{"ً":{"ٌ":855,"ٍ":"شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري - ابن باز","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"files":["https://archive.org/download/shtwbkh/shtwbkh.pdf"]},"ّ":"الكتاب: شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري\nالمؤلف: عبد العزيز بن عبد الله بن باز\nأصل الكتاب: دروس صوتية ألقاها الشيخ ﵀ في جامع الإمام تركي بن عبد الله (الجامع الكبير)، في الرياض عام ١٤٠٩ هـ، في درس الفجر\nاعتنى به: محمد بن أبكر بن عبد الرحيم القرعاني، تلميذ الشيخ ابن باز ﵀\nمراجعة وتقريظ: علي بن عبد العزيز بن علي الشبل\nالناشر: دار الإمام البخاري للنشر والتوزيع\nالطبعة: الأولى، ١٤٣٩ هـ - ٢٠١٨ م\nعدد الصفحات: ٤٣٩\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"4.0","ٔ":67,"ٕ":7,"ٖ":1780758803,"ٗ":18},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة التحقيق","level":1,"page":1},{"title":"تقريظ الشيخ الدكتور علي بن عبد العزيز الشبل حفظه الله","level":2,"page":1},{"title":"مقدمة مؤسسة الشيخ عبد العزيز بن باز الخيرية","level":2,"page":2},{"title":"مقدمة المعتني بالكتاب","level":2,"page":4},{"title":"ترجمة الإمام البخاري ﵀","level":3,"page":8},{"title":"نسبه","level":4,"page":8},{"title":"مولده","level":4,"page":8},{"title":"نشأته وطلبه العلم","level":4,"page":8},{"title":"صفاته الخلقية والخلقية","level":4,"page":9},{"title":"وفاته","level":4,"page":9},{"title":"ترجمة موجزة لشارح الكتاب سماحة الشيخ ابن باز ﵀","level":3,"page":10},{"title":"اسمه ونسبه وكنيته ولقبه","level":4,"page":10},{"title":"مولده ونشأته وأسرته","level":4,"page":10},{"title":"حياته العلمية والعملية","level":4,"page":11},{"title":"صفاته الخلقية والخلقية","level":4,"page":13},{"title":"مؤلفاته وفتاواه ودروسه","level":4,"page":14},{"title":"زوجاته وعقبه ووفاته ورثاؤه","level":4,"page":16},{"title":"وفاته","level":4,"page":17},{"title":"باب ما جاء في دعاء النبي ﷺ أمته إلى توحيد الله ﵎","level":1,"page":18},{"title":"باب قول الله ﵎: ﴿قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى﴾ [الإسراء: ١١٠]","level":1,"page":25},{"title":"باب قول الله تعالى: ﴿إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين﴾ [الذاريات: ٥٨]","level":1,"page":29},{"title":"باب قول الله تعالى: ﴿عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا﴾ [الجن: ٢٦]، و﴿إن الله عنده علم الساعة﴾ [لقمان: ٣٤]، و﴿أنزله بعلمه﴾ [النساء: ١٦٦]، ﴿وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه﴾ [فاطر: ١١]، ﴿إليه يرد علم الساعة﴾ [فصلت: ٤٧]","level":1,"page":31},{"title":"باب قول الله تعالى: ﴿السلام المؤمن﴾ [الحشر: ٢٣]","level":1,"page":34},{"title":"باب قول الله تعالى: ﴿ملك الناس﴾ [الناس: ٢]","level":1,"page":34},{"title":"باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وهو العزيز الحكيم﴾ [إبراهيم: ٤]، ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٨٠]، ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ﴾ [المنافقون: ٨]، وَمَنْ حَلَفَ بِعِزَّةِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ","level":1,"page":38},{"title":"باب قول الله تعالى: ﴿وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق﴾","level":1,"page":41},{"title":"باب قول الله تعالى: ﴿وكان الله سميعا بصيرا﴾ [النساء: ١٣٤]","level":1,"page":44},{"title":"باب قول الله تعالى: ﴿قل هو القادر﴾ [الأنعام: ٦٥]","level":1,"page":54},{"title":"باب مقلب القلوب وقول الله تعالى: ﴿ونقلب أفئدتهم وأبصارهم﴾ [الأنعام: ١١٠]","level":1,"page":57},{"title":"باب إن لله مائة اسم إلا واحدة","level":1,"page":57},{"title":"باب السؤال بأسماء الله تعالى والاستعاذة بها","level":1,"page":60},{"title":"باب ما يذكر في الذات والنعوت وأسامي الله ﷿","level":1,"page":69},{"title":"باب قول الله تعالى: ﴿ويحذركم الله نفسه﴾ [آل عمران: ٢٨]","level":1,"page":71},{"title":"باب قول الله ﷿: ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾ [القصص: ٨٨]","level":1,"page":75},{"title":"باب قول الله تعالى: ﴿ولتصنع على عيني﴾ [طه: ٣٩]، «تغذى»، وقوله جل ذكره: ﴿تجري بأعيننا﴾ [القمر: ١٤]","level":1,"page":75},{"title":"باب قول الله: ﴿هو الله الخالق البارئ المصور﴾ [الحشر: ٢٤]","level":1,"page":79},{"title":"باب قول الله تعالى: ﴿لما خلقت بيدي﴾ [ص: ٧٥]","level":1,"page":82},{"title":"باب قول النبي ﷺ: «لا شخص أغير من الله»","level":1,"page":102},{"title":"باب ﴿قل أي شيء أكبر شهادة قل الله﴾ [الأنعام: ١٩]","level":1,"page":113},{"title":"باب ﴿وكان عرشه على الماء﴾ [هود: ٧]، ﴿وهو رب العرش العظيم﴾ [التوبة: ١٢٩]","level":1,"page":113},{"title":"باب قول الله تعالى: ﴿تعرج الملائكة والروح إليه﴾ [المعارج: ٤]، وقوله جل ذكره: ﴿إليه يصعد الكلم الطيب﴾ [فاطر: ١٠].","level":1,"page":122},{"title":"باب قول الله تعالى: ﴿وجوه يومئذ ناضرة (٢٢) إلى ربها ناظرة﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣]","level":1,"page":137},{"title":"باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿إن رحمت الله قريب من المحسنين﴾","level":1,"page":174},{"title":"باب قول الله تعالى: ﴿إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا﴾ [فاطر: ٤١]","level":1,"page":184},{"title":"باب ما جاء في تخليق السموات والأرض وغيرها من الخلائق","level":1,"page":187},{"title":"باب قوله تعالى: ﴿ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين﴾ [الصافات: ١٧١]","level":1,"page":191},{"title":"باب قول الله تعالى: ﴿إنما قولنا لشيء إذا أردناه﴾ [النحل: ٤٠]","level":1,"page":199},{"title":"باب قول الله تعالى: ﴿قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا﴾ [الكهف: ١٠٩] ﴿ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام و","level":1,"page":212},{"title":"باب في المشيئة والإرادة","level":1,"page":216},{"title":"بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾","level":1,"page":251},{"title":"باب كلام الرب مع جبريل، ونداء الله الملائكة","level":1,"page":259},{"title":"باب قول الله تعالى: ﴿أنزله بعلمه والملائكة يشهدون﴾ [النساء: ١٦٦]","level":1,"page":264},{"title":"باب قول الله تعالى: ﴿يريدون أن يبدلوا كلام الله﴾ [الفتح: ١٥]، ﴿إنه لقول فصل﴾ [الطارق: ١٣] «حق» ﴿وما هو بالهزل﴾ [الطارق: ١٤] «باللعب»","level":1,"page":270},{"title":"باب كلام الرب ﷿ يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم","level":1,"page":295},{"title":"باب ما جاء في قوله ﷿: ﴿وكلم الله موسى تكليما﴾ [النساء: ١٦٤]","level":1,"page":317},{"title":"باب كلام الرب مع أهل الجنة","level":1,"page":326},{"title":"باب ذكر الله بالأمر، وذكر العباد بالدعاء، والتضرع والرسالة والإبلاغ","level":1,"page":329},{"title":"باب قول الله تعالى: ﴿فلا تجعلوا لله أندادا﴾ [البقرة: ٢٢]،","level":1,"page":333},{"title":"باب قول الله تعالى: ﴿وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون﴾ [فصلت: ٢٢].","level":1,"page":338},{"title":"باب قول الله تعالى: ﴿كل يوم هو في شأن﴾ [الرحمن: ٢٩]","level":1,"page":341},{"title":"باب قول الله تعالى: ﴿لا تحرك به لسانك﴾ [القيامة: ١٦]","level":1,"page":346},{"title":"باب قول الله تعالى: ﴿وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور (١٣) ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير﴾","level":1,"page":353},{"title":"باب قول النبي ﷺ: «رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل يقول: لو أوتيت مثل ما أوتي هذا فعلت كما يفعل».","level":1,"page":357},{"title":"باب قول الله تعالى: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالاته) [المائدة: ٦٧]","level":1,"page":361},{"title":"باب قول الله تعالى: ﴿قل فأتوا بالتوراة فاتلوها﴾ [آل عمران: ٩٣]","level":1,"page":368},{"title":"باب وسمى النبي ﷺ الصلاة عملا، وقال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»","level":1,"page":374},{"title":"باب قول الله تعالى: ﴿إن الإنسان خلق هلوعا (١٩) إذا مسه الشر جزوعا (٢٠) وإذا مسه الخير منوعا﴾","level":1,"page":378},{"title":"باب ذكر النبي ﷺ وروايته عن ربه","level":1,"page":380},{"title":"باب ما يجوز من تفسير التوراة وغيرها من كتب الله، بالعربية وغيرها لقول الله تعالى: ﴿فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين﴾ [آل عمران: ٩٣]","level":1,"page":385},{"title":"باب قول النبي ﷺ: «الماهر بالقرآن مع الكرام البررة»، و«زينوا القرآن بأصواتكم».","level":1,"page":389},{"title":"باب قول الله تعالى: ﴿فاقرءوا ما تيسر منه﴾","level":1,"page":396},{"title":"باب قول الله تعالى: ﴿ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر﴾ [القمر: ١٧]","level":1,"page":403},{"title":"باب قول الله تعالى: ﴿بل هو قرآن مجيد (٢١) في لوح محفوظ﴾ [البروج: ٢١، ٢٢]","level":1,"page":408},{"title":"باب قول الله تعالى: ﴿والله خلقكم وما تعملون﴾ [الصافات: ٩٦]، ﴿إنا كل شيء خلقناه بقدر﴾ [القمر: ٤٩].","level":1,"page":412},{"title":"باب قراءة الفاجر والمنافق، وأصواتهم وتلاوتهم لا تجاوز حناجرهم","level":1,"page":421},{"title":"باب قول الله تعالى: ﴿ونضع الموازين القسط ليوم القيامة﴾ [الأنبياء: ٤٧]، وأن أعمال بني آدم وقولهم يوزن.","level":1,"page":430}],"ٛ":{"1,5":1,"1,7":2,"1,8":3,"1,10":4,"1,11":5,"1,12":6,"1,13":7,"1,14":8,"1,15":9,"1,16":10,"1,17":11,"1,18":12,"1,19":13,"1,20":14,"1,21":15,"1,22":16,"1,23":17,"1,25":18,"1,26":19,"1,27":20,"1,28":21,"1,29":22,"1,30":23,"1,31":24,"1,32":25,"1,33":26,"1,34":27,"1,35":28,"1,36":29,"1,37":30,"1,38":31,"1,39":32,"1,40":33,"1,41":34,"1,42":35,"1,43":36,"1,44":37,"1,45":38,"1,46":39,"1,47":40,"1,48":41,"1,49":42,"1,50":43,"1,51":44,"1,52":45,"1,53":46,"1,54":47,"1,55":48,"1,56":49,"1,57":50,"1,58":51,"1,59":52,"1,60":53,"1,61":54,"1,62":55,"1,63":56,"1,64":57,"1,65":58,"1,66":59,"1,67":60,"1,68":61,"1,69":62,"1,70":63,"1,71":64,"1,72":65,"1,73":66,"1,74":67,"1,75":68,"1,76":69,"1,77":70,"1,78":71,"1,79":72,"1,80":73,"1,81":74,"1,82":75,"1,83":76,"1,84":77,"1,85":78,"1,86":79,"1,87":80,"1,88":81,"1,89":82,"1,90":83,"1,91":84,"1,92":85,"1,93":86,"1,94":87,"1,95":88,"1,96":89,"1,97":90,"1,98":91,"1,99":92,"1,100":93,"1,101":94,"1,102":95,"1,103":96,"1,104":97,"1,105":98,"1,106":99,"1,107":100,"1,108":101,"1,109":102,"1,110":103,"1,111":104,"1,112":105,"1,113":106,"1,114":107,"1,115":108,"1,116":109,"1,117":110,"1,118":111,"1,119":112,"1,120":113,"1,121":114,"1,122":115,"1,123":116,"1,124":117,"1,125":118,"1,126":119,"1,127":120,"1,128":121,"1,129":122,"1,130":123,"1,131":124,"1,132":125,"1,133":126,"1,134":127,"1,135":128,"1,136":129,"1,137":130,"1,138":131,"1,139":132,"1,140":133,"1,141":134,"1,142":135,"1,143":136,"1,144":137,"1,145":138,"1,146":139,"1,147":140,"1,148":141,"1,149":142,"1,150":143,"1,151":144,"1,152":145,"1,153":146,"1,154":147,"1,155":148,"1,156":149,"1,157":150,"1,158":151,"1,159":152,"1,160":153,"1,161":154,"1,162":155,"1,163":156,"1,164":157,"1,165":158,"1,166":159,"1,167":160,"1,168":161,"1,169":162,"1,170":163,"1,171":164,"1,172":165,"1,173":166,"1,174":167,"1,175":168,"1,176":169,"1,177":170,"1,178":171,"1,179":172,"1,180":173,"1,181":174,"1,182":175,"1,183":176,"1,184":177,"1,185":178,"1,186":179,"1,187":180,"1,188":181,"1,189":182,"1,190":183,"1,191":184,"1,192":185,"1,193":186,"1,194":187,"1,195":188,"1,196":189,"1,197":190,"1,198":191,"1,199":192,"1,200":193,"1,201":194,"1,202":195,"1,203":196,"1,204":197,"1,205":198,"1,206":199,"1,207":200,"1,208":201,"1,209":202,"1,210":203,"1,211":204,"1,212":205,"1,213":206,"1,214":207,"1,215":208,"1,216":209,"1,217":210,"1,218":211,"1,219":212,"1,220":213,"1,221":214,"1,222":215,"1,223":216,"1,224":217,"1,225":218,"1,226":219,"1,227":220,"1,228":221,"1,229":222,"1,230":223,"1,231":224,"1,232":225,"1,233":226,"1,234":227,"1,235":228,"1,236":229,"1,237":230,"1,238":231,"1,239":232,"1,240":233,"1,241":234,"1,242":235,"1,243":236,"1,244":237,"1,245":238,"1,246":239,"1,247":240,"1,248":241,"1,249":242,"1,250":243,"1,251":244,"1,252":245,"1,253":246,"1,254":247,"1,255":248,"1,256":249,"1,257":250,"1,258":251,"1,259":252,"1,260":253,"1,261":254,"1,262":255,"1,263":256,"1,264":257,"1,265":258,"1,266":259,"1,267":260,"1,268":261,"1,269":262,"1,270":263,"1,271":264,"1,272":265,"1,273":266,"1,274":267,"1,275":268,"1,276":269,"1,277":270,"1,278":271,"1,279":272,"1,280":273,"1,281":274,"1,282":275,"1,283":276,"1,284":277,"1,285":278,"1,286":279,"1,287":280,"1,288":281,"1,289":282,"1,290":283,"1,291":284,"1,292":285,"1,293":286,"1,294":287,"1,295":288,"1,296":289,"1,297":290,"1,298":291,"1,299":292,"1,300":293,"1,301":294,"1,302":295,"1,303":296,"1,304":297,"1,305":298,"1,306":299,"1,307":300,"1,308":301,"1,309":302,"1,310":303,"1,311":304,"1,312":305,"1,313":306,"1,314":307,"1,315":308,"1,316":309,"1,317":310,"1,318":311,"1,319":312,"1,320":313,"1,321":314,"1,322":315,"1,323":316,"1,324":317,"1,325":318,"1,326":319,"1,327":320,"1,328":321,"1,329":322,"1,330":323,"1,331":324,"1,332":325,"1,333":326,"1,334":327,"1,335":328,"1,336":329,"1,337":330,"1,338":331,"1,339":332,"1,340":333,"1,341":334,"1,342":335,"1,343":336,"1,344":337,"1,345":338,"1,346":339,"1,347":340,"1,348":341,"1,349":342,"1,350":343,"1,351":344,"1,352":345,"1,353":346,"1,354":347,"1,355":348,"1,356":349,"1,357":350,"1,358":351,"1,359":352,"1,360":353,"1,361":354,"1,362":355,"1,363":356,"1,364":357,"1,365":358,"1,366":359,"1,367":360,"1,368":361,"1,369":362,"1,370":363,"1,371":364,"1,372":365,"1,373":366,"1,374":367,"1,375":368,"1,376":369,"1,377":370,"1,378":371,"1,379":372,"1,380":373,"1,381":374,"1,382":375,"1,383":376,"1,384":377,"1,385":378,"1,386":379,"1,387":380,"1,388":381,"1,389":382,"1,390":383,"1,391":384,"1,392":385,"1,393":386,"1,394":387,"1,395":388,"1,396":389,"1,397":390,"1,398":391,"1,399":392,"1,400":393,"1,401":394,"1,402":395,"1,403":396,"1,404":397,"1,405":398,"1,406":399,"1,407":400,"1,408":401,"1,409":402,"1,410":403,"1,411":404,"1,412":405,"1,413":406,"1,414":407,"1,415":408,"1,416":409,"1,417":410,"1,418":411,"1,419":412,"1,420":413,"1,421":414,"1,422":415,"1,423":416,"1,424":417,"1,425":418,"1,426":419,"1,427":420,"1,428":421,"1,429":422,"1,430":423,"1,431":424,"1,432":425,"1,433":426,"1,434":427,"1,435":428,"1,436":429,"1,437":430,"1,438":431,"1,439":432},"ٜ":{"1":[5,439]},"ٝ":["1,5","1,7","1,8","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439"],"ٞ":{"1":[1,2],"2":[3],"4":[4],"8":[5,6,7,8],"9":[9,10],"10":[11,12,13],"11":[14],"13":[15],"14":[16],"16":[17],"17":[18],"18":[19],"25":[20],"29":[21],"31":[22],"34":[23,24],"38":[25],"41":[26],"44":[27],"54":[28],"57":[29,30],"60":[31],"69":[32],"71":[33],"75":[34,35],"79":[36],"82":[37],"102":[38],"113":[39,40],"122":[41],"137":[42],"174":[43],"184":[44],"187":[45],"191":[46],"199":[47],"212":[48],"216":[49],"251":[50],"259":[51],"264":[52],"270":[53],"295":[54],"317":[55],"326":[56],"329":[57],"333":[58],"338":[59],"341":[60],"346":[61],"353":[62],"357":[63],"361":[64],"368":[65],"374":[66],"378":[67],"380":[68],"385":[69],"389":[70],"396":[71],"403":[72],"408":[73],"412":[74],"421":[75],"430":[76]},"ٟ":[1,2,3,4,5,6,7,8,9,10,11,12,13,14,15,16,17],"numbers":{"7371":18,"7372":18,"7373":19,"7374":19,"7375":19,"7376":25,"7377":25,"7378":29,"7379":31,"7380":31,"7381":34,"7382":34,"7383":38,"7384":39,"7385":41,"7386":44,"7387":49,"7388":49,"7389":52,"7390":54,"7391":57,"7392":57,"7393":60,"7394":61,"7395":61,"7396":62,"7397":64,"7398":65,"7399":65,"7400":66,"7401":66,"7402":69,"7403":71,"7404":71,"7405":72,"7406":75,"7407":75,"7408":78,"7409":79,"7410":82,"7411":94,"7412":94,"7413":94,"7414":99,"7415":101,"7416":102,"7417":113,"7418":114,"7419":114,"7420":115,"7421":115,"7422":116,"7423":116,"7424":117,"7425":117,"7426":118,"7427":119,"7428":119,"7429":122,"7430":125,"7431":128,"7432":131,"7433":135,"7434":137,"7435":139,"7436":139,"7437":140,"7438":148,"7439":149,"7440":157,"7441":164,"7442":165,"7443":168,"7444":169,"7445":169,"7446":169,"7447":171,"7448":174,"7449":177,"7450":178,"7451":184,"7452":187,"7453":191,"7454":192,"7455":194,"7456":195,"7457":196,"7458":196,"7459":199,"7460":199,"7461":203,"7462":204,"7463":212,"7464":216,"7465":221,"7466":224,"7467":225,"7468":227,"7469":230,"7470":231,"7471":232,"7472":237,"7473":241,"7474":241,"7475":243,"7476":244,"7477":245,"7478":246,"7479":249,"7480":249,"7481":251,"7482":252,"7483":253,"7484":254,"7485":259,"7486":260,"7487":260,"7488":264,"7489":268,"7490":268,"7491":270,"7492":271,"7493":272,"7494":274,"7495":277,"7496":277,"7497":279,"7498":281,"7499":281,"7500":282,"7501":283,"7502":285,"7503":286,"7504":287,"7505":287,"7506":288,"7507":289,"7508":291,"7509":295,"7510":296,"7511":304,"7512":308,"7513":312,"7514":313,"7515":317,"7516":318,"7517":319,"7518":326,"7519":326,"7520":336,"7521":338,"7522":343,"7523":344,"7524":346,"7525":353,"7526":354,"7527":355,"7528":358,"7529":358,"7530":364,"7531":365,"7532":366,"7533":371,"7534":374,"7535":378,"7536":380,"7537":381,"7538":381,"7539":381,"7540":382,"7541":385,"7542":385,"7543":385,"7544":389,"7545":389,"7546":390,"7547":392,"7548":394,"7549":394,"7550":396,"7551":406,"7552":406,"7553":408,"7554":409,"7555":413,"7556":415,"7557":417,"7558":417,"7559":418,"7560":421,"7561":424,"7562":425,"7563":431},"number_max":7563,"number_pages":{"18":7372,"19":7375,"25":7377,"29":7378,"31":7380,"34":7382,"38":7383,"39":7384,"41":7385,"44":7386,"49":7388,"52":7389,"54":7390,"57":7392,"60":7393,"61":7395,"62":7396,"64":7397,"65":7399,"66":7401,"69":7402,"71":7404,"72":7405,"75":7407,"78":7408,"79":7409,"82":7410,"94":7413,"99":7414,"101":7415,"102":7416,"113":7417,"114":7419,"115":7421,"116":7423,"117":7425,"118":7426,"119":7428,"122":7429,"125":7430,"128":7431,"131":7432,"135":7433,"137":7434,"139":7436,"140":7437,"148":7438,"149":7439,"157":7440,"164":7441,"165":7442,"168":7443,"169":7446,"171":7447,"174":7448,"177":7449,"178":7450,"184":7451,"187":7452,"191":7453,"192":7454,"194":7455,"195":7456,"196":7458,"199":7460,"203":7461,"204":7462,"212":7463,"216":7464,"221":7465,"224":7466,"225":7467,"227":7468,"230":7469,"231":7470,"232":7471,"237":7472,"241":7474,"243":7475,"244":7476,"245":7477,"246":7478,"249":7480,"251":7481,"252":7482,"253":7483,"254":7484,"259":7485,"260":7487,"264":7488,"268":7490,"270":7491,"271":7492,"272":7493,"274":7494,"277":7496,"279":7497,"281":7499,"282":7500,"283":7501,"285":7502,"286":7503,"287":7505,"288":7506,"289":7507,"291":7508,"295":7509,"296":7510,"304":7511,"308":7512,"312":7513,"313":7514,"317":7515,"318":7516,"319":7517,"326":7519,"336":7520,"338":7521,"343":7522,"344":7523,"346":7524,"353":7525,"354":7526,"355":7527,"358":7529,"364":7530,"365":7531,"366":7532,"371":7533,"374":7534,"378":7535,"380":7536,"381":7539,"382":7540,"385":7543,"389":7545,"390":7546,"392":7547,"394":7549,"396":7550,"406":7552,"408":7553,"409":7554,"413":7555,"415":7556,"417":7558,"418":7559,"421":7560,"424":7561,"425":7562,"431":7563}},"pages":[{"text":"<span data-type='title' id=toc-2>تقريظ الشيخ الدكتور علي بن عبد العزيز الشبل حفظه الله</span>\nالحمد لله وحده، وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنَا محمدٍ، وعلى آله وصحبِه، وبعد:\nفهذه دُرَّةٌ علميةٌ من درر شيخنا العلامة الفقيه/ عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الرحمن بن باز (١٣٣٠ - ١٤٢٠ هـ)، وتحفةٌ من دروسه العلميةِ المباركة في شرح آخر كتاب من «صحيح الإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري»، وهو كتاب التوحيد، فجاءت تعليقاته وتقريراته مطردةً مع منهجيةِ شيخنا في شروحه وتدريسه.\nوالمؤمَّل جمع جميع تقريرات الشيخ ابن باز على «صحيح البخاري» في مجموعةٍ واحدةٍ.\nوقد بشرني الأخ الكريم الشيخ/ محمد بن أبكر بن عبد الرحيم القرعاني بسعيهم على ذلك؛ فشكرَ الله له جهده وعنايته وأثابه.\nوأجزلَ ﷾ المثوبةَ لشيخنا ابن باز، وللإمام البخاري، وعلماء المسلمين خيرًا، ورفع درجاتهم، ورضي عنا وعنهم، وجمعنا بهم في الفردوس الأعلى، ووالدينا، ومشايخنا والمسلمين؛ إنه سبحانه لطيفٌ لما يشاء، إنه هو العليم الحكيم.\n\nوكتبه/ علي بن عبد العزيز بن علي الشبل\nالرياض ظهر ٢٠/ ٢/ ١٤٣٩ هـ","vol":"1","page":5},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3>مقدمة مؤسسة الشيخ عبد العزيز بن باز الخيرية</span>\nالحمد للَّه وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:\nفيطيب لـ «مؤسسة عبد العزيز بن باز الخيرية» أن تضع بين يدي القارئ الكريم هذا ا لشرح لسماحة شيخنا الشيخ: عبد العزيز بن عبد اللَّه بن باز ﵀ على كتاب التوحيد من كتاب «صحيح البخاري» للإمام الحافظ المحدث أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري ﵀.\nوقد تولّى الاعتناء بهذا الجزء من الكتاب وإعداده للنشر أحد تلاميذ سماحته، والباحث المتعاون في المؤسسة الشيخ/ محمد بن أبكر بن عبد الرحيم القرعاني، وفقه اللَّه، حيث قام بتفريغ المادة الصوتية، ومطابقتها، وضبطها وفق القواعد العلمية المقررة في المؤسسة، إضافة إلى خدمات العزو، والتخريج الموجز، نسأل اللَّه تعالى أن ينفع بهذا العمل وأن يجعله خالصًا لوجهه الكريم.\nوقد تفضل بمراجعة الكتاب فضيلة الشيخ الدكتور/ علي بن عبد العزيز الشبل، وفضيلة الشيخ الدكتور/ سعيد بن وهف القحطاني، والشيخ/ فهد بن عثمان بن باز، وغيرهم من المشايخ، ضاعف الله لهم الأجر والمثوبة.\nنسأل الله -﷾- أن يبارك في هذا العمل، ويجزل الأجر والمثوبة لكل من أسهم في إخراجه، وأن يجعل هذا الشرح من العلم النافع الذي","vol":"1","page":7},{"text":"يجري أجره على سماحة والدنا الشيخ/ عبد العزيز بن باز ﵀ في قبره، وأن يجمعنا به والقارئ الكريم في الفردوس الأعلى مع الأحبة محمد ﷺ وصحبه؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللَّه وسلم على نبيّنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.\n\nمؤسسة الشيخ عبد العزيز بن باز الخيرية","vol":"1","page":8},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type='title' id=toc-4>مقدمةُ المعتني بالكتابِ</span>\nالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبيِّنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:\nفهذا شرحُ كتاب التوحيد من «صحيح البخاري»، لسماحة شيخنا الإمام العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀.\nوكان ذلك دروسًا ألقاها سماحته ﵀ في جامع الإمام تركي بن عبد الله (الجامع الكبير)، في الرياض عام ١٤٠٩ هـ، في درس الفجر بقراءة الشيخين الجليلين عبد العزيز بن عبد الله الراجحي، وعبد العزيز بن إبراهيم بن قاسم حفظهما الله.\nوهو شرحٌ نفيسٌ جدًّا، مُلِئ بالدرر والفوائد، والتقريرات العلميَّةِ الدَّقيقة لسماحته ﵀ في بيان عقيدة أهل السنة والجماعة، والرَّدِّ على المخالفين.\nولقد أنعمَ المولى جلَّ وعلى عليَّ أن هيّأ لي شرف الاعتناء بهذا ا لشَّرحِ العظيم وإعداده بعد أخذ الإذن من مؤسسة الشيخ عبد العزيز بن باز الخيرية، جزى الله القائمين عليها الجزاء الأوفى.","vol":"1","page":10},{"text":"وكنت ممن أنعم الله عليهم بالتتلمذ على سماحة الشيخ ﵀ منذ عام ١٤٠٥ هـ إلى وفاته ﵀.\nولأهمية هذا الشَّرح، وحاجة الأمة إلى إخراجه مطبوعًا -ليعم النفع به، وتكمل الفائدة، ويسهل الرجوع إلى مسائله- قمتُ بتحويل مسموعه إلى مكتوبٍ من الأشرطة السمعية، ومقابلة المكتوب بالمسموع، وتخريج الأحاديث، فما كان من صوابٍ فمن الله وحده، وما كان من نقص أو خطإٍ فمنِّي ومن الشيطان وأستغفر الله منه، ورحم الله من وجد خللًا فنبّهني عليه على البريد الإلكتروني لإصلاحه.\nوجزى الله سماحة شيخنا الجزاء الأوفى على شرحه القيِّم لهذا الكتاب العظيم، ورحم الله الإمام محمد بن إسماعيل البخاري على تأليفه «صحيح البخاري»، وأسأل الله ﷾ أن ينفع بهذا الشرح المبارك كما نفع بأصله، وأن يجعله من العلم النافع الذي يجري أجره لسماحة الشيخ في قبره، وأن يجعله في ميزان حسناته، وميزان حسنات من سجَّله وأخرجه ونشره، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، إنه خير مسئولٍ، وأكرم مأمول.\nوفي ختامِ هذا التقديم أتقدمُ بالشُّكر الجزيل والعرفان الجميل لسماحة والدنا الشيخ/ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ مفتي عام المملكة، ورئيس هيئة كبار العلماء، وإدارة البحوث العلمية والإفتاء، لإشرافه المباشر على إخراج علم سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀.","vol":"1","page":11},{"text":"والشُّكر موصولٌ لفضيلة الشيخ الدكتور/ علي بن عبد العزيز الشبل، ولفضيلة الشيخ الدكتور/ سعيد بن وهف القحطاني، ولفضيلة الشيخ/ فهد بن عثمان بن باز. الذين بذلوا وسعهم وجهدهم في مراجعة هذا الكتاب، كما تفضل الدكتور/ الشبل بالتقديم له.\nثم الشُّكر موصولٌ لمؤسسة الشيخ عبد العزيز بن باز الخيرية، ممثلة في أمينها، ومديرها، وكافَّة العاملين في المؤسسة على إتاحتهم لي هذه الفرصة الثمينة لإخراج هذا الكتاب المفيد النافع.\nوالشكر موصولٌ أيضًا لشيخنا الجليل/ عبد الله بن محمد المعتاز على اهتمامه بنشر علم سماحة الشيخ ابن باز ﵀، وتشجيعه على ذلك.\nوالشُّكر موصولٌ لجميع المشايخ الذين ساهموا معي في مراجعة الكتاب وإبداء الملاحظات والاستدراكات، والذين بذلوا جهدهم في إخراج هذا الكتاب القيم.\nكما أشكرُ الأخت الكريمة نوال بنت عبد العزيز الجبرين - وفقها الله - وقد تبرعت بتكاليف طباعةِ الملازم وتجهيز الكتاب.\nوكما أشْكرُ كل من ساهم في طباعة الكتاب، وتمويله، وأن يجعلها في موازين حسناتهم يوم الدِّين.\nوأسأل الله تعالى أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفع به الإسلام والمسلمين، وأن ينفعني به في الحياة وبعد الممات؛ إنه جوادٌ كريمٌ مجيبُ الدعوات.","vol":"1","page":12},{"text":"والحمدُ لله الذي بنعمتهِ تتم الصالحات.\nوصلَّى الله على نبيِّنا محمدٍ، وعلى آله وصحبه وسلِّم تسليمًا كثيرًا.\n\nكتبه/\nمحمد بن أبكر بن عبد الرحيم القرعاني\nتلميذ سماحته، والباحث المتعاون\nفي مؤسسة الشيخ عبد العزيز بن باز الخيرية\nالرياض ٢٥/ ٣/ ١٤٣٩ هـ\nجوال: ٠٥٤١٣١٠٦٤٦\nالبريد الإلكتروني:aboanass123456@hotmail.com","vol":"1","page":13},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5>ترجمة الإمام البخاري ﵀</span>\n<span data-type='title' id=toc-6>نسبه:</span>\nهو أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه الجعفي البخاري.\n\n<span data-type='title' id=toc-7>مولده:</span>\nيوم الجمعة بعد الصلاة، لثلاث عشرة من شوال سنة ١٩٤ هـ ببخارى، مدينة معروفة في أزبكستان، فهو بخاريٌّ، فارسيُّ الأصل، أما تسميته بالجعفي فهي نسبة ولاء الإسلام؛ لأن جدَّه الأعلى المغيرة أسلم على يد اليمان الجعفي؛ فهو مولى له بولاء الإسلام.\n\n<span data-type='title' id=toc-8>نشأته وطلبه العلم:</span>\nرُبّي بالحلال الطيِّب، حيث قال أبوه إسماعيل المحدث، عند وفاته: «لا أعلم في جميع مالي درهمًا من شبهة».\nأول سماعه سنة ٢٠٥ هـ بداية من أهل بلده، وقد أُلهم حفظ الحديث منذ الصغر.\nأول ترحاله سنة ٢١٠ هـ، حج مع أخيه وأمه فبقي بمكة في طلب الحديث، ثم رحل إلى أكثر محدثي الأمصار: في خراسان، والشام، ومصر، ومدن","vol":"1","page":14},{"text":"العراق، وقدم بغداد مرارًا.\nكتب عن ألف وثمانين نفسًا، وقيل له: أتحفظ جميع ما أدخلته في المصنف؟ فقال: «لا يخفى علي جميع ما فيه». وكان يقول: «أحفظ مائة ألف حديث صحيحٍ، ومائتي ألف حديث غير صحيح»، وعنه في رواية: «وقلَّ اسم في التاريخ إلا وله عندي قصة».\n\n<span data-type='title' id=toc-9>صفاته الخَلْقية والخُلُقية:</span>\nنحيف الجسم، ليس بالطويل ولا بالقصير، طيب النفس، رقيق الشعور، قليل الأكل، مفرط الكرم، كثير الإحسان إلى الطلبة، ممتلئ بالنشاط والإخلاص وحب العمل - مع شدة زهده وكثرة ورعه - كما تعود الرياضة فكان يجيد الرمي مصيبًا فيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-10>وفاته:</span>\nليلة السبت الموافقة ليلة عيد الفطر، ودفن يوم العيد بعد صلاة الظهر، عام ٢٥٦ هـ في خرتنك - قرية من قرى سمرقند - وعنه قال الحافظ: «فقد رُبي في حجر العلم، وارتضع ثدي الفضل، فكان فطامه على هذا اللِّباء».\n* * *","vol":"1","page":15},{"text":"<span data-type='title' id=toc-11>ترجمة موجزة لشارح الكتاب سماحة الشيخ ابن باز ﵀ </span>(^١)\n<span data-type='title' id=toc-12>اسمه ونسبه وكنيته ولقبه:</span>\nهو سماحة الإمام المجتهد، بقية السلف، ومفتي المسلمين في زمانه العلاَّمة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله ابن باز.\nكنيته: أبو عبد الله، وهو أكبر أولاده. لقبه المشهور به: ابن باز.\n\n<span data-type='title' id=toc-13>مولده ونشأته وأسرته:</span>\nولد في مدينة الرياض في اليوم الثاني عشر من شهر ذي الحجة من عام ثلاثين وثلاثمائة وألف من الهجرة النبوية (١٢/ ١٢/ ١٣٣٠ هـ) وبها نشأ وشبَّ وشاب وكبر، ولم يخرج منها إلا ناويًّا الحج أو العمرة قاصدًا مكة، أو\n_________\n(^١) ينظر ترجمته: في «مجموع فتاوى ومقالات متنوعة» لسماحته (١/ ٩ ــ ١٢) و«الإنجاز في ترجمة الإمام عبد العزيز بن باز» للشيخ عبد الرحمن بن يوسف الرحمة (ص ٢٧، ٢٨، ٢٩، ٣٤، ٤٥، ٣٧٧) وكتاب «جوانب من سيرة الإمام عبد العزيز بن باز»، راوية الشيخ محمد الموسى إعداد: محمد بن إبراهيم الحمد (٣٣) و«الإبريزيِّة في التسعين البازية»، د. حمد بن إبراهيم الشتوي (١٨، ٢٠، ٢١، ٣٠، ١٨٩) وترجمة سماحة الشيخ عبد العزيز ابن عبد الله بن باز، من إعداد واعتناء الشيخ عبد العزيز بن إبراهيم بن قاسم (١٣، ٢٣، ٢٦، ١٣٨) وغيرها","vol":"1","page":16},{"text":"العمل في كل من الخرج، والمدينة، والطائف، وجدة.\nوقد نشأ في بيت عامر بالصَّلاح وحبّ الخير، في حضن والدته، فقد توفي والده عام ثلاث وثلاثين وثلاث مئة وألف هجرية [١٣٣٣ هـ]، وكان عمره آنذاك دون الثالثة، فعاش يتيمًا في حجر أمه، التي أحسنت تربيته ونشأته، مع شقيقه محمد، وأخيه من أمه إبراهيم، وأخته من أمه منيرة، وكلهم أكبر سنًا من سماحته.\nوكان لوالدته رحمها الله التي توفيت عام [١٣٥٦ هـ] دور بارز، وأثر بالغ في توجهه نحو العلم الشرعي، وطلبه له ومثابرته عليه، ففضلها عليه كبير، حيث اعتنت بتربيته وغرست فيه الصفات الحميدة، كما كانت البيئة التي عاش فيها بيئة علمية، فقد كان في مدينة الرياض كبار أئمة الدعوة السلفية في هذا العصر.\n\n<span data-type='title' id=toc-14>حياته العلمية والعملية:</span>\nبدأ حياته العلمية: بالدراسة منذ الصغر؛ فحفظ القرآن الكريم قبل البلوغ، على يد الشيخ عبد الله بن مفيريج، ثم تلقى العلوم الشرعية والعربية، على يد كوكبة من علماء الدعوة، ذكر منهم سماحته ستة شيوخ، وكان أول شيوخه فيما ذكره د. سليمان أبا الخيل: الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب (^١)، ومن أبرز وأشهر شيوخه مفتي الديار السعودية سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ ﵀، والذي أخذ عنه جميع العلوم الشرعية حيث لازمه عشر سنوات من عام (١٣٤٧ ــ ١٣٥٧ هـ).\nأما تلاميذه: فأكثر من أن نحصيهم في هذه الأسطر لكثرتهم وطول المدة،\n_________\n(^١) ينظر: «منهج الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز في الدعوة إلى الله»، لـ د. سليمان أبا الخيل (ص ٣٧، ٣٨).","vol":"1","page":17},{"text":"حدود سبعون عامًا، فقد تتلمذ على يديه خلق كثير، ذكر منهم الشيخ عبد الرحمن ابن يوسف الرحمة في ترجمته لسماحته أكثر من (٤٧٤) طالبًا (^١).\nوأمَّا حياته العملية:\nفقد تولى عدة أعمال، منها: القضاء في منطقة الخرج بالدلم مدة أربعة عشر عامًا وأشهرًا من عام (١٣٥٧ إلى ١٣٧١ هـ)، ومنها: التدريس بالرياض في المعهد العلمي وكلية الشريعة، من سنة (١٣٧٢ - ١٣٨٠ هـ) درَّس الفقه والتوحيد والحديث، حدود تسع سنوات وبضعة أشهر، ومنها: العمل إداريًّا في التعليم من مطلع عام (١٣٨١ - ١٣٩٥ هـ) نائبًا لرئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة حدود (١٠) أعوام، ثم رئيسًا لها حدود (٥) أعوام.\nوفي (١٤/ ١٠/ ١٣٩٥ هـ) صدر أمر ملكي بتعيينه في منصب الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية، والإفتاء والدعوة والإرشاد، حتى مطلع سنة (١٤١٤ هـ).\nوفي (٢٠/ ١/ ١٤١٤ هـ) صدر أمر ملكي بتعيينه في منصب المفتي العام للمملكة، ورئيسًا لهيئة كبار العلماء، ورئيسًا لإدارة البحوث العلمية والإفتاء، ورئيسًا للجنة الدائمة للإفتاء، وبقي في هذا المنصب إلى أن توفاه الله في يوم (٢٧/ ١/ ١٤٢٠ هـ) ﵀ رحمة واسعة.\nوإلى جانب هذا العمل الوظيفي الرسمي كان سماحته عضوًا أو رئيسًا لكثير من المجالس العلمية الرسمية في المملكة وفي العالم الإسلامي: كرابطة\n_________\n(^١) ينظر: «الإنجاز في ترجمة الإمام عبد العزيز بن باز» للشيخ عبد الرحمن الرحمة (ص ٨٤ ــ ١٢٤).","vol":"1","page":18},{"text":"العالم الإسلامي، والمجمع الفقهي التابع للرابطة، والمجمع الفقهي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، وعضوية المجلس الأعلى للجامعة الإسلامية في المدينة، وعضوية الهيئة العليا للدعوة في المملكة، وغيرها من العضويات، وما من منصب تقلَّده إلا وكانت له فيه إبداعات وبصمات وأوليات خالدة ﵀.\n\n<span data-type='title' id=toc-15>صفاته الخَلقية والخُلقية:</span>\nأمَّا صفاته الخَلقيَّة: فقد كان ربعة من الرجال ليس بالطويل ولا بالقصير، وإلى الطول أقرب، حنطي اللون، مستدير الوجه، ناتئ الجبهة، غاير العينين، أقنى الأنف قليلا، خفيف الشارب قليل اللحية على العارضين كثة في الذقن، ويمتاز بالتوسط في عموم أعضاء جسمه.\nأمَّا صفاته الخُلقية: فقد جبل اللهُ الشيخ على صفات نبيلة، وشمائل فريدة، وسجايا كريمة قلَّ أن تجتمع في شخص في عصرنا هذا، ولا يمكن حصرها وتعدادها خصلة، خصلة، فقد ذكر الشيخ عبد الرحمن الرحمة في ترجمته للشيخ تسعين صفة ومنقبة تميَّز بها سماحته ﵀، وقد ذكر الشيخ محمد بن إبراهيم الحمد أبرز أربعين صفة خلقية لسماحته (^١).\nوقد قال عنه سماحة المفتي العام للمملكة فضيلة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ: «ضرب في كل ميدان من ميادين الخير بسهم، فسبحان من جمع له الخير من أطرافه، وبارك له في عمره وعمله ..، وهذا من أمارات الخير له\n_________\n(^١) ينظر: «الإنجاز في ترجمة الإمام عبد العزيز بن باز» للشيخ عبد الرحمن الرحمة (٣٧، ٤٥ ــ ٦٠) وكتاب «جوانب من سيرة الإمام عبد العزيز بن باز»، للحمد والموسى (٣٩ ــ ٤١).","vol":"1","page":19},{"text":"غفر الله له ورحمه» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-16>مؤلفاته وفتاواه ودروسه:</span>\nأمَّا مؤلفاته المطبوعة فكثيرة جدًّا: وأكثرها قد جمع في كتابه المشهور «مجموع فتاوى ومقالات متنوعة»، الذي قام بجمعه معالي الدكتور الشيخ محمَّد ابن سعد الشويعر - حفظه الله - في ثلاثين مجلدًا، وقد جمع فيه أكثر تراث سماحة الشيخ ﵀ (^٢).\nكما حُوِّلت تسجيلات برنامجه الإذاعي إلى كتاب بعنوان: «فتاوى نور على الدرب»، وقد طُبع منها حتى إعداد هذه الترجمة (٣١) مجلدًا والتي ستبلغ (٣٥) مجلدًا، وقد تم إكمال العمل فيها بالرئاسة -إدارة البحوث العلمية والإفتاء.\nوأصدرت مؤسسة الشيخ عبد العزيز بن باز الخيرية، بعض شروح وتعليقات سماحته على بعض كتب أهل العلم منها: «شرح التبصير في معالم الدين» لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري ﵀، وتعليق سماحته على «مقدمة تفسير الحافظ ابن كثير مع تعليق على تفسيره لسورة الفاتحة»، وشرح\n_________\n(^١) اقتباس بتصرف من تقديمه لكتاب فتاوى نور على الدرب لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز (١/ ٤).\n(^٢) ذكر سماحته في «مجموع فتاوى ومقالات متنوعة» ثلاثة وعشرين مؤلفًا (١/ ١١، ١٢) وزاد عليها تلميذه الشيخ عبد العزيز بن إبراهيم بن قاسم (٢٤ عنونًا) في مقدمة كتاب «التحفة الكريمة» (ص ٢٠ - ٢٦) وأفرد لها محمد يوسف المجذوب كُتبًا صغيرًا، وقد طبع في حياة سماحة الشيخ -﵀-، كما أفردها بمؤلَّف صالح بن راشد الهويمل بعنوان: «الإيجاز في سيرة ومؤلفات ابن باز».","vol":"1","page":20},{"text":" «عمدة الأحكام» للحافظ عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي ﵀، وشرح كتاب «الواسطية»، و«الفتوى الحموية» كلاهما لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وشرح كتاب «كشف الشبهات»، وتعليقات على كتاب «القواعد الأربع»، وكتاب «فضل الإسلام»، وشرح كتاب «التوحيد»، جميع هذه الكتب الأربعة الأخيرة للشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، وتعليقات سماحته على كتاب «وظائف رمضان» تلخيص الشيخ العلامة عبد الرحمن ابن قاسم العاصمي ﵀، من لطائف المعارف لابن رجب ﵀.\nكما أشرفت المؤسسة على ما صدر من بعض مخطوطات سماحته منها: بتحقيق تلميذه الشيخ عبد العزيز بن إبراهيم بن قاسم، حاشية في «بلوغ المرام» في مجلدين، و«التحفة الكريمة في بيان كثير من الأحاديث الموضوعة والسقيمة» و«تحفة أهل العلم والإيمان بمختارات من الأحاديث الصحيحة والحسان» و«تحفة الإخوان بتراجم بعض الأعيان».\nوتعليقات سماحته على كتاب «تقريب التهذيب» صدر بعنوان: النكت، بتحقيق د. عبد الله بن فوزان الفوزان، وكتاب «الفوائد العلمية من الدروس البازية» الذي جمعه الشيخ الدكتور عبد السلام بن عبد الله السليمان، من دروس عامي ٩٨، ١٣٩٩ هـ).\nوما صدر، بعنوان: «حديث الصباح، وحديث المساء، ودروس وفتاوى المسجد الحرم» من جمع الشيخ صلاح الدين أحمد عثمان، أمين مكتبة سماحته في حياة الشيخ ﵀.\nوقريبًا ستصدر المؤسسة، شرح سماحته لكتاب «الوابل الصيب شرح","vol":"1","page":21},{"text":"صحيح الكلم الطيب» لابن القيم ﵀، إن شاء الله وغيرها من التعليقات والشروح بعد خدمتها علميًّا.\n\n<span data-type='title' id=toc-17>زوجاته وعقبه ووفاته ورثاؤه:</span>\nتزوج ﵀ أربع نسوة:\nأولى زوجاته: تزوجها عام ١٣٥٤ هـ وطلقها عام ١٣٥٦ هـ ولم ينجب منها.\nثاني زوجاته: تزوجها عام ١٣٥٧ هـ وهي أم أولاده الكبار: عبد الله، وعبد الرحمن، وثلاث بنات.\nوثالث زوجاته: هي ابنة عمِّه، مكثت عنده ستة أشهر، ثم طلقها، ولم تلد له، ذكرها تلميذه عبد العزيز بن إبراهيم بن قاسم في ترجمته له نقلًا عن الشيخ عبد العزيز بن ناصر بن باز حفظهم الله جميعًا، وهو رئيس اللجنة العلمية بالمؤسسة.\nورابع زوجاته: تزوجها عام ١٣٨٦ هـ وهي أم أولاده الصغار، أحمد، وخالد، وثلاث بنات.\nوبهذا يُعلم أن سماحته قد تزوج أربع نسوة أنجب من الاثنتين أربعة أبناء، وست بنات، فمجموع ذريته عشرة، أسبغ الله عليهم النعم، وكفاهم الله الشرور والنِّقم، وجعلهم خير عقب لخير سلف بارِّين بوالديهم، آمين، آمين (^١).\n_________\n(^١) ينظر: «الإنجاز في ترجمة الإمام عبد العزيز بن باز» (ص ٣٤، ٣٥) و«الإبريزية في التسعين» للشتوي (ص ٢١) وترجمة سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز للشيخ عبد العزيز ابن قاسم (ص ٢٣).","vol":"1","page":22},{"text":"<span data-type='title' id=toc-18>وفاته:</span>\nتوفي ﵀ قُبيل فجر يوم الخميس السابع والعشرين من شهر محرم سنة عشرين وأربعمائة وألف من الهجرة، بمدينة الطائف (٢٧/ ١/ ١٤٢٠ هـ) ونقل جثمانه إلى مكة وغسِّل في بيته، وصلي عليه في المسجد الحرام بعد صلاة الجمعة، وحضر الجنازة جمٌّ غفير، قيل أكثر من مليونين، كما صلِّي عليه صلاة الغائب في عموم جوامع المملكة العربية السعودية، وفي عدّة دول إسلامية.\nوقبر في مقبرة العدل، عن عمر يناهز التسعين عامًا، ﵀ رحمة واسعة، وجزاه خيرًا على أعماله العظيمة التي قام بها لخدمة الإسلام والمسلمين، وجعل الجنة مثواه، إنه قريبٌ مجيبٌ.\nوصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.\n* * *","vol":"1","page":23},{"text":"<span data-type='title' id=toc-19>بابُ مَا جَاءَ فِي دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ أُمَّتَهُ إِلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ ﵎</span>\n٧٣٧١ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ يَحْيَى ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَيْفِيٍّ، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى اليَمَنِ» (^١).\n\n٧٣٧٢ - وحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الأَسْوَدِ، حَدَّثَنَا الفَضْلُ ابْنُ العَلَاءِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَيْفِيٍّ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا مَعْبَدٍ، مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: لَمَّا بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ إِلَى نَحْوِ أَهْلِ اليَمَنِ قَالَ لَهُ: «إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا اللَّهَ تَعَالَى، فَإِذَا عَرَفُوا ذَلِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ، فَإِذَا صَلَّوْا، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَاةً فِي أَمْوَالِهِمْ، تُؤْخَذُ مِنْ غَنِيِّهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فَقِيرِهِمْ، فَإِذَا أَقَرُّوا بِذَلِكَ فَخُذْ مِنْهُمْ، وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِ النَّاسِ» (^٢).\n_________\n(^١) ورواه مسلم (١٩).\n(^٢) ورواه مسلم (١٩).","vol":"1","page":25},{"text":"٧٣٧٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، وَالأَشْعَثِ بْنِ سُلَيْمٍ، سَمِعَا الأَسْوَدَ بْنَ هِلَالٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «يَا مُعَاذُ أَتَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى العِبَادِ؟». قَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، أَتَدْرِي مَا حَقُّهُمْ عَلَيْهِ؟». قَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ» (^١).\n\n٧٣٧٤ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، أَنَّ رَجُلًا سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ يُرَدِّدُهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ، وَكَأَنَّ الرَّجُلَ يَتَقَالُّهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّهَا لَتَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ».\nزَادَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، أَخْبَرَنِي أَخِي قَتَادَةُ بْنُ النُّعْمَانِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.\n\n٧٣٧٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو، عَنِ ابْنِ أَبِي هِلَالٍ، أَنَّ أَبَا الرِّجَالِ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَهُ عَنْ أُمِّهِ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَكَانَتْ فِي حَجْرِ عَائِشَةَ\n_________\n(^١) ورواه مسلم (٣٠).","vol":"1","page":26},{"text":"زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ رَجُلًا عَلَى سَرِيَّةٍ، وَكَانَ يَقْرَأُ لِأَصْحَابِهِ فِي صَلَاتِهِمْ فَيَخْتِمُ بِقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، فَلَمَّا رَجَعُوا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: «سَلُوهُ لِأَيِّ شَيْءٍ يَصْنَعُ ذَلِكَ؟». فَسَأَلُوهُ، فَقَالَ: لِأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ، وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَ بِهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ» (^١).\n\n<s2>\nبسم الله الرحمن الرحيم\nوَصَلِّ اللَّهُمَّ عَلَى نَبِيِّنا مُحمَّدٍ وعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجْمعِينَ، أمَّا بَعدُ:\nفَهذَا الكِتَابُ مِنَ المُؤلِّفِ -كِتَابُ التَّوحِيدِ- وَما ذُكِرَ فيهِ مِنَ الأَحَادِيثِ أَرَادَ بِه المُؤلِّفُ ﵀ التَّنبِيهَ عَلَى أنَّ هَذَا هُوَ أَصلُ الدِّينِ، وَأَسَاسُ المِلَّةِ: وهُوَ الدَّعَوةُ إِلَى تَوحِيدِ اللهِ قَبلَ كلِّ شَيءٍ؛ وَلِهذَا قَالَ: «كِتَابُ التَّوحِيدِ»، ثمَّ ذَكرَ هذِهِ الأَحَادِيثَ.\nالأُمَّةُ الكَافِرةُ يَجبُ أنْ تُبدَأَ بِالدَّعْوةِ إِلَى تَوحِيدِ اللهِ؛ حَتَّى تُسلِمَ، حَتَّى تَدخُلَ فِي الحَقِّ، ثم تُعلَّمَ الفَرائِضَ-فَرائِضَ الإِسْلَامِ وَمَا حرَّمَ اللهُ فِيهِ- وَلِذلِك بَدأَ النَّبيُّ ﷺ وبَدَأتِ الرُّسلُ أُمَمَهُم بِالدَّعوَةِ إِلَى تَوحِيدِ\n_________\n(^١) ورواه مسلم (٨١٣).","vol":"1","page":27},{"text":"اللهِ: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، فهَذهِ أوَّلُ دَعوَتِهم، وزُبْدتُها وخُلَاصَتُها، وَأَساسُها: الدَّعوَةُ إِلَى تَوحِيدِ اللهِ وَالنَّهيُ عَنِ الشِّركِ بِاللهِ ﷿: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥﴾ [الأنبياء: ٢٥]، وَنَبيُّنا ﵊ أوَّلُ شَيءٍ بَدأَ بِهِ قَومَهُ: دَعْوتُهُ إِلَى تَوحِيدِ اللهِ، قَالَ: «يَا قَوْمِ قُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ تُفْلِحُوا» (^١).\nوَمكَثَ فِيهِمْ عَشْرَ سِنِينَ يَدْعُوهُم إِلَى هذِهِ الكَلِمةِ، وإِلَى تَحْقيقِها وَالعَملِ بِها، لَا مُجرَّدُ قَولِها، لوْ كَانَ قَولُهَا يَكفِي لَبَادَروا إِليْها لَا يَضرُّهُم، المَقْصُودُ المَعْنَى وَخَلْعُ الأَوْثانِ، وَخلْعُ الآلِهَةِ الَّتِي تُعبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ، وَالبَراءَةُ مِنْها، وَاعْتِقادُ بُطْلانِها، وَالإِيمَانُ بِاللهِ وَحدَهُ، وَتَخصِيصُهُ بِالعِبادَةِ.\nعَشرُ سِنِينَ وهُوَ يَقُولُ لَهُمْ: قُولُوا: «لَا إِلهَ إلَّا اللهُ»، فَلْمْ يُؤمِنْ بِهِ إلَّا القَلِيلُ، وَقَالُوا عِنْدَ ذَلِك: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥)﴾ [ص: ٥].\nتَعَجَّبُوا مِنْ خَلعِهِ الأَوْثانَ وَإِبْطالِهِ إِيَّاهَا: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦)﴾ [الصافات: ٣٥ - ٣٧]، هَكَذا يُخاطِبُونهُ، وهَكَذا يَقُولُونَ فِي حقِّهِ؛ لِجَهلِهِم وَضَلالِهِم وَاسْتِقرَارِ الشِّركِ فِي قُلُوبِهم، تَوارَثُوهُ كَابِرًا عَنْ كَابرٍ؛ وَلِهذَا لمَّا بَعثَ النَّبيُّ ﷺ مُعاذًا ﵁ إِلَى اليَمَنِ قَالَ لهُ: «إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ» فِيهِمْ يَهُودُ وَنَصارَى فِي ذَاكَ الوَقتِ، وكَانَ عِنْدَهُمْ عُلُومٌ، وَعِندَهم كِتابٌ.\n_________\n(^١) رواه أحمد في «المسند» (١٦٦٠٣).","vol":"1","page":28},{"text":"وَالمَعْنى: أَعِدَّ لهُم مَا يَنْبغِي أنْ يُخاطَبوهُ، وَعلَّمهُ أنْ يَقُولَ لهُم: قُولُوا: لَا إِلهَ إلَّا اللهُ، عَلَّمَهُ أنْ يَدعُوَهُم إِلَى تَوحِيدِ اللهِ، يَدعُوَهم إِلَى أنْ يُوحِّدُوا اللهَ.\nوَفِي اللَّفظِ الآخَرِ: «فَادْعُهُمْ إِلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلهَ إلَّا اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ» (^١).\nوفِي اللَّفظِ الآخَرِ: «فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ: شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلهَ إلَّا اللهُ».\nوفِي اللَّفظِ الآخَرِ: «فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللهِ» (^٢). يَعنِي: قَبلَ كُلِّ شَيءٍ.\n* وَالظَّاهرُ: أنَّ هذِهِ الأَلْفَاظَ مِنْ تَصَرُّفِ الرُّواةِ حَسبَ مَا نَقلُوهُ عَنِ الصَّحابَةِ عَنِ النَّبيِّ ﷺ.\nوَهذِهِ الأَلْفاظُ كُلُّها تَدورُ عَلَى خَلعِ أَوْثانِهم الَّتِي يَعْبدُونَها مِنْ دُونِ اللهِ، وعَلَى إِفْرادِ اللهِ بِالعِبادَةِ، وَتَوحِيدهِ بِالعِبادةِ ﷾، وَالإِيمَانِ بِرَسولِهِ مُحمَّدٍ ﵊؛ «فَإِنْ أَجَابُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ» ثمَّ ذَكرَ الزَّكاةَ.\nفعُلِمَ بِهذَا أنَّ الأَسَاسَ هُوَ أنْ يَدعُوَ النَّاسَ إِلَى تَوحِيدِ اللهِ، وَالإِخْلاصِ لَهُ، وَتَركِ الأَوْثانِ وَالأَصْنامِ الَّتِي يَعْبدُونَهَا مِنْ دُونِ اللهِ، وَأنْ تَكُونَ العِبَادَةُ للهِ وَحدَهُ دُونَ كلِّ مَا سِواهُ ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا﴾ [الإسراء: ٢٣]، ﴿إِيَّاكَ\n_________\n(^١) رواه البخاري (١٣٩٥)، ومسلم (٢٩)، (١٩).\n(^٢) رواه البخاري (١٤٥٨)، ومسلم (٣١)، (١٩).","vol":"1","page":29},{"text":"نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٥].\nوَهكَذَا الحَدِيثُ الثَّانِي أنَّهُ قَالَ لِمُعاذٍ ﵁: «مَا حَقُّ اللهِ عَلَى العِبَادِ، وَمَا حَقُّ العِبَادِ عَلَى اللهِ؟» فَأخْبرَ مُعاذٌ ﵁ أنَّهُ لَا يَدرِي، قَالَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، هذِهِ عَادةُ الصَّحابَةِ ﵃ إذَا سُئِلُوا عمَّا لَا يَعلَمُونَ قَالُوا: اللهُ ورَسُولهُ أَعلَمُ، وهَذَا فِي حَياتِهِ ﷺ، بَعدَ وَفاتِهِ يُقالُ: (اللهُ أَعلَمُ، أوْ لَا أَدرِي) لِأنَّهُ لَا يَعلَمُ أَحْوالَ العِبادِ بَعدَ وَفاتِهِ ﵊، فقَالَ لَهُ ﷺ: «حَقُّ اللهِ عَلَى العِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا» هَذَا حقُّهُ الأَعظَمُ، حقُّهُ الأَعظَمُ أنْ يَعبُدوا اللهَ وَحدَهُ دُونَ كلِّ مَا سِوَاهُ، وأَنْ يُطِيعوا أَوامِرهُ، ويَنْتهُوا عَنْ نَواهِيهِ عَلَى وَجهِ الإِخْلاصِ لَهُ ﷾.\n«فَيعْبُدوهُ» أيْ: يَعبُدُوهُ بِالطَّاعَاتِ الَّتِي أَمرَهُم بِها: صَلاتِهِم وزَكَاتِهِم وصَومِهِم وحَجِّهِم وغَيرِ ذَلِك، يَخصُّوهُ بِذلِك ويُفرِدُوهُ بِذلِكَ؛ هَذَا حقُّهُ عَليِهم ﷾، وأنْ يَخلَعُوا تِلكَ الأَوْثانَ الَّتِي يَعبُدونَهَا مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَحْجَارٍ، وَأشْجَارٍ، وَأَمْوَاتٍ، وَكَواكِبَ وغَيرِ ذلِكَ.\nثمَّ ذَكرَ حَدِيثَيْ (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ) لِعظَمِ شَأنِهَا؛ لِأنَّها سُورَةُ التَّوحِيدِ، وسُورَةُ العَقِيدةِ، وَأَخبرَ أنَّهَا تَعدِلُ ثُلثَ القُرآنِ، وأنَّ الَّذِي كَانَ يُصلِّي بِها فِي قَوْمِهِ ويَقرأُ بِها فِي آخِرِ صَلاتِهِ، قَالَ: «أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللهَ يُحِبُّهُ» يَعنِي: كَمَا أَحبَّهَا.\nوفِي لَفظٍ: «حُبُّكَ إِيَّاهَا أَدْخَلَكَ الجَنَّةَ» وهِيَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤].\nفهِيَ سُورَةُ التَّوحِيدِ، وسُورَةُ العَقِيدةِ، فِيهَا بَيانُ أنَّهُ ﷾ هُوَ الوَاحدُ","vol":"1","page":30},{"text":"الأَحدُ فِي جَمِيعِ الوُجوهِ: فِي ذَاتهِ، وَأسْمائهِ، وصِفاتِهِ، وَاسْتِحقاقِهِ العِبادَة، وَأنَّهُ لَا كُفُؤَ لَهُ، وَلَا نِدَّ لَهُ، وَأنَّهُ لمْ يَلدْ، ولمْ يُولَدْ، ولمْ يَكنْ لَهُ كُفُوًا أَحدٌ، وَأنَّهُ الصَّمَدُ الَّذِي تَصْمُدُ إِليْهِ الخَلائِقُ فِي حَاجَاتِها، كُلُّ الخَلائِقِ يَصمُدُونَ إِليْهِ وتَقصِدهُ فِي حَاجَاتِها كُلِّها؛ فلِهذَا كَانتْ هذِهِ السُّورَةُ تَعدِلُ ثُلثَ القُرآنِ؛ لِأنَّهَا نَزَلتْ فِي تَوحِيدِ اللهِ مَحْضًا خَالِصًا لَيسَ معهُ شَيءٌ.\n* والقُرآنُ أَقْسَامٌ ثَلاثَةٌ:\nقِسْمٌ: يُخبِرُ عَنِ اللهِ وعَن صِفَاتهِ وَأَسْمائِهِ وحقِّهِ، وَهذِهِ هِيَ السُّورةُ.\nوقِسْمٌ ثَانٍ: يُخبِرُ عمَّا كَانَ وَمَا يَكونُ.\nوَالقِسْمُ الثَّالثُ: أَوامِرُ ونَواهٍ.\nفَصارَتْ هذِهِ السُّورةُ تَعدِلُ ثلُثَ القُرآنِ؛ لِأنَّهَا نَزلَتْ مَحْضًا فِي تَوحِيدِ اللهِ، وَالإِخْلاصِ لَهُ، وَبَيانِ حقِّهِ ﷾.\n* * *","vol":"1","page":31},{"text":"<span data-type='title' id=toc-20>باب قَوْلِ اللَّهِ ﵎: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء:</span> ١١٠]\n٧٣٧٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، وَأَبِي ظَبْيَانَ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا يَرْحَمُ اللَّهُ مَنْ لَا يَرْحَمُ النَّاسَ» (^١).\n\n٧٣٧٧ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَاصِمٍ الأَحْوَلِ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ جَاءَهُ رَسُولُ إِحْدَى بَنَاتِهِ، تَدْعُوهُ إِلَى ابْنِهَا فِي المَوْتِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «ارْجِعْ فَأَخْبِرْهَا أَنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى، فَمُرْهَا فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ»، فَأَعَادَتِ الرَّسُولَ أَنَّهَا قَدْ أَقْسَمَتْ لَتَأْتِيَنَّهَا، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ وَقَامَ مَعَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، فَدُفِعَ الصَّبِيُّ إِلَيْهِ وَنَفْسُهُ تَقَعْقَعُ كَأَنَّهَا فِي شَنٍّ، فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا هَذَا؟ قَالَ: «هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ فِي\n_________\n(^١) ورواه مسلم (٢٣١٩).","vol":"1","page":32},{"text":"قُلُوبِ عِبَادِهِ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ» (^١).\n\n<s2>\nوَأَرادَ ﵀ بِهذَا [البَابِ] أنَّ اللهَ سُبحانَهُ هُوَ الرَّحمَنُ الرَّحِيمُ الَّذِي يَرحَمُ عِبادَهُ فِي الدُّنْيا وَالآخِرةِ، كَمَا أنَّ اللهَ المُستحِقُّ لِلعِبادةِ، هُوَ الرَّحمَنُ أيْضًا الَّذِي يَرحَمُ العِبادَ، لَا مُنافَاةَ بَينَ كَونِهِ الإِلَهَ وبَينَ كَونِهِ الرَّحمَنَ، فَالدَّعوةُ إِلَى تَوحِيدهِ وَأنَّهُ الإِلهُ الحقُّ لَا تُنافِي الدَّعوةَ إِلَى سُؤالِهِ ورَجائِهِ وطَلبِ الرَّحمةِ منهُ ﷾، هُوَ الرَّحمَنُ وهُوَ الإلهُ الحقُّ، هُوَ الرَّحِيمُ وهُوَ الجَوادُ وهُوَ الكَرِيمُ، وهُوَ السَّمِيعُ، وَأنَّهُ لَا تَنافِيَ بَينَ أَسْمَائهِ وصِفَاتهِ ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: ١١٠]. كِلاهُمَا أَسمَاءٌ للهِ ﷾، وكِلاهُمَا حقٌّ.\nوَهكَذَا بَقيَّةُ الأَسمَاءِ وبَقيَّةُ الصِّفاتِ لَا تَنافِيَ بَينَها، فهُو اللهُ المُستحِقُّ لِلعِبادةِ، وهُوَ الرَّحمنُ الَّذِي يَرحمُ عِبادَهُ، وهُوَ الَّذِي وَسِعتْ رَحمتُهُ كُلُّ شَيءٍ ﷾؛ ولِهذَا قَالَ: «مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ» اللهُ يَرحمُ مِنْ عِبادِهِ الرُّحمَاءَ، فمَن تَكبَّرَ عَلَى النَّاسِ وظَلمَهم وتَعدَّى عَليهِم ولمْ يَرحمْهُم فهُو جَديرٌ بِأنْ لَا يُرحَمَ مِنْ اللهِ، بلْ يُعذَّبُ: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ يَومَ القِيَامَةِ» (^٢)، وأمَّا الَّذينَ يُعذِّبونَ النَّاسَ وَلَا يَرحَمُونَهم يَستَحقُّونَ أنَّهُ لَا يَرحَمُهم؛ وَلِهذَا قَالَ:\n_________\n(^١) ورواه مسلم (٩٢٣).\n(^٢) رواه أحمد في «المسند» (٦٤٩٤)، وأبو داود (٤٩٤١)، والترمذي (١٩٢٤). وقال: هذا حسن صحيح.","vol":"1","page":33},{"text":"«مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ».\nوجَاءَ فِي بَعضِ رِوايَاتِ الحَدِيثِ فِي «الصَّحيحِ»: أنَّ أَسْبَابَ ذلِكَ أنَّ بَعضَ الأَعرابِ قَالَ: أَتُقبِّلونَ صِبْيانَكم؟ فقَالَ النَّبيُّ ﷺ: «نَعَمْ»؛ فَقالَ الأَقْرعُ: عِنْدِي كذَا وكَذَا مِنْ الوَلدِ فَلمْ أُقبِّلْ أَحدًا مِنْهم، فَقالَ النَّبيُّ ﷺ: «مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ».\nوَهكَذَا قِصَّةُ المَرأَةِ - قِصةُ ابْنتِهِ - لمَّا دَعتْ أبَاهَا إِلَى الحُضورِ عِندَها بِسبَبِ احْتِضَارِ صَبِيِّها، وَمَا حَصَلَ عَليهِ مِنْ شدَّةِ المَرَضِ وأمَارَاتِ المَوتِ؛ دَعتْ أبَاهَا أنْ يَحضُرَ ﵊، وكَانَ ليِّنًا رَقِيقًا رَفيقًا ﵊ رَحيمًا، فَقالَ الرَّسُولُ ﷺ: «ارْجِعْ إِلَيْهَا وَقُلْ لَهَا: فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ، فَلِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلُّ شَيْءٍ لَهُ بِأَجَلٍ مُسَمَّى».\nفَردَّتْ عَليهِ تَطلُبُ منهُ أنْ يَحضُرَ، أَقْسَمَتْ عَليهِ أَنْ يَحضُرَ ﵊، فَأجابَ دَعْوتَها وقَامَ لِحُسنِ خُلُقهِ ﷺ ورَحمتِهِ ورَأفتِهِ بِأهلِ بَيتِهِ وبِالمُسْلِمينَ ﵊ كَمَا قَالَ ﷿ ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].\nفَقامَ إِليْها جَبْرًا لهَا ومعَهُ سَعْدُ بنُ عُبادةَ ومُعاذٌ وجَماعةٌ ﵃ كَمَا فِي الرِّوايَاتِ الأُخرَى، فلمَّا وَصلَ إِلَى البَيتِ قُدِّم إِليهِ الصَّبيُّ وهُوَ فِي المَوتِ يَتقعْقَعُ؛ ففَاضَتْ عَيناهُ ﵊ بَكَى وقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ مَا هَذَا؟! قَالَ: «إِنَّهَا رَحْمَةٌ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ».","vol":"1","page":34},{"text":"فكَونُ الإِنْسانِ يَبكِي عِنْدَ المُصِيبةِ وتَدمَعُ عَينُهُ رَحمةً لَا بَأسَ بِذلِكَ، إنَّمَا المُنكَرُ الصِّياحُ والنِّياحُ، ولطمُ الخُدودِ وشقُّ الثِّيابِ وأَشباهُ ذلِك، أمَّا كونُهُ تَفِيضُ عَينَاهُ، يَبكِي، يَدمَعُ، هذِهِ رَحمةٌ، واللهُ يَرحَمُ عِبادَهُ بِهَذِهِ الرَّحمةِ.\n* * *","vol":"1","page":35},{"text":"<span data-type='title' id=toc-21>بابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:</span> ٥٨]\n\n٧٣٧٨ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَا أَحَدٌ أَصْبَرُ عَلَى أَذًى سَمِعَهُ مِنَ اللَّهِ، يَدَّعُونَ لَهُ الوَلَدَ، ثُمَّ يُعَافِيهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ» (^١).\n\n<s2>\nوَهذَا مِنْ كَرمِهِ ﷾ صَبُورٌ عَلَى الأَذَى، وَلَا أَحدَ أَصبَرُ مِنهُ عَلَى الأَذَى، غَالِبُ أَهْلِ الأَرضِ يُشرِكونَ بِهِ وَيَعبُدُونَ سِواهُ ويُقْدِمونَ عَلَى مَعاصِيهِ وهُوَ يُعافِيهِم ويَرزُقُهم ويُمْهلُهُم ويُنْظِرهُم، مَا هُنَاكَ أَوسَعُ مِنْ هذِهِ الرَّحمةِ؛ وَلِهذَا قَالَ سُبْحانَهُ: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [النحل: ٦١] وَقالَ فِي الآيَةِ الأُخرَى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [فاطر: ٤٥].\nفَلوْلَا سِعةُ جُودِهِ ورَحمَتهِ وَفَضلِهِ وإِحْسانِهِ وعَظِيمِ عَفوِهِ لَمَا أَمْهلَهُم وهُم\n_________\n(^١) ورواه مسلم (٢٨٠٤).","vol":"1","page":36},{"text":"يُشرِكُون بِهِ، وَيَعصُونَ أَمرَهُ، وَيَأتونَ نَهيَهُ، وهُوَ يُعافِيهِم ويَرزُقُهم بِالصِّحَّةِ والأَمْوالِ والأَوْلادِ وهُم عَلَى كُفرِهِم، وعَلَى مَعصِيَتهمْ! هذِهِ غَايةُ الإِمْهالِ والإِنْظارِ والصَّبرِ عَلَى الأَذَى.\nوفِي هَذَا إِقامَةُ الحُجَّةِ وقَطعُ المَعذِرةِ، أنَّهُ يُمهِلُهم، وأُنظِروا ومُتِّعُوا كَثِيْرًا، ولَكنَّهُم لم يَرْعَوُوا، ولمْ يَنتَبِهوا ولمْ يَرجِعُوا للصَّوَابِ؛ فلِهذَا اسْتحقُّوا العِقابَ مِنْ اللهِ ﷿ يَومَ القِيامَةِ.\nوقدْ يُعاجِلُهُمْ بِالعُقوبَةِ فِي الدُّنْيا، قَالَ سُبْحانَهُ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢)﴾ [إبراهيم: ٤٢]، وقال: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢)﴾ [هود: ١٠٢].\n* * *","vol":"1","page":37},{"text":"<span data-type='title' id=toc-22>بابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ٢٦]، وَ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤]، وَ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء: ١٦٦]، ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ [فاطر: ١١]، ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [فصلت:</span> ٤٧]\nقَالَ يَحْيَى: الظَّاهِرُ: عَلَى كُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، وَالبَاطِنُ: عَلَى كُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا.\n\n٧٣٧٩ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «مَفَاتِيحُ الغَيْبِ خَمْسٌ، لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ: لَا يَعْلَمُ مَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا يَعْلَمُ مَتَى يَأْتِي المَطَرُ أَحَدٌ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا يَعْلَمُ مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا اللَّهُ».\n\n٧٣٨٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ كَذَبَ، وَهُوَ يَقُولُ: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] وَمَنْ حَدَّثَكَ أَنَّهُ يَعْلَمُ الغَيْبَ، فَقَدْ كَذَبَ، وَهُوَ يَقُولُ: لَا يَعْلَمُ الغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ» (^١).\n_________\n(^١) ورواه مسلم (١٧٧).","vol":"1","page":38},{"text":"<s2>\nوَهذَا الَّذِي قَالتْهُ عَائشَةُ ﵂ هُوَ الَّذِي عَليْهِ أَهْلُ السُّنةِ وَالجَماعَةِ قَاطِبةً، إلَّا خِلافًا شاذًّا قَلِيْلًا فِي الرُّؤيَةِ، والَّذِي عَليْهِ عَامَّةُ العُلمَاءِ أنَّهُ لمْ يَرَ ربَّهُ بِعيْنَيهِ؛ لِأنَّ اللهَ قَالَ: ﴿لَا تُدْرِكُهُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] يَعنِي: لَا تَرَاهُ، وَبِهذَا احْتجَّتْ عَائشَةُ ﵂.\nوسَألَ أبُو ذرٍّ ﵁ النَّبيَّ ﷺ: هلْ رَأيْتَ ربَّكَ؟ فقَالَ: «نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ» (^١). وفِي اللَّفظِ الآخَرِ: «رَأَيْتُ نُورًا» (^٢). أَخرَجَهُ مُسلِمٌ فِي «الصَّحيحِ»، وقَالَ ﵊: «تَعَلَّمُوا أَنَّهُ لَنْ يَرَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رَبَّهُ ﷿ حَتَّى يَمُوتَ» (^٣).\nفَالرُّؤيةُ أَعلَى نَعيمِ أَهْلِ الجنَّةِ، ولَيْستْ مِنْ نَعيمِ الدُّنْيا، بلْ هِيَ أَعلَى نَعيمِ أَهْلِ الجنَّةِ؛ وَلِهذَا لَا تَكونُ إلَّا فِي الآخِرةِ لِأهْلِ الجنَّةِ فِي القِيامَةِ وفِي دَارِ الكَرامَةِ، أمَّا الكفَّارُ فهُم مَحجُوبُونَ عَنْ هذِهِ الرُّؤيَةِ فِي الآخِرةِ ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ [المطففين: ١٥].\nوقَالَ آخَرُونَ فِي مَعنَى الآيَةِ: مَعنَى «لَا تُدْرِكُهُ»: لَا تُحيطُهُ، وإنْ رأتْهُ فِي الآخِرةِ، فَالآيَةُ مُحكَمةٌ؛ إذْ لَا يُحِيطُ بِهِ النَّاسُ، وإنْ رَأوْا وَجْهَهُ الكَرِيمَ ﷾ وكشَفَ لهُم الحِجابَ، لكِنْ لَا يُحِيطُونَ بِهِ مِنْ كُلِّ الوُجُوهِ، كَمَا\n_________\n(^١) رواه مسلم (١٧٨) (٢٩١).\n(^٢) رواه مسلم (١٧٨) (٢٩٢).\n(^٣) رواه مسلم (١٦٩).","vol":"1","page":39},{"text":"أنَّهُم لَا يُحِيطونَ بِهِ عِلمًا، فهَكذَا لَا يُحِيطُونَ بِهِ رُؤيَةً، وإِنْ رَأوْا وَجهَهُ الكَريمَ ﷾، ونَفيُ الأَخصِّ لَا يَستلزِمُ نَفيَ الأَعمِّ - فَرُؤيتُهُ أعمُّ - وقدْ يَرَى الإِنْسَانُ الشَّيءَ وَلَا يُحِيطُ بِهِ، كَمَا قَالَ جل وعلا: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢)﴾ [الشعراء: ٦١، ٦٢]. رَأوْهُ مِنْ بَعِيدٍ قَالُوا: إنَّا لَمُدرَكُونَ، خَافُوا مِنْ وُصُولِ جَيشِ فِرعَونَ إِليْهم وإِدْراكِهم إِيَّاهُم، فَالإِدْرَاكُ أَخصُّ، والرُّؤيةُ أَعمُّ، فَالرُّؤيةُ غَيرُ مَنفيَّةٍ يَومَ القِيامَةِ، بَلْ وَعدَ اللهُ بِها المُؤمِنينَ، أمَّا الإِدْراكُ فهُو مَنفيٌّ مُطلقًا.","vol":"1","page":40},{"text":"<span data-type='title' id=toc-23>باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ﴾ [الحشر:</span> ٢٣]\n\n٧٣٨١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا مُغِيرَةُ، حَدَّثَنَا شَقِيقُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: كُنَّا نُصَلِّي خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ فَنَقُولُ: السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ، وَلَكِنْ قُولُوا: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-24>باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ [الناس:</span> ٢]\nفِيهِ ابْنُ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ\n\n٧٣٨٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدٍ هُوَ ابْنُ المُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «يَقْبِضُ اللَّهُ الأَرْضَ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَيَطْوِي السَّمَاءَ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا المَلِكُ أَيْنَ مُلُوكُ الأَرْضِ».\n_________\n(^١) ورواه مسلم (٤٠٢).","vol":"1","page":41},{"text":"وَقَالَ شُعَيْبٌ، وَالزُّبَيْدِيُّ، وَابْنُ مُسَافِرٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ يَحْيَى، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ … (^١).\n\n<s2>\nهَذهِ الأَحادِيثُ فِيهَا الدَّلالَةُ عَلَى أنَّهُ سُبْحانَهُ هُوَ المَلكُ، وهُوَ السَّلامُ، وهُوَ العَزِيزُ الجَبَّارُ، وهُوَ المُتصَرِّفُ فِي عِبادِهِ كَيفَ شَاءَ فِي الدُّنيَا وفِي الآخِرةِ.\nوكَانَ الصَّحابَةُ ﵃ إذَا جَلَسُوا فِي الجَلسةِ الثَّانيَةِ فِي الرَّكعَةِ الثَّانيةِ وفِي الجَلسَةِ الأَخيرَةِ يَقُولُونَ: السَّلامُ عَلَى اللهِ مِنْ عِبادِهِ، السَّلامُ عَلَى فُلانٍ، السَّلامُ عَلَى جِبْريلَ وَمِيكَائِيلَ. فعَلَّمهُمُ النَّبيُّ ﷺ أنَّ اللهَ هُوَ السَّلامُ ﷾.\nوَالمَعنَى: أنَّهُ هُوَ المُسلمُ لِعبَادهِ، وهُوَ السَّالِمُ مِنْ كلِّ نَقصٍ جل وعلا، وهُوَ الكامل فِي ذَاتِهِ وَأَسْمَائهِ وَصِفَاتِه ﷾، وهُوَ السَّلَامُ من كُلِّ سُوءٍ؛ فَلَا يُدْعَى لَهُ بِالسَّلَامِ؛ لِأنَّهُ هُوَ المُسَلِّمُ لِعبَادهِ، بِيدِهِ التَّصرُّفُ جل وعلا، وهُوَ مَالِكٌ لِكلِّ شَيءٍ، قَالَ ابْنُ القيِّمِ ﵀ فِي «النُّونيَّةِ»:\nوهُو السَّلامُ عَلَى الحَقيقَةِ سَالمٌ … مِنْ كلِّ تَمثِيلٍ ومِن نُقْصانِ\nوالمَقصُودُ: أنَّهُ هُوَ السَّلامُ مِنْ كلِّ نَقصٍ، فَلا يَلِيقُ أنْ يُدعَى لَهُ بِالسَّلامِ فَيُقالُ: السَّلامُ عَلَى اللهِ؛ لأنَّ السَّلامَ مِنهُ سُبْحانَهُ، هُوَ المُسلِّمُ لِعِبادهِ جل وعلا، ولَكِن يُقالُ: اللَّهُمَّ أنتَ السَّلامُ، ومِنكَ السَّلامُ. وَيُقالُ: إنَّ اللهَ هُوَ السَّلامُ؛\n_________\n(^١) كذا في «الفتح»، وفي «عمدة القاري» وغيره زيادة: «مِثْلَهُ»، ورواه مسلم (٢٧٨٧).","vol":"1","page":42},{"text":"وَلِهذَا قَالَ جل وعلا: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ﴾ [الحشر: ٢٣] فهُوَ السَّالمُ مِنْ كلِّ نَقصٍ، وهُوَ المُسلِّمُ لِعِبادِهِ جل وعلا.\nثمَّ علَّمهُم أنْ يَقُولُوا: «التَّحِيَّاتُ للهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ».\nهَكذَا علَّمَهم ﷺ فِي الصَّلاةِ بَعدَ الرَّكعَتَينِ وبَعدَ الأَخِيْرَةِ - بَعدَ الثَّالِثةِ فِي المَغرِبِ، وبَعدَ الرَّابعَةِ فِي الظُّهرِ والعَصْرِ والعِشَاءِ، وبَعدَ الثَّانيَةِ فِي الفَجْرِ والجُمُعةِ والعِيدِ والنَّوافِلِ ونَحوِ ذلِك.\nوهذِهِ التَّحيَّاتُ فَرضٌ؛ لِأنَّ الرَّسُولَ أمَرَ بِها ﵊، وهِي فِي التَّشهُّدِ الأَخيرِ آكَدُ؛ وَلِهذَا عدَّهَا جَمعٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ مِنَ الأَرْكَانِ فِي التَّشهُّدِ الأَخيرِ، وفِي الأوَّلِ مِنْ الوَاجِبَاتِ الَّتِي تَسقُطُ بِالنِّسْيَانِ. ويدُلُّ عَلَى ذلِكَ أنَّهُ ﷺ سَهَا عنْهَا ذَاتَ يَومٍ فلمْ يَجلِسْ فِي التَّشهُّدِ الأوَّلِ، فجَبرَ ذلِك بِسُجُودِ الَّسهوِ ﵊.\nثمَّ هُوَ جل وعلا المَلِكُ، معَ أنَّهُ السَّلامُ، فهُو المَلكُ، مَالكُ الدُّنيَا وَالآخِرةِ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣)﴾ [الناس: ١ - ٣]. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٣)﴾ [الفاتحة: ١ - ٣] وفِي القِراءَةِ الأُخرَى ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ فَهُو المَالِكُ لكلِّ شَيءٍ ﷾؛ وَلِهذَا أَخبَرَ ﷺ أنَّ اللهَ يَومَ القِيامَةِ يَقبِضُ الأَرضَ، ويَطوِي السَّماءَ بِيَمِينِهِ، ثمَّ يَقولُ: «أنَا المَلِكُ، أَيْنَ مُلُوكُ الأَرْضِ؟ أَيْنَ الجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ المُتَكَبِّرُونَ؟». وهَذَا","vol":"1","page":43},{"text":"تَفسِيرٌ لِقولِهِ جل وعلا: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧].\nفهَذهِ الأَرضُ معَ عَظمَتِها واتِّسَاعِها وَمَا فِيهَا مِنْ جِبَالٍ وغَيرِهَا يَقبِضُها جل وعلا بِيَدِهِ ﷾، وفِي حَديثِ ابْنِ عُمرَ ﵄: «بِيَدِهِ الشِّمَالِ» (^١) والسَّمَواتُ تُطوَى بِيمِينهِ -معَ كَونِها سَبْعًا، ومعَ طُولِهَا وكَثافَتِها- فَيَهزُّهنَّ ويَقُولُ: أنَا المَلِكُ، أيْنَ الجبَّارُونَ؟ أيْنَ المُتكبِّرُونَ؟ يُبيِّنُ عَظمَتَهُ وكِبْرياءَهُ، وَأنَّهُ المَالِكُ لِكلِّ شَيءٍ، وَأنَّهُ القَادِرُ عَلَى كلِّ شَيءٍ ﷾.\nفَجدِيرٌ بِالعِبَادَ وجَدِيرٌ بِكلِّ مُكلَّفٍ أنْ يَعبُدَ هَذَا المَلِكَ العَظِيمَ، وأنْ يَخصَّهُ بِالعِبادَةِ، وأنْ يُفرِدَهُ بِالعِبَادةِ دُونَ كُلِّ مَا سِوَاهُ، وأنْ يُطِيعَ أَوامِرَهُ، ويَنتَهِي عَنْ نَواهِيهِ، وأنْ يَقِفَ عِنْدَ حُدُودِهِ؛ حَتَّى يَلْقاهُ يَومَ القِيامَةِ وهُوَ رَاضٍ عنهُ؛ فَيَفوزَ بِالسَّعادَةِ وَالجنَّةِ وَالكَرامَةِ.\n* * *\n_________\n(^١) رواه مسلم (٢٧٨٨)، ولفظه: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «يَطْوِي اللهُ ﷿ السَّمَوَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ بِيَدِهِ الْيُمْنَى، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ الْجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ. ثُمَّ يَطْوِي الْأَرَضِينَ بِشِمَالِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ الْجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ؟».","vol":"1","page":44},{"text":"<span data-type='title' id=toc-25>باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وهو العزيز الحكيم﴾ [إبراهيم: ٤]، ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٨٠]، ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ﴾ [المنافقون: ٨]، وَمَنْ حَلَفَ بِعِزَّةِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ</span>\nوَقَالَ أَنَسٌ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «تَقُولُ جَهَنَّمُ: قَطْ قَطْ وَعِزَّتِكَ».\nوَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «يَبْقَى رَجُلٌ بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، وهو (^١) آخِرُ أَهْلِ النَّارِ دُخُولًا الجَنَّةَ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، اصْرِفْ وَجْهِي عَنِ النَّارِ، لَا وَعِزَّتِكَ لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا».\nقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «قَالَ اللَّهُ ﷿: لَكَ ذَلِكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ».\nوَقَالَ أَيُّوبُ: «وَعِزَّتِكَ لَا غِنَى بِي عَنْ بَرَكَتِكَ».\n\n٧٣٨٣ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ المُعَلِّمُ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، كَانَ يَقُولُ: «أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ، الَّذِي\n_________\n(^١) كذا في «الفتح»: «وهو آخر»، وفي «عمدة القارئ» وغيره: «آخر أهل النار».","vol":"1","page":45},{"text":"لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الَّذِي لَا يَمُوتُ، وَالجِنُّ وَالإِنْسُ يَمُوتُونَ» (^١).\n\n٧٣٨٤ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الأَسْوَدِ، حَدَّثَنَا حَرَمِيٌّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «يُلْقَى فِي النَّارِ». (ح) وقَالَ لِي خَلِيفَةُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، وَعَنْ مُعْتَمِرٍ سَمِعْتُ أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «لَا يَزَالُ يُلْقَى فِيهَا وَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ، حَتَّى يَضَعَ فِيهَا رَبُّ العَالَمِينَ قَدَمَهُ، فَيَنْزَوِي بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، ثُمَّ تَقُولُ: قَدْ، قَدْ، بِعِزَّتِكَ وَكَرَمِكَ، وَلَا تَزَالُ الجَنَّةُ تَفْضُلُ، حَتَّى يُنْشِئَ اللَّهُ لَهَا خَلْقًا، فَيُسْكِنَهُمْ فَضْلَ الجَنَّةِ» (^٢).\n\n<s2>\nوَهذَا يَدلُّ عَلَى أنَّهُ سُبْحَانَهُ لَهُ العِزَّةُ الكَامِلَةُ، وَالعَزيزُ: هُوَ الغَالِبُ القَاهرُ، لَا يُغالَبُ وَلَا يُمَانَعُ، فلهُ العِزَّةُ الكَاملَةُ ﷾، كَمَا أنَّ لَهُ المُلكَ الكَامِلَ جل وعلا.\nولِهذَا لَا بَأسَ أنْ يُحلفَ بِعزَّةِ اللهِ، أوْ بِعزَّةِ اللهِ لَأفْعلْ كَذَا، أوْ لَأفْعلَنَّ كذَا؛ وَلِهذَا جَاءَ فِي هذِهِ الأَحَادِيثِ الشَّابُّ الَّذِي خَرجَ مِنْ النَّارِ وَأنْجاهُ اللهُ مِنْها إِلَى الجنَّةِ وقَالَ: رَبِّ اصْرفْ وَجهِي عَنِ النَّارِ، وعِزَّتكَ لَا أَسْألُك غَيرَ ذلِك.\n_________\n(^١) ورواه مسلم (٢٧١٧).\n(^٢) ورواه مسلم (٢٨٤٨).","vol":"1","page":46},{"text":"وكذَلِك إِقْسَامُ أيُّوبَ ﵇: «وَعِزَّتِكَ لَا غِنَى لِي عَنْ بَركَتِك». أيُّوبُ: هُوَ نَبيُّ اللهِ أيُّوبُ ﵊، فَإنَّهُ كَانَ يَومًا يَغتسِلُ، فأَنزَلَ اللهُ عَليهِ رِجْلًا مِنْ جَرادٍ، فجَعَلَ يَحْثُو؛ فقَالَ لَهُ جل وعلا: أَلَمْ أَكنْ أَغْنَيتُكَ عَنْ هذَا؟! فقَالَ: «وَعِزَّتكَ لَا غِنَى لِي عَنْ بَركَتِكَ».\nكذَلِك تَقُولُ جَهنَّمُ، لَا تَزالُ يُلقَى فِيهَا - يُلقَى فِيهَا النَّاسُ وَالحِجَارَةُ - وهِي تَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ. كَمَا قَالَ ﷿: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (٣٠)﴾ [ق: ٣٠]. فَلا تَزالُ يُلقَى فِيهَا وهِيَ تَقولُ: هَلْ مِنْ مَزيدٍ، حَتَّى يَضعَ الجَبَّارُ فِيهَا قَدمَهُ؛ فَينْزوِي بَعضُها إِلَى بَعضٍ وتَقولُ: (قَطْ قَطْ). وفِي اللَّفظِ الآخَرِ: (قَدْ قَدْ). (قَدْنِي قَدْنِي). يَعنِي: حَسْبِي حَسْبِي وعِزَّتِك، أمَّا الجنَّةُ فَلا يَزالُ يَبقَى فِيها فَضْلٌ؛ لِمَا فِيهَا مِنْ السَّعَةِ العَظِيمَةِ؛ فَيُنشِئُ اللهُ لهَا أَقْوَامًا؛ فيُدخِلُهم الجنَّةَ فَضْلًا منْهُ ﷾.\nومَعنَى «سُبْحَانَ ربِّكَ ربِّ العِزِّةِ» يَعنِي: صَاحبِ العِزَّةِ، كذَلكَ فِي لَفظِ الأَذَانِ: «اللَّهُمَّ رَبَّ هذِهِ الدَّعوَةِ التَّامَّةِ» (^١) يَعنِي: صَاحبَ الدَّعوَةِ التَّامَّةِ والصَّلاةِ القَائِمةِ. ويُقالُ: ربُّ الدَّارِ، وربُّ الدَّابَّةِ. يَعنِي: صَاحِبُها.\n* * *\n_________\n(^١) رواه البخاري (٦١٤).","vol":"1","page":47},{"text":"<span data-type='title' id=toc-26>باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾</span>\n٧٣٨٥ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْعُو مِنَ اللَّيْلِ: «اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ، أَنْتَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، لَكَ الحَمْدُ أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، لَكَ الحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، قَوْلُكَ الحَقُّ، وَوَعْدُكَ الحَقُّ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ، وَالجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَأَسْرَرْتُ وَأَعْلَنْتُ، أَنْتَ إِلَهِي لَا إِلَهَ لِي غَيْرُكَ».\nحَدَّثَنَا ثَابِتُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بِهَذَا، وَقَالَ: «أَنْتَ الحَقُّ وَقَوْلُكَ الحَقُّ» (^١).\n\n<s2>\nوَهذَا اسْتِفتَاحٌ عَظيمٌ، وهُوَ اسْتِفتَاحٌ طَويلٌ، وَيُشبِههُ فِي الطُّولِ مَا رَواهُ\n_________\n(^١) ورواه مسلم (٧٦٩).","vol":"1","page":48},{"text":"مُسلِمٌ مِنْ حَديثِ عَليٍّ ﵁ فِي الاسْتِفتاحِ أيْضًا، وقدْ صحَّ عَنِ النَّبيِّ ﷺ اسْتِفتاحَاتٌ مُتعدِّدَةٌ كَانَ يَستَعمِلُهَا أوَّلَ مَا يَدخُلُ فِي الصَّلاةِ بَعدَ التَّكبِيرَةِ الأُولَى، ومِنْها: الاسْتِفتَاحُ الَّذِي رَواهُ أبُو هُريرَةَ ﵁: «اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنَ الخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالبَرَدِ». أَخرجَهُ الشَّيخَانِ (^١).\nوالاسْتِفتاحُ الَّذِي رَواهُ عُمرُ وأبُو سَعِيدٍ وعَائشَةُ وغَيرُهُم ﵃: «سُبحَانكَ اللَّهُمَّ وبِحمْدِكَ، تَبارَكَ اسْمُكَ، وتَعالَى جدُّكَ، وَلَا إلِهَ غَيرُكَ» (^٢).\nومِن هَذَا الاسْتِفتاحُ الَّذِي رَواهُ ابنُ عبَّاسٍ ﵄ - وأخْرجَهُ المؤلِّفُ هُنَا، وخرَّجهُ فِي كِتابِ التَّهجُّدِ باللَّيلِ، وخرَّجَهُ مُسْلِمٌ أيْضًا فِي أَحَادِيثِ الصَّلاةِ فِي السَّفرِ - وهُوَ دُعاءُ اسْتِفتاحٍ طَويلٍ: «اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ، أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ». وفِي اللَّفظِ الآخَرِ «قَيَّامُ». وفِي الآخَرِ «قَيُّومُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الحَمْدُ لَكَ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الحَمْدُ أَنْتَ مَلِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، وَلَكَ الحَمْدُ، أَنْتَ الحَقُّ، وَوَعْدُكَ الحَقُّ، وَقَوْلُكَ الحَقُّ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ، وَالجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ، وَمُحَمَّدٌ حَقٌّ، اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ\n_________\n(^١) رواه البخاري (٧٤٤)، ومسلم (٥٩٨).\n(^٢) رواه مسلم (٣٩٩) موقوفًا على عمر، وحديث عائشة أخرجه أبو داود (٧٧٦)، وابن ماجه (٨٠٦)، وحديث أبي سعيد أخرجه أحمد (١١٧٣)، وأبو داود (٧٧٥)، والترمذي (٢٤٢)، والنسائي (٨٩٨، ٨٩٩)، وابن ماجه (٨٠٤).","vol":"1","page":49},{"text":"خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أَنْتَ المُقَدِّمُ وَأَنْتَ المُؤَخِّرُ لَا إِلَهَ إلَّا أَنْتَ» (^١).\nوَهذَا - لَا شكَّ - فيهِ بَيانُ ضَعْفِ العَبدِ وحَاجَتهِ إِلَى رَبِّهِ، وكَمَالِ لُطفِهِ ﷾ وقُدرَتهِ جل وعلا؛ وجَدِيرٌ بِأنْ يَستَعمِلَ العَبدُ هَذَا تَارةً وهَذَا تَارةً، وهَذَا تَارةً وهَذَا تَارةً (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) رواه البخاري (١١٢٠)، ومسلم (٧٦٩).\n(^٢) الاستفتاح هذا، والاستفتاح الآخر تارة أخرى.","vol":"1","page":50},{"text":"<span data-type='title' id=toc-27>باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء:</span> ١٣٤]\nقَالَ الأَعْمَشُ، عَنْ تَمِيمٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ الأَصْوَاتَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ:\n﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: ١]\n\n٧٣٨٦ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَكُنَّا إِذَا عَلَوْنَا كَبَّرْنَا، فَقَالَ: «ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا قَرِيبًا»، ثُمَّ أَتَى عَلَيَّ وَأَنَا أَقُولُ فِي نَفْسِي: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، فَقَالَ لِي: «يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ، قُلْ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، فَإِنَّهَا كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الجَنَّةِ» أَوْ قَالَ: «أَلَا أَدُلُّكَ» بِهِ (^١).\n\n<s2>\nأَرَادَ المُؤلِّفُ ﵀ بِهذَا [البَابِ] كَمَا تَقدَّمَ إِثْبَاتُ أَسْمَاءِ اللهِ وَصِفاتِهِ عَلَى الوَجهِ اللَّائقِ بِاللهِ جل وعلا، وَالرَّدِّ عَلَى مُنكِرِي الصِّفاتِ مِنْ المُعتَزِلةِ\n_________\n(^١) ورواه مسلم (٢٧٠٤).","vol":"1","page":51},{"text":"وَالخَوارِجِ وَالجَهميَّةِ وغَيرِهِم ممَّنْ دَخلَ فِي هَذَا البَابَ فَأنْكرَ الأَسْماءَ، أوْ أَثْبتهَا وأَنْكرَ الصِّفاتِ وَالمَعانِيَ كَالمُعتزِلةِ.\nوَالحقُّ الَّذِي عَليهِ أَهْلُ السُّنةِ وَالجَمَاعَةِ مِنْ أَصْحابِ النَّبيِّ ﷺ ومَن سَلكَ سَبيلَهُم مِنْ أَئمَّةِ الهُدَى: إِثْباتُ أَسْماءِ اللهِ وَصِفاتِه جَمِيعًا عَلَى الوَجهِ اللَّائقِ بِاللهِ ﷾، مِنْ غَيرِ تَحْريفٍ، وَلَا تَعْطيلٍ، وَلَا تَكْييفٍ، وَلَا تَمْثيلٍ، فهُو سَميعٌ وهُوَ بَصيرٌ، بِسَمعٍ يَسمَعُ بِهِ الأَصْواتَ، وبَصرٍ يَرَى بِهِ الأَشْياءَ ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩)﴾ [الشعراء: ٢١٨، ٢١٩] ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (١٤)﴾ [العلق: ١٤].\nفهُوَ سُبْحانَهُ يَسمَعُ أَصْوَاتَ العِبادِ، ودَعَواتِهم وتَكْبيرِهِم، وذِكرِهِم وقِراءَتِهم وَاسْتِغفارِهِم وسَائرِ حَركاتِهِم، فهُوَ يَعلَمُها سَمْعٌ وعِلْمٌ ويَرَاها، يَرى المَرئيَّاتِ، وَيَسمَعُ المَسْمُوعَاتِ بِسمْعٍ يَلِيقُ بِجلَالهِ، فهُوَ سَمِيعٌ بِسمْعٍ، وَعَليمٌ بِعلْمٍ، كَمَا أنَّهُ عَلِيمٌ بِعلْمٍ ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء: ١٦٦] فهُوَ سَمِيعٌ بِسمْعٍ يَسمَعُ بِهِ الأَصْواتَ لَا يُشابِهُ سَمعَ المَخلُوقِينَ، وبَصيرٌ بِبصَرٍ يَرَى بِهِ الأَشْياءَ، وهَكَذا رَحِيمٌ بِرحْمةٍ، وغَفورٌ بِمَغفرَةٍ، وجَوادٌ بِجُودٍ، وحَكيمٌ بِحكمَةٍ … إِلَى غَيرِ هَذَا مِنْ الأَسْماءِ والصِّفاتِ.\nولِهذَا ذَكرَ المُؤلِّفُ عَنْ عَائشَةَ ﵂ هَذَا الأَثرَ المُعلَّقَ (^١): «سُبْحَانَ مَنْ وَسِعَ سَمْعُهُ الأَصْوَاتَ» (^٢)؛ لإِثْباتِ السَّمعِ، فإِنَّ الفَائدَةَ مِنْ الأَسْمَاءِ إِثْباتُ مَعَانِيهَا، فَالقَولُ بِأنَّها جَامِدةٌ لَا مَعانِيَ لهَا قَولٌ بَاطلٌ، مُخالِفٌ لمَا قُصِدَ مِنْ ذِكرِها، ومُخالِفٌ لمَا دلَّتْ عَليْهِ لُغةُ العَربِ.\nفَالمَقصُودُ مِنْ ذِكْرِها: التَّعرُّفُ إِلَى عِبادِهِ بأنَّهُ يَسمَعُ كَلامَهُم حَتَّى\n_________\n(^١) ورواه مسلم (٢٧٠٤).\n(^٢) ورواه مسلم (٢٧٠٤).","vol":"1","page":52},{"text":"يَشكُروهُ، ويُعظِّمُوهُ ويُنادُوهُ، ويُسبِّحوهُ ويَسْتغفِرُوهُ، ويُخبِرُ عِبادَهُ أنَّهُ يَراهُم حَتَّى يَسْتحيُوا مِنْ عَظمَتِهِ، وَحتَّى يَخْشوْهُ، وَحتَّى يُراقِبُوهُ. فمَا الفَائدَةُ مِنْ أَسْماءٍ جَامِدةٍ لَا مَعانِيَ لهَا؟!\nثمَّ ذَكرَ خَبرَ أبِي مُوسَى ﵁ لمَّا كَانُوا يَرْفعُونَ أَصْوَاتَهُم بِالتَّكبِيرِ، كَانُوا إِذَا عَلَوْا فِي المَشْيِ وَالمَحَلِّ المُرتَفعِ كَبَّرُوا ورَفعُوا أَصْوَاتَهم، وإنْ نَزلُوا بُطونَ الأَودِيةِ سبَّحُوا؛ فَقالَ لهُم ﷺ: «أَرْبِعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ». يَعنِي: هوِّنُوا، لَا تَرفَعُوا كَثِيرًا، لَا تَشدِّدُوا فِي الرَّفعِ؛ «فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، وَإِنَّمَا تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا قَرِيبًا، أَقْرَبَ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَتِهِ». فهُوَ سُبْحانَهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ - وَإنْ كَانَ فَوقَ العَرْشِ فَوقَ جَميعِ الخَلقِ - فهُوَ قَرِيبٌ؛ لِأنَّهُ لَا يُشبِهُ العِبَادَ، وَلَا يُشبِهُ المَخْلوقِينَ حَتَّى يُقَاسَ عَليْهِم؛ وَلِهذَا يَقُولُ سُبْحانَهُ: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦].\nفهُوَ معَ عُلوِّهِ وفَوْقيَّتهِ وَارْتِفاعِهِ عَلَى عَرشِهِ، فهُوَ قَرِيبٌ مِنْ عِبادِهِ، يَسمَعُ كَلامَهُم، وَيسمَعُ دُعاءَهُم، ويَرَى مَكانَهُم.\nوَهكَذَا قَولُهُ ﵊ فِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ العَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ؛ فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ» (^١). لِأنَّ السُّجُودَ حَالَةُ خُضُوعٍ وذُلٍّ، ذُلٌّ للهِ ﷾، فَكانَ صَاحِبُ هذِهِ العِبادَةِ أَقْربَ مَا يَكُونُ إِلَى رَحمَةِ ربِّهِ وإِحْسانِهِ إِليْهِ وَسمَاعهِ دُعاءَهُ، كلَّما كَانَ العَبدُ أَذلَّ للهِ، وَأخْشَى للهِ؛ صَارَ أَقْربَ إِلَى رَحْمتهِ وَسَماعِ دَعْوتهِ؛ وَلِهذَا يَقُولُ السَّلفُ: إنَّ أَحسَنَ بَابٍ يُدخَلُ\n_________\n(^١) رواه مسلم (٤٨٢)، (٢١٥).","vol":"1","page":53},{"text":"منْهُ عَلَى اللهِ بَابُ الذُّلِّ وَالانْكِسارِ وَالخُضوعِ للهِ، وَالتَّواضُعِ وَعَدمِ التَّكبُّرِ؛ فَالعَبدُ يَتقرَّبُ إِلَى ربِّهِ بأنَّهُ ذَليلٌ ضَعِيفٌ فَقيرٌ إِلَى ربِّهِ ﷾، وَمُنكسِرٌ إِليْهِ جل وعلا.\nوفِي هَذَا شَرعيَّةُ الرِّفقِ فِي الأَصْواتِ فِي الذِّكرِ، وَأنَّ السُّنةَ عَدمُ الرَّفعِ الزَّائدِ الَّذِي قدْ يُشعِرُ بِشيْءٍ مِنْ سُوءِ الأَدبِ؛ وَلِهذَا قَالَ: «أَرْبِعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ». إلَّا مَا شَرعَ اللهُ فِيهِ الرَّفعَ، كَالتَّلبِيةِ وَالأَذانِ وَالإِقَامةِ وَالخُطبِ. هذِهِ أَذكَارٌ مَشْروعٌ رَفعُ الصَّوتِ بِهَا.\nوَأمَّا الأَذْكارُ العَاديَّةُ فَينْبغِي فِيهَا الرِّفقُ وَعدمُ الرَّفعِ الكَثِيرِ، كَمَا قَالَ النبي ﷺ لِلصَّحابَةِ ﵃، فَالسُّنةُ الرَّفعُ لِلصَّوتِ عِنْدَ المَحلَّاتِ المُرْتَفِعَةِ، إِذَا عَلَا الرُّكْبَانُ فِي الأَسْفَارِ، أوِ المُشَاةُ إِذَا عَلَوْا المَحلَّاتِ المُرتَفِعةَ كبَّرُوا، هَذَا السُّنَّةُ.\n«اللهُ أَكبَرُ» يَعنِي: اللهُ أَكبَرُ مِنْ هذِهِ الأَشْياءِ المُرتَفعَةِ مِنْ جَبلٍ، أوْ دَكدْكٍ، أوْ غَيرِ ذلِكَ مِنْ أَنْواعِ الأَرضِ المُرتَفعَةِ، فإِذَا نَزلُوا الأَودِيةَ وَالمُنْخفَضاتِ سبَّحُوا تَنْزيهًا للهِ عَنِ السُّفُولِ، وَعنْ كلِّ مَا لَا يَليقُ بِهِ ﷾، فهُوَ عَلِيٌّ رَفيعٌ فَوقَ خَلقِهِ؛ وَلِهذَا يُكبَّرُ عِنْدَ صُعُودِ المَحلَّاتِ المُرتَفعَةِ؛ إِشارَةٌ إِلَى أنَّ اللهَ أَكبَرُ مِنْ هذِهِ الأَشْياءِ، وأَعَظمَ مِنْها، ويُسبَّحُ عِنْدَ المُنخَفضَاتِ مِنْ الأَودِيةِ وَنَحوِها؛ إِشارَةٌ إِلَى أنَّ اللهَ فَوقَ الخَلقِ، رَفيعٌ فَوقَ خَلقِهِ، عَالٍ فَوقَ خَلقِهِ ﷾.\nوَلمَّا سمِعَ عبدَ اللهِ ﵁ يقُولُ: «لَا حَولَ وَلَا قوَّةَ إلَّا بِاللهِ» - وهُوَ أبُو مُوسَى الأشْعرِيُّ، اسمُهُ عَبدُ اللهِ بنُ قَيسٍ ﵁ - قَالَ: «يَا عَبْدَ اللهِ، أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى كَنْزٍ مِنْ كُنُوزِ الجَنَّةِ؟ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ».","vol":"1","page":54},{"text":"هذِهِ كَلمَةٌ عَظِيمةٌ، يَنبَغِي الإِكْثَارُ مِنْها «لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ» فهِيَ كَنْزٌ مِنْ كُنوزِ الجنَّةِ.\nوَالمَعنَى - وَاللهُ أَعلَمُ - أنَّها تُفضِي بِصاحِبِها وَيحصُلُ لِصاحِبِها مِنْ الخَيرِ مَا هُوَ كَنْزٌ فِي الجنَّةِ مِنْ النَّعِيمِ وَالثَّوَابِ؛ لِأنَّهَا كَلِمَةٌ فِيهَا التَّجرُّدُ مِنْ الحَوْلِ وَالقُوَّةِ، وأنَّكَ ضَعِيفٌ، وأنَّكَ لَا حَوْلَ لكَ عَلَى شَيءٍ، وَلَا قوَّةَ لكَ عَلَى شَيءٍ إلَّا بِاللهِ ﷾.\n«لَا حَولَ» يَعنِي: لَا تَحوُّلَ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، وَلَا مِنْ ضَعْفٍ إِلَى قوَّةٍ، وَلَا مِنْ قوَّةٍ إِلَى ضَعْفٍ، وَلَا مِنْ غِنًى إِلَى فَقرٍ، وَلَا مِنْ فَقْرٍ إِلَى غِنَىً إلَّا بِاللهِ، وَلَا قوَّةَ عَلَى ذلِكَ إلَّا بِاللهِ ﷾. فهِيَ كَلمَةٌ عَظيمَةٌ، فِيهَا غَايةُ التَّجرُّدِ مِنْ حَولِك وَقوَّتِك، وَأنَّك فَقِيرٌ إِلَى ربِّكَ، وَأنَّهُ الغَنيُّ الحَمِيدُ، وَأنَّهُ المُتصَرِّف فِي عِبادِهِ، وأنَّ العِبادَ ضُعَفاءُ إلَّا بِاللهِ ﷾.\nوهذِهِ الكَلمَةُ مَشرُوعةٌ عِنْدَ «حيَّ عَلَى الصَّلاةِ، حيَّ عَلَى الفَلاحِ» وَالحِكمةُ فِي ذلِكَ: أنَّ العَبدَ لَا يَقوَى عَلَى ذَهابِهِ إِلَى الصَّلاةِ وَإِجابَتهِ المُنادِي إلَّا بِاللهِ، إنْ قوَّاهُ اللهُ وَأعَانَهُ، وَإلَّا كَسِلَ وَضَعُفَ، فَناسَبَ عِنْدَ قَولِهِ: حيَّ عَلَى الصَّلاةِ، حيَّ عَلَى الفَلاحِ - يَعنِي: تَقدَّمُوا، يَعنِي: أَقْبلُوا إِلَى الصَّلاةِ وإِلَى الفَلاحِ - فَناسَبَ عِنْدَ هَذَا أنْ يَقولَ: «لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ» يَعنِي: لَا حَولَ لِي عَلَى إِجابَةِ هَذَا المُؤذِّنِ، وَلَا قُوَّةَ لِي عَلَى إِجابَتهِ وَالحُضُورِ إِلَى الصَّلاةِ إلَّا بِاللهِ، أيْ: إلَّا بِكَ يَا ربِّ، فأَعِنِّي عَلَى هذِهِ الإِجابَةِ.\nوتُقالُ عِنْدَ الأُمورِ المُهمَّةِ، فهِيَ كَلمَةٌ تُقَالُ عِنْدَ الأُمُورِ المُهِمَّةِ الَّتِي يَخْشى","vol":"1","page":55},{"text":"العَبدُ أنْ يَعجزُ عنْها وَالحَوَادِث؛ فَيقُولُ: لَا حَولَ وَلَا قوَّةَ إلَّا بِاللهِ. يَعنِي: لَا حَوْلَ عَلَى تَخطِّي هذِهِ العَظَائِمِ، وَلَا حَوْلَ عَلَى تَخطِّي هذِهِ المُشكِلاتِ، أوْ هذِهِ المُعجِزاتِ الَّتِي تُضعِفُ العَبدَ إلَّا بِاللهِ، فهُوَ المُقوِّي عَلَى ذلِكَ ﷾.\n٧٣٨٧، ٧٣٨٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي الخَيْرِ، سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁، قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي، قَالَ: «قُلِ اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مِنْ عِنْدِكَ مَغْفِرَةً إِنَّكَ أَنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ» (^١).\n\n<s2>\nوَهذَا رَواهُ مُسلِمٌ أيْضًا فِي «الصَّحِيحُ» ولهُ فِي رِوايَةٍ: «وَفِي بَيْتِي»، «أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي، وَفِي بَيْتِي» (^٢)، قَالَ: «قُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ وَارحَمْنِي، إِنَّكَ أَنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ».\nطَلبَ المَغفِرةَ مِنْ عِنْدِ اللهِ -يَعنِي: عَظِيمةً- وتَوسَّلَ إِليْهِ بِأنَّهُ غَفورٌ رَحيمٌ، صَاحِبُ المَغفِرةِ، صَاحِبُ الرَّحمةِ، وتَوسَّلَ إِليْهِ بِاعْترافِهِ بِظُلمهِ لِنفْسهِ، وَأنَّهُ ظَلمَها ظُلمًا كَثِيرًا بِالمَعَاصِي وَالتَّقصِيرِ فِي حقِّ اللهِ.\n_________\n(^١) ورواه مسلم (٢٧٠٥).\n(^٢) رواه مسلم (٢٧٠٥).","vol":"1","page":56},{"text":"فَدُخُولُ العَبدِ عَلَى اللهِ مِنْ طَريقِ الاعْتِرافِ بِتقْصِيرِهِ وظُلمِهِ لِنفْسهِ وعَدمِ قِيامِهِ بِالوَاجِبِ وتَوسُّلهِ إِلَى اللهِ بأنَّهُ الرَّحِيمُ والغَفُورُ والوَاسِعُ المَغفِرةِ وَالجَوادُ الكَرِيمُ، هذَانِ بَابَانِ عَظِيمَانِ مِنْ أَسْبابِ الإِجابَةِ، بَابُ الذُّلِّ وَالانْكِسارِ مِنْ العَبدِ، وبَابُ التَّوسُّلِ بِأسْماءِ اللهِ وصِفاتِهِ وَرحْمتِهِ وَإِحْسانِهِ وَكَرمِهِ، فهَذَا مِنْ أَسْبَابِ الإِجَابَةِ.\nومِثلُ هَذَا قَولُهُ ﷺ: «اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ العَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي». لمَّا قَالَتْ عَائِشةُ ﵂: يَا رَسولَ اللهِ، إِذَا وَافقْتُ لَيلَةَ القَدْرِ، مَاذَا أَقُولُ فِيهَا؟ قَالَ: «قُولِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ العَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي» (^١).\nففِي ضِمنِ هَذَا الاعْتِرافِ بِأنَّ العَبدَ مَحلُّ تَقْصِيرٍ، وَمحَلُّ مُؤاخَذَةٍ، وأنَّ اللهَ مَحَلُّ العَفوِ، فنَاسَبتْ هذِهِ الوَسيلَةُ فِي طَلبِ العَفوِ.\nوَهذَا دُعاءٌ عَظِيمٌ يُعلَّمُ الصِّدِّيقُ ﵁ - الصِّدِّيقُ الَّذِي هُوَ أَفْضلُ الأُمَّةِ وَخيرُ الأمَّةِ بَعدَ نَبيِّها وبَعدَ الأَنْبياءِ - يُقالُ لهُ: «قُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا …». يُقالُ لِلصِّدِّيقِ ﵁، يُعلَّمُ هَذَا الكَلامَ، فكَيفَ بِغيْرِ الصِّدِّيقِ؟!\nإذَا كَانَ الصِّدِّيقُ ﵁ المشْهُودُ لَهُ بِالجنَّةِ، وهُوَ أَفْضَلُ الأُمَّةِ، ولوْ وُزِنتْ حَسنَاتُه بِالأمَّةِ لَرَجحَتْها بَعدَ نَبيِّها ﷺ، فكَيفَ بِحَالِ غَيرِهِ، عُمرُ وَعُثمانُ وعَليٌّ وَالصَّحابَةُ ﵃، ثمَّ التَّابِعُونَ ثمَّ مَنْ بَعدَهم إِلَى عَصرِنَا هذَا؟! يَعنِي: مَنْ هُوَ دُونَ الصِّدِّيقِ أَوْلى وَأوْلَى بِأنْ يَعتَرِفَ بِهذَا، وَأوْلَى وَأوْلَى بِأنْ يَقُولَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا».\n_________\n(^١) رواه الإمام أحمد في «المسند» (٢٥٣٨٤)، والترمذي (٣٥١٣)، وابن ماجه (٣٨٥٠).","vol":"1","page":57},{"text":"إِذَا كَانَ نَبيُّ الأُمَّةِ يُعلِّمُ الصِّديقَ هَذَا الدُّعاءَ الَّذِي فِيهِ الاعْتِرافُ بِأنَّهُ ظَلَمَ نَفسَهُ ظُلمًا كَثِيرًا، وَأنَّهُ فِي حَاجَةٍ إِلَى المَغفِرةِ، فَغيرُ الصِّدِّيقِ مِنْ بَابِ أَوْلى بِدرَجاتٍ كَثِيرةٍ.\n«اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا» فَالظُّلمُ يَتنَوَّعُ: بِالغِيبَةِ، بِالنَّمِيمةِ، بِتقْصِيرهِ فِي حقِّ أَهلِهِ، بِتقْصِيرهِ فِي وَلدِهِ، بِتَقْصيرِهِ فِي جَارِهِ، مَنْ يَعدُّ أَنْوَاعَ الظُّلمِ وَأنْواعَ التَّقصِيرِ؟! والعَبدُ قدْ يَغفُلُ عَنْها وَلَا يَدرِي عنْها، يَحسَبُ أنَّهُ سَلِيمٌ، لكِن إِذَا تَأمَّلَ ونَظرَ عَرفَ مَا عِندَهُ مِنْ الظُّلمِ.\nوالظُّلمُ يُطلَقُ عَلَى المَعاصِي، سَواءٌ كَانتْ فِي حقِّ اللهِ أوْ فِي حقِّ العِبَادِ، كَمَا يُطلَقُ عَلَى الشِّركِ، وهُوَ أَعظَمُ الظُّلمِ.\n«اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا». وفِي رِوايَةٍ: «كَبِيرًا» (^١). وَالمَشْهُورُ فِي الرِّوايَةِ: «كَثِيرًا».\n«وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ» عدَّةُ وَسائِلَ:\n١ - اعْتِرافُهُ بأنَّهُ ظَالِمٌ لِنفْسِهِ.\n٢ - الثَّانِي: أنَّهُ ظُلمٌ كَثِيرٌ.\n٣ - الثَّالثُ: أنَّ اللهَ هُوَ الَّذِي يَغفِرُ الذُّنُوبَ، مَا فِي أَحَدٌ يَغفِرُ الذُّنُوبَ سِوَاهُ.\n٤ - وَالرَّابعُ: الدُّعَاءُ: «فَاغِفْرِ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ»، طَلَبُ المَغفِرَةِ، قَولُهُ: «مِنْ عِنْدِكَ» مَا هِيَ مِنْ عِنْدِ النَّاسِ، مِنْ عِنْدِكَ أَنْتَ تَأمُرُ بِها، وَأنتَ تَتَفضَّلُ بِها عَليَّ فَضْلًا مِنْكَ وَإحْسَانًا.\n٥ - ثمَّ خَامِسًا: «إِنَّكَ أَنْتَ الغَفُورُ».\n٦ - سَادِسًا: «الرَّحِيْمُ». عدَّةُ وَسائِلَ، اللهُ أَكْبَرُ.\n_________\n(^١) ورواه مسلم (٢٧٠٥).","vol":"1","page":58},{"text":"وَهذَا الدُّعاءُ يُدعَى بِهِ فِي السُّجودِ، ويُدْعَى بِهِ بَينَ السَّجْدتَينِ، ويُدعَى بِهِ فِي آخِرِ الصَّلاةِ، فِي مَواضِعِ الدُّعَاءِ، ويُدعَى بِهِ فِي كلِّ وَقتٍ، وفِي البَيتِ وفِي الطَّريقِ؛ لِأنَّهُ دُعاءٌ عَظِيمٌ.\n\n٧٣٨٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي عُرْوَةُ، أَنَّ عَائِشَةَ ﵂، حَدَّثَتْهُ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ جِبْرِيلَ ﵇ نَادَانِي قَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ» (^١).\n\n<s2>\nهَذَا لِقَولِهِ: «سَمِعَ» يَسْمَعُ أَقْوَالَ النَّاسِ، وأنَّ لَهُ سَمْعًا يَسمَعُ بِهِ أَقْوَالَ النَّاسِ.\nوتَمَامُ هَذَا الحَدِيثِ: «إِنَّ اللهَ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَإِنَّ اللهَ أَرْسَلَ إِلَيْكَ مَلَكَ الجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ، إِنْ شِئْتَ أَنْ يُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الأَخْشَبَيْنِ أَنْ يُهْلِكَهُمْ». فَنادَاهُ مَلَكُ الجِبالِ وسَلَّمَ عَليْهِ وقَالَ: «إِنَّ اللهَ أَمَرَنِي أَنْ أَمْتَثِلَ أَمْرَكَ فِي هَؤُلَاءِ -أَهْلِ مَكَّةَ- إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الأَخْشَبَيْنِ -يَعنِي: الجَبلَينِ» قَالَ: «لَا، بَلْ أَسْتَأْنِي بِهِمْ؛ لَعَلَّ اللهَ يُخْرِجُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ» (^٢). فخَرجَ مِنْ أَصْلابِهم [مَنْ يَعبُد اللهَ]، وهَداهُمُ اللهُ وَأسْلَموا عَامَ الفَتحِ،\n_________\n(^١) ورواه مسلم (١٧٩٥).\n(^٢) رواه البخاري (٣٢٣١)، ومسلم (١٧٩٥) (١١١).","vol":"1","page":59},{"text":"ودَخلُوا فِي دِينِ اللهِ أَفْواجًا.\n\n<s0>  قَولُهُ: «أَرْبِعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ»؟\n<s1>  يَعنِي: ارْفُقُوا، الرِّفقُ، لَا تُشَدِّدُوا فِي الرَّفعِ؛ لأنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أصَمَّ وَلَا غَائبًا، بلْ يَسمَعُ. الأَصمُّ ضدُّ السَّمِيعِ، والغَائبُ: البَعِيدُ الَّذِي مَا يَسمَعُ، واللهُ جل وعلا يَسمَعُ مِنْ عِبادِهِ - وَإنْ بَعُدوا وَإنْ كَانُوا فِي أَسفَلِ الأَرضِ- فهُوَ يَسْمَعُ كَلامَهُم وهُوَ فَوقَ العَرشِ جل وعلا؛ لِأنَّهُ قَرِيبٌ.\n\n<s0>  هلْ يُشرَعُ لِلمُسلِمِ أنْ يُكبِّرَ إِذَا عَلَا مَكانًا مُرْتفِعًا؟\n<s1>  يُشرَعُ لَهُ كلَّمَا ارْتَفعَ مَكانًا، إِذَا عَلَا المُرتَفعُ يُكبِّرُ، وإِذَا نَزلَ يُسبِّحُ، هَكَذا كَانَ الصَّحَابَةُ ﵃ والنَّبيُّ ﷺ فِي الأَسْفارِ، مَا سَمِعنَاهَا إلَّا فِي الأَسْفارِ.\n\n<s0>  هلْ جَاءَ فِي تَفْسيرِ بَعضِ الرِّوايَاتِ أنَّ هَذَا الدُّعاءَ بَعدَ التَّشهُّدِ؟\n<s1>  لَا، لَا، أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي، عَامٌّ، قَالَ الصِّدِّيقُ ﵁: علِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي - عَامٌّ - فَأقرَّهُ النَّبيُّ ﷺ وَقالَ لَهُ: «قُلْ …».\nوَهذَا يَعمُّ آخِرَ الصَّلاةِ بَعدَ التَّشهُّدِ، ويَعمُّ بَينَ السَّجدَتيْنِ، ويَعمُّ السُّجُودَ، كُلُّها مَواضِعُ لِلدُّعاءِ، ويَعمُّ الدُّعَاءَ فِي الطَّرِيقِ، وفِي البَيتِ، وهُوَ جَالِسٌ، وهُوَ قَائِمٌ؛ لِأنَّ فِي الرِّوَايَةِ الأُخْرَى عِنْدَ مُسْلِمٍ: «وَفِي بَيْتِي» يَعنِي: أَدعُو بِهِ فِي صَلَاتِي وفِي بَيتِي.\n* * *","vol":"1","page":60},{"text":"<span data-type='title' id=toc-28>باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ هُوَ القَادِرُ﴾ [الأنعام:</span> ٦٥]\n٧٣٩٠ - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ، حَدَّثَنَا مَعْنُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي المَوَالِي، قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ المُنْكَدِرِ، يُحَدِّثُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الحَسَنِ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ السَّلَمِيُّ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُ أَصْحَابَهُ الِاسْتِخَارَةَ فِي الأُمُورِ كُلِّهَا، كَمَا يُعَلِّمُ السُّورَةَ مِنَ القُرْآنِ يَقُولُ: «إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الفَرِيضَةِ، ثُمَّ لِيَقُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلَّامُ الغُيُوبِ، اللَّهُمَّ فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ هَذَا الأَمْرَ - ثُمَّ يُسَمِّيهِ بِعَيْنِهِ - خَيْرًا لِي فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ - قَالَ: أَوْ فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي - فَاقْدُرْهُ لِي وَيَسِّرْهُ لِي، ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ، اللَّهُمَّ إِنْ (^١) كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي - أَوْ قَالَ: فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ - فَاصْرِفْنِي عَنْهُ، وَاقْدُرْ لِي الخَيْرَ حَيْثُ كَانَ ثُمَّ رَضِّنِي بِهِ».\n_________\n(^١) كذا في «عمدة القارئ» وغيره، وفي «الفتح» «إن كنت» بدون كلمة «اللهم».","vol":"1","page":61},{"text":"<s2>\nقَالَ ابنُ بَازٍ: السَّلَميُّ نِسبَةً إِلَى بَنِي سَلِمةَ، الأَنْصارُ فِيهِمْ سَلَميٌّ، وبَنُو سُليمٍ: سُلَميٌّ، وبَنُو سُلَيمٍ لَيسُوا مِنْ الأَنْصارِ.\nقَولُهُ: «فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ هَذَا الأَمْرَ». فِي الرِّوايَةِ الأُخرَى: «أَنَّ هَذَا الأَمْرَ». وَلِهذَا نَصبَ (خَيْرًا) مَفعُول «تَعْلَمُ». فِي الرِّوايَةِ الأُخرَى: «أَنَّ هَذَا الأَمْرَ خَيْرٌ لِي …».\nوَهذَا دُعاءٌ عَظِيمٌ - دُعاءُ الاسْتِخارَةِ - وَالمَقصُودُ مِنهُ هذِهِ الصِّفاتُ: «بِعِلْمِكَ …»، «بِقُدْرَتِكَ …» إِلَى آخِرهِ، بَيانُ هذِهِ الصَّفاتِ العَظِيمةِ للهِ ﷾.\nوقَولُهُ: «إِذَا هَمَّ بِأَمْرٍ». يَعنِي: أمْرًا فيهِ شُبهَةٌ، فِيهِ عَدمُ اقْتِناعٍ، وأنَّ المَصلَحةَ فِيهِ، هَذَا مَحلُّ الاسْتِخارَةِ، وهُوَ مَعْروفٌ مِنْ السِّياقِ. «إِذَا هَمَّ بِأَمْرٍ» يَعنِي: فِيهِ شَيءٌ مِنْ التَّوقُّفِ، أوْ شَيءٌ مِنْ جَهلٍ بِالعَاقبَةِ أوْ نَحوِ ذلِكَ ممَّا يَكُونُ فِيهِ حَاجةٌ إِلَى الاسْتِخارَةِ.\nأمَّا الأُمورُ المَعرُوفةُ الَّتِي لَيسَ فِيهَا إِشْكالٌ وكُلُّها خَيرٌ -المَعرُوفةُ- مَعْروفٌ مَصلَحَتُها، لَا شُبهَةَ فِيهَا، فهذِهِ لَيسَ فِيهَا اسْتِخارَةٌ، مَا يَستَخيرُ مَنْ يُصلِّي، أوْ يَستَخيرُ مَنْ يُزكِّي، أوْ يَستخِيرُ مَنْ يَصومُ، أوْ يَستَخيرُ مَنْ يَحجُّ - إِذَا كَانَ الطَّريقُ آمِنًا ولَيسَ فِيهِ خَطرٌ - وَلَا يَستَخِيرُ فِي الأَشْياءِ المَعْروفَةِ فِي برِّ وَالِديْهِ، أوْ فِي صِلةِ رَحمِهِ، إنَّمَا يَستَخيرُ فِي الشَّيءِ الَّذِي فِيهِ شُبهَةٌ قدْ أَشكَلَ عَليْهِ مِنْ جَانِبٍ، إمَّا مِنْ جَانبِ كَذَا أوْ مِنْ جَانبِ كذَا، أوْ مِنْ جانِبِ كذَا، أوِ","vol":"1","page":62},{"text":"الزَّواجِ بِفُلانةِ، … (^١) أوِ الزَّواجِ بِفُلانٍ، أوْ شِراءِ هذِهِ السِّلعَةِ، أوْ صُحبَةِ فُلانٍ، أوْ مَا أَشْبهَ ذلِكَ مِنْ الشَّيءِ الَّذِي قدْ يَكُونُ فِيهِ شُبهَةٌ.\n\n<s0>  مَتَى يَدعُو؟ قَبلَ السَّلامِ أوْ بَعدَ السَّلامِ؟\n<s1> بَعدَ السَّلامِ، يُصلِّي رَكْعتَينِ، ثمَّ بَعدَ الصَّلاةِ.\n\n<s0>  يَرفَعُ يَديْهِ، أَحسنَ اللهُ عَملَكَ؟\n<s1> رَفعُ اليَديْنِ مِنْ أَسْبَابِ الإِجابَةِ.\n(الشَّيخُ): تَكلَّم المُحَشِّي عَلَى الحَدِيثِ؟ «ثمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ»؟\n[قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ فِي «فَتحِ البَارِي» (١٣/ ٣٧٦)]: «وقَولُهُ: «ثُمَّ لِيَقُلْ» ظَاهِرٌ فِي أنَّ الدُّعَاءَ المَذكُورَ يَكُونُ بَعدَ الفَراغِ مِنْ الصَّلاةِ، ويَحتَملُ أنْ يَكُونَ التَّرتِيبُ فِيهِ بِالنِّسبَةِ لِأذْكارِ الصَّلَاةِ ودُعائِهَا، فَيقُولُهُ بَعدَ الفَرَاغِ وقَبلَ السَّلامِ». [انتهى كلامه].\nقَالَ ابْنُ بَازٍ ﵀: هَذَا احْتِمَالٌ، وَالأوَّلُ أَظهَرُ؛ لِأنَّ فِيهِ (ثُمَّ) هَذَا أَظْهرُ، وَالاحْتِمالُ هَذَا لَيسَ بِشيْءٍ.\n* * *\n_________\n(^١) عباره غير واضحة","vol":"1","page":63},{"text":"<span data-type='title' id=toc-29>بابُ مُقَلِّبِ القُلُوبِ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ﴾ [الأنعام:</span> ١١٠]\n٧٣٩١ - حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنِ ابْنِ المُبَارَكِ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَكْثَرُ مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَحْلِفُ: «لَا وَمُقَلِّبِ القُلُوبِ».\n\n<span data-type='title' id=toc-30>بابُ إِنَّ لِلَّهِ مِائَةَ اسْمٍ إِلَّا وَاحِدة</span>\nقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ذُو الجَلَالِ: العَظَمَةِ، البَرُّ: اللَّطِيفُ.\n\n٧٣٩٢ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ».\nأَحْصَيْنَاهُ: حَفِظْنَاهُ (^١).\n_________\n(^١) ورواه مسلم (٢٦٧٧).","vol":"1","page":64},{"text":"<s2>\n(الشَّيخُ): تَكلَّمَ عَلَى «مِائَةً إِلَّا وَاحِدةً»؟\n[قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ فِي «فَتْحِ البَارِي» (١٣/ ٣٧٧)]: «قَولُهُ: بَاب: إنَّ للهِ مِائَةَ اسْمٍ إلَّا وَاحدَةً: ذَكرَ فِيهِ حَدِيثَ أبِي هُريْرَةَ ﵁: «إِنَّ للهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا …». وَقدْ تَقدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتابِ الدَّعَواتِ وبَيَانِ مَنْ رَواهُ بِاللَّفظِ المَذْكورِ فِي هذِهِ التَّرجَمةِ، ووَقعَ هُنَا فِي رِوايَةِ الكُشْمِيهَنيِّ: «مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا». بِالتَّذكِيرِ، و«مِائةً» فِي الحَدِيثِ بَدلٌ مِنْ قَولِهِ: تِسْعَةً وَتِسْعِينَ». [انتهى كلامه].\n[قَالَ الإِمَامُ العَينِيُّ ﵀ فِي «عُمدَةِ القَارِي» (٢٥/ ٩٤)]: «قَوْلهُ: «إلَّا وَاحِدًا» (^١). كَذَا فِي رِوَايَة الكُشْمِيهنيِّ، وَفِي رِوَايَةِ غَيرِهِ: «إلَّا وَاحِدَة»، وَلَعَلَّ التَّأْنِيثَ بِاعْتبَارِ الْكَلِمَةِ، أَوْ هِيَ للْمُبَالَغَة فِي الْوحدَةِ نَحوُ: رَجلٌ عَلَّامَةٌ، ورَاوِيةٌ، وَفَائدَةُ «مائَةً إلَّا وَاحِدَةً»: التَّأْكيدُ وَرفعُ التَّصحِيفِ …». [انتهى كلامه].\nقَالَ ابْنُ بَازٍ ﵀: وَلِهذَا فِي الرِّوايَةِ الأُخرَى: «مَنْ حَفِظَهَا دَخَلَ الجَنَّةَ». قَالَ العُلَمَاءُ: مَعْناهَا: إِحْصَاؤُها وحِفْظُهَا مِنْ حَيثُ اللَّفظُ وَالمَعنَى جَمِيعًا. يُحصِيها ويَحفَظُها ويَعتَنِي بِالمَعنَى ويَعملُ بهِ، لَا مُجرَّد الحِفظِ فَقطْ وَالإِحْصاءِ مِنْ غَيرِ عَملٍ، فهِي كَلمَاتٌ تُحصَى ويُعمَلُ بِمُقتضَاهَا؛ وَلِهذَا رُتِّبَ عَليْها دُخولُ الجنَّةِ.\n_________\n(^١) رواه مسلم (٢٦٧٧).","vol":"1","page":65},{"text":"(الشَّيخُ): تَكلَّم الشَّارحُ عَلَى «مَنْ أَحْصَاهَا» أوْ مَا تَكلَّمَ؟ العَينِيُّ تَكلَّمَ عَليْهِ أو قَالَ تَقدَّمَ؟\n[قَالَ الإِمَامُ العَينِيُّ ﵀ فِي «عُمدَة القَارِي» (٢٥/ ٩٤)]: «قَولُهُ: أَحْصَينَاهُ: حَفِظنَاهُ. هَذَا مِنْ كَلَامِ البُخَارِيِّ أَشَارَ بِهِ إِلَى أَنَّ مَعنَى الإِحْصاءِ هُوَ الحِفظُ، وَالإِحْصَاءُ فِي اللُّغةِ يُطلَقُ بِمَعنَى الإِحَاطَةِ بِعلمِ عَدَدِ الشَّيءِ وَقدْرهِ، وَمِنهُ ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (٢٨)﴾ [الجن: ٢٨] قَالهُ الْخَلِيلُ. وَبِمَعنَى الإِطاقَةِ لَهُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ [المزمل: ٢٠] أَي: لنْ تُطِيقوهُ». [انتهى كلامه].\n\n<s0>  بَعضُ المَصاحِفِ يُكتَبُ فِي آخِرِها هذِهِ الأَسْمَاءُ، هلْ هِيَ نَفسُها صَحِيحةٌ؟\n<s1> لَا، مَا هِيَ مَحْفوظَةٌ، جَاءَتْ فِي أَحادِيثَ، وَلكِنَّها غَيرُ مَحفُوظةٍ، واللهُ جَعلَ ذلِكَ لِلْعبَادِ يَتَأمَّلونَهَا وَيَستَنْبطُونَها مِنْ القُرآنِ وَالسُّنَّةِ؛ حَتَّى يَستَفِيدُوا مِنْ التَّتبُّعِ وَالتَّأمُّلِ.\n\n<s0>  العَملُ بِها يَا شَيخُ وَالدُّعاءُ بِها؟\n<s1> يَتعَلَّمُها الإِنْسَانُ، يَحفَظُها مِنْ القُرآنِ، يَحفَظُها وَيتَأمَّلُ مَعانِيَهَا وَيَسْتفِيدُ.\n* * *","vol":"1","page":66},{"text":"<span data-type='title' id=toc-31>بَابُ السُّؤَالِ بِأَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَالِاسْتِعَاذَةِ بِهَا</span>\n٧٣٩٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ فِرَاشَهُ فَلْيَنْفُضْهُ بِصَنِفَةِ ثَوْبِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَلْيَقُلْ: بِاسْمِكَ رَبِّ وَضَعْتُ جَنْبِي، وَبِكَ أَرْفَعُهُ، إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَاغْفِرْ لَهَا، وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ».\nتَابَعَهُ يَحْيَى، وَبِشْرُ بْنُ المُفَضَّلِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ … وَزَادَ زُهَيْرٌ، وَأَبُو ضَمْرَةَ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.\nوَرَوَاهُ ابْنُ عَجْلَانَ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ (^١).\nتَابَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَالدَّرَاوَرْدِيُّ، وَأُسَامَةُ بْنُ حَفْصٍ.\n_________\n(^١) ورواه مسلم (٢٧١٤).","vol":"1","page":67},{"text":"٧٣٩٤ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ، عَنْ رِبْعِيٍّ، عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ قَالَ: «اللَّهُمَّ بِاسْمِكَ أَحْيَا وَأَمُوتُ»، وَإِذَا أَصْبَحَ قَالَ: «الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا، وَإِلَيْهِ النُّشُورُ».\n\n٧٣٩٥ - حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ خَرَشَةَ بْنِ الحُرِّ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ مِنَ اللَّيْلِ، قَالَ: «بِاسْمِكَ نَمُوتُ وَنَحْيَا»، فَإِذَا اسْتَيْقَظَ قَالَ: «الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ» (^١).\n\n<s2>\nفَيُستَحبُّ التَّأسِّي بِهِ ﵊، فإِذَا أَوَى إِلَى فِراشِهِ يَنفُضُ فِراشَهُ بِصِنفَةِ ثَوبِهِ، ثمَّ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ بِاسْمِكَ أَحْيَا وَأَمُوتُ»، «بِاسْمِكَ رَبِّي وَضَعْتُ جَنْبِي وَبِكَ أَرْفَعُهُ» (^٢). كَمَا كَانَ النَّبيُّ يَفعَلُ ﵊. وَيَقولُ أيْضًا: «اللَّهُمَّ قِنِي عَذَابَكَ يَوْمَ تَبْعَثُ عِبَادَكَ» (^٣) كمَا يَأتِي.\nالحَاصِلُ: أنَّهُ يُتأَسَّى بِالنَّبيِّ ﷺ فِي ذلِكَ عِندَما يَنامُ وعِنْدمَا يَسْتيقِظُ، وعِندَ الاسْتِيقَاظِ يَقُولُ: «الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ\n_________\n(^١) ورواه مسلم (٢٧١١) من حديث البراء بن عازب ﵁.\n(^٢) رواه البخاري (٦٣٢٠)، ومسلم (٢٧١٤).\n(^٣) رواه مسلم (٧٠٩) (٦٢).","vol":"1","page":68},{"text":"النُّشُورُ» (^١). ويَقُولُ: لَا إِلَهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. سُبْحَانَ اللهِ، وَالحَمْدُ للهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ. كَمَا فِي الحَدِيثِ الصَّحيحِ: «مَنْ تَعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ فَقَالَ …» (^٢) فذَكرَ هَذَا الذِّكرَ.\nفَالمَقصُودُ: أنَّ المُؤمِنَ يَتأَسَّى بِالنَّبيِّ ﷺ فِي هذِهِ الأُمُورِ، سَواءٌ فِيمَا يَتعلَّقُ بِالاسْتِيقاظِ، وَفِيما يَتعلَّقُ بِالنَّومِ، أوْ غَيرِ ذلِكَ.\n\n<s0>  مَا حِكمَةُ النَّفضِ؟\n<s1>  جَاءَ فِي الرِّوايَةِ الأُخرَى: «فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي مَا خَلَفَهُ عَلَيْهِ» (^٣).\n\n٧٣٩٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ، فَقَالَ: بِاسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، فَإِنَّهُ إِنْ يُقَدَّرْ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ فِي ذَلِكَ لَمْ يَضُرُّهُ شَيْطَانٌ أَبَدًا» (^٤).\n\n<s2>\n(الشَّيخُ): عِنْدَكَ: (فَقَالَ: بِسمِ اللهِ) بِالفَاءِ؟\n_________\n(^١) رواه البخاري (٦٣١٢)، ومسلم (٢٧١١) (٥٩).\n(^٢) رواه البخاري (١١٥٤).\n(^٣) رواه البخاري (٦٣٢٠).\n(^٤) ورواه مسلم (١٤٣٤).","vol":"1","page":69},{"text":"(القَارِئُ): نَعمْ.\n(الشَّيخُ): وَعِندَكُم فِي النُّسخِ الأُخرَى أوْ نُسخَةٍ وَاحِدةٍ؟\n(الطَّلبَةُ): نَعمْ، بِالفَاءِ، وكَذَا بِالفَاءِ عِنْدَ العَينِيِّ.\nقَالَ ابْنُ بَازٍ ﵀: الفَاءُ زَائدَةٌ، الَّذِي أَحْفَظُ فِي الحَدِيثِ: (قَالَ) جَوابُ (لَوْ).\nوهذِهِ سُنَّةٌ، سنَّةٌ عِنْدَ الجِماعِ أنَّ المُؤمِنَ عِنْدَ الجِماعِ يَقُولُ هذَا: «بِسْمِ اللهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا». وَالفَائدَةُ العَظِيمةُ، يَقُولُ: «فَإِنَّهُ إِنْ يُقَدَّرْ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ» مِنْ ذلِكَ الجِمَاعِ «لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيْطَانُ أَبْدًا». وفِي اللَّفظِ الآخَرِ: «شَيْطَانٌ أَبَدًا» (^١) بِالتَّنكِيرِ.\nوَهذَا كلُّهُ يدُلُّ عَلَى الفَائِدةِ العَظيمَةِ، فَينْبغِي لِلمُؤمِنِ أنْ يَحتَسِبَ ذلِكَ، وأنْ يُحسِنَ ظنَّهُ بِربِّهِ، وأنْ يَرجُوَ حُصُولَ هذِهِ الفَائدَةِ العَظيمَةِ؛ فَيقُولُ عِنْدَ الجِماعِ: «بِسْمِ اللهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا».\n\n<s0>  كُلُّ جِماعٍ يَا شَيخُ -حَفِظكُم اللهُ- أوِ الَّذِي يُرجَى مِنهُ الوَلدُ، كَأنْ تَكُونَ المَرأَةُ حَامِلًا مَثلًا؟\n<s1>  الظَّاهِرُ العُمومُ. أَقُولُ: الظَّاهِرُ العُمُومُ، وهَذَا لَا يَزِيدُهُ إلَّا خيْرًا، الدُّعَاءُ لَا يَزيدُهُ إلَّا خَيرًا، وَلوْ أنَّهَا حَامِلٌ.\n\n<s0>  بَعدَ نِهايَةِ الجِمَاعِ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا»؟\n<s1>  بَعدَ النِّهَايةِ مَا سَمِعتُ شَيْئًا.\n_________\n(^١) رواه البخاري (٥١٦٥)، ومسلم (١٤٣٤).","vol":"1","page":70},{"text":"<s0>  لوْ نَسِيهُ؟\n<s1>  مَا عَليْهِ شَيءٌ، الحَمدُ للهِ، سُنَّةٌ مُستَحبَّةٌ فَقطْ، مَا قَالَ: (افْعَلُوا)، دُعاءٌ مُستَحَبٌّ.\n\n<s0>. غير واضح؟\n(الشَّيخُ): ابْنُ مَسعُودٍ؟\n(السَّائلُ): نَعَمْ.\nقَالَ ابْنُ بَازٍ ﵀: مَا عِنْدِي خَبرٌ مَا أَعلَمُهُ، إنْ كَانَ وَجدْتَهُ هَاته (^١).\n\n٧٣٩٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا فُضَيْلٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ قُلْتُ: أُرْسِلُ كِلَابِي المُعَلَّمَةَ؟ قَالَ: «إِذَا أَرْسَلْتَ كِلَابَكَ المُعَلَّمَةَ، وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ، فَأَمْسَكْنَ فَكُلْ، وَإِذَا رَمَيْتَ بِالْمِعْرَاضِ فَخَزَقَ فَكُلْ» (^٢).\n\n<s2>\nوَاللهُ يَقُولُ: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]؛ وَلِهذَا ذَكرَ مَسْألةَ الصَّيدِ؛ لِأنَّ فِيهِ «بِسْمِ اللهِ» عِنْدَ إِرْسالِ الكِلَابِ، وعِندَ الرَّميِ بِالسَّهْمِ، فهُوَ تَبرُّكٌ بِاسمِهِ وَاسْتِعانَةٌ بِاسْمهِ عَلَى صَيدِهِ، وعَلَى مَا يَحصُلُ لَهُ مِنْ الوَلدِ، إِلَى غَيرِ ذلِكَ.\n_________\n(^١) يوصي الشيخ أحد الطلبة ببحثه وإحضاره.\n(^٢) ورواه مسلم (١٩٢٩).","vol":"1","page":71},{"text":"وَقولُهُ: «إِذَا رَمَى بِالْمِعْرَاضِ فَخَزَقَ». يَعنِي: رَماهُ بِالحَربَةِ - المِعْراضُ - وهُوَ الرُّمحُ، فَإنَّهُ بِهذَا يَكُونُ حَلالًا طيِّبًا، كَمَا لوْ كَانَ مَذْبوحًا، بِخِلافِ مَا لوْ أَصابَهُ بِالعَرضِ - عَرضِ الرُّمحِ - فَإنَّهُ يَكُونُ وَقيذًا؛ لِأنَّهُ قَتلَهُ بِالثَّقلِ لَا بِالحَدِّ، فَيكُونُ دَاخِلًا فِي قَولِهِ: ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾ [المائدة: ٣].\n\n<s0>  إِذَا أَدْركَهُ وهُوَ حيٌّ هَلْ يُذكِّيهِ؟\n<s1> فِي الحَدِيثِ الصَّحيحِ: «إِذَا أَدْرَكْتَهُ حَيًّا فَاذْبَحْهُ» (^١).\n\n<s0>  وإِذَا لمْ يَذْبحْهُ؟\n<s1> يَكُونُ مَيتَةً، إلَّا إِذَا غَلبَهُ، مَا أَمْكنَهُ.\n\n٧٣٩٨ - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ، قَالَ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هَا هُنَا أَقْوَامًا حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بِشِرْكٍ، يَأْتُونَا بِلُحْمَانٍ لَا نَدْرِي يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا أَمْ لَا؟ قَالَ: «اذْكُرُوا أَنْتُمُ اسْمَ اللَّهِ، وَكُلُوا».\nتَابَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَعَبْدُ العَزِيزِ بن مُحمَّد، وَأُسَامَةُ ابْنُ حَفْصٍ.\n\n٧٣٩٩ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «ضَحَّى النَّبِيُّ ﷺ بِكَبْشَيْنِ يُسَمِّي وَيُكَبِّرُ» (^٢).\n_________\n(^١) رواه مسلم (٦) (١٩٢٩).\n(^٢) ورواه مسلم (١٧) (١٩٦٦).","vol":"1","page":72},{"text":"٧٤٠٠ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ جُنْدَبٍ، أَنَّهُ شَهِدَ النَّبِيَّ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ صَلَّى، ثُمَّ خَطَبَ فَقَالَ: «مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ فَلْيَذْبَحْ مَكَانَهَا أُخْرَى، وَمَنْ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللَّهِ» (^١).\n\n٧٤٠١ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، وَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ» (^٢).\n\n<s2>\nوَهذَا يُبيِّنُ لنَا أنَّ المُسْلِمِينَ الَّذينَ هُمْ حُدثَاءُ عَهدٍ بِالإِسْلامِ تَحلُّ ذَبائِحُهُم عَلَى السَّلامَةِ وعَلَى الحِلِّ، وَإنَّمَا يُشرَعُ لِمنْ أُهْدِيتْ إِليْهِ أنْ يُسمِّيَ هُوَ كَمَا يُسمِّي عَلَى الطَّعامِ وعَلَى كلِّ مَا يَأكُلْ، فيُسَمِّي عَلَى هذِهِ اللُّحُومِ ويَكفِيهِ، فيُحسِنُ الظَّنَّ بِهِمْ وَلَا يَحمِلُهَا عَلَى المَيتَةِ.\nبِخِلافِ ذَبائِحِ الكُفَّارِ، فلَا، لَا تُؤكَلُ وَلَا يُسَمَّى عَليْها - بِخِلافِ أَهْلِ الكِتابِ - كَالوَثنِيِّ وَالشُّيوعِيِّ ونَحوِهِم مِنْ الكَفَرةِ -غَيرِ أَهْلِ الكِتابِ- فَذَبيحَتُهم مُحرَّمَةٌ، وَلَا تَحِلُّ بِالتَّسمِيةِ عَليْها كَمَا يَظنُّ بَعضُ النَّاسِ، لَا، إنَّمَا هَذَا فِي قَومٍ حُدَثاءُ عَهدٍ بِالإِسْلامِ، تُحمَلُ ذَبائِحُهم عَلَى الأَصلِ -وهُوَ الحِلُّ- لأَنَّهُم\n_________\n(^١) ورواه مسلم (١٩٦٠).\n(^٢) ورواه مسلم (١٦٤٦).","vol":"1","page":73},{"text":"مُسلِمُونَ، وإِذَا شكَّ فِي ذلِكَ يُسمِّي هُو.\nوَأمَّا ذَبائِحُ أَهْلِ الكِتابِ فهِيَ مِثلُ ذَبائِحِ المُسْلِمِينَ حِلٌّ لنَا، إلَّا أنْ نَعلَم أنَّها ذُبِحتْ عَلَى غَيرِ الشَّرعِ، كَالخَنقِ؛ لِأنَّ اللهَ جَعلَ طَعامَهُم حِلًّا لنَا، إلَّا مَنْ عُرِفَ مِنهُم بِالذَّبحِ غَيرِ الشَّرعِيِّ فَلا تُؤكَلُ ذَبيحَتُهُ.\n\n<s0>  وَمَا ذُكِرَ عَليهِ غَيرُ اسْمِ اللهِ؟\n<s1> يَكُونُ مَيتَةً، إِذَا ذُكِرَ غَيرُ اسْمِ اللهِ: كَالمَسيحِ، أوِ الزُّهرَةِ، أوِ العُزيْرِ؛ يَكُونُ مَيتَةً.\n\n<s0>  أَحْسَنَ اللهُ إِليْكَ، تَسمِيتُهُ هُوَ لِإِزالَةِ الشَّكِّ أوْ لِلأَكلِ؟\n<s1> الظَّاهِرُ لِتَطْييبِ النُّفُوسِ، وإلَّا فَتَسْمِيتُهم تَكفِي؛ لِأنَّهم يُسَمُّونَ عَلَى طَعَامِهِم.\n\n<s0>  تَكونُ التَّسْمِيةُ بِنيَّةِ الأَكْلِ؟\n<s1> إِذَا سَمَّوُا اللهَ عَليْهَا عِنْدَ أَكلِهِم إِيَّاها كَفَى. يَعنِي: فِعلُ السُّنةِ الَّتِي شَرعَهَا اللهُ لهُمْ.\n\n<s0>  إِذَا بَحثَ عَنْ آلَةِ الذَّبحِ ولمْ يَجدْهَا وتَأخَّرتْ هلْ يَكُونُ مَيتَةً؟\n<s1> الأَظهَرُ أنَّهُ يَكُونُ مَيتَةً؛ لِأنَّ الرَّسُولَ ﷺ قَالَ: «فَإِنْ أَدْرَكْتَهُ حَيًّا فَاذْبَحْهُ، وَإِنْ أَدْرَكْتَهُ قَدْ قُتِلَ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ فَكُلْهُ» (^١)، «فَإِنَّ أَخْذَ الْكَلْبِ ذَكَاتُهُ» (^٢)، يَكُونُ تَفْريطًا، كَونُهُ مَا يُعدُّ آلَةً لِلذَّبحِ يَكُونُ تَفْرِيطًا، يُعتَبرُ تَفرِيطًا منْهُ.\n_________\n(^١) رواه مسلم (١٩٢٩) (٦).\n(^٢) رواه البخاري (٥٤٧٥).","vol":"1","page":74},{"text":"<s0>  إِذَا كَانَ حَيوانٌ غَيرُ مَأكُولِ اللَّحمِ، هلْ يُذكِّيهِ حَتَّى يُرِيحَهُ؟\n<s1>  مَا أَعلَمُ فِي هَذَا شَيْئًا. أَقُولُ: مَا أَعلَمُ فِي هَذَا شَيْئًا، إِنْ تَركَهُ فَلا بَأسَ، إنْ كَانَ قِطًّا أوْ كَلبًا إِذَا تَركَهُ حَتَّى يَمُوتَ، مَا أَعلَمُ أنَّهُ مَشْرُوعٌ لنَا أنْ نُذكِّيَهُ، يَترُكهُ حَتَّى يَمُوتَ.\n\n<s0>  الشَّاةُ إِذَا مَرِضتْ وَأَصابَهَا مَرضٌ شَدِيدٌ ويُخْشَى عَليْها المَوْتُ، هل يَذبَحُها؟\n<s1>  هُوَ بِالخِيارِ: إنْ شَاءَ ذَبَحَها لَعَلَّها تُؤكَلُ، وإنْ شَاءَ تَركَهَا؛ لِأنَّهَا مَأكُولةٌ، إنْ ذَبحَها فرُبَّمَا تُؤكَلُ، وإنْ لمْ يَذْبَحْهَا وتَركَهَا حَتَّى مَاتَتْ فلَا أَعلَمُ بِهِ بَأسًا - لِأنَّهَا قدْ تُشفَى.\n\n<s0>  يَعنِي: مَا يُرِيحُها بِالذَّبحِ؟\n<s1>  مَا أَعلَمُ شَيْئًا فِي هذَا، بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ يَكرَهُ ذلِكَ -التَّرْيِيحَ- لِأنَّهُ مَا عَليْهِ دَليلٌ، لَكِنَّ الأَمرَ فِيهِ وَاسِعٌ إنْ شَاءَ اللهُ.\n* * *","vol":"1","page":75},{"text":"<span data-type='title' id=toc-32>باب مَا يُذْكَرُ فِي الذَّاتِ وَالنُّعُوتِ وَأَسَامِي اللَّهِ ﷿</span>\nوَقَالَ خُبَيْبٌ: «وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الإِلَهِ فَذَكَرَ الذَّاتَ بِاسْمِهِ تَعَالَى»\n\n٧٤٠٢ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ أَسِيدِ بْنِ جَارِيَةَ الثَّقَفِيُّ - حَلِيفٌ لِبَنِي زُهْرَةَ وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي هُرَيْرَةَ - أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَشَرَةً مِنْهُمْ خُبَيْبٌ الأَنْصَارِيُّ، فَأَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عِيَاضٍ، أَنَّ ابْنَةَ الحَارِثِ، أَخْبَرَتْهُ، أَنَّهُمْ حِينَ اجْتَمَعُوا اسْتَعَارَ مِنْهَا مُوسَى يَسْتَحِدُّ بِهَا، فَلَمَّا خَرَجُوا مِنَ الحَرَمِ لِيَقْتُلُوهُ، قَالَ خُبَيْبٌ الأَنْصَارِيُّ:\nوَلَسْتُ أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِمًا … عَلَى أَيِّ شِقٍّ كَانَ لِلَّهِ مَصْرَعِي\nوَذَلِكَ فِي ذَاتِ الإِلَهِ وَإِنْ يَشَأْ … يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ\nفَقَتَلَهُ ابْنُ الحَارِثِ، فَأَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَصْحَابَهُ خَبَرَهُمْ يَوْمَ أُصِيبُوا.\n\n<s2>\nوَهذَا وَرَدَ فِي عدَّةِ أَخْبارٍ، ذِكرُ الذَّاتِ وَردَ فِيهِ عدَّةُ أَخْبارٍ، مِنْها هَذَا الخَبرُ:","vol":"1","page":76},{"text":"خَبرُ خُبَيبٍ ﵁ حِينَ قَالَ: «وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الإِلَهِ». فَأقرَّهُ النَّبيُّ ﵊.\nوَكَانَ هَذَا فِي قصَّةِ عَاصِمِ بنِ ثَابتٍ بنِ أبِي الأَقْلحِ فِي سَرِيَّتهِ ﵃ لمَّا أُصِيْبَ، واعْتَدَى عَليهِمْ جَماعَةٌ مِنْ بَنِي لِحْيانَ مِنْ هُذَيلٍ، وأَسرُوا مِنهُم جَماعَةً، مِنهُم خُبيْبٌ ﵁، وَبَاعُوهُ فِي أهلِ مكَّةَ، وَمَا جَرَى مِنْ قَتلِهِ كَمَا هُنَا فِي الحَدِيثِ.\nفَالحَاصلُ: أنَّ قَولَهُ: «وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الإِلَهِ» فِيهِ بَيانُ إِثْباتِ الذَّاتِ، كَمَا جَاءَ إِثْباتُ الأَسْماءِ وَالصِّفاتِ هَكَذا الذَّاتُ، فاللهُ سُبْحانَهُ لَهُ ذَاتٌ لَا تُشبِهُ الذَّواتِ، بلْ هِيَ أَعظَمُ الذَّواتِ وأَكمَلُ الذَّواتِ، ولهَا صِفاتُ الكَمالِ وَالأَسْماءِ الحُسنَى.\nوَهكَذَا جَاءَ فِي حَدِيثِ قصَّةِ إِبْراهِيمَ ﵇: «أَنَّهُ لَمْ يَكْذِبْ إِلَّا ثَلَاثَ كَذَبَاتٍ، كُلُّهُنَّ فِي ذَاتِ اللهِ» (^١).\nفَالوَاجِبُ عَلَى أَهْلِ الإِيمَانِ وعَلَى المُكلَّفِينَ: إِثْباتُ أَسْماءِ اللهِ وصِفَاتِهِ، وَأصْلُ ذلِكَ إِثْباتُ ذَاتهِ ﷾، وَأنَّهُ مَوجُودٌ عَظِيمٌ قَادِرٌ، مَوصُوفٌ بِالصِّفاتِ العُلَا ومُسمَّى بِالأَسْماءِ الحُسنَى، فَوقَ العَرشِ، فَوقَ جَمِيعِ الخَلقِ ﷾، لَهُ الأَسْماءُ الحُسنَى ولَهُ الصِّفاتُ العُلَى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١].\nفكَمَا أنَّ المُسلِمِينَ يُثْبِتونَ صِفاتٍ لَيسَ لَهُ فِيهَا شَبِيهٌ، فهَكَذا الذَّاتُ مِنْ بَابِ أوْلَى لَيسَ لَهُ فِيهَا شَبِيهٌ، فهِيَ ذَاتٌ ذَات سَمْعٍ وبَصرٍ وعِلمٍ وقُدْرَةٍ، إِلَى غَيرِ ذلِكَ مِنْ الصِّفاتِ العَظِيمةِ.\n_________\n(^١) رواه البخاري (٣٣٥٧)، ومسلم (٢٣٧١) (١٥٤).","vol":"1","page":77},{"text":"<span data-type='title' id=toc-33>باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران:</span> ٢٨]\nوَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦].\n\n٧٤٠٣ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ حَرَّمَ الفَوَاحِشَ، وَمَا أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ المَدْحُ مِنَ اللَّهِ» (^١).\n\n٧٤٠٤ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الخَلْقَ كَتَبَ فِي كِتَابِهِ وَهُوَ يَكْتُبُ عَلَى نَفْسِهِ وَهُوَ وَضْعٌ عِنْدَهُ عَلَى العَرْشِ إِنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي» (^٢).\n\n<s2>\nوَهكَذَا قَالَ سُبْحانَهُ: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤]. هُوَ الَّذِي كَتبَ ولَمْ يَكتُبْهُ أَحدٌ، وكَتبَ عَلَى نَفسِهِ الرَّحمَةَ فضْلًا مِنهُ وَإْحْسَانًا\n_________\n(^١) ورواه مسلم (٢٧٦٠).\n(^٢) ورواه مسلم (٢٧٥١).","vol":"1","page":78},{"text":"وجُودًا وكَرَمًا، وهَكَذا أَحَقَّ عَلَى نَفسِهِ نَصْرَ عِبادِهِ المُؤمِنِينَ، وَإِدْخَالَ الجنَّةِ لِمنْ لَقِيَهُ بِالتَّوحِيدِ وَالإِيمَانِ، كُلُّ ذلِكَ مِنْ فَضلِهِ وَإِحْسَانِهِ ﷾.\n\n<s0>  الكِتابَةُ مِنْ الصِّفَاتِ الفِعلِيَّةِ؟\n<s1> نَعمْ، كَالخَلقِ وَالرَّزقِ، القَاعِدَةُ: كُلُّ مَا يَتعلَّقُ بِالمَشِيئَةِ يُسمَّى صِفَاتِ فِعْلٍ، وَمَا يَتعَلَّقُ بِغَيرِ ذلِكَ يُسمَّى صِفَاتِ الذَّاتِ، كَالسَّمعِ وَالبَصرِ وَالعِلمِ وَنحْوِ ذلِكَ، صِفَاتٌ ذَاتيَّةٌ، وَالخَلْقُ وَالرَّزْقُ وَالتَّدْبِيرُ وَالإِحْياءُ وَالإِمَاتةُ وَإِنْزالُ المَطرِ وَالنُّزُولُ وَالاسْتِواءُ ونَحوُ ذلِكَ -كُلُّها صِفَاتُ فِعلٍ، تَكُونُ بِالمَشيئَةِ وَالاخْتِيارِ.\nوَبَعضُ الصِّفاتِ يُطلَقُ عَليْهَا صِفَاتُ ذَاتٍ وَصِفاتُ فِعلٍ؛ لِأنَّهَا مُلازِمَةٌ لِلذَّاتِ؛ وَلِأنَّهَا تَكُونُ بِالمَشِيئةِ وَالاخْتِيارِ: كَالْكَلامِ، فَإنَّهُ لَا يَزَالُ مُتكلِّمًا إِذَا شَاءَ ﷾، هذِهِ يُقَالُ لَهَا: صِفَاتُ ذَاتٍ مِنْ هذِهِ الحَيثِيَّةِ، وصِفَةُ فِعلٍ؛ لِأنَّهُ بِمَشيئَتِهِ، لَا بِالإِجْبَارِ.\n\n٧٤٠٥ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً» (^١).\n_________\n(^١) ورواه مسلم (٢٦٧٥).","vol":"1","page":79},{"text":"<s2>\nوَهذَا كَسَائِرِ الصِّفَاتِ تُمَرُّ عَلَى ظَاهِرِها عَلَى الوَجهِ اللَّائِقِ بِاللهِ، معَ العِلْمِ أنَّها تُفِيدُ أنَّهُ سُبْحانَهُ أَسْرعُ بِالخَيرِ إِلَى عِبادِهِ مِنهُمْ، وأَنَّهُم مَتَى سَارَعُوا إِلَى الخَيرَاتِ وَسابَقُوا إِلَى الطَّاعَاتِ، فَاللهُ بِالخَيرِ أَسبَقُ، وَفَضلُهُ أَكثَرُ وَأعظَمُ.\nوَأمَّا تَفْسِيرُ هذِهِ الصِّفَاتِ فَلَا يَعلَمُ كَيفِيَّةَ ذلِكَ إلَّا هُو، صِفَاتُ حقٍّ (تَقرُّبُهُ مِنْ عِبَادِهِ ذِرَاعًا، وبَاعًا، وَمَشيُهُ إِليْهِ هَرْوَلةً) كُلُّ هذِهِ مِنْ الصِّفَاتِ الفِعلِيَّةِ الَّتِي تُمَرُّ عَلَى ظَاهِرِها مِنْ غَيرِ تَحرِيفٍ، وَلَا تَكْييفٍ، وَلَا تَمْثِيلٍ، بلْ عَلَى حَدِّ قَولِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١].\nلَكنَّهُ يُستَفادُ مِنْها، مِنْ مَضْمونِهَا ومِن ثَمَراتِها ومِن مُقْتضَاهَا: أنَّهُ سُبْحانَهُ أَسْرعُ بِالخَيرِ إِلَى عِبادِهِ مِنهُم، وَأنَّهُ أَجْوَدُ وَأكْرَمُ، مِنْ سَابَقَ إِلَى الخَيْراتِ وسَارَعَ إِلَى الطَّاعَاتِ؛ فَاللهُ إِليْهِ أَسرَعُ بِالخَيرَاتِ وَالثَّوابِ.\nوَقوْلُهُ: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨]، و﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي﴾ [المائدة: ١١٦]: تُمرُّ كَمَا جَاءَتْ مِثلُ سَائرِ الصِّفاتِ، لَهُ نَفسٌ لَا يَعلَمُ كَيفِيَّتهَا إلَّا هُوَ ﷾، لَهُ نَفْسٌ كَمَا أنَّ لَهُ يدًا وقَدَمًا ورَحْمَةً وغَضَبًا ورِضًا ونَحوَهَا، وكلُّهَا تَلِيقُ بِاللهِ لَا يُشابِهُهُ فِيها خَلقُهُ.\n\n<s0>  أَحْسَنَ اللهُ إِليْكَ، لو وُعِظَ بِمثْلِ هَذَا الحَدِيثِ: «مَنْ تَقرَّبَ إِليَّ شِبْرًا» أَشَارَ شِبرًا، «مَنْ تَقرَّبَ إِليَّ ذِرَاعًا» أَشارَ ذِراعًا، «مَنْ تَقرَّبَ إِليَّ بَاعًا» أَشَارَ بَاعًا؟\n<s1>  إِذَا أَرَادَ بِهِ الحَقيقَةِ ونَفْيَ التَّشْبيهِ لَا بَأسَ، إِذَا أَرادَ أنَّهُ شِبرٌ عَلَى الحَقِيقَةِ، وبَاعٌ عَلَى الحَقِيقةِ عَلَى الوَجهِ اللَّائقِ بِاللهِ فلَا بَأسَ، مِنْ بَابِ بَيَانِ الحَقيقَةِ، لَا","vol":"1","page":80},{"text":"مِنْ بَابِ التَّكْييفِ وَالتَّمْثيلِ، مِثلُ مَا أَشَارَ النَّبيُّ ﷺ لمَّا ذُكِرَ السَّمْعُ وَالبَصرُ، قَالَ: «هَكَذَا» وَأشَارَ إِلَى الأُذنِ وَالعَينِ، لَيسَ قَصْدُهُ التَّمثِيلَ، وإنَّمَا قَصدُهُ أنَّهَا عَينٌ حَقِيقَةً، وسَمعٌ حَقِيقةً، وبَصرٌ حَقِيقةً.\n\n<s0> «مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ» «وَمَا أَحَدٌ أَحَبُّ إِلَيْهِ المَدْحُ مِنَ اللهِ»؟\n<s1> صِفَةُ الغَيرَةِ، فهُوَ يَغَارُ إِذَا انُتْهِكتْ مَحارِمُهُ، وَأنَّهُ يُحبُّ أنْ يُمدَحَ ويُثنَى عَليْهِ، مِنْ صِفاتِهِ أنَّهُ يُحِبُّ أنْ يُمدَحَ ويُثْنى عَليْهِ بِصِفاتِهِ العَظِيمةِ، فهُوَ العَزِيزُ وَالحَكِيمُ وَالرَّؤُوفُ وَالقَدِيرُ، هُوَ الجَوادُ وهُوَ الكَرِيمُ، تَمدَحهُ بِصِفاتِهِ ﷾؛ لِأنَّ البَابَ بَابُ ذِكرِ الأَسْماءِ وَالنُّعُوتِ.\n* * *","vol":"1","page":81},{"text":"<span data-type='title' id=toc-34>باب قَوْلِ اللَّهِ ﷿: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:</span> ٨٨]\n٧٤٠٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٥]، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَعُوذُ بِوَجْهِكَ». فَقَالَ: ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٥]، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَعُوذُ بِوَجْهِكَ». قَالَ: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ [الأنعام: ٦٥]، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «هَذَا أَيْسَرُ».\n\n<span data-type='title' id=toc-35>بابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩]، «تُغَذَّى»، وَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر:</span> ١٤]\n٧٤٠٧ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: ذُكِرَ الدَّجَّالُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْكُمْ، إِنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ - وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى عَيْنِهِ - وَإِنَّ المَسِيحَ الدَّجَّالَ أَعْوَرُ العَيْنِ اليُمْنَى، كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ» (^١).\n_________\n(^١) ورواه مسلم (١٦٩).","vol":"1","page":82},{"text":"<s2>\nوَهذَا مِنْ بَابِ إِثْباتِ الحَقِيقَةِ، فَالنَّبيُّ ﷺ أَشَارَ إِلَى عَينِهِ، لَيسَ قَصدُهُ التَّمْثيلَ كَمَا تَقدَّمَ، وَإنَّمَا قَصدُهُ الإِشَارَةُ إِلَى أنَّهَا حَقِيقةٌ، عَينٌ حَقِيقَةً تَلِيقُ بِاللهِ ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (٣٩)﴾ [طه: ٣٩]. أي تُغذَّى وتُوَجَّهُ وتُربَّى تَحتَ مَرْأًى مِنْ اللهِ ومَسمَعٍ، ذَكَرَ العَينَ هُنَا لِأنَّهُ ﷾ يَراهُمْ، ويَعْلَمُ مَكانَهُم، ويُرشِدُهُم إِلَى مَا فِيهِ صَلَاحُ مُوسَى ﵊.\nوَكذَلِكَ ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤]: فِي السَّفينَةِ بِمرْأًى مِنْ اللهِ، لَا بِهَواهَا وَلَا بِهَواهُم، بَلِ اللهُ يُوجِّهُها جل وعلا فِي صَالحِ رُكَّابِها، نُوحٍ ﵇ ومَنْ مَعهُ، كَمَا ذَكرَ وَصْفهُ فِي الآيَةِ الثَّانِيةِ ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨]. يَعنِي: تَحتَ رِعَايَتِنا وَإِحْسَانِنا ومَرْأًى مِنَّا.\nوَلَيسَ المُرَادُ إِنْكارَ هذِهِ الصِّفَاتِ، بَلِ المُرادُ إِثْباتُها، فَفِيهِ إِثْباتُ العَينِ، وَإِثباتُ البَصرِ، وإِثْباتُ الرِّعَايةِ لِهذِهِ الأَشْياءِ، وأنَّ مُقْتضَى ذلِكَ أنَّهُ يَرْعَى مُوسَى ﵇، ويَرعَى السَّفِينةَ، وَيَرعَى مُحمَّدًا ﵊، بِرِعايَتهِ ﷾، فلَا مُنافَاةَ بَينَ إِثْباتِ العَينِ وَإِثْباتِ الرِّعايَةِ.\nوَليسَ هَذَا تَأْويلًا كَمَا يَظنُّ بَعضُ النَّاسِ أنَّ هَذَا مِنْ التَّأوِيلِ، لَيسَ هَذَا مِنَ التَّأوِيلِ، بلْ هَذَا صَرِيحُ الآيَاتِ، وَأنَّ اللهَ سُبْحانَهُ بَيَّنَ هذَا، وَأنَّ اللهَ جل وعلا رَعَى هذِهِ السَّفينَةَ، وَرعَى مُحمَّدًا ﷺ، وَرعَى مُوسَى ﷺ، حَيثُ صُنِعتِ [السَّفِينةُ] عَلَى عَينِهِ، وَجَرتْ عَلَى عَينِهِ، وأَمَرهُم بِالصَّبرِ لِحُكمِ ربِّهِ بِعيْنهِ ﷾.","vol":"1","page":83},{"text":"وَهكَذَا فُسِّرَ ذلِكَ فِي حَدِيثِ الدَّجَّالِ وَقَالَ: «إِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ» (^١). فبيَّنَ أنَّ لَهُ عَينًا حَقِيقةً، الدَّجَّالُ أَعْورُ، وَاللهُ لَيسَ بِأَعورَ، بلْ لَهُ عَيْنانِ سَلِيمَتانِ لَا عَوَرَ فِيهِما وَلَا نَقصَ فِيهِما، بِخِلافِ الدَّجَّالِ فلَهُ عَينٌ عَوْراءُ كَأنَّهَا عِنَبةٌ طَافِيةٌ، وَأَشارَ إِلَى عَينِهِ ﵊، يَعنِي: أنَّهَا عَينٌ حَقِيقةً.\nوَأكثَرُ أَصْحابِ الكَلَامِ وَأَرْبابِ الكَلَامِ ومَن بُلِيَ بِالتَّأْويلِ لَا يَطْمئِنُّونَ إِلَى هذِهِ الأَخْبَارِ، وَإِنَّما يُؤوِّلُونَها عَلَى غَيرِ تَأْوِيلِها، وَيَنْفونَ صِفَاتِ اللهِ ﷿، نَسْألُ اللهَ العَافِيةَ.\nوَهكَذَا يَكُونُونَ فِي جَمِيعِ الصِّفَاتِ كُلِّهَا بِالتَّأْويلِ، وهَذَا مِنْ فَسَادِ العُقُولِ، وفَسَادِ التَّصوُّرِ، وضَعْفِ الإِيمَانِ أوْ زَوالِهِ.\nوَأيُّ مَحْذورٍ وأيُّ خَطرٍ فِي إِثْباتِها كَمَا أَرَادَ اللهُ عَلَى الوَجهِ اللَّائقِ بِاللهِ، مِنْ غَيرِ تَحْريفٍ، وَلَا تَعْطيلٍ وَلَا تَكْييفٍ وَلَا تَأْويلٍ؟! بِل هَذَا مِنْ كَمالِهِ، فهُوَ إِلهُ يُعبَدُ، لَهُ سَمعٌ وَلهُ بَصرٌ، وَلهُ رَحْمَةٌ، وَلهُ غَضَبٌ وَلهُ رِضًا، كُلُّ هذِهِ مِنْ صِفَاتِ الكَمَالِ الَّتِي يَستَحقُّ بِهَا أنْ يُعبَدَ ويُعظَّمَ.\nوأيُّ تَعْظيمٍ وأَيُّ إِجْلالٍ فِي إِثْباتِ ذَاتٍ لَيسَ لَهَا صِفَاتٌ؟! هلْ يَقُولُ هَذَا عَاقِلٌ؟! ذَاتٌ لَيسَ لَهَا صِفَاتٌ لَيسَ لَهَا إلَّا العَدمُ، لَيسَ لَهَا صِفةٌ إلَّا العَدمُ؟!\n\n<s0>  يُؤخَذُ منَ الحَدِيثِ إِثْباتُ العَيْنينِ، وأنَّ للهِ عَيْنينِ؟\n<s1> نَعمْ، مِثلُ مَا قَالَ أَهْلُ السُّنَّةِ: إنَّ للهِ عَينَيْنِ، كَمَا دلَّ عَليْهِ إِطْلاقُ الآيَاتِ، وَالعَربُ تُطلِقُ الجَمعَ عَلَى المُثنَّى إِذَا أُرِيدَ بِهِ العَظمَةُ، كَمَا قَالَ جل وعلا: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] وهُمَا عَائِشةُ وحَفْصَةُ ﵄،\n_________\n(^١) رواه البخاري (٣٠٥٧)، ومسلم (١٦٩) (٢٧٤).","vol":"1","page":84},{"text":"قَلْبَانِ، وأُضِيفَ إِلَى المُثنَّى.\nوَ﴿بِأَعْيُنِنَا﴾ النُّونُ لِلعَظمَةِ، وهُما عَيْنانِ، كَمَا قَالَ: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] السَّارِقُ وَالسَّارِقةُ يَدَانِ، فَلمَّا أَضَافَ إِلَى ضَمِيرِ المُثنَّى جَمَعَ، قَالَ: «أَيْدِيَهُمَا». وهمُا يَدانِ: يَدَيْهِما، فَلمَّا جَاءَ التَّفصِيلُ ثَنَّى كَمَا قَالَ: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، فثَنَّاهُما وَأوْضَحَ ﷾.\n\n٧٤٠٨ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنَا قَتَادَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «مَا بَعَثَ اللَّهُ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَنْذَرَ قَوْمَهُ الأَعْوَرَ الكَذَّابَ، إِنَّهُ أَعْوَرُ، وَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ، مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ» (^١) (^٢).\n\n<s2>\nفِتنَةُ الدَّجَّالِ فِتْنتُهُ عَظِيمةٌ، الأَنْبيَاءُ كلُّهُم أَنْذرُوا قَومَهُم معَ أنَّهُ لَا يَخرُجُ إلَّا فِي آخِرِ الزَّمَانِ، وهَذَا مِنْ أَجْلِ عِظمِ خَطرِهِ، وَعِظمِ فِتْنتِهِ، حَتَّى يَتوَارَثَ النَّاسُ الحَذرَ مِنهُ، حَتَّى نُوحٌ ﵇ أَنْذرَ قَومَهُ، وَنبيُّنَا ﷺ أَبْدَى فِيهِ وأَعَادَ، وأَنذَرَ أَكْثرَ ﵊.\n* * *\n_________\n(^١) ورواه مسلم (٢٩٣٣).\n(^٢) وفي الحديث إثبات صفة العين لله تعالى على ما يليق بِهِ سبحانه.","vol":"1","page":85},{"text":"<span data-type='title' id=toc-36>باب قَوْلِ اللَّهِ: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ [الحشر:</span> ٢٤]\n\n٧٤٠٩ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا مُوسَى هُوَ ابْنُ عُقْبَةَ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنِ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، فِي غَزْوَةِ بَنِي المُصْطَلِقِ أَنَّهُمْ أَصَابُوا سَبَايَا، فَأَرَادُوا أَنْ يَسْتَمْتِعُوا بِهِنَّ، وَلَا يَحْمِلْنَ، فَسَأَلُوا النَّبِيَّ ﷺ عَنِ العَزْلِ، فَقَالَ: «مَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ كَتَبَ مَنْ هُوَ خَالِقٌ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ».\nوَقَالَ مُجَاهِدٌ، عَنْ قَزَعَةَ، سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ فَقَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَيْسَتْ نَفْسٌ مَخْلُوقَةٌ إِلَّا اللَّهُ خَالِقُهَا» (^١).\n\n<s2>\nيَعنِي: أَرَادُوا أنْ يَعْزِلُوا؛ فَلمْ يَنْههُم عَنِ العَزْلِ؛ فدَلَّ ذلِكَ عَلَى الجَوَازِ؛ لِأنَّهُ منَ الأَسْبَابِ، مَا مِنْ نَفسٍ إلَّا مَكتُوبٌ رِزقُهَا وأَجَلُها وحَياتُهَا ومَوتُهَا، ومعَ ذلِكَ مَأمُورُونَ بِالأَسْبَابِ، يَتَّقِي أَسْبابَ الشَّرِّ وَيأْخُذُ بِأسَبَابِ الخَيرِ، ويتَّقِي أَسْبَابَ الهَلَاكِ، ويَأخُذُ بِأسْبَابِ الحَياةِ، وهَذَا لَا يُنافِي القَدَرَ.\n_________\n(^١) ورواه مسلم (١٤٣٨).","vol":"1","page":86},{"text":"وَهكَذَا العَزلُ وَتَعاطِي مَا يَمْنعُ الحَمْلَ، هُوَ مِنْ هَذَا البَابِ؛ لِأنَّهُم يُحبُّونَ أنْ تَبقَى لِلبَيعِ فَيَستَمْتعُونَ بِهَا وَلَا تَحْمَلُ، فَعزَلُوا، وأَخْبرَهُم أنَّ هَذَا العَزلَ لَا يَمنَعُ مَا كَتبَ اللهُ أنْ يُخلَقَ، فَإنَّ المَاءَ لَيسَ بِيدِ الإِنْسَانِ، قدْ يُرِيدُ أنْ يَعزِلَ فيَسْبقُهُ المَاءُ وَيَخرُجُ إِلَى الرَّحِمِ؛ فَيحْصُلُ الوَلدُ، مَا كَتبَهُ اللهُ لَيسَ لَهُ مَانِعٌ، إنَّمَا هَذَا منَ الأَسْبَابِ الَّتِي قدْ تَنْفَعُ وقدْ تُفلِتُ مِنهُ وقدْ لَا تَنْفعُ.\nوَهكَذَا البَيعُ والشِّراءُ، وهَكَذا الزَّوَاجُ وَالجِمَاعُ، كلُّهُا أَسْبَابٌ، قدْ تُثمِرُ هذِهِ الأَسْبابُ وقدْ يَربَحُ فِي بَيعِهِ ويَسْتغْنِي، وقدْ يُحمَلُ لَهُ فِي هَذَا النِّكَاحِ، وقدْ يُجامِعُ ويُجَامِعُ وَلَا يُحمَلُ لهُ.\n\n<s0>  عِنْدنَا فِي نُسخَتِنا (مُحمَّدُ بنُ يَحْيَى بنِ حَيَّانَ)؟\n<s1> لَا، غَلطٌ، ابنُ حِبَّانَ، بِالمُوحَّدَةِ.\n[قَالَ الإِمَامُ العَينِيُّ ﵀ فِي «عُمدَةِ القَارِي» (٢٥/ ١٠٣)]: «وَمُحَمّدُ بنُ يَحيْى بنِ حَيَّان، بِفَتْح الْحَاءِ الْمُهْملَةِ وَتَشْديدِ الْيَاءِ آخِرِ الْحُرُوفِ الْأنْصَارِيُّ». [انتهى كلامه].\nقَالَ ابْنُ بَازٍ ﵀: هَذَا غَلَطٌ، العَينِيُّ يَفُوتهُ كَثِيرٌ؛ لِأنَّهُ لَيسَ مِنْ أَهْلِ الحَدِيثِ كَمَا يَنْبغِي، فَقِيهٌ حَنفِيٌّ مَعْرُوفٌ، قدْ يَفُوتهُ أَشْيَاءُ مِنْ جِهةِ الحَدِيثِ. حبَّانُ، بِالبَاءِ المُوحَّدةِ.\n(الشَّيخُ) رَاجِعْ كِتَابَ «التَّقْرِيبِ»؟\n[قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ ﵀ فِي «تَقْريبِ التَّهذيبِ» (٦٣٨١)]: «مُحمَّدُ بْنُ يَحيَى بنُ حبَّانَ -بِفتْحِ المُهمَلةِ وتَشْديدِ المُوحَّدةِ- ابنُ مُنقِذٍ الأَنْصارِيُّ المَدَنيُّ، ثِقةٌ فَقِيهٌ منَ الرَّابِعةِ، مَاتَ سَنةَ إِحْدى وعِشْرينَ، وهُوَ ابنُ أَرْبعٍ وسَبْعينَ","vol":"1","page":87},{"text":"سنةً، ع».\nقَالَ ابْنُ بَازٍ ﵀: مَا ذَكرَ قَوْلًا آخَرَ، جدُّهُ حبَّانُ صَحَابِيٌّ أيْضًا.\n\n<s0>  أَحْسَنَ اللهُ إِليْكَ، قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ فِي شَرحِ حَدِيثِ: «إِنَّ اللهَ لَيسَ بِأعْورَ»: «وهُوَ عَلَى سَبِيلِ التَّمْثيلِ والتَّقْريبِ لِلْفهمِ، لَا عَلَى مَعنَى إِثْباتِ الجَارِحةِ»؟\n<s1> لَا، هَذَا منَ التَّأوِيلِ أيْضًا، غَلَطٌ. الحَافِظُ عِندَهُ تَأوِيلَاتُ الأَشْعرِيَّةِ، لِأنَّهُ أَشْعرِيٌّ. وَالعَينُ ثَابتَةٌ، ولكِنْ لَيسَتْ مِثلَ عَينِ المَخلُوقِينَ فقَطْ، العَينُ وَالسَّمْعُ وَالبَصرُ وَالرَّحمَةُ وَالغَضبُ وَاليدُ وَالقَدمُ وَالنَّفسُ كلُّهَا ثَابِتةٌ، لكِنْ لَيسَتْ مِثلَ صِفَاتِ المَخْلوقِينَ، وَلَا قَرِيبًا مِنْ ذلِكَ، فهِيَ صِفَاتٌ لهَا البَقَاءُ وَالكَمَالُ، وصِفَاتُ المَخْلوقِينَ لهَا النَّقصُ وَالفَنَاءُ والزَّوَالُ، فَرْقٌ بَيْنهُمَا.\n\n<s0>  عَفَا اللهُ عَنكَ، إِثْباتُ العَيْنَينِ بِالتَّثنِيَةِ هلْ وَردَ نصٌّ بِإثْباتِ العَينَينِ بِالتَّثنِيةِ؟\n<s1> أَصْرحُ مَا فِيهِ حَدِيثُ الدَّجَّالِ، ويُحتَجُّ لَهُ أيْضًا بِحَديثِ أبِي هُرَيرَةَ ﵁ الَّذِي رَواهُ أَحمَدُ، وأَبُو دَاوُدَ، وجَمَاعةٌ -وَإِسْنادُهُ صَحِيحٌ عَنْ أبِي هُرَيرَةَ ﵁- أنَّهُ لمَّا تَلَا قَولَهُ تَعالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾ [النساء: ٥٨] قَالَ: هكَذَا (^١).\nقَالُوا: هَذَا دَلِيلٌ صَرِيحٌ أنَّ المُرَادَ: عَيْنانِ وسَمْعَانِ، سَمعٌ حَقِيقةً وبَصرٌ حَقِيقةً، لكِنْ لَيسَ عَلَى الوَجهِ الَّذِي يُشابِهُ المَخْلُوقِينَ.\n* * *\n_________\n(^١) رواه أبو داود (٤٧٢٨)، ولم أجده عند أحمد.","vol":"1","page":88},{"text":"<span data-type='title' id=toc-37>باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:</span> ٧٥]\n٧٤١٠ - حَدَّثَنِي مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «يَجْمَعُ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ يَوْمَ القِيَامَةِ كَذَلِكَ، فَيَقُولُونَ: لَوِ اسْتَشْفَعْنَا إِلَى رَبِّنَا حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا هَذَا، فَيَأْتُونَ آدَمَ ﵇، فَيَقُولُونَ: يَا آدَمُ، أَمَا تَرَى النَّاسَ خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ، وَعَلَّمَكَ أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّك حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا هَذَا، فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكَ، وَيَذْكُرُ لَهُمْ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَهَا، وَلَكِنِ ائْتُوا نُوحًا، فَإِنَّهُ أَوَّلُ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ؛ فَيَأْتُونَ نُوحًا، فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاك، وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ، وَلَكِنِ ائْتُوا إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَ الرَّحْمَنِ، فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَيَذْكُرُ لَهُمْ خَطَايَاهُ الَّتِي أَصَابَهَا، وَلَكِنِ ائْتُوا مُوسَى، عَبْدًا آتَاهُ اللَّهُ التَّوْرَاةَ، وَكَلَّمَهُ تَكْلِيمًا؛ فَيَأْتُونَ مُوسَى فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَيَذْكُرُ لَهُمْ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَها، وَلَكِنِ ائْتُوا عِيسَى عَبْدَ اللَّهِ وَرَسُولَهُ، وَكَلِمَتَهُ وَرُوحَهُ؛ فَيَأْتُونَ عِيسَى، فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَلَكِنِ ائْتُوا مُحَمَّدًا ﷺ، عَبْدًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبهِ وَمَا تَأَخَّرَ؛","vol":"1","page":89},{"text":"فَيَأْتُونِي، فَأَنْطَلِقُ، فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي، فَيُؤْذَنُ لِي عَلَيْهِ، فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّي وَقَعْتُ لَهُ سَاجِدًا، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدَعَنِي، ثُمَّ يُقَالُ لِي: ارْفَعْ مُحَمَّدُ وَقُلْ يُسْمَعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَحْمَدُ رَبِّي بِمَحَامِدَ عَلَّمَنِيهَا، ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا، فَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ، ثُمَّ أَرْجِعُ، فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّي وَقَعْتُ سَاجِدًا، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدَعَنِي، ثُمَّ يُقَالُ: ارْفَعْ مُحَمَّدُ وَقُلْ يُسْمَعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَحْمَدُ رَبِّي بِمَحَامِدَ عَلَّمَنِيهَا، ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا، فَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ، ثُمَّ أَرْجِعُ، فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّي وَقَعْتُ سَاجِدًا، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدَعَنِي، ثُمَّ يُقَالُ: ارْفَعْ مُحَمَّدُ، قُلْ يُسْتَمَعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَحْمَدُ رَبِّي بِمَحَامِدَ عَلَّمَنِيهَا، ثُمَّ أَشْفَعْ، فَيَحُدُّ لِي حَدًّا فَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ، ثُمَّ أَرْجِعُ فَأَقُولُ: يَا رَبِّ مَا بَقِيَ فِي النَّارِ إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ القُرْآنُ، وَوَجَبَ عَلَيْهِ الخُلُودُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الخَيْرِ مَا يَزِنُ شَعِيرَةً، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الخَيْرِ مَا يَزِنُ بُرَّةً، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مَا يَزِنُ مِنَ الخَيْرِ ذَرَّةً» (^١).\n_________\n(^١) ورواه مسلم (١٩٣).","vol":"1","page":90},{"text":"<s2>\nهَذَا الحَدِيثُ حَدِيثٌ عَظِيمٌ جَلِيلٌ، وهُوَ حَدِيثُ فَزعِ النَّاسِ يَومَ القِيامَةِ وتَوجُّهُهم إِلَى آدَمَ، ثمَّ إِلَى نُوحٍ، ثمَّ إِلَى إِبْراهِيمَ، ثمَّ إِلَى مُوسَى، ثمَّ إِلَى عِيسَى، ثمَّ إِلَى مُحمَّدٍ، عَليْهِمُ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ.\nيَومُ القِيَامَةِ يَومٌ عَظِيمٌ، شَدِيدُ الأَهْوالِ، يُحشَرُ النَّاسُ فِيهِ مِنْ أوَّلِهِم إِلَى آخِرِهم، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٥٠)﴾ [الواقعة: ٤٩، ٥٠]، وَقالَ تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ [التغابن: ٩]، هَذَا يَومُ القِيامَةِ، يَومٌ مِثلُ مَا قَالَ اللهُ فِيهِ: ﴿(٣) تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤) فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (٥) إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (٧) يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (٨) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ (٩) وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (١٠) يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (١١) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (١٢) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (١٣) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ (١٤)﴾ [المعارج: ٤ - ١٤]\nفهُوَ يَومٌ عَظِيمُ الهَولِ، يَفزَعُ النَّاسُ فِيهِ -يَوم القِيامَةِ- ويَشْتَدُّ كَرْبُهُم، ويَجمَعُ اللهُ المُؤمِنينَ، فَيقُولُونَ: اذْهبُوا إِلَى أَبِيكُم آدَمَ؛ لِيشْفَعَ لِلنَّاسِ.\nوَهوَ [يَومٌ] مُيَسَّرٌ عَلَى المُؤمِنِينَ، يَومٌ يَسِيرٌ عَلَى أَهْلِ الإِيمَانِ، وَلكنَّهُ عَسِيرٌ عَلَى أَهْلِ الكُفرِ بِاللهِ، ﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا (٢٦)﴾ [الفرقان: ٢٦]، ﴿هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨)﴾ [القمر: ٨] يَعنِي: بِالنِّسبَةِ إِلَى أَعْداءِ اللهِ ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠)﴾ [المدثر: ٨ - ١٠].\nوتَقدَّم أنَّهُ يَعرَقُ النَّاسُ فِيهِ عَرقًا عَظِيمًا عَلَى قَدرِ خَطايَاهُم، مِنهُمْ مَنْ يَبلُغُهُ","vol":"1","page":91},{"text":"العَرقُ إِلَى الكَعبِ، يَخُوضُهُ كَمَا يُخَاضُ السَّيْلُ، ومِنهُم مَنْ يَرتَفعُ العَرقُ معَهُ إِلَى رُكْبتِهِ، وإِلَى حَقْوِهِ، ومِنهُم من يُلْجِمُهُ العَرقُ إِلْجَامًا؛ فَيَأتُونَ آدَمَ -المُؤمِنُونَ يَأتُونَ آدَمَ- يَقُولُونَ: أنْتَ أبُو البَشرِ، خَلقَكَ اللهُ بِيدِهِ، وَأسْجَدَ لكَ مَلائِكتَهُ، وعلَّمَكَ أَسْمَاءَ كلِّ شَيءٍ.\nوَالشَّاهِدُ قَولَهُ: «خَلَقَكَ اللهُ بِيَدِهِ» فِيهِ إِثْباتُ صِفةِ اليَدِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، خَلقَ اللهُ آدَمَ بِيَدهِ، هذِهِ مِيزَةٌ لِآدَمَ ﵇، وخِصِّيصَةٌ لآدَمَ ﵇، خَلقَهُ اللهُ بِيدِهِ مُباشَرَةً.\nفَاللهُ يُوصَفُ بِاليَديْنِ، كَمَا قَالَ جَلَّ وعَلَا: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]، فهُمَا يَدانِ حَقِيقَتانِ، لَا مَجَازًا كَمَا يَقُولُهُ أَعْداءُ اللهِ مِنَ الجَهمِيَّةِ وَالمُعتَزلَةِ وَأَشْباهِهِم، لَا، بلْ يَدانِ حَقِيقَتانِ، يُوصَفُ بِهِمَا ربُّنَا جَلَّ وعَلَا، لَا تُشبِهُ أَيدِي البَشرِ وَلَا أَيدِي غَيرِ البَشرِ، لَا تُشبِهُ أَيدِي المَخْلُوقاتِ، يَدانِ عَظِيمَتانِ لَائِقتَانِ بِاللهِ، لَا يُشبِهُ فِيهَا خَلقَهُ، كَالسَّمْعِ وَالبَصرِ وَالقَدمِ وَالغَضَبِ وَالرِّضَا وَالرَّحمَةِ وغَيرِ هَذَا مِنْ صِفاتِهِ ﷾، كلُّهَا تَلِيقُ بِاللهِ، لَا يُشابِهُ فِيهَا خَلقَهُ جل وعلا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١]، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ٤]، ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧٤)﴾ [النحل: ٧٤]، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾ [مريم: ٦٥].\nومِنْ خَصَائِصِ آدَمَ: أنَّ اللهَ أَسْجدَ لَهُ مَلائِكتَهُ؛ تَكْرِيمًا وتَعْظِيمًا وتَقْدِيرًا لِمكَانَتهِ العَظِيمةِ مِنَ اللهِ، وعلَّمَهُ أسْمَاءَ كلِّ شَيءٍ، كَمَا دَلَّ عَليْهِ كِتابُ اللهِ فِي سُورَةِ البَقرَةِ.","vol":"1","page":92},{"text":"هذِهِ مَزايَا لآدَمَ أَبِينَا ﵊، فَإِذَا أَتَاهُ النَّاسُ يَطلُبونَ مِنهُ الشَّفاعَةَ إِلَى اللهِ حَتَّى يُرِيحَ النَّاسَ مِنْ كَربِ هَذَا المَوقِفِ العَظِيمِ؛ قَالَ: «لَسْتُ هُنَاكُمْ» يَعنِي: لَستُ صِاحِبَ هَذَا المَقَامِ، هَذَا لَهُ غَيْرِي، ويَذكُرُ خَطِيئَتَهُ، وهيَ أنَّهُ أَكلَ منَ الشَّجَرةِ، معَ أنَّهُ تَابَ اللهُ عَليْهِ، لكِنْ مِنْ شدَّةِ مَا وَقعَ فِي نَفسِهِ مِنْها يَذكُرُها، قَالَ اللهُ ﷿: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (١٢٢)﴾ [طه: ١٢١، ١٢٢]، ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)﴾ [البقرة: ٣٧].\nوَالتَّائِبُ لَا خَوْفَ عَليْهِ، ولكِنْ مِنْ شِدَّةِ مَا وقع فِي نَفسِهِ مِنْ هَذَا الأَمْرِ يَذكُرُها، ولكِنِ اذْهَبُوا إِلَى نُوحٍ، أوَّلِ رَسُولٍ أرْسلَهُ اللهُ إِلَى أهْلِ الأَرضِ، وأوَّلِ الرُّسلِ، أرْسَلَهُ اللهُ لمَّا وَقعَ الشِّركُ فِي بَنِي آدَمَ، أَرسَلَ اللهُ نُوحًا ﵊؛ لِيُنذِرهُم وَيُحذِّرَهُم مِنَ الشِّركِ بِاللهِ.\nوَكَانَ ذلِكَ بِأسْبابِ ودٍّ وسُوَاعٍ ويَغُوثَ ويَعُوقَ ونَسْرٍ، كَانَ شِركُهُم أَسْبَابُهُ الغُلُوُّ فِي الصَّالِحينَ، غَلَوْا فِي الصَّالِحينَ كَمَا غَلَا النَّاسُ اليَومَ، وَكمَا غَلَا النَّاسُ قَبلَ ذلِكَ فِي العُهُودِ السَّابِقةِ قَبلَ نَبيِّنا ﷺ فِي عهِدِ بنِي إِسْرَائِيلَ، غَلَوْا فِي الأَنْبيَاءِ، وغَلَوْا فِي الصَّالِحينَ، وعَبدُوهُم وعَظَّمُوهُم وَاسْتغَاثُوا بِهِمْ ونَذَرُوا لَهُمْ وبَنَوْا عَلَى قُبُورِهمُ المَسَاجِدَ وَالقِبَابَ.\nكُلُّ هَذَا وَقعَ فِي الأُمَمِ، وأَصلُهُ مَا وَقعَ فِي قَومِ نُوحٍ ﵇، كَمَا قَالَ اللهُ جَلَّ وعَلَا: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣)﴾ [نوح: ٢٣] هَؤُلاءِ أَسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ قَومِ نُوحٍ ﵇، مَاتُوا فِي زَمنٍ مُتقَارِبٍ، فأَسِفَ عَليْهِم قَومُهُم، وَاْشْتدَّ عَليِهِم الحُزنُ، فَجاءَهُم الشَّيطَانُ وقَالَ: صَوِّرُوا","vol":"1","page":93},{"text":"صُورَهُم وَانْصِبُوهَا فِي مَجالِسِهم، تَذْكُرُوا بِذلِكَ أعَمْالَهُم حَتَّى تَسِيرُوا عَلَى نَهْجِهِم فِي العَمَلِ الصَّالِحِ.\nدَسَّ عَليْهِم هَذَا الخَبِيثُ هذِهِ الدِّسِّيسَةِ بِاسْمِ العِبادَةِ وَالصَّلاحِ وَالخَيرِ، فغَرَّهُمُ الغرُورَ حَتَّى صَوَّرُوهُم ونَصبُوهُم فِي مَجالِسِهم، ثمَّ طَالَ الأَمدُ، فَعبَدُوهُم مِنْ دُونِ اللهِ ﷿، وجَاءَ قَومٌ لمْ يَعْرفُوا الحَقَائِقَ الَّتِي مِنْ أَجْلِها صُوِّرُوا؛ فَعَبدُوهُم مِنْ دُونِ اللهِ، ثمَّ انْتَشرَ هَذَا الشِّرْكُ فِي النَّاسِ إِلَى يَومِنَا هَذَا، ولَمْ يَزَلْ يَكثُرُ فِي النَّاسِ ويَعظُمُ حَتَّى غَلبَ عَلَى الخَلقِ، إلَّا مَنْ رَحِمَ اللهُ.\nفَيأْتُونَ إِبْراهِيمَ ﵇ يَطلُبونَ مِنهُ الشَّفاعَةَ فيَعْتذِرُ، ويَذكُرُ أَشْياءَ يَحتَجُّ بِهَا أنَّهُ لَيسَ أهْلًا لِهذَا المَقَامِ، فِي الرِّوايَةِ الأُخْرَى: «كَذَبَاتُهُ الَّتِي كَذَبَهَا»، وكُلُّها فِي سَبِيلِ اللهِ، وكُلُّها فِي ذَاتِ اللهِ، حَيثُ قَالَ: ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا (٦٣)﴾ [الأنبياء: ٦٣] لمَّا كَسَّرَ الأَصْنامَ، وَحَيثُ قَالَ: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩)﴾ [الصافات: ٨٩] أَرَادَ أنْ يَرجِعَ لِيَكسِرَ أَصْنامَهُم، وَحَيثُ قَالَ فِي زَوجَتهِ: إنَّهَا أُختِي، وهُوَ أَرادَ أُختَهُ فِي اللهِ، لكِنَّ النَّاسَ إِذَا سَمِعُوا هَذَا الكَلَامَ يَظنُّونَها أُختَهُ فِي النَّسبِ، وقَالَهُ خَوفًا عَليْهَا مِنَ الجَبَّارِ، كلُّهَا فِي ذَاتِ اللهِ، لكِنْ لِعِظمِ خَوفِ الأَنْبِياءِ مِنَ اللهِ وتَعْظيمِهِم لَهُ ﷾ وفَرَقِهِم مِنهُ جَلَّ وعَلَا -جَعلَ هذِهِ الكَذَبَاتِ عُذْرًا فِي أنَّهُ لَا يَتقدَّمُ لِلشَّفاعَةِ.\nثمَّ أَوْصاهُمْ وَنَصحَهُم بِأنْ يَذهَبُوا إِلَى مُوسَى كَلِيمِ اللهِ، مُوسَى بنِ عِمْرانَ ﵇، فأَتَوهُ أيْضًا، أَتَاهُ النَّاسُ فِي هَذَا الكَربِ العَظِيمِ يَسْألُونَهُ أنْ يَشفَعَ، فَاعْتَذرَ أيْضًا مُوسَى ﵊، وذَكَرَ قَتْلهُ لِلنَّفسِ الَّتِي قَتَلهَا وَلمْ يُؤمَرْ بِقَتْلها، ثمَّ أَرْشدَهُم إِلَى أنْ يَأتُوا عِيسَى ﵇ عَبدَ اللهِ ورَسُولَهُ وكَلِمَتَهُ.","vol":"1","page":94},{"text":"فأَتَوْا عِيسَى ﵊وهُوَ عِيسَى ابنُ مَرْيمَ- فَاعْتذَرَ أيْضًا قَالَ: «لَسْتُ هُنَاكُمْ»؛ فلَمْ يَذكُرْ خَطِيئةً وَلمْ يَتَعَذَّرْ بِعُذرٍ، بلْ قَالَ: «لَسْتُ هُنَاكُمْ»، وأَوْصَاهُم بِأنْ يَذهَبُوا إِلَى محمَّدٍ ﵊، قَالَ: «عَبْدٌ غَفَرَ اللهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ» ﵊.\nوبِهَذَا وَبِغيْرِه منَ الأَدِلَّةِ عَرفَ أهْلُ العِلْمِ أنَّهُ ﵊ هُوَ أفْضَلُ الرُّسُلِ، وهُوَ مُقدَّمُهُم، وهُوَ خَطِيبُهم إِذَا اجْتَمعُوا، وَإِمامُهُم ﵊، فَتَقدَّمَ لِلشَّفاعَةِ، ولَمْ يَشْفعْ أوَّلًا، بِلْ سَجَدَ، أَتَى ربَّهُ، فلَمَّا رَآهُ خَرَّ سَاجِدًا للهِ، وفَتحَ اللهُ عَليْهِ بِمَحامِدَ عَظِيمةٍ علَّمَهُ إيَّاهَا ﷾، فَأثْنَى عَليْهِ جَلَّ وعَلَا وَحَمِدهُ كَثِيرًا، فقِيلَ لَهُ: «ارْفَعْ رَأْسَكَ يَا مُحَمَّدُ، وَقُلْ يُسْمَعْ، وَسَلْ تُعْطَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ»؛ فَرَفعَ رَأسَهُ وَطلَبَ الشَّفاعَةَ.\nفِي هَذَا بَيانُ الشَّفاعَةِ فِي أَهْلِ النَّارِ مِنْ هذِهِ الأُمَّةِ، وفِي ضِمنِهَا فِي بَعضِ الطُّرُقِ: الشَّفاعَةُ أنْ يُقضَى بَينَ العِبادِ، وهُوَ المَقْصُودُ، لكِنْ لمْ يُذكَرْ هُنَا، المَقْصودُ: الشَّفاعَةُ فِي أنْ يُقضَى بَينَ العِبَادِ، فَالمَعنَى: أنَّهُ شَفَعَ لِأنْ يُقضَى بَينَهُم، ثمَّ شَفعَ فِيمَنْ دَخلَ النَّارَ مِنْ أُمَّتهِ ﵊.\nفقَضَى اللهُ بَينَ العِبَادِ بِحُكمِهِ العَدلِ ﷾، فَانْصرَفَ النَّاسُ مِنْ مَحْشرِهِم إِلَى الجنَّةِ وَالنَّارِ ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (٧)﴾ [الشورى: ٧]، وشَفَعَ فِي أُنَاسٍ دَخَلُوا النَّارَ مِنْ أُمَّتهِ ﵊ بِمعَاصِيهِم، وَأخْبرَ ﷺ أنَّهُ: «لَا يُخَلَّدُ فِي النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ شَعِيرَةٍ، مِثْقَالُ بُرَّةٍ،","vol":"1","page":95},{"text":"مِثْقَالُ ذَرَّةٍ»، فِي الرِّوايَةِ الأُخرَى: «مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ» (^١).\nيَعنِي: مَنْ كَانَ فِي قَلبِهِ تَوْحيدٌ وَإِيمَانٌ لَا يُخلَّدُ فِي النَّارِ، وَإنَّمَا يُخلَّدُ فِيهَا الكُفَّارُ الخُلَّصُ الَّذينَ لَيسَ عِنْدهُم تَوحِيدٌ وَلَا إِسْلَامٌ، كُلُّهُم مُخلَّدُونَ فِيهَا أَبدَ الآبَادِ.\nوَأمَّا أَهْلُ التَّوحِيدِ، وَإنْ كَانَ عِنْدَهُمْ مَعَاصٍ وسَيِّئاتٌ، فَإنَّهُم لَا يُخلَّدونَ إِذَا دَخلُوهَا، بلْ لَهُمْ نِهَايَةٌ، لهُم نِهَايةٌ يَنْتهُونَ إِليْهَا عَلَى قَدرِ خَطَايَاهُم: مِنْهُم مَنْ تَطُولُ مُدَّتهُ فِي النَّارِ، وَمِنهُم مَنْ لَا تَطُولُ مُدَّتهُ، عَلَى حَسبِ مَعاصِيهِم الَّتِي دَخَلُوا بِهَا النَّارَ.\nوَما وَردَ فِي بَعضِ العُصَاةِ مِنَ الخُلُودِ فهُوَ خُلُودٌ مُؤقَّتٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي آيَةِ الفُرقَانِ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩)﴾ [الفرقان: ٦٨، ٦٩] ذَكَرَ الخُلُودَ وهُوَ خُلُودٌ دَائِمٌ فِي حقِّ المُشْرِكِينَ، وخُلُودٌ مُؤقَّتٌ فِي حَقِّ الزُّنَاةِ وَالقَتَلةِ الَّذينَ لمْ يَستَحِلُّوا ذلِكَ، بلْ فَعَلُوا ذلِكَ عَلَى سَبِيلِ المَعصِيَةِ، وهُمْ يَعرِفُونَ حُرمَةَ ذلِكَ.\nوَهكَذَا مَا جَاءَ منَ الخُلُودِ فِي أهْلِ الرِّبَا، فِي قَاتِلِ نَفسِهِ، كلُّهُ خُلُودٌ مُؤقَّتٌ فِي حقِّ مَنْ لَيسَ بِكَافرٍ، وَالخُلُودُ عِنْدَ العَربِ خُلُودَانِ: خُلُودٌ لَا يَنْتهِي، وهَذَا خُلُودُ الكُفَّارِ، وخُلُودٌ لَهُ نِهَايةٌ وهُوَ خُلُودُ بَعضِ العُصَاةِ؛ لِأنَّ الإِقَامَةَ الطَّوِيلَةَ تُسَمَّى خُلُودًا عِنْدَ العَرَبِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ (^٢):\n_________\n(^١) رواه البخاري (٢٢)، ومسلم (٣٠٤) (١٨٤).\n(^٢) وهو مالك بن نويرة، الشاعر الجاهلي المعروف وكان قد أدرك الإسلام وأسلم، وهو من قصيدته التي يصف فيها يوم «مخطط»، وهو يوم في الجاهلية كان لبني يربوع على بكر بن وائل. وتمام البيت:\nيُهِلُّونَ عُمَّارًا إذَا مَا تَغَوَّرُوا … وَلاقَوْا قُرَيْشًا خبَّرُوهَا فأنْجَدُوا\nبأبناءِ حيٍّ مِنْ قبائِلِ مالِكٍ … وعمرِو بنِ يَرْبُوعٍ أقامُوا فأخلَدُوا\nانظر: «الأصمعيات» (١/ ١٠).","vol":"1","page":96},{"text":"أَقَامُوا فَأخْلَدُوا\nالمَقصُودُ: أنَّهُم قِسْمانِ: قِسْمٌ يُخلَّدُونَ أَبَدَ الآبَادِ، وهُمُ الكُفَّارُ، وقِسْمٌ لَا يُخلَّدُونَ إلَّا خُلُودًا مُؤقَّتًا لَهُ نِهَايَةٌ، وهُم العُصَاةُ الَّذينَ تَقتَضِي جَرائِمُهم وَمَعاصِيهِم تَخْليدَهُم، يَعنِي: تَطْويلَ عَذابِهِم.\nوفِي هَذَا الحَدِيثِ أنَّهُ شَفعَ ثَلَاثَ شَفَاعَاتٍ، وجَاءَ فِي الرِّوايَةِ الأُخرَى فِي «الصَّحِيحِ» أنَّهُ شَفعَ أَرْبعَ شَفاعَاتٍ -أرْبَعًا- يَشفَعُ فَيَحُدُّ اللهُ لَهُ حَدًّا، فيَذْهبُ إِلَى النَّارِ فيُخْرجُهُم بِالعَلامَاتِ الَّتِي يَجْعَلُها اللهُ لَهُ، ثمَّ يَعُودُ فَيَشفَعُ فيَحُدُّ اللهُ لَهُ حَدًّا، ثمَّ يَعُودُ فيَشْفعُ فيَحُدُّ اللهُ لَهُ حَدًّا، ثمَّ يَعُودُ فيَشفَعُ، أَرْبعَ مرَّاتٍ، ثمَّ يَقُولُ: «يَا رَبِّ لَمْ يَبْقَ فِي النَّارِ إلَّا مَنْ حَبَسَهُ القُرْآنُ» يَعنِي حَسبَ عِلمِهِ ﵊، حَسَبَ العَلَامَاتِ الَّتِي أُعْطِيَ إِيَّاهَا، وَإلَّا فَقدْ بَقِيَ فِي النَّارِ غَيرُهُم، لكِنْ حَسبَ عِلمِهِ ﵊ وَحَسبَ مَا عِندَهُ مِنَ العَلَامَاتِ يَقُولُ: «لَمْ يَبْقَ فِي النَّارِ إلَّا مَنْ حَبَسَهُ القُرْآنُ»، إلَّا الَّذِي يَعنِي لَهُ الخُلُودُ الدَّائِمُ.\nوَجَاءَ فِي «الصَّحِيحِ» أيْضًا أنَّهُ يَبْقَى فِي النَّارِ بَقيَّةٌ لَا تَشمَلُهُم شَفَاعَةُ الشُّفَعاءِ، فيُخْرجُهُم اللهُ بِفضْلِ رَحْمتِهِ ﷾: «لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ» (^١)، إلَّا أنَّهُم مَاتُوا عَلَى التَّوحِيدِ، إلَّا أنَّهُم مَاتُوا وهُمْ يَقُولُونَ: لَا إِلهَ إلَّا اللهُ، يَعنِي: مَاتُوا عَلَى التَّوحِيدِ، لكِنْ لهُمْ ذُنُوبٌ ولهُمْ سَيِّئاتٌ حَبَستْهُم، مَا تَابُوا مِنْها وَلمْ تَشْمَلْهُم الشَّفَاعَاتُ؛ فيُخْرجُهُم اللهُ بَعدَ ذلِكَ بِفضْلِ رَحمَتهِ، وبَعْدهَا\n_________\n(^١) رواه مسلم (٣٠٢) (١٨٣).","vol":"1","page":97},{"text":"تُطبَقُ النَّارُ عَلَى أَهْلِها أَبدَ الآبَادِ، نَسْألُ اللهَ العَافِيةَ.\nوفِي هَذَا إِثْباتُ الشَّفَاعَةِ ردًّا عَلَى المُعتَزِلةِ وَالخَوارِجِ الَّذينَ يَقُولُونَ: مَنْ دَخلَ النَّارَ منَ العُصَاةِ لَا يُخرَجُ منَ النَّارِ، عِنْدَ الخَوارِجِ وَالمُعتَزِلةِ ومَنْ سَلكَ مَذْهبَهُم مِنْ سَائِرِ طَوائِفِ المُبْتدِعَةِ يَقُولُونَ: العَاصِي لَا يُخْرَجُ منَ النَّارِ، بلْ يُخلَّدُ أَبدَ الآبَادِ. فعِنْدهُم الزَّانِي مُخلَّدٌ، وَالسَّارِقُ مُخلَّدٌ، وشَارِبُ الخَمْرِ مُخلَّدٌ، وَهكَذَا.\nوَهذَا غَلَطٌ مِنْهُم عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَماعَةِ، وَالخَوارِجُ يَزِيدُونَ فِي هَذَا ويُكفِّرُونَهُم أيْضًا، لكِنْ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالجَماعَةِ يَقُولُونَ: لَا، لَيسُوا كُفَّارًا وَليْسُوا مُخلَّدِينَ الخُلُودَ خُلُودَ الكُفَّارِ، بلْ هُمْ تَحتَ مَشِيئَةِ اللهِ، كَمَا قَالَ اللهُ سُبْحانَهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] فِي آيَتَينِ مِنْ كِتَابِهِ مِنْ سُورَةِ النِّسَاءِ.\nفَأَبانَ سُبْحانَهُ أنَّ العُصَاةَ تَحتَ مَشِيئَةِ اللهِ سُبْحانَهُ، لَا يُخلَّدُونَ، بلْ تَحتَ مَشِيئتِهِ ﷿.\nوهَذَا هُوَ الحَقُّ، أنَّ لهُمْ نِهايَةً، وأنَّ مَنْ مَاتَ عَلَى المَعْصيَةِ لَيسَ مُستَحِلًّا لَهَا وَليْسَ كَافِرًا أنَّهُ لَهُ نِهايَةٌ، فَيَبقَى فِي النَّارِ مَا شَاءَ اللهُ، ثمَّ يُخرِجُهُ اللهُ منَ النَّارِ بِتوْحِيدِهِ وَإِسْلَامِهِ الَّذِي مَاتَ عَليْهِ، وإنْ مَضَى عَليْهِ دَهرٌ طَوِيلٌ فِي النَّارِ بِسبَبِ مَعاصِيهِ وَجَرائِمهِ الَّتِي مَاتَ عَليْهَا، فَإنَّ لَهُ نِهَايةً.\nوَهذَا مَقَامٌ عَظِيمٌ يَنْبغِي لِطَالبِ العِلْمِ أنْ يَكُونَ عَلَى بيِّنةٍ مِنهُ، فَإنَّهُ فِيهِ مُفتَرقُ الطُّرقُ، وقدْ وَقعَ فِي هَذَا البَابِ أَخْطاءٌ عَظِيمَةٌ، وشَرٌّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ البِدَعِ، فأَهْلُ","vol":"1","page":98},{"text":"السُّنَّةِ وَالجَماعَةِ قَاطِبةً وهُم أَصْحابُ النَّبيِّ ﷺ وأَتْباعُهُم بِإِحْسَانٍ، هَذَا قَولُهُم فِي هَذَا المَقَامِ، لَا يُخلَّدُ فِي النَّارِ إلَّا الكُفَّارُ بِاللهِ، الكُفْر الأَكْبَر، همُ المُخلَّدُونَ فِي النَّارِ أَبدَ الآبَادِ.\nوَأمَّا العُصَاةُ الَّذينَ مَاتُوا عَلَى التَّوحِيدِ، المَحكُومُ بِإِسْلامِهم حِينَ مَاتُوا، لكِنْ عِنْدَهم جَرائِمُ مِنَ الزِّنَا أوِ السَّرِقةِ أوِ الخَمرِ أوِ العُقُوقِ لِلوَالِديْنِ أوِ الرِّبَا أوْ شِهادَةِ الزُّورِ أوْ غَيرِ هَذَا منَ المَعَاصِي الَّتِي لم يَستَحِلُّوهَا، بلْ فَعلُوهَا لِأهْوَاءٍ وَلِشهَوَاتٍ ولِأَغْراضٍ -هَؤُلاءِ تَحتَ مَشِيئةِ اللهِ، إنْ شَاءَ عذَّبَّهُم وَلهُمْ نِهايَةٌ يَخْرجُونَ مِنَ النَّارِ، وإنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُم لِأسْبَابٍ تَقْتضِي ذلِكَ بِمَحْضِ جُودِهِ وكَرمِهِ، ولَيْسُوا كفَّارًا ولَيسُوا مُخلَّدِينَ، لَيسَ العُصَاةُ كُفَّارًا كَمَا تَقُولُهُ الخَوارِجُ، وَليْسُوا مُخلَّدِينَ فِي النَّارِ كَمَا تَقُولهُ المُعتَزِلةُ وَمَنْ سَارَ فِي رِكابِهِم، كَالإِبَاضيَّةِ ونَحْوِهِم، هَؤلَاءِ خَالَفُوا السُّنَّةَ وَخَالفُوا الأدِلَّةَ الشَّرعِيَّة وخَالَفُوا مَا دَرجَ عَليْهِ سَلفُ الأُمَّةِ.\nوَالصَّوابُ أنَّهُم لَيسُوا كفَّارًا وَلَا مُخلَّدينَ خُلُودًا دَائمًا، بَلْ لهُمْ نِهايَةٌ يَخْرجُونَ [فِيهَا] مِنَ النَّارِ، إِذَا كَانُوا مَاتُوا عَلَى الإِسْلامِ لَيسُوا كُفَّارًا، ولَكنْ عِنْدَهُمْ مَعَاصٍ مَاتُوا عَليْها لمْ يَتُوبُوا مِنْها، فهُمْ تَحتَ مَشِيئَةِ اللهِ، ولهُمْ أمَدٌ يَنْتهُونَ إِليْهِ بِخُروجِهِم، وهُم مُتَفاوِتُونَ عَلَى قَدرِ مَعاصِيهِم، مِنهُم مَنْ تَطُولُ مُدَّتهُ فِي النَّارِ، وَمنْهُم مَنْ لَا تَطُولُ، عَلَى حَسبِ أَحْوالِهِم وَمَعاصِيهِم وَكَثْرتِها وقِلَّتِها، رَزَقَ اللهُ الجَمِيعَ العَافِيةَ وَلَا حَولَ وَلَا قوَّةَ إلَّا بِاللهِ.","vol":"1","page":99},{"text":"<s0>  أَحْسَنَ اللهُ إِليْكَ، قَولُهُ عَنْ نُوحٍ ﵇: «إِنَّهُ أَوَّلُ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللهُ إِلَى الأَرْضِ». وَآدَمُ وَإِدْريسُ -﵉- كَانَا مِنَ الرُّسلِ؟!\n<s1>  آدَمُ ﵇ رَسولٌ إِلَى نَفسِهِ وإِلَى ذُرِّيتهِ، مَا بَعدُ وَقعَ الشِّركُ، ونُوحٌ ﵇ أَوَّلُ رَسُولٍ أَرْسلَهُ اللهُ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ بَعدَ وُقُوعِ الشِّركِ.\nوقَالَ بَعضٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ فِي آدَمَ ﵇: لَيسَ بِرَسُولٍ، ولَكنَّهُ نَبيٌّ فقَطْ، أُوحَى اللهُ إِليْهِ بِشَرعٍ دَرَجَ عَليْهِ هُوَ وَجَماعَتُهُ -ذُرِّيتُهُ- وأمَّا نُوحٌ ﵇ فهُوَ أوَّلُ رَسُولٍ، كَمَا قَالَ آدَمُ ﵇ لمَّا قَالَ لِلأُمَّةِ: «اذْهَبُوا إِلَى نُوحٍ فَإنَّهُ أَوَّلُ رَسُولٍ». وهَذَا قَولٌ جيِّدٌ، فإِنَّ النُّبوَّةَ ثَابِتةٌ لآدَمَ ﵇، وَالنَّبيُّ يُوحَى إِليْهِ بِشَرعٍ يَسِيرُ عَليْهِ وَيَعبُدُ اللهَ بِهِ، وَالرَّسُولُ هُوَ الَّذِي يُؤمَرُ بِالتَّبلِيغِ، يُؤمَرُ بِتبْلِيغِ النَّاسِ.\nويَحتَمِلُ أنَّهُ مِثلُ مَا تَقدَّمَ أنَّهُ رَسُولٌ وَنبِيٌّ، لكِنْ قَبلَ وُقُوعِ الشِّركِ، قَالَ ابْنُ عبَّاسٍ ﵄: كَانَ آدَمُ وَعَشرَةٌ قُرُونٍ بَعدَهُ كُلُّهُم عَلَى الإِسْلَامِ مِنْ ذُرِّيتِهِ، حَتَّى وَقعَ الشِّركُ فِي قَومِ نُوحٍ، فَأرْسَلَ اللهُ إِليْهِم نُوحًا ﵊ (^١)، فَكَانَ أوَّلَ رَسُولٍ بِالنِّسبَةِ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ بَعدَما وَقعَ فِيهِمُ الشِّركُ.\n\n<s0>  عَفَا اللهُ عَنكَ، قَولُهُ: «فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّي وَقَعْتُ لَهُ سَاجِدًا» يَدلُّ عَلَى أنَّهُ يَرَى ربَّهُ؟\n<s1>  نعَمْ، صَرِيحٌ، يَرَاهُ يَومَ القِيامَةِ، وَالمُؤمِنُونَ يَرَوْنهُ يَومَ القِيَامَةِ أيْضًا.\n_________\n(^١) رواه الطبري في «تفسيره» (٤/ ٢٧٥) موقوفًا، والحاكم في «المستدرك» (٢/ ٥٩٦)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي.","vol":"1","page":100},{"text":"٧٤١١ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: «يَدُ اللَّهِ مَلْأَى لَا يَغِيضُهَا نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَقَالَ: أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَدِهِ، وَقَالَ: عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ، وَبِيَدِهِ الأُخْرَى المِيزَانُ، يَخْفِضُ وَيَرْفَعُ» (^١).\n\n٧٤١٢ - حَدَّثَنَا مُقَدَّمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي القَاسِمُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ يَقْبِضُ يَوْمَ القِيَامَةِ الأَرْضَ، وَتَكُونُ السَّمَوَاتُ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا المَلِكُ».\nرَوَاهُ سَعِيدٌ، عَنْ مَالِكٍ، وَقَالَ عُمَرُ بْنُ حَمْزَةَ: سَمِعْتُ سَالِمًا، سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا (^٢).\n\n٧٤١٣ - وَقَالَ أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَقْبِضُ اللَّهُ الأَرْضَ» (^٣).\n\n<s2>\nوَهذَا إِشَارَةٌ إِلَى قَولِهِ جل وعلا: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا\n_________\n(^١) ورواه مسلم (٩٩٣).\n(^٢) ورواه مسلم (٢٧٨٨).\n(^٣) ورواه مسلم (٢٧٨٧).","vol":"1","page":101},{"text":"قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧]، فهُوَ يَقْبضُ الأَرضَ يَومَ القِيامَةِ عَلَى عَظَمتِهَا وَسِعَتِها، وَيَطوِي السَّمَاءَ بِيَمينِهِ، وَالأَرْضَ بِشِمالِهِ -وَكِلْتا يَدَيهِ يَمِينٌ مُبارَكَةٌ جل وعلا كِلْتاهُمَا يَمِينٌ فِي الفَضْلِ وَالشَّرفِ- فَيَهُزهُنَّ وَيقُولُ: «أَنَا المَلِكُ، أَيْنَ مُلُوكُ الأَرْضِ؟ أَيْنَ الجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ المُتَكَبِّرُونَ؟». لَهُ الْمُلكُ ﷾، وكُلٌّ خَاضِعٌ خَائِفٌ وَجِلٌ.\n(الشَّيخُ): مَاذا قَالَ الشَّارحُ عَلَى: «وَقَالَ عُمرُ بنُ حَمزَةَ»؟ أوِ العَينِيُّ؟\n[قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ فِي «فتحِ البارِي» (١٣/ ٣٩٦)]: «قَولُهُ: وَقالَ عُمرُ بنُ حَمْزةَ، يَعنِي: ابنَ عَبدِ اللهِ بنِ عُمرَ الَّذِي تَقدَّمَ ذِكْرهُ فِي الاسْتِسقَاءِ، وَشَيخُهُ سَالِمُ هُوَ ابنُ عَبدِ اللهِ بنِ عُمرَ عمُّ عُمرَ المَذْكورِ، وَحَدِيثهُ هَذَا وَصلَهُ مُسلِمٌ وَأَبو دَاوُدَ وَغَيرُهُما مِنْ رِوايَةِ أَبِي أُسَامةَ عَنهُ.\nقَالَ البَيْهقِيُّ: تَفرَّدَ بِذِكرِ الشِّمَالِ فِيهِ عُمرُ بْنُ حَمْزةَ، وَقَدْ رَواهُ عَنِ ابْنِ عُمرَ أَيْضًا: نَافِعُ وَعُبَيدُ اللهِ بنُ مِقْسَمٍ بِدُونِها، وَرَواهُ أَبُو هُرَيرَةَ وَغَيرُهُ عَنِ النَّبيِّ ﷺ كَذلِكَ، وَثَبتَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عَبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو رَفَعهُ: «إِنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ، عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ ﷿، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ»، وَكذَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُريرَةَ قَالَ آدَمُ: «اخْتَرْتُ يَمِينَ رَبِّي، وَكِلْتَا يَدَيْ رَبِّي يَمِينٌ».\nقَالَ ابْنُ بَازٍ ﵀: كُلُّ هَذَا شَاهِدٌ لِإثْباتِ الشِّمَالِ، لِأنَّهُ مَع إِثْباتِ اليَمِينِ، لكِنْ كِلْتَا يَدَيْ رَبِّي يَمِينٌ مُبَاركَةٌ فِي الفَضْلِ وَالشَّرفِ، وَإنْ سُمِّيتْ شِمَالًا، وَلَيسَ فِيهَا نَقْصٌ بِالنِّسبَةِ إِلَى الرَّبِّ ﷿، أمَّا المَخلُوقُ فَاليُسْرَى تَكُونُ أَضْعَفَ منَ اليُمنَى فِي الغَالِبِ، أمَّا رَبُّنا ﷿ فكِلْتَا يَديْهِ يَمِينٌ مُبارَكَةٌ،","vol":"1","page":102},{"text":"كِلْتَا يَديْهِ يَمِينٌ فِي الشَّرَفِ وَالفَضْلِ وَالعَظَمةِ.\n[قَالَ الحَافِظُ ﵀]: «وَسَاقَ مِنْ طَرِيقِ أبِي يَحْيَى القتَّاتِ -بِقَافٍ وَمُثنَّاةٍ ثَقِيلَةٍ وبَعدَ الأَلِفِ مُثنَّاةٌ أيْضًا- عَنْ مُجاهِدٍ فِي تَفْسيرِ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] قَالَ: «وكِلْتا يَديْهِ يَمِينٌ»، وفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَفعَهُ: «أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللهُ الْقَلَمَ، فَأَخَذَهُ بِيَمِينِهِ، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ».\nوقَالَ القُرطُبيُّ فِي «المُفْهِمِ» (٢٤/ ٤٨): كَذَا جَاءَتْ هذِهِ الرِّوَايةِ بِإِطْلاقِ لَفظِ الشِّمَالِ عَلَى يَدِ اللهِ تَعَالَى عَلَى المُقَابَلةِ المُتَعارَفةِ فِي حَقِّنا، وفِي أَكْثرِ الرِّوَايَاتِ وَقعَ التَّحرُّزُ عَنْ إِطْلاقِها عَلَى اللهِ، حَتَّى قَالَ: «وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ» لِئلَّا يُتَوَهَّمَ نَقصٌ فِي صِفَتهِ ﷾؛ لِأنَّ الشِّمَالَ فِي حَقِّنا أَضْعَفُ منَ اليَمِينِ.\nقَالَ البَيهَقِيُّ: ذَهبَ بَعضُ أَهْلِ النَّظرِ إِلَى أنَّ اليَدَ صِفَةٌ لَيْسَتْ جَارِحَةً، وكُلُّ مَوْضِعٍ جَاءَ ذِكْرُها فِي الكِتَابِ أوِ السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ فَالمُرَادُ تَعلُّقُها بِالكَائنِ المَذْكورِ مَعَها، كَالطَّيِّ وَالأَخذِ وَالقَبْضِ وَالبَسطِ وَالقُبُولِ وَالشُّحِّ وَالإِنْفاقِ وغَيرِ ذلِكَ، تَعلُّقُ الصِّفةِ بِمُقتَضَاهَا مِنْ غَيرِ مُمَاسَّةٍ، وَلَيسَ فِي ذلِكَ تَشْبِيهٌ بِحَالٍ، وَذَهبَ آخَرُونَ إِلَى تَأْويلِ ذلِكَ بِمَا يَلِيقُ بهِ. انْتَهى.\nوَسَيأْتِي كَلامُ الخَطَّابِيُّ فِي ذلِكَ فِي بَابِ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤]. [انتهى كلامه].\nقَالَ ابْنُ بَازٍ ﵀: المَقْصودُ: أنَّ عُمَرَ هَذَا انْفَردَ بِهَا، وَفِيهِ بَعضُ الضَّعفِ، وَلكِنْ الرِّوَايَاتُ الأُخْرَى كُلُّهَا تَشْهَدُ لِذلِكَ؛ لِأنَّهُ قَالَ: «وَكِلْتَا يَدَيْهِ» إِشَارَةٌ إِلَى أنَّ هَذَا التَّعْبيرَ بِاليَمِينِ لَا يَتضَمَّنُ نَقْصًا فِي الثَّانِيةِ، فهِيَ وَإنْ كَانَتْ تُسمَّى شِمَالًا فلَا نَقصَ فِيهَا، فهِيَ يَمِينٌ فِي المَعْنَى وَالشَّرفِ وَالفَضْلِ، وإِلَّا","vol":"1","page":103},{"text":"فَتَخْصِيصُ اليَمِينِ يدُلُّ عَلَى الأُخْرَى وهِيَ الشِّمَالِ ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]، «يَمِينُ اللهِ مَلْأَى …» (^١)، إِلَى آخِرِهِ.\n(الشَّيخُ): راجِعْ عُمرَ بنَ حَمزَةَ فِي «التَّقرِيبِ».\n[قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ فِي «تَقْريبِ التَّهذيبِ» (٤٨٨٤)]: «عُمرُ بْنُ حَمزَةَ بنِ عَبدِ اللهِ بنِ عُمرَ بنِ الخَطَّابِ العُمَرِيُّ المَدنِيُّ، ضَعِيفٌ منَ السَّادِسةِ. خت م د ت ق».\nقَالَ ابْنُ بَازٍ ﵀: جَزْمُ المُؤلِّفِ بِأنَّهُ ضَعِيفٌ بِإِطْلَاقٍ فِيهِ نظرٌ، فقدْ وثَّقَهُ آخَرُونَ.\nالمَقْصودُ: أنَّ تَعْلِيقَ البُخارِيِّ هُنَا كَمَا تَقدَّمَ لَا يَتضَمَّنُ التَّوثِيقَ وَلَا التَّلْيِينَ، لكِنْ يَتضَمَّنُ ثُبُوتَه لَديْهِ، أنَّهُ ثَبتَ هَذَا الأَثَرُ بِالنِّسبَةِ إِلَى عُمرَ، يَكُونُ ثَبتَ عِنْدَ المُؤلِّفِ إِلَى عُمرَ.\nوَلكِنَّ النُّصُوصَ كلَّهَا شَاهِدةٌ لِمَعْناهُ.\n\n<s0>  عَفَا اللهُ عَنكَ، قَولُ آدَمَ ﵇: «فَاخْتَرْتُ يَمِينَ رَبِّي» مَاذا يُؤخَذُ مِنهُ؟\n<s1> كَذلِكَ، تَضَمَّنَ إِثْباتَ اليَدَينِ لَهُ سُبْحانَهُ، اخْتَارَ يَمِينَ ربِّهِ وهِيَ فِيهَا أَرْواحُ أَهْلِ السَّعادَةِ، وَاليُسْرَى فِيهَا أَرْواحُ أهْلِ الشَّقَاوةِ.\n\n<s0>  أحْسَنَ اللهُ عَمَلكَ، الخَوارِجُ وَالمُعتَزِلةُ يَومَ القِيامَةِ مِنْ أَهْلِ الكَبائِرِ أوْ مُخلَّدُونَ فِي النَّارِ؟\n<s1> اخْتَلفَ فِيهِمُ العُلمَاءُ، مِنهُمْ مَنْ كفَّرهُمْ، ومِنْهُم مَنْ لمْ يُكفِّرْهُم،\n_________\n(^١) رواه البخاري (٧٤١٩)، ومسلم (٣٦) (٩٩٣).","vol":"1","page":104},{"text":"وَالأَظْهرُ منَ الأَدلَّةِ أنَّهُم كفَّارٌ؛ لِأنَّهُم كَذَّبُوا الصِّفَاتِ وَأنْكَرُوهَا، فَالأَظْهرُ منَ الأَدِلَّةِ الشَّرعِيَّةِ أنَّ الجَهمِيَّةَ وَالمُعتَزِلةَ ودُعَاةَ النَّارِ مِنْ هَؤُلاءِ الَّذينَ أَنْكرُوا صِفَاتِ اللهِ وَأَنْكرُوا أَسْماءَهُ أنَّهُم كُفَّارٌ؛ لِأنَّهُم أنَكْرُوا أَمْرًا واضِحًا مِنْ كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولهِ ﵊.\n\n<s0>  مَا يُبطِلُ قَولَهُمُ الإِيمُانُ (^١)، أَحْسنَ اللهُ عَملَكَ؟\n<s1> هُوَ يُبطِلُهُ الكُفرُ، الإِيمَانُ الَّذِي مَعهُ كُفرٌ مَا يَسْتقِيمُ، الإِيمَانُ إِذَا صَارَ مَعهُ كُفرٌ بَطلَ، نَسْألُ اللهَ العَافِيةَ.\n\n<s0>  عَفَا اللهُ عَنكَ، ذِكرُ الشِّمالَ مَا جَاءَ إلَّا فِي هَذَا الأَثرِ؟\n<s1> مَا أَذكُرُهُ إلَّا فِي هَذَا الأَثرِ، وذَكرَهُ المُؤلِّفُ (^٢) فِي كِتَابِ «التَّوحِيدِ» فِي بَابِ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧] مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمرَ ﵄، وَمِنْ رِوَايةِ مُسْلمٍ.\nمُسلِمٌ ﵀ ظَهرَ مِنْ سِياقِهِ أنَّهُ ثِقةٌ، وَلَوْلا أنَّهُ عِندَهُ ثِقةٌ مَا سَاقَهُ عَنهُ، فهُوَ يُعْتبَرُ نَوْعًا منَ التَّوثِيقِ.\n\n<s0>  بِالنِّسبَةِ لِكَلامِ البَيهَقِيِّ يَا شَيخُ؟\n<s1> فِيهِ نَظرٌ، البَيْهقِيُّ أَشْعرِيٌّ، عِندَهُ تَسَاهَلٌ فِي هذِهِ المَسَائِلِ (^٣)، أَشْعرِيٌّ فِي بَعضِ الصِّفَاتِ، مَا هُوَ فِي كُلِّ شَيءٍ، لكِنْ لَهُ مُشارَكَةٌ.\n_________\n(^١) مقصود السائل: أليس ما معهم من إيمان يمنع من تكفيرهم؟\n(^٢) يعني: الشيخ/ محمد بن عبد الوهاب ﵀.\n(^٣) في الأصل المسموع: «في المسائل هذه».","vol":"1","page":105},{"text":"٧٤١٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، سَمِعَ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ، عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنِي مَنْصُورٌ، وَسُلَيْمَانُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ يَهُودِيًّا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالجِبَالَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالخَلَائِقَ عَلَى إِصْبَعٍ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا المَلِكُ. «فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ»، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١].\nقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: وَزَادَ فِيهِ فُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَعَجُّبًا وَتَصْدِيقًا لَهُ (^١).\n\n<s2>\nاللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، هَذَا فِيهِ إِثْباتُ الأَصَابعِ، وَأنَّهَا خَمْسةٌ عَلَى الوَجهِ اللَّائِقِ بِاللهِ، فَإِثْباتُ اليَدِ وَالقَدمِ وَالأَصَابعِ كُلُّها طَرِيقُها وَاحِدٌ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَماعَةِ، لَا يَجُوزُ أنْ تَثْقُلَ عَلَى القُلُوبِ، وَلَا أنْ تَتَبرَّأَ مِنْها القُلُوبُ، وَلَا أنْ تَسْتوحِشَ مِنْها القُلُوبُ، كَمَا يَفعَلُهُ نُفَاةُ الصِّفَاتِ مِنَ الجَهْميَّةِ وغَيْرِهِم، لَا، بلْ تُسَرُّ بِهَا القُلُوبُ وتُؤمِنُ بِهَا، وأنَّهَا صِفَاتٌ لَائِقةٌ بِاللهِ، دالَّةٌ عَلَى كَمَالِهِ وَعَظمَتهِ، وَأنَّهُ يَتصَرَّفُ كَيفَ يَشَاءُ ﷾.\n_________\n(^١) ورواه مسلم (٢٧٨٦).","vol":"1","page":106},{"text":"فهَذِهِ الخَلَائقُ العَظِيمَةُ الَّتِي يَعْلمُهَا المُؤمِنُونَ تُجعَلُ عَلَى هذِهِ الأَصَابعِ الخَمْسَةِ يَومَ القِيَامةِ، الأَرْضُ عَلَى إصْبَعٍ، وَالسَّمَوَاتُ عَلَى إصْبَعٍ، وَالجِبَالُ عَلَى إصْبَعٍ، وَالشَّجرُ عَلَى كَثْرتِهِ عَلَى إصْبَعٍ، وَسائِرُ خَلقِهِ عَلَى إصْبَعٍ.\nفِي الرِّوايَةِ الأُخْرَى: «وَالمَاءَ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ، ثُمَّ يَهُزُّهُنَّ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا المَلِكُ أَنَا المَلِكُ، أَيْنَ مُلُوكُ الأَرْضِ؟ أَيْنَ الجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ المُتَكَبِّرُونَ؟» اللهُ المُسْتعَانُ.\n\n<s0>  عَفَا اللهُ عَنكَ، يَقُولُ الحَافِظُ فِي الشَّرحِ: «تَعلُّقُ الصِّفةِ بِمُقْتضَاهَا مِنْ غَيرِ مُماسَّةٍ»؟\n<s1>  هَذَا مَعْناهُ إِنْكارُ اليَدِ، مَا يُثبِتُ اليَدَ عَلَى (الحَقِيقَةِ) (^١)؛ وَلِهذَا قَالَ: مِنْ غَيرِ جَارِحةٍ، اللهُ لَهُ يدٌ يَأخُذُ بِهَا وَيُعطِي سُبْحانَهُ تَعَالَى، وَيَحمِلُ بِها وَيَقْبضُ الأَرْضَ، وَيَطوِي السَّمَواتِ بِيَمِينهِ، كُلُّ هَذَا قَبضٌ حَقِيقَةً وَطَيٌّ حَقِيقةً يَلِيقُ بِاللهِ، لَا يُشابِهُ خَلقَهُ فِي شَيءٍ مِنْ صِفَاتِهِ جل وعلا.\nوَالصَّحَابةُ ﵃ مَا اسْتَنكَرُوا هَذَا؛ لِكَمالِ عُقُولِهم، وَكَمالِ إِيمَانِهِم، تلَقَّوْا هذِهِ الصِّفَاتِ بِالقَبُولِ، مَا تَوقَّفُوا فِيهَا، ثمَّ أَتْبَاعُهُم بِإِحْسَانٍ منَ القُرُونِ المُفَضَّلَةِ تَلقَّوْها بِإِحسَانٍ، وَآمَنُوا بِهَا وَأنَّهَا حَقٌّ وَأنَّهَا صِفَاتٌ تَلِيقُ بِاللهِ لَا يُشَابِهُ فِيهَا خَلقَهُ جل وعلا، لَا فِي اليَدِ، وَلَا فِي الأَصَابِعِ، وَلَا فِي القَدمِ، وَلَا فِي السَّمْعِ، وَلَا فِي البَصرِ، وَلَا فِي الكَلَامِ، وَلَا فِي المَحبَّةِ، وَلَا فِي الرِّضَا، وَلَا فِي الغَضبِ، كُلُّها صِفَاتٌ لَائِقةٌ بِاللهِ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١].\nوَبِها عُرِفَ كَمَالُهُ، وَبِها عُرِفتْ عَظمَتُهُ، وَبِهَذِهِ الصِّفَاتِ عُرِفَ اسْتِحقَاقُهُ لِلْعِبادَةِ، وَأنَّهُ ربُّ العَالَمِينَ، وَأنَّهُ الخَلَّاقُ العَلِيمُ.\n_________\n(^١) زيادة يقتضيها السياق.","vol":"1","page":107},{"text":"ذَاتٌ بِدُونِ صِفَاتٍ لَا وُجُودَ لهَا، وَلِهذَا قَالَ أَهْلُ العِلْمِ مِنْ أَهْلِ السُّنةِ: إنَّ نِهَايةَ هَؤُلاءِ القَولُ بِالعَدمِ، نِهَايةُ قَولِهِم: القَولُ بِالعَدمِ، وَأنَّهُ لَيسَ هُناكَ إلهٌ يُعبَدُ، وَلَا حَولَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاللهِ.\n\n٧٤١٥ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَلْقَمَةَ يَقُولُ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ فَقَالَ: يَا أَبَا القَاسِمِ، إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالشَّجَرَ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ، وَالخَلَائِقَ عَلَى إِصْبَعٍ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا المَلِكُ، أَنَا المَلِكُ، «فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ»، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١] (^١).\n\n<s2>\nاللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، يَعنِي: تَصْدِيقًا لهُ؛ لِأنَّ فِيهَا ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧].\n_________\n(^١) ورواه مسلم (٢٧٨٦).","vol":"1","page":108},{"text":"<span data-type='title' id=toc-38>باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «لَا شَخْصَ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ»</span>\nوَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ: «لَا شَخْصَ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ»\n\n٧٤١٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ التَّبُوذَكِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ المَلِكِ، عَنْ وَرَّادٍ، كَاتِبِ المُغِيرَةِ عَنِ المُغِيرَةِ، قَالَ: قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: لَوْ رَأَيْتُ رَجُلًا مَعَ امْرَأَتِي لَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ غَيْرَ مُصْفَحٍ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «تَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ، وَاللَّهِ لَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ، وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي، وَمِنْ أَجْلِ غَيْرَةِ اللَّهِ حَرَّمَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَلَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ العُذْرُ مِنَ اللَّهِ، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ بَعَثَ المُبَشِّرِينَ وَالمُنْذِرِينَ، وَلَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ المِدْحَةُ مِنَ اللَّهِ، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَعَدَ اللَّهُ الجَنَّةَ» (^١).\n\n<s2>\n[قَالَ الإِمَامُ العَينِيُّ ﵀ فِي «عُمْدةِ القَارِي» (٢٠/ ٢٠٥)]: «قَولُهُ: (غَيْرَ مُصْفَحٍ): بِضمِّ المِيمِ وسُكُونِ الصَّادِ المُهمَلةِ وفَتحِ الفَاءِ وَكَسْرها». [انتهى كلامه].\n_________\n(^١) ورواه مسلم (١٤٩٩).","vol":"1","page":109},{"text":"قَالَ ابْنُ بَازٍ ﵀: مُصْفَحٌ وَمُصْفِحٍ، هَذَا أَظهَرُ، يَعنِي: ضَربَهُ بِالحَدِّ.\nفِي اللَّفظِ الآخَرِ: «مِنْ أَجْلِ ذلِكَ حَرَّمَ الفَوَاحِشَ» (^١) … (^٢) على نِفسِهِ، فهُوَ سُبْحانَهُ يُحبُّ العُذرَ، وَلِهذَا بَعثَ الرُّسُلَ وَأَنْزلَ الكُتُبَ؛ لِإقَامَةِ الحُجَّةِ وقَطعِ المَعْذرَةِ، وَلَا أَحدَ أَحبُّ إِليْهِ العُذرُ مِنَ اللهِ، وَلِهذَا أَثْنَى عَلَى نَفْسِهِ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، وَشَرعَ لِعِبادِهِ أنْ يَحْمَدُوهُ، وُيُثنُوا عَليْهِ، وَيَشْكرُوهُ؛ لِكَمالِ عَدلِهِ، وَكَمالِ حِكْمتهِ، وَكَمالِ إِحْسانِهِ وَجُودِهِ وَكَرمِهِ، فهُوَ أَهلٌ لِكلِّ ثَنَاءٍ وَكُلِّ حَمْدٍ.\nوَلَا أَحدَ أَغْيرُ مِنهُ؛ أنْ تُنْتهكَ مَحَارِمهُ، وَلِذلِكَ حَرَّمَ الفَواحِشَ مَا ظَهرَ مِنْها وَمَا بَطنَ، وَأَقامَ الحُدُودَ وَالتَّعْزيرَاتِ لِلرَّدعِ عمَّا حَرَّمَ اللهُ ﷿.\nوَمَعنَى «لَا أَحدَ» يَعنِي: مِثلَ مَعنَى «لَا شَخصَ»، يَعنِي: لَا ذَاتَ أَغْيرُ مِنَ اللهِ، ذَاتُهُ سُبْحانَهُ ذَاتٌ قَائِمةٌ بِنفْسِها، وَشَخصِيَّتهُ قَائِمةٌ بِنَفْسِهَا، وَلِهذَا قَالَ فِي الرِّوايَةِ الأُخْرَى: «لَا شَخْصَ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ». «لَا أَحَدَ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ» (^٣)، «مَا أَحَد أَغْيرُ مِنَ اللهِ». فهِيَ ذَاتٌ لَهَا صِفَاتٌ، لَهَا صِفَاتُ الكَمَالِ.\n(الشَّيخُ): مَاذا قَالَ الشَّارِحُ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ عَلَى التَّرجَمةِ؟\n[قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ فِي «فَتْحِ البَارِي» (١٣/ ٣٩٩)]: «قَوْلُهُ: بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «لَا شَخْصَ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ». كَذَا لَهُم، وَوَقعَ عِنْد ابنِ بَطَّالٍ بِلَفْظِ: «أَحَدَ» بَدَلَ «شَخْصَ»، وَكَأَنَّهُ مِنْ تَغْيِيرِهِ، قَوْلُهُ: عَبْدُ الْمَلكِ هُوَ ابنُ عُمَيرٍ، وَالمُغِيرةُ هُوَ ابْنُ شُعْبَةَ كَمَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ فِي أَوَاخِرِ الْحُدُودِ وَالْمُحَارِبِينَ؛\n_________\n(^١) رواه البخاري (٥٢٢٠)، ومسلم (٢٧٦٠).\n(^٢) كلمة غير واضحة.\n(^٣) رواه البخاري (٤٦٣٤)، ومسلم (٢٧٦٠) (٣٣).","vol":"1","page":110},{"text":"فَإِنَّهُ سَاقَ مِنَ الْحَدِيثِ هُنَاكَ بِهَذَا السَّنَدِ إِلَى قَوْلِهِ: «وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي …».\nوَتَقَدَّمَ شَرْحُ الْقَوْلِ الْمَذْكُورِ هُنَاكَ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى غَيْرَةِ اللهِ فِي شَرحِ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَنَّ الْكَلَامَ عَلَيْهِ تَقَدَّمَ فِي شَرْحِ حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ فِي كِتَابِ الْكُسُوفِ.\nقَالَ ابنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: الْمُنَزِّهُونَ للهِ إِمَّا سَاكِتٌ عَنِ التَّأْوِيلِ، وَإِمَّا مُؤَوِّلٌ، وَالثَّانِي يَقُولُ: الْمُرَادُ بِالْغَيْرَةِ: الْمَنْعُ مِنَ الشَّيْءِ وَالْحِمَايَةُ، وَهُمَا مِنْ لَوَازِمِ الْغَيْرَةِ، فَأُطْلِقَتْ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ، كَالْمُلَازَمَةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْأَوْجُهِ الشَّائِعَةِ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ». [انتهى كلامه].\n[قَالَ الإِمَامُ العَينِيُّ ﵀ فِي «عُمدَةِ القَارِي» (٢٥/ ١٠٨)]: «… وَابنُ بَطَّالٍ غيَّرَ قَوْلَهُ: «لَا شَخْصَ» بِقَولِهِ: «لَا أَحَدَ»، وَعَلِيهِ شَرَحَ. وَقَالَ: اخْتلَفتْ أَلْفَاظُ هَذَا الحَدِيثِ فَلمْ يخْتَلِفْ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودِ أَنَّهُ بِلَفْظِ: «لَا أَحَدَ»؛ فَظَهرَ أَنَّ لفْظَ: «شَخْصَ» جَاءَ فِي مَوضِعٍ: «أَحَدَ»، فَكَانَ مِنْ تَصرُّفِ الرَّاوِي.\nقُلتُ: اخْتِلَافُ أَلْفَاظِ الحَدِيثِ هُوَ أَنَّ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ»، وَفِي رِوَايَةِ عَائِشَةَ: «مَا أَحَدٌ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ»، وَفِي رِوَايَةِ أَسْمَاءَ: «لَا شَيْءَ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ»، وَفِي رِوَايَةِ أبِي هُرَيْرَةَ: «إِنَّ اللهَ تَعَالَى يَغَارُ»، كُلُّ ذَلِك مَضَى فِي كِتَابِ النِّكَاحِ فِي بَابَ الْغَيرَةِ، وَرِوَايَةُ ابْن مَسْعُودٍ مُبيِّنَةٌ أَنَّ لَفظَ: «الشَّخْص»، مَوْضُوعٌ مَوضِعَ: «أَحَدَ».\nوَقَالَ الدَّاودِيُّ: فِي قَولِهِ: «لَا شَخْصَ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ»: لمْ يَأْتِ مُتَّصِلًا وَلمْ تَتلَقَّ الْأمَّةُ مِثلَ هَذِه الْأَحَادِيثِ بِالْقبُولِ، وَهُوَ يُتَوقَّى فِي الْأَحْكَامِ الَّتِي لَا تُلجِئُ الضَّرُورَةُ النَّاسَ إِلَى الْعَمَلِ بِهِ.","vol":"1","page":111},{"text":"وَقَالَ الخطَّابِيُّ: إِطْلَاقُ الشَّخصِ فِي صِفَاتِ اللهِ غَيرُ جَائِزٍ؛ لِأَنَّ الشَّخْصَ إِنَّمَا يَكُونُ جِسْمًا مُؤلَّفًا، وَخَليقٌ أَنَّ لَا تَكُونَ هَذِه اللَّفْظَةُ صَحِيحَةً، وَأَنْ تَكُونَ تَصْحِيفًا منَ الرَّاوِي، وَكَثِيرٌ منَ الرُّوَاةِ يُحدِّثُ بِالْمَعْنَى، وَلَيْسَ كُلُّهم فُقَهَاءَ، وَفِي كَلَامِ آحَادِ الرُّوَاةِ جَفَاءٌ وتَعجْرُفٌ، وَقَالَ بَعضُ كِبارِ التَّابِعينَ: «نِعمَ الْمَرْءُ رَبُّنَا، لَوْ أَطَعْناهُ مَا عَصَانَا» وَلَفظُ «الْمَرْءِ» إِنَّمَا يُطلَقُ عَلَى الذُّكُورِ منَ الْآدَمِيّينَ، فَأرْسلَ الْكَلَامَ وَبَقِيَ أَنْ يَكُونَ لَفظُ «الشَّخْصِ» جَرَى عَلَى هَذَا السَّبِيلِ فَاعْتَورَهُ الْفسادُ مِنْ وُجُوهٍ:\nأَحدُهَا: أَنَّ اللَّفْظَ لَا يَثبُتُ إلَّا مِنْ طَرِيقِ السَّمعِ.\nوَالثَّانِي: إِجْمَاعُ الْأمَّة عَلَى الْمَنْعِ مِنْهُ.\nوَالثَّالِثُ: أَنْ مَعْنَاهُ أَنْ يَكُونَ جِسْمًا مُؤلَّفًا فَلَا يُطلَقُ عَلَى اللهِ، وَقدْ مَنعَتِ الْجَهمِيَّةُ إِطْلَاقَ الشَّخْصِ مَعَ قَوْلِهمْ بِالجِسمِ، فَدلَّ ذَلِك عَلَى مَا قُلْنَاهُ منَ الْإِجْمَاعِ عَلَى مَنعِهِ فِي صِفتِهِ ﷿». [انتهى كلامه].\n[قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ فِي «فَتْحِ البَارِي» (١٣/ ٣٩٩)]: «قَالَ ابنُ بَطَّالٍ: أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَجُوزُ أَنْ يُوصَفَ بِأَنَّهُ شَخْصٌ؛ لِأَنَّ التَّوْقِيفَ لَمْ يَرِدْ بِهِ، وَقَدْ مَنَعَتْ مِنْهُ الْمُجَسِّمَةُ مَعَ قَوْلِهِمْ بِأَنَّهُ جِسْمٌ لَا كَالْأَجْسَامِ.\nكَذَا قَالَ، وَالْمَنْقُولُ عَنْهُمْ خِلَافُ مَا قَالَ.\nوَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: لَيْسَ فِي قَوْلِهِ: «لَا شَخْصَ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ» إِثْبَاتُ أَنَّ اللهَ شَخْصٌ، بَلْ هُوَ كَمَا جَاءَ: مَا خَلَقَ اللهُ أَعْظَمَ مِنْ آيَةِ الْكُرْسِيِّ، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إِثْبَاتٌ أَنَّ آيَةَ الْكُرْسِيِّ مَخْلُوقَةٌ، بَلِ الْمُرَادُ أَنَّهَا أَعْظَمُ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ، وَهُوَ كَمَا يَقُولُ مَنْ يَصِفُ امْرَأَةً كَامِلَةَ الْفَضْلِ حَسَنَةَ الْخَلْقِ: مَا فِي النَّاسِ رَجُلٌ يُشْبِهُهَا،","vol":"1","page":112},{"text":"يُرِيدُ تَفْضِيلَهَا عَلَى الرِّجَالِ لَا أَنَّهَا رَجُلٌ.\nوَقَالَ ابن بَطَّالٍ: اخْتَلَفَتْ أَلْفَاظُ هَذَا الْحَدِيثِ، فَلَمْ يُخْتَلَفْ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ بِلَفْظِ: «لَا أَحَدَ»، فَظَهَرَ أَنَّ لَفْظَ «شَخْصَ» جَاءَ مَوْضِعَ «أَحَدَ»، فَكَأَنَّهُ مِنْ تَصَرُّفِ الرَّاوِي …\nثُمَّ قَالَ: … عَلَى أَنَّهُ مِنْ بَاب الْمُسْتَثْنى مِنْ غَيرِ جِنْسِهِ، قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ [النجم: ٢٨] وَلَيْسَ الظَّنُّ مِنْ نَوْعِ الْعِلْمِ.\nقُلْتُ: وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَقَدْ قَرَّرَهُ ابْنُ فَوْرَكٍ، وَمِنْهُ أَخَذهُ ابْنُ بَطَّالٍ، فَقَالَ بَعدَ مَا تَقَدَّمَ مِنَ التَّمْثِيلِ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾: فَالتَّقْدِيرُ أَنَّ الْأَشْخَاصَ الْمَوْصُوفَةَ بِالْغَيْرَةِ لَا تَبْلُغُ غَيْرَتُهَا وَإِنْ تَنَاهَتْ غَيْرَةَ اللهِ تَعَالَى، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَخْصًا بِوَجْهٍ.\nوَأَمَّا الْخَطَّابِيُّ: فَبَنَى عَلَى أَنَّ هَذَا التَّرْكِيبَ يَقْتَضِي إِثْبَاتَ هَذَا الْوَصْفِ لِلهِ تَعَالَى؛ فَبَالَغَ فِي الْإِنْكَارِ وَتَخْطِئَةِ الرَّاوِي، فَقَالَ: إِطْلَاقُ الشَّخْصِ فِي صِفَاتِ اللهِ تَعَالَى غَيرُ جَائِزٍ؛ لِأنَّ الشَّخْصَ لَا يَكُونُ إِلَّا جِسْمًا مُؤَلَّفًا؛ فَخَلِيقٌ أَنْ لَا تَكُونَ هَذِهِ اللَّفْظَةُ صَحِيحَةً، وَأَنْ تَكُونَ تَصْحِيفًا مِنَ الرَّاوِي.\nوَدَلِيلُ ذَلِكَ: أَنَّ أَبَا عَوَانَةَ رَوَى هَذَا الْخَبَرَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ فَلَمْ يَذْكُرْهَا، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ بِلَفْظِ «شَيْءَ»، وَالشَّيْءُ وَالشَّخْصُ فِي الْوَزْنِ سَوَاءٌ، فَمَنْ لَمْ يُمْعِنْ فِي الِاسْتِمَاعِ لَمْ يَأْمَنِ الْوَهْمَ، وَلَيْسَ كُلٌّ مِنَ الرُّوَاةِ يُرَاعِي لَفْظَ الْحَدِيثِ حَتَّى لَا يَتَعَدَّاهُ، بَلْ كَثِيرٌ مِنْهُمْ يُحَدِّثُ بِالْمَعْنَى، وَلَيْسَ كُلُّهُمْ فَهِمًا، بَلْ فِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ جَفَاءٌ وَتَعَجْرُفٌ، فَلَعَلَّ لَفْظَ: «شَخْص» جَرَى عَلَى هَذَا السَّبِيلِ إِنْ لَمْ يَكُنْ غَلَطًا مِنْ قَبِيلِ التَّصْحِيفِ - يَعْنِي السَّمْعِيَّ.","vol":"1","page":113},{"text":"قَالَ: ثُمَّ إِنَّ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو انْفَرَدَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ فَلَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ، وَاعْتَوَرَهُ الْفَسَادُ مِنْ هَذِهِ الْأَوْجُهِ.\nوَقَدْ تَلَقَّى هَذَا عَنِ الْخَطَّابِيِّ أَبُو بَكْرِ بْنُ فَوْرَكٍ فَقَالَ: لَفْظُ «الشَّخْصِ» غَيْرُ ثَابِتٍ مِنْ طَرِيقِ السَّنَدِ، فَإِنْ صَحَّ فَبَيَانُهُ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ وَهُوَ قَوْلُهُ: «لَا أَحَدَ» فَاسْتَعْمَلَ الرَّاوِي لَفْظَ «شَخْصَ» مَوْضِعَ «أَحَدَ» … ثمَّ ذكر نَحْو مَا تَقدَّمَ عَنِ ابْنِ بَطَّالٍ، وَمِنْهُ أَخذَ ابنُ بَطَّالٍ.\nثمَّ قَالَ ابن فَوْرَكٍ: وَإِنَّمَا مَنَعَنَا مِنْ إِطْلَاقِ لَفْظِ الشَّخْصِ أُمُورٌ:\nأَحَدُهَا: أَنَّ اللَّفْظَ لَمْ يَثْبُتْ مِنْ طَرِيقِ السَّمْعِ.\nوَالثَّانِي: الْإِجْمَاعُ عَلَى الْمَنْعِ مِنْهُ.\nوَالثَّالِثُ: أَنَّ مَعْنَاهُ الْجِسْمُ الْمُؤَلَّفُ الْمُرَكَّبُ.\nثُمَّ قَالَ: وَمَعْنَى الْغَيْرَةِ: الزَّجْرُ وَالتَّحْرِيمُ، فَالْمَعْنَى أَنَّ سَعْدًا الزَّجُورُ عَنِ الْمَحَارِمِ، وَأَنَا أَشَدُّ زَجْرًا مِنْهُ، وَاللهُ أَزْجَرُ مِنَ الْجَمِيعِ. انْتَهَى.\nوَطَعْنُ الْخَطَّابِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ فِي السَّنَدِ مَبْنِيٌّ عَلَى تَفَرُّدِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو بِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَكَلَامُهُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ لَمْ يُرَاجِعْ «صَحِيحَ مُسْلِمٍ» وَلَا غَيْرَهُ مِنَ الْكُتُبِ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا هَذَا اللَّفْظُ مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو.\nوَرَدُّ الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ وَالطَّعْنُ فِي أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ الضَّابِطِينَ مَعَ إِمْكَانِ تَوْجِيهِ مَا رَوَوْا مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي أَقْدَمَ عَلَيْهَا كَثِيرٌ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الحَدِيثِ، وَهو يقْتضي قُصُورَ فَهْمِ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: لَا حَاجَةَ لِتَخْطِئَةِ الرُّوَاةِ الثِّقَات، بَلْ حُكْمُ هَذَا حُكْمُ سَائِرِ الْمُتَشَابِهَاتِ إِمَّا التَّفْوِيضُ،","vol":"1","page":114},{"text":"وَإِمَّا التَّأْوِيلُ.\nوَقَالَ عِيَاضٌ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ مَعْنَى قَوْلِهِ: «وَلَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنَ اللهِ» أَنَّهُ قَدَّمَ الْإِعْذَارَ وَالْإِنْذَارَ قَبْلَ أَخْذِهِمْ بِالْعُقُوبَةِ، وَعَلَى هَذَا لَا يَكُونُ فِي ذِكْرِ الشَّخْصِ مَا يُشْكِلُ.\nكَذَا قَالَ، وَلَمْ يَتَّجِهْ أَخْذُ نَفْيِ الْإِشْكَالِ مِمَّا ذُكِرَ.\nثُمَّ قَالَ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَفْظُ «الشَّخْصِ» وَقَعَ تَجَوُّزًا مِنْ «شَيْءَ» أَوْ «أَحَدَ»، كَمَا يَجُوزُ إِطْلَاقُ الشَّخْصِ عَلَى غَيْرِ اللهِ تَعَالَى، وَقَدْ يَكُونُ الْمُرَادُ بِالشَّخْصِ الْمُرْتَفِعُ؛ لِأَنَّ الشَّخْصَ هُوَ مَا ظَهَرَ وَشَخَصَ وَارْتَفَعَ؛ فَيَكُونُ الْمَعْنَى: لَا مُرْتَفِعَ أَرْفَعُ مِنَ اللهِ كَقَوْلِهِ: لَا مُتَعَالِي أَعْلَى مِنَ اللهِ … قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: لَا يَنْبَغِي لِشَخْصٍ أَنْ يَكُونَ أَغْيَرَ مِنَ اللهِ تَعَالَى، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ لَمْ يُعَجِّلْ وَلَا بَادَرَ بِعُقُوبَةِ عَبْدِهِ لِارْتِكَابِهِ مَا نَهَاهُ عَنْهُ، بَلْ حَذَّرَهُ وَأَنْذَرَهُ، وَأَعْذَرَ إِلَيْهِ وَأَمْهَلَهُ؛ فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَأَدَّبَ بِأَدَبِهِ وَيَقِفَ عِنْدَ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، وَبِهَذَا تَظْهَرُ مُنَاسَبَةُ تَعْقِيبِهِ بِقَوْلِهِ: «وَلَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنَ اللهِ».\nوَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: أَصْلُ وَضْعِ الشَّخْصِ -يَعْنِي فِي اللُّغَةِ- لِجِرْمِ الْإِنْسَانِ وَجِسْمِهِ، يُقَالُ: شَخْصُ فُلَانٍ وَجُثْمَانُهُ، وَاسْتُعْمِلَ فِي كُلِّ شَيْءٍ ظَاهِرٍ يُقَالُ: شَخَصَ الشَّيْءُ إِذَا ظَهَرَ.\nوَهَذَا الْمَعْنَى مُحَالٌ عَلَى اللهِ تَعَالَى فَوَجَبَ تَأْوِيلُهُ، فَقِيلَ: مَعْنَاهُ: لَا مُرْتَفِعَ، وَقِيلَ: لَا شَيْءَ وَهُوَ أَشْبَهُ مِنَ الْأَوَّلِ، وَأَوْضَحُ مِنْهُ: لَا مَوْجُودَ أَوْ لَا أَحَدَ، وَهُوَ أَحْسَنُهَا، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، وَكَأَنَّ لَفْظَ «الشَّخْصِ» أُطْلِقَ مُبَالَغَةً فِي إِثْبَاتِ إِيمَانِ مَنْ يَتَعَذَّرُ عَلَى فَهْمِهِ مَوْجُودٌ لَا يُشْبِهُ شَيْئًا مِنَ الْمَوْجُودَاتِ؛ لِئَلَّا","vol":"1","page":115},{"text":"يُفْضِيَ بِهِ ذَلِكَ إِلَى النَّفْيِ وَالتَّعْطِيلِ، وَهُوَ نَحْوُ قَوْلِهِ ﷺ لِلْجَارِيَةِ: «أَيْنَ اللهُ؟». قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ. فَحَكَمَ بِإِيمَانِهَا مَخَافَةَ أَنْ تَقَعَ فِي التَّعْطِيلِ لِقُصُورِ فَهْمِهَا عَمَّا يَنْبَغِي لَهُ مِنْ تَنْزِيهِهِ مِمَّا يَقْتَضِي التَّشْبِيهَ، تَعَالَى اللهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا.\n• تَنْبِيهٌ: لَمْ يُفْصِحِ الْمُصَنِّفُ بِإطلَاق «الشَّخْصِ» عَلَى اللهِ، بَلْ أَوْرَدَ ذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ الِاحْتِمَالِ، وَقَدْ جَزَمَ فِي الَّذِي بَعْدَهُ، فَتَسْمِيَتُهُ شَيْئًا لِظُهُورِ ذَلِكَ فِيمَا ذَكَرَهُ مِنَ الْآيَتَيْنِ». [انتهى كلامه].\nقَالَ ابْنُ بَازٍ ﵀: الحَقِيقةُ أنَّ كَثِيرًا منَ النَّاسِ يَعتَمِدُ فَهمَهُ وَرَأيَهُ وَمَا وقع فِي نَفْسهِ منَ التَّشْبيهِ؛ فَلِهذَا يُقدِمُ عَلَى إِنْكارِ الرِّوَايَاتِ عَلَى غَيرِ بَصِيرَةٍ، فَالعُمدَةُ فِي هَذَا الرِّوايَةُ، مَتَى ثَبَتتْ لمْ يَجُزْ تَغْليطُ الرُّوَاةِ بِمُجرَّدِ الرَّأيِ وَالظَّنِّ وَالحَدَسِ، فَإِذَا ثَبتَتْ رِوَايةُ «لَا شَخْصَ» فَلَيسَ فِيهَا مَحْذُورٌ، وَالمُرَادُ: لَا ذَاتَ وَلَا شَيءَ وَلَا أَحدَ؛ لِأنَّهُ شَخْصٌ قَائِمٌ بِنَفسِهِ، ذَاتٌ قَائِمةٌ بِنَفْسهَا، كُلُّ شَيءٍ قَائِمٌ بِنفْسِهِ، مَا فِي مَانِعٌ مِنْ أنْ يُطلَقَ عَليْهِ شَخصٌ لِوُجُودِ قِيامِهِ بِنَفْسهِ وَاْستِقلَالِهِ بِنَفسِهِ.\nفلَا يَلْزمُ مِنْ تَسْميَتهِ بِهذَا الاسْمِ أنْ يَكُونَ مُشَابِهًا لِلْمَخلُوقَاتِ، كَمَا لَا يَلْزمُ مِنْ تَسْمِيتِهِ وَاحِدًا وَلَا أَحدًا أنْ يَكُونَ مُشَابهًا لِلْمخْلُوقَاتِ، وَلَا يَلْزمُ مِنْ تَسْميتِهِ سَمِيعًا وَبَصِيرًا وَعَالِمًا وَقَدِيرًا مُشَابَهتُهُ لِلْقادِرِينَ وَالسَّامِعينَ وَالمُبْصِرِينَ، كُلُّ هَذَا بَابُهُ وَاحدٌ.\nفَالعُمْدةُ الرِّوَايةُ، مَتَى ثَبَتتِ الرِّوَايةُ فَالمُرَادُ عَلَى وَجهٍ لَا يُشَابهُ فِيهِ المَخْلُوقِينَ، فهُوَ أَحدٌ لَا يُشَابهُ المَخْلوقِينَ، شَخصٌ لَا يُشَابِهُ المَخْلوقِينَ إِلَى غَيرِ ذَلِك، البَابُ وَاحِدٌ، فَالعُمدَةُ الرِّوَايةُ.","vol":"1","page":116},{"text":"<s0>  عَفَا اللهُ عَنْكَ: إِطْلاقُ الشَّخصِ أوِ الشَّيءِ عَلَى اللهِ مِنْ بَابِ الخَبرِ أوْ مِنْ بَابِ الوَصْفِ؟\n<s1>  مِنْ بَابِ الخَبرِ وَالوَصْفِ جَمِيعًا، شَخْصٌ لَا يُشبِهُ الأَشْخَاصَ، سَمِيعٌ لَا يُشبِهُ السَّامِعِينَ، عَلِيمٌ لَا يُشْبهُ العُلَمَاءَ، وَقَدِيرٌ لَا يُشْبهُ القَادِرِينَ، وَمَا أَشْبهَ ذَلِك.\nوَالشَّارحُ أَشَارَ إِلَى أنَّهَا رَواهَا مُسْلمٌ، وَلِهذَا قَالَ: مَا تَأمَّلَ «صَحِيحَ مُسْلمٍ» وَالمُؤلِّفُ مَا سَاقَهَا بِالسَّندِ هُنا، سَاقَهَا مُعلِّقًا، فَيَحْتاجُ إِلَى تَتبُّعِ الرِّوَايَاتِ فِي مُسلِمٍ وَغَيرِ مُسلِمٍ؛ فَإِذَا ثَبتَتْ بِهذَا اللَّفظِ فَلَا وَجهَ لِلْإنْكارِ، دَعْوَى الإِجْماعِ لَا وَجهَ لهَا، لَعلَّهَا سَمَاحًا.\nالمَقْصودِ: أنَّ البَابَ وَاحِدٌ وهُوَ بَابُ التَّنْزيهِ، بَابُ الإِثْبَاتِ وَبَابُ التَّنْزِيهِ دُونَ التَّأْوِيلِ، وَالمُنزِّهُونَ مِثلُ مَا قَالَ ابنُ دَقِيقٍ ﵀: قِسْمانِ:\n١ - قِسمٌ: أَمِرُّوهَا كَمَا جَاءَتْ مِنْ غَيرِ تَأْويلٍ.\n٢ - وَقِسمٌ: أَوَّلُوا لِلتَّنْزيهِ وَغَلِطُوا.\nوَأَهلُ السُّنَّةِ وَالجَماعَةِ يُمِرُّونَها كَمَا جَاءَتْ، مِنْ غَيرِ تَأْويلٍ وَلَا تَحْريفٍ وَلَا تَعْطيلٍ وَلَا تَشْبيهٍ، هَذَا عَملُ الصَّحابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ، إِمْرارُهَا كَمَا جَاءَتْ، مَع إِثْباتِ أَلْفاظِهَا وَاعْتِقادِ أنَّهَا حَقٌّ، وَأنَّهَا ثَابِتةٌ، وَأنَّهَا لَائِقةٌ بِاللهِ مِنْ غَيرِ أنْ يُشابِهَ خَلْقَهُ فِي شَيءٍ مِنْ صِفاتِهِ جل وعلا.\nوَكَانَ الوَاجِبُ عَلَى الشَّارِحِ أنْ يَعْتنِيَ بِالرِّوَايةِ، وَيذْكُرَ من خَرَّجَها وَتَطْبيقَهَا، وَيَذكُرَ رِوايَةَ مُسْلمٍ وَيَعْتنِيَ هُوَ وَالعَينِيُّ وَلكِنْ أَعْرضُوا عَنْها.","vol":"1","page":117},{"text":"أَحَدُ الطَّلبَةِ: ذَكرَ يَا شَيخُ، مَا قَرأَهَا؟\n(الشَّيخُ): مَا قَرَأتَ شَيْئًا.\n[قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ فِي «فَتْحِ البَارِي» (١٣/ ٤٠٠): «قَولُهُ: «لَا شَخْصَ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ» يَعْنِي: أَنَّ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو رَوَى الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ أَوَّلًا فَقَالَ: «لَا شَخْصَ» بَدَلَ قَوْلِهِ: «لَا أَحَدَ»، وَقَدْ وَصَلَهُ الدَّارِمِيُّ عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ عَدِيٍّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ وَرَّادٍ مَوْلَى الْمُغيرَةِ، عَنِ الْمُغِيرَةِ قَالَ: «بَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ يَقُولُ …» فَذَكَرَهُ بِطُولِهِ.\nوَسَاقَهُ أَبُو عوَانَةَ يَعْقُوبُ الإِسْفرايِينِيُّ فِي «صَحِيحِهِ» عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الْعَطَّارِ، عَنْ زَكَرِيَّا بِتَمَامِهِ وَقَالَ فِي الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ: «لَا شَخْصَ».\nقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ -بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيِّ، وَأَبِي كَامِلٍ فُضَيْلِ بْنِ حُسَيْنٍ الْجَحْدَرِيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ، ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ أَبِي عَوَانَةَ الْوَضَّاحِ الْبَصْرِيِّ بِالسَّنَدِ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، لَكِنْ قَالَ فِي الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ: «لَا شَخْصَ»، بَدَلَ «لَا أَحَدَ» ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ طَرِيقِ زَائِدَةَ بْنِ قُدَامَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ كَذَلِكَ: فَكَأَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ لَمْ تَقَعْ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ فِي حَدِيثِ أَبِي عَوَانَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ؛ فَلِذَلِكَ عَلَّقَهَا عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو.\nقُلْتُ: وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنِ الْقَوَارِيرِيِّ، وَأَبِي كَامِلٍ كَذَلِكَ، وَمِنْ طَرِيقِ زَائِدَة أَيْضًا». [انتهى كلامه].\nقَالَ ابْنُ بَازٍ ﵀: تَركْتَ هَذَا، وهَذَا مُهِمٌّ. إِذَا ثَبتَتِ الرِّوايَةُ فَلَا","vol":"1","page":118},{"text":"كَلامَ لِأحَدٍ.\n\n<s0>  يَا شَيخُ، حَفِظكَ اللهُ، لَكِن تَوجِيهُ «لَا شَخْصَ» عَلَى المَفْهومِ، يَعنِي: هُوَ مَا قَالَ: إنَّ اللهَ شَخصٌ، وَإنَّمَا قَالَ: «لَا شَخْصَ» إنَّمَا نَفَى هَذَا عَلَى الاسْتِثنَاءِ؟\n<s1> مَفْهومُهُ أنَّهُ يُوصَفُ بِأنَّهُ شَخْصٌ، لَيسَ كَالأَشْخاصِ.\n\n<s0>  أَحْسَنَ اللهُ إِليْكَ، التَّأْويلُ مِنْ بَابِ التَّكلُّفِ؟\n<s1> نَعمْ، مِنْ بَابِ التَّكلُّفِ، وَكَلامُ الخَطَّابيُّ رَدِيءٌ، كَلامُ الخَطَّابِيُّ فِي هَذَا رَدِيءٌ لَيسَ بِجيِّدٍ، عَفَا اللهُ عَنَّا وَعنْهُ، تُهمَتهُ لِلرُّواةِ وَالكَلامُ بِالعَجْرفَةِ سُوءُ أَدبٍ.\n* * *","vol":"1","page":119},{"text":"<span data-type='title' id=toc-39>باب ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام:</span> ١٩]\n«فَسَمَّى اللهُ تَعَالَى نَفْسَهُ شَيْئًا، وَسَمَّى النَّبِيُّ ﷺ القُرْآنَ شَيْئًا، وَهُوَ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ اللهِ»، وَقَالَ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]\n\n٧٤١٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِرَجُلٍ: «أَمَعَكَ مِنَ القُرْآنِ شَيْءٌ؟»، قَالَ: نَعَمْ، سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا، لِسُوَرٍ سَمَّاهَا (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-40>باب ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧]، ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة:</span> ١٢٩]\nقَالَ أَبُو العَالِيَةِ: ﴿اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ٢٩]: «ارْتَفَعَ»، ﴿فَسَوَّاهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٩]: «خَلَقَهُنَّ» وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿اسْتَوَى﴾ [البقرة: ٢٩]: «عَلَا» ﴿عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿الْمَجِيدِ﴾ [ق: ١]: «الكَرِيمُ»، وَ﴿الْوَدُودُ﴾ [البروج: ١٤]: «الحَبِيبُ»، يُقَالُ: «حَمِيدٌ مَجِيدٌ، كَأَنَّهُ فَعِيلٌ مِنْ مَاجِدٍ، مَحْمُودٌ مِنْ حُمِدَ».\n_________\n(^١) ورواه مسلم (١٤٢٥).","vol":"1","page":120},{"text":"٧٤١٨ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو حَمْزَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، قَالَ: إِنِّي عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ جَاءَهُ قَوْمٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، فَقَالَ: «اقْبَلُوا البُشْرَى يَا بَنِي تَمِيمٍ». قَالُوا: بَشَّرْتَنَا فَأَعْطِنَا. فَدَخَلَ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ اليَمَنِ، فَقَالَ: «اقْبَلُوا البُشْرَى يَا أَهْلَ اليَمَنِ، إِذْ لَمْ يَقْبَلْهَا بَنُو تَمِيمٍ». قَالُوا: قَبِلْنَا، جِئْنَاكَ لِنَتَفَقَّهَ فِي الدِّينِ، وَلِنَسْأَلَكَ عَنْ أَوَّلِ هَذَا الأَمْرِ مَا كَانَ؟ قَالَ: «كَانَ اللهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ، ثُمَّ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ». ثُمَّ أَتَانِي رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا عِمْرَانُ أَدْرِكْ نَاقَتَكَ فَقَدْ ذَهَبَتْ، فَانْطَلَقْتُ أَطْلُبُهَا، فَإِذَا السَّرَابُ يَنْقَطِعُ دُونَهَا، وَايْمُ اللهِ لَوَدِدْتُ أَنَّهَا قَدْ ذَهَبَتْ وَلَمْ أَقُمْ.\n\n٧٤١٩ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ، حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «إِنَّ يَمِينَ اللهِ مَلْأَى لَا يَغِيضُهَا نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَنْقُصْ مَا فِي يَمِينِهِ، وَعَرْشُهُ عَلَى المَاءِ، وَبِيَدِهِ الأُخْرَى الفَيْضُ - أَوِ القَبْضُ - يَرْفَعُ وَيَخْفِضُ» (^١).\n\n<s2>\nقَالَ ابْنُ بَازٍ ﵀: وفِي رِوايَةٍ أُخْرَى: «القِسْطُ»، يَعنِي: العَدلَ، بِيدِهِ العَدلُ ﷾.\n_________\n(^١) ورواه مسلم (٩٩٣).","vol":"1","page":121},{"text":"٧٤٢٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ المُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: جَاءَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ يَشْكُو، فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: «اتَّقِ اللهَ، وَأَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ». قَالَ أَنَسٌ: لَوْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ كَاتِمًا شَيْئًا لَكَتَمَ هَذِهِ، قَالَ: فَكَانَتْ زَيْنَبُ تَفْخَرُ عَلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ تَقُولُ: زَوَّجَكُنَّ أَهَالِيكُنَّ، وَزَوَّجَنِي اللهُ تَعَالَى مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَوَاتٍ.\nوَعَنْ ثَابِتٍ: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ﴾ [الأحزاب: ٣٧]، «نَزَلَتْ فِي شَأْنِ زَيْنَبَ وَزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ».\n\n٧٤٢١ - حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ طَهْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁، يَقُولُ: «نَزَلَتْ آيَةُ الحِجَابِ فِي زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، وَأَطْعَمَ عَلَيْهَا يَوْمَئِذٍ خُبْزًا وَلَحْمًا، وَكَانَتْ تَفْخَرُ عَلَى نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ، وَكَانَتْ تَقُولُ: إِنَّ اللهَ أَنْكَحَنِي فِي السَّمَاءِ» (^١).\n\n<s2>\nهَذَا أَحدُ الأَحَادِيثِ الثُّلَاثيَّةِ لِلبُخارِيِّ ﵀، وهِيَ لَهُ ثَلَاثةٌ وَعِشْرونَ حَدِيثًا رَوَاهَا بِسنَدٍ ثُلاثِيٍّ.\n_________\n(^١) ورواه مسلم (١٤٢٨).","vol":"1","page":122},{"text":"تَكلَّمَ عَليْهِ الشَّارحُ أوِ العَينِيُّ؟\n[قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ فِي «فَتْحِ البَارِي» (١٣/ ٤١٢)]: «وَهُوَ آخِرُ مَا وَقَعَ فِي «الصَّحِيحِ» مِنْ ثُلَاثِيَّاتِ الْبُخَارِيِّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ لِعِيسَى حَدِيثٌ آخَرُ فِي اللِّبَاسِ، لَكِنَّهُ لَيْسَ ثُلَاثِيًّا، وَلَفْظُهُ هُنَا: وَكَانَتْ تَفْخَرُ عَلَى نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ وَكَانَتْ تَقُولُ: إِنَّ اللهَ أَنْكَحَنِي فِي السَّمَاءِ». [انتهى كلامه].\n[قَالَ الإِمَامُ العَينِيُّ ﵀ فِي «عُمدَة القَارِي» (٢٥/ ١١٤)]: «وَهَذَا هُوَ الحَدِيث الثَّالِث وَالْعشْرُونَ مِنْ ثُلاثِيَّاتِ البُخَارِيِّ وَهُوَ آخِرُ الثُّلَاثِيَّاتُ.\nوالْحَدِيثُ أَخْرجَهُ النَّسَائِيُّ فِي عِشْرَةِ النِّسَاءِ عَنْ إِسْحَاقَ بنِ إِبْرَاهِيمَ، وَفِي النِّكَاحِ عَنْ أَحْمدَ بنِ يَحيَى الصُّوفِيِّ». [انتهى كلامه].\nقَالَ ابْنُ بَازٍ ﵀: المَقْصُودُ أنَّهَا ثَلاثَةٌ وَعِشْرونَ، رَوَاهَا مِنْ طَرِيقِ ثَلاثَةٍ: شَيخِهِ وَالتَّابِعيِّ وَالصَّحابِيِّ، وَقدْ شَرحَهَا السَّفارِينِيُّ فِي مُؤلَّفٍ مُفْرَدٍ. لَا (^١) لِلسَّفارِينِيِّ شَرحُ ثُلَاثِيَّاتِ أَحْمدَ ﵀ (^٢).\n\n٧٤٢٢ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «إِنَّ اللهَ لَمَّا قَضَى الخَلْقَ، كَتَبَ عِنْدَهُ فَوْقَ عَرْشِهِ: إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي» (^٣).\n\n٧٤٢٣ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ،\n_________\n(^١) استدراك من الشيخ ﵀ لما وقع منه من سبق لسان، وبيان أن شرح السفاريني إنما هو لثلاثيات أحمد ﵀.\n(^٢) وحبذا لو شرح أحد العلماء ثلاثيات الإمام البخاري ﵀.\n(^٣) ورواه مسلم (٢٧٥١).","vol":"1","page":123},{"text":"قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنِي هِلَالٌ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ، وَأَقَامَ الصَّلَاةَ، وَصَامَ رَمَضَانَ، كَانَ حَقًّا عَلَى اللهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، هَاجَرَ فِي سَبِيلِ اللهِ، أَوْ جَلَسَ فِي أَرْضِهِ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلَا نُنَبِّئُ النَّاسَ بِذَلِكَ؟ قَالَ: «إِنَّ فِي الجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ، أَعَدَّهَا اللهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ، كُلُّ دَرَجَتَيْنِ مَا بَيْنَهُمَا كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللهَ فَسَلُوهُ الفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الجَنَّةِ، وَأَعْلَى الجَنَّةِ، وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الجَنَّةِ».\n\n٧٤٢٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: دَخَلْتُ المَسْجِدَ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ جَالِسٌ، فَلَمَّا غَرَبَتِ الشَّمْسُ قَالَ: «يَا أَبَا ذَرٍّ، هَلْ تَدْرِي أَيْنَ تَذْهَبُ هَذِهِ؟»، قَالَ: قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «فَإِنَّهَا تَذْهَبُ تَسْتَأْذِنُ فِي السُّجُودِ فَيُؤْذَنُ لَهَا، وَكَأَنَّهَا قَدْ قِيلَ لَهَا: ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ، فَتَطْلُعُ مِنْ مَغْرِبِهَا، ثُمَّ قَرَأَ: ذَلِكَ مُسْتَقَرٌّ لَهَا» فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللهِ (^١).\n\n٧٤٢٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ السَّبَّاقِ، أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي\n_________\n(^١) ورواه مسلم (١٥٩).","vol":"1","page":124},{"text":"عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ السَّبَّاقِ، أَنَّ زَيْدَ ابْنَ ثَابِتٍ، حَدَّثَهُ قَالَ: «أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ فَتَتَبَّعْتُ القُرْآنَ، حَتَّى وَجَدْتُ آخِرَ سُورَةِ التَّوْبَةِ مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ الأَنْصَارِيِّ، لَمْ أَجِدْهَا مَعَ أَحَدٍ غَيْرِهِ»، ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] حَتَّى خَاتِمَةِ بَرَاءَةَ.\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ بِهَذَا، وَقَالَ: مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ الأَنْصَارِيِّ.\n\n٧٤٢٦ - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي العَالِيَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ عِنْدَ الكَرْبِ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ العَلِيمُ الحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَرَبُّ الأَرْضِ وَرَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ» (^١).\n\n<s2>\n(الشَّيخُ): كَذَا عِنْدكُم كُلّكُم «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ العَلِيمُ الحَلِيمُ»؟\n(الطَّلبَةُ): إِي نَعمْ.\nقَالَ ابْنُ بَازٍ ﵀: فِي الرِّوايَةِ الأُخرَى: «العَظِيمُ الحَلِيمُ».\n_________\n(^١) ورواه مسلم (٢٧٣٠).","vol":"1","page":125},{"text":"٧٤٢٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ ﷺ: «يَصْعَقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى آخِذٌ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ العَرْشِ» (^١).\n\n٧٤٢٨ - وَقَالَ المَاجِشُونُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الفَضْلِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ بُعِثَ، فَإِذَا مُوسَى آخِذٌ بِالعَرْشِ» (^٢).\n\n<s2>\nفِي الرِّواية المحَفْوظَةِ: «أَوَّلَ مَنْ يَفِيقُ» (^٣). لِأنَّ هَذَا صَعقَةٌ فِي المَوقِفِ غَيرَ صَعقَةِ المَوتِ وَالفَزعِ، وَلِهذَا الرِّوايَةُ المَحْفوظَةُ: «أَوَّلَ مَنْ يَفِيقُ».\n(الشَّيخُ): رَاجِعِ الكَلَامَ عَلَى أَبِي خُزَيمَةَ بْنِ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيِّ ﵁.\n\n<s0>  يَا شَيخُ، يُصْعَقُونَ أو يَصْعَقُونَ؟\n<s1> يُقَالُ: يُصْعقُونَ، وَيُقالُ: يَصْعَقُونَ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [الزمر: ٦٨]، صَعِقَ: يَصْعقُونَ، يُقَالُ: يَصْعَقونَ، وَيُقالُ: يُصْعَقونَ.\n[قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ فِي «تَقْريبِ التَّهذيبِ» (٥٣٠١)]: «عِيسَى بْنُ طَهْمانَ\n_________\n(^١) ورواه مسلم (٢٣٧٤).\n(^٢) ورواه مسلم (٢٣٧٣).\n(^٣) ورواه البخاري (٢٤١١).","vol":"1","page":126},{"text":"الجُشَمِيُّ -بِضمِّ الجِيمِ وَفَتحِ المُعْجمَةِ- أَبُو بَكرٍ البَصرِيُّ، نَزِيلُ الكُوفَةِ، صَدُوقٌ، أَفْرطَ فِيهِ ابْنُ حِبَّانَ، وَالذَّنبُ فِيمَا اسْتَنكَرَهُ مِنْ حَدِيثِهِ لِغَيرِهِ، مِنَ الخَامِسةِ، خ تم س».\n(الشَّيخُ): رَاجِعْ إِبْراهِيمَ بْنَ طَهْمانَ؟\n[قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ فِي «تَقْريبِ التَّهذيبِ» (١٨٩)]: «إِبْراهِيمُ بنُ طَهْمانَ الخُرَاسَانِيُّ أَبُو سَعِيدٍ، سَكنَ نَيْسَابُورَ ثمَّ مكَّةَ، ثِقةٌ يُغرِبُ، وَتُكُلِّمَ فِيهِ لِلإِرْجاءِ، وَيُقالُ: رَجعَ عَنهُ، مِنَ السَّابِعةِ، مَاتَ سَنةَ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ، ع».\n\n<s0>  يَا شَيخُ رِوَايَةُ: «فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ بُعِثَ» وَهْمٌ؟\n<s1> وهْمٌ، مِثلُ مَا نبَّهَ ابنُ القِيِّمِ ﵀ فِي كِتابِ «الرُّوحِ»، وَالصَّوَابُ: «أَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَفِيقُ»؛ لِأنَّ هذِهِ صَعْقةٌ لِلْقضَاءِ يَومَ القِيَامةِ بَعدَ البَعْثِ وَالنُّشُورِ.\n\n<s0>  فِي مَوقِفِ القِيامَةِ؟\n<s1> فِي مَوقِفِ القَيامَةِ، المَشْهورُ عِنْدَ مَجِيئِهِ جل وعلا لِلفَصْلِ بَينَ عِبَادِهِ.\n[قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ فِي «فَتْحِ البَارِي» (١٣/ ٤١٤)]: «السَّابِعُ: حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فِي جَمْعِ الْقُرْآنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ: آخِرُ سُورَةِ «بَرَاءَةَ» الْمُشَارُ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] إِلَى قَوْلهِ: ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (١٢٩)﴾ [التوبة: ١٢٩]؛ لِأَنَّهُ أَثْبَتَ أَنَّ لِلْعَرْشِ رَبًّا، فَهُوَ مَرْبُوبٌ وَكُلُّ مَرْبُوبٍ مَخْلُوقٌ. وَمُوسَى شَيْخُهُ فِيهِ هُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ، وَإِبْرَاهِيمُ شَيْخُ شَيْخِهِ فِي السَّنَدِ الْأَوَّلِ هُوَ ابْنُ سَعْدٍ.\nوَرِوَايَةُ اللَّيْثِ الْمُعَلَّقَةُ تَقَدَّمَ ذِكْرُ مَنْ وَصَلَهَا فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ «بَرَاءَةَ»، وَرِوَايَتُهُ المسندةُ تَقَدَّمَ سِيَاقُهَا فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ مَعَ شَرْحِ الحَدِيث». [انتهى كلامه].","vol":"1","page":127},{"text":"قَالَ ابْنُ بَازٍ ﵀: إِبْراهِيمُ بنُ طَهْمانَ مَا لَهُ صِلةٌ بِعِيسَى بنِ طَهْمانَ، شَارَكهُ فِي الأَبِ فَقطْ، اشْتَركَا فِي الأَبِ.\n\n<s0>  أَحْسَنَ اللهُ إِليْكَ، هُنَا غَايَرَ بَينَ التَّرْجمَتينِ، قَوْلهُ هُنَا: فَسمَّى اللهُ نَفسَهُ شَيْئًا، وَهْنَاكَ مَا قَالَ: فَسمَّى اللهُ نَفْسهُ شَخْصًا؟\n(الشَّيخُ): فِي أيِّ بَابٍ؟\n(القَارِئُ): فِي بَابِ: قَولِ النَّبيِّ ﷺ: «لَا شَخْصَ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ»، التَّرجَمةُ الَّتِي بَعْدهَا اسْتَنبَطَ مِنْها التَّسمِيَةَ، فَقَالَ: فَسمَّى اللهُ نَفْسَهُ شَيْئًا، وَلمْ يَسْتنْبِطْ مِنَ التَّرجَمَةِ الأُولَى.\nقَالَ ابْنُ بَازٍ ﵀: لِأنَّهُ نَصُّ القُرآنِ، نَقلَ نَصَّ القُرْآنِ، هُناكَ أَمَرَّ كَمَا جَاءَ، مَا أَحبَّ أنْ يَدخُلَ فِي المَوضُوعِ، يَكْفِي رِوايَتُهُ، يَعنِي، تَكفِي الرِّوايَةُ، يَعنِي: يُطلَقُ عَلَى اللهِ: شَخصٌ لَا كَالأَشْخاصِ، وَشَيءٌ لَا كَالأَشْياءِ، مِنْ بَابِ الخَبرِ.\n* * *","vol":"1","page":128},{"text":"<span data-type='title' id=toc-41>باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤]، وَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر:</span> ١٠].\nوَقَالَ أَبُو جَمْرَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، بَلَغَ أَبَا ذَرٍّ مَبْعَثُ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ لِأَخِيهِ: اعْلَمْ لِي عِلْمَ هَذَا الرَّجُلِ، الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ يَأْتِيهِ الخَبَرُ مِنَ السَّمَاءِ وَقَالَ مُجَاهِدٌ: «العَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُ الكَلِمَ الطَّيِّبَ» يُقَالُ: ﴿ذِي الْمَعَارِجِ﴾ [المعارج: ٣]: «المَلَائِكَةُ تَعْرُجُ إِلَى اللهِ»\n\n٧٤٢٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ: مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ العَصْرِ وَصَلَاةِ الفَجْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ فَيَسْأَلُهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ، فَيَقُولُ: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ» (^١).\n\n<s2>\nهذِهِ مِنْ نِعمِ اللهِ العَظِيمَةِ، كَونُ المَلَائكَةِ يَحضُرُونَ صَلَاةَ المُسْلِمِينَ وَيَجْتمِعُونَ مَعهُمْ فِيهَا -مَلَائكَةُ اللَّيلِ وَمَلائِكةُ النَّهَارِ- يَتَعارَفُونَ عَلَى هَؤُلاءِ\n_________\n(^١) ورواه مسلم (٦٣٢).","vol":"1","page":129},{"text":"العِبَادِ، وَيطَّلِعونَ عَلَى أَخْبارِهِم وَشُؤونِهِم، وَيَجْتمِعُونَ فِي صَلَاةِ الفَجرِ وَصَلاةِ العَصرِ -مَلَائكَةُ اللَّيلِ وَمَلائِكةُ النَّهَارِ- ثمَّ يَصْعدُ الَّذينَ بَاتُوا بَعدَ صَلَاةِ الفَجرِ، وَيصْعدُ الَّذينَ فِينَا فِي النَّهَارِ بَعدَ العَصرِ، وَاللهُ يَسْألُهمْ -وَهُوَ أَعْلمُ ﷾- كَيفَ تَرَكتْمُ عِبَادِي؟ يَقُولُونَ: «تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ». شَهادَةٌ منَ المَلَائِكةِ لِأُولئِكَ الَّذينَ حَضَروهُمْ وَشَهِدُوا صَلَوَاتِهمْ.\nوَالمَقْصودُ مِنْ هَذَا الخَبرِ وَمَا ذُكِرَ مَعهُ منَ الآيَاتِ: بَيَانُ عُلوِّ اللهِ جل وعلا، وَأنَّ اللهَ فِي العُلوِّ فَوقَ العَرشِ فَوقَ جَمِيعِ خَلقِهِ ﷾؛ وَلِهذَا قَالَ: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤]، العُرُوجُ يَكُونُ مِنْ أَسْفلَ إِلَى أَعْلَى، وَقَالَ: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ (١٠)﴾ [فاطر: ١٠]. وَالصُّعُودَ وَالرَّفعُ يَكُونُ مِنْ أَسْفلَ إِلَى أَعْلَى.\nوَهكَذَا بَقيَّةُ الآيَاتِ ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (١٢)﴾ [غافر: ١٢]، ﴿يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ (٥٥)﴾ [آل عمران: ٥٥]، ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨]، ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [السجدة: ٤] إِلَى غَيرِ هَذَا مِنْ أَدِلَّةِ العُلوِّ.\nوَقدْ تَكاثَرَتْ أَدلَّةُ العُلوِّ فِي الكِتَابِ وَالسُّنةِ بِمَا لَا يَبْقَى مَعهُ أيُّ شَكٍّ لِمنْ مَعهُ أَدْنَى عَقلٍ، وَذَلِك لِلدَّلالَةِ عَلَى عُلوِّ اللهِ وَفَوْقيَّتِهِ، وَأنَّهُ فَوقَ العَرشِ فَوقَ جَمِيعِ الخَلْقِ، وَلَيسَ مُخْتلِطًا بِهِم، وَلَا حالًّا فِيهِمْ، بلْ هُوَ فَوقَ جَمِيعِ الخَلْقِ ﷾.\nفَالْوَاجِبُ عَلَى المُسلِمِ اعْتِقادُ ذلِكَ وَالإِيمَانُ بِذلِكَ، وَأنَّ رَبَّهُ فَوقَ العَرشِ، فَوقَ جَمِيعِ الخَلقِ ﷾، وَلَا تَخْفَى عَليْهِ خَافِيةٌ، يَعلَمُ عِلْمَ عِبَادهِ وَهُوَ فَوقَ العَرشِ، فهُوَ مُحِيطٌ بِهِمْ عِلْمًا وَقُدرَةً وَتَدْبِيرًا ﷾، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ","vol":"1","page":130},{"text":"اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٥)﴾ [آل عمران: ٥]، ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢]، ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧)﴾ [المجادلة: ٧]. هُوَ العَالِمُ بِأحْوَالِ عِبَادهِ مَعَ عُلوِّهِ وَفَوقِيَّتهِ ﷾: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (١٩)﴾ [غافر: ١٩].\nوفِي هَذَا الحَدِيثِ حَدِيثِ: «يَتَعَاقَبُ فِيكُمْ المَلَائِكَةُ» هَذَا فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أنَّ المَلَائِكةَ لَهُمْ صِلَةٌ بِأهْلِ الإِيمَانِ، غَيرُ المَلائِكةِ الحَفظَةِ المُوكَّلُونَ بِالعِبادِ، هَؤلَاءِ المَلائِكَةُ غَيرُهُم، مُوكَّلُونَ بِهذَا الأَمْرِ، يَنْزِلُونَ وَيَصْعَدُونَ وَيَعْلمُونَ أَحْوَالَ العِبَادِ، وَيَحضُرُونَ الصَّلَواتِ وَيَجْتمِعُونَ فِي صَلَاةِ العَصرِ وَصَلَاةِ الصُّبْحِ، وَغَيرُ المَلَائِكةِ الأُخْرَى: «إِنَّ للهِ مَلَائِكَةً سَيَّاحِينَ، يُبَلِّغُونِي عَنْ أُمَّتِي السَّلَامَ» (^١). ﵊.\nوَفِيهِ: أنَّ المَلَائِكةَ أيْضًا لَهُمْ عِنَايةٌ وَحِرْصٌ عَلَى تَتبُّعِ مَجَالسِ الذِّكرِ، فَإِذَا وَجدُوهَا تَنَادّْوا: هَلُمُّوا إِلَى حَاجَتِكُمْ، حَتَّى يَسُدُّوا مَا بَينَ الطَّابِقيْنِ. وهَذَا مِنْ آيَاتِ اللهِ العَظِيمةِ الَّتِي تَدلُّ عَلَى كَثرَةِ جُنُودهِ وَكَثْرةِ المَلَائكَةِ ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١]، وَمَا يُحْصِيهِم إلَّا هُوَ ﷾.\n\n<s0>  عَفَا اللهُ عَنكَ، التَّرجَمَةُ هذِهِ فِي العُلوِّ وَالتَّرجَمةُ السَّابِقَةُ فِي العُلُوِّ؟\n<s1> السَّابِقَةُ لِإِثْباتِ العَرْشِ وَالعُلُوِّ، وَأنَّ العَرْشَ فَوقَ السَّمَوَاتِ، هُوَ سَقْفُ المَخْلُوقَاتِ. وَهُنا العُلوُّ مُطْلقًا.\n_________\n(^١) رواه أحمد في «المسند» (٣٦٦٦)، والنسائي (١٢٨٢).","vol":"1","page":131},{"text":"٧٤٣٠ - وَقَالَ خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ، وَلَا يَصْعَدُ إِلَى اللهِ إِلَّا الطَّيِّبُ، فَإِنَّ اللهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهِ، كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ، حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الجَبَلِ».\nوَرَوَاهُ وَرْقَاءُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «وَلَا يَصْعَدُ إِلَى اللهِ إِلَّا الطَّيِّبُ» (^١).\n\n<s2>\nوهُنَا الشَّاهدُ لِلعُلوِّ كَونُهُ يَصعَدُ؛ لِأنَّ الصُّعُودَ مِنْ أَسْفلَ إِلَى أَعْلَى كَمَا تَقدَّمَ.\nوفي هَذَا فَضْلُ الصَّدَقَةِ - وَلوْ قَلِيْلًا - فَمنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ - وَلَا يَصعَدُ إِلَى اللهِ إلَّا الطَّيِّبُ- إلَّا تَقبَّلَها اللهُ بِيَمِينهِ حَتَّى يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِها، كَمَا يُربِّي صَاحِبُها فُلُوَّهُ أوْ فَصِيلَهُ، حَتَّى تَكُونَ مِثلَ الجَبلِ.\nهَذَا مِنْ فَضلِهِ ﷾، أنَّ هذِهِ الصَّدَقاتِ القَلِيلَةِ تُربَّى لِأَهْلِها، وُتُنمَّى لِأهْلِها، وَيُعطِي اللهُ لَهُمْ منَ الأُجُورِ إِذَا كَانَتْ مِنْ كَسبٍ طَيِّبٍ خَالِصةً لِوْجهِهِ الكَرِيمِ حَتَّى تَكُونَ جِبَالًا منَ الحَسَناتِ وَالأُجُورِ لِأهْلِها.\nوَلِهذَا فِي حَدِيثِ عَدِيٍّ ﵁ فِي «الصَّحِيحَيْنِ»: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ\n_________\n(^١) ورواه مسلم (١٠١٤).","vol":"1","page":132},{"text":"تَمْرَةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ» (^١). وَأَصلُ حَدِيثِ عَديٍّ ﵁ يَقُولُ فِيهِ: «مَا مِنْكُمْ أَحَدٌ إلَّا وَسَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانُ» يَعنِي: وَاسِطةً، التُّرجُمَانُ: الوَاسِطةُ، بَلْ يُكَلِّمُهُ اللهُ كِفَاحًا مِنْ غَيرِ وَاسِطةٍ، «فَيَنْظُرُ عَنْ يَمِينِهِ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ عَنْ شِمَالِهِ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ، فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ» (^٢). يَعنِي: مَنْ لَمْ يَجِدْ صَدَقةً فَلْيرُدَّ بِردٍّ طَيِّبٍ، أَغْناكَ اللهُ، أَعْطاكَ اللهُ، وَمَا أَشْبهَ ذلِكَ.\nكُنْتُ كَثِيرًا مَا أَذْكرُ حَدِيثَ عَائِشةَ ﵂ الَّذِي رَوَاهُ البُخارِيُّ فِي «الصَّحِيحِ» - وهُوَ حَدِيثٌ عَظِيمٌ جَلِيلٌ، فِيهِ عِظةٌ وَدَلالَةٌ عَلَى فَضْلِ اللهِ ﷾ وَسِعَةِ جُودِهِ - وهُوَ مَا رُوِيَ عَنْها ﵂ أنَّهَا جَاءَتْها سَائِلةٌ - امْرَأةٌ تَسأَلُ - وَمَعهَا ابْنَتانِ، فَلَمْ تَجِدْ فِي البَيتِ إلَّا ثَلَاثَ تَمْرَاتٍ، فَأَعْطتْهُنَّ الثَّلَاثَ، فَدفَعَتْ الأُمُّ لِكلِّ وَاحِدةٍ مِنْ بَنَاتِها وَاحِدةً، وَرَفعَتِ الثَّالِثةَ لِتَأكُلَها، فَنَظرَ إِليْهَا ابْنَتاهَا يَطْلُبانِهَا الثَّالِثَةَ؛ فَشقَّتْهَا بَيْنهُمَا وَلمْ تَأكُلْ شَيْئًا؛ فَعَجِبتْ عَائِشةُ ﵂ مِنْ ذلِكَ وَقَالَتْ: لَأذْكُرنَّ شَأْنَها إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَلمَّا جَاءَ ذَكَرتْ لَهُ شَأْنَ المَرْأةِ وَابْنَتيْهَا، فَقَالَ ﷺ: «إِنَّ اللهَ أَوْجَبَ لَهَا بِهَا الجْنَّةَ» (^٣). يَعنِي: بِهذِهِ الرَّحْمَةِ وَهَذَا العَطْفِ، تَمْرةٌ شَقَّتْهَا بَينَ ابْنَتيْهَا رَحْمةً لَهُما وَلمْ تَأكُلْ مِنْها شَيْئًا.\nوَفِي هَذَا أيْضًا منَ الدَّلَالةِ عَلَى أنَّ المُسْلِمينَ أَصَابَهُم جَهدٌ فِي المَدِينَةِ، وَمَشقَّةٌ فِي المَدِينَةِ؛ حَتَّى إنَّ عَائِشةَ ﵂ فِي بَعضِ الأَيَّامِ مَا تَجدُ شَيْئًا وَلَا\n_________\n(^١) رواه البخاري (١٤١٧)، ومسلم (١٠١٦) (٦٦).\n(^٢) رواه البخاري (٦٥٣٩)، ومسلم (١٠١٦).\n(^٣) رواه مسلم (٢٦٣٠) (١٤٨).","vol":"1","page":133},{"text":"تَمْرةً فِي البَيتِ، حَتَّى الضَّيفُ لَا يَجدُ شَيْئًا عِندَهُم، وفِي رِوَايةٍ: «أَنَّها لَمْ تَجِدْ إلَّا تَمْرتَينِ فَدَفَعتْهَا إِلَى المَرأَةِ، فَدفَعتْهَا إِلَى ابْنَتيْهَا» (^١)، وَكَانُوا فِي بَعضِ الأَحْيانِ يَخرُجُ الوَاحِدُ مِنْ بَيْتهِ مِنْ شِدَّةِ الجُوعِ يَطلُبُ الرِّزقَ لَعلَّهُ يَجِدُ شَيْئًا.\nوَتَقدَّمَ قِصَّةُ الصِّدِّيقِ وَعُمرَ ﵄ لمَّا لَقِيَا النَّبيَّ ﷺ وَسَأَلَهُما: «مَا أَخْرَجَكُمَا؟». قَالَا: أَخْرجَنَا الجُوعُ. قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أَخْرَجَنِي إلَّا الَّذِي أَخْرَجَكُمَا» (^٢) -وهُوَ الجُوعُ- فَزارُوا أَبَا الهَيْثمِ بْنَ التَّيِّهَانِ الأَنْصارِيَّ ﵁ فِي بُسْتَانِهِ، وهلَّا بِهِمْ وَرَحَّبَ، وقدَّمَ لهُمْ شَيْئًا منَ الرُّطبِ وَالمَاءِ، ثمَّ ذَبحَ لَهُمْ دَاجِنًا … الحَدِيثَ المَعْرُوفَ.\nفَهذَا يَدلُّ عَلَى أنَّهُم أَصَابهُمْ شِدَّةٌ؛ فَصَبرُوا وَجَاهدُوا فِي اللهِ، وَاسْتَقَامُوا عَلَى دِينِ اللهِ، ورَفعَ اللهُ بِهِمْ شَأنَ الإِسْلامِ، وَأَغْنَاهُم بَعدَ الفَقرِ، وَصَارُوا رُؤُوسَ النَّاسِ بَعدَ ذلِكَ وَقَادَتَهُم، وَفَتحُوا فُتُوحَاتٍ فِي بِلَادِ اللهِ، وَرَفعُوا رَايَةَ الإِسْلامِ، وَنَصرُوا الحَقَّ بَعدَ العَيْلَةِ وَالفَقرِ.\n(الشَّيخُ): رَاجِعِ التَّعْليقَ عَلَى خَالِدِ بْنِ مَخْلدٍ.\n[قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ فِي «فَتْحِ البَارِي» (١٣/ ٤١٧)]: «قَوْلُهُ: وَقَالَ خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ. كَذَا لِلْجَمِيعِ، وَوَقَعَ عِنْدَ الْخَطَّابِيِّ فِي شَرْحِهِ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ …\nقَوْلُهُ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ. هُوَ ابْنُ بِلَالٍ الْمَدَنِيُّ الْمَشْهُورُ، وَقَدْ وَصَلَهُ أَبُو بَكْرٍ الْجَوْزَقِيُّ فِي «الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ» قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الدَّغُولِيُّ،\n_________\n(^١) رواه البخاري (١٤١٨)، ومسلم (٢٦٢٩) (١٤٧)، بلفظ: «غير تمرة».\n(^٢) رواه مسلم (٢٠٣٨) (١٤٠).","vol":"1","page":134},{"text":"حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاذٍ السُّلَمِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ … فَذَكَرَهُ مِثْلَ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ سَوَاءً.\nوَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي «صَحِيحِهِ» عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُعَاذٍ. وَبَيَّضَ لَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي «الْمُسْتَخْرَجِ» ثُمَّ قَالَ: رَوَاهُ فَقَالَ: وَقَالَ خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ.\nوَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَخْلَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ. لَكِنْ خَالَفَ فِي شَيْخِ سُلَيْمَانَ فَقَالَ: عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، كَمَا أَوْضَحْتُ ذَلِكَ فِي أَوَائِلِ الزَّكَاةِ. وَقَدْ ضَاقَ مَخْرَجُهُ عَنِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ وَأَبِي نُعَيْمٍ فِي «مُسْتَخْرَجَيْهِمَا»، فَأَخْرَجَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ. وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ هِيَ الَّتِي تَقَدَّمَتْ لِلْبُخَارِيِّ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ.\nوَدَلَّتِ الرِّوَايَةُ الْمُعَلَّقَةُ وَمُوَافَقَةُ الْجَوْزَقِيِّ لَهَا عَلَى أَنَّ لِخَالِدٍ فِيهِ شَيْخَيْنِ، كَمَا أَنَّ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ فِيهِ شَيْخَيْنِ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ التَّعْلِيقُ الَّذِي بعده». [انتهى كلامه].\n\n٧٤٣١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي العَالِيَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ، كَانَ يَدْعُو بِهِنَّ عِنْدَ الكَرْبِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ العَظِيمُ الحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَرَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ» (^١).\n_________\n(^١) ورواه مسلم (٢٧٣٠).","vol":"1","page":135},{"text":"<s2>\nهذَهِ دَعَوَاتٌ ثُنَائيَّةٌ، دَعَوَاتٌ فِي لَفْظِها الثَّنَاءُ وَالتَّعْظيمُ وَمَعْناهَا الدُّعَاءُ؛ لِأنَّ دُعَاءَ الِعَبادَةِ هُوَ دُعَاءٌ فِي الحَقِيقَةِ، هَذَا مِنْ دُعَاءِ العِبَادةِ؛ لِأنَّهُ ذِكْرٌ مَقُصُودُهُ طَلبُ الفَرَجِ، طَلبُ إِزَالَةِ الشِّدَّةِ، وَإِذَا دَعَا مَعهُ بَعدَ ذلِكَ كَمَا فِي بَعضِ الرِّوَايَاتِ: «ثَمْ يَدْعُو» أيْ: بَعدَ هَذَا الذِّكرِ، وَيَقُولُ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ العَظِيمُ الحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَرَبُّ الأَرْضِ وَرَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ».\nهُنَا سَقطَتِ «الأَرضُ»، وفِي الرِّوَايَاتِ الأُخْرَى «وَرَبُّ الأَرْضِ» فهَذَا دُعَاءٌ عَظِيمٌ، وهُوَ ثَنَاءٌ عَلَى اللهِ وَشَهَادَةٌ بِأَسْمائِهِ وَصِفاتِهِ العَظِيمَةِ، فهُوَ مِنْ أَعْظمِ الدُّعَاءِ؛ لِأنَّهُ تَوسُّلٌ إِليْهِ بِأسْمَائهِ وَصِفَاتِهِ العَظِيمَةِ.\nوهُو دُعَاءٌ فِي المَعْنَى -وإِنْ لمْ يَدْعُ- فهُوَ قَالَهَا لِيَطلُبَ إِزَالَةَ الشِّدَّةِ، قَالَها لِيَطلُبَ الفَرَجَ، كَأنْ يُضَايَقَ مِنْ جِهَةِ دَيْنٍ وهُوَ مُعسِرٌ بِهِ، يُضَايَقُ مِنْ جِهةِ قَتلٍ بِغيْرِ حَقٍّ، يُضَايقُ مِنْ جِهةِ أَشْياءَ أُخْرَى فِي دِينِهِ أوْ دُنْياهُ؛ فَيقُولُ هَذَا الكَلَامَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ العَظِيمُ الحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَرَبُّ الأَرْضِ وَرَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ». ثمَّ يَدعُو مَع هَذَا بِمَا أَحبَّ: اللهُمَّ فرِّجْ كُرْبتِي، اللَّهُمَّ يسِّرْ أَمْرِي، اللَّهُمَّ اقْضِ حَاجَتِي، اللَّهُمَّ اكْفِنِي شرَّ فُلَانٍ، اللَّهُمَّ أَعْطِني كَذَا. يَدعُو بِحَاجتِهِ معَ الذِّكْرِ.\n(الشَّيخُ) مَاذَا قَالَ الشَّارِحُ عَليْهِ؟ أوِ العَينِيُّ؟\n[قَالَ الإِمَامُ العَينِيُّ ﵀ فِي «عُمدَة القَارِي» (٢٥/ ١١٩)]: «لَيْسَ هَذَا","vol":"1","page":136},{"text":"بِمُطابِقٍ للتَّرْجَمَةِ، وَمحلُّهُ فِي الْبَابِ السَّابِقِ، وَلَعَلَّ النَّاسِخَ نَقلهُ إِلَى هُنَا. وَسَعِيدٌ: هُوَ ابْنُ أبِي عَرُوبَةَ، وَأَبُو الْعَالِيَةَ رَفِيعٌ. وَقدْ مَرَّ الحَدِيثُ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبلَهُ. قَالَ الكِرْمَانِي: هَذَا ذِكْرٌ وَتَهْليلٌ وَلَيْسَ بِدُعَاءٍ.\nقُلتُ: هُوَ مُقَدّمَةُ الدُّعَاءِ، فَأُطلِقَ الدُّعَاءُ عَلَيْهِ بِاعْتِبَارِ ذَلِك، أَوْ الدُّعَاءُ أَيْضًا ذِكرٌ، لَكنَّهُ خَاصٌّ، فَأَطْلقهُ وَأَرَادَ الْعَامَّ». [انتهى كلامه].\nقَالَ ابْنُ بَازٍ ﵀: وَالصَّوابُ أنَّهُ دُعاءٌ؛ لِأنَّ الدُّعَاءَ قِسْمانِ: دُعاءُ عِبادَةٍ، وَدُعَاءُ مَسْألَةٍ، فاللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمنِي وَنَحو ذلِكَ هَذَا دُعَاءُ مَسْألةٍ، وَلَا إِلهَ إلَّا اللهُ، وَسُبْحانَ اللهِ، وَالحَمدُ للهِ، هَذَا يُسمَّى دُعَاءَ عِبَادَةٍ، وَهكَذَا الصَّلَواتُ وَالصَّدَقَاتُ جَمِيعُها دُعَاءٌ؛ لِأنَّهُ يَتَصدَّقُ يُرِيدُ ثَوَابَ اللهِ، وَصلَّى يُرِيدُ ثَوَابَ اللهِ.\nفَأَعْمالُ الخَيرِ دُعَاءٌ فِي المَعْنَى، وَالذِّكرُ دُعَاءٌ فِي المَعْنَى؛ لِأنَّهُ إنَّمَا فَعلَ هَذَا يُرِيدُ فَضلَ اللهِ، فهُوَ يَسْألُهُ فِي المَعْنَى، يَسْألُهُ مِنْ فَضلِهِ أنْ يُثِيبَهُ عَلَى هَذَا العَملِ، وَأنْ يُدخِلَهُ الجَنَّةَ، وَأنْ يُجِيرَهُ منَ النَّارِ إِلَى غَيرِ ذلِكَ. فهُوَ ثَنَاءٌ وَعَمَلٌ صَالِحٌ يُرَادُ مِنهُ ثَوابُهُ، وَلِهذَا يُقَالُ لهُ: دُعَاءُ العِبَادَةِ.\nوَأمَّا دُعَاءُ المَسْأَلةِ فهُوَ الَّذِي فِيهِ صَرِيحُ السُّؤَالِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، اللَّهُمَّ ارْحَمنِي.\nوَهذَا أيْضًا - صَرِيحُ السُّؤَالِ - يَتَضمَّنُ دُعَاءَ العِبَادةِ؛ لِأنَّهُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، يَتَضمَّنُ وَصفَ رَبِّهِ بِالمَغفِرةِ، اللَّهُمَّ ارْحَمنِي، وَصَفَ رَبَّهُ بِالرَّحْمَةِ، وهَذَا ثَنَاءٌ عَلَى اللهِ، فَيكُونُ دُعَاءَ عِبَادةٍ.","vol":"1","page":137},{"text":"وَ«لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ العَظِيمُ الحَلِيمُ»: هُوَ ثَنَاءٌ عَلَى اللهِ مِنْ دُعَاءِ عِبَادِهِ يَسْتلْزِمُ كَمَا يَقُولُ بَعضُهُم: دُعَاءَ المَسْألَةِ؛ لِأنَّهُ إنَّمَا قَالَ ذلِكَ المُسْلِمُ يَرجُو ثَوَابَ اللهِ، وَيُريدُ فَضلَهُ ﷾.\n\n٧٤٣٢ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ أَبِي نُعْمٍ - أَوْ أَبِي نُعْمٍ - شَكَّ قَبِيصَةُ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، قَالَ: بُعِثَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِذُهَيْبَةٍ، فَقَسَمَهَا بَيْنَ أَرْبَعَةٍ.\nوَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ أَبِي نُعْمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، قَالَ: «بَعَثَ عَلِيٌّ وَهُوَ بِاليَمَنِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِذُهَيْبَةٍ فِي تُرْبَتِهَا، فَقَسَمَهَا بَيْنَ الأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ الحَنْظَلِيِّ، ثُمَّ أَحَدِ بَنِي مُجَاشِعٍ، وَبَيْنَ عُيَيْنَةَ بْنِ بَدْرٍ الفَزَارِيِّ وَبَيْنَ عَلْقَمَةَ بْنِ عُلَاثَةَ العَامِرِيِّ، ثُمَّ أَحَدِ بَنِي كِلَابٍ وَبَيْنَ زَيْدِ الخَيْلِ الطَّائِيِّ، ثُمَّ أَحَدِ بَنِي نَبْهَانَ، فَتَغَيَّظَتْ قُرَيْشٌ وَالأَنْصَارُ فَقَالُوا: يُعْطِيهِ صَنَادِيدَ أَهْلِ نَجْدٍ، وَيَدَعُنَا. قَالَ: «إِنَّمَا أَتَأَلَّفُهُمْ». فَأَقْبَلَ رَجُلٌ غَائِرُ العَيْنَيْنِ، نَاتِئُ الجَبِينِ، كَثُّ اللِّحْيَةِ، مُشْرِفُ الوَجْنَتَيْنِ، مَحْلُوقُ الرَّأْسِ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، اتَّقِ اللهَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «فَمَنْ يُطِيعُ اللهَ إِذَا عَصَيْتُهُ، فَيَأْمَنُنِي عَلَى أَهْلِ الأَرْضِ، وَلَا تَأْمَنُونِي».\nفَسَأَلَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ قَتْلَهُ، أُرَاهُ خَالِدَ بْنَ الوَلِيدِ، فَمَنَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ، فَلَمَّا وَلَّى، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ مِنْ","vol":"1","page":138},{"text":"ضِئْضِئِ هَذَا قَوْمًا يَقْرَؤُونَ القُرْآنَ، لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلَامِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ، يَقْتُلُونَ أَهْلَ الإِسْلَامِ، وَيَدَعُونَ أَهْلَ الأَوْثَانِ، لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ» (^١).\n\n<s2>\nوَهذَا دَلِيلٌ عَلَى أنَّ أَحَدًا لَا يَسْلَمُ منَ اعْتِراضِ النَّاسِ، إِذَا كَانَ الرَّسُولُ ﷺ لمْ يَسْلَمْ، فَمَنْ يَسْلَمُ بَعَد ذلِكَ؟! فهُوَ اجْتَهدَ ﵊، وقَسَّمَها بَيْنهُم الأَرْبعَةِ لِيتَأَلَّفهُم عَلَى الإِسْلامِ؛ لِأنَّ اللهَ جَعلَ لِلمُؤلَّفةِ حقًّا، المُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ جَعلَ لهُمْ حَقًّا فِي بَيتِ المَالِ وفِي الزَّكَاةِ.\nوَالرَّسُولُ ﷺ كَانَ يَتأَلَّفُ رُؤَسَاءَ العَربِ وَشُيوخَهُم وَكِبارَهُم؛ لِأنَّهُم إِذَا هَداهُمُ اللهُ هَدَى اللهُ بِهِمْ أُمَمًا كَثِيرَةً، وَإِذَا ضَلَّ الرَّئِيسُ تَبِعَهُ قَومُهُ، فَكانَ يَتَألَّفُ الرُّؤَسَاءَ وَالأَعْيَانَ بِالمَالِ ﵊. وَمِنهُم هَؤُلَاءِ الأَرْبعَةِ: «عُيَينَةُ بنُ حِصْنِ بنِ بَدرٍ الفَزَارِيُّ، وَالأَقْرعُ بنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ، وَعَلْقمَةُ بنُ عُلَاثَةَ العَامِريُّ، وَزَيدُ الخَيْلِ» ﵃، كُلُّ هَؤُلَاءِ مِنْ رُؤسَاءِ وَكِبارِ العَرَبِ فِي نَجْدٍ؛ وَلِهذَا كَانَ يَتَألَّفُهُم فَاسْتَنكَرَ ذلِكَ مَنِ اسْتَنكَرَ مِنْ قُرَيشٍ وَالأَنْصَارِ حَتَّى أَخْبرَهُم وبَيَّنَ لهُمْ ﷺ أنَّ القَصدَ مِنْ ذلِكَ التَّألِيفُ.\nهَكذَا مَا فَعلَ يَومَ حُنَينٍ حِينَ فَعلَ بِالغَنائِمِ مَا فَعلَ مِنْ جِهةِ إِعْطاءِ كَثِيرٍ منَ النَّاسِ عَلَى مَائةٍ منَ الإِبلِ مِنْ غَنَائمَ حُنَينٍ لِيتَألَّفَهُم، وَاسْتَنكَرَ ذلِكَ مَنِ اسْتَنكَرَ؛ بيَّنَ لهُمْ ﷺ أنَّهُ يَتأَلَّفُهُم عَلَى الإِسْلامِ؛ لَعلَّهُم يَسْتقِيمُ لهُمْ إِيمَانُهُم وَتَتْبعُهُم أَقْوامُهُم بِالهِدايَةِ.\n_________\n(^١) ورواه مسلم (١٠٦٤).","vol":"1","page":139},{"text":"فَاسْتَنكَرَ هَذَا الَّذِي قَامَ وَقَالَ: يَا مُحمَّدُ اعْدِلْ (^١). وفِي اللَّفظِ الآخَرِ: اعْدِلْ فَإنَّكَ لمْ تَعدِلْ (^٢). وفِي اللَّفظِ الآخَرِ قَالَ: إِنَّ هذِهِ القِسمَةَ لمُ يُرَدْ بِها وَجهُ اللهِ (^٣). كَمَا وَقعَ فِي يَومِ حُنَينٍ. فَقَالَ ﵊: «مَنْ يُطِعِ اللهَ إِذَا عَصَيْتُهُ» (^٤). وفِي اللَّفظِ الآخَرِ: «مَنْ يَعْدِلْ إِذَا لَمْ يَعْدِلِ اللهُ وَرَسُولُهُ». وفِي اللَّفظِ الآخَرِ: «خِبْتَ وَخَسِرْتَ إِنْ لَمْ أكُنْ أَعْدِلُ» (^٥)، «أَلَا تَأْمَنُونِي وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ، يَأْتِينِي خَبَرُ السَّمَاءِ صَبَاحًا وَمَسَاءً» (^٦). وفِي اللَّفظِ الآخَرِ: «فَيَأْمَنُنِي عَلَى أَهْلِ الأَرْضِ وَلَا تَأْمَنُونِي» (^٧).\nالمَقْصُودُ: أنَّ هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أنَّ الإِنْسَانَ مَهمَا بَلغَ مِنَ الفَضلِ وَمَهمَا بَلغَ مِنَ العَدَالةِ وَمَهمَا بَلغَ منَ العِلْمِ فَإنَّهُ لَا يَسلَمُ مِنْ شرِّ النَّاسِ وَاعْتِراضِهِم، وَلوْ كَانَ نَبيًّا كَنَبيِّنَا مُحمَّدٍ ﵊.\nثم قَالَ: «يَخْرُجُ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا». أيْ: مِنْ أَصلِ هَذَا أوْ مِنْ جِنسِ هذَا. «قَوْمٌ» يَخْرجُونَ أيْ: بَعدَهُ ﷺ. «يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ، وَقِرَاءَتَهُ مَعَ قِرَاءَتِهِمْ، يَقْرَؤُونَ القُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ» وهمُ الخَوارِجُ.\nوقدْ وَقعَ ذلِكَ الَّذِي أَخْبرَ بِهِ النَّبيُّ ﷺ، وَقعَ، فَإنَّهُم خَرجُوا فِي زَمنِ عَليٍّ ﵁، وَحَصَلَ مَا حَصَلَ منَ الفِتْنةِ بِهِمْ وَقَاتَلَهُم عَليٌّ ﵁،\n_________\n(^١) رواه مسلم (١٤٣) (١٠٦٣).\n(^٢) رواه ابن ماجه (١٧٢).\n(^٣) رواه البخاري (٣٤٠٥)، ومسلم (١٤١) (١٠٦٢).\n(^٤) رواه النسائي (٤١٠١).\n(^٥) رواه البخاري (٣٦١٠)، ومسلم (١٤٢) (١٠٦٣).\n(^٦) رواه البخاري (٤٣٥١)، ومسلم (١٤٤) (١٠٦٤).\n(^٧) رواه البخاري (٧٤٣٢)، ومسم (١٤٣) (١٠٦٤).","vol":"1","page":140},{"text":"وَقَتلَ مِنهُم جَمًّا غَفِيرًا، وَهدَى اللهُ مَنْ هَدَى مِنهُمْ، وَبقِيَ مِنهُم بَقَايَا إِلَى يَومِنَا هَذَا، فِي كلِّ زَمَانٍ وفِي كلِّ عَصرٍ إِلَى زَمانِنَا هَذَا مَوجُودُونَ، مِنهُمْ طَوائِفُ فِي الجَزائِرِ وفِي لِيبْيَا وفِي عُمَانَ لهُمْ بَقايَا، وَبعْضُهُم تَنازَلَ عَنِ التَّكْفيرِ -تَكْفيرِ العُصَاةِ- وَلَا يُصِرُّ فِي تَكْفيرِ العُصَاةِ، وَلكِنَّهُ يَرَى أنَّ العَاصِيَ مُخلَّدٌ فِي النَّارِ، وَأنَّهُ مَع الكَفرَةِ، عَلَى طَرِيقَةِ الخَوارِجِ الأَوَائلِ، نَسْألُ اللهَ السَّلَامةَ.\n\n<s0>  أَحْسَنَ اللهُ إِليْكَ، مُنَاسبَةُ الحَدِيثِ لِلتَّرجَمةِ؟\n<s1> المُنَاسَبةُ قَولُهُ: «أَلَا تَأْمَنُونِي وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ». يَعنِي: اللهَ ﷾، وهُوَ فِي السَّمَاءِ، وفِي اللَّفظِ الآخَرِ: «أَلَا تَأْمَنُونِي وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ» يَعنِي: العُلُوَّ.\n[قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ فِي «فَتْحِ البَارِي» (١٣/ ٤١٨)]: «قَوْلُهُ: «إِنَّمَا أَتَأَلَّفُهُمْ». فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي فِي الْمَغَازِي: «أَلَا تَأْمَنُونِي وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ». وَبِهَذَا تَظْهَرُ مُنَاسَبَةُ هَذَا الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ».\nقَالَ ابْنُ بَازٍ ﵀: قَولُهُ: «فِي السَّمَاءِ»، وَكَونُهُ يَأمَنهُ عَلَى أَهْلِ الأَرْضِ كَذلِكَ يُشِيرُ إِلَى هَذَا، يَأمَنُهُ عَلَى أَهْلِ الأَرضِ، يَعنِي: وهُوَ فِي السَّمَاءِ ﷾.\n[قَالَ الحَافِظُ ﵀]: «لَكِنَّهُ جَرَى عَلَى عَادَتِهِ فِي إِدْخَالِ الْحَدِيثِ فِي الْبَابِ لِلَفْظَةٍ تَكُونُ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ هِيَ الْمُنَاسِبَةُ لِذَلِكَ الْبَابِ، يُشِيرُ إِلَيْهَا وَيُرِيدُ بِذَلِكَ شَحْذَ الْأَذْهَانِ، وَالْبَعْثَ عَلَى كَثْرَةِ الِاسْتِحْضَارِ، وَقَدْ حَكَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الضُّبَعِيِّ قَالَ: الْعَرَبُ تَضَعُ «فِي» مَوْضِعَ «عَلَى» كَقَوْلِهِ: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [التوبة: ٢]، وَقَولِهِ: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] فَكَذَلِك قَوْلُهُ: «مَنْ فِي السَّمَاء» أَيْ: عَلَى الْعَرْشِ فَوْقَ السَّمَاءِ كَمَا صَحَّتِ الْأَخْبَارُ بِذَلِكَ».","vol":"1","page":141},{"text":"[انتهى كلامه].\n[قَالَ الإِمَامُ العَينِيُّ ﵀ فِي «عُمدَة القَارِي» (٢٥/ ١٢١)]: «قَوْلُهُ: «إِنَّ مِنْ ضِئْضِئِ» أَيْ: مِنْ أَصْلِ هَذَا الرَّجُلِ، وَهُوَ بِكَسْر الضَّادَينِ المُعْجمَتينِ وَسُكُونِ الْهَمزَةِ الأُولَى، «قَوْمًا» وَيُرْوى: «قَومٌ» فَإمَّا أَنَّهُ كُتِبَ عَلَى اللُّغَةِ الرَّبِيعِيَّةِ، فَإِنَّهُم يَكْتُبُونَ الْمَنْصُوبَ بِدُونِ الْألفِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي «إِنَّ» ضَمِيرُ الشَّأْنِ». [انتهى كلامه].\nقَالَ ابْنُ بَازٍ ﵀: الرَّبِيعِيَّةَ نِسبَةً إِلَى رَبِيعَةَ، رَبِيعَةُ يَقِفُونَ بِالسُّكُونِ يَقُولُونَ: (رَأَيتُ زَيدْ) مَا يَقُولُونَ: (رَأيْتُ زَيدًا)، (رَأَيتُ زَيدْ) (رَأَيتُ عَامِرْ).\nوَأمَّا المُضَريَّةُ فَيقِفُونَ بِالأَلفِ: (رَأَيتُ عَامِرًا) المَنْصوبُ المُنَوَّنُ يُوقَفُ عَليْهِ بِالأَلِفِ، هَذَا الأَفْصَحُ: (رَأَيتُ زَيدًا) (رَأَيتُ عَامِرًا) فـ ﴿أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا﴾ [الملك: ٣٠] هَذَا الأَفْصَحُ، الوُقُوفُ عَلَى المَنْصوبِ بِالأَلفِ مُنوِّنًا، ﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا﴾ [مريم: ٥]، لُغةُ قُرَيشٍ المُضَريَّةُ، وَتَقرَأُ رَبِيعةُ: ﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِر﴾ [مريم: ٥]، بِدُونِ ذِكرِ الأَلِفِ عِنْدَ الوَقفِ.\n\n٧٤٣٣ - حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ [يس: ٣٨]، قَالَ: «مُسْتَقَرُّهَا تَحْتَ العَرْشِ» (^١).\n_________\n(^١) ورواه مسلم (١٥٩).","vol":"1","page":142},{"text":"<s2>\nكَمَا فِي الرِّوايَةِ الثَّانِيةِ: «تَسْجُدُ تَحْتَ العَرْشِ»، وَازَنتِ العَرشَ فِي سَيْرِها تَحتَ الأَرضِ وَسَجدَتْ، سُجُودًا يَلِيقُ بِهَا، اللهُ أَعلَمُ بِكَيْفيَّتهِ، وَالأَصلُ فِي هَذَا السُّجُودِ لِلشَّجَرِ وَالحَجَرِ خُضُوعٌ خَاصٌّ، اللهُ أَعلَمُ بِكيْفيَّتِهِ ﷾، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ (١٨)﴾ [الحج: ١٨]، وهَكَذا تَسْبِيحُها شَيءٌ يَلِيقُ بِهَا.\n\n<s0>  قَولُهُ: تَحتَ العَرْشِ؟\n<s1>  يَعنِي: حِذاءَهُ، تَحتَ العَرشِ يَعنِي: حِذاءَهُ.\n\n<s0>  يَعنِي: فِي الوَسَطِ؟\n<s1>  إِذَا صَارَتْ وَتَوسَّطتْ فِي السَّيرِ.\n\n<s0>  كُلُّ شَيءٍ تَحتَ العَرشِ؟ المَخْلوقَاتُ كُلُّها؟\n<s1>  هُوَ سَقفُ المَخْلوقَاتِ، لَكِنِ المَقْصودُ وَاللهُ أَعْلمُ: تَوسَّطتْ يَعنِي.\n\n<s0>  الوَعدُ فِي الحَدِيثِ: «مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ …» إلخ، يَعُمُّ الفَرِيضَةَ وَالنَّافِلةَ؟\n<s1>  الظَّاهِرُ أنَّهُ يَعمُّ، الحَدِيثُ يَعمُّ الجَمِيعَ.\n* * *","vol":"1","page":143},{"text":"<span data-type='title' id=toc-42>باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:</span> ٢٢، ٢٣]\n\n٧٤٣٤ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، وَهُشَيْمٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ نَظَرَ إِلَى القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ قَالَ: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا القَمَرَ، لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَصَلَاةٍ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَافْعَلُوا» (^١).\n\n<s2>\nوَهذَا منَ الفَضلِ العَظِيمِ، وَفِيهِ البِشَارَةُ لِأهْلِ الإِيمَانِ بِأنَّهُم يَرَونَ رَبَّهُمْ الكَرِيمَ جل وعلا يَومَ القِيامَةِ، رُؤيَةً وَاضِحةً كَمَا تُرَى الشَّمسُ صَحْوًا لَيسَ دُونَها سَحَابٌ، وَكمَا يُرَى القَمرُ لَيلَةَ البَدرِ فِي حَالِ اسْتِكمَالهِ لَيلَةَ البَدرِ-اللَّيلَةَ الرَّابِعةَ عَشْرةَ- حَالَ تَمَامِ نُورِهِ.\nوَهذَا أَعْلَى نَعِيمِ أَهْلِ الجنَّةِ، أنَّهُم يَروْنَهُ يَومَ القِيَامَةِ، وَيَروْنَهُ فِي الجنَّةِ أيْضًا كَمَا يَشَاءُ ﷾ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾\n_________\n(^١) ورواه مسلم (٦٣٣).","vol":"1","page":144},{"text":"[يونس: ٢٦] الحُسْنَى: الجَنَّةَ، وَالزِّيادَةَ جَاءَ فِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ حَدِيثِ صُهَيبٍ ﵁: أَنَّها النَّظرُ إِلَى وَجهِ اللهِ جل وعلا، وَلِهذَا قَالَ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣]، ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾: منَ النَّضَارةِ ومِنَ الحُسنِ وَالبَهَاءِ وَالجَمَالِ، ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ: يَومَ القِيَامةِ لهَا نُورٌ عَظِيمٌ وَبَهاءٌ عَظِيمٌ وَجَمَالٌ عَظِيمٌ، ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾: تَنْظرُ إِلَى رَبِّها.\nتَأوَّلهُ أَهْلُ التَّأوِيلِ بِنفْيِ ثُبُوتِ الرُّؤيَةِ، بِأنَّها تَنظُرُ إِلَى ثَوابِهِ. وهَذَا مِنْ أَبْطلِ البَاطِلِ؛ لِأنَّ المَقْصودَ: إِلَى رَبِّها نَاظِرةٌ إِلَى وَجهِهِ الكَرِيمِ ﷾. كَمَا فَسَّرهُ الآيَاتُ الأُخرَى وَالأَحَادِيثُ الصَّحِيحةُ كَهذَا الحَدِيثِ.\nثُمَّ قَالَ ﵊: «فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ عَلَى أَلَّا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَصَلَاةٍ قَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا». هَذَا فِيهِ: الحثُّ عَلَى العِنَايةِ بِهَاتَينِ الصَّلَاتَينِ أَعْظمَ مِنْ غَيرِهِما -الفَجرِ وَالعَصرِ- وَأنَّ مَنْ يُحافِظُ عَليْهِما سُرَّ بِالنَّظرِ إِلَى وَجهِ اللهِ ﷿، وَأنَّ المُحَافَظةَ عَليْهِما مِنْ أَعْظمِ الأَسْبابِ لِهذِهِ الرُّؤيَةِ العَظِيمَةِ، وَإنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ كُلُّها يَلزَمُ المُحَافَظةُ عَليْهَا، وَيَجبُ أنْ يُحَافِظَ عَليْهَا، وَكلُّهَا عَمُودُ الإِسْلَامِ، وَكُلُّها لَازِمَةٌ، وَلَكِن لِهَذيْنِ الفَرْضَينِ -الصَّلَاةِ أَوَّلِ النَّهَارِ وَفِي آخِرِهِ- لِهَذيْنِ الفَرْضَيْنِ سِرٌّ وَأَثرٌ عَظِيمٌ فِي حُصُولِ النَّظرِ إِلَى وَجهِ اللهِ ﷿.","vol":"1","page":145},{"text":"٧٤٣٥ - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ يُوسُفَ اليَرْبُوعِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ عِيَانًا» (^١).\n\n<s2>\nيَعنِي: مُعَاينَةً، أيْ: مُشَاهدَةً، اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ.\n\n٧٤٣٦ - حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الجُعْفِيُّ، عَنْ زَائِدَةَ، حَدَّثَنَا بَيَانُ بْنُ بِشْرٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ لَيْلَةَ البَدْرِ، فَقَالَ: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا، لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ» (^٢).\n\n<s2>\nمَعنَى «لَا تُضَامُّونَ» أيْ: لَا يَلْحقُكُم ضَيْمٌ، وَكلٌّ مِنْكُم يَرَى رَبَّه مِنْ دُونِ زَحْمةٍ وَلَا مَشقَّةٍ كَمَا تَرَى الشَّمسَ وَالقَمرَ دُونَ زَحْمةٍ وَلَا مَشقَّةٍ، رُؤيَةٌ عَظِيمَةٌ\n_________\n(^١) ورواه مسلم (٦٣٣).\n(^٢) ورواه مسلم (٦٣٣).","vol":"1","page":146},{"text":"ظَاهِرةٌ عَيَانًا مُشَاهدًا.\nوفِي اللَّفظِ الآخَرِ: «لَا تُضَارُّونَ» (^١)، يَعنِي: لَا تَشكُّونَ فِي رُؤْيتِهِ، بلْ رُؤيَةٌ ظَاهِرةٌ.\nوَلِعظَمِ هذِهِ النِّعمَةِ عَلَى المُؤمِنِينَ ذَكرَ اللهُ ضِدَّها فِي حَقِّ الكَافِرينَ، فقَالَ: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ [المطففين: ١٥]. فَالكُفَّارُ مَحْجوبُونَ عَنْها، وَالمُؤْمِنونَ مَأْذونٌ لَهُمْ فِيهَا، وَيُمتَّعُونَ بِهَا، ويُيَسَّرُونَ لهَا، فَضْلًا مِنهُ وَإِحْسَانًا ﷾.\n\n٧٤٣٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ القِيَامَةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «هَلْ تُضَارُّونَ فِي القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ؟». قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «فَهَلْ تُضَارُّونَ فِي الشَّمْسِ، لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ؟». قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: «فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ، يَجْمَعُ اللهُ النَّاسَ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيَقُولُ: مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَلْيَتْبَعْهُ، فَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الشَّمْسَ الشَّمْسَ، وَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ القَمَرَ القَمَرَ، وَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الطَّوَاغِيتَ الطَّوَاغِيتَ، وَتَبْقَى هَذِهِ الأُمَّةُ فِيهَا شَافِعُوهَا أَوْ مُنَافِقُوهَا - شَكَّ إِبْرَاهِيمُ - فَيَأْتِيهِمُ اللهُ فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا، فَإِذَا جَاءَ رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ. فَيَأْتِيهِمُ اللهُ فِي صُورَتِهِ الَّتِي يَعْرِفُونَ، فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ.\n_________\n(^١) رواه البخاري (٧٤٣٩)، ومسلم (١٨٣) (٣٠٢).","vol":"1","page":147},{"text":"فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبُّنَا فَيَتَّبِعُونَهُ، وَيُضْرَبُ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ، فَأَكُونُ أَنَا وَأُمَّتِي أَوَّلَ مَنْ يُجِيزُهَا، وَلَا يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ إِلَّا الرُّسُلُ، وَدَعْوَى الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ، وَفِي جَهَنَّمَ كَلَالِيبُ مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ، هَلْ رَأَيْتُمِ السَّعْدَانَ؟». قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: «فَإِنَّهَا مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ قَدْرَ (^١) عِظَمِهَا إِلَّا اللهُ، تَخْطَفُ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ، فَمِنْهُمُ المُوبَقُ بَقِيَ بِعَمَلِهِ - أَوِ المُوثَقُ بِعَمَلِهِ - وَمِنْهُمُ المُخَرْدَلُ، أَوِ المُجَازَى، أَوْ نَحْوُهُ، ثُمَّ يَتَجَلَّى، حَتَّى إِذَا فَرَغَ اللهُ مِنَ القَضَاءِ بَيْنَ العِبَادِ، وَأَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ بِرَحْمَتِهِ مَنْ أَرَادَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، أَمَرَ المَلَائِكَةَ أَنْ يُخْرِجُوا مِنَ النَّارِ، مَنْ كَانَ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا، مِمَّنْ أَرَادَ اللهُ أَنْ يَرْحَمَهُ، مِمَّنْ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَيَعْرِفُونَهُمْ فِي النَّارِ بِأَثَرِ السُّجُودِ، تَأْكُلُ النَّارُ ابْنَ آدَمَ إِلَّا أَثَرَ السُّجُودِ، حَرَّمَ اللهُ عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ أَثَرَ السُّجُودِ، فَيَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ، قَدِ امْتُحِشُوا، فَيُصَبُّ عَلَيْهِمْ مَاءُ الحَيَاةِ، فَيَنْبُتُونَ تَحْتَهُ كَمَا تَنْبُتُ الحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ، ثُمَّ يَفْرُغُ اللهُ مِنَ القَضَاءِ بَيْنَ العِبَادِ، وَيَبْقَى رَجُلٌ مِنْهُمْ مُقْبِلٌ بِوَجْهِهِ عَلَى النَّارِ، هُوَ آخِرُ أَهْلِ النَّارِ دُخُولًا الجَنَّةَ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ اصْرِفْ وَجْهِي عَنِ النَّارِ، فَإِنَّهُ قَدْ قَشَبَنِي رِيحُهَا، وَأَحْرَقَنِي ذَكَاؤُهَا، فَيَدْعُو اللهَ مَا شَاءَ أَنْ يَدْعُوَهُ. ثُمَّ يَقُولُ اللهُ: هَلْ عَسَيْتَ إِنْ أُعْطِيتَ ذَلِكَ أَنْ تَسْأَلَنِي غَيْرَهُ؟\n_________\n(^١) كذا في الفتح، وفي «عمدة القارئ» وغيره: «ما قدر عظمها».","vol":"1","page":148},{"text":"فَيَقُولُ: لَا، وَعِزَّتِكَ لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهُ، وَيُعْطِي رَبَّهُ مِنْ عُهُودٍ وَمَوَاثِيقَ مَا شَاءَ، فَيَصْرِفُ اللهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ، فَإِذَا أَقْبَلَ عَلَى الجَنَّةِ وَرَآهَا سَكَتَ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَسْكُتَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَيْ رَبِّ، قَدِّمْنِي إِلَى بَابِ الجَنَّةِ. فَيَقُولُ اللهُ لَهُ: أَلَسْتَ قَدْ أَعْطَيْتَ عُهُودَكَ وَمَوَاثِيقَكَ أَنْ لَا تَسْأَلَنِي غَيْرَ الَّذِي أُعْطِيتَ أَبَدًا؟ وَيْلَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مَا أَغْدَرَكَ. فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، وَيَدْعُو اللهَ، حَتَّى يَقُولَ: هَلْ عَسَيْتَ إِنْ أُعْطِيتَ ذَلِكَ أَنْ تَسْأَلَ غَيْرَهُ؟ فَيَقُولُ: لَا وَعِزَّتِكَ، لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهُ، وَيُعْطِي مَا شَاءَ مِنْ عُهُودٍ وَمَوَاثِيقَ، فَيُقَدِّمُهُ إِلَى بَابِ الجَنَّةِ، فَإِذَا قَامَ إِلَى بَابِ الجَنَّةِ، انْفَهَقَتْ لَهُ الجَنَّةُ، فَرَأَى مَا فِيهَا مِنَ الحَبْرَةِ وَالسُّرُورِ، فَيَسْكُتُ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَسْكُتَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَيْ رَبِّ، أَدْخِلْنِي الجَنَّةَ. فَيَقُولُ اللهُ: أَلَسْتَ قَدْ أَعْطَيْتَ عُهُودَكَ وَمَوَاثِيقَكَ أَنْ لَا تَسْأَلَ غَيْرَ مَا أُعْطِيتَ؟ فَيَقُولُ: وَيْلَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مَا أَغْدَرَكَ. فَيُقَالُ: أَيْ رَبِّ، لَا أَكُونُ (^١) أَشْقَى خَلْقِكَ. فَلَا يَزَالُ يَدْعُو حَتَّى يَضْحَكَ اللهُ مِنْهُ، فَإِذَا ضَحِكَ مِنْهُ، قَالَ لَهُ: ادْخُلِ الجَنَّةَ، فَإِذَا دَخَلَهَا قَالَ اللهُ لَهُ: تَمَنَّهْ، فَسَأَلَ رَبَّهُ وَتَمَنَّى، حَتَّى إِنَّ اللهَ لَيُذَكِّرُهُ، يَقُولُ كَذَا وَكَذَا، حَتَّى انْقَطَعَتْ بِهِ الأَمَانِيُّ، قَالَ اللهُ: ذَلِكَ لَكَ، وَمِثْلُهُ مَعَهُ» (^٢).\n\n<s2>\nوَلِهذَا قَالَ سُبْحانَهُ: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا\n_________\n(^١) كذا في «الفتح»، وفي «عمدة القارئ» وغيره: «لَا أَكُونَنَّ».\n(^٢) ورواه مسلم (١٨٢).","vol":"1","page":149},{"text":"يَسْتَطِيعُونَ (٤٢)﴾ [القلم: ٤٢]، يَكْشِفُ لَهُمْ عَنْ سَاقِهِ ﷾، وَالسَّاقُ هُنَا وَاليَدُ وَالقَدَمُ وَكلُّ ذلِكَ عَلَى الوَجهِ الَّذِي يَلِيقُ بِهِ ﷾، لَا يُشَابهُهُ خَلقُهُ فِي أيِّ شَيءٍ، فَعِنْدَهَا يَسْجدُونَ لَهُ ﷾، وَيَبقَى المُنَافِقُونَ لَا يَسْتطِيعُونَ ذلِكَ وَلَا يَرَونَهُ ﷾؛ لِأنَّهُم مَحْجوبُونَ عَنهُ لِخُبثِهِم وَضَلالِهِم، فَالمُنَافقُ أَعْظمُ كُفْرًا منَ الكَافِرِ المُعْلِنِ.\nيَومَ القِيامَةِ يُنَادَى فِي النَّاسِ: لِتَتَّبعْ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعبُدُ، فعُبَّادُ الشَّمسِ تُمَثَّلُ لَهمُ الشَّمسُ فَيَتَّبِعونَهَا إِلَى النَّارِ، وعُبَّادُ القَمرِ كَذلِكَ يُمثَّلُ لهُمُ القَمرُ فَيتَّبِعُونهُ إِلَى النَّارِ، وَعُبَّادُ اللَّاتِ وَالعُزَّى وَمَناةَ وَالأَصْنَامِ الأُخْرَى تُمثَّلُ لَهُمْ أَصْنامُهُم فَيتَّبِعُونَها إِلَى النَّارِ، وعُبَّادُ البَدَويِّ أوِ الشَّيخِ عَبدِ القَادِرِ أوِ الحُسَينِ أوْ فُلَانٍ أوْ فُلَانٍ تُمَثَّلُ لهُمْ مَعْبُودَاتُهم حَتَّى يَتَّبِعونَهَا إِلَى النَّارِ.\nوَيَعُودُ المُؤمِنُ لَا يَدخُلُ فِي ذَلِك، المُؤمِنُ الَّذِي لمْ يَرضَ أنْ يُعبَدَ مِنْ دُونِ اللهِ لَيسَ دَاخِلًا فِي ذلِكَ، وَإنْ مُثِّلتْ لهُمْ صُورَتهُ وَاتَّبعُوهُ إِلَى النَّارِ، لكِنَّهُ لَا يَدخُلُ النَّارَ هُوَ، فَالأَنبِياءُ وَالمُؤمِنُونَ المَعْبُودُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَيسُوا رَاضِيْنَ بِعِبادَتهِم، وَهُمْ يَنْفُونَها وَلَيسُوا مَعَ عَابِدِيهِم، بلْ عَابِدُوهُم فِي النَّارِ، وَهُمْ سَالِمُونَ مِنْ ذَلِك؛ وَلِهذَا قَالَ: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨)﴾ [الأنبياء: ٩٨]، فَهَؤُلاءِ المَعْبُودُونَ الرَّاضُونَ بِذلِكَ، وهَكَذا الأَصْنَامُ وَأَشْباهُهَا كُلُّهم مَع عَابِدِيهِم إِلَى النَّار، نَسْألُ اللهَ العَافِيةَ.\nوَأمَّا المَعْبودُ الَّذِي لمْ يَرضَ بِذلِكَ كَالأَنْبِياءِ -﵈- وعَليٍّ، وَالحَسنِ، وَالحُسيْنِ، ﵃، وَعَبدِ القَادرِ الجِيلَانيِّ وَأَشْباهِهِم منَ المُؤمِنِينَ هُمْ لَا يَرْضَونَ بِعِبادَةِ مَنْ عَبدَهُم، بلْ أَنْكرُوا ذلِكَ فِي حَيَاتِهِم وَحَذَّرُوا مِنْ ذلِكَ -فهَؤُلاءِ","vol":"1","page":150},{"text":"لَا يَدْخُلونَ معَ عَابِدِيهِم إِلَى النَّارِ، بلْ هُمْ نَاجُونَ وَسَالِمُونَ، وَعَابِدُوهُم منَ الكَافِرينَ هُمْ الَّذينَ يُسَاقُونَ إِلَى النَّارِ، وإِنْ مُثِّلتْ لَهُمْ صُوَرُهُم وَتَابِعُوهُم يَظنُّونَ أنَّهُم هُم، فهُمْ يتَّبِعُونهُم إِلَى النَّارِ، وَالصُّورَةُ هِيَ فِي الحَقِيقَةِ، نَسْألُ اللهَ العَافِيةَ.\n\n<s0>  هَلِ الكُفَّارُ يَرَونَ ربَّهُم يَومَ القِيَامةِ؟\n<s1> ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ [المطففين: ١٥] هُمْ أَكْثرُ النَّاسِ، لَا يَرَوْنهُ.\nقَولُهُ: «وَفِي جَهَنَّمَ كَلَالِيبُ». يَعنِي: الصِّرَاطَ الَّذِي [يُنصَبُ] عَلَى جَهنَّم كَمَا فِي النُّصُوصِ الأُخرَى. مَاذا قَالَ الشَارِحُ أوِ العَينِيُّ؟\nالمَقْصُودُ: «وَفِي جَهَنَّمَ كَلَالِيبُ» أنَّ الصَّحِيحَ: فِيهِ غَلطٌ مِنْ بَعضِ الرُّوَاةِ، وَالمَقْصُودُ «فِي جَهنَّمَ» يَعنِي: مَنْصوبٌ عَلَى جَهنَّمَ؛ لِأنَّ الصِّرَاطَ مَوْضُوعٌ عَلَى جَهنَّمَ، مَنْ سَقطَ منَ الصِّرَاطِ صَارَ إِلَى النَّارِ، نَسْألُ اللهَ العَافِيةَ.\nقَولُهُ: «تَخْطَفُ النَّاسُ بِأَعْمَالِهِمْ، فَمِنْهُم المُوبَقُ وَمِنْهُمُ المُخَرْدَلُ»: قَولُهُ: «تَخْطَفُ» مِنْ بَابِ فَرِحَ وَمِنْ بَابِ تَعِبَ. وَالمَعْنَى: أنَّ النَّاسَ عَلَى الصِّرَاطِ عَلَى أَقْسَامٍ وعَلَى طَبَقاتٍ، حَتَّى إنَّ مِنهُم مَنْ يُخْدَشُ وَتُصِيبُهُ بَعضُ الأَشْياءِ عَلَى الصِّرَاطِ؛ لِضَعفِ عَملِهِ الصَّالِحِ وَمَا أَصَابَهُ مِنْ أَسْبَابِ النَّقصِ فَينْجُو، وآخَرُ يُخْدشُ فَيَسْقُطُ فِي النَّارِ بِهذِهِ الكَلَالِيبِ، نَسْألُ اللهَ العَافِيةَ.\nقَولُهُ: «حَرَّمَ اللهُ عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ أَثَرَ السُّجُودِ»: وَهذَا يُبيِّنُ أنَّهُ يَدخُلُ النَّارَ أُنَاسٌ مُصلُّونَ، يَدخُلُ النَّارَ مُوحِّدُونَ وَمُصلُّونَ،","vol":"1","page":151},{"text":"لكِنْ دَخَلُوهَا بِأَعْمالٍ أُخْرَى، دَخَلُوهَا بِالزِّنَا بِالرِّبَا بِالعُقُوقِ بِأَشْياءٍ أُخْرَى مِنْ جَرائِمِهِم، فَإِذَا أَذِنَ اللهُ فِي إِخْراجِهِم: أَمرَ المَلَائِكةَ أنْ تُخْرِجَهُم، وَأَمرَ الشُّفَعاءَ أنْ يَشْفعُوا فَيَخرُجُ منَ النَّارِ مَنْ كَانَ لَا يُشْركُ بِاللهِ شَيْئًا مِنْ أَهْلِ التَّوحِيدِ وَالإِسْلامِ الَّذينَ أَوْبَقتْهُم الذُّنُوبُ وَأَدْخلَتْهُم الذُّنُوبُ النَّارَ، نَسْألُ اللهَ العَافِيةَ.\nويُعْرَفُونَ بِآثَارِ السُّجُودِ فِي الصَّلَاةِ؛ لِأنَّ الله حرَّمَ عَلَى النَّار أنْ تَأكُلَ آثَارَ سُجُودِ ابْنِ آدَمَ، هَذَا منَ العَلَامَاتِ الَّتِي تَبْقَى يَعْرِفونَهُم بِهَا، وهَذَا مِنْ حِكْمتِهِ وَعدْلِهِ ﷾ حَتَّى يَمِيزَ هَؤُلاءِ مِنْ هَؤُلاءِ، يَمِيزَ أَهْلَ الخُلُودِ منَ الكَفرَةِ عَنْ مَنْ لمْ يُحْكَم لهُمْ بِالخُلُودِ وَالبَقَاءِ فِي هَذَا حَتَّى يَخرُجَ.\nوَهذَا يُفِيدُ الحَذرَ، وَأنَّهُ لَا يَنْبغِي لِلْعاقِلِ أنْ يَغتَرَّ وَيَقُولَ: إنَّهُ منَ المُصَلِّينَ، أوْ منَ المُزكِّينَ، ثمَّ يُسْرفُ عَلَى نَفْسهِ فِيمَا حرَّمَ اللهُ عَليْهِ، فلَمْ يَدْخُلْها وهُوَ مَعَ المُصلِّينَ، وهُوَ معَ المُوحِّدِينَ، ولكِنَّهُ أَسْرفَ عَلَى نَفسِهِ بِشَيءٍ منَ المَعَاصِي الَّتِي مَاتَ عَليْهَا وَلَمْ يَتُبْ، كَعُقوقِهِ لِوَالِديْهِ، أَكلِهِ لِلرِّبَا، تَعاطِيهِ المُسْكِراتِ، الزِّنَا، اللِّواطِ، ظُلمِ النَّاسِ … إِلَى غَيرِ هَذَا مِنْ أَنْواعِ الجَرَائمِ.\nفَلْيحْذرِ العَاقِلُ غَايَةَ الحَذرِ، وَيُحاسِبُ نَفسَهُ، وَلَا يُعجَبُ بِنفْسِهِ وَلَا يُعْجبُ بِعَملِهِ: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (٩٩)﴾ [الأعراف: ٩٩].\nقَولُهُ: «فَيُخْرَجُونَ مِنَ النَّارِ قَدِ امْتُحِشُوا …». امْتُحِشُوا: يَعنِي: احْتَرقُوا، نَسْألُ اللهَ العَافِيةَ.\nوَالمَعْنَى فِي هَذَا: أنَّ اللهَ يُخرِجُهُم قدْ مَاتُوا وَاحْتَرقُوا كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ ﵁: «يُنْبِتُهُمُ اللهُ إِنْبَاتًا» ثمَّ يُصَبُّ عَليِهم مَاءُ الحَياةِ -نَهرٌ مِنَ الجَنَّةِ- فَيَنبُتُونَ كَمَا تَنبُتُ الحِبَّةُ مِنْ حَمِيلِ السَّيلِ، فَإِذَا نَبتُوا أَدْخلَهُم اللهُ الجَنَّةَ،","vol":"1","page":152},{"text":"ويُعْرَفونَ فِيهَا أنَّهُم عُتَقاءُ اللهِ منَ النَّار الَّذينَ أَصَابهُمْ مَا أَصَابَهُم، وَيُطلَقُ عَليِهمُ الجُهنَّمِيُّونَ، ثمَّ يُمْحَى عنْهُم مَا يُشِينُهُم، رَحْمَةً منَ اللهِ ﷿.\nفهَذَا يُبيِّنُ لنَا أنَّ كلَّ مَا وَرَدَ منَ الأَحادِيثِ فِي فَضْلِ التَّوحِيدِ وَفَضلِ مَنْ مَات عَلَى التَّوحِيدِ وَفَضلِ مَنْ مَاتَ عَلَى الشَّهَادَتيْنِ صَادِقًا، أنَّ كلَّ هَذَا فِيمَنْ حقَّقَ حقَّ الشَّهادَتَينِ، وَأدَّى حَقَّهَا وَاسْتكْمَلَ مَا أَوجبَ اللهُ عَليْهِ، وَترَكَ مَا حَرَّم اللهُ عَليْهِ، فَأمَّا مَنْ فرَّطَ وَأضَاعَ وَلمْ يُؤدِّ حقَّ الشَّهادَتيْنِ فهُوَ عَلَى خَطَرٍ عَظِيمٍ فِيمَا مَاتَ عَليْهِ منَ السِّيِّئاتِ الَّتِي اقْتَرفَهَا وَلمْ يَتُبْ مِنْها، فَلا حَولَ وَلَا قوَّةَ إلَّا بِاللهِ.\n\n<s0>  الإِمَاتةُ هذِهِ إِمَاتةٌ خَاصَّةٌ عَفَا اللهُ عَنكَ؟\n<s1> جَاءَ فِي حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ ﵁ الَّذِي رَواهُ مُسلِمٌ (^١) أنَّهَا إِمَاتةٌ خَاصَّةٌ.\n\n<s0>  مَا يَبقَى مَعَها إِحْساسٌ؟\n<s1> اللهُ أَعْلمُ. لكِنْ كَونُهُم يَدْخُلونَ النَّار فَيَمُوتُونَ فِيهَا إِماتَةً إِحْساسُهُم بِها لَا بُدَّ مِنهُ … (^٢).\n[قَالَ الإِمَامُ العَينِيُّ ﵀ فِي «عُمدَة القَارِي» (٢٥/ ١٢٦)]: «قَوْله: «قَدِ امْتَحَشُوا» بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالشِّينِ الْمُعْجَمَة وَهُوَ بِفَتْح التَّاءِ وَالحَاءِ، هَكَذَا هُوَ فِي الرِّوَايَات، وَكَذَا نَقَلهُ القَاضِي عَنْ مُتْقِنِي شُيُوخِهِ، قَالَ: وَهُوَ وَجهُ الْكَلَامِ،\n_________\n(^١) رواه مسلم (٣٠٦) (١٨٥).\n(^٢) كلمة غير واضحة. لعلها: منه.","vol":"1","page":153},{"text":"وَكَذَا ضَبطَهُ الْخطَّابِيُّ وَالهَروِيُّ وَقَالَا فِي مَعْنَاهُ: احْتَرقُوا، وَرُوِيَ عَلَى صِيغَة الْمَجْهُول، وَفِي «الصِّحَاحِ»: المَحْشُ: إِحْراقُ النَّارِ الْجِلدَ، وَفِيهِ لُغَةٌ: أَمْحَشَتْهُ النَّارُ، وَامْتَحشَ الْجِلدُ: احْتَرَقَ، وَقَالَ الدَّاودِيُّ: امْتَحشُوا: ضَمرُوا ونَقصُوا كَالمُحْترِقِينَ». [انتهى كلامه].\nقَالَ ابْنُ بَازٍ ﵀: امْتَحشُوا يَعنِي: احْتَرقُوا … (^١)\n\n<s0>  مَا مَعنَى حِبَّة؟\n<s1> حبَّةُ النَّبَاتِ الصَّغِيرِ، الحبَّةُ الصَّغِيرَةُ الَّتِي تَنْبُتُ، البذْرَةُ الَّتِي تَصلُحُ لِلبَذْرِ.\nقَولُهُ: «ذَكَاؤُهَا» يَعنِي: شِدَّةَ حرِّهَا، نَسْألُ اللهَ العَافِيةَ، هَذَا يُحمَلُ عَلَى أنَّ وَجْهَهُ إِلَى النَّارِ، أُخرِجَ مِنْها، لكِنْ بَقِيَ وَجهُهُ إِليْهَا، مَا بَعدُ صُرِفَ وَجْهُهُ عَنْها، فَلِهذَا يَطلُبُ مِنْ رَبِّهِ أنْ يَصرِفَ وَجهَهُ عنْهَا.\n(الشَّيخُ) رَاجِعْ أَوْجُهَ الكَلامِ فِي «فَيُقالُ»؟ وَجهُ الكَلَامِ: فَيَقُولُ، ضَعْ نُسخَةً: (فَيقُولُ). وَمعْنَى يُقَالُ: أنَّهُ يَقُولُ هُوَ، وهَذَا منَ المَفْهُومِ منَ المَعْلُومِ.\nوَهذَا الكَلامُ يَدلُّ عَلَى كَمَالِ حِلمِهِ ﷾ وَرَحْمتِهِ، وَأنَّهُ جل وعلا يَحلُمُ عَلَى عِبادِهِ وَلَا يَرُدُّ سُؤالَهُم إِذَا أَلحُّوا عَليْهِ وَطَلبُوهُ جل وعلا، وهُوَ الجَوَادُ الكَرِيمُ.\nوَيُبيِّنُ ضَعْفَ ابْنِ آدَمَ، مَهمَا أَعْطَى مِنَ المَواثِيقِ، وَمَهمَا قَالَ، وَمَهْما فَعلَ فهُوَ ضَعِيفٌ، وَلَا يَنْبغِي لِلعَبدِ أنْ يَيْأسَ مِنْ ربِّهِ، بلْ يُلحُّ فِي الدُّعَاءِ وَيَطلُبُ\n_________\n(^١) كلام غير واضح.","vol":"1","page":154},{"text":"فيُلِحُّ -هَذَا الكَرِيمُ الجَوادُ العَظِيمُ- فِي طَلبِ السَّعادَةِ وَالنَّجَاةِ أمْرٌ مَطْلوبٌ، وَلِهذَا هَذَا الخَارِجُ منَ النَّارِ يَمكُثُ مَا شَاءَ اللهُ ثمَّ يُلِحُّ وَيَنتَهِي فِي الدُّعَاءِ حَتَّى نَالَ مَطْلُوبَهُ، حَتَّى دَخلَ الجنَّةَ، وأَنَّ اللهَ سُبْحانَهُ يَعرِفُ حَاجَتهُ وَضَعْفَهُ، وَيَعلَمُ هَذَا مِنهُ، وَلَكنَّهُ سُبْحانَهُ يُظهِرُ فَضْلَهُ وَرَحْمتَهُ وَإِحْسَانَهُ، ويُظهِرُ ضَعفَ ابْنَ آدَمَ وَغَدرَهُ وَعَجزَهُ وَعَدمَ وَفائِهِ، إلَّا مَنْ رَحِمَ اللهُ، وَاللهُ المُسْتعَانُ.\n«وَاللهُ جل وعلا يَعْذِرهُ» كَمَا فِي الرِّوايَةِ الأُخرَى، مَا يَسْتطِيعُ الصَّبرَ وهُوَ يَرَى أَهْلَ الجنَّةَ وَمَا هُمْ فِيهِ منَ النَّعِيمِ يَبْقَى لَا جنَّةً وَلَا نَعِيمًا، مَا يَسْتطِيعُ، وَلِهذَا يُلِحُّ فِي الدُّعَاءِ وَيَسكُتُ مَا شَاءَ، لكِنَّهُ يُلِحُّ حَتَّى حَصَلَ مَطلُوبُهُ.\n\n٧٤٣٨ - قَالَ عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ، وَأَبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ لَا يَرُدُّ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِهِ شَيْئًا حَتَّى إِذَا حَدَّثَ أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ اللهَ ﵎ قَالَ: «ذَلِكَ لَكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ»، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: «وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ مَعَهُ»، يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ مَا حَفِظْتُ إِلَّا قَوْلَهُ: «ذَلِكَ لَكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ»، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: أَشْهَدُ أَنِّي حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَوْلَهُ: «ذَلِكَ لَكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ» قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَذَلِكَ: الرَّجُلُ آخِرُ أَهْلِ الجَنَّةِ دُخُولًا الجَنَّةَ (^١).\n\n<s2>\nوَآخِرُ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا منَ النَّارِ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، وَاللهُ المُسْتعَانُ.\n_________\n(^١) ورواه مسلم (١٨٣).","vol":"1","page":155},{"text":"٧٤٣٩ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ زَيْدٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، قَالَ: قُلْنَا يَا رَسُولَ اللهِ هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ القِيَامَةِ؟ قَالَ: «هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ وَالقَمَرِ إِذَا كَانَتْ صَحْوًا؟»، قُلْنَا: لَا. قَالَ: «فَإِنَّكُمْ لَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ رَبِّكُمْ يَوْمَئِذٍ، إِلَّا كَمَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَتِهِمَا». ثُمَّ قَالَ: «يُنَادِي مُنَادٍ: لِيَذْهَبْ كُلُّ قَوْمٍ إِلَى مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ، فَيَذْهَبُ أَصْحَابُ الصَّلِيبِ مَعَ صَلِيبِهِمْ، وَأَصْحَابُ الأَوْثَانِ مَعَ أَوْثَانِهِمْ، وَأَصْحَابُ كُلِّ آلِهَةٍ مَعَ آلِهَتِهِمْ، حَتَّى يَبْقَى مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ، مِنْ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ، وَغُبَّرَاتٌ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، ثُمَّ يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ تُعْرَضُ كَأَنَّهَا سَرَابٌ، فَيُقَالُ لِلْيَهُودِ: مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ قَالُوا: كُنَّا نَعْبُدُ عُزَيْرَ ابْنَ اللهِ. فَيُقَالُ: كَذَبْتُمْ، لَمْ يَكُنْ لِلهِ صَاحِبَةٌ وَلَا وَلَدٌ، فَمَا تُرِيدُونَ؟ قَالُوا: نُرِيدُ أَنْ تَسْقِيَنَا، فَيُقَالُ: اشْرَبُوا، فَيَتَسَاقَطُونَ فِي جَهَنَّمَ، ثُمَّ يُقَالُ لِلنَّصَارَى: مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ فَيَقُولُونَ: كُنَّا نَعْبُدُ المَسِيحَ ابْنَ اللهِ، فَيُقَالُ: كَذَبْتُمْ، لَمْ يَكُنْ لِلهِ صَاحِبَةٌ، وَلَا وَلَدٌ، فَمَا تُرِيدُونَ؟ فَيَقُولُونَ: نُرِيدُ أَنْ تَسْقِيَنَا، فَيُقَالُ: اشْرَبُوا فَيَتَسَاقَطُونَ فِي جَهَنَّمَ، حَتَّى يَبْقَى مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ مِنْ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ، فَيُقَالُ لَهُمْ:","vol":"1","page":156},{"text":"مَا يَحْبِسُكُمْ وَقَدْ ذَهَبَ النَّاسُ؟ فَيَقُولُونَ: فَارَقْنَاهُمْ وَنَحْنُ أَحْوَجُ مِنَّا إِلَيْهِ اليَوْمَ، وَإِنَّا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي: لِيَلْحَقْ كُلُّ قَوْمٍ بِمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ، وَإِنَّمَا نَنْتَظِرُ رَبَّنَا. قَالَ: فَيَأْتِيهِمُ الجَبَّارُ فِي صُورَةٍ غَيْرِ صُورَتِهِ الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ، فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ. فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبُّنَا. فَلَا يُكَلِّمُهُ إِلَّا الأَنْبِيَاءُ، فَيَقُولُ: هَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ آيَةٌ تَعْرِفُونَهُ؟ فَيَقُولُونَ: السَّاقُ. فَيَكْشِفُ عَنْ سَاقِهِ، فَيَسْجُدُ لَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ، وَيَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ لِلهِ رِيَاءً وَسُمْعَةً، فَيَذْهَبُ كَيْمَا يَسْجُدَ، فَيَعُودُ ظَهْرُهُ طَبَقًا وَاحِدًا، ثُمَّ يُؤْتَى بِالْجَسْرِ فَيُجْعَلُ بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ»، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا الجَسْرُ؟ قَالَ: «مَدْحَضَةٌ مَزِلَّةٌ، عَلَيْهِ خَطَاطِيفُ وَكَلَالِيبُ، وَحَسَكَةٌ مُفَلْطَحَةٌ لَهَا شَوْكَةٌ عُقَيْفَاءُ، تَكُونُ بِنَجْدٍ، يُقَالُ لَهَا: السَّعْدَانُ، المُؤْمِنُ عَلَيْهَا كَالطَّرْفِ وَكَالْبَرْقِ وَكَالرِّيحِ، وَكَأَجَاوِيدِ الخَيْلِ وَالرِّكَابِ، فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ، وَنَاجٍ مَخْدُوشٌ، وَمَكْدُوسٌ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، حَتَّى يَمُرَّ آخِرُهُمْ يُسْحَبُ سَحْبًا، فَمَا أَنْتُمْ بِأَشَدَّ لِي مُنَاشَدَةً فِي الحَقِّ، قَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنَ المُؤْمِنِ يَوْمَئِذٍ لِلْجَبَّارِ، فَإِذَا رَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ نَجَوْا فِي إِخْوَانِهِمْ، يَقُولُونَ: رَبَّنَا إِخْوَانُنَا الَّذِينَ، كَانُوا يُصَلُّونَ مَعَنَا، وَيَصُومُونَ مَعَنَا، وَيَعْمَلُونَ مَعَنَا، فَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى: اذْهَبُوا، فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ دِينَارٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجُوهُ، وَيُحَرِّمُ اللهُ صُوَرَهُمْ عَلَى النَّارِ، فَيَأْتُونَهُمْ وَبَعْضُهُمْ قَدْ غَابَ فِي النَّارِ إِلَى قَدَمِهِ، وَإِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ، فَيُخْرِجُونَ مَنْ عَرَفُوا، ثُمَّ يَعُودُونَ، فَيَقُولُ: اذْهَبُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ نِصْفِ دِينَارٍ فَأَخْرِجُوهُ، فَيُخْرِجُونَ مَنْ عَرَفُوا، ثُمَّ يَعُودُونَ، فَيَقُولُ: اذْهَبُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجُوهُ، فَيُخْرِجُونَ مَنْ عَرَفُوا».","vol":"1","page":157},{"text":"قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَإِنْ لَمْ تُصَدِّقُونِي فَاقْرَءُوا: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ [النساء: ٤٠]. «فَيَشْفَعُ النَّبِيُّونَ وَالمَلَائِكَةُ وَالمُؤْمِنُونَ، فَيَقُولُ الجَبَّارُ: بَقِيَتْ شَفَاعَتِي، فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنَ النَّارِ، فَيُخْرِجُ أَقْوَامًا قَدِ امْتَحَشُوا، فَيُلْقَوْنَ فِي نَهَرٍ بِأَفْوَاهِ الجَنَّةِ، يُقَالُ لَهُ: مَاءُ الحَيَاةِ، فَيَنْبُتُونَ فِي حَافَتَيْهِ كَمَا تَنْبُتُ الحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ، قَدْ رَأَيْتُمُوهَا إِلَى جَانِبِ الصَّخْرَةِ، وَإِلَى جَانِبِ الشَّجَرَةِ، فَمَا كَانَ إِلَى الشَّمْسِ مِنْهَا كَانَ أَخْضَرَ، وَمَا كَانَ مِنْهَا إِلَى الظِّلِّ كَانَ أَبْيَضَ، فَيَخْرُجُونَ كَأَنَّهُمُ اللُّؤْلُؤُ، فَيُجْعَلُ فِي رِقَابِهِمُ الخَوَاتِيمُ، فَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، فَيَقُولُ أَهْلُ الجَنَّةِ: هَؤُلَاءِ عُتَقَاءُ الرَّحْمَنِ، أَدْخَلَهُمُ الجَنَّةَ بِغَيْرِ عَمَلٍ عَمِلُوهُ، وَلَا خَيْرٍ قَدَّمُوهُ. فَيُقَالُ لَهُمْ: لَكُمْ مَا رَأَيْتُمْ وَمِثْلُهُ مَعَهُ» (^١).\n\n<s2>\nهُوَ آخِرُ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا منَ النَّارِ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ المُسْتعَانُ.\n_________\n(^١) ورواه مسلم (١٨٣).","vol":"1","page":158},{"text":"قَولُهُ: «فَيَذهَبُ أَصْحَابُ الصَّلِيبِ مَعَ صَلِيبِهِمْ، وَأَصْحَابُ الأَوْثَانِ مَعَ أَوْثَانِهِمْ، وَأَصْحَابُ كُلِّ إِلَهِ مَعَ آلِهَتِهِمْ» يَعنِي: إِلَى النَّارِ، نَسْألُ اللهَ العَافِيةَ، يُسَاقُونَ إليها، نَسْألُ اللهَ العَافِيةَ.\nالشيخ: نُسْختُكَ (غُبَّرَاتٌ) بِضمِّ الغَينِ. رَاجِعِ الضَّبطَ.\n[قَالَ الإِمَامُ العَينِيُّ ﵀ فِي «عُمدَة القَارِي» (٢٥/ ١٢٨)]: «قَوْلهُ: وَغُبَّرَاتٌ، بِضَمِّ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْبَاءِ الْمُوَحدَةِ أَي: بَقَايَا. وَقَالَ الْكرْمَانِي: جَمعُ غَابِرٍ، وَلَيْسَ كَذَلِك، بْل هُوَ جَمعُ غُبَّرٌ، وَغُبرُ الشَّيْء بَقِيَّتهُ. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الغُبَّراتُ جَمعُ غُبَّرٍ، وَالغُبَّرُ جَمعُ غَابِرٍ». [انتهى كلامه].\nقَالَ ابنُ بَازٍ ﵀: قَولُهُ: «فَيُقالُ: اشْرَبُوا، فَيَتَسَاقَطُونَ فِي جَهَنَّمَ» يَعنِي: أَمَامَهُم جَهنَّمُ، كَأنَّهَا سَرَابٌ، كَأنَّهَا مَاءٌ، حَتَّى يُسَاقُونَ إِليْهَا، نَسْألُ اللهَ العَافِيةَ.\nقَولُهُ: «فَارَقْنَاهُمْ وَنَحْنُ أَحْوَجُ مِنَّا إِلَيْهِ اليَوْمَ» يَعنِي: إِلَى اللهِ.\nقَولُهُ: «فَيَعُودُ ظَهْرُهُ طَبَقًا وَاحِدًا»، قَالَ: ﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢)﴾ [القلم: ٤٢]؛ لِنِفاقِهِم وَكُفرِهِم وَضَلالِهِم -نَسْألُ اللهَ العَافِيةَ- وفِي هَذَا تَفْسِيرٌ لِلْآيَةِ، أنَّ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ (٤٢)﴾ [القلم: ٤٢] يَعنِي: عَنْ سَاقِهِ ﷾، وهِيَ عَلَامةٌ بَيْنَهُم وَبَينَهُ.\nوقدْ تُطلَقُ السَّاقُ عَلَى الشِّدَّةِ، كَشَفتِ الحَرْبُ عَنْ سَاقٍ، يَعنِي: شِدَّةٍ، لكِنِ","vol":"1","page":159},{"text":"المُرَادُ بِالآيَةِ هُنَا غَيرُ المَعْنَى اللُّغوِيِّ، المُرَادُ هُنَا كَشفُهُ لَهُمْ وَإِظْهارُهُ لَهُمْ مَا هُوَ عَلَامةٌ لهُمْ عَلَى رَبِّهِمْ ﷾؛ وَلِهذَا يَكشِفُ لهُمْ عَنْ سَاقِهِ.\n\n<s0>  مَا يَدلُّ هَذَا عَلَى الرُّؤيَةِ؟\n<s1> مَا يَدلُّ هذَا، لِأنَّ الآيَةَ مُحكَمَةٌ، لكِنْ [هَؤُلاءِ] لمَّا رَأَوُا النَّاسَ سَجدُوا أَرَادُوا أنْ يَسجُدُوا فَلمْ يَسْتطِيعُوا.\n\n<s0> «فَيَأتِيهِمُ الجَبَّارُ فَيَروْنهُ، فَيَسجُدُ المُؤمِنُونَ وَالمُنافِقُونَ»؟\n<s1> هَذَا الفُجَّارُ «فُجَّارُها»، المُؤمِنُ الفَاجِرُ، يَعنِي: العَاصِي، وَأمَّا المُنافِقُونَ هُمْ منَ الكَفَرةِ، بلْ أَشدُّ الكَفَرةِ، وَالرُّؤيَةُ نَعِيمٌ، وَلَيسُوا مِنْ أَهْلِ النَّعِيمِ.\n\n<s0>  قَولُهُ تَعَالَى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ [المطففين: ١٥] أَلَا تَكُونُ فِي الجنَّةِ يَا شَيخُ؟\n<s1> عَامٌّ، فِي المَوقِفِ وفِي الجَنَّةِ جَمِيعًا.\n\n<s0>  أَحْسنَ اللهُ إِليْكَ، مَا المُرَادُ بِهِم؟\n<s1> العُصَاةُ الَّذينَ مَاتُوا عَلَى التَّوحِيدِ.\nقَولُهُ: «مَدْحضَةٌ مَزِلَّةٌ».\n(الشَّيخُ): كَذَا (مَزِلَّة) تَكلَّمَ الشَّارِحُ؟\n[قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ فِي «فَتْحِ البَارِي» (١٣/ ٤٢٩)]: «وَقَولُهُ: قَالَ: «مَدْحَضةٌ مَزِلَّةٌ» بِفَتحِ المِيمِ وَكَسرِ الزَّايِ، وَيَجُوزُ فَتحُهَا وَتَشْدِيدُ اللَّامِ، قَالَ: أيْ: مَوضِعُ الزَّلَلِ، وَيُقالُ بِالكَسرِ فِي المَكَانِ، وَبِالفَتحِ فِي المَقَالِ، وَوَقعَ فِي رِوَايةِ أبِي ذَرٍّ عَنِ الكُشْمِيهنِيِّ هُنَا: الدَّحْضُ الزَّلِقُ». [انتهى كلامه].","vol":"1","page":160},{"text":"قَالَ ابْنُ بَازٍ ﵀: المَقْصودُ: أنَّهَا مَوضِعٌ خَطرٌ (مَزَلَّةٌ أوْ مَزِلَّةٌ) مَعْناهَا أنَّهَا خَطَرٌ لَا يَسْلمُ مِنْهَا إِلَّا الأَتْقِياءُ وَالمُؤمِنُونَ، وَمَنْ زَالَ إِيمَانُهُ لَا يَمرُّ عَليْهِ.\n(الشَّيخُ): قَولُهُ: (أَشدُّ لِي مُنَاشَدةً) كَذَا عِنْدَكَ (لِي)؟ رَاجِعِ العَينِيَّ تَكلَّم عَليْهَا؟ وَالنُّسخَ الأُخْرَى. أَظنُّ مَا لَهَا مَعنًى، المُنَاشَدةُ مَا هِيَ لَهُ، المُنَاشدَةُ لِلرَّبِّ جل وعلا، يَطْلبُونَ مِنهُ النَّجَاةَ، تَعرَّضَ لهَا الشَّارِحُ؟ فهُوَ قَالَ بَعْدهَا (مُنَاشَدةً لِلجَبَّارِ) لِلرَّبِّ جل وعلا. ضَعْ عَلَيهِ إِشَارَةً.\n\n<s0>  مَا مَعْنَى المُنَاشدَةِ؟ وَمِمَّنْ؟\n<s1> المُطَالبَةُ بِإِلْحاحٍ مِنَ المُؤمِنِينَ لِربِّهِم، يَعنِي: المُؤمِنُ يُناشِدُ رَبَّهُ لِيُخلِّصَ الَّذِي يُسْحبُ والَّذِي أَمْسكَتْهُ الكَلَالِيبُ، يَسْألُ رَبَّه أنَّ اللهَ يُخلِّصُهُم وَيُنجِّيهِم وَيُلحُّونَ فِي الدُّعَاءِ وَالطَّلبِ حَتَّى يُخلَّصُوا، إِلَّا مَنْ سَبقَ فِي عِلمِ اللهِ أنَّهُ يَسْقطُ لِشدَّةِ أَعْمالِهِم السَّيِّئةِ وَكَثْرتِهَا، فَيَسقُطُ إِلَى المَدَى الَّذِي أَرَادَ اللهُ، ثمَّ يُخرِجُهُ منَ النَّارِ ﷾.\n\n<s0>  تَكُونُ مُسْتقِيمَةً «لِي» أَحْسنَ اللهُ إِليْكَ، يَعنِي: الصَّحَابةَ فِي مُنَاشَدتِهِم لِلرَّسُولِ الشَّدِيدَةِ، يَعنِي: كَمُناشَدَةِ الصَّحَابةِ لِلرَّسُولِ ﷺ؟\n<s1> نَعَمْ، ظَهَرتْ، نَعَم، يَعنِي: المُنَاشَدةَ مِنكُمْ لِي فِي الحَقِّ إنْ تَبيَّنَ، مَا أَنتُمْ بِأشَّدَ مِنَ المُؤمِنِينَ يَومَ القِيَامَةِ لِلجَبَّارِ حِينَ يُناشِدُونهُ فِي طَلبِ نَجَاةِ إِخْوانِهِم، ظَاهِرةٌ يَعنِي.","vol":"1","page":161},{"text":"المَقْصُودُ: يُخبِرُ عَنِ المُنَاشَداتِ الَّتِي تَقعُ لَهُ فِي الدُّنْيَا ﵊ مِنْ أَصْحابِهِ أنْ يَشْفعَ لَهُمْ أوْ أَنْ يَفْعلَ كَذَا.\nالظَّاهِرُ: أنَّ المُناشَدَةَ المَقصُودُ الَّتِي تَقعُ فِي الدُّنْيَا الَّتِي يَعرِفُونَها فِي الدُّنْيَا.\nوقَولُهُ: «فَيُخْرِجُونَ مَنْ عَرَفُوا» وَالمَعنَى: أنَّ اللهَ جَعلَ لَهُمْ عَلَامَاتٍ عَلَى هذِهِ الأَشْياءِ، عَلَامَاتٍ يَعْرِفُونَها، وَيَعرِفُونَ بِها هذِهِ المَقَادِيرَ الَّتِي قَالَ ﷾.\n\n<s0>  أَحْسنَ اللهُ إِليْكَ يَا شَيخُ، بَينَ كلِّ إِخْراجٍ وَإِخْراجٍ مَا حُدِّدَ لَهُ زَمنٌ مُعيَّنٌ؟\n<s1> مَا أَعلَمُ شَيْئًا، أَوْقاتٌ مُتعَدِّدةٌ، اللهُ أَعلَمُ مَا بَينَ كلِّ إِخْراجٍ وَإِخْراجٍ، وَهكَذَا النَّبيُّ ﷺ يُحدُّ لَهُ حَدٌّ كَمَا تَقدَّمَ وَكمَا يَأتِي.\nوقَولُهُ: «فَيُقَالُ لَهُمْ: لَكُمْ مَا رَأَيْتُمْ وَمِثْلَهُ مَعَهُ»: وَهذَا لِأهْلِ التَّوحِيدِ، كَمَا جَاءَ فِي الرِّوَايَاتِ الأُخْرَى: غَيرَ أنَّهُم مَاتُوا عَلَى التَّوحِيدِ، لكِنْ لمْ تَشْمَلْهُم شَفَاعَةُ الشَّافِعينَ.\nفَأمَّا العَلَامَاتُ الَّتِي جُعِلَتْ لَهُمْ لمْ تَصِلْ إِلَى هَؤُلاءِ لَا مَعَ النَّبيِّ ﷺ، وَلَا مَع المُؤمِنِينَ، وَلَا مَع المَلَائِكةِ، فَبَقِيَ هَؤُلاءِ فَأَخْرجَهُم اللهُ بِرحْمَتهِ ﷾؛ لِأنَّهُم مَاتُوا عَلَى التَّوحِيدِ وَلمْ تَشمَلْهُم شَفَاعةُ أُولَئِكَ؛ فَضْلًا منَ اللهِ وَإِحْسَانًا ﷾.","vol":"1","page":162},{"text":"نَسْألُ اللهَ النَّجَاةَ. نَسْألُ اللهَ أنْ يَجْعلَنَا وَإِيَّاكُم منَ النَّاجِينَ، يَا لَهُ مِنْ هَولٍ عَظِيمٍ، يَا لَهُ مِنْ هَولٍ عَظِيمٍ. لَا حَولَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاللهِ، اللَّهُمَّ سَلِّمْ، سَلِّمْ، اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ، اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ، لَا حَولَ وَلَا قُوَّة إلَّا بِاللهِ.\n\n<s0>  بَعضُهُم يَسْتدِلُّونَ بِهذَا الدَّلِيلَ عَلَى التَّهَاوُنِ فِي الصَّلَاةِ؟\n<s1> يَرضَى أنَّهُ يُعذَّبُ فِي النَّارِ؟! إِذَا أَرَادَ أنْ يُعذَّبَ فِي النَّارِ يَتَهاوَنُ حَتَّى يُعذَّبَ [فِي النَّارِ]!! يَرْضَى أنَّهُ يَدخُلُ النَّارَ وَيَخرُجُ؟! إنْ كَانَ أَرَادَ النَّارَ اسْتِهانَةً بِالنَّارِ لَا حَولَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاللهِ.\n\n<s0>  يَقُولُونَ: إِنَّهُمْ يَخْرُجُونَ منَ النَّارِ؟\n<s1> الكُفرُ ضِدُّ الإِيمَانِ، المُرَادُ بِهذَا أَهْلُ التَّوحِيدِ، الكُفَّارُ لَيسُوا مِنْ أَهْلِ التَّوحِيدِ، مَنْ تَركَ الصَّلَاةَ فَليْسَ مِنْ أَهْلِ التَّوحِيدِ، مَنِ اسْتَهزَأَ بِالدِّينِ فَلَيسَ مِنْ أَهْلِ التَّوحِيدِ، مَنْ كذَّبَ النَّبيَّ ﷺ فَلَيسَ مِنْ أَهْلِ التَّوحِيدِ، وَلوْ وَحَّدَ اللهَ يَكفُرُ، يَبطُلُ تَوحِيدُهُ، وَمَنْ أَتَى بِنَاقضٍ مِنْ نَوَاقِضِ الإِسْلامِ [كَفَرَ].\nإِذَا كَانَ يُوحِّدُ اللهَ وَيُصلِّي وَيَصُومُ وَلَا يَذبَحُ لِلْأصْنامِ وَقَالَ: إنَّ مُحمَّدًا ﷺ كَذَّابٌ، مَاذَا تَقُولُونَ؟ يَبطُلُ تَوحِيدُهُ أوْ مَعهُ تَوحِيدُهُ؟ مَا قَالَ: مُحمَّدٌ كَذَّابٌ، لكِنْ قَالَ: مَا بلَّغَ الرِّسَالةَ كَمَا يَنْبغِي، تَسَاهَلَ؛ يَكفُرُ أوْ مَا يَكفُرُ؟ بِالإِجْماعِ أوْ بِالخِلَافِ؟ بِإِجْماعِ المُسْلمِينَ يَكفُرُ، أوِ اسْتَهزَأَ بِالنَّبيِّ ﷺ أوْ بِالجَنَّةِ أوْ بِالنَّارِ أوْ بِاللهِ يَكفُرُ أوْ مَا يَكفُرُ؟ يَكفُرُ، وَلوْ أنَّهُ وحَّدَ اللهَ، فهَذَا مِثلُهُ، إِذَا تَركَ الصَّلَاةَ مِثْلهُ. نَسْألُ اللهَ العَافِيةَ.\nقَاعِدةٌ افْهَمُوهَا: (مَا يَنْفَعُ التَّوحِيدُ إِلَّا لِمَنْ سَلِمَ منَ النَّواقِضِ)، التَّوحِيدُ يَنْفَعُ النَّاسَ إِذَا سَلِمُوا منَ النَّواقِضِ؛ وَإلَّا مَا مَعنَى حُكْمِ المُرتَدِّ فِي هَذَا المَعنَى.\n* * *","vol":"1","page":163},{"text":"٧٤٤٠ - وَقَالَ حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «يُحْبَسُ المُؤْمِنُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُهِمُّوا بِذَلِكَ، فَيَقُولُونَ: لَوِ اسْتَشْفَعْنَا إِلَى رَبِّنَا فَيُرِيحُنَا مِنْ مَكَانِنَا، فَيَأْتُونَ آدَمَ، فَيَقُولُونَ: أَنْتَ آدَمُ أَبُو النَّاسِ، خَلَقَكَ اللهُ بِيَدِهِ، وَأَسْكَنَكَ جَنَّتَهُ، وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ، وَعَلَّمَكَ أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ، لِتَشْفَعْ لَنَا عِنْدَ رَبِّكَ حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا هَذَا. قَالَ: فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ - قَالَ: وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ: أَكْلَهُ مِنَ الشَّجَرَةِ، وَقَدْ نُهِيَ عَنْهَا - وَلَكِنِ ائْتُوا نُوحًا أَوَّلَ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللهُ تَعَالَى إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ؛ فَيَأْتُونَ نُوحًا فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ - سُؤَالَهُ رَبَّهُ بِغَيْرِ عِلْمٍ - وَلَكِنِ ائْتُوا إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَ الرَّحْمَنِ. قَالَ: فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ فَيَقُولُ: إِنِّي لَسْتُ هُنَاكُمْ -وَيَذْكُرُ ثَلَاثَ كَذِبَاتٍ (^١) كَذَبَهُنَّ- وَلَكِنِ ائْتُوا مُوسَى، عَبْدًا آتَاهُ اللهُ التَّوْرَاةَ، وَكَلَّمَهُ، وَقَرَّبَهُ نَجِيًّا. قَالَ: فَيَأْتُونَ مُوسَى، فَيَقُولُ: إِنِّي لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ - قَتْلَهُ النَّفْسَ - وَلَكِنِ ائْتُوا عِيسَى عَبْدَ اللهِ وَرَسُولَهُ وَرُوحَ اللهِ وَكَلِمَتَهُ. قَالَ: فَيَأْتُونَ عِيسَى، فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَلَكِنِ ائْتُوا مُحَمَّدًا\n_________\n(^١) كذا في «الفتح»، وفي «عمدة القارئ» وغيره: «كَلِمَاتٍ».","vol":"1","page":164},{"text":"ﷺ، عَبْدًا غَفَرَ اللهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، فَيَأْتُونِي، فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي فِي دَارِهِ فَيُؤْذَنُ لِي عَلَيْهِ، فَإِذَا رَأَيْتُهُ وَقَعْتُ سَاجِدًا، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَدَعَنِي، فَيَقُولُ: ارْفَعْ مُحَمَّدُ، وَقُلْ يُسْمَعْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، وَسَلْ تُعْطَ، قَالَ: فَأَرْفَعُ رَأْسِي، فَأُثْنِي عَلَى رَبِّي بِثَنَاءٍ وَتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ، (ثُمَّ أَشْفَعُ) (^١) فَيَحُدُّ لِي حَدًّا، فَأَخْرُجُ فَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ».\nقَالَ قَتَادَةُ: وَسَمِعْتُهُ أَيْضًا يَقُولُ: «فَأَخْرُجُ فَأُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ، وَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ، ثُمَّ أَعُودُ (الثَّانِيَةَ) (^٢) فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي فِي دَارِهِ، فَيُؤْذَنُ لِي عَلَيْهِ، فَإِذَا رَأَيْتُهُ وَقَعْتُ سَاجِدًا، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَدَعَنِي، ثُمَّ يَقُولُ: ارْفَعْ مُحَمَّدُ، وَقُلْ يُسْمَعْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، وَسَلْ تُعْطَ. قَالَ: فَأَرْفَعُ رَأْسِي، فَأُثْنِي عَلَى رَبِّي بِثَنَاءٍ وَتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ، قَالَ: ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا، فَأَخْرُجُ، فَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ».\nقَالَ قَتَادَةُ: وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «فَأَخْرُجُ فَأُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ وَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ، ثُمَّ أَعُودُ الثَّالِثَةَ فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي فِي دَارِهِ، فَيُؤْذَنُ لِي عَلَيْهِ، فَإِذَا رَأَيْتُهُ وَقَعْتُ سَاجِدًا، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَدَعَنِي، ثُمَّ يَقُولُ: ارْفَعْ مُحَمَّدُ، وَقُلْ يُسْمَعْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ، قَالَ: فَأَرْفَعُ رَأْسِي، فَأُثْنِي عَلَى رَبِّي بِثَنَاءٍ وَتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ، قَالَ: ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا، فَأَخْرُجُ فَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ».\n_________\n(^١) ما بين القوسين زيادة من «عمدة القارئ» وغيره، وغير موجودة في «الفتح».\n(^٢) ما بين القوسين زيادة من «عمدة القارئ» وغيره، وغير موجودة في «الفتح».","vol":"1","page":165},{"text":"قَالَ قَتَادَةُ: وَقَدْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «فَأَخْرُجُ فَأُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ، وَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ حَتَّى مَا يَبْقَى فِي النَّارِ إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ القُرْآنُ». أَيْ: وَجَبَ عَلَيْهِ الخُلُودُ. قَالَ: ثُمَّ تَلَا (هَذِهِ) (^١) الآيَةَ: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] قَالَ: «وَهَذَا المَقَامُ المَحْمُودُ الَّذِي وُعِدَهُ نَبِيُّكُمْ ﷺ» (^٢).\n\n<s2>\nوَهذَا [الحَدِيثُ] يَدلُّ عَلَى عَظَمةِ خَشيَةِ الأَنْبِياءِ -﵈- لِربِّهِم، وَتَعظِيمِهم لَهُ وَخَوفِهِم مِنهُ ﷾، وهَكَذا خَوَاصُّ عِبَادهِ الأَخْيارِ، فَآدَمُ لَهُ ذَنبٌ وَاحِدٌ، ذَنبٌ وَاحِدٌ وَمَع ذلِكَ قَدْ تَابَ مِنهُ وَاصْطَفاهُ رَبُّهُ بَعدَهُ، وَمعَ هَذَا يَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُم، وَيَذكُرُ خَطِيئَتَهُ؛ لِشدَّةِ مَا وَقعَ فِي نَفْسهِ مِنْ هذِهِ الخَطِيئَةِ، وَقدْ قَالَ اللهُ ﷿: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (١٢٢)﴾ [طه: ١٢١، ١٢٢] وَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)﴾ [البقرة: ٣٧].\nمَع هذِهِ التَّوبَةِ وَمَع اجْتِباءِ اللهِ لَهُ، وَمَع كَونِ ذلِكَ ذَنبًا وَاحِدًا، يَذكُرُ خَطِيئَتَهُ لمَّا طَلبُوا مِنهُ الشَّفَاعةَ، فَكَيفَ بِحَالِ مَنْ جَمَعَ خَطَايَا كَثِيرةً عَظِيمَةً وَجَرائِمَ وَلمْ يَتُبْ؟! لَا حَولَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاللهِ، نَسْألُ اللهَ السَّلَامةَ.\n_________\n(^١) ما بين القوسين زيادة من «عمدة القارئ» وغيره، وغير موجودة في «الفتح».\n(^٢) ورواه مسلم (١٩٣).","vol":"1","page":166},{"text":"قَولُهُ: «وَلَكِنِ ائْتُوا نُوحًا … وَيَذكُرُ خَطِيئتَهُ الَّتِي أَصَابَ: سُؤَالهُ رَبّهُ»: وَهكَذَا يُقَالُ فِي نُوحٍ مِثلُ مَا قِيلَ فِي آدَمَ -﵉-، خَطِيئَةٌ وَاحِدةٌ تَابَ مِنْها لمَّا قَالَ: ﴿وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٤٧)﴾ [هود: ٤٧] سُؤَالٌ، ظنَّ أنَّهُ صَالِحٌ وَأنَّهُ جَائِزٌ، اللهُ المُسْتعَانُ، اللهُ أَكْبَرُ.\nقَولُهُ: «قَالَ: فَيَأتُونَ إِبْراهِيمَ … وَيَذكُرُ ثَلَاثَ كَذَبَاتٍ كَذَبهُنَّ»: كَذلِكَ إِبْراهِيمُ ﵇ ثَلَاثُ كَذَباتٌ كُلُّها فِي ذَاتِ اللهِ، وَمَع هَذَا يَسْتَحْيِي أنْ يَتَقدَّمَ لِربِّهِ لِلشَّفَاعَةِ مِنْ أَجْلِها، فَيَذكُرُها وَيُعظِّمُها مَع أنَّهَا فِي ذَاتِ اللهِ، قَصدَ بِهَا وَجهَ اللهِ، وَهِي مَعْروفَةٌ:\n١ - قَولُهُ فِي قِصَّةِ كَسرِهِ الأَصْنامَ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣]؛ لِيَنتَبِهُوا وَلِيعْرِفُوا أنَّهُم غَالِطُونَ وَخَاطِئونَ فِي عِبادَتِهِم الأَصْنامَ.\n٢ - وَقوْلُهُ: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩)﴾ [الصافات: ٨٩] لمَّا ذَهبُوا إِلَى عِيدِهِم لِيَرجِعَ إِلَى أَصْنَامِهِم.\n٣ - وَقَولِهِ فِي قصَّةِ سَارةَ: «إِنَّها أُخْتِي». يَعنِي: فِي ذَاتِ اللهِ، لِئلَّا يَتَعدَّى عَليْهَا الظَّالِمُ.\nوَالمَقْصودُ: أنَّها كَذَبَاتٌ فِي ذَاتِ اللهِ وَلَيسَتْ جَرَائِمَ، وَلكنَّهُ كَذَبَها فِي ذَاتِ اللهِ، وَلكنَّهُ اسْتَعظَمَها وَاسْتَحيَا مِنْ ربِّهِ أنْ يَتقَدَّمَ وأنْ يَشفَعَ وقَالَ: لَستُ هُنَاكُم.\nقَولُهُ: «وَلَكِنِ ائْتُوا مُوسَى … قَتْلَهُ النَّفسَ»: كَذلِكَ قَتْلُ النَّفسِ فِي قِصَّةِ مُوسَى ﵇ قَبلَ أنْ يُوحَى إِليْهِ، قَبلَ أنْ تَأتِيَهُ النُّبوَّةُ،","vol":"1","page":167},{"text":"فَيَجتَهِدُ فِي ذلِكَ اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ المُسْتعَانُ.\nوَهذِهِ الأُمُورُ أَلْهمَهُم اللهُ إِيَّاهَا أنْ يَقُولُوهَا وَيَعْتذِرُوا؛ لِمَا ادَّخَرَ اللهُ سُبْحانَهُ مِنْ خَيرِ ذلِكَ لمُحمَّدٍ ﵊، شَيءٌ أَلْهَمهُمُ اللهُ إِيَّاهُ وَشَرحَ صُدُورَهُم أنْ يَقُولُوهُ؛ حَتَّى تَنتَهِيَ هذِهِ الشَّفَاعَةُ إِلَى خَيرِ البَشرِ وَأَفضَلِهِم، نَبيِّنَا مُحمَّدٍ ﵊.\nقَولُهُ: «وَلَكِنِ ائْتُوا عِيسَى … لَستُ هُنَاكُمْ»: عِيسَى ﵇ مَا ذَكَرَ شَيْئًا، مَا ذَكرَ ذَنبًا وَلَا شَيْئًا، إنَّمَا شَيءٌ أَلْهمَهُ اللهُ إِيَّاهُ، قَالَ: ائْتُوا مُحمَّدًا ﵊.\nقَولُهُ: «فَأُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ» يَعنِي: مِنْ عِنْدِ رَبِّي، منَ المَكَانِ الَّذِي شَفعَ فِيهِ إِلَى ربِّهِ إِلَى جِهةِ النَّارِ حَتَّى يُخْرجَهُم، وَقدْ جَعلَ اللهُ لَهُ عَلَامَاتٍ يُخْرجُهُم بِها ﷾ فِي الحدِّ الَّذِي حَدَّه لَهُ.\nقَولُهُ: «فَأَخْرُجُ فَأُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ، وَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ»: هَذهِ أَربَعُ شَفَاعَاتٍ. اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ المُسْتعَانُ، اللَّهُمَّ سلِّمْ سلِّمْ.\nقَولُهُ: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ [الإسراء: ٧٩]: وَهذَا هُوَ المَعْروفُ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَماعَةِ، المَقَامُ المَحْمودُ هُوَ مَقَامُ الشَّفَاعةِ الَّتِي أَعْطَاهُ اللهُ إِيَّاهَا فِي أَهْلِ المَوْقفِ، وفِي إِخْرَاجِ العُصَاةِ.\n\n<s0>  هُنَا ذَكرَ أنَّهُ «ثُمَّ أَعُودُ الثَّالِثَةَ» آخِرُ شَيءٍ؟\n<s1> الأَخِيرَةُ هِيَ الرَّابِعةُ الَّتِي بَعدَ الثَّالِثةِ. وفِي هَذَا دَلَالةٌ عَلَى أنَّهُ ﷺ انْتَهتْ شَفَاعتُهُ، عَلَى أنَّهُ لمْ يَبقَ فِيهِمْ","vol":"1","page":168},{"text":"مَنْ يَصلُحُ لِلشَّفَاعةِ، وهُوَ مَنْ حَبَسهُ القُرْآنُ لِكُفرِهِ، وهَذَا حَسبَ عِلْمهِ ﵊، حَسبَ مَا عِندَهُ منَ العِلمِ.\nوَسَبقَ وَيَأتِي أنَّهُ جل وعلا يُخرَجُ منَ النَّار قَومٌ بِغَيرِ شَفاعَةٍ لمْ يَعمَلُوا خَيْرًا قَطُّ إلَّا أنَّهُم يَقُولُونَ: لَا إِلهَ إلَّا اللهُ. فهَذَا يَدلُّ عَلَى أنَّهُم خَفوا عَلَى النَّبيِّ ﷺ وَعَلِمَهُمُ اللهُ، فَأخْرَجهُم بِفَضلِهِ وَرَحمتِهِ ﷾ مِنْ غَيرِ شَفاعَةِ أَحدٍ، بلْ هُوَ الَّذِي أَخْرجَهُم ﷾ لِعِلمِهِ بِأنَّهُم مُوحِّدُونَ مُسلِمُونَ دَخلُوا النَّارَ بِذُنوبِهِم، فَلمَّا قَضَوْا المُدَّةَ الَّتِي كَتَبَها اللهُ عَليْهِم أَخْرجَهُم مِنْها ﷾، وَبَعدَ هَذَا لَا يَبْقَى إلَّا الكَفرَةُ الَّذينَ لَا حِيلَةَ فِي إِخْراجِهِم؛ لِعَدمِ إِيمَانِهِم.\n\n<s0>  أَحْسنَ اللهُ إِليْكَ «داره» نِسبَتهُ [إِلَى اللهِ]؟\n<s1> المَكَانُ الَّذِي هُوَ فِيهِ ﷾، الَّذِي فِيهِ العَرشُ وَالقَضَاءُ بَينَ العِبَادِ.\n\n<s0>  أَحْسنَ اللهُ إِليْكَ، مَا يَشفَعُ ثَلَاثَ مرَّاتٍ «ثُمَّ أَشْفَعُ الثَّالِثَةَ»؟\n<s1> مِنْ بِعدِ الثَّالِثةِ. ثمَّ يَشفَعُ الثَّالِثةَ، «… ثُمَّ أَعُودُ الثَّالِثَةَ: فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي فِي دَارِهِ، فَيُؤْذَنُ لِي عَلَيْهِ، فَإِذَا رَأَيْتُهُ وَقَعْتُ سَاجِدًا، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَدَعَنِي، ثُمَّ يَقُولُ: ارْفَعْ مُحَمَّدُ، وَقُلْ","vol":"1","page":169},{"text":"يُسْمَعْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ، قَالَ: فَأَرْفَعُ رَأْسِي، فَأُثْنِي عَلَى رَبِّي بِثَنَاءٍ وَتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ، قَالَ: ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا، فَأَخْرُجُ فَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ - هذِهِ الرَّابِعةُ - ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا».\nقَالَ ابْنُ بَازٍ ﵀: ثمَّ أَشْفعُ هذِهِ المرَّةُ الرَّابِعةُ.\n«قَالَ قَتَادَةُ: وَقَدْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «فَأَخْرُجُ فَأُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ، وَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ حَتَّى مَا يَبْقَى فِي النَّارِ إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ القُرْآنُ». أَيْ وَجَبَ عَلَيْهِ الخُلُودُ، قَالَ: ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ [الإسراء: ٧٩] قَالَ: «وَهَذَا المَقَامُ المَحْمُودُ الَّذِي وُعِدَهُ نَبِيُّكُمْ ﷺ».\n\n<s0>  هذِهِ الرَّابِعةُ؟\n<s1> مَا سَمِعتُهُ قَرأَهَا!\n\n<s0>  لِأنَّهُ ذَكرَ الثَّالِثةَ وَلمْ يَذكُرِ الرَّابِعةَ؟\n<s1> ثمَّ أَشفَعُ، مَا قَالَ: الرَّابِعةَ، قَالَ: «ثمَّ أَشْفَعُ»، هذِهِ الرَّابِعةُ، وَقدْ جَاءَ مُصرَّحًا بِهَا فِي أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ، أَرْبعُ شَفَاعَاتٍ ﵊، وَتِلْك (^١) الشَّفَاعةُ الرَّابِعةُ بَعدَ قَولِهِ: الثَّالِثةُ، بَعدَ مَا خَرجَ مِنَ الشَّفَاعةِ قَالَ: «ثُمَّ أَشْفَعُ» يَعنِي: الرَّابِعةَ.\nوَفِيهَا قَولٌ آخَرُ: أنَّ المَقَامَ المَحْمُودَ، أنَّهُ سُبْحانَهُ يُقْعِدهُ مَعهُ عَلَى العَرشِ -يَعنِي: مُحمَّدًا ﵊- وَجَاءَ فِي حَدِيثٍ خَاصٍّ، لكِنْ فِي سَندِهِ بَعضُ النَّظرِ، وَالمَشْهورُ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ وَجُمْهُورِهِم أنَّ المَقَامَ المَحْمودَ هُوَ مَقَامُ الشَّفاعَةِ.\n_________\n(^١) في الأصل: وهذيك الشفاعة الرابعة.","vol":"1","page":170},{"text":"<s0>  هلْ وَردَ عَددٌ مُعيَّنٌ فِي حَمَلةِ العَرشِ؟\n<s1>  فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (١٧)﴾ [الحاقة: ١٧]، أمَّا فِي الدُّنْيا هُمْ أَرْبعَةٌ، كَمَا فِي شِعرِ أُميَّةَ بنِ الصَّلتِ ﵁:\nرَجُلٌ وَثَوْرٌ تَحْتَ رِجْلِ يَمِينِهِ\nوَالنَّسْرُ لِلْأُخْرَى وَلَيْثٌ مُرْصَدُ\nوأقرَّ النَّبيُّ بِشِعْرِه (^١). اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيهِ وَسَلِّمْ.\n\n٧٤٤١ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنِي عَمِّي، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَرْسَلَ إِلَى الأَنْصَارِ، فَجَمَعَهُمْ فِي قُبَّةٍ وَقَالَ لَهُمْ: «اصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوُا اللهَ وَرَسُولَهُ، فَإِنِّي عَلَى الحَوْضِ» (^٢).\n\n<s2>\nوَالشَّاهِدُ مِنهُ: «حَتَّى تَلْقَوُا اللهَ وَرَسُولَهُ» وَأنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ لِقَاءِ اللهِ ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ١١٠].\nوَالمُرَادُ بِهِ: البَعْثُ وَالنُّشُورُ وَجَمْعُ النَّاسِ يَومَ القِيَامةِ، مِنهُمْ مَنْ يَرَاهُ وَيَلقَاهُ لِقَاءً كَامِلًا -وهُمُ المُؤمِنُونَ- وَمِنهُمْ مَنْ يَلْقاهُ، وَلكِنْ لَا يَرَاهُ -وهُمْ بَقيَّةُ النَّاسِ\n_________\n(^١) رواه أحمد في «المسند» (٢٣١٤).\n(^٢) ورواه مسلم (١٠٥٩).","vol":"1","page":171},{"text":"- يَلْقَونَ اللهَ فِي البَعثِ وَالنُّشُورِ، وَيُجازِيهِم بِأَعْمَالِهِم؛ لكِنْ لَا يَرَوْنَهُ سُبْحانَهُ ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ [المطففين: ١٥].\nفَاللِّقَاءُ عَامٌّ، وَلكِنَّهُ لِقَاءَانِ: لِقاءٌ مَعهُ رُؤيَةٌ، وهَذَا لِلمُؤمِنِينَ، وَلِقاءٌ لَيسَ مَعهُ رُؤيَةٌ، وهَذَا لِلْكافِرِينَ، نَسْألُ اللهَ السَّلَامةَ.\nوكُلُّهُم مُلَاقٍ ربَّهُ ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (٦)﴾ [الانشقاق: ٦]، قَالَ جَماعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّفْسيرِ: «مُلَاقِيهِ» يَعنِي: مُلَاقٍ كَدْحَكَ. وَقالَ آخَرُونَ: مُلَاقٍ ربَّكَ. وكِلَاهُمَا حقٌّ، كُلُّ إِنْسَانٍ مُلَاقٍ كَدْحهُ وَمُلاقٍ ربَّهُ، لكِنِ المُؤمِنُ يُلَاقِي عَملَهُ وَيُلاقِي ربَّهُ رُؤيَةً، وهَذَا اللِّقَاءُ الكَامِلُ.\nوَالكَافِرُ يُلاقِي كَدحَهُ وَيُلاقِي ربَّهُ لَا رُؤيَةً، ولكِنْ كَلَامًا وَتَوْبِيخًا وَعَذابًا، نَسْألُ اللهَ العَافِيةَ، «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ اللهُ لَيْسَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ» (^١). نَسْألُ اللهَ السَّلَامةَ.\n\n٧٤٤٢ - حَدَّثَنِي ثَابِتُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ الأَحْوَلِ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا تَهَجَّدَ مِنَ اللَّيْلِ قَالَ: «اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، وَلَكَ الحَمْدُ أَنْتَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، أَنْتَ الحَقُّ، وَقَوْلُكَ الحَقُّ، وَوَعْدُكَ الحَقُّ، وَلِقَاؤُكَ الحَقُّ، وَالجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، اللَّهُمَّ لَكَ\n_________\n(^١) رواه البخاري (٧٥١٢)، ومسلم (٦٧) (١٠١٦).","vol":"1","page":172},{"text":"أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ خَاصَمْتُ، وَبِكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَأَسْرَرْتُ وَأَعْلَنْتُ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ».\nقَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: قَالَ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ، وَأَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ طَاوُسٍ: «قَيَّامُ». وَقَالَ مُجَاهِدٌ: «القَيُّومُ القَائِمُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ». وَقَرَأَ عُمَرُ، القَيَّامُ، «وَكِلَاهُمَا مَدْحٌ» (^١).\n\n<s2>\n(الشَّيخُ) رَاجِعْ ثَابِتَ بنَ مُحمَّدٍ؟\n[قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ فِي «تقْريبِ التَّهذيبِ» (٨٢٩)]: «ثَابِتُ بنُ مُحمَّدٍ العَابِدُ)، أَبُو مُحمَّدٍ ويُقَالُ: أبُو إِسْمَاعِيلَ، صَدُوقٌ زَاهِدٌ يُخطِئُ فِي أَحادِيثِهِ، منَ التَّاسِعةِ، مَات سَنةَ خَمسَ عَشرَةَ، خ ت».\nقَالَ ابْنُ بَازٍ ﵀: هَذَا مِنْ كِبَارِ شُيُوخِهِ ﵀، كَانَ مُقِلًّا.\n(الشَّيخُ) مَا قَالَ: بَصرِيٌّ أوْ حِمْصِيٌّ أوْ شَامِيٌّ؟\n(قَارِئُ التَّقرِيبِ): لَا يَا شَيخُ.\n[قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ فِي «تقْريبِ التَّهذيبِ» (٨٣٠)]: «ثَابِتُ بنُ مُحمَّدٍ العَبدِيُّ منَ الرَّابِعةِ، وَقِيلَ: صَوابُهُ مُحمَّدُ بنُ ثَابِتٍ، وَسَيأتِي، ق».\n[قَالَ الإِمَامُ العَينِيُّ ﵀ فِي «عُمدَةِ القَارِي» (٢٥/ ١٣٣)]: «قَوْلُه: وَثَابتٌ\n_________\n(^١) ورواه مسلم (٧٦٩).","vol":"1","page":173},{"text":"- بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَة فِي أَوَّلهِ - ابْنُ مُحَمَّدٍ، أَبُو إِسْمَاعِيلَ، العَابِدُ الشَّيْبَانِيُّ الْكُوفِيُّ». [انتهى كلامه].\nقَالَ ابْنُ بَازٍ ﵀: ذَكرَ بَلدَهُ وَنَسبَهُ.\n\n<s0>  يَا شَيخُ، صَدُوقٌ؟\n<s1> صَدُوقٌ، يُخطِئُ فِي أَحَادِيثَ لَكنَّهُ صَدُوقٌ فِي الجُملَةِ، لكِنْ وَقعَتْ لَهُ أَخْطَاءٌ فِي أَحَادِيثَ، وهَذَا لَيسَ مِنْ أَخْطائِهِ، هذَا لَهُ شَواهِدُ كَثِيرةٌ؛ وَلِهذَا سَاقَهُ المُؤلِّفُ، وهَذَا لِأنَّ حَدِيثَهُ هُنَا لَيسَ مِمَّا فِيهِ أَخْطاءٌ، مِمَّا لَهُ شَوَاهِدُ.\nوفِي رِوَايةٍ: «وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ» (^١)، الشَّاهِدُ قَولُهُ: «… وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ»، تَقدَّمَ هَذَا الحَدِيثُ فِي التَّهجُّدِ لِلمُؤلِّفِ ﵀، وَقدْ رَوَاهُ مُسلِمٌ أيْضًا مِنْ طُرقٍ أُخْرَى، وَلِهذَا سَاقَهُ المُؤلِّفُ مِنْ طَرِيقِ ثَابِتٍ هُنَا.\nقَولُهُ: «قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: قَالَ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ، وَأَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ طَاوُسٍ: «قَيَّامُ». وَقَالَ مُجَاهِدٌ: «القَيُّومُ القَائِمُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ». وَقَرَأَ عُمَرُ: القَيَّامُ، «وَكِلَاهُمَا مَدْحٌ».\nوهذِهِ اللَّفظَةُ جَاءَتْ بِعدَّةِ رِوَايَاتٍ: «قيِّمٌ وَقيَّامٌ وَقيُّومٌ» كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] فهُوَ قيِّمُ السَّمَواتِ، وَقيَّامُ السَّمَواتِ، وقَيُّومُ السَّمَواتِ، كُلُّها صِيغَةُ مُبالَغَةٍ «قيِّمٌ وقيَّامٌ وقيُّومٌ» كلُّهَا صِيغَةُ مُبالَغَةٍ، وهُوَ القَائِمُ بِأحْوَالِ عِبَادهِ جل وعلا.\n\n<s0>  مَا جَاءَتْ بِلفْظِ القَائِمِ؟\n<s1> مَا أَذْكرُ شَيْئًا.\n_________\n(^١) رواه البخاري (١١٢٠)، ومسلم (٧٦٩) (١٩٩).","vol":"1","page":174},{"text":"<s0>  كَأنَّ النَّووِيَّ أَشَارَ إِليْهَا فِي مُسلِمٍ (^١)؟\n<s1>  يُمكِنُ، مَا أَتذَكَّرُ شَيْئًا، الَّذِي أَحْفظُ ثَلَاثةً: «قيِّمٌ وَقيَّامٌ وَقيُّومٌ»، إِذَا قَالَ يُمكِنُ، وَمَنْ حَفِظَ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَحفَظْ.\n\n٧٤٤٣ - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنِي الأَعْمَشُ، عَنْ خَيْثَمَةَ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تَرْجَمَانٌ، وَلَا حِجَابٌ يَحْجُبُهُ» (^٢).\n\n<s2>\nهذِهِ الكَلِمةُ فِيهَا لُغَاتٌ عِدَّةٌ، ثَلَاثٌ: «تَرْجَمَانٌ» بِفَتحَتينِ، و«تَرْجُمَانٌ» بِفَتحٍ ثمَّ ضَمٍّ، و«تُرْجُمَانٌ» بِضمَّتينِ. وقَالَ بَعضُهُم رَابِعةً وهي «تُرْجَمَانٌ» بِضَمِّ التَّاء فِي الأُولَى وفَتحِ الجِيمِ فِي الأَربَعةِ.\nوالتُّرْجُمانُ: الوَاسِطةُ الَّذِي يُعبِّرُ عَنِ الآخَرِ.\nوَالمَعنَى: أنَّ اللهَ يُكلِّمُهُم كِفَاحًا، مَا يَحتَاجُ تُرْجُمانًا، يَكلِّمُهُم سُبْحانَهُ مِنْ دُونِ وَاسِطَةٍ «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ». وهَذَا أَمرٌ عَظِيمٌ وَخَطِيرٌ عَلَى أَعْداءِ اللهِ، وَمَنِ اجْتَرأَ عَلَى مَحَارِمِ اللهِ، وَلَا حَولَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاللهِ، نَسْألُ اللهَ العَافِيةَ.\nوَالكَلَامُ أَوْسعُ مِنَ الرُّؤيَةِ، الرُّؤيَةُ إنَّمَا تَقعُ لِخَواصِّ عِبَادِهِ، وَأمَّا الكَلَامُ فهُوَ عَامٌّ، الكَلَامُ وَالتَّوبِيخُ وَالعَذَابُ هَذَا لِمنْ عَصَى وَكفَرَ، اللهُ أَكْبَرُ.\n_________\n(^١) ورواه مسلم (١٠١٦).\n(^٢) قال النووي ﵀ في «شرح مسلم» (٦/ ٥٤): «قَوْلُهُ ﷺ: «أَنْتَ قَيَّامُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ» وَفِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: «قَيِّمُ» قَالَ الْعُلَمَاءُ: مِنْ صِفَاتِهِ الْقَيَّامُ وَالْقَيِّمُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ هَذَا الْحَدِيثُ، وَالْقَيُّومُ بِنَصِّ الْقُرْآنِ، وَقَائِمٌ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ على كل نفس﴾. قَالَ الهَرَويُّ: وَيُقالُ: قَوَّامٌ. قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: القَيُّومُ: الَّذِي لا يَزولُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: هُوَ الْقَائِمُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، وَمَعْنَاهُ: مُدَبِّرُ أَمْرِ خَلْقِهِ». [انتهى كلامه].","vol":"1","page":175},{"text":"٧٤٤٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «جَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ، آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَجَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ، آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَمَا بَيْنَ القَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ إِلَّا رِدَاءُ الكِبْرِيَاءِ (^١) عَلَى وَجْهِهِ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ» (^٢).\n\n٧٤٤٥ - حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ المَلِكِ ابْنُ أَعْيَنَ، وَجَامِعُ بْنُ أَبِي رَاشِدٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنِ اقْتَطَعَ مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينٍ كَاذِبَةٍ، لَقِيَ اللهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ».\nقَالَ عَبْدُ اللهِ: ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، مِصْدَاقَهُ مِنْ كِتَابِ اللهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧٧] الآيَةَ (^٣).\n\n٧٤٤٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ: رَجُلٌ حَلَفَ عَلَى سِلْعَةٍ لَقَدْ أَعْطَى بِهَا أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَى وَهُوَ كَاذِبٌ، وَرَجُلٌ حَلَفَ\n_________\n(^١) كذا في «الفتح»، وفي «عمدة القارئ» وغيره: «الكِبْرِ».\n(^٢) ورواه مسلم (١٨٠).\n(^٣) ورواه مسلم (١٣٨).","vol":"1","page":176},{"text":"عَلَى يَمِينٍ كَاذِبَةٍ بَعْدَ العَصْرِ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، وَرَجُلٌ مَنَعَ فَضْلَ مَاءٍ فَيَقُولُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ: اليَوْمَ أَمْنَعُكَ فَضْلِي كَمَا مَنَعْتَ فَضْلَ مَا لَمْ تَعْمَلْ يَدَاكَ» (^١).\n\n<s2>\nقَولُهُ: «لَقَدْ أَعْطَى بِهَا» ضُبِطَ بِهذَا وهَذَا، «لَقَدْ أَعْطَى» يَعنِي: اشْتَراهَا بِأَكثَرَ مِمَّا اشْتَراهَا بِهِ، وضُبِطَ «لَقَدْ أُعْطِيَ بِهَا» يَعنِي: سِيمَتْ مِنهُ بِأكْثرَ ممَّا أُعْطِيَ، أيْ: بِأكْثرَ ممَّا أُعْطِي سِيمَتْ مِنهُ. وكِلَاهُما حقٌّ، وَكِلاهُمَا ظَالِمٌ، سَوَاءٌ، قَالَ: إنَّهُ اشْتَراهَا بِكذَا وهُوَ يَكذِبُ، أوْ قَالَ: سِيمَتْ بِكذَا، وَكِلاهُمَا تَدْلِيسٌ وغِشٌّ، ودَاخِلٌ فِي الوَعِيدِ.\n\n<s0>  أَكثَرُ ممَّا أَعطَى؟\n<s1> اشْتَراهَا بِكذَا، أَكثَرَ ممَّا اشْتَراهَا، يَقُولُ: اشْتَريْتُ بِألْفِ رِيَالٍ -وهُوَ بِثَمانٍ أوْ سَبعٍ- حَتَّى يُقرِّبَ لِلمُشْترِي أنَّهُ يَسُومُ بِهذَا المَعنَى.\n\n<s0>  يَعنِي: وَجْهينِ عَلَى حدٍّ سَواءٍ بِالوَجْهَينِ؟\n<s1> إمَّا بِضمِّهِمَا أوْ فَتْحِهِما (لَقَدْ أُعْطِيَ بِأَكْثَرَ مِمَّا أُعْطِيَ) هَذَا إِذَا سِيمَتْ مِنهُ (وَلَقَدْ أَعْطَى أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَى) يَعنِي: اشْتَراهَا، يَعنِي: بَذَلَ.\n\n<s0>  وَالمُخَالفَةُ بَينَهُما؟\n<s1> مَا هُوَ ظَاهِرٌ، لَقدْ أَعَطَى ممَّا أُعْطِيَ، مَا يَصلُحُ، إمَّا أَعْطَى وأَعَطْى أوْ\n_________\n(^١) ورواه مسلم (١٠٨).","vol":"1","page":177},{"text":"أُعْطِيَ وأُعْطِيَ.\n\n<s0>  يَا شَيخُ، تَخْصِيصُ بَعدَ العَصرِ؟\n<s1> لِأنَّهُ آخِرُ النَّهَارِ، خَاتِمةُ النَّهَارِ، منْ خَتَمَ نَهارَهُ بهِ، آخِرُ النَّهَارِ لَهُ شَأنٌ عَظِيمٌ يَنْبغِي أنْ يَختِمَهُ بِخَيرٍ، وهُوَ خَتَمهُ بِالكَذِبِ وَالزُّورِ.\n\n٧٤٤٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «الزَّمَانُ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا: مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثٌ مُتَوَالِيَاتٌ، ذُو القَعْدَةِ، وَذُو الحِجَّةِ، وَالمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ، أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ يُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ: «أَلَيْسَ ذَا الحَجَّةِ؟» قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ: «أَلَيْسَ البَلْدَةَ؟» قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: «فَأَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ: «أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ؟» قُلْنَا: بَلَى. قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ» قَالَ مُحَمَّدٌ: وَأَحْسِبُهُ قَالَ: «وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، وَسَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، أَلَا فَلَا تَرْجِعُوا بَعْدِي ضُلَّالًا، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ، أَلَا لِيُبْلِغِ","vol":"1","page":178},{"text":"الشَّاهِدُ الغَائِبَ، فَلَعَلَّ بَعْضَ مَنْ يَبْلُغُهُ أَنْ يَكُونَ أَوْعَى لَهُ مِنْ بَعْضِ مَنْ سَمِعَهُ» فَكَانَ مُحَمَّدٌ إِذَا ذَكَرَهُ قَالَ: صَدَقَ النَّبِيُّ ﷺ، ثُمَّ قَالَ: «أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ» (^١).\n\n<s2>\nهَذَا الشَّاهِدُ، قَولُهُ: «سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ» الشَّاهِدُ مِنْ ذِكْرِها: «وَسَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ».\nوَهذَا مِنهُ ﵊ تَنْبِيهٌ لَهُمْ أنْ يَتَيقَّنُوا هَذَا الأَمرَ وَيَعقِلُوهُ، وَلِهذَا كَرَّرهُ عَليْهِم «أَيُّ شَهْرِ هَذَا؟ أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟ أَيُّ يَوْمٍ هَذَا»؛ لِيَنتَبِهُوا لِهذَا الأَمرِ العَظِيمِ وَيَعْقلُوهُ وَيَنقِلُوهُ عَنهُ وَيُبلِّغُوهُ عَنهُ ﵊.\nوَأنَّ دِمَاءَ النَّاسِ دِمَاءَ المُسْلمِينَ وَأَمْوالَهُم -يَعنِي: وَالمَعْصومِينَ- وَأَعْراضَهُم عَلَيهِم حَرَامٌ كَحُرمَةِ مَكَّةَ الحَرمِ، وَكَحُرمَةِ ذِي الحجَّةِ الشَّهرِ الحَرَامِ، وَكحُرْمةِ يَومِ النَّحرِ فِي شَهرِ ذِي الحِجَّةِ، وهُوَ يَومُ الحَجِّ الأَكْبرِ؛ لِيعْرِفَ المُسلِمُونَ عَظمَةَ هذِهِ الأَشْياءِ، فَيتَّقُوهَا وَيَحذَرُوهَا؛ فَلَا يَظْلمُوا النَّاسَ فِي دِمائِهِم، وَلَا فِي أَمْوالِهِم، وَلَا فِي أَعْراضِهِم.\nوقَالَ: «وَأَحْسِبُهُ قَالَ: وَأَعْرَاضِكُمْ» هَكَذا جَاءَ فِي الرِّوَايةِ، وَجَاءَ فِي الرِّوايَةِ الأُخرَى بِالجَزمِ: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ» (^٢)، فِي «الصَّحِيحَينِ» بِالجَزمِ فِي الثَّلَاثِ: الدِّمَاءِ وَالأَمْوالِ وَالأَعْراضِ، فَالوَاجِبُ الحَذرُ منَ التَّعدِّي عَلَى هذِهِ الثَّلَاثِ، أَعْظمُهَا الدَّمُ، ثمَّ المَالُ، ثمَّ العِرضُ، نَسْألُ اللهَ العَافِيةَ.\n_________\n(^١) ورواه مسلم (١٦٧٩).\n(^٢) رواه البخاري (٦٧)، ومسلم (١٦٧٩).","vol":"1","page":179},{"text":"<s0>  رِوَايةُ «وَأَبْشَارَكُمْ»؟\n<s1>  جَاءَتْ رِوَايَةُ «وَأَبْشَارَكُمْ» صَحِيحةٌ، وَالأَبْشارُ يَعنِي: الجِلد.\n* * *","vol":"1","page":180},{"text":"<span data-type='title' id=toc-43>باب مَا جَاءَ فِي قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾</span>\n٧٤٤٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ أُسَامَةَ، قَالَ: كَانَ ابْنٌ لِبَعْضِ بَنَاتِ النَّبِيِّ ﷺ يَقْضِي، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَهَا، فَأَرْسَلَ «إِنَّ لِلهِ مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلٌّ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى، فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ».\nفَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ فَأَقْسَمَتْ عَلَيْهِ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَقُمْتُ مَعَهُ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَعُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، فَلَمَّا دَخَلْنَا نَاوَلُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ الصَّبِيَّ وَنَفْسُهُ تَقَلْقَلُ فِي صَدْرِهِ - حَسِبْتُهُ قَالَ: كَأَنَّهَا شَنَّةٌ - فَبَكَى رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَقَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ أَتَبْكِي؟ فَقَالَ: «إِنَّمَا يَرْحَمُ اللهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ» (^١).\n\n<s2>\nهَذَا الحَدِيثُ -وَقدْ سَبقَ هَذَا الحَدِيثُ أيْضًا- فِيهِ الدَّلَالةُ عَلَى شَرعِيَّةِ\n_________\n(^١) ورواه مسلم (٩٢٣).","vol":"1","page":181},{"text":"الرَّحمَةِ لِلضُّعفَاءِ وَالمَسَاكِينِ وَأهْلِ المُصِيبَةِ وَالميِّتِ كَذلِكَ، وَلِهذَا يَقُولُ: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾ [الأعراف: ٥٦]، وَيَقولُ ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩] وَيَقُولُ ﷺ: «مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ» (^١).\nوَفِي هَذَا الحَدِيثِ: أنَّ إِحْدى بَنَاتِه ﵂ كَانَ عِنْدهَا صَبيٌّ فِي المَوتِ يَعنِي: قَدْ ظَهَرتْ عَليْهِ أَمَارَاتُ المَوتِ؛ فَأَرْسلَتْ إِلَى أَبِيهَا ﵊ تَطلُبُ مِنهُ الحُضُورَ، حُضُورَ مَوتِ هَذَا الصَّبيَّ لِيعُزِّيَهم وَيَجبُرَ حَالَهُم بِحُضورِهِ ﵊، فَأَرسَلَ إِليْهَا، وَقَالَ: «لِتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ، فَإِنَّ للهِ مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمّى».\nيَعنِي: أنْ تَصبِرَ إِذَا مَاتَ وَتَحتَسِبَ الأَجرَ عِنْدَ اللهِ، فَإنَّ للهِ مَا أَخذَ وَلهُ مَا أَعْطَى، كُلُّ شَيءٍ بِيدِهِ ﷾، وَالنَّاسُ مِلكُهُ، الخَلقُ كَلُّهُم مِلكُهُ، وَكلُّ هَذَا مِلكُهُ، إنَّا للهِ وَإنَّا إِليْهِ رَاجِعُونَ، الجَمِيعُ مِلكُ اللهِ ﷾ يَتَصرَّفُ فِيهِ كَيفَ يَشَاءُ، كَمَا قَالَ جل وعلا فِي سُورَةِ المَائِدةِ فِي آخِرِهَا: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠)﴾ [المائدة: ١٢٠].\nفَأَرْسَلَتْ إِليْهِ مَرَّةً أُخرَى تُقسِمُ عَليْهِ -تَحلِفُ عَليْهِ- أنْ يَحضُرَ، فَقَامَ وَحقَّقَ قَسَمَها ﵊، وَتَوجَّهَ إِليْهَا وَمعَهُ جَماعَةٌ منَ الصَّحَابةِ، مِنهُمْ: مُعَاذُ بنُ جَبلٍ، وَسَعدُ بنُ عُبَادَةَ، وَأُبيُّ بنُ كَعْبٍ، وَزَيدُ بنُ ثَابِتٍ، وَأُسَامَةُ بنُ زَيدٍ وَآخَرُونَ ﵃.\n_________\n(^١) تقدم برقم (٧٣٧٧).","vol":"1","page":182},{"text":"فَلمَّا حَضَرَ وَقَدَّمُوا لَهُ الصَّبيَّ رَأَى نَفسَهُ تَقَعقَعُ لِلخُرُوجِ، وفِي رِوَايةٍ: «تَقَلْقَلُ» فِي أَمَارَاتِ الخُرُوجِ وَأَمارَاتِ المَوتِ؛ فَبَكَى ﵊ وَذَرَفتْ عَينَاُه لمَّا رَأَى مَا رَأَى، فَقَالَ لَهُ سَعدُ بنُ عُبَادَةَ: تَبكِي يَا رَسُولَ اللهِ؟! فَقَالَ: «إِنَّهَا رَحْمَةٌ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءُ».\nفَفِي هَذَا فَوائِدُ:\nمِنْها: حُسْنُ خُلقِهِ ﵊ وَتَواضُعُهُ، كَونُهَا أَقْسمَتْ عَليْهِ وَقَامَ وحَقَّقَ قَسَمَها مِنْ أَجلِ جَبرِ حَالِهَا وَجَبرِ مُصِيبَتِها وَرَحمَةً لِحَالِها، فهَذَا يَدلُّ عَلَى التَّواضُعِ وحُسنِ الخُلُقِ، وَالرَّحمَةِ أيْضًا، كَونُهُ رَحِمَها أيْضًا، ثمَّ لمَّا حَضَرَ رَحِمَ أيْضًا طِفلَهَا وَبَكَى مِنْ أَجلِ ذَلِك، فهَذَا يَدلُّ عَلَى حُسْنِ خُلُقهِ ﷺ وَطِيبِ شَمَائِلِهِ، وَرَحمَتهِ بِالضُّعَفاءِ وَرِقَّتهِ عَلَى أَوْلادِهِ وَرَحمتِهِ لهُمْ، وَحُسْنِ مُعاشَرتِهِ لهُمْ، وَإِجَابتِهِ طَلَباتِهِم الَّتِي لَا مَحْذورَ فِيهَا.\nوَمِنَ الفَوائِدِ: جَوَازُ البُكَاءِ، وَأنَّهُ لَا حَرَجَ فِيهِ عَلَى الطِّفلِ وَعَلَى غَيرِهِ، وَأنَّ المَحظُورَ هُوَ النِّيَاحةُ، وَأمَّا دَمعُ العَينِ فَلَا حَرَجَ فِي ذَلِك؛ وَلِهذَا قَالَ ﵊ فِي قِصَّةِ ابْنهِ إِبْراهِيمَ لمَّا تُوفِّيَ: «إِنَّ العَيْنَ تَدْمَعُ، وَالقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يُرْضِي رَبَّنَا، وَإِنَّا بِفرَاقِكَ يَا إَبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ» (^١).\nوَفِيهِ: الدَّلَالةُ عَلَى أنَّهُ يَنبَغِي لِلوَالدِ أنْ يَكُونَ رَحِيْمًا عَطُوفًا عَلَى أَوْلَادِهِ، لَا يَتجَبَّرُ عَليْهِم وَلَا يَتكَبَّرُ عَنْ تَحقِيقِ طَلبَاتِهِم المُنَاسِبةِ الَّتِي لَا مَحْذورَ فِيهَا -وَلَا سِيَّمَا عِنْدَ المَصَائبِ وَعِنْدَ المَرضِ، وَعِنْدَ الشِّدَّةِ وعِندَ الحَاجَةِ- يَلطُفُ بِهِمْ وَيَرحَمُهُم وَيَعطِفُ عَليْهِم، وَلوْ كَانَ عَظِيمًا وَلوْ كَانَ كَبِيرًا، وَلوْ كَانَ مَلِكًا.\n_________\n(^١) رواه البخاري (١٣٠٣)، ومسلم (٢٣١٥) (٦٢).","vol":"1","page":183},{"text":"فَأعْظَمُ العُظَمَاءِ منَ المَخْلوقِينَ هُوَ رَسُولُ اللهِ ﵊، فَلَيسَ هُنَاكَ فِي الدُّنيَا مَنْ هُوَ أَعظَمُ مِنهُ وَأحَقُّ مِنهُ بِالاحْتِرامِ وَالتَّبجِيلِ، ومَعَ هَذَا أَجَابَ دَعْوةَ ابْنتِهِ وقَامَ إِليْهَا وحَقَّقَ طَلبَهَا، وَحقَّقَ قَسَمَهَا وَحَضَرَ إِلَى بَيتِهَا، وَجَبرَ مُصِيبَتهُم وَدَعا لهُمْ ﷺ.\nوَمِنَ الفَوائِدِ أيْضًا، وَهِيَ مُهمَّةٌ: أنَّ الوَاجِبَ الصَّبرُ عِنْدَ المَصائِبِ، وَأنْ تَصبِرَ، الوَاجِبُ الصَّبرُ وَالاحْتِسابُ، وَعَدمُ الجَزعِ، كُلٌّ مُصَابٌ، المَصَائِبُ مَاشِيةٌ عَلَى العِبَادِ؛ فَالوَاجبُ الصَّبرُ عِنْدَهَا وَعدَمُ الجَزَعِ، وَاسْتِحضَارُ أنَّ العَبدَ ومَن عِندَهُ مِنْ ذُريَّةٍ مِنْ إِخْوَانٍ، مِنْ آبَاءٍ، مِنْ أُمَّهاتٍ إِلَى غَيرِهِم كُلُّهُم مِلكُهُ سُبْحانَهُ «للهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى» (^١)، وهُوَ المَالِكُ المُتصَرِّفُ فِي الجَمِيعِ، فَلَا وَجهَ لِلْجزَعِ، بلِ الجَزعُ يُفوِّتُ الخَيرَ، وَيُسبِّبُ الغَضَبَ، وَالاحْتِسَابَ، وَالرِّضَا يَحصُلُ بِهِ الخَيرُ العَظِيمُ وَالأَجْرُ منَ اللهِ ﷿، وَالعِوَضُ مِنهُ ﷾.\n\n٧٤٤٩ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «اخْتَصَمَتِ الجَنَّةُ وَالنَّارُ إِلَى رَبّهِمَا، فَقَالَتِ الجَنَّةُ: يَا رَبِّ، مَا لَهَا لَا يَدْخُلُهَا إِلَّا ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ، وَقَالَتِ النَّارُ: -يَعْنِي- أُوثِرْتُ بِالْمُتَكَبِّرِينَ، فَقَالَ اللهُ تَعَالَى لِلْجَنَّةِ: أَنْتِ رَحْمَتِي، وَقَالَ لِلنَّارِ: أَنْتِ عَذَابِي، أُصِيبُ بِكِ\n_________\n(^١) تقدم برقم (٧٤٤٨).","vol":"1","page":184},{"text":"مَنْ أَشَاءُ، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا مِلْؤُهَا، قَالَ: فَأَمَّا الجَنَّةُ، فَإِنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ مِنْ خَلْقِهِ أَحَدًا، وَإِنَّهُ يُنْشِئُ لِلنَّارِ مَنْ يَشَاءُ، فَيُلْقَوْنَ فِيهَا، فَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ، ثَلَاثًا، حَتَّى يَضَعَ فِيهَا قَدَمَهُ فَتَمْتَلِئُ، وَيُرَدُّ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، وَتَقُولُ: قَطْ قَطْ قَطْ» (^١).\n\n٧٤٥٠ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «لَيُصِيبَنَّ أَقْوَامًا سَفْعٌ مِنَ النَّارِ، بِذُنُوبٍ أَصَابُوهَا عُقُوبَةً، ثُمَّ يُدْخِلُهُمُ اللهُ الجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ، يُقَالُ لَهُمُ الجَهَنَّمِيُّونَ». وَقَالَ هَمَّامٌ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.\n\n<s2>\nوَهذِهِ رَحمَتُهُ ﷾ ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾ [الأعراف: ٥٦] فَالجنَّةُ مِنْ رَحمَتهِ كَمَا قَالَ: «أَنْتِ رَحْمَتِي» وفِي الرِّوايَةِ الأُخرَى: «أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ» (^٢) فهِيَ رَحْمتُهُ يَهَبُها لِمنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادهِ المُؤمِنِينَ، فَيَلطُفُ بِهِمْ ﷾، وَالنَّارُ عَذابُهُ يُعذِّبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ، وَلِكلِّ وَاحِدةٍ مِنهُمَا مِلؤُهَا.\nوَبيَّنَ ﵊ هذِهِ الخُصُومةَ بَينَ الجنَّةِ وَالنَّارِ وَاحِتِجاجَهُما\n_________\n(^١) ورواه مسلم (٢٨٤٦).\n(^٢) رواه البخاري (٤٨٥٠)، مسلم (٢٨٤٦) (٣٤).","vol":"1","page":185},{"text":"أنَّ الجنَّةَ قَالَتْ: «فِيَّ ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ» يَعنِي: فُقَراءَهُم، يَعنِي: غَالِبُ مَنْ يَدخُلُها الفُقَراءُ؛ لِأنَّ المَالَ يُطغِي أَهلَهُ إلَّا مَنْ رَحِمَ اللهُ ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦)﴾ [العلق: ٦].\nوَالنَّارُ فِيهَا الجَبَّارُونَ وَفِيهَا المُتكبِّرُونَ، الَّذينَ حَملَهُم التَّكبُّرُ وَالتَّعاظُمُ وَالعِنَادُ عَلَى التَّكذِيبِ وَعدَمِ الاسْتِجابَةِ، فَلِهذَا صَارَتِ النَّارُ أَوْلَى بِهِمْ.\nوَالجنَّةُ دَارُ المُتَّقِينَ، دَارُ المُؤمِنِينَ، دَارُ أَهْلِ السَّعادَةِ، وإِنْ كَانُوا فُقَراءَ وَإِنْ كَانُوا ضُعَفاءَ، فَالفَقرُ المَالِيُّ لَا قِيمَةَ لَهُ، إنَّمَا الفَقرُ الخَطِيرُ الفَقرُ مِنَ الدِّينِ وَضَعفُ الدِّينِ، هَذَا هُوَ الفَقرُ المُهلِكُ، وَأمَّا فَقرُ المَالِ فَأمْرُهُ سَهلٌ، وَعِلاجُهُ كَثِيرٌ.\nوفِي هَذَا الحَدِيثِ وَقَعَ وَهْمٌ مِنْ بَعضِ الرُّوَاةِ فَقَالَ: «إِنَّ النَّارَ يُنْشِئُ اللهُ لهَا أَقْوامًا، لَا تَمتَلِئُ فَيُنشِئُ اللهُ لهَا أَقْوامًا فَيُدخِلهُم النَّارَ». وَهذَا غَلطٌ؛ لِأنَّ النَّارَ دَارُ العَذَابِ، وهُوَ لَا يُعذِّبُ إلَّا مَنِ اسْتحَقَّ العَذَابَ بِعمَلهِ السَّيِّئِ، وَالنَّارُ لَا تَزَالُ تَقُولُ (هَلْ مِنْ مَزِيدٍ، هَلْ مِنْ مَزِيدٍ) لِسِعتِهَا وَعَظمَتِها وَعُمْقِها، فَإنَّ عُمقَهَا مَسافَة سَبْعينَ خَرِيفًا مِنْ أَعْلاهَا إِلَى أَسْفلِها، سَبْعِينَ عَامًا إِذَا أُلقِيَ فِيهَا شَيءٌ يَمكُثُ سَبْعينَ عَامًا مَا وَصَلَ قَعْرَها، نَسْألُ اللهَ العَافِيةَ.\nفَيضَعُ الجَبَّارُ فِيهَا قَدمَهُ - أيْ رِجلَهُ - فَيَنزَوِي بَعضُهَا إِلَى بَعضٍ فَتَقولُ: «قَطُّ قَطُّ» يَعنِي: حَسبِي حَسْبِي، يَعنِي: امْتَلئْتُ امْتَلئْتُ.\nوَأمَّا الجَنَّةَ فَيَبْقَى فِيهَا فَضلٌ، فَيُنشِئُ اللهُ لَهَا أَقْوَامًا لمْ يَعمَلُوا خَيْرًا قطُّ فَيُدخِلُهم الجنَّةَ بِفَضلِ رَحمَتهِ، وهَذَا هُوَ الشَّاهِدُ لِلْبابِ معَ قَولِهِ: «أَنْتِ رَحْمَتِي» وَلَكنَّهُ انْقَلَبَ عَلَى بَعضِ الرُّوَاةِ، فَجعَلهُ تَبعَ النَّارِ، وَليْسَ الأَمرُ كَذلِكَ.","vol":"1","page":186},{"text":"<s0>  المَقْصُودُ: إِثْباتُ الرَّحمَةِ فِي هذِهِ النُّصُوصِ؟\n<s1>  فِي المَوضِعَينِ فِي «أَنْتِ رَحْمَتِي» ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾ [الأعراف: ٥٦] وَأَهلُ الجنَّةِ هُمْ أَهْلُ الإِحْسَانِ.\n(الشَّيخُ) تَعرَّضَ لهَا الشَّارِحُ؟\n(القَارِئُ) فِي تَعْليقٍ عَلَى المَتنِ: وَالشَّارِحُ تَكلَّمَ عَليْهِ، التَّعلِيقُ يَقُولُ: قَالَ مُحبُّ الدِّينِ الخَطِيبُ: «جَزَمَ ابنُ القيِّمِ بِأنَّ هَذَا غَلطٌ مِنَ الرَّاوِي، صَوَابُهُ: «يُنْشِئُ لِلْجَنَّةِ» كَمَا تَقدَّم بِرقَمِ (٤٨٥٠) مِنْ طَرِيقِ عَبدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أبِي هُرَيرَةَ ﵁، وَكمَا فِي رَقمِ (٧٣٨٤) مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ عَنْ أَنسٍ، فَتَبيَّنَ مِنهُمَا: أنَّ الرَّاوِيَ هُنَا سَبقَ لَفظُهُ منَ الجنَّةِ إِلَى النَّارِ، وَيُسمُّونَهُ فِي عِلمِ المُصْطلَحِ: المُنْقَلِبَ» (^١).\n[قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ فِي «فَتْحِ البَارِي» (١٣/ ٤٣٧)]: «قَولُهُ: «فَأمَّا الجنَّةَ فَإنَّ اللهَ لَا يَظلِمُ مِنْ خَلقِهِ أَحدًا وَأنَّهُ يُنْشِئُ لِلنَّارِ مَنْ يَشَاءُ». قَالَ أبُو الحَسنِ القَابِسيُّ: المَعْرُوفُ فِي هَذَا المَوضِعِ أنَّ اللهَ يُنْشِئُ لِلجنَّةِ خَلْقًا، وَأمَّا النَّارُ فَيضَعُ فِيهَا قَدَمَهُ … قَالَ: وَلَا أَعلَمُ فِي شَيءٍ منَ الأَحَادِيثِ أنَّهُ يُنْشِئُ لِلنَّارِ خَلقًا إلَّا هَذَا. انْتَهَى.\nوقَدْ مَضَى فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ «ق» مِنْ طَرِيقِ مُحمَّدِ بنِ سِيرِينَ، عَنْ أبِي هُرَيرَةَ: يُقالُ لِجهَنَّمَ: «هَلِ امْتَلَأْتِ؟ وَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ؟ فَيَضَعُ الرَّبُّ عَلَيْهَا قَدَمَهُ، فَتَقُولُ: قَطْ قَطْ» ومِن طَرِيقِ همَّامٍ بِلَفظِ: «فَأَمَّا النَّارُ فَلَا تَمْتَلِئُ حَتَّى يَضَعَ رِجْلَهُ، فَتَقُولُ: قَطْ قَطْ». فَهُناكَ تَمْتلِئُ وَيَزوِى بَعضُهَا إِلَى بَعْضٍ، وَلَا يَظلِمُ اللهُ\n_________\n(^١) «فتح الباري» (١٣/ ٤٤٤، ح ٧٤٤٩).","vol":"1","page":187},{"text":"مِنْ خَلقِهِ أَحَدًا.\nوَتَقدَّمَ هُناكَ بَيَانُ اخْتِلافِهِم فِي المُرَادِ بِالقَدَمِ مُسْتوْفًى، وَأَجَابَ عِيَاضٌ بِأنَّ أَحدَ مَا قِيلَ فِي تَأْوِيلِ القَدمِ: أنَّهُم قَومٌ تَقدَّمَ فِي عِلمِ اللهِ أنَّهُ يَخلُقُهمْ، قَالَ: فَهذَا مُطَابقٌ لِلْإنشَاءِ، وَذِكرُ القَدمِ بَعدَ الإِنْشاءِ يُرجِّحُ أنْ يَكُونَا مُتَغايِرَينِ.\nوَعنِ المُهلَّبِ قَالَ: فِي هذِهِ الزِّيَادةِ حُجَّة لِأهْلِ السُّنةِ فِي قَولِهِم: إنَّ للهِ أنْ يُعذِّبَ مَنْ لمْ يُكلِّفْهُ لِعِبادَتهِ فِي الدُّنْيَا؛ لِأنَّ كلَّ شَيءٍ مِلكُهُ، فلَوْ عَذَّبهُم لَكَانَ غَيرَ ظَالمٍ. انْتَهَى.\nوَأهْلُ السُّنةِ إنَّمَا تَمسَّكُوا فِي ذلِكَ بِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: ٢٣]، و﴿يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (١٨)﴾ [الحج: ١٨] وَغَيرِ ذلِكَ، وهُوَ عِنْدَهُمْ مِنْ جِهةِ الجَوَازِ، وَأمَّا الوُقُوعُ فَفِيهِ نَظرٌ.\nوَلَيسَ فِي الحَدِيثِ حجَّةٌ؛ لِلِاخْتِلافِ فِي لَفظِهِ، وَلِقبُولِهِ التَّأْوِيلَ. وقدْ قَالَ جَماعَةٌ منَ الأَئِمَّةِ: إنَّ هَذَا المَوضِعَ مَقْلوبٌ، وَجَزمَ ابنُ القَيِّمِ بأَنَّهُ غَلطٌ، وَاحْتجَّ بِأنَّ اللهَ تَعَالَى أَخْبرَ بِأنَّ جَهنَّمَ تَمْتلِئُ مِنْ إِبْليسَ وَأَتْباعِهِ.\nوَكَذا أَنْكرَ الرِّوايَةَ شَيخُنَا البُلْقينِيُّ وَاحْتجَّ بِقَولهِ: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)﴾ [الكهف: ٤٩] ثمَّ قَالَ: وَحَملُهُ عَلَى أَحْجارٍ تُلقَى فِي النَّارِ أَقْربُ مِنْ حَملِهِ عَلَى ذِي رُوحِ يُعذَّبُ بِغَيرِ ذَنبٍ. انْتَهَى.\nوَيُمكِنُ الْتِزامُ أنْ يَكُونُوا مِنْ ذَوِي الأَرْواحِ، وَلَكنْ لَا يُعذَّبُونَ كَمَا فِي الخَزَنةِ، وَيَحتَملُ أنْ يُرَادَ بِالإِنْشاءِ ابْتِداءُ إِدْخالِ الكُفَّارِ النَّارَ، وَعبَّرَ عَنِ ابْتِداءِ الإِدْخالِ بِالإِنْشاءِ، فهُوَ إِنْشاءُ الإِدْخَالِ، لَا الإِنْشاءُ بِمَعنَى ابْتِداءِ الخَلقِ؛ بِدَلِيلِ قَولِهِ: «فَيُلْقَوْنَ فِيهَا، وَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ» وَأَعادَها ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثمَّ قَالَ: «حَتَّى","vol":"1","page":188},{"text":"يَضَعَ فِيهَا قَدَمَهُ، فَحِينَئِذٍ تَمْتَلِئُ». فَالَّذِي يَملَؤُها حَتَّى تَقُولَ: حَسْبِي هُوَ القَدمُ، كَمَا هُوَ صَرِيحُ الخَبرِ، وَتَأوِيلُ القَدمِ قدْ تَقدَّمَ، وَاللهُ أَعلَمُ.\nوَقدْ أَيَّدَ ابنُ أَبِي جَمرَةَ حَملَهُ عَلَى غَيرِ ظَاهِرهِ بِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ [المطففين: ١٥]؛ إذْ لَو كَانَ عَلَى ظَاهِرهِ لَكَانَ أَهْلُ النَّارِ فِي نَعِيمِ المُشَاهَدةِ، كَمَا يَتَنعَّمُ أَهْلَ الجَنةِ بِرُؤيَةِ رَبِّهمْ؛ لِأنَّ مُشَاهدَةَ الحَقِّ لَا يَكُونُ مَعَها عَذَابٌ.\nوقَالَ عَيَاضٌ: يَحتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَعنَى قَولِهِ عِنْدَ ذِكرِ الجَنَّةِ: «فَإِنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ مِنْ خَلْقِهِ أَحَدًا» أنَّهُ يُعذِّبُ مَنْ يَشَاءُ غَيرَ ظَالِمٍ لَهُ، كَمَا قَالَ: «أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ»، وَيَحتَملُ أنْ يَكُونَ رَاجِعًا إِلَى تَخَاصُمِ أَهْلِ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَإنَّ الَّذِي جَعلَ لِكُلٍّ مِنْهُما عَدْل وَحِكمَة، وَبِاسْتِحقَاقِ كُلٍّ مِنهُم مِنْ غَيرِ أنْ يَظلِمَ أَحدًا.\nوَقَالَ غَيرُهُ: يَحتَملُ أنْ يَكُونَ ذلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّلمِيحِ بِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (٣٠)﴾ [الكهف: ٣٠]؛ فَعبَّرَ عَنْ تَركِ تَضْيِيعِ الأَجرِ بِتَركِ الظُّلمِ، وَالمُرَادُ: أنَّهُ يَدخُلُ مِنْ أَحْسَنِ الجنَّةِ الَّتِي وَعدَ المُتَّقِينَ بِرَحمَتهِ، وَقدْ قَالَ لِلجَنَّةِ: «أَنْتِ رَحْمَتِي»، وَقَالَ: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾ [الأعراف: ٥٦]، وَبِهذَا تَظهَرُ مُنَاسَبةُ الحَدِيثِ لِلتَّرجَمةِ وَالعِلمِ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى. وَفِي الحَديثِ دَلَالةٌ عَلَى اتِّسَاعِ الجَنةِ وَالنَّارِ». [انتهى كلامه].\nقَالَ ابْنُ بَازٍ ﵀: وَالمَقْصُودُ مِنْ هَذَا كلِّهِ: أنَّ اللَّفْظَ هَذَا لَا شَكَّ أنَّهُ وَهْمٌ، وَانْقلَبَ عَلَى الرَّاوِي بِلَا شَكٍّ، وَتَدلُّ عَليْهِ الرِّوَايَةُ الأُخْرَى المَحْفُوظَةُ: «فَأَمَّا الجَنَّةُ -فِيهَا فَضْلٌ- فَيُنْشِئُ اللهُ لَهَا أَقْوَامًا»، وهَذَا هُوَ المُطَابقُ لِرَحمَتهِ وَفَضلِهِ","vol":"1","page":189},{"text":"وَإِحْسانِهِ، وَأمَّا النَّارُ فَلَا يَسْتحِقُّهَا إلَّا مَنْ سَبقَ مِنهُ أَعْمالٌ تُوجِبُ ذلِكَ، وهَذَا مُقْتضَى رَحْمتِهِ وَعَدلِهِ ﷾.\nوَأمَّا القَدمُ فَلَا حَاجَةَ إِلَى التَّأْويلِ، وَقَولُ المُؤوِّلِينَ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ بَاطِلٌ، وَلَيسَ هُنَاكَ تَأْويلٌ لَهُ، بِخِلافِ مَا هُوَ عَلَيهِ، فهُوَ القَدَمُ المَعْرُوفُ -قَدمُ اللهِ ﷿- وفِي اللَّفظِ الآخَرِ: «رِجْلَهُ». فَإِحدَى الرِّوَايَتيْنِ تُفسِّرُ الأُخْرَى، فهُوَ يُوصَفُ بِالقَدمِ كَمَا يُوصَفُ بِاليَدِ ﷾، وَبِالأَصَابعِ وَالسَّمعِ وَالبَصرِ، فهُوَ ﷾ لَهُ قَدمٌ وَلَهُ يَدٌ، وَلهُ أَصَابعُ، وَلهُ نَفْسٌ، كُلُّها تَلِيقُ بِهِ ﷾ لَا يُشابِهُ فِيهَا خَلْقَهُ جل وعلا، فَكَمَا أنَّ اليَدَ وَالسَّمعَ وَالبَصَرَ وَبَقيَّةَ الصِّفَاتِ لَا يُشَابهُهُ فِيهَا شَيءٌ وَهِي حَقٌّ، فَهكَذَا لَفظُ: «القَدَمِ» وَ«الرِّجْلِ» وَصفٌ لَائقٌ بِاللهِ لَا يُشَابِههُ فِيهِ شَيءٌ ﷾.\nوَأمَّا التَّأْويلُ فَبَاطلٌ، التَّأْويلُ بِأنَّهُم خَلقٌ يُلْقَونَ فِي النَّارِ هَذَا لَا وَجهَ لَهُ.\n\n<s0>  مَا قَالهُ عِياضٌ، بِأنَّ أَحدَ مَا قِيلَ فِي تَأْويلِ القَدمِ أنَّهُم قَومٌ تَقدَّمَ فِي عِلمِ اللهِ أنَّهُ يَخْلُقهُم؟\n<s1> عَلَى كلِّ حَالٍ بَاطِلٌ، كَلَامُ عِيَاضٍ بَاطِلٌ، كَلَامُ عِيَاضٍ أَوْ غَيرِهِ مِمَّنْ تَأوَّلَ الحَدِيثَ، كلُّهُ بَاطِلٌ، وَالحَقُّ مَا قَالَهُ أَئمَّةُ السُّنَّةِ مِنْ إِثْبَاتِ القَدَمِ للهِ، وَأنَّهُ المُرَادُ، مَا يَضرُّهُ سُبْحانَهُ شَيءٌ (قَدَمَهُ فِي النَّارِ) لَا يَضرُّهُا شَيءٌ، هُوَ الخَالِقُ لِلنَّارِ وَالقَادِرُ عَلَيْها وَالمُتصَرِّفُ فِيهَا، فَلَا يَضرُّهُ شَيءٌ مِنْ خَلقِهِ ﷾.\n\n<s0>  أَحْسنَ اللهُ إِليْكَ، قَولُهُ: «فَإِذَا رَأَيْتُهُ وَقَعْتُ سَاجِدًا» هَذَا فِي الرُّؤيَةِ؟\n<s1> هَذَا صَرِيحُ القُرْآنِ، نَعمْ.\n* * *","vol":"1","page":190},{"text":"<span data-type='title' id=toc-44>بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ [فاطر:</span> ٤١]\n\n٧٤٥١ - حَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: جَاءَ حَبْرٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ اللهَ يَضَعُ السَّمَاءَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالأَرْضَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالجِبَالَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالشَّجَرَ وَالأَنْهَارَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَسَائِرَ الخَلْقِ عَلَى إِصْبَعٍ، ثُمَّ يَقُولُ بِيَدِهِ: أَنَا المَلِكُ. فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقَالَ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١] (^١).\n\n<s2>\nسَبقَ هَذَا، نَعَمْ، وَفِيهِ إِثْباتُ الأَصَابِعِ، خِلَافًا لِلْجَهمِيَّةِ وَالمُعتَزلَةِ وَمَنْ أوَّلَ الصِّفَاتِ، هذِهِ الأَخْبَارُ شذًى فِي حُلُوقِهِم وَعَليْهِم فِي النَّارِ -نَسْألُ اللهَ العَافِيةَ- لِفَسادِ القُلُوبِ، وَفَسادِ الضَّمَائرِ، وَسُوءِ العَقَائدِ يَأْنفُونَ مِنْ هذِهِ الأَخبَارِ؛ لِأنَّ قُلُوبَهُمْ تَنفِرُ مِنْهَا، نَسْألُ اللهَ العَافِيةَ.\nاللهُ جل وعلا جَعلَ فِي قُلُوبِ أَهْلِ السُّنَّةِ البَصِيرَةَ وَالهُدَى وَالنُّورَ؛ حَتَّى\n_________\n(^١) ورواه مسلم (٢٧٨٦).","vol":"1","page":191},{"text":"قَبِلَتِ الحَقَّ، وَأَقرَّتْ بِهِ وَدَعتْ إِليْهِ، وَأَنْكرَتْ عَلَى مَنْ خَالَفهُ.\nوَأيُّ مَحْذُورٍ فِي وَصفِهِ سُبْحانَهُ بِمَا أَخْبرَ بِهِ عَنْ نَفْسهِ: مِثلِ يَدهِ، وَأَصَابِعهِ، وَقَدمِهِ، وَسَمعِهِ، وَبَصرِهِ، وَغَيرِ ذَلِك؟!\nهَذِه الصِّفَاتُ هِيَ الَّتِي اقْتَضتْ أنَّهُ الحَكِيمُ، وَأنَّهُ الإِلَهُ الحقُّ، وَأنَّهُ المُستَحِقُّ لِلعِبَادةِ، فَإِلهٌ لَيسَ لَهُ صِفَاتٌ عَدمٌ؛ وَلِهذَا قَالَ أَئمَّةُ السَّلفِ: إنَّ مَدَارَ قَولِ الجَهْميَّةِ وَمَنْ سَارَ عَلَى نَهْجهِمْ مَدَارُهَا أنَّهُم يَقُولُونَ: لَا شَيءَ، لَيسَ هُناكَ إِلهٌ يُعْبَدُ؛ لِأنَّ مَعْناهُ النَّفيُ وَالتَّعْطيلُ، نَسْألُ اللهَ العَافِيةَ.\n\n<s0>  أَحْسنَ اللهُ إِليْكَ، التَّرْجمَةُ ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ [فاطر: ٤١] وَالحَدِيثُ فِي إِثْباتِ الأَصَابعِ؟\n<s1> قَولُهُ: «أَنَا المَلِكُ، أَيْنَ الجَبَّارُونَ؟» يَعنِي: هُوَ الَّذِي أَمْسَكَهَا كَمَا فِي رِوَايَةٍ أُخرَى: «يَطْوِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ …» إلخ. إِشَارةٌ إِلَى بَقيَّةِ الرِّوَايَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى أنَّهُ المُتَصرِّفُ فِيهَا سُبْحانَهُ، وَلَو تَركَهَا لَهَلكَتْ، أيِ: انْدَكَّتْ، وَهُو عَادَتُهُ أنْ يُشِيرَ بِالرِّوَايةِ إِلَى الرِّوَايَاتِ الأُخْرَى. ثمَّ هُوَ الَّذِي جَعَلَ هُوَ الَّذِي أَمْسَكَ وَجَعلَهُ .... (^١) يَومَ القِيَامةِ، كمَا أَمْسكَها فِي الدُّنْيَا.\n\n<s0>  أَحْسَنَ اللهُ إِليْكَ، التَّردُّدُ «وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ» نِسبَتُهُ للهِ؟\n<s1> هَذَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁: «إِنَّ اللهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ\n_________\n(^١) كلمة غير واضحة لعلها: في يده.","vol":"1","page":192},{"text":"عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ المُؤْمِنِ، يَكْرَهُ المَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ، ولَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ» (^١). تَردُّدٌ يَلِيقُ بِجَلالِهِ وَعَظمَتهِ، لَيسَ مِنْ جِنسِ تَردُّدِنَا، كَسَائرِ الصِّفَاتِ، لَيسَ تَردُّدَ شَكٍّ وَلَا جَهلٍ، وَإنَّمَا هُوَ لِحِكمَةٍ بَالِغةٍ ﷾.\n\n<s0>  تَفْسِيرُهُ بِأنَّهُ تَعَارُضُ إِرَادَتَينِ؟\n<s1> الأَولَى -مِثلُ مَا تَقدَّمَ- يَلِيقُ بِاللهِ، اللهُ أَعلَمُ بِكَيفِيَّتهِ، لَا نَعْلمُ كَيفِيَّتَهُ، لَكِن لَيسَ مِثلَ تَردُّدِنَا؛ لِأنَّ تَردُّدَنا يَكُونُ عَنْ جَهلٍ وَعَنِ اشْتِباهٍ عِنْدَنَا وَشكٍّ، أمَّا هُوَ سُبْحانَهُ فهُوَ العَلِيمُ بِكلِّ شَيءٍ وَهُوَ القَادِرُ عَلَى كلِّ شَيءٍ وَلَا يَغِيبُ عَنْ عِلمِهِ شَيءٌ ﷾. فَتَردُّدُهُ لِمَعنًى آخَرَ لَيسَ مِنْ جِنسِ حَالِنَا، اللهُ أَعْلمُ بِهِ هوُ، وَأَعلَمُ بِكيَفيَّةِ صِفَاتهِ ﷾.\n* * *\n_________\n(^١) رواه البخاري (٦٥٠٢).","vol":"1","page":193},{"text":"<span data-type='title' id=toc-45>بابُ مَا جَاءَ فِي تَخْلِيقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَغَيْرِهَا مِنَ الخَلَائِقِ</span>\nوَهُوَ فِعْلُ الرَّبِّ ﵎ وَأَمْرُهُ، فَالرَّبُّ بِصِفَاتِهِ وَفِعْلِهِ وَأَمْرِهِ، وَهُوَ الخَالِقُ المُكَوِّنُ، غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَمَا كَانَ بِفِعْلِهِ وَأَمْرِهِ وَتَخْلِيقِهِ وَتَكْوِينِهِ، فَهُوَ مَفْعُولٌ مَخْلُوقٌ مُكَوَّنٌ\n\n٧٤٥٢ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِي شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: بِتُّ فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ لَيْلَةً، وَالنَّبِيُّ ﷺ عِنْدَهَا؛ لِأَنْظُرَ كَيْفَ صَلَاةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِاللَّيْلِ، فَتَحَدَّثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَعَ أَهْلِهِ سَاعَةً ثُمَّ رَقَدَ، فَلَمَّا كَانَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، أَوْ بَعْضُهُ، قَعَدَ فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ فَقَرَأَ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠]، ثُمَّ قَامَ فَتَوَضَّأَ وَاسْتَنَّ، ثُمَّ صَلَّى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، ثُمَّ أَذَّنَ بِلَالٌ بِالصَّلَاةِ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى لِلنَّاسِ الصُّبْحَ (^١).\n_________\n(^١) ورواه مسلم (٧٦٣).","vol":"1","page":194},{"text":"<s2>\nوَهذَا يُبيِّنُ أنَّ جَمِيعَ الأَشْيَاءِ كُلِّها مَخْلوقَةٌ للهِ ﷾، فَاللهُ هُوَ الخَالِقُ، وَمَا سِوَاهُ مَخْلوقٌ؛ وَلِهذَا قَالَ ﷿ ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)﴾ [الزمر: ٦٢]، ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٣]. هَذَا مُرَادُ البُخارِيِّ ﵀: أنَّ جَمِيعَ الأَشْيَاءِ كُلِّها مَفْعُولَاتٌ مَخْلوقَةٌ للهِ ﷿، منَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَالجِبَالِ وَالبِحَارِ وَبَنِي آدَمَ وَالجِنِّ وَالمَلائِكَةِ وَغَيرِ ذَلِك، فَلهُ الخَلقُ وَلَهُ الأَمرُ، فَمَا كَانَ مِنْ تَخْلِيقهِ وَأَمرِهِ فِي هَذَا العَالَمِ فهُوَ مَخْلوقٌ، وَصِفاتُهُ وَكَلامُهُ كَذاتِهِ غَيرُ مَخْلوقٍ، فهُوَ الخَلَّاقُ ﷾.\nوَاللهُ اسْمٌ لِلذَّاتِ وَالصِّفَاتِ جَمِيعًا، اسْمٌ لِلذَّاتِ الَّتِي هِيَ مَوصُوفَةٌ بِالصِّفَاتِ، مَوصُوفَةٌ بِأنَّها خَالِقةٌ، مَوصُوفَةٌ بِأنَّهَا رَازِقةٌ، مَوصُوفَةٌ بِالرِّضَا وَالغَضَبِ وَالعِلمِ وَالسَّمعِ وَالبَصرِ وَالكَلَامِ وَغَيرِ ذلِك، وَاللهُ بِصِفاتِهِ هُوَ الخَالِقُ، وَمَا سِوَاهُ منَ المَفْعولَاتِ وَالمَوْجُودَاتِ مَخْلُوقٌ لَهُ ﷾ فَلَهُ الخَلقُ وَلهُ الأَمْرُ، فَالأَمرُ أَمرُهُ وَالخَلْقُ خَلقُهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤].\nوَالأَمرُ يُطلَقُ عَلَى الكَلَامِ ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢]، وَيُطلَقُ عَلَى أَشْياءَ أُخْرَى منَ الشُّؤونِ، فَمَا كَانَ منَ القَولِ فهُوَ كَلَامُهُ وَصِفاتُهُ، وَمَا كَانَ منَ المَخْلوقَاتِ فهُوَ مَخْلُوقٌ.\nوكَذلِكَ هَذَا الحَدِيثُ العَظِيمُ، حَدِيثُ ابْنِ عبَّاسٍ ﵄ فِي نَومِهِ عِنْدَ خَالَتهِ مَيْمُونةَ ﵂؛ لِيَنظُرَ صَلاةَ النَّبيِّ ﷺ فِيهِ فَوائِدُ:\nمِنْهَا: جَوَازُ نَومِ الصَّبيِّ عِنْدَ الرَّجلِ وَأَهلِهِ إِذَا كَانَتِ المَرأَةُ مَحْرمًا لهُ؛ لِيَنظُرَ","vol":"1","page":195},{"text":"إِذَا كَانَ هُناكَ مَصْلحَةٌ شَرعِيَّةٌ، فَإنَّ ابْنَ عبَّاسٍ ﵄ كَانَ لمْ يَبلُغِ الحُلُمَ حِينَ مَاتَ النَّبيُّ ﷺ، وَكَانَ كَبِيرًا بِلْ نَاهَزَ الاحْتِلامَ (^١)، وَأقرَّهُ النَّبيُّ ﷺ أنْ يَنَامَ عِنْدَ خَالَتهِ مَيمُونَةَ ﵂.\nوَفِيهِ منَ الفَوَائدِ: أنَّ الرَّجُلَ يَتَحدَّثُ مَع أَهلِهِ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشهِ، يَتَحدَّثُ مَع أَهلِهِ وَيُؤنِسُهمْ، وَلَا يَكُونُ حَرِيصًا عَلَى النَّومِ مُبَاشَرةً، بلْ يَتَحدَّثُ مَع أَهلِهِ وَيُؤنِسُهم، وَيَتكلَّمُ مَعَهُم بِمَا يُنَاسِبُ المَقَامَ إِينَاسًا وَإِحْسَانَ مُعَاشَرةٍ، ثمَّ يَنَامُ بَعدَ ذلِكَ.\nوَفِيهِ منَ الفَوَائدِ: أنَّهُ إِذَا قَامَ منَ النَّومِ مِنْ آخِرِ اللَّيلِ يَقْرأُ هذِهِ الآيَةَ؛ وَلِهذَا رَفعَ بَصرَهُ إِلَى السَّمَاءِ ﵊ وَقَرأَ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠)﴾ [آل عمران: ١٩٠] وَجَاءَ فِي رِوَايةٍ: أنَّهُ كَمَّلَ الآيَاتِ إِلَى أنْ خَتَمهَا إِلَى آخِرِ السُّورَةِ، وَهِيَ آيَاتٌ عَظِيمَةٌ يُسْتحَبُّ لِمنْ قَامَ منَ النَّومِ أنْ يَقْرأَهَا، كَمَا قَرَأهَا النَّبيُّ ﵊، لِمَا فِيهَا منَ العِظَةِ وَالذِّكرَى وَالتَّذْكيرِ بِآيَاتِ اللهِ جل وعلا وَذِكرِ الجَنَّةِ وَالنَّارِ وَأَهلِ الجنَّةِ وَأَهلِ النَّارِ.\nوَفِيهِ مِنَ الفَوَائدِ: أنْ يَسْتَنَّ، إِذَا قَامَ منَ النَّومِ يَسْتَنُّ، يَعنِي: يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ، يَتَسوَّكُ عِنْدَ قِيَامهِ مِنَ النَّومِ، عِنْدَ صَلَاتهِ، عِنْدَ وُضُوئهِ، قَالَ حُذَيفَةُ ﵁: «كَانَ النَّبيُّ ﷺ إِذَا قَامَ منَ اللَّيلِ يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ» (^٢). وَفِي الحَدِيثِ: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» (^٣)، «وَمَعَ كُلِّ وُضُوءٍ» (^٤).\n_________\n(^١) أي قارب الاحتلام، كان عمره ثلاثة عشر عامًا.\n(^٢) رواه البخاري (٢٤٥)، ومسلم (٢٥٥) (٤٦).\n(^٣) رواه مسلم (٢٥٢) (٤٢).\n(^٤) رواه أحمد في «المسند» (٧٥١٣)، والبخاري قبل حديث (١٩٣٤).","vol":"1","page":196},{"text":"وَفِيهِ: أنَّهُ ﷺ كَانَ يَتَهجَّدُ منَ اللَّيْلِ، إِذَا كَانَ ثُلُثُ اللَّيْلِ أوْ قَبلَهُ بِقَلِيْلٍ أوْ بَعدَهُ بِقَلِيْلٍ ﵊، وَيُطِيلُ القِرَاءَةَ، وَيُطِيلُ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ وَيُصلِّي إِحْدَى عَشْرةَ فِي الغَالِبِ، وَرُبَّما صَلَّى ثَلَاثَ عَشْرةَ، وَرُبَّما صَلَّى تِسعًا، وَرُبَّما صَلَّى سَبعًا، عَلَى حَسبِ التَّيسِيرِ.\n\n<s0>  إِذَا اسْتَعملَ الصَّابُونَ وَغَسلَ فَمَهُ بِالصَّابُونِ بَدلَ السِّوَاكِ؟\n<s1> الصَّابُونُ لَا بَأسَ، الصَّابُونُ أوْ غَيرُ الصَّابُونِ لَا بَأسَ، لَكِنِ السُّنَّةُ السِّوَاكُ عِنْدَ الوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ، السِّوَاكُ، ولَكنِ الصَّابُونُ وَمَا أَشْبَههُ -مِثلُ الفُرشَةِ وَأَشْباهِهَا- هَذَا مِنْ بَابِ تَنظِيفِ الأَسْنَانِ فِي الأَوْقَاتِ المُنَاسِبةِ، أمَّا عِنْدَ الصَّلَاةِ وَعِنْدَ الوُضُوءِ فَالسُّنةُ السِّوَاكُ.\n\n<s0>  قَبلَ الوُضُوءِ؟\n<s1> نَعمْ، عِنْدَ المَضْمضَةِ وَعِنْدَ بَدءِ الصَّلَاةِ.\n* * *","vol":"1","page":197},{"text":"<span data-type='title' id=toc-46>بابُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات:</span> ١٧١]\n٧٤٥٣ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، قَالَ: «لَمَّا قَضَى اللهُ الخَلْقَ، كَتَبَ عِنْدَهُ فَوْقَ عَرْشِهِ: إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي» (^١).\n\n<s2>\nفِي اللَّفظِ الآخَرِ: «كَتَبَ كِتَابًا عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ ﷾: إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي» (^٢)، وهَذَا مِمَّا يَدعُو إِلَى الرَّجَاءِ وَحُسنِ الظَّنِّ بِاللهِ ﷿، وَأنَّ رَحمَتهُ تَغلِبُ غَضَبهُ، وَأنَّ عَفْوهُ يَغلِبُ انْتِقامَهُ، وهَذَا مِمَّا يُوجِبُ حُسنَ الظَّنِّ بِاللهِ، وَالرَّجَاءَ وَعَدمَ القُنُوطِ، وفِي الحَدِيثِ: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي وَدَعَانِي …» (^٣).\nوَفِي الحَدِيثِ الآخَرِ يَقُولُ ﷺ: «لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إلَّا وَهُوَ\n_________\n(^١) ورواه مسلم (٢٧٥١).\n(^٢) وواه البخاري (٧٤٢٢).\n(^٣) رواه البخاري (٧٤٠٥)، ومسلم (٢٦٧٥)، ولفظة: «ودعاني» ليست عند البخاري ولا مسلم.","vol":"1","page":198},{"text":"يُحْسِنُ بِاللهِ الظَّنَّ». أَخْرجَهُ مُسلِمٌ فِي «صَحِيحِهِ» (^١).\n\n٧٤٥٤ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ وَهْبٍ، سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ ﵁، حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ الصَّادِقُ المَصْدُوقُ: «أَنَّ خَلْقَ أَحَدِكُمْ يُجْمَعُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَهُ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَهُ، ثُمَّ يُبْعَثُ إِلَيْهِ المَلَكُ فَيُؤْذَنُ بِأَرْبَعَةِ كَلِمَاتٍ، فَيَكْتُبُ: رِزْقَهُ، وَأَجَلَهُ، وَعَمَلَهُ، وَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ، ثُمَّ يَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ حَتَّى لَا يَكُونُ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُ النَّارَ، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتَابُ، فَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا» (^٢).\n\n<s2>\n(الشَّيخُ): فِي النُّسخَةِ الأُخْرَى: (بِأَرْبَعَةِ كَلِمَاتٍ) بِالتَّاءِ؟\n(القَارِئُ) قَالَ فِي «عُمْدة القَارِي»: «بَأَرْبَعِ».\n(الشَّيخُ) نبَّه عَلَيهِ الشَّارِحُ أوْ مَا نبَّهَ، العَينِيُّ نبَّهَ؟ لَعلَّهَا رِوَايةٌ، المَعْرُوفُ فِي الرِّوَايةِ: «أَرْبَعِ كَلِمَاتٍ» بِالتَّأنِيثِ.\n_________\n(^١) رواه مسلم (٢٨٧٧) (٨١).\n(^٢) ورواه مسلم (٢٦٤٣).","vol":"1","page":199},{"text":"(الشَّيخُ): ضَبَطَها (فيَكْتُبُ أو فيُكتَبُ) مَا ضَبطَهَا أَحَدُهمَا، العَينِيُّ أوِ الحَافِظُ؟\nإنْ كَانَ العَطفُ عَلَى «شَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ» يَقْتضِي الرَّفعَ، «فيُكْتَبُ». يَصحُّ هَذَا وهَذَا «يكْتبُ» مَبنِيٌّ لِلمَعْلومِ مثلُ (قُضِي الأَمرُ وَقَضَى اللهُ الأَمرَ) وَيَجُوزُ هذَا.\n\n<s0>  وَشقِيٌّ أوْ سَعِيدٌ هُنَا عَفَا اللهُ عَنكَ؟\n<s1> وشَقِيٌّ خَبرُ مُبتَدأٍ مَحْذوفٍ، وهُوَ شَقِيٌّ.\nوَالمَعنَى: أنَّ النَّاس مُيَسَّرُونَ لِمَا خُلِقُوا لَهُ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَسبِقُ عَليْهِ عَملُ أَهْلِ النَّارِ -وَلوْ كَانَ فِي آخِرِ حَيَاتهِ- وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ كَذلِكَ، كَمَا ثَبتَ فِي «الصَّحِيحَينِ» مِنْ حَدِيثِ عَليٍّ ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ فِي بَعضِ خَرجَاتِهِ مَع الجَنائِزِ عِنْدَ القَبرِ وَهُمْ جَالِسُونَ قَالَ: «مَا مِنْكُم مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ الجَنَّةِ وَمَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ». قَالُوا: فَفِيمَ العَملُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «اعْمَلُوا؛ فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ، أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ»، ثمَّ تَلَا قَولَهُ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)﴾ [الليل: ٥ - ١٠] (^١).\nوَفِي الرِّوَايةِ الأُخْرَى فِي الحَدِيثِ الآخَرِ: «فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ» (^٢)؛ لِأنَّ بَعضَ النَّاسِ قَدْ يَعمَلُ بِعَملِ أَهْلِ الجَنَّةِ فِيمَا يَبدُو لِلنَّاسِ، وفِي البَاطِنِ بِخِلافِ ذَلِك،\n_________\n(^١) رواه البخاري (٤٩٤٥).\n(^٢) رواه البخاري (٢٨٩٨)، ومسلم (١١٢) (١٧٩).","vol":"1","page":200},{"text":"كَأهْلِ النِّفَاقِ، وَبَعضَ النَّاسِ يَعمَلُ بِعَملِ أَهْلِ النَّار فِي ظَاهِرِ مَا يَرَاهُ النَّاسُ، وَيَكُونُ قَدِ ابْتُلِيَ بِالشُّرُورِ، ثمَّ يَمُنُّ اللهُ عَليْهِ بِالتَّوبَةِ وَيَرجِعُ إِلَى اللهِ، كَمَا هُوَ وَاقِعٌ مِنْ جَمٍّ غَفِيرٍ مِنَ النَّاسِ الَّذينَ أَسْلمُوا فِي آخِرِ حَيَاتِهِم.\n(الشَّيخُ): تَكلَّمَ الشَّارِحُ عَلَى آخِرِ الحَدِيثِ أوِ العَينِيُّ؟\n[قَالَ الإِمَامُ العَينِيُّ ﵀ فِي «عُمدَة القَارِي» (٢٥/ ١٤٠)]: «قَوْله: «إلَّا ذِرَاعٌ» المُرَادُ بِهِ: التَّمَسُّكُ بِقُرْبِهِ إِلَى المَوْتِ.\nوَفِيهِ: أَنَّ الْأَعْمَال منَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئاتِ أَمَارَاتٌ لَا مُوجِبَاتٌ، وَأَنَّ مَصِيرَ الْأَمرِ فِي الْعَاقِبَةِ إِلَى مَا سَبقَ بِهِ الْقَضَاءُ وَجرَى بِهِ التَّقْدِيرُ». [انتهى كلامه].\nقَالَ ابْنُ بَازٍ ﵀: يُمكِنُ نبَّهَ فِي القَدَرِ.\n\n٧٤٥٥ - حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ ذَرٍّ، سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ: «يَا جِبْرِيلُ، مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَزُورَنَا أَكْثَرَ مِمَّا تَزُورُنَا»، فَنَزَلَتْ: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا﴾ [مريم: ٦٤] إِلَى آخِرِ الآيَةِ، قَالَ: كَانَ هَذَا الجَوَابَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ.\n\n<s2>\nوَهذَا [الحَدِيثُ] احْتَجَّ بِهِ العُلَماءُ عَلَى اسْتِحْبابِ اسْتِضافَةِ الأَخْيارِ وَطَلبِ","vol":"1","page":201},{"text":"مَجِيئِهِم، وَطَلبِ الاسْتِكثَارِ مِنْ زَيارَتِهِم؛ لِأنَّ زِيَارَةَ الأَخْيارِ لَا تَأتِي إلَّا بِخَيرٍ، منَ التَّذكِيرِ بِاللهِ وَالتَّوجِيهِ إِليْهِ وَالتَّعَاوُنِ عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى، وَمَعلُومٌ أنَّ جِبْرائِيلَ ﵇ يَأتِي بِالخَيرِ وَبِالوَحيِ؛ وَلِهذَا قَالَ ﵊: «مَا مَنَعَكَ أَنْ تَزُورَنَا أَكْثَرَ مِمَّا تَزُورُنَا»؛ فَأَنْزَلَ اللهُ الآيَةَ، وَأنَّ المَلائِكَةَ بِأمْرِ اللهِ لَا يَتَصرَّفُونَ إلَّا بِأمْرِهِ ﷾؛ وَلِهذَا قَالَ ﷿: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤)﴾ [مريم: ٦٤]» ﷾.\n\n٧٤٥٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي حَرْثٍ بِالْمَدِينَةِ وَهُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى عَسِيبٍ، فَمَرَّ بِقَوْمٍ مِنَ اليَهُودِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تَسْأَلُوهُ، فَسَأَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ (^١)، فَقَامَ مُتَوَكِّئًا عَلَى العَسِيبِ وَأَنَا خَلْفَهُ فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ، فَقَالَ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: قَدْ قُلْنَا لَكُمْ لَا تَسْأَلُوهُ (^٢).\n\n<s2>\nوَهذَا مِنَ الأَمرِ المَخْلُوقِ، يَعنِي: مَخْلوقَاتِ الرَّبِّ الَّتِي يَعْلمُهَا سُبْحانَهُ؛\n_________\n(^١) كذا في «الفتح»، وفي «عمدة القارئ» وفي غيره: «لَا تَسْأَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ، فَسَأَلُوهُ».\n(^٢) ورواه مسلم (٢٧٩٤).","vol":"1","page":202},{"text":"لِأنَّ الأَمرَ وَالإِذْنَ وَنَحوَ ذلِكَ تُطلَقُ عَلَى المَخْلوقَاتِ وَالمَأْمُورَاتِ، وَتُطْلَقُ عَلَى الكَلَامِ.\nفَالكَلَامُ غَيرُ مَخْلُوقٍ، وَالمَخْلوقَاتُ مَفْعُولَاتٌ مَخْلوقَةٌ، وَالمَعنَى: أنَّ مِنْ مَخْلوقَاتِهِ الَّتِي يَعلَمُهَا سُبْحانَهُ وهُوَ الحَاكِمُ فِيهَا وَالمُتصَرِّفُ فِيهَا.\n\n<s0>  بِخِلافِ الأَمرِ فِي الآيَةِ؟\n<s1> بِخِلافِ الأَمرِ فِي الآيَةِ وهُوَ القَولُ.\n\n٧٤٥٧ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «تَكَفَّلَ اللهُ لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ، لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا الجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ وَتَصْدِيقُ كَلِمَاتِهِ، بِأَنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، أَوْ يَرْجِعَهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ، مَعَ مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ» (^١).\n\n<s2>\nاللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، هَذَا فَضلٌ عَظِيمٌ لِلمُجَاهِدينَ، اللهُ أَكْبَرُ.\n\n٧٤٥٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ\n_________\n(^١) ورواه مسلم (١٨٧٦).","vol":"1","page":203},{"text":"ﷺ فَقَالَ: الرَّجُلُ يُقَاتِلُ حَمِيَّةً، وَيُقَاتِلُ شَجَاعَةً، وَيُقَاتِلُ رِيَاءً، فَأَيُّ ذَلِكَ فِي سَبِيلِ اللهِ؟ قَالَ: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ العُلْيَا، فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ» (^١).\n\n<s2>\nيَعنِي: الجِهَادَ الشَّرعِيَّ، مَنْ قَاتَلَ بِهذِهِ النِّيَّةِ فِي طَاعَةِ اللهِ وَسَبِيلِهِ وَإِخْراجِ النَّاسِ منَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ، وَنَشرِ دَينِ اللهِ، لَا رِيَاءً وَلَا سُمْعةً وَلَا حَمِيَّةً، هَذَا هُوَ المُجاهِدُ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَلهُ الأَجرُ العَظِيمُ وَالفَضلُ العَظِيمُ.\nوَالجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَخَصُّ منَ الشَّهَادةِ، وَالشَّهَادةُ أَوْسَعُ (المَطْعُونُ، وَالمَبْطونُ، وَالغَرِيقُ، وَالهَدْمُ) كُلُّ هَؤُلاءِ شُهَداءُ، لكِنِ الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ هُوَ الَّذِي يُقاتِلُ لِأَجلِ نَصرِ دِينِ اللهِ، وَإِخْراجِ النَّاسِ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ، هَذَا يُقَالُ لَهُ: جَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ.\nوَأمَّا مَا يَتعَلَّقُ بِالشَّهَادةِ وَالأَجْرِ فَهَذَا أَوْسَعُ؛ وَلِهذَا مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهلِهِ فهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ عِرْضِهِ فهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتلَ دُونَ دَمِهِ فهُوَ شَهِيدٌ، وفِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي رَوَاهُ مُسلِمٌ ﵀ أنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأيْتَ الرَّجُلَ يُرِيدُ مَالِي؟ قَالَ: «لَا تُعْطِهِ مَالَكَ» قَالَ: فَإنْ قَاتَلنِي؟ قَالَ: «قَاتِلْهُ» فَقَالَ: فَإنْ قَتَلنِي؟ قَالَ: «فَأَنْتَ شَهِيدٌ». قَالَ: فَإنْ قَتلْتُهُ؟ قَالَ: «هُوَ فِي النَّارِ» (^٢).\n_________\n(^١) ورواه مسلم (١٩٠٤).\n(^٢) رواه مسلم (١٤٠) (٢٥٥).","vol":"1","page":204},{"text":"فَالمَبْطُونُ شَهِيدٌ، وَلكِنِ الَّذِي قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ هُوَ الَّذِي يُقاتِلُ وَيَبعَثُهُ عَلَى القِتَالِ، قَصَدَ دِينَ اللهِ وَإِخْراجَ النَّاسِ منَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ، هَذَا هُوَ الجِهَادُ الَّذِي هُوَ أَعْلَى الدَّرَجاتِ فِي الجِهَادِ، وهُوَ الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ صِدْقًا وَإِخْلاصًا. لَا لِحظٍّ آخَرَ.\n\n<s0>  مَنِ الَّذِي أَخْرجَها؟\n<s1> مُسلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁.\n* * *","vol":"1","page":205},{"text":"<span data-type='title' id=toc-47>بابٌ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ﴾ [النحل:</span> ٤٠]\n٧٤٥٩ - حَدَّثَنَا شِهَابُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسٍ، عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ، يَقُولُ: «لا يَزَالُ مِنْ أُمَّتِي قَوْمٌ ظَاهِرِينَ عَلَى النَّاسِ، حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ» (^١).\n\n٧٤٦٠ - حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ جَابِرٍ، حَدَّثَنِي عُمَيْرُ بْنُ هَانِئٍ، أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ، يَقُولُ: «لا يَزَالُ مِنْ أُمَّتِي أُمَّةٌ قَائِمَةٌ بِأَمْرِ اللَّهِ، مَا يَضُرُّهُمْ مَنْ كَذَّبَهُمْ وَلَا مَنْ خَذَلَهُمْ (^٢)، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ» (^٣).\n\n<s2>\nهَذَا مِنَ البِشَارَةِ العَظِيمَةِ لهَذِه الأُمَّةِ، وَأنَّه لا يَزَالُ فيها مَنْ يَقُومُ بِأمرِ اللهِ ويَنصُرُ الحَقَّ إلى أن يَأتِيَ أَمرُ اللهِ بِقَبضِ أَروَاحِ المُؤمِنِينَ والمُؤمِنَاتِ، وعند ذَلكَ لا يَبقَى إلا الأَشْرَارُ فَعَلِيهم تَقُومُ السَّاعَةُ؛ ولِهذَا قَالَ: «حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ»،\n_________\n(^١) ورواه مسلم (١٩٢١).\n(^٢) كذا في «الفتح»، وفي «عمدة القارئ» وفي غيره: «وَلَا مَنْ خَالَفَهُمْ».\n(^٣) ورواه مسلم (١٠٢٧).","vol":"1","page":206},{"text":"«لَا تَزَالُ مِنْ أُمَّتِي أُمَّةٌ قَائِمَةٌ بِأَمْرِ اللَّهِ لا يَضُرُّهُم مَنْ كَذَّبَهُم ولا مَنْ خَالَفَهُم».\nوفي اللَّفظِ الآخَرِ: «مَنْ خَذَلَهُم ولا مَنْ خَالَفَهُم حَتَّى يَأتِيَ أَمرُ اللهُ» (^١).\nوفي اللَّفظِ الآخَرِ: «لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي على الحَقِّ مَنصُورَةً» (^٢).\nوالأَلفَاظُ مُتَقَارِبةٌ، هم: «قَومٌ، طَائفَةٌ، وأُمَّةٌ قَائمَةٌ» كُلُّ هَذِه أَلفَاظٌ مُتَقَارِبَةٌ.\nوالمَعنَى: أَنَّه لا يَزَالُ في هَذِه الأُمَّةِ مَنْ يَنْصُرُ دِينَ اللهِ، ويَقُومُ بِأَمرِ اللهِ ويَدعُو إلى اللهِ -وإن قَلُّوا في بِعْضِ الجِهَاتِ لا يَلزَمُ أن يَكُونَوا في مَكَانٍ وَاحِدٍ، قد يَكُونُونَ في جِهَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ- حَتَّى يَأتِيَ أَمرُ اللهِ.\nوالوَاقِعُ شَاهِدٌ بذَلِكَ اليَومَ، وهَكَذَا بعدَ اليَومِ حَتَّى يَتِمَّ أَمرُ اللهِ الَّذي وَعدَ به رَسُولَهُ ﵊، وذَلكَ بأن يُرسِلَ اللهُ رَيحًا طِيَّبةً فَتقِبِضُ أَروَاحَ المُؤمِنِينَ، ولا يَبقَى إلا الأَشرَارُ فعَلَيهِم تَقُومُ السَّاعَةُ.\nفَالسَّاعَةُ لا تَقُومُ إلا على الأَشرَارِ، على من لا يَقُولُ في الأَرضِ: «الله، الله»، بل يَبقُونَ في كُفرِهِم وضَلَالِهِم، ويَعُودُونَ إلى عِبَادةِ الأَوثَانِ والأَصنَامِ، وتَمرجُ عُهُودُهُم وأَحوَالُهم، ويَكُونُونُ أَشبَهَ بِالبَهَائِمِ وبذَلكَ تَقُومُ عَلَيهِم السَّاعَةُ، يَعْنِي يَنفُخُ اللهُ في الصُّورِ وتَقُومُ القِيَامَةُ التي أَخبرَ اللهُ بها في كِتَابهِ جلا وعلا.\nفإذا كَانَ الأَمرُ هَكَذَا فَيَنبَغِي لِأهلِ العِلْمِ والإِيمَانِ وأَهلِ البَصِيرَةِ وأَهلِ البَصَائرِ أن يَغتَنِمُوا الفُرصَةَ، وأنْ يَستَغِلُّوا وَقتَهُم في الدَّعْوَةِ إلى اللهِ ونَشْرِ الحَقِّ، والصَّبرِ على ذَلكَ، وبَيَانِ البَاطِلِ وتَزيِيفِهِ والتَّحذِيرِ منه؛ حَتَّى يَدخُلَ في هَذِه الطَّائِفَةِ، مَنْ قَامَ بهَذَا دَخَلَ في هَذِه الطَّائِفَةِ، سَوَاءٌ كَانَ في شَرقِ الأَرضِ أو\n_________\n(^١) رواه البخاري (٣٦٤١)، ومسلم (١٠٣٧) (١٧٤).\n(^٢) رواه البخاري (٣٦٤٠)، ومسلم (٢٤٧) (١٥٦) بنحوه، ورواه ابن حبان في «صحيحه» (٦٧١٤)، واللفظ لابن حبان.","vol":"1","page":207},{"text":"في غَربِهَا أو في جَنُوبِهَا أو شَمَالِهَا.\nمَنْ قَامَ بهَذِه المُهِمَّةِ -وهي الدَّعوَةُ إلى اللهِ، وإِظهَارُ الحَقِّ، ونَصرُهُ وبَيَانُه للنَّاسِ- ولو كَانَ وَاحِدًا في قَرِيةٍ، أو وَاحِدًا في مَدِينَةٍ، أو في إِقلِيمٍ أو في قَبِيلَةٍ، يَعمُّهُ هَذَا الخَيرُ وهَذَا الفَضلُ، ويَكُون مِنْ الغُربَاءِ الَّذِينَ قَالَ فِيهِمْ ﵊: «فَطُوبَى للغُرَبَاءِ»، قِيلَ: ومَنِ الغُرَبَاءُ يا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «الَّذِينَ يَصْلُحُونَ إذا فَسدَ النَّاسُ» (^١) وفي اللَّفظِ الآخَرِ: «يُصْلِحونَ ما أَفسَدَ النَّاسُ مِنْ سُنَّتِي» (^٢)، وفي اللَّفظِ الآخَرِ: «هم النُّزَّاعُ مِنْ القبَائِلِ» (^٣) وفي اللَّفظِ الآخَرِ: «هم أُناسٌ صَالِحُونَ قَلِيلٌ في أُناسِ سُوءٍ كَثِيرٍ» (^٤).\nهَؤلَاءِ همُ الغُربَاءُ، وهم دُعَاةُ الحَقِّ، وهم أَنْصَارُ الهُدَى، وهمُ المُشَارُ إليهم في هَذِه الأَحَادِيثِ: «لا تَزَالُ طَائِفَةٌ من أُمَتِّي على الحَقِّ مَنصُورَةً» (^٥)، «لا يَزَالُ قَومٌ ظَاهِرِين حَتَّى يَأتِيَ أَمرُ اللهِ» (^٦). «لا تَزَالُ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ بِأمِرِ اللهِ لا يَضُرُّهُم مَنْ كَذَّبَهُم ولا مَنْ خَالَفَهُم حَتَّى يَأتِيَ أَمرُ اللهِ» (^٧) هم هَؤلَاءِ، سَواءٌ اجْتَمَعُوا في مَكَانٍ، أو اخْتَلَفُوا، أو تَنَوَّعُوا، أو تَفَرَّقُوا.\n_________\n(^١) رواه ابن بطة في «الإبانة» (٥٣١)، واللالكائي في «أصول اعتقاد أهل السنة» (١٧٤).\n(^٢) رواه الترمذي (٢٦٣٠).\n(^٣) رواه أحمد في «المسند» (٣٧٨٤)، وابن ماجه (٣٩٨٨).\n(^٤) رواه أحمد في «المسند» (٦٦٥٠).\n(^٥) رواه ابن ماجه (١٠).\n(^٦) رواه البخاري (٣١١٦)، ومسلم (١٩٢٠) (١٧٠).\n(^٧) رواه البخاري (٧٤٦٠).","vol":"1","page":208},{"text":"المَقْصُودُ: أَنَّهم هم هَؤلَاءِ الَّذِينَ يَنْصُرُونَ دِينَ اللهِ، ويَدْعُونَ إلى اللهِ، لا يَضُرُّهم مَنْ خَذَلَهم ولا مَنْ خَالَفَهُم، ولا يَضُرُّهُم مَنْ كَذَّبَهُم، ولا مَنْ سَخِرَ بهم، والوَاجِبُ عَلَيهِم الصَّبرُ لا يَهتَمُّونَ بمن كَذَّبَ أو خَذَّلَ أو سَخِرَ أو اسْتَهزَأَ، لا يُهمُّهُم ولا يَلتَفِتُون إليه، فقد سَخِرَ أَقوَامُ الأَنبِيَاءِ بِالأنبِياءِ ﵈ ولم يَضُرُّهُم ذَلكَ، ولم يَثنِهم عن دَعَوتِهِم إلى اللهِ، وقد استَهزَأَ أَهْلُ مَكَّةَ بِالنَّبِيِّ ﷺ كما اسْتَهزَأَ المُنَافِقُونَ بِالنَّبِيِّ ﷺ، واليَهُودُ كذَلكَ اسْتَهزَؤوا به، فَمَا ضَرَّه ذَلكَ، صَدَعَ بِأمِرِ اللهِ، وقَامَ بِأَمرِ اللهِ، وصَبرَ على ذَلكَ حَتَّى أَظهَرَهُ اللهُ على الدِّينِ كُلِّهِ.\nوهَكَذَا مَنْ قَبلَهُ مِنْ الرُّسُلِ ﵈ صَبَرُوا ونَجَحُوا وأَفلَحُوا، ومَن أُوذِيَ مِنْهُم زَادَهُ اللهُ كَرَامَةً وَرِفعَةً ودَرَجَاتٍ، ومَن قُتِلَ كذَلكَ.\n* * *\n«فَقَالَ مَالِكُ بْنُ يُخَامِرَ: سَمِعْتُ مُعَاذًا، يَقُولُ: وَهُمْ بِالشَّامِ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: هَذَا مَالِكٌ يَزْعُمُ أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاذًا يَقُولُ: وَهُمْ بِالشَّامِ».\n\n<s2>\nوالمَعنَى: أَنَّهُمْ يَكُونُونَ بِالشَّامِ يومًا ما، أو دَهْرًا ما، ولكن لا يَلزَمُ ذَلكَ في كُلِّ وَقتٍ، قد يَكُونُ في الشَّامِ طَائِفَةٌ، وفي البِلَادِ الأُخْرَى طَوَائِفُ كما هو الوَاقِعُ الآنَ.\nالآن في أَمرِيكَا، في آسِيَا على طُولِهَا وعَرضِهَا، في أَفرِيقِيَا، في أُورُوبَّا دُعَاةٌ للحَقِّ، وأَنصَارٌ للحَقِّ، لا يَضُرُّهُم مَنْ خَالَفَهُم ولا مَنْ خَذَلَهم، وهَذَا الوَاقِعُ شَاهِدٌ لهَذِه الأَحَادِيثِ، وهَذِه الحَركَةُ الجَدِيدَةُ الإِسلَامِيَّةُ واليَقظَةُ الإِسلَامِيةُ","vol":"1","page":209},{"text":"شَاهِدٌ لِهذَا الأَمرِ.\n\n<s0>  حَفِظَك اللهُ يا شَيخُ، قَولُهُ: «لا تَزَالُ» ما يُفِيدُ الدَّيمُومَةَ والاسْتِمرَاريَّةَ؟\n<s1> نعم، إلى أن يَأْتِيَ أَمرُ اللهُ، لكنْ يَكثُرُونَ في مَكَانٍ ويَقِلُّونَ في مَكَانٍ، ويَكثُرُونَ في زَمَانٍ ويَقِلُّونَ في زَمَانٍ، أَمرُهُم يَتَنَوَّعُ.\n\n<s0>  أَحسَنَ اللهُ إِليكَ، قَولُهُ: «ظَاهِرِينَ على النَّاسِ» يَعْنِي النَّاسَ الَّذِينَ حَولَهُم فَقَطْ أو كُلِّ النَّاسِ؟\n<s1> يَحتَمِلُ هَذَا وهَذَا، قد يَكُونُونَ في وَقْتٍ ما ظَاهِرِينَ على النَّاسِ الَّذِينَ حَولَهُم، وفي وَقتٍ ما ظَاهِرينَ على النَّاسِ الَّذِينَ لهم السَّلطَةُ والإِمَامَةُ، كما وَقعَ في عَهدِ الخُلفَاءِ الرَّاشِدِينَ ﵃، وفي أَئِمَّةِ بَنِي أُمَيَّةَ، وفي أَوقَاتٍ كَثِيرَةٍ مِنْ أَوقَاتِ بَنِي العَبَّاسِ، وَقَعَ في أَقَاليمَ وجِهَاتٍ ومُنَاطقَ مُتَعَدِّدةٍ إلى يَومِنَا هَذَا.\nومِثلمَا وَقعَ في عَهدِ الشيَّخِ مُحمَّدِ بنِ عبدِ الوَهَابِ ﵀ وآلِ سُعُودٍ في مَنطِقَةِ الجَزِيرَةِ، ومِثلمَا وقع في بِعْضِ مَنَاطقِ المَغرِبِ وأَفْرِيقيَا في أَوقَاتٍ كَثِيرَةٍ، وهَكَذَا في الهِندِ قَبلَ التَّقسِيمِ وبعدَ التَّقسِيمِ.\n\n٧٤٦١ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ أَبِي حُسَيْنٍ، حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: وَقَفَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى مُسَيْلِمَةَ فِي أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: «لَوْ سَأَلْتَنِي هَذِهِ القِطْعَةَ مَا أَعْطَيْتُكَهَا، وَلَنْ تَعْدُوَ أَمْرَ اللَّهِ فِيكَ، وَلَئِنْ أَدْبَرْتَ لَيَعْقِرَنَّكَ اللَّهُ» (^١).\n_________\n(^١) ورواه مسلم (٢٢٧٣).","vol":"1","page":210},{"text":"<s2>\nوقد وَقَعَ ذَلكَ، أَدبَرَ وعَقَرَهُ اللهُ ﷿، أَدبَرَ واسْتَمَرَّ في طُغيَانِهِ ودَعوَاهُ النُّبُوةَ؛ فَعقَرهُ اللهُ وقَتَلَهُ المُسلِمُونَ في عَهدِ الصَّدِّيقِ ﵁، وهَذَا مِصدَاقُ ما أَخبَرَ به ﵊ «لَئِنْ أَدْبَرْتَ لَيَعْقِرَنَّكَ اللَّهُ»، وقد أَدبَرَ وكَذَّبَ وافْتَرَى وزَعَمَ أَنَّه يُوحَى إِليهِ، وأَتَى بِخُرَافَاتٍ لا تَرُوجُ على ذَوِي العُقُولِ حَتَّى قَتَلَهُ اللهُ على يدِ المُسْلِمِينَ في عَهدِ الصِّدِّيقِ ﵁.\n\n٧٤٦٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ عَبْدِ الوَاحِدِ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: بَيْنَا أَنَا أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في بِعْضِ حَرْثِ المَدِينَةِ وَهُوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى عَسِيبٍ مَعَهُ، فَمَرَرْنَا عَلَى نَفَرٍ مِنَ اليَهُودِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تَسْأَلُوهُ أَنْ يَجِيءَ فِيهِ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَنَسْأَلَنَّهُ، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْهُمْ، فَقَالَ: يَا أَبَا القَاسِمِ، مَا الرُّوحُ؟\nفَسَكَتَ عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ فَعَلِمْتُ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ، فَقَالَ: «وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ، قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي، وَمَا أُوتُوا مِنَ العِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا»، قَالَ الأَعْمَشُ: هَكَذَا فِي قِرَاءَتِنَا (^١).\n_________\n(^١) ورواه مسلم (٢٧٩٤).","vol":"1","page":211},{"text":"<s2>\nقِرَاءَتَانِ «أُوتُوا» يَعْنِي اليَهُودَ السَّائِلينَ، «وما أُوتِيتُمْ» يَعمُّ الأُمَّةَ، ويَعُمُّ اليَهُودَ.\n\n<s0>  عَفَا اللهُ عنكَ: التَّرجَمَةُ هَذِه والتَّرجَمَةُ السَّابِقَةُ مُتَشَابِهَتَانِ وتَكَررَّ الحَدِيثُ هنا مِثلُ التَّرجَمَةِ السَّابِقَةِ، التَّرجَمَةُ السَّابِقَةُ: بَابُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١)﴾ [الصافات: ١٧١]. وهنا: بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠)﴾ [النحل: ٤٠]، وجَاءَ بِالحَدِيثِ هُنَا وَهُناكَ؟\n<s1>  اللهُ أَعلَمُ، الوَجهُ هُناكَ أنَّ الحَدِيثَ يَدُلُّ على أن مَنْ سَبَقَتْ لَه السَّعَادَةُ يُصَدِّقُ بِأمرِ اللهِ، ولا يَتَعَنَّتْ ويَقبَلُ الحَقَّ، ويُؤمِنُ بما بُيِّنَ وبما أُخفِي، ويَكِلُهُ إلى اللهِ.\nوهنا قَولُهُ: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥]، ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠)﴾ [النحل: ٤٠]؛ فَالرُّوحُ مِنْ أَمرِهِ إذا أَرَادَها كوَّنها لِلإنسِ والجِنِّ والمَلَائِكَةِ والدَّوَابِّ وغَيرِ ذَلكَ.\nوفي هَذَا في بِعْضِ الرِّوَاياتِ: أن اليَهُودَ قَالُوا: لقد أُوتِي مُوسَى ﵇ التَّورَاةُ فهل هي عِلمٌ قَلِيلٌ؟ التَّورَاةُ فيها عِلمٌ كَثِيرٌ؛ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ:","vol":"1","page":212},{"text":"«نعم ولكن في جَنبِ عِلمِ اللهِ قَلِيلٌ». التَّورَاةُ والزَّبُورُ والقُرآنُ والكُتُبُ كُلُّهَا في جَنبِ عِلمِ اللهِ قَلِيلٌ؛ لأنَّ عِلمَ اللهِ وَاسعٌ لا يَحدُّهُ حَدٌّ.\nفالتَّورَاةُ والإِنجِيلُ والقُرآنُ والزَّبُورُ كُلُّهَا في جَنبِ عِلمِ اللهِ قَلِيلٌ، ولِهذَا قَالَ: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء: ٨٥].\n(الشَّيخُ) رَاجِع كَلَامَ الشَّارِحِ على البَابِ؟\n[قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ فِي «فَتْحِ البَارِي» (١٣/ ٤٤٣ - ٤٤٤)]: «قَوْلُه: بَابُ قَولِ اللهِ تَعَالَى: «إنما أمرنا لشَيْء إِذا أردناه» زَادَ غَيْرُ أَبِي ذَرٍّ: ﴿أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ وَنَقَصَ: ﴿إِذَا أَرَدْنَاهُ﴾. مِنْ رِوَايَةِ أَبِي زَيْدٍ الْمَرْوَزِيِّ. قَالَ عِيَاضٌ: كَذَا وَقَعَ لِجَمِيعِ الرُّوَاةِ عَنِ الْفَرَبْرِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي ذَرٍّ وَالْأَصِيلِيِّ وَالْقَابِسِيِّ وَغَيْرِهِمْ، وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ، وَصَوَابُ التِّلَاوَةِ: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا﴾. وَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُتَرْجِمَ بِالْآيَةِ الأُخْرَى ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)﴾ [القمر: ٥٠]، وَسَبَقَ الْقَلَمُ إِلَى هَذِهِ.\nقُلْتُ: وَقَعَ فِي نُسْخَةٍ مُعْتَمَدَةٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ: ﴿﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا﴾ على وفْق التِّلَاوَة، وَعَلَيْهَا شَرحُ ابنِ التِّينِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ إِصْلَاحِ مَنْ تَأَخَّرَ عَنْهُ، وَإِلَّا فَالْقَوْلُ مَا قَالَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ، قَالَ ابن أَبِي حَاتِمٍ فِي كِتَابِ «الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ»: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ حَدِيثُ عُبَادَةَ: «أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمُ فَقَالَ اكْتُبْ …» الْحَدِيثَ.\nقَالَ: وَإِنَّمَا نَطَقَ الْقَلَمُ بِكَلَامِهِ لِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠)﴾ [النحل: ٤٠]، قَالَ: فَكَلَامُ اللَّهِ سَابِقٌ عَلَى أَوَّلِ خَلْقِهِ؛ فَهُوَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ. وَعَنِ الرَّبِيعِ بْنِ سُلَيْمَانَ: سَمِعْتُ الْبُوَيْطِيَّ يَقُولُ: خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ كُلَّهُ بِقَوْلِهِ: «كُنْ» فَلَوْ كَانَ «كُنْ» مَخْلُوقًا لَكَانَ قد خَلقَ الْخلقَ بِمخلُوقٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، ثُمَّ ذَكَرَ","vol":"1","page":213},{"text":"فِيهِ خَمْسَةَ أَحَادِيثَ الْأَوَّلُ:\nحَدِيثُ الْمُغِيرَةِ وَقَوْلُهُ فِيهِ: عَنْ إِسْمَاعِيلَ -هُوَ ابنُ أَبِي خَالِد- وَقيسٌ -هُوَ ابنُ أَبِي حَازِمٍ- وَالْغَرَضُ مِنْهُ وَمِنَ الَّذِي بَعْدَهُ قَوْلُهُ: «حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ»، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ الْمُرَادِ بِهِ عِنْدَ شَرْحِهِ فِي كِتَابِ «الِاعْتِصَام».\nوَقَالَ ابنُ بَطَّالٍ: الْمُرَادُ بِأَمْرِ اللَّهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ السَّاعَةُ. والصَّوَابُ: أَمْرُ اللَّهِ بِقِيَامِ السَّاعَةِ فَيَرْجِعُ إِلَى حُكْمِهِ وَقَضَائِهِ».\nقال ابنُ بَازٍ ﵀: والصَّوَابُ كمَا تَقَدَّمَ أنَّ أَمرَ اللهِ هنا الرِّيحُ التي تَقبِضُ أَرْوَاحَ المُؤمِنِينَ؛ لأنَّ السَّاعَةَ ما تَقُومُ على المُؤمِنِينَ ولا عَلى دُعَاةِ الحَقِّ، وإنَّمَا تَقُومُ على الأَشْرَارِ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لا يُقَالُ في الأَرْضِ اللهُ اللهُ» (^١).\n[قال الحَافِظُ ﵀]: «وَالثَّانِي وَالثَّالِثُ: حَدِيثُ مُعَاوِيَةَ فِي ذَلِكَ، وَفِيهِ رِوَايَةُ مَالِكِ بْنِ يُخَامِرَ -بِضَمِّ التَّحْتَانِيَّةِ وَتَخْفِيفِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الْمِيمِ- عَنْ مُعَاذٍ وَهُمْ بِالشَّامِ، وَذَكَرَ مُعَاوِيَةَ عَنْهُ ذَلِكَ وَقَوْلُهُ فِيهِ: «وَلَا مَنْ خَذَلَهُمْ».\nوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ: «حِذَاهُمْ» بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ ثُمَّ دَال مُعْجَمَةٍ بَعْدَهَا أَلِفٌ لَيِّنَةٌ، قَالَ: وَلَهَا وَجْهٌ. يَعْنِي: «مَنْ جَاوَرَهُمْ مِمَّنْ لَا يُوَافِقُهُمْ». قَالَ: وَلَكِن الصَّوَابُ بِفَتْح الخاء المعجمة وباللَّام منَ الخِذْلانِ، وابنُ جَابِرٍ الْمَذْكُورُ فِيهِ هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، نُسِبَ لِجَدِّهِ.\nالْحَدِيثُ الرَّابِعُ: حَدِيثُ ابن عَبَّاسٍ فِي شَأْنِ مُسَيْلِمَةَ، ذَكَرَ مِنْهُ طَرَفًا وَقَدْ تَقَدَّمَ بِتَمَامِهِ فِي أَوَاخِرِ الْمَغَازِي مَعَ شَرْحِهِ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ قَوْلُهُ: «وَلَنْ يَعْدُوَ أَمْرُ اللَّهِ فِيكَ» أَيْ: مَا قَدَّرَهُ عَلَيْكَ مِنَ الشَّقَاء أَوْ السَّعَادَة.\nالحَدِيث الْخَامِ\n\n<s0>  حَدِيث ابن مَسْعُودٍ فِي سُؤَالِ الْيَهُودِ عَنِ الرُّوحِ\n_________\n(^١) رواه مسلم (١٤٨) (٢٣٤).","vol":"1","page":214},{"text":"وَقَوْلُهُ: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥] تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الرُّوحَ قَدِيمَةٌ، زَعْمًا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَمْرِ هُنَا الْأَمْرُ الَّذِي فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤]. وَهُوَ فَاسِدٌ؛ فَإِنَّ الْأَمْرَ وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ لمعانٍ يتَبيُّنُ الْمُرَادُ بِكُلٍّ مِنْهَا مِنْ سِيَاقِ الْكَلَامِ، وَسَيَأْتِي فِي بَابِ: ﴿وَالله خَلقكُم وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَمْرِ الَّذِي فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤] وَأَنَّهُ بِمَعْنَى الطَّلَبِ الَّذِي هُوَ أَحَدُ أَنْوَاعِ الْكَلَامِ، وأمَّا الْأَمرُ فِي حَدِيثِ ابنِ مَسْعُودٍ هَذَا؛ فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْمَأْمُورُ، كَمَا يُقَالُ: الْخَلْقُ وَيُرَادُ بِهِ الْمَخْلُوقُ، وَقَدْ وَقَعَ التَّصْرِيحُ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ، فَفِي تَفْسِيرِ السُّديّ عَنْ أبي مَالكٍ عَنِ ابن عَبَّاسٍ وَعَنْ غَيْرِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥] يَقُولُ: هُوَ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ، لَيْسَ هُوَ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ.\nوَقَدِ اخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِالرُّوحِ الْمَسْؤولِ عَنْهَا: هَلْ هِيَ الرُّوحُ الَّتِي تَقُومُ بِهَا الْحَيَاةُ أَوِ الرُّوحُ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبأ: ٣٨]، وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ [القدر: ٤]؟\nوَتَمَسَّكَ مَنْ قَالَ بِالثَّانِي بِأَنَّ السُّؤَالَ إِنَّمَا يَقَعُ فِي الْعَادَةِ عَمَّا لَا يُعْرَفُ إِلَّا بِالْوَحْيِ، وَالرُّوحُ الَّتِي بِهَا الْحَيَاةُ قَدْ تَكَلَّمَ النَّاسُ فِيهَا قَدِيمًا وَحَدِيثًا بِخِلَافِ الرُّوحِ الْمَذْكُورِ؛ فَإِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا عِلْمَ لَهُمْ بِهِ، بَلْ هِيَ مِنْ عِلْمِ الْغَيْبِ، بِخِلَافِ الْأُولَى، وَقَدْ أَطْلَقَ اللَّهُ لَفْظَ «الرُّوحِ» عَلَى الْوَحْيِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]، وَفِي قَوْلِهِ: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ [غافر: ١٥]، وَعَلَى الْقُوَّةِ وَالثَّبَاتِ وَالنَّصْرِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]، وَعَلَى جِبْرِيلَ فِي عِدَّةِ آيَاتٍ، وَعَلَى عِيسَى ابن مَرْيَمَ،","vol":"1","page":215},{"text":"وَلَمْ يَقَعْ فِي الْقُرْآنِ تَسْمِيَةُ رُوحِ بَنِي آدَمَ رُوحًا، بَلْ سَمَّاهَا نَفْسًا فِي قَوْلِهِ: ﴿النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ [الفجر: ٢٧] وَالنَّفْسُ الْأَمَارَةُ بِالسُّوءِ، وَالنَّفْسُ اللَّوَّامَةُ، وَأَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمْ، وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ.\nوَتَمَسَّكَ مَنْ زَعَمَ بِأَنَّهَا قَدِيمَةٌ بِإِضَافَتِهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩]. وَلَا حُجَّةَ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْإِضَافَةَ تَقَعُ عَلَى صِفَةٍ تَقُومُ بِالْمَوْصُوفِ كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ، وَعَلَى مَا يَنْفَصِلُ عَنْهُ كَبَيْتِ اللَّهِ، وَنَاقَةِ اللَّهِ. فَقَوْلُهُ: «رُوحُ اللَّهِ» مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ».\nقَالَ ابنُ بَازٍ ﵀: يَعْنِي مِنْ بَابِ إِضَافَةِ المَخلُوقِ إلى خَاِلقِهِ، رُوحُ آدَمَ وَرُوحُ عِيسَى ﵉ كُلُّهَا مِنْ بَابِ إِضَافَةِ المَخلُوقِ إلى خَالِقِه إِضَافَةَ تَشرِيفٍ وتَكرِيمٍ، كَنَاقَةِ اللهِ، وبَيتِ اللهِ، ورَسُولِ اللهِ.\n[قال الحَافِظُ ﵀]: «الثَّاني: وهي إِضَافَةُ تَخصِيصٍ وتَشرِيفٍ، وهي فَوقَ الإِضَافَةِ العَامَّةِ التي بِمَعنَى الإِيجَادِ، فَالإِضَافَةُ على ثَلَاثِ مَرَاتِبَ: إِضَافَةُ إِيجَادٍ، وإِضَافَةُ تَشرِيفٍ، وإِضَافَةُ صِفةٍ». [انتهى كلامه].\nقَالَ ابنُ بَازٍ ﵀: ويُضَافُ إليهِ إِضَافَةُ صِفَةٍ، كَعلْمِ اللهِ، وقُوَّةِ اللهِ، وإِضَافَةٌ الذَّاتِ إلى غَيرِهَا، وإِضَافَةُ الذَّاتِ على قِسمَينِ:\n١ - إِضَافَةُ مُخلُوقٍ إلى خَالِقِهِ، كَأرضِ اللهِ وسَمَاءِ اللهِ.\n٢ - وإِضَافَةُ تَشرِيفٍ وتَكَرِيمٍ مع أنَّها إِضَافَةُ مَخلُوقٍ، كَبَيتِ اللهِ ونَاقةِ اللهِ.\nولا مُشَاحَّةَ في الاصطِلَاحِ، إذا جُعِلَ ثَلَاثةَ أَقْسَامٍ، أو قِسْمَينِ ثم جُعِلَ","vol":"1","page":216},{"text":"القِسمُ الثَّاني قِسمَينِ.\n\n<s0>  أَحسَنَ اللهُ إِليكَ، المَخلُوقٌ مَعرُوفٌ أَنَّه بِإيجَادِ اللهِ؟\n<s1> لكِنَّه على قِسمَينِ: تَارَةً يَكُونُ مِنْ بَابِ الإِيجَادِ فَقَطْ، وتَارَةً مِنْ بَابِ ذَلكَ مع التَّشرِيفِ والتَّكرِيمِ لِأجلِ الإِضَافةِ.\n[قال الحَافِظُ ﵀]: «والَّذِي يَدُلُّ على أنَّ الرُّوحَ مَخلُوقَةٌ عُمُومُ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢]، [الزمر: ٦٢]، ﴿وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٦٤]، ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٢٦)﴾ [الشعراء: ٢٦]. والأَروَاحُ مَربُوبَةٌ، وكُلُّ مَربُوبٍ مَخلُوقُ رَبِّ العَالَمِينَ». [انتهى كلامه].\nقَالَ ابنُ بَازٍ ﵀: وكُلُّ مَربُوبٍ مَخلُوقُ رَبِّ العَالَمِينَ، يَصلُحُ إِضَافةُ المَخلُوقِ إلى خَالِقِهِ، يَعْنِي مَخلُوقٌ لِرَبِّ العَالَمِينَ على تَقدِيرِ اللَّامِ.\n[قال الحَافِظُ ﵀]: «وَقَوْلُهُ تَعَالَى لِزَكَرِيَّا: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلم تَكُ شَيْئا﴾ وَهَذَا الْخِطَابُ لِجَسَدِهِ وَرُوحِهِ مَعًا، وَمِنْهُ قَوْلُهُ: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (١)﴾ [الإنسان: ١]، وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ [الأعراف: ١١]، سَوَاءٌ قُلْنَا: إِنَّ قَوْلَهُ: «خَلَقْنَا» يَتَنَاوَلُ الْأَرْوَاحَ وَالْأَجْسَادَ مَعًا، أَوِ الْأَرْوَاحَ فَقَطْ.\nوَمِنَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ حَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: «كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ غَيْرُهُ»، وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ بَدْءِ الْخَلْقِ، وَقَدْ وَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّ الْمَلَائِكَةَ مَخْلُوقُونَ وَهُمْ أَرْوَاحٌ. وَحَدِيثُ: «الْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ». وَالْجُنُودُ الْمُجَنَّدَةُ لَا تَكُونُ إِلَّا مَخْلُوقَةً، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ وَشَرْحُهُ فِي «كِتَابِ الْأَدَبِ».","vol":"1","page":217},{"text":"وَحَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ: أَنَّ بِلَالًا ﵁ قَالَ لَمَّا نَامُوا فِي الْوَادِي: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخَذَ بِنَفْسِي الَّذِي أَخَذَ بِنَفْسِكَ». وَالْمُرَادُ بِالنَّفْسِ الرُّوحُ قَطْعًا؛ لِقَوْلِهِ ﷺ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: «إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَكُمْ حِينَ شَاءَ …» الْحَدِيثَ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]، الْآيَةَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى بَقِيَّةِ فَوَائِدِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي سُورَةِ «سُبْحَانَ».\nوَقَوْلُهُ فِي آخِرِهِ: «وَمَا أُوتُوا مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا» كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ﴾ [الإسراء: ٨٥] عَلَى وَفْقِ الْقِرَاءَةِ الْمَشْهُورَةِ، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ قَوْلُهُ فِي بَقِيَّتِهِ: قَالَ الْأَعْمَشُ: هَكَذَا فِي قراءتنا.\nقَالَ ابنُ بَطَّالٍ: غَرَضُهُ الرَّدُّ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ فِي زَعْمِهِمْ أَنَّ أَمْرَ اللَّهِ مَخْلُوقٌ؛ فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْأَمْرَ هُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى لِلشَّيْءِ: كُنْ؛ فَيَكُونُ بِأَمْرِهِ لَهُ، وَأَنَّ أَمْرَهُ وَقَوْلَهُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَأَنَّهُ يَقُولُ: «كُنْ» حَقِيقَةً، وَأَنَّ الْأَمْرَ غَيْرُ الْخَلْقِ؛ لِعَطْفِهِ عَلَيْهِ بِالْوَاوِ. انْتَهَى. وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِهَذَا فِي بَابِ ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافات: ٩٦]». [انتهى كلامه].\n* * *","vol":"1","page":218},{"text":"<span data-type='title' id=toc-48>بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف: ١٠٩]\n﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَ</span>الْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٧]،\n﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤]\nسَخَّرَ: ذَلَّلَ.\n٧٤٦٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: «تَكَفَّلَ اللَّهُ لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ، لَا يُخْرِجُهُ مِنْ بَيْتِهِ إِلَّا الجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ وَتَصْدِيقُ كَلِمَتِهِ، أَنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، أَوْ يَرُدَّهُ إِلَى مَسْكَنِهِ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ» (^١).\n\n<s2>\nهَذَا البَابُ مِنَ المُؤلِّفِ ﵀ فيه بَيَانُ عِظَمِ شَأنِ اللهِ ﷿، وأنَّ كَلِمَاتِهِ\n_________\n(^١) ورواه مسلم (١٨٧٦).","vol":"1","page":219},{"text":"لا تُحصَى ﷾، فَإنهُ جل وعلا: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢] ﷾، وكُلُّ ما في العَالمِ قَدِيمًا وحَدِيثًا كُلُّهُ بِأمرِهِ وتَكوينِهِ ﷾، وهَكَذَا ما يَكُونُ في العَالمِ بعدَ البَعثِ والنُشُورِ كُلُّهُ بِأمرِهِ ﷾ وتَكوِينِهِ؛ ولِهذَا قَالَ ﷾: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩)﴾ [الكهف: ١٠٩]، وهَكَذَا يَقُولُ سُبحَانَهُ: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧)﴾ [لقمان: ٢٧]، فَلا يُحصِي كَلِمَاتِهِ أَحَدٌ ﷾.\nوهَذَا يعمُّ الكَلَامَ الكَونِيَّ والكَلَامَ الشَّرعِيَّ، كَلَامُهُ الكَونِيُّ الذي يَأمُرُ به ﷾، يَأمُرُ بِتَكوِينِ الأَشيَاءِ وخَلقِهَا وإِيجَادِهَا، ويَشمَلُ الكَلَامَ الشَّرعِيَّ مما أَنْزَلَ على رُسلِهِ مِنْ كَلِمَاتِ القُرآنِ، وكَلِمَاتِ التَّورَاةِ، وكَلِمَاتِ الإِنجِيلِ، وكَلِمَاتِ الزَّبُورِ، وجَمِيعِ الكَلِمَاتِ المُنزَّلةِ على الأَنبِياءِ ﵈ في الصُّحُفِ التي أُنزِلَت عَلَيهِم، فلا يُحصِي ذَلكَ إلا هو ﷾.\nثم هو يُخبِّرُ عِبَادَهُ أَنَّه رَبَّهُمْ وخَالَقَهُم ومُدِبَّرَ شُئُونِهِم: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤]-يَعْنِي: خَلقَ الشَّمسَ والقَمرَ والنُّجُومَ- ﴿مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ﴾ [الأعراف: ٥٤] … مُذلَّلَات بِأمْرِهِ ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤] يَعْنِي: بِأمْرِهِ. ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤].\nكُلُّ هَذَا يِشمَلُ الكَلَامَ كُلَّهُ. ذَكرَ الخَلقَ والأَمرَ، فَالخَلقُ ما يَتَعَلَّق بِالْمَخلُوقَاتِ، والأَمرُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالأَقوَالِ.","vol":"1","page":220},{"text":"وهَكَذَا قَولُهُ في سُورَةِ يُونُسَ: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ [يونس: ٣].\nفهو مُدَبِّرُ الأُمُورِ ﷾، يَعرِفُ العَبدُ رَبَّه بِأنَّه خَالِقُ السَّمَوَاتِ وخَالِقُ الأَرضِ، وَرَبُّ كُلُّ شَيءٍ ومَلِيكُهُ، وأنَّه الإِلَهُ الحَقُّ المُستَحِقُّ لِلعِبَادةِ، وأنَّهُ ذُو الأَسمَاءِ الحُسنَى والصِّفَاتِ العُلَا، وَأنَّه لا شَبِيهَ له، ولا كُفءَ له، ولا ندَّ لَه، وأنَّ كَلِمَاتِهِ لا تُحصَى، ولو جُمِعَ ما في الأَرضِ مِنْ شَجَرٍ، وجُمِعَ ما فيها مِنْ أَقلَامٍ، وجُمِعَ ما فيها من بِحَارٍ وكُتُبٍ بهَذِه الأَقلَامِ كُلَّ شَيءٍ حَتَّى تَنتَهِيَ البِحَارُ -لم تَنفَدْ كَلِمَاتُ اللهِ ﷾.\nومَن هَذِه صِفَتُهُ هو المُستَحِقُّ لأن يُعبَدَ جل وعلا، وهو المُستَحِقُّ لأن يُطَاعَ أَمرُهُ، ويُنْتَهى عن نِهيِهِ جل وعلا، وهو المُستَحِقُّ لأن تَخضَعَ له العِبَادُ طَائِعِينَ مُمتَثِلِينَ لِأمْرِه، تَارِكِينَ لما نَهَى عنه، وَاِقِفِينَ عند حُدُودِهِ.\nولكِنْ جَهْلُ الأَكْثَرِ بِاللهِ، وجَهْلُهُمْ بِدِينِهِ، وجَهلُهُمْ بِصِفَاتِهِ وأَسمَائِهِ هُو الَّذِي أَوقَعَهُم فِيمَا أَوقَعَهُم فيهِ مِنَ الشِّركِ بِاللهِ، والمَعصِيَةِ له ﷾، ولِهذَا يَقُولُ جل وعلا: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾ [الفرقان: ٤٣، ٤٤]. فَجَعَلَهُم أَضَلَّ مِنَ الأَنعَامِ، مِنْ البَقرِ والإِبِلِ والغَنَمِ؛ لِجَهلِهِم بِاللهِ وجَهلِهِمْ بِدِينِهِ واتِّبَاعِهِم أَهوَاءَهُم.\nوفي سُورَةِ الأَعرَافِ يَقُولُ سُبحَانَهُ: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩].","vol":"1","page":221},{"text":"حَكَمَ عَلَيهِم بِأَنَّهم أَضَلُّ، شَبَّهَهمْ بِالأَنعَامِ ثم حَكَمَ بأنهم أَضَلُّ مِنَ الأَنعَامِ؛ لِإعْرَاضِهِم عن الحَقِّ وجَهلِهِم به، والأَنعَامُ قد تَهتَدِي لِمَصَالِحَها، أَمَّا هَؤلاءِ فقَدْ ضَلُّوا عن مَصَالِحِهِم، وعن نَجَاتِهِم وعن أَسبَابِ سَعَادَتِهِم؛ فَصَارُوا أَضَلَّ منَ الأَنعَامِ، وأَسوَأَ حَالًا مِنَ الأَنعَامِ، ثم حَكَمَ عَلَيهِم فَقَالَ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾، لَيْسَ هُنَاكَ أَحَدٌ أَشَدَّ غَفلَةً مِنْ هَؤلَاءِ؛ لَمَّا أَعرَضُوا عن دِينِ اللهِ واسْتَكبَرُوا عن طَاعَتِهِ واتَّبَعُوا أَهوَاءَهُم، وإن حَذَقُوا في أيِّ صِنَاعَةٍ وفي أيِّ اخْتِرَاعٍ؛ لا قِيمَةَ لذَلكَ، وإن طَارُوا في السَّمَاءِ وإن غَاصُوا في البِحَارِ لا قِيمَةَ لذَلكَ؛ لما جَهِلُوا أَمرَ اللهِ وجَهِلُوا دِينَهُ، وجِهِلُوا أَسبَابَ السَّعَادَةِ.\n\n<s0>  يُقالُ: كَلمِاتُ اللهِ عِلمُهُ؟\n<s1> لا، الكَلمِاتُ غَيرُ العِلمِ.\n\n<s0>  أَحسَنَ اللهُ إِليكَ: مُناسَبةُ الحَدِيثِ لِلبَابِ؟\n<s1> قَولُهُ: «هو تَصْدِيقٌ بِكَلِمَتِي» بِكَلمَاتِ اللهِ، التَّصدِيقُ بِكَلِمَاتِ اللهِ مِنْ أهمِّ الإِيمَانِ، ولِهذَا قَالَ: «أن تُؤمِنَ بِاللهِ ومَلَائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسَلِهِ واليَومِ الآخِرِ»، والتَّصْدِيقُ بِكَلِمَاتِ اللهِ مما يُوجِبُهُ الإِيمَانُ.\nوالعِلمُ أَوسَعُ من الكَلَامِ، الكَلَامُ مِنْ عِلمِ اللهِ، ولَمَّا أَنزلَ اللهُ قَولَهُ: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء: ٨٥] قَالَتْ اليَهُودُ: عندنا التَّورَاةُ فَهَلْ هِيَ قَلِيلٌ من عِلمِ اللهِ؟ قَالَ: نعَم، التَّورَاةُ بِالنِّسبَةِ إلى عِلمِ اللهِ قَلَيلٌ. اللهُ أَكبَرُ.\n* * *","vol":"1","page":222},{"text":"<span data-type='title' id=toc-49>بَابٌ فِي المَشِيئَةِ وَالإِرَادَةِ</span>\nوَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦]، ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾، ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤]، ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦]. قَالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، عَنْ أَبِيهِ: نَزَلَتْ فِي أَبِي طَالِبٍ.\n﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]\n\n٧٤٦٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا دَعَوْتُمُ اللَّهَ فَاعْزِمُوا فِي الدُّعَاءِ، وَلَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ إِنْ شِئْتَ فَأَعْطِنِي، فَإِنَّ اللَّهَ لَا مُسْتَكْرِهَ لَهُ» (^١).\n\n<s2>\nومُرَادُ المُؤَلفِ بهَذَا أنَّ الوَاجِبَ على العِبَادِ إِثبَاتُ مَشِيئَةِ اللهِ وَإِرَادَتِهِ، وأنَّ ما شَاءَ اللهُ كَانَ وما لم يَشأْ لم يَكُن، وأنَّ مَشِيئَتَه نَافِذَةٌ عَامَّةٌ لا مَانعَ لِمَا شَاءَ ﷾، فما شَاءَه جل وعلا نَفذَ لا رَادّ له: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ\n_________\n(^١) ورواه مسلم (٢٦٧٨).","vol":"1","page":223},{"text":"لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢]، ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ (٣٠)﴾ [الإنسان: ٣٠]، يُؤتِي المُلْكَ مَنْ يَشَاءُ، ويُذِلُّ مَنْ يَشَاءُ ويَهدِي مَنْ يَشَاءُ ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢)﴾ [الأنعام: ١١٢] ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢)﴾ [الأنعام: ١١٢]، ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (٢٥٣)﴾ [البقرة: ٢٥٣] إلى غَيرِ ذَلكَ.\nفَمَشِيئَتُه نَافِذَةٌ ﷾، وما في الوُجُودِ كُلِّهِ نَشَأَ عن مَشِيئَتِهِ ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢]، ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧)﴾ [هود: ١٠٧] يَعْنِي: لما يَشَاءُ.\nوهَذَا مِنْ مَعنَى الإِيمَانِ بِالقَدَرِ، فإنَّ الإِيمَانَ بِالقَدرِ يَشمَلُ أَربَعَةَ أُمُورٍ، لا يِتِمَّ الإِيمَانُ بِالقَدَرِ الذي هو أَصلٌ مِنْ أُصُولِ الإِيمَانِ إلا بِإيمَانِ العَبدِ بِأَربَعَةِ أُمُورٍ:\nالأَمرُ الأَوَّلُ: أن يُؤمِنَ بِعلْمِ اللهِ وأنَّ اللهَ عَالِمٌ بِكُلِّ شَيءٍ لا يَخفَى عليه خَافِيةٌ ﷾: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢]، ﴿أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٣١)﴾ [البقرة: ٢٣١].\nالثاني: كِتَابَتُهُ لِلأَشيَاءِ، أَنَّه كَتَبَ كُلَّ شَيءٍ ﷾ كمَا قَالَ ﷿: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧٠)﴾ [الحج: ٧٠] وقال في سُورةِ الحَدِيدِ: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢)﴾ [الحديد: ٢٢].\nوالثَّالِثُ: مَشِيئَتُهُ النَّافِذَةُ: يُؤمِنُ بأنَّ ما شَاءَ اللهُ كَانَ ومَا لمْ يَشَأ لم يَكُنْ ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠]، ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨٣)﴾ [الأنعام:","vol":"1","page":224},{"text":"٨٣]، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج: ١٨] ﷾، لا رَادَّ له جل وعلا: ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ (٢٩)﴾ [الشورى: ٢٩] ﷾.\nالرَّابِعُ: خَلقُهُ لِلأَشيَاءِ وإِيجَادُهُ لها، هو الخَلَّاقُ لها، هو المُوجِدُ قَدَّرَهَا وخَلقَهَا، شَاءَهَا وخَلَقَهَا، هَذَا الرَّابِعُ أَنَّه خَالِقُ الأَشيَاءِ ومُوجِدُهَا ومُختَرِعُهَا على غَيرِ مِثَالٍ سَبَقَ: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢]، ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٣] فَالمَشِيئَةُ لها صِفَةُ العُمُومِ، فما شَاءَ اللهُ كَانَ وما لم يَشَأْ لم يَكُنْ، وتَكُونُ في الخَيرِ والشَّرِّ، مِنْ حَيَاةٍ أو مَوتٍ أو عَجزٍ أو صَلَاحٍ أو ضَلَالٍ وغَيرِ ذَلكَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (١٨)﴾ [الحج: ١٨].\n\nأمَّا الإِرَادَةُ فهي قِسمَانِ:\n١ - إرَادَةٌ بِمَعنَى المَشِيئَةِ: كما قَالَ ﷿: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا (٨٢)﴾ [يس: ٨٢] أي: إذا شًاءَ شَيْئًا ﴿أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢]، بِمَعنَى المشيئة ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧)﴾ [هود: ١٠٧] أي: لِمَا يَشَاءُ. ومِن هَذَا قَولُهُ سُبحَانَهُ: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] يَعْنِي: يَشَاءُ أن يَهدِيَهُ: ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] هَذِه لا رَادَّ لها؛ لأنَّها بِمَعنَى المَشِيئَةِ.\nولِهذَا قَالَ في قِصَّةِ أَبِي طَالِبٍ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ (٥٦)﴾ [القصص: ٥٦] اجْتَهَدَ النَّبيُّ ﷺ في هِدَايَةِ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ، ودَعَاهُ إلى اللهِ في صِحَّتِهِ وفي مَرَضِه قَبلَ أن يَمُوتَ، ولكنه أَصَرَّ على دِينِ قَومِهِ، وقال: «هو على مِلَّةِ عَبدِ المُطَّلبِ» عند مَوتِهِ -والعِياذُ بِاللهِ- فَأنزَلَ اللهُ في","vol":"1","page":225},{"text":"ذَلكَ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ (٥٦)﴾ [القصص: ٥٦] وهو القَائِلُ في شِعرِهِ:\nلَولَا المَلَامَةُ أو حِذِار مَسبَّةٍ … لَوجَدتَنِي سَمْحًا بِذَاك مُبِينًا\nتَركَ الإِسلَامَ لِئَلَّا يُقَالَ له: إنَّ أَشيَاخَهُ ضَالُّونَ، لِيسَيرِ على دِينِ أَشيَاخِهُ ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣)﴾ [الزخرف: ٢٣].\nوَاللَّهِ لَوْلَا أَنْ أَجِيءَ بِسُبَّةٍ … تَجَرُّ عَلَى أَشْيَاخِنَا فِي الْمَحَافِلِ\nلَكُنَّا اتَّبَعْنَاهُ عَلَى كُلِّ حَالَةٍ … مِنَ الدَّهْرِ جِدًّا غَيْرَ قَوْلِ التَّهَازُلِ (^١)\nالمَقْصُودُ: أَنَّه على بَصِيرةٍ، على عِلمٍ، ولكنه تَركَ ذَلكَ مُتَابَعَةً لِأسْلَافِهِ وأَشيَاخِهِ؛ فَصَارَ إلى النَّارِ -والعِياذُ بِاللهِ- مع كَونِهِ نَاصَرَ النَّبيَّ ﷺ وحَمَاهُ، وبَذَلَ جُهْدًا كَبِيرًا في حِمَايَتهِ مِنْ أَذَى قَومِهِ، ولَكنَّه لم يَكتُبِ اللهُ له السَّعَادَةَ.\nوأَخبَرَ النَّبيُّ ﷺ أَنَّه رَآهُ في جَمرَاتٍ مِنَ النَّارِ؛ فَشَفَعَ إلى رَبِّهِ فصَارَ في ضَحضَاحٍ منَ النَّارِ يَغلِي منها دِمَاغُهُ (^٢)، نَسأَلُ اللهَ العَافِيَةَ.\n\n٢ - أما الإِرَادَةُ الشَّرعِيَّةُ: فهي بِمَعنَى الْمَحبَّةِ وبِمَعنَى الرِّضَا، قد يَقَعُ مُرَادُها وقد لا يَقَعُ مُرَادُهَا، اللهُ أَرَادَ مِنَ العِبَادِ أن يَعبُدُوهُ وأن يُطِيعُوهُ، فمنهم مَنْ امْتَثَلَ وَوَحَّدَ اللهَ وأَطَاعَ أَمرَهُ -وهم الأَقَلُّ- وَمِنهُم من عَصَى وكَفرَ -وهمُ الأَكثَرُونَ-.\nهَذِه الإِرَادَةُ يُقَالُ لها: إِرَادَةٌ شَرعِيَّةٌ بِمَعنَى المَحَبَّةِ وبِمَعنَى الرِّضَا، أَرَادَ أن يُؤِمِنُوا، أي: أَحَبَّ مِنْهُم ذَلكَ ورَضِيَ مِنْهُم ذَلكَ، ولكنَّ الأَكثَرِينَ لمْ يَفعَلُوا.\n_________\n(^١) انظر «البداية النهاية» لابن كثير، ط هجر (٤/ ١٤٢).\n(^٢) رواه البخاري (٣٨٨٥).","vol":"1","page":226},{"text":"ومن هَذَا البَابِ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، هَذِه الإِرَادَةُ الشَّرعِيَّةُ، يُحِبُّ لِعبِادِهِ ذَلكَ، يُحِبُّ لهم اليُسرَ ولا يُحِبُّ لهم العُسرَ، لكن قد يَفعَلُ هَذَا وقد لا يَفعَلُهُ ﷾.\nولِهذَا يَقعُ الكَثِيرُ من النَّاسِ في عُسرٍ ومَشَاقٍّ، قد يُقتَلُ بَعضُهُم وقد يَهْلكُ بِالغَرقِ وغَيرِ ذَلكَ؛ لما سَبَقَ في عِلمِ اللهِ وإِرَادَتهِ الكَونِيةِ أَنَّه يَقعُ هَذَا الشَّيءُ.\nوكذَلكَ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٨]، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ (٢٦)﴾ [النساء: ٢٦]. هَذِه إِرَادَةٌ شَرعِيَّةٌ، قد يَقَعُ مُرَادُهَا وقد لا يَقعُ مُرَادُهَا، مِثلمَا تَقَدَّمَ أنَّ اللهَ أَرادَ مِنْ العِبَادِ أن يَعبُدُوهُ، وأَرَادَ مِنْ العِبَادِ أن يُطِيعُوا الرُّسُلَ، ولَكنْ منْهُم مَنْ أَطَاعَهُم ومنْهُم منْ لمْ يُطِعْ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٦٤]. أَكثَرُ الرُّسُلِ ما أَطَاعَهَمْ قَومَهَمْ، وَمِنهُم مَنْ أَطَاعَهُ الكَثِيرُ وعَصَاهُ الكَثِيرُ، ومِنهم مَنْ قَتَلَهُ قَومُهُ.\nفالحَاصِلُ: أنَّ الإِرَادَةَ الشَّرعِيَّةَ لَيْسَتْ مِنْ جِنسِ الإِرَادَةِ الكَونِيَّةِ، الكَونِيَّةُ مِنْ جِنسِ المَشِيئَةِ لا يَتَخَلَّفُ مُرَادُهَا، وأمَّا الإِرَادَةُ الشَّرعِيَّةُ فقد يَقَعُ مُرَادُهَا وقد لا يَقعُ مُرَادُهَا؛ لِأَنَّهَا بِمَعنَى الْمَحبَّةِ والرِّضَا، أَرَادَ مِنْ عِبَادِهِ أن يَعبُدُوهُ، يَعْنِي أَحَبَّ مِنْهُم ذَلكَ وأَمَرَهُم بهَذَا وَرَضِي مِنْهُم هَذَا، لَكنَّ الأَكثَرِينَ لم يَستَجِيبُوا للدَّاعِي.\nهَذَا مَقَامٌ عَظِيمٌ زَلَّت فيه أَقدَامٌ وضَلَّت فيه أَفهَامٌ مِنْ أَهْلِ الِبدعِ مِنَ المُعتَزلةِ والقَدَريةِ وغَيرِهِم مِمَّنْ سَارَ في رِكَابِهِم، ظَنُّوا أن الِإَراَدةَ وَاحِدَةٌ، قَالُوا: كيف يُخَالَفُ مُرَادُ اللهِ؟! وقد ضَلُّوا في هَذَا، فَالإِرَادَةُ قِسمَانِ، لَيستَ وَاحِدَةً:","vol":"1","page":227},{"text":"١ - الإِرَادَةُ الشَّرعِيَّةُ.\n٢ - والإِرَادَةُ الكَونِيَّةُ.\nفَالإِرَادَةُ الكَونِيَّةُ بِمَعنَى المَشِيئَةِ لا يَتَخَلَّفُ مُراَدُهَا ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧)﴾ [هود: ١٠٧] والإِرَادَةُ الشَّرعِيَّةُ بِمَعنَى الْمَحبَّةِ والرِّضَا فقد يَقَعُ مُرَادُهَا وقد لا يَقَعُ الْمُرَادُ. وقد فَصَّلَ ذَلكَ العَلَّامَةُ ابنُ القَيِّمِ ﵀ في كِتَابِهِ «شِفَاءِ العَلِيلِ» وغَيرِهِ مِنْ أَئمَّةِ العِلْمِ في التَّفسِيرِ وغَيرِ التَّفسِيرِ، وهَكَذَا أَبُو العَبَّاسِ ابنُ تَيمِيَّةَ في فَتَاوَاه الكَثِيرَةِ.\n\n٧٤٦٥ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، ح وحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي أَخِي عَبْدُ الحَمِيدِ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَتِيقٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، أَنَّ حُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ، ﵄ أَخْبَرَهُ: أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ طَرَقَهُ وَفَاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةً، فَقَاللَّهُمَّ «أَلَا تُصَلُّونَ»، قَالَ عَلِيٌّ: فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ، إِنَّمَا أَنْفُسُنَا بِيَدِ اللَّهِ، فَإِذَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَنَا بَعَثَنَا، فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ قُلْتُ ذَلِكَ، وَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيَّ شَيْئًا، ثُمَّ سَمِعْتُهُ وَهُوَ مُدْبِرٌ يَضْرِبُ فَخِذَهُ وَيَقُولُ: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤] (^١).\n_________\n(^١) ورواه مسلم (٧٧٥).","vol":"1","page":228},{"text":"والشَّاهِدُ قَولُ عَليٍّ ﵁: «إنما أَنفُسُنَا بِيدِ اللهِ، إن شَاءَ رَدَّهَا وإن شَاءَ أَمسَكَهَا». فهي الإِرَادَةُ الكَونِيَّةُ، كَأنَّ النَّبيَّ ﷺ كَرِهَ منه هَذَا ﵊؛ لأنَّه أَتَاهمَا وقال: «ألا تُصَلِّيَانِ»، فَحَثَّهُما على أن يَقُومَا يَتَهجَّدا بِاللَّيلِ، فقال عَليٌّ ﵁ ما قَالَ: «إنما أَنفُسُنَا بِيدِ اللهِ» يَعْنِي: أَرْوَاحُنَا، إن شَاءَ رَدَّهَا وإن شَاءَ أَمسَكَهَا. فَانصَرَفَ ولم يُرجِعْ إليه شَيْئًا؛ فَسمِعَهُ يَقُولُ وهو يَضرِبُ فَخِذَهُ: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا (٥٤)﴾ [الكهف: ٥٤].\nفهو جَادَلَ بِالقَدَرِ، ولو قَالَ كَلِمَةً أُخرَى غَيرَ ذَلكَ لكان أَنسَبَ؛ لأنَّ القَدَرَ ما يُحتَجُّ به في التَّخلُّفِ عن المحَابِّ الشَّرعِيَّةِ، الإِنسَانُ يُعَالِجُ، وإِنما يُحتَجُّ بِالقَدَرِ بعد المُصِيبَةِ: «إنَّا للهِ وإنَّا إِلَيهِ رَاجِعُونَ».\nأمَّا أنْ يُحتَجَّ بِالقَدَرِ على تَخَلُّفِهِ عنِ العَملِ الصَّالحِ وهو يَستَطِيعُ العِلَاجَ؛ هَذَا ما يَلِيقُ، ولكن يَعمَلُ الأَشيَاءَ، مَثَلًا يَجعَلُ مَنْ يُوقِظُه وَقتَ العِبَادَةِ، بعدَ وُجُودِ السَّاعَاتِ الآن يَجعَلُ السَّاعَةَ على الوَقتِ الذي يُريدُ، يَفعَلُ الأَسبَابَ، إذا كَانَ صَادِقًا يَفعَلُ الأَسبَابَ، لا يَحتَجُّ بِالقَدرِ وهو مُعرِضٌ أو غَافِلٌ أو مُتَسَاهلٌ أو مُقَصِّرٌ في الأَسبَابِ، لا يَكُونُ هَذَا صَحِيحًا، بلْ لا بُدَّ مِنْ عِلَاجٍ.\nفلو أنَّ إِنسَانًا تَركَ الأَسبَابَ ونَامَ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمسُ ما يَكُونُ عُذْرًا له في تَركِ صَلَاةِ الفَجرِ، أو نَامَ عند قُربِ الظُّهرِ ولم يَجعَلْ هُنَاكَ أَسبَابًا حَتَّى فَاتَتْهُ الظُّهرُ أو حَتَّى فَاتَتهُ العَصرُ ما يَكُونُ عُذرًا له، ولا يَكُونُ مِنَ العُذرِ؛ لأنهُ مُفَرِّطٌ.\nأمَّا لو أَمرَ مَنْ يُوقِظُه مِنَ الثِّقَاتِ وقَال: إذا أُذِّنَ أَيقِظنَي. أو ركَّبَ السَّاعَةَ","vol":"1","page":229},{"text":"على الوَقتِ المُنَاسِبِ ثم لم يَسمَعْهَا، أو أَصَابَهَا خَلَلٌ يَكُونُ مَعذُورًا.\nثم أيضًا هَذَا فيه تَفصِيلٌ للعُذرِ، لا يُؤَقِّتُ السَّاعَةَ مَثَلًا وهو مُتَأَخِّرٌ في النَّومِ؛ فَيَستَحكِمُ عليه النَّومُ ولا يَسمَعُ؛ فَيكُونُ مَلُومًا مِنْ جِهِةِ تَأَخُّرِه وسَهرِهِ، فَالوَاجِبُ أن يَتَقَدَّمَ ويَنَامَ مُبَكِّرًا حَتَّى لا يَغلِبَهُ النَّومُ، وحتى يَستَطِيعَ أن يَسمَعَ المُنَبِّهَ أو السَّاعَةَ، فإذا ما تَأَخَّرَ وما نَامَ إلا عند الفَجرِ كيف يَسمَعُ السَّاعَةَ؟! قد اسْتَغرَقَ في النَّومِ وسَقطَ كَالمَيِّتِ؛ هَذَا مُفَرِّطٌ وليس بِمعذُورٍ ولو جَعلَ السَّاعَةَ عند رَأسِهِ؛ لِأنَّه سَهرَ وتَأَخَّرَ، وكان النَّبيُّ ﷺ يَكرَهُ النَّومَ قَبلَهَا -العِشَاءَ- والحَدِيثَ بَعدَهَا (^١) ﵊، ونَهَى عنِ السَّمَرِ، يَعْنِي السَّمرَ الذي يَضُرُّ الإِنسَانَ أو السَّمرَ الذي في غَيرِ مَصلَحَةِ المُسْلِمِينَ أو في غَيرِ ضَرُورَةٍ.\nفالحَاصِلُ: أنَّ السَّمرَ الذي يَفعَلُه الكَثيرُ منَ النَّاسِ في القِيلَ والقَالِ، أو سَماَعِ آلَاتِ المَلَاهِي أو في الأَخبَارِ التي تَضُرُّهُ ولا تَنفعُهُ أو في غَيرِ هَذَا مما لا يُضطَرُّ إليه؛ ما هو عُذرٌ إذا تَأَخَّرَ ونَامَ عنِ الفَجرِ؛ لِأنَّه مُفَرِّطٌ.\n\n<s0>  أَحسَنَ اللهُ إِليكَ: احْتِجَاجُ آدَمَ ومُوسَى ﵉؟\n<s1> هَذَا احتجَّ بعد التَّوبَةِ؛ لأنَّ مُوسَى ﵊ لامَهُ على المُصِيبَةِ التي هي خُرُوجُهُ منَ الجَنَّةِ؛ فقال له آدَمُ ﵇: «أَتعلَمُ أن هَذَا كُتِبَ عليَّ قبلَ أن أُخلَقَ بِأَربَعِينَ سَنةً»، كما في الحَدِيثِ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «فحجَّ آدَمُ مُوسَى»؛ لأنَّ هَذَا شَيءٌ كُتِبَ عليه وليْسَ مِنْ فِعلِهِ، إنما فِعْلُهُ أَكلُهُ مِنَ الشَّجرَةِ، فهو مَلُومٌ عليها لكنَّه تَابَ، ومَن تَابَ لا يُلَامُ وقد تَابَ ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (١٢٢)﴾ [طه: ١٢١، ١٢٢] والإنَسَانُ بعد التَّوبَةِ لا يَجُوزُ أن يُلَامَ، لا يُقَالُ لِلإِنسَانِ إذا تَابَ من الزِّنَا أو الخَمرِ عَصَى رَبَّه، بَعد التَّوبَةِ لا، إنما التَّوبِيخُ قَبلَ ذَلكَ.\n_________\n(^١) رواه البخاري (٥٤٧)، ومسلم (٢٣٥) (٦٤٧).","vol":"1","page":230},{"text":"كذَلكَ المُصِيبَةُ، إذا الإِنسَانُ نَزلَت به مُصِيبَةٌ فَالأَمرُ لَيْسَ بِيدِهِ، نَفسُ المُصِيبَةِ مِنْ مَرضٍ أو غَيرِه، ذَلكَ من المَصَائبِ التي لَيْسَت مِنْ فِعلِهِ لا يُلَامُ، اللَّائِمُ هو المَلُومُ؛ ولِهذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦)﴾ [البقرة: ١٥٥، ١٥٦]، احتَجُّوا بِالقَدرِ: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾؛ لأنَّ المُصِيبةَ لَيْسَت بَأَيدِيهِم وَلَيْسَت بِاخْتِيارِهِم.\n\n٧٤٦٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، حَدَّثَنَا هِلَالُ ابْنُ عَلِيٍّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: «مَثَلُ المُؤْمِنِ كَمَثَلِ خَامَةِ الزَّرْعِ يَفِيءُ وَرَقُهُ مِنْ حَيْثُ أَتَتْهَا الرِّيحُ تُكَفِّئُهَا، فَإِذَا سَكَنَتِ اعْتَدَلَتْ، وَكَذَلِكَ المُؤْمِنُ يُكَفَّأُ بِالْبَلَاءِ، وَمَثَلُ الكَافِرِ كَمَثَلِ الأَرْزَةِ صَمَّاءَ مُعْتَدِلَةً حَتَّى يَقْصِمَهَا اللَّهُ إِذَا شَاءَ» (^١).\n\n<s2>\n«يُكَفَّأُ بِالْبَلَاءِ» يَعْنِي: يُصيبُهُ أَنوَاعُ البَلَاءِ.\n(الشَّيخُ): رَاجِعْ ضَبَطَها الشَّارح؟ أوِ العَينيُّ حَاضرٌ؟ كَذَا عندَكَ «أُرْزَة بِالضَّمِّ أو أَرْزَة»، العَينيُّ حَاضِرٌ؟ الشَّارِحُ ما ضَبَطَ؟\nالمَعرُوفُ كَالأَرزَةِ بِالفَتحِ، شَجرَةٌ عَظِيمَةٌ يُقَالَ لها: «الصَّنَوْبَرُ»، أيضًا قَوِيَّةٌ صَلَبةٌ لا تَنجَعِفُ إلا مَرةً وَاحِدَةً، كَالكَافِرِ يَعِيشُ صَحِيحًا سَلِيمًا في الغَالِبِ\n_________\n(^١) ورواه مسلم (٢٨١٠).","vol":"1","page":231},{"text":"حَتَّى يَأتِيَهُ أَجَلُهُ فَيكُونُ ذَلكَ أَكمَلَ في عَذَابِهِ ونَكَالِهِ -نَسأَلُ اللهَ العَافِيَةَ- لِأنَّه لم تُصِبْهُ مَصَائِبُ تُخفِّفُ عنه، المَصَائِبُ تُخفِّفُ.\nأمَّا الْمُؤمِنُ كَخَامةِ الزَّرعِ مِثلُ الزُّرُوعِ المَعرُوفَةِ، هَذِه تَكْفَؤهَا الرِّيَاحُ هَكَذَا وهَكَذَا، إذا جَاءَت الرِّياحُ كَفَأَتهَا ها هنا وها هنا وَرُبَّما كَسَرَتهَا الرِّيحُ لِشَدِّتِهَا.\nفهَكَذَا المَؤمِنُ تُصِيبُهُ أَنوَاعُ البَلَاوِي وربما اشْتَدَّ به البَلَاءُ حَتَّى يَمُوتَ، وهَذِه البَلَاوِي كَفَّارَةٌ له: «مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ وَصَبٍ وَلَا نَصَبٍ وَلَا هَمٍّ وَلَا حَزَنٍ وَلَا أَذًى وَلَا غَمٍّ، حَتَّى الشَّوْكَةُ يُشَاكُهَا، إِلَّا كَفَّرَ اللهُ مِنْ خَطَايَاهُ» (^١)، فالمُؤمِنُ عُرضَةٌ للمَصَائِبِ وسَائِرِ الأَمرَاضِ والأَكدَارِ؛ لِيُكفِّرَ اللهُ به مِنْ خَطَايَاهُ ويَرفَعَ به من دَرجَاتِهِ، ويُضَاعِفَ من حَسنَاتِهِ، بِخِلَافِ الكَافِرِ فإنه قد يَعِيشُ سَلِيمًا إلى المَوتِ كَالأَرزَةِ؛ حَتَّى يَكُونَ ذَلكَ أَكمَلَ في العَذَابِّ وأَشَدَّ في العَذَابِ -نَسأَلُ اللهَ العَافِيَةَ- يَمُوتُ وقد تَوفَّرَتِ السَّيئَاتُ ولم يُكَفِّرْهَا شَيءٌ.\n\n٧٤٦٧ - حَدَّثَنَا الحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى المِنْبَرِ، يَقُولَ: «إِنَّمَا بَقَاؤُكُمْ فِيمَا سَلَفَ قَبْلَكُمْ مِنَ الأُمَمِ، كَمَا بَيْنَ صَلَاةِ العَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، أُعْطِيَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ التَّوْرَاةَ، فَعَمِلُوا بِهَا حَتَّى انْتَصَفَ النَّهَارُ ثُمَّ عَجَزُوا، فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، ثُمَّ أُعْطِيَ أَهْلُ الإِنْجِيلِ الإِنْجِيلَ، فَعَمِلُوا بِهِ حَتَّى صَلَاةِ العَصْرِ ثُمَّ عَجَزُوا، فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، ثُمَّ أُعْطِيتُمُ القُرْآنَ، فَعَمِلْتُمْ بِهِ حَتَّى غُرُوبِ الشَّمْسِ،\n_________\n(^١) رواه أحمد في «المسند» (٨٠٢٧)، ومسلم (٥٢) (٢٥٧٣)، واللفظ لأحمد.","vol":"1","page":232},{"text":"فَأُعْطِيتُمْ قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ، قَالَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ: رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَقَلُّ عَمَلًا وَأَكْثَرُ أَجْرًا؟ قَالَ: هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ أَجْرِكُمْ مِنْ شَيْءٍ؟ قَالُوا: لَا، فَقَالَ: فَذَلِكَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ».\n﷾ وهَذَا فَضلُهُ جل وعلا أنَّ هَذِه الأُمَّةَ أَقلُ عَمَلًا وأَقلُّ مُدَّةً، وأَكثَرُ أَجرًا، قد خَفَّفَ لنا على من قَبلَنَا أَعمَالًا كَثِيرَةً وآصَارًا لِحكمَةٍ بَالَغةٍ ﷾.\nوضَربَ لِهذَا مَثَلًا بِالمُستَأجَرِينَ، فَبَقَاءُ هَذِه الأُمَّةِ فيمَن قَبلَهَا مِثلُ ما بينَ صَلَاةِ العَصرِ إلى غُرُوبِ الشَّمسِ يَعْنِي: أنَّ مُعظَمَ الدُّنيَا ذَهَبَ، مُعظَمُ الدُّنيَا ذَهَبَ قَبلَ هَذِه الأُمَّةِ، ثم جَاءَت هَذِه الأُمَّةُ لَيْسَ لها إلا مِقدَارُ العَصرِ، وقد ذَهَبَ منه الآنَ الشَّيءُ الكَثِيرُ، ونحن في آخِرِ الزَّمَانِ وآخَرِ هَذَا العَصرِ الذي بعده تَقومُ السَّاعَةُ، ولكنَّ اللهَ جل وعلا جَعلَ لهَذِه الأُمَّةِ مِنْ الفَضلِ والخَيرِ والمُضَاعَفَةِ في الأُجُورِ أَكثرَ مما جَعلَ لِمَنْ قَبلَهَا.\nومثَّلَ لِليَهُودِ بمن عَمِلَ مِنْ الصَّبَاحِ إلى الظُّهرِ على قِيرَاطٍ، والنَّصَارَى منَ الظُّهرِ إلى العَصرِ على قِيرَاطٍ، وهَذِه الأُمَّةُ مِنْ العَصرِ إلى غُرُوبِ الشَّمسِ، وجَعل لها قَيرَاطَينِ، ضَاعَفَ لها الأَجرَ مع قِلَّةِ الوَقتِ والعَملِ.\nقالت اليَهُودُ والنَّصَارَى: يا رَبَّنَا، ما بَالُنَا أَكثَرُ عَمَلًا وأَقلُّ أَجرًا؟ قَالَ: هل ظَلَمتُكُم مِنْ حَقِّكُم شَيْئًا؟ قالُوا: لا. قَالَ: فَذَلكَ فَضلِي أُوتِيهِ مَنْ","vol":"1","page":233},{"text":"أَشَاءُ. ﷾.\nفَالأُجرَاءُ يَختَلِفُونَ مع أَنَّهُمْ في الحَقِيقَةِ لَيسوا أُجَرَاءَ بل فَضلٌ مِنَ اللهِ تَفَضَّلَ عَلَيهِم، وأَحسَنَ إِلَيهِم بأن وَفَّقَهُم لِطَاعتِهِ وهَدَاهُم لَطَاعَتِهِ ومَنَّ عَلَيهِم بِطَاعَتِهِ؛ فَضلًا منه جل وعلا، ثمَّ جَازَاهُم فَضلًا منه.\nفَأعمَالُهُم فَضلٌ منه سُبحَانَهُ، تَوفِيقُ اللهِ لهم وهِدَايَتُهُ لهم فَضلٌ منه، هو الذي وَفَّقَهُم وهَدَاهُم، ثم إِعطَاؤُهم الثَّوَابَ والأَجرَ فَضلٌ منه ﷾.\n\n٧٤٦٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ المُسْنِدِيُّ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي رَهْطٍ، فَقَالَ: «أُبَايِعُكُمْ عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ، وَلَا تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ، وَلَا تَعْصُونِي فِي مَعْرُوفٍ، فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَأُخِذَ بِهِ فِي الدُّنيَا، فَهُوَ لَهُ كَفَّارَةٌ وَطَهُورٌ، وَمَنْ سَتَرَهُ اللَّهُ، فَذَلِكَ إِلَى اللَّهِ: إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ، وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ» (^١).\n\n<s2>\n\n<s0>  كَذَا عِنْدَكُمْ ﴿وفَى﴾ بِتَخفِيفِ الفَاءِ؟ ما ضَبَطَهَا الشَّارِحُ؟\n(القَارئُ): قَالَ: «تَقَدَّمَ في كِتَابِ الإِيمَانِ».\n_________\n(^١) ورواه مسلم (١٧٠٩).","vol":"1","page":234},{"text":"قَالَ ابنُ بَازٍ ﵀: الظَّاهِرُ أنَّ فيهَا الوَجهَينِ ﴿وفَى﴾ بِما التَزمَ به، أو ﴿وفَّى﴾ بِالتَّشدِيدِ، وهو أَكمَلُ.\nوهَذَا يَدُلُّ على أن العَبدَ بَينَ أُمُورٍ -هَذِهِ الَبيعَةُ يُقالُ لها بَيعَةُ النِّسَاءِ، المَذكُورَةُ في سُورَةِ المُمتَحنَةِ- فَالعبدُ بَين أُمُورٍ:\n١ - بينَ أن يُوفِّيَ بما عَاهَدَ اللهَ عليه؛ فله أَجرُهُ عِنْدَ اللهِ.\n٢ - والَأمرُ الثَّانِي: أن يُؤخَذَ بما عَمِلَ مِنَ التَّقصِيرِ وتُقَامُ عليه الحُدُودُ أو يُعَاقَبُ بِعُقُوبَاتٍ في الدُّنيَا على فِعلِهِ، فاللهُ أَكبَرُ من أن يُعِيدَ عليه العُقوبَةَ؛ فَيكُونَ جَزَاءً له، إلا أن يَفعَلَ بعد ذَلكَ شَيْئًا آخَرَ، إلا أن يُعِيدَ الكَرَّةَ.\n٣ - والأَمرُ الثَّالثُ: يُستَرُ، يَفعَلُ المَعصِيَةَ ويُستَرُ، لا يَتُوبُ ولا يُعَاقبُ في الدُّنيَا بل يُستَرُ، هَذَا أَمرُهُ إلى اللهِ إن شَاءَ عَذَّبَهُ وإن شَاءَ غَفرَ له كمَا في قَولِهِ سُبحَانَهُ: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، أمَّا مَنْ وَفَّى واستقَامَ على دِينِ اللهِ فهَذَا أَجْرُهُ على اللهِ ﷾.\nأمَّا الحَالَةُ الثَّانِيةُ: الذي أَتَى المَعَاصِيَ ثم عُوقِبَ، زَنا فَأُقيمَ عليه الحَدُّ، شَربَ الخَمرَ فَأُقِيمَ عليه الحَدُّ ثم لم يَعُدْ، فهَذَا كَفَّارَةٌ له، فإن عَادَ إلى زِنًا ثَانٍ هَذِه عُقُوبةُ زِنًا ثَانِيَةٌ، أو عَادَ لِشُربٍ آخَرَ عليه عُقُوبَةٌ ثَانِيةٌ. لكن إن زَنَا فَأُقِيمَ عليه الحَدُّ ثم مَاتَ على ذَلكَ؛ كَانَ كَفَّارةً له هَذَا الحَدُّ، كذَلكَ قَتَلَ فَقُتِلَ كذَلكَ.\nالثَّالثُ: مَستُورٌ، عَصَى وسُتِرَ فلم يُقَمْ عليه الحَدُّ فهَذَا أَمرُهُ إلى اللهِ، إن شَاءَ عَفَا عنه بِفضلِهِ سُبحَانَهُ بِأسبَابِ أَعمَالٍ صَالِحَةٍ، أو شَفَاعةِ الشُّفَعَاءِ أو","vol":"1","page":235},{"text":"الأَفرَاطِ أو المَلَائِكَةِ أو نَحوِ ذَلكَ، وإن شَاءَ رَبُّنَا عَاقَبَهُ على قَدرِ الجَريمَةِ التي مَاتَ عليها فَيدخُلَ النَّارَ يُعذَّبُ في النَّارِ، ثم بعد ما يُطَهَّرُ ويُمَحَّصُ في النَّارِ يُخرِجُه اللهُ من النَّارِ كمَا جَاءَت بِذَلكَ النُّصُوصُ الكَثِيرَةُ، ومنها قَولُهُ سُبحَانَهُ في سُورَةِ النِّسَاءِ في المَوضِعَينِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ١١٦]، وهَذَا يَشمَلُ جَمِيعَ المَعَاصِي التي دُونَ الشِّركِ مِنْ الزِّنَا وغَيرِهِ.\nوهَكَذَا الأَحَادِيثُ المُتَوَاتِرَةُ عن الرِّسُولِ ﷺ، وَأنَّه يَشفَعُ في أَهْلِ المَعَاصِي، وأنَّ اللهَ يَحِدُّ له حَدًّا، وَأنَّه يَعُودُ مَرَّةً بعد مَرَّةٍ ﵊، وهَكَذَا شَفَاعةُ المَلَائِكَةِ والمُؤمِنِينَ والأَفرَاطِ، كُلُّ هَذَا مِمَّا تَوَاتَرَت به الأَخبَارُ عن رَسُولِ اللهِ ﷺ.\n\n<s0>  شَيخُ أَحسَنَ اللهُ إِليكَ، إن لم يَستُرِ اللهُ عليه تَكُونُ كَفَّارةً؟\n<s1> يَكُونُ مَا أَصَابَهُ كَفَّارةً إذا لم يَعُدْ.\n\n<s0>  هَذِه بَيعَةُ العَقَبةِ الأُولَى أو بَيعَةُ النِّسَاءِ؟\n<s1> هَذِه بَيعَةُ النِّسَاءِ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٢]، هَذِه يُقاَلُ لها: بَيعَةُ النِّسَاءِ، هَذِه بَايَعَها الصَّحَابَةَ ﵃ بعد ذَلكَ، أَمَّا البَيعَةُ الأُولَى بَيعَةُ العَقَبَةِ غَيرُ هَذِه البَيعَةِ، يُطِيعُونَ الرَّسُولَ ﷺ وَيحمُونَهُ كما يَحمُونَ نَسَاءَهُم وذُرِّيَاتِهِم.","vol":"1","page":236},{"text":"٧٤٦٩ - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ سُلَيْمَانَ ﵊ كَانَ لَهُ سِتُّونَ امْرَأَةً، فَقَالَ: لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى نِسَائِي فَلْتَحْمِلْنَ كُلُّ امْرَأَةٍ، وَلْتَلِدْنَ فَارِسًا يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَطَافَ عَلَى نِسَائِهِ، فَمَا وَلَدَتْ مِنْهُنَّ إِلَّا امْرَأَةٌ وَلَدَتْ شِقَّ غُلَامٍ. قَالَ نَبِيّ اللَّهِ ﷺ: «لَوْ كَانَ سُلَيْمَانُ اسْتَثْنَى لَحَمَلَتْ كُلُّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ، فَوَلَدَتْ فَارِسًا يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» (^١).\n\n<s2>\nيَعْنِي: أنَّ سُليمَانَ ﵇ قَالَ: تَلِدُ كُلُّ امْرَأةٍ غِلَامًا يُقَاتِلُ في سَبِيلِ اللهِ ولم يَقُل: إنْ شَاءَ اللهُ، ولِهذَا لم يَقَعْ مَا أَرَادَ؛ لِيُرِيَهُ اللهُ الآيَاتِ والعِبرَ، وأنَّ الأَمرَ لَيْسَ بِيدِهِ ولكنَّهُ بِيدِ اللهِ ﷾، فلم تَلِدْ لَه إِلَّا امْرَأةٌ وَاحِدَةٌ شِقَّ إِنسَانٍ -نِصفَ إِنسَانٍ- هَذَا مِنْ آيَاتِ اللهِ العَظِيمَةِ، ومِنَ التَّعرِيفِ به سُبحَانَهُ وأنَّ الأَمرَ بِيدِهِ، وأنَّ الأَنبِيَاءَ ﵈ قد يَخفَى عَلَيهِم بَعضُ الأَمرِ فَيُعرِّفُهُم ﷾ ما قد يَخفَى عَلَيهِم.\nسُليمَانُ ﵇ جَاءَ في رِوَايَةٍ: «سِتِّينَ» وجَاءَ في رِوَايَةٍ: «سَبعِينَ» وجَاءَ: «تِسعِينَ». وكان في شَرِيعَةِ التَّورَاةِ يُبَاحُ لهم منَ النِّسَاءِ كَثِيرٌ، أمَّا في شَرِيعَةِ الإِسلَامِ فَحَصَرهُمُّ الرَّبُّ جل وعلا على أَربَعٍ، ما عَدَا النَّبيَّ ﷺ فله أَكثَرُ مِنْ ذَلكَ.\n_________\n(^١) ورواه مسلم (١٦٥٤).","vol":"1","page":237},{"text":"المَقْصُودُ: أنَّ شَرِيعَةَ التَّورَاةِ كَانَ فيها تَوَسُّعٌ في أَمرِ النِّسَاءِ.\n(الشَّيخُ): ماذا قَالَ الشَّارِحُ على قَولِهِ: «سِتِّينَ امْرَأَةً»؟\n[قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ فِي «فَتْحِ البَارِي» (١٣/ ٤٥١)]: «الْحَدِيثُ السَّادِسُ: حَدِيثُ أَبِي هُرَيرَةَ فِي قَوْلِ سُلَيْمَانَ ﵇: «لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى نِسَائِي»، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ وَبَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِي عَدَدِ نِسَائِهِ، وَذَكَرَهُ هُنَا بِلَفْظِ: «لَوْ كَانَ سُلَيْمَانُ اسْتَثْنَى لَحَمَلَتْ كُلُّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ»، أَيْ لَوْ قَالَ: «إنْ شَاءَ اللهُ» كَمَا في الرِّوَايَةِ الأُخْرَى، وَإِطْلَاقُ الِاسْتِثْنَاءِ عَلَى قَوْلِ: إنْ شَاءَ اللهُ؛ بِحسَبِ اللُّغَةِ». [انتهى كلامه].\n\n٧٤٧٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ الحَذَّاءُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ عَلَى أَعْرَابِيٍّ يَعُودُهُ فَقَالَ: «لا بَأْسَ عَلَيْكَ طَهُورٌ إنْ شَاءَ اللهُ». قَالَ: قَالَ الأَعْرَابِيُّ: طَهُورٌ بَلْ هِيَ حُمَّى تَفُورُ عَلَى شَيْخٍ كَبِيرٍ تُزِيرُهُ القُبُورَ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «فَنَعَمْ إِذًا».\n\n<s2>\nيَعْنِي: اللهُ أَكبَرُ ولا حَولَ ولا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ ما قَبِلَ أن تَكُونَ طَهُورًا، لِجهلِهِ مَا قَبلَ أن تَكُونَ طَهورًا، بل قَالَ: «بَلْ حُمَّى تَفُورُ عَلَى شَيْخٍ كَبِيرٍ تُزِيرُهُ القُبُورَ»، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «فنَعَم إذًا». نَسأَلُ اللهَ السَّلَامَةَ.\nوهَذَا يُبَيِّنُ لنا أن قَولَ الزَّائرِ العَائِدِ لِلمَرِيضِ: «طَهُورٌ إنْ شَاءَ اللهُ» أنَّ هَذَا","vol":"1","page":238},{"text":"لَيْسَ مِنْ المَنهِيِّ عنه، لَيْسَ مِنْ جِنسِ الدُّعَاءِ، بل هو خَبَرٌ (^١)؛ ولِهذَا قَالَ: «طَهُورٌ إنْ شَاءَ اللهُ».\nيَعْنِي: هنا المَرضُ طَهُورٌ لكَ إنْ شَاءَ اللهُ منَ الذُّنُوبِ، فهو خَبَرٌ لا دُعَاءٌ، بِخِلَافِ ما تَقَدَّمَ: «إذا دَعَا أَحَدُكُم فلا يَقُلْ: إنْ شَاءَ اللهُ؛ فإنَّ اللهَ لا مُسْتَكْرِهَ له» (^٢)، فهَذَا في إِثبَاتُ الدُّعَاءِ، لا يَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِر لي إن شَئتَ، اللَّهُمَّ ارْحَمنِي إنْ شِئتَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِفُلَانٍ إن شِئتَ، اللَّهُمَّ أَدخِلْنِي الجَنَّةَ إن شِئتَ. لا يَقُولُ هَكَذَا، بل يَجزِمُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي، اللَّهُمَّ ارْحمْنِي، اللَّهُمَّ أَدْخِلْنِي الجَنَّةَ، اللَّهُمَّ أَعِذْنِي منَ النَّارِ، اللَّهُمَّ عَافِنِي مِنْ هَذَا المَرضِ، لا يَستَثنِي، اللهُ لا مُكرِهَ له ﷾.\nأما إذا دَخَلَ على المَرِيضِ وقال: «طَهُورٌ إنْ شَاءَ اللهُ»؛ فهَذَا لَيْسَ من هَذَا البَابِ؛ ولِهذَا اسْتَعمَلَهُ النَّبيُّ ﷺ.\n\n٧٤٧١ - حَدَّثَنَا ابْنُ سَلَامٍ، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، حِينَ نَامُوا عَنِ الصَّلَاةِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَكُمْ حِينَ شَاءَ، وَرَدَّهَا حِينَ شَاءَ». فَقَضَوْا حَوَائِجَهُمْ، وَتَوَضَّئُوا إِلَى أَنْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ وَابْيَضَّتْ، فَقَامَ فَصَلَّى (^٣).\n_________\n(^١) هذا خبر يفيد التفاؤل والتشجيع ورفع المعنويات.\n(^٢) رواه البخاري (٦٣٣٨، ٦٤٧٤)، ومسلم (٧) (٢٦٧٨) بنحوه.\n(^٣) ورواه مسلم (٦٨١).","vol":"1","page":239},{"text":"<s2>\nوبهَذَا يُعلَمُ أنَّ النَّاسَ إذا نَامُوا عنِ الصَّلَاةِ حَتَّى طَلعَتِ الشَّمسُ يُصَلُّونَها كما كانوا يُصَلُّونَها في الوَقتِ، وقد وَقعَ هَذَا للنَّبيِّ ﷺ مَرَّاتٍ، وَقَعَ عِدَّةَ مَرَّاتٍ.\nوالنَّبيُّ ﷺ قَالَ لِبِلَالٍ ﵁: «اكْلَأْ لَنَا الصُّبْحَ»؛ فَوقَفَ على دَابَّتِهِ يَرقُبُ الصُّبحَ، فَأَخذَهُ النَّومُ كمَا أَخَذَهُم، فلم يَستَيقِظُوا إلا في حَرِّ الشَّمسِ، كمَا في الرِّوَايَةِ الأُخْرَى الصَّرِيحَةِ، فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَكُمْ حَيْثُ شَاءَ، وَرَدَّهَا حَيْثُ شَاءَ» (^١). ﷾.\nوفي اللَّفظِ الآخَرِ قَالَ لِبِلَالٍ ﵁: «أَيْ بِلَالُ» فَقَالَ: أَخَذَ بِنَفْسِي الَّذِي أَخَذَ بِنَفْسِكَ (^٢).\nالمَقْصُودُ: أن الإِنسَانَ ضَعِيفٌ، فعَليهِ الأَخْذُ بِالأَسبَابِ، فإذا نَامَ مُتَأَخِّرًا أو خَشِيَ ألَّا يَقُومَ لِثِقلِ نَومِهِ، لا بُدَّ أن يَأخُذَ بِالأَسبَابِ، إمَّا بأَنْ يَجعَلَ مَنْ يَرقُبُ الصُّبحَ، مِثلمَا أَمرَ النَّبيُّ ﷺ بِلَالًا حَتَّى يُخَبِّرَهُ، يَقُولُ لِأهلِهِ لِأَخِيهِ أو لِأَبِيهِ أو لِأُمِّهِ: نَبِّهُونِي إذا أذَّنَ، انْتَبِهُوا لي، أو بِمثلِ ما يَسَّرَ اللهُ الآنَ السَّاعَات، السَّاعَةُ الآنَ بِحَمدِ اللهِ مُيَسَّرةٌ، فيُرَكِّبَها على الوَقتِ الذي يُنَاسِبُ، ثم يَنتَبِهُ بِالمُنَبِّهِ، وهَذَا من أَسبَابِ التَّيسِيرِ -وللهِ الحَمدُ- ولا سِيَّمَا إذا نَامَ مُبَكِّرًا، أما الذي قد يَتَأَخَّرُ كَثِيرًا يِسهَرُ كَثِيرًا، فهَذَا قد يَنَامُ\n_________\n(^١) رواه أبو داود (٤٣٩).\n(^٢) رواه مسلم (٣٠٩) (٦٨٠).","vol":"1","page":240},{"text":"ولو يِضبِطُهُ على السَّاعَةِ قد لا يَنتَبِهُ للسَّاعَةِ لِثقَلِ النَّومِ.\nفَالوَاجبُ أن يَأخُذَ بِالأَسبَابِ، لا يَتَأَخَّرُ، لا يَسهَرُ سَهَرًا قد يَحُولُ بَينه وبين سَمَاعِ المُنبِّهِ، أو يَحُولُ بينه وبين صَلَاةِ اللَّيلِ وقِيامِ اللَّيلِ، يَتَحَرَّى، والسَّهرُ الذي لا خَيرَ فيه يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ. تَقُولُ عَائِشَةُ ﵂: «كان النَّبيُّ ﷺ إذا فرَغَ مِن صَلَاةِ العِشَاءِ آوَى إلى فِرَاشِهِ»، إذا صَلَّى العِشَاءَ آوَى إلى فِرَاشِهِ. هَذِه عَادَتُهُ ﷺ، إذا صَلَّى العِشَاءَ قَصَدَ الفِراشَ، فإذا كَانَ آخِرَ اللَّيلِ قَامَ يَتَهَجَّدُ ﵊.\nإلا مِنْ حَاجَةٍ، قد يَسْمُرُ مع الصِّدِّيقِ ومع عُمرَ ومع بَعضِ الصَّحَابةِ ﵃ بعد العِشَاءِ، يَسمُرُونَ لِبعضِ مَصَالحِ المُسْلِمِينَ، لِيَنظُرُوا في بِعْضِ المَصَالحِ، يَأخُذُونَ بَعضَ اللَّيلِ، هَذَا لا بَأْسَ، وليُّ الأَمرِ أو الحِسَبَةُ أو طَالِبُ العِلْمِ قد يَسمُرُونَ بَعضَ الوَقتِ، إمَّا لِمَصَالحِ المُسْلِمِينَ في مُرَاقَبةِ أَحوَالِهِم، كَالهَيئَاتِ أو وليِّ الأَمرِ أو أَمِيرِ البَلَدِ أو ما أَشبَهَهُ ممن له حَاجةٌ، فلَا بأسَ أن يَسمُرَ بَعضَ الوَقتِ، أو طَالبُ العِلْمِ يُهيِّئ دُرُوسَهُ، ولكن لا يَتَأَخَّرُ تَأخُّرًا يَمنَعُهُ مِنْ الصُّبحِ أو يُثَقِّلُ عليه صَلَاةَ الصُّبحِ.\nوالحَاصِلُ: أَنَّه مَتى أَخَذَه النَّومُ لِأيِّ سَبَبٍ فإنه يُصَلِّي كما كَانَ يُصَلِّي، يُؤَذِّن ويُقِيمُ ويُصَلِّي الرَّاتِبَةَ، النَّبيُّ ﷺ لَمَّا قَامُوا بعد الشَّمسِ أَمرَ بِلَالًا ﵁ فَأذَّنَ وتَوضَّؤوا وصَلَّى سُنَّةَ الفَجرِ، ثم قَامَ وصَلَّى الفَجرَ وقَرَأَ فيها جَهْرًا كما كَانَ يَقرَأُ جَهْرًا في الوَقتِ ﵊.\nفَدَلَّ ذَلكَ على أَنَّها تُؤدَّى كما كَانَتْ تُفعَلُ في الوَقتِ سَواءً بِسَواءٍ، هَكَذَا الظُّهرُ وهَكَذَا العَصرُ وهَكَذَا المَغرِبُ وهَكَذَا العِشَاءُ، متى حَبَسَهُ حَابِسٌ عن الوَقتِ، صَلَّاهَا بعد ذَلكَ كما كَانَ يُصَلِّيهَا في الوَقتِ كَالنَّاسِي.","vol":"1","page":241},{"text":"ولِهذَا قَالَ ﵊: «مَنْ نَسِيَ صَلَاةً، أَوْ نَامَ عَنْهَا، فَكَفَّارَتُهَا أَنْ يُصَلِّيَهَا إِذَا ذَكَرَهَا» (^١)، يَعْنِي: يُصَلِّيها كما كَانَ يُصَلِّيهَا سَواءً بِسَواءٍ.\nوقَولُهُ: «وَرَدَّهَا حَيْثُ شَاءَ»: يدُلُّ على أَنَّه سُبحَانَهُ هو المُتَصَرِّفُ في العِبَادِ، وأنَّ نُفُوسَ العِبَادِ وجَمِيعَ أُمُورِهِم كُلِّها بِيدِهِ ﷾، يَتَصَرَّفُ فيها كيف يَشَاءُ، ويُقَلِّبُ القُلُوبَ كيف يَشَاءُ، يَقبِضُ الأَروَاحُ حَيثُ يَشَاءُ، ويَرُدُّهَا حَيثُ يَشَاءُ: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠].\nوهَذَا قَولُ أَهْلِ السُّنَّةِ والجَمَاعةِ قَاطِبَةً، أَهْلُ السُّنَّةِ والجَمَاعةِ أَجمَعُوا على أنَّ مَشيئَةَ اللهِ ناَفِذَةٌ، وأنَّ جَمِيعَ أَعمَالِ العِبَادِ: مُسلِمِهِم وكَافِرِهِم، مَرِيضِهِم وصَحِيحِهِم، حَاكِمِهِم ومَحكُومِهِم، كُلِّها بِمَشيئَةِ اللهِ ﷾، لا تَخرجُ عن مَشيئَةِ اللهِ، ولا يَكُونُ في مُلكِهِ ما لا يُرِيدُ: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا (٢٥٣)﴾ [البقرة: ٢٥٣]، ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ (١١٢)﴾ [الأنعام: ١١٢]، ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ [التكوير: ٢٨، ٢٩]، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (١٨)﴾ [الحج: ١٨]، ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧)﴾ [هود: ١٠٧] هَذِه إِرَادَةٌ بِمَعنَى المَشيئَةِ: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧)﴾ [هود: ١٠٧] هَذِه بِمَعنَى المَشِيئَةِ، ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥].\n﴿فَمَنْ يُرِدِ﴾: مَنْ يَشَأ، وهَذِه يُقَالُ لها: الإِرَادَةُ الكَونيَّةُ القَدَرِيَّة، وهي بِمَعنَى المَشيئَةِ عند أَهْلِ السُّنَّةِ.\nوهناك إِرَادَةٌ ثَانِيةٌ تُسَمَّى الإِرَادَةَ الشَّرعيَّة، تلك لا يَلزَمُ مُرَادهَا، قد يَقَعُ مُرادُهَا مِنْ العَبدِ، وقد لا يَقَعُ مُرَادُهَا؛ لِأَنَّهَا بِمَعنَى الْمَحبَّةِ ومَعنَى الرِّضَا، كَقَولِهِ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ\n_________\n(^١) رواه مسلم (٦٨٤).","vol":"1","page":242},{"text":"عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٦]، هَذِه الإِرَادَةُ قد حَصَلَت لِبعضِ النَّاسِ، وبَعضُ النَّاسِ ما حَصَلَت لهم، بَعضُ النَّاسِ لم يَتُوبُوا، بَعضُ النَّاسِ لم يَهتَدُوا، بَعضُ النَّاسِ ما بُيِّنَ لهم شَيءٌ، مَاتُوا على جَهلِهِم وعلى حَالِهِم السَّيِّئَةِ، وبَعضُهم لم تَبلُغْهُمُ الدَّعوَةُ.\nهَذِه الإِرَادَةُ الشَّرعيَّةُ مِثلُ قَولِهِ لابنِ آدَمَ يَومَ القِيامَةِ، لِبعضِ المُشرِكِينَ يَومَ القِيَامَةِ، لِلمُشرِكِ: «لو كَانَتْ لَكَ الدُّنيَا بِمَا فِيْهَا كُنْتَ مُفتَدِيًا بِهِ مِنْ عَذَابِ اللهِ؟! فَيقُولُ: نَعَمْ، فَيقُولُ اللهُ: قد أَردْتُ مِنْكَ وأَنتَ في صُلبِ أَبِيكَ مَا هُوَ أَهوَنُ من ذَلكَ فَأَبَيتَ إلا الشِّركَ، أَرَدتُ منكَ أَلَّا تُشرِكَ بِي فَأَبَيْتَ إلا الشِّركَ». أَردتُ مِنكَ، يَعْنِي: شَرعًا، يَعْنِي: أَحبَبتُ منكَ وأَمَرتُكَ.\nوهَذِه أُمُورٌ تَخفَى على كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ، مَنْ يَغلَطُ فيها لِأجلِ تَشوِيشِ المُعتَزِلَةِ والقَدَرِيَّةِ في هَذَا، فإنَّ القَدَرِيَّةَ والمُعتَزِلَةَ يَنفُونَ المَشِيئَةَ، إمَّا مُطلَقًا وإِمَّا في الشَّرِّ، وبَعضُهُم يَنفِيهَا مُطلَقًا فَيقُولُ: إنَّ العَبدَ يَفعَلُ ما يَشَاءَ ويَختَارُ ما يَشَاءُ من دونِ أنْ يَكُونَ للهِ في ذَلكَ مَشيِئَةٌ، يُريدُونَ -بِزعْمِهِم- بهَذَا التَّنزِيهَ، وأَنَّهم لَمَّا كَانُوا يُعذَّبُونَ لا يُعذَّبُونَ إلا على أَفعَالٍ لهم لَيْسَ للهِ فيها مَشَيئَةٌ. وَأشكَلَ عَلَيهِم كيفَ تَكُونُ مَشِيئَةُ اللهِ ثم يُعاقَبُ عليها العَبدُ؟ فَالتَبَسَ عَلَيهِم الأَمرُ.\nوأَهلُ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ أَجمَعُوا على أنَّ الخَيرَ والشَّرَّ كُلَّهُ بِقَدرِ اللهِ، والطَّاعَاتِ والمَعَاصِيَ كُلَّهَا بِقَدرِ اللهِ وكُلَّها بِمشِيئةِ اللهِ الكَونِيَّةِ، وهمُ الفَاعِلُونَ، سَبَقَ في عِلمِ اللهِ أَنَّه يَقَعُ كَذَا ويَقَعُ كَذَا وله مَشِيئَةٌ في ذَلكَ وإِرَادَةٌ وحِكْمَةٌ بَالِغَةٌ، ولكنْ لا يَمنَعُ هَذَا أنَّ العَبدَ فَاعِلٌ مُختَارٌ، فَالعَبدُ فَاعِلٌ مُختَارٌ،","vol":"1","page":243},{"text":"وهو مُؤَاخَذٌ على فِعلِهِ واخْتِيَارِهِ، كما أنهُ مُثَابٌ على فِعلِهِ واخْتِيارِهِ.\nفهو مُختَارٌ، يَصُومُ ويُصَلِّي ويَتَصَدَّقُ ويُسَافِرُ ويُقِيمُ، ويَقُومُ ويَقعُدُ ويَأمُرُ ويَنهَى، مُختَارٌ لهَذِه الأَشيَاءِ، فما كَانَ منها مِنْ صَلَاحٍ اسْتَحَقَّ عليه الثَّوَابَ، وما كَانَ منها مِنْ شَرٍّ كَالزِّنَا والسَّرِقَةِ والظُّلمِ اسْتَحَقَّ عليه العِقَابَ؛ لأنهُ فَاعِلٌ مُختَارٌ.\n\n٧٤٧٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَالأَعْرَجِ، ح وحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي أَخِي، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَتِيقٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: اسْتَبَّ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ وَرَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ، فَقَالَ المُسْلِمُ: وَالَّذِي اصْطَفَى مُحَمَّدًا عَلَى العَالَمِينَ فِي قَسَمٍ يُقْسِمُ بِهِ. فَقَالَ اليَهُودِيُّ: وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى العَالَمِينَ، فَرَفَعَ المُسْلِمُ يَدَهُ عِنْدَ ذَلِكَ فَلَطَمَ اليَهُودِيَّ، فَذَهَبَ اليَهُودِيُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَخْبَرَهُ بِالَّذِي كَانَ مِنْ أَمْرِهِ، وَأَمْرِ المُسْلِمِ فَقال النَّبِيُّ ﷺ: «لَا تُخَيِّرُونِي عَلَى مُوسَى، فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ، فَإِذَا مُوسَى بَاطِشٌ بِجَانِبِ العَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أَكَانَ فِيمَنْ صَعِقَ فَأَفَاقَ قَبْلِي، أَوْ كَانَ مِمَّنِ اسْتَثْنَى اللَّهُ» (^١).\n_________\n(^١) ورواه مسلم (٢٣٧٣).","vol":"1","page":244},{"text":"<s2>\nوهَذَا عَندَ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ بَابِ التَّوَاضُعِ، قَالَ: «لَا تُخَيِّرُونِي عَلَى مُوسَى» من بَابِ التَّوَاضُعِ، وإلا فهو أَفضَلُ العَالَمِينَ، كمَا قَالَ ﷺ: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ» (^١) ﵊، لكِنْ قَالَ هَذَا مِنْ بَابِ التَّوَاضُعِ؛ لِئَلَّا يَتَجَرَّأَ النَّاسُ على هَذِه الأُمُورِ، أو مِنْ بَابِ سدِّ الفِتنَةِ، قَضَى على أَسبَابِهَا لِئَلَّا يَكُونَ هُنَاكَ تَعَصُّبٌ مَقِيتٌ، لا لِطَلبِ الحَقِّ ولا لِأَجلِ فَضلٍ، أو لأنَّهُ قد يُثِيرُ فِتَنًا بَينَ النَّاسِ.\nفالحَاصِلُ: أنَّ هَذَا لا يَقْدَحُ في الرِّوَايَةِ المَعرُوفَةِ الَّتِي رَوَاهَا مُسْلِمٌ وغَيرُهُ: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ». هَذَا أمرٌ مُجْمَعٌ عليه عند أَهْلِ السُّنَّةِ، أَنَّه أَفضَلُ الأَنبِيَاءِ ﵊ وخَيرُهُم، ولكِنَّ التَّفضِيلَ إذا كَانَ على سَبِيلِ العَصَبِيَّةِ أو يَتَرَتَّبُ عليه بَعضُ الفِتنِ يَنبَغِي تَركُهُ.\nوهَذِه الصَّعقَةُ ظَنَّ بَعضُ النَّاسِ أَنَّها صَعْقَةُ البَعثِ، وليسَ الأَمرُ كذَلكَ، مِثلُ ما في الحَدِيثِ هَذَا يَومَ القِيَامةِ، يُصعَقُونَ يَومَ القِيَامةِ بَعدَمَا قَامُوا بَعدَمَا بُعِثُوا، هَذِه صَعْقَةٌ أُخرَى وهُم في المَوقِفِ، جَاءَ في بِعْضِ الرِّوَايَاتِ ما يَدُلُّ على أَنَّها عند مَجِيءِ اللهِ لِفَصلِ القَضَاءِ بين عِبَادِهِ.\n_________\n(^١) رواه مسلم (٣) (٢٢٧٨)، الترمذي (٣١٤٨).","vol":"1","page":245},{"text":"فالحَاصِلُ: أَنَّها صَعَقَةُ يَومِ القِيَامةِ، بَعد قِيامِ النَّاسِ.\n«فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ»: هَذَا الْمَحفُوظُ، ما قَالَ: فأنَا أَوَّلُ مَنْ يُبعَثُ، هنا قَالَ: «أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ -صَعقَةٌ عَارِضَةٌ- فإذا أنا بِمُوسَى بَاطشًا بِقَائِمَةِ العَرشِ، فَلا أَدرِي أَفَاقَ قَبلِي أم كَانَ مِمَّنْ استَثنَى اللهُ»؟ كقَولِهِ ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [النمل: ٨٧] وهَذَا الشَّاهِدُ للمَشِيئَةِ.\nوقد ثَبَتَ عنه ﷺ أَنَّه قَالَ: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ القَبْرُ»، فَأَوَّلُ مَنْ يَنشَقُّ عنه القَبرُ هو مُحَمَّدٌ ﷺ، يَعْنِي: أوَّلَ مَبعُوثٍ يَومَ القِيَامَةِ هو مُحَمَّدٌ ﵊، «وَأَنَا أَوَّلُ شَافِعٍ، وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ». أَخرجَهُ مُسلِمٌ في «الصَّحِيحِ» (^١).\nفهَذَا يَدُلُّ على أَنَّه هو أَوَّلُ مَنْ يُبعَثُ، وَلَيْسَت القِصَّةُ هَذِه قِصَّةَ مُوسَى ﵊، وإنما قِصَّةُ مُوسَى ﵊ يَومَ القِيامَةِ بعد بَعثِ النَّاسِ وبعد وُجُودِهِم في القِيَامَةِ، صَعقةٌ أُخرَى ثَالِثَةٌ تَكُونُ يَومَ القِيَامةِ والنَّاسُ مَوجُودُونَ قد قَامُوا مِنْ قُبُورِهِم وقد جُمِعُوا.\n\n<s0>  هَذَا فيه اسْتِثنَاءُ الصَّعقَةِ هَذِه؟\n<s1> «أَوْ كَانَ مِمَّنِ اسْتَثْنَى اللَّهُ» الشَّاهِدُ قَولُهُ: «أَوْ كَانَ مِمَّنِ اسْتَثْنَى اللَّهُ».\n\n<s0>  لكن فِيهَا اسْتِثنَاءُ الصَّعقَةِ؟\n<s1> لا، أَرَادَ النَّبيُ ﷺ قَولَهُ جل وعلا: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [النمل: ٨٧] أَرادَ منه هنا الآيَةَ الكَريمَةَ.\n_________\n(^١) رواه مسلم (٣) (٢٢٧٨).","vol":"1","page":246},{"text":"<s0>  ألا يتَّجِهُ -أَحسَنَ اللهُ إِليكَ- «على العَالَمِينَ» عَالَمِي زَمَانِ مُوسَى ﵊؟\n<s1>  هَذَا في التَّفضِيلِ، في التَّفضِيلِ على عَالَمِي زمَانِهِ، المُرَادُ به عَالَمِي زَمَانِهِ، لكنَّ المَقصُودَ هنا أن النَّبيَّ ﷺ أَرَادَ بهَذَا ألَّا يَكُونَ فِتنَةً بين النَّاسِ، أو من بَابِ التَّواضُعِ ﵊.\n\n<s0>  أَحسَنَ اللهُ إِليكَ، ما يَكُونُ قبلَ أنْ يُعلمَ بأنَّه أَفضَلُ الخَلقِ؟\n<s1>  هَذَا أَحدُ الأَقوَالِ فيها، ذَكَرَهُ النَّوَوِّيُّ، وذَكَرَ أَقوَالًا خَمسَةً فيها، لكن أَحسَنُهَا أَنَّه مِنْ بَابِ التَّوَاضُعِ أو مِنْ بَابِ الْمَنعِ مِنَ التَّخْيِيرِ والتَّفضِيلِ على سَبِيلِ التَّعصُّبِ، أو إذا كَانَ يَتَرتَّبُ عليه فِتنَةٌ.\n\n<s0>  أَحسَنَ اللهُ إِليكَ، الاسْتِثنَاءُ هنا قَولُهُ: «أَوْ كَانَ مِمَّنِ اسْتَثْنَى اللَّهُ» يُمكِنُ هَذَا وَهْمٌ مِنْ بَعضِ الرُّوَاةِ؛ لأنَّ هَذِه الصَّعقَةَ في التَّجَلِّي ما فِيهَا اسْتِثنَاءٌ؟\n<s1>  مُحتَمِلٌ أَنَّها دَخَلَتْ على بَعضِ الرُّوَاةِ مِنْ صَعقَةِ البَعثِ. اللهُ المُستَعَانُ.\nابنُ القَيمِ له كَلَامٌ عليه جَيدٌ، ابنُ القَيمِ ﵀ في كِتَابِ «الرُّوحِ» تَكَلَّمَ عليه، وفي غَيرِ كِتَابِ «الرُّوحِ» كَلَامًا طيِّبًا، وهو مَعنَى ما ذَكَرتُ لكم، كَلَامُ ابنِ القَيمِ هو مَعنَى ما ذَكَرتُ لكُم.","vol":"1","page":247},{"text":"٧٤٧٣ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي عِيسَى، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «المَدِينَةُ يَأْتِيهَا الدَّجَّالُ، فَيَجِدُ المَلَائِكَةَ يَحْرُسُونَهَا فَلَا يَقْرَبُهَا الدَّجَّالُ، وَلَا الطَّاعُونُ إنْ شَاءَ اللهُ» (^١).\n\n٧٤٧٤ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ، فَأُرِيدُ إنْ شَاءَ اللهُ أَنْ أَخْتَبِيَ دَعْوَتِي، شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ القِيَامَةِ» (^٢).\n\n<s2>\nوهَذَا مِنْ رَأفَتِهِ ورَحمَتِهِ ﵊، اخْتَبَأَ الدَّعوَةَ إلى وَقتٍ أَشَدَّ، النَّاسُ فيه أَشَدُّ حَاجَةً إليها، وإن كَانَ دَعَا لهم كَثِيرًا، لكن هَذِه الدَّعوَةُ العَامَّةُ دَعوَةٌ خَاصَّةٌ، دَعوَتُهُ لِلأُمَّةِ خَاصَّةً اخْتَبَأَهَا لِيدعُوَ لهم يَومَ القِيَامةِ في شَفَاعَتِهِ ﵊ «فَهِيَ نَائِلَةٌ إنْ شَاءَ اللهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا».\n\n<s0>  غَيرُ الشَّفَاعةِ العُظمَى، عَفَا اللهُ عنكَ؟\n<s1> الظَّاهِرُ هو مَقَامُ الشَّفَاعَةِ العُظمَى يَومَ القِيَامةِ، فإنهُ يَشفَعُ لهم مَرَّاتٍ\n_________\n(^١) ورواه مسلم (١٩٩).\n(^٢) ورواه مسلم (١٩٨).","vol":"1","page":248},{"text":"كَثِيرَةً، اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيه وسَلِّمْ، وأَعظَمُهَا الشَّفَاعَةُ العُظمَى في القَضَاءِ بينهم؛ لِأَنَّهَا عَامَّةٌ.\n\n<s0>  والشَّفَاعَةُ لِلعُصَاةِ في النَّارِ؟\n<s1> دَاخِلَةٌ في هَذَا، «فَهِيَ نَائِلَةٌ إنْ شَاءَ اللهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا» (^١). فهَذَا يَدُلُّ على أنَّ الشَّفَاعَاتِ الأُخْرَى تَتَعَلَّقُ بِالعُصَاةِ، وأمَّا الشَّفَاعَةُ العُظمَى فهي تَعُمُّ المُشرِكَ وغَيرَ الْمُشرِكِ.\n\n<s0>  المَشِيئَةُ التي ذَكَرَهَا النَّبيُّ ﷺ في قَولِهِ: «إنْ شَاءَ اللهُ» بعدَ الدَّجَّالِ الطَّاعُونُ، أَرَادَ الأَمرَينِ أو …؟\n<s1> الأَمرَينِ؛ جَاءَ في الرِّوَايَاتِ الأُخْرَى الجَزمُ بأن المَدِينةَ لا يَدخُلُهَا الطَّاعُونُ ولا مَكَّةَ، ولا الدَّجَالُ كذَلكَ، والمَشِيئَةُ للتَّبرُّكِ، أو قَبلَ أن يَعلَمَ اليَقِينَ … ثم جَاءَهُ الوَحِيُ بِالجَزمِ بِأنَّه لا يَدخُلُ الطَّاعُونُ ولا الدَّجَالُ مَكَّةَ ولا المَدِينَةَ.\n\n<s0>  الطَّاعُونُ جَاءَ في مَكَّةَ؟\n<s1> يَغلُبُ على ظنِّي جَاءَ فيهما، مِثلمَا جَاءَ في الدَّجَّالِ، الدَّجَّالُ لَا شَكَّ، جَاءَ فِيهِمَا جَمِيعًا.\n\n<s0>  ما يُذكَرُ مِنْ الوَقَائِعِ بِالنِّسبَةِ للحُجَّاجِ، إِصَابَةُ الحُجَّاجِ بِمَرضِ الطَّاعُونِ؟\n<s1> مَحلُّ نظرٍ، يُنظَرُ في صِحَّةِ وُقُوعِهِ.\n_________\n(^١) رواه مسلم (٣٣٨) (١٩٩).","vol":"1","page":249},{"text":"<s0>  أو أنْ يُقَالَ أَحسَنَ اللهُ إِليكَ: إنَّه ما يُخرَجُ منها، ما يُخرَجُ مِنْ مَكَّةَ إذا جَاءَهَا الطَّاعُونُ؟\n<s1>  اللهُ أَعلَمُ.\n(الشَّيخُ): تَتَبَّعْ رِوَاياتِ الطَّاعُونِ وَالدَّجَّالِ، اجْمَعْهَا، تتَّبعْهَا في «الصَّحِيحَينِ» وغَيرِ «الصَّحِيحَينِ» (^١).\n(الطَّالِبُ): إنْ شَاءَ اللهُ.\n(الشَّيخُ): الحَافظُ مَا تَكَلَّمَ؟\n(الطَّالِبُ): كُلُّ الأَحَادِيثِ فيها إِشَارَةٌ خَفِيفَةٌ.\nقَالَ ابنُ بَازٍ ﵀: هو أَرَادَ الاختِصَارَ (^٢)، وإلا كَانَ مِنْ الْمُستَحسَنِ أَنَّه إذا مَرَّ مِثلُ هَذَا يَأْتِي بِمُلَخَّصٍ ولو في بِعْضِ الأَحيَانِ، مُلخَّص ما تَقَدمَ؛ لأنَّ الكِتَابَ كَبِيرٌ وَاسِعٌ، لكن قَصدُهُ الاخْتِصَارَ حَمَلَهُ على العَزْوِ.\n\n٧٤٧٥ - حَدَّثَنَا يَسَرَةُ بْنُ صَفْوَانَ بْنِ جَمِيلٍ اللَّخْمِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي عَلَى قَلِيبٍ، فَنَزَعْتُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ أَنْزِعَ، ثُمَّ أَخَذَهَا ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ\n_________\n(^١) يأمر الشيخ أحد الطلبة بجمع أحاديث الدجال والطاعون.\n(^٢) يعني: الحافظ.","vol":"1","page":250},{"text":"فَنَزَعَ ذَنُوبًا أَوْ ذَنُوبَيْنِ وَفِي نَزْعِهِ ضَعْفٌ، وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ، ثُمَّ أَخَذَهَا عُمَرُ فَاسْتَحَالَتْ غَرْبًا، فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا مِنَ النَّاسِ يَفْرِي فَرِيَّهُ حَتَّى ضَرَبَ النَّاسُ حَوْلَهُ بِعَطَنٍ» (^١).\n\n٧٤٧٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَتَاهُ السَّائِلُ - وَرُبَّمَا قَالَ جَاءَهُ السَّائِلُ - أَوْ صَاحِبُ الحَاجَةِ، قَالَ: «اشْفَعُوا فَلْتُؤْجَرُوا وَيَقْضِي اللَّهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ مَا شَاءَ» (^٢).\n\n<s2>\nوهَذِه مِنْ نِعَمِ اللهِ العَظِيمَةِ، ومِن مَحَاسِنِ هَذَا الدِّينِ، أنَّ المُؤمِنَ يَشفَعُ لِأَخِيهِ ولِإخْوَانِهِ، ويَشفَعُ في المصَالحِ العَامَّةِ، حَتَّى يَحصُلَ التَّعَاونُ: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ (٢)﴾ [المائدة: ٢].\nفإذا جَاءَ صَاحِبُ الحَاجةِ وأنت تَعرِفُ أَنَّه يَستَحِقُّ وَأنَّه ذُو حَاجَةٍ وشَفَعَت في أن يُعطَى حَاجَتَه وأن يُسعَفَ في طَلْبَتهِ، فأنت مَأجُورٌ، واللهُ يَقضِي على لِسَانِ نبيِّه ما شَاءَ، يَعْنِي: اللهُ جل وعلا هو الذي يَقضِي ما يَشَاءُ سُبحَانَهُ، إنَّمَا أنتَ مُتَسَبِّبٌ، فإذا شَفعْتَ لِمَظلُومٍ أو لِحَاجَةٍ أو في أَمْرٍ يَنْفَعُ النَّاسَ، يَنَفعُ المُسْلِمِينَ، كَانَ ذَلكَ\n_________\n(^١) ورواه مسلم (٢٣٩٢).\n(^٢) ورواه مسلم (٢٦٢٧).","vol":"1","page":251},{"text":"من الخَيرِ العَظِيمِ وأنت مَأجُورٌ عليه.\n\n<s0>  يَشفَعُ على ظَاهِرِ حَالِهِ أَحسَنَ اللهُ إِليكَ؟\n<s1> على حَسَبِ ما يَعلَمُ منه.\n\n٧٤٧٧ - حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامٍ، سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ، ارْحَمْنِي إِنْ شِئْتَ، ارْزُقْنِي إِنْ شِئْتَ، وَليَعْزِمْ مَسْأَلَتَهُ، إِنَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، لَا مُكْرِهَ لَهُ» (^١).\n\n<s2>\n﷾، هَذَا شَاهِدٌ ظَاهِرٌ، وهو مُطَابِقٌ للآيَةِ الكَرِيمَةِ في الحَجِّ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (١٨)﴾ [الحج: ١٨] بِمَعنَى: لا مُعَقِّبَ له ولا أَحَدَ يَردُّ عليه ما يَشَاؤُهُ ﷾، بل هو القَاهِرُ لِعِبَادِهِ وهو الذي يَفعَلُ ما يَشَاءُ: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧)﴾ [هود: ١٠٧] ﷾.\nوفي الحَدِيثِ: السُّؤَالُ، وأنَّ السَّائِلَ يَعزِمُ في سُؤَالِهِ، ويُعَظِّمُ الرَّغبَةَ، وُيقبِلُ على اللهِ بِدُعَاءِ الْمُضْطَرِّ الْمُحتَاجِ الذي يَعلَمُ أَنَّه لا حِيلَةَ له ولا خَلاصَ له إلا باللهِ، وَأنَّه في أَشدِّ الضَّرُورَةِ لِرَبِّهِ في مَغفِرَتِهِ ورَحمَتِهِ وإِحسَانِهِ إِلَيه، وإِدخَالِهِ الجَنَّةَ وإِنجَائهِ مِنَ النَّارِ، وتَيسِيرِ أُمُورِهِ، إلى غَيرِ ذَلكَ.\n_________\n(^١) ورواه مسلم (٢٦٧٩).","vol":"1","page":252},{"text":"فلِهذَا لا يُنَاسِبُ أن يَقُولَ: «إن شِئتَ»، إنما يَقُولُ: «إن شِئتَ» الذي عندَه غنَاءٌ، عنده سَعَةٌ يَستَطِيعُ أن يَستَغْنِيَ، أمَّا العِبَادُ فلَيْسَ عندَهُم سَعَةٌ وليْسَ عندَهُم قُدْرَةٌ وليس لهم مَلجَأٌ إلَّا إلى اللهِ ﷾، فهم فُقَرَاءُ إليه وإِنْ مَلكُوا الدُّنيَا؛ ولِهذَا يَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي، اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي يا أَرحَمَ الرَّاحِمِينَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي وارْحَمْنِي، اللَّهُمَّ أَنْجِنِي من النَّارِ بِرَحمَتِكَ يا أَرحَمَ الرَّاحِمِينَ. لا يِقُولُ: إن شِئتَ.\n\n<s0>  كرَّرَ الحَدِيثَ، هَذَا حَدِيثُ أَنَسٍ كَرَّرَهُ في نَفسِ البَابِ: «إِذَا دَعَوْتُمُ اللَّهَ فَاعْزِمُوا فِي الدُّعَاءِ، وَلَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: إِنْ شِئْتَ فَأَعْطِنِي، فَإِنَّ اللَّهَ لَا مُسْتَكْرِهَ لَهُ» ثم أَعَادَهُ هنا؟\n(الشَّيخُ): الَّذِي عِنْدَكَ هَذَا عنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁ أو عَنْ أَنسٍ ﵁، الأَخِيرُ هَذَا؟\n(الطَّالِبُ): عن أَبِي هُرَيرَةَ ﵁.\n<s1> التَّكرَارُ لِأجلِ الصَّحَابِي، أَقُولُ: لِأَجلِ الصَّحَابِيِّ.\n\n٧٤٧٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ عَمْرٌو، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّهُ تَمَارَى هُوَ وَالحُرُّ بْنُ قَيْسِ بْنِ حِصْنٍ الفَزَارِيُّ فِي صَاحِبِ مُوسَى أَهُوَ خَضِرٌ؟ فَمَرَّ بِهِمَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ الأَنْصَارِيُّ، فَدَعَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: إِنِّي تَمَارَيْتُ أَنَا وَصَاحِبِي هَذَا فِي صَاحِبِ مُوسَى الَّذِي سَأَلَ السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ،","vol":"1","page":253},{"text":"هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُ شَأْنَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «بَيْنَا مُوسَى فِي مَلَإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: هَلْ تَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْكَ؟ فَقَالَ مُوسَى: لَا، فَأُوحِيَ إِلَى مُوسَى، بَلَى عَبْدُنَا خَضِرٌ، فَسَأَلَ مُوسَى السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، فَجَعَلَ اللَّهُ لَهُ الحُوتَ آيَةً، وَقِيلَ لَهُ: إِذَا فَقَدْتَ الحُوتَ فَارْجِعْ فَإِنَّكَ سَتَلْقَاهُ، فَكَانَ مُوسَى يَتْبَعُ أَثَرَ الحُوتِ فِي البَحْرِ، فَقَالَ فَتَى مُوسَى لِمُوسَى: أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهِ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ. قَالَ مُوسَى: ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِي فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا، فَوَجَدَا خَضِرًا، وَكَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا مَا قَصَّ اللَّهُ» (^١).\n\n<s2>\n(الشَّيخُ): تَكَلَّمَ على «أَبِي حَفصٍ عَمرو»؟\n[قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ فِي «فَتْحِ البَارِي» (١٣/ ٤٥٢)]: «وقد تقَدَّمَ شَرحُهُ مُستَوفًى في التَّفسِيرِ، وتَقَدَّمَ شَيءٌ منه في كِتَابِ العِلمِ، وشَيخُهُ عبدُ اللهِ بنُ مُحمَّدٍ هو الْمُسنَدِيُّ، وشَيخُ الْمُسندِيِّ أَبُو حَفْصٍ عَمرو بِفتحِ العَينِ، هو ابنُ أَبِي سَلَمَةَ التِّنِّيسِيّ بِمُثَنَّاةٍ ونُونٍ ثَقِيلَةٍ مَكسُورةٍ، وأَبُو سَلَمَةَ أَبُوهُ لم أَقِفْ على اسْمِهِ». [انتهى\n_________\n(^١) ورواه مسلم (٢٣٨٠).","vol":"1","page":254},{"text":"كلامه].\n(الشَّيخُ): عندك فَقَالَ: «إِنِّي تَمَارَيْتُ» (^١) أو «تَمَادَيْتُ»؟ بِالدَّالِ أو بِالرَّاءِ؟\n(الطَّالِبُ): بِالدَّالِ في الشَّكلِ بِالدَّالِ.\n(الشَّيخُ): ضَبَطَ عندَكُم؟ المَعرُوفُ «تَمَارَيتُ»: اخْتَلَفَتْ. ما ضَبَطَ عِندَكُم؟ القَسْطَلَّانِي عِندَكُم؟ ما جَاءَ؟ مَنْ الذي عِندَهُ القَسطَلَّانِي؟\n(الطَّالِبُ): وفي النُّسخَةِ الثَّانِيَةِ بِالرَّاءِ.\n<s1> المَعرُوفُ الرَّاءُ «تَمَارَيتُ»، وإن كَانَ لها وَجهٌ «تَمَادَيتَ» يَعْنِي: طَالَ الخِلَافُ، طَالَ النِّزَاعُ بينَنا، تَمَادَى يَعْنِي طَالَ، المَعرُوفُ في الرِّوَايةِ الرَّاءُ.\n(القَارِئُ): في الأَوَّلِ أَنَّه تَمَارَى بِالرَّاءِ ثم قالَ: «إِنِّي تَمَادَيْتُ».\nقال ابنُ بَازٍ ﵀: ضَعْ عَليهِ إِشَارَةً، رَاجعِ القَسْطلَّانيَّ، [أَحَدٌ] مِنْكُمْ يُحضِرهُ. سُلْطانُ (^٢) تُجِيء بِهِ؟\n(سُلطَانُ): إنْ شَاءَ اللهُ.\nقال ابنُ بَازٍ ﵀: والشَّاهِدُ: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (٦٩)﴾ [الكهف: ٦٩].\n_________\n(^١) قرأها الطالب من نسخته (تماديت) بالدال.\n(^٢) وهو الشيخ سلطان الخميس وفَّقه الله.","vol":"1","page":255},{"text":"٧٤٧٩ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَقَالَ، أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: «نَنْزِلُ غَدًا إنْ شَاءَ اللهُ بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ، حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الكُفْرِ يُرِيدُ المُحَصَّبَ» (^١).\n\n<s2>\nيَعْنِي في حَجَّةِ الوَدَاعِ ﵊، بِالأَبطَحِ يَعْنِي، اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيه وسَلِّمْ.\n\n٧٤٨٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي العَبَّاسِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: حَاصَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَهْلَ الطَّائِفِ فَلَمْ يَفْتَحْهَا، فَقَالَ: «إِنَّا قَافِلُونَ غَدًا إنْ شَاءَ اللهُ». فَقَالَ المُسْلِمُونَ: نَقْفُلُ وَلَمْ نَفْتَحْ، قَالَ: «فَاغْدُوا عَلَى القِتَالِ». فَغَدَوْا فَأَصَابَتْهُمْ جِرَاحَاتٌ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّا قَافِلُونَ غَدًا إنْ شَاءَ اللهُ». فَكَأَنَّ ذَلِكَ أَعْجَبَهُمْ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (^٢).\n_________\n(^١) ورواه مسلم (١٣١٤).\n(^٢) ورواه مسلم (١٣١٤).","vol":"1","page":256},{"text":"<s2>\nوالتَّبسُّمُ للدَّلَالَةِ على ضَعفِ ابنِ آدَمَ، وَأنَّه مَتَى مَسَّه الضُرُّ فَرِحَ بِأسبَابِ العَافِيَةِ.\nفي اليَومِ الأَوَّلِ ما أَحَبُّوا أن يَقفُلُوا ولم يَفتَحُوا البِلَادَ؛ لأنَّهم كانوا في سَلَامةٍ يَرجُونَ الفَتحَ، فَلمَّا أُصِيبُوا بِالجِرَاحَاتِ قَالَ: «إنا قَافِلُونَ غدًا إنْ شَاءَ اللهُ»؛ سَكَتُوا لِأجلِ ما أَصَابَهُم مِنْ الضُرِّ، وهَذَا من طَبِيعَةِ ابنِ آدَمَ وضَعفِهِ: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨].\n* * *","vol":"1","page":257},{"text":"<span data-type='title' id=toc-50>بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾</span> [سبأ: ٢٣]،\n«وَلَمْ يَقُلْ: مَاذَا خَلَقَ رَبُّكُمْ»، وَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥].\nوَقَالَ مَسْرُوقٌ، عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ: «إِذَا تَكَلَّمَ اللَّهُ بِالوَحْيِ سَمِعَ أَهْلُ السَّمَوَاتِ شَيْئًا، فَإِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ وَسَكَنَ الصَّوْتُ، عَرَفُوا أَنَّهُ الحَقُّ وَنَادَوْا: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ﴾ [سبأ: ٢٣]».\nوَيُذْكَرُ عَنْ جَابِرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «يَحْشُرُ اللَّهُ العِبَادَ، فَيُنَادِيهِمْ بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ مَنْ بَعُدَ كَمَا يَسْمَعُهُ مَنْ قَرُبَ: أَنَا المَلِكُ، أَنَا الدَّيَّانُ».\n\n٧٤٨١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ: «إِذَا قَضَى اللَّهُ الأَمْرَ فِي السَّمَاءِ، ضَرَبَتِ المَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خَضْعَانًا لِقَوْلِهِ كَأَنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ - قَالَ عَلِيٌّ: وَقَالَ غَيْرُهُ- صَفْوَانٍ يَنْفُذُهُمْ ذَلِكَ فَإِذَا: ﴿فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣]».","vol":"1","page":258},{"text":"قَالَ عَلِيٌّ: وَحَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ بِهَذَا، قَالَ سُفْيَانُ: قَالَ عَمْرٌو: سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ: حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ. قَالَ عَلِيٌّ: قُلْتُ لِسُفْيَانَ: قَالَ سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ لِسُفْيَانَ: إِنَّ إِنْسَانًا رَوَى عَنْ عَمْرٍو بْن دِينَار، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، يَرْفَعُهُ: أَنَّهُ قَرَأَ: ﴿فُزِّعَ﴾، قَالَ سُفْيَانُ: هَكَذَا قَرَأَ عَمْرٌو، فَلَا أَدْرِي سَمِعَهُ هَكَذَا أَمْ لَا؟ قَالَ سُفْيَانُ: وَهِيَ قِرَاءَتُنَا.\n\n<s2>\n﴿فُزِّعَ﴾ [سبأ: ٢٣] بِعَينٍ مُهمَلَةٍ، ﴿فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ [سبأ: ٢٣] يَعْنِي: زَالَ عنها الفَزعُ، وفي قِرَاءَةٍ أُخرَى: (فُرِّغ).\n\n٧٤٨٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِلنَّبِيِّ ﷺ يَتَغَنَّى بِالقُرْآنِ». وَقَالَ صَاحِبٌ لَهُ: يُرِيدُ: أَنْ يَجْهَرَ بِهِ (^١).\n_________\n(^١) ورواه مسلم (٧٩٢).","vol":"1","page":259},{"text":"<s2>\n«ما أَذِنَ» يَعْنِي: ما اسْتَمعَ، وهَذَا يَدُلُّ على شَرعِيَّةِ تَحسِينِ الصَّوتِ بِالقُرآنِ والتَّغَنِّي به، ما هو مَعنَاهُ الغِنَاءُ، ولكن مَعنَاهُ مِثلُ ما فَسَّرهُ، وهو الجَهْرُ به مع تَحسِينِ الصَّوتِ، اللهُ أَكبَرُ.\n\n<s0> «النَّبيُّ» جِنسٌ؟\n<s1>  جِنسُ النَّبيِّ نعم. في اللَّفظِ الآخَرِ «مِنْ نَبِيٍّ»، المَعرُوفُ بِالتَّنكِيرِ.\n\n<s0>  أَحسَنَ اللهُ إِليكَ، قَولُهُ: «ﷺ» من كَلَامِ النَّبِيِّ؟\n<s1>  كُل نبيٍّ يُقَالُ له هَذَا، كُلُّ الأَنبِياءِ يُقَالُ لهُم: ﷺ.\n\n<s0>  في الحَدِيثِ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِلنَّبِيِّ ﷺ»، يَعْنِي الرَّسُولَ ﷺ صلى على جِنسِ الأَنبِيَاءِ؟\n<s1>  وهَذَا مُحتَمِلُ، يَحتَاجُ إلى تَأَمُّلٍ، قد يَكُونُ قَالَهُ وقد يَكُونُ مِنْ تَصَرُّفِ الرُّوَاةِ.\n\n٧٤٨٣ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «يَقُولُ اللَّهُ: يَا آدَمُ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ","vol":"1","page":260},{"text":"وَسَعْدَيْكَ، فَيُنَادَى بِصَوْتٍ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُخْرِجَ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ» (^١).\n\n<s2>\nوفي اللَّفظِ الآخَرِ: «بَعثَ النَّارِ» (^٢) بِالإِضَافَةِ، قَالَ: «يا رَبِّ ومَا هُوَ بَعْثُ النَّارِ؟». قَالَ: «مِنْ كُلِّ ألْفٍ تِسعُمَائةٍ وتِسعَةٌ وتِسعُونَ» اللهُ أَكبَرُ، كمَا يَأَتِي.\n\n٧٤٨٤ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «مَا غِرْتُ عَلَى امْرَأَةٍ مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ، وَلَقَدْ أَمَرَهُ رَبُّهُ أَنْ يُبَشِّرَهَا بِبَيْتٍ فِي الجَنَّةِ» (^٣).\n\n<s2>\n(الشَّيخُ): اللَّهُمَّ ارْضَ عنها، اللَّهُمَّ ارْضَ عنها، رَاجِعِ الشَّرحَ على البَابِ.\n[قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ فِي «فَتْحِ البَارِي» (١٣/ ٤٥٤)]: «قَوْلُهُ: بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْده الا لمن أذن لَهُ﴾ «وَسَاقَ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ ثُمَّ قَالَ: «وَلَمْ يَقلْ مَاذَا خلق ربُّكُم؟». قَالَ ابنُ بَطَّالٍ: اسْتَدَلَّ الْبُخَارِيُّ\n_________\n(^١) ورواه مسلم (٢٢٢).\n(^٢) رواه البخاري (٣٣٤٨)، ومسلم (٣٧٩) (٢٢٢).\n(^٣) ورواه مسلم (٢٤٣٤، ٢٤٣٥).","vol":"1","page":261},{"text":"بِهَذَا عَلَى أَنَّ قَوْلَ اللَّهِ قَدِيمٌ لِذَاتِهِ، قَائِمٌ بِصِفَاتِهِ، لَمْ يَزَلْ مَوْجُودًا بِهِ، وَلَا يَزَالُ كَلَامُهُ لَا يُشْبِهُ الْمَخْلُوقِينَ، خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ الَّتِي نَفَتْ كَلَامَ اللَّهِ، وَلِلْكُلَّابِيَّةِ فِي قَوْلِهِمْ: هُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الْفِعْلِ وَالتَّكْوِينِ، وَتَمَسَّكُوا بِقَوْلِ الْعَرَبِ: قُلْتُ بِيَدِي هَذَا، أَيْ: حَرَّكْتُهَا، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ الْكَلَامَ لَا يُعْقَلُ إِلَّا بِأَعْضَاءٍ وَلِسَانٍ، وَالْبَارِي مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ؛ فَرَدَّ عَلَيْهِمُ الْبُخَارِيُّ بِحَدِيثِ الْبَابِ وَالْآيَةِ، وَفِيهِ أَنَّهُمْ إِذَا ذَهَبَ عَنْهُمُ الْفَزَعُ قَالُوا لِمَنْ فَوْقَهُمْ: مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُمْ سَمِعُوا قَوْلًا لَمْ يَفْهَمُوا مَعنَاهُ مِنْ أَجْلِ فَزَعِهِمْ؛ فَقَالُوا: مَاذَا قَالَ؟ وَلَمْ يَقُولُوا: مَاذَا خَلَقَ؟ وَكَذَا أَجَابَهُمْ مَنْ فَوْقَهُمْ مِنَ الْمَلَائِكَةِ بِقَوْلِهِمْ: قَالُوا الْحَقَّ.\nوَالْحَقُّ أَحَدُ صِفَتَيِ الذَّاتِ الَّتِي لَا يَجُوزُ عَلَيْهَا غَيْرُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ عَلَى كَلَامِهِ الْبَاطِلُ، فَلَوْ كَانَ خَلْقًا أَوْ فِعْلًا لَقَالُوا خَلَقَ خَلْقًا إِنْسَانًا أَوْ غَيْرَهُ، فَلَمَّا وَصَفُوهُ بِمَا يُوصَفُ بِهِ الْكَلَامُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ بِمَعْنَى التَّكْوِينِ. انْتَهَى.\nوَهَذَا الَّذِي نَسَبَهُ لِلْكُلَّابِيَّةِ بَعِيدٌ مِنْ كَلَامِهِمْ، وَإِنَّمَا هُوَ كَلَامُ بَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ، فَقَدْ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي «خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ» عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ الْقَاسِمِ بْنِ سَلَّامٍ: أَنَّ الْمَرِيسِيَّ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نقُول لَهُ كن فَيكون﴾: هُوَ كَقَوْلِ الْعَرَبِ: قَالَتِ السَّمَاءُ فَأَمْطَرَتْ، وَقَالَ الْجِدَارُ هَكَذَا، إِذَا مَالَ، فَمَعنَاهُ قَوْلُهُ إِذَا أَرَدْنَاهُ إِذَا كَوَّنَّاهُ.\nوَتَعَقَّبَهُ أَبُو عُبَيْدٍ بِأَنَّهُ أُغْلُوطَةٌ؛ لِأَنَّ الْقَائِلَ إِذَا قَالَ: قَالَتِ السَّمَاءُ؛ لَمْ يَكُنْ كَلَامًا صَحِيحًا حَتَّى يَقُولَ فَأَمْطَرَتْ، بِخِلَافِ مَنْ يَقُولُ: قَالَ الْإِنْسَانُ فَإِنَّهُ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ قَالَ كَلَامًا، فَلَوْلَا قَوْلُهُ فَأَمْطَرَتْ لَكَانَ الْكَلَامُ بَاطِلًا؛ لِأَنَّ السَّمَاءَ","vol":"1","page":262},{"text":"لَا قَوْلَ لَهَا، فَإِلَى هَذَا أَشَارَ الْبُخَارِيُّ وَهَذَا أَوَّلُ بَابٍ تَكَلَّمَ فِيهِ الْبُخَارِيُّ عَلَى مَسْأَلَةِ الْكَلَامِ وَهِيَ طَوِيلَةُ الذَّيْلِ». [انتهى كلامه].\n\n<s0>  وهَذَا أَوَّلُ بَابٍ أو الأَبْوَابُ التي سَبَقَت: ﴿إنما أمره إذا أراد شَيْئًا أن يقول له كن فيكون﴾؟\n<s1> كأنَّ قَصْدَهُ أَنَّه أَفرَدَهُ لِهذَا الشَّيءِ، أَفرَدَهُ لِهذَا الشَّيءِ المُتَغَلِّبِ، والكِتَابُ كُلُّهُ مَلْآنٌ، وإلَّا فهو أَفرَدَهُ لِهذَا الشَّيءِ.\n[قال الحَافِظُ ﵀]: «وَهِيَ طَوِيلَةُ الذَّيْلِ قَدْ أَكْثَرَ أَئِمَّةُ الْفِرَقِ فِيهَا الْقَوْلَ، وَمُلَخَّصُ ذَلِكَ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ «الِاعْتِقَادِ»: «الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ، وَكَلَامُ اللَّهِ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ مَخْلُوقًا وَلَا مُحْدَثًا وَلَا حَادِثًا، قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠)﴾ [النحل: ٤٠]، فَلَو كَانَ الْقُرْآنُ مَخلُوقًا لَكَانَ مَخلُوقًا يكن وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ اللَّهِ لِشَيْءٍ بِقَوْلٍ؛ لِأَنَّهُ يُوجِبُ قَوْلًا ثَانِيًا وَثَالِثًا فَيَتَسَلْسَلُ وَهُوَ فَاسِدٌ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣)﴾ [الرحمن: ١ - ٣]، فَخَصَّ الْقُرْآنَ بِالتَّعْلِيمِ؛ لِأَنَّهُ كَلَامُهُ وَصِفَتُهُ، وَخَصَّ الْإِنْسَانَ بِالتَّخْلِيقِ؛ لِأَنَّهُ خَلْقُهُ وَمَصْنُوعُهُ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَقَالَ: خَلَقَ الْقُرْآنَ وَالْإِنْسَانَ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ [النساء: ١٦٤]، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كَلَامُ الْمُتَكَلِّمِ قَائِمًا بِغَيْرِهِ». [انتهى كلامه].\nقَالَ ابنُ بَازٍ ﵀: هَذَا كَلَامٌ يُؤذِي ويُتْعِبُ، ولِهذَا يَقُولُ بَعضُ السَّلَفِ -وأَظُنَّهُ ابنَ المُبَارَكِ ﵀-: «إِنَّنَا نَستَطِيعُ أن نَحكِيَ كَلَامَ اليَهُودِ ونَحكِيَ كَلَامَ","vol":"1","page":263},{"text":"النَّصَارَى ولكن لا نَستَطِيعُ أن نَحكِيَ كَلَامَ الجَهمِيَّةِ» (^١). يَعْنِي: لِشنَاعَتِهِ وخُبثِهِ.\nالمَقْصُودُ: أنَّ هَذِه الأَدِلَّةَ والأَحَادِيثَ كُلَّها وَاضِحَةٌ في إِثبَاتِ الصِّفَاتِ للهِ وإِثبَاتِ الكَلَامِ، وَأنَّه قَالَ ويَقُولُ وتَكَلَّمَ ويَتَكَلَّمُ إذا شَاءَ ﷾.\nوهَذَا من أَعظِمِ الصِّفَاتِ، ومِن أَعظَمِ الكَمَالِ، كَونُهُ يُوصَفُ بِأنَّه قَالَ وَيقُولُ جل وعلا ويَتَكَلَّمُ، وَأنَّه أَنزلَ الكُتُبَ على الأَنبِيَاءِ، وتَكَلَّمَ سُبحَانَهُ بِالقُرآنِ، كُلُّ هَذَا مِنْ أَعظَمِ الدَّلَائِلِ على اسْتِحقَاقِهِ العِبَادةَ، وَأنَّه رُبُّ العَالَمِينَ، وأنهُ الخَلَّاقُ العَلِيمُ، وَأنَّه الذي يَقُولُ للشَّيءِ كُنْ فَيكُونُ ﷾، وليسَ عَدَمُ الكَلَامِ صِفَةَ كَمَالٍ، ولكنَّها صِفَةُ نَقصٍ؛ لِأَنَّهَا مِنْ صِفَاتِ الجَمَادِ.\nوالحَاصِلُ: أنَّ ما جَاءَتْ به هَذِه الأَدِلَّةُ هو مَحضُ ما تَقتَضِيهِ العُقُولُ السَّلِيمَةُ، العُقُولُ الصَّحِيحَةُ والفِطَرُ السَّلِيمَةُ مِنْ إِثبَاتِ صِفَةِ الكَلَامِ للهِ أَنَّه قالَ ويَقُولُ جل وعلا، ويَتَكَلَّمُ فيما مَضَى، ويَتَكَلَّمُ فيما يَأتِي ﷾ على الوَجهِ اللَّائِقِ به ﷾، لا يُشَابِهُهُ خَلقُهُ في شَيءٍ مِنْ صِفَاتِهِ، لا في الكَلَامِ ولا في غَيرِهِ.\nولِهذَا يَقُولُ يَومَ القِيَامةِ لآدَمَ ﵇: «أَخرِجْ بَعثَ النَّارِ» (^٢). هَذَا كَلَامٌ غَيرُ الكَلَامِ السَّابِقِ، ويَقُولُ لِأهلِ الجَنَّةِ: «هل رَضِيتُم؟ يَقُولُونَ: يا رَبَّنَا مَا لنَا لا نَرضَى وقد أَعطَيتَنَا ما لَمْ تُعطِ أَحَدًا مِنْ خَلقِكَ؟! أَلم تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا؟! أَلَمْ تُثقِّلْ مَوازِينَنَا؟! ألَمْ تُدْخِلْنَا الجَنَّةَ؟! ألَمْ تُنجِّنَا منَ النَّارِ؟!» (^٣). وهَكَذَا يَقُولُ\n_________\n(^١) رواه البخاري في «خلق أفعال العباد» (ص ٣٠).\n(^٢) رواه البخاري (٣٣٤٨)، ومسلم (٢٢٢) (٣٧٩).\n(^٣) رواه البخاري (٦٥٤٩)، ومسلم (٩) (٢٨٢٩)، دون قوله: «ألم تبيض وجوهنا …» إلخ.","vol":"1","page":264},{"text":"﷾ لِأَهلِ الجَنَّةِ: «السَّلَامُ عليكُمْ».\nوالمَقْصُودُ: أن الكَلَامَ يَتَجَدَّدُ وقتًا بعد وَقتٍ ولِهذَا قَالَ: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ (٢)﴾ [الأنبياء: ٢]، ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ﴾ [الشعراء: ٥] يَعْنِي: جَدِيدًا، بعد أن لم يَتَكَلَّمْ تَكَلَّمَ ﷾، والقُرْآنُ تَكَلَّمَ به بعدَ التَّورَاةِ، والإِنجِيلُ بعد التَّورَاةِ وهَكَذَا.\nوهَذِه الأَحَادِيثُ التي ذَكَرهَا الْمُؤَلِّفُ كُلُّها وَاضِحَةٌ في كَلَامِهِ سُبحَانَهُ، وَأنَّه يُسمَعُ، وأنَّ له صَوتًا يُسمَعُ، تَسمَعُهُ الْمَلَائِكَةُ وتَسمَعُ كَلَامَهُ، وهَكَذَا سِمِعَهُ جبرَائِيلَ ﵇، وهَكَذَا سَمِعَهُ مُحَمَّدٌ ﷺ حين أُسْرِيَ به حينَ عُرجَ به إلى السَّمَاءِ، وهَكَذَا سَمِعَهُ مُوسَى ﵊: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ [النساء: ١٦٤]. وهَذَا هو الكَلَامُ الذي يَعقِلُهُ النَّاسُ، تَعقِلُهُ الأُمَمُ أَنَّه يَتَكَلَّمُ بِكَلَامٍ يُسمَعُ.\nيَكفِي؛ لأنَّ كَلَامَهُم في كَلَامِ اللهِ كَلَامٌ صَعبٌ على القُلُوبِ وصَعبٌ على الآذَانِ سَمَاعُهُ، قَبَّحَهُمُ اللهُ.\n\n<s0>  لِمَنْ المَقَالَةُ هَذِه: إنا لَنَحكِي كَلَامَ اليَهُودِ والنَّصَارَى؟\n<s1> عَبدُ اللهِ بنُ الْمُبَارَكِ ﵀.\n* * *","vol":"1","page":265},{"text":"<span data-type='title' id=toc-51>بَابُ كَلَامِ الرَّبِّ مَعَ جِبْرِيلَ، وَنِدَاءِ اللَّهِ المَلَائِكَةَ</span>\nوَقَالَ مَعْمَرٌ: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ﴾ [النمل: ٦]، أَيْ يُلْقَى عَلَيْكَ وَتَلَقَّاهُ أَنْتَ، أَيْ: وَتَأْخُذُهُ عَنْهُمْ، وَمِثْلُهُ: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: ٣٧]\n\n٧٤٨٥ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ - هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ - عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ ﵎ إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا نَادَى جِبْرِيلَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ، فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي جِبْرِيلُ فِي السَّمَاءِ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، وَيُوضَعُ لَهُ القَبُولُ فِي أَهْلِ الأَرْضِ» (^١).\n\n<s2>\nوهَذَا فيه النِّدَاءُ وفيه الْمَحبَّةُ، فيه الكَلَامُ وفيه الْمَحبَّةُ ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]، و﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧٦)﴾ [آل عمران: ٧٦]، و﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. الآيَاتُ في هَذَا كَثِيرَةٌ، والبَابُ وَاحِدٌ، البَابُ عند أَهْلِ السُّنَّةِ والجَمَاعةِ وَاحِدٌ، هو إِثبَاتُ جِمِيعِ ما جَاءَ في الكِتَابِ العَزِيزِ والسُّنَّةِ\n_________\n(^١) ورواه مسلم (٢٦٣٧).","vol":"1","page":266},{"text":"الْمُطَهَّرةِ الصَّحِيحَةِ مِنْ صِفَاتِ اللهِ وأَسمَائِهِ على الوَجهِ اللَّائِقِ بِاللهِ، إِثبَاتًا بِلا تَمثِيلٍ، وتَنزِيهًا بِلَا تَعطِيلٍ، هَذَا قَولُ أَهْلِ الحَقِّ، وأَوَّلُهم الرُّسُلُ عَلَيهِم الصلاة والسلام وأَتبَاعُهُم مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃، وهَكَذَا أَتبَاعُهُم مِنْ أَئِمَّةِ الإِسلَامِ، يُثبِتُونَ آيَاتِ الصِّفَاتِ وأَحَادِيثَها، ويُمِرُّونَها كمَا جَاءَتْ، ويُؤمِنُونَ بما دَلَّتْ عليه مِنْ الأَسمَاءِ والصِّفَاتِ، وأَنَّهَا حَقٌّ وأَنَّهَا ثَابِتَةٌ للهِ ﷿، وأنَّها تَلِيقُ به سُبحَانَهُ، لا يُشَابِهُ فيها خَلقَهُ جل وعلا، فَيُثبِتُونَ إِثبَاتًا بَرِيئًا مِنَ التَّمثِيلِ، ويُنَزِّهُونَ اللهَ عن مُشَابَهةِ خَلقِهِ تَنزِيهًا بَرِيئًا منَ التَّعطِيلِ.\nفليس إِثبَاتُهُم كَإِثبَاتِ الْمُشَبِّهةِ، وليس تَنزِيهُهُم كَتَنزِيهِ الْمُعطِّلَةِ مِنْ الجَهمِيَّةِ والْمُعتَزِلَةِ، لا، بل إِثبَاتٌ معه تَنزِيهٌ، إِثبَاتٌ كَامِلٌ معه تَنزِيهٌ للهِ عن مُشَابَهَةِ خَلقِهِ ﷾.\n\n٧٤٨٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ العَصْرِ وَصَلَاةِ الفَجْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ، فَيَسْأَلُهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ» (^١).\n\n٧٤٨٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ وَاصِلٍ، عَنِ المَعْرُورِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ\n_________\n(^١) ورواه مسلم (٦٣٢).","vol":"1","page":267},{"text":"ﷺ قَالَ: «أَتَانِي جِبْرِيلُ فَبَشَّرَنِي أَنَّهُ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الجَنَّةَ، قُلْتُ: وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى، قَالَ: وَإِنْ سَرَقَ، وَإِنْ زَنَى» (^١).\n\n<s2>\nوهَذَا كَالأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ -أَحَادِيثِ الرَّجَاءِ وأَحَادِيثِ التَّبشِيرِ بِالجَنَّةِ لِأهلِ التَّوحِيدِ- هَذِه الأَحَادِيثُ تَدلُّ على أن أَصْلَ الدِّينِ وأَصلُ السَّعَادَةِ هو تَوحِيدُ اللهِ والإِخلَاصُ له، وأنَّ مَنْ مَاتَ عَليهِ سَالِمًا منَ الشِّركِ فَإنَّه مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وإن كَانَتْ له ذُنُوبٌ وسَيِّئاتٌ؛ ولِهذَا قَالَ: «وإن زَنَى وإِن سَرَقَ» قَالَ: «وإن زَنَى وإِن سَرَقَ»، وفي اللَّفظِ الآخَرِ: كَرَّرَها ثَلَاثًا ثم قَالَ: «على رَغمِ أَنفِ أَبِي ذَرٍّ».\nفهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ على أنَّ الْمُوحِّدِينَ مَصِيرُهُم إلى الجَنَّةِ، وأنَّ ارْتِكَابَ الذُّنُوبِ والْمَعَاصِي التي قد يَمُوتُ عليها بَعضُهُم تَحتَ مَشِيئةِ اللهِ لا تَمنَعُهُم مِنْ دُخُولِ الجَنَّةِ، وإنْ جَرَى عَلَيهِم خُطُوبٌ قَبلَهَا وأُمُورٌ من عَذَابٍ وشِدَّةٍ وغَيرِ ذَلكَ، لكنَّهَا لَا تَمنَعُهُم مِنْ دُخُولِ الجَنَّةِ في المُنتَهَى والمَصِيرِ، فمنهم من يَتُوبُ اللهُ عليه قبلَ المَوتِ فَيَسْلَمُ مِنْ شَرِّهَا، وَمِنهُم من تَكُونُ له أَعمَالٌ صَالِحَةٌ عَظِيمَةٌ تَرجُحُ بِسَيئَاتِهِ، ومِنهم يَشفَعُ فيه الشُّفعَاءُ كَنَبِيِّنا ﷺ وغَيرُهُ كَالمَلَائِكَةِ والمُؤمِنِينَ والأَفْرَاطِ؛ فَيُغفَرُ له، وَمِنهُم من يُعَذَّبُ على قَدرِ مَعَاصِيهِ كمَا تَقَدَّمَ\n_________\n(^١) ورواه مسلم (٩٤).","vol":"1","page":268},{"text":"في حَدِيثِ شَفَاعَتِهِ ﷺ في أَهْلِ المَعَاصِي، وَأنَّه يَشفَعُ فِيهِمْ فَيُحَدُّ له حَدٌّ … إلى آخره، عِدةَ مَرَّاتٍ.\nوهَكَذَا تَشفَعُ المَلَائِكَةُ، ويَشفَعُ المُؤمِنُونَ، ويَشفَعُ الأَفْرَاطُ، ثم يَقُولُ ﷾: «شَفعَ النَّبِيونَ وشَفعَتِ المَلَائِكَةُ وشَفَعَ المُؤمِنُونَ، ولم يَبقَ إلا رَحمَةُ أَرحَمِ الرَّاحِمِينَ» (^١)؛ فَيُخرِجُ من النَّارِ أَقوَامًا ما فَعَلُوا خَيرًا قَط، إلَّا أنَّهُم يَقُولُونَ: لا إِلهَ إِلَّا اللهُ، إلا أَنَّهُمْ مُوحِّدُونَ قد عُذِّبُوا على مَعَاصِيهِم، ثم صَارَتِ النَّهَايَةُ إِخرَاجَهُم مِنْ النَّارِ بِتَوحِيدِهِم وما مَاتُوا عليه مِنَ الإِسلَامِ.\nهَذَا هو قَولُ أَهْلِ السُّنَّةِ والجَمَاعةِ قَاطِبَةً، خِلَافًا للمُعتَزِلَةِ وخِلَافًا للخَوَارِجِ وخِلَافًا لِمَنْ تَابَعَهُم مِنْ أَهْلِ البَاطِلِ.\nوحَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ ﵁ هَذَا وما جَاءَ في مَعنَاهُ كُلُّهَا صَريحَةٌ في الرَّدِّ عَلَيهِم؛ لأنَّ الخَوَارِجَ كَفَّرُوا مَنْ سَرقَ ومَن زَنَى قَالُوا: إنه كَافِرٌ مُخَلَّدٌ في النَّارِ، وهَذَا غَلَطٌ مِنْهُم عَظِيمٌ، وزَلَّةٌ كَبِيرةٌ وضَلَالٌ بَعِيدٌ؛ ولِهذَا قَالَ فِيهِمْ ﷺ: «يَمْرُقُونَ مِنْ الإِسْلَامِ كما يَمرُقُ السَّهمُ من الرَّمِيةِ» (^٢)، وقال فيهم: «يَقتُلُونَ أَهْلَ الإِسلَامِ ويَدَعُونَ أَهْلَ الأَوثَانِ» (^٣).\nوهَكَذَا قالت الْمُعتَزِلَةُ ومَن تَابَعَهُم أَنَّهُمْ عُصَاةٌ مُخَلّدُون في النَّارِ، ولم يَجرُؤوا أن يَقُولُوا: كُفَّارٌ، بل قالوا: في مَنزِلَةٍ بين الْمَنزِلَتَينِ، وجَعلُوهُم لا مُسلِمِينَ ولا كُفَّارًا، بل بين ذَلكَ في الدُّنيَا، وفي الآخِرَةِ مُخَلَّدُونَ في النَّارِ كمَا\n_________\n(^١) رواه مسلم (٣٠٢) (١٨٣).\n(^٢) رواه البخاري (٣٦١١)، ومسلم (١٤٣) (١٠٦٤).\n(^٣) رواه البخاري (٣٣٤٤)، ومسلم (١٤٣) (١٠٦٤).","vol":"1","page":269},{"text":"قَالتِ الخَوَارِجُ.\nوكُلُّ هَذَا بَاطِلٌ، قَولُ الخَوَارجِ والْمُعتَزلَةِ بَاطِلٌ، بل هم مُسلِمُونَ ما دَامُوا مَاتُوا على التَّوحِيدِ ولم يُشرِكُوا باللهِ شَيْئًا ولم يَأتُوا بنَاقِضٍ مِنْ نَوَاقِضِ الإِسلَامِ، فهم على الإِسلَامِ لكنَّهم خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا، فَعَلُوا ما يُوجِبُ النَّارَ مِنَ المَعَاصِي، وفَعَلُوا ما يُوجِبُ الجَنَّةَ مِنْ تَوحِيدِ اللهِ؛ فَصَارُوا بَينَ بَينَ، بَينَ هَؤلَاءِ وبَينَ هَؤلَاءِ، لا معَ الكُفَّارِ ولا معَ المُؤمِنِينَ السَّالِمِينَ، بلْ هُمْ في بَرزَخٍ آخَرَ، وهم الَّذِينَ قَالَ فِيهِمْ سُبحَانَهُ: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨].\nولا يَدُلُّ هَذَا على التَّهَاونِ بِالمَعَاصِي فإنَّ خطَرَهَا عَظِيمٌ؛ لِأَنَّهَا تُوجِبُ غَضَبَ اللهِ وتُوجِبُ النَّارَ إلا مَنْ رَحِمَ اللهُ ومَنْ مَنَّ عَليهِ بِالعَفُوِ، فلا يَلِيقُ بِعَاقِلٍ أن يَتَسَاهَلَ بها، وإِنْ كَانَتْ لا تَمنَعُهُ مِنْ دُخُولِ الجَنَّةِ في الْمُستَقبَلِ، وإن كَانَ لا يُخَلَّدُ في النَّارِ. لكن ومَن يَرضَى؟! أَيُّ عَاقِلٍ يرَضَى أن يَدخُلَ النَّارَ ولو لَحَظَةً، سَاعَةً وَاحِدَةً؟! وأَيُّ عَاقِلٍ يَرضَى بِبَقَائِهِ في النَّارِ المُدَّةَ الطَّوِيلَة أو القَصِيرَة؟! كُلُّ هَذَا لا يَرضَاهُ عَاقِلٌ.\nفالوَاجِبُ الحَذَرُ مِنهَا، والابْتِعَادُ عنْهَا وعنْ أَسبَابِهَا، وأَنْ يَجتَهِدَ إذا بُليَ بِشَيءٍ منها بِالمبَادَرةِ بِالتَّوبَةِ والإِقلَاعِ والنَّدَمِ قبلَ أن يَنزِلَ به الأَجلُ، ولا حَولَ ولا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ.\n* * *","vol":"1","page":270},{"text":"<span data-type='title' id=toc-52>بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ [النساء:</span> ١٦٦]،\nقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] بَيْنَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَالأَرْضِ السَّابِعَة.\n٧٤٨٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الهَمْدَانِيُّ، عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «يَا فُلَانُ إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَقُلْ: اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ، وَوَجَّهْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ، آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ، فَإِنَّكَ إِنْ مُتَّ فِي لَيْلَتِكَ مُتَّ عَلَى الفِطْرَةِ، وَإِنْ أَصْبَحْتَ أَصَبْتَ أَجْرًا» (^١).\n\n<s2>\nوهَذَا فيهِ الدَّلَالَةُ على شَرعِيَّةِ هَذِه الكَلِمَاتِ الطَّيبَةِ، إذا أَوَى الإِنسَانُ إلى فِرَاشِهِ، وجَاءَ في الرِّوَايَةِ الأُخْرَى: «واجْعَلْهُنَّ مِنْ آخَرِ مَا تَقُولُ». إذا أَوَى الإِنسَانُ إلى فِرَاشِهِ قَالَ: «اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ، وَوَجَّهْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لَا مَلْجَأَ وَلَا\n_________\n(^١) ورواه مسلم (٢٧١٤).","vol":"1","page":271},{"text":"مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ، آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ».\nالشَّاهِدُ: قَولُهُ: «آمَنتُ بِكِتَابِكَ الذي أَنزَلْتَ»؛ لِأنَّه أَنْزَلَ الكِتَابَ بِعلمِهِ، وأَنزَلَهُ بِعلمِهِ مُشتَمِلًا على عِلمِهِ وعلى إِرشَادٍ عِبَادِهِ إلى كُلِّ خَيرٍ.\nويُشِيرُ مُجَاهِدٌ ﵀ وهو التَّابِعِيُّ الجَلِيلُ إلى أن هَذَا الإِنزَالَ يَعمُّ السَّمَوات ويُعُمَّ الأَرضَ جِمِيعًا بَطبَقَاتِهَا كمَا يَعُمُّ السَّمَوَاتِ بِطَبقَاتِهَا، كَأنَّه يُشِيرُ بهَذَا إلى قَولِهِ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢] فهو أَنزلَ هَذَا الكِتَابَ العَظِيمَ -وهو القُرآنُ- بِعلمِهِ العَظِيمِ، وعِلمُه لا يَنتَهِي، وهَذَا شَيءٌ مِنْ عِلمِهِ.\nأَنْزَلَهُ على عِبَادِهِ على يَدِ أَفضَلِ خَلقِهِ وأَشرَفِهِم مُحَمَّدٍ ﵊ في أَفضلِ بُقعَةٍ وفي أَفضَلِ مَكَانٍ، في مَكَّةَ المُكَرَّمةِ ثم المَدِينَةِ الْمُنَوَّرةِ، في أَفضلِ زَمَانٍ وأَشرَفِ زمَانٍ في رَمَضَانَ في لَيلَةِ القَدرِ، هَذِه أَنوَاعٌ مِنْ الفَضلِ وأَنوَاعٌ مِنَ الشَّرفِ لِهذَا الكِتَابِ العَظِيمِ.\nوفيه مِنَ العُلُومِ والتَّوجِيهِ إلى أَنوَاعِ الخَيرِ والتَّحذِيرِ مِنْ أَنْوَاعِ الشَّرِّ، والخَبرِ عَمَّن مَضَى وعمَا يَأَتيِ ما لا يُحصِيهِ إلا اللهُ ﷿، وإنما يَعلَمُ مِقدَارَ ذَلكَ مَنْ تَدَبَّرَهُ وتَعَقَّلَهُ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ والبَصِيرةِ ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩]، ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ (٩)﴾ [الإسراء: ٩]، ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ [فصلت: ٤٤]، ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ [ص: ٢٩].","vol":"1","page":272},{"text":"فَجِدِيرٌ بِأهلِ الإِيمَانِ، وجَدِيرٌ بِأهلِ العِلْمِ بِوجِهٍ خَاصٍّ أن تَكُونَ لهم العِنَايةُ العَظِيمَةُ الكَامِلَةُ بهَذَا الكِتَابِ -تَدَبُّرًا، وتَعَقُّلًا، وعَمَلًا، ودَعوَةً، وتَوجِيهًا، وإِرْشَادًا لِلعِبَادِ؛ لِيعلَمُوا حَقَّ رَبِّهم وما فَرضَ عَليهم وما دَعَاهُم إليه، وما لهم عنده مِنَ الخَيرِ العَظِيمِ إذا أَجَابُوا دَعوَتَهُ وأَدَّوا حَقَّهُ ﷾.\n(الشَّيخُ): كَذَا عِندكَ «أَصَبتَ أَجْرًا»؟\nقَالَ ابنُ بَازٍ ﵀: وفي رِوَايَةٍ «خيرًا»، وفي رِوَايَةٍ: «أَصبْتَ خَيرًا» (^١)، وفي الرِّوَايَةِ الأُخْرَى: «خَيْرًا».\nوفيه فَضْلُ هَذَا الذِّكرِ والضَّرَاعَةِ إلى اللهِ، وأنَّ صَاحِبَهَا إذا قَالها عن صِدِّقٍ وإِخلَاصٍ لو مَاتَ مَاتَ على الفِطرَةِ يَعْنِي: على الإِيمَانِ، وإن أَصبَحَ أَصَابَ أَجْرًا وأَصَابَ خَيرًا.\nكَلِمَاتٌ عَظِيمَةٌ فيها تَجَرُّدٌ مِنْ الحَولِ والقُوَّةِ إلى اللهِ ﷿، وَأنَّه سُبحَانَهُ هو مُصَرِّفُ أَمرِهِ، مُصَرِّفُ أَمرِ العِبدِ ومُدَبِّرُهُ، وهو العَلِيمُ بِحَالِهِ، وهو القَادِرُ عليه، ثم خَتَمَ هَذَا بقَولِهِ: «آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ». وهَذَا الخَتمُ يَتَضَمَّنُ إِيمَانَهُ بِكلِّ ما في القُرآنِ مِنْ تَوحِيدٍ وإِخْلَاصٍ وأَوَامرَ ونَواهٍ وقَصَصٍ وغَيرِ ذَلكَ.\nفكان هَذَا كلامًا عظيمًا، وخَاتِمَةً عَظِيمَةً، وصَاحِبُهُ جَدِيرٌ بأن يَحصُلَ له هَذَا الخَيرُ: إن مَاتَ مَاتَ على الفِطرَةِ وإن أَصبَحَ أَصَابَ أَجرًا وأَصَابَ خَيْرًا: «اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ، وَوَجَّهْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ،\n_________\n(^١) ورواه مسلم (٥٨) (٢٧١٠).","vol":"1","page":273},{"text":"آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ، فَإِنَّكَ إِنْ مُتَّ فِي لَيْلَتِكَ مُتَّ عَلَى الفِطْرَةِ، وَإِنْ أَصْبَحْتَ أَصَبْتَ أَجْرًا». والأفضل أن يَكُونَ مِنْ آخِرِ كَلَامِهِ عند النَّومِ.\n\n<s0>  كيفَ الجَمعُ بينَهُ وبين: «مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لا إِلهَ إِلَّا اللهُ دَخَلَ الجَنَّةَ»؟\n<s1> لا مُنَافَاةَ، هَذَا عَامٌّ وهَذَا خَاصٌّ، هَذَا خَاصٌّ عند النَّومِ وذاك عَامٌّ في آخِرِ حَيَاةِ الإِنسَانِ.\n\n<s0>  الجَمعُ بين الأَدْعِيَةِ الوَارِدَةِ عند النَّومِ يُشرَعُ التَّنَوعُ أو الجَمْعُ؟\n<s1> الظَّاهِرُ: أَنَّه يُشرَعُ أن يَأتِيَ بها كُلِّهَا إذا تَيسَرَ؛ لأنَّ الرَّسُولَ ﷺ ما بينَ مُعلِّمٍ لها وما بينَ فَاعِلٍ لها، فإذا تَيَسَّرَ لِلعَبدِ أن يَأتِي بها جَمِيعَها أو ما تَيَسَّرَ منها فهو المَطلُوبُ.\n\n<s0>  أَحسَنَ اللهُ إِليكَ، يُشرَعُ عند النَّومِ أنْ يَقُولَ كَلمَةَ التَّوحِيدِ ثم يَقُولُ هَذَا الدُّعَاءَ جَمعًا بَينَ الحَدِيثَينِ؟\n<s1> لا أَعلمُ، كُلُّهُ خَيرٌ، لا أَعلَمُ مِنْ ذَلكَ، إذا قالَ: سُبحَانَ اللهِ والحَمدُ للهِ ولا إِلهَ إِلَّا اللهُ واللهُ أَكبَرُ، أو قَالَ: لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لا شَريكَ له، أو قَالَ: لا إِلهَ إِلَّا اللهُ، كُلُّهُ خَيرٌ. لكن لا أَتَذَكَّرُ الآن في كَلِمَاتِ النَّبيِّ ﷺ عند النَّومِ غَيرَ هَذِه الكَلِمَةِ، وهي دَاخِلَةٌ في قَولِهِ: «آمَنتُ بِكِتَابِكَ …»؛ لأنَّ في كتَابِهِ: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩]، ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣] دَاخِلَةٌ في الكَلِمَةِ هَذِه.\n* * *","vol":"1","page":274},{"text":"٧٤٨٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ابْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ الأَحْزَابِ: «اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الكِتَابِ، سَرِيعَ الحِسَابِ، اهْزِمِ الأَحْزَابَ، وَزَلْزِلْ بِهِمْ».\nزَادَ الحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ (^١)، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي خَالِدٍ، سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ (^٢).\n\n٧٤٩٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، عَنْ هُشَيْمٍ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠]، قَالَ: «أُنْزِلَتْ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُتَوَارٍ بِمَكَّةَ، فَكَانَ إِذَا رَفَعَ صَوْتَهُ سَمِعَ المُشْرِكُونَ، فَسَبُّوا القُرْآنَ وَمَنْ أَنْزَلَهُ وَمَنْ جَاءَ بِهِ».\nوَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ لَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ حَتَّى يَسْمَعَ المُشْرِكُونَ»، ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ عَنْ أَصْحَابِكَ فَلَا تُسْمِعُهُمْ، ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ أَسْمِعْهُمْ وَلَا تَجْهَرْ، حَتَّى يَأْخُذُوا عَنْكَ القُرْآنَ (^٣).\n_________\n(^١) كذا في «عمدة القارئ» وفي غيره، وفي «الفتح»: زَادَ الحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي خَالِدٍ.\n(^٢) ورواه مسلم (١٧٤٢).\n(^٣) ورواه مسلم (٤٤٦).","vol":"1","page":275},{"text":"<s2>\nوذَلكَ لأنَّ القُرآنَ هو أَعظَمُ مُهِمَّةٍ في الصَّلَاةِ؛ فلِهذَا أَطلَقَ عليهِ الصَّلَاةَ، يَعْنِي: قِرَاءَتَكَ.\nوهَذَا مِثلمَا جَاءَ في الحَدِيثِ الذي رَوَاهُ مُسلِمٌ في «الصَّحِيحِ»: «يَقُولُ اللهُ ﷿: قَسَمتُ الصَّلَاةَ بَينِي وبَينَ عَبدِي نِصفَينِ» (^١). يَعْنِي: القِرَاءَةَ، يَعْنِي: الفَاتِحَةَ؛ لأنَّ القِرَاءَةَ رُكنُهَا العَظِيمُ والمَقصُودُ العَظِيمُ مِنْ فَرضِهَا، ولِمَا في ذَلكَ مِنْ تَوجِيهِ النَّاسِ وإِسمَاعِهِم كِتَابَ اللهِ في حَالِ خُشُوعٍ وحَالِ إِقْبَالٍ.\n\n<s0>  أَحسَنَ اللهُ إِليكَ، قَولُهُ: زَادَ الحُمَيدِيُّ، حَدَّثنَا سُفيَانُ قَالَ: حَدَّثنَا ابنُ أَبِي خَالِدٍ؟\n<s1>  كَأنَّ الرِّوَايَاتِ الأُخْرَى ما فيها: حَدَّثنَا.\n(القَاِرئُ): سَاقِطَةٌ في المَتِن مَوجُودةٌ في الشَّرحِ.\n* * *\n_________\n(^١) رواه مسلم (٣٨) (٣٩٥).","vol":"1","page":276},{"text":"<span data-type='title' id=toc-53>بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾ [الفتح: ١٥]، ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ [الطارق: ١٣] «حَقٌّ» ﴿وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ﴾ [الطارق: ١٤] «بِاللَّعِبِ»</span>\n٧٤٩١ - حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ، وَأَنَا الدَّهْرُ بِيَدِي الأَمْرُ، أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ» (^١).\n\n<s2>\nوهَذَا يُفِيدُ تَحرِيمَ سَبَّ الدَّهرِ، وَأنَّه لا يَجُوزُ أن يُسَبَّ الدَّهرُ، الدَّهرُ مَخلُوقٌ مِنَ الْمَخلُوقَاتِ يُصَرِّفُهُ اللهٌ، ولِهذَا قَالَ: «يُؤذِينِي ابنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهرَ، وأنا الدَّهرُ». يَعْنِي: وأنا خَالِقُ الدَّهرِ ومُصَرِّفهُ، ومُقَلِّبُه؛ ولذَلكَ قَالَ في اللَّفظِ الآخَرِ: «أُقَلِّبُ لَيلَهُ ونَهَارَهُ» (^٢)؛ فَسَبُّهُ سَبٌّ لِصَانِعِهِ وخَالِقِه، فَلا يَلِيقُ بِالمُؤمِنِ أن يَقُولَ: لا بَارَكَ اللهُ في هَذِه السَّاعَةِ، أو قَاتَلَ اللهُ هَذِه السَّاعَةَ، أو لَعَنَ اللهُ هَذِه السَّاعَةَ، أو هَذَا اليَومَ أو هَذِه اللَّيلَةَ أو هَذَا المَسَاءَ.\nالمَقْصُودُ: فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالزَّمَانِ، وهَكَذَا سَبُّ الأَشيَاءِ كُلِّهَا مَمنُوعٌ إلا مَنْ\n_________\n(^١) ورواه مسلم (٢٢٤٦).\n(^٢) رواه مسلم (٢٢٤٦).","vol":"1","page":277},{"text":"أَذِنَ اللهُ في سَبَّهِ، فَالمَرءُ لا يَكُونُ سَبَّابًا ولا لَعَّانًا إلا مَنْ شَرعَ اللهُ سَبَّهُ.\n\n<s0>  بَعضُ النَّاسِ إذا زَارَهُ شَخْصٌ قَالَ: هَذَا يَومٌ مُبَاركٌ؟\n<s1> إذا قَالَهَا بِمَعنَى أَنَّها زِيَارَةٌ مُبَارَكةٌ، وأنَّ اليَومَ الذي حَصَلَتْ فيهِ [مُبارَكٌ]؛ ما نَعلَمُ فيه شَيْئًا.\n\n٧٤٩٢ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «يَقُولُ اللَّهُ ﷿: الصَّوْمُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَأَكْلَهُ وَشُرْبَهُ مِنْ أَجْلِي، وَالصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَلِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ حِينَ يُفْطِرُ، وَفَرْحَةٌ حِينَ يَلْقَى رَبَّهُ، وَلَخَلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ المِسْكِ» (^١).\n\n<s2>\nالشَّاهِدُ في هَذَا كُلِّهِ: أَنَّه يَتَكَلَّمُ إذا شَاءَ ﷾، مَقصُودُ المَؤَلِّفِ بَيَانُ الأَحَادِيثِ التي فيها كَلَامُهُ جل وعلا، وتَكلِيمُ عِبَادِهِ، وإِخبَارهِ عن نَفسِهِ بما هو أَهلُهُ، وإِخبَارُهُ عِبَادَهُ بما يُحِبُّهُ مِنْ أَعمَالِهِم، وهو تَكَلَّمَ ويَتَكلَّمُ إذا شَاءَ جل وعلا رَدًّا على أَهْلِ البِدَعِ الْمُنكِرِينَ لِكَلَامِهِ ﷾، فقد قالَ ويَقُولُ وتَكَلَّمَ ويَتَكَلَّمُ إذا شَاءَ، لا مَانِعَ له مِنْ ذَلكَ ﷾.\nوهَذَا مِنْ صِفَاتِ كَمَالِهِ. مِنْ نَقصِ الأَصنَامِ والأَحجَارِ والأَشجَارِ أَنَّها لا تَتَكَلَّم كما قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا (٨٩)﴾ [طه: ٨٩]، عَابَهَا بِأنها لا تُرجِعُ قَولًا ولا تَتَكَلَّمُ، كَونُهُ يَتَكَلَّم ويَقولُ هَذَا مِنْ\n_________\n(^١) ورواه مسلم (١١٥١).","vol":"1","page":278},{"text":"صِفَاتِ الكَمَالِ، ومِن وُجُوهِ استِحقَاقِهِ العِبَادَةَ ﷾، فهو يَتَكَلَّمُ ويَأمُرُ ويَنهَى إذا شَاءَ بما يَشَاءُ؛ ولِهذَا تَكَلَّمَ قَالَ: «يُؤذِينِي ابنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهرَ، وأنا الدَّهرُ» (^١)، «الصَّومُ لي وأنَا أجْزِي بهِ».\n\n٧٤٩٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «بَيْنَمَا أَيُّوبُ ﵇ يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا خَرَّ عَلَيْهِ رِجْلُ جَرَادٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَجَعَلَ يَحْثِي فِي ثَوْبِهِ، فَنَادَاهُ رَبُّهُ: يَا أَيُّوبُ أَلَمْ أَكُنْ أَغْنَيْتُكَ عَمَّا تَرَى؟. قَالَ: بَلَى، يَا رَبِّ، وَلَكِنْ لَا غِنَى بِي عَنْ بَرَكَتِكَ».\n\n<s2>\nوهَذَا فيه قَولُهُ: «يا أَيَّوبَ» يُنَادِيهِ: «يَا أَيُّوبَ أَلم أُغنِكَ عن هَذَا»، كَلَامٌ خَاصٌّ مع نَبِيٍّ خَاصٍّ ﵊، فَقَالَ: «بَلَى، ولكن لا غِنًى لي عن بَركَتِكَ». لأنَّ إِنزَالَ هَذَا الخَيرِ مِنَ البَركَةِ، وقد أَنْزَلَ عليه رِجْلًا من جَرَادٍ من ذَهَبٍ، فهَذَا مِنْ بَركَةِ اللهِ ﷾؛ ولِهذَا كَانَ يَحثُو، يَحثُو منه أَيُّوبُ ﵊؛ لِأنَّه مِنحَةٌ منَ اللهِ ونِعمَةٌ مِنَ اللهِ سَاقَهَا إِلَيهِ ومِن بَركَاتِهِ ﷾، «لا غِنًى لي عن بَركَتِكَ». إذا يَسَّرَ اللهُ لِلعَبدِ مِنْ الكَسبِ الحَلَالِ والرِّزقِ الحَلَالِ لا حَرجَ في أَخذِهِ وجَمعِهِ والإِنفَاقِ منه، والإِحسَانِ منه إلى النَّاسِ.\nوَفِيهِ: جَوازُ الاغتِسَالِ عُريَانًا؛ فإن أَيُّوبَ ﵇ اغْتَسَلَ عُريَانًا، وهَكَذَا مُوسَى ﵇ اغْتَسَلَ عُريَانًا، وهَكَذَا كَانَ نَبِيُّنَا ﷺ يَتَجَرَّدُ ويَغتَسِلُ\n_________\n(^١) تقدم برقم (٧٤٩١).","vol":"1","page":279},{"text":"مع أَهلِهِ، فلا بأسَ بذَلكَ في الْمَحِلِّ الْمَستوِر عن أَعْيُنِ النَّاسِ، في حَمَّامِهِ، في مُغتَسَلِهِ، في مَحِلٍّ مَستُورٍ، مَشرُوعٌ له أن يَتَجَرَّدَ مِنْ ثِيَابِهِ حَتَّى يَغتَسِلَ، ولِهذَا تَجَرَّدَ أَيُّوبَ ﵊، وهَكَذَا مُوسَى ﵇ وهَكَذَا نبيُّنا ﵊.\nوالمَقْصُودُ: النَّبيُّ ﷺ ذَكرَ أَنَّه عُرْيَانٌ وأَقَرَّهُ النَّبيُّ ﷺ؛ فَدَلَّ ذَلكَ على أَنَّه لا بَأْسَ بِالتَّعَرِّي لِلاغْتِسَالِ لِغُسلِ الجَنَابةِ وغُسلِ التَّبَرُّدِ وغُسلِ يَومِ الجُمُعُةِ ونَحوِ ذَلكَ.\n\n<s0>  أَحسَنَ اللهُ إِليكَ، قَولُهُ: «يُؤذِينِي ابنُ آدَمَ»؟\n<s1> فيه الدَّلَالَةُ على أنَّ العَبدَ يُؤذِي رَبَّه بِمَعَاصِيهِ وسَيِّئاتِهِ ولا يَضُرُّهُ، يُؤذِيهِ ولا يَضُرُّهُ، والضَّررُ على العَبدِ، لا يَضرُّ اللهَ شَيْئًا: «إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي» (^١)، فاللهُ لا يَضُرُّهُ شَيءٌ فهو الغَنيُّ والكَامِلُ والقَادِرُ على كُلِّ شَيءٍ فلا يَضُرُّهُ الخَلقُ ولكن يُؤذِيهِ العَبدُ بِمَعَاصِيهِ وشِركِهِ، أنْ يَفعَلَ شَيْئًا يَكرَهُه اللهُ ويَبغَضُهُ اللهُ منهُ، ويَكُونُ أَذًى مِنْ العَبدِ لِرَبِّهِ بِتَعَاطِيهِ ما حَرَّمَهُ عليه، والأَذَى غَيرُ الضَّرَرِ.\n\n<s0>.؟\n<s1> ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ﴾ [الأحزاب: ٦٩] هَذَا في كَلَامِهِ.\n\n<s0>  الاغْتِسَالُ مع الأَهلِ عُرِيَانًا؟\n<s1> إذا كَانَ ما مَعَهُم أَحَدٌ، ما فيهِ شَيءٌ.\n\n<s0>  قَولُهُ لِأَيُّوبَ ﵇: «أَلمْ أَكُنْ أَغنَيتُكَ عَنْ هَذَا»، هَذَا إِنكَارٌ عَليهِ في أَخذِهِ؟\n_________\n(^١) رواه مسلم (٥٥) (٢٥٧٧).","vol":"1","page":280},{"text":"<s1>  سَؤَالٌ يَسأَلُهُ، فَقَالَ: بَلَى، ولِهذَا أَجَابَ: «بلَى»؛ لِإظْهَارِ النِّعمَةِ لِإظْهَارِ الفَضلِ والنِّعمَةِ؛ ولِيتَكَلَّم أَيُّوبُ ﵇ بما أَرسَلَهُ اللهُ إليه وأَنزلَ مِنْ البَركَةِ لِيستَفِيدَ النَّاسُ ويَعلَمُوا، فهو سَألَ وهو أَجَابَ لِحكمَةٍ بَالِغَةٍ منها: أن يَستَفِيدَ النَّاسُ.\n\n<s0>  ولا يُنَافِي أن تَكُونَ هَذِه الرِّجْلُ مِنْ بَركَتِهِ؟ يَعْنِي هَذِه الرِّجلُ مِنَ الذَّهبِ دَاخِلَةٌ في بَركَةِ اللهِ؟\n<s1>  مِنْ بَركَةِ اللهِ.\n\n<s0>  أَحسَنَ اللهُ إِليكَ هل كَلَّمَ اللهُ أَيُّوبَ ﵇ بِوَاسِطَةٍ ﷾؟\n<s1>  يَظهَرُ منَ السِّيَاقِ أَنَّه كَلَّمَهُ سُبحَانَهُ مُشَافَهَةً، ولا مَانِعَ مِنْ ذَلكَ، مِثلمَا كَلَّمَ مُوسَى ﵇ وكَلَّمَ مُحَمَّدًا عَلَيهِم الصلاة والسلام، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ [النساء: ١٦٤]، ومُحَمَّدٌ ﷺ لما عُرِجَ به إلى السَّمَاءِ كَلَّمَهُ اللهُ، وفَرضَ عَلَيهِ الصَّلَوَاتِ الخَمسَ.\n\n٧٤٩٤ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الأَغَرِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يَتَنَزَّلُ (^١) رَبُّنَا ﵎ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنيَا، حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ» (^٢).\n_________\n(^١) كذا في «الفتح»، وفي «عمدة القارئ» وغيره: «يَنْزِلُ».\n(^٢) ورواه مسلم (٧٥٨).","vol":"1","page":281},{"text":"<s2>\nوهَذَا التَّنزُّلُ ثَابِتٌ مِنْ أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ، ومُتَوَاتِرٌ عن الرَّسُولِ ﵊.\nوفيه الدَّلَالَةُ على عُلُوِّ اللهِ كمَا تَقَدَّمَ مِنَ الآيَاتِ والأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ على النُّزُولِ، فَالتَّنَزّلُ والنُّزُولُ كُلُّهُ دَالٌّ على عُلُوِّ المنزِّلِ، وَأنَّه فَوقَ الجَمِيعِ ﷾، وَأنَّه يَنْزِلُ إلى السَّمَاءِ الدُّنيَا كُلَّ لَيلَةٍ نُزُولًا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ، لا يَعلَمُ كَيفِيَّتَهُ سِوَاهُ ﷾ مع كَونِه عَالِيًا فَوقَ العَرشِ، وهو فَوقَ الجَمِيعِ ويَتَنَزَّلُ إلى السَّمَاءِ الدُّنيَا كُلَّ لَيلَةٍ نُزُولًا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ لا يُعلَمُ كَيفِيَّتَهُ سُبحَانَهُ.\nوهو نُزُولٌ يَلِيقُ بِجَلَالِهِ ولا يَتنَافَى مع اخْتِلَافِ الليَّلِ والنَّهَارِ في سَائِرِ أَرجَاءِ الدُّنيَا، فإنَّ اللَّيلَ والنَّهَارَ في الدُّنيَا مُختَلِفٌ، فَآخِرُ اللَّيلِ عند قَومٍ هو لَيْسَ بِآخِرِ اللَّيلِ عند آخَرِينَ، بل وَسَطُ اللَّيلِ أو أَوَّلُ اللَّيلِ كمَا بينَ المَشرِقِ والمَغرِبِ، فهو نُزُولٌ يَلِيقُ بِاللهِ في كُلِّ بَلَدٍ وفي كُلِّ إِقلِيمٍ، وفي كُلِّ جِهَةٍ بِحَسَبِهَا، لا يَعلَمُ كَيفِيَّةَ ذَلكَ إلا هو ﷾.\nوقد كَتَبَ في هَذَا أَبُو العَبَّاسِ -شَيخُ الإِسلَامِ ابنُ تَيمِيَّةَ- كِتَابًا جَيِّدًا شَرحَ فيه حَدِيثَ النُّزُولِ، وبَيَّنَ فيه هَذِه المَعَانِي، وأنَّ النُّزُولَ صِفَةٌ خَاصَّةٌ مِنْ صِفَاتِ اللهِ ﷿ لا يَلزَمُ منها تَكْييفٌ ولا تَمثِيلٌ كَسَائِرِ الصِّفَاتِ، فلا يَلزَمُ منها تَعَارضٌ بِسبَبِ اخْتِلَافِ اللَّيلِ والنَّهَارِ في البُلدَانِ، فَالتَّعَارضُ بِالنِّسبَةِ إِلَينَا ولِصِفَاتِنَا، أما بِالنِّسبَةِ إلى اللهِ فلا يَتَعَارضُ؛ لِأنَّه لا يَعلَمُ كَيفِيَّةَ صِفَاتِهِ إلا هو ﷾.\nفعلى العَبدِ الإِيمَانُ والتَّسلِيمُ، على الأُمّةِ الإِيمَانُ والتَّصدِيقُ والإِقرَارُ بما","vol":"1","page":282},{"text":"جَاءَ عنِ الرَّسُولِ ﷺ على الوَجهِ اللَّائِقِ بِاللهِ، وعلى المَعنَى الذي أَرَادَهُ اللهُ ﷾.\nوالفَائِدَةُ العَظِيمَةُ من هَذَا: حَثُّ العِبَادِ على الدُّعَاءِ في هَذَا الوَقتِ العَظِيمِ: هل مِنْ داَعٍ فَيُستَجَابُ له؟ هل مِنْ تَائِبٍ فَيُتَابُ عليه؟ هل من سَائِلٍ فَيُعطَى سُؤلَهُ؟ هل مِنْ مُستَغفِرٍ فَيُغفَرُ له؟\nفَيَنبَغِي للمُؤمِنِ أن يَكُونَ له نَصِيبٌ في هَذَا الوَقتِ مِنْ عِبَادَتِهِ ودُعَائِهِ وضَرَاعَتِهِ إلى رَبِّهِ جل وعلا، ولا يَستَبْطِئَ الإِجَابَةَ ولا يَقُولَ: لم يُجَبْ. يَدعُو والأَمرُ بِيدِ اللهِ ﷾، فقد يُعَجِّلُ الإِجَابَةَ لِحكْمَةٍ، وقد يُؤَجِّلُهَا لِحكْمَةٍ، وقد يمْنَعُهَا لِحكْمَةٍ، فَيصْرِفُ عن العَبدِ شَيْئًا يَضُرُّهُ سِوَاهَا كمَا في الحَدِيثِ الصَّحيحِ: «ما مِنْ عَبدٍ يَدْعُو اللهَ بِدعُوَةٍ لَيْسَ فيها إِثمٌ ولا قَطِيعَةُ رَحِمٍ إلا أَعطَاهُ اللهُ بها إِحدَى ثَلَاثٍ: إما أنْ تُعَجَّلَ له دَعوَتُهُ في الدُّنيَا، وإمَّا أن تُدَخَرَ له في الآخِرَةِ، وإمَّا أَنْ يُصرَفَ عنه مِنَ الشَّرِّ مِثلُ ذَلكَ»، قالوا: يا رَسُولَ اللهِ، إذًا نُكثِرُ. قَالَ: «اللهُ أَكثَرُ» (^١).\nفأنتَ على خَيرٍ في دُعَائِكَ، اسْألْ رَبَّكَ، وأنت على خَيرٍ، فادْعُ رَبَّكَ بِإخْلَاصٍ وصِدقٍ واسْألْ حَاجَتَكَ، وَرَبُّكَ أَعلَمُ بذَلكَ، إن شَاءَ سُبحَانَهُ عَجَّل هَذَا كما يَقَعُ وَوَقَعَ لِكَثِيرٍ منَ النَّاسِ، عُجِّلَت لهم طَلَبَاتُهُم، وقد تُؤَجَّلُ كمَا وَقَعَ أَيضًا لِكَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ أُجِّلَت طَلَبَاتُهُم ولم تَحصُلْ لهم في الدُّنيَا، وقد يُصرَفُ عنه منَ الشَّرِّ ما لا يَدُورُ على بَالِهِ ولم يُذكَرْ في خَيالِهِ؛ فَضلًا مِنْ اللهِ ﷾، وبَدَلًا مِنْ إِجَابتِهِ لهَذِه الدَّعوَةِ أُعطِي ما هو خَيرٌ منها وأَفضَلُ، أو أُجِّلَتْ لَه في الآخِرَةِ لِيكُونَ ذَلكَ أَنفعَ له؛ لأنَّ حِكمَةَ اللهِ اقْتَضَتْ ألَّا تَحصُلَ له في الدُّنيَا،\n_________\n(^١) رواه البخاري في «الأدب المفرد» (٧١٠).","vol":"1","page":283},{"text":"إلى غَيرِ ذَلكَ.\n\n<s0>  أَحسَنَ اللهُ إِليكَ، نُزُولُ الرَّبِّ مِنْ ثُلُثِ اللَّيلِ الآخِرِ حَتَّى الفَجرِ؟\n<s1> نعم حَتَّى طُلُوعِ الفَجرِ في كُلِّ بَلَدٍ، نُزُولًا يَلِيقُ به لا يُشبِهُ خَلقَهُ في ذَلكَ، ولا يَعلمُ كَيفِيَّتَه إلا هو ﷾.\n\n٧٤٩٥ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، أَنَّ الأَعْرَجَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ» (^١).\n\n٧٤٩٦ - وَبِهَذَا الإِسْنَادِ قَالَ اللَّهُ: «أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ» (^٢).\n\n<s2>\nهَذَا الشَّاهِدُ: «قَالَ اللهُ: أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ» وهَذَا من فَضلِ اللهِ العَظِيمِ: «يَا بْنَ آدَمَ أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ». وهَذَا مِثلُ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٣٩)﴾ [سبأ: ٣٩]، ﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [التغابن: ١٧]. فَالمَشرُوعُ لابنِ آدَمَ أن يُنْفِقَ ويُحسِنَ ولا يَبخَلَ؛ واللهُ يُعَوِّضُهُ خَيرًا عَاجِلًا أو آجِلًا.\nوالبُخلُ ذَمِيمٌ وقَبِيحٌ، لا يَلِيقُ بِالمُؤمِنِ، بل يَنبَغِي له أن يَكُونَ جَوَادًا كَرِيمًا\n_________\n(^١) ورواه مسلم (٨٥٥).\n(^٢) ورواه مسلم (٩٩٣).","vol":"1","page":284},{"text":"مُنْفِقًا مما يَسَّرَ اللهُ له: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: ٧]، «اتَّقُوا النَّارَ ولو بِشِقِّ تَمرَةٍ» (^١)، فلا يَنبَغِي له أن يَحمِلَهُ سُوءُ الظَّنِّ بِاللهِ، أو البُخلُ بِمَا أَعطَاهُ اللهُ، أو مَحبَّةُ المَالِ أو غيرُ هَذَا مِنْ الآفَاتِ التي لا تَنبَغِي، لا يَنبَغِي أن تَحمِلَه تلكَ الآفَاتُ على الإِمسَاكِ عن الإِنفَاقِ في مَحِلِّهِ والجُودِ في محِلِّه، ولو لمْ تَعلَمْ حَالَ المُعْطَى، إذا سَألَ أو ظَنَنتَ أَنَّه مُحتَاجٌ تُعطِه ما تَيسَّرَ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (١٩)﴾ [الذاريات: ١٩]، السَّائِلُ قد يَكُونُ مَعلُومًا وقد يَكُونُ مَجهُولًا، فإذا عَلمَتَ أَنَّه مُحتَاجٌ فهَذَا آكَدُ، وإذا لم تَعلَمْ تُعطِهِ، قد يَكُونُ مُحتَاجًا وأنت لا تَدْرِي، تُعطِهِ ما تَيَسَّرَ.\nأما إذا عَلمتَ حَالةً ثَالِثَةً: وهو أَنَّه غَنيٌّ وَأنَّه كَذَّابٌ فهَذَا يُزجَرُ ويُؤَدَّبُ ويُعَلَّمُ ويُوَجَّهُ إلى الخَيرِ؛ حَتَّى يَنتَهِيَ عن جَشَعِهِ وحِرصِهِ على المَالِ، وهو لا يَستَحِقُّ؛ لأنَّ اللهَ قد أَغنَاهُ.\nفالسَّائِلُونَ ثَلَاثَةُ أَقسَامٍ: مَجهُولٌ، وفَقِيرٌ مَعلُومٌ، وغَنِيٌّ مَعلُومٌ:\n١ - فَالفَقِيرُ المَعلُومُ: لا إشكالَ فيه، يُعطَى.\n٢ - والمَجهُولُ: يُعطَى بما يَسَّرَ اللهُ، وليس مِثلَ المَعلُومِ.\n٣ - والمَعلُومُ أَنَّه غَنِيٌّ: يُعَلَّمُ ويُوجَّه ويُرشَدُ ويُزجَرُ عن عَمَلهِ السَّيِّئِ.\n\n<s0>  الذي ظَاهِرُهُ الفَقرُ؟\n<s1> ما دَامَ ما تَعلمُ حَالَهُ تُعطِيه، إلَّا مِنَ الزَّكَاةِ، إذا كَانَ مَجْهُولًا تَقُولُ له هَذَا زَكَاةٌ حَتَّى يَعلَمَ، أمَّا صَدَقَةُ الْمُتَطَّوعِ ما يَحتَاجُ سُؤَالًا.\n_________\n(^١) رواه البخاري (١٤١٧)، ومسلم (١٠١٦) (٦٨).","vol":"1","page":285},{"text":"<s0> … (^١)؟\n<s1>  ما فيه مَانِعٌ، مِثلمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِسَعدٍ ﵁: «إنَّك إن تَذَرْ وَرَثَتكَ أَغنِياءَ خَيرٌ مِنْ أن تَتركَهُم فُقَرَاءَ يَتَكَّفَّفُونَ النَّاسَ» (^٢)، ولا يَمنَعُ مِنَ الصَّدَقَةِ، النَّبيُّ ﷺ كَانَ يَعزِلُ نَفَقَةَ أَهلِهِ سَنَةً ﵊، ثم يُنفِقُهَا، وقد يَمرُّ عليه الأَيّامُ الكَثِيرةُ واللَّيَالِي وليس عنده شَيءٌ، ﵊.\n\n٧٤٩٧ - حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ فَقَالَ: «هَذِهِ خَدِيجَةُ أَتَتْكَ بِإِنَاءٍ فِيهِ طَعَامٌ - أَوْ إِنَاءٍ فِيهِ شَرَابٌ - فَأَقْرِئْهَا مِنْ رَبِّهَا السَّلَامَ، وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ مِنْ قَصَبٍ لَا صَخَبَ فِيهِ، وَلَا نَصَبَ» (^٣).\n\n<s2>\nهَذَا الشَّاهِدُ قَولُهُ: «أَقْرِئهَا مِنْ رَبِّهَا السلَّامَ» أَنَّه ﷾ يَتَكَلَّمَ وَأنَّه يُسَلِّمُ على مَنْ شَاءَ ﷾؛ ولِهذَا جَاءَ جَبرَائِيلَ ﵇ يَحمِلُ منَ اللهِ السَّلَامَ لِخَدِيجةَ ﵂، هَذَا فَضلٌ كَبِيرٌ لِخَدِيجَةَ ﵂. أنَّ اللهَ أَمرَ جَبرَائِيلَ أن يُبَلِّغَهَا منه السَّلَامَ وأن يُبَشِّرَهَا بِالجَنَّةِ، بِبَيتٍ في الجَنةِ مِنْ قَصَبٍ لا صَخَبَ فيه ولا نَصَبَ، قال العُلمَاءُ: القَصَبُ يَعْنِي: مِنْ اللُّؤلُؤِ.\n«وليس فيه صَخَبٌ ولا نَصَبٌ» يَعْنِي: لَيْسَ فيه تَعَبٌ ولا صِياحٌ يُؤذِي، فليس فيه صَخَبٌ منَ الكَلَامِ المُؤذِي،\n_________\n(^١) ولعل السؤال: هل الفقير يتصَدق؟\n(^٢) رواه البخاري (١٢٩٥)، ومسلم (١٦٢٨) (٥).\n(^٣) ورواه مسلم (٢٤٣٢).","vol":"1","page":286},{"text":"ولا نَصَبٌ مما يُتعِبُ، بل هو مِنْ أَنوَاعِ النَّعِيمِ، وفيه ما هو نَعِيمٌ، كُلهُ نَعِيمٌ، فهَذَا يَدُلُّ على فَضلِهَا والشَّهَادةِ لها بِالجَنَّةِ، وأنها مِنَ المَشهُودِ لهم بِالجَنَّةِ ﵂.\nوهَذَا مِنْ الوُجُوهِ التي فُضِّلَت بها خَدِيجَةُ ﵂ على عَائِشَةَ ﵂ وعلى بَقِيَّةِ الأَزوَاجِ ﵅ جَمِيعًا.\n\n<s0>  ما رَفَعَهُ أَبُو هُرَيرَةَ ﵁ هنا؟\n<s1> هَذَا مَرفُوعٌ في الرِّوَايَاتِ الأُخْرَى، ولا يَقُولُهُ أَبُو هُرَيرَةَ ﵁ من كيسِهِ، (^١) فهُوَ لَه حُكمُ الرَّفعِ.\n(الشَّيخُ): ماذا قَالَ الشَّارِحُ؟\n[قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ فِي «فَتْحِ البَارِي» (١٣/ ٤٦٩)]: «قَولُهُ: عن أَبِي هُرَيرَةَ فَقَالَ: «هَذِه خَدِيجَةُ» كذا أَورَدَه هنا مُختَصَرًا، والقَائلُ جِبرِيلُ كمَا تَقَدَّمَ في بَابِ تَزْوِيجِ خَدِيجَةَ ﵂ في أَوَاخرِ المَنَاقِبِ، عن قُتَيبَةَ بنِ سَعيدٍ، عن مُحمَّدِ بنِ فُضَيلٍ بهَذَا السَّنَدِ عن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: أَتَى جِبرِيلُ النَّبيَّ ﷺ فَقَالَ: يا رَسُولَ اللهِ، هَذِه خَدِيجَةُ … إلى آخِرهِ. وبهَذَا يَظهَرُ أنَّ جَزمَ الكَرمَانِيُّ بأن هَذَا الحَدِيثَ مَوقُوفٌ غَيرُ مَرفُوعٍ مَردُودٌ». [انتهى كلامه].\n(الشَّيخُ): تَكَلَّم على «مِنْ قَصَبٍ»؟ أو العَينِيُّ؟\n[قالَ الإِمَامُ العَينِيُّ ﵀ في «عُمدَةِ القَارِي» (٢٥/ ١٦٠)]: «قَولُهُ: «مِنْ قَصَبٍ». قَالَ الْكرْمَانِيُّ: يُرِيد بِهِ قَصَبَ الدُّرِّ المُجَوَّفِ، وَقيلَ: اصْطِلَاحُ الجَوهَريِينَ أَنْ يَقُولُوا: قَصَبٌ من الدُّرٍّ وقَصَبٌ مِنَ الْجَوْهَرِ، وَقَالَ الْهَرَوِيُّ: أَرَادَ بِقصرٍ من زُمُرُّدَةٍ مُجَوَّفةٍ أَوْ من لُؤلُؤَةٍ مُجَوَّفةٍ. قَولُهُ: «لَا صَخَبَ فِيهِ» أَي: لَا صِياحَ وَلَا جَلَبَةَ. قَولُهُ: «وَلَا نَصَبَ» أَي: وَلَا تَعبَ، وَقَالَ الدَّاودِيُّ: يَعْنِي لاعِوجَ». [انتهى كلامه].\n_________\n(^١) أي من فهمه ورأيه.","vol":"1","page":287},{"text":"وقال الإِمَامُ القَسْطلَّانيُّ ﵀ (٣/ ٢٧٥): ««مِنْ قَصَبٍ» بِفَتحِ القَافِ وَالصَّادِ المُهْمَلةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ، وَوَقَعَ في حَدِيثٍ عِنْدَ الطَّبَرَانيِّ في «الأَوسَطِ» تَفْسِيرُه مِنْ طَريقِ ابنِ أَبِي أَوْفَى بِلَفظِ: «يَعنِي مِنْ قَصَبِ اللُّؤْلُؤِ». وَعِندَهُ في «الكَبيرِ» مِنْ حَديثِ أَبِي هُرَيرةَ: «بِبَيتٍ مِنْ لُؤْلُؤةٍ مُجَوَّفَةٍ»، وَعِندَه فِي «الأَوسَطِ» في حَدِيثِ فَاطِمةَ قَالَتْ: قُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَينَ أُمِّي خَدِيجَةُ؟ قَالَ: «فِي بَيتٍ مِنْ قَصَبٍ». قُلتُ: أَمِنْ هَذَا القَصَب؟ قَالَ: «لَا، مِنَ القَصَبِ المَنْظُومِ بِالدُّرِّ وَاللُّؤلُؤِ وَاليَاقُوتِ».\nفَإِنْ قُلتَ: مَا النُّكْتَةُ في قَولِه: «مِنْ قَصَبٍ» وَلَمْ يَقُلْ مِنْ لُؤلُؤٍ؟\nأُجِيبَ: بِأَنَّ في لَفظِ «القَصَبِ» مُنَاسَبةٌ؛ لِكَونِهَا أَحْرَزَتْ قَصَبَ السَّبقِ لِمُبادَرَتِها إلى الإِيْمَانِ دُونَ غَيرِهَا.\nفَإِنْ قُلْتَ: لمَ قَالَ: «بِبَيتٍ» وَلَمْ يَقُلْ: بِقَصرٍ؛ وَالقَصْرُ أَعْلَى وَأَشْرفُ؟\nأُجِيبَ: بِأنَّهَا لمَّا كَانتْ ربَّة بَيتٍ قَبلَ المَبعَثِ، ثُمَّ صَارَتْ رَبَّة بَيتٍ في الإِسْلَامِ مُنْفَردةً بِه، فَلَم يَكُنْ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ فِي أَوَّلِ يَومٍ بُعِثَ النَّبيُّ ﷺ بيتُ إِسْلامٍ إِلَّا بَيتُهَا، وَهِي فَضِيلةٌ مَا شَارَكَهَا فِيهَا غَيرُهَا، وَجَزاءُ الفِعلِ يُذْكَرُ غَالبًا بِلَفظِه وَإِنْ كَانَ أَشْرفَ منه قَصْدًا لِلمُشَاكَلةِ وَمُقَابلةِ اللَّفظِ بِاللَّفظِ، فَلِهذَا جَاءَ الحَدِيثُ بِلَفظِ «البَيتِ» دُونَ ذِكرِ القَصرِ». [انتهى كلامه].\n\n٧٤٩٨ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ أَسَدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «قَالَ اللَّهُ: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ» (^١).\n\n<s2>\nيَعْنِي في الجَنَّةِ كما في الرِّوَايَاتِ الأُخْرَى، وهَذَا مِنْ كَلَامِهِ: «أَعدَدتُ»، هَذَا الشَّاهِدُ: «يَقُولُ اللهُ: أَعدَدتُ …». اللهُ يَجعَلُنَا وإِيَّاكُم منهم، اللهُ المُستَعَانُ، اللهُ المُستَعَانُ.\n\n٧٤٩٩ - حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ الأَحْوَلُ، أَنَّ طَاوُسًا، أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا تَهَجَّدَ مِنَ اللَّيْلِ، قَالَ: «اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، وَلَكَ الحَمْدُ أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، وَلَكَ الحَمْدُ أَنْتَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، أَنْتَ الحَقُّ، وَوَعْدُكَ الحَقُّ، وَقَوْلُكَ الحَقُّ،\n_________\n(^١) ورواه مسلم (٢٨٢٤).","vol":"1","page":288},{"text":"وَلِقَاؤُكَ الحَقُّ، وَالجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، أَنْتَ إِلَهِي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ» (^١).\n\n٧٥٠٠ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ النُّمَيْرِيُّ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ الأَيْلِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ، قَالَ: سَمِعْتُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ، وَسَعِيدَ بْنَ المُسَيِّبِ، وَعَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ، وَعُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ، حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الإِفْكِ مَا قَالُوا، فَبَرَّأَهَا اللَّهُ مِمَّا قَالُوا، وَكُلٌّ حَدَّثَنِي طَائِفَةً مِنَ الحَدِيثِ الَّذِي حَدَّثَنِي عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: وَلَكِن وَاللَّهِ مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ يُنْزِلُ بَرَاءَتِي وَحْيًا يُتْلَى، وَلَشَأْنِي فِي نَفْسِي كَانَ أَحْقَرَ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللَّهُ فِيَّ بِأَمْرٍ يُتْلَى، وَلَكِنِّي كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَرَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي النَّوْمِ رُؤْيَا يُبَرِّئُنِي اللَّهُ بِهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ﴾ العَشْرَ الآيَاتِ (^٢).\nالشَّاهِدُ قَولُهَا: «أن يَتَكَلَّمَ اللهُ فيَّ»، وقَولُهُ في حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ المُتَقَدِّمِ: «وقَولُكَ الحَقُّ».\n_________\n(^١) ورواه مسلم (٧٦٩).\n(^٢) ورواه مسلم (٢٧٧).","vol":"1","page":289},{"text":"٧٥٠١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا المُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يَقُولُ اللَّهُ: إِذَا أَرَادَ عَبْدِي أَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً، فَلَا تَكْتُبُوهَا عَلَيْهِ حَتَّى يَعْمَلَهَا، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا بِمِثْلِهَا، وَإِنْ تَرَكَهَا مِنْ أَجْلِي فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْمَلَ حَسَنَةً فَلَمْ يَعْمَلْهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ» (^١).\n\n<s2>\nوهَذَا فَضْلُهُ وجُودُهُ، وحَدِيثُ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ العَظِيمُ هَذَا وما جَاءَ في مَعنَاهُ كُلُّهُ يَدُلُّ على فَضلِ اللهِ العَظِيمِ ﷾، فَالعَبدُ إذا هَمَّ بِالحَسنَةِ فلم يَعمَلْهَا كُتِبَتْ له حَسنَةٌ بهَذَا الهَمِّ وهَذَا القَصدِ، كأن يَهِمَّ أن يَعُودَ مَرِيضًا، أو يَهِمَّ أن يَتَصَدَّقَ، أو ما أَشبَهَ ذَلكَ من أَعمَالِ الخَيرِ تُكتَبُ له حَسنَةٌ، فإنْ فَعَلَهَا كُتِبَتْ له عَشرُ حَسنَاتٍ إلى سَبعِمَائةِ ضِعفٍ، إلى أَضعَافٍ كَثِيرَةٍ.\nأمَّا إنْ همَّ بِالسِّيئَةِ فإنها [لا] تُكتَبُ عليه حَتَّى يَعمَلَهَا، فإن عَمِلَها كُتِبَت سَيئَّةً وَاحِدةً فَقَطْ بِمثلِهَا، كما قَالَ: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]. فإن ترَكهَا مِنْ أَجلِ اللهِ كُتَبتْ له حَسنَةً، وهَذَا فَضلُهُ ﷾ كأن يَهِمَّ بأن يَسرِقَ أو يَسُبَّ فُلَانًا ثم لا يَفعَلُ لم تُكتَبْ عليه، فإن تَركَهَا مِنْ أَجلِ اللهِ، خَافَ اللهُ، تَركَ مِنْ أَجلِ خَوفِ اللهِ كُتِبَت له حَسنَةً؛ لأنَّه تَركَهَا مِنْ أَجلِ اللهِ\n_________\n(^١) ورواه مسلم (١٢٨).","vol":"1","page":290},{"text":"كما قَالَ: «مِنْ جَرَّائِي».\nوهناك حَالٌ ثَالثَةٌ: وهي أن يَعمَلَ ويَجتَهِدَ لِفِعلِهَا ولكِنْ يَعجَزُ؛ فهَذَا تُكتَبُ عليه. فَتَركُ السَّيَّئةِ له أَحوَالٌ ثَلَاثٌ:\nأَحَدهُا: أن يَترُكَهَا مِنْ غَيرِ قَصدِ اللهِ، هَكَذَا تَسَاهُلًا فلا تُكتَبُ عَليه.\nالحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أن يَترُكَهَا خَوفًا منَ اللهِ؛ فَتُكتَبُ له حَسنَةً.\nالحَالَةُ الثَّالِثَةُ: أن يَعمَلَ ويَجتَهِدَ في فِعلِهَا، ولكن يُغلَبُ ويَعجَزُ فَتُكتَبُ عليه السَّيئَةُ، كمَا في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «إذا الْتَقَى المُسلِمَانِ بِسَيفَيهِمَا فَالقَاتِلُ والمَقتُولُ في النَّارِ». قالوا: يا رَسُولَ اللهِ، هَذَا القَاتِلُ فما شَأنُ القَتِيلِ؟! قَالَ: «إنه كَانَ حَرِيصًا على قَتلِ صَاحِبِهِ» (^١). يَعْنِي: قدْ فَعَلَ وَلكِنَّهُ غُلِبَ، وهَكَذَا مَنْ هتَكَ السِّترَ وهَتَكَ الحِرزَ واجْتَهدَ في أَخذِ السَّرِقةَ ولكن حِيلَ بينه وبين ذَلكَ يَأثَمُ وتُكتَبُ عليه؛ لِأنَّه فَعَلَ ما اسْتَطَاعَهُ، وهَكَذَا مَنْ فَعلَ جُهدَهُ لِفِعلِ السَّيئَةِ ولكن حِيلَ بينه وبين ذَلكَ تُكتَبُ عَليهِ تلكَ السَّيئَةُ؛ لِأنَّه بَذلَ في هَذَا عَمَلًا مُنكَرًا.\n\n<s0>  أَحسَنَ اللهُ إِليكَ، تُكتَبُ عليه السّرقَةُ كَامِلَةً أو ما بَاشَرَ مِنْ أَسْبَابِهَا؟\n<s1> اللهُ أَعلَمُ، المَقْصُودُ: أَنَّه آثِمٌ، أمَّا السَّيئَةُ ما أَعلَمُ عِظَمَهَا وكَيفِيِّتَها اللهُ أَعلَمُ، في الحَدِيثِ: «القَاتِلُ والمَقتُولُ في النَّارِ» عمَّهُ الوَعِيدُ، نَسأَلُ اللهَ العَافِيَةَ.\n\n<s0>.؟\n<s1> نعم مِثلُهُ، دَاخِلٌ في هَذَا، رَجُلٌ كَانَ له عِلمٌ ومَالٌ وكان يَعمَلُ بِمَالِهِ فيما شَرعَ اللهُ فهو في خَيرِ المَنَازِلِ، والثَّانِي: له عِلمٌ وليس له مَالٌ فهو يَقُولُ: لو أنَّ لي مَالَ فُلَانٍ لَعمِلتُ مِثلَ عَمَلِهِ فَله مِثلُ أَجرِهِ بِنيَّتِهِ الصَّالِحَةِ .... إلخ.\n_________\n(^١) رواه البخاري (٣١).","vol":"1","page":291},{"text":"٧٥٠٢ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي مُزَرِّدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «خَلَقَ اللَّهُ الخَلْقَ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُ قَامَتِ الرَّحِمُ، فَقَالَ: مَهْ. قَالَتْ: هَذَا مَقَامُ العَائِذِ بِكَ مِنَ القَطِيعَةِ، فَقَالَ: أَلَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ، وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ. قَالَتْ: بَلَى يَا رَبِّ. قَالَ: فَذَلِكِ لَكِ».\nثُمَّ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢] (^١).\n\n<s2>\n(الشَّيخُ): في نُسخَتكَ «مُزَرِّدٍ» بِالكَسْرِ؟\n[قال الإِمَامُ العَينِيُّ ﵀ في «عُمدَةِ القَارِي» (١٧٢/ ١٩)]: «مُزَرِّدٍ» بِضَمِّ المَيمِ وفَتحِ الزَّاي وكَسرِ الرَّاءِ المشَدَّدةِ وبِالدَّالِ المُهمَلَةِ». [انتهى كلامه].\nقَالَ ابنُ بَازٍ ﵀: هَذَا هو المَعرُوفُ «مُزَرِّد» كَسرُ الرَّاءِ مع التَّشدِيدِ.\n(الشَّيخُ) رَاجِعِ «التَّقرِيبَ»: مُعَاوِيةُ بنُ أَبِي مُزَرِّدٍ؟\n[قال الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ في «تقْرِيبِ التَّهذيبِ» (٦٧٧٠)]: «مُعَاوِيةُ بنُ أَبِي مُزَرِّدٍ» بِضَمِّ المِيمِ وفَتحِ الزَّاي وتَثقِيلِ الرَّاءِ المَكسُورَةِ، عَبدُ الرَّحمَنَ بنُ يَسَارٍ مَولَى بَنِي هَاشَمٍ المَدَنِيُّ، لَيْسَ به بَأسٌ، مِنْ السَّادِسَةِ، خ م س».\n_________\n(^١) ورواه مسلم (٢٥٥٤).","vol":"1","page":292},{"text":"قَالَ ابنُ بَازٍ ﵀: هَذَا يَدُلُّ على أن الشَّكلَ هنا لَيْسَ عليه اعْتِمَادٌ (^١)، وأنَّ الذي يَتَحَرَّى الشَّكَلَ لَيْسَ عنده ضَبطٌ كما يَنبَغِي؛ فبَعضُ النُّسخِ «مزرَّد» بِالفَتحِ، غَلطٌ في الشَّكلِ.\n\n٧٥٠٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ صَالِحٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ، قَالَ: مُطِرَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: «قَالَ اللَّهُ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي كَافِرٌ بِي وَمُؤْمِنٌ بِي» (^٢).\n\n<s2>\nالحدِيثُ تَمَامُهُ: «فَأمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرنَا بِفضْلِ اللهِ وَرحْمَتِهِ فذَلِكَ مُؤمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالكَوكَبِ، وأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرنَا بِنَوءِ كَذَا وكَذَا فَهُوَ كَافِرٌ بِي مُؤمِنٌ بِالكَوكَبِ».\nواحْتَجَّ به العُلمَاءُ على أَنَّه لا يَجُوزُ أن يُقَالَ: مُطِرنَا بِنَوءِ كَذَا، أو بِنَجمِ كَذَا، ولكِنْ يَقُولُ: مُطِرنَا بِفَضلِ اللهِ ورَحمَتِهِ؛ لِأنَّه مِنْ جُودِهِ وكَرَمهِ ﷾. وأنَّ نِسبَةَ المَطرِ إلى الكَواكَبِ كُفرٌ.\nثم فيه التَّفصِيلُ: هل كُفرٌ أَكبَرُ أو كُفرٌ أَصغَرُ؟ على حَسبِ حَالِ مَنْ قَالَ ذَلكَ، مَنْ اعتَقَدَ أَنَّها مُؤثِّرَةٌ وأنَّهَا هي التي تُمطِرُ كَانَ كُفرًا أَكبَرَ؛ شِركٌ في الرُّبُوبِيَّةِ، وإن كَانَ ظَنَّ أَنَّها سَبَبٌ وقال هَذَا لأنَّهُ يَعتَقِدُ أَنَّها سَبَبٌ صَارَ هَذَا كُفرًا أَصغَرَ، فلا\n_________\n(^١) أي الضبط بالشكل.\n(^٢) ورواه مسلم (٧١).","vol":"1","page":293},{"text":"يَقُولُ هَذَا مُطلَقًا، فهو كُفرٌ مُطلَقًا، لكن فيه التَّفصِيلُ مِنْ جِهَةِ كَونِهِ أَكبَرَ أو أَصغَرَ على حَسَبِ القَوَاعِدِ الشَّرعِيَّةِ.\n\n٧٥٠٤ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «قَالَ اللَّهُ: إِذَا أَحَبَّ عَبْدِي لِقَائِي أَحْبَبْتُ لِقَاءَهُ، وَإِذَا كَرِهَ لِقَائِي كَرِهْتُ لِقَاءَهُ».\n\n<s2>\nاللهُ أَكبَرُ، اللهُ أَكبَرُ، وهَذَا في اللَّفظِ الآخَرِ: «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ أَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ، ومَن كَرِهَ لِقَاءَ اللهِ كَرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ». قَالتْ عَائِشَةُ ﵂: يَا رَسُولَ اللهِ، هو المَوتُ فَكُلُّنَا نَكرَهُ المَوتَ. قَالَ: «لا، ولكِنَّ المُؤمِنَ إذا حَضَرَهُ أَجلُهُ بُشِّرَ بِرَحمَةِ اللهِ وفَضلِهِ -أو قَالَ-: ورِضْوَانِهِ فَأَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ فَأَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ، والكَافِرُ إذا حَضَرهُ أَجَلُهُ بُشِّرَ بِغَضبِ اللهِ وعَذَابِهِ؛ فَكرِهَ لِقَاءَ اللهِ فَكرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ» (^١). نَسأَلُ اللهَ العَافِيَةَ.\n\n٧٥٠٥ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «قَالَ اللَّهُ: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي» (^٢).\n_________\n(^١) رواه البخاري (٦٥٠٧)، ومسلم (٢٦٨٤) (١٥).\n(^٢) ورواه مسلم (٢٦٧٥).","vol":"1","page":294},{"text":"<s2>\n(الشَّيخُ): تَكَلَّمَ عليه الحَافِظُ أو العَينِيُّ؟ أو تَقَدَّمَ في كذا؟ وفي بَعضِهَا: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي وأنا مَعَه إذا دَعَانِي» (^١).\n[قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ فِي «فَتْحِ البَارِي» (١٣/ ٤٧٠)]: «قَولُهُ: قَالَ اللهُ: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي. تَقَدَّمَ في أَوَائلِ التَّوحِيدِ في بَابَ ﴿ويُحُذِّركُمُ اللهُ نَفسَهُ﴾ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي صَالحٍ عن أَبِي هُرَيرَةَ، وَأَوَّلُهُ يَقولُ اللهُ، وزَادَ: «وأنا مَعهُ إذا ذَكَرنِي …» الحدِيثَ. وتَقَدَّمَ شَرحُهُ هنَاك مُستَوفًى». [انتهى كلامه].\n\n٧٥٠٦ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «قَالَ رَجُلٌ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ: إِذَا مَاتَ فَحَرِّقُوهُ وَاذْرُوا نِصْفَهُ فِي البَرِّ، وَنِصْفَهُ فِي البَحْرِ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ لَيُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا لَا يُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ العَالَمِينَ، فَأَمَرَ اللَّهُ البَحْرَ فَجَمَعَ مَا فِيهِ، وَأَمَرَ البَرَّ فَجَمَعَ مَا فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: لِمَ فَعَلْتَ؟. قَالَ: مِنْ خَشْيَتِكَ وَأَنْتَ أَعْلَمُ، فَغَفَرَ لَهُ» (^٢).\n\n<s2>\nاللهُ أَكبَرُ، اللهُ أَكبَرُ، ذَكَرَ أَبُو العَبَّاسِ ابنُ تَيمِيَّةَ وغَيرُهُ أَيْضًا مِنْ أَهْلِ العِلْمِ أنَّ هَذَا كَانَ أَسَاءَ الظَّنَّ بِنَفسِهِ، وَأنَّه فَعلَ ما لا يُغفَرُ واشْتَدَّ عليه خَوفُ اللهِ وخَشيَتُهُ\n_________\n(^١) ورواه مسلم (٢٦٧٥)، ولفظة: «إذا دعاني» ليست عند البخاري ومسلم.\n(^٢) ورواه مسلم (٢٧٥٦).","vol":"1","page":295},{"text":"﷾؛ فَفَعَلَ ما فَعلَ جهلًا منه بِكمَالِ القُدرَةِ؛ فَعفَا اللهُ عنه لِأنَّه جَهِلَ هَذَا الشَّيءَ، هَذَا المِقدَارَ منِ القُدرَةِ هَذَا المِقدَارَ العَظِيمَ، وهَذَا مما قد يَجهَلُهُ بَعضُ النَّاسِ.\nواحتُجَّ به على أنَّ الإِنسَانَ قد يَجهَلُ بَعضَ الأَشيَاءِ التي قد يُجهَلُ مِثلُهَا فَيُعفَى عنه لِجَهلِهِ، بِخِلَافِ الأُمُورِ الوَاضِحَةِ فإنَّه لا يُعذَرُ بِجَهلِهَا، بل لا بُدَّ مِنْ فِعلِهَا إن كَانَتْ وَاجِبَةً، أو ترَكِهَا إن كَانَتْ مُحرَّمَةً.\n\n٧٥٠٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ ابْنَ أَبِي عَمْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ عَبْدًا أَصَابَ ذَنْبًا -وَرُبَّمَا قَالَ: أَذْنَبَ ذَنْبًا- فَقَالَ: رَبِّ أَذْنَبْتُ ذَنْبًا -وَرُبَّمَا قَالَ: أَصَبْتُ- فَاغْفِرْ لِي. فَقَالَ رَبُّهُ: أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ؟ غَفَرْتُ لِعَبْدِي، ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ أَصَابَ ذَنْبًا، أَوْ أَذْنَبَ ذَنْبًا، فَقَالَ: رَبِّ أَذْنَبْتُ- أَوْ أَصَبْتُ -آخَرَ، فَاغْفِرْهُ؟ فَقَالَ: أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ؟ غَفَرْتُ لِعَبْدِي، ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أَذْنَبَ ذَنْبًا، وَرُبَّمَا قَالَ: أَصَابَ ذَنْبًا، فَقَالَ (^١): رَبِّ أَصَبْتُ -أَوْ قَالَ أَذْنَبْتُ- آخَرَ، فَاغْفِرْهُ لِي، فَقَالَ: أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ؟ غَفَرْتُ لِعَبْدِي ثَلَاثًا، فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ» (^٢).\n\n<s2>\nهنا «أَعَلِمَ»، وفي اللَّفظِ الآخَرِ: «عَلمَ» بِدُونِ هَمزَةٍ يَعْنِي: ما دَامَ العَبدُ هَكَذَا\n_________\n(^١) كذا في «الفتح»، وفي «عمدة القارئ» وغيره: «قال: قال رَبِّ أَصَبْتُ».\n(^٢) ورواه مسلم (٢٧٥٨).","vol":"1","page":296},{"text":"متى وَقَعَ منه الذَّنبُ بَادَرَ بِالتَّوبةِ والإِقلَاعِ والنَّدمِ؛ فإن اللهَ يَغفِرُ له ﷾، ولو سَبَقَتْ لَهُ ذُنُوبٌ، كُلُّ ذَنبٍ يُؤخَذُ به عَلَى حِدَةٍ، فإذَا تَابَ مِنهُ وأَنَابَ إلى اللهِ غَفرَ اللهُ لَه، وإذا وَقَعَ بعد ذَلكَ في الذَّنبِ بعد تَوبَةٍ صَادِقَةٍ أُخِذَ بِالذَّنبِ الأَخِيرِ إلَّا أنْ يَتُوبَ، فإن تَابَ غَفرَ اللهُ له، وهَكَذَا إلى المَوتِ.\nفاَلذُّنُوبُ تَتَنوَّعُ والتَّوبَةُ تَتَبعَّضُ، فإذا تَابَ مِنْ الذَّنبِ تَوبَةً صَادِقَةً ثم بُليَ به مَرَّةً أُخرَى أُخِذَ بِالأَخِيرِ، والأَوَّلُ مَضَى بِتَوبَتِه، وهَكَذَا إذا كَانَ له ذُنُوبٌ فَتَابَ من هَذَا دُونَ هَذَا، أُخذَ بِالذَّنبِ الذي لم يَتُبْ منه، وغُفِرَ له ما تَابَ منه تَوبَةً صَادِقةً، وإنما يَكُونُ مُصِرًّا إذا لم يَتُبْ، هَذَا هو المُصرُّ الذي أَتَى بِالذَّنبِ ثم الذَّنبِ ثم الذَّنبِ ولم يَتُبْ، هَذَا هو المُصِرُّ ولا يُغفَرُ للمُصِرِّ؛ لأنَّ اللهَ قَالَ: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥)﴾ [آل عمران: ١٣٥].\nفَأمَّا مَنْ تَابَ ونَدِمَ وأَقلَعَ، ثم وَقَعَ فيه مَرَّةً أُخْرَى ولم يُصرَّ عليه سَابقًا، وإنما وَقَعَ له ذَنبٌ مِثلُ ذَلكَ أو غَيره؛ فهَذَا يُؤخَذُ بِالأَخِيرِ إلا أن يَتُوبَ.\n\n<s0>  أَحسَنَ اللهُ إِليكَ: قَولُهُ: «فَليعمَلْ ما شَاءَ»؟\n<s1> الظَّاهِرُ: أن المُرادَ بهَذَا لَيْسَ الإِذْنَ له، وإنَّما ما دَامَ بهَذِه الحَالَةِ فإنَّه لا يَضُرُّهُ، ما دَامَ بهَذِه الحَالَةِ كُلَّمَا أَذنَبَ تَابَ ولم يُصرَّ على الذَّنبِ؛ فإنَّ حُكمَ اللهِ في ذَلكَ أَنَّه يُتَابُ عليه في ذَلكَ، وليس المُرَادُ به أَنَّه مَأذُونٌ لَهُ أَنْ يَفعَلَ أو يَعصِيَهُ، ما دَامَ فَليعمَلْ ما شَاءَ.\nقد يُقَالُ: المُرَادُ بهَذَا التَّهدِيدُ، لكنَّ المَقَامَ ما هو مَقَامُ تَهدِيدٍ، المَقَامُ مَقَامُ الفَضْلِ، فالمَعْنَى ما دَامَ بهَذِه الحَالَةِ فإنه يُغفَرُ له، ما دَامَ كُلَّمَا أذنَبَ تَابَ وأَقلَعَ فعليه أن يَتَوقَّى الذُّنُوبَ وعليه أن يَحذَرَهَا، ولكِنْ ما دَامَ متى فَعَلَ تَابَ فَإنَّهُ لا","vol":"1","page":297},{"text":"يَضُرُّه ذَلكَ الذَّنبُ الذي يَسَّرَ اللهُ له التَّوبَةَ منه، لكنَّ العَبدَ على خَطرٍ، قد يُبتَلَى بِالذَّنبِ ثم لا يُوفَّقُ للتَّوبةِ، فَالحَزمَ كُلَّ الحَزمِ أن يَحذَرَ ولا يَتَّكلَ على أَنَّه سَيتُوبُ؛ لأن هَذَا قد يُستَدرَجُ ويُصَابُ ولا يُمَكَّنُ مِنْ التَّوبَةِ؛ عُقُوبَةً له بِتَسَاهُلِهِ.\n\n٧٥٠٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الأَسْوَدِ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، سَمِعْتُ أَبِي، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَبْدِ الغَافِرِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا فِيمَنْ سَلَفَ -أَوْ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، قَالَ: كَلِمَةً: يَعْنِي- أَعْطَاهُ اللَّهُ مَالًا وَوَلَدًا، فَلَمَّا حَضَرَتِ الوَفَاةُ، قَالَ لِبَنِيهِ: أَيَّ أَبٍ كُنْتُ لَكُمْ؟. قَالُوا: خَيْرَ أَبٍ، قَالَ: فَإِنَّهُ لَمْ يَبْتَئِرْ -أَوْ لَمْ يَبْتَئِزْ- عِنْدَ اللَّهِ خَيْرًا، وَإِنْ يَقْدِرِ اللَّهُ عَلَيْهِ يُعَذِّبْهُ، فَانْظُرُوا إِذَا مُتُّ فَأَحْرِقُونِي حَتَّى إِذَا صِرْتُ فَحْمًا فَاسْحَقُونِي -أَوْ قَالَ: فَاسْحَكُونِي- فَإِذَا كَانَ يَوْمُ رِيحٍ عَاصِفٍ فَأَذْرُونِي فِيهَا». فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ: «فَأَخَذَ مَوَاثِيقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَرَبِّي، فَفَعَلُوا، ثُمَّ أَذْرَوْهُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ، فَقَالَ اللَّهُ ﷿: كُنْ، فَإِذَا هُوَ رَجُلٌ قَائِمٌ، قَالَ اللَّهُ: أَيْ عَبْدِي مَا حَمَلَكَ عَلَى أَنْ فَعَلْتَ مَا فَعَلْتَ؟ قَالَ: مَخَافَتُكَ، - أَوْ فَرَقٌ مِنْكَ - قَالَ: فَمَا تَلَافَاهُ أَنْ رَحِمَهُ عِنْدَهَا» وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى: «فَمَا تَلَافَاهُ غَيْرُهَا». فَحَدَّثْتُ بِهِ أَبَا عُثْمَانَ، فَقَالَ: سَمِعْتُ هَذَا مِنْ سَلْمَانَ غَيْرَ أَنَّهُ زَادَ فِيهِ: «أَذْرُونِي فِي البَحْرِ». أَوْ كَمَا حَدَّثَ (^١).\n_________\n(^١) ورواه مسلم (٢٧٥٧).","vol":"1","page":298},{"text":"حَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، وَقَالَ: «لَمْ يَبْتَئِرْ» وَقَالَ لِي خَلِيفَةُ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، وَقَالَ: «لَمْ يَبْتَئِزْ» فَسَّرَهُ قَتَادَةُ: لَمْ يَدَّخِرْ.\n\n<s2>\n(الشَّيخُ): الأَوَّلُ عن أَبِي هُرَيرَةَ ﵁؟ السَّابِق؟\n(القَارِئُ): إي نعم.\nقَالَ ابنُ بَازٍ ﵀: عن أَبِي هُرَيرَةَ وعن أَبِي سَعِيدٍ ﵄، وهَذَا الثَّالِثُ عن سَلمَانَ ﵁. اللهُ أَكبَرُ.\n(الشَّيخُ): رَاجِعْ كَلَامَهُ على هَذَا؟\n[قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ فِي «فَتْحِ البَارِي» (١٣/ ٤٧٣)]: «قَوْلُهُ: «عَنْ عُقْبَةَ بْنَ عَبْدِ الْغَافِرِ، فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ: سَمِعْتُ عُقْبَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ فِي الرِّقَاقِ مَعَ سَائِرِ شَرْحِهِ.\nوَقَوْلُهُ: أَنَّهُ «ذَكَرَ رَجُلًا فِيمَنْ سَلَفَ أَوْ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ» شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، وَوَقَعَ عِنْدَ الْأَصِيلِيِّ «قَبْلَهُمْ» وقَدْ مَضَى فِي الرِّقَاقِ عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ مُعْتَمِرٍ بِلَفْظِ: «ذَكَرَ رَجُلًا فِيمَنْ كَانَ سَلَفَ قَبْلَكُمْ» وَلَمْ يَشُكَّ.\nوَقَوْلُهُ: «قَالَ كَلِمَةً» يَعْنِي أَعْطَاهُ اللَّهُ مَالًا، فِي رِوَايَةِ مُوسَى «آتَاهُ اللَّهُ مَالًا وَوَلَدًا». وَقَوْلُهُ: «أَيَّ أَبٍ كُنْتُ لَكُمْ» قَالَ أَبُو الْبَقَاءِ: هُوَ بِنَصْبِ أَيٍّ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ «كُنْتُ»، وَجَازَ تَقْدِيمُهُ لِكَوْنِهِ اسْتِفْهَامًا، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ، وَجَوَابُهُمْ بِقَوْلِهِمْ: «خَيْرَ أَبٍ»، الْأَجْوَدُ النَّصْبُ عَلَى تَقْدِيرِ: كُنْتَ خَيْرَ أَبٍ؛ فَيُوَافِقُ مَا هُوَ جَوَابٌ عَنْهُ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ بِتَقْدِيرِ أَنْتَ خَيْرُ أَبٍ.","vol":"1","page":299},{"text":"وَقَوْلُهُ: «فَإِنَّهُ لَمْ يَبْتَئِرْ» أَوْ «لَمْ يَبْتَئِزْ» تَقَدَّمَ عَزْوُ هَذَا الشَّكِّ أَنَّهَا بِالرَّاءِ أَوْ بِالزَّايِ، لِرِوَايَةِ أَبِي زَيْدٍ الْمَرْوَزِيِّ تَبَعًا لِلْقَاضِي عِيَاضٍ، وَقَدْ وَجَدْتُهَا هُنَا فِيمَا عِنْدَنَا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ عَنْ شُيُوخِهِ. وَقَوْلُهُ: «فَاسْحَقُونِي»، أَوْ قَالَ «فَاسْحَكُونِي» فِي رِوَايَةِ مُوسَى مِثْلُهُ لَكِنْ قَالَ أَوْ قَالَ: «فَاسْهَكُونِي». [انتهى كلامه].\n(الشَّيخُ): تَكَلَّمَ على الحُكمِ أو ما تَكَلَّمَ؟ والعَينِيُّ تَكَلَّمَ على الحُكمِ؟ مَاذَا قَالَ؟\n[قال الإِمَامُ العَينِيُّ ﵀ في «عُمدَةِ القَارِي» (٢٥/ ١٦٣)]: «قَولُهُ: فَغَفَرَ لَهُ. قِيلَ: إِنْ كَانَ مُؤمِنًا فَلمَ شَكَّ فِي قُدرَةِ اللهِ، وَإِنْ كَانَ كَافِرًا فَكيف غُفِرَ لَهُ؟\nوَأجِيبَ: بِأَنَّهُ كَانَ مُؤمنا بِدَلِيل الخَشيَةِ، وَمعنى: «قَدرَ»، مُخفَّفًا ومُشَدَّدًا: حَكَمَ وَقضَى أَوْ ضَيَّقَ. كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (٥)﴾ [البلد: ٥]، وَقيل أَيْضًا: على ظَاهِرِهِ، وَلكِنَّه قَالَه وَهُوَ غَيرُ ضَابِطٍ لنَفسِهِ، بل قَالَه فِي حَالِ دُخُولِ الدَّهشِ وَالْخَوْفِ عَلَيْهِ؛ فَصَارَ كَالغَافِلِ لَا يُؤَاخَذُ بِهِ، أَوْ أَنَّه جَهِلِ صِفَةً مِنْ صِفَاتَ اللهِ، وجَاهِلُ الصَّفةِ كُفرُهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، أَوْ أَنَّه كَانَ فِي زمَانٍ يَنْفَعهُ مُجَرَّدُ التَّوْحِيدِ، أَوْ كَانَ فِي شَرعِهِم جَوَازُ الْعَفوِ عَنْ الْكَافِر، أَوْ مَعنَاهُ: لَئِنْ قَدرَ اللهُ عَليَّ مُجْتَمِعًا صَحِيحَ الْأَعْضَاءِ لَيُعَذبنِي، وَحسِبَ أَنه إِذا قَدرَ عَلَيْهِ مُحتَرِقًا مُفْتَرِقًا لَا يُعَذِّبهُ». [انتهى كلامه].\nقَالَ ابنُ بَازٍ ﵀: الأَفضَلُ مِثلمَا قَالَ أَبُو العَبَّاسِ ابنُ تَيمِيَّةَ وغَيرُهُ أَنَّه جَهِلَ كَمَالَ هَذِه الصِّفَةِ، كَمَالَ القُدرَةِ، ومِثلُ هَذَا قد يَجهَلُهُ الإِنسَانُ، الجَهْلُ بِالصِّفَةِ لَما كَانَ شَيْئًا دَقِيقًا في أَمرِ الصِّفَاتِ غُفرَ له؛ لأن مِثلهُ قد يَجهَلُ ذَلكَ، وهَذَا يَدُلُّ على أنَّ دَقَائِقَ الأُمُورِ التي قد تَخفَى على العَامِّيِّ ولا يَضبِطُهَا ولا تَكُونُ في حِسَابِهِ يُعفَى عنه؛ لأنهُ جَهِلَ، بِخِلَافِ الأُمُورِ الظَّاهِرَةِ التي يَعلَمُهَا","vol":"1","page":300},{"text":"النَّاسُ ولا تَخفَى؛ هَذَا لا يُعفَى عنه للتَّسَاهُلِ فيها، أو جَهِلَهَا لِإِعرَاضِهِ وغَفلَتِهِ.\n\n<s0>  قَولُهُ: في الحَدِيثِ الأَولِ: «لم يَعمَلْ خَيرًا قَطُّ»؟\n<s1> يَحْتَمِلُ -واللهُ أَعلَمُ- يَعْنِي الخَيرَ الذي لَيْسَ بِفَرضٍ مِنْ التَّقَرُّبَاتِ والمُسَابَقةِ إلى الخَيرَاتِ، لَيْسَ المُرادُ تَركَ الوَاجِبَاتِ أو فِعلَ الْمُحَرَّماتِ، مُحتَمِلَةٌ، العِبَارَةُ هَذِه مُحتَمِلَةٌ، فإنَّ ظَاهِرهَا أَنَّه ما عنده شَيءٌ بِالكُلِّيةِ وليس هو المُرادُ، بل عندَه مِنْ الإِيمَانِ والتَّوحِيدِ الوَاجِبِ ما يكون سَببًا لِنَجَاتِهِ، لكِنْ جَهِلَ شَيْئًا مِنَ القُدرَةِ. وعلى كُلِّ حَالٍ هو شَيءٌ مما مَضَى، والإِشكَالُ في كَونِ الرَّسُولِ ﷺ ذَكَرَهُ وسَكَتَ وأَقَرَّ، هَذَا هو مَحَلُّ الإِشكَالِ.\nوالجَوَابُ: أنَّ مَنْ عَلِمَ الشَّرائِعَ وعَرفَ الأَحكَامَ لَيْسَ كَمَنْ جِهِلهَا؛ فَعليهِ أن يُؤدِّيَ ما عَرفَ وتَركُ ما حُرِّمَ، وإذا جَهِلَ شَيْئًا مما قد يَجهَلُهُ العَامِيُّ الذي لَيْسَ عنده مَعلُومَاتٌ وليس منَ الأُمُورِ الظَّاهِرةِ التي مِثل الصَّلَاةِ مِثل الزَّكَاةِ، الشَّيءَ الوَاضِحَ؛ فإنَّه قد يُعفَى عنه لِجَهلِهِ بذَلكَ الشَّيءِ، مِثلُ أَصحَابِ الفَترَاتِ ومَن أَدرَكَهُ الإِسلَامُ وهو أَصَمُّ أَبكَم لا يَفهَمُ، أو مُخَرِّفٌ؛ لأنَّ هَؤلَاءِ مَعذُوُروُنَ، فهَذَا كذَلكَ في هَذِه الأَشيَاءِ الدَّقِيقَةِ، فهَؤلَاءِ كالَّذِينَ لم يُدرِكُوا الشَّرِيعَةَ ولم تَبلُغْهُم الرِّسَالَةُ، فهو لَفظٌ مُجمَلٌ لا بُدَّ أن يُفسِّرَه بما جَاءَتِ به الشَّريعَةُ الإِسلَامِيَّةُ.\n\n<s0>  كَلِمَةُ: «خَيرًا»، نَكِرةٌ في سِيَاقِ النَّفيِ ما تَعمُّ؟\n<s1> مُحتَمِلَةٌ، مُحتَمِلَةٌ، اللهُ أَعلَمُ.\n* * *","vol":"1","page":301},{"text":"<span data-type='title' id=toc-54>بَابُ كَلَامِ الرَّبِّ ﷿ يَوْمَ القِيَامَةِ مَعَ الأَنْبِيَاءِ وَغَيْرِهِمْ</span>\n٧٥٠٩ - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ رَاشِدٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ شُفِّعْتُ، فَقُلْتُ: يَا رَبِّ أَدْخِلِ الجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ خَرْدَلَةٌ فَيَدْخُلُونَ، ثُمَّ أَقُولُ: أَدْخِلِ الجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى شَيْءٍ». فَقَالَ أَنَسٌ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَصَابِعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (^١).\n\n<s2>\nلَفظُ أَنسٍ ﵁ هَذَا مُختَصَرٌ مِنْ حَدِيثِ الشَّفَاعةِ، يَشفَعُ النَّبيُّ ﷺ عِدَّةَ شَفَاعَاتٍ كما يَأْتِي، أَربعَ شَفَاعَاتٍ، وفي كُلِّ مَرةٍ يَسأَلُ رَبَّه أن يَدخُلَ الجَنَّةَ مِنْ أُمَّتهِ كذا وكذا من أَهْلِ النَّارِ الَّذِينَ دَخَلُوهَا بِمَعَاصِيهِم، يَعْنِي: أن يُخرِجَهَم مِنَ النَّارِ إذا كَانَ في قُلُوبِهِمْ هَذَا المِقدَارُ من الإِيمَانِ مع التَّوحِيدِ، يَسأَلُ رَبَّهُ أن يُخِرِجَهُم مِنْ النَّارِ مِنْ أَجلِ ما مَاتُوا عليه مِنَ التَّوحِيدِ الذي هو ضِدُّ الشِّركِ، ويُخرِجُ مِنْ قُلُوبِهِمْ هَذِه المَثَاقِيلَ.\n_________\n(^١) ورواه مسلم (١٩٣).","vol":"1","page":302},{"text":"<s0>  ما يَكُونُ هَذَا المِقدَارُ هو التَّوحِيدُ والإِيمَانُ؟\n<s1>  مع التَّوحِيدِ، زَائِدٌ على التَّوحِيدِ.\n\n<s0>  أَشَفَعَ مِنْ بَابِ الدُّعَاءِ؟\n<s1>  نعم يَطلُبُ رَبَّهُ.\n\n٧٥١٠ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا مَعْبَدُ بْنُ هِلَالٍ العَنَزِيُّ، قَالَ: اجْتَمَعْنَا نَاسٌ مِنْ أَهْلِ البَصْرَةِ فَذَهَبْنَا إِلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَذَهَبْنَا مَعَنَا بِثَابِتٍ البُنَانِيِّ إِلَيْهِ يَسْأَلُهُ لَنَا عَنْ حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ، فَإِذَا هُوَ فِي قَصْرِهِ فَوَافَقْنَاهُ يُصَلِّي الضُّحَى، فَاسْتَأْذَنَّا، فَأَذِنَ لَنَا وَهُوَ قَاعِدٌ عَلَى فِرَاشِهِ، فَقُلْنَا لِثَابِتٍ: لَا تَسْأَلْهُ عَنْ شَيْءٍ أَوَّلَ مِنْ حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ، فَقَالَ: يَا أَبَا حَمْزَةَ، هَؤُلَاءِ إِخْوَانُكَ مِنْ أَهْلِ البَصْرَةِ جَاءُوكَ يَسْأَلُونَكَ عَنْ حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ. فَقَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ ﷺ قَالَ: «إِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ مَاجَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ (^١)، فَيَأْتُونَ آدَمَ، فَيَقُولُونَ: اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِإِبْرَاهِيمَ فَإِنَّهُ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ، فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ، فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِمُوسَى فَإِنَّهُ كَلِيمُ اللَّهِ، فَيَأْتُونَ مُوسَى فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِعِيسَى فَإِنَّهُ رُوحُ اللَّهِ، وَكَلِمَتُهُ، فَيَأْتُونَ عِيسَى، فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ\n_________\n(^١) كذا في «عمدة القارئ» وغيره، وفي «الفتح»: «مَاجَ النَّاسُ فِي بَعْضٍ».","vol":"1","page":303},{"text":"بِمُحَمَّدٍ ﷺ، فَيَأْتُونِي، فَأَقُولُ: أَنَا لَهَا، فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي، فَيُؤْذَنُ لِي، وَيُلْهِمُنِي مَحَامِدَ أَحْمَدُهُ بِهَا لَا تَحْضُرُنِي الآنَ، فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ المَحَامِدِ، وَأَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ، وَسَلْ تُعْطَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ، أُمَّتِي أُمَّتِي، فَيُقَالُ: انْطَلِقْ فَأَخْرِجْ مِنْهَا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ شَعِيرَةٍ مِنْ إِيمَانٍ، فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ، ثُمَّ أَعُودُ، فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ المَحَامِدِ، ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ، وَسَلْ تُعْطَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ، أُمَّتِي أُمَّتِي (^١)، فَيَقُولُ: انْطَلِقْ فَأَخْرِجْ مِنْهَا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ - أَوْ خَرْدَلَةٍ - مِنْ إِيمَانٍ، فَأَنْطَلِقُ، فَأَفْعَلُ، ثُمَّ أَعُودُ فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ المَحَامِدِ، ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ، وَسَلْ تُعْطَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي، فَيَقُولُ: انْطَلِقْ فَأَخْرِجْ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى أَدْنَى أَدْنَى (^٢) مِثْقَالِ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ، فَأَخْرِجْهُ مِنَ النَّارِ، مِنَ النَّارِ، مِنَ النَّارِ، (^٣) فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ».\nفَلَمَّا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ أَنَسٍ قُلْتُ لِبَعْضِ أَصْحَابِنَا: لَوْ مَرَرْنَا بِالحَسَنِ وَهُوَ مُتَوَارٍ فِي مَنْزِلِ أَبِي خَلِيفَةَ فَحَدَّثَنَا بِمَا حَدَّثَنَا أَنَسُ\n_________\n(^١) كذا في «عمدة القارئ» وغيره، وفي «الفتح»: «يَا رَبِّ، أُمَّتِي».\n(^٢) كذا في «عمدة القارئ» وغيره، وفي «الفتح»: «فَأَخْرِجْ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى أَدْنَى».\n(^٣) كذا في «الفتح»، وفي «عمدة القارئ» وغيره: «مِنَ النَّارِ»، بدون تكرار.","vol":"1","page":304},{"text":"ابْنُ مَالِكٍ، فَأَتَيْنَاهُ فَسَلَّمْنَا عَلَيْهِ، فَأَذِنَ لَنَا فَقُلْنَا لَهُ: يَا أَبَا سَعِيدٍ، جِئْنَاكَ مِنْ عِنْدِ أَخِيكَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، فَلَمْ نَرَ مِثْلَ مَا حَدَّثَنَا فِي الشَّفَاعَةِ، فَقَالَ: هِيهْ، فَحَدَّثْنَاهُ بِالحَدِيثِ، فَانْتَهَى إِلَى هَذَا المَوْضِعِ، فَقَالَ: هِيهْ، فَقُلْنَا لَمْ يَزِدْ لَنَا عَلَى هَذَا، فَقَالَ: لَقَدْ حَدَّثَنِي وَهُوَ جَمِيعٌ مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَةً، فَلَا أَدْرِي أَنَسِيَ أَمْ كَرِهَ أَنْ تَتَّكِلُوا، قُلْنَا: يَا أَبَا سَعِيدٍ فَحَدِّثَنَاهُ، فَضَحِكَ، وَقَالَ: خُلِقَ الإِنْسَانُ عَجُولًا، مَا ذَكَرْتُهُ إِلَّا وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُحَدِّثَكُمْ (^١)، حَدَّثَنِي كَمَا حَدَّثَكُمْ بِهِ، قَالَ: «ثُمَّ أَعُودُ الرَّابِعَةَ فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ، ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ ائْذَنْ لِي فِيمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَيَقُولُ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي، وَكِبْرِيَائِي وَعَظَمَتِي لَأُخْرِجَنَّ مِنْهَا مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» (^٢).\n\n<s2>\n\n<s0>  أَحسَنَ اللهُ إِليكَ قَالَ في الرِّوَايَةِ: «أَدْنَى» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، و«مِنْ النَّارِ» وَاحِدَةً فَقَطْ؟\n<s1> ذَكَرَ «مِنْ النَّارِ» بِالنِّسبَةِ إلى حَدَيثِ الشَّفَاعَةِ: «مِنْ النَّارِ، مِنْ النَّارِ، مِنْ النَّارِ»، وهي في الأُولَى والثَّانِيَةِ والثَّالِثَةِ.\n_________\n(^١) كذا في «عمدة القاري» وغيره، وفي «الفتح»: «إِلَّا وَأَنَا أُرِيدُ أُحَدِّثُكُمْ».\n(^٢) ورواه مسلم (١٩٣).","vol":"1","page":305},{"text":"(الشَّيخُ): ماذا قَالَ الشَّارِحُ على الرِّوَايَةِ: «أَدْنَى أَدْنَى»؟ لَعَلَّهَا رِوَايَتَانِ، رِوَايَةٌ فيها: «أَدْنَى أَدْنَى»، وفي رِوَايةٍ: «أَدْنَى أَدْنَى أَدْنَى». نبَّه عليه الشَّارِحُ أو ما نبَّهَ عليه؟ نَتَأمَّلُهَا بَعدِين.\n[قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ فِي «فَتْحِ البَارِي» (١٣/ ٤٧٥)]: «قَوْلُهُ: «ثُمَّ أَقُولُ» ذَكرَ ابنُ التِّينِ أَنَّهُ وَقَعَ عِنْدَهُ بِلَفْظِ «ثُمَّ نَقُولُ» بِالنُّونِ، قَالَ: وَلَا أَعْلَمُ مَنْ رَوَاهُ بِالْيَاءِ، فَإِنْ كَانَ رُوِيَ بِالْيَاءِ طَابَقَ التَّبْوِيبَ أَيْ: «ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ» وَيَكُونُ جَوَابًا عَنِ اعْتِرَاضِ الدَّاوُدِيِّ حَيْثُ قَالَ قَوْلهُ: «ثُمَّ أَقُولُ» خِلَافٌ لِسَائِرِ الرِّوَايَاتِ؛ فَإِنَّ فِيهَا أَنَّ اللَّهَ أَمَرَهُ أَنْ يُخْرِجَ.\nقُلْتُ: وَفِيهِ نَظَرٌ، وَالْمَوْجُودُ عِنْدَ أَكْثَرِ الرُّوَاةِ: «ثُمَّ أَقُولُ» بِالْهَمْزَةِ كَمَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَالَّذِي أَظُنُّ أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَشَارَ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ كَعَادَتِهِ، فَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي «الْمُسْتَخْرَجِ» مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَاصِمٍ أَحْمَدَ بْنِ جَوَّاسٍ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالتَّشْدِيد، عَنْ أبي بكر عَنْ عَيَّاشٍ، وَلَفْظُهُ: «أَشْفَعُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُقَالُ لِي: لَكَ مَنْ فِي قَلْبِهِ شَعِيرَةٌ، وَلَكَ مَنْ فِي قَلْبِهِ خَرْدَلَةٌ، وَلَكَ مَنْ فِي قَلْبِهِ شَيْءٌ». فَهَذَا مِنْ كَلَامِ الرَّبِّ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، وَيُمْكِنُ التَّوْفِيقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ ﷺ يَسْأَلُ عَنْ ذَلِكَ أَوَّلًا؛ فَيُجَابُ إِلَى ذَلِكَ ثَانِيًا؛ فَوَقَعَ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ذِكْرُ السُّؤَالِ وَفِي الْبَقِيَّةِ ذِكْرُ الْإِجَابَةِ.\nوَقَوْلُهُ فِي الْأُولَى: «مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى شَيْءٍ»، قَالَ الدَّاوُدِيُّ هَذَا زَائِدٌ عَلَى سَائِرِ الرِّوَايَاتِ.\nوتُعقِّبَ: بِأَنَّهُ مُفَسَّرٌ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ حَيْثُ جَاءَ فِيهَا: «أَدْنَى أَدْنَى مِثْقَالِ","vol":"1","page":306},{"text":"حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ». قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: قَوْلُهُ: «أَدْنَى أَدْنَى»، التَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ التَّوْزِيعُ عَلَى الْحَبَّةِ وَالْخَرْدَلِ، أَيْ أَقَلُّ حَبَّةٍ مِنْ أَقَلِّ خَرْدَلَةٍ مِنَ الْإِيمَانٍ، وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ صِحَة القَوْل بِتَجزِيءِ الْإِيمَانِ وَزِيَادَتِهِ وَنُقْصَانِهِ.\nوقَولُهُ: «قَالَ أَنسٌ: كَأَنِّي أَنظُرُ إلى أَصَابِعِ رَسُولِ اللهِ ﷺ» يَعْنِي: قَولُهُ: «أَدنَى شَيءٍ»، وكَأَنَّه يَضُمُّ أَصَابِعَهُ ويُشِيرُ بها.\nوقَولُهُ: «فَأَخْرِجْهُ مِنَ النَّارِ، مِنَ النَّارِ، مِنَ النَّارِ»، التَّكرِيرُ للتَّأكِيدِ أَيضًا لِلمُبَالَغَةِ، أو للنَّظرِ إلى الأُمُورِ الثَّلَاثَةِ من الحَبَّةِ والخَردَلةِ والإِيمَانِ، أو جَعلَ أَيضًا للنَّارِ مَرَاتِبَ.\nقُلتُ: سَقَطَ تَكْرِيرُ قَولِهِ: «مِنْ النَّارِ» عند مُسلِمٍ ومَن ذَكَرتُ معه في رِوَايَةِ حَمَّادِ بن زَيدٍ هَذِه، واللهُ تَعَالَى أَعلمُ». [انتهى كلامه].\nقَالَ ابنُ بَازٍ ﵀: ويَحتَمِلُ «مِنْ النَّارِ» أَنَّه كَرَّرَهَا لِأجلِ تَكرَارِ الشَّفَاعَةِ في الحَالَاتِ، في كُلِّ مَرَّةٍ مُقَابِلُهَا مِنْ النَّارِ.\n\n<s0>  أَحسَنَ اللهُ إِليكَ، تَسلَسُلُ الأَنبِياءِ ما يَدُلُّ على تَسَلسُلِ [الفَضلِ] (^١)؟\n<s1> بينهم مَسَافَاتٌ، لكن يَدُلُّ على الشَّرفِ الخَاصِّ.\nوهَذَا الحَدِيثُ العَظِيمُ هو المَشهُورُ مِنْ حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ، والشَّفَاعَةُ جَاءَتْ فيها أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ مُتَنَوِّعةٌ فيها زِيَادَةٌ ونَقصٌ فيمَا بينهَا، وجِمَاعُها أنَّ النَّاسَ يَفزَعُونَ يَومَ القِيَامَةِ ويَشتَدُّ بهم الكَربُ، ثم يَمُوجُ بَعضُهُم في بِعْضِ من شِدِّةِ الهَولِ وضِيقِ المَقَامِ وكَثرَةِ العَرقِ، وخَوضِ النَّاسِ في عَرقِهِم كَالسُّيُولِ العَظِيمَةِ\n_________\n(^١) عبارة غير واضحة، لعلها: (الفضل).","vol":"1","page":307},{"text":"حَتَّى يُلْجِمَهُمُ العَرقُ إلا مَنْ رَحِمَ اللهُ، فَيمُوجُ بَعضُهُم في بِعْضٍ حِينئذٍ ويَنظُرُونَ ماذا يَفعَلُونَ؛ فَيفزَعُ المُؤمِنُونَ إلى آدَمَ ﵊ ويَقُولُونَ: أَنت أَبُو البَشرِ، خَلقَكَ اللهُ بِيدِهِ، وأَسْجدَ لك مَلَائِكَتَهُ، وعَلَّمَكَ أَسمَاءَ كُلِّ شَيءٍ؛ ألا تَرَى ما نَحنُ فيه؟! ألا تَرَى ما قد بَلَغَنَا؟! فاشْفَعْ لنا إلى ربك؛ فَيَقُولُ: لست هُنَاكُم -ويَذكُرُ خَطِيئَتَهُ وهي أَكلُهُ مِنْ الشَّجرَةِ- نَفسِي نَفسِي نَفسِي، ثم يُحِيلُهُم إلى نَوحٍ ﵊؛ لأنَّهُ أَوَّلُ رَسُولٍ إلى أَهْلِ الأَرضِ بَعدَمَا وَقَعَ فيهَا الشِّركُ.\nفَيَأتُونَ نُوحًا ﵇ ويَقُولُونَ: أنت أَوَّلُ رَسُولٍ أَرسَلَهُ اللهُ إلى أَهْلِ الأَرضِ، قد سَمَّاكَ اللهُ عَبدًا شَكُورًا؛ أَلَا تَرَى مَا نَحنُ فِيهِ؟! ألا ترى ما قد بَلغنَا؟! اشفَعْ لنا إلى رَبِّكَ، فَيقُولُ: لسْتُ هُنَاكُم-ويَذكُرُ سَؤَالَهُ الذي سَألَهُ رَبَّه فَعَاتَبَه اللهُ عَليهِ فيهِ، وهو قَولُه في سُؤَالِهِ لابْنِه: ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود: ٤٥]- اذْهَبُوا إلى غَيرِي، اذْهَبُوا إلى إِبرَاهِيمَ.\nفَيأتُونَ إِبرَاهِيمَ ﵊، فيَقُولُونَ له: أنتَ خَلِيلُ اللهِ؛ اشْفعْ لنا إلى رِبِّكَ. فَيقُولُ: لسْتُ هُنَاكُم، ويَذكُرُ كَذَبَاتِهِ التي كَذَبَهَا، وهي ثَلَاثٌ، كُلُّهَا في ذَاتِ اللهِ.\nثم يُحِيلُهُم إلى مُوسَى ﵇، كَلِيمِ الرَّحمنِ؛ فَيأتُونَ مُوسَى، ويَقُولُ: لَستُ هُنَاكُمْ -ويَذكُرُ قَتلَهُ النَّفسَ التي قَتَلَهَا ولم يُؤذَنْ له في قَتلِهَا- اذْهَبُوا إلى عَيسَى»؛ فَيأتُونَ إلى عِيسَى ﵇، فَيعتَذِرُ ويَقُولُ: لَستُ هُنَاكُمْ. وفي بِعْضِ الرِّوَايَاتِ: كُلُّ وَاحِدٍ يَقُولُ: «إنَّ رَبِّي قد غَضِبَ اليَومَ غَضَبًا لم يَغضَبْ قَبلَهُ مِثلَهُ، ولم يَغضَب بَعدَهُ مِثلَهُ»، وكُلُّ وَاحِدٍ يقُولُ: «نَفسِي نَفسِي نَفسِي»، ثم يُحيلُهم عِيسى ﵊ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ عَبدٍ غَفرَ اللهُ له ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنبِهِ وما تَأَخَّرَ، ﵊.","vol":"1","page":308},{"text":"فَيأتُونَ مُحَمَّدًا ﵊؛ فَيقُولُ: «أنا لها»، ثم يَتَقَدَّمُ فَيسجُدُ تَحتَ العَرشِ، يَتَقَدَّمُ إلى رَبهِ ويَسجُدُ بين يَدَيهِ ويَحمَدُهُ بِمَحَامدَ كَثِيرَةٍ يَفتَحُهَا عليه ﷾ ثم يَشفَعُ.\nوهَذَا هو المَقَامُ الْمَحمُودُ الذي وَعدَهُ اللهُ به في قَولِهِ جل وعلا: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ [الإسراء: ٧٩]، فيشَفَعُ في أَهْلِ المَوقِفِ حَتَّى يُقضَى بينهم، ويَشفَعُ فيمَن دَخلَ النَّارَ مِنْ أُمِّتهِ عِدَّةَ شَفَاعَاتٍ ﵊.\nوفي هَذَا الحَدِيثِ فَوَائِدُ كَثِيرةٌ:\nمنها: الرَّدُّ على الخَوَارجِ الَّذِينَ يُكَفِّرُونَ بِالذُّنُوبِ ويَقُولُونَ: من عَصَى فقد كَفَر، ومَن أَتَى كَبِيرةً فقد كَفرَ، والرَّدُّ عَلَيهِم وعلى المُعتَزِلَةِ في تَخلِيدِ العُصَاةِ في النَّارِ، فَالحَدِيثُ يَدُلُّ على أَنَّهُمْ لا يُخَلُّدُونَ، وهَكَذَا بَقِيةُ الأَحَادِيثِ الوَارِدَةِ في ذَلكَ، كُلُّها دَالَةٌ على أَنَّهُمْ لا يُخَلَّدُونَ، ولَيسُوا بِكُفَّارٍ، فَيقتَضِي من ذَلكَ بُطلَانِ قَولِ الخَوَارجِ وقَولِ المُعتَزِلةِ ومَن قَالَ بِقَولِهم مِنَ الإِبَاضِيَّةِ وغَيرِهِم ممن رَأَى خُلُودَ العُصَاةِ في النَّارِ.\nوفيه من الفَوَائِدِ: فَضلُ النَّبيِّ ﷺ، وأنَّ لَه هَذَا المقَامُ العَظِيمُ مع بَقِيةِ الأَنبِيَاءِ عَلَيهِم الصلاة والسلام، وهَذَا شَرفٌ عَظِيمٌ على رُؤُوسِ الأَشهَادِ.\nوفيه من الفَوَائِدِ: أَنَّه يَحسُنُ أَمَامَ الدُّعَاءِ الثَّنَاءُ على اللهِ، إذا أَرَادَ العَبدُ أن يَدعُوَ رَبَّه أن يُثنِيَ عليه ويُمَجِّدَهُ سُبحَانَهُ ثم يَدعُو بَعْدَ ذَلكَ.\nوهَذَا مَعنَى ما جَاءَ في حَدِيثِ فُضالَةَ بنِ عُبَيدٍ ﵁، أن النَّبيَّ ﷺ سَمِعَه يَدعُو، ولم يَحمَدِ اللهَ ولم يُصَلِّ على النَّبيِّ فَقَالَ: «عَجِلَ هَذَا». ثم قَالَ: «إذا دَعَا أَحَدُكُم رَبَّه فَليبْدَأ بِتَحمِيدِ رَبِّه والثَّنَاءِ عليه، ثم يُصَلِّي","vol":"1","page":309},{"text":"عليَّ ثم يَدعُو بمَا شَاءَ» (^١).\nفَيَنبَغِي في الدُّعَاءِ تَقدِيمُ الثَّنَاءِ والحَمدِ على اللهِ ﷾؛ لِأنَّه ذُو فَضلٍ وذُو إِحسَانٍ، ثم يُثَنِّي بِالصَّلَاةِ على النَّبيِّ ﷺ، ثم يَدعُو بما أَحَبَّ، فهَذَا مِنْ أَسبَابِ الإِجَابَةِ.\nوفيه: أن العُصَاةَ كمَا تَقَدَّمَ لا يُخَلَّدُونَ في النَّارِ، وأَنَّهم مَرَاتبُ في دُخُولِهمُ النَّارَ على حَسبِ مَعَاصِيهِم التي مَاتُوا عليها، مِنْهُم مَنْ يَكُونُ في قَلبِهِ شَيءٌ كَثِيرٌ مِنَ الإِيمَانِ، وَمِنهُم مَنْ يَكُونُ في قَلبِهِ الشَّيءُ اليَسِيرُ بعدَ التَّوحِيدِ، فالتَّوحِيدُ لا بُدَّ منه، فلا نَجَاةَ إلا بِاللهِ ثم بِالتَّوحِيدِ، فاللهُ حَرَّمَ على النَّارِ أَهْلَ التَّوحِيدِ، حَرَّمَ عَلَيهِم دُخُولَها إذا اسْتَقَامُوا على التَّوحِيدِ وأَدَّوا الوَاجِبَاتِ ولم يَمُوتُوا على المَعَاصِي، فهَؤلَاءِ يَدخُلُونَ الجَنَّةَ مِنْ أَوَّلِ وَهْلَةٍ.\nأما مَنْ لَطَّخَ تَوحِيدَهُ بِالمَعَاصِي فهو تَحتَ مَشِيئةِ اللهِ؛ لأنَّ تَوحِيدَهُ نَاقِصٌ، وإِيمَانَهُ ضَعِيفٌ حِينئَذٍ بِالمَعَاصِي، فيكون عُرضَةً لِدُخُولِ النَّارِ إلا مَنْ رَحِمَ اللهُ، ولِهذَا قَالَ سُبحَانَهُ: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨].\nفَأهْلُ التَّوحِيدِ الَّذِينَ مَاتُوا على المَعَاصِي مِنْ السَّرِقةِ أو الزِّنَا أو الرِّبَا أو شُربِ الخَمرِ أو غَيرِ هَذَا ولم يَتُوبُوا هَؤلَاءِ هم المُرادُ في هَذِه الشَّفَاعَةِ وفي هَذَا قَولُهُ: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨].\nوفي هَذَا: فَضلُ هَؤلَاءِ الرُّسُلِ عَلَيهِم الصلاة والسلام؛ لِأنَّه خَصَّهُم بِالقَصدِ بأن تَقَدَّمُ إليهم المُؤمِنُونَ وهم أُولُو العَزمِ: نُوحٌ، وإِبرَاهِيمُ، ومُوسَى، وعِيسَى، ومُحَمَّدٌ عَلَيهِم الصلاة والسلام.\n_________\n(^١) رواه أحمد (٢٣٩٣٧)، وأبو داود (١٤٨١)، والترمذي (٣٤٧٧).","vol":"1","page":310},{"text":"وفيه أَيضًا: الحَذرُ مِنْ المَعَاصِي وأن عَاقِبَتَها وَخِيمَةٌ، وَأنَّه لا يُمكِنُ أن يَرضَى أَحَدٌ بِدُخُولِ النَّارِ ولو لَحَظَةً، فكَيفَ بِالإِقَامَةِ فيها مَا شَاءَ اللهُ من الزَّمَانِ، فَالعَاقِلُ والرَّاغِبُ في النَّجاةِ يَحذَرُ أَسبَابَ دُخُولِ النَّارِ من جَمِيعِ الوُجُوهِ، وذَلكَ بِالحَذَرِ من المَعَاصِي والحَذَرِ مِنْ أَسبَابِهَا، ومتى وَقَعَ في شَيءٍ منها بَادَرَ بِالتَّوبَةِ وسَارَعَ إلى التَّوبَةِ؛ لِأنَّه لا يَدرِي متى يَهجِمُ عليه الأَجَلُ، فَالوَاجِبُ الحَذرُ أَوَّلًا مِنْ المَعَاصِي والسَّيئَاتِ، ثم الحَذرُ مِنْ الإِقَامةِ والإِصرَارِ عليها.\n\n<s0>  الَّذِينَ يَذهبُونَ إلى الأَنبِيَاءِ سَائرُ النَّاسِ أم أَهْلُ الإِيمَانِ؟\n<s1> في الحَدِيثِ الصَّحيحِ: «المُؤمِنُونَ» «يَفزَعُ المُؤمِنُونَ»، هَكَذَا، ولا مَانعَ مِنْ أن يَفزَعَ غَيرُهم، لكن نَصُّ الحَدِيثِ «ويَفزَعُ المُؤمِنُونَ»؛ لأنهم أَعلَمُ بِرُسُلِهِم وأَعلَمُ بِالرُّسُلِ وأَعلَمُ بِمَقَامَاتِهِم.\nوأيضًا الكُفَّارُ في هَمٍّ عَظِيمٍ وغَمٍّ عَظِيمٍ وشِدَّةٍ من البَلَاءِ والعَذَابِ، فهم في شُغلٍ شَاغِلٍ عنِ الفَزعِ إليه، بِخَلَافِ المُؤمِنِينَ فإنهم في رَحمَةٍ ورَاحةٍ وخَيرٍ عَظِيمٍ.\n\n٧٥١١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ آخِرَ أَهْلِ الجَنَّةِ دُخُولًا الجَنَّةَ، وَآخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنَ النَّارِ رَجُلٌ يَخْرُجُ حَبْوًا، فَيَقُولُ لَهُ رَبُّهُ: ادْخُلِ الجَنَّةَ، فَيَقُولُ: رَبِّ الجَنَّةُ مَلْأَى، فَيَقُولُ لَهُ ذَلِكَ ثَلَاثَ","vol":"1","page":311},{"text":"مَرَّاتٍ، فَكُلُّ ذَلِكَ يُعِيدُ عَلَيْهِ الجَنَّةُ مَلْأَى، فَيَقُولُ: إِنَّ لَكَ مِثْلَ الدُّنيَا عَشْرَ مِرَارٍ» (^١).\n\n<s2>\nوهَذَا فيه اخْتِصَارٌ، وقد جَاءَ في الرِّوَايَاتِ الأُخرَى-الرِّوَاياتِ الكَثيرَةِ- أَنَّه يُخيَّلُ إليه أَنَّها مَلأَى، وليسَ الحَقِيقَةُ أَنَّها مَلأَى ولكن يُخيَّل إليه أَنَّها مَلأَى، فَالجنَّةُ فيها سِعَةٌ عَظِيمَةٌ، فَإذَا دَخَلَها قِيلَ له: تَمنَّ؛ فَيتَمَنَّى فَيُقاَلُ: لكَ ما تَمنَّيتَ ومِثلُهُ ومِثلُهُ. وفي اللَّفظِ الآخَرِ: «وعَشرَةُ أَمثَالِهِ …» إلى آخِرِ الحَدِيثِ، واللهُ المُستَعَانُ.\nوهَذَا آخِرُ مَنْ يَخرُجُ مِنْ النَّاسِ مِنَ العُصَاةِ، فكَيفَ بِحَالِ الأَتقِيَاءِ؟ فماذا يَكُونُ لهم؟!\n\n<s0>  الوَسِيلَةُ ما مَعنَاهُا؟\n<s1> الوَسِيلَةُ لها مَعنَيِانِ:\n١ - وَسِيلَةٌ بِمَعنَى الطَّاعَةِ والقُربَةِ، كَمَا قَالَ جل وعلا: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥] يَعْنِي القُربَ إليه بِطَاعَتِهِ، إذا أَطلَقَ الوَسيلَةَ: القُربُ إليه بِطَاعَتِهِ.\n٢ - أما الوَسِيلَةُ في الأَذَانِ، في دُعَاءِ الأَذَانِ فهي المَنزِلَةُ التي في الجَنَّةِ للنَّبيِّ ﷺ.\n_________\n(^١) ورواه مسلم (١٨٦).","vol":"1","page":312},{"text":"<s0>  هي غَيرُ المَقَامِ المَحمُودِ؟\n<s1>  غَيرُ المَقَامِ الْمَحمُودِ، الوَسيلَةُ مَنزِلَةٌ في الجَنَّةِ، مَسكَنٌ. بَعضُ الخُرَافِيِّينَ وبَعضُ الجَهلَةِ يَظنَّ أن الوِسِيلَةَ دُعَاءُ الأَنبِياءِ والاِستِغَاثَةُ بِالأَنبِياءِ والاسْتِغَاثةُ بِالأَموَاتِ أو بِالمَلَائِكَةِ. هَذَا مِنْ أَعظَمُ الفِريَةِ ومِن أَعظَمِ الكَذبِ والإِلحَادِ؛ فإنَّ هَذَه لَيستْ وَسِيلَةً إلى الخَيرِ، وَسيلَةٌ إلى النَّارِ، دُعَاءُ الأَموَاتِ والأَنبِياءِ والمَلَائِكَةِ وَسيلَةٌ نعم، لكن وَسِيلَةٌ إلى النَّارِ، وَسِيلَةٌ إلى غَضَبِ اللهِ، وَسِيلَةٌ إلى الخُلُودِ في النَّارِ، أَعُوذُ بِاللهِ.\nفإنَّ الوَسَائلَ التي أَمرَ اللهُ بها في قَولِهِ: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥] وقَولِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ [الإسراء: ٥٧]، يَعْنِي القُربَ إليه بِطَاعَتِهِ، هَذَا مَعنَى ما قَالَ أَهْلُ التَّفسِيرِ، وقد أَجمَعَ أَهْلُ التَّفسِيرِ على ذَلكَ أنَّ الْمُرادَ بِالوَسِيلةِ طَاعَةُ اللهِ ورَسُولِهِ، والتَّقرُّبُ إليه بما شَرعَ ﷾، وأَعظَمُهَا التَّوحِيدِ، أَعظَمُهَا الإِخلَاصُ للهِ تَعَالَى بِالعَملِ، هَذَا أَعظَمُ الوَسَائِلِ.\nأما قَولُ الجَهلَةِ: إن الوَسِيلَةَ التَّقرُّبُ بُدُعَاءِ الأَنبِيَاءِ والاسْتِغَاثةُ بِالأَنبِيَاءِ؛ لأَنَّهم مُعَظَّمُونَ وأَنَّهم أَحبَّاءُ اللهِ، هَذَا مِنْ أَعمَالِ الوَثَنِيِّينَ، مِنْ أَعمَالِ أَبِي جَهلٍ وأَشبَاهِهِ.\nوهَكَذَا مَنْ فَسَّرَهَا بِالجَاهِ: السُّؤَالُ بِجَاهِ فُلَانٍ أو بِحَقِّ فُلَانٍ هَذَا غَلَطٌ أَيضًا، لَيْسَتْ هَذِه هي الوَسِيلَةُ بل هَذَا بِدعَةٌ، السُّؤالُ بِجَاهِ فُلَانٍ أو بِحَقِّ فُلَانٍ هَذَا مِنْ البِدَعِ، لا أَصلَ لها في الشَّرعِ، إنما الوَسيلَةُ هي التَّقرُّبُ إلى اللهِ بِطَاعَتِهِ، واتِّبَاعِ شَريعَتِهِ، وفِعلِ أَوامِرِه وتَركِ نَوَاهِيهِ، وهي التي أَمرَ اللهُ بها في قَولِهِ: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥] يَعْنِي: القُربَةَ إليه بِطَاعتِهِ وتَركِ مَحَارِمِهِ.","vol":"1","page":313},{"text":"<s0>  الدُّعَاءُ بِجَاهِ النَّبيِّ ﷺ؟\n<s1>  بِدعَةٌ، هَذِه بِدعَةٌ مِنَ البِدعَ، مِنْ وَسَائلِ الشِّركِ.\nوكذَلكَ: قَولُهُ في عِيسَى ﵇: «رُوحُ اللهِ وكَلِمَتُهُ» يَعْنِي رُوحًا مِنَ الأَرْوَاحِ التي خَلقَهَا وجَعَلَهَا في عِيسَى ﵇ كالتي خَلقَهَا في البَاقِينَ في آدَمَ وإِبرَاهِيمَ وغَيرِهِم مِنَ الأَنبِيَاءِ والنَّاسِ، فاللهُ الذي خَلقَ أَروَاحَهُم وأَوجَدَهَا فهي رُوحٌ مِنَ الأَرْوَاحِ التي خَلَقَهَا اللهُ وأَوجَدَهَا، لكنها رُوحٌ شَرِيفَةٌ.\nوهَكَذَا «كَلِمَتُهُ»؛ لِأنَّه كَانَ بِالكَلِمَةِ، قَالَ اللهُ له: ﴿كُنْ﴾ فكَانَ، سُمِّي بِالكَلِمَةِ يَعْنِي: أَنَّه كَانَ بِالكَلِمَةِ لَيْسَ له أَبٌّ، خَلَقُهُ اللهُ مِنْ أُنْثَى بِلَا ذَكَرٍ، «وَرُوحُ اللهِ» مِنْ إِضَافَةِ المَخلُوقِ إلى خَالِقِه، مِثلُ «نَاقَةِ اللهِ»، مِثلُ «رَسُولِ اللهِ»، مثلُ «بَيتِ اللهِ» من بَابِ إِضَافَةِ المَخلُوقِ إلى خَالِقِهِ إِضَافَةَ تَشرِيفٍ وتَكرِيمٍ.\nفإنَّ المُضَافَ إلى اللهِ قِسمَانِ:\n١ - مَعنًى مِنْ المَعَانِي.\n٢ - وذَاتٌ قَائِمَةٌ.\nفالمَعنَى من المَعَانِي إذا أُضِيفَ إلى اللهِ فهو صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ: كِعِلمِ اللهِ، وقُدرَةِ اللهِ، ورِضَا اللهِ، ومَحَبَّةِ اللهِ، فهَذِه صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ.\n\nأمَّا إذا كَانَ المُضَافُ ذَاتًا مِنَ الذَّوَاتِ فهو قِسمَانِ أَيضًا:\n١ - قِسمٌ يُضَافُ إلى اللهِ مِنْ بَابِ إِضَافَةِ المَخلُوقِ إلى خَالِقِهِ، يَعْنِي: أَبدَعَهُ وأَوجَدَهُ، فَيُضَافُ إليه؛ لِأنَّه خَلَقَهُ كَأرضِ اللهِ، وسَمَاءِ اللهِ، وبَحرِ اللهِ، ومَاءِ اللهِ، ونَحوِ ذَلكَ، مِنْ إِضَافةِ المَخلُوقِ إلى خَالِقِهِ.\n٢ - النُّوعُ الثَّانِي: إِضَافَةُ تَشرِيفٍ، إِضَافةُ مَخلُوقٍ إلى خَالِقِهِ، لكن على سَبِيلِ التَّشرِيفِ، يَعْنِي صِفَةً خَاصَّةً على سَبِيلِ التَّشرِيفِ والتَّكرِيمِ وَرَفعِ المَنزِلَةِ، مِثلُ بَيتِ اللهِ، الكَعبَةُ بَيتُ اللهِ، مِثلُ رَسُولِ اللهِ، مِثلُ نَاقَةِ اللهِ، وهي نَاقَةُ","vol":"1","page":314},{"text":"صَالحٍ ﵇، مِثلُ عِيسَى رَوحِ اللهِ. هَذَا مِنْ بَابِ التَّشرِيفِ والتَّكرِيمِ، وهو إِضَافَةُ مَخلُوقٍ إلى خَالِقِهِ لكن على وَجهٍ خَاصٍّ، يَتَضَمَّنُ التَّفضِيلَ والتَّكرِيمَ.\n\n<s0>  مِثلُ أَمَةِ اللهِ وعَبدِ اللهِ؟\n<s1> مِثلُ عَبدِ اللهِ، ولكِن هَذَا يَختَلفُ؛ لأنهُ قد يَكُونُ عَبدًا صَالِحًا وقد يَكُونُ لَيْسَ بِصَالحٍ مِنْ إِضَافةِ المَخلُوقِ إلى خَالِقِهِ.\n\n<s0>  وأَمَةُ اللهِ؟\n<s1> مِثلُهُ، إن كَانَتْ صَالِحَةً فهو مِنْ بَابِ التَّشرِيفِ مع الخَلقِ، وإن كَانت غَيرَ صَالَحَةٍ فهو مِنْ إِضَافَةِ المَخلُوقِ إلى خَالِقِهِ فَقَطْ.\n\n<s0>  المُرَادُ بِقصرِ أَنسٍ ﵁؟\n<s1> بَيتُهُ يَعْنِي، بَيتٌ له خَارِجَ البَصرَةِ على أَمْيَالٍ: كِيلُواتٍ مِنْ البَصرَةِ، بَارِزًا عنِ البَصرَةِ، ﵁ لازم فيه، قَصرُهُ: لَعلَّهُ مَزرَعةٌ هناك، قَصرٌ في مَزرَعَةٍ له، لَازم فيه ﵁.\n\n٧٥١٢ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ خَيْثَمَةَ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٌ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تَرْجُمَانٌ، فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ مِنْ عَمَلِهِ، وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ».","vol":"1","page":315},{"text":"قَالَ الأَعْمَشُ: وَحَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ، عَنْ خَيْثَمَةَ، مِثْلَهُ، وَزَادَ فِيهِ: «وَلَوْ بِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ» (^١).\n\n<s2>\nوهَذَا فيه الحَثُّ على الصَّدَقةِ، وأنَّ هَذَا مِنْ أَسبَابِ الإِنقَاذِ مِنْ النَّارِ: مَنْ رَحِمَ رُحِمَ: «مَنْ لا يَرحَمُ لا يُرحَمُ» (^٢). الحَثُّ على طَاعَةِ اللهِ والقِيَامِ بَأمْرِهِ؛ لأنَّ هَذَا مِنْ أَسبَابِ السَّلَامَةِ مِنْ النَّارِ، ومن ذَلكَ الصَّدَقَةُ والإِحسَانُ والرَّحمَةُ بِالفُقَراءِ.\n(الشَّيخُ): مَاذَا قَالَ على حَدِيثِ عَدِيٍّ ﵁؟\n[قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ فِي «فَتْحِ البَارِي» (١٣/ ٤٧٧)]: «الحَدِيثُ الثَّالِثُ: حَدِيثُ عَدِيِّ بنِ حَاتِمٍ: «مَا مِنكُمْ مِنْ أَحَدٍ إلا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ». وقد تَقَدَّمَ شَرحُهُ في كِتَابِ «الرِّقَاقِ»، وقَولُهُ: قَالَ الأَعمَشُ: وحَدَّثَنِي عَمرُو بنُ مُرَّةٍ، هو مَوصُولٌ بِالسَّنَدِ الذي قَبلَهُ إِلَيه». [انتهى كلامه].\n\n<s0>  أَحسَنَ اللهُ إِليكَ: «مِنْكُمْ» عَامَّةٌ للمَخلُوقِينَ؟\n<s1> نعم لِلمَخْلُوقِينَ، لكن كَلَامُ الكُفَّارِ كَلَامُ تَوبِيخٍ، والمُؤمِنُونَ كَلامُ خَيرٍ ورِضًا.\n\n<s0>  ما يَلزَمُ منه الرُّؤيَا؟\n<s1> الرُّؤيَا للمُؤمِنِينَ فَقَطْ، أمَّا غَيرُ المُؤمِنِينَ: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ\n_________\n(^١) ورواه مسلم (١٠١٦).\n(^٢) رواه البخاري (٥٩٩٧)، ومسلم (٦٥) (٢٣١٨).","vol":"1","page":316},{"text":"لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ [المطففين: ١٥]، أما ما في الآيَاتِ الأُخرَى: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾ [آل عمران: ٧٧] فلا مُنَافَاةَ بينها وبين الحَدِيثِ: «لا يُكَلِّمُهُم اللهُ» كَلَامَ رِضًا ومَحَبَّةٍ، بل كَلَامٌ يَضُرُّهُم ولا يَنفَعُهُم، نَسأَلُ اللهَ السَّلَامَةَ، وهَكَذَا: «لا يَنْظُرُ إِلَيهِم» يَعْنِي: نَظَر رحَمةٍ وإِحسَانٍ وإلَّا هو لا تَخفَى عليه خَافِيَةٌ، يَرَى الدُّنيَا ﷾.\n\n<s0>  كَونُهُ يُكَلِّمُهُم لَيْسَ بَينَه وبَينَهُم تُرجُمَانٌ ما تُفِيدُ الرُّؤيَةَ؟\n<s1> ما يَلزَمُ الرُّؤيَةَ، يُكَلِّمُهُم ويُكَلِّمُونَهُ بِدُونِ رُؤيَةٍ إذا كانوا كُفَّارًا. أنت الآن تُكلِّمُ بِالتليفُونَ، تُكلِّمُ تَرَاهُم؟ تُكلِّمُ كُلَامًا وَاضِحًا تَعرفُ أَنَّه فُلَانٌ وفُلَانٌ، أَبُوكَ، أَخوكَ وأنتَ لا تَرَاهُم، تَعلَمُ أَنَّه كَلَامُهُ. هَذَا مِثَالُه في الدُّنيَا، وقد يَقعَ أَيضًا مِنْ غَيرِ التِّليفُون مثلُ: تَكَلِّمُهُ مِنْ حُجرَةٍ وهو مِنْ حُجرَةٍ ومِن بَابٍ مُغلَقٍ لا تَرَاُه، وَيسمَعُكَ وتَسمَعُه، هَذَا ما يَقَعُ؟! هَذَا مِثالُهُ في الدُّنيَا.\n\n<s0>  قَولُهُ: «ولو بِشِقِّ تَمرَةٍ»، فيه إِشَارةٌ إلى فَضلِ الإِطعَامِ خَاصَّةً؟\n<s1> نعم ولو بِالقَلِيلِ، كُنْتَ دَائِمًا أَذكُرُ في مَجلِسِي دَائِمًا قِصّةَ عَائِشَةَ ﵂ ولا بُدَّ أنَّكُم سَمِعتُمُوهَا مَرَّاتٍ في «البُخَارِيِّ»، ولَعلَّهَا في «مُسلِمٍ» أَيضًا.\nالمَقْصُودُ: أن عَائِشَةَ ﵂ أَتَت إِلَيها امْرَأةٌ ومعها ابْنتَانِ تَسأَلُ، قَالتْ: فلم أَجِدْ إلا ثَلَاثَ تَمْرَاتٍ فَقَدَّمَتهَا إلى المَرأَةِ، ثَلَاثَ تَمرَاتٍ في البَيتِ وَجَدَت في البَيتِ ثَلَاثَ تَمرَاتٍ، بِيتُ النَّبيِّ ﷺ ما وُجِدَ فيه إلا ثَلَاثُ تَمرَاتٍ، وهو النَّبيُّ ﷺ، أَصَابهُ شِدَّةٌ وحَاجةٌ حَتَّى فَقَدُوا التَّمرَ وشَقَّ عَلَيهِم الجُوعُ، ففِي هَذِه الحَالَةِ وَجَدَتْ ثَلَاثَ تَمرَاتٍ فَقَدَّمتهَا إلى المَرأَةِ، والمَرأَةُ قَدَّمَتها لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ بِنتَيهَا تَمرَةٌ، ورَفَعَتِ التَّمرَةُ إلى فَمِهَا لِتَأكُلَهَا -الثَّالِثَةَ-","vol":"1","page":317},{"text":"فَأسرَعَتِ البِنتَانِ وأَكَلَتَا التَّمرَتَينِ وجَعَلَتَا تَنظُرَانِ إِلَيها تُريدَانِ منها التَّمرَةَ الثَّالِثَةَ؛ فَقَدَّمَتهَا إِليهمَا وشَقَّتَها بِينهمُا ولم تَأْكُلْهَا، قالت عَائِشَةُ ﵂: فَأَعجَبَنِي أَمرُهَا، فلمَّا جَاءَ النَّبيُّ ﷺ أَخبَرتُهُ؛ فَقَالَ: «إنَّ اللهَ أَوجَبَ لها الجَنَّةَ بهَذِه الرَّحمَةِ» (^١). فَالتَّمرَةُ لها شَأنٌ مع الْمُحتَاجِ والْمُضْطَرِّ.\nومن ذَلكَ حَدِيثٌ آخرَ ذَكرَهُ جَابرٌ ﵁ في غَزوَةِ السَّاحِلِ حين كَانَ مع أَبِي عُبَيدَةَ ﵁في «الصَّحِيحِ» أيضًا- وقد زَوَّدَهُمُ النَّبيُّ ﷺ بِتَمرٍ، فَصَارَ أَبُو عُبَيدَةَ ﵁ في آخِرِ الوَقتِ يُعطِيهم على تَمرَةٍ تَمرَةٍ، لَمَّا قَلَّ التَّمرُ صَارَ يُعطِيهِم على تَمرَةٍ تَمرَةٍ، وَاحِدُةٌ كُلَّ يَومٍ، فقال له بَعضُ الرُّوَاةِ -لِجَابرٍ ﵁-: ما تَفعَلُ فيكم التَّمرَةُ الوَاحِدَةُ؟ قَالَ: «كنَّا نَمُصَّها ونَشرُبُ عليها المَاءَ» (^٢). تَمرَةٌ؛ الرَّسُولُ ﷺ قَالَ: «اتَّقُوا النَّارَ ولو بِشِقِّ تَمرَةٍ» (^٣).\n\n<s0>  يا شَيخُ أَحسَنَ اللهُ إِليكَ، سَؤَالُهُ يَقُولُ: يَعْنِي هلِ الإِطعَامُ أَفضَلُ مِنْ النَّقدَينِ في كُلِّ حَالَةٍ؟\n<s1> ما هو بِالمَقصُودِ، جِنسُ الإِطعَامِ، الإِنسَانُ يُنْفِقُ مما يَسَّرَ اللهُ له، حَتَّى ولو لم يِجِد إلَّا شِقَّ تَمرَةٍ، إذا أَعطَاهُ النَّقدَينِ أَزْيَدُ مِنْ شِقِّ التَّمرَةِ، النُّقُودُ تَأتِي بِالتَّمرِ وبِغَيرِ التَّمرِ.\n\n<s0>  رُؤيَةُ المَلَائِكَةِ للهِ ﷿؟\n<s1> اللهُ أَعلَمُ.\n_________\n(^١) ورواه مسلم (١٤٨) (٢٦٣٠).\n(^٢) رواه أحمد (١٤٣٣٧)، والنسائي (٤٣٥٤).\n(^٣) رواه البخاري (١٤١٧)، ومسلم (٦٧) (١٠١٦).","vol":"1","page":318},{"text":"٧٥١٣ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁، قَالَ: جَاءَ حَبْرٌ مِنَ اليَهُودِ، فَقَالَ: إِنَّهُ إِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ جَعَلَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالمَاءَ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ، وَالخَلَائِقَ عَلَى إِصْبَعٍ، ثُمَّ يَهُزُّهُنَّ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا المَلِكُ أَنَا المَلِكُ. فَلَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَضْحَكُ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ؛ تَعَجُّبًا وَتَصْدِيقًا لِقَوْلِهِ، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧]» (^١).\n\n<s2>\nهنا ذَكرَ أَربَعَ أَصَابِعَ، وفي الرِّوَايَةِ الأُخْرَى: «والجِبَالُ والشَّجرُ على إِصبَعٍ»، الإصبَعُ الخَامِسَةُ، وهَذَا مُختَصَرٌ، الأَصَابِعُ خَمسٌ له سُبحَانَهُ، لا تُشَابِهُ صِفَاتِ الْمَخلُوقِينَ، كما أن وَجهَهُ ويَدَهُ وسَائرَ صِفَاتِهِ لا تُشَابِهُ صِفَاتِ الْمَخلُوقِينَ؛ فله الكَمَالُ الْمُطلَقُ مِنْ كُلِّ الوُجُوهِ ﷾: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١].\nلكن يُستَفَادُ مِنَ الأَحَادِيثِ أنَّ له يدًا، وأنَّ له أَصَابِعَ خَمسًا، وَأنَّه يَومَ القِيَامةِ يَحمِلُ هَذِه الْمَخلوُقاَت على تلك الأَصَابِعِ ويَهُزهَا ويَقُولُ: أنا الْمَلكُ، أنا الجَبَّارُ، أين الجَبَّارُونَ؟ أين الْمُتَكَبِّرُونَ؟\n_________\n(^١) ورواه مسلم (٢٧٨٦).","vol":"1","page":319},{"text":"<s0>  مَكتُوبٌ «حَبَرٌ» يا شَيخُ؟\n<s1>  لا، غَلَطٌ، «حِبرٌ» أو «حَبرٌ» بِاللُغَتَينِ بِكسرِ الحَاءِ وفَتحِهَا، أمَّا فَتحُ البَاءِ غَلَطٌ، حَبرٌ مِنَ الأَحبَارِ.\nالشَّاهِدُ: يَعْنِي: تَلَا الآيَةَ ﵊، شَاهِدٌ لِمَا قَالَ الحَبرُ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧]، فَالأَحبَارُ همُ العُلمَاءُ ﴿أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ﴾ [التوبة: ٣١]، والأَحبَارُ جَمعُ حَبرٍ، ويُقَالُ: حِبرٌ، بِالكَسرِ.\n\n٧٥١٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ، كَيْفَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي النَّجْوَى؟ قَالَ: «يَدْنُو أَحَدُكُمْ مِنْ رَبِّهِ حَتَّى يَضَعَ كَنَفَهُ عَلَيْهِ، فَيَقُولُ: أَعَمِلْتَ كَذَا وَكَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، وَيَقُولُ: عَمِلْتَ كَذَا وَكَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيُقَرِّرُهُ، ثُمَّ يَقُولُ: إِنِّي سَتَرْتُ عَلَيْكَ فِي الدُّنيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ اليَوْمَ» (^١).\nوَقَالَ آدَمُ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ.\n\n<s2>\nوهَذَا فيمَنِ اقْتَرفَ شَيْئًا سَتَرَهُ اللهُ عليه وغَفرَ اللهُ له ﷾، فإنَّه\n_________\n(^١) ورواه مسلم (٢٧٦٨).","vol":"1","page":320},{"text":"هو السَّتَّارُ لِعبِادهِ، وهو الْمُحسِنُ الكَرِيمُ الجَوادُ، فَيُقرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ لِيعرِفَ فَضلَ اللهِ عليه وإِحسَانَهُ إِليه، ثم يُخبِرُه أَنَّه سَترَهَا عليه في الدُّنيَا ويَغفِرُهَا عليه اليَومَ. وهَذِه النَّجوَى بين العَبدِ وبين رَبِّهِ …\n(الشَّيخُ): ماذا قَالَ الشَّارِحُ على النَّجوَى؟ أو قَالَ: مَضَى؟\n[قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ فِي «فَتْحِ البَارِي» (١٣/ ٤٧٧)]: «الحَدِيثُ الخَامِسُ: حَدِيثُ ابنِ عُمرَ في النَّجوَى، قَولُهُ: «يَدنُو أَحَدُكُم مِنْ رَبِّه» قَالَ ابنُ التِّينِ: يَعْنِي: يَقربُ مِنْ رَحمَتِهِ، وهو سَائِغٌ في اللُّغَةِ، يُقالُ: فُلَانٌ قَرِيبٌ من فُلَانٍ، ويُرَادُ الرُّتَبَةُ، ومِثلُهُ: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾ [الأعراف: ٥٦]». [انتهى كلامه].\nقَالَ ابنُ بَازٍ ﵀: وهَذَا تَأوِيلٌ لا يَنبَغِي، وهَذَا تَأْوِيلٌ لَيْسَ بِجَيدٍ، الأَصلُ أَنَّه دُنُوٌّ حَقِيقِيٌّ منه ﷾، دُنُوٌّ حَقِيقِيٌّ على الوَجهِ الذي يَعلَمُه سُبحَانَهُ، فهو يُدْنِي عَبدَهُ المُؤمِنَ كمَا يَشَاءُ دُنُوًّا خَاصًّا؛ فَيُقَرِّرُه بِذُنُوبِهِ ويَسأَلُه؛ فضلًا منه وإِحسَانًا وإِظهارًا لِرحمَتِهِ وجُودِهِ وكَرَمِهِ، ويَنزلُ لِيحكُمَ بين عِبَادِهِ بِالعَدلِ ﷾، ولكِنْ لَا يَعلمُ كَيفِيَّةَ هَذَا الدُّنُوِّ إلا هو ﷾، دُنُوٌّ خَاصٌّ لا يَعلَمُ كَيفِيَّتَه إلا هو ﷾.\n\n<s0>  هَذَا مِنْ تَأْوِيلَاتِ الأَشَاعِرَةِ أَحسَنَ اللهُ إِليكَ؟\n<s1> نَوعٌ مِنَ التَّأوِيلِ.\n[قال الحَافِظُ ﵀]: «وقَولُهُ: «فَيضَعُ كَنَفَهُ» بِفتحِ الكَافِ والنُّونِ بَعدَها فَاءٌ، المُراُد بِالكَنَفِ: السِّترُ، وقد جَاءَ مُفَسَّرًا بذَلكَ في رِوَايةِ عَبدِ اللهِ بنِ الْمُبَاركِ عن مُحَمَّدِ بنِ سَوَاءٍ، عن قَتَادةَ، فقَالَ في آخِرِ الحَدِيثِ:","vol":"1","page":321},{"text":"قَالَ عبدُ اللهِ بنُ الْمُبَاركِ: كَنَفُهُ سِترُهُ. أَخرَجَهُ الْمُصَنِّفُ في كِتَابِ «خَلقِ أَفعَالِ العِبَادِ»، والمَعنَى: أَنَّه تُحيطُ به عِنَايَتُهُ التَّامَّةُ، ومَن رَوَاه بِالْمُثَنَّاةِ الْمَكسُورةِ فقد صَحَّفَ على ما جَزَمَ به جَمعٌ مِنَ العُلَمَاءِ». [انتهى كلامه].\n(الشَّيخُ): رَاجِعِ الكَلَامَ على قَولِهِ: «وهو مُتَوارٍ في مَنزِلِ أَبِي خَلِيفَةَ»؟\n[قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ فِي «فَتْحِ البَارِي» (١٣/ ٤٧٦)]: «قَوْلُهُ: «وَهُوَ مُتَوَارٍ فِي مَنْزِلِ أَبِي خَلِيفَةَ» هُوَ حَجَّاجُ بْنُ عَتَّابٍ الْعَبْدِيُّ الْبَصْرِيُّ، وَالِدُ عُمَرَ بْنِ أَبِي خَلِيفَةَ، سَمَّاهُ الْبُخَارِيُّ فِي «تَارِيخِهِ» وَتَبِعَهُ الْحَاكِمُ أَبُو أَحْمَدَ فِي الْكُنَى». [انتهى كلامه].\n[قال الإِمَامُ العَينِيُّ في «عُمدَةِ القَارِئِ» (٢٥/ ١٦٧)]: «قَولُهُ: وَهُوَ مُتَوارٍ أَي: مُخَتَفٍ فِي مَنزِلِ أَبِي خَليفَة الطَّائِي الْبَصْرِيّ؛ خَوفًا من الْحجَّاجِ بنِ يُوسُفَ الثَّقَفِيّ». [انتهى كلامه].\nقَالَ ابنُ بَازٍ ﵀: يَعْنِي: وَقتَ فِتنَةِ الحَجَّاجِ.\n\n<s0>  أَحسَنَ اللهُ إِليكَم الكَنَفُ؟\n<s1> اللهُ أَعلَمُ، المُرَادُ سِترَهُ، واللهُ أَعلَمُ، الصِّفَاتُ لا تُفسَّرُ إلا بِالدَّلِيلِ، فاللهُ أَعلَمُ بِالكَيفِيَّةِ التي أَرَادَ بها ﷾، لكِنْ على هَذَا يَدُلُّ على عِنَايةٍ وفَضْلٍ منَ اللهِ ﷾ وَرَحمَةٍ وإِحسَانٍ ولُطفٍ به، ولُطفٍ بِعبدِهِ المؤْمِنِ.\n\n<s0>  وهَذَا من آثَارِ صِفَةِ الرَّحمَةِ؟\n<s1> هَذَا مِنْ الصَّفَاتِ.","vol":"1","page":322},{"text":"<s0>  مِنْ آثَارِ هَذِه الصِّفَةِ الرَّحمَةُ؟\n<s1>  نِعمَةٌ.\n\n<s0>  ما الَّذِي سَترَهُ اللهُ عليه؟\n<s1>  اللهُ أَعلَمُ، اللهُ أَعلَمُ، ظَاهِرُ السِّيَاقِ أَنَّها الذُّنُوبُ التي سُتِرَت عليه ولم يُفضَحْ بها ولم تَظهَرْ في الدُّنيَا، بَينَه وبينَ رَبِّهِ، هَذَا مَحَلُّ التَّقدِيرِ، سَتَرَهَا ويُخبِرُهُ أَنَّها لم تَخفَ عليه ﷾؛ حَتَّى لا يَظُنّ العَبدُ أَنَّها ضَاعَت، بِخِلَافِ الذُّنُوبِ الظَّاهِرةِ؛ [فإنها] مَعرُوفَةٌ، التي أُقيمَ عَليها الحَدُّ، فيها الكَفَّارَةُ، أو ظَهَرَت وعُلِمَت مِنَ النَّاسِ ثمَّ تَابَ مِنهَا، لَكِنْ هَذِه الَّتِي في الحَدِيثِ أَنَّها ذُنُوبٌ خَاصَّةُ بين العَبدِ وبين رَبِّهِ، مَا عَلِمَها النَّاسُ ولا حَكَمَ فيها أَحدٌ ولا ظَهَرتْ للنَّاسِ.\n\n<s0>  ولا تَابَ مِنهَا؟\n<s1>  الظَّاهِرُ ولا تَابَ منها، ولِهذَا قَالَ: «وأَغفِرُهَا لكَ اليومَ».\n* * *","vol":"1","page":323},{"text":"<span data-type='title' id=toc-55>بَابُ مَا جَاءَ في قَولِهِ ﷿: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:</span> ١٦٤]\n٧٥١٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى، فَقَالَ مُوسَى: أَنْتَ آدَمُ الَّذِي أَخْرَجْتَ ذُرِّيَّتَكَ مِنَ الجَنَّةِ، قَالَ آدَمُ: أَنْتَ مُوسَى الَّذِي اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِرِسَالَاتِهِ وَكَلَامِهِ، ثُمَّ تَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِّرَ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ؛ فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى» (^١).\n\n<s2>\n«فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى» مَعنَاهُ: يَعْنِي خَصمَهُ وغَلبَهُ بِالحُجَّةِ؛ لأنَّ إِخرَاجَ الذُّرِّيةِ مِنْ الجَنَّةِ لَيْسَ مِنْ عَملِ آدَمَ ﵇، بلْ أَمرٌ كَتَبَهُ اللهُ وقَضَاهُ ورَتَّبَهُ على ما جَرَى مِنْ مَعصِيَتهِ، الذي جَرَى مِنْ آدَمَ هو الْمَعصِيَةُ، فَالعَبدُ لا يُلَامُ على الْمَصَائِبِ وإِنَّمَا يُلَامُ على الْمَعَايبِ، فَالْمُصِيبَةِ التي تَرَّتَبَتْ على ذَلكَ لَيسَت مِنْ عَملِهِ، وإنما هو أَمرٌ قَضَاهُ اللهُ وقَدَّرهُ لِحكمةٍ بَالِغَةٍ، فهو مَلُومٌ على الْمَعصِيةِ وقد تَابَ منها، والتَّائِبُ لا يُلَامُ، مَنْ تَابَ تَابَ اللهُ عليه ولا يُلَامُ بعد ذَلكَ، ولا يُعَابُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (١٢٢)﴾ [طه: ١٢١، ١٢٢]؛\n_________\n(^١) ورواه مسلم (٢٦٥٢).","vol":"1","page":324},{"text":"ولِهذَا حَجَّ آدَمُ مُوسَى؛ لأنهُ لَامَهُ على أَمرٍ لَيْسَ مِنْ فِعلِهِ، وأمْرٍ قد تَابَ مِنْ أَسبَابِهِ ورَجَعَ مِنْ أَسبَابِهِ، والتُّوبَةُ تَجُبُّ ما قَبلَهَا، واللهُ جل وعلا أَخرَجَهُ مِنْ الجَنَّةِ بِسببِ الْمَعصِيَةِ، وأَخرَجَ ذُرِيَّتَهُ من الجَنَّةِ لِحكمَةٍ بَالِغَةٍ حَتَّى يُظهِرَ دِينَهُ في الأَرْضِ، وتَعلُو كَلِمتُهُ في الأَرْضِ، وُيعبَدَ وَحدُهُ في الأَرضِ، بعدَما كَانَ في الجَنَّةِ.\n\n<s0>  خُرُوجُ بَنِي آدَمَ هَذِه مِنْ المَصَائِبِ يَعْنِي؟\n<s1> مِنْ الْمَصَائِبِ، والذي عَمِلَهُ آدَمُ أَكلُهُ مِنَ الشَجَرةِ وقد تَابَ منه.\n\n٧٥١٦ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «يُجْمَعُ المُؤمِنُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ فَيَقُولُونَ: لَوِ اسْتَشْفَعْنَا إِلَى رَبِّنَا فَيُرِيحُنَا مِنْ مَكَانِنَا هَذَا، فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ لَهُ: أَنْتَ آدَمُ أَبُو البَشَرِ، خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَأَسْجَدَ لَكَ المَلَائِكَةَ، وَعَلَّمَكَ أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ، فَاشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّنَا حَتَّى يُرِيحَنَا. فَيَقُولُ لَهُمْ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، فَيَذْكُرُ لَهُمْ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ» (^١).\n\n<s2>\n(الشَّيخُ): كذا «يُجمَعُ» عِندكَ أَوْ «يَجتَمِعُ»؟ رَاجِعِ الشَّارِحَ، تَعَرَّضَ لها؟ أو العِينِيُّ؟\n(القَارِئُ) ما تَعَرَّضَ، أَحسَنَ اللهُ إِليكَ.\n(الشَّيخُ): ما الشَّاهِدُ مِنْ هَذَا البَابِ؟ (^٢)\n(القَارِئُ): يَعْنِي بَقِيَّةَ الحَدِيثِ.\n_________\n(^١) ورواه مسلم (١٩٣).\n(^٢) مشاروة من سماحته للطلبة شحذًا لأذهانهم.","vol":"1","page":325},{"text":"(الشَّيخُ): ماذا عنَدَكُم يَا إِخوَانُ؟ فيه شَاهِدٌ لِكَلَامِهِ؟\n(القَارِئُ) لا، هَذَا ما فيهِ شَيءٌ.\n(الشَّيخُ): والتَّعلِيمُ ما يَكُونُ بِالكَلَامِ؟ «وعَلَّمَكَ أسمَاءَ كُلِّ شَيءٍ»، هَذَا الشَّاهِدُ، تَعلِيمُ اللهِ آدَمَ أَسمَاءَ كُلِّ شَيءٍ ما يَكُونُ بِالكَلَامِ؟\n(القَارِئُ): التَّرجَمَةُ: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ [النساء: ١٦٤].\nقَالَ ابنُ بَازٍ ﵀: هَذِه إِشَارَةٌ لِلكَلَامِ، قَصدُهُ الكَلَامُ، جِنسُ الكَلَامِ يَعْنِي؛ لأنَّ هَذَا ما فيه شَيءٌ يَتَعَلَّقُ بمُوسَى ﵇، فَالظَّاهِرُ أَنَّه أَرَادَ جِنسَ الكَلَامِ مع اسْتِشهَادِهِ بِتَكلِيمِ اللهِ لمُوسَى، مِثلمَا تَقَدَّمَ: كَلَامُ اللهِ لِأهلِ الجَنَّةِ ولِأهلِ المَوقِفِ. أَرَادَ مِنْ هَذَا: «وعَلَّمَكَ أَسمَاءَ كُلِّ شَيءٍ».\n\n٧٥١٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ، عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ مَالِكٍ (^١)، يَقُولُ: «لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ مَسْجِدِ الكَعْبَةِ، أَنَّهُ جَاءَهُ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ وَهُوَ نَائِمٌ فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ، فَقَالَ أَوَّلُهُمْ: أَيُّهُمْ هُوَ؟ فَقَالَ أَوْسَطُهُمْ: هُوَ خَيْرُهُمْ، فَقَالَ آخِرُهُمْ (^٢):\n_________\n(^١) كذا في «الفتح» وفي «عمدة القارئ»، وفي نسخة شعيب الأرنؤوط: «سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ». وقال سماحته ﵀: سقط أنس، أنس بن مالك، معروف.\n(^٢) كذا في «عمدة القارئ» وغيره، وفي «الفتح»: «فَقَالَ أَحَدُهُمْ».","vol":"1","page":326},{"text":"خُذُوا خَيْرَهُمْ، فَكَانَتْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَلَمْ يَرَهُمْ حَتَّى أَتَوْهُ لَيْلَةً أُخْرَى، فِيمَا يَرَى قَلْبُهُ، وَتَنَامُ عَيْنُهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ، وَكَذَلِكَ الأَنْبِيَاءُ تَنَامُ أَعْيُنُهُمْ وَلَا تَنَامُ قُلُوبُهُمْ، فَلَمْ يُكَلِّمُوهُ حَتَّى احْتَمَلُوهُ، فَوَضَعُوهُ عِنْدَ بِئْرِ زَمْزَمَ، فَتَوَلَّاهُ مِنْهُمْ جِبْرِيلُ، فَشَقَّ جِبْرِيلُ مَا بَيْنَ نَحْرِهِ إِلَى لَبَّتِهِ حَتَّى فَرَغَ مِنْ صَدْرِهِ وَجَوْفِهِ، فَغَسَلَهُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ بِيَدِهِ، حَتَّى أَنْقَى جَوْفَهُ. ثُمَّ أُتِيَ (^١) بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ فِيهِ تَوْرٌ مِنْ ذَهَبٍ، مَحْشُوًّا إِيمَانًا وَحِكْمَةً، فَحَشَا بِهِ صَدْرَهُ وَلَغَادِيدَهُ - يَعْنِي: عُرُوقَ حَلْقِهِ - ثُمَّ أَطْبَقَهُ. ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنيَا، فَضَرَبَ بَابًا مِنْ أَبْوَابِهَا فَنَادَاهُ أَهْلُ السَّمَاءِ مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ جِبْرِيلُ. قَالُوا: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مَعِيَ مُحَمَّدٌ. قَالَ: وَقَدْ بُعِثَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالُوا: فَمَرْحَبًا بِهِ وَأَهْلًا، فَيَسْتَبْشِرُ بِهِ أَهْلُ السَّمَاءِ، لَا يَعْلَمُ أَهْلُ السَّمَاءِ بِمَا يُرِيدُ اللَّهُ بِهِ فِي الأَرْضِ حَتَّى يُعْلِمَهُمْ، فَوَجَدَ فِي السَّمَاءِ الدُّنيَا آدَمَ، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: هَذَا أَبُوكَ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَرَدَّ عَلَيْهِ آدَمُ، وَقَالَ: مَرْحَبًا وَأَهْلًا بِابْنِي، نِعْمَ الِابْنُ أَنْتَ، فَإِذَا هُوَ فِي السَّمَاءِ الدُّنيَا بِنَهَرَيْنِ يَطَّرِدَانِ، فَقَالَ: مَا هَذَانِ النَّهَرَانِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَذَانِ النِّيلُ وَالفُرَاتُ عُنْصُرُهُمَا، ثُمَّ مَضَى بِهِ فِي السَّمَاءِ، فَإِذَا هُوَ بِنَهَرٍ آخَرَ عَلَيْهِ قَصْرٌ مِنْ لُؤْلُؤٍ وَزَبَرْجَدٍ،\n_________\n(^١) كذا في «عمدة القارئ» وغيره، وفي «الفتح»: «ثُمَّ أَتَى».","vol":"1","page":327},{"text":"فَضَرَبَ يَدَهُ فَإِذَا هُوَ مِسْكٌ أَذْفَرُ، قَالَ: مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَذَا الكَوْثَرُ الَّذِي خَبَأَ لَكَ رَبُّكَ. ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ، فَقَالَتِ المَلَائِكَةُ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَتْ لَهُ الأُولَى مَنْ هَذَا، قَالَ جِبْرِيلُ: قَالُوا: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ ﷺ، قَالُوا: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالُوا: مَرْحَبًا بِهِ وَأَهْلًا، ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ، وَقَالُوا لَهُ مِثْلَ مَا قَالَتِ الأُولَى وَالثَّانِيَةُ، ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى الرَّابِعَةِ، فَقَالُوا لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ. ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الخَامِسَةِ، فَقَالُوا مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، فَقَالُوا لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، فَقَالُوا لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، كُلُّ سَمَاءٍ فِيهَا أَنْبِيَاءُ قَدْ سَمَّاهُمْ، فَوَعَيْتُ مِنْهُمْ إِدْرِيسَ فِي الثَّانِيَةِ، وَهَارُونَ فِي الرَّابِعَةِ، وَآخَرَ فِي الخَامِسَةِ لَمْ أَحْفَظِ اسْمَهُ، وَإِبْرَاهِيمَ فِي السَّادِسَةِ، وَمُوسَى فِي السَّابِعَةِ بِتَفْضِيلِ كَلَامِ اللَّهِ (^١).\nفَقَالَ مُوسَى: رَبِّ لَمْ أَظُنَّ أَنْ تَرْفَعَ عَلَيَّ أَحَدًا، ثُمَّ عَلَا بِهِ فَوْقَ ذَلِكَ بِمَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ، حَتَّى جَاءَ سِدْرَةَ المُنْتَهَى، وَدَنَا الجَبَّارُ رَبُّ العِزَّةِ، فَتَدَلَّى حَتَّى كَانَ مِنْهُ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى، فَأَوْحَى اللَّهُ فِيمَا أَوْحَى إِلَيْهِ (^٢): خَمْسِينَ صَلَاةً عَلَى أُمَّتِكَ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، ثُمَّ هَبَطَ\n_________\n(^١) كذا في «عمدة القارئ» وغيره، وفي «الفتح»: «بِفَضْلِ كَلَامِهِ للَّهِ».\n(^٢) كذا في «عمدة القارئ» وغيره، وفي «الفتح»: «فَأَوْحَى اللَّهُ فِيمَا أَوْحَى خَمْسِينَ صَلَاةً».","vol":"1","page":328},{"text":"حَتَّى بَلَغَ مُوسَى، فَاحْتَبَسَهُ مُوسَى، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، مَاذَا عَهِد إِلَيْكَ رَبُّكَ؟ قَالَ: عَهِدَ إِلَيَّ خَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ. قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ، فَارْجِعْ فَلْيُخَفِّفْ عَنْكَ رَبُّكَ وَعَنْهُمْ. فَالْتَفَتَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى جِبْرِيلَ كَأَنَّهُ يَسْتَشِيرُهُ فِي ذَلِكَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ جِبْرِيلُ: أَنْ نَعَمْ إِنْ شِئْتَ. فَعَلَا بِهِ إِلَى الجَبَّارِ، فَقَالَ وَهُوَ مَكَانَهُ: يَا رَبِّ خَفِّفْ عَنَّا فَإِنَّ أُمَّتِي لَا تَسْتَطِيعُ هَذَا. فَوَضَعَ عَنْهُ عَشْرَ صَلَوَاتٍ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مُوسَى، فَاحْتَبَسَهُ فَلَمْ يَزَلْ يُرَدِّدُهُ مُوسَى إِلَى رَبِّهِ حَتَّى صَارَتْ إِلَى خَمْسِ صَلَوَاتٍ، ثُمَّ احْتَبَسَهُ مُوسَى عِنْدَ الخَمْسِ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، وَاللَّهِ لَقَدْ رَاوَدْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَوْمِي عَلَى أَدْنَى مِنْ هَذَا فَضَعُفُوا فَتَرَكُوهُ، فَأُمَّتُكَ أَضْعَفُ أَجْسَادًا وَقُلُوبًا وَأَبْدَانًا وَأَبْصَارًا وَأَسْمَاعًا، فَارْجِعْ فَلْيُخَفِّفْ عَنْكَ رَبُّكَ، كُلَّ ذَلِكَ يَلْتَفِتُ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى جِبْرِيلَ لِيُشِيرَ عَلَيْهِ، وَلَا يَكْرَهُ ذَلِكَ جِبْرِيلُ، فَرَفَعَهُ عِنْدَ الخَامِسَةِ، فَقَالَ: يَا رَبِّ إِنَّ أُمَّتِي ضُعَفَاءُ أَجْسَادُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ وَأَسْمَاعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَأَبْدَانُهُمْ فَخَفِّفْ عَنَّا. فَقَالَ الجَبَّارُ: يَا مُحَمَّدُ، قَالَ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: إِنَّهُ لَا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ، كَمَا فَرَضْتُ عَلَيْكَ فِي أُمِّ الكِتَابِ. قَالَ: فَكُلُّ حَسَنَةٍ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، فَهِيَ خَمْسُونَ فِي أُمِّ الكِتَابِ، وَهِيَ خَمْسٌ عَلَيْكَ، فَرَجَعَ إِلَى مُوسَى، فَقَالَ: كَيْفَ فَعَلْتَ؟ فَقَالَ: خَفَّفَ عَنَّا، أَعْطَانَا","vol":"1","page":329},{"text":"بِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرَ أَمْثَالِهَا. قَالَ مُوسَى: قَدْ وَاللَّهِ رَاوَدْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ فَتَرَكُوهُ، ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَلْيُخَفِّفْ عَنْكَ أَيْضًا. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: يَا مُوسَى، قَدْ وَاللَّهِ اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّي مِمَّا اخْتَلَفْتُ إِلَيْهِ. قَالَ: فَاهْبِطْ بِاسْمِ اللَّهِ قَالَ: وَاسْتَيْقَظَ وَهُوَ فِي مَسْجِدِ الحَرَامِ» (^١).\n\n<s2>\nوهَذَا خَبرٌ عَظِيمٌ وهو خَبرُ الْمِعرَاجُ، جَاءَ من عِدَّةِ رِوَايَاتٍ ذَكَرَهَا الْمُؤلِّفُ وغَيرُهُ عن شَريكِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ أَبِي نَمرٍ، «ولِشرِيكٍ» ﵀ أَوهَامٌ في هَذَا عندَ أَهْلِ العِلْمِ: منها قَولُهُ: «قَبلَ أن يُوحَى إِلَيه». والمِعرَاجُ بعدَ الوَحِيِ بِمَدَّةٍ طَوِيلَةٍ بِعشرِ سِنِينَ.\nومنها قَولُهُ: «وهو نَائِمٌ ثم اسْتَيقَظَ». والذي عند أَهْلِ السُّنَّةِ وجَاءَتْ به الأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ أنَّ كُلَّ ذَلكَ كَانَ في حَالِ اليَقَظَةِ، أُسرِيَ به حَالَ اليَقظَةِ، وعُرجَ به في حَالِ اليَقَظَةِ، مع جَبرَائِيلَ ﵊.\nومِن أَوهَامِهِ أَيضًا: أَنَّه شَكَّ في مَنَازِلِ الأَنبِياءِ ﵈، فَجَعَلَ إِدرِيسَ ﵊ في الثَّانِيةِ، ومُوسَى ﵊ في السَّابِعَةِ، وهَذَا خِلَافُ الصَّوابِ. والصَّوَابُ أن مُوسَى ﵊ في السَّادِسَةِ، وهَارُونَ ﵊ في الخَامِسَةِ، وإِدرِيسَ ﵊ في الرَّابِعَةِ، وإِبرَاهِيمَ ﵊ هو الذي في السَّابِعَةِ عَلَيهِم الصلاة والسلام.\n_________\n(^١) ورواه مسلم (١٦٢).","vol":"1","page":330},{"text":"ومِن أَوهَامِهِ العَظِيمَةِ أَيضًا: قَولُه في الجَبَّارِ: ﴿فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩)﴾ [النجم: ٨، ٩].\nوالصَّوَابُ: أنَّ هَذَا هو جَبرَائِيلِ ﵊ كما قَالَ: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥)﴾ [النجم: ١ - ٥].\nشَدِيدُ القُوَى هو جَبرَائيِلَ ﵊: ﴿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧)﴾ [النجم: ٦، ٧]، كُلُّ هَذَا جَبرَائِيلُ، قالت عَائِشَةُ ﵂: سَألتُ النَّبيَّ ﷺ عن ذَلكَ فَقَالَ: «هو جَبرَائِيلُ» (^١).\nواللهُ فَوقَ ذَلكَ، فَوقَ العَرشِ، وليس هو الذي تَدَلَّى إلى مُحَمَّدٍ، وإِنَّما تَدَلَّى إليه جَبرَائِيلُ. وقد بَسطَ العَلَّامَةُ ابنُ القَيِّمِ وشَيخُ الإِسلَامِ ابنُ تَيمِيَّةَ وجَمَاعَةٌ آخَرُونَ الكَلَامَ في هَذَا، وأَوضَحُوا أَوهَامَ شَرِيكٍ، وذَكرَ بَعضَهَا الحَافِظُ هنا في الشَّرحِ، وذَكَرَ غَيرُهُ ذَلكَ.\n\n<s0>  عَفَا اللهُ عنكَ، شَارِحُ «الطَّحَاوِيَّةِ» يَقُولُ: التَّدَلِّي في سُورَةِ النَّجمِ غَيرُ التَّدَلِّي في حَالَةِ الإِسرَاءِ؟\n<s1>  لا، غَلَطٌ، هو غَلطٌ. الصَّوابُ الذي ذَكَرَهُ أَهْلُ العِلمِ، شَرِيكٌ هو الذي في سُورَةِ النَّجمِ، وهو الذي وَهِمَ فيه شَريكٌ، وَأصَابَ فيه غَيرُهُ، أمَّا اللهُ فهو في مَكَانِهِ وهو على عَرشِهِ مِنْ غَيرِ تَدَلٍّ، وإنما الذي تَدَلَّى وتَكَلَّمَ معه هو جَبرَائِيلُ ﵊.\n_________\n(^١) رواه مسلم (٢٨٧) (١٧٧).","vol":"1","page":331},{"text":"<s0>  هل فَضلُهُم في المَنزِلَةِ كَفضلِهِم في السَّمَوَاتِ؟\n<s1>  مُحتَمِلٌ، لا شَكَّ أنَّ إِبرَاهِيمَ ﵊ أَفضَلُهُم، ومُوسَى ﵊ كذَلكَ بعدَ إِبرَاهِيمَ ﵊، أمَّا البَاقُونَ فهو محَلُّ نَظرٍ.\n\n<s0>  أَحسَنَ اللهُ إِليكَ، ما فَسَّرَ القَصرَ الذي بِاللُّؤلُؤِ والزَّبَرجَدِ؟\n<s1>  جاء في بِعْضِ الأَحَادِيثِ أَنَّه قَصرُهُ ﵊، وَأنَّه هو الوَسِيلَةُ.\n\n<s0>  قَولُهُ: «فَقَالَ وهو مَكَانَهُ». يَعُودُ إلى النَّبيِّ ﷺ؟\n<s1>  يَعْنِي: على العَرشِ، يَعُودُ إلى الرَّبِّ.\n\n<s0>  قَولُهُ: «فقال وهو مَكَانهُ: يا رَبِّ خَفِّفْ عنا»؟\n<s1>  مُحتَمِلٌ، مُحتَمِلٌ نعم، فَقَالَ: هو اللهُ الذي في مَكَانِهِ؛ لِأنَّه جَاءَه في الْمَرَّاتِ الأُولَى، وهو أَظهَرُ.\nويَحتَمِلُ النَّبيَّ ﷺ في مَكَانٍ مُعَيَّنٍ تَكَلَّمَ فيه، مِثلُ ما جَاءَ في رِوَايَةٍ: «في دَارِهِ، يا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي»، الرِّوَايَةُ السَّابِقةُ في الشَّفَاعةِ.\n\n<s0>  الرَّازِيُّ قَالَ هَذَا: مِنْ أَوهَامِ شَرِيكٍ: «وهو مَكَانَهُ»، وأَنكَرَ المَكَانَ؟\n<s1>  مُحتَمِلٌ، ولا هو صَرِيحٌ، هَذَا ما هو وَاضِحٌ في التَّوهِيمِ يَعْنِي.\n\n<s0>  قَولُهُ هنا: «في قَصْرٍ مِنْ لُؤلُؤٍ وزَبَرجَدٍ فَضَربَ يَدَهُ فإذا هو مِسكٌ أَذفَرُ». ما المَقصُودُ؟\n<s1>  ضَربَ بِيدِهِ في النَّهرِ، هَذَا الْمُرادُ.\n\n<s0>  الرَّسُولُ ﷺ؟\n<s1>  إي نعم.\n* * *","vol":"1","page":332},{"text":"<span data-type='title' id=toc-56>بَابُ كَلَامِ الرَّبِّ مَعَ أَهْلِ الجَنَّةِ</span>\n٧٥١٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ لِأَهْلِ الجَنَّةِ: يَا أَهْلَ الجَنَّةِ. فَيَقُولُونَ: لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ وَالخَيْرُ فِي يَدَيْكَ. فَيَقُولُ: هَلْ رَضِيتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: وَمَا لَنَا لَا نَرْضَى يَا رَبِّ وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ. فَيَقُولُ: أَلَا أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. فَيَقُولُونَ: يَا رَبِّ وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ. فَيَقُولُ: أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا» (^١).\n\n<s2>\nيَا لَها مِنْ نِعمَةٍ عَظِيمَةٍ، اللهُ يَجعَلُنَا وإِيَّاكُم مِنهُم، يَا لَهَا مِنْ نِعمَةٍ عَظِيمَةٍ، اللهُ أَكبَرُ، اللهُ أَكبَرُ، اللهُ أَكبَرُ.\n\n٧٥١٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، حَدَّثَنَا هِلَالٌ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ\n_________\n(^١) ورواه مسلم (٢٨٢٩، ٢٨٥٩).","vol":"1","page":333},{"text":"يَوْمًا يُحَدِّثُ وَعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ البَادِيَةِ: «أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ فِي الزَّرْعِ، فَقَالَ: أَوَلَسْتَ فِيمَا شِئْتَ؟ قَالَ: بَلَى، وَلَكِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَزْرَعَ، فَأَسْرَعَ وَبَذَرَ، فَتَبَادَرَ الطَّرْفَ نَبَاتُهُ وَاسْتِوَاؤُهُ وَاسْتِحْصَادُهُ وَتَكْوِيرُهُ أَمْثَالَ الجِبَالِ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: دُونَكَ يَا ابْنَ آدَمَ، فَإِنَّهُ لَا يُشْبِعُكَ شَيْءٌ». فَقَالَ الأَعْرَابِيُّ: يا رَسُولَ اللهِ، لَا تَجِدُ هَذَا إِلَّا قُرَشِيًّا أَوْ أَنْصَارِيًّا، فَإِنَّهُمْ أَصْحَابُ زَرْعٍ، فَأَمَّا نَحْنُ فَلَسْنَا بِأَصْحَابِ زَرْعٍ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ.\n\n<s2>\nهَذَا ممَّا يَحصُلُ لِأهلِ الجَنَّةِ مِنْ أَنوَاعِ النَّعيمِ ومِن آيَاتِ اللهِ العَظِيمَةِ، هَذَا طَلَبَ الزَّرعَ، واللهُ قَالَ له: ألسَتَ فيمَا تَشتَهِي وتُريدُ، كُلُّ النِّعمِ عندك؟! قَالَ: أُحِبُّ أن أَزرَعَ؛ فَبذَرَ وبَادرَ الطَّرفَ سُرعَة اسْتوَاءِ الزَّرعِ، اسْتِوَاؤُه وحَصَادُهُ وانْتهَاؤُهُ مِنْ كُلِّ شَيءٍ طَرفَة عَينٍ كَالجِبالِ، اللهُ المُستَعَانُ، اللهُ أَكبَرُ. ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢].\n\n<s0>  أَحسَنَ اللهُ إِليكَ، قَولُ الأَعرَابِيِّ: «ما أَرَاهُ إلا قُرَشِيًّا»، يَكُونُ هَذَا مِنْ الدُّعَابَةِ الجَائِزَةِ أو مِنَ التَّفسِيرِ الذي لَيْسَ المَقصُودُ به القَدْحُ؟\n<s1> يَظهَرُ واللهُ أَعلَمُ أَنَّه مِنَ الدُّعَابَةِ، وَأنَّه أَرادَ أن يُضحِكَ الرَّسُولَ ﷺ، وأن يَتَكَلَّمَ بِكَلِمةٍ تُؤنِسُهُ ﵊؛ ولِهذَا قَالَ: ما أَرَاه إلا قرشيًّا أو أنصَاريًّا،","vol":"1","page":334},{"text":"أماَّ البَادِيةُ فَلَيسُوا بأَهلِ الزَّرعِ، لكن ما يَنحَصِرُ الزًّرعُ في قُرَشِيٍّ وأَنصَارِيٍّ؛ ولِهذَا ضَحِكَ ﵊ تَعَجُّبًا مِنْ قَولِهِ.\n\n<s0>  ما نَبَّهُ الحَافِظُ على رِوَايَةِ البُخَارِيِّ لِحَدِيثِ شَريكٍ السَّابِقِ؟\n<s1> أَظُنَّهُ نبَّهَ عليه، ذَكرَ هَذَا، تَقَدَّمَ في أَوَّلِ الصَّحِيحِ، رِوَايَاتُ الِمِعرَاجِ تَقَدَّمَت في أَوَّلِ الصَّحِيحِ، على عَادَةِ الأَئِمَةِ يَذكُرُونَ الرِّوَايَاتِ على ما رَوَاهُ الثِّقَاتُ، ثم التَّنبِيهُ على الأَخطَاءِ لها بَحثٌ آخَرُ.\n\n<s0>  يَعْنِي: هَذِه تُعتَبرُ الأَلفَاظُ التي في حَدِيثِ شَريكٍ مِنَ الحُرُوفِ التي انْتُقِدَت على الصَّحِيحِ؟\n<s1> هَذِه ذَكَرَها على ما رَوَاهَا الثِّقَاتُ، ولم يَكنْ عنده ﵀ شَيءٌ يَجزِمُ به بِتركِهَا أو حَذفِهَا، ذَكَرَهَا على ما رَوَاهَا الثِّقَاتُ، وإِنَّما يُنَبِّهُ عَلَيهَا مِنْ جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ واسْتَكمَلَهَا، ولَعلَّ له شَيْئًا في أَوَّلِ الكِتَابِ، يُرَاجَعُ ما تَقَدَّمَ في أَوَّلِ الكِتَابِ -كِتَابِ الصَّلَاةِ- أَحَادِيث الْمِعرَاجِ؛ قد يَكُونُ نبَّهَ عَلَيها ما رَاجَعتُهَا أنَا.\n\n<s0>  أَحسَنَ اللهُ إِليكَ، إِيرَادُ البُخَارِيِّ الحَدِيثَ عن شَرِيكٍ مع أنَّ له أَوهَامًا؟\n<s1> هو ثِقَةٌ ومَعرُوفٌ، ومن رِجَالِ الشَّيخَينِ، لكن قد يَكُونُ للرَّجُلِ الثِّقَةِ بَعضُ الأَوهَامِ وإن كَانَ ثِقَةً، يَكُونُ له بَعضُ الأَغلَاطِ وبَعضُ الأَوهَامِ وإن كَانَ ثِقَةً، نبَّهَ عليها غَيرُهُ.\n* * *","vol":"1","page":335},{"text":"<span data-type='title' id=toc-57>بَابُ ذِكْرِ اللَّهِ بِالأَمْرِ، وَذِكْرِ العِبَادِ بِالدُّعَاءِ، وَالتَّضَرُّعِ وَالرِّسَالَةِ وَالإِبْلَاغِ</span>\nلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]، ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ (٧١) فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٧٢)﴾ [يونس: ٧١، ٧٢] «غُمَّةٌ: هَمٌّ وَضِيقٌ».\nقَالَ مُجَاهِدٌ: «اقْضُوا إِلَيَّ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ»، يُقَالُ (^١): افْرُقْ: اقْضِ.\nوَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] إِنْسَانٌ يَأْتِيهِ، فَيَسْتَمِعُ مَا يَقُولُ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ، فَهُوَ آمِنٌ حَتَّى يَأْتِيَهُ فَيَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ، وَحَتَّى يَبْلُغَ مَأْمَنَهُ حَيْثُ جَاءَهُ، والنَّبَأُ العَظِيمُ: «القُرْآنُ»، ﴿صَوَابًا﴾ [النبأ: ٣٨]: «حَقًّا فِي الدُّنيَا، وَعَمِلَ بِهِ».\n_________\n(^١) «يقال» زائدة من «عمدة القارئ» وغيره.","vol":"1","page":336},{"text":"<s2>\n(الشَّيخُ) رَاجِع كَلَامَهُ على التَّرجَمَةِ الأُولَى؟\n[قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ فِي «فَتْحِ البَارِي» (١٣/ ٤٨٩)]: «قَوْلُهُ: «بَابُ ذِكْرِ اللَّهِ بِالْأَمْرِ وَذِكْرِ الْعِبَادِ بِالدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ وَالرِّسَالَةِ وَالْبَلَاغِ» فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ والإِبلَاغ وَعَلَيْهَا اقْتَصَرَ ابنُ التِّينِ، قَوْلهُ: لِقَوْلهِ تَعَالَى: ﴿فاذْكُرُونِي أَذكُرْكُم﴾، قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ «خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ»: بَيَّنَ بِهَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ ذِكْرَ الْعَبْدِ غَيْرُ ذِكْرِ اللَّهِ عَبْدَهُ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ الْعَبْدِ الدُّعَاءُ وَالتَّضَرُّعُ وَالثَّنَاءُ وَذِكْرَ اللَّهِ الْإِجَابَةُ.\nثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ عُمَرَ رَفَعَهُ: «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى مَنْ شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلين»، قَالَ ابنُ بَطَّالٍ: مَعْنَى قَوْلِهِ: بَابُ ذِكْرِ اللَّهِ بِالْأَمْرِ ذِكْرُ اللَّهِ عِبَادَهُ بِأَنْ أَمَرَهُمْ بِطَاعَتِهِ، وَيَكُونُ مِنْ رَحْمَتِهِ لَهُمْ وَإِنْعَامِهِ عَلَيْهِمْ إِذَا أَطَاعُوهُ أَوْ بِعَذَابِهِ إِذَا عَصَوْهُ، وَذِكْرُ الْعِبَادِ لِرَبِّهِمْ أَنْ يَدْعُوهُ وَيَتَضَرَّعُوا إِلَيْهِ وَيُبَلِّغُوا رِسَالَاتَهُ إِلَى الْخلقِ. قَالَ ابن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فاذْكُرُونِي أَذكُرْكُم﴾: إِذَا ذَكَرَ الْعَبْدُ رَبَّهُ وَهُوَ عَلَى طَاعَتِهِ ذَكَرَهُ بِرَحْمَتِهِ، وَإِذَا ذَكَرَهُ وَهُوَ عَلَى مَعْصِيَتِهِ ذَكَرَهُ بِلعْنَتِهِ. قَالَ: وَمعنى قَوْلهِ ﴿فاذْكُرُونِي أَذكُرْكُم﴾ اذْكُرُونِي بِالطَّاعَةِ أَذْكُرْكُمْ بِالْمَعُونَةِ، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: اذْكُرُونِي بِالطَّاعَةِ أَذْكُرْكُمْ بِالْمَغْفِرَةِ.\nوَذَكَرَ الثَّعْلَبِيُّ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ نَحْوَ أَرْبَعِينَ عِبَارَةٍ أَكْثَرُهَا عَنْ أَهْلِ الزُّهْدِ، وَمَرْجِعُهَا إِلَى مَعْنَى التَّوْحِيدِ وَالثَّوَابِ أَوِ الْمَحَبَّةِ وَالْوَصْلِ أَوِ الدُّعَاءِ وَالْإِجَابَةِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ «وَذِكْرُ الْعِبَادِ بِالدُّعَاءِ .....» إِلَى آخِرِهِ فَجَمِيعُ مَا ذَكَرَهُ وَاضِحٌ فِي حَقِّ الْأَنْبِيَاءِ، وَيَشْرَكُهُمْ فِي الدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ سَائِرُ الْعِبَادِ، وَحكى ابنُ التِّينِ أَنَّ ذِكْرَ الْعَبْدِ بِاللِّسَانِ وَعِنْدَمَا يَهِمُّ بِالسَّيِّئَةِ فَيَذْكُرُ مَقَامَ رَبِّهِ فَيَكُفُّ». [انتهى كلامه].","vol":"1","page":337},{"text":"قال ابنُ بَازٍ ﵀: الْمَقصُودُ من هَذِه التَّرجَمَةِ أنَّ فيهَا بَعضَ الإِشكَالِ، ولكنَّ مَقصُودَهُ ﵀ أنَّ ذِكرَ اللهِ للعبدِ بِالأَمرِ، هو تَفسِيرٌ للشَّيءِ بِبَعضِهِ، تَفسِيرٌ لِلذِّكرِ بِبَعضِهِ، فإنَّ ذِكرَ اللهِ لِلعَبدِ: قد يَكُونُ بِالأَمرِ وقد يَكُونُ بِغَيرِ الأَمرِ، فهو مِنْ بَابِ التَّفسِيرِ بِالبَعضِ، مِثلمَا فُسِّرَ الصِّرَاطُ الْمُستَقِيمُ بِاتِّبَاعِ القُرآنِ، يَعْنِي: والسُّنَة، بِاتِّبَاعِ أَبِي بَكرٍ وعُمرَ ﵄، يَعْنِي ما كَانَ عليه مِنْ السَّيرِ على مَنهَجِ السَّلفِ الصَّالحِ.\nفَذِكرُ اللهِ بِالأَمرِ هو مِنْ هَذَا البَابِ، من بَابِ تَفسِيرِ الشَّيءِ بِبَعضِ مَعنَاهُ، فإنه سُبحَانَهُ يَذكُرُ العِبَادَ بِالأَمر «فَاتَّقُونِ، أَقِيمُوا الصَّلَاةَ، آتُوا الزَّكَاةَ، حَافِظُوا على الصَّلَوَاتِ»، هَذِه أَوَامرُ.\nويَأتِي أَيضًا ذِكرُهُ لِلعِبَادِ بِغَيرِ الأَمرِ. يَأتِي بِالخَبرِ ما كَانَ ومَا يَكُونُ، يَذكُرُهُم بِالمَاضِي، يَذكُرُهُم بِالجَنَّةِ والنَّارِ، يَذكُرُهُم بِيَومِ القِيَامةِ، يُخبِرُ عن بَعضِ ما مَضَى، يُخبِرُ عن بَعضِ ما يَأتِي، يَذكُرُ لهم أَوصَافَ المُؤمِنِينَ، أَوصَافَ الكَافِرِينَ، كُلُّ هَذَا مِنْ ذِكرِهِ سُبحَانَهُ.\nهو ذَكرَ هَذِه الأَشيَاءَ لِمَا فيهَا مِنْ العِظَةِ والتَّوجِيهِ وتَنبِيهِ العِبَاِد عما يَنبَغِي أن يَفعَلُوه، وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «مَنْ ذَكَرَنِي في نَفسِهِ ذَكَرتُهُ في نَفسِي، ومَن ذَكَرَنِي في مَلَإٍ ذَكرتُهُ في مَلإٍ خَيرٍ مِنهم» (^١). ﴿فاذْكُرُونِي أَذكُرْكُم﴾. فِذِكُرُ اللهِ بِخَوفِهِ، ومَحَبَّتِهِ، والثَّنَاءِ عليه، وبَيَانِ صِفَاتِهِ وأَسمَائِهِ الحُسنَى، إلى غَيرِ ذَلكَ، مِنْ أَسبَابِ أنَّ اللهَ يَذكُرُ العَبدَ بِأحسَنِ خِصَالِهِ وأَفضلِ\n_________\n(^١) رواه البخاري (٧٤٠٥)، ومسلم (٢٦٧٥) (٢)","vol":"1","page":338},{"text":"خِصَالِهِ مِمَّا يَجرِي ذِكرُهُ العَظِيمُ عند المَلَائِكَةِ.\nوتَفسِيرُ ﴿أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]: هو عند المَعصِيةِ يُذَكِّركُمْ بِاللهِ. مَحَلُّ نَظرٍ، وإنما ظَاهِرُ السِّياقِ وظَاهِرُ النُّصُوصِ الأُخرَى: الحَثُّ على ذِكرِهِ ﷾ بِالقَولِ والعَملِ، يَعْنِي: بِطَاعَتهِ واتِّبَاعِ شَريعَتِهِ، يَذكُرُ العِبَادَ بما يَنفَعُهُم وبما يُعلِي شَأنَهُم عند الْمَلَأ الأَعلَى، وقول المؤلف: (ذِكْرُ اللهِ الأَمرُ) مِنْ بَابِ تَفسِيرِ الشَّيءِ بِبعضِ مَعنَاهُ.\nوأمَّا ذِكرُ العِبَادِ بِالدُّعَاءِ والخَوفِ والرَّجَاءِ والبَلَاغِ، هَذَا كُلُّهُ صَحِيحٌ، العِباُد ذِكرُهُم للهِ بِثنَائِهِم عليه، وتَسبِيحِهِم إِيَّاهُ، وذِكرُ صِفَاتهِ وأَسمَائِهِ، ذِكرُ حَقِّهِ على عِبَادِهِ، البَلَاغُ عنِ اللهِ، والبَلَاغُ عن رَسُولِهِ ﵊، وَعظُ النَّاسِ وتَذكِيرُهُم، كُلُّ هَذَا مِنْ ذِكرِ العِبَادِ.\n\n<s0> ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ (٦)﴾ [التوبة: ٦] الشَّاهِدُ منه كَلَامِ اللهِ مِنْ الذِّكرِ؟\n<s1> هَذَا من ذِكرِهِ سُبحَانَهُ.\n* * *","vol":"1","page":339},{"text":"<span data-type='title' id=toc-58>بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ [البقرة:</span> ٢٢]،\nوَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [فصلت: ٩]، ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٦]، وَقَولُهُ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨].\n\n<s2>\nذكر هذه الآية بعد الآيتين للتنبيه على ان اتخاذ الأنداد هو الشرك، ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢]، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا﴾ [البقرة: ١٦٥] هذا هو الشرك، فمن اتخذ الند هو اتخاذ معبود مع الله، يقال فلان: أي نديده ونظيره.\nفمن عبد المخلوق مع الله بتن دعاه أو أعتقد فيه أنه يصلح للعبادة فقد اتخذ ندًّا لله، وهذا هو الشرك الذي قال الله فيه ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥].\nوَقَالَ عِكْرِمَةُ: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦]، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ﴾ [الزخرف: ٨٧]، وَ﴿مَنْ","vol":"1","page":340},{"text":"خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ «فَذَلِكَ إِيمَانُهُمْ، وَهُمْ يَعْبُدُونَ غَيْرَهُ».\nوَمَا ذُكِرَ فِي خَلْقِ أَفْعَالِ العِبَادِ وَأَكْسَابِهِمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢]. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ بِهِ [الحجر: ٨]: «يَعْنِي: بِالرِّسَالَةِ وَالعَذَابِ» ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٨]: «المُبَلِّغِينَ المُؤَدِّينَ مِنَ الرُّسُلِ»، ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [يوسف: ١٢]: «عِنْدَنَا»، ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾ [الزمر: ٣٣]: «القُرْآنُ» ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر: ٣٣]: «المُؤْمِنُ يَقُولُ يَوْمَ القِيَامَةِ: هَذَا الَّذِي أَعْطَيْتَنِي عَمِلْتُ بِمَا فِيهِ».\n\n<s2>\nقَولُهُ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨]: ذَكَرَ هَذِه الآيَةَ بعدَ الآيَتَينِ للتَّنبِيهِ على أنَّ اتِّخَاذَ الأَندَادِ هو الشِّركُ، ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢٢]، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا﴾ [البقرة: ١٦٥]، هَذَا هو الشِّركُ، فمِنِ اتِّخَاذِ النِّدِّ هو اتِّخَاذُ مَعبُودٍ مع اللهِ، يُقَالُ: فُلَانٌ نِدُّ فُلَانٍ: أي نَدِيدُهُ ونَظِيرُهُ، فمَنْ عَبدَ المَخلُوقَ مع اللهِ بأنْ دَعَاهُ أو اعْتَقدَ فيه أَنَّه يَصلُحُ لِلعِبَادةِ فقد اتَّخَذَ نِدًّا للهِ، وهَذَا هو الشِّركُ الَّذي قَالَ اللهُ فيه: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥].\nوهَذَا الذي عن عِكرمَةَ هو مَعنَى ما جَاءَ عن ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ وهو تَلَقَّاهُ عن ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ في قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ [يوسف: ١٠٦]، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] هَذَا إِيمَانُهُم تَوحِيدُ الرُّبُوبِيَّةِ، وشِركُهُم دَعوَتُهُم الأَندَادَ مع اللهِ واتِّخَاذُهُمُ الأَندَادَ، فهم يُؤْمِنُونَ مِنْ جَانِبٍ ويَكفُرُونَ مِنْ جَانِبٍ، وشِركُهُم الذي وَقَعُوا فيه أَبطَلَ إِيَمانَهُم، فإنَّ الإِيمَانَ ما يَلتَئِمُ ولا يَصِحُّ مع الشِّركِ، فَأَحَدُهمَّا يُضَادُّ الآخَرَ.\nفَإيمَانُهُم الذي نَطَقُوا به وهو اعْتِقَادُهُم أنَّ اللهَ رَبَّهُم، وقَولُهُم: رَبُّنَا اللهُ، هَذَا صَحِيحٌ أَنَّه يُسمَّى إِيمَانًا، لكن إذا سَلِمَ مِنْ الضِّدِّ، إذا جَاءَ الضِّدُّ أَبطَلَهُ، فإذا أَشرَكَ العَبدُ بِاللهِ بَطَلَ إِيمَانُهُ وصَارَ إِيمَانُهُ لَاغيًا لا وُجُودَ له ولا يَنفَعُهُ، كمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٨)﴾ [الأنعام: ٨٨]، وأَعظَمُ العَملِ الإِيمَانُ يَحبَطُ ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٥)﴾ [المائدة: ٥].\nفهَذَا حَالُ الْمُشرِكِينَ عُبَّادُ الأَصنَامِ والأَوثَانِ والأَموَاتِ والكَواكِبِ،","vol":"1","page":341},{"text":"يَقُولُونَ: اللهُ رَبُّنَا وخَالِقُنَا ورَازِقُنَا، وهم مع هَذَا يَعبُدُونَ الأَصنَامَ والأَوثَانَ، ويَدعُونَها مع اللهِ ويَسجُدُونَ لها، ويَستَغِيثُونَ بها ويُعَظِّمُونَ أَمرَهَا ويُقَاتِلُونَ دُونَها؛ فَصَارَ هَذَا الشِّركُ الذي وَقَعُوا فيه وعَظَّمُوه وقَاتَلُوا مِنْ أَجلِهِ مُحبِطًا ومُبْطِلًا لِمَا ادَّعُوهُ مِنْ الإِيمَانِ.\n\n<s0>  في هَذَا دَلَالَةٌ على اجْتِمَاعِ الشِّركِ الأَصغَرِ مع التَّوحِيدِ والإِيمَانِ؟\n<s1> لَيْسَ بِظَاهِرٍ؛ لأنَّ هَذَا في الكُفَّارِ الْمُشرِكِينَ، أمَّا الإِيمَانُ الذي مع أَهْلِ الشِّركِ الأَصغَرِ فهو إِيمَانٌ صَحِيحٌ لَيْسَ من جِنسِ هَذَا، إِيمَانٌ صَحِيحٌ لَكنَّهُ ضَعِيفٌ، أَضَعَفَهُ الشِّركُ الأَصغَرُ والمَعَاصِي، فَإِيمَانُ العُصَاةِ وإِيمَانُ مَنْ تَعَاطَى الشِّركَ الأَصغَرَ كَالرِّياءِ، لَيْسَ مِثلَ إِيمَانِ الكُفَّارِ الَّذِينَ أَحبَطُوهُ بِشرِكِهِم الأَكبَرِ، فَذَاكَ إِيمَانٌ قَارَنَهُ ما أَبطَلَهُ، وهَذَا إِيمَانٌ لم يَبطُلْ، ولكِنَّهُ قَارَنَهُ ما يُضعِفُهُ.\n\n<s0>  حُذَيفَةُ ﵁ لَمَّا رَأَى الخَيطَ قَطَعَهُ وتَلا هَذِه الآيَةَ ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ [يوسف: ١٠٦]؟\n<s1> هَذَا لَيْسَ بِظَاهِرٍ من حَيثُ المَعنَى؛ لأنَّ أَعظَمَ ذَلكَ ما عليه المُشرِكُونَ الأَوَّلُونَ قد يَدخُلُ في المَعنَى مِنْ حَيثُ جِنسُ الشِّركِ؛ لأنَّ الآيَاتِ التي نَزَلَت في الأَكبَرِ يُحتَجُّ بها على الأَصغَرِ، يَعُمُّ اسمَ الشِّركِ، ولِتَحرِيمِ النَّوعَينِ جميعًا مِثلمَا فَسَّرَهُ ابنُ عَبَّاسٍ ﵄: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢٢] بِأنوَاعٍ منَ الشِّركِ الأَصغَرِ لِلعُمُومِ، لكن هَذِه الآيَةُ ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ [يوسف: ١٠٦]، أَظهَرُ في إِبطَالِ إِيمَانِهِم؛ للدَّلَالَةِ على أنَّ إِيمَانَهُم هَذَا لا يَنفَعُهُم، نَسأَلُ اللهَ العَافِيَةَ.\n* * *","vol":"1","page":342},{"text":"٧٥٢٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ، أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ». قُلْتُ: إِنَّ ذَلِكَ لَعَظِيمٌ، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: «ثُمَّ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ تَخَافُ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ». قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: «ثُمَّ أَنْ تُزَانِيَ بِحَلِيلَةِ جَارِكَ» (^١).\n\n<s2>\nوفي هَذَا الحَدِيثِ جَمعٌ بين الشِّركِ والمَعصِيَةِ؛ لِأَنَّهَا ذُنُوبٌ عَظِيمَةٌ، لكن أَعظَمُهَا الشِّركُ الأَكبَرُ؛ أَعظَمُهَا الشِّركُ؛ لِأنَّه ضِدُّ التَّوحِيدِ الذي بَعثَ اللهُ به الرُّسُلَ، وأَنزلَ به الكُتُبَ، وخَلقَ مِنْ أَجلِهِ الثَّقَلَينِ، فَالشِّركُ هَضمٌ للرُّبُوبِيَّةِ وعَدَمُ إِيمَانِهِم بها على الحَقِيقةِ وتَنَقُّصٌ لِلإِلَهيةِ، وسُوءُ ظَنٍّ بِاللهِ ﷾ وكُفرٌ به.\n_________\n(^١) ورواه مسلم (٨٦).","vol":"1","page":343},{"text":"وهو أَعظَمُ الذُّنُوبِ وأَخطَرُهَا، وليسَ مع صَاحِبِهِ مَغفِرةٌ ولا رَجَاءٌ في دُخُولِ الجَنَّةِ، بل هو آيسٌ مِنْ رَحمَةِ اللهِ ومن مَغفِرَتِهِ ما لم يَتَبْ، بِخِلَافِ الْمَعَاصِي؛ فإنَّهَا وإن كَانَتْ عَظِيمَةً وإن كَانَتْ خَطِيرَةً وإن كَانَ صَاحِبُهَا على شَفَا جُرُفٍ لكنَّهَا لَيْسَتْ من جِنسِ الكُفرِ بالله ﷿، بَلْ هي دُونَهُ.\nولذَلكَ من مَاتَ عليه لا يُخَلَّدُ في النَّارِ إن دَخَلَهَا، وإنما يُعَذَّبُ إذا شَاءَ اللهُ تَعذِيبَهُ على قَدرِ مَعَاصِيهِ، وقد يَعفُو اللهُ عنه لِأسبَابٍ اقْتَضَت ذَلكَ، أمَّا الْمُشركُ فلا حِيلَةَ فيه، من مَاتَ على الشِّركِ الأَكبَرِ فَالنَّارُ أَولَى به أَبدَ الآبَادِ، نَسأَلُ اللهَ العَافِيَةَ.\nوالآيَةُ الكَرِيمَةُ ذَكَرَ فيها سُبحَانَهُ القَتلَ والزِّنَا قَرينَي الشَّركِ (^١)، والحَدِيثُ ذَكرَ قَتلَ الوَلَدِ والزِّنَا بِحَلِيلَةِ الجَارِ، فَالحَدِيثُ نبَّهَ على أَقبَحِ أَنْواَعِ القَتلِ، وأَقبَحِ أَنوَاعِ الزِّنَا، وَأنَّه أَلصَقُ بِالآيَةِ بِكَونِهِ يَلِي الشِّركَ -نَسأَلُ اللهَ العَافِيَةَ- لِأنَّه إذا قَتلَ وَلَدَه جَمَعَ بين قَتلِ النَّفسِ بِغَيرِ الحَقِّ وبَين قَطِيعَةِ الرَّحِمِ، وإذا زَنَا بِحَلِيلَةِ الجَارِ جَمَعَ بينَ شَرَّينِ، بين الزِّنَا وبينَ إِيذَاءِ الجَارِ وإِفسَادِ زَوجَتِهِ عليه.\nوصَارَ هَذَانِ النَّوعَانِ أَخطَرَ أَنْوَاعِ الزِّنَا والقَتلِ، نَسأَلُ اللهَ العَافِيَةَ، وكُلُّ أَنوَاعِ الزِّنَا شَرٌّ، وكُلُّ أَنوَاعِ القِتلِ بِغَيرِ حَقٍّ شَرٌّ، لكن إذا كَانَ القَتلُ للقَرِيبِ أو للوَلَدِ أو الوَالِدِ أو الأَخِ صَارَ أَقبَحَ، وهَكَذَا إذا كَانَ الزِّنَا بِزَوجَةِ الجَارِ، أو الْمحْرمِ صَارَ أَقبَحَ، نَسأَلُ اللهَ العَافِيَةَ.\n* * *\n_________\n(^١) يقصد سماحته قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨)﴾ [الفرقان: ٦٨]","vol":"1","page":344},{"text":"<span data-type='title' id=toc-59>بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [فصلت:</span> ٢٢].\n\n٧٥٢١ - حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁، قَالَ: «اجْتَمَعَ عِنْدَ البَيْتِ ثَقَفِيَّانِ وَقُرَشِيٌّ - أَوْ قُرَشِيَّانِ وَثَقَفِيٌّ - كَثِيرَةٌ شَحْمُ بُطُونِهِمْ، قَلِيلَةٌ فِقْهُ قُلُوبِهِمْ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: أَتَرَوْنَ أَنَّ اللَّهَ يَسْمَعُ مَا نَقُولُ؟ قَالَ الآخَرُ: يَسْمَعُ إِنْ جَهَرْنَا وَلَا يَسْمَعُ إِنْ أَخْفَيْنَا، وَقَالَ الآخَرُ: إِنْ كَانَ يَسْمَعُ إِذَا جَهَرْنَا، فَإِنَّهُ يَسْمَعُ إِذَا أَخْفَيْنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾ [فصلت: ٢٢]» الآيَةَ (^١).\n\n<s2>\n(الشَّيخُ): عندَكَ (كَثِيرَةٌ شَحْمُ بُطُونِهِمْ)؟ نبَّه الشَّارحُ عليه؟ كأنَّه على مُضَافٍ إِلَيه، قد يُؤنَّثُ الْمُضَافُ لِتَأنِيثِ الْمُضَافِ إليه، كما قَالَ ابنُ مَالِكٍ.\n_________\n(^١) ورواه مسلم (٢٧٧٥).","vol":"1","page":345},{"text":"وَرُبَّمَا أَكْسَبَ ثَانٍ أَوَّلَا\nتَأْنِيثًا انْ كَانَ لِحَذْفٍ مُوْهَلَا\nوأَنَّثَ «كَثِيرَةً»؛ مُرَاعَاةً لأنَّ الشَّحمَ مُضَافٌ إلى البُطُونِ، والِفقَهَ مُضَافٌ إلى القُلُوبِ وهي مُؤَنَّثةٌ.\n[قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ فِي «فَتْحِ البَارِي» (١٣/ ٤٩٦)]: «وَإِنَّمَا وَصَفَ الْجَمِيعَ بِقِلَّةِ الْفِقْهِ؛ لِأَنَّ هَذَا الَّذِي أَصَابَ لَمْ يَعْتَقِدْ حَقِيقَةَ مَا قَالَ بَلْ شَكَّ بِقَوْلِهِ: «إِنْ كَانَ». وَقَوْلُهُ فِي وَصْفِهِمْ: «كَثِيرَةٌ شَحْمُ بُطُونِهِمْ قَلِيلَةٌ فِقْهُ قُلُوبِهِمْ» وَقَعَ بِالرَّفْعِ عَلَى الصِّفَةِ وَيَجُوزُ النَّصْبُ، وَأَنَّثَ الشَّحْمَ وَالْفِقْهَ لِإِضَافَتِهِمَا إِلَى الْبُطُونِ وَالْقُلُوبِ، وَالتَّأْنِيثُ يَسْرِي مِنَ الْمُضَافِ إِلَيْهِ إِلَى الْمُضَافِ أَوْ أَنَّثَ بِتَأْوِيلِ شَحْمٍ بِشُحُومٍ وَفِقْهٍ بِفِهُومٍ». [انتهى كلامه].\nقَالَ ابنُ بَازٍ ﵀: ولا شَكَّ مِثْلمَا بَيَّنَ ﷾ أَنَّه يَعلَمُ السِّرَّ وأَخفَى، وَأنَّه يَسمَعُ الخَفِيَّ والجَهرَ ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣)﴾ [الملك: ١٣]، فهو عَلِيمٌ بِأَحوَالِهِم سَمِيعٌ لِمَقَالِهِم، وإن خَفِيَ على مَنْ يَلتَصِقُ بهم، فإنَّه لا تَخفَى عليه خَافِيَةٌ، سَمعُهُ بِكُلِّ شَيءٍ، وعِلمُهُ لِكُلِّ شَيءٍ ﷾.\nوالمَقصُودُ مِنْ ذِكرِ قِصَّةِ الثَّقَفِيِّينِ والقُرشِيِّ أو عَكسِهِ: التَّنبِيهُ على الرَّسُولِ ﷺ، يُنَبِّهُ العَبَادَ على أنَّ الوَاجِبَ الحَذَرُ مِنَ اللهِ، وأنهُ يَعلَمُ السِّرَّ وأَخفَى ويَسمَعُ النَّجوَى ولا تَخفَى عليه خَافِيَةٌ، فَعَليكَ يَا عَبدَ اللهِ أنْ تَحذَرَ ما حَرَّمَ عليك، وأن تَبتَعِدَ عن ذَلكَ سِرًّا وجَهْرًا، وأن تَعلَمَ يَقِينًا أَنَّه لا يَخفَى عليه خَافِيَةٌ ﷾؛ فَالوَاجِبُ تَعظِيمُهُ والحَذَرُ مِنْ نِقمَتِهِ، والإِقَامَةُ الدَّائِمَةُ على طَاعَتِهِ واتِّبَاعُ شَريعَتِهِ، وتَعظِيمُ أَمرِهِ ونَهيِهِ، فلا يَخفَى عليه خَافِيَةٌ","vol":"1","page":346},{"text":"﷾، بِخِلَافِ الْمَخلُوقِ فإنه يَخفَى عليه ما غَابَ عنه وما حِيلَ بينَه وبينه، أمَّا اللهُ ﷾ فهو لا يَخفَى عليه خَافِيَةٌ جل وعلا.\n\n<s0>  قَولُ الآخَرِ: إِنْ كَانَ يَسْمَعُ إِذَا جَهَرْنَا، فَإِنَّهُ يَسْمَعُ إِذَا أَخْفَيْنَا، مِنْ قَبِيلِ الفِقهِ؟\n<s1> على كُلِّ حَالٍ هَذَا نَوعٌ مِنْ الفِقْهِ، لكِنْ ما أَنْكَرَ عَليهِ، إذا كَانَ عنده فَقْهٌ أَنكرَ عليه.\n* * *","vol":"1","page":347},{"text":"<span data-type='title' id=toc-60>بابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن:</span> ٢٩] وَ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١] «وَأَنَّ حَدَثَهُ لَا يُشْبِهُ حَدَثَ المَخْلُوقِينَ»، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].\nوَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ، وَإِنَّ مِمَّا أَحْدَثَ: أَنْ لَا تَكَلَّمُوا فِي الصَّلَاةِ».\n\n<s2>\nوالمَعنَى: أن حَدَثَهُ لَيْسَ عن جَهْلٍ ولا عن تَغَيُّرِ عِلْمٍ، ولكنَّهُ له الحِكْمَةُ البَالِغَةُ في تَعجِيلِ هَذَا وتَأجِيلِ هَذَا، وشَرعِ هَذَا قَبلَ هَذَا، والتَّخفِيفِ في هَذَا والزِّيَادةِ في هَذَا أو العَكسِ، له الحِكمَةُ البَالِغَةُ في ذَلكَ.\nبِخِلَافِ الْمَخلُوقِ فإنه قد يَغِيبُ عنه الشَّيءُ ويِجهَلُهُ ثم يَعلَمُه، وقد يَبدُو له ظُهُورُ شَيءٍ ثم يَتَغَيرُ حَالُهُ ويَتَغَيَّرُ فِقهُهُ فيه وعِلمُهُ به.\nأما هو سُبحَانَهُ فلا يَخفَى عليه خَافِيَةٌ، وكُلُّ شِيءٍ عنده مَعلُومٌ، ولكنَّهُ له الحِكمَةُ البَالِغَةُ في تَقدِيمِ هَذَا وتَأخِيرِ هَذَا وتَخفِيفِ هَذَا وتَشدِيدِ هَذَا، والعَكْسُ في ذَلكَ، هو الحَكِيمُ العَلِيمُ جل وعلا.","vol":"1","page":348},{"text":"فَالحَدَثُ الذي يَقعُ هو الأَمرُ بِالشَّيءِ أو شَرعُهُ بعد أنْ لم يَكنْ شَرَعَهُ، والتَّجدِيدُ بِالشَّيءِ بِالأَمرِ به بعدَ أنْ لم يَكُنْ أَمرَ به، أو إِنزَالُهُ بعدَ أنْ لم يَكُنْ أنَزَلَهُ.\nوالْمُحدَثُ: الجَدِيدُ لَيْسَ سَابِقًا: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢]، ﴿إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الأنبياء: ٣] لَيْسَ الْمُرادُ به الحَدثَ الذي هو المَخلُوقُ، وإِنَّما الشّيءُ الذي جَاءَ بعد أن لم يَأتِ، الجَدِيدُ.\nوقَولُهُ: «يُحدِثُ مِنْ أَمرِهِ ما يَشَاءُ». مِنَ الشَّرَائِعِ، شَرعَ الصَّلَاةَ بعد أنْ لم يَشرَعْهَا، الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ، شَرعَ تَحرِيمَ الخَمرِ بعدمَا كَانَ مُستَعمَلًا بينَهُم، شَرعَ الزَّكَاةَ وأَنصِبَتَهَا وتَفصِيلَهَا بعد أن لم يكُن شَرعَها، وهَكَذَا، كُلُّ شَيءٍ جَاءَ في وَقتِهِ لِحِكمَةٍ بَالِغَةٍ، فهو جَدِيدٌ بِالنِّسبَةِ إلى الْمَخلُوقِينَ وهو عندَه مَعلُومٌ ﷾، لا يَخفَى عليه خَافِيَةٌ.\nبِخِلَافِ حَدَثِ الْمَخلُوقِ، هَذَا شَيءٌ آخَرُ، الْمَخلُوقُونَ كُلُّهُم مُحدَثُونَ مَخلُوقُونَ مَربُوبُونَ، هَكَذَا السَّمَاءُ هَكَذَا الأَرضُ، أَحدَثَها بِمَعنَى خَلَقَهَا وأَوجَدَهَا، لكنَّ الحَدَثَ في الشَّرَائِعِ وفي المُنزَّلِ مِنَ القُرآنِ والكُتُبِ لَيْسَ مَعنَاهُ الحَدَثَ الذي يُصَارُ به السَّمَاءُ أو الأَرضُ أو الجِبَالُ أو البِحَارُ؛ فذاكَ إِحدَاثُ مَخلُوقٍ، وهَذَا إِحدَاثُ وَصفٍ وُصِفَ به جل وعلا لم يَتَقَدَّم به إلى الْمَخلُوقِينَ ثم تَقَدَّمَ به سُبحَانَهُ مِنْ إِنزَالِ القُرآنِ، إِنزَالِ التَّورَاةِ، إِنزَالِ الإِنْجِيلِ، إِنزَالِ الشَّرائِعِ التي نَوَّعَهَا ﷾.\nأَحَدثَ في الصَّلَاةِ أَلَّا يَتَكَلَّموا، وكانوا قَبلَ ذَلكَ يَتَكَلَّمُونَ في حَاجَاتِهِم كَرَدِّ السَّلَامِ والأَمرِ بِالحَاجَةِ، ثم نَسَخَ اللهُ ذَلكَ وأَمرَ بِالخُشُوعِ في الصَّلَاةِ والسُّكُوتِ فيها وعَدمِ الكَلَامِ.","vol":"1","page":349},{"text":"٧٥٢٢ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ وَرْدَانَ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «كَيْفَ تَسْأَلُونَ أَهْلَ الكِتَابِ عَنْ كُتُبِهِمْ، وَعِنْدَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ، أَقْرَبُ الكُتُبِ عَهْدًا بِاللَّهِ، تَقْرَءُونَهُ مَحْضًا لَمْ يُشَبْ».\n\n<s2>\nمَعنَى «مَحضًا» يَعْنِي: خَالِصًا، لَيْسَ فيه تَحرِيفٌ ولا إِدخَالُ شَيءٍ لَيْسَ منه، بِخِلَافِ كُتُبِ المَاضِينَ؛ فقد حَرَّفُوا وغَيَّرُوا وأَدخَلُوا فيها ما لَيْسَ منْهَا، أمَّا هَذَا الكِتَابُ فقد حَفِظَهُ اللهُ مِنْ التَّغييرِ والتَّبدِيلِ، والزِّيَادَةِ والنَّقصِ، وهو أَحدَثُ الكُتُبِ، هي أَقرَبُهَا إلى اللهِ وآخِرُهَا وأَفضَلُهَا وأَعظَمُها، ولا يَلِيقُ بِأُمَّةِ مُحمَّدٍ ﷺ أن يَحتَاجُوا إلى كُتُبِ التَّورَاةِ والإِنجِيلِ وكُتُبِ الأَوَائلِ، وقد أَغنَاهُمُ اللهُ بهَذَا في دِينِهِمْ.\n\n<s0>  أَحسَنَ اللهُ إِليكَ، قَولُهُ: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢] يَشمَلُ السُّنَّةَ أو مُقتَصِرٌ على القُرآنِ؟\n<s1> عَامٌّ يَشمَلُ السُّنَّةَ والقُرآنَ لا شَكَّ، كذَلكَ يَشمَلُ ما يَأتِي يَومَ القِيَامةِ مِنْ مُحَدَثٍ أَيضًا «هل رَضِيتُمْ يِا أَهْلَ الجَنَّةِ هل رَضِيتُمْ» (^١)، وقولُهُ لآدَمَ ﵇: «أَخرِجْ بَعثَ النَّارِ» (^٢)، وما أَشبَه ذَلكَ، يَعُمُّ السُّنَّةَ، السُّنَّةُ وَحِيٌ مِنْ اللهِ، وَحِيٌ ثانٍ.\n_________\n(^١) رواه البخاري (٦٥٤٩)، ومسلم (٢٨٢٩) (٩).\n(^٢) رواه البخاري (٣٣٤٨)، ومسلم (٢٢٢) (٣٧٩).","vol":"1","page":350},{"text":"٧٥٢٣ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ، قَالَ: «يَا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ، كَيْفَ تَسْأَلُونَ أَهْلَ الكِتَابِ عَنْ شَيْءٍ، وَكِتَابُكُمُ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّكُمْ ﷺ أَحْدَثُ الأَخْبَارِ بِاللَّهِ، مَحْضًا لَمْ يُشَبْ، وَقَدْ حَدَّثَكُمُ اللَّهُ: أَنَّ أَهْلَ الكِتَابِ قَدْ بَدَّلُوا مِنْ كُتُبِ اللَّهِ وَغَيَّرُوا، فَكَتَبُوا بِأَيْدِيهِمُ (^١)، قَالُوا: هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِذَلِكَ ثَمَنًا قَلِيلًا، أَوَلَا يَنْهَاكُمْ مَا جَاءَكُمْ مِنَ العِلْمِ عَنْ مَسْأَلَتِهِمْ؟ فَلَا وَاللَّهِ، مَا رَأَيْنَا رَجُلًا مِنْهُمْ يَسْأَلُكُمْ عَنِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْكُمْ».\n\n<s2>\nوالشَّاهِدُ: قَولُهُ: «هو أَحدَثُ الكُتُبِ»، وأن الحَادِثَ لا يَلزَمُ المَخلُوقَ، فهو أَحدَثُ الكُتُبِ يَعْنِي: أَقرَبُهَا إلى اللهِ، جَدِيدٌ يَعْنِي، بعدَ التَّورَاةِ والإِنْجِيلِ، وأَقرَبُهَا وأَعظَمُهَا وأَفضَلُهَا وأَحكَمُهَا.\n\n<s0>  ما حُكمُ قِرَاءةِ التَّورَاةِ والإِنجِيلِ لِلرَّدِّ على أَصحَابِهِما؟\n<s1> إذا دَعَتِ الحَاجَةُ إلى ذَلكَ عند أَهْلِ العِلْمِ لا بَأْسَ، كما أن النَّبيَّ ﷺ أَتَى بِالتَّورَاةِ وأَمَرَ بِتِلَاوتِهَا لِلرَّدِّ عَلَيهِم بِإِنكَارِهِمُ الرَّجمَ، إذا كَانَ لِمَقصَدٍ صَالِحٍ وبَيانِ بَاطِلِهِم وبَيَانِ تَزيِيفِهِم وخِدَاعِهِم ومَكرِهِم مِنْ أَهْلِ العِلْمِ\n_________\n(^١) كذا في «الفتح» و«عمدة القارئ»، وفي نسخة شعيب الأرنؤوط زيادة: «الكُتُبَ».","vol":"1","page":351},{"text":"والبَصِيرَةِ الَّذِينَ لهم قَدَمُ صِدقٍ ولهم بَصِيرةٌ وعِلمٌ، مِثلمَا فَعلَ السَّلَفُ، ومثلمَا فَعلَ أَبُو العَبَّاسِ ابنُ تَيمِيَّةَ، وابنُ القَيِّمِ وغَيرُهُم مِمن قَبلَهُم مِنَ الأَئمَةِ الَّذِينَ رَدُّوا عَلَيهِم من كُتُبِهِم ﵏.\n\n<s0>  ومُنَاظَرَتُهم أَحسَنَ اللهُ إِليكَ؟\n<s1> كذَلكَ، إذا كَانَ من عَالمٍ بَصِيرٍ بِدِينِهِ، ويَرجُو فيها الخَيرَ ويَرجُو فيها الْمَصلَحَةَ لِلمُسلِمِينَ أو يَرجُو هِدَايَتَهُم.\n* * *","vol":"1","page":352},{"text":"<span data-type='title' id=toc-61>بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ [القيامة:</span> ١٦]\nوَفِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ يَنْزِلُ (^١) عَلَيْهِ الوَحْيُ وَقَالَ أَبُو هُرَيرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا مَعَ عَبْدِي إِذَا ذَكَرَنِي (^٢) وَتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتَاهُ».\n\n٧٥٢٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ في قَولِهِ تَعَالَى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ [القيامة: ١٦]، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعَالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّةً، وَكَانَ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ - فَقَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ: فَأَنَا أُحَرِّكُهُمَا لَكَ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحَرِّكُهُمَا - فَقَالَ سَعِيدٌ: أَنَا أُحَرِّكُهُمَا كَمَا كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُحَرِّكُهُمَا فَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ - فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧)﴾ [القيامة: ١٦ - ١٧]. قَالَ: جَمْعُهُ فِي صَدْرِكَ ثُمَّ تَقْرَؤُهُ، ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨)﴾ [القيامة: ١٨]. قَالَ: فَاسْتَمِعْ لَهُ وَأَنْصِتْ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا أَنْ تَقْرَأَهُ، قَالَ: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ ﵇ اسْتَمَعَ، فَإِذَا انْطَلَقَ جِبْرِيلُ قَرَأَهُ النَّبِيُّ ﷺ كَمَا أَقْرَأَهُ» (^٣).\n_________\n(^١) كذا في «الفتح»، وفي «عمدة القارئ» وغيره: «يُنْزَلُ».\n(^٢) كذا في «الفتح»، وفي «عمدة القارئ» وغيره: «حَيْثُمَا ذَكَرَنِي».\n(^٣) ورواه مسلم (٤٤٨).","vol":"1","page":353},{"text":"<s2>\nيُبَيِّنُ الْمُؤلِّفُ ﵀ في البَابِ وما قَبلَهُ وما بَعدَه أنَّ أَفعَالَ الْمَخلُوقِينَ وَصفٌ لهم، وأنَّ فِعلَ اللهِ وصفٌ له ﷾: تَحرِيكُ النَّبيِّ ﷺ لِسَانَهُ وقِرَاءَةُ النَّبيِّ وغَيرُ ذَلكَ هَذِه مِنْ أَفعَالِهِ، والْمَقرُوءُ هو كَلَامُ اللهِ ﷿، واللهُ سُبحَانَهُ هو الخَلَّاقُ، هو الرَّزَّاقُ، وهو الْمُحِيي، وهو الْمُمِيتُ، وهو الفَعَّالُ لِمَا يُرِيدُ ﷾، وكَلَامُهُ صِفةٌ من صِفَاتِهِ، كما أَنَّه الخَلَّاقُ والرَّزَّاقُ والْمُحِيي والْمُمِيتُ وكُلُّ ذَلكَ صِفةٌ مِنْ صِفَاتِهِ، فهَكَذَا كَلَامُهُ بِالقُرآنِ وكَلَامهُ بِغيرِ القُرآنِ كُل ذَلكَ صِفةٌ من صِفَاتِهِ، تَلِيقُ بِاللهِ لا يُشَابِهُهُ فيها خَلقُهُ جل وعلا، كما قَالَ سُبحَانَهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١]، ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤].\nأمَّا الْمَخلُوقُ فله أَفعَالٌ وله كَلَامٌ لَائقٌ به، يَعتَرِيهِ النَّقصُ والفَنَاءُ والْمَرضُ وغَيرُ ذَلكَ.\nفَصِفَاتُ الْمَخلوُقِينَ تَلِيقُ بهم وتُنَاسبُهُم، ولها آفَاتُهَا وعَوَارضُهَا، وصِفَاتُ اللهِ تَلِيقُ به ولها الكَمَالُ ولها البَقَاءُ والدَّوَامُ، فهو سُبحَانَهُ الكَامِلُ في ذَاتِهِ وأَسمَائِهِ وصِفَاتِهِ وأَفعَالِهِ، لا شَبِيهَ له ولا شَرِيكَ له.\nوكان ﷺ يُصِيبُهُ شِدَّةٌ عند سَمَاعِ الوَحِي؛ حِرْصًا منه على حِفظِ الوَحِيِ، وأن يَحفَظَهُ كما جَاءَ به جَبرَائِيلُ ﵊، وكان يُحَرِّكُ لِسَانَهُ عند سَمَاعِ ما يَقرَؤُهُ جَبِرَائِيلُ لِيحفَظَ ولِيضْبِطَ الأَلفَاظَ؛ فَنَهَاهُ اللهُ عن ذَلكَ","vol":"1","page":354},{"text":"قَالَ: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦)﴾ [القيامة: ١٦] وفي الآيَةِ الأُخرَى: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (١١٤)﴾ [طه: ١١٤].\nوهَذَا مِنْ لُطفِ اللهِ به وَرحمَتِه إِيَّاهُ ألَّا يَتعَبَ بل يُنصِتُ ويَستَمِعُ، فإذا انْتهَى جَبرَائِيلُ مِنْ الوَحِيِ حِفظَهُ ﵊. ما هو بِحَاجةٍ إلى تَكَلُّفٍ، بلِ اللهُ يَجمَعُهُ في قَلبِهِ ويُقرِئهُ إِيَّاهُ ويُحفِّظُهُ إِيَّاه ﷾.\nولِهذَا قَالَ: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧)﴾ [القيامة: ١٧] يَعْنِي: جَمْعَهُ في صَدرِكَ وقِراءَتَهُ، يَعْنِي: يَجِبُ أن تَقرأَهُ كَمَا أَنْزِلَ، فكَان يَستَمِعُ لَجبرَائِيلَ ﵇ ويُنصِتُ، فإذا انْتَهَى جَبرَائِيلُ ﵇ قَرأَهُ كمَا أُنزِلَ، ولم يُخرِمْ منه شَيْئًا (^١).\nوهَذَا من حِفظِ اللهِ لِهذَا الكِتَابِ العَظِيمِ، وأنَّ هَذَا النَّبيَّ الأُمِيَّ ﷺ الذي لا يَكْتبُ ولا يَقرَأُ الخَطَّ أَنزلَ اللهُ عليه هَذَا الكِتَابَ العَظِيمَ الْمُعجِزَ، الذي قَرأَهُ وحَفِظَهُ وبَلَّغَهُ لِلأُمَّةِ، وأَنزَلَ عليه الوَحيَ الثَّانِيَ -السُّنَّةَ- على أَنوَاعِهَا وكَثرَتِهَا فَحفِظهَا وبَلَّغَها أُمَّتَهُ ﵊ ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ (٤٠)﴾ [الرعد: ٤٠].\nفقد بلَّغَ البَلَاغَ الْمُبِينَ، وأَدَّى الأَمَانَةَ، وجِمِيعُ أَصحَابِهِ يَشهَدُونَ له بذَلكَ، ثم مَنْ بَعدَهُم مِنْ أَئِمَّةِ الإِسلَامِ، وهو قَولُ أَهْلِ السُّنَّةِ والجَمَاعةِ إلى يَومِنَا هَذَا، يَشهَدُونَ له بِالبَلَاغِ، ونحن نَشهَدُ له بِالبَلَاغِ، وكُلُّ مُسلمٌ عَقلَ ذَلكَ، كلٌّ يَشهَدُ له بذَلكَ وُيؤمِنُ بذَلكَ، أَنَّه بَلَّغَ البَلَاغَ الْمُبِينَ ﵊، وَأنَّه حَفظَ ما أُنْزِلَ إِلَيهِ وأَدَّى الأَمَانَةَ، ولم يَتَوَفَّ إلا وقد بَلَّغَ ما أُنزِل إليه، وأَكَمَلَ اللهُ به الدِّينَ، وأَتَمَّ به النِّعمَةَ ﵊.\n_________\n(^١) أي: لم يسقط.","vol":"1","page":355},{"text":"(الشَّيخُ): تَكَلَّمْ عندكم على المُعلَّقِ: «وقال أَبُو هُرَيرَةَ»؟\n[قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ فِي «فَتْحِ البَارِي» (١٣/ ٥٠٠)]: «قَولُهُ: وقال أَبُو هُرَيرَةَ عن الَّنبيِّ ﷺ: «قال اللهُ ﷿: أنا مع عَبدِي إذا ذَكَرَنِي». في رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: «ما ذَكَرَنِي وتَحَرَّكَت بي شَفَتَاهُ»، هَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ أَخرَجَهُ أَحمَدُ والبُخَارِيُّ في «خَلقِ أَفعَالِ العِبَادِ»، والطَّبَرَانيُّ مِنْ رِوَايةِ عبدِ الرَّحمَنِ بنِ يَزِيدَ بنِ جَابرٍ عَنْ إِسمَاعِيلَ بنِ عُبَيدِ اللهِ بنِ أَبِي الْمُهاجِرِ، عن كَرِيمَةَ بِنتِ الحَسحَاسِ -بِمهمَلَاتِ- عن أَبِي هُرَيرَةَ فَذَكَرَهُ بِلفْظِ: «إذا ذَكَرَنِي»، وفي رِوَايةٍ لِأحمَدَ: حدَّثَنَا أَبُو هُرَيرَةَ ونحنُ في بَيتِ هَذِه -يَعْنِي أُمَّ الدَّردَاءِ- أَنَّه سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ.\nوَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي «الدَّلَائِلِ» مِنْ طَرِيقِ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ الدِّمَشْقِيِّ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ الدَّرْدَاءِ فَلَمَّا سَلَّمْتُ جَلَسْتُ؛ فَسَمِعْتُ كَرِيمَةَ بِنْتَ الْحَسْحَاسِ وَكَانَتْ مِنْ صَوَاحِبِ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَتْ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ وَهُوَ فِي بَيْتِ هَذِهِ -تُشِيرُ إِلَى أُمِّ الدَّرْدَاءِ- سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ يَقُولُ، فَذَكَرَهُ بِلَفْظِ «مَا ذَكرنِي».\nوَأَخرَجَهُ أحْمَدُ أَيْضًا وابنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ مِنْ رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ، عَنْ أبي هُرَيْرَة، وَرَوَاهُ ابنُ حِبَّانَ فِي «صَحِيحِهِ» مِنْ رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ كَرِيمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَرَجَّحَ الْحُفَّاظُ طَرِيقَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ وَرَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ إِسْمَاعِيلَ عَنْ كَرِيمَةَ وَعَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ مَعًا، وَهَذَا مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي عَلَّقَهَا الْبُخَارِيُّ وَلَمْ يَصِلْهَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ كِتَابِهِ. وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق.","vol":"1","page":356},{"text":"قَالَ ابنُ بَطَّالٍ: مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَا مَعَ عَبْدِي زَمَانَ ذِكْرِهِ لِي، أَيْ أَنَا مَعَهُ بِالْحِفْظِ وَالْكِلَاءَةِ، لَا أَنَّهُ مَعَهُ بِذَاتِهِ حَيْثُ حَلَّ الْعَبْدُ». [انتهى كلامه].\nقَالَ ابنُ بَازٍ ﵀: وهَذَا هو قَولُ أَهْلِ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ، أَنَّها مَعِيَّةٌ خَاصَّةٌ مِثلُ: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]، ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦)﴾ [طه: ٤٦] مثل: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣)﴾ [البقرة: ١٥٣]. مَعيَّةٌ خَاصَّةٌ تَقتَضِي الحِفظَ والكَلَاءَةَ والتَّوفِيقَ، بِخِلَافِ المَعِيَّةِ العَامَّةِ، فإن لها مَعنًى آخَرَ وهو العِلمُ ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤].\n(الشَّيخُ): رَاجَعِ «التَّقرِيبَ» كَرِيمةَ بِنتِ الحَسْحاسِ.\n[قال الحَافِظُ ابنُ حجَرٍ ﵀ في «تَقْرِيبِ التَّهذِيبِ» (٨٦٧١)]: «كَريمَةُ بنتُ الحَسحَاسِ المُزَنِيةُ، مِنْ الثَّالِثَةِ، عخ».\n(الشَّيخُ): رَاجِع إِسمَاعِيلَ بنَ عُبَيدِ اللهِ بن أَبِي الْمُهَاجرِ.\n[قال الحَافِظُ ابنُ حجَرٍ ﵀ في «تَقْرِيبِ التَّهذِيبِ» (٤٦٦)]: «إِسمَاعِيلُ بنُ عُبَيدِ اللهِ بن أَبِي الْمُهَاجرِ الْمَخزُومِيِّ مَولَاهُمُ الدِّمَشِقِيُّ، أَبُو عبدِ الحَمِيدِ، ثِقَةٌ منَ الرَّابِعَةِ، مَات سَنَةَ إِحدَى وثَلَاثِينَ وله سَبعُونَ سَنَةً، خ م د س ق».\n\n<s0>  في نُسخةٍ: ابنُ أَبِي المُهَاجِرِ؟\n<s1> وعند «التَّقرِيبِ» كذَلكَ.\n\n<s0>  أَيُّهما صَحِيحٌ؟\n<s1> ضَعْ نُسخَةً عندَكَ، ابنُ الْمُهَاجرِ، يُرَاجَع «التَّهذِيبُ» وغَيرُهُ، غَالِبُ ظَنِّي أَنَّه ابنُ أَبِي المُهَاجِرِ.","vol":"1","page":357},{"text":"<s0>  قَولُهُ: ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ (٢٠)﴾ [البروج: ٢٠]؟\n<s1>  هَذَا مَعنَاهُ أَنَّه مُحِيطٌ بهم، يَعلَمُ كُلَّ شَيءٍ، وهو فَوقَ العَرشِ، «من وَرَاءِ كُلِّ شَيءٍ» يَعْنِي مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيءٍ وهو يَعلَمُ سِرَّهَم وما يُخفُونَ وما يُبدُونَ وما يَعمَلُونَ في جَمِيعِ الأَحوَالِ ﷾، وهو فَوقَ العَرشِ، فَمَعنَى أَنَّه وَرَاءَهُم أَنَّه مُحِيطٌ بهم جل وعلا، لا يَخفَى عليه شَيءٌ مِنْ شُؤونِهم. تَقُولُ العَربُ «أنا مِنْ وَرَائِكَ»، يَعْنِي لا أَغْفلُ عنك.\n\n<s0>.؟\n<s1>  يَعْنِي تَزُورُهُ وتُحِبُّهُ وتَسمعُ حَدِيثَهُ.\nوهَذَا الأَثرُ الْمُعلَّقُ يُوافِقُ الحَدِيثَ الصَّحِيحَ الْمُتصِلَ في «الصَّحِيحَينِ»: «مَنْ ذَكَرَنِي في نَفسِهِ ذَكرتُهُ في نَفسِي، ومَن ذَكَرَنِي في مَلَإٍ ذَكرتُهُ في مَلإٍ خَيرٍ منه» (^١)، فهو يُشبِهُهُ في المَعنَى، فيه الحَثُّ على إِدَامَةِ الذِّكرِ بِالقَلبِ واللِّسَانِ والعَملِ، وأنَّ المُؤمِنَ كَثِيرُ الذِّكرِ بِقَلبِهِ ولِسَانهِ وعَمَلهِ، بِالقَلبِ مِثلُ خَوفِ اللهِ ومَحبَّتهِ، وتَذكُّرِ عَظَمَتِهِ واستِحقَاقِهُ العِبَادَةَ، وتَذَكُّرِ ما يَجبُ عليكَ له مِنْ حَقٍّ يَكُونُ على بَالِك، ذَاكِرًا له بِالقَلبِ خَوفًا وشَوقًا وَرَجَاءً ومَحَبَّةً وتَعظِيمًا، وبِاللِّسَانِ بِأنْوَاعِ الذِّكرِ مِثل التَّسبِيحِ والتَّحمِيدِ والتَّهلِيلِ والتَّكبِيرِ، وقَولِ: لا إِلهَ إلا اللهُ، إلى غَيرِ ذَلكَ.\nوبِالعَملِ مِثْل الجَوَارِحِ: كَالصَّلَاةِ، والصَّدَقَاتِ، والجِهَادِ، والأَمرِ بِالمَعرُوفِ، والنَّهيِ عنِ الْمُنكَرِ، وغَيرِ هَذَا من أَنْوَاعِ أَعمَالِ الخَيرِ.\n_________\n(^١) تقدم برقم (٧٤٠٥).","vol":"1","page":358},{"text":"<s0>  أَحسَنَ اللهُ إِليكَ، ذِكرُ اللهِ لِلعِبَادِ، كيف يَذْكُرُهُم؟\n<s1>  يَذكُرُهُم في المَلَإ الأَعلَى عند المَلَائِكَةِ «ذَكَرتُهُ في نَفسِي»، هَذَا صِفَةٌ تَخُصُّهُ، فهَذَا ذِكرٌ لِلعَبدِ في نَفسِهِ، وأنَّ العَبدَ يَذكُرُ مَولَاهُ، وأنَّ اللهَ ﷿ يَذكُرُهُ، فهَذَا مِنْ نِعمِ اللهِ العَظِيمَةِ، ومِن أَسبَابِ تَوفِيقِ اللهِ له وهِدَايَتهِ له بِسبَبِ ذِكرِهِ للهِ، وأمَّا ذِكرُهُ في المَلإِ: ذِكرُهُ في المَلَائِكَةِ. الجَزَاءُ مِنْ جِنسِ العَمَلِ.\nوهَذَا فيه إِثبَاتُ النَّفسِ للهِ كمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦] ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨] لكن نَفسٌ تَلِيقُ بِاللهِ، ما يَعلَمُ كَيفِيَّتَهَا إلا هو ﷾.\n* * *","vol":"1","page":359},{"text":"<span data-type='title' id=toc-62>بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾</span> [الملك: ١٣، ١٤] ﴿يَتَخَافَتُونَ﴾ [طه: ١٠٣]: «يَتَسَارُّونَ»\n٧٥٢٥ - حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، عَنْ هُشَيْمٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ في قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠]، قَالَ: «نَزَلَتْ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُخْتَفٍ بِمَكَّةَ، فَكَانَ إِذَا صَلَّى بِأَصْحَابِهِ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالقُرْآنِ، فَإِذَا سَمِعَهُ المُشْرِكُونَ، سَبُّوا القُرْآنَ وَمَنْ أَنْزَلَهُ وَمَنْ جَاءَ بِهِ، فَقَالَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾: أَيْ بِقِرَاءَتِكَ فَيَسْمَعَ المُشْرِكُونَ فَيَسُبُّوا القُرْآنَ: ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ عَنْ أَصْحَابِكَ فَلَا تُسْمِعُهُمْ ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ١١٠]» (^١).\n\n<s2>\nوتَسمِيَةُ القِرَاءَةِ صَلَاةً ما يُستَغرَبُ؛ لِأَنَّهَا صَلَاةٌ، لِأَنَّهَا في الحَقِيقَةِ صَلَاةٌ؛ لأنَّها دُعَاءٌ وثَنَاءٌ على اللهِ، وتِلَاوَةٌ لِكِتَابهِ هي صَلَاةٌ، والصَّلَاةُ تُطلَقُ على الدُّعَاءِ\n_________\n(^١) ورواه مسلم (٤٤٦).","vol":"1","page":360},{"text":"والضَّرَاعةِ إلى اللهِ. والتعبُّدُ له ﷾ تُسمَّى صَلَاةً، ومنه قوله ﵊ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ يَقُولُ اللهُ ﷿: «قَسمْتُ الصَّلَاةَ بَينِي وبَينَ عَبدِي نِصفَينِ فإذا قَالَ: الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ. قَالَ اللهُ: حَمِدَنِي عَبدِي، وإذا قَالَ: الرَّحمَنُ الرَّحِيمِ. قَالَ: أَثنَى عَلَيَّ عَبدِي، وإذا قَالَ مَالِكِ يَومِ الدِّينِ. قَالَ: مَجَّدَنِي عَبدِي …» (^١) إلى آخره، فَسمَّى الفَاتِحَةَ صَلَاةً؛ لِأَنَّهَا رُكنُ الصَّلَاةِ، ولأنَّها عِبَادةٌ عَظِيمَةٌ.\n\n٧٥٢٦ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠] فِي الدُّعَاءِ» (^٢).\n\n<s2>\nالأَظْهَرُ قَولُ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ في هَذَا، وأنَّها في القِرَاءَةِ لا في الدُّعَاءِ؛ لأنَّ الدُّعَاءَ يُستَحَبُّ فيه الإِخفَاتُ، والإِسرَارُ ما يَكُونُ بين ذَلكَ، بل يُستَحَبُّ فيه الإِخفَاتُ ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥]، فَالإِسرَارُ في الدُّعَاءِ مَطلُوبٌ، وقَولُهُ: ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠] يَقتَضِي خِلَافَ ذَلكَ، ولِهذَا ما قاله ابنُ عَبَّاسٍ ﵄ أنَّ الْمُراَد به القِرَاءَةُ أَظهَرُ وأَبْيَنُ، أمَّا الدُّعَاءُ فهو مَشرُوعٌ فيه السِّرُّ بينَ العَبدِ وبين رَبِّهِ، إلا إذا كَانَ دُعَاءً يُؤمَّنُ\n_________\n(^١) رواه مسلم (٣٩٥) (٣٨).\n(^٢) ورواه مسلم (٤٤٧).","vol":"1","page":361},{"text":"عليه كَدُعَاءِ القُنُوتِ والاسْتِسقَاءِ ونَحوِ ذَلكَ، هَذَا يَجهَرُ ولا يُخَافِتُ، يَجهَرُ.\nفَعُلِمَ بذَلكَ أنَّ الْمُرادَ بِالصَّلَاةِ هنا: القِرَاءةُ كمَا قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ ﵄.\n\n٧٥٢٧ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالقُرْآنِ»، وَزَادَ غَيْرُهُ: «يَجْهَرُ بِهِ».\n\n<s2>\nوهَذَا فيه الحَثُّ على تَحسِينِ الصَّوتِ بِالقِرَاءَةِ، والتَّلَذُّذُ بِالقِرَاءةِ والخُشُوعُ فيها والتَّحزُّنُ؛ حَتَّى تُحرِّكَ القُلُوبَ للقَارِئِ والْمُستَمِعِ، ومنه: «زَيِّنُوا القُرآنَ بِأصوَاتِكم» (^١)، ومنه: «ما أَذِنَ اللهُ لِشَيءٍ كَأذنِهِ لِنَبِيٍّ حَسنِ الصَّوتِ بِالقُرآنِ، يَجهَرُ به» (^٢).\nوالجَهرُ بِالقُرآنِ مع تَحسِينِ الصَّوتِ والتَّخَشُّعِ فيه له أَثرٌ عَظِيمٌ في تَحرِيكِ قَلبِ القَارِئِ وقُلُوبِ الْمُستَمِعِينَ، لكنْ لَيْسَ على سَبِيلِ التَّمطِيطِ أو الغِنَاءِ، إِنَّما التَّغَنِّي التَّلذُّذُ به وتَحسِينُ الصَّوتِ بهِ.\n(الشَّيخُ): تَكَلَّمَ عليه الشَّارِحُ أو ما تَكَلَّمَ؟ أو العِينِيُّ؟\n[قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ فِي «فَتْحِ البَارِي» (١٣/ ٥٠١)]: «وَحَدِيثَ أَبِي\n_________\n(^١) رواه أحمد في «المسند» (١٨٤٩٤)، وأبو داود (١٤٦٨)، والنسائي (١٠١٥)، وابن ماجه (١٣٤٢).\n(^٢) رواه البخاري (٧٥٤٤) ومسلم (٧٩٢).","vol":"1","page":362},{"text":"هُرَيْرَةَ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ»، وَزَادَ غَيْرُهُ «يَجْهَرْ بِهِ»، أَوْرَدَهُ من طَرِيق ابنِ جُرَيجٍ حَدَّثنَا ابنُ شِهَابٍ، وَقَدْ مَضَى فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ وَفِي بَابِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣]، من طَرِيق عُقَيلٍ عَنْ ابنِ شِهَابٍ بِلَفْظِ: «مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ». وَقَالَ صَاحِبٌ لَهُ «يَجْهَرُ بِهِ»، وَسَيَأْتِي قَرِيبًا مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بِلَفْظِ: «مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ بِالْقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ»؛ فَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ الْغَيْرَ الْمُبْهَمَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ وَهُوَ الصَّاحِبُ الْمُبْهَمُ فِي رِوَايَةِ عُقَيْلٍ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ، وَالْحَدِيثُ وَاحِدٌ إِلَّا أَنَّ بَعْضَهُمْ رَوَاهُ بِلَفْظِ «مَا أَذِنَ اللَّهُ»، وَبَعْضَهُمْ رَوَاهُ بِلَفْظِ «لَيْسَ مِنَّا».\nوَإِسْحَاق شَيْخه فِيهِ هُوَ ابنُ مَنْصُورٍ، وَقَالَ الْحَاكِمُ بْنُ نَصْرٍ: وَرَجَّحَ الْأَوَّلَ أَبُو عَليٍّ الجيَانيُّ. وَأَبُو عَاصِمٍ هُوَ النَّبِيلُ، وَهُوَ مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ قَدْ أَكْثَرَ عَنْهُ بِلَا وَاسِطَةٍ وَأَقْرَبُ ذَلِكَ فِي أول حَدِيثٍ مِنْ كِتَابِ التَّوْحِيدِ». [انتهى كلامه].\n\n<s0>  أَحسَنَ اللهُ إِليكَ قَولُهُ: «أُوتِيَ مِزمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ» (^١). ما المَقصُودُ بِالمِزمَارِ؟\n<s1> يَعْنِي الصَّوتَ الحَسنَ، كَانَتْ أَصوَاتُهُم حَسنَةً، كَأنَّهُم أُعطُوا أَصوَاتًا حَسَنَةً.\n* * *\n_________\n(^١) رواه البخاري (٥٠٤٨)، ومسلم (٧٩٣).","vol":"1","page":363},{"text":"<span data-type='title' id=toc-63>بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ القُرْآنَ فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ، وَرَجُلٌ يَقُولُ: لَوْ أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ هَذَا فَعَلْتُ كَمَا يَفْعَلُ»</span>.\nفَبَيَّنَ اللهُ أَنَّ قِيَامَهُ بِالكِتَابِ هُوَ فِعْلُهُ.\nوَقَالَ: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ [الروم: ٢٢]، وَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧].\n\n<s2>\nكُلُّ هَذَا مِثلُ ما تَقَدَّمَ فهو يُبَيِّنُ أنَّ العَبدَ له قِرَاءَةٌ وله قِيَامٌ يَقُومُ بِالقُرآنِ هَذَا فِعلُهُ، وأَفعَالُ الخَيرِ كذَلكَ، والقِرَاءَةُ مِنْ فِعلِ الخَيرِ، قِرَاءَةُ القُرآنِ مِنْ فِعلِ الخَيرِ، والصَّلَاةُ مِنْ فِعلِ الخَيرِ كُلُّهَا مَنْسوبَةٌ لِلعَبدِ، والقُرآنُ هو كَلَامُ اللهِ لَيْسَ من فِعلِ العَبدِ، إنما فِعلُهُ القِرَاءَةُ، الصَّوتُ والتَّلَفَظُ، أمَّا المَقرُوءُ والْمَحفُوظُ في الصُّدُورِ والْمَكتُوبُ في الصُّحُفِ هو كَلَامُ اللهِ.","vol":"1","page":364},{"text":"٧٥٢٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا تَحَاسُدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ القُرْآنَ فَهُوَ يَتْلُوهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ، فَهُوَ يَقُولُ: لَوْ أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ هَذَا لَفَعَلْتُ كَمَا يَفْعَلُ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَهُوَ يُنْفِقُهُ فِي حَقِّهِ، فَيَقُولُ: لَوْ أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ عَمِلْتُ فِيهِ مِثْلَ مَا يَعْمَلُ» (^١).\n\n٧٥٢٩ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ الزُّهْرِيُّ: عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ القُرْآنَ فَهُوَ يَتْلُوهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَهُوَ يُنْفِقُهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ».\nسَمِعْتُ مِنْ (^٢) سُفْيَانَ مِرَارًا، لَمْ أَسْمَعْهُ يَذْكُرُ الخَبَرَ، وَهُوَ مِنْ صَحِيحِ حَدِيثِهِ (^٣).\n\n<s2>\nوهَذَا كُلُّهُ وَاضِحٌ في فَضلِ قِرَاءَةِ القُرآنِ وإِنفَاقِ المَالِ، وأنَّ مثلَ هَذَينِ الشَّخصَين يُغبَطَانَ ويُحسَدَانِ حَسدَ الغِبطَةِ، والحَسدُ حَسَدَانِ:\n_________\n(^١) ورواه مسلم (٨١٥).\n(^٢) كذا في «الفتح»، وفي «عمدة القارئ» وغيره: «سَمِعْتُ سُفْيَانَ مِرَارًا».\n(^٣) ورواه مسلم (٨١٥).","vol":"1","page":365},{"text":"١ - حَسَدٌ مَذمُومٌ: وهو تَمَنِّي زَوَالِ النَّعمَةِ عن أَخِيكَ، سَواءٌ صَارَت لك أو لم تَصِرْ لك، تَمَنِّي زَوَالِ النِّعمَةِ عنه هَذَا حَسَدٌ وظُلمٌ ومُنكَرٌ، وإذا فَعلتَ مع ذَلكَ أَسبَابَ الإِزَالةِ بِإِتلَافِ الْمَالِ أو بِفِعلِ ما يُنكِّدُه عليه ويُزِيلُهُ منه كَانَ هَذَا ظُلْمًا مع حِسِدٍ.\n٢ - أَمَّا حَسَدُ الغِبطَةِ: فهو تَمَنِّي ومَحبَّةِ أن يَكُونَ لك مِثلُ ما له مِنْ الخَيرِ، مِنْ دُونِ أن تَتَمَنَّى زَوَالَهُ عنه، فأنت تُحِبُّ أن تَكُونَ مِثلَهُ، تَقرَأَ القُرْآنَ تُنفِقُ المَالَ تُحبُّ أنْ تَكُونَ مِثلَهُ، فهَذِه الغِبطَةُ في هَذَا الخَيرِ العَظِيمِ الذي تُحِبُّ أن تَكُونَ كِمِثلِ أَخِيكَ فيه.\nفإذا قَرأَ القُرآنَ وتَلَاهُ آنَاءَ اللَّيلِ وآنَاءَ النَّهَارِ تِلَاوَةَ لِفظٍ وعَمَلٍ، يَعمَلُ به ويَقرَؤُهُ، فهو مَحسُودٌ على هَذَا مَغبُوطٌ، فالذي يَقُولُ: لَيتَنِي مِثلُهُ، أو أُحِبُّ أن يَكُونَ مِثلَهُ، أو أَوَدُّ أن أَكُونَ مِثلَهُ ويَغبِطُه بذَلكَ؛ هَذَا هو حَسَدُ الغِبطَةِ.\nفي اللَّفظِ الآخَرِ: «لا حَسَدَ إلا في اثْنَتَينِ؛ رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالًا فَسَلَّطَهُ على هَلَكَتِهِ في الحَقِّ، ورَجُلٌ آتَاهُ اللهُ الحِكمَةَ -يَعْنِي الفِقهَ في الدِّينِ- فهو يَقضِي بها ويُعَلِّمُهَا» (^١)، وهَذَا كُلُّهُ ممَّا يَنبَغِي فيه الغِبطَةُ، إِنفَاقُ المَالِ في وُجُوهِ الخَيرِ، والتَّفَقُّهُ في الدِّينِ، وتَدَبُّرُ القُرآنِ.\nوالقُرآنُ رَأسُ الحِكمَةِ، مَنْ تَدَبَّرَهُ وفَهِمَهُ وأَعطَاهُ اللهُ فيه الفِقهَ فهو رَأسُ الحِكمَةِ، فهو يَقضِي به بين النَّاسِ ويُعَلِّمهُ النَّاسَ، ومَعلُومٌ أنَّ السُّنَّةَ تَابِعَةٌ للقُرآنِ، وهي تُفَسِّرُهُ وتَدلُّ عليه لِمَنْ رَزَقَهُ اللهُ فيه الفِقهَ، وهو لا يَتمُّ له ذَلكَ إلا بالسُّنَّةِ.\n_________\n(^١) رواه البخاري (٧٣).","vol":"1","page":366},{"text":"<s0>  هل التَّغَنِّي بِالقُرآنِ دَاخِلَ الصَّلَاةِ أو خَارِجَهَا؟\n<s1>  القِرَاءَةُ تَكُونُ في الصّلَاةِ وخَارجَ الصَّلَاةِ، فهو مَغبُوطٌ في هَذَا، وهَذَا سَوَاءٌ في الصَّلَاةِ أو في خَارِجِ الصَّلَاةِ، والْمُهِمُّ أن تَكُونَ القِرَاءةُ معها تَصدِيقٌ ومعها عَمَلٌ، أَمَّا قِرَاءةٌ بلا عَملٍ ولا تَصدِيقٍ تَضُرُّهُ، وتَكُونُ حُجَّةً عليه، «والقُرآنُ حُجَّةٌ لك أو عليك» (^١)، نَسأَلُ اللهَ السَّلَامَةَ.\n* * *\n_________\n(^١) رواه مسلم (١) (٢٢٣).","vol":"1","page":367},{"text":"<span data-type='title' id=toc-64>بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَاتِهِ) [المائدة:</span> ٦٧]\nوَقَالَ الزُّهْرِيُّ: مِنَ اللَّهِ ﷿ الرِّسَالَةُ، وَعَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ البَلَاغُ، وَعَلَيْنَا التَّسْلِيمُ. وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ﴾ [الجن: ٢٨]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي﴾ [الأعراف: ٦٢]\n\n<s2>\nهَذَا كَلَامٌ من الزُّهرِيِّ عَظِيمٌ، كَلَامٌ عَظِيمٌ «منَ اللهِ الرِّسَالَةُ، ومن الرَّسُولِ البَلَاغُ، وعلى الأُمَّةِ التَّسلِيمُ» يَعْنِي: القَبولَ والانْقِياَد لِمَا جَاءَ به الرَّسُولُ ﷺ مِنْ الأَوَامِرِ والنَّوَاهِي والأَخبَارِ. الأَخبَارُ يُسلَّمُ لها بِالتَّصدِيقِ، والأَوَامرُ يُسلَّمُ لها بِالامِتِثَالِ، والنَّوَاهِي بِالتَّركِ والاجْتِنَابِ، هَذَا هو الوَاجِبُ على الأُمَّةِ، ولو ما عَرَفُوا الحِكمَةَ ولو ما دَرَوا عنِ الحِكمَةِ، عندنا يَقِينٌ أَنَّه حَكِيمٌ عَلِيمٌ ﷾، سَوَاءٌ عَرفنَا الحِكمَةَ أو لم نَعرِفْهَا.\nفعلى الأُمَّةِ التَّسلِيمُ لِلأَوَامِرِ والنَّوَاهِي والأَخبَارِ لِمَا جَاءَ في الكِتَابِ العَظِيمِ، أو السُّنَّةِ الْمُطَهَّرةِ الصَّحِيحَةِ، ولو لم يَفهَمُوا الحِكمَةَ ولم يَعرِفُوا العِلَّةَ، لَيْسَ بِشَرطٍ، إن ظَهَرَتِ العِلَّةُ والحِكمَةُ؛ فهَذَا خَيرٌ إلى خَيرٍ، ونُورٌ إلى نُورٍ وعِلمٌ","vol":"1","page":368},{"text":"إلى عِلمٍ، وإلَّا فَالوَاجِبُ التَّسلِيمُ والانْقِيادُ والامْتِثَالُ: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥].\n\n<s0>  في نُسخَةٍ: «رِسَالَاته» (^١)؟\n<s1> قِرَاءَةٌ، نعم.\nوَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ: حِينَ تَخَلَّفَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٩٤] وَقَالَتْ عَائِشَةُ: إِذَا أَعْجَبَكَ حُسْنُ عَمَلِ امْرِئٍ فَقُلْ: ﴿اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥]: وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ أَحَدٌ. وَقَالَ مَعْمَرٌ: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: ٢] هَذَا القُرْآنُ ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]: بَيَانٌ وَدِلَالَةٌ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ﴾ [الممتحنة: ١٠]: هَذَا حُكْمُ اللَّهِ ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢]: لَا شَكَّ. ﴿تِلْكَ آيَاتُ﴾ [البقرة: ٢٥٢]: يَعْنِي هَذِهِ أَعْلَامُ القُرْآنِ، وَمِثْلُهُ: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ [يونس: ٢٢]: يَعْنِي بِكُمْ.\nوَقَالَ أَنَسٌ: بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ خَالَهُ حَرَامًا إِلَى قَوْمٍ (^٢)، وَقَالَ: أَتُؤْمِنُونِي أُبَلِّغُ رِسَالَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ فَجَعَلَ يُحَدِّثُهُمْ.\n\n<s2>\nقوله: «وَقَالَتْ عَائِشَةُ: إِذَا أَعْجَبَكَ حُسْنُ عَمَلِ امْرِئٍ …» إلى آخره: الأُمُورُ على الظَّواهرِ، قد يُعجِبُك عَمَلهُ وهو خَاسِرٌ، إمَّا للرِّيَاءِ أو لِفسَادِ عَقِيدَةٍ كَالمُنَافِقِينَ والخَوَارِجِ، كمَا في الحَدِيثِ: «يَحقِرُ أَحَدُكُم صَلَاتَهُ مع صَلَاتِهِم، وصِيَامَهُ مع صِيَامِهِم، وقِرَاءَتَهُ مع قِرَاءَتِهِم» (^٣)، فلا يُعجِبَنَّكَ ما ظَهَرَ مِنْ حَالِهِ حَتَّى تَخبُرَ أَحوَالَهُ وتَعرفَ ما يَدُلُّ على صِدقِهِ، فقد يَكُونُ عَمِلَ هَذَا لِغرَضٍ وحَاجةٍ، أو رِيَاءً وسُمعَةً، أو لِبِدعَةٍ اقْتَرَفَهَا كَالخَوَارِجِ.\n\n<s0>  أَحسَنَ اللهُ عَمَلَكَ، يَكتبُونَ هَذِه الآيَةَ على الإِنتَاجِ المَادِّي، على المَصَانِعِ وغَيرِهَا: ﴿اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥]\n_________\n(^١) كذا في المطبوع والذي قرئ على الشيخ (رسالته) كما هو في المصحف الآن.\n(^٢) كذا في «الفتح»، وفي «عمدة القارئ» وغيره: «إِلَى قَوْمِهِ».\n(^٣) رواه البخاري (٦١٦٣)، ومسلم (١٠٦٤) (١٤٨).","vol":"1","page":369},{"text":"<s1>  فيها عِظَةٌ أو فيها ذِكرَى وعِظَةٌ أيضًا لِمَنْ اتَّعَظَ، ما نَعلَمُ فيهَا شَيْئًا.\n\n<s0>  المَقصُودُ مِنْ كَلَامِ عَائِشَةَ وكَعبِ بنِ مَالِكٍ ﵄ نِسبَةُ العَملِ إلى النَّاسِ؟\n<s1>  لِأنَّه قد يَعمَلُ وليْسَ الأَمرُ كذَلكَ، مثلُ ما في قِصَّةِ الخَوارِجِ لَمَّا خَرَجُوا على عَلِيٍّ ﵁؛ لأنهم تَظَاهَرُوا بِالنُّسُكِ والعِبَادةِ وطَعَنُوا في خِلَافةِ عُثمَانَ ﵁ وقَتَلُوهُ، كُلُّهُ مِنْ جَهلِهِم وضَلَالِهِم، وما أَظهَرُوه مِنَ البِدعَةِ وتَحسِينِ الأَعمَالِ حَتَّى غَرُّوا النَّاسَ.\n\n<s0>  المَقصُودُ نِسبَةُ الأَعمَالِ إليهم؟\n<s1>  هَذَا المَقصُودُ، مَقصُودُ الْمُؤلِّفِ: أنَّ الْمُكَلَّفَ يُنسَبُ إِلَيه عَمَلُهُ.\n\n<s0>  أَحسَنَ اللهُ إِليكَ، أَقُولُ المَقصُودُ بهَذَا أن هَذَا المَصنَعَ أَنتَجَ وَأنَّه نَشِيطٌ، وَأنَّه كذا؟\n<s1>  المَقصُودُ فيها عِظةٌ لِمَنْ سَمِعَها، إن صَدَقُوا وأَدَّوا الأَمَانَاتِ فَعَائدٌ لهم أن يُصِيبَهُمْ منَ الخَيرِ، وإن خَانُوا الأَمَانَةَ فَسَيرَى اللهُ عَمَلهُم. إذا كَانَ للذِّكرَى ما في شَيءٌ، إذا كَانَ ما كَتَبُوهُ إلا بِسبَبِ العِظَةِ والذِّكرَى.","vol":"1","page":370},{"text":"٧٥٣٠ - حَدَّثَنَا الفَضْلُ بْنُ يَعْقُوبَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الرَّقِّيُّ، حَدَّثَنَا المُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيُّ، حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ المُزَنِيُّ، وَزِيَادُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ حَيَّةَ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ حَيَّةَ، قَالَ المُغِيرَةُ: أَخْبَرَنَا نَبِيُّنَا ﷺ عَنْ رِسَالَةِ رَبِّنَا: «أَنَّهُ مَنْ قُتِلَ مِنَّا صَارَ إِلَى الجَنَّةِ».\n\n<s2>\nيَقُولُونَهُ لِأَعدَاءِ اللهِ، لَمَّا قَاتَلُوا الفُرسَ يُبَيِّنُونَ لهم أَنَّهُمْ عَازِمُونَ، وأَنَّهم صَابِرُونَ، وأَنَّهم صَامِدُونَ للجِهَادِ، وأن الرَّسُولَ ﷺ بَلَّغَهُم أنَّ مَنْ قُتِلَ فهو شَهِيدٌ إلى الجَنَّةِ، وأن مَنْ عَاشَ عَاشَ إلى النَّصرِ؛ حَتَّى يَعلَمَ أَعدَاءُ اللهِ أنَّ المُسْلِمِينَ عَازِمُونَ على القِتَالِ والجِهَادِ، وأَنَّهم صَامِدُونَ لِهذَا الأَمرِ وصَابِرُونَ عليه، وأنَّ حَيَّهُم للسَّعَادَةِ والنَّصرِ، ومَيِّتَهُم للجَنَّةِ والكَرَامَةِ، وهَذَا يُوهِنُ قُوَى الأَعدَاءِ ويَجعَلُهُم يَستَجِيبُونَ للدَّعوَةِ أو لما يُطلَبُ مِنْهُم مِنْ مُصَالَحَةٍ.","vol":"1","page":371},{"text":"<s0> (الشَّيخُ): ماذا قَالَ الشَّارِحُ على جُبَيرِ بنِ حيَّةَ؟ تَكَلَّمَ الشَّارِحُ تَعَرَّضَ له؟ أو العَينِيُّ؟\n\">ج: [قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ فِي «فَتْحِ البَارِي» (١٣/ ٥٠٦)]: «قَولُهُ: عن جُبَيرِ ابنِ حَيَّةَ بِمُهمَلَةٍ وتَحتَانِيَّةٍ ثَقِيلَةٍ، وجُبَيرٌ هو وَالِدُ زِيَّادِ بنِ جُبَيرٍ الرَّاوِي عنه». [انتهى كلامه].\n\n<s0>  رَاجِعِ «التَّقرِيبَ»: جُبَير بن حَيَّةَ؟\n\">ج: [قال الحَافِظُ ابن حجَرٍ ﵀ في «تَقريبِ التَّهذيبِ» (٨٩٩)]: «جُبَيرُ ابنُ حَيَّةَ بِمُهمَلَةٍ وتَحتَانِيَّةٍ ثَقِيلَةٍ، ابنُ مَسعُودٍ الثَّقَفيُّ، ابنُ أَخِي عُروَةَ بنِ مَسعُودٍ، ثِقَةٌ جَلِيلٌ، منَ الثَّالِثَةِ، مَاتَ في خِلَافةِ عَبدِ الْمَلكِ بنِ مَرَوَانِ، خ ٤».\n\n<s0>  هل رَسَالَةُ رَبِّنَا يَعْنِي بها الكِتَابَ والسُّنَّةَ؟\n<s1>  نعم.\n\n٧٥٣١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ كَتَمَ شَيْئًا؟.\nوَقَالَ مُحَمَّدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ العَقَدِيُّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَتَمَ شَيْئًا مِنَ الوَحْيِ فَلَا تُصَدِّقْهُ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ","vol":"1","page":372},{"text":"رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧] (^١).\n\n٧٥٣٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: قَالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الذَّنْبِ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى؟ قَالَ: «أَنْ تَدْعُوَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ»، قَالَ: ثُمَّ أَيْ؟ قَالَ: «ثُمَّ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ مَخَافَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ»، قَالَ: ثُمَّ أَيْ؟ قَالَ: «أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ»، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَهَا: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ﴾ الآيَةَ [الفرقان: ٦٨، ٦٩] (^٢).\n\n<s2>\nوالشَّاهِدُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ أَنَّها تُنسَبُ إِلَيهِم، وأنَّها أَفعَالُهم ويُؤخَذُونَ بها، والقُرآنُ كَلَامُ اللهِ مُنزَّلٌ غَيرُ مَخلُوقٍ، وأمَّا هَذِه أَفعَالُهُم يُؤخَذُونَ بها شِركُهُم وقَتلُهُم وزِنَاهُم وسَائِرُ أَفعَالِهِم، وتَبلِيغُهم الرِّسالَةَ، وتَبلِيغُهُمُ الحَقَّ والخَيرَ، وتَبلِيغُهُم الْمُنكرَ، كُلُّهَا أَفعَالُهُم؛ فَيُثَابُونَ على خَيرِهَا، وُيعَاقَبُونَ على شَرِّهَا.\n\n<s0>  مَنْ هو عَبدُ اللهِ عَفَا اللهُ عنكَ؟\n<s1> ابنُ مَسعُودٍ ﵁.\n_________\n(^١) ورواه مسلم (١٧٧).\n(^٢) ورواه مسلم (٨٦).","vol":"1","page":373},{"text":"<s0>  أَحسَنَ اللهُ عَمَلَكَ، ما في أَلفَاظِ الحَدِيثِ: «خَشيَةَ أن يَطعَمَ معك»؟\n<s1>  بَلَى، رِوَايَةٌ أُخرَى.\n* * *","vol":"1","page":374},{"text":"<span data-type='title' id=toc-65>بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا﴾ [آل عمران:</span> ٩٣]\nوَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «أُعْطِيَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ التَّوْرَاةَ فَعَمِلُوا بِهَا، وَأُعْطِيَ أَهْلُ الإِنْجِيلِ الإِنْجِيلَ فَعَمِلُوا بِهِ، وَأُعْطِيتُمُ القُرْآنَ فَعَمِلْتُمْ بِهِ».\nوَقَالَ أَبُو رَزِينٍ: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ [البقرة: ١٢١]: وَيَعْمَلُونَ بِهِ حَقَّ عَمَلِهِ، يُقَالُ: ﴿يُتْلَى﴾ [النساء: ١٢٧]: يُقْرَأُ، حَسَنُ التِّلَاوَةِ: حَسَنُ القِرَاءَةِ لِلْقُرْآنِ.\n﴿لَا يَمَسُّهُ﴾ [الواقعة: ٧٩]: لَا يَجِدُ طَعْمَهُ وَنَفْعَهُ إِلَّا مَنْ آمَنَ بِالقُرْآنِ، وَلَا يَحْمِلُهُ بِحَقِّهِ إِلَّا المُوقِنُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الجمعة: ٥]. وَسَمَّى النَّبِيُّ ﷺ: الإِسْلَامَ وَالإِيمَانَ وَالصَّلَاةَ عَمَلًا.\nوَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِبِلَالٍ: «أَخْبِرْنِي بِأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ فِي الإِسْلَامِ»، قَالَ: مَا عَمِلْتُ عَمَلًا أَرْجَى عِنْدِي أَنِّي لَمْ أَتَطَهَّرْ إِلَّا صَلَّيْتُ (^١).\nوَسُئِلَ أَيُّ العَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ الجِهَادُ، ثُمَّ حَجٌّ مَبْرُورٌ».\n\n<s2>\nقوله: وَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «أُعْطِيَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ التَّوْرَاةَ فَعَمِلُوا بِهَا، وَأُعْطِيَ أَهْلُ الإِنْجِيلِ الإِنْجِيلَ فَعَمِلُوا بِهِ، وَأُعْطِيتُمُ القُرْآنَ فَعَمِلْتُمْ بِهِ»: سمَّاه عَملًا، سمَّى تِلَاوَتَهُم وعَمَلَهُم بما فيهِ عَمَلًا. والمَتلُو غَيرُ الفِعلِ، التِّلَاوَةُ فِعلُ العَبدِ، والْمَتلُو كَلَامُ الرَّبِّ.\nوقوله: «وَقَالَ أَبُو رَزِينٍ: …» إلى آخره: يَعْنِي: يُقَالُ هَذَا وهَذَا، يُقَالُ: يَتلُوهُ تِلَاوَةً يَعْنِي قَرأَهُ، يُقَالُ: حَسنُ التِّلَاوَةِ حَسنُ القِرَاءَةِ، ويُقَالُ: تَلَاهُ بِمَعنَى عَملَ به واتَّبَعَهُ، وفي الحَدِيثِ: «لا دَرَيتَ ولا تَلَيتَ» (^٢)، ما فَهمْتَ الحَقَّ ولا اهْتَدَيتَ إلى الحَقِّ ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾\n_________\n(^١) ورواه مسلم (٢٤٥٨).\n(^٢) رواه البخاري (١٣٣٨).","vol":"1","page":375},{"text":"[البقرة: ١٢١] يَتَّبِعُونَهُ حَقَّ الاتِّبَاعِ، فلو تَلَوَه أَحسنَ التِّلَاوَةِ ولم يَتَّبِعُوه لَهَلَكُوا.\n(الشَّيخُ): ماذا قَالَ الشَّارِحُ «لا يَمَسُّه أي لا يَجِدُ طَعمَهُ»، تَعَرَّضَ له أو ما تَعَرَّضَ له؟ أو العَينِيُّ؟\n[قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ فِي «فَتْحِ البَارِي» (١٣/ ٥٠٩)]: «قَوْلُهُ: لَا يَمَسُّهُ: لَا يَجِدُ طَعْمَهُ وَنَفْعَهُ إِلَّا مَنْ آمَنَ بِالْقُرْآنِ، وَلَا يَحْمِلُهُ بِحَقِّهِ إِلَّا الْمُوقِنُ، وَفِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي: الْمُؤْمِنُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥]، وَحَاصِلُ هَذَا التَّفْسِيرِ أَنَّ مَعْنَى لَا يَمَسُّ الْقُرْآنَ: لَا يَجِدَ طَعْمَهُ وَنَفْعَهُ إِلَّا مَنْ آمَنَ بِهِ وَأَيْقَنَ بِأَنَّهُ مِنْ عِنْدَ اللَّهِ، فَهُوَ الْمُطَهَّرُ مِنَ الْكُفْرِ وَلَا يَحْمِلُهُ بِحَقِّهِ إِلَّا الْمُطَهَّرُ مِنَ الْجَهْلِ وَالشَّكِّ، لَا الْغَافِلُ عَنْهُ الَّذِي لَا يَعْمَلُ فَيَكُونُ كَالْحِمَارِ الَّذِي يَحْمِلُ مَا لَا يَدْرِيهِ». [انتهى كلامه].\nقَالَ ابنُ بَازٍ ﵀: وهَذَا لَتَنبِيهِ الآيَاتِ، وقَول جَمَاعَةٍ مِنْ السَّلَفِ والْمَشهُورُ: ﴿لا يمسه﴾ أي: لا يَحمِلُهُ ويَمسُّهُ بِيدِه: ﴿إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (﴾ [الواقعة: ٧٩] مِنْ","vol":"1","page":376},{"text":"الأَحدَاثِ، وأَمَّا حَملُهُ على: لا يَجِد طَعمَهُ ولا يَذُوقُ طَعمَهُ إلا الْمُطَهَّرُونَ مِنْ الكُفرِ فهَذَا مَعنًى أَعظَمُ وأَكمَلُ، لكن هل هَذَا المُرَادُ؟ أو هَذَا مِنَ التَّنبِيهِ؟\nيُقالُ هَذَا من تَنبِيهِ النَّصِّ ومِن بَابِ أَولَى ومِن فَحوَاهُ؛ لِأنَّه إذا كَانَ لا يَمَسُّهُ في الدُّنيَا الْمَسَّ الحِسيَّ إلا الْمُطَهَّرُ مِنَ الأَحدَاثِ فمِن بَابِ أَولَى لا يَذُوقُ طَعمَهُ ولا يَنتِفِعُ به ولا يَجِدُ حَلَاوَتَهُ على الحَقِيقَةِ إلا الْمُؤمِنُ الْمُطَهَّرُ مِنْ الكُفرِ.\n\n<s0>  هَذَا مَرجُوحٌ؟ ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ [الواقعة: ٧٩]؟\n<s1> لا، مُرَادُ الْمُؤلِّفِ التَّنبِيهُ، يَعْنِي: الْمَسّ الحَقيقِيّ ما يَحصُلُ إلا للمُؤمِنِ وهو ذَاقَ طَعمَهُ، وأما ذَاكَ المَعنَى الأَظهَرُ المْشهُورُ عنِ السَّلفِ، لا بُدَّ مِنْ الطَّهُورِ عند مَسِّ القُرآنِ. لكن هَذَا مِنْ بَابِ التَّنبِيهِ ومِن بَابِ الفَحوَى ومِن بَابِ أَولَى يَعْنِي.\nوقوله: «وَسَمَّى النَّبِيُّ ﷺ الإِسْلَامَ وَالإِيمَانَ وَالصَّلَاةَ عَمَلًا»:","vol":"1","page":377},{"text":"سَمَّى تَطَهُّرَهُ للصَّلَاةِ عَمَلًا، وهَذَا أَمَرُ مَعلُومٌ بِإِجمَاعِ أَهْلِ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ، بِإجمَاعِ العُقَلَاءِ، أنَّ أَفعَالَ العَبدِ تُنَسبُ إليه؛ لِأَنَّهَا عَمَلُهُ: طَهَارَتُهُ عَملٌ وصَلَاتُهُ عَملٌ، وصِيَامُهُ عَملٌ، أَمرُهُ بِالمَعرُوفِ إلى غَيرِ ذَلكَ، فَالعَبدُ تُنسَبُ إِليهِ أَعمَالُهُ ويُجَازَى على خَيرِهَا ويَستَحِقُّ العِقَابَ على شَرِّهَا.\nوفي هَذَا الدَّلَالَةُ على أَفضَلِيَّةِ التَّطَهُّرِ بعد الحَدَثِ وصَلَاةِ رَكعَتَينِ، وأنها عَملٌ صَالِحٌ: سُنَّةُ الوُضُوءُ.\n\n<s0>  وأَعمَالُ القُلُوبِ أَصلَحُ اللهُ عَمَلَكَ تُعتَبرُ عَمَلًا؟\n<s1> نعم بِإِجمَاعِ أَهْلِ السُّنَّةِ، مِثلُ الْمَحَبةِ، والشَّوقِ إلى لِقَاءِ اللهِ، والخَوفِ والرَّجَاءِ، هَذِه أَعمَالُ القُلوبِ والإِخلَاصُ، هَذِه أَعظَمُ الأَعمَالِ، أَعظَمُ الأَعمَالِ مِنْ حيث الأَجرِ والثَّوَابِ؛ لِأَنَّهَا هي الأَسَاسُ.\n\n٧٥٣٣ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي سَالِمٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّمَا بَقَاؤُكُمْ فِيمَنْ سَلَفَ مِنَ الأُمَمِ، كَمَا بَيْنَ صَلَاةِ العَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، أُوتِيَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ التَّوْرَاةَ، فَعَمِلُوا بِهَا حَتَّى انْتَصَفَ النَّهَارُ ثُمَّ عَجَزُوا، فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، ثُمَّ أُوتِيَ أَهْلُ الإِنْجِيلِ الإِنْجِيلَ، فَعَمِلُوا بِهِ حَتَّى صُلِّيَتِ العَصْرُ ثُمَّ عَجَزُوا، فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، ثُمَّ أُوتِيتُمُ القُرْآنَ، فَعَمِلْتُمْ بِهِ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَأُعْطِيتُمْ قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ، فَقَالَ أَهْلُ الكِتَابِ: هَؤُلَاءِ أَقَلُّ مِنَّا عَمَلًا وَأَكْثَرُ أَجْرًا.","vol":"1","page":378},{"text":"قَالَ اللَّهُ: هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ شَيْئًا؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَهُوَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ».\n\n<s2>\nهَذَا حظُّ هَذِه الأُمَّةِ ما بَينَ صَلَاةِ العَصرِ إلى غُرُوبِ الشَّمسِ، والَبِقيَّةُ قد مَضَت قد مَضَى قَبلَنَا.\nوهَذَا فَضلُ اللهِ أن هَذِه الأُمَّةَ ضُوعِفَ لها الأَجرُ مع قِلَّةِ العَملِ، وهَذَا مِنْ فَضلِهِ ﷾ وجُودِهِ وكَرَمِهِ؛ ولَعلَّ ذَلكَ لِأَسبَابٍ: أَنَّها آخِرُ الأُمَمِ، ونَبِيُّهَا ﷺ آخِرُ الرُّسُلِ، وأنها تُلَاقِي من الصُّعُوبَاتِ والْمَتَاعبِ في قِيَامِهَا بِأَمرِ اللهِ وصَبرِهَا على طَاعَةِ اللهِ ما لَيْسَ لِغَيرِهَا، بِخِلَافِ الأُمَمِ المَاضِيَةِ، كُلَّمَا مَضَى نَبيٌّ جَاءَ نَبيٌّ يُذَكِّرُهُم ويَأمُرُهُم ويَنهَاهُم ويُثَبِّتُهُم، أما هَذِه الأُمَّةُ فليس لها إلا نَبيٌّ وَاحِدٌ، قد مَضَى ﵊، وهو خَاتَمُ الأَنبِيَاءِ، وبَقِيَ عليها أن تُصَابِرَ وتُجَاهِدَ وتَأخُذَ بما جَاءَ به، وتُمسِكَ به، وتَبتَعِدَ عمَّا يَدعُو إِلَيه أَهْلُ الضَّلَالَةِ، وهَذَا يَحتَاجُ إلى صَبرٍ عَظِيمٍ وثَبَاتٍ وقُوَّةٍ، فمِن رَحمَةِ اللهِ أن ضَاعفَ لها الأَجرَ.\n\n<s0>  عَفَا اللهُ عنكَ يا شَيخُ، ما يُؤخَذُ من الحَدِيثِ قِصرُ أَعمَارِ هَذِه الأُمَّةِ مِنْ العَصرِ إلى غُرُوبِ الشَّمسِ؟\n<s1> مَحَلُّ نَظرٍ، الْمَقصُودُ أنَّ مُدَّتَهَا أَقَلُّ مِمَّا مَضَى، البَاقِي من الْمُدَّةِ قَليلٌ، هَذَا الْمُرَادُ، أمَّا قِصرُ الأَعمَارِ مَأخُوذَةٌ من أَدِلَّةٍ أُخرَى.","vol":"1","page":379},{"text":"<s0>  أَحسَنَ اللهُ إِليكَ، هل تَعنِي: بَقَاءُ الأُمَّةِ في ثُلُثِ الدُّنيَا؟\n<s1>  أَقلُّ، يَمكِنُ حَملُهُ على الرُّبُعِ أو الخُمُسِ ما بين صَلَاةِ العَصرِ إلى غُرُوبِ الشَّمسِ بِالنِّسبَةِ إلى ما مَضَى مِنْ الدُّنيَا.\n\n<s0>  أَحسَنَ اللهُ إِليكَ يا شَيخُ مِنْ الأُمَّةِ اليَهُودُ والنَّصَارَى؟\n<s1>  الأُمَّةُ الْمُستَجِيبَةُ، الْمُطِيعُ لِلرَّسُولِ ﷺ يُقَالُ لها: أُمَّةُ الإِجَابةِ، وأمَّا ذَاك يُقَالُ لها: أُمَّةُ الدَّعوَةِ، الكُفَّارُ والنَّصَارَى واليَهُودُ والْمُشرِكِينَ يقالُ لهُم: أُمَّةُ الدَّعوَةِ، وأمَّا الْمُرَادُ بالَّذِينَ أَعطَاهُم اللهُ مُضَاعفَةَ الأَجرِ مَعنَاهُ همُ الْمُستَجِيبُونَ الَّذِينَ أَجَابُوا الرَّسُولَ واتَّبَعُوهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيه وسَلِّمْ.\n\n<s0>  بِالنِّسبَةِ لِلَّيلِ والنَّهَارِ أو نِصفِ النَّهَارِ؟\n<s1>  عَامٌّ، عَامٌّ.\n* * *","vol":"1","page":380},{"text":"<span data-type='title' id=toc-66>بَابٌ وَسَمَّى النَّبِيُّ ﷺ الصَّلَاةَ عَمَلًا، وَقَالَ: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ»</span>\n٧٥٣٤ - حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الوَلِيدِ، ح وَحَدَّثَنِي عَبَّادُ بْنُ يَعْقُوبَ الأَسَدِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبَّادُ بْنُ العَوَّامِ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنِ الوَلِيدِ بْنِ العَيْزَارِ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «الصَّلَاةُ لِوَقْتِهَا، وَبِرُّ الوَالِدَيْنِ، ثُمَّ الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» (^١).\n\n<s2>\nوهَذَا وَاضِحٌ في أَنَّه سَمَّى الصَّلَاةَ عَمَلًا؛ لأن السَّائِلَ سَأَلَ: أَيُّ الأَعمَالِ أَفضَلُ؟ فَأَجَابَ: «الصَّلَاةُ على وَقتِهَا». فهَذَا يَدُلُّ على أَنَّها مِنْ العَملِ الذي يُنسَبُ إلى العَبدِ، كما يُنسَبُ إِليه صَومُهُ، وصَدَقَتُهُ، وحَجُّهُ، وبَيعُهُ، وشِرَاؤُهُ، وذَهَابُهُ ومَجِيئُهُ، إلى غَيرِ ذَلكَ.\nولِهذَا رَتَّبَ اللهُ سُبحَانَهُ الجَزَاءَ على الأَعمَالِ؛ لِأَنَّهَا أَعمَالُهُم، سَعيُهُم،\n_________\n(^١) ورواه مسلم (٨٥).","vol":"1","page":381},{"text":"كَسبُهُم: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦]؛ فَرتَّبَ اللهُ سُبحَانَهُ الجَزَاءَ على الأَعمَالِ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٧، ٨]، وقال سُبحَانَهُ: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١)﴾ [النجم: ٣١]. فاللهُ خَالِقُ العَبدِ وخَالِقُ أَعمَالِهِ: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافات: ٩٦]، فاللهُ خَالِقُ العِبَادِ وخَالِقُ أَعمَالِهِم ومُقَدِّرُ أَرزَاقِهِم وجِمِيعِ شُؤونِهِم.\nوفي اللَّفظِ الآخَرِ: «الصَّلَاةُ على وَقتِهَا»، قُلتُ: ثم أَي؟. قَالَ: «بِرُّ الوَالِدَينِ» قلت: ثم أَي؟. قَالَ: «الجِهَادُ في سَبِيلِ اللهِ» (^١)، فَجعَلَ الصَّلَاةَ على وَقتِهَا قَبلَ كُلِّ شَيءٍ؛ لأنَّ أَدَاءَهَا في الوَقتِ فَرضٌ لا بُدَّ منه، وتَأخِيرُهَا لا يَجُوزُ، وتَعَمُّدُ تَأخِيرِهَا عن الوَقتِ كُفرٌ وضَلَالٌ. وقِيلَ: كُفرٌ أَكبَرُ كمَا هو الصَّحِيحُ، وقِيلَ: كُفرٌ دُونَ كُفرٍ إذا كَانَ لا يَجحَدُ وُجُوبَهَا، فعُلِمَ بذَلكَ أنَّ شَأنَهَا عَظِيمٌ، وأنها عَمُودُ الإِسلَامِ كمَا في حَدِيثِ مُعَاذٍ ﵁، وأنَّ تَركْهَا كُفرٌ.\nوفي حَدِيثِ عُمرَ ﵁ كما قَالَ نَافِعٌ ﵁: كَانَ عُمرُ ﵁ يَكتُبُ إلى عُمَّالِهِ -أَمِيرُ المُؤمِنِينَ عُمرُ بنُ الخَطَّابِ ﵁- كَانَ يَكْتبُ إلى عُمَّالِهِ -يَعْنِي: إلى أُمرَائِهِ- ويَقُولُ: إن أَهَمَّ أَمرَكُم عندي الصَّلَاةُ، فمن حَفِظَهَا حِفِظَ دِينَهُ، ومَن ضَيَّعَهَا فهو لِمَا سِوَاهَا أَضيِعُ، يَعْنِي فهو إلى غَيرِهَا أَشَدُّ إِضَاعَةً.\nويَشهَدُ لِهذَا المَعنَى ما رَوَاهُ الإِمَامُ أَحمَدُ بِإسنَادٍ صَحِيحٍ عن عبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ العَاصِ ﵄ قَالَ: ذَكرَ النَّبيُّ ﷺ الصَّلَاةَ يَومًا بينَ\n_________\n(^١) رواه البخاري (٥٢٧)، ومسلم (٨٥) (١٣٩).","vol":"1","page":382},{"text":"أَصحَابِهِ فَقَالَ: «مَنْ حَافظَ عليها كَانَتْ له نُورًا وبُرهَانًا ونَجَاةً يَومَ القِيَامَةِ، ومَن لم يُحَافِظْ عليها لم يَكُنْ له نُورٌ ولا بُرهَانٌ ولا نَجَاةٌ، وحُشِرَ يَومَ القِيَامةِ مع فِرعَونَ وهَامَانَ وقَارُونَ وأُبَيِّ بنِ خَلَفٍ» (^١).\nفهَذَا يَدُلُّ على عِظَمِ شَأنِهَا، وأنَّ حِفظَهَا هو طَرِيقُ النَّجَاةِ، وأنَّ إِضَاعَتَهَا هو طَرِيقُ الهَلَاكِ.\nقال بَعضُ أَهْلِ العِلمِ: وإِنَّماَ يُحشَرُ مَنْ ضَيَّعَ الصَّلَاةَ مع فِرعُونَ وقَارُونَ وهَامَانَ وَأُبَيِّ بنِ خَلفٍ؛ لأنَّ مَنْ ضَيَّعَهَا إمَّا أن تَكُونَ إِضَاعَتُهُ لها بِأَسبَابِ الرِّيَاسَةِ والْمُلْكِ والإِمَارَةِ؛ فَيكُونُ شَبِيهًا بِفرْعَونَ، حَمَلَهُ مُلكُهُ ورِيَاسَتُهُ على أن طَغَى وبَغَى وتَكَبَّرَ عن الحَقِّ.\nوإمَّا أن تَكُونَ الأَسبَابُ لِشُغلِهِ بِالوُظيفَةِ والوزَارَةِ فَيكُونُ شَبِيهًا بِهَامَانَ وَزِيرِ فِرعَونَ، شَغَلَهُ ما هو فيه مِنْ وَزَارَةٍ والأَعمَالِ الوَظِيفِيَّةِ عن الإِجَابةِ إلى مُوسَى ﵇ والمُوَافَقَةِ لِمَا دَعَا إليه.\nوإما أن يَتركَهَا مِنْ أَجلِ المَالِ والشَّهَوَاتِ وما أَعطَاهُ اللهُ مِنْ رَفَاهَةِ العَيشِ؛ فَيكُونُ شَبِيهًا بِقَارُونَ الذي أَعطَاهُ اللهُ أَموَالًا عَظِيمَةُ وتَكَبَّرَ بِسبَبِ ذَلكَ وبَغَى؛ فلم يُجِبْ إلى الحَقِّ؛ فَخسَفَ اللهُ به وبِدَارِهِ الأَرضَ، فهو يَتَجَلجَلُ فيهَا إلى يَومِ القِيامَةِ هو ودَارُهُ.\nوإما أَنْ يَكُونَ المَانِعُ لَه شُغلَهُ بِأعمَالِ التِّجَارةِ والبَيعِ والشِّرَاءِ؛ فَيكُون شَبِيهًا بِأُبَيِّ بنِ خَلفٍ تَاجرِ أَهْلِ مَكَّةَ، فَيُحشَرُ معه إلى النَّارِ، نَسأَلُ اللهَ العَافِيَةَ.\n_________\n(^١) رواه أحمد في «المسند» (٦٥٧٦)، وأورده الهيثمي في «المجمع» (١/ ٢٩٢)، وقال: رواه أحمد والطبراني في «الكبير»، و«الأوسط» ورجال أحمد ثقات.","vol":"1","page":383},{"text":"وبهَذَا يُعلَمُ أنَّ الْمُحَافَظَةَ على الصَّلَاةِ مِنْ أَهَمِّ الْمُهِمَّاتِ ومِن أَعظَمِ الفَرَائضِ؛ ولِهذَا قَالَ ﷿: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾ [البقرة: ٢٣٨]، ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١)﴾ [المؤمنون: ٩ - ١١] ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٣٤) أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ (٣٥)﴾ [المعارج: ٣٤، ٣٥]. فهَذَا يَدُلُّ على أن الصَّلَاةَ هي المِيزَانُ، وأنَّ الْمُتَخَلَّفَ عنها قد تخلَّفَ عن كُلِّ خَيرٍ، وأنَّ الْمُحَافِظَ عليها قد أَدرَكَ كُلَّ خَيرٍ.\n\n<s0>  أَحسَنَ اللهُ إِليكَ، حَدِيثُ: «لا خَيرَ في دِينٍ لا صَلَاةَ فيه»؟\n<s1> لا أَعرِفُهُ، ولكن جَاءَ مَعنَا في وَفدِ أَهْلِ الطَّائفِ، لكن قَرِيبٌ مِنْ هَذَا المَعنَى، لِمَّا اشْتَرَطُوا أَلَّا يُصَلُّوا.\n* * *","vol":"1","page":384},{"text":"<span data-type='title' id=toc-67>بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾</span> [المعارج: ١٩ - ٢١]\nهَلُوعًا: ضَجُورًا.\n٧٥٣٥ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنِ الحَسَنِ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ تَغْلِبَ، قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ مَالٌ، فَأَعْطَى قَوْمًا وَمَنَعَ آخَرِينَ، فَبَلَغَهُ أَنَّهُمْ عَتَبُوا، فَقَالَ: «إِنِّي أُعْطِي الرَّجُلَ وَأَدَعُ الرَّجُلَ، وَالَّذِي أَدَعُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الَّذِي أُعْطِي، أُعْطِي أَقْوَامًا لِمَا فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الجَزَعِ وَالهَلَعِ، وَأَكِلُ أَقْوَامًا إِلَى مَا جَعَلَ اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الغِنَى وَالخَيْرِ، مِنْهُمْ عَمْرُو بْنُ تَغْلِبَ»، فَقَالَ عَمْرٌو: مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِكَلِمَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حُمْرَ النَّعَمِ.\n\n<s2>\nلأنه قَالَ ﷺ: «مِنْهُمْ عَمْرُو بْنُ تَغْلِبَ» وَأنَّه لم يُعطِهِ لِمَا جَعلَ اللهُ في قَلبِهِ مِنْ الغِنَى والخَيرِ.\nوفي هَذَا أنَّ الوَالِيَ يَنْظُرُ في الْمَصلحَةِ والتَّألِيفِ، وليس عَطَاؤُهُ لِقَومٍ دَلِيلًا على أَنَّهم أَحَبُّ إليه مِنْ غَيرِهِم، لا، قد يُعطِيهِم للتَّألِيفِ أو لِكَفِّ شَرِّهِم أو لِأسبَابٍ أُخرَى وغَيرُهُم أَحَبُّ إليه، وغَيرُهُم أَولَى، وغَيرُهُم أَحَقُّ، لكن","vol":"1","page":385},{"text":"لِلمَصلَحَةِ الإِسلَامِيَّةِ والسِّيَاسَةِ الشَّرعِيَّةِ؛ فلِهذَا قد يُعطِي أَقوَامًا وغَيرُهُم أَحبُّ إِليهِ منهم، لكن لِمَا في قُلُوبِهِمْ مِنَ الهَلَعِ والجَزعِ يُعطِيهِم، وفي الحَدِيثِ الآخَرِ: «يَأَبَونَ إلا أن يُبَخِّلُونِي ويَأَبَى اللهُ لِي البُخلَ» (^١).\nفالحَاصِلُ: أنَّ وَليَّ الأَمرِ عليه أن يُلَاحِظَ الْمَصَالحَ العَامَّةَ في العَطَاءِ والْمَنعِ وفي سَائِرِ شُؤونِهِ؛ لِأنَّه مُكَلَّفٌ بهَذَا، مَأمُورٌ بهَذَا، أن يَسُوسَ الأُمَّةَ بما فيه مَصلَحَتُهَا وسَعَادَتُهَا ونَجَاتُهَا. فهَذَا يُعْطَى وهَذَا لا يُعطَى، وهَذَا يُؤدَّبُ ويُزجَرُ، وهَذَا يُسجَنُ وهَذَا يُقتَلُ على حَسبِ ما تَقتَضِيهِ الأَدِلَّةُ الشَّرعِيَّةُ والمَصَالحُ الإِسلَامِيَّةُ؛ ولِهذَا جَعلَ اللهُ في الزَّكَاةِ حَقًّا لِلمُؤَلَّفةِ قُلُوبِهِم، وفي بَيتِ المَالِ أَيْضًا.\nوبَعضُ النَّاسِ لو لم يُعطَ شَيْئًا مِنْ هَذَا المَالِ أو مِنْ الزَّكَاةِ لَرُّبَما كَفرَ وارْتَدَّ عنِ الِإسلَامِ، ولَرُبَّما أَسَاءَ إلى المُسْلِمِينَ بِقطِعِ الطُّرقِ وغَيرِ ذَلكَ؛ فلِهذَا كَانَ يُعطِي أَقوَامًا ويَدعُ آخَرِينَ لِمُرَاعَاةِ الْمَصَالحِ ﵊.\n* * *\n_________\n(^١) رواه أحمد في «المسند» (١١١٢٣).","vol":"1","page":386},{"text":"<span data-type='title' id=toc-68>بَابُ ذِكْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَرِوَايَتِهِ عَنْ رَبِّهِ</span>\n٧٥٣٦ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، حَدَّثَنَا أَبُو زَيْدٍ سَعِيدُ ابْنُ الرَّبِيعِ الهَرَوِيُّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ، قَالَ: «إِذَا تَقَرَّبَ العَبْدُ إِلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِذَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا، وَإِذَا أَتَانِي مَشْيًا أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً» (^١).\n\n<s2>\nوهَذَا تَقَدَّمَ غَيرَ مَرَّةٍ، تَقَدَّمَ الكَلَامُ على مِثلِ هَذَا، وأنَّ الوَاجِبَ كما هو طَريقُ أَهْلِ السُّنَّةِ إِمرَارُ هَذِه الصِّفَاتِ كمَا جَاءَتْ مِنْ غَيرِ تَعَرُّضٍ للمَعَانِي التي تَتَعَلَّقُ بِالكَيفِيَّةِ.\nهَذَا يَدُلُّ على أَنَّه أَسرَعُ بِالخَيرِ سُبحَانَهُ إلى عِبَادِهِ، متى أَسرَعُوا بِالخَيرِ وتَقَرَّبُوا فهو أَسرَعُ إليهم بِالخَيرِ، وأَعظَمُ إِحسَانًا وَأعظَمُ جُودًا وأَعظَمُ كَرمًا.\nوأمَّا كيف يَتَقَرَّبُ ذِرَاعًا وبَاعًا ويَأتِي هَروَلَةً؟ كُلُّ هَذَا مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالصِّفَاتِ، والطَّرِيقُ فيها مَعرُوفٌ وَاحِدٌ: إِمرَارُهَا كمَا جَاءَت مِنْ غَيرِ تَحرِيفٍ ولا تَعطِيلٍ ولا تَكْيِيفٍ ولا تَمثِيلٍ، بلِ اللهُ أَعلَمُ بما يَتَعَلَّقُ بِالكَيفِيَّةِ ﷾.\n_________\n(^١) ورواه مسلم (٢٦٧٥).","vol":"1","page":387},{"text":"٧٥٣٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنِ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَنَسِ ابْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: رُبَّمَا ذَكَرَ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا تَقَرَّبَ العَبْدُ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذِرَاعًا، وَإِذَا تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا، -أَوْ بُوعًا-» (^١).\nوَقَالَ مُعْتَمِرٌ: سَمِعْتُ أَبِي، سَمِعْتُ أَنَسًا، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ ﷿\n\n٧٥٣٨ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّكُمْ قَالَ: «لِكُلِّ عَمَلٍ كَفَّارَةٌ، وَالصَّوْمُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، وَلَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ المِسْكِ» (^٢).\n\n٧٥٣٩ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، ح وقَالَ لِي خَلِيفَةُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي العَالِيَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ قَالَ: «لَا يَنبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ: إِنَّهُ خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ ابْنِ مَتَّى». وَنَسَبَهُ إِلَى أَبِيهِ (^٣).\n_________\n(^١) ورواه مسلم (٢٦٧٥).\n(^٢) ورواه مسلم (١١٥١).\n(^٣) ورواه مسلم (٢٣٧٧).","vol":"1","page":388},{"text":"<s2>\nوالشَّاهِدُ: قَولُهُ: «أن يِقُولَ»، والعَبدُ يُنسَبُ إليه قَولُهُ، أَمَّا تَقرَّبَ، وتَقرَّبَ مِنِّي شِبرًا تُنسَبُ أَفعَالُهُ إليه: تَقَرَّبَ، تَقَرَّبَ، والشَّاهِدُ هو هَذَا، نِسبَةُ أَفعَالِ العِبَادِ إليهم.\n\n<s0>  يُونُسُ بنُ مَتَّى نِسبَةً إلى أَبِيهِ؟\n<s1>  مَتَّى أَبُوهُ لَيْسَ هو أُمّهُ.\n\n<s0>  وهل يُنسَبُ إلى أُمِّهِ يَعْنِي؟\n<s1>  لا، يُريدُ مِنْ بَابِ البَيَانِ، ابنُ مَتَّى ما هي أمُّهُ، أَبُوهُ.\n\n٧٥٤٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي سُرَيْجٍ، أَخْبَرَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ المُزَنِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ المُزَنِيِّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الفتح عَلَى نَاقَةٍ لَهُ يَقْرَأُ سُورَةَ الفتح - أَوْ مِنْ سُورَةِ الفتح -. قَالَ: فَرَجَّعَ فِيهَا، قَالَ: ثُمَّ قَرَأَ مُعَاوِيَةُ: يَحْكِي قِرَاءَةَ ابْنِ مُغَفَّلٍ، وَقَالَ: لَوْلَا أَنْ يَجْتَمِعَ النَّاسُ عَلَيْكُمْ لَرَجَّعْتُ كَمَا رَجَّعَ ابْنُ مُغَفَّلٍ، يَحْكِي النَّبِيَّ ﷺ، فَقُلْتُ لِمُعَاوِيَةَ: كَيْفَ كَانَ تَرْجِيعُهُ؟ قَالَ: آ آ آ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ (^١).\n_________\n(^١) ورواه مسلم (٧٩٤).","vol":"1","page":389},{"text":"<s2>\nالتَّرجِيعُ التَّردِيدُ وتَحسِينُ الصَّوتِ بِالقِرَاءَةِ، لِأَنَّهَا تَجِذِبُ القُلُوبَ وتُحَرِّكُ القُلُوبَ، وتَجعَلُ القَارِئَ والْمُستَمِعَ قد اجْتَمَعَ قَلبُهُ على القِرَاءةِ والتَّدَبُّرِ، ولِهذَا قَالَ سُبحَانَهُ: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤)﴾ [المزمل: ٤]. وقال النَّبِيُّ ﷺ: «زَيِّنُوا أَصوَاتَكُم بِالقُرآنِ» (^١)، فَتَرتِيلُ القِرَاءةِ وتَحسِينُ الصَّوتِ والتَّأَنِّي وعَدَمُ العَجَلةِ مِنْ أَعظَمِ الأَسبَابِ لِفَهمِ القُرآنِ وتَدَبُّرِهِ وتَعقُّلِهِ.\n\n<s0>  الحَدِيثُ القُدُسِيُّ هل من عند اللهِ لَفظًا ومَعنًى أَمْ مَعنًى فَقَطْ؟\n<s1>  لَفظًا ومَعَنًى، فهو كَلَامُ اللهِ لَفْظًا ومَعْنًى، والقُرآنُ كَلَامُ اللهِ لَفظًا ومَعْنًى، والأَحَادِيثُ كَلَامُ النَّبيِّ ﷺ لكنَّه في المَعنَى وَحِيٌ. فهَذَا كَلَامُ الرَّبِّ: «تَقَرَّبتُ منه ذِرَاعًا» (^٢) كَلَامُ الرَّبِّ، وكذَلكَ قَولُهُ: «إِنِّي حَرَّمتُ الظُّلمَ على نَفسِي وجَعَلتُهُ بينكم مُحَرَّمًا فلا تَظَّالَمُوا»، «يا عِبَادِي كُلُّكُم ضَالٌّ إلَّا مَنْ هَدَيتُهُ» (^٣)، وهَكَذَا.\n\n<s0>  كَالقُرآنِ؟\n<s1>  كَالقُرآنِ في كَونِهِ كَلَامَ اللهِ، لكنَّ القُرآنَ مُعجِزٌ، وَأنَّه لا يُقرَأُ إلا بِطَهَارَةٍ ونَحوِ ذَلكَ. يَجتَمِعَانَ في أنهما كَلَامُ اللهِ، لكنَّ القُرآنَ له صِفَاتٌ أُخرَى مِنْ جِهِةِ الإِعجَازِ، ومِن جِهِةٍ لا يُمسُّ إلا بِطَهَارَةٍ.\n_________\n(^١) رواه عبد الرزاق في «مصنفه» (٤١٧٦).\n(^٢) رواه البخاري (٧٥٣٦)، ومسلم (٢) (٢٦٧٥).\n(^٣) رواه مسلم (٥٥) (٢٥٧٧).","vol":"1","page":390},{"text":"<s0>  لَفظُ الحَدِيثِ «زيِّنُوا أَصوَاتَكُم» أو «زيِّنُوا القُرآنَ»؟\n<s1> «زَيِّنُوا القُرآنَ بِأَصوَاتِكُم» (^١).\n* * *\n_________\n(^١) رواه أحمد في «المسند» (١٨٤٩٤)، وأبو داود (١٤٦٨)، والنسائي (١٠١٥)، وابن ماجه (١٣٤٢).","vol":"1","page":391},{"text":"<span data-type='title' id=toc-69>بَابُ مَا يَجُوزُ مِنْ تَفْسِيرِ التَّوْرَاةِ وَغَيْرِهَا مِنْ كُتُبِ اللَّهِ، بِالعَرَبِيَّةِ وَغَيْرِهَا لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران:</span> ٩٣]\n٧٥٤١ - وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ: أَنَّ هِرَقْلَ دَعَا تَرْجُمَانَهُ، ثُمَّ دَعَا بِكِتَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَرَأَهُ: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ، عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، إِلَى هِرَقْلَ، وَ: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٤]» الآيَةَ (^١).\n\n٧٥٤٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ المُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: كَانَ أَهْلُ الكِتَابِ يَقْرَءُونَ التَّوْرَاةَ بِالعِبْرَانِيَّةِ، وَيُفَسِّرُونَهَا بِالعَرَبِيَّةِ لِأَهْلِ الإِسْلَامِ، فَقال رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا تُصَدِّقُوا أَهْلَ الكِتَابِ وَلا تُكَذِّبُوهُمْ وَقُولُوا: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ﴾ [البقرة: ١٣٦]» الآيَةَ.\n\n٧٥٤٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِرَجُلٍ\n_________\n(^١) ورواه مسلم (١٧٧٣).","vol":"1","page":392},{"text":"وَامْرَأَةٍ مِنَ اليَهُودِ قَدْ زَنَيَا، فَقَالَ لِلْيَهُودِ: «مَا تَصْنَعُونَ بِهِمَا؟»، قَالُوا: نُسَخِّمُ وُجُوهَهُمَا وَنُخْزِيهِمَا، قَالَ: ﴿فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: ٩٣]، فَجَاءُوا، فَقَالُوا لِرَجُلٍ مِمَّنْ يَرْضَوْنَ: يَا أَعْوَرُ، اقْرَأْ فَقَرَأَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَوْضِعٍ مِنْهَا فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ، قَالَ: «ارْفَعْ يَدَكَ»، فَرَفَعَ يَدَهُ فَإِذَا فِيهِ آيَةُ الرَّجْمِ تَلُوحُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ عَلَيْهِمَا الرَّجْمَ، وَلَكِنَّا نَتَكَاتَمُهُ (^١) بَيْنَنَا، فَأَمَرَ بِهِمَا فَرُجِمَا، فَرَأَيْتُهُ يُجَانِئُ عَلَيْهَا الحِجَارَةَ (^٢).\n\n<s2>\nوالمَقْصُودُ: من هَذَا أنَّ اليَهُودَ قَومٌ بُهْتٌ، وقَومُ كَذِبٍ؛ ولِهذَا غَضِبَ اللهُ عَلَيهِم بِسَبَبِ تَغيِيرِهِم وتَحرِيفِهِم وتَبدِيلِهِم، وكِتمَانِهِم بَعضَ ما أُنْزِلَ إليهِم، ومِن ذَلكَ الرَّجمُ، فهم يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عن مَوَاضِعِهِ، فَيزِيدُونَ ويُنقِصُونَ، ويَكتبُونَ أَشيَاءَ ويَقُولُونَ: إنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللهِ؛ ولِهذَا غَضِبَ اللهُ عَليهم ومَقَتَهُم، ومن ذَلكَ عَمَلُهُم في الرَّجمِ كِتمَانُهُم آيَةَ الرَّجمِ وتَغِييرُهُم الحَدَّ الشّرعيَّ بِالتَّسخِيمِ: وهو تَسوِيدُ الوُجُوهِ وإِخزَاؤُهم بأن يُركِبُوهُم على دَابَّةٍ مَنكُوسينَ ويُطَافُ بهم في البَلَادِ.\nفهَذَا مِنْ تَغييرِهِم وتَحرِيفِهِم وتَبدِيلِهِم، ولِهذَا نُهينَا أن نُصَدِّقَهُم، لا نُصَدِّقُهُم ولا نُكَذِّبُهُم، لأنهم ما يؤمَنونَ، ونَقُولُ: ﴿آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ\n_________\n(^١) كذا في «الفتح»، وفي «عمدة القارئ» وغيره: «نُكَاتِمُهُ».\n(^٢) ورواه مسلم (١٦٩٩).","vol":"1","page":393},{"text":"إِلَيْكُمْ﴾ [العنكبوت: ٤٦]، كما قَالَ سُبحَانَهُ: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٤٦)﴾ [العنكبوت: ٤٦].\nفالمَعنَى: نُصَدِّقُ الحَقَّ ولا نُصَدِّقُ البَاطِلَ، وهم قد يَقُولُونَ البَاطِلَ وقد يَقُولُونَ الحَقَّ فلا نُصَدِّقُهُم ولا نُكَذِّبُهُم؛ لأنَّهُم قد يَقُولُونَ حَقًّا فَنُكَذِّبُهُ، وقد يَقُولُونَ بَاطِلًا فَنُصَدِّقُه؛ فلِهذَا أَرشَدَنا ﵊ إلى أنَّنَا لا نُصَدِّقُهم ولا نُكَذِّبُهم، بل نَقُولُ: ﴿آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾\n\n<s0>  مَنْ هُمْ أَهْلُ الذِّمةِ؟\n<s1> اليَهُودُ والنَّصَارَى والْمَجُوسُ الَّذِينَ ضُرِبَتْ عَليهِمُ الجِزيَةُ، أَهْلُ الذِّمَّةِ مَنْ ضُرِبَت عَلَيهمُ الجِزْيةُ مِنْ اليَهُودِ والنَّصَارَى والْمَجوسِ يُقالُ لهُم أَهْلُ الذِّمَّةِ.\n\n<s0>  تَحرِيفُ اليَهُودِ للتَّورَاةِ لَفظِيٌّ أَوْ مَعنَوِيٌّ؟\n<s1> ظَاهِرُ القُرآنِ أَنَّه لَفظِيٌّ ومَعنَوِيٌّ، بِالكِتمَانِ والزِّيَادَةِ والنَّقصِ، كمَا قالوا فيه ذَكَرُوا عنه أَنَّه أَمرَ إِبرَاهِيمَ أن يَذبَحَ ابْنَهُ -بِكرَهُ- فَزَادُوا فيه إِسْحَاقَ. والصَّوَابُ إِسمَاعِيلُ، ولهم تَحرِيفَاتٌ كَثِيرةٌ مَعرُوفَةٌ، نَسأَلُ اللهَ العَافِيَةَ.\n\n<s0>  المَجُوسُ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ؟\n<s1> من أَهْلِ الذِّمَّةِ، ولَيسُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، أَهْلُ الكِتَابِ اليَهُودُ والنَّصَارَى، لكنَّ الرَّسُولَ ﷺ أَلحَقَ بِهمُ الْمَجُوسَ فِي أَخذِ الجِزيَةِ.","vol":"1","page":394},{"text":"<s0>  ذَبِائِحُهُم كَذَبَائِحِ أَهْلِ الكِتَابِ؟\n<s1>  لا، الجِزيَة فَقَطْ، أمَّا ذَبَائِحُهُم مُحَرَّمةٌ ونِسَاؤُهم مُحَرَّمةٌ، لَيسوا مِثلَ أَهْلِ الكِتَابِ.\n\n<s0>  أَهْلُ الكِتَابِ يُحكَمُ فِيهِمْ بِكُتُبِهِم؟\n<s1>  لا، بِالقُرآنِ ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] ولكن يُحتَجُّ عَلَيهِم بما كَتَمُوهُ، وَأنَّه مُوَافِقٌ للقُرآنِ، التَّورَاةُ وَافَقَت القُرآنَ في هَذَا.\n* * *","vol":"1","page":395},{"text":"<span data-type='title' id=toc-70>بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «المَاهِرُ بِالقُرْآنِ مَعَ الكِرَامِ البَرَرَة»، وَ«زَيِّنُوا القُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ»</span>.\n٧٥٤٤ - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ بِالقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ» (^١).\n\n٧٥٤٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، وَعَلْقَمَةُ بْنُ وَقَّاصٍ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الإِفْكِ مَا قَالُوا- وَكُلٌّ حَدَّثَنِي طَائِفَةً مِنَ الحَدِيثِ - قَالَتْ: فَاضْطَجَعْتُ عَلَى فِرَاشِي وَأَنَا حِينَئِذٍ أَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ، وَأَنَّ اللَّهَ يُبَرِّئُنِي، وَلَكِنْ وَاللَّهِ مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ يُنْزِلُ فِي شَأْنِي وَحْيًا يُتْلَى، وَلَشَأْنِي فِي نَفْسِي كَانَ أَحْقَرَ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللَّهُ فِيَّ بِأَمْرٍ يُتْلَى، وَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ العَشْرَ الآيَاتِ كُلَّهَا (^٢).\n_________\n(^١) ورواه مسلم (٧٩٢).\n(^٢) ورواه مسلم (٢٧٧٠).","vol":"1","page":396},{"text":"٧٥٤٦ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، أُرَاهُ عن البراء قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ فِي العِشَاءِ: وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ فَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا أَحْسَنَ صَوْتًا أَوْ قِرَاءَةً مِنْهُ (^١).\n\n<s2>\nمُرَادُ المُؤَلَّفُ بهَذَا ﵀ بَيانُ أنَّ أَلفَاظَ النَّاسِ بِالقُرآنِ مَنسُوبَةُ إِلَيهِم، وهي أَصوَاتُهُم، وهي مَخلُوقَةٌ، ولِهذَا قَالَ: «المَاهِرُ بِالقُرآنِ مع السَّفَرةِ الكِرَامِ البَرَرَةِ»، وقَالَ ﵊: «ما أَذِنَ اللهُ لِشَيءٍ ما أَذِنَ لِنَبيٍّ حَسنِ الصَّوتِ بِالقُرآنِ أن يَجهَرَ به»، وقال: «زَيِّنُوا القُرآنَ بِأَصوَاتِكُم»، وفي قِصَّةِ عَائِشةَ ﵂ في قَولِهَا: «إِنِّي لا أَظُنَّ أنَّ اللهَ يُنزِلُ فيَّ وَحِيًا يُتلَى»؛ فَأنزَلَ اللهُ فيها أَمرًا يُتلَى.\nكُلُّ هَذَا يُبِيِّنُ أن القُرآنَ هو كَلَامُ اللهِ ﷿، وأنَّ التِّلَاوَةَ عَملُ الْمَخلُوقِ والصَّوتُ صَوتُ الْمَخلُوقِ، والْمَخلُوقُ يُزَينُ صَوتَهُ فَيتَلَذَّذُ النَّاسُ بِالقُرآنِ، ويَستَفِيدُونَ منه أَكثَرَ بِحُسنِ التِّلَاوَةِ والتَّأَنِّي فيها والتَّرتِيلِ والتَّخَشُّعِ؛ فَينتَفِعُ النَّاسُ أَكثَرَ.\nوفيه الرَّدُّ على مَنْ أَنكرَ ذَلكَ، فالقُرآنُ شَيءٌ وصَوتُ الإِنسَانِ وفِعلُهُ شَيءٌ آخَرُ، فَالقُرآنُ كَلَامُ اللهِ مُنَزَّلٌ غَيرُ مَخلُوقٍ، منه بَدَأَ وإِلَيهِ يَعُودُ، سَواءٌ كَانَ مَحفُوظًا أو مَتْلُّوًّا أو مَكتُوبًا أو مَسمُوعًا، كُلُّ ذَلكَ هو كَلَامُ اللهِ، لكنَّ الْمَخلُوقَ له صَوتٌ يَتَكَلَّمُ به ويَتلُو،\n_________\n(^١) ورواه مسلم (٤٦٤).","vol":"1","page":397},{"text":"فالصَّوتُ والتِّلَاوةُ والقِرَاءَةُ فِعلُهُ، والْمَتلُو الْمَقرُوءُ هو كَلَامُ اللهِ ﷿.\nوفي هَذَا حَثٌّ وتَحرِيضٌ على العِنَايةِ بِالتِّلَاوَةِ، وَأنَّه يَنبَغِي للتَّالِي أن يَعتَنِيَ بِالتَّلَاوةِ حَتَّى يَستَفِيدَ هو ويَستَفِيدَ مَنْ يَستَمِعُ له: «المَاهِرُ بِالقُرآنِ مع السَّفَرةِ الكِرامِ البَرَرَةِ». ذَكَرُوا في المَاهِرِ أَنَّه الحَافِظُ الذي يُحسِنُ التِّلَاوَةَ، والحَاذِقُ في التِّلَاوَةِ الذي يُجِيدُهَا ويَتَخَشَّعُ فيها فَيستَفِيدُ ويَستَفِيدُ مَنْ يَستَمِعُ له.\nوهَكَذَا: «زَيِّنُوا القُرآنَ بِأصوَاتِكُم» إذا حَسَّنَ صَوتَهُ وحَسَّنَ تَلِاوَتَهُ وتَخَشَّعَ فيها؛ كَانَ هَذَا أَكثرَ لِتَأثِيرِ القُرآنِ في قُلُوبِ الْمُستَمِعِينَ والتَّالِينَ أَيضًا.\nوهَكَذَا قَولُهُ ﷺ: «ما أَذِنَ اللهُ لِنَبِيٍّ ما أَذِنَ …» يَعْنِي: اسْتَمَعَ، أَذِنَ: اسْتَمَعَ، وهَذَا شَيءٌ يَلِيقُ بِاللهِ لا يُشَابِهُ خَلقَهُ في اسْتمَاعِهِم، فَكَلَامُهُ واسْتِمَاعُهُ وسَائِرُ صِفَاتِهِ كُلِّهَا تَلِيقُ بِاللهِ لا يُشبِهُ فيها خَلقَهُ ﷾، بل هو الكَامِلُ في كُلِّ شَيءٍ وليس في صِفَاتِهِ شَيءٌ منَ النَّقصِ والعَيبِ كما في صِفَاتِ الْمَخلُوقِينَ.\nفإذا كَانَ الرَّبُّ جل وعلا يَستَمِعُ للنَّبيِّ حَسنِ الصَّوتِ بِالقُرآنِ، وَأنَّه ما أَذِنَ لِشَيءٍ كَأذنِهِ له؛ دَلَّ ذَلكَ على أَنَّه يَنبَغِي لِلقَارِئِ أن يُحَسِّنَ صَوتَهُ ويَجتَهِدَ في تِلَاوَتهِ من دُونِ تَمطِيطٍ وتَشِبيهٍ له بِالغِنَاءِ، لكن عِنَايَةً وتَخَشُّعًا، وإِعطَاءَ الحُروفِ حَقَّها والمُدُودِ حَقَّهَا والوُقُوفِ حَقَّهَا؛ حَتَّى يَستَفِيدَ القَارِئُ والْمُستَمِعُ.\nوتَقَدَّمَ في مُرُورِه ﷺ على أبي مُوسَى ﵁ وهو يَقرَأُ؛ فَوقَفَ يَستَمِعُ له وقال: «لقد أُوتِيَ هَذَا مِزمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاودَ». يَعْنِي: صَوتًا حَسَنًا مِنْ أَصوَاتِهِم.\nفَلَمَّا جَاءَ أَبُو مُوسَى ﵁ إلى النَّبيِّ ﷺ أَخبَرهُ بذَلكَ قَالَ:","vol":"1","page":398},{"text":"«لو عَلمْتُ أنك تَسمَعُ لَحَبَّرتُهُ لك تَحبِيرًا» (^١)، يَعْنِي: زِدتُ في تَحسِينِهِ.\nفَالمُؤمنُ يَتَحَرَّى الأَسبَابَ، ويَأخُذُ بِالأَسبَابِ التي تَنفَعُهُ وتَنفَعُ غَيرَهُ في التِّلَاوَةِ وغَيرِهَا.\n\n٧٥٤٧ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ مُتَوَارِيًا بِمَكَّةَ، وَكَانَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ، فَإِذَا سَمِعَ المُشْرِكُونَ سَبُّوا القُرْآنَ وَمَنْ جَاءَ بِهِ، فَقَالَ اللَّهُ ﷿ لِنَبِيِّهِ ﷺ: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠] (^٢).\n\n<s2>\nوتَقَدَّمَ هَذَا الحَدِيثُ، والْمُرَادُ بِالصَّلَاةِ هي القِرَاءَةُ، وتَقَدَّمَ قَولُ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّها نَزَلَت في الدُّعَاءِ، وتَقَدَّمَ أنَّ الأَظهَرَ والأَصوَبَ ما قَالَه ابنُ عَبَّاسٍ ﵄ وما دَلَّ عليه كِتَابُ اللهِ وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ يَقُولُ اللهُ: «قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَينِي وبين عَبدِي» (^٣)، يَعْنِي: قِرَاءَةَ الفَاتحَةِ.\n_________\n(^١) رواه البيهقي في «السنن الكبرى» (٤٧٠٨)، وأصله في «الصحيحين» دون قول أبي موسى ﵁.\n(^٢) ورواه مسلم (٤٤٦).\n(^٣) رواه مسلم (٣٩٥) (٣٨).","vol":"1","page":399},{"text":"والقِرَاءَةُ رُكنُ الصَّلَاةِ، والرُّكنُ الْمُهِمُّ منها؛ فلِهذَا سُمِّيتْ صَلَاةً؛ ولأنَّهُ دُعَاءٌ في المَعنَى، فَالقَارِئُ دَاعٍ في المَعنَى يَطلُبُ الأَجرَ ويَطلُبُ الثَّوَابَ، فهو مُصَلٍّ في المَعنَى دَاعٍ.\nفالسُّنَّةُ للتَّالِي أن يَتَحَرَّى النَّفعَ الأَكمَلَ، فإنْ كَانَ الجَهرُ أَنفَعَ جَهَرَ، وإن كَانَ السِّرُّ أَنفعَ أَسَرَّ، وإن كانتِ الحَالُ تَحتَاجُ إلى التَّوَسُّطِ تَوَسَّطَ، كما أُمرَ به النَّبيُّ ﷺ في هَذَا الحَدِيثِ لَمَّا كَانَ الْمُشرِكُونَ إذا سَمِعُوا القُرآنَ سَبُّوا القُرآنَ ومَن أَنزَلَهُ، وكان هَذَا في مَكَّةَ قَبلَ أن يُؤمَرَ بِالصَّدعِ، قَبلَ أن تَنزِلَ عليه: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ [الحجر: ٩٤].\nوهَكَذَا إذا كَانَ الإِنسَانُ بين النُّوَّامِ أو بين الْمُصَلِّينَ أو بين القُرَّاءِ يَتَحَرَّى فلا يَجهَرُ جَهرًا يُؤذِي الْمُصَلِّينَ أو القُرَّاءِ، ولا يُخَافِتُ شَيْئًا [بحيثُ] يَجلِبُ إليه النُّعَاسَ أو يَضُرُّهُ، بل يَكُونُ يَتْلُو تَلَاوَةً لا تُؤذِي أَحَدًا ويَنتَفِعُ بها هُو.\nوهَذَا يَقَعُ كَثِيرًا في الْمَسَاجِدِ وفي الصَّفُوفِ يَومَ الجُمُعَةِ وفي غَيرِهَا، بَعضُ النَّاسِ قد يَجهَرُ كَثِيرًا فَيُشَوِّشُ على مَنْ حَولَهُ مِنْ الْمُصَلِّينَ والقُرَّاءِ، فَالسُّنَّةُ في التِّلَاوَةِ في مِثلِ هَذَا هو الخَفضُ حَتَّى لا يُشَوِّشَ على إِخوَانِهِ.\nوفي هَذَا المَعنَى جَاءَ الحَدِيثُ الآخَرُ الذي رَوَاهُ مَالِكٌ وغَيرُهُ بِإسنَادٍ صَحِيحٍ أنَّ الرَّسُولَ ﵊ خَرَجَ على أُنَاسٍ في الْمَسجِدِ يُصَلُّونَ بِاللَّيلِ أَوزَاعًا؛ فَقَالَ: «كُلُّكُم يُنَاجِي اللهَ فَلا يَجهَرُ بَعضُكُم على بَعضٍ» (^١). أو كَمَا قَالَ ﵊.\nفَأوصَاهُم بأن يُرَاعِيَ بَعضُهُم بَعضًا حَتَّى لا يُشُوِّشَ بَعضُهُم على بَعضٍ.\n_________\n(^١) رواه عبد الرزاق في «مصنفه» (٤٢١٦).","vol":"1","page":400},{"text":"٧٥٤٨ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ ﵁ قَالَ لَهُ: إِنِّي أَرَاكَ تُحِبُّ الغَنَمَ وَالبَادِيَةَ، فَإِذَا كُنْتَ فِي غَنَمِكَ أَوْ بَادِيَتِكَ فَأَذَّنْتَ لِلصَّلَاةِ، فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ؛ فَإِنَّهُ: «لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ المُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلَا إِنْسٌ، وَلَا شَيْءٌ، إِلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ». قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (^١).\n\n٧٥٤٩ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ القُرْآنَ وَرَأْسُهُ فِي حَجْرِي وَأَنَا حَائِضٌ (^٢).\n\n<s2>\nوهَذَا يَدُلُّ على فَوَائِدَ:\nمنها: تَوَاضُعُهُ ﷺ وحُسْنُ عِشرَتِهِ مع أَهلِهِ، كَانَ يَضَعُ رَأسَهُ في حِجرِ أَهلِهِ وَيقرَأُ يَعْنِي: يَضْطَجِعُ ويَضَعُ رَأسَهُ على فَخِذِ زَوجَتِهِ ويَقرَأُ أو يَسبِّحُ أو يَتَحَدَّثُ معَهَا، هَذَا من حُسنِ العِشرَةِ ومِنَ التَّوَاضُعِ.\nوفيه من الفَوَائِدِ: أَنَّه لا مَانِعَ مِنْ أن يَقرَأَ وَرَأسُهُ في حِجرِ امْرَأتِهِ الحَائِضِ\n_________\n(^١) ورواه مسلم (٦٠٩).\n(^٢) ورواه مسلم (٣٠١).","vol":"1","page":401},{"text":"أو النُّفَسَاءِ لا يَضُرُّهُ ذَلكَ، الْمَمنُوعُ لِمسُ الدَّمِ، لَمسُ النَّجَاسةِ أو جِمَاعُهَا حَالَ الحَيضِ، أمَّا كَونُهُ يَقرَأُ ورَأْسُهُ في حِجرِهَا أو مُتَّكِئًا عليها أو مُلَاصِقًا لها أو ما أَشبَهَ ذَلكَ؛ كُلُّ ذَلكَ لا بَأْسَ به.\nوفيه أيضًا من الفَوَائِدِ: أَنَّه لا مَانعَ مِنْ أن يَقرَأَ القُرآنَ وهو مُضْطَجِعٌ؛ لأنَّ رَأسَهُ في حِجرِها يَعْنِي: مُضطَجِعًا.\nواللهُ يَقُولُ جل وعلا: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١] يَدخُلُ فيه القُرآنُ وغَيرُ القُرآنِ، ومنه الآيَةُ الكَريمَةُ ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٣] وهَذَا مِنْ تَيسِيرِ اللهِ وتَوسِعَتِهِ، فإنَّ الإِنسَانَ قد يَحتَاجُ إلى القِراَءةِ وهو مُضْطَجِعٌ، قد يَكُونُ مَرِيضًا، قد يَكُونُ عنده شَيءٌ مِنَ الكَسلِ عنِ الجُلُوسِ، فَيقرَأُ قَائِمًا وقَاعِدًا ومَاشِيًا ومُضْطَجِعًا والحَمدُ للهِ.\n\n<s0>  أَحسَنَ اللهُ إِليكَ يا شَيخُ، السُّنَّةُ الأَذَانُ لِلمصَلِّي أم يَكفِيهِ أَذَانُ المَسجِدِ؟\n<s1> في الْمُدُنِ والقُرَى في الْمَسَاجدِ، أمَّا إذا كَانَ في البَرِيةِ يُؤذِّنُ ولو وَاحِدًا، مِثْلمَا قَالَ أَبُو سَعِيدٍ، النَّبيُّ ﷺ قَالَ لِمَالِكِ بنِ الحُويرِثِ ﵁ وصَاحِبهِ: «إذا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَليُؤَذِّن لَكمَا أَحَدُكمَا ولْيَؤُمُّكُمَا أَكبَركُمَا» (^١)، فإذا كانَ في البَادِيَةِ أو في السَّفَرِ يُؤذِّنُ ولو وَاحِدًا.\n* * *\n_________\n(^١) رواه البخاري (٦٥٨)، ومسلم (٦٧٤) (٢٩٣).","vol":"1","page":402},{"text":"<span data-type='title' id=toc-71>بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾</span> (^١) [المزمل: ٢٠]\n٧٥٥٠ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي عُرْوَةُ، أَنَّ المِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ ابْنَ عَبْدٍ القَارِيَّ، حَدَّثَاهُ أَنَّهُمَا سَمِعَا عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ يَقُولُ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الفُرْقَانِ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَاسْتَمَعْتُ لِقِرَاءَتِهِ، فَإِذَا هُوَ يَقْرَأُ عَلَى حُرُوفٍ كَثِيرَةٍ لَمْ يُقْرِئْنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَكِدْتُ أُسَاوِرُهُ فِي الصَّلَاةِ، فَتَصَبَّرْتُ حَتَّى سَلَّمَ، فَلَبَبْتُهُ بِرِدَائِهِ، فَقُلْتُ: مَنْ أَقْرَأَكَ هَذِهِ السُّورَةَ الَّتِي سَمِعْتُكَ تَقْرَأُ؟ قَالَ: أَقْرَأَنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقُلْتُ: كَذَبْتَ، أَقْرَأَنِيهَا عَلَى غَيْرِ مَا قَرَأْتَ، فَانْطَلَقْتُ بِهِ أَقُودُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقُلْتُ: إِنِّي سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ سُورَةَ الفُرْقَانِ عَلَى حُرُوفٍ لَمْ تُقْرِئْنِيهَا، فَقَالَ: «أَرْسِلْهُ، اقْرَأْ يَا هِشَامُ». فَقَرَأَ القِرَاءَةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ، فَقال رَسُولُ اللهِ ﷺ: «كَذَلِكَ أُنْزِلَتْ»، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «اقْرَأْ يَا عُمَرُ». فَقَرَأْتُ الَّتِي أَقْرَأَنِي، فَقَالَ: «كَذَلِكَ أُنْزِلَتْ، إِنَّ هَذَا القُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ» (^٢).\n_________\n(^١) كذا في «الفتح»، وفي «عمدة القارئ» وغيره «مِنَ القُرْآنِ».\n(^٢) ورواه مسلم (٨١٨).","vol":"1","page":403},{"text":"<s2>\nوفي هَذَا من الفَوَائِدِ: إَنكَارُ الْمُنكَرِ على مَنْ فَعَلَهُ في اعْتِقَادِ الْمُنكِرِ.\nوفيه: رَفعُ الأَمرِ إلى أَهْلِ العِلْمِ عند النِّزَاعِ، في حَيَاةِ الرَّسُولِ ﷺ إلى الرَّسُولِ ﷺ، وبعد وَفَاتِهِ إلى الأَدِلَّةِ الشَّرعِيَّةِ -إلى الكِتَابِ والسُّنَّةِ- لِأَنَّهَا هي التي تَحِلُّ النِّزَاعَ، فَعمُرُ ﵁ رَفعَهُ إلى النَّبيِّ صلى الله عليه سلم لِيعرِفَ صِحَّةَ ما قَالَ مِنْ إِنكَارِهِ عليه.\nوفيهِ: شِدَّةُ عُمرَ ﵁ وغَيرَتِهِ العَظِيمَةِ حَتَّى أَخذَ بِتَلَابِيبِ هِشَامٍ ﵁ وقَادَهُ إلى النَّبيِّ ﷺ، واشْتَدَّ عليه حَتَّى قَالَ: كَذبْتَ. حَتَّى أَعلَمَهُ النَّبيُّ ﷺ بِالوَاقِعِ، وكانت تَغلِبُ عليه قُوَّتُهُ في اللهِ وغَيرَتُهُ العَظِيمَةُ عند رُؤيَتِهِ ما يُخَالِفُ أَمرَ اللهِ.\nوفيه: رِفقُهُ ﷺ بِعُمَرَ ﵁، فَرَفَقَ بِعُمرَ ﵁ ولم يُشَدِّدْ عليه فَقَالَ: «أَرسِلْهُ»، وهَذَا فيه الرِّفقُ بِالأَخيَارِ والعُظمَاءِ والكِبَارِ ومَن عُرِفَت نِيَّتُهُمُ الطَّيبَةُ وغَيرَتُهُم -وإن شَدَّدُوا في بِعْضِ الشَّيءِ- تَقدِيرًا لِأَعمَالِهِمُ العَظِيمَةِ وغَيرَتِهِم الإِسلَامِيَّةِ وجُهُودِهِم الصَّالِحَةِ. ويُعلَّمُوا ويُوَجَّهُوا بِالحِكمَةِ، فَالنَّبيُّ ﷺ قَالَ: «اقْرَأْ يا هِشَامُ»، فَلمَّا قَرأَ هِشَامٌ كمَا سَمِعَ عُمرُ ﵁ قَالَ: «هَكَذَا أُنزِلَت» ثم قَالَ: «اقْرَأ يَا عُمرُ» فَقَرأَ عُمرُ ﵁، قَالَ: «هَكَذَا أُنزِلَت» ثم بَيَّنَ له ﷺ أنَّ القُرآنَ أُنْزِلَ على سَبعَةِ أُحرُفٍ ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠].\nقال العُلَمَاءُ: أَحرُفٍ يَعْنِي: مُختَلِفَةً في الأَلفَاظِ مُتَقَارِبَةً في الْمَعَانِي على حَسَبِ مُرَادِ العَرَبِ، فقد تَنزِلُ الآيَةُ بِمَعنَى الآيَةِ الأُخْرَى لكن بِألفَاظٍ مِثلِ:","vol":"1","page":404},{"text":"(خَبيرٌ بما تعملون)، (خبير بما تفعلون)، (بما تصنعون)، (إن الله عليم بما يصنعون)، (إن اللهَ عَليمٌ خبير)، (إن الله خبير عليم)، وما أَشبهَ ذَلكَ مِنَ الأَشيَاءِ الْمُتَقَارِبةِ التي تَختَلِفُ في الأَلفَاظِ وتَتَقَارَبُ في الْمَعَانِي والأَحكَامِ.\nولَمَّا تُوفِّي النَّبيُّ ﷺ وصَارَ بين النَّاسِ نِزَاعٌ في القِرَاءَاتِ أَدرَكَ الصَّحَابَةُ ﵃ ذَلكَ، وعَرَفُوا أن فيه شَيْئًا مِنَ الخَطرِ مِنْ جِهةِ النِّزَاعِ والاخْتِلَافِ؛ فَقَدِمَ حُذَيفَةُ على عُثمَانَ ﵄ في المَدِينَةِ، وأَخبَرَهُ وحَثَّهُ على جَمعِ النَّاسِ على مُصحَفٍ وَاحِدٍ؛ حَتَّى لا يَختَلِفُوا ولا يَتَنَازعُوا؛ فَاستَشَارَ الصَّحَابَةَ ﵃ وأَرضَاهُم في ذَلكَ، فاتَّفَقَ رَأْيُهُم على أن يَجمَعُوهُم على حَرفٍ وَاحِدٍ وعلى مُصحَفٍ وَاحِدٍ.\nفَكَتَبَ الْمَصَاحِفَ ﵁، وأَرسلَهَا إلى الأَمصَارِ، وصَارَتِ العُمدَةُ على ذَلكَ؛ تَلَاشيًا لما قد يَقعُ مِنْ النِّزَاعِ الكَثِيرِ والاخْتِلَافِ في كِتَابِ اللهِ ﷿.\n(الشَّيخُ): ماذا قَالَ الشَّارِحُ على التَّرجَمَةِ الأَخيرَةِ؟\n[قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ فِي «فَتْحِ البَارِي» (١٣/ ٥٢٠)]: «قَولُهُ: «قَوْلُهُ: بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠] كَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ وَلِلْبَاقِينَ ﴿مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]، وَكُلٌّ مِنَ اللَّفْظَيْنِ فِي السُّورَةِ وَالْمُرَادُ بِالْقِرَاءَةِ؛ لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ بَعْضُ أَرْكَانِهَا، ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ عُمَرَ فِي قِصَّتِهِ مَعَ هِشَامِ بْنِ حَكِيمٍ فِي قِرَاءَةِ سُورَةِ الْفُرْقَانِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ.\nوَقَوْلُهُ فِي آخِرِهِ: «إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ فاقرؤوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ»، الضَّمِيرُ لِلْقُرْآنِ، وَالْمُرَادُ بِالْمُتَيَسِّرِ مِنْهُ فِي الْحَدِيثِ غَيْرُ الْمُرَادِ بِهِ فِي الْآيَةِ؛","vol":"1","page":405},{"text":"لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُتَيَسِّرِ فِي الْآيَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ، وَالْمُرَادَ بِهِ فِي الْحَدِيثِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا يَسْتَحْضِرُهُ الْقَارِئُ مِنَ الْقُرْآنِ، فَالْأَوَّلُ مِنَ الْكَمِّيَّةِ وَالثَّانِي مِنَ الْكَيْفِيَّةِ، وَمُنَاسَبَةُ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ وَحَدِيثِهَا لِلْأَبْوَابِ الَّتِي قَبْلَهَا مِنْ جِهَةِ التَّفَاوُتِ فِي الْكَيْفِيَّةِ وَمِنْ جِهَةِ جَوَازِ نِسْبَةِ الْقِرَاءَة للقَارِئِ». [انتهى كلامه].\n(الشَّيخُ): رَاجِعِ الكَلَامَ على أَوَّلِهِ: «المَاهِرُ بِالقرَآنِ»؟\n[قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ فِي «فَتْحِ البَارِي» (١٣/ ٥٢٠)]: «قَوْلُهُ: «بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ الْمَاهِرُ أَيِ الْحَاذِقُ»، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا جَوْدَةُ التِّلَاوَةِ مَعَ حُسْنِ الْحِفْظِ. قَوْلُهُ: «مَعَ سَفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ»، كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ إِلَّا عَنِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فَقَالَ «مَعَ السَّفَرَةِ»، وَهُوَ كَذَلِكَ لِلْأَكْثَرِ، وَالْأَوَّلُ مِنْ إِضَافَةِ الْمَوْصُوفِ إِلَى صِفَتِهِ، وَالْمُرَادُ بِالسَّفَرَةِ الْكَتَبَةُ جَمْعُ سَافِرٍ مِثْلُ كَاتِبٍ وَزْنُهُ وَمَعْنَاهُ، وَهُمْ هُنَا الَّذِينَ يَنْقُلُونَ مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، فَوُصِفُوا بِالْكِرَامِ أَيِ الْمُكَرَّمِينَ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْبَرَرَةُ أَيِ الْمُطِيعِينَ الْمُطَهَّرِينَ مِنَ الذُّنُوبِ، وَأَصْلُ الْحَدِيثِ تَقَدَّمَ مُسْنَدًا فِي التَّفْسِيرِ لَكِنْ بِلَفْظِ: «مَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَهُوَ حَافِظٌ لَهُ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ». وَأَخْرَجَهُ مُسلمٌ بِلفظِهِ مِنْ طَريقِ زَرَارَةِ بنِ أَبِي أَوفَى.\nقَالَ ابنُ بَازٍ ﵀: زَرَارَةُ بنُ أَوفَى، هَذَاك الصَّحَابيُّ عبدُ اللهِ بنُ أَبِي أَوفَى، أمَّا هنا أَبُوهُ اسْمُه أَوفَى بِدُونِ أَبِي.","vol":"1","page":406},{"text":"[قال الحَافِظُ ﵀]: «مِنْ طَرِيقِ زَرَارَةَ بْنِ أَبِي أَوْفَى عَنِ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا «الْمَاهِرُ بِالْقُرْآنِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ»، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْمَاهِرُ الْحَاذِقُ، وَأَصْلُهُ الْحِذْقُ بِالسِّبَاحَةِ، قَالَهُ الْهَرَوِيُّ، وَالْمُرَادُ بِالْمَهَارَةِ بِالْقُرْآنِ جَوْدَةُ الْحِفْظِ وَجَوْدَةُ التِّلَاوَةِ مِنْ غَيْرِ تَرَدُّدٍ فِيهِ لِكَوْنِهِ يَسَّرَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ كَمَا يَسَّرَهُ عَلَى الْمَلَائِكَةِ؛ فَكَانَ مِثْلَهَا فِي الْحِفْظِ وَالدَّرَجَةِ». [انتهى كلامه].\nقَالَ ابنُ بَازٍ ﵀: وتَفسِيرُ «السَّفَرةِ» بِالكَتَبَةِ مَحَلُّ نَظرٍ، يَحتَاجُ إلى دَلِيلٍ؛ لأنَّ الْمُتَبَادَرَ مِنْ السَّفَرةِ هم الحَمَلَةُ للرِّسَائلِ والأَوامِرِ والنَّوَاهِي بين اللهِ وبين النَّاسِ، بينَ اللهِ وبين المَلَائِكَةِ، بين اللهِ وبينَ الرُّسُلِ، وليس مُجَرَّدَ الكَاتِبِ فَقَطْ، يُقَالُ: جَبرَائِيلُ هو السَّفَيرُ بين اللهِ وبين رُسُلِهِ، يَعْنِي الوَاسِطَةَ في التَّبلِيغِ، فَتفسِيرُ السَّفرَةِ بِمُجَرَّدِ الكَتَبَةِ مَحَلُّ نَظَرٍ.\n[قال الحَافِظُ ﵀]: «قَوْلُهُ: «وَزَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ»، هَذَا الْحَدِيثُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي عَلَّقَهَا الْبُخَارِيُّ وَلَمْ يَصِلْهَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ كِتَابِهِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ فِي «كِتَابِ خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ» مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْسَجَةَ عَنِ الْبَرَاءِ بِهَذَا، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وابنُ مَاجَه والدَّارمِيُّ وابنُ خُزَيْمَة وابنُ حِبَّانَ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَفِي الْبَابِ عَنْ أبي هُرَيْرَة أَخرَجَهُ ابنُ حِبَّانَ فِي «صَحِيحِهِ» وَعَنْ ابنِ عَبَّاسٍ، أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي «الْأَفْرَادِ» بِسَنَدٍ حَسَنٍ، وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ بِسَنَد ضَعِيف». [انتهى كلامه].\nقَالَ ابنُ بَازٍ ﵀: وهَذِه كُلُّهَا في المَعنَى: «زينوا القرآن بأصواتكم» يَعْنِي: كما جَاءَ في حَدِيثِ البَرَاءِ ﵁ جَاءَ من حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ وابنِ عَبَّاسٍ ﵃ بِسَنَدٍ حَسنٍ، ومن حَدِيثِ عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ عَوفٍ ﵁","vol":"1","page":407},{"text":"بِسنَدٍ ضَعِيفٍ يَعْنِي: شَوَاهِدهُ لِحَدِيثِ البَرَاءِ ﵁.\n[قال الحَافِظُ ﵀]: «وعن عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ عَوفٍ أَخرَجَهُ البَزَّارُ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ. وعنِ ابنِ مَسعُودٍ وَقَعَ لنا في الأَوَّلِ مِنْ فَوَائِدِ عُثمَانَ بنِ السَّمَّاكِ (^١)، ولكنَّهُ مَوقُوفٌ.\nقال ابنُ بَطَّالٍ: المُرَادُ بِقَولِهِ: «زَيِّنُوا القُرآنَ بِأَصوَاتِكُم»: الْمَدُّ والتَّرتِيلُ، والمَهَارَةُ في القُرآنِ: جَودَةُ التِّلَاوَةِ بِجَودَةِ الحِفظِ فلا يَتَلَعثَمُ ولا يَتَشَكَّكُ، وتَكُونُ قِرَاءَتُهُ سَهلَةٌ بِتَيسِيرِ اللهِ تَعَالَى كمَا يَسَّرَهُ على الكِرَامِ البَرَرَةِ». [انتهى كلامه].\nقَالَ ابنُ بَازٍ ﵀: وهَذَا هو المَعنَى بِلا شَكٍّ، «التَّزيِينُ»: هو أن يَقرَأَ بِتَلَاوَةٍ وَاضِحَةٍ بَيِّنَةٍ فيها الخُشُوعُ، فيها التَّحَزُّنُ، فيها التَّرتِيلُ وعَدَمُ العَجَلَةِ، حَتَّى يَتَأَثَّرَ هو وغَيرُهُ.\n\n<s0>  هل يَلزَمُ مِنْ السَّمعِ وُجُودُ الأُذُنِ؟\n<s1> لا، ما يَلزَمُ، لا يَلزَمُ مِنَ السَّمعِ ولا مِنْ الاسْتِمَاعِ، تُجرَى على ظَاهِرهَا كما قَالَ اللهُ، سَمِيعٌ وبَصِيرٌ، ولا يَلزَمُ ما يَلزَمُ في صِفَاتِ الْمَخلُوقِينَ، فَصِفَاتُ اللهِ تَلِيقُ به، لا يُشَابِهُهُ فيها شَيءٌ ﷾، مِثلمَا أَنَّه لا يَلَزَمُ في يَدِهِ ولا في قَدَمِهِ ولا في وَجهِهِ ما يَلزَمُ الْمَخلُوقِينَ، ولا في ذَاتِهِ كذَلكَ، ربُّنا جل ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١] ﷾، لا في ذَاتِهِ ولا في صِفَاتِهِ جل وعلا ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ [النحل: ٧٤]، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ٤].\n_________\n(^١) قال سماحته ﵀ السَّمَّاك الذي يبيع السمك.","vol":"1","page":408},{"text":"<s0>  الاسْتِمَاعُ للقِرَاءَةِ هل له مِثلُ أَجرِ القَارِئِ؟\n<s1>  يُرجَى ذَلكَ، يُرجَى أَنَّهمَا شَرِيكَانِ؛ لِأنَّه وَرَدَ في ذَلكَ ما يَدُلُّ على أنَّهُما شَرِيكَانِ مِثلُ الدَّاعِي إلى اللهِ، ومِثلُ الْمُنفِقُ الذي عَلمِ الحَقَّ وأَنفَقَ، والآخَرُ الذي لَيْسَ عنده قُدرَةٌ على الإِنفَاقِ وهو يَنوِي ذَلكَ.\nالمَقْصُودُ: أنهما (^١) مُتَعَاوِنَانِ، شَرِيكَانِ في الأَجْرِ.\n* * *\n_________\n(^١) أي القارئ والمستمع.","vol":"1","page":409},{"text":"<span data-type='title' id=toc-72>بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:</span> ١٧]\nوَقال النَّبِيُّ ﷺ: «كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ» يُقَالُ مُيَسَّرٌ: مُهَيَّأٌ.\nوَقَالَ مُجَاهِدٌ: يَسَّرْنَا القُرْآنَ بِلِسَانِكَ: هَوَّنَّا قِرَاءَتَهُ عَلَيْكَ.\nوَقَالَ مَطَرٌ الوَرَّاقُ: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧]، قَالَ: هَلْ مِنْ طَالِبِ عِلْمٍ فَيُعَانَ عَلَيْهِ.\n\n<s2>\nوهَذَا من رَحمَةِ اللهِ ﷿ أنَّ اللهَ يَسَّرَهُ لِلعِبَادِ، وجَعَلَهُ في مُتَنَاوَلِهِم إذا صَدَقُوا في حِفظِهِ وفَهمِهِ يَسَّرَهُ لهم ﷾، فإذا صَدَقَ العَبدُ في تَدَبُّرِهِ والاسْتِفَادةِ منه حَصَلَ له الخَيرُ العَظِيمُ، والعِلمُ العَظِيمُ الْمُبَاركُ، وهَكَذَا حِفظُهُ، فالْمُهِمُّ الصِّدقُ في ذَلكَ والحِرصُ والرَّغبَةُ الصَّادِقِةُ في حِفظِهِ وفَهمِهِ، واللهُ يُعِينُ على ذَلكَ ويُيَسِّرُهُ ﷾.\n\n<s0>  قَولُهُ: «هل من طَالِبِ عِلمٍ فَيُعَانُ عليه»، هل المَقصُودُ به الحِفظُ، أو المَقصُودُ به التَّدَبُّرُ؟\n<s1>  العُمُومُ، الحِفظُ من العِلمِ، والفَهمُ أَعظَمُ، وَرَأسُ العِلْمِ وأَصلُ العِلْمِ","vol":"1","page":410},{"text":"هو القُرآنُ، فمَن أَرَادَ العِلمَ فَليتَدَبَّرِ القُرآنَ ولَيعتَنِ بِالقُرآنِ: حِفظًا، وتَدَبُّرًا، وعَمَلًا، ومُذَاكَرةً.\nوكان عِلمُ الصَّحَابةِ ﵃ أَكثَرُهُ كُلُّهُ مِنَ القُرآنِ بَعضُهُم لا يَحفَظُ إلا أَحَادِيثَ قَلِيلَةً، لكن نَفَعَهُمُ اللهُ بِعلمِهِم وعِنَايِتِهِم بِكِتَابِ اللهِ ﷿، «هل مِنْ طَالِبِ عِلمٍ فَيُعَانُ عليه»، من أَقبَلَ على القُرآنِ هو مِنْ أَفضَلِ الطَّلَبةِ وأَهمِّ الطَّلَبَةِ وأَكمَلِهِم عِلمًا؛ لأن الإِقبَالَ على القُرآنِ مع العِلْمِ يُعطِي خَشيَةً للهِ، وتَعظِيمًا للهِ، ومُرَاقِبَةً وخَوفًا منه، وَجِدَّةً في طَاعَتِهِ، وحِرْصًا على مَرضَاتِهِ، وحَذَرًا مِنْ عِقَابهِ، فهو يُرَبِّي في القُلُوبِ الخَوفَ مِنَ اللهِ، والرَّغبَةَ فيما عنده، وخَشيَتَهُ ﷾ مع ما يَحصُلُ منَ العِلمِ.\n\n<s0>  أيُّهما أفضَلُ يا شَيخُ، أنْ يَحفَظَ القُرآنَ أو يَتَدَبَّرُه، أو يَحفَظ قَلِيلًا منَ القُرآنِ ويَتَدَبَّرُ مَعنَاهُ؟\n<s1> كَونُهُ يَحفَظُ ويَتَدَبرُ أَفضَلُ، الذي يَحفَظُ وَيَقرَأُ ولو نَظرًا ويَتَدَبَّرُ هَذَا هو العِلمُ، وإذا يَسَّرَ له حِفظَهُ كَامِلًا؛ هَذَا خَيرٌ إلى خَيرٍ، لكن تَدَبُّرُهُ والعِنَايةُ به ولو نظرًا أَفضَلُ مِنْ مُجَرَّدِ الحِفظِ بِغَيرِ عِنَايَةٍ.\n\n<s0>  القُرآنُ يُقَدَّمُ على مِثلِ هَذِه المَجَالِسِ؟\n<s1> لا، هَذِه الْمَجَالِسُ مَجَالسُ عِلمٍ، والقُرآنُ له أَوقَاتٌ أُخْرَى، اللهُ وَسَّعَ الوَقتَ، يَجعَلُ لِلحفْظِ وَقتًا، وللتِّلَاوَةِ وَقتًا، ولِمَجَالسِ العِلْمِ وَقتًا، لا يُغنِي هَذَا عن هَذَا.\n\n<s0>  هل وَاجِبٌ على المُسلِمِ أن يَجعَلَ وَقتًا للتَّدَبُّرِ في كُلِّ يَومٍ؟\n<s1> لا، ما هو بِوَاجِبٍ كُلَّ يَومٍ، حَسبَ الطَّاقَةِ، ما فيه شَيءٌ مُحَدَّدٌ،","vol":"1","page":411},{"text":"الوَاجِبُ أن يَتَدَبَّرَ ويَعتَنِيَ حَتَّى يَتَّقِيَ رَبَّهُ، يَفعَلُ ما لا يَسعُهُ جَهَلُهُ، يَفعَلُ ما يُعِينُهُ على فَهمِ ما أَوجَبَ اللهُ وتَركِ ما حَرَّمَ اللهُ، مِنْ غَيرِ تَحدِيدٍ.\nوقد نبَّه سُبحَانَهُ على هَذَا المَعنَى بقَولِهِ: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص: ٢٩] ما قَالَ يَتلُو، لِيتَدَبَّرُوا، والْمُهِمُّ التَّدَبُّرُ، ﴿مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ [ص: ٢٩]، ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء: ٨٢]، ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩]، ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ [فصلت: ٤٤] إنما هو بِالتَّدَبُّرِ.\n\n<s0>  يَتَدَبَّرُ يَعْنِي يَتَفَكَّرُ؟\n<s1> نعم يَتَفَكَّرُ في الْمَعَانِي يَعْنِي.\n\n<s0>  هل مِنَ المَعَانِي دَائمًا الرُّجُوعُ منه إلى التَّفسِيرِ.\n<s1> يَرجِعُ إلى التَّفسِيرِ فيما أَشكَلَ عليه، الوَاضِحُ ما يَحتَاجُ ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥)﴾ [الحجر: ٤٥]، ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (١٧)﴾ [الطور: ١٧]، وما أَشبَهَ ذَلكَ ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (٧٤) لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٥)﴾ [الزخرف: ٧٤، ٧٥]، ما هو يَحتَاجُ إلى التَّفسِيرِ إذا سَمِعَهُ حَصلَ لِقَلبِهِ منَ الخُشُوعِ والإِنَابَةِ والخَيرِ الشَّيءُ الكَثِيرُ، وإذا أَشكَلَ عليه بَعضُ الأَحكَامِ يُرَاجِعُ التَّفسِيرَ.\n\n<s0>  المُتَشَابِهُ؟\n<s1> ما أَشكَلَ عليه يَرجِعُ إلى التَّفسِيرِ ويَرجِعُ إلى أَهْلِ العِلْمِ يَسأَلُهُم.","vol":"1","page":412},{"text":"٧٥٥١ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، قَالَ يَزِيدُ: حَدَّثَنِي مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عِمْرَانَ، قَالَ: قُلْتُ يا رَسُولَ اللهِ.\nفِيمَا يَعْمَلُ العَامِلُونَ؟ قَالَ: «كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ» (^١).\n\n٧٥٥٢ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، وَالأَعْمَشِ، سَمِعَا سَعْدَ بْنَ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: أَنَّهُ كَانَ فِي جَنَازَةٍ فَأَخَذَ عُودًا فَجَعَلَ يَنْكُتُ فِي الأَرْضِ، فَقَالَ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ أَوْ مِنَ الجَنَّةِ»، فَقَالُوا: أَلَا نَتَّكِلُ؟ قَالَ: «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ»، ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ [الليل: ٥] الآيَةَ (^٢).\n\n<s2>\nيَعْنِي قَالَ: كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ له، كما جَاءَ في الرِّوَايَةِ الأُخْرَى، ثم قَرَأَ الآيَةَ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)﴾ [الليل: ٥ - ١٠]. المَعنَى: أن القَدَرَ مَاضٍ، والأَعمَالَ مِنْ أَسبَابِ التَّيسِيرِ لِمَا سَبَقَ، أَعمَالُ الخَيرِ مِنْ أَسبَابِ التَّيسِيرِ لِلحُسنَى والسَّعَادَةِ، وأَعمَالُ الشَّرِّ مِنْ أَسبَابِ التَّيسِيرِ للشَّقَاوَةِ والهَلَاكِ. اللهُ أَكبَرُ، اللهُ أَكبَرُ.\n_________\n(^١) ورواه مسلم (٢٦٤٩).\n(^٢) ورواه مسلم (٢٦٤٧).","vol":"1","page":413},{"text":"<s0> «سَعدُ بنُ عُبَيدَةَ» كذا؟\n<s1> «سَعدُ بنُ عُبَيدٍ»\n(الطَّالبُ): عندنَا ابنُ عُبَيدَةَ.\nقَالَ ابنُ بَازٍ ﵀: لا، سَعدُ بنُ عُبَيدٍ مَولَى ابنِ الأَزهَرِ، الْمَشهُورِ في الرِّوَايَةِ، الذي نَعرِفُهُ سَعدُ بنَ عُبَيدٍ مَولَى ابنِ الأَزهَرِ أمَّا هَذَا شَخصٌ آخَرُ.\n(الشَّيخُ) رَاجِعْ عندك لَعلَّهُ شَخصٌ آخِرُ؟\n[قال الإِمَامُ العَينِيُّ ﵀ في «عُمدَةِ القَارِي» (٢٨/ ٥٠٠)]: «وَسعْدُ بن عُبَيْدَة أَبُو حَمْزَة بِالْمُهْمَلَةِ وَالزَّاي السّلمِيّ بِالضَّمِّ الْكُوفِيُّ خَتَنُ أَبِي عَبدِ الرَّحْمَنِ السّلمِيِّ، واسْمُهُ عَبدُ اللهِ بنُ حَبِيبٍ الْكُوفِيُّ الْقَارِيُ ولِأَبِيهِ صُحْبَةٌ». [انتهى كلامه].\nقَالَ ابنُ بَازٍ ﵀: هَذَا غَيرُهُ، غَيرُ سَعدِ بنِ عُبَيدٍ مَولَى ابنِ الأَزهَرِ.\n[قال الحَافِظُ ابنُ حجَرٍ ﵀ في «تَقريبِ التَّهذيبِ» (٢٢٤٩)]: «سَعدُ بنُ عُبَيدَةَ السّلمِيُّ، أَبو حَمزَةَ الكُوفِيُّ، ثِقَةٌ منَ الثَّالِثَةِ، مَات في وِلَايةِ عُمرَ بنِ هُبَيرةَ على العِراقِ، ع» (^١).\n(الشَّيخُ): والذي قَبلَهُ؟\n[قال الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ ﵀ في «تَقريبِ التَّهذيبِ» (٢٢٤٩)]: «سَعدُ بنُ عُبَيدٍ الزُّهرِيُّ مَولَى عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ أَزهَرَ، يُكَنَّى أَبَا عُبَيدٍ، ثِقَةٌ منَ الثَّانِيَةِ، وقِيلَ: له إِدْرَاكٌ، ع».\nقَالَ ابنُ بَازٍ ﵀: هَذَا الأَوَّلُ ابنُ أَزهَرِ بنِ عُبَيدٍ، وهَذَا السُّلَمِيُّ بِالهَاءِ ابنُ عُبَيدَةَ.\n* * *\n_________\n(^١) «التقريب» (٢٢٤٩)","vol":"1","page":414},{"text":"<span data-type='title' id=toc-73>بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج:</span> ٢١، ٢٢]\n﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾ [الطور: ١، ٢] قَالَ قَتَادَةُ: مَكْتُوبٌ، ﴿يَسْطُرُونَ﴾ [القلم: ١]: يَخُطُّونَ، ﴿فِي أُمِّ الْكِتَابِ﴾ [الزخرف: ٤]: جُمْلَةِ الكِتَابِ وَأَصْلِهِ، ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ﴾ [ق: ١٨]: مَا يَتَكَلَّمُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا كُتِبَ عَلَيْهِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُكْتَبُ الخَيْرُ وَالشَّرُّ، ﴿يُحَرِّفُونَ﴾ [النساء: ٤٦]: يُزِيلُونَ، وَلَيْسَ أَحَدٌ يُزِيلُ لَفْظَ كِتَابٍ مِنْ كُتُبِ اللَّهِ ﷿، وَلَكِنَّهُمْ يُحَرِّفُونَهُ، يَتَأَوَّلُونَهُ عَنْ غَيْرِ تَأْوِيلِهِ ﴿دِرَاسَتِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٥٦]: تِلَاوَتُهُمْ، ﴿وَاعِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٢]: حَافِظَةٌ، ﴿وَتَعِيَهَا﴾ [الحاقة: ١٢]: تَحْفَظُهَا، ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٩]، يَعْنِي أَهْلَ مَكَّةَ ﴿وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩]: هَذَا القُرْآنُ فَهُوَ لَهُ نَذِيرٌ.\n\n٧٥٥٣ - وَقَالَ لِي خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، سَمِعْتُ أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَمَّا قَضَى اللَّهُ الخَلْقَ، كَتَبَ كِتَابًا عِنْدَهُ: غَلَبَتْ - أَوْ قَالَ - سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي، فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ» (^١).\n_________\n(^١) ورواه مسلم (٢٧٥١).","vol":"1","page":415},{"text":"٧٥٥٤ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي غَالِبٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، سَمِعْتُ أَبِي، يَقُولُ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، أَنَّ أَبَا رَافِعٍ، حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ كِتَابًا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الخَلْقَ: أَنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي، فَهُوَ مَكْتُوبٌ عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ» (^١).\n\n<s2>\n(الشَّيخُ): تَكَلَّمَ عليه الشَّارِحُ «مُحمَّدُ بنُ أَبِي غَالِبٍ»؟ هَذَا غَرِيبٌ من مَشَايخِ المُؤَلِّفِ. العَينِيُّ أو الحَافِظُ؟\n[قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ فِي «فَتْحِ البَارِي» (١٣/ ٥٢٦)]: «قَوْلُهُ: «حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي غَالِبٍ»، فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ «حَدَّثَنَا» وَهُوَ قُومَسِيٌّ نَزَلَ بَغْدَادَ وَيُقَالُ لَهُ: الطَّيَالِسِيُّ وَكَانَ حَافِظًا مِنْ أَقْرَانِ الْبُخَارِيِّ، كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي «بَابِ الْأَخْذِ بِالْيَدِ» مِنْ كِتَابِ الِاسْتِئْذَانِ.\nوَقَدْ نَزَلَ الْبُخَارِيُّ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ دَرَجَةً بِالنِّسْبَةِ لِحَدِيثِ مُعْتَمِرٍ، فَإِنَّهُ أَخْرَجَ عَنْهُ الْكَثِيرَ بِوَاسِطَةِ وَاحِدٍ، فَعِنْدَهُ فِي الْعِلْمِ وَالْجِهَادِ وَالدَّعَوَاتِ وَالْأَشْرِبَةِ وَالصُّلْحِ وَاللِّبَاسِ عِدَّةُ أَحَادِيثَ أَخْرَجَهَا مُسَدَّدٌ». [انتهى كلامه].\nقَالَ ابنُ بَازٍ ﵀: أَخرَجَهَا الْمُؤَلِّفُ عن مُسَدَّدٍ، لَعلها عن مُسَدَّدٍ، يَعْنِي الْمُؤلِّفَ في هَذَا عن شَيخِهِ مُسَدَّدٍ عن مُعتَمِرٍ.\n_________\n(^١) ورواه مسلم (٢٧٥١).","vol":"1","page":416},{"text":"[قال الحَافِظُ ﵀]: «عن مُسَدَّدٍ عَنْ مُعتَمِرٍ وَدَرَجَتَيْنِ بِالنِّسْبَةِ لِحَدِيثِ قَتَادَةَ؛ فَإِنَّهُ عِنْدَهُ الْكَثِيرُ مِنْ رِوَايَةِ شُعْبَةَ عَنْهُ بِوَاسِطَةِ وَاحِدٍ عَنْ شُعْبَةَ، وَقَدْ سَمِعَ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ، وَالْأَنْصَارِيُّ سَمِعَ مِنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، وَلَكِنْ لَمْ يُخَرِّجِ الْبُخَارِيُّ هَذِهِ التَّرْجَمَة فِي «الْجَامِعِ»، وَمُحَمّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ شَيْخُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي غَالِبٍ بَصرِيٌّ يُقَال لَهُ ابنُ أَبِي سَمِينَةَ بِمُهْمَلَةٍ وَنُونٍ وَزْنُ عَظِيمَة، مِنَ الطَّبَقَةِ الثَّالِثَةِ مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ، وَقَدْ أَخْرَجَ عَنْهُ فِي «التَّارِيخِ» بِلَا وَاسِطَةٍ، وَلَمْ أَرَ عَنْهُ فِي «الْجَامِعِ» شَيْئًا إِلَّا هَذَا الْمَوْضِعَ، وَقَدْ سَمِعَ مِنْهُ مَنْ حَدَّثَ عَنِ الْبُخَارِيِّ مِثْلُ صَالِحِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْحَافِظِ الْمُلَقَّبِ جَزَرَةً بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالزَّايِ وَمُوسَى بْنِ هَارُونَ وَغَيْرِهِمَا». [انتهى كلامه].\nقَالَ ابنُ بَازٍ ﵀: مثل ما قَالَ المُؤلِّفُ ما أَذكُرُ أَنَّه مَرَّ معَنَا إلا هَذِه المرَّةَ مُحَمَّدُ بنُ إِسمَاعِيلُ هَذَا، مُحَمَّدُ بنُ أَبِي غَالِبٍ هَكَذَا، كذَلكَ قَلِيلٌ، غَفرَ اللهُ له.\nيُراجَعُ بَعضُ الْمَوَاضِعِ هَذِه، الظَّاهِرُ أنَّ الكَلَامَ «أَخرَجَهُ عن مُسَدَّدٍ»، يَعْنِي: المُؤلِّفَ يُرَاجَعُ بَعضُ المَوَاضِعِ التي أَشَارَ لها.\nقَولُهُ: «إن رَحمَتِي سَبَقَت غضَبِي»: وهَذَا مما يَجعَلُ المُؤمِنَ تَغلِبُ عليه عِبَادَةُ الرَّجَاءِ وحُسنِ الظَّنِّ بِاللهِ ﷿، ولكِنْ لا يَحمِلُهُ ذَلكَ على الأَمنِ مِنْ مَكرِ اللهِ، بل على حُسنِ الظَّنِّ باللهِ وحُسنِ الرَّجَاءِ؛ فإن رَحمَتَهُ سَبَقَتْ غَضَبَهُ، وهو القَائلُ سُبحَانَهُ: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ (١٥٦)﴾ [الأعراف: ١٥٦] وقال عنه المَلَائِكَةُ: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧].\nفَالمُؤمِنُ يُحسِنُ ظَنَّهُ بِرَبِّهِ، ويَحذَرُ الأَمنَ مِنْ مَكرِهِ، فقد قَالَ: ﴿وَرَحْمَتِي","vol":"1","page":417},{"text":"وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ (١٥٦)﴾ [الأعراف: ١٥٦] ثم قَالَ: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦)﴾ [الأعراف: ١٥٦] فَليست هَذِه الرَّحمَةُ تَنالُ مَنْ كَفَرَ به وتَركَ دِينَهُ، ولكنَّهَا وَاسِعَةٌ، يَنَالُهم منها نَصِيبُهُمْ مِنْ الرَّزقِ في الدُّنيَا، والصَّحَّةِ في الدُّنيَا، والتَّمكِينِ مِنْ سَمَاعِ الحُجَجِ، وهَذَا مِنْ رَحمَتِهِ ﷾.\nفَرحمَتُهُ عَامَّةٌ لهم في الدُّنيَا، ولكن لا يَفُوزُ بها في الآخِرَةِ ويَحصُلُ له أَثَرُهَا في الآخِرَةِ إلا مَنْ اتَّقَى واسْتَقَامَ على أَمرِهِ، ووَحَّدَهُ وأَخلَصَ له، هَؤلَاء هم أَهْلُ الرَّحمَةِ، فمَنِ استَقَامَ على التَّقوَى حَصَلَت له الرَّحمَةُ الكَامِلَةُ، ومَن أَخَلَّ بِالتَّقوَى بِبَعضِ المَعَاصِي نَالَهُ منها بِقَدرِ ما عنده مِنَ الخَيرِ والهُدَى.\n\n<s0>  هو مَكتُوبٌ عنده فَوقَ العَرشِ؟\n<s1> نعم. يَعْنِي كِتَابَهُ.\n\n<s0>  العَرشُ فَوقَ المَخلُوقَاتِ، فَوقَهُ الكِتَابُ؟\n<s1> الكِتَابُ فَوقَ العَرشِ نعم، عند اللهِ سُبحَانَهُ، ما في مَانِعٌ، العَرشُ سَقفُ المَخلُوقَاتِ، ولا مَانِعَ أن يَكُونَ فَوقَهُ شَيءٌ بِأمرِ اللهِ، لا مَانِعَ.\n* * *","vol":"1","page":418},{"text":"<span data-type='title' id=toc-74>بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦]، ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:</span> ٤٩].\nوَيُقَالُ لِلْمُصَوِّرِينَ: «أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ» ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤].\nقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: بَيَّنَ اللَّهُ الخَلْقَ مِنَ الأَمْرِ، بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤] وَسَمَّى النَّبِيُّ ﷺ الإِيمَانَ عَمَلًا.\nقَالَ أَبُو ذَرٍّ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ» وَقَالَ: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧].\nوَقَالَ وَفْدُ عَبْدِ القَيْسِ لِلنَّبِيِّ ﷺ: مُرْنَا بِجُمَلٍ مِنَ الأَمْرِ، إِنْ عَمِلْنَا بِهَا دَخَلْنَا الجَنَّةَ، فَأَمَرَهُمْ بِالإِيمَانِ وَالشَّهَادَةِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ.\nفَجَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ عَمَلًا.","vol":"1","page":419},{"text":"٧٥٥٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، وَالقَاسِمِ التَّمِيمِيِّ، عَنْ زَهْدَمٍ، قَالَ: كَانَ بَيْنَ هَذَا الحَيِّ مِنْ جَرْمٍ وَبَيْنَ الأَشْعَرِيِّينَ وُدٌّ وَإِخَاءٌ، فَكُنَّا عِنْدَ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ فَقُرِّبَ إِلَيْهِ الطَّعَامُ، فِيهِ لَحْمُ دَجَاجٍ وَعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَيْمِ اللَّهِ كَأَنَّهُ مِنَ المَوَالِي، فَدَعَاهُ إِلَيْهِ فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنِّي رَأَيْتُهُ يَأْكُلُ شَيْئًا فَقَذِرْتُهُ فَحَلَفْتُ لَا آكُلُهُ، فَقَالَ: هَلُمَّ فَلْأُحَدِّثْكَ عَنْ ذَاكَ: إِنِّي أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي نَفَرٍ مِنَ الأَشْعَرِيِّينَ نَسْتَحْمِلُهُ، قَالَ: «وَاللَّهِ لَا أَحْمِلُكُمْ وَمَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ»، فَأُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِنَهْبِ إِبِلٍ، فَسَأَلَ عَنَّا، فَقَالَ: «أَيْنَ النَّفَرُ الأَشْعَرِيُّونَ؟»، فَأَمَرَ لَنَا بِخَمْسِ ذَوْدٍ غُرِّ الذُّرَى، ثُمَّ انْطَلَقْنَا، قُلْنَا: مَا صَنَعْنَا؟ حَلَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، لَا يَحْمِلُنَا وَمَا عِنْدَهُ مَا يَحْمِلُنَا؟ ثُمَّ حَمَلَنَا، تَغَفَّلْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمِينَهُ، وَاللَّهِ لَا نُفْلِحُ أَبَدًا، فَرَجَعْنَا إِلَيْهِ فَقُلْنَا لَهُ: فَقَالَ: «لَسْتُ أَنَا أَحْمِلُكُمْ، وَلَكِنَّ اللَّهَ حَمَلَكُمْ، إِنِّي وَاللَّهِ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ وَتَحَلَّلْتُهَا» (^١).\n\n<s2>\n(الشَّيخُ): رَاجِعِ الكَلَامَ على القَاسِمِ التَّمِيمِيِّ. العَينِيُّ فيه شَيءٌ؟\n[قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ فِي «فَتْحِ البَارِي» (١٣/ ٥٣٤)]: «والقَاسِمُ التَّمِيمِيُّ هو ابنُ عَاصِمٍ». [انتهى كلامه].\n_________\n(^١) ورواه مسلم (١٦٤٩).","vol":"1","page":420},{"text":"[قال الإِمَامُ العَينِيُّ ﵀ في «عُمدَةِ القَارِي» (٢٥/ ١٩٨)]: «والقَاسِمُ بن عَاصِمٍ التَّمِيمِيُّ، ويُقَالُ: الكَلبِيّ، ويُقَالُ: اللَّيثِيُّ». [انتهى كلامه].\nقَالَ ابنُ بَازٍ ﵀: وهَذَا أَصْلٌ في أنَّ المُؤمِنَ إذا حَلَفَ على شَيءٍ ثم رَأَى ما هو أَصلَحُ منهُ يُكَفِّرُ عن يَمِينِهِ، ولِهذَا في اللَّفظِ الآخَرِ: «إِنِّي واللهِ لَا أَحلِفُ عَلى يَمِينٍ فأَرَى غَيرَهَا خَيرًا مِنْهَا إلا أَتَيتُ الَّذِي هُوَ خَيرٌ وكَفَّرتُ عن يَمِيْنِي» (^١)، وفي الحَدِيثِ الآخَرِ: «إِذَا حَلفْتَ على يَمِينٍ فَرَأَيتَ غَيرَهَا خِيرًا مِنْهَا فَكَفِّرْ عن يَمِينِكَ وأْتِ الَّذِي هُوَ خَيرٌ» (^٢).\nوفيه: أنَّ أَعمَالَ العِبَادِ مَخلُوقَةٌ للهِ، وأنَّ اللهَ هو الذي حَمَلَهُم، يَسَّرَ أَمرهُم ويَسَّرَ للنَّبيِّ ﷺ هَذَا المَالَ وهو الغَنِيمَةُ فَحمَلَهُم، فَفعلهُ فِعْل الْمَخلُوقِينَ، واللهُ خَالِقُهُم وأَعْمَالَهُم ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافات: ٩٦]، فَأعمَالُهُم من إِيمَانٍ وكُفرٍ وصَلَاةٍ وصَومٍ وحَملٍ ونُزُولٍ وغَيرِ ذَلكَ هي أَعمَالُهُم، مَخلُوقَةٌ للهِ ﷿، واللهُ الخَلَّاقُ، وله الأَمرُ، فَالقَولُ غَيرُ الفِعلِ، فلهُ الأَمرُ سُبحَانَهُ، وله التَّصَرُّفُ في عِبَادِهِ: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢] له الأَمرُ النَّافِذُ، وكَلمَاتُهُ وَصفٌ له سُبحَانَهُ، وهو بِسَائرِ صِفَاتِهِ هو الخَلَّاقُ، والعِبَادُ بِسَائرِ صِفَاتِهِم وأَعمَالِهِم مَخلُوقُونَ.\n\n<s0>  المُؤَلِّفُ كَرَّرَ هَذِه التَّرَاجِمَ ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠]، ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١)﴾ [البروج: ٢١] لِهذَا الغَرضِ بَيانُ …؟\n<s1> نعم كُلُّهَا لِأجْلِ فِعلِ الْمَخلُوقِ نعم، والقِرَاءَةُ قِرَاءتهُ، والمَقرُوءُ كَلَامُ اللهِ ﷾.\n_________\n(^١) رواه البخاري (٦٧١٨)، ومسلم (١٦٤٩) (٧).\n(^٢) رواه البخاري (٦٦٢٢)، ومسلم (١٦٥٠) (١١).","vol":"1","page":421},{"text":"(الشَّيخُ): رَاجِعِ الكَلَامَ على «جَرمٍ»، الذي أَعرِفُهُ بِفَتحِ الجِيمِ قَبِيلهُ عَبدِ اللهِ بنِ زَيدٍ الجَرمِيِّ، أَبُو قلَابَةَ. «القَّامُوس» و«التَّقرِيب»: عَبد اللهِ بن زَيدٍ، أَبُو قلَابَةَ؟\n[قالَ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ ﵀ في «تَقرِيبِ التَّهذيبِ» (٣٣٣٣)]: «عَبدُ اللهِ بنُ زَيدِ بنِ عَمرٍو أو عَامِرٍ الجَرْمِيُّ، أَبُو قلَابَةَ البَصْرِيُّ، ثِقَةٌ فَاضِلٌ، كَثِيرُ الإِرسَالِ، قَالَ العَجلِيُّ: فيه نَصبٌ يَسِيرٌ، مِنَ الثَّالِثَةِ، مَاتَ بِالشَّامِ هَارِبًا مِنَ القَضَاءِ سَنَةَ أَربَعِ مائَةٍ، وقِيلَ بَعدَها، ع».\nقال في «القَامُوسِ» (^١): «والجَرْمُ: الحَارُّ، مُعَرَّبٌ، والأرضُ الشَّديدَةُ الحَرِّ، وزَوْرَقٌ يَمَنِيّ، ج: جُرُومٌ، وبَطْنٌ في طَيِّئٍ». [انتهى كلامه].\nقَالَ ابنُ بَازٍ ﵀: هَذَا هو، جَرمٌ، هَذِه فَائِدَةٌ ثَانِيةٌ، أَنَّه بَطنٌ مِنْ طَيِّئٍ.\n\n٧٥٥٦ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا قُرَّةُ ابْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو جَمْرَةَ الضُّبَعِيُّ، قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ؛ فَقَالَ: قَدِمَ وَفْدُ عَبْدِ القَيْسِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالُوا: إِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ المُشْرِكِينَ مِنْ مُضَرَ، وَإِنَّا لَا نَصِلُ إِلَيْكَ إِلَّا فِي أَشْهُرٍ حُرُمٍ، فَمُرْنَا بِجُمَلٍ مِنَ الأَمْرِ إِنْ عَمِلْنَا بِهِ دَخَلْنَا الجَنَّةَ، وَنَدْعُو إِلَيْهَا مَنْ وَرَاءَنَا، قَالَ: «آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: آمُرُكُمْ بِالإِيمَانِ بِاللَّهِ، وَهَلْ تَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ بِاللَّهِ؟ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَتُعْطُوا مِنَ المَغْنَمِ الخُمُسَ، وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: لَا تَشْرَبُوا فِي الدُّبَّاءِ، وَالنَّقِيرِ، وَالظُّرُوفِ المُزَفَّتَةِ، وَالحَنْتَمَةِ» (^٢).\n_________\n(^١) «القاموس المحيط» (١٠٨٧).\n(^٢) ورواه مسلم (١٧).","vol":"1","page":422},{"text":"<s2>\nوهَذِه كُلُّهَا مِنْ أَعمَالِهِم لِمَا تَقَدَّمَ، كُلُّهَا جَعَلَهَا عَمَلًا؛ فَأقوَالُهُم وأَعمَالُهُم مَخلُوقَةٌ.\nوفيه: أنَّ العَملَ منَ الإِيمَانِ، والرَّدُّ على المُرجِئَةِ، فَالأَعمَالُ كُلُّهَا مِنَ الإِيمَانِ، ولِهذَا قَالَ ﵊: «الإِيمَانُ بِضعٌ وسِتُّوَن شُعبَةً -أو قال- بِضعٌ وسَبعُونَ شُعبَةً، فَأفضَلُهَا قَولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عنِ الطَّرِيقِ، والحِيَاءُ شُعبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ» (^١)، فَجَعَلَ إِمَاطَةَ الأَذَى مِنَ الطَّرِيقِ، وجَعلَ الحَيَاءَ وكَلمَةَ لا إِلهَ إلَّا اللهُ وبَقِيَّةَ أُمُورِ الدِّينِ كُلِّهَا مِنْ الإِيمَانِ.\nوأمَّا النَّهيُ عنِ الشُّربِ في الدُّبَّاءِ والحَنتَمِ والنَّقِيرِ والْمُزَفَّتِ فهَذَا كَانَ في أَوَّلِ الإِسلَامِ ثم نُسِخَ، كَانَ الرَّسُولُ ﷺ نَهَاهُم عن الدَّبَّاءِ: وهو القَرعُ، والحَنتَمِ: وهي الجَرَّةُ تُعمَلُ منَ الطِّينِ، والنَّقِيرُ: يُنقَرُ مِنَ الجُذُوعِ، والمُزَفَّتُ: الْمُقَيَّرُ، كَانُوا يَنبِذُونَ فيْهَا الرُّطَبَ والتَّمرَ والزَّبِيبَ حَتَّى يَتَخَمَّرَ ثم يَشرَبُونَها، فَنُهُوا عن ذَلكَ.\nفلمَّا حُرِّمَتِ الخَمرُ صَارَ الْمُسلِمُ قد يَشرَبُها، ما يَعلَمُونَ أَنَّها تَخَمَّرَت؛ لِأَنَّهَا قَوِيةٌ لا يَبِينُ فيها الشِّدَّةُ؛ فَنُهُوا عن النَّبذِ فيها لِئَلَّا يَقَعُوا في شُربِ الخَمرِ، وأُمِرُوا بِالشُّربِ في الأَوعِيَةِ التي يُلَاثُ على أَفْوَاهِهَا مِنَ الجُلُودِ؛ لِأنَّه إذا اشتَدَّ بها الخَمرُ انْشَقَّتْ وانْصَدَعَتْ.\nثم قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «كُنْتُ نَهيتُكُمْ عَنِ الانْتِبَاذِ فِي الأَوعِيَةِ، فَانَتَبِذُوا في كُلِّ وِعَاءٍ، ولا تَشرَبُوا مُسْكِرًا» (^٢). فَرَخَّصَ لهم بعد ذَلكَ في الانْتِبَاذِ في هَذِه الأَوعِيَةِ، لكن مع الحَذَرِ مِنْ شُربِ الْمُسْكِرِ، يَعْنِي: يَعتَنُوا بها، فإذا ظَهَرَ فيها الشِّدَّةُ وبَانَ فيها التَّخمُّرُ أُرِيقَتْ.\n* * *\n_________\n(^١) رواه البخاري (٩)، ومسلم (٣٥) (٥٧).\n(^٢) رواه مسلم (٩٧٧) (١٠٦).","vol":"1","page":423},{"text":"٧٥٥٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَيُقَال لهُم أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ» (^١).\n\n٧٥٥٨ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَيُقَال لهُم أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ» (^٢).\n\n<s2>\nيَعْنِي ما صَوَّرتم وأَوجَدتُم، فَجَعَلَه عَمَلًا لهم وهو تَصوِيرُهَا على النَّحوِ الذي أَرَادُوا.\nو«الخَلَّاقُ»: هو اللهُ الذي أَوجَدَهَا، واللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ فَسَمَّى تَصوِيرَهُم خَلقًا؛ لِأنَّه يَتَضَمَّنُ تَقدِيرًا وتَحدِيدًا، وهَذَا يُسَمَّى خَلْقًا كما قَالَ تَعَالَى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)﴾ [المؤمنون: ١٤]. أَي: الْمُقَدِّرِينَ، وإِلَّا فَالخَلَّاقُ هو اللهُ وَحدَهُ سُبحَانَهُ، هو الْمُوجِدُ والْمُنشِئُ والْمُحدِثُ هو اللهُ وَحدَهُ، لَيْسَ هُنَاكَ خَالِقٌ آخَرُ: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢] ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٣]. لكن\n_________\n(^١) ورواه مسلم (٢١٠٧).\n(^٢) ورواه مسلم (٢١٠٨).","vol":"1","page":424},{"text":"تَصوِيرُ الأَشيَاءِ وتَقدِيرُهَا وتَنظِيمُهَا يَقعُ مِنْ الْمَخلُوقِ، مِنْ أَعمَالِ المَخلُوقِ، ومِن هَذَا قَولُ الشَّاعِرِ:\nولأنت تَفرِي ما خَلقْتَ\nوبَعْضُ القَومِ يَخلُقُ ثم لا يَفْرِي\nيَعْنِي يُقَدِّرُ ثم لا يُنْشِئُ ولا يُوجِدُ مِنَ العَمَلِ.\nالمَقصُودُ أنَّ هُنَا خَلْقَهُم يَعْنِي: تَصويرَهُم إِيَّاهَا على الشَّكلِ الَّذِي يُرِيدُونَ، أَمَّا المَادَّةُ والعَمَلُ فهو خَلقُ اللهِ ﷾ هو الذي خَلَقَهُم وخَلقَ أَعمَالَهُم والمَادَّةَ التي صَوَّرُوهَا.\n\n٧٥٥٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «قَالَ اللَّهُ ﷿: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي، فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً أَوْ لِيَخْلُقُوا حَبَّةً أَوْ شَعِيرَةً» (^١).\n\n<s2>\n(الشَّيخُ): تَكَلَّمَ الشَّارِحُ على كَلِمَةِ «خَلَقتُمْ» العَينِيُّ أو الشَّارِحُ؟.\n[قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ فِي «فَتْحِ البَارِي» (١٣/ ٥٣٤)]: «وَقَوْلُهُ: «يَخْلُقُ كَخَلْقِي» نَسَبَ الْخَلْقَ إِلَيْهِمْ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِهْزَاءِ أَوِ التَّشْبِيهِ فِي الصُّورَةِ فَقَطْ، وَقَوْلُهُ: «فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً أَوْ شَعِيرَةً» أَمْرٌ\n_________\n(^١) ورواه مسلم (٢١١١).","vol":"1","page":425},{"text":"بِمَعْنَى التَّعْجِيزِ، وَهُوَ عَلَى سَبِيلِ التَّرَقِّي فِي الْحَقَارَةِ أَوِ التَّنَزُّلِ فِي الْإِلْزَامِ، وَالْمُرَادُ بِالذَّرَّةِ إِنْ كَانَ النَّمْلَةُ فَهُوَ مِنْ تَعْذِيبِهِمْ وَتَعْجِيزِهِمْ بِخَلْقِ الْحَيَوَانِ تَارَةً، وَبِخَلْقِ الْجَمَادِ أُخْرَى، وَإِنْ كَانَ بِمَعْنَى الْهَبَاءِ فَهُوَ بِخَلْقِ مَا لَيْسَ لَهُ جِرْمٌ مَحْسُوسٌ تَارَةً، وبِمَا لهُ جِرْمٌ أُخْرَى، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ «أَوْ» شَكًّا من الرَّاوِي.\nقَالَ ابنُ بَطَّالٍ: قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ وَغَيْرِهِ: «يُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ» إِنَّمَا نَسَبَ خَلْقَهَا إِلَيْهِمْ تَقْرِيعًا لَهُمْ بِمُضَاهَاتِهِمُ اللَّهَ تَعَالَى فِي خَلْقِهِ؛ فَبَكَّتَهُمْ بِأَنْ قَالَ: إِذَا شَابَهْتُمْ بِمَا صَوَّرْتُمْ مَخْلُوقَاتِ اللَّهِ تَعَالَى فَأَحْيُوهَا كَمَا أَحْيَا هُوَ مَنْ خَلَقَ.\nوَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: أَسْنَدَ الْخَلْقَ إِلَيْهِمْ صَرِيحًا وَهُوَ خِلَافُ التَّرْجَمَةِ، لَكِنَّ الْمُرَادَ كَسْبُهُمْ؛ فَأَطْلَقَ لَفْظَ «الْخَلْقِ» عَلَيْهِمُ اسْتِهْزَاءً، أَوْ ضَمَّنَ «خَلَقْتُمْ» مَعْنَى صَوَّرْتُمْ تَشْبِيهًا بِالْخَلْقِ، أَوْ أَطْلَقَ بِنَاءً عَلَى زَعْمِهِمْ فِيهِ.\nقُلْتُ: وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ مُنَاسَبَةَ ذِكْرِ حَدِيثِ الْمُصَوِّرِينَ لِتَرْجَمَةِ هَذَا الْبَابِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يَخْلُقُ فِعْلَ نَفْسِهِ لَوْ صَحَّتْ دَعْوَاهُ لَمَا وَقَعَ الْإِنْكَارُ عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُصَوِّرِينَ، فَلَمَّا كَانَ أَمْرُهُمْ بِنَفْخِ الرُّوحِ فِيمَا صَوَّرُوهُ أَمْرَ تَعْجِيزٍ وَنِسْبَةُ الْخَلْقِ إِلَيْهِمْ إِنَّمَا هِيَ عَلَى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ وَالِاسْتِهْزَاءِ؛ دَلَّ عَلَى فَسَادِ قَوْلِ مَنْ نَسَبَ خَلْقَ فِعْلِهِ إِلَيْهِ اسْتِقْلَالًا. وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.\nثُمَّ قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: هَذِهِ الْأَحَادِيثُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ مَنْسُوبٌ إِلَى الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْكَسْبِ اعْتِبَارُ الْجِهَتَيْنِ؛ فَيُسْتَفَادُ الْمَطْلُوبُ مِنْهَا وَلَعَلَّ غَرَضَ الْبُخَارِيِّ فِي تَكْثِيرِ هَذَا النَّوْعِ فِي الْبَابِ وَغَيْرِهِ بَيَانُ جَوَازِ مَا نُقِلَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «لَفْظِي بِالْقُرْآنِ مَخْلُوقٌ» إِنْ صَحَّ عَنْهُ.","vol":"1","page":426},{"text":"قُلْتُ: قَدْ صَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ تَبَرَّأَ مِنْ هَذَا الْإِطْلَاقِ؛ فَقَالَ: كُلُّ مَنْ نَقَلَ عَنِّي أَنِّي قُلْتُ: «لَفْظِي بِالْقُرْآنِ مَخْلُوقٌ» فَقَدْ كَذَبَ عَلَيَّ، وَإِنَّمَا قُلْتُ: أَفْعَالُ الْعِبَادِ مَخْلُوقَةٌ. أَخْرَجَ ذَلِكَ غُنْجَارٌ فِي تَرْجَمَةِ الْبُخَارِيِّ من «تَارِيخ بُخَارَى» بِسَنَدٍ صَحِيحٍ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيِّ الْإِمَامِ الْمَشْهُورِ أَنَّهُ سَمِعَ الْبُخَارِيَّ يَقُولُ ذَلِكَ، وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي عُمَرَ وَأَحْمَدَ بْنِ نَصْرٍ النَّيْسَابُورِيِّ الْخَفَّافِ أَنَّهُ سَمِعَ الْبُخَارِيَّ يَقُولُ ذَلِكَ». [انتهى كلامه].\nقَالَ ابنُ بَازٍ ﵀: وما ذَلكَ إلا لأنَّ «لَفظِي بِالقُرآنِ» مُحتَمِلَةٌ، فلِهذَا تَبَرَّأَ منها، لِأنَّه يَحتَمِلُ «لَفظِي» الصَّوتَ، ويَحتمِلُ المَلفُوظَ؛ فلِهذَا تَبَرَّأَ من ذَلكَ كما أَنْكَرَ ذَلكَ جَمعٌ مِنَ السَّلَفِ، لِئَلَّا يُتَوَصَّلَ بذَلكَ إلى قَولِ الجَهمِيَّةِ.\nفَرقٌ بين اللَّفظِ والصَّوتِ، الصَّوتُ لا يَشتَبِهُ، واللَّفظُ قد يُؤَوَّلُ على المَلفُوظِ كَالخَلقِ بِمَعنَى المَخلُوقِ؛ فَلِهذَا تَبَرَّأَ من ذَلكَ، وَأنَّه يُبَينُ أن أَفعَالَهُم مَخلُوقَةٌ ومن ذَلكَ أَصوَاتُهُم كما تَقَدَّمَ.\n\n<s0>  الصَّوتُ ما فيه اشْتِباهٌ عَفَا اللهُ عنكَ؟\n<s1> الصَّوتُ لا، صُوتُهُ هو، ما يَسمَعُ النَّاسَ إلا صَوتَهُ هو، ما هو صَوتُ اللهِ.\n\n<s0>  اللَّفظُ؟\n<s1> يَحتَمِلُ أَوضَح مِنْ «لَفظِي» «تَلَفُّظِي» ما يَحتَمِلُ مَعنَى المَفعُولِ، ولكن أَحسَنُ منه «صَوتِي»، وإذا أَرَادَ اللَّفظَ بِمَعنَى الصَّوتِ ما فيه مَحذُورٌ، الأَعمَالُ بِالنِّيَّاتِ.","vol":"1","page":427},{"text":"<span data-type='title' id=toc-75>بَابُ قِرَاءَةِ الفَاجِرِ وَالمُنَافِقِ، وَأَصْوَاتُهُمْ وَتِلَاوَتُهُمْ لَا تُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ</span>\n٧٥٦٠ - حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ، عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَثَلُ المُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ كَالأُتْرُجَّةِ، طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَرِيحُهَا طَيِّبٌ، وَالَّذِي لَا يَقْرَأُ كَالتَّمْرَةِ، طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَلَا رِيحَ لَهَا، وَمَثَلُ الفَاجِرِ الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ كَمَثَلِ الرَّيْحَانَةِ، رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ، وَمَثَلُ الفَاجِرِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ القُرْآنَ كَمَثَلِ الحَنْظَلَةِ، طَعْمُهَا مُرٌّ وَلَا رِيحَ لَهَا» (^١).\n\n<s2>\nهَذَا الفَاجِرُ وفي اللَّفظِ الآخَرِ «المُنَافِقُ»، والمُرَادُ الكَافِرُ الذي يِدَّعِي الإِسلَامَ.\nوهَذِه أَمثِلَةٌ عَظِيمَةُ مَثَّلَ بها النَّبيُّ ﷺ لِأهلِ القُرآِن، «فَالمُؤمِنُ الذي يَقرَأُ القُرآنَ كَمثلِ الأُترُجَّةِ طَعمُهَا طَيبٌ وَرِيحُهَا طَيِّبٌ والمُؤمِنُ الَّذِي لا\n_________\n(^١) ورواه مسلم (٧٩٧).","vol":"1","page":428},{"text":"يَقرَأُ القُرآنَ - أُمِّيٌّ - كَمثَلِ التَّمرَةِ طَعمُهَا طَيبٌ وليسَ لهَا رِيحٌ». ولَكنَّه مُؤمِنٌ.\n«والفَاجِرُ» وفي اللَّفظِ الآخَرِ: «المُنَافِقُ الذي يَقرَأُ القُرآنَ كَالرَّيحَانَةِ لها رِيحٌ طَيِّبٌ» (^١) وهو ما يَصدُرُ منه من القُرآنِ «وطَعمُهَا مُرٌّ»؛ لأنَّ عَمَلَهُ خَبِيثٌ.\nفَالمُنَافِقُ الذي لا يَقرَأُ أو الفَاجِرُ لا رِيحَ ولا طَعمَ كَالحَنظَلَةِ لا رِيحَ طِيبٌ ولا طَعمَ طَيِّبٌ، نَسأَلُ اللهَ السَّلَامَةَ.\nوفي هَذَا فَضلُ قِرَاءَةِ القُرآنِ والاستِكثَارِ مِنْ قِرَاءةِ القُرآنِ، فَيَنبَغِي للمُؤمِنِ أن يَكُونَ له نَصِيبٌ من ذَلكَ.\n\n<s0>  الفَاجِرُ هنا يُفَسَّرُ بِالمُنَافِقِ؟\n<s1> كما في الرِّوَايَاتِ الأُخْرَى المُنَافِقُ، أمَّا الفَاجِرُ الذي هو العَاصِي هَذَا بَينَ بَينَ، على طَرِيقَةِ الأَدِلَّةِ، وقد ذَكَرَ العُلمَاءُ أنَّ العَاصِيَ يُسَمَّى ذا الشَّائِبَتَينِ، في الغَالِبِ النُّصُوصُ تَسكُتُ عنه: المُؤمِنُ والكَافِرُ، المَؤمِنُ والمُنَافِقُ. يُسكَتُ عن صَاحِبِ الشَّائِبَتَينِ، يَبقَى بين الرَّجَاءِ والخَوفِ، فليس مع هَؤلَاءِ مَذكُورًا ولا مع هَؤلَاءِ مَذكُورًا، فَيبقَى تَحتَ الخَوفِ وتَحتَ الحَذرِ، ولكن عند النِّهَايةِ وعند التَّحقِيقِ يَرجِعُ إلى القِسمِ الأَوَّلِ، قِسمِ أَهْلِ الإِيمَانِ لِعَقِيدَتهِ الصَّالحَةِ وتَوحِيدِهِ، وإن جَرَى عليه ما يَجرِي منَ التَّعذِيبِ في النَّارِ بِأعمَالِهِ السَّيئَةِ التي مات عليها ولم يَتُبْ، لكنه مُلحَقٌ بالمُؤمِنِينَ في النّهَايَةِ.\n(الشَّيخُ): رَاجِعْ نَبَّهَ الشَّارِحُ على الرِّوَايَةِ الأُخْرَى المنَافق أو الفَاجِر؟\n[قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ فِي «فَتْحِ البَارِي» (١٣/ ٥٣٦)]: «قوْلُهُ بَابُ قِرَاءَةِ الْفَاجِرِ وَالْمُنَافِقِ وَتِلَاوَتُهُمْ لَا تُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ»:\n_________\n(^١) رواه البخاري (٥٠٥٩)، ومسلم (٢٤٣) (٧٩٧).","vol":"1","page":429},{"text":"قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: الْمُرَادُ بِالْفَاجِرِ الْمُنَافِقُ، بِقَرِينَةٍ جَعَلَهُ قَسِيمًا لِلْمُؤْمِنِ فِي الْحَدِيثِ -يَعْنِي الْأَوَّلَ- وَمُقَابِلًا لَهُ؛ فَعَطْفُ الْمُنَافِقِ عَلَيْهِ فِي التَّرْجَمَةِ مِنْ بَابِ الْعَطْفِ التَّفْسِيرِيِّ.\nقَالَ: وَقَوْلُهُ: «وَتِلَاوَتُهُمْ» مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ «لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ»، وَإِنَّمَا جَمَعَ الضَّمِيرَ لِأَنَّهُ حِكَايَةٌ عَنْ لَفْظِ الْحَدِيثِ. قَالَ: وَزِيدَ فِي بَعْضِهَا: «وَأَصْوَاتُهُمْ». قُلْتُ: هِيَ ثَابِتَةٌ فِي جَمِيعِ مَا وَقَفْنَا عَلَيْهِ مِنْ نُسَخِ الْبُخَارِيِّ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ «قِرَاءَةُ الْفَاجِرِ أَوِ الْمُنَافِقِ» بِالشَّكِّ، وَهُوَ يُؤَيِّدُ تَأْوِيلَ الْكِرْمَانِيِّ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِلتَّنْوِيعِ، وَالْفَاجِرُ أَعَمُّ مِنَ الْمُنَافِقِ؛ فَيَكُونُ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ، وَذَكَرَ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ:\nالْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: حَدِيثُ أَبِي مُوسَى وَهُوَ الْأَشْعَرِيُّ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِ» وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي «فَضَائِلِ الْقُرْآنِ»، وَالسَّنَدُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ وَمُطَابَقَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ ظَاهِرَةٌ، وَمُنَاسَبَتُهَا لِمَا قَبْلَهَا مِنَ الْأَبْوَابِ أَنَّ التِّلَاوَةَ مُتَفَاوِتَةٌ بِتَفَاوُتِ التَّالِي؛ فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا مِنْ عَمَلِهِ.\nوَقَالَ ابنُ بَطَّالٍ: مَعْنَى هَذَا الْبَابِ أَنَّ قِرَاءَةَ الْفَاجِرِ وَالْمُنَافِقِ لَا تَرْتَفِعُ إِلَى اللَّهِ وَلَا تَزْكُو عِنْدَهُ، وَإِنَّمَا يَزْكُو عِنْدَهُ مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهُهُ وَكَانَ عَنْ نِيَّةِ التَّقَرُّبِ إِلَيْهِ، وَشَبَّهَهُ بِالرَّيْحَانَةِ حِينَ لَمْ يَنْتَفِعْ بِبَرَكَةِ الْقُرْآنِ وَلَمْ يَفُزْ بِحَلَاوَةِ أَجْرِهِ، فَلَمْ يُجَاوِزِ الطِّيبُ مَوْضِعَ الصَّوْتِ وَهُوَ الْحَلْقُ وَلَا اتَّصَلَ بِالْقَلْبِ، وَهَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ». [انتهى كلامه].\nقَالَ ابنُ بَازٍ ﵀: ودُخُولُ الخَارِجِيُّ في ذَلكَ لَيْسَ أيضًا بِبَعِيدٍ؛ لأنَّ الخَوَارجَ يَتَكَلَّفُونَ ويَتنَطَّعُونَ وابْتَدَعُوا، حَتَّى قَالَ جَمعٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ بِكُفرِهِم؛ لِقَولِ النَّبيِّ ﷺ: «يَحقِرُ أَحَدُكُم صَلَاتَهُ مع صَلَاتِهِم وقِرَاءَتَهُ مع قِرَاءَتِهِم يَمرُقُونَ مِنْ الإِسْلَامِ ثمَّ لا يَعُودُونَ إليه» (^١)، في اللَّفظِ الآخَرِ: «لا تَتَجَاوُزُ قِرَاءَتُهُم حَنَاجِرَهُم» (^٢)، فهَذَا يَدخُلُ فيه الفَاجِرُ، فنَصَّ النَّبيُّ ﷺ على أن قِراءَتَهُم لا تَتَجَاوُز حَنَاجِرَهُم ولا تَرتَفعُ لِبِدعَتِهِم الشَّنِيعَةِ أو لِكُفرِهِم على القَولِ الآخَرِ.\n_________\n(^١) رواه البخاري (٣٦١٠)، ومسلم (١٠٦٤) (١٤٨).\n(^٢) رواه البخاري (٣٣٤٤)، ومسلم (١٠٦٣) (١٤٢).","vol":"1","page":430},{"text":"أمَّا الفَاجِرُ الذي هو العَاصِي هَذَا تَنْقُصُ قِرَاءتُهُ ويَنقُصُ فَضلُهُ على حَسَبِ مَعَاصِيهِ، ولكِنْ لَيْسَ مِثلَ المُنَافِقِ وليسَ مِثلَ المُؤمِنِ السَّالِمِ -السَّلِيمِ- بل بينهما، وهو صَاحِبُ الشَّائِبَتَينِ، لا مع هَؤلَاءِ المُؤمِنِينَ في سَلَامَةِ إِيمَانِهِ وفي كمَالَ قِرَاءتِهِ وفَضلِهَا، ولا مع المَنَافِقِينَ والخَوَارِجِ؛ لِأنَّه خَيرٌ منهم، ولكنَّه بين ذَلكَ.\n\n<s0>  ما مَعنَى لا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهَمُ؟\n<s1> لا يُقبَلُ يَعْنِي، ما يَرتَفَعُ إلى اللهِ نَسأَلُ اللهَ العَافِيَةَ. ويَحتَمِلُ مَعنًى ثانيًا: وهو أَنَّه لا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُم وهو أَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفعَلُونَ، يَقرَؤونَ القُرآنَ وهم يُكَفِّرُونَ المُؤمِنِينَ، ويَقُولُونَ بِخلُودِهِم في النَّارِ إذا عَصَوا، فَصَارَت قِرَاءَتُهُم لم تَتَجَاوَزِ الحَنَاجِرَ؛ لأنهم لم يَعمَلُوا بها ولم يَتَأَثَّرُوا بها التَّأَثُرَ الشَّرعِيَّ. والأَوَّلُ أَظهَرُ، وهو أَنَّها لا تُقبَلُ ولا تَرتَفِعُ إلى اللهِ ﷾.\n\n<s0>  المُنَافِقُ يُؤجَرُ على قِرَاءَةِ القُرآنِ؟\n<s1> لا، الْمُنَافقُ أَعمَالُه بَاطِلَةٌ، حَابِطَةٌ، ولِهذَا شبَّهَ قِرَاءَتَه بأنَّهَا رَيحَانَةٌ، التي رِيحُهَا طَيِّبٌ ولا طَعمَ لها.\n\n٧٥٦١ - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، ح وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ، حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ يقول: قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: سَأَلَ أُنَاسٌ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الكُهَّانِ، فَقَالَ: «إِنَّهُمْ لَيْسُوا بِشَيْءٍ»، فَقَالُوا: يا رَسُولَ اللهِ، فَإِنَّهُمْ","vol":"1","page":431},{"text":"يُحَدِّثُونَ بِالشَّيْءِ يَكُونُ حَقًّا؟ قَالَ: فَقال النَّبِيُّ ﷺ: «تِلْكَ الكَلِمَةُ مِنَ الحَقِّ يَخْطَفُهَا الجِنِّيُّ، فَيُقَرْقِرُهَا فِي أُذُنِ وَلِيِّهِ كَقَرْقَرَةِ الدَّجَاجَةِ، فَيَخْلِطُونَ فِيهِ أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ كَذْبَةٍ» (^١).\n\n<s2>\n\n<s0>  يَعْنِي أَفعَالَهَم؟ قَصدُ المُؤَلِّفِ؟\n<s1> يَعْنِي أَفَعالَهُم نعم مِنْ كَذِبِهِم وافتِرَائِهِم وزِيَادَتِهِم فيما يَسمَعُونَ.\n\n<s0>  مع أنَّ التَّرجَمَةَ في القِرَاءةِ فَقَطْ وهَؤلَاءِ ما يَقرَؤُونَ يَعْنِي؟\n<s1> قد يَسمَعُونَ أَشيَاءَ ويُوهِمُونَ مَولَاهُم أَنَّها قُرْآنٌ أو أَنَّها شَيءٌ مما أُنْزِلَ على مُحَمَّدٍ ﵊، نَسأَلُ اللهَ العَافِيَةَ.\n\n٧٥٦٢ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ، سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ، يُحَدِّثُ عَنْ مَعْبَدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَخْرُجُ نَاسٌ مِنْ قِبَلِ المَشْرِقِ، وَيَقْرَءُونَ القُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، ثُمَّ لَا يَعُودُونَ فِيهِ حَتَّى يَعُودَ السَّهْمُ إِلَى فُوقِهِ»، قِيلَ: مَا سِيمَاهُمْ؟\n_________\n(^١) ورواه مسلم (٢٢٢٨).","vol":"1","page":432},{"text":"قَالَ: «سِيمَاهُمْ التَّحْلِيقُ - أَوْ قَالَ: التَّسْبِيدُ» (^١).\n\n<s2>\nوهَؤلَاءِ هم الخَوَارجِ؛ لأنهم يُوجِبُونَ التَّحلِيقَ، وهو مِنْ خِصَالِهِم.\n\n<s0>  يُوجِبُونَهُ؟\n<s1> هَذَا الظَّاهِرُ مِنْ طَريقِهِم، ولِهذَا جَعَلَها سِيمَا لهم، جَعلَهَا عَلَامَةً على أَصحَابِهِم.\n(الشَّيخُ): ماذا قَالَ على (التَّسبِيدِ)؟\n[قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ فِي «فَتْحِ البَارِي» (١٣/ ٥٣٦)]: «قَولُهُ: التَّحْلِيقُ أَوْ قَالَ التَّسْبِيدُ. شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي وَهُوَ بِالْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ، بِمَعْنَى التَّحْلِيقِ وَقِيلَ: أَبْلَغُ مِنْهُ وَهُوَ بِمَعْنَى الِاسْتِئْصَالِ، وَقِيلَ: إِنْ نَبَتَ بَعْدَ أَيَّامٍ. وَقِيلَ: هُوَ تَرْكُ دَهْنِ الشَّعْرِ وَغَسْلِهِ.\nقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: فِيهِ إِشْكَالٌ وَهُوَ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ الْعَلَامَةِ وُجُودُ ذِي الْعَلَامَةِ فَيَسْتَلْزِمُ أَنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ مَحْلُوقَ الرَّأْسِ فَهُوَ مِنَ الْخَوَارِجِ وَالْأَمْرُ بِخِلَافِ ذَلِكَ اتِّفَاقًا. ثُمَّ أَجَابَ بِأَنَّ السَّلَفَ كَانُوا لَا يَحْلِقُونَ رؤوسهم إِلَّا لِلنُّسُكِ أَوْ فِي الْحَاجَةِ، وَالْخَوَارِجُ اتَّخَذُوهُ دَيْدَنًا؛ فَصَارَ شِعَارًا لَهُمْ وَعُرِفُوا بِهِ.\nقَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ حَلْقُ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ وَجَمِيعُ شُعُورِهِمْ، وَأَنْ يُرَادَ\n_________\n(^١) ورواه مسلم (١٠٦٤).","vol":"1","page":433},{"text":"بِهِ الْإِفْرَاطُ فِي الْقَتْلِ وَالْمُبَالَغَةُ فِي الْمُخَالَفَةِ فِي أَمْرِ الدِّيَانَةِ.\nقُلْتُ: الْأَوَّلُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ مِنَ الْخَوَارِجِ، وَالثَّانِي مُحْتَمِلٌ، لَكِنَّ طُرُقَ الْحَدِيثِ الْمُتَكَاثِرَةِ كَالصَّرِيحَةِ فِي إِرَادَةِ حَلْقِ الرَّأْسِ، وَالثَّالِثُ كَالثَّانِي وَاللَّهُ أَعْلَمُ». [انتهى كلامه].\nقَالَ ابنُ بَازٍ ﵀: هو الظَّاهِرُ تَحلِيقُهم له، لكن هم لَتَدَيُّنِهِم به وتَعَبَّدِهِم به، فَحلقُ الرأسِ لَيْسَ من العِبَادةِ إلا في النُّسُكِ، لكن هو من المُبَاحِ، إن شَاءَ حَلقَهَ وإن شَاءَ تَرَكَهُ.\nوأمَّا هم فَتَعبَّدُوا بذَلكَ وأَلزَمُوا به وصَارَ دَيدَنًا لهم يُعرَفُونَ به، ولِهذَا صَارَ وَصفًا لهم، وليس المُرَادُ كُلَّ مَنْ حَلَقَ فهو خَارِجِيٌّ مِثْلمَا قَالَ الكَرمَانِيُّ، بِالتَّأكِيدِ لَيْسَ هَذَا مُرَادًا؛ فإن الرَّسُولَ ﷺ حَلقَ في الحَجِّ، وأَمرَ بِحَلِق أَولَادِ جَعفَرَ ﵁ وخَفَّفُوا رُؤُسَهُم، وقال لِصَاحِبِ القَزعِ: «احْلِقْهُ كُلَّهُ أو دَعْهُ كُلَّهُ».\nالمَقْصُودُ: أن الحَلقَ في نَفسهِ جَائزٌ، ومَن ربَّاهُ للتَّعَبُّدِ به فلا بَأْسَ، أمَّا الخَوَارجَ فهم تَعَبَّدُوا به، تَعَبّدُوا بِالحَلقِ، وصَارَ شِعَارًا لهم بين النَّاسِ، نَسأَلُ اللهَ العَافِيَةَ.\n\n<s0>  هل لهم شَيءٌ في الحَلقِ يَتَعَلَّقُونَ به؟\n<s1> لا أَعلمُ لهم شَيْئًا، إلا أَنَّهُمْ كَأَنَّهم أَرَادُوا أنْ يَكُونَ شِعَارًا لهم يَعرِفُ بَعضُهُم بَعضًا به، أو لِأَسبَابٍ أُخرَى لا نَعرِفُهَا.\n\n<s0>  كَونُ السَّلفِ كانوا لا يَحلِقُونَ رُؤُوسَهُم إلا للنُّسُكِ أو للحَاجَةِ؟\n<s1> يَعْنِي الكَثيرَ منهم.","vol":"1","page":434},{"text":"[قال الحَافِظُ ﵀]: «تَنْبِيهٌ: وَقَعَ لِابْنِ بَطَّالٍ فِي وَصْفِ الْخَوَارِجِ خَبْطٌ أَرَدْتُ التَّنْبِيهَ عَلَيْهِ؛ لِئَلَّا يُغْتَرَّ بِهِ وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ: يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي قَوْمٍ عَرَفَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِالْوَحْيِ أَنَّهُمْ خَرَجُوا بِبِدْعَتِهِمْ عَنِ الْإِسْلَامِ إِلَى الْكُفْرِ، وَهُمُ الَّذِينَ قَتَلَهُمْ عَلِيٌّ بِالنَّهْرَوَانِ حِينَ قَالُوا: إِنَّكَ رَبُّنَا. فَاغْتَاظَ عَلَيْهِمْ وَأَمَرَ بِهِمْ فَحُرِّقُوا بِالنَّارِ؛ فَزَادَهُمْ ذَلِكَ فِتْنَةً وَقَالُوا: الْآنَ تَيَقَّنَّا أَنَّكَ رَبُّنَا؛ إِذْ لَا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إِلَّا اللَّهُ. انْتَهَى.\nوَقَدْ تَقَدَّمَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ لِعَلِيٍّ فِي الْفِتَنِ وَلَيْسَتْ لِلْخَوَارِجِ، وَإِنَّمَا هِيَ لِلزَّنَادِقَةِ كَمَا وَقَعَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ، وَوَقَعَ فِي «شَرْحِ الْوَجِيزِ» لِلرَّافِعِيِّ عِنْدَ ذِكْرِ الْخَوَارِجِ قَالَ: هُمْ فِرْقَةٌ مِنَ الْمُبْتَدِعَةِ خَرَجُوا عَلَى عَلِيٍّ حَيْثُ اعْتَقَدُوا أَنَّهُ يَعْرِفُ قَتَلَةَ عُثْمَانَ وَيَقْدِرُ عَلَيْهِمْ وَلَا يَقْتَصُّ مِنْهُمْ؛ لِرِضَاهُ بِقَتْلِهِ وَمُوَاطَأَتِهِ إِيَّاهُمْ، وَيَعْتَقِدُونَ أَنَّ مَنْ أَتَى كَبِيرَةً فَقَدْ كَفَرَ وَاسْتَحَقَّ الْخُلُودَ فِي النَّارِ وَيَطْعَنُونَ لِذَلِكَ فِي الْأَئِمَّةِ. انْتَهَى.\nوَلَيْسَ الْوَصْفُ الْأَوَّلُ فِي كَلَامِهِ وَصْفَ الْخَوَارِجِ الْمُبْتَدِعَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ وَصْفُ النَّوَاصِبِ أَتْبَاعِ مُعَاوِيَةَ بِصِفِّينَ، وَأَمَّا الْخَوَارِجُ فَمِنْ مُعْتَقَدِهِمْ تَكْفِيرُ عُثْمَانَ وَأَنَّهُ قُتِلَ بِحَقٍّ. وَلَمْ يَزَالُوا مَعَ عَلِيٍّ حَتَّى وَقَعَ التَّحْكِيمُ بِصِفِّينَ فَأَنْكَرُوا التَّحْكِيمَ وَخَرَجُوا عَلَى عَلِيٍّ وَكَفَّرُوهُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِمْ مَبْسُوطًا فِي «كِتَابِ الْفِتَنِ»». [انتهى كلامه].\nقَالَ ابنُ بَازٍ ﵀: المَقصُودُ ضبط، ابن بَطَّالٍ التبَسَ عليه الخَوَارجِ بِالزَّنَادقَةِ الغُلَاةِ الَّذِينَ قالوا: أنت رَبُّنَا. هَؤلَاءِ هم الرَّافِضَةُ البَاطِنِيَّةُ الَّذِينَ غَلَوا","vol":"1","page":435},{"text":"في عَلِيٍّ ﵁، حَتَّى لِمَّا أَحرَقَهُم بِالنَّارِ قالوا: الآن زِدنَا فيك علمًا بأنك رَبُّنَا؛ لأن النَّارَ لا يَحرِقُ بها إلا اللهُ. وهَذَا مِنْ ضَلَالِهِم وجَهلِهِم نَسأَلُ اللهَ العَافِيَةَ.\nورَأسُهُمُ ابنُ سَبَإٍ الذي قِيلَ: إنه حُرِّقَ، وقيلَ: إنه هَرَبَ ولم يُحرَّقْ، وأَتبَاعُهُ إلى الآنَ مُوجُودُونَ مِنْ الرَّافِضَةِ وأَشبَاهِهِم مِنَ البَاطِنِيَّةِ من نُصَيرِيَّةٍ وإِسمَاعِيلِيَّةٍ وغَيرِهِم، نَسأَلُ اللهَ السَّلَامَةَ.\nوالمَقْصُودُ: أنَّ الخَوَارجَ غَيرُ هَؤلاء، هَؤلَاءِ زَنَادِقَةٌ بَاطِنِيَّةُ، والخَوَارجُ غَلَوا في الأَحكَامِ وإِثبَاتِ الأَحكَامِ والتَّحذِيرِ منَ المَعَاصِي حَتَّى جَعَلُوا المَعصِيَةَ كُفرًا، وجَعَلُوا صَاحِبَهَا مُخَلَّدًا في النَّارِ؛ فَتَابَعَتهُمُ الْمُعتَزِلَةُ في ذَلكَ بِالتَّخلِيدِ، تَخلِيدِ العَاصِي في النَّارِ.\nفالخَوَارجُ شَيءٌ والبَاطِنِيَّةُ شَيءٌ آخَرُ، فابنُ بَطَّالٍ التَبسَ عليه أَمرُ هَؤلَاءِ بِأمرِ هَؤلَاءِ.","vol":"1","page":436},{"text":"<span data-type='title' id=toc-76>بابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧]، وَأَنَّ أَعْمَالَ بَنِي آدَمَ وَقَوْلَهُمْ يُوزَنُ</span>.\nوَقَالَ مُجَاهِدٌ: القُسْطَاسُ: العَدْلُ بِالرُّومِيَّةِ. وَيُقَالُ: القِسْطُ: مَصْدَرُ المُقْسِطِ وَهُوَ العَادِلُ، وَأَمَّا القَاسِطُ فَهُوَ الجَائِرُ.\n\n<s2>\nوهَذَا وَاضِحٌ، يُقَالُ: مُقسِطُونَ يَعْنِي عَادِلُونَ مُستَقِيمُونَ، ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩)﴾ [الحجرات: ٩] أَقسَطَ يَعْنِي: عَدَلَ واستَقَامَ.\nوأمَّا «القَاسِطُ» الثُلَاثيُّ من قَسَطَ: هو الجَائِرُ الظَّالِمُ ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (١٥)﴾ [الجن: ١٥] والرُّبَاعِيُّ ضِدُّ الثُّلَاثِيِّ، الرُّبَاعِيُّ أَقسَطَ مِنَ العَدلِ هو ضِدُّ الجَورِ، والثُّلَاثِيُّ قَسَطَ «قَ سَ طَ»، هَذَا ضِدُّ العَدلِ وهو الجَورُ.\n\n<s0>  ومَصدَرُ الثُّلَاثِيِّ؟\n<s1> قِسْطًا، وأمَّا الْمُقسِطُ إِقسَاطًا. رُبَاعِيٌّ.\n\n<s0>  هنا يُقَالُ والقِسْطُ مَصدَرُ المُقسِطِ؟\n<s1> هَذَا ضِدُّ القِسْطِ قد يَكُونُ مَصدَرًا صِنَاعِيًّا. المَصدَرُ القِيَاسِيُّ «إِفْعَالٌ» أَقسَطَ إِقسَاطًا، مِثلُ أَكرَمَ إِكرَامًا وأَعلَمَ إِعلَامًا، وأَفضَلَ إِفضَالًا. فَالقِسطُ قِسمُ","vol":"1","page":437},{"text":"مِنْ العَدلِ، واللهُ هو القِسطُ أي: هو العَدلُ.\n\n<s0>  يَكُونُ اسْمُ المَصدَرِ بِالنِّسبَةِ إلى المُقسِطِ؟\n<s1> ويُسَمَّى اسمَ مَصدَرٍ ويُسمَى اسمًا للعَدلِ، مِنْ أَسمَاءِ الَعدلِ: القِسطُ. وأمَّا مَصدَرُ قَسَطَ «قَسْطٌ» بِفتحِ القَافِ.\n\n<s0>  فيه تَوَافُقُ في المَصدَرِ يَعْنِي؟\n<s1> تَوَافُقٌ في الاشْتِقَاقِ العَامِّ، وهناك زَادَ عليه الهَمزَةَ، كرُم صَارَ كَرِيمًا، وأَكرَمَ: أَكرَمَ غَيرَهُ، قَسطَ صَارَ جائرًا.\n\n<s0>  لكن «ويُقَالُ القِسطُ مَصدَرُ المُقسِطِ» كَأنَّ هَذَا سَمَاعِيٌّ وَافَقَ مَصدَرَ «قَسَطَ».\n<s1> قَولُهُ: مَصدَرٌ تَسَامُحٌ، تَسمُّحٌ منه في الكَلَامِ، وإنما هو اسمُ مَصدَرٍ.\n\n٧٥٦٣ - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ إِشْكَابَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ القَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «كَلِمَتَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ، خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي المِيزَانِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ العَظِيمِ» (^١).\n_________\n(^١) ورواه مسلم (٢٦٩٤).","vol":"1","page":438},{"text":"<s2>\nقد أَحسَنَ المُؤَلِّفُ ﵀ في خَتمِ كِتَابِهِ بهَذَا الحَدِيثِ الجَلِيلِ ﵀ وأَكرَمَ مَثوَاهُ وجَزَاهُ عن المُسْلِمِينَ خَيرًا.\nهَذَا حَدِيثٌ عَظِيمٌ: «كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ في المِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ، سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ العَظِيمِ».\nكلَمِتَاَنِ عَظِيمَتَانِ يَنبَغِي الإِكثَارُ منهمَا والحِرصُ عَلَيهِما دَائِمًا؛ لِمَا فِيهما منَ الخَيرِ العَظِيمِ مع السّهُولَةِ. ﵀ وأَكرَمَ مَثوَاهُ، والحَمدُ للهِ.\nتَأَمَّلُوا تُريدُونَهُ مِنْ أَوَّلِهِ أو؟ أَرَى أنَّ إِعَادَتَهُ أَحسَنُ؛ لِأنَّه كُلَّهُ خَيرٌ، ولا يُشبَعُ منه (^١).\nأثَابَ اللهُ الجَمِيعَ وعَلَّمنَا وإِيَّاكُم ما يَنْفَعُنَا، ورَزَقَنَا وإِيَّاكُمُ الفِقهَ في الدِّينِ والثَّبَاتَ عليه والعَملَ به.\n\n<s0>  غير واضح؟ (^٢)\n<s1>  هو أَحَدُ الشُّرَّاحِ قد يُصِيبُ وقد يُخطِئُ، مِثلُ غَيرِهِ، الكَرمَانِيُّ وابنُ بَطَّالٍ وغَيرُهُم، الشُّرَّاحُ كَثِيرُونَ.\n* * *\n_________\n(^١) يقصد الشيخ ﵀ قراءة «صحيح البخاري» مرة أخرى حيث يشاور فيها طلبته.\n(^٢) أظن السؤال عن شرح العيني للبخاري.","vol":"1","page":439}]}