (^٣): فإن قلت: أين وجه دلالته على وضع اليد على الفم؟ قلت: عموم الردّ، إذ قد يكون ذلك بالوضع كما يكون بتطبيق الشفة على الأخرى مع أن الوضع أسهل وأحسن، قال ابن بطال: ليس في الحديث الوضع، ولكن ثبت في بعض الروايات: \"إذا تثاءب أحدكم فليضع يده على فيه\"، انتهى.\nقال الحافظ (^٤): وقد وقع في بعض طرقه صريحًا أخرجه مسلم وأبو داود من حديث أبي سعيد الخدري بلفظ: \"إذا تثاءب أحدكم فليمسك بيده على فمه\"، ولفظ الترمذي مثل لفظ الترجمة، انتهى.\nقال العلامة العيني (^٥): فإن قلت: أكثر روايات \"الصحيحين\" أن التثاوب مطلق وجاء مقيدًا بحالة الصلاة في رواية لمسلم من حديث\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٦١٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٠/ ٦١١).\n(^٣) \"شرح الكرماني\" (٢٢/ ٧١).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٠/ ٦١١).\n(^٥) \"عمدة القاري\" (١٥/ ٣٤٤).","vol":"6","page":330},{"text":"أبي سعيد: \"إذا تثاءب أحدكم في الصلاة فليكظم ما استطاع\".\nقلت: قال شيخنا زين الدين - ﵀ -: يحمل المطلق على المقيد، وللشيطان غرض قوي في التشويش على المصلي في صلاته، انتهى.\nوقال العلامة القسطلاني (^١): ولم يتعرض لأيّ اليدين يضعها، ووقع في \"صحيح أبي عوانة\" أنه قال عقب الحديث: ووضع سهيل - يعني: راويه عن أبي سعيد عن أبيه - يده اليسرى على فيه، وهو محتمل لإرادة التعليم خوف إرادة وضع اليمنى بخصوصها، انتهى.\nوهذا آخر \"كتاب الأدب\" أدَّبنا الله تعالى بآداب الإسلام بفضله العييم، وعصمنا من نزغات الشيطان وزَلّات الأقدام بلطفه الكريم.\nوأما براعة الاختتام فقال الحافظ: البراعة في قوله: \"فليرده ما استطاع\"، وعندي في قوله: \"يرحمك الله\" فإنه كالنص على ذلك لما في حديث سلمة بن الأكوع عند البخاري لما قال النبي - ﷺ - لعامر بن الأكوع: \"يرحمه الله\"، قال رجل من القوم: \"وجبت يا نبي الله، لولا أمتعتنا به\"، وهكذا في العرف لفظ المرحوم يختص بالميت (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ٢٦٤، ٢٦٥).\n(^٢) انظر: \"مقدمة لامع الدراري\" (١/ ١١٢، ١١٨).","vol":"6","page":331},{"text":"٧٩ -<span data-type='title' id=toc-3693> كتاب الاستئذان</span>\nقال العلامة القسطلاني (^١): وهو طلب الإذن في الدخول لمحل لا يملكه المستأذن، وقد أجمعوا على مشروعيته، وتظاهرت به دلائل القرآن والسُّنَّة، انتهى.\nقال القاري في \"المرقاة\" (^٢): الاستئذان بسكون الهمز ويبدل ياء، ومعناه: طلب الإذن، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور: ٢٧] الآيات، انتهى.\nقلت: هذه الآية واقعة في أول سورة النور وفيها في الاستئذان آية أخرى في آخر تلك السورة وهي قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ الآيات [النور: ٥٨]، قال صاحب \"تَارِيْخ الخميس\" (^٣) في هذه الآية الثانية: أنها نزلت في السنة العاشرة من الهجرة، وذكر الروايات في شأن نزولها، والظاهر أن الآية الأولى نزلت قبل ذلك، لكن لم أر التصريح بذلك، وفي \"التفسير الكبير\" ما يؤيد هذا، إذ قال في ذيل تفسير الآية الثانية (^٤): ومن الناس من قال: إن قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ الآية [النور: ٢٧] فهذا يدل على أن الاستئذان واجب في كل حال، وصار ذلك منسوخًا بهذه الآية في غير هذه الأحوال الثلاثة، انتهى.\nقال ابن كثير (^٥): قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ﴾ الآية،\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ٢٦٦).\n(^٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٨/ ٤٥٠).\n(^٣) \"تاريخ الخميس\" (٢/ ١٥٣).\n(^٤) \"التفسير الكبير\" (١٢/ ٢٨).\n(^٥) \"تفسير ابن كثير\" (٤/ ٢٦٥).","vol":"6","page":332},{"text":"هذه الآيات الكريمة اشتملت على استئذان الأقارب بعضهم على بعض، وما تقدم في أول السورة فهو استئذان الأجانب بعضهم على بعض، انتهى.\nوأما أحكام الاستئذان وفروعه فسيأتي في الأبواب الآتية.\nثم لا يذهب عليك أن الأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن \"كتاب الاستئذان\" ليس بكتاب مستقل، بل هو جزء من \"كتاب الأدب\"، ولك أن تقول: إنه كتاب في كتاب بمنزلة الاصطلاح المعروف: باب في باب، كما تقدم في أصول التراجم مفصلًا، فإن الاستئذان أيضًا أدب من الآداب، ولذا ذكره مسلم في \"كتاب الآداب\"، وعلى هذا لا يرد على المصنف ما أوردوا من الأبواب الآتية في أواخر هذا الكتاب من \"باب الاحتباء باليد\" و\"باب السرير والقائلة بعد الجمعة\" وغير ذلك، وعلى هذا لا يحتاج إلى ما في حاشية النسخة \"الهندية\" (^١) عن\"الخير الجاري\" إذ قال: ولا يخفى أنه ذكر في هذا الكتاب أمورًا سوى الاستئذان، فالأول أن يقدر ههنا: كتاب الاستئذان وما يناسبه، أو ما هو في حكمه، وعليك الاعتبار بمثله في مثله، وليكن هذا أصلًا من أصول هذا الكتاب، انتهى. والبسط في هامش \"اللامع\" (^٢).\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-3694> باب بدء السلام)</span>\nقال الحافظ (^٣): \"بدء\" بفتح أوله والهمز بمعنى الابتداء، أي: أول ما وقع السلام، وإنما ترجم للسلام مع الاستئذان للإشارة إلى أنه لا يؤذن لمن لم يسلم، وقد أخرج أبو داود وابن أبي شيبة بسند جيد عن ربعي بن حراش: \"حدثني رجل أنه استأذن على النبي - ﷺ - وهو في بيته فقال: أألج؟ فقال لخادمه: اخرج لهذا فعلّمه فقال: قل: السلام عليكم أأدخل؟ \" الحديث، انتهى.\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري بحاشية السهارنفوري\" (١٢/ ٣٢١).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٤٨).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١١/ ٣).","vol":"6","page":333},{"text":"قلت: ولا يبعد أن يقال: إن الإمام البخاري أشار به إلى مسألة خلافية، وهي هل يبدأ بالسلام ثم يستأذن أو بالعكس؟ قال النووي في \"الأذكار\" (^١): والسُّنَّة أن يسلّم ثم يستأذن لحديث أبي داود وهو الصحيح، وذكر الماوردي فيه ثلاثة أوجه: أحدها: هذا، والثاني: عكسه، والثالث: إن وقع عين المستأذن على صاحب المنزل قبل دخوله قدّم السلام، وإن لم تقع عليه عينه قدّم الاستئذان، انتهى مختصرًا.\nوإلى تقديم السلام مال الطحاوي في \"مشكله\" (^٢)، ورجحه ابن القيم في \"الهدي\" (^٣).\nقوله: (خلق الله آدم على صورته. . .) إلخ، بسط الكلام في شرح هذا الحديث في \"فيض الباري\" (^٤) وهامشه أشدّ البسط.\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-3695> باب ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا .. . .﴾ [النور: ٢٧]) إلخ</span>\nتقدم في أول الكتاب أن هذه الآية هي الأصل في مسألة الاستئذان.\nقال الحافظ (^٥): المراد بالاستئناس في قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ [النور: ٢٧] الاستئذان بتنحنح ونحوه عند الجمهور، وقد تقدم في أواخر النكاح في حديث عمر الطويل في قصة اعتزال النبي - ﷺ - نساءه وفيه: \"فقلت: أستأنس يا رسول الله! قال: نعم\"، وحكى الطحاوي أن الاستئناس في لغة اليمن الاستئذان، وجاء عن ابن عباس إنكار ذلك، فأخرج سعيد بن منصور والطبري والبيهقي في \"الشعب\" بسند صحيح أن ابن عباس كان يقرأ: (حَتَّى تَسْتَأْذِنُوا) ويقول: أخطأ الكاتب، وكان يقرأ على قراءة\n_________\n(^١) \"كتاب الأذكار\" (ص ٣٧٧، ٣٧٨).\n(^٢) \"مشكل الآثار\" (٤/ ٢٤٨).\n(^٣) \"زاد المعاد\" (٢/ ٤١٤).\n(^٤) \"فيض الباري\" (٦/ ١٨٧).\n(^٥) \"فتح الباري\" (١١/ ٨).","vol":"6","page":334},{"text":"أُبي بن كعب، وعن إبراهيم النخعي أنه قال: في مصحف ابن مسعود: (حَتَّى تَسْتَأْذِنُوا)، إلى آخر ما بسط الحافظ.\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-3696> باب السلام اسم من أسماء الله. . .) إلخ</span>\nهذه الترجمة لفظ بعض حديث مرفوع، له طرق ليس منها شيء على شرط المصنف في \"الصحيح\"، فاستعمله في الترجمة، وأورد ما يؤدي معناه على شرطه وهو حديث التشهد، وكذا ثبت في القرآن في أسماء الله تعالى: ﴿السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ﴾ [الحشر: ٢٣]، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوأما مناسبة الآية بالترجمة فبأن المراد بالتحية في الآية السلام خاصة خلافًا لما حكي عن المالكية أن المراد بها الهدية، كما في \"الحاشية الهندية\" (^٢) عن العيني وبسطه الحافظ (^٣)، وتعقب على من قال: إنه قول المالكية، وقال: بل هو قول الحنفية.\nقلت: وهو كذلك فإن الجصاص في \"أحكام القرآن\" (^٤) حملها على الهدية، ثم حكى الحافظ (^٥) عن مالك: أن المراد من الآية تشميت العاطس ثم تعقب عليه، فارجع إليه لو شئت. فكأن البخاري أشار بذكر الآية في \"باب السلام\" إلى أن المراد منها هو السلام، وأفاد الشيخ قُدِّس سرُّه ههنا وجهًا آخر، وهو أدقّ وأتقن حيث قال (^٦): ولعل الوجه في إيراد الآية في هذا الباب أن المأمور به من التحية ما فيه حسن سواء كان الحسن قليلًا أو كثيرًا، كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾ [النساء: ٨٦]، فإن صيغة التفضيل مشعرة بزيادة الحسن في هذا الردّ، فكان دليلًا على أصل الحسن في التحية، وليس في قولهم: \"السلام على الله\" حسن، لانقلاب المعنى فلم\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١١/ ١٣).\n(^٢) \"صحيح البخاري بحاشية السهارنفوري\" (١٢/ ٣٢٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١١/ ١٣).\n(^٤) \"أحكام القرآن\" (٢/ ٢١٧، ٢١٨).\n(^٥) \"فتح الباري\" (١١/ ١٤).\n(^٦) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٤٩، ٥٠).","vol":"6","page":335},{"text":"يكن قائله آتيًا بالمأمور به لأن المأمور به إنما يتأدّى إذا تضمن الحسن ولو أقل مما في ردّها، انتهى.\n\n(٤ -<span data-type='title' id=toc-3697> باب تسليم القليل على الكثير)</span>\nهو أمر نسبي يشمل الواحد بالنسبة للاثنين فصاعدًا، والاثنين بالنسبة لثلاثة فصاعدًا وما فوق ذلك، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوقال القسطلاني (^٢) في شرح الحديث: وهو من باب التواضع لأن حق الكثير أعظم، فإن قلت: المناسب أن يسلّم الكثير على القليل لأن الغالب أن القليل يخاف من الكثير؟ أجاب في \"الكواكب\" بأن الغالب في المسلمين أمن بعضهم من بعض، فلوحظ جانب التواضع الذي هو لازم السلام، انتهى.\n\n(٥ -<span data-type='title' id=toc-3698> باب يسلم الراكب على الماشي)</span>\nقال الحافظ (^٣): في رواية الكشميهني: \"تسليم الراكب. . .\" إلخ، على وفق الترجمة التي قبلها، انتهى.\nقال القسطلاني (^٤): قال في \"شرح المشكاة\": وإنما استحب ابتداء السلام للراكب لأن وضع السلام إنما هو لحكمة إزالة الخوف من الملتقيين إذا التقيا أو من أحدهما في الغالب، أو لمعنى التواضع المناسب لحال المؤمن، أو للتعظيم لأن السلام إنما يقصد به أحد أمرين: إما اكتسابُ ودّ أو استدفاع مكروه، قاله الماوردي، وقال ابن بطال: تسليم الراكب لئلا يتكبر بركوبه فيرجع إلى التواضع، وقال المازري: لأن للراكب مزيةً على الماشي فعوض الماشي بأن يبدأه الراكب احتياطًا على الراكب من الزهو، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١١/ ١٤).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ٢٧٦).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١١/ ١٥).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ٢٧٧).","vol":"6","page":336},{"text":"(٦ -<span data-type='title' id=toc-3699> باب يسلم الماشي على القاعد)</span>\nلحديث الباب شاهد من حديث عبد الرحمن بن شبل بزيادة أخرجه عبد الرزاق وأحمد بسند صحيح بلفظ: \"يسلم الراكب على الراجل، والراجل على الجالس، والأقل على الأكثر، فمن أجاب كان له ومن لم يجب فلا شيء له\" (^١)، انتهى.\n\n(٧ -<span data-type='title' id=toc-3700> باب يسلم الصغير على الكبير)</span>\nقوله: (والمارّ على القاعد. . .) إلخ، قال الحافظ (^٢): هو أشمل من رواية ثابت التي قبلها بلفظ الماشي؛ لأنه أعم من أن يكون المارّ ماشيًا أو راكبًا، وقد اجتمعا في حديث فضالة بن عبيد عند البخاري في \"الأدب المفرد\" والترمذي وصححه بلفظ: \"يسلّم الفارس على الماشي، والماشي على القائم\"، وإذا حمل القائم على المستقر كان أعم من أن يكون جالسًا، أو واقفًا أو متكئًا أو مضطجعًا، وإذا أضيفت هذه الصورة إلى الراكب تعددت الصور، وتبقى صورة لم تقع منصوصة، وهي ما إذا تلاقى مارّان راكبان أو ماشيان، وقد تكلم عليها المازري (^٣) فقال: يبدأ الأدنى منهما الأعلى قدرًا في الدين إجلالًا لفضله؛ لأن فضيلة الدين مرغّب فيها في الشرع، وإذا تساوى المتلاقيان من كل جهة فكل منهما مأمور بالابتداء، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام، انتهى مختصرًا من \"الفتح\" والبسط فيه.\n\n(٨ -<span data-type='title' id=toc-3701> باب إفشاء السلام)</span>\nالإفشاء: الإظهار، والمراد نشر السلام بين الناس ليحيوا سُنَّة، وأخرج البخاري في \"الأدب المفرد\" بسند صحيح عن ابن عمر: \"إذا سلّمت فأسمع فإنها تحية من عند الله\" قال النووي: أقله أن يرفع صوته\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (١١/ ١٥، ١٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١١/ ١٦).\n(^٣) \"المعلم\" (٣/ ٨٧).","vol":"6","page":337},{"text":"بحيث يسمع المسلّم عليه، فإن لم يُسْمِعُه لم يكن آتيًا بالسُّنَّة، انتهى.\nقال الحافظ: واستدل بالأمر بإفشاء السلام على أنه لا يكفي السلام سرًّا بل يشترط الجهر، وأقله أن يسمع في الابتداء وفي الجواب، ولا تكفي الإشارة باليد ونحوه، وقد أخرج النسائي بسند جيد عن جابر رفعه: \"لا تسلموا تسليم اليهود فإن تسليمهم بالرؤوس والأكف\"، ويستثنى من ذلك حالة الصلاة فقد وردت أحاديث جيدة أنه - ﷺ - ردّ السلامَ وهو يصلي إشارة، انتهى كله من \"الفتح\" (^١).\n\n(٩ -<span data-type='title' id=toc-3702> باب السلام للمعرفة وغير المعرفة)</span>\nأي: من يعرفه المسلم ومن لا يعرفه، وصدر الترجمة لفظ حديث أخرجه البخاري في \"الأدب المفرد\" بسند صحيح عن ابن مسعود: \"أنه مر برجل فقال: السلام عليك يا أبا عبد الرحمن، فردّ عليه ثم قال: إنه سيأتي على الناس زمان يكون السلام فيه للمعرفة\"، وأخرجه الطحاوي بلفظ: \"إن من أشراط الساعة السلام للمعرفة\"، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\n\n(١٠ -<span data-type='title' id=toc-3703> باب آية الحجاب)</span>\nالظاهر من كلام الشرَّاح أن المقصود بيان سبب نزولها.\nقال القسطلاني (^٣): أي: باب ذكر نزول آية الحجاب، ولأبي ذر عن الكشميهني: \"علامة الحجاب\" بدل \"آية الحجاب\"، انتهى.\nوالأوجه عندي: أن الغرض بيان مصداق آية الحجاب وتعيينها، وقد تقدم المباحث المتعلقة بهذا المقام في تفسير سورة الأحزاب مبسوطًا، فارجع إليه لو شئت.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١١/ ١٨، ١٩).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١١/ ٢١).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ٢٨٢).","vol":"6","page":338},{"text":"(١١ -<span data-type='title' id=toc-3704> باب الاستئذان من أجل البصر)</span>\nأي: شرع من أجله لأن المستأذن لو دخل بغير إذن لرأى بعض ما يكره من يدخل إليه أن يطلع عليه، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nقوله: (فقال: لو أعلم أنك تنتظر لطعنت به في عينك. . .) إلخ، وفيه مسألة وهي حكم من أصيبت عينه أو غيرها بسبب ذلك، سيأتي في الديات إن شاء الله تعالى إذ قد ترجم المصنف هناك بـ \"باب من اطلع في بيت قوم ففقؤوا عينه\".\n\n(١٢ -<span data-type='title' id=toc-3705> باب زنا الجوارح دون الفرج)</span>\nقال القاري (^٢): قال ابن الهمام: الزنا مقصور في اللغة الفصحى لغة أهل الحجاز التي جاء بها القرآن قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: ٣٢]، ويمد في لغة نجد، انتهى.\nقال الحافظ (^٣): أي: أن الزنا لا يختص إطلاقه بالفرج، بل يطلق على ما دون الفرج من نظر وغيره، وفيه إشارة إلى حكمة النهي عن رؤية ما في البيت بغير استئذان لتظهر مناسبته للذي قبله، انتهى.\nقوله: (والفرج يصدّق ذلك ويكذبه) ذكر الشرَّاح له معنى، ويخطر ببالي من قديم الزمان له معنى آخر إن كان صوابًا فمن الله وفضله، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان، وهو أن معنى تصديق الفرج وتكذيبه أن الفرج إن كان يتأثر بزنا العين كالقبلة وبزنا اليد كاللمس ونحوهما بأن يحصل في الفرج شيء من الحسّ والحركة والانتشار تكون هذه الأمور، أي: زنى الجوارح المذكور في الحديث في حكم الزنا، وإن لم يتأثر الفرج ولم تنتشر الآلة فلا تكون هذه الأمور في حكم الزنا بل أدنى منه جريمة، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١١/ ٢٤).\n(^٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٧/ ١٤٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١١/ ٢٦).","vol":"6","page":339},{"text":"(١٣ -<span data-type='title' id=toc-3706> باب التسليم والاستئذان ثلاثًا)</span>\nأي: سواء اجتمعا أو انفردا، وحديث أنس شاهد للأول، وحديث أبي موسى شاهد للثاني، وقد ورد في بعض طرقه الجمع بينهما، واختلف هل السلام شرط في الاستئذان أو لا؟ فقال المازري (^١): صورة الاستئذان: السلام عليكم، أأدخل؟ ثم هو بالخيار أن يسمي نفسه أو يقتصر على التسليم، كذا قال، وسيأتي ما يعكر عليه في \"باب إذا قال: من ذا؟ فقال: أنا\"، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\nوفيه أيضًا: واختلف فيمن سلم ثلاثًا فظنّ أنه لم يسمع فعن مالك: له أن يزيد حتى يتحقق، وذهب الجمهور وبعض المالكية إلى أنه لا يزيد اتباعًا لظاهر الخبر، انتهى.\n\n(١٤ -<span data-type='title' id=toc-3707> باب إذا دعي الرجل فجاء هل يستأذن)</span>\nأي: قبل أن يدخل أم لا، بل يكتفي بقرينة الطلب؟ قوله: \"وقال سعيد عن قتادة. . .\" إلخ.\nقال القسطلاني (^٣): هذا التعليق وصله المؤلف في \"الأدب المفرد\" وأبو داود، وزاد أبو داود: \"إلى طعام\"، ثم قال: لم يسمع قتادة من أبي رافع. قال في \"الفتح\": وقد ثبت سماعه منه في الحديث الآتي في \"كتاب التوحيد\" من رواية سليمان التيمي عن قتادة أن أبا رافع حدثه، انتهى.\nقلت: وأشار المصنف بلفظ \"هل\" في الترجمة إلى اختلاف الروايات.\nقال الحافظ (^٤): ثم أورد المصنف طرفًا من حديث مجاهد عن أبي هريرة وفيه: \"قال فأتيتهم فدعوتهم فأقبلوا فاستأذنوا فأذن لهم\"، وظاهره يعارض الحديث الأول، ومن ثم لم يجزم بالحكم، وجمع المهلب وغيره\n_________\n(^١) \"المعلم\" (٣/ ٨٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١١/ ٢٧).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ٢٩١).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١١/ ٣٢).","vol":"6","page":340},{"text":"بتنزيل ذلك على اختلاف الحالين: إن طال العهد بين الطلب والمجيء احتاج إلى استئناف الاستئذان، وكذا إن لم يطل لكن كان المستدعي في مكان يحتاج معه إلى الإذن في العادة إلا لم يحتج إلى استئناف إذن، وقال ابن التِّين: لعل الأول فيمن علم أنه ليس عنده من يستأذن لأجله والثاني بخلافه، قال: والاستئذان على كل حال أحوط، وقال غيره: إن حضر صحبة الرسول أغناه استئذان الرسول ويكفيه سلام الملاقاة، وإن تأخر عن الرسول احتاج إلى الاستئذان، وبهذا جمع الطحاوي، انتهى.\nوأفاد الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^١): أن الإذن على نوعين: الإذن لأجل الدخول في البيت والإذن لأجل الستر والحجاب، والشخص المدعو وإن لم يفتقر إلى الإذن لأجل الدخول لكون الدعوة كافية في ذلك لكنه لا يستغني من الإذن لأجل الستر، فلو دعا أحد أحدًا وهو في مكان لا يفتقر فيه إلى ستر فحينئذ لا يحتاج إلى الإذن مطلقًا، انتهى ملخصًا.\n\n(١٥ -<span data-type='title' id=toc-3708> باب التسليم على الصبيان)</span>\nقال الحافظ (^٢): وكأنه ترجم بذلك للردّ على من قال: لا يشرع؛ لأن الردّ فرض وليس الصبي من أهل الفرض، وأخرج ابن أبي شيبة من طريق أشعث قال: كان الحسن لا يرى التسليم على الصبيان، وعن ابن سيرين: أنه كان يسلّم على الصبيان ولا يسمعهم، انتهى.\nقلت: ويمكن أن يقال: إنه ترجم بذلك من حيث إنه يخالف في بادئ الرأي ما تقدم قريبًا بقوله: \"باب تسليم الصغير على الكبير\" قال ابن بطال: في السلام على الصبيان تدريبهم على آداب الشريعة، وفيه طرحُ الأكابر رداء الكبر وسلوك التواضع ولين الجانب.\nقلت: ويستثنى من السلام على الصبي ما لو كان وضيئًا وخشي\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٥٣، ٥٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١١/ ٣٢، ٣٣).","vol":"6","page":341},{"text":"من السلام عليه الافتنان، فلا يشرع، ولا سيما إن كان مراهقًا منفردًا، انتهى من \"الفتح\".\n\n(١٦ -<span data-type='title' id=toc-3709> باب تسليم الرجال على النساء، والنساء على الرجال)</span>\nقال الحافظ (^١): أشار بهذه الترجمة إلى ردّ ما أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن يحيى بن أبي كثير: بلغني أنه يكره أن يسلم الرجال على النساء والنساء على الرجال، وهو مقطوع أو معضل، والمراد بجوازه أن يكون عند أمن الفتنة، وذكر في الباب حديثين يؤخذ الجواز منهما، وورد فيه حديث ليس على شرطه وهو حديث أسماء بنت يزيد: \"مرّ علينا النبي - ﷺ - في نسوة فسلّم علينا\" حسّنه الترمذي، وليس على شرط البخاري فاكتفى بما هو على شرطه، وأخرج أبو نعيم في \"عمل اليوم والليلة\" من حديث واثلة مرفوعًا: \"يسلّم الرجال على النساء ولا تسلّم النساء على الرجال\" وسنده واهٍ، ومن حديث عمرو بن حريث مثله موقوفًا عليه وسنده جيد.\nثم قال الحافظ تحت الحديث الثاني من حديثي الباب: حكى ابن التِّين أن الداودي اعترض فقال: لا يقال للملائكة رجال، ولكن الله ذكرهم بالتذكير. والجواب أن جبريل كان يأتي النبي - ﷺ - على صورة الرجل، انتهى من \"الفتح\".\nوقال السندي (^٢) تحت الترجمة: كأنه أراد به تسليم أحد الجنسين المتغايرين على الآخر، فلذلك ذكر في الباب حديث سلام جبريل على عائشة وذكر وجوهًا أخر، فارجع إليه لو شئت.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١١/ ٣٤).\n(^٢) \"صحيح البخاري بحاشية السندي\" (٤/ ٨٩).","vol":"6","page":342},{"text":"وقال الحافظ (^١): وقال ابن بطال (في مسألة الباب): فرق المالكية بين الشابّة والعجوز سدًّا للذريعة، ومنع منه ربيعة مطلقًا، وقال الكوفيون: لا يشرع للنساء ابتداء السلام على الرجال لأنهن منعن من الأذان والإقامة والجهر بالقراءة، قالوا: ويستثنى المحرم فيجوز لها السلام على محرمها، انتهى.\nقلت: وما حكى ابن بطال من مذهب الإمام مالك صرّح به مالك في \"الموطأ\"، وقال النووي كما في \"الأوجز\" (^٢): أما النساء فإن كن جمعًا سلّم عليهن، وإن كانت واحدة سلّم عليها زوجها ومحرمها، وأما الأجنبي فإن كانت عجوزًا لا تشتهى استحب له السلامُ عليها واستحب لها السلام عليه، وإن كانت شابة أو عجوزًا تشتهى لم يسلم عليها الأجنبي ولم تسلم عليه، ومن سلّم منهما لم يستحق جوابًا ويكره جوابه، هذا مذهبنا ومذهب الجمهور، انتهى.\nوفي \"الدر المختار\" (^٣): نظم جمع فيه كل من يكره السلام عليه وفيه:\nكذا الأجنبيات الفتيات أمنع\nقال ابن عابدين: ومفهومه جوازه على العجوز، بل صرحوا بجواز مصافحتها عند أمن الشهوة، وفيه أيضًا في موضع آخر (^٤): ولا يكلم الأجنبية إلا عجوزًا عطست أو سلّمت فيشمتها ويردّ السلام عليها وإلا لا. قال ابن عابدين: أي: هي إن لم تكن عجوزًا بل شابة لا يشمتها ولا يردّ السلام بلسانه بل ردّ عليها في نفسه، وقال أيضًا: وتقدم في شروط الصلاة أن صوت المرأة عورة على الراجح، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١١/ ٣٤).\n(^٢) \"أوجز المسالك\" (١٧/ ١٧٨ - ١٨١).\n(^٣) \"ردّ المحتار\" (٢/ ٣٧٤).\n(^٤) \"ردّ المحتار\" (٩/ ٥٣٠).","vol":"6","page":343},{"text":"(١٧ -<span data-type='title' id=toc-3710> باب إذا قال: من ذا؟ فقال: أنا)</span>\nقال الحافظ (^١): وكأنه لم يجزم بالحكم لأن الخبر ليس صريحًا في الكراهة، انتهى.\nوقال العيني (^٢): تحت ترجمة الباب: ولم يذكر الحكم اكتفاءً بما في حديث الباب. ثم قال في شرح الحديث: مطابقته للترجمة ظاهرة، انتهى.\nقلت: وهو كذلك، وما تقدم من كلام الحافظ من أنه لم يجزم بالحكم لأن حديث الباب ليس صريحًا في الكراهة فهذا إنما هو على بادئ الرأي، وإلا فالشرَّاح قاطبة اتفقوا أن مقصوده - ﷺ - الإنكار على جابر، وإن اختلفوا في وجه الإنكار كما هو في الشروح، وقد ترجم الإمام النووي على هذا الحديث في \"شرح مسلم\" (^٣) بقوله: \"باب كراهة قول المستأذن: أنا\"، وقال القاري في \"شرح المشكاة\" (^٤): قوله: \"فقال: أنا أنا\" مكررًا للإنكار عليه. قال الطيبي: أي: قولك: \"أنا\" مكروه فلا تعد، والثاني تأكيد، انتهى.\n\n(١٨ -<span data-type='title' id=toc-3711> باب من ردّ فقال: عليك السلام. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٥): ظاهر صنيعه أنه لا فرق عنده بين تقديم السلام على كلمة \"على\" وتأخيره عنه، وإن أشار بذكر الرواية إلى أن تقديم الجار هو الغالب في الردّ، انتهى.\nقلت: وما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه ظاهر فإنه ذكر في الترجمة قول الملائكة وهو بتقديم لفظ السلام، وذكر الرواية المرفوعة وفيه عكس ذلك، فثبت الوجهان. وبما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه جزم الكرماني (^٦) إذ قال: واعلم أن مقصود البخاري من هذا الباب أن ردّ السلام ثبت على نوعين:\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١١/ ٣٥).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٥/ ٣٦٦).\n(^٣) \"شرح النووي\" (٧/ ٣٨٩).\n(^٤) \"مرقاة المفاتيح\" (٨/ ٤٥٣).\n(^٥) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٥٤).\n(^٦) \"شرح الكرماني\" (٢٢/ ٩٠).","vol":"6","page":344},{"text":"بتقديم السلام على \"عليك\"، وبالتأخير عنه، وكلاهما جواب، والله أعلم، انتهى.\nوفي الترجمة وجوه أخر بسطها الحافظ، إذ قال (^١): يحتمل أن يكون أشار إلى من قال: لا يقدَّم على لفظ السلام شيء بل يقول في الابتداء والردّ: السلام عليك، أو من قال: لا يقتصر على الإفراط بل يأتي بصيغة الجمع، أو من قال: لا يحذف الواو بل يجيب بواو العطف فيقول: وعليك، أو من قال: يكفي في الجواب أن يقتصر على \"عليك\" بغير لفظ السلام، أو من قال: لا يقتصر على \"عليك السلام\" بل يزيد: ورحمة الله، وهذه خمسة مواضع جاءت فيها آثار تدلّ عليها، ثم ذكرها، ولعل متمسّك من قال بالوجه الأول من تلك الوجوه هو ما روى أبو داود من حديث أبي جري جابر بن سليم وفيه: \"قلت: عليك السلام يا رسول الله، قال: لا تقل: عليك السلام، فإن عليك السلام تحية الموتى\" الحديث.\n\n(١٩ -<span data-type='title' id=toc-3712> باب إذا قال: فلان يقرئك السلام)</span>\nبضم التحتية من أقرأ، ولأبي ذر عن الكشميهني: \"يقرأ عليك السلام\" بفتح التحتية، انتهى من \"القسطلاني\" (^٢).\nقال القاضي: يقال: أقرأته السلامَ وهو يقرئك السلامَ بضم الياء رباعيًّا لا غير، وإذا قلت: يقرأ عليك فبالفتح لا غير، وقيل: هما لغتان، انتهى. كذا في النسخة المصرية لمسلم.\nوقال الحافظ (^٣): قال النووي: في هذا الحديث مشروعية إرسال السلام، ويجب على الرسول تبليغه لأنه أمانة، وتعقب بأنه بالوديعة أشبه، والتحقيق أن الرسول إن التزمه أشبه الأمانة وإلا فوديعة، والودائع إذا لم تقبل لم يلزمه شيء، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١١/ ٣٦، ٣٧)، وانظر: \"سنن أبي داود\" (رقم ٥٢٠٩).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ٣٠٠).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١١/ ٣٨).","vol":"6","page":345},{"text":"قلت: ولعل المصنف أشار بالترجمة إلى ما ورد في ذلك من اختلاف الروايات، فقد ترجم الإمام أبو داود أيضًا بعين هذه الترجمة، وذكر فيه حديثين وفي أحدهما: \"فأتيته فقلت: إن أبي يقرئك السلام، فقال: عليك وعلى أبيك السلام\"، ثم ذكر الإمام أبو داود حديث عائشة المذكور في هذا الباب. قال الشيخ في \"البذل\" (^١): وفي هذا الحديث اقتصر في الجواب على أصل المسلّم، وفي الحديث الأول شمل المبلغ أيضًا فالأمران جائزان، انتهى.\nقال الحافظ (^٢): وفي الحديث إذا أتاه شخص بسلام من شخص أو في ورقة وجب الردّ على الفور، ويستحب أن يردّ على المبلّغ، كما أخرج النسائي عن رجل من بني تميم: \"أنه بلّغ النبي - ﷺ - سلام أبيه فقال له: وعليك وعلى أبيك السلام\"، وقد تقدم في المناقب (^٣): أن خديجة لما بلّغها النبي - ﷺ - عن جبريل سلامَ الله عليها قالت: \"إن الله هو السلام، ومنه السلام، وعليك وعلى جبريل السلام\"، ولم أر في شيء من طرق حديث عائشة أنها ردّت على النبي - ﷺ - فدلّ على أنه غير واجب، انتهى.\n\n(٢٠ -<span data-type='title' id=toc-3713> باب التسليم في مجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين)</span>\nقال النووي: السُّنَّة إذا مرَّ بمجلس فيه مسلم أو كافر أن يسلّم بلفظ التعميم ويقصد به المسلم، قال ابن العربي: ومثله إذا مر بمجلس يجمع أهل السُّنَّة والبدعة، وبمجلس فيه عدول وظلمة، وبمجلس فيه محبّ ومبغض، واستدل النووي على ذلك بحديث الباب، وهو مفرع على منع ابتداء الكافر بالسلام، وقد ورد النهي عنه صريحًا، وقالت طائفة: يجوز\n_________\n(^١) \"بذل المجهود\" (١٣/ ٦١٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١١/ ٣٨).\n(^٣) أي: في كلام الحافظ، (ز).","vol":"6","page":346},{"text":"ابتداؤهم بالسلام فأخرج الطبري من طريق ابن عيينة قال: يجوز ابتداء الكافر بالسلام، لقول إبراهيم لأبيه: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكَ﴾ [مريم: ٤٧]، وأجاب عياض عن قول إبراهيم - ﵇ - لأبيه بأن القصد بذلك المتاركة والمباعدة لا التحية، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(٢١ -<span data-type='title' id=toc-3714> باب من لم يسلّم على من اقترف ذنبًا ولم يردّ سلامه حتى تتبين توبته)</span>\nقال الحافظ (^٢): أما الحكم الأول فأشار إلى الخلاف فيه، وقد ذهب الجمهور إلى أنه لا يسلم على الفاسق والمبتدع، قال النووي: فإن اضطر إلى السلام بأن خاف ترتب مفسدة في دين أو دنيا إن لم يسلّم سلّم، وكذا قال ابن العربي وزاد: وينوي أن السلام اسم من أسماء الله تعالى، فكأنه قال: الله رقيب عليكم، وقال ابن وهب: يجوز ابتداء السلام على كل أحد ولو كان كافرًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣]، وألحق بعض الحنفية بأهل المعاصي من يتعاطى خوارم المروءة ككثرة المزاح واللهو وفحش القول والجلوس في الأسواق لرؤية من يمر من النساء ونحو ذلك، انتهى.\nوفي \"الدر المختار\" (^٣): ويكره السلام على الفاسق لو معلنًا وإلا لا. قال ابن عابدين: ويسلم على قوم في معصية وعلى من يلعب بالشطرنج ناويًا أن يشغلهم عما هم فيه عند أبي حنيفة، وكره عندهما تحقيرًا لهم، انتهى.\nقال الحافظ (^٤): وأما الحكم الثاني فاختلف فيه أيضًا فقيل: يستبرئ حاله سنةً، وقيل: ستة أشهر، وقيل: خمسين يومًا كما في قصة كعب، وقيل: ليس لذلك حدّ محدود، بل المدار على وجود القرائن الدالة على صدق مدعاه في توبته، ويختلف ذلك باختلاف الجناية والجاني، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١١/ ٣٩).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١١/ ٤٠).\n(^٣) \"ردّ المحتار\" (٩/ ٥٩٥).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١١/ ٤٠).","vol":"6","page":347},{"text":"قلت: وقد تقدم شيء من الكلام على هذه المسألة في \"اللامع\" (^١) وهامشه في \"كتاب الشهادات\" تحت قول البخاري: وكيف تعرف توبته؟ ثم قد ظهر من كلام الحافظ أنه جعل للترجمة جزئين، وكذا يستفاد من كلام العيني، وذلك لأنهما جعلا السلام وردّه في حكم واحد، لكن يظهر من كتب فقهنا الفرق بين حكم السلام وحكم الردّ، فعلى هذا صار للترجمة ثلاثة أجزاء، ففي حاشية ابن عابدين (^٢) تفريعًا على كلام صاحب \"البحر\": ومفاده أن كل محل لا يشرع فيه السلام لا يجب ردّه، وذكر أمثلته، ثم قال: وينبغي وجوبُ الردّ على الفاسق لأن كراهة السلام عليه للزجر فلا تنافي الوجوب عليه، تأمل، انتهى.\n\n(٢٢ -<span data-type='title' id=toc-3715> باب كيف الردّ على أهل الذمة السلام)</span>\nقال الحافظ (^٣): في هذه الترجمة إشارة إلى أنه لا منع من ردّ السلام على أهل الذمة فلذلك ترجم بالكيفية، ودل الحديث على التفرقة في الردّ على المسلم والكافر، قال ابن بطال: قال قوم: ردُّ السلام على أهل الذمة فرض لعموم قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ﴾ الآية [النساء: ٨٦]، وثبت عن ابن عباس أنه قال: من سلّم عليك فردّ عليه ولو كان مجوسيًا. وبه قال الشعبي وقتادة، ومنع من ذلك مالك والجمهور، وقال عطاء: الآية مخصوصة بالمسلمين فلا يردّ السلام على الكافر مطلقًا، فإن أراد منع الردّ بالسلام وإلا فأحاديث الباب ترد عليه، انتهى.\nوقال القسطلاني (^٤): قال النووي: اتفقوا على الردّ على أهل الكتاب إذا سلموا لكن لا يقال لهم: وعليكم السلام، بل يقال لهم: عليكم فقط أو: وعليكم، انتهى.\n_________\n(^١) انظر: \"لامع الدراري\" (٧/ ٦٠ - ٧٠).\n(^٢) \"رد المحتار\" (٢/ ٣٧٦).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١١/ ٤٢).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ٣٠٥).","vol":"6","page":348},{"text":"قلت: وهكذا في \"شرح الإقناع\" (^١): \"وروضة المحتاجين\" يعني: إنكار الشافعية الزيادة على لفظ: وعليك. وبسط القاري في \"شرح المشكاة\" الروايات في أنه لا يزيد على: وعليك.\nوفي \"الدر المختار\" (^٢): ويسلم المسلم على أهل الذمة لو له حاجة إليه وإلا كره، وهو الصحيح، كما كره للمسلم مصافحة الذمي، ثم قال (^٣): ولو سلم يهودي أو نصراني أو مجوسي على مسلم فلا بأس بالردّ، ولكن لا يزيد على قوله: وعليك، قال ابن عابدين: قوله: فلا بأس بالردّ، المتبادر منه أن الأولى عدمه، \"ط\". لكن في \"التتارخانية\": وإذا سلم أهل الذمة ينبغي أن يردّ عليهم الجواب وبه نأخذ، انتهى.\n\n(٢٣ -<span data-type='title' id=toc-3716> باب من نظر في كتاب من يحذر على المسلمين ليستبين أمره)</span>\nقال العلامة العيني (^٤): أي: هذا باب في بيان جواز من نظر في كتاب من يحذر على صيغة المجهول من الحذر، أي: الخوف، وقال الجوهري: الحذر المحرز.\nقوله: (ليستبين) أي: ليظهر أمره. فإن قلت: أخرج أبو داود من حديث ابن عباس: \"من نظر في كتاب أخيه بغير إذنه فكأنما ينظر في النار\"، قلت: يخص منه ما يتعين طريقًا إلى دفع مفسدة هي أكبر من مفسدة النظر على أن هذا حديث ضعيف، انتهى.\nوهكذا في \"القسطلاني\" ولفظه في الجواب عن الحديث المذكور (^٥): إنما هو في حق من لم يكن متهمًا على المسلمين، وأما من كان متهمًا فلا حرمة له، انتهى.\n_________\n(^١) انظر: \"شرح الإقناع\" (٤/ ٢٩١)، و\"مرقاة المفاتيح\" (٨/ ٤٢٠، ٤٢١).\n(^٢) \"ردّ المحتار\" (٩/ ٥٩٠).\n(^٣) \"ردّ المحتار\" (٩/ ٥٩١).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٥/ ٣٢٧).\n(^٥) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ٣٠٩).","vol":"6","page":349},{"text":"وقال الحافظ (^١) في الغرض من الترجمة: كأنه يشير إلى أن الأثر الوارد في النهي عن النظر في كتاب الغير يخص منه ما يتعين طريقًا إلى دفع مفسدة هي أكثر من مفسدة النظر، انتهى.\nذكر المصنف فيه حديث علي في قصة حاطب بن أبي بلتعة، وتقدم في تفسير سورة الممتحنة وغيره في عدة مواضع.\n\n(٢٤ -<span data-type='title' id=toc-3717> باب كيف يكتب إلى أهل الكتاب)</span>\nقال العيني (^٢): أي: هذا باب في بيان كيفية الكتاب إلى أهل الكتاب، ثم قال تحت حديث الباب: مطابقته بالترجمة في قوله: \"بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد بن عبد الله\" إلخ، فإن فيه إعلامًا كيف يكتب إلى أهل الكتاب، انتهى.\nوقال الحافظ (^٣): ذكر فيه طرفًا من حديث أبي سفيان في قصة هرقل وهو واضح فيما ترجم له، قال ابن بطال: فيه جواز كتابة بسم الله الرحمن الرحيم إلى أهل الكتاب، وتقديم اسم الكاتب على المكتوب إليه، قال: وفيه حجة لمن أجاز مكاتبة أهل الكتاب بالسلام عند الحاجة، انتهى.\nثم تعقب عليه الحافظ وكذا القسطلاني (^٤) إذ قال: لا يصح الاستدلال بذلك، ذلك لأنه لم يسلم فليس هو ممن اتبع الهدى فهو سلام مقيد، انتهى. مختصرًا.\nوالأوجه عندي: أن الإمام البخاري أشار بهذه الترجمة إلى هذا بأن يكتب إليهم: السلام على من اتبع الهدى، لا بلفظه المعروف بلفظ الخطاب: السلام عليكم، قال القاري في \"المرقاة\" (^٥) في شرح حديث هرقل: قال النووي: وفي هذا الكتاب جمل من القواعد وأنواع من الفوائد،\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١١/ ٤٧).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٥/ ٣٧٤).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٠/ ٤٧).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ٣١٠).\n(^٥) \"مرقاة المفاتيح\" (٧/ ٤٦٩).","vol":"6","page":350},{"text":"منها قوله: \"سلام على من اتبع الهدى\" فيه دليل لمذهب الشافعي وجمهور أصحابه أن الكافر لا يبدأ بالسلام. قال القاري: ما أظن فيه خلافًا، انتهى.\n\n(٢٥ -<span data-type='title' id=toc-3718> باب بمن يبدأ في الكتاب)</span>\nأي: بنفسه أو بالمكتوب إليه، قاله الحافظ (^١).\nفي هامش المصرية عن \"شرح شيخ الإسلام\" (^٢): أي: هل يبدأ بالكاتب أو بالمكتوب إليه، وكل سائغ، ولكن جرت العادة في الرسائل بالابتداء بالكاتب، انتهى.\nوقال الحافظ (^٣): ذكر فيه طرفًا من حديث الرجل من بني إسرائيل الذي اقترض ألف دينار، وكأنه لما لم يجد فيه حديثًا على شرطه مرفوعًا اقتصر على هذا، وهو على قاعدته في الاحتجاج بشرع من قبلنا إذا وردت حكايته في شرعنا ولم ينكر، ولا سيما إذا سيق مساق المدح لفاعله، وعند أبي داود من طريق ابن سيرين عن أبي العلاء بن الحضرمي عن العلاء: \"أنه كتب إلى النبي - ﷺ - فبدأ بنفسه\" وعن نافع: كان عُمّال عمر إذا كتبوا إليه بدءوا بأنفسهم. قال المهلب: السُّنَّة أن يبدأ الكاتب بنفسه، انتهى.\nوكتب الشيخ في \"البذل\" (^٤) تحت حديث هرقل: إن الاستدلال به على تقدم ذكر الكاتب على المكتوب إليه على العموم فمحل نظر؛ بل الحديث يدل على أن الأعلى إذا كتب إلى الأدنى يبدأ باسم نفسه قبل المكتوب إليه، وذلك لأن رسول الله - ﷺ - كان أعلى باعتبار الدين والدنيا من هرقل، فإنه وصف نفسه بكونه رسول الله ووصف هرقل بكونه عظيمَ الروم، ثم دعاه إلى الانقياد والاستسلام.\nفهذا يدل ظاهرًا أن رسول الله - ﷺ - أعظم من ملك الروم فبدأ بنفسه،\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١١/ ٤٨).\n(^٢) \"تحفة الباري\" (٦/ ١٥٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١١/ ٤٨).\n(^٤) \"بذل المجهود\" (١٣/ ٥٢٤).","vol":"6","page":351},{"text":"وكذلك من يكون أعظم من المكتوب إليه يبدأ بنفسه، وأما إذا كان المكتوب إليه أعظم كالولد يكتب إلى والده أو الرجل يكتب إلى شيخه فينبغي حينئذ أن يبدأ باسم المكتوب إليه لا باسمه، وأما حديث العلاء بن الحضرمي فإنه بدأ باسمه في كتابته إلى رسول الله - ﷺ - اتباعًا واقتداءً برسول الله - ﷺ -. وأما تقريره - ﷺ - فلأجل بيان الجواز، قال المنذري: فيهما - أي: في روايتي ابن العلاء - مجهول. قال بعضهم: يبدأ الكتاب باسمه فيقول: من فلان ابن فلان إلى فلان ابن فلان، انتهى.\nقال العلامة النووي في \"شرح مسلم\" (^١) في قصة خضر مع موسى تحت قوله - ﷺ -: \"رحمة الله علينا وعلى موسى - وكان إذا ذكر أحدًا من الأنبياء بدأ بنفسه -. . .\" الحديث، قال أصحابنا: فيه استحباب ابتداء الإنسان بنفسه في الدعاء وشبهه من أمور الآخرة، واختلف العلماء في الابتداء في عنوان الكتاب؟ فالصحيح الذي قاله كثير من السلف وجاء به الصحيح أنه يبدأ بنفسه فيقدمها على المكتوب إليه فيقول: من فلان إلى فلان، واستدل عليه من حديث هرقل، ثم قال: وقالت طائفة: يبدأ بالمكتوب إليه فيقول: إلى فلان من فلان، قالوا: إلا أن يكتب الأمير إلى من دونه أو السيد إلى عبده أو الوالد إلى ولده، انتهى.\n\n(٢٦ -<span data-type='title' id=toc-3719> باب قول النبي - ﷺ -: قوموا إلى سيدكم)</span>\nهذه الترجمة معقودة لحكم قيام القاعد للداخل، ولم يجزم فيها بحكم للاختلاف بل اقتصر على لفظ الخبر كعادته، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\nوفي هامش المصرية عن \"شيخ الإسلام\" (^٣): أي: بيان مشروعية قيام القاعد للداخل احترامًا له، انتهى.\nقال العيني (^٤): وفي الحديث أمر السلطان والحاكم بإكرام السيد\n_________\n(^١) \"شرح النووي\" (٨/ ١٥٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١١/ ٤٩).\n(^٣) \"تحفة الباري\" (٦/ ١٥٢).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٥/ ٣٧٥، ٣٧٦).","vol":"6","page":352},{"text":"من المسلمين، وجواز إكرام أهل الفضل في مجلس السلطان الأكبر، والقيام فيه لغيره من أصحابه، وقد منع من ذلك قوم واحتجوا بحديث أبي أمامة رواه أبو داود وابن ماجه قال: \"خرج النبي - ﷺ - متوكأً على عصا فقمنا له فقال: لا تقوموا كما تقوم الأعاجم\" قال الطبري: هذا حديث ضعيف مضطرب السند، فيه من لا يعرف، وقال أيضًا: وفيه أن قيام المرؤوس للرئيس الفاضل والإمام العادل والمتعلم للعالم مستحب، وإنما يكره لمن كان بغير هذه الصفات، وعن أبي الوليد بن رشد: أن القيام على أربعة أوجه، ثم ذكرها.\nوبسط الحافظ (^١) الكلام أيضًا على روايات الباب إثباتًا ونفيًا أشدّ البسط فارجع إليه.\nوفي \"الدر المختار\" (^٢): يجوز بل يندب القيام تعظيمًا للقادم كما يجوز القيام، ولو للقارئ بين يدي العالم. قال ابن عابدين: أي: إن كان ممن يستحق التعظيم، وفي \"مشكل الآثار\": القيام لغيره ليس بمكروه لعينه، إنما المكروه محبة القيام لمن يقام له، إلى آخر ما ذكر.\nوبسط الشيخ الكلام عليه في \"البذل\" (^٣)، وفيه عن \"اللمعات\": اختلفت فيه الروايات، والصحيح أن احترام أهل الفضل من أهل العلم والصلاح والشرف بالقيام جائز، وما جاء من كراهته - ﷺ - قيام الصحابة له فهو من جهة الاتحاد الموجب لرفع التكلف لا للنهي.\nوقال النووي (^٤): القيام للقادم من أهل الفضل مستحب، وقد جاءت فيه أحاديث، ولم يصحّ في النهي عنه شيء تصريحًا.\nوكتب مولانا محمد يحيى المرحوم في التقرير: القيام جائز في نفسه\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١١/ ٥٠ - ٥٤).\n(^٢) \"ردّ المحتار\" (٩/ ٥٥١).\n(^٣) \"بذل المجهود\" (١٣/ ٦٠٠ - ٦٠٢)، وانظر: \"أشعة اللمعات\" (٤/ ٣٠).\n(^٤) \"شرح النووي\" (٦/ ٣٣٨).","vol":"6","page":353},{"text":"ما لم يعترِه عارض يخرجه من الجواز إلى الكراهة. . .، إلى أن قال: وأما الذي أورده المؤلف من الروايات فليس شيء منها كافيًا لإثبات المدعى؛ لأن القيام فيها ليس بقيام تعظيم، وفيه الكلام، وإنما هو قيام إعانة وإمداد في الأول، وقيام معانقة في الثاني، إلى آخر ما ذكر.\n\n(٢٧ -<span data-type='title' id=toc-3720> باب المصافحة)</span>\nقال العلامة القسطلاني (^١): أي: مشروعية المصافحة، وهي الإفضاء بصفحة اليد إلى صفحة اليد، انتهى.\nقال الحافظ (^٢): وقد أخرج الترمذي بسند ضعيف من حديث أبي أمامة رفعه: \"تمام تحيتكم بينكم المصافحة\"، وأخرج المصنف في \"الأدب المفرد\" وأبو داود بسند حسن عن أنس رفعه: \"قد أقبل أهل اليمن وهم أول من حيّانا بالمصافحة\"، وفي \"جامع ابن وهب\" من هذا الوجه: \"وكانوا أول من أظهر المصافحة\"، قال ابن بطال: المصافحة حسنة عند عامة العلماء، وقد استحبها مالك بعد كراهته.\nوقال النووي: المصافحة سُنَّة مجمع عليها عند التلاقي، وقد أخرج أحمد وأبو داود والترمذي عن البراء رفعه: \"ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يتفرقا\"، وقال ابن عبد البر: روى ابن وهب عن مالك أنه كره المصافحة والمعانقة، وذهب إلى هذا سحنون وجماعة، وقد جاء عن مالك جواز المصافحة، وهو الذي يدل صنيعه في \"الموطأ\"، وعلى جوازه جماعة العلماء سلفًا وخلفًا، انتهى من \"الفتح\" مختصرًا.\nوقال صاحب \"الفيض\" (^٣): اعلم أن كمال السُّنَّة في المصافحة أن تكون باليدين، ويتأدى أصل السُّنَّة من يد واحدة أيضًا، وقد بَوَّب البخاري بُعَيده \"باب الأخذ باليدين\"، ثم الذين يدّعون العمل بالحديث ينكرون\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ٣١٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١١/ ٥٤، ٥٥).\n(^٣) \"فيض الباري\" (٦/ ٢٠٤، ٢٠٥).","vol":"6","page":354},{"text":"التصافح باليدين، ولما لم يكن في ذلك عند المصنف حديث على شرطه أخرج حديث ابن مسعود في التشهد، فاكتفى عن الاستشهاد على النوع بالاستشهاد على الجنس، فإن التصافح في حديثه كان عند التعليم دون التسليم، وهذا غير ذاك، نعم أخرج لها أثرين، ثم للتصافح باليدين حديث مرفوع أيضًا كما في \"الأدب المفرد\".\nوأراد المدرسون أن يستدلوا عليه بحديث ابن مسعود هذا فقالوا: أما كون التصافح فيه باليدين من جهة النبي - ﷺ - فالحديث نصّ فيه، وأما كونه كذلك من جهة ابن مسعود فالراوي وإن اكتفى بذكر يده الواحدة إلا أن المرجو منه أنه لم يكن ليصافحه بيده الواحدة والنبي - ﷺ - قد صافحه بيديه الكريمتين؛ فإنه يستبعد من مثله أن لا يبسط يديه للنبي - ﷺ -، وقد يكون النبي - ﷺ - بسط له يديه، غير أن الراوي لم يذكره لعدم كون غرضه متعلقًا بذلك، انتهى.\nقلت: وفي \"تذكرة الخليل\" (^١): أنه قد اتفق لشيخنا الفقيه الكبير والمحدث الجليل مولانا خليل أحمد قُدِّس سرُّه أنه صافحه أحد ممن يدعي العمل بالحديث بيد واحدة وصافحه الشيخ بيدين، فاعترض على الشيخ واستدل بحديث ابن مسعود هذا فإنه صافح بيد واحدة، فأجاب شيخنا قُدِّس سرُّه على الفور متبسّمًا بقوله: فنحن على السُّنَّة أم أنتم؟ فبُهِتَ. وأراد الشيخ بذلك أن المصافحة باليدين موافق لفعله - ﷺ -، وأما المصافحة بيد واحدة فكان من فعل ابن مسعود - ﵁ -.\nوكتب الشيخ في \"الكوكب\" (^٢): قوله: \"الأخذ باليد\" اللام فيه للجنس فلا تثبت الواحدة، والحق فيه أن مصافحته - ﷺ - ثابتة باليد وباليدين إلا أن المصافحة بيد واحدة لما كانت شعار أهل الأفرنج وجب تركه لذلك، انتهى.\n_________\n(^١) \"تذكرة الخليل\" (ص ٢٩٨).\n(^٢) \"الكوكب الدري\" (٣/ ٣٩٢).","vol":"6","page":355},{"text":"وأما وجه مطابقة الحديث الثاني بالترجمة فذكر الحافظ وجه إدخال هذا الحديث في المصافحة أن الأخذ باليد يستلزم التقاء صفحة اليد بصفحة اليد غالبًا، ومن ثم أفردها بترجمة تلي هذه لجواز وقوع الأخذ باليد من غير حصول المصافحة (^١)، انتهى.\nقلت: وهذا مبني على ما في نسخة \"الفتح\"، وسيأتي اختلاف ذكر النسخ في الترجمة الآتية.\n\n(٢٨ -<span data-type='title' id=toc-3721> باب الأخذ باليدين وصافح حماد. . .) إلخ</span>\nهكذا في النسخ الهندية \"اليدين\" بصيغة التثنية وهكذا في نسخة \"الكرماني\" و\"العيني\" و\"القسطلاني\"، وأما في نسخة \"الفتح\" فكما تقدمت الإشارة إليه أن فيها \"اليد\" بالإفراد، وتقدم توجيهه في كلام الحافظ.\nقال العيني (^٢): سقطت هذه الترجمة وأثرها وحديثها من رواية النسفي، وقوله: \"الأخذ باليدين\" رواية الأكثرين، وفي رواية أبي ذر عن الحموي والمستملي: \"الأخذ باليد\" بالإفراد، وما وقع في بعض النسخ \"باليمين\" فليس بصحيح، ثم قال تحت حديث الباب: مطابقته بالترجمة في قوله: \"وكفي بين كفيه\" وهو الأخذ باليدين، انتهى.\nقلت: وقد تقدم أن في نسخة الحافظ: \"الأخذ باليد\" بصيغة الإفراد فكان ينبغي للحافظ أن يتعرض للمناسبة بين الحديث والترجمة لكنه سكت عن وجه المطابقة.\nوالأوجه عندي نسخة \"اليدين\" بالتثنية لكونه مطابقًا لأثر حماد المذكور في الترجمة وكذا الحديث المرفوع. وأما المطابقة على نسخة الإفراد فإما أن يقال: إن اللام في قوله: \"باليد\" للجنس فيشمل اليدين، وإما أن يقال: إنه أشار بذلك أن ما ورد في بعض الروايات من الأخذ باليد فالمراد به\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١١/ ٥٥).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٥/ ٣٧٧، ٣٧٨).","vol":"6","page":356},{"text":"المصافحة المشروعة (^١) وهي تكون باليدين فلذا عقبها بأثر حماد، وهذا غاية ما يقال في المطابقة بين الحديث والترجمة، وهذا الوجه الأخير أشار إليه الحافظ (^٢) أيضًا مختصرًا كما تقدم في الباب السابق.\nثم لا يتوهم التكرار في هذه الترجمة والترجمة السابقة، وذلك لأن الغرض من الترجمة الأولى بيان مشروعيتها خلافًا لما حكي عن مالك وغيره من الكراهة ذاهبًا إلى أن المراد من المصافحة أن يصفح بعضهم عن بعض، من الصفح وهو التجاوز، كما هو معروف عن الإمام مالك، فأثبت المصنف بالترجمة المصافحة بالمعنى المعروف المتبادر عند الجمهور، ولذا ذكر فيه حديث ابن مسعود: \"كفي بين كفيه\". وأما هذه الترجمة فأشار بها إلى كيفية المصافحة وهي أن تكون باليدين كما يظهر من أثر حماد وحديث الباب المرفوع، أو يقال: إن الغرض من الترجمة الأولى بيان كيفية المصافحة باليدين، فإن المصافحة باليدين تحتمل صورًا مختلفة كما بسط في \"الأوجز\" (^٣)، والبسط في هامش \"اللامع\" (^٤) فارجع إليه لو شئت. وقد تقدم بحث المصافحة باليد أو اليدين في الباب السابق.\n\n(٢٩ -<span data-type='title' id=toc-3722> باب المعانقة وقول الرجل: كيف أصبحت</span>؟)\nهذه الترجمة مشكلة جدًّا، وذلك لأنه ليس في حديث الباب ذكر الجزء الأول من جزئي الترجمة أصلًا، وذكر الثانية بلفظ: كيف أصبح؟ قالوا: وهذا يكفي للمناسبة، وأما الجزء الأول من الترجمة فذكر في حاشية النسخة \"الهندية\" (^٥) أنها ترجمة مستقلة لم يذكر لها الحديث، وكان بين\n_________\n(^١) وفي الأصل: \"المشروعية\".\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (١١/ ٥٥).\n(^٣) انظر: \"أوجز المسالك\" (١٦/ ١٢٦ - ١٣٤).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٥٦، ٥٧).\n(^٥) \"صحيح البخاري بحاشية السهارنفوري\" (١٢/ ٣٧٦).","vol":"6","page":357},{"text":"الترجمتين بياض لكن جمع بينهما الكاتب، والمناسب له معانقته - ﷺ - الحَسَنَ كما تقدم في \"كتاب البيوع\" في \"باب ما ذكر في الأسواق\"، وكذا تقدم قريبًا في \"باب السخاب للصبيان\" فكأدن البخاري أشار إلى هذا الحديث وذكر حديث الباب بلفظ \"يا أبا حسن\" رمزًا إلى الحسن تشحيذًا للأذهان، انتهى.\nوفي هامش المصرية عن شيخ الإسلام (^١): لم يذكر في المعانقة حديثًا بل ذكره في البيع في معانقته - ﷺ - للحسن، فيحتمل أنه اكتفى هنا بذلك، أو أنه كما قيل: قصد أن يسوقه هنا فلم يستحضر له غير السند السابق، وليس من عادته غالبًا إعادة السند الواحد، فأدركه الموت قبل أن يقع له ما يوافق ذلك، انتهى.\nوأما الشيخ الإمام الكَنكَوهي قُدِّس سرُّه فإنه قد أثبت جزئي الترجمة بالمقايسة حيث قال (^٢): والجزءان من الترجمة يتوقف إثباتهما على نوع مقايسة، فإن المعانقة غاية في المواجهة وأثر يترتب على المخالة، فإذا جازت المواجهة وكانت الخلة باعثة عليها لربما أدّت إلى المعانقة، وأما قولهم: \"أصبحت\" فإن السؤال لما ثبت عن حال الغائب كان سؤاله عن حال الحاضر المخاطب أظهر في الجواز، وأيضًا فإن السؤال عن حاله - ﷺ - كان يتضمن المسألة عن حال أهل البيت بأسرهم، ومنهم علي - ﵁ - وهو المخاطب في هذا الكلام فثبت بالسؤال عن حاله ﵊ جواز المسألة عن حال المخاطب وإن كانت الدلالة عليه تضمنية، انتهى.\nوأما حكم المعانقة وهو المقصود من ترجمة الباب فقد تقدم فيه خلاف مالك في \"باب المصافحة\"، وروي عنه ما يدل على أنه رجع عن القول بالكراهة، فقد قال الحافظ (^٣): قال ابن بطال: اختلف الناس في المعانقة فكرهها مالك وأجازها ابن عيينة، ثم ساق قصتهما في ذلك، أخرجها ابن عساكر في \"تاريخه\" قال: استأذن سفيان بن عيينة على مالك\n_________\n(^١) \"تحفة الباري\" (٦/ ١٥٤).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٥٨، ٥٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١١/ ٥٩).","vol":"6","page":358},{"text":"فأذن له فقال: السلام عليكم، فردّوا عليه ثم قال: السلام خاصّ وعامّ، السلام عليك يا أبا عبد الله ورحمة الله وبركاته فقال: وعليك السلام يا أبا محمد ورحمة الله وبركاته، ثم قال: لولا أنها بدعة لعانقتك، قال: قد عانق من هو خير منك، قال: جعفر؟ قال: نعم. ثم قال الحافظ: قال الذهبي في \"الميزان\": هذه الحكاية باطلة وإسنادها مظلم، انتهى.\nوقال النووي في \"شرح مسلم\" (^١): واختلف العلماء في معانقة الرجل للرجل القادم من سفر، فكرهها مالك وقال: هي بدعة، واستحبها سفيان وغيره وهو الصحيح الذي عليه الأكثرون والمحققون، وتناظر مالك وسفيان في المسألة فاحتج سفيان بأن النبي - ﷺ - فعل ذلك بجعفر حين قدم، فقال مالك: هو خاص به، فقال سفيان: ما نخصه بغير دليل، فسكت مالك. قال القاضي عياض: وسكوت مالك دليل لتسليمه، قولَ سفيان وموافقته، وهو الصواب، انتهى.\nوأما مذهب الحنفية فذكر ابن عابدين (^٢): قال في \"الهداية\": ويكره أن يقبل الرجل فم الرجل أو يده أو شيئًا منه أو يعانقه.\nوذكر الطحاوي أن هذا قول أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: لا بأس بالتقبيل والمعانقة لما روي \"أنه - ﵇ - عانق جعفرًا حين قدم من الحبشة وقبّله بين عينيه\". ولهما ما روي \"أنه - ﵇ - نهى عن المكامعة\" وهي المعانقة \"وعن المكاعمة\" وهي التقبيل، وما رواه محمول على ما قبل التحريم، قالوا: الخلاف في المعانقة في إزار واحد، أما إذا كان عليه قميص أو جبة لا بأس به بالإجماع وهو الصحيح، انتهى.\n\n(٣٠ -<span data-type='title' id=toc-3723> باب من أجاب بلبيك وسعديك)</span>\nقال العلامة الكرماني (^٣): قال ابن بطال: معنى \"لبيك\": أنا مقيم على\n_________\n(^١) \"شرح النووي\" (٨/ ٢٠٨، ٢٠٩).\n(^٢) \"رد المحتار\" (٩/ ٥٤٦).\n(^٣) \"شرح الكرماني\" (٢٢/ ١٠٢).","vol":"6","page":359},{"text":"طاعتك، من قولهم: لبّ فلان بالمكان: إذا أقام به، وقيل: معناه: إجابة بعد إجابة، ومعنى \"سعديك\": إسعادًا لك بعد إسعاد، انتهى.\nقال العلامة العيني (^١): وهذا من المصادر التي حذف فعلها لكونه وقع مثنى، وذلك يوجب حذف فعله قياسًا؛ لأنهم لما ثنوه صار كأنهم ذكروه مرتين فكأنه قال: لبًّا لبًّا، وأما سعديك فمعناه في العبادة: أنا متبع أمرك غير مخالف لك فأسعدني على متابعتك إسعادًا بعد إسعاد، وأما في إجابة المخلوق فمعناه: أسعدك إسعادًا بعد إسعاد، أي: مرة بعد أخرى، انتهى.\nوسكت الشرَّاح عن غرض الترجمة، ولعل الغرض منه الردّ لما حكي عن مالك من كراهة ذلك كما في \"الشرح الكبير\" (^٢)، وأوَّلَه بأن مراده استعمال تلبية الحج لا مطلق لبيك، وترجم الإمام أبو داود في \"سننه\" (^٣) على هذا المعنى بقوله: \"باب الرجل ينادي الرجل فيقول: لبيك\".\n\n(٣١ -<span data-type='title' id=toc-3724> باب لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه)</span>\nهكذا ترجم بلفظ الخبر، وهو خبر معناه النهي، وقد رواه ابن وهب بلفظ النهي: \"لا يقم\" وفي رواية عند مسلم \"لا يقيمنّ\" بلفظ النهي المؤكد، انتهى من \"الفتح\" (^٤).\nقال الكرماني (^٥): وهو نفي في معنى النهي، فقيل: إنه للتحريم، وقيل: للتنزيه، وهو من باب الآداب ومحاسن الأخلاق، انتهى.\nقال العلامة القسطلاني (^٦): وظاهر النهي التحريم فلا يصرف عنه إلا بدليل، ولفظ الحديث وإن كان عامًّا لكنه مخصوص بالمجالس المباحة كالمساجد ومجالس الحكام والعلم وغيرها، وأما المجالس التي ليس للشخص فيها ملك ولا إذن له فيها فإنه يقام ويخرج منها، إلى آخر ما ذكر.\n_________\n(^١) عمدة القاري\" (١٥/ ٣٨٠).\n(^٢) \"الشرح الكبير\" (٢/ ٤٢).\n(^٣) انظر: \"بذل المجهود\" (١٣/ ٦١٨).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١١/ ٦٢).\n(^٥) \"شرح الكرماني\" (٢٢/ ١٠٤).\n(^٦) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ٣٢٢).","vol":"6","page":360},{"text":"(٣٢ -<span data-type='title' id=toc-3725> باب قول الله تعالى: ﴿إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ. . .﴾ [المجادلة: ١١]) إلخ</span>\nكذا في النسخة \"الهندية\" والشروح الثلاثة سوى نسخة \"الكرماني\"، فإن فيها: ﴿فِي الْمَجَالِسِ﴾ بلفظ الجمع.\nقال القسطلاني (^١): وقرأ عاصم ﴿فِي الْمَجَالِسِ﴾ بالجمع اعتبارًا بأن لكل واحد مجلسًا، والمراد مجلس رسول الله - ﷺ -، ثم ذكر شأن نزول الآية.\nوقال أيضًا: وعن ابن عباس: هي مجالس القتال إذا اصطفوا للحرب. قال الحسن: كانوا يتشاحُّون على الصف الأول فلا يوسع بعضهم لبعض رغبة في الشهادة، فنزلت، والظاهر أن الحكم يطرد في مجالس الطاعات وإن كان السبب خاصًا، انتهى.\n\n(٣٣ -<span data-type='title' id=toc-3726> باب من قام من مجلسه أو بيته. . .) إلخ</span>\nلم يتعرض الشرَّاح عن غرض الترجمة (^٢) وكذا لشرح الترجمة إلا العلامة العيني فإنه قد شرح ألفاظ الترجمة إذ قال (^٣): أي: هذا باب يذكر فيه من قام من مجلسه وكان عنده ناس أطالوا الجلوس عنده فاستحيى أن يقول لهم: قوموا، وهو معنى \"لم يستأذن أصحابه\"، وقوله: \"أو تهيأ\" أي: تجهز للقيام حتى يرى من عنده أنه يريد القيام ليقوموا معه، وهذه الترجمة مسبوكة من معنى حديث الباب، انتهى.\nوقال العلامة القسطلاني (^٤) تحت حديث الباب: وفيه أنه لا ينبغي لأحد أن يطيل الجلوس بعد قضاء حاجته التي دخل لها، ولصاحب الدار أن يظهر له أن يقوم من عنده ويظهر التثاقل به، انتهى.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ٣٢٣).\n(^٢) كذا في الأصل: \"عن غرض الترجمة\" والظاهر أن يكون: \"لغرض الترجمة\".\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٥/ ٣٨٤).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ٣٢٥).","vol":"6","page":361},{"text":"وأما الغرض من الترجمة فما يخطر بالبال - والله أعلم بحقيقة الحال - أن الإمام البخاري أشار بهذه الترجمة إلى جواز ما ذكره في الترجمة لئلا يتوهم أن هذا القيام من غير استئذان، وإظهار التثاقل عند الضيف ينافي ما ورد من قوله - ﷺ -: \"إن لزورك عليك حقًّا\"، وأمثال هذا الحديث الواردة في مكارم أخلاقه - ﷺ -، وذلك لأن التنبيه على سوء صنيع الضيف لا ينافي مكارم الأخلاق الذي بعث - ﷺ - لأجل تكميلها وتتميمها.\n\n(٣٤ -<span data-type='title' id=toc-3727> باب الاحتباء باليد)</span>\nوفي هامش المصرية عن \"شيخ الإسلام\" (^١): أي: باليدين بأن يجلس على أليتيه ويلصق فخذيه ببطنه ويدير يديه مثلًا على ساقيه ويمسك إحديهما بالأخرى، انتهى.\nقال العلامة العيني (^٢): أي: هذا باب في بيان أمر الاحتباء باليد، ولم يبين حكمه اكتفاءً بما دل عليه حديث الباب، والاحتباء مصدر احتبى يحتبي: إذا جمع ظهره وساقيه بعمامة، قاله الكرماني.\nوفسره البخاري بقوله: \"وهو القرفصاء\"، وأخذه من كلام أبي عبيدة فإنه قال: القرفصاء جلسة المحتبي ويدير ذراعيه ويديه على ساقيه. والقرفصاء بضم القاف وسكون الراء وفتح الفاء وضمها ممدودًا ومقصورًا: ضرب من القعود وهو أن يجلس على أليتيه ويلصق فخذه ببطنه ويحتبي بيديه فيضعهما على ساقيه، وقيل: جلسة الرجل على أليتيه، انتهى.\nقلت: الاحتباء قد يكون بالثوب وقد يكون باليد كما في \"الفتح\" وغيره، ففي \"المجمع\" (^٣): الاحتباء أن يضم رجليه إلى بطنه بثوب يجمعهما به مع ظهره ويشده عليها، وقد يكون باليدين، انتهى.\n_________\n(^١) \"تحفة الباري\" (٦/ ١٥٦).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٥/ ٣٨٥).\n(^٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ٤٣٢).","vol":"6","page":362},{"text":"وأما القرفصاء فهي تكون باليد ففي \"المجمع\" (^١): والقرفصاء هي جلسة المحتبي بيديه، انتهى.\nفعلى هذا هي أخص من الاحتباء لكن لا يشكل تفسير المصنف أحدهما بالآخر؛ لأنه قيد الاحتباء بقوله: باليد، ولا شك أنه القرفصاء.\nوقال العيني (^٢) تحت حديث الباب: قوله: \"محتبيًا بيده\" الاحتباء قد يكون باليد وقد يكون باليدين، فظاهر هذا الحديث أنه كان باليد، وأما باليدين فقد رواه أبو داود من حديث أبي سعيد: \"أن رسول الله - ﷺ - كان إذا جلس احتبى بيديه\" ورواه البزار وزاد: \"نصب ركبتيه\"، وروى البزار أيضًا من حديث أبي هريرة بلفظ: \"جلس عند الكعبة وضمَّ رجليه فأقامهما واحتبى بيديه\"، انتهى.\nثم اعلم أنه قد تقدم في \"كتاب اللباس\" ترجمة المصنف بقوله: \"باب الاحتباء في ثوب واحد\"، وقد تقدم هناك أن المصنف أشار بقوله: \"في ثوب واحد\" إلى محمل النهي، وهو أن المنع محمول على ما إذا كان عليه ثوب واحد، وأخرج المصنف هناك حديث أبي هريرة: \"نهى رسول الله - ﷺ - عن لبستين: أن يحتبي الرجل في الثوب الواحد ليس على فرجه منه شيء\" الحديث، وثبت بحديث الباب ههنا جلوسه - ﷺ - محتبيًا بيده، والجمع بينهما هو ما تقدم من أن النهي مقيد بما إذا كان عليه ثوب واحد.\nقال العلامة النووي في \"شرح مسلم\" (^٣): وكان الاحتباء عادة العرب في مجالسهم، فإن انكشف معه شيء من عورته فهو حرام، والله أعلم، انتهى.\nوهكذا ذكر الحافظ (^٤) من أن النهي مقيد بما إذا لم يكن على الفرج شيء، أي: يستره، ومقتضاه أن الفرج إذا كان مستورًا فلا نهي، انتهى.\n_________\n(^١) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٢٦٠).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٥/ ٣٨٦).\n(^٣) \" شرح النووي\" (٧/ ٣٢٨).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١/ ٤٧٧).","vol":"6","page":363},{"text":"وفي \"المشكاة\" (^١) من حديث أبي سعيد الخدري قال: \"كان رسول الله - ﷺ - إذا جلس في المسجد احتبى بيديه\" رواه رزين، ولما ثبت الاحتباء منه - ﷺ - فأقل مراتبه الجواز بل قيل: إنه سُنَّة، قال القاري في \"المرقاة\" (^٢) تحت حديث ابن عمر حديث الباب: المراد به سُنِّية الاحتباء في الجلوس، ذكره ابن الملك، والظاهر أن سُنِّيته لا تحصل بمجرد هذا الفعل، بل هو بيان الجواز ودليل الاستحباب، انتهى.\n\n(٣٥ -<span data-type='title' id=toc-3728> باب من اتكأ بين يدي أصحابه. . .) إلخ</span>\nقال العيني (^٣): قيل: الاتكاء: الاضطجاع، وفي حديث عمر - ﵁ -: \"وهو متكئ على سرير\" أي: النبي - ﷺ - مضطجع على سرير بدليل قوله: \"قد أثّر السرير في جنبه\"، وقال الخطابي: كل معتمد على شيء متمكن منه فهو متكئ، انتهى.\nوقد بسط الحافظ (^٤) الكلام في تفسير الاتكاء والفرق بينه وبين الاضطجاع، وفي هامش المصرية عن \"شرح شيخ الإسلام\" (^٥): والاتكاء ههنا بقرينة حديث الباب الاضطجاع على الجنب، وفي حديث \"لا آكل متكئًا\" الاستواء قاعدًا متمكنًا، قال ابن الأثير: المتكئ في العربية كل من استوى قاعدًا على وطاء متمكنًا، والعامة لا تعرف المتكئ إلا من مَالَ في قعوده معتمدًا على أحد شقيه، قال: ومعنى حديث \"لا آكل متكئًا\" أي: إذا أكلت لم أقعد متكئًا مثل من يريد الاستكثار منه، ولكن آكل بُلْغَةً فيكون قعودي له مستوفزًا، انتهى.\nوقال الحافظ (^٦): نقل ابن العربي عن بعض الأطباء أنه كره الاتكاء، وتعقبه بأن فيه راحة كالاستناد والاحتباء، قال المهلب: يجوز للعالم\n_________\n(^١) \"مشكاة المصابيح\" (رقم ٤٧١٣).\n(^٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٨/ ٤٨٠، ٤٨١).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٥/ ٣٨٦).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١١/ ٦٦).\n(^٥) \"تحفة الباري\" (٦/ ١٥٧).\n(^٦) \"فتح الباري\" (١١/ ٦٧).","vol":"6","page":364},{"text":"والمفتي والإمام الاتكاءُ في مجلسه بحضرة الناس لألمٍ يجده في بعض أعضائه، أو لراحة يرتفق بذلك، انتهى.\n\n(٣٦ -<span data-type='title' id=toc-3729> باب من أسرع في مشيه لحاجة)</span>\nأي: لسبب من الأسباب.\nوقوله: (أو قصد) أي: لأجل قصد شيء معروف، والقصد هنا بمعنى المقصود، أي: أسرع لأمر مقصود، قال ابن بطال: في الحديث جواز إسراع الإمام في حاجته، وقد جاء أن إسراعه ﵊ في دخوله إنما كان لأجل صدقة أحبّ أن يفرقها في وقته.\nثم قال الحافظ (^١): وقوله في الترجمة: \"لحاجة أو قصد\" يشعر بأن مشيه لغير الحاجة كان على هينته، ومن ثم تعجبوا من إسراعه فدل على أنه وقع على غير عادته، فحاصل الترجمة أن الإسراع في المشي إن كان لحاجة لم يكن به بأس، وإن كان عمدًا لغير حاجة فلا، انتهى.\nقلت: وعندي أن المصنف أشار بهذه الترجمة إلى أن الإسراع في المشي إذا كان لحاجة لا ينافي الوقار والتؤدة.\n\n(٣٧ -<span data-type='title' id=toc-3730> باب السرير)</span>\nقال العلامة العيني (^٢): أي: هذا باب في بيان حكم اتخاذ السرير، وهو معروف، قال الراغب: إنه مأخوذ من السرور لأنه في الغالب لأولي النعمة، انتهى.\nوالظاهر أن المصنف أشار به إلى أن اتخاذ السرير لا ينافي الزهد.\nقال الحافظ (^٣): ذكر فيه حديث عائشة وهو ظاهر فيما ترجم له، قال ابن بطال: فيه جواز اتخاذ السرير والنوم عليه، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١١/ ٦٧).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٥/ ٣٨٨).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١١/ ٦٨).","vol":"6","page":365},{"text":"(٣٨ -<span data-type='title' id=toc-3731> باب من ألقي له وسادة)</span>\nقال الحافظ (^١) في شرح الحديث: قوله: \"فألقيت له وسادة\" قال المهلب: فيه إكرام الكبير، وجواز زيارة الكبير تلميذه، وتعليمه في منزله ما يحتاج إليه في دينه، وإيثار التواضع وحمل النفس عليه، وجواز ردّ الكرامة حيث لا يتأذى بذلك من تردّد عليه، انتهى.\n\n(٣٩ -<span data-type='title' id=toc-3732> باب القائلة بعد الجمعة)</span>\nأي: بعد صلاة الجمعة، وهي النوم في وسط النهار عند الزوال وما قاربه من قبلُ أو بعدُ، ويقال لها أيضًا القيلولة، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\nوقال العيني (^٣): قال ابن الأثير: المقيل والقيلولة: الاستراحة نصف النهار وإن لم يكن معها نوم، انتهى.\nقال الحافظ (^٤): وأخرج ابن ماجه وابن خزيمة من حديث ابن عباس رفعه: \"استعينوا على صيام النهار بالسحور، وعلى قيام الليل بالقيلولة\"، وورد الأمر بها في الحديث الذي أخرجه الطبراني في \"الأوسط\" من حديث أنس رفعه قال: \"قيلوا فإن الشياطين لا تقيل\" وفي سنده كثير بن مروان وهو متروك، وأخرج سفيان بن عيينة في \"جامعه\" من حديث خوات بن جبير - ﵁ - موقوفًا قال: \"نوم أول النهار حرق، وأوسطه خلق، وآخره حمق\"، وسنده صحيح، انتهى.\n\n(٤٠ -<span data-type='title' id=toc-3733> باب القائلة في المسجد)</span>\nقال الحافظ (^٥) تحت حديث الباب: قال المهلب: فيه جواز النوم في المسجد من غير ضرورة إلى ذلك، وعكسه غيره، وهو يظهر من سياق القصة، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١١/ ٦٩).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١١/ ٦٩، ٧٠).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٥/ ٣٩١).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١١/ ٧٠).\n(^٥) \"فتح الباري\" (١١/ ٧٠).","vol":"6","page":366},{"text":"قلت: والمسألة خلافية تقدمت المذاهب فيها في أبواب المساجد، فقد ترجم المصنف هناك \"باب نوم الرجال في المسجد\"، وجملة المذاهب فيه ما قال النووي في \"شرح مسلم\" (^١): يجوز النوم عندنا في المسجد، نصّ عليه الشافعي رحمه الله تعالى في \"الأم\"، قال ابن المنذر: رخص في النوم في المسجد ابن المسيب والحسن وعطاء والشافعي.\nوقال ابن عباس: لا تتخذوه مرقدًا، وروي عنه أنه قال: إن كنت تنام فيه للصلاة فلا بأس، وقال الأوزاعي: يكره النوم في المسجد، وقال مالك: لا بأس بذلك للغرباء، ولا أرى ذلك للحاضر، ثم ذكر قول أحمد مثل قول مالك. وأما عندنا الحنفية فقد عدّ صاحب \"الدر المختار\" في ما يكره في المسجد النومَ لغير المعتكف.\n\n(٤١ -<span data-type='title' id=toc-3734> باب من زار قومًا فقال عندهم)</span>\nمن القيلولة، أي: نام عندهم نصف النهار، ومطابقة حديثي الباب بالترجمة ظاهرة، وأشار العلامة السندي (^٢) إلى غرض الترجمة فقال: أي: قوله تعالى ﴿إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ الآية [الأحزاب: ٥٣]، وإن كان بحسب الظاهر مطلقًا لكنه مقيد معنىً بحال عدم الداعي ونحوه، انتهى.\n\n(٤٢ -<span data-type='title' id=toc-3735> باب الجلوس كيفما تيسر منه)</span>\nقال العلامة العيني (^٣): أي: بيان جواز الجلوس كيفما تيسر، ويستثنى منه ما نهي عنه في حديث الباب على ما يأتي الآن، انتهى.\nوقال القسطلاني (^٤): مطابقة الحديث لما ترجم من حيث إنه خص النهي بحالتين، فيفهم منه أن ما عداهما ليس منهيًّا عنه؛ لأن الأصل عدم\n_________\n(^١) \"شرح النووي\" (٢/ ١٩٥).\n(^٢) \"صحيح البخاري بحاشية السندي\" (٤/ ٩٥).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٥/ ٣٩٣).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ٣٣٦، ٣٣٧).","vol":"6","page":367},{"text":"النهي فالأصل الجواز، نعم نقل ابن بطال عن ابن (^١) طاوس أنه كان يكره التربع ويقول: هي جلسة مهلكة. لكن عورض \"بأن رسول الله - ﷺ - كان إذا صلى الفجر تربّع في مجلسه حتى تطلع الشمس\" رواه مسلم وغيره من حديث جابر بن سمرة، انتهى.\nوتعقب العلامة السندي (^٢) كلام القسطلاني في بيان المطابقة إذ قال: وفيه أنه - ﷺ - نهى عن حالتي اللبس لا عن حالتي الجلوس حتى يحسن الاستدلال على جواز ما عدا حالتي الجلوس، وأيضًا لم يرد النبي - ﷺ - الحصر، ولا في الحديث ما يدل عليه، كيف وقد نهى عن البيعتين مع أن المنهي عنه من البيوع أكثر من أن يحصر، والله تعالى أعلم، انتهى. وبسط الحافظ الكلام في وجه المطابقة.\n\n(٤٣ -<span data-type='title' id=toc-3736> باب من ناجى بين يدي الناس. . .) إلخ</span>\nقال العلامة العيني (^٣) في شرح ترجمة الباب: \"ومن لم يخبر\" أي: في بيان من لم يخبر بسر صاحبه في حياة صاحبه إلخ.\nوالحاصل: أن هذه الترجمة مشتملة على شيئين لم يوضح الحكم فيهما اكتفاء بما في الحديث، أما الأول فحكمه جواز مساررة الواحد بحضرة الجماعة، وليس ذلك من نهيه عن مناجاة الاثنين دون الواحد؛ لأن المعنى الذي يخاف من ترك الواحد لا يخاف من ترك الجماعة، وذلك أن الواحد إذا سارّوا دونه وقع بنفسه أنهما يتكلمان فيه بالسوء، ولا يتفق ذلك في الجماعة.\nوأما الثاني فحكمه أنه لا ينبغي إفشاء السر إذا كانت فيه مضرة على المسرّ، إلى آخر ما ذكر، ثم قال: وهذا حاصل معنى الترجمة المذكورة، وبه يتضح أيضًا معنى الحديث، انتهى.\n_________\n(^١) هكذا في \"الفتح\"، وفي نسخة \"العيني\" بدله: \"طاوس\"، فليفتش، (ز).\n(^٢) \"صحيح البخاري بحاشية السندي\" (٤/ ٩٥).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٥/ ٣٩٤).","vol":"6","page":368},{"text":"والأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن الغرض من الجزء الأول من جزئي الترجمة بيان أن النجوى والمساررة بواحد إذا كان بمحضر من الجماعة فلا ينافي إكرامهم، وليست هذه الترجمة من قبيل مناجاة الاثنين دون الواحد كما ذكره العيني، وحكاه الحافظ أيضًا عن ابن بطال، وذلك لأن ما ذكره الشرَّاح ههنا في بيان الغرض سيأتي مستقلًا بعد ثلاثة أبواب، وهو قوله: \"باب إذا كانوا أكثر من ثلاثة فلا بأس بالمساررة\" إلخ، فتأمل فإنه لطيف.\n\n(٤٤ -<span data-type='title' id=toc-3737> باب الاستلقاء)</span>\nقال الحافظ (^١): هو الاضطجاع على القفا، سواء كان معه نوم أم لا، وقد تقدمت هذه الترجمة وحديثها في آخر \"كتاب اللباس\" قبيل \"كتاب الأدب\"، انتهى.\nقلت: فعلى هذا يشكل التكرار ولم يتعرض الشرَّاح للجواب عنه، وعندي يمكن أن يقال في وجه الفرق بينهما: أن المصنف ذكره سابقًا لمناسبة اللباس لاحتمال الكشف في هذه الصورة، وههنا ذكره لبيان الجواز لورود النهي عنه، ويمكن أيضًا أن يقال: إن المقصود في الترجمة السابقة هو الجزء الثاني من الترجمة، وهو وضع الرجل على الأخرى، والمقصود ههنا نفس الاستلقاء، وقد تقدم أيضًا في أبواب المساجد \"باب الاستلقاء في المسجد\"، وتقدم هناك الكلام على الجمع بين الروايات المختلفة الواردة في ذلك، وكذا ذكر مذاهب العلماء فيه.\n\n(٤٥ -<span data-type='title' id=toc-3738> باب لا يتناجى اثنان دون الثالث. . .) إلخ</span>\nأي: لا يتحدّثان سرًّا، وسقط لفظ \"باب\" من رواية أبي ذر، وأشار بإيراد الآيتين إلى أن التناجي الجائز المأخوذ من مفهوم الحديث مقيد بأن\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١١/ ٨١).","vol":"6","page":369},{"text":"لا يكون في الإثم والعدوان، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nقلت: وهكذا قال العيني وتبعهما القسطلاني، لكن ما أفاده هؤلاء الشرَّاح هو يتعلق بالآية الأولى فقط، ولا ينطبق على الآية الثانية وهو قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ﴾ الآية [المجادلة: ١٢] كما لا يخفى، وقد تعرض له الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٢) فأجاد حيث أفاد: ومناسبة الآيتين بالترجمة خفية إلا أن يقال: إنّ تناجي اثنين إذا كان سببًا لمساءة الثالث كان ذلك تناجيًا بالإثم والعدوان وهو منهي عنه، فكان إيراد الآية ههنا تعميمًا لها حتى يدخل فيه تلك الجزئية، وأن التناجي لا بد وأن يكون على حسب قواعده المقررة وآدابه المعلومة دل عليه الآية الثانية، فإن خصوص تقديم الصدقة وإن كان منسوخًا، غير أن ما تضمنته هذه الآية من كون النجوى على حسب الآداب غير منسوخ، سواء كانت النجوى بالرسول - ﷺ - أو غيره، انتهى.\nوذكر في هامش \"الكوكب الدري\" (^٣) في شرح حديث الباب سبعة أبحاث: الأول: علة النهي. والثاني: ما قال بعضهم: إن هذا الحكم منسوخ. والثالث: ما قال الجمهور: لا فرق في ذلك بين السفر والحضر. والرابع: أن ذكر الاثنين في أحاديث الباب ليس بقيد احترازي. والخامس: أن النهي إذا كان بغير رضا الثالث. والسادس: لا يجوز لأحد أن يدخل على المتناجيين في حال تناجيهما. والسابع: هل النهي للتحريم أو للتنزيه؟ بسط الكلام على هذه المباحث في هامش \"الكوكب\"، فارجع إليه لو شئت.\n\n(٤٦ -<span data-type='title' id=toc-3739> باب حفظ السر)</span>\nأي: ترك إفشائه لأنه أمانة وحفظها واجب، وعند ابن أبي شيبة من حديث جابر مرفوعًا: \"إذا حدث الرجل بالحديث ثم التفت فهي أمانة\"،\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١١/ ٨١)، \"عمدة القاري\" (١٥/ ٣٩٦)، \"إرشاد الساري\" (١٣/ ٣٤٠).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٦١).\n(^٣) \"الكوكب الدري\" (٣/ ٤٢٠، ٤٢١).","vol":"6","page":370},{"text":"وعند عبد الرزاق من مرسل أبي بكر بن حزم: إنما يتجالس المتجالسان بالأمانة فلا يحل لأحد أن يفشي على صاحبه ما يكره، انتهى من \"القسطلاني\" (^١).\n\n(٤٧ -<span data-type='title' id=toc-3740> باب إذا كانوا أكثر من ثلاثة فلا بأس بالمسارة)</span>\nبتشديد الراء \"والمناجاة\" من بعض دون بعض؛ لعدم توهم الحاصل بين الثلاثة، قاله القسطلاني (^٢).\nوقال في شرح الحديث: والغرض من الحديث قوله: \"فأتيته وهو في ملأ فساررته\"؛ لأن فيه دلالة على أن أصل المنع يرتفع إذا بقي جماعة لا يتأذون بالسرار، نعم إذا أذن من بقي ارتفع المنع، وظاهر الإطلاق أنه لا فرق في المنع بين السفر والحضر وهو قول الجمهور، وخصّ ذلك بعضهم بالسفر في الموضع الذي لا يأمن فيه الرجل على نفسه، فأما في الحضر والعمارة فلا بأس، وقيل: إن هذا كان في أول الإسلام، فلما فشا الإسلام وأمن الناس سقط هذا الحكم، والصحيح بقاء الحكم والتعميم، والله أعلم، انتهى.\n\n(٤٨ -<span data-type='title' id=toc-3741> باب طول النجوى)</span>\nقال القسطلاني (^٣): في \"اللباب\": النجوى يكون اسمًا ومصدرًا، قال تعالى: ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾ [الإسراء: ٤٧] أي: متناجون، وقال: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ﴾ [المجادلة: ٧] وقال في المصدر: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ [المجادلة: ١٠] قوله: \"والمعنى يتناجون\" وقال الأزهري: أي: هم ذو نجوى، انتهى.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ٣٤١).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ٣٤٢، ٣٤٣).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ٣٤٤).","vol":"6","page":371},{"text":"(٤٩ -<span data-type='title' id=toc-3742> باب لا تترك النار في البيت عند النوم)</span>\nقول: (لا تترك) بضم الفوقية مبني للمفعول، و\"النار\" رفع نائب عن الفاعل، قوله: \"في بيوتكم حين تنامون\" قيد به لحصول الغفلة به غالبًا، نعم إذا أمن الضرر كالقناديل المعلقة فلا بأس.\nقال النووي تحت قوله: \"وأطفئوا المصابيح\" إلخ: وهذا الأمر عام يدخل فيه نار السراج وغيرها، وأما القناديل المعلقة في المساجد وغيرها فإن خيف حريق بسببها دخلت في الأمر، وإن أمن ذلك كما هو الغالب فالظاهر أنه لا بأس بها لانتفاء العلة، انتهى من \"القسطلاني\" (^١).\n\n(٥٠ -<span data-type='title' id=toc-3743> باب إغلاق الأبواب بالليل)</span>\nكذا في النسخة \"الهندية\" ونسخ الشروح سوى \"الفتح\"، فإن فيها: \"غلق الأبواب\".\nقال الحافظ (^٢): الإغلاق هو الفصيح، وقال عياض: هو الصواب، قلت: لكن الغلق ثبت في لغة نادرة، انتهى.\nقال القسطلاني (^٣): قوله: \"وغلقوا الأبواب\" حراسةً للأنفس والأموال من أهل الفساد ولا سيما الشيطان، قوله: \"أوكئوا الأسقية\" صيانة من الشيطان، فإنه لا يكشف غطاء ولا يحلّ سقاء، واحترازًا من الوباء الذي ينزل في ليلة من السنة من السماء كما روي، وقيل: إنها في كانون الأول، انتهى.\nقلت: وقد تقدم في بدء الخلق زيادة في هذا الحديث لم تذكر ههنا وهي قوله: \"فإن الشيطان لا يفتح بابًا مغلقًا\"، قال القاري في \"المرقاة\" (^٤): قوله: \"لا يفتح بابًا مغلقًا\" أي: بابًا أغلق مع ذكر اسم الله عليه كما في\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ٣٤٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١١/ ٨٧).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ٣٤٧).\n(^٤) \"مرقاة المفاتيح\" (٨/ ١١٥).","vol":"6","page":372},{"text":"رواية، والمعنى أنه لا يقدر على فتحه لأنه غير مأذون فيه، بخلاف إذا كان مفتوحًا أو مغلقًا لكن لم يذكر اسم الله عليه، قال ابن الملك: وعن بعض الفضلاء أن المراد بالشيطان شيطان الإنس لأن غلق الأبواب لا يمنع شياطين الجن، وفيه نظر؛ لأن المراد بالغلق الغلق المذكور فيه اسم الله تعالى، فيجوز أن يكون دخولهم من جميع الجهات ممنوعًا ببركة التسمية، وإنما خص الباب بالذكر لسهولة الدخول منه، فإذا منع منه كان المنع من الأصعب بالأولى. ثم رأيت في \"الجامع الصغير\" برواية أحمد عن أبي أمامة مرفوعًا وفيه: \"فإنه لم يؤذن لهم بالتسور عليكم\"، انتهى.\n\n(٥١ -<span data-type='title' id=toc-3744> باب الختان بعد ما كبر)</span>\nوفي نسخة الحافظ: \"بعد الكبر\"، والكبر بكسر الكاف وفتح الموحدة.\nقال الكرماني (^١): وجه مناسبة هذه الترجمة بـ \"كتاب الاستئذان\" أن الختان يستدعي الاجتماع في المنازل غالبًا، قاله الحافظ.\nوقد تقدم الكلام على وجه إدخال مثل هذه التراجم في هذا الكتاب في مبدء \"كتاب الاستئذان\".\nثم قال الحافظ (^٢) تحت حديث الباب: يستدل بقصة إبراهيم - ﵇ - لمشروعية الختان حتى لو أخّر لمانع حتى بلغ السنَّ المذكور لم يسقط طلبه، وإلى ذلك أشار البخاري بالترجمة، وليس المراد أن الختان يشرع تأخيره إلى الكبر، انتهى.\nثم اختلفوا في حكم الختان فقال الحافظ (^٣): وقد ذهب إلى وجوب الختان الشافعي وجمهور أصحابه، وقال به من القدماء عطاء حتى لو أسلم\n_________\n(^١) \"شرح الكرماني\" (٢٢/ ١٢٠)، \"فتح الباري\" (١١/ ٨٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١١/ ٨٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٠/ ٣٤٠).","vol":"6","page":373},{"text":"الكبير لم يتم إسلامه حتى يختن، وعن أحمد وبعض المالكية يجب، وعن أبي حنيفة واجب وليس بفرض، وعنه سُنَّة يأثم بتركه، انتهى.\nوفي \"الدر المختار\" (^١): والأصل أن الختان سُنَّة كما جاء في الخبر، وهو من شعائر الإسلام وخصائصه، فلو اجتمع أهل بلدة على تركه حاربهم الإمام، فلا يترك إلا لعذر، وعذر شيخ لا يطيقه ظاهر، انتهى.\nوفي \"المغني\" (^٢) لابن قدامة: واجب عند الشافعي وأحمد، ولذا يجوز له كشف العورة، سُنَّة عند مالك وأبي حنيفة، انتهى.\nقلت: وما قال الموفق في تأييد مسلكه من قوله: ولذا يجوز له كشف العورة، يستفاد جوابه من جانب الحنفية مما ذكره الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٣) إذ قال: قوله: \"بعد ما كبر. . .\" إلخ، فيه دلالة على أن فرض الستر ساقط عند ذاك بإجازة الشرع كما يدل عليه استمرار عادات الصحابة ﵃ أجمعين، ونظير سقوط الستر لعذر الختان سقوطه عند الولادة والعلاج وغير ذلك مما ليس شيء منها واجبًا ولا فرضًا، انتهى.\nقوله: (ونتف الإبط) قال الشيخ في \"البذل\" (^٤): أي: قلع شعره بحذف المضاف، وعلم منه أن حلقه ليس بسُنَّة، وقيل: النتف أفضل لمن قوي عليه، قال في \"الدر المختار\" و\"شرحه\": وتنظيف بدنه بنحو إزالة الشعر من إبطيه، ويجوز فيه الحلق، والنتف أولى، انتهى.\nوفي هامش \"البذل\": قال ابن رسلان: حكي عن يونس قال: دخلت على الشافعي وعنده من يحلق إبطه فقال: أَعْلَم أن السُّنَّة النتف، ولكن لا أقوى على الوجع، انتهى.\n_________\n(^١) \"ردّ المحتار\" (١٠/ ٤٨٠).\n(^٢) \"المغني\" (١/ ١١٥).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٦٣).\n(^٤) \"بذل المجهود\" (١/ ٣٣٨).","vol":"6","page":374},{"text":"(٥٢ -<span data-type='title' id=toc-3745> باب كل لهو باطل إذا شغله عن طاعة الله)</span>\nأي: كمَنِ الْتَهى بشيء من الأَشياء مطلقًا سواء كان مأذونًا في فعله أو منهيًا عنه، كمن اشتغل بصلاة نافلة أو بتلاوة أو ذكر أو تفكر في معاني القرآن مثلًا حتى خرج وقت الصلاة المفروضة عمدًا، فإنه يدخل تحت هذا الضابط، وإذا كان هذا في الأشياء المرغب فيها المطلوب فعلها فكيف حال ما دونها، ثم قال: أول هذه الترجمة لفظ حديث أخرجه أحمد والأربعة وصححه ابن خزيمة والحاكم من حديث عقبة بن عامر رفعه: \"كل ما يلهو به المرء المسلم باطل إلا رميه بقوسه وتأديبه فرسه وملاعبته أهله\" الحديث، وكأنه لما لم يكن على شرط المصنف استعمله لفظ ترجمة.\nثم قال الحافظ في شرح الحديث: قال الكرماني: وجه تعلق هذا الحديث بالترجمة والترجمة بالاستئذان أن الداعي إلى القمار لا ينبغي أن يؤذن له في دخول المنزل، ومناسبة بقية حديث الباب للترجمة أن الحلف باللات لهو يشغل عن الحق بالخلق فهو باطل (^١)، انتهى.\n\n(٥٣ -<span data-type='title' id=toc-3746> باب ما جاء في البناء)</span>\nأي: من منع وإباحة، والبناء أعم من أن يكون بطين أو مدر أو بخشب أو من قصب أو من شعر.\nقوله: (قال أبو هريرة. . .) إلخ، وقد تقدم هذا الحديث موصولًا مطولًا في \"كتاب الإيمان\"، وأشار بإيراد هذه القطعة إلى ذمّ التطاول في البنيان، وفي الاستدلال بذلك نظر، وقد ورد في ذم تطويل البناء صريحًا ما أخرج ابن أبي الدنيا من رواية عمارة بن عامر: \"إذا رفع الرجل بناء فوق سبعة أذرع نودي: يا فاسق إلى أين؟ \" وفي سنده ضعف مع كونه موقوفًا، وأخرج الترمذي وصححه من حديث خباب رفعه: \"يؤجر الرجل في نفقته كلها إلا\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١١/ ٩١، ٩٢)، \"شرح الكرماني\" (٢٢/ ١٢٠).","vol":"6","page":375},{"text":"التراب، أو قال: البناء\"، وأخرج أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: \"مر بي النبي - ﷺ - وأنا أطين حائطًا فقال: الأمر أعجل من ذلك\"، وصححه الترمذي وابن حبان، وأخرج أبو داود أيضًا من حديث أنس رفعه: \"أما إن كل بناء وبال على صاحبه إلا ما لا إلا ما لا\" أي: إلا ما لا بد منه، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوفي \"البذل\" (^٢) في شرح قوله: \"ما أرى الأمر إلا أعجل من ذلك\": كتب مولانا محمد يحيى المرحوم في تقريره: ليس فيه نهي عما كانوا فيه من الإصلاح، بل المقصود تذكيرهم المنية والتنبيه على أن المرء لا ينبغي له أن يلهو بشيء من المشاغل عن مصيره وعاقبته، انتهى.\nوأما مطابقة الحديث بالترجمة فما في هامش \"اللامع\" (^٣) من \"تقرير المكي\": قوله: \"بنيت بيدي. . .\" إلخ، إشارة إلى صغر ذلك البنيان لأنه إذا بناه بيده وحده ولم يشاركه أحد في بنائه فما ظنك بأنه لا يكون صغيرًا، انتهى.\nوقال الحافظ (^٤): قوله: \"ما أعانني عليه أحدٌ\" هو تأكيد لقوله: \"بنيت بيدي\"، وإشارة إلى خفة مؤنة، انتهى.\nثم ما وقع في الحديث من التعارض في قوله: \"والله لقد بنى. . .\" إلخ، ذكر الكلام عليه في \"اللامع\" (^٥) وهامشه فارجع إليه.\nثم البراعة في قوله: \"منذ قبض النبي - ﷺ -\" (^٦).\n* * *\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١١/ ٩٢، ٩٣).\n(^٢) \"بذل المجهود\" (١٣/ ٦٢٤).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٦٤).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١١/ ٩٣).\n(^٥) انظر: \"لامع الدراري\" (١٠/ ٦٤).\n(^٦) انظر: \"مقدمة لامع الدراري\" (١/ ١١٨).","vol":"6","page":376},{"text":"٨٠ -<span data-type='title' id=toc-3747> كتاب الدعوات</span>\nقال الحافظ (^١) في ذكر مناسبة الترتيب بين الأبواب والكتب: ولما كان السلام والاستئذان سببًا لفتح الأبواب السفلية أردفها بالدعوات التي هي فتح الأبواب العلوية، ولما كان الدعاء سبب المغفرة ذكر الاستغفار، ولما كان الاستغفار سببًا لهدم الذنوب قال: باب التوبة، ثم ذكر الأذكار الموقتة وغيرها والاستعاذة، انتهى من مقدمة \"اللامع\" (^٢).\nقال الحافظ (^٣): الدعوات بفتح المهملتين جمع دعوة بفتح أوله، وهي المسألة الواحدة، والدعاء الطلب، والدعاء إلى الشيء الحثُّ على فعله، ويطلق أيضًا على رفعة القدر كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ﴾ [غافر: ٤٣]، ويطلق الدعاء أيضًا على العبادة، والدعوى بالقصر الدعاء كقوله تعالى: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ﴾ [يونس: ١٠]، انتهى.\nقال القاري في \"المرقاة\" (^٤): والدعاء طلب الأدنى بالقول من الأعلى شيئًا على جهة الاستكانة، انتهى.\nوفي \"الفيض\" (^٥): الدعاء في عرف القرآن والحديث أطلق على معنيين: الأول: ذكره تعالى، ثم اشتهر في زماننا في طلب الحاجة. والثاني: هو الدعوة مطلقًا كقوله: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣]، ثم إن باب الأدعية لا يزال يجري حتى في الجنة أيضًا، أما الأحكام فإنها تنتهي بانتهاء نشأة الدنيا، فكم من فرق بين الفاني والباقي، وأنَّى يلتقي السهيل مع السُّها، والثريا مع الثرى، انتهى.\n_________\n(^١) \"هدي الساري\" (١/ ٤٧٤).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (١/ ٢٨١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١١/ ٩٤).\n(^٤) \"مرقاة المفاتيح\" (٥/ ٥).\n(^٥) \"فيض الباري\" (٦/ ٢١٦، ٢١٧).","vol":"6","page":377},{"text":"(١ -<span data-type='title' id=toc-3748> باب قول الله تعالى ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:</span> ٦٠])\nهكذا في النسخة \"الهندية\"، وعليه علامة النسخة، وليس في شيء من نسخ الشروح الأربعة ولا النسخة المصرية لفظ \"باب\"، وهو الأظهر؛ لأن المصنف لم يذكر فيه حديثًا.\nقال الحافظ (^١): وهذه الآية ظاهرة في ترجيح الدعاء على التفويض، وقالت طائفة: الأفضل ترك الدعاء والاستسلام للقضاء، وأجابوا عن الآية بأن آخرها دلّ على أن المراد بالدعاء العبادة لقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ [غافر: ٦٠]، واستدلوا بحديث النعمان بن بشير مرفوعًا: \"الدعاء هو العبادة، ثم قرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي﴾ الآية\" أخرجه الأربعة والحاكم، وأجاب الجمهور أن الدعاء من أعظم العبادة، فهو كالحديث الآخر: \"الحج عرفة\" أي: معظم الحج وركنه الأكبر، إلى آخر ما ذكر الحافظ من الروايات الواردة في ذلك.\nثم قال الحافظ (^٢): وحكى القشيري في \"الرسالة\" الخلاف في المسألة فقال: اختلف أيّ الأمرين أولى: الدعاء أو السكوت والرضا؟ فقيل: الدعاء، وهو الذي ينبغي ترجيحه لكثرة الأدلة لما فيه من إظهار الخضوع والافتقار، وقيل: السكوت والرضا أولى لما في التسليم من الفضل، ويصح أن يقال: ما كان لله أو للمسلمين فيه نصيب فالدعاء أفضل، وما كان للنفس فيه حظ فالسكوت أفضل، وعبّر ابن بطال (^٣) عن هذا القول لما حكاه بقوله: يستحب أن يدعو لغيره ويترك لنفسه، إلى آخر ما ذكر الحافظ.\nوقال القاري (^٤): قال النووي: أجمع أهل الفتاوى في الأمصار في جميع الأعصار على استحباب الدعاء، وذهب طائفة من الزهاد وأهل\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١١/ ٩٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١١/ ٩٥).\n(^٣) \"شرح ابن بطال\" (١٠/ ٧٢).\n(^٤) \"مرقاة المفاتيح\" (٥/ ٥).","vol":"6","page":378},{"text":"المعارف إلى أن تركه أفضل استسلامًا، وقال جماعة: إن دعا للمسلمين فحسن وإن خصّ نفسه فلا، وقيل: إن وجد باعثًا للدعاء استحب وإلا فلا، ودليل الفقهاء ظواهر القرآن والسُّنَّة والأخبار الواردة عن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، انتهى.\nقلت: وأجاد شيخنا حضرة الحاج مولانا خليل أحمد نوّر الله مرقده في رسالة \"إتمام النعم في ترجمة تبويب الحكم\" باللغة الأردية، وكذا شارحه مولانا عبد الله الكَنكَوهي في شرح هذه الرسالة المطبوعة باسم \"إكمال الشيم\" الكلام على الفرق بين دعاء العارفين وبين دعاء غيرهم من عامة الناس.\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-3749> باب ولكل نبي دعوة مستجابة)</span>\nكذا في النسخة \"الهندية\"، وهكذا في نسخة \"الفتح\"، وأما في نسخة \"الكرماني\" و\"العيني\" و\"القسطلاني\" ففيها بدون لفظ \"باب\".\nقال الحافظ (^١): كذا لأبي ذر، وسقط لفظ \"باب\" لغيره، فصار من جملة الترجمة الأولى، ومناسبتها للآية الإشارة إلى أن بعض الدعاء لا يستجاب عينًا. ثم قال في شرح الحديث: وقد استشكل ظاهر الحديث بما وقع لكثير من الأنبياء من الدعوات المجابة ولا سيما نبينا - ﷺ -، وظاهره أن لكل نبي دعوة مستجابة فقط، والجواب أن المراد بالإجابة في الدعوة المذكورة القطع بها، وما عدا ذلك من دعواتهم فهو على رجاء الإجابة، وقيل: معنى قوله: \"لكل نبي دعوة\" أي: أفضل دعواته، ولهم دعوات أخرى، وقيل: لكل منهم دعوة عامة مستجابة في أمته إما بإهلاكهم وإما بنجاتهم، وأما الدعوات الخاصة فمنها ما يستجاب، ومنها ما لا يستجاب، إلى آخر ما ذكر من الأقوال في شرح الحديث.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١١/ ٩٦).","vol":"6","page":379},{"text":"وقال القاري في \"المرقاة\" (^١): قوله: \"لكل نبي دعوة مستجابة. . .\" إلخ، أي: في حق مخالفي أمته جميعهم بالاستئصال، وقيل: معناه أن لكل نبي دعوة متيقنة الإجابة بخلاف بقية دعواته فإنها على طمع الإجابة، انتهى.\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-3750> باب أفضل الاستغفار. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٢): سقط لفظ \"باب\" لأبي ذر، ووقع في شرح ابن بطال بلفظ: \"فضل الاستغفار\"، وكأن المصنف أراد إثبات مشروعية الحثِّ على الاستغفار بذكر الآيتين، ثم بيَّن بالحديث أولى ما يستعمل من ألفاظه، والترجمة بالأفضلية، ووقع الحديث بلفظ السيادة، وكأنه أشار إلى أن المراد بالسيادة الأفضلية، ومعناها الأكثر نفعًا لمستعمله، انتهى.\n\n(٤ -<span data-type='title' id=toc-3751> باب استغفار النبي - ﷺ - في اليوم والليلة)</span>\nقال الحافظ (^٣): أي: وقوع الاستغفار منه، أو التقدير مقدار استغفاره في كل يوم، ولا يحمل على الكيفية لتقدم بيان الأفضل، وهو لا يترك الأفضل، انتهى.\nوقد تكلم الحافظ ههنا على شرح ما وقع عند مسلم وأبي داود من حديث: \"إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله كل يوم مائة مرة\"، ثم قال الحافظ (^٤) بعد شرح هذا الحديث: وقد استشكل وقوع الاستغفار من النبي - ﷺ - وهو معصوم، والاستغفار يستدعي وقوع معصية، فارجع إليه لو شئت.\n(فائدة): أفاد العلامة الزرقاني (^٥) في شرح قوله: فقال: \"لست مثلنا يا رسول الله قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر\" الحديث، قوله:\n_________\n(^١) \"مرقاة المفاتيح\" (٥/ ٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١١/ ٩٨).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١١/ ١٠١).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١١/ ١٠١).\n(^٥) \"شرح الزرقاني على الموطأ\" (٢/ ١٥٩).","vol":"6","page":380},{"text":"غفر الله لك، أي: ستر وحال بينك وبين الذنب، فلا يقع منك ذنب أصلًا؛ لأن الغفر الستر وهو إما بين العبد والذنب وإما بين الذنب وعقوبته، فاللائق بالأنبياء الأول وبأممهم الثاني، فهو كناية عن العصمة، وهذا قول في غاية الحسن، انتهى.\n\n(٥ -<span data-type='title' id=toc-3752> باب التوبة)</span>\nأشار المصنف بإيراد هذين البابين وهما الاستغفار ثم التوبة في أوائل كتاب الدعاء إلى أن الإجابة تسرع إلى من لم يكن متلبسًا بالمعصية، فإذا قدم التوبة والاستغفار قبل الدعاء كان أمكن لإجابته، وما ألطف قول ابن الجوزي إذ سئل: أأسبح أو أستغفر؟ فقال: الثوب الوسخ أحوج إلى الصابون من البخور، والتوبة ترك الذنب على أحد الوجه، وفي الشرع: تركُ الذنب لقبحه، والندمُ على فعله، والعزمُ على عدم العود، وردُّ المظلمة إن كانت أو طلب البراءة من صاحبها، ثم حكى الحافظ عن القرطبي كلامًا مبسوطًا في شرح حقيقة التوبة (^١).\n\n(٦ -<span data-type='title' id=toc-3753> باب الضجع على الشق الأيمن)</span>\nالضجع بفتح أوله وسكون الجيم مصدر، يقال: ضجع الرجل يضجع ضجعًا وضجوعًا، فهو ضاجع، والمعنى وضع جنبه بالأرض، وفي رواية \"باب الضجعة\" وهو بكسر أوله؛ لأن المراد الهيئة، ويجوز الفتح، أي: المرة. ذكر فيه حديث عائشة وقد مضى في \"كتاب الصلاة\"، وترجم له \"باب الضجع على الشق الأيمن بعد ركعتي الفجر\"، وذكر المصنف هذا الباب والذي بعده توطئة لما يذكر بعدهما من القول عند النوم، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (١١/ ١٠٢، ١٠٣)، و\"المفهم\" (٧/ ٢٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١١/ ١٠٩).","vol":"6","page":381},{"text":"ويشكل ههنا أن من حق هذا الباب أن يذكر في \"كتاب الآداب\"؟\nقال الكرماني (^١): فإن قلت: ما وجه تعلقه بـ \"كتاب الدعوات\"؟ قلت: يعلم من سائر الأحاديث أنه كان يدعو عند الاضطجاع.\nوالأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن هذا الباب وأمثاله - من \"باب إذا بات طاهرًا\"، و\"وضع اليد تحت الخد\"، و\"النوم على الشق الأيمن\" - لها تعلقًا خاصًّا بـ \"كتاب الدعوات\"، وهو التنبيه على أن الهيئات الواردة في الحديث في الأدعية المخصوصة مقصودة ليست باتفاقية، ونظيره في حديث البراء في الباب الآتي أنه - ﷺ - أمر البراء - ﵁ - بلفظ: \"نبيك الذي أرسلت\" وغيّره البراء - ﵁ - وقت الاستذكار به بقوله: \"ورسولك الذي أرسلت\"، فأنكر عليه النبي - ﷺ - مع كون الرسول أفضل من النبي، فكما أن للألفاظ المنقولة بلسانه الشريف - ﷺ - خصيصة فكذا للهيئات المخصوصة في الأدعية المخصوصة أثر خاص في تأثير هذه الأدعية، انتهى.\n\n(٧ -<span data-type='title' id=toc-3754> باب إذا بات طاهرًا وفضله)</span>\nوقد ورد في هذا المعنى عدة أحاديث ليست على شرطه، منها حديث معاذ رفعه: \"ما من مسلم يبيت على ذكر وطهارة فيتعار من الليل فيسأل الله خيرًا من الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه\" أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه، وأخرجه الترمذي من حديث أبي أمامة نحوه، وأخرج ابن حبان في \"صحيحه\" عن ابن عمر رفعه: \"من بات طاهرًا بات في شعاره ملك فلا يستيقظ إلا قال الملك: اللَّهم اغفر لعبدك فلان\" (^٢).\nثم قال الحافظ (^٣) في شرح الحديث: قال النووي: في الحديث ثلاث سنن مهمة: إحداها: الوضوء عند النوم، وإن كان متوضيًا كفاه لأن\n_________\n(^١) \"شرح الكرماني\" (٢٢/ ١٢٧).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (١١/ ١٠٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١١/ ١١٢).","vol":"6","page":382},{"text":"المقصود النوم على طهارة. ثانيها: النوم على اليمين. ثالثها: الختم بذكر الله، انتهى من \"الفتح\".\nوقال الكرماني (^١): وفيه استحباب الوضوء عند النوم ليكون أصدق لرؤياه وأبعد من تلاعب الشيطان به، وأما كون النوم على الأيمن فلأنه أسرع إلى الانتباه، انتهى.\nوقال القسطلاني (^٢): والأمر للندب لئلا يأتيه الموت بغتة فيكون على هيئة كاملة، ثم ذكر ما تقدم عن الكرماني.\nوقال الحافظ (^٣): وأولى ما قيل في الحكمة في رده - ﷺ - على من قال \"الرسول\" بدل \"النبي\" أن ألفاظ الأذكار توقيفية ولها خصائص وأسرار لا يدخلها القياس، فتجب المحافظة على اللفظ الذي وردت به، انتهى.\n(تنبيه): قلت: وما اشتهر بينهم من كون النوم مستقبل القبلة وعدُّوه من جملة الآداب المستحبة لم يتعرض له الشرَّاح ههنا ولا النووي في \"الأذكار\" ولا الجزري في \"الحصن\" ولا ابن القيم في \"الهدي\" ولا الزرقاني في \"شرح المواهب\" ولا شارح \"الإحياء\"، وقد ترجم الإمام أبو داود في آخر السنن بقوله: \"باب كيف يتوجه الرجل عند النوم\"؟ وأورد فيه عن أبي قلابة عن بعض آل أم سلمة قال: \"كان فراش النبي - ﷺ - نحوًا مما يوضع الإنسان في قبره، وكان المسجد عند رأسه\" (^٤).\nوفي \"هامشه\" عن \"فتح الودود\": قوله: \"نحوًا مما يوضع الإنسان في قبره\" أي: على هيئة وضع الإنسان في القبر، انتهى.\nقال صاحب \"عون المعبود\" (^٥): وأورد السيوطي هذا الحديث برواية المؤلف في \"الجامع الصغير\" بلفظ: \"نحوًا مما يوضع الإنسان في قبره\"\n_________\n(^١) \"شرح الكرماني\" (٢٢/ ١٢٨).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ٣٦٨).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١١/ ١١٢).\n(^٤) انظر: \"بذل المجهود\" (١٣/ ٤٣٩).\n(^٥) \"عون المعبود\" (١٣/ ٢٦٣، ٢٦٤).","vol":"6","page":383},{"text":"وقال العلامة العزيزي في شرحه: \"مما يوضع\" أي: من الفراش الذي يفرش للميت في قبره، وقد وضع في قبره - ﷺ - قطيفة حمراء كان فراشه للنوم نحوها، انتهى.\nولفظ حديث الكتاب وما قال في \"فتح الودود\" يناسب تبويب المؤلف والله أعلم، انتهى.\nقلت: وتبويب الإمام أبي داود صريح في أنه حمل الحديث على بيان الهيئة، وأنه كان كهيئة الاضطجاع في القبر، فصار هذا الحديث أصلًا للنوم مستقبل القبلة.\n\n(٨ -<span data-type='title' id=toc-3755> باب ما يقول إذا نام)</span>\nقال الحافظ (^١): سقطت هذه الترجمة لبعضهم وثبتت للأكثر، انتهى.\n\n(٩ -<span data-type='title' id=toc-3756> باب وضع اليد تحت الخد اليمنى)</span>\nقال الإسماعيلي: ليس في الحديث ذكر اليمنى، وإنما ذلك وقع في رواية شريك ومحمد بن جابر عن عبد الملك بن عمير.\nقلت: جرى البخاري على عادته في الإشارة إلى ما ورد في بعض طرق الحديث، فطريق شريك هذه (أي: التي أشار إليها الإسماعيلي) أخرجها أحمد من طريقه، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\nوقال الكرماني (^٣): فإن قلت: الترجمة مقيدة باليمنى فمن أين استفاده؟ قلت: إما من حديث صريح به لم يكن بشرطه، وإما مما ثبت أنه كان يحبُّ التيامن في شأنه كله، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١١/ ١١٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١١/ ١١٥).\n(^٣) \"شرح الكرماني\" (٢٢/ ١٢٩، ١٣٠).","vol":"6","page":384},{"text":"(١٠ -<span data-type='title' id=toc-3757> باب النوم على الشق الأيمن)</span>\nالفرق بينه وبين ما تقدم من \"باب الضجع على الشق الأيمن\" ما أفاده الحافظ (^١): من أن: بين النوم والضجع عموم وخصوص وجهي.\nوقال أيضًا: وخص الأيمن لفوائد: منها أنه أسرع إلى الانتباه، ومنها أن القلب متعلق إلى جهة اليمين فلا يثقل بالنوم، ومنها ما قال ابن الجوزي: هذه الهيئة نصّ الأطباء على أنها أصلح للبدن، قالوا: يبدأ بالاضطجاع على الجانب الأيمن [ساعة] ثم ينقلب إلى الأيسر؛ لأن الأول سبب لانحدار الطعام والنوم على اليسار يهضم لاشتمال الكبد على المعدة، انتهى.\nوقال صاحب \"الفيض\" (^٢): والضجع على الشق الأيمن من نوم الأنبياء - ﵈ - لأن القلب في الشق الأيسر فلا يزال يتعلق في تلك الضجعة ولا يغرق في النوم، وأما الأطباء فاختاروا النوم على الشق الأيسر فإنه أنفع للصحة. ولما كان نظر الأنبياء - ﵈ - في عالم الآخرة اختاروا ما كان أنفع فيه، وكان همّ الأطباء في صحة البدن فقط، انتهى مختصرًا.\nوقال القاري في \"المرقاة\" (^٣): قيل: أنفع هيئات النوم الابتداءُ بالأيمن، ثم الانقلاب إلى اليسار ثم إلى اليمين، وفيه ندب اليمين في النوم لأنه أسرع إلى الانتباه لعدم استقرار القلب حينئذ؛ لأنه معلق بالجانب الأيسر فيعلق فلا يستغرق في النوم، بخلاف النوم على الأيسر فإن القلب يستقر فتكون الاستراحة له بطئًا للانتباه، انتهى.\nقلت: هكذا قالوا من أنه ينقلب إلى اليسار بعد الاضطجاع على الأيمن، لكن ظاهر الأحاديث العموم، أي: النوم على الشق الأيمن مطلقًا، ويؤيده أيضًا ما حكى القاري من المصلحة من أن القلب حينئذ يكون معلقًا فيكون أسرع إلى التيقظ فإنه لا يحصل في صورة الانقلاب إلى الأيسر، فتأمل.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١١/ ١١٠ - ١١٥)، \"كشف المشكل\" (٢/ ٢٤٠).\n(^٢) \"فيض الباري\" (٦/ ٢١٩).\n(^٣) \"مرقاة المفاتيح\" (٥/ ٢٢٥).","vol":"6","page":385},{"text":"(١١ -<span data-type='title' id=toc-3758> باب الدعاء إذا انتبه من الليل)</span>\nوفي نسخة \"القسطلاني\" و\"العيني\": \"بالليل\".\nقال القسطلاني (^١): ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: \"من الليل\".\nقوله: (وقال كريب: وسبع في التابوت. . .) إلخ، قال العلامة القسطلاني (^٢): أي: سبع من الكلمات أو الأنوار في الصدر الذي هو وعاء القلب تشبيهًا بالتابوت الذي يحرز فيه المتاع، أو التابوت الذي كان لبني إسرائيل فيه السكينة، أو الصندوق، أي: سبع مكتوبة عند كريب لم يحفظها ذلك الوقت، أو المراد بالتابوت حينئذ أن السبعة بجسد الإنسان لا بالمعاني كالجهات الست.\nقوله: (وذكر خصلتين) أي: العظم والمخ كما قاله السفاقسي والداودي، وقال في \"الكواكب\": لعلهما الشحم والعظم، انتهى.\n\n(١٢ -<span data-type='title' id=toc-3759> باب التسبيح والتكبير عند المنام)</span>\nقال الحافظ (^٣): أي: والتحميد، انتهى. وكذا قال القسطلاني.\nوقال العيني (^٤): وكان ينبغي أن يقول: والتحميد أيضًا؛ لأن حديث الباب يشمل هذه الثلاثة، انتهى.\n\n(١٣ -<span data-type='title' id=toc-3760> باب التعوذ والقراءة عند النوم)</span>\nذكر فيه حديث عائشة في قراءة المعوذات، وقد تقدم شرحه في \"كتاب الطب\"، وبينت اختلاف الرواة في أنه كان يقول ذلك دائمًا أو بقيد الشكوى، انتهى من \"الفتح\" (^٥).\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ٣٧٤).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ٣٧٦).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١١/ ١١٩)، \"إرشاد الساري\" (١٣/ ٣٧٨).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٥/ ٤٢٥).\n(^٥) \"فتح الباري\" (١١/ ١٢٥).","vol":"6","page":386},{"text":"(١٤ -<span data-type='title' id=toc-3761> باب)</span>\nبغير ترجمة، قال الحافظ (^١): كذا للأكثر من غير ترجمة وسقط لبعضهم، وعليه شرح ابن بطال، والراجح إثباته، ومناسبته لما قبله عموم الذكر عند النوم، وعلى إسقاطه فهو كالفصل من الباب الذي قبله؛ لأن في الحديث معنى التعويذ وإن لم يكن بلفظه، انتهى.\nقلت: قوله: وعلى إسقاطه فهو كالفصل إلخ، هكذا في نسخة \"الفتح\" الموجودة عندنا، وفيه تخليط لأن في صورة إسقاط لفظ الباب لا يترتب عليه قوله: فهو كالفصل من الباب الذي قبله، فتأمل.\n\n(١٥ -<span data-type='title' id=toc-3762> باب الدعاء نصف الليل)</span>\nأي: بيان فضل الدعاء في ذلك الوقت على غيره إلى طلوع الفجر، قال ابن بطال: هو وقت شريف خصه الله بالتنزيل فيه، فيتفضل على عباده بإجابة دعائهم وإعطاء سؤلهم وغفران ذنوبهم، وهو وقت غفلة وخلوة واستغراق في النوم واستلذاذ له، ومفارقة اللذة والدعة صعب لا سيما أهل الرفاهية، وفي زمن البرد، وكذا أهل التعب ولا سيما في قصر الليل، فمن آثر القيام لمناجاة ربه والتضرع إليه مع ذلك دلَّ على خلوص نيته وصحة رغبته فيما عند ربه، فلذلك نبَّه الله عباده على الدعاء في هذا الوقت، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\nقال الكرماني (^٣): فإن قلت: في الترجمة نصف الليل وفي الحديث الثلث؟ قلت: حين يبقى الثلث يكون قبل الثلث، وهو المقصود من النصف، انتهى.\nوقال العيني (^٤) بعد ذكر قول العلامة الكرماني: وقال ابن بطال: عدل\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١١/ ١٢٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١١/ ١٢٩).\n(^٣) \"شرح الكرماني\" (٢٢/ ١٣٦).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٥/ ٤٢٩).","vol":"6","page":387},{"text":"المصنف لأنه أخذ الترجمة من دليل القرآن وذكر النصف. وقيل - القائل الحافظ - ﵀ - -: أشار البخاري إلى الرواية التي وردت بلفظ النصف، وقد أخرجه أحمد من حديث أبي هريرة بلفظ: \"نصف الليل أو ثلث الليل الآخر\"، انتهى.\n\n(١٦ -<span data-type='title' id=toc-3763> باب الدعاء عند الخلاء)</span>\nأي: عند إرادة الدخول، ذكر فيه حديث أنس، وقد تقدم شرحه في \"كتاب الطهارة\"، وفيه ذكر من رواه بلفظ: \"إذا أراد أن يدخل\"، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوتقدم الكلام على الخلاف في المسألة في \"كتاب الطهارة\".\n\n(١٧ -<span data-type='title' id=toc-3764> باب ما يقول إذا أصبح)</span>\nذكر فيه ثلاثة أحاديث، وقد ورد فيما يقال عند الصباح عدة أحاديث ذكرها الحافظ، منها حديث عبد الله بن غنام البياضي رفعه: \"من قال حين يصبح: اللَّهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك، فلك الحمد ولك الشكر، فقد أدى شكر يومه، ومن قال مثل ذلك حين يمسي فقد أدى شكر ليلته\"، انتهى من \"الفتح\" (^٢). ويقول في المساء: \"اللَّهم ما أمسى\" بدل \"ما أصبح\".\n\n(١٨ -<span data-type='title' id=toc-3765> باب الدعاء في الصلاة)</span>\nقال الحافظ (^٣): ذكر فيه ثلاثة أحاديث، وقد تقدم الكلام على حديث أبي بكر الصديق في \"باب الدعاء قبيل السلام\" في أواخر صفة الصلاة قبيل \"كتاب الجمعة\"، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١١/ ١٢٩).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١١/ ١٣٠، ١٣١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١١/ ١٣١).","vol":"6","page":388},{"text":"(١٩ -<span data-type='title' id=toc-3766> باب الدعاء بعد الصلاة)</span>\nقال الحافظ (^١): أي: المكتوبة، وفي هذه الترجمة ردّ على من زعم أن الدعاء بعد الصلاة لا يشرع متمسكًا بالحديث الذي أخرجه مسلم عن عائشة: \"كان النبي - ﷺ - إذا سلَّم لا يثبت إلا قدر ما يقول: اللَّهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام\"، والجواب أن المراد بالنفي المذكور نفي استمراره جالسًا على هيئته قبل السلام إلا بقدر أن يقول ما ذكر، فقد ثبت \"أنه كان إذا صلى أقبل على أصحابه\"، فيحمل ما ورد من الدعاء بعد الصلاة على أنه كان يقوله بعد أن يقبل بوجهه على أصحابه.\nقال ابن القيم في \"الهدي النبوي\": وأما الدعاء بعد السلام من الصلاة مستقبل القبلة سواء الإمام والمنفرد والمأموم، فلم يكن ذلك من هدي النبي - ﷺ - أصلًا، ولا روي عنه بإسناد صحيح ولا حسن، وخص بعضهم ذلك بصلاتي الفجر والعصر، ولم يفعله النبي - ﷺ - ولا الخلفاء بعده، ولا أرشد إليه أمته، وإنما هو استحسان رآه من رآه عوضًا من السُّنَّة بعدهما، قال: وعامة الأدعية المتعلقة بالصلاة إنما فعلها فيها وأمر بها فيها، وهذا اللائق بحال المصلي فإنه مقبل على ربه مناجيه، فإذا سلّم منها انقطعت المناجاة، وانتهى موقفه وقربه، فكيف يترك سؤاله في حال مناجاته والقرب منه، ثم يسأل إذا انصرف عنه، ثم قال: لكن الأذكار الواردة بعد المكتوبة يستحب لمن أتى بها أن يصلي على النبي - ﷺ - بعد أن يفرغ منها ويدعو بما شاء، ويكون دعاؤه عقب هذه العبادة الثانية، وهي الذكر لا لكونه دبر المكتوبة.\nثم قال الحافظ: قلت: وما ادعاه من النفي مطلقًا مردود، فقد ثبت عن معاذ بن جبل: \"أن النبي - ﷺ - قال له: يا معاذ إني والله لأحبك فلا تدع دبر كل صلاة أن تقول: اللَّهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك\"\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١١/ ١٣٣، ١٣٤).","vol":"6","page":389},{"text":"أخرجه أبو داود والنسائي وصححه ابن حبان والحاكم، وقد أخرج الترمذي من حديث أبي أمامة: \"قيل: يا رسول الله، أيّ الدعاء أسمع؟ قال: جوف الليل الآخر ودبر الصلوات المكتوبات\" وقال: حسن، وغير ذلك من الأحاديث ذكرها الحافظ.\nوقال صاحب \"الفيض\" (^١): لا ريب أن الأدعية دبر الصلوات قد تواترت تواترًا لا ينكر، أما رفع الأيدي فثبت بعد النافلة مرة أو مرتين، فألحق بها الفقهاء المكتوبة أيضًا، وذهب ابن تيمية وابن القيم إلى كونه بدعة، بقي أن المواظبة على أمر لم يثبت عن النبي - ﷺ - إلا مرة أو مرتين كيف هي؟ فتلك هي الشاكلة في جميع المستحبات، فإنها تثبت طورًا فطورًا ثم الأمة تواظب عليها، نعم نحكم بكونها بدعة إذا أفضى الأمر إلى النكير على من تركها، انتهى.\nوقال أيضًا في موضع آخر (^٢): واعلم أن الأدعية بهذه الهيئة الكذائية لم تثبت عن النبي - ﷺ - ولم يثبت عنه رفع الأيدي دبر الصلوات في الدعوات إلا أقل قليل، ومع ذلك وردت فيه ترغيبات قولية، والأمر في مثله أن لا يحكم عليه بالبدعة، فهذه الأدعية في زماننا ليست بسُنَّة بمعنى ثبوتها عن النبي - ﷺ -، وليست ببدعة بمعنى عدم أصلها في الدين، فقد هدى إلى الرفع في قوليات كثيرة؛ وفعله بعد الصلاة قليلًا، فإن التزم أحد منا الدعاء بعد الصلاة برفع اليد فقد عمل بما رغب فيه وإن لم يكثره بنفسه، انتهى مختصرًا.\nوفي هامشه: قلت: ونحوه فعله - ﷺ - في صلاة الضحى، فإنها وإن ثبتت في بعض الروايات لكنه أقل قليل حتى إن بعضهم ذهب إلى إنكار ثبوتها فعلًا، والصحيح أنها ثابتة ولو قليلًا، انتهى مختصرًا.\nوقد تقدم أيضًا شيء من الكلام عليه قبيل \"كتاب الجمعة\" وسيأتي ترجمة المصنف بعد أربعة أبواب بـ \"باب رفع الأيدي في الدعاء\".\n_________\n(^١) \"فيض الباري\" (٦/ ٢٢٥).\n(^٢) \"فيض الباري\" (٢/ ٢١٣).","vol":"6","page":390},{"text":"(٢٠ -<span data-type='title' id=toc-3767> باب قول الله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ. . .﴾ [التوبة: ١٠٣]) إلخ</span>\nكذا للجمهور، ووقع في بعض النسخ زيادة: ﴿إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾، واتفقوا على أن المراد بالصلاة هنا الدعاء.\nقوله: (ومن خص أخاه بالدعاء دون نفسه) في هذه الترجمة إشارة إلى ردِّ ما جاء عن ابن عمر أخرج ابن أبي شيبة والطبري من طريق سعيد بن يسار قال: \"ذكرت رجلًا عند ابن عمر فترحمت عليه، فلهز في صدري وقال لي: ابدأ بنفسك\"، وعن إبراهيم النخعي: \"كان يقال: إذا دعوت فابدأ بنفسك فإنك لا تدري في أي دعاء يستجاب لك\"، وأحاديث الباب ترد على ذلك، ثم قال: وأما ما أخرجه الترمذي من حديث أُبي بن كعب رفعه: \"أن النبي - ﷺ - كان إذا ذكر أحدًا فدعا له بدأ بنفسه\" وهو عند مسلم في أول قصة موسى والخضر ولفظه: \"وكان إذا ذكر أحدًا من الأنبياء بدأ بنفسه\"، ويؤيد هذا القيد أنه - ﷺ - دعا لغير نبي فلم يبدأ بنفسه، ثم ذكر الحافظ أمثلته من قصة هاجر: \"يرحم الله أم إسماعيل. . .\" إلخ، وحديث أبي هريرة: \"اللَّهم أيده بروح القدس\" يريد حسان بن ثابت، وحديث ابن عباس: \"اللَّهم فقهه في الدين\" وغير ذلك من الأمثال، وقد دعا لبعض الأنبياء فلم يبدأ بنفسه كقوله: \"يرحم الله لوطًا لقد كان يأوي إلى ركن شديد\"، انتهى من \"الفتح\" (^١) ملخصًا.\nوأما الإمام النووي فقد فصل بين أنواع الأدعية، فقد أجاد ولله درّه، فقال في \"شرح مسلم\" (^٢) تحت حديث خضر المتقدم. قال أصحابنا: فيه استحباب ابتداء الإنسان بنفسه في الدعاء وشبهه من أمور الآخرة، وأما حظوظ الدنيا فالأدب فيها الإيثار وتقديم غيره على نفسه، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١١/ ١٣٦، ١٣٧).\n(^٢) \"شرح النووي\" (٨/ ١٥٨).","vol":"6","page":391},{"text":"وفي مبدأ \"الحصن الحصين\" (^١) في بيان أدب الدعاء: وأن يبدأ بنفسه، انتهى.\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"الكوكب\" (^٢): قوله: \"بدأ بنفسه\" لأن السؤال للغير وترك نفسه يوهم أن له غنى عنه، انتهى.\nقلت: وحديث \"كان إذا دعا بدأ بنفسه\" أخرجه الإمام أبو داود أيضًا في \"أبواب الحروف والقراءات\" (^٣).\n\n(٢١ -<span data-type='title' id=toc-3768> باب ما يكره من السجع في الدعاء)</span>\nالسجع بفتح السين وسكون الجيم: كلام مقفى من غير مراعاة وزن، قاله القسطلاني (^٤).\nقال الحافظ (^٥): قوله: \"ما يكره. . .\" إلخ، لما فيه من التكلف المانع للخشوع المطلوب في الدعاء، قال الداودي: المراد الاستكثار منه، ثم قال: ولا يرد على ذلك ما وقع في الأحاديث الصحيحة لأن ذلك كان يصدر من غير قصد إليه، انتهى.\nقلت: وأخرج أبو داود من حديث عبد الله بن مغفل - ﵁ - أنه قال: \"سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: إنه سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور والدعاء\" قال ابن رسلان في شرحه كما في هامشي على \"البذل\" (^٦): قيل: المراد به التكلف في السجع، كما قيل في قوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥]، وقيل: أن يأتي بغير جوامع الكلم، وقيل: أن يأتي بغير المأثور من الأدعية، انتهى.\n_________\n(^١) \"الحصن الحصين\" (ص ٣١).\n(^٢) \"الكوكب الدري\" (٤/ ٣٣٥).\n(^٣) انظر: \"سنن أبي داود\" (ح ٣٩٨٤).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ٣٩٨).\n(^٥) \"فتح الباري\" (١١/ ١٣٩).\n(^٦) \"بذل المجهود\" (١/ ٤٨٨)، (ح ٩٦).","vol":"6","page":392},{"text":"(٢٢ -<span data-type='title' id=toc-3769> باب ليعزم المسألة فإنه لا مكره له)</span>\nقال ابن عبد البر: لا يجوز لأحد أن يقول: اللَّهم أعطني إن شئت، وغير ذلك من أمور الدين والدنيا؛ لأنه كلام مستحيل لا وجه له لأنه لا يفعل إلا ما شاءه، وظاهره أنه حمل النهي على التحريم وهو الظاهر، وحمله النووي على كراهة التنزيه وهو أولى، ويؤيده ما سيأتي في حديث الاستخارة: قال ابن عيينة: لا يمنعن أحدًا الدعاء ما يعلم في نفسه - يعني: من التقصير - فإن الله قد أجاب دعاء شر خلقه وهو إِبليس حين قال: ﴿رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nقال القسطلاني (^٢): وفي الترمذي (^٣) عن أبي هريرة مرفوعًا: \"ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلبٍ غافلٍ لاهٍ\"، انتهى.\n\n(٢٣ -<span data-type='title' id=toc-3770> باب يستجاب للعبد ما لم يعجل)</span>\nقال الحافظ (^٤) في شرح قوله: \"يقول: دعوت فلم يستجب لي\": قال ابن بطال (^٥): المعنى أنه يسأم فيترك الدعاء فيكون كالمانّ بدعائه، أو أنه أتى من الدعاء ما يستحق به الإجابة فيصير كالمبخل للرب الكريم الذي لا تعجزه الإجابة ولا ينقصه العطاء، ثم قال: وفي هذا الحديث أدب من آداب الدعاء وهو أنه يلازم الطلب ولا ييأس من الإجابة لما في ذلك من الانقياد والاستسلام وإظهار الافتقار، حتى قال بعض السلف: لأنا أشد خشية أن أحرم الدعاء من أن أحرم الإجابة، وكأنه أشار إلى حديث ابن عمر رفعه: \"من فتح له منكم باب الدعاء فتحت له أبواب الرحمة\" الحديث،\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١١/ ١٤٠).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ٤٠٠).\n(^٣) \"سنن الترمذي\" (ح ٣٤٧٩).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١١/ ١٤٠، ١٤١).\n(^٥) \"شرح ابن بطال\" (١٠/ ١٠٠).","vol":"6","page":393},{"text":"أخرجه الترمذي بسند لين، وقدمت في أول \"كتاب الدعاء\" الأحاديث الدالة على أن دعوة المؤمن لا تردّ، إلى آخر ما قال.\n\n(٢٤ -<span data-type='title' id=toc-3771> باب رفع الأيدي في الدعاء)</span>\nأي: على صفة خاصة، وسقط لفظ \"باب\" لأبي ذر.\nقال الحافظ (^١): وفي الحديث الأول ردٌّ على من قال: لا يرفع كذا إلا في الاستسقاء، بل فيه وفي الذي بعده ردّ على من قال: لا يرفع اليدين في الدعاء غير الاستسقاء أصلًا، وتمسك بحديث أنس: \"لم يكن النبي - ﷺ - يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء\" وهو صحيح، لكن جمع بينه وبين أحاديث الباب بأن المنفي صفة خاصة لا أصل الرفع، ثم بعد ما ذكر الحافظ الفرق في الرفع في الاستسقاء وغيره، قال: قال المنذري: وبتقدير تعذر الجمع فجانب الإثبات أرجح، قلت: ولا سيما مع كثرة الأحاديث الواردة في ذلك فإن فيه أحاديث كثيرة أفردها المنذري في جزء سرد منها النووي في \"الأذكار\" وفي \"شرح المهذب\" جملة، وعقد لها البخاري أيضًا في \"الأدب المفرد\"، ثم سرد الحافظ بعض تلك الروايات فارجع إليه لو شئت. وأما رفع الأيدي في الدعاء بعد الصلوات المكتوبات فقد تقدم الكلام عليه قريبًا في \"باب الدعاء بعد الصلاة\".\n\n(٢٥ -<span data-type='title' id=toc-3772> باب الدعاء غير مستقبل القبلة)</span>\nقال الحافظ (^٢): ووجه أخذه من الحديث من جهة أن الخطيب من شأنه أن يستدبر القبلة وأنه لم ينقل أنه - ﷺ - لما دعا في المرتين استدار، انتهى.\nثم لا يخفى عليك أن هذه الترجمة هكذا وقعت في جميع النسخ الموجودة بتقديم هذه الترجمة على الآتية، وكان الأوجه تأخيرها عن الترجمة الآتية، ويمكن أن يقال في وجه تقديمه: أن الدعاء غير مستقبل\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١١/ ١٤١، ١٤٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١١/ ١٤٣).","vol":"6","page":394},{"text":"القبلة لما كان على خلاف آداب الدعاء على الظاهر فكان أحوج إلى البيان، وأما الدعاء مستقبل القبلة فلكونه موافقًا لآداب الدعاء ليس له مزيد احتياج إلى ذكره.\n\n(٢٦ -<span data-type='title' id=toc-3773> باب الدعاء مستقبل القبلة)</span>\nاستشكلوا مطابقة الحديث بالترجمة.\nقال القسطلاني (^١): قوله: \"فدعا واستسقى ثم استقبل القبلة. . .\" إلخ، فقدّم الدعاء قبل الاستقبال، وحينئذ فلا مطابقة بين الترجمة والحديث، لكن قال الإسماعيلي: يحتمل أن البخاري أراد أنه لما تحول وقلب رداءه دعا حينئذ أيضًا، ويحتمل أنه أشار كعادته لما ورد في بعض طرق الحديث مما سبق في \"كتاب الاستسقاء\" أنه لما أراد أن يدعو استقبل القبلة وحول رداءه، وقد ورد في استقبال القبلة عند الدعاء من فعله - ﷺ - عدة أحاديث، انتهى.\n\n(٢٧ -<span data-type='title' id=toc-3774> باب دعوة النبي - ﷺ - لخادمه بطول العمر. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٢): ذكر فيه حديث أنس، وقد مضى قريبًا، وذكره في عدة أبواب، وليس في شيء منها ذكر العمر، فقال بعض الشرَّاح: مطابقة الحديث للترجمة أن الدعاء بكثرة الولد يستلزم حصول طول العمر.\nقال الحافظ: والأولى أن يقال: إنه أشار كعادته إلى ما ورد في بعض طرقه، فأخرج في \"الأدب المفرد\" من وجه آخر عن أنس، وفيه زيادة قوله: \"أكثر ماله وولده وأطل حياته واغفر له\".\nفأما كثرة ولد أنس وماله فوقع عند مسلم في آخر هذا الحديث: قال أنس: فوالله إن مالي لكثير، وإن ولدي وولد ولدي ليتعادون على نحو المائة اليوم، وتقدم في \"كتاب الصوم\" في \"باب من زار قومًا فلم يفطر عندهم\"\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ٤٠٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١١/ ١٤٤، ١٤٥).","vol":"6","page":395},{"text":"قول أنس: إني لمن أكثر الأنصار مالًا، وحدثتني ابنتي أمينة أنه دفن من صلبي إلى يوم مقدم الحجاج البصرة بضع وعشرون ومائة، وأخرج الترمذي عن أبي العالية في ذكر أنس: وكان له بستان يأتي في كل سنة الفاكهة مرتين، وكان فيه ريحان يجيئ منه ريح المسك.\nوأما طول عمر أنس فقد ثبت في الصحيح أنه كان في الهجرة ابن تسع سنين، وكانت وفاته سنة إحدى وتسعين فيما قيل، وقيل: سنة ثلاث، وله مائة وثلاث سنين قاله خليفة وهو المعتمد، وأكثر ما قيل في سنه أنه بلغ مائة وسبع سنين، وأقل ما قيل فيه تسعًا وتسعين سنة، انتهى من \"الفتح\" بإيضاح وتغير، وسيأتي بعض ما يناسبه في \"باب الدعاء بكثرة المال مع البركة\".\n\n(٢٨ -<span data-type='title' id=toc-3775> باب الدعاء عند الكرب)</span>\nالكرب: هو الحزن يأخذ بالنفس.\nقال العلامة الكرماني (^١) في شرح حديث الباب: فإن قلت: هذا ذكر لا دعاء؟ قلت: إنه ذكر يستفتح به الدعاء بكشف كربه، وقال سفيان بن عيينة: أما علمت أن الله تعالى قال: \"من حبسه ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين\"، انتهى.\nوقال العلامة العيني (^٢): مطابقته للترجمة في قوله: \"يدعو عند الكرب. . .\" إلخ، انتهى.\nقلت: الأمر كما قال الكرماني.\n\n(٢٩ -<span data-type='title' id=toc-3776> باب التعوذ من جهد البلاء)</span>\nالجهد بفتح الجيم وبضمها: المشقة، قاله الحافظ (^٣).\n_________\n(^١) \"شرح الكرماني\" (٢٢/ ١٤٩).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٥/ ٤٤٥).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١١/ ١٤٨).","vol":"6","page":396},{"text":"وقال القسطلاني (^١): البلاء بفتح الموحدة مع المد ويجوز الكسر مع القصر: وهو الحالة التي يمتحن بها الإنسان وتشق عليه بحيث يتمنى فيها الموت ويختاره عليها، وعن ابن عمر: جهد البلاء قلة المال وكثرة العيال، انتهى.\nقوله: (ودرك الشقاء. . .) إلخ، قال القاري في \"المرقاة\" (^٢): الشقاء بفتح الشين بمعنى الشقاوة نقيض السعادة، ويجيئ بمعنى التعب كقوله تعالى ﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه: ١، ٢]، إلى آخر ما بسط في شرح هذا اللفظ.\nقلت: وكذا ضبط لفظ الشقاء بفتح الشين في كتب اللغة.\n\n(٣٠ -<span data-type='title' id=toc-3777> باب دعاء النبي - ﷺ -: اللَّهم الرفيق الأعلى)</span>\nوهكذا في نسخة الشروح سوى نسخة الحافظ، فإن فيها بابًا بلا ترجمة. قال العيني (^٣): ووقع في رواية الأكثرين لفظ \"باب\" مجردًا عن الترجمة، وفيه: \"اللَّهم الرفيق الأعلى\"، والرفيق منصوب على تقدير: اخترتُ الرفيقَ الأعلى، وقال الداودي: الرفيق الأعلى الجنة، وقيل: جماعة الأنبياء الذي يسكنون أعلى عليين، انتهى.\nوقال الكرماني (^٤): أي: اخترت الموت المؤدّي إلى رفاقة الملأ الأعلى من الملائكة أو الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا، انتهى.\nوتقدم الكلام على هذا الحديث في آخر \"المغازي\" في \"باب آخر ما تكلم النبي - ﷺ -\".\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ٤٠٨).\n(^٢) \"مرقاة المفاتيح\" (٥/ ٣١٢).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٥/ ٤٤٨).\n(^٤) \"شرح الكرماني\" (٢٢/ ١٥٢).","vol":"6","page":397},{"text":"(٣١ -<span data-type='title' id=toc-3778> باب الدعاء بالموت والحياة)</span>\nقال القسطلاني (^١) تبعًا للعيني: أي: ذكر كراهية الدعاء بالموت والحياة إذا كانت الحياة شرًا للداعي، انتهى.\n\n(٣٢ -<span data-type='title' id=toc-3779> باب الدعاء للصبيان بالبركة ومسح رؤوسهم)</span>\nقال الحافظ (^٢): ورد في فضل مسح رأس اليتيم حديث أخرجه أحمد والطبراني عن أبي أمامة بلفظ: \"من مسح رأس يتيم لا يمسحه إلا لله كان له بكل شعرة تمرّ يدُه عليها حسنة\"، وسنده ضعيف، ولأحمد من حديث أبي هريرة: \"أن رجلًا شكا إلى النبي - ﷺ - قسوة قلبه فقال: أطعم المسكين وامسح رأس اليتيم\"، وسنده حسن، انتهى.\n\n(٣٣ -<span data-type='title' id=toc-3780> باب الصلاة على النبي - ﷺ </span>-)\nهذا الإطلاق يحتمل حكمها وفضلها وصفتها ومحلها، والاقتصار على ما أورده في الباب يدل على إرادة الثالث، وقد يؤخذ منه الثاني، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\nوقال العيني (^٤): أي: هذا باب في بيان كيفية الصلاة على النبي - ﷺ -، وقال بعضهم: هذا الإطلاق يحتمل حكمها وفضلها وصفتها ومحلها، قلت: حديثا الباب يقيدان هذا الإطلاق لأنهما ينبئان عن الكيفية، والمطابقة بين الترجمة والحديث مطلوبة، ولا تجيئ المطابقة إلا بما قلنا، انتهى.\nقال الحافظ (^٥): أما حكمها فحاصل ما وقفت عليه من كلام العلماء فيه عشرة مذاهب:\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ٤١٠)، \"عمدة القاري\" (١٥/ ٤٤٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١١/ ١٥١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١١/ ١٥٢).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٥/ ٤٥٢).\n(^٥) \"فتح الباري\" (١١/ ١٥٢، ١٥٣).","vol":"6","page":398},{"text":"أولها: قول ابن جرير الطبري: إنها من المستحبات، وادّعى الإجماع على ذلك.\nثانيها: مقابله، وهو نقل ابن القصار وغيره الإجماع على أنها تجب في الجملة بغير حصر، لكن أقل ما يحصل به الإجزاء مرة.\nثالثها: تجب في العمر في صلاة أو في غيرها، وهي مثل كلمة التوحيد، قاله أبو بكر الرازي من الحنفية وابن حزم وغيرهما.\nرابعها: تجب في القعود آخر الصلاة بين قول التشهد وسلام التحلل، قاله الشافعي ومن تبعه.\nخامسها: تجب في التشهد، وهو قول الشعبي وإسحاق بن راهويه.\nسادسها: تجب في الصلاة من غير تعيين المحل، نقل ذلك عن أبي جعفر الباقر.\nسابعها: يجب الإكثار منها من غير تقييد بعدد، قاله أبو بكر بن بكير من المالكية.\nثامنها: كلما ذكر، قاله الطحاوي وجماعة من الحنفية والحليمي وجماعة من الشافعية، وقال ابن العربي من المالكية: إنه الأحوط، وكذا قال الزمخشري.\nتاسعها: في كل مجلس مرة، ولو تكرر ذكره مرارًا، حكاه الزمخشري.\nعاشرها: في كل دعاء، حكاه أيضًا.\nوأما محلها فيؤخذ مما أوردته من بيان الآراء في حكمها.\nوبسط أيضًا الكلام في معنى الصلاة، وقال في بحث كيفية الصلاة عليه - ﷺ - (^١): قال النووي في \"شرح المهذب\" (^٢): ينبغي أن يجمع ما في\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١١/ ١٥٧).\n(^٢) \"شرح المهذب\" (٣/ ٤٤٦).","vol":"6","page":399},{"text":"الأحاديث الصحيحة فيقول: \"اللَّهم صل على محمد النبي الأمي وعلى آل محمد وأزواجه وذريته، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وبارك\" مثله، وزاد في آخره: \"في العالمين\"، وقال في \"الأذكار\" مثله، وزاد: \"عبدك ورسولك\" بعد قوله: \"محمد\" في \"صل\"، ولم يزدها في \"بارك\"، وقال في \"التحقيق\" و\"الفتاوى\" مثله إلا أنه أسقط \"النبي الأمي\" في \"وبارك\"، وفاته أشياء لعلها توازي قدر ما زاده أو تزيد عليه، ثم ذكرها الحافظ.\nقلت: قال النووي: في \"الأذكار\" (^١): والأفضل أن يقول: \"اللَّهم صل على محمد عبدك ورسولك النبي الأمي وعلى آل محمد وأزواجه وذريته، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد النبي الأمي وعلى آل محمد وأزواجه وذريته كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد\"، روينا هذه الكيفية في \"صحيحي البخاري ومسلم\" عن كعب بن عجرة مرفوعًا إلا بعضها فهو صحيح من رواية غير كعب، انتهى.\nثم ما يستشكل ههنا في التشبيه بالصلاة الإبراهيمة؟ أجاب عنه الحافظ بعشرة أوجه، فارجع إليه لو شئت (^٢).\n\n(٣٤ -<span data-type='title' id=toc-3781> باب هل يصلى على غير النبي - ﷺ </span>-؟)\nأي: استقلالًا أو تبعًا، ويدخل في الغير الأنبياء والملائكة والمؤمنون، ثم بسط الحافظ الكلام على ذلك (^٣).\nوقال القسطلاني (^٤) تحت حديث ابن أبي أوفى: تمسك بذلك من جوّز الصلاة على غير الأنبياء استقلالًا، وهو مقتضى صنيع المصنف رحمه الله تعالى لأنه صدَّر بالآية ثم بالحديث الدالّ على الجواز مطلقًا، انتهى.\n_________\n(^١) \"الأذكار\" (ص ١٢٤).\n(^٢) راجع: \"فتح الباري\" (١١/ ١٦١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١١/ ١٦٩).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ٤١٩).","vol":"6","page":400},{"text":"وفي \"الأوجز\" (^١): قال العيني (^٢): احتج به (بالحديث المذكور) من جوّز الصلاة على غير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بالاستقلال، وهو قول أحمد أيضًا، وقال أبو حنيفة وأصحابه ومالك والشافعي والأكثرون: إنه لا يصلّى على غير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام استقلالًا، ولكن يصلى عليهم تبعًا. والجواب عن هذا الحديث أن هذا حقه ﵊، له أن يعطيه لمن شاء، وليس لغيره ذلك، انتهى. وبسط الكلام على المسألة في \"الأوجز\".\n\n(٣٥ -<span data-type='title' id=toc-3782> باب قول النبي - ﷺ -: \"من آذيته فاجعله له زكاة ورحمة</span>\")\nقال العلامة القسطلاني (^٣): وفي \"مسلم\": \"اللَّهم إني اتخذت عندك عهدًا لن تخلفنيه فأيما مؤمن سببته أو جلدته\"، ومن طريق أخرى عن أبي هريرة: \"اللَّهم إنما أنا بشر، فأيما رجل من المسلمين سببته أو لعنته أو جلدته\"، وفي أخرى: \"فأي مؤمن آذيته أو شتمته\"، وفي أخرى: \"اللَّهم إنما محمد بشر يغضب كما يغضب البشر\"، ومن حديث عائشة: قالت: دخل على رسول الله - ﷺ - رجلان فكلماه بشيء، لا أدري ما هو، فأغضباه فسبّهما ولعنهما فلما خرجا قلت له فقال: \"أو ما علمت ما شارطت عليه ربي؟ قلت: اللَّهم إنما أنا بشر\" الحديث، ثم قال: وفي الحديث كمال شفقته على أمته وجميل خلقه - ﷺ -، وجزاه عنّا أفضل الجزاء بمنّه وكرمه، وأماتنا على محبته وسُنَّته، انتهى. قلت: آمين ثم آمين.\n\n(٣٦ -<span data-type='title' id=toc-3783> باب التعوذ من الفتن)</span>\nستأتي هذه الترجمة وحديثها في \"كتاب الفتن\"، قاله الحافظ (^٤)\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (٣/ ٤١٧).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٦/ ٥٥٦).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ٤٢١، ٤٢٢).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١١/ ١٧٣).","vol":"6","page":401},{"text":"وقال القسطلاني (^١): الفتن جمع فتنة وهي اسم للامتحان والاختبار، انتهى.\n\n(٣٧ -<span data-type='title' id=toc-3784> باب التعوذ من غلبة الرجال)</span>\nأي: قهرهم وتسلطهم واستيلائهم هرجًا ومرجًا، وذلك كغلبة القوّام، قاله الكرماني.\nوعن بعضهم: قهر الرجال هو جور السلطان، انتهى من \"القسطلاني\" (^٢).\n\n(٣٨ -<span data-type='title' id=toc-3785> باب التعوذ من عذاب القبر)</span>\nتقدم الكلام عليه في أواخر \"كتاب الجنائز\".\n\n(٣٩ -<span data-type='title' id=toc-3786> باب التعوذ من فتنة المحيا والممات)</span>\n\" المحيا\" زمن الحياة، \"والممات\" زمن الموت من أول النزع وهلمّ جرًّا، قال ابن بطال (^٣): هذه كلمة جامعة لمعانٍ كثيرةٍ، وينبغي للمرء أن يرغب إلى ربّه في رفع ما نزل ودفع ما لم ينزل، ويستشعر الافتقار إلى ربه في جميع ذلك، وكان - ﷺ - يتعوّذ من جميع ما ذكر دفعًا عن أمته وتشريعًا لهم؛ ليبين لهم صفة المهم من الأدعية، انتهى من \"الفتح\" (^٤).\nوقال الكرماني (^٥): المحيا: إما مصدر أو اسم زمان، والممات، أي: زمان الموت، أي: بعده، أو وقت النزع، انتهى.\n\n(٤٠ -<span data-type='title' id=toc-3787> باب التعوذ من المأثم والمغرم)</span>\nالمأثم: ما يقتضي الإثم، والمغرم: ما يقتضي الغرم، انتهى من \"الفتح\" (^٦).\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ٤٢٢).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ٤٢٤، ٤٢٥).\n(^٣) \"شرح ابن بطال\" (١٠/ ١١٧).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١١/ ١٧٦).\n(^٥) \"شرح الكرماني\" (٢٢/ ١٦٢).\n(^٦) \"فتح الباري\" (١١/ ١٧٧).","vol":"6","page":402},{"text":"قال القسطلاني (^١): المغرم: الدين فيما لا يجوز، انتهى.\nوقال الكرماني (^٢): المأثم بمعنى الإثم، والمغرم بمعنى الغرامة، وهي ما يلزمك أداؤه كالدين والدية، انتهى.\nوقال العلامة السندي (^٣): اعلم أنه جاء في بعض الروايات هكذا: \"من شر فتنة الغنا ومن شر فتنة الفقر، ومن شر فتنة المسيح\"، بلفظ زيادة الشر في الكل، وفي بعضها بإثباته في البعض دون البعض، والظاهر أن الفتنة تحمل على معنى الاختبار عند زيادة لفظ الشر، والاختبار له طرفان خير وشر، والتعوذ إنما وقع من شرهما لا خيرهما، وعند عدم لفظ الشر، فالفتنة بمعنى الافتتان في الدين نعوذ بالله منه، وهو شر كله، فإذا ثبت في بعض دون بعض فما ثبت فيه يحمل الفتنة على المعنى الأول، وما لا فيحمل على المعنى الثاني، والله تعالى أعلم، انتهى.\n\n(٤١ -<span data-type='title' id=toc-3788> باب التعوذ من الجبن والكسل)</span>\nقال الحافظ (^٤) في شرح الحديث: تقدم شرح هذه الأمور الستة، ومحصله: أن الهَمَّ لما يتصوره العقل من المكروه في الحال، والحزن لما وقع في الماضي، والعجز ضد الاقتدار، والكسل ضد النشاط، والبخل ضد الكرم، والجبن ضد الشجاعة، انتهى.\n\n(٤٢ -<span data-type='title' id=toc-3789> باب التعوذ من البخل)</span>\nقال الواحدي: البخل في كلام العرب عبارة عن منع الإحسان، وفي الشرع: منع الواجب، وقد تكرر ذمُّ البخل في الحديث، وصح: \"خصلتان لا يجتمعان في مؤمن: البخل وسوء الخلق\" (^٥)، انتهى من \"القسطلاني\" (^٦).\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ٤٢٩).\n(^٢) \"شرح الكرماني\" (٢٢/ ١٦٢).\n(^٣) \"صحيح البخاري بحاشية السندي\" (٤/ ١٠٨).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١١/ ١٧٨).\n(^٥) \"أخرجه البخاري\" في \"الأدب المفرد\" (٢٨٢).\n(^٦) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ٤٢٦ - ٤٣١).","vol":"6","page":403},{"text":"(٤٣ -<span data-type='title' id=toc-3790> باب التعوذ من أرذل العمر)</span>\nقال العيني (^١): هو الهرم زمان الخرافة وحين انتكاس الأحوال، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ [الحج: ٥]، قيل: ليس في حديث الباب لفظ الترجمة فلا مطابقة، قلت: تؤخذ المطابقة من قوله: \"وأعوذ بك من الهرم\" لأنه يفسّر بأرذل العمر، كما مرّ آنفًا، انتهى.\n\n(٤٤ -<span data-type='title' id=toc-3791> باب الدعاء برفع البلاء والوجع)</span>\nأي: برفع المرض عمن نزل به سواء كان عامًّا أو خاصًّا، وقد تقدم بيان الوباء وتفسيره في \"باب ما يذكر في الطاعون\" من \"كتاب الطب\"، وأنه أعم من الطاعون، وأن حقيقته مرض عام ينشأ عن فساد الهواء، وقد يسمى طاعونًا بطريق المجاز، وأوضحت هناك الردّ على من زعم أن الطاعون والوباء مترادفان بما ثبت هناك أن الطاعون لا يدخل المدينة، وأن الوباء وقع بالمدينة كما في قصة العرنيين، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\n\n(٤٥ -<span data-type='title' id=toc-3792> باب الاستعاذة من أرذل العمر)</span>\nكذا في النسخة \"الهندية\"، وزاد في نسخ الشروح الأربعة: \"ومن فتنة الدنيا وفتنة النار\" وهو الأوجه، وبهذه الزيادة يزول إشكال تكرار هذه الترجمة بالترجمة السابقة قبل الباب المتقدم.\nوفي هامش النسخة \"الهندية\" (^٣) عن \"الخير الجاري\": مغايرة هذه الترجمة بالترجمة السابقة باعتبار زيادة الجزء الأخير، ومن عادته أنه ربما يذكر مجموع الأمور التي أراد ذكرها في باب واحدٍ، ثم يذكر واحدًا منها في بابٍ بابٍ، فيعقد لكل منها بابًا مستأنفًا؛ ليكون كل منها مستقلًا بالإفادة، انتهى.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٥/ ٤٦٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١١/ ١٨٠).\n(^٣) \"صحيح البخاري بحاشية السهارنفوري\" (١٢/ ٥١٠).","vol":"6","page":404},{"text":"(٤٦ -<span data-type='title' id=toc-3793> باب الاستعاذة من فتنة الغنى)</span>\nقال القسطلاني (^١): هو كصرف المال في المعاصي، انتهى.\n\n(٤٧ -<span data-type='title' id=toc-3794> باب التعوذ من فتنة الفقر)</span>\nقال القسطلاني (^٢): المراد الفقر المدقع لأنه الذي يخاف من فتنته كحسد الغنى والتذلل له بما يتدنس به عرضه وينثلم به دينه وتسخطه وعدم رضاه بما قسم الله له، إلى غير ذلك مما يذمّ فاعله ويأثم عليه، انتهى.\n\n(٤٨ -<span data-type='title' id=toc-3795> باب الدعاء بكثرة المال مع البركة)</span>\nفيه وكذا في الترجمة الآتية إشارة إلى أن هذه الأمور إن كانت مع البركة تكون خيرًا وإلا فتكون موجبًا للفتنة.\nقوله: (اللَّهم أكثر ماله وولده) قال القسطلاني (^٣): فكان أكثر الصحابة أولادًا، قاله النووي.\nوقال ابن قتيبة في \"المعارف\": كان بالبصرة ثلاثة ما ماتوا حتى رأى كل واحد منهم من ولده مائة ذكر لصلبه: أبو بكرة، وأنس، وخليفة بن بدر، وزاد غيره رابعًا وهو المهلب بن أبي صفرة، انتهى.\n\n(٤٩ -<span data-type='title' id=toc-3796> باب الدعاء بكثرة الولد مع البركة)</span>\nتقدم بيان كثرة أولاده في الباب المتقدم، وأيضًا قبله بعدة أبواب.\n\n(٥٠ -<span data-type='title' id=toc-3797> باب الدعاء عند الاستخارة)</span>\nأي: طلب الخيرة بكسر الخاء وفتح التحتية بوزن العنبة، اسم من قولك: اختار الله له، وقال في \"النهاية\": الاستخارة: طلب الخير في\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ٤٣٨).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ٤٣٨، ٤٣٩).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ٤٣٩).","vol":"6","page":405},{"text":"الشيء، وهي استفعال من الخير ضد الشر، فالمراد طلب خير الأمرين لمن احتاج إلى أحدهما.\nقوله: (يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها) خصّه في \"بهجة النفوس\" بغير الواجب والمستحب، فلا يستخار في فعلهما، والمحرم والمكروه لا يستخار في تركهما، فانحصر الأمر في المباح أو المستحب إذا تعارض فيه أمران أيهما يبدأ به أو يقتصر عليه، وألحق به في \"الفتح\" الواجب والمستحب المخير وفيما إذا كان موسعًا، قال: ويتناول العموم العظيم والحقير، فرب حقير يترتب عليه الأمر العظيم، انتهى كله من \"القسطلاني\" (^١).\nقوله: (ويسمي حاجته) في هامش المصرية عن \"شيخ الإسلام\" (^٢): أي: ينطق بها بعد الدعاء وينويها بقلبه عنده، انتهى.\nقال الحافظ (^٣): قال النووي في \"الأذكار\": يفعل بعد الاستخارة ما ينشرح به صدره، ويستدل له بحديث أنس عند ابن السني: \"إذا هممت بأمر فاستخر ربك سبعًا، ثم انظر إلى الذي يسبق في قلبك، فإن الخير فيه\"، وهذا لو ثبت لكان هو المعتمد، لكن سنده واه جدًا، والمعتمد أنه لا يفعل ما ينشرح به صدره مما كان له فيه هوى قوي قبل الاستخارة، وإلى ذلك الإشارة بقوله في آخر حديث أبي سعيد: \"ولا حول ولا قوة إلا بالله\"، انتهى.\n\n(٥١ -<span data-type='title' id=toc-3798> باب الوضوء عند الدعاء)</span>\nهكذا في النسخ الهندية، وفي نسخ الشروح الأربعة: \"باب الدعاء عند الوضوء\".\nقال العلامة العيني (^٤): وفي بعض النسخ: \"باب الوضوء عند الدعاء\"،\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ٤٤٠، ٤٤١).\n(^٢) \"تحفة الباري\" (٦/ ١٩٤).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١١/ ١٨٧)، انظر: \"الأذكار\" (ص ١٩٩).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٥/ ٤٧٠).","vol":"6","page":406},{"text":"والأول هو المناسب للحديث، وإن كان للثاني أيضًا وجه، والحديث طويل أخرجه في المغازي في \"باب غزوة أوطاس\" بهذا الإسناد بعينه، انتهى.\nقلت: بل الأولى والأوجه عندي ما في النسخ الهندية أي: الوضوء عند الدعاء، والفرق بين اللفظين ظاهر، والدليل على ما اخترته سياق الحديث، فقد تقدم الحديث في الباب المذكور بلفظ: \"قال (أي: أبو عامر): قل له (- ﷺ -): استغفر لي، فدعا بماء فتوضأ ثم رفع يديه\" الحديث، فهذا يدلّ على أن الوضوء إنما كان لقصد الدعاء، فالغرض من الترجمة بيان أدب من آداب الدعاء.\n\n(٥٢ -<span data-type='title' id=toc-3799> باب الدعاء إذا علا عقبة)</span>\nكذا ترجم بالدعاء، وأورد في الحديث التكبير، وكأنه أخذه من قوله في الحديث: \"إنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا\" فسمى التكبير دعاءً، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(٥٣ -<span data-type='title' id=toc-3800> باب الدعاء إذ هبط واديًا فيه حديث جابر)</span>\nوالمراد بحديث جابر ما تقدم في الجهاد في \"باب التسبيح إذا هبط واديًا\" من حديثه بلفظ: \"كنا إذا صعدنا كبّرنا وإذا نزلنا سبّحنا\"، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\n\n(٥٤ -<span data-type='title' id=toc-3801> باب الدعاء إذا أراد سفرًا فيه يحيى بن أبي إسحاق عن أنس)</span>\nمما وصله في الجهاد في \"باب ما يقول إذا رجع من الغزو\"، وفيه: \"فلما أشرفنا على المدينة قال: آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون\"، انتهى من \"القسطلاني\" (^٣).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١١/ ١٨٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١١/ ١٨٨).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ٤٤٦).","vol":"6","page":407},{"text":"(٥٥ -<span data-type='title' id=toc-3802> باب الدعاء للمتزوج)</span>\nقال العلامة النووي في \"الأذكار\" (^١) بعد ذكر حديث الباب: وروينا بالأسانيد الصحيحة في \"سنن أبي داود\" و\"الترمذي\" و\"ابن ماجه\" وغيرها عن أبي هريرة - ﵁ -: \"أن النبي - ﷺ - كان إذا رفَّأ الإنسان، أي: إذا تزوج قال: بارك الله لك، وبارك عليك، وجمع بينكما في خير\"، قال الترمذي: حديث حسن صحيح، ويكره أن يقال له: بالرِّفاء والبنين إلى آخر ما قال.\n\n(٥٦ -<span data-type='title' id=toc-3803> باب ما يقول إذا أتى أهله)</span>\nذكر فيه حديث ابن عباس، وفي لفظه ما يقتضي أن القول المذكور يشرع عند إرادة الجماع، فيرفع احتمال ظاهر الحديث أنه يشرع عند الشروع في الجماع، وقد تقدم شرحه مستوفى في \"كتاب النكاح\"، انتهى (^٢).\n\n(٥٧ -<span data-type='title' id=toc-3804> باب قول النبي - ﷺ -: \"آتنا في الدنيا حسنة</span>\")\nقال الحافظ (^٣): قد اختلفت عبارات السلف في تفسير الحسنة، ثم قال بعد ذكر عدة أقوال: قال الشيخ عماد الدين بن كثير: الحسنة في الدنيا تشمل كلّ مطلوب دنيوي من عافية ودار رحبة وزوجةٍ حسنةٍ وولدٍ بارٍّ ورزقٍ واسعٍ وعلمٍ نافعٍ وعمل صالحٍ ومركبٍ هنيءٍ وثناءٍ جميلٍ، إلى غير ذلك مما شملته عباراتهم، فإنها كلها مندرجة في الحسنة في الدنيا، وأما الحسنة في الآخرة فأعلاها دخول الجنة وتوابعه من الأمن من الفزع الأكبر في العرصات وتيسير الحساب وغير ذلك من أمور الآخرة، وأما الوقاية من عذاب النار فهو يقتضي تيسير أسبابه في الدنيا من اجتناب المحارم وترك الشبهات، انتهى.\n_________\n(^١) \"الأذكار\" (ص ٤٠٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١١/ ١٩١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١١/ ١٩٢).","vol":"6","page":408},{"text":"(٥٨ -<span data-type='title' id=toc-3805> باب التعوذ من فتنة الدنيا)</span>\nتقدمت هذه الترجمة ضمن ترجمة، وذلك قبل اثني عشر بابًا، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nقلت: وهو \"باب الاستعاذة من أرذل العمر ومن فتنة الدنيا. . .\" إلخ، كما تقدم في محله مع ذكر اختلاف النسخ، وتقدم تفسيره في \"باب التعوذ من البخل\" بقوله: يعني فتنة الدجال.\nقال الحافظ (^٢): وفي إطلاق الدنيا على الدجال إشارة إلى أن فتنته أعظم الفتن الكائنة في الدنيا، وقد ورد ذلك صريحًا في حديث أبي أمامة وفيه: \"أنه لم تكن فتنة في الأرض منذ ذرأ الله ذرية آدم أعظم من فتنة الدجال\"، أخرجه أبو داود وابن ماجه، انتهى.\n\n(٥٩ -<span data-type='title' id=toc-3806> باب تكرير الدعاء)</span>\nأي: ينبغي التكرار فإنه - ﷺ - لما احتاج إلى تكريره فما بال غيره.\nوقال القسطلاني (^٣): \"باب تكرير الدعاء\" مرة بعد أخرى لإظهار الفقر والحاجة إلى الرب تعالى خضوعًا وتذللًا [له]، انتهى.\nوزاد العلامة العيني (^٤): وقد روى أبو داود والنسائي من حديث ابن مسعود - ﵁ -: \"أن النبي - ﷺ - كان يعجبه أن يدعو ثلاثًا ويستغفر ثلاثًا\"، وأخرجه ابن حبان في \"صحيحه\"، انتهى.\nوذكره الجزري في \"الحصن\" (^٥) من جملة آداب الدعاء.\nقال الحافظ (^٦): ورواية عيسى بن يونس تقدمت موصولةً في الطب، وهو المطابق للترجمة بخلاف رواية أنس بن عياض التي أوردها في الباب،\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١١/ ١٩٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١١/ ١٧٩).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ٤٥١).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٥/ ٤٧٥).\n(^٥) \"الحصن الحصين\" (ص ٣٢).\n(^٦) \"فتح الباري\" (١١/ ١٩٣).","vol":"6","page":409},{"text":"فليس فيها تكرير الدعاء، ووقع عند مسلم في هذا الحديث: \"فدعا ثم دعا ثم دعا\"، انتهى.\nقلت: وتقدم توجيهه في أبواب السحر من آخر \"كتاب الطب\".\n\n(٦٠ -<span data-type='title' id=toc-3807> باب الدعاء على المشركين)</span>\nذكره ههنا مطلقًا، وذكر في \"كتاب الجهاد\" \"باب الدعاء على المشركين بالهزيمة والزلزلة\"، ومطابقة أحاديث الباب بالترجمة ظاهرة (^١).\n\n(٦١ -<span data-type='title' id=toc-3808> باب الدعاء للمشركين)</span>\nقال العلامة العيني (^٢): وقد تقدمت هذه الترجمة في \"كتاب الجهاد\"، لكن قال: \"باب الدعاء للمشركين بالهدى ليتألفهم\"، ثم أخرج حديث أبي هريرة الذي هو حديث الباب، فوجه البابين أعني \"باب الدعاء على المشركين\" و\"باب الدعاء للمشركين\" باعتبارين، ففي الأول مطلق الدعاء عليهم لأجل تماديهم على كفرهم وإيذائهم المسلمين، وفي الثاني الدعاء بالهداية ليتألفوا بالإسلام، انتهى.\nقال الحافظ (^٣): وحكى ابن بطال: أن الدعاء للمشركين ناسخ للدعاء على المشركين، ودليله قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨] قال: والأكثر على أن لا نسخ، وأن الدعاء على المشركين جائز، وإنما النهي عن ذلك في حق من يرجى تألفهم ودخولهم في الإسلام، إلى آخر ما قال.\nوفي \"الفيض\" (^٤) تحت ترجمة الباب: المراد به الدعاء له للإسلام، أما الدعاء بالنفع الدنيويّ لهم، فهو أيضًا جائز، انتهى.\n_________\n(^١) انظر: \"عمدة القاري\" (١٥/ ٤٧٧).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٥/ ٤٨٠).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١١/ ١٩٦).\n(^٤) \"فيض الباري\" (٦/ ٢٤٠).","vol":"6","page":410},{"text":"(٦٢ -<span data-type='title' id=toc-3809> باب قول النبي - ﷺ -: \"اللَّهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت</span>\")\nقال الحافظ (^١): كذا ترجم ببعض الخبر، وهذا القدر منه يدخل فيه جميع ما اشتمل عليه؛ لأن جميع ما ذكر فيه لا يخلو عن أحد الأمرين، انتهى.\n\n(٦٣ -<span data-type='title' id=toc-3810> باب الدعاء في الساعة التي في يوم الجمعة)</span>\nوقد ترجم في \"كتاب الجمعة\" \"باب الساعة التي في يوم الجمعة\"، ولم يذكر في البابين شيئًا يشعر بتعيينها، وقد اختلف في ذلك كثيرًا، واقتصر الخطابي منها على وجهين: أحدهما: أنها ساعة الصلاة، والآخر: أنها ساعة من النهار عند دنو الشمس للغروب. واستوعبت الخلاف الوارد في الساعة المذكورة، فزاد على الأربعين قولًا، واتفق لي نظير ذلك في ليلة القدر، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\nقلت: وتقدم شيء من الكلام على هذا في \"كتاب الجمعة\".\n\n(٦٤ -<span data-type='title' id=toc-3811> باب قول النبي - ﷺ -: \"يستجاب لنا في اليهود\". . .) إلخ</span>\nأي: لأنا ندعو عليهم بالحق وهم يدعون علينا بالظلم، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\": وذلك لأن اليهود قصدوا الدعاء بالموت في هذا الآن، وظاهر أنه لم يستجب، وأما النبي - ﷺ - فلم يقصد في دعائه إلا أن يموتوا في وقت موتهم، إلى آخر ما ذكر.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١١/ ١٩٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١١/ ١٩٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١١/ ٢٠٠).","vol":"6","page":411},{"text":"وفي هامشه: ويحتمل أن يقال: إن الدعاء على النبي لا يقبل، كما بسط الروايات ابن كثير في قصة بلعام أنه كان إذا دعا على موسى وقومه لم يقبل، بل وقع على قوم بلعام، وإذا دعا لقومه بخير جرى على لسانه لقوم موسى، فلما رأى قومه قالوا: ما نراك تدعو إلا علينا، قال: ما يجري على لساني إلا هكذا، ولو دعوت على موسى أيضًا ما استجيب لي، انتهى مختصرًا من هامش \"اللامع\".\n\n(٦٥ -<span data-type='title' id=toc-3812> باب التأمين)</span>\nيعني قول \"آمين\" عقب الدعاء، وورد في التأمين مطلقًا أحاديث منها حديث عائشة مرفوعًا: \"ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدتكم على السلام (^١) والتأمين\" رواه ابن ماجه وصححه ابن خزيمة، وزاد في رواية لابن ماجه: \"فأكثروا من قول آمين\"، ولأبي داود من حديث أبي زهير النميري قال: وقف النبي - ﷺ - على رجل قد ألحَّ في الدعاء، فقال: \"أوجب إن ختم\" فقال: بأي شيء؟ قال: \"بآمين\" الحديث، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\nقلت: فلعل الإمام البخاري أشار بهذه الترجمة إلى تقوية هذه الروايات.\n\n(٦٦ -<span data-type='title' id=toc-3813> باب فضل التهليل)</span>\nأي: قول لا إله إلا الله، قال القسطلاني (^٣): وهي الكلمة العليا التي يدور عليها رحى الإسلام والقاعدة التي تبنى عليها أركان الدين، وانظر إلى العارفين وأرباب القلوب كيف يستأثرونها على سائر الأذكار، وما ذاك إلا لما رأوا فيها من الخواص التي لم يجدوها في غيرها، انتهى.\n_________\n(^١) في الأصل: \"الصلاة\".\n(^٢) \"فتح الباري\" (١١/ ٢٠٠).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ٤٦٣).","vol":"6","page":412},{"text":"(٦٧ -<span data-type='title' id=toc-3814> باب فضل التسبيح)</span>\nقال الحافظ (^١): يعني قول: \"سبحان الله\"، ومعناه تنزيه الله عما لا يليق به من كل نقص، فيلزم نفي الشريك والصاحبة والولد وجميع الرذائل، ويطلق التسبيح ويراد به جميع ألفاظ الذكر، ويطلق ويراد به الصلاة النافلة، وأما صلاة التسبيح فسميت بذلك لكثرة التسبيح فيها، انتهى.\nقال القسطلاني (^٢) تحت حديث الباب: وقد يشعر هذا بأن التسبيح أفضل من التهليل من حيث إن عدد زبد البحر أضعاف أضعاف المائة المذكورة في مقابلة التهليل، وأجيب بأن ما جعل في مقابلة التهليل من عتق الرقاب يزيد على فضل التسبيح وتكفير الخطايا، إذ ورد أن من أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منها عضوًا منه من النار، فحصل بهذا العتق تكفير جميع الخطايا مع زيادة مائة درجة، إلى آخر ما ذكر.\nوبسط الكلام عليه أيضًا الحافظ أشدّ البسط.\n\n(٦٨ -<span data-type='title' id=toc-3815> باب فضل ذكر الله تعالى)</span>\nباللسان بالأذكار المرغب فيها شرعًا، والإكثار منها كالباقيات الصالحات، والحوقلة والحسبلة والبسملة والاستغفار وقراءة القرآن بل هي أفضل والحديث ومدارسة العلم ومناظرة العلماء، وهل يشترط استحضار الذاكر لمعنى الذكر أم لا؟ المنقول أنه يؤجر على الذكر باللسان وإن لم يستحضر معناه، نعم يشترط أن لا يقصد به غير معناه، والأكمل أن يتفق الذكر بالقلب واللسان، وأكمل منه استحضار معنى الذكر، وما اشتمل عليه من تعظيم المذكور ونفي النقائص عنه تعالى.\nوقسم بعض العارفين الذكر إلى أقسام سبعة: ذكر العينين بالبكاء،\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١١/ ٢٠٦).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ٤٦٩، ٤٧٠)، وانظر: \"فتح الباري\" (١١/ ٢٠٧).","vol":"6","page":413},{"text":"والأذنين بالإصغاء، واللسان بالثناء، واليدين بالعطاء، والبدن بالوفاء، والقلب بالخوف والرجاء، والروح بالتسليم والرضاء، ذكره في \"الفتح\"، انتهى من \"القسطلاني\" (^١).\nوقال صاحب \"الفيض\" (^٢): وراجع معنى التفضيل من رسالة الشاه عبد العزيز (^٣) في \"تفضيل الشيخين\"، فإنه قد كفى وشفى، انتهى.\n\n(٦٩ -<span data-type='title' id=toc-3816> باب قول \"لا حول ولا قوة إلا بالله</span>\")\nبسط العلامة القسطلاني في وجوه إعرابه الخمسة المقررة في كتب العربية، فارجع إليه لو شئت (^٤).\n\n(٧٠ -<span data-type='title' id=toc-3817> باب \"لله تعالى مائة اسم غير واحد</span>\")\nأفاد صاحب \"الفيض\" (^٥): إنما نقص واحد من المائة إبقاءً للوترية، انتهى.\nقال العلامة القسطلاني (^٦): ولم يقع في شيء من طرق الحديث سرد الأسماء إلا في رواية الوليد بن مسلم عند الترمذي، وفي رواية زهير بن محمد عن موسى بن عقبة عند ابن ماجه، والطريقان يرجعان إلى رواية الأعرج، وفيها اختلاف شديد في سرد الأسماء والزيادة والنقص، ووقع سرد الأسماء أيضًا في طريق ثالث عند الحاكم في \"مستدركه\".\nواختلف العلماء في سرد الأسماء هل هو مرفوع أو مدرج؟ إلى آخر ما ذكر القسطلاني، ثم قال: وليس المراد من الحديث حصر الأسماء في التسعة والتسعين، قال القرطبي: ويدلّ عليه أن أكثرها صفات، وصفات الله تعالى لا تتناهى، إلى آخر ما بسط.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ٤٧١)، وانظر: \"فتح الباري\" (١١/ ٢٠٩، ٢١٠).\n(^٢) لعله سهو قلم، ليست هذه الرسالة للشاه عبد العزيز بل لوالده الشاه ولي الله الدهلوي باسم: \"قرة العينين في تفضيل الشيخين\".\n(^٣) \"فيض الباري\" (٦/ ٢٤٦).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ٤٧٤).\n(^٥) \"فيض الباري\" (٦/ ٢٤٦).\n(^٦) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ٤٧٧).","vol":"6","page":414},{"text":"وفي هامش \"الفيض\" (^١) ملخصًا عن كلام الحافظ: ليس المراد بذكر تلك الأسماء حصرَها في هذا العدد، فحكى القاضي أبو بكر بن العربي عن بعضهم: أن لله ألفَ اسم، ونقل الفخر الرَّازي عن بعضهم: أن لله تعالى أربعة آلاف اسم، استأثر بعلم ألف منها، وأَعْلَمَ الملائكةَ بالبقية، والأنبياءَ بألفين منها، وسائرَ الناس بألفٍ، وهذه دعوى تحتاج إلى دليل، وابن حزم ممن ذهب إلى الحصر في العدد المذكور، خلافًا للجمهور، وأجاب عنه الجمهور بأن الحصر المذكور باعتبار الوعد المذكور في حفظها، انتهى.\n\n(٧١ -<span data-type='title' id=toc-3818> باب الموعظة ساعة بعد ساعة)</span>\nقال الحافظ (^٢): مناسبة هذا الباب بـ \"كتاب الدعوات\" أن الموعظة يخالطها غالبًا التذكير بالله، وقد تقدم أن الذكر من جملة الدعاء، وختم به أبواب الدعوات التي عقبها بـ \"كتاب الرقاق\" لأخذه من كل منهما شوبًا، انتهى.\nوعندي: أن الإمام البخاري أشار بالترجمة وحديثها إلى أنه ينبغي الاحتراز عن الملال في الدعاء، فإنه لما يحترز عنه في التذكير وهو أهم ففي الدعاء بالأولى، فلا ينبغي التطويل في الدعاء حتى يؤدي إلى الملال، وليس المراد كراهة الطول مطلقًا، بل الطول المؤدي إلى الملال والسآمة، إلى آخر ما ذكر في هامش \"اللامع\" (^٣).\nوأما براعة الاختتام ففي لفظ \"الساعة\" المذكور في الترجمة، وفي قوله: \"أدخُل فَأُخرج\"، وهل هذا غير منظر القبر، وكذا لفظ السآمة أذكر للسام بدون الهمز وهو الموت (^٤).\n_________\n(^١) \"فيض الباري\" (٦/ ٢٤٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١١/ ٢٢٨).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٧٤).\n(^٤) انظر: \"لامع الدراري\" (١/ ١١٨).","vol":"6","page":415},{"text":"٨١ -<span data-type='title' id=toc-3819> كتاب الرقاق</span>\nاختلفت النسخ، ففي النسخ الهندية كما ترى، وهكذا في نسخة \"العيني\"، وفي نسخ الشروح الأخر \"كتاب الرقاق، الصحبة والفراغ ولا عيش إلا عيش الآخرة\".\nقال العلامة القسطلاني (^١): والرقاق: جميع رقيق وهو الذي فيه رقة، وهي الرحمة ضد الغلظة، انتهى.\nوفي نسخة \"الكرماني\" (^٢): الرقائق بدل الرقاق، وقال: هي جمع الرقيقة، وهي مشتقة من الرقة ضد الغلظة، أي: كتاب الكلمات المرققة للقلوب، وقيل: من الرقة بمعنى الرحمة، وفي بعضها: كتاب الرقاق، وهو جمع الرقيق، انتهى.\nقال العيني (^٣): وسميت أحاديث الباب بذلك؛ لأن في كل منها ما يحدث في القلب رقة، انتهى.\nوفي هامش \"اللامع\" (^٤): قال القاري: الرقاق جمع رقيق، وهو الذي له رقة، أي: لطافة قاله شارح.\nوالظاهر ما قاله السيوطي من أن المراد بها الكلمات التي ترق بها القلوب إذا سمعت، وترغب عن الدنيا بسببها وتزهد فيها، انتهى.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ١٩١).\n(^٢) \"شرح الكرماني\" (٢٢/ ١٩١).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٥/ ٤٩٦).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٧٥)، و\"مرقاة المفاتيح\" (٩/ ٥).","vol":"6","page":416},{"text":"(١ -<span data-type='title' id=toc-3820> باب قول النبي - ﷺ -: \"لا عيش إلا عيش الآخرة</span>\")\nوفي نسخة \"العيني\" (^١): \"باب ما جاء في الصحة والفراغ وأن لا عيش إلا عيش الآخرة\".\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-3821> باب مثل الدنيا في الآخرة، وقوله: ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ الآية [محمد:</span> ٣٦])\nهذه الترجمة بعض لفظ حديث أخرجه مسلم والترمذي والنسائي عن المستورد بن شداد رفعه: \"والله ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم أصبعه في اليمّ، فلينظر بم يرجع\" وسنده إلى التابعي على شرط البخاري؛ لأنه لم يخرج للمستورد، واقتصر على ذكر حديث سهل، والمراد بذلك في الحديث التمثيل والتقريب، وإلا فلا نسبة بين المتناهي وبين ما لا يتناهى، انتهى مختصرًا من \"الفتح\" (^٢).\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-3822> باب قول النبي - ﷺ -: \"كن في الدنيا كأنّك غريب. . .\") إلخ</span>\nقال الحافظ (^٣): هكذا ترجم ببعض الخبر إشارةً إلى ثبوت رفع ذلك إلى النبي - ﷺ - وأن من رواه موقوفًا قصر فيه، انتهى.\n\n(٤ -<span data-type='title' id=toc-3823> باب في الأمل وطوله. . .) إلخ</span>\nالأمل - بفتحتين -: رجاء ما تحبه النفس من طول عمر وزيادة غنى، وهو قريب المعنى من التمني، ثم ذكر الحافظ (^٤) الفرق بين الأمل والتمني.\nوقال العيني (^٥): أي: هذا باب في بيان إلهاء الأمل عن العمل،\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٥/ ٤٩٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١١/ ٢٣٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١١/ ٢٣٣).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١١/ ٢٣٦).\n(^٥) \"عمدة القاري\" (١٥/ ٥٠٠).","vol":"6","page":417},{"text":"والأمل مذموم لجميع الناس إلا العلماء فلولا أملهم وطوله لما صنّفوا ولما ألّفوا، وقد نبّه عليه ابن الجوزي:\nوآمال الرجال لهم فضوح … سوى أمل المصنف ذي العلام\nانتهى.\nوقال الكرماني (^١): فإن قلت: ما وجه مناسبة الآية الأولى للترجمة؟ قلت: صدرها، وهو قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ الآية [آل عمران: ١٨٥]، أو عجزها وهو ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إلا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، أو ذكر لمناسبة قوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ﴾ [البقرة: ٩٦] إذ في تلك الآية ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [البقرة: ٩٦] والله أعلم، انتهى. وحكاه الحافظ أيضًا عن الكرماني.\n\n(٥ -<span data-type='title' id=toc-3824> باب من بلغ ستين سنة فقد أعذر الله إليه في العمر. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٢): وفي رواية النسفي: \"يعني الشيب\"، وقد اختلفوا في تفسير النذير، فالأكثر على أن المراد به الشيب، وقال علي: المراد به النبي - ﷺ -، وعن زيد بن علي: القرآن، واختلفوا أيضًا في المراد بالتعمير في الآية على أقوال، أحدها: أنه أربعون سنة، والثاني: ست وأربعون سنة، روي ذلك عن ابن عباس، [والثالث]: وعنه أيضًا أنه سبعون سنة، والرابع: ستون سنة، وتمسك قائله بحديث الباب، انتهى من \"الفتح\" بزيادة من \"العيني\" (^٣).\n_________\n(^١) \"شرح الكرماني\" (٢٢/ ١٩٤)، وانظر: \"فتح الباري\" (١١/ ٢٣٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١١/ ٢٣٩).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٥/ ٥٠٣).","vol":"6","page":418},{"text":"(٦ -<span data-type='title' id=toc-3825> باب العمل الذي يبتغى به وجه الله. . .) إلخ</span>\nأي: يطلب به \"وجه الله\" أي: ذاته، لا للرياء والسمعة، قاله العيني (^١).\n\n(٧ -<span data-type='title' id=toc-3826> باب ما يحذر من زهرة الدنيا)</span>\nعلى صيغة المجهول من الحذر، وفي بعض النسخ بالتشديد من التحذير، وزهرة الدنيا بهجتها ونضارتها وحسنها.\n(والتنافس فيها) من النفاسة وهي الرغبة في الشيء ومحبة الانفراد به والمغالبة عليه، وأصلها من الشيء النفيس في نوعه، يقال: نافست في الشيء منافسةً ونفاسةً ونفاسًا، ونفس الشيء بالضم نفاسةً صار مرغوبًا فيه، انتهى من كلام العيني (^٢).\nوفسّر الكرماني والقسطلاني (^٣) المنافسة بالرغبة، وقال الراغب في \"المفردات\" (^٤) والمنافسة: مجاهدة النفس للتشبه بالأفاضل، واللحوق بهم من غير إدخال ضرر على غيره، انتهى.\nوبسط الكلام في نقل معناه صاحب \"المجمع\" (^٥)، وفيه النفاسة بفتح نون: الحسد، وقال أيضًا: والنفاسة قريب من معنى الحسد، والمنافسة المغالبة على الشيء، وفي الحديث: \"ولكني أخاف عليكم أن تنافسوا\" أي: ترغبوا على وجه المعارضة والانفراد فيها، وقال أيضًا: ومنه تنافسون ثم تتحاسدون ثم تتدابرون، انتهى.\nقلت: ويستفاد من هذا الحديث أن التنافس من مقدّمات الحسد.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٥/ ٥٠٥).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٥/ ٥٠٧).\n(^٣) \"شرح الكرماني\" (٢٢/ ١٩٩)، \"إرشاد الساري\" (١٣/ ٤٩٦).\n(^٤) \"مفردات القرآن\" (ص ٨١٨).\n(^٥) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٧٧٦، ٧٧٧).","vol":"6","page":419},{"text":"(٨ -<span data-type='title' id=toc-3827> باب ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [فاطر:</span> ٥])\nمناسبة الآية كتاب الرقاق ظاهرة، ولذا ترجم بذلك.\nقال القسطلاني (^١): أي: فلا تخدعنكم الدنيا ولا يذهلنكم التمتّع والتلذّذ بزهرتها ومنافعها عن العمل للآخرة وطلب ما عند الله، انتهى من \"القسطلاني\".\n\n(٩ -<span data-type='title' id=toc-3828> باب ذهاب الصالحين)</span>\nأي: ذكر ذهاب الصالحين، أي: موتهم، وذهاب الصالحين من أشراط الساعة وقرب فناء الدنيا، انتهى من كلام \"العيني\" (^٢).\n\n(١٠ -<span data-type='title' id=toc-3829> باب ما يتقى من فتنة المال. . .) إلخ</span>\nقال العيني (^٣): ومعنى الفتنة في كلام العرب الاختبار والابتلاء، والفتنة الإمالة عن القصد، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ [الإسراء: ٧٣] أي: ليميلونك، والفتنة أيضًا الاحتراق، ومنه قوله تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات: ١٣] أي: يحرقون، والابتلاء والاختبار يجمع ذلك كله، انتهى.\n\n(١١ -<span data-type='title' id=toc-3830> باب قول النبي - ﷺ -: \"هذا المال حلوة خضرة. . .\") إلخ</span>\nقال العلامة العيني (^٤): قوله: \"خضرة\" التاء للمبالغة، أو باعتبار أنواع المال، وكذا الكلام في: حلوة، انتهى.\nوزاد القسطلاني (^٥): أو صفة لمحذوف كالبقلة، انتهى.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ٥٠٤).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٥/ ٥١٤).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٥/ ٥١٥).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٥/ ٥٢٠).\n(^٥) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ٥١٣).","vol":"6","page":420},{"text":"وقال الحافظ (^١): ومعناه أن صورة الدنيا حسنة مونقة، والعرب تسمي كل شيء مشرقٍ ناضرٍ أخضر، وقال ابن الأنباري: قوله: \"المال خضرة حلوة\" ليس هو صفة المال وإنما هو للتشبيه، كأنّه قال: المال كالبقلة الخضراء الحلوة، إلى آخر ما ذكر.\n\n(١٢ -<span data-type='title' id=toc-3831> باب ما قدم من ماله فهو له)</span>\nالضمير للإنسان المكلّف، وحذف للعلم به وإن لم يجر له ذكر، قال ابن بطال وغيره: في الحديث التحريض على تقديم ما يمكن تقديمه من المال في وجوه القربة والبر، ولا يعارضه قوله - ﷺ - لسعد: \"إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة\" لأن حديث سعد محمول على من تصدق بماله كله أو معظمه في مرضه، وحديث ابن مسعود في حق من يتصدق في صحته وشحّه، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\n\n(١٣ -<span data-type='title' id=toc-3832> باب المكثرون هم الأقلون. . .) إلخ</span>\nكذا في النسخ الهندية، وفي نسخ الشروح: \"هم المقلون\".\nقال الحافظ (^٣): كذا للأكثر، وللكشميهني: \"الأقلون\"، وقد ورد الحديث باللفظين، ووقع في رواية المعرور عن أبي ذر: \"الأخسرون\" بدل \"المقلون\" وهو بمعناه بناءً على أن المراد بالقلة في الحديث قلة الثواب، وكل من قلّ ثوابه فهو خاسر بالنسبة لمن كثر ثوابه، انتهى.\n\n(١٤ -<span data-type='title' id=toc-3833> باب قول النبي - ﷺ -: \"ما أحب أن لي أُحدًا ذهبًا</span>\")\nهكذا في \"الهندية\"، وفي نسخة \"الكرماني\" و\"العيني\" و\"القسطلاني\" بلفظ: \"ما أحب أن لي مثل أُحدٍ ذهبًا\" بزيادة لفظ \"مثل\"، وأما في\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١١/ ٢٤٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١١/ ٢٦٠)، وانظر: \"شرح ابن بطال\" (١٠/ ١٦٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١١/ ٢٦١).","vol":"6","page":421},{"text":"نسخة \"الفتح\" ففيه بدله: \"ما يسرّني أن عندي مثل أحد هذا ذهبًا\".\n\n(١٥ -<span data-type='title' id=toc-3834> باب الغنى غنى النفس)</span>\nأي: سواء كان المتصف بذلك قليل المال أو كثيره، والغنى بكسر أوله مقصور، وقد مدّ في ضرورة الشعر، وبفتح أوله مع المدّ هو الكفاية، قاله الحافظ (^١).\nوقال العلامة العيني (^٢): وحاصل معناه: ليس الغنى الحقيقي المعتبر من كثرة المال، بل هو من استغناء النفس وعدم الحرص على الدنيا، ولذا ترى كثيرًا من المتمولين فقير النفس مجتهدًا في الزيادة، فهو لشدة شرهه وحرصه على جمعه كأنّه فقير، وأما غنى النفس فهو من باب الرضا لقضاء الله لعلمه أن ما عند الله لا ينفد، انتهى.\nقال الحافظ (^٣): قال الطيبي: يمكن أن يراد بغنى النفس حصول الكمالات العلمية والعملية، وإلى ذلك أشار القائل:\nومن ينفق الساعات في جمع ماله … مخافة فقر فالذي فعل الفقر\nأي: ينبغي أن ينفق أوقاته في الغنى الحقيقي، وهو تحصيل الكمالات، لا في جمع المال فإنه لا يزداد بذلك إلا فقرًا، انتهى.\nقال الحافظ: وهذا وإن كان يمكن أن يراد لكن الذي تقدم أظهر في المراد، انتهى.\n\n(١٦ -<span data-type='title' id=toc-3835> باب فضل الفقر)</span>\nقال العيني (^٤): والمراد به الفقر الذي صاحبه راضٍ بما قسّم الله له وصابر على ذلك، ولا يصدر من قوله وفعله ما يسخط الله تعالى، ولا يترك التكسب، وأما فقراء هذا الزمان فإن أكثرهم غير موصوف بهذه الصفات،\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١١/ ٢٧١).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٥/ ٥٣٠).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١١/ ٢٧٣).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٥/ ٥٣٠).","vol":"6","page":422},{"text":"وأما الخلاف في أن الفقير الصابر أفضل أم الغني الشاكر؟ فهو مشهور، انتهى.\nوبسط الحافظ (^١) الكلام على مسألة التفضيل بين الغني الشاكر والفقير الصابر، فارجع إليه لو شئت.\n\n(١٧ -<span data-type='title' id=toc-3836> باب كيف كان عيش النبي - ﷺ - وأصحابه. . .) إلخ</span>\nأي: في حياته، (وتخليهم عن الدنيا) أي: عن ملاذِّها والتبسط فيها، ذكر فيه ثمانية أحاديث، قاله الحافظ (^٢).\nقلت: وقد أخرج الإمام أبو داود في \"باب الإمام يقبل هدايا المشركين\" من \"كتاب الخراج\" حديثًا طويلًا في بيان معيشة النبي - ﷺ - ونفقته من حديث عبد الله الهوزني قال: لقيت بلالًا مؤذنَ رسول الله - ﷺ - بحلب فقلت: يا بلال! حدثني كيف كانت نفقة رسول الله - ﷺ -؟ قال: ما كان له - ﷺ - شيء، كنت أنا الذي أَلِيْ ذلك [منه] منذ بعثه الله تعالى حتى توفي - ﷺ -، فذكر حديثًا طويلًا فيه قصة، فارجع إليه لو شئت (^٣).\n\n(١٨ -<span data-type='title' id=toc-3837> باب القصد والمداومة على العمل)</span>\nالقصد: سلوك الطريق المعتدلة، أي: استحباب ذلك، وسيأتي أنهم فسّروا السداد بالقصد، وبه تظهر المناسبة، قاله الحافظ (^٤).\nوقال أيضًا: ذكر المصنف فيه ثمانية أحاديث أكثرها مكرر، وفي بعضها زيادة على بعض، ومحصل ما اشتملت عليه الحثّ على مداومة العمل الصالح وإن قلّ، وأن الجنة لا يدخلها أحد بعمله بل برحمة الله، وقصة رؤية النبي - ﷺ - الجنة والنار في صلاته، والأول هو المقصود\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١١/ ٢٧٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١١/ ٢٨٣).\n(^٣) \"سنن أبي داود\" (٣٠٥٥).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١١/ ٢٩٥).","vol":"6","page":423},{"text":"بالترجمة، والثاني ذكر استطرادًا، وله تعلق بالترجمة أيضًا، والثالث يتعلق بها أيضًا بطريق خفي.\nثم قال في آخر أحاديث الباب: وفي الحديث إشارة إلى الحثِّ على مداومة العمل؛ لأن من مثل الجنة والنار بين عينيه كان ذلك باعثًا له على المواظبة على الطاعة والانكفاف عن المعصية، وبهذا التقريب تظهر مناسبة الحديث للترجمة، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nقوله: (سددوا) في هامش المصرية عن\"شيخ الإسلام\" (^٢): من السداد بالمهملة، وهو القصد من القول والعمل.\nوقوله: (وقاربوا) أي: لا تبلغوا النهاية في العمل بل تقربوا منها لئلا تملوا، انتهى.\nوقال القسطلاني (^٣): قوله: \"سددوا. . .\" إلخ، أي: اقصدوا السداد، أي: الصواب، انتهى.\n\n(١٩ -<span data-type='title' id=toc-3838> باب الرجاء مع الخوف)</span>\nعندي هما باعثان على مداومة العمل، ولذا عقب الأولى بهما.\nوقال الحافظ: أي: استحباب ذلك، فلا يقطع النظر في الرجاء عن الخوف ولا في الخوف عن الرجاء لئلا يفضي في الأول إلى المكر وفي الثاني إلى القنوط وكل منهما مذموم، انتهى من \"الفتح\" (^٤).\n\n(٢٠ -<span data-type='title' id=toc-3839> باب الصبر عن محارم الله)</span>\nقال الحافظ (^٥): يدخل في هذا المواظبة على فعل الواجبات والكف عن المحرمات، وذلك ينشأ عن علم العبد بقبحها، وأن الله حرمها صيانةً لعبده عن الرذائل، فيحمل ذلك العاقل على تركها ولو لم يرد على فعلها\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١١/ ٣٠٠).\n(^٢) \"تحفة الباري\" (٦/ ٢٢٣).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ٥٤٠).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١١/ ٣٠١).\n(^٥) \"فتح الباري\" (١١/ ٣٠٣).","vol":"6","page":424},{"text":"وعيد، وأحسن ما وصف به الصبر أنه حبس النفس عن (^١) المكروه وعقد اللسان عن الشكوى والمكابدة في تحمله وانتظار الفرج، انتهى.\n\n(٢١ -<span data-type='title' id=toc-3840> باب ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق:</span> ٣])\nاستعمل لفظ الآية ترجمة لتضمنها الترغيب في التوكل، وكأنه أشار إلى تقييد ما أطلق في حديث الباب قبله، وأن كلًّا من الاستغناء والتصبر والتعفف إذا كان مقرونًا بالتوكل على الله فهو الذي ينفع وينجع، والمراد بالتوكل اعتقاد ما دلّت عليه هذه الآية ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]، وليس المراد به ترك التسبب والاعتماد على ما يأتي من المخلوقين؛ لأن ذلك قد يجر إلى ضد ما يراه من التوكل، وقد سئل أحمد عن رجل جلس في بيته أو في المسجد وقال: لا أعمل شيئًا حتى يأتيني رزقي؟ فقال: هذا رجل جهل العلم، فقد قال النبي - ﷺ -: \"إن الله جعل رزقي تحت ظل رمحي\"، قال: وكان الصحابة يتجرون ويعملون في نخيلهم، والقدوة بهم، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\n\n(٢٢ -<span data-type='title' id=toc-3841> باب ما يكره من قيل وقال)</span>\nقال القسطلاني (^٣): بفتحهما في الفرع كأصله، ثم قال في شرح الحديث: قوله: \"ينهى عن قيل وقال\" بفتحهما فعلان ماضيان، الأول مجهول، وهو حكاية أقاويل الناس: قال فلان كذا وفلان كذا، وقيل كذا أو كذا، ولأبي ذر: \"قيلٍ وقالٍ\" بالتنوين فيهما اسمان، يقال: قَالَ قَوْلًا وَقِيلًا وَقَالًا، أي: نهى عن الإكثار مما لا فائدة فيه من الكلام، انتهى.\nوبسط الحافظ (^٤) الكلام في شرح الحديث وبيان معناه.\n_________\n(^١) هكذا في \"الفتح\" وفي \"القسطلاني\" (١٣/ ٥٤٨): \"على المكروه\" هو الصواب، (ز).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١١/ ٣٠٥، ٣٠٦).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ٥٥٢).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١١/ ٣٠٦، ٣٠٧).","vol":"6","page":425},{"text":"قلت: ومناسبة الباب بالكتاب لعله من جهة أن كثرة الكلام بما لا فائدة فيه مما يورث القساوة في القلب.\n\n(٢٣ -<span data-type='title' id=toc-3842> باب حفظ اللسان. . .) إلخ</span>\nأي: عن النطق بما لا يسوغ شرعًا مما لا حاجة للمتكلم به، وقد أخرج أبو الشيخ في \"كتاب الثواب\" والبيهقي في \"الشعب\" من حديث أبي جحيفة رفعه: \"أحب الأعمال إلى الله حفظ اللسان\"، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(٢٤ -<span data-type='title' id=toc-3843> باب البكاء من خشية الله)</span>\nأي: بيان فضله، قاله العيني (^٢).\n\n(٢٥ -<span data-type='title' id=toc-3844> باب الخوف من الله)</span>\nقال العيني (^٣): أي: في بيان شدة الاعتناء بالخوف من الله - ﷿ -، والخوف من لوازم الإيمان، قال تعالى: ﴿وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥] انتهى.\nقال الحافظ (^٤): وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] وكلما كان العبد أقرب إلى ربه كان أشد له خشية مما دونه، انتهى.\n\n(٢٦ -<span data-type='title' id=toc-3845> باب الانتهاء عن المعاصي)</span>\nأي: تركها أصلًا ورأسًا، والإعراض عنها بعد الوقوع فيها، انتهى من \"الفتح\" (^٥).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١١/ ٣٠٨، ٣٠٩).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٥/ ٥٥٣).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٥/ ٥٥٤).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١١/ ٣١٣).\n(^٥) \"فتح الباري\" (١١/ ٣١٦).","vol":"6","page":426},{"text":"(٢٧ -<span data-type='title' id=toc-3846> باب قول النبي - ﷺ -: \"لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا. . .\" إلخ)</span>\nقال الحافظ (^١) - ﵀ -: والمراد بالعلم ههنا ما يتعلق بعظمة الله وانتقامه ممن يعصيه، والأهوال التي تقع عند النزع والموت وفي القبر ويوم القيامة، ومناسبة كثرة البكاء وقلة الضحك في هذا المقام واضحة، والمراد به التخويف، انتهى.\n\n(٢٨ -<span data-type='title' id=toc-3847> باب حجبت النار بالشهوات)</span>\nفمن هتك الحجاب بارتكاب الشهوات المحرمة كالزنا وغيره مما منع الشرع منه كان ذلك سببًا لوقوعه، أعاذنا الله من ذلك ومن سائر المهالك بمنه وكرمه، قاله القسطلاني (^٢).\nثم قال في شرح الحديث: قوله: \"حجبت. . .\" إلخ، ولمسلم: \"حفت\" بالحاء المهملة المضمومة والفاء المفتوحة المشددة في الموضعين من الحفاف، وهو ما يحيط بالشيء حتى لا يتوصل إليه إلا بتخطيه، فالجنة لا يتوصل إليها إلا بقطع مفاوز المكاره، والنار لا ينجي منها إلا بترك الشهوات، وهذا الحديث من جوامع كلمه - ﷺ - وبديع بلاغته في ذمِّ الشهوات وإن مالت إليه النفوس، والحضِّ على الطاعات وإن كرهتها النفوس وشقّت عليها، انتهى.\nوفي شرح هذا الحديث قولان، أحدهما: شرح الجمهور، والثاني: ما اختاره أبو بكر ابن العربي كما بسط في الشروح، وذكرهما صاحب \"الفيض\" (^٣) أيضًا، وقال بعد ذكر القولين: والظاهر عندي أن الشرحين صحيحان باعتبارين مختلفين، وإن كان الأسبق إلى الذهن شرح الجمهور فشرحهم أسبق، وشرح القاضي ألطف، انتهى. فارجع إليه لو شئت.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١١/ ٣١٩).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ٥٦٦).\n(^٣) \"فيض الباري\" (٦/ ٢٦٥).","vol":"6","page":427},{"text":"(٢٩ -<span data-type='title' id=toc-3848> باب الجنة أقرب إلى أحدكم. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^١): قال ابن بطال (^٢): فيه أن الطاعة موصلة إلى الجنة وأن المعصية مقربة إلى النار، وأن الطاعة والمعصية قد تكون في أيسر الأشياء، وتقدم في هذا المعنى قريبًا حديث: \"إن الرجل ليتكلم بالكلمة\" الحديث، فينبغي للمرء أن لا يزهد في قليل من الخير أن يأتيه، ولا في قليل من الشر أن يجتنبه، فإنه لا يعلم الحسنة التي يرحمه الله بها ولا السيئة التي يسخط عليه بها، وقال ابن الجوزي (^٣): معنى الحديث أن تحصيل الجنة سهل بتصحيح القصد وفعل الطاعة، والنار كذلك بموافقة الهوى وفعل المعصية، انتهى.\nقال السندي (^٤): قوله: \"الجنة أقرب إلى أحدكم. . .\" إلخ؛ لأن حصول كل منهما يكون منوطًا بكلمة لا يبالي بها المتكلم، وأي شيء أقرب إلى الإنسان مما شأنه ذلك، والله تعالى أعلم، انتهى.\nذكر المصنف فيه حديثين، ومناسبة الأول بالترجمة ظاهرة، وأما الثاني فخفية، قال القسطلاني (^٥): ومطابقته للترجمة من حيث إن كل شيء ما خلا الله في الدنيا الذي لا يؤول إلى طاعة الله تعالى ولا يقرب منه إذا كان باطلًا يكون الاشتغال به مبعدًا من الجنة مع كونها أقرب إليه من شراك نعله، قاله العيني.\nوقال: إنه من الفيض الإلهي الذي وقع في خاطره، وقال في \"فتح الباري\": مناسبته للترجمة خفية، وكأن الترجمة لما تضمنت ما في الحديث الأول من التحريض على الطاعة ولو قلّت، والزجر عن المعصية ولو قلّت،\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١١/ ٣٢١).\n(^٢) \"شرح ابن بطال\" (١٠/ ١٩٨).\n(^٣) \"كشف المشكل\" (١/ ٣١٢).\n(^٤) \"صحيح البخاري بحاشية السندي\" (٤/ ١٢٧).\n(^٥) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ٥٦٨)، \"عمدة القاري\" (١٥/ ٥٦١)، \"فتح الباري\" (١١/ ٣٢٢).","vol":"6","page":428},{"text":"تضمنت أن من خالف ذلك إنما يخالفه لرغبة في أمر من أمور الدنيا، وكل ما في الدنيا باطل، كما صرّح به الحديث الثاني، فلا ينبغي للعاقل أن يؤثر الفاني على الباقي، انتهى.\n\n(٣٠ -<span data-type='title' id=toc-3849> باب لينظر إلى من هو أسفل منه. . .) إلخ</span>\nقال القسطلاني (^١): قال ابن بطال: لا يكون أحد على حالة سيئة من الدنيا إلا يجد من أهلها ما هو أسوأ حالًا منه، فإذا تأمل ذلك علم أن نعمة الله وصلت إليه دون كثير ممن فضل عليه بذلك من غير إبراز (^٢) حبه فيعظم اغتباطه بذلك، نعم ينظر إلى من هو فوقه في الدين فيقتدي به فيه، انتهى.\nوقال الحافظ (^٣): والترجمة لفظ حديث أخرجه مسلم بنحوه بلفظ: \"انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم\"، انتهى.\n\n(٣١ -<span data-type='title' id=toc-3850> باب من همّ بحسنة أو سيئة)</span>\nقال الحافظ (^٤): الهمّ: ترجيح قصد الفعل، تقول: هممت بكذا، أي: قصدته بهمتي، وهو فوق مجرد خطور الشيء بالقلب، ثم بسط الكلام في شرح الحديث. قوله: \"ومن همّ بسيئة فلم يعملها. . .\" إلخ، ولا يخفى أن الترك الذي يثاب عليه ما يكون لوجه الله لا لأمر آخر. قال الخطابي (^٥): هذا إذا تركها مع القدرة عليها إذ لا يسمى الإنسان تاركًا للشيء الذي لا يقدر عليه، انتهى، كذا في الحاشية (^٦).\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ٥٦٩).\n(^٢) كذا في \"القسطلاني\"، وفي \"الفتح\" بدله: \"من غير أمر أوجبه فيلزم نفسه الشكر. . .\" إلخ، (ز).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١١/ ٣٢٢).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١١/ ٣٢٣).\n(^٥) \"أعلام الحديث\" (٣/ ٢٢٥٢).\n(^٦) \"صحيح البخاري بحاشية السهارنفوري\" (١٢/ ٦٦٥).","vol":"6","page":429},{"text":"قلت: فعلى هذا لا منافاة بينه وبين ما في أبي داود (^١) من قوله - ﷺ -: \"إذا عملتِ الخطيئة في الأرض كان من شهدها فكرهها كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها\".\n\n(٣٢ -<span data-type='title' id=toc-3851> باب ما يتقى من محقرات الذنوب)</span>\nبفتح القاف المشددة وهي التي يحتقرها فاعلها، انتهى من \"القسطلاني\" (^٢).\nوقال الحافظ (^٣): وعند أحمد والطبراني من حديث ابن مسعود، وعند النسائي وابن ماجه عن عائشة: أن النبي - ﷺ - قال لها: \"يا عائشة إياك ومحقرات الذنوب، فإن لها من الله طالبًا\" وصحّحه ابن حبان، انتهى.\n\n(٣٣ -<span data-type='title' id=toc-3852> باب الأعمال بالخواتيم وما يخاف منها)</span>\nقال الحافظ (^٤): قال ابن بطال (^٥): في تغييب خاتمة العمل عن العبد حكمة بالغة وتدبير لطيف؛ لأنه لو علم وكان ناجيًا أعجب وكسل وإن كان هالكًا ازداد عتوًّا فحجب عنه ذلك ليكون بين الخوف والرجاء، وقد روى الطبري عن حفص بن حميد قال: قلت لابن المبارك: رأيت رجلًا قتل ظلمًا فقلت في نفسي: أنا أفضل من هذا، فقال: أمنك على نفسك أشدّ من ذنبه، قال الطبري: لأنه لا يدري ما يؤول إليه الأمر لعل القاتل يتوب فتقبل توبته، ولعل الذي أنكر عليه يختم له بخاتمة السوء، انتهى.\n\n(٣٤ -<span data-type='title' id=toc-3853> باب العزلة راحة من خلاط السوء)</span>\nقال الحافظ (^٦): لفظ هذه الترجمة أثر أخرجه ابن أبي شيبة بسند رجاله ثقات عن عمر أنه قاله، لكن في سنده انقطاع، و\"خلاط\" بضم\n_________\n(^١) \"سنن أبي داود\" (٤٣٤٥).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ٥٧٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١١/ ٣٢٩).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١١/ ٣٣٠).\n(^٥) \"شرح ابن بطال\" (١٠/ ٢٠٣).\n(^٦) \"فتح الباري\" (١١/ ٣٣١).","vol":"6","page":430},{"text":"المعجمة وتشديد اللام للأكثر، وهو جمع مستغرب، وذكره الكرماني بلفظ \"خلط\" بغير ألف وهو بضمتين مخففًا كذا ذكر الصغاني في \"العباب\"، قال الخطابي: جمع خليط، ويجمع أيضًا على خلط بضمتين مخففًا قال: والخِلاط بالكسر والتخفيف المخالطة، قلت: فلعله الذي وقع في هذه الترجمة، انتهى.\n\n(٣٥ -<span data-type='title' id=toc-3854> باب رفع الأمانة)</span>\nهي ضدّ الخيانة، والمراد برفعها إذهابها بحيث يكون الأمين معدومًا أو شبه المعدوم، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nقوله: (فيظل أثرها مثل أثر الوكت) كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٢): لعل المراد بذلك تصوير الخيانة وتمثيل أثرها في القلب، فإنها في أول الوهلة أقل منها في الثانية، كما أن الوكت وهو السواد الحاصل بدوام العمل بفأس ونحوه أقلّ من المجل، ويمكن أن يكون المراد تمثيل بقاء أثر الأمانة إلى آخر ما ذكر، فارجع إليه لو شئت.\nوفي \"الفيض\" (^٣): الوكت \"سياه داغ\"، والمجل \"آبله\"، ثم اعلم أن النبي - ﷺ - ضرب له مثلًا لرفع الأمانة أولًا ثم ذكر مثالًا لإيضاح تمثيله، فقال: كجمر دحرجته. . . إلخ، ثم اختلف الشارحون أن التشبيه للأمانة الزائلة أو الباقية، وهما وجهان، وراجع الطيبي (^٤)، انتهى.\n\n(٣٦ -<span data-type='title' id=toc-3855> باب الرياء والسمعة)</span>\nالرياء: مشتق من الرؤية، والمراد به إظهار العبادة لقصد رؤية الناس لها فيحمدوا صاحبها، والسمعة: بضم المهملة مشتقة من سمع، والمراد بها\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١١/ ٣٣٣).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٧٦).\n(^٣) \"فيض الباري\" (٦/ ٢٦٨).\n(^٤) \"شرح الطيبي\" (١٠/ ٤٩، ٥٠).","vol":"6","page":431},{"text":"نحو ما في الرياء، لكنها تتعلق بحاسة السمع، والرياء بحاسة البصر، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(٣٧ -<span data-type='title' id=toc-3856> باب من جاهد نفسه في طاعة الله)</span>\nالمراد بالمجاهدة كفّ النفس عن إرادتها من الشغل بغير العبادة، وبهذا تظهر مناسبة الترجمة لحديث الباب، قال القشيري: أصل مجاهدة النفس فطمها عن المألوفات وحملها على غير هواها، وللنفس صفتان: انهماك في الشهوات، وامتناع عن الطاعات، فالمجاهدة تقع بحسب ذلك، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\n\n(٣٨ -<span data-type='title' id=toc-3857> باب التواضع)</span>\nمشتق من الضعة بكسر أوله وهي الهوان، والمراد بالتواضع إظهار التنزل عن المرتبة لمن يراد تعظيمه، وقيل: هو تعظيم من فوقه لفضله، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\nقال القسطلاني (^٤): قال الجنيد: هو خفض الجناح ولين الجانب، انتهى، وأورد على حديثي الباب بعدم المطابقة بالترجمة كما ذكرت في هامش \"اللامع\".\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٥): ودلالة الرواية الأولى عليه من حيث إنها دلّت على أنه لا شيء في مخلوقاته تعالى إلا وعليه فضل لخلق آخر من خلقه، وأيضًا فإن قوله - ﷺ -: \"إن حقًا على الله. . .\" إلخ، دلّ على هذا المعنى، فعلم بكل منهما أن لا ينبغي لشيء من الخليقة أن يعدّ لنفسه فضلًا وأن يتكبر على أحد، وأما الرواية الثانية فدلالتها على الترجمة\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١١/ ٣٣٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١١/ ٣٣٨).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١١/ ٣٤١).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ٥٨٤).\n(^٥) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٧٧، ٧٨).","vol":"6","page":432},{"text":"من حيث إن العبادات لا سيما الصلاة غاية في الخضوع والتواضع، وقد تبين فيها ما يترتب على هذا التواضع من علو المرتبة والقبول في حضرة الرب ﵎، انتهى.\nقلت: والأوجه عندي في مناسبة الحديث الثاني بالترجمة أنها في قوله: \"من عادى لي وليًا\" فإن المتواضع لا يعادي أحدًا فضلًا عن الأولياء.\n\n(٣٩ -<span data-type='title' id=toc-3858><span data-type='title' id=toc-3859> باب </span>قول النبي - ﷺ -: \"بعثت أنا والساعة كهاتين. . .\") إلخ</span>\nقال القسطلاني (^١): بنصب الساعة، وقوله: \"كهاتين\" أي: كما بين هاتين الأصبعين السبّابة والوسطى، انتهى. وذكر العلامة الكرماني (^٢) بالرفع والنصب.\nوبسط الحافظ الكلام على إعرابه فارجع إليه لو شئت (^٣).\nوأما مناسبة الباب بالكتاب فبما ذكره الحافظ حيث قال: ولما أراد البخاري إدخال أشراط الساعة وصفة القيامة في \"كتاب الرقاق\" استطرد من حديث الباب الذي قبله المشتمل على ذكر الموت الدال على فناء كل شيء إلى ذكر ما يدلّ على قرب القيامة، وهو من لطيف ترتيبه، انتهى.\nثم بسط الحافظ والقسطلاني ههنا الكلام على مدة بقاء الدنيا.\nوبسط الكلام في الروايات الواردة في ذلك، فارجع إليه لو شئت (^٤).\n\n(٤٠ - باب)\nبغير ترجمة، قال الحافظ (^٥): كذا للأكثر بغير ترجمة، وللكشميهني \"باب طلوع الشمس من مغربها\"، وكذا هو في نسخة الصغاني، وهو مناسب، ولكن الأول أنسب؛ لأنه يصير كالفصل من الباب الذي قبله،\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ٥٨٩).\n(^٢) \"شرح الكرماني\" (٢٣/ ٢٣).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١١/ ٣٤٨).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١١/ ٣٤٨ - ٣٥٢)، و\"إرشاد الساري\" (١٣/ ٥٨٩ - ٥٩٣).\n(^٥) \"فتح الباري\" (١١/ ٣٥٢).","vol":"6","page":433},{"text":"ووجه تعلقه به أن طلوع الشمس من مغربها إنما يقع عند إشراف قيام الساعة كما سأقرره، انتهى.\nقلت: والأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن المصنف ذكره بغير ترجمة لمناسبة قوله تعالى - في الباب السابق -: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إلا كَلَمْحِ الْبَصَرِ﴾ الآية [النحل: ٧٧]، لما ذكر في حديث الباب من أمور تدل على فجأة القيامة كقوله - ﷺ -: \"ولتقومن الساعة وقد نشر الرجلان\" الحديث.\nثم إن الشيخ الكَنكَوهي قُدِّس سرُّه أفاد ههنا في شرح حديث الباب نكتة بديعة لم أر من تعرّض لها من الشرَّاح حيث قال: قوله: \"آمنوا أجمعون. . .\" إلخ، ربما يختلج أن خوارق العادات من كرامات الأولياء ومعجزات الأنبياء وآيات قدرة العزيز سلطانه ﵎ من لدن عهد آدم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام متكاثرة، إلا أنه لم يصر شيء منها سببًا لإسلام الخلق وإيمانهم كافة فكيف آمنوا بتلك الآية أجمعون، ولعل الوجه في ذلك أن الشياطين والمردة امتنعوا عند ذلك من الإغواء والإضلال لعلمهم أن الإيمان لا يفيد بعد ذلك، فلا حاجة إلى الصدّ عنه، فكان امتناعهم عن الإضلال سببًا ظاهرًا للإيمان، وأيضًا فإن الله - ﷾ - جعل الغفلة مانعةً عن قبول الحق ليظهر من آمن بالغيب ممن لم يؤمن به، وهذا أوان انكشاف المغيبات، فلم يبق المانع عن قبول الحق حتى ينحجزوا عنه، انتهى من \"اللامع\" (^١).\n\n(٤١ -<span data-type='title' id=toc-3860> باب من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه)</span>\nهكذا ترجم بالشقِّ الأول من الحديث الأول إشارةً إلى بقيته على طريق الاكتفاء، قال العلماء: محبة الله لعبده إرادته الخير له وهدايته إليه وإنعامه عليه وكراهته له على الضد من ذلك، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٧٨، ٧٩).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١١/ ٣٥٨).","vol":"6","page":434},{"text":"قوله: (وعرفت أنه. . .) إلخ، أي: الأمر الذي حصل [له] هو \"الحديث الذي كان يحدثنا به\"، وهو صحيح أنه لم يقبض نبي قط حتى يخير، انتهى من \"القسطلاني\" (^١).\nوكتب العلامة السندي (^٢): الظاهر أن هذا كان من عائشة على وجه الظن والتخمين، وإلا فمعلوم أنه - ﷺ - قد خيّر قبل ذلك بزمان حتى إنه خطب بعد أن خيّر فقال: \"إن عبدًا خيّره الله تعالى بين الدنيا وبين ما عند الله، فاختار ما عند الله\"، فبكى أبو بكر، والله تعالى أعلم، انتهى.\n\n(٤٢ -<span data-type='title' id=toc-3861> باب سكرات الموت)</span>\nبفتح المهملة والكاف جمع سكرة، قال الراغب وغيره: السكر حالة تعرض بين المرء وعقله، وأكثر ما تستعمل في الشراب المسكر، ويطلق في الغضب والعشق والألم والنعاس والغشي الناشيء عن الألم، وهو المراد هنا، وقال أيضًا تحت شرح الحديث: وفي الحديث أن شدة الموت لا تدلّ على نقصٍ في المرتبة، بل هي للمؤمن إما زيادة في حسناته وإما تكفير لسيئاته، وبهذا التقرير تظهر مناسبة أحاديث الباب للترجمة، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\nقلت: ولا يبعد عندي أن تكون الترجمة من الأصل الثامن عشر، أي: إرادة العام بترجمة خاصة.\n\n(٤٣ -<span data-type='title' id=toc-3862> باب نفخ الصور)</span>\nبضم الصاد المهملة وسكون الواو، وليس هو جمع صورة كما زعم بعضهم، أي: ينفخ في الصور الموتى والتنزيل يدلّ عليه قال تعالى: ﴿ثُمَّ\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ٥٩٩).\n(^٢) \"صحيح البخاري بحاشية السندي\" (٤/ ١٣٠).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١١/ ٣٦٢، ٣٦٣).","vol":"6","page":435},{"text":"نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى﴾ [الزمر: ٦٨] ولم يقل: فيها، فعلم أنه ليس جمع صورة، انتهى من \"القسطلاني\" (^١).\nقلت: وتقدم قول البخاري في تفسير سورة الأنعام: الصور: جماعة صورة مع الإيراد عليه، وتقدم الكلام أيضًا على عدد النفخات في كتاب التفسير تحت قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ الآية في تفسير سورة الزمر [٦٨].\n\n(٤٤ -<span data-type='title' id=toc-3863> باب يقبض الله الأرض. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٢) - ﵀ -: لما ذكر ترجمة نفخ الصور أشار إلى ما وقع في سورة الزمر قبل آية النفخ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ الآية [الزمر: ٦٧]، وفي قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ [الحاقة: ١٣، ١٤] ما قد يتمسك به أن قبض السماوات والأرض يقع بعد النفخ في الصور أو معه، انتهى.\n\n(٤٥ -<span data-type='title' id=toc-3864> باب كيف الحشر)</span>\nكذا في أكثر النسخ، وفي نسخة الحافظ: \"باب الحشر\".\nقال القرطبي: الحشر الجمع، وهو أربعة: حشران في الدنيا وحشران في الآخرة، فالذي في الدنيا أحدهما: المذكور في سورة (^٣) الحشر في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ [الحشر: ٢]، والثاني: الحشر المذكور في أشراط الساعة الذي أخرجه مسلم من حديث حذيفة بن أسيد رفعه: \"إن الساعة لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات\" فذكره، وفي حديث ابن عمر عند أحمد مرفوعًا: \"تخرج نار قبل يوم القيامة من حضرموت فتسوق الناس\" الحديث، وفيه: \"فما تأمرنا؟ قال:\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ٦٠٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١١/ ٣٧٢).\n(^٣) وقع في الأصل: \"صورة\" بالصاد المهملة وهو خطأ.","vol":"6","page":436},{"text":"عليكم بالشام\"، وفي لفظ آخر: \"ذلك نار تخرج من قعر عدن ترحل الناس إلى المحشر\"، والحشر الثالث: حشر الأموات من قبورهم وغيرها بعد البعث جميعًا إلى الموقف، قال الله - ﷿ -: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٧]، والرابع: حشرهم إلى الجنة أو النار، انتهى ملخصًا من \"الفتح\" (^١).\nثم قال الحافظ: قلت: الأول ليس حشرًا مستقلًا، فإن المراد حشر كل موجود يومئذٍ، والأول إنما وقع لفرقة مخصوصة، وقد وقع نظيره مرارًا، تخرج طائفة من بلدها بغير اختيارها إلى جهة الشام، كما وقع لبني أميّة أوّل ما تولَّى ابن الزبير الخلافة، فأخرجهم من المدينة إلى جهة الشام، ولم يعدّ ذلك أحد حشرًا، انتهى مختصرًا.\n\n(٤٦ -<span data-type='title' id=toc-3865> باب ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ. . .﴾ [الحج: ١]) إلخ</span>\nقال القسطلاني: قيل: هي زلزلة تكون قبيل طلوع الشمس من مغربها وإضافتها إلى الساعة؛ لأنها من أشراطها، انتهى.\nووجه إدخال هذه الترجمة في هذا الكتاب قد تقدمت الإشارة إليه في \"باب بعثت أنا والساعة كهاتين\" من كلام الحافظ - قُدِّس سرُّه (^٢) -.\n\n(٤٧ -<span data-type='title' id=toc-3866> باب ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [المطففين:</span> ٤، ٥])\nأي: فيسألون عمّا فعلوا في الدنيا، فإن من ظن ذلك لم يتجاسر على قبائح الأفعال، روي أن ابن عمر قرأ سورة التطفيف حتى بلغ هذه الآية ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦]، فبكى بكاءً شديدًا ولم يقرأ ما بعدها، انتهى من \"القسطلاني\" (^٣).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١١/ ٣٧٨، ٣٧٩).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (١١/ ٣٤٨).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ٦٢٤).","vol":"6","page":437},{"text":"(٤٨ -<span data-type='title' id=toc-3867> باب القصاص يوم القيامة، وهي الحاقة. . .) إلخ</span>\nقال العلامة العيني (^١): أي: هذا باب في بيان كيفية القصاص يوم القيامة، والقصاص بكسر القاف مأخوذ من القص وهو القطع، أو من اقتصاص الأثر وهو تتبّعه؛ لأن الذي يطلب القصاص يتبع جناية الجاني ليأخذ مثلها، انتهى.\nقلت: ولا يخفى أن بيان كيفية القصاص الواقع يوم القيامة مما يرقّق القلب.\n\n(٤٩ -<span data-type='title' id=toc-3868> باب من نوقش الحساب عذب)</span>\nالمراد بالمناقشة الاستقصاء في المحاسبة والمطالبة بالجليل والحقير وترك المسامحة، قاله الحافظ (^٢).\n\n(٥٠ -<span data-type='title' id=toc-3869> باب يدخل الجنة سبعون ألفًا بغير حساب)</span>\nفيه إشارة إلى أن وراء التقسيم الذي تضمنته الآية المشار إليها في الباب الذي قبله أمرًا آخر، وأن من المكلفين من لا يحاسب أصلًا، ومنهم من يحاسب حسابًا يسيرًا، ومنهم من يناقش الحساب، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\nثم قال الحافظ (^٤): أحاديث الباب تخص عموم الحديث الذي أخرجه مسلم (^٥) \"لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن جسده فيما أبلاه، وعن علمه فيما عمل به، وعن ماله من أين\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٥/ ٦٠٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١١/ ٤٠١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١١/ ٤٠٦).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١١/ ٤١٤).\n(^٥) قلت: لم أعثر عليه في \"صحيح مسلم\"، بل أخرجه الترمذي في \"سننه\" (٤/ ٦١٢)، (رقم ٢٤١٧)، وأورده القرطبي في مختصره لـ \"صحيح مسلم\"، ثم شرحه، وهو ليس عند مسلم، والحافظ نقله عن القرطبي، ظنًا منه أن مسلمًا أخرجه، كما لم يعز المزي في \"التحفة\" (٨/ ٢٣٣)، (رقم ١١٥٩٧) إلا إلى الترمذي فقط.","vol":"6","page":438},{"text":"اكتسبه وفيم أنفقه\"، قال القرطبي (^١): الحديث مخصوص بمن يدخل الجنة بغير حساب وبمن يدخل النار من أول وهلة، انتهى.\n\n(٥١ -<span data-type='title' id=toc-3870> باب صفة الجنة والنار)</span>\nتقدم هذا في بدء الخلق في ترجمتين، ووقع في كل منهما: \"وأنها مخلوقة\"، وأورد فيهما أحاديث في تثبيت كونهما موجودتين، وأحاديث في صفتهما أعاد بعضها في هذا الباب، وقال أيضًا: ذكر المصنف في الباب ثلاثة وعشرين حديثًا، انتهى (^٢).\nقوله: (جيء بالموت ثم يذبح. . .) إلخ، بسط الحافظ (^٣) الكلام في الجواب عن الإيراد المشهور على هذا الحديث فارجع إليه لو شئت.\nثم قال الحافظ: قال القرطبي: وفي هذه الأحاديث التصريح بأن خلود أهل النار فيها إلى غاية أمد، وإقامتهم فيها على الدوام بلا موت ولا حياة نافعة ولا راحة، قال: فمن زعم أنهم يخرجون منها وأنها تبقى خالية أو أنها تفنى وتزول، فهو خارج عن مقتضى ما جاء به الرسول وأجمع عليه أهل السُّنَّة.\nقال الحافظ: جمع بعض المتأخرين في هذه المسألة سبعة أقوال، ثم ذكرها الحافظ.\nقوله: (ما بين منكبي الكافر. . .) إلخ، قال السندي (^٤): قيل: هو من قبيل الانتفاخ لا الزيادة من خارج؛ لئلا يلزم تعذيب الأجزاء الغير العاصية، وقد يقال: هو قادر على أن يحفظ غير العاصي من الأجزاء عن العذاب مع الزيادة تقبيحًا في الصورة وتشديدًا في العذاب، وذلك بأن يجعل الأجزاء الزائدة طريقًا لوصول العذاب إلى الأصلية مع عدم الوصول إلى الزائدة، فتأمل، انتهى.\n_________\n(^١) \"المفهم\" (٧/ ١٥٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١١/ ٤١٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١١/ ٤٢١، ٤٢٢).\n(^٤) \"صحيح البخاري بحاشية السندي\" (٤/ ١٣٦).","vol":"6","page":439},{"text":"(٥٢ -<span data-type='title' id=toc-3871> باب الصراط جسر جهنم)</span>\nأي: الجسر المنصوب على جهنم لعبور المسلمين عليه إلى الجنة، وهو بفتح الجيم ويجوز كسرها، وقد وقع في حديث الباب لفظ الجسر، وفي رواية شعيب الماضية في \"باب فضل السجود\" بلفظ: \"يضرب الصراط\" فكأنه أشار في الترجمة إلى ذلك، انتهى (^١).\n* * *\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١١/ ٤٤٦).","vol":"6","page":440},{"text":"٨١<span data-type='title' id=toc-3872> م - كتاب الحوض</span>\nهكذا في النسخة \"الهندية\"، وهكذا هو في متن ضمن شرح الكرماني، وأما في بقية الشروح ففيها \"باب في الحوض\" من غير تسمية.\nقال العلامة العيني (^١): وفي بعض النسخ: \"كتاب في الحوض\" وقبله البسملة، وقال أيضًا: أي: هذا باب في ذكر حوض النبي - ﷺ -، والحوض الذي يجمع فيه الماء، ويجمع على أحواض وحياض، والأحاديث التي وردت فيه كثيرة بحيث صارت متواترة من جهة المعنى، والإيمان به واجب، وهو الكوثر على باب الجنة، يسقى المؤمنون منه، وهو مخلوق اليوم، انتهى.\nوكذا قال الكرماني (^٢)، وقال: وهو الكوثر، انتهى.\nوسيأتي أن الصواب أن اسم أحدهما الكوثر وهو نهر في الجنة واسم الآخر الحوض وهو في الموقف.\nقلت: والروايات فيهما كثيرة جدًا بحيث صارت متواترة معنى، عدَّ العيني من رواه من الصحابة فأوصلهم إلى الخمسين (^٣).\nقال القسطلاني (^٤): وقد تواتر حديث الكوثر من طرق تفيد القطع عند كثير من أئمة الحديث، وكذلك أحاديث الحوض، انتهى.\nقال النووي (^٥): قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: أحاديث\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٥/ ٦٤٠).\n(^٢) \"شرح الكرماني\" (٢٣/ ٦٣).\n(^٣) انظر: \"عمدة القاري\" (١٥/ ٦٤٠، ٦٤١).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ٦٧٥).\n(^٥) \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٨/ ٦٧، ٦٨).","vol":"6","page":441},{"text":"الحوض صحيحة، والإيمان به فرض، والتصديق به من الإيمان، وهو على ظاهره عند أهل السُّنَّة والجماعة، لا يتأوّل ولا يختلف فيه، وحديثه متواتر النقل، رواه خلائق من الصحابة إلى آخر ما ذكر من أسماء الصحابة.\nقال النووي: وقد جمع ذلك كلّه الإمام البيهقي في كتابه \"البعث والنشور\" بأسانيده وطرقه المتكاثرات، انتهى.\nوأنكره الخوارج وبعض المعتزلة، والمعروف أنه من خواص نبينا - ﷺ -، لكن أخرج الترمذي عن سمرة مرفوعًا: \"إن لكل نبي حوضًا\" فإن ثبت فالمختص بنبينا ﵊ نهر الكوثر الذي يصبّ منه في حوضه، كذا في هامش النسخة \"الهندية\" (^١).\nوهو الظاهر عندي من أن المختص هو نهر الجنة، والمشترك بين الأنبياء حوض المحشر، فقد تقدّم في \"كتاب التفسير\" في تفسير سورة الكوثر الروايات الكثيرة الصريحة في أن الكوثر نهر في الجنة يصبّ منه الماء في حوض المحشر، وإطلاق الحوض على هذا النهر في بعض الروايات مجاز.\nقال الحافظ (^٢) نقلًا عن القرطبي: والصحيح أن للنبي - ﷺ - حوضين، أحدهما: في الموقف، والآخر: داخل الجنة، وكل منهما يسمى كوثرًا.\nقال الحافظ: وفيه نظر؛ لأن الكوثر نهر داخل الجنة، وماؤه يصبّ في الحوض، ويطلق على الحوض كوثر لكونه يمد منه، انتهى.\nوفي \"العقائد النسفية\" (^٣): والحوض حق، قال التفتازاني في شرحه: لقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ قال محشيه العلامة الخيالي: يشير إلى أن الكوثر هو الحوض، والأصح أنه غيره، وأنه - أي: الكوثر - في\n_________\n(^١) انظر: \"صحيح البخاري بحاشية السهارنفوري\" (١٢/ ٧٨٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١١/ ٤٦٦).\n(^٣) \"شرح العقائد النسفية\" (ص ١٠٤).","vol":"6","page":442},{"text":"الجنة، والحوض في الموقف، انتهى من هامش \"اللامع\" (^١) بزيادة واختصار.\nثم قال القسطلاني (^٢): واختلف في حوضه - ﷺ - هل هو قبل الصراط أو بعده؟ قال القابسي: الصحيح أن الحوض قبل، قال القرطبي في \"تذكرته\": والمعنى يقتضيه فإن الناس يخرجون عطاشًا من قبورهم، وقال آخرون: إنه بعد الصراط، وصنيع البخاري في إيراده لأحاديث الحوض بعد أحاديث الشفاعة بعد نصب الصراط مشعر بذلك إلى آخر ما ذكر من دلائل الفريقين، فارجع إليه لو شئت.\nقلت: والراجح عندي قول من قال: إنه قبل الصراط لأنه إن كان بعد الصراط فكيف وصل إليه المرتدون الذين يحال بينه وبينهم ولم لم يسقطوا في جهنم.\n\n(٥٣ -<span data-type='title' id=toc-3873> باب قول الله: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾. . .) إلخ</span>\nتقدّم بيان اختلاف النسخ، وأن في أكثر النسخ \"باب في الحوض، وقول الله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾. . .\" إلخ.\nقال الحافظ (^٣): أشار إلى أن المراد بالكوثر النهر الذي يصبّ في الحوض فهو مادة الحوض كما جاء صريحًا في سابع أحاديث الباب، انتهى.\nقال العلامة القسطلاني (^٤): الكوثر فوعل من الكثرة وهو المفرط الكثرة، واختلف في تفسيره، فقيل: نهر في الجنة وهو المشهور المستفيض عند السلف والخلف، وقيل: أولاده؛ لأن السورة نزلت ردًّا على من عابه\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٨٧).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ٦٧٤).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١١/ ٤٦٧).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (١٣/ ٦٧٥).","vol":"6","page":443},{"text":"بعدم الأولاد، وقيل: الخير الكثير، وقيل: غير ذلك مما ذكرته في كتابي \"المواهب اللدنية بالمنح المحمدية\" (^١)، انتهى.\nثم البراعة في قوله: \"أن نرجع على أعقابنا\" قاله الحافظ (^٢).\nقلت: في حديث الحوض إذ هو أشدّ ذكرًا للموت والآخرة (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) \"المواهب اللدنية\" (٣/ ١٤٠ - ١٤٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٣/ ٥٤٤).\n(^٣) قلت: كذا في الأصل هنا، وفي \"اللامع\" (١٠/ ١١٩): و\"كتاب الرقاق\" كله مذكر للآخرة، وفي آخره حديث الحوض أشد ذكرًا للموت والآخرة.","vol":"6","page":444},{"text":"٨٢ -<span data-type='title' id=toc-3874> كتاب القدر</span>\nكذا في النسخ الهندية ونسخ الشروح أيضًا.\nقال الحافظ: (^١) زاد أبو ذر عن المستملي فقال: \"باب في القدر\"، وكذا للأكثر دون قوله: \"كتاب القدر\"، والقدر بفتح القاف والمهملة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] قال الراغب: القدر بوضعه يدلّ على القدرة، وعلى المقدور الكائن بالعلم، ويتضمن الإرادة عقلًا والقول نقلًا، وحاصله وجود شيء في وقت وعلى حال بوفق العلم والإرادة والقول، انتهى.\nوفي هامش \"اللامع\" (^٢): قال في \"شرح السُّنَّة\": الإيمان بالقدر فرض لازم وهو أن يعتقد أن الله خالق أعمال العباد خيرها وشرها، وكتبها في اللوح المحفوظ قبل أن خلقهم، والكل بقضائه وقدره وإرادته ومشيئته غير أنه يرضى الإيمان والطاعة ووعد عليهما الثواب، ولا يرضى الكفر والمعصية وأوعد عليهما العقاب، والقدر سر من أسرار الله تعالى لم يطلع عليها ملكًا مقربًا ولا نبيًا مرسلًا، ولا يجوز الخوض فيه والبحث عنه بطريق العقل، إلى آخر ما بسط فيه.\nثم إنهم فرّقوا بين القضاء والقدر، قال العلامة القسطلاني (^٣): قال الراغب: فيما رأيته في \"فتوح الغيب\": القدر: هو التقدير، والقضاء: هو التفصيل والقطع، فالقضاء أخصّ من القدر؛ لأنه الفصل بين التقدير، فالقدر كالأساس، والقضاء هو التفصيل والقطع، فذكر بعضهم أن القدر بمنزلة المعدّ للكيل، والقضاء بمنزلة الكيل، ولهذا لما قال أبو عبيدة لعمر - ﵁ -\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١١/ ٤٧٧).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٩٠).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ٣).","vol":"6","page":445},{"text":"لما أراد الفرار من الطاعون بالشام: أتفرّ من القضاء؟ قال: أفرّ من قضاء الله إلى قدر الله تنبيهًا على أن القدر ما لم يكن قضاء فمرجو أن يدفع الله، فإذا قضي فلا مدفع له، ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: ٢١] و﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: ٧١] تنبيهًا على أنه صار بحيث لا يمكن تلافيه، انتهى.\nقال الحافظ (^١): وقال الكرماني: المراد بالقدر حكم الله، وقال العلماء: القضاء هو الحكم الكلي الإجمالي في الأزل، والقدر جزئيات ذلك الحكم وتفاصيله، انتهى. وهذا عكس ما تقدم عن القسطلاني.\nوفي \"فيض الباري\" (^٢): اعلم أن القدر حصل من مجموع الإرادة والقدرة، والإرادة عند المتكلمين عبارة عن تخصيص بعض المقدورات ببعض الأوقات، وأنكرها الفلاسفة، وما ذكره الصدر في \"الأسفار\" وابن رُشد في \"التهافت\": أن الفلاسفة أيضًا قائلون بصفة الإرادة، فإنه تمويه بلا مرية، وخداع بلا فرية، إلى آخر ما ذكر، ثم إن العبد عند أهل السُّنَّة مختار، وإن كان مجبورًا في وصف الاختيار، فإنه مودعٌ فيه كالماء في القمقمة، انتهى.\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-3875> باب جفّ القلم على علم الله. . .) إلخ</span>\nأي: فرغت الكتابة إشارة إلى أن الذي كتب في اللوح المحفوظ لا يتغير حكمه، فهو كناية عن الفراغ من الكتابة؛ لأن الصحيفة حال كتابتها تكون رطبة أو بعضها، وكذلك القلم فإذا انتهت الكتابة جفت الكتابة والقلم.\nقال الطيبي: هو من إطلاق اللازم على الملزوم؛ لأن الفراغ من الكتابة يستلزم جفاف القلم عن مداده، قلت: وفيه إشارة إلى أن كتابة ذلك انقضت\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١١/ ٤٧٧).\n(^٢) \"فيض الباري\" (٦/ ٢٩٥، ٢٩٦).","vol":"6","page":446},{"text":"من أمدٍ بعيد، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-3876> باب الله أعلم بما كانوا عاملين)</span>\nالضمير لأولاد المشركين، كما صرّح به في السؤال، قاله الحافظ (^٢).\nوفي \"الفيض\" (^٣): وقد تقدم أن ابن تيمية نسب إلى البخاري أنه قائل بنجاتهم، واستدل له بهذه الترجمة، قلت: بل هي دالة على نقيضه؛ لأن ظاهرها أنه اختار التوقف، انتهى.\nقوله: (إلا يولد على الفطرة. . .) إلخ، قال السندي (^٤): الظاهر أن المراد سلامة الطبع بحيث لو عرض عليه الإسلام لَمَالَ إليه، لا نفس الإسلام إذ هو لا يناسب قوله: \"الله أعلم بما كانوا عاملين\" فتأمّل، انتهى.\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-3877> باب قوله: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب:</span> ٣٨])\nأي: حكمًا مقطوعًا بوقوعه، والمراد بالأمر واحد الأمور المقدرة، ويحتمل أن يكون واحد الأوامر؛ لأن الكل موجود بـ \"كن\"، قاله الحافظ (^٥).\n\n(٤ -<span data-type='title' id=toc-3878> باب العمل بالخواتيم)</span>\nقال الحافظ (^٦): لما كان ظاهر حديث علي يقتضي اعتبار العمل الظاهر أردفه بهذه الترجمة الدالة على أن الاعتبار بالخاتمة، انتهى.\n\n(٥ -<span data-type='title' id=toc-3879> باب إلقاء النذر العبد إلى القدر)</span>\nهكذا في النسخة \"الهندية\"، وكذا في نسخ الشروح سوى نسخة\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١١/ ٤٩١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١١/ ٤٩٣).\n(^٣) \"فيض الباري\" (٦/ ٢٩٧).\n(^٤) \"صحيح البخاري بحاشية السندي\" (٤/ ١٤٤).\n(^٥) \"فتح الباري\" (١١/ ٤٩٥).\n(^٦) \"فتح الباري\" (١١/ ٤٩٩).","vol":"6","page":447},{"text":"الحافظ ففيها: \"إلقاء العبد النذر إلى القدر\" وهو نسخة الحاشية.\nقال الكرماني (^١): فإن قلت: الترجمة مقلوبة إذ القدر يلقي العبد إلى النذر لقوله - في الحديث -: \"يلقيه القدر\" قلت: هما مترادفان إذ بالحقيقة القدر هو الموصل وبالظاهر هو النذر، لكن كان الأولى في الترجمة العكس ليوافق الحديث إلا أن يقال: هما متلازمان، انتهى.\nقال العلامة العيني (^٢): والمعنى أن العبد إذا نذر لدفع شر أو لجلب خير، فإن نذره يلقيه إلى القدر الذي فرغ الله منه وأحكمه، فمهما قدره الله هو الذي يقع، ولهذا قال - ﷺ - في حديث الباب: \"إن النذر لا يردّ شيئًا\"، انتهى.\nبسط شيء من الكلام على هذه الترجمة في هامش \"اللامع\" (^٣) فارجع إليه لو شئت، وسيأتي الكلام على حكم النذر وأنواعه في \"كتاب الأيمان والنذور\" إن شاء الله تعالى.\n\n(٦ -<span data-type='title' id=toc-3880> باب لا حول ولا قوة إلا بالله. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٤): ترجم في أواخر الدعوات \"باب قول لا حول\" بالإضافة، واقتصر هنا على لفظ الخبر، واستغنى به لظهوره في أبواب القدر؛ لأن معنى \"لا حول\" لا تحويل للعبد عن معصية الله إلا بعصمة الله، ولا قوة له على طاعة الله إلا بتوفيق الله، انتهى.\nقلت: ولا توفيق إلا بالقدر، فناسب الباب الكتاب.\n\n(٧ -<span data-type='title' id=toc-3881> باب المعصوم من عصم الله. . .) إلخ</span>\nأي: من عصمه الله بأن حماه من الوقع في الهلاك أو ما يجر إليه، يقال: عصمه الله من المكروه: وقاه وحفظه، واعتصمت بالله: لجأت إليه،\n_________\n(^١) \"شرح الكرماني\" (٢٣/ ٨١).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٥/ ٦٦٥).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٩٤، ٩٥).\n(^٤) \"فح الباري\" (١١/ ٥٠٠، ٥٠١).","vol":"6","page":448},{"text":"وعصمة الأنبياء - على نبينا وعليهم الصلاة والسلام - حفظهم عن النقائص وتخصيصهم بالكمالات النفسية والنصرة والثبات في الأمور وإنزال السكينة، والفرق بينهم وبين غيرهم أن العصمة في حقهم بطريق الوجوب وفي حق غيرهم بطريق الجواز، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(٨ -<span data-type='title' id=toc-3882> باب قول الله: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٥]) إلخ</span>\nوفي نسخة \"الفتح\": \"وحِرْمٌ على قرية\" قال الحافظ: كذا لأبي ذر، وفي رواية، غيره: \"وحرام\" بفتح أوله وزيادة الألف، والقراءتان مشهورتان، قرأ أهل الكوفة بكسر أوله وسكون ثانيه، وقرأ أهل الحجاز وغيرهم بفتحتين وألف، وهما بمعنى كالحلال والحل، ثم قال بعد ذكر الآيتين: ودخول ذلك في أبواب القدر ظاهر، فإنه يقتضي سبق علم الله بما يقع من عبيده، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\n\n(٩ -<span data-type='title' id=toc-3883> باب ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ﴾ الآية [الإسراء:</span> ٦٠])\nوالمناسبة في قوله تعالى: ﴿جَعَلْنَا﴾ لأنه هو التقدير.\nقاله الحافظ (^٣): وجه دخوله في أبواب القدر من ذكر الفتنة، وأن الله - ﷾ - هو الذي جعلها، وقد قال موسى ﵊: ﴿إِنْ هِيَ إلا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأعراف: ١٥٥].\nقال ابن التِّين: وجه دخول هذا الحديث في كتاب القدر الإشارة إلى أن الله تعالى قدَّر على المشركين التكذيب لرؤيا نبيه الصادق، إلى آخر ما ذكر.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١١/ ٥٠١، ٥٠٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١١/ ٥٠٣).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١١/ ٥٠٤، ٥٠٥).","vol":"6","page":449},{"text":"(١٠ -<span data-type='title' id=toc-3884> باب تحاج آدم وموسى عند الله تعالى)</span>\nولفظ قوله: \"عند الله\" زعم بعض شيوخنا أنه أراد أن ذلك يقع منهما يوم القيامة، ثم ردّه بما وقع في بعض طرقه، وذلك فيما أخرجه أبو داود من حديث عمر قال: قال موسى: \"يا رب أرنا آدم الذي أخرجنا ونفسه من الجنة، فأراه الله آدم، فقال: أنت أبونا\" الحديث، قال: وهذا ظاهره أنه وقع في الدنيا، انتهى.\nوفيه نظر: فليس قول البخاري: \"عند الله\" صريحًا في أن ذلك يقع يوم القيامة، فإن العندية عندية اختصاص وتشريف لا عندية مكان، والذي يظهر لي أن البخاري لمح في الترجمة بما وقع في بعض طرق الحديث، وهو ما أخرجه أحمد عن أبي هريرة بلفظ: \"احتج آدم وموسى عند ربهما\" الحديث، ثم ذكر الحافظ اختلاف العلماء في وقت هذه المحاجة وتعيين زمانه.\nوبسط الكلام على شرح الحديث أشدّ البسط (^١).\n\n(١١ -<span data-type='title' id=toc-3885> باب لا مانع لما أعطى الله)</span>\nهذا اللفظ منتزع من معنى الحديث الذي أورده، قاله الحافظ (^٢)\n\n(١٢ -<span data-type='title' id=toc-3886> باب من تعوذ بالله من درك الشقاء)</span>\nتقدم شرح ذلك في أوائل الدعوات (^٣).\n\n(١٣ -<span data-type='title' id=toc-3887> باب يحول بين المرء وقلبه)</span>\nكأنّه أشار إلى تفسير الحيلولة التي في الآية بالتقلب الذي في الخبر أشار إلى ذلك الراغب، وقال: المراد أنه يلقي في قلب الإنسان ما يصرفه عن مراده لحكمة تقتضي ذلك، انتهى من \"الفتح\" (^٤).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١١/ ٥٠٥ - ٥١٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١١/ ٥١٣).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١١/ ٥١٣).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١١/ ٥١٤).","vol":"6","page":450},{"text":"(١٤ -<span data-type='title' id=toc-3888> باب ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إلا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا. . .﴾ [التوبة: ٥١] قضى) إلخ</span>\nفسّر \"كتب\" بقضى، وهو أحد معانيها، وبه جزم الطبري في تفسيرها، وقال الراغب: ويعبر بالكتابة عن القضاء الممضي كقوله: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ [الأنفال: ٦٨] أي: فيما قدره، ومنه: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤]، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(١٥ -<span data-type='title' id=toc-3889> باب قوله: ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ. . .﴾ [الأعراف: ٤٣]) إلخ</span>\nقال القسطلاني (^٢): وجواب لولا مدلول عليه بقوله: ﴿وَمَا كُنَّا﴾ تقديره لولا هداية لنا موجودة لشقينا أو ما كنا مهتدين، وقد دلّت على أن المهتدي من هداه الله، وأن من لم يهده الله لم يهتد، ومذهب المعتزلة أن كل ما فعله الله في حق الأنبياء والأولياء من أنواع الهداية والإرشاد فقد فعله في حق جميع الكفار والفساق، وإنما حصل الامتياز بين المؤمن والكافر والمحق والمبطل بسعي نفسه واختيار نفسه، فكان يجب عليه أن يحمد نفسه؛ لأنه هو الذي حصل لنفسه الإيمان وهو الذي أوصل نفسه إلى درجات الجنة وخلَّصها من دركات النيران، فلما لم يحمد نفسه البتة إنما حمد الله تعالى فقط، علمنا أن الهادي ليس إلا الله تعالى، انتهى.\nثم براعة الاختتام عند الحافظ (^٣): في قوله: \"إذا أرادوا فتنة أبينا\". وعند هذا العبد الضعيف (^٤) في قوله: \"يوم الخندق\"، وكذا في قوله: \"وثبت الأقدام. . .\" إلخ، فإنه يذكر قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ الآية [إبراهيم: ٢٧].\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١١/ ٥١٤).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ٣٨).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٣/ ٥٤٤).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (١/ ١١٩).","vol":"6","page":451},{"text":"٨٣ -<span data-type='title' id=toc-3890> كتاب الأيمان والنذور</span>\nبسط الكلام على معناهما لغة وشرعًا في هامش \"اللامع\" (^١)، وفيه: وعرفت اليمين شرعًا بأنها توكيد الشيء بذكر اسم أو صفة لله تعالى، والنذر أصله الإنذار بمعنى التخويف، وعرّفه الراغب بإنه إيجاب ما ليس بواجب لحدوث أمر، انتهى.\nوقال القسطلاني (^٢): والنذر مصدر نَذَرَ بفتح الذال المعجمة يَنْذُرُ بضمها وكسرها، في اللغة: الوعد بخير أو شر، وشرعًا: التزام قربة غير لازمة بأصل الشرع، وزاد بعضهم مقصودة، وقيل: إيجاب ما ليس بواجب لحدوث أمر، ومنهم من قال: أن يلزم نفسه بشيء تبرعًا من عبادة أو صدقة أو نحوهما، وأما قوله - ﷺ -: \"من نذر أن يعصي الله فلا يعصه\" فإنما سمّاه نذرًا باعتبار الصورة، انتهى.\nوذكر فيه أيضًا أنواع الأيمان والنذور، فالأول على خمسة أنواع، والثاني على سبعة أنواع، وسيأتي بعض تلك الأنواع في الأبواب الآتية إن شاء الله تعالى.\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-3891> باب قول الله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ الآية [البقرة:</span> ٢٢٥])\nوكذا في نسخة \"العيني\" بإثبات لفظ الباب، وفي نسخة بقية الشروح سقط لفظ \"باب\".\nقال الحافظ (^٣): \"كتاب الأيمان والنذر، وقول الله - ﷿ -: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٩٨).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ٤٠).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١١/ ٥١٦، ٥١٧).","vol":"6","page":452},{"text":"اللَّهُ﴾. . .\" إلخ، كذا للجميع بغير لفظ \"باب\" وهو مقدر، وثبت لبعضهم كالإسماعيلي، انتهى.\nقلت: ولم يتعرض الشرَّاح لغرض الإمام البخاري بهذه الترجمة، ولم يأتوا بما يتعلق بالغرض، ولا بمطابقة أحاديث الباب بالترجمة بشيء يشفي العليل ويروي الغليل، وفي هامش \"اللامع\" (^١): ويرد في بادئ الرأي على الإمام البخاري - رحمه الله تعالى - أنه ترجم بهذه الآية التي في سورة الأنعام، وسيعيد الترجمة بعد اثني عشر بابًا بآية سورة البقرة، ومؤدى الآيتين واحد، فيوهم تكرار الترجمة، وجوابه عندي أن مقصود البابين مختلف، فالمقصود من الباب الأول أن ظاهر الآية يدلّ على أن إبرار القسم واجب، ولا يجوز الحنث بحال لأجل المؤاخذة لقوله: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٥]، فنبَّه المؤلف بإيراد الروايات الواردة في الباب على أن الحنث قد يكون أولى من الإبرار وأوكد منه، بل قد يكون اللج بيمينه آثم من الحنث، ومقصود الباب الآتي الإشارة إلى اختلافهم في تفسير يمين اللغو كما يدلّ عليه الروايات الواردة في الباب هناك، انتهى.\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-3892> باب قول النبي - ﷺ -: وأيم الله)</span>\nبكسر الهمزة وبفتحها والميم مضمومة، وحكى الأخفش كسرها مع كسر الهمزة، وهو اسم عند الجمهور وحرف عند الزجاج، وهمزته همزة وصل عند الأكثر، وهمزة قطع عند الكوفيين ومن وافقهم؛ لأنه عندهم جمع يمين، وعند سيبويه ومن وافقه أنه اسم مفرد، إلى آخر ما بسط الحافظ (^٢) في تحقيقه أشدّ البسط.\nوقال العلامة القسطلاني (^٣): قوله: \"وأيم الله\" من ألفاظ القسم كقولك: لعمر الله وعهد الله، وهو مرفوع بالابتداء وخبره محذوف، أي:\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٩٩، ١٠٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١١/ ٥٢١).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ٤٨).","vol":"6","page":453},{"text":"قسمي أو يميني أو لازم لي، وفيها لغات كثيرة، وتفتح همزتها وتكسر، وهمزتها همزة وصل، وقد تقطع، ونحاة الكوفة يقولون: إنها جمع يمين، وغيرهم يقولون: هي اسم موضوع للقسم، ثم ذكر الخلاف في ذلك، فقال: قال المالكية والحنفية: إنها يمين، وقال الشافعية: إن نوى اليمين انعقد، وإن نوى غير اليمين لم ينعقد يمينًا، وإن أطلق فوجهان أصحّهما لا ينعقد، وعن أحمد روايتان أصحّهما الانعقاد، انتهى.\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-3893> باب كيف كان يمين النبي - ﷺ -. . .) إلخ</span>\nأي: التي كان يواظب على القسم بها أو يكثر، وجملة ما ذكر في الباب أربعة ألفاظ: أحدهما: والذي نفسي بيده، وكذا نفس محمد بيده، فبعضها مصدر بلفظ \"لا\"، وبعضها بلفظ \"أما\" وبعضها بلفظ \"أيم\"، ثانيها: لا ومقلب القلوب، ثالثها: والله. رابعها: ورب الكعبة. والأول أكثرها ورودًا.\nثم ذكر الحافظ (^١) اختلاف الفقهاء في تعيين ما يقسم به من أسماء الله وصفاته، فارجع إليه لو شئت.\nفائدة: أفاد الحافظ ابن القيم (^٢) في بيان قصة الحديبية من جملة الفوائد الفقهية المستفادة منها فقال: ومنها جواز الحلف، بل استحبابه على الخبر الديني الذي يريد تأكيده، وقد حُفِظ عن النبي - ﷺ - الحلف في أكثر من ثمانين موضعًا، وأمره الله تعالى بالحلفِ على تصديق ما أخبر به في ثلاثة مواضع: في سورة يونس، وسبأ، والتغابن، انتهى.\n\n(٤ -<span data-type='title' id=toc-3894> باب لا تحلفوا بآبائكم)</span>\nويستفاد بما ذكرت من نقول الفقهاء في \"الأوجز\" (^٣): أن الحلف بالآباء والأمهات لا ينعقد يمينًا عند الأئمة الأربعة، وفيه: قال ابن قدامة (^٤):\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١١/ ٥٢٦).\n(^٢) \"زاد المعاد\" (٣/ ٣٠٢).\n(^٣) \"أوجز المسالك\" (٩/ ٦٧٢ - ٦٨٠).\n(^٤) \"المغني\" (٨/ ٧٠٥).","vol":"6","page":454},{"text":"لا تنعقد اليمين بالحلف بمخلوق: كالكعبة، والأنبياء، وسائر المخلوقات، ولا تجب الكفارة بالحنث فيها، هذا ظاهر كلام الخرقي، وهو قول أكثر الفقهاء، وقال أصحابنا: الحلف برسول الله - ﷺ - يمين موجبة للكفارة، انتهى.\nوجزم الدردير المالكي بأنه لا ينعقد بالنبي، ولا بالكعبة، والركن، والمقام، والعرش، إلى آخر ما ذكر، وفي \"البدائع\" (^١): لو حلف بشيء من ذلك له لا يكون يمينًا؛ لأنه حلف بغير الله تعالى، انتهى.\nقال الحافظ (^٢): قال ابن عبد البر: لا يجوز الحلف بغير الله بالإجماع، ومراده بنفي الجواز الكراهة أعمّ من التحريم والتنزيه، والمسألة خلافية قولان عند المالكية، والمشهور عندهم الكراهة، والمشهور عند الحنابلة التحريم، وبه جزم الظاهرية، وهكذا الخلاف موجود عند الشافعية من أجل قول الشافعي: أخشى أن يكون الحلف بغير الله معصية، فأشار بالتردد، وجمهور أصحابه على أنه للتنزيه.\nثم قال الحافظ: قال العلماء: السر في النهي [عن الحلف بغير الله] أن الحلف بالشيء يقتضي تعظيمه، والعظمة في الحقيقة إنما هي لله وحده، انتهى ملخصًا.\nثم إنهم استشكلوا مطابقة حديث زهدم الحديث الرابع من أحاديث الباب بالترجمة كما ذكر في هامش النسخة \"الهندية\" (^٣).\nوكذا بسط في هامش \"اللامع\" (^٤)، وفيه: والأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن الإمام البخاري أشار بذكر الكفارة في حديث زهدم وعدم ذكرها في حديث الحلف بالآباء أنه لا تكون الكفارة في الحلف بالآباء،\n_________\n(^١) \"بدائع الصنائع\" (٣/ ١٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١١/ ٥٣١).\n(^٣) \"صحيح البخاري بحاشية السهارنفوري\" (١٣/ ٧٨).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (١٠/ ١٠٣).","vol":"6","page":455},{"text":"والمسألة إجماعية كما تقدمت آنفا، وقال السندي (^١) في هامشه: قيل في وجه مطابقة حديث أبي موسى للترجمة أنه - ﷺ - حلف بالله مرتين، فعلم أن الحلف بغير الله لا يحسن، قلت: والأحسن من ذلك أن يقال: إن قوله - ﷺ -: \"لا أحلف على يمين\" لا يدل على أن يمينه كانت منعقدة، واليمين بغيره تعالى لا تنعقد، فكان يمينه مطلقًا بالله لا بغيره تعالى، انتهى.\n\n(٥ -<span data-type='title' id=toc-3895> باب لا يحلف باللات والعزى ولا بالطواغيت)</span>\nإنما أفرده بالذكر لشدة كراهة الحلف بذلك.\nقال الحافظ (^٢): أما الحلف باللات والعزى فذكر في حديث الباب، وأما الطواغيت فوقع في حديث أخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه عن عبد الرحمن بن سمرة مرفوعًا: \"لا تحلفوا بالطواغيت ولا بآبائكم\"، وفي رواية مسلم وابن ماجه: \"بالطواغي\" وهو جمع طاغية، والمراد الصنم، وأما الطواغيت فهو جمع طاغوت، وقد تقدم بيانه في تفسير سورة النساء.\nقال جمهور العلماء: من حلف باللات والعزى أو غيرهما من الأصنام أو قال: إن فعلت كذا فأنا يهودي أو نصراني أو بريء من الإسلام لم تنعقد يمينه، وعليه أن يستغفر الله ولا كفارة عليه، وعن الحنفية: تجب الكفارة، انتهى.\nقلت: وهكذا ذكر الشراح من الحافظ والنووي وهكذا العلامة الباجي مذهب الحنفية في هذه المسألة، والعجب من العلامة العيني إذ حكى قول النووي ولم يتعقبه، ولا يصح النقل عن الحنفية، وذلك لأنه لا يجب الكفارة عندنا في الحلف باللات ونحوها، صرّح به ابن الهمام وغيره من أصحاب الفروع، انتهى من \"الأوجز\" (^٣).\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري بحاشية السندي\" (٤/ ١٥١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١١/ ٥٣٦).\n(^٣) \"أوجز المسالك\" (٩/ ٦٨١).","vol":"6","page":456},{"text":"(٦ -<span data-type='title' id=toc-3896> باب من حلف على الشيء وإن لم يحلّف)</span>\nوقد أطلق بعض الشافعية أن اليمين بغير استحلاف تكره فيما لم تكن طاعة، والأولى أن يعبّر بما فيه مصلحة، قال ابن المنيِّر (^١): مقصود الترجمة أن يخرج مثل هذا من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٤] يعني: على أحد التأويلات فيها لئلا يتخيل أن الحالف قبل أن يستحلف يرتكب النهي، فأشار إلى أن النهي يختص بما ليس فيه قصد صحيح كتأكيد الحكم؛ كالذي ورد في حديث الباب من منع لبس خاتم الذهب، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\nوأبدى بعض الشرَّاح لحلفه - ﷺ - وجهًا وجيهًا حكاه القسطلاني (^٣) إذ قال: قال المهلب: إنما كان - ﷺ - يحلف في تضاعيف كلامه وكثير من فتواه متبرعًا بذلك لنسخ ما كانت عليه الجاهلية في الحلف بآبائهم وآلهتهم؛ ليعرّفهم أن لا محلوف به سوى الله تعالى؛ وليتدربوا على ذلك حتى ينسوا ما كانوا عليه من الحلف بغيره تعالى، انتهى.\n\n(٧ -<span data-type='title' id=toc-3897> باب من حلف بملة سوى الإسلام. . .) إلخ</span>\nقوله: (بملة) هي نكرة في سياق الشرط، فتعم جميع الملل من أهل الكتاب كاليهودية والنصرانية ومن لحق بهم من المجوسية والصابئة وأهل الأوثان والدهرية والمعطلة وغيرهم، ولم يجزم المصنف بالحكم هل يكفر الحالف بذلك أو لا؟ لكن تصرفه يقتضي أن لا يكفر بذلك؛ لأنه علّق حديث: \"من حلف باللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله\" ولم يذكر كفارة، قال ابن المنذر: اختلف فيمن قال: أكفر بالله ونحو ذلك إن فعلت ثم فعل، فقال جمهور فقهاء الأمصار: لا كفارة عليه ولا يكون كافرًا إلا إن أضمر ذلك بقلبه، وقال الأوزاعي والثوري والحنفية وأحمد وإسحاق: هو يمين،\n_________\n(^١) \"المتواري\" (ص ٢٢٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١١/ ٥٣٧).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ٧١).","vol":"6","page":457},{"text":"وعليه الكفارة، انتهى مختصرًا ملخصًا من \"الفتح\" (^١).\n\n(٨ -<span data-type='title' id=toc-3898> باب لا يقول: ما شاء الله وشئت. . .) إلخ</span>\nهكذا بتّ الحكم في الصورة الأولى، وتوقف في الصورة الثانية، وسببه أنها وإن كانت وقعت في حديث الباب الذي أورده مختصرًا وساقه مطولًا فيما مضى، لكن إنما وقع ذلك من كلام الملك على سبيل الامتحان للمقول له، فتطرق إليه الاحتمال، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\nقال الكرماني (^٣): فإن قلت: ليس في الباب ما يدلّ عليه؟ - أي: على الجزء الأول من الترجمة -.\nقلت: يروى عن المستملي أنه قال: انتسخت كتاب البخاري من أصله كان عند الفربري فرأيته لم يتم بعد، وقد بقيت عليه مواضع مبيضة كثيرة، فيها تراجم لم يثبت بعدها شيئًا، ومنها أحاديث لم يترجم عليها، فأضفنا بعض ذلك إلى بعض، إلى آخر ما قال.\n- قلت: وقد تقدّم أمثال هذا الاعتذار من قبل البخاري في مقدمة \"لامع الدراري\" (^٤).\nوقال الحافظ (^٥): قال المهلب: إنما أراد البخاري أن قوله: \"ما شاء الله ثم شئت\" جائز مستدلًا بقوله: \"أنا بالله ثم بك\"، انتهى.\nثم قال الحافظ (^٦): مناسبة إدخال هذه الترجمة في \"كتاب الأيمان\" من جهة ذكر الحلف في بعض طرق حديث ابن عباس، ومن جهة أنه قد يتخيل جواز اليمين بالله ثم بغيره على وزان ما وقع في قوله: \"أنا بالله ثم بك\"، فأشار إلى أن النهي ثبت عن التشريك، وورد بصورة الترتيب على\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١١/ ٥٣٧، ٥٣٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١١/ ٥٤٠).\n(^٣) \"شرح الكرماني\" (٢٣/ ١٠٨).\n(^٤) \"مقدمة لامع الدراري\" (١/ ٣٩٠ - ٣٩٢).\n(^٥) \"فتح الباري\" (١١/ ٥٤٠).\n(^٦) \"فتح الباري\" (١١/ ٥٤١).","vol":"6","page":458},{"text":"لسان الملك، وذلك فيما عدا الأيمان، أما اليمين بغير ذلك فثبت النهي عنها صريحًا فلا يلحق بها ما ورد في غيرها، والله أعلم، انتهى.\n\n(٩ -<span data-type='title' id=toc-3899> باب قول الله: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ. . .﴾ [الأنعام: ١٠٩]) إلخ</span>\nأي: حلف المنافقون بالله، وهو جهد اليمين؛ لأنهم بذلوا فيها مجهودهم وجهد يمينه مستعار من جهد نفسه إذا بلغ أقصى وسعها، وذلك إذا بالغ في اليمين، وعن ابن عباس - ﵄ -: من قال: بالله، فقد جهد يمينه، انتهى من \"القسطلاني\" (^١).\nوأما الغرض من الترجمة فما ذكره الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٢) إذ قال: يعني بذلك أن القسم يمين أيضًا، انتهى.\nوقد ترجم الإمام أبو داود (^٣) بقوله: \"باب في القسم هل يكون يمينًا\" وذكر فيه قصة الرؤيا من حديث ابن عباس الذي علّقه البخاري ههنا، وسيأتي مطولًا في \"كتاب التعبير\"، والمسألة خلافية كما سيأتي.\nوقال الحافظ (^٤): والغرض منه هنا قوله: \"لا تقسم\" موضع قوله: \"لا تحلف\"، فأشار إلى الرد على من قال: إن من قال: \"أقسمت\" انعقدت يمينًا، ولأنه لو قال بدل \"أقسمت\": \"حلفت\" لم تنعقد اتفاقًا إلا إن نوى اليمين أو قصد الإخبار بأنه سبق منه حلف، وأيضًا فقد أمر - ﷺ - بإبرار القسم، فلو كان \"أقسمت\" يمينًا لأبر أبا بكر حين قالها، ومن ثمّ أورد حديث البراء عقبه.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ٧٥).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (١٠/ ١٠٥).\n(^٣) \"سنن أبي داود\" كتاب الأيمان والنذور، باب في القسم هل يكون يمينًا (ح ٣٢٦٩).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١١/ ٥٤٢).","vol":"6","page":459},{"text":"ثم قال الحافظ (^١): قال ابن المنيِّر (^٢): مقصود البخاري الردّ على من لم يجعل القسم بصيغة: \"أقسمت\" يمينًا، انتهى.\nقلت: ما ذكره الحافظ هو مذهب الشافعي: وما أشار إليه ابن المنيِّر هو مذهبنا الحنفية، والعجب أن الحديث مستدل الفريقين كليهما، ففي \"البذل\" (^٣): قال الخطابي (^٤): فيه مستدل لمن ذهب إلى أن القسم لا يكون يمينًا بمجرده حتى يقول: \"أقسمت بالله\"، وذلك أن النبي - ﷺ - قد أمر بإبرار المقسم، فلو كان \"أقسمت\" يمينًا لأشبه أن يبره، وإلى هذا ذهب مالك والشافعي، وقد يستدل به من يرى القسم يمينًا على وجه آخر، فيقول: لولا أنه يمين ما كان النبي - ﷺ - يقول: \"لا تقسم\" وإلى ذلك ذهب أبو حنيفة وأصحابه، انتهى.\nوقال الحافظ (^٥): قال ابن المنذر: اختلف فيمن قال: \"أقسمت بالله\" أو \"أقسمت\" مجردة، فقال قوم هي يمين وإن لم يقصد، وبه قال النخعي والثوري والكوفيون، وقال الأكثرون: لا تكون يمينًا إلا أن ينوي، وقال مالك: \"أقسمت بالله\" يمين، و\"أقسمت\" مجردة لا تكون يمينًا إلا إن نوى، وقال الشافعي: المجردة لا تكون يمينًا أصلًا ولو نوى، و\"أقسمت بالله\" إن نوى تكون يمينًا، وقال إسحاق: لا تكون يمينًا أصلًا، وعن أحمد كالأول، وعنه كالثاني، انتهى.\n\n(١٠ -<span data-type='title' id=toc-3900> باب إذا قال: أشهد بالله أو شهدت بالله)</span>\nأي: هل يكون حالفًا؟ وقد اختلف في ذلك فقال الحنفية والحنابلة: نعم، والراجح عند الحنابلة ولو لم يقل بالله أنه يمين، وعند الشافعية لا يكون يمينًا إلا إن أضاف إليه بالله، ومع ذلك فالراجح أنه كناية، فيحتاج\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١١/ ٥٤٢).\n(^٢) \"المتواري\" (ص ٢٢٤).\n(^٣) \"بذل المجهود\" (١٠/ ٥٧٠).\n(^٤) \"معالم السنن\" (٤/ ٤٨).\n(^٥) \"فتح الباري\" (١١/ ٥٤٢).","vol":"6","page":460},{"text":"إلى القصد وهو نصّ الشافعي في \"المختصر\"، وعن مالك كالروايات الثلاث، واحتج من أطلق بأنه ثبت في العرف والشرع في الأيمان، قال الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ١]، ثم قال: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ [المنافقون: ٢]، فدل على أنهم استعملوا ذلك في اليمين، وكذا ثبت في اللعان، إلى آخر ما قال الحافظ (^١).\nوقال العلامة العيني (^٢): وللعلماء في هذا الباب أقوال: أحدها: إن \"أشهد\" و\"أحلف\" و\"أعزم\" كلها أيمان تجب فيها الكفارة، وهو قول النخعي وأبي حنيفة، الثاني: إن \"أشهد\" لا يكون يمينًا حتى يقول: \"أشهد بالله\" وإلا فليس بيمين. . .، إلى آخر ما ذكر\n\n(١١ -<span data-type='title' id=toc-3901> باب عهد الله)</span>\nقال القسطلاني (^٣): أي: قول الشخص: عليّ عهد الله لأفعلن كذا، ثم قال بعد ذكر الحديث: ومطابقة الحديث للترجمة في قوله: \"بعهد الله\"، فمن حلف بالعهد فحنث لزمته كفارة عند مالك والكوفيين وأحمد، وقال الشافعي: لا يكون يمينًا إلا إن نواه، قاله ابن المنذر، انتهى.\nوقال الحافظ (^٤): قال ابن التِّين: هذا لفظ يستعمل على خمسة أوجه: الأول: عليّ عهد الله، والثاني: وعهد الله، الثالث: عهد الله، الرابع: أعاهد الله، الخامس: عليَّ العهد، وقد طرد بعضهم ذلك في الجميع، وفصّل بعضهم فقال: لا شيء في ذلك إلا إن قال: عليّ عهد الله ونحوها، وإلا فليست بيمين نوى أو لم ينو، ثم ذكر مذاهب العلماء نحو ما تقدم عن القسطلاني وزاد: قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ الآية [يس: ٦٠]، فمن قال: عليّ عهد الله صدق؛ لأن الله أخبر أنه أخذ علينا العهد فلا يكون ذلك يمينًا إلا إن نواه،\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١١/ ٥٤٣، ٥٤٤).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٥/ ٧٠٧).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ٨٠، ٨١).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١١/ ٥٤٥).","vol":"6","page":461},{"text":"واحتج الأولون بأن العرف قد صار جاريًا به، فحمل على اليمين، انتهى.\n\n(١٢ -<span data-type='title' id=toc-3902> باب الحلف بعزة الله وصفاته وكلامه. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^١): في هذه الترجمة عطف العام على الخاص، والخاص على العام؛ لأن الصفات أعمّ من العزة والكلام.\nثم قال الحافظ (^٢): لمح المصنف بهذه الترجمة إلى ردّ ما جاء عن ابن مسعود من الزجر عن الحلف بعزة الله، ففي ترجمة عون بن عبد الله بن عتبة من \"الحلية\" لأبي نُعيم عن عون قال: قال عبد الله: لا تحلفوا بحلف الشيطان أن يقول أحدكم: وعزة الله، ولكن قولوا كما قال الله تعالى: ﴿رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ [الصافات: ١٨٠] انتهى. وعون عن عبد الله منقطع، انتهى من \"الفتح\".\nوقال القسطلاني (^٣): قوله: \"وصفاته\" كالخالق والسميع والبصير والعليم، \"وكلامه\" كالقرآن أو بما أنزل الله، انتهى.\nقوله: (أعوذ بعزتك) في هامش المصرية (^٤): وجه مطابقته للترجمة مع أنه دعاء لا قسم أنه لا يستعاذ إلا بصفة قديمة فالحلف كذلك، انتهى.\nثم انعقاد الحلف بعزة الله متفق بين الأئمة، ففي \"الأوجز\" (^٥): عن ابن قدامة في بحث القسم بصفات الله تعالى كعزة الله تعالى وعظمته وجلاله وكلامه، فهذه تنعقد به اليمين في قولهم جميعًا، وبه يقول الشافعي وأصحاب الرأي لأن هذه من صفات ذاته، ولم يزل موصوفًا بها إلى آخر ما بسط فيه من الكلام على ذلك، ولخص منه في هامش \"اللامع\" (^٦) من كلام الموفق وغيره.\nوحاصله: أن القسم بصفات الله تعالى تنقسم إلى ثلاثة أقسام:\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١١/ ٥٤٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١١/ ٥٣٦).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ٨٢).\n(^٤) \"تحفة الباري\" (٦/ ٢٨٤).\n(^٥) \"أوجز المسالك\" (٩/ ٦٨٣ - ٦٨٨).\n(^٦) \"لامع الدراري\" (١٠/ ١٠٨).","vol":"6","page":462},{"text":"أحدها: ما هو صفات لذات الله تعالى لا يحتمل غيرها كعزة الله تعالى، فذكر ما تقدم آنفًا. والثاني: ما هو صفات للذات ويعبّر به عن غيرها مجازًا كعلم الله وقدرته، فمتى أقسم بها كان يمينًا، وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: إذا قال: \"وعلم الله\" لا يكون يمينًا؛ لأنه يحتمل المعلوم. والثالث: ما لا ينصرف بإطلاقه إلى صفة الله تعالى لكن ينصرف بإضافته إلى الله سبحانه لفظًا أو نيةً كالعهد والميثاق والأمانة ونحوها، فهذا لا يكون يمينًا إلا بإضافة أو نية، انتهى مختصرًا.\n\n(١٣ -<span data-type='title' id=toc-3903> باب قول الرجل: لعمر الله. . .) إلخ</span>\nأي: هل يكون يمينًا؟ وهو مبني على تفسير \"لعمر\"، ولذا ذكر أثر ابن عباس. قال الراغب: العمر بالضم وبالفتح واحد، ولكن خصّ الحلف بالثاني، وقد اختلف هل تنعقد به اليمين؟ فعن المالكية والحنفية تنعقد؛ لأن معناه بقاء الله، والبقاء من صفات ذاته، وعن مالك: لا يعجبني اليمين بذلك، وقال الشافعي: لا يكون يمينًا إلا بالنية؛ لأنه يطلق على العلم وقد يراد بالعلم المعلوم، وعن أحمد كالمذهبين، والراجح عنه كالشافعي، انتهى ملخصًا من \"الفتح\" و\"القسطلاني\" (^١).\nوقال الموفق (^٢): وإن قال: \"لعمر الله\" فهي يمين، وبه قال أبو حنيفة، وقال الشافعي: إن كان قصد اليمين فهي يمين وإلا فلا، وهو اختيار أبي بكر، ولنا أنه أقسم بصفة من صفات الله فكان يمينًا كالحلف ببقاء الله تعالى، إلى آخر ما في \"الأوجز\" (^٣).\n\n(١٤ -<span data-type='title' id=toc-3904> باب ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ الآية [البقرة:</span> ٢٢٥])\nهذه آية البقرة، وقد تقدم آية المائدة في أول \"كتاب الأيمان\" من باب\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١١/ ٥٤٧)، و\"إرشاد الساري\" (١٤/ ٨٤).\n(^٢) \"المغني\" (١٣/ ٤٥٥).\n(^٣) \"أوجز المسالك\" (٩/ ٦٨٥).","vol":"6","page":463},{"text":"قول الله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ﴾ الآية، وقد تقدم هناك الكلام على دفع ما يتوهم من التكرار بين الترجمتين لاختلاف الغرضين، وأن الغرض ههنا الإشارة إلى اختلاف العلماء في تفسير يمين اللغو، والمسألة خلافية شهيرة بسطت في \"الأوجز\" (^١)، وذكر فيه ثمانية أقوال للعلماء، وذكر مختصرًا في هامش \"اللامع\" (^٢)، وفيه عن تفسير الصاوي (^٣): اختلف العلماء في معنى اللغو، فقال الشافعي: هو ما سبق إليه اللسان من غير قصد عقد اليمين، وقال أبو حنيفة ومالك: هو أن يحلف على ما يعتقد فتبين خلافه، انتهى.\nوقول الإمام أحمد يجمعها كما حكى الموفق عن نصِّ الإمام أحمد أنه قال: اللغو عندي أن يحلف على اليمين يرى أنها كذلك والرجل يحلف ولا يعقد قلبه على شيء، انتهى.\nوجعل ابن الهمام مذهب أحمد موافقًا للحنفية، ورواية له أخرى موافقة للشافعي، انتهى من هامش \"اللامع\".\nوفي \"البذل\" (^٤) عن \"البدائع\" (^٥): وحاصل الخلاف بيننا وبين الشافعي في يمين لا يقصدها الحالف في المستقبل، عندنا ليس بلغو وفيها الكفارة، وعنده لغو لا كفارة فيها، ثم قال: المراد من قول عائشة وقول رسول الله - ﷺ -: أن يمين اللغو ما يجري في كلام الناس: \"لا والله، بلى والله\" في الماضي، لا في المستقبل، انتهى.\nقلت: فعلى هذا حديث عائشة هذا الذي استدل به الشافعية مسلك الحنفية.\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (٩/ ٥٩٢).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٩٩، ١٠٠).\n(^٣) \"تفسير الصاوي\" (١/ ٤٥).\n(^٤) \"بذل المجهود\" (١٠/ ٦١٢، ٦١٣).\n(^٥) \"بدائع الصنائع\" (٣/ ٧).","vol":"6","page":464},{"text":"(١٥ -<span data-type='title' id=toc-3905> باب إذا حنث ناسيًا في الأيمان. . .) إلخ</span>\nالمسألة التي أشار إليها الإمام البخاري خلافية، قال ابن رُشد في \"البداية\" (^١): إن مالكًا يرى الساهي والمكره بمنزلة العامد، والشافعي يرى أن لا حنث على الساهي ولا [على] المكره، انتهى.\nوقال الموفق (^٢): من حلف أن لا يفعل شيئًا ففعله ناسيًا فلا كفارة عليه، نقله عن أحمد الجماعة إلا في الطلاق والعتاق، فإنه يحنث، هذا ظاهر المذهب، وعن أحمد رواية أخرى أنه لا يحنث في الطلاق والعتاق أيضًا، وهو ظاهر مذهب الشافعي، وعن أحمد رواية أخرى أنه يحنث في الجميع، وتلزمه الكفارة في اليمين المكفرة، وهو قول ربيعة ومالك وأصحاب الرأي، والقول الثاني للشافعي، انتهى.\nقلت: وما ذكر الموفق من مذهب الحنفية، هو كذلك كما في \"الدر المختار\" (^٣) إذ قال: وفيه - أي: اليمين المنعقدة - الكفارة ولو مكرهًا أو ناسيًا، انتهى.\nوأما غرض المصنف بالترجمة ومطابقة الأحاديث بها فقال الكرماني (^٤) تحت حديث ابن عباس: فإن قلت: ما وجه مناسبة الحديث للترجمة إذ ليس فيه ذكر اليمين؟ قلت: غرضه من الترجمة بيان رفع القلم عن الناسي والمخطئ ونحوهما وعدم المؤاخذة به، فهذا الحديث وما بعده من الأحاديث تناسبها بهذا الوجه، انتهى.\nقلت: اختلفوا في غرض الإمام البخاري بهذه الترجمة، والأوجه عندي ما قاله ابن المنيِّر (^٥): إن غرض البخاري بالترجمة جمع أدلة الفريقين كما تقدم نظيره في \"كتاب الشروط\" في قصة جمل جابر، فإنه ذكر فيه\n_________\n(^١) \"بداية المجتهد\" (١/ ٤١٥).\n(^٢) \"المغني\" (١٣/ ٤٤٦، ٤٤٧).\n(^٣) انظر: \"رد المحتار\" (٥/ ٤٧٨، ٤٧٩).\n(^٤) \"شرح الكرماني\" (٢٣/ ١١٥).\n(^٥) \"المتواري\" (ص ٢٢٧).","vol":"6","page":465},{"text":"أحاديث الاشتراط والهبة، وحاول الحافظ (^١) أن غرض البخاري تأييد مسلكه وأول الروايات إليه مع بُعد التأويل في بعضها.\nوبسط الشيخ قُدِّس سرُّه أيضًا الكلام على هذا الباب إذ قال (^٢): وجملة ما ساقه ههنا من الروايات لا يدلّ شيء منها على نفي الكفارة، فإن أراد إثبات أنه لا كفارة في هذا الحنث فغير مسلم لعدم الثبوت، وإن أراد إثبات أنه لا معصية فيه فهو مسلم، وإثبات ذلك بالروايات موجه، إلى آخر ما بسط في مطابقة الأحاديث بالترجمة.\n\n(١٦ -<span data-type='title' id=toc-3906> باب اليمين الغموس. . .) إلخ</span>\nبفتح المعجمة وضم الميم الخفيفة وآخره مهملة، قيل: سميت بذلك لأنها تغمس صاحبها في الإثم ثم في النار، فهي فعول بمعنى فاعل، وقيل: الأصل في ذلك أنهم كانوا إذا أرادوا أن يتعاهدوا أحضروا جفنةً فجعلوا فيها طيبًا أو دمًا أو رمادًا، ثم يحلفون عندما يدخلون أيديهم فيها؛ ليتم لهم بذلك المراد من تأكيد ما أرادوا.\nثم قال الحافظ: نقل ابن المنذر وابن عبد البر اتفاق الصحابة على أن لا كفارة في اليمين الغموس، واحتجوا بأنها أعظم من أن تكفر، وأجاب من قال بالكفارة كالأوزاعي والشافعي بأنه أحوج للكفارة من غيره، إلى آخر ما ذكر الحافظ (^٣).\nقلت: وإلى مسلك الجمهور ميل المصنف، وقال القسطلاني (^٤): واليمين الغموس: أن يحلف على الماضي متعمدًا للكذب كأن يقول: والله ما فعلت كذا أو فعلت كذا نفيًا وإثباتًا، وهو يعلم أنه ما فعله أو فعله، أو أن يحلف كاذبًا ليذهب بمال أحد، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١١/ ٥٥٠، ٥٥١).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (١٠/ ١١٠).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١١/ ٥٥٥ - ٥٥٧).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ٩٨).","vol":"6","page":466},{"text":"(١٧ -<span data-type='title' id=toc-3907> باب قول الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ﴾ الآية [آل عمران:</span> ٧٧])\nأشار المصنف بذلك كما في الحاشية (^١) عن العيني (^٢) تأكيد مسلك الجمهور أن لا كفارة في يمين الغموس إذ المذكور في الآيات والروايات الإثم لا غير، قوله: \"على يمين صبر\" في هامش النسخة المصرية بالإضافة، أي: التي تصبر، أي: يلزم بها الحالف ويحبس عليها، ومنهم من نَوَّن يمين، أي: يمينٌ مصبورةٌ على التجوز إذ المصبور في الحقيقة صاحبها، أو المراد أن الحالف هو الذي صبر نفسه وحبسها على هذه اليمين، فاليمين مصبورة، أي: مصبور عليها، انتهى.\n\n(١٨ -<span data-type='title' id=toc-3908> باب اليمين فيما لا يملك وفي المعصية وفي الغضب)</span>\nقال الحافظ (^٣): ذكر فيه ثلاثة أحاديث يؤخذ منها حكم ما في الترجمة على الترتيب، وقد تؤخذ الأحكام الثلاثة من كل منها، ولو بضرب من التأويل، وقد ورد في الأمور الثلاثة على غير شرطه حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا: \"لا نذر ولا يمين فيما لا يملك ابن آدم\" أخرجه أبو داود، وفي بعض طرقه عند أبي داود أيضًا: \"ولا في معصية\"، وللطبراني في \"الأوسط\" عن ابن عباس رفعه: \"لا يمين في غضب\" الحديث، وسنده ضعيف.\nوبسط الحافظ وغيره من الشرَّاح فيما قصد المصنف بهذه الترجمة، وكذا تكلموا في مناسبة أحاديث الباب بالترجمة.\nوكتب مولانا محمد حسن المكي في \"التقرير\" (^٤): غرضه أن اليمين\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري بحاشية السهارنفوري\" (١٣/ ١١٥).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٥/ ٧٢١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١١/ ٥٦٤، ٥٦٥).\n(^٤) انظر: \"لامع الدراري\" (١٠/ ١١٤).","vol":"6","page":467},{"text":"في هذه الثلاثة لا ينعقد أصلًا. وقوله: \"فحلف أن لا يحملنا ثم حَمَلَنا\" فعلم أن اليمين لم تكن منعقدة لعدم الإبل في ملكه حين الحلف. وقوله: \"فرجع إلى مسطح النفقة\" فعلم أن اليمين لم تكن منعقدة، قلنا: قد كفر، انتهى.\nقلت: وهذا مبني على تبويب البخاري ومسلكه وإلا فالمسألة في الكفارة في هذه الأمور خلافية، وما أفاده الشيخ المكي من قوله: \"قلنا: قد كفر\" به جزم الصاوي على \"الجلالين\".\nوأفاد العلامة الكرماني (^١) في غرض الترجمة غير ما أفاده الشيخ المكي إذ قال: فإن قلت: كيف دلَّ الحديثان على الجزئين الأولين من الترجمة؟ قلت: لعله قاسهما على الغضب، فإن قلت: فما حكمهما هل ينعقد اليمين وتجب الكفارة فيهما؟ قلت: مختلف فيه، وميل البخاري إلى الانعقاد والوجوب حيث سلكهما في مسلك الغضب، انتهى.\nوأما تفصيل مذاهب الأئمة في هذه الأمور الثلاثة ففي \"الأوجز\" (^٢): قال الموفق (^٣): أما نذر المعصية فلا يحل الوفاء به إجماعًا، ويجب على الناذر كفارة يمين، وبه قال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه، وروي عن أحمد ما يدلّ على أنه لا كفارة عليه، وهو مذهب مالك والشافعي، انتهى.\nوأما اليمين فيما لا يملك فقال العلامة العيني (^٤): وفي \"التوضيح\" (^٥): إذا حلف الرجل بعتق ما لا يملك إن ملكه في المستقبل، فقال مالك: إن عين أحدًا أو قبيلةً أو جنسًا لزمه العتق، وإن قال: كل مملوك أملكه أبدًا حر، لم يلزمه عتق، وكذلك في الطلاق إن عين قبيلة أو بلدةً أو صفة ما، لزمه الحنث، وإن لم يعين لم يلزمه، وقال أبو حنيفة وأصحابه: يلزمه\n_________\n(^١) \"شرح الكرماني\" (٢٣/ ١٢٣).\n(^٢) \"أوجز المسالك\" (٩/ ٥٧٠).\n(^٣) \"المغني\" (١٣/ ٦٢٤).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٥/ ٧٢٤).\n(^٥) (٣٠/ ٣٢٩).","vol":"6","page":468},{"text":"الطلاق والعتق سواء عمّ أو خصّ، وقال الشافعي: لا يلزمه خصّ أو عمّ، انتهى.\nقلت: وهذا الخلاف فيما إذا علَّق العتق أو الطلاق على سبب الملك كما هو مصرّح في كلام العيني هذا، وإلا فالتعليق غير معتبر عند أحد، بل هو حينئذٍ كالتنجيز، فكما أن تنجيز العتق فيما لا يملك غير صحيح عند الكل، فكذا هذا التعليق.\nوأما الجزء الثالث من الترجمة فقال العيني (^١) أيضًا: وجمهور الفقهاء يلزمون الغاضب الكفارة، ويجعلون غضبه مؤكِّدًا ليمينه، وروي عن ابن عباس: أن الغضبان يمينه لغو ولا كفارة فيها، وروي عن مسروق والشعبي وجماعة: أن الغضبان لا يلزمه شيء، ولا طلاق ولا عتاق لقوله - ﷺ -: \"لا طلاق في إغلاق\" ثم قال العيني: وهذا الحديث أخرجه أبو داود وقال: أظنه في الغضب، وقال غيره: الإِغلاق الإكراه، لكن هذا حديث ليس بثابت، انتهى من \"العيني\" بتغيير.\n\n(١٩ -<span data-type='title' id=toc-3909> باب إذا قال: والله لا أتكلم اليوم. . .) إلخ</span>\nقوله: (فهو على نيته. . .) إلخ، قال الكرماني (^٢): يعني إن قصد بالكلام ما هو كلام عرفًا لا يحنث بهذه الأذكار والقراءة والصلاة، وإن قصد الأعم يحنث بها، انتهى.\nقال الحافظ (^٣): ولم يتعرض لما إذا أطلق، والجمهور على أنه لا يحنث، وعن الحنفية يحنث، وفرّق بعض الشافعية بين القرآن، فلا يحنث به ويحنث بالذكر، وحجة الجمهور أن الكلام في العرف ينصرف إلى كلام الآدميين وأنه لا يحنث بالقراءة والذكر داخل الصلاة فليكن كذلك خارجها، وقال ابن المنيِّر: معنى قول البخاري: \"هو على نيته\" أي: العرفية، قال:\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٥/ ٧٢٥).\n(^٢) \"شرح الكرماني\" (٢٣/ ١٢٤).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١١/ ٥٦٧).","vol":"6","page":469},{"text":"ويحتمل أن يكون مراده أنه لا يحنث بذلك إلا إن نوى إدخاله في نيته فيؤخذ منه حكم الإطلاق، انتهى.\nوفي العيني (^١): قال أصحابنا: حلف أن لا يتكلم فقرأ القرآن في صلاته أو سبح لم يحنث، وإن قرأ في غير الصلاة يحنث، خلافًا للشافعي، والقياس أن يحنث فيهما، انتهى.\nقلت: والظاهر أن ميل البخاري إلى أن القراءة والتسبيح وغيرهما كلام، أي: عند الإطلاق وعدم النية، ويستأنس ذلك مما أورده في هذا الباب.\n\n(٢٠ -<span data-type='title' id=toc-3910> باب من حلف أن لا يدخل على أهله شهرًا. . .) إلخ</span>\nأي: ثم دخل فإنه لا يحنث، هذا يتصور إذا وقع الحلف أول جزء من الشهر اتفاقًا فإن وقع في أثناء الشهر ونقص هل يتعين أن يلفق ثلاثين أو يكتفي بتسع وعشرين؟ فالأول قول الجمهور، وقالت طائفة، منهم ابن عبد الحكم من المالكية بالثاني، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\n\n(٢١ -<span data-type='title' id=toc-3911> باب إن حلف أن لا يشرب نبيذًا. . .) إلخ</span>\nبسط الكلام على شرح هذه الترجمة وبيان الغرض منها من كلام الشرَّاح، ومن تقارير الشيخ الكَنكَوهي في هامش \"اللامع\" (^٣) فارجع إليه لو شئت.\nقال الحافظ (^٤): قال المهلب: الذي عليه الجمهور أن من حلف أن لا يشرب النبيذ بعينه لا يحنث بشرب غيره، ومن حلف لا يشرب نبيذًا لا يخشى من السكر به فإنه يحنث بكل ما يشربه مما يكون فيه المعنى المذكور، فإن سائر الأشربة من الطبيخ والعصير تسمّى نبيذًا لمشابهتهما له\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٥/ ٧٢٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١١/ ٥٦٨).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (١٠/ ١١٥، ١١٦).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١١/ ٥٦٩).","vol":"6","page":470},{"text":"في المعنى، فهو كمن حلف لا يشرب شرابًا، وأطلق فإنه يحنث بكل ما يقع عليه اسم شراب.\nقال ابن بطال (^١): ومراد البخاري ببعض الناس أبو حنيفة ومن تبعه، فإنهم قالوا: إن الطلاء والعصير ليسا بنبيذ؛ لأن النبيذ في الحقيقة ما نبذ في الماء ونقع فيه، فأراد البخاري الردَّ عليهم، إلى آخر ما ذكر الحافظ من كلام ابن بطال. ثم قال: وزعم ابن المنيِّر أن الشارع بمعزل عن مقصود البخاري هنا، قال: وإنما أراد تصويب قول الحنفية، ومن ثم قال: لم يحنث، ولا يضره قوله بعده: \"في قول بعض الناس\"، فإنه لو أراد خلافه لترجم على أنه يحنث، وكيف يترجم على وفق مذهب ثم يخالفه، انتهى.\nقال الحافظ: والذي فهمه ابن بطال أوجه وأقرب إلى مراد البخاري، انتهى.\nقلت: ومذهب الحنفية ما في \"البدائع\" (^٢) كما في هامش \"اللامع\" (^٣): لو حلف لا يشرب نبيذًا فأيّ نبيذ شرب حنث لعموم اللفظ، وإن شرب سكرًا لا يحنث لأن السكر لا يسمى نبيذًا؛ لأنه اسم لخمر التمر، وهو الذي من ماء التمر إذا غلا أو اشتد وقذف بالزبد أو لم يقذف على الاختلاف، وكذا لو شرب فضيخًا لأنه لا يسمى نبيذًا، انتهى.\nوأفاد الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\": وحاصل استدلال المؤلف أن التفاوت بين الطلاء والسكر وبين النبيذ ليس أكثر من التفاوت بينه وبين النقيع، فلما ورد في الرواية إطلاق لفظ النبيذ على النقيع فأولى أن يتناول لفظه السكر والطلاء، والله أعلم بمراد عباده، انتهى.\n_________\n(^١) \"شرح ابن بطال\" (٦/ ١٤٣).\n(^٢) \"بدائع الصنائع\" (٣/ ١٠٦).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (١٠/ ١١٧).","vol":"6","page":471},{"text":"(٢٢ -<span data-type='title' id=toc-3912> باب إذا حلف أن لا يأتدم فأكل تمرًا بخبز. . .) إلخ</span>\nأي: هل يكون مؤتدمًا فيحنث أم لا؟ واختلفوا في مراد البخاري هل هو موافق للحنفية أو مخالف لهم؟ مال الحافظ إلى الثاني، والأوجه عندي الأول لذكره حديث أكله - ﷺ -: \"الخبز بالتمر\" ثم حديث عائشة بنفي الائتدام.\nقال الحافظ (^١): قال ابن المنيِّر (^٢) وغيره: مقصود البخاري الردّ على من زعم أنه لا يقال: ائتدم إلا إذا أكل بما اصطبغ به، قال: ومناسبته لحديث عائشة أن المعلوم أنها أرادت نفي الإدام مطلقًا بقرينة ما هو معروف من شظف عيشهم، فدخل فيه التمر وغيره.\nوقال الكرماني (^٣): وجه المناسبة أن التمر لما كان موجودًا عندهم، وهو غالب أقواتهم، وكانوا شباعًا منه علم أن أكل الخبز به ليس ائتدامًا، قال: ويحتمل أن يكون ذكر هذا الحديث في هذا الباب لأدنى ملابسة، وهو لفظ المأدوم لكونه لم يجد شيئًا على شرطه.\nقال الحافظ: والأول مباين لمراد البخاري، والثاني هو المراد، لكن بأن ينضم إليه ما ذكره ابن المنيِّر، انتهى من \"الفتح\".\nوتعقب العلامة العيني (^٤) كلام الحافظ، والأوجه عند هذا العبد الضعيف: الوجه الأول، وما قال الحافظ من أنه مباين لغرض الإمام البخاري ليس بوجيه، فإنه لم يفصح بمراده بل ذكر في الترجمة الشرط بغير جزاء، ولما ذكر في حديث عبد الله بن سلام أكله - ﷺ - الخبز بالتمر ونفت عائشة رضي الله تعالى عنها الأكل بالإدام، فالظاهر أنها لم تعد التمر إدامًا لعدم العرف بذلك.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١١/ ٥٧١).\n(^٢) \"المتواري\" (ص ٢٢٩).\n(^٣) \"شرح الكرماني\" (٢٣/ ١٢٧).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٥/ ٧٣٢).","vol":"6","page":472},{"text":"وتلخيص مذهب الحنفية في ذلك ما في \"الدر المختار\" (^١): والإدام ما يصطبغ به الخبز إذا اختلط به كخل وزيت لا اللحم والبيض، وقال محمد: هو ما يؤكل مع الخبز غالبًا، فما يؤكل وحده غالبًا كتمر وزبيب وبطيخ وسائر الفواكه ليس إدامًا إلا في موضع يؤكل تبعًا للخبز غالبًا اعتبارًا للعرف، انتهى.\nوبقول محمد قالت الأئمة الثلاثة الشافعي ومالك وأحمد كما قال العيني، كذا في هامش \"اللامع\" (^٢).\nوقال الحافظ (^٣): ومن حجة الجمهور حديث عائشة في قصة بريدة: \"فدعا بالغداء فأتي بخبز وإدام من أدم البيت\"، الحديث، وترجم له المصنف في الأطعمة \"باب الأدم\"، قال ابن القصار: وقال الكوفيون: الإدام اسم للجمع بين الشيئين، فدلّ على أن المراد أن يستهلك الخبز فيه بحيث يكون تابعًا له بأن تتداخل [أجزاؤه] في أجزائه، وهذا لا يحصل إلا بما يصطبغ به، انتهى.\nقال العيني (^٤): فإن قلت: معنى ما يصطبغ به ما يختلط به الخبز، فكيف يختلط الخبز بالملح؟ قلت: يذوب في الفم فيحصل الاختلاط، انتهى.\n\n(٢٣ -<span data-type='title' id=toc-3913> باب النية في الأيمان)</span>\nقال العيني (^٥): قال المهلب وغيره: إذا كانت اليمين بين العبد وربه لا خلاف بين العلماء أنه ينوي ويحمل على نيته، وإذا كانت بينه وبين آدمي وادعى في نيته غير الظاهر لم يقبل قوله، وحمل على ظاهر كلامه إذا كانت عليه بينة بإجماع، إلى آخر ما ذكر.\n_________\n(^١) انظر: \"رد المحتار\" (٥/ ٥٧٧، ٥٧٨).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (١٠/ ١١٨).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١١/ ٥٧١).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٥/ ٧٣١).\n(^٥) \"عمدة القاري\" (١٥/ ٧٣٣).","vol":"6","page":473},{"text":"(٢٤ -<span data-type='title' id=toc-3914> باب إذا أهدى ماله على وجه النذر والتوبة)</span>\nأي: تصدق بماله أو جعله هدية للمسلمين، وهذا الباب هو أول أبواب النذور، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوتقدم الكلام على معنى النذر في أول الكتاب، وقد اختلف العلماء فيمن نذر أن يتصدق بجميع ماله على اثني عشر مذهبًا كما بسط في \"الأوجز\" (^٢)، فارجع إليه لو شئت، ومذاهب الأئمة الأربعة أنه يجب عليه الثلث عند مالك وأحمد والكل عند الشافعي إن نذر على وجه التبرر كإن شفى الله مريضي، وإن كان النذر لجاجًا وغضبًا مثل أن يقول: إن فعلت كذا فهو بالخيار إن شاء فعل ذلك وإن شاء كفر كفارة يمين، وعند الحنفية يجب التصدق بجميع ماله من جنس الزكاة، أي جنس كان بلغ نصابًا أو لا، ولا يدخل فيه المال غير الزكوي.\n\n(٢٥ -<span data-type='title' id=toc-3915> باب إذا حرم طعامًا. . .) إلخ</span>\nكأن يقول: طعام كذا حرام عليّ، أو نذرت لله، أو لله عليّ أن لا آكل كذا، أو لا أشرب كذا، وهذا من نذر اللجاج، والراجح عدم الانعقاد إلا إن قرنه بحلف فيلزمه كفارة يمين، انتهى من \"القسطلاني\" (^٣)، وكذا في \"الفتح\" (^٤).\nوزاد فيه (^٥): قال ابن المنذر: اختلف فيمن حرم على نفسه طعامًا أو شرابًا يحل، فقالت طائفة: لا يحرم عليه وتلزمه كفارة يمين، وبهذا قال أهل العراق، وقالت طائفة: لا تلزمه الكفارة إلا إن حلف، وإلى ترجيح هذا القول أشار المصنف بإيراد الحديث لقوله: \"وقد حلفت\" وهو قول مسروق والشافعي ومالك، لكن استثنى مالك المرأة فقال: تطلق، ولو قال\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١١/ ٥٧٢).\n(^٢) \"أوجز المسالك\" (٩/ ٦٩٨ - ٧٠٥).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ١٢٠).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١١/ ٥٧٤).\n(^٥) \"فتح الباري\" (١١/ ٥٧٥).","vol":"6","page":474},{"text":"لأمته من غير أن يحلف فلا تحرم عليه أمَتُه، وقال الشافعي: لا يقع عليه شيء إذا لم يحلف إلا إذا نوى الطلاق فتطلق، أو العتق فتعتق، وعنه يلزمه كفارة يمين، انتهى.\nوهكذا قال العيني إذ قال: ولم يذكر جواب \"إذا\" على عادته، وهو أنه ينعقد يمينه، وعليه كفارة يمين إذا استباحه، لكن إذا حلف، وهو الذي ذهب إليه البخاري، فلذلك أورد حديث الباب لأن فيه: قد حلفت، ثم ذكر المذاهب نحو ما تقدم، وقد تقدم الكلام مبسوطًا على هاتين المسألتين أعني تحريم الرجل امرأته على نفسه، وتحريم الطعام والشراب في \"كتاب الطلاق\"، فكن منه على ذكر، وحققت هناك أن ميلَ المصنف في المسألة إلى مسلك الإمام مالك.\n\n(٢٦ -<span data-type='title' id=toc-3916> باب الوفاء بالنذر)</span>\nأي: حكمه وفضله، قاله الحافظ (^١). وذكر المصنف فيه كلا النوعين ما يدلّ على المدح بوفاء النذر، وما يدل على المنع عن النذر، وسيأتي توجيه ذلك من كلام الحافظ. وقوله: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ يؤخذ منه أن الوفاء به قربة للثناء على فاعله، لكن ذلك مخصوص بنذر الطاعة، انتهى من \"الفتح\".\nوقال العلامة العيني (^٢): أورد هذه الآية إشارةً إلى أن الوفاء بالنذر مما يجلب الثناء على فاعله، ولكن المراد هو نذر الطاعة لا نذر المعصية، وقام الإجماع على وجوب الوفاء إذا كان النذر بالطاعة، واختلف في ابتداء النذر فقيل: إنه مستحب، وقيل: مكروه، وبه جزم النووي، ونصَّ الشافعي على أنه خلاف الأولى، وحمل بعض المتأخرين النهي على نذر اللجاج، واستحب نذر التبرر، انتهى.\nولم يذكر العيني مذهب مالك، وذكره الحافظ (^٣): إذ قال بعد نقل\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١١/ ٥٧٦).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٥/ ٧٣٧).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١١/ ٥٧٨).","vol":"6","page":475},{"text":"نصّ الشافعي: إن النذر مكروه، وكذا نقل عن المالكية، وجزم به عنهم ابن دقيق العيد، وأشار ابن العربي إلى الخلاف عنهم، وجزم الحنابلة بالكراهة، وعندهم رواية في أنها كراهة تحريم، وتوقف بعضهم في صحتها، انتهى.\nقال القسطلاني (^١): والذي رأيته في \"شرح مختصر الشيخ خليل\" للشيخ بهرام المالكي: أن النذر المطلق وهو الذي يوجبه الإنسان على نفسه ابتداء شكرًا لله تعالى مندوب، قال ابن رُشد: وهو مذهب مالك، وأما المكرر وهو ما إذا نذر صوم كل خميس أو كل اثنين أو نحو ذلك فهو مكروه، قال في \"المدونة\": مخافة التفريط في الوفاء به، إلى آخر ما قال.\nثم قال الحافظ (^٢): قال ابن المنيِّر (^٣): مناسبة أحاديث الباب للترجمة في قوله: \"يستخرج به من البخيل\"، وإنما يخرج البخيل ما تعين عليه إذ لو أخرج ما يتبرع لكان جوادًا، قلت: ويحتمل أن يكون البخاري أشار إلى تخصيص النذر المنهي عنه بنذر المعاوضة واللجاج بدليل الآية، فإن الثناء الذي تضمنته محمول على نذر القربة كما تقدم أول الباب، فيجمع بين الآية والحديث بتخصيصر كل منهما بصورة من صور النذر، فكأن البخاري رمز في الترجمة إلى الجمع بين الآية والحديث بذلك، انتهى ملتقطًا من \"الفتح\".\nقوله: (نهى النبي - ﷺ - عن النذر) في هامش المصرية عن \"شيخ الإسلام\" (^٤): علل بأن الناذر لما لم يبذل القربة إلا بشرط أن يفعل له ما يريد صار كالمعاوضة التي تقدح في نية المتقرب، وإلى ذلك أشار بقوله: \"إنه لا يرد شيئًا\"، والنهي للتنزيه إذ لو كان للتحريم لبطل النذر، وسقط لزوم الوفاء به، ولا ينافي ذلك قول أصحابنا: إن النذر قربة، ولهذا لا تبطل به\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ١٢٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١١/ ٥٨٠).\n(^٣) \"المتواري\" (ص ٢٣٠).\n(^٤) \"تحفة الباري\" (٦/ ٢٩٥).","vol":"6","page":476},{"text":"الصلاة؛ لأن النهي: محمول على من ظنّ أنه لا يقوم بما التزمه، أو أن للنذر تأثيرًا كما يلوح به الحديث أو على المعلق بشيء، فالقول بأنه قربة محله في غير ذلك، وبذلك علم ضعف إطلاق قول الكرماني: المكروه التزام القربة لا القربة إذ ربما لا يقدر على الوفاء، انتهى.\n\n(٢٧ -<span data-type='title' id=toc-3917> باب إثم من لا يفي بالنذر)</span>\nقال الحافظ (^١): كذا لأبي ذر وسقط لغيره لفظ \"إثم\"، انتهى.\nومطابقة الحديث بالترجمة ظاهرة، قال ابن بطال (^٢): سوّى بين من يخون أمانته ومن لا يفي بنذره، والخيانة مذمومة فيكون ترك الوفاء بالنذر مذمومًا، انتهى من \"الفتح\".\n\n(٢٨ -<span data-type='title' id=toc-3918> باب النذر في الطاعة. . .) إلخ</span>\nأي: حكمه، ويحتمل أن يكون \"باب\" بالتنوين ويريد بقوله: \"النذر في الطاعة\" حصر المبتدأ في الخبر فلا يكون نذر المعصية نذرًا شرعًا، انتهى (^٣).\n\n(٢٩ -<span data-type='title' id=toc-3919> باب إذا نذر أو حلف أن لا يكلم إنسانًا في الجاهلية ثم أسلم)</span>\nأي: هل يجب الوفاء عليه؟ والمراد بالجاهلية جاهلية المذكور، وهو حاله قبل إسلامه، قال ابن بطال: قاس البخاري النذر على اليمين وترك الكلام على الاعتكاف، ذكر فيه حديث ابن عمر في نذر عمر الجاهلية أنه يعتكف، والحديث سبق في آخر الاعتكاف، وسبق في غزوة حنين تعيين زمن سؤال عمر، ولفظه: \"لما قفلنا من حنين سأل عمر النبي - ﷺ - عن نذر\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١١/ ٥٨١).\n(^٢) \"شرح ابن بطال\" (٦/ ١٥٦).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١١/ ٥٨١).","vol":"6","page":477},{"text":"كان نذره في الجاهلية اعتكاف ليلة\" قال ابن بطال: وبوجوب هذا النذر يقول الشافعي وأبو ثور، كذا قال، والمشهور عند الشافعية أنه وجه لبعضهم، وأن الشافعي وجلّ أصحابه على أنه لا يجب بل يستحب، وكذا قال المالكية والحنفية، وعن أحمد في رواية يجب، وبه جزم الطبري والبخاري وداود.\nقال الحافظ: إن وجد عن البخاري التصريح بالوجوب قبل، وإلا فمجرد ترجمته لا تدل على الوجوب، انتهى من \"الفتح\" (^١) و\"القسطلاني\" (^٢).\nقوله: (أوف بنذرك. . .) إلخ، قال القسطلاني (^٣): تمسّك به من قال بصحة نذر الكافر، ومن منع وهو الصحيح يحمل الحديث على أنه - ﷺ - لم يأمره بالاعتكاف إلا تشبيهًا بما نذر، لا عين ما نذر، وتسميته بالنذر من مجاز التشبيه أو من مجاز الحذف، انتهى.\n\n(٣٠ -<span data-type='title' id=toc-3920> باب من مات وعليه نذر. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٤): أي: هل يقضى عنه أو لا؟ والذي ذكره في الباب يقتضي الأول، لكن هل هو على سبيل الوجوب أو الندب؟ خلاف يأتي بيانه، ثم قال فيما يأتي: وعند الظاهرية ومن وافقهم أن الوارث يلزمه قضاء النذر عن مورثه في جميع الحالات، وذهب الجمهور إلى أن من مات وعليه نذر مالي أنه يجب قضاؤه من رأس ماله وإن لم يوص إلا إن وقع النذر في مرض الموت فيكون من الثلث، وشرط المالكية والحنفية أن يوصي بذلك مطلقًا، انتهى ملتقطًا من \"الفتح\".\nوتقدّم ذكر الخلاف في المسألة في آخر \"كتاب الحج\" من \"باب الحج والنذر عن الميت\" (^٥).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١١/ ٥٨٢).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ١٢٧).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ١٢٧).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١١/ ٥٨٤، ٥٨٥).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٤/ ٦٥).","vol":"6","page":478},{"text":"(٣١ -<span data-type='title' id=toc-3921> باب النذر فيما لا يملك وفي معصية)</span>\nتقدم ذكر المذاهب في \"باب اليمين فيما لا يملك\".\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^١): لم يذكر في الباب ما يدلّ على الجزء الأول، وكأنه أدخل الجزء الأول في الثاني، فإن نذر المرء فيما لا يملكه هبة أو صدقة أو عتاقة يشبه نذره بمعصية في امتناعه من التمكن من إتيانه، فافهم، انتهى.\nوبما وجّهه الشيخ جزم ابن المنيِّر كما في هامش \"اللامع\"، وفيه: قال الحافظ (^٢): تقدم التنبيه في \"باب من حلف بملة سوى الإسلام\" على الموضع الذي أخرج البخاري فيه التصريح بما يطابق الترجمة، وهو في حديث ثابت بن الضحاك بلفظ: \"وليس على ابن آدم نذر فيما لا يملك\".\nثم بسط الحافظ عدة روايات في هذا المعنى، وحديث ثابت بن الضحاك الذي [أشار إليه الحافظ تقدم في البخاري في \"باب ما ينهى من السباب واللعن\" من \"كتاب الأدب\"، فلا يبعد عندي] أن يقال: إن الإمام البخاري أشار بالترجمة على عادته إلى هذا الحديث، انتهى من هامش \"اللامع\".\n\n(٣٢ -<span data-type='title' id=toc-3922> باب من نذر أن يصوم أيامًا فوافق النحر أو الفطر)</span>\nأي: أيامًا معينة فوافق النحر أو الفطر، أي: هل يجوز له الصيام أو البدل أو الكفارة؟ انعقد الإجماع على أنه لا يجوز له أن يصوم يوم الفطر ولا يوم النحر لا تطوعًا ولا عن نذر سواء عينهما أو أحدهما بالنذر أو وقعا معًا أو أحدهما اتفاقًا، فلو نذر لم ينعقد نذره عند الجمهور، وعند الحنابلة روايتان في وجوب القضاء، وخالف أبو حنيفة\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (١٠/ ١٢٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١١/ ٥٨٦).","vol":"6","page":479},{"text":"فقال: لو أقدم فصام وقع ذلك عن نذره، وقد تقدم بسط ذلك في أواخر \"الصيام\"، انتهى (^١).\nقلت: تقدم في الصيام \"باب صوم يوم الفطر\" و\"باب صيام أيام التشريق\"، وبسط الكلام عليه هناك.\nوفي هامش \"اللامع\" (^٢): ومسالك الأئمة في ذلك كما بسط في \"الأوجز\" (^٣) أنهم أجمعوا على أنه لا يجوز صوم هذين اليومين، أي: الفطر والأضحى، لا نفلًا ولا قضاءً ولا نذرًا، واختلفوا في صحة النذر بصومهما، فيصحّ النذر عند الحنفية، ويجب القضاء، وهو الأصح من قولي أحمد كما جزم به في \"نيل المآرب\"، ولا يصح النذر عند الشافعي فلا قضاء عليه، وقال مالك: إن نذرهما بعينهما بأن نذر صوم يوم الأضحى مثلًا فلا يصح النذر، وإن نذر يومًا وافق يوميهما مثل إن نذر صوم قدوم فلان فقدم يوم النحر فهذا النذر يصح عنده، ويجب القضاء، انتهى.\nقلت: وعن الإمام أبي حنيفة فيه ثلاث روايات، وظاهر الرواية عنه هو ما ذكر، أعني: صحة النذر مطلقًا.\n\n(٣٣ -<span data-type='title' id=toc-3923> باب هل يدخل في الأيمان والنذور الأرض والغنم. . .) إلخ</span>\nيعني: هل يصح اليمين أو النذر على الأعيان؟ فصورة اليمين نحو قوله - ﷺ -: \"والذي نفسي بيده إن هذه الشملة لتشتعل عليه نارًا\"، وصورة النذر مثل أن يقول: هذه الأرض لله نذرًا، ونحوه، انتهى من \"العيني\" (^٤)، وكذا في \"الفتح\" (^٥)، وعزاه إلى الكرماني (^٦)، ثم قال: والذي فهمه ابن بطال أولى، فإنه أشار إلى أن مراد البخاري الردّ على من قال: إذا حلف أو نذر\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١١/ ٥٩١).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (١٠/ ١٢١).\n(^٣) \"أوجز المسالك\" (٥/ ١٩٨، ١٩٩).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٥/ ٧٤٨).\n(^٥) \"فتح الباري\" (١١/ ٥٩٣).\n(^٦) \"شرح الكرماني\" (٢٣/ ١٣٧).","vol":"6","page":480},{"text":"أن يتصدق بماله كله اختص ذلك بما فيه الزكاة دون ما يملكه مما سوى ذلك، ونقل محمد بن نصر المروزي في \"كتاب الاختلاف\" عن أبي حنيفة وأصحابه فيمن نذر أن يتصدق بماله كله: يتصدق بما تجب فيه الزكاة من الذهب والفضة والمواشي، لا فيما ملكه مما لا زكاة فيه من الأرضين والدور ومتاع البيت والرقيق والحمير ونحو ذلك، فلا يجب عليه فيها شيء، ثم نقل بقية المذاهب على نحو ما قدمته في \"باب من أهدى ماله\"، فعلى هذا فمراد البخاري موافقة الجمهور، وأن المال يطلق على كل ما يتمول، انتهى.\nوكذا قدمنا بقية المذاهب في الباب الذي أشار إليه الحافظ.\nثم إن الحافظ - ﵀ - جعل \"كتاب الكفارات\" كتابًا مستقلًا؛ ولذا ذكر براعة الاختتام هنا في آخر \"كتاب الأيمان\" إذ قال: والبراعة في قوله: \"فجاءه سهم عائر فقتله\"، انتهى (^١).\nوهو كذلك عندي، وسيأتي بيان اختلاف النسخ.\n* * *\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (١٣/ ٥٤٤).","vol":"6","page":481},{"text":"٨٤ -<span data-type='title' id=toc-3924> كتاب كفارات الأيمان</span>\n(١ -<span data-type='title' id=toc-3925> باب كفارات الأيمان)</span>\nكذا في نسخة \"الفتح\" و\"العيني\" بلفظ \"كتاب\"، وأما في النسخ الهندية ففيها بلفظ باب.\nقال العلامة العيني (^١): هكذا في رواية أبي ذر عن المستملي، وفي رواية غيره \"باب\"، والكفارات جمع كفارة على وزن فعالة بالتشديد من الكفر، وهو التغطية، ومنه قيل للزارع: كافر؛ لأنه يغطي البذر، وكذلك الكفارة؛ لأنها تكفر الذنب، أي: تستره، ومنه تكفر الرجل بالسلاح إذا تستر به، وفي الاصطلاح: الكفارة ما يكفر به من صدقة ونحوها، انتهى.\nوقول الله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ. . .﴾ إلخ [المائدة: ٨٩] ذكر الشرَّاح في ضمن هذه الترجمة عدة فروعاتٍ خلافيةً.\nقال الحافظ (^٢): وقد تمسك به من قال بتعين العدد المذكور، وهو قول الجمهور خلافًا لمن قال لو أعطى ما يجب للعشرة واحدًا كفى، وهو مروي عن الحسن، ولمن قال كذلك، لكن قال عشرة أيام متوالية، وهو مروي عن الأوزاعي.\nقوله: (وما أمر النبي - ﷺ -. . .) إلخ، يشير إلى حديث كعب بن عجرة الموصول في الباب.\nقوله: (ويذكر عن ابن عباس) أما أثر ابن عباس فوصله سفيان الثوري في \"تفسيره\" (^٣)، قال: كل شيء في القرآن أو نحو قوله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ الآية [البقرة: ١٩٦] فهو فيه مخيَّر، وما كان ﴿فَمَنْ لَمْ\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٥/ ٧٥١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١١/ ٥٩٤).\n(^٣) \"تفسير سفيان الثوري\" (ص ٦١)، (رقم ٧٩/ ٣٦).","vol":"6","page":482},{"text":"يَجِدْ﴾ فهو على الولاء، أي: على الترتيب، وأما أثر عطاء فوصله الطبري (^١) قال ابن بطال (^٢): هذا - أي: التخيير - متفق عليه بين العلماء، وإنما اختلفوا في قدر الإطعام، ثم ذكر الاختلاف في ذلك، قلت: وقد تقدم عدة أبواب في فدية المحرم إذا حلق في \"كتاب الحج\"، وتقدم هناك مبسوطًا اختلاف العلماء في مقدار الطعام، وكذا في التخيير بين هذه الأشياء، فارجع إليه لو شئت، ثم إنهم أجمعوا على أن الحانث مخيَّر في الثلاثة من الإطعام والكسوة والتحرير، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام، وفيه خلاف لابن عمر حيث جعل \"أو\" ههنا للتنويع، كما بسط في \"الأوجز\" (^٣).\nقال الحافظ (^٤): قال ابن بطال (^٥): وإنما ذكر البخاري حديث كعب هنا من أجل آية التخيير فإنها وردت في كفارة اليمين كما وردت في كفارة الأذى، وتعقبه ابن المنيِّر فقال: يحتمل أن يكون البخاري وافق الكوفيين في هذه المسألة، فأورد حديث كعب لأنه وقع التنصيص فيه على نصف صاع، ولم يثبت في قدر طعام الكفارة فيحمل المطلق على المقيد، إلى آخر ما في \"الفتح\".\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-3926> باب قوله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ الآية [التحريم:</span> ٢])\nهكذا في النسخ الهندية، وكذا في أكثر نسخ الشروح سوى نسخة \"الفتح\" ففيه: \"باب متى تجب الكفارة على الغني والفقير؟ وقول الله تعالى. . .\" إلخ.\nقال الحافظ (^٦): وسقط لبعضهم ذكر الآية، وأشار الكرماني إلى\n_________\n(^١) \"تفسير الطبري\" (٤/ ٧٦)، (رقم ٣٣٨٣).\n(^٢) \"شرح ابن بطال\" (٦/ ١٦٨).\n(^٣) \"أوجز المسالك\" (٩/ ٦٤٥).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١١/ ٥٩٤).\n(^٥) \"شرح ابن بطال\" (٦/ ١٦٨).\n(^٦) \"فتح الباري\" (١١/ ٥٩٦).","vol":"6","page":483},{"text":"تصويبه فقال: قوله: ﴿تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ أي: تحليلها بالكفارة، والمناسب أن يذكر هذه الآية في الباب الذي قبله.\nثم قال الحافظ: قال ابن المنيِّر (^١): مقصوده أن ينبِّه على أن الكفارة إنما تجب بالحنث كما أن كفارة المواقع إنما تجب باقتحام الذنب، وأشار إلى أن الفقير لا يسقط عنه إيجاب الكفارة؛ لأن النبي - ﷺ - علم فقره وأعطاه مع ذلك ما يكفِّر به، انتهى.\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٢) قوله: \"ومتى تجب الكفارة\" أي: حيث وجد، ودلالة الرواية عليه ظاهرة، انتهى.\nقلت: وعلى هذا الغرض من الترجمة عندي أنه هل يجب أداء الكفارة على الفور أم على التراخي، وهذا أوجه عندي مما نقله الحافظ عن ابن المنيِّر من أن الكفارة إنما تجب بالحنث لا قبل الحنث، لكن لم أجد المسألة التي ذكرها الشيخ نصًّا في الكفارة، نعم الاختلاف في قضاء رمضان هل هو على الفور أو التراخي مشهور، ويستنبط منه الاختلاف في الكفارة أيضًا كما ذكر في هامش \"اللامع\" (^٣) فارجع إليه لو شئت.\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-3927> باب من أعان المعسر في الكفارة)</span>\nقال الحافظ (^٤): ذكر فيه حديث أبي هريرة المذكور قبل، وهو ظاهر فيما ترجم له، فكما جاز إعانة المعسر بالكفارة عن وقاعه في رمضان، كذلك تجوز إعانة المعسر بالكفارة عن يمينه إذا حنث فيه، انتهى.\n\n(٤ -<span data-type='title' id=toc-3928> باب يعطى في الكفارة عشرة مساكين. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٥): أما العدد فبنصِّ القرآن في كفارة اليمين، وقد ذكرت\n_________\n(^١) \"المتواري\" (ص ٢٣٢).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (١٠/ ١٢٢).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (١٠/ ١٢٢، ١٢٣).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١١/ ٥٩٦).\n(^٥) \"فتح الباري\" (١١/ ٥٩٧).","vol":"6","page":484},{"text":"الخلاف فيه قريبًا، وأما التسوية بين القريب والبعيد فقال ابن المنيِّر (^١): ذكر فيه حديث أبي هريرة المذكور قبله، وليس فيه إلا قوله: \"أطعمه أهلك\"، لكن إذا جاز إعطاء الأقرباء، فالبعداء أجوز، وقاس كفارة اليمين على كفارة الجماع في الصيام في إجازة الصرف إلى الأقرباء، قلت: وهو على رأي من حمل قوله: \"أطعمه أهلك\" على أنه في الكفارة، وأما من حمله على أنه أعطاه التمر المذكور في الحديث لينفقه عليهم، وتستمر الكفارة في ذمته إلى أن يحصل له يسرة فلا يتجه الإلحاق، وكذا على قول من يقول تسقط عن المعسر مطلقًا، ومذهب الشافعي جواز إعطاء الأقرباء إلا من تلزمه نفقته، انتهى.\nقلت: وأورد في الحاشية (^٢) أنه لا وجه لذكر العشرة في الترجمة؛ لأن العشرة في كفارة اليمين، وحديث الباب في كفارة الوقاع فلا مطابقة بينهما إلى آخر ما ذكر في الحاشية من الجواب، قلت: إنما ذكر العشرة في الترجمة؛ لأن الترجمة من كتاب الأيمان وكفارة اليمين كذلك على أن مقصد الاستدلال تعميم القريب والبعيد لا العدد الوارد في الحديث، فإن عدد الستين إنما هو في كفارة الصيام، وقد تقدّم في \"كتاب الصوم\" \"باب المجامع في رمضان هل يطعم أهله من الكفارة إذا كانوا محاويج\"، وتقدم هناك في مراد قوله - ﷺ -: \"أطعمه أهلك\" واختلاف العلماء في صرف الكفارة إلى العيال، فارجع إليه لو شئت.\n\n(٥ -<span data-type='title' id=toc-3929> باب صاع المدينة ومد النبي - ﷺ - وبركته)</span>\nقال الحافظ (^٣): أشار في الترجمة إلى وجوب الإخراج في الواجبات بصاع أهل المدينة؛ لأن التشريع وقع على ذلك أولًا، وأكَّد ذلك بدعاء النبي - ﷺ - لهم بالبركة في ذلك.\n_________\n(^١) \"المتواري\" (ص ٢٣٢، ٢٣٣).\n(^٢) \"صحيح البخاري بحاشية السهارنفوري\" (١٣/ ١٦٣).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١١/ ٥٩٨).","vol":"6","page":485},{"text":"قوله: (وما توارث أهل المدينة. . .) إلخ، أشار بذلك إلى أن مقدار المد والصاع في المدينة لم يتغير لتواتره عندهم إلى زمنه، انتهى.\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^١): وحاصل الترجمة أن العبرة لمكيال المدينة؛ لأنه كان هو الشائع حين أمر النبي - ﷺ - بأداء ما يؤدى من المكيلات، فيكون هو المراد لا غير، ثم ذكر الشيخ في \"اللامع\" توضيح قول السائب: \"كان الصاع على عهد النبي - ﷺ - مدًّا. . .\" إلخ، وفي هامش \"اللامع\" عن\"المشكاة\" برواية أبي داود (^٢) عن ابن عمر مرفوعًا: \"المكيال مكيال أهل المدينة، والميزان ميزان أهل مكة\"، انتهى.\nقلت: وترجم على هذا الحديث الإمام أبو داود \"باب قول النبي - ﷺ - المكيال مكيال المدينة\".\nوبسط الشيخ قُدِّس سرُّه في \"البذل\" (^٣) في معنى الحديث، وقال القاري في \"شرحه\" (^٤): لأن أهل المدينة أصحاب زراعات فهم أعلم بأحوال المكاييل، وأهل مكة أهل تجارات فعهدهم بالموازين وعلمهم بالأوزان أكثر، انتهى.\nقلت: واختلفوا في مقدار المد، فالمد رطل وثلث عند مالك والشافعي وأحمد، وهو قول أبي يوسف المرجوع إليه على المشهور، وقيل: لا يصح الرجوع، ورطلان عند أبي حنيفة ومحمد، والبسط في \"الأوجز\" (^٥)، وفيه أيضًا: مذهب الشافعي وأحمد اختيار المد الأصغر رطل وثلث، ومذهب الحنفية اختيار المد الأكبر رطلان، وفرّق مالك فقال في الظهار بالمد الأكبر، وفي غيره بالمد الأصغر كما في \"الأوجز\"، ففي \"الموطأ\" (^٦): قال\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (١٠/ ١٢٤، ١٢٥).\n(^٢) \"مشكاة المصابيح\" (رقم ٢٨٨٩)، \"سنن أبي داود\" (رقم ٣٣٤٠).\n(^٣) \"بذل المجهود\" (١١/ ٢٥)، (رقم ٣٣٤٠).\n(^٤) \"مرقاة المفاتيح\" (٦/ ١٠٨).\n(^٥) \"أوجز المسالك\" (٦/ ٢٩٤).\n(^٦) \"موطأ مالك\" باب مكيلة زكاة الفطر، كتاب الزكاة.","vol":"6","page":486},{"text":"مالك: والكفارات كلها وزكاة الفطر وزكاة العشور كل ذلك بالمد الأصغر مد النبي - ﷺ - إلا الظهار فإن الكفارة فيه بالمد الأعظم مد هشام، انتهى.\nوذكر في \"الأوجز\" (^١) في \"باب زكاة الفطر\" الاختلاف في مقدار مد هشام.\n\n(٦ -<span data-type='title' id=toc-3930> باب قول الله: ﴿وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء:</span> ٩٢])\nيشير إلى أن الرقبة في آية كفارة اليمين مطلقة بخلاف آية كفارة القتل فإنها قيدت بالإيمان، قال ابن بطال (^٢): حمل الجمهور ومنهم الأئمة الثلاث المطلق على المقيد، وخالفهم الكوفيون فقالوا: يجوز إعتاق الكافر، ووافقهم أبو ثور وابن المنذر، واحتج له في كتابه \"الكبير\" بأن كفارة القتل مغلظة بخلاف كفارة اليمين، ومن ثم اشترط التتابع في صيام القتل دون اليمين.\nقوله: (وأي الرقاب أزكى؟) كأنه رمز بذلك إلى موافقة الكوفيين؛ لأن أفعل التفضيل يقتضي الاشتراك في أصل الحكم، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\n\n(٧ -<span data-type='title' id=toc-3931> باب عتق المدبر وأم الولد والمكاتب. . .) إلخ</span>\nذكر فيه حديث جابر في عتق المدبر، وقد تقدم شرحه مستوفى في \"كتاب العتق\"، وبيان الاختلاف فيه، والاحتجاج لمن قال بصحة بيعه، وقضية ذلك صحة عتقه في الكفارة، إلى آخر ما ذكر الحافظ (^٤).\nقلت: وقد تقدم الاختلاف وبيان المذاهب في بيع المدبر وأم الولد والمكاتب في \"كتاب العتق\".\nوقال القسطلاني (^٥) تحت حديث الباب: ووجه المطابقة قال الكرماني: لأنه إذ جاز بيع المدبر جاز إعتاقه، وقاس الباقي عليه، انتهى.\nوقال العلامة العيني (^٦): وأما عتق ولد الزنا في الرقاب الواجبة فيجوز عند الجمهور، منهم أبو حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق، وقال عطاء\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (٦/ ٣٠٠، ٣٠١).\n(^٢) \"شرح ابن بطال\" (٦/ ١٧٥).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١١/ ٥٩٩).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١١/ ٦٠٠).\n(^٥) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ١٤٨).\n(^٦) \"عمدة القاري\" (١٥/ ٧٥٩).","vol":"6","page":487},{"text":"والشعبي والنخعي والأوزاعي: لا يجوز عتقه، فإن قلت: روي عن أبي هريرة مرفوعًا: \"أنه شر الثلاثة\"، قلت: روي عن ابن عباس وعائشة إنكار ذلك، انتهى مختصرًا.\nقلت: وهذا الحديث الذي أشار إليه العلامة العيني أخرجه الإمام أبو داود (^١) بلفظ: \"ولد الزنا شر الثلاثة\"، وقد تكلموا عليه كما أشار إليه العيني، وقد تعرّض الحافظ لإدخال المصنف عتق ولد الزنا في هذا الباب، وعن وجه مناسبته، وذكر بعض آثار الصحابة مما يدلّ على منع عتقه.\n\n(٨ -<span data-type='title' id=toc-3932> باب إذا أعتق عبدًا بينه وبين آخر أو أعتق في الكفارة لمن ولاؤه)</span>\nهكذا في النسخ الهندية، وفي نسخ الشروح هما بابان مستقلان هكذا: \"باب إذا أعتق. . .\" إلخ، لكن لم يذكر فيه حديث، ثم ترجم \"باب إذا أعتق في الكفارة. . .\" إلخ.\nقال الحافظ (^٢): قوله: \"باب إذا أعتق عبدًا بينه وبين آخر\" ثبتت هذه الترجمة للمستملي وحده بغير حديث، فكأن المصنف أراد أن يثبت فيها حديث الباب الذي وحده من وجه آخر فلم يتفق، أو تردّد في الترجمتين فاقتصر الأكثر على الترجمة التي تلي هذه، وكتب المستملي الترجمتين احتياطًا، والحديث في الباب الذي يليه صالح لهما بضرب من التأويل، وجمع أبو نعيم الترجمتين في باب واحد.\nثم قال الحافظ: ذكر فيه حديث عائشة في قصة بريرة مختصرًا، وفي آخره: \"فإنما الولاء لمن أعتق\"، وقضيته أن كل من أعتق فصحّ عتقه كان الولاء له، فيدخل في ذلك ما لو أعتق العبد المشترك فإنه إن كان موسرًا صحّ وضمن لشريكه حصته، ولا فرق بين أن يعتقه مجانًا أو عن الكفارة،\n_________\n(^١) \"سنن أبي داود\" (رقم ٣٩٦٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١١/ ٦٠١).","vol":"6","page":488},{"text":"وهذا قول الجمهور ومنهم صاحبا أبي حنيفة، وعن أبي حنيفة: لا يجزئه عتق العبد المشترك عن الكفارة؛ لأنه يكون أعتق بعض عبد لا جميعه؛ لأن الشريك عنده يخيَّر أن يقوم عليه نصيبه وبين أن يعتقه هو وبين أن يستسعى العبد في نصيب الشريك، انتهى.\nقلت: ومبنى الخلاف هو ما قد تقدّم مبسوطًا في \"كتاب العتق\" هو اختلافهم في تجزي الإعتاق وعدمه، فإن الإعتاق متجز عند أبي حنيفة مطلقًا في حالتي اليسر والعسر، وغير متجز مطلقًا عند صاحبيه، وعند الأئمة الثلاثة متجز في حالة العسر دون اليسر كما تقدم.\n\n(٩ -<span data-type='title' id=toc-3933> باب الاستثناء في الأيمان)</span>\nأي: هذا باب في بيان أحكام الاستثناء في الأيمان، والاستثناء في الاصطلاح: إخراج بعض ما يتناوله اللفظ بإلا وأخواتها، وتطلق أيضًا على التعاليق، ومنها التعليق على المشيئة، وهو المراد في هذه الترجمة، فإذا قال: لأفعلنّ كذا، أو لا أفعل كذا إن شاء الله تعالى فقد استثنى، واتفق العلماء على أن شرط الحكم بالاستثناء أن يتلفظ المستثنى به، وأنه لا يكفي القصد إليه بغير لفظ، وذكر عياض فيه عن بعضهم خلاف مالك، لكن نقل في \"التهذيب\" أن مالكًا نصّ على اشتراط التلفظ، انتهى ملخصًا من \"الفتح\" (^١).\nوفيه (^٢) بعد ذكر الحديث: قال أبو موسى المديني في كتابه \"الثمين في استثناء اليمين\": لم يقع قوله: \"إن شاء الله\" في أكثر الطرق لحديث أبي موسى، وسقط لفظ \"والله\" من نسخة ابن المنيِّر، فاعترض بأنه ليس في حديث الباب يمين، وليس كما ظن بل هي ثابتة في الأصول، وإنما أراد البخاري بإيراده بيان صيغة الاستثناء بالمشيئة، وأشار أبو موسى المديني في\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١١/ ٦٠٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١١/ ٦٠٤، ٦٠٥).","vol":"6","page":489},{"text":"الكتاب المذكور إلى أنه - ﷺ - قالها للتبرك لا للاستثناء، وهو خلاف الظاهر.\nوقال الحافظ (^١) تحت الحديث الثاني من حديثي الباب: قد جزم جماعة أن سليمان - ﵇ - كان قد حلف كما سأبينه، والحق أن مراد البخاري من إيراد قصة سليمان في هذا الباب أن يبين أن الاستثناء في اليمين يقع بصيغة \"إن شاء الله\"، فذكر حديث أبي موسى المصرح بذكرها مع اليمين، ثم ذكر قصة سليمان لمجيء قوله - ﷺ - فيها تارة بلفظ: \"لو قال: إن شاء الله\"، وتارة بلفظ: \"لو استثنى\" فأطلق على لفظ إن شاء الله أنه استثناء، فلا يعترض عليه بأنه ليس في قصة سليمان يمين، انتهى.\n\n(١٠ -<span data-type='title' id=toc-3934> باب الكفارة قبل الحنث وبعده)</span>\nقال العلامة السندي (^٢) في مطابقة الحديث بالترجمة: وفيه ذكر قوله: \"إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها\" كأنّه أخذ من الواو الإطلاق؛ لأنه لمطلق الجمع، فالأصل الجواز كيف ما كان مقدمًا على الحنث أو مؤخرًا، ومن يدعي أحدهما فعليه البيان، والله تعالى أعلم، انتهى.\nقال العلامة القسطلاني (^٣): اعلم أن للكفارة ثلاث حالات: إحداها: قبل الحلف فلا تجزئ اتفاقًا، ثانيتها: بعد الحلف والحنث فتجزئ اتفاقًا، ثالثتها: بعد الحلف وقبل الحنث فاختلف فيها، فقال مالك وسائر فقهاء الأمصار إلا أبا حنيفة: تجزئ قبله، لكن استثنى الشافعي الصيام، فقال: لا يجزئ إلا بعد الحنث؛ لأن الصيام من حقوق الأبدان، ولا يجوز تقديمها قبل وقتها كالصلاة، بخلاف العتق والكسوة والإطعام فإنها من حقوق الأموال فيجوز تقديمها كالزكاة، والخلاف كما قال القاضي عياض مبني على أن الكفارة لحل اليمين أو لتكفير مأثمها بالحنث، فعند الجمهور أنها\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١١/ ٦٠٦).\n(^٢) \"صحيح البخاري بحاشية السندي\" (٤/ ١٦٢).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ١٥٦).","vol":"6","page":490},{"text":"رخصة شرعها الله لحل ما عقد من اليمين، فلذلك تجزئ قبل وبعد، نعم استحب مالك والشافعي تأخيرها، انتهى.\nوفيه (^١) أيضًا: واختلف هل كفَّر - ﷺ - عن يمينه المذكورة كما اختلف هل كفَّر في قصة حلفه على شرب العسل أو على غشيان مارية، ثم ذكر فيه أقوال العلماء.\nوأما براعة الاختتام فما تقدم في مقدمة \"اللامع\" (^٢) من كلام الحافظ أنها في قوله: \"إذا سهم عائر فقتله\" وفي آخر الكفارة: \"وكفِّر عن يمينك\"، انتهى.\nقلت: وهذا مبني على نسخة الحافظ، وأما على النسخ الهندية فالكفارات فيها مندرج في \"كتاب الأيمان\"، وفي آخرها: قوله: \"كفِّر عن يمينك\" كما تقدم في كلام الحافظ، ولا يبعد عندي أنها في قوله: \"فأت الذي هو خير\" فإنه استعداد للموت أو في قوله: \"ابن حرب\".\n* * *\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ١٥٥).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (١/ ١١٩).","vol":"6","page":491},{"text":"٨٥ -<span data-type='title' id=toc-3935> كتاب الفرائض</span>\nقال الحافظ (^١): الفرائض جمع فريضة؛ كحديقة وحدائق، والفريضة فعيلة بمعنى مفروضة مأخوذة من الفرض، وهو القطع، يقال: فرضت لفلان كذا، أي: قطعت له شيئًا من المال، قاله الخطابي (^٢). وقال الراغب (^٣): قطع الشيء الصلب والتأثير فيه، وخصت المواريث باسم الفرائض من قوله تعالى: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء: ٧] أي: مقدرًا أو معلومًا أو مقطوعًا عن غيرهم، انتهى.\nوفي \"الأوجز\" (^٤): الفرض لغة التقدير، وشرعًا نصيب مقدّر للوارث، وهي ستة: النصف، والربع، والثمن، والثلثان، والثلث، والسدس.\nوقال الدردير (^٥): ويسمى بعلم الفرائض وعلم المواريث، وهو علم يعرف به من يرث ومن لا يرث، ومقدار ما لكل وارث، وموضوعه التركات، وغايته إيصال كل ذي حق حقه من التركة، انتهى.\nوقال القسطلاني (^٦): قيل: إن هذا العلم ينقسم إلى ثلاثة علوم: علم الفتوى، وعلم النسب، وعلم الحساب، انتهى.\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-3936> باب قول الله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ الآيتين [النساء:</span> ١١])\nكذا في النسخ الهندية، وفي نسخ الشروح بغير لفظ \"باب\".\nوأما الغرض من الترجمة فما في هامش \"اللامع\" (^٧) من أنه أشار\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٢/ ٣).\n(^٢) \"غريب الحديث\" (٢/ ٤٥، ٤٦).\n(^٣) \"المفردات\" (ص ٦٣٠).\n(^٤) \"أوجز المسالك\" (١٤/ ٤٠٢).\n(^٥) \"الشرح الكبير\" (٤/ ٤٢٦).\n(^٦) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ١٥٩).\n(^٧) \"لامع الدراري\" (١٠/ ١٣٠).","vol":"6","page":492},{"text":"بذلك إلى مبدأ هذا الحكم كما يدل عليه حديث جابر الوارد في الباب من قوله: \"فلم يجبني بشيء حتى نزلت آية الميراث\"؛ ولذا قدمه على \"<span data-type='title' id=toc-3937>باب تعليم الفرائض</span>\"، فهذا الباب عندي من الأصل التاسع والخمسين من أصول التراجم، وقد تقدم البحث في المراد بآية الميراث الواقع في حديث جابر في \"كتاب التفسير\" فارجع إليه لو شئت، وفي هامش المصرية عن \"شيخ الإسلام\" (^١): نزول آية المواريث في جابر لا ينافي ما روي أنها نزلت في سعد بن أبي وقاص لاحتمال أن بعضها نزل في هذا أو بعضها نزل في ذلك، أو أنها نزلت فيهما معًا في وقت واحد، انتهى.\n\n(٢ - باب تعليم الفرائض)\nأي: بيان الحثّ على تعليمها لما سيأتي من حديث الترمذي وغيره.\nقوله: (وقال عقبة بن عامر. . .) إلخ، قال الحافظ (^٢): هذا الأثر لم أظفر به موصولًا، قال ابن المنيِّر (^٣): وإنما خصّ البخاري قول عقبة بالفرائض لأنه أدخل فيه من غيرها؛ لأن الفرائض الغالب عليها التعبد وانحسام وجوه الرأي، بخلاف غيرها من أبواب العلم، فإن للرأي فيها مجالًا والانضباط فيها ممكن غالبًا.\nقال الحافظ: وقد ورد في الحثِّ على تعلم الفرائض حديث ليس على شرطه أخرجه أحمد والترمذي والنسائي وصحّحه الحاكم من حديث ابن مسعود رفعه: \"تعلموا الفرائض وعلموها الناس، فإِني امرؤ مقبوض، وإن العلم سيقبض حتى يختلف الاثنان في الفريضة فلا يجدان من يفصل بينهما\"، إلى آخر ما في \"الفتح\" من الكلام على الحديث.\nقلت: ولعل المصنف أشار إلى هذا الحديث.\n_________\n(^١) \"تحفة الباري\" (٦/ ٣٠٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٢/ ٤، ٥).\n(^٣) \"المتواري\" (ص ٣٤٢).","vol":"6","page":493},{"text":"(٣ -<span data-type='title' id=toc-3938> باب قول النبي - ﷺ -: لا نورث. . .) إلخ</span>\nالراء من قوله: \"لا نورث\" بالفتح في الرواية، ولو روي بالكسر لصحّ المعنى أيضًا، وقوله: \"صدقة\" بالرفع، أي: المتروك عنا صدقة، وادعى الشيعة أنه بالنصب على أن \"ما\" نافية، ورد عليهم بأن الرواية ثابتة بالرفع، وعلى التنزل فيجوز النصب على تقدير حذفٍ تقديره: ما تركنا مبذول صدقة، قاله ابن مالك (^١).\nوينبغي الإضراب عنه والوقوف مع ما ثبتت به الرواية، انتهى من \"الفتح\" (^٢)، والحديث قد سبق في الخمس.\nوقال الحافظ (^٣): تقدّم الكلام على المراد بقوله: \"عاملي\" في أوائل فرض الخمس، وحكيت فيه ثلاثة أقوال، ثم وجدت في \"الخصائص\" لابن دحية حكاية قول رابع أن المراد خادمه، وعبّر عن العامل على الصدقة بالعامل على النخل، وزاد أيضًا: وقيل: الأجير، ويتحصل من المجموع خمسة أقوال: الخليفة، والصانع، والنظار، والخادم، وحافر قبره ﵊، وقد ترجم المصنف عليه في أواخر الوصايا \"باب نفقة قيم الوقف\"، وفيه إشارة إلى ترجيح حمل العامل على الناظر، انتهى.\nوبسط الكلام على شرح الحديث ومباحثه في الجزء السادس من \"الأوجز\" (^٤)، وفي هامش المصرية: استشكل طلبهما الأرض بعد أخذهما لها على الشرط المذكور، وأجيب بأنهما اعتقدا أن قوله: \"لا نورث\" مخصوص ببعض ما يخلفه، وأما مخاصمتهما فلم تكن في الميراث بل طلبا أن يقسما بينهما ليستقل كل منهما بالتصرف فيما يصير إليه، فمنعهما عمر؛ لأن القسم إنما يقع في الأملاك، وربما يطول الزمان فيظن أنه ملكهما، قاله الكرماني (^٥)، انتهى.\n_________\n(^١) \"شواهد التوضيح\" (ص ٢١١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٢/ ٧).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٢/ ٧، ٨).\n(^٤) \"أوجز المسالك\" (١٧/ ٥٣٤ - ٥٥٠).\n(^٥) \"شرح الكرماني\" (٢٣/ ١٥٨).","vol":"6","page":494},{"text":"وتقدم شيء من الكلام عليه في هامش \"اللامع\" (^١) في \"كتاب المغازي\"، وأجاد الكلام على مباحث الحديث شيخنا ومرشدنا في \"بذل المجهود\" (^٢)، وفيه: قال الإمام أبو داود وبعد تخريج هذا الحديث: أراد عمر - ﵁ - أن لا يوقع عليه اسم قسم، انتهى.\n\n(٤ -<span data-type='title' id=toc-3939> باب قول النبي - ﷺ -: \"من ترك مالًا فلأهله</span>\")\nقال الحافظ (^٣) في شرح الحديث: قوله: \"فعلينا قضاؤه\" وهل هذا من خصائصه - ﷺ - أو يجب على ولاة الأمر بعده؟ الراجح الاستمرار، لكن وجوب الوفاء إنما هو من مال المصالح، ونقل ابن بطال (^٤) وغيره أنه كان - ﷺ - يتبرع بذلك، وعلى هذا لا يجب على من بعده، وعلى الأول قال ابن بطال (^٥): فإن لم يعط الإمام عنه من بيت المال لم يحبس عن دخول الجنة؛ لأنه يستحق القدر الذي عليه في بيت المال ما لم يكن دينه أكثر من القدر الذي له في بيت المال مثلًا، انتهى.\nقوله: (من ترك مالًا فلورثته) وهذا بالإجماع، قاله القسطلاني (^٦).\n\n(٥ -<span data-type='title' id=toc-3940> باب ميراث الولد من أبيه وأمه)</span>\nقال القسطلاني (^٧): قوله: \"الولد\" ذكرًا كان أو انثى ولدًا أو ولد ولد وإن سفل، انتهى.\nقال الحافظ (^٨): لفظ \"الولد\" أعمّ من الذكر والأنثى، ويطلق على الولد للصلب وعلى ولد الولد وإن سفل، قال ابن عبد البر: أصل ما بنى عليه مالك والشافعي وأهل الحجاز ومن وافقهم في الفرائض قول\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (٨/ ٢٨٣، ٢٨٤).\n(^٢) \"بذل المجهود\" (١٠/ ١٤٠ - ١٤٨).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٢/ ١٠).\n(^٤) \"شرح ابن بطال\" (٨/ ٣٤٦).\n(^٥) \"شرح ابن بطال\" (٦/ ٤٢٨).\n(^٦) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ١٧٠).\n(^٧) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ١٧٠).\n(^٨) \"فتح الباري\" (١٢/ ١١).","vol":"6","page":495},{"text":"زيد بن ثابت، وأصل ما بنى عليه أهل العراق ومن وافقهم قول علي بن أبي طالب، وكل من الفريقين لا يخالف قول صاحبه إلا في اليسير النادر إذا ظهر له مما يجب عليه الانقياد إليه، انتهى من \"الفتح\".\nقوله: (لأوْلى رجل ذكر) قال صاحب \"الفيض\" (^١): اعلم أن العصبة إما بنفسه، أو بالغير، أو مع الغير، فالأول: هو أقرب رجل ذكر إلى الميت، وأما الثاني: فهو الإناث، والغير يكون عصبةً بنفسه، وأما الثالث: فهو والغير كلاهما إناث فيه، فالاستحقاق فيه إنما يأتي من قبل الاجتماع، وإلا فلا عصبية فيه من جهة نفسه، كما في القسم الأول، ولا من جهة الغير، كما في الثاني، انتهى.\n\n(٦ -<span data-type='title' id=toc-3941> باب ميراث البنات)</span>\nقال الحافظ (^٢): الأصل فيه كما تقدم في أول \"كتاب الفرائض\" قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]، وقد تقدمت الإشارة إليه وإلى سبب نزولها، وأن أهل الجاهلية كانوا لا يورثون البنات إلى آخر ما ذكر.\n\n(٧ -<span data-type='title' id=toc-3942> باب ميراث ابن الابن إذا لم يكن ابن. . .) إلخ</span>\nأي: للميت لصلبه سواء كان أباه أو عمه، قاله الحافظ (^٣).\nوفي \"الفيض\" (^٤): قوله: \"باب ميراث ابن الابن. . .\" إلخ، فابن العم محروم عند وجود العم، وذلك لأن العبرة فيه للطبقة، فإذا كان الابن الصلبي موجودًا لا يعبأ بالابن بالواسطة، انتهى.\nوقال العيني (^٥): قوله: \"وقال زيد. . .\" إلخ، وهذا الذي قاله زيد إجماع، ووصل أثره سعيد بن منصور، انتهى.\n_________\n(^١) \"فيض الباري\" (٦/ ٣٣٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٢/ ١٥).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٢/ ١٦).\n(^٤) \"فيض الباري\" (٦/ ٣٣٣).\n(^٥) \"عمدة القاري\" (١٦/ ١٦).","vol":"6","page":496},{"text":"(٨ -<span data-type='title' id=toc-3943> باب ميراث ابنة ابن مع ابنة)</span>\nقال الحافظ (^١): قال ابن بطال (^٢): لا خلاف بين الفقهاء فيما رواه ابن مسعود، وفي جواب أبي موسى إشعار بأنه رجع عما قاله، وقال ابن عبد البر: لم يخالف في ذلك إلا أبو موسى الأشعري وسلمان بن ربيعة الباهلي، وقد رجع أبو موسى عن ذلك، ولعل سلمان أيضًا رجع كأبي موسى، انتهى.\n\n(٩ -<span data-type='title' id=toc-3944> باب ميراث الجد مع الأب والإخوة)</span>\nالمراد بالجد هنا من يكون من قبل الأب، والمراد بالإخوة الأشقاء ومن الأب، وقد انعقد الإجماع على أن الجد لا يرث مع وجود الأب، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\nوفي \"الفيض (^٤) تحت ترجمة الباب: والإخوة محرومون عندنا عند وجود الجد، وهو مذهب أبي بكر الصديق، وتجري فيه المقاسمة عند صاحبيه، انتهى.\nقال العيني (^٥): قوله: \"الجدّ أبٌ\" أي: الجد الصحيح حكمه حكم الأب عند عدمه بالإجماع، والجد الصحيح هو الذي لا يدخل في نسبته إلى الميت أم، فإذا كان أبا فله أحوال ثلاث: الفرض المطلق، والفرض، والتعصيب المحض، فهو كالأب في جميع أحواله إلا في أربع مسائل، ثم ذكرها العيني فارجع إليه لو شئت.\nوفي هامش المصرية عن شيخ الإسلام (^٦): لم يصرح المصنف في الباب بما يطابق الترجمة، وحكم الجد، أي: من قبل الأب عند فقده كحكمه\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٢/ ١٨).\n(^٢) \"شرح ابن بطال\" (٨/ ٣٥١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٢/ ١٩).\n(^٤) \"فيض الباري\" (٦/ ٣٣٤).\n(^٥) \"عمدة القاري\" (١٦/ ١٨).\n(^٦) \"تحفة الباري\" (٦/ ٣١٣).","vol":"6","page":497},{"text":"إذا لم يكن للميت إخوة، ومع الإخوة الأشقاء وللأب أخذ الأكثر من المقاسمة أو ثلث الباقي أو سدس الجميع، وأما الإخوة للأم فلا يرثون معه، انتهى.\n\n(١٠ -<span data-type='title' id=toc-3945> باب ميراث الزوج مع الولد وغيره)</span>\nأي: من الوارثين فلا يسقط الزوج بحال، وإنما يحطه الولد عن النصف إلى الربع، قال ابن المنيِّر: استشهاد البخاري بحديث ابن عباس هذا مع أن الدليل من الآية واضح إشارة منه إلى تقرير سبب نزول الآية، وأنها على ظاهرها غير مؤولة ولا منسوخة، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(١١ -<span data-type='title' id=toc-3946> باب ميراث المرأة والزوج مع الولد وغيره)</span>\nأي: من الوارثين فلا يسقط إرث واحد منهما بحال، بل يحط الولد الزوج من النصف إلى الربع، ويحط المرأة من الربع إلى الثمن، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\nقلت: ولفظ الزوج عطف تفسير للمرأة فلا يتوهم بتكرار الترجمة بذكر ميراث الزوج، فافهم.\n\n(١٢ -<span data-type='title' id=toc-3947> باب ميراث الأخوات مع البنات عصبة)</span>\nالمراد بالأخوات الأخوات لغير أم.\nقال القسطلاني (^٣): قوله: \"الأخوات\" أي: للأبوين أو لأب، انتهى.\nقال ابن بطال (^٤): أجمعوا على أن الأخوات عصبة البنات فيرثن ما فضل عن البنات، فمن لم يخلف إلا بنتًا وأختًا فللبنت النصف وللأخت النصف الباقي على ما في حديث معاذ، إلى آخر ما في \"الفتح\" (^٥).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٢/ ٢٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٢/ ٢٤).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ١٨٣).\n(^٤) \"شرح ابن بطال\" (٨/ ٣٥٦).\n(^٥) \"فتح الباري\" (١٢/ ٢٤).","vol":"6","page":498},{"text":"وفيه ولم يخالف في شيء من ذلك إلا ابن عباس فإنه كان يقول: للبنت النصف وما بقي للعصبة، وليس للأخت شيء، فإذا لم تكن عصبة ردّ الفضل على البنت أو البنات، ولم يوافقه على ذلك أحد إلا أهل الظاهر، انتهى مختصرًا من \"الفتح\".\n\n(١٣ -<span data-type='title' id=toc-3948> باب ميراث الإخوة والأخوات)</span>\nقال الحافظ (^١): ذكر فيه حديث جابر المذكور في أول \"كتاب الفرائض\"، والغرض منه قوله: \"إنما لي أخوات\" فإنه يقتضي أنه لم يكن له ولد، واستنبط المصنف الإخوة بطريق الأولى، انتهى.\n\n(١٤ -<span data-type='title' id=toc-3949> باب ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء:</span> ١٧٦])\nقال العلامة العيني (^٢): وإنما ترجم بهذه الآية لأن فيها التنصيص على ميراث الإخوة، انتهى.\nوهكذا في \"الفتح\" (^٣)، وزاد: وقد اختلف في تفسير الكلالة، والجمهور على أنه من لا ولد له ولا والد، واختلف في بنت وأخت هل ترث الأخت مع البنت؟ وكذا في الجد هل يتنزل منزلة الأب فلا ترث معه الإخوة؟ انتهى.\n\n(١٥ -<span data-type='title' id=toc-3950> باب ابني عم أحدهما أخ لأم والآخر زوج. . .) إلخ</span>\nصورتها أن رجلًا تزوّج امرأة فأتت منه بابن، ثم تزوّج أخرى فأتت منه بآخر، ثم فارق الثانية فتزوّجها أخوه فأتت منه ببنت فهي أخت الثاني\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٢/ ٢٥).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٦/ ٢٥).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٢/ ٢٦).","vol":"6","page":499},{"text":"لأمه وابنة عمه، فتزوّجت هذه البنت الابن الأول وهو ابن عمها ثم ماتت عن ابني عمها، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nقلت: ومثالها أن زيدًا وعمرًا مثلًا كانا أخوين ولزيد بنت تسمى هندًا، ولعمرو ابن يسمى خالدًا، فتزوّجت هند بابن عمها خالد، ثم مات زيد فتزوّجت زوجته أم هند بحموها عمرو فولد ولدًا آخر بكرًا ثم ماتت هند، فتركت ابني عمها أحدهما خالد وهو زوجها، والثاني بكر وهو أخوها لأم، فهذه صورة المسألة، فقال علي - ﵁ -: النصف للزوج وهو خالد، والسدس لأخ لأم وهو بكر، وهذان النصيبان للفرضية، والثلث الباقي لخالد وبكر للعصوبة لكونهما ابني عمها.\nقال الحافظ (^٢): قال ابن بطال (^٣): وافق عليًا زيد بن ثابت والجمهور، وقال عمر وابن مسعود: جميع المال - يعني: الذي يبقى بعد نصيب الزوج - للذي جمع القرابتين، فله السدس بالفرض، والثلث الباقي بالتعصيب، وهو قول الحسن وأبي ثور، انتهى.\n\n(١٦ -<span data-type='title' id=toc-3951> باب ذوي الأرحام)</span>\nأي: بيان حكمهم هل يرثون أو لا؟ وهم عشرة أصناف: الخال، والخالة، والجد للأم، وولد البنت، وولد الأخت، وبنت الأخت، وبنت الأخ، وبنت العم، والعمة، والعم للأم، وابن الأخ للأم، ومن أدلى بأحد منهم، فمن ورثهم قال: أولاهم أولاد البنت، ثم أولاد الأخت وبنات الأخ، ثم العم والعمة، والخال والخالة، وإذا استوى اثنان قدّم الأقرب إلى صاحب فرض أو عصبة، انتهى (^٤).\nوقال القسطلاني (^٥): قوله: \"ذوي الأرحام\" وهو كل قريب ليس بذي\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٢/ ٢٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٢/ ٢٧).\n(^٣) \"شرح ابن بطال\" (٨/ ٣٦٠).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٢/ ٢٩).\n(^٥) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ١٨٩).","vol":"6","page":500},{"text":"سهم ولا عصبة، واختلف هل يرثون أم لا؟ وبالأول قال الكوفيون وأحمد محتجين بقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥]، وذوو الأرحام هم أصناف، فذكر نحو ما تقدم عن الحافظ.\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^١): أراد المصنف بذلك معنى أعم من معناه المتعارف بين أصحاب الفرائض، انتهى.\nوفي هامشه: أراد الشيخ بذلك إثبات المطابقة بين الحديث والترجمة إذ ليس في حديث الباب ما يدل على ذوي الأرحام المعروفين عند الفقهاء، وذلك لأن الوارد في حديث الباب قوله: \"دون ذوي رحمه\" وليس المراد بذلك ذوي الأرحام المعروفين، بل الأقارب مطلقًا سواء كانوا من ذوي الفروض أو العصبة أو ذوي الأرحام، وهو أوجه مما قاله العيني (^٢)، إذ قال: مطابقته للترجمة يمكن أن تؤخذ من قوله: ﴿جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ [النساء: ٣٣] لأن الموالي الورثة، وكذا فسر ابن عباس في هذا الحديث لأنه ذكره في الكفالة بقوله: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ قال: ورثة، الحديث، ولفظ الورثة يطلق على ذوي الأرحام، إلى آخر ما في هامش \"اللامع\".\nقوله: (نسختها ﴿والذي عاقدت أيمانكم﴾) ذكر العلامة العيني (^٣) وغيره من الشرَّاح اختلافهم في تعيين الناسخ والمنسوخ أيهما هو، تقدم البسط في ذلك في \"كتاب الكفالة\" في \"باب قول الله: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣٣].\nوالأوجه عندي: أن قوله: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ﴾ بيان للضمير المنصوب في نسختها.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (١٠/ ١٣٢).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٦/ ٢٨).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٦/ ٢٨، ٢٩).","vol":"6","page":501},{"text":"(١٧ -<span data-type='title' id=toc-3952> باب ميراث الملاعنة)</span>\nقال الحافظ (^١): المراد بيان ما ترثه من ولدها الذي لاعنت عليه، ثم ذكر تفصيل الخلاف في المسألة إذ قال: وقد اختلف السلف في معنى إلحاقه بأمه مع اتفاقهم على أنه لا ميراث بينه وبين الذي نفاه، فجاء عن علي وابن مسعود أنهما قالا في ابن الملاعنة: \"عصبته عصبة أمه يرثهم ويرثونه\"، وبه قال النخعي والشعبي، وجاء عن علي وابن مسعود أنهما كانا يجعلان أمه عصبة وحدها فتعطى المال كله، فإن ماتت أمه قبله فماله لعصبتها، وبه قال جماعة منهم أحمد في رواية، وجاء عن علي أن ابن الملاعنة ترثه أمه وإخوته منها، فإن فضل شيء فهو لبيت المال، وهذا قول زيد بن ثابت وجمهور العلماء وأكثر فقهاء الأمصار، قال مالك: وعلى هذا أدركت أهل العلم، إلى آخر ما بسط في الدلائل.\nوفي \"الأوجز\" (^٢) بعد ذكر مسلك الجمهور عن صاحب \"المحلى\": قال أبو حنيفة: للأم فرضها، والباقي يرد عليها، وإن كان معها صاحب فرض آخر يرد الفضل عليهم على قدر سهامهم، ويشهد له ما رواه عبد الرزاق عن ابن مسعود: \"ميراث ولد الملاعنة كله لأمه\"، ومن المرفوع ما رواه أبو داود عن واثلة بن الأسقع: \"تحوز المرأة ثلاث مواريث: عتيقها ولقيطها وولدها الذي لاعنت منه\"، انتهى.\nقلت: وحاصل المذاهب أنه ينقطع التوارث بينه وبين أبيه إجماعًا، وترث الأم حقها، والباقي لها ولأهل الفروض بالردّ عند أبي حنيفة، وللأم للعصبية في إحدى الروايتين عن أحمد، والأخرى له لبيت المال، وهو قول مالك والشافعي، والبسط في \"الأوجز\".\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٢/ ٣١).\n(^٢) \"أوجز المسالك\" (١١/ ٢٥٢).","vol":"6","page":502},{"text":"(١٨ -<span data-type='title' id=toc-3953> باب الولد للفراش حرة كانت أو أمة)</span>\nأي: سواء كانت المستفرشة حرة أو أمة.\nقال العلامة القسطلاني (^١): وقد كانت عادة الجاهلية إلحاق النسب بالزنا، وكانوا يستأجرون الإماء بالزنا، فمن اعترفت الأم أنه له ألحق به، ولم يقع إلحاق ابن وليدة زمعة في الجاهلية، انتهى.\nقلت: ولعل مناسبة هذه الترجمة بكتاب الفرائض من حيث إنه أراد المصنف بذلك أنه لا فرق في توريث الابن بين كون أمه حرة أو أمة، والله تعالى أعلم.\nوبسط الحافظ (^٢) الكلام على شرح الحديث وتحقيق لفظ الفراش والمراد منه، وقال أيضًا (^٣): قال ابن عبد البر: هو من أصح ما يروى عن النبي - ﷺ - جاء عن بضعة وعشرين نفسًا من الصحابة إلى آخر ما ذكره الحافظ عمن روى هذا الحديث من الصحابة وفي ذكر من أخرجه.\n\n(١٩ -<span data-type='title' id=toc-3954> باب الولاء لمن أعتق وميراث اللقيط)</span>\nوفي هامش المصرية عن شيخ الإسلام (^٤): بالرفع معطوف على ما قبله، واللقيط صغير أو مجنون منبوذ لا كافل له، انتهى.\nقال الحافظ (^٥): هذه الترجمة معقودة لميراث اللقيط، فأشار إلى ترجيح قول الجمهور إن اللقيط حر، وولاؤه في بيت المال، وإلى ما جاء عن النخعي أن ولاءه للذي التقط، واحتج بقول عمر لأبي جميلة في الذي التقطه: \"اذهب فهو حر، وعلينا نفقته، ولك ولاؤه\"، وتقدم هذا الأثر معلقًا بتمامه في أوائل الشهادات، انتهى.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ١٩٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٢/ ٣٢ - ٣٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٢/ ٣٩).\n(^٤) \"تحفة الباري\" (٦/ ٣١٧).\n(^٥) \"فتح الباري\" (١٢/ ٣٩).","vol":"6","page":503},{"text":"وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^١): ولعل الوجه في إيراد اللقيط فيه أنه ليس معتقًا لأحد وهو ظاهر، فلا يكون لأحد عليه ولاء العتاقة، ولا هو ممن له ذو قرابة فيحوزوا تركته، فلم يبق إلا بيت المال، انتهى.\nقلت: ويستفاد من كلام الشيخ قُدِّس سرُّه أن المقصود بهذه الترجمة هو بيان الولاء للمعتق، كما هي مسألة إجماعية، ولما كان يتوهم في بادئ الرأي أنه ينبغي أن يرث اللاقط اللقيط لكونه بمنزلة المعتق في حق اللقيط، فإنه صار سببًا لحفظ دمه وماله، فأشار المؤلف بذكر اللقيط في الترجمة إلى دفع هذا التوهم، ويؤيده أيضًا أن المصنف لم يذكر في هذا الباب حديثًا مرفوعًا يدلّ على حكم اللقيط في توارثه وعدمه، فلا حاجة حينئذ إلى الاعتذار الذي ذكره الشرَّاح ههنا في عدم إيراد المصنف ما يدلّ على حكم اللقيط، فللّه در الشيخ قُدِّس سرُّه.\nقال الكرماني (^٢): فإن قلت: أين ذكر ميراث اللقيط؟ قلت: هو مما ترجم عليه ولم يتفق له إلحاق الحديث به، انتهى.\nوقال العيني: قوله: \"ميراث اللقيط\" لم يذكر شيئًا فيه، ثم قال بعد نقل كلام الكرماني المذكور: الظاهر أنه اكتفى بأثر عمر - ﵁ - فإن فيه بيان حكمه، انتهى.\nوالمسألة خلافية قال العيني (^٣): قال عمر: اللقيط حر فإذا كان حرًّا يكون ولاؤه في بيت المال، وإليه ذهب مالك والثوري والشافعي وأحمد، وقال شريح: إن ولاءه لملتقطه، وبه قال إسحاق بن راهويه، وقال أبو حنيفة: له أن ينقل بولائه حيث شاء فإن عقل عنه الذي والاه جناية لم يكن له أن ينقل ولاءه عنه ويرثه، انتهى.\nوفي \"البدائع\" (^٤) في أحكام اللقيط: ومنها: أن نفقته من بيت المال؛\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (١٠/ ١٣٣ - ١٣٤).\n(^٢) \"شرح الكرماني\" (٢٣/ ١٦٩).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٦/ ٣٤).\n(^٤) \"بدائع الصنائع\" (٥/ ٢٩٢).","vol":"6","page":504},{"text":"لأن ولاءه له، وقد قال ﵊: \"الخراج بالضمان\"، ومنها: أن عقله لبيت المال؛ لأن عاقلته بيت المال فيكون عقله له، ومنها: أن له أن يوالي من شاء إذا بلغ إلا إذا عقل عنه بيت المال، فليس له أن يوالي أحدًا؛ لأن العقد يلزم بالعقل، انتهى مختصرًا كذا في هامش \"اللامع\" (^١).\n\n(٢٠ -<span data-type='title' id=toc-3955> باب ميراث السائبة)</span>\nبمهملة وموحدة بوزن فاعلة، وهو العبد الذي يقول له سيده: لا ولاء لأحد عليك أو أنت سائبة يريد بذلك عتقه، وأنْ لا ولاء لأحد عليه، وقد يقول له: \"أعتقتك سائبة\" أو \"أنت حر سائبة\"، ففي الصيغتين الأوليين يفتقر في عتقه إلى نية، وفي الأخريين يعتق، واختلف في الشرط فالجمهور على كراهيته، وشذّ من قال بإباحته، واختلف في ولائه، وسأبينه في الباب الذي بعده، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\nوقال العلامة العيني (^٣): واختلف العلماء في ميراث السائبة، فقال الكوفيون والشافعي وأحمد وإسحاق: ولاؤه لمعتقه، واحتجوا بحديث الباب، وقالت طائفة: ميراثه للمسلمين، روي ذلك عن عمر وعمر بن عبد العزيز، وهو قول مالك وهو مشهور مذهبه، انتهى.\nوفي هامش \"اللامع\" (^٤): لأحمد في ذلك روايتان: إحداهما: وهو المنصوص عنه: أنه لا ولاء له عليه، وما رجع من ميراثه ردّه في مثله يشتري به رقابًا يعتقهم، والرواية الثانية: عنه أن الولاء للمعتق، انتهى.\nوأما مطابقة الحديث بالترجمة فهو ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" حيث قال: دلالة الرواية عليه من حيث إنها مصرحة بكون الولاء لمن أعتق، سواء سيّبه مولاه أو لم يسيب، انتهى.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (١٠/ ١٣٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٢/ ٤١).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٦/ ٣٥، ٣٦).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (١٠/ ١٣٥).","vol":"6","page":505},{"text":"قلت: وبه جزم الكرماني إذ قال (^١): فإن قلت: ما وجه مناسبته بالترجمة؟ قلت: لما كان الولاء للمعتق استوى فيه السائبة وغيرها، انتهى.\n\n(٢١ -<span data-type='title' id=toc-3956> باب إثم من تبرأ من مواليه)</span>\nقال الحافظ (^٢): هذه الترجمة لفظ حديث، أخرجه أحمد والطبراني من طريق سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه مرفوعًا قال: \"إن لله عبادًا لا يكلمهم الله تعالى\" الحديث، وفيه: \"ورجل أنعم عليه قوم فكفر نعمتهم وتبرأ منهم\"، انتهى.\nقلت: وأما مناسبة الباب بـ \"كتاب الفرائض\" فلأجل أنه يتفرع عليه حق التوارث.\nقال الحافظ (^٣): وفي الحديث أن انتماء المولى من أسفل إلى غير مولاه من فوق حرام؛ لما فيه من كفر النعمة وتضييع حق الإرث بالولاء والعقل وغير ذلك، انتهى.\n\n(٢٢ -<span data-type='title' id=toc-3957> باب إذا أسلم على يديه. . .) إلخ</span>\nقال العلامة العيني (^٤): واختلف العلماء فيمن أسلم على يديه رجل من المسلمين، فقال الحسن والشعبي: لا ميراث للذي أسلم على يديه، وولاؤه للمسلمين إذا لم يدع وارثًا، وهو قول ابن أبي ليلى والثوري ومالك والشافعي وأحمد، وحجتهم حديث الباب، وروي عن النخعي: أن ولاءه للذي أسلم على يديه، وأنه يرثه ويعقل عنه، وله أن يحول عنه إلى غيره ما لم يعقل عنه، وهو قول أبي حنيفة وصاحبيه، انتهى مختصرًا.\nوبسط العلامة العيني الكلام على استدلال الفريقين فارجع إليه لو شئت.\n_________\n(^١) \"شرح الكرماني\" (٢٣/ ١٧١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٢/ ٤٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٢/ ٤٣).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٦/ ٣٩).","vol":"6","page":506},{"text":"وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^١): قوله: \"باب إذا أسلم. . .\" إلخ، أراد بذلك أن ينفي ولاء الموالاة، وأنت تعلم أن الروايات التي سردها إنما نفت نوعًا من الولاية خاصًا، أي: ولاية العتاقة، ولا يلزم أنه لا ولاية سوى ذلك، انتهى.\nوبسط الكلام على شرح هذا الباب وتوضيح مسالك الأئمة في هذه المسألة في هامش \"اللامع\".\n\n(٢٣ -<span data-type='title' id=toc-3958> باب ما يرث النساء من الولاء)</span>\nوفي هامش المصرية عن شيخ الإسلام (^٢): \"من\" بمعنى الباء، إذ الولاء لا يورث وإنما يورث به، انتهى.\nقال ابن بطال (^٣): هذا الحديث يقتضي أن الولاء لكل معتق ذكرًا كان أو أنثى، وهو مجمع عليه، وأما جر الولاء فقال الأبهري: ليس بين الفقهاء اختلاف أنه ليس للنساء من الولاء إلا ما أعتقن أو أولاد من أعتقن، إلا ما جاء عن مسروق أنه قال: لا يختص الذكور بولاء من أعتق آباؤهم، بل الذكور والإناث فيه سواء كالميراث، إلى آخر ما ذكر الحافظ (^٤). وهكذا في \"القسطلاني\" (^٥) ولفظه: وليس بين الفقهاء خلف أنه ليس للنساء من الولاء إلا ما أعتقن أو جره إليهن من أعتق بولادة أو عتق، انتهى.\n\n(٢٤ -<span data-type='title' id=toc-3959> باب مولى القوم من أنفسهم)</span>\nأي: عتيقهم في النسبة إليهم والميراث منه.\nقوله: (وابن الأخت) أي: \"منهم\" لأنه ينسب إلى بعضهم، وهي أمه فيرثهم توريث ذوي الأرحام على القول به، انتهى من \"القسطلاني\" (^٦).\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (١٠/ ١٣٥، ١٣٦).\n(^٢) \"تحفة الباري\" (٦/ ٣٢٠).\n(^٣) \"شرح ابن بطال\" (٨/ ٣٧٦).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٢/ ٤٨).\n(^٥) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ٢٠٢).\n(^٦) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ٢٠٢).","vol":"6","page":507},{"text":"قال الحافظ (^١): واستدل بحديث الباب من قال بأن ذوي الأرحام يرثون كما يرث العصبات، وحمله من لم يقل بذلك على أن المراد بقوله: \"من أنفسهم\" أي: في المعاونة والانتصار والبر والشفقة ونحو ذلك، لا في الميراث، وكأنّ البخاري رمز إلى الجواب بإيراد هذا الحديث؛ لأنه لو صح الاستدلال بقوله: \"منهم\" على إرادة الميراث لصحّ الاستدلال به على أن العتيق يرث ممن أعتقه لورود مثله في حقه، فدلّ على أن المراد بقوله: \"منهم\" ما قلنا، انتهى ملتقطًا بتغير.\nثم قال الحافظ: قال ابن أبي جمرة (^٢): الحكمة في ذكر ذلك إبطال ما كانوا عليه في الجاهلية من عدم الالتفات إلى أولاد البنات فضلًا عن أولاد الأخوات، فأراد بهذا الكلام التحريض على الألفة بين الأقارب، انتهى.\n\n(٢٥ -<span data-type='title' id=toc-3960> باب ميراث الأسير)</span>\nأي: المأسور في يد عدوِّنا كذا في هامش المصرية.\nوقال الحافظ (^٣): أي: سواء عرف خبره أم جهل، قال ابن بطال (^٤): ذهب الجمهور إلى أن الأسير إذا وجب له ميراث أنه يوقف له، وعن سعيد بن المسيب أنه لم يورث الأسير في أيدي العدو، قال: وقول الجماعة أولى؛ لأنه إذا كان مسلمًا دخل تحت عموم قوله - ﷺ -: \"من ترك مالًا فلورثته\"، وإلى هذا أشار البخاري بإيراد حديث أبي هريرة، وأيضًا فهو مسلم تجري عليه أحكام المسلمين، فلا يخرج عن ذلك إلا بحجة كما أشار إليه عمر بن عبد العزيز، انتهى من \"الفتح\".\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٢/ ٤٩).\n(^٢) \"بهجة النفوس\" (٤/ ٢٣٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٢/ ٤٩، ٥٠).\n(^٤) \"شرح ابن بطال\" (٨/ ٣٧٨).","vol":"6","page":508},{"text":"(٢٦ -<span data-type='title' id=toc-3961> باب لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم)</span>\nهكذا ترجم بلفظ الحديث ثم قال: \"وإذا أسلم قبل أن يقسم الميراث\"، فأشار إلى أن عمومه يتناول هذه الصورة، فمن قيّد عدم التوارث بالقسمة احتاج إلى دليل، وحجة الجماعة أن الميراث يستحى بالموت، فإذا انتقل عن ملك الموت (^١) بموته لم ينتظر قسمته؛ لأنه استحق الذي انتقل عنه ولو لم يقسم المال، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\nقلت: ولما كانت هذه المسألة الثانية متفرعة على السابق ذكرها البخاري بعده، وقال القسطلاني (^٣): قوله: \"فلا ميراث له\" وذلك لأن الاعتبار بوقت الموت لا بوقت القسمة عند الجمهور، ثم قال تحت حديث الباب: وذهب معاذ بن جبل ومعاوية وسعيد بن المسيب إلى أنه يرث منه لقوله - ﷺ -: \"الإسلام يعلو ولا يعلى عليه\"، وحجة الجمهور هذا الحديث الصحيح، وأجابوا عن حديث \"الإسلام يعلو\" بأن معناه فضل الإسلام، وليس فيه تعرض للإرث فلا يترك النص الصريح بذلك، انتهى.\nوبسط الكلام على المسألتين المذكورتين في الترجمة في هامش \"اللامع\" (^٤)، وفيه: لا يذهب عليك أن صاحب \"مظاهر حق\" الشرح الهندي \"لمشكاة المصابيح\" حكى مذهب الإمام مالك موافقًا لمن قال: يرث المسلم الكافر، ويوهم كلامه أنه أخذه عن النووي، وليس كذلك، فإن النووي لم يذكر فيه خلاف مالك، بل ذكر مذهبه موافقًا لمسلك الجمهور، انتهى.\n\n(٢٧ -<span data-type='title' id=toc-3962> باب ميراث العبد النصراني)</span>\nقال القسطلاني (^٥): ومذهب العلماء أن العبد النصراني إذا مات فماله لسيده بالرق؛ لأن ملك العبد غير صحيح فيستحقه السيد لا بطريق الميراث،\n_________\n(^١) كذا في الأصل، والظاهر بدله: \"الميت\"، (ز).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٢/ ٥٠).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ٢٠٤، ٢٠٥).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (١٠/ ١٤٠).\n(^٥) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ٢٠٥).","vol":"6","page":509},{"text":"وأما المكاتب فإن مات قبل أداء كتابته، وكان في ماله وفاء لباقي كتابته أخذ ذلك في كتابته، فما فضل فلبيت المال، وأما إثم من انتفى من ولده ففي حديث أبي هريرة مرفوعًا عند أبي داود والنسائي وصحّحه ابن حبان والحاكم: \"أيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه احتجب الله عنه\"، ولم يذكر المؤلف حديثًا هنا، ولعله أراد أن يلحق فيه ما هو على شرطه فاخترمته المنية قبل، انتهى.\n\n(٢٨ -<span data-type='title' id=toc-3963> باب من ادعى أخًا أو ابن أخ)</span>\nاعلم أنه اختلفت النسخ في ذكر هذه التراجم الثلاثة هذه والتي قبلها والآتية بعدها، ففي نسخ الشروح الثلاثة \"الكرماني\" و\"العيني\" و\"القسطلاني\" مثل ما في النسخ الهندية، وأما في نسخة \"الفتح\" فترتيب التراجم فيها هكذا، فذكر أولًا \"باب ميراث العبد النصراني والمكاتب النصراني\"، وليس فيه حديث ثم ثنى بـ \"باب إثم من انتفى من ولده\"، وثلّث بـ \"باب من ادّعى إلى غير أبيه\".\nقال العلامة العيني (^١) تحت حديث الباب: مطابقته للترجمة من حيث إن فيه دعوى أخ ودعوى ابن أخ، وهو ظاهر، انتهى.\nقال الكرماني (^٢): فإن قلت: ههنا ثلاث تراجم متوالية \"باب ميراث العبد النصراني\" ثم ذكر الأخريين، فالحديث لأيِّ ترجمة من التراجم؟\nقلت: الحديث ظاهر في \"باب من ادعى أخًا\" وهذا مما يؤيد ما ذكروا من أن البخاري ترجم الباب، وأراد أن يلحق بها الأحاديث فلم يتفق له، وخَلَّى بين الترجمتين بياضًا والنقلة ضمّوا البعض إلى البعض.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٦/ ٤٧).\n(^٢) \"شرح الكرماني\" (٢٣/ ١٧٦).","vol":"6","page":510},{"text":"(٢٩ -<span data-type='title' id=toc-3964> باب من ادعى إلى غير أبيه)</span>\nقال العيني (^١): أي: هذا باب في بيان إثم من انتسب إلى غير أبيه، وجواب \"من\" محذوف يظهر من الحديث، انتهى.\n\n(٣٠ -<span data-type='title' id=toc-3965> باب إذا ادّعت المرأة ابنًا)</span>\nقال ابن بطال (^٢): أجمعوا على أن الأم لا تستلحق بالزوج ما ينكره، فإن أقامت البينة قبلت حيث تكون في عصمته، فلو لم تكن ذات زوج وقالت لمن لا يعرف له أب: هذا ابني، ولم ينازعها فيه أحد فإنه يعمل بقولها وترثه ويرثها ويرثه إخوته لأمه، ونازعه ابن التِّين فحكى عن ابن القاسم: لا يقبل قولها إذا ادعت اللقيط، وقد استنبط النسائي في \"السنن الكبرى\" من هذا الحديث أشياء نفيسة، ثم ذكرها الحافظ (^٣)، والحديث سبق في ترجمة سليمان من أحاديث الأنبياء، انتهى.\nقوله: (فقضى به للكبرى) في هامش المصرية: أي: لأنه كان في يدها، ولا بينة للصغرى، انتهى.\nقوله: (فقضى به للصغرى. . .) إلخ، قال الكرماني (^٤): فإن قلت: كيف نقض سليمان حكم داود؟ قلت: حكما بالوحي، وحكومة سليمان كانت ناسخة، أو بالاجتهاد، وجاز النقض بدليل أقوى على أن الضمير في \"فقضى\" يحتمل أن يكون راجعًا إلى داود، فإن قلت: لما اعترف الخصم بأن الحق لصاحبه كيف حكم بخلافه؟ قلت: لعله علم بالقرينة أنه لا يريد حقيقة الإقرار، قال النووي: استدل سليمان بشفقة الصغرى على أنها أمه، ولعل الكبرى أقرّت بعد ذلك به للصغرى، انتهى.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٦/ ٤٧).\n(^٢) \"شرح ابن بطال\" (٨/ ٣٥٨).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٢/ ٥٦).\n(^٤) \"شرح الكرماني\" (٢٣/ ١٧٧، ١٧٨).","vol":"6","page":511},{"text":"(٣١ -<span data-type='title' id=toc-3966> باب القائف)</span>\nقال العيني (^١): وهو على وزن فاعل من القيافة، وهي معرفة الآثار، وفي اصطلاح الفقهاء: هو الذي يعرف الشبه ويميّز الأثر، وسمي بذلك لأنه يقفو الأشياء، أي: يتبعها، ويجمع القائف على القافة، قيل: لا وجه لذكره في \"كتاب الفرائض\"، وأجيب بجواب لا يمشي إلا على مذهب من يعمل بالقافة، وهو الردّ على من لا يعمل بها، ويلزم من قول من يعمل بها التوارث بين الملحق والملحق به، فله تعلق بالفرائض من هذا الوجه، انتهى.\nقال القسطلاني (^٢): وفي الحديث العمل بالقافة لتقريره - ﷺ -، وهو مذهب الأئمة الثلاثة، وقال الحنفية: الحكم بها باطل لأنها حدس، وذلك لا يجوز في الشريعة، وليس في حديث الباب حجة في إثبات الحكم بها لأن أسامة كان قد ثبت نسبه قبل ذلك، فلم يحتج الشارع في إثبات ذلك إلى قول أحد، وإنما تعجب من إصابة مجزز، انتهى.\nوبراعة الاختتام لم يذكرها الحافظ، وعندي ما كتبه في مقدمة \"اللامع\" (^٣) وهو أن \"كتاب الفرائض\" كله مذكر للموت، وأيضًا في آخره قوله: \"وهو مسرور\" وهو يذكر قوله تعالى: ﴿وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الانشقاق: ٩] وأيضًا قوله: \"قطيفة قد غطيا رؤوسهما وبدت أقدامهما\" فكان هذا هو كفن شهداء أُحد، انتهى.\n* * *\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٦/ ٤٩).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ٢١١).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (١/ ١١٩).","vol":"6","page":512},{"text":"٨٦ -<span data-type='title' id=toc-3967> كتاب الحدود</span>\nقال الحافظ (^١): أصل الحد ما يحجز بين شيئين فيمنع اختلاطهما، وسميت عقوبة الزاني ونحوه حدًّا لكونها تمنعه المعاودة أو لكونها مقدرة من الشارع، وللإشارة إلى المنع يسمى البوّاب حدادًا، قال الراغب: وتطلق الحدود ويراد بها نفس المعاصي كقوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧]، وعلى فعل فيه شيء مقدر، ومنه ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، انتهى.\nوفي هامش \"اللامع\" (^٢) عن\"الهداية\" (^٣): الحد لغة: المنع، ومنه الحداد للبواب، وفي الشريعة: هو العقوبة المقدرة حقًّا لله تعالى، حتى لا يسمى القصاص حدًّا لأنه حق العبد، ولا التعزير لعدم التقدير، والمقصد الأصلي من شرعه الانزجار عما يتضرر به العباد، والطهارة ليست أصلية فيه بدليل شرعه في حق الكافر، انتهى.\nقال الحافظ (^٤): والمذكور فيه نصًّا حدّ الزنا والخمر والسرقة، وقد حصر بعض العلماء ما قيل بوجوب الحد به في سبعة عشر شيئًا، ثم ذكرها الحافظ، فارجع إليه لو شئت.\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-3968> باب ما يحذر من الحدود)</span>\nكذا في النسخة \"الهندية\"، وهكذا في نسخة \"الفتح\" و\"العيني\"، وفي نسخة \"الكرماني\" و\"القسطلاني\": \"كتاب الحدود، وما يحذر من الحدود\" قال\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٢/ ٥٨).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (١٠/ ١٤٣).\n(^٣) \"الهداية\" (١/ ٢٣٩).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٢/ ٥٨).","vol":"6","page":513},{"text":"القسطلاني (^١): أي: كتاب بيان أحكام الحدود وبيان ما يحذر من الحدود، ثم قال بعد ذكر اختلاف النسخ: ولم يذكر البخاري هنا حديثًا، انتهى.\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-3969> باب الزنا وشرب الخمر)</span>\nوهكذا في نسخة \"الفتح\"، وفي نسخ الشروح الباقية الثلاثة من \"الكرماني\" و\"العيني\" و\"القسطلاني\": \"باب لا يشرب الخمر\".\nقال الحافظ (^٢): \"باب الزنا وشرب الخمر\" أي: التحذير من تعاطيهما، انتهى.\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-3970> باب ما جاء في ضرب شارب الخمر)</span>\nاعلم أن ههنا عدة مسائل مما يتعلق بالخمر وغيرها من أنواع الأشربة، تقدم الكلام عليها في \"كتاب الأشربة\"، ومنها اختلافهم في مقدار حدِّ الخمر، وهو المذكور ههنا في الترجمة، وظاهر لفظ الترجمة أن المصنف على أن النبي - ﷺ - لم يجعل فيها حدًّا معلومًا.\nقال الحافظ (^٣): والذي تحصل لنا من الآراء في حد الخمر ستة أقوال: الأول: أن النبي - ﷺ - لم يجعل فيها حدًا معلومًا، بل كان يقتصر في ضرب الشارب بما يليق به، قال ابن المنذر: قال بعض أهل العلم: أتي النبي - ﷺ - بسكران، فأمرهم بضربه وتبكيته، فدلّ على أن لا حدّ فيه، بل فيه التنكيل والتبكيت، قال الحافظ: وأظن أن هذا هو رأي البخاري فإنه لم يترجم بالعدد أصلًا، ولا أخرج ههنا في العدد الصريح شيئًا، ثم ذكر الحافظ ما بقي من الأقوال الخمسة في ذلك.\nقال النووي في \"شرح مسلم\" (^٤): واختلف العلماء في قدر حد الخمر، فقال الشافعي وأبو ثور وأهل الظاهر: حده أربعون، قال الشافعي:\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ٢١٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٢/ ٥٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٢/ ٧٤، ٧٥).\n(^٤) \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٦/ ٢٣٣، ٢٣٤).","vol":"6","page":514},{"text":"وللإمام أن يبلغ به ثمانين، وتكون الزيادة على الأربعين تعزيرات، ونقل القاضي عن الجمهور من السلف والفقهاء منهم مالك وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق رحمهم الله تعالى أنهم قالوا: حده ثمانون، واحتجوا بأنه الذي استقر عليه إجماع الصحابة، وأنّ فعل النبي - ﷺ - لم يكن للتحديد، وحجة الشافعي وموافقيه أن النبي - ﷺ - إنما جلد أربعين كما صرّح به في الرواية الثانية - عند مسلم -، وأما زيادة عمر فهي تعزيرات، والتعزير إلى رأي الإمام إن شاء فعله وإن شاء تركه بحسب المصلحة، فرآه عمر ففعله، ولم يره النبي - ﷺ - ولا أبو بكر ولا علي فتركوه، وأما الأربعون فهي الحد المقدر الذي لا بدّ منه، انتهى مختصرًا.\nقلت: وعن أحمد فيه روايتان ففي \"الأوجز\" (^١): قال الموفق (^٢): عن الإمام أحمد في قدر الحد روايتان، إحداهما: أنه ثمانون، بهذا قال مالك وأبو حنيفة ومن تبعهم لإجماع الصحابة في زمن عمر، والرواية الثانية: أن الحد أربعون، وهو مذهب الشافعي، انتهى مختصرًا.\n(تنبيه): أفاد العلامة السندي (^٣) في الباب الآتي تحت قول علي: \"وذلك أن رسول الله - ﷺ - لم يسنه\" ظاهره أنه لم يعين قدرًا معينًا، بل كان يضرب فيه ما بين أربعين إلى ثمانين، وعلى هذا فحين شاور عمر الصحابة اتفق رأيهم على تقرير أقصى المراتب، فاندفع توهم أنهم زادوا في حد من حدود الله مع عدم جواز الزيادة في الحد، والله تعالى أعلم، انتهى.\n\n(٤ -<span data-type='title' id=toc-3971> باب من أمر بضرب الحد في البيت)</span>\nيعني خلافًا لمن قال: لا يضرب الحد سرًّا، قاله الحافظ (^٤).\nوفي \"القسطلاني\" (^٥) تحت حديث الباب: وفيه جواز ضرب الحد في\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (١٥/ ٥٠١).\n(^٢) \"المغني\" (١٢/ ٤٩٨).\n(^٣) \"صحيح البخاري بحاشية السندي\" (٤/ ١٧١).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٢/ ٦٥).\n(^٥) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ٢١٦).","vol":"6","page":515},{"text":"البيوت سرًّا خلافًا لمن منعه محتجًا بظاهر ما روي عن عمر في قصة ولده عبد الرحمن أبي شحمة لما شرب بمصر فحدّه عمرو بن العاص في البيت أن عمر - ﵁ - أنكر عليه، وأحضر ولده أبا شحمة وضربه الحد جهرًا، كما رواه ابن سعد، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن ابن عمر مطولًا، والجمهور على الاكتفاء وحملوا صنيع عمر على المبالغة في تأديب ولده لا أن إقامة الحد لا تصح إلا جهرًا، انتهى.\n\n(٥ -<span data-type='title' id=toc-3972> باب الضرب بالجريد والنعال)</span>\nقال الحافظ (^١): أشار بذلك إلى أنه لا يشترط الجلد، وقد اختلف في ذلك على ثلاثة أقوال، وهو أوجه عند الشافعية، أصحها: يجوز الجلد بالسوط، ويجوز الاقتصار على الضرب بالأيدي والنعال والثياب، ثانيها: يتعين الجلد، وثالثها: يتعين الضرب، انتهى.\nوفي \"الأوجز\" (^٢): قال الموفق (^٣): والضرب بالسوط ولا نعلم بين أهل العلم خلافًا في غير حد الخمر، فأما حد الخمر فقال بعضهم: يقام بالأيدي والنعال وأطراف الثياب، وذكر بعض أصحابنا أن للإمام فعل ذلك إذا رآه، ولنا أن النبي - ﷺ - قال: \"إذا شرب فاجلدوه\" والجلد إنما يفهم من إطلاقه الضرب بالسوط، إلى آخر ما في \"الأوجز\".\n\n(٦ -<span data-type='title' id=toc-3973> باب ما يكره من لعن شارب الخمر. . .) إلخ</span>\nيشير إلى طريق الجمع بين ما تضمنه حديث الباب من النهي عن لعنه وما تضمنه حديث الباب الأول: \"لا يشرب الخمر وهو مؤمن\"، وأن المراد به نفي كمال الإيمان لا أنه يخرج عن الإيمان جملة، انتهى من \"الفتح\" (^٤).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٢/ ٦٦).\n(^٢) \"أوجز المسالك\" (١٥/ ٥٠٢).\n(^٣) \"المغني\" (١٢/ ٥٠٨).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٢/ ٧٥، ٧٦).","vol":"6","page":516},{"text":"وقال القسطلاني (^١): والكراهة للتنزيه عند قصد محض السبب، وللتحريم عند قصد معناه الأصلي، وهو الإبعاد من رحمة الله، انتهى.\nقال صاحب \"الفيض\" (^٢): قوله: \"وأنه ليس بخارج من الملة. . .\" إلخ، انظر إلى جلالة المصنف أنه لم يتكلم بهذا الحرف في \"كتاب الإيمان\"؛ لأنه ادّعى فيه جزئية الأعمال للإيمان، واختار أن كفرًا دون كفر، وصدع اليوم أن مرتكب الكبيرة ليس خارجًا عن الملة، وغير داخل في حد الكفر، وقد كان هذا التعبير يضرّه في ما ادّعاه في \"كتاب الإيمان\"، فكيف أغمض عنه ههنا، كأنه ليس هناك صائتٌ يصوتُ، انتهى.\n\n(٧ -<span data-type='title' id=toc-3974> باب السارق حين يسرق)</span>\nقال العلامة العيني (^٣): أي: هذا باب يذكر فيه السارق حين يسرق ما يكون حاله، وقد بينه في الحديث بقوله: \"ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن\"، انتهى.\n\n(٨ -<span data-type='title' id=toc-3975> باب لعن السارق إذا لم يسمّ)</span>\nأي: إذا لم يعين، إشارة إلى الجمع بين النهي عن [لعن] الشارب المعين وبين حديث الباب، انتهى من \"الفتح\" (^٤).\n\n(٩ -<span data-type='title' id=toc-3976> باب الحدود كفارة)</span>\nومطابقة الحديث بالترجمة ظاهرة.\nقال القسطلاني (^٥) بعد ذكر الحديث: زاد الترمذي من حديث علي وصحّحه: \"فالله أكرم من أن يثني العقوبة على عبده في الآخرة\"، واستشكل\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ٢٢١).\n(^٢) \"فيض الباري\" (٦/ ٣٤٤).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٦/ ٦٠).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٢/ ٨١)\n(^٥) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ٢٢٧).","vol":"6","page":517},{"text":"بحديث أبي هريرة عند البزار وصحّحه الحاكم أنه - ﷺ - قال: \"لا أدري الحدود كفارة لأهلها أم لا؟ \" وأجيب بأن حديث الباب أصح إسنادًا، وبأن الحاكم لا يخفى تساهله في التصحيح، وسبق في \"كتاب الإيمان\" مزيد بحث لذلك، انتهى.\nوتقدم شيء من الكلام على المسألة في الجزء الثاني في أوائل \"كتاب الإيمان\".\nوفي هامش \"اللامع\" (^١): يشكل على هذا الباب ما سيأتي قريبًا من \"باب توبة السارق\"؛ لأن حد السارق داخل في جملة الحدود، وهي كفارة عند الإمام البخاري كما أثبته في هذا الباب، ولم يتعرض له أحد من الشرَّاح، ويمكن التفصي عنه عند هذا العبد الضعيف المفتقر إلى رحمة ربه الكريم أن كفارة الذنوب شيء آخر عند الإمام البخاري، وقبول شهادة المحدود أمر زائد فوق ذلك، فمجرد التكفير يحصل بالحدود، وأما قبول شهادته فيتوقف على التوبة، ويدل على ذلك ما سيأتي في آخر الباب الآتي، قال أبو عبد الله: إذا تاب السارق بعد ما قطع يده قبلت شهادته، وكذلك كل محدود إذا تاب قبلت شهادتهم، انتهى.\n\n(١٠ -<span data-type='title' id=toc-3977> باب ظهر المؤمن حمى إلا في حد أو في حق)</span>\nأي: محمي معصوم من الإيذاء، أي: لا يضرب ولا يذل إلا على سبيل الحد والتعزير تأديبًا، وهذه الترجمة لفظ حديث أخرجه أبو الشيخ في كتاب السرقة بسنده عن عائشة قالت: قال رسول الله - ﷺ -: \"ظهور المسلمين حمى إلا في حدود الله\" كذا في \"الفتح\" (^٢)، ثم ذكر الحافظ عدة روايات في هذا المعنى، وفي جميعها ضعف ومقال.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (١٠/ ١٤٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٢/ ٨٥).","vol":"6","page":518},{"text":"(١١ -<span data-type='title' id=toc-3978> باب إقامة الحدود والانتقام لحرمات الله)</span>\nقال القسطلاني (^١): أي: وجوب إقامة الحدود ووجوب الانتقام لحرمات الله، ثم قال بعد ذكر حديث الباب: قال الكرماني (^٢): فإن قلت: كيف يخيَّر النبي - ﷺ - في أمرين أحدهما إثم؟ وأجاب بأن التخيير إن كان من الكفار فظاهر، وإن كان من الله والمسلمين فمعناه ما لم يؤد إلى إثم كالتخيير في المجاهدة في العبادة والاقتصاد فيها، فإن المجاهدة بحيث تجر إلى الهلاك لا تجوز، ونحوه أجاب به ابن بطال (^٣)، والأقرب كما قال في \"الفتح\" (^٤): أن فاعل التخيير الآدمي وهو ظاهر، وأمثلته كثيرة، ولا سيما إذا صدر من كافر، انتهى.\nقلت: والأوجه عندي في الغرض من الترجمة أنه أشار بالجزء الثاني إلى أن الحدود من حقوق الله تعالى لكونها الانتقام لحرمات الله فلا حق لأحد في العفو عنها، ولا الصلح عليها بشيء، فلا يجوز لأحد أن يشفع فيه، كما سيأتي التبويب بقوله: \"باب كراهة الشفاعة في الحد\"، وتقدم في \"كتاب الصلح\" ترجمة المصنف بقوله: \"باب إذا اصطلحوا على صلح جور فهو مردود\".\n\n(١٢ -<span data-type='title' id=toc-3979> باب إقامة الحدود على الشريف والوضيع)</span>\nفيه ردّ على ما كان عليه أهل الشرك من اليهود وغيره كما في أبي داود، وتأييد لقوله ﵊: \"أقيلوا عن ذوي الهيأت عثراتهم إلا الحدود\".\nقال الحافظ (^٥): الوضيع من الوضع وهو النقص، ووقع هنا بلفظ \"الوضيع\"، وفي الطريق التي تليه بلفظ \"الضعيف\"، وهي رواية الأكثر في هذا الحديث، وقد رواه بلفظ \"الوضيع\" أيضًا النسائي، انتهى.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ٢٢٩).\n(^٢) \"شرح الكرماني\" (٢٣/ ١٨٨).\n(^٣) \"شرح ابن بطال\" (٨/ ٤٠٥).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٢/ ٨٦).\n(^٥) \"فتح الباري\" (١٢/ ٨٦).","vol":"6","page":519},{"text":"(١٣ -<span data-type='title' id=toc-3980> باب كراهية الشفاعة في الحد إذا رفع إلى السلطان)</span>\nكذا قيّد ما أطلقه على حديث الباب وكأنه أشار إلى ما ورد في بعض طرقه صريحًا، وهو في مرسل حبيب بن أبي ثابت، وفيه: أن النبي - ﷺ - قال لأسامة: \"لا تشفع في حد، فإن الحدود إذا انتهت إليّ فليس لها مترك\"، وله شاهد من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رفعه: \"تعافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حد فقد وجب\"، وترجم له أبو داود: \"العفو عن الحد ما لم يبلغ السلطان\"، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(١٤ -<span data-type='title' id=toc-3981> باب قول الله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا. . .﴾ [المائدة: ٣٨]) إلخ</span>\nذكر المصنف في الباب ثلاثة مسائل الأولى: بقوله: \"وفي كم تقطع\" أي: مقدار السرقة الموجب للقطع، وهي خلافية شهيرة، ذكر فيه في \"الأوجز\" (^٢) عن الزرقاني تبعًا للحافظ قريبًا من عشرين مذهبًا، وذكر في \"البذل\" (^٣) منها أحد عشر مذهبًا، ونذكر ههنا مذاهب الأئمة الأربعة كما في \"الأوجز\" عن كتب فروعهم، فمذهب الإمام أحمد ما في \"الروض المربع\" (^٤): ويشترط أيضًا أن يكون المسروق نصابًا، ونصاب السرقة ثلاثة دراهم خالصةً أو تخلص من مغشوشة، أو ربع دينار، أي: مثقال وإن لم يضرب، أو عرض قيمته كأحدهما، أي: ثلاثة دراهم أو ربع دينار لقوله - ﵇ -: \"لا تقطع اليد إلا في ربع دينار\" رواه أحمد ومسلم، وكان ربع\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٢/ ٨٧).\n(^٢) \"أوجز المسالك\" (١٥/ ٣٩٥)، \"شرح الزرقاني\" (٤/ ١٥٦)، \"فتح الباري\" (١٢/ ١٠٦ - ١٠٨).\n(^٣) \"بذل المجهود\" (١٢/ ٤٥٤، ٤٥٥).\n(^٤) \"الروض المربع\" (ص ٤٩٥).","vol":"6","page":520},{"text":"الدينار يومئذٍ ثلاثة دراهم، والدينار اثنا عشر درهمًا، انتهى.\nوأما مذهب الشافعي فربع دينار أو ما يبلغ قيمته من فضة أو عرض، ومذهب مالك قال الدردير (^١): تقطع بسرقة ربع دينار شرعي أو ثلاثة دراهم شرعية خالصة من الغش، أو بسرقة ما يساوي ثلاثة دراهم من العروض وغيرها، والتقويم بالدراهم لا بربع الدينار هو المشهور.\nوأما مذهب الحنفية فهو عشرة دراهم معروف، انتهى.\nقال العلامة العيني (^٢): قالت الظاهرية: يقطع في القليل والكثير ولا نصاب له، وعند الحنفية: عشرة دراهم، وعند الشافعي: ربع دينار، وعند مالك قدر ثلاثة دراهم، انتهى.\nوأما المسألة الثانية وهي محل القطع، فذكر الحافظ فيه في \"الفتح\" (^٣): أربع مسالك للاختلاف في حقيقة اليد، فقيل: أولها من المنكب، وقيل: من المرفق، وقيل: من الكوع، وقيل: من أصول الأصابع، وأخذ بظاهر الأول بعض الخوارج، ونقل عن سعيد بن المسيب واستنكره جماعة، والثاني لا نعلم به من قال به في السرقة، والثالث: قول الجمهور، ونقل بعضهم فيه الإجماع، والرابع نقل عن علي، واستحسنه أبو ثور، انتهى من هامش \"اللامع\" (^٤).\nوأما المسألة الثالثة في الترجمة فذكرها بقوله: \"وقال قتادة. . .\" إلخ، قال العلامة القسطلاني (^٥): قوله: \"ليس إلا ذلك\" فلا يقطع بعد ذلك يمينها، والجمهور على أن أول شيء يقطع من السارق اليد اليمنى لقراءة ابن مسعود شاذة ﴿فاقطعوا أيمانهما﴾ فالقول بإجزاء الشمال مطلقًا شاذ، كما هو ظاهر ما نقل هنا عن قتادة، وفي \"الموطأ\": إن كان عمدًا وجب\n_________\n(^١) \"الشرح الكبير\" (٤/ ٣٣٤).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٦/ ٧٠).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٢/ ٩٨).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (١٠/ ١٤٨).\n(^٥) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ٢٣٤).","vol":"6","page":521},{"text":"القصاص على القاطع، ووجب قطع اليمنى، وإن كان خطأ وجبت الدية، وتجزئ عن السارق، وكذا قال أبو حنيفة، ثم ذكر تفصيلًا في مذهب الشافعية.\nوقال العيني (^١): وعن مالك [و] أبي حنيفة: إذا غلط القاطع فقطع اليسرى أنه يجزئ عن قطع اليمين، ولا إعادة عليه، وعن الشافعي وأحمد: على القاطع المخطئ الدية، وفي وجوب إعادة القطع قولان عند الشافعي، وروايتان عند أحمد، انتهى.\nوذكر صاحب \"الهداية\" (^٢) اختلاف الإمام أبي حنيفة وصاحبيه، فارجع إليه لو شئت.\n\n(١٥ -<span data-type='title' id=toc-3982> باب توبة السارق)</span>\nأي: هل تكون بمجرد الحد كما يدلّ عليه الحديث الثاني أو يحتاج إلى التوبة أيضًا بعد الحد كما يدلّ عليه الحديث الأول، ويشكل عليه التكرار بما سبق من \"باب الحدود كفارة\"، وتقدم الجواب هناك، فارجع إليه.\nوقال الحافظ (^٣) في شرح ترجمة الباب: أي: هل تفيده التوبة في رفع اسم الفسق عنه حتى تقبل شهادته أو لا؟ وقد تقدّمت هذه المسألة في الشهادات فيما يتعلق بالقاذف والسارق في شهادتهما، انتهى.\nثم البراعة قد تقدمت في مقدمة \"اللامع\" (^٤) من كلام الحافظ أنها في قوله: \"إن شاء عذّبه وإن شاء غفر له\"، وتقدم فيه أيضًا أن \"كتاب الحدود\" ختمه الحافظ على \"كتاب المحاربين\"، وليس كذلك عندي كما هو ظاهر من ملاحظة أبواب حد الزنا وغيره في ذلك، فهو عندي يختم على \"كتاب الديات\"، انتهى.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٦/ ٧٠).\n(^٢) \"الهداية\" (١/ ٣٧٠).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٢/ ١٠٨).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (١/ ١١٩).","vol":"6","page":522},{"text":"(٨٦<span data-type='title' id=toc-3983> م - كتاب المحاربين من أهل الكفر والردة</span>. . .) إلخ\nقال الحافظ (^١) - ﵀ -: كذا هذه الترجمة ثبتت للجميع هنا، وفي كونها في هذا الموضع إشكال، وأظنها مما انقلب على الذين نسخوا كتاب البخاري من المسودة، والذي يظهر لي أن محلها بين \"كتاب الديات\" وبين \"استتابة المرتدين\"، وذلك أنها تخللت بين أبواب الحدود، فإن المصنف ترجم \"كتاب الحدود\" وصدّره بحديث: \"لا يزني الزاني وهو مؤمن\"، وفيه ذكر السرقة وشرب الخمر، ثم بدأ بما يتعلق بحدِّ الخمر في أبواب ثم بالسرقة كذلك، فالذي يليق أن يثلِّث بأبواب الزنا على وفق ما جاء في الحديث الذي صدّر به، ثم بعد ذلك إما أن يقدم \"كتاب المحاربين، وإما أن يؤخره، ولولا أن يؤخره ليعقبه \"باب استتابة المرتدين\"، فإنه يليق أن يكون من جملة أبوابه، ولم أر من نبَّه على ذلك إلا الكرماني فإنه تعرّض لشيء من ذلك، ووقع في رواية النسفي زيادة قد يرتفع بها الإشكال، وذلك لأنه قال بعد قوله: \"من أهل الكفر والردة\" فزاد: \"ومن يجب عليه الحد في الزنا\" فإن كان محفوظًا فكأنه ضمّ حد الزنا إلى المحاربين لإفضائه إلى القتل في بعض صوره بخلاف الشرب والسرقة، وعلى هذا فالأولى أن يبدل لفظ كتاب بباب، وتكون الأبواب كلها داخلة في \"كتاب الحدود\"، انتهى.\nوتعقب عليه العلامة العيني كما في حاشية النسخة \"الهندية\" (^٢) فارجع إليه.\nوالأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن الإمام البخاري - ﵀ - أجاد في\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٢/ ١٠٩).\n(^٢) \"صحيح البخاري بحاشية السهارنفوري\" (١٣/ ٢٧١).","vol":"6","page":523},{"text":"ذكر هذا الكتاب ههنا، وهذا من دقة نظره كما هو دأبه في هذا الكتاب، وتوضيح ذلك أن العلماء من السلف والخلف اختلفوا في مصداق هذه الآية، والجمهور على أنها نزلت في قُطَّاع الطريق، وهم إخوة السرقة، ولذا عقبه بأبواب السرقة، ولكن ميل البخاري إلى أن نزولها في أهل الكفر والردة، فأجاد الإمام في ذكر مختاره باللفظ صريحًا \"كتاب المحاربين من أهل الكفر والردة\" وذكره ههنا رعاية لقول الجمهور لكون قطاع الطريق من إخوان السارقين، وذكره بلفظ الكتاب بدل الباب، للفرق بين قطاع الطريق والسارقين، فإنه لو ذكره بلفظ الباب لتوهم دخوله في أبواب السرقة المتقدمة، انتهى من هامش \"اللامع\" (^١).\nوذكر فيه أيضًا اختلاف العلماء في تعيين من نزلت هذه الآية في حقهم بالبسط فارجع إليه لو شئت، وبسط منه في الجزء السادس من \"الأوجز\" (^٢) فقد ذكر فيه أن في آية المحاربة ثلاثة مسائل: الأولى: أنه في الكفرة أو في المسلمين؟ الثانية: في تعريف المحارب، الثالثة: أن الأحكام الأربعة في الآية على التخيير أو التنويع.\n\n(١٦ -<span data-type='title' id=toc-3984> باب لم يحسم النبي - ﷺ - المحاربين. . .) إلخ</span>\nالحسم بفتح الحاء وسكون السين المهملتين: الكي بالنار لقطع الدم، وقال الداودي: الحسم هنا أن توضع اليد بعد القطع في زيت حار.\nقلت: وهذا من صور الحسم، وليس محصورًا فيه، قال ابن بطال (^٣): إنما ترك حسمهم لأنه أراد إهلاكهم، فأما من قطع في سرقة مثلًا فإنه يجب حسمه؛ لأنه لا يؤمن معه التلف غالبًا بنزف الدم، انتهى من \"الفتح\" (^٤).\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (١٠/ ١٥١ - ١٥٣).\n(^٢) \"أوجز المسالك\" (١٥/ ٤٤٤ - ٤٥٠).\n(^٣) \"شرح ابن بطال\" (٨/ ٤٢١، ٤٢٢).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٢/ ١١١).","vol":"6","page":524},{"text":"(١٧ -<span data-type='title' id=toc-3985> باب لم يسق المرتدون المحاربون حتى ماتوا)</span>\nقال الحافظ (^١): حكى ابن بطال (^٢) عن المهلب: أن الحكمة في ترك سقيهم كفرهم نعمة السقي التي أنعشتهم من المرض الذي كان بهم، قال: وفيه وجه آخر يؤخذ مما أخرجه ابن وهب من مرسل سعيد بن المسيب: أن النبي - ﷺ - قال لما بلغه ما صنعوا: \"عطش الله من عطش آل محمد الليلة\" قال: فكان ترك سقيهم إجابةً لدعوته - ﷺ -.\nقلت: وهذا لا ينافي أنه عاقبهم بذلك، كما ثبت أنه سملهم لكونهم سملوا أعين الرعاة، وأبعد من قال: إن ترك سقيهم لم يكن بعلم النبي - ﷺ -، انتهى.\nوفي هامش أبي داود عن \"فتح الودود\" للعلامة السندي: قوله: \"يستسقون فلا يسقون. . .\" إلخ، قيل: ما أمر النبي - ﷺ - بذلك، وإنما فعل الصحابة من عند أنفسهم للإجماع على أن من وجب عليه القتل لا يمنع الماء إن طلب، وقيل: فعل ذلك قصاصًا لأنهم فعلوا بالراعي مثل ذلك، وقيل: بل لشدة جنايتهم كما يشير إليه كلام أبي قتادة، والله تعالى أعلم، انتهى.\n\n(١٨ -<span data-type='title' id=toc-3986> باب سمر النبي - ﷺ - أعين المحاربين)</span>\nقال الحافظ (^٣): قوله: \"سمر أعينهم\" وقع في رواية الأوزاعي في أول المحاربين: \"وسمل\" باللام وهما بمعنى، قال ابن التِّين وغيره: وفيه نظر، قال عياض: سمر العين بالتخفيف: كحلها بالمسمار المحمي، فيطابق السمل، فإنه فسر بأن يدني من العين حديدة محماة حتى يذهب نظرها، فيطابق الأول بأن تكون الحديدة مسمارًا، قال: وضبطناه بالتشديد في بعض\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٢/ ١١١).\n(^٢) \"شرح ابن بطال\" (٨/ ٤٢٤، ٤٢٥).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٢/ ١١٢).","vol":"6","page":525},{"text":"النسخ، والأول أوضح، وفسروا السمل أيضًا بأنه فقء العين بالشوك وليس هو المراد ههنا. . . إلخ.\n\n(١٩ -<span data-type='title' id=toc-3987> باب فضل من ترك الفواحش)</span>\nجمع فاحشة، وهي كل ما اشتد قبحه من الذنوب فعلًا أو قولًا، وكذا الفحشاء والفحش، ومنه الكلام الفاحش، ويطلق غالبًا على الزنا فاحشة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ [الإسراء: ٣٢]، وزعم الحليمي أن الفاحشة أشدّ من الكبيرة، وفيه نظر، انتهى (^١). ذكر المصنف فيه حديثين قال العلامة العيني (^٢) تحت الحديث الأول: مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: \"ورجل دعته امرأة\" إلى قوله: \"ورجل تصدق\"، ولا يخفى فضل هذا عند الله، وقال تحت الحديث الثاني: مطابقته للترجمة من حيث إن من حفظ لسانه وفرجه يكون له فضل من ترك الفواحش، انتهى.\n\n(٢٠ -<span data-type='title' id=toc-3988> باب إثم الزناة)</span>\nبضم أوله جمع زان كرماة ورام، قاله الحافظ (^٣).\nزاد العلامة العيني (^٤): وتعلق هذا الباب بالكتاب ارتكاب ما حرم الله، وهو داخل في محاربة الله تعالى ورسوله، انتهى.\nوأما مطابقة أحاديث الباب بالترجمة فقال الحافظان ابن حجر والعيني (^٥) تحت الحديث الأول: مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: \"ويظهر الزنا\" أي: يشيع ويشتهر بحيث لا يتكاتم به لكثرة من يتعاطاه، انتهى.\nوأما مطابقة باقي الأحاديث فظاهرة لا تخفى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٢/ ١١٣).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٦/ ٨٢، ٨٣).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٢/ ١١٤).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٦/ ٨٣).\n(^٥) \"فتح الباري\" (١٢/ ١١٥)، و\"عمدة القاري\" (١٦/ ٨٤).","vol":"6","page":526},{"text":"(٢١ -<span data-type='title' id=toc-3989> باب رجم المحصن)</span>\nذكر العيني (^١) ههنا اختلاف النسخ فقال: ووقع هنا قبل ذكر الباب عند ابن بطال: \"كتاب الرجم\"، ثم قال: \"باب الرجم\" ولم يقع ذلك في الروايات المعتمدة، والمحصن بفتح الصاد من الإحصان، وهو المنع في اللغة، وجاء فيه كسر الصاد، فمعنى الفتح أحصن نفسه بالتزوج عن عمل الفاحشة، ومعنى الكسر على القياس وهو ظاهر، والفتح على غير القياس.\nقال أصحابنا: شروط الإحصان في الرجم سبعة: الحرية، والعقل، والبلوغ، والإسلام، والوطء، والسادس: الوطء بنكاح صحيح، والسابع: كونهما محصنين حالة الدخول بنكاح صحيح، وقال أبو يوسف والشافعي وأحمد: الإسلام ليس بشرط لأنه - ﷺ - رجم يهوديين، قلنا: كان ذلك بحكم التوراة قبل نزول آية الجلد في أول ما دخل - ﷺ - المدينة، فكان منسوخًا بها.\nقال ابن المنذر: وأجمعوا على أنه لا يكون الإحصان بالنكاح الفاسد ولا الشبهة، وخالفهم فقال: يكون محصنًا، واختلفوا إذا تزوج الحر أمة هل تحصنه؟ فقال الأكثرون: نعم، وعن عطاء والحسن والثوري والكوفيين وأحمد وإسحاق: لا، واختلفوا إذا تزوج كتابية، ثم ذكر العيني الاختلاف فيه.\nوبسط الكلام على شروط الإحصان، وذكر مذاهب الأئمة فيه في الجزء السادس من \"الأوجز\" (^٢) فارجع إليه لو شئت.\nقال الحافظ (^٣): قال ابن بطال (^٤): أجمع الصحابة وأئمة الأمصار على أن المحصن إذا زنى عامدًا عالمًا مختارًا فعليه الرجم، ودفع ذلك الخوارج وبعض المعتزلة، واعتلوا بأن الرجم لم يذكر في القرآن، وحكاه ابن العربي\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٦/ ٨٦، ٨٧).\n(^٢) \"أوجز المسالك\" (١٠/ ٥٠٤ - ٥٠٩) و(١٥/ ٢٩٤ - ٢٩٨).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٨/ ١١٢).\n(^٤) \"شرح ابن بطال\" (٨/ ٤٣١).","vol":"6","page":527},{"text":"عن طائفة من أهل المغرب لقيهم وهم من بقايا الخوارج، واحتج الجمهور بأن النبي - ﷺ - رجم، وكذلك أئمة بعده، وثبت في \"صحيح مسلم\" عن عبادة أن النبي - ﷺ - قال: \"خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا، الثيب بالثيب الرجم\"، انتهى.\nقوله: (من زنا بأخته فحده حد الزاني) قال الحافظ (^١): وصله ابن أبي شيبة (^٢) عن حفص بن غياث قال: سألت عمر: ما كان الحسن يقول فيمن تزوج ذات محرم وهو يعلم؟ قال: عليه الحد، وأخرج ابن أبي شيبة (^٣) من طريق أبي الشعثاء التابعي المشهور فيمن أتى ذات محرم منه قال: يضرب عنقه، ووجه الدلالة من حديث علي أنه قال: \"رجمتها بسنة رسول الله - ﷺ -\"، فإنه لم يفرق بين ما إذا كان الزنا بمحرم أو بغير محرم، وأشار البخاري إلى ضعف الخبر الذي ورد في قتل من زنى بذات محرم، وهو ما ذكره ابن أبي حاتم في \"العلل\" من حديث عبد الله بن المطرف مرفوعًا: \"من تخطى الحرمتين فخطوا وسطه بالسيف\"، قال ابن عبد البر: يقولون: إن الراوي غلط فيه، إلى آخر ما بسط الحافظ من الكلام على هذا الحديث.\nثم قال الحافظ: وأشهر حديث في الباب حديث البراء: \"لقيت خالي ومعه الراية فقال: بعثني رسول الله - ﷺ - إلى رجل تزوج امرأة أبيه أن اضرب عنقه\" أخرجه أحمد وأصحاب السنن، وفي سنده اختلاف كثير، انتهى مختصرًا من \"الفتح\".\nوقال ابن قدامة في \"المغني\" (^٤): وإن تزوج ذات محرم فالنكاح باطل بالإجماع، فإن وَطِئَها فعليه الحد في قول أكثر أهل العلم، منهم الحسن\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٢/ ١١٨).\n(^٢) \"المصنف\" (١٠/ ١٠٥)، (رقم ٨٩١٨).\n(^٣) \"المصنف\" (١٠/ ١٠٥)، (رقم ٨٩١٧).\n(^٤) \"المغني\" (١٢/ ٣٤١ - ٣٤٣).","vol":"6","page":528},{"text":"ومالك والشافعي وأبو يوسف ومحمد وإسحاق، وقال أبو حنيفة والثوري: لا حدّ عليه؛ لأنه وطءٌ تمكنت الشبهة منه، فلم يوجب الحد، كما لو اشترى أخته من الرضاع ثم وطئها، وبيان الشبهة أنه قد وجدت صورة المبيح، وهو عقد النكاح الذي هو سبب للإباحة، فإذا لم يثبت حكمه وهو الإباحة بقيت صورته شبهةً دارئةً للحد الذي يندرئ بالشبهات.\nثم ذكر الموفق دلائل الفريق الثاني ثم قال: إذا ثبت هذا فاختلف في الحد، فروي عن أحمد أنه يقتل على كل حال، والرواية الثانية حده حد الزاني، وبه قال الحسن ومالك والشافعي لعموم الآية والخبر، والقول فيمن زنى بذات محرمه من غير عقد كالقول فيمن وطئها بعد العقد.\nوكل نكاح أجمع على بطلانه كنكاح خامسة أو متزوجة إذا وطئ فيه عالمًا بالتحريم فهو زنى، موجبٌ للحد المشروع فيه قبل العقد، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة وصاحباه: لا حد فيه لأجل الشبهة، وقال النخعي: يجلد مائة ولا ينفى، ولنا ما ذكرنا فيما مضى، وروى أبو نصر المروذي بإسناده أنه رُفع إلى عمر بن الخطاب امرأة تزوجت في عدتها فقال: هل علمتما؟ فقالا: لا، قال: لو علمتما لرجمتكما، فجلدهما أسواطًا، ثم فرق بينهما، انتهى مختصرًا.\nوفي \"الهداية\" (^١): ومن تزوج امرأة لا يحل [له] نكاحها فوطئها لا يجب عليه الحد عند أبي حنيفة، لكنه يوجب عقوبة إذا كان علم بذلك، وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي: عليه الحد إذا كان عالمًا بذلك لأنه عقد لم يصادف محله فيلغو، انتهى.\nقوله: (قبل سورة النور أم بعد) قال الحافظ (^٢): وقد قام الدليل على أن الرجم وقع بعد سورة النور؛ لأن نزولها كان في قصة الإفك، واختلف\n_________\n(^١) \"الهداية\" (١/ ٣٤٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٢/ ١٢٠).","vol":"6","page":529},{"text":"هل كان سنة أربع أو خمس أو ست، والرجم كان بعد ذلك، وقد حضره أبو هريرة - ﵁ -، وإنما أسلم سنة سبع، انتهى.\nوتعقب عليه العلامة السندي حيث قال: قلت: لا يلزم من ذلك أن كل آية من آيات السورة نزلت بعد الإفك، فلا بدّ من إثبات أن حد الزنا من سورة النور كان قبل أو بعد، فتأمل والله تعالى أعلم، انتهى.\n\n(٢٢ -<span data-type='title' id=toc-3990> باب لا يرجم المجنون والمجنونة)</span>\nأي: إذا وقع في الزنا في حال الجنون، وهو إجماع، واختلف فيما إذا وقع في حال الصحة، ثم طرأ الجنون هل يؤخر إلى الإفاقة؟ قال الجمهور: لا؛ لأنه يراد به التلف، فلا معنى للتأخير بخلاف من يجلد فإنه يقصد به الإيلام فيؤخر حتى يفيق، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nقوله: (وقال علي لعمر - ﵄ -: أما علمت. . .) إلخ، قال الحافظ (^٢): تقدم بيان من وصله في \"باب الطلاق في الإغلاق\"، وأن أبا داود وابن حبان والنسائي أخرجوه مرفوعًا، ورجّح النسائي الموقوف، ومع ذلك فهو مرفوع حكمًا، وأخذ بمقتضى هذا الحديث الجمهور، لكن اختلفوا في إيقاع طلاق الصبي، إلى آخر ما ذكر، وتقدم الاختلاف في طلاق الصبي في محله من \"كتاب الطلاق\".\nقوله: (إن القلم رفع عن المجنون) قال السندي: أي: في غير حقوق العباد والزنا منه، انتهى.\n\n(٢٣ -<span data-type='title' id=toc-3991> باب للعاهر الحجر)</span>\nقال القسطلاني (^٣) تبعًا للحافظ: سبق في الفرائض وغيرها أن المراد\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٢/ ١٢١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٢/ ١٢١)، وانظر أيضًا: \"فتح الباري\" (٩/ ٣٩٣).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ٢٦٢).","vol":"6","page":530},{"text":"بقوله: الحجر الخيبة، أي: لا حق له في النسب، وقيل: معناه وللزاني الرجم بالحجر، وأنه استبعد بأن ذلك ليس لجميع الزناة بل للمحصن، لكن في ترجمة البخاري هنا إيماء إلى ترجيح القول بأنه الرجم بالحجر، فيكون المراد منه أنّ الرجم مشروع للزاني المحصن، والله أعلم، والحديث قد سبق في مواضع، انتهى.\n\n(٢٤ -<span data-type='title' id=toc-3992> باب الرجم بالبلاط)</span>\nكذا في النسخ الهندية، وفي نسخ الشروح: \"في البلاط\" بدل الباء.\nقال الكرماني (^١): البلاط بفتح الموحدة وقيل: بكسرها: موضع بين مسجده - ﷺ - والسوق، والأرض المستوية والأرض المفروشة بالحجارة ونفس الحجارة، فإن قلت: ما فائدة ذكر البلاط والمواضع كلها على السواء؟\nقلت: مقصوده جواز الرجم من غير حفيرة؛ لأن المواضع المبلطة لم تحفر غالبًا، أو أن الرجم يجوز في الأبنية، ولا يختص بالمصلى ونحوه مما هو خارج المدينة، انتهى.\nقال الحافظ (^٢): في رواية المستملي: \"بالبلاط\" بالموحدة بدل في، ففهم منه بعضهم أنه يريد أن الآلة التي يرجم بها تجوز بكل شيء حتى بالبلاط، وهو ما تفرش به الدور من حجارة أو آجر وغير ذلك، وفيه بعد، والأولى أن الباء ظرفية، ثم ذكر الحافظ ما تقدم من الإشكال والجواب عن الكرماني، وأجاب الحافظ من عنده بقوله: قلت: ويحتمل أن يكون أراد أن ينبِّه على أن المكان الذي يجاور المسجد لا يعطى حكم المسجد في الاحترام؛ لأن البلاط المشار إليه موضع كان مجاورًا للمسجد النبوي، انتهى.\n_________\n(^١) \"شرح الكرماني\" (٢٣/ ٢٠٤، ٢٠٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٢/ ١٢٨).","vol":"6","page":531},{"text":"وفي هامش \"اللامع\" (^١): الأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن الإمام البخاري أشار بذلك إلى أن حدّ الزنا ينبغي له الإظهار والتشهير، قال تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢] فكأنه ذكر ذلك تنبيهًا واحترازًا عما تقدم من \"باب من أمر بضرب الحد في البيت\" أن حد الزنا يى بداخل فيه، والباب المتقدم كان في حد الشرب، وهذا في حد الزنا، انتهى مختصرًا.\n\n(٢٥ -<span data-type='title' id=toc-3993> باب الرجم بالمصلى)</span>\nأي: عنده والمراد المكان الذي كان يصلى عنده العيد والجنائز، وهو من ناحية بقيع الغرقد، وقد وقع في رواية مسلم: \"فأمرنا أن نرجمه، فانطلقنا به إلى بقيع الغرقد\"، وفهم بعضهم كالعياض من قوله: \"بالمصلى\" أن الرجم وقع داخله، وقال: يستفاد منه أن المصلى لا يثبت له حكم المسجد وإلا لاجتنب الرجم فيه؛ لأنه لا يؤمن التلويث من المرجوم، وتعقب بأن المراد أن الرجم وقع عنده لا فيه، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\nوقد ترجم المصنف في كتاب العيدين \"باب اعتزال الحيض المصلى\"، وتقدم هناك أن هذا الحكم استحبابي لأن المصلى ليس بمسجد عند الجمهور، وقال بعض العلماء: يحرم عليها المكث في المصلى؛ لأنه موضع الصلاة فأشبه المسجد، حكاه أبو الفرج الدارمي من الشافعية عن بعضهم، انتهى.\n\n(٢٦ -<span data-type='title' id=toc-3994> باب من أصاب ذنبًا دون الحد)</span>\nقال العلامة القسطلاني (^٣) تبعًا للكرماني: أي: من ارتكب ذنبًا لا حد له شرعًا كالقبلة والغمزة، وغرض البخاري أن الصغيرة بالتوبة يسقط عنها التعزير، انتهى.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (١٠/ ١٥٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٢/ ١٣٠).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ٢٦٥).","vol":"6","page":532},{"text":"قال الحافظ (^١): والتقييد بدون الحد يقتضي أن من كان ذنبه يوجب الحد أن عليه العقوبة ولو تاب، وقد مضى الاختلاف في ذلك، وأما التقييد الأخير فلا مفهوم له، بل الذي يظهر أنه ذكره بدلالته على توبته، انتهى.\nقوله: (وفيه عن أبي عثمان) أي: في معنى الحكم المذكور في الترجمة حديث مروي عن أبي عثمان، وقد وصله المؤلف في \"أوائل كتاب الصلاة\" في \"باب الصلاة كفارة\" وهو أن رجلًا أصاب من امرأة قبلة فأتى النبي - ﷺ - فأخبره فنزلت: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ الآية [هود: ١١٤]، انتهى من \"الفتح\".\nقوله: (والحديث الأول أبين، قوله: أطعم أهلك) كما في نسخة الهامش، وهو موجود في نسخ الشروح أيضًا، لكن لم يتعرض لشرح هذا القول الحافظ ولا الكرماني بشيء، وتعرض له العلامة العيني (^٢) حيث قال: وأراد بالحديث الأول حديث أبي عثمان النهدي، وهو أبين شيء في الباب، ولم يقع هذا في كثير من النسخ، انتهى.\nوفي هامش المصرية عن شيخ الإسلام (^٣): أراد به حديث أبي عثمان المذكور في الصلاة فإنه أبين للغرض مما ذكر في هذا الباب، وقوله: \"أطعم أهلك\" خبر مبتدأ محذوف، وظاهره أنه بيان للحديث الأول المعزو لأبي عثمان، وفيه نظر إذ لم يذكر فيه هذا اللفظ، وإنما ذكر عن غيره في حديث آخر مر في \"باب من أعان المعسر في الكفارة\"، وبالجملة ففي كلامه قلاقة، انتهى.\nقلت: وفي هذا الكلام قلاقة إذ لا يصح جعل قوله: \"أطعم أهلك\" بيانًا للحديث الأول أعمّ من أن يكون قوله: \"أطعم أهلك\" مذكورًا ههنا أم لا، وذلك لأن مقصود الإمام البخاري هو أن حديث أبي عثمان النهدي\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٢/ ١٣٢).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٦/ ٩٦).\n(^٣) \"تحفة الباري\" (٦/ ٣٣٩).","vol":"6","page":533},{"text":"المشار إليه في أولى الترجمة أبين وأوضح في أداء المعنى الذي عقد الترجمة له من حديث الباب، ومضمون حديث الباب هو قوله: \"أطعم أهلك\" وهو إن لم يكن ههنا مذكورًا بهذا اللفظ لكنه حاصل معناه، فالذي يتجه هو أن يقال: حديث أبي عثمان النهدي أبين من قوله: \"أطعم أهلك\" أي: من حديث الباب، فقوله: \"أطعم أهلك\" ليس بيانًا للحديث الأول، بل هو مفضل عليه لقوله: \"أبين\"، ولو قال المصنف الحديث الأول أبين من قوله: \"أطعم أهلك\" لكان أولى وأوضح، فتأمل.\n\n(٢٧ -<span data-type='title' id=toc-3995> باب إذا أقرّ بالحد ولم يبين)</span>\nقال الحافظ (^١) في شرح حديث الباب: \"ذنبك أو قال: حدك\" قد اختلف نظر العلماء في هذا الحكم، فظاهر ترجمة البخاري حمله على أن من أقرّ بحد ولم يفسره فإنه لا يجب على الإمام أن يقيمه عليه إذا تاب، وحمله الخطابي على أنه يجوز أن يكون النبي - ﷺ - اطلع بالوحي على أن الله قد غفر له، لكونها واقعة عين، وإلا لكان يستفسره عن الحد ويقيمه عليه، وجزم النووي وجماعة أن الذنب الذي فعله كان من الصغائر بدليل أن في بقية الخبر أنه كفرته الصلاة بناء على أن الذي تكفره الصلاة من الذنوب الصغائر لا الكبائر، إلى آخر ما ذكره من الكلام على المسألة، وفي هامش المصرية عن شيخ الإسلام (^٢) في شرح ترجمة الباب: قوله: \"هل للإمام أن يستر عليه\": جواب الاستفهام محذوف، أي: نعم، انتهى.\n\n(٢٨ -<span data-type='title' id=toc-3996> باب هل يقول الإمام للمقر: لعلك لمست. . .) إلخ</span>\nهذه الترجمة معقودة لجواز تلقين الإمام المقر بالحد ما يدفعه عنه، وقد خصّه بعضهم بمن يظن به أنه أخطأ أو جهل، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٢/ ١٣٤).\n(^٢) \"تحفة الباري\" (٦/ ٣٣٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٢/ ١٣٥).","vol":"6","page":534},{"text":"وكذا قال غيره من شرَّاح البخاري أن المقصود بيان الجواز، ولعلهم اقتصروا على الجواز ولم يقولوا بالاستحباب نظرًا إلى ترجمة المصنف، فإنه ترجم بلفظ الاستفهام المشير إلى التردد، وإلا فغيرهم من شرَّاح الحديث وكذا الفقهاء صرَّحوا باستحباب التلقين، ففي \"الهداية\" (^١): ويستحب للإمام أن يلقن المقر الرجوع، فيقول له: لعلك لمست أو قبلت لقوله - ﵇ - لماعز: \"لعلك لمستها أو قبلتها\"، انتهى.\nقال النووي في \"شرح مسلم\" (^٢) في فوائد الحديث: وفيه استحباب تلقين المقر بحد الزنا والسرقة وغيرهما من حدود الله تعالى، وأنه يقبل رجوعه؛ لأن الحدود مبنية على المساهلة والدرء بخلاف حقوق الآدميين وحقوق الله تعالى المالية كالزكاة والكفارة وغيرهما، فإنه لا يجوز التلقين فيها، ولو رجع لم يقبل رجوعه، وقد جاء تلقين الرجوع عن الإقرار بالحدود عن النبي - ﷺ - وعن الخلفاء الراشدين ومن بعدهم، واتفق العلماء عليه، انتهى.\nوعلى هذا فيشكل إتيان المصنف بلفظة \"هل\"، ولعله إنما أوردها إِشارةً إلى الخلاف فيه كما تقدم عن الحافظ وإن كان شاذًّا.\n\n(٢٩ -<span data-type='title' id=toc-3997> باب سؤال الإمام المقر هل أحصنت)</span>\nلأن الإحصان شرط الرجم، وهو أن يتزوج امرأة ويدخل بها، ومطابقة الحديث بالترجمة ظاهرة، قاله العيني (^٣).\nوقال الحافظ (^٤): قال ابن التِّين: محل مشروعية هذا السؤال إذا كان لم يعلم أنه تزوج تزويجًا صحيحًا ودخل بها، فأما إذا علم إِحصانه فلا يسأل عن ذلك، ثم حكى عن المالكية تفصيلًا في ذلك، إلى آخر ما في \"الفتح\".\n_________\n(^١) \"الهداية\" (١/ ٣٤٠).\n(^٢) \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٦/ ٢١٦).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٦/ ٩٨).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٢/ ١٣٦).","vol":"6","page":535},{"text":"(٣٠ -<span data-type='title' id=toc-3998> باب الاعتراف بالزنا)</span>\nقال العلامة العيني (^١): أي: هذا باب في بيان حكم الاعتراف بالزنا، ثم قال بعد ذكر الحديث الأول: مطابقته للترجمة في قوله: \"فاعترفت فرجمها\"، وهكذا قال بعد ذكر الحديث الثاني من حديثي الباب: مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: \"ألا وإن الرجم\" إلى آخره، انتهى.\nقلت: فيستفاد منه أن غرض المصنف بالترجمة بيان حكم الزنا وأنه الرجم، وكذا يستفاد من كلام القسطلاني، والذي يشير إليه كلام الحافظ وهو الأوجه عندي أن المصنف أشار بهذه الترجمة إلى أن الإقرار مرة واحدة يكفي، وهو ظاهر حديثي الباب، والمسألة خلافية، فعند الشافعية والمالكية كذلك، يعني: الاكتفاء مرة خلافًا للحنفية والحنابلة إذ قالوا: لا بدّ من الإقرار أربع مرات، وزاد الحنفية في أربع مجالس.\n\n(٣١ -<span data-type='title' id=toc-3999> باب رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت)</span>\nيردّ على ظاهر الترجمة أنها لا تثبت بالحديث، فإن الثابت بالحديث الرجم بالحبل الآتي في قول عمر، وأما رجم الحبلى فلا يصح به، وأيضًا المسألة إجماعية من أنها لا ترجم حتى تضع، ولم يتعرض لهذا الإشكال ولا الجواب العيني والقسطلاني.\nنعم تعرض له الحافظ (^٢) إذ قال: قال الإسماعيلي: يريد إذا حبلت من زنا على الإحصان، ثم وضعت، فأما وهي حبلى فلا ترجم حتى تضع، وقال ابن بطال (^٣): معنى الترجمة هل يجب على الحبلى رجم أو لا؟ وقد استقر الإجماع على أنها لا ترجم حتى تضع.\nقال النووي (^٤): وكذا لو كان حدها الجلد لا تجلد حتى تضع، وكذا\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٦/ ٩٩ - ١٠١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٢/ ١٤٦).\n(^٣) \"شرح ابن بطال\" (٨/ ٤٥٦).\n(^٤) \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٦/ ٢١٩).","vol":"6","page":536},{"text":"من وجب عليها قصاص، وهي حامل لا يقتص منه حتى تضع بالإجماع في كل ذلك، انتهى.\nفليس غرض الإمام البخاري إثبات رجم المرأة وهي حبلى بل بعد وضع الحمل، أو الترجمة مبنية على الاستفهام، أي: هل ترجم أو لا؟ ونظائره كثيرة لا تحصى، ويمكن أن يقال: إن المصنف أراد بالترجمة الإشارة إلى مسألة أخرى خلافية بسطت في \"الأوجز\" (^١)، وهي إثبات الرجم بمجرد الحبل بالزنا، وليس الغرض بيان إيقاع الرجم حالة الحمل، والمسألة خلافية، فعند عمر - ﵁ - تستحق الحبلى من الزنا الرجم - بعد الوضع - بمجرد الحبل، وإن لم تقر، وبه قال الإمام مالك خلافًا للجمهور، ومنهم الأئمة الثلاثة فعندهم لا بدّ له من إقرار أو بينة، ثم اعلم أنه قد ذكر في \"اللامع\" (^٢) وهامشه الكلام على بعض أجزاء حديث الباب مبسوطًا مفصلًا فارجع إليه لو شئت.\n\n(٣٢ -<span data-type='title' id=toc-4000> باب البكران يجلدان وينفيان. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٣): هذه الترجمة لفظ خبر أخرجه ابن أبي شيبة (^٤) من طريق الشعبي عن مسروق عن أُبي بن كعب مثله، وزاد: \"والثيبان يجلدان ويرجمان\"، انتهى.\nقلت: المقصود من الترجمة هو الجزء الثاني، أي: النفي، والمسألة خلافية.\nقال القسطلاني (^٥): وحكى ابن نصر في \"كتاب الإجماع\" الاتفاق على نفي الزاني إلا عند الكوفيين، وعليه الجمهور، وادعى الطحاوي أنه\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (١٥/ ٢٩٩، ٣٠٠).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (١٠/ ١٥٤).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٢/ ١٥٧).\n(^٤) \"المصنف\" (١٠/ ٨١)، (رقم ٨٨٣٦).\n(^٥) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ٢٨٩).","vol":"6","page":537},{"text":"منسوخ، واختلف القائلون بالتغريب، فقال الشافعي بالتعميم للرجل والمرأة، وفي قول له: لا ينفى الرقيق، وخصر مالك النفي بالرجل، وقيّده بالحر، وعن أحمد روايتان، انتهى.\n\n(٣٣ -<span data-type='title' id=toc-4001> باب نفي أهل المعاصي والمخنثين)</span>\nكأنه أراد الردَّ على من أنكر النفي [على] غير المحارب، فبين أنه ثابت من فعل النبي - ﷺ - ومن بعده في حق غير المحارب، وإذا ثبت في حق من لم يقع منه كبيرة فوقوعه فيمن أتى كبيرة بطريق الأولى، قاله الحافظ (^١).\n\n(٣٤ -<span data-type='title' id=toc-4002> باب من أمر غير الإمام بإقامة الحد غائبًا عنه)</span>\nفيه إشكالان: الأول في تعبير المصنف وألفاظ الترجمة، قال الكرماني (^٢): الأولى أن يقال: باب من أمره الإمام، وغائبًا حال عن فاعل الإقامة، وهو الغير، ويحتمل أن يكون حالًا عن المحدود، والمقام عليه، وفي عبارته تعجرف، انتهى.\nوحكى الحافظ (^٣) عبارة الكرماني بلفظ آخر، وهو أوضح، إذ قال: قال الكرماني: في هذا التركيب قلق، وكان الأولى أن يبدل لفظ \"غير\" بالضمير فيقول: من أمره الإمام. . . إلخ.\nوقال العلامة القسطلاني (^٤): الأوجه كما نبَّه عليه في \"الكواكب\": أن يقول: من أمر الإمام، ثم حكى عن البرماوي: أنه لا عجرفة فيه، وبسط كلامه.\nوالإشكال الثاني ما ذكره الحافظ (^٥) بقوله: قال ابن بطال (^٦): قد ترجم بعد، يعني: في آخر أبواب المحدود \"هل يأمر الإمام رجلًا فيضرب\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٢/ ١٥٩).\n(^٢) \"شرح الكرماني\" (٢٣/ ٢٢١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٢/ ١٦٠).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ٢٩١).\n(^٥) \"فتح الباري\" (١٢/ ١٦٠).\n(^٦) \"شرح ابن بطال\" (٨/ ٤٦٩).","vol":"6","page":538},{"text":"الحد غائبًا عنه\"، ومعنى الترجمتين واحد، كذا قال، ويظهر لي أن بينهما تغايرًا من جهة أن قوله في الأول: \"غائبًا عنه\" حال من المأمور، وهو الذي يقيم الحد، وفي الآخر حال من الذي يقام عليه الحد، انتهى.\nثم لا يذهب عليك أنهم أوردوا بحديث الباب على الحنفية في قولهم بوجوب حضور الإمام في الحد، وتقدم الكلام عليه في \"كتاب الوكالة\" في \"باب الوكالة في الحدود\" فتذكر.\n\n(٣٥ -<span data-type='title' id=toc-4003> باب قول الله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا. . .﴾ [النساء: ٢٥]. . .) إلخ</span>\nلعل المقصود بيان تفسير الآية، ففسّر قوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾ بقوله: زواني، كما في النسخ الهندية ونسخة \"الفتح\"، ولم يذكر في الباب حديثًا.\nقال الحافظ (^١): لعله اكتفى بالآية وتأويلها عن الحديث المرفوع، انتهى.\nوليس هذا التفسير في نسخة \"العيني\" و\"القسطلاني\".\nقال الحافظ (^٢): وهذا التفسير ثبت في رواية المستملي وحده، وقد أخرجه ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس مثله، والمسافحات جمع مسافحة مأخوذ من السفاح، وهو من أسماء الزنا، والأخدان جمع خدن بكسر أوله وسكون ثانيه وهو الخدين، والمراد به الصاحب، قال الراغب: وأكثر ما يستعمل فيمن يصاحب غيره بشهوة، انتهى.\nوقال القسطلاني (^٣): لم يذكر في هذا الباب حديثًا بل اقتصر على\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٢/ ١٦٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٢/ ١٦٢).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ٢٩٤).","vol":"6","page":539},{"text":"الآية اكتفاء بها عن الحديث المرفوع، نعم أدخل ابن بطال فيه حديث أبي هريرة التالي لهذا الباب، انتهى.\nقلت: وذلك لأجل أنه سقطت الترجمة الآتية في نسخة ابن بطال، فدخل في هذه الترجمة حديث أبي هريرة الآتي في الباب الآتي.\n\n(٣٥<span data-type='title' id=toc-4004> م - باب إذا زنت الأمة)</span>\nأي: ما يكون حكمها؟ وسقطت هذه الترجمة للأصيلي، وجرى على ذلك ابن بطال، وصار الحديث المذكور فيها حديث الباب المذكور قبلها، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nقوله: (إذا زنت ولم تحصن. . .) إلخ، اعلم أن الحرية من شرائط إِحصان الرجم بالإجماع إلا عند أبي ثور فإنه قال: إن العبد والأمة إذا لم يحصنا بالتزويج فعليهما نصف الحد، وإن أحصنا فعليهما الرجم.\nقال الموفق (^٢): حد العبد والأمة خمسون جلدة بكرين كانا أو ثيبين في قول أكثر الفقهاء، منهم مالك وأبو حنيفة والشافعي، وقال ابن عباس وطاوس: إن كانا مزوجين فعليهما نصف الحد، ولا حد على غيرهما، لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ﴾ الآية [النساء: ٢٥]، فدليل خطابه أنه لا حد على غير المحصنات، وقال داود: على الأمة نصف الحد إذا زنت بعد ما زوجت، وعلى العبد جلد مائة بكل حال، وفي الأمة إذا لم تزوج روايتان: إحداهما لا حد عليها، والأخرى تجلد مائة، انتهى.\nقال العلامة العيني (^٣): قال الطحاوي: لم يقل هذه اللفظة، أي: قوله: \"ولم تحصن\" غير مالك بن أنس، ومفهومه أنها إذا أحصنت لا تجلد، بل ترجم كالحرة، لكن الأمة تجلد، محصنةً كانت أو غير محصنةٍ، ولا اعتبار للمفهوم حيث نطق القرآن صريحًا بخلافه في قوله تعالى:\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٢/ ١٦٢).\n(^٢) \"المغني\" (١٢/ ٣٣١).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٨/ ٤٥٧).","vol":"6","page":540},{"text":"﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ الآية، وقال الخطابي: ذكر الإحصان في الحديث غريب مشكل جدًّا، إلا أن يقال: معناه العتق، انتهى ملخصًا من \"الأوجز\" (^١).\nوفيه أيضًا: أن المحصنات في القرآن جاءت بأربعة معان، أحدها: العفائف كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ﴾ الآية [النور: ٢٣]، الثاني: بمعنى المزوجات كقوله تعالى ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، والثالث: بمعنى الحرائر كقوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، والرابع: بمعنى الإسلام كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾، انتهى ملتقطًا من \"الأوجز\" (^٢).\nوبسط الكلام فيه على شرائط الإحصان واختلاف العلماء فيه.\nوفيه هامش المصرية عن شيخ الإسلام (^٣): قوله: \"ولم تحصن\" جرى في ذكر هذا القيد على الغالب؛ لأن الحكم لا يختص بعدم إحصانها بل يجري مع إحصانها كما صرّح به في قوله: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ الآية، أو لأن الأمة المسؤول عنها كانت غير محصنة، وقيل: الإحصان هنا بمعنى العفة عن الزنا، انتهى.\nوفي \"فيض الباري\" (^٤): الإحصان أكثر ما يستعمل في الأحاديث بمعنى التزوج، والمراد به ههنا العفة؛ لأن الأمة حدها الجلد، سواء تزوّجت أو لا، انتهى.\n\n(٣٦ -<span data-type='title' id=toc-4005> باب لا يثرب على الأمة إذا زنت ولا تنفى)</span>\nقال الحافظ (^٥): أما التثريب فهو التعنيف وزنه ومعناه، وقد جاء بلفظ: \"ولا يعنفها\"، وأما النفي فاستنبطوه من قوله: \"فليبعها\" لأن المقصود\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (١٥/ ٣٣٢ - ٣٣٤).\n(^٢) \"أوجز المسالك\" (١٥/ ٢٩٤).\n(^٣) \"تحفة الباري\" (٦/ ٣٤٦).\n(^٤) \"فيض الباري\" (٦/ ٣٦٦).\n(^٥) \"فتح الباري\" (١٢/ ١٦٥).","vol":"6","page":541},{"text":"من النفي الإبعاد عن الوطن الذي وقعت فيه المعصية، وهو حاصل بالبيع، انتهى.\nقلت: وما قاله الحافظ إنما قاله تأييدًا لمذهب الشافعية، وعلى هذا لا مطابقة بين الحديث والترجمة، فإن الترجمة بعدم النفي لا بالنفي.\nوقال القسطلاني (^١) تحت حديث الباب: واستنبط من قوله: \"فليبعها\" عدم النفي لأن المقصود من النفي الإبعاد وهو حاصل بالبيع، انتهى.\nوأنت ترى أن فيه إجمالًا مخلًا، والمطابق لصنيع المصنف ما قاله العلامة العيني (^٢) إذ قال: واستنبط عدم النفي من قوله - ﷺ -: \"ثم بيعوها\" لأن المقصود من النفي الإبعاد، وهو لا يلزم حصوله من البيع، انتهى مختصرًا.\nوتقدم بيان الخلاف في مسألة النفي في \"باب البكران يجلدان وينفيان\".\n\n(٣٧ -<span data-type='title' id=toc-4006> باب أحكام أهل الذمة وإحصانهم. . .) إلخ</span>\nأي: بيان أحكام أهل الذمة: اليهود والنصارى وسائر من تؤخذ منه الجزية، وبيان إحصانهم هل الإسلام شرط فيه أم لا؟ كما سيأتي، انتهى من \"العيني\" (^٣).\nوههنا مسألتان: إحصان أهل الذمة، والثانية الحكم بينهم، قال العلامة القسطلاني (^٤): وغرض المؤلف أن الإسلام ليس شرطًا في الإحصان، وإلا لم يرجم اليهوديين، وإليه ذهب الشافعي وأحمد، وقال المالكية ومعظم الحنفية: شرط الإحصان الإسلام، وأجابوا عن حديث الباب بأنه - ﷺ - إنما رجمهما بحكم التوراة، وليس هو من حكم الإسلام في شيء، وإنما هو من باب تنفيذ الحكم عليهم بما في كتابهم، فإن في التوراة الرجم على المحصن وغير المحصن، انتهى.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ٢٩٦).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٦/ ١١٦).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٦/ ١١٧).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ٢٩٩).","vol":"6","page":542},{"text":"وأما المسألة الثانية فهو الحكم بين أهل الذمة، فقال الموفق (^١): وجملة ذلك أنه إذا تحاكم إلينا أهل الذمة، أو استعدى بعضهم على بعض، فالحاكم مخيَّر بين إحضارهم والحكم بينهم وبين تركهم، سواء كانوا من أهل دين واحدٍ أو من أهل أديان، هذا المنصوص عن أحمد، وهو قول النخعي وأحد قولي الشافعي، وعن أحمد رواية أخرى أنه يجب الحكم بينهم، وهذا القول الثاني للشافعي واختيار المزني؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩]، ولنا قوله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ الآية [المائدة: ٤٢]، إلى آخر ما ذكر من الكلام على الدلائل، ولم يذكر مذهب مالك والحنفية.\nوقال ابن رُشد في \"البداية\" (^٢): وأما الحكم على الذمي فإن في ذلك ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يقضي بينهم إذا ترافعوا إليه بحكم المسلمين، وهو مذهب أبي حنيفة، والثاني: أنه مخيَّر، وبه قال مالك، وعن الشافعي القولان، والثالث: أنه واجب على الإمام أن يحكم بينهم وإن لم يتحاكموا إليه. . .، إلى آخر ما ذكر في الدلائل، وما ذكره ابن رُشد من مذهب الحنفية هو موافق لما ذكره الجصاص في \"أحكام القرآن\" (^٣) إذ قال بحثًا على المسألة: فثبت نسخ التخيير بقوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ وقال أيضًا: فهذا الذي ذكرناه مذهب أصحابنا في عقود المعاملات والتجارات والحدود أن أهل الذمة والمسلمون فيها سواء، إلا أنهم لا يرجمون لأنه غير محصنين، وقال مالك: الحاكم مخيَّر إذا اختصموا إليه بين أن يحكم بينهم بحكم الإسلام أو يعرض عنهم، ثم قال: والذي ثبت نسخه من ذلك هو التخيير، فأما شرط المجيء منهم في قوله: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ فلم تقم الدلالة على نسخه، فينبغي أن يكون حكم الشرط باقيًا والتخيير منسوخًا، انتهى ملتقطًا.\n_________\n(^١) \"المغني\" (١٢/ ٣٨١، ٣٨٢).\n(^٢) \"بداية المجتهد\" (٢/ ٤٧٢).\n(^٣) \"أحكام القرآن\" (٢/ ٤٣٥ - ٤٣٧).","vol":"6","page":543},{"text":"قال الحافظ (^١) بعد ذكر الحديث الأول من حديثي الباب: قال الكرماني (^٢): مطابقته للترجمة من حيث الإطلاق.\nقلت: والذي ظهر لي أنه جرى على عادته في الإشارة إلى ما ورد في بعض طرق الحديث، هو ما أخرجه أحمد والطبراني من طريق هشيم عن الشيباني قال: قلت: هل رجم النبي - ﷺ -؟ فقال: نعم، رجم يهوديًا ويهوديةً، انتهى.\n\n(٣٨ -<span data-type='title' id=toc-4007> باب إذا رمى امرأته أو امرأة غيره. . .) إلخ</span>\nذكر فيه قصة العسيف، والحكم المذكور ظاهر فيمن قذف امرأة غيره، وأما من قذف امرأته فكأنه أخذه من كون زوج المرأة كان حاضرًا ولم ينكر ذلك.\nوأشار بقوله: \"هل على الإمام\" إلى الخلاف في ذلك، والجمهور على أن ذلك بحسب ما يراه الإمام. وقال النووي: الأصح عندنا وجوبه، والحجة فيه بعث أنيس - ﵁ - إلى المرأة، ثم تعقب عليه الحافظ كما في \"الفتح\" (^٣)، ثم قال: قال ابن بطال (^٤): أجمع العلماء على أن من قذف امرأة أو امرأة غيره بالزنا فلم يأت على ذلك ببينة أن عليه الحد، إلا إن أقرّ المقذوف، فلهذا يجب على الإمام أن يبعث إلى المرأة يسألها عن ذلك، ولو لم تعترف المرأة في قصة العسيف لوجب على والد العسيف حد القذف، ومما يتفرع عن ذلك لو اعترف رجل بأنه زنى بامرأة معينة فأنكرت هل يجب عليه حد الزنا وحد القذف أو حد القذف فقط؟ قال بالأول مالك، وبالثاني أبو حنيفة، وقال الشافعي وصاحبا أبي حنيفة: من أقرّ منهما فإنما عليه حد الزنا فقط، انتهى من \"الفتح\" (^٥).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٢/ ١٦٧).\n(^٢) \"شرح الكرماني\" (٢٣/ ٢٢٤).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٢/ ١٧٢).\n(^٤) \"شرح ابن بطال\" (٨/ ٤٧٧).\n(^٥) \"فتح الباري\" (١٢/ ١٧٣).","vol":"6","page":544},{"text":"(٣٩ -<span data-type='title' id=toc-4008> باب من أدَّب أهله أو غيره دون السلطان)</span>\nأي: دون إذنه له في ذلك، وهذه الترجمة معقودة لبيان الخلاف هل يحتاج من وجب عليه الحد من الأرقاء إلى أن يستأذن سيده الإمام في إقامة الحد عليه، أو له أن يقيم ذلك بغير مشورة؟ وقد تقدم بيانه في \"باب إذا زنت الأمة\" قاله الحافظ (^١).\nقلت: والمسألة خلافية شهيرة، قال القسطلاني (^٢) في الباب المذكور: قوله: \"فاجلدوها. . .\" إلخ، والخطاب فيه لملاك الأمة، فيدل على أن السيد يقيم على عبده وأمته الحد، ويسمع البينة عليهما، وبه قال مالك والشافعي وأحمد والجمهور من الصحابة والتابعين خلافًا لأبي حنيفة في آخرين، واستثنى مالك القطع في السرقة، انتهى.\nقلت: وما ذكر الحافظ في بيان الغرض من الترجمة تعقبه العيني إذ قال (^٣) بعد نقل كلام الحافظ: قلت: لم يبين الخلاف في هذه الترجمة أصلًا، انتهى.\nوالظاهر عندي في الغرض من الترجمة: أن المصنف أشار بذلك أن الخلاف بين العلماء إنما هو في مسألة إقامة السيد الحد على أرقائه، وليس الخلاف بينهم في التأديب، فإنه لا يحتاج الرجل في تأديب أهله أو أرقائه إلى أن يستأذن السلطان، فالخلاف في إقامة الحدود لا في التأديب، ويؤيد ما قلته أنه لا ذكر في أحاديث الباب لإقامة الحد كما لا يخفى.\nقال العيني (^٤) تحت حديث الباب: مطابقته للترجمة ظاهرة؛ لأن أبا بكر - ﵁ - أدّب ابنته عائشة - ﵂ - بحضرة النبي - ﷺ - من غير أن يستأذنه.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٢/ ١٧٤).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ٢٩٥).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٦/ ١٢٠).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٦/ ١٢١).","vol":"6","page":545},{"text":"(٤٠ -<span data-type='title' id=toc-4009> باب من رأى مع امرأته رجلًا فقتله. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^١): كذا أطلق ولم يبين الحكم، وقد اختلف فيه، فقال الجمهور: عليه القود، وقال أحمد وإسحاق: إن أقام بينة أنه وجده مع امرأته هدر دمه، وقال الشافعي: يسعه فيما بينه وبين الله قتل الرجل إن كان ثيبًا، وعلم أنه نال منها ما يوجب الغسل، ولكن لا يسقط عنه القود في ظاهر الحكم، انتهى.\nوهكذا ذكر المذاهب العلامة العيني (^٢)، ولم يصرح بمذهب الحنفية في ذلك.\nوفي هامش \"الفيض\" (^٣): وسمعت من الشيخ أن من ابتلي بمثله فقتل الزاني لا يؤاخذ به عند ربه، يباح له أن يقتله فيما بينه وبين الله - ﷿ -، وإن كان حكم القضاء القصاص إذا لم يأت عليه ببينة، وبذلك صرّح النووي من مذهبه في \"شرح مسلم\" في \"باب اللعان\"، انتهى.\nوقلت: ولفظ النووي في \"شرح مسلم\" (^٤) هكذا: قد اختلف العلماء فيمن قتل رجلًا وزعم أنه وجده قد زنا بامرأته، فقال جمهورهم: لا يقبل قوله، بل يلزمه القصاص إلا أن يقوم بذلك بينة، أو يعترف به ورثة القتيل، والبينة أربعة من عدول الرجال يشهدون على نفس الزنا، ويكون القتيل محصنًا، وأما فيما بينه وبين الله تعالى فإن كان صادقًا فلا شيء عليه، وقال بعض أصحابنا: يجب على كل من قتل زانيًا محصنًا القصاص، ما لم يأمر السلطان بقتله، والصواب الأول، انتهى.\nقلت: وقد وجدت المسألة مصرحًا بها في فروع الحنفية، ففي \"الدر المختار\" (^٥) في أبواب التعزير: ويكون التعزير بالقتل كمن وجد رجلًا مع\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٢/ ١٧٤).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٦/ ١٢١، ١٢٢).\n(^٣) \"فيض الباري\" (٦/ ٣٦٨).\n(^٤) \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٥/ ٣٨٧).\n(^٥) \"رد المحتار\" (٦/ ١٠٧، ١٠٨).","vol":"6","page":546},{"text":"امرأة لا تحل له، ولو أكرهها فلها قتله ودمه هدر، ثم ذكر الخلاف فيما إذا كان يعلم أنه ينزجر بغير القتل، قال ابن عابدين: قلت: وقد ظهر لي في التوفيق بين القولين أن الشرط المذكور إنما هو في ما إذا وجد رجلًا مع امرأة لا تحل له قبل أن يزني بها، فهذا لا يحل قتله إذا علم أنه ينزجر بغير القتل، أما إذا وجده يزني بها فله قتله مطلقًا، انتهى.\nوفي \"الأوجز\" (^١): قال الموفق (^٢): إذا قتل رجلًا وادّعى أنه وجده مع امرأته، لم يقبل قوله إلا ببينة، ولزمه القصاص، روي نحو ذلك عن علي أنه سئل عمن وجد مع امرأته فقتله، فقال: إن لم يأت بأربعة شهداء فليعط برمته، وإن اعترف الولي بذلك فلا قصاص عليه ولا دية، انتهى.\nقال القسطلاني (^٣) بعد ذكر المذاهب: قال الداودي: الحديث دال على وجوب القود فيمن قتل رجلًا وجده مع امرأته؛ لأن الله - ﷿ - وإن كان أغير من عباده فإنه أوجب الشهود في الحدود، فلا يجوز لأحد أن يتعدى حدود الله، ولا يسقط الدم بدعوى، انتهى.\n\n(٤١ -<span data-type='title' id=toc-4010> باب ما جاء في التعريض)</span>\nقال الحافظ (^٤): قال الراغب: هو كلام له وجهان: ظاهر وباطن، فيقصد قائله الباطن ويظهر إرادة الظاهر، انتهى.\nوتقدّم بيان مذاهب الأئمة في مسألة الباب في \"باب إذا عرّض بنفي الولد\" من \"كتاب اللعان\".\nقال الحافظ: وقد أجمعوا على تأديب من وجد مع امرأة أجنبية في بيت، والباب مغلق عليهما، وقد ثبت عن إبراهيم النخعي أنه قال: في التعريض عقوبة، انتهى.\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (١١/ ١٩٨).\n(^٢) \"المغني\" (١١/ ٤٦١).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ٣٠٤).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٢/ ١٧٥).","vol":"6","page":547},{"text":"(٤٢ -<span data-type='title' id=toc-4011> باب كم التعزير والأدب)</span>\nقال القسطلاني (^١): قال في \"الصحاح\": التعزير: التأديب، ومنه سمي الضرب دون الحد تعزيرًا، وقال في \"المدارك\": وأصل العزر المنع، ومنه التعزير لأنه منع عن معاودة القبيح، انتهى.\nومنه عزّره القاضي، أي: أدَّبه لئلا يعود إلى القبيح، ويكون بالقول والفعل بحسب ما يليق به. وفي \"الدر المختار\" (^٢): هو لغةً: التأديب مطلقًا، وشرعًا: تأديب دون الحد أكثره تسعة وثلاثون سوطًا، وأقله ثلاثة، انتهى.\nوأما الأدب فبمعنى التأديب، وهو أعم من التعزير؛ لأن التعزير يكون بسبب المعصية بخلاف الأدب، ومنه تأديب الوالد وتأديب المعلم.\nثم قال القسطلاني تحت حديث الباب (^٣): واختلف في مدلول هذا الحديث، فأخذ بظاهره الإمام أحمد في المشهور عنه، وبعض الشافعية، وقال مالك والشافعي وصاحبا أبي حنيفة: تجوز الزيادة على العشرة، ثم اختلفوا فقال الشافعي: لا يبلغ أدنى الحدود، وهل الاعتبار بحد الحر أو العبد؟ قولان، وقال الآخرون: هو إلى رأي الإمام بالغًا ما بلغ، ثم ذكر القسطلاني جواب الحديث من جانب الجمهور فارجع إليه لو شئت.\nوذكر العلامة العيني (^٤) في المسألة عشرة أقوال، ونقل مذهب الإمام محمد أنه لا يبلغ به أربعين سوطًا بل ينقص منه سوطًا، قال الحافظ (^٥): وعن أبي حنيفة لا يبلغ أربعين.\nوفي \"الهداية\" (^٦): والتعزير أكثره تسعة وثلاثون سوطًا وأقله ثلاث جلداتٍ، وقال أبو يوسف: يبلغ التعزير خمسًا وسبعين سوطًا، والأصل فيه\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ٣٠٦).\n(^٢) \"رد المحتار\" (٧/ ١٠٣، ١٠٤).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ٣٠٧).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٦/ ١٢٤).\n(^٥) \"فتح الباري\" (١٢/ ١٧٨).\n(^٦) \"الهداية\" (١/ ٣٦٠).","vol":"6","page":548},{"text":"قوله ﵊: \"من بلغ حدًا في غير حد فهو من المعتدين\"، وإذا تعذّر تبليغه حدًا، فأبو حنيفة ومحمد نظرَا إلى أدنى الحد، وهو حد العبد في القذف، فصرفاه إليه، وذلك أربعون فنقصا منه سوطًا، وأبو يوسف اعتبر أقل الحد في الأحرار، إذ الأصل هو الحرية، ثم نقص سوطًا في رواية عنه، وهو قول زفر، وهو القياس، وفي هذه الرواية نقص خمسة، وهو مأثور عن علي فقلده، انتهى.\nفعلم منه أن محمدًا في هذه المسألة مع أبي حنيفة لا كما تقدم عن القسطلاني، وحكى العيني (^١) عن الطحاوي أنه قال: لا يجوز اعتبار التعزير بالحدود؛ لأنهم لم يختلفوا في أن التعزير موكول إلى اجتهاد الإمام فيخفف تارة ويشدد أخرى، انتهى.\nوفي \"الدر المختار\" (^٢): والتعزير ليس فيه تقدير، بل هو مفوض إلى رأي القاضي وعليه مشايخنا؛ لأن المقصود منه الزجر، وأحوال الناس فيه مختلفة، قال ابن عابدين: أي: ليس في أنواعه تقدير، وهذا حاصل قوله قبله: ويكون بالضرب وبالحبس وبالصفع على العنق وفرك الأذن، انتهى.\n\n(٤٣ -<span data-type='title' id=toc-4012> باب من أظهر الفاحشة والتلطخ والتهمة بغير بينة)</span>\nقال الحافظ (^٣): أي: ما حكمه؟ والمراد بإظهار الفاحشة أن يتعاطى ما يدلّ عليها عادةً من غير أن يثبت ذلك ببينة أو إقرار، وباللطخ الرمي بالشر يقال: لطخ فلان بكذا، أي: رمى بشر، وبالتهمة من يتهم بذلك من غير أن يتحقق فيه ولو عادة، انتهى.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٦/ ١٢٤).\n(^٢) \"رد المحتار\" (٧/ ١٠٦، ١٠٧).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٢/ ١٨٠).","vol":"6","page":549},{"text":"قلت: والمراد أن الرجل لا يصير بهذا الإظهار مستحقًا للحد حتى تثبت فاحشته ببيّنة أو إقرار.\nقال العلامة العيني (^١) تحت قوله: \"كانت تظهر في الإسلام السوء\": قال المهلب: فيه أن الحد لا يجب على أحد إلا ببينة أو إقرار ولو كان متهمًا بالفاحشة، انتهى.\n\n(٤٤ -<span data-type='title' id=toc-4013> باب رمي المحصنات. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٢): أي: قذفهن، والمراد الحرائر العفيفات، ولا يختص بالمزوّجات، بل حكم البكر كذلك بالإجماع، ثم قال: وقد انعقد الإجماع على أن حكم قذف المحصن من الرجال حكم قذف المحصنة من النساء، واختلف في حكم قذف الأرقاء كما سأذكره في الباب الذي بعده، انتهى.\nذكر المصنف ههنا مسألة حد القذف، قال ابن قدامة (^٣): القذف: هو الرمي بالزنا، وهو محرم بإجماع الأمة، والأصل في تحريمه الكتاب والسُّنَّة، أما الكتاب فذكر الآية المذكورة في الترجمة، وأما السُّنَّة فقول النبي - ﷺ -: \"اجتنبوا السبع الموبقات\" فذكر حديث الباب، وقال: متفق عليه، وقدر الحد ثمانون إذا كان القاذف حرًّا للآية والإجماع، رجلًا كان أو امرأة، ويشترط أن يكون بالغًا عاقلًا غير مكره، انتهى.\nقال ابن رُشد في \"البداية\" (^٤): اتفقوا على أنه ثمانون جلدة للقاذف الحر لقوله تعالى: ﴿ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ الآية [النور: ٤]، واختلفوا في العبد، إلى آخر ما قال.\n\n(٤٥ -<span data-type='title' id=toc-4014> باب قذف العبيد)</span>\nأي: الأرقاء، عبّر بالعبيد اتباعًا للفظ الخبر، وحكم الأمة والعبد في ذلك سواء، والمراد بلفظ الترجمة الإضافة للمفعول بدليل ما تضمنه حديث\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٦/ ١٣٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٢/ ١٨١).\n(^٣) \"المغني\" (١٢/ ٣٨٣، ٣٨٤).\n(^٤) \"بداية المجتهد\" (٢/ ٤٤١).","vol":"6","page":550},{"text":"الباب، ويحتمل إرادة الإضافة للفاعل، والحكم فيه أن على العبد إذا قذف نصف ما على الحر ذكرًا كان أو أنثى، وهذا قول الجمهور، وعن عمر بن عبد العزيز والزهري وطائفة يسيرة والأوزاعي وأهل الظاهر: حدّه ثمانون، وخالفهم ابن حزم فوافق الجمهور، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nقلت: والظاهر المطابق لما في حديث الباب هو الاحتمال الأول من الاحتمالين اللذين ذكرهما الحافظ، كما أشار إليه الحافظ أيضًا، وكون الإضافة للفاعل احتمال عقلي محض، وإليه أشار العلامة العيني تعقبًا على كلام الحافظ، وأيضًا قال العيني (^٢): وقال بعضهم: عبّر بالعبيد اتباعًا للفظ الحديث، انتهى.\nقلت: لفظ الحديث \"مملوكه\" وليس فيه اتباع من حيث اللفظ، انتهى.\nومسألة الباب وفاقية بين الأئمة الأربعة، ففي هامش \"اللامع\" (^٣): أما إذا قذف عبدًا فلا حدَّ عليه عند الجمهور، ومنهم الأئمة الأربعة، ففي \"الأوجز\" (^٤) عن \"المغني\" (^٥): أجمع العلماء على وجوب الحد على من قذف المحصن إذا كان مكلفًا، وشرائط الإحصان الذي يجب الحد بقذف صاحبه خمسة: العقل والحرية والإسلام والعفة عن الزنا وأن يكون كبيرًا يجامع مثله، وبه يقول جماعة العلماء، قديمًا وحديثًا، سوى ما روي عن داود أنه أوجب الحد على قاذف العبد، إلى آخر ما قال.\n\n(٤٦ -<span data-type='title' id=toc-4015> باب هل يأمر الإمام رجلًا فيضرب الحد غائبًا عنه. . .) إلخ</span>\nهذه الترجمة بظاهرها مكررة بما سبق من \"باب من أمر غير الإمام بإقامة الحد غائبًا عنه\"، وقد اعترف ابن بطال باتحاد معنى الترجمتين كما تقدم هناك.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٢/ ١٨٥).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٦/ ١٣٢).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (١٠/ ١٦٤).\n(^٤) \"أوجز المسالك\" (١٥/ ٣٥٤).\n(^٥) \"المغني\" (١٢/ ٣٨٣).","vol":"6","page":551},{"text":"وتقدم أيضًا ما قال الحافظ (^١) من أن بينهما تغايرًا من جهة أن قوله في الأول: \"غائبًا عنه\" حال من المأمور وهو الذي يقيم الحد، وفي الآخر حال من الذي يقام عليه الحد، انتهى.\nلكن فيه أن المذكور تحت الترجمتين حديث واحد، ويظهر من كلام القسطلاني (^٢) أنه فرّق بينهما بأن جعل الترجمة الأولى عامة حيث قال هناك: حال كون الغير أو المقام عليه الحد غائبًا عنه، وقال ههنا: \"باب هل يأمر الإمام رجلًا فيضرب الحد\" رجلًا وجب عليه حال كونه \"غائبًا عنه\" أي: عن الإمام بأن يقول له: اذهب إلى فلان الغائب فأقم عليه الحد، انتهى.\nفجعل قوله: \"غائبًا\" حالًا عن المقام عليه الحد.\nوالظاهر عند هذا العبد الضعيف في الفرق بين الترجمتين من حيث إن الآمر ههنا الإمام بخلاف ما سبق، والاستدلال في الترجمة السابقة بأول الحديث وههنا بآخره، ثم رأيت \"الفيض\" (^٣) فإذا فيه: المقصود في تلك الترجمة بيان أن الإمام هل له ولاية على تولية غيره لإقامة الحد؟ وكان المقصود فيما سبق هو حال الغير، أي: هل للغير إقامة الحد عند غيبوبة الإمام إذا كان ولّاه عليها، ولذا لَفّ الفاعل ههنا، ولم يصرح أن الآمر من هو، وإن كان الآمر في الخارج هو الإمام، إلا أن الغرض فيه لم يكن إلا حال المأمور، بخلافه في تلك الترجمة، فإن المحط بيان حال الإمام، ولذا صرّح به، وقال: وهل يأمر الإمام، وحينئذٍ يختلف الجواب فيهما أيضًا، فجواب الترجمة السابقة أنه يجوز للغير إقامة الحد إذا كان الإمام أمره به، كما أقامه أنيس في قصة العسيف، وجواب تلك الترجمة أن للإمام ولايةً لتولية الغير عليها، كما ولّى النبي - ﷺ - على إقامة الحد، انتهى.\nثم البراعة عندي في قوله: \"فارجمها فرجمها\" (^٤).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٢/ ١٦٠).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ٢٩١ - ٣١٧).\n(^٣) \"فيض الباري\" (٦/ ٣٧٣).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (١/ ١٩١).","vol":"6","page":552},{"text":"٨٧ -<span data-type='title' id=toc-4016> كتاب الديات</span>\nقال الحافظ (^١): الديات بتخفيف التحتانية جمع دية مثل عدات وعدة، وأصلها ودية (^٢) بفتح الواو وسكون الدال تقول: ودى القتيل يديه إذا أعطى وليه ديته، وهي ما جعل في مقابلة النفس، وسمي دية تسمية بالمصدر، وفاؤها محذوفة، والهاء عوض.\nوأورد البخاري تحت هذه الترجمة ما يتعلق بالقصاص؛ لأن كل ما يجب فيه القصاص يجوز العفو عنه على مال فتكون الدية أشمل، وترجم غيره \"كتاب القصاص\"، وأدخل تحته الديات بناءً على أن القصاص هو الأصل في العمد، انتهى.\nقلت: ويمكن أن يوجّه بأن الإمام البخاري ترجم بكتاب الديات والقصاص معًا، أما الأول فنصًّا، وأما الثاني فبإشارة الآية، فإن موجب القتل العمد القصاص فلا إشكال بالتراجم الآتية المتعلقة بالقصاص في هذا الكتاب.\nقال العيني (^٣): فإن قلت: ما وجه تصدير هذه الترجمة بهذه الآية؟ قلت: لأن فيها وعيدًا شديدًا عند القتل متعمدًا بغير حق، فإن من فعل هذا وصولح عليه بمال فتشمله الدية، انتهى.\nقلت: وهذا على ما اختاره الشرَّاح، وأما ما اخترت كما تقدم من أن المصنف أشار بهذه الآية إلى مقابل الدية وهو القصاص، فلا يحتاج حينئذٍ\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٢/ ١٨٨).\n(^٢) كذا في الأصل، والظاهر بدله: \"ودى\"، (ز).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٦/ ١٣٤).","vol":"6","page":553},{"text":"إلى ذكر مناسبة الآية بالترجمة فإن الآية حينئذٍ كأنها جزء من الترجمة، والله تعالى أعلم بالصواب.\nقال القسطلاني (^١): والدية هي المال الواجب بالجناية على الحر في نفس أو فيما دونها، وهي مأخوذة من الودي، وهو دفع الدية، انتهى.\nقلت: وههنا شيء آخر وهو الأرش، وفرّق الفقهاء بينهما ففي \"الدر المختار\" (^٢): الدية في الشرع: اسم للمال الذي هو بدل للنفس، والأرش: اسم للواجب فيما دون النفس، انتهى.\nقلت: فعلى هذا بين الدية والأرش تباين، وقال ابن عابدين: قوله: الدية بدل النفس، زاد الإتقاني: أو الطرف، انتهى. فعلى هذا بينهما عموم [و] خصوص مطلقًا.\nوفي \"البدائع\" (^٣): الجناية على الآدمي في الأصل أنواع ثلاثة: جناية على النفس مطلقًا، وجناية على ما دون النفس مطلقًا، وجناية على ما هو نفس من وجه دون وجه، وقال أيضًا في موضع آخر (^٤): فهذه الأنواع مختلفة الأحكام، منها: ما يجب فيه القصاص، ومنها: ما يجب فيه دية كاملة، ومنها: ما يجب فيه أرش مقدر، ومنها: ما يجب فيه أرش غير مقدر، وهو المسمى بالحكومة، وفيه أيضًا في موضع آخر (^٥): والأصل فيه، أي: في وجوب الدية نص الكتاب العزيز وهو قوله ﵎: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢] والنص وإن ورد بلفظ الخطأ لكن غيره ملحق به.\nوقال ابن قدامة في \"المغني\" (^٦): الأصل في وجوب الدية الكتاب والسُّنَّة والإجماع، أما الكتاب فذكر الآية المذكورة، وأما السُّنَّة فروى\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ٣١٩).\n(^٢) \"رد المحتار\" (١٠/ ٢٣٠).\n(^٣) \"بدائع الصنائع\" (٦/ ٢٧٢).\n(^٤) \"بدائع الصنائع\" (٦/ ٣٧٠).\n(^٥) \"بدائع الصنائع\" (٦/ ٣٠٨).\n(^٦) \"المغني\" (١٢/ ٥).","vol":"6","page":554},{"text":"أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: أن النبي - ﷺ - كتب لعمرو بن حزم كتابًا إلى أهل اليمن، فيه الفرائض والسنن والديات، وقال فيه: \"وإن في النفس مائة من الإبل\"، رواه النسائي في \"سننه\" ومالك في \"موطئه\"، قال ابن عبد البر: أجمع أهل العلم على وجوب الدية في الجملة، انتهى.\nثم لا يخفى عليك مطابقة هذه الأحاديث بكتاب الديات، فأما أن يوجد بما يستفاد من كلام العيني من أن في هذه الأحاديث زجرًا ووعيدًا شديدًا لمن يبتلى بهذا الأمر العظيم، أعني قتل النفس بغير حق، فلعل ولي القاتل يصالح أولياء المقتول على مال وهو الدية.\nقلت: ويمكن أن يقال: إن المذكور في هذه الأحاديث هو المؤاخذة الأخروية لمن قتل نفسًا بغير حق، ولما لم يكن الحديث الدال على وجوب الدية صريحًا من شرط المصنف، وهو حديث عمرو بن حزم المشار إليه سابقًا، والدية من المؤاخذة الدنيوية أشار بإيراد أحاديث النوع الأول من المؤاخذة إلى أحاديث النوع الثاني منه، فتأمل، ففيه إيثار الأخفى على الأجلى كما هو من دأب المصنف، ويمكن أن يقال: إن المقصود من الدية والقصاص كما قالوا: هو التشفي، أي: تشفي أولياء القتيل بأخذ الدية أو بأخذ القصاص، وهذا التشفي يحصل أيضًا بهذه الأحاديث المذكورة ههنا، فإن فيهما زجرًا وتوبيخًا لمن يخوض في هذه الجريمة.\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-4017> باب قول الله - ﷿ - ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ [المائدة:</span> ٣٢])\nقال ابن عباس: من حرم قتلها، قال الحافظ (^١): وصله ابن أبي حاتم، ومضى بيانه في تفسير سورة المائدة، انتهى.\nقلت: وتقدم هناك ما كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٢): لما كان\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٢/ ١٩٢).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٩/ ٦٢، ٦٣).","vol":"6","page":555},{"text":"الإحياء صفة خاصة للرب ﵎ وجب حمله على المجاز، فاحتاج إلى بيان معناه.\nوفي هامشه: قال الخازن: قال أهل المعاني: قوله: ﴿أَحْيَاهَا﴾ على المجاز؛ لأن المحيي هو الله ﵎ في الحقيقة، فيكون المعنى ومن نجاها من الهلاك، انتهى.\nووجّه الرازي في \"التفسير الكبير\" نسبة فعل الواحد إلى الناس جميعًا بثلاثة وجوه، وبسط ابن كثير في معانيها، انتهى.\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-4018> باب قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة:</span> ١٧٨])\nلم يذكر المصنف حديثًا في هذا الباب، والنسخ مختلفة كما سيأتي في الباب الآتي.\nقال الحافظ (^١): وهذه الآية أصل في اشتراط التكافؤ في القصاص، وهو قول الجمهور، وخالفهم الكوفيون فقالوا: يقتل الحر بالعبد والمسلم بالكافر الذمي، وتمسكوا بقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآية [المائدة: ٤٥].\nوفي \"البدائع\" (^٢): ولا يشترط أن يكون المقتول مثل القاتل في كمال الذات، وهو سلامة الأعضاء، ولا أن يكون مثله في الشرف والفضيلة، فيقتل سليم الأطراف بمقطوع الأطراف والأشل، ويقتل العالم بالجاهل، والشريف بالوضيع، والعاقل بالمجنون، والبالغ بالصبي، والذكر بالأنثى، والحر بالعبد، والمسلم بالذمي الذي يؤدي الجزية، وتجري عليه أحكام الإسلام.\nوقال الشافعي - ﵀ -: كون المقتول مثل القاتل في شرف الإسلام،\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٢/ ١٩٨).\n(^٢) \"بدائع الصنائع\" (٦/ ٢٧٨).","vol":"6","page":556},{"text":"والحرية شرط في وجوب القصاص، ونقصان الكفر والرق يمنع من الوجوب، فلا يقتل المسلم بالذمي ولا الحر بالعبد؛ لأن المساواة شرط وجوب القصاص، ولا مساواة بين المسلم والكافر، ولنا عمومات القصاص من نحو قوله ﵎: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾، وقوله - ﷾ -: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾، وقوله جلت عظمته: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: ٣٣] من غير فصل بين قتيل وقتيل، ونفس ونفس، ومظلوم ومظلوم، فمن ادعى التخصيص والتقييد فعليه الدليل، إلى آخر ما بسط في ذلك.\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-4019> باب سؤال القاتل حتى يقر. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^١): كذا للأكثر، وبعده حديث أنس في قصة اليهودي والجارية، ووقع عند النسفي وغيره بحذف \"باب\"، وصنيع الأكثر أشبه، وقد صرّح الإسماعيلي بأن الترجمة الأولى بلا حديث، انتهى.\nقلت: ووجوه عدم ذكر الحديث تحت الباب كثيرة شهيرة تقدم ذكرها مرارًا.\nثم قال العيني (^٢) في شرح ترجمة الباب: أي: هذا باب في بيان سؤال الإمام القاتل، يعني: من اتهم بالقتل ولم تقم عليه البينة، ويسأله حتى يقر، فيقيم عليه الحد، انتهى.\nقلت: عجب من العيني أنه تعرض لشرح أجزاء الترجمة، ولم يتعرض لشرح قول المصنف في الترجمة: \"والإقرار في الحدود\"، وكذا لم يتعرض غيره من الشرَّاح لغرض الترجمة، والأوجه عند هذا العبد الضعيف: أنه نبَّه بذلك على الفرق بين القصاص والحدود بأن ينبغي للإمام التجسس في الأول دون الثاني، فإن الحدود تندرئ بالشبهات بخلاف الجنايات فلها\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٢/ ١٩٨).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٦/ ١٤٥).","vol":"6","page":557},{"text":"أحكام أخر، وأيضًا الحدود من حقوق الله تعالى، والقصاص والديات من حقوق العباد.\n\n(٤ -<span data-type='title' id=toc-4020> باب إذا قتل بحجر أو بعصًا)</span>\nقال القسطلاني (^١): أي: هل يقتل بما قتل به أو بالسيف.\nوقال الحافظ (^٢): كذا أطلق ولم يبتّ الحكم إشارةً إلى الاختلاف في ذلك، ولكن إيراده الحديث يشير إلى ترجيح قول الجمهور، فإن حديث الباب حجة للجمهور، وخالف الكوفيون فاحتجوا بحديث: \"لا قود إلا بالسيف\" إلى آخر ما ذكر.\nقلت: لا شكَّ في أن الحديث المذكور في هذا الباب حجة للجمهور في هذه المسألة، لكن الأوجه عندي: أن المصنف لم يذكر هذه المسألة ههنا، بل الغرض الذي ذكره الشرَّاح ههنا هو عندي غرض الترجمة الآتية قريبًا، يعني: من قوله: \"باب من أقاد بحجر\"، وأما المقصود من هذه الترجمة فهي الإشارة إلى مسألة أخرى خلافية، وهي اختلافهم في أنواع القتل، فمذهب الإمام مالك أن القتل نوعان: قتل العمد، وقتل الخطأ، وشبه العمد ليس بشيء عنده، بل هو داخل في العمد، وقال الجمهور: على ثلاثة أنواع: العمد، وشبه العمد، والخطأ، والمصنف مال في هذه المسألة إلى مذهب مالك، ولذا ترجم بقوله: \"باب إذا قتل بحجر أو بعصًا\".\nقال صاحب \"الهداية\" (^٣): فالعمد: ما تعمد ضربه بسلاح أو ما أجري مجرى السلاح كالمحدد من الخشب، وشبه العمد عند أبي حنيفة: أن يتعمد الضرب بما ليس بسلاح، ولا ما أجري مجرى السلاح، وقال أبو يوسف ومحمد وهو قول الشافعي: إذا ضربه بحجر عظيم أو بخشبة عظيمة فهو عمد، وشبه العمد: أن يتعمد ضربه بما لا يقتل به غالبًا كالعصا الصغيرة، انتهى.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ٣٣٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٢/ ٢٠٠).\n(^٣) \"الهداية\" (٢/ ٤٤٢، ٤٤٣).","vol":"6","page":558},{"text":"(٥ -<span data-type='title' id=toc-4021> باب قول الله: ﴿أَنَّ النَّفسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآية [المائدة:</span> ٤٥])\nقال الحافظ (^١): والغرض من ذكر هذه الآية مطابقتها للفظ الحديث، ولعله أراد أن يبين أنها وإن وردت في أهل الكتاب لكن الحكم الذي دلّت عليه مستمر في شريعة الإسلام، فهو أصل في القصاص في قتل العمد، واستدل بقوله: ﴿النَّفسَ بِالنَّفْسِ﴾ على تساوي النفوس في القتل العمد، فيقاد لكل مقتول من قاتله سواء كان حرًّا أو عبدًا، وتمسك به الحنفية، وادعوا أن آية المائدة المذكورة في الترجمة ناسخة لآية البقرة: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾، وقال الجمهور: آية البقرة مفسرة لآية المائدة، انتهى.\nقوله: (المفارق لدينه التارك للجماعة. . .) إلخ، قال صاحب \"الفيض\" (^٢): هل المفارقة للدين وترك الجماعة أمران، أو معناهما واحد؟ فهما رأيان، فإن كان الأول كان من موجبات القتل أربعًا، وإلا ثلاثًا، ثم إن موجبات القتل سواها بعد تنقيح المناط راجعة إلى هذه الأمور، فهي أصول ودعامة، وعن أحمد: يجوز قتل كل مبتدع، انتهى.\n\n(٦ -<span data-type='title' id=toc-4022> باب من أقاد بحجر)</span>\nأي: حكم بالقودِ بفتحتين، وهو المماثلة في القصاص، كذا في \"الفتح\" (^٣).\nقال العيني (^٤): أقاد، أي: اقتص من القود، وهو القصاص، انتهى.\nوالعجب من الشرَّاح أنهم لم يتعرضوا لغرض الترجمة بل كلهم ساكتون، والأوجه عندي كما تقدم قبل باب أن غرض المصنف من هذه\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٢/ ٢٠١ - ٢٠٤).\n(^٢) \"فيض الباري\" (٦/ ٣٧٨).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٢/ ٢٠٥).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٦/ ١٤٩).","vol":"6","page":559},{"text":"الترجمة هو ما ذكروه في الترجمة السابقة \"باب إذا قتل بحجر\"، وظاهر ألفاظ الترجمتين يؤيد ما اخترته إذ بوّب ههنا بلفظ \"من أقاد\" بخلاف السابقة إذ بوّب بقوله: \"من قتل\".\nوالمسألة خلافية وهي أن من قتل أحدًا بغير سيف يستوفى القصاص بمثل ما قتل، فإن قتله بعصًا أو بحجر أو بالخنق أو بالتغريق قتل بمثله، وبه قال مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة: لا قود إلا بالسيف، وعن أحمد روايتان كالمذهبين، وقال صاحب \"الهداية\" (^١): ولا يستوفى القصاص إلا بالسيف، وقال الشافعي: يفعل به مثل ما فعل إن كان فعلًا مشروعًا فإن مات وإلا تحزّ رقبته؛ لأن مبنى القصاص على المساواة، إلى آخر ما ذكره، ومستدل الحنفية قوله ﵊: \"لا قود إلا بالسيف\" قال الزيلعي (^٢): روي ذلك من حديث أبي بكرة وابن مسعود وأبي هريرة وعلي - ﵃ -، ثم بسط الكلام على تخريجها.\nقال العلامة العيني (^٣): واحتجوا بما رواه الطحاوي عن النعمان بن بشير قال قال رسول الله - ﷺ -: \"لا قود إلا بالسيف\" وأخرجه أبو داود الطيالسي، ولفظ: \"لا قود إلا بحديدة\"، وأجابوا عن حديث الباب بأنه نسخ بنسخ المثلة، كما فعل رسول الله - ﷺ - بالعرنيين، ثم أجاب العيني عما أوردوا على هذا الحديث فارجع إليه لو شئت.\nوفي \"الفيض\" (^٤): واعلم أن القتل بالمثقل داخل في العمد عند الجمهور، ولا عمد عندنا إلا القتل بالمحدد، فإذن هو شبه العمد، وفيه الدية دون القصاص، فالحديث عندنا محمول على السياسة، على أن الطحاوي حمله على قطع الطريق، انتهى.\n_________\n(^١) \"الهداية\" (٢/ ٤٤٥).\n(^٢) \"نصب الراية\" (٤/ ٣٤١)، (رقم ٧٧٥٧).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٦/ ١٤٦).\n(^٤) \"فيض الباري\" (٦/ ٣٧٧).","vol":"6","page":560},{"text":"(٧ -<span data-type='title' id=toc-4023> باب من قتل له قتيل فهو بخير النظرين)</span>\nقال الحافظ (^١): ترجم بلفظ الخبر، وظاهره حجة لمن قال: إن الاختيار في أخذ الدية أو الاقتصاص راجع إلى أولياء المقتول، ولا يشترط في ذلك رضى القاتل، انتهى.\nقال العيني (^٢): واختلف العلماء في أخذ الدية من قاتل للعمد، فروي عن ابن المسيب والحسن وعطاء: أن ولي المقتول بالخيار بين القصاص وأخذ الدية، وبه قال الأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق، وقال الثوري والكوفيون: ليس له إذا كان عمدًا إلا القصاص، ولا يأخذ الدية إلا إذا رضي القاتل، وبه قال مالك في المشهور عنه.\nقال الحافظ (^٣): واستدل بالحديث على أن المخير في القود أو أخذ الدية هو الولي، وهو قول الجمهور، وذهب مالك والثوري وأبو حنيفة إلى أن الخيار في القصاص أو الدية للقاتل، قال الطحاوي: والحجة لهم حديث أنس - ﵁ - في قصة الربيع عمته، فقال النبي - ﷺ -: \"كتاب الله القصاص\" فإنه حكم بالقصاص ولم يخير، ولو كان الخيار للولي لأعلمهم النبي - ﷺ -، فلما حكم بالقصاص وجب أن يحمل عليه قوله: \"فهو بخير النظرين\" أي: ولي المقتول مخير بشرط أن يرضى الجاني أن يغرم الدية.\nثم قال الحافظ: واستدل بالآية على أن الواجب في قتل العمد القود والدية بدل منه، وقيل: الواجب الخيار، وهما قولان للعلماء، وكذا في مذهب الشافعي أصحهما الأول، انتهى.\nقلت: وعن مالك في هذه المسألة روايتان، ففي \"الشرح الكبير\" (^٤) للدردير: إن أتلف مكلف معصومًا بإيمان أو أمان كالقاتل من غير المستحق\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٢/ ٢٠٥).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٦/ ١٥١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٢/ ٢٠٩).\n(^٤) \"الشرح الكبير\" للدردير (٤/ ٢٣٧ - ٢٤٠).","vol":"6","page":561},{"text":"فالقود عينًا، فليس للولي أن يلزم الدية للجاني جبرًا، وإنما له أن يعفو مجانًا أو يقتص، وجاز العفو على الدية أو أكثر أو أقل منها برضا الجاني، وقال أشهب: له التخيير بين القود والعفو على الدية جبرًا وهو ضعيف، قال الدسوقي: والمذكور أولًا هو مذهب ابن القاسم، انتهى.\nقلت: وكذا عن أحمد فيه روايتان، ففي \"الشرح الكبير\" (^١) في فروع الحنابلة: اختلفت الرواية عن أحمد في موجب العمد، فروي عنه أن موجبه القصاص عينًا، قالوا: ليس للأولياء إلا القتل، إلا أن يصطلحا على الدية برضا الجاني، والمشهور في مذهب أحمد أن الواجب أحد شيئين، إلى آخر ما قال.\n\n(٨ -<span data-type='title' id=toc-4024> باب من طلب دم امرئ بغير حق)</span>\nأي: بيان حكمه، قاله الحافظ (^٢) وغيره، والمراد بالحكم الحكم الأخروي، وأما الحكم الدنيوي: وهو القصاص فقد تقدم سابقًا.\nقال العيني (^٣) والقسطلاني تبعًا للكرماني: قوله: \"ليهريق دمه\" فإن قلت: الإهراق هو المحظور المستحق لمثل هذا الوعيد لا مجرد الطلب، قلت: المراد الطلب المرتب عليه المطلوب أو ذكر الطلب ليلزم في الإهراق بالطريق الأولى.\n\n(٩ -<span data-type='title' id=toc-4025> باب العفو في الخطأ بعد الموت)</span>\nقال الحافظ (^٤): أي: عفو الولي لا عفو المقتول؛ لأنه محال، ويحتمل أن يدخل، وإنما قيده بما بعد الموت؛ لأنه لا يظهر أثره إلا فيه،\n_________\n(^١) \"الشرح الكبير\" لابن قدامة (٩/ ٤١٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٢/ ٢١٠).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٦/ ١٥٣)، \"إرشاد الساري\" (١٤/ ٣٤٣)، \"شرح الكرماني\" (٢٤/ ١٤).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٢/ ٢١١، ٢١٢).","vol":"6","page":562},{"text":"إذ لو عفا المقتول ثم مات لم يظهر لعفوه أثر؛ لأنه لو عاش تبين أن لا شيء له يعفو عنه.\nوقال ابن بطال (^١): أجمعوا على أن عفو الولي إنما يكون بعد موت المقتول، وأما قبل ذلك فالعفو للقتيل، خلافًا لأهل الظاهر، فإنهم أبطلوا عفوَ القتيل، وحجة الجمهور أن الولي لما قام مقام المقتول في طلب ما يستحقه فإذا جعل له العفو كان ذلك للأصيل أولى، وقد أخرج أبو بكر بن أبي شيبة من مرسل قتادة: أن عروة بن مسعود لما دعا قومه إلى الإسلام فرمي بسهم فقتل، عفا عن قاتله قبل أن يموت، فأجاز النبي - ﷺ - عفوه، انتهى.\nقال العيني (^٢): مطابقة الحديث للترجمة تؤخذ من قوله: \"غفر الله لكم\" لأن معناه عفوت عنكم؛ لأن المسلمين كانوا قتلوا اليمان أبا حذيفة خطأً يوم أُحد، فعفا حذيفة عنهم بعد قتله، انتهى.\nلكن فيه أن الحديث موقوف، وليس من دأب المصنف الاستدلال بالموقوف، ويمكن أن يجاب عنه أن في هذا الحديث زيادة أخرجها أبو إسحاق الفزاري في \"سننه\" وهي قوله: \"فبلغت النبي - ﷺ - فزاده عنده خيرًا ووداه من عنده\".\nقوله: (حتى لحقوا بالطائف) قال صاحب \"الفيض\" (^٣): ولم يذكر الراوي هذا الحرف إلا ههنا، وأظنه اختلاطًا منه، فإن هزيمة الكفار يوم أُحد في الكرة الأولى، قد ذكرها الآخرون أيضًا، أما أنهم لحقوا بالطائف الذي بمراحل من أحد، فلم يذكره أحد إلا هذا الراوي فلينظر، انتهى.\nقلت: لم يتعرض له الحافظ ولا غيره، ووجّهه والدي الماجد مولانا محمد يحيى نوّر الله مرقده في حاشية نسخته، وهذا لفظه: أي: انهزم\n_________\n(^١) \"شرح ابن بطال\" (٨/ ٥١٢).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٦/ ١٥٤).\n(^٣) \"فيض الباري\" (٦/ ٣٨٠).","vol":"6","page":563},{"text":"من المشركين الذين قاتلوا في أُحد يوم فتح مكة إلى الطائف كالوحشي ونحوه، انتهى.\n\n(١٠ -<span data-type='title' id=toc-4026> باب قول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلا خَطَأً﴾ الآية [النساء:</span> ٩٢])\nالظاهر أن المقصود بهذه الترجمة بيان حكم قتل الخطأ، وهو الدية، فإن المذكور في هذه الآية هو الدية، وأما القصاص فقد تقدم مستقلًا في باب مفرد، واختلف النسخ ههنا، ففي بعض النسخ ذكرت هذه الآية بتمامها إلى قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾.\nقال القسطلاني (^١): وهذه الآية أصل في الديات، فذكر فيها ديتين وثلاث كفارات، ذكر الدية والكفارة بقتل المؤمن في دار الإسلام، والكفارة دون الدية في قتل المؤمن في دار الحرب في صف المشركين إذا حضر معهم الصف فقتله مسلم، وذكر الدية والكفارة في قتل الذمي في دار الإسلام، ولم يذكر المؤلف في هذا الباب حديثًا عند الأكثر، انتهى.\nوفي هامش المصرية: لم يذكر في هذا الباب حديثًا اكتفاءً بالآية، أو لأنه لم يجد حديثًا على شرطه، انتهى.\n\n(١١ -<span data-type='title' id=toc-4027> باب إذا أقرّ بالقتل مرة قتل به)</span>\nقال العلامة القسطلاني (^٢): وسقط لفظ \"باب\" للنسفي، وقال بعد قوله: \" ﴿خَطَأً﴾ الآية، وإذا أقر. . .\" إلخ، ثم ذكر الحديث كغيره، وحينئذٍ فيحتاج إلى مناسبة بين الآية والحديث، ولم تظهر أصلًا، فالصواب كما في \"الفتح\": إثبات الباب كما في رواية غير النسفي، ومطابقة الحديث للترجمة مأخوذة من إطلاق قوله: فجيئ باليهودي فاعترف، فإنه لم يذكر فيه عددًا، والأصل عدمه، انتهى.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ٣٤٥).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ٣٤٥).","vol":"6","page":564},{"text":"ولم يذكر المذاهب، والمسألة وفاقية بين الأئمة الأربعة، فيكفي في القتل الإقرار مرةً واحدةً عند الأئمة الأربعة، وما حكى الشرَّاح من خلاف بعض الكوفيين في اشتراطهم الإقرار مرّتين مذهب غير الأحناف، فأراد الإمام البخاري بهذا الباب الردَّ على من اشترط العدد فيه.\nوفي \"الدر المختار\" (^١) في بيان الفرق بين الحدود والقصاص: أن القصاص يثبت بإشارة الأخرس دون الحدود، انتهى.\nوقال العيني (^٢): قلت: اشتراط الكوفيين مرّتين في الإقرار قياس على اشتراط الأربعة في الزنا، ومطلق الاعتراف لا ينحصر على المرة، انتهى.\nقلت: عجب من العلامة العيني أنه كيف أيّد قول الكوفيين، فإنه يشعر أنه مذهب الأحناف مع أنه ليس كذلك، فإن مذهب الأحناف في هذا كالجمهور، وقد تقدم أنه يثبت عندنا بالإشارة، أي: في الأخرس فكيف بصريح الإقرار فتأمّل، وهكذا ذكر الشيخ الكَنكَوهي - ﵀ - في بعض تقاريره، والشيخ الأنور (^٣) في \"فيض الباري\" (^٤) مذهب الأحناف موافقًا للجمهور كما في هامش \"اللامع\" (^٥).\n\n(١٢ -<span data-type='title' id=toc-4028> باب قتل الرجل بالمرأة)</span>\nقال العلامة العيني (^٦): وهو قول فقهاء عامة الأمصار وجماعة العلماء، وشذّ الحسن، ورواه عن عطاء، فقالا: إن قتل أولياء المرأة الرجل بها أدوا نصف الدية، وإن قتل أولياء الرجل المرأة أخذوا من أوليائها نصف دية الرجل، وروي مثله عن الشعبي عن علي - ﵁ -، وبه قال عثمان البتي، وحجة الجماعة حديث الباب، انتهى.\n_________\n(^١) انظر: \"رد المحتار\" (٦/ ٤ - ٥).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٦/ ١٥٦).\n(^٣) كذا في الأصل، والظاهر أن يكون: \"والشيخ أنور\".\n(^٤) \"فيض الباري\" (٦/ ٣٨٠).\n(^٥) \"لامع الدراري\" (١٠/ ١٦٧، ١٦٨).\n(^٦) \"عمدة القاري\" (١٦/ ١٥٧).","vol":"6","page":565},{"text":"(١٣ -<span data-type='title' id=toc-4029> باب القصاص بين الرجال والنساء في الجراحات)</span>\nقال العيني (^١): والجراحات جمع جراحة، ووجوب القصاص في ذلك قول الثوري والأوزاعي ومالك والشافعي، وقال أبو حنيفة: لا قصاص بين الرجال والنساء فيما دون النفس من الجراحات؛ لأن المساواة معتبرة في النفس دون الأطراف، ألا ترى أن اليد الصحيحة لا تؤخذ بيد شلاء، والنفس الصحيحة تؤخذ بالمريضة، انتهى.\nوأفاد الشيخ الكَنكَوهي كما في هامش \"اللامع\" عن \"تقرير الشيخ المكي\": قوله: \"في الجراحات\" قلنا: قد اضطربت الروايات فيه، فرجحنا سقوط القصاص فيما دون النفس بالقياس، انتهى. والبسط في هامش \"اللامع\"، فارجع إليه لو اشتقت.\nوفي \"الهداية\" (^٢): ولا قصاص بين الرجل والمرأة فيما دون النفس، ولا بين الحر والعبد، أي: فيما دون النفس، ولا بين العبدين، خلافًا للشافعي إلا في الحر يقطع طرف العبد، فإنه لا يجب القصاص فيه عنده أيضًا، انتهى.\nوفي \"الفيض\" (^٣): ولا قصاص عندنا بين المرأة والرجل في الأطراف والجراحات التي لا يمكن المساواة فيها، أما في النفس ونحو قلع السن ففيه ذلك، وخالفنا البخاري في قصاص الجراحات، ولنا أثر ابن مسعود في \"كتاب الأم\" يدل على ما قلنا، انتهى.\nقوله: (وجرحت أخت الربيع. . .) إلخ، قال القسطلاني (^٤): وهذا طرف من حديث أخرجه مسلم، قال أبو ذر: الصواب الربيع بنت النضر عمة أنس، وهو موافق لما في البقرة من وجه آخر عن أنس: أن الربيع بنت النضر كسرت ثنية جارية، انتهى.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٦/ ١٥٧).\n(^٢) \"الهداية\" (٢/ ٤٤٩).\n(^٣) \"فيض الباري\" (٦/ ٣٨١).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ٣٤٨).","vol":"6","page":566},{"text":"وقال الحافظ (^١): والحديث المشار إليه في سورة البقرة مختصر من حديث طويل أخرجه البخاري في الصلح بتمامه، قال النووي (^٢): قال العلماء: المعروف رواية البخاري، ويحتمل أن يكونا قصتين، انتهى.\nوبسط النووي الكلام على هذا الاختلاف، وحكى عن العلماء ما تقدم في كلام الحافظ، لكن جزم النووي بأنهما قضيتان.\nأقول: لا شكّ أن المعروف في روايات البخاري أنها الربيع، وفي رواية مسلم: \"أنها أخت الربيع\"، ومال شرَّاح البخاري إلى ترجيح رواية البخاري، وجزم النووي بأنهما قصتان: إحداهما لأخت الربيع والثانية للربيع، فتعليق البخاري هذا أيضًا يؤيد ما اختاره النووي من تعدد القصتين، ولعل النووي لم يطلع على هذا التعليق، وإلا لذكره، فإنه يؤيد ما اختاره، والله تعالى أعلم.\nوههنا قول آخر حكاه الحافظ (^٣) عن ابن حزم إذ قال: وقد جزم ابن حزم بأنهما قضيتان صحيحتان وقعتا لامرأة واحدة، إحداهما أنها جرحت إنسانًا، فقضي عليها بالضمان، والأخرى أنها كسرت ثنية جارية فقضي عليها بالقصاص، انتهى.\nومطابقة الحديث بالترجمة بما ذكره الحافظ (^٤) بقوله: والمراد من الحديث هنا: \"لا يبقى أحد منكم إلا لدّ\"، فإن فيه إشارةً إلى مشروعية الاقتصاص من المرأة بما جنته على الرجل؛ لأن الذين لدّوه كانوا رجالًا ونساءً، وقد ورد التصريح في بعض طرقه بأنهم لدوا ميمونة وهي صائمة من أجل عموم الأمر كما مضى في الوفاة النبوية، انتهى.\nوفي \"الفيض\" (^٥): قوله: \"وجرحت أخت. . .\" إلخ، ولم تثبت فيه\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٢/ ٢١٥).\n(^٢) \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٦/ ١٧٨).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٢/ ٢١٥).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٢/ ٢١٥).\n(^٥) \"فيض الباري\" (٦/ ٣٨٢).","vol":"6","page":567},{"text":"قدم الراوي - كما تقدم -، وحينئذٍ فلا حجة له فيه، فما دام لم ينفصل الأمر على جليته لا ينبغي له أن يتمسك به، وأما قوله: \"لا يبقى أحد منكم إلا لد\" فليس من باب القصاص الذي نحن فيه، وبالجملة لم يأت المصنف بما يثبت مدعاه، انتهى.\n\n(١٤ -<span data-type='title' id=toc-4030> باب من أخذ حقه أو اقتص دون السلطان)</span>\nقال الحافظ (^١): قوله: أو اقتص، أي: إذا وجب له على أحد قصاص في نفس أو طرف هل يشترط أن يرفع أمره إلى الحاكم أو يجوز أن يستوفيه دون الحاكم؟ وهو المراد بالسلطان في الترجمة، قال ابن بطال (^٢): اتفق أئمة الفتوى على أنه لا يجوز لأحد أن يقتص من حقه دون السلطان، قال: وإنما اختلفوا فيمن أقام الحد على عبده كما تقدم، قال: وأما أخذ الحق فإنه يجوز عندهم أن يأخذ حقه من المال خاصة إذا جحده إياه ولا بينة عليه، انتهى. وهكذا في \"العيني\" (^٣).\nقلت: وقد تقدم في أبواب المظالم والقصاص، وترجم المصنف هناك بقوله: \"باب قصاص المظلوم إذا وجد مال ظالمه\"، وهي المسألة المعروفة بمسألة الظفر، وتقدم هناك تفصيل الاختلاف، فارجع إليه لو شئت.\nوقلت: وأما إذا فقأ رجل عين الناظر كما في حديث الباب، فسيأتي حكمه وبيان الخلاف فيه فيما سيأتي في ترجمة مستقلة بقوله: \"باب من اطلع في بيت قوم ففقؤوا عينه\".\nثم قال العيني (^٤): قال الكرماني (^٥): فإن قلت: هذا الحديث لا يطابق الترجمة؛ لأنه - ﷺ - هو الإمام الأعظم، فلا يدلّ على جواز ذلك لآحاد\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٢/ ٢١٦).\n(^٢) \"شرح ابن بطال\" (٨/ ٥١٧).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٦/ ١٥٩).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٦/ ١٦٠).\n(^٥) \"شرح الكرماني\" (٢٤/ ١٨).","vol":"6","page":568},{"text":"الناس؟ قلت: حكم أقواله وأفعاله - ﷺ - عام متناول للأمة، إلا ما دل دليل على تخصيصه به، انتهى.\nوفي \"فيض الباري\" (^١) تحت الترجمة: يريد أن القصاص مختص بالسلطان، إلا أن أولياء المقتول لو اقتصوا من القاتل بعد إقامة البينة لا يقتص منهم للقاتل، غير أنهم آثمون، انتهى.\n\n(١٥ -<span data-type='title' id=toc-4031> باب إذا مات في الزحام أو قتل)</span>\nولابن بطال زيادة \"به\" أي: بالزحام، قاله القسطلاني (^٢).\nقال الحافظ (^٣): لم يجزم المصنف بالحكم كما جزم به في الذي بعده لوجود الاختلاف في هذا الحكم، انتهى.\nقال القسطلاني (^٤): وفي المسألة مذاهب، فقيل: تجب دية في بيت المال؛ لأنه مات بفعل قوم من المسلمين فوجبت دية في بيت مال المسلمين، وقيل: تجب على جميع من حضر؛ لأنه مات بفعلهم فلا يتعداهم إلى غيرهم، وقال الشافعي: يقال لوليه: ادّع على من شئت واحلف، فإن حلف استحق الدية، وإن نكل حلف المدعى عليه على النفي، وسقطت المطالبة، وتوجيهه أن الدم لا يجب إلا بالطلب، وقال مالك: دمه هدر؛ لأنه إذا لم يعلم قاتله بعينه استحال أن يؤخذ به أحد، انتهى.\nقلت: وحديث الباب قد تقدم في \"باب العفو في الخطأ بعد الموت\"، انتهى.\nقال العيني (^٥) في شرح قوله: \"أبي أبي\" أي: قال حذيفة: هذا أبي أبي لا تقتلوه، ولم يسمعوا منه، فقتلوه ظانين أنه من المشركين فدعا لهم حذيفة.\n_________\n(^١) \"فيض الباري\" (٦/ ٣٨٢).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ٣٥٠).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٢/ ٢١٧).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ٣٥١).\n(^٥) \"عمدة القاري\" (١٦/ ١٥٤، ١٥٥).","vol":"6","page":569},{"text":"قال الكرماني: فدعا لهم وتصدق بديته على المسلمين، وقال الخطابي فيه: أن المسلم إذا قتل صاحبه خطأ عند اشتباك الحرب لازدحامات لا شيء عليه، وكذلك في جميع الازدحامات، إلا إذا فعله قاصدًا لهلاكه، انتهى.\nقلت: وكذا الحكم عندنا الحنفية، ففي \"الدر المختار\" (^١): لا قود بقتل مسلم مسلمًا ظنه مشركًا بين الصفين لما مرّ أنه من الخطأ، بل القاتل عليه كفارة ودية، قالوا: هذا إذا اختلطوا، فإن كان في صف المشركين لا يجب شيء لسقوط عصمته، قال ﵊: \"من كثر سواد قوم فهو منهم\"، انتهى.\nوفي \"الهداية\" (^٢): وإذا التقى الصفان من المسلمين، والمشركين، فقتل مسلم مسلمًا ظنَّ أنه مشرك فلا قود عليه، وعليه الكفارة؛ لأن هذا أحد نوعي الخطأ على ما بيّناه، والخطأ بنوعيه لا يوجب القود، ويوجب الكفارة، وكذا الدية على ما نطق به نص الكتاب، ولما اختلفت سيوف المسلمين على اليمان أبي حذيفة قضى رسول الله - ﷺ - بالدية، انتهى.\n\n(١٦ -<span data-type='title' id=toc-4032> باب إذا قتل نفسه خطأ فلا دية له)</span>\nقال الإسماعيلي: قلت: ولا إذا قتلها عمدًا، يعني: أنه لا مفهوم لقوله: خطأ، والذي يظهر أن البخاري إنما قيّد بالخطأ لأنه محل الخلاف، قال ابن بطال: قال الأوزاعي وأحمد وإسحاق: تجب ديته على عاقلته، فإن عاش فهي له عليه، وإن مات فهي لورثته، وقال الجمهور: لا يجب في ذلك شيء، وقصة عامر هذه حجة لهم إذ لم ينقل أن النبي - ﷺ - أوجب في هذه القصة له شيئًا، ولو وجب لبيَّنها إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، وقد أجمعوا [على] أنه لو قطع طرفًا من أطرافه عمدًا أو خطأً لا يجب فيه شيء، انتهى (^٣).\n_________\n(^١) \"رد المحتار\" (١٠/ ١٧٨).\n(^٢) \"الهداية\" (٢/ ٤٤٧).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٢/ ٢١٨)، \"شرح ابن بطال\" (٨/ ٥٢٠).","vol":"6","page":570},{"text":"وهكذا قال العيني (^١) وفيه: قال الجمهور منهم ربيعة ومالك وأبو حنيفة والشافعي: لا شيء فيه.\n\n(١٧ -<span data-type='title' id=toc-4033> باب إذا عضّ رجلًا فوقعت ثناياه)</span>\nأي: هل يلزمه فيه شيء أو لا؟ قاله الحافظ (^٢). ثم قال في شرح الحديث: وقد أخذ بظاهر هذه القصة الجمهور، فقالوا: لا يلزم المعضوض قصاص ولا دية؛ لأنه في حكم الصائل، واحتجوا أيضًا بالإجماع بأن من شهر على آخر سلاحًا ليقتله فدفع عن نفسه فقتل الشاهر أنه لا شيء عليه، هكذا لا يضمن سنه بدفعه إياه عنها، وشرط الإهدار أن يتألم المعضوض، وأن لا يمكنه تخليص يده بغير ذلك، إلى آخر ما ذكره الحافظ في تفصيل هذه المسألة والاختلاف فيها، فارجع إليه لو شئت (^٣)، وذكر العلامة العيني (^٤) مذهب الكوفيين في هذه المسألة كالجمهور.\n\n(١٨ -<span data-type='title' id=toc-4034> باب السن بالسن)</span>\nقال الحافظ (^٥): قال ابن بطال (^٦): أجمعوا على قلع السن بالسن في العمد، واختلفوا في سائر عظام الجسد، فقال مالك: فيها القود، وذكر تفصيلًا في مذهب مالك، وقال الشافعي والحنفية: لا قصاص في العظم غير السن؛ لأن دون العظم حائلًا من جلد ولحم وعصب يتعذر معه المماثلة، إلى آخر ما في \"الفتح\".\nقال القسطلاني (^٧) تحت حديث الباب: وهذا بخلاف غير السنّ من العظام لعدم الوثوق بالمماثلة فيها، وهذا مذهب الشافعية والحنفية،\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٦/ ١٦٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٢/ ٢١٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٢/ ٢٢٢).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٦/ ١٦٣).\n(^٥) \"فتح الباري\" (١٢/ ٢٢٤).\n(^٦) \"شرح ابن بطال\" (٨/ ٥٢٢).\n(^٧) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ٣٥٥).","vol":"6","page":571},{"text":"وقال المالكية: بالقود في العظام، إلا ما كان مخوفًا، أو كان كالمأمومة والمنقلة والهاشمة ففيها الدية.\n\n(١٩ -<span data-type='title' id=toc-4035> باب دية الأصابع)</span>\nأي: هل مستوية أو مختلفة؟ قاله الحافظ (^١). ثم قال تحت حديث الباب: قال الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم، وبه يقول الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق، قلت: وبه قال جميع فقهاء الأمصار، وكان فيه خلاف قديم، فأخرج ابن أبي شيبة من رواية سعيد بن المسيب عن عمر: \"في الإبهام خمسة عشر، وفي السبّابة والوسطى عشرٌ عشرٌ، وفي البنصر تسع، وفي الخنصر ست\"، وفي \"جامع الثوري\" عن عمر نحوه، وزاد: قال سعيد بن المسيب: \"حتى وجد عمر في كتاب الديات لعمرو بن حزم: في كل أصبع عشر فرجع إليه\"، انتهى (^٢).\nقال القسطلاني (^٣): ولأبي داود والترمذي: \"أصابع اليدين والرجلين سواء\"، ولابن ماجه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رفعه: \"الأصابع سواء كلهن فيه عشر عشر من الإبل\" أي: فلا فضل لبعض الأصابع على بعض، وأصابع اليد والرجل سواء كما عليه أئمة الفتوى، انتهى.\n\n(٢٠ -<span data-type='title' id=toc-4036> باب إذا أصاب قوم من رجل. . .) إلخ</span>\nأي: إذا قتل أو جرح جماعة شخصًا واحدًا هل يجب القصاص على الجميع أو يتعين واحد ليقتص منه، ويؤخذ من الباقين الدية؟ فالمراد بالمعاقبة هنا المكافأة، انتهى من \"الفتح\" (^٤).\nوفي هامش النسخة المصرية تحت ترجمة الباب: وجواب الاستفهام\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٢/ ٢٢٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٢/ ٢٢٦).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ٣٥٥).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٢/ ٢٢٧).","vol":"6","page":572},{"text":"محذوف، أي: عوقبوا إن كانت الإصابة تقتضي حدًّا أو تعزيرًا، وقوصصوا إن كانت تقتضي مماثلة، انتهى.\nوقال القسطلاني (^١): قوله: \"هل يعاقب\" بفتح القاف مبنيًّا للمفعول، وفي رواية \"يعاقبون\" بلفظ الجمع، وفي أخرى \"يعاقبوا\" بحذف النون لغة ضعيفة، أي: يكافأ الذين أصابوه، ويجازون على فعلهم كما وقع في اللدود، \"أو يقتص\" بالبناء للمفعول، وقيل للفاعل فيهما \"منهم كلهم\" إذا قتلوه أو جرحوه أو يتعين واحد يقتص منه، ويؤخذ من الباقين الدية، والأول مذهب جمهور العلماء، وروي الثاني عن عبد الله بن الزبير ومعاذ، فلو قتله عشرة فله أن يقتل واحدًا منهم ويأخذ من التسعة تسعة أعشار الدية، انتهى.\nوفي \"الهداية\" (^٢): وإذا قتل جماعة واحدًا عمدًا اقتص من جميعهم لقول عمر: \"لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم\"، انتهى.\nقال الكرماني (^٣): فإن قلت: ما فائدة الجمع بين المعاقبة والاقتصاص؟ قلت: الغالب أن القصاص يستعمل في الذم والمعاقبة المكافأة والمجازاة، فيتناول اللد ونحوه، فلعل غرضه التعميم، ولهذا فسّرنا الإصابة بالتفجيع ليتناول الكل، انتهى.\nوتوضيح المقام بحيث يتضح المرام أن المذكور في الترجمة هو أحد الشقين، أعني: الاقتصاص من الجميع، والشق الثاني غير مذكور ههنا، وهو ما ذكره الشرَّاح من أنه يتعين واحد منهم للاقتصاص، ويؤخذ الدية من الباقين فقول المصنف: \"أو يقتص\" ليس عديلًا لقوله: \"يعاقب\" كما يتوهم في بادئ الرأي، بل المجموع بيان لأحد الشقين.\nثم قال الكرماني: وإنما خص الاقتصاص بالذكر ردًا لمثل ما نقل عن\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ٣٥٦).\n(^٢) \"الهداية\" (٢/ ٤٥٢).\n(^٣) \"شرح الكرماني\" (٢٤/ ٢٢).","vol":"6","page":573},{"text":"ابن سيرين أنه قال في رجل يقتله رجلان: يقتل أحدهما وتؤخذ الدية من الآخر، وعن الشعبي: أنهما يدفعان إلى وليه، ويقتل من شاء منهما ويعفو عن الآخر، وعن الظاهرية: أنه لا قود بل الواجب الدية، انتهى.\nقوله: (وقد أقاد أبو بكر من لطمة. . .) إلخ، سيأتي الكلام على تحقيق المسألة ومذاهب الأئمة في محله في \"باب إذا لطم المسلم يهوديًا عند الغضب. . .\" إلخ، في آخر هذا الكتاب.\n\n(٢١ -<span data-type='title' id=toc-4037> باب القسامة)</span>\nقال العلامة العيني (^١): أي: هذا باب في بيان القسامة وأحكامها، والقسامة بفتح القاف وتخفيف السين مصدر أقسم قسمًا وقسامةً، وفي بعض النسخ: \"كتاب القسامة\" والصحيح أنها اسم للأيمان، وقال الأزهري: إنها اسم للأولياء الذين يحلفون على استحقاق دم المقتول، انتهى.\nقال الحافظ (^٢): قال القاضي عياض (^٣): حديث القسامة أصل من أصول الشرع، وقاعدة من قواعد الأحكام، وركن من أركان مصالح العباد، وبه أخذ كافة الأئمة والسلف، من الصحابة والتابعين وعلماء الأمة وفقهاء الأمصار من الحجازيين والشاميين والكوفيين، واختلفوا في صورة الأخذ به، وروي التوقف عن الأخذ به عن طائفة، فلم يرو القسامة ولا أثبتوا بها في الشرع حكمًا، وهذا مذهب الحكم بن عتيبة وأبي قلابة وسالم بن عبد الله وإبراهيم بن علية، وإليه ينحو البخاري، وروي عن عمر بن عبد العزيز باختلاف عنه، انتهى.\nقال العيني (^٤): في الحديث مشروعية القسامة في الدم، وهو أمر كان في الجاهلية، فأقرّه رسول الله - ﷺ - في الإسلام، انتهى.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٦/ ١٧٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٢/ ٢٣٥).\n(^٣) \"الإكمال\" (٥/ ٤٤٨).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٦/ ١٧٣).","vol":"6","page":574},{"text":"قلت: وما قال القاضي عياض من أن الإمام البخاري لم يقل بالقسامة، كذا قال ابن المنيِّر كما سيأتي في كلام الحافظ، وهكذا قال الكرماني (^١): أي: أن ميل البخاري إلى عدم الأخذ بالقسامة، إذ قال في ذكر مذاهب الأئمة في المسألة: وأنكر البخاري بالكلية حكمها، وكذا طائفة أخرى كأبي قلابة ونحوه، قالوا: لا حكم لها ولا عمل بها، انتهى.\nومال القسطلاني (^٢) في أول \"كتاب القسامة\" تبعًا للقاضي على الظاهر إلى أن البخاري مال إلى عدم الأخذ بالقسامة، لكن حكى القسطلاني في آخر الباب ما سيأتي من كلام الحافظ الردّ على من قال: إن ميل البخاري إلى عدم الأخذ بحديث القسامة.\nقال الحافظ (^٣): نبَّه ابن المنيِّر (^٤) في الحاشية على النكتة في كون البخاري لم يورد في هذا الباب الطريق الدالة على تحليف المدعي، وهي مما خالفت فيه القسامة بقية الحقوق، فقال: مذهب البخاري تضعيف القسامة؛ فلهذا صدّر الباب بالأحاديث الدالة على أن اليمين في جانب المدعى عليه، وأورد طريق سعيد بن عبيد، وهو جار على القواعد، وإلزام المدعي البينة ليس من خصوصية القسامة في شيء، ثم ذكر حديث القسامة الدال على خروجها عن القواعد بطريق العرض في \"كتاب الموادعة والجزية\" فرارًا من أن يذكر ههنا فيغلط المستدل بها على اعتقاد البخاري، قال: وهذا الإخفاء مع صحة القصد ليس من قبيل كتمان العلم.\nقال الحافظ: الذي يظهر لي أن البخاري لا يضعف القسامة من حيث هي، بل يوافق الشافعي في أنه لا قود فيها، ويخالفه في أن الذي يحلف فيها هو المدعي، بل يرى أن الروايات اختلفت في ذلك في قصة الأنصار ويهود خيبر، فيرد المختلف إلى المتفق عليه من أن اليمين على المدعى\n_________\n(^١) \"شرح الكرماني\" (٢٤/ ٢٤).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ٣٦٣).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٢/ ٢٣٩).\n(^٤) \"المتواري\" (ص ٣٥٢).","vol":"6","page":575},{"text":"عليه، فمن ثم أورد رواية سعيد بن عبيد في \"باب القسامة\"، وطريق يحيى بن سعيد في باب آخر، وليس في شيء من ذلك تضعيف أصل القسامة، والله تعالى أعلم.\nوهكذا قال العيني (^١): من أن البخاري ذهب إلى ترك القتل بالقسامة، لا إلى ترك القسامة رأسًا، وهذا هو الرأي عندي من أن البخاري لم ينكر القسامة برأسها كما قيل، وكذا عمر بن عبد العزيز كما تقدم من نقل كلام هؤلاء الجهابذة، وليت شعري كيف نسبوا إلى الإمام البخاري إنكار القسامة برأسها، وصنيعه في \"صحيحه\" يدلّ دلالةً واضحةً على أنه أنكر القود بالقسامة، فإنه ذكر فيه حديث أبي قلابة، وهو كما ترى لا يدلّ إلا على عدم القود بها.\nوبسط الكلام في هذا المقام في هامش \"اللامع\" (^٢) أشد البسط.\nومحصل الكلام أن ههنا ثلاثة أمور:\nالأول: ثبوت القسامة والأخذ بها، كما هو مسلك جمهور العلماء، ولم يخالفهم في ذلك الإمام البخاري كما تقدم مبسوطًا.\nوالثاني: أن بداءة الأيمان في القسامة على المدعى عليهم، كما هو مسلك الحنفية، واختاره البخاري كما تقدم في كلام الحافظ، ولذا صدّر الباب بقوله: \"شاهداك أو يمينه\".\nوقال القسطلاني (^٣) تحت حديث الباب: وفي الحديث أن اليمين توجه أولًا على المدعى عليه لا على المدعي، كما في قصة نفر الأنصاريين، انتهى.\nوقال صاحب \"الفيض\" (^٤): اعلم أن اليمين لا يتوجه عندنا في القسامة إلى المدعي، وكذا لا قصاص فيها على المدعى عليه، وأما فائدة الأيمان فتظهر في حق اكتشاف الحال، ووافقنا المصنف على ذلك، انتهى.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٦/ ١٧١).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (١٠/ ١٧١ - ١٧٥).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ٣٦٧).\n(^٤) \"فيض الباري\" (٦/ ٣٨٦).","vol":"6","page":576},{"text":"والأمر الثالث: أن البخاري مال إلى ترك القود بالقسامة، قال العيني (^١) تحت الحديث الأوّل من حديثي الباب: ذكر البخاري هذا الحديث مطابقًا لما قبله في عدم القود في القسامة، وأن الحكم فيها مقصور على البينة واليمين، انتهى.\nوهكذا ذكر القسطلاني (^٢) تبعًا للعيني، والمسألة خلافية.\nقال الحافظ (^٣): واختلف القائلون بالقسامة في العمد هل يجب به القود أو الدية؟ فمذهب معظم الحجازيين إيجاب القود إذا كملت شروطها، وهو قول الزهري ومالك والأوزاعي والشافعي في أحد قوليه وأحمد وإسحاق وداود، واختلف عن عمر بن عبد العزيز، انتهى.\nوقال الكرماني: قال الشافعي وأبو حنيفة: تجب بها الدية لعدم العلم بشروط القصاص، وقال مالك وأحمد: يجب القصاص، انتهى.\nقلت: ومذهب أحمد إيجاب القصاص بالقسامة في صورة العمد رواية واحدة، قال الموفق (^٤): الأولياء إذا حلفوا استحقوا القود، وإذا كانت الدعوى عمدًا، وبه قال مالك، وللشافعي قولان كالمذهبين، انتهى.\nوكذا مذهب الإمام مالك إيجاب القصاص في صورة العمد، صرّح به مالك في \"الموطأ\" إذ قال مالك: فإن حلف المدعون استحقوا دم صاحبهم، وقتلوا من حلفوا عليه، ولا يقتل في القسامة إلا واحد، انتهى.\nوالمشهور من قولي الشافعي المنصور عند أتباعه إيجاب الدية لا القصاص، ولذا نقل عامة نقلة المذاهب مذهب الشافعي إيجاب الدية لا غير، ولذا أول النووي والخطابي وغيرهما من الشافعية قوله - ﷺ -: \"تستحقوا دم صاحبكم\"، كذا في \"الأوجز\" (^٥).\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٦/ ١٧٢).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ٣٦٧).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٢/ ٢٣٥).\n(^٤) \"المغني\" (١٢/ ٢٠٤).\n(^٥) \"أوجز المسالك\" (١٥/ ١٧٢).","vol":"6","page":577},{"text":"ومذهب مالك وهكذا عندنا الحنفية تجب بالقسامة الدية لا القصاص، ففي \"البدائع\" (^١): هذا الذي ذكرنا حكم قتل نفس علم قاتلها، فأما حكم نفس لم يعلم قاتلها فوجوب القسامة والدية عند عامة العلماء رحمهم الله تعالى، وعند مالك - ﵀ - وجوب القسامة والقصاص.\nثم ليعلم صورة القسامة مع ما فيه من خلاف الأئمة، فقال ابن قدامة (^٢): إذا وجد قتيل في موضع، فادّعى أولياؤه قتله على رجل أو جماعة، ولم تكن بينهم عداوة ولا لوث، فهي كسائر الدعاوي، إن كانت لهم بينة حكم لهم بها، وإلا فالقول قول المنكر، وبهذا قال مالك والشافعي، فإن كان بينهم عداوة ولوث فادّعى أولياؤه على واحد، حلف الأولياء على قتاله خمسين يمينًا، واستحقوا دمه إذا كانت الدعوى عمدًا، فإن لم يحلف المدعون حلف المدعى عليه خمسين يمينًا وبُرِّئَ، هذا ظاهر المذهب، وبه قال مالك والشافعي، وحكى أبو الخطاب روايةً أخرى عن أحمد أنهم يحلفون ويغرّمون الدية لقضية عمر، وهو قول أصحاب الرأي، ولنا قول النبي - ﷺ -: \"فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم\"، وقد ثبت أن النبي - ﷺ - لم يغرم اليهود، وأنه أدّاها من عنده، فإن لم يحلف المدعون ولم يرضوا بيمين المدعى عليه، فداه الإمام من بيت المال، يعني: أدّى دية لقضية عبد الله بن سهل حين قتل بخيبر، فأبى الأنصار أن يحلفوا، وقالو: كيف نقبل أيمان قوم كفار، فوداه النبي - ﷺ - من عنده كراهية أن يُطَلَّ دمه، انتهى.\nوأما عندنا الحنفية فعلى الأصل المتفق عليه من أن البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه، ولا عبرة عندنا لحلف الأوليا، قال صاحب \"الهداية\" (^٣): وإذا وجد القتيل في محلة، ولا يعلم من قتله، استحلف خمسون رجلًا منهم يتخيرهم الولي، بالله ما قتلناه ولا علمنا له قاتلًا، فإذا\n_________\n(^١) \"بدائع الصنائع\" (٦/ ٣٥٢).\n(^٢) \"المغني\" (١٢/ ١٨٩ - ٢٢١).\n(^٣) \"الهداية\" (٢/ ٤٩٧، ٤٩٨).","vol":"6","page":578},{"text":"حلفوا قضى على أهل المحلة بالدية، وقال الشافعي: لا تجب الدية لقوله ﵊: \"تبرئكم اليهود بأيمانها\"، ولنا أن النبي ﵊ جمع بين الدية والقسامة في حديث سهل، وقوله ﵊: \"تبرئكم اليهود\" محمول على الإبراء عن القصاص، ومن أبى منهم اليمين حبس حتى يحلف، انتهى مختصرًا.\nقوله: (فدفعه إلى أخي المقتول. . .) إلخ، كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^١): معناه أن عمر دفع المدعى عليه بعد تمام الأيمان إلى أخي المقتول، فقرنت يده إلى يده لئلا ينفلت، انتهى.\nوفي هامشه: ما أفاده الشيخ هو الحق الصواب، وهو المتعين من أن الضميرين في قوله: \"يده بيده\" يرجعان إلى القاتل وأخي المقتول، وهو ظاهر، والعجب من الشرَّاح قاطبةً أنهم زَلّت أقدامهم في شرح هذا الكلام إذ أرجعوا ضمير دفعه إلى الرجل الذي تم به الخمسون وفيه أوهام: الأوّل: أنه لا خصيصة لهذا الرجل من جملة خمسين رجلًا، والثاني: بقي التاسع والأربعون بدون القرين، والثالث: أنهم ارتكبوا المجاز في قوله: \"انطلقنا والخمسون\" بحمل خمسين على المجاز.\nقال الكرماني (^٢): فإن قلت: هم تسع وأربعون؟ قلت: مثل هذه الإطلاقات جائز من باب إطلاق الكل وإرادة الجزء، أو المراد الخمسون تقريبًا، انتهى.\nوالوجه الرابع: أنه يصح على هذا ما يأتي من قوله: \"أفلت القرينان، فاتبعهما حجر فكسر رِجْلَ أخي المقتول\" فإنه يصح على كلام الشيخ لا على كلام الشرَّاح؛ لأن القرينين على كلام الشرَّاح هو الرجل الذي جعلوه مكان الرجل الشامي، والثاني أخو المقتول، ولا وجه لبقاء هذا الرجل على كلامهم أنه كيف بقي من الهلاك؟ وقد هلك تسع وأربعون، وعلى كلام\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (١٠/ ١٨١، ١٨٢).\n(^٢) \"شرح الكرماني\" (٢٤/ ٢٩).","vol":"6","page":579},{"text":"الشيخ قُدِّس سرُّه هلك الخمسون الذين دخلوا الغار، وحلفوا كاذبين، وهلك أخو المقتول لكتمانه؛ ولذا تأخّر موته من الخمسين؛ لأن جريمته كانت غير جريمتهم، فتدبّر وتشكر، ويظهر من كلام صاحب \"الفيض\" (^١) أن رأيه موافق في شرح هذا المقام لرأي الشيخ قُدِّس سرُّه.\n\n(٢٢ -<span data-type='title' id=toc-4038> باب من اطلع في بيت قوم ففقؤوا عينه فلا دية له)</span>\nقال الحافظ (^٢): كذا جزم بنفي الدية، وليس في خبره الذي ساقه تصريح بذلك، لكنّه أشار بذلك إلى ما ورد في بعض طرقه على عادته.\nقال القسطلاني (^٣): واستدل بحديث الباب على جواز رمي من يتجسس، فلو لم يندفع بالشيء الخفيف جاز بالثقيل، وأنه إن أصيبت نفسه أو بعضه فهو هدر، وقال المالكية بالقصاص، وأنه لا يجوز قصد العين ولا غيرها، واعتلوا بأن المعصية لا تدفع بالمعصية، وهل يشترط الإنذار قبل الرمي؟ الأصح عند الشافعية لا، انتهى مختصرًا.\nوفي هامش \"اللامع\" (^٤): اختلفت نقلة المذاهب في بيان مسالك الأئمة، والتحقيق أنه هدر في أصح قولي الشافعي، وهو مذهب أحمد كما صرّح به في \"الروض المربع\"، وكذا في \"زاد المعاد\" لابن القيم، وأما عند الإمام مالك فقد حكى شرَّاح الحديث مذهبه القود مطلقًا، لكن الصواب في مسلكه ما قال الدردير المالكي: إن فيه القصاص في صورة العمد، والدية في الخطأ، وأما عندنا الحنفية فإن لم يمكن دفعه إلا بالفقأ فهو هدر، وإلا فالدية لا القصاص، فإن الحدود تندرئ بالشبهات، والحديث عندنا محمول على التغليظ والتشديد، صرّح به ابن عابدين وغيره، انتهى من هامش \"اللامع\"، والتفصيل فيه.\n_________\n(^١) \"فيض الباري\" (٦/ ٣٩٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٢/ ٢٤٣).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ٣٧٢).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (١٠/ ١٨٣).","vol":"6","page":580},{"text":"(٢٣ -<span data-type='title' id=toc-4039> باب العاقلة)</span>\nبكسر القاف جمع عاقل، وهو دافع الدية، وسميت الدية عقلًا تسميةً بالمصدر؛ لأن الإبل كانت تعقل بفناء ولي القتيل، ثم كثر الاستعمال حتى أطلق العقل على الدية ولو لم تكن إبلًا، وعاقلة الرجل قراباته من قبل الأب وهم عصبة، وتحمل العاقلة الدية ثابت بالسُّنَّة، وأجمع أهل العلم على ذلك، وهو مخالف لظاهر قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، لكنه خصّ من عمومها ذلك لما فيه من المصلحة؛ لأن القاتل لو أخذ بالدية لأوشك أن تأتي على جميع ماله؛ لأن تتابع الخطأ منه لا يؤمن، ولو ترك بغير تغريم لأهدر دم المقتول، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوفي \"الفيض\" (^٢): العاقلة هم الذين يغرّمون الدية، وهم العصبات، وسمّاهم الفقهاء بكتاب المعاقل، والقياس فيه أن يكون كتاب العواقل، فإن المعاقل هي الديات، والمذكور في هذا الباب مسائل من تؤخذ منهم الدية، انتهى.\nوبسط الكلام على العاقلة في \"الأوجز\" (^٣)، ومنه في هامش \"اللامع\" (^٤)، ففيه قال الموفق (^٥): لا خلاف بين أهل العلم في أن العاقلة العصبات، وأن غيرهم من الإخوة من الأم وسائر ذوي الأرحام والزوج، وكل من عدا العصبات ليسوا هم من العاقلة، واختلف في الآباء والبنين هل هم من العاقلة أو لا؟ وعن أحمد في ذلك روايتان، أحدهما: كل العصبة من العاقلة، يدخل فيه آباء القاتل وأبناؤه، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة، والقول الثاني: ليس آباؤه وأبناؤه من العاقلة، وهو قول الشافعي، قلت: وهذا كله إذا لم يكن الرجل من أهل الديوان، وإن كان من أهل الديوان\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٢/ ٢٤٦).\n(^٢) \"فيض الباري\" (٦/ ٣٩٥).\n(^٣) \"أوجز المسالك\" (١٤/ ٥٩٤).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (١٠/ ١٨٤، ١٨٥).\n(^٥) \"المغني\" (١٢/ ٣٩).","vol":"6","page":581},{"text":"فالدية على أهل الديوان، وهذا عندنا، قال الموفق (^١): لا مدخل لأهل الديوان في المعاقلة، وبهذا قال الشافعي، واختلف قول المالكية في اعتبار الديوان وعدمه.\nثم اعلم أنه يردّ على ظاهر تبويب المصنف أنه لا يطابق الحديث بالترجمة، فإن ظاهر الباب بيان العاقلة من هم، وليس لها ذكر في الحديث، ولم يتعرض لذلك أحد من الشرَّاح.\nقال العيني (^٢): أي: هذا باب في بيان العاقلة، وهو جمع عاقل، وهو دافع الدية، ثم قال تحت حديث الباب: مطابقته للترجمة في قوله: \"العقل\" وهو الدية.\nوقال القسطلاني (^٣) في شرح الحديث: قوله: \"العقل\" أي: الدية، ومقاديرها وأصنافها، انتهى.\nفعلى ظاهر كلام الشرَّاح لا مطابقة بين الحديث والترجمة، والأوجه عندي: أن غرض الإمام البخاري ليس بيان العاقلة، بل للغرض بيان إثبات تحمل العاقلة الدية، لأنه بظاهره يخالف قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، والمراد بالعقل في الحديث تحمل العقل، أشار إلى ذلك الكرماني (^٤)، إذ قال: أراد بالعقل ما تتحمله العاقلة، وذلك أن ظاهره يخالف الكتاب، وهو قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، انتهى. وعلى هذا المطابقة ظاهرة.\n\n(٢٤ -<span data-type='title' id=toc-4040> باب جنين المرأة)</span>\nالجنين وزن عظيم: حمل المرأة ما دام في بطنها، سمي بذلك لاستتاره، فإن خرج حيًّا فهو ولد، أو ميتًا فهو سقط، وقد يطلق عليه\n_________\n(^١) \"المغني\" (١٢/ ٤٢).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٦/ ١٨١).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ٣٧٣).\n(^٤) \"شرح الكرماني\" (٢٤/ ٣٢).","vol":"6","page":582},{"text":"جنين، انتهى (^١).\nقال العيني (^٢): أي: هذا باب في بيان حكم جنين المرأة، انتهى.\nوالمراد واضح، أي: ماذا تجب في إملاصه وإسقاطه، وترجم الإمام أبو داود بقوله: \"باب دية الجنين\" وهو أوضح في المراد، ولم يذكر المصنف الحكم لظهوره من حديث الباب وهو الغرة، واختلف العلماء في مصداقها فقيل: العبد الأبيض أو الأمة البيضاء؛ لأن أصل الغرة بياض في الوجه، وقالت الأئمة الأربعة: هما يجزئان مطلقًا، وإن كانا أسودين، ولا يجزئ غيرهما.\nقال ابن قدامة (^٣): في جنين الحرة المسلمة غرة، وهذا قول أكثر أهل العلم منهم مالك والثوري والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي، فإن قيل: فقد روي في هذا الحديث: \"أو فرس أو بغل\" قلنا: هذا لا يثبت، رواه ابن يونس ووهم فيه، قاله أهل النقل، والحديث الصحيح المتفق عليه إنما فيه: \"عبد أو أمة\"، وقال عروة وطاوس ومجاهد: الغرة عبد أو أمة أو فرس، وجعل ابن سيرين مكان الفرس مائة شاة ونحوه، قال الشعبي: وإن كان الجنين مملوكًا ففيه عشر قيمة أمه سواء كان الجنين ذكرًا أو أنثى، وبه قال مالك والشافعي وإسحاق، وقال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه: يجب فيه نصف عشر قيمته إن كان ذكرًا، وعشر قيمته إن كان أنثى.\nثم قال الموفق (^٤): الغرة قيمتها نصف عشر الدية، وهي خمس من الإبل، وبه قال النخعي والشعبي وربيعة ومالك والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي. وفي \"الهداية\" (^٥): وإذا ضرب بطن امرأة فألقت جنينًا ميتًا ففيه غرة، وهي نصف عشر الدية، يعني: دية الرجل، وهذا في الذكر، وفي\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٢/ ٢٤٧).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٦/ ١٨٢).\n(^٣) \"المغني\" (١٢/ ٦٠ - ٦٥).\n(^٤) \"المغني\" (١٢/ ٦٦).\n(^٥) \"الهداية\" (٢/ ٤٧١، ٤٧٢).","vol":"6","page":583},{"text":"الأنثى عشر دية المرأة، وكل منهما خمس مائة درهم، والقياس أن لا يجب شيء؛ لأنه لم يتيقن بحياته، والظاهر لا يصلح حجة للاستحقاق ووجه الاستحسان، ثم ذكر حديث الباب، ثم قال: وفي جنين الأمة إذا كان ذكرًا نصف عشر قيمته لو كان حيًّا، وعشر قيمته لو كان أنثى، انتهى.\nوهذا، أي: خمس مائة درهم عندنا، وعند الجمهور خمسون دينارًا أو ست مائة درهم، وذلك لأنهم اختلفوا في مقدار الدية من حيث الدراهم، فعند الجمهور ومنهم الأئمة الثلاثة مقدار اثنا عشر ألف درهم، وعند الحنفية عشرة آلاف درهم، والبسط في محله.\n\n(٢٥ -<span data-type='title' id=toc-4041> باب جنين المرأة وأن العقل على الوالد. . .) إلخ</span>\nولا يخفى أن الغرض من هذه الترجمة الجزء الثاني منه، وهو قوله: \"إن العقل على الوالد. . .\" إلخ، فلا تكرار بين الترجمتين على ما يتوهم في بادئ الرأي.\nوفي \"الفيض\" (^١): يعني أن دية المجنية تستوفي من الوالد وعصبته، لا من ولد الجانية، وقد مرّ مني أن ولد الجانية إن كان من قوم أمها يعد من العصبات أيضًا، وإلا لا، انتهى.\nقال القسطلاني (^٢): قوله: لا على الولد إذا لم يكن من عصبتها؛ لأن العقل على العصبة دون ذوي الأرحام، ولذا لا يعقل الإِخوة من الأم، انتهى.\nواستشكل مطابقة الحديث بالترجمة كما بسطه الحافظ (^٣)، والمختصر ما قاله القسطلاني (^٤) حيث قال: وليس في الحديث هنا إيجاب العقل على الوالد، فلا مطابقة، وأجيب بأنه ورد في بعض طرق القصة بلفظ الوالد كما جرت عادة المؤلف بمثل ذلك ليحضّ الطالب على البحث على جميع الطرق، انتهى.\n_________\n(^١) \"فيض الباري\" (٦/ ٣٩٦).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ٣٧٧).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٢/ ٢٥٢، ٢٥٣).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ٣٧٨).","vol":"6","page":584},{"text":"(٢٦ -<span data-type='title' id=toc-4042> باب من استعار عبدًا أو صبيًا. . .) إلخ</span>\nكذا في النسخ الهندية، وفي نسخ الشروح: \"استعان\" بدل \"استعار\"، قال الحافظ (^١): كذا للأكثر بالنون، وللنسفي والإسماعيلي: \"استعار\" بالراء.\nقال الكرماني (^٢): ومناسبة الباب للكتاب أنه لو هلك وجبت قيمة العبد أو دية الحر، انتهى.\nوقال العيني (^٣): ووجه ذكر هذا الباب في \"كتاب الديات\" هو أنه إذا هلك العبد في الاستعمال وجبت الدية، واختلفوا في دية الصبي، وفي \"التوضيح\" (^٤): إن استعان حرًّا بالغًا متطوعًا أو بإجارة، وأصابه شيء فلا ضمان عليه عند الجميع، إن كان ذلك لا غرر فيه، وإنما يضمن من جنى أو تعدى، واختلف إذا استعمل عبدًا بالغًا في شيء فعطب، فقال ابن القاسم: إن استعمل عبدًا في بئر يحفرها ولم يؤذن له سيده في الإجارة، فهو ضامن إن عطب، وكذلك إذا بعثه إلى سفر بكتاب، وروى ابن وهب عن مالك: لا ضمان عليه سواء أذن له سيده في الإجارة أو لم يأذن، إلى آخر ما ذكر.\nقال الحافظ (^٥): قال ابن بطال: إنما اشترطت أم سلمة الحر؛ لأن جمهور العلماء يقولون: من استعان حرًّا لم يبلغ أو عبدًا بغير إذن مولاه فهلكا من ذلك العمل فهو ضامن لقيمة العبد، وأما دية الحر فهي على عاقلته، ثم ذكر الحافظ أقوالًا أخر في وجه هذا الاشتراط المذكور في الحديث، فارجع إليه لو شئت.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٢/ ٢٥٣).\n(^٢) \"شرح الكرماني\" (٢٤/ ٣٥).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٦/ ١٨٦).\n(^٤) \"التوضيح\" (٣١/ ٤٧٢).\n(^٥) \"فتح الباري\" (١٢/ ٢٥٣).","vol":"6","page":585},{"text":"(٢٧ -<span data-type='title' id=toc-4043> باب المعدن جبار)</span>\nقال الحافظ (^١) رحمه الله تعالى: كذا ترجم ببعض الخبر، وأفرد بعضه بعضًا، وترجم في الزكاة البقية، وقد تقدم في \"كتاب الشرب\" من طريق أبي صالح عن أبي هريرة بتمامه، وبدأ فيه بالمعدن، وثنى بالبئر.\nقال العيني (^٢): جبار بضم الجيم وتخفيف الموحدة، أي: هدر لا شيء فيه، ومعنى \"المعدن جبار\" أن يحفر معدنًا في موات أو في ملكه فيهلك فيه الأجير أو غيره ممن يمرّ به فلا ضمان عليه في ذلك، وقوله: \"والبئر جبار\" يعني: إذا احتفر بئر للسبيل في ملك أو موات، فوقع فيها إنسان فلا غرم على صاحبها، ويقال: المراد بالبئر هنا العادية القديمة التي لا يعلم لها مالك، تكون في البادية، فيقع فيها إنسان أو دابة فلا شيء في ذلك على أحد، انتهى.\nوهكذا في \"الفتح\" (^٣)، وزاد: وأما من حفر بئرًا في طريق المسلمين، وكذا في ملك غيره بغير إذن فتلف بها إنسان، فإنه يجب ضمانه على عاقلة الحافر، والكفارة في ماله، وإن تلف بها غير آدمي وجب ضمانه في مال الحافر، ويلتحق بالبئر كل حفرة على التفصيل المذكور، قال ابن بطال: وخالف الحنفية في ذلك فضمنوا حافر البئر مطلقًا قياسًا على راكب الدابة، ولا قياس مع النص، انتهى.\nقلت: النقل عن الحنفية ليس بصحيح، فقال الإمام محمد في \"موطئه\" (^٤) تحت حديث الباب: وبهذا نأخذ، والبئر والمعدن، الرجل يستأجر (^٥) الرجل يحفر له بئرًا ومعدنًا، فيسقط عليه، فيقتله فذلك هدر، انتهى.\nوفي \"الهداية\" (^٦): ومن حفر بئرًا في طريق المسلمين أو وضع حجرًا\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٢/ ٢٥٤).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٦/ ١٨٧).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٢/ ٢٥٥).\n(^٤) \"التعليق الممجد\" (٣/ ٢٩).\n(^٥) في الأصل: \"يستأذن\" وهو تصحيف.\n(^٦) \"الهداية\" (٢/ ٤٧٤، ٤٧٥).","vol":"6","page":586},{"text":"فتلف بذلك إنسان فديته على عاقلته، والمراد بالطريق الطريق في الأمصار دون الفيافي والصحارى؛ لأنه لا يمكن العدول عنه في الأمصار غالبًا دون الصحارى، انتهى.\nقلت: فلعل هذه المسألة هو منشأ ما نقل عن الحنفية ابن بطال، وحاصل مذهبنا أنه لو حفر شخص بئرًا في الأمصار في غير ملكه، فتلف به إنسان فحينئذٍ تجب الدية عندنا، وأما لو حفر في الفيافي والصحارى فلا دية عليه كما تقدم، وكذا لو حفر في ملكه ولو في المصر لم يضمن كما في \"الهداية\" حيث قال: وكذا إن حفر في ملكه، يعني: كما إذا أمره الإمام فحفر في طريق المسلمين لم يضمن ما تلف به، كذلك إذا حفره في ملكه وإن لم يأذن له الإمام لم يضمن، انتهى من \"الهداية\" مع زيادة من هامشه.\nوهذا الاختلاف في مسألة حفر البئر والمعدن، وأما مسألة جرح العجماء فسيأتي الخلاف فيه في الباب الآتي.\n\n(٢٨ -<span data-type='title' id=toc-4044> باب العجماء جبار)</span>\nقال الحافظ (^١): أفردها بترجمة لما فيها من التفاريع الزائدة عن البئر والمعدن، انتهى. ومسألة الباب خلافية.\nقال العلامة العيني (^٢): واحتج بحديث الباب أبو حنيفة رحمه الله تعالى على أنه لا ضمان فيما أتلفته البهائم مطلقًا سواء فيه الجرح وغيره، وسواء فيه الليل والنهار، وسواء كان معها أو لا، إلا أن يحملها الذي معها على الإتلاف، أو يقصده، فحينئذٍ يضمن لوجود التعدي منه، وهو قول داود وأهل الظاهر، وقال مالك والشافعي وأحمد: إن كان معها أحد من مالك أو مستأجر أو مستعير وغيرهم وجب عليه ضمان ما أتلفته، وحملوا الحديث على ما إذا لم يكن معها أحد، إلى آخر ما ذكر.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٢/ ٢٥٦).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٦/ ١٨٧، ١٨٨).","vol":"6","page":587},{"text":"قلت: وما حكى العيني في مذهب الحنفية من قوله: سواء كان معها أو لا، مخالف لما في كتبنا، فإنهم صرّحوا بأن عدم الضمان عندنا فيما إذا لم يكن معها سائق ولا قائد، نعم لا فرق عندنا بين الليل والنهار كما قال به الجمهور، ففي \"الهداية\" (^١): الراكب ضامن لما أوطأت الدابة ما أصابت بيدها أو رجلها أو رأسها، أو كدمت، ولا يضمن ما نفحت برجلها أو ذنبها، والسائق ضامن لما أصابت بيدها أو رجلها، والقائد ضامن لما أصابت بيدها دون رجلها، ثم قال: ولو انفلتت الدابة فأصابت مالًا أو آدميًا ليلًا أو نهارًا لا ضمان على صاحبها؛ لقوله ﵊: \"جرح العجماء جبار\" قال محمد - ﵀ -: هي المنفلتة، انتهى.\nوفي هامش \"اللامع\" (^٢) عن \"الشرح الكبير\" (^٣) لابن قدامة: يضمن ما أفسدت من الزرع والشجر ليلًا، ولا يضمن ما أفسدت من ذلك نهارًا، إذا لم يكن يد أحد عليها، وهذا قول مالك والشافعي، وقال الليث: يضمن مالكها ما أفسدته ليلًا ونهارًا بأقلّ الأمرين من قيمتها وقدر ما أتلفته، وقال أبو حنيفة: لا ضمان عليه بحال لقوله - ﷺ -: \"العجماء جرحها جبار\"، انتهى.\nقلت: وقال الإمام مالك في \"الموطأ\" (^٤): قضى رسول الله - ﷺ - أن على أهل الحائط حفظها بالنهار، وأن ما أفسدت المواشي بالليل فالضمان على أهلها، قال صاحب \"المحلى\" نقلا عن \"شرح السُّنَّة\" (^٥): لأن في العرف أن أصحاب الحوائط يحفظونها بالنهار وأصحاب المواشي بالليل، فمن خالف هذه العادة كان خارجًا عن رسوم الحفظ، وفيه أيضًا: قال أبو حنيفة: لا ضمان فيها إذا لم يكن المالك معها ليلًا ولا نهارًا لحديث \"العجماء جبار\"، انتهى.\n_________\n(^١) \"الهداية\" (٢/ ٤٧٩، ٤٨٠).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (١٠/ ١٨٦، ١٨٧).\n(^٣) \"الشرح الكبير\" (٥/ ٤٥٤).\n(^٤) \"التعليق الممجد\" (٣/ ٣١).\n(^٥) \"شرح السُّنَّة\" (٨/ ٢٣٦).","vol":"6","page":588},{"text":"(٢٩ -<span data-type='title' id=toc-4045> باب إثم من قتل ذميًّا بغير جرم)</span>\nقال القسطلاني (^١): ذميًّا يهوديًّا أو نصرانيًا بغير حق.\nوقال العيني (^٢): \"بغير جرم\" أي: بغير موجب شرعي لقتله، ثم قال تحت حديث الباب: مطابقته بالترجمة غير ظاهرة؛ لأن الترجمة بالذمي وهو كتابي عقد معه عقد الجزية، وأجاب الكرماني بأن المعاهد أيضًا ذمي لاعتبار أن له ذمة المسلمين وفي عهدهم، فالذمي أعم من ذلك.\nقال الحافظ (^٣): قوله: \"بغير جرم\" وقد بينت في الجزية حكمة هذا القيد، وأنه وإن لم يذكر في الخبر فقد عرف من قاعدة الشرع، والذمي منسوب إلى الذمة، وهو العهد، ومنه \"ذمة المسلمين واحدة\".\nثم قال الحافظ: ترجم بالذمي، وأورد الخبر في المعاهد، وترجم في الجزية بلفظ \"من قتل معاهدًا\" كما هو ظاهر الخبر، والمراد به من له عهد مع المسلمين سواء كان بعقد جزية أو هدنة من سلطان أو أمان من مسلم، وكأنه أشار بالترجمة إلى رواية مروان بن معاوية المذكورة - أي: في \"الفتح\" - فإن لفظه: \"من قتل قتيلًا من أهل الذمة\"، انتهى.\n\n(٣٠ -<span data-type='title' id=toc-4046> باب لا يقتل المسلم بالكافر)</span>\nقال الحافظ (^٤): عقب هذه الترجمة بالتي قبلها للإشارة إلى أنه لا يلزم من الوعيد الشديد على قتل الذمي أن يقتص من المسلم إذا قتله عمدًا، وللإشارة إلى أن المسلم إذا كان لا يقتل بالكافر فليس له قتل كل كافر بل يحرم عليه قتل الذمي والمعاهد بغير استحقاق، انتهى.\nقلت: وما ذكر الحافظ بقوله: إنه للإشارة إلى أنه لا يلزم من الوعيد. . . إلخ، مبني على مسلك الجمهور القائلين بأن المسلم لا يقتل\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ٣٨٣).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٦/ ١٩٠).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٢/ ٢٥٩).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٢/ ٢٦٠).","vol":"6","page":589},{"text":"بالذمي خلافًا للحنفية، كما سيأتي الاختلاف في ذلك، ثم قال (^١) تحت حديث الباب: أما ترك قتل المسلم بالكافر فأخذ به الجمهور، وخالف الحنفية فقالوا: يقتل المسلم بالذمي إذا قتله بغير استحقاق، ولا يقتل بالمستأمن، وعن الشعبي والنخعي: يقتل باليهودي والنصراني دون المجوسي، واحتجّوا بما وقع عند أبي داود عن علي: \"لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده\"، إلى آخر ما بسطه من وجه استدلال الفريقين.\nقال القسطلاني (^٢) من قبل الحنفية في شرح هذا الحديث: أي: لا يقتل ذو عهد في عهده بكافر، قالوا: وهو من عطف الخاص على العام، فيقتضي تخصيصه؛ لأن الكافر الذي لا يقتل به ذو العهد هو الحربي دون المساوي له والأعلى، فلا يبقى من يقتل به المعاهد إلا الحربي، فيجب أن يكون الكافر الذي لا يقتل به المسلم هو الحربي لتسويته بين المعطوف والمعطوف عليه، وقال الطحاوي: لو كانت فيه دلالة على نفي قتل المسلم بالذمي لكان وجه الكلام أن يقول: ولا ذي عهد في عهده، وإلا لكان لحنًا، والنبي - ﷺ - لا يلحن، فلما لم يكن كذلك علمنا أن ذا العهد هو المعني بالقصاص، وصار التقدير لا يقتل مؤمن ولا ذمي ولا ذو عهد في عهده بكافر، وتعقب بأن الأصل عدم التقدير، والكلام مستقيم بغيره إذا جعلنا الجملة مستأنفة، انتهى.\nقلت: قال الجمهور: معنى الحديث لا يقتل مسلم بكافر قصاصًا، ولا يقتل من له عهد ما دام في عهده باقيًا، فجعلوا قوله: \"ولا ذو عهد\" في جملة مستأنفة.\n\n(٣١ -<span data-type='title' id=toc-4047> باب إذا لطم المسلم يهوديًا عند الغضب)</span>\nقال الحافظ (^٣): أي: لم يجب عليه قصاص، كما لو كان من أهل الذمة، وكأنه رمز بذلك إلى أن المخالف يرى القصاص في اللطمة، فلما\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٢/ ٢٦١).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ٣٨٦).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٢/ ٢٦٣).","vol":"6","page":590},{"text":"لم يقتص النبي - ﷺ - للذي من المسلم دلّ على أنه لا يجري القصاص، لكن ليس كل الكوفيين يرى القصاص في اللطمة، فيختص الإيراد بمن يقول منهم بذلك.\nقال العيني (^١): وفي \"التوضيح\" (^٢): وهذه المسألة إجماعية لأن الكوفيين لا يرون القصاص في اللطمة ولا الأدب، إلا أن يجرحه ففيه الأرش، انتهى.\nوفي \"الدر المختار\" (^٣): قال في \"المجتبى\": ولا قود في جلد رأس وبدن، ولحم خد وبطن وظهر، ولا في لطمة ووكزة، انتهى.\nوهذا تصريح بأنه لا قصاص عندنا في اللطمة، والظاهر أن وجهه أنه لا يتحقق المماثلة فيه، ففرق بين لطمة ولطمة ووكزة ووكزة.\nوقد تقدم - في \"باب إذا أصاب قوم من أجل. . .\" إلخ - قول البخاري تعليقًا: وأقاد أبو بكر وابن الزبير وعلي من لطمة إلخ.\nقال الحافظ (^٤) في شرحه: قال ابن بطال (^٥): جاء عن عثمان وخالد بن الوليد نحو قول أبي بكر، وهو قول الشعبي وطائفة من أهل الحديث، والمشهور عن مالك، وهو قول الأكثر: لا قود في اللطمة إلا إن جرحت ففيها حكومة، والسبب فيه تعذر المماثلة لافتراق لطمتي القوي والضعيف، فيجب التعزير بما يليق باللاطم، وقال ابن القيم: بالغ بعض المتأخرين، فنقل الإجماع على عدم القود في اللطمة والضرب، وإنما يجب التعزير، وذهل في ذلك، إلى آخر ما في \"الفتح\".\nوفي \"الفيض\" (^٦): ولا قصاص في اللطمة عندنا، نعم للقاضي أن يعزر بما شاء، ثم إنه حكم القضاء، أما الديانة فمن يدخل فيها، انتهى.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٦/ ١٩٢).\n(^٢) \"التوضيح\" (٣١/ ٤٩٧).\n(^٣) \"رد المحتار\" (١٠/ ٢٤٣).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٢/ ٢٢٩).\n(^٥) \"شرح ابن بطال\" (٨/ ٥٢٧).\n(^٦) \"فيض الباري\" (٦/ ٣٨٤).","vol":"6","page":591},{"text":"قلت: والحافظ ابن القيم قد بسط الكلام على المسألة في \"إعلام الموقعين\" (^١) في فصل مستقل، وفيه: قالت الحنفية والمالكية والشافعية ومتأخرو أصحاب أحمد: إنه لا قصاص في اللطمة والضربة، وإنما فيه التعزير، وحكى بعض المتأخرين في ذلك الإجماع.\nثم رجح الحافظ ابن القيم أن فيه القصاص، وقال: وهو منصوص الإمام أحمد، ومن خالفه في ذلك من أصحابه فقد خرج عن نص مذهبه وأصوله كما خرج عن محض القياس والميزان، قال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني في كتابه \"المترجم\" له: \"باب في القصاص من اللطمة والضربة\": حدثني إسماعيل بن سعيد قال: سألت أحمد بن حنبل عن القصاص من اللطمة والضربة؟ فقال: عليه القود من اللطمة والضربة، وبه قال أبو داود، وقال إبراهيم الجوزجاني: وبه أقول، ثم ذكر الروايات العديدة في تأييد القصاص، ثم قال: وهذا ظاهر القرآن وهو محض القياس، فعارض المانعون هذا كله بشيء واحد، وقالوا: اللطمة والضربة لا يمكن فيهما المماثلة، والقصاص لا يكون إلا مع المماثلة، ثم ردّ على مسلك الجمهور أشد الردّ، فارجع إليه لو شئت.\nوقد ظهر بذلك سخافة ما قال الشرَّاح في شرح ترجمة البخاري هذه من أن ليس كل الكوفيين يرى القصاص في اللطمة فيختص الإيراد بمن يقول منهم إلخ، ولم يدر الشرَّاح أن الحنفية قاطبةً لم يقولوا بالقصاص في اللطمة، والتحقيق أن هذا، أي: القصاص في اللطمة مذهب الإمام أحمد، وخالف فيه الجمهور ومنهم الأئمة الثلاثة.\nقوله: (لا تخيروني. . .) إلخ، في هامش المصرية: أي: تخييرًا يوجب نقصًا، أو قال ذلك تواضعًا، أو قبل علمه بأنه أفضل، انتهى.\nوهذا آخر \"كتاب الديات\"، وبراعة الاختتام عندي في قوله: \"فإن الناس يصعقون يوم القيامة\".\n_________\n(^١) \"إِعلام الموقعين\" (٣/ ٦٨ - ٧٢).","vol":"6","page":592},{"text":"٨٨ -<span data-type='title' id=toc-4048> كتاب استتابة المعاندين والمرتدين وقتالهم. . . إلخ</span>\nكذا في النسخ الهندية، وفي نسخة \"الفتح\" (^١) و\"العيني\": \"كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم، باب إثم من أشرك بالله تعالى\" إذ قال الحافظ: كذا في رواية الفربري، وسقط لفظ \"كتاب\" من رواية المستملي، وفي رواية القابسي بعد قوله: \"وقتالهم\": \"وإِثم من أشرك. . .\" إلخ، وحذف لفظ \"باب\"، انتهى.\nوفي هامش \"اللامع\" (^٢): لم يتعرض لغرض الترجمة أحد من الشرَّاح، والأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن الإمام البخاري ترجم بلفظين: استتابة المرتدين وقتالهم، وأشار بذلك عندي إلى بداية الاستتابة قبل القتال، لكن مال ابن بطال إلى خلافه كما سيأتي، والمسألة خلافية شهيرة بسطت في \"الأوجز\" (^٣)، ففيه في قوله - ﷺ -: \"من غيَّر دينه فاضربوا عنقه\" خمسة أبحاث.\nالأول: في الاستتابة، وسيأتي مبسوطًا، البحث الثاني: إذا ثبت وجوب الاستتابة فاختلفوا في مدّته، الثالث: في قبول توبته، الرابع: هل تدخل فيه المرأة المرتدة أم لا؟ وسيأتي في البخاري في باب مفرد، الخامس: هل يختص هذا الحكم بالارتداد عن الإسلام أو يعم الانتقال من دين كفر إلى دين كفر آخر؟ أما الأول وهو مقصود البخاري عندي ففي \"الأوجز\": قوله: \"من غيَّر دينه\" الحديث أوّله بعضهم بأن المراد بعد الاستتابة، وقال بعضهم: إنه محمول على الزنديق، وأنه لا يستتاب، وعليه\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٢/ ٢٦٤، ٢٦٥).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (١٠/ ١٨٨).\n(^٣) \"أوجز المسالك\" (١٤/ ٢٨ - ٣٤).","vol":"6","page":593},{"text":"حمله الإمام مالك، وقال ابن بطال: اختلف في استتابة المرتد فقيل: يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وهو قول الجمهور، وقيل: يجب قتله في الحال، وبه قال الحسن وأهل الظاهر، وعليه يدلّ تصرف البخاري، فإنه استظهر بالآيات للتي لا ذكر فيها للاستتابة، وبعموم قوله: \"من بدَّل دينه\".\nقال الطحاوي: ذهب هؤلاء إلى أن حكم من ارتد عن الإسلام حكم الحربي الذي بلغته الدعوة، فإنه يقاتل من قبل أن يدعى، وفي \"المحلى\": قال النووي: أجمعوا على قتله، واختلفوا في استتابته، فقال الأئمة الأربعة والجمهور: إنه يستتاب، ونقل ابن القصار إجماع الصحابة عليه، وقال أبو يوسف وابن الماجشون وغيرهما: لا يستتاب.\nقلت: المعروف عن المالكية وجوب الاستتابة، صرّح به الزرقاني في شرح \"الموطأ\" كما في \"الأوجز\". وعن الحنفية: استحبابها كما في \"الهداية\" وغيره. قال صاحب \"الهداية\" (^١): وعن الشافعي أن على الإمام أن يؤجله ثلاثة أيام، ولا يحل له أن يقتله قبل ذلك، انتهى.\nقال ابن الهمام (^٢): الصحيح من قولي الشافعي أنه إن تاب في الحال وإلا قتل، انتهى.\nقال ابن قدامة في \"المغني\": لا يقتل المرتد حتى يستتاب ثلاثًا، وهذا قول أكثر أهل العلم، منهم مالك والثوري والأوزاعي وإسحاق وأصحاب الرأي، وهو أحد قولي الشافعي، وروي عن أحمد رواية أخرى أنه لا تجب استتابته لكن تستحب، وهذا القول الثاني للشافعي لقوله - ﷺ -: \"من بدَّل دينه فاقتلوه\"، ولم يذكر استتابته، ثم قال: وإذا ثبت وجوب الاستتابة فمدتها ثلاثة أيام، روي ذلك عن عمر - ﵁ -، وبه قال مالك وأصحاب الرأي، وهو أحد قولي الشافعي، وقال في الآخر: إن تاب في الحال وإلا قتل مكانه، وهذا أصح قوليه، انتهى.\n_________\n(^١) \"الهداية\" (١/ ٤٠٦).\n(^٢) \"فتح القدير\" (٥/ ٣٠٨).","vol":"6","page":594},{"text":"ذكر المصنف ههنا أربعة أحاديث، قال العيني (^١): مطابقتها بالترجمة - أي: بقوله: \"إثم من أشرك بالله. . .\" إلخ - ظاهرة، وقال تحت حديث ابن مسعود الحديث الرابع: مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: \"ومن أساء في الإسلام\" أخذ بالأول والآخر، لأن منهم من قال: المراد بالإساءة في الإسلام الارتداد من الدين، فيدخل في قوله: في إثم من أشرك بالله، انتهى.\nقال الحافظ (^٢): قال ابن بطال (^٣): الآية الأولى، أي: قوله: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] دالة على أنه لا إثم أعظم من الشرك، وأصل الظلم وضع الشيء في غير موضعه، فالمشرك أصل من وضع الشيء في غير موضعه؛ لأنه جعل لمن أخرجه من العدم إلى الوجود مساويًا، فنسب النعمة إلى غير المنعم بها.\nوبسط الحافظ الكلام على تفسير الآية الثانية قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢]، ونقل عن الطيبي أنه قال: وأما معنى اللبس فلبس الإيمان بالظلم أن يصدق بوجود الله، ويخلط به عبادة غيره، ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦]، وعرف بذلك مناسبة ذكر هذه الآية في أبواب المرتد، وكذلك الآية التي صدر بها.\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-4049> باب حكم المرتد والمرتدة)</span>\nأي: هل هما سواء أم لا؟.\nقوله: (واستتابتهم)، قال القسطلاني (^٤): كذا ذكره بعد الآثار\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٦/ ١٩٤ - ١٩٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٢/ ٢٦٥).\n(^٣) \"شرح ابن بطال\" (٨/ ٥٦٩).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ٣٩٣)، وانظر: \"فتح الباري\" (١٢/ ٢٦٨)، و\"عمدة القاري\" (١٦/ ١٩٧).","vol":"6","page":595},{"text":"المذكورة، وقدم ذلك في رواية أبي ذر على ذكر الآثار، وللقابسي: \"واستتابتهما\" بالتثنية، وهو أوجه، ووجه الجمع قال في \"فتح الباري\": على إرادة الجنس، وتعقبه العيني. فقال: ليس بشيء بل هو على قول من يرى إطلاق الجمع على التثنية، وفي هامش النسخة المصرية: قوله: \"واستتابتهم\" أي: المرتد والمرتدة، وجرى في جمعهما على القول بأن أقل الجمع الاثنان، وهو مقدم في نسخة على ما قبله، وهو أنسب، انتهى.\nقلت: ومسألة الباب خلافية شهيرة، وهو البحث الرابع من الأبحاث الخمسة المذكورة في الباب السابق، ففي \"الأوجز\" (^١): قوله - ﷺ -: \"من غيَّر دينه فاضربوا عنقه\" يعم الرجال والنساء أم لا؟ مسألة خلافية.\nقال الموفق (^٢): لا فرق بين الرجال والنساء في وجوب القتل، ويروى ذلك عن أبي بكر وعلي وغيرهما من التابعين، وهو قول مالك والشافعي وإسحاق، وروي عن علي وغيره من بعض التابعين أنها تسترق ولا تقتل؛ لأن أبا بكر استرق نساء بني حنيفة وذراريهم، وأعطى عليًا منهم امرأة، فولدت له محمد ابن الحنفية، وكالن هذا بمحضر من الصحابة فلم ينكر، فكان إجماعًا، وقال أبو حنيفة: تجبر على الإسلام بالحبس والضرب، ولا تقتل، لقوله - ﷺ -: \"لا تقتلوا امرأة\"، ولأنها لا تقتل بالكفر الأصلي، فلا تقتل بالطارئ كالصبي، انتهى من هامش \"اللامع\" (^٣).\nوقال الحافظ في \"الفتح\" (^٤): قال ابن المنذر: قال الجمهور: تقتل المرتدة، وقال علي: تسترق، وقال عمر بن عبد العزيز: تباع بأرض أخرى، وقال الثوري: تحبس ولا تقتل، وأسنده عن ابن عباس، وقال أبو حنيفة: تحبس الحرة ويؤمر مولى الأمة أن يجبرها، انتهى.\nوقال القسطلاني (^٥): روى أبو حنيفة عن عاصم عن أبي رزين عن\n_________\n(^١) \"أوجز المسالك\" (١٤/ ٣١).\n(^٢) \"المغني\" (١٢/ ٢٦٤).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (١٠/ ١٨٩).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٢/ ٢٦٨).\n(^٥) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ٣٩٣).","vol":"6","page":596},{"text":"ابن عباس: \"لا تقتلُ النِّساءُ إذا هُنّ ارتددن\" أخرجه ابن أبي شيبة والدارقطني، وخالفه جماعة من الحفاظ في لفظ المتن، انتهى.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): باب حكم المرتد والمرتدة: أثبت المدعى بالعمومات والإطلاقات، انتهى.\nففي \"هامشه\": أشار الشيخ بذلك إلى دفع ما يرد على الإمام البخاري من أنه ترجم بالجزئين المرتد والمرتدة، وليس في أحاديث الباب ذكر المرتدة، انتهى.\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-4050> باب قتل من أبى قبول الفرائض)</span>\nقال الحافظ (^٢): أي: جواز قتل من امتنع من التزام الأحكام الواجبة والعمل بها، قال المهلب: من امتنع من قبول الفرائض نظر فإن أقرّ بوجوب الزكاة مثلًا أخذت منه قهرًا ولا يقتل، فإن أضاف إلى امتناعه نصب القتال قوتل إلى أن يرجع، قال مالك في \"الموطأ\": الأمر عندنا فيمن منع فريضةً من فرائض الله تعالى فلم يستطع المسلمون أخذها منه كان حقًّا عليهم جهاده، قال ابن بطال (^٣): مراده إذا أقرّ بوجوبها لا خلاف في ذلك، انتهى.\nقال القسطلاني (^٤): قوله: \"وما نسبوا\" ما مصدرية، أي: نسبتهم إلى الردة، وقال الكرماني وتبعه البرماوي: \"ما\" نافية.\nوقال العيني: الأظهر أنها موصولة، والتقدير: وقتل الذين نسبوا إلى الردة، انتهى.\nواختار الحافظ (^٥) كونها مصدرية، وفسّره بقوله: أي: ونسبتهم إلى\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (١٠/ ١٨٩).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٢/ ٢٧٥، ٢٧٦).\n(^٣) \"شرح ابن بطال\" (٨/ ٥٧٧).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ٣٩٩).\n(^٥) \"فتح الباري\" (١٢/ ٢٧٦).","vol":"6","page":597},{"text":"الردة، ثم قال: وأشار بذلك إلى ما ورد في بعض طرق الحديث الذي أورده.\nقال العيني (^١) في شرح ترجمة الباب: وهذا مختلف فيه، فمن أبى أداء الزكاة وهو مقرّ بوجوبها، فإن كان بين ظهرانينا ولم يطلب حربًا ولا امتنع بالسيف، فإنها تؤخذ منه قهرًا، وتدفع للمساكين، ولا يقتل، وإنما قاتل الصديق - ﵁ - مانعي الزكاة؛ لأنهم امتنعوا بالسيف ونصبوا الحرب للأمة، وأجمع العلماء على أن من نصب الحرب في منع فريضة أو منع حقًّا يجب عليه لآدمي وجب قتاله، فإن أبى القتل على نفسه فدمه هدر.\nوأما الصلاة فمذهب الجماعة أن من تركها جاحدًا فهو مرتد فيستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وكذلك جحد سائر الفرائض، واختلفوا فيمن تركها تكاسلًا، إلى آخر ما ذكر من المذاهب، انتهى.\nوقد ذكر الكلام مبسوطًا على شرح حديث الباب في مبدأ \"كتاب الزكاة\" من هامش \"اللامع\" (^٢).\nوتكلم الجصاص في \"أحكام القرآن\" (^٣) تحت قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ الآية [التوبة: ٥]، على ما فعل أبو بكر الصديق - ﵁ - في مانعي الزكاة، وذكر فيه حكم تارك الصلاة والزكاة، والفرق بين من تركها فعلًا وأداءً، ومن تركهما جحدًا وإباءً، وغير ذلك من الأحكام، وقال: من ترك الصلاة عامدًا وأصرّ عليه، ومنع الزكاة جاز للإمام حبسه، فحينئذٍ لا يجب تخليته إلا بعد فعل الصلاة وأداء الزكاة، فانتظمت الآية حكم إيجاب قتل المشرك وحبس تارك الصلاة ومانع الزكاة بعد الإسلام حتى يفعلهما، انتهى.\nوكلامه هذا صريح في أنه لا فرق عندنا بين مانع الصلاة ومانع الزكاة في هذا الحكم.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٦/ ٢٠٢).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٥/ ٦ - ١٥).\n(^٣) \"أحكام القرآن\" (٣/ ٨٢، ٨٣).","vol":"6","page":598},{"text":"(٤ -<span data-type='title' id=toc-4051> باب إذا عرض الذمي وغيره بسبّ النبي - ﷺ </span>-)\nفسّر القسطلاني (^١) الذمي باليهودي والنصراني، ثم قال: \"وغيره\" أي: غير الذمي كالمعاهد ومن يظهر إسلامه، \"وعرّض\" بتشديد الراء، أي: كنّى، ولم يصرح، انتهى.\nقال الحافظ (^٢) في ذكر مناسبة الحديث بالترجمة: واعترض بأن هذا اللفظ ليس فيه تعريض بالسبّ، والجواب أنه أطلق التعريض على ما يخالف التصريح، ولم يرد التعريض المصطلح، وهو أن يستعمل لفظًا في حقيقته يلوخ به إلى معنى آخر يقصده.\nوقال ابن المنيِّر (^٣): حديث الباب يطابق الترجمة بطريق الأولى؛ لأن الجرح أشدّ من السبّ، فكأن البخاري يختار مذهب الكوفيين في هذه المسألة. قال الحافظ: وفيه نظر؛ لأنه لم يبت الحكم، انتهى.\nقال العيني (^٤): والظاهر أن البخاري اختار مذهب الكوفيين، فإن عندهم من سبّ النبي - ﷺ - أو عابه فإن كان ذميًا عزر ولا يقتل، وهو قول الثوري، وقال أبو حنيفة: إن كان مسلمًا صار مرتدًا بذلك، وإن كان ذميًا لا ينتقض عهده، وقال الطحاوي: وقول اليهودي لرسول الله - ﷺ -: السام عليك، لو كان مثل هذا الدعاء من مسلم لصار به مرتدًّا يقتل، ولم يقتل الشارع الفاعل به من اليهود؛ لأن ما هم عليه من الشرك أعظم من سبّه، انتهى.\nقلت: وحاصل ما سيأتي من مجموع المذاهب الأئمة الأربعة في مسألة الباب أن الذمي المذكور يقتل عند الجمهور، ولذا أوّلوا عدم قتله - ﷺ - اليهود بقولهم: السام عليك، بوجوه من التأويلات، كما في الشروح،\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ٤٠٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٢/ ٢٨١).\n(^٣) \"المتواري\" (ص ٣٥٤).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٦/ ٢٠٣، ٢٠٤).","vol":"6","page":599},{"text":"ومن جملتها ما قالوا: إنه لم يوجد ههنا معنى السبّ والطعن، بل هو دعاء عليه بالموت، ولكن على هذا يشكل مطابقة الحديث بترجمة الباب كما لا يخفى، ولو قلنا: إنّ البخاري اختار في هذه المسألة مسلك الحنفية فلا يرد شيء من الإيراد على عدم تعرضه - ﷺ - لهذا اليهودي ولا من حيث مطابقة الحديث بالترجمة فتدبر.\nوأما مسألة سبّ النبي - ﷺ - فخلافية بين العلماء.\nقال الحافظ (^١): قال ابن بطال (^٢): اختلف العلماء فيمن سبّ النبي - ﷺ -، فأما أهل العهد والذمة كاليهود فقال ابن القاسم عن مالك: يقتل إلا أن يسلم، وأما المسلم فيقتل بغير استتابة، ونقل ابن المنذر عن الليث والشافعي وأحمد وإسحاق مثله في حق اليهودي ونحوه، وعن مالك في المسلم: هي ردة يستتاب منها، وعن الكوفيين: إن كان ذميًا عزر، وإن كان مسلمًا فهي ردة، انتهى.\nقلت: وتحقيق مذاهب الأئمة الأربعة في هذه المسألة على ما في كتب فروعهم هكذا، أما مسلك الشافعية ففي \"شرح الإقناع\" (^٣) وحاشيته في ذكر أسباب الردة: أو كذب رسولًا أو نبيًا أو سبّه أو استخف به أو باسمه إلى أن قال: ومن ارتد عن دين الإسلام بشيء مما تقدم بيانه استتيب وجوبًا قبل قتله ثلاثة أيام، فإن تاب صحّ إسلامه وترك وإلا قتل، انتهى.\nقلت: وهذا في المسلم، وأما في حق الذمي ففيه أيضًا في موضع آخر (^٤): فلو خالفوا - الشرائط المذكورة - فطعنوا في دين الإسلام أو في القرآن أو ذكروا رسول الله - ﷺ - بما لا يليق بقدره العظيم عزّروا، والأصح أنه إن شرط انتقاض العهد بذلك انتقض وإلا فلا، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٢/ ٢٨١).\n(^٢) \"شرح ابن بطال\" (٨/ ٥٨٠).\n(^٣) \"شرح الإقناع\" (٢/ ٢٤٧).\n(^٤) \"شرح الإقناع\" (٢/ ٢٦٥).","vol":"6","page":600},{"text":"وكذا قال النووي في \"المنهاج\" (^١): الأصح أنه إن شرط انتقاض العهد بها انتقض وإلا فلا، انتهى.\nوأما مذهب المالكية فكما تقدم عن ابن بطال في كلام الحافظ، وهكذا في كتب فروعهم ففي \"الشرح الكبير\" (^٢): وإن سبّ مكلّف نبيًا، أو عرّض أو لعنه أو استخف بحقه قتل، ولم يستتب حدًا إن تاب وإلا قتل كفرًا إلا أن يسلم الكافر فلا يقتل، أي: أن الساب يقتل مطلقًا ما لم يكن كافرًا فيسلم؛ لأن الإسلام يجبُّ ما قبله، انتهى.\nوفيه أيضًا في موضع آخر (^٣) في بيان أهل الذمة: وينتقض عهده بقتال وبسبّ نبي بما لم يكفر به، أي: بما لا يقر عليه، وقتل إن لم يسلم، انتهى.\nوأما مذهب الحنابلة ففي \"الروض المربع\" (^٤): ولا تقبل في الدنيا توبة من سبّ الله تعالى، أو سبّ رسوله سبًّا صريحًا أو تنقصه، بل يقتل لكل حال، انتهى.\nوقال في أحكام أهل الذمة: فإن ذكر الله أو رسوله أو كتابه بسوء انتقض عهده وحل دمه وماله، وإن أسلم حرم قتله، انتهى.\nوأما مذهب الحنفية فقد بسط الكلام عليه صاحب \"الدر المختار\" وشارحه ابن عابدين، ففي \"الدر المختار\" (^٥): وكل مسلم ارتد فتوبته مقبولة إلا الكافر بسبّ نبي من الأنبياء، فإنه يقتل حدًّا ولا تقبل توبته مطلقًا، أي: سواء جاء تائبًا بنفسه أو شهد عليه بذلك.\nوبسط الكلام على المسألة ابن عابدين أشدّ البسط، وقال: ورأيت في \"كتاب الخراج\" لأبي يوسف ما نصه: وأيما رجل مسلم سبّ رسول الله - ﷺ -\n_________\n(^١) انظر: \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٦/ ٣١١).\n(^٢) \"الشرح الكبير\" (٤/ ٣٠٩، ٣١٠).\n(^٣) \"الشرح الكبير\" (٢/ ٢٠٤، ٢٠٥).\n(^٤) \"الروض المربع\" (ص ٥٦٢ - ٥٧٣).\n(^٥) \"رد المحتار\" (٦/ ٣٧٠ - ٣٧٣).","vol":"6","page":601},{"text":"أو كذبه أو عابه أو تنقصه فقد كفر بالله تعالى، وبانت منه امرأته، فإن تاب وإلا قتل، وكذلك المرأة، إلا أن أبا حنيفة قال: لا تقتل المرأة، وتجبر على الإسلام، انتهى.\nوهذا في حق المسلم، وأما الذمي ففي \"الدر المختار\" (^١) في باب الجزية: ولا ينتقض عهده بسبِّ النبي - ﷺ -، قال ابن عابدين: أي: إذا لم يعلن، فلو أعلن بشتمه أو اعتاده قتل، ولو امرأة، وبه يفتى اليوم، وهذا إن لم يشترط انتقاضه به، أما إذا شرط انتقض به، انتهى.\nقال في موضع آخر (^٢) في بيان أسباب الرد: والحاصل: أنه لا شك ولا شبهة في كفر شاتم النبي - ﷺ -، وفي استباحة قتله، وهو المنقول عن الأئمة الأربعة، وإنما الخلاف في قبول توبته إذا أسلم، فعندنا - وهو المشهور عند الشافعية - القبول، وعند المالكية والحنابلة عدمه، بناءً على أن قتله حدًا أو لا؟ انتهى.\nقلت: وهذا الذي ذكره ابن عابدين من مذاهب الأئمة الأربعة موافق لما تقدم من كتبهم، وأما مذاهبهم في حق الذمي فحاصل ما تقدم من كتبهم أنه ينتقض به عهده عند المالكية والحنابلة مطلقًا فيقتل عندهما، وأما عند الشافعية والحنفية فإن شرط انتقاض العهد به انتقض وإلا فلا، ففي ما إذا انتقض عهدهم عندنا الحنفية التعزير كما في \"الدر المختار\"، وعند الشافعي يخير الإمام في المن والفداء والرق والقتل، كما في \"شرح الإقناع\"، وقد أفرد بعض العلماء هذه المسألة بالتصنيف، فقد صنف الشيخ تقي الدين السبكي كتابًا باسم \"السيف المسلول على من سبّ الرسول - ﷺ -\"، وسبقه في ذلك شيخ الإسلام أحمد بن تيمية الحنبلي برسالة مستقلة سماها \"الصارم المسلول على شاتم الرسول - ﷺ -\".\n_________\n(^١) \"رد المحتار\" (٦/ ٣٤٤).\n(^٢) \"رد المحتار\" (٦/ ٣٧٨).","vol":"6","page":602},{"text":"(٥ -<span data-type='title' id=toc-4052> باب)</span>\nبغير ترجمة، قال الحافظ (^١): كذا للأكثر بغير ترجمة، وحذفه ابن بطال، فصار حديث ابن مسعود المذكور فيه من جملة الباب الذي قبله، واعترض بأنه إنما ورد في قوم كفار أهل حرب والنبي - ﷺ - مأمور بالصبر على الأذى منهم، فلذلك امتثل أمر ربه.\nقال الحافظ: فهذا يقتضي ترجيح صنيع الأكثر من جعله في ترجمة مستقلة، لكن تقدم التنبيه على أن مثل ذلك وقع كالفصل من الباب الذي قبله، فلا بد له من تعلق به في الجملة، والذي يظهر أنه أشار بإيراده إلى ترجيح القول بأن ترك قتل اليهود لمصلحة التأليف؛ لأنه إذا لم يؤخذ الذي ضربه حتى جرحه بالدعاء عليه ليهلك بل صبر على أذاه، وزاد: فدعا له، فلأن يصبر على الأذى بالقول أولى، ويؤخذ منه ترك القتل بالتعريض بطريق الأولى، انتهى.\n\n(٦ -<span data-type='title' id=toc-4053> باب قتال الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم. . .) إلخ</span>\nوبسط الحافظ (^٢) الكلام على تعريف الخوارج، وذكر شيئًا من معتقداتهم فارجع إليه لو شئت، وقال أيضًا: قال الغزالي في \"الوسيط\" تبعًا لغيره: في حكم الخوارج وجهان: أحدهما: أنه كحكم أهل الردة، والثاني: أنه كحكم أهل البغي، ورجّح الرافعي الأول، وليس الذي قاله مطردًا في كل خارجي فإنهم على قسمين، إلى آخر ما ذكر.\nولم أجد في \"الفتح\" ههنا الكلام على شرح ترجمة الإمام البخاري وتوضيح مراده، نعم تعرض لذلك العلامة القسطلاني (^٣) إذ قال: قال\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٢/ ٢٨٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٢/ ٢٨٣ - ٢٨٦).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ٤٠٨، ٤٠٩).","vol":"6","page":603},{"text":"ابن بطال: ذهب جمهور العلماء إلى أن الخوارج غير خارجين من جملة المسلمين، واستنبط ذلك من ألفاظ الحديث فارجع إليه.\nثم قال: وفي الحديث أنه لا يجوز قتال الخوارج وقتلهم إلا بعد إقامة الحجة عليهم بدعائهم إلى الرجوع إلى الحق والإعذار إليهم، وإلى ذلك أشار البخاري في الترجمة بالآية المذكورة فيها، واستدل به لمن قال بتكفير الخوارج، وهو مقتضى صنيع البخاري في الترجمة حيث قرنهم بالملحدين، وأفرد عنهم المتأولين بترجمة، واستدل القاضي أبو بكر ابن العربي لتكفيرهم بقوله في الحديث: \"يمرقون من الإسلام\"، وبقوله: \"أولئك هم شرار الخلق\".\nوقال الشيخ تقي الدين السبكي في \"فتاويه\": احتج من كفر الخوارج وغلاة الروافض بتكفيرهم أعلام الصحابة لتضمنه تكذيب النبي - ﷺ - في شهادته لهم بالجنة، قال: وهو عندي احتجاج صحيح، وذهب أكثر أهل الأصول من أهل السُّنَّة إلى أن الخوارج فساق، وأن حكم الإسلام يجري عليهم لتلفظهم بالشهادتين ومواظبتهم على أركان الإسلام، وإنما فسقوا بتكفيرهم المسلمين مستندين إلى تأويل فاسد، وجرّهم ذلك إلى استباحة دماء مخالفيهم وأموالهم والشهادة عليه بالكفر والشرك.\nوقال القاضي عياض: كادت هذه المسألة أن تكون أشد إشكالًا عند المتكلمين من غيرها حتى سأل الفقيه عبد الحق أبا المعالي عنها، فاعتذر بأن إدخال كافر في الملة وإخراج مسلم منها عظيمة في الدين، وقال: \"وقد توقف قبله القاضي أبو بكر الباقلاني، وقال: لم يصرّح القوم بالكفر وإنما قالوا أقوالًا لا تؤدّي إلى الكفر\"، وقال الغزالي في \"كتاب التفرقة بين الإيمان والزندقة\": الذي ينبغي الاحتراز عن التكفير ما وجد إليه سبيل، فإن استباحة دماء المسلمين المصلين والمقرين بالتوحيد خطأ، والخطأ في ترك ألف كافر في الحياة أهون من الخطأ في سفك دم مسلم واحد، انتهى من \"القسطلاني\".","vol":"6","page":604},{"text":"وفي \"الفيض\" (^١): وكان مالك يفتي بكفر الخوارج، والملحدون: هم الذين يؤوّلون في ضرورات الدين لإجراء أهوائهم، انتهى.\nوفي هامش المصرية: الخوارج هم الذين خرجوا عن الدين وعلى علي بن أبي طالب في قصته مع معاوية، وقوله: \"والملحدين\" أي: المائلين عن الحق إلى الباطل، وقوله: \"بعد إقامة الحجة عليهم\" أي: بإظهار بطلان دلائلهم، انتهى.\nثم لا يخفى عليك ما اشتهر في كتب فقهنا أن من كان فيه تسع وتسعون وجهًا من الكفر ووجه من الإسلام أنه لا يحكم عليه بالكفر تكلم عليه صاحب \"الفيض\" (^٢) وبين ما هو المراد به، فارجع إليه لو شئت.\n\n(٧ -<span data-type='title' id=toc-4054> باب من ترك قتال الخوارج للتألف وإلا ينفر الناس عنه)</span>\nقد تقدم من كلام القسطلاني أن ميل الإمام البخاري كما هو مقتضى صنيعه إلى كفر الخوارج، كما نقل عن مالك أيضًا، وقد تقدم ولما كان يرد على هذا عدم قتاله - ﷺ - برأس الخوارج المذكور في حديث الباب أشار إلى تأويله وتوجيهه لئلا يخالف مختاره، ثم رأيت \"الفيض\" (^٣) فإنه أيضًا أشار إلى ذلك، إذ قال: أراد البخاري التنبيه على بيان التوجيه لعدم قتل ذي الخويصرة رأس الخوارج، فذكر له تأويلًا، وهذا الباب مخصوص بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يجوز العمل به لغيرهم، انتهى.\nوقال العيني (^٤): قال المهلب: التألف إنما كان في أول الإسلام إذ كانت الحاجة ماسة إليه لدفع مضرتهم، فأما اليوم فقد أعلى الله الإسلام فلا يجب التألف إلا أن ينزل بالناس جميعهم حاجة لذلك فلإمام الوقت\n_________\n(^١) \"فيض الباري\" (٦/ ٤٠٤).\n(^٢) \"فيض الباري\" (٦/ ٤٠١، ٤٠٢).\n(^٣) \"فيض الباري\" (٦/ ٤٠٦).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٦/ ٢١١).","vol":"6","page":605},{"text":"ذلك، وقال ابن بطال: لا يجوز ترك قتال من خرج على الأمة، وشقّ عصاها، وأما ذو الخويصرة فإنما ترك الشارع قتله؛ لأنه عذره لجهله، وأخبر أنه من قوم يخرجون ويمرقون من الدين، فإذا خرجوا وجب قتالهم، انتهى.\n\n(٨ -<span data-type='title' id=toc-4055> باب قول النبي - ﷺ -: لن تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^١): كذا ترجم بلفظ الخبر، وسيأتي شرحه في \"كتاب الفتن\"، والمراد بالفئتين جماعة علي وجماعة معاوية، والمراد بالدعوة الإسلام على الراجح، وقيل: المراد اعتقاد كل منهما أنه على الحق، انتهى.\nوهكذا قال العلامة العيني (^٢)، واقتصر العلامة القسطلاني (^٣) في تفسير الدعوة على المعنى الأخير.\nقال العيني (^٤): قال الداودي: هاتان الفئتان هما - إن شاء الله - أصحاب الجمل، زعم علي بن أبي طالب أن طلحة والزبير بايعاه، فتعلق بذلك، وزعم طلحة والزبير أن الأشتر النخعي أكرههما على المشي إلى علي رضي الله تعالى عنه وعنهم، وقد جاء في الكتاب والسُّنَّة الأمر بقتال الفئة الباغية إذا تبين بغيها، وقال الله تعالى: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى﴾ الآية [الحجرات: ٩]، انتهى.\nوأما تعلق هذه الترجمة بكتاب المرتدين فلم يتعرض له العيني والقسطلاني، وتعرض له الحافظ (^٥) إذ قال: وأورده هنا للإشارة إلى ما وقع في بعض طرقه كما عند الطبري، وزاد في آخره: \"فبينما هم كذلك إذ مرقت\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٢/ ٣٠٣).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٦/ ٢١٣).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ٤١٣).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٦/ ٢١٣، ٢١٤).\n(^٥) \"فتح الباري\" (١٢/ ٣٠٣).","vol":"6","page":606},{"text":"مارقة يقتلها أولى الطائفتين بالحق\" فبذلك تظهر مناسبته لما قبله، والله أعلم، انتهى.\n\n(٩ -<span data-type='title' id=toc-4056> باب ما جاء في المتأولين)</span>\nفي هامش المصرية عن \"شيخ الإسلام\" (^١): أي: بيان ما جاء من الأخبار في حق المتأولين، ولا خلاف أن المتأول معذور بتأويله إن كان تأويله سائغًا، ألا ترى أنه - ﷺ - لم يعنف عمر على فعله كما سيأتي، انتهى.\nوفي \"الفيض\" (^٢): ومما ينبغي أن يعلم أن التأويل إنما يقبل في غير ضروريات الدين، وأما فيها فلا يسمع، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى رسالتنا \"إكفار الملحدين في شيء من ضروريات الدين\"، انتهى.\nوقال الحافظ (^٣): تقدم في \"باب من أكفر أخاه بغير تأويل\" من \"كتاب الأدب\"، وفي الباب الذي يليه \"من لم ير إكفار من قال ذلك متأولًا\" وبيان المراد بذلك، والحاصل أن من أكفر المسلم نظر، فإن كان بغير تأويل استحق الذم، وربّما كان هو الكافر، وإن كان بتأويل نظر إن كان غير سائغ استحق الذم أيضًا، فلا يصل إلى الكفر بل يبين له وجه خطئه ويزجر بما يليق به، ولا يلتحق بالأول عند الجمهور، وإن كان بتأويل سائغ لم يستحق الذم بل تقام عليه الحجة حتى يرجع إلى الصواب، قال العلماء: كل متأول معذور بتأويله، وزاد [العيني (^٤)]: ألا يرى أنه - ﷺ - لم يعنف عمر بن الخطاب - ﵁ - في تلبيبه بردائه على ما يجيء الآن في حديثه، وعزره في ذلك لصحة مراد عمر واجتهاده، وكذلك يجيء في بقية أحاديث الباب، انتهى.\nوبراعة الاختتام في قوله: \"دعني فلأضرب عنقه\"، وأيضًا في قوله: \"فقال: اعملوا ما شئتم فقد أوجبت لكم الجنة\".\n_________\n(^١) \"تحفة الباري\" (٦/ ٣٨٠).\n(^٢) فيض الباري\" (٦/ ٤٠٨).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٢/ ٣٠٤).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٦/ ٢١٤).","vol":"6","page":607},{"text":"٨٩ -<span data-type='title' id=toc-4057> كتاب الإكراه</span>\nومناسبة هذا الكتاب بما قبله ما قال الحافظ (^١): ولما كان المرتد قد لا يكفر إذا كان مكرهًا، قال: \"كتاب الإكراه\" وكان المكره قد يضمر في نفسه حيلةً دافعةً، فذكر الحيل ما يحل منها وما يحرم، انتهى.\nوقد تقدم الكلام على مناسبة الترتيب بين الكتب والأبواب في مقدمة \"اللامع\" (^٢).\nقال الحافظ (^٣): الإكراه هو إلزام الغير بما لا يريده، وشروط الإكراه أربعة: الأول: أن يكون فاعله قادرًا على إيقاع ما يهدد به، والمأمور عاجزًا عن الدفع ولو بالفرار، الثاني: أن يغلب على ظنه أنه إذا امتنع أوقع به ذلك، الثالث: أن يكون ما هدده به فوريًّا، فلو قال: إن لم تفعل كذا ضربتكم غدًا لا يعد مكرهًا، ويستثنى ما إذا ذكر زمنًا قريبًا جدًّا، أو جرت العادة بأنه لا يخلف، الرابع: أن لا يظهر من المأمور ما يدل على اختياره، إلى آخر ما بسط.\nوفي \"الدر المختار\" (^٤): والإكراه نوعان: تام وهو الملجئ بتلف نفس أو عضو أو ضرب مبرح، وإلا فناقص وهو غير الملجئ، وشرطه أربعة أمور، إلى آخر ما بسط.\nوبسط الكلام على أنواعه وفروعه في \"البدائع\" (^٥) و\"أصول البزدوي\" (^٦)، ففيه: الإكراه ثلاثة أنواع: نوع: يعدم الرضا ويفسد الاختيار وهو الملجئ، ونوع: يعدم الرضا ولا يفسد الاختيار وهو الذي لا يلجئ،\n_________\n(^١) مقدمة \"فتح الباري\" (ص ٤٧٤).\n(^٢) \" لامع الدراري\" (١/ ٢٨٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٢/ ٣١١).\n(^٤) \"رد المحتار\" (٩/ ١٧٧، ١٧٨).\n(^٥) \"بدائع الصنائع\" (٦/ ١٨٤).\n(^٦) \"أصول البزدوي\" (ص ٣٥٧).","vol":"6","page":608},{"text":"ونوع آخر: لا يعدم الرضا وهو أن يهتم بحبس أبيه أو ولده، ثم قال: والإكراه بجملته لا ينافي أهلية، ولا يوجب وضع الخطاب بحال لأن المكره مبتلى، والابتلاء يحقق الخطاب، إلى أن قال: فثبت بهذه الجملة أن الإكراه لا يصلح لإبطال حكم شيء من الأقوال والأفعال جملة إلا بدليل غيره على مثال فعل الطائع، انتهى.\nوقال الكرماني (^١): والإكراه الإلزام على خلاف المراد، وهو يختلف باختلاف المكره والمكره عليه والمكره به، انتهى.\nثم إن الإمام البخاري - ﵀ ورضي عنه - قد شدّد الكلام على الإمام الهمام أبي حنيفة في هذا الكتاب، وكذا في \"كتاب الحيل\" كما سترى، وسيأتي بقية الكلام عليه في محله في \"باب إذا أكره حتى وهب عبدًا. . .\" إلخ.\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-4058> باب قول الله - ﷿ -: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل:</span> ١٠٦])\nهكذا في النسخة الهندية التي بأيدينا بإثبات لفظ الباب قبل الآية، وليس في شيء من نسخ الشروح الأربعة ههنا لفظة \"باب\"، ولم يتعرضوا له أيضًا.\nقال القسطلاني (^٢): قال ابن جرير: أخذ المشركون عمار بن ياسر فعذبوه حتى قاربهم في بعض ما أرادوا، فشكا ذلك إلى النبي - ﷺ -، فقال النبي - ﷺ -: \"كيف تجد قلبك؟ \" قال: مطمئنًا بالإيمان، قال النبي - ﷺ -: \"إن عادوا فعد\" ورواه البيهقي بأبسط منها، وفيه: أنه سبّ النبي - ﷺ - وذكر آلهتهم بخير، فذكر ذلك لرسول الله - ﷺ - فقال: \"كيف تجد قلبك؟ \" قال: مطمئنًا بالإيمان قال: \"إن عادوا فعد\" وفي ذلك أنزل الله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾،\n_________\n(^١) \"شرح الكرماني\" (٢٤/ ٦١).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ٤٢٢، ٤٢٣).","vol":"6","page":609},{"text":"ومن ثم اتفق على أنه يجوز أن يواطئ المكره على الكفر إبقاءً لمهجته، والأفضل والأولى أن يثبت المسلم على دينه ولو أفضى إلى قتله.\nوعند ابن عساكر في ترجمة عبد الله بن حذافة السهمي أحد الصحابة - ﵃ - أنه أسرته الروم، فجاؤا به إلى ملكهم، فقال له: تنصر وأنا أشركك في ملكي وأزوجك ابنتي فقال له: لو أعطيتني جميع ما تملك وجميع ما تملك العرب على أن أرجع عن دين محمد - ﷺ - طرفة عين ما فعلت، فقال: إذًا أقتلك قال: أنت وذاك، قال: فأمر به فصلب، وأمر الرماة فرموه قريبًا من يديه ورجليه وهو يعرض عليه دين النصرانية فيأبى، ثم أمر به فأنزل، ثم أمر بقدر - وفي رواية ببقرة - من نحاس، فأحميت وجاء بأسير من المسلمين فألقاه، وهو ينظر فإذا هو عظام تلوح، وعرض عليه فأبى، فأمر به أن يلقى فيها فرفع في البكرة ليلقى فيها فبكى فطمع فيه ودعاه، فقال: إني إنما بكيت لأن نفسي إنما هي نفس واحدة تلقى في هذا القدر الساعة في الله، وأحببت أن يكون لي بعدد كل شعرة في جسدي نفس تعذب هذا العذاب في الله، وروي أنه قبّل رأسه وأطلقه وأطلق معه جميع أسارى المسلمين عنده، فلما رجع قال عمر بن الخطاب - ﵁ -: حق على كل مسلم أن يقبّل رأس عبد الله بن حذافة، وأنا أبدأ، فقال: فقبّل رأسه، انتهى من \"القسطلاني\"، وهكذا في التفسير لابن كثير (^١).\nوقال الحافظ (^٢): والمشهور أن الآية المذكورة نزلت في عمار بن ياسر، ثم ذكر عدة روايات، فارجع إليه لو شئت.\n\n(١<span data-type='title' id=toc-4059> م - باب من اختار الضرب والقتل والهوان على الكفر)</span>\nقال الحافظ (^٣): تقدمت الإشارة إلى ذلك في الباب الذي قبله، وأن\n_________\n(^١) \"تفسير ابن كثير\" (٨/ ٣٦٠) ط: مؤسسة قرطبة.\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٢/ ٣١٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٢/ ٣١٦).","vol":"6","page":610},{"text":"بلالًا كان ممن اختار الضرب والهوان على التلفظ بالكفر، وكذلك خباب المذكور في هذا الباب ومن ذكر معه، وأن والدي عمار ماتا تحت العذاب، ولما لم يكن ذلك على شرط الصحة اكتفى المصنف بما يدلّ عليه، انتهى.\nوتقدم في الباب السابق عن القسطلاني أنهم اتفقوا على أنه يجوز له إِجراء كلمة الكفر، والأفضل والأولى أن يثبت المسلم على دينه، ولو أفضى إلى قتله، وهكذا نقل الاتفاق على الجواز الحافظ ابن كثير في \"تفسيره\"، ويستفاد من كلام الحافظ في \"الفتح\" أن فيه بعض خلاف، فقد نقل عن ابن التِّين بأن العلماء متفقون على اختيار القتل على الكفر، وقال: ونقل عن المهلب: أن قومًا منعوا من ذلك، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، إلى آخر ما في \"الفتح\".\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-4060> باب في بيع المكره ونحوه في الحق وغيره)</span>\nقال الحافظ (^١): قال الخطابي: استدل البخاري بحديث الباب على جواز بيع المكره، والحديث ببيع المضطر أشبه، فإن المكره على البيع هو الذي يحمل على بيع الشيء شاء أو أبى، واليهود لو لم يبيعوا أرضهم لم يلزموا بذلك، ولكنّهم شحوا على أموالهم، فاختاروا بيعها، فصاروا كأنهم اضطروا إلى بيعها، كمن رهقه دين فاضطر إلى بيع ماله، فيكون جائزًا، ولو أكرهه عليه لم يجز، قلت: لم يقتصر البخاري في الترجمة على المكره، وإنما قال: بيع المكره ونحوه، فدخل في ترجمته المضطر، وكأنه أشار إلى الردّ على من لا يصحح بيع المضطر، انتهى من \"الفتح\".\nوفي \"الفيض\" (^٢): قوله: \"ونحوه\" فسّره العيني بالمضطر، ليعمّ الإكراه الفقهي وغيره؛ كالبيع في أيام القحط، فإن الناس يتبايعون فيها بالغبن الفاحش، ولا يسمى ذلك إكراهًا فقهيًا، فهو إذن بيع المضطر، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٢/ ٣١٧).\n(^٢) \"فيض الباري\" (٦/ ٤١١).","vol":"6","page":611},{"text":"وهذا البحث متعلق بالجزء الأول من الترجمة أعني قوله: \"المكره ونحوه\"، وأما ما يتعلق بالجزء الثاني وهو قوله: \"في الحق وغيره\".\nفقال الحافظ (^١): قال ابن المنيِّر (^٢): ترجم بالحق وغيره ولم يذكر إلا الشق الأول، ويجاب بأن مراده بالحق الدين وبغيره ما عداه مما يكون بيعه لازمًا؛ لأن اليهود أكرهوا على بيع أموالهم لا لدين عليهم، انتهى.\nكذا قال، ويرد عليه أنه على هذا ينعكس الإيراد لأنه يثبت على هذا الشق الثاني من الترجمة دون الأول، ثم قال الحافظ: قلت: ويحتمل أن يكون المراد بقوله: \"وغيره\" الدين، فيكون من الخاص بعد العام، وإذا صحّ البيع في الصورة المذكورة وهو سبب غير مالي فالبيع في الدين وهو سبب مالي أولى، انتهى. هذا ما قاله الشراح في شرح هذه الترجمة.\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٣) مما يتعلق بالجزء الثاني من جزئي الترجمة حيث قال: إما أن يراد بالحق الحق المالي، أي: الدين ومثله، فالمعنى هذا بيان بيع المكره مملوكه في أداء حق الدائن وغيره من ذوي الحقوق، أو الحق ههنا هو الحق مقابل الباطل، أي: هذا بيان بيع المكره مملوكه فيما هو موافق للشريعة، ولا يكون باطلًا، والترجمة ثابتة بكلا معنييها بقوله: فمن وجده بماله فليبعه، فإن بيعهم هذا كان بحق، وأما إثبات الجزء الثاني من جزئي الترجمة فبقوله: \"إنما الأرض لله ورسوله\" فإنهم لو قصدوا بيع شيء من الأراضي كان بيعًا بغير الحق وفي الباطل، والله ولي التوفيق، انتهى.\nولله در الشيخ قُدِّس سرُّه فإنه قد استوفى حق الترجمة شرحًا وإيضاحًا بعبارة موجزة مفصحة، وهذا المعنى الثاني للحق اختاره صاحب \"الفيض\" أيضًا، وفيه (^٤): كما أن النبي - ﷺ - أكره اليهود على الجلاء، وكان على الحق\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٢/ ٣١٧).\n(^٢) \"المتواري\" (ص ٣٣٧).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٢٠٠، ٢٠١).\n(^٤) \"فيض الباري\" (٦/ ٤١١، ٤١٢).","vol":"6","page":612},{"text":"في ذلك، ثم قال: وليس هذا إكراهًا فقهًا، فإنه تحقق لو كان النبي - ﷺ - هدّدهم بقتل أنفسهم أو بقطع عضوهم، وإذ ليس، فليس، انتهى.\nثم مسألة الباب أعني بيع المكره خلافية، وقد تقدم عن الحافظ أن ميل المصنف إلى جوازه، واختلف الأئمة في ذلك كما في فروعهم، فمذهب الحنفية ما قال ابن عابدين (^١): قدمنا أن بيع المكره فاسد موقوف على إجازة البائع، وقول صاحب \"الكنز\": البيع مبادلة المال بالمال بالتراضي غير مرضي لأنه يخرج بيع المكره إلى آخر ما بسط، وفي \"البدائع\" (^٢): لا يصح بيع المكره إذا باع مكرهًا، وسلم مكرهًا لعدم الرضا، فأما إذا باع مكرهًا، وسلم طائعًا، فالبيع صحيح، انتهى.\nومذهب الشافعية ما في \"شرح الإقناع\" (^٣): ويشترط أيضًا عدم إكراه بغير حق، فلا يصح عقد مكره في ماله لغير حق لعدم رضاه، ويصح بحق كأن توجه عليه بيع ماله لوفاء دين، فأكرهه الحاكم عليه، انتهى.\nوكذا عند الحنابلة بيع المكره باطل ففي \"نيل المآرب\" (^٤): وشروطه سبعة: أحدها الرضاء به من المتبايعين، فلا يصح بيع المكره بغير حق كالذي يستولي على ملك رجل بلا حق فيطلبه، فيجحده إياه حتى يبيعه، أما إن أكره بحق كالذي يكرهه الحاكم على بيع ماله لوفاء دينه فبيعه صحيح، انتهى.\nومذهب المالكية كما في \"مختصر الخليل\" (^٥) وشرحه: لا إن أجبر عليه جبرًا حرامًا، وهو ما ليس بحق فيصح ولا يلزم، قال شارحه: وأما لو أجبر على البيع جبرًا حلالًا كان البيع لازمًا كجبره على بيع الدار بتوسعة المسجد أو الطريق أو لوفاء دين إلى آخر ما بسط، وفي\n_________\n(^١) \"رد المحتار\" (٧/ ١٨).\n(^٢) \"بدائع الصنائع\" (٤/ ٣٨٨، ٣٨٩).\n(^٣) \"شرح الإقناع\" (٢/ ٥).\n(^٤) \"نيل المآرب\" (١/ ٣٣٢، ٣٣٣).\n(^٥) انظر: \"الخرشي على مختصر سيدي خليل\" (٥/ ٩).","vol":"6","page":613},{"text":"\"الميزان\" (^١) للشعراني: ومن ذلك قول الأئمة الثلاثة أنه لا يصحّ بيع المكره مع قول أبي حنيفة بصحته، انتهى.\nقلت: والتحقيق أن بيع المكره باطل عند الجمهور، وأما عندنا الحنفية ففاسد موقوف على إجازة البائع، وهم لا يفرقون بين الباطل والفاسد بخلاف الحنفية، فعندنا فرق بين الباطل والفاسد كما تقرر في محله، وأفاد صاحب \"الفيض\" (^٢) أن بيع المكره موقوف عندنا بخلاف الطلاق؛ لأنه من الإسقاطات، والبيع من الإثباتات فيتوقف، انتهى.\nوأما بيع المضطر كما أشار إليه المصنف بقوله: \"ونحوه\" فنقل شيخنا في \"البذل\" (^٣) عن \"الدر المختار\" (^٤): أن بيع المضطر وشراءه فاسد، قال الشامي: هو أن يضطر الرجل إلى طعام أو شراب أو غيرها، ولا يبيعها البائع إلا بأكثر من ثمنها بكثير، وكذلك في الشراء منه، انتهى.\nوفيه أيضًا عن الخطابي أن بيع المضطر جائز، أي: عند الشافعي لكنه مكروه بل ينبغي أن يعان ويقرض ويستمهل له إلى الميسرة، انتهى.\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-4061> باب لا يجوز نكاح المكره. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٥): قال ابن بطال (^٦): ذهب الجمهور إلى بطلان نكاح المكره، وأجازه الكوفيون، قالوا: فلو أكره رجل على تزويج امرأة بعشرة آلاف وكان صداق مثلها ألفًا صحّ النكاح، ولزمته الألف وبطل الزائد، قال: فلما أبطلوا الزائد بالإكراه كان أصل النكاح بالإكراه أيضًا باطلًا، انتهى.\nفلو كان راضيًا بالنكاح وأكره على المهر كانت المسألة اتفاقية يصح العقد ويلزم المسمى بالدخول، انتهى.\n_________\n(^١) \"الميزان\" (٣/ ٢٧).\n(^٢) \"فيض الباري\" (٦/ ٤١١).\n(^٣) \"بذل المجهود\" (١١/ ٧٥، ٧٦).\n(^٤) \"رد المحتار\" (٧/ ٢٤٧).\n(^٥) \"فتح الباري\" (١٢/ ٣١٩).\n(^٦) \"شرح ابن بطال\" (٨/ ٢٩٩).","vol":"6","page":614},{"text":"قال القسطلاني في الصورة المذكورة قبل ذلك: قال سحنون: وكما أبطلوا الزائد على الألف في الإكراه، فكذلك يلزمهم إبطال النكاح بالإكراه، قال: وقد أجمع أصحابنا على إبطال نكاح المكره والمكرهة، فلو كان راضيًا بالنكاح وأكره على المهر يصح العقد اتفاقًا، انتهى.\nوفي \"نور الأنوار\" (^١) في مبحث الأهلية بعد ذكر أقسام الإكراه: والإكراه بجملته لا ينافي الخطاب والأهلية لبقاء العقل والبلوغ الذي عليه مدار الخطاب والأهلية، ثم قال: فإن كان القول مما لا ينفسخ ولا يتوقف على الرضا لم يبطل بالكره كالطلاق والعتاق والنكاح والرجعة، فإن هذه التصرفات كلها لا تحتمل الفسخ ولا تتوقف على الرضا، إلى آخر ما بسط.\nوما ذكر الشرَّاح من عدم جواز النكاح المكره عند الجمهور هو كذلك كما في كتب فروعهم، ففي \"الروض المربع\" (^٢): الشرط الثاني رضاهما فلا يصحّ إن أكره أحدهما بغير حق كالبيع، انتهى.\nوفي \"كتاب الأنوار\" في فقه الشافعية: وأن يكون مختارًا، فإن كان مكرهًا لبطل النكاح، انتهى.\nثم لا يذهب عليك أن مسألة الإكراه في النكاح غير مسألة ولاية الإجبار، فقد تقدم الكلام على ولاية الإجبار واختلاف العلماء فيها في \"كتاب النكاح\" فارجع إليه لو شئت، وقد نبَّه عليه صاحب \"الفيض\" (^٣) أيضًا حيث قال: والإكراه على النكاح بأن يهدّده بالنفس أو العضو، إلا أن يتكلم بالإيجاب أو القبول، وحينئذٍ حديث خنساء في غير محله، فإن أباها كان زوَّجها بعبارته، ولم يكن أكرهها على الإيجاب والقبول، وليست ولاية الإجبار من باب الإكراه في شيء، فإن معناها نفاذ القول عليها بدون رضاها، وليس معناها أن يضربها الأب أو الولي فيجبرها أن تُنكِحَ نفسها كما زعم، انتهى.\n_________\n(^١) \"نور الأنوار\" (ص ٣١١، ٣١٢).\n(^٢) \"الروض المربع\" (ص ٤٤٠).\n(^٣) \"فيض الباري\" (٦/ ٤١٢).","vol":"6","page":615},{"text":"قلت: فلا مجال للمصنف، وكذا للجمهور أن يستدلوا بعدم جواز نكاح المكره بحديث خنساء كما فعله المصنف فتشكر.\n\n(٤ -<span data-type='title' id=toc-4062> باب إذا أكره حتى وهب عبدًا أو باعه لم يجز)</span>\nأي: ذلك البيع والهبة، والعبد باقٍ على ملكه، قوله: \"وبه قال بعض الناس\" قيل: الحنفية، \"فإن نذر المشتري\" بكسر الراء من المكره \"فيه\" في الذي اشتراه \"نذرًا فهو\" أي: البيع مع الإكراه \"جائز\" أي: ماض عليه، ويصح البيع و[كذا] الهبة \"بزعمه\" أي: عنده، \"وكذلك إن دبّره\" أي: دبّر العبد الذي اشتراه من المكره على بيعه فينعقد التدبير، قال في \"الكواكب\": غرض البخاري أن الحنفية تناقضوا، فإن بيع الإكراه إن كان ناقلًا للملك إلى المشتري فإنه يصحّ منه جميع التصرفات، ولا يختص بالنذر والتدبير، وإن قالوا: ليس بناقل فلا يصح النذر والتدبير أيضًا، وحاصله أنهم صححوا التدبير والنذر بدون الملك، وفيه تحكم وتخصيص بغير مخصص، انتهى من \"القسطلاني\" (^١).\nوأما مذهب البخاري فهو يقول بجواز كليهما أعني بيع المكره وما يترتب عليه من نذر أو تدبير، فمورد الإيراد هو الجزء الأول من الترجمة، أي: عدم جواز بيع المكره، فكأن المصنف أراد بالترجمة أنه كان ينبغي للحنفية أن يقولوا بجواز كلا الأمرين كما هو رأي المصنف، فلذا أورد تحت الترجمة ما يدلّ على جواز بيع المكره، ولم يورد للجزء الثاني من الترجمة حديثًا، وسيأتي الجواب قريبًا عن هذا الإيراد، وأما مطابقة الحديث لما قصده المؤلف من الترجمة فما ذكره العيني إذ قال (^٢): قال الداودي ما حاصله: أنه لا مطابقة بين الحديث والترجمة لأنه لا إكراه فيه، ثم قال: إلا أن يراد أنه - ﷺ - باعه فكان كالمكره له على بيعه، انتهى.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ٤٣٢).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٦/ ٢٣١).","vol":"6","page":616},{"text":"وأما الجواب عما أورده الإمام البخاري على الحنفية بقوله: \"وبه قال بعض الناس. . .\" إلخ، فأجاب عنه العيني (^١) بأنه إن أراد ببعض الناس الحنفية فمذهبهم ليس كذلك، فإن مذهبهم أن شخصًا إذا أكره على بيع ماله أو هبته لشخص ونحو ذلك، فباع أو وهب، ثم زال الإكراه فهو بالخيار إن شاء أمضى هذه الأشياء، وإن شاء فسخها، انتهى.\nوفي \"تقرير مولانا محمد حسن المكي\" عن القطب الكَنكَوهي: لما كان عدم الجواز عند الإمام البخاري بمعنى البطلان وعدم الانعقاد أورد عليهم بأنهم يقولون بعدم الجواز، ثم إن المشتري لو أعتقه أو دبّره فهو جائز، وهذا عجيب، قلنا: عدم الجواز عندنا قد يجيء بمعنى البطلان، وقد يجيء بمعنى الفساد، وهو الانعقاد مع لزوم الفسخ، وهو ههنا بمعنى الفساد، فإن بيع المكره عندنا فاسد وليس بباطل، والبيع الفاسد إذا انضم إليه القبض يفيد الملك، وإن كان ناقصًا قابلا للفسخ، فإذا تصرف فيه بما لا يمكن فسخه يتم الملك وينفذ التصرف، انتهى من هامش \"اللامع\" (^٢).\nقال العلامة السندي (^٣) تحت قول البخاري: وقال بعض الناس: حاصل كلام الحنفية أن بيع المكره منعقد إلا أنه بيع فاسد لتعلق حق العبد به، فيجب توقفه إلى إرضائه، إلا إذا تصرف فيه المشتري تصرفًا لا يقبل الفسخ، فحينئذٍ قد تعارض فيه حقان كل منهما للعبد، حق المشتري وحق البائع، وحق البائع يمكن استدراكه مع لزوم البيع بإلزام القيمة على المشتري، بخلاف حق المشتري، فلا يمكن استدراكه مع فسخ البيع مع أنه حق لا يقبل الفسخ، فصار اعتباره أرجح بخلاف ما إذا كان تصرفًا يقبل الفسخ، فيجب مراعاة حق البائع عندهم، وهذا الفرق منهم مبني على أن بيع المكره منعقد مع الفساد، وهم يقولون به، فالنزاع معهم في هذا الأصل، وبعد تمامه أو تسليمه، فالفرق مقارب غير بعيد نظرًا إلى القواعد، والله تعالى أعلم، انتهى.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٦/ ٢٣٠).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٢٠٤، ٢٠٥).\n(^٣) \"صحيح البخاري بحاشية السندي\" (٤/ ٢٠١).","vol":"6","page":617},{"text":"ثم لا يخفى عليك ما ذكره صاحب \"الفيض\" (^١) من أن الإمام البخاري شدّد الكلام في هذا الكتاب على الإمام أبي حنيفة، وكذا في \"كتاب الحيل\"، ووجه ذلك أن البخاري لم يتعلم فقه الحنفية حق التعلم، وإن نُقل عنه أنه رأى فقه الحنفية، لكن ما يترشح من كتابه هو أنه لم يحقق فقهنا، ولم يبلغه إلا شذرات منه، وهذا الذي دعاه إلى ما أتى عليه في هذا الباب، ولو درى ما الإكراه في فقهنا لما أورد علينا شيئًا، إلى آخر ما ذكر.\nثم المذكور في الترجمة مسألتان: بيع المكره، والثانية: هبة المكره، وتقدم تفصيل الخلاف في المسألة الأولى في بابه، وأما هبة المكره فهي لا يجوز عند الشافعية، ففي \"الأنوار\" من فروع الشافعية: وللهبة أركان: الأول العاقدان، وشروطهما كشروط البائع والمشتري، إلى آخر ما ذكره، ومن شروط صحة البيع عندهم الرضا وعدم الإكراه كما تقدم، وأما عندنا الحنفية ففي \"الدر المختار\" (^٢): والأصل عندنا أن كل ما يصحّ مع الهزل يصحّ مع الإكراه؛ لأن ما يصح مع الهزل لا يحتمل الفسخ، وكل ما لا يحتمل الفسخ لا يؤثر فيه الإكراه، انتهى.\n\n(٥ -<span data-type='title' id=toc-4063> باب من الإكراه. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٣) - ﵀ -: أي: من جملة ما ورد في كراهية الإكراه ما تضمنته الآية، وهو المذكور فيه عن ابن عباس في نزول قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ الآية [النساء: ١٩]، وقد تقدم شرحه في تفسير سورة النساء، انتهى.\nوقال العلامة القسطلاني (^٤): قال المهلب فيما نقله العيني - ﵀ -: فائدة\n_________\n(^١) \"فيض الباري\" (٦/ ٤٠٩).\n(^٢) \"رد المحتار\" (٩/ ١٩١، ١٩٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٢/ ٣٢٠).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ٤٣٤).","vol":"6","page":618},{"text":"هذا الباب التعريف بأن كل من أمسك امرأته لأجل الإرث منها طمعًا أن تموت لا يحل له ذلك بنص القرآن، انتهى.\nقوله: (كَرْهًا وكُرْهًا واحدٌ)، قال الحافظ (^١): أي: بفتح أوله وبضمه بمعنى واحد، وهذا قول الأكثر، وقيل: بالضم ما أكرهت نفسك عليه، وبالفتح ما أكرهك عليه غيرك، انتهى.\n\n(٦ -<span data-type='title' id=toc-4064> باب إذا استكرهت المرأة على الزنا فلا حد عليها. . .) إلخ</span>\nقوله: (غفور رحيم) أي: لهن، وقد قُرِئ في الشاذ: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ﴾ لهن ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٣٣]، وهي قراءة ابن مسعود وغيره، ونسبت أيضًا لابن عباس، والمحفوظ عنه تفسيره بذلك، وكذا عن جماعة غيره، وجوز بعض المعربين أن يكون التقدير \"لهم\" أي: لمن وقع منه الإكراه، لكن إذا تاب، وضعف هذا القول كما في \"الفتح\" (^٢).\nوأما حكم مسألة الباب عند الفقهاء فما في \"الأوجز\" (^٣) عن ابن قدامة (^٤): لا حد على مكرهة في قول عامة أهل العلم، منهم عمر - ﵁ - والثوري والشافعي وأصحاب الرأي، ولا نعلم فيه مخالفًا، وذلك لقول رسول الله - ﷺ -: \"عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه\"، انتهى.\nوقال العلامة العيني (^٥) تحت حديث الباب: ولم يذكر البخاري حكم إِكراه الرجل على الزنا، فذهب الجمهور إلى أنه لا حدّ عليه، وقال مالك وجماعة: عليه الحد لأنه لا تنتشر الآلة إلا بلذة، وسواء أكرهه سلطان أو غيره، وعن أبي حنيفة: لا يحد إن أكرهه سلطان، وخالفه أبو يوسف\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٢/ ٣٢١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٢/ ٣٢١).\n(^٣) \"أوجز المسالك\" (١٥/ ٣٤٦).\n(^٤) \"المغني\" (١٢/ ٣٤٧).\n(^٥) \"عمدة القاري\" (١٦/ ٢٣٣، ٢٣٤).","vol":"6","page":619},{"text":"ومحمد رحمهما الله تعالى، ومطابقة الحديث الثاني بالترجمة ظاهرة من حيث إنه كما لا ملامة عليها في الخلوة معه إكراهًا، فكذلك المستكرهة في الزنا لا حدّ عليها، قاله الكرماني وصاحب \"التوضيح\" (^١).\nقال العيني: والأقرب أن يقال: وجه المطابقة من حيث إنه أكره إبراهيم - ﵇ - على إرسالها إليه، انتهى.\nقلت: ليس هذا بأقرب، بل هو أبعد؛ لأن الترجمة الاستكراه على الزنا اللَّهم إلا أن يقال: إن الإكراه على إبراهيم - ﵇ - على إرسالها إليه إنما كان للزنا، وفي \"تقرير المكي\" (^٢): قوله: \"قام إليها\" وفيه الترجمة لأنها لما خلت مع الجبار خلوة صحيحة ولم تأثم لكونها مكرهة، فكذلك المرأة المكرهة لا حد عليها، انتهى.\nوالحاصل: أن قيام الجبار إليها إنما كان لإرادة الزنا بالإكراه لكن الله - ﷿ - عصمها برحمته وفضله.\n\n(٧ -<span data-type='title' id=toc-4065> باب يمين الرجل لصاحبه إنه أخوه)</span>\nوقد صرّح المصنف بجواب المسألة بقوله: \"يذب عنه الظالم. . .\" إلخ، والمسألة خلافية.\nقال الحافظ: (^٣) قال ابن بطال: ذهب مالك والجمهور إلى أن من أكره على يمين إن لم يحلفها قتل أخوه المسلم أنه لا حنث عليه، وقال الكوفيون: يحنث لأنه كان له أن يورِّيَ، فلما ترك التورية صار قاصدًا لليمين فيحنث، وأجاب الجمهور بأنه إذا أكره على اليمين فنيَّته مخالفة لقوله: \"الأعمال بالنيات\".\nقوله: (فإن قاتل فلا قود عليه. . .) إلخ، قال ابن بطال: اختلفوا فيمن\n_________\n(^١) انظر: \"شرح الكرماني\" (٢٤/ ٦٩)، و\"التوضيح\" (٣٢/ ٤٣).\n(^٢) انظر: \"لامع الدراري\" (١٠/ ٢٠٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٢/ ٣٢٣).","vol":"6","page":620},{"text":"قاتل عن رجل خشي عليه أن يقتل فقتل دونه، هل يجب على الآخر قصاص أو دية؟ فقالت طائفة: لا يجب عليه شيء للحديث المذكور، ففيه \"ولا يسلمه\" وفي الحديث الذي بعده \"انصر أخاك\"، وبذلك قال عمر، وقالت طائفة: عليه القود، وهو قول الكوفيين، وهو يشبه قول ابن القاسم وطائفة من المالكية، وأجابوا عن الحديث بأن فيه الندب إلى النصر، وليس فيه الإذن بالقتل، انتهى من \"الفتح\".\nقوله: (وإن قيل له: لتشربن الخمر إلى قوله: أو تحلّ عقدة) هذا ستة أشياء عديل واحد، وعديله الآخر قوله: \"أو لنقتلن أباك أو أخاك\"، وحاصله أنه أكره على هذه الأشياء وهدّده بقتل الأب، أو الأخ في الإسلام، فهو مكره عند المصنف، قلنا: إنه ليس بإكراه، ولكنه باب آخر، فإن حفظ دم امرئ مسلم واجب في كل أوان، انتهى من \"فيض الباري\" (^١).\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٢) في شرح ترجمة الباب: لا شكّ في أن الرجل إذا تعرض للقتل إلا أن يثبت عند المكره كونه أبا لزيد أو أخًا له أو غير ذلك من القرابات والعلاقات، وجب على زيد أن يتقوّل بذلك صونًا لدمه، فأما إذا أكره عليه، وقيل: لتشربن الخمر أو لنقتلن أخاك، فإنه لم يسعه عندنا الإقدام على شرب الخمر، ووجه ذلك أن جواز أكل هذه المحرمات منوط بالاضطرار، ولا يتحقق بما ذكر، نعم يتحقق الاضطرار إذا أكره عليه بقتل نفسه، وأما إذا أكره بشيء من العقود المذكورة بعده بقوله: \"لتبيعن هذا العبد\" فقيل له: إما أن تبيع هذا أو لنقتلن أباك، فإنه يبيعه لأن الأموال وقاية للأنفس ومبذولة، فليس له أن يعرض المسلم على الهلاك وهو قريبه، نعم يكون له خيار الفسخ بعد زوال الإكراه لكونه لم يقدم على هذا العقد بكمال رضاه، وأما تفريقهم بين المحرم وغيره فلا يمكن الاعتراض بذلك عليهم؛ لأن مدار جواز الحرام إنما هو\n_________\n(^١) \"فيض الباري\" (٦/ ٤١٤، ٤١٥).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٢٠٩).","vol":"6","page":621},{"text":"الاضطرار لا غير، ولا يتحقق الاضطرار بإخافته عن قتل الأجنبي، انتهى.\nوبسط الكلام في توضيح هذا المقام في هامش \"فيض الباري\" (^١)، وفيه بعد بسط الكلام: إذا علمت هذا فاعلم أن ملخص إيراد البخاري في هذا الباب أمران: الأول: تفريق الإمام الأعظم بين حكم الأقارب وبين الأجنبي المسلم مع قول النبي - ﷺ -: \"المسلم أخو المسلم\"، والثاني: فرقه بين حكم شرب الخمر ونحو البيع، انتهى.\nقوله: (ثم ناقض فقال: إن قيل له. . .) إلخ، قال العلامة القسطلاني في \"شرحه\" (^٢): أي: فاستحسن بطلان البيع ونحوه بعد أن قال: يلزمه في القياس، ولا يجوز له القياس فيها، وأجاب العيني بأن المناقضة ممنوعة لأن المجتهد يجوز له أن يخالف قياس قوله بالاستحسان، والاستحسان حجة عند الحنفية، انتهى.\nقال العلامة السندي (^٣): مبنى كلامهم أن الإكراه في كل شيء على حسبه، وهذا شيء يشهد به بداهة العقل، فتخليص القاتل عن المعصية والمقتول عن القتل لا يكون إكراهًا لغيرهما على المعصية، فإذا قال قائل: اعص الله وإلا فأعصيه أنا، فلا ينبغي له أن يعصيه، ولا يعدّ ذلك إكراهًا له على المعصية، نعم يكون إكراها على نحو البيع والهبة إذا كان المقتول أبا ونحوه مثلًا؛ والحاصل: أنه لا ينبغي اعتبار كل أذى إكراهًا في كل شيء، فمثل الكفر لا يباح لخوف لطمة بيد، وترك الأولى يعذر فيه بذلك، وحيث اعتبرنا الفرق يتضح كلام الحنفية، والله تعالى أعلم، انتهى.\nوفي هامش \"اللامع\" (^٤) عن \"تقرير المكي\": اعلم أن تحقق الإكراه في الجملة إنما هو في حق ذي رحم محرم، أما في حق الأجنبي فلا إكراه\n_________\n(^١) \"فيض الباري\" (٦/ ٤١٥).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ٤٣٨).\n(^٣) \"صحيح البخاري بحاشية السندي\" (٤/ ٢٠٢).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٢١٢).","vol":"6","page":622},{"text":"أصلًا، فلو باع عبده في حق ذي رحم محرم ينعقد بيعه موقوفًا، - كما هو الحكم عندنا في بيع المكره - لتحقق الإكراه في الجملة، ولو باعه في حق أجنبي ينعقد بيعه لازمًا لعدم الإكراه، فلهذا قال البخاري: \"وفرّقوا بين كل ذي رحم محرم وبين غيره من غير كتاب ولا سُنَّة\"، قلنا: السُّنَّة موجودة وهي قوله - ﵇ -: \"الأقرب فالأقرب\"، انتهى.\nوفي \"القسطلاني\" (^١): وأجاب العيني بأن الاستحسان غير خارج عن الكتاب والسُّنَّة، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨] وأما السُّنَّة فقوله - ﷺ -: \"ما رآه المؤمنون حسنًا فهو حسن عند الله\"، انتهى.\nقوله: \"وقال النبي ﵊. . .\" إلخ، هذا استدلال من المصنف على عدم الفرق بين ذي رحم وغيره، قلنا: إطلاق الأخت ههنا بطريق المجاز لا بطريق عدم الفرق، انتهى من \"تقرير المكي\".\nوالحاصل عند هذا العبد الضعيف: أن الإمام البخاري - ﵀ - ذهب إلى تحقق الإكراه في تلك الأمور كلها، والحنفية فرّقوا بين شرب الخمر ونحوه، وبين العقود كالبيع والهبة، فلم يجوِّزوا النوع الأول مطلقًا سواء كان التهديد بقتل ذي رحم أو غيره؛ لأن هذه الأمور، أي: شرب الخمر ونحوه معصية بنفسها، فلا يجوز فعلها إلا إذا تحقق الإكراه والإلجاء، ولا يتحقق الإلجاء إلا بقتل نفسه، فهذا هو الجواب عن أحد الإيرادين، وأما النوع الثاني أعني البيع والهبة ونحوهما فقلنا بتحقق الإكراه فيهما في الجملة، أي: فيما إذا كان التهديد بقتل ذي الرحم لعدم وجود المعصية في هذه الأمور؛ لكونها مباحة في نفسها فينبغي له حينئذٍ أن يفعل وله الخيار بعد زوال الإكراه بحكم الاستحسان، كما هو حكم بيع المكره عندنا، وأما إذا كان التهديد بقتل الأجنبي فباع فلا يجوز له فسخ هذا البيع بعد زوال الإكراه، بل هو بيع بات لوجود الرضا، وذلك لأن الإكراه لا يتحقق بقتل\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ٤٣٨).","vol":"6","page":623},{"text":"الأجنبي، فليس له حكم بيع المكره، وهذا هو منشأ تفريقنا بين الأجنبي وغيره، فالإيراد الثاني من البخاري أيضًا ساقط، فتدبر.\nثم لا يخفى عليك أنهم يوردون على الإمام أبي حنيفة أنه يكثر من الاستحسان، وصار إكثاره من الاستحسان مثار طعن الذين ينتقصون قدره، وينجسون حظه من الفقه والتقى، فإنهم لم يجدوا في القياس ما يعتبر خروجًا على النصوص من كل الوجوه؛ لأنه حمل على النص، ووجدوا في الاستحسان ذلك إذا لم يقم على النص، ولقد قال صاحب \"كشف الأسرار\" (^١) في تعليقه على باب الاستحسان الذي كتبه فخر الإسلام البزدوي ما نصه: اعلم أن بعض القادحين في المسلمين طعن على أبي حنيفة وأصحابه - ﵃ - في تركهم القياس بالاستحسان، وقال: حجج الشرع الكتاب والسُّنَّة والإجماع والقياس، والاستحسان قسم خاص لم يعرف أحد من حملة الشرع سوى أبي حنيفة وأصحابه أنه من دلائل الشرع لم يقم عليه دليل، بل هو قول بالتشهي، فكان ترك القياس به تركًا للحجة لاتباع الهوى فكان باطلًا، وكل ذلك طعن من غير روية وقدح من غير وقوف على المراد، فأبو حنيفة أجلّ قدرًا وأشدّ ورعًا من أن يقول في الدين بالتشهي، أو يعمل بما استحسنه من غير دليل قام عليه شرعًا، فالشيخ - ﵀ - عقد الباب لبيان المراد من هذا اللفظ والكشف عن حقيقته دفعًا لهذا الطعن، انتهى.\nولقد اختلف العلماء في عصر أبي حنيفة ومن بعده في الاستحسان، فمالك الذي عاصر أبا حنيفة كان يقول: الاستحسان تسعة أعشار العلم، وأما الشافعي - ﵀ - الذي جاء من بعدهما فقد عقد فصلًا في كتاب \"الأم\" (^٢) سمّاه: كتاب إبطال الاستحسان، وساق الأدلة لإثبات بطلانه، ولقد اختلف الفقهاء في تعريف الاستحسان الذي كان يأخذ به أبو حنيفة وأصحابه، فعرّفه بعضهم بأنه العدول عن موجب القياس إلى قياس أقوى منه، وهذا\n_________\n(^١) \"كشف الأسرار\" (٤/ ٣).\n(^٢) \"الأم\" (١٠/ ١٠٧).","vol":"6","page":624},{"text":"تعريف غير جامع لكل أنواع الاستحسان، فمنها ما لا يكون العدول فيه إلى قياس بل إلى نص أو إلى الإجماع، وأحسن التعاريف هو ما قاله الحسن الكرخي: وهو أن يعدل المجتهد عن أن يحكم في المسألة بمثل ما حكم به في نظائرها لوجه أقوى يقتضي العدول عن الأول، انتهى مقتبسًا من مقدمة \"البدائع\" (^١) لناشره زكريا علي يوسف.\nثم براعة الاختتام في قوله: \"يحجزه عن الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة\" كما ورد في الحديث.\n* * *\n_________\n(^١) \"بدائع الصنائع\" (١/ ٢٢، ٢٣).","vol":"6","page":625},{"text":"٩٠ -<span data-type='title' id=toc-4066> كتاب الحيل</span>\nقال العلامة العيني (^١): وهو جمع حيلة، وهي ما يتوصل به إلى المقصود بطريق خفي، انتهى.\nوهكذا في \"الفتح\" و\"القسطلاني\" (^٢)، وفي هامش \"اللامع\" (^٣): قال الجوهري: الحيلة اسم من الاحتيال، ذكره في فصل الياء، ثم قال: وهو من الواو، يقال: هو أحيل منك وأحول منك، أي: أكثر حيلة، وما أحيله لغة فيما أحوله، كذا في \"العيني\"، والمعروف بين العلماء أن الحيل كلها محرمة عند مالك وأحمد، وجائزة عند الحنفية والشافعية، وإلى الأول مالَ البخاري كما يدل عليه \"كتاب الحيل\" وأبوابه.\nقال ابن قدامة (^٤): الحيل كلها محرمة غير جائزة، وبه قال مالك، وأباح أبو حنيفة والشافعي بعضها، إلى آخر ما بسط، وقد أطال ابن القيم في \"إعلام الموقعين\" (^٥) الكلام على إبطال الحيل، وبحث فيه بحثًا طويلًا، ومع ذلك ذكر المقصد الرابع أن يقصد بالحيلة أخذ حق أو رفع باطل، وقسمه على ثلاثة أقسام ثم بسطها، وذكر أمثلتها، وذكر صور الحيل فيها إلى أن قال: القسم الثاني: أن يكون الطريق مشروعةً، وما يفضي إليه مشروع، وقال أيضًا: ويدخل في هذا القسم التحيل إلى جلب المنافع وعلى دفع المضار، وقد ألهم الله تعالى ذلك لكل حيوان، فلأنواع الحيوانات من أنواع الحيل والمكر ما لا يهتدي إليه بنو آدم، وليس كلامنا وكلام السلف في ذم الحيل متناولًا لهذا القسم، انتهى.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٦/ ٢٣٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٢/ ٣٢٦)، و\"إرشاد الساري\" (١٤/ ٤٤٠).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٢١٦).\n(^٤) \"المغني\" (٦/ ١١٦).\n(^٥) \"إعلام الموقعين\" (٥/ ٣٠٢ - ٣٠٤).","vol":"6","page":626},{"text":"وأنت خبير أن هذا منه تجويز بل تحريض على أخذ بعض الحيل، فلا يمكن أن يقال: الحيل كلها باطلة، والحنفية والشافعية أيضًا لم يقولوا بأن الحيل كلها مباحة، فقد قال الحافظ (^١): وهي عند العلماء على أقسام بحسب الحامل عليها، فإن توصل بها بطريق مباح إلى إبطال حق أو إثبات باطل فهي حرام، أو إلى إثبات حق أو دفع باطل فهي واجبة أو مستحبة، وإن توصّل بها بطريق مباح إلى سلامة من وقوع في مكروه فهي مستحبة أو مباحة، أو إلى ترك مندوب فهي مكروهة.\nولمن أجازها مطلقًا أو أبطلها مطلقًا أدلة كثيرة، فمن الأول قوله تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ الآية [ص: ٤٤]، وقد عمل به - ﷺ - في حق الضعيف الذي زنى، وهو من حديث أبي أمامة بن سهل في \"السنن\"، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢] إلى أن قال: ومن الثاني قصة أصحاب السبت، وحديث \"حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها وأكلو ثمنها\"، وحديث النهي عن النجش، وحديث لعن المحلل والمحلل له، والأصل في اختلاف العلماء في ذلك اختلافهم: هل المعتبر في صيغ العقود ألفاظها أو معانيها؟ فمن قال بالأول أجاز الحيل.\nثم اختلفوا فمنهم من جعلها تنفذ ظاهرًا وباطنًا في جميع الصور أو في بعضها، ومنهم من قال تنفذ ظاهرًا، لا باطنًا، ومن قال بالثاني أبطلها ولم يجز منها إلا ما وافق فيه اللفظ المعنى الذي تدل عليه القرائن الحالية، وقد اشتهر القول بالحيل عن الحنفية لكون أبي يوسف صنّف فيها كتابًا، لكن المعروف عنه وعن كثير من أئمتهم تقييد أعمالها بقصد الحق، انتهى.\nوفي \"الفيض\" (^٢): اعلم أن البخاري - ﵀ - لم يفرّق بين جواز الحيلة ونفاذها، وكل ما كان يرد على القول بالجواز، أورده على القول بالنفاذ مع فرق جلي بين الأمرين، ثم أوضح صاحب \"الفيض\" هذا الكلام، فارجع إليه لو شئت.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٢/ ٣٢٦).\n(^٢) \"فيض الباري\" (٦/ ٤١٧).","vol":"6","page":627},{"text":"قلت: وترجم السرخسي - ﵀ - في \"المبسوط\" (^١) كتاب الحيل مستقلًا، وقال فيه: اختلف الناس في \"كتاب الحيل\" أنه من تصنيف محمد رحمه الله تعالى أم لا؟ كان أبو سليمان الجوزجاني ينكر ذلك، وأما أبو حفص رحمه الله تعالى كان يقول: هو من تصنيف محمد، وكان يروي عنه ذلك، وهو الأصح، فإن الحيل في الأحكام المخرجة عن الإمام جائزة عند جمهور العلماء، وإنما كره ذلك بعض المتعسفين لجهلهم وقلة تأملهم في الكتاب والسُّنَّة، ثم بسط في دلائل جواز الحيل، ثم قال: فالحاصل: أن ما يتخلص به الرجل من الحرام أو يتوصل به إلى الحلال من الحيل فهو حسن، وإنما يكره ذلك أن يحتال في حق لرجل حتى يبطله أو في باطل حتى يموهه، فما كان على هذا السبيل فهو مكروه، وما كان على السبيل الذي قلنا أولًا فلا بأس به، إلى آخر ما بسطه.\nقال الراغب (^٢): وأكثر استعمال الحيلة فيما في تعاطيه خبث، وقد تستعمل فيما فيه حكمة، ولهذا قيل في وصف الله - ﷿ -: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ [الرعد: ١٣] أي: الوصول في خفية من الناس، إلى: ما فيه حكمة، وعلى هذا النحو وصف بالمكر والكيد لا على وجه المذموم، تعالى الله عن القبيح، انتهى.\nوفي \"تقرير مولانا محمد حسن المكي\" (^٣) عن الشيخ الكَنكَوهي: الحيلة جعل المباح وسيلةً لتحصيل المقصود، فإن كان لتحصيل حقه أو لإحياء حق مسلم أو لدفع الظلم عنه فجائز، وإن كان لإبطال حق مسلم أو لإلقائه في المهلكة فلا يجوز، انتهى.\nوفي \"مقدمة بدائع الصناع\" لناشره الشيخ محمد زكريا علي يوسف تلخيصًا لكلام الشيخ أبي زهرة ما نصه: ولقد ادعى بعض الناس أن لأبي\n_________\n(^١) \"المبسوط\" (٣٠/ ١٩٨).\n(^٢) \"مفردات ألفاظ القرآن\" (ص ٢٦٧).\n(^٣) انظر: \"لامع الدراري\" (١٠/ ٢١٨، ٢١٩).","vol":"6","page":628},{"text":"حنيفة كتابًا في الحيل، كان فيه يفتي الناس للتحلل من الأحكام الشرعية والقيود الفقهية، حتى لقد روي أن عبد الله بن المبارك قال: \"من كان عنده \"كتاب الحيل\" لأبي حنيفة يستعمله أو يفتي به فقد بطل حجه وبانت منه امرأته\"، ثم ردّ على هذا، وقال أيضًا: ويسقط دعوى التأليف أن عبد الله بن المبارك الذي يروون عنه هذا القول كان من تلاميذ أبي حنيفة الذين يقدرونه حق قدره، وأنه هو الذي بيّن آراء أبي حنيفة وقيمتها ومكانه من الفقه للأوزاعي بالشام، وإذا كان الأمر كذلك، فنسبته ذلك القول إليه غير صحيحة، وبذلك تنهار دعوى أن لأبي حنيفة كتابًا اسمه \"كتاب الحيل\"، نعم وجدنا أن لمحمد تلميذ الإمام أبي حنيفة كتابًا في \"الحيل\" يغلب على الظن أنه روى فيه ما كان يخرج به ذلك الإمام الأحكام تسهيلًا على الناس. حتى لا يكونوا في حرج، ثم حقق أن نسبة هذا الكتاب إلى محمد رحمه الله تعالى كيف هي، فإنه قد اختلف فيه أيضًا، فارجع إليه لو شئت.\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-4067> باب في ترك الحيل)</span>\nقال الحافظ (^١): قال ابن المنيِّر: أدخل البخاري الترك في الترجمة لئلا يتوهم من الترجمة الأولى إجازة الحيل، إلى آخر ما ذكره.\nقال الحافظ: قلت: وإنما أطلق أولًا للإشارة إلى أن من الحيل ما يشرع، فلا يترك مطلقًا.\nقوله: (وإنما لكل امرئ ما نوى في الأيمان وغيرها)، قال الحافظ: قوله: \"في الأيمان وغيرها\" من تفقه المصنف لا من الحديث، قال ابن المنيِّر: اتسع البخاري في الاستنباط، والمشهور عند النظار حمل الحديث على العبادات، وحمله البخاري عليها وعلى المعاملات، ثم قال: والاستدلال بهذا الحديث على سدّ الذرائع وإبطال التحيل من أقوى الأدلة، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٢/ ٣٢٧).","vol":"6","page":629},{"text":"وحمل الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^١) قول المصنف - في الترجمة: \"في الأيمان\" - على الإيمان المقابل للكفر إذ كتب: الإيمان بكسر الهمزة قدمه لكونه أصل العبادات، انتهى. وهو الأوجه عندي بقرينة الصلاة المذكورة في الباب الآتي، ويؤيده قوله: \"وغيره\" بضمير المذكر، ولما حمل الشرَّاح هذا اللفظ على أنه جمع يمين، أوّلوا قوله: \"وغيره\".\nقال الحافظ (^٢): وجعل الضمير مذكرًا على إرادة اليمين المستفاد من صيغة الجمع، انتهى.\nلكن النسخ مختلفة ففي بعضها: \"وغيرها\" بضمير المؤنث وهو يؤيد ما اختاره الشرَّاح، والله تعالى أعلم بالصواب.\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-4068> باب في الصلاة)</span>\nقال الحافظ (^٣): أي: دخول الحيلة فيها، انتهى.\nوقال العيني (^٤) نقلًا عن الكرماني: قالوا: مقصود البخاري الردّ على الحنفية حيث صحّحوا صلاة من أحدث في الجلسة الأخيرة، وقالوا: إن التحلل يحصل بكل ما يضاد الصلاة، فهم متحيلون في صحة الصلاة مع وجود الحدث، انتهى.\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٥): والحيلة تؤخذ من صورة المسألة بأن رجلًا حلف بطلاق امرأته فقال: امرأته كذا إذا سَلَّمَ من ظهر اليوم، أو إن سلَّم من فريضة ظهر اليوم، فاحتاج إلى أن لا تطلق امرأته، فإن الحيلة في مثل ذلك أن لا يخرج من صلاته بلفظ السلام بل يخرج بشيء مما سواه من الكلام والحدث وغير ذلك، وما ذكره من الرواية\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٢١٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٢/ ٣٢٧).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٢/ ٣٢٩).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٦/ ٢٣٩)، \"شرح الكرماني\" (٢٤/ ٧٤).\n(^٥) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٢١٩، ٢٢٠).","vol":"6","page":630},{"text":"لا يضرّنا شيئًا، فإنا لم نقل بجواز الصلاة من غير طهارة حتى يلزم علينا ما ألزم، وإنما قلنا ما قلنا بناءً على أن صلاته قد تمت بعد قعوده قدر التشهد، فما فعل من الإحداث أو التكلم لم يقع في خلال صلاته حتى يلزم أنه صلى وهو محدث، بل كان عين هذا الفعل خروجًا من حرمة الصلاة، وبما أجاب به الشيخ قُدِّس سرُّه أجاب القسطلاني (^١) أيضًا من جانب الحنفية.\nوفي \"الفيض\" (^٢): قوله: \"لا يقبل الله صلاة. . .\" إلخ، لعل غرضه منه الإيراد على القول بالبناء، قلت: أما القول بالبناء فهو رواية عن الشافعي في القديم، وله عندنا حجة، ثم الاستخلاف معتبر عند الإمام البخاري أيضًا، ويمكن أن يكون بين البناء والاستخلاف فرق عنده، فيقول بمنع البناء دونه، وراجع الهامش، انتهى.\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-4069> باب في الزكاة)</span>\nأي: ترك الحيل في إسقاطها، قاله الحافظ (^٣).\nقال العيني (^٤) تحت الحديث الأول: مطابقته للترجمة ظاهرة، وقال بعد الحديث الثاني: وجه المطابقة بين الحديث والترجمة لا يتأتى إلا بتعسف، انتهى.\nوقال القسطلاني (^٥): ووجه إدخال هذا الحديث هنا أن المؤلف - ﵀ - فهم من قوله - ﷺ -: \"أفلح إن صدق\" أن من رام أن ينقص شيئًا من فرائض الله بحيلة يحتالها لا يفلح ولا يقوم له بذلك عند الله عذر، انتهى.\nقوله: (وقال بعض الناس في عشرين ومائة بعير. . .) إلخ، قال القسطلاني (^٦): وهذا يقتضي على اصطلاح المؤلف بإرادة الحنفية\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ٤٤٢، ٤٤٣).\n(^٢) \"فيض الباري\" (٦/ ٤١٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٢/ ٣٣١).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٦/ ٢٤٠، ٢٤١).\n(^٥) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ٤٤٤).\n(^٦) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ٤٤٥).","vol":"6","page":631},{"text":"اختصاصهم بذلك، لكن الشافعية وغيره يقولون بذلك أيضًا، وأجيب بأن الشافعية وغيره وإن قالوا: لا زكاة عليه لا يقولون: لا شيء عليه؛ لأنهم يلومون على هذه النية، لكن قال البرماوي: إنما يلام إذا كان حرامًا، ولكن هو مكروه، وقال مالك: من فوّت من ماله شيئًا ينوي به الفرار من الزكاة قبل الحول بشهر أو نحوه لزمته الزكاة عند الحول لقوله - ﷺ -: \"خشية الصدقة\"، انتهى.\nوفي \"شرح المهذب\" (^١): قال الشافعي والأصحاب: إذا باع فرارًا قبل انقضاء الحول فلا زكاة عندنا، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه وداود وغيرهم، وقال مالك وأحمد وإسحاق: إذا أتلف بعض النصاب قبل الحول أو باعه فرارًا لزمته الزكاة، انتهى.\nقلت: وما قال القسطلاني من أن الحنفية لا يلومون من ارتكب هذه الحيلة بخلاف الشافعية فإنهم يلومون على هذه النية ليس كذلك، فنحن أيضًا نلومه (^٢)، قال صاحب \"الفيض\" (^٣): أما كون تلك الحيل وبالًا ونكالًا لصاحبها فلا ننكره أيضًا، كما نقلناه عن أئمتنا، وأما أنها لا حكم لها وإن فعلها أحد ففيه نظر قوي، فإن من الناس من هو فاعلها لا محالة لسوء طباعه، فلا بدّ لنا أن نذكر لها أحكامًا ثبتت عندنا من قواعد الشرع مع قطع النظر عن حكمها عند الله تعالى من الإثم أو غيره، انتهى.\nقوله: (وقال بعض الناس: في رجل له إبل. . .) إلخ، قلت: وهذه هي المسألة السابقة إلا أنه ذكر ههنا فباعها بإبل مثلها أو بغنم أو بدراهم، قوله: وهو يقول: إن زكى إبله قبل أن يحول الحول بيوم أو بسنة جازت عنه.\nقال القسطلاني (^٤): أي: فإذا كان التقديم على الحول مجزئًا فليكن\n_________\n(^١) \"المجموع شرح المهذب\" (٥/ ٤٦٨).\n(^٢) في الأصل: \"نلومونه\" وهو خطأ.\n(^٣) \"فيض الباري\" (٦/ ٤٢٠).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ٤٤٦).","vol":"6","page":632},{"text":"التصرف فيها قبل الحول غير مسقط، وأجيب بأن أبا حنيفة لم يتناقض في ذلك؛ لأنه لا يوجب الزكاة إلا بتمام الحول، ويجعل من قدمها كمن قدم دينًا مؤجلًا قبل أن يحل، انتهى.\nقال صاحب \"الفيض\" (^١): ههنا ثلاث إيرادات من المصنف على الحنفية بثلاث عبارات، والمآل واحد، فإن شئت قلت: إنها واحد، وإن شئت اعتبرتها ثلاثًا، ثم المصنف أضاف قيد الفرار والاحتيال تفخيمًا وتقبيحًا، فالإيراد الأول على صورة الإهلاك أو الهبة، وذلك هو الثاني، بيد أنه مفروض في البيع مع ذكر المناقضة، ولا فرق في الأول والثالث إلا بتغاير الصور، فإن الأول مفروض في عشرين ومائة بعير، والثالث في عشرين إبلًا، والنوع واحد، وبالجملة لم يقصد به المصنف إلا تكثير العدد لا غير، انتهى.\nقوله: (استفتى سعد بن عبادة. . .) إلخ، كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٢): لعله قصد بإيراد هذه الرواية أن دين الله أحقّ بالأداء، ولم يسقط النذر بالموت فكذلك لا تسقط الزكاة بهلاك، قلنا: لم يصر دينًا بعد حتى يكون أحقّ بالأداء، وأيضًا فإن الحيلة مأخوذة من صاحب الشرع فلا يضرنا خلاف أحد من أفراد الأمة إذا لم يخالف الكتاب ولا السُّنَّة، انتهى.\n\n(٤ -<span data-type='title' id=toc-4070> باب)</span>\nبغير ترجمة، هكذا في متون النسخ الهندية بدون الترجمة، وفي نسخة الحاشية: \"باب الحيلة في النكاح\"، وعلى هذا فالترجمة مكررة لأنه سيأتي قريبًا \"باب في النكاح\"، أما على كون الباب بلا ترجمة فيكون تعلقه بما سبق من أنه باب من أبواب الحيلة، لكن يرد عليه أيضًا أن الوارد فيه فروع\n_________\n(^١) \"فيض الباري\" (٦/ ٤٢٠).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٢٢٦، ٢٢٧).","vol":"6","page":633},{"text":"النكاح، وسيأتي باب النكاح قريبًا، فكان ينبغي للمؤلف أن يذكر هذه الروايات فيه، وأما على نسخة الحاشية فكلا البابين متعلقان بالنكاح نصًّا.\nوالأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن الترجمتين من الأصل الثاني والعشرين من أصول التراجم، والغرض من الترجمة الأولى الحيلة في إسقاط المهر كما تدل عليه الروايات الواردة في الباب، والغرض من الترجمة الآتية بيان الحيلة في إثبات النكاح بشهادة الزور، كما جزم به الشرَّاح بهذا الغرض في الترجمة الآتية.\nقال العلامة العيني (^١) في الباب الأول: أي: هذا باب في بيان ترك الحيلة في النكاح، وقال بعد ذكر الحديث: لا مطابقة أصلًا بين الترجمة والحديث، حتى قيل: إن إدخال البخاري الشغار في باب الحيلة في النكاح مشكل؛ لأن القائل بالجواز يبطل الشغار ويوجب مهر المثل، انتهى.\nوقال الحافظ (^٢): قال ابن المنيِّر: إدخال البخاري الشغار في باب الحيل مع أن القائل بالجواز يبطل الشغار ويوجب مهر المثل مشكل، ويمكن أن يقال: إنه أخذه مما نقل أن العرب كانت تأنف من التلفظ بالنكاح من جانب المرأة، فرجعوا إلى التلفظ بالشغار لوجود المساواة التي تدفع الأنفة، فمحا الشرع اسم الجاهلية، فلو صححنا النكاح بلفظ الشغار وأوجبنا مهر المثل أبقينا غرض الجاهلية بهذه الحيلة.\nقال الحافظ: فيه نظر؛ لأن الذي نقله عن العرب لا أصل له؛ لأن الشغار في العرب بالنسبة إلى غيره قليل، وقضية ما ذكره أن تكون أنكحتهم كلها كانت شغارًا لوجود الأنفة في جميعهم، والذي يظهر لي أن الحيلة في الشغار تتصور في موسر أراد تزويج بنت فقير فامتنع أو اشتط في المهر فخدعه بأن قال له: زوجنيها وأنا أزوجك بنتي، فرغب الفقير في ذلك لسهولة ذلك عليه، فلما وقع العقد على ذلك وقيل له: إن العقد يصحّ ويلزم\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٦/ ٢٤٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٢/ ٣٣٤).","vol":"6","page":634},{"text":"لكل منهما مهر المثل فإنه يندم إذ لا قدرة له على مهر المثل لبنت الموسر، وحصل للموسر مقصوده بالتزويج لسهولة مهر المثل عليه، فإذا أبطل الشغار من أصله بطلت هذه الحيل، انتهى.\nقلت: وأما حكم الشغار ومذاهب الأئمة فيه فقد تقدم في محله من \"كتاب النكاح\"، وحاصله أنه منهي عنه بالإجماع، لكن اختلفوا هل هو نهي يقتضي بطلان النكاح أم لا؟ فعند الشافعي يقتضي إبطاله، وهو رواية عن أحمد وإسحاق، وعن مالك يفسخ قبل الدخول وبعده، وفي رواية: قبله لا بعده، وقال جماعة: يصح بمهر المثل، وهو مذهب أبي حنيفة ورواية عن أحمد وإسحاق، وبه قال أبو ثور وابن جرير.\nقوله: (وقال بعض الناس: إن احتال حتى تزوج على الشغار فهو جائز والشرط باطل) في هامش المصرية عن شيخ الإسلام (^١): قيل: هم الحنفية، لكن النكاح يصحّ بمهر المثل عندهم، والجمهور على أن النكاح أيضًا باطل لظاهر الحديث، انتهى.\nقوله: (وقال بعضهم المتعة والشغار جائز. . .) إلخ، قال الحافظ (^٢): كأنه يشير إلى ما نقل عن زفر أنه أجاز النكاح الموقت وألغى الوقت لأنه شرط فاسد، والنكاح لا يبطل بالشروط الفاسدة، وتعقبه العيني (^٣) بأن مذهب زفر ليس كذلك، بل عنده أن صورته أن يتزوج امرأةً إلى مدة معلومة، فالنكاح صحيح واشتراط المدة باطل، قال: وعند أبي حنيفة وصاحبيه: النكاح باطل، انتهى.\nوفي \"تقرير المكي\" (^٤) في توضيح كلام المصنف: قوله: وقال في المتعة \"النكاح فاسد\" أي: باطل مع أنه لا فرق بين المتعة والشغار في النهي، فما وجه الفرق حيث أجزتم الشغار دون المتعة؟ قوله: \"وقال\n_________\n(^١) \"تحفة الباري\" (٦/ ٣٩١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٢/ ٣٣٤).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٦/ ٢٤٤).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٢٢٩، ٢٣٠).","vol":"6","page":635},{"text":"بعضهم. . .\" إلخ، يعني: أنهم اختلط الأمر عليهم فاختلفوا فيما بينهم أيضًا، وفي تقريره الآخر: ظنّ البخاري أن الفساد ههنا ما هو مقابل للبطلان كما هو مذهبنا في البيع الفاسد والباطل مع أن المتعة ليست بفاسدة بهذا المعنى، بل هي باطلة، ولم يفهم أنه لا فرق عندنا بين الفاسد والباطل في النكاح، وقال بعضهم - وهو زفر - ﵀ -: المتعة والشغار جائز، المراد بالمتعة النكاح الموقت، وإنما أجاز زفر النكاح الموقت قياسًا على الشغار، وإنما المنسوخ في النكاح المتعة فقط، وقال علماؤنا الثلاثة: النكاح الموقت باطل كالمتعة إذ لا فرق بينهما إلا في اللفظ، والاعتبار للمعاني لا للألفاظ، انتهى.\nقوله: (وقال بعض الناس: إن احتال حتى تمتع فالنكاح فاسد. . .) إلخ، قال الكرماني (^١): فإن قلت: حيث قال بفساده فما معنى الاحتيال فيه؟ قلت: الفساد لا يوجب الفسخ لاحتمال إصلاحه بحذف الشرط منه كما قالوا في بيع الربا: لو حذف منه الزيادة صحّ البيع، أو المقصود منه القول الأخير، وهو القول بجوازه، انتهى.\nوفي \"الفيض\" (^٢): واعلم أن نكاح الشغار نافذ عندنا، وأما ورود النهي عنه فهو مسلم، إلا أنه ليس كل نهي يقتضي البطلان، وإنما القبح فيه من جهة خلو البضعين عن العوض، وقد قلنا بوجوب مهر المثل فيه، فانعدم المعنى، فلو فعله أحد نفذ ولزمه مهر المثل، ونظيره قوله - ﷺ -: \"اشترطي لهم الولاء\"، فكذا يصح النكاح ويلغوا الشرط، وأما إيراده بجواز المتعة فلم يقل به منا أحد، غير أن زفر ذهب إلى تنفيذ النكاح الموقت، فإن لنفاذه صورة بإبطال الوقت، أما في المتعة فقد اتفقوا على بطلانها، انتهى.\n_________\n(^١) \"شرح الكرماني\" (٢٤/ ٧٨، ٧٩).\n(^٢) \"فيض الباري\" (٦/ ٤٢١).","vol":"6","page":636},{"text":"(٥ -<span data-type='title' id=toc-4071> باب ما يكره من الاحتيال في البيوع)</span>\nقال القسطلاني (^١): ولم يذكر المؤلف في الباب حديثًا فيه البيع المترجم به فيحتمل أن يكون مما ترجم له، ولم يجد فيه حديثًا على شرطه فبيّض له، وعطف عليه \"ولا يمنع فضل الماء\" وذكر الحديث المتعلق به، انتهى.\nقلت: وأصل هذا الجواب للكرماني حكاه عنه الحافظ (^٢) أيضًا، وأفاد الكرماني (^٣) أيضًا: فإن قلت: ما كيفية تعلقه بكتاب الحيل؟ قلت: هو إرادة صيانة الكلأ المباح لكل المشترك فيه، فتحيل بصيانة الماء ليلزم صيانته، قال الخطابي: هذا في الرجل يحفر البئر في الموات فيملكها بالإحياء، وبقرب البئر موات فيه كلأ ترعاه الماشية، فأمر صاحب البئر أن لا يمنع الماشية فضل الماء لئلا يكون مانعًا للكلأ؛ لأنهم إذا منعوا من الماء لا يبقى لهم مقام ثمة، انتهى.\n\n(٦ -<span data-type='title' id=toc-4072> باب ما يكره من التناجش)</span>\nقال الحافظ (^٤): أشار إلى ما ورد في بعض طرق الحديث من حديث أبي هريرة بلفظ: \"لا تناجشوا\"، وقد تقدم شرحه مستوفي في \"كتاب البيوع\"، والمراد بالكراهة في الترجمة كراهة التحريم، انتهى.\nقال الكرماني (^٥): والتناجش أن يزيد في الثمن بلا رغبة فيه ليوقع الغير فيه، وأنه ضرب من التحيل في تكثير الثمن، انتهى.\n\n(٧ -<span data-type='title' id=toc-4073> باب ما ينهى عنه من الخداع في البيع)</span>\nقال القسطلاني (^٦): الخداع بكسر الخاء المعجمة وتفتح، وقال في\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ٤٥٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٢/ ٣٣٥).\n(^٣) \"شرح الكرماني\" (٢٤/ ٧٩).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٢/ ٣٣٦).\n(^٥) \"شرح الكرماني\" (٢٤/ ٧٩).\n(^٦) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ٤٥١).","vol":"6","page":637},{"text":"شرح الحديث: قوله: \"فقل: لا خلابة\" أي: لا خديعة في الدين؛ لأن الدين النصيحة، انتهى.\nثم اعلم أنه نقل الحافظ (^١) ههنا كلام الحافظ ابن القيم في \"إعلام الموقعين\" (^٢) بعد تهذيبه وتلخيصه ثم قال في آخره: وأطال في ذلك جدًا وهذا ملخصه، والتحقيق أنه لا يلزم من الإثم في العقد بطلانه في ظاهر الحكم، فالشافعية يجوزون العقود على ظاهرها ويقولون مع ذلك إن من عمل الحيل بالمكر والخديعة يأثم في الباطن، وبهذا يحصل الانفصال عن إشكاله، والله تعالى أعلم.\n\n(٨ -<span data-type='title' id=toc-4074> باب ما ينهى من الاحتيال للولي في اليتيمة. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٣): قال ابن بطال (^٤): وفي حديث الباب أنه لا يجوز للولي أن يتزوج يتيمة بأقل من صداقها، ولا أن يعطيها من العروض في صداقها ما لا يفي بقيمة صداق مثلها، انتهى.\n\n(٩ -<span data-type='title' id=toc-4075> باب إذا غصب جارية فزعم أنها ماتت. . .) إلخ</span>\nقوله: (وقال بعض الناس. . .) إلخ، قال العيني: قوله: \"أموالكم عليكم حرام\" الحديث، هذان طريقان للحديثين المذكورين ذكرهما في معرض الاحتجاج، وليس فيهما ما يدلّ على دعواه، أما الأول فمعناه: أن أموالكم عليكم حرام إذا لم يوجد التراضي، وهنا قد وجد التراضي بأخذ المالك القيمة، وأما الثاني: فلا يقال في الغاصب في اللغة: إنه غادر؛ لأن الغدر ترك الوفاء، والغصب هو أخذ الشيء قهرًا وعدوانًا، وقول الغاصب: إنها ماتت كذب، ثم أخذ المالك القيمة رضا، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٢/ ٣٣٧).\n(^٢) \"إعلام الموقعين\" (٥/ ٢٣٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٢/ ٣٣٧).\n(^٤) \"شرح ابن بطال\" (٨/ ٣١٩).","vol":"6","page":638},{"text":"وفي هامش المصرية: قوله: \"فتطيب للغاصب. . .\" إلخ، أي: فتحل، والجمهور على خلاف ما ذكر فهو باطل، واستدل البخاري له بقوله: \"قال النبي - ﷺ -. . .\" إلخ، انتهى (^١).\n\n(١٠ -<span data-type='title' id=toc-4076> باب)</span>\nبغير ترجمة، قال العيني (^٢): كذا وقع في رواية الأكثرين، وقد مرّ أمثال هذا فيما مضى، وإنه كالفصل لما قبله، ثم قال تحت حديث الباب: لما كان هذا الباب غير مترجم وهو كالفصل يكون حديثه مضافًا إلى الباب الذي قبله، ووجه التطابق ظاهر لنهيه - ﷺ - عن أخذ مال الغير إذا كان يعلم أنه في نفس الأمر للغير، وقال أيضًا: والحديث مضى في \"المظالم\" وفي \"الشهادات\"، وسيأتي في \"الأحكام\"، انتهى.\nقلت: كأن المصنف أشار بهذا الباب إلى ردّ ما قال به الحنفية في نفاذ قضاء القاضي ظاهرًا وباطنًا، وهي مسألة خلافية معروفة، وأفاد صاحب \"الفيض\" (^٣) في الباب السابق: واعلم أن بناء إيراده على خلافية أخرى، وهي أن قضاء القاضي بشهادة الزور هل ينفذ ظاهرًا وباطنًا أم لا؟ وقد فصّلها في \"المبسوط\" بما لا مزيد عليه، وجملة الكلام أن في المسألة قيودًا وشروطًا، إلى آخر ما ذكر في \"الفيض\"، فارجع إليه لو شئت.\n\n(١١ -<span data-type='title' id=toc-4077> باب في النكاح)</span>\nتقدم الكلام على هذا الباب في \"باب\" بلا ترجمة، وتقدم هناك أن هذه الترجمة مكررة على بعض النسخ.\n_________\n(^١) \"تحفة الباري\" (٦/ ٣٩٢).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٦/ ٣٩٢).\n(^٣) \"فيض الباري\" (٦/ ٤٢٣).","vol":"6","page":639},{"text":"(١٢ -<span data-type='title' id=toc-4078> باب ما يكره من احتيال المرأة مع الزوج والضرائر. . .) إلخ</span>\nقال صاحب \"الفيض\" (^١): أي: ما يقع بين الضرائر من الاختلافات والاحتيال فيها، انتهى.\nقال الحافظ (^٢): قال ابن التِّين: معنى الترجمة ظاهر، إلا أنه لم يبين ما نزل في ذلك، وهو قوله تعالى: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١].\nقال الحافظ: وقد ذكرت في التفسير الخلاف في المراد بذلك، وأن الذي في الصحيح هو العسل، وهو الذي وقع في قصة زينب بنت جحش، وقيل: في تحريم مارية، وأن الصحيح أنه نزل في كلا الأمرين، انتهى.\nقال القسطلاني (^٣): وحديث الباب سبق في \"الأطعمة\" و\"الأشربة\" و\"الطب\" و\"الطلاق\"، انتهى.\nقال العيني (^٤) تحت حديث الباب: مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: \"والله لنحتالن له\"، فإن قلت: كيف جاز على أزواجه - ﷺ - الاحتيال؟ قلت: هذه من مقتضيات الطبيعة للنساء وقد عفي عنهن، قلت: وفيه أن الترجمة في كراهة الاحتيال لا في جوازه، فكيف المطابقة، وعندي أن المطابقة تحصل من مجموع ما وقع في هذه القصة وما ترتب عليه من نزول الآية وما فيها من نوع من العتاب.\n\n(١٣ -<span data-type='title' id=toc-4079> باب ما يكره من الاحتيال في الفرار من الطاعون)</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٥): وهو أن يعتل للخروج بأن له حاجة في البلد الفلاني ولا يكون في نفس الأمر كذلك، انتهى.\n_________\n(^١) \"فيض الباري\" (٦/ ٤٢٩).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٢/ ٣٤٣).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ٤٦٢).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٦/ ٢٥٢).\n(^٥) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٢٣٢).","vol":"6","page":640},{"text":"وفي هامشه: قال الحافظ (^١): قال المهلب: يتصور التحيل في الفرار من الطاعون بأن يخرج في تجارة أو لزيارة مثلًا وهو ينوي بذلك الفرار من الطاعون، انتهى.\n\n(١٤ -<span data-type='title' id=toc-4080> باب في الهبة والشفعة)</span>\nقال الحافظ (^٢): أي: كيف تدخل الحيلة فيهما معًا ومنفردين، انتهى.\nقال القسطلاني (^٣) في شرح الترجمة: أي: ما يكره من الاحتيال \"في\" الرجوع عن \"الهبة\" والاحتيال في إسقاط \"الشفعة، وقال بعض الناس\" الإمام أبو حنيفة: \"إن وهب\" شخص \"هبة ألف درهم أو أكثر حتى مكث\" الشيء الموهوب \"عنده\" عند الموهوب له \"سنين، واحتال\" الواهب \"في ذلك\" بأن تواطأ مع الموهوب له أن لا يتصرف \"ثم رجع الواهب فيها\" أي: في الهبة \"فلا زكاة على واحد منهما، فخالف\" هذا القائل \"الرسول\" أي: ظاهر حديث الرسول \"ﷺ في الهبة\" المتضمن للنهي عن العود فيها، \"وأسقط الزكاة\" بعد أن حال عليها الحول عند الموهوب له، ووجوب زكاتها عليه عند الجمهور، وأما الرجوع فلا يكون إلا في الهبة للولد.\nواحتج البخاري رحمه الله تعالى بحديث الباب وظاهره كما قال النووي (^٤): تحريم الرجوع في الهبة بعد القبض، وهو محمول على هبة الأجنبي لا ما وهبه لولده.\nوقال العيني (^٥): لم يقل أبو حنيفة هذه المسألة على هذه الصورة بل قال: إن للواهب أن يرجع في هبته إذا كان الموهوب له أجنبيًا وقد سلمها له لأنه قبل التسليم يجوز مطلقًا، واستدل لجواز الرجوع بحديث ابن عباس عند الطبراني مرفوعًا: \"من وهب هبة فهو أحق بهبته ما لم يثب منها\"،\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٢/ ٣٤٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٢/ ٣٤٥).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ٤٦٤).\n(^٤) \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٦/ ٧٣).\n(^٥) \"عمدة القاري\" (١٦/ ٢٥٥).","vol":"6","page":641},{"text":"وحديث ابن عمر مرفوعًا عند الحاكم، وقال: صحيح على شرطهما، قال: ولم ينكر أبو حنيفة حديث العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه، بل عمل بالحديثين معًا، فعمل بالأول في جواز الرجوع، وبالثاني في كراهة الرجوع، واستقباحه لا في حرمته، وفعل الكلب يوصف بالقبح لا بالحرمة، انتهى.\nقوله: (فلا زكاة على واحد منهما. . .) إلخ، قال الحافظ (^١): قال ابن بطال (^٢): إذا قبض الموهوب له هبة فهو مالك لها، فإذا حال عليها الحول عنده وجبت عليه الزكاة [فيها] عند الجميع، وأما الرجوع فلا يكون عند الجمهور إلا فيما يوهب للولد، فإن رجع فيها الأب بعد الحول وجبت فيها الزكاة على الابن، انتهى من \"الفتح\".\nقلت: وأما مذهب الأحناف فهو ما حكاه البخاري من عدم وجوب الزكاة عليهما، ففي \"الدر المختار\" (^٣): وتسقط الزكاة عن موهوب له في نصاب مرجوع فيه مطلقًا سواء رجع بقضاء أو غيره بعد الحول، وقيد به، أي: بقوله: عن موهوب له لأنه لا زكاة على الواهب اتفاقًا لعدم الملك وهي من الحيل، انتهى. ولذا أورد الإمام البخاري على الأحناف في هذه الحيلة.\nثم لا يذهب عليك أن الإمام البخاري وإن كان قائلًا بشفعة الجوار كما قال به الحنفية كما تقدم في محله، فلا يتوهم أنه مخالف للحنفية في هذا الجزء أيضًا، وإنما الإيراد على تجويزنا الحيلة في إسقاطها، فتأمل.\nوفي \"الفيض\" (^٤): قوله: \"قال أبو عبد الله: فخالف. . .\" إلخ، ومحصله أن القبح في مذهب الحنفية من وجهين، الأول: من قولهم بجواز الرجوع في الهبة، والثاني: بحكمهم بسقوط الزكاة بالحيلة، وفيهما نظر،\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٢/ ٣٤٦).\n(^٢) \"شرح ابن بطال\" (٨/ ٣٢٧).\n(^٣) \"رد المحتار\" (٣/ ٢٤١).\n(^٤) \"فيض الباري\" (٦/ ٤٣١).","vol":"6","page":642},{"text":"أما الرجوع في الهبة فمكروه عندنا تحريمًا أو تنزيهًا ديانةً، وإن نفذ بالقضاء أو الرضاء، إلى أن قال بعد ذكر دليل الحنفية: ولا أرى أحدًا ينكر مقدمات الدليل فكيف بالنتيجة، انتهى.\nقوله: (وقال بعض الناس: الشفعة للجوار. . .) إلخ، قال القسطلاني في \"شرحه\" (^١): أي: فناقض كلامه لأنه احتج في شفعة الجار بحديث \"الجار أحق بسقبه\"، ثم تحيل في إسقاطها بما يقتضي أن يكون غير الجار أحق بالشفعة من الجار، وليس فيه شيء من خلاف السُّنَّة، لكن المشهور عند الحنفية أن الحيلة المذكورة لأبي يوسف، وأما محمد بن الحسن فقال: يكره ذلك أشدّ الكراهة لما فيه من الضرر لا سيما إن كان بين المشتري والشفيع عداوة ويتضرر بمشاركته، انتهى.\nقال الحافظ (^٢): وقال ابن بطال (^٣): أصل هذه المسألة أن رجلًا أراد شراء دار، فخاف أن يأخذها جاره بالشفعة، فسأل أبا حنيفة: كيف الحيلة في إسقاط الشفعة؟ فقال له: اشتر منها سهمًا واحدًا مشاعًا من مائة سهم، فتصير شريكًا لمالكها، ثم اشتر منه الباقي فتصير أنت أحق بالشفعة من الجار؛ لأن الشريك في المشاع أحق من الجار، وإنما أمره بأن يشتري سهمًا من مائة سهم لعدم رغبة الجار في شراء السهم الواحد لحقارته وقلة انتفاعه به، قال: وهذا ليس فيه شيء من خلاف السُّنَّة، وإنما أراد البخاري إلزامهم التناقض؛ لأنهم احتجوا في شفعة الجار بحديث: \"الجار أحق بسقبه\"، ثم تحيلوا في إسقاطها بما يقتضي أن يكون غير الجار أحق بالشفعة من الجار، انتهى.\nقلت: والمسألة خلافية، فلا تحل الحيلة لإسقاط الشفعة عند مالك وأحمد، وتحل عند أبي حنيفة والشافعي، والبسط في \"الأوجز\" (^٤).\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ٤٦٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٢/ ٣٤٦).\n(^٣) \"شرح ابن بطال\" (١٢/ ٣٢٨).\n(^٤) \"أوجز المسالك\" (١٣/ ٥٣٢ - ٥٣٤).","vol":"6","page":643},{"text":"(١٥ -<span data-type='title' id=toc-4081> باب احتيال العامل ليهدى له)</span>\nقال العلامة القسطلاني (^١): أي: كراهة احتيال العامل الذي يتولى في مال وغيره، ثم قال تحت حديث الباب: قال المهلب: حيلة العامل ليهدى له تقع بأن يسامح بعض من عليه الحق، فلذلك قال: \"هلا جلس في بيت أبيه وأمه لينظر هل يهدى له\"، وقال في \"فتح الباري\": ومطابقة الحديث للترجمة من جهة [أن] تملكه ما أهدي إنما كان لعلة كونه عاملًا فاعتقد أن الذي أهدي له يستبد به دون أصحاب الحقوق التي عمل فيها، فبين له - ﷺ - أن الحقوق التي عمل لأجلها هي السبب في الإهداء له، وأنه لو أقام في منزله لم يهد له شيء، فلا ينبغي له أن يستحلها بمجرد كونها وصلت إليه على طريق الهدية، فإن ذلك إنما يكون حيث يتمحض الحق له، انتهى.\nوقال الكرماني (^٢): قالوا: احتيال العامل هو بأن ما أهدي له في عمالته يستأثر به ولا يضعه في بيت المال، وهدايا الأمراء والعمال هي من جملة حقوق المسلمين، انتهى.\nقوله: (الجار أحق بسقبه) الحديث، قال الحافظ (^٣): كذا وقع للأكثر هذا الحديث وما بعده متصلًا بباب احتيال العامل، وأظنه وقع هنا تقديم وتأخير، فإن الحديث وما بعده يتعلق بباب الهبة والشفعة، فلما جعلت الترجمة مشتركة جمع مسائلها، ومن ثم قال الكرماني (^٤): إنه من تصرف النقلة، وقد وقع عند ابن بطال هنا \"باب\" بلا ترجمة، ثم ذكر الحديث وما بعده، ثم ذكر \"باب احتيال العامل\"، وعلى هذا فلا إشكال لأنه حينئذ كالفصل من الباب، ويحتمل أن يكون في الأصل بعد قصة ابن اللتبية \"باب\" بلا ترجمة، فسقطت الترجمة فقط أو بيض لها في الأصل، انتهى.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ٤٦٨ - ٤٧٠).\n(^٢) \"شرح الكرماني\" (٢٤/ ٩١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٢/ ٣٤٩).\n(^٤) \"شرح الكرماني\" (٢٤/ ٩٢).","vol":"6","page":644},{"text":"قوله: (وقال بعض الناس: إذا اشترى دارًا بعشرين ألف درهم. . .) إلخ، قال العلامة القسطلاني (^١) بعد تصوير صورة المسألة التي ذكرها البخاري: وهذا تناقض ظاهر؛ لأن الأمة مجمعة وأبو حنيفة معهم على أن البائع لا يردّ في الاستحقاق والردّ بالعيب إلا ما قبض، فكذلك الشفيع لا يشفع إلا بما نقد المشتري وما قبضه منه البائع لا بما عقد، وأشار إلى ذلك بقوله: \"فأجاز\" أبو حنيفة - ﵀ - \"هذا الخداع بين المسلمين\" أي: الحيلة في إيقاع الشريك في الغبن الشديد إن أخذ بالشفعة، أو إبطال حقه بسبب الزيادة في الثمن باعتبار العقد لو تركها، وقال النبي - ﷺ -: \"بيع المسلم لا داء ولا خبثة ولا غائلة\"، وهذا الحديث قد سبق في أوائل \"البيوع\" في \"باب إذا بين البائعان\"، قال في \"الفتح\" (^٢): وسنده حسن وله طرق إلى العداء، ورواه الترمذي والنسائي وابن ماجه موصولًا، انتهى.\nوأما البراعة فلم يتعرض لها الحافظ، وعند هذا العبد الضعيف فما تقدم من مقدمة \"اللامع\" (^٣) أنه في لفظ \"ساوم\" المشير إلى السام وهو الموت، وكذا في لفظ \"البيت\"، وقد أطلق في بعض الأحاديث على القبر، فتأمّل.\n* * *\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ٤٧١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٢/ ٣٥٠).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (١/ ١١٩).","vol":"6","page":645},{"text":"٩١ -<span data-type='title' id=toc-4082> كتاب التعبير</span>\nهكذا في النسخ الهندية وهكذا في نسخة الحافظين ابن حجر و\"العيني\" وكذا \"الكرماني\"، وفي نسخة \"القسطلاني\" \"باب التعبير\" بدل كتاب.\nقال العلامة القسطلاني (^١): أي: تفسير الرؤيا وهو العبور من ظاهرها إلى باطنها قاله الراغب، وقال البيضاوي: عبارة الرؤيا الانتقال من الصور الخيالية إلى المعاني النفسانية التي هي مثالها من العبور وهو المجاوزة، انتهى.\nوعبرت الرؤيا بالتخفيف هو الذي اعتمده الإثبات وأنكروا التشديد، وقيل: يقال: عبرت الرؤيا بالتخفيف إذا فسرتها، وعبرتها بالتشديد للمبالغة في ذلك، انتهى.\nوقال الكرماني (^٢): قالوا: الفصيح العبارة لا التعبير، وهي التفسير والإخبار بآخر ما يؤول إليه أمر الرؤيا، قيل: الرؤيا ما في المنام، والرؤية هي النظر بالعين، والرأي ما بالقلب، انتهى.\nقال الحافظ (^٣): والتعبير خاص بتفسير الرؤيا، ثم قال: وأما الرؤيا فهي ما يراه الشخص في منامه وهي بوزن فُعلى، وقد تسهل الهمزة، قال الواحدي: هي في الأصل مصدر كاليسرى، فلما جعلت اسمًا لما يتخيله النائم أجريت مجرى الأسماء، وقال ابن العربي: الرؤيا إدراكات علقها الله تعالى في قلب العبد على يدي ملك أو شيطان، إلى آخر ما حقق، وذكر\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ٤٧٣).\n(^٢) \"شرح الكرماني\" (٢٤/ ٩٤).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٢/ ٣٥٢ - ٣٥٤).","vol":"6","page":646},{"text":"الأقوال في تحقيق الرؤيا، ثم قال: قال المازري: كثر كلام الناس في حقيقة الرؤيا.\nوقال فيها غير الإسلاميين أقاويل كثيرة منكرة؛ لأنهم حاولوا الوقوف على حقائق لا تدرك بالعقل، وهم لا يصدقون بالسمع، فاضطربت أقواله: فمن ينتمي إلى الطب ينسب جميع الرؤيا إلى الأخلاط، فيقول: من غلب عليه البلغم رأى أنه يسبح في الماء، ونحو ذلك لمناسبة الماء طبيعة البلغم، ومن غلبت عليه الصفراء رأى النيران والصعود في الجو، ومن ينتمي إلى الفلسفة، [يقول:] إن صورة ما يجري في الأرض هي في العالم العلوي كالنقوش، فما حاذى بعض النقوش منها انتقش فيها، قال: وهذا أشدّ فسادًا من الأول، لكونه تحكمًا لا برهان عليه، والانتقاش من صفات الأجسام، وأكثر ما يجري في العالم العلوي الأعراض، والأعراض لا ينتقش فيها، قال: والصحيح ما عليه أهل السُّنَّة أن الله يخلق في قلب النائم اعتقادات كما يخلقها في قلب اليقظان، فإذا خلقها فكأنه جعلها علمًا على أمور أخرى يخلقها في ثاني الحال، ومهما وقع منها على خلاف المعتقد فهو كما يقع لليقظان، ونظيره أن الله خلق الغيم علامة على المطر، وقد يتخلف، وتلك الاعتقادات تقع تارة بحضرة الملك فيقع بعدها ما يَسُرّ، أو بحضرة الشيطان فيقع بعدها ما يَضُرُّ، والعلم عند الله تعالى.\nثم بعد ما بسط الحافظ الكلام في تحقيق الرؤيا قال: ثم جميع المرائي تنحصر على قسمين: الصادقة: وهي رؤيا الأنبياء ومن تبعهم من الصالحين، وقد تقع لغيرهم بندور، وهي التي تقع في اليقظة على وفق ما وقعت في النوم. والأضغاث: وهي لا تنذر بشيء، وهي أنواع: الأول: تلاعب الشيطان ليحزن الرائي، كأن يرى أنه قطع رأسه وهو يتبعه، أو رأى أنه واقع في هول ولا يجد من ينجده ونحو ذلك، الثاني: أن يرى أن بعض الملائكة تأمره أن يفعل المحرمات مثلًا ونحوه من المحال عقلًا، الثالث: أن يرى ما تتحدث به نفسه في اليقظة أو يتمناه فيراه كما هو في المنام، انتهى.","vol":"6","page":647},{"text":"وفي هامش \"اللامع\" (^١): وقد بسط الكلام على الرؤيا لفظًا ولغةً وحقيقةً في \"الأوجز\" أشدّ البسط، وفيه أفاد شيخ مشايخنا الشاه ولي الله الدهلوي في \"المسوى\" (^٢) في قوله - ﷺ -: \"الرؤيا الصالحة من الله، والحلم من الشيطان\": فيه بيان أنه ليس كل ما يراه الإنسان في منامه يكون صحيحًا، إنما الصحيح فيه ما كان من الله يأتيك به ملك الرؤيا من نسخة أمّ الكتاب، وما سوى ذلك أضغاث أحلام لا تأويل لها، وهي على أنواع، إلى آخر ما ذكر.\nوقال الشيخ عبد الغني النابلسي في \"تعطير الأنام\": وقد قال بإبطال الرؤيا قوم من الملحدين يقولون: إن النائم يرى في منامه ما يغلب عليه من الطبائع الأربعة، وهذا الذي قالوه نوع من أنواع الرؤيا، وليست الرؤيا منحصرة في ذلك، إلى آخر ما ذكر في هامش \"اللامع\"، فارجع إليه لو شئت، وسيأتي في البخاري في \"باب القيد في المنام\" قول محمد بن سيرين قال: وكان يقال: الرؤيا ثلاث: حديث النفس وتخويف الشيطان وبشرى من الله تعالى.\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-4083> باب أول ما بدئ به رسول الله - ﷺ - من الوحي. . .) إلخ</span>\nهذا من دأب الإمام البخاري - ﵀ - من أنه طالما يذكر في مبدأ الكتاب ما يتعلق ببدء مشروعية الحكم تاريخًا، فأشار بهذه الترجمة إلى مبدأ الرؤيا المعتبرة عند الشرع.\nقال الحافظ (^٣): ثم ساق المصنف حديث عائشة في بدء الوحي، وقد ذكره في أول الصحيح، وقد شرحته هناك، ثم استدركت ما فات من شرحه\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٢٣٨، ٢٣٩).\n(^٢) \"المسوى\" (٢/ ٣٨٧).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٢/ ٣٥٤).","vol":"6","page":648},{"text":"في تفسير ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١]، وسأذكر هنا ما لم يتقدم ذكره في الموضعين غالبًا، إلى آخر ما ذكر، فارجع إليه لو شئت.\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-4084> باب رؤيا الصالحين)</span>\nقال الحافظ (^١): الإضافة إليه للفاعل لقوله في حديث الباب: \"يراها الرجل الصالح\"، وكأنه جمع إشارةً إلى أن المراد بالرجل الجنس، وقال في شرح الحديث: قال المهلب: المراد غالب رؤيا الصالحين، وإلا فالصالح قد يرى الأضغاث، ولكنه نادر لقلة تمكن الشيطان منهم، بخلاف عكسهم فإن الصدق فيها نادر لغلبة تسلط الشيطان عليهم، قال ابن العربي: رؤيا المؤمن الصالح هي التي تنسب إلى أجزاء النبوة، ومعنى صلاحها استقامتها وانتظامها، قال: وعندي أن رؤيا الفاسق لا تعد في أجزاء النبوة، وقيل: تعد من أقصى الأجزاء، وأما رؤيا الكافر فلا تعد أصلًا، وأخرج مسلم (^٢) من حديث أبي هريرة مرفوعًا: \"وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثًا\"، ثم بسط الحافظ الكلام على شرح حديث الباب: \"جزء من ستة وأربعين جزءًا\" الحديث، وكذا على اختلاف ألفاظ الواردة فيه.\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-4085> باب الرؤيا من الله)</span>\nقال الحافظ (^٣): أي: مطلقًا، وإن قيدت في الحديث بالصالحة فهو بالنسبة إلى ما لا دخول للشيطان فيه، وأما ما له فيه دخل فنسبت إليه نسبة مجازية مع أن الكل بالنسبة إلى الخلق والتقدير من قبل الله تعالى، وإضافة الرؤيا إلى الله تعالى للتشريف، وظاهر قوله: \"الرؤيا من الله، والحلم من الشيطان\" أن التي تضاف إلى الله لا يقال لها: حلم، والتي تضاف للشيطان، لا يقال لها: رؤيا، وهو تصرف شرعي، وإلا فالكل يسمى رؤيا، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٢/ ٣٦١، ٣٦٢).\n(^٢) \"صحيح مسلم\" (رقم ٢٢٦٣).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٢/ ٣٦٩).","vol":"6","page":649},{"text":"قلت: وسيأتي التبويب بقوله: \"باب الحلم من الشيطان\" في هامش المصرية: قوله: \"إذا رأى أحدكم رؤيا. . .\" إلخ، يؤخذ منه مع ما يأتي في الباب الآتي أن آداب الرؤيا الصالحة ثلاثة: حمد الله عليها والاستبشار بها وأن يحدث بها أي: من يحبه، وآداب الحلم أربعة: التعوذ بالله من شره ومن شر الشيطان، وأن يتفل عن شماله حين يستيقظ، وأن لا يحدث بها أحدًا، انتهى (^١).\n\n(٤ -<span data-type='title' id=toc-4086> باب الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة)</span>\nقال الحافظ (^٢): هذه الترجمة لفظ آخر أحاديث الباب، فكأنه حمل الرواية الأخرى بلفظ \"رؤيا المؤمن\" على هذه المقيدة، انتهى.\nقلت: لعل المصنف أشار إلى ترجيح هذا اللفظ، فإن الروايات في العدد مختلفة كما بسطه الحافظان ابن حجر والعيني، وكذا بسط الحافظ الكلام على معنى كونه جزءًا من النبوة، وقال بعضهم: لا يعلم حقيقتها إلا من يعلم علم النبوة.\nوقال الكرماني (^٣) عن الخطابي: قيل: مدة الوحي ثلاثة وعشرون سنة، وكان يوحى إليه في منامه في أول الأمر بمكة المشرفة ستة أشهر، وهي نصف سنة، وهذه جزء من ستة وأربعين جزءًا من أجزاء مدة زمان النبوة، وقال: معنى الحديث تحقيق أمر الرؤيا، وأنها مما كان الأنبياء يثبتونه، وكان جزءًا من أجزاء العلم الذي كان يأتيهم، قال القاضي عياض: في بعض الروايات تسعة وأربعين، وفي بعضها سبعين، وفي بعضها خمسين، فقيل: هذا الاختلاف يرجع إلى اختلاف حال الرائي، فللصالح مثلًا جزء من ستة وأربعين، وللفاسق جزء من سبعين، وما بينهما لمن بينهما، انتهى.\n_________\n(^١) \"تحفة الباري\" (٦/ ٤٠٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٢/ ٣٧٣).\n(^٣) \"شرح الكرماني\" (٢٤/ ٩٩، ١٠٠).","vol":"6","page":650},{"text":"وفي \"الفيض\" (^١): وقد تصدّى العلماء على إحداث المناسبات في العدد المخصوص، فتصح في بعض دون بعض، ومن شاء الكلام فيها على طور الصوفية فليراجع له \"الإبريز\"، انتهى.\nفإن قيل: إن الرؤيا التي أريها - ﷺ - ستة أشهر كان ذلك قبل النبوة، فكيف صارت جزءًا منها؟ ويمكن الجواب عنه ما ذكره الكرماني (^٢) تحت شرح الحديث. فإن قلت: هل يقال لصاحب الرؤيا الصالحة: له شيء من النبوة؟ قلت: جزء النبوة ليس نبوة، إذ جزء الشيء غيره، أو لا هو ولا غيره، فلا نبوة له، انتهى.\nقلت: وهو كذلك كما هو ظاهر، فإن تحقق الجزء من حيث أنه جزء وإن كان لا يمكن تحققه بدون الكل لكن يمكن تحققه في نفسه بدون لحاظ وصف الجزئية، فافهم.\nوفي هامش النسخة المصرية (^٣): قوله: \"جزء من ستة وأربعين:. . .\" إلخ، قال الكرماني: أي: في حق الأنبياء دون غيرهم، وقيل: معناه أن الرؤيا تأتي على موافقة النبوة؛ لأنها جزء باق من النبوة، انتهى.\nثم ليس في أول حديث الباب ما يطابق الترجمة، والجواب ما في هامش النسخة المصرية (^٤) إذ قال: وجه دخول هذا الحديث في هذا الباب الإشارة إلى أن الرؤيا إنما كانت جزءًا من أجزاء النبوة لكونها من الله تعالى بخلاف التي من الشيطان فإنها ليست من أجزاء النبوة، انتهى.\n\n(٥ -<span data-type='title' id=toc-4087> باب مبشرات)</span>\nكذا في النسخة \"الهندية\" مجردًا عن اللام، وفي نسخة الشروح: \"المبشرات\"، قال العلامة القسطلاني (^٥): بكسر المعجمة المشددة جمع مبشرة. وقول الحافظ ابن حجر: وهي البشرى تعقبه صاحب \"عمدة القاري\"\n_________\n(^١) \"فيض الباري\" (٦/ ٤٣٥).\n(^٢) \"شرح الكرماني\" (٢٤/ ١٠١).\n(^٣) انظر: \"تحفة الباري\" (٦/ ٤٠١)، و\"شرح الكرماني\" (٢٤/ ١٠٠).\n(^٤) انظر: \"تحفة الباري\" (٦/ ٤٠٣).\n(^٥) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ٤٩٠).","vol":"6","page":651},{"text":"فقال: ليس كذلك؛ لأن البشرى اسم بمعنى البشارة، والمبشرة اسم فاعل للمؤنث من التبشير، وهي إدخال السرور والفرح على المبشر بفتح المعجمة، وعند الإمام أحمد (^١) من حديث أبي الدرداء: عن النبي - ﷺ - في قوله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [يونس: ٦٤] قال: \"الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له\"، انتهى.\n\n(٦ -<span data-type='title' id=toc-4088> باب رؤيا يوسف - ﵇ </span>-)\nقال الحافظ (^٢): كذا لهم، ووقع للنسفي: \"يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن\".\nوقوله - ﷿ -: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ﴾ فساق إلى ﴿سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤] ثم قال: \"إلى قوله: ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [يوسف: ٦] \".\nقوله: (وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ﴾ [يوسف: ١٠٠]) إلخ، والمراد أن معنى قوله: ﴿تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ﴾ أي: التي تقدم ذكرها وهي رؤية الكواكب والشمس والقمر ساجدين له، فلما وصل أبواه وإخوته إلى مصر ودخلوا عليه وهو في مرتبة الملك وسجدوا له - وكان ذلك مباحًا في شريعتهم - فكان التأويل في الساجدين وكونها حقًا في السجود، وقيل: التأويل وقع أيضًا في السجود ولم يقع منهم السجود حقيقة، وإنما هو كناية عن الخضوع، والأول هو المعتمد، وقد أخرجه ابن جرير بسند صحيح عن قتادة في قوله: ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ قال: \"كانت تحية من قبلكم، فأعطى الله هذه الأمة السلام تحية أهل الجنة\".\nواختلف في المدة التي كانت بين الرؤيا وتفسيرها، فأخرج الطبري والحاكم والبيهقي في \"الشعب\" بسند صحيح عن سلمان الفارسي - ﵁ - قال: \"كان بين رؤيا يوسف - ﵇ - وعبارتها أربعون عامًا\"، وذكر البيهقي له شاهدًا\n_________\n(^١) \"مسند أحمد\" (٥/ ٣١٥)، (رقم ٢٢٦٨٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٢/ ٣٧٦، ٣٧٧).","vol":"6","page":652},{"text":"عن عبد الله بن شداد وزاد: \"وإليها ينتهي أمد الرؤيا\"، وعن الحسن البصري قال: \"كانت مدة المفارقة بين يعقوب ويوسف ثمانين سنة\"، وعن ابن مسعود: \"تسعين سنة\" وغير ذلك من الأقوال التي ذكرها الحافظ، وقال: والأول أقوى، والعلم عند الله، انتهى.\n\n(٧ -<span data-type='title' id=toc-4089> باب رؤيا إبراهيم - ﵇ -. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^١): كذا لأبي ذر، وسقط لفظ \"باب\" لغيره، ثم ذكر قصة رؤيا إبراهيم، وذكر فيه عدة روايات، فارجع إليه لو شئت، وقال في آخر الباب: هذه الترجمة والتي قبلها ليس في واحد منهما حديث مسند، بل اكتفى فيهما بالقرآن، ولهما نظائر، انتهى.\n\n(٨ -<span data-type='title' id=toc-4090> باب التواطؤ على الرؤيا)</span>\nأي: توافق جماعة على شيء واحد ولو اختلفت عباراتهم، قاله الحافظ (^٢)، ثم قال تحت حديث الباب: ويستفاد من الحديث أن توافق جماعة على رؤيا واحدة دال على صدقها وصحتها كما تستفاد قوة الخبر من التوارد على الأخبار من جماعة، انتهى.\n\n(٩ -<span data-type='title' id=toc-4091> باب رؤيا أهل السجون والفساد)</span>\nقال الحافظ (^٣): تقدمت الإشارة إلى أن الرؤيا الصحيحة وإن اختصت غالبًا بأهل الصلاح لكن قد تقع لغيرهم، قال أهل العلم بالتعبير: إذا رأى الكافر أو الفاسق الرؤيا الصالحة فإنها تكون بشرى له بهدايته مثلًا إلى الإيمان أو التوبة أو إنذارًا من بقائه على الكفر أو الفسق، وقد يرى ما يدل\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٢/ ٣٧٧ - ٣٧٩).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٢/ ٣٧٩، ٣٨٠).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٢/ ٣٨١).","vol":"6","page":653},{"text":"على الرضا بما هو فيه ويكون من جملة الابتلاء والغرور والمكر، نعوذ بالله من ذلك، انتهى.\nوفي هامش النسخة المصرية (^١): قوله: ﴿فَتَيَانِ﴾ هما غلامان للملك أحدهما: خبَّازه، والآخر: ساقيه، واستدل به من قال: الرؤيا الصادقة تكون للكافر أيضًا لكن على معنى أن ما يبشر به يكون عن رضا الشيطان فينقص لذلك حظه.\n\n(١٠ -<span data-type='title' id=toc-4092> باب من رأى النبي - ﷺ - في المنام)</span>\nبسط الحافظ (^٢) الكلام على شرح حديث الباب وقال في آخره: والحاصل من الأجوبة ستة، أحدها: أنه على التشبيه والتمثيل، دل عليه قوله في الرواية الأخرى: \"فكأنما رآني في اليقظة\"، ثانيها: أن معناها: سيرى في اليقظة تأويلها بطريق الحقيقة أو التعبير. ثالثها: أنه خاص بأهل عصره ممن آمن به قبل أن يراه. رابعها: أنه يراه في المرآة التي كانت له إن أمكنه ذلك، وهذا من أبعد المحامل. خامسها: أنه يراه يوم القيامة بمزيد خصوصية. سادسها: أنه يراه في الدنيا حقيقة ويخاطبه، وفيه ما تقدم من الإشكال.\nثم ذكر الحافظ معنيين آخرين زائدًا على تلك الستة نقلًا عن القرطبي، فارجع إليه لو شئت. ويمكن عندي في معناه أنه بشارة لتوفيق زيارة قبره - ﷺ -، واستنبطت هذا المعنى من حديث ابن عمر مرفوعًا: \"من حجّ فزار قبري كان كمن زارني في حياتي\"، والله تعالى أعلم بالصواب.\nوقال الحافظ (^٣) أيضًا في شرح قوله - ﷺ -: \"ولا يتمثل الشيطان بي\": وفي رواية: \"لا يتمثل في صورتي\"، وفي رواية: \"إنه لا ينبغي للشيطان أن يتمثل بي\"، وفي رواية \"فإن الشيطان لا يتكونني\" قال الحافظ: والجميع\n_________\n(^١) \"تحفة الباري\" (٦/ ٤٠٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٢/ ٣٨٥).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٢/ ٣٨٦).","vol":"6","page":654},{"text":"راجع إلى معنى واحد، وقوله: \"لا يستطيع\" يشير إلى أن الله تعالى وإن أمكنه من التصور في أيّ صورة أراد فإنه لم يمكنه من التصور في صورة النبي - ﷺ -، وقد ذهب إلى هذا جماعة فقالوا في الحديث: إن محل ذلك إذا رآه الرائي على صورته التي كان عليها، ومنهم من قال: لا بدّ أن يراه على صورته التي قبض عليها حتى يعتبر عدد الشعرات البيض التي لم تبلغ عشرين شعرة، والصواب التعميم في جميع حالاته بشرط أن تكون صورتها الحقيقية في وقت ما سواء كان في شبابه أو رجوليته أو كهوليته أو آخر عمره الشريف، وقد يكون لما خالف ذلك تعبير يتعلق بالرائي.\nوقال الحافظ (^١) أيضًا في موضع آخر: قال النووي: قال عياض (^٢): يحتمل أن يكون المراد من رآه على صورته في حياته كانت رؤياه حقًا، ومن رآه على غير صورته كانت رؤيا تأويل.\nقال الحافظ: ظاهر قول عياض أنه يراه حقيقة في الحالين، لكن في الأولى تكون الرؤيا مما لا يحتاج إلى تعبير، والثانية مما يحتاج إلى التعبير، قال ابن العربي: الصحيح أنه يراه حقيقة سواء كانت على صفته المعروفة أو غيرها، انتهى ملخصًا من \"الفتح\".\nوقال شيخنا الكَنكَوهي قُدِّس سرُّه كما في هامش \"اللامع\" (^٣) عن \"الكوكب الدري\" (^٤): ذهب المتقدمون إلى أن ذلك حيث رآه في الحلية التي هي حلية آخر عمره - ﷺ -، وقال الآخرون: بل كل حلية النبي - ﷺ - سواء كان حلية آخر عمره أو غير ذلك، وذهب المتأخرون - وهو الحق - إلى أن الرائي لما رآه - ﷺ - في أي حلية كانت، وعلم بالقرائن أنه النبي - ﷺ - فهو هو لا غيره، سواء رآه على حليته المنقولة عنه أو لا، والاختلاف فيه حينئذٍ يرجع إلى اختلاف حال الرائي بحسب إيمانه ونياته وأموره الباطنية، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٢/ ٣٨٤).\n(^٢) \"الإكمال\" (٧/ ٢١٩).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٢٤١).\n(^٤) \"الكوكب الدري\" (٣/ ١٩٤ - ١٩٦).","vol":"6","page":655},{"text":"قلت: قد اختلف في ذلك مشايخنا الدهلوية على ثلاثة أقوال: الأول: قول الشاه رفيع الدين قُدِّس سرُّه: أن من رآه - ﷺ - على هيئته المعروفة بلا تغير أصلًا فهو مصداق الحديث، حتى إن لو في لحيته - ﷺ - كانت عشرون شعرة بيضاء وهو رأى إحدى وعشرين مثلًا فلم يره - ﷺ -، ووجه ذلك أن الصحابة الذين حكوا رؤياهم النبي - ﷺ - فكانت الصحابة يسألونهم عن صفة رؤياهم، فإذا طابقت صفة النبي - ﷺ - التي رأوها صدقوا الرؤيا وإلا كذبوا، والثاني: قول شيخ المشايخ عبد العزيز نوّر الله مرقده: أن رؤيته - ﷺ - في أيّ هيئة كانت كانت رؤيته - ﷺ - في الواقع ونفس الأمر إذا شهد قلب الرائي في الرؤيا أنه - ﷺ -، والقول الثالث: قول الشاه محمد إسحاق المهاجر المكي: أنه رؤيته - ﷺ - إذا كانت في هيئة أتقياء زمانه، فهو رؤيا حق وإلا فلم يره - ﷺ -، انتهى معرّبًا وملخصًا من كتاب \"أرواح ثلاثة\".\nثم إنه قد يختلج ههنا إشكال أشار إليه وإلى الجواب عنه الشيخ الكَنكَوهي في \"اللامع\" (^١) حيث قال: ولعل الوجه في أن الشيطان لا يتكوّن بصورته - ﷺ -، ويقدر على تخييل الرائي صورة الرب ﵎ أنه - ﷺ - رحمة محضة وهداية بحتة فلا يقدر الشيطان أن يتصور به؛ لكونه إضلالًا محضًا وغواية صرفة بخلاف الرب سبحانه، فإن ذاته تعالى قد اندمجت فيها جملة صفات الجلال والجمال، فمنه الهداية والرشاد، ومنه الإبعاد والإضلال، فلكل صفة من الصفات ومنها الإضلال انتسابًا إليه، فلم يكن بينهما غاية البعد كما كان ههنا، انتهى.\nثم ههنا اختلاف آخر وهو إمكان رؤيته - ﷺ - بعد وفاته في الدنيا في اليقظة، وهو بحث طويل ذكرها الشيخ ابن حجر المكي في \"الفتاوى الحديثية\" (^٢)، وللسيوطي فيه رسالة \"تنوير الحلك في رؤية النبي والملك\"، وقد وقع لكثير من المشايخ كما ذكر بعضها الشعراني في \"الميزان\".\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٢٤٠ - ٢٤٢).\n(^٢) \"الفتاوى الحديثية\" (ص ٣٩١).","vol":"6","page":656},{"text":"وفي \"البذل\" (^١): وقد نصّ على وقوع ذلك كرامة الأولياء خلق من الأمة كحجة الإسلام الغزالي وابن العربي وعز الدين، انتهى، كذا في هامش \"اللامع\" (^٢).\n\n(١١ -<span data-type='title' id=toc-4093> باب رؤيا الليل)</span>\nقال الحافظ (^٣): أي: هل تساوي الرؤيا بالنهار أو تتفاوتان؟ وهل بين زمان كل منهما تفاوت؟ وكأنه يشير إلى حديث أبي سعيد: \"أصدق الرؤيا بالأسحار\" أخرجه أحمد مرفوعًا، وصحّح ابن حبان، وذكر نصر بن يعقوب الدينوري: أن الرؤيا أول الليل يبطئ تأويلها، ومن النصف الثاني يسرع بتفاوت أجزاء الليل، وإن أسرعها تأويلًا رؤيا السحر، ولا سيما عند طلوع الفجر، وعن جعفر الصادق: أسرعها تأويلًا رؤيا القيلولة، انتهى.\n\n(١٢ -<span data-type='title' id=toc-4094> باب الرؤيا بالنهار وقال ابن عون. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٤): هذا الأثر وصله القيرواني في \"كتاب التعبير\" له، قال القيرواني: ولا فرق في حكم العبارة بين رؤيا الليل والنهار، وكذا رؤيا النساء والرجال، وقال المهلب نحوه، وقد تقدم نحو ما نقل عن بعضهم في التفاوت، وقد يتفاوتان أيضًا في مراتب الصدق، انتهى.\nوقال العلامة القسطلاني (^٥): وقال أهل التعبير: إن رؤيا النهار بالعكس؛ لأن الأرواح لا تجول أصلًا والشمس في أعلى الفلك، وذلك أن قوتها تمنع من إظهار أمر الأرواح وتصرفها فيما تصرف فيه، وقيل: إن رؤيا النهار أقوى من رؤيا الليل وأتم في الحال؛ لأن النور سابق لكل ظلمة إلى أن قال: وأما الوقت الذي تكون الرؤيا فيه أصحّ والذي تكون فيه فاسدة، فقالوا: تكون صحيحة في أيام الربيع، إلى آخر ما ذكر.\n_________\n(^١) \"بذل المجهود\" (١٣/ ٤١٩).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٢٤٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٢/ ٣٩٠).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٢/ ٣٩٢).\n(^٥) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ٥٠٨).","vol":"6","page":657},{"text":"(١٣ -<span data-type='title' id=toc-4095> باب رؤيا النساء)</span>\nقال الحافظ (^١): تقدم كلام القيرواني وغيره في ذلك، وذكر أيضًا أن المرأة إذا رأت ما ليست له أهلًا فهو لزوجها، وكذا حكم العبد لسيده، كما أن رؤيا الطفل لأبويه، انتهى.\nقلت: ولعل المصنف أشار إلى أن رؤيا المؤمنة الصالحة داخلة في قوله - ﷺ -: \"رؤيا المؤمن من الصالح جزء من أجزاء النبوة\".\n\n(١٤ -<span data-type='title' id=toc-4096> باب الحلم من الشيطان)</span>\nقال الحافظ (^٢): هكذا ترجم لبعض ألفاظ الحديث، انتهى.\nقلت: وقرينه ما تقدم قبل عدة أبواب بقوله: \"باب الرؤيا من الله\"، ولم يظهر لي وجه إيقاع الفصل بين البابين اللَّهم إلا أن يقال: إنه فعل كذلك لإيقاظ الناظرين حتى يتذكروا ما تقدم من قرينه.\n\n(١٥ -<span data-type='title' id=toc-4097> باب اللبن)</span>\nأي: إذا رُئي في المنام بماذا يعبر؟ قال المهلب: اللبن يدلّ على الفطرة والسُّنَّة والقرآن والعلم، وذكر الدينوري: أن اللبن المذكور في هذا يختص بالإبل، وأنه لشاربه مال حلال وعلم وحكمة، قال: ولبن البقر خصب السنة ومال حلال وفطرة أيضًا، ولبن الشاة مال وسرور وصحة جسم، وألبان الوحش شك في الدين، وألبان السباع غير محمودة، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\nوذكر الحافظ (^٤) أيضًا من جملة فوائد الحديث مشروعية قصّ الكبير رؤياه على من دونه.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٢/ ٣٩٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٢/ ٣٩٣).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٢/ ٣٩٣).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٢/ ٣٩٤).","vol":"6","page":658},{"text":"وقال القسطلاني (^١): رؤية اللبن في النوم تدلّ على السُّنَّة والفطرة، والعلم والقرآن؛ لأنه أوّل شيء يناله المولود من طعام الدنيا، وهو الذي يفتق أمعاءه، وبه تقوم حياته كما تقوم بالعلم حياة القلوب، فهو يشاكل العلم من العلم من هذا الوجه، انتهى.\n\n(١٦ -<span data-type='title' id=toc-4098> باب إذا جرى اللبن في أطرافه أو أظافيره)</span>\nقال الحافظ (^٢): يعني في المنام، ذكر فيه حديث ابن عمر المذكور قبله، انتهى.\nولم يتعرض هو ولا غيره من الشرَّاح لغرض الترجمة، فالترجمة بظاهرها من قبيل قليل الجدوى، ويمكن أن يقال: إن غرض المصنف في أمثال هذه المواضع استيعاب أجزاء الحديث بعقد الترجمة إيفاء لحقه واهتمامًا بشأنه، والله ولي التوفيق.\n\n(١٧ -<span data-type='title' id=toc-4099> باب القميص في المنام)</span>\nوفي رواية الكشميهني: \"القمص\" بضمتين بالجمع، وكلاهما في الخبر، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\n\n(١٨ -<span data-type='title' id=toc-4100> باب جرِّ القميص في المنام)</span>\nتقدم وجه عقد الترجمة قبل باب، قال الحافظ (^٤): قالوا: وجه تعبير القميص بالدين أن القميص يستر العورة في الدنيا والدين يسترها في الآخرة ويحجبها عن كل مكروه، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ الآية [الأعراف: ٢٦]، والعرب تكني عن الفضل والعفاف بالقميص، واتفق أهل التعبير على أن القميص يعبّر بالدين، وأن طوله يدلّ على بقاء آثار\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ٥٣٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٢/ ٣٩٥).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٢/ ٣٩٥).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٢/ ٣٩٦).","vol":"6","page":659},{"text":"صاحبه من بعده، وهذا من أمثلة ما يحمد في المنام ويذمّ في اليقظة شرعًا، أعني جرّ القميص لما ثبت من الوعيد في تطويله، ومثله ما سيأتي في \"باب القيد\"، وعكس هذا ما يذم في المنام ويحمد في اليقظة، انتهى.\n\n(١٩ -<span data-type='title' id=toc-4101> باب الخضر في المنام)</span>\nقال الحافظ (^١): الخضر بضم الخاء وسكون الضاد المعجمتين جمع أخضر، وهو اللون المعروف في الثياب وغيرها، ووقع في رواية النسفي: \"الخضرة\" بسكون الضاد وفي آخره هاء تأنيث، قال القيرواني: الروضة التي لا يعرف نبتها تعبر بالإسلام لنضارتها وحسن بهجتها، وتعبر أيضًا بكل مكان فاضل، وقد تعبر بالمصحف وكتب العلم والعالم ونحو ذلك، انتهى.\n\n(٢٠ -<span data-type='title' id=toc-4102> باب كشف المرأة في المنام)</span>\nذكر المصنف فيه وكذا في الباب الذي بعده حديث عائشة في رؤية النبي - ﷺ - لها في المنام قبل أن يتزوجها، قال ابن بطال (^٢): رؤيا المرأة في المنام يختلف على وجوه: منها: أن يتزوج الرائي حقيقة بمن يراها أو شبهها، ومنها: أن يدل على حصول دنيا أو منزلة فيها أو سعة في الرزق، وهذا أصل عند المعبرين في ذلك، وأما ثياب الحرير فيدلّ اتخاذها للنساء في المنام على النكاح، وعلى العزاء وعلى الغناء وعلى زيادة في البدن، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\n\n(٢١ -<span data-type='title' id=toc-4103> باب الحرير في المنام)</span>\nكذا في النسخ الهندية، وفي نسخة \"الفتح\": \"ثياب الحرير في المنام\"، وتقدم بعض ما يتعلق به في الباب السابق.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٢/ ٣٩٧).\n(^٢) \"شرح ابن بطال\" (٩/ ٥٣٤).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٢/ ٤٠٠).","vol":"6","page":660},{"text":"(٢٢ -<span data-type='title' id=toc-4104> باب المفاتيح في اليد)</span>\nأي: إذا رُؤيت في المنام، قال أهل التعبير: المفتاح مال وعز وسلطان، فمن رأى أنه فتح بابًا بمفتاح فإنه يظفر بحاجته بمعونة من له بأس، وإن رأى أن بيده مفاتيح فإنه يصيب سلطانًا عظيمًا، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(٢٣ -<span data-type='title' id=toc-4105> باب التعليق بالعروة والحلقة)</span>\nقال الحافظ (^٢): قال أهل التعبير: الحلقة والعروة المجهولة تدلّ لمن تمسك بها على قوته في دينه وإخلاصه فيه، انتهى.\n\n(٢٤ -<span data-type='title' id=toc-4106> باب عمود الفسطاط تحت وسادته)</span>\nالعمود بفتح أوله معروف، ما ترفع به الأخبية من الخشب، ويطلق أيضًا على ما يرفع به البيوت من حجارة، والفسطاط بضم الفاء وقد تكسر، وفيه لغات تبلغ ثنتي عشرة، وهو الخيمة العظيمة.\nقال الحافظ (^٣): كذا للجميع ليس فيه حديث، انتهى.\nقال العلامة القسطلاني (^٤): ولم يذكر هنا حديثًا، ولعله أشار بهذه الترجمة إلى ما أخرجه يعقوب بن سفيان والطبراني والحاكم، وصحّحه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"بينا أنا نائم رأيت عمود الكتاب احتُمِل من تحت رأسي، فأتبعته بصري، فإذا هو قد عمد به إلى الشام، ألا وإن الإيمان حين تقع الفتن بالشام\".\nقال الحافظ في \"الفتح\" (^٥): لعل المصنف كتب الترجمة وبيّض للحديث فاخترمته المنية، ثم قال القسطلاني (^٦): وللحديث طرق أخرى\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٢/ ٤٠١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٢/ ٤٠١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٢/ ٤٠٢).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ٥٢٣).\n(^٥) \"فتح الباري\" (١٢/ ٤٠٣).\n(^٦) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ٥٢٤).","vol":"6","page":661},{"text":"يقوي بعضها بعضًا، وعمود الكتاب عمود الدين، قال المعبرون: من رأى في منامه عمودًا فإنه يعبر بالدين، وأما الفسطاط فمن رأى أنه ضرب عليه فسطاط فإنه ينال سلطانًا بقدره، أو يخاصم ملكًا فيظفر، انتهى.\nقلت: بسط الحافظ رحمه الله تعالى الكلام على هذه الترجمة، وذكر فيه أقوال الشرَّاح كابن بطال والمهلب وغيرهما، ثم قال: والمعتمد أن البخاري أشار بهذه الترجمة فذكر ما تقدم من كلام القسطلاني، وكذا تكلم عليه شيخ مشايخنا الدهلوي في \"تراجمه\" (^١) إذ قال: أشار بهذه الترجمة إلى حديث أخرجه أحمد بسند صحيح عن أبي الدرداء عن النبي - ﷺ -: \"بينا أنا نائم رأيت عمود الكتاب احتمل من تحت رأسي، فأتبعته بصري، فإذا هو قد عمد به إلى الشام\" لعل تأويله استقرار الملك في الشام بعد انقضاء خلافة النبوة، والله أعلم، انتهى.\nقلت: وحديث أبي الدرداء هذا ذكره الحافظ أيضًا، قال: وسنده صحيح كما قال الشيخ.\n\n(٢٥ -<span data-type='title' id=toc-4107> باب الاستبرق ودخول الجنة في المنام)</span>\nقال العيني (^٢): الاستبرق هو الغليظ من الديباج، وهو فارسي معرب بزيادة القاف، وقد يعبر الحرير في المنام بالشرف في الدين والعلم؛ لأن الحرير من أشرف ملابس الدنيا، وكذلك العلم بالدين أشرف العلوم، قوله: \"دخول الجنة. . .\" إلخ، عطف على الاستبرق، أي: رؤية الدخول في الجنة في المنام، ورؤية دخول الجنة في المنام تدلّ على دخولها في اليقظة، ويعبر أيضًا بالدخول في الإسلام الذي هو سبب لدخول الجنة، ومطابقة الحديث للجزء الأول من الترجمة تؤخذ من قوله: \"سرقة من حرير\" فإن السرقة قطعة من حرير، والاستبرق أيضًا نوع من الحرير، انتهى مختصرًا.\n_________\n(^١) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٤٢٧).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٦/ ٢٩٦).","vol":"6","page":662},{"text":"(٢٦ -<span data-type='title' id=toc-4108> باب القيد في المنام)</span>\nقال الحافظ (^١): أي: من رأى في المنام أنه مقيد ما يكون تعبيره؟ وظاهر إطلاق الخبر أنه ليعبّر بالثبات في الدين في جميع وجوهه، لكن أهل التعبير خصّوا ذلك بما إذا لم يكن هناك قرينة أخرى كما لو كان مسافرًا أو مريضًا فإنه يدلّ على أن سفره أو مرضه يطول، وكذا لو رأى في القيد صفة زائدة كمن رأى في رجله قيدًا من فضة فإنه يدل على أن يتزوج، وإن كان من صفر فإنه لأمر مكروه أو مال فات، إلى آخر ما ذكر.\n\n(٢٧ -<span data-type='title' id=toc-4109> باب العين الجارية في المنام)</span>\nقال المهلب: العين الجارية تحتمل وجوهًا، فإن كان ماؤها صافيًا عبرت بالعمل الصالح وإلا فلا، وقال غيره: العين الجارية عمل جار من صدقة أو معروف لحي أو ميت قد أحدثه أو أجراه، وقال آخرون: عين الماء نعمة وبركة وخير، إلى آخر ما في \"الفتح\" (^٢).\n\n(٢٨ -<span data-type='title' id=toc-4110> باب نزع الماء من البئر حتى يروى الناس)</span>\nبفتح الواو من الريّ، ثم مطابقة الحديث بالترجمة ظاهرة.\n\n(٢٩ -<span data-type='title' id=toc-4111> باب نزع الذنوب والذنوبين. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٣): ذكر فيه حديث ابن عمر الذي قبله، وحديث أبي هريرة بمعناه، وفي الحديثين أنه من رأى أنه يستخرج من بئر ماءً أنه يلي ولايةً جليلةً، وتكون مدته بحسب ما استخرج قلة وكثرة، وقد تعبر البئر بالمرأة وما يخرج منها بالأولاد، وهذا الذي اعتمده أهل التعبير، ولم يعرجوا على الذي قبله، فهو الذي ينبغي أن يعول عليه، لكنه بحسب حال الذي ينزع الماء، والله أعلم، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٢/ ٤٠٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٢/ ٤١١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٢/ ٤١٥).","vol":"6","page":663},{"text":"(٣٠ -<span data-type='title' id=toc-4112> باب الاستراحة في المنام)</span>\nقال أهل التعبير: إن كان المستريح مستلقيًا على قفاه فإنه يقوى أمره وتكون الدنيا تحت يده؛ لأن الأرض أقوى ما يستند إليه، بخلاف ما إذا كان منبطحًا، فإنه لا يدري ما وراءه، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(٣١ -<span data-type='title' id=toc-4113> باب القصر في المنام)</span>\nقال أهل التعبير: القصر في المنام عمل صالح لأهل الدين، ولغيرهم حبس وضيق، وقد يفسر دخول القصر بالتزويج، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\n\n(٣٢ -<span data-type='title' id=toc-4114> باب الوضوء في المنام)</span>\nقال أهل التعبير: رؤية الوضوء في المنام وسيلة إلى سلطان أو عمل، فإن أتمه في النوم حصل مراده في اليقظة، وإن تعذّر لعجز الماء مثلًا، أو توضّأ بما لا تجوز الصلاة به فلا، والوضوء للخائف أمانٌ، قاله الحافظ (^٣).\n\n(٣٣ -<span data-type='title' id=toc-4115> باب الطواف بالكعبة في المنام)</span>\nهو يدل على الحج و[على] التزويج وعلى حصول أمر مطلوب من الإمام وعلى بر الوالدين وعلى خدمة عالم، انتهى من \"الفتح\" (^٤).\n\n(٣٤ -<span data-type='title' id=toc-4116> باب إذا أعطى فضله غيره في المنام)</span>\nتقدّم الكلام على رؤية اللبن في المنام في بابه.\n\n(٣٥ -<span data-type='title' id=toc-4117> باب الأمن وذهاب الروع في النوم)</span>\nالروع بفتح الراء الخوف، وأما الروع بضم الراء فهو النفس، قال أهل التعبير: من رأى أنه خائف من شيء أمن منه، ومن رأى أنه قد أمن\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٢/ ٤١٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٢/ ٤١٦).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٢/ ٤١٧).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٢/ ٤١٧).","vol":"6","page":664},{"text":"من شيء فإنه يخاف منه، ثم ذكر الحافظ (^١) في فوائد الحديث نقلًا عن ابن بطال (^٢): أن أصل التعبير من قبل الأنبياء، ولذلك تمنى ابن عمر أنه يرى رؤيا فيعبرها له الشارع ليكون ذلك عنده أصلًا، قال: وقد صرّح الأشعري بأن أصل التعبير بالتوقيف من قبل الأنبياء وعلى ألسنتهم، قال ابن بطال: وهو كما قال، لكن الوارد عن الأنبياء في ذلك وإن كان أصلًا فلا يعم جميع المرائي، فلا بد للحاذق في هذا الفن أن يستدل بحسن نظره فيردّ ما لم ينص عليه إلى حكم التمثيل، ويحكم له بحكم النسبة الصحيحة فيجعل أصلًا يلحق به غيره كما يفعل الفقيه في فروع الفقه، انتهى.\n\n(٣٦ -<span data-type='title' id=toc-4118> باب الأخذ على اليمين في النوم)</span>\nقال الحافظ (^٣): وفي رواية: \"باليمين\"، ذكر فيه حديث ابن عمر المذكور قبل، ويؤخذ منه أن من أخذ في منامه إذا سار على يمينه يعبر له بأنه من أهل اليمين، انتهى.\n\n(٣٧ -<span data-type='title' id=toc-4119> باب القدح في النوم)</span>\nقال الحافظ (^٤): القدح في النوم امرأة أو مال من جهة امرأة، وقدح الزجاج يدلّ على ظهور الأشياء الخفية، وقدح الذهب والفضة ثناء حسن، انتهى.\n\n(٣٨ -<span data-type='title' id=toc-4120> باب إذا طار الشيء في المنام)</span>\nوفي هامش النسخة المصرية (^٥): جواب \"إذا\" محذوف، أي: يعبّر بحسب ما يليق به، انتهى.\nوقال الحافظ (^٦): قوله: \"باب إذا طار الشيء. . .\" إلخ، أي: الذي\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٢/ ٤١٨، ٤١٩).\n(^٢) \"شرح ابن بطال\" (٩/ ٥٤٧).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٢/ ٤٢٠).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٢/ ٤٢٠).\n(^٥) \"تحفة الباري\" (٦/ ٤١٩).\n(^٦) \"فتح الباري\" (١٢/ ٤٢٠).","vol":"6","page":665},{"text":"من شأنه أن يطير، قال أهل التعبير: من رأى أنه يطير فإن كان إلى جهة السماء بغير تعريج ما له ضرر، فإن غاب في السماء ولم يرجع مات، وإن رجع أفاق من مرضه، وإن كان يطير عرضًا سافر ونال رفعة بقدر طيرانه، إلى آخر ما ذكر الحافظ.\n\n(٣٩ -<span data-type='title' id=toc-4121> باب إذا رأى بقرًا تنحر)</span>\nفي هامش النسخة المصرية (^١): جواب \"إذا\" محذوف، أي: يعبّر بحسب ما يليق بها، فإن كانت سمينة فهي سنين رخاء، أو هزيلة فهي سنين قحط، انتهى.\nقال الحافظ (^٢): كذا ترجم بقيد النحر، ولم يقع ذلك في الحديث الذي ذكره عن أبي موسى، وكأنّه أشار بذلك إلى ما ورد في بعض طرق الحديث، ففي رواية لأحمد: حدثنا جابر أن النبي - ﷺ - قال: \"رأيت كأني في درع حصينة، ورأيت بقرًا تنحر\" الحديث.\nقال الحافظ: ولهذا الحديث سبب جاء بيانه في حديث ابن عباس عند أحمد والنسائي والطبراني ثم ذكره فارجع إليه لو شئت، وقد ذكر أهل التعبير للبقر في النوم وجوهًا أخرى: منها أن البقرة الواحدة تفسر بالزوجة والمرأة والخادم والأرض، إلى آخر ما ذكر.\n\n(٤٠ -<span data-type='title' id=toc-4122> باب النفخ في المنام)</span>\nقال أهل التعبير: النفخ يعبّر بالكلام، وقال ابن بطال (^٣): يعبر بإزالة الشيء المنفوخ بغير تكلف شديد لسهولة النفخ على النافخ، ويدلّ على الكلام، وقد أهلك الله الكذابين المذكورين بكلامه - ﷺ - وأمره بقتلهما، انتهى من \"الفتح\" (^٤).\n_________\n(^١) \"تحفة الباري\" (٦/ ٤١٩، ٤٢٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٢/ ٤٢١، ٤٢٢).\n(^٣) \"شرح ابن بطال\" (٩/ ٥٥١).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٢/ ٤٢٣).","vol":"6","page":666},{"text":"(٤١ -<span data-type='title' id=toc-4123> باب إذا رأى أنه أخرج الشيء من كورة)</span>\nكذا في النسخ الهندية، وفي نسخة \"الفتح\": من \"كوة\".\nقال الحافظ (^١): واختلف في ضبط \"كوة\"، فوقع في رواية لأبي ذر بضم الكاف وتشديد الواو المفتوحة، ووقع للباقين بتخفيف الواو وسكونها بعدها راء، وهو المعتمد، والكورة: الناحية، انتهى.\nولم يتعرض الحافظ لوجه المطابقة.\nقال العلامة القسطلاني: (^٢) ومطابقة الحديث للترجمة تؤخذ من قوله: \"خَرَجَتْ مِنَ الْمَدِينَةِ\" لأن في رواية ابن أبي الزناد: \"أخرجت من المدينة وأسكنت بالجحفة\" بزيادة همزة مضمومة قبل خاء \"أخرجت\" بالبناء لما لم يسم فاعله، وهو الموافق للترجمة، وظاهر الترجمة أن فاعل الإخراج النبي - ﷺ - وكأنه نسبه إليه لأنه دعا به حيث قال: \"اللَّهم حبِّب إلينا المدينة وانقل حماها إلى الجحفة\"، انتهى.\n\n(٤٢ -<span data-type='title' id=toc-4124> باب المرأة السوداء)</span>\nيراها الشخص في المنام، قاله القسطلاني (^٣).\nقال العيني (^٤): مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة، ولم يتعرضوا لتعبير المرأة السوداء سوى ما ذكر في الحديث.\n\n(٤٣ -<span data-type='title' id=toc-4125> باب المرأة الثائرة الرأس)</span>\nأي: في المنام، قال العيني (^٥) بعد ذكر حديث الباب: مطابقته للترجمة ظاهرة، وهذا الحديث هو الحديث الماضي غير أنه أخرجه عن ثلاث (^٦) شيوخ، فوضع لكل واحدة ترجمة، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٢/ ٤٢٥).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ٥٤٩).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ٥٥٠).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٦/ ٣١٣).\n(^٥) \"عمدة القاري\" (١٦/ ٣١٤).\n(^٦) كذا الأصل وكذا في \"العيني\"، والظاهر أن يكون: \"ثلاثة شيوخ\".","vol":"6","page":667},{"text":"قال القسطلاني (^١): وثوران الرأس كما قاله بعضهم مؤول بالحمى؛ لأنه تثير البدن بالاقشعرار، انتهى.\n\n(٤٤ -<span data-type='title' id=toc-4126> باب إذا رأى أنه هزَّ سيفًا في المنام)</span>\nقال الحافظ (^٢): ذكر فيه طرفًا من حديث أبي موسى، وأورده في علامات النبوة بكماله، قال المهلب: هذه الرؤيا من ضرب المثل، ولما كان النبي - ﷺ - يصول بالصحابة عبّر عن السيف بهم وبهزّه عن أمره لهم بالحرب، وعن القطع فيه بالقتل فيهم، وفي الهزّة الأخرى لما عاد إلى حالته من الاستواء عبّر به عن اجتماعهم والفتح عليهم، ولأهل التعبير في السيف تصرف على أوجه: منها أن من نالَ سيفًا فإنه ينال سلطانًا إما ولاية وإما وديعة وإما زوجة وإما ولدًا، إلى آخر ما بسط.\n\n(٤٥ -<span data-type='title' id=toc-4127> باب من كذب في حلمه)</span>\nأي: فهو مذموم، أو التقدير باب إثم من كذب إلخ.\nوأشار بقوله: \"كذب في حلمه\" مع أن لفظ الحديث \"تحلَّم\" إلى ما ورد في بعض طرقه، وهو ما أخرجه الترمذي من حديث علي رفعه: \"من كذب في حلمه كلّف يوم القيامة عقد شعيرة\"، قال الطبري: إنما اشتد فيه الوعيد مع أن الكذب في اليقظة قد يكون أشدّ مفسدة منه؛ لأن الكذب في المنام كذب على الله أنه أراه ما لم يره، والكذب على الله أشد من الكذب على المخلوقين، وإنما كان الكذب في المنام كذبًا على الله لحديث: \"الرؤيا جزء من النبوة\"، وما كان من أجزاء النبوة فهو من قبل الله تعالى، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ٥٥١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٢/ ٤٢٧).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٢/ ٤٢٨).","vol":"6","page":668},{"text":"(٤٦ -<span data-type='title' id=toc-4128> باب إذا رأى ما يكره فلا يخبر بها ولا يذكرها)</span>\nقال القسطلاني (^١) تحت شرح حديث الباب: قال الداودي: يريد ما كان من الشيطان، وأما ما كان من خير أو شر فهو واقع لا محالة، كرؤيا النبي - ﷺ - البقر والسيف، قال: وقوله: \"ولا يذكرها لأحد\" يدل على أنها إن ذكرت فربما أضرت، فإن قلت: قد مرّ أن الرؤيا قد تكون منذرة ومنبهة للمرء على استعداد البلاء قبل وقوعه رفقًا من الله بعباده لئلا يقع على غرة، فإذا وقع على مقدمة وتوطين كان أقوى للنفس وأبعد لها من أذى البغتة، فما وجه كتمانها؟ أجيب بأنه إذا أخبر بالرؤيا المكروهة يسوء حاله؛ لأنه لم يأمن أن تفسر له بالمكروه، فيستعجل الهم ويتعذب بها، ويترقب وقوع المكروه فيسوء حاله، ويغلب عليه اليأس من الخلاص من شرها، ويجعل ذلك نصب عينيه إلى آخر ما ذكر.\n\n(٤٧ -<span data-type='title' id=toc-4129> باب من لم ير الرؤيا الأول عابر إذا لم يصب)</span>\nوفي \"تقرير مولانا محمد حسن المكي\": إشارة إلى ضعف ما روي \"الرؤيا لأولى عابر\"، قال الأستاذ: تأويله أن استقرار القلب على أحد الجانبين لأول عابر، انتهى.\nوبسط الكلام على ذلك الحافظ في \"الفتح\" (^٢) ولخصه القسطلاني (^٣) إذ قال: قوله: \"إذا لم يصب\" أي: في العبارة إذ المدار على إصابة الصواب، فحديث \"الرؤيا لأول عابر\" المروي عن أنس مرفوعًا معناه: إذا كان العابر الأول عالمًا فعبّر وأصاب وجه التعبير وإلا فهي لمن أصاب بعده، لكن يعارضه حديث أبي رزين: \"أن الرؤيا إذا عبرت وقعت\" إلا أن يدعى تخصيص عبّرت بأن يكون عابرها عالمًا مصيبًا، انتهى من هامش \"اللامع\" (^٤).\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ٥٥٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٢/ ٤٣٢، ٤٣٣).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ٥٥٧).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٢٤٥، ٢٤٦).","vol":"6","page":669},{"text":"وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^١) يعني: بذلك أن التعبير لا يضرّ شيئًا ولا ينفع في وقوعه ما هو مراد الرؤيا، سوى تأثيره في إيراث السرور أو الحزن، كما قررنا قبل ذلك في الترمذي وغيره، انتهى.\nوفي هامشه: فقد أفاد في \"الكوكب\" (^٢) في \"باب إذا رأى في المنام ما يكره\": قوله: \"فإنها لا تضره\" أي: يذهب بذلك وساوسه، وإلا فالمقدور كائن لا محالة إن كان الذي رآه حقًّا مطابقًا للواقع، وغير المقدور غير واقع لا محالة، وقوله: \"إلا لبيبًا أو حبيبًا\" لأن الحبيب لمحبته إياك واللبيب للبه لا يقول إلا خيرًا فيسرك، وإن كان غير ذلك عبّر بما يضرك فيسوءك، انتهى.\nقال الحافظ (^٣) بعد ذكر الروايات الواردة في هذا المعنى: أشار البخاري إلى تخصيص ذلك بما إذا كان العابر مصيبًا في تعبيره، وأخذه من قوله - ﷺ - لأبي بكر في حديث الباب: \"أصبت بعضًا وأخطأت بعضًا\" فإنه يؤخذ منه أن الذي أخطأ فيه لو بيَّنه له لكان الذي بيَّنه له هو التعبير الصحيح ولا عبرة بالتعبير الأول، انتهى مختصرًا.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٤): ثم إيراد الرواية في هذا الباب وجهه ظاهر، حيث لم يقع الأمر كما عبّره أبو بكر، وكان أول من عبّر هذه الرؤيا إذ لو كان وقوعه حسب تأويله للزم أن يكون الذي انفصم له الحبل هو الواصل بعد وصله، مع أن الأمر ليس كذلك، بل الواصل بعد وصل الحبل والذي علا به غير الذي انقطع الحبل لأجله، انتهى.\nوفي \"الفيض\" (^٥): واعلم أنهم اختلفوا في أن الرؤيا هل لها حقيقة مستقرة بأنفسها أو هي تابعة للتعبير كيفما عبرت؟ فذهب جماعة إلى الأول،\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٢٤٥، ٢٤٦).\n(^٢) \"الكوكب الدري\" (٣/ ١٩٦ - ١٩٨).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٢/ ٤٣٢).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٢٤٦، ٢٤٧).\n(^٥) \"فيض الباري\" (٦/ ٤٥٣).","vol":"6","page":670},{"text":"ومنهم البخاري، وتمسك بقول النبي - ﷺ -: \"أصبت بعضًا وأخطأت بعضًا\" فدلّ على أن الرؤيا لها حقيقة، حيث لم يدرك بعضها أبو بكر، وأخطأ فيها، ثم بتعبيره لم تتغير حقيقتها، وتمسك الأولون بما عند الترمذي: \"الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر\" قلت: واختار التوزيع، فبعض أنواعها ينقلب بالتعبير، وبعضها لا، إلى آخر ما ذكر.\n\n(٤٨ -<span data-type='title' id=toc-4130> باب تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح)</span>\nقال الحافظ (^١): فيه إشارة إلى ضعف ما أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن سعيد بن عبد الرحمن عن بعض علمائهم [قال:] لا تقصص رؤياك على امرأة ولا تخبر بها حتى تطلع الشمس، وفيه إشارة إلى الردّ على من قال من أهل التعبير: إن المستحب أن يكون تعبير الرؤيا من بعد طلوع الشمس إلى الرابعة ومن العصر إلى قبل المغرب، فإن الحديث دالّ على استحباب تعبيرها قبل طلوع الشمس، قال المهلب: تعبير الرؤيا عند صلاة الصبح أولى من غيره من الأوقات لحفظ صاحبها لها لقرب عهده بها، إلى آخر ما ذكر.\nثم البراعة في قوله: \"تجاوز الله عنهم\" وهذا عند الحافظ (^٢)، وعندي رؤياه - ﷺ - كلها من أولها إلى آخرها مشتملة على أحوال البرزخ وما بعده (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٢/ ٤٣٩).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٣/ ٥٤٤).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (١/ ١١٩).","vol":"6","page":671},{"text":"٩٢ -<span data-type='title' id=toc-4131> كتاب الفتن</span>\nقال الحافظ - ﵀ - (^١): الفتن جمع فتنة، قال الراغب (^٢): أصل الفَتْن: إدخال الذهب في النار لتظهر جودَتُه من رداءته، ويستعمل في إدخال الإنسان النار، ويطلق على العذاب، كقوله: ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾ [الذاريات: ١٤]، وعلى الاختبار كقوله: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ [طه: ٤٠]، وفيما يدفع فيه الإنسان من شدة ورخاء، وفي الشدة أظهر معنى وأكثر استعمالًا، انتهى.\nقال القسطلاني (^٣): وهي المحنة والعذاب والشدة وكل مكروه والإثم والفضيحة والفجور والمصيبة وغيرها من المكروهات، فإن كانت من الله تعالى فهي على وجه الحكمة، وإن كانت من الإنسان بغير أمر الله فهي مذمومة، فقد ذمّ الله الإنسان بإيقاع الفتنة كقوله تعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ١٩١] ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ﴾ [البروج: ١٠]، انتهى.\nوفي \"الفيض:\" (^٤) والفتنة ما يتميز بها المخلص من غير المخلص، وفي الحديث أن الأمة المحمدية تكثر فيها الفتن، ولم أزل أتفكر في مراده حتى تبين أن الأمم السابقة كان عذابهم الاستئصال، ولما قُدِّر بقاء تلك الأمة ولا بدَّ أن لا يزال يتميز الفاجر من الصالح قُدِّرَتْ فيها الفتن؛ لأنها هي التي يحصل بها التمييز، انتهى.\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-4132> باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ﴾ [الأنفال:</span> ٢٥])\nالترجمة مشتملة على جزئين: أحدهما هذا، والثاني قوله: \"وما كان النبي - ﷺ - يحذر من الفتن\".\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٣/ ٣).\n(^٢) \"المفردات\" (ص ٦٢٣).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٥/ ٣).\n(^٤) \"فيض الباري\" (٦/ ٤٥٧).","vol":"6","page":672},{"text":"قال الحافظ (^١) بعد ذكر الجزء الأول: قلت: ورد فيه ما أخرجه أحمد والبزار من طريق مطرف بن عبد الله بن الشخير قال: قلنا للزبير - يعني: في قصة الجمل -: يا أبا عبد الله ما جاء بكم؟ ضيعتم الخليفة الذي قتل - يعني: عثمان - بالمدينة، ثم جئتم تطلبون بدمه - يعني: بالبصرة -؟ فقال الزبير: إنا قرأنا على عهد رسول الله - ﷺ -: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾، لم نكن نحسب أنا أهلها حتى وقعت منا حيث وقعت. وأخرج أحمد بسند حسن من حديث عدي بن عميرة سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"إن الله - ﷿ - لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم، وهم قادرون على أن ينكروه، فإذا فعلوا ذلك عذّب الله الخاصة والعامة\"، انتهى مختصرًا.\nقوله: (وما كان النبي. . .) إلخ، يشير إلى ما تضمنه حديث الباب من الوعيد على التبديل والإحداث، فإن الفتن غالبًا إنما تنشأ عن ذلك، انتهى من \"الفتح\".\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-4133> باب قول النبي - ﷺ -: \"سترون بعدي أمورًا تنكرونها</span>\")\nقال الحافظ (^٢): هذا اللفظ بعد المتن المذكور في ثاني أحاديث الباب، وهي ستة أحاديث، انتهى.\nقال القسطلاني (^٣): وفي هذه الأحاديث حجة في ترك الخروج على أئمة الجور ولزوم السمع والطاعة لهم، وقد أجمع الفقهاء على أن الإمام المتغلب تلزم طاعته ما أقام الجماعات والجهاد إلا إذا وقع منه كفر صريح فلا تجوز طاعته في ذلك، بل تجب مجاهدته لمن قدر، انتهى.\nوقال الحافظ (^٤) تحت الحديث الخامس: وفيه: وأن لا ننازع الأمر أهله. نقل ابن التِّين عن الداودي [قال:] الذي عليه العلماء في أمراء\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٣/ ٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٣/ ٦).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٥/ ٩).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٣/ ٨).","vol":"6","page":673},{"text":"الجور، أنه إن قدر على خلعه بغير فتنة ولا ظلم وجب، وإلا فالواجب الصبر، وعن بعضهم لا يجوز عقد الولاية لفاسق ابتداء، فإن أحدث جورًا بعد أن كان عدلًا، فاختلفوا في جواز الخروج عليه، والصحيح المنع إلا أن يكفر فيجب الخروج عليه، انتهى.\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-4134> باب قول النبي - ﷺ -: \"هلاك أمتي على يدي أُغَيلَمة سفهاء</span>\")\nبسط الحافظ (^١) الكلام على هذا الباب، وذكر الروايات الواردة في ذلك، ثم قال: وقد ذكره في الباب بدون قوله: \"سفهاء\"، وعند أحمد والنسائي من حديث أبي هريرة: \"إن فساد أمتي على يدي غلمة سفهاء من قريش\"، ولم يقف عليه الكرماني فقال: لم يقع في الحديث الذي أورده بلفظ \"سفهاء\" فلعله بوّب به ليستدركه ولم يتفق له، أو أشار إلى أنه ثبت في الجملة لكنه ليس على شرطه، قلت: الثاني هو المعتمد، وقد أكثر البخاري من هذا، انتهى.\nقلت: وهذا أصل معروف من أصول التراجم وهو الأصل الحادي والأربعون كما تقدم في المقدمة.\nثم قال الحافظ (^٢): قال ابن بطال (^٣): جاء المراد بالهلاك مبينًا في حديث آخر لأبي هريرة أخرجه ابن أبي شيبة عن أبي هريرة رفعه: \"أعوذ بالله من إمارة الصبيان\" قالوا: وما إمارة الصبيان؟ قال: \"إن أطعتموهم هلكتم - أي: في دينكم - وإن عصيتموهم أهلكوكم\" أي: في دنياكم، بإزهاق النفس أو بإذهاب المال أو بهما.\nتنبيه: قال الحافظ (^٤): يتعجب من لعن مروان الغلمة المذكورين مع\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٣/ ٩).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٣/ ١٠).\n(^٣) \"شرح ابن بطال\" (١٠/ ١٠).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٣/ ١١).","vol":"6","page":674},{"text":"أن الظاهر أنهم من ولده، فكأن الله تعالى أجرى ذلك على لسانه ليكون أشدّ في الحجة عليهم لعلهم يتعظون، وقد وردت أحاديث في لعن الحكم والد مروان وما ولد، أخرجها الطبراني وغيره، غالبها فيه مقال، وبعضها جيد، ولعل المراد تخصيص الغلمة المذكورين بذلك، انتهى.\nقلت: وذكر بعض تلك الروايات الدميري في \"حياة الحيوان\" (^١) في ذكر الوزغ، فارجع إليه لو شئت.\n\n(٤ -<span data-type='title' id=toc-4135> باب قول النبي - ﷺ -: \"ويل للعرب من شر قد اقترب</span>\")\nقال الحافظ (^٢): إنما خصّ العرب بالذكر؛ لأنهم أوّل من دخل في الإسلام، وللإنذار بأن الفتن إذا وقعت كان الهلاك أسرع إليهم، وذكر فيه حديثين: أحدهما: حديث زينب بنت جحش، وهو مطابق للترجمة، قال ابن بطال (^٣): أنذر النبي - ﷺ - في هذا الحديث بقرب قيام الساعة كي يتوبوا قبل أن تهجم عليهم، وقد ثبت أن خروج يأجوج ومأجوج قرب قيام الساعة، فإذا فتح من ردمهم ذلك القدر في زمنه - ﷺ - لم يزل الفتح يتسع على مر الأوقات، انتهى.\nوقال القسطلاني (^٤): قوله: \"من شر قد اقترب\" أراد به الاختلاف الذي ظهر بين المسلمين من وقعة عثمان - ﵁ - وما وقع بين علي ومعاوية - ﵄ -، وخصّ العرب بالذكر، فذكر ما تقدم في كلام الحافظ.\nوقال القاري في \"المرقاة\" (^٥): وخص العرب بذلك لأنهم كانوا حينئذٍ معظم من أسلم، والأظهر أن المراد به ما أشار إليه - ﷺ - في الحديث المتفق عليه بقوله: \"فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج\" الحديث، والله أعلم.\n_________\n(^١) \"حياة الحيوان\" (٢/ ٤٨٩).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٣/ ١١ - ١٣).\n(^٣) \"شرح ابن بطال\" (١٠/ ١١).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (١٥/ ١٣).\n(^٥) \"مرقاة المفاتيح\" (٩/ ٢٨٧، ٢٨٨).","vol":"6","page":675},{"text":"قال الطيبي: أراد به الاختلاف الذي ظهر بين المسلمين من وقعة عثمان - ﵁ -، أو ما وقع بين علي كرم الله وجهه ومعاوية - ﵁ -، أقول: أراد به قضية يزيد مع الحسين - ﵁ -، وهو في المعنى أقرب؛ لأن شره ظاهر عند كل أحد من العرب والعجم، وقال ابن الملك - ﵀ -: قوله: \"من شر\" أي: من خروج جيش يقاتل العرب، وقيل: أراد به الفتن الواقعة في العرب أولها قتل عثمان واستمرت إلى الآن، انتهى.\nوقال الحافظ في موضع آخر من \"الفتح\" (^١): قال القرطبي: ويحتمل أن يكون المراد بالشر ما أشار إليه في حديث أم سلمة: \"ماذا أنزل الليلة من الفتن، وماذا أنزل من الخزائن\" فأشار بذلك إلى الفتوح التي فتحت بعده، فكثرت الأموال في أيديهم، فوقع التنافس الذي جرّ الفتن، وكذلك التنافس على الإمرة، فإن معظم ما أنكروه على عثمان تولية أقاربه من بني أمية وغيرهم، حتى أفضى ذلك إلى قتله، وترتب على قتله من القتال بين المسلمين ما اشتهر واستمر، انتهى.\n\n(٥ -<span data-type='title' id=toc-4136> باب ظهور الفتن)</span>\nوسيأتي في \"باب قوله - ﷺ -: الفتنة من قبل المشرق\" أن ابتداء الفتن كان بسبب قتل عثمان.\nقال الحافظ (^٢) ذيل شرح حديث الباب: وقد جاء عن أبي هريرة من طريق أخرى زيادة في الأمور المذكورة، فأخرج الطبراني في \"الأوسط\" من طريق سعيد بن جبير عنه رفعه: \"لا تقوم الساعة حتى تظهر الفحش والبخل، ويخون الأمين، ويؤتمن الخائن، وتهلك الوعول، ويظهر التحوت\" قالوا: يا رسول الله وما التحوت والوعول؟ قال: \"الوعول: وجوه الناس وأشرافهم، والتحوت: الذين كانوا تحت أقدام الناس ليس يعلم بهم\".\nقال ابن بطال: وجميع ما تضمنه هذا الحديث من الأشراط قد رأيناها\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٣/ ١٠٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٣/ ١٥ - ١٧).","vol":"6","page":676},{"text":"عيانًا، فقد نقص العلم، وظهر الجهل، وألقي الشح في القلوب، وعمت الفتن، وكثر القتل.\nقال الحافظ: الذي يظهر أن الذي شاهده كان منه الكثير مع وجود مقابله، والمراد من الحديث استحكام ذلك حتى لا يبقى مما يقابله إلا النادر. . .، إلى آخر ما ذكر الحافظ، ثم قال: والواقع أن الصفات المذكورة وجدت مباديها من عهد الصحابة، ثم صارت تكثر في بعض الأماكن دون بعض، والذي يعقبه قيام الساعة استحكام ذلك، وقد مضى من الوقت الذي قال فيه ابن بطال ما قال نحو ثلاثمائة وخمسين سنة، والصفات المذكورة في ازدياد في جميع البلاد، لكن يقل بعضها في بعض ويكثر بعضها في بعض.\nقال ابن بطال: ليس في هذا الحديث ما يحتاج إلى تفسير غير قوله: \"يتقارب الزمان\"، ثم بسط الحافظ الكلام في شرحه، ولخصه القسطلاني (^١)، وتقدم الكلام عليه في هامش \"اللامع\" (^٢) في أبواب الاستسقاء.\nوقال الحافظ أيضًا: وأما قول ابن بطال: إن بقية الحديث لا تحتاج إلى تفسير فليس كما قال، فقد اختلف أيضًا في المراد بقوله: \"ينقص العلم\" ثم بسط الأقوال.\n\n(٦ -<span data-type='title' id=toc-4137> باب لا يأتي زمان إلا الذي بعده شر منه)</span>\nقال ابن بطال (^٣): هذا الخبر من أعلام النبوة من إخباره - ﷺ - بفساد الأحوال، وذلك من الغيب الذي لا يعلم بالرأي، وإنما يعلم بالوحي، انتهى.\nوقد استشكل هذا الإطلاق مع أن بعض الأزمنة تكون في الشر دون\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٥/ ١٥).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (٤/ ١٧٩).\n(^٣) \"شرح ابن بطال\" (١٠/ ١٤).","vol":"6","page":677},{"text":"التي قبلها، ولو لم يكن في ذلك إلا زمن عمر بن عبد العزيز وهو بعد زمن الحجاج بيسير، وقد اشتهر الخير الذي كان في زمن عمر بن عبد العزيز، بل لو قيل: إن الشر اضمحلَّ في زمانه لما كان بعيدًا فضلًا عن أن يكون شرًّا من الزمن الذي قبله، وقد حمله الحسن البصري على الأكثر الأغلب، وأجاب بعضهم أن المراد بالتفضيل تفضيل مجموع العصر على مجموع العصر، فإن عصر الحجاج كان فيه كثير من الصحابة في الأحياء، وفي عصر عمر بن عبد العزيز انقرضوا، والزمان الذي فيه الصحابة خير من الزمان الذي بعده لقوله - ﷺ -: \"وخير القرون قرني\" وهو في الصحيحين، وقوله: \"أصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون\" أخرجه مسلم، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nقوله: (ربّ كاسية في الدنيا. . .) إلخ، قال الحافظ (^٢): واختلف في المراد بقوله: \"كاسية وعارية\" على أوجه: أحدها: كاسية في الدنيا بالثياب لوجود الغنى، عارية في الآخرة من الثواب لعدم العمل في الدنيا، ثانيها: كاسية بالثياب لكنها شفافة لا تستر عورتها فتعاقب في الآخرة بالعري جزاء على ذلك، ثالثها: كاسية من نعم الله تعالى عارية من الشكر الذي تظهر ثمرته في الآخرة بالثواب، رابعها: كاسية جسدها لكنها تشد خمارها من ورائها فيبدو صدرها فتصير عارية فتعاقب في الآخرة، خامسها: كاسية من خلعة التزوج بالرجل الصالح، عارية في الآخرة من العمل، فلا ينفعها صلاح زوجها كما قال تعالى: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ﴾ [المؤمنون: ١٠١].\nوفي الحديث الندب إلى الدعاء والتضرع عند نزول الفتنة ولا سيما في الليل لرجاء وقت الإجابة، انتهى من \"الفتح\".\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٣/ ٢١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٣/ ٢٣).","vol":"6","page":678},{"text":"(٧ -<span data-type='title' id=toc-4138> باب قول النبي - ﷺ -: \"من حمل علينا السلاح فليس منا</span>\")\nقال القسطلاني (^١): أي: لقتالنا معشر المسلمين بغير حق لما في ذلك من تخويف المسلمين وإدخال الرعب عليهم، وكأنه كنى بالحمل على المقاتلة أو القتل للملازمة الغالبة، ومن حق المسلم على المسلم أن ينصره ويقاتل دونه لا أن يرعبه بحمل السلاح عليه، والوعيد المذكور لا يتناول من قاتل البغاة من أهل الحق، فيحمل على البغاة ومن بدأ بالقتال ظالمًا، انتهى.\n\n(٨ -<span data-type='title' id=toc-4139> باب قول النبي - ﷺ -: \"لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض</span>\")\nقال الحافظ (^٢) - ﵀ -: وفي الباب خمسة أحاديث، وترجم بلفظ ثالث، وتقدم بيان المراد به في أوائل \"كتاب الديات\"، وجملة الأقوال فيه ثمانية: أحدها: قول الخوارج أنه على ظاهره، ثانيها: هو في المستحلين، ثالثها: المعنى كفارًا بحرمة الدماء وحرمة المسلمين وحقوق الدين، رابعها: تفعلون فعل الكفار في قتل بعضهم بعضًا، خامسها: لابسين السلاح يقال: كفر درعه إذا لبس فوقها ثوبًا، سادسها: كفارًا بنعمة الله تعالى، سابعها: المراد الزجر عن الفعل وليس ظاهره مرادا، ثامنها: لا يكفر بعضكم بعضًا، كأن يقول أحد الفريقين للآخر: يا كافر ويكفر أحدهما، ثم وجدت تاسعًا وعاشرًا ذكرتهما في \"كتاب الفتن\"، كذا قال الحافظ في \"كتاب الديات\"، وقال ههنا في \"كتاب الفتن\": والتاسع: أن المراد ستر الحق، والكفر لغة الستر؛ لأن حق المسلم على المسلم أن ينصره ويعينه، فلما قاتله كأنه غطّى على حقه الثابت له عليه، والعاشر: أن الفعل المذكور يفضي إلى الكفر، انتهى مختصرًا.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٥/ ٢٢، ٢٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٢/ ١٩٤) و(١٣/ ٢٧).","vol":"6","page":679},{"text":"(٩ -<span data-type='title' id=toc-4140> باب قول النبي - ﷺ -: \"تكون فتنةٌ القاعد فيها خير. . .\") إلخ</span>\nفي هامش المصرية (^١): المراد بالخيرية أن يكون المفضل أقلّ شرًا من المفضل عليه إذ القاعد عن الفتنة أقل شرًا من القائم لها، والقائم لها أقل شرًا من الماشي لها، والماشي لها أقل شرًا من الساعي في إثارتها، انتهى.\nقال العلامة القسطلاني (^٢) تحت حديث الباب: وفيه التحذير من الفتن وأن شرها يكون بحسب الدخول فيها، والمراد بالفتن جميعها، أو المراد ما ينشأ عن الاختلاف في طلب الملك حيث لا يعلم المحق من المبطل، وعلى الأول فقالت طائفة بلزوم البيوت، وقال آخرون بالتحول عن بلد الفتنة أصلًا، ثم اختلفوا فمنهم من قال: إذا هجم عليه في شيء من ذلك يكف يده ولو قتل، ومنهم من قال: يدافع عن نفسه وماله وأهله وهو معذور إن قتل أو قتل، انتهى.\nوذكره الحافظ في \"الفتح\" (^٣) بشيء من البسط.\nوذكر النووي فيه ثلاثة مذاهب وأجاد إذ قال في \"شرح مسلم\" (^٤) تحت حديث الباب: وهذا الحديث والأحاديث قبله وبعده مما يحتج به من لا يرى القتال في الفتنة بكل حال، وقد اختلف العلماء في قتال الفتنة فقالت طائفة: لا يقاتل في فتن المسلمين، وإن دخلوا عليه بيته، وطلبوا قتله، فلا يجوز له المدافعة عن نفسه؛ لأن الطالب متأول، وهذا مذهب أبي بكرة الصحابي وغيره، وقال ابن عمر وعمران بن الحصين - ﵃ - وغيرهما: لا يدخل فيها، لكن إن قصد دفع عن نفسه، فهذان المذهبان متفقان على ترك الدخول في جميع فتن الإسلام. وقال معظم الصحابة والتابعين وعامة\n_________\n(^١) \"تحفة الباري\" (٦/ ٤٣٣).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٥/ ٣٣).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٣/ ٣١).\n(^٤) \"شرح صحيح مسلم\" (٩/ ٢٣٧).","vol":"6","page":680},{"text":"علماء الإسلام: يجب نصر المحق في الفتن، والقيام معه لمقاتلة الباغين، كما قال تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ الآية [الحجرات: ٩]، وهذا هو الصحيح، وتتأول الأحاديث على من لم يظهر له المحق أو على طائفتين ظالمتين لا تأويل لواحدة منهما، ولو كان كما قال الأولون لظهر الفساد واستطال أهل البغي والمبطلون، والله أعلم، انتهى.\nقال الحافظ (^١): وذهب جمهور الصحابة والتابعين إلى وجوب نصر الحق وقتال الباغين، وحمل هؤلاء تلك الأحاديث على من ضعف عن القتال، أو قصر نظره عن معرفة صاحب الحق، واتفق أهل السُّنَّة على وجوب منع الطعن على أحد من الصحابة بسبب ما وقع لهم من ذلك، ولو عرف المحق منهم؛ لأنهم لم يقاتلوا في تلك الحروب إلا عن اجتهاد، وقد عفى الله تعالى عن المخطئ في الاجتهاد، إلى آخر ما بسط.\n\n(١٠ -<span data-type='title' id=toc-4141> باب إذا التقى المسلمان بسيفيهما. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٢): قال العلماء: معنى كونهما في النار أنهما يستحقان ذلك، ولكن أمرهما إلى الله تعالى إن شاء عاقبهما، ثم أخرجهما من النار كسائر الموحدين، وإن شاء عفا عنهما فلم يعاقبهما أصلًا، وقيل: هو محمول على من استحل ذلك، انتهى.\n\n(١١ -<span data-type='title' id=toc-4142> باب كيف الأمر إذا لم تكن جماعة)</span>\nقال الحافظ (^٣): المعنى ما الذي يفعل المسلم في حال الاختلاف من قبل أن يقع الإجماع على خليفة.\nوبسط الحافظ الكلام على شرح الحديث فقال: وفي الحديث أنه متى لم يكن للناس إمام فافترق الناس أحزابًا فلا يتبع أحدًا في الفرقة، ويعتزل\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٣/ ٣٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٣/ ٣٣).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٣/ ٣٥ - ٣٧).","vol":"6","page":681},{"text":"الجميع إن استطاع ذلك خشية من الوقوع في الشر، انتهى.\n\n(١٢ -<span data-type='title' id=toc-4143> باب من كره أن يكثر سواد الفتن والظلم)</span>\nأي: أهلهما، والمراد بالسواد الأشخاص، وقد جاء عن ابن مسعود مرفوعا: \"من كثر سواد قوم فهو منهم، ومن رضي عمل قوم كان شريك من عمل به\"، أخرجه أبو يعلى، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(١٣ -<span data-type='title' id=toc-4144> باب إذا بقي في حثالة من الناس)</span>\nقال الحافظ (^٢): أي: ماذا يصنع؟ وهذه الترجمة لفظ حديث أخرجه الطبري وصححّه ابن حبان من طريق العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعًا: \"كيف بك يا عبد الله بن عمرو إذا بقيت في حثالة من الناس، قد مرجت عهودهم وأماناتهم، واختلفوا فصاروا هكذا، وشبّك بين أصابعه\" قال: فما تأمرني؟ قال: \"عليك بخاصتك، ودع عنك عوامهم\"، قال ابن بطال: أشار البخاري إلى هذا الحديث ولم يخرجه؛ لأن العلاء ليس من شرطه، فأدخل معناه في حديث حذيفة، انتهى.\n\n(١٤ -<span data-type='title' id=toc-4145> باب التعرب في الفتنة)</span>\nأي: السكنى مع الأعراب، وهو أن ينتقل المهاجر من البلد التي هاجر إليها فيسكن البدو فيرجع بعد هجرته أعرابيًا، وكان إذ ذاك محرمًا إلى أن أذن له الشارع في ذلك، وقيده بالفتنة إشارةً إلى ما ورد من الإذن في ذلك عند حلول الفتن، كما في ثاني حديثي الباب، وقيل بمنعه في زمن الفتنة لما يترتب عليه من خذلان أهل الحق، ولكن نظر السلف اختلف في ذلك، فمنهم من آثر السلامة واعتزل الفتن كسعد ومحمد بن مسلمة وابن عمر في طائفة، ومنهم من باشر القتال وهم الجمهور، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٣/ ٣٧، ٣٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٣/ ٣٨، ٣٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٣/ ٤١).","vol":"6","page":682},{"text":"(١٥ -<span data-type='title' id=toc-4146> باب التعوذ من الفتن)</span>\nقال ابن بطال (^١): في مشروعية ذلك الردّ على من قال: سلوا الله الفتنة فإن فيها حصاد المنافقين، وزعم أنه ورد في حديث، وهو لا يثبت رفعه، بل الصحيح خلافه.\nقال الحافظ: أخرجه أبو نعيم من حديث علي بلفظ: \"لا تكرهوا الفتنة في آخر الزمان، فإنها تبير المنافقين\"، وفي سنده ضعيف ومجهول، وقد تقدم في \"الدعوات\" عدة تراجم للتعوذ من عدة أشياء، قال العلماء: أراد - ﷺ - مشروعية ذلك لأمته، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\n\n(١٦ -<span data-type='title' id=toc-4147> باب قول النبي - ﷺ -: الفتنة من قبل المشرق)</span>\nفي هامش المصرية (^٣): أي: تأتي من جهته؛ لأن أهله يومئذ أهل كفر، انتهى.\nقال الحافظ (^٤): وقد ذكرت في شرح حديث أسامة في أوائل \"كتاب الفتن\" وجه الجمع بينه وبين قوله - ﷺ -: \"إني لأرى الفتن خلال بيوتكم\"، وكان خطابه ذلك لأهل المدينة، انتهى.\nوقال الحافظ (^٥) هناك: وإنما اختصت المدينة بذلك؛ لأن قتل عثمان - ﵁ - كان بها، ثم انتشرت الفتن في البلاد بعد ذلك، فالقتال بالجمل وبالصفين كان بسبب قتل عثمان، والقتال بالنهروان كان بسبب التحكيم بصفين، وكل قتال وقع في ذلك العصر إنما تولد عن شيء من ذلك أو عن شيء تولد عنه، ثم إن قتل عثمان أشد أسبابه الطعن على أمرائه، ثم عليه بتوليته لهم، وأول ما نشأ ذلك من العراق، وهي من جهة المشرق،\n_________\n(^١) \"شرح ابن بطال\" (١٠/ ٤٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٣/ ٤٤).\n(^٣) \"تحفة الباري\" (٦/ ٤٣٨).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٣/ ٤٦).\n(^٥) \"فتح الباري\" (١٣/ ١٣).","vol":"6","page":683},{"text":"فلا منافاة بين حديث ال<span data-type='title' id=toc-4149>باب </span>وبين حديث: \"أن الفتنة من قبل المشرق\"، انتهى.\nقلت: وقد ورد في \"سنن أبي داود\" (^١) في \"باب خبر الجساسة\" أن الدجال في بحر الشام أو بحر اليمن، لا بل من قبل المشرق ما هو ما هو مرتين، وأومأ بيده قبل المشرق.\n\n(١٧ -<span data-type='title' id=toc-4148> باب الفتنة تموج كموج البحر. . .) إلخ</span>\nقال العلامة العيني (^٢): قيل: أشار به إلى ما أخرجه ابن أبي شيبة عن علي - ﵁ -: في هذه الأمة خمس فتن، فذكر الأربعة، ثم فتنة تموج كموج البحر، وهي التي يصبح الناس فيها كالبهائم، أي: لا عقول لهم، انتهى، وهكذا في \"الفتح\" (^٣).\n\n(١٨ - باب)\nبغير ترجمة، قال الحافظ (^٤): كذا للجميع بغير ترجمة، وسقط لابن بطال، وذكر فيه ثلاثة أحاديث تتعلق بوقعة الجمل، وتعلقه بما قبله ظاهر، فإنها كانت أول وقعة تَقَاتَل فيه المسلمون، انتهى.\n\n(١٩ -<span data-type='title' id=toc-4150> باب إذا أنزل الله بقوم عذابًا)</span>\nحذف الجواب اكتفاء بما وقع في الحديث، قاله الحافظ (^٥).\nوقال أيضًا: يقال: إذا أراد الله عذاب أمة أعقم نساءهم خمس عشرة سنة قبل أن يصابوا لئلا يصاب الولدان الذين لم يجر عليهم القلم، وهذا ليس له أصل، وعموم حديث عائشة يردّه، وقد شوهدت السفينة ملآى\n_________\n(^١) \"سنن أبي داود\" (رقم ٤٣٢٦).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٦/ ٣٥٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٣/ ٤٩).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٣/ ٥٤).\n(^٥) \"فتح الباري\" (١٣/ ٦٠).","vol":"6","page":684},{"text":"من الرجال والنساء والأطفال تغرق فيهلكون جميعًا، ومثله الدار الكبيرة تحرق، والرفقة الكثيرة تخرج عليها قطاع الطريق فيهلكون جميعًا أو أكثرهم، والبلد من بلاد المسلمين يهجمها الكفار فيبذلون السيف في أهلها، وقد وقع ذلك من الخوارج قديمًا، ثم من القرامطة، ثم من التتر أخيرًا، والله المستعان، انتهى.\nوقال أيضًا (^١): وجنح ابن أبي جمرة (^٢) إلى أن الذين يقع لهم ذلك بسبب سكوتهم عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأما من أمر ونهى فهم المؤمنون حقًا لا يرسل الله عليهم العذاب بل يدفع بهم العذاب، إلى آخر ما بسط.\nثم قال: ومقتضى كلامه أن أهل الطاعة لا يصيبهم العذاب في الدنيا بجريرة العصاة، وإلى ذلك جنح القرطبي، وما قدمناه قريبًا أشبه بظاهر الحديث، وإلى نحوه مال القاضي ابن العربي، انتهى.\n\n(٢٠ -<span data-type='title' id=toc-4151> باب قول النبي - ﷺ - للحسن بن علي: إن ابني هذا سيد. . .) إلخ</span>\nكذا في النسخ الهندية، وفي نسخة \"الفتح\": \"لسيد\" بزيادة اللام.\nقال الحافظ (^٣): ولم أر في شيء من طرق المتن \"لسيد\" باللام كما وقع في هذه الترجمة، انتهى.\nقوله: (بين فئتين من المسلمين) أي: طائفة الحسن وطائفة معاوية - ﵄ -، وفيه علم من أعلام نبينا - ﷺ -، فقد ترك الحسن الملك ورعًا ورغبة فيما عند الله، ولم يكن ذلك لعلة ولا لقلة ولا لذلة، بل صالح معاوية رعايةً للدين وتسكينًا للفتنة وحقن دماء المسلمين، روي أن أصحاب\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٣/ ٦١).\n(^٢) \"بهجة النفوس\" (٤/ ٢٦٦).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٣/ ٦٢).","vol":"6","page":685},{"text":"الحسن قالوا له: يا عار المؤمنين! فقال - ﵁ -: \"العار خير من النار\"، وفي الحديث أيضًا دلالة على رأفة معاوية بالرعية وشفقته على المسلمين وقوة نظره في تدبير الملك ونظره في العواقب، انتهى من \"القسطلاني\" (^١).\nوبسط الحافظ (^٢) الكلام على فوائد الحديث، وتقدمت هذه الترجمة بهذا اللفظ في \"كتاب الصلح\"، ولا يتوهم التكرار فإن ذكره هناك من حيث الصلح، وههنا لمناسبة الفتنة، إذ الصلح كان لدفع الفتنة.\n\n(٢١ -<span data-type='title' id=toc-4152> باب إذا قال عند قوم شيئًا ثم خرج فقال بخلافه)</span>\nقال الحافظ (^٣): ذكر فيه حديث ابن عمر: \"ينصب لكل غادر لواء\"، وفيه قصة لابن عمر في بيعة يزيد بن معاوية، وحديث أبي برزة في إنكاره على الذين يقاتلون على الملك من أجل الدنيا، وحديث حذيفة في المنافقين، ومطابقة الأخير للترجمة ظاهرة، ومطابقة الأول لها من جهة أن في القول في الغيبة بخلاف ما في الحضور نوع غدر، وسيأتي في \"كتاب الأحكام\" ترجمة ما يكره من ثناء السلطان فإذا خرج قال غير ذلك، وذكر فيه قول ابن عمر لمن سأله عن القول عند الأمراء بخلاف ما يقال بعد الخروج عنهم: كنا نعده نفاقًا، ومطابقة الثاني من جهة أن الذين عابهم أبو برزة كانوا يظهرون أنهم يقاتلون لأجل القيام بأمر الدين ونصر الحق، وكانوا في الباطن إنما يقاتلون لأجل الدنيا، انتهى.\nقلت: وسيأتي معنى هذه الترجمة في \"كتاب الأحكام\" ما يكره من ثناء السلطان، وإذا خرج قال غير ذلك، ويأتي الفرق هناك.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٥/ ٦٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٣/ ٦٧).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٣/ ٦٩).","vol":"6","page":686},{"text":"(٢٢ -<span data-type='title' id=toc-4153> باب لا تقوم الساعة حتى يغبط أهل القبور)</span>\nبضم أوله وفتح ثالثه على البناء للمجهول من الغبطة، وهي تمني مثل حال المغبوط مع بقاء حاله، قاله الحافظ (^١) ..\nوقال في شرح الحديث: قال ابن بطال: تغبط أهل القبور وتمني الموت عند ظهور الفتن إنما هو خوف ذهاب الدين بغلبة الباطل وأهله، وظهور المعاصي والمنكر، انتهى.\nوليس هذا عامًا في حق كل أحد، وإنما هو خاص بأهل الخير، وأما غيرهم فقد يكون لما يقع لأحدهم من المصيبة في نفسه أو أهله أو دنياه وإن لم يكن في ذلك شيء يتعلق بدينه، ويؤيده ما أخرجه مسلم عن أبي هريرة: \"لا تذهب الدنيا حتى يمر الرجل على القبر فيتمرغ عليه ويقول: يا ليتني مكان صاحب هذا القبر، وليس به الدين إلا البلاء\".\nثم قال الحافظ: قال ابن عبد البر: ظن بعضهم أن هذا الحديث معارض للنهي عن تمني الموت، وليس كذلك، وإنما في هذا أن هذا القدر سيكون لشدة تنزل بالناس من فساد الحال في الدين أو ضعفه أو خوف ذهابه لا لضرر ينزل في الجسم، كذا قال، وكأنه يريد أن النهي عن تمني الموت هو حيث يتعلق بضرر الجسم، وأما إذا كان لضرر يتعلق بالدين فلا، وقال غيره: ليس بينهما معارضة لأن النهي صريح، وهذا إنما فيه إخبار عن شدة ستحصل ينشأ عنها هذا التمني، وليس فيه تعرض لحكمه، وإنما سيق للإخبار عما سيقع.\nقلت: ويمكن أخذ الحكم من الإشارة في قوله: \"وليس به الدين إنما هو البلاء\" فإنه سيق مساق الذم والإنكار، وفيه إيماء إلى أنه لو فعل ذلك بسبب الدين لكان محمودًا، ويؤيده ثبوت تمني الموت عند فساد أمر الدين عن جماعة من السلف.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٣/ ٧٥).","vol":"6","page":687},{"text":"قال النووي: لا كراهة في ذلك بل فعله خلائق من السلف، منهم عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز وغيرهما، إلى آخر ما بسط.\n\n(٢٣ -<span data-type='title' id=toc-4154> باب تغير الزمان حتى تعبد الأوثان)</span>\nقال الحافظ (^١) ذيل شرح حديث الباب: قال ابن بطال (^٢): هذا الحديث وما أشبهه ليس المراد به أن الدين ينقطع كله في جميع أقطار الأرض حتى لا يبقى منه شيء؛ لأنه ثبت أن الإسلام يبقى إلى قيام الساعة، إلا أنه يضعف ويعود غريبًا كما بدأ، ثم ذكر حديث: \"لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق\" الحديث، ثم بسط الحافظ الكلام على هذا فارجع إليه لو شئت.\nثم ذكر المصنف في الباب حديثين، ومطابقة الأول للترجمة ظاهرة، وأما مطابقة الثاني فقد قال الحافظ: قال الإسماعيلي: ليس هذا الحديث من ترجمة الباب في شيء، وذكر ابن بطال أن المهلب أجاب بأن وجهه: أن القحطاني إذا قام وليس من بيت النبوة ولا من قريش الذين جعل الله فيهم الخلافة، فهو من أكبر تغير الزمان وتبديل الأحكام، بأن يطاع في الدين من ليس أهلًا لذلك، انتهى.\nوحاصله: أنه مطابق لصدر الترجمة وهو تغير الزمان، وتغيره أعم من أن يكون فيما يرجع إلى الفسق أو الكفر، فقصة القحطاني مطابقة للتغير بالفسق مثلًا، وقصة ذي الخلصة للتغير بالكفر، واستدل بقصة القحطاني على أن الخلافة يجوز أن تكون في غير قريش، إلى آخر ما في \"الفتح\" (^٣).\n\n(٢٤ -<span data-type='title' id=toc-4155> باب خروج النار. . .) إلخ</span>\nأي: من أرض الحجاز، ذكر فيه ثلاثة أحاديث، والمراد بالأشراط\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٣/ ٧٦).\n(^٢) \"شرح ابن بطال\" (١٠/ ٦٠).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٣/ ٧٨).","vol":"6","page":688},{"text":"العلامات التي يعقبها قيام الساعة، وتقدم في \"<span data-type='title' id=toc-4156>باب </span>الحشر\" من \"كتاب الرقاق\" صفة حشر النار لهم، قاله الحافظ (^١).\nوقال أيضًا: قوله: \"حتى تخرج نار. . .\" إلخ، قال القرطبي في \"التذكرة\": قد خرجت نار بالحجاز بالمدينة المنورة، وكان بدؤها زلزلة عظيمة في ليلة الأربعاء بعد العتمة الثالث من جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين وستمائة، واستمرت إلى ضحى النهار يوم الجمعة فسكنت، وظهرت النار بقريظة بطرف الحرة ترى في صورة البلد العظيم، عليها سور محيط عليه شراريف وأبراج ومآذن، وترى رجال يقودونها، لا تمر على جبل إلا دكته وأذابته، ويخرج من مجموع ذلك مثل النهر أحمر وأزرق، له دوي كدوي الرعد يأخذ الصخور بين يديه وينتهي إلى محط الركب العراق، واجتمع من ذلك ردم صار كالجبل العظيم، فانتهت النار إلى قرب المدينة، ومع ذلك فكان يأتي المدينة نسيم بارد، وشوهد لهذه النار غليان كغليان البحر، وقال لي بعض أصحابنا: رأيتها صاعدة في الهواء من نحو خمسة أيام، وسمعت أنها رؤيت من مكة وجبال بصرى، قال النووي (^٢): تواتر العلم بخروج هذه النار عند جميع أهل الشام، انتهى.\nومطابقة الحديث الثالث بالترجمة يستفاد من كلام الحافظ (^٣) حيث قال: ولا مانع أن يكون ذلك عند خروج النار للمحشر، انتهى.\n\n(٢٥ - باب)\nبغير ترجمة، كذا للجميع بغير ترجمة، لكن سقط من شرح ابن بطال، وذكر أحاديثه في الباب الذي قبله، وعلى الأول فهو كالفصل من الذي قبله، وتعلقه به من جهة الاحتمال أن ذلك يقع في الزمان الذي يستغني فيه\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٣/ ٧٩).\n(^٢) \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٩/ ٢٥٦).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٣/ ٨١).","vol":"6","page":689},{"text":"الناس عن المال، إما لاشتغال كل منهم بنفسه عند طروق الفتنة فلا يلوي على الأهل فضلًا عن المال، وذلك في زمن الدجال، وإما بحصول الأمن المفرط والعدل البالغ بحيث يستغني كل أحد بما عنده عما في يد غيره، وذلك في زمن المهدي وعيسى ابن مريم، وإما عند خروج النار التي تسوقهم إلى المحشر، فيعز حينئذ الظهر وتباع الحديقة بالبعير الواحد، ولا يلتفت أحد حينئذ إلى ما يثقله من المال، بل يقصد نجاة نفسه ومن يقدر عليه من ولده وأهله، وهذا أظهر الاحتمالات، وهو المناسب لصنيع البخاري، والعلم عند الله، ثم بسط الحافظ (^١) الكلام على ثاني حديثي الباب.\n\n(٢٦ -<span data-type='title' id=toc-4157> باب ذكر الدجّال)</span>\nقال القسطلاني (^٢): بتشديد الجيم فعال من أبنية المبالغة، أي: يكثر منه الكذب والتلبيس، وهو الذي يظهر في آخر الزمان يدعي الإلهية، ابتلى الله به عباده، وأقدره على أشياء من مخلوقاته كإحياء الميت الذي يقتله، وإمطار السماء وإنبات الأرض بأمره، ثم يعجزه الله بعد ذلك، فلا يقدر على شيء، ثم يقتله عيسى - ﵇ -، وفتنته عظيمة جدًا تدهش العقول وتحير الألباب، انتهى.\nقال الحافظ (^٣): قال القرطبي في \"التذكرة\": اختلف في تسميته دجالًا على عشرة أقوال، ومما يحتاج إليه في أمر الدجال أصله، وهل هو ابن صياد وغيره؟ وعلى الثاني فهل هو كان موجودًا في عهد رسول الله - ﷺ - أو لا؟ ومتى يخرج؟ وما سبب خروجه؟ ومن أين يخرج؟ وما صفته؟ وما الذي يدعيه؟ وما الذي يظهر عند خروجه من الخوارق حتى تكثر أتباعه؟ ومتى يهلك؟ ومن يقتله؟\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٣/ ٨٢).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٥/ ٨٣، ٨٤).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٣/ ٩١، ٩٢).","vol":"6","page":690},{"text":"فأما الأول: فيأتي بيانه في \"كتاب الاعتصام\" في شرح حديث جابر أنه كان يحلف أن ابن صياد هو الدجال، وأما الثاني: فمقتضى حديث فاطمة بنت قيس في قصة تميم الداري الذي أخرجه مسلم أنه كان موجودًا في العهد النبوي وأنه محبوس في بعض الجزائر، وأما الثالث: ففي حديث النواس عند مسلم أنه يخرج عند فتح المسلمين القسطنطينية، وأما سبب خروجه؟ فأخرج مسلم في حديث ابن عمر عن حفصة أنه يخرج من غضبة يغضبها، وأما من أين يخرج؟ فمن قبل المشرق جزمًا، ثم جاء في رواية، أنه يخرج من خراسان، أخرج ذلك أحمد والحاكم من حديث أبي بكر، وفي أخرى: أنه يخرج من أصبهان، أخرجها مسلم، وأما صفته فمذكورة في أحاديث الباب.\nوأما الذي يدعيه فإنه يخرج أولًا فيدعي الإيمان والصلاح ثم يدعي النبوة، ثم يدعي الإلهية، كما أخرج الطبراني، وأما الذي يظهر على يده من الخوارق فيذكر ههنا.\nوأما متى يهلك ومن يقتله؟ فإنه يهلك بعد ظهوره على الأرض كلها إلا مكة والمدينة، ثم يقصد بيت المقدس فينزل عيسى فيقتله، أخرجه مسلم أيضًا، وفي حديث هشام بن عامر: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة فتنة أعظم من الدجال\" أخرجه الحاكم، وأخرج أبو نعيم في ترجمة حسان بن عطية أحد ثقات التابعين من \"الحلية\" بسند حسن صحيح إليه قال: لا ينجو من فتنة الدجال إلا اثنا عشر ألف رجل وسبعة آلاف امرأة، وهذا لا يقال من قبل الرأي، فيحتمل أن يكون مرفوعًا أرسله، ويحتمل أن يكون أخذه عن بعض أهل الكتاب، انتهى مختصرًا من \"الفتح\".\nوحديث فاطمة بنت قيس في قصة تميم الداري الذي عزاه الحافظ إلى مسلم، أخرجه أيضًا أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه (^١) كذا قال الدميري.\n_________\n(^١) انظر: \"صحيح مسلم\" (٢٩٤٢)، و\"سنن أبي داود\" (٤٣٢٥)، و\"سنن الترمذي\" (٢٢٥٣)، و\"سنن النسائي الكبرى\" (٤٢٥٨)، و\"سنن ابن ماجه\" (٤٠٧٤).","vol":"6","page":691},{"text":"(٢٧ -<span data-type='title' id=toc-4158> باب لا يدخل الدجّال المدينة)</span>\nقال الحافظ (^١): أي: المدينة النبوية، ذكر فيه ثلاثة أحاديث، انتهى.\nقلت: ليس في أحاديث الباب ذكر مكة.\nقال الحافظ: وقد ورد من غير هذا الوجه عن أبي سعيد ما لعله يؤخذ منه ما لم يذكر، كما في رواية أبي نضرة عن أبي سعيد أنه يهودي وأنه لا يولد له، وأنه لا يدخل المدينة ولا مكة، أخرجه مسلم، انتهى.\nوقد تقدمت هناك هذه الترجمة في فضائل المدينة من \"كتاب الحج\"، وورد في بعض الأحاديث هناك ذكر مكة فقد تقدم هناك من حديث أنس مرفوعًا: \"ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال إلا مكة والمدينة\" الحديث، ومع ذلك لم يعقد المصنف لذلك ترجمة ولم أر من تعرض له، فليتدبر.\n\n(٢٨ -<span data-type='title' id=toc-4159> باب يأجوج ومأجوج)</span>\nتقدم شيء من أحوالهم في \"باب قصة يأجوج ومأجوج\" من \"كتاب الأنبياء\"، ولا يتوهم التكرار فذكرهم هناك لكونهم من جملة الخلائق، وههنا لمناسبة فتنتهم كما لا يخفى، ونظائره في البخاري كثيرة.\nثم البراعة في قوله: \"أنهلك وفينا الصالحون\"، وأيضًا فتح ردم يأجوج ومأجوج مذكر لأهوال القيامة (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٣/ ١٠١).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (١/ ١١٩).","vol":"6","page":692},{"text":"٩٣ -<span data-type='title' id=toc-4160> كتاب الأحكام</span>\nقال الحافظ (^١): الأحكام جمع حكم، والمراد بيان آدابه وشروطه، وكذا الحاكم، ويتناول لفظ الحاكم الخليفة والقاضي، فذكر ما يتعلق بكل منهما، والحكم الشرعي عند الأصوليين خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير، ومادة الحكم من الإحكام وهو الإتقان للشيء ومنعه من العيب، انتهى.\nقال القسطلاني (^٢): جمع حكم، وهو عند الأصوليين خطاب الله وهو كلامه النفسي الأزلي المسمى في الأزل خطابًا المتعلق بأفعال المكلفين، وهم البالغون العاقلون من حيث إنهم مكلفون، وخرج بفعل المكلفين خطاب الله تعالى المتعلق بذاته وصفاته، وذوات المكلفين والجمادات كمدلول ﴿لَا إِلَهَ إلا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠٢] ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ﴾ [الأعراف: ١١] ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ﴾ [الكهف: ٤٧]، وإذا تقرر أن الحكم خطاب الله فلا حكم إلا لله خلافًا للمعتزلة القائلين بتحكيم العقل، انتهى.\nقلت: وترجم في \"الموطأ\" بكتاب الأقضية.\nوفي \"الأوجز\" (^٣) عن \"الدر المختار\" (^٤): القضاء بالمد والقصر لغةً: الحكم، وقال الدردير (^٥): هو لغة يطلق على معان، منها: الفراغ، ومنها: الأداء، ومنها الحكم، وهو المراد ههنا، والقاضي الحاكم.\nوبسط في \"الأوجز\" الكلام على أبواب القضاء عن ابن رُشد (^٦).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٣/ ١١١).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٥/ ٩٩).\n(^٣) \"أوجز المسالك\" (١٣/ ٥٤٥).\n(^٤) \"رد المحتار\" (٨/ ٢٤).\n(^٥) \"الشرح الكبير\" (٤/ ١٢٩).\n(^٦) انظر: \"بداية المجتهد\" (٢/ ٤٥٩).","vol":"6","page":693},{"text":"وفي \"الفيض\" (^١) بعد ذكر معنى الحكم: ولا يدرى ماذا يريد به المحدثون، فإنهم يعقدون باب الأحكام، ثم يخرجون تحته جزئيات القضاء، انتهى.\nكذا قال، ولكن لا إشكال فيه، فإنه قد تقدم عن \"الدر المختار\" أن الحكم والقضاء بمعنى، فإخراج المصنف تحته جزئيات القضاء ليس في غير محله.\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-4161> باب قول الله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ الآية [النساء:</span> ٥٩])\nقال الحافظ (^٢): في هذا إشارة من المصنف إلى ترجيح القول الصائر إلى أن الآية نزلت في طاعة الأمراء، خلافًا لمن قال: نزلت في العلماء، وقد رجح ذلك أيضًا الطبري، وتقدم في تفسيرها في سورة النساء بسط القول في ذلك، انتهى.\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-4162> باب الأمراء من قريش)</span>\nولفظ الترجمة لفظ حديث أخرجه أبو يعلى والطبراني، وفي لفظ للطبراني \"الأئمة\" بدل \"الأمراء\"، وله شاهد من حديث علي رفعه: \"ألا إن الأمراء من قريش ما أقاموا ثلاثًا\" الحديث إلى آخر ما ذكر الحافظ من الروايات الواردة في ذلك.\nثم قال: ولما لم يكن شيء منها على شرط المصنف في الصحيح اقتصر على الترجمة، وأورد الذي صحّ على شرطه مما يؤدي معناه في الجملة.\nوبسط الحافظ الكلام على مضمون حديث الباب كون الأمراء من قريش (^٣).\n_________\n(^١) \"فيض الباري\" (٦/ ٤٧٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٣/ ١١١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٣/ ١١٤).","vol":"6","page":694},{"text":"قال القسطلاني (^١): قال النووي: في الحديث أن الخلافة مختصة بقريش، لا يجوز عقدها لغيرهم، وعلى هذا انعقد الإجماع في زمن الصحابة ومن بعدهم، ومن خالف في ذلك من أهل البدع فهو محجوج بإجماع الصحابة، قال ابن المنيِّر: وقد ظهر ما قاله رسول الله - ﷺ -، فمن زمنه إلى الآن لم تزل الخلافة في قريش من غير مزاحمة لهم على ذلك، ومن تغلب على الملك بطريق الشوكة لا ينكر أن الخلافة في قريش، وإنما يدعي أن ذلك بطريق النيابة عنهم، انتهى.\nويحتمل أن يكون بقاء الأمر في قريش في بعض الأقطار دون بعض، إلى آخر ما ذكر القسطلاني.\nقال الحافظ (^٢) بحثًا على المسألة: قال القرطبي (^٣): هذا الحديث خبر عن المشروعية، أي: لا تنعقد الإمامة الكبرى إلا لقرشي مهما وجد أحد، وكأنه جنح إلى أنه خبر بمعنى الأمر، انتهى.\nوفي \"الفيض\" (^٤): والمشهور في كتب الكلام أن القريشية شرط للخلافة الكبرى، وفي \"الدر المختار\" في \"باب الإمامة\": أن الإمامة على نحوين: إمامة صغرى، وإمامة كبرى، وتشترط القريشية في الكبرى، ولا يشترط كونه سيدًا، نعم في \"مواهب الرحمن\": أنها ليست بشرط عند إمامنا، إلى آخر ما ذكر.\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-4163> باب أجر من قضى بالحكمة. . .) إلخ</span>\nسقط لفظ \"أجر\" من رواية أبي زيد المروزي، وعلى تقدير ثبوتها فليس في الباب ما يدل عليه، فيمكن أن يؤخذ من لازم الإذن في تغبيط من قضى بالحكمة، فإنه يقتضي ثبوت الفضل فيه، وما ثبت فيه الفضل ترتب عليه الأجر، انتهى من \"الفتح\" (^٥).\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٥/ ١٠٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٣/ ١١٨).\n(^٣) \"المفهم\" (٤/ ٦).\n(^٤) \"فيض الباري\" (٦/ ٤٧٧).\n(^٥) \"فتح الباري\" (١٣/ ١٢٠).","vol":"6","page":695},{"text":"(٤ -<span data-type='title' id=toc-4164> باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية)</span>\nإنما قيَّده بالإمام وإن كان في أحاديث الباب الأمر بالطاعة لكل أمير ولو لم يكن إمامًا؛ لأن محل الأمر بطاعة الأمير أن يكون مؤمرًا من قبل الإمام، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(٥ -<span data-type='title' id=toc-4165> باب من لم يسأل الله الإمارة أعانه الله)</span>\nكذا في النسخ الهندية، وفي نسخ الشروح الثلاثة من \"الفتح\" و\"العيني\" و\"القسطلاني\" والنسخة التي عليها حاشية السندي ففيها \"باب من لم يسأل الإمارة\" بدون زيادة لفظ الجلالة، ولم يتعرض لذلك الاختلاف أحد من الشرَّاح، وما في نسخ الشروح هو الأوجه.\nقال الحافظ (^٢) تحت حديث الباب: ويستفاد منه أن طلب ما يتعلق بالحكم مكروه، فيدخل في الإمارة القضاء والحسبة ونحو ذلك، وأن من حرص على ذلك لا يعان، ويعارضه في الظاهر ما أخرجه أبو داود عن أبي هريرة رفعه: \"من طلب قضاء المسلمين حتى يناله ثم غلب عدله جوره فله الجنة، ومن غلب جوره عدله فله النار\"، والجمع بينهما أنه لا يلزم من كونه لا يعان بسبب طلبه أن لا يحصل منه العدل إذا ولي، أو يحمل الطلب هنا على القصد، وهناك على التولية، قال المهلب: والأصل فيه أن من تواضع لله رفعه الله، وقال ابن التِّين: هو محمول على الغالب، وإلا فقد قال يوسف: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ الآية [يوسف: ٥٥]، وقال سليمان ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا﴾ [ص: ٣٥]، قال: ويحتمل أن يكون في غير الأنبياء، انتهى.\nوقال القاري في \"المرقاة\" (^٣) تحت شرح حديث الباب: الإمارة بكسر الهمزة، أي: لا تطلب الحكومة والولاية، لا من الخلق ولا من الخالق، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٣/ ١٢٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٣/ ١٢٤).\n(^٣) \"مرقاة المفاتيح\" (٧/ ٢٦٠).","vol":"6","page":696},{"text":"(٦ -<span data-type='title' id=toc-4166> باب من سأل الإمارة وكل إليها)</span>\nقال العلامة العيني (^١) تحت حديث الباب: هذا طريق آخر في الحديث المذكور في الباب الذي قبله، وهو حديث واحد، غير أنه جعل له ترجمتين باعتبار اختلاف رواته، وباعتبار قسمته على شطرين، فجعل لكل شطر ترجمة، انتهى.\nقلت: فعل ذلك لمزيد الاهتمام، ومثله في الكتاب كثير كما لا يخفى على الناظر.\n\n(٧ -<span data-type='title' id=toc-4167> باب ما يكره من الحرص على الإمارة)</span>\nأي: على تحصيلها، ووجه الكراهة مأخوذ مما سبق في الباب الذي قبله.\nقال النووي: هذا أصل عظيم في اجتناب الولاية، ولا سيما لمن كان فيه ضعف، وهو في حق من دخل فيها بغير أهلية ولم يعدل، فإنه يندم على ما فرط منه إذا جوزي بالخزي يوم القيامة، وأما من كان أهلًا وعدل فيها فأجره عظيم كما تظاهرت به الأخبار، ولكن في الدخول فيها خطر عظيم، ولذلك امتنع الأكابر منها، والله تعالى أعلم، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\n\n(٨ -<span data-type='title' id=toc-4168> باب من استرعي رعية فلم ينصح)</span>\nقوله: (استرعي) بضم المثناة على البناء للمجهول، يعني: جعل راعيًا على رعية، وجواب من محذوف، اكتفى عن ذكره بما في حديث الباب، انتهى من \"العيني\" (^٣).\nقال الحافظ (^٤): وقد أخرج الطبراني في \"الكبير\" من وجه آخر عن الحسن قال: لما قدم علينا عبيد الله بن زياد أميرًا أمره علينا معاوية غلامًا سفيهًا يسفك الدماء سفكًا شديدًا، إلى آخر ما في \"الفتح\".\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٦/ ٣٩٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٣/ ١٢٥، ١٢٦).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٦/ ٣٩٥).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٣/ ١٢٨).","vol":"6","page":697},{"text":"(٩ -<span data-type='title' id=toc-4169> باب من شاق شاق الله عليه)</span>\nفي رواية النسفي: \"من شق\" بغير ألف، والمعنى من أدخل على الناس المشقة أدخل الله عليه المشقة، فهو من الجزاء بجنس العمل، قاله الحافظ (^١).\n\n(١٠ -<span data-type='title' id=toc-4170> باب القضاء والفتيا في الطريق)</span>\nقال الحافظ (^٢): كذا سوّى بينهما، والأثران المذكوران في الترجمة صريحان فيما يتعلق بالقضاء، والحديث المرفوع يؤخذ منه جواز الفتيا، فيلحق به الحكم، ونقل عن المهلب: الفتيا في الطريق وعلى الدابة ونحو ذلك من التواضع، فإن كانت لضعيف فهو محمود، وإن كانت لرجل من أهل الدنيا أو لمن يخشى لسانه فهو مكروه.\nقلت: والمثال الثاني ليس بجيد، فقد يترتب على المسؤول من ذلك ضرر فيجيب ليأمن شره فيكون في هذه الحالة محمودًا.\nقال: واختلف في القضاء سائرًا أو ماشيًا، فقال الأشهب: لا بأس به إذا لم يشغله عن الفهم، وقال سحنون: لا ينبغي، وقال ابن حبيب: لا بأس بما كان يسيرًا، وأما الابتداء بالنظر ونحوه فلا، قال ابن بطال (^٣): وهو حسن، وقول أشهب أشبه بالدليل، وقال ابن التِّين: لا يجوز الحكم في الطريق فيما يكون غامضًا، كذا أطلق، والأشبه التفصيل، وقد تقدم في \"كتاب العلم\" ترجمة: \"الفتيا على الدابة\"، ووقع في حديث جابر الطويل في حجة الوداع عند مسلم: \"وطاف رسول الله - ﷺ - على راحلته ليراه الناس وليشرف لهم ليسألوه\"، والأحاديث في سؤال الصحابة وهو سائر ماشيًا وراكبًا كثيرة، انتهى.\nوفي \"فيض الباري\" (^٤): قد مرَّ أن الفتيا والقضاء قد يختلفان في\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٣/ ١٢٩).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٣/ ١٣١، ١٣٢).\n(^٣) \"شرح ابن بطال\" (٨/ ٢٢٢).\n(^٤) \"فيض الباري\" (٦/ ٤٨١).","vol":"6","page":698},{"text":"الفقه، والظاهر من كلام المصنف أن لا فرق في القضاء والفتوى عنده، انتهى.\n\n(١١ -<span data-type='title' id=toc-4171> باب ما ذكر أن النبي - ﷺ - لم يكن له بوَّاب)</span>\nأي: راتب ليمنع الناس من الدخول عليه، قاله القسطلاني (^١).\nقال الحافظ (^٢): قال المهلب: لم يكن للنبي - ﷺ - بواب راتب، يعني: فلا يردّ ما تقدم في المناقب من حديث أبي موسى أنه كان بوابًا للنبي - ﷺ - لما جلس على القف.\nقال الكرماني (^٣): معنى قوله: \"لم يجد عليه بوابًا\" أنه لم يكن له بواب راتب، أو في حجرته التي كانت مسكنًا له، أو لم يكن البواب بتعينه بل باشرا ذلك بأنفسهما، يعني: أبا موسى ورباحًا، قلت: والأول كاف، وفي الثاني نظر؛ لأنه إذا انتفى في الحجرة مع كونها مظنة الخلوة فانتفاؤه في غيرها أولى، إلى آخر ما ذكر الحافظ.\nوقال القسطلاني (^٤): واختلف في مشروعية الحجاب للحاكم، فقال إمامنا الشافعي: لا ينبغي اتخاذه له، وقال آخرون بالجواز، وقال آخرون: يستحب لترتيب الخصوم ومنع المستطيل ودفع الشرير، ويكره دوام الاحتجاب، وقد يحرم، ففي أبي داود والترمذي (^٥) بسند جيد مرفوعًا: \"من ولاه الله من أمر الناس شيئًا، فاحتجب عن حاجتهم احتجب الله عن حاجته يوم القيامة\"، انتهى.\nزاد الحافظ: ومنهم من قيَّد جوازه بغير وقت جلوسه للناس لفصل الأحكام، ومنهم من عمم الجواز، انتهى.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٥/ ١٢٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٣/ ١٣٢، ١٣٣).\n(^٣) \"شرح الكرماني\" (٢٤/ ٢٠٢).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (١٥/ ١٢١).\n(^٥) \"سنن أبي داود\" (٢٩٤٨)، و\"سنن الترمذي\" (١٣٣٣).","vol":"6","page":699},{"text":"(١٢ -<span data-type='title' id=toc-4172> باب الحاكم يحكم بالقتل على من وجب عليه دون الإمام الذي فوقه)</span>\nأي: الذي ولّاه من غير احتياج إلى استئذانه في خصوص ذلك، قاله الحافظ (^١).\nوفي \"الفيض\" (^٢): يعني أن القضاء بالقصاص لا يختص بالحاكم الأعلى، بل يقضي به من كان تحته من الحكام أيضًا، انتهى.\nويظهر من كلام الشرَّاح أن الغرض من الترجمة الردّ على من زعم أن الحدود لا يقيمها عمال البلاد إلا بعد مشاورة الإمام الذي ولّاهم، كما في \"الفتح\" وغيره.\nقال الحافظ (^٣): قال ابن بطال (^٤): اختلف العلماء في هذا الباب، فذهب الكوفيون إلى أن القاضي حكمه حكم الوكيل لا يطلق يده إلا فيما أذن له فيه، وحكمه عند غيرهم حكم الوصي، له التصرف في كل شيء، ويطلق يده على النظر في جميع الأشياء إلا ما استثني، انتهى.\nونقل الطحاوي عنهم أن الحدود لا يقيمها إلا أمراء الأمصار، ولا يقيمها عامل السواد ولا نحوه، ونقل ابن القاسم: لا تقام الحدود في المياه بل تجلب إلى الأمصار، ولا يقام القصاص في القتل في مصر كلها إلا بالفسطاط، يعني: لكونها منزل متولي مصر، وقال أشهب: بل من فوّض له الوالي ذلك من عمال المياه جاز له أن يفعله، وعن الشافعي نحوه، قال ابن بطال: والحجة في الجواز حديث معاذ، فإنه قتل المرتد دون أن يرفع أمره إلى النبي - ﷺ -، انتهى من \"الفتح\".\nقلت: وحاصل المقام أنه يجوز عندنا الحنفية لأمير البلد إقامة الحد، صرّح به صاحب \"البدائع\" (^٥) إذ قال: وللإمام أن يستخلف على إقامة\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٣/ ١٣٤).\n(^٢) \"فيض الباري\" (٦/ ٤٨١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٣/ ١٣٦).\n(^٤) \"شرح ابن بطال\" (٨/ ٢٢٥).\n(^٥) \"بدائع الصنائع\" (٥/ ٥٢٥، ٥٢٦).","vol":"6","page":700},{"text":"الحدود لأنه لا يقدر على استيفاء الجميع بنفسه، فلو لم يجز الاستخلاف لتعطلت الحدود، ثم الاستخلاف نوعان: تنصيص وتولية، أما التنصيص فهو أن ينصّ على إقامة الحدود، فيجوز للخليفة إقامتها بلا شك، وأما التولية فعلى ضربين: عامة وخاصة، فالعامة هي أن يولي رجلًا ولاية عامة، مثل إمارة إقليم أو بلد عظيم، فيملك المولى إقامة الحدود وإن لم ينص عليها، والخاصة أن يولي رجلًا ولايةً خاصةً مثل جباية الخراج ونحو ذلك، فلا يملك إقامة الحدود؛ لأن هذه التولية لم تتناول إقامة الحدود، انتهى ملخصًا.\nفحديث معاذ في قتل المرتد لا يخالف الحنفية؛ لأن أبا موسى ومعاذًا كانا أميرين على اليمن، وهو بلد عظيم، ولذا قال النووي في \"شرح مسلم\" (^١) تحت حديث معاذ هذا: قال القاضي عياض: وفيه أن لأمراء الأمصار إقامة الحدود في القتل وغيره، وهو مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة والعلماء كافة إلى آخر ما قال.\nوأما عمال السواد والمياه فيجوز لهم إقامة الحد عند الشافعي، ورواية عن مالك كما تقدم في كلام الحافظ، ولا يجوز لهم إقامة الحد عندنا الحنفية كما تقدم النقل بذلك عن الطحاوي، فاستدلال بعض شرَّاح البخاري مثل الحافظ وتبعه القسطلاني على أنه يجوز لعمال السواد إقامة الحدود، فهذا الاستدلال كما ترى ليس في محله، وأيضًا فإن حديث الباب في قتل المرتد، وأحكام المرتد يغاير أحكام الحدود، فإن قتل المرتد عندنا أيضًا غير مفوض إلى الإمام كما في \"حاشية ابن عابدين\" بخلاف إقامة حد الرجم فإنه مفوض إليه أو إلى نائبه، فتدبر وتشكر، فهذا غاية توضيح للمقام.\nوفي الحديث الأول قد استشكلت مطابقة الحديث للترجمة، فأشار الكرماني إلى أنها تؤخذ من قوله: \"دون الحاكم\" لأن معناه \"عند\"، وهذا\n_________\n(^١) \"شرح صحيح مسلم\" (٦/ ٤٤٩).","vol":"6","page":701},{"text":"جيد إن ساعدته اللغة، وعلى هذا فكأن قيسًا كان من وظيفته أن يفعل ذلك بحضرة النبي - ﷺ - بأمره، سواء كان خاصًا أم عامًا.\nقال الكرماني (^١): ويحتمل أن تكون \"دون\" بمعنى \"غير\"، قال: وهو الذي يحتمله الحديث الثاني لا غير، قلت: فيلزم أن يكون استعمل في الترجمة \"دون\" في معنيين، انتهى.\nوقال العلامة السندي (^٢): ذكر فيه ثلاثة أحاديث، فالأول والثاني إما لمجرد نصب الإمام الحاكم؛ لأن ترجمة الباب تتوقف عليه، والثالث لإفادة حكم ذلك الحاكم بالقتل، أو الأوّلان لإفادة الترجمة أيضًا نظرًا إلى العادة حيث إن نصب الحاكم عادة لا يخلو عن حكمه بالقتل، والله أعلم، انتهى.\n\n(١٣ -<span data-type='title' id=toc-4173> باب هل يقضي الحاكم أو يفتي وهو غضبان)</span>\nوفي نسخة \"الفتح\": \"القاضي\" بدل \"الحاكم\".\nقال الحافظ (^٣): قال المهلب: سبب هذا النهي أن الحكم حالة الغضب قد يتجاوز بالحاكم إلى غير الحق فمنع، وبذلك قال فقهاء الأمصار، وقال ابن دقيق العيد: فيه النهي عن الحكم حالة الغضب، لما يحصل بسببه من التغير الذي يختل به النظر، فلا يحصل استيفاء الحكم على الوجه، قال: وعداه الفقهاء بهذا المعنى إلى كل ما يحصل به تغير الفكر كالجوع والعطش المفرطين وغلبة النعاس، وسائر ما يتعلق به القلب تعلقًا يشغله عن استيفاء النظر، وقد أخرج البيهقي بسند ضعيف عن أبي سعيد رفعه: \"لا يقضي القاضي إلا وهو شبعان ريّان\" قال الشافعي في \"الأم\": أكره للحاكم أن يحكم وهو جائع أو تعب أو مشغول القلب، ثم قال: لو خالفه فحكم في حال الغضب صحّ إن صادف الحق مع الكراهة، هذا\n_________\n(^١) \"شرح الكرماني\" (٢٤/ ٢٠٣).\n(^٢) \"صحيح البخاري بحاشية السندي\" (٤/ ٢٣٦).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٣/ ١٣٧، ١٣٨).","vol":"6","page":702},{"text":"قول الجمهور، وقال بعض الحنابلة: لا ينفذ الحكم في حال الغضب لثبوت النهي عنه، انتهى مختصرًا، والبسط في \"الفتح\".\nوفي \"الفيض\" (^١) تحت ترجمة الباب: وقد ورد عنه النهي في الحديث، وأشار المصنف إلى تقسيم فيه، فإن ملك نفسه ولم يغلب عقله جاز له القضاء وإلا لا، انتهى.\n\n(١٤ -<span data-type='title' id=toc-4174> باب من رأى للقاضي أن يحكم بعلمه في أمر الناس. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٢): أشار إلى قول أبي حنيفة ومن وافقه، أن للقاضي أن يحكم بعلمه في حقوق الناس، وليس له أن يقضي بعلمه في حقوق الله تعالى كالحدود؛ لأنها مبنية على المسامحة، وله في حقوق الناس تفصيل، قال: إن كان ما علمه قبل ولايته لم يحكم، بخلاف ما علمه في ولايته، انتهى.\nقلت: والمسألة خلافية ففي \"الأوجز\" (^٣) تحت حديث: \"لعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته\" الحديث: قال الزرقاني (^٤): تمسك به أحمد ومالك في المشهور عنه، أن الحاكم لا يقضي بعلمه لإخباره - ﷺ - أنه لا يحكم إلا بما سمع، ولم يقل على نحو ما علمت، وقال الشافعي وجماعة: يقضي بعلمه مطلقًا، وقال أبو حنيفة: في المال فقط دون الحدود وغيرها، وأجمعوا على أنه يجرح ويعدل بعلمه، انتهى.\nوقال الموفق (^٥): ظاهر المذهب أن الحاكم لا يحكم بعلمه في حد ولا غيره لا في ما علمه قبل الولاية ولا بعدها، وهذا قول مالك، وعن أحمد رواية أخرى يجوز ذلك، وهو قول أبي ثور، وقال أبو حنيفة: ما كان\n_________\n(^١) \"فيض الباري\" (٦/ ٤٨٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٣/ ١٣٩).\n(^٣) \"أوجز المسالك\" (١٣/ ٥٥٣).\n(^٤) \"شرح الزرقاني\" (٣/ ٣٨٤).\n(^٥) \"المغني\" (١٤/ ٣١).","vol":"6","page":703},{"text":"من حقوق الله لا يحكم فيه بعلمه، وأما حقوق الآدميين فما علمه قبل ولايته لم يحكم به، وما علم في ولايته حكم به، انتهى.\nوهذا التفصيل في مسلك الحنفية إنما هو على قول الإمام، وأما عند صاحبيه فيجوز مطلقًا في حقوق العباد سواء علمه قبل القضاء أو بعده، كما في \"الدر المختار\" (^١) وغيره، وأما قوله: \"إذا لم يخف الظنون والتهمة\" فقيد به قول من أجاز للقاضي أن يقضي بعلمه؛ لأن الذين منعوا ذلك مطلقًا اعتلوا بأنه غير معصوم، فيجوز أن تلحقه التهمة إذا قضى بعلمه أن يكون حكم لصديقه على عدوه، فجعل المصنف محل الجواز ما إذا لم يخف الحاكم الظنون والتهمة، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\n\n(١٥ -<span data-type='title' id=toc-4175> باب الشهادة على الخط المختوم. . .) إلخ</span>\nمراده: هل تصح الشهادة على الخط بأنه خطّ فلان؟ وقيد بالمختوم؛ لأنه أقرب إلى عدم التزوير على الخط.\nقوله: (وما يجوز من ذلك. . .) إلخ، يريد أن القول بذلك لا يكون على التعميم إثباتًا ونفيًا، بل لا يمنع ذلك مطلقًا فتضيع الحقوق، ولا يعمل بذلك مطلقًا فلا يؤمن فيه التزوير فيكون جائزًا بشروط.\nقوله: (وكتاب الحاكم إلى عامله. . .) إلخ، يشير إلى الردّ على من أجاز الشهادة على الخط، ولم يجزها في كتاب القاضي وكتاب الحاكم، كذا في \"الفتح\" (^٣)، وفيه أيضًا: وجملة ما تضمنته هذه الترجمة بآثارها ثلاثة أحكام: الشهادة على الخط، وكتاب القاضي إلى القاضي، والشهادة على الإقرار بما في الكتاب، وظاهر صنيع الإمام البخاري جواز جميع ذلك.\nفأما الحكم الأول فقال ابن بطال (^٤): اتفق العلماء على أن الشهادة لا تجوز للشاهد إذا رأى خطه إلا إذا تذكر تلك الشهادة، فإن كان\n_________\n(^١) \"رد المحتار\" (٨/ ١٥٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٣/ ١٣٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٣/ ١٤١).\n(^٤) \"شرح ابن بطال\" (٨/ ٢٣٠).","vol":"6","page":704},{"text":"لا يحفظها فلا يشهد، فإنه من شاء انتقش خاتمًا، ومن شاء كتب كتابًا، وقد فعل مثله في أيام عثمان في قصة مذكورة في سبب قتله، وقد قال الله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦]، وأجاز مالك الشهادة على الخط، ونقل عن ابن وهب أنه قال: لا آخذ بقول مالك، وقال الطحاوي: خالف مالكًا جميع الفقهاء، وعدّوا قوله شذوذًا؛ لأن الخط يشبه الخط.\nوأما الحكم الثاني فقال ابن بطال (^١): اختلفوا في كتب القضاة، فذهب الجمهور إلى الجواز، واستثنى الحنفية الحدود، وهو قول الشافعي، والذي احتج به البخاري على الحنفية قوي؛ لأنه لم يصر مالًا إلا بعد ثبوت القتل، قال: وما ذكره عن القضاة من التابعين من إجازة ذلك، حجتهم فيه ظاهرة من الحديث؛ لأن النبي - ﷺ - كتب إلى الملوك ولم ينقل أنه أشهد أحدًا على كتابه، قال: ثم أجمع فقهاء الأمصار على ما ذهب إليه سوار وابن أبي ليلى من اشتراط الشهود لما دخل الناس من الفساد، فاحتيط للدماء والأموال.\nوأما الحكم الثالث فقال ابن بطال (^٢): اختلفوا إذا أشهد القاضي شاهدين على ما كتبه ولم يقرأه عليهما ولا عرفهما بما فيه، وقال مالك: يجوز ذلك، وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يجوز ذلك، انتهى مختصرًا من \"الفتح\" (^٣)، والبسط فيه.\nوفي \"الفيض\" (^٤): ثم اشتهر أن الخط غير معتبر عندنا؛ لأن الخط يشبه الخط، قلت: وذلك عندما يقع الجحود، وأما في البين فهو معتبر، كما أيّده الشامي في رسالة سمّاها \"نشر العرف\"، وحقق اعتباره إذا أمن من التزوير، واعتبروه في كتاب القاضي إلى القاضي أيضًا، انتهى.\n_________\n(^١) \"شرح ابن بطال\" (٨/ ٢٣٢).\n(^٢) \"شرح ابن بطال\" (٨/ ٢٣٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٣/ ١٤٤، ١٤٥).\n(^٤) \"فيض الباري\" (٦/ ٤٨٤).","vol":"6","page":705},{"text":"وفي هامش النسخة \"الهندية\" (^١): قوله: \"وقال بعض الناس. . .\" إلخ، أراد به الحنفية، وليس غرضه من هذا إلا التشنيع عليهم، وحاصل غرض البخاري إثبات المناقضة فيما قاله الحنفية، فإنهم قالوا: كتاب القاضي جائز إلا في الحدود، ثم قالوا: إن كان القتل خطأ يجوز فيه؛ لأن قتل الخطأ في نفس الأمر لعدم القصاص فيه ملحق بسائر الأموال، والجواب أن يقال: لا نسلم أن الخطأ والعمد واحد فإن مقتضى العمد القصاص، ومقتضى الخطأ عدم القصاص ووجوب المال، وأي نسبة بين المال وبين القصاص، انتهى مختصرًا.\nقوله: (يجيزون كتب القضاء بغير محضر من الشهود. . .) إلخ، قال صاحب \"الفيض\" (^٢): وهذا غير مختار عندنا، بل لا بد من شهود الكتابة عندنا، انتهى.\n\n(١٦ -<span data-type='title' id=toc-4176> باب متى يستوجب الرجل القضاء. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٣): أي: متى يستحق أن يكون قاضيًا، قال أبو علي الكرابيسي صاحب الشافعي في كتاب \"آداب القضاء\" له: لا أعلم بين العلماء ممن سلف خلافًا أن أحق الناس أن يقضي بين المسلمين من بان فضله وصدقه وعلمه وورعه، قارئًا لكتاب الله، عالمًا بأكثر أحكامه، عالمًا بسنن رسول الله حافظًا لأكثرها، وكذا أقوال الصحابة، عالمًا بالوفاق والخلاف، وأقوال فقهاء التابعين يعرف الصحيح من السقيم يتبع في النوازل الكتاب، فإن لم يجد فالسنن، فإن لم يجد عمل بما اتفق عليه الصحابة، فإن اختلفوا فما وجده أشبه بالقرآن ثم بالسُّنَّة ثم بفتوى أكابر الصحابة عمل به، ويكون كثير المذاكرة مع أهل العلم والمشاورة بهم، ويكون حافظًا للسانه وبطنه وفرجه، فهمًا بكلام الخصوم، ثم قال: وهذا وإن كنا نعلم أنه\n_________\n(^١) \"حاشية صحيح البخاري بحاشية السهارنفوري\" (١٤/ ٣٨).\n(^٢) \"فيض الباري\" (٦/ ٤٨٤).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٣/ ١٤٦).","vol":"6","page":706},{"text":"ليس على وجه الأرض أحد يجمع هذه الصفات، ولكن يجب أن يطلب من أهل كل زمان أكملهم وأفضلهم.\nقال ابن العربي: واتفقوا على أنه لا يشترط أن يكون غنيًا، والأصل قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾ [البقرة: ٢٤٧]، واتفقوا على اشتراط الذكورية في القاضي إلا عن الحنفية، واستثنوا الحدود، وأطلق ابن جرير، وحجة الجمهور الحديث الصحيح: \"ما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة\"، انتهى.\nوفي \"حاشية البجيرمي\" (^١) من فروع الشافعية: ولا يجوز أن يلي القضاء إلا من استكمل فيه خمس عشرة خصلة: الإسلام، والبلوغ، والعقل، والحرية، والذكورية، والعدالة، ومعرفة أحكام الكتاب والسُّنَّة، ومعرفة الإجماع والاختلاف، ومعرفة طرق الاجتهاد، ومعرفة طرف من لسان العرب، ومعرفة تفسير كتاب الله تعالى، وأن يكون سميعًا، وبصيرًا، وأن يكون كاتبًا، والخامسة عشرة أن يكون متيقظًا، انتهى.\nوفي \"البدائع\" (^٢) من فروع الحنفية: الصلاحية للقضاء لها شرائط: منها: العقل، ومنها: البلوغ، ومنها: الإسلام، ومنها: الحرية، ومنها: البصر، ومنها: النطق، ومنها: السلامة عن حد القذف؛ لأن القضاء من باب الولاية بل هو أعظم الولايات، وهؤلاء ليست لهم أهلية أدنى الولايات، وهي الشهادة، فلأن لا يكون لهم أهلية أعلاها أولى، وأما الذكورة فليست من شرط جواز التقليد في الجملة؛ لأن المرأة من أهل الشهادات في الجملة إلا أنها لا تقضي بالحدود والقصاص؛ لأنه لا شهادة لها في ذلك، وأهلية القضاء تدور مع أهلية الشهادة.\nوأما العلم بالحلال والحرام وسائر الأحكام فهل هو شرط جواز التقليد؟ عندنا ليس بشرط الجواز بل شرط الندب والاستحباب، وعند\n_________\n(^١) \"حاشية البجيرمي\" (٤/ ٣٧٩ - ٣٨٠).\n(^٢) \"بدائع الصنائع\" (٥/ ٤٣٨، ٤٣٩).","vol":"6","page":707},{"text":"أصحاب الحديث كونه عالمًا بالحلال والحرام وسائر الأحكام مع بلوغ درجة الاجتهاد في ذلك شرط جواز التقليد، كما قالوا في الإمام الأعظم، وعندنا هذا ليس بشرط الجواز في الإمام الأعظم؛ لأنه يمكنه أن يقضي بعلم غيره بالرجوع إلى فتوى غيره من العلماء، فكذا في القاضي، لكن مع هذا لا ينبغي أن يقلد الجاهل بالأحكام؛ لأن الجاهل بنفسه ما يفسد أكثر مما يصلح، وكذا العدالة عندنا ليست بشرط الجواز لكنها شرط الكمال، انتهى مختصرًا.\nقوله: (وقرأ ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ. . .﴾ [المائدة: ٤٤]) إلخ، قال صاحب \"الفيض\" (^١): ذكر ابن خلدون في مقدمته: أن اليهود كانوا تفرقوا فرقتين: منهم من كان يعمل بالقياس، ويسمى بالربانيين، ومنهم من كان ينكره، ويقال لهم: الأحبار، وأبعد ابن حزم حيث شدد الكلام في القائسين ومن دان دينهم، انتهى.\n\n(١٧ -<span data-type='title' id=toc-4177> باب رزق الحاكم والعاملين عليها. . .) إلخ</span>\nهو من إضافة المصدر إلى المفعول، والرزق ما يرتبه الإمام من بيت المال لمن يقوم بمصالح المسلمين، وقال المطرزي: الرزق ما يخرجه الإمام كل شهر للمرتزقة من بيت المال، والعطاء ما يخرجه كل عام، ويحتمل أن يكون قوله: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ عطفًا على الحاكم، أي: ورزق العاملين عليها، أي: على الحكومات، ويحتمل أن يكون أورد الجملة على الحكاية يريد الاستدلال على جواز أخذ الرزق بآية الصدقات، وهم من جملة المستحقين لها لعطفهم على الفقراء والمساكين بعد قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ﴾ [التوبة: ٦٠]، قال الطبري: ذهب الجمهور إلى جواز أخذ القاضي الأجرة على الحكم؛ لكونه يشغله الحكم عن القيام بمصالحه، غير أن طائفة من السلف كرهت ذلك، منهم مسروق، ولا أعلم أحدًا منهم حرمه، قال\n_________\n(^١) \"فيض الباري\" (٦/ ٤٨٥).","vol":"6","page":708},{"text":"المهلب: وجه الكراهة أنه محمول على الاحتساب لقوله تعالى لنبيه: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الأنعام: ٩٠]، إلى آخر ما ذكر الحافظ (^١) في شرائط الأخذ إذا كانت في مال بيت المال شبهة.\n\n(١٨ -<span data-type='title' id=toc-4178> باب من قضى ولاعن في المسجد)</span>\nقال الحافظ (^٢): الظرف يتعلق بالأمرين، فهو من تنازع الفعلين، ويحتمل أن يتعلق بـ \"قضى\" لدخول \"لاعن\" فيه، فإنه من عطف الخاص على العام، قال ابن بطال: استحب القضاء في المسجد طائفة، وقال مالك: هو الأمر القديم؛ لأنه يصل إلى القاضي فيه المرأة والضعيف، وإذا كان في منزله لم يصل إليه الناس لإمكان الاحتجاب، قال: وبه قال أحمد وإسحاق، وكرهت ذلك طائفة، وكتب عمر بن عبد العزيز إلى القاسم بن عبد الرحمن أن لا تقضي في المسجد فإنه يأتيك الحائض والمشرك، وقال الشافعي: أحب إليّ أن يقضى في غير المسجد لذلك، انتهى.\nوفي \"الهداية\" (^٣): ويجلس للحكم جلوسًا ظاهرًا في المسجد، كيلا يشتبه مكانه على الغرباء وبعض المقيمين، والمسجد الجامع أولى لأنه أشهر، وقال الإمام الشافعي: يكره الجلوس في المسجد للقضاء إلى أن قال: وكان رسول الله - ﷺ - يفصل الخصومة في معتكفه، وكذا الخلفاء الراشدون كانوا يجلسون في المساجد، لفصل الخصومات، ولأن القضاء عبادة، إلى آخر ما ذكر.\nقلت: وقد تقدم نحو هذا الباب في أبواب المساجد بلفظ \"باب القضاء واللعان في المسجد بين الرجال والنساء\"، ذكر صاحب \"الفيض\" (^٤) ههنا تحت ترجمة الباب: وافق أبا حنيفة في أن القضاء عبادة، فيصح في\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٣/ ١٥٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٣/ ١٥٥، ١٥٦).\n(^٣) \"الهداية\" (٢/ ١٠٣).\n(^٤) \"فيض الباري\" (٦/ ٤٨٧).","vol":"6","page":709},{"text":"المسجد، فإن كان المدعى عليه ممن لا يجوز له الدخول في المسجد كالحائض يخرج إليه أو يرسل نائبه، وقال الشافعية: إنه ليس بعبادة فلا يقضى في المسجد، انتهى.\n\n(١٩ -<span data-type='title' id=toc-4179> باب من حكم في المسجد حتى إذا أتى على حدٍّ أمر أن يخرج. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^١): كأنه يشير بهذه الترجمة إلى من خصّ جواز الحكم في المسجد بما إذا لم يكن هناك شيء يتأذى به من في المسجد أو يقع به للمسجد نقص كالتلويث، انتهى.\nوتعقب عليه العلامة العيني (^٢) فارجع إليه لو شئت، وقال تحت حديث الباب: قوله: \"كنت فيمن رجمه بالمصلى. . .\" إلخ، مطابقته للترجمة ظاهرة، انتهى.\nوقال القسطلاني (^٣) تحت قوله: \"اذهبوا به فارجموه. . .\" إلخ، وإنما أمر بإخراجه من المسجد؛ لأن الرجم فيه يحتاج إلى قدر زائد من حفر وغيره مما لا يناسب المسجد، فلا يلزم من تركه فيه ترك إقامة غيره من الحدود، فليتأمل مع الترجمة، ثم ذكر اختلاف العلماء في إقامة الحدود في المسجد.\nقال الحافظ (^٤) تحت شرح حديث الباب: قال ابن بطال: ذهب إلى المنع من إقامة الحدود في المسجد الكوفيون والشافعي وأحمد وإسحاق، وأجازه الشعبي وابن أبي ليلى، وقال مالك: لا بأس بالضرب بالسياط اليسيرة، فإذا كثرت الحدود فليكن ذلك خارج المسجد، وفي الباب حديثان ضعيفان في النهي عن إقامة الحدود في المساجد، انتهى.\nوالمشهور فيه حديث مكحول عن أبي الدرداء وواثلة وأبي أمامة\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٣/ ١٥٧).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٦/ ٤١٨).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٥/ ١٤٥).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٣/ ١٥٧).","vol":"6","page":710},{"text":"مرفوعًا: \"جنبوا مساجدكم صبيانكم\" الحديث، وفيه: \"وإقامة حدودكم\" أخرجه البيهقي في \"الخلافيات\"، وأصله في ابن ماجه من حديث واثلة، وليس فيه ذكر الحدود، وسنده ضعيف، انتهى من \"الفتح\".\nوفي \"الفيض\" (^١): قوله: \"كنت فيمن رجمه بالمصلى. . .\" إلخ، كتب بين السطور: أن مصلى الجنائز هو البقيع، قلت: وهو غلط بل البقيع غيره كما عرف، انتهى.\nقلت: وهو كذلك فقد تقدم في \"باب الرجم بالمصلى\" قول القسطلاني (^٢): أي: عند مصلى العيد والجنائز وهي من جهة بقيع الغرقد، انتهى.\n\n(٢٠ -<span data-type='title' id=toc-4180> باب موعظة الإمام للخصوم)</span>\nقال القسطلاني (^٣): ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرة، فينبغي للحاكم أن يعظ الخصمين ويحذرهما من الظلم وطلب الباطل اقتداء به - ﷺ -، انتهى.\n\n(٢١ -<span data-type='title' id=toc-4181> باب الشهادة تكون عند الحاكم في ولايته القضاء)</span>\nوفي \"الفيض\" (^٤): يعني: إذا كانت عند القاضي شهادة في أمر لا يسع [له] أن يقضي بها بنفسه، ولكنه يؤديها بمحضر قاض آخر أو نائبه، ثم يحق بها ذلك القاضي، انتهى.\nقال الحافظ (^٥): أي: هل يقضي له على خصمه بعلمه ذلك أو يشهد له عند حاكم آخر؟ هكذا أورد الترجمة مستفهمًا بغير جزم لقوة الخلاف في المسألة، وإن كان آخر كلامه يقتضي اختيار أن لا يحكم بعلمه فيها، انتهى.\n_________\n(^١) \"فيض الباري\" (٦/ ٤٨٨).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ٢٦٤).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٥/ ١٤٧).\n(^٤) \"فيض الباري\" (٦/ ٤٨٩).\n(^٥) \"فتح الباري\" (١٣/ ١٥٩).","vol":"6","page":711},{"text":"قلت: وقد تقدم مذاهب الأئمة في قضاء القاضي بعلمه قريبًا في \"باب من رأى القاضي أن يحكم بعلمه. . .\" إلخ، وقال الحافظ (^١): اتفقوا على أنه يقضي في قبول الشاهد وردّه بما يعلمه منه من تجريح أو تزكية، ومحصل الآراء في هذه المسألة سبعة، إلى آخر ما ذكرها.\nقوله: (قال عمر: لولا أن يقول الناس: زاد عمر. . .) إلخ، بسط العلامة السندي (^٢) في شرح هذا الكلام وتوجيهه فارجع إليه لو شئت.\nقوله: (ولم يذكر أن النبي - ﷺ - أشهد من حضره) في \"الفيض\" (^٣): وهذه مسألة أخرى، وهي أنه لا يجب على القاضي أن يعيد جميع قصة المتخاصمين بين يدي الشاهدين، انتهى.\n\n(٢٢ -<span data-type='title' id=toc-4182> باب أمر الوالي إذا وجّه أميرين إلى موضع)</span>\nقال ابن بطال (^٤) وغيره: في الحديث الحضّ على الاتفاق لما فيه من ثبات المحبة والألفة والتعاون على الحق، وفيه جواز نصب قاضيين في بلد واحد، فيقعد كل منهما في ناحية، وقال ابن العربي: كان النبي - ﷺ - أشركهما فيما ولاهما، فكان ذلك أصلًا في تولية اثنين قاضيين مشتركين في الولاية، كذا جزم به، قال: وفيه نظر لأن محل ذلك فيما إذا نفذ حكم كل منهما فيه، لكن قال ابن المنيِّر: يحتمل أن يكون ولاهما ليشتركا في الحكم في كل واقعة، ويحتمل أن يستقل كل منهما بما يحكم به، ويحتمل أن يكون لكل منهما عمل يخصه، والله أعلم كيف كان.\nوقال ابن التِّين: جاء في غير هذه الرواية أنه أقرّ كلًا منهما على مخلاف، والمخلاف الكورة، وكان اليمن مخلافين، قال الحافظ: وهو المعتمد، والرواية التي أشار إليها تقدمت في غزوة حنين باللفظ المذكور،\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٣/ ١٦١).\n(^٢) \"صحيح البخاري بحاشية السندي\" (٤/ ٢٣٩).\n(^٣) \"فيض الباري\" (٦/ ٤٨٩).\n(^٤) \"شرح ابن بطال\" (٨/ ٢٤٧).","vol":"6","page":712},{"text":"انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوفي \"منهاج الطالبين\" (^٢) للإمام النووي: ولو نصب قاضيين في بلد وخصّ كلًا بمكانٍ أو زمان أو نوع جاز، وكذا إن لم يخصّ في الأصح إلا أن يشترط اجتماعهما على الحكم، انتهى.\n\n(٢٣ -<span data-type='title' id=toc-4183> باب إجابة الحاكم الدعوة)</span>\nالأصل فيه عموم الخبر وورد الوعيد في الترك، قال العلماء: لا يجيب الحاكم دعوة شخص بعينه دون غيره من الرعية لما في ذلك من كسر قلب من لم يجبه، إلا إن كان له عذر في ترك الإجابة كرؤية المنكر، قال ابن بطال: عن مالك: لا ينبغي للقاضي أن يجيب الدعوة إلا في الوليمة خاصةً، ثم إن شاء أكل وإن شاء ترك، والترك أحبّ إلينا لأنه أنزه، إلا أن يكون لأخٍ في الله أو خالص قرابة أو مودة، وكره مالك لأهل الفضل أن يجيبوا كل من دعاهم، انتهى من \"الفتح\" (^٣)، وقد تقدمت المذاهب في إجابة الدعوة في الوليمة وغيره من \"كتاب النكاح\".\n\n(٢٤ -<span data-type='title' id=toc-4184> باب هدايا العمال)</span>\nقال الحافظ (^٤): هذه الترجمة لفظ حديث أخرجه أحمد وأبو عوانة بسنده عن أبي حميد رفعه: \"هدايا العمال غلول\"، ثم تكلم الحافظ على سند الحديث، وأثبت ضعفه، وقال: يقال: إنه اختصره إسماعيل بن عياش من حديث الباب، انتهى.\nقال العيني (^٥) تحت حديث الباب: وفيه أن ما أهدي إلى العمال وخدمة السلطان بسبب السلطنة أنه لبيت المال، إلا أن الإمام إذا أباح له\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٣/ ١٦٣).\n(^٢) \"منهاج الطالبين\" (ص ١٣٦).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٣/ ١٦٣، ١٦٤).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٣/ ١٦٤).\n(^٥) \"عمدة القاري\" (١٦/ ٤٢٨).","vol":"6","page":713},{"text":"قبول الهدية لنفسه فهو يطيب له، كما قال - ﷺ - لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: \"قد علمت الذي دار عليك في مالك، وإني قد طيبت لك الهدية\"، فقبلها معاذ وأتى بما أهدي إليه رسول الله - ﷺ -، فوجده قد توفي، فأخبر بذلك الصديق - ﵁ - فأجازه، وقال ابن التِّين: هدايا العمال رشوة وليست بهدية، انتهى.\nقلت: وفي \"الدر المختار\" (^١): \"ويرد هديته\" ولو تأذى المهدي بالردّ يعطيه مثل قيمتها، ولو تعذّر الرد لعدم معرفته أو بعد مكانه وضعها في بيت المال، ومن خصوصياته ﵊ أن هداياه له، \"تتارخانيه\"، ومفاده أنه ليس للإمام قبول الهدية وإلا لم تكن خصوصيته، وفيها يجوز للإمام والمفتي والواعظ قبول الهدية لأنه إنما يهدى إلى العالم لعلمه بخلاف القاضي إلا من أربع السلطان والباشا وقريبه المحرم أو ممن جرت عادته بذلك بقدر عادته، انتهى.\n\n(٢٥ -<span data-type='title' id=toc-4185> باب استقضاء الموالي واستعمالهم)</span>\nأي: توليتهم القضاء \"واستعمالهم\" أي: على إمرة البلاد حربًا أو خراجًا أو صلاة، قاله الحافظ (^٢).\nوقال تحت شرح الحديث: ومناسبة الحديث للترجمة من جهة تقديم سالم - وهو مولى - على من ذكر من الأحرار في إمامة الصلاة، ومن كان رضى في أمر الدين فهو رضىً في أمور الدنيا، فيجوز أن يولى القضاء والإمرة على الحرب وعلى جباية الخراج، وأما الإمامة العظمى فمن شروط صحتها أن يكون الإمام قرشيًا، ويدخل في هذا ما أخرجه مسلم من طريق أبي الطفيل: أن نافع بن عبد الحارث لقي عمر بعسفان، وكان عمر استعمله على مكة فقال: من استعملت عليهم؟ فقال: ابن أبزى - يعني:\n_________\n(^١) \"رد المحتار\" (٨/ ٤٨ - ٥١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٣/ ١٦٨).","vol":"6","page":714},{"text":"ابن عبد الرحمن - قال: استعملت عليهم مولى؟! قال: إنه قارئ لكتاب الله، عالم بالفرائض، فقال عمر: إن نبيكم قد قال: \"إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين\"، انتهى.\nوفي \"الفيض\" (^١) تحت الترجمة: يجوز للعبد أن يقضي في بعض الأمور، أما إذا عتق فالأمر ظاهر، انتهى.\n\n(٢٦ -<span data-type='title' id=toc-4186> باب العرفاء للناس)</span>\nجمع عريف بوزن عظيم، وهو القائم بأمر طائفة من الناس، قال ابن بطال (^٢): في الحديث مشروعية إقامة العرفاء؛ لأن الإمام لا يمكنه أن يباشر جميع الأمور بنفسه، فيحتاج إلى إقامة من يعاونه ليكفيه ما يقيمه فيه.\nثم قال الحافظ: وفيه أن الخبر الوارد في ذمّ العرفاء لا يمنع إقامة العرفاء؛ لأنه محمول - إن ثبت - على أن الغالب على العرفاء الاستطالة ومجاوزة الحد وترك الإنصاف المفضي إلى الوقوع في المعصية، والحديث المذكور أخرجه أبو داود من طريق المقدام بن معديكرب رفعه: \"العرافة حق، ولا بدّ للناس من عريف، والعرفاء في النار\"، ولأحمد عن أبي هريرة رفعه: \"ويل للأمراء، ويل للعرفاء\"، انتهى مختصرًا من \"الفتح\" (^٣).\n\n(٢٧ -<span data-type='title' id=toc-4187> باب ما يكره من ثناء السلطان وإذا خرج قال غير ذلك)</span>\nالإضافة فيه للمفعول، أي: من الثناء على السلطان بحضرته بقرينة قوله: \"وإذا خرج - أي: من عنده - قال غير ذلك\"، وقد تقدم معنى هذه الترجمة في أواخر \"كتاب الفتن\"، \"إذا قال عند قوم شيئًا، ثم خرج فقال بخلافه\"، وهذه أخصّ من تلك، ثم ذكر الحافظ تحت حديث: \"إن شر\n_________\n(^١) \"فيض الباري\" (٦/ ٤٩٠).\n(^٢) \"شرح ابن بطال\" (٨/ ٢٤٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٣/ ١٦٩).","vol":"6","page":715},{"text":"الناس ذو الوجهين\": وتعرض ابن بطال (^١) هنا لذكر ما يعارض ظاهره من قوله - ﷺ - للذي استأذن عليه: \"بئس أخو العشيرة\" الحديث، وتكلم على الجمع بينهما، وحاصله أنه حيث ذمّه كان لقصد التعريف بحاله، وحيث تلقاه بالبشر كان لتأليفه أو لاتقاء شره، انتهى (^٢).\n\n(٢٨ -<span data-type='title' id=toc-4188> باب القضاء على الغائب)</span>\nقال الحافظ (^٣): أي: في حقوق الآدميين دون حقوق الله بالاتفاق، حتى لو قامت البينة على غائب بسرقة مثلًا، حكم بالمال دون القطع، قال ابن بطال (^٤): أجاز مالك والليث والشافعي وجماعة الحكم على الغائب، وقال ابن أبي ليلى وأبو حنيفة: لا يقضى على الغائب مطلقًا، وقال ابن قدامة: أجازه الأوزاعي وإسحاق وهو أحد الروايتين عن أحمد، والثانية المنع، ثم ذكر المصنف حديث عائشة في قصة هند.\nقال القسطلاني (^٥): وقد استدل جمع من العلماء من أصحاب الشافعي وغيرهم بهذا الحديث على القضاء على الغائب.\nقال النووي: ولا يصحّ هذا الاستدلال لأن هذه القصة كانت بمكة وأبو سفيان حاضر، وشرط القضاء على الغائب أن يكون غائبًا عن البلد أو مستترًا لا يقدر عليه، ولم يكن هذا الشرط في أبي سفيان موجودًا، فلا يكون قضاء على الغائب، بل هو إفتاء، إلى آخر ما ذكر من توجيه استدلال المصنف في ذلك، فليرجع إليه لو شئت.\nوفي مسألة القضاء على الغائب عند الحنفية تفصيل أشار إلى بعضه صاحب \"الفيض\" (^٦) أيضًا، فليراجع إلى كتب الفقه.\n_________\n(^١) \"شرح ابن بطال\" (٨/ ٢٥٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٣/ ١٧٠، ١٧١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٣/ ١٧١).\n(^٤) \"شرح ابن بطال\" (٨/ ٢٥١).\n(^٥) \"إرشاد الساري\" (١٥/ ١٦١).\n(^٦) \"فيض الباري\" (٦/ ٤٩١).","vol":"6","page":716},{"text":"(٢٩ -<span data-type='title' id=toc-4189> باب من قضى له بحق أخيه)</span>\nقال الحافظ (^١): أي: خصمه فهي أخوة بالمعنى الأعم وهو الجنس؛ لأن المسلم والذمي والمعاهد والمرتد في هذا الحكم سواء، انتهى.\nقلت: وفي حديث الباب مسألة خلافية شهيرة وهي نفاذ قضاء القاضي ظاهرًا وباطنًا.\nقال الحافظ (^٢): والحديث حجة لمن أثبت أنه قد يحكم بالشيء في الظاهر، ويكون الأمر في الباطن بخلافه، ولا مانع من ذلك إذ لا يلزم منه محال عقلًا ولا نقلًا إلى آخر ما ذكر.\nوفي هامش \"اللامع\" (^٣): قال الزرقاني تحت قوله - ﷺ -: \"إنما أقطع له قطعةً من النار\": فيه دلالة قوية لمذهب الأئمة الثلاثة، والجمهور أن الحكم فيما باطن الأمر فيه بخلاف الظاهر لا يحل الحرام ولا عكسه، فإذا شهد شاهدا زور لإنسان بمال فحكم به القاضي لظاهر العدالة لم يحل له ذلك المال، وقال أبو حنيفة بحل الحرام في العقود كنكاح وطلاق وبيع وشراء، فإذا ادعت امرأة على رجل أنه تزوجها وأقامت شاهدي زور حل له وطؤها، انتهى.\nوفي \"المحلى\": احتج له بعضهم بما جاء عن علي - ﵁ -: أن رجلًا خطب امرأة فأبت فادعى أنه تزوجها وأقام شاهدين فقالت المرأة: إنهما شهدا بالزور فزوجني أنت منه، فقال: شاهداك زوجاك، وأمضى عليهم النكاح، وتعقب بأنه لم يثبت، انتهى.\nقلت: وحديث الباب ليس بواردٍ على الحنفية فإنه وارد في الأموال دون العقود والفسوخ، والحنفية قالوا: بنفاذه ظاهرًا وباطنًا في الإنشاءات والعقود، لا في الأملاك المرسلة، انتهى من هامش \"اللامع\" بزيادة.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٣/ ١٧٢، ١٧٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٣/ ١٧٤).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٢٣٠).","vol":"6","page":717},{"text":"وبسط الحافظ الكلام على هذه المسألة ههنا وعلى دلائل الفريقين.\nثم ذكر المصنف في هذا الباب حديثين، فمطابقة الأول منهما بالترجمة ظاهرة، وأما مطابقة الحديث الثاني.\nفقال العيني (^١): وجه إيراد هذا الحديث أن الحكم بحسب الظاهر، ولو كان في نفس الأمر خلاف ذلك، فإنه - ﷺ - حكم في ابن وليدة زمعة بحسب الظاهر، وإن كان في نفس الأمر ليس من زمعة، ولا يسمى ذلك خطأ في الاجتهاد، فيدخل هذا في معنى الترجمة، وهكذا يوجد في كلام الحافظ (^٢) وتبعه القسطلاني (^٣) أيضًا.\nوأما الشيخ قُدِّس سرُّه (^٤) فإنه وإن ذكر مطابقة الحديث بالترجمة على هذه الوتيرة (^٥) لكن بعكس ما قال الشراح حيث قال: ودلالة الرواية الثانية على الترجمة باعتبار أن النبي - ﷺ - لو قضى بالولد لأخي عتبة بحسب ما يظهر له من حجة - وهي مشابهته به - هي خلاف الواقع، لم يثبت نسب ولده منه بحسب نفس الأمر، ولم يكن ابنه في الواقع، فإن الولد للفراش لا غير، انتهى.\nفللّه در الشيخ قُدِّس سرُّه، فإنه جعل حكمه - ﷺ - بإلحاق الولد لزمعة موافقًا لما في نفس الأمر، ومطابقًا للواقع بخلاف الشرَّاح فإنهم جعلوا هذا الحكم موافقًا للظاهر دون الواقع، ففي صنيع الشيخ قُدِّس سرُّه من حسن التأدب ما ليس في صنيعهم.\n\n(٣٠ -<span data-type='title' id=toc-4190> باب الحكم في البئر ونحوها)</span>\nقال ابن المنيِّر: وجه دخول هذه الترجمة في القصة مع أنه لا فرق بين البئر والدار والعبد حتى ترجم على البئر وحدها، أنه أراد الردّ على من زعم\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٦/ ٤٣٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٣/ ١٧٥).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٥/ ١٦٤).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٢٦٠).\n(^٥) وقع في الأصل: \"الوطيرة\" بالطاء وهو خطأ.","vol":"6","page":718},{"text":"أن الماء لا يملك، فحقق بالترجمة أنه يملك لوقوع الحكم بين المتخاصمين فيها، انتهى.\nوفيه نظر من وجهين: أحدهما: أنه لم يقتصر في الترجمة على البئر بل قال: \"ونحوها\"، والثاني: لو اقتصر لم يكن فيه حجة على من منع بيع الماء؛ لأنه يجوز بيع البئر ولا يدخل الماء، وليس في الخبر تصريح بالماء فكيف يصحّ الردّ، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nولم يتعرض القسطلاني لغرض الترجمة، وأما العلامة العيني (^٢) فاقتصر على حكاية ما ذكره الحافظ.\n\n(٣١ -<span data-type='title' id=toc-4191> باب القضاء في قليل المال وكثيره سواء. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٣): قال ابن المنيِّر: كأنه خشي غائلة التخصيص في الترجمة التي قبل هذه، فترجم بأن القضاء عام في كل شيء قلّ أو جلّ، ثم ذكر فيه حديث أم سلمة المذكور قبل بباب لقوله فيه: \"فمن قضيت له بحق مسلم\" فهو يتناول القليل والكثير، وكأنه أشار بهذه الترجمة إلى الرد على من قال: إن للقاضي أن يستنيب بعض من يريد في بعض الأمور دون بعض، بحسب قوة معرفته ونفاذ كلمته في ذلك، وهو منقول عن بعض المالكية، أو على من قال: لا يجب اليمين إلا في قدر معين من المال، ولا تجب في الشيء التافه، أو على من كان من القضاة لا يتعاطى الحكم في الشيء التافه، بل إذا رفع إليه ردّه إلى نائبه مثلًا قاله ابن المنيِّر، قال: وهو نوع من الكبر، والأول أليق بمراد البخاري، انتهى.\n\n(٣٢ -<span data-type='title' id=toc-4192> باب بيع الإمام على الناس أموالهم. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٤): قال ابن المنيِّر: أضاف البيع إلى الإمام ليشير إلى أن\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٣/ ١٧٨).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٦/ ٤٣٦).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٣/ ١٧٨، ١٧٩).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٣/ ١٧٩).","vol":"6","page":719},{"text":"ذلك يقع في مال السفيه، أو في وفاء دين الغائب، أو من يمتنع أو غير ذلك، ليتحقق أن للإمام التصرف في عقود الأموال في الجملة، قال: وذكر في الترجمة الضياع، ولم يذكر إلا بيع العبد، فكأنه أشار إلى قياس العقار على الحيوان، قال المهلب: إنما يبيع الإمام على الناس أموالهم إذا رأى منهم سفهًا في أموالهم، وأما من ليس بسفيه فلا يباع عليه شيء من ماله إلا في حق يكون عليه، يعني: إذا امتنع من أداء الحق، وهو كما قال، لكن قصة بيع المدبر ترد على هذا الحصر، انتهى مختصرًا.\n\n(٣٣ -<span data-type='title' id=toc-4193> باب من لم يكترث لطعن من لا يعلم في الأمراء)</span>\nكذا في النسخة \"الهندية\"، زاد في نسخ الشروح بعده لفظ: \"حديثًا\"، قال القسطلاني (^١): أي: حديثًا يعبأ به، فلو طعن بعلم اعتد به، وإن كان بأمر محتمل رجع إلى رأي الإمام، وسقط قوله: \"حديثًا\" لأبوي الوقت وذر والأصيلي.\nقال الحافظ (^٢): قوله: \"لم يكترث\" أي: لم يلتفت وزنه ومعناه، وهو افتعال من الكرث، وهو المشقة، ويستعمل نفيه في موضع عدم المبالاة، قال المهلب: معنى هذه الترجمة أن الطاعن إذا لم يعلم حال المطعون عليه فرماه بما ليس فيه لا يعبأ بذلك الطعن، ولا يعمل به، وأشار بقيد \"من لم يعلم\" إلى أن من طعن بعلم يعمل به، فلو طعن بأمر محتمل كان كذلك راجعًا إلى رأي الإمام، وعلى هذا يتنزل فعل عمر مع سعد حتى عزله مع براءته مما رماه به أهل الكوفة، إلى آخر ما في \"الفتح\"، وفيه (^٣): قال ابن المنيِّر (^٤): قطع النبي - ﷺ - بسلامة العاقبة في إمرة أسامة، فلم يلتفت لطعن من طعن، وأما عمر فسلك سبيل الاحتياط لعدم قطعه بمثل ذلك، انتهى.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٥/ ١٧٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٣/ ١٧٩، ١٨٠).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٣/ ١٨٠).\n(^٤) \"المتواري\" (ص ٣٣٣).","vol":"6","page":720},{"text":"(٣٤ -<span data-type='title' id=toc-4194> باب الألدّ الخصم)</span>\nبفتح المعجمة وكسر الصاد المهملة، وقد تقدم بيان المراد به في \"كتاب المظالم\"، وفي تفسير سورة البقرة، وقوله: \"وهو الدائم في الخصومة\" من تفسير المصنف، ويحتمل أن يكون المراد الشديد الخصومة، فإن الخصم من صيغ المبالغة، فيحتمل الشدة ويحتمل الكثرة، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(٣٥ -<span data-type='title' id=toc-4195> باب إذا قضى الحاكم بجور أو خلاف أهل العلم فهو رد)</span>\nقال الحافظ (^٢): قال ابن بطال: الإثم وإن كان ساقطًا عن المجتهد في الحكم إذا تبين أنه بخلاف جماعة أهل العلم، لكن الضمان لازم للمخطئ عند الأكثر مع الاختلاف، هل يلزم ذلك عاقلة الحاكم أو بيت المال، انتهى.\nوقال القسطلاني (^٣) تحت حديث الباب: وإنما لم يعاقبه؛ لأنه كان مجتهدًا، واتفقوا على أن القاضي إذا قضى بجور أو بخلاف ما عليه أهل العلم فحكمه مردود، فإن كان على وجه الاجتهاد وأخطأ كما صنع خالد فالإثم ساقط والضمان لازم، فإن كان الحكم في قتل فالدية في بيت المال عند أبي حنيفة وأحمد، وعلى عاقلته عند الشافعي وأبي يوسف ومحمد، انتهى.\nوسيأتي في \"كتاب الاعتصام\" \"باب إذا اجتهد العامل أو الحاكم فأخطأ. . .\" إلخ، وسيأتي الفرق بين الترجمتين هناك.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٣/ ١٨٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٣/ ١٨٢).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٥/ ١٧٣).","vol":"6","page":721},{"text":"(٣٦ -<span data-type='title' id=toc-4196> باب الإمام يأتي قومًا فيصلح بينهم)</span>\nقال ابن المنيِّر: فقه الترجمة التنبيه على جواز مباشرة الحاكم الصلح بين الخصوم، ولا يعد ذلك تصحيفًا في الحكم، وعلى جواز ذهاب الحاكم إلى موضع الخصوم للفصل بينهم، إما عند عظم الخطب وإما ليكشف ما لا يحاط به إلا بالمعاينة، ولا يعدّ ذلك تخصيصًا ولا تمييزًا ولا وهنًا، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(٣٧ -<span data-type='title' id=toc-4197> باب ما يستحب للكاتب أن يكون أمينًا عاقلًا)</span>\nأي: كاتب الحكم وغيره، ذكر فيه حديث زيد بن ثابت في قصته مع أبي بكر وعمر في جمع القرآن، والغرض منه قول أبي بكر لزيد: إنك رجل شاب عاقل لا نتّهمك، حكى ابن بطال عن المهلب في هذا الحديث: أن العقل أصل الخلال المحمودة؛ لأنه لم يصف زيدًا بأكثر من العقل، وجعله سببًا لائتمانه ورفع التهمة عنه، قلت: وليس كما قال، فإن أبا بكر ذكر عقب الوصف المذكور: وقد كنت تكتب الوحي، إلى آخر ما ذكر الحافظ، وفي آخره: وإلا فمجرد قوله: \"لا نتّهمك\" مع قوله: \"عاقل\" لا يكفي في ثبوت الكفاية والأمانة، فكم من بارع في العقل والمعرفة وجدت منه الخيانة، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\n\n(٣٨ -<span data-type='title' id=toc-4198> باب كتاب الحاكم إلى عماله والقاضي إلى أمنائه)</span>\nقوله: (عماله) بضم العين وتشديد الميم جمع عامل، وهو الوالي على بلد مثلًا لجمع خراجها أو زكاتها أو الصلاة بأهلها أو التأمير على جهاد عدوّها.\nقوله: (القاضي إلى أمنائه) أي: الذين يقيمهم في ضبط أمور الناس، ذكر فيه حديث سهل بن أبي حثمة، والغرض منه قوله فيه: فكتب رسول الله - ﷺ - إليهم - أي: إلى أهل خيبر - به، أي: بالخبر الذي نقل إليه.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٣/ ١٨٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٣/ ١٨٣، ١٨٤).","vol":"6","page":722},{"text":"قال ابن المنيِّر: ليس في الحديث أنه - ﷺ - كتب إلى نائبه، ولا إلى أمينه، وإنما كتب إلى الخصوم أنفسهم، لكن يؤخذ من مشروعية مكاتبة الخصوم والبناء على ذلك جواز مكاتبة النواب والكتاب في حق غيرهم بطريق الأولى، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(٣٩ -<span data-type='title' id=toc-4199> باب هل يجوز للحاكم أن يبعث رجلًا وحده للنظر في الأمور</span>؟)\nقال الحافظ (^٢): والغرض من الحديث قوله ﵊: \"واغد يا أنيس على امرأة هذا\"، والحكمة في إيراده الترجمة بصيغة الاستفهام الإشارة إلى خلاف محمد بن الحسن، فإنه قال: لا يجوز للقاضي أن يقول: أقرّ عندي فلان بكذا الشيء يقضي به عليه من قتل أو مالٍ أو عتق أو طلاقٍ، حتى يشهد معه على ذلك غيره، وادّعى أن مثل هذا الحكم الذي في حديث الباب خاصّ بالنبي - ﷺ -، قال: وينبغي أن يكون في مجلس القاضي أبدًا عدلان يسمعان من يقر، ويشهدان على ذلك وينفذ الحكم بشهادتهما، انتهى.\nوهكذا في \"العيني\" (^٣) وزاد: قال أبو حنيفة وأبو يوسف: إذا أقرّ رجل عند القاضي بأي شيء كان وسعه أن يحكم به، وقال ابن القاسم على مذهب مالك: إن كان القاضي عدلًا وحكم به ينفذ، وبه قال الشافعي، انتهى.\n\n(٤٠ -<span data-type='title' id=toc-4200> باب ترجمة الحكام. . .) إلخ</span>\nقال العلامة العيني (^٤): الترجمة تفسير الكلام بلسان غير لسانه، قوله: \"وهل يجوز ترجمان واحد. . .\" إلخ، إنما ذكره بلفظ الاستفهام لأجل الخلاف، فعند أبي حنيفة وأحمد يكتفي بواحد، واختاره البخاري\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٣/ ١٨٤، ١٨٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٣/ ١٨٥).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٦/ ٤٤٥).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٦/ ٤٤٦).","vol":"6","page":723},{"text":"وابن المنذر وآخرون، وقال الشافعي وأحمد في الأصح: إذا لم يعرف الحاكم لسان الخصم لا يقبل فيه إلا عدلان كالشهادة، وعن مالك: يكفي ترجمة ثقة مسلم مأمون، واثنان أحبّ إليّ، والمرأة تجزئ، ولا يقبل ترجمة كافر، ولا يترجم من لا يجوز شهادته، انتهى مختصرًا.\nقوله: (وقال بعض الناس. . .) إلخ، قيل: أراد به الشافعي، وقيل: أراد به بعض الحنفية؛ لأن محمد بن الحسن قال بأنه لا بدّ من اثنين.\nأما مطابقة الحديث بالترجمة فبسط الحافظ الكلام عليه إذ قال (^١): قال ابن بطال (^٢): لم يدخل البخاري حديث هرقل حجةً على جواز الترجمان المشترك (^٣)؛ لأن ترجمان هرقل كان على دين قومه، وإنما أدخله ليدلّ على أن الترجمان كان يجري عند الأمم مجرى الخبر لا مجرى الشهادة.\nوقال ابن المنيِّر (^٤): وجه الدليل من قصة هرقل من أن فعله لا يحتج به أن مثل هذا صواب من رأيه؛ لأن كثيرًا مما أورده في هذه القصة صواب موافق للحق، فموضع الدليل تصويب جملة الشريعة لهذا وأمثاله من رأيه وحسن تفطنه ومناسبة استدلاله وإن كان غلبت عليه الشقاوة، انتهى.\nوتكملة هذا أن يقال: يؤخذ من صحة استدلاله فيما يتعلق بالنبوة والرسالة أنه كان مطلعًا على شرائع الأنبياء، فتحمل تصرفاته على وفق الشريعة التي كان متمسكًا بها، إلى آخر ما في \"الفتح\".\n\n(٤١ -<span data-type='title' id=toc-4201> باب محاسبة الإمام عماله)</span>\nقال الحافظ (^٥): ذكر فيه حديث أبي حميد في قصة ابن اللتبية، وقد تقدم في \"باب هدايا العمال\"، والمقصود هنا قوله: \"فلما جاء إلى النبي - ﷺ - وحاسبه\" أي على ما قبض وصرف، انتهى مختصرًا.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٣/ ١٨٧).\n(^٢) \"شرح ابن بطال\" (٨/ ٢٧٠).\n(^٣) \"كذا في الأصل\"، (ز).\n(^٤) \"المتواري\" (ص ٣٣٤).\n(^٥) \"فتح الباري\" (١٣/ ١٨٩).","vol":"6","page":724},{"text":"(٤٢ -<span data-type='title' id=toc-4202> باب بطانة الإمام وأهل مشورته. . .) إلخ</span>\nبضم المعجمة وسكون الواو وفتح الراء: من يستشيره في أموره، وعطف \"أهل مشورته\" على البطانة من عطف الخاص على العام، وقد ذكرت حكم المشورة في \"باب متى يستوجب الرجل القضاء\"، وأخرج أبو داود في \"المراسيل\": أن رجلًا قال: يا رسول الله ما الحزم؟ قال: \"أن تشاور ذا لبّ ثم تطيعه\"، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nولعل الحافظ أشار بذلك إلى ما ذكره في الباب المذكور من بعض الآثار الواردة في استحباب الاستشارة، وتقدم بعض ذلك هنا.\n\n(٤٣ -<span data-type='title' id=toc-4203> باب كيف يبايع الإمام الناس)</span>\nبرفع الإمام ونصب الناس، وفي نسخة بالعكس، كذا في هامش النسخة المصرية (^٢).\nقال الحافظ (^٣): المراد بالكيفية الصيغ القولية لا الفعلية، بدليل ما ذكره فيه من الأحاديث الستة، وهي البيعة على السمع والطاعة وعلى الهجرة وعلى الجهاد وعلى الصبر وعلى عدم الفرار ولو وقع الموت، وعلى بيعة النساء وعلى الإسلام، وكل ذلك وقع عند البيعة بينهم فيه بالقول، انتهى.\n\n(٤٤ -<span data-type='title' id=toc-4204> باب من بايع مرتين)</span>\nأي: في حالة واحدة.\n\n(٤٥ -<span data-type='title' id=toc-4205> باب بيعة الأعراب)</span>\nأي: مبايعتهم على الإسلام والجهاد، قال ابن التِّين: إنما امتنع النبي - ﷺ - من إقالته بأنه لا يعين على معصية؛ لأن البيعة في أول الأمر كانت\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٣/ ١٩٠).\n(^٢) \"تحفة الباري\" (٦/ ٤٧٤).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٣/ ١٩٤).","vol":"6","page":725},{"text":"على أن لا يخرج من المدينة إلا بإذن فخروجه عصيان، وكانت الهجرة إلى المدينة فرضًا قبل فتح مكة على كل من أسلم، ومن لم يهاجر لم يكن بينه وبين المؤمنين موالاة، إلى آخر ما ذكره الحافظ (^١).\n\n(٤٦ -<span data-type='title' id=toc-4206> باب بيعة الصغير)</span>\nأي: هل تشرع أو لا؟ قال ابن المنيِّر (^٢): الترجمة موهمة، والحديث يزيل إيهامها فهو دال على عدم انعقاد بيعة الصغير، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\nقال العيني (^٤): ولم يذكر الحكم فيه على عادته غالبًا، إما اكتفاءً بما بيّن في حديث الباب، وإما لمحل الخلاف فيه، فقال جماعة من العلماء: البيعة لا تلزم إلا من تلزمه عقود الإسلام كلها من البالغين، وقال بعض العلماء: إنها تلزم الأصاغر بمبايعة آبائهم، انتهى.\n\n(٤٧ -<span data-type='title' id=toc-4207> باب من بايع ثم استقال البيعة)</span>\nذكر فيه حديث جابر في قصة الأعرابي، وقد تقدم شرحه قبل بباب، قاله الحافظ (^٥).\nقال العيني (^٦): ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرة.\n\n(٤٨ -<span data-type='title' id=toc-4208> باب من بايع رجلًا لا يبايعه إلا للدنيا)</span>\nأي: ولا يقصد طاعة الله في مبايعة من يستحق الإمامة، قاله الحافظ (^٧).\nوقال تحت شرح الحديث: والأصل في مبايعة الإمام أن يبايعه على\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٣/ ٢٠٠).\n(^٢) \"المتواري\" (ص ٣٣٥).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٣/ ٢٠١).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٦/ ٤٥٧).\n(^٥) \"فتح الباري\" (١٣/ ٢٠١).\n(^٦) \"عمدة القاري\" (١٦/ ٤٥٨).\n(^٧) \"فتح الباري\" (١٣/ ٢٠١ - ٢٠٣).","vol":"6","page":726},{"text":"أن يعمل بالحق ويقيم الحدود ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فمن جعل مبايعته لمال يعطاه دون ملاحظة المقصود في الأصل فقد خسر خسرانًا مبينًا، ودخل في الوعيد المذكور، وحاق به إن لم يتجاوز الله عنه، وفيه أن كل عمل لا يقصد به وجه الله وأريد به عرض الدنيا فهو فاسد وصاحبه آثم، والله الموفق، انتهى.\n\n(٤٩ -<span data-type='title' id=toc-4209> باب بيعة النساء)</span>\nذكر المصنف فيه أربعة أحاديث، ومطابقة تلك الأحاديث ما سوى الحديث الثاني ظاهر.\nوأما الحديث الثاني فقال الحافظ (^١): قال ابن المنيِّر (^٢): أدخل حديث عبادة في ترجمة بيعة النساء؛ لأنها وردت في القرآن في حق النساء، فعرفت بهن، ثم استعملت في الرجال، قال الحافظ: وقد وقع في بعض طرق هذا الحديث عن عبادة قال: أخذ علينا رسول الله - ﷺ - كما أخذ على النساء، الحديث.\n\n(٥٠ -<span data-type='title' id=toc-4210> باب من نكث بيعة)</span>\nقال الحافظ (^٣): في رواية الكشميهني \"بيعته\" بزيادة الضمير، وذكر فيه حديث جابر في قصة الأعرابي، وورد في الوعيد على نكث البيعة حديث ابن عمر: \"لا أعلم غدرًا أعظم من أن يبايع رجل على بيع الله ورسوله، ثم ينصب له القتال\"، وقد تقدم في أواخر \"كتاب الفتن\" وجاء نحوه عنه مرفوعًا بلفظ: \"من أعطى بيعةً ثم نكثها لقي الله وليست معه يمينه\" أخرجه الطبراني بسند جيد، وفيه حديث أبي هريرة رفعه: \"الصلاة كفارة إلا من ثلاث: الشرك بالله ونكث الصفقة\" الحديث، وفيه تفسير نكث الصفقة: أن تعطي رجلًا بيعتك ثم تقاتله، أخرجه أحمد، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٣/ ٢٠٤).\n(^٢) \"المتواري\" (ص ٣٣٦).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٣/ ٢٠٥).","vol":"6","page":727},{"text":"(٥١ -<span data-type='title' id=toc-4211><span data-type='title' id=toc-4212> باب </span>الاستخلاف)</span>\nأي: تعيين الخليفة عند موته خليفة بعده، أو يعين جماعة ليتخيروا منهم واحدًا.\nقال النووي وغيره: أجمعوا على انعقاد الخلافة بالاستخلاف، وعلى انعقادها بعقد أهل الحل والعقد لإنسان حيث لا يكون هناك استخلاف غيره، وعلى جواز جعل الخليفة الأمر شورى بين عدد محصور أو غيره، وأجمعوا على أنه يجب نصب خليفة، وعلى أن وجوبه بالشرع لا بالعقل، وخالف بعضهم كالأصم وبعض الخوارج فقالوا: لا يجب نصب الخليفة، وخالف بعض المعتزلة فقالوا: يجب بالعقل لا بالشرع، وهما باطلان، إلى آخر ما ذكره الحافظ (^١).\n\n(٥٢ - باب)\nبغير ترجمة، كذا للجميع بغير ترجمة، وسقط لفظ \"باب\" في بعض النسخ، وهو كالفصل من الذي قبله، وتعلقه به ظاهر، انتهى من \"الفتح\" (^٢) مختصرًا.\nقوله: (يكون اثنا عشر أميرًا. . .) إلخ، بسط الكلام على شرح هذا الحديث مع ما له وما عليه في هامش \"اللامع\" (^٣) أشدّ البسط من كلام الشيخ الكَنكَوهي، ومن كلام الحافظ وغيره من الشرَّاح، فذكر اثني عشر قولًا في شرح هذا الحديث، فارجع إليه لو شئت.\n\n(٥٣ -<span data-type='title' id=toc-4213> باب إخراج الخصوم وأهل الريب من البيوت. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٤): تقدمت هذه الترجمة والأثر المعلق فيها والحديث في \"كتاب الإشخاص\"، وقال فيه: \"المعاصي\" بدل \"أهل الريب\"، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٣/ ٢٠٦ - ٢٠٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٣/ ٢١١).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٢٦٠ - ٢٦٧).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٣/ ٢١٥).","vol":"6","page":728},{"text":"وقال العيني (^١): قوله: \"بعد المعرفة\" أي: بعد شهرتهم بذلك، يعني: لا يتجسس عليهم، وذلك الإخراج لأجل تأذي الجيران، ولأجل مجاهرتهم بالمعاصي، قال المهلب: إخراج أهل الريب والمعاصي من دورهم بعد المعرفة بهم واجب على الإمام، وإذا لم يعرفوا بأعيانهم فلا يلزم البحث عن أمرهم؛ لأنه من التجسس الذي نهى الله عنه، وقيل: ليس هذا الإخراج بواجب، فمن ثبت عليه ما يوجب الحد أقيم عليه، انتهى مختصرًا.\n\n(٥٤ -<span data-type='title' id=toc-4214> باب هل للإمام أن يمنع المجرمين. . .) إلخ</span>\nأي: هل يجوز للإمام أن يمنع المجرمين من الإجرام، وفي رواية أبي أحمد الجرجاني: \"المجنونين\"، والأول أولى؛ لأن المجنون لا يتحقق عصيانه.\nقوله: (وأهل المعصية) من عطف العام على الخاص، قاله العينى (^٢).\nقلت: كذا في نسخة \"العيني\" التي بأيدينا، وفي نسخة \"الفتح\" (^٣): أن في رواية أبي أحمد الجرجاني: \"المحبوس\" بدل \"المجرمين\"، قال الحافظ: وهو أوجه؛ لأن المحبوس قد لا يتحقق عصيانه، انتهى.\nثم البراعة عندي في حديث كعب في التخلف، فإنه كاف لبكاء الرجل من أحوال الآخرة (^٤).\n* * *\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٦/ ٤٦٧).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٦/ ٤٦٨).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٣/ ٢١٧).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (١/ ١٢٠).","vol":"6","page":729},{"text":"٩٤ -<span data-type='title' id=toc-4215> كتاب التمني</span>\n(١ -<span data-type='title' id=toc-4216> باب ما جاء في التمني ومن تمنى الشهادة)</span>\nكذا في النسخ الهندية، وهكذا في نسخة \"الفتح\"، وفي نسخة \"العيني\" \"كتاب التمني، باب من تمنى الشهادة\".\nقال الحافظ (^١) في ذكر اختلاف النسخ: ولأبي نعيم عن الجرجاني: \"كتاب التمني والأماني\"، واقتصر الإسماعيلي على \"باب ما جاء في تمني الشهادة\"، والتمني تفعل من الأمنية والجمع أماني، والتمني إرادة تتعلق بالمستقبل، فإن كانت في خير من غير أن تتعلق بحسد فهي مطلوبة، والا فهي مذمومة، وقد قيل: إن بين التمني والترجي عمومًا وخصوصًا، فالترجي في الممكن، والتمني في أعم من ذلك، انتهى.\nوتقدم توجيه تمني الشهادة مع ما يشكل على ذلك في \"باب تمني الشهادة\" من \"كتاب الجهاد\".\nوقال العلامة العيني (^٢): مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة من لفظ \"وددت\" إذ التمني أعمّ من أن يكون بحرف ليت وغيرها، انتهى.\nقلت: وإنما ترجم الإمام البخاري بكتاب مستقل؛ لأنه قد ورد في القرآن العظيم والأحاديث النبوية الآيات والروايات المختلفة في التمني من الإباحة والندب والنهي، فذكر البخاري \"كتاب التمني\"، وأورد فيه الأبواب المختلفة في ذلك؛ ليرى الناظر مواقع النهي وغيره، وقد نقل عن الإمام الشافعي أنه قال: لولا أنا نأثم بالتمني لتمنينا أن يكون كذا، وظاهر أنه ليس على عمومه كما لا يخفى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٣/ ٢١٧).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٦/ ٤٦٩).","vol":"6","page":730},{"text":"(٢ -<span data-type='title' id=toc-4217> باب تمني الخير)</span>\nقال الحافظ (^١): أشار بذلك إلى أن التمني المطلوب لا ينحصر في طلب الشهادة، انتهى. وهكذا في \"العيني\" (^٢).\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-4218> باب قول النبي - ﷺ -: \"لو استقبلت من أمري ما استدبرت</span>\")\nالترجمة جزء الحديث، والحديث مضى في الحج.\n\n(٤ -<span data-type='title' id=toc-4219> باب قوله - ﷺ -: \"اليت كذا وكذا</span>\")\nغرض الترجمة ظاهر من أنه ثابت عنه - ﷺ -.\n\n(٥ -<span data-type='title' id=toc-4220> باب تمني القرآن والعلم)</span>\nذكر فيه حديث أبي هريرة، وهو ظاهر في تمني القرآن، وأضاف العلم إليه بطريق الإلحاق به في الحكم، قاله الحافظ (^٣).\nوفي هامش النسخة المصرية (^٤): أي: قراءة القرآن وتحصيل العلم، انتهى.\n\n(٦ -<span data-type='title' id=toc-4221> باب ما يكره من التمني. . .) إلخ</span>\nقال ابن عطية: يجوز تمني ما لا يتعلق بالغير، أي: مما يباح، وعلى هذا فالنهي عن التمني مخصوص بما يكون داعية إلى الحسد والتباغض، وعلى هذا يحمل قول الشافعي: لولا أنا نأثم بالتمني لتمنينا أن يكون كذا، ولم يرد أن كل التمني يحصل به الإثم، انتهى من \"الفتح\" (^٥).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٣/ ٢١٨).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٦/ ٤٧٠).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٣/ ٢٢٠).\n(^٤) \"تحفة الباري\" (٦/ ٤٨٣).\n(^٥) \"فتح الباري\" (١٣/ ٢٢٠).","vol":"6","page":731},{"text":"وفيه (^١) أيضًا قال النووي: في الحديث التصريح بكراهة تمني الموت لضر نزل به من فاقة أو محنة بعدو أو نحوه من مشاق الدنيا، فأما إذا خاف ضررًا أو فتنةً في دينه فلا كراهة فيه لمفهوم هذا الحديث، وقد فعله خلائق من السلف بذلك، وفيه: أن من خالف فلم يصبر على الضر وتمنى الموت لضر نزل به فليقل الدعاء المذكور: \"اللَّهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي\" الحديث.\nقال الحافظ: ظاهر الحديث المنع مطلقًا، والاقتصار على الدعاء مطلقًا، لكن الذي قاله الشيخ لا بأس به لمن وقع منه التمني ليكون عونًا له على ترك التمني، انتهى.\nوأورد الحافظ (^٢) ههنا على المطابقة حيث قال: ذكر فيه ثلاثة أحاديث كلها في الزجر عن تمني الموت، وفي مناسبة هذه الآية غموض، إلا إن كان أراد أن المكروه من التمني هو جنس ما دلت عليه الآية وما دل عليه الحديث إلى آخر ما ذكر.\nقلت: والإيراد المذكور وارد لو جعلت الآية جزءًا للترجمة، وحاصل ما أجاب به الحافظ بجعل الآية مثبتةً للترجمة لا جزءًا منها، فالترجمة ما يكره من التمني، ثم بعد ذلك أشار الإمام البخاري إلى بعض أنواعه بالآية الكريمة وإلى بعض أنواعه بالروايات.\n\n(٧ -<span data-type='title' id=toc-4222> باب قول الرجل: لولا الله ما اهتدينا)</span>\nهكذا في النسخة \"الهندية\"، وكذا في نسخة \"الفتح\" و\"العيني\"، وقالا (^٣): هكذا في رواية الأكثرين، وفي رواية المستملي والسرخسي: \"باب قول النبي - ﷺ -\"، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٣/ ٢٢٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٣/ ٢٢٠).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٣/ ٢٢٢)، و\"عمدة القاري\" (١٦/ ٤٧٥).","vol":"6","page":732},{"text":"(٨ -<span data-type='title' id=toc-4223> باب كراهية تمني لقاء العدو)</span>\nقال الحافظ (^١): تقدم في أواخر الجهاد \"باب لا تتمنوا لقاء العدو\" وتقدم هناك توجيهه مع جواز تمني الشهادة، وطريق الجمع بينهما؛ لأن ظاهرهما التعارض؛ لأن تمني الشهادة محبوب، فكيف ينهى عن تمني لقاء العدو، وهو يفضي إلى المحبوب؟\nوحاصل الجواب: أن حصول الشهادة أخصّ من اللقاء لإمكان تحصيل الشهادة مع نصرة الإسلام ودوام عزه بكسرة الكفار، واللقاء قد يفضي إلى عكس ذلك، فنهى عن تمنيه، ولا ينافي ذلك تمني الشهادة، أو لعل الكراهية مختصة بمن يثق بقوته ويعجب بنفسه ونحو ذلك، انتهى.\n\n(١٠ -<span data-type='title' id=toc-4224> باب ما يجوز من الـ \"لو\". . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٢): يعني أن مطلق لفظ الـ \"لو\" وإن كانت للشرط غير منهي عنه، وإنما [المنهي] ما كان للتمني، وكان فيه إظهار ما لزجر أو جزع من التقدير، ودلالة الرواية على هذا المعنى لا يحتاج إلى كثير تفصيل وبيان، انتهى.\nوفي هامشه: توضيح ذلك أنه ورد في بعض الروايات: \"إياك واللو\" فأراد البخاري بالترجمة جواز استعمال هذا اللفظ، كما أفاده الشيخ.\nوبسط الحافظ في تخريج هذا الحديث: \"إياك واللو، فإن اللو تفتح عمل الشيطان\"، ذكره صاحب \"المشكاة\" برواية مسلم، وذكره الحافظ برواية مسلم والنسائي وابن ماجه والطحاوي وغيرها، إلى آخر ما في هامش \"اللامع\".\nقال الحافظ (^٣): وفي قوله: \"ما يجوز من اللو\" إشارة إلى أنها في\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٣/ ٢٢٤).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٢٦٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٣/ ٢٢٧ و٢٣٠).","vol":"6","page":733},{"text":"الأصل: لا يجوز إلا ما استثنى، وقال أيضًا: قال السبكي الكبير: مقصود البخاري بالترجمة وأحاديثها أن النطق بـ \"لو\" لا يكره على الإطلاق، وإنما يكره في شيء مخصوص يؤخذ ذلك من قوله: \"من اللو\"، فأشار إلى التبعيض، وورودها في الأحاديث الصحيحة، وقد بسط الحافظ الكلام على طريق الجمع بين هذا النهي وبين ما ورد من الأحاديث الدالة على الجواز، فارجع إليه لو شئت.\n* * *","vol":"6","page":734},{"text":"٩٥ -<span data-type='title' id=toc-4225> كتاب أخبار الآحاد</span>\n(١ -<span data-type='title' id=toc-4226> باب ما جاء في إجازة خبر الواحد. . .) إلخ</span>\nهكذا في النسخ الهندية، وليس في نسخ الشروح الثلاثة من \"الفتح\" و\"العيني\" و\"القسطلاني\" كتاب أخبار الآحاد، بل اقتصر فيها على الباب المذكور.\nقال الحافظ (^١): هكذا عند الجميع بلفظ \"باب\" إلا في نسخة الصغاني فوقع فيها: \"كتاب أخبار الآحاد\" ثم قال: \"باب ما جاء\" إلى آخرها، فاقتضى أنه من جملة \"كتاب الأحكام\"، وهو واضح، وبه يظهر أن الأولى في التمني أن يقال: باب، لا كتاب، أو يؤخر عن هذا الباب، انتهى.\nوقال القسطلاني (^٢) في آخر هذا الكتاب: وهذا آخر كتاب الأحكام وما بعده من التمني، وإجازة خبر الواحد، انتهى. وفيه إيماء إلى أن التمني وأخبار الآحاد ليسا بكتابين مستقلين.\nثم قال الحافظ (^٣): والمراد \"بالإجازة\" جواز العمل به والقول بأنه حجة، و\"بالواحد\" هنا حقيقة الوحدة، وأما في اصطلاح الأصوليين فالمراد به ما لم يتواتر، وقصد الترجمة الردّ به على من يقول: إن الخبر لا يحتج به إلا إذا رواه أكثر من شخص واحد حتى يصير كالشهادة، ويلزم منه الردّ على من شرط أربعة أو أكثر، فقد نقل الأستاذ أبو منصور البغدادي أن بعضهم اشترط في قبول خبر الواحد أن يرويه ثلاثة عن ثلاثة إلى منتهاه، واشترط بعضهم أربعة عن أربعة، وبعضهم خمسة عن خمسة، وبعضهم سبعة عن سبعة، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٣/ ٢٣٣).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٥/ ٢٦١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٣/ ٢٣٣، ٢٣٤).","vol":"6","page":735},{"text":"وكأن كل قائل منهم يرى أن العدد المذكور يفيد التواتر، أو يرى تقسيم الخبر إلى متواتر وآحاد ومتوسط بينهم، وفات الأستاذ ذكر من اشترط اثنين عن اثنين كالشهادة على الشهادة، وهو منقول عن بعض المعتزلة، ونسب إلى الحاكم، وأنه ادعى أنه شرط الشيخين، ولكنه غلط على الحاكم كما أوضحته في الكلام على علوم الحديث، انتهى.\nوقال القسطلاني (^١): والمراد بالواحد هنا حقيقة الوحدة، وعند الأصوليين ما لم يتواتر، والتقييد بالصدق لا بدّ منه، فلا يحتج بالكذوب اتفاقًا، أما من لم يعرف حاله فثالثها يجوز إن اعتضد، انتهى.\nوقال الحافظ (^٢) في \"باب الحجة على من قال: إن أحكام النبي - ﷺ - كانت ظاهرةً\" كما سيأتي في \"كتاب الاعتصام\": قال ابن بطال: أراد الردّ على الرافضة والخوارج الذين يزعمون أن أحكام النبي - ﷺ - وسننه منقولة عنه نقل تواتر، وأنه لا يجوز العمل بما لم ينقل متواترًا، قال: وقولهم مردود، فقد انعقد الإجماع على القول بالعمل بأخبار الآحاد، انتهى.\nقال الحافظ (^٣): قوله: \"والفرائض\" قال الكرماني (^٤): ليعلم إنما هو في العمليات لا في الاعتقاديات، انتهى مختصرًا.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٥): قوله: \"كتاب أخبار الآحاد\" يعني: بذلك إثبات أن أخبار الآحاد بمعنى ما ليس بمتواتر مفيدة للعلم، وإن لم يبلغ حد الجزم، انتهى.\nوقال صاحب \"الفيض\" (^٦): دخل المصنف في بعض مسائل الأصول، فذكر إجازة خبر الواحد، وحاصله أنه يفيد القطع إذا احتفّ بالقرائن كخبر\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٥/ ٢٤٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٣/ ٣٢١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٣/ ٢٣٤).\n(^٤) \"شرح الكرماني\" (٢٥/ ١٤).\n(^٥) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٢٧٠).\n(^٦) \"فيض الباري\" (٦/ ٥١٢).","vol":"6","page":736},{"text":"الصحيحين، على الصحيح، بيد أنه يكون نظريًا، ونسب إلى أحمد أن أخبار الآحاد تفيد القطع مطلقًا، انتهى.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): أراد بالترجمة أنه لا يشترط العدد في كل خبر، بل يكتفي بخبر الواحد في كثير من المواضع إذا كان عدلًا، ودلالة الروايات على هذا المدعى ظاهرة، حيث اكتفى في أكثرها بإخبار الواحد إذا كان عدلًا، وفي بعضها دلالة على قبول إخبار جماعة لم تبلغ حد التواتر، انتهى.\nوفي هامشه: ثم لا يذهب عليك ما قال السندي (^٢): فإن قلت: كيف يصح الاستدلال بما ذكر في هذا الباب من الأحاديث على حجية خبر الآحاد مع أن كلها أخبار آحاد، والاحتجاج بها يتوقف على كون خبر الواحد حجة فهو مردود؟ فالجواب أنه أشار بإكثار الأخبار في هذا الباب إلى أن القدر المشترك متواتر، ولهذا أكثر، وإلا فدأبه في الأبواب الاقتصار على حديث أو حديثين، والله أعلم، انتهى.\nيعني: الاستدلال ليس بخبر واحد بل بأخبار كثيرة وصلت إلى حد التواتر، فكأنه استدلّ على قبول خبر الواحد بخبر المتواتر معنى، انتهى.\nقوله: (والأحكام) قال القسطلاني (^٣): جمع حكم، وهو خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين من حيث إنهم مكلفون، وهو من عطف العام على عام أخص منه؛ لأن الفرائض فرد من الأحكام، انتهى.\nقوله: (﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] الآية) قال الحافظ (^٤): وجه الدلالة منها يؤخذ من مفهومي الشرط والصفة؛ فإنهما يقتضيان قبول خبر الواحد، وهذا الدليل يورد للتقوي لا للاستقلال؛ لأن\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٢٧١).\n(^٢) \"صحيح البخاري بحاشية السندي\" (٤/ ٢٥٢).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٥/ ٢٤٠).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٣/ ٢٣٤، ٢٣٥).","vol":"6","page":737},{"text":"المخالف قد لا يقول بالمفاهيم، واحتج الأئمة أيضًا بآيات أخرى وبالآحاديث المذكورة في الباب، واحتج من منع بأن ذلك لا يفيد إلا الظن، وأجيب بأن مجموعها يفيد القطع كالتواتر المعنوي، وقد شاع فاشيًا عمل الصحابة والتابعين بخبر الواحد من غير نكير، فاقتضى الاتفاق منهم على القبول، واحتج بعض الأئمة بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧] مع أنه كان رسولًا إلى الناس كافة، ويجب عليه تبليغهم، فلو كان خبر الواحد غير مقبول لتعذر إبلاغ الشريعة إلى الكل ضرورة لتعذر خطاب جميع الناس شفاهًا، وكذا تعذر إرسال عدد التواتر إليهم وهو مسلك جيد، إلى آخر ما ذكر الحافظ من الدلائل وشبهات المخالفين إلى أن قال: وكل هذا مبسوط في أصول الفقه اكتفيت هنا بالإشارة إليه، وجملة ما ذكره المصنف هنا اثنان وعشرون حديثًا.\n\n(٢ -<span data-type='title' id=toc-4227> باب بعث النبي - ﷺ - الزبير طليعة وحده)</span>\nقال الحافظ (^١): ذكر فيه حديث جابر، وهو الحديث الرابع عشر من إجازة خبر الواحد، انتهى.\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-4228> باب قول الله: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ. . .﴾ [الأحزاب: ٥٣]) إلخ</span>\nقوله: (فإذا أذن له واحد جاز) وجه الاستدلال به أنه لم يقيده بعدد فصار الواحد من جملة ما يصدق عليه وجود الإذن، وهو متفق على العمل به عند الجمهور، ثم ذكر فيه حديثين: أحدهما: حديث أبي موسى في الاستئذان، وهو الحديث الخامس عشر، والثاني: حديث عمر في قصة المشربة، وهو طرف من حديث طويل تقدم في تفسير سورة التحريم، وهو السادس عشر، وأراد البخاري أن صيغة ﴿يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ على البناء للمجهول\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٣/ ٢٣٩).","vol":"6","page":738},{"text":"تصح للواحد فما فوقه، انتهى من \"الفتح\" (^١).\n\n(٤ -<span data-type='title' id=toc-4229> باب كان النبي - ﷺ - يبعث من الأمراء والرسل واحدًا بعد واحد)</span>\nقال الحافظ (^٢): وقد سبق إلى ذلك أيضًا الشافعي فقال: بعث رسول الله - ﷺ - سراياه وعلى كل سرية واحد، وبعث رسله إلى الملوك إلى كل ملك واحد.\nقال الحافظ: فأما أمراء السرايا فقد استوعبهم محمد بن سعد في الترجمة النبوية، وعقد لهم بابًا سماهم فيه على الترتيب، ثم ذكر الحافظ أسماء أمراء البلاد التي فتحت، وكذا ذكر بعض أمراء القرى، ثم قال: وأما رسله إلى الملوك فسمى منهم دحية وعبد الله بن حذافة، وهما في هذه الترجمة، وأخرج مسلم أن النبي - ﷺ - بعث رسله إلى الملوك، يعني: الذين كانوا في عصره، وقد استوعبهم محمد بن سعد أيضًا، انتهى.\nثم لا يذهب عليك أن هذه الترجمة بظاهرها مكررة؛ لأنه قد تقدم قريبًا في مبدأ \"كتاب أخبار الآحاد\" وكيف بعث النبي - ﷺ - أمراءه واحدًا بعد واحد، ويمكن التفصي عنه بأن الأولى ليست بترجمة مستأنفة بل هي جزء للترجمة، أو يقال: إن الترجمة الأولى مثبتة - بكسر الباء - لأصل الباب، وهو إجازة خبر الواحد، وهذه الترجمة مثبتة - بفتح الباء - كما بسطت ذلك في الأصل الستين من أصول التراجم من أن بعض التراجم يكون مثبتًا، انتهى.\nثم لا يخفى عليك أن القصة المذكورة في حديث الباب غير القصة المذكورة في ترجمة الباب، لا كما توهّم بعض الشرَّاح من اتحاد القصتين.\nقال القسطلاني (^٣): وقد قرأت في \"تنقيح الزركشي\" ما نصه: عن\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٣/ ٢٤٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٣/ ٢٤١، ٢٤٢).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٥/ ٢٥٦، ٢٥٧).","vol":"6","page":739},{"text":"ابن عباس أن رسول الله - ﷺ - بعث بكتابه إلى كسرى ثم قال، كذا وقع الحديث في الأمهات، ولم يذكر فيه دحية بعد قوله: بعث، والصواب إثباته، وقد ذكره البخاري معلقًا وهو الصواب، انتهى.\nونقله عنه صاحب \"المصابيح\" ساكتًا عليه، قال في \"الفتح\" بعد أن ذكره: فيه خبط، وكأنه توهم أن القصتين واحدة، وحمله على ذلك كونهما من رواية ابن عباس، والحق أن المبعوث لعظيم بصرى هو دحية، والمبعوث لعظيم البحرين عبد الله بن حذافة، وإن لم يسم في هذه الرواية، فقد سمي في غيرها، ولو لم يكن في الدليل على المغايرة بينهما إلا بعد ما بين بصرى والبحرين، فإن بينهما نحو شهر، وبصرى كانت في مملكة هرقل ملك الروم، والبحرين كانت في مملكة كسرى ملك الفرس، قال: وإنما نبهت على ذلك خشية أن يغتر به من ليس له اطلاع على ذلك، والله الموفق، انتهى.\n\n(٥ -<span data-type='title' id=toc-4230> باب وصاة النبي - ﷺ - وفود العرب. . .) إلخ</span>\nالوصاة بالقصر بمعنى الوصية، والواو مفتوحة ويجوز كسرها، وقد تقدم بيان ذلك في أوائل \"كتاب الوصايا\"، وذكر فيه حديثين، والغرض من الحديث الثاني قوله في آخره: \"احفظوهن وأبلغوهن من وراءكم\" فإن الأمر بذلك يتناول كل فرد، فلولا أن الحجة تقوم بتبليغ الواحد ما حضّهم عليه، انتهى من \"الفتح\" (^١) مختصرًا.\n\n(٦ -<span data-type='title' id=toc-4231> باب خبر المرأة الواحدة)</span>\nالترجمة بظاهرها مكررة؛ لأنها تقدم قريبًا في \"كتاب أخبار الآحاد\" كيف بعث النبي - ﷺ - أمراءه واحدًا بعد واحد، ويمكن التفصي عنه بأن الأولى ليست بترجمة مستأنفة بل هي جزء للترجمة السابقة، ويمكن أن\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٣/ ٢٤٣).","vol":"6","page":740},{"text":"يقال: إن الترجمة الأولى مثبتة - بكسر الباء - لأصل الباب، وهو إجازة خبر الواحد، وهذه الترجمة الثانية مثبتة - بفتح الباء - وهو الأصل الستون من أصول التراجم، وفي \"تقرير المكي\" (^١): قوله: \"واحدًا بعد واحد\" ليس المراد به الإرسال على سبيل التعاقب، بل المراد إرسال الآحادي بالكثرة، سواء كان على سبيل الاستقلال أو على سبيل التعاقب.\nقال الحافظ (^٢): ذكر فيه حديث ابن عمرو، به وبما في البابين قبله تكمل الأحاديث اثنين وعشرين حديثًا، انتهى.\nثم البراعة في لفظ التوبة وأكل اللحم وهو مذبوح على أن قوله: سعد يذكر قوله عز اسمه: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ الآية [هود: ١٠٥]، وقوله: سنة يذكر قوله عز اسمه: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ﴾ الآية [الحج: ٤٧]، وقال: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ [المؤمنون: ١١٢]، وأيضًا الإمساك عن الأكل لكونه من شأن الموتى (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٢٧٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٣/ ٢٤٣).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (١/ ١٢٠).","vol":"6","page":741},{"text":"٩٦ -<span data-type='title' id=toc-4232> كتاب الاعتصام</span>\nهذا الكتاب عند هذا العبد الضعيف: آخر كتاب من هذا الصحيح، فإن الإمام البخاري - ﵀ - بدأ كتابه ببدء الوحي إلى رسول الله - ﷺ -، وختمه بكتاب الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة، فإنه الأصل في الدين والشريعة، وأما مبدؤه ومأخذه فهو الوحي، وما سيأتي من \"كتاب الردّ على الجهمية\" ليس بكتاب مستأنف عندي، فإنه بمنزلة التكملة لهذا الكتاب، فإن من عادة الإمام الهمام البخاري أن يذكر في الكتب الأضداد هذا، ولذا ذكر أبواب الكفر في \"كتاب الإيمان\"، وأبواب الجهل في \"كتاب العلم\"، وأبواب الدعاء لمنع المطر في \"كتاب الاستسقاء\"، وأمثاله، ولما كان أبواب البدعة من أضداد كتاب الاعتصام من الكتاب والسُّنَّة ذكرها بعده.\nقال الحافظ (^١): \"الاعتصام\" افتعال من العصمة، والمراد امتثال قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ الآية [آل عمران: ١٠٣].\nقال الكرماني (^٢): المراد \"بالكتاب\" القرآن المتعبد بتلاوته، و\"بالسُّنَّة\" ما جاء عن النبي - ﷺ - من أقواله وأفعاله وتقريره وما همَّ بفعله، والسُّنَّة في أصل اللغة: الطريقة، وفي اصطلاح الأصوليين والمحدثين ما تقدم، وفي اصطلاح بعض الفقهاء ما يرادف المستحب، انتهى مختصرًا من هامش \"اللامع\" (^٣).\nوبسط الكلام فيه على تحقيق معنى السُّنَّة فارجع إليه لو شئت.\nوقد تقدم في مقدمة \"اللامع\" (^٤) في بيان ذكر المناسبات بين الكتب\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٣/ ٢٤٥).\n(^٢) \"شرح الكرماني\" (٢٥/ ٢٨).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٢٧٤).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (١/ ٢٨٣).","vol":"6","page":742},{"text":"والأبواب ما قال الحافظ (^١): ولما كانت الأحكام كلها تحتاج إلى الكتاب والسُّنَّة، قال: الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة، وذكر أحكام الاستنباط من الكتاب والسُّنَّة والاجتهاد وكراهية الاختلاف، وكان أصل العصمة أولًا وآخرًا هو توحيد الله تعالى، فختم بكتاب التوحيد، انتهى.\nقلت: وما ذكره الحافظ في الغرض من هذا الكتاب قد سبق إلى ذلك الكرماني (^٢) إذ قال في آخر \"كتاب الاعتصام\": وهذا آخر ما قصد إيراده في الجامع من مسائل أصول الفقه، انتهى.\nوأما المناسبة بين كتاب الاعتصام والردّ على الجهمية فيمكن أن يقال: لما كان الاستنباط من القرآن والسُّنَّة موجبًا للهداية مرةً والضلالة أخرى، فقد قال الله تعالى في الكتاب الحكيم: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦] ترجم بكتاب الردّ على الجهمية احترازًا عن الاستنباط المضل، كذا في هامش \"اللامع\" (^٣).\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-4233> باب الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة)</span>\nهكذا في النسخ الهندية، وأما في نسخ الشروح فليس فيها هذا الباب، بل فيها \"كتاب الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة\"، وذكر تحته أحاديث الباب.\nقوله: (قال أبو عبد الله: وقع ههنا: \"يغنيكم\"، وإنما هو: \"نَعشَكُمْ\"، ينظر في أصل \"كتاب الاعتصام\") هذه العبارة موجودة في نسخ الشروح، وكذا على حاشية النسخة \"الهندية\".\nقال الحافظ (^٤): قوله: \"ينظر. . .\" إلخ، فيه إشارة إلى أنه صَنَّف \"كتاب الاعتصام\" مفردًا، وكتب منه هنا ما يليق بشرطه في هذا الكتاب، كما صنع في كتاب \"الأدب المفرد\"، فلما رأى هذه اللفظة مغايرة لما عنده أنه الصواب أحال على مراجعة ذلك الأصل، وكأنه كان في هذه الحالة\n_________\n(^١) \"مقدمة فتح الباري\" (ص ٤٧٣).\n(^٢) \"شرح الكرماني\" (٢٥/ ٩٠).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٣٠٩).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٣/ ٢٤٦).","vol":"6","page":743},{"text":"غائبًا عنه، فأمر بمراجعته وأن يصلح منه، وقد وقع له نحو هذا في تفسير ﴿أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ [الشرح: ٣]، انتهى.\n\n(١<span data-type='title' id=toc-4234> م - باب قول النبي - ﷺ -: بعثت بجوامع الكلم)</span>\nقال الحافظ (^١): يعني أنه - ﷺ - كان يتكلم بالقول الموجز، القليل اللفظ، الكثير المعنى، وجزم غير الزهري بأن المراد \"بجوامع الكلم\" القرآن، بقرينة قوله: \"بعثت\"، والقرآن هو الغاية في إيجاز اللفظ واتساع المعاني، انتهى.\nقوله: (ونصرت بالرعب. . .) إلخ، كتب في هامش النسخة المصرية عن العلامة السندي (^٢): أي: على خلاف المعتاد من الرعب بسبب المال والمتاع والعبيد والأفراس كما عليه الأمراء، إذ معلوم أنه - ﷺ - ربما يمضي عليه شهران ولم يوقد النار في بيته - ﷺ -، والرعب مسيرة شهر على هذا الحال من خواصه - ﷺ -، نعم كان منه نصيب لمن كان على حاله من خلفائه - ﷺ -، انتهى.\nثم اعلم أن المصنف ذكر في الباب حديثين عن أبي هريرة، أحدهما بلفظ الترجمة، وثانيهما بقوله - ﷺ -: \"ما من الأنبياء نبي إلا أعطي من الآيات\" الحديث، وتقدم أيضًا في فضائل القرآن ومرّ هناك الكلام على شرح هذا الحديث.\nقال الحافظ (^٣): قيل: يؤخذ من إيراد البخاري هذا الحديث عقب الذي قبله أن الراجح عنده أن المراد بجوامع الكلم القرآن، وليس ذلك بلازم، فإن دخول القرآن في قوله: \"بعثت بجوامع الكلم\" لا شك فيه، وإنما النزاع هل يدخل غيره من كلامه من غير القرآن، ثم ذكر الحافظ أمثلة جوامع الكلم من الآيات والأحاديث النبوية، فارجع إليه لو شئت.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٣/ ٢٤٧).\n(^٢) \"صحيح البخاري بحاشية السندي\" (٤/ ٢٥٦).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٣/ ٢٤٨).","vol":"6","page":744},{"text":"(٢ -<span data-type='title' id=toc-4235> باب الاقتداء بسنن رسول الله - ﷺ </span>-)\nأي: قبولها والعمل بما دلّت عليه، فأما أقواله - ﷺ - فتشتمل على أمر ونهي وإخبار، وسيأتي حكم الأمر والنهي في باب مفرد، وأما أفعاله فتأتي أيضًا في باب مفرد قريبًا، قاله الحافظ (^١).\nقوله: (كل أمتي. . .) إلخ، أفاد العلامة السندي (^٢) في هامش النسخة المصرية: لعل المراد بالأمة أمة الدعوة، والمراد بمن أبى من أبى الإيمان به، وهو المراد بالعصيان لا مطلق العصيان، والله تعالى أعلم، انتهى.\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-4236> باب ما يكره من كثرة السؤال. . .) إلخ</span>\nوقوله تعالى: (﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ. . .﴾ [المائدة: ١٠١]. . .) إلخ.\nالغرض من هذه الترجمة الإشارة إلى مسألة خلافية، وهي هل ينبغي أن يسأل عن النوازل قبل وقوعها أم لا؟ وظاهر ميل البخاري إلى كراهة ذلك.\nوقوله: (ومن تكلف ما لا يعنيه) كأنه بيان لقوله: \"ما يكره من كثرة السؤال\"، ونظير ذلك ما تقدم في \"كتاب الطهارة\" من \"باب التماس الوضوء إذا حانت الصلاة\"، وتقدم في \"كتاب العلم\" \"باب الرحلة في المسألة النازلة\"، وجمهور العلماء على جواز السؤال عن النوازل قبل وقوعها.\nقال الحافظ (^٣): واشتد إنكار جماعة من الفقهاء منهم أبو بكر بن العربي فقال: اعتقد قوم من الغافلين منع السؤال عن النوازل إلى أن تقع تعلقًا بهذه الآية، وليس كذلك، قال الحافظ: وهو كما قال لأن ظاهرها اختصاص ذلك بزمان نزول الوحي، ويؤيده حديث سعد الذي صدر به المصنف الباب: \"من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته\" إلى آخر ما بسطه.\nوكذا بسط الكلام في \"الأوجز\" (^٤) على حديث النهي عن قبل، وقال:\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٣/ ٢٥١).\n(^٢) \"صحيح البخاري بحاشية السندي\" (٤/ ٢٥٧).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٣/ ٢٦٦).\n(^٤) \"أوجز المسالك\" (١٧/ ٥١٥ - ٥١٧).","vol":"6","page":745},{"text":"وكثرة السؤال إلى آخر ما في هامش \"اللامع\" (^١).\n\n(٤ -<span data-type='title' id=toc-4237> باب الاقتداء بأفعال النبي - ﷺ </span>-)\nتقدمت الإشارة قبل باب إلى هذه الترجمة في كلام الحافظ، وظاهر كلامه في الترجمة المتقدمة أنها بمنزلة الكتاب للأبواب الآتية.\nوعندي: يحتمل أن يكون الباب الأول لبيان سنن الهدى من الأقوال والأفعال وغيرهما، والمراد بهذا الباب سنن الزوائد من الأفعال العادية كما يدلّ عليه رواية الباب.\nلكن الأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن الغرض من الترجمتين مختلف جدًّا، فالغرض من الترجمة الأولى التأكيد والتحريض على اتباع النبي - ﷺ - عملًا بقوله له تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران: ٣١] ولقوله عزّ اسمه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، وردًّا على الفرقة القرآنية القائلين بأنا لا نأخذ إلا بما في القرآن، وقد وردت في ذمهم الروايات الكثيرة، ذكر عدة منها صاحب \"المشكاة\" في \"كتاب الاعتصام\"، والغرض من هذا الباب الثاني الإشارة إلى اختلافهم في حكم أفعاله - ﷺ -، والمسألة مبسوطة في أصول الفقه.\nقال العيني (^٢): قال قوم: يجب اتباعه في فعله كما يجب في قوله حتى يقوم دليل على الندب أو الخصوصية به، قال ابن شريح وأبو سعيد الأصطخري، وقال آخرون: يحتمل الوجوب والندب والإباحة، ويحتاج إلى القرينة، وبه قال أبو بكر بن أبي الطيب، وقال آخرون: للندب إذا ظهر وجه القربة، وقيل: لو لم يظهر، وقال آخرون: ما فعله إن كان بيانًا لمجمل حكمه حكم ذلك المجمل وجوبًا أو ندبًا أو إباحة، وقال الشافعي: إنه يدلّ على الندب، وقال مالك: يدلّ على الإباحة، انتهى.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٢٧٦).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٦/ ٥١٦).","vol":"6","page":746},{"text":"وهكذا في \"الفتح\" (^١) بدون النسبة إلى قائليها، وعزا القول الثالث إلى الجمهور، إلى آخر ما في هامش \"اللامع\" (^٢) فارجع إليه لو شئت.\n\n(٥ -<span data-type='title' id=toc-4238> باب ما يكره من التعمق والتنازع والغلو في الدين والبدع)</span>\nقال الحافظ (^٣): زاد غير أبي ذر: \"في العلم\" وهو يتعلق بالتنازع والتعمق معًا، كما أن قوله: \"والغلو في الدين والبدع\" يتناولهما.\nوقوله: (لقول الله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ. . .﴾ [النساء: ١٧١]) إلخ، صدر الآية يتعلق بفروع الدين، وهي المعبر عنه في الترجمة بالعلم، وما بعده يتعلق بأصوله.\nوقال أيضًا (^٤) ذيل شرح الأحاديث: قال ابن بطال (^٥): في أحاديث الباب ما ترجم له من كراهية التنطع والتنازع لإشارته إلى ذمّ من استمر على الوصال بعد النهي، ولإشارة علي إلى ذمّ من غلا فيه، فادّعى أن النبي - ﷺ - خصّه بأمور من علم الديانة دون غيره، وإشارته - ﷺ - إلى ذمّ من شدّد فيما ترخص فيه، وفي قصة بني تميم ذمّ التنازع المؤدي إلى التشاجر، ونسبة أحدهما الآخر إلى قصد مخالفته، فإن فيه إلثمارة إلى ذمّ كل حالة تؤول بصاحبها إلى افتراق الكلمة أو المعادات، وفي حديث عائشة إشارة إلى ذمّ التعسف في المعاني التي خشيتها من قيام أبي بكر مقام رسول الله - ﷺ -، انتهى.\nقوله: (إني أعلمهم بالله. . .) إلخ، في هامش النسخة المصرية عن شيخ الإسلام (^٦): أشار به إلى القوة العلمية.\nوقوله: (وأشدهم له خشية) أشار به إلى القوة العملية، أي: يتوهمون أن رغبتهم عما فعلته أفضل لهم عند الله تعالى، وليس كذلك إذ أنا أعلمهم بالأفضل وأولاهم بالعمل به، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٣/ ٢٧٤).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٢٧٨، ٢٧٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٣/ ٢٧٨).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٣/ ٢٨٠).\n(^٥) \"شرح ابن بطال\" (١٠/ ٢٤٩).\n(^٦) \"تحفة الباري\" (٦/ ٥٠٥).","vol":"6","page":747},{"text":"قوله: (تزعمان أن أبا بكر فيها كذا. . .) إلخ، كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^١) الكلام على شرح هذا المقام، وردّ ما استدل به طائفة الشيعة على مخترعاتهم وتوهماتهم الفاسدة، فارجع إليه لو شئت، وقد ذكر الشيخ قُدِّس سرُّه توجيهًا نفيسًا لهذا الحديث.\nوفي هامش النسخة المصرية (^٢): قوله: \"الظالم. . .\" إلخ، إنما ساغ للعباس أن يقول ذلك لعلي لأنه كالوالد له، وللوالد ما ليس لغيره، أو هي كلمة لا يراد بها حقيقتها، انتهى.\n\n(٦ -<span data-type='title' id=toc-4239> باب إثم من آوى محدثًا)</span>\nقال القسطلاني (^٣): أي: مبتدعًا أو ظالمًا.\nقوله: (رواه علي. . .) إلخ، قال في \"الفتح\": تقدم موصولًا في الباب الذي قبله، قال في \"عمدة القاري\": ليس في الباب الذي قبله ما يطابق الترجمة، وإنما الذي يطابقها ما تقدم في \"باب الجزية\" في \"باب إثم من عاهد ثم غدر\" قال فيه: \"فمن أحدث فيه حدثًا أو آوى محدثًا فعليه لعنة الله\"، انتهى من \"القسطلاني\".\n\n(٧ -<span data-type='title' id=toc-4240> باب ما يذكر من ذمّ الرأي وتكلف القياس)</span>\nكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٤): أراد المؤلف بذكر البابين هذا وما بعده أن كل قياس غير محمود، ولا كله مذموم، فأما قياس مجتهدي الأمة، أي: ما لا يخالف أصول الشرع وقواعد الدين وكان مستندًا إلى أهل\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٢٨١ - ٢٨٤).\n(^٢) \"تحفة الباري\" (٦/ ٥٠٥).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٥/ ٣٠٦)، وانظر: \"فتح الباري\" (١٣/ ٢٨١)، و\"عمدة القاري\" (١٦/ ٥٢٤).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٢٨٤، ٢٨٥).","vol":"6","page":748},{"text":"الأدلة، فهذا النوع من القياس محمود، والمذموم ما يخالف ذلك، ويلزم فيه تخصيص النص أو مخالفته أو ترك العمل به إلى غير ذلك مما هو معروف، انتهى.\nوفي هامشه: وحاصله ما أفاده الشيخ أن الغرض من هذا الباب الردّ على من يزعم أن كل قياس صحيح محمود وإن لم يبن على أصل شرعي، والغرض من الباب الآتي وهو قوله: \"باب من شبّه أصلًا معلومًا. . .\" إلخ، الردّ على من زعم أن كل قياس باطل مذموم، فمن حكى عن الإمام البخاري أنه منكر للقياس بناءً ونظرًا على هذا الباب الأول فقط فلم يصب.\nقال الحافظ (^١): قوله: \"باب ما يذكر من ذمّ الرأي. . .\" إلخ، أي: الفتوى بما يؤدّي إليه النظر، وهو يصدق على ما يوافق النصّ وعلى ما يخالفه، والمذموم منه ما يوجد النص بخلافه، وأشار بقوله: [\"من\"] إلى أن بعض الفتوى بالرأي لا يذم، وهو إذا لم يوجد النصّ من كتاب أو سُنَّة أو إجماع.\nوقوله: (وتكلف القياس) أي: إذا لم يوجد الأمور الثلاثة، واحتاج إلى القياس، فلا يتكلفه بل يستعمله على أوضاعه، ولا يتعسف في إثبات العلة الجامعة التي هي من أركان القياس، بل إذا لم تكن العلة الجامعة واضحة فليتمسك بالبراءة الأصلية، ويدخل في تكلف القياس ما إذا استعمله على أوضاعه مع وجود النصّ، ومما إذا وجد النص فخالفه، وتأول لمخالفته شيئًا بعيدًا، ويشتد الذمّ فيه لمن ينتصر لمن يقلده مع احتمال أن لا يكون الأول اطلع على النص، انتهى.\nوهكذا في \"العيني\" (^٢)، وزاد: فإن قلت: روى البيهقي بسنده إلى عمر قال: \"إياكم وأصحاب الرأي فإنهم أعداء السنن، أغنتهم الأحاديث أن يحفظوها فقالوا بالرأي فضلّوا وأضلّوا\"، قلت: في صحته نظر، ولئن سلمنا فإنه أراد به الرأي مع وجود النص، انتهى. كذا في هامش \"اللامع\".\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٣/ ٢٨٢).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٦/ ٥٢٥).","vol":"6","page":749},{"text":"(٨ -<span data-type='title' id=toc-4241> باب ما كان النبي - ﷺ - يسأل مما لم ينزل عليه الوحي. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^١): أي: كان له إذا سئل عن الشيء الذي لم يوح إليه، فيه حالان: إما أن يقول: لا أدري، وإما أن يسكت حتى يأتيه بيان ذلك بالوحي، ولم يذكر لقوله: \"لا أدري\" دليلًا فإن كلًّا من الحديثين المعلق والموصول من أمثلة الشق الثاني، وأجاب بعض المتأخرين بأنه استغنى بعدم جوابه به، والذي يظهر أنه أشار بالترجمة إلى ما ورد في ذلك، ولكنه لم يثبت عنده منه شيء على شرطه، وإن كان يصلح للحجة كعادته في أمثال ذلك، وقد وردت فيه عدة أحاديث، منها حديث ابن عمر: \"جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: أي البقاع خير؟ قال: لا أدري، فأتاه جبرئيل فسأله فقال: لا أدري؟ فقال: سل ربك فانتفض جبرئيل انتفاضة\" الحديث، أخرجه ابن حبان، وأما حديث أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: \"ما أدري الحدود كفارة لأهلها أم لا\"؟ وهو عند الدارقطني والحاكم، فقد تقدم في شرح حديث عبادة من \"كتاب العلم\" الكلام عليه، انتهى مختصرًا.\nقلت: ومثله ما أخرجه الإمام أبو داود (^٢) في \"باب التخيير بين الأنبياء - ﵈ -\" عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ما أدري أتُبّعٌ لَعِينٌ هو أم لا؟ وما أدري أعزير نبي هو أم لا\"؟ قال الشيخ في \"البذل\" (^٣): وهذا قبل أن يوحى إليه في أمره، ثم أعلمه الله بعد ذلك أنه أسلم، فقد روى أحمد (^٤) من حديث سهل الساعدي قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا تسبوا تبعًا فإنه قد أسلم\"، وقوله: \"أعزير نبي هو أم لا؟ \" لعله أعلم بعد ذلك أنه نبي، انتهى من \"البذل\".\nوفي هامش \"اللامع\" (^٥) بعد ذكر أقاويل الشرَّاح في غرض الترجمة:\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٣/ ٢٩٠).\n(^٢) \"سنن أبي داود\" (٤٦٧٤).\n(^٣) \"بذل المجهود\" (١٣/ ٨٤، ٨٥).\n(^٤) \"مسند أحمد\" (٥/ ٣٤٠).\n(^٥) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٢٨٦ - ٢٨٨).","vol":"6","page":750},{"text":"والأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن غرض المصنف بهذه الترجمة الإشارة إلى مسألة خلافية شهيرة، وهي هل كان للنبي - ﷺ - حق الاجتهاد أم لا بدّ له من انتظار الوحي؟ ذكر الحافظ الإشارة إلى هذه المسألة في باب سيأتي بعد عدة أبواب من قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ إذ قال: ويحتمل أن يكون مراده الإشارة إلى الخلافية المشهورة في أصول الفقه، وهي: هل كان له - ﷺ - أن يجتهد في الأحكام أم لا؟ انتهى.\nوالأوجه عندي: أن الإمام البخاري أشار إلى هذه المسألة بهذا الباب لا بالباب الآتي، ثم ذكر في هامش \"اللامع\" تفصيل الأقوال في هذه المسألة، وفيه: قال ابن رسلان في شرح أبي داود تحت حديث: \"لولا أن أشقّ على أمتي. . .\" إلخ: قد اختلف الأصوليون في هذه المسألة على أربعة أقوال، ثالثها: كان له أن يجتهد في الحروب والآراء دون الأحكام، ورابعها: الوقف.\nوقال النووي في حديث الغيلة: وفيه جواز اجتهاده - ﷺ -، وبه قال جمهور أهل الأصول، وقيل: لا يجوز لتمكنه من الوحي، والصواب الأول.\nوقال أيضًا: أما أمور الدنيا فاتفق العلماء على جواز اجتهاده - ﷺ - فيها ووقوعه منه، وأما أمور الدين فقال أكثر العلماء بالجواز، وحكاه العيني عن الشافعي وأحمد وأبي يوسف، قال السرخسي في \"المبسوط\": وهو الصحيح عندنا؛ لأنه إذا جاز لغيره فله - ﷺ - أولى، وقال جماعة: لا يجوز له لقدرته على اليقين، وحكاه الأبي عن الجبائي وابنه والإمامية، إلى آخر ما فيه، فارجع إليه لو شئت.\n\n(٩ -<span data-type='title' id=toc-4242> باب تعليم النبي - ﷺ - أمته من الرجال والنساء)</span>\nقال المهلب: مراده أن العالم إذا كان يمكنه أن يحدِّث بالنصوص، لا يحدث بنظره ولا قياسه، انتهى.","vol":"6","page":751},{"text":"قال الحافظ (^١): والمراد بالتمثيل القياس، وهو إثبات مثل حكم معلوم لآخر لاشتراكهما في علة الحكم، والرأي أعم.\nقال الكرماني (^٢): موضع الترجمة من الحديث قوله: \"كان لها حجابًا من النار\" فإنه أمر توقيفي لا يعلم إلا من قبل الله تعالى، لا دخل للقياس والرأي فيه، انتهى.\nقال السندي (^٣): قوله: \"ولا تمثيل\" أي: ولا ردّ للمثل إلى مثله، وهو حقيقة القياس، ولهذا اشتهر هذا الاسم بين المناطقة في القياس، انتهى.\n\n(١٠ -<span data-type='title' id=toc-4243> باب قول النبي - ﷺ -: \"لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق</span>\")\nهذه الترجمة لفظ حديث أخرجه مسلم عن ثوبان، وبعده: \"لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك\"، وله من حديث جابر مثله، لكن قال: \"يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة\".\nقوله: (وهم أهل العلم) هو من كلام المصنف، وأخرج الترمذي حديث الباب ثم قال: سمعت محمد بن إسماعيل - هو البخاري - يقول: سمعت علي بن المديني يقول: هم أصحاب الحديث، وعن أحمد: إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم، انتهى من \"الفتح\" (^٤).\n\n(١١ -<span data-type='title' id=toc-4244> باب قول الله: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ [الأنعام:</span> ٦٥])\nويردّ على ظاهر الترجمة أن محلها \"كتاب الفتن\".\nوالأوجه عندي: أن هذه الترجمة بمنزلة التكملة للباب السابق، فإن ظاهر قوله: \"لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق\" أي: أن يكونوا\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٣/ ٢٩٣).\n(^٢) \"شرح الكرماني\" (٢٥/ ٥٧).\n(^٣) \"صحيح البخاري بحاشية السندي\" (٤/ ٢٦٣).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٣/ ٢٩٣).","vol":"6","page":752},{"text":"متفقين فيما بينهم، كما يدلّ عليه ظاهر سياق الترجمة الأولى، فنبَّه الإمام البخاري بعقد هذا الباب على أنهم مع ظهورهم على الحق وغلبتهم عليه لا يكونون متفقين فيما بينهم، فهو إشارة إلى اختلاف أهل الحق فيما بينهم؛ لأنه تعالى لم يستجب دعوته - ﷺ - في عدم اختلاف الأمة ورفع تنازعهم.\nوقال الحافظ (^١): وجه مناسبته لما قبله أن ظهور بعض الأمة على عدوهم دون بعض يقتضي أن بينهم اختلافًا حتى انفردت طائفة منهم بالوصف؛ لأن غلبة الطائفة المذكورة إن كانت على الكفار ثبت المدعى، وإن كانت على طائفة من هذه الأمة أيضًا فهو أظهر في ثبوت الاختلاف، فذكر بعده أصل وقوع الاختلاف، وأنه - ﷺ - كان يريد أن لا يقع فأعلمه الله تعالى أنه قضى بوقوعه، وأن كل ما قدّره لا سبيل إلى رفعه، قال ابن بطال: أجاب الله تعالى دعاء نبيه في عدم استئصال أمته بالعذاب، ولم يجبه في أن لا يلبسهم شيعًا، أي: فرقًا مختلفين، انتهى من هامش \"اللامع\" (^٢) بزيادة من \"الفتح\" (^٣).\n\n(١٢ -<span data-type='title' id=toc-4245> باب من شبّه أصلًا معلومًا بأصل مبين)</span>\nوبهذا الباب استدل من قال: إن الإمام البخاري قائل بالقياس والاجتهاد، وهو الأوجه عند هذا العبد الضعيف، ولهذا ردّ المشايخ قول من عزا إلى الإمام البخاري إنكار القياس والاجتهاد.\nقال الحافظ (^٤): قال ابن بطال (^٥): التشبيه والتمثيل هو القياس عند العرب، وقد احتج المزني بهذين الحديثين اللذين ذكرهما البخاري في الباب على من أنكر القياس، قال: وأول من أنكر القياس إبراهيم النظام، وتبعه بعض المعتزلة، وممن ينسب إلى الفقه داود بن علي، وما اتفق عليه الجماعة هو الحجة، فقد قاس الصحابة فمن بعدهم من التابعين، وفقها الأمصار، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٣/ ٢٩٦)، و\"شرح ابن بطال\" (١٠/ ٣٦٠).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٢٨٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٢/ ٢٩٧).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٣/ ٢٩٧).\n(^٥) \"شرح ابن بطال\" (١٠/ ٣٦١).","vol":"6","page":753},{"text":"وقد صرّح الكرماني وغيره من \"العيني\" و\"القسطلاني\" (^١) أن غرض هذا الباب إثبات القياس.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): عنى بالمعلوم ما أريد علمه واستنباطه، وبالمبين ما هو معلوم من قبل، وقوله: \"بيَّن الله حكمها\" أي: في الكتاب والسُّنَّة من قبل بيان حكم ذلك الأمر المطلوب علمه، انتهى.\nوقال السندي في \"حاشيته\" (^٣): قوله: \"معلومًا\" أي: مطلوبًا بالعلم والبيان للمخاطب، وقوله: \"بأصل مبين\" أي: قد بُيِّن للمخاطب من قبل، أو المراد بالمعلوم المعلوم للمتكلم المجيب، وكذا المبين والمطلوب تشبيه المجهول على المخاطب بالمعلوم عنده، مع أن كلًّا منهما معلوم عند المتكلم بدون هذا التشبيه، وإنما يشبه لتفهيم السائل المخاطب، والتوضيح عنده لا لإثبات الحكم كما يقول به أهل القياس، فهذا جواب عن أدلة مثبتي القياس بأن ما جاء من القياس كان للإيضاح والتفهيم، بعد أن كان الحكم ثابتًا في كل من الأصلين، ولم يكن لإثبات الحكم، والله تعالى أعلم، انتهى.\nهذا ما أفاده العلامة السندي في الغرض من الترجمة، وأما غيره من أكثر الشرَّاح الحافظان والقسطلاني فقد تقدم أنهم صرّحوا بأن غرض المصنف بهذا الباب إثبات حجية القياس.\n\n(١٣ -<span data-type='title' id=toc-4246> باب مما جاء في اجتهاد القضاء بما أنزل الله. . .) إلخ</span>\nكذا في النسخة \"الهندية\" و\"الفتح\"، وفي نسخة \"العيني\" و\"القسطلاني\": \"القضاة\". قال القسطلاني (^٤): بصيغة الجمع، ولأبي ذر\n_________\n(^١) \"شرح الكرماني\" (٢٥/ ٦٠)، و\"عمدة القاري\" (١٦/ ٥٣٣)، و\"إرشاد الساري\" (١٥/ ٣٢٠).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٢٩٠).\n(^٣) \"صحيح البخاري بحاشية السندي\" (٤/ ٢٦٤).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (١٤/ ٣٢١).","vol":"6","page":754},{"text":"ولأبي الوقت: \"القضاء\" بفتح القاف والضاد والمد وإضافة الاجتهاد إليه، والمعنى الاجتهاد في الحكم، وفيه حذف تقديره اجتهاد متولي القضاء، والاجتهاد بذل الوسع للتوصل إلى معرفة الحكم الشرعي، انتهى.\nقال الحافظ (^١): قال ابن بطال (^٢): لا يجوز للقاضي الحكم إلا بعد طلب حكم الحادثة من الكتاب أو السُّنَّة، فإن عدمه رجع إلى الإجماع، فإن لم يجده نظر هل يصحّ الحمل على بعض الأحكام المقررة لعلة تجمع بينهما، فإن وجد ذلك لزمه القياس عليها إلى آخر ما ذكر، وقال أيضًا: ذكر المصنف في هذا الباب حديثين: الأول للشق الأول، والثاني للثاني، انتهى.\n\n(١٤ -<span data-type='title' id=toc-4247> باب قول النبي - ﷺ -: \"لتتبعن سنن من كان قبلكم</span>\")\nقال ابن بطال (^٣): أعلم - ﷺ - أن أمته ستتبع المحدثات من الأمور والبدع والأهواء، كما وقع للأمم قبلهم، وقد أنذر في أحاديث كثيرة بأن الآخر شر، والساعة لا تقوم إلا على شرار الناس، وأن الدين إنما يبقى قائمًا عند خاصة من الناس.\nقال الحافظ: قد وقع معظم ما أنذر به - ﷺ -، وسيقع بقية ذلك، انتهى.\n\n(١٥ -<span data-type='title' id=toc-4248> باب إثم من دعا إلى ضلالة. . .) إلخ</span>\nوهذا الباب عندي تكملة للباب السابق، قال المهلب: هذا الباب والذي قبله في معنى التحذير من الضلال، واجتناب البدع ومحدثات الأمور في الدين، والنهي عن مخالفة سبيل المؤمنين، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٣/ ٢٩٩).\n(^٢) \"شرح ابن بطال\" (١٠/ ٣٦٣).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٣/ ٣٠١)، و\"شرح ابن بطال\" (١٠/ ٣٦٦).","vol":"6","page":755},{"text":"ووجه التحذير أن الذي يحدث البدعة قد يتهاون بها لخفة أمرها في أول الأمر، ولا يشعر بما يترتب عليها من المفسدة، وهو أن يلحقه إثم من عمل بها من بعده، ولو لم يكن هو عمل بها بل لكونه كان الأصل في إحداثها، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوفيه أيضًا ورد فيما ترجم به حديثان بلفظ: وليسا على شرطه، واكتفى بما يؤدي معناهما، وهما ما ذكرهما من الآية والحديث، فأما حديث: \"من دعا إلى ضلالة\" فأخرجه مسلم وأبو داود والترمذي، وأما حديث: \"من سَنَّ سُنَّة سيئة\" فأخرجه مسلم، وأخرجه الترمذي أيضًا من وجه آخر بلفظ: \"من سن سُنَّة خير، ومن سن سُنَّة شر\" انتهى مختصرًا من \"الفتح\".\n\n(١٦ -<span data-type='title' id=toc-4249> باب ما ذكر النبي - ﷺ - وحضّ على اتفاق أهل العلم. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٢): قال ابن بطال عن المهلب: غرض البخاري بهذا الباب وأحاديثه تفضيل المدينة بما خصها الله به من معالم الدين، وأنها دار الوحي ومهبط الملائكة بالهدى والرحمة، وشرّف الله بقعتها بسكنى رسوله، وجعل فيها قبره ومنبره وبينهما روضة من رياض الجنة.\nقال الحافظ: وفضل المدينة ثابت لا يحتاج إلى إقامة دليل خاص، وقد تقدم من الأحاديث في فضلها في آخر الحج ما فيه شفاء، وإنما المراد هنا تقدم أهلها في العلم على غيرهم إلى آخر ما قال.\nوما اختاره الحافظ في الغرض من الترجمة به جزم القسطلاني (^٣) إذ قال: ومراده من سياق أحاديث هذا الباب تقديم أهل المدينة في العلم على غيرهم في العصر النبوي، ثم بعده قبل تفرق الصحابة في الأمصار، ولا سبيل إلى التعميم كما لا يخفى، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٣/ ٣٠٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٣/ ٣١٢).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٥/ ٣٤٤).","vol":"6","page":756},{"text":"وأما العلامة العيني (^١) فإنه قد مالَ إلى رأي المهلب الذي سبق في كلام الحافظ، فإنه ذكر قول المهلب في الغرض من الترجمة، وسكت عليه، فكأنه رضي به.\nثم اعلم أنه يستفاد من كلام بعض الشرَّاح أن غرض المصنف بهذا الباب وأحاديثه بيان مسألة الإجماع، ففي \"الفيض\" (^٢): \"باب ما ذكر النبي - ﷺ -. . .\" إلخ، شرع في بيان حجية الإجماع، لا سيما إجماع أهل الحرمين، انتهى.\nوالأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن هذا الباب ليس من باب الإجماع، بل يأتي مسألة الإجماع قريبًا في \"باب قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا. . .﴾ \" إلخ [البقرة: ١٤٣]، بل الغرض عندي من هذا الباب الإشارة إلى اختلافهم في وجوه ترجيح الروايات بعضها على بعض، وإليه يظهر ميل شيخ الهند مولانا محمود الحسن قُدِّس سرُّه رئيس المدرسين في دار العلوم بديوبند ففي تقريره كما حكاه مولانا مشتاق أحمد البنجابي: لما كان غرض المؤلف من هذا الكتاب بيان قواعد الشرع كيف نعلم؟ قال: اعتصموا بالكتاب والسُّنَّة، فهو الآن في هذا الباب يبين قاعدة كلية؛ لأن المسائل إذا تعارضت فينظر إلى اتفاق أهل العلم وإجماعهم، ثم بعد ذلك ينظر إلى عمل أهل الحرمين فيرجح ما اتفقوا عليه، انتهى.\nقلت: قال الحازمي (^٣) في جملة وجوه الترجيح: الرابع عشر: أن يكون إسناد أحد الحديثين حجازيًا وإسناد الآخر عراقيًا أو شاميًا، سيما إذا كان الحديث مدني المخرج؛ لأنها دار الهجرة ومجمع المهاجرين والأنصار، والحديث إذا شاع عندهم وذاع وتلقوه بالقبول مَتُنَ وقوي، وكان الشافعي رحمه الله تعالى يقول: كل حديث لا يوجد له أصل في حديث الحجازيين واهٍ، وإن تداولته الثقات، انتهى.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٦/ ٥٣٩).\n(^٢) \"فيض الباري\" (٦/ ٥٣٤).\n(^٣) \"الاعتبار في الناسخ والمنسوخ\" (ص ١٣).","vol":"6","page":757},{"text":"وفي هامش \"اللامع\" (^١): وليس هذا من وجوه الترجيح عندنا الحنفية، كما تقدم من كلام العيني من قوله: وذهب أصحاب أبي حنيفة إلى أنهم ليسوا حجة على غيرهم لا من طريق النقل ولا من طريق الاجتهاد، إلى آخر ما فيه.\nقوله (وقد زيد فيه. . .) إلخ، أي: في الصاع في زمن عمر بن عبد العزيز حتى صار مدًا وثلث مد من الأمداد العمرية، والجملة حالية، قال شيخنا: ومناسبة الحديث للترجمة أن الصاع مما أجمع عليه أهل الحرمين بعد العهد النبوي واستمر، فلما زاد بنو أمية فيه لم يتركوا اعتبار الصاع النبوي فيما ورد فيه التقدير بالصاع من زكاة الفطر وغيرها، بل استمروا على اعتباره في ذلك، انتهى.\n\n(١٧ -<span data-type='title' id=toc-4250> باب قول الله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران:</span> ١٢٨])\nقال ابن بطال (^٢): دخول هذه الترجمة في \"كتاب الاعتصام\" من جهة دعاء النبي - ﷺ - على المذكورين لكونهم لم يذعنوا للإيمان ليعتصموا به من اللعنة، وأن معنى قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ معنى قوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٧٢]، انتهى.\nويحتمل أن يكون مراده الإشارة إلى الخلافية المشهورة في أصول الفقه، وهي: هل كان له - ﷺ - أن يجتهد في الأحكام أو لا؟ وقد تقدم بسط ذلك قبل ثمانية أبواب، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\nقلت: وهذا الغرض الأخير قد تقدم عندي في الباب الذي أشار إليه الحافظ بقوله: قبل ثمانية أبواب، وهو \"باب ما كان النبي - ﷺ - يسأل\"، وقد تقدم البسط هناك.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٢٩٣).\n(^٢) \"شرح ابن بطال\" (١٠/ ٣٧٦).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٣/ ٣١٣).","vol":"6","page":758},{"text":"(١٨ -<span data-type='title' id=toc-4251> باب قوله: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا. . .﴾ [الكهف: ٥٤]) إلخ</span>\nووجه دخول هذه الترجمة عندي ههنا من حيث أنه أشار إلى أنه لا ينبغي للمرء أن يجادل في المجتهدات والمسائل الخلافية، بل ينبغي له التمسك والاعتصام بالكتاب والسُّنَّة، ذكر المصنف في الباب حديثين: فالأول منهما مطابق للجزء الأول من الترجمة، والثاني للثاني.\nقال العيني (^١) تحت الحديث الثاني: مطابقته للجزء الثاني للترجمة من حيث إنه - ﷺ - بلغ اليهود ودعاهم إلى الإسلام فقالوا: بلَّغت، ولم يذعنوا لطاعته، فبالغ في تبليغهم وكرّره، وهذه مجادلة بالتي هي أحسن، انتهى.\nوذكره الحافظ أيضًا في \"الفتح\" (^٢) وعزاه إلى المهلب.\n\n(١٩ -<span data-type='title' id=toc-4252> باب قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا. . .﴾ [البقرة: ١٤٣]) إلخ</span>\nقد تقدم قريبًا في \"باب ما ذكر النبي - ﷺ - وحضّ على اتفاق أهل العلم. . .\" إلخ، أن غرض الإمام البخاري بهذا الباب عند هذا العبد الضعيف: إثبات حجِّية الإجماع، وهكذا في تقرير شيخ الهند إذ قال: لعل غرض البخاري من هذا الباب بيان أن هذه الأمة مرحومة، وقولهم معتبر في الدنيا كما أن شهادتهم مقبولة في العقبى، وهذا إشارة إلى حجية الإجماع الذي هو أصل رابع في الدين، والله تعالى أعلم.\nقلت: وبهذه الآية استدل أهل الأصول على حجية الإجماع كما قال الكرماني (^٣).\nوقال القسطلاني (^٤): والاستدلال بالآية على أن الإجماع حجة؛\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٦/ ٥٥٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٣/ ٣١٥).\n(^٣) \"شرح الكرماني\" (٢٥/ ٧٥).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (١٥/ ٣٥٠).","vol":"6","page":759},{"text":"لأن الله تعالى وصف هذه الأمة بالعدالة، والعدل هو المستحق للشهادة وقبولها، فإذا اجتمعوا على شيء وشهدوا به لزم قبوله، انتهى.\nوفي \"نور الأنوار\" (^١) في بحث الإجماع: وحكمه في الأصل أن يثبت المراد به شرعًا على سبيل اليقين لقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ وصفهم بالوسطية وهي العدالة، فيكون إجماعهم حجة، وقد ضلّ بعض المعتزلة والروافض فقالوا: إن الإجماع ليس بحجة؛ لأن كل واحد منهم يحتمل أن يكون مخطأ فكذا الجميع، ولا يدرون قوة الحبل المؤلف من الشعرات وأمثاله، انتهى.\nوأثبت الرازي في \"تفسيره\" (^٢) حجية الإجماع بقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ الآية [آل عمران: ١١٠]، وذكر الحاكم في \"المستدرك\" (^٣) تسعة أحاديث في حجية الإجماع.\nوقد بسط الشوكاني الكلام على الإجماع وإجماع أهل المدينة وغيرها في المقصد الثالث من \"إرشاد الفحول\" (^٤)، انتهى مختصرًا من هامش \"اللامع\" (^٥).\n\n(٢٠ -<span data-type='title' id=toc-4253> باب إذا اجتهد العامل أو الحاكم فأخطأ. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٦): في رواية الكشميهني: \"العالم\" بدل \"العامل\"، و\"أو\" للتنويع، وقد تقدم في \"كتاب الأحكام\" ترجمة إذا قضى الحاكم بجور أو خلاف أهل العلم فهو مردود، وهي معقودة لمخالفة الإجماع، وهذه معقودة لمخالفة الرسول ﵊، انتهى.\nوالأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن الترجمة الأولى من باب القضاء، يعني: مجرد قضاء القاضي لا يعتبر، بل هو مردود إلى حكم\n_________\n(^١) \"نور الأنوار\" (ص ٢٢١).\n(^٢) \"التفسير الكبير\" (٨/ ١٥٦).\n(^٣) \"المستدرك\" (١/ ١١٣ - ١٢٠).\n(^٤) \"إرشاد الفحول\" (١/ ٢٣٣ - ٢٧٨).\n(^٥) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٢٩٩).\n(^٦) \"فتح الباري\" (١٣/ ٣١٧).","vol":"6","page":760},{"text":"الشرع، وأما هذه الترجمة الثانية فيه من باب الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة.\nوالحاصل: أن من اجتهد ثم علم أنه خلاف السُّنَّة فاجتهاده مردود، فقد قال الحافظ: قال ابن بطال (^١): مراده أن من حكم بغير السُّنَّة جهلًا أو غلطًا يجب عليه الرجوع إلى حكم السنة، وترك ما خالفها امتثالًا لأمر الله تعالى بإيجاب طاعة رسوله، وهذا هو نفس الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة.\nويمكن أن يقال: إنه أشار بهذه الترجمة الثانية إلى مسألة أصولية شهيرة، وهي: هل المجتهد يخطئ ويصيب أو كل مجتهد مصيب، وإلى هذا أشار صاحب \"الفيض\" (^٢) إذ قال: وعند الترمذي: أن المجتهد إذا اجتهد فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر، انتهى.\nقال القسطلاني (^٣): قال أبو الحسن الأشعري والقاضي أبو بكر الباقلاني وأبو يوسف ومحمد: المسألة التي لا قاطع فيها، كل مجتهد فيها مصيب، ثم قال بعد ما بسط الكلام على المسألة: وقال الجمهور - وهو الصحيح -: المصيب واحد، إلى آخر ما بسطه.\nوقال النووي بحثًا على المسألة: كل مجتهد مصيب، وهذا هو المختار عند كثير من المحققين أو أكثرهم، والمذهب الآخر المصيب واحد والمخطئ غير متعين لنا والإثم مرفوع عنه، انتهى.\nوفي \"نور الأنوار\" (^٤): المجتهد يخطئ ويصيب، والحق في موضع الخلاف واحد، ولكن لا يعلم ذلك الواحد باليقين، فلهذا قلنا بحقية المذاهب الأربعة، وهذا مما علم بأثر ابن مسعود في المفوضة، انتهى.\nقال الحافظ (^٥) في شرح الحديث الآتي في الترجمة الآتية: قال المازري (^٦): تمسّك به كل من الطائفتين من قال: إن الحق في طرفين،\n_________\n(^١) \"شرح ابن بطال\" (١٠/ ٣٨٠).\n(^٢) \"فيض الباري\" (٦/ ٥٣٦).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٥/ ٣٥٤).\n(^٤) \"نور الأنوار\" (ص ٢٤٦).\n(^٥) \"فتح الباري\" (١٣/ ٣٢٠).\n(^٦) \"المعلم\" (٢/ ٢٦٦).","vol":"6","page":761},{"text":"ومن قال: إن كل مجتهد مصيب، أما الأولى فلأنه لو كان كل مصيبًا لم يطلق على أحدهما الخطأ لاستحالة النقيضين في حالة واحدة، وأما المصوبة فاحتجوا بأنه - ﷺ - جعل له أجرًا، فلو كان لم يصب لم يؤجر، وأجابوا عن إطلاق الخطأ في الخبر على من ذهل عن النص أو اجتهد فيما لا يسوغ الاجتهاد فيه من القطعيات، انتهى.\nوقال الكرماني (^١): المراد بالعامل: عامل الزكاة، وبالحاكم: القاضي، وقوله: \"فأخطأ\" أي: في أخذ واجب الزكاة أو في قضاء.\nقال الحافظ (^٢): وعلى تقدير ثبوت رواية الكشميهني فالمراد بالعالم: المفتي، أي: أخطأ في فتواه، وقال: وفي الترجمة نوع تعجرف، قلت: ليس فيها قلق إلا في اللفظ الذي بعد قوله: \"فأخطأ\"، فصار ظاهر التركيب ينافي المقصود؛ لأن من أخطأ خلاف الرسول لا يذم، بخلاف من أخطأ وفاقه، وليس ذلك المراد، وإنما تمّ الكلام عند قوله: \"فأخطأ\" وهو متعلق بقوله: اجتهد، وقوله: \"خلاف الرسول\" أي: فقال خلاف الرسول، وحذف \"قال\" يقع في الكلام كثيرًا فأي عجرفة في هذا، والشارح من شأنه أن يوجه كلام الأصل مهما أمكن، ويغتفر القدر اليسير من الخلل تارةً، ويحمله على الناسخ تارة، وكل ذلك في مقابلة الإحسان الكثير الباهر ولا سيما مثل هذا الكتاب، انتهى.\n\n(٢١ -<span data-type='title' id=toc-4254> باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٣): يشير إلى أنه لا يلزم من ردّ حكمه أو فتواه إذا اجتهد فأخطأ أن يأثم بذلك، بل إذا بذل وسعه أجر، فإن أصاب ضوعف أجره، لكن لو أقدم فحكم أو أفتى بغير علم لحقه الإثم، كما تقدمت الإشارة إليه، قال ابن المنذر: وإنما يؤجر الحاكم إذا أخطأ إذا كان عالمًا بالاجتهاد،\n_________\n(^١) \"شرح الكرماني\" (٢٥/ ٧٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٣/ ٣١٧، ٣١٨).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٣/ ٣١٨، ٣١٩).","vol":"6","page":762},{"text":"وأما إذا لم يكن عالمًا فلا، ومال الخطابي إلى أن العالم إنما يؤجر إذا اجتهد فأصاب، وأما إذا أخطأ فلا يؤجر على الخطأ بل يوضع عنه الإثم فقط، وكأنه يرى أن قوله: \"وله أجر واحد\" مجاز عن وضع الإثم، انتهى مختصرًا.\nوفي هامش النسخة المصرية عن شيخ الإسلام (^١): مرّ حديث الباب في أواخر البيوع، وفيه دلالة على أن الحق عند الله واحد، وأن المجتهد يخطئ ويصيب، انتهى.\n\n(٢٢ -<span data-type='title' id=toc-4255> باب الحجة على من قال: إن أحكام النبي - ﷺ - كانت ظاهرةً)</span>\nقال الكرماني وتبعه العيني (^٢): قوله: \"ما كان يغيب. . .\" إلخ، عطف على مقول القول و\"ما\" نافية أو على الحجة فما موصولة، انتهى.\nقال الحافظ (^٣): و\"ما\" موصولة، وجوّز بعضهم أن تكون نافية، وأنها من بقية القول المذكور، وظاهر السياق يأباه، وهذه الترجمة معقودة لبيان أن كثيرًا من الأكابر من الصحابة كان يغيب عن بعض ما يقوله النبي - ﷺ - أو يفعله من الأعمال التكليفية، فيستمرّ على ما كان اطلع عليه هو إما على المنسوخ لعدم اطلاعه على ناسخه، وإما على البراءة الأصلية، وإذا تقرّر ذلك قامت الحجة على من قدم عمل الصحابي الكبير على رواية غيره متمسكًا بأن ذلك الكبير لولا أن عنده ما هو أقوى من تلك الرواية لما خالفها.\nوقال ابن بطال (^٤): أراد الردّ على الرافضة والخوارج الذين يزعمون أن أحكام النبي - ﷺ - وسننه منقولة عنه نقل تواتر، وأنه لا يجوز العمل\n_________\n(^١) \"تحفة الباري\" (٦/ ٥١٧).\n(^٢) \"شرح الكرماني\" (٢٥/ ٧٨)، و\"عمدة القاري\" (١٦/ ٥٥٧).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٣/ ٣٢١).\n(^٤) \"شرح ابن بطال\" (١٠/ ٣٨٤).","vol":"6","page":763},{"text":"بما لم ينقل متواترًا قال: وقولهم مردود بما صحّ أن الصحابة كان يأخذ بعضهم عن بعض، ورجع بعضهم إلى ما رواه غيره، وانعقد الإجماع على القول بالعمل بأخبار الآحاد، انتهى.\nوقال صاحب \"الفيض\" (^١): قوله: \"كانت ظاهرة\" فيه ردّ على الباطنية حيث زعموا: أن المراد بالجنة والنار ليس ما يظهر من اسميها، بل هما عبارتان عن نعيم وعذاب معنويين، فردّ عليهم المصنف: أن أحكام النبي - ﷺ - كلها محمولة على ظاهرها، لا أن لها بواطن تخالف ظواهرها، انتهى.\nولا يبعد عند هذا العبد الضعيف: أن الإمام البخاري أشار بذلك إلى مسألة أصولية خلافية، وهي مسألة وجوب تقليد الصحابي، قال صاحب \"نور الأنوار\" (^٢): تقليد الصحابي واجب يترك به القياس، وقال الكرخي: لا يجب [تقليده] إلا فيما لا يدرك إلا بالقياس، وقال الشافعي: لا يقلد أحد منهم سواء كان مدركًا بالقياس أو لا؟ لأن الصحابة كان يخالف بعضهم بعضًا، وليس أحدهم أولى من الآخر فتعين البطلان، انتهى.\nفلا يبعد عندي أن المصنف أشار إلى هذا الأخير بناءً على أن بعضهم لا يشهدون بموضع يشهده غيره، وطالما لا يعرفون المنسوخ من الناسخ.\n\n(٢٣ -<span data-type='title' id=toc-4256> باب من رأى ترك النكير من النبي - ﷺ - حجة. . .) إلخ</span>\nكتب مولانا محمد حسن المكي في \"تقريره\" عن شيخه الكَنكَوهي (^٣): قوله: \"حجة\" أي: في الدين كالقرآن، أما ترك النكير من غيره ﵊ كالصحابة فليس بحجة في الدين، بل هو دليل على أن ذلك مذهبه، انتهى.\n_________\n(^١) \"فيض الباري\" (٦/ ٥٣٧).\n(^٢) \"نور الأنوار\" (ص ٢١٧).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٣٠٣).","vol":"6","page":764},{"text":"قال الحافظ (^١): النكير المبالغة في الإنكار، وقد اتفقوا على أن تقرير النبي - ﷺ - لما يفعل بحضرته أو يقال ويطلع عليه بغير إنكار دال على الجواز؛ لأن العصمة تنفي عنه ما يحتمل في حق غيره مما يترتب على الإنكار، فلا يقرّ على باطل، فمن ثم قال: \"لا من غير الرسول\" فإن سكوته لا يدلّ على الجواز.\nوأشار ابن التِّين إلى أن الترجمة تتعلق بالإجماع السكوتي، وأن الناس اختلفوا، فقالت طائفة: لا ينسب لساكت قول؛ لأنه في مهلة النظر، وقالت طائفة: إن قال المجتهد قولًا وانتشر لم يخالفه غيره بعد الاطلاع عليه فهو حجة، وقيل: لا يكون حجة حتى يتعدد القيل به، ومحل هذا الخلاف أن لا يخالف ذلك القول نص كتاب أو سُنَّة، فإن خالفه فالجمهور على تقديم النص، واحتج من منع مطلقًا أن الصحابة اختلفوا في كثير من المسائل الاجتهادية، فمنهم من كان ينكر على غيره إذا كان القول عنده ضعيفًا، وكان عنده ما هو أقوى منه من نص كتاب أو سُنَّة، ومنهم من كان يسكت، فلا يكون سكوته دليلًا على الجواز لتجويز أن يكون لم يتضح له الحكم، فسكت لتجويز أن يكون ذلك القول صوابًا وإن لم يظهر له وجهه، انتهى.\nوقال القسطلاني (^٢): قوله: \"حجة\" لأنه لا يقر أحدًا على باطل سواء استبشر به مع ذلك أم لا، لكن دلالته مع الاستبشار أقوى، وقد تمسك الشافعي في القيافة واعتبارها في النسب بكلا الأمرين الاستبشار وعدم الإنكار في قصة المدلجي، وسواء كان المسكوت عنه ممن يغريه الإنكار أو لا، كافرًا كان أو منافقًا، والقول باستثناء من يزيده الإنكار إغراءً، حكاه ابن السمعاني عن المعتزلة بناء على أنه لا يجب إنكاره عليه للإغراء، قال: والأظهر أنه يجب إنكاره عليه ليزول توهم الإباحة والقول باستثناء ما إذا كان الفاعل كافرًا أو منافقًا قول إمام الحرمين بناءً على أن الكافر غير مكلف بالفروع، إلى آخر ما ذكر.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٣/ ٣٢٣، ٣٢٤).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٥/ ٣٥٨).","vol":"6","page":765},{"text":"وفي \"نور الأنوار\" (^١): ركن الإجماع نوعان: عزيمة: وهو التكلم منهم بما يوجب الاتفاق إن كان ذلك الشيء من باب القول، أو شروعهم في الفعل إن كان من بابه، ورخصة: وهو أن يتكلم أو يفعل البعض دون البعض، أي: يتفق بعضهم على قول أو فعل وسكت الباقون منهم، ويسمى هذا إجماعًا سكوتيًا، وهو مقبول عندنا، وفيه خلاف الشافعي، انتهى مختصرًا.\n\n(٢٤ -<span data-type='title' id=toc-4257> باب الأحكام التي تعرف بالدلائل. . .) إلخ</span>\nقال الكرماني (^٢): قوله: \"بالدلائل\" أي: بالملازمات الشرعية أو العقلية، قال ابن الحاجب وغيره: الأدلة المتفق عليها خمسة: الكتاب والسُّنَّة، والإجماع، والقياس، والاستدلال، وذلك كما إذا علم ثبوت الملزوم شرعًا أو عقلًا علم ثبوت لازمه عقلًا أو شرعًا، وقوله: \"كيف معنى الدلالة. . .\" إلخ، ومعنى الدلالة هو كإرشاد النبي - ﷺ - أن الخاص وهو الحمير حكمه داخل تحت حكم العام، وهو ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ الآية [الزلزلة: ٧]، فإن من ربطها في سبيل الله فهو عامل للخير، يرى جزاءه خيرًا، ومن ربطها فخرًا ورياءً فهو عامل للشر جزاؤه شر، وأما تفسيرها فكتعليم عائشة - ﵂ - للمرأة السائلة التوضوء بالفرصة، انتهى.\nقال الحافظ (^٣): الدلالة في عرف الشرع الإرشاد إلى أن حكم الشيء الخاص الذي لم يرد فيه نصٌّ خاصٌّ داخل تحت حكم دليل آخر بطريق العموم، فهذا معنى الدلالة، وأما \"تفسيرها\" فالمراد به تبيينها، وهو تعليم المأمور كيفية ما أمر به، وإلى ذلك الإشارة في ثاني أحاديث الباب، ويستفاد من الترجمة بيان الرأي المحمود، وهو ما يؤخذ مما ثبت عن النبي - ﷺ - من أقواله وأفعاله بطريق التنصيص وبطريق الإشارة، فيندرج في\n_________\n(^١) \"نور الأنوار\" (ص ٢١٩).\n(^٢) \"شرح الكرماني\" (٢٥/ ٨٠).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٣/ ٣٣١).","vol":"6","page":766},{"text":"ذلك الاستنباط، ويخرج الجمود على الظاهر المحض، انتهى.\nوفي تقرير شيخ الهند نوَّر الله مرقده (^١): قوله: \"باب الأحكام. . .\" إلخ، هذا أيضًا قاعدة كلية من القواعد الشرعية؛ لأن الأعمال قد تعرف بالدلالة من الحديث، وقال مولانا سلمه الله تعالى: إن البخاري لم يكتف بذكر أن مدار الدين الوحي، بل حتى القواعد أيضًا، أثبتها من الأحاديث، ولله دره، انتهى.\nوما يظهر لهذا العبد الضعيف: أن الإمام البخاري قد أشار في \"كتاب الاعتصام\" بتراجم عديدة إلى مسائل الأصول كما ترى، فهكذا أشار بهذه الترجمة إلى أمرين قد نبَّه عليهما أصحاب الأصول، الأول: ما قالوا: إن أصول الشرع أربعة: الكتاب، والسُّنَّة، والإجماع، والقياس، وأشار إلى هذه الأربعة بقوله: \"التي تعرف بالدلائل\"، ولما كان الكلام على هذه الأربعة قد تقدم من مبدأ كتاب الاعتصام إلى ههنا، أشار إليها بقوله: \"التي تعرف بالدلائل\"، والأمر الثاني: هو ما ذكروه من تقسيم الاستدلال من الكتاب والسُّنَّة إلى أقسام عديدة معروفة عندهم من عبارة النص وإشارته ودلالته واقتضائه، فأشار إلى هذا الأمر الثاني بقوله: \"وكيف معنى الدلالة. . .\" إلخ.\n\n(٢٥ -<span data-type='title' id=toc-4258> باب قول النبي - ﷺ -: لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٢): هذه الترجمة لفظ حديث أخرجه أحمد وغيره من حديث جابر: أن عمر أتى النبي - ﷺ - بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب، فقرأه عليه، فغضب، وقال: \"لقد جئتكم بها بيضاء نقيةً، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به، أو بباطل فتصدقوا به،\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٣٠٥، ٣٠٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٣/ ٣٣٤).","vol":"6","page":767},{"text":"والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حيًّا ما وسعه إلا أن يتبعني\"، ورجاله موثقون إلا أن في مجالد ضعفًا، قال ابن بطال عن المهلب: هذا النهي إنما هو في سؤالهم عما لا نصّ فيه؛ لأن شرعنا مكتف بنفسه، فإذا لم يوجد فيه نصّ ففي النظر والاستدلال غنى عن سؤالهم، ولا يدخل في النهي سؤالهم عن الأخبار المصدقة لشرعنا، والأخبار عن الأمم السالفة.\nوأما قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [يونس: ٩٤] فالمراد به من آمن منهم، والنهي إنما هو عن سؤال من لم يؤمن منهم، ويحتمل أن يكون الأمر يختص بما يتعلق بالتوحيد والرسالة المحمدية وما أشبه ذلك، والنهي عما سوى ذلك، انتهى.\nقلت: وقد تقدم مني أن الإمام البخاري طالما أشار في هذا الكتاب إلى المسائل الأصولية، فهكذا ههنا عندي أنه أشار إلى مسألة أخرى خلافية، وهي شرائع من قبلنا هل تلزمنا مطلقًا أو لا؟ ففي \"نور الأنوار\" (^١): قال بعضهم: تلزم علينا مطلقًا، وقال بعضهم: لا تلزمنا قط، والمختار أن شرائع من قبلنا تلزمنا إذا قصّ الله ورسوله من غير إنكار، وهذا أصل كبير لأبي حنيفة يتفرع عليه أكثر الأحكام الفقهية، فمثال ما لم ينكر علينا بعد نقل القصة قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] فهذا كله باق علينا، ومثال ما أنكره علينا بعد القصة قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ الآية [الأنعام: ١٤٦]، ثم قال: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٤٦]، فعلم أنه لم يكن حرامًا علينا، إلى آخر ما قال.\nوقال الحافظ ابن كثير (^٢) تحت قوله: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا﴾ الآية [المائدة: ٤٥]: وقد استدل كثير ممن ذهب من الأصوليين والفقهاء إلى أن شرع من قبلنا شرع لنا إذا حكي مقررًا ولم ينسخ، كما هو المشهور عن\n_________\n(^١) \"نور الأنوار\" (ص ٢١٦).\n(^٢) \"تفسير ابن كثير\" (٥/ ٢٣٣، ٢٣٤).","vol":"6","page":768},{"text":"الجمهور، وقد حكى الشيخ أبو زكريا النووي في هذه المسألة ثلاثة أوجه: ثالثها: أن شرع إبراهيم حجة دون غيره، وصحح منها عدم الحجية، ونقلها الشيخ أبو إسحاق الإسفراييني أقوالًا عن الشافعي وأكثر الأصحاب، ورجّح أنه حجة عند الجمهور من أصحابنا، فالله أعلم، انتهى.\n\n(٢٦ -<span data-type='title' id=toc-4259> باب نهي النبي - ﷺ - عن التحريم إلا ما تعرف إباحته)</span>\nهكذا هذه الترجمة ههنا في النسخ الهندية، وقد اختلفت نسخ الشروح ههنا، ففي نسخة \"العيني\" و\"القسطلاني\" ههنا: \"باب كراهية الخلاف\".\nقال القسطلاني (^١): وهذا الباب - أي: كراهية الخلاف - عند أبي ذر بعد \"باب نهي النبي - ﷺ - عن التحريم\" وقبل هذا الباب المذكور \"باب قول الله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ الآية [الشورى: ٣٨] \"، انتهى.\nقلت: وبهذا الترتيب الذي أشار إليه القسطلاني وقع في نسخة \"الفتح\"، ففيه ذكر أولًا \"باب قول الله ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ \" وثانيًا \"باب نهي النبي - ﷺ -. . .\" إلخ، وثالثًا \"باب كراهية الاختلاف\".\nقال الحافظ (^٢): وقع في بعض النسخ في هذه الأبواب الثلاثة الأخيرة تقديم وتأخير، والخطب فيها سهل، انتهى.\nقوله: (عن التحريم) هكذا بلفظ \"عن\" في النسخ الهندية، وهكذا في نسخة متن الكرماني، وفي هامش الهندية (^٣) عن \"الخير الجاري\": متعلق بمحذوف، أي: ينبئ عن التحريم، وفي نسخ الشروح الأربعة بلفظ \"على\" بدل \"عن\"، وعليها بنوا شروحهم إذ قالوا: أي: محمول على التحريم،\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٥/ ٣٧١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٣/ ٣٤٤).\n(^٣) \"صحيح البخاري بحاشية السهارنفوري\" (١٤/ ٣٦٧).","vol":"6","page":769},{"text":"والمعنى أن نهيه - ﷺ - محمول على التحريم إلا ما يعرف كراهته بقرائن، وكذا أمره إيجاب إلا ما يعرف إباحته بالقرائن.\nقال الحافظ (^١): وقد أنهى بعض الأصوليين صيغة الأمر إلى سبعة عشر وجهًا، والنهي إلى ثمانية أوجه، ونقل القاضي أبو بكر ابن الطيّب عن مالك والشافعي: أن الأمر عندهما على الإيجاب والنهي على التحريم حتى يقوم الدليل على خلاف ذلك، وقال ابن بطال (^٢): هذا قول الجمهور، وقال كثير من الشافعية وغيرهم: الأمر على الندب، والنهي على الكراهة، حتى يقوم دليل الوجوب في الأمر، ودليل التحريم في النهي، وتوقف كثير منهم، انتهى.\nوفي \"نور الأنوار\" (^٣): موجب الأمر الوجوب عند العامة لا الندب، كما ذهب إليه البعض وهم أكثر المعتزلة، ويروى عن الشافعي في قول، ولا الإباحة كما ذهب إليه بعض، كما نقل عن بعض أصحاب مالك، إلى آخر ما ذكر.\n\n(٢٧ -<span data-type='title' id=toc-4260> باب كراهية الاختلاف)</span>\nقال الحافظ (^٤): ولبعضهم الخلاف، أي: في الأحكام الشرعية أو أعم من ذلك، انتهى.\nثم لا يذهب عليك الفرق بين هذا الباب وبين ما تقدم من باب قوله تعالى: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤] فإنه أخص منه هذا، وكذا ما تقدم قبله من \"باب قول الله: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ \" [الأنعام: ٦٥] فإن غرضه عندي خاص كما تقدم هناك.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٣/ ٣٣٧).\n(^٢) \"شرح ابن بطال\" (١٠/ ٣٩٣).\n(^٣) \"نور الأنوار\" (ص ٢٧).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٣/ ٣٣٦).","vol":"6","page":770},{"text":"(٢٨ -<span data-type='title' id=toc-4261> باب قول الله: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ. . .﴾ [الشورى: ٣٨]) إلخ</span>\nقال الحافظ (^١): أما الآية الأولى فأخرج البخاري في \"الأدب المفرد\" وابن أبي حاتم بسند قوي عن الحسن قال: \"ما تشاور قوم قط بينهم إلا هداهم الله لأفضل ما يحضرهم\"، وفي لفظ: \"إلا عزم الله لهم بالرشد أو بالذي ينفع\"، وأما الآية الثانية فأخرج ابن أبي حاتم بسند حسن عن الحسن أيضًا قال: قد علم أنه ما به إليهم حاجة، ولكن أراد أن يستن به من بعده، وفي حديث أبي هريرة: \"ما رأيت أحدًا أكثر مشورة لأصحابه من النبي - ﷺ -\"، ورجاله ثقات إلا أنه منقطع.\nوقد اختلف في متعلق المشاورة فقيل: في كل شيء ليس فيه نص، وقيل: في الأمر الدنيوي فقط، وقال الداودي: إنما كان يشاورهم في أمر الحرب مما ليس فيه حكم، قال: ومن زعم أنه كان يشاورهم في الأحكام فقد غفل غفلة عظيمةً، وقال غيره: اللفظ وإن كان عامًّا لكن المراد به الخصوص للاتفاق على أنه لم يكن يشاورهم في فرائض الأحكام، قال الحافظ: وفي هذا الإطلاق نظر، فقد أخرج الترمذي وحسّنه وصحّحه ابن حبان من حديث علي قال: \"لما نزلت ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ﴾ [المجادلة: ١٢] قال لي النبي - ﷺ -: ما ترى دينار؟ قلت: لا يطيقونه، قال: فنصف دينار؟ قلت: لا يطيقونه، قال: فكم؟ قلت: شعيرة، قال: إنك لزهيد، فنزلت ﴿أَأَشْفَقْتُمْ﴾ الآية [المجادلة: ١٣]، قال: فبي خفف الله عن هذه الأمة\"، ففي هذا الحديث المشاورة في بعض الأحكام، انتهى.\nوهذا آخر \"كتاب الاعتصام\" الذي هو آخر كتاب من هذا \"الجامع الصحيح\" كما تقدم في مبدأ الكتاب، أما براعة الاختتام فعند الحافظ في قوله: \"سبحانك هذا بهتان عظيم\" والتسبيح مشروع في الختام، فلذلك ختم\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٣/ ٣٤٠).","vol":"6","page":771},{"text":"به \"كتاب التوحيد\"، والحمد لله بعد التسبيح آخر دعوى أهل الجنة، قال الله تعالى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠]، وقد ورد في حديث أبي هريرة في ختم المجلس ما أخرجه الترمذي وابن حبان وغيرهما عنه مرفوعًا: \"من جلس في مجلس وكثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك: سبحانك اللَّهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، غفر له ما كان في مجلسه ذلك\"، قاله الحافظ ابن حجر (^١).\nوما ظهر لهذا العبد الفقير إلى رحمته تعالى أن الإمام البخاري رحمه الله تعالى يذكر الرجل في آخر كل كتاب موته كما تقدم غير مرة، فهكذا ههنا في آخر \"كتاب الاعتصام\" تحصل هذه البراعة عندي من حديث قصة الإفك إذ في تمامه إشارات كثيرة مذكرة للموت تظهر بالتأمل لمن يعتبر.\n* * *\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٣/ ٥٤٤).","vol":"6","page":772},{"text":"٩٧ -<span data-type='title' id=toc-4262> كتاب الرد على الجهميّة وغيرهم</span>\nيأتي قريبًا ذكر اختلاف النسخ، وقد تقدّم في مبدأ \"كتاب الاعتصام\" أن الأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن هذا الكتاب ليس بكتاب مستأنف بل هو بمنزلة التكملة لكتاب الاعتصام، فكن منه على ذكر، وفي هامش النسخة \"الهندية\" (^١) عن الكرماني: لما فرغ البخاري من مسائل أصول الفقه شرع في مسائل أصول الكلام وما يتعلق بها، وبذلك ختم كتابه، فإن قلت: الأولى تقديم الكلاميات على سائر ما في الجامع؛ لأنها الأصل والأساس والكل متفرع عنه مبني عليه، فالوضع الطبيعي أن يقدم مسائل أصول الكلام على مسائل أصول الفقه، ثم هو على مسائل الفقه ونحوها من سائر العمليات، قلت: لعله من باب الترقي إرادةً لختم الكتاب بالأشرف وختامه مسك.\nثم إنه قدّم التوحيد على غيره؛ لأنه أصل الأصول، وهو معنى كلمة الشهادة التي هي شعائر الإسلام، إلى آخر ما ذكر من تقسيم الصفات إلى عدمية ووجودية وغير ذلك.\nثم اعلم أنه اختلفت النسخ ههنا ففي النسخ الهندية \"كتاب الرد على الجهمية وغيرهم التوحيد، باب ما جاء في دعاء النبي - ﷺ -. . .\" إلخ، وفي النسخ المصرية من المتون والشروح: \"كتاب التوحيد، باب ما جاء. . .\" إلخ.\nقال الحافظ (^٢): كذا للنسفي وحماد بن شاكر، وعليه اقتصر الأكثر عن الفربري، وزاد المستملي: \"الردّ على الجهمية وغيرهم\"، ووقع لابن بطال وابن التِّين: \"كتاب رد الجهمية وغيرهم التوحيد\" وضبطوا\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري بحاشية السهارنفوري\" (١٤/ ٣٨٦ - ٣٨٧)، و\"شرح الكرماني\" (٢٥/ ٩٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٣/ ٣٤٤).","vol":"6","page":773},{"text":"التوحيد بالنصب على المفعولية، وظاهره معترض؛ لأن الجهمية وغيرهم من المبتدعة لم يردوا التوحيد، وإنما اختلفوا في تفسيره، وحجج الباب ظاهرة في ذلك، انتهى.\nثم قال الحافظ (^١): قال الكرماني (^٢): \"الجهمية\" فرقة من المبتدعة ينتسبون إلى جهم بن صفوان، مقدم الطائفة القائلة أن لا قدرة للعبد أصلًا، وهم الجبرية.\nقال الحافظ: وليس الذي أنكروه على الجهمية مذهب الجبر خاصةً، وإنما الذي أطبق السلف على ذمهم بسببه إنكار الصفات، حتى قالوا: إن القرآن ليس كلام الله وأنه مخلوق.\nوقد ذكر أبو منصور عبد القاهر في كتابه \"الفرق بين الفرق\": أن رؤوس المبتدعة أربعة إلى أن قال: والجهمية أتباع جهم بن صفوان الذي قال بالإجبار والاضطرار إلى الأعمال، وقال: لا فِعْلَ لأحد غير الله تعالى، وإنما ينسب الفعل إلى العبد مجازًا، وزعم أن علم الله تعالى حادث، وامتنع من وصف الله تعالى بأنه شيء أو حي أو عالم أو مريد، حتى قال: لا أصفه بوصف يجوز إطلاقه على غيره، قال: وأصفه بأنه خالق ومحي ومميت وموحد بفتح المهملة الثقيلة؛ لأن هذه الأوصاف خاصة به، وزعم أن كلام الله حادث، ولم يسم الله متكلمًا.\nقال البخاري في \"كتاب خلق أفعال العباد\": بلغني أن جهمًا كان يأخذ عن الجعد بن درهم، وكان خالد القسري وهو أمير العراق خطب فقال: إني مضح بالجعد؛ لأنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا ولم يكلم موسى تكليمًا، وكان ذلك في خلافة هشام بن عبد الملك، وقتل جهم كان بعد ذلك بمدة، وأسند أبو القاسم اللالكائي في \"كتاب السُّنَّة\" له: أن قتل جهم كان في سنة اثنتين وثلاثين ومائة، والمعتمد ما ذكره الطبري أنه كان\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٣/ ٣٤٥).\n(^٢) \"شرح الكرماني\" (٢٥/ ٩٥).","vol":"6","page":774},{"text":"في سنة ثمان وعشرين، وذكر ابن أبي حاتم أن قصة جهم كانت سنة ثلاثين ومائة، ونقل البخاري عن محمد بن مقاتل قال: قال عبد الله بن المبارك:\nولا أقول بقول الجهم إن له … قولًا يضارع قول الشرك أحيانًا\nوعن ابن المبارك: إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى، ونستعظم أن نحكي قول جهم، وعن عبد الله بن شوذب قال: ترك جهم الصلاة أربعين يومًا على وجه الشك، وأخرج ابن أبي حاتم في \"كتاب الردّ على الجهمية\" من طريق خلف بن سليمان البلخي قال: كان جهم من أهل الكوفة وكان فصيحًا، ولم يكن له نفاذ في العلم، فلقيه قوم من الزنادقة فقالوا له: صف لنا ربك الذي تعبده، فدخل البيت لا يخرج مدة ثم خرج، فقال: هو هذا الهواء مع كل شيء، انتهى.\nوأيضًا نقل عنه أنه قال: إن أسماء الله تعالى مخلوقة؛ لأن الاسم غير المسمى، وقال: لو قلت: إن لله تسعة وتسعين اسمًا لعبدت تسعة وتسعين إلهًا، كما سيأتي في \"باب إن لله مائة اسم. . .\" إلخ.\nقوله: (وغيرهم) قال الحافظ (^١): والمراد بقوله: \"وغيرهم\" القدرية، وأما الخوارج فتقدم ما يتعلق بهم في \"كتاب الفتن\"، وكذا الرافضة تقدم ما يتعلق بهم في \"كتاب الأحكام\"، وهؤلاء الفرق الأربع هم رؤوس البدعة، وقال أيضًا: قال ابن حزم في \"كتاب الملل والنحل\": فرق المقرين بملة الإسلام خمس: أهل السُّنَّة، ثم المعتزلة ومنهم القدرية، ثم المرجئة، ومنهم الجهمية والكرامية، ثم الرافضة ومنهم الشيعة، ثم الخوارج ومنهم الأزارقة والإباضية، ثم افترقوا فرقًا كثيرة إلى أن قال: وفي مقالاتهم ما يخالف أهل السُّنَّة الخلاف البعيد والقريب، فأقرب فرق المرجئة من قال: الإيمان التصديق بالقلب واللسان فقط، وليست العبادة من الإيمان، وأبعدهم الجهمية القائلون بأن الإيمان عقد بالقلب فقط وإن أظهر الكفر والتثليث بلسانه وعبد الوثن من غير تقية، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٣/ ٣٤٤ - ٣٤٦).","vol":"6","page":775},{"text":"وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^١): ثم إن المقصود بالردّ هنا ليس هو طائفة مخصوصة من أهل البدع، بل كل من أدّى إليه فكر المؤلف وقت ذكر الحديث، فكن على ذكر من ذلك، انتهى.\nقوله: (التوحيد) كتب الشيخ في \"اللامع\" (^٢): أي: هذا بيان التوحيد، فإن الكتاب لما كان وضعه للردّ عليهم وهم أنكروا صفاته ﵎، وأثبتوا للخلق قوة الخلق دون الاكتساب فقط كما هو مسلك أهل السُّنَّة والجماعة، أراد أن يردّ على هؤلاء زعمهم الباطل، انتهى.\nوفي \"تقرير مولانا محمد حسن المكي\": قوله: \"التوحيد\" بالنصب ظرف للردّ، معناه كتاب الرد عليهم في التوحيد، أي: في باب التوحيد بإثبات الصفات له تعالى التي أنكرها الجهمية، انتهى.\nقلت: وعلى هذا لا يرد ما أورد الحافظ كما تقدم من قوله: \"ظاهره معترض. . .\" إلخ، فللَّه در الشيخ قُدِّس سرُّه، وأورد العلامة العيني (^٣) على قول الحافظ بقوله: لا اعتراض عليها فإن من الجهمية طائفة يردون التوحيد، انتهى.\nوقال صاحب \"الفيض\" (^٤): \"التوحيد\" بالنصب والرفع، أما النصب فبناء على أنه مفعول للردّ، أي: هذا كتاب في الرد على توحيدهم الذي اعتقدوه، وأما الرفع فلعطفه على كتاب الردّ، أي: الردّ عليه هو التوحيد، انتهى.\nوقد تقدم في بيان اختلاف النسخ أن الواقع في أكثر النسخ من المتون والشروح بلفظ \"كتاب التوحيد\"، فقال صاحب \"الخير الجاري\" كما في \"هامش النسخة الهندية\" (^٥): وعنوان الكتاب بالتوحيد بمنزلة عنوان\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٣١٤).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٣١٢، ٣١٣).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٦/ ٥٧٥).\n(^٤) \"فيض الباري\" (٦/ ٥٤٥).\n(^٥) \"صحيح البخاري بحاشية السهارنفوري\" (١٤/ ٣٨٦).","vol":"6","page":776},{"text":"المتكلمين بالإلهيات، فكما يذكرون فيها مباحث الذات والصفات والنبوات وخلق الأعمال والحشر والميزان فكذا ذكر البخاري في هذا الكتاب المعنون بكتاب التوحيد الأمور المذكورة، وليكن هذا عندك أصلًا حتى لا تحتاج في كل مقام إلى تكلف مال إليه الشرَّاح، انتهى.\nفائدة: وللإمام ابن أبي حاتم أيضًا تأليف باسم \"كتاب الرد على الجهمية\"، وقد أكثر الحافظ في الأخذ عنه في شرح التراجم الآتية.\n\n(١ -<span data-type='title' id=toc-4263> باب ما جاء في دعاء النبي - ﷺ - أمته إلى توحيد الله. . .) إلخ</span>\nقال القسطلاني (^١): وهو الشهادة بأن الله واحد، ومعنى أنه تعالى واحد كما قاله بعضهم نفي التقسيم لذاته، ونفي التشبيه عن حقه وصفاته، ونفي الشريك معه في أفعاله ومصنوعاته، فلا تشبه ذاته الذوات ولا صفته الصفات، ولا فعل لغير حتى يكون شريكًا له في فعله أو عديلًا له، وهذا هو الذي تضمنته سورة الإخلاص من كونه واحدًا صمدًا إلى آخرها، فالحق - ﷾ - مخالف لمخلوقاته كلها مخالفة مطلقة، انتهى.\nقلت: وقد تقدم في شرح قوله: \"التوحيد\" بالنصب أن المقصود الردّ على توحيد المبتدعة لا ردّ التوحيد مطلقًا، ومن ههنا شرع المصنف في الردّ على تلك الفرق الباطلة المذكورة في صدر الكتاب، فابتدأ بإثبات التوحيد الذي يقول به أهل السُّنَّة والجماعة على رغم أنف هؤلاء الفرق الباطلة، وأيضًا يخطر ببالي في الغرض من الترجمة أن الإمام البخاري ترجم بذلك دفعًا لما يتوهم مما تقدم من لفظ الردّ على الجهمية التوحيد أنه أثبت في هذا الكتاب ردّ التوحيد - والعياذ بالله - فأتى بهذه الترجمة دفعًا لهذا الإيهام الموحش.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٥/ ٣٨١).","vol":"6","page":777},{"text":"(٢ - <span data-type='title' id=toc-4264>﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء:</span> ١١٠])\nقال ابن بطال (^١): غرضه في هذا الباب إثبات الرحمة، وهي من صفات الذات، قال: والمراد برحمته إرادته نفع من سبق في علمه أنه ينفعه، وأما الرحمة التي جعلها في قلوب عباده فهي من صفات الفعل، وصفها بأنه خلقها في قلوب عباده، وهي رقة على المرحوم، وهو - ﷾ - منزّه عن الوصف بذلك، فتتأول بما يليق به، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\nوفي \"تقرير مولانا محمد حسن المكي\" (^٣): هذا شروع في إثبات الصفات له تعالى، وكان قبل هذا إثبات توحيد الذات، انتهى.\nثم إنه قد يشكل ههنا من أن مسألة الصفات من باب الاعتقاد، وقد أثبتها المصنف بأحاديث الباب، وهي من قبيل أخبار الآحاد التي لا تنتهض حجة في الاعتقاديات، وقد تعرض لهذا الإشكال والجواب عنه الحافظ قُدِّس سرُّه فأجاد حيث قال (^٤): والذي يظهر من تصرف البخاري في \"كتاب التوحيد\" أنه يسوق الأحاديث التي وردت في الصفات المقدسة، فيدخل كل حديث منها في باب، ويؤيده بآية من القرآن للإشارة إلى خروجها عن أخبار الآحاد، وأن من أنكرها خالف الكتاب والسُّنَّة جميعًا، وقد أخرج ابن أبي حاتم في \"كتاب الردّ على الجهمية\" بسند صحيح عن سلام بن أبي مطيع، وهو شيخ شيوخ البخاري أنه ذكر المبتدعة فقال: ويلهم ماذا ينكرون من هذه الأحاديث، والله ما في الحديث شيء إلا وفي القرآن مثله، يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج: ٧٥] ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨] ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى\n_________\n(^١) \"شرح ابن بطال\" (١٠/ ٤٠٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٣/ ٣٥٨).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٣١٤).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٣/ ٣٥٩).","vol":"6","page":778},{"text":"الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، ونحو ذلك، فلم يزل - أي: سلام بن مطيع - يذكر الآيات من العصر إلى غروب الشمس، انتهى.\nثم إنه قد تقدم في كلام الحافظ في الغرض من الترجمة من قول ابن بطال، وهو إثبات الرحمة، ثم قال الحافظ (^١) في آخر الباب: وكأن المصنف لمح في هذه الترجمة بهذه الآية إلى ما ورد في سبب نزولها عن ابن عباس: أن المشركين سمعوا رسول الله - ﷺ - يدعوا: يا الله يا رحمن، فقالوا: كان محمد يأمرنا بدعاء إله واحدٍ وهو يدعوا إلهين، فنزلت، انتهى.\nقلت: لعل الحافظ أراد بهذا أن المصنف أشار بهذه الآية بحسب شأن نزولها إلى إثبات التوحيد، فهذا غرض آخر غير ما تقدم عن ابن بطال، لكن روايات الباب تؤيد قول ابن بطال.\n\n(٣ -<span data-type='title' id=toc-4265> باب قول الله: (إني أنا الرزاق ذو القوة المتين) [الذاريات:</span> ٥٨])\nكذا في النسخة \"الهندية\"، وهكذا في نسخة \"القسطلاني\" وفي نسخة \"الفتح\" والعيني بلفظ: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ﴾.\nقال الحافظ (^٢): كذا لأبي ذر والأصيلي على وفق القراءة المشهورة، ووقع في رواية القابسي: \"إني أنا الرزاق. . .\" إلخ، وجزم به الصغاني، وزعم أن الذي وقع عند أبي ذر وغيره من تغييرهم لظنهم أنه خلاف القراءة، قال: وقد ثبت ذلك قراءة عن ابن مسعود، وقلت: ذكر أن النبي - ﷺ - أقرأه كذلك، كما أخرجه أحمد وأصحاب السنن.\nقال ابن بطال (^٣): تضمن هذا الباب صفتين لله تعالى: صفة ذات،\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٣/ ٣٥٩).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٣/ ٣٦٠).\n(^٣) \"شرح ابن بطال\" (١٠/ ٤٠٤).","vol":"6","page":779},{"text":"وصفة فعل، فالرزق فعل من أفعاله تعالى، فهو من صفات فعله، والقوة من صفات الذات، وهي بمعنى القدرة، انتهى مختصرًا.\nقلت: والأوجه عندي: أن الترجمة تتعلق بالأولى فقط، فإن صفة القوة سيأتي قريبًا في \"باب قل هو القادر، إذ قالوا: إن القوة والقدرة واحد\"، وعلى هذا فلا يلزم التكرار في الترجمة.\n\n(٤ -<span data-type='title' id=toc-4266> باب قول الله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ [الجن:</span> ٢٦])\nفيه إثبات صفة العلم لله تعالى، والردّ على المعتزلة حيث قالوا: إنه عالم بلا علم، وأنكر الجهمية أيضًا كونه عالمًا.\nقال الحافظ (^١): قال ابن بطال (^٢): في هذه الآيات إثبات علم الله تعالى، وهو من صفات ذاته، خلافًا لمن قال: إنه عالم بلا علم، ثم إذا ثبت أنّ علمه قديم وجب تعلقه بكل معلوم على حقيقته بدلالة هذه الآيات.\nوبسط الحافظ ههنا الكلام على هذه المسألة وذكر شبهات المخالفين وتأويلاتهم الباطلة مع الردّ عليهم فارجع إليه لو شئت.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): ولا يخلو أكثر أحاديث الباب - أي: كتاب الردّ على الجهمية - من إثبات شيء من الصفات أو التقدير أو غير ذلك مما هو مفيد في الردّ على فرق أهل البدع، انتهى.\nقلت: وهو كذلك فإن جميع أبواب هذا الكتاب تبلغ ثمانية وخمسين، وكلّها ردّ على أحد من أهل البدع أو إثبات لصفة من صفاته ﵎، ثم ذكر في هامش \"اللامع\" الكلام على جميع هذه الأبواب بابًا بابًا بالإجمال، فارجع إليه لو شئت الكلام الجملي على هذه الأبواب.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٣/ ٣٦٢).\n(^٢) \"شرح ابن بطال\" (١٠/ ٤٠٧).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٣١٤).","vol":"6","page":780},{"text":"(٥ -<span data-type='title' id=toc-4267> باب قول الله: ﴿السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ. . .﴾ [الحشر: ٢٣]) إلخ</span>\nذكر الشرَّاح أنّ الغرض منه إثبات أسمائه تعالى، وأشار بهذا اللفظ إلى ثلاث آيات من سورة الحشر، فإنها ختمت بقوله تعالى: ﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾.\nوالأوجه عندي: أن الغرض إثباتُ اسم السلام، أنه اسم من أسمائه تعالى، كما في حديث الباب، وأما ذكر الأسماء فسيأتي في باب مستأنف \"باب إن لله مائة اسم. . .\" إلخ، والباب الذي بعده من \"باب السؤال بأسماء الله تعالى. . .\" إلخ، وهما الباب الثاني عشر، والثالث عشر.\n\n(٦ -<span data-type='title' id=toc-4268> باب قول الله: ﴿مَلِكِ النَّاسِ. . .﴾) إلخ</span>\nقال ابن بطال (^١): ووصفه بأنه ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ [الناس: ٢] يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون بمعنى القدرة فيكون صفة ذات، وأن يكون بمعنى القهر والصرف عما يريدون فيكون صفة فعل، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\nومال الحافظ إلى أن الغرض من الترجمة إثبات صفة الكلام لله تعالى، وأنه غير مخلوق حيث قال: والذي يظهر لي أنه أشار إلى ما قاله نعيم بن حماد الخزاعي، قال ابن أبي حاتم في \"كتاب الرد على الجهمية\": وجدت في كتاب نعيم بن حماد قال: يقال للجهمية: أخبرونا عن قول الله تعالى بعد فناء خلقه: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر: ١٦] فلا يجيبه أحد فيردّ على نفسه: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ وذلك بعد انقطاع ألفاظ خلقه بموتهم أفهذا مخلوق، انتهى.\nوأشار بذلك إلى الرد على من زعم أن الله يخلق كلامًا فيسمعه من شاء، بأن الوقت الذي يقول فيه: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ لا يبقى حينئذ مخلوق حيًّا، فيجيب نفسه فيقول: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ فثبت أنه يتكلم بذلك، وكلامه صفة من صفات ذاته فهو غير مخلوق، انتهى.\n_________\n(^١) \"شرح ابن بطال\" (١٠/ ٤١٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٣/ ٣٦٨).","vol":"6","page":781},{"text":"(٧ -<span data-type='title' id=toc-4269> باب قول الله ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾)</span>\nقال الحافظ (^١): قال ابن بطال (^٢): \"العزيز\" يتضمن العزة، والعزة يحتمل أن تكون صفة ذات بمعنى القدرة والعظمة، وأن تكون صفة فعل بمعنى القهر لمخلوقاته والغلبة لهم، ولذلك صحت إضافة اسمه إليها، قال البيهقي: العزة تكون بمعنى القوة فترجع إلى معنى القدرة، ثم ذكر نحوًا مما ذكره ابن بطال، والذي يظهر أن مراد البخاري في الترجمة إثبات العزة لله ردًّا على من قال: إنه العزيز بلا عزة، انتهى.\n\n(٨ -<span data-type='title' id=toc-4270> باب قول الله - ﷿ -: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ. . .﴾) إلخ</span>\nالمقصود بهذا إثبات اسمه تعالى الحق، وبسط الحافظ في \"الفتح\" في معنى الحق والمراد به، وقال (^٣): كأنه أشار بهذه الترجمة إلى ما ورد في تفسير هذه الآية أن معنى قوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي: بكلمة الحق، وهو قوله تعالى: ﴿كُنْ﴾، ونقل ابن التِّين عن الداودي: أن الباء ههنا بمعنى اللام، أي: لأجل الحق إلى آخر ما بسطه.\nوقال القسطلاني (^٤): الحق في الأسماء الحسنى معناه الواجب الوجود بالبقاء الدائم والدوام المتوالي الجامع للخير والمجد، إلى آخر ما بسطه.\nفالأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن غرض الإمام البخاري بهذه الترجمة إثبات اسمه تعالى الحق، ويكون الحجة في الحديث في قوله: \"أنت الحق\".\nثم لا يذهب عليك أن الإمام البخاري ترجم بالخلق في ثلاثة أبواب: الأول هذا، والثاني ما سيأتي من باب قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ﴾ [الحشر: ٢٤]، وهو الباب الثامن عشر، والثالث \"باب ما جاء في تخليق\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٣/ ٣٦٩).\n(^٢) \"شرح ابن بطال\" (١٠/ ٤١٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٣/ ٣٧١).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (١٥/ ٤٠٤).","vol":"6","page":782},{"text":"السموات والأرض\"، وهو الباب السابع والعشرون، ولا تكرار في هذه التراجم عندي لاختلاف المقاصد، وقد عرفت أن الغرض من الباب الذي نحن بصدده هو إثبات اسمه تعالى الحق، ويأتي الكلام على البابين الآتيين في محلهما، انتهى من هامش \"اللامع\" (^١).\n\n(٩ -<span data-type='title' id=toc-4271> باب قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء:</span> ١٣٤])\nوالغرض من الترجمة إثبات صفتي السمع والبصر، وفي الحاشية عن العيني (^٢): غرضه من هذا الباب الردّ على المعتزلة حيث قالوا: إنه سميع بلا سمع، وعلى من قال: معنى السميع العالم بالمسموعات لا غير.\nقال البيهقي في \"الأسماء والصفات\" (^٣): السميع من له السمع يدرك به المسموعات، والبصير من له البصر يدرك به المرئيات، انتهى مختصرًا.\nوفي حاشية النسخة المصرية عن شيخ الإسلام (^٤): غرضه الردّ على المعتزلة في قولهم: إنه يقال: سميع بلا سمع، بصير بلا بصر، لاستحالة سميع وبصير بلا سمع وبصر، انتهى.\nقال الكرماني (^٥): المقصود من هؤلاء الأحاديث إثبات صفتي السمع والبصر، وهما صفتان قديمتان من الصفات الذاتية، وعند حدوث المسموع والمبصر يقع التعلق، وأما المعتزلة فقالوا: إنه سميع يسمع كل مسموع، وبصير يبصر كل مبصر، فادّعوا أنهما صفتان حادثتان، وظواهر الآيات والأحاديث تردّ عليهم، وبالله التوفيق، انتهى.\nويشكل مطابقة حديث أبي بكر بالترجمة، قال العيني (^٦) تبعًا للكرماني (^٧): مطابقته للترجمة من حيث إن بعض الذنوب مما يسمع،\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٣١٥، ٣١٦).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٦/ ٥٨٩).\n(^٣) \"كتاب الأسماء والصفات\" (ص ١٧٧).\n(^٤) \"تحفة الباري\" (٦/ ٥٣١).\n(^٥) \"شرح الكرماني\" (٢٥/ ١٠٩).\n(^٦) \"عمدة القاري\" (١٦/ ٥٩١).\n(^٧) \"شرح الكرماني\" (٢٥/ ١٠٩).","vol":"6","page":783},{"text":"وبعضها مما يبصر لم تقع مغفرته إلا بعد الإسماع والإبصار، وقال ابن بطال: مناسبته للترجمة من حيث إن دعاء أبي بكر بما علمه النبي - ﷺ - يقتضي أن الله تعالى سميع لدعائه ويجازيه عليه، وبما ذكر ردّ على من قال: حديث أبي بكر ليس مطابقًا للترجمة إذ ليس فيه ذكر صفتي السمع والبصر، انتهى.\n\n(١٠ -<span data-type='title' id=toc-4272> باب قوله: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ. . .﴾ [الأنعام: ٦٥]) إلخ</span>\nقال ابن بطال (^١): القدرة من صفات الذات، وقد تقدّم في باب قوله تعالى: \"إني أنا الرزاق\" أن القوة والقدرة بمعنى واحد، انتهى من \"الفتح\" (^٢).\nوهكذا قال العيني (^٣): أن القوة والقدرة بمعنى واحد، انتهى.\nقلت: وبذلك جزم البيهقي في \"كتاب الأسماء والصفات\" (^٤) إذ ترجم \"ما جاء في إثبات صفة القدرة وهي القوة\"، انتهى.\nوقد تقدم أن الأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن الغرض من الترجمة المذكورة سابقًا إثبات صفة الرزق لا القدرة، وعلى هذا فلا تكرار في الترجمة.\n\n(١١ -<span data-type='title' id=toc-4273> باب مقلب القلوب)</span>\nقال الحافظ (^٥): ويستفاد منه أن إعراض القلب كالإرادة وغيرها بخلق الله تعالى، وهي من الصفات الفعلية، ومرجعها إلى القدرة، وقال أيضًا: وفيه حجة لمن أجاز تسمية الله تعالى بما ثبت في الخبر، ولو لم يتواتر، وجواز اشتقاق الاسم له تعالى من الفعل الثابت، انتهى.\n_________\n(^١) \"شرح ابن بطال\" (١٠/ ٤١٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٣/ ٣٧٦).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٦/ ٥٩١).\n(^٤) \"كتاب الأسماء والصفات\" (ص ١٢٥).\n(^٥) \"فتح الباري\" (١٣/ ٣٧٧).","vol":"6","page":784},{"text":"(١٢ -<span data-type='title' id=toc-4274> باب أن لله مائة اسم إلا واحدًا. . .) إلخ</span>\nقال ابن أبي حاتم في \"كتاب الردّ على الجهمية\": ذكر نعيم بن حماد أن الجهمية قالوا: إن أسماء الله تعالى مخلوقة؛ لأن الاسم غير المسمى، وادعوا أن الله كان، ولا وجود لهذه الأسماء، ثم خلقها ثم تسمى بها، قال: فقلنا لهم: إن الله قال: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، وقال: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾ [يونس: ٣]، فأخبر أنه المعبود، ودلّ كلامه على اسمه بما دلّ به على نفسه، فمن زعم أن اسم الله مخلوق فقد زعم أن الله أمر نبيه أن يسبح مخلوقًا، ونقل عن إسحاق بن راهويه عن الجهمية أن جهمًا قال: لو قلت: إن لله تسعةً وتسعين اسمًا لعبدت تسعة وتسعين إلهًا، قال: فقلنا لهم: إن الله أمر عباده أن يدعوه بأسمائه فقال: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، والأسماء جمع، أقله ثلاثة، ولا فرق في الزيادة على الواحد بين الثلاثة وبين التسعة والتسعين.\nقال الإمام أحمد في \"كتاب السُّنَّة\": قالت الجهمية لمن قال: إن الله لم يزل بأسمائه وصفاته: قلتم بقول النصارى حيث جعلوا معه غيره، فأجابوا بأنا نقول: إنه واحد بأسمائه وصفاته، فلا نصف إلا واحدًا بصفاته كما قال تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [المدثر: ١١] وصفه بالوحدة مع أنه كان له لسان وعينان وأذنان وسمع وبصر، ولم يخرج بهذه الصفات عن كونه واحدًا، ولله المثل الأعلى، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوالأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن الإمام البخاري أشار بهذا الباب إلى أن لفظ الله اسم ذات، والباقي أسماء صفات، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٣/ ٣٧٨ و١٣/ ٣٨١).","vol":"6","page":785},{"text":"(١٣ -<span data-type='title' id=toc-4275> باب السؤال بأسماء الله تعالى والاستعاذة بها. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^١): قال ابن بطال (^٢): مقصوده بهذه الترجمة تصحيح القول بأن الاسم هو المسمى، فلذلك صحت الاستعاذة بالاسم كما تصح بالذات، وأما شبهة القدرية التي أوردوها على تعدد الأسماء، فالجواب عنها أن الاسم يطلق ويراد به المسمى، ويطلق ويراد به التسمية، وهو المراد بحديث الأسماء، انتهى.\nوهكذا في \"العيني\" (^٣) وزاد: كون الاسم هو المسمى لا يتمشى إلا في الله تعالى، كما نبَّه عليه صاحب \"التوضيح\" (^٤) حيث قال: غرض البخاري أن يثبت أن الاسم هو المسمى في الله تعالى على ما ذهب إليه أهل السُّنَّة، انتهى.\nوبسط الكلام على هذه المسألة شيخ الإسلام ابن تيمية في \"فتاواه\" أشدّ البسط، والحافظ ابن حجر في \"الفتح\"، ويمكن أن يقال: إن الغرض بهذا الباب الردّ على من قال: إن أسماء الله تعالى مخلوقة وكلامه مخلوق كما نقل عن الجهمية، ووجه الردّ أنها لو كانت غيرها لما جازت الاستعاذة بها، كما قال البخاري في \"كتاب خلق الأفعال\"، إلى آخر ما ذكر في هامش \"اللامع\" (^٥).\nثم لا يذهب عليك ما قاله الحافظ، وتبعه العيني (^٦): ذكر في الباب تسعة أحاديث كلها بالتبرك باسم الله والسؤال به والاستعاذة، ويردّ على ظاهره أن التبرك باسمه تعالى ليس بمذكور في الترجمة، بل الترجمة بلفظ\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٣/ ٣٧٩).\n(^٢) \"شرح ابن بطال\" (١٠/ ٤٢٣).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٦/ ٥٩٤).\n(^٤) \"التوضيح\" (٣٣/ ٢٣٩).\n(^٥) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٣١٨).\n(^٦) \"فتح الباري\" (١٣/ ٣٨٠)، و\"عمدة القاري\" (١٦/ ٥٩٤).","vol":"6","page":786},{"text":"السؤال، اللَّهم إلا أن يقال: إن التبرك باسم الكريم دعاء وسؤال منه، وأيضًا يردّ عليه أن الاستعاذة لا يثبت نصًّا بشيء من الروايات إلا أن يقال: إن الاستعاذة يستأنس بحديث: \"جنبنا الشيطان\" الحديث.\n\n(١٤ -<span data-type='title' id=toc-4276> باب ما يذكر في الذات والنعوت وأسامي الله)</span>\nأي: ما يذكر في ذات الله ونعوته من تجويز إطلاق ذلك كأسمائه أو منعه لعدم ورود النص به، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nقلت: وما يظهر من الحديث الوارد فيه أن الغرض جواز إطلاق لفظ الذات على الله تعالى عزّ اسمه فإنه مختلف فيه.\nوفي \"الفتح\" (^٢): عن ابن برهان: إطلاق المتكلمين الذات في حق الله تعالى من جهلهم؛ لأن الذات تأنيث \"ذو\"، وهو جلت عظمته لا يصح له إلحاق تاء التأنيث، ولهذا امتنع أن يقال: علَّامة، وإن كان أعلم العالمين، وتعقب بأن الممتنع استعمالها بمعنى صاحبة، أما إذا قطعت عن هذا المعنى واستعملت بمعنى الاسمية فلا محذور لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ أي: بنفس الصدور، وبسط الحافظ الكلام على لفظ الذات لغةً واستعمالًا.\nقوله: (وأسامي الله) جمع اسم، وتجمع أيضًا على أسماء، قال ابن بطال (^٣): أسماء الله تعالى على ثلاثة أضرب: أحدها: يرجع إلى ذاته وهو الله، والثاني: يرجع إلى صفة قائمة به كالحي، والثالث: يرجع إلى فعله كالخالق، وطريق إثباتها السمع، والفرق بين صفات الذات وصفات الفعل أن صفات الذات قائمة به، وصفات الفعل ثابتة له بالقدرة ووجود المفعول بإرادته جل وعلا، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٣/ ٣٨١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٣/ ٣٨٢).\n(^٣) \"شرح ابن بطال\" (١٠/ ٤٢٦).","vol":"6","page":787},{"text":"وأفاد العزيز المولوي محمد يونس (^١) في غرض هذه الترجمة: أنها متضمنة بثلاثة أجزاء فبالأول: وهو الذات أشار إلى إطلاق الذات ونحوه كنفس على الله تعالى، والثاني: النعوت وهو يشمل كل نعت لله تعالى، والثالث: الأسامي وهي غير النعوت، ثم ذكر البخاري بعد ذلك الأبواب العديدة تفصيل هذه الترجمة الجامعة.\n\n(١٥ -<span data-type='title' id=toc-4277> باب قول الله: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨]) إلخ</span>\nالغرض منه إطلاق النفس على الله تعالى.\nقال الحافظ (^٢): قال ابن بطال (^٣): في هذه الآيات والأحاديث إثبات النفس لله تعالى.\nوقال الكرماني (^٤): ليس في حديث ابن مسعود هذا ذكر النفس، ولعله أقام استعمال أحد مقام النفس لتلازمهما في صحة استعمال كل واحد منهما مقام الآخر، ثم قال: والظاهر أن هذا الحديث كان قبل هذا الباب، فنقله الناسخ إلى هذا الباب، انتهى.\nقال الحافظ: وكل هذا غفلة عن مراد البخاري، فإن ذكر النفس ثابت في هذا الحديث، وإن كان لم يقع في هذا الطريق، لكنه أشار إلى ذلك كعادته، فقد أورده في تفسير سورة الأنعام والأعراف بزيادة، ولذلك مدح نفسه، انتهى.\nوفي حاشية النسخة المصرية عن شيخ الإسلام (^٥): قوله: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ أي: ذاته، فالإضافة بيانية، وفيه تقدير مضاف، أي: ويحذركم عقابه\n_________\n(^١) هو الشيخ المحدث محمد يونس الجونفوري، من كبار المحدثين في الهند، ومن أرشد تلاميذ الإمام المحدث محمد زكريا الكاندهلوي، وهو يشغل منصب \"شيخ الحديث\" في مدرسة مظاهر علوم بسهارنفور، الهند.\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٣/ ٣٨٤).\n(^٣) \"شرح ابن بطال\" (١٠/ ٤٢٧).\n(^٤) \"شرح الكرماني\" (٢٥/ ١١٩).\n(^٥) \"تحفة الباري\" (٦/ ٥٣٥).","vol":"6","page":788},{"text":"وقيل: إطلاق النفس عليه تعالى ممنوع، وإنما ذكرت في الآية الثانية في كلامه للمشاكلة، وعليه فالمراد بالنفس في الأولى نفس عباد الله كما قيل به، انتهى.\nوفي \"القسطلاني\" (^١): قال البيهقي في \"كتاب الأسماء والصفات\" (^٢): والنفس في كلام العرب على أوجه: منها الحقيقة كما يقولون: في نفس الأمر، وليس للأمر نفس منفوسة، ومنها الذات، وقد قيل في قوله تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي﴾ [المائدة: ١١٦] أن معناه ما أكنه وأسره، ولا أعلم ما تسرّه عني، وقيل: ذكر النفس هنا للمقابلة والمشاكلة، وعورض بالآية التي في أول الباب إذ ليس فيها مقابلة، انتهى.\n\n(١٦ -<span data-type='title' id=toc-4278> باب قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ. . .﴾ [القصص: ٨٨]) إلخ</span>\nعندي: غرض الترجمة بيان جواز إطلاق الوجه على الله ﵎.\nقال الحافظ (^٣): قال ابن بطال (^٤): في هذه الآية والحديث دلالة على أن لله وجهًا، وهو من صفة ذاته، وليس بجارحة ولا كالوجوه التي نشاهدها من المخلوقين، كما نقول: إنه عالم ولا نقول: إنه كالعلماء الذين نشاهدهم، انتهى.\nوفي \"القسطلاني\" (^٥): قال البيهقي: تكرر ذكر الوجه في الكتاب والسُّنَّة الصحيحة وهو في بعضها صفة ذات، كقوله: \"إلا برداء الكبرياء على وجهه\"، وفي بعضها: من أجل كقوله: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٩] وفي بعضها بمعنى الرضا كقوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٨] وليس المراد الجارحة جزمًا، انتهى.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٥/ ٤٢٦).\n(^٢) \"كتاب الأسماء والصفات\" (ص ٢٧٤).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٣/ ٣٨٨، ٣٨٩).\n(^٤) \"شرح ابن بطال\" (١٠/ ٤٣١).\n(^٥) \"إرشاد الساري\" (١٥/ ٤٣٠).","vol":"6","page":789},{"text":"(١٧ -<span data-type='title' id=toc-4279> باب قوله: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي. . .﴾ [طه: ٣٩]) إلخ</span>\nغرض الترجمة ظاهر، وهو إثبات العين لله عزّ اسمه.\nقال الحافظ (^١): قال ابن المنيِّر (^٢): وجه الاستدلال على إثبات العين لله من حديث الدجّال من قوله: \"إن الله ليس بأعور\" من جهة أن العور عرفًا عدم العين، وضد العور ثبوت العين، فلما نزعت هذه النقيصة لزم ثبوت الكمال بضدها، وهو وجود العين، وهو على سبيل التمثيل والتقريب للفهم لا على معنى إثبات الجارحة، قال: ولأهل الكلام في هذه الصفات كالعين والوجه واليد ثلاثة أقوال: أحدها: أنها صفات ذات أثبتها السمع، ولا يهتدي إليه العقل، والثاني: أن العين كناية عن صفة البصر، واليد كناية عن صفة القدرة، والوجه كناية عن صفة الوجود، والثالث: إمرارها على ما جاءت مفوضًا معناها إلى الله تعالى.\nوقال الشيخ شهاب الدين السهروردي في \"كتاب العقيدة\" له: أخبر الله في كتابه وثبت عن رسوله الاستواء والنزول والنفس واليد والعين، فلا يتصرف فيها بتشبيه ولا تعطيل، إذ لولا إخبار الله ورسوله ما تجاسر عقل أن يحوم حول ذلك الحمى.\nقال الطيبي: هذا هو المذهب المعتمد، وبه يقول السلف الصالح، وقال غيره: لم ينقل عن النبي - ﷺ - ولا عن أحد من أصحابه من طريق صحيح التصريح بوجوب تأويل شيء من ذلك، ولا المنع من ذكره، إلى آخر ما في \"الفتح\".\nوفيه أيضًا قال ابن بطال: احتجت المجسمة بهذا الحديث، وقالوا: في قوله: \"وأشار بيده إلى عينه\" دلالة على أن عينه كسائر الأعين، وتعقب باستحالة الجسمية عليه؛ لأن الجسم حادث وهو قديم، فدلّ على أن المراد نفي النقص عنه، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٣/ ٣٩٠).\n(^٢) \"المتواري\" (ص ٤٢٧).","vol":"6","page":790},{"text":"(١٨ -<span data-type='title' id=toc-4280> باب قول الله: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ [الحشر:</span> ٢٤])\nقد تقدم في \"باب قول الله: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ٧٣] \" أن الإمام البخاري ترجم بالخالق في ثلاثة مواضع، فهذا هو الباب الثاني.\nوالأوجه عندي: أن المقصود به هو إثبات صفة الخالق، كما يدل عليه حديث الباب، وفي \"الفتح\" (^١): قال الطيبي: قيل: إن الألفاظ الثلاثة مترادفة، وهو وهم، ثم بسط في الفرق بينها، وفيه: قال ابن بطال: الخالق في هذا الباب يراد به المبدع المنشئ لأعيان المخلوقين، وهو معنى لا يشارك الله فيه أحد، قال: ولم يزل الله مسميًا نفسه خالقًا على معنى أنه سيخلق لاستحالة قدم الخلق، انتهى.\n\n(١٩ -<span data-type='title' id=toc-4281> باب قول الله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:</span> ٧٥])\nغرض الترجمة إثبات اليدين له عزّ اسمه كما هو ظاهر.\nقال الحافظ (^٢): قال ابن بطال (^٣): إثبات يدين لله تعالى، وهما صفتان من صفات ذاته وليستا بجارحتين، خلافًا للمشبهة من المثبتة، وللجهمية من المعطلة، ويكفي في الردّ على من زعم أنهما بمعنى القدرة، أنهم أجمعوا على أن له قدرة واحدةً في قول المثبتة، ولا قدرة له في قول النفاة؛ لأنهم يقولون: إنه قادر لذاته، ويدلّ على أن اليدين ليستا بمعنى القدرة، أن في قوله تعالى لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] إشارة إلى المعنى الذي أوجب السجود، فلو كان اليد بمعنى القدرة لم يكن بين آدم وإبليس فرق لتشاركهما فيما خلق كل منهما به وهي قدرته، ولقال\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٣/ ٣٩١ - ٣٩٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٣/ ٣٩٣ - ٣٩٤).\n(^٣) \"شرح ابن بطال\" (١٠/ ٤٣٦).","vol":"6","page":791},{"text":"إبليس: وأي فضيلة له علي وأنا خلقتني بقدرتك كما خلقته بقدرتك، فلما قال: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [ص: ٧٦] دلّ على اختصاص آدم بأن الله خلقه بيديه، إلى آخر ما بسط في \"الفتح\".\nوفيه أيضًا: واليد في اللغة تطلق لمعان كثيرة اجتمع لنا منها خمسة وعشرون معنى ما بين حقيقة ومجاز، ثم ذكر تلك المعاني.\n\n(٢٠ -<span data-type='title' id=toc-4282> باب قول النبي - ﷺ -: لا شخص أغير من الله. . .) إلخ</span>\nالأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن المقصود من هذه الترجمة إثبات صفة الغيرة لله تعالى، وهو مصرحٌ في حديث الباب.\nوفي \"القسطلاني\" (^١): قوله: \"والله أغير مني. . .\" إلخ، قال ابن دقيق العيد: المنزهون لله، إما ساكتون عن التأويل وإما مؤولون، والثاني يقول: المراد بالغيرة المنع من الشيء والحماية، وهما من لوازم الغيرة، فأطلقت على سبيل المجاز، فالمراد الزجر عن الفواحش والتحريم لها والمنع منها، انتهى.\nوفي \"تراجم شيخ المشايخ الدهلوي\" (^٢): كأن البخاري أشار إلى أن النفس والشخص والأحد وقع عندهم بمعنى واحد، انتهى.\nحاصله: أنه أشار إلى أن غرض البخاري بالترجمة جواز إطلاق لفظ الشخص على الله تعالى، ولما كان يرد عليه أن الوارد في الحديث لفظ أحد دفعه بأنهما بمعنى واحد، وعامة الشرَّاح أيضًا ذهبوا إلى هذا.\nقال الحافظ (^٣): لم يفصح المصنف بإطلاق الشخص على الله تعالى، بل أورد ذلك على طريق الاحتمال، وقد جزم في الذي بعده بتسميته شيئًا لظهور ذلك فيما ذكره من الآيتين، انتهى.\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٥/ ٤٤٣).\n(^٢) (ص ٤٣٥).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٣/ ٤٠٢).","vol":"6","page":792},{"text":"وبسط الشرَّاح في الكلام على الرواية التي ورد فيها لفظ الشخص قبولًا وردًّا.\nقال العيني (^١) عن الخطابي: إطلاق الشخص في صفات الله تعالى غير جائز؛ لأن الشخص إنما يكون جسمًا مؤلفًا، وخليق أن لا تكون هذه اللفظة صحيحة، وأن تكون تصحيفًا من الراوي، انتهى.\nقال الحافظ (^٢): قال ابن بطال (^٣): أجمعت الأمة على أن الله تعالى لا يجوز أن يوصف بأنه شخص؛ لأن التوقيف لم يرد به، وقد منعت منه المجسمة مع قولهم بأنه جسم كالأجسام كذا قال، والمنقول عنهم خلاف ذلك.\nوقال الكرماني: لا حاجة لتخطئة الرواة الثقاة بل حكم ذلك حكم سائر المتشابهات، إما التفويض وإما التأويل، بأن يؤول بلازمه وهو العالي؛ لأن الشاخص عال مرتفع، أو هو من باب إطلاق الخاص وإرادة العام؛ كالشيء الذي هو منصوص به في الروايات، وقيل: معناه لا ينبغي لشخص أن يكون أغير من الله، انتهى.\nوقال القسطلاني (^٤): قال في \"المصابيح\": هذا ظاهر، إذ ليس في هذا اللفظ ما يقتضي إطلاق الشخص على الله، وما هو إلا بمثابة قولك: لا رجل أشجع من الأسد، وهذا لا يدلّ على إطلاق الرجل على الأسد بوجه من الوجوه، فأي داع بعد ذلك إلى توهين الراوي في ذكر الشخص أنه تصحيف من قوله: \"لا شيء أغير من الله\" كما صنعه الخطابي، انتهى.\nقلت: وعلى ما اخترت في الغرض من الترجمة لا يحتاج إلى شيء من هذه المباحث والإيرادات.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٦/ ٦١٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٣/ ٤٠٠، ٤٠١).\n(^٣) \"شرح ابن بطال\" (١٠/ ٤٤٢).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (١٥/ ٤٤٤).","vol":"6","page":793},{"text":"(٢١ -<span data-type='title' id=toc-4283> باب ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً. . .﴾ [الأنعام: ١٩]) إلخ</span>\nقد أوضح المصنف غرضه بالترجمة، وهو إطلاق لفظ الشيء عليه عزّ اسمه، خلافًا للجهمية إذ منعوا إطلاق لفظ الشيء على الله تعالى، كما تقدم في أول \"كتاب الردّ على الجهمية\".\nقال الحافظ (^١): وحكى ابن بطال (^٢): أن في هذه الآيات والآثار ردًّا على من زعم أنه لا يجوز أن يطلق على الله شيء، كما صرّح به عبد الله الناشئ المتكلم وغيره، وردًا على من زعم أن المعدوم شيء، انتهى.\nوقال القسطلاني (^٣): قوله: \"سمى الله تعالى نفسه شيئًا. . .\" إلخ، إثباتًا لوجوده ونفيًا لعدمه وتكذيبًا للزنادقة والدهرية، وقال أيضًا: وهذا لأن الشيء اسم للموجود، ولا يطلق على المعدوم، والله تعالى موجود فيكون شيئًا، ولذا تقول: الله تعالى شيء لا كالأشياء، انتهى.\n\n(٢٢ -<span data-type='title' id=toc-4284> باب قوله: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ. . .﴾ [هود: ٧]) إلخ</span>\nكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٤): أراد بذلك إثبات العرش له ليثبت بذلك صفة له تعالى، وهو استقراره عليه واستواؤه، والاستيلاء والغلبة صفة له ﵎، انتهى.\nوفي هامشه: ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه في غرض الترجمة ظاهر، وفي حاشية النسخة \"الهندية\" (^٥) عن \"الفتح\" و\"العيني\": ذكر هاتين الآيتين تنبيهًا على فائدتين: الأولى من قوله: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ هي لدفع توهم من قال: إن العرش لم يزل مع الله تعالى، مستدلين من قوله: \"كان الله ولم يكن شيء، وكان عرشه على الماء\"، وهذا مذهب باطل، والإضافة\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٣/ ٤٠٣).\n(^٢) \"شرح ابن بطال\" (١٠/ ٤٤٥).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٥/ ٤٤٥).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٣٤١).\n(^٥) \"صحيح البخاري بحاشية السهارنفوري\" (١٤/ ٤٦٢).","vol":"6","page":794},{"text":"للتشريف كبيت الله، وسمّاه عرشه؛ لأنه مالكه وخالقه، والفائدة الثانية: من قوله: ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة: ١٢٩] لدفع توهم من قال من الفلاسفة: إن العرش هو الخالق والصانع، وقوله: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ﴾ يبطل هذا القول الفاسد، فإنه يدلّ على أنه مربوب مخلوق، والمخلوق كيف يكون خالقًا، انتهى مختصرًا.\nوقد بسط الحافظ (^١) الكلام على معنى الاستواء، وذكر الأقاويل للفرق المختلفة، وأيضًا على أن الاستواء صفة فعل أو ذات، فارجع إليه.\n\n(٢٣ -<span data-type='title' id=toc-4285> باب قول الله: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ. . .﴾ [المعارج: ٤]) إلخ</span>\nقال ابن بطال (^٢): غرض البخاري في هذا الباب الردّ على الجهمية المجسمة في تعلقها بهذه الظواهر، وقد تقرر أن الله ليس بجسم، فلا يحتاج إلى مكان يستقر فيه، فقد كان ولا مكان، وإنما أضاف المعارج إليه إضافة تشريف، ومعنى الارتفاع إليه اعتلاؤه مع تنزيهه عن المكان، انتهى.\nقال الحافظ: وخلط المجسمة بالجهمية من أعجب ما يسمع، انتهى.\nوهكذا أفاد العيني (^٣) في غرض الترجمة من غير عزو إلى ابن بطال.\nوفي هامش النسخة \"الهندية\" عن الكرماني (^٤): هذا الباب كأنه من تتمة الباب المتقدم لأنهما متقاربان في المقصد، انتهى.\nولا يبعد عندي أن يقال: إن مقصود الترجمة إثبات اسم العلى لله تعالى، ثم رأيت \"تقرير الشيخ المكي\" (^٥) فكتب: المقصود من هذا الباب\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٣/ ٤٠٥ - ٤٠٧).\n(^٢) \"شرح ابن بطال\" (١٠/ ٤٥٣)، و\"فتح الباري\" (١٣/ ٤١٦).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٦/ ٦٢٥).\n(^٤) \"شرح الكرماني\" (٢٥/ ١٣٧).\n(^٥) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٣٤٢).","vol":"6","page":795},{"text":"إثبات صفة العلو كما يدلّ عليه كلمة ﴿تَعْرُجُ﴾ و(تصعد) ونحوهما، والردّ على الجهمية من جهة أنهم أنكروا الصفات كلها، انتهى.\nقال الحافظ (^١): وقد تمسّك بظواهر أحاديث الباب من زعم أن الحق - ﷾ - في جهة العلو، وقد ذكرت معنى العلو في حقه جلّ وعلا في الباب الذي قبله، وقال (^٢) في الباب السابق: قال الكرماني: قوله: \"في السماء\" ظاهره غير مراد، إذ الله منزه عن الحلول في المكان، لكن لما كانت جهة العلو أشرف من غيرها أضافها إليه إشارة إلى علو الذات والصفات، وبنحوها هذا أجاب غيره عن الألفاظ الواردة من الفوقية ونحوها، قال الراغب (^٣): \"فوق\" يستعمل في المكان والزمان والجسم والعدد والمنزلة والقهر، ثم ذكرها إلى أن قال: السادس: نحو قوله: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨] ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠]، انتهى.\nقوله: (كان يدعو بهن عند الكرب) كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٤): ودعاؤه ﵊، لا سيما عند الكرب أمارة عروجها إلى السماء، فإن الدعاء إذا لم تقبل ولم تعرج كانت لغوًا، وبذلك يثبت مناسبة الترجمة، انتهى.\nوفي هامشه: ويمكن عندي أن يقال: إن هذا الدعاء ذكر وعمل صالح، والعمل الصالح يرفعه كما تقدم عن مجاهد في ترجمة الباب، انتهى.\nقوله: (لا يجاوز حناجرهم) كتب الشيخ في \"اللامع\" (^٥): فيه الترجمة حيث كان كناية عن عدم القبول على توجيه، انتهى وذكر في هامشه أقوال الشرَّاح في بيان المطابقة، فارجع إليه لو شئت.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٣/ ٤١٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٣/ ٤١٢).\n(^٣) \"مفردات القرآن\" (ص ٦٤٨).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٣٤٢).\n(^٥) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٣٤٢).","vol":"6","page":796},{"text":"قوله: (مستقرها تحت العرش. . .) إلخ، كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^١): فكان عروجًا لها إليه، ولا ينكر ما في الشمس من روحانية، انتهى.\nوفي هامشه: وما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه من وجه المطابقة وجيه جدًّا، وهو ظاهر لا خفاء فيه.\nقال الحافظ (^٢): [قال] ابن المنيِّر: جميع الأحاديث في هذه الترجمة مطابقة لها إلا حديث ابن عباس، فليس فيه إلا قوله: \"رب العرش\"، ومطابقته - والله أعلم - من جهة أنه نبَّه على بطلان قول من أثبت الجهة أخذًا من قوله: ﴿ذِي الْمَعَارِجِ﴾ [المعارج: ٣] ففهم أن العلو الفوقي مضاف إلى الله تعالى، فبين المصنف أن الجهة التي يصدق عليها أنها سماء، والجهة التي يصدق عليها أنه عرش، كل منهما مخلوق مربوب محدث، وقد كان الله قبل ذلك وغيره، فحدثت هذه الأمكنة، وقدمه يحيل وصفه بالتحيز فيها، والله أعلم، انتهى.\n\n(٢٤ -<span data-type='title' id=toc-4286> باب قول الله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣]) إلخ</span>\nغرض الترجمة ظاهر، وهو الردّ على من أنكر رؤيته تعالى يوم القيامة من أهل البدع، وفي \"تقرير المكي\" (^٣): المقصود من هذا إثبات الرؤية.\nقال الحافظ (^٤): قال ابن بطال (^٥): ذهب أهل السُّنَّة وجمهور الأمة إلى جواز رؤية الله في الآخرة، ومنع الخوارج والمعتزلة وبعض المرجئة، تمسّكوا بأن الرؤية توجب كون المرئي محدثًا وحالًّا في مكان، وأوّلوا قوله: ﴿نَاضِرَةٌ﴾ بمنتظرة، وهو خطأ؛ لأنه لا يتعدى بـ \"إلى\"، إلى آخر\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٣٤٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٣/ ٤١٨، ٤١٩).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٣٤٥).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٣/ ٤٢٦).\n(^٥) \"شرح ابن بطال\" (١٠/ ٤٦٠).","vol":"6","page":797},{"text":"ما بسط الحافظ في دلائل أهل السُّنَّة في إثبات ذلك، وردّ ما تمسّك به المخالفون.\nوبسط شيء من الكلام على ذلك في هامش \"اللامع\".\nقوله: (شافعوها. . .) إلخ، كتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): معناه المنافقون، وإنما سموا بذلك لاختلاطهم وازدواجهم لهم في الدنيا وفي الآخرة أيضًا، ولو إلى مدة معلومة، والشفع الجمع والازدواج، وكلمة \"أو\" شك من الراوي، انتهى.\nوقد أجاد الشيخ قُدِّس سرُّه في تفسير هذه الكلمة ولم يسبق إليه الشرَّاح، بل حملوا اللفظ على ظاهر معناه، حيث قالوا: قوله: \"شافعوها. . .\" إلخ، أصله شافعون، فسقطت النون للإضافة، أي: شافعو الأمة، قوله: \"أو منافقوها\" قال الحافظ ابن حجر: (^٢) والأول المعتمد، كذا قال القسطلاني (^٣).\nقوله: (فيقال لليهود: ما كنتم تعبدون. . .) إلخ، قال القسطلاني (^٤): قال الكرماني: فإن قلت: إنهم كانوا صادقين في عبادة عزير؟ قلت: كذبوا في كونه ابن الله، إلى آخر ما بسط.\nوقال العلامة السندي (^٥): الكذب راجع إلى النسبة الخبرية الضمنية التي تتضمنها النسبة التوصيفية في قوله: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠] كما قرّروا أن النسب التوصيفية تتضمن النسب الإخبارية، ويمكن رجوعها إلى نسبة \"نعبد\" بالنظر إلى كون مفعوله ابن الله، والله أعلم، انتهى.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٣٤٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١١/ ٤٤٩).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٥/ ٤٦٦).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (١٥/ ٤٧٣)، و\"شرح الكرماني\" (٢٥/ ١٤٦).\n(^٥) \"صحيح البخاري بحاشية السندي\" (٤/ ٢٨٣).","vol":"6","page":798},{"text":"(٢٥ -<span data-type='title' id=toc-4287> باب ما جاء في قول الله: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف:</span> ٥٦])\nغرض الترجمة ظاهر، وهو إثبات صفة الرحمة، ويشكل عليه التكرار بالباب الثاني من أبواب هذا الكتاب، وهو قوله: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: ١١٠]، وتقدم هناك أن الغرض منه إثبات صفة الرحمة.\nوالأوجه عندي في الجواب: أن لله تعالى صفتين: الرحمن والرحيم، وفرق بينهما بوجوه، فكرّر المصنف الترجمة إشارةً إلى اسمي الرحمن والرحيم، وأيضًا أشار بهذا التكرار إلى غلبة الرحمة مشعرًا إلى قوله عز اسمه: \"إن رحمتي سبقت غضبي\"، وأما الفرق بين كلمتي الرحمن والرحيم فهو مشهور كما ذكره عامة المفسرين.\n\n(٢٦ -<span data-type='title' id=toc-4288> باب قول الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا. . .﴾ [فاطر: ٤١]) إلخ</span>\nالغرض منه عندي إثبات الأصابع لله تعالى؛ كالوجه واليد كما في حديث الباب، وفي حاشية النسخة \"الهندية\" (^١) عن الإمام النووي: قوله: \"على أصبع\" فيه مذهبان: التأويل والإمساك عنه مع الإيمان بها، مع اعتقاد أن الظاهر غير مراد، فعلى قول المتأولين يتأول الأصابع ههنا على الاقتدار، أي: خلقها مع عظمها بلا تعب، انتهى.\nقال الحافظ (^٢): قال المهلب: الآية تقتضي أنهما ممسكتان بغير آلة، والحديث يقتضي أنهما ممسكتان بالأصبع، والجواب أن الإمساك بالأصبع محال؛ لأنه يفتقر إلى ممسك، وأجاب غيره بأن الإمساك في الآية يتعلق بالدنيا، وفي الحديث بيوم القيامة، انتهى.\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري بحاشية السهارنفوري\" (١٤/ ٥٣٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٣/ ٤٣٨).","vol":"6","page":799},{"text":"(٢٧ -<span data-type='title' id=toc-4289> باب ما جاء في تخليق السماوات والأرض. . .) إلخ</span>\nهذا هو الباب الثالث من الأبواب الثلاثة المتعلقة بالخلق التي تقدم ذكرها، والغرض من هذا الباب هو مسألة التكوين.\nقال الحافظ (^١) قوله: \"وهو فعل الرب وأمره. . .\" إلخ، المراد بالأمر هنا قوله: ﴿كُنْ﴾ والأمر يطلق بإزاء معان منها صيغة أفعل، ومنها الصفة والشأن، والأول المراد هنا.\nقوله: (وهو الخالق المكون غير مخلوق) المكون بتشديد الواو المكسورة لم يرد في الأسماء الحسنى، ولكن ورد معناه \"وهو المصور\"، انتهى.\nقال القسطلاني (^٢): واختلف في التكوين هل هو صفة فعل قديمة أو حادثة؟ فقال أبو حنيفة وغيره من السلف: قديمة، وقال الأشعري في آخرين: حادثة؛ لئلا يلزم أن يكون المخلوق قديمًا، وأجاب الأول بأنه يوجد في الأزل صفة الخلق ولا مخلوق، وأجاب الأشعري بأنه لا يكون خلق ولا مخلوق، كما لا يكون ضارب ولا مضروب فألزموه بحدوث صفات، فيلزم حلول الحوادث بالله تعالى، فأجاب بأن هذه الصفات لا تحدث في الذات شيئًا جديدًا، فتعقبوه بأنه يلزم أن لا يسمى في الأزل خالقًا ولا رازقًا، وكلام الله تعالى قديم، وقد ثبت فيه أنه الخالق الرازق، فانفصل بعض الأشعرية بأن إطلاق ذلك إنما هو بطريق المجاز، وليس المراد بعدم التسمية عدمها بطريق الحقيقة، ولم يرتض بعضهم هذا بل قال: هو قول منقول عن الأشعري نفسه أن الأسامي جارية مجرى الإعلام، والعلم ليس بحقيقة ولا مجاز في اللغة، وأما في الشرع فلفظ الخالق\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٣/ ٤٣٩).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٥/ ٤٩٤).","vol":"6","page":800},{"text":"والرازق صادق عليه تعالى بالحقيقة الشرعية، والبحث إنما هو فيها لا في الحقيقة اللغوية، فألزموه بتجويز إطلاق اسم الفاعل على من لم يقم به الفعل، فأجاب بأن الإطلاق هنا شرعي لا لغوي.\nقال الحافظ ابن حجر (^١): وتصرف البخاري في هذا الموضع يقتضي موافقة [القول] الأول، والصائر إليه يسلم من الوقوع في مسألة وقوع حوادث لا أول لها، وبالله التوفيق.\nوسقط لأبي ذر قوله: \"هو المكون\"، وسقط من بعض النسخ قوله: \"وفعله\"، قال الكرماني (^٢): وهو أولى ليصح لفظ غير مخلوق، قال في \"فتح الباري\": سياق المؤلف يقتضي التفرقة بين الفعل وما ينشأ عن الفعل، فالأول من صفات الفاعل، والباري غير مخلوق، فصفاته غير مخلوقة، وأما مفعوله وهو ما ينشأ عن فعله فهو مخلوق، ومن ثم عقبه بقوله: \"وما كان بفعله وأمره. . .\" إلخ.\nوقال المصنف في كتابه \"خلق أفعال العباد\" (^٣): واختلف الناس في الفاعل والمفعول، فقالت القدرية: الأفاعيل كلها من البشر، وقالت الجبرية: كلها من الله تعالى، وقالت الجهمية: الفعل والمفعول واحد، ولذلك قالوا: كن مخلوق، وقال السلف: التخليق فعل الله، وأفاعيلنا مخلوقة، ففعل الله صفة الله، والمفعول من سواه من المخلوقات، انتهى.\nقلت: وعلم من ذلك الفرق بين هذه الترجمة وبين ما تقدم، كما سبق إليه الإشارة، وأن هذه الترجمة في هذا المعنى موافق لقول أبي حنيفة، كما جزم به الحافظ وتبعه القسطلاني، وأما ابن بطال فقال (^٤): غرضه بيان أن جميع السماوات والأرض وما بينهما مخلوق؛ لقيام دلائل الحدوث عليها، ولقيام البرهان على أنه لا خالق غير الله، وبطلان قول من يقول: إن الطبائع\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٣/ ٤٤٠ و٤٣٩).\n(^٢) \"شرح الكرماني\" (٢٥/ ١٦١).\n(^٣) (ص ١١٢).\n(^٤) \"شرح ابن بطال\" (١٠/ ٤٧٥).","vol":"6","page":801},{"text":"خالقة أو الأفلاك أو النور أو الظلمة أو العرش، وفسدت جميع هذه الأقاويل لقيام الدليل على حدوث ذلك كله، إلى آخر ما بسط.\nوفي \"تقرير المكي\" (^١): قوله: \"بابُ ما جاءَ في تخليق. . .\" إلخ، تمت الصفات، وهذا إثبات أن العالم مخلوق، انتهى.\nوذكر في هامش \"اللامع\" شيء من النقول من كلام الشيخ ابن تيمية فارجع إليه.\nوفي \"فيض الباري\" (^٢): اعلم أن المصنف أشار في تلك الترجمة إلى أمرين: الأول: إلى إثبات صفة التكوين، القائل بها علماؤنا الماتريدية، حتى صرّح به الحافظ مع أنه ممن لا يرجى منه أن يتكلم بكلمة يكون فيها نفع للحنفية، وأنكرها الأشاعرة، فالتفصيل: أن الصفات عند الأشاعرة سبع، والله تعالى مع صفاته السبع قديم إلى أن قال: وزاد الماتريدية على هذه السبع صفةً ثامنة سمّوها بالتكوين إلى آخر ما ذكر.\nثم قال: وأما الثاني: فهو تأسيس للجواب عما أورد عليه في مسألة كلام الباري تعالى، وهذه هي المسألة التي ابتلي بها البخاري، وقاسى فيها المصائب، فترجم أولًا ترجمةً طويلةً جامعةً كالباب، ثم ترجم تراجم أخرى في هذا المعنى كالفصول له، كما كان فعل في كتاب الإيمان حيث ترجم أولًا ترجمة مبسوطةً مفصلةً، ثم ترجم بعدها تراجم كالفصول لها إلى آخر ما ذكر شيئًا من الكلام على مسألة خلق القرآن.\n\n(٢٨ -<span data-type='title' id=toc-4290> باب قوله: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات:</span> ١٧١])\nكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٣): المراد إثبات الكلام له تعالى، لا مجموع ما هو مضمون الآية، انتهى.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٣٢٣).\n(^٢) \"فيض الباري\" (٦/ ٥٧٢ - ٥٧٧).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٣٥٣).","vol":"6","page":802},{"text":"وفي هامشه: هذا الباب الباب الثامن والعشرون من أبواب \"كتاب الردّ على الجهمية\"، وما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه ظاهر، فهذا أوّل باب في مسألة الكلام عند الشيخ قُدِّس سرُّه وهو الأوجه عند هذا العبد الضعيف، وهكذا في \"تقرير مولانا محمد حسن المكي\"، وعند العلامة العيني هو الباب الآتي، وأما عند الحافظ فهو الباب الثاني والثلاثون، ولذا بسط الحافظ فيه القول على مسألة الكلام أشدّ البسط.\n\n(٢٩ -<span data-type='title' id=toc-4291> باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ﴾ [النحل:</span> ٤٠])\nهكذا في النسخة \"الهندية\"، وكذا في نسخة \"الفتح\"، وأما في النسخ \"العيني\" و\"القسطلاني\": ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا. . .﴾ [النحل: ٤٠] إلخ.\nقال الحافظ (^١) بعد ذكر الاختلاف في النسخ: قال عياض: صواب التلاوة ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ. . .﴾ إلخ، وكأنه أراد أن يترجم بالآية الأخرى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر: ٥٠]، وسبق القلم إلى هذه.\nقلت: وقع في نسخة معتمدة من رواية أبي ذر: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا﴾ على وفق التلاوة، فإن لم يكن من إصلاح من تأخر عنه وإلا فالقول ما قاله القاضي عياض.\nثم قال الحافظ بعد بيان مطابقة الأحاديث بالترجمة: قال ابن بطال (^٢): غرضه الردّ على المعتزلة في زعمهم أن أمر الله مخلوق، فتبين أن الأمر هو قوله تعالى للشيء: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ بأمره له، وأن أمره وقوله بمعنى واحد، وأنه يقول: كن حقيقة، وأن الأمر غير الخلق لعطفه عليه بالواو، انتهى.\nوسيأتي مزيد لهذا في \"باب ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ \" [الصافات: ٩٦]، انتهى من \"الفتح\" (^٣).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٣/ ٤٤٣).\n(^٢) \"شرح ابن بطال\" (١٠/ ٤٧٦).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٣/ ٤٤٤).","vol":"6","page":803},{"text":"ونحوه ما قال العلامة العيني (^١) بدون العزو إلى ابن بطال حيث قال: وغرض البخاري في هذا الباب الردّ على المعتزلة في قولهم: إن أمر الله الذي هو كلامه مخلوق، وأن وصفه تعالى نفسه بالأمر وبالقول في هذه الآية مجاز واتساع كما في \"امتلأ الحوض\" و\"مال الحائط\"، وهذا الذي قالوه فاسد؛ لأنه عدول عن ظاهر الآية، وحملها على حقيقتها إثبات كونه تعالى حيًّا، والحيُّ لا يستحيل أن يكون متكلمًا، انتهى.\n\n(٣٠ -<span data-type='title' id=toc-4292> باب قول الله: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي. . .﴾ [الكهف: ١٠٩]) إلخ</span>\nقال العلامة العيني (^٢): ومعنى هذا الباب إثبات الكلام لله تعالى صفة لذاته ولم يزل متكلمًا، ولا يزال كمعنى الباب الذي قبله، وإن كان وصف الله كلامه بأنه كلمات فإنه شيء واحد لا يتجزأ ولا ينقسم، وكذلك يعبر عنه بعبارات مختلفة تارة عربية وتارة سريانية وبجميع الألسنة التي أنزلها الله على أنبيائه، وجعلها عبارةً عن كلامه القديم الذي لا يشبه كلام المخلوقين، ولو كانت كلماته مخلوقة لنفدت كما تنفد البحار والأشجار وجميع المحدثات فكما لا يحاط بوصفه تعالى كذلك لا يحاط بكلماته وجميع صفاته، انتهى.\nقال الكرماني (^٣): المقصود من هذه الأبواب إثبات أن الله تعالى متكلم بالكلام، انتهى.\nقلت: ومن عادة الإمام البخاري أنه طالما يترجم لإثبات أمر مهم بتراجم عديدة، كما تقدّم في مقدمة \"اللامع\" (^٤) في بيان أصول التراجم، وهو الأصل الثامن والعشرون، وله نظائر ذكرت هناك، ولما كانت مسألة\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٦/ ٦٥٦).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٦/ ٦٥٩).\n(^٣) \"شرح الكرماني\" (٢٥/ ١٦٨).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (١/ ٣٣٠).","vol":"6","page":804},{"text":"خلق القرآن من المسائل المهمة لا سيما في زمن الإمام البخاري كما اشتهر في كتب التواريخ أثبتها بأبواب عديدة.\n\n(٣١ -<span data-type='title' id=toc-4293> باب في المشيئة والإرادة. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^١): قال ابن بطال (^٢): غرض البخاري إثبات المشيئة والإرادة، وهما بمعنى واحد، وإرادته تعالى صفة من صفات ذاته، وزعم المعتزلة أنها صفة من صفات فعله وهو فاسد، انتهى.\nوقد ترجم البيهقي في \"كتاب الأسماء والصفات\" (^٣): جماع أبواب إثبات صفة المشيئة والإرادة لله تعالى، وكلتاهما عبارتان عن معنى واحد، انتهى.\nقال القسطلاني (^٤): لا فرق بين المشيئة والإرادة إلا عند الكرامية حيث جعلوا المشيئة صفةً واحدةً أزليةً تتناول ما يشاء الله تعالى بها من حيث يحدث، والإرادة حادثة متعددة بعدد المرادات، انتهى.\nوفي هامش \"اللامع\" (^٥) عن فتاوى الشيخ ابن تيمية: وقد جاءت الإرادة في كتاب الله تعالى على نوعين: أحدهما: الإرادة الدينية كما قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] وغير ذلك من الآيات التي ذكرها ابن تيمية، والثاني: الإرادة الكونية، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ الآية [الأنعام: ١٢٥] وغيرها، قال: وهذا تقسيم شريف، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٣/ ٤٤٩).\n(^٢) \"شرح ابن بطال\" (١٠/ ٤٧٧).\n(^٣) \"كتاب الأسماء والصفات\" (ص ١٣٨).\n(^٤) \"إرشاد الساري\" (١٥/ ٥٠٦).\n(^٥) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٣٢٧).","vol":"6","page":805},{"text":"(٣٢ -<span data-type='title' id=toc-4294> باب قوله: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ. . .﴾ [سبأ: ٢٣]) إلخ</span>\nكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^١): قصد بذلك إثبات المطلبين أن العبد كاسب لا كما توهّمت الجبرية أنه مجبور محض، لا دخل له في شيء مما يوجد من الأقوال والأفعال أو الحركات والسكنات، ودلالة الروايات على هذا المعنى ظاهرة، حيث ذكر في كل منها شيء من أفعال العباد، كما يظهر بأدنى تأمل، وأن الخالق تعالى متكلم بكلام قديم هو صفته، وما زعمه أهل الأهواء من أن معنى قوله تعالى حيث ورد، كما في قوله: ﴿قَالَ رَبُّكُمْ﴾ وغيره هو خلق القول والكلام في غيره، لا أنه تعالى متكلم بكلام قديم هو صفته باطل، واستدل على هذا المدعى بقوله: ﴿قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ [سبأ: ٢٣] حيث نسب القول إلى الربّ تعالى، ولم يقل: ماذا خلق ربكم فيكم من الكلام مع أنه لو كان المعنى خلق القول فيهم، لما احتاجوا إلى السؤال عن غيرهم، فعلم أن تأويلهم هذا باطل، وأيضًا فإن المؤلّف يشير في هذا الباب إلى أن لله تعالى أفعالًا وأعمالًا، وذلك ليثبت به أن لله تعالى صفاتٍ قديمةً أيضًا، انتهى.\nقلت: وعامة الشرَّاح على أن مقصود المصنف إثبات صفة الكلام كما سيأتي في كلام الشرَّاح، وهو المذكور في \"تقرير مولانا محمد حسن المكي\" عن الشيخ الكَنكَوهي، وأما على ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" فليست الترجمة لإثبات صفة الكلام فقط، بل الترجمة عنده جامعة مشتملة على أمور وعدة أجزاء مذكورة في كلامه، وعلى هذا مطابقة أحاديث الباب للترجمة واضحة، وأما على ما اختاره الشرَّاح في الغرض من الترجمة، فمطابقة بعض الأحاديث للترجمة غير واضحة كما سيأتي.\nوقد تقدم أن هذا أوَّلُ باب في مسألة الكلام عند الحافظ إذ قال (^٢):\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٣٥٣، ٣٥٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٣/ ٤٥٤).","vol":"6","page":806},{"text":"وهذا أوّل باب تكلم فيه البخاري على مسألة الكلام، وهي طويلة الذيل، قد أكثر أئمة الفرق فيها القول، إلى آخر ما بسط الكلام على هذه المسألة.\nوفي \"تقرير المكي\" (^١): قوله: ﴿لِمَنْ أَذِنَ لَهُ. . .﴾ إلخ، فثبت الكلام لله تعالى، وهو المطلوب في هذا الباب، بل أكثر هذه الأبواب في إثبات الكلام، ومقصوده من تكثير أحاديثه تكفير المعتزلة المنكرة لكلام الله تعالى بأن هذه الأحاديث لكثرتها بلغت حدّ التواتر، فمنكرها كافر، ومذهب المحدثين تكفير أهل الهوى كلهم، وإن كانوا من أهل القبلة، انتهى.\nقلت: ومسألة تكفير أهل البدع من أهل القبلة وسيعة الذيل خلافية مبسوطة في محلها، فارجع إليه.\nقال العلامة العيني (^٢): غرض البخاري من ذكر هذه الآية بل من الباب كله بيان كلام الله القائم بذاته، ودليله أنه قال: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ ولم يقل: ماذا خلق ربكم؟ وفيه ردٌّ للمعتزلة والخوارج والمرجئة والجهمية والنجارية؛ لأنهم قالوا: إنه متكلم، يعني: خالق الكلام في اللوح المحفوظ، وفي هذا ثلاثة أقوال: قول أهل الحق: أن القرآن غير مخلوق، وأنه كلامه تعالى قائم بذاته، لا ينقسم ولا يتجزأ ولا يشبه شيئًا من كلام المخلوقين، والقول الثاني: ما ذكرنا عن هؤلاء المذكورين، والقول الثالث: أن الواجب فيه الوقف، فلا يقال: إنه مخلوق ولا غير مخلوق، انتهى.\nقوله: (يتغنى بالقرآن. . .) إلخ، كتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): أورده ههنا لإثبات أن لله كلامًا هو القرآن، وأن لله أفعالًا منها الإذن، أي: الاستماع، وأن للعبد أفعالًا منها تغنيه بالقرآن وجهره به، فليس هو مجبورًا محضًا، لا يقدر على إتيان شيء من الأفعال ولو بكسب لها، انتهى.\nقلت: أجاد الشيخ قُدِّس سرُّه في توجيه مطابقة الحديث بالترجمة،\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٣٥٤، ٣٥٥).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٦/ ٦٦٩).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٣٥٥).","vol":"6","page":807},{"text":"وهو مبني على الغرض الذي اختاره الشيخ من الترجمة، ولا يتمشى هذا التوجيه على ما اختاره الشرَّاح، ولذا اختلفوا ههنا في ذكر المطابقة، فقد قال الكرماني (^١): اعلم أن البخاري فهم من الإذن القول لا الاستماع بدليل أنه أدخله في هذا الباب، انتهى.\nوحكى العيني قول الكرماني هذا، ثم قال: فيه موضع التأمل وفهم القول منه بعيد، انتهى ملخصًا.\nوفي \"الفيض\" (^٢): قوله: \"ما أذن الله لشيء. . .\" إلخ، والإذن فيه بمعنى الاستماع، وكان في الترجمة بمعنى الإجازة إلا أن يقال: إن الله تعالى أجاز نبيه بالقراءة، فلما قرأ استمعها، فاستعمل الإذن في الاستماع بهذا الطريق، ثم إن اللغويين صرّحوا بكونه بمعنى الاستماع، وحينئذٍ لا حاجة إلى هذا التمحّل أيضًا، انتهى.\nقلت: فلا مخلص من الإيراد إلا بالتوجيه الذي ذكره الشيخ قُدِّس سرُّه.\n\n(٣٣ -<span data-type='title' id=toc-4295> باب كلام الرب مع جبرئيل ونداء الله الملائكة. . .) إلخ</span>\nقال العيني (^٣): فيه أيضًا إثبات كلام الله تعالى، انتهى. وهو ظاهر، وفي \"تقرير مولانا محمد حسن المكي\" (^٤): \"قوله: بشرني. . .\" إلخ، فثبت الكلام، انتهى.\nوقال الحافظ (^٥): وفي مناسبته بالترجمة غموض، وكأنه من جهة أن جبريل إنما يبشر النبي - ﷺ - بأمر يتلقاه عن ربه - ﷿ -، فكأن الله تعالى قال لجبريل: بشر، انتهى.\n_________\n(^١) \"شرح الكرماني\" (٢٥/ ١٨١).\n(^٢) \"فيض الباري\" (٦/ ٥٨٦).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٦/ ٦٧٣).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٣٢٨).\n(^٥) \"فتح الباري\" (١٣/ ٤٦٢).","vol":"6","page":808},{"text":"وفي \"الفيض\" (^١): شرع في صفة الكلام، وتراجمه فيه على نحوين: الأولى: في إثبات قدم كلام الله تعالى، والثانية: في إثبات حدوث فعله الوارد عليه، فاعلم أن الكلام إما كلام نفسي أو لفظي، والأول أقرّ به الأشعري، وأنكره الحافظ ابن تيمية، إلى آخر ما ذكر من التفصيل في ذلك.\nوقال الحافظ (^٢) تحت الترجمة: ذكر فيه أثرًا وثلاثة أحاديث، في الحديث الأول: نداء الله جبرئيل، وفي الثاني: سؤال الله الملائكة على عكس ما وقع في الترجمة، وكأنه أشار إلى ما ورد في بعض طرقه، إلى آخر ما ذكر.\nقلت: وما قاله الحافظ غير واضح، بل مطابقة الحديث بالترجمة ظاهرة كما جزم به العيني والقسطلاني (^٣) فتأمل.\n\n(٣٤ -<span data-type='title' id=toc-4296> باب قوله: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ. . .﴾ [النساء: ١٦٦]) إلخ</span>\nفي هامش \"اللامع\" (^٤): هو بمنزلة النصّ على أن القرآن منزل من السماء، فلو كان مخلوقًا بلفظ ﴿كُنْ﴾ فأيّ فاقة إلى إنزاله؟ وفي هامش \"نور الأنوار\" (^٥): اعلم أن نزول القرآن عليه - ﷺ - عبارة عن وصوله إليه - ﷺ - بواسطة ألفاظ دالة عليه بواسطة الملك، انتهى.\nقال الحافظ (^٦): قال ابن بطال (^٧): المراد بالإنزال إفهام العباد معاني الفروض التي في القرآن وليس إنزاله له كإنزال الأجسام المخلوقة؛ لأن القرآن ليس بجسم ولا مخلوق، قال الحافظ: والكلام الثاني متفق عليه بين أهل السنة سلفًا وخلفًا، وأما الأول فهو على طريقة أهل التأويل، والمنقول عن السلف اتفاقهم على أن القرآن كلام الله غير مخلوق تلقّاه جبريل عن الله تعالى وبلغه جبريل إلى محمد - ﷺ - وبلغه - ﷺ - إلى أمته، انتهى.\n_________\n(^١) \"فيض الباري\" (٦/ ٥٧٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٣/ ٤٦١).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (١٦/ ٦٧٣)، و\"إرشاد الساري\" (١٥/ ٥٢٩).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٣٢٨).\n(^٥) \"قمر الأقمار\" (ص ٧).\n(^٦) \"فتح الباري\" (١٣/ ٤٦٣).\n(^٧) \"شرح ابن بطال\" (١٠/ ٤٩٤).","vol":"6","page":809},{"text":"(٣٥ -<span data-type='title' id=toc-4297> باب قول الله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾ [الفتح:</span> ١٥])\nقال الحافظ (^١): قال ابن بطال (^٢): أراد بهذه الترجمة وأحاديثها ما أراد في الأبواب قبلها أن كلام الله تعالى صفة قائمة [به]، وأنه لم يزل متكلمًا ولا يزال، والذي يظهر أن غرضه أن كلام الله لا يختص بالقرآن، فإنه ليس نوعًا واحدًا، وأنه وإن كان غير مخلوق، وهو صفة قائمة به، فإنه يلقيه على من يشاء من عباده بحسب حاجتهم في الأحكام الشرعية وغيرها من مصالحهم، وأحاديث الباب كالمصرحة بهذا المراد، انتهى.\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه: يريد في هذا الباب إثبات نوع من الكلام له تعالى، وهو الذي ليس بوحي متلو، أي: الأحاديث القدسية، وأكثر ما ورد في هذا الباب لا يخلو عن ذلك، وأما ما ليس فيه من كلامه تعالى شيء، فإنه لا يخلو عن مناسبة ما بكلامه تعالى، كما ستقف عليه إن شاء الله تعالى، انتهى.\nوفي هامشه: وما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه من غرض الترجمة أنه إثبات الأحاديث القدسية، بذلك جزم غير واحد من الشرَّاح، ويشكل عند هذا العبد الضعيف أن: هذا الغرض سيأتي في باب مستقل هو الباب الخمسون \"باب ذكر النبي ورواية عن ربه\".\nوالأوجه عندي: أن الغرض من الترجمة مجرد إثبات كلامه تعالى، والإمام البخاري بالغ في إثباته بأبواب عديدة كثيرة مختلفة، إلى آخر ما في هامش \"اللامع\" (^٣) من \"تقرير شيخ الهند\" في توضيح الكلام النفسي واللفظي.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٣/ ٤٦٧).\n(^٢) \"شرح ابن بطال\" (١٠/ ٤٩٨).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٣٥٦، ٣٥٧).","vol":"6","page":810},{"text":"(٣٦ -<span data-type='title' id=toc-4298> باب كلام الرب يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم)</span>\nغرضه ظاهر، يعني: إثبات الكلام لله تعالى من وجوه مختلفة بمواضع شتى.\nقال الحافظ (^١): ذكر فيه خمسة أحاديث، الأول: حديث أنس في الشفاعة أورده مختصرًا جدًّا ثم مطولًا، وقد مضى شرحه مستوفي في \"كتاب الرقاق\"، ثم قال في آخر الباب: - تنبيهان -: أحدهما: ليس في أحاديث الباب كلام الرب مع الأنبياء إلا في حديث أنس، وسائر أحاديث الباب في كلام الرب مع غير الأنبياء، وإذا ثبت كلامه مع غير الأنبياء فوقوعه للأنبياء بطريق الأولى، الثاني: تقدم في الحديث الأول ما يتعلق بالترجمة، وأما الثاني: فيختص بالركن الثاني من الترجمة، وهو قوله: وغيرهم، وأما سائرها فهو شامل للأنبياء ولغير الأنبياء على وفق الترجمة، انتهى.\nوفي هامش \"اللامع\" (^٢): ولا يذهب عليك أن في الحديث الأول من الباب حديث أنس اختصارًا مخلًا، قال القسطلاني (^٣): قوله: \"أدخل الجنة\" بفتح الهمزة وكسر الخاء من الإدخال، وفي الرواية الآتية بعد هذه أن الله تعالى هو الذي يقول له ذلك، وهو المعروف في سائر الأخبار، قال الداودي: قوله: \"ثم أقول\" خلاف سائر الروايات، فإن فيها أن الله أمره أن يخرج، وتعقبه في \"الفتح\" (^٤) فقال: فيه نظر، والموجود عند أكثر الرواة، ثم أقول بالهمز، والذي يظن أن البخاري أشار إلى ما في بعض طرقه كعادته، وفي \"مستخرج أبي نعيم\" من طريق أبي عاصم عن أبي بكر بن عياش: \"أشفع يوم القيامة فيقال لي: لك من في قلبه شعيرة، ولك من في قلبه خردلة، ولك من في قلبه شيء\"، فهذا من كلام الرب مع النبي - ﷺ -، قال:\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٣/ ٤٧٥ و٤٧٧).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٣٥٨، ٣٥٩).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٥/ ٥٤٩).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٣/ ٤٧٥).","vol":"6","page":811},{"text":"ويمكن التوفيق بينهما بأنه - ﷺ - يسأل عن ذلك أولًا فيجاب إلى ذلك ثانيًا، فوقع في إحدى الروايتين ذكر السؤال، وفي البقية ذكر الإجابة، انتهى.\nقلت: وعلى هذا فلا يرد ما حكى الحافظ عن ابن التِّين أن فيه كلام الأنبياء مع الرب ليس كلام الرب مع الأنبياء، انتهى.\nقوله: (من قال: لا إله إلا الله) كتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): فيه دلالة على أن هذا الرجل لم يكن في قلبه شيء من الخير، إذ لو كان له من الخير شيء في أي مرتبة كان لخرج فيمن أخرجوا من قبل، وإنما كان منه مجرد التكلم بهذه الكلمة الشريفة، ومن ههنا يعلم غاية فضل الله وكرمه بعباده والله غفور رحيم، انتهى.\nوبسط في هامشه الكلام على مصداق هذا الرجل من كلام الشرَّاح وغيرهم أشد البسط، وفيه من \"تقرير اللاهوري\": المراد به من آمن بلسانه، ويتهلل، وليس في قلبه إنكار، لكن وليس في قلبه فهم التوحيد أو غيره أو الصلاة أو غيرها، كأناسي \"ملك رجوارا في الهند\"، وهذا المعنى ليس برأي بل يفهم من رواية ابن ماجه، انتهى.\n\n(٣٧ -<span data-type='title' id=toc-4299> باب قوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:</span> ١٦٤])\nغرضه ظاهر، وهو إثبات الكلام لله تعالى، وهو الباب السابع والثلاثون من أبواب الرد على الجهمية.\nقال الحافظ (^٢): قال الأئمة: هذه الآية أقوى ما ورد في الردّ على المعتزلة، قال النحاس: أجمع النحويون على أن الفعل إذا أكّد بالمصدر لم يكن مجازًا، فإذا قال: \"تكليمًا\" وجب أن يكون كلامًا على الحقيقة التي تعقل، وأجمع السلف والخلف من أهل السُّنَّة وغيرهم على أن \"كلم\" ههنا\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٣٦٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٣/ ٤٧٩).","vol":"6","page":812},{"text":"من الكلام، ونقل الكشاف عن بدع بعض التفاسير أنه من الكلم بمعنى الجرح، وهو مردود بالإجماع المذكور، وأورد البخاري في \"كتاب خلق أفعال العباد\": أن خالد بن عبد الله القسري قال: إني مضح بالجعد بن درهم، فإنه يزعم أن الله تعالى لم يتخذ إبراهيم خليلًا ولم يكلم موسى تكليمًا، وتقدم في أول التوحيد - الرد على الجهمية - أن سلم بن أحوز قتل جهم بن صفوان؛ لأنه أنكر أن الله كلّم موسى تكليمًا، انتهى مختصرًا.\nوقال القسطلاني (^١): قال القرطبي: تكليمًا مصدر معناه التأكيد، وهذا يدل على بطلان قول من يقول: خلق الله بنفسه كلامًا في شجرة يسمعه موسى بل هو الكلام الحقيقي الذي يكون به المتكلم متكلمًا، انتهى.\nوترجم البيهقي في \"كتاب الأسماء\" (^٢): \"ما جاء في إثبات صفة التكليم والتكلم والقول\" ثم بسط الروايات في ذلك.\nقوله: (عن شريك بن عبد الله. . .) إلخ، كتب الشيخ في \"اللامع\" (^٣): قد أنكر العلماء على شريك هذه الرواية، وذلك لما في هذه الرواية من مخالفة بالثقات في ستة مواضع أو سبعة، ولكل منها تأويل صحيح، انتهى.\nوفي هامشه: قال الحافظ في \"الفتح\" (^٤): جزم ابن القيم في \"الهدي\" بأن في رواية شريك عشرة أوهام، انتهى.\nوهكذا حكى صاحب \"الفيض\" (^٥) عن ابن الجوزي: أن فيه عشرة أوهام، أشدّها ما في آخر الحديث: \"فاستيقظ\"، ويتلوه في الشناعة قوله: \"ودنا الجبار، رب العزة، فتدلى\"، انتهى مختصرًا.\nثم قال الحافظ: ومجموع ما خالفت فيه رواية شريك غيره من المشهورين عشرة أشياء، بل تزيد على ذلك، ثم عدّها وبلغها إلى اثني\n_________\n(^١) \"إرشاد الساري\" (١٥/ ٥٥٨).\n(^٢) \"كتاب الأسماء والصفات\" (ص ١٨٧).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٣٦٣ - ٣٧٥).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٣/ ٤٨٦).\n(^٥) \"فيض الباري\" (٦/ ٥٩٩).","vol":"6","page":813},{"text":"عشر وهمًا، وما ظهر لهذا العبد الضعيف بعد التتبع البليغ أنها تبلغ إلى أكثر من عشرين، ثم ذكر في هامش \"اللامع\" تفصيلها مع ما نقل من الأجوبة والتوجيهات، كما قال الشيخ من أن لكل منها تأويلًا صحيحًا فارجع إليه لو شئت.\nقوله: (لقد راودت بني إسرائيل. . .) إلخ، استدل به على أنه فرضت عليهم صلاتان فقط، كما في \"فتح الملهم\" (^١) برواية ابن مردويه، وصرّح به الحافظ ابن كثير في التفسير (^٢) وردّ السيوطي قول خمسين، وقال: لا أصل له كما حكاه الخفاجي على البيضاوي، ويؤيده أيضًا ما هو المعروف أن العشاء خصيصة لهذه الأمة، فلو فرضت عليهم خمسون لا بدّ أن يكون في وقت العشاء، أي: من غروب الشفق إلى الصبح أكثر من عشرين صلاة، وأيضًا المعروف أن الصلوات الخمسة خصيصة لهذه الأمة، وكانت الصلوات موزعة على الأمم السابقة كما في \"البذل\" (^٣) تحت شرح حديث إمامة جبريل، ويشكل على هذا كلّه ما ذكره المفسرون قاطبةً في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] إن الصلوات المفروضة عليهم كانت خمسين صلاة كما في \"الخازن\" و\"التفسير الكبير\" للرازي \"والتفسير\" للبيضاوي ولأبي السعود وغيرهم من المفسرين، وحقق بعضهم أن القول الثاني، أي: كون الصلوات خمسين مأخوذ من التوراة المحرفة.\n\n(٣٨ -<span data-type='title' id=toc-4300> باب كلام الرب مع أهل الجنة)</span>\nغرض الترجمة كالتراجم السابقة ظاهر، وهو ما بصدده من إثبات صفة الكلام لله ﵎ من وجوه متنوعة.\nقال الحافظ (^٤): ذكر فيه حديثين ظاهرين فيما ترجم له، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الملهم\" (٢/ ٢٥٥).\n(^٢) \"تفسير ابن كثير\" (٥/ ٧).\n(^٣) \"بذل المجهود\" (٣/ ١٦).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٣/ ٤٨٨).","vol":"6","page":814},{"text":"(٣٩ -<span data-type='title' id=toc-4301> باب ذكر الله بالأمر وذكر العباد بالدعاء. . .) إلخ</span>\nالأوجه عندي: أنه أشار إلى تفسير الآية مع إثبات ما هو بصدده، وهو إثبات كلامه تعالى.\nوقال الحافظ (^١): لم يذكر المصنف في هذا الباب حديثًا مرفوعًا، ولعله بيض له فأدمجه النساخ كغيره، واللائق به الحديث القدسي: \"من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي\" إلى آخر ما ذكره.\n\n(٤٠ -<span data-type='title' id=toc-4302> باب قول الله: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا. . .﴾ [البقرة: ٢٢]) إلخ</span>\nفي \"تقرير المكي\" (^٢) ما نصه: تم تكفير المعتزلة، وهذا شروع في تكفير الجبرية والقدرية لإثبات الكسب للعباد والخلق لله تعالى على سبيل التواتر الذي منكره كافر، فهذه الأبواب إلى آخر الكتاب مثبتة للكسب، وبعضها مثبتة للخلق أيضًا، فافهم.\nوهذا الباب كالختم على تكفير المعتزلة؛ لأنهم مشركون، وقد قال الله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا. . .﴾ إلخ، وإنما قلنا: إنهم مشركون لأنهم لما نفوا الصفات جعلوا الله تعالى كالصنم، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا، انتهى.\nقال الكرماني: الترجمة مشعرة بأن المقصود إثبات نفي الشريك عن الله - ﷾ -، وكان المناسب ذكره في أوائل \"كتاب التوحيد\"، لكن ليس المقصود ههنا ذلك، بل المراد بيان كون أفعال العباد بخلق الله تعالى، إذ لو كانت أفعالهم بخلقهم لكانوا أندادًا لله، وتضمن الردّ على الجهمية في قولهم: \"لا قدرة للعبد أصلًا\"، وعلى المعتزلة حيث قالوا: لا دخل لقدرة الله تعالى فيها، والمذهب الحق أن لا جبر ولا قدر، بل أمر بين أمرين.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٣/ ٤٩٠).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٣٣٠).","vol":"6","page":815},{"text":"قال الحافظ: وقد أطنب البخاري في \"كتاب خلق أفعال العباد\" في تقرير هذه المسألة، واستظهر بالآيات والأحاديث والآثار الواردة عن السلف فيه، وغرضه ههنا الردّ على من لم يفرق بين التلاوة والمتلو، ولذلك أتبع هذا الباب بالتراجم المتعلقة بذلك، مثل \"باب ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ \" [القيامة: ١٦]، وباب ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ﴾ [الملك: ١٣] وغيرهما، وهذه المسألة هي المشهورة بمسألة اللفظ، إلى آخر ما بسطه.\n\n(٤١ -<span data-type='title' id=toc-4303> باب قوله: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ. . .﴾ [فصلت: ٢٢]) إلخ</span>\nقال صاحب \"التوضيح\" (^١): غرض البخاري في الباب إثبات السمع لله تعالى، انتهى. كذا في هامش النسخة \"الهندية\".\nقلت: وعلى هذا تكون الترجمة مكررة، فإن هذه الصفة قد تقدمت في الباب التاسع، ولذا ردّ عليه الحافظ (^٢) إذ حكى هذا الوجه عن ابن بطال، ثم قال: وقد تقدّم في أوائل التوحيد في قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ١٣٤]، والذي أقول: إن غرضه في هذا الباب إثبات ما ذهب إليه أن الله يتكلم متى شاء، انتهى.\nوفي \"تقرير شيخ الهند\": أشار المؤلف في هذا الباب إلى ردّ فريق من أهل السُّنَّة أن الإرادة خلق العبد، ليس فيه دخل لله ﵎، وإنما ألجأ إليه فريق منهم بما أورد عليهم؛ لأن العبد ليس له الاختيار، بل هو مجبور محض، فكيف العقاب والعذاب، انتهى.\nوقال الكرماني (^٣): قيل: المقصود من الباب إثبات علم الله تعالى والسمع، وإبطال القياس الفاسد في تشبيهه بالخلق من سماع الجهر وعدم\n_________\n(^١) \"التوضيح\" (٣٣/ ٤٩٩).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٣/ ٤٩٦).\n(^٣) \"شرح الكرماني\" (٢٥/ ٢١٥).","vol":"6","page":816},{"text":"سماع السر، وإثبات القياس الصحيح حيث شبّه السر بالجهر لعلة أن الكل بالنسبة إليه تعالى سواء، انتهى من هامش \"اللامع\" (^١).\n\n(٤٢ -<span data-type='title' id=toc-4304> باب قول الله: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩]. . .) إلخ</span>\nبسط الحافظان ابن حجر والعيني (^٢) في غرض المصنف بهذه الترجمة وأقوال العلماء في ذلك، وقالا: قال ابن بطال (^٣): غرض البخاري الفرق بين وصف كلامه تعالى بأنه مخلوق، وبين وصفه بأنه محدث، فأبطل الأول، وأجاز الثاني، وقال: وهذا قول بعض المعتزلة وأهل الظاهر، وهو غلط.\nوقال الكرماني (^٤): الغالب أن البخاري لا يقصد ذلك ولا يرضى به، ولا بما نسبه إليه، إذ لا فرق بينهما عقلًا وعرفًا ونقلًا، وقال شارح \"التراجم\": مقصوده أن حدوث القرآن وإنزاله إنما هو بالنسبة إلينا، وكذا ما أحدث من أمر الصلاة فإنه بالنسبة إلى علمنا، انتهى.\nوفي \"تراجم الشاه ولي الله الدهلوي\" (^٥): قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ وصف القرآن بالمحدثية لقرب العهد بالله، كما وصف الله تعالى بأنه كل يوم هو في شأن، وحدث الله لا يشبه حدث المخلوقين.\nوقوله: (إن حدثه لا يشبه. . .) إلخ، أي: بحدوث الأحكام لا يتغير ذاته ولا صفاته الحقيقية، انتهى من هامش \"اللامع\" (^٦).\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٣٣١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٣/ ٤٩٧)، و\"عمدة القاري\" (١٦/ ٧٠٦).\n(^٣) \"شرح ابن بطال\" (١٠/ ٥٢٥).\n(^٤) \"شرح الكرماني\" (٢٥/ ٢١٦).\n(^٥) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٤٣٦).\n(^٦) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٣٣٢).","vol":"6","page":817},{"text":"(٤٣ -<span data-type='title' id=toc-4305> باب قول الله: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ [القيامة: ١٦]. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): يعني بذلك إثبات أن للمرء أفعالًا، وليس هو بمجبور محض، وأن لله تعالى أفعالًا، والروايات مصرحة بهذين المعنيين بحيث لا يفتقر إلى بيان، انتهى.\nوفي هامشه: ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه واضح، وفي \"تراجم شيخ المشايخ الشاه ولي الله الدهلوي\": باب قوله: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ. . .﴾ إلخ، فالقرآن يتحرك به شفتاه، وتأويله ذلك كتأويل قوله - ﷺ -، فكما أن الله تعالى بتحريك العبد لشفتيه لا يدخله الحدوث، فكذلك القرآن، انتهى.\nوفي \"تقرير شيخ الهند رحمه الله تعالى\": أشار المؤلف بهذا الباب إلى أن حروف القرآن حادثة؛ لأن هذا التحريك بالقرآن هو فعل العبد، وما يلزم من التحريك هو الصوت، وما يظهر من الصوت هو الحرف، فظاهر أن الحرف يكون حادثًا أيضًا، ولم يصرح به لئلا يعترض عليه بكونه معتزليًا قائلًا بحدوث القرآن، ومع هذا اتهمه الناس بالاعتزال في خلق القرآن، انتهى.\nقال الحافظ (^٢): قال ابن بطال (^٣): غرضه في هذا الباب أن تحريك اللسان والشفتين بقراءة القرآن عمل له يؤجر عليه.\nقال الحافظ: والذي يظهر أن مراد البخاري بهذين الحديثين الموصول والمعلق الردّ على من زعم أن قراءة القارئ قديمة، فأبان أن حركة لسان القارئ بالقرآن من فعل القارئ، بخلاف المقروء؛ فإنه كلام الله القديم، كما أن حركة لسان ذاكر الله حادثة من فعله، والمذكور وهو الله - ﷾ - قديم، وإلى ذلك أشار بالتراجم التي تأتي بعد هذا، انتهى.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٣٧٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٣/ ٥٠٠).\n(^٣) \"شرح ابن بطال\" (١٠/ ٥٢٦).","vol":"6","page":818},{"text":"وقال الكرماني (^١): والمقصود من الباب بيان كيفية تلقي النبي - ﷺ - كلام الله تعالى من جبريل، انتهى كله من هامش \"اللامع\".\n\n(٤٤ -<span data-type='title' id=toc-4306> باب قوله تعالى: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ. . .﴾ [الملك: ١٣]) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٢): أشار بهذه الآية إلى أن القول أعمّ من أن يكون بالقرآن أو بغيره، فإن كان بالقرآن فالقرآن كلام الله، وهو من صفات ذاته فليس بمخلوق لقيام الدليل القاطع بذلك، وإن كان بغيره فهو مخلوق بدليل قوله تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ [الملك: ١٤] بعد قوله: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الملك: ١٣] قال ابن بطال (^٣): مراده بهذا الباب إثبات العلم لله صفة ذاتية لاستواء علمه بالجهر من القول والسر، إلى أن قال الحافظ: قال ابن المنيِّر: ظنّ الشارح أنه قصد بالترجمة إثبات العلم، وليس كما ظنّ، وإنما قَصَدَ البخاري الإشارة إلى النكتة التي كانت سبب محنته بمسألة اللفظ، فأشار بالترجمة إلى أن تلاوة الخلق تتصف بالسر والجهر، ويستلزم أن تكون مخلوقةً، وقد قال البخاري في \"كتاب خلق أفعال العباد\" بعد أن ذكر عدة أحاديث دالة على ذلك: فبيَّن النبي - ﷺ - أن أصوات الخلق وقراءتهم ودراستهم وتعليمهم مختلفة بعضهم أحسن وأزين وأحلى وأصوت وأرتل وألحن وأعلى وأخفض وأغضّ وأخشع وأجهر وأخفى وأقصر وأمدّ وألين من بعض، انتهى.\nقلت: وتعقب ابن المنيِّر كلام ابن بطال صحيح، وإلا لزم التكرار، فإن هذا الغرض أعني إثبات صفة العلم لله تعالى قد تقدّم في الباب الرابع من \"باب قول الله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا. . .﴾ [الجن: ٢٦] إلخ.\n_________\n(^١) \"شرح الكرماني\" (٢٥/ ٢١٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٣/ ٥٠١).\n(^٣) \"شرح ابن بطال\" (١٠/ ٥٢٨).","vol":"6","page":819},{"text":"(٤٥ -<span data-type='title' id=toc-4307> باب قول النبي - ﷺ -: رجل آتاه الله. . .) إلخ</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): هذا والباب الذي يليه معقودان لعين ما عقد له الباب المتقدم عليهما من أن لله تعالى أفعالًا في خلقه، وللعباد أفعالًا، فتفكر فيه، انتهى.\nوفي هامشه: قال العيني تبعًا للكرماني (^٢): غرضه من هذا الباب أن قول العباد وفعلهم منسوبان إليهم، وهو كالتعميم بعد التخصيص، بالنسبة إلى الباب المتقدم عليه، انتهى.\nوفي \"تراجم شيخ مشايخنا الدهلوي\" (^٣): قوله: \"رجل آتاه القرآن. . .\" إلخ، فالقرآن يؤتي الله العبد إياه، وهو متلو يقوم العبد به، انتهى.\nوقال البخاري في \"كتاب خلق أفعال العباد\" بعد ذكر هذا الحديث: فبين أن قيامه بالكتاب هو فعله، انتهى.\nقوله: (﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الروم: ٢٢] إلخ) قال الحافظ (^٤): أما الآية الأولى فالمراد منها اختلاف ألسنتكم؛ لأنها تشمل الكلام كلّه فتدخل القراءة، وأما الآية الثانية فعموم فعل الخير يتناول قراءة القرآن والذكر والدعاء وغير ذلك، فدل على أن القراءة فعل القارئ، ثم قال: قال: ابن المنيِّر (^٥): دلّتْ أحاديث الباب الذي قبله على أن القراءة فعل القارئ، وأنها تسمى تغنيًا، وهذا هو الحق اعتقادًا لا إطلاقًا، حذرًا من الإيهام، وفرارًا من الابتداع بمخالفة السلف في الإطلاق، وقد ثبت عن البخاري أنه قال: من نقل عني أني قلت: \"لفظي بالقرآن مخلوق\" فقد\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٣٧٦، ٣٧٧).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (١٦/ ٧١١)، و\"شرح الكرماني\" (٢٥/ ٢٢٠).\n(^٣) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٤٤٢).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٣/ ٥٠٢، ٥٠٣).\n(^٥) \"المتواري\" (ص ٥٣٦).","vol":"6","page":820},{"text":"كذب، وإنما قلت: إن أفعال العباد مخلوقة، قال: وقد قارب الإفصاح في هذه الترجمة بما رمز إليه في التي قبلها، انتهى.\n\n(٤٦ -<span data-type='title' id=toc-4308> باب قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ. . .﴾ [المائدة: ٦٧]) إلخ</span>\nكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): قد ذكرنا لما عقد هذا الباب، انتهى.\nوفي هامشه: قال الحافظ (^٢): وقد احتج الإمام أحمد بن حنبل بهذه الآية على أن القرآن غير مخلوق؛ لأنه لم يرد في شيء من القرآن ولا من الأحاديث أنه مخلوق، ولا ما يدلّ على أنه مخلوق، ثم ذكر عن الحسن البصري أنه قال: لو كان ما يقول الجعد حقًّا لبلغه النبي - ﷺ -، انتهى.\nوسلك العلامة السندي ههنا في بيان غرض الترجمة مسلكًا آخر إذ قال (^٣): أي: باب إثبات النبوة، فإن مباحث النبوات من جملة مسائل علم التوحيد، إلا أنه ترجم لغالب مسائل علم التوحيد بآية من الكتاب، ثم ذكر الحديث الموافق لها، ليعلم ثبوتها بالكتاب والسُّنَّة، وموافقة الكتاب والسُّنَّة عليها، إذ هذه المسائل هي مدار الدين، والمطلوب فيها اليقين، فللَّه دره ما أدقّ نظره، ثم ذكر في الباب من الآية والأحاديث بعض ما فيه لفظ الرسالة والرسول أو نحوه، وهذا اللفظ هو مدار الترجمة، والله تعالى أعلم.\nوأما ذكره قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: ٢] فلتحقيق الكتاب الذي يتوسل به إلى تحقيق النبوة، ثم أشار بقوله: هذا الكتاب إلى أن ذلك واقع موقع هذا، وأيّده بقوله تعالى: ﴿وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ [يونس: ٢٢] فجيئ بقوله:\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٣٧٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٣/ ٥٠٤).\n(^٣) \"صحيح البخاري بحاشية السندي\" (٤/ ٣٠٥).","vol":"6","page":821},{"text":"﴿بِهِمْ﴾ موضع بكم، مع أن الأول للغائب البعيد عن الحس، والثاني للحاضر القريب، انتهى.\nوكتب الشيخ في \"اللامع\" (^١): ثم إن قوله: \"وقال كعب بن مالك حين تخلف. . .\" إلخ، حجة برأسها لا تعلق له بما تقدم ولا بما تأخر، وحاصل الاحتجاج [به] أن التخلف إنما كان فعل الكعب لا غير، وكذا قوله: ﴿فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥] حجة، فإن الرؤية عمل الله وعمل المؤمنين، وأيضًا فإن العمل مضاف للمؤمنين، وليس إضافته إليهم إلا لصدوره منهم، وكذلك قوله: \"وقالت عائشة\" إلى قوله: \"أحد. . .\" إلخ، حجة أخرى، وكذلك قوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] حجة، فإن الاتقاء فعلهم، ثم أخذ في تفسير الآية استطرادًا، فقال: \"ذلك\" ههنا بمعنى هذا، كما في الآية الأخرى، ثم أورد سندًا على هذا المعنى أن العرب تستعمل اللفظ موضع لفظ آخر، كما في قوله تعالى: ﴿وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ [يونس ٢٢]، وكذلك باقي ما ذكره ههنا حجج على ما ادّعاه، والله أعلم، انتهى.\nوفي هامشه: ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه في شرح كلام المصنف وتوضيح مرامه دقيق جدًّا، ثم ذكر في هامش \"اللامع\" توضيح كلام الشيخ قُدِّس سرُّه، وذكر فيه أيضًا ما ذكره الشرَّاح في شرح هذا المقام، فارجع إليه لو شئت.\n\n(٤٧ -<span data-type='title' id=toc-4309> باب قول الله: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا. . .﴾ [آل عمران: ٩٣]) إلخ</span>\nمراده بهذه الترجمة أن يبين أن المراد بالتلاوة القراءة، وقد فسرت التلاوة بالعمل، والعمل من فعل العامل، وقال في \"كتاب خلق أفعال\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٣٧٨ - ٣٨١).","vol":"6","page":822},{"text":"العباد\": ذكر - ﷺ - أن بعضهم يزيد على بعض في القراءة وبعضهم ينقص، فهم يتفاضلون في التلاوة بالكثرة والقلة، وأما المتلو وهو القرآن فإنه ليس فيه زيادة ولا نقصان، ويقال: فلان حسن القراءة ورديء القراءة، ولا يقال: حسن القرآن ولا رديء القرآن، وإنما يسند إلى العباد القراءة لا القرآن؛ لأن القرآن كلام الربّ، والقراءة فعل العبد، انتهى من \"الفتح\" (^١).\nوفي \"تراجم شيخ مشايخنا الدهلوي\" (^٢): قوله: \"ثم أوتيتم القرآن فعملتم. . .\" إلخ، فكلام الله تعالى معمول به متلو وهو عمل من الأعمال، انتهى.\nوفي \"تقرير شيخ الهند\": أشار إلى أن التلاوة فعل العبد اللاحق بالقرآن، وهذا الفعل حادث، والقرآن قديم، والغرض أن القرآن ليس بحادث، وأثبته البخاري بأبواب كثيرة إلا أن ما هو فعل العبد وكسبه يكون حادثًا، قوله: \"وسمى النبي - ﷺ - الإسلام والصلاة عملًا. . .\" إلخ، فيه إشارة خفية إلى ردِّ ما قالوا من أن هذه الثلاثة قديم، وإنما مناسبته بالباب بأنه أشار إلى أن الحمل في الآية بمعنى العمل، ﴿لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾ أي: لم يعملوا عليها فكأنه تفسير للآية، انتهى.\nوقال العلامة السندي (^٣): قوله: \"يتلونه حق تلاوته: يتبعونه. . .\" إلخ، الظاهر أنه فسّر \"يتلون\" بـ \"يتبعون\" على أنه من المتلو بمعنى التبع، لا من التلاوة بمعنى القراءة، ويحتمل أنه أخذ العمل من قوله: حق تلاوته، إذ لا يكون الإنسان مؤديًا للتلاوة حقها إلا إذا عمل بالمتلو كما ينبغي العمل به، والله أعلم، انتهى من هامش \"اللامع\" (^٤) مختصرًا.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٣/ ٥٠٨).\n(^٢) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٤٤٨).\n(^٣) \"صحيح البخاري بحاشية السندي\" (٤/ ٣٠٦).\n(^٤) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٣٣٣، ٣٣٤).","vol":"6","page":823},{"text":"قال الحافظ (^١) في آخر الباب: قال ابن بطال (^٢): معنى هذا الباب كالذي قبله أن كل ما ينشئه الإنسان مما يؤمر به من صلاة أو حج أو جهاد وسائر الشرائع عمل يجازى على فعله ويعاقب على تركه، انتهى.\nوقال الحافظ: ليس غرض البخاري هنا بيان ما يتعلق بالوعيد، بل ما أشرت إليه قبل، ثم قال: وتشاغل ابن التِّين ببعض ما يتعلق بلفظ حديث ابن عمر إلى أن قال: وفي تشاغل من شرح هذا الكتاب بمثل هذا هنا إعراض عن مقصود المصنف ههنا، وحق الشارح بيان مقاصد المصنف تقريرًا وإنكارًا، وبالله المستعان، انتهى.\n\n(٤٨ -<span data-type='title' id=toc-4310> باب وسمى النبي - ﷺ - الصلاة عملًا. . .) إلخ</span>\nقال الحافظ (^٣): كذا لهم بغير ترجمة، وهو كالفصل من الباب الذي قبله، انتهى. وهكذا في \"العيني\" (^٤) وزاد: ولهذا قال: \"وسمى\" بالواو، انتهى.\nقلت: وهو كذلك، وقد تقدم ذكر الصلاة في الباب السابق، وأعادها ههنا اهتمامًا، وتقدم ما في \"تقرير شيخ الهند\" في الصلاة في الباب السابق، انتهى من هامش \"اللامع\" (^٥).\n\n(٤٩ -<span data-type='title' id=toc-4311> باب قوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ [المعارج:</span> ١٩])\nقال الحافظ (^٦): وقد تقدّم شرح الحديث في فرض الخمس، والغرض منه قوله فيه: \"لما في قلوبهم من الجزع والهلع\"، قال ابن بطال (^٧): مراده في هذا الباب إثبات خلق الله للإنسان بأخلاقه من الهلع والصبر والمنع والإعطاء إلى آخر ما ذكر.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٣/ ٥١٠).\n(^٢) \"شرح ابن بطال\" (١٠/ ٥٣٥).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٣/ ٥١٠).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١٦/ ٧١٧).\n(^٥) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٣٣٤).\n(^٦) \"فتح الباري\" (١٣/ ٥١١).\n(^٧) \"شرح ابن بطال\" (١٠/ ٥٣٥).","vol":"6","page":824},{"text":"قال الحافظ: قصد البخاري أن الصفات المذكورة بخلق الله تعالى في الإنسان، لا أن الإنسان يخلقها بفعله، انتهى مختصرًا، وهكذا قال العيني (^١).\n\n(٥٠ -<span data-type='title' id=toc-4312> باب ذكر النبي - ﷺ - وروايته عن ربه)</span>\nيحتمل أن تكون الجملة الأولى محذوفة المفعول، والتقدير: ذكر النبي - ﷺ - ربه - ﷿ -، ويحتمل أن يكون ضمن الذكر معنى التحديث، فعدّاه بـ \"عن\" فيكون قوله: \"عن ربه\" متعلقًا بالذكر والرواية معًا، وقد ترجم هذا في \"كتاب خلق أفعال العباد\" (^٢) بلفظ: \"ما كان النبي - ﷺ - يذكر ويروي عن ربه\"، وهو أوضح، وقد قال ابن بطال (^٣): معنى هذا الباب أن النبي - ﷺ - روى عن ربه السُّنَّة كما روى عنه القرآن، انتهى.\nوالذي يظهر أن مراده تصحيح ما ذهب إليه كما تقدّم التنبيه عليه في تفسير المراد بكلام الله - ﷾ -، انتهى من \"الفتح\" (^٤).\nقلت: الظاهر أنه أشار بقوله كما تقدم إلى ما تقدم في \"باب قوله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾ \" ردًّا على ابن بطال إذ قال: والذي يظهر أن غرضه أن كلام الله لا يختص بالقرآن، فإنه ليس نوعًا واحدًا كما تقدم نقله عمن قاله، وأنه وإن كان غير مخلوق، وهو صفة قائمة به، فإنه يلقيه على من يشاء من عباده، انتهى (^٥).\nثم يشكل في أحاديث الباب حديث عبد الله بن مغفل في الترجيع، فإنه لا مطابقة له بالترجمة على الظاهر.\nقال الحافظ (^٦): قال ابن بطال (^٧): وجه دخول هذا الحديث في الباب\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٦/ ٧١٨).\n(^٢) (ص ٨٥).\n(^٣) \"شرح ابن بطال\" (١٠/ ٥٣٧).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٣/ ٥١٢).\n(^٥) انظر: \"فتح الباري\" (١٣/ ٤٦٧).\n(^٦) \"فتح الباري\" (١٣/ ٥١٥).\n(^٧) \"شرح ابن بطال\" (١٠/ ٥٣٧).","vol":"6","page":825},{"text":"أنه - ﷺ - كان أيضًا يروي القرآن عن ربه، وقال الكرماني (^١): الرواية عن الربّ أعمّ من أن تكون قرآنًا أو غيره، بدون الواسطة أو بالواسطة، وإن كان المتبادر هو ما كان بغير الواسطة، انتهى.\nوفي \"التراجم\" (^٢) للشاه ولي الله الدهلوي: القراءة يدخل فيها الترجيع وهو من صفاتها، انتهى.\nولا يبعد عندي أن يقال: إن الإمام البخاري أشار بقراءة سورة الفتح إلى الروايات التي وردت في قصة الحديبية من رواية النبي - ﷺ - عن ربه تعالى، ويستنبط ذلك مما ذكره السيوطي في قصة بيعة الشجرة، وفيه: \"ونادى منادي رسول الله - ﷺ -: ألا إن روح القدس قد نزل على رسول الله - ﷺ - فأمره بالبيعة\" الحديث، انتهى من هامش \"اللامع\" (^٣).\n\n(٥١ -<span data-type='title' id=toc-4313> باب ما يجوز من تفسير التوراة. . .) إلخ</span>\nغرض الترجمة ظاهر، وهو أنه استدل بذلك على مطلوبه، وهو أن القراءة فعل القاري؛ لأن التفسير لا بدّ أن يكون من فعل المفسر.\nقال الحافظ (^٤): قوله تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا﴾ الآية [آل عمران: ٩٣]، وجه الدلالة أن التوراة بالعبرانية، وقد أمر الله تعالى أن تتلى على العرب وهم لا يعرفون العبرانية، فقضية ذلك الإذن في التعبير عنها بالعربية، انتهى.\nوفي \"الفيض\" (^٥): فالتوراة من الله تعالى وتفسيرها من أفعال العباد، وكذا الكتابة من أفعالهم، فهل يقول عاقل: إن التلاوة والكتابة وأمثالهما من صفاته تعالى، وإذن وجب الفرق بين الوارد والمَوْرِد، وفعل العبد\n_________\n(^١) \"شرح الكرماني\" (٢٥/ ٢٣١).\n(^٢) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٤٥١).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٣٣٥).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٣/ ٥١٦).\n(^٥) \"فيض الباري\" (٦/ ٦٠٩).","vol":"6","page":826},{"text":"وصفة الله تعالى، ويقضي العجب مما نسب إلى الحنابلة من أن المكتوب ما بين الدفتين أيضًا قديم، انتهى.\n\n(٥٢ -<span data-type='title' id=toc-4314> باب قول النبي - ﷺ -: الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة)</span>\nالماهر الحاذق، والمراد به هنا جودة التلاوة مع حسن الحفظ، والمراد بالسفرة الكتبة جمع سافر، مثل كاتب وزنه ومعناه، وهم هنا الذين ينقلون من اللوح المحفوظ، فوصفوا بالكرام، أي: المكرمين عند الله تعالى، والبررة، أي: المطيعين المطهرين عن الذنوب، والمراد بالمهارة بالقرآن جودة الحفظ والتلاوة من غير تردد فيه؛ لكونه يسره الله تعالى عليه كما يسّره على الملائكة فكان مثلها في الحفظ والدرجة، قال ابن بطال (^١): لعل البخاري أشار بأحاديث هذا الباب إلى أن الماهر بالقرآن هو الحافظ له مع حسن الصوت به، والجهر به بصوت مطرب بحيث يلتذ سامعه، انتهى.\nقال الحافظ (^٢): والذي قصده البخاري إثبات كون التلاوة فعل العبد، فإنها يدخلها التزيين والتحسين والتطريب، وقد يقع بأضداد ذلك، وكل ذلك دال على المراد، وقد أشار إلى ذلك ابن المنيِّر، فقال (^٣): ظنّ الشارح أن غرض البخاري جواز قراءة القرآن بتحسين الصوت، وليس كذلك، وإنما غرضه الإشارة إلى ما تقدم من وصف التلاوة بالتحسين والترجيع والخفض والرفع ومقارنة الأحوال البشرية، كقول عائشة: \"يقرأ القرآن في حجري وأنا حائض\"، فكل ذلك يحقق أن التلاوة فعل القارئ، وتتصف بما تتصف به الأفعال، وتتعلق بالظروف الزمانية والمكانية، انتهى.\nوفي \"تراجم الشاه ولي الله\" (^٤): قوله: \"حسن الصوت بالقرآن يجهر به\" فالقرآن مصوت به مجهور متلو بالألسن، انتهى.\n_________\n(^١) \"شرح ابن بطال\" (١٠/ ٥٤٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٣/ ٥١٨، ٥١٩).\n(^٣) \"المتواري\" (ص ٥٣٧).\n(^٤) (ص ٤٥٢).","vol":"6","page":827},{"text":"وفي \"تقرير المكي\": قوله: الماهر فثبت الكسب، انتهى من \"الفتح\" وهامش \"اللامع\" (^١).\n\n(٥٣ -<span data-type='title' id=toc-4315> باب ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل:</span> ٢٠])\nقال الحافظ (^٢): ومناسبة هذه الترجمة وحديثها للأبواب التي قبلها من جهة التفاوت في الكيفية، ومن جهة جواز نسبة القراءة للقارئ، انتهى.\nوفي \"التراجم\" (^٣) للشاه ولي الله قُدِّس سرُّه، قوله: \"كذلك أنزلت\"، فالقراءة منسوبة إلى العباد مختلفة باختلافهم، انتهى.\n\n(٥٤ -<span data-type='title' id=toc-4316> باب قول الله: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ﴾ [القمر: ١٧]. . .) إلخ</span>\nمناسبة هذا الباب بما قبله من جهة الاشتراك في لفظ التيسير، قال ابن بطال (^٤): تيسير القرآن تسهيله على لسان القاري حتى يسارع إلى قراءته، فربما سبق لسانه في القراءة، فيجاوز الحرف إلى ما بعده، ويحذف الكلمة حرصًا على ما بعدها.\nقال الحافظ: وفي دخول هذا في المراد نظر كبير، انتهى من \"الفتح\" (^٥).\nقلت: وترجم عليه الإمام البيهقي في \"كتاب الأسماء والصفات\" (^٦): \"باب الفرق بين التلاوة والمتلو\" قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ. . .﴾ إلخ، ثم قال بعد ذكر عدة آيات: فالقرآن الذي نتلوه كلام الله تعالى وهو متلو بألسنتنا على الحقيقة، مكتوب في مصاحفنا، محفوظ في صدورنا، مسموع بأسماعنا، غير حالٍّ في شيء منها، إذ هو من صفات ذاته غير بائن منه، وهو كما أن البارئ - ﷿ - معلوم بقلوبنا، مذكور بألسنتنا، مكتوب في\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٣٣٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٣/ ٥٢١).\n(^٣) (ص ٤٥٤).\n(^٤) \"شرح ابن بطال\" (١٠/ ٥٥٠).\n(^٥) \"فتح الباري\" (١٣/ ٥٢١).\n(^٦) \"كتاب الأسماء والصفات\" (ص ٢٥٠).","vol":"6","page":828},{"text":"كتبنا، معبود في مساجدنا، مسموع بأسماعنا غير حال في شيء منها، وأما قرائتنا وكتابتنا وحفظنا فهي من اكتسابنا، واكتسابنا مخلوقة لا شك فيه، انتهى.\nقال الحافظ (^١) نقلًا عن البيهقي: مذهب السلف والخلف من أهل الحديث والسُّنَّة أن القرآن كلام الله، وهو صفة من صفات ذاته، وأما التلاوة فهم على طريقتين: منهم من فرّق بين التلاوة والمتلو، ومنهم من أحَبَّ تركَ القول فيه، وأما ما نقل عن الإمام أحمد أنه سوّى بينهما فإنما أراد حسم المادة؛ لئلا يتدرع أحد إلى القول بخلق القرآن، انتهى.\n\n(٥٥ -<span data-type='title' id=toc-4317> باب قول الله: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢١، ٢٢]) إلخ</span>\nوفي حاشية النسخة \"الهندية\" (^٢) عن \"الخير الجاري\": غرضه أن القرآن كان قبل النزول مسطورًا في اللوح، انتهى.\nقلت: هو كما قال، ولذا ذكر المصنف تفاصيل الكتابة وغيرها، قال الحافظ (^٣): قال البخاري في \"خلق أفعال العباد\" بعد أن ذكر هذه الآية والذي بعدها: قد ذكر الله أن القرآن يحفظ ويسطر، والقرآن الموعى في القلوب المسطور في المصاحف المتلو بالألسنة كلام الله ليس بمخلوق، وأما المداد والورق والجلد فإنه مخلوق، انتهى.\nوقال (^٤) في \"باب ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا. . .﴾ [البقرة: ٢٢] \" إلخ: ومحصل ما نقل عن أهل الكلام في هذه المسألة خمسة أقوال: الأول: قول المعتزلة أنه مخلوق. الثاني: قول الكلابية أنه قديم قائم بذات الرب، ليس بحروف ولا أصوات، والموجود بين الناس عبارة عنه لا عينه. والثالث:\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٣/ ٤٩٢).\n(^٢) \"صحيح البخاري بحاشية السهارنفوري\" (١٤/ ٧٢٣).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٣/ ٥٢٢).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٣/ ٤٩٣).","vol":"6","page":829},{"text":"قول السالمية أنه حروف وأصوات قديمة الأعين، وهو عين هذه الحروف المكتوبة والأصوات المسموعة. والرابع: قول الكرامية أنه محدث لا مخلوق. والخامس: أنه كلام الله غير مخلوق، إنه لم يزل يتكلم إذا شاء نصّ على ذلك أحمد في \"كتاب الرد على الجهمية\"، وافترق أصحابه فرقتين ذكرهما الحافظ، ثم قال: والذي استقرّ عليه قول الأشعرية أن القرآن كلام الله غير مخلوق مكتوب في المصاحف محفوظ في الصدور مقروء بالألسنة، إلى آخر ما بسط.\nقوله: (وليس أحد يزيل لفظ كتاب. . .) إلخ، هذا أحد القولين في تفسير الآية من أن التحريف وقع باعتبار المعنى فقط، ومال الجمهور إلى أن التحريف منهم وقع في الألفاظ أيضًا، كما بسط في الحاشية، وقال مولانا الشيخ أنور (^١): اعلم أن أقوال العلماء في وقوع التحريف ودلائلهم كلّها قد قضى عنه الوطر المحشيُّ فراجعه.\nوالذي ينبغي فيه النظر ههنا أنه كيف ساغ لابن عباس إنكار التحريف اللفظي، مع أن شاهد الوجود يخالفه، كيف! وقد نعى عليهم القرآن أنهم كانوا يكتبون بأيديهم، ثم يقولون: ﴿هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ وهل هذا إلا تحريف لفظي، ولعل مراده أنهم ما كانوا يحرفون قصدًا، ولكن سلفهم كانوا يكتبون مرادها كما فهموه، ثم كان خلفهم يُدخلونه في نفس التوراة، فكان التفسير يختلط بالتوراة من هذا الطريق، انتهى.\nوكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في \"اللامع\" (^٢): قوله: \"وليس أحد. . .\" إلخ، يعني: أن تصرفهم إنما كان في بيان المعنى، وأما كلام الله تعالى فأكرم من أن يغيره أحد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، ولله الحمد على ما أولى، فنعم ما أولى ونعم المولى، وفق الله تعالى للإتمام سابع عشر جمادى الثانية من شهور ١٣١٣ هـ، انتهى.\n_________\n(^١) \"فيض الباري\" (٦/ ٦١٢، ٦١٣).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٣٨٢ - ٣٨٤).","vol":"6","page":830},{"text":"قلت: وهذا آخر ما أفاده الشيخ القطب الكَنكَوهي نوَّر الله مرقده بتقرير البخاري المطبوع باسم \"لامع الدراري\"، وقد بقيت في البخاري ثلاثة أبواب، لم يتعرض لها الشيخ قُدِّس سرُّه لظهور مقاصدها مما أفاده من كتاب الرد إلى ههنا مرارًا من غرض الإمام البخاري من هذه التراجم، انتهى من هامش \"اللامع\". وقد ذكر الكلام فيه على هذه الأبواب إلى آخر الكتاب مبسوطًا ومفصلًا فارجع إليه.\n\n(٥٦ -<span data-type='title' id=toc-4318> باب قول الله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:</span> ٩٦])\nقال الحافظ (^١): ذكر ابن بطال (^٢) عن المهلب: أن غرض البخاري بهذه الترجمة إثبات أن أفعال العباد وأقوالهم مخلوقة لله تعالى، انتهى.\nوقال القسطلاني (^٣) تبعًا للحافظ: قال الشمس الأصفهاني في تفسير قوله: ﴿وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ أي: عملكم، وفيه دليل على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى، وأنها مكتسبة للعباد، حيث أثبت لهم عملًا، فأبطلت هذه الآية مذهب القدرية والجبرية معًا، انتهى.\nوقال شيخ مشايخنا الدهلوي في \"تراجمه\" (^٤) تحت هذه الترجمة: أي: الله خالق أعمال العباد، والقراءة عمل من أعماله، ويردّ عليه \"أحيوا ما خلقتم\"، فإنه يدلّ على أن الخلق ينسب إلى العباد، والجواب أنهم منسوب إليهم بمعنى غير منسوب إليهم (^٥) بمعنى آخر، ومثله قوله - ﷺ -: \"ما أنا حملتكم\"، وقوله في الكهان: \"ليسوا بشيء\"، انتهى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٣/ ٥٢٨).\n(^٢) \"شرح ابن بطال\" (١٠/ ٥٥٣).\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (١٥/ ٦١٣).\n(^٤) \"شرح تراجم أبواب البخاري\" (ص ٤٦٣).\n(^٥) كذا في الأصل، وهو تحريف كما هو ظاهر.","vol":"6","page":831},{"text":"قوله: (فأمر لنا بخمس ذود. . .) إلخ، قال العلامة السندي (^١): هو بإضافة خمس إلى ذود، وذود جمع ناقة معنى، وإضافة اسم العدد إليه تفيد أن آحادها خمس، كل واحد من تلك الآحاد ناقة لا ذود، إلى آخر ما بسط في ضبط هذا اللفظ وإعرابه ومعناه، فارجع إليه لو شئت.\n\n(٥٧ -<span data-type='title' id=toc-4319> باب قراءة الفاجر والمنافق. . .) إلخ</span>\nغرض الترجمة ظاهر، وهو أن التفاوت في قراءتهم باعتبار أفعالهم، والمتلو واحد لا تفاوت فيه، ولا يبعد أيضًا أن يقال: إن الإمام البخاري أشار بالترجمة إلى الردّ على ما نقل عن محمد بن أسلم الطوسي، كما حكاه عنه الحافظ في موضع آخر، وتقدم مبسوطًا في مقدمة \"اللامع\" من أنه قال: الصوت من المصوت كلام الله، وهي عبارة رديئة لم يرد ظاهرها، وإنما أراد نفي كون المخلوق متلوًّا، وقد وقع ذلك لإمام الأئمة محمد بن خزيمة، ثم رجع، وله في ذلك مع تلامذته قصة مشهورة، ثم قال: إن قول من قال: إن الذي يسمع من القاري هو الصوت القديم لا يعرف عن السلف، ولا قاله أحمد، ولا أئمة أصحابه، وإنما سبب نسبة ذلك لأحمد قوله: من قال: \"لفظي بالقرآن مخلوق\" فهو جهمي، فظنوا أنه سوّى بين اللفظ والصوت، ولم يُنْقل عن أحمد في الصوت ما نقل عنه في اللفظ، بل صرّح في مواضع بأن الصوت المسموع من القارئ هو صوت القارئ، إلى آخر ما تقدم في مقدمة \"اللامع\" (^٢) في بيان ردّ ما نقم على البخاري.\nقوله: (فيقرقرها. . .) إلخ، اختلف في هذا الحديث في موضعين: الأول: في لفظ \"يقرقر\" بالقافين والرائين، كما في حديث الباب، وتقدم في \"بدء الخلق\" في \"باب صفة إبليس وجنوده\" بلفظ: \"وتقرها\" بقاف وشدة\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري بحاشية السندي\" (٤/ ٣٠٩).\n(^٢) انظر: \"لامع الدراري\" (١/ ٥٦، ٥٧) و(١٠/ ٣٨٩، ٣٩٠).","vol":"6","page":832},{"text":"راء، وتقدم البسط في هامش \"اللامع\" في هذا الاختلاف ومعناه، واختلفوا في معنى اللفظ الثاني على قولين: أحدهما \"يقرها\" أي: يصبها، تقول: قررت على رأسه دلوًا إذا صببته، والثاني: \"يقرها\" يصوتها، يقال: قرّ الطائر إذا صوّت وفسروا اللفظ الأول بقولهم: يقرقرها، أي: يرددها، يقال: قرقرت الدجاجة قرقرةً إذا رددت صوتها.\nوالموضع الثاني: اختلافهم في لفظ \"الدجاجة\" و\"الزجاجة\"، وبسط في هامش \"اللامع\" في \"باب صفة إبليس\" اختلاف المحدثين في تصحيح أحد اللفظين وتصحيفه، إلى آخر ما ذكر في هامش \"اللامع\" (^١) في موضعين ههنا، وفي \"بدء الخلق\".\nأما مناسبة الحديث بالترجمة فقال الحافظ (^٢): تعرض له ابن بطال ولخصه الكرماني، وقال: لمشابهة الكاهن بالمنافق من جهة أنه لا ينتفع بالكلمة الصادقة لغلبة الكذب عليه ولفساد حاله، كما أن المنافق لا ينتفع بقراءته لفساد عقيدته، والذي يظهر لي من مراد البخاري أن تلفظ المنافق بالقرآن كما يتلفظ به المؤمن فتختلف تلاوتهما، والمتلو واحد، فلو كان المتلو عين التلاوة لم يقع فيه تخالف، وكذلك الكاهن في تلفظه بالكلمة من الوحي التي يخبره بها الجني مما يختطفه من الملك تلفظه بها، وتلفظ الجني مغاير لتلفظ الملك فتفاوتا، انتهى.\nقوله: (لا يجاوز تراقيهم) بسط الكلام في شرحه وفيما يستفاد من هذا الحديث في هامش \"اللامع\" (^٣)، فليراجع.\n_________\n(^١) انظر: \"لامع الدراري\" (١٠/ ٢٩١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٣/ ٥٣٦)، و\"شرح ابن بطال\" (١٠/ ٥٥٧)، و\"شرح الكرماني\" (٢٥/ ٢٤٧).\n(^٣) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٣٩٢).","vol":"6","page":833},{"text":"(٥٨ -<span data-type='title' id=toc-4320> باب قول الله: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ. . .﴾ [الأنبياء: ٤٧]) إلخ</span>\nقال صاحب \"الفيض\" (^١): يريد أن أفعالنا متميزة من القرآن غاية التمييز حتى إن أفعالهم ينصب لها الميزان، وأما القرآن فمن يزعم أنه يوضع له الميزان، فافترقا من كل وجه، انتهى.\nوالظاهر أن هذا الباب ردّ على المعتزلة حيث أنكروا الميزان.\nقال الحافظ (^٢): قال أبو إسحاق الزجاج: أجمع أهل السُّنَّة على الإيمان بالميزان، وأن أعمال العباد توزن يوم القيامة، وأن الميزان له لسان وكفتان ويميل بالأعمال، وأنكرت المعتزلة الميزان، وقالوا: هو عبارة عن العدل، فخالفوا الكتاب والسُّنَّة؛ لأن الله أخبر أنه يضع الموازين لوزن الأعمال ليرى العباد أعمالهم ممثلة؛ ليكونوا على أنفسهم شاهدين، وقد ذهب بعض السلف إلى أن الميزان بمعنى العدل والقضاء، كما روي عن مجاهد، والراجح ما ذهب إليه الجمهور، وأخرج اللالكائي في \"السُّنَّة\" عن سلمان: قال: \"يوضع الميزان، وله كفتان، لو وضع في أحدهما السموات والأرض ومن فيهن لوسعته\"، وعن الحسن قال: \"له لسان وكفتان\"، انتهى مختصرًا.\nوفي \"شرح العقائد النسفية\" (^٣): الوزن حق، والميزان عبارة عما يعرف به مقادير الأعمال، والعقل قاصر عن إدراك كيفيته، وأنكرته المعتزلة، انتهى.\nوفي هامشه: قالوا: المراد بالوزن في الآية العدل، وأن ميزان الألوان هو البصر، وميزان الأصوات هو السمع، وميزان المعقولات هو العقل، فلذا ذكر بلفظ الجمع، انتهى.\n_________\n(^١) \"فيض الباري\" (٦/ ٦١٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٣/ ٥٣٨، ٥٣٩).\n(^٣) \"شرح العقائد النسفية\" (ص ١٠٢).","vol":"6","page":834},{"text":"وبسط الكلام على هذه المباحث صاحب \"اليواقيت والجواهر\" (^١) في المبحث الثامن والستين في بيان أن الحوض والصراط والميزان حق، فارجع إليه لو شئت التفصيل.\nقال الكرماني (^٢): قال أهل السُّنَّة: الميزان جسم محسوس ذو لسان وكفتين، والله تعالى يجعل الأعمال والأقوال كالأعيان موزونة، أو توزن صحفها، وقيل: هو ميزان كميزان الشعر، وفائدته إظهار العدل، والمبالغة في الإنصاف والإلزام قطعًا لأعذار العباد، انتهى.\nثم اختلف في لفظ الموازين هل هو جمع موزون أو جمع ميزان، وعلى الثاني اختلف في وجه الجمع، وفي هامش \"شرح العقائد\" (^٣): المشهور أن الميزان واحد، وأجيب عنه بأن الجمع للتعظيم، وقيل: لكل مكلف ميزان، والظاهر أن يعتبر تعدده باعتبار الأشخاص وإن اتحد ذاته، انتهى.\nومال العلامة الرازي في \"التفسير الكبير\" (^٤) إلى تعدد الميزان إذ قال: الأظهر إثبات موازين في يوم القيامة لا ميزان واحد لورود صيغة الجمع في الآيات، فلا يبعد أن يكون لأفعال القلوب ميزان، ولأفعال الجوارح ميزان، ولما يتعلق بالقول ميزان آخر، انتهى.\nقوله: (وإن أعمال بني آدم توزن) أشار بذلك الإمام البخاري إلى اختيار أحد القولين المشهورين في أن الموزون الأعمال أو الصحف، واختار المؤلف منهما القول الأول، كما صرّح به ههنا في الترجمة، واستدلّ عليه بالحديث الوارد في الباب، وههنا قول ثالث هو أن الموزون هو نفس الأشخاص العاملين، وعبارة الخازن (^٥): ثم اختلف العلماء في\n_________\n(^١) \"اليواقيت والجواهر\" (٢/ ١٦٠).\n(^٢) \"شرح الكرماني\" (٢٥/ ٢٤٨، ٢٤٩).\n(^٣) \"شرح العقائد النسفية\" (ص ١٠٢).\n(^٤) \"التفسير الكبير\" (١٤/ ٢٣).\n(^٥) \"تفسير الخازن\" (٢/ ٢١١).","vol":"6","page":835},{"text":"كيفية الوزن، فقال بعضهم: توزن صحائف الأعمال، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: يؤتى بالأعمال الحسنة على صورة حسنة، وبالأعمال السيئة على صورة قبيحة فتوضع في الميزان فعلى قول ابن عباس - ﵄ - أن الأعمال تتصور صورًا، وتوضع تلك الصور في الميزان، فيخلق الله في تلك الصور ثقلًا وخفة، ونقل البغوي عن بعضهم أنها توزن الأشخاص، انتهى.\nوحكى الحافظ (^١) عن الطيبي: والحق عند أهل السُّنَّة أن الأعمال حينئذ تتجسد أو تجعل في أجسام، فتصير أعمال الطائعين في صورة حسنة، وأعمال المسيئين في صورة قبيحة، ثم توزن، ورجّح القرطبي أن الذي يوزن الصحائف، ونقل عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - قال: توزن صحائف الأعمال، قال: فإذا ثبت هذا فالصحف أجسام، فيرتفع الإشكال، ويقويه حديث البطاقة، إلى آخر ما بسط في هامش \"اللامع\" (^٢).\nوقد اتفق لي زيارة نسخة خطية قديمة لصحيح البخاري التي قرأها شيخ شيوخنا المفتي إلهي بخش الكاندهلوي على شيخه الشاه عبد العزيز الدهلوي، فوجدت على \"هامشه\" بخط المفتي المذكور مما يتعلق بهذا الباب، وهذا نصه: قوله: \"باب قول الله. . .\" إلخ، هذا إشارة إلى أن الكلام داخل في الأعمال، وأنه يوزن كما يوزن الأعمال، ولذلك أورد حديث \"كلمتان حبيبتان إلى الرحمن\"، وختم بهذا الحديث كما افتتح بحديث \"الأعمال بالنيات\" أي: كما ينبغي ابتداء الأعمال بالإخلاص، كذلك ينبغي \"ختمها بالتسبيح والتحميد\". انتهى.\nقلت: ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه لطيف جدًا، وهو أنه أشار بهذه العبارة الوجيزة إلى أن الغرض من الترجمة أمران: الأول: إثبات وزن الأعمال، وأنها توزن لا كما زعمت المعتزلة من أن المراد بالوزن العدل\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٣/ ٥٣٩).\n(^٢) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٣٩٤ - ٣٩٧).","vol":"6","page":836},{"text":"كما تقدم، والثاني: التنبيه على أن أقوال المرء وكلامه أيضًا داخلة في الأعمال، إذ القول عمل من الأعمال، فكما أنها توزن الأفعال، كذلك توزن الأقوال وما يتكلم به الإنسان، وحديث الباب صريح في الجزء الثاني حيث قال في حق كلمتان أنهما ثقيلتان في الميزان، وأما بقية الأعمال فيقاس على ذلك.\nوفي هامش \"اللامع\" (^١): ثم اختلفوا في أنه هل يوزن الإيمان أم لا؟ وذكر السيوطي في \"الحاوي\" منظومًا بسيطًا في السؤال والجواب عن ذلك، وحاصل الجواب أن الحكيم الترمذي صرّح في \"نوادره\"، وعنه أخذ القرطبي في \"تذكرته\": أن الوزن يختص بالأعمال، والإيمان لا يوزن؛ لأنه لا بد للوزن من وجود ما يقابله، ومقابل الإيمان ليس إلا الكفر، والإيمان لا يجتمع مع الكفر أصلًا، فلا ضدّ له يوزن بمقابله، وأما ما ورد في حديث البطاقة فالمراد به ذكره هذه الكلمة بعد الإيمان، وهو من أعظم الحسنات، فتوزن مع الحسنات، انتهى.\nقال العلامة القسطلاني (^٢): ثم إن ظاهر قول البخاري: \"وأن أعمال بني آدم وقولهم توزن\" التعميم، وليس كذلك، بل خص منهم من يدخل الجنة بغير حساب وهم السبعون ألفًا، كما في البخاري، فإنه لا يرفع لهم ميزان ولا يأخذون صحفًا، وإنما هي براءات مكتوبة كما قاله الغزالي، وكذلك من لا ذنب له إلا الكفر فقط ولم يعمل حسنة، فإنه يقع في النار من غير حساب ولا ميزان، انتهى.\nوقال صاحب \"الجمل\" (^٣): ولا يكون الوزن في حق كل أحد؛ لأن من لا حساب عليه لا يوزن له كالأنبياء والملائكة، والوزن يكون للمكلّفين من الجن والإنس، انتهى.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (١٠/ ٤٠١، ٤٠٢).\n(^٢) \"إرشاد الساري\" (١٥/ ٦٣٠).\n(^٣) \"الفتوحات الإلهية\" (٣/ ١٣١).","vol":"6","page":837},{"text":"وأما براعة الاختتام فقد تقدم في مقدمة \"اللامع\" (^١) من كلام الحافظ حيث قال: والتسبيح مشروع في الختام، فلذلك ختم به \"كتاب التوحيد\"، والحمد لله بعد التسبيح آخر دعوى أهل الجنة، قال الله تعالى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠]، وقد ورد في حديث أبي هريرة - ﵁ - في ختم المجلس ما أخرجه الترمذي وابن حبان وغيرهما عنه مرفوعًا: \"من جلس في مجلس وكثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، غفر له ما كان في مجلسه ذلك\" هذا ما قاله الحافظ ابن حجر (^٢).\nوأما براعة الاختتام على رأي هذا العبد الضعيف من أن المصنف - ﵀ - يذكر الرجل وقارئ كتابه في آخر كل كتاب موته، فهذا ظاهر من هذا الباب، وذلك أن الغرض منه إثبات وزن الأعمال، والوزن إنما يكون يوم القيامة وبعد الممات.\nقال الكرماني: ذكر هذا الباب ليس مقصودًا بالذات، بل هو لإرادة أن يكون آخر الكلام التسبيح والتحميد، كما أنه ذكر حديث الأعمال بالنيات في أول الكتاب لإرادة بيان إخلاصه فيه.\nقال الحافظ (^٣): كذا قال، والذي يظهر أنه قصد ختم كتابه بما دلّ على وزن الأعمال؛ لأنه آخر آثار التكليف، فإنه ليس بعد الوزن إلا الاستقرار في إحدى الدارين إلى أن يريد الله إخراج من قضى بتعذيبه من الموحدين، فيخرجون من النار بالشفاعة كما تقدم بيانه.\nقال الكرماني (^٤): وأشار أيضًا إلى أنه وضع كتابه قسطاسًا وميزانًا يرجع إليه، وأنه سهل على من يسره الله تعالى عليه، وفيه إشعار بما كان عليه المؤلف في حالتيه أوّلًا وآخرًا، تقبل الله تعالى منه وجزاه أفضل الجزاء، انتهى.\n_________\n(^١) \"لامع الدراري\" (١/ ١١٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٣/ ٥٤٤).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٣/ ٥٤٢).\n(^٤) \"شرح الكرماني\" (٢٥/ ٢٥١).","vol":"6","page":838},{"text":"وقال السندي (^١): \"باب قول الله ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]. . .\" إلخ، أي: باب أن الوزن حق، وهذا من مسائل التوحيد، وبه ختم \"صحيحه\" لأن الأعمال وزنها وثقلها وخفتها على حسب نية العامل لحديث \"إنما الأعمال بالنيات\"، ففي هذه المسائل إرشاد إلى حسن النية في الأعمال، كما في أول الكتاب إشارة إلى ذلك بإيراده حديث \"إنما الأعمال بالنيات\"، فصار من ذلك حسن الختام لما فيه من موافقة البداية النهاية، وفيه إشارة إلى المداومة على حسن النية بدايةً ونهايةً، وأيضًا أول العمل هو النية وآخره هو الوزن، وليس بعده إلا الجزاء، فأتى في موضع الكتاب الموضوع للعمل على ما عليه العمل في بدايته ونهايته، فأتى ببدايته وهي النية في بداية الكتاب، ونهايته وهو الوزن في نهاية الكتاب، فما أحسن نظره وأدقّ، انتهى.\nوهذا آخر ما أردت ذكره في شرح تراجم \"صحيح البخاري\"، وبيان غرض المؤلف منها مما وجدت في شروح البخاري صريحًا أو استنباطًا أو كان مما ظهر لي خلا ما ذكره الشرَّاح، فإن كان ما بدا لي في تعيين غرض الإمام البخاري صحيحًا فمن الله تعالى وحسن توفيقه، وإن كان غير صحيح فمني، والإمام البخاري منه بريء.\nوقد أمعن النظر في مسودات هذه التراجم وتوضيح إجمالها والمراجعة إلى الأصول، وذكر المآخذ الأعزان المكرمان ختني المولوي الحافظ محمد عاقل صدر المدرسين بمدرسة مظاهر علوم، والختن الآخر المولوي الحافظ محمد سلمان من أكابر المدرسين بالمدرسة المذكورة، جزاهما الله عني وعن سائر المستفيدين بهذه الأجزاء أحسن الجزاء، وبارك في علومهما، وأذاقهما شراب حبه.\nوقد وقع فراغهما من هذا التبييض، والنظر الثاني يوم الخميس في\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري بحاشية السندي\" (٤/ ٣١١).","vol":"6","page":839},{"text":"العشرين مضت من شهر رمضان سنة إحدى وأربع مائة بعد ألف، وقد كان بداية هذا العمل ضحى الأربعاء في الثامن والعشرين من ذي الحجة سنة تسعين وثلاث مائة وألف حذاء الأقدام العالية المباركة الشريفة في المسجد النبوي على صاحبه ألف ألف صلاة وتحية.\n* * *","vol":"6","page":840}]}