{"ً":{"ٌ":8565,"ٍ":"إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"العقيدة/إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد - الفوزان  - ط الرسالة - ط3 - 1-2","files":["00_96064.pdf|الغلاف","01_96064.pdf","02_96065.pdf"]},"ّ":"الكتاب: إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد\nالمؤلف: صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان\nالناشر: مؤسسة الرسالة\nالطبعة: الطبعة الثالثة، ١٤٢٣هـ ٢٠٠٢م\nعدد الأجزاء: ٢\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"[إعانة المستفيد - صالح الفوزان]\n\n- «إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد» كتاب شرح فيه الشيخ صالح الفوزان كتاب «التوحيد» للشيخ محمد بن عبد الوهاب التميمي (المتوفى ١٢٠٦ هـ) ﵀\n\n- وأصل هذا الشرح، دروس كان ألقاها الشيخ في الرياض وفي الطائف ثم كثر الطلب على تفريغ هذه الدروس، فأذن الشيخ في ذلك، ثم نظر في التفريغ، فهذبه ونقحه، فجزاه الله خيرا","ٓ":"1.0","ٔ":62,"ٕ":1,"ٖ":1770153817,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2"],"ٚ":[{"title":"المجلد الأول","level":1,"page":2},{"title":"المقدمة","level":2,"page":2},{"title":"مقدمة الشارح","level":2,"page":11},{"title":"الباب الأول: كتاب التوحيد","level":2,"page":13},{"title":"الباب الثاني: فضل التوحيد ومايكفر من الذنوب","level":2,"page":50},{"title":"الباب الثالث: من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب","level":2,"page":70},{"title":"الباب الرابع: الخوف من الشرك","level":2,"page":89},{"title":"الباب الخامس: الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله","level":2,"page":96},{"title":"الباب السادس: تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله","level":2,"page":118},{"title":"الباب السابع: من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه","level":2,"page":131},{"title":"الباب الثامن: الرقى والتمائم","level":2,"page":141},{"title":"الباب التاسع: من تبرك بشجرة أو حجر ونحوهما","level":2,"page":151},{"title":"الباب العاشر: الذبح لغير الله","level":2,"page":160},{"title":"الباب الحادي عشر: لايذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله","level":2,"page":170},{"title":"الباب الثاني عشر: من الشرك النذر لغير الله","level":2,"page":176},{"title":"الباب الثالث عشر: من الشرك الإستعاذة بغير الله","level":2,"page":182},{"title":"الباب الرابع عشر: من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره","level":2,"page":189},{"title":"الباب الخامس عشر: قول الله تعالى ﴿أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون (١٩١) ولا يستطيعون لهم نصرا﴾","level":2,"page":200},{"title":"الباب السادس عشر: قول الله تعالى ﴿حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير﴾","level":2,"page":217},{"title":"الباب السابع عشر: الشفاعة","level":2,"page":232},{"title":"الباب الثامن عشر: قوله تعالى ﴿إنك لا تهدي من أحببت﴾","level":2,"page":250},{"title":"الباب التاسع عشر: سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين","level":2,"page":259},{"title":"الباب العشرون: التغليظ يمن عبد اله عند قبر رجل صالح فكيف إذا عبده؟","level":2,"page":279},{"title":"الباب الحادي والعشرون: الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثانا تعبد من دون الله","level":2,"page":296},{"title":"الباب الثاني والعشرون: حماية المصطفى ﷺ جناب التوحيد وسده كل طريق يوصل إلى الشرك","level":2,"page":305},{"title":"الباب الثالث والعشرون: أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان","level":2,"page":320},{"title":"الباب الرابع والعشرون: باب ماجاء في السحر","level":2,"page":339},{"title":"الباب الخامس والعشرون: باب بيان شىء من أنواع السحر","level":2,"page":353},{"title":"الباب السادس والعشرون: ماجاء في الكهان ونحوهم","level":2,"page":362},{"title":"الباب السابع والعشرون: ماجاء في النشرة","level":2,"page":373},{"title":"المجلد الثاني","level":1,"page":378},{"title":"الباب الثامن والعشرون: ماجاء في التطير","level":2,"page":378},{"title":"الباب التاسع والعشرون: ماجاء في التنجيم","level":2,"page":389},{"title":"الباب الثلاثون: ماجاء في الإستسقاء بالأنواء","level":2,"page":396},{"title":"الباب الواحد والثلاثون: قول الله تعالى ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله﴾","level":2,"page":409},{"title":"الباب الثاني والثلاثون: قول الله تعالى ﴿إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين (١٧٥)﴾","level":2,"page":422},{"title":"الباب الثالث والثلاثون: قول الله تعالى ﴿وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين﴾","level":2,"page":433},{"title":"الباب الرابع والثلاثون: قول الله تعالى ﴿أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون (٩٩)﴾","level":2,"page":443},{"title":"الباب الخامس والثلاثون: من الإيمان بالله الصبر على أقدار الله","level":2,"page":452},{"title":"الباب السادس والثلاثون: ماجاء في الرياء","level":2,"page":462},{"title":"الباب السابع والثلاثون: من الشرك إرادة الإنسان بعمله في الدنيا","level":2,"page":472},{"title":"الباب الثامن والثلاثون: من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله أو تحليل ماحرم الله فقد اتخذهم أربابا","level":2,"page":480},{"title":"الباب التاسع والثلاثون: قول الله تعالى ﴿ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت﴾","level":2,"page":491},{"title":"الباب الأربعون: من جحد شيئا من الأسماء والصفات","level":2,"page":512},{"title":"الباب الواحد والأربعون: قول الله تعالى ﴿يعرفون نعمت الله ثم ينكرونها﴾","level":2,"page":520},{"title":"الباب الثاني والأربعون: قول الله تعالى ﴿فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون﴾","level":2,"page":527},{"title":"الباب الثالث والأربعون: ماجاء فيمن لم يقنع بالحلف بالله","level":2,"page":538},{"title":"الباب الرابع والأربعون: قول ماشاء الله وشئت","level":2,"page":540},{"title":"الباب الخامس والأربعون: من سب الدهر فقد آذى الله","level":2,"page":547},{"title":"الباب السادس والأربعون: التسمي بقاضي القضاة ونحوه","level":2,"page":553},{"title":"الباب السابع والأربعون: احترام أسماء الله تعالى وتغيير الإسم من أجل ذلك","level":2,"page":556},{"title":"الباب الثامن والأربعون: من هزل بشيء فيه ذكر لله أو القرآن أو الرسول","level":2,"page":560},{"title":"الباب التاسع والأربعون: قول الله تعالى ﴿ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي﴾","level":2,"page":566},{"title":"الباب الخمسون: قول الله تعالى ﴿فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما﴾","level":2,"page":573},{"title":"الباب الواحد والخمسون: قول الله تعالى ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه﴾","level":2,"page":580},{"title":"الباب الثاني والخمسون: لايقال السلام على الله","level":2,"page":588},{"title":"الباب الثالث والخمسون: قول اللهم إغفر لي إن شئت","level":2,"page":591},{"title":"الباب الرابع والعشرون: لا يقول عبدي وأمتي","level":2,"page":593},{"title":"الباب الخامس والخمسون: لايرد من سأل بالله","level":2,"page":596},{"title":"الباب السادس والخمسون: لايسأل بوجه الله إلا الجنة","level":2,"page":599},{"title":"الباب السابع والخمسون: ماجاء فيي اللو","level":2,"page":602},{"title":"الباب الثامن والخمسون: النهي عن سب الريح","level":2,"page":609},{"title":"الباب التاسع والخمسون: قول الله تعالى ﴿يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل لنا من الأمر من شيء قل إن الأمر كله لله﴾","level":2,"page":613},{"title":"الباب الستون: ماجاء في منكري القدر","level":2,"page":621},{"title":"الباب الواحد والستون: ماجاء في المصورين","level":2,"page":635},{"title":"الباب الثاني والستون: ماجاء في كثرة الحلف","level":2,"page":643},{"title":"الباب الثالث والستون: ماجاء في ذمة الله وذمة نبيه","level":2,"page":658},{"title":"الباب الرابع والستون: ماجاء في الإقسام على الله","level":2,"page":674},{"title":"الباب الخامس والستون: لا يستشفع بالله على أحد من خلقه","level":2,"page":677},{"title":"الباب السادس والستون: ماجاء في حماية النبي ﷺ حمى التوحيد وسده طرق الشرك","level":2,"page":681},{"title":"الباب السابع والستون: قول الله تعالى ﴿وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة﴾","level":2,"page":688}],"ٛ":{"1,5":2,"1,6":3,"1,7":4,"1,8":5,"1,9":6,"1,10":7,"1,11":8,"1,12":9,"1,13":10,"1,15":11,"1,16":12,"1,17":13,"1,18":14,"1,19":15,"1,20":16,"1,21":17,"1,22":18,"1,23":19,"1,24":20,"1,25":21,"1,26":22,"1,27":23,"1,28":24,"1,29":25,"1,30":26,"1,31":27,"1,32":28,"1,33":29,"1,34":30,"1,35":31,"1,36":32,"1,37":33,"1,38":34,"1,39":35,"1,40":36,"1,41":37,"1,42":38,"1,43":39,"1,44":40,"1,45":41,"1,46":42,"1,47":43,"1,48":44,"1,49":45,"1,50":46,"1,51":47,"1,52":48,"1,53":49,"1,54":50,"1,55":51,"1,56":52,"1,57":53,"1,58":54,"1,59":55,"1,60":56,"1,61":57,"1,62":58,"1,63":59,"1,64":60,"1,65":61,"1,66":62,"1,67":63,"1,68":64,"1,69":65,"1,70":66,"1,71":67,"1,72":68,"1,73":69,"1,74":70,"1,75":71,"1,76":72,"1,77":73,"1,78":74,"1,79":75,"1,80":76,"1,81":77,"1,82":78,"1,83":79,"1,84":80,"1,85":81,"1,86":82,"1,87":83,"1,88":84,"1,89":85,"1,90":86,"1,91":87,"1,92":88,"1,93":89,"1,94":90,"1,95":91,"1,96":92,"1,97":93,"1,98":94,"1,99":95,"1,100":96,"1,101":97,"1,102":98,"1,103":99,"1,104":100,"1,105":101,"1,106":102,"1,107":103,"1,108":104,"1,109":105,"1,110":106,"1,111":107,"1,112":108,"1,113":109,"1,114":110,"1,115":111,"1,116":112,"1,117":113,"1,118":114,"1,119":115,"1,120":116,"1,121":117,"1,122":118,"1,123":119,"1,124":120,"1,125":121,"1,126":122,"1,127":123,"1,128":124,"1,129":125,"1,130":126,"1,131":127,"1,132":128,"1,133":129,"1,134":130,"1,135":131,"1,136":132,"1,137":133,"1,138":134,"1,139":135,"1,140":136,"1,141":137,"1,142":138,"1,143":139,"1,144":140,"1,145":141,"1,146":142,"1,147":143,"1,148":144,"1,149":145,"1,150":146,"1,151":147,"1,152":148,"1,153":149,"1,154":150,"1,155":151,"1,156":152,"1,157":153,"1,158":154,"1,159":155,"1,160":156,"1,161":157,"1,162":158,"1,163":159,"1,164":160,"1,165":161,"1,166":162,"1,167":163,"1,168":164,"1,169":165,"1,170":166,"1,171":167,"1,172":168,"1,173":169,"1,174":170,"1,175":171,"1,176":172,"1,177":173,"1,178":174,"1,179":175,"1,180":176,"1,181":177,"1,182":178,"1,183":179,"1,184":180,"1,185":181,"1,186":182,"1,187":183,"1,188":184,"1,189":185,"1,190":186,"1,191":187,"1,192":188,"1,193":189,"1,194":190,"1,195":191,"1,196":192,"1,197":193,"1,198":194,"1,199":195,"1,200":196,"1,201":197,"1,202":198,"1,203":199,"1,204":200,"1,205":201,"1,206":202,"1,207":203,"1,208":204,"1,209":205,"1,210":206,"1,211":207,"1,212":208,"1,213":209,"1,214":210,"1,215":211,"1,216":212,"1,217":213,"1,218":214,"1,219":215,"1,220":216,"1,221":217,"1,222":218,"1,223":219,"1,224":220,"1,225":221,"1,226":222,"1,227":223,"1,228":224,"1,229":225,"1,230":226,"1,231":227,"1,232":228,"1,233":229,"1,234":230,"1,235":231,"1,236":232,"1,237":233,"1,238":234,"1,239":235,"1,240":236,"1,241":237,"1,242":238,"1,243":239,"1,244":240,"1,245":241,"1,246":242,"1,247":243,"1,248":244,"1,249":245,"1,250":246,"1,251":247,"1,252":248,"1,253":249,"1,254":250,"1,255":251,"1,256":252,"1,257":253,"1,258":254,"1,259":255,"1,260":256,"1,261":257,"1,262":258,"1,263":259,"1,264":260,"1,265":261,"1,266":262,"1,267":263,"1,268":264,"1,269":265,"1,270":266,"1,271":267,"1,272":268,"1,273":269,"1,274":270,"1,275":271,"1,276":272,"1,277":273,"1,278":274,"1,279":275,"1,280":276,"1,281":277,"1,282":278,"1,283":279,"1,284":280,"1,285":281,"1,286":282,"1,287":283,"1,288":284,"1,289":285,"1,290":286,"1,291":287,"1,292":288,"1,293":289,"1,294":290,"1,295":291,"1,296":292,"1,297":293,"1,298":294,"1,299":295,"1,300":296,"1,301":297,"1,302":298,"1,303":299,"1,304":300,"1,305":301,"1,306":302,"1,307":303,"1,308":304,"1,309":305,"1,310":306,"1,311":307,"1,312":308,"1,313":309,"1,314":310,"1,315":311,"1,316":312,"1,317":313,"1,318":314,"1,319":315,"1,320":316,"1,321":317,"1,322":318,"1,323":319,"1,324":320,"1,325":321,"1,326":322,"1,327":323,"1,328":324,"1,329":325,"1,330":326,"1,331":327,"1,332":328,"1,333":329,"1,334":330,"1,335":331,"1,336":332,"1,337":333,"1,338":334,"1,339":335,"1,340":336,"1,341":337,"1,342":338,"1,343":339,"1,344":340,"1,345":341,"1,346":342,"1,347":343,"1,348":344,"1,349":345,"1,350":346,"1,351":347,"1,352":348,"1,353":349,"1,354":350,"1,355":351,"1,356":352,"1,357":353,"1,358":354,"1,359":355,"1,360":356,"1,361":357,"1,362":358,"1,363":359,"1,364":360,"1,365":361,"1,366":362,"1,367":363,"1,368":364,"1,369":365,"1,370":366,"1,371":367,"1,372":368,"1,373":369,"1,374":370,"1,375":371,"1,376":372,"1,377":373,"1,378":374,"1,379":375,"1,380":376,"1,381":377,"2,5":378,"2,6":379,"2,7":380,"2,8":381,"2,9":382,"2,10":383,"2,11":384,"2,12":385,"2,13":386,"2,14":387,"2,15":388,"2,16":389,"2,17":390,"2,18":391,"2,19":392,"2,20":393,"2,21":394,"2,22":395,"2,23":396,"2,24":397,"2,25":398,"2,26":399,"2,27":400,"2,28":401,"2,29":402,"2,30":403,"2,31":404,"2,32":405,"2,33":406,"2,34":407,"2,35":408,"2,36":409,"2,37":410,"2,38":411,"2,39":412,"2,40":413,"2,41":414,"2,42":415,"2,43":416,"2,44":417,"2,45":418,"2,46":419,"2,47":420,"2,48":421,"2,49":422,"2,50":423,"2,51":424,"2,52":425,"2,53":426,"2,54":427,"2,55":428,"2,56":429,"2,57":430,"2,58":431,"2,59":432,"2,60":433,"2,61":434,"2,62":435,"2,63":436,"2,64":437,"2,65":438,"2,66":439,"2,67":440,"2,68":441,"2,69":442,"2,70":443,"2,71":444,"2,72":445,"2,73":446,"2,74":447,"2,75":448,"2,76":449,"2,77":450,"2,78":451,"2,79":452,"2,80":453,"2,81":454,"2,82":455,"2,83":456,"2,84":457,"2,85":458,"2,86":459,"2,87":460,"2,88":461,"2,89":462,"2,90":463,"2,91":464,"2,92":465,"2,93":466,"2,94":467,"2,95":468,"2,96":469,"2,97":470,"2,98":471,"2,99":472,"2,100":473,"2,101":474,"2,102":475,"2,103":476,"2,104":477,"2,105":478,"2,106":479,"2,107":480,"2,108":481,"2,109":482,"2,110":483,"2,111":484,"2,112":485,"2,113":486,"2,114":487,"2,115":488,"2,116":489,"2,117":490,"2,118":491,"2,119":492,"2,120":493,"2,121":494,"2,122":495,"2,123":496,"2,124":497,"2,125":498,"2,126":499,"2,127":500,"2,128":501,"2,129":502,"2,130":503,"2,131":504,"2,132":505,"2,133":506,"2,134":507,"2,135":508,"2,136":509,"2,137":510,"2,138":511,"2,139":512,"2,140":513,"2,141":514,"2,142":515,"2,143":516,"2,144":517,"2,145":518,"2,146":519,"2,147":520,"2,148":521,"2,149":522,"2,150":523,"2,151":524,"2,152":525,"2,153":526,"2,154":527,"2,155":528,"2,156":529,"2,157":530,"2,158":531,"2,159":532,"2,160":533,"2,161":534,"2,162":535,"2,163":536,"2,164":537,"2,165":538,"2,166":539,"2,167":540,"2,168":541,"2,169":542,"2,170":543,"2,171":544,"2,172":545,"2,173":546,"2,174":547,"2,175":548,"2,176":549,"2,177":550,"2,178":551,"2,179":552,"2,180":553,"2,181":554,"2,182":555,"2,183":556,"2,184":557,"2,185":558,"2,186":559,"2,187":560,"2,188":561,"2,189":562,"2,190":563,"2,191":564,"2,192":565,"2,193":566,"2,194":567,"2,195":568,"2,196":569,"2,197":570,"2,198":571,"2,199":572,"2,200":573,"2,201":574,"2,202":575,"2,203":576,"2,204":577,"2,205":578,"2,206":579,"2,207":580,"2,208":581,"2,209":582,"2,210":583,"2,211":584,"2,212":585,"2,213":586,"2,214":587,"2,215":588,"2,216":589,"2,217":590,"2,218":591,"2,219":592,"2,220":593,"2,221":594,"2,222":595,"2,223":596,"2,224":597,"2,225":598,"2,226":599,"2,227":600,"2,228":601,"2,229":602,"2,230":603,"2,231":604,"2,232":605,"2,233":606,"2,234":607,"2,235":608,"2,236":609,"2,237":610,"2,238":611,"2,239":612,"2,240":613,"2,241":614,"2,242":615,"2,243":616,"2,244":617,"2,245":618,"2,246":619,"2,247":620,"2,248":621,"2,249":622,"2,250":623,"2,251":624,"2,252":625,"2,253":626,"2,254":627,"2,255":628,"2,256":629,"2,257":630,"2,258":631,"2,259":632,"2,260":633,"2,261":634,"2,262":635,"2,263":636,"2,264":637,"2,265":638,"2,266":639,"2,267":640,"2,268":641,"2,269":642,"2,270":643,"2,271":644,"2,272":645,"2,273":646,"2,274":647,"2,275":648,"2,276":649,"2,277":650,"2,278":651,"2,279":652,"2,280":653,"2,281":654,"2,282":655,"2,283":656,"2,284":657,"2,285":658,"2,286":659,"2,287":660,"2,288":661,"2,289":662,"2,290":663,"2,291":664,"2,292":665,"2,293":666,"2,294":667,"2,295":668,"2,296":669,"2,297":670,"2,298":671,"2,299":672,"2,300":673,"2,301":674,"2,302":675,"2,303":676,"2,304":677,"2,305":678,"2,306":679,"2,307":680,"2,308":681,"2,309":682,"2,310":683,"2,311":684,"2,312":685,"2,313":686,"2,314":687,"2,315":688,"2,316":689,"2,317":690,"2,318":691,"2,319":692,"2,320":693,"2,321":694,"2,322":695,"2,323":696,"2,324":697,"2,325":698,"2,326":699,"2,327":700,"2,328":701,"2,329":702,"2,330":703,"2,331":704,"2,332":705},"ٜ":{"1":[5,381],"2":[5,332]},"ٝ":[null,"1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","2,5","2,6","2,7","2,8","2,9","2,10","2,11","2,12","2,13","2,14","2,15","2,16","2,17","2,18","2,19","2,20","2,21","2,22","2,23","2,24","2,25","2,26","2,27","2,28","2,29","2,30","2,31","2,32","2,33","2,34","2,35","2,36","2,37","2,38","2,39","2,40","2,41","2,42","2,43","2,44","2,45","2,46","2,47","2,48","2,49","2,50","2,51","2,52","2,53","2,54","2,55","2,56","2,57","2,58","2,59","2,60","2,61","2,62","2,63","2,64","2,65","2,66","2,67","2,68","2,69","2,70","2,71","2,72","2,73","2,74","2,75","2,76","2,77","2,78","2,79","2,80","2,81","2,82","2,83","2,84","2,85","2,86","2,87","2,88","2,89","2,90","2,91","2,92","2,93","2,94","2,95","2,96","2,97","2,98","2,99","2,100","2,101","2,102","2,103","2,104","2,105","2,106","2,107","2,108","2,109","2,110","2,111","2,112","2,113","2,114","2,115","2,116","2,117","2,118","2,119","2,120","2,121","2,122","2,123","2,124","2,125","2,126","2,127","2,128","2,129","2,130","2,131","2,132","2,133","2,134","2,135","2,136","2,137","2,138","2,139","2,140","2,141","2,142","2,143","2,144","2,145","2,146","2,147","2,148","2,149","2,150","2,151","2,152","2,153","2,154","2,155","2,156","2,157","2,158","2,159","2,160","2,161","2,162","2,163","2,164","2,165","2,166","2,167","2,168","2,169","2,170","2,171","2,172","2,173","2,174","2,175","2,176","2,177","2,178","2,179","2,180","2,181","2,182","2,183","2,184","2,185","2,186","2,187","2,188","2,189","2,190","2,191","2,192","2,193","2,194","2,195","2,196","2,197","2,198","2,199","2,200","2,201","2,202","2,203","2,204","2,205","2,206","2,207","2,208","2,209","2,210","2,211","2,212","2,213","2,214","2,215","2,216","2,217","2,218","2,219","2,220","2,221","2,222","2,223","2,224","2,225","2,226","2,227","2,228","2,229","2,230","2,231","2,232","2,233","2,234","2,235","2,236","2,237","2,238","2,239","2,240","2,241","2,242","2,243","2,244","2,245","2,246","2,247","2,248","2,249","2,250","2,251","2,252","2,253","2,254","2,255","2,256","2,257","2,258","2,259","2,260","2,261","2,262","2,263","2,264","2,265","2,266","2,267","2,268","2,269","2,270","2,271","2,272","2,273","2,274","2,275","2,276","2,277","2,278","2,279","2,280","2,281","2,282","2,283","2,284","2,285","2,286","2,287","2,288","2,289","2,290","2,291","2,292","2,293","2,294","2,295","2,296","2,297","2,298","2,299","2,300","2,301","2,302","2,303","2,304","2,305","2,306","2,307","2,308","2,309","2,310","2,311","2,312","2,313","2,314","2,315","2,316","2,317","2,318","2,319","2,320","2,321","2,322","2,323","2,324","2,325","2,326","2,327","2,328","2,329","2,330","2,331","2,332"],"ٞ":{"2":[1,2],"11":[3],"13":[4],"50":[5],"70":[6],"89":[7],"96":[8],"118":[9],"131":[10],"141":[11],"151":[12],"160":[13],"170":[14],"176":[15],"182":[16],"189":[17],"200":[18],"217":[19],"232":[20],"250":[21],"259":[22],"279":[23],"296":[24],"305":[25],"320":[26],"339":[27],"353":[28],"362":[29],"373":[30],"378":[31,32],"389":[33],"396":[34],"409":[35],"422":[36],"433":[37],"443":[38],"452":[39],"462":[40],"472":[41],"480":[42],"491":[43],"512":[44],"520":[45],"527":[46],"538":[47],"540":[48],"547":[49],"553":[50],"556":[51],"560":[52],"566":[53],"573":[54],"580":[55],"588":[56],"591":[57],"593":[58],"596":[59],"599":[60],"602":[61],"609":[62],"613":[63],"621":[64],"635":[65],"643":[66],"658":[67],"674":[68],"677":[69],"681":[70],"688":[71]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"ـ[إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد]ـ\nالمؤلف: صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان\nالناشر: مؤسسة الرسالة\nالطبعة: الطبعة الثالثة، ١٤٢٣هـ ٢٠٠٢م\nعدد الأجزاء: ٢\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]\n_________\nالكتاب مرتبط بنسخة مصورة لطبعة أخرى لنفس الناشر (مؤسسة الرسالة)، وننبه أن طبعة نسخة الشاملة أحدث من طبعة النسخة المصورة","vol":"1","page":null},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>المجلد الأول</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2>المقدمة</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\nالحمد لله الذي خلق الخلق ليعبدوه، وأسبغ عليهم نعمه ليشكروه.\nوالصلاة والسلام على نبينا محمد، دعا إلى توحيد الله وصبر على الأذى في سبيل ذلك حتى استقرت عقيدة التّوحيد، واندحر الشرك وأهله.\nوعلى آله وأصحابه الذين اقتفوا أثره وساروا على نهجه، وجاهدوا في الله حق جهاد.\nأما بعد:\nفإن التّوحيد هو الأصل في بني آدم، والشرك طارئ ودخيل، كما قال ابن عباس ﵄: \"كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على التّوحيد\".\nوأول ما حدث الشرك في الأرض في قوم نوح لما غلوا في الصالحين، وصوروا صورهم، فآل بهم الأمر إلى أن عبدوهم من دون الله، فبعث الله نبيه نوحًا ﵊ ينهى عن الشرك ويأمر بعبادة الله وحده لا شريك له، وجاء الرسل من بعده كلهم على هذا النمط، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُو نِ﴾ (٢٥) .\nوأما الشرك في قوم موسى فحدث عندما اتخذوا العجل، وكان موقف كليم الله موسى وأخيه هارون ﵉ معهم ما قصه الله في كتابه.\nوأما الشرك في النصارى فحدث بعد رفع المسيح ﵇ إلى السماء، على يد اليهودي (بولس)، الذي أظهر الإيمان بالمسيح مكرًا وخداعًا، فأدخل في دين النصارى التثليث وعبادة الصليب، وكثيرًا من الوثنيات.\nوأما الشرك في بني إسماعيل ﵇ وهم العرب فحدث على يد عمرو بن لحي","vol":"1","page":5},{"text":"الخزاعي، الذي غير دين إبراهيم ﵇ وجلب الأصنام إلى أرض الحجاز، وأمر بعبادتها.\nوأما الشرك في بعض المسلمين فحدث على يد الشيعة الفاطميين بعد المائة الرابعة، حينما بنوا المشاهد على القبور، وأحدثوا بدعة الموالد في الإسلام، والغلو في الصالحين.\nوكذلك عندما حدث التصوف المنحرف المتمثل بالغلو في المشايخ وأصحاب الطرق.\nولكن الله سبحانه قد تكفل بحفظ هذا الدين بعد رسول الله ﷺ على يد العلماء المصلحين والدعاة المجددين، الذين يبعثهم الله على رأس كل مائة سنة، كما في الحديث، فبقي للحق أنصاره وللدين حماته، كما قال النبي ﷺ: \"لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله ﵎ وهم على ذلك\".\nولهذا يقول الإمام أحمد بن حنبل ﵀ في مقدمة كتابه: الرد على الجهمية: \"الحمد لله الذي جعل في وقت كل فترة من الرسل بقايا من أهل العلم؛ ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، ويدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، فكم من ضال قد هدوه، وكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، فما أحسن أثرهم على الناس وأقبح أثر الناس عليهم\".\nومن هؤلاء الذين وصفهم الإمام أحمد بهذه الأوصاف العظيمة؟ شيخ الإسلام الإمام المجدد الشيخ: محمد بن عبد الوهاب ﵀، فقد وقف موقفًا عظيمًا، من مواقف هؤلاء الأئمة في مواجهة التغيرات التي حدثت في مجتمعه؛ من انحراف في العقيدة، وانقسام في الحكم، واستشراء للعادات الجاهلية في الحاضرة والبادية، شرك في العبادة، ومخالفات للشرع في الحكم بين الناس، ورواج لسوق الشعوذة والسحر، وتعطيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ رغم كثرة وجود العلماء فيهم؛ المتبحرين في مسائل الفقه الفرعية، لكن العبرة ليست بوجود العلماء ووفرتهم دون أن يكون لهم أثر فعال في الإصلاح،\nفبنوا إسرائيل هلكوا وفيهم العلماء، فما لم يقم علماؤهم بما أوجب الله عليهم من النصح والإصلاح تسلط عليهم الشيطان. قال- تعالى-: ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبئْسَ مَا","vol":"1","page":6},{"text":"كَانُوا يَعْمَلُونَ (٦٢) لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الأِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ (٦٣) .\nإنه لما وقف هذا الإمام من مجتمعه المنحرف موقف الصدق والنصيحة؛ خلص هذا المجتمع مما وقع فيه من أسباب هلاكه، مع أنه رجل واحد، ولكن كما قيل:\nوالناس ألف منهموا كواحد ... وواحد كالألف إن أمر عنى\nوهكذا سنة الله لا تتغير، فالأمة لا تنهض من كبوتها ولا تستيقظ من رقدتها إلاّ بتوفيق الله ثم بجهود علمائها المخلصين ودعاتها الناصحين، ورحم الله الإمام مالكًا حيث يقول: \"لا يصلح آخر هذه الأمة إلاَّ ما أصلح أولها\".\nوما امتازت هذه الأمة على غيرها من الأمم إلا بقيامها بالإصلاح والدعوة إلى الله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١٠٤) .\n* الشيخ محمد بن عبد الوهاب و(كتاب التّوحيد):\nهو الإمام العلامة، والمجاهد الصابر، والداعي إلى الله على بصيرة، والمجدد لدين الله في القرن الثاني عشر من هجرة المصطفى ﷺ؛ الشيخ: محمد بن عبد الوهاب بن سليمان المُشَرَّفي التميمي النجدي.\nولد في العيينة سنة ١١١٥هـ، ونشأ في بيت علم ورئاسة وشرف، فأبوه عبد الوهاب كان فقيهًا قاضيًا، وجده سليمان كان مفتي بلاد نجد ورئيس علمائها، وأعمامه وأبناء أعمامه كانوا أهل رفعة وعلم ومكانة، كانت بلدته العيينة وما جاورها من بلاد نجد تعج بالعلماء، الذين كانوا على صِلَة وثيقة بعلماء الحنابلة في الشام وفلسطين وغيرها فكان فيهم فقهاء متبحرون في الفقه. حفظ الشيخ محمد القرآن صغيرًا، وقرأ الفقه والتفسير والحديث على أبيه وعلماء بلده، حتى ألم بما عندهم في وقت يسير، مع التروي والمناقشة والتدقيق، حتى أعجب به والده ومشايخه وزملاؤه.\nثم تطلع إلى المزيد من العلم فأقبل على كتاب الله، وتفسيره قراءة وتدبرًا","vol":"1","page":7},{"text":"واستنباطًا، وعلى سنة الرسول ﷺ وسيرته، واستنتج منهما الاستنتاجات العجيبة، وقد دوَّن هذه الاستنباطات المفيدة في كتبه ورسائله وفتاويه، وعكف على كتب الشيخين: شيخ الإسلام ابن تيمية. والشيخ الإمام ابن القيم، خصوصًا كتب العقيدة.\nثم علت به همته وطموحاته فسافر إلى علماء الحرمين وعلماء الأحساء وعلماء البصرة في العراق، والتقى بهم، وأخذ عنهم علمًا غزيرًا في الفقه والحديث وعلومه، حتى تضلع بالعلم، وأخذه عن كل من تمكن من الالتقاء به من علماء عصره، ومطالعة كتب من تقدمهم من الأئمة المحققين، ودراسة التفسير والحديث دراسة فاحصة مدققة.\nوعندما نظر إلى واقع أهل عصره وجد البون شاسعًا بين هذا الواقع وبين ما دل عليه الكتاب والسنة، وما كان عليه أئمة السلف الصالح في الاعتقاد والمنهج.\nفالعلماء في وقته في الغالب مشغولون بدراسة الفقه وعقائد علماء الكلام المخالفة لاعتقاد السلف، دون تمييز بين الصحيح والسقيم.\nوالعامة منهمكون في البدع والخرافات والشركيات ودعاء الأموات، دون أن يهب أحد من العلماء-فيما نعلم- لإصلاح هذا الواقع الأليم، والمرتع الوخيم.\nعند ذلك لم يسع الشيخ محمدًا رحمه السكوت عن التغيير والإنكار، والدعوة إلى الإصلاح، والعودة إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وتصفية العقيدة الإسلامية مما علق بها، وغير وجهها وبهجتها، وعكَّر صفوها ونظرتها.\nفعزم على القيام بالدعوة إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، وباشر الدعوة في بلدة- حريملاء- التي استقر بها والده، ثم طورد منها ثم ذهب إلى العيينة ولم يستقر فيها فذهب إلى الدرعية فوجد فيها القبول والترحيب على يد أميرها: محمد بن سعود ﵀ ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْر ًا﴾ (٣)\nفواصل الشيخ ﵀ عمله في الدعوة إلى الله، وراسل علماء البلدان وأمراءها يدعوهم إلى الله، ويبين لهم ما هم واقعون فيه من مخالفات، وألف الكتب، وأجاب عن استشكالات من التبس عليهم الحق بالباطل؛ فاستجاب لدعوة الشيخ من كان رائده الحق، وعاند من كان دافعه التعصب للباطل، فلم ير الشيخ ﵀ بدًا من جهاد هؤلاء بالحجة واللسان من قبله وبالسيف والسنان من قبل ولاة الأمر من آل سعود أثابهم الله.","vol":"1","page":8},{"text":"فكتب الله له النصر، ولدعوته الامتداد والانتشار؛ نتيجة لجهاد الإمامين: محمد بن عبد الوهاب، ومحمد بن سعود- هذا بالحجة واللسان، وهذا بالسيف والسنان، وهكذا إذا اجتمع كتاب الله وسيف الجهاد انتصر الحق واندحر الباطل، قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٢٥) .\nولقد صدق الشاعر حيث يقول:\nوما هو إلاَّ الوحي أو حد مرهف ... تزيل ضباه أخدعي كل مائل\nفهذا شفاء للقلوب من العمى ... وهذا شفاء العي من كل جاهل\nوما هي إلا فترة وجيزة حتى دانت العباد والبلاد لدعوة الحق، واستقامت فيها عقيدة التّوحيد، وامتد خيرها عبر الزمان والمكان إلى البلاد البعيدة والأجيال اللاحقة، فلا يزال صداها يتردد، وخيرها يتجدد.\nوكان من أعظم ثمارها: قيام دولة التّوحيد، وتحكيم الشريعة الغراء، التي توالت- ولا تزال- ولله الحمد على هذه البلاد مهما عارضها من معوقات واعترض في طريقها من عقبات: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ﴾ .\nلقد لقي الشيخ ﵀ كغيره من الدعاة المصلحين معارضات من خصومه واتهامات باطلة.\nفقيل عنه: إنه يريد الملك والسيطرة والتسلط.\nوهذا قيل في حق الرسل عليهم الصلاة والسلام: إن هو إلاَّ رجل ﴿يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾، ﴿وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الأَرْضِ﴾ فكيف بأتباعهم؟\nوقيل: إنه جاء بمذهب خامس، ولذلك صاروا يلقبون أتباعه بـ (الوهابية) لأنه دعا إلى ما يخالف ما ألفوه من البدع والشركيات.\nوهذه فرية يكذبها واقع دعوته وكتبه وفتاويه، وأنه في الاعتقاد على عقيدة السلف، وفي الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، لم ينفرد عن المذاهب الأربعة بقول واحد، فكيف يكون له مذهب خاص؟ ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ .\nومن أراد معرفة الشبهات التي أثيرت حوله وحول دعوته فليراجع كتبة، وما","vol":"1","page":9},{"text":"أجاب به عن تلك الشبه، والحق واضح ولله الحمد وضوح الشمس لا يغطيه الكذب والتلبيس فلا يعتمد على كلام خصومه فيه وفي دعوته.\nومنهم من أنكر ما قام به الشيخ من تجديد وإصلاح، وقال: إن حالة أهل نجد في وقته كانت على الاستقامة والصلاح، وفيهم علماء ووعي، وما ذُكر عن دعوة الشيخ وعن فساد الأحوال قبل دعوته إنما هو تهويل من المؤرخين، وتعتيم على الواقع.\nورد مثل هذا الهراء والجحود لما هو معلوم ومتواتر، لا يحتاج إلى كثير عناء.\nوكتب خصومه من معاصريه وغيرهم تعج بالافتراءات والدعوة إلى الباطل. وما أظن هذه الفكرة إلا من إيحاء المستشرقين.\nوليس يصح في الأذهان شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل\nومنهم من يقول: إن الشيخ لا يعتبر مجددًا لأنه حنبلي مقلد.\nوكأن هذا القائل يرى أن العالم لا يكون مجددًا حتى يخرج على المذاهب الأربعة وعن أقوال الفقهاء، ومثل هذا لا يعرف معنى التجديد، فهو يهرف بما لا يعرف.\nإن التجديد معناه: إزالة ومحاربة ما علق بالدين من خرافات وشركيات ومبتدعات ما أنزل الله بها من سلطان، وبيان الدين الحق والمعتقد السليم. كما كان عليه رسول الله ﷺ، وليس من شرط ذلك أن يخرج المجدد على المذاهب الأربعة وأقوال الفقهاء ويأتي بفقه جديد.\nوها هم الأئمة من المحدثين الكبار كانوا مذهبيين، فشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم كانا حنبليين، والإمام النووي وابن حجر كانا شافعيين، والإمام الطحاوي كان حنفيًا، والإمام ابن عبد البرّ كان مالكيًا.\nليس التمذهب بأحد المذاهب الأربعة ضلالًا حتى يعاب به صاحبه، ولا نقصًا في العلم. بل إن الذي يخرج عن أقوال الفقهاء المعتبرين وهو غير مؤهل للاجتهاد المطلق هو الذي يعتبر ضالًا وشاذًا.\nوالشيخ ﵀ لا يأخذ قول المذهب الذي ينتسب إليه قضية مسلمة حتى يعرضه على الدليل، فما وافق الدليل أخذ به، ولو لم يكن في المذهب الذي يقلّده إذا وافق قول أحد الأئمة الآخرين، لأن هدفه موافقة الدليل، وهذا في حد ذاته يعتبر تجديدًا في الفقه- أيضًا- بخلاف التقليد الأعمى والتعصب الممقوت.","vol":"1","page":10},{"text":"وأما (كتاب التّوحيد الذي هو حق الله على العبيد) فهو من أعظم مؤلفات الإمام المجدد الشيخ: محمد بن عبد الوهاب.\nألَّفه في بيان توحيد الألوهية، وهو إفراد الله بالعبادة وترك عبادة ما سواه، والبراءة من ذلك، وبيان ما يناقضه من الشرك الأكبر، أو ينقص كماله الواجب أو المستحب من الشرك الأصغر.\nوخص الشيخ هذا النوع من التّوحيد لأنه هو الذي يدخل في الإسلام، ويُنجي من عذاب الله، وهو التّوحيد الذي بعثت به الرسل وأُنزلت به الكتب، وخالف فيه المشركون في كل زمان ومكان.\nوأما توحيد الربوبية فقد أقر به المشركون، ولم يدخلهم في الإسلام، ولم يحرم دماءهم وأموالهم. ولا ينجيهم من النار، وإنما هو دليل وبرهان لتوحيد الألوهية.\nوإن كان علماء الكلام قد أتعبوا أنفسهم في تحقيق هذا النوع، وبنوا عليه مؤلفاتهم في العقائد، وهو تحصيل حاصل، وسعي بلا طائل، وليس هو التّوحيد الذي جاءت به الرسل، وإنما التّوحيد الذي جاءت به الرسل ودعت إليه هو توحيد الألوهية. كما قال- تعالى-: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ولذلك جعل الشيخ موضوع هذا الكتاب الذي نحن بصدد شرحه في توحيد الألوهية، وقسمه إلى أبواب، وأورد في كل باب ما يشهد له من الآيات والأحاديث، فهو مبني على الكتاب والسنة: قال الله، قال رسوله، كما قال الشاعر:\nالعلم قال الله قال رسوله ... قال الصحابة ليس خلف فيه\nما العلم نصبك للخلاف سفاهة ... بين النصوص وبين رأي فقيه\nولم يورد الشيخ ﵀ في هذا الكتاب إلاَّ ما صح من الأحاديث، أو كان حسن الإسناد، أو هو ضعيف الإسناد وله شواهد تقوّيه. أوهو داخل تحت أصل عام يشهد له الكتاب والسنة، مما ترجم له الشيخ في أبواب الكتاب.\nثم إن الشيخ ﵀ يذكر في آخر كل باب ما يستفاد من الآيات والأحاديث التي أوردها فيه من مسائل العقيدة؛ مما يعتبر فقهًا لنصوص الباب، بحيث يخرج القارئ بحصيلة علمية جيدة من كل باب.\nإن هذا الكتاب مبني على الكتاب والسنة، ولم يبنَ على قواعد المنطق","vol":"1","page":11},{"text":"ومصطلحات المتكلمين التي خطؤها أكثر من صوابها؛ إن كان فيها صواب. فالقرآن الكريم كله في التّوحيد، لأنه إما أمر بعبادة الله وترك عبادة ما سواه. وإما بيان لجزاء الموحدين، وعقاب المشركين في الآخرة. وإما بيان لنصر الله للموحدين وعقوبته للمشركين في الدنيا. وإما أمر بالطاعة ونهي عن المعصية وذلك من حقوق التّوحيد ومكملاته. وإما أمر بموالاة الموحدين والبراءة من المشركين. وذلك من لوازم التّوحيد. وإما خبر عن الله وأسمائه وصفاته. وذلك مما يوجب محبته والخوف منه ورجاء ما عنده-فالقرآن الكريم- كما يقول العلامة ابن القيم كله توحيد.\n* شروح الكتاب:\nلقد نفع الله بهذا الكتاب، وصار الطلاب يحفظونه، والعلماء يشرحونه ويوضحونه.\nوأول من شرحه حفيد المؤلف، الشيخ: سليمان بن عبد الله، بشرح واف، لكنه توفي ﵀، قبل أن يتمه. واسم شرحه: تيسير العزيز الحميد.\nفجاء حفيد الشيخ الآخر، الشيخ: عبد الرحمن بن حسن، فهذب هذا الشرح، وأتمه. واسم شرحه: فتح المجيد.\nثم اختصر هذا الشرح بعدة مختصرات:\nمنها: مختصر الشيخ: حمد بن عتيق واسم مختصره: إبطال التنديد.\nومختصر الشيخ: عبد الرحمن بن قاسم في حاشيته\nومختصر الشيخ: سليمان بن حمدان. وله شروح أخرى قديمة وحديثة.\nوهناك كتابات حوله لباحثين جامعيين.\nنسأل الله أن يكتب الاستمرار لنفع هذا الكتاب في الأجيال اللاحقة، كما انتفعت به الأجيال السابقة.\n* قصتي مع هذا الكتاب:\nدرّست هذا الكتاب في الرياض وفي الطائف أثناء الإجازة الصيفية، وكان بعض الطلاب يسجلون تلك الدروس، وتشاركهم إحدى دور التسجيل، وعندما أنهيت الكتاب- والحمد لله-، وانتشرت تسجيلاته كثرت عليَّ الطلبات في تفريغها من الأشرطة وطباعتها على شكل شرح للكتاب، وكنت أرفض هذه الطلبات وأعتذر","vol":"1","page":12},{"text":"بأن الكتاب- ولله الحمد- قد شرح بشروح كثيرة وكافية، وما جئت بجديد، إلاَّ أنها لما كثرت عليَّ الطلبات في ذلك، قلت: لعل في تحقيق رغبة أصحابها خيرًا: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾، فأذنت بتفريغ الأشرطة، وكتابة ما فيها، وأشرفت على ذلك، وهذبته ونقحته حسب استطاعتي، وها هو بين يديك أيها القارئ، فما وجدت فيه من خير فهو من الله، وما وجدت فيه من نقص أو خطأ فهو بسبب تقصيري وقصوري، وأنت تفعل خيرًا إذا نبهتني وأعنتني على إصلاحه.\nوأسأل الله لي ولمن كان سببًا في إخراج هذا الكتاب التوفيق للعلم النافع والعمل الصالح.\nوصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.\nالمؤلف","vol":"1","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>مقدمة الشارح</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\nالحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.\nوبعد:\nفإن عقيدة التّوحيد هي أساس الدين، وكل الأوامر والنواهي والعبادات والطاعات كلها مؤسسة على عقيدة التّوحيد، التي هي معنى شهادة أن لا إله إلاَّ الله، وأن محمدًا رسول الله، الشهادتان اللتان هما الركن الأول من أركان الإسلام؛ فلا يصح عملٌ، ولا تقبل عبادةٌ ولا ينجو أحد من النار ويدخل الجنة؛ إلاَّ إذا أتى بهذا التّوحيد، وصحّح العقيدة.\nولهذا كان اهتمام العلماء﵏- في هذا الجانب اهتمامًا عظيمًا؛ لأنه هو الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، كما يأتي شرحه- إن شاء الله، ثم بعد ما تصح العقيدة فإنه حينئذٍ يُطلب من الإنسان أن يأتي ببقية الأعمال.\nولهذا سيأتي في الحديث: أن النبي ﷺ لما بعث معاذًا إلى اليمن، قال له: \"إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب؛ فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلاَّ الله، وأن محمدًا رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة\" أإلى آخر الحديث.\nالشاهد منه: \"فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلاَّ الله\".\nوقال ﷺ: \" أُمِرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلاَّ الله؛ فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله ﷿\".\nفدلّ هذا على أن عقيدة التّوحيد هي الأساس الذي يجب العناية به أولًا وقبل","vol":"1","page":15},{"text":"كل شيء، ثم بعدما يتحقق فإنه يتوجه إلى بقية أمور الدين، وأمور العبادات.\nولهذا- كما ذكرنا- كان اهتمام العلماء﵏- بهذا الجانب اهتمامًا عظيمًا، ألَّفوا فيه كتبًا كثيرة، مختصرة ومطوّلة، سموها: (كتب التّوحيد)، أو (كتب العقيدة) أو (كتب السنة) .\nومن هذه الكتب هذا الكتاب الذي بين أيدينا، وهو:\n(كتاب التّوحيد الذي هو حق الله على العبيد)\nتأليف شيخ الإسلام المجدد في القرن الثاني عشر من الهجرة النبوية. الشيخ: محمد بن عبد الوهاب ﵀.\nوهذا الكتاب من أنفس الكتب المؤلَّفة في باب التّوحيد؛ لأنه مبني على الكتاب والسنة، بحيث إنه ﵀، يورد في كل باب من أبوابه آيات من القرآن وأحاديث من السنة الصحيحة السند أو المعنى، وكلام أهل العلم الأئمة؛ الذين بَيَّنوا معاني هذه الآيات وهذه الأحاديث، فعل هذا في كل باب من أبواب الكتاب.\nفلم يكن هذا الكتاب قولًا لفلان أو فلان، أو أنه كلام من عند المؤلف، وإنما هو كلام الله وكلام رسول الله، وكلام أئمة هذه الأمة من الصحابة والتابعين وغيرهم من الأئمة المقتدى بهم.\nفتأتي أهمية هذا الكتاب من هذه الناحية؛ انه مبني على الكتاب والسنة من الآيات والأحاديث، فلا يقال: إن هذا كلام فلان، أو كلام ابن عبد الوهاب، بل يقال: هذا كلام الله وكلام رسول الله، وكلام أئمة الإسلام.\nوهكذا ينبغي أن يكون التأليف.","vol":"1","page":16},{"text":"قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀:\nبسم الله الرحمن الرحيم\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>[الباب الأول:] * كتاب التّوحيد</span>\nــ\nقال ﵀: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ بدأ كتابه بـ \" ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ \"؛ اقتداء بالنبي ﷺ، حيث كان يكتب \" ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ \" في أول رسائله إلى الناس، وكان يبدأ﵊- أحاديثه مع أصحابه بـ \" ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ \".\nوقال ﷺ: \"كل أمر ذي بال لا يُبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم؛ فهو أبتر\" أي: ناقص البركة. وفي رواية: \"بالحمد لله\".\nوكما كتبها سليمان ﵇ فيما ذكر الله عنه لمّا كتب إلى بلقيس ملكة سبأ، وقرأت الكتاب على قومها: ﴿قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ .\nفالبداءة بـ \" ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ \" في الأمور المهمّة في المؤلَّفات، والخطب، والمحاضرات، والأكل والشرب، وجميع الأمور التي هي من الأمور المهمة؟ تُبدأ بـ\" ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ \" تبركًا بهذه الكلمة العظيمة، وافتتاحًا للأمور بها.\nومن هنا نعلم أن هؤلاء الذين لا يكتبون \" ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ \" في أول مؤلفاتهم في هذا العصر؛ أنهم قد خالفوا السنة، واقتدوا بالغربيين، وإلاَّ فإن المشروع في حق المسلم أن يبدأ بهذه الكلمة في أموره؛ في مؤلفاته، في خطبه، في محاضراته، في رسائله، إلاَّ أن هذه الكلمة لا تُكتب أمام الشعر الذي فيه هجاء أو فيه ذَم، ولا تُكتب أمام الكلام الذي فيه سِباب أو شتم أو كلام قبيح، تُنزّه هذه الكلمة، لا تُكتب أمام الشعر، وأعني: الشعر غير المحترم، أما الشعر النزيه الطيب فلا بأس، كذلك لا تُكتب أمام الهجاء، وأمام السب والشتم، وإنما تكتب أمام الكلام النزيه، ولهذا جاءت هذه الكلمة العظيمة في مبدأ كل سورة من سور القرآن","vol":"1","page":17},{"text":"العظيم، سوى براءة والأنفال فإنها لم تأتِ بينهما؛ وقد أجاب أهل العلم عن ذلك، والله أعلم أنهما سورة واحدة، لأنهما في موضوع القتال، فهما في موضوع واحد وكأنهما سورة واحدة، أما في بقية السور فإنها تأتي في أول ومطلع كل سورة.\nومعناها- كما قرر أهل العلم-: \" ﴿بِسْمِ اللهِ﴾ \" الجار والمجرور متعلق بمحذوف يجب أن يكون مؤخَّرًا، تقديره: أستعين، بـ \" ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ \"، أو أبتدئ بـ \" ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ \" كتابي ومؤلَّفي، أو ابتدئ كلامي بـ \" ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ \"، فالجار والمجرور متعلق بمحذوف مؤخر.\nو\" ﴿اللهِ﴾ الله\" عَلَمٌ على الذات المقدّسة، وهو لا يُسمّى به غير الرّب ﷾، لا أحد تسمّى بهذا الاسم أبدًا، حتى الجبابرة، حتى الطواغيت والكفرة، ما أحد منهم سمّى نفسه \" ﴿اللهِ﴾ \" أبدًا، فرعون قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ ما قال: أنا الله، مع كفره لم يجرؤ أن يسمّي نفسه هذا الاسم\" ﴿اللهِ﴾ \"، وإنما هذا خاص بالله ﷾.\nو\"الله\" معناه: ذو الألوهية، والألوهية معناها: العبادة، يقال: أَلَهَ يألَهُ: بمعنى: عبَد يعبُد، فالألوهية معناها: العبادة، فـ\" ﴿اللهِ﴾ معناه: ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين، كما جاء في الأثر عن ابن عباس ﵁.\nو\" ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ \" اسمان لله ﷿ يتضمنان الرحمة، والرحمة صِفة لله ﷿، وكل اسم لله فإنه يتضمن صِفة من صفاته ﷾.\nو\" ﴿الرَّحْمَنِ﴾ \": رحمة عامة لجميع المخلوقات.\nو\" ﴿الرَّحِيمِ﴾ \": رحمة خاصة بالمؤمنين، كما قال- تعالى-: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ .\nفـ \" ﴿الرَّحْمَنِ﴾ \": رحمة عامة لجميع المخلوقات، حتى الكفار والبهائم والدواب إنما تعيش برحمة الله، وسخّر الله بعضها لبعض من رحمته ﷾، فهي رحمة عامة لجميع الخلق، بها يتراحمون، حتى إن البهيمة ترفع رجلها عن ولدها رحمة به.\nوأما \" ﴿الرَّحِيمِ﴾ \" فإنه رحمة خاصة بالمؤمنين ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ .\nوالرحمة: صِفة من صفات الله ﷿ تليق بجلاله- سبحانه- ليست كرحمة","vol":"1","page":18},{"text":"المخلوق، وإنما هي كسائر صفاته ﷾، نصِفه بها كما وصف بها نفسَه، ولكن لا نشبّه رحمته -سبحانه- برحمة خلقه.\nثم قال بعد ذلك: \"كتاب التّوحيد\".\nقد يسأل سائل فيقول: لماذا لم يبدأ كتابه بالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على النبي ﷺ؟\nالجواب: أنه اكتفى ﵀ بـ\" ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ \"؛ فإنها كافية في الثناء على الله ﷾، وكافية بالابتداء.\nهذا جواب.\nوالجواب الثاني كما ذكر الشارح العلامة الشيخ: عبد الرحمن بن حسن ﵀ يقول: \"عندي نسخة بخط المؤلِّف فيها أنه بدأ هذا الكتاب بقوله: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد) .\nفإذًا؛ يكون في هذه النسخة جمع بين الفضيلتين؛ البداءة بـ\" ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ \"، والبداءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وهذا أكمل بلا شك، ثم قال: \"كتاب التّوحيد\".\n\"كتاب\": مصدر كَتَبَ، والكَتْب في اللغة معناه: الجمعُ، سُمّيَ الكتاب كتابًا لأنه جمع الكلمات والنصوص، ففيه معنى الجمع، ولذلك سُمّي كتابًا، ومنه \"الكتيبة\" من الجيش، لأنها تجمع أفرادًا من الجنود، ومنه سُمَي الخرّاز كاتبًا؛ لأنه يجمع بين الرقاع.\nو\"التّوحيد\" فصدر وَحَّدَ توحيدًا، ومعناه: إفراد الله ﷾ بالعبادة؛ فمن أفرد الله بالعبادة فقد وَحَّده، يعني: أفرده عن غيره، يقال: وَحَّد وَثَنَّى وَثَلّث، وَحَّد معناه: جعل الشيء واحدًا، وثَنّى يعني: جعل الشيء اثنين، وثَلّث: جعل الشيء ثلاثة، إلى آخره.\nفـ\"التّوحيد\" معناه لغةً: إفراد الشي عن غيره.\nأما معناه شرعًا: فهو إفراد الله- تعالى- بالعبادة. هذا هو التّوحيد شرعًا.\nو\"التّوحيد\" ثلاثة أنواع- على سبيل التفصيل-:","vol":"1","page":19},{"text":"النوع الأول: توحيد الربوبية، وهو: إفراد الله- تعالى- بالخلق، والرزق، والتدبير، والإحياء، والإماتة، وتدبير الخلائق. هذا توحيد الربوبية، أنه لا خالق، ولا رازق، ولا محيي، ولا ضار، ولا نافع؛ إلا الله ﷾. هذا يُسمّى: توحيد الربوبية، وهو: توحيده بأفعاله ﷾، فلا أحد يخلق مع الله، ولا أحد يرزق مع الله، ولا أحد يحي ويميت مع الله ﷾.\nوهذا النوع من أقرّ به وحده لا يكون مسلمًا؛ لأنه قد أقرّ به الكفار، كما ذكر الله - جل وعلا- في القرآن في آيات كثيرة: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ \" ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُون َ﴾ (٣١) \" ﴿أَمَّنْ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ﴾، إلى غير ذلك من الآيات التي أخبر الله أن المشركين يقرّون بأن الله هو الخالق، والرازق، والمحيي، والمميت، ومع هذا لا يكونون مسلمين، لماذا؟ لأنهم لم يأتوا بالنوع الثاني، الذي هو مدار المطلوب.\nالنوع الثاني: توحيد الألوهية، ومعناه: إفراد الله- تعالى- بالعبادة، هذا غير إفراده بالخلق والرزق والتدبير، بل إفراد الله بالعبادة؛ بأن لا يُعبَد إلا الله ﷾ لا يُصَلّى، ولا يُدعى، ولا يُذبَح، ولا يُنذَر، ولا يُحَج، ولا يُعتَمر، ولا يُتصَدق، ولا ... إلى آخره؛ إلا لله ﷾، يبتغى بذلك وجه الله ﷾.\nوهذا هو الذي وقعت الخصومة فيه بين الرسل والأمم.\nأما الأول فما وقعت فيه خصومة، لأن الأمم مقِرّة بأن الله هو الخالق الرازق، المحيي المميت، المدبر، ولم يُنكِر توحيد الربوبية إلاَّ شُذّاذ من الخلق، أنكروه في الظاهر، ولكنهم مستيقنون به في الباطن، من ذلك: فرعون، وإن كان جحد وجود الرّب ﷾، وقال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ فهذا في الظاهر، وإلاَّ فهو يقر في قرارة نفسه أنه ليس برب، وأنه لا يخلق، ولا يرزق، وإنما في قرارة نفسه يعترف بأن الله هو الخالق الرازق، كذلك الشيوعية في عصرنا الحاضر جحودها للرّب، هذا في الظاهر، وإلا كل عاقل يعلم أن هذا الكون ما وُجِدَ من دون خالق، ومن دون مدبِّر، ومن دون موجد، أبدًا، كل عاقل يعترف بتوحيد الربوبية.","vol":"1","page":20},{"text":"أما توحيد الألوهية والعبادة، فهذا قَلّ من الخلق من أقرّ به، ما أقرّ به إلاَّ المؤمنون أتباع الرسل- عليهم الصلاة والسلام، هم الذين أقرّوا به، أما عموم الكفار فإنهم ينكرون توحيد الألوهية، بمعنى: أنهم لا يفردون الله بالعبادة، حتى وإن أقرّوا بالنوع الأول وهو: توحيد الربوبية وإن عبدوا الله ببعض أنواع العبادة.\nولهذا لما قال لهم النبي ﷺ: \"قولوا: لا إله إلاَّ الله تفلحوا\" قالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥) وَانْطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (٦) مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلاقٌ (٧) أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ (٨) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (٩)﴾، فهم أبوا أن يقولوا ﴿لا إله إلاَّ الله﴾ مع أنهم يعترفون بتوحيد الربوبية، لكن أبوا أن يعترفوا بتوحيد الألوهية، الذي هو إفراد الله بالعبادة، هم يقولون: نحن نعبد الله ونعبد معه غيره من الشفعاء والوسطاء، الذين يقربونهم -بزعمهم- إلى الله زُلفى، اتخذوهم وسائط- بزعمهم، وأبوا أن يفردوا الله- جل وعلا- بالعبادة ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾ هذا في قوم نوح، والوتيرة واحدة من أول الكفار إلى آخرهم ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ .\nوكذلك عُبَّاد القبور اليوم، يقولون: لا تذرُن الحسن والحسين، والبدوي وغيرهم هؤلاء لهم فضل، ولهم مكانة؛ اذبحوا لهم، وانذروا لهم، وطوفوا بقبورهم، وتبرَّكوا بهم، لا تذروهم، لا تطيعوا هؤلاء الجفاة الذين يدعون إلى ترك عبادة القبور، ولا يعرفون حق الأولياء. الوتيرة واحدة مثل قوم نوح: ﴿لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ .\nالحاصل: أن النوع الثاني هو توحيد الألوهية، وهو: إفراد الله- تعالى- بالعبادة، وترك عبادة من سواه، وهذا هو الذي بعث الله به الرسل، وأنزل به لكتب، كما تقرأون في هذه الآيات التي سمعتم وكما في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ ما قال: إلاَّ ليقروا بأني أنا الرّب، لأن هذا موجود ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ما قال: أن أقروا، بأن الله هو الخالق الرازق؛ لأن هذا موجود، وهو وحده لا يكفي.","vol":"1","page":21},{"text":"وهذا النوع- توحيد الألوهية- جحده المشركون، وهم أكثر أهل الأرض في قديم الزمان وحديثه، أبوا أن يتركوا آلهتهم، وأن يفردوا العبادة لله ﷿، ويخلصوا الدين لله ﷿؛ زاعمين أن هذه الوسائط وهؤلاء الشفعاء يشفعون لهم عند الله، وأنهم يقرِّبونهم إلى الله، وأنهم ... وأنهم.. إلى آخره ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ .\nالنوع الثالث: توحيد الأسماء والصفات، بمعنى: أننا نثبت لله ﷾ ما أثبته لنفسه، أو أثبته له رسول الله ﷺ من الأسماء والصفات، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، على حد قوله- تعالى-: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ .\nفنثبت لله الأسماء كما قال- تعالى-: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ .\nوكذلك الصفات، نصِف الله ﷿ بما وصف به نفسه؛ أنه عليم، وأنه رحيم، وأنه سميع بصير، يسمع ويُبصر ﷾، ويعلم، ويرحم، ويغضب، ويُعطي ويمنع، ويخفض ويرفع. وهذه صفات الأفعال.\nوصفات الذات كذلك؛ أن له وجهًا- سبحانه، وأن له يدين، وأن له ﷾ الصفات الكاملة، نثبت لله ما أثبته لنفسه، أو أثبته له رسوله من صفات الذات ومن صفات الأفعال، ولا نتدخل بعقولنا وآرائنا وأفكارنا، ونقول: هذه الصفات أو هذه الأسماء موجودة في البشر، فإذا أثبتناها شبهنا- كما يقوله المعطِّلة، بل نقول: إن لله ﷾ أسماءً وصفات تليق بجلاله ﷾، وللمخلوقين أسماء وصفات تليق بهم، والاشتراك في الاسم، أو الاشتراك في المعنى؛ لا يقتضي الاشتراك في الحقيقة. خذ- مثلًا-: الجنة، فيها أعناب وفيها نخيل- كما ذكر الله، وفيها رمان، وفيها أسماء موجودة عندنا في الدنيا، لكن ليس ما في الجنة مثل ما في الدنيا، أبدًا، ليس النخيل التي في الجنة مثل النخيل التي في الدنيا، الرمان ليس مثل الرمان الذي في الدنيا، وإن اشترك في الاسم والمعنى، كذلك أسماء الله وصفاته وإن اشتركت مع أسماء المخلوقين وصفاتهم باللفظ والمعنى، فالحقيقة والكيفية مختلفة، لا يعلمها","vol":"1","page":22},{"text":"إلا الله ﷾، فلا تشابه إذًا في الخارج والواقع أبدًا، لأن الخالق - سبحانه- لا يشبهه شيء ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ولا يلزم من إثبات الأسماء والصفات التشبيه- كما يقول المعطِّلة والمؤوِّلة، وإنما هذا من قصور أفهامهم، أو ضلالهم، ورغبتهم عن الحق، وإلاَّ كلٍّ يعلم الفرق بين المخلوق والخالق﷾، كما أن المخلوقات نفسها فيها فوارق، فليس- مثلًا- الفيل مثل الهرة والبعوضة أبدًا، وان اشتركت في بعض الصفات، البعوضة لها سمع- مثلًا، والفرس له سمع، البعوضة لها بصر، والفيل والفرس لهما بصر، هل يقتضي هذا أن تكون البعوضة مثل الفيل أو مثل الفرس؟ لا، وإن اشتركت في الأسماء فلا تشترك في الحقائق والمعاني.\nإذا كان هذا الفارق بين المخلوقات، فكيف بين الخالق ﷾ والمخلوقين؟\nنحن نُقِرُ لله ﷾ بما أثبته لنفسه أو أثبته له رسوله، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، الله- تعالى- قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ نفى المثلية وأثبت السمع والبصر؛ فدل على أن إثبات السمع والبصر وغيرهما من الصفات لا يقتضي المثلية ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٧٤)﴾ .\nالله ﷾ لا يشبهه أحد من خلقه.\nهذه أنواع التّوحيد الثلاثة:\nتوحيد الربوبية: وهذا في الغالب لم ينكره أحد من الخلق.\nتوحيد الألوهية: وهذا أنكره أكثر الخلق، ولم يثبته إلاَّ أتباع الرسل- عليهم الصلاة والسلام- كما قال- تعالى-: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ (١١٦)﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ .\nما أثبت توحيد الألوهية إلاَّ أتباع الرسل- عليهم الصلاة والسلام- وهم المؤمنون من كل أمة، هم الذين أثبتوا توحيد الألوهية، وأبى عن الإقرار به المشركون في كل زمان ومكان.","vol":"1","page":23},{"text":"وقول الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ الآية.\nــ\nوالثالث: أثبته أهل السنة والجماعة، فأثبتوا لله الأسماء والصفات، وحرّفها وأوَّلها الجهمية، والمعتزلة، والأشاعرة، ومشتقاتهم من سائر الطوائف التي سارت في ركابهم؛ فهؤلاء منهم من نفاها كلها، منهم من نفى بعضها وأثبت بعضها، المهم أن نعرف مذهب أهل السنة والجماعة في هذا.\nوتقسيم التّوحيد إلى هذه الأنواع الثلاثة مأخوذ من الكتاب والسنة وليس تقسيمًا مبتدعًا كما يقوله الجهال والضلال اليوم ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٨)﴾ وليس مصدر هذا التقسيم علم الكلام وقواعد المتكلمين التي هي مصدر عقائد هؤلاء المخذولين الذين يتكلمون بما لا يعرفون، بل هذا التقسيم مأخوذ بالاستقراء من الكتاب والسنة. فالآيات التي تتحدث عن أفعال الله وأسمائه وصفاته فهي في توحيد الربوبية. والآيات التي تتحدث عن عبادة الله، وترك ما سواه؛ فهي في توحيد الألوهية.\nقوله: \"وقول الله\" بالكسر معطوف على \"التّوحيد\"، وهو مجرور بالإضافة، (وقول الله- تعالى-) معطوف على المجرور، ويجوز الرفع (وقولُ الله- تعالى-) يكون على الابتداء.\n\" ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ \" لاحظوا دِقّة الشيخ ﵀، قال: \"كتاب التّوحيد. وقول الله- تعالى- ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ \" ليُبَيّن لكم ما هو معنى التّوحيد؟، بأن التّوحيد معناه: إفراد الله بالعبادة، وليس معناه: الإقرار بالربوبية، بل معناه: إفراد الله بالعبادة، بدليل هذه الآية وغيرها.\nيقول الله- جل وعلا-: \" ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ \" يُبَيِّن الله ﷾ الحِكمة من خلقه للجن وخلقه للإنس.\nأما ﴿الْجِنَّ﴾ فهم عالم من عالم الغيب، نؤمن بهم، ولكننا لا نراهم، ولذلك سُمُّوا بـ ﴿الْجِنَّ﴾ من الاجتنان وهو الاستتار، ويقال: جَنَّه الليل إذا سَتَرَه، ويقال: الجنين في البطن، لماذا سُمِّي جنينًا؟، لأنه مستتر، فـ ﴿الْجِنَّ﴾، سُمُّوا جنًا لأنهم مستترون عن أبصارنا لا نراهم ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ فهم من عالم","vol":"1","page":24},{"text":"الغيب، والإيمان بهم واجب، ومن جحد وجود الجن فهو كافر؛ لأنه مُكَذِّبٌ لله ورسوله وإجماع الأمة على وجود الجن، وهؤلاء الذين أنكروا وجودهم على أي شيء يعتمدون؟، ما يعتمدون على شيء إلاَّ لأنهم لا يرونهم، وهل كل موجود لابد أن تراه؟ هناك أشياء كثيرة ما تراها وهي موجودة، مثلًا: الروح التي فيك، هل تراها؟، هل الروح التي تحركك؛ تمشي بها وتقعد هل تراها، والعقل موجود ومع هذا لا تراه.\nالحاصل؛ أنه ما كل شيء موجود لابد أننا نراه، هناك أشياء كثيرة وكثيرة وكثيرة لا نراها، وربما تكون تعيش معنا، ولله الحِكمة ﷾، ومن ذلك ﴿الْجِنَّ﴾ وهم عالم عظيم، إلاَّ أننا لا نراهم، وهم مكلّفون مثل الإنس.\nوأما ﴿وَالأِنْسَ﴾ معناها: بنو آدم، من الاستئناس لأنهم يأنس بعضهم ببعض، ويألف بعضهم بعضًا.\nالله ﷾ بَيّن لنا الحِكمة من خلقه الثقلين: الجن والإنس، وهي: أنه إنما خلقهم لشيء واحد، وهو: العبادة، ولهذا جاء بالحصر \" ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ \" حَصَر الحِكمة من خلق الجن والإنس في شيء واحد وهو: أنهم يعبدونه، فالحِكمة من خلق المخلوقات هي: عبادة الله ﷾، خلق الله الجن والإنس للعبادة، وخلق كل الأشياء لمصالحهم، سَخَّرها لهم ليستعينوا بها على عبادته ﷾.\nومعنى ﴿لِيَعْبُدُونِ﴾ أي: يفردوني بالعبادة، أو تقول بعبارة أخرى: ﴿لِيَعْبُدُونِ﴾ ليوحِّدون، لأن التّوحيد والعبادة شيء واحد.\nومع كونه ﷾ خلقهم لعبادته؛ فمنهم من قام بالعبادة وعبد الله، ومنهم من لم يعبد الله، إذ لا يلزم من كونه خلقهم لعبادته أن يعبدوه كلهم، بل يعبده من شاء الله - ﷾- له الهداية، ويكفر به من شاء الله له الضلالة، ومعنى: \" ﴿إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ \" أي: إلاَّ لآمرهم بعبادتي، أو لآمرهم وأنهاهم، كما قال- تعالى -: ﴿أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً (٣٦)﴾ أي: لا يؤمر ولا يُنَهى.\nوما دام أن الله ﷾ خلق الثقلين لعبادته فهذا يدل على أن العبادة هي الأصل، وأن التّوحيد هو الأصل والأساس.","vol":"1","page":25},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ .\nــ\nثم قال- جل وعلا-: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧)﴾ هذا فيه بيان أن الله- جل وعلا- ليس بحاجة إلى عبادتهم، وإنما هم المحتاجون إلى عبادة الله ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾، فالله خلق الثقلين لعبادته، ولكنه- جل وعلا- ليس محتاجًا إلى عبادتهم، إذًا من هو المحتاج إلى العبادة؟. هم العباد أنفسهم.\nولهذا قال: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (٨)﴾، فالله لا تضره معصية العاصي، ولا تنفعه طاعة المطيع، وإنما الطاعة تنفع صاحبها، والمعصية تضر صاحبها، قال- تعالى-: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ وفي الحديث القدسي، أن الله ﷾ يقول: \"يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، ولو أن أولكم وآخركم وأنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئًا\"، وفي ختام الحديث العظيم، قال: \"يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفِّيكم إيّاها؛ فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلاَّ نفسه\".\nوالله يقول: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧)﴾، لا ليتكثَر بهم من قِلّة، ولا ليتعزّز بهم من ذِلَّة ﷾، وإنما خلقهم لعبادته، ومصلحة العبادة راجعة إليهم هم.\nفهذه الآية فيها بيان معنى (التّوحيد) وأنه: العبادة، وليس \"التّوحيد\" المطلوب معناه: الإقرار بالربوبية - كما يقول الضلال، وإنما معناه العبادة، أي إخلاص العبادة لله ﷾.\nقال: \"وقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ \" يُخبرِ ﷾ أنه بعث في كل أمة، و(الأمة) معناها: الجماعة والجيل والطائفة من الناس ﴿فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾، و(الرسول) هو: من أوحي إليه بشرع","vol":"1","page":26},{"text":"وأُمِرَ بتبليغه، والرسل كثيرون، منهم من سَمّى الله- جل وعلا- لنا في القرآن، ومنهم من لم يُسَمِّ لنا ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾، فنحن نؤمن بجميع الرسل من أوّلهم إلى آخرهم، من سمى الله لنا ومن لم يسم، والإيمان بالرسل أحد أركان الإيمان الستة.\n\" ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ \" هذا مثل: \" ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ \"، فكما أن الله خلق الخلق لعبادته كذلك أرسل الرسل- أيضًا- لعبادته ﷾، ما أرسل الرسل يعلمون الناس الفلاحة والزراعة والصناعة، ولا ليعلموهم الأكل والشرب، ولا ليعلموهم أن يقروا بوجود الرب والربوبية، إنما أرسل الرسل ليأمروا الناس بعبادة الله ﷾ الذي هو ربهم، والذي يعترفون أنه ربهم وخالقهم ﷾.\n﴿أَنِ اعْبُدُوا اللهَ﴾ هذا أمر، ﴿وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ هذا أمر بمعنى النهي. والطاغوت: مأخوذ من الطغيان، وهو: مجاوزة الحَدّ في كل شيء، والطاغوت يُطلق ويُراد به الشيطان، وهو رأس الطواغيت- لعنه الله- ويُطلق ويُراد به الساحر والكاهن، والحاكم بغير ما أنزل الله، والذي يأمر الناس باتباعه في غير طاعة الله، فالطاغوت- كما يقول ابن القيم-: \"كل ما تجاوز به العبد حَدّه من معبود أو متبوع أو مطاع في غير طاعة الله فهو طاغوت\".\nفالله أمرنا بعبادته ﷾ واجتناب الطاغوت، والمراد بالطاغوت هنا: كل ما عُبِد من دون الله من الأصنام والأوثان، والقبور والأضرحة وغير ذلك، كلها تسمى طواغيت، لكن من عُبد من دون الله ولم يرضَ بذلك فهذا لا يُسمى طاغوتًا، مثل: عيسى ﵇؛ كذلك: عباد الله الصالحين كالحسن والحسين، والأولياء الذين لم يرضوا أن يُعبَدوا من دون الله؛ هؤلاء لا يسمون طواغيت، ولكن عبادتهم عبادة للطاغوت الذي هو الشيطان، فهؤلاء الذين يعبدون الحسين وأمثاله، هؤلاء يعبدون الشيطان؛ لأنه هو الذي أمرهم بهذا: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾ يعني: الشياطين، ﴿أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ .","vol":"1","page":27},{"text":"فـ \" ﴿وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ \" يعني: كل ما يُعبد من دون الله ﷿.\nوفي الآية الأخرى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ فهذا هو معنى \"لا إله إلاَّ الله\"، لأن \"لا إله إلاَّ الله\" معناها: الكفر بالطاغوت والإيمان بالله، مثل قوله: \" ﴿اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ \" نفيٌ وإثبات.\nولاحظوا قوله:\" ﴿وَاجْتَنِبُوا﴾ \"، ما قال: اتركوا عبادة الطاغوت؛ لأن \"اجتنبوا\" أبلغ؛ يعني: اتركوا كل الوسائل التي توصِّل إلى الشرك ٤ والاجتناب أبلغ من الترك، فالاجتناب معناه: أننا نترك الشيء ونترك الوسائل والطرق التي توصِّل إليه، فهذه الآية فيها: أن الرسل بُعثوا بالتّوحيد، الذي هو عبادة الله وترك عبادة الطاغوت، من أولهم إلى آخرهم.\nإذًا جميع الرسل جاءوا بالدعوة إلى التّوحيد والنهي عن الشرك، هذه مِلَّة الرسل- عليهم الصلاة والسلام-، وهي مِلَّة واحدة، وإن اختلفت شرائعهم، إلاَّ إن أصل دينهم وعقيدتهم هو: التّوحيد، وعبادة الله في كل وقت بما شرع، فمثلًا: الصلاة إلى بيت المقدس في أوّل الإسلام؛ عبادة لله، لأن الله أمر بها، لكن بعدما نُسِخَت وحُوِّلَت القِبلة إلى الكعبة صارت العبادة هي الصلاة إلى الكعبة، والصلاة إلى بيت المقدس أصبحت منتهية، فمن صلى إلى بيت المقدس بعد النسخ يُعتَبر كافرًا، فعبادة الله في كل وقت بما شرعه في ذلك الوقت، وإذا نُسِخ فإنه يُنتَقَل إلى الناسخ ويتُرك الدين المنسوخ، فدين الرسل واحد وإن اختلفت شرائعهم، وقد شبههم النبي ﷺ بالإخوة لعلات، وهم الإخوة من الأب، أبوهم واحد ولكن أمهاتهم مختلفات، كذلك الرسل دينهم واحد وشرائعهم مختلفة، حسب حِكمة الله ﷾، لأن الله يشرع لكل وقت ما يناسبه، ولكل أمة ما يصلحها وهو أعلم ﷾ ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ فما دام الدين لم ينسخ فهو عبادة لله، وإذا نُسِخ فالعبادة لله هي الانتقال إلى الناسِخ وترك المنسوخ.\n﴿فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللهُ﴾ يعني: منهم من أجاب الرسل، ومنهم من أبى، و﴿حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ القدر السابق المقدّر باللوح المحفوظ بسبب كفره وعناده.","vol":"1","page":28},{"text":"وقوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ الآية.\nــ\nقوله: \"وقوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ \" القضاء له عِدة معان، منها: القضاء والقدر، ومنها: الحُكم والشرع، ومنها: الإخبار ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ﴾ يعني: أخبرناهم، ومنها: الفراغ ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ ﴿) فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ﴾ يعني: فرغتم منها. فالقضاء له عدة إطلاقات، المراد منها هنا: الأمر والشرع، و\" ﴿وَقَضَى﴾ \" معناه: شرع \" ﴿أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ \"، والله لم يشرع عبادة غيره أبدًا، لم يشرع عبادة الأصنام، ولم يشرع عبادة الأولياء والصالحين، ولم يشرع عبادة الأضرحة والقبور، ولم يشرع عبادة الأشجار والأحجار، أبدًا، هذا شرعه الشيطان، أما شرع الله فهو عبادة الله -سبحانه- وحده لا شريك له.\nوهذا هو معنى \"لا إله إلاَّ الله \" \" ﴿أَلاَّ تَعْبُدُوا﴾ \" هذا نفي، \" ﴿إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ \" هذا إثبات، فهو معنى \"لا إله إلاَّ الله\" تمامًا.\nولما أمر بحقه- سبحانه- أمر بحق الوالدين: \" ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ \" فيأتي حق الوالدين بعد حق الله ﷾ مباشرة؛ لأن الوالدين هما أعظم محسِن عليك بعد الله- سبحانه- ومعنى \" ﴿إِحْسَانًا﴾ \" يعني: أحسن إليهما كما أحسنا إليك.\nوالشاهد من الآية: \" ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ \" لأنها تفسِّر التّوحيد، وهو: عبادة الله وترك عبادة ما سواه، هذا هو التّوحيد، أما عبادة الله بدون ترك عبادة ما سواه فهذا لا يسمى توحيدًا، فالمشركون يعبدون الله ولكنهم يعبدون معه غيره فصاروا مشركين، فليس المهم أن الإنسان يعبد الله فقط، بل لابد أن يعبد الله ويترك عبادة ما سواه، وإلاَّ لا يكون عابدًا لله، ولا موحِّدًا، فالذي يصلي ويصوم وبحج ولكنه لا يترك عبادة غير الله ليس بمسلم، ولا تنفعه صلاته ولا صيامه ولا حجّه؛ لأنه لم يتمثل قوله- تعالى-: \" ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ \"، \" ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ \" يعني: لا تعبدوا معه غيره، وفي الحديث القدسي عن الله ﷾ أنه يقول: \"أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه\"، وفي رواية: \"فهو للذي أشرك، وأنا منه بريء\".","vol":"1","page":29},{"text":"وقوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ الآية.\nــ\nوالآية الرابعة: \" ﴿وَاعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ \"، الآيات على نَسَق واحد، ومنهجها واحد فـ \" ﴿وَاعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ \" مثل: \" ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ \" تمامًا؛ لأنها تخرج من مِشكاة واحدة \" ﴿وَاعْبُدُوا اللهَ﴾ \" هذا أمر من الله ﷾ بعبادته \" ﴿وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ \" هذا نهي عن الشرك، وهذا هو معنى ﴿لا إله إلاَّ الله﴾، لأن ﴿لا إله إلاَّ الله﴾ معناها: نفي الشرك وإثبات العبادة لله ﷿، ومعنى \" ﴿َاعْبُدُوا اللهَ﴾ \" أي: أخلصوا له العبادة، والعبادة لابد من معرفة معناها، هي: الذل والخضوع، هذا أصلها، في اللغة، يقال: طريق معبَّد يعنى: طريق ذلّلته الأقدام بوطئها.\nوأما العبادة في الشرع فهي كما عرّفها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة\"، فالعبادة هي: فعل ما شرعه الله ﷾. فالصلاة عبادة، والصوم عبادة، والحج عبادة، وصلة الأرحام عبادة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عبادة، والإحسان إلى اليتيم عبادة، إلى آخره، كل ما شرعه الله فهو عبادة، ليست العبادة: أن الإنسان يتقرب إلى الله بشيء من عند نفسه فهذه بدعة، وكل بدعة ضلالة، إذًا العبادة: ما شرعه الله من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، لأن العبادة منها ما هو على الجوارح والأعضاء الظاهرة، مثل: الصلاة، والجهاد في سبيل الله، هذا ظاهر على الجوارح، تتحرك، تعمل، ومنها ما هو على اللسان مثل: الذكر \"سبحان الله والحمد لله\" هذه عبادة باللسان، ومنها ما هو بالقلب مثل: الخوف، والخشية، والرغبة، والرهبة، والرجاء، هذه أعمال قلوب؛ فالعبادة تكون على القلوب، وتكون على الألسنة، وتكون على الجوارح.\n\" ﴿وَاعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ \" لمَّا أمر بعبادته- سبحانه- نهى عن الشرك، لأن الشرك يفسد العبادة، كما أن الحدث يفسد الصلاة والطواف، كذلك الشرك يفسد العبادة، ولذلك نهى الله ﷾ عنه.","vol":"1","page":30},{"text":"وقول الله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ الآيات.\nقال عبد الله بن مسعود ﵁: \"من أراد أن ينظر إلى وصية محمد التي عليها خاتمه فليقرأ قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ إلى قوله ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ الآية.\nــ\nثم يواصل الشيخ ﵀ سياق الآيات والأحاديث في هذا الباب فيقول: \"وقول الله - تعالى-: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ إلى آخر الآيات الثلاث في آخر سورة الأنعام، التي آخرها: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ .\nقال عبد الله بن مسعود ﵁ عن هذه الآيات الثلاث: \"من أراد أن ينظر إلى وصّية محمد ﷺ التي عليها خاتَمه فليقرأ هذه الآيات الثلاث\".\n\" ﴿أَتْلُ﴾ \" أي: أقرأ، \" ﴿مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ \" دلّ على أن التحليل حقٌّ للربوبية؛ فالرب هو الذي يحلِّل ويحرِّم؛ لا ما حرّمتموه، أو حرّمه أولياؤكم من الشياطين من الإنس والجن، كالأنعام التي يحرِّمونها للأصنام.\nبدأ بأعظم المحرَّمات فقال: \" ﴿أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ \"، فأعظم المحرمات هو:- الشرك بالله- سبحانه-؛ فإذا قيل لك: ما هو أعظم المحرّمات؟، تقول: الشرك بالله ﷿، وإذا قيل لك: ما أعظم ما نهى الله عنه؟، تقول: الشرك بالله؛ وإذا قيل: ما أعظم المنكرات؟ تقول: الشرك بالله؛ وإذا قيل: ما هو أكبر الكبائر؟، تقول: الشرك بالله، كما قال النبي ﷺ: \"أكبر الكبائر: الشرك بالله\".\nفالشرك- والعياذ بالله- هو أخطر الذنوب، وأعظم ذنب عُصي الله به، وهو: عبادة غيره معه ﷾ بصرف أيِّ نوع من أنواع العبادة لغير الله.\nفقوله: \" ﴿أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ \" هذا نهيٌ من الله ﷾ عن الشرك به؛ وهو أعظم ما حرم ربكم عليكم؛ فأنتم تستحلُّون أعظم المحرّمات- وهو الشرك-.\nوكلمة \" ﴿شَيْئًا﴾ \" يقول العلماء: نكرة في سياق النهي تعمُّ كلّ ما عُبد من","vol":"1","page":31},{"text":"دون الله ﷿، سواءً كان مَلَكًا أو نبيًا أو وليًّا أو صالحًا من الصالحين أو شجرًا أو حجرًا أو قبْرًا أو غير ذلك؛ كله يعمُّه كلمة: \" ﴿شَيْئًا﴾ \" فهي كلمة عامة؛ يعني: أي شيء من الأشياء لا يجوز أن يُصرف له شيء من عبادة الله ﷾.\nوأيضًا \" ﴿أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ \" يشمل كل أنواع الشرك الأكبر والأصغر، فليس هناك شيء من الشرك يُتَسامَح فيه لا أكبر ولا أصغر، لأن قوله- تعالى-: \" ﴿شَيْئًا﴾ \" كلمة عامّة تنفي جميع الشرك كبيره وصغيره، كما أنها تمنع أن يُشرك مع الله أحد كائنًا من كان، لا الملائكة المقرّبون، ولا الأنبياء والصالحون، ولا الجمادات، ولا الأشجار، ولا الأحجار، ولا القبور، ولا أيّ شيء؛ لا يجوز أن يُصرف شيءٌ من العبادة لغير الله، لا النذور، ولا الذبائح، ولا الطواف، ولا الدعاء، ولا الخوف، ولا الرجاء، ولا الرغبة، ولا الرهبة؛ لا يجوز ذلك سواءً كان شركًا أكبر أو شركًا أصغر، سواء كان شركًا جَليًا ظاهرًا أو شركًا خفيًا في القلوب.\n\" ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ \" أي: وصّاكم أن تُحسنوا بالوالدين إحسانًا؛ فكلمة: \" ﴿إِحْسَانًا﴾ \" منصوبٌ على فعل محذوف، تقديره: وأحسنوا بالوالدين إحسانًا؛ وهذا - كما ذكرنا في القاعدة المتقرِّرة-: أن الله- سبحانه- يبدأ بحقه أوّلًا ثم يثنِّي بحق الوالدين دائمًا وأبدًا، إذا أمر بتوحيده أمر أيضًا ببرِّ الوالدين، هذا في كثير من الآيات.\nفهذا فيه الأمر بالإحسان إلى الوالدين بالبر، والصِّلة، والإكرام، والتوقير أحياءًا وأمواتًا: أما برُّهم في الحياة فبالإحسان إليهما بالكلام اللِّين، والتواضُع، والنفقة، والقيام بخدمتهما، والتماس رضاهما في غير معصية الله ﷾ كما قال- تعالى-: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤)﴾؛ ففي حال حياتهما يَبَرُّ بهما بأنواع البر، ولا يسيء إليهما أيَّ إساءة، لأن الإحسان إليهما بر، والإساءة إليهما عقوق، والعقوق من أكبر الكبائر بعد الشرك بالله ﷾؛ ففي الأمر بالإحسان إليهما نهيٌ عن الإساءة إليهما.\nوقد جاء في الحديث: أن النبي ﷺ صعِد المنبر فقال: \"آمين، آمين، آمين\"،","vol":"1","page":32},{"text":"ثم قال لأصحابه: \"إنَّ جبريل ﵇ عَرَض له فقال له: يا محمد مَن أدرك شهر رمضان فلم يُغفر له فمات فدخل النار، قل: آمين، قلت: آمين، قال: يا محمد من أدْرك أبويه أو أحدهما ولم يُدخلاه الجنة فمات فدخل النار، قل: آمين، فقلت: آمين، قال: يا محمد مَن ذُكرتَ عنده فلم يصلِّ عليك فمات فدخل النار، قل: آمين، فقلت: آمين\"؛ الشاهد من هذا: أن من أدرك أبويه- أو أحدهما- فلم يَبَرَّهما فمات دخل النار بسبب العقوق دعا عليه جبريل بدخوله النار وأَمَّن على ذلك محمدٌ ﷺ.\nهذا الإحسان إليهما في حال الحياة.\nأما الإحسان إليهما بعد الموت فقد سُئل عنه النبي ﷺ، حيث سأله رجلٌ فقال: يا رسول الله ما بقي من بر والديِّ بعد موتهما؟، قال: \"أن تصلِّيَ عليهما مع صلاتك\" يعني: تدعو لهم إذا دعوت لنفسك، \"وإنفاذ عهدهما\"؛ يعني: الوصية التي أوصيا بها، و\"صلة الرحم التي لا توصَل إلاَّ بهما، وإكرام صديقهما\"، إذا كان لوالدك صديق أو لأمك صديقة فأكرم هذا الصديق، لأن إكرام صديق والدك أو صديقة والدتك إكرامٌ لوالديك؛ هذا ما يبقى من البر بعد وفاة الوالدين: الدعاء، وتنفيذ وصاياهما، وصلة الرحم المرتبطة بهما من الأعمام والعمات، والأخوال والخالات؟، وسائر القرابة، والأخوة والأخوات، وأبناء الأخوة وأبناء الأخوات ... إلى آخره؛ كلُّ من تربطك به قرابةٌ من جهة أبيك أو من جهة أمك فهو من ذوي الأرحام، وإذا وصلته فقد بَرَرْت بوالديك.\nثم قال- تعالى-: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ هذه الوصية الثالثة، وهي: تحريم قتل الأولاد من إملاق، يعني بسبب الفقر، كانوا في الجاهلية يقتلون أولادهم خشية الفقر، يسيئون الظن بالله- تعالى- كأن الرزق من عندهم، ولهذا قال في الآية الأخرى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (٣١)﴾ وهنا قال: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ إذا كنتم أنتم لا ترزقون أنفسكم فكيف ترزقون غيركم.\nومن الناس اليوم من ورِث هذه الخصْلة الذميمة فصاروا يسعون لتحديد النسل","vol":"1","page":33},{"text":"خشية الفقر، يقولون: يحصُل في الأرض انفجار سُكّاني من كثرة النسل، والموارد قليلة فيحصل مجاعات؛ فيطلبون تحديد النسل؛ فالآن قضية المطالبة بتحديد النسل قائمة على قدم وساق، والدافع لهذا هو خشيتهم الفقر، وهذا لأنهم لا يؤمنون بالله ﷾، ولا يؤمنون أنّ الأرزاق من الله ﷾.\nوانْخدع بهذه الدعاية بعض المسلمين، فصاروا يكرهون كثرة الأولاد، وبعضهم يحاول تنظيم النسل، وبعضهم يحاول تحديد النسل، وهناك كلام فارغٌ يردّد، وكلُّ هذا باطل.\nوطلب الذرية، وكثرة الذرية، وكثرة الإنجاب أمرٌ مطلوبٌ في الإسلام، لأن هذا فيه تقوية للمسلمين، وتكثير لعدد المسلمين، وأما الرزق فهو على الله ﷾: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ .\nقال- تعالى-: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ هذه الوصية الرابعة؛ الفواحش جمع فاحشة، والمراد بها: المعصية، سُمِّيت المعصية فاحشة لقبْحها وشناعتها، يعني: لا تقربوا المعاصي.\nولاحظوا قوله: ﴿وَلا تَقْرَبُوا﴾ ما قال: ولا تفعلوا الفواحش، بل قال: ﴿وَلا تَقْرَبُوا﴾؛ ليشمل ذلك المنع من الوسائل التي تؤدِّي إلى المعاصي. حرّم المعاصي وحرّم الوسائل المؤدِّية إليها، فمثلًا: تبرُّج النساء من قُرْبان الفواحش، لأن تبرُّج النساء وسيلة إلى الزنا، فالزينة والسُّفور من التطرُّق إلى الزنا؛ ونهى الله عن قُربان الزنا: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾، ما قال: ولا تفعلوا الزنا، قال: ﴿وَلا تَقْرَبُوا﴾ لأن النهي عن القُربان أبلغ من النهي عن نفس الفعل ليمنع الوسيلة إليه؛ وحرّم النظر إلى ما حرّم الله لأن النظر إلى ما حرّم الله- كالنظر إلى المرأة- وسيلة إلى الزنا، وحرّم السماع- سماع الكلام الماجن، والأغاني، والمزامير- لأنها وسائل إلى المحرّمات.\nفقوله: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ﴾ يعني: لا تتعاطوا الأسباب التي تؤدِّي إلى المعاصي، بل تجنّبوها من نظر وسماعٍ وسُفور وتبرُّج وغير ذلك من الوسائل والأسباب التي تؤدي إلى الفواحش.","vol":"1","page":34},{"text":"فإنا كانت الأسباب محرّمة فكيف بنفس الفواحش؟، تكون أشدَّ تحريمًا ﴿مَا ظَهَرَ﴾ يعني: ما رآه الناس في الأسواق وفي الدكاكين وفي المجمّعات. ﴿وَمَا بَطَنَ﴾ المعاصي الخفية في البيوت، وفي المحلاَّت المستورة؛ فالمؤمن يتقي الله ﷿ ظاهرًا وباطنًا، يتقي الله في الشارع ويتقي الله في البيت، يتقي أينما كان، يتقي الله في النهار ويتقيه في الليل، يتقيه في الضياء ويتقيه في الظلمة، لأنه دائمًا معه- سبحانه-، لا يخفى عليه.\nفليس المقصود أن الإنسان يتجنب المعاصي الظاهرة فقط، وأما إذا خلا فإنه مسموحٌ له، لا، الحرام حرام على أي حال، والرب هو الرب- سبحانه- مطّلع في سائر الأحوال ظاهرًا وباطنًا لا يخفى عليه شيء ﷾، مهما حاولتم التستُّر فإنكم لا تخفون على الله ﷾: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾، بل إنه قال: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣)﴾، إذا كان كذلك فيجب عليك أن تتقي الله ﷾ على كل حال، يقول النبي ﷺ: \"اتق الله حيثما كنت\"، يقول- تعالى-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ يعني: في حال غيبتهم عن الناس، ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ * وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ .\nثم قال- تعالى-: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾ النفس التي حرم الله هي: النفس المؤمنة، وكذلك النفس المعاهَدة، ولو كانت كافرة؛ فالله حرّم قتل المؤمنين، وكذلك حرّم قتل المعاهدين من الكفّار الذين لهم عهدٌ عند المسلمين بالذمة أو بالأمان: فالذمة وهم الذين يدفعون الجزية، أو بالأمان وهم الذين دخلوا بلادنا بالأمان، لا يجوز قتلهم والتعدِّي عليهم، لأنهم في ذمّة المسلمين، وفي أمان المسلمين، لا يجوز خيانة ذمة المسلمين، ولهذا جاء في الحديث: \"من قتل معاهَدًا لَمْ يَرَحْ رائحة الجنة\".\n﴿إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾ أي: إلاَّ بإحدى هذه الثلاث: قصاص أو زنا أر ردة؛ هذا قتل بالحق شرعه الله ﷾، ما عدا ذلك فلا يجوز قتل المسلم، قال- تعالى-: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ وقتل النفس من أعظم الكبائر بعد الشرك بالله ﷾.","vol":"1","page":35},{"text":"﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ هنا تعليلية، أي: لأجل أن تعقلوا؛ والعقل معناه: الكَفُّ عمّا لا يجوز؛ سُمي العقل عقلًا لأنه يكفُّ الإنسان عن الأشياء التي لا تليق، كما أن العقال للبعير يمنعه عن الضياع كذلك العقل، وهو خلقٌ جعله الله في الإنسان يمنع من تعاطي ما لا يجوز.\nثم قال: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ من الكبائر المحرّمات: أكل أموال اليتامى بغير حق.\nواليتيم هو: الصغير الذي مات أبوه؛ هذا هو اليتيم؛ أما إذا بلغ فإنه يخرُج عن حدِّ اليُتْم، وكذلك لو ماتتْ أمه، وأبوه حيٌّ لا يسمى يتيمًا، لأن أباه يقوم عليه ويُنفق عليه ويربيه، ويتعاهده، ويحميه؛ فاليتم هو: فُقدان الآباء في وقت الصغر.\nفاليتيم بحاجة إلى من يعينه، وإلى من يحميه، وإلى من يربيه، وإلى من يدافع عنه؛ فهو ضعيف؛ ومن ذلك: المحافظة على ماله، فلا ينتهز فرصة صغره ويُتْمه فيعتدى على ماله، لأنه لا يدافع، ولهذا يقول: ﷾: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ إلى قوله- تعالى-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١)﴾ .\nفقوله: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ﴾ ما قال: لا تأكلوا مال اليتيم، بل قال: ﴿لا تَقْرَبُوا﴾ يعني: لا تعملوا الوسائل التي تُفضي إلى تَلَف مال اليتيم؛ فكيف بإتْلاف مال اليتيم؟، هذا من باب أولى.\n﴿إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ إلاَّ بشيء فيه مصلحة لليتيم: كأن تتاجر فيه؛ من أجل أن يربح وينمو.\n﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ﴾ هذا من الوصايا الربّانية؛ للإنسان الذي يبيع على الناس السِّلع بالوزن أو بالكيل، أو بالأكياس، أو بالصناديق يجب عليه أن لا يبخسها، بل يوفيها بالمكيال والميزان.\nالمكيال للحبوب- مثلًا- والأشياء التي تُكال؛ والميزان للأشياء المائعة التي توزن؛ فالمعيار الشرعي هو المكيال أو الميزان.","vol":"1","page":36},{"text":"وقد يكون المكيال- أيضًا- بالكيس، كأن يباع بالكيس، أو بالصندوق-مثلًا-، أو بالعلبة، هذا كله يدخل في الكيل والميزان؛ فلا يجوز للإنسان أنه ينقص هذه الأشياء ويبيعها على أنها وافية وقد بخسها وأخذ منها، كما يفعل بعض الخونة الذين يبيعون على الناس الأشياء على أنها تامة وهي مبخوسة، أو يبيع الأشياء والخضار على الناس على أنه سليم، ويجعل عُلُوّ الشيء الطيب، ولكن أسفله معيب أو تالف؛ هذا من البخس أيضًا ﴿وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾، وأهلك الله أمة من الأمم بسبب البخس- وهو قوم شعيب-، والنبي ﷺ لمّا مرّ بالسوق ووجد بائع طعام فأدخل النبي ﷺ أصابعه في الطعام فوجد في أسفله بَلَلًا فقال: \"ما هذا يا صاحب الطعام؟ \"، قال: أصابته السماء يا رسول الله- يعني: أصابه المطر-، قال: \"ألا جعلته ظاهرًا حتى يراه الناس؛ من غشّنا فليس منّا\". فلا يجوز للإنسان أن يخفي الأشياء المعيبة في أسفل الشيء؛ في أسفل الصندوق، في أسفل الإناء، في أسفل السطل، يعني: يجعل الأشياء النَّضِرة في أعلاه، ويقول للناس كله من هذا النوع. هذا حرام. ويجعل أحسنه أعلاه وأسوأه أسفله هذا لا يجوز، هذا من بخس الناس أشياءهم، ومن النقص في الكيل والميزان: ﴿) وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣) أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾، يعني: يحسبون أن المسألة انتهت لو أفلت من الخلق، ومن رقابة (البلدية)، ومن رقابة السلطان؛ ء فإنه لا يفلت من رقابة الله ﷾: ﴿أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ .\nلم فقوله: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾ يعني: بالعدل؛ فالقسط معناه: العدل، بأن تزِنْ بالميزان العادل، وتكيل بالمكيال العادل الذي لا يظلم البائع ولا يظلم المشتري.\n﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ يعني: لو حصل أن الإنسان اجتهد في أن يوفي الحق وأن يوفي الكيل، ولكن حصل نقص يسير لم يتعمّده، فهذا لا يؤاخذه الله عليه ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ أنت أعدل بقدر ما تستطيع فإذا حصل شيءٌ لا تستطيعه ولا تعلم عنه فإنك لا تؤاخذ لأن الله لا يكلِّف نفسًا إلاَّ وسعها، إنما الكلام في","vol":"1","page":37},{"text":"الإنسان الذي يتعمّد الخديعة، ويتعمّد البخس، ويتعمّد النقص، لأن العدل تمامًا لا أحد يستطيعه إلاَّ الله ﷾، الإنسان يعجز، ولكن الله ﷿ يعفو عمّا لا يستطيعه الإنسان ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ .\n﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ لمّا أمر بالوفاء بالكيل والوزن أمر بالوفاء بالكلام أيضًا؛ إذا تكلّمت في شخص فعليك بالعدل لا تمدحه بشيء ما هو فيه. ولا تذمُّه بشيء ما هو فيه، بل الزم العدل، قل ما تعلم فيه من الصفات، لا تمدحه مدحًا لا يستحقَّه، ولا تذمُّه ذمًّا لا يستحقُّه؛ وإذا كنت لا تعرفه فقل: لا أدري، لا أعرفه، لا تدخل نفسك في شيء لا تعرفه.\nكذلك من ناحية الشهادة: إذا أردت أن تشهد على أحد فلا تشهد إلاَّ بالحق؛ لا تحابي مع أحد وتشهد له لأنه قريبك، أو لأنه صديق لك، تشهد له بالباطل؛ أو تكتم الشهادة عن أحد لأنه عدوٌّ لك، قل الحق ولو على نفسك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٣٥)﴾، وقال- تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا﴾ ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ﴾ يعني: لا يحملكم بغض قوم على أن لا تعدلوا فيهم، وأن تتكلموا فيهم بغير حق، حتى ولو كانوا كفّارًا، ولو كانوا أعداءًا قولوا فيهم الحق.\nفالعدل مطلوب، قامتْ به السموات والأرض. العدل مطلوب مع العدو، ومع الصديق، ومع القريب، ومع البعيد، ومع كلِّ أحد؛ لا يجوز للإنسان أن يتبع الهوى وشهوات النفس ويتكلّم على حسب رغبته، أو يكتم الشهادة على حسب رغبته.\n﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾ قلتم بالتزكية، قلتم في الشهادة، قلتم في التجريح- تجريح الرواة أو تعديلهم-، ﴿فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ يعني: ولو كان المتكلّم فيه قريبٌ لك، لا يحملك قرابته والشفقة عليه أن تحيد في حقه، بل قل فيه الحق، واشهد عليه بالحق؛ واشهد بالحق ولو كان لعدوك وخصمك، هذا هو العدل الصحيح.","vol":"1","page":38},{"text":"﴿وَبِعَهْدِ اللهِ أَوْفُوا﴾ وهذا من الوصايا العظمية: الوفاء بعهد الله ﷿؛ والوفاء بعهد الله المراد به: الوفاء بالمواثيق التي تكون بين العبد وبين ربه، والتي تكون بين الناس بعضهم مع بعض؛ العهد الذي بينك وبين الله أن تعبده ولا تشرك به شيئًا ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ هذا عهدٌ بينك وبين الله تعاهده أن لا تعبد إلاَّ إياه، ولا تستعين إلاَّ به؛ فالعهد الذي بين العبد وبين ربه هو: أن يقوم بعبادة الله ﷾.\nوالعهد الذي بينك وبين الناس: إذا عاهدت سلطانًا، أو أميرًا، أو عاهدت أحدًا من الناس فلا تغدر العهد الذي بينك وبين الله، ولا بالعهد الذي بينك وبين الناس؛ إذا عاهدت وجب عليك الوفاء بالعهد قال الله ﷾: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾، قال النبي ﷺ: \"آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذَب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر\"، فالغدر بالعهود من صفات المنافقين.\nبل إذا كان بيننا وبين الكفار عهد فلا يجوز لنا أن نغدر به، بل يجب الوفاء مع الكفار المعاهَدين.\nوإذا أراد ولي الأمر أن ينهي المعاهدة مع الكفار فلا يلغيها فجأة، بل يعطيهم؛ مُهلة: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (٥٨)﴾ .\nومبايعة السلطان عهد يجب على الرعية أن يفوا به، وأن لا يغدروا به، وأن لا يعصوا ولّي الأمر، إلاَّ إذا أَمر بمعصية فإنه لا يُطاع في المعصية، لكن يُطاع في الأمور الأخرى التي ليستْ بمعصية، هذا من العهد الذي بينك وبين وليّ الأمر.\nكذلك العهد الذي بينك وبين الناس؛ العهد الذي بين دولتك ودولة أخرى، كلّ هذا من العهد الذي أمر الله بالوفاء به، ولا يُستهان به أبدًا؛ فالعهود أمرها عظيم، ولذلك أضافها الله إليه قال- تعالى-: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ قال - تعالى-: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا﴾ وهنا يقول: ﴿وَبِعَهْدِ اللهِ أَوْفُوا﴾ أضاف العهد إليه ليدل على عظمته.\n﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿لَعَلَّ﴾ هنا للتعليل أيضًا، أي: لأجل أن تتذكّروا ما عليكم من الحقوق والواجبات فتقوموا بها خير قيام.","vol":"1","page":39},{"text":"ثم ختم هذه الوصايا بالوصية العاشرة العظيمة فقال- جل وعلا-: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي﴾: الصراط في اللغة معناه: الطريق؛ والمراد بالصراط هنا: كتاب الله ﷾ وسنة رسوله ﷺ، لأنهما طريقٌ إلى الجنة، أي: ما أوحيته إليكم بواسطة رسولي من الأوامر والنواهي في هذا القرآن العظيم وفي السنة النبوية هذا هو الصراط. فالذي يسأل عن الطريق إلى الله، نقول هو كتاب الله، وكذلك سنة النبي ﷺ لأنها، تابعة للقرآن، ومفسِّرة للقرآن؛ فالسنة داخلة في كتاب الله ﷿.\n﴿مُسْتَقِيمًا﴾ نُصب على الحال؛ والمستقيم هو: المعتدل، فطريق الله ﷿ معتدل، ليس فيه ميلان، وليس فيه منعطفَات، وليس فيه غموض، طريق واضح يوصلك إلى الجنة، تمشي فيه على نور، وعلى برهان، وعلى طريق واضح.\nوأضاف ﴿الصِّرَاطَ﴾ إليه ﷾ إضافة تشريف وتكريم؛ ثم وصفه بأنه مستقيم، يعني: معتدلٌ بخلاف الطرق الأخرى فإنها معوجَّة ومتعرِّجة، تضلِّل صاحبها؛ لأن هناك طرقًا كثيرة للشياطين؛ شياطين الإنس والجن، ومذاهب، وهناك جماعات متعدّدة، هناك.. وهناك..، لكن طريق الله واحدة، ما فيها تعدُّد، ولا فيها انقسام، ولهذا وحّد صراطه وعدّد السبل قال: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ لأن الطرق والسبل التي غير القرآن وغير الشريعة طرقٌ كثيرة ليس لها حصر، كل صاحب مذهب له طريقة، وكل صاحب نِحْلة له طريق، وكل جماعة من الضُّلاَّل لهم طريق، وكل، مَن اخْتلف عن الحق صار له طريق غير طريق الآخر؛ وهذه علامة أهل الضَّلاَّل أنهم لا يجتمعون على شيء، ولا يتوافقون أبدًا، بخلاف أهل الحق فإنهم يتوافقون، لماذا؟ لأنهم يسيرون على طريق الله ﷾.\nفميزه أهل الحق أنهم لا يختلفون، وإن حصل اختلاف فإنه يُحْسَم بالرجوع إلى كتاب الله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾؛ فالصحابة ﵃ قد يقع بينهم اختلافات لكن سرعان ما تذهب، لماذا؟، لأنهم يرجعون إلى كتاب الله؛ فقد اختلفوا بعد موت الرسول ﷺ من الخليفة بعده؟، ثم سَرْعان ما انْحَسَم النزاع وعاهدوا أبا بكر الصدِّيق- رضي الله تعالى عنه- لما","vol":"1","page":40},{"text":"رجعوا إلى السنة، واختلفوا في حروب الردة، وسرعان ما اتّفقوا على قتال المرتدِّين، لأنهم رجعوا إلى كتاب الله وسنة رسوله.\nفأهل الحق حتى لو حصل بينهم خلاف ناتج عن اجتهاد، فإنهم يرجعون إلى كتاب الله، بخلاف أهل الضلال فإن كل واحد يركب رأسه، ولا يُصْغي للآخر، كل واحد يريد أن يكون هو الشيخ والمعظَّم، لأنه يريد تعظيم نفسه، ولا يريد الحق؛ فلذلك تجدون أهل الضلال دائمًا في اختلاف، ودائمًا في صراع، وتجدون أهل الضلال تتشعّب مناهجهم، وتتنوّع، وكل حين يخرج مذهب جديد، هذه صفة أهل الضلال- والعياذ بالله- وهذا مذكور في هذه الآية: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ وضّح النبي ﷺ هذه الآية بتوضيحٍ محسوسٌ: ذلكم أنه خط ﷺ على الأرض خطًّا معتدلًا، ثم خطّ على جَنَبَتَيْه خطوطًا، فقال ﷺ للخط المعتدِل: \"هذا صراط الله\"، وقال لهذه الطرق: \"وهذه سُبُل، على كل سبيل منها شيطان يدعو الناس إليه\"، هذا مثال واضح من الرسول ﷺ لبيان الآية الكريمة: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ .\nوفي سنة رسول الله ﷺ: يقول: \"ومن يَعِشْ منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا؛ فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي؛ تمسّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجذ؛ وإياكم ومحدَثات الأمور، فإن كلّ محدَثة بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة\"، وقال ﷺ: \"وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلاَّ واحدة\"، فقالوا: من هي يا رسول الله؟، قال: \"مَنْ كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي\" هذا صراط الله ﷿ في الآيات وفي الأحاديث.\nولا نستغرب إذ حصل اختلافات، ونشأتْ مذاهب ضالّة، وحصل صراعات بين الناس، لا نستغرب هذا، لأن هذه سنة الله ﷾ لابتلاء العباد وامتحانهم، ومن هو الذي يثبت على الطريق ومن هو الذي لا يثبت؟\nوالنبي ﷺ عندما حضرته الوفاة أراد أن يكتُب كتابًا لأصحابه، يَعْهَد إليهم فيه، ولكنه عدل عن ذلك، وتُوفي رسول الله ﷺ ولم يوص ولم يَعْهَد إليهم، فتأسّف بعضهم، فابن مسعود يقول: لستم بحاجة إلى كتاب يكتبه الرسول ﷺ لأن عندكم القرآن.","vol":"1","page":41},{"text":"عن معاذ بن جبل ﵁ قال: كنت رديف النبي ﷺ على حمار، فقال لي: \"يا معاذ، أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟ \"، قلت: الله ورسوله أعلم، قال: \"حق الله على العباد: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وحق العباد على الله: أن لا يعذب من لا يشرك به شيئًا\"، قلت: أفلا أبشّر الناس؟، قال: \"لا تبشرهم فَيَتَّكِلُوا\" أخرجاه في الصحيحين.\nــ\nفقول ابن مسعود ﵁: \"من أراد أن ينظر إلى وصية محمد ﷺ التي عليها خاتمه\" يعني: التي تعوِّض عن هذه الكتابة التي هَمّ بها رسول الله ﷺ.\n\"فليقرأ هذه الآيات\" لأن الرسول ﷺ لا يوصي إلاَّ بكتاب الله، وأيضًا الرسول ﷺ يقول: \"إني تاركٌ فيكم ما إنْ تمسَّكْتم به لن تضلوا من بعدي: كتاب الله وسنتي\".\nفالحمد لله، عندنا ما أوصى به الرسول ﷺ، لأنه أوصانا باتّباع كتاب الله وسنة رسوله ﷺ.\nثم ساق الشيخ ﵀ حديث معاذ والكلام عليه أن نقول:\nفي هذا الحديث العظيم: فضيلة لمعاذ ﵁، وفضائله كثيرة، وهو معاذ بن جبل الخَزْرَجي الأنصاري، أحد أَوْعِيَة العلم، وأعلم هذه الأمة بالحلال والحرام، وقد استخلفه النبي ﷺ على مكة لما فتحها قاضيًا ومعلِّمًا، ثم أرسله- أيضًا- في السنة التاسعة أو العاشرة إلى اليمن قاضيًا ومعلِّمًا- كما سيأتي-، ثم جاء من اليمن بعد وفاة النبي ﷺ فأرسله عمر إلى الشام قاضيًا ومعلِّمًا، وتوفي هناك- رضي الله تعالى عنه- في الشام في طاعون عُمْوَاس المشهور.\nقوله: \"قال: كنت رديف النبي ﷺ\"، يعني: راكبًا معه.\n\"على حمار\" هذا فيه: تواضع النبي ﷺ وأنه يركب الحمار، مع أنه أشرف الخلق على الإطلاق، وتواضعه- أيضًاﷺ في إرداف صاحبه معه، وفيه: جواز الإرداف على الدّابّة إذا كانت تُطيق ذلك، ولا يشق عليها.\n\"فقال لي: يا معاذ\" أراد النبي ﷺ أن يعلمه هذا الحكم العظيم، ولكنه ﷺ","vol":"1","page":42},{"text":"أراد أن يُلْقِيَه إليه بطريقة السؤال والجواب، ليكون ذلك أَدْعى إلى الانتباه والاهتمام، فإن التعليم عن طريق السؤال والجواب من أعظم الطرق الناجحة في تعليم العلم، لأنك لما تسأل الطالب عن شيء يجهله ثم يتطلع إلى الجواب، أحسن من أن تلقي إليه المسألة ابتداءً، وهو على غير انتباه واستعداد لاستقبالها، وهذه طريقة من طرق التعليم، وهي طريقة نبويّة، استعملها النبي ﷺ في كثير من الأحوال.\n\"أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله\" هذه مسألة عظيمة.\nقال معاذ: \"قلت: الله ورسوله أعلم\" هذا فيه: تأدب طالب العلم في أنه إذا سُئل عن شيء وهو لا يعرفه، أن يقول: الله ورسوله أعلم، ولا يدخل ويَتَخَرَّص في شيء لا يعرفه، بل يَكِلُ العلم إلى عالِمه، هذه- أيضًا- من طرق التعلُّم الناجحة، هي: أن الإنسان إذا سُئل عن علم لا يعلمه أو عن مسألة وهو لا يعرفها، لا يحمله الأنفة بأن لا يقول: لا أدري، بل يقول: لا أدري، أو يقول: الله أعلم، ولا غَضَاضة عليه في ذلك، بل هذا يدل على فضله وورعه وأدبه مع الله ﷾، وأدبه مع المعلم.\nوقد سُئل الإمام مالك عن أربعين مسألة، فأجاب عن أربع مسائل منها، وقال عن البقيّة: لا أدري، فقال السائل: جئتك من بلاد كذا وكذا أسألك عن مسائل، وتقول لا أدري؟ فقال له: اركب راحلتك واذهب إلى البلد الذي جئت منه، وقل: سألت مالكًا وقال: لا أدري. هكذا أدب العلماء.\nوهذا معاذ ﵁ يقول للنبي ﷺ: \"الله ورسوله أعلم\"، ففي هذا: رَدُّ العلم إلى عالمه، وعدم تدخُّل الإنسان في شيء وهو لا يدري عن حكمه، والله- تعالى- يقول: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾، ويقول ﷾ لما ذكر المحرّمات في قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾، ختمها بقوله: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ وقال: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٤٤)﴾، والآيات والأحاديث في هذا كثيرة، فمن يريد النجاة لنفسه، ويريد السلامة، وأيضًا يريد السلامة للناس؛ فإنه لا يتدخل في شيء لا يعرفه،","vol":"1","page":43},{"text":"لأنه يُوَرَّطُ نفسه، ويُوَرِّطُ الآخرين معه، لأنه إذا أجاب بخطأ ضلّل الناس ﴿لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾، فهذه مسألة عظيمة، يجب علينا أن نتعقّلها، وأن الإنسان لا يتسرّع في الإجابة عن شيء، إلاَّ إذا كان يعلمه تمامًا، وإلاَّ فليقف على شاطئ السلامة، ولا يدخل في لِجَّة البحر وهو لا يُحسن السباحة.\n\"قلت: الله ورسوله أعلم\" هذا يُقال في حياة النبي ﷺ: الله ورسوله أعلم، أما بعد وفاة النبي ﷺ فإنه يقال: الله أعلم، لأن النبي ﷺ قد انتقل من هذه الدار إلى الرّفيق الأعلى إلى الدار الآخرة، فيُوكل العلم إلى الله ﷾ لأن الله ﷾ أعطى رسوله علمًا عظيمًا ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾، فالرسول ﷺ عنده علم عظيم من الله، ويجيب في حياته، ولكن بعد وفاته قد بلّغ البلاغ المُبين ﷺ وأنهى مهمّته ورسالته، وانتقل إلى ربه ﷿، فلا يجيب في مسألة.،\nفلما تهيّأ معاذ للجواب وتنبّه وتطلع؛ ألقى عليه النبي ﷺ الجواب، فقال: \"حق الله على العباد: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا\" هذا هو حق الله ﷾ على عباده، من أولهم إلى آخرهم، كما في الآية التي في مطلع الباب: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾، هذا هو حق الله على العباد، وهو أول الحقوق، وآكد الحقوق، لأن الإنسان منّا عليه حقوق، أعظمها: حق الله، ثم حق الوالدين، ثم حق الأقارب، ثم حق اليتامى والمساكين والجيران والمماليك، كما في قوله- تعالى-: ﴿وَاعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ فهذه عشرة حقوق، ذكرها الله- سبحانه- في هذه الآية، أولها: حق الله ﷾ وكما في الآيات في سورة الإسراء التي ذكر الله فيها خمسة عشر حقًّا، أولها: حق الله في قوله- تعالى-: ﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللهِ﴾، ثم جاء بحق الوالدين ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا﴾، إلى قوله: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ﴾، ختم الآيات بما بدأها به وهو حق الله على عباده أن يعبدوه، ولا يكفي هذا، أن يعبدوه، بل ولا يشركوا به شيئًا، لأن العبادة لا تكون عبادة إلاَّ إذا خَلَصَتْ من الشرك، أما إذا خالطها شرك فإنها","vol":"1","page":44},{"text":"لا تكون عبادة لله، كما قال- تعالى-: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾، لأن الشرك يُبطل العبادة، ويُبطل سائر الأعمال، ولا يصحُّ معه عمل، مهما كلّف الإنسان نفسه بالعبادات، إذا كان عنده شيء من الشرك الأكبر فإن عبادته تكون هباءً منثورًا: ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾، قال- تعالى -: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾، وقال- تعالى- لما ذكر الأنبياء في سورة الأنعام: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ﴾ إلى آخر الأنبياء الذين ذكرهم الله، قال- جلَّ وعلا-: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، فالشرك يُحبط الأعمال، ولهذا كثيرًا ما يأتي الأمر بالعبادة مقرونًا بالنهي عن الشرك: ﴿وَاعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ \"أن يعبدوه ولا يُشركوا به شيئًا\"، وهذا هو معنى لا إله إلاَّ الله، لأن لا إله إلاَّ الله تشتمل على النفي وعلى الإثبات، النفي: نفى الشرك، والإثبات: إثبات التّوحيد.\n\"أن يعبدوه\" والعبادة- أيضًا- كما أنها لا تكون عبادة إلاَّ مع التّوحيد، كذلك لا تكون عبادة إلاَّ إذا كانت موافقة لما شرعه النبي ﷺ، فالعبادة وسائر الأعمال لا تصح إلاَّ بشرطين:\nالشرط الأول: الإخلاص لله ﷿.\nالشرط الثاني: المتابعة للرسول ﷺ.\nفلو أن الإنسان جاء بعبادات مُحْدَثة ليس فيها شرك أبدًا كلها خالصة لله، ولكنها ليست من شريعة النبي ﷺ، فهي بدع مردودة لا تُقبل، قال ﷺ: \"من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رَدْ\" وفي رواية: \"من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رَدْ\"، فالعبادة لا تكون عبادة إلاَّ بشرطين: الإخلاص لله ﷿، والمتابعة للرسول ﷺ، وهذا هو معنى الشهادتين: شهادة أن لا إله إلاَّ الله، فمعناها: الإخلاص لله ﷿، وشهادة أن محمدًا رسول الله ومعناها: المتابعة للرسول ﷺ، فالعبادات لا يصلح أن يكون فيها شيء من الاستحسانات البشريّة، أو استدراكات العقول، أو غير ذلك، مهما حسُنت نية الفاعل ما دام أنه بدعة: فلو أن إنسانًا- مثلًا- قال: الصلوات خمس،","vol":"1","page":45},{"text":"أنا أريد زيادة خير، أصَلِّي فريضة سادسة، زيادة خير، نقول: لا، هذا باطل، لأن هذا شيء لم يَشْرعه الله ولا رسوله، وإن كان قصدك حسنًا، فهو عمل مردود وباطل، ولهذا لما جاء ثلاثة نفر من الصحابة إلى بيت النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ من أجل أن يقتدوا به، فذكر أزواج النبي ﷺ لهؤلاء الرَّهْط عبادة النبي ﷺ فكأنهم تقالُّوها، ولكن اعتذروا بأن الرسول ﷺ مغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخّر، وقالوا: أين نحن من رسول الله ﷺ فقد غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فقال أحدهم: أنا أصلي ولا أنام، وقال الآخر: أنا لا أتزوج النساء- يعني: يريد التَّبَتُّل -، وقال الثالث: أنا أصوم ولا أُفطر،- وفي رواية: ولا آكل اللحم-، فلما بلغ ذلك رسول الله غضب غضبًا شديدًا، وقال: \"أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأعلمكم بالله وأتقاكم له وأخشاكم له، وإني أصلي وأنام، وأصوم وأُفطر، وأتزوج النساء، ومن رغب عن سنتي فليس مني\"، وهكذا، فالعبادة لابد أن تكون مطابقة لما جاء به النبي ﷺ ليس فيها بدع، ولا خرافات، ولا محدثات، ولا استحسانات للعقول، أو اقتداء بفلان أو علاَّن، ما دام أن هذا المُقتدى به ليس متبعًا للرسول ﷺ فليس بقدوة، هذه هي العبادة، ولهذا يقول العلامة ابن القيّم ﵀ في \"النونية\":\nحق الإله عبادة بالأمر لا ... بهوى النفوس فذاك للشيطان\nحق الإله عبادة بالأمر، يعني: بالشرع، فالأمر المراد به: الشرع؛ فلا تحدث شيئًا من عندك.\nلا بهوى النفوس فذاك للشيطان، فالذي يعبد الله باستحسان عقله، وشهوة نفسه بشيء لم يَشرعه الرسول ﷺ ليس عابدًا لله، وإنما هو عابد للشيطان، لأنه هو الذي أمره بذلك، فالشيطان يأمر بالبدع والخرافات.\nوقال في موضع آخر:\nوعبادة الرحمن غاية حُبّه ... مع ذُلِّ عابده هما قُطْبان\nوعليهما فَلَك العبادة دائر ... ما دار حتى قامت القُطْبان\nومداره بالأمر أمر رسوله ... لا بالهوى والنفس والشيطان","vol":"1","page":46},{"text":"هكذا تكون العبادة، لابد أن تكون العبادة خالصة لوجه الله ﷿، ليس فيها شرك، وأن تكون- أيضًا- على وفق ما جاء به رسول الله ﷺ تمامًا ليس فيها بدعة.\n\"وحق العباد على الله: أن لا يعذب من لا يشرك به شيئًا\"، هذا الحق للعباد على الله ليس بحق واجب على الله، وإنما هو تفضُّل منه ﷾، لأن الله لا يجب عليه حق لأحد، ولا أحد يوجب على الله شيئًا، كما هو مذهب المعتزلة، فهم الذين يرون أن الله يجب عليه أن يعمل كذا، يوجبون على الله بعقولهم، أما أهل السنة والجماعة فيقولون: الله ﷾ ليس عليه حق واجب لخلقه، وإنما هو شيء تفضَّل به- سبحانه- وتكرَّم به، كما قال- تعالى-: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾، هذا حق تفضل به، ونظم ذلك الشاعر بقوله:\nما للعباد عليه حق وجب ... كلا ولا سعي لديه ضائع\nإن عُذِّبوا فبعد له أو نُعِّموا ... فبفضله وهو الكريم الواسع\nفمعنى \"حق العباد على الله\" يعني: الحق الذي تفضل الله- تعالى- به، وأوجبه على نفسه، من دون أن يوجبه عليه أحد من خلقه، بل هو الذي أوجبه على نفسه، تكرّمًا منه بموجب وعده الكريم الذي لا يُخلفه- سبحانه- ﴿وَعْدَ اللهِ لا يُخْلِفُ اللهُ وَعْدَهُ﴾ .\n\"أن لا يعذب من لا يشرك به شيئًا\" فدلّ هذا على أن من سَلِم من الشرك الأكبر والأصغر فإنه يسلم من العذاب، وهذا إذا جَمعته مع النصوص الأخرى التي جاءت بالوعيد على العُصاة والفسقة، فإنك تقول: العُصاة من الموحّدين الذين لم يشركوا بالله شيئًا، ولكن عندهم ذنوب دون الشرك من سرقة، أو زنا، أو شرب خمر، أو غيبة، أو نميمة أو، إلى آخره، فهذه ذنوب يستحق أصحابها العذاب، ولكن هي تحت مشيئة الله إن شاء الله غفر لهم من دون عذاب وأدخلهم الجنة، وإن شاء عذبهم بقدر ذنوبهم، ثم يخرجهم بتوحيدهم، ويدخلهم الجنة، فالموحّدون مآلهم إلى الجنة، إما ابتداءً وإما انتهاءً، وقد جاء في الأحاديث أنه يُخرج من النار من في قلبه أدنى مثقال حبة من خردل من إيمان، ويُخرج من النار أُناس كالفحم، قد","vol":"1","page":47},{"text":"امتحشوا، ثم يُنبت الله أجسامهم بأن يُلقوا في نهر على باب الجنة، يُقال له نهر الحياة، فتنبت أجسامهم، ثم يدخلون الجنة، ويُخَلَّدون فيها، فأهل التّوحيد مآلهم إلى الجنة، حتى ولو عذبوا في النار فإنهم لا يخلدون فيها وذلك بسبب التّوحيد، أما الكفار والمشركون والمنافقون النفاق الأكبر، فهؤلاء مآهلم النار خالدين مخلَّدين فيها، لا يدخلون الجنة أبدًا ﴿لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ﴾ .\nفقوله ﷺ: \"أن لا يعذب من لا يشرك به شيئًا\" هذا وعد من الله ﷾؛ إن شاء غفر هذه الذنوب، وإن شاء عذب أصحابها، ثم يدخلهم الجنة بعد ذلك، وقد يخرجهم الله من النار بشفاعة الشافعين، وقد يخرجهم برحمته ﷾، فحتى ولو عذَّبوا مآلهم إلى الجنة ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، فالتّوحيد يَعصم من الخلود في النار، وإذا كان التّوحيد كاملًا فإنه يَعصم من دخول النار أصلًا، وإذا كان ناقصًا فإنه يَعصم من الخلود فيها، ولا يعصم من الدخول فيها، وإنما يَعصم من الخلود فيها، كما قال- تعالى- لما ذكر مناظرة إبراهيم الخليل ﵇ مع عَبَدَة الأصنام قال: ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ﴾، المؤمنون أو المشركون، ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ قال الله- تعالى-: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾، هؤلاء هم أهل التّوحيد، ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ يعني: بشرك، ولهذا لما نزلت هذه الآية شقَّتْ على الصحابة وقالوا: أيُّنا لم يظلم نفسه؟، فقال ﷺ: \"ليس الذي تَعْنُون، إنه الشرك، ألم تسمعوا قول العبد الصالح: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾، فالمراد بالظلم هنا: الشرك، فالذين سلِموا من الشرك لهم الأمن، إما الأمن المطلق، وإما مطلق الأمن، والأمن المطلق هو الذي ليس معه عذاب، وأما مطلق الأمن فهذا الذي قد يكون معه شيء من العذاب على حسب الذنوب، فالحاصل: أن أهل التّوحيد لهم الأمن بلا شك، ولكن قد يكون أمنًا مطلقًا، وقد يكون مطلق أمنٍ، هذا هو الجواب الصحيح عن هذه المسألة.\nبخلاف مذهب الخوارج والمعتزلة، فعندهم أن أصحاب الكبائر مخلّدون في","vol":"1","page":48},{"text":"النار- والعياذ بالله، من هذا المذهب الباطل، فعندهم أن متى دخل النار لا يخرج منها بزعمهم، ويغالطون النصوص الصحيحة من الكتاب والسنة التي تدل على أن أهل التّوحيد ولو كان عندهم ذنوب ومعاص فإنهم لا يخلدون في النار، قال الله ﷾: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ يعني: هذه الأمة، والمراد بالكتاب: القرآن، ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾، انظروا كيف ذكر الظالم لنفسه مع المقتصد ومع السابق بالخيرات، ووعدهم جميعًا بالجنة: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٣٣) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (٣٥)﴾، ذكر منهم الظالم لنفسه- بل بدأ به-؛ مما يدل على أن أهل التّوحيد يرجى لهم الخير، ويرجى لهم دخول الجنة، ولو كان عندهم ذنوب كبائر دون الشرك.\nوسيأتي في الأحاديث: \"من مات وهو يشرك بالله شيئًا دخل النار،. ومن مات وهو لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة\"، \"إن الله حرم على النار من قال لا إله إلاَّ الله يبتغي بذلك وجه الله\"، إلى كير ذلك من الأحاديث التي فيها أن التّوحيد يعصم من دخول النار، أو يعصم من الخلود فيها، وسيأتي باب مستقل في هذا الكتاب المبارك اسمه \"باب فضل التّوحيد وما يكفِّر من الذنوب\".\nولما قال النبي ﷺ: \"حق العباد على الله: أن لا يعذب من لا يشرك به شيئًا\" فمعاذ -﵁- استبشر بهذا الحديث الشريف، وفرح به غاية الفرح، وقال: يا رسول الله ألا أبشر الناس؟، قال النبي ﷺ: \"لا تبشرهم فيَتَّكِلُوا\"، يعني: أن النبي ﷺ خشي إذا سمعه الناس فإنهم يتّكِلون على جانب الرجاء ويتساهلون في المعاصي، ويقولون: ما دمنا موحّدين فالمعاصي لا تضرنا، لأن الرسول يقول: \"أن لا يعذب من لا يشرك به شيئًا\"، ونحن والحمد لله لسنا مشركين، ونحن لا نعبد إلاَّ الله، فيتساهلون في المعاصي، فيغلِّبون جانب الرجاء على جانب الخوف، فهذا من","vol":"1","page":49},{"text":"الحكمة؛ أن العلم لا يوضع إلاَّ في مواضعه، فإذا خيف من إلقاء المسائل على بعض الناس محذور أكبر، فإنهم تُكتم عنهم بعض المسائل من أجل الشفقة بهم، ورحمتهم من الوقوع في المحذور، فإن النبي ﷺ أمر بكتمان هذا النوع من العلم عن عامة الناس، وأخبر به معاذًا، لأن معاذًا من الجهابذة، ومن خواص العلماء، فدلَّ على أنه يجوز كتمان العلم للمصلحة، إذا كان يترتب على إيضاح بعض المسائل للناس محذور: بأن يفهموا خطأً، أو يَتَّكِلوا على ما سمعوا، فإنهم لا يُخبَرون بذلك، وإنما تلقى هذه المسائل على خواص العلماء الذين لا يُخشى منهم الوقوع في المحذور، فأخذ العلماء من هذا الحديث جواز كتمان العلم للمصلحة، وإنما أخبر معاذ ﵁ بهذا الحديث عند وفاته، خشية أن يموت وعنده شيء من الأحاديث لم يبلِّغه للناس، كما في حديث علي ﵁: \"حدِثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذَّب الله ورسوله\"، يعني: لا يُلقى على كل الناس بعض المسائل التي فيها أمور يَخفى عليهم معناها، أو تشوِّش عليهم، وإنما يُلقى على الناس ما يفهمونه، ويستفيدون منه، أما نوادر المسائل، وخواص المسائل، فهذه تلقى على طلبة العلم، والمتفقهين المتمكِّنين، وهذا من الحكمة ووضع الشيء في موضعه، لمّا تكون أمام عُصاة يشربون الخمور، ويزنون، ويسرقون، وتقول: الله غفور رحيم، الله قريب مجيب، الله ﷾ يغفر ويسمح، فيزيدون في الشرور، لكن حين تقول لهم: اتقوا الله، الله ﷾ توعّد الزناة بالعذاب وتوعّد على السرقة، وعلى المعاصي بالعذاب الشديد، فتذكر لهم نصوص الوعيد، من أجل التوبة، ولو أتيت عند متمسِّكين وطيبين فذكرت لهم آيات الوعيد، فهذا ربما يزيدهم وسواسًا، أو تشدّدًا، فأنت تذكر لهم آيات التيسير، وأحاديث التيسير، والتسهيل، والرحمة، الفرج، إلى غير ذلك، من أجل أن لا يزيدوا ويشتدوا ويغلوا، فكل مقام له مقال، وتوضع الأمور في مواضعها، هذا هو الميزان الصحيح، والناس ليسوا على حد سواء، كل يخاطب بما يستفيد منه ولا يتضرر به، فلا تأتي بآيات الوعد والرجاء عند المتساهلين، ولا تأتي بآيات الوعيد عند المتشددّين، بل تكون كالطبيب تضع الدواء في موضعه المناسب، هكذا يكون طالب العلم، إذا كانت هناك أمور غامضة،","vol":"1","page":50},{"text":"لا يعرفها العوام، ولا تتسع لها عقولهم، من المسائل العلمية، فلا تُلقى على العوام، وإنما تُلقى على طلبة العلم، وعلى الناس الذين يستوعبونها، ولهذا يقول ابن مسعود: \"ما أنت بمحدث قومًا بحديث لا تبلغه عقولهم إلاَّ كان لبعضهم فتنة\" وقال علي ﵁: \"حدثوا الناس بما يعرفون أتريدون أن يكذب الله ورسوله\".\nفالحاصل؛ أن طالب العلم والواعظ والمعلم يجب عليه أن يراعي أحوال الحاضرين وأحوال الناس، ويعطيهم ما يحتاجون إليه من المسائل، ولا يُلقى عليهم المسائل الغريبة التي لم يتوصلوا إليها، فلو أتيت عند طلبة علم مبتدئين، فلا تلق عليهم غرائب المسائل التي لا يعرفها إلاَّ الراسخون في العلم، بل تعلمهم مبادئ مبسطة سهلة يتدرّجون بها شيئًا فشيئًا، لا تطلب من طالب مبتدئ أن يقرأ في \"صحيح البخاري\"، لأنه لم يصل إلى هذا الحد لكن لَقِّنه \"الأربعين النووية\"، والأحاديث القريبة، وشروط الصلاة، وأحكام الطهارة، إلى آخره، وإنسان مبتدئ بعلم العربية، لا تأمره بقراءة كتاب سيبويه؟، لكن تأمره بقراءة \"الأجرُّوميَّة\"، ومسائل مبسطة، يدخل بها على اللغة العربية والنحو، شيئًا فشيئًا، ولذلك ألف العلماء المختصرات والمتوسطات والمطوّلات، من أجل إن طالب العلم يمشي مراحل، شيئًا فشيئًا، الحاصل: أن كل شيء له شيء، وكل مقام له مقال.\nوقوله ﵀: \"أخرجاه في الصحيحين\" أخرجه البخاري: محمد بن إسماعيل البخاري في صحيحه \"الجامع الصحيح\"، الذي هو أصح كتاب عند المسلمين بعد كتاب الله ﷿، وبالمنزلة الأولى من كتب السنة، ثم يليه \"صحيح الإمام مسلم\"﵀، فالصحيحان: \"صحيح البخاري\" و\"صحيح مسلم\" هما أعلى شيء في كتب السنّة، وأصح الأحاديث ما اتفق عليه البخاري ومسلم، ثم ما رواه البخاري، ثم ما رواه مسلم، ثم بقية الأحاديث، لأن هناك صحاحًا غير الصحيحين: مثل: \"صحيح ابن خزيمة\"، وهذا يُثني عليه أهل العلم، و\"صحيح الحاكم\"، و\"صحيح ابن حبّان\"، وهذه يشترط أهلها الصحة، ولكن تصحيحهم دون تصحيح الإمامين البخاري ومسلم.","vol":"1","page":51},{"text":"فهذا الباب اشتمل على فوائد عظيمة:\nالفائدة الأولى: بيان تفسير التّوحيد، وأنه عبادة الله وحده لا شريك له، هذا هو التّوحيد، لأن كل الآيات التي في الباب تأمر بالعبادة وتنهى عن الشرك: \" ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ \"، ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾، ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾، ﴿وَاعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾، فهذه الآيات تفسر التّوحيد بأنه العبادة.\nالفائدة الثانية: أن الرسل بعثوا بالدعوة إلى توحيد العبادة، لا بالدعوة إلى توحيد الربوبية، فليس هناك آية واحدة قالت أقروا بالربوبية، أو أَقِرُّوا أن الله هو الخالق الرازق، لماذا؟، لأن هذا موجود في الناس. فهم مقرُّون بأن الله هو الخالق، الرازق، المحيي، المميت، المدبّر، فتوحيد الرُّبوبية موجود في غالب البشر، لأن الفِطَر تقتضيه، لأن العاقل من الناس يعلم أن هذا الخلق لابد له من خالق: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ (٣٦)﴾، ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (١٧)﴾، فالآيات ما جاء تطالب الناس بالإقرار بتوحيد الرّبوبية، لأن هذا موجود، والإقرار به لا يكفي في الدخول في الإسلام، وإنما جاءت كلها على نَسَق واحد تأمر بالعبادة، وإنما تذكر توحيد الربوبية للاستدلال به على توحيد الألوهية.\nالفائدة الثالثة: في قوله: \" ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ \" هذه الآية فيها: أن الحكمة من خلق الجن والإنس هي عبادة الله ﷾، الآية الثانية: \" ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ \" فيها: أن الرسل كلهم من أولهم إلى آخرهم جاءوا بالأمر بعبادة الله، وترك عبادة ما سواه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾، فدلّ على أن التّوحيد هو الذي بُعثت به الرسل، كما أنه هو الذي خلق الخلق من أجله.\nالفائدة الرابعة: أن العبادة لا تنفع مع الشرك، فمن أشرك بالله شيئًا فإنه لم","vol":"1","page":52},{"text":"يُؤَذِّ حق الله ﷾، فالذي لا يَعبد الله مطلقًا كالملاحدة، وكذلك الذي يعبد الله مع الشرك، كلهم سواء، الملحد والمشرك، إنما الذي يعبد الله حقًا هو الذي يعبده ولا يشرك به شيئًا، هذا هو الذي يعبد الله حق عبادته وهو الذي تنفعه عبادته.","vol":"1","page":53},{"text":"[الباب الثاني:] * باب فضل التّوحيد وما يكفر من الذنوب.\nــ\nقال الشيخ ﵀: \"باب فضل التّوحيد وما يكفِّر من الذنوب\"، ثم ساق في هذا الباب آية من كتاب الله، وأحاديث عن رسول الله ﷺ تُبيّن فضل التّوحيد، وتُبيّن ما يكفِّره من الذنوب، والمناسبة بين هذا الباب والذي قبله، مناسبة ظاهرة، فإنه ﵀ لما بيّن في الباب الذي قبله حقيقة التّوحيد، ومعنى التّوحيد المطلوب، ووضّح ذلك بالآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، ناسب أن يذكِّر فضله ليرغب فيه، ويحث عليه، لأن الشيء إذا عُرفت مزاياه فإن النفس تتعلق به وتحرص عليه، وهذا التصنيف بين البابين في غاية الحكمة، مما يدل على دقة فهمه ﵀، لأنه لو ذكر فضل التّوحيد قبل أن يبيّن معنى التّوحيد لم يكن ذلك مناسبًا، فلابد أن تُبيّن حقيقة الشيء ومعناه، ثم بعد ذلك تبين فضله، أما أن تذكر الفضائل لشيء غير معروف، فهذا لا يُجْدِي شيئًا، ومن هنا نُدرك خطأ كثير من الدعاة اليوم، أو من المؤلفين المعاصرين، الذي يزعمون أنهم يكتبون عن الإسلام، وعن الدعوة، ويمدحون الإسلام مدحًا كثيرًا، في محاضراتهم، وفي كتبهم، وهذا حق، لكن ما هو الإسلام أوّلًا، لم يبيّنوا ما هو الإسلام، تقرأ الكتاب من أوله إلى آخره، أو تستمع إلى المحاضرة- أو الشريط- من أوله إلى آخره، وهو مدح للإسلام وثناء عليه، وبيان لمزاياه، لكن ما هو الإسلام، لأن كل واحدة من الفرق الضالة والمنحرفة تفسِّر الإسلام بمذهبها، وينزِّلون هذا المدح، وهذا الثناء على مذهبهم، فلا يكفي أننا نمدح الإسلام ونثني عليه فقط، لابد أن تبيّن ما هو الإسلام، ما هي حقيقة الإسلام الذي يُنجي من الكفر، ويدخل في التّوحيد، ويُنجي من النار ويدخل في الجنة، وما هي نواقض الإسلام التي تُفسد الإسلام، وتُخرج منه، وما هي مكمِّلاته، وما هي منقِّصاته، لابد من هذا، أما مجرد المدح، وذكر الفضائل بدون إنك تبيّن حقيقة الشيء، فهذا خطأ عظيم، والإسلام هو ما جاء به رسول الله ﷺ وكان عليه صحابته الكرام، وكان عليه القرون المفضلة، أما ما خالف ذلك فليس من الإسلام في شيء، وإن كان صاحبه يدَّعي أنه هو الإسلام، ومن هنا تجدون الشيخ بيّن في الباب الأول حقيقة التّوحيد","vol":"1","page":54},{"text":"وقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ الآية.\nــ\nلئلا يدعي كل واحد أن مذهبه هو التّوحيد، أو ما هو عليه هو التّوحيد، وهذا أمر مهم جدًّا، لأنهم يقولون أدعوا إلى الإسلام وبينوا مزايا الإسلام فقط، ولا تبينوا للناس حقيقة الإسلام، لأن هذا يفرق عنكم الناس.\nقال رحمه الله تعالى: \"وقول الله- تعالى- ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ \"، هذه الآية جاءت بعد ذكر مناظرة إبراهيم الخليل﵊- لقومه، لأن قومه كانوا يعبدون الكواكب، وهم الصابئة، في أرض العراق، فالله ﷾ بعث نبيّه ورسوله إبراهيم الخليل﵊- للدعوة إلى التّوحيد، وإنكار هذا الشرك، ولم يكن هناك مسلم وقت بعثته﵊-، كلهم على الوثنيّة- والعياذ بالله-، وذكر الله ذلك في القرآن في عدة مواضع منها: في سورة الأنعام: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ﴾ بدأ بأبيه، لأنه يجب على الإنسان أول ما يبدأ بنفسه، ثم بأقرب الناس إليه، وأهل بيته، وجيرانه، ثم ينتشر في الدعوة إلى الله شيئًا فشيئًا، ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾، وفي الآية الأخرى يقول- جلّ وعلا-: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (٥١) إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (٥٢)﴾ إلى آخر الآيات.\nوقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ أطلعه الله ﷾، على ذلك من أجل أن يؤهله لحمل الرسالة، والدعوة إلى الله ﷿ والمناظرة، ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ الموقنين بالله ﷾ وتوحيده، ويزول عنه أي شك أو أي ارتياب، أو أي شبهة، يكون على وضح اليقين، ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ يعني: غَشَى عليه الليل بظلامه، ﴿رَأى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ هذا من باب المناظرة، وليس من باب النظر- كما يقول الفلاسفة أو علماء الكلام- لأن إبراهيم يعرف ربه من قبل، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ﴾، ولكنه قال ذلك لأجل المناظرة، هذا ربي بزعمكم، ﴿فَلَمَّا أَفَلَ﴾ يعني: غاب واختفى، ﴿قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ لأنه لو كان ربًا ما غاب ولا اختفى، فهذا مما يُبطل ربوبية هذا الكوكب، ﴿قَالَ لا أُحِبُّ","vol":"1","page":55},{"text":"الآفِلِينَ﴾ لأنه لو كان ربًّا ما عرض له هذا العارض وهذا الزوال بعد الوجود، ﴿فَلَمَّا رَأى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ يتدرج شيئًا فشيئًا، ﴿فَلَمَّا أَفَلَ﴾ يعني: غاب وانتقل، صار هذا القمر يُتصرّف فيه، ويُديّر، مثل النجم الذي قبله، يُسَيَّرْ من المطلع إلى المغرب، فهو ليس برب إذًا، ﴿قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧) فَلَمَّا رَأى الشَّمْسَ بَازِغَةً﴾ تدرج إلى أكبر الكواكب هي الشمس، وإذا بطلت عبادة الشمس بطلت عبادة بقية الكواكب من باب أولى، ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ الآن صرّح بالتّوحيد، وبين بطلان عبادة هذه الكواكب التي يعبدونها، تقرّر عقلًا وشرعًا وفطرة أنها ليست بآلهة، وأعلن البراءة، وهي الهجر والترك والابتعاد عنه، ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ هذا هو الرب ﷾ الذي فطر السموات والأرض، يعني: خلقهما وأبدعهما على غير مثال سابق، فالخالق هو الذي يستحق العبادة، أما الكواكب فهي مخلوقة، والمخلوق لا يستحق العبادة، مدبَّرة ليس لها في نفسها تدبير فكيف بغيرها؟، ﴿حَنِيفًا﴾ الحنيف معناه: المقبل على الله، المعرض عما سواه، يعني: لا ألتفت إلى غيره ﷾، ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ هذه براءة أيضًا، لما تبرّأ من الأصنام تبرّأ من أصحابها، ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ﴾ ناظروه على ترك هذه الدعوة، وأن يسلك مسلك الناس، ويمشي مع الناس، حتى أبوه وقف في وجهه، كما ذكر الله ذلك في سورة مريم، فإن أباه وقف منه موقف المُعادي ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦)﴾، أفحمهم بالحجة ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ﴾ لأنهم توعدوه بأصنامهم، ﴿إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ (٨٠) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا﴾ كيف تهدِّدونني بآلهتكم وأنتم لا تخافون الله الذي خلق السموات والأرض وجعلتم معه شريكًا؟، إن كان هناك تهديد أو وعيد فهو عليكم أنتم، ﴿وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ﴾ ما تهمني أصنامكم ولا وعيدكم، لأني متوكل على الله ﷾ ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ﴾ إذا كنتم تهدّدون بالوعيد والتخويف، وأنا أخوّفكم بالله ﷿، وأبيّن لكم أنكم إن لم تتوبوا إليه فسيعذبكم، فـ ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ","vol":"1","page":56},{"text":"أَحَقُّ بِالأَمْنِ﴾ أنا أو أنتم؟، ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، فَصَل الله الحكم بينهم فقال:\n﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ هذا هو الحكم الإلهي، ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾، وهذا عام في قوم إبراهيم، وغيرهم من الخلق، يعني: الذين وحّدوا الله، وأخلصوا له العبادة، ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ المراد بالظلم هنا: الشرك، لأن الظلم- كما بيّن أهل العلم- ثلاثة أنواع:\nالنوع الأول: وهو أعظمها-: ظلم الشرك، قال- تعالى-: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ لماذا سُمي الشرك ظلمًا؟ لأن الظلم في الأصل: وضع الشيء في غير موضعه، والشرك معناه: وضع العبادة في غير موضعها، وهذا أعظم الظلم، لأنهم لما وضعوا العبادة في غير موضعها، أعطوها لغير مستحقها، وسوَّوْ المخلوق بالخالق، سوَّوْ الضعيف بالقوي الذي لا يُعجزه شيء، وهل بعد هذا ظلم؟\nوالنوع الثاني: ظلم العبد نفسه بالمعاصي، فالعاصي إنما ظلم نفسه، لأنه عرّض نفسه للعقوبة، وكان الواجب عليه أن يُنقذ نفسه، وأن يضعها في موضعها اللائق بها، وهو الطاعة، والكرامة ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ .\nالنوع الثالث: ظلم العبد للناس: بأخذ أموالهم، أو غيبتهم، أو نميمتهم، أو سرقة أموالهم، أو التعدي عليهم في أعراضهم بالغيبة والنميمة والقذف والهمز واللمز وغير ذلك من التنقُّص، أو في دمائهم بقتل الأبرياء بغير حق، أو بالضرب والجرح والإهانة بغير حق، فهذا تعدِّ على الناس.\nهذه هي أنواع الظلم: ظلم الشرك؛ وهذا أعظم أنواعه، وظلم العبد نفسه، وظلم العبد لغيره من المخلوقين.\nأما النوع الأول وهو: ظلم الشرك، فهذا لا يغفره الله أبدًا إلاَّ بالتوبة ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ .\nوأما النوع الثالث وهو: ظلم العبد للناس، فهذا لا يترك الله منه شيئًا، لابد من القصاص، إلاَّ أن يسمح المظلومون، جاء في الحديث: \"لتؤدن الحقوق إلى أهلها","vol":"1","page":57},{"text":"يوم القيامة، حتى يُقاد للشاة الجلحاء من الشاة القَرْنَاء\" الشاة الجَلحَاء هي التي ليس لها قرون، والشاة القَرْنَاء التي لها قرون، إذا نطحتها بقرونها لابد من القصاص يوم القيامة حتى بين البهائم، قال- تعالى-: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ تحشر البهائم يوم القيامة، ويُقْتَصُّ بعضها من بعض، ثم يقول الله لها: \"كوني ترابًا\"، فعند ذلك يقول الكافر: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ .\nوكذلك بنو آدم، يقام القصاص بينهم يوم القيامة، فيُقْتَصُّ من المظلومين للظلمة، ولا يُترك من حقوقهم شيء إلاَّ إذا سمحوا بها، أما النوع الثاني وهو ظلم العبد لنفسه بما دون الشرك فهذا تحت مشيئة الله، إن شاء الله غفره، وإن شاء عذب به، كما يقول أهل العلم:\nالدواوين ثلاثة: ديوان لا يغفره الله، وهو الشرك. وديوان لا يترك الله منه شيئًا، وهو مظالم العباد. وديوان تحت المشيئة إن شاء الله غفر لصاحبه، وإن شاء عذبه، وهو الذنوب والمعاصي التي دون الشرك.\nفهذا معنى قوله: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ يعني: بشرك، هذا هو الذي فسَّرها به رسول الله ﷺ، فإنها لما نزلت هذه الآية شقت على الصحابة، قالوا: يا رسول الله أيُّنا لم يظلم نفسه؟، قال رسول الله ﷺ: \"إنه ليس بالذي تَعْنُون، إنه الشرك، ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح: ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ .\nوقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ﴾ هل المراد في: الأمن المطلق يعني: أنهم لا يعذبون أبدًا، أو المراد مطلق الأمن أي أنهم وإن عذبوا فلابد أن يدخلوا الجنة؟، الآية محتملة، وعلى كلا التفسيرين فالآية تدلُّ على فضل التّوحيد، وأنه أمن من العذاب إما مطلقًا وإما يُؤَمّن من العذاب المؤبّد، فالآية فيها فضل التّوحيد، وأنه يمنح الله لأصحابه الأمن على حسب درجاتهم في التّوحيد والسلامة من الذنوب والمعاصي، ودلّت الآية بمفهومها على أن من أشرك بالله وخلط توحيده بشرك أنه ليس له أمن- والعياذ بالله، فهذا فيه خطر الشرك، وأن من عبد الله، ولكنه يدعو","vol":"1","page":58},{"text":"مع الله غيره، ويستغيث بالموتى، ويذبح للقبور، ويطوف بالأضرحة مستعينًا بها، فهذا خلط إيمانه بشرك، وليس له أمن أبدًا حتى يتوب إلى الله ﷿، ويُخلص التّوحيد، فليس المقصود أن الإنسان يعبد الله فقط، بل لابد- أيضًا- أن يتجنّب الشرك، وإلاَّ فالمشركون لهم عبادات، كانوا يحجون، وكانوا يتصدقون، وكانوا يطعمون الأضياف، وكانوا يُكرمون الجيران، ولهم أعمال لكنها ليست مبنيّة على التّوحيد، فهي هباء منثور، لا تنفعهم شيئًا يوم القيامة، قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ لا يثبّت الأعمال إلاَّ التّوحيد، ما دام هناك شرك فالأعمال لا قيمة لها، مهما أتعب الإنسان نفسه فيها، وهذا يدلُّنا على فضل التّوحيد، ومكانة التّوحيد، وأنه مُؤَمّن من عذاب الله ﷿ بخلاف المشرك فإنه لا أمن له من عذاب الله، والأمن يكون في الدنيا، كالأمن من الأعداء، والأمن من الحروب، تعرفون قيمته، وخطر الخوف، هذا في الدنيا فكيف بالأمن في الآخرة من النار؟، النار أشد من الحروب، وأشد من الأعداء، وأشد من كل شيء، إذا كان الأمن في الدنيا هذه قيمته، وهذه منافعه، فكيف بالأمن في الآخرة.\nثم قال: ﴿وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ هذه مزيّة ثانية من مزايا التّوحيد، وهي حصول الهداية للموحّدين المخلصين لله، أنهم في الدنيا يكونون مهتدين في أعمالهم، يعبدون الله على بصيرة، سالمين من الشرك في الأعمال، وسالمين من البدع والخرافات، بخلاف أهل الشرك، فإنهم غير مهتدين في الدنيا، بل هم ضالون، لأنهم يعبدون الله، ويخلطون العبادة بالشرك، ويعبدون غير الله، فهم ضالون لا مهتدون، إذًا الموحّد يعطيه الله مزيتين:\nالمزيّة الأولى: الأمن من العذاب. المزيّة الثانية: الهداية من الضلال.\nبحيث أنه يعبد الله على بصيرة وعلى نور وبرهان، متبعًا للسنّة متبعًا للرسول ﷺ يمشي على الجادة الصحيحة، بخلاف المشرك فإنه يمشي على غير هدى، وعلى غير دين، وعلى غير برهان، يتعب نفسه في هذه الدنيا، وهو يتقدم إلى النار، ويمشي","vol":"1","page":59},{"text":"عن عُبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"من شهد أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل\" أخرجاه.\nــ\nإلى النار، كما قال- تعالى- في الآية الأخرى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى﴾ لا يضل في الدنيا عن الحق، ولا يشقى في الآخرة، وهذا ضمان من الله ﷾ لمن اتبع القرآن أنه لا يضل في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة.\nقوله: \" من شهد أن لا إله إلاَّ الله\"، يعني: نطق بالشهادة عارفًا لمعناها، عاملًا بمقتضاها، موقنًا بها، لأنه لا يكفي التلفظ، بالشهادة من غير معرفة لمعناها، كذلك النطق بالشهادة مع معرفة بمعناها، لكن لا يعمل بمقتضاها، هذا -أيضًا- لا يكفي، بل لابد من النطق والعلم والعمل بمقتضى هذه الكلمة العظيمة، فليست هي مجرد لفظ يردَّدُ على اللسان من غير فهم لمعناها، ولا يكفي العلم بمعناها، بل لابد من العمل بمقتضاها، بأن يُفرد الله بالعبادة، ويترك عبادة ما سواه، هذا معنى \"أشهد أن لا إله إلاَّ الله\" فإذا لم ينطق بها فإنه لا يحكم بإسلامه، ولو كان يعرفها بقلبه، ولو كان يعبد الله في أعماله، لكنه أبى أن ينطق بالشهادة، فهذا لا يُعتبر مسلمًا، حتى ينطق بالشهادة، لقوله ﷺ: \" أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلاَّ الله\" وكذلك من نطق بها بلسانه ولكنه لا يعتقدها في قلبه، هذا -أيضًا- ليس بمسلم، بل هو منافق، فالمنافقون يقولون: لا إله إلاَّ الله، وهم في الدرك الأسفل من النار، لماذا؟ لأنهم لا يعتقدون معناها، وعُبّاد القبور اليوم يقولون لا إله إلاَّ الله بألسنتهم، لكنهم لا يعملون بمقتضاها، بل يعبدون القبور والأضرحة، ويدعون الأولياء والصالحين، فهم أقرُّوا بها لفظًا، وخالفوها معنىً، فالمشركون جحدوا لفظها ومعناها، والقبوريُّون أقرُّوا بلفظها وجحدوا معناها، هم سواء لا فرق بينهم أبدًا، كذلك المنافقون تلفّظوا بها، لكنهم لا يؤمنون بها في قلوبهم -أيضًا- هم سواء، بل هم شر من الكفّار، قال- تعالى-: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ","vol":"1","page":60},{"text":"تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ وهم ينطقون، ويقولون: لا إله إلاَّ الله، ويصلّون، ويصومون، لكن لما كانوا مُنكرين بقلوبهم، غير معترفين بها في قلوبهم، وإنما قالوها لأجل المصالح الدنيوية فقط، صاروا- والعياذ بالله- في الدرك الأسفل، من النار.\nفالحاصل أنها كلمة عظيمة، لكن لابد أن يتوفّر.\nأولًا: النطق بها.\nوثانيًا: العلم بمعناها.\nوثالثًا: العمل بمقتضاها.\nومعنى: ﴿لا إله إلاَّ الله﴾ نفي العبادة عما سوى الله، وإثباتها لله ﷾، يعني: إبطال عبادة كل ما سوى الله، وإثبات العبادة لله، فقوله: ﴿لاَ إله﴾: هذا إبطال لجميع المعبودات من دون الله ﷿، وإنكار لها ﴿إلاَّ اللهَ﴾: هذا إثبات للعبادة لله ﷾، فعلى هذا معنى لا إله إلاَّ الله: لا معبود بحق- أو لا معبود حقًا- إلاَّ الله ﷾، أما لو قلت: معناها: لا معبود إلاَّ الله، نقول: هذا ضلال عظيم، لأنك أدخلت كل المعبودات وجعلتها هي الله، جعلت الأصنام والأضرحة والكواكب وكل ما عُبد من دون الله هو الله، وهذا غلط، وهو مذهب أهل وحدة الوجود. فلابد أن تأتي بكلمة حق، لأن المعبودات على قسمين: معبود بحق، ومعبود بالباطل، المعبود بحق هو الله، والمعبود بالباطل هو ما سوى الله من كل المعبودات، قال- تعالى-: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾، هذا معنى: لا إله إلاَّ الله.\nوقوله: \"وحده لا شريك له\" كلمتان جيء بهما للتأكيد، وحده: تأكيد للإثبات، لا شريك له: تأكيد للنّفي، فهما كلمتان مؤكِّدتان للا إله إلاَّ الله، لما فيها من النفي والإثبات.\nوهذه الكلمة كلمة عظيمة، جاءت في القرآن بلفظها وجاءت بمعناها، كما في قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ﴾ ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥) وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦)﴾ وجاءت بمعناها مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ فقوله:","vol":"1","page":61},{"text":"﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ﴾ هذا هو معنى النّفي: لا إله، ﴿إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ هذا هو معنى الإثبات: إلاَّ الله، فهي كلمة عظيمة.\nوقوله: \"وأن محمدًا عبده ورسوله\" هذا يدل على أنه لا يكفيه شهادة أن لا إله إلاَّ الله، بل لابد معها من شهادة أن محمدًا رسول الله، فلو شهد أن لا إله إلاَّ الله، وأبى أن يشهد أن محمدًا رسول الله؛ لم يدخل في الإسلام، لأن هذه قرينة هذه، وكما في الأذان، وفي الإقامة، وفي الخطب، وإذا جاءت لا إله إلاَّ الله وحدها، تدخل فيها شهادة أن محمدًا رسول الله ضِمنًا.\nوقوله: \"وأن محمدًا عبده ورسوله\" هذا نفي للإفراط والتفريط، عبده هذا نفي للإفراط والغلو في حق الرسول ﷺ بجعل شيء له من الربوبية، كما يعتقد المخرِّفون، فالرسول ﷺ عبدٌ ليس له من الرُّبوبية شيء، وقد سمَّاه الله عبدًا في أشرف المقامات، في مقام الوحي: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ وفي مقام الإسراء: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ وفي مقام الإنزال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾ وفي مقام التحدي: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ فهو عبد لا يُعبد﵊-، ورسول لا يُكذّب ﷺ بل يُطاع ويُتبع، فليس له من العبادة شيء، فالذين يطلبون منه المدد، ويطلبون منه النصر على الأعداء، ويطلبون منه قضاء الحاجات، وتفريج الكُرُبات، هؤلاء رفعوه من العبودية إلى الألوهية- والعياذ بالله-، ما أقرُّوا أنه عبد الله، بل جعلوه شريكًا لله في ربوبيّته وإلهيّته، والرسول ﷺ يقول: \"لا تُطْرُوني كما أَطْرَت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله\"، يقول الله ﷾ له: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨)﴾، ويقول سبحانه: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاءَ اللهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨)﴾، ويقول سبحانه: ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا (٢١) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٢) إِلاَّ بَلاغًا مِنَ اللهِ وَرِسَالاتِهِ﴾ .","vol":"1","page":62},{"text":"وقوله: \"ورسوله\" هذا رد على أهل التفريط، الذين لا يقدِّرون الرسول حق قدره، إما يجحدون رسالته -﵊-، وإما أنهم يقرُّن برسالته، لكنهم لا يتبعونه الإتباع المطلوب، فهؤلاء لم يشهدوا أنه رسول الله، وشهادتهم إما باطلة وإما ناقصة، باطلة إن كانوا لا يتبعونه أبدًا، وناقصة إن كانوا يتبعونه في بعض الأشياء ويخالفونه في بعض الأشياء رغبة لنفوسهم وشهواتهم.\nفقوله: \"ورسوله \" هذا رد على أهل التفريط والتساهل في حق الرسول ﷺ، وهو أعظم الخلق﵊-، وأشرف الخلق، وأفضل الرسل، فلا يُتساهل في حقه ﷺ لكن ليس معنى هذا أننا نغلوا فيه، ونجعل له شيئًا من الربوبية، فلا إفراط ولا تفريط.\nوقوله ﷺ: \"وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه\" عيسى -﵊- هو عيسى بن مريم، خلقه الله من أم بلا والد، وذلك ليُظهر للعباد قدرته سبحانه على كل شيء، وقصة مريم ﵍ ذكرها الله في القرآن، من نشأتها: أنها من بيت طيّب، وبيت عبادة، وأن والدها توفي وهي صغيرة، وكَفَلَها زكريا نبي الله﵊-، لأن خالتها كانت زوجة زكريا ﴿إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣٤) إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾ يعني: أم مريم، ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ نذرت حَمْلَها أن يكون خادمًا لبيت المقدس، الذي هو أحد المساجد الثلاثة في الأرض، ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا﴾ كانت ترجو أن يكون ذكرًا، لأن الذكر هو الذي يستطيع القيام بهذه المهمة العظيمة، ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ لأنها قالت هذا من باب الدعاء، لا من باب إخبار الله ﷿ أنها وضعتها، وقرئت الآية: ﴿والله أعلم بما وَضَعْتُ﴾، هذا لبيان أن الله ﷾ عالم بكل شيء، وأنه لا يَخفى عليه هذه المولودة، وليست امرأة عمران تُخبر ربها ﷿، وإنما تدعوه ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى﴾ بمعنى: أن الذكر أفضل من الأنثى في القيام بالمهمات، فالذكر يستطيع ما لا تستطيعه الأنثى، لما جعل الله في خِلقة الذكر من الامتياز عن خِلقة الأنثى، وهذا من حيث الجنس،","vol":"1","page":63},{"text":"لا من حيث الأفراد، قد يكون في أفراد الإناث من هو خير من كثير من الذكور، أما من حيث الجنس فالذكور أفضل من الإناث، لأنهم يستطيعون من الأعمال ما لا تستطيعه الإناث، ولأن عقولهم أوفى من عقول الإناث، بلا شك، ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ* فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ يعني: تقبل مريم: ﴿بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾، نشأت في العبادة والطاعة ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ وفي قراءة: ﴿كَفَلَها﴾ لأن بني إسرائيل اختصموا في مريم أيهم يكفلها، لأنها بنت عالمهم وحَبْرِهِمْ وشيخهم، فهم تنافسوا أيهم يكفل مريم، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ عملوا القُرعة أيهم يكفل مريم ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ يعني: أنك يا محمد لم تشهد هذه القرون الماضية وما حصل فيها، ولكن هذا من آيات الله، ومن معجزات هذا الرسول ﷺ أن الله أخبره بما جرى كأنه حاضر، وحتى إن بني إسرائيل انبهروا لأنه جاءهم بمعلومات هم لا يعرفونها من أمورهم، وهي مذكورة في كتبهم وتواريخهم، ويعرفها علماؤهم وأحبارهم، فيكون هذا الرسول يحدث بما جرى من قرون طويلة، وهذا من معجزاته ﷺ لأنه ليس من عنده، فهو أُمّي لا يقرأ ولا يكتب، وإنما هو من عند الله ﷿، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ وهذا من العجائب، أنه آخر ما نزل من الكتب ومع هذا يقصُّ أخبار الماضين كما وقعت، وهذا من أعظم معجزات هذا الرسول ﷺ، فوقعت القُرعة لزكريا ﵇، وكانت خالتها- أخت أمها- تحته، فكَفَلَها زكريا ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ﴾ يعني: المكان الذي تصلي فيه، لأن المحراب معناه: المكان الذي يصلى فيه، فليس المحراب خاصًا بالزاوية التي تكون في المسجد الآن ﴿وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ هذا من كرامات الأولياء، كان يجد عندها في الشتاء فاكهة الصيف، ويجد عندها في الصيف فاكهة الشتاء، كان هذا يحضره ربه لها إكرامًا لها، وهي تصلي في هذا المكان، ولا يتصل بها أحد من الخلق، ثم مع هذا يجد عندها نبي الله هذا الرزق، ثم ذكر قصة زكريا ودعائه لربه، ثم ذكر بقية قصة مريم وحملهما بعيسى ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ اصْطَفَاكِ","vol":"1","page":64},{"text":"وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (٤٢) يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾، هذه هي المعجزة، يعني: كيف علمت: أيها الرسول وأنت آخر الرسل، وأيضًا- أنت أُمّي لا تقرأ ولا تكتب، هذا من أعظم المعجزات لك ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ يعني ما الذي أدراك؟، لولا الله سبحانه، وهذا من أنباء الغيب، يعني: من الأخبار الماضية، ويطلق الغيب على المستقبل- أيضًا-، والغيب لا يعلمه إلاَّ الله، الماضي والمستقبل أو من علّمه الله من رسله، وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦)﴾ هذه بَشَارة لها، لكنها انبهرت كيف يحصل لها ولد وهي لم تكن تزوجت: ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٧) وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالأِنْجِيلَ (٤٨) وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ﴾ إلى آخر الآيات.\nهذا ما ذكره الله من قصة نشأة مريم، ونشأة ابنها عيسى ﵇، وهذا البيت الطاهر العظيم، ولهذا لما قرأ جعفر بن أبي طالب ﵁ هذه الآيات التي في بيان نشأة عيسى ﵇ عند النجاشي بحضرة البطارقة وكبار النصارى؛ اعترف النجاشي بأن هذا وحي من الله ﷾، وقال: \"هذا هو والذي أنزل على موسى يخرج من مشكاة واحدة\"، فأسلم النجاشي ﵀، لما سمع ما ذكره الله من نبأ عيسى ﵇، وتفاصيل ولادته، لأنه لا يمكن أن يكون من عند محمد ﷺ.\nفقوله ﷺ: \"وأن عيسى عبد الله ورسوله\" هذا فيه ردٌّ على اليهود وردٌّ على النصارى. أما اليهود فلأنهم جحدوا رسالة عيسى ﵇، ورموه بالبُهْت- والعياذ بالله- وقالوا: إنه ولد بغي، قبّحهم الله وأخزاهم، وحاولوا قتله، وسلّمه الله منهم ورفعه إليه، وألقى عليهم الخزي.\nوفيه ردٌّ على النصارى الذين لم يقرِّوا بأن عيسى عبد الله، وإنما ادعوا أنه ابن الله، أو أنه ثالث ثلاثة، أو أنه هو الله، ثلاث مقالات لهم، ذكرها الله جل","vol":"1","page":65},{"text":"وعلا في القرآن: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ وفي قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ ولا يزالون يقولون هذا إلى الآن في إذاعتهم يرددون هذه الأقوال الكفرية الشنيعة، ولا يزالون يقولون: إن عيسى هو ابن الله، وأنه مخلِّص، ويرددون عقائد النصارى السابقة، المهم أنهم لا يزالون على هذه الفِرية: أن عيسى ابن الله، تعالى الله عما يقولون، وأنه الإله المخلِّص، وأنه مَكَّن من نفسه للقتل، وقتلوه وصلبوه من أجل أن يخلِّص العباد من الخطيئة التي ارتكبها آدم ﵇، كما يقولون، قبْحهم الله، فيسمونه المخلِّص ويسمون هذا العمل الفداء، وأن عيسى فعل هذا من باب الفداء لبني آدم، ليخلِّصهم من إثم العقوبة.\nوقوله: \"وكلمته ألقاها إلى مريم\"، الكلمة قوله تعالى لعيسى: ﴿كُن﴾، لأن عيسى وُجد من غير أب، بل وُجد بكلمة ﴿كُن﴾ وليس هو الكلمة، وإنما سُمِّيَ بالكلمة لأنه خُلق بها، بخلاف بقية البشر فإنهم يُخلقون من أب وأم، وكما قال في آدم: ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، فإذا كنتم تعجبون من كون عيسى وُلد من أم بلا أب، ووجد على أثر الكلمة ﴿كُن﴾ فكيف لا تعجبون من خلق آدم من تراب بدون أم ولا أب، بل بكلمة ﴿كُن﴾، ليس في هذا غرابة على قدرة الله ﷾.\nوقوله: \"وروح منه\" ليس المراد أن عيسى روح من الله، بمعنى أنه من ذات الله، وإنما من روحه المخلوق، لأن الله خلق الأرواح جميعًا، ومنها روح عيسى﵊-، فكلمة \"منه\" لابتداء الغاية، يعني كلمة مبتدأة من الله، وروح مبتدأة من الله، كما تقول مثلًا هذا الرزق من الله، معناه أن الله هو الذي يسّر هذا الشيء، وهو الذي هيّأه وخلقه، قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ معناه: أنه حاصل ونازل وكائن من الله ﷾، فـ \"مِنْ\" لابتداء الغاية، وقد تسأل وتقول كل أرواح بني آدم من الله على هذا التفسير، فما وجه اختصاص عيسى بذلك نقول: نعم كل أرواح بني آدم من الله، لكن عيسى ﵇ خُصَّ بذلك لأنه من غير أب، بل هو روح من دون أب.","vol":"1","page":66},{"text":"وقوله: \"والجنة حق، والنار حق\" يعني: ومن شهد أن الجنة -وهي دار المتقين-، والنار- دار الكافرين-؛ كل منهما حق، وأنهما داران موجودتان مخلوقتان، وباقيتان لا تفنيان أبدًا، الجنة للمتقين، والنار للكافرين، فالدُّور- كما ذكر ابن القيّم- ثلاث:\nالأولى: دار الدنيا، وهي دار العمل والاكتساب.\nالدار الثانية: دار البرزخ، وهي دار القبور، برزخ بين الدنيا والآخرة، والبرزخ معناه الفاصل، والحياة في القبور، تسمى بالحياة البرزخيّة، وفيها عجائب، فيها نعيم أو عذاب، إما حفرة من حفر النار، أو روضة من رياض الجنة، ويبقى الأموات في قبورهم إلى أن يشاء الله جل وعلا بَعْثَهُم وحَشْرَهُم للحساب والجزاء، وهذه الدار، مَحَطَّة انتظار.\nوالثالثة: دار الجزاء، التي هي يوم القيامة، الجنة أو النار، وهذه الدار لا تفنى ولا تبيد أبدًا، وإذا آمن الإنسان بهاتين الدارين، فإن ذلك يحمله على العمل الصالح والتوبة من الذنوب والسيئات، فإذا تيقّن أن هناك جنة، وأن هذه الجنة لا يدخلها إلاَّ بالأعمال الصالحة، فإنه يعمل، وإذا تيقن أن هناك نارًا، وأنه يدخلها بالمعاصي والكفر والسيئات، فإنه يحذر من ذلك ويتوب إلى الله ﷿، فالإيمان باليوم الآخر والجنة والنار يحمل العبد على العمل الصالح والتوبة من الذنوب والسيئات، أما الذي لا يؤمن بالآخرة، فهذا يعمل ما تُمليه عليه شهواته، وما ترغبه نفسه ولا يحاسب نفسه أبدًا، لأنه لا يؤمن ببعث ولا بحساب، تعالى الله عما يقوله الظالمون والكافرون علوًا كبيرًا، ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ﴾ ينكرون البعث، ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥) هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (٣٦) إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٣٧)﴾، هكذا يقولون، لأن الكفار الذين بعث فيهم رسول الله ﷺ ينكرون البعث والنشور، ومثلهم الملاحدة والدهريون الذين لا يؤمنون برب ولا ببعث ولا بحساب، ومثلهم الفلاسفة الذين يقولون: \"إن هذه الأمور إنما هي من باب التخييلات من أجل مصالح الناس\"، فالرسل أو الأنبياء يقولون: هذه الأشياء من باب التخييلات من أجل مصالح","vol":"1","page":67},{"text":"الناس، وإلاَّ ليس هناك جنة، وليس هناك نار، وليس هناك بعث، وإنما يخيِّلون هذه الأشياء، من باب الكذب للمصلحة، من أجل أن الناس يستقيمون، ويتركون الأعمال الدنيئة، ويعملون الأعمال الطيبة، وإن لم يكن هناك حقيقة للجنة والنار.\nوهؤلاء يسمّون (المخيّلة)، وهم فئة من الفلاسفة؛ ومن الطوائف الباطنية من ينكر الجنة والنار، ويقولون: هما عبارة عن رموز فقط، وليس هناك حقائق، فالكَفَرَة على اختلاف أصنافهم: من مشركيّة، ودهريّة، وفلاسفة، وباطنية، كلهم لا يؤمنون باليوم الآخر، ولهذا توعد الله ﷾ هؤلاء بقوله: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ (١١٥)﴾ يعني: لو كان ليس هناك بعث ولا حساب، صار خلق الله لهذه المخلوقات في باب العبث، لأنها لا تؤدِّي إلى غاية ولا نتيجة، فالظالم يظلم في هذه الدنيا، والقاتل يقتل، والعاصي يعصي، والمطيع يُتعبُ نفسه بالطاعة والعبادة ولا يلقى جزاء- تعالى الله عما يقولون، أما إذا كان هناك بعث ونشور وجزاء على الأعمال. المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، كان خلق الخلق إذًا لحكمة وغاية، وليس عبثًا، فهناك من الظَلَمة من يموت وهو ما جوزي في هذه الدنيا، وهناك من الصالحين من يموت وهو فقير مريض، لماذا؟ لأن الجزاء في الآخرة، هؤلاء ينتظرهم جزاؤهم في الآخرة. هذا الكافر، وهذا الظالم، وهذا الطاغية، وهذا الجبّار، ينتظرهم جزاؤهم في الآخرة، وهذا المؤمن التقي الصالح الذي مات بالمرض والفقر هذا ينتظره جزاؤه في الآخرة في الجنّة، لأن الله ما خلق الخلق وأجرى هذه الأمور عبثًا، لا بد لها من نتيجة، ولا بد لها من غاية تنتهي إليها: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ (١١٥)﴾، ﴿أَيَحْسَبُ الإنسان أَنْ يُتْرَكَ سُدىً (٣٦)﴾ يعني: لا يُؤمر، ولا يُنهى، ولا يُبعث، ولا يُجازى، يأكل ويشرب ويمكر ويفسق وينتهي أمره إلى لا شيء؟، أو يتقي ويطيع ويتعب نفسه بالعبادة وينتهي أمره إلى لا شيء؟، فهذا وجه النص على الإيمان بالجنة والنار، لأن الإيمان بهما يحدو على العمل الصالح، والتوبة من العمل السيئ، ولأن البعث والحساب أنكره كثير من الطوائف الكافرة، فلابد من الإيمان به، والتصديق به، والإقرار به، وهو أحد أركان الإيمان الستة: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر،","vol":"1","page":68},{"text":"والإيمان بالقدر خيره وشره، أحيانًا نجد أن الله يذكر الأركان الستة، وأحيانًا يذكر أربعة، وأحيانًا يذكر اثنين فقط: الإيمان بالله واليوم الآخر: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، ذكر الإيمان بالله وذكر الإيمان باليوم الآخر، لأن الإيمان بالله وباليوم الآخر يلزم منه الإيمان ببقيّة الأركان.\nوقد ذكر في هذا الحديث البراءة من الملل الثلاث: \"ملة اليهود؛ وملة النصارى، وملة المشركين\" فهو حديث عظيم.\nفقوله ﷺ: \"من شهد أن لا إله إلاَّ الله، وأن محمدًا رسول الله\" هذا فيه البراءة من دين المشركين.\nوفي قوله: \"وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم\" هذا فيه البراءة من دين اليهود والنصارى، لأن اليهود كفروا بعيسى، والنصارى غلوا فيه، حتى جعلوه ربًّا، وأيضًا اليهود والنصارى كل منهم كفر بمحمد ﷺ.\nفهذا فيه البراءة من الملل الثلاث: ملة المشركين، وذلك بشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، والبراءة من ملة اليهود والنصارى، وذلك في شهادة أن عيسى عبد الله ورسوله.\nوالشاهد من هذا الحديث للباب: \"باب فضل التّوحيد وما يكفر من الذنوب \" أن الرسول قال في آخره: \"أدخله الله الجنة على ما كان من العمل\" هذا وعد من الله ﷾ لأهل التّوحيد بأن الله يدخلهم الجنة، وأهل التّوحيد هم: الذين شهدوا أن لا إله إلاَّ الله وأن محمدًا رسول الله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق، والنار حق، هؤلاء هم أهل التّوحيد، وعدهم الله أن يدخلوا الجنة، فهذا فيه فضل التّوحيد، وأنه سبب لدخول الجنة.\nلكن ما معنى: \"على ما كان من العمل\"؟، في ذلك قولان لأهل العلم:\nالقول الأول: أدخله الله على ما كان من العمل، يعني: ولو كان له سيئات دون الشرك فإن ذلك لا يحول بينه وبين دخول الجنة، إما من أول وَهْلَة، وإما في النهاية، ففيه: فضل التّوحيد، وأنه يكفر الذنوب بإذن الله أو يمنع من الخلود في النار.","vol":"1","page":69},{"text":"والمعنى الثاني: أدخله الله الجنة على ما كان من العمل، أي: أنه يدخل الجنة، فتكون منزلته فيها بحسب عمله، لأن أهل الجنة يتفاوتون في منازلهم بحسب أعمالهم، فمنهم من هو في أعلى الجنة، ومنهم من هو دون ذلك، فأهل الجنة يتفاضلون في منازلهم، والجنة درجات، بعضها فوق بعض، كما أن النار دركات بعضها تحت بعض، والنار أسفل سافلين، أما الجنة فإنها أعلى عِلِّيِّين، والنبي ﷺ يقول: \"إن في الجنة مائة درجة، بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، أعدها الله للمجاهدين في سبيله\"، دلّ على أن الجنة درجات، وأن الناس ينزلون منها فيها بحسب أعمالهم، منهم من يُرى منزله كالكوكب الدُّرَّي الغابر في المشرق أو المغرب لبعد ما بينهم من التفاضل، ومنهم من يكون دون ذلك.\nوفي هذا الحديث الرد على سائر الطوائف الكفريّة، ففيه ردٌّ على المشركين الوثنيين، وفيه ردٌّ على اليهود، وفيه ردٌّ على النصارى.\nوفي الحديث -أيضًا-: وجوب الإيمان بجميع الرسل- عليهم الصلاة والسلام-، لأنه نص على الإيمان بعيسى وبمحمد ﷺ، وفي ذلك إشارة إلى أنه يجب الإيمان بجميع الرسل كما في قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾، فلابد من الإيمان بجميع الرسل - عليهم الصلاة والسلام-، ومن كفر بواحد منهم فقد كفر بالجميع، فاليهود الذين يزعمون أنهم آمنوا بموسى قد كفروا بموسى، لأنهم بكفرهم بمحمد ﷺ كفروا بموسى، لأن موسى اخبر ببعثة محمد ﷺ كما هو موجود في التوراة التي جاء بها موسى ﵇، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ والإنجيل يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ - كذلك عيسى﵇ أخبر بمحمد ﷺ وأمر بالإيمان به ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرائيلَ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾، فعيسى ﵇ بشّر بني إسرائيل بمحمد ﷺ، وهذا معناه: أنه أمرهم بالإيمان به، فالنصارى لما لم يؤمنوا","vol":"1","page":70},{"text":"ولهما في حديث عتبان: \"فإن الله حرم على النار من قال: لا إله إلاَّ الله؛ يبتغي بذلك وجه الله\".\nــ\nبمحمد ﷺ كفروا بعيسى، لأنه بشرهم بمحمد ﷺ فمعنى هذا: أنهم كذبوا نبيّهم عيسى الذي يزعمون أنهم آمنوا به، والرسل كلهم يصدِّق بعضهم بعضًا، ويؤمن بعضهم ببعض، فالرسل- عليهم الصلاة والسلام- سلسلة واحدة من أولهم إلى آخرهم، أولهم يُبشر بلاحقهم ومتأخرهم، وآخرهم يصدِّق بأولهم ويؤمن بأولهم، فهم سلسلة واحدة، ولهذا يقول جل وعلا في سورة الشعراء: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥)﴾ مع أنهم ما كذبوا إلاَّ نبيهم فقط، لكن لما كذبوا نبيهم كذبوا جميع المرسلين، كما قال تعالى: ﴿) إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ .\nقوله: \"أخرجاه\" أي: \"البخاري ومسلم في صحيحيهما.\nوقوله: \"ولهما\" أي: البخاري ومسلم.\n\"في حديث عتبان\" هو عتبان بن مالك الأنصاري، صحابي مشهور ﵁.\n\"حرّم على النار\" التحريم: المنع، أي: منعه من دخول النار، أو منع النار أن تمسه.\n\"من قال: لا إله إلاَّ الله\" أي: نطق بها بلسانه وأعلنها.\n\"يبتغي بذلك\" أي: بقوله لها ونطقه بها.\n\"وجه الله\" أي: مخلصًا له بها، لم يقلها رياءً ولا سمعةً ولا نفاقًا، بل يعتقد ما دلّت عليه من إفراد الله بالعبادة، وترك عبادة ما سواه، واعتقاد بطلانها، والبراءة منها ومن أهلها.\nفدل هذا الحديث: على أنه لا يكفي مجرّد النطق بلا إله إلاَّ الله من غير معرفة لمعناها، وعمل بمقتضاها، واعتقاد لمدلولها.","vol":"1","page":71},{"text":"وعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: \"قال موسى ﵇: يا رب، علمني شيئًا أذكرك وأدعوك به. قال: قل يا موسى: لا إله إلاَّ الله. قال: يا رب، كل عبادك يقولون هذا. قال: يا موسى، لو أن السماوات السبع وعامرهن غيري والأرضين السبع في كفة، ولا إله إلاَّ الله في كفة؛ مالت بهن لا إله إلاَّ الله\". رواه ابن حبان والحاكم، وصححه.\nــ\nقوله: \"وعن أبي سعيد الخدري ﵁ \" هو سَعْدُ بن مالك بن سنان الأنصاري الخزرجي، صحابي جليل، وأبوه صحابي.\n\"عن رسول الله ﷺ قال: قال موسى: يا رب، علمني شيئًا أذكرك وأدعوك به\" طلب من ربه أن يعلمه كلامًا يعظّمه به، ويطلب منه به حاجاته، ويتوسل به إليه.\n\"قل يا موسى: لا إله إلاَّ الله\" أي: لا معبود بحق إلاَّ الله.\n\"قال\" أي: موسى، \"يا رب، كل عبادك يقولون هذا\" أي: وإنما أريد شيئًا تخصني به من بين عموم عبادك.\n\"قال\" أي: الرب ﷾ مبينًا لموسى وغيره فضل هذه الكلمة على غيرها من ألفاظ الذكر، \"لو أن السماوات السبع\" أي: الطباق، \"وعامرهن\" أي: من فيهن من العمّار \"غيري\" أي: غير الله سبحانه، لأنه سبحانه في السماء. ففيه دليل على إثبات العلو \"والأرضين السبع\" أي: ومن فيهن من السكان. وفيه أن الأرض سبع طباق كالسماء، \"في كِفَّة\" أي: إحدى كفتي الميزان، \"ولا إله إلاَّ الله في كفة\" أي: في الكفة الأخرى، \"مالت بهن لا إله إلاَّ الله\" أي: رجحت بالسماوات السبع ومن فيهن غير الله، وبالأرضين السبع ومن فيهن، وذلك لما اشتملت عليه هذه الكلمة من نفي عبادة غير الله، وإثبات العبادة لله، وتقرير التّوحيد، وإبطال الشرك.\nففي هذا الحديث: فضل لا إله إلاَّ الله، وأنها أفضل الذكر، وأنه لابد من الإتيان بها كلها، وما فيها من النفي والإثبات، وأنه لا يكفي الإتيان بلفظ الجلالة (الله) أو لفظ (هو هو) كما تفعله الصوفية الضلاَّل. وفيه أن الذكر وغيره من أنواع العبادة توقيفي، لأن موسى ﵇ طلب من ربه أن يعلمه شيئًا يذكره به، فيه أن لا إله إلاَّ الله ذكر ودعاء.","vol":"1","page":72},{"text":"وللترمذي - وحسنه- عن أنس: سمعت رسول الله ﷺ يقول:\n\"قال الله تعالى: يا ابن آدم، لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا؛ لأتيتك بقرابها مغفرة\".\nــ\nقوله \"وللترمذي وحسّنه\" أي: رواه في سننه، وقال: إنه حديث حسن.\n\"عن أنس: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"قال الله تعالى: يا ابن آدم، لو أتيتني بقراب الأرض خطايا\" قراب الأرض- بضم القاف-: ملؤها أو ما يقاربه، \"لأتيتك بقرابها مغفرة\".\nفيه: أن مغفرة الذنوب مشروطة بتجنب الشرك، وفيه فضل التّوحيد، وفيه الرد على الخوارج الذين يكفّرون بالكبائر، وفيه سعة فضل الله ورحمته.\nوبالله التوفيق.","vol":"1","page":73},{"text":"[الباب الثالث:] * باب من حقق التّوحيد دخل الجنة بغير حساب\nــ\nهذا هو الباب الثالث من أبواب هذا الكتاب المبارك (كتاب التّوحيد) وهو: \"باب من حقق التّوحيد دخل الجنة بغير حساب\".\nولما ذكر الشيخ ﵀ في الباب الأول معنى التّوحيد، وحقيقته من الكتاب والسنّة، وليس من كلام البشر الذين يؤلفون في العقائد، وكلٌّ يفسر التَّوحيد على حسب مذهبه، من المعتزلة، والأشاعرة، وعلماء الكلام، أما الشيخ ﵀ فإنه فسَّر التّوحيد من الكتاب والسنة، بالآيات والأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ.\nثم ذكر الباب الثاني وهو فضل هذا التّوحيد، الذي جاء به الكتاب والسنّة، وما يكفِّر من الذنوب، ثم جاء هذا الباب الثالث من حقّق هذا التّوحيد دخل الجنة بغير حساب ولا عذاب. وتحقيق التّوحيد: تصفيته من الشرك والبدع والذنوب.\nفإن قيل: (باب فضل التّوحيد)، و(باب من حقّق التّوحيد) ما الفرق بينهما؟ \":\nالفرق: فضل التّوحيد في حق الموحّد الذي ليس عنده شرك، ولكن قد يكون عنده بعض المعاصي التي تكفر بالتّوحيد.\nأما هذا الباب فهو أعلى من الباب الذي قبله: \"من حقق التوحيد\" يعني: أنه لم يشرك بالله شيئًا، ولم يكن عنده شيء من المعاصي، هذا تحقيق التّوحيد، ومن بلغ هذه المرتبة دخل الجنة بلا حساب، أما من كان في المرتبة التي قبلها، وهو الموحّد الذي عنده ذنوب فهذا قد يُغفر له، وقد يعذب بالنار، ثم يُخرج منها، لأن الموحّدين على ثلاث طبقات:\nكما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ الآية.\nالطبقة الأولى: الذين سلموا من الشرك، وقد لا يسلمون من الذنوب التي هي دون الشرك وهم الظالمون لأنفسهم وهم معرضون للوعيد.\nالطبقة الثانية: المقتصدون الذين فعلوا الواجبات وتركوا المحرمات وقد","vol":"1","page":74},{"text":"وقول الله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠)﴾ .\nــ\nيفعلون بعض المكروهات ويتركون بعض المستحبات وهم الأبرار.\nالطبقة الثالثة: التي سَلِمَت من الشرك الأكبر والأصغر ومن البدع وتركت المحرمات والمكروهات وبعض المباحات واجتهدت في الطاعات من واجبات ومستحبات وهؤلاء هم السابقون بالخيرات ومن كان بهذه المرتبة دخل الجنة بلا حساب ولا عذاب.\nقال: \"وقول الله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ إبراهيم ﵇ هو إمام المحققين للتوحيد، بعثه الله ﷿ لما غطّى الشرك على وجه الأرض في وقته، وهو وقت النَّمرود الكافر الملحد الذي ادعى الربوبية، وكان قومه يعبدون الكواكب، ويبنون لها الهياكل ويُسَمَّوْن بالصابئة، وهم في أرض بابل من العراق، ثم حصل بينه وبينهم مصادمة ذكرها الله تعالى في القرآن، انتهى بهجرة إبراهيم﵊- من أرض العراق إلى أرض الشام وإلى الحجاز، حيث جعل قسمًا من ذريته في الشام وهم إسحاق وذرّيته، أولاد زوجه ي سارة، وذهب بإسماعيل بن سُرِّيته هاجر وأمه إلى مكة، أرض الحرم، بأمر الله ﷾: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ أي: مهاجر من أرض الكفر والشرك إلى أرض التّوحيد بالشام والحجاز، تلك المواطن المباركة، التي صار فيها بيت المقدس، وفيها البيت العتيق أول بيت وُضع للناس، وهو الكعبة المشرفة بمكة، فأورثه الله هذه البلاد وهذه البيوت إكرامًا له ولذريّته﵊-، عوّضه الله أرضًا خيرًا من أرضه، وقد وصفه الله تعالى في هذه الآية بأربع صفات، كلها من تحقيق التّوحيد:\nالصفة الأولى: ﴿كَانَ أُمَّةً﴾، والأمة معناها: القدوة في الخير، فهو إمامٌ للناس، كما قال تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ يعني: قدوة لأهل الخير إلى أن تقوم الساعة، فقوله أُمّة يعني: إمامًا وقدوة، لأن الأمة لها ثلاث إطلاقات في القرآن، هذا أحدها؛ أُمَّة بمعنى قدوة، كما في هذه الآية. الإطلاق الثاني: الأمة بمعنى: مقدار من الزمان ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ","vol":"1","page":75},{"text":"أُمَّةٍ﴾ أي: بعد زمن وبعد مدة. وتطلق الأمة ويراد بها الجماعة من الناس ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ يعني: جماعة، لأن دين الإسلام دين جماعة، لا دين تفرّق واختلاف، فليس فيه تفرّق وأحزاب، وجماعات وجمعيات متفرقة ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)﴾، فالمطلوب من المسلمين أن يكونوا أمة واحدة، على منهج واحد، وعلى دين واحد، وعلى ملة واحدة، كالبنيان المرصوص، يشد بعضه بعضًا، وكالجسد إذا اشتكى منه عضوًا تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، ولا يكون ذلك إلاَّ بعقيدة التّوحيد، أما التفرّق والاختلاف والتناحر والتهاجر والتباغض والتنابُذ بين الجماعات وبين الفرق فهذا ليس من دين الإسلام وهذا يكون مع فساد العقيدة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (١٥٩)﴾ نعم قد يوجد الاختلاف في الاجتهاد، ولكن هذا الاختلاف يحسم بالرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، فالمخطئ يرجع، والمصيب يثبت قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ .\nالصفة الثانية لإبراهيم أنه: ﴿قَانِتًا لِلَّهِ﴾ والقنوت في اللغة معناه: الثبوت والدّوام، أي: مداومًا وثابتًا على طاعة الله، لا يتزحزح عنها، ويُطلق القنوت على طول القيام في الصلاة، قال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾، وقال الله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ (٩)﴾، فمعنى وصف إبراهيم بأنه كان قانتًا أي: أنه كان مداومًا على طاعة الله، ثابتًا عليها، بخلاف الذي يجتهد في يوم أو شهر أو سنة ثم بعد ذلك يتراجع انتكاسًا بعدما بدأ بالخير لكنه لم يُكمل، فالمطلوب من الإنسان أن يثبت على الخير، بمعنى أنه يلازم عمل الخير، ولا يتخلى عنه، ولو كان قليلًا فـ\"أحب العمل إلى الله أدومه وإن قَلَّ\".\nوكذلك ﴿قَانِتًا لِلَّهِ﴾ يعني: أنه يعمل هذا مخلصًا لله، لا يقصد به رياءً ولا سُمعة، ويؤخذ من هذا وجوب الإخلاص، لأن بعض الناس قد يصلي ويحسن صلاته، ويطول قيامه وركوعه من أجل رياء الناس، فإذا أحَسَّ أن عنده أحد يطوّل","vol":"1","page":76},{"text":"الركوع والسجود؛ من أجل أن يوصف بأنه صاحب طاعة، وإذا صلى وحده نقر الصلاة، وخفّفها، والإخلاص: أن الإنسان يقصد بعمله وجه الله، ولا يقصد بذلك طمعًا من مطامع الدنيا، أو مدحًا، وثناءً من الخلق، ولا يستمع إلى لومهم إذا لاموه في طاعة الله. قالوا: فلان متشدّد، فلان كذا، ما دام أنه على الطريق الصحيح، وعلى السنة، فلا يضره ما يقوله الناس، ولا تأخذه في الله لومة لائم.\nالصفة الثالثة: ﴿حَنِيفًا﴾ والحنيف من الحَنَف وهو في اللغة: الميل، والمراد به هنا: الإقبال على الله، وأنه مُعرض عن الناس مُقبل على الله ﷾، يطلب الخير أمن الله وحده.\nالصفة الرابعة: ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ وهذا محل الشاهد من الباب، ومعناه: أنه تبرّأ من المشركين، براءة تامة، أي: قطع ما بينه وبين المشركين من المودّة من أجل الله ﷾، لأنهم أعداء الله، والمؤمن لا يحب أعداء الله.\nفإبراهيم ﵇ لم يكن من المشركين لا بقليل ولا بكثير، قطع صلة المحبة بينه وبينهم، أما صلة التعامل الدنيوي في المصالح المباحة فهذا شيء آخر، إنما المراد قطع صلة المحبة والموالاة والمناصرة، هذا هو المطلوب، أما التعاون الدنيوي فيما فيه نفع للمسلمين، فهذا لا بأس به، يوضِّح هذا قوله في الآية الأخرى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ يعني: من أتباعه ﴿إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ﴾؛ يعني: لا تقارب بيننا وبينكم في المودة والمناصرة والمؤاخاة أبدًا، إلاَّ إذا آمنتم بالله وحده، وكفرتم بما يعبد من دون الله ﷿، وتركتم عبادة الأصنام، فحينئذٍ نكون إخوانًا ﴿حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ﴾ ثم قال في الآية التي بعدها: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦)﴾ ثم قال بعدها: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨)﴾ .\nفهذه أربع صفات وصف الله بها إبراهيم: وهي:\nالصفة الأولى: أنه كان أمة، يعني: قدوة في الخير.","vol":"1","page":77},{"text":"وقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ (٥٩)﴾ .\nــ\nالصفة الثانية: أنه كان قانتًا لله ثابتًا على الطاعة مخلصًا عمله لله.\nالصفة الثالثة: أنه كان حنيفًا، مقبلًا على الله معرضًا عما سواه.\nالصفة الرابعة: أنه لم يك من المشركين. أي بريء منهم ومن دينهم.\nوهذا هو تحقيق التّوحيد يكون بهذه الأمور، وأعظمها البراءة من المشركين، فمن تبرأ من المشركين فهو ممن حقق التّوحيد، ولو كانوا أقرب الناس إليه، فإبراهيم تبرأ من أبيه: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٤١) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢)﴾ إلى أن انتهت المحاورة بقوله: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (٤٨) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (٤٩)﴾ \"من ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه\" لما تبرأ من المشركين عوضه الله ذرية أنبياء.\nواليوم جماعات يدَّعون أنهم دعاة إلى الله لا يتبرءون من المشركين ما داموا على منهجهم الحزبي!! ولا حول ولا قوة إلاَّ بالله.\nوالواجب على المسلم أن يتقي الله ﷾، وإذا كان يريد أن يدعو إلى الله فليعرف ما هي الدعوة، وما هي أصول الدعوة، وما المطلوب من الداعية، وأن يكون على طريقة إبراهيم ﵇ وغيره من النبيّين الذين تبرّأوا من المشركين وقاطعوهم بعدما تبرءوا من الشرك وأخلصوا العبادة لله وحده.\nثم قال الشيخ ﵀: \"وقال: \" ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ (٥٩)﴾ \" هذه صفة من الصفات التي ذكرها الله في سورة المؤمنون، في السابقين بالخيرات، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧)﴾ هذه الصفة الأولى.\nالصفة الثانية: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨)﴾ .\nالصفة الثالثة- وهي العظيمة-: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ (٥٩)﴾ .\nالصفة الرابعة: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠)﴾ .\nهذه الصفات العظيمة هي تحقيق التّوحيد من جميع الشوائب، هذا مجملها وإليك تفصيلها:","vol":"1","page":78},{"text":"الصفة الأولى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧)﴾ الخشية من أعمال القلب، وهي الوَجَل من الله ﷿، والخوف من عقابه، خشيةً منه ﷾ أن يعاقب العاصي والمذنب على معصيته، ومن أعظم أنواع العبادة، الخوف والخشية والرغبة والرهبة والرجاء، وكل هذه من أعمال القلب، إلاَّ أن الخوف لا يجوز أن يصل إلى حد القنوط، بل يكون خوفًا مقرونًا بالرجاء، لا يَيْأَسُون من روح الله ﴿إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾، والرجاء لا يكون بدون خوف من مكر الله. ولا يأمنون من مكر الله، ويعتمدون على الرجاء فقط، ويتركون الخوف: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (٩٩)﴾، بل المطلوب الجمع بين الخوف والرجاء، فلا يخاف حتى يَقْنَط، ولا يرجوا حتى يأمن من مكر الله، بل يكون متعادلًا، ولهذا يقول العلماء: \"المؤمن بين الخوف والرجاء كالطائر بجناحين لو اختل جناح من الأجنحة سقط الطائر، كذلك المؤمن إذا اختل خوفه أو رجاؤه سقط\".\nالصفة الثانية: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨)﴾، يؤمنون بآيات الله أي يصدقون بها، ويعملون بها، وآيات الله: القرآن، ويؤمنون به بمعنى: أنهم يصدقون أنه كلام الله ﷾، تكلم الله به وَحْيًا، ونزل به جبريل إلى النبي ﷺ، وحفظه النبي ﷺ من جبريل، وبلّغه للناس، ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ (١٩٣)﴾ يعني: جبريل﵊-، ﴿عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾، هذه صفات القرآن، فيؤمن هؤلاء المؤمنون بأن هذا القرآن هو خطاب ربهم لهم أمرًا ونهيًا، وتعريفًا به سبحانه وبصفاته، وإخبارًا لهم عن الغيوث الماضية والغيوب المستقبَلة، وهذا القرآن أعظم الكتب التي نزلت من السماء، وقد أودع الله فيه من العلوم العظيمة والأسرار العظيمة ما لا يعلمه إلاَّ الله ﷾. والعوام يفهمون من القرآن، والمبتدءون في التعليم يفهمون من القرآن، والراسخون في العلم يفهمون أكثر من غيرهم، كل على قدر ما أعطاه الله ﷾، لأن القرآن- كما يقول ابن عباس-. على أربعة أنواع: منه ما تعرفه العرب من لغتها، كالنار، والجنة، والزنا، والخمر، والشرك، والكفر، والربا. ومنه ما لا يُعذر أحد بجهل الله مثل: معرفة","vol":"1","page":79},{"text":"الصلاة، والصيام، والحج، وأركان الإسلام، كل واحد مطالب بأن يعرفها. ومنه ما يعرفه العلماء، خاصة كالمحكم، والمتشابه، والمطلق، والمقيد، والناسخ والمنسوخ، والعام والخاص، هذه الأنواع إنما يعرفها العلماء الذين درسوا علوم الشريعة. والنوع الرابع: ما لا يعلمه إلاَّ الله، وهو حقائق ما ذكره الله في القرآن من الجنة والنار، وكيفية صفات الرب ﷾، فنحن نعرف معانيها، لكن كيفيَّتها لا يعلمها إلاَّ هو ﷾؛ سمعه، وبصره، وعلمه ووجهه، ويده ﷾، لا يعلم كيفيّتها إلاَّ الله، ونزوله إلى السماء الدنيا، واستواؤه على العرش، كيفيتها لا يعلمها إلاَّ الله ﷾، لكن المعاني اللغوية نعرفها ونفهمها.\nفمعنى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨)﴾ أي: يصدقون بهذا القرآن ويتدبّرونه، ويشتغلون به، ويعتنون به، ويعملون بما فيه، ما أمرهم به فعلوه، وما نهاهم عنه تركوه، وما أخبرهم به صدّقوه وآمنوا به، وما اشتبه عليهم ردُّوا علمه إلى الله ﷾: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾، هذه طريقة المؤمنين مع القرآن، بخلاف المنحرفين فإنهم لهم مع القرآن مواقف سيّئة، فمنهم الذين قالوا إن القرآن مخلوق، والذين قالوا إن القرآن: له ظاهر وله باطن، وهم الباطنية هؤلاء لا يؤمنون بآيات الله ﷿. والذين قالوا إن ظاهر القرآن غير مراد لأنه يوهم التشبيه والتجسيم فيما يخبر عن الله ﷿.\nالصفة الثالثة: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ (٥٩)﴾ هذا هو تحقيق التّوحيد، لا يشركون أبدًا، شركًا أصغر ولا شركًا أكبر، يعني: لا يقع منهم شرك أبدًا، هؤلاء الذين حقّقوا التّوحيد، وسلموا من الشرك الأكبر والأصغر والخفي والجلي، وكل أنواع الشرك والبدع والمخالفات.\nالصفة الرابعة: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا﴾ من الطاعات، ﴿وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ يعني: خائفة ﴿أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ نفى عنهم الإعجاب بأعمالهم، فهم يعملون الأعمال الجليلة، ويخافون من الله أن يردّها عليهم. فهم يخافون أن تردّ عليهم أعمالهم بخلل وقع فيها، لأن الإنسان ليس معصومًا، فهم جمعوا بين الطاعة والخوف، أما أهل التفريط فجمعوا بين الكسل والأمن من مكر الله ﷿.","vol":"1","page":80},{"text":"وعن حُصين بن عبد الرحمن قال: كنت عند سعيد بن جبير فقال: أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة؟\nــ\nولذلك يقول ﷺ: \"لن يدخل أحدكم الجنة بعمله\"، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟، قال: \"ولا أنا، إلاَّ أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل\"، هذا هو مقام تحقيق التّوحيد، فالجنة لا تُدرك بالأعمال، وإنما الأعمال سبب لدخول الجنة ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، قال العلماء: الباء باء السببيّة، وليست الباء للثمنيّه، فالعمل الصالح سبب لدخول الجنة، والله لا يضيع أجر من أحسن عملًا، وإدخاله عباده الصالحين الجنة تفضل منه، وإحسان منه ﷾، والله تعالى يقول: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوهَا﴾ إذا كنت لا تستطيع عدَّها، فكيف تستطيع الشكر؟، ولهذا يقول ﷺ في دعاء القنوت \"أعوذ برضاك من سخطك، وبعفوك من عقوبتك، وبك منك، لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك\"، هذا سيّد الأنبياء، وإمام المرسلين، وأفضل الخلق يعترف أنه لا يُحصي الثناء على الله ﷾، فكيف بغيره؟\nفهؤلاء يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون، لأن أعمالهم أقل بكثير مما يجب عليهم، ثم - أيضًا- لا يضمنون أنها تكون متقبلة، قد تكون مردودة بسبب من الأسباب، ولهذا يقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ ومن يضمن لنفسه أنه من المتقين؟، لكن الإنسان يعمل ولا ييأس ولا يقنط، ويُحسن الظن بالله ﷿، إنما لا يستكثر عمله، أو يتمنّن على الله، قالت أم المؤمنين عائشة ﵂، للنبي ﷺ لَمَّا سمعت هذه الآية ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠)﴾، قالت: يا رسول الله، أهم الذين يزنون ويسرقون ويشربون الخمر، ويخافون أن يعذبوا بذنوبهم؟، قال: \"لا، يا ابنة الصديق، ولكنهم يصلون ويصومون ويجاهدون، ويخافون أن تُردّ عليهم أعمالهم\".\nقوله: \"وعن حصين بن عبد الرحمن قال: كنت عند سعيد بن جبير\" إلخ.\nساق الشيخ ﵀، هذا الحديث، في \"باب من حقق التّوحيد\"، بعد أن ذكر الآيات السابقة، لأن هذا الحديث، هو فيمن حقق التّوحيد وما له عند الله من","vol":"1","page":81},{"text":"فقلت: أنا، ثم قلت، أما إني لم أكن في صلاة، ولكني لُدِغْت، قال: فما صنعت؟، قلت: ارتقيت.\nــ\nالكرامة، وسبق لنا معنى تحقيق التّوحيد، وأنه تخليصه من شوائب الشرك الأكبر والأصغر، ومن البدع والمخالفات وهذه مرتبة السابقين من هذه الأمة.\nقال: \"عن حُصين بن عبد الرحمن\" السُّلمي، أحد التابعين الثقات.\n\"قال: كنت عند سعيد بن جُبير\" سعيد بن جُبير من أكابر التابعين علمًا وورعًا وفقهًا، وهو من تلاميذ ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- قتله الحجّاج بن يوسف الثَّقفي قبل أن يبلغ الخمسين من عمره، وبقتله أُصيبت الأمة بفقد عالم من أجلِّ علمائها.\n\"فقال: أيُّكم رأى الكوكب الذي أنقض البارحة؟ \"، يسأل الجالسين عنده، والكوكب معناه: الشِّهاب الذي يُرمى به الشياطين الذين يَسْتَرِقُون السمع، وليس معناه أن الكوكب نفسه يسقط، ولكن ينفصل منه شَظِيَّة. \"الذي انقض البارحة\"، أي: الذي سقط.\nقال: حُصين بن عبد الرحمن: \"أنا\"، والبارحة كلمة تُطلق على الليلة الماضية، ما قبل الزوال يقال له: الليلة، وما بعد الزوال يقال له: البارحة، مِن \"بَرَح الشيء\" إذا فات وذهب، هذا عند العرب.\nوقوله: \"قلت: أنا\" يعني: أنا رأيت الكوكب، فدلّ هذا على أن هذا الرجل لم يَنَم.\nثم إنه خشي على نفسه من الرياء، فاستدرك وقال: \"أما إني لم أكن في صلاة\" يعني: لا تظنوا أني سهرت أتهجّد، خشِي على نفسه الرياء، أن يمدح بشيء ليس فيه، وهذا من ورع السّلف وابتعادهم عن الرياء وتزكية النفس، لأن هذا ينافي الإخلاص.\nوقوله: \"ولكني لُدِغْت\" يعني: السبب في كوني كنت مستيقظًا وقت نزول الشهاب أنني لُدِغْت، واللَّدْغ معناه: إصابة ذات السموم من العقارب ونحوها.\nوقوله: \"قال: فما صنعت؟ \" لأن من عادة المَلْدُوغ أنه يتعاطى شيئًا من العلاج.","vol":"1","page":82},{"text":"قال: فما حملك على ذلك؟ قلت: حديث حدثناه الشعبي.\nقال: وما حدثكم؟ قلت: حدثنا عن بريدة بن الحصيب أنه قال: لا رُقية إلاَّ من عين أو حُمَة.\nــ\nوقوله: (ارْتَقَيت) يعني: طلبت من يَرْقِينِي بالقرآن، والرُّقية معناها: أن يُقرأ على المصاب بالمرض أو باللَّدْغ من القرآن والأدعية، ويُنْفَث على موضع الإصابة وموضع الألم. وهذا من أنفع العلاج إذا صدر عن يقين من الرّاقي ويقين من المَرْقي، لأن الله ﷾ أنزل هذا القرآن شفاءً للأمراض المعنويّة: أمراض الشِّرك، والنفاق، والمعاصي، والأمراض الحسيّة: أمراض الأجساد، لأنه كلام رب العالمين ﷾، قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَارًا﴾ فالرُّقية مشروعة، وقد رَقَى النبي ﷺ ورُقي﵊-، رَقَاه جبريل لما أصابه السحر، ورَقَى ﷺ بعض أصحابه، فالرُّقية بالكتاب والأدعية أمر مشروع.\nقوله: \"قال: فما حملك على هذا؟ \" هذا فيه أن السلف يطلبون الدليل على ما يفعلون وما يقولون، وفيه طلب الدليل على المذهب والاجتهاد. فمن قال بمسألة من المسائل، أو فعل فعلًا، فإنه يطلب منه الدليل على جوازه، أو على مشروعيّته من الكتاب والسنّة. هذا أدب السلف﵏- أنهم لا يُقْدِمون على شيء إلاَّ بدليل من كتاب الله وسنّة رسوله ﷺ خصوصًا في أمور العلاج، لأن النفوس تتشبث بأي شيء لطلب الشفاء، حتى ولو كان غير مشروع. فسعيد بن جُبير ﵁ خَشِي من هذا الأمر. فهذا فيه أن العلاج لا يكون إلاَّ بما دل عليه دليل من كتاب الله وسنّة رسوله، أما الذهاب إلى المشعوذين والدجّالين والسَّحرة والكَذَبة فهو محرّم، وقد يكون شركًا أكبر يُخرج صاحبه من الملّة؛ إذا ذبح لغير الله، أو دعا غير الله، أو استغاث بالجن أو الشياطين، فإنه يخرج من الملّة، ولو فرضنا أنه شُفي، ماذا ينفعه إذا ذهبت عقيدته وصحّ جسمه، هذا أمر وباب خطير جدًّا، ويجب التحرُّز منه.\nوقوله: \"قلت: حديث حدثنيه الشَّعْبي\" يعني: هذا دليلي على ما فعلت، والشعبي هو: عامر بن شُرَاحيل، الإمام الجليل من أئمة التابعين.\n\"قال: وما حدثكم؟ قلت: حدثنا عن بُريدة بن الحُصيب\" بُريدة بن الحُصيب الأسلمي، من صحابة رسول الله ﷺ، فهذا التابعي- الذي هو الشَّعْبي- يروي عن هذا الصحابي.","vol":"1","page":83},{"text":"قال: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع.\nــ\nقوله: أن النبي ﷺ قال: \"لا رُقية إلاَّ من عين أو ُحمة\" لا رُقية يعني: أنفع وأشفى إلاَّ من عين، أي: إصابة العين بسبب الحسد الذي يكون في بعض الناس، إذا نظر إلى الأشياء أصيبت على أثر نظرته، لأن نظره مسموم، وهذا من عجائب- خلق الله ﷾ وقدرته، أنه يجعل بعض الأنظار مسمومة، إذا نظر صاحبها إلى شخص، أو إلى حيوان، أو إلى شيء، أصيب بإذن الله ﷿، والعين حق- كما في الحديث، قال ﷺ: \"العين حق، ولو أن شيئًا سبق القدر لسبقته العين\"، هذا في الصحيح، وقد أصيب رجل في عهد النبي ﷺ فطلب النبي ﷺ من الذي عانه، أن يغتسل، ثم أخذت غُسالته وصبّت على المصاب، فشُفي بإذن الله، وقال: \"العين حق، وإن استغسلتم فاغسلوا\"، هذا هو علاجها، أنه يَأمر العائن أن يغتسل، ويغسل بواطن إزاره، ثم تُصَب هذه الغُسالة على المصاب، فيُشفى- بإذن الله-، كما فعل النبي ﷺ وكذلك مِن علاجها: الرُّقية، بأن يُقرأ على المصاب بالعين، فاتحة الكتاب، والمعوّذتان.\nوقوله: \"أو حُمَة\" الحُمَة هي: اللَّدْغة من ذوات السّموم، وهذا محل الشاهد من الحديث لما فعله حصين ﵀.\nثم قوله: \"لا رُقية إلاَّ من عين أو حُمَة\" قال العلماء: هذا من باب التأكيد، لا من باب الحَصْر، فالرُّقية تنفع من غير العين والحُمَة أيضًا ومن سائر الأمراض، ولكن أنفع ما يُشفى بالرُّقية هذان المرضان: العين والحُمَة، وإلاّ فإن الرّقية تنفع - أيضًا- من جميع الأمراض- بإذن الله-، فهذا من باب الحصر النِّسبي والتأكيد، كما قال ﷺ: \"لا ربا إلاَّ في النّسيئة\"، مع أن هناك ربا الفضل، فمعنى الحديث: \"لا ربا إلاَّ في النسيئة\" يعني: لا ربا أعظم وأشد من ربا النسيئة، فهو أشد من ربا الفضل، لأنه ربا الجاهلية، فليس هذا من باب الحَصْر، وإنما هو حَصْر إضافي.\nولما أتى حُصين بن عبد الرحمن بالدليل على ما فعل، قال له سعيد بن جبير ﵀: \"قد أحسن من انتهى إلى ما سمع\" أثنى عليه، وصوّبه على هذا الفعل، ء وأنه عَمِل عملًا جائزًا ومباحًا، واستدل بدليل صحيح عن النبي ﷺ، فتأدّب سعيد مع الحديث، ولم يكن مثل بعض الجهّال الذين إذا بلغهم الحديث وهو لا يوافق","vol":"1","page":84},{"text":"ولكن حدثنا ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: \"عُرضت عليَّ الأمم، فرأيت النبي ومعه الرَّهْط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد؛ إذ رُفع لي سواد عظيم، فظننت أنهم أمتي، فقيل لي: هذا موسى وقومه.\nــ\nهواهم، أو لا يوافق مذهبهم، راحوا يطعنون فيه أكبر الطّعن، ويجرّحون ولو كان الحديث في \"البخاري\"، فإنهم قالوا في أحاديث في \"البخاري\": \"حتى ولو قالها الرسول ﷺ فإن معناها ليس بصحيح عندهم\"!!، قال ذلك بعض الكُتّاب، فهذا أمر خطير.\nوسعيد بن جُبير لما بلغه حديث رسول الله ﷺ قال: \"قد أحسن من انتهى إلى ما سمع\"، هذا هو أدب العلماء، وهذا أدب الصحابة ﵁، والتابعين، وسائر أئمة العلماء، فهم يتأدّبون مع السنّة إذا بلغتهم عن رسول الله.\nقوله: \"ولكن حدثنا ابن عباس\" معناه أن: سعيد بن جُبير عنده دليل آخر، العمل به أحسن من العمل بحديث حُصين بن عبد الرحمن، وإن كان العمل بحديث حُصين بن عبد الرحمن حسنًا، ولكن هناك حسن وهناك ما هو أحسن، فأراد أن يرقيه من الحسن إلى الأحسن.\nقال: \"حدثنا ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: \"عُرضت عليّ الأمم\" فيه معجزة من معجزات النبي ﷺ حيث عُرضت عليه الأمم، أي: أُرِيَ الأمم السابقة. قيل: كان هذا ليلة الإسراء والمعراج.\n\"فرأيت النبي ومعه الرَّهْط\" الرَّهْط: هم الجماعة دون العشرة، يعني: لم يتبعه من أمته إلاَّ دون العشرة، وبقية الأمة كفروا به.\n\"والنبي ومعه الرجل والرجلان\" هذا أقل، تبعه من قومه رجل أو رجلان، والبقيّة أَبَوْ أن يؤمنوا بالله ورسوله.\n\"والنبي وليس معه أحد\" فيه من الأنبياء من كذبه قومه كلهم، ولم يتبعه أحد، فهذا فيه دليل على أنه لا يُحتج بالكثرة، وإنما يُحتج بمن كان على الحق، ومعه الدليل، ولو كانوا قليلين، ولو كان شخصًا واحدًا، فمن كان على الحق، ومعه دليل من كتاب الله وسنّة رسوله، فهذا هو الذي يُؤخذ بقوله ويُقتدى به، أما من خالف","vol":"1","page":85},{"text":"فنظرت فإذا سواد عظيم، فقيل لي: هذه أمتك، ومعهم سبعون ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب\".\nــ\nالدليل فلا عبرة به حتى ولو كانوا كثرة، والله تعالى يقول في نوح: ﴿وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلا قَلِيلٌ﴾ ويقول: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ويقول جل وعلا: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (١١٦)﴾، فالكثرة ليست هي الضابط في إصابة الحق، ولا يُغتر بها، فربما تكون الكثرة على الباطل، إنما إذا اجتمع الكثرة مع إصابة الحق، فهذا طيّب، أما إذا كانت كثرة بدون حق فلا، ولا يُزَهِّدُنا في الحق قلّة أتباعه، لأن بعض الناس اليوم إذا نُبّه على خطأ يقول: هذا عليه أكثر الناس، إذا قلت له- مثلًا- عن تحريم تأويل الصفات، قال: تسعة أعشار العالم الإسلامي أشاعرة يئولون الصفات وهذا ليس عذرًا أمام الله ﷺ ما دام تبيّن الحق، وأما أمر الناس فهو موكول إلى الله سبحانه، ويجب على المسلم أنه يتبع الحق، ولا يكابر بكثرة من خالفه أو جانبه، نبي من أنبياء الله ليس معه إلاَّ دون عشرة، ونبي من أنبياء الله ليس معه إلاَّ رجل أو رجلان، ونبي من أنبياء الله ليس معه أحد. نسأل الله أن يوفقنا وإيّاكم لقول الحق والعمل به، ومخالفة الهوى والنفس والشيطان.\nقوله: \"إذ رُفع لي سواد عظيم\" السواد هو: الأشباح البعيدة.\n\"فظننت أنهم أمتي\" ظن النبي ﷺ أن هذا السواد العظيم هم أمته، لأنه أكثر الأنبياء أتباعًا، ﵊.\n\"فقيل لي: هذا موسى وقومه\" هذا فيه فضل موسى ﵇، كليم الله، وأنه اتبعه من قومه خَلْق كثير، آمنوا به واتبعوه، فهو من أكثر الرسل أتباعًا بعد نبينا محمد ﷺ، وفيه فضيلة لموسى ﵊.\nفهذا يدل على أن موسى ﵇ آمن به خَلْقٌ كثير من بني إسرائيل، وإنما حدث التحريف والكفر بعد موسى ﵇.\nقوله: \"فنظرت فإذا سوادٌ عظيم\"، وفي رواية: \"ولكن انظر إلى الأفق\"، والرواية في \"صحيح مسلم\".\n\"فنظرت فإذا سوادٌ عظيم، فقيل لي: هده أمتك، ومعهم سبعون ألفًا يدخلون","vol":"1","page":86},{"text":"ثم نهض فدخل منزله.\nفخاض الناس في أولئك، فقال بعضهم: فلعلهم ائذين صحبوا رسول الله ﷺ. وقال بعضهم: فلعلهم الذين وُلدوا في الإسلام فلم يشركوا بالله شيئًا. وذكروا أشياء.\nــ\nالجنة بلا حساب ولا عذاب\"، وفي رواية: \"ومنهم سبعون ألفًا\"، السبعون الألف هؤلاء من أمّة محمد ﷺ يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب. هذا فضل عظيم، والبقيّة من الخلائق تُحاسب، منهم من يُحاسب حسابًا يسيرًا، ومنهم من يناقش الحساب. واختلف العلماء في الكُفار هل يُحاسبون أو يدخلون النار بدون حساب؟، والذي قرّره شيخ الإسلام ابن تيمية- كما في \"العقيدة الواسطية\"- أنهم يقرّرون بأعمالهم فقط، ولا يحاسبون محاسبة من يوازن بين حسناته وسيئاته، لأنهم لا حسنات لهم، ولكنهم يقرّرون بكفرهم وأعمالهم الكفريّة، ثم يُؤمر بهم إلى النار - والعياذ بالله-. وان كان لهم حسنات في الدنيا فإنهم يجازون بها في الدنيا، وتعجّل لهم حسناتهم، فإن الله لا يظلم أحدًا، أما في الآخرة فليس لهم ثواب ولا حسنات- والعياذ بالله-.\nقوله: \"ثم نهض ﷺ\" أي: قام.\n\"ودخل منزله\" دون أن يبيّن من هم هؤلاء السبعون الألف.\nوالصحابة ﵃ اهتموا بهذا الأمر، لأن هذا أمر عظيم، فصاروا يخوضون في هؤلاء السبعين من هم؟.\nفقوله: \"خاض الناس في أولئك\" يعني: بحثوا من هم، وهذا من حرص الصحابة ﵃ على الخير، واهتمامهم بأمور الآخرة، لأنهم لا يهتمُّون بأمور الدنيا، وإنما يهتمُّون بأمور الآخرة، بخلاف أهل الدنيا، إذا سمعوا بتجارة صاروا يتحدثون عنها ولا يهمهم أمر الآخرة.\nقوله: \"فقال بعضهم: فلعلهم الذين صَحِبوا رسول الله ﷺ\" لأن أفضل الأمة هم الصحابة ﵃، لا أحد يساوي الصحابة في الفضيلة، قال ﷺ: \"لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مُدَّ أحدهم","vol":"1","page":87},{"text":"ولا نصيفه\"، فالصحابة هم أفضل الأمة، ولا أحد يساويهم في الفضل- رضي الله تعالى عنهم-، بسَبْقِهم إلى الإسلام، وصحبتهم لرسول الله ﷺ وجهادهم في سبيل الله، وبذلهم أنفسهم وأموالهم في سبيل الله ﷿، فلذلك قالوا: \"فلعلهم الذين صحبوا\"، لأنهم لا يعلمون أحدًا أفضل من صحابة رسول الله ﷺ.\nوقوله: \"وقال بعضهم: فلعلهم الذين وُلدوا في الإسلام ولم يشركوا بالله شيئًا\" يعني: الذين وُلدوا بعد بِعْثَة النبي ﷺ من أولاد المسلمين، وبقوا على الفطرة الصحيحة، وآمنوا بالله ورسوله، ولم يشركوا بالله شيئًا. وهذا- أيضًا- فيه فضل من سَلِم من الشرك، بحيث إن الصحابة توقَّعوا أنهم هم الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب، ففيه فضل من سَلِم من الشرك، ولكن من وقع في الشرك ثم تاب تاب الله عليه، وصار من أفضل المسلمين لأن التوبة تَجُبُّ ما قبلها، والله تعالى يقول: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾، ولكن الصحابة توقَّعوا أن مواليد الإسلام الذين لم يشركوا بالله شيئًا، هم المعنيُّون بهذا الحديث.\nوهذا- أيضًا- يدل على المحافظة على الأولاد، والمحافظة على فطرتهم. ويدل على وجوب التربية على الإسلام، والتربية على التّوحيد، وتصحيح العقيدة، لأن بعض الناس اليوم لا تهمهم العقيدة، ويقولون العقيدة أمرها سهل، والناس أحرار في عقائدهم، ولا يهتمون بأمر الشرك، ويقولون هذه اجتهادات، ولا يهتمون بالدعوة إلى التّوحيد، والتحذير من الشرك، وتصحيح العقائد.\nفقول الصحابة: \"فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام ولم يشركوا بالله شيئًا\"يدل على خطر الشرك، وأن الإنسان لو وُلد في الإسلام فإن هذا لا يكفي، لابد أن يَسْلم من الشرك، ولا يسلم من الشرك إلاَّ إذا عرفه وعرف طرقه، حتى يتجنّبه ويحذّر منه، أما من يجهل الشيء فربما يقع فيه، لأنه لا يدري عنه؛ وعمر بن الخطاب ﵁ يقول: \"إنما تُنْقَضُ عُرى الإسلام عُروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية\"، وحذيفة بن اليمان ﵁ يقول: \"كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن أقع فيه\"، فهذا أمر عظيم جدًّا، الاهتمام بأمر العقيدة، والخوف من الشرك، ومن خاف من شيء فإنه يهرب منه، ولا يمكن أن","vol":"1","page":88},{"text":"فخرج عليهم رسول الله ﷺ فأخبروه، فقال: \"هم الذين لا يَسْتَرْقُون، ولا يَكْتَوُون، ولا يَتَطَيَّرون، وعلى ربهم يتوكلون\".\nــ\nيهرب منه إلاَّ إذا عرف من أن يأتيه هذا العدو، ومن أين يدركه، فهذا أمر عظيم.\nوقوله: \"ثم خرج عليهم رسول الله ﷺ فأخبروه\" ذكروا ما بحثوا فيه، وما خاضوا فيه، والاجتهادات التي أبدَوْها حول هذا الأمر. وهذا فيه دليل على مشروعية المباحثة في أمور العلم، والبحث عن معاني كلام الله وكلام رسوله ﷺ حتى نعمل به، وننتفع به.\nوقوله: \"قال: هم الذين لا يَسْتَرْقُون\" يعني: لا يطلبون من غيرهم أن يَرقيهم، لماذا؟، لأن طلب الرُّقية من الناس سؤال للمخلوق، والسؤال للمخلوق فيه ذِلّة، فهم يستغنون عن الناس، ويعتمدون على الله ﷾، وهذا من تمام التّوحيد: أن الإنسان لا يسأل الناس، والنبي ﷺ بايع بعض أصحابه أن لا يسألوا الناس شيئًا، فكان أحدهم إذا سقط سوطه من على راحلته لا يقول لأحد: ناولني السوط، لأنهم يريدون الاستغناء عن الناس، لكن سؤال أهل العلم عما أشكل ليس من هذا، وهو واجب قال تعالى: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾، إذا كان ذلك عن حاجة، أما سؤال التعنّت والاستكبار وتعجيز المسؤول، فهذا لا يجوز، لأنه ليس عن حاجة، وإنما هو عن إظهار عَظَمة، وأن السائل أعلم من المسؤول، وهذا لا يجوز، وسؤال المال، يجوز للحاجة إذا كان الإنسان مضطرًّا، فإنه يجوز أن يسأل الناس حتى ترتفع ضرورته، أما سؤال الإنسان وهو غني، فهذا حرام: \"من سأل الناس تكثّرًا، فإنما يسأل جمرًا، فليُقِل أو ليستكثر\".\nوقوله: \"ولا يَكْتَوُون\" كذلك لا يطلبون من غيرهم أن يكويهم بالنار من أجل العلاج.\nوالكَيْ بالنار نوع من أنواع الطب، وقد قال النبي ﷺ: \"الشفاء في ثلاث: شَرْبة عسل، أو شَرْطة مِحْجَم، أو كيّة بنار\"، وفي رواية أخرى: \"وأنا أكره الكَيْ \"، فالكَيُّ عند الحاجة علاج مباح، ولكنه إذا طلبته من غيرك، يكون مكروهًا لأنه من مسألة الناس، وكذلك يكره الكيّ ذاته، لما فيه من التعذيب بالنار.\nقوله: \"ولا يَتَطَيَّرون\" التطيّر هو: التشاؤم بالطيور وغيرها، ثم يرجع المتطير","vol":"1","page":89},{"text":"فقام عُكّاشة بن محصن فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، قال: \"أنت منهم\" ثم قام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، قال: \"سبقك بها عُكّاشة\".\nــ\nعن ما عزم عليه، هذا هو التّطيُّر، أما التفاؤل فهو مشروع، وكان النبي يعجبه الفَأْل، لأن الفَأْل حسن ظن بالله ﷾، أما الطِّيَرة فهي سوء الظن بالله.\nفهؤلاء السبعون الألف استحقوا هذه المنزلة، لأنهم تركوا أمورًا محرمة وهي الطيرة، أو مكروهة وهي طلب الرقية والكي من الناس، فهم تركوها استغناء عن الناس، وتوكلًا على الله ﷾.\nأما أن الإنسان يَرْقِي نفسه أو يَرْقِي غيره، فهذا فعله النبي ﷺ فرقى نفسه ورقى غيره ورقاه غيره فلا كراهة في ذلك.\nيبقى قضية التداوي بالمباح كالحبوب- مثلًا-، أو بالأعشاب، أو بإجراء العمليّات الجراحيّة: واستئصال الأورام أو الزوائد؛ فهذا مباح، من غير كراهة لقول النبي ﷺ: \"تداووا ولا تداووا بحرام\"، وقوله ﷺ: \"ما أنزل الله داءًا إلاَّ وأنزل له شفاء، علمه من علمه وجهله من جهله\" ومن العلماء من يرى أن التداوي مستحب، ومن العلماء من يرى أنه واجب، والتدواي سواءً كان مباحًا أو مستحبًّا أو واجبًا لا ينافي التوكل، لأن بعض الجهّال يقول: اتْرُك التدواي توكّلًا على الله، نقول: الأخذ بالأسباب لا ينافى التوكل، والتداوي سبب، والأخذ بالأسباب قد أمر الله تعالى به.\nقوله: \"فقام عُكّاشة بن مُحصَن\" عُكّاشة بن مُحصَن الأسدي، من السابقين إلى الإسلام، شهد غزوة بدر، وغيرها من المشاهد مع رسول الله ﷺ، وعاش بعد النبي ﷺ وقاتل في حروب الرّدة حتى قُتل، ﵁.\n\"فقال: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم\" هذا فيه مشروعيّة طلب الدعاء من أهل الخير، الأحياء، لأن هذا الصحابي طلب الدعاء من رسول الله ﷺ وأقرّه على ذلك، فدلّ على جواز، طلب الدعاء من الصالحين الأحياء.\n\"قال: أنت منهم\" أخبر ﷺ أن عُكّاشة من السبعين الألف الذين يدخلون الجنة","vol":"1","page":90},{"text":"بلا حساب ولا عذاب، وقد وقع ما أخبر به ﷺ، فإنه قُتل شهيدًا في سبيل الله ﷿ وفي هذا دليل من أدلة النبوّة، حيث أخبر ﷺ أن عُكّاشة من السبعين الألف، وقتل شهيدًا في سبيل الله ﷿، فصار في زُمْرة الشهداء في سبيل الله، مع سَبْقه إلى الإسلام، وشهوده بدرًا وغيرها مع الرسول ﷺ.\n\" ثم قام رجل آخر، فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، قال: \"سبقك بها عُكّاشة\"، كأن الرسول ﷺ علم أن هذا الرجل لا يصل إلى هذه المرتبة، ولكن ما جابهه بكلام يكرهه، ولم يقل له: أنت لا تستحق، أو أنت لست من أهل هذه المنزلة، وهذا من حُسن أدب الرسول ﷺ بل جاء بكلمة لم تؤثر على الرجل، وهي وافية بالمقصود، فقال: \"سبقك بها عُكّاشة\".\nقال الشيخ ﵀ في مسائله: \"هذا فيه استعمال المعاريض\" يعني: الكلمات التي تُستعمل بدل الكلمات المكروهة، لأنه لو قال لا تستحق هذا، أو أنت لا تصل إلى هذه المرتبة، لحصل عند الرجل انكسار نفس وخجل، فالرسول ﷺ كان كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾، وقال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾، فالرسول ﷺ علم أن هذا الرجل - بما علّمه الله ﷾- لا يصل إلى هذه المرتبة، ولكنه جاء بكلمة ليّنة لطيفة ليس فيها تجريح، فهذا فيه حُسن الأدب مع المسلمين، وعدم مواجهتهم بما يكرهون من الكلمات النابية، حتى ولو كانوا على خطأ، فهم يواجهون بكلمات فيها تطييب لخواطرهم، وعدم تجريح لنفوسهم.\nفهذا حديث عظيم دلَّ على مسائل:\nأولًا: دلَّ على جواز الرُّقية من العين ومن الحُمة وغيرهما، لأنه فعله حُصين بن عبد الرحمن، واستدل بحديث الرسول ﷺ.\nثانيًا: في الحديث دليل على فضل موسى ﵇ وأمته الذين آمنوا به.\nثالثًا: فيه دليل على عدم الاحتجاج بالكثرة، وهذه مسألة مهمة.\nورابعًا: فيه حرص الصحابة على مسائل العلم ومعرفتها، حيث خاضوا في طلب معنى هذا الحديث الذي ألقاه عليهم رسول الله ﷺ وبحثوا فيه، قال الشيخ: فيه المناظرة في العلم.","vol":"1","page":91},{"text":"خامسًا: في الحديث دليل على كراهية سؤال الناس: \"لا يَسْتَرْقُون، ولايُكْتَوُون\"، ففيه كراهيّة سؤال الناس، وأن سؤال الناس فيه تنقيص للتوحيد، أما الاستغناء عنهم فهذا فيه كمال للتّوحيد، وهو من تحقيق التّوحيد.\nسادسًا: الحديث دليل على جواز العلاج بالكَيْ، مع الكراهة بشرط أن يكون المعالج به من أهل المعرفة، الذي يعرفون موضع الألم وموضع الكَيْ، ومقدار الكَيْ، وفيه دليل على أن الإصابة بالعين حق، وأنها تُعالج بالرُّقية، وتعالج بما أرشد إليه النبي ﷺ من الاستغسال- أيضًا-.\nسابعًا: فيه دليل على علم من أعلام نبوّته ﷺ حيث أخبر أن عُكّاشة من السبعين الألف، وقد قُتل شهيدًا في سبيل الله بعد ذلك.\nثامنًا: وفيه دليل على استعمال المعاريض في الأمور التي يُكره مواجهة الناس بها، وحُسن خلقه ﷺ في تعامله مع أصحابه، وكذلك يجب أن يقتدي به أهل العلم وأهل الدعوة في مخاطبتهم للناس.\nتاسعًا: وفيه دليل على طلب الدليل على المذهب، حيث إن سعيد بن جُبير طلب من حُصين بن عبد الرحمن الدليل على ما فعله من طلب الرقية فلما جاء بالدليل استحسنه، وقال له: \"قد أحسن من انتهى إلى ما سمع\".\nعاشرًا: وفيه دليل على ما تَرْجَم له المصنف، وهو الشاهد للباب أن من حقّق التّوحيد دخل الجنة بلا حساب ولا عذاب، وأن تفسير ذلك بأن يترك الشرك الأكبر والأصغر، ويترك الأمور المكروهة، احتياطًا لعقيدته.","vol":"1","page":92},{"text":"[الباب الرابع:] * باب الخوف من الشرك\nــ\nهذا الباب في غاية المناسبة للأبواب السابقة، وهذا من دقّة فقهه وفهمه ﵀، وحُسن تأليفه، فإنه لما ذكر في الباب الأول: معرفة حقيقة التّوحيد، وذكر في الباب الثاني: فضل التّوحيد وما يكفّر من الذنوب، وذكر في الباب الثالث: من حقّق التّوحيد دخل الجنة بلا حساب ولا عذاب. لما ذكر هذه الأبواب ناسب أن يذكر ضدّ التّوحيد وهو الشرك، لأنه لا يكفي أنّ الإنسان يعرف التّوحيد ويعمل به، بل لابد أن يعرف ضدّه وهو الشرك، خشية أن يقع فيه، ويُفسد عليه توحيده، لأن من لا يعرف الشيَّء يوشك أن يقع فيه، كما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁: \"يوشك أن تُنْقَض عُرى الإسلام عُروة عُروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية\" لأنه لا يدري عن أمور الجاهلية أو يحسبها شيئًا طيّبًا وهي من أمور الجاهلية، فبجهله بحقيقتها الْتَبَسَتْ، فصار يفعلها وهي من الجاهلية، فكذلك وأخطر من ذلك من لا يعرف الشرك ومداخله، وأنواعه، وأخطاره، فإنه حَرِّيٌ أن يقع في الشرك من حيث لا يدري، لأن الجهل داء قاتل، والشاعر يقول:\nوالضد يظهر حسنه الضد ... وبضدها تتبين الأشياء\nفلا يعرف قيمة الصحة إلاَّ من ذاق المرض، ولا يعرف قيمة النور إلاَّ من وقع في الظلام، ولا يعرف قيمة الماء إلاَّ من عطش، وهكذا، ولا يعرف قيمة الطعام إلاَّ من مسّه الجوع، ولا يعرف قيمة الأمن إلاَّ من أصابه الخوف، إذًا لا يعرف قيمة التّوحيد، وفضل التّوحيد، وتحقيق التّوحيد إلاَّ من عرف الشرك وأمور الجاهلية حتى يتجنّبها، ويحافظ على التّوحيد، ومِن هنا يظهر خطأ هؤلاء الذين يقولون: لا داعي أن نتعلم العقائد الباطلة ونعرف المذاهب الباطلة، ونرد على المعتزلة والجهمية، لأنهم بادوا وذهبوا، علموا الناس التّوحيد ويكفي، أو بعضهم يقول لا تعلّموهم التّوحيد لأنهم أولاد فطرة، ونشأوا في بلاد المسلمين، علّموهم أمور الدنيا: الصناعات والاختراعات والأمور الحديثة، أما التّوحيد فيحصلونه بفطرتهم وبيئتهم، نعم وجُد من يقول هذا، وبعض الناس يقول: الناس تجاوزوا مرحلة الخرافات،","vol":"1","page":93},{"text":"لأنهم تثقفوا وعرفوا، فلا يمكن أنهم يشركون تتعد ذلك، لأن الشرك كان في الجاهلية، يوم كان الناس سذج ويسمون الشرك في العبادة شركًا ساذجًا، والشرك عندهم ما يسمونه بالشرك السياسي أو شرك السلاطين أو شرك الحاكمية.\nولذلك لا يهتمون بإنكار هذا الشرك الذي بعثت الرسل لإنكاره، وإنما ينصبّ إنكارهم على الشرك في الحاكمية فقط.\nوكل هذه من حيَل الشيطان لبني آدم، والواجب أننا، كما نعرف الحق؛ يجب أن نعرف الباطل، من أجل أن نعمل بالحق، ونتجنّب الباطل، ولهذه المناسبة العظيمة ذكر الشيخ \"باب الخوف من الشرك\" بعدما ذكر أبواب التّوحيد وفضله، وما يكفر من الذنوب، وتحقيق التّوحيد وهذه نعمة عظيمة لكن إذا حازها الإنسان، فإنه يخشى من ضدها، فلابد أن يعرف ضدّها حتى يتجنّبه، فلنتنبّه لهذا الأمر، فإن هناك أناسًا الآن كثيرين يزهِّدون في تعلم هذه الأمور: تعلّم التّوحيد، تعلّم الشرك، معرفة الشُّبَه والضلال، يزهدون في هذه الأمور، وهذا إما من جهلهم، وعدم معرفتهم، وإما لأنهم يريدون الدّس على المسلمين، وإفساد عقيدة المسلمين، فلنحذر من هذا الأمر، سمعنا من يقول إن الذي يدرس عقائد المعتزلة والرد عليهم مثل الذي يرجم القبر، لأنهم ماتوا، يقولون كذا، نقول: يا سبحان الله هم ماتوا بأشخاصهم، لكن مذاهبهم باقية، وشبهاتهم باقية، وكتبهم، تطبع الآن وتحقق، وينفق عليها الأموال، وتُرَوّج، فكيف نقول نتركهم لأنهم ماتوا، والله تعالى ذكر شبهات المشركين من الأمم السابقة: فرعون وهامان وقارون وقوم ونوح وعاد وثمود، مع أنها أمم بائدة، ذكر شبهها ورد عليها، فالعبرة ليست بالأشخاص، العبرة بالمذاهب، والعبرة بالشُّبَه الباقية ولكل قوم وارث.\nولهذا قال الشيخ: \"باب الخوف من الشرك\" أي: أن الموحّد يجب أن يخاف من الشرك، ولا يقول أنا موحّد وأنا عرفت التّوحيد، ولا خطر علي من الشرك، هذا إغراء من الشيطان، لا أحد يزكي نفسه، ولا أحد لا يخاف من الفتنة ما دام على قيد الحياة، فالإنسان معرّض للفتنة، ضلّ علماء أحبار، وزلّت أقدامهم، وخُتم لهم بالسّوء، وهم علماء، فالخطر شديد، ولا يأمن الإنسان على نفسه أن تَنْزَلِق قدمه في","vol":"1","page":94},{"text":"وقول الله ﷿: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ .\nوقال الخليل ﵇: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ .\nــ\nالضلال، وأن يقع في الشرك، إلاَّ إذا تعلم هذه الأمور من أجل أن يجتنبّها، واستعان بالله، وطلب منه العصمة والهداية: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ خافوا من الزّيغ بعد الهداية، والمهتدي يكون أشد خوفًا أن يزيغ، وأن تزلّ قدمه، وأن تسوء خاتمته، وأن يكون من أهل النار، نسأل الله العافية.\nقال: \"وقول الله ﷿: \" ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ \" هذا خبر من الله عن نفسه ﷾ مؤكّد بـ \"إنّ\".\nأنه: \" ﴿لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ \" فهذا فيه خطورة الشرك، فالله لا يغفر للمشرك مع أن رحمته وسعت كل شيء، ولكن المشرك لا يدخل فيها، لعِظم جريمته- والعياذ بالله، فمن مات على الشرك فإنه لا يغفر له، وهذا يدلّ على خطورة الشرك، فإذا كان الشرك بهذه الخطورة، فإنه يجب الحذر منه غاية الحذر، كل الذنوب مَظِنّة المغفرة ورجاء المغفرة إلاَّ الشرك. والشرك لا يمكن تجنبه إلاَّ إذا عرف وعرف خطره.\nوفي الآية الأخرى أخبر سبحانه أنه حرم الجنة على المشرك، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ والحرام: الممنوع، فلا يمكن أنّ المشرك يذوق طعم الجنة، أو يشم رائحة الجنة.\nوفي الآية الثالثة: يقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾، منعهم الله من دخول المسجد الحرام لأنهم نجس، ونجاسة الشرك نجاسة معنويّة، والمسجد الحرام لا يدخله إلاَّ أهل التّوحيد ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ كذلك المشرك حلال الدم والمال، قال ﷺ: \"أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلاَّ الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلاَّ بحقها، وحسابهم على الله ﷿\".\nقوله.: \"وقال الخليل ﵇: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ الخليل هو إبراهيم ﵇، سمي بالخليل لأن الله سبحانه اتخذه خليلًا، كما قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ","vol":"1","page":95},{"text":"وفي الحديث قال: \"أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر\"، فسئل عنه، فقال: \"الرياء\".\nــ\nاللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ من الخُلَّة، وهي أعلى درجات المحبة، أي: أن الله يحبه أعلى المحبة، وهذه مرتبة لم ينلها إلاَّ إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام.\nقوله: \" ﴿وَاجْنُبْنِي﴾ \" أي أبعدني واجعلني في جانب بعيد \" ﴿أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ \" خاف من عبادتها.\nمع هذه المنزلة العظيمة التي نالها إبراهيم ﵇ من ربه، ومع أنه قاوم الشرك وكسر الأصنام بيده، وتعرض لأشد الأذى في سبيل ذلك حتى ألقي في النار، مع ذلك خاف على نفسه من الوقوع في الشرك، لأن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن، والحي لا تؤمن عليه الفتنة، ولهذا قال بعض السلف: \"ومن يأمن البلاء بعد إبراهيم؟ \"، فإبراهيم خاف على نفسه الوقوع في الشرك لما رأى كثرة وقوعه في الناس، وقال عن الأصنام: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ .\nوفي هذا أبلغ الرد على هؤلاء الذين يقولون: لا خوف على المسلمين من الوقوع في الشرك بعدما تعلموا وتثقفوا، لأن الشرك بعبادة الأصنام شرك ساذج يترفع عنه المثقف والفاهم، وإنما الخوف على الناس من الشرك في الحاكمية، ويركزون على هذا النوع خاصة، وأما الشرك في الألوهية والعبادة فلا يهتمون بإنكاره، وعلى هذا يكون الخليل ﵇ وغيره من الرسل إنما ينكرون شركًا ساذجًا!!، ويتركون الشرك الخطير وهو شرك الحاكمية كما يقول هؤلاء.\nقال: \"وفي الحديث\" أي الحديث الذي رواه أحمد والطبراني والبيهقي أن رسول الله ﷺ قال لأصحابه: \"أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر\"، الرسول ﷺ يقول لأبي بكر وعمر ولسادات المهاجرين والأنصار، الذين بلغوا القمّة في التّوحيد والإيمان والجهاد في سبيل الله، ومع هذا الرسول يخاف عليهم، فمن يأمن بعد هؤلاء؟: \"أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر\"، فسئل عنه فقال: \"الرياء\" هذا دليل على اهتمام الصحابة في الأمر، والرياء معناه: أن الإنسان يتصنّع أمام الناس بالتقوى، والعمل الصالح، وإتقان الصلاة، وغير ذلك، من أجل أن يمدحوه، فالرياء من الرؤية أن يحب الإنسان أن يراه الناس وهو يعمل العمل الصالح من أجل أن","vol":"1","page":96},{"text":"يمدحوه، والسُّمعة أن يحب الإنسان أن الناس يسمعون كلامه ويسمعون عمله ويمدحونه، فالرياء لما يُرى من الأعمال، والسُّمعة لما يسمع منها.\nوالرياء شرك خفي، لأن الشرك على نوعين: شرك ظاهر وشرك خفي، الشرك الظاهر: الذي يتمثل في الأعمال والأقوال، بأن يدعو غير الله، أو يذبح لغير الله، أو يستغيث بغير الله، هذا ظاهر يراه الناس ويسمعونه، لكن هناك شرك خفي لا يدري عنه الناس، لأنه في القلب، لا يعلمه إلاَّ الله ﷾، وهو الشرك في النيّة والإرادة، فالإنسان إذا سَلِم من الشرك الأكبر فإنه قد لا يسلم من الشرك الأصغر الذي يكون في القلوب، وهذا مما يُعطي المؤمن الحذر الشديد.\nوالرياء من صفات المنافقين، يقول الله تعالى في المنافقين: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢)﴾ والله تعالى توعّد المرائين، قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ (٦)﴾ فوعدهم الله بالويل، وجاء في الحديث أن الله يقول للمرائين يوم القيامة: \"اذهبوا إلى الذين كنتم تراءونهم في الدنيا هل تجدون عندهم جزاءً\".\nفهذا الحديث فيه الخوف من الشرك، لأن النبي ﷺ خافه على سادات المهاجرين والأنصار، وعلى أفضل هذه الأمة، فكيف بمن دونهم، وإذا كان هذا في الشرك الأصغر الذي لا يُخرج من الملّة فكيف بالشرك الأكبر- والعياذ بالله-.\nوفيه دليل على وجوب إخلاص النية لله ﷿، وان الإنسان لا يقصد مدح الناس أو ثناء الناس أو مطامع دنيا بأعماله الصالحة، وإنما يخلص النيّة لله ﷿، يريد وجه الله، فإن عَمِل من أجل الرياء فعمله باطل.\nفهذا الحديث يدل أولًا: على الخوف من الشرك.\nثانيًا: أن الرياء شرك، ومعناه- كما ذكرنا-: أن يحب الإنسان أن يراه الناس على الطاعة فيُثنوا عليه بها.\nوثالثًا: أن الرياء شرك خفي، لا يعلمه الناس، وإنما الله جل وعلا هو الذي يعلمه، لأنه في القلوب.","vol":"1","page":97},{"text":"وعن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"من مات وهو يدعو من دون الله ندًّا دخل النار\" رواه البخاري.\nولمسلم عن جابر أن رسول الله ﷺ قال: \"من لقي الله لا يشرك به شيئًا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئًا دخل النار\".\nــ\nقال: \"وعن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: \"من مات وهو يشرك بالله شيئًا دخل النار\" هذا خبر من الرسول ﷺ أنّ من مات على الشرك فهو من أهل النار، ولا يُغفر له. ولاحظوا كلمة \"شيئًا\" تعم الشرك كله، ما أشرك مع الله من نبي أو ولي أو ملك، لأن الشرك لا يقبله الله أبدًا: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ .\nومن يدري متى يموت؟، ومن يدري ماذا يموت عليه؟، فالإنسان يخاف على نفسه من سوء الخاتمة، وأن يموت وهو يشرك بالله، فيكون من أهل النار، فالإنسان يجب عليه أن يحذر من الشرك طول حياته لأنه لا يدري في أي لحظة يموت، فيكون من أهل النار.\nفهذا فيه الخوف من الشرك، وأن الإنسان قد يُختم له بالشرك فيكون من أهل النار، ولو كان من أهل التّوحيد قبل ذلك، وعارف به، ومستقيم، لكن يخاف على نفسه من أنه يتنكس بعد ذلك، ويشرك بالله، ويموت على ذلك فيكون من أهل النار، فنسأل الله الثبات، فيكون عنده حذر دائمًا وأبدًا من الشرك.\nقال: \"ولمسلم عن جابر أن رسول الله ﷺ قال: \"من لقي الله لا يشرك به شيئًا دخل الجنة\" هذا فيه فضل التّوحيد، وأن من مات عليه دخل الجنة، وهذا وعد من الله ﷾، والله لا يخلف وعده، حتى ولو كان عنده ذنوب ومعاص دون الشرك، فقد يغفرها الله له ويدخله الجنة من غير عذاب، وقد يعذبه الله بها ثم يدخله الجنة، فمآل الموحّد إلى الجنة، إما ابتداءً وإما في النهاية.\nفقوله: \"من لقي الله \" يعني: مات.\n\"ومن لقيه يُشرك به شيئًا دخل النار\" هذا مثل حديث ابن مسعود، من مات على الشرك، فإنه من أهل النار،- نسأل الله العافية-.\nفهذا فيه الحذر من سوء الخاتمة.","vol":"1","page":98},{"text":"وفيه- كما ذكر الشيخ ﵀ قرب الجنة والنار من الإنسان، فما بينه وبين الجنة والنار إلاَّ أن يموت، ولا يدري، ربما يموت في الحال، ربما يموت بعد دقائق، أو بعد شهر، أو بعد سنة، ما بينه وبين النار والجنة إلاَّ الموت، فإذا مات دخل النار أو دخل الجنة، ففيه قُرب الجنة والنار من الإنسان، والنبي ﷺ يقول: \"الجنة أقرب إلى أحدكم من شِراك نعله، والنار مثل ذلك\"، والشاعر يقول:\nكل امرئ مُصَبِّح في أهله ... والموت أدنى من شراك نعله\nتصبح في الدنيا وتمسي في الجنة، أو بالعكس-.\nفهذا الحديث فيه الخوف من الشرك، وأن الإنسان يخشى أن يلقى الله وهو على الشرك فيكون من أهل النار، والعياذ بالله.\nوفي نصوص الباب أن الإنسان لا يغتر بنفسه مهما بلغ من العلم والإيمان والمعرفة، بل يعترف بعجزه وفقره إلى الله ﷾، وأنه إن لم يعصمه الله فإنه على خطر.\nكما أن في الباب - أيضًا- بيان معنى لا إله إلاَّ الله- كما يقول الشيخ في مسائله-: \"في الباب معنى لا إله إلاَّ الله، وذلك في الحديث الأخير: \"من لقي الله لا يشرك به شيئًا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئًا دخل النار\"، هذا هو معنى لا إله إلاَّ الله، لأن في هذا الحديث التّوحيد والشرك، ولا إله إلاَّ الله أثبتت التّوحيد ونفت الشرك، فـ (لا إله) نفي للشرك، و(إلاَّ الله) إثبات للتّوحيد.\nنسأل الله ﷿ أن يوفقنا وإياكم للعلم النافع والعمل الصالح، وأن يرزقنا وإياكم الثبات على دينه، وأن يُرينا الحق حقًّا ويرزقنا اتباعه، وأن يُرينا الباطل باطلًا ويرزقنا اجتنابه، وأن لا يجعله ملتبسًا علينا فنضل، ونعوذ بالله من الغرور، ونعوذ بالله من الإعجاب، ونعوذ بالله من تزكية النفس المنهي عنها بقوله تعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ .","vol":"1","page":99},{"text":"[الباب الخامس:] * باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلاَّ الله\nــ\nقال المؤلف ﵀: \"باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلاَّ الله\".\nمناسبة هذا الباب لما قبله من الأبواب ظاهرة جدًّا، فإنه في الأبواب السابقة ذكر في الباب الأول: معرفة التّوحيد، وفي الباب الثاني: ذكر فضل التّوحيد، وفي الباب الثالث: ذكر فضل من حقق التّوحيد، وفي الباب الرابع: ذكر ما يضاد التّوحيد، وهو الشرك. فإذا كان طالب العلم ألَمَّ بهذه الأبواب، وعرفها معرفة جيدة، عرف التّوحيد وفضله وتحقيقه، وعرف ما يضاده من الشرك الأكبر أو ينقصه من الشرك الأصغر والبدع وسائر المعاصي، فإنه حينئذٍ تأهّل للدعوة إلى الله ﷿، لأنه لا يجوز للإنسان إذا علم شيئًا من هذا العلم أن يختزنه في صدره، ويُغلق عليه، ويختصه لنفسه، هذا العلم مشتَرك بين الأمة، فمن عرف شيئًا منه فإنه يجب عليه أن ينشره، وأن يدعو الناس إليه، فإن هذه الأمة أمة دعوة، كما قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾، فلا يجوز للمسلم الذي عرف شيئًا من العلم أن يسكت عليه وهو يرى الناس في حاجة إليه، خصوصًا علم التّوحيد وعلم العقيدة، لأنه إذا فعل ذلك فقد ترك واجبًا عظيمًا، ولا يقول الإنسان أنا ما علي إلاَّ من نفسي- كما يقوله بعض الجهلة أو الكسالى-، أنا ما عليَّ من الناس!! بل عليك نفسك أولًا، ثم عليك أن تدعو الناس إلى دين الله ﷿، فإن اقتصرت على نفسك تركت واجبًا عظيمًا تحاسب عنه يوم القيامة، وتعرّض نفسك لغضب الله ﷿ حيث تركت ما أوجبه عليك من الدعوة إلى الله ﷿، هذا وجه المناسبة، وهي ظاهرة.\nفقوله: \"باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلاَّ الله\" أي: الدعوة، وأن المسلم الذي منّ الله عليه بمعرفة التّوحيد، ومعرفة الشرك لا يسعه أن يسكت وهو يرى الناس يجهلون التّوحيد، ويقعون في الشرك الأكبر والأصغر، ويسكت على ذلك، كما هو واقع كثير من طلبة العلم والعلماء، الذين يرون الناس على العقائد الفاسدة","vol":"1","page":100},{"text":"وقول الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ الآية.\nــ\nوالعقائد الباطلة وعبادة الأضرحة، ويسكتون على ذلك، ويقولون: نحن لا نهتم إلاَّ بأنفسنا. بهذا ضيّعوا واجبًا عظيمًا، ولو أن العلماء وطلبة العلم قاموا بما أوجب الله عليهم من هذا الأمر في جميع الأمصار لرأيت للمسلمين حالة غير هذه الحالة، فالآن بلاد الإسلام تعج بالشرك الأكبر، تُبنى فيها المشاهد، والمزارات الشركية، ويُنفق عليها الأموال، ودول الكفر تساعد على ذلك، والمسلمون ساكتون على هذا الوضع، وهذا خطر عظيم أصاب الأمة، وما أصيبت به من حروب ومجاعات وأمور تعرفونها إنما هو نتيجة لهذا الإهمال- والعياذ بالله-، فهذا واجب عظيم.\nقال رحمه الله تعالى: \"وقول الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ هذه الآية في آخر سورة يوسف، يأمر الله ﷾ نبيه محمدًا ﷺ أن يُعلن للناس عن بيان منهجه ومنهج أتباعه، وهو الدعوة إلى الله على بصيرة، فدل على أن من لم يدع على بصيرة فإنه لم يحقق اتباع النبي ﷺ وإن كان عالمًا وفقيهًا.\nقوله تعالى: ﴿قُلْ﴾ أي: قل يا محمد للناس.\n﴿هَذِهِ سَبِيلِي﴾ السبيل معناها: الطريق التي أسير عليها.\n﴿أَدْعُو إِلَى اللهِ﴾ إلى توحيد الله ﷿ وإفراده بالعبادة، وترك عبادة ما سواه، وكذلك الدعوة إلى بقيّة شرائع الدين، فتكون الدعوة للكفار للدخول في الإسلام، وتكون الدعوة للعصاة من المسلمين للتوبة إلى الله ﷿ وأداء الواجبات والتحذير من الوقوع في الشرك، واجتناب المحرمات، فالدعوة ليست مقصورة على دعوة الكفار، بل حتى المسلمون الذين هم بحاجة إلى الدعوة لوقوعهم في المعاصي والمخالفات يحتاجون إلى دعوة، دعوة إلى التوبة، وأداء الواجبات، وترك المحرمات، والمخافة من الله ﷿، فالدعوة عامة. والدعوة إلى معرفة التّوحيد ومعرفة ضده.\n﴿أَدْعُو إِلَى اللهِ﴾ قال الشيخ ﵀: \"فيه التنبيه على الإخلاص، فإن بعض الناس إنما يدعو إلى نفسه\" فقد يكون الإنسان يدعو، ويحاضر ويخطب، لكن قصده من ذلك أنه يتبيّن شأنه عند الناس، ويصير له مكانة، ويمدح من الناس، ويتجمهرون","vol":"1","page":101},{"text":"عليه، ويكثرون حوله، فإذا كان هذا قصده، فهو لم يدع إلى الله، وإنما يدعو إلى نفسه والإنسان الذي يترك الدعوة فإنه ترك واجبًا عظيمًا، والإنسان الذي لم يُخلص في الدعوة يقع في محظور عظيم، بل لابد من الدعوة وأن تكون خالصة لوجه الله ﷿، ويكون القصد منها إقامة شرع الله، والقصد منها هداية الناس ونفع الناس، مدحوك أو ذمُّوك، فبعض الناس، إذا لم يُمدح ويشجّع تَرَكَ الدعوة، وهذا دليل على أنه لا يدعو إلى الله، وإنما يدعو إلى نفسه، فليتنبّه المسلم ويكون رائده وقصده من دعوته هو الإخلاص لوجه الله ﷿، ونفع الناس، وتخليصهم من الشرك، ومن البدع، ومن المخالفات، وأن يؤدي الواجب الذي عليه، والكثرة حول الشخص لا تدل على فضله، بعض الأنبياء لم يتبعه إلاَّ القليل: \"النبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحدًا\"، هل هذا يدل على عدم فضل هذا النبي؟، لا، حاشا وكلاّ، فالإنسان لا ينظر إلى كثرة الحاضرين، \"لأن يهدي الله بك وجلًا واحدًا خير لك من حُمُر النعم\".\nاجتمع الناس على باب ابن مسعود ﵁ وهو يريد الخروج إلى الصلاة فلما خرج ومشوا خلفه، التفت إليهم وقال: \"ارجعوا، فإنه فتنة للمتبوع، ذِلّة للتابع\".\n﴿أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ البصيرة معناها: العلم، بل هي أعلى درجات العلم.\nوفي هذا دليل على أنه يُشترط في الداعية أن يكون على بصيرة، أي: على علم بما يدعو إليه، أما الجاهل فلا يصلح للدعوة، بل لابد أن يتزوّد بالعلم قبل أن يَشْرَع في الدعوة، لأنه في دعوته يتعرض إلى شبهات ومناظرات، فمن أين يجيب إذا وقف في وجه معاند أو معارض أو مشبِّه، كيف يستطيع الخلاص. إنه يفشل، ويصير نَكْسَة على الدعوة، أو يجيب بجهل ويكون الأمر أخطر، إما أن يسكت عن الجواب وينتصر عليه الخصم، وإما أن يجيب بجهل فيكون الأمر أخطر. هذا من ناحية. والناحية الثانية: أن الداعية يحتاج إلى معرفة الحلال والحرام، فقد يقول بجهله هذا الشيء حرام وهو حلال، وقد يقول بجهله: هذا الشيء حلال وهو حرام، فالداعية يجب أن يكون على علم بما يدعو إليه، بحيث أنه يعرف الحلال والحرام، ويعرف","vol":"1","page":102},{"text":"الواجب والمستحب والمحرّم والمكروه والمباح، ويعرف كيف يجيب على الاعتراضات والشبه والمجادلات، كما قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، كيف يستطيع أن يجادل بالتي هي أحسن وهو ليس عنده علم؟!، فيُشترط في الداعية: أن يتأهل بالعلم، فإن بعض الدعاة اليوم ليس عندهم علم، وإنما يجيد الكلام والشَّقْشَقَة والخطابة، لكن ليس عنده علم، بحيث لو عرضت له أدنى شُبهة، أو سئل عن أدنى مسألة في الحرام والحلال تخبّط فيها.\n﴿أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ أي: وأتباعي يدعون إلى الله على بصيرة، فدلّ على أن من لم يدع إلى الله لم يحقق إتباع الرسول ﷺ وأن من دعا إلى الله على جهل لم يحقق إتباع الرسول ﷺ، بل إنه أدخل نفسه فيما ليس من شأنه، وصار خطرًا على الدعوة، وعلى الدعاة.\nثم قال: ﴿وَسُبْحَنَ اللهِ﴾ سبحان: اسم مصدر من سبّح بمعنى: نَزَّه الله عما لا يليق به من الشرك والقول عليه ﷾ بلا علم، فإن الله يُنَزَّه عن الشرك ويُنَزَّه عن القول عليه بلا علم، فهذا فيه وجوب تنزيه الله ﷾ عن النقائص، وأعظمها الشرك.\n﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ هذه براءة من الرسول ﷺ من المشركين، كما تبرّأ منهم خليل الله إبراهيم﵊-: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، ففيه البراءة من المشركين، يعني: قطع المحبة والمودّة والمناصرة بينك وبين المشركين، لأنهم أعداء الله وأعداء رسوله، فلا يجوز لك أن تَوَدَّهم بقلبك أو تناصرهم أو تدافع عنهم: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ﴾، ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ","vol":"1","page":103},{"text":"آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ .\nففي هذا دليل على أنه يجب البراءة من المشركين، وأن من أصول الدعوة إلى الله: البراءة من المشركين، أما الداعية الذي لا يتبرأ من المشركين، فهذا ليس بداعية، وليس على طريقة الرسول ﷺ وإن زعم أنه يدعو إلى الله، والكفر بالطاغوت مقدم على الإيمان بالله، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾، فلابد من البراءة من المشركين، أما الذين يقولون: \"ما علينا من عقائد الناس، من دخل في جماعتنا وصار معنا فهو أخونا، وعقيدته له\" هذه ليست دعوة إلى الله ﷿، وإنما هي دعوة إلى الحزبية والعصبية.\nففي هده الآية الكريمة مسائل عظيمة:\nالمسألة الأولى: أن طريقة النبي ﷺ وطريقة أتباعه على الحقيقة: الدّعوة إلى الله.\nالمسألة الثانية: أن من لم يدع إلى الله وهو يستطيع الدعوة إلى الله، فإنه لم يحقق إتباعه للرسول ﷺ بل إتباعه فيه نقص عظيم.\nالمسألة الثالثة: وهي المسألة التي نبّه عليها الشيخ في مسائله: التنبيه على الإخلاص في الدعوة لقوله: ﴿إِلى اللهِ﴾ فإن بعض الناس إنما يدعو إلى نفسه، فالذي يقصد المدح والثناء وكثرة الأتباع وكثرة الجماعة وكذا وكذا والفَخْفَخَة، هذا لا يدعو إلى الله.\nالمسألة الرابعة: -وهي المسألة العظيمة-: أن الداعية إلى الله لابد أن يكون على بصيرة، مؤهّلًا بالعلم النافع الذي يستطيع به أن يدعوَ إلى الله، وأن يجادله المُغرضين والمعارضين، ويَدْحضَ حججهم بلسانه وبقلمه، الدعوة إلى الله تكون باللسان وتكون بالقلم أيضًا، وتكون بالسيف والجهاد، فيُشترط في الداعية شرط أساسي، بل أصلي، بأن يكون على علم، وأما الجاهل فلا يصلح للدعوة، وإن كان عنده عبادة، وعنده. ورع، وعنده تُقى، وعنده غيرة على الدين، وعنده محبة للدين، هذا شيء طيّب، وصفات طيّبة، لكن نقول له: يا أخ الدعوة لا يدخل فيها إلاَّ من","vol":"1","page":104},{"text":"كان على علم، أما مجرّد الخوف والخشية والعبادة والورع والغيرة والصلاح، فهذا شيء طيّب، لكن أنت لا تصلح للدعوة لأنك لست على علم، والله تعالى يقول: ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ .\nويقول: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾، والحكمة هي العلم، فأنت لا تصلح للدعوة، تعلّم أولًا، فإذا تعلّمت تعال للدعوة، فالدعوة ليست بالمسألة الهيّنة، ولذلك عندما حصل هذا الإهمال في الدعوة حصل ما ترون الآن من التفكك والتخاذل لأن الدعوة دخل فيها ما هب ودب، من الجهال والمُغرضين وأصحاب المطامع، ولا تنجح دعوة لم يتوفر فيها الشروط الإلهية التي اشترطها الله تعالى، ولا يبقى إلاَّ الأصلح دائمًا وأبدًا، ولو كثرت الجماعات الدعوية، ما دامت أنها ليست على الشروط التي اشترطها الله، والمنهج الذي رسمه الله ورسوله، فإنها لا تنجح مهما بلغت من الكثرة والقوة، وستتلاشى وتصاب بالنَكْسَة والفشل، أما إذا كانت مؤسَّسة على العلم وعلى الإخلاص والنصيحة، فهذه هي التي تنجح بإذن الله ولو كانت من فرد واحد.\nالمسألة الخامسة: أن الشرك نقص عظيم يجب تنزيه الله عنه، لأن الله ﷿ كامل، له الكمال المطلق فمن أشرك به فقد تنقصه ومن نفى صفات الله ﷿ أو أوّلها فقد تنقص الله ﷿، فالمؤوّلة والمشبهة الذين يشبهون الله بخلقه، أو يؤوِّلون صفات الله، أو يُلحدون في أسمائه، هؤلاء تنقّصوا الله ﷿، وهذا نقص ينزّه الله جل وعلا عنه، ومن وصفه بما لا يليق به أو سماه بغير ما سمى به نفسه فقد تنقصه، ومن حكم بغير ما أنزل فقد تنقصه، ومن عصى أمره أو ارتكب نهيه فقد تنقصه سبحانه.\nالمسألة السادسة:- وهي مهمة جدًّا-: البراءة من المشركين، فالذي يدعو إلى الله -بل وكل مسلم- لكن الذي يدعو إلى الله من باب أولى، لأنه قدوة، يجب عليه أن يتبرّأ من المشركين، لأنهم أعداء الله، وأعداء رسوله، وأعداء المؤمنين، ﴿لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾، فمن لم يتبرأ من المشركين فإنه لم يحقق الدعوة إلى الله ﷿، حتى وإن انتسب إليها، وهذه مسألة عظيمة.","vol":"1","page":105},{"text":"وعن ابن عباس ﵁ أن رسول الله لما بعث معاذًا إلى اليمن، قال له: \" إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه: شهادة أن لا إله إلاَّ الله\".\nــ\nقوله: \"بعث معاذًا\" البعث معناه: الإرسال.\n\"إلى اليمن\" القُطر المعروف، جنوب الجزيرة، سُمِّيَ باليمن لأنه يقع أيمن الكعبة، والشام سُمِّيَ بالشام لأنه يقع شاميَّ الكعبة.\nوكان بعث معاذ في السنة العاشرة، وقيل: في آخر السنة التاسعة قبل وفاته ﷺ. أرسل قاضيًا ومعلّمًا وداعيًا إلى الله ﷿، ينوب عن الرسول ﷺ في هذه المهمات.\nفهذا أولًا: فيه مشروعية إرسال الدعاة إلى الله ﷿، وأنه سنة نبوية.\nوثانيًا: فيه فضيلة لمعاذ ﵁، حيث إن النبي ﷺ اختاره لهذه المهمة العظيمة، مما يدل على فضله وعلمه، لأن الرسول لا يرسل إلاَّ من توفّرت فيه الشروط المطلوبة، وقد توفّرت في معاذ ﵁، وكان أعلم الناس بالحلال والحرام.\nوفيه- أيضًا- العمل بخبر الواحد، لأن الرسول ﷺ أرسل معاذًا وحده.\nوهذا يدل على أنه يعتمد خبر الواحد ولا يشترط التواتر- كما يقوله بعض الضُّلاّل-، يقولون: أمور العقائد لا يقبل فيها خبر الواحد. والرسول ﷺ اكتفى بخبر الواحد، فأرسل معاذًا إلى اليمن يدعو إلى الله ويعلم التّوحيد، وهكذا، ما كان الرسول يُرسل رسله جماعات وإنما كان يرسلهم أفرادًا، كما بعث عليًّا، وبعث معاذًا، وبعث أبا عبيدة بن الجرّاح، وهذا يدل على قبول خبر الواحد في أصول الدين وفروعه، وأما ما قاله علماء الكلام فهو باطل.\n\"قال له: \"إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب\" هذا فيه وصية الإمام لمندوبه حينما يرسله، أنه يخط له المنهج، ويرسم له الطريق الذي يسير عليه، وهذه سنة الرسول ﷺ في بعوثه، أنه إذا أرسل جيشًا أو سَرِيَّة يوصيهم.\n\"أهل الكتاب\" أهل الكتاب المراد بهم: اليهود والنصارى، سُمُّوا أهل الكتاب لأن الله أنزل عليهم التوراة والإنجيل، التوراة على موسى ﵇ والإنجيل على عيسى - عليهما الصلاة والسلام-، فسُمَّيَ أتباع الرسولين بأهل الكتاب، فرقًا بينهم وبين الوثنيين، الذين ليس لهم كتاب، ولا يؤمنون بالرسل.","vol":"1","page":106},{"text":"وقصْد النبي ﷺ من هذا أن يتأهّب معاذ لمن سيقدَم عليهم، وأنهم أهل كتاب يحتاجون إلى استعداد علمي للمجادلة والمناظرة.\nوفي هذا أنه يجب على الداعية معرفة حالة المدعوين، وهذا من منهج الدعوة: أن الداعية ينظر في حالة المدعوين، ويخاطب كلًا منهم بحسب ما يليق به، فإن كان يخاطب علماء فإنه يخاطبهم بما يليق بهم، وإن كان يخاطب عوامًا يخاطبهم بما يليق بهم، الناس ليسوا على حد سواء، فلا يليق بالداعية أنه يخاطب العلماء بخطاب الجهال، ولا يليق به أنه يخاطب الجهال بخطاب العلماء، ولا يليق بالداعية أنه يخاطب السلاطين بخطاب عامة الناس، أو يخاطب عامة الناس بخطاب السلاطين، كل يخاطبه بما يرى أنه أقرب إلى قبوله للحق، قال الله تعالى لرسوليْه موسى وهارون ﵇ لما أرسلهما إلى فرعون: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ .\nقوله: \"فليكن أول ما تدعوهم إليه: شهادة أن لا إله إلاَّ الله\" هذا فيه التدرّج في الدعوة، وأنه يبدأ بالأهم فالأهم، وهذه طريقة الرسل، أنهم أول ما يبدءون بالدعوة إلى شهادة أن لا إله إلاَّ الله، لأنها الأصل والأساس، الذي يُبنى عليه الدين، فإذا تحققت شهادة أن لا إله إلاَّ الله، فإنه يمكن البناء عليها بالأمور الأخرى، أما إذا لم تحقق شهادة أن لا إله إلاَّ الله، فلا فائدة من بقية الأمور، فلا تأمر الناس بالصلاة وعندهم شرك، ولا تأمرهم بالصيام والصدقة والزكاة وصلة الأرحام وكذا وكذا وهم يشركون بالته، لأنك لم تضع الأساس أولًا، وهذا بخلاف كثير من دعاة اليوم الذين لا يهتمون بشهادة أن لا إله إلاَّ الله، وإنما يدعون الناس إلى ترك الربا، والى المعاملات الحسنة، وإلى الحكم بما أنزل الله، وإلى، وإلى، لكن التّوحيد لا يذكرونه، ولا يلتفتون له، وكأنه ليس مفروضًا، ولا حول ولا قوة إلاَّ بالله، فهؤلاء مهما أتعبوا أنفسهم فإن عملهم لا ينفع، حتى يحققوا الأصل في الأساس الذي تُبنى عليه أمور الدين، من: حاكمية، ومن صلاة، ومن زكاة، ومن حج، إلى آخره، هذا منهج الأنبياء: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾، وكذلك ذكر الله عن نوح ﵇ أنه قال أول ما قال لقومه: ﴿ولَقَدْ أَرْسَلْنَا","vol":"1","page":107},{"text":"\"وفي رواية: إلى أن يوحدوا الله\".\nفإن هم أطاعوك لذلك؛ فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة.\nــ\nنُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾، ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾، ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾، ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ﴾، فكل رسول أول ما يبدأ بالدعوة يبدأ بشهادة أن لا إله إلاَّ الله، فيدعو إلى التّوحيد، وإلى تصحيح العقيدة، ثم بعد ذلك يأمرهم ببقية أوامر الدين، أما إنه يبدأ بالعكس، يبدأ بالأمور الجزئية والأمور الفرعية، ويترك الأصل، فهذا العمل لا ينفع، فلو فرضنا أن المجتمع صار بعيدًا عن الربا، ويحافظ على الصلاة، وتمتلئ المساجد، وكل الأعمال تُعمل، لكن ليس هناك إخلاص في التّوحيد فهم يدعون غير الله، يدعون الأولياء والصالحين والأنبياء والقبور، فلا فائدة في أعمالهم، وهؤلاء ليسوا مسلمين، مهما صلوا وصاموا.\n\"وفي رواية: \"إلى أن يوحدوا الله\" لماذا جاء الشيخ بهذه الرواية؟، لأنها تفسِّر شهادة أن لا إله إلاَّ الله، بأن معناها: توحيد الله ﷾ وإفراده بالعبادة، ليس المقصود منها اللفظ فقط، بأن يقول أشهد أن لا إله إلاَّ الله، بل لابد أن يوحّد الله في العبادة، أما إذا نطق بها بلسانه ولم يوحّد الله في العبادة، فلا تنفعه شهادة أن لا إله إلاَّ الله.\nوفي هذا دليل على عموم رسالة محمد ﷺ، فإنه مبعوث إلى العالم كله، بما فيهم أهل الكتاب، كما كتب ﷺ لهِرَقْل عظيم الروم، وكما كتب للمُقَوْقِس ملك مصر، وكما كتب لكِسْرى ملك الفُرس، وكما كتب لملوك الأرض، لأن الله أرسله إلى الناس عامة: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ .\nوقوله: \"فإن هم أطاعوك لذلك\" يعني: شهدوا أن لا إله إلاَّ الله، وأن محمدًا رسول الله وعملوا بمقتضاهما.\n\"فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل بوم وليلة\" هذا الركن","vol":"1","page":108},{"text":"فإن هم أطاعوك لذلك؛ فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم.\nفإن هم أطاعوك لذلك؛ فإياك وكرائم أموالهم.\nــ\nالثاني: لما حقق الركن الأول والأساس، انتقل إلى الركن الثاني وهو الصلاة، وهذا يدل على أهمية الصلاة، وأنها تأتي بعد التّوحيد مباشرة.\nفمن لم يصل فإنه ليس بمسلم، وإن كان يشهد أن لا إله إلاَّ الله، وأن محمدًا رسول الله. كما دلت على ذلك الأدلة مثل قوله ﷺ: \"بين العبد وبين الكفر والشرك ترك الصلاة\" وغيره من الأدلة.\nوقوله: \"فإن هم أطاعوك لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم\" هذه هي الزكاة، وهي قرينة الصلاة في كتاب الله وفي سنة رسول الله ﷺ وهي الركن الثالث من أركان الإسلام.\n\"تُؤخذ من أغنيائهم\" في هذا دليل على أن الزكاة لا تجب على الفقير، وإنما تجب على الغني وهو من يملك النِّصاب فأكثر.\n\"فتردُّ في فقرائهم\" هذا فيه مصرف من مصارف الزكاة، فالفقراء صنف واحد من الأصناف الثمانية المذكورة في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ إلى آخر الآية.\nواستدل العلماء -﵏- بهذا على أن الزكاة لا تحل لغني، وأن مصرف الزكاة يجوز الاقتصار فيه على صنف واحد من الأصناف الثمانية، لأن الرسول ﷺ هنا اقتصر على الفقراء، ويدخل فيهم المساكين.\nواستدلوا به- أيضًا- على أن مصرف الزكاة في البلد الذي فيه المال، لا ينبغي نقلها إلى بلد آخر، إلاَّ إذا كان البلد الذي فيه المال ليس فيه فقراء، فإنها تنقل إلى أقرب بلد فيه فقراء من بلدان المسلمين.\n\"فإن هم أطاعوك لذلك، فإياك وكرائم أموالهم\" الكرائم جمع كريمة وهي: النفيسة من المال، يعني: لا تأخذ في الزكاة أحسن الأموال، لأن هذا فيه إجحاف بهم، كما أنك لا تأخذ أردأ المال، لأن هذا فيه ظلم للفقراء، ولكن خذ المتوسط، بين النفيس وبين الرديء، هذا هو العدل، إن أخذت النفيس","vol":"1","page":109},{"text":"واتق دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب\" أخرجاه.\nــ\nظلمت أصحاب الأموال، وإن أخذت الرديء ظلمت الفقراء، إذا أخذت الوسط اعتدلت.\n\"وإياك وكرائم\" تخدير من الرسول ﷺ وفيه وجب العدل على الولاة، وعدم الظلم.\n\"واتق دعوة المظلوم\" هذه وصيّة هامة، يجب على الراعي والأمير وكل مسلم أن يحذر من دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب، أي دعوة المظلوم مستجابة، حتى ولو كان كافرًا: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ فالمظلوم ترفع دعوته إلى الله ﷿، والله جل وعلا يجيب دعوة المظلوم.\nوهنا سؤال أورده العلماء على هذا الحديث، يقولون: الرسول ﷺ ذكر ثلاثة أركان، الشهادتان والصلاة والزكاة، ولم يذكر الصيام، ولم يذكر الحج، فما الجواب عن هذا؟\nفيه أجوبة كثيرة، لكن أصحها والذي اختاره الشيخ تقي الدين ﵀: أن الرسول ﷺ اقتصر على الأركان العظيمة الأساسية التي يقاتَل من تركها، وهي: الشهادتان والصلاة والزكاة، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا﴾ يعني: شهدوا أن لا إله إلاَّ الله، وأن محمدًا رسول الله ﴿وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ .\nفالرسول ﷺ في هذا الحديث ذكر الأركان التي يُقاتل عليها، وهي: الشهادتان والصلاة والزكاة. هذا من ناحية.\nوالناحية الثانية: أن هذه أركان ظاهرة، يراها الناس ويسمعونها، أما الصيام فهو أمر خفي بين العبد وبين ربه، والحج لا يجب على كل أحد، وإنما يجب على من استطاع إليه سبيلًا، وأيضًا إنما يجب مرة في العمر، بخلاف الشهادتين، فإن الإنسان يلازمها طول الحياة، ولا يتخلى عنها، والصلاة تتكرر في اليوم والليلة خمس مرّات، والزكاة كل عام، أما الحج فإنه يجب مرة واحدة في العمر، ولا يجب","vol":"1","page":110},{"text":"ولهما عن سهل بن سعد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال يوم خَيْبَر:\nــ\nإلاَّ على المستطيع، وأما الصيام فلأنه أمر خفي، وأيضًا من حافظ على الشهادتين، وأقام الصلاة وآتى الزكاة فإنه سيحافظ على الصيام ويحافظ على الحج من باب أولى.\nما يستفاد من الحديث:\nدل هذا الحديث على مسائل كثيرة:\nأوّلًا: فيه إرسال الدعاة إلى الله ﷿.\nثانيًا: فيه فضيلة لمعاذ بن جبل ﵁.\nثالثًا: فيه قبول خبر الواحد في العقائد وغيرها.\nرابعًا: فيه بيان منهج الدعوة، وهذا أصل عظيم، وهو أنه يتدرج فيها، ويبدأ بالأهم فالأهم.\nخامسًا: في الحديث دليل على عظم رسالته ﷺ وأنه مبعوث إلى جميع العالم اليهود والنصارى وغيرهم، وإذا كان مبعوثًا إلى اليهود والنصارى وهم أهل كتاب، فغيرهم من باب أولى.\nسادسًا: فيه المسألة التي أشار إليها الشيخ، وهي أن من العلماء من يجهل معنى لا إله إلاَّ الله، لأن أهل الكتاب يدعون إليها وهم أهل كتاب وأهل علم.\nسابعًا: في الحديث دليل على أنه لا يجوز أخذ الكرايم في الزكاة، وإنما يُؤخذ المتوسط.\nثامنًا: فيه دليل على التحذير من دعوة المظلوم، وأنه ليس بينها وبين الله حجاب.\nقال الشيخ ﵀: \"ولهما\" يعني: البخاري ومسلم.\nعن سهل بن سعد -﵁- راوي الحديث هو سهل بن سعد الساعدي الأنصاري الخزرجي- رضي الله تعالى عنه، هو وأبوه صحابيان.\n\"أن رسول الله ﷺ قال يوم خبير\" خَيْبَر: حصن لليهود شمالي الحجاز، وكان به مزارع ونخيل، ولا يزال يحمل هذا الاسم إلى الآن، كانت بلادًا زراعيّة، وبلاد","vol":"1","page":111},{"text":"تخيل وإنتاج للتمور، ويُضرب المثل فيقال: كجالب التمر إلى خَيْبَر، أو كجالب التمر إلى هجر، يعني: أن الذي يأتي بشيء إلى بلد هي تُنْتِج ذلك الشيء يصبح كجالب التمر إلى خَيْبَر، ولهذا يقول حسان ﵁.\nإنا ومن يُهدي القصائد نحونا ... كمُسْتَبْضِع تمرًا إلى أهل خَيْبرَا\nوكانت خيبر بلادًا يَقْظُنُها اليهود، وجلا إليها اليهود من المدينة، لما أجلاهم رسول الله ﷺ وهم بنو النضير الذين غدروا بالعهد فحاصرهم رسول الله ﷺ حتى اصطلحوا مع النبي ﷺ على أن يتركوا له ما معهم من السلاح والقوة، ويجلوا إلى خَيْبَر وإلى أَذْرِعات بأرض الشام، كما ذكر الله ذلك في أول سورة الحشر: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللهِ﴾ إلى آخر الآيات، فهؤلاء هم بنوا النضير من اليهود، ثم إن رسول الله ﷺ غزاهم في السنة السابعة من الهجرة، بعد صُلح الحُدَيْبِيَة، وقبل فتح مكة، ومكّنه الله منهم، وفتح خَيْبَر، وحصل المسلمون منها على خيرات كثيرة، ثم إنهم تعاقدوا مع النبي ﷺ على أن يبقوا فيها عمّالًا للمسلمين، يزرعونها بأجرة، فأقرّهم النبي ﷺ وبقوا فيها إلى أن أجلاهم عمر بن الخطاب- رضي الله تعالى عنه- بعد ذلك، لأن النبي ﷺ لم يقرهم فيها إقرارًا دائمًا، وإنما قال: \"نُقِرُّكُم فيها ما شئنا\"، حاصرها رسول الله ﷺ واشتد الأمر بالمسلمين في الحصار من قلّة ذات اليد، ومن طول الحصار فبشرهم رسول الله ﷺ بهذه البشارة من أجل أن يَذهب عنهم ما يجدون من المشقّة وطول الانتظار.\nقال الشيخ ﵀: \"في هذا ما يجري على أولياء الله من الجوع، ومن الوباء\" يعني: ما جرى عليهم في هذا الحصار من المشقّة، مع أنهم أولياء الله، وفيهم رسوله ﷺ ومع هذا نالهم مشقّة وجوع في هذا الحصار، وفي هذا دليل على أن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، وأن الجوع والفقر ليسا دليلًا على بغض الله لمن يصيبه ذلك، فإن هذا قد يصيب أفضل الخلق.","vol":"1","page":112},{"text":"\"لأعطين الراية غدًا رجلًا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله؛ يفتح الله على يديه\" فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها\".\nــ\nقال \"لأعطين الراية\"، الراية هي: العَلَمِ الذي يحمله الجُند، من أجل أن يهتدوا به، ويَلْتَفُّوا حوله في القتال، وحمل العَلَم في الغزو من سنة النبي ﷺ وكان له رايات، وكان مكتوبًا في رايته ﷺ: لا إله إلاَّ الله محمد رسول الله.\n\"رجلًا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله\"، هذه مِيزة عظيمة لهذا الرجل الذي يُعطيه رسول الله ﷺ الراية، ففيه فضل علي بن أبي طالب ﵁، وأن الرسول ﷺ شهد له بهذه الشهادة العظيمة أنه يحب الله ورسوله، وأنه يحبه الله ورسوله، وله فضائل كثيرة، وان كان الله جل وعلا يحب المؤمنين كلهم، والمؤمنون يحبون الله، كما قال الله: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ .\nفالحاصل؛ أن مِيزة محبة الله ورسوله للمؤمنين موجودة في كل مؤمن ومؤمنة عمومًا، ولكن شهادة الرسول ﷺ لعلي بن أبي طالب بخصوصه فيها مزية له. ففي هذا ردٌّ على الخوارج، الذين خرجوا على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وكفّروه، كما أن فيها ردًّا على النواصب الذين يُبغضون عليًا، ويسبُّونه، وفيها إثبات فضيلة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، ابن عم الرسول، ورابع الخلفاء الراشدين، وفي هذا-أيضًا- إثبات صفة لله ﷾، وأنه يحب عباده المؤمنين، فالله يحب عباده المؤمنين، ويحب أولياءه، ففيه إثبات المحبة لله ﷿، ردًّا على من ينفي هذه الصفة من الأشاعرة وغيرهم.\n\"يفتح الله على يديه\" هذه المِيزة الثانية لعلي بن أبي طالب أن الله جل وعلا يفتح هذا البلد المستعصي على يد هذا الولي من أوليائه.\nوفيه: علامة من علامات النبوّة، حيث إن الرسول ﷺ أخبر عما يحصل في المستقبل، وقد حصل كما أخبر به ﷺ.\nفالناس لما سمعوا هذه البشارة العظيمة، وسمعوا وصف هذا الرجل الذي يتولى ذلك، من صحابة رسول الله ﷺ اهتموا بهذا الأمر لمحبتهم للخير، وباتوا ليلتهم \"يَدُوكُون\"؛ يبحثون عنه، مثل ما مَرّ معنا في السبعين الألف الذين أخبر عنهم رسول الله: \"ثم نهض ودخل منزله، فخاض الناس في أولئك\"، وهذا دليل على أن","vol":"1","page":113},{"text":"فلما أصبحوا غدو على رسول الله ﷺ كلهم يرجو أن يُعْطاها، فقال: أين علي بن أبي طالب؟ \".\nفقيل: هو يشتكي عينيه، فأرسلوا إليه، فأُتي به، فبصق في عينيه، ودعا له؛ فبرأ كأن لم يكن به وجع.\nــ\nالصحابة يهتمون بالفضائل، ويهتمون بأمور الآخرة، أكثر مما يهتم أهل الدنيا بدنياهم، وأنهم يتنافسون في الخيرات.\nحتى إن عمر بن الخطاب ﵁ يقول: \"ما تمنيت الإمارة إلاَّ هذه الليلة\"،\"تمنى أن يكون هو ذلك الأمير الذي يقود الجيش، ويفتح هذا البلد، حتى ينال هذه الميزة: \"يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله\".\nوقوله: \"فلما أصبحوا غدوا على رسول الله\" يعني: ذهبوا إليه مبكِّرين، من الغَدْوة، يقال: غدا إذا ذهب في الغُدُو وهو الصباح، ويقال راح إذا ذهب في المساء، وقت الرّواح، فالغُدُوُّ: الذهاب في أول النهار، والرواح: الذهاب في آخر النهار.\n\"كلهم يرجو أن يُعطاها\" أي: كلٌ يرجو أن يكون هو ذلك الرجل، لرغبتهم في الجهاد في سبيل الله، وإعلاء كلمة الله، والحصول على هذه البَشارة العظيمة.\nقال رسول الله ﷺ: \"أين علي بن أبي طالب؟ \" قال الشيخ ﵀: في هذا دليل على: \"الإيمان بالقدر، لحصولها لمن لم يسع لها، ومنعها عمن سعى\"، وأن الإنسان وإن فعل السبب فإنه قد لا يحصل على المطلوب، لكنا مأمورون بفعل الأسباب، أما النتائج فأمرها إلى الله ﷾، لكن يُؤجرون على مسعاهم، وعلى نيتهم الطيّبة، وعلى رغبتهم في الخير، وعلى خطواتهم ومشيهم إلى الرسول ﷺ.\nوقال الشيخ- أيضًا-: \"فيه تَفَقُّد الإمام أو القائد لجنده\" يعني: من حضر ومن تخلف.\n\"قال: أين علي؟ \" هذا تَفَقُّد للجند، ما سكت وترك الذي لم يحضر، بل تَفَقُّده، فالإمام والقائد يَتَفَقَّد جنوده، يَتَفَقَّد رعيّته، ولا يسمح لأحد أن يتخلف من غير عذر.\n\"قيل: هو يشتكي عينيه\" أي أصابه رمد، وهو مرض من أمراض العيون","vol":"1","page":114},{"text":"فأعطاه الراية فقال: \"انفذ على رِسْلِك حتى تنزل بساحتهم\".\nــ\nالمعروفة عند الأطباء. ويُروى أنه أصابه في المدينة، وأنه لم يخرج مع النبي ﷺ بسبب المرض، ولكن بعدما ذهب النبي ﷺ هو وأصحابه من المدينة، ضاقت عليه نفسه، وقال: كيف أتخلف عن رسول الله ﷺ؟، فخرج وهو مريض، ولحق بالنبي ﷺ وما طابت نفسه أن يبقى بعد رسول الله ﷺ. وهكذا كان صحابة الرسول ﷺ: ﴿مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَطَأُونَ مَوْطِئًا يُغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ .\n\"فأرسلوا إليه\" أرسل إليه من يأتي به.\n\"فأتي به، فبصق في عينيه\" يعني: تفل من ريقه الطيب الطاهر في عيني علي بن أبي طالب ﵁.\n\"ودعا له\" بالشفاء.\n\"فبرأ كأن لم يكن به وجع\" وهذا- أيضًا- كن معجزاته ﷺ، حتى قال علي \"لم يصبني رمد بعد ذلك\" يعني: استمر هذا الشفاء طول حياته ﵁؛ ببركة ريق رسول الله ﷺ.\nولا شك أن التبرك بريق النبي ﷺ وبعَرَقِه وبوضوئه أمر مشروع، وهذا خاص بالنبي ﷺ، أما غيره فلا يُتبرك بشيء منه، لا يتبرك بشيء من الصالحين والأولياء، لأن هذا خاص بالرسول ﷺ، وأفضل الأمة بعد نبيِّها هو أبو بكر ﵁، ومع ذلك لم يُتبرك بريقه ولا بعرقه ﵁، ما فعله الصحابة معه لعلمهم أن هذا لا يجوز إلاَّ في حق النبي ﷺ، وفيما انفصل من جسده ﷺ، أما أن يُتبرّك بحجرته أو بقبره، فهذا لا يجوز، لأن هذا ليس منفصلًا عن جسد النبي ﷺ، وسوف يأتينا باب خاص بمن تبرّك بشجرة أو حجر أو نحوها.\nوقوله: \"فأعطاه الراية\" دفعها إليه.\nثم إنه ﷺ أرشده وأوصاه على عادته ﷺ مع قُوّاده وأمرائه إنه كان يوصي القُوّاد والأمراء حينما يبعثهم.","vol":"1","page":115},{"text":"ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه،\nــ\nفهذا فيه دليل على أن وليّ الأمر يوصي قُوَّاده ويخط لهم الخِطط النافعة التي يسيرون عليها في مهمّتهم، ولا يتركهم لأنفسهم يذهبون بدون وصية، وبدون إرشاد، وبدون وضع خطة يسيرون عليها.\nوقال: \"انفذ على رِسْلِك\" \"انفذ\" يعني: أمض \"على رِسْلِك\" يعني: على هيّنتك، لا تُسرع في المشي، ولا يكون هناك أصوات أو صخب، بل يكون هناك هدوء تام، وسير بالرفق.\nفهذا فيه دليل على مشروعية الهدوء في الجهاد، وترك العجلة ورفع الأصوات، لأن ذلك يدل على الثبات والشجاعة، ويدل على التدبر في الأمر، وعدم العجلة والتسرع، بخلاف الطيش والركض ورفع الأصوات، فإن هذا يدل على الجبن، ويدل على عدم الثبات.\n\"حتى تنزل بساحتهم\" الساحة يُراد بها: ما قَرُب من المكان، أي: حتى تنزل قريبًا من الحصن، وهذا فيه أن المجاهدين ينزلون قريبًا من البلاد المحاصرة، ويقربون منها.\nوقوله: \"ثم ادعهم إلى الإسلام\" هذا محل الشاهد من الحديث للباب، \"باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلاَّ الله\". حيث قال: \"ادعهم إلى الإسلام\" فهذا فيه دليل على وجوب الدعوة إلى الإسلام، وأن العدو يُدعى قبل أن يُقاتل، ولا يُبدأ بالقتال قبل الدعوة.\nوالإسلام هو: الاستسلام لله بالتّوحيد، والانقياد له بالطاعة، والخلوص من الشرك وأهله، هذا هو الإسلام، انقياد مع خضوع وتعبد لله تعالى، من لم يستسلم لله كان مستكبرًا، ومن استسلم لله ولغيره كان مشركًا، ومن استسلم لله وحده كان موحّدًا مسلمًا.\n\"وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه \" يعني. اشرح لهم معنى الإسلام، وبينّه لهم، وما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه من الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، وغير ذلك من أركان الإسلام، فلا يكفي الدعاء إلى الإسلام","vol":"1","page":116},{"text":"مجملًا، كما يُثَرْثِرُ به بعض الدعاة اليوم ممن يقومون بالدعوة المجملة إلى الإسلام. ولو تسألهم ما هو الإسلام؟، ما استطاعوا أن يُعرِّفوه، فكيف يدعون إلى شيء وهم لا يعرفونه؟، الذي يدعو إلى الإسلام لابد أن يعرف الإسلام ما هو، ويبينه للمدعوِّين، ويشرحه لهم، وإلاَّ ما معنى \"ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه\".\nأما الإسلام المجمل، فكل يقول: إنما هو عليه هو الإسلام؛ من الطوائف الضالة والمنحرفة والكافرة، كل يفسر الإسلام بمذهبه، وكلمة الإسلام غطاء كل يدّعيها الآن من الطوائف المنحرفة والضالة والكافرة: القاديانية، والباطنية، والقبورية، وغيرهم من الطوائف المنحرفة، كلهم يدّعون أن الإسلام هو ما هم عليه، لكن لو شُرح الإسلام بأنه التّوحيد وعبادة الله وحده لا شريك له، والبراءة من المشركين، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام، وإفراد الله بجميع أنواع العبادات من الذبح والنذر والاستغاثة والاستعاذة، حينئذٍ يتبيّن الإسلام الصحيح من الإسلام المزيّف، وهذا لا يريدونه، لا يريدون أن يبين الإسلام على حقيقته لأنه يتبين بطلان ما هم عليه، والرسول ﷺ قال: ادعوا إلى الإسلام وبيّنوا ما هو الإسلام، كما أوصى علي بن أبي طالب بقوله: \"ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه\"، ولهذا لما ارتد من ارتد عن الإسلام بعد وفاة رسول الله ﷺ وعزمَ أبو بكر على قتالهم، قال له الصحابة -ومنهم عمر-: يا خليفة رسول الله، كيف تقاتلهم وهم يقولون: لا إله إلاَّ الله؟، قال؟ إن رسول الله ﷺ يقول: (\"إلاَّ بحقها\"، وإن الزكاة من حقها، والله لو منعوني عقالًا كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم عليه) .\nفالإسلام ليس مجرّد انتساب ودعوى فقط، أو قول: لا إله إلاَّ الله بدون التزام بمعناها ومدلولها، حتى لو كان عِقالًا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ يعتبر من حق لا إله إلاَّ الله، فكيف بالذي لا يصلي وهو يقول: أنه مسلم؟، كيف بالذي يجحد وجوب الزكاة ويقول: أنا مسلم؟، كيف بالذي يجحد وجوب الصوم ويقول: أنا مسلم؟، بل أعظم من ذلك كيف بالذي يدعو غير الله وهو يقول أنا مسلم؟، يدعو القبور","vol":"1","page":117},{"text":"فوالله لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حُمْر النعم\".\nيَدُوكُون أي: يخوضون\".\nــ\nوالأضرحة ويذبح لها وينذر لها ويقول أنا مسلم؟. هل هذا هو الإسلام؟.\nيجب أن نعرف هذا الأمر العظيم، وهذا الأصل العظيم، وهذه القاعدة العظيمة، وهذا الذي يجب أن يركِّز الدعاة عليه، إذا كانوا يريدون أن تكون دعوتهم إلى الله دعوة صحيحة، أما إذا كانت مجرد انتساب، كلٌ يدخل تحتها، ويجعل الإسلام مجرد غطاء، فهذا لا يُرضي الله ﷿، وليس هو الإسلام، لأن كلًاّ يدعِّي أنه، على الإسلام ولو كان مشركًا.\nالإسلام والإيمان ليس مجرد دعوى، أو انتساب، أو هويّة تُكتب في حفيظة النفوس، أو يُكتب أن دين الدولة الرسمي هو الإسلام؛ والعمل على خلافه، يأبى الله ذلك ﷾: ﴿وَيَأْبَى اللهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ .\nخذوا منهج الدعوة من هذا وأمثاله، لا تأخذوا، منهم الدعوة من نظام الجماعة الفلانية أو الجماعة العلاّنية، خذوا نظام الدعوة، ومنهج الدعوة من كلام الله وكلام رسول الله ﷺ، هذا هو منهج الدعوة.\nثم بيّن ﷺ فضيلة الدعوة إلى الله، فقال: \"فوالله\" أقسم ﷺ وهو الصادق المصدوق، والقَسَم أحيانًا يُؤتى به من أجل الاهتمام بالشيء وتوكيده، ولهذا يقول الشيخ في مسائله فيه: \"الحَلِف على الفتيا\"، الإنسان إذا أفتى بفتوى وهو يتأكد أنها هي حكم الله ﷿ يقسم عليها، ويحلف عليها.\n\"لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خيرٌ لك من حُمْر النَّعم\" هذا ترغيب في الدعوة إلى الله ﷿. و\"حُمْر النعم\" الإبل الحُمْر، جمع حمراء، وهتي الناقة النفيسة، لأن الإبل الحُمْر أنفس أموال العرب.\nفكيف إذا اهتدى على يديك جماعة؟، أو اهتدى على يدك أمة، أو اهتدى على يدك أجيال تأتي من بعدك؟\nهذا فيه: فضل الدعوة إلى الله.\nانظروا ماذا حقق الله من الخير بسبب دعوة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، ومن اهتدى بسببه من الأجيال التي لا تزال إلى الآن والحمد لله، ومن بركات دعوة","vol":"1","page":118},{"text":"شيخ الإسلام ابن تيمية: دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، لأن الشيخ محمد بن عبد الوهاب تتلمذ على كتب شيخ الإسلام ابن تيمية في أمور العقيدة، فقام بهذه الدعوة المباركة.\nإذًا ماذا يحصل للداعية الأول من الأجر؟ كما قال ﷺ في الحديث الآخر: \"من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا\"، فكيف بالأجر الذي يحصل للرسول ﷺ سيّد الدعاة، وإمام الدعاة؟، من يؤمن من الخلق إلى يوم القيامة يحصل للرسول مثل أجره، وكذلك الأئمة من بعده، الدعاة الذين جاءوا بعد الرسول، يحصل لهم من الأجور مثل أجور من تبعهم، نسأل الله الكريم من فضله.\nفهذا فيه: فضل الدعوة إلى الله ﷿، والدعوة إلى الله أن تدعو الناس إلى كتاب الله وسنة رسوله، وإخلاص العبادة لله ﷿، والحكم بما أنزل الله، هذه هي الدعوة إلى الله ﷿، ليست مجرد انتساب، أو مجرّد شكليّات، أو مجرّد شعارات، ولهذا كل دعوة ترتكز على المنهج الصحيح تنجح بإذن الله ولو بعد حين.\nهذا شيخ الإسلام عُذِّب ومات في السجن؛ لكن نجحت دعوته فيما بعد، لماذا؟، لأنها دعوة أصيلة، ترتكز على الكتاب و، لسنّة، كما قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ﴾ .\nأما دعاة الضلال- حتى ولو تَجَمْهَر حولهم مئات الألوف- فإن هذا غثاء كغثاء السيل.\nفالدعوة الصحيحة يبقى خيرها وأثرها على مرِّ الأجيال، أما الدعوة غير الصحيحة، أو الدعوة المغرضة التي يُقصد منها أشياء أخرى؛ فهذه وإن تَجَمْهَر الناس حولها في وقت من الأوقات، إلاَّ أنها لا بركة فيها، ولا خير فيها، ولا تؤثر في الناس خيرًا.\nوهذا الحديث فيه من المسائل ما مررنا عليه، ويمكن أن نجمله فيما يلي:\nأولًا: فيه مشروعية إرسال الدعاة، لأن رسول الله ﷺ أرسل علي بن أبي طالب داعيًا إلى الله قبل الجهاد.","vol":"1","page":119},{"text":"ثانيًا: -وهي مسألة مهمة-: أن الدعوة تكون قبل القتال، ولا يجوز أن يكون القتال قبل الدعوة، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ .\nثالثًا: فيه وصية الإمام لمن يبعثه للدعوة إلى الله، وأنه يخطط له المنهج السليم، ويُرشده إلى الطريق الصحيح الذي يسير عليه، وأن المُرسل يستمد الإرشادات من قائده ومن إمامه، ولا يستبد هو بشيء، لأن هذا أضبط للأمور.\nرابعًا: في الحديث دليل على إثبات صفة من صفات الله ﷿، وهي المحبة، ردًّا على نُفاة الصفات، الذين ينفون صفات الله ﷿.\nخامسًا: في الحديث دليل على معجزات من معجزات النبي ﷺ.\nأحدها: قوله: \"لأعطيّن الراية غدًا\"، وقد وقع هذا.\nثانيًا: إخباره عن وقوع الفتح، وقد وقع.\nثالثًا: بصقه ﷺ في عيني المريض فيُشفى في الحال.\nهذه كلها من معجزاته ﷺ وعلامات نبوته﵊-.\nسادسًا: فيه فضل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب- رضي الله تعالى عنه-، ردًّا على أعدائه من الخوارج والنواصب وغيرهم ممَن يتنقّصون الصحابة، ويقلّلون من قدرهم وشأنهم، رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، ولاسيّما الخلفاء الراشدون رضي الله تعالى عنهم.\nسابعًا: في الحديث دليل على حرص الصحابة على الخير، وأنهم يتنافسون في أمور الخير، لأنهم باتوا ليلتهم \"يَدُوكون\" يعني: يبحثون من سيحصل على هذه الميزة العظيمة، وأيضًا بادروا كلهم في الصباح، كلهم يرجوا أن يُعطاها.\nثامنًا: فيه الإيمان بالقدر، وهو أن الأمر قد يحصل لمن لم يسع إليه، ولا يحصل لمن سعى إليه لكن السعي إلى الخير مأمور به وحصول النتائج من الله سبحانه.\nتاسعًا:- وهي المسألة المهمة التي ساق الشيخ ﵀ - هذا الحديث في الباب من أجلها-: وهي بيان منهج الدعوة إلى الله ﷿، وأن الداعية يدعو إلى الإسلام ويشرحه للناس.","vol":"1","page":120},{"text":"عاشرًا: فيه بيان خطة الجهاد الشرع، حيث إن الرسول ﷺ قال: \"اذهب على رِسْلِك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام\"، هذا فيه التدرّج في الدعوة، والتهيُّء لها شيئًا فشيئًا، بدون تسرّع، وبدون جَلَبَة، وفَخْفَخَة.\nحادي عشر: فيه كما ذكر الشيخ ﵀: دعوة أهل الكتاب إلى الإسلام، مع أنهم أهل كتاب، ويزعمون أنهم مؤمنون، وأنهم على الإسلام، وبيان أن ما هم عليه ليس هو الإسلام، وإن كان ينتسبون إلى الأنبياء، فهم ليسوا على الإسلام، لماذا؟، لأن الله أوجب إتباع هذا الرسول محمد ﷺ على كل مخلوق على وجه الأرض، من اليهود والنصارى وغيرهم: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، لأن الله نسخ الأديان السابقة بهذا الدين العظيم، وجعله هو الدين الباقي: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا﴾ يعني: هذه الأمة، فتحول الكتاب والدين والدعوة إلى ما جاء به هذا الرسول ﷺ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾، أي: كما أنه يملك السموات والأرض فهو الذي أرسلني، والأمر له ﷾.\nثاني عشر: فيه فضل الدعوة إلى الله ﷿، وأن الداعية يحصل له من الأجر مثل أجر المدعويِّن، وأيضًا يحصل له من الأجر ما هو خير وأنفس مما في الدنيا من الأموال.","vol":"1","page":121},{"text":"[الباب السادس:] * باب تفسير التّوحيد وشهادة أن لا إله إلاَّ الله.\nــ\nمناسبة هذا الباب لما قبله ظاهرة؛ لأن الباب الذي قبله: \"باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلاَّ الله \"، وهذا الباب في تفسير هذه الكلمة، وبيان معناها، لأن الذي يدعو إلى شيء ويطلب من الناس أن يفعلوه، فلابد أن يبيّنه لهم، ويوضّحه لهم توضيحًا تامًّا، ولا يكتفي بمجرد أن يقول للناس قولوا: لا إله إلاَّ الله١ أو يقول للناس: ادخلوا في الإسلام، بل لابد أن يبين لهم معنى لا إله إلاَّ الله، وأن يبين لهم معنى الإسلام الذي يدعوهم إليه، ولابد مع ذلك أن يبَيّن لهم ما يناقض الإسلام، وما يناقض لا إله إلاَّ الله، من أنواع الرِّدّة، وأنواع الشرك، حتى تكون دعوته مُثمرة، وحتى يستفيد الناس من دعوته، أما أن يدعوَهم إلى شيء مجمل، فهذا لا يكفي.\nوكثير من الذين يتسمَّون بالدعوة في هذه الأيام من الجماعات أو الأفراد، أكثرهم لا يعرفون معنى لا إله إلاَّ الله على الحقيقة، ولا يعرفون معنى الإسلام على الحقيقة، ولا يعرفون نواقض الإسلام، ونواقض الشهادتين، وإنما يَدْعُون إلى شيء مجمل، وربما أن بعضهم يفهم هذا، ولكن لا يحب أن يبين للناس هذه الأشياء لأنهم- بزعمه- يَنْفُرون منه، وهو يريد أن يجمِّع الناس، يُجمعهم على ماذا؟، على جهالة؟، يجمعهم على ضلالة؟. لابد أن تبين ما تدعو إليه، وتوضح ما تدعو إليه كما قال تعالى في حق نبيه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ والبصيرة معناها: العلم بما يدعو إليه، ومعرفة معناه، حتى يوضحه للناس، والنبي ﷺكما سبق في آخر الباب الذي قبل هذا- لما بعث عليًّا ﵁ وأعطاه الراية، قال: \"ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه\"، ما قال: \"ادعهم إلى الإسلام\" واكتفى بهذا، بل قال: \"أخبرهم بما يجب عليهم\"، إذا\n_________\n١وأما أن الرسول ﷺ قال للمشركين: \"قولوا لا إله إلاَّ الله\" وقال: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلاَّ الله\". فلأن المشركين يعرفون معنى هذه الكلمة لأنه لما قال لهم ذلك قالوا: \"أجعل الآلهة إلهًا واحدًا\". وكثير من الناس لا يعرفون معناها بدليل أنهم يقولونها ويدعون غير الله من الموتى وغيرهم","vol":"1","page":122},{"text":"قبلوا أن يدخلوا في الإسلام، فبيّن لهم: معنى الإسلام، واشرحه لهم، حتى يدخلوا فيه على بصيرة.\nوقال ﷺ لمعاذ: \"إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه: شهادة أن لا إله إلاَّ الله، فإن هم أجابوك لذلك، فأخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات\"، إلى آخر الحديث، ولم يقف عند قوله: \"ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلاَّ الله \"، بل أمره أن يبيّن لهم بعدما ينطقون بالشهادتين، أن يبيّن لهم مقتضى هاتين الشهادتين، وأنه ليس المراد مجرد النُّطق بهما والتلفظ بهما، بل لابد من الالتزام والعمل.\nمن هنا عقد الشيخ ﵀ هذا الباب، بعد \"باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلاَّ الله\"؛ ليتبين من ذلك أن من دعا إلى شهادة أن لا إله إلاَّ الله، فلابد أن يفسِّرها، ويفسِّر التّوحيد، حتى تكون دعوته على بصيرة، أما إن كان لا يعرف هذا، فلا يدخل فيما ليس من شأنه، حتى يتعلم هو بنفسه أولًا، أو إن كان يعرف هذا ولكن لا يريد أن يبينه للناس لغَرَض في نفسه، أو لإرضاء جماعته أو حزبه؛ فليبتعد عن هذا، ولا يكون محسوبًا على الدعوة، وهو لا يقوم بواجبها، لأن هذا يصبح سُبَّةً على الدعوة، ونَكْسَة على الدعوة.\nفهؤلاء الذين شغلونا بهموم الدعوة -كما يقولون-، هم لا يفهمون معنى الدعوة، ولا يفهمون ما يُطلب من الداعية، فالواجب أن يكون الدعاة على بصيرة، حتى تُجدي دعوتهم، وحتى تنفع، وحتى يكتب لهم الأجر عند الله ﷾.\nوقول الشيخ: \"تفسير التّوحيد، وشهادة أن لا إله إلاَّ الله \" هذا من عطف الدال على المدلول، المدلول هو التّوحيد، وشهادة أن لا إله إلاَّ الله هو الدال، لأن شهادة أن لا إله إلاَّ الله تدل على التّوحيد، فهو من عطف الدال على المدلول، والشيخ ﵀ جمع بينهما في الترجمة ليبين أن معناهما واحد، فمعنى التّوحيد هو لا إله إلاَّ الله، ومعنى لا إله إلاَّ الله هو التّوحيد، من أجل أن لا يخفى هذا على أحد، فيظن أن التّوحيد غير لا إله إلاَّ الله، بل هما شيء واحد، فهذا معنى جمع الشيخ ﵀، بين اللفظتين في الترجمة.\nوقد ذكر الشيخ في هذا الباب أربع آيات، وذكر حديثًا واحدًا.","vol":"1","page":123},{"text":"وقول الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ الآية.\nــ\nالآية الأولى: قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ \"، تتمة الآية: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ قال جمهور المفسرين: إن هذه الآية نزلت في قوم كانوا يعبدون المسيح وأُمَّه وعُزَيْرًا، فبيّن الله سبحانه أن هؤلاء الذين تدعونهم هم عبادي يدعونني، وهم فقراء إليّ يدعونني، ويتقربون إليّ بالطاعة، فهم عباد من عبادي، والعبد لا يصلح أن يكون معبودًا، وليس هناك في السموات والأرض إلاَّ من هو عبد لله: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣)﴾، ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾، فكل الخلق، كل سكان السموات والأرض كلهم عباد لله، فلا يصلح أن يُعبدوا من دون الله ﷿، ولذلك قال الله في الآية التي قبلها: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا (٥٦)﴾ هذا تعجيز للمشركين، وتعجيز لآلهتهم التي يعبدونها من دون الله.\n\"قل ادعوا\" هذا أمر تهديد ووعيد، \"الذين زعمتم\" والزّعم مَطِيَّة الكذب، الزّعم يُطلق على الأمر الذي لا حقيقة له، ﴿الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ أنهم ينفعون أو يضرون من دون الله ﷿. ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ يعني: غير الله ﷾، ﴿فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا﴾ إذا نزل بكم مرض فإن كل هؤلاء الذين تدعونهم من دون الله- بما فيهم الملائكة والأنبياء والصالحون والأولياء- كلهم لا يملكون كشف الضر، إذا أنزل الله ضرًّا بعبد فلن يستطيع أحد رفعه إلاَّ الله ﷾، كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ لا يملكون كشف الضر، لا يملك كشف الضر إذا نزل ولا يرفعه إلاَّ الله ﷾، وبذلك تبطل عبادة هؤلاء، ﴿وَلا تَحْوِيلًا﴾ أي: نقله من محل إلى محل، لا يملكون نقل المرض من عضو إلى عضو، إذا أنزله الله بالرأس فلا يستطيع كل الخلق أو الأطباء المَهَرَة، لا يستطيعون أن يحولوا وجع الرأس إلى اليد، أو وجع اليد إلى الرِّجل، أبدًا، وكذلك لا يستطيعون أن يحولوه من شخص إلى شخص آخر، إذا نزل مرض بعبد من العباد فلن يستطيع أطباء العالم والمستشفيات والمنظمات الصحية العالمية أن تنقل المرض","vol":"1","page":124},{"text":"من شخص إلى شخص، ويصبح المنقول عنه بريئًا صحيحًا، أو ينقلون المرض من بلد إلى بلد، لا يستطيعون هذا، وإنما هذا تقدير العزيز العليم، هو الذي يقدر على كشف الضر ورفعه نهائيًا، ويقدر على تحويله من محل إلى محل إذا شاء ﷾.\nوهذا من التحديات التي يتحدّى الله بها المشركين، ولن يجيبوا عنها إلى أن تقوم الساعة، فدلّ على انقطاع حجتهم.\nلا أحد قال: بلى آلهتنا تستطيع كشف الضر، أو تستطيع تحويل الضر، ما أحد قال هذا، فدلّ على انقطاع حجتهم وانخصامهم، وعاد الأمر لله ﷾.\nثم بيّن ﷾ أن هؤلاء الذين تدعونهم من دون الله أنهم عباد لله، هم بأنفسهم يدعون الله ﷿؛ يرجون رحمته، ويخافون عذابه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾، فالملائكة وعيسى ﵇ وأُمُّه، وعُزَيْر، وكل الصالحين، والأولياء بهذه المثابة، كلهم يبتغون إلى ربهم الوسيلة.\nوالوسيلة معناها في الأصل السبب الذي يُوَصِّل إلى المقصود، فالسبب الذي يُوَصِّل إلى المقصود يسمى: وسيلة.\nوأما معناها هنا: فالوسيلة: الطاعة والقُرب، فالملائكة- عليهم الصلاة والسلام-، وعيسى﵊، وعُزَيْر ﵇، والأولياء والصالحون كلهم يتقرّبون إلى الله بالطاعة، يعبدون الله، يعبدون الله لأجل أي شيء؟. ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ كل واحد يرجو أن يكون أقرب إلى الله ﷾، يتقرّبون إليه بطاعته، ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾، فدلّ على أنهم عباد فقراء إلى الله ﷾، يرجون رحمة الله لأنهم بحاجة إليها، ويخافون عذاب الله أن ينزل بهم، إذًا هم لا يستطيعون أن يجلبوا لأنفسهم النفع، ولا يستطيعون أن يدفعوا عنها الضرر، فكيف يملكون ذلك لكم يا من تعبدونهم؟.\nفالوسيلة هنا معناها: الطاعة والعبادة، وليس معناها ما يظنُّه، القبوريُّون والمخرِّفون أن الوسيلة معناها: أن تجعل بينك وبين الله شخصًا يرفع حوائجك إلى الله. هذه هي الوسيلة عند المشركين قديمًا وحديثًا، كما يتخذ الناس الوسائط عند الملوك وعند السلاطين، قاسوا الله جل وعلا بالخلق، فكما أن الناس","vol":"1","page":125},{"text":"لا يتوصلون إلى الملوك والسلاطين إلاَّ بوسائط من الوزراء والمقرّبين لدى الملوك ليبلّغوا حوائجهم إلى الملوك والسلاطين، قاسوا الله جل وعلا على خلقه، فقالوا: لابد أن نجعل بيننا وبين الله واسطة ترفع حوائجنا إلى الله ﷿. وتقرّبوا إلى هؤلاء الوسائط بأنواع العبادات: فذبحوا لهم من دون الله، ونذروا لهم من دون الله، كالحاصل عند قبور الأولياء اليوم، يذبحون للقبور، وينذرون لها، ويطوفون بها، ويتمرّغون على ترابها، ويتمسحون بجدرانها وشبابيكها؛ من أجل أن هؤلاء الموتى رجال صالحون، يرفعون حوائج هؤلاء إلى الله بزعمهم.\nهذه هي الوسيلة عند هؤلاء، الذين انتكست أفهامهم، وهذا تنقُّص لله ﷾، وقد رد الله عليهم بقوله: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾، اتخذوا الوسائط من الأولياء بزعمهم أنهم يقرّبونهم إلى الله زلفى، أو يشفعون لهم عند الله، فعبدوهم من دون الله، فصرفوا العبادة للمخلوقين من أجل أن المخلوقين يتوسطون عند الله ﷾.\nهذا شرك الأولين وشرك أهل هذا الزمان باتخاذ الوسائط والشفعاء من الأموات والغائبين بينهم وبين الله ﷾، وصرفوا لهم أنواع العبادات والقُربات، بما زيّن لهم شياطين الإنس والجن من هذه الأباطيل، هذه هي الوسيلة عند هؤلاء.\nأما الوسيلة في القرآن والسنة فمعناها: الطاعة والعبادة، وليست اتخاذ الأشخاص وسائط، وإنما هي الطاعة والعبادة لله ﷿، والله تعالى قريب مجيب، يعلم كل شيء، ليس بحاجة بأن تجعل بينك وبينه وسائط، بل ارفع حوائجك إليه، مباشرة، وصلِّ له، وانحر له، وانذر له، واعبده، وهو ﷾ قريب مجيب: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾، ما الداعي إلى إنك تجعل بينك وبين الله وسائط وهو قريب يسمعك ويراك ﷾ ويجيب؟، ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾، باب الله مفتوح في الليل والنهار، وهو قريب من عباده ﷾،","vol":"1","page":126},{"text":"لا يغيب، ولا يخفى عليه شيء، ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: \"هل من سائل فأعطيه؟، هل من داع فأستجيب له؟، هل من مستغفر فأغفر له؟، هل من تائب فأتوب عليه؟ \".\nفالله ﷾ ليس بحاجة إلى أنك تتخذ بينك وبينه وسائط من الأشخاص؛ من الأنبياء والصالحين والملائكة، بل ادعُهُ مباشرة، وتقرّب إليه مباشرة. وخواص عباده من الملائكة والأنبياء يبتغون إليه الوسيلة، ويرجون رحمته، ويخافون عذابه: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾، يخاف منه أولياء الله ﷾ العارفون به.\nفهذه الآية فيها أن من معنى لا إله إلاَّ الله: أن لا يُدعى إلاَّ الله، وأنها لا تتخذ الوسائط بين العباد وبين الله من الخلق، فمن اتخذ بينه وبين الله واسطة فقد أخلّ بمعنى: لا إله إلاَّ الله.\nهذه الآية الأولى في الباب: تدل على أن من معنى لا إله إلاَّ الله أن يُصرف الدعاء والتقرّب والعبادة لله ﷾، لا تُصرف لأحد من خلقه بحجة أنه واسطة بين العبد وبين ربه ﷿، لأن الله ليس بينه وبين عباده واسطة من هذا النوع.\nأما الواسطة في تبليغ الوحي فإن بين الله وبين عباده واسطة لتبليغ الوحي والرسالات.\nأما الواسطة بين العباد وبين الله في رفع حوائجهم؛ فهذه غير موجودة، ولهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"هناك واسطة من جحدها فقد كفر، وهناك واسطة من أقرّ بها فقد كفر\".\nفما هي هذه الواسطة التي من جحدها فقد كفر؟\nهم الرسل- عليهم الصلاة والسلام-، فهم واسطة بين الله وبين عباده في تبليغ الرسالات والأوامر والنواهي، فمن جحدها فقد كفر، لأنه جحد رسالة الرسل.\nوهناك واسطة من اقرّ بها فقد كفر، وهي أن يجعل إنسان بينه وبين الله واسطة في تبليغ حوائجه ورفع دعائه، يتقرّب إلى هذه الواسطة بالعبادة، وهذه الواسطة- بزعمه- تطلب له من الله ما يحتاجه.","vol":"1","page":127},{"text":"وقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ الآية.\nــ\nالآية الثانية: قوله ﷾: \" ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٨)﴾ \" إبراهيم هو الخليل﵊-، الذي تكرّر ذكره في القرآن الكريم، وأثنى الله عليه، وأمر باتباعه والاقتداء به، وهو أبو الأنبياء﵊-، اتخذه الله خليلًا، وجعله إمامًا للناس، أي: قُدوة يُقتدى به، وجعل الأنبياء الذين جاءوا من بعده من ذريته: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾، فكل الأنبياء الذين جاءوا بعد إبراهيم فهم من ذرية إبراهيم ﵇، فأنبياء بني إسرائيل من ذرية إسحاق، ومحمد ﷺ من ذرية إسماعيل، فكلهم إذًا من ذرية إبراهيم﵊-، ولهذا سُمِّي \"أبا الأنبياء\".\n\" ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ﴾ \" أول ما بدأ بأبيه. \" ﴿وَقَوْمِهِ﴾ \" الذين بعثهم الله إليهم، وهم الأمة التي كانت تعبد الكواكب، وهم الصابئة المشركون الذين كانوا يعبدون الكواكب، وكان ملكهم النُّمْرُود الذي قال الله فيه:\n﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾، جادله وجحد أن يكون هناك رب غيره ﴿أَنْ آتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ﴾ يعني: بسبب أن الله أعطى النُّمْرُود الملك تكبّر وعصى، بدل أن يشكر الله ﷿ ما أعطاه، ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾، بمعنى أن يقتل من شاء ويترك من شاء فأراد إبراهيم أن يأتي بأمر لا يمكنه أن يُغالط فيه: ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾، فلم يمكنه أن يغالط في هذا الأمر، لأنه لا يمكنه أنه يُغالط ويدَّعي أنه يأتي بالشمس من المغرب، معاكسة لتدبير الله ﷾، ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ .\nوقوله: \" ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ \" براء وبريء بمعنىً واحد، معناه: قطع الصِّلة والبعد عن المُتَبَرَّأُ منه، بخلاف الموالاة، فإن معناها: القُرب والاتصال بالمُوَالى، أما البراءة فمعناها: البعد والانقطاع، يقال برأ القلم إذا قطعه.","vol":"1","page":128},{"text":"\" ﴿مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ \" يعني مما تعبدون من الأصنام والكواكب وغيرها، وهذا تحدٍّ لهم، تحدَّى آلهتهم وتبرّأ منها، ولو كانت قادرة لانتقمت منه، لأنه يتبرّأ منها على رؤوس الأشهاد، ويكفر بها، ومع ذلك لا تمسُّه بسوء؟، هذا دليل على بُطلانها.\n\" ﴿إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ \" يعني: الله ﷾، و\" ﴿فَطَرَنِي﴾ \"، يعني: خلقني، فالفَطْر معناه: ابتداء الخلق من غير مثال سابق، فلم يتبرّأ منه لأنه ربه وحده لا شريك له.\n\" ﴿فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ \" وهذا معنى: لا إله إلاَّ الله، لأن قوله: \" ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ﴾ \" معناه: النفي؛ لا إله، \" ﴿ِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ \" معناه، الإثبات؛ إلاَّ الله. فهذه الآية فيها معنى لا إله إلاَّ الله، إذًا فهي تفسر لا إله إلاَّ الله بأن معناها ترك عبادة الأصنام، والبراءة منها، وإخلاص العبادة لله.\nأما الذي يعبد الله ويعبد معه غيره، فهذا لم يحقق لا إله إلاَّ الله، وان كان يتلفظ بها بلسانه، فالذي يقول: لا إله إلاَّ الله ثم يذهب إلى القبور، ويطلب منها الحوائج، ويتمسح بها، ويستغيث بها، يطلب المدد منها، ويطوف بها. فهذا لم يتبرّأ من الشرك، فلا تنفعه لا إله إلاَّ الله ولو قالها عدد الأنفاس، لأن لا إله إلاَّ الله ليست مجرد لفظ يقال باللسان، وإنما لها مقتضى ومدلول ومعنى لابد أن يحقق، وهو عبادة الله والبراءة من الشرك والمشركين. فالذي لا يتبرّأ من الشرك فإنه لم يحقق لا إله إلاَّ الله، وإن تلفظ بها، وجعل له منها أورادًا صباحية ومسائية، ومعه سبْحَة طول الباع يسبِّح بها، ومعه أوراد يردِّدها وفيها لا إله إلاَّ الله آلاف المرّات، لا تنفعه أبدًا حتى يفعل ما فعل إبراهيم﵊-، فيتبرّأ من الشرك.\n\" ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً﴾ \" جعل لا إله إلاَّ الله كلمة باقية في عقبه، في ذرية إبراهيم﵊-، فلا يزال فيها من يقول هذه الكلمة ويعمل بها إلى أن بعث محمد ﷺ بها، ودعا إليها. بقيت في عَقِبه، وإن خالفها الأكثر، إلاَّ أنه يوجد في ذرية إبراهيم ﵇ من التزم بها ولو كانوا قليلين، إلى أن بُعث محمد ﷺ، فلم تَخْلُ الأرض من التّوحيد ولله الحمد، ولا تخلو إلاَّ عند قيام الساعة، وإذا خلت الأرض من التّوحيد قامت القيامة، كما في الحديث: \"لا تقوم الساعة وفي الأرض","vol":"1","page":129},{"text":"وقوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ﴾ الآية.\nــ\nمن يقول: الله الله\"، لأن الأرض لا تبقى إلاَّ فع التّوحيد، لأن لا إله إلاَّ الله كلمة قامت بها السموات والأرض، ونُصبت من أجلها الموازين، وأُسست المِلّة، وفُرض الجهاد، من أجل لا إله إلاَّ الله، فهذه الكلمة لا تزال، لكن أحيانًا يكثر أنصارها والقائمون بها، وأحيانًا يقلُّون، إلاَّ أنهم لا ينعدمون إلاَّ عند قيام الساعة، حتى ولو كثر الشرك، فإنه يكون في الأرض من يعبد الله وحده لا شريك له إلى قرب قيام الساعة.\n﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ أي: يرجعون إليها، ويحققونها، وهذا حاصل والحمد لله، فإنه وإن حصل الشرك وكثر، فإن من ذرية إبراهيم ﵇ من يرجع إلى التّوحيد الصحيح ويدعو إليه ويجدّده للناس، فهذا من رحمة الله ﷾.\nفهذه الآية- كما ذكرنا- دلّت على أن معنى التّوحيد، وشهادة أن لا إله إلاَّ الله: البراءة من الشرك، وإفراد الله تعالى بالعبادة، فهي تفسِّر لا إله إلاَّ الله.\nالآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ﴾ تتمة الآية: ﴿وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿أَحْبَارَهُمْ﴾ الأحبار: جمع حَبْر، أو حِبِر، وهو العالم. والرهبان: جمع راهب، وهو العابد.\nوالأحبار والرهبان موجودون في اليهود والنصارى، فاليهود والنصارى اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله، بأيِّ شيءٍ اتخذوهم أربابًا من دون الله، فسرّ ذلك النبي ﷺ لَعَدِّي بن حاتم الطائي؛ لما جاء إلى النبي ﷺ وقرأ عليه الرسول ﷺ: \" ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ﴾ \"، واستشكلها عدي، لأنه كان نصرانيًّا، فقال: يا رسول الله لسنا نعبدهم، فقال النبي ﷺ: \"أليسوا يحرّمون ما أحل الله، فتحرمونه؟ \"، قال: بلى، قال: \"أليسوا يحلُّون ما حرّم الله، فتحلُّونه؟ \"، قال: بلى، قال: \"فتلك عبادتهم\".\nفمعنى: \" ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ﴾ \" أنهم أطاعوهم في تحليل الحرام وتحريم الحلال؛ فدلّ هذا على أن من أطاع مخلوقًا في تحليل ما","vol":"1","page":130},{"text":"حرّم الله أو تحريم ما أحل الله، فقد اتخذه ربًّا يعبده من دون الله، وهذا ما يسميه العلماء بشرك الطاعة.\nوالشاهد من الآية للباب: أنها دلّت على أن من معنى لا إله إلاَّ الله: أن لا يُطاع إلاَّ الله ﷾، وأن من أطاع أحدًا في تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله فقد اتخذه ربًّا من دون الله.\nلكن إذا كان يعتقد أن تحليل الحرام وتحريم الحلال أمر جائز، فهذا شرك أكبر يخرجه من الملّة، أما إذا لم يعتقد جواز هذا، بل يعتقد أن التحليل والتحريم حقٌّ لله ﷾، ولكنه فعله من باب الهوى، أو من باب تحصيل بعض المصالح، فهذه معصية عظيمة، لكنها لا تصل إلى حد الشرك الأكبر فطاعة المخلوقين في تحليل الحرام وتحريم الحلال، لا تجوز أبدًا، لكن فيها تفصيل من حيث الكفر والشرك وعدم ذلك.\nوالحاصل من هذا كله: أن الآية الكريمة دلّت على أن من تفسير التّوحيد وشهادة أن لا إلاَّ الله أن لا يُطاع إلاَّ الله ﷾ في الحلال والحرام، وأن من أطاع مخلوقًا في التحليل والتحريم فقد اتخذه ربًّا من دون الله ﷿.\nويشهد لهذه آيات أخر كما ذكر الله في سورة الأنعام لما ذكر أن المشركين يستبيحون الميتة، مع أن الله حرّمها ونهى عباده عنها، وأخبر أن المشركين سيجادلون المؤمنين في ذلك، ثم قال: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ إن أطعتم المشركين في استباحة الميتة ﴿إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ .\nويقول الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ﴾ ﴿شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ﴾ يعني: من الحلال والحرام والعبادة ما لم يأذن به الله، فالتشريع حق لله ﷾، لا يجوز أن يُطاع فيه أحد من المخلوقين غير الرسل، فمن أطاع أحدًا من المخلوقين في التشريع؛ فإنه قد اتخذه شريكًا لله ﷿، وهذا من معنى لا إله إلاَّ الله وهو إفراد الله تعالى بالطاعة في تحريم ما حرّمه وتحليل ما أحلّه.","vol":"1","page":131},{"text":"وقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ﴾ الآية.\nوفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: \"من قال: لا إله إلاَّ الله، وكفر بما يُعبد من دون الله، حَرُم ماله ودمه، وحسابه على الله ﷿\".\nــ\nالآية الرابعة: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ﴾ تتمة الآية: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ .\n\" ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ \" بعض الناس يعني: المشركين.\n\" ﴿مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ \" يعني: غير الله.\n\" ﴿أَنْدَادًا﴾ \" جمع نِدْ، والنِّد معناه: الشبيه والنظير والمثيل، يقال: فلان نِدُّ فلان، بمعنى: أنه يشبهه، وأنه نظيره، وأنه يساويه.\nفاتخاذ الأنداد من دون الله معناه اتخاذ الشركاء، سُمُّوا أندادًا لأن المشركين سوّوهم بالله ﷿، وشبّهوهم بالله ﷿ وأحبوهم محبة عبادة وتذلل.\n\" ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ﴾ \" الحب عمل قلبي ضد البُغض.\nفالمشركون اتخذوا من الأحجار والأشجار والأصنام شركاء لله سوّوهم بالله في المحبة، يحبونهم كما يحبون الله ﷿، فالمراد هنا محبة العبادة، فالمشركون يحبون أصنامهم كما يحبون الله ﷿ محبة عبادة وتذلل.\n\" ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ \" من المشركين لله، فالمشركون يحبون الله، والمؤمنون يحبون الله، ولكن المشركين يحبون الله ويحبون معه غيره، أما المؤمنون فيحبون الله وحده، ولا يشركون معه غيره في المحبة، فلذلك صار المؤمنون أشد حبًّا لله، لأن محبتهم خالصة، ومحبة المشركين مشتركة، فدلّت الآية على أن المشركين يحبون الله، ولكنهم لمّا أحبوا معه غيره صاروا مشركين، وأن التّوحيد لا يصح إلاَّ بإخلاص المحبة لله ﷿.\nفدلّت الآية الكريمة على: أن من تفسير لا إله إلاَّ الله وتفسير التّوحيد إفراد الله بالمحبّة، وأن لا يُحَبَّ معه غيره محبة عبادة بل يُفرد الله جل وعلا بالمحبّة، ولا يُحَبَّ معه غيره، محبة العبادة.\nقال الشيخ ﵀: \"وفي الصحيح\" يعني: صحيح الإمام مسلم.\n\"عن النبي ﷺ قال: \"من قال لا إله إلاَّ الله، وكفر بما يُعبد من دون الله؛ حَرُم","vol":"1","page":132},{"text":"ماله ودمه وحسابه على الله\" علّق حُرمة المال والدم على شيئين:\nالشيء الأول: أن ينطق بكلمة لا اله إلاَّ الله.\nالشيء الثاني: أن يكفر بما يُعبد من دون الله، فإذا تحقق هذان الشيئًان حرُم ماله ودمه، لأنه صار مسلمًا، والمسلم يحرُم دمه وماله.\n\"وحسابه على الله \" فإن كان صادقًا في قول هذه الكلمة فإنه يكون مسلمًا حقًّا، باطنًا وظاهرًا ويدخل الجنة، وإن كان قالها ظاهرًا فقط فهذا هو النفاق، وذلك يحقن دمه ويحرم ماله، ولكنه في الآخرة يكون في النار ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ .\nفمن قال لا إله إلاَّ الله كَفَفْنا عنه وحقنا دمه وحرّمنا ماله، أما دخوله الجنة، وكونه مؤمنًا حقًّا، فهذا عند الله ﷾، هو الذي يعلم ما في القلوب، ويجازي عليها، وحسابه على الله ﷿. وإن ظهر منه ما يناقض هذه الكلمة حكم عليه بالردة.\nالحاصل؛ أن هذا الحديث بيّن معنى التّوحيد، ومعنى لا إله إلاَّ الله، وأنه النطق بالشهادة مع الكفر بما يُعبد من دون الله ﷿ والبراءة منه، أما لو قال لا إله إلاَّ الله وهو لا يكفر بما يُعبد من دون الله بأن كان يعبد القبور، ويدعو الأولياء والأضرحة، فهذا لم يكفر بما يُعبد من دون الله، ولا يحرُم دمه ولا يحرُم ماله، لأنه لم يأت بالأمرين، وإنما أتى بأمر واحد، وهو قول: لا إله إلاَّ الله، ولكنه لم يكفر بما يُعبد من دون الله، لأنه يقول إن عبادة القبور ليست بشرك، فهو لم يكفر بما يُعبد من دون الله، فمعناه أنه لا يحقن دمه، ولا يَحْرُم ماله، لأنه ما دام أنه لم يكفر بما يُعبد من دون الله، فإنه لم يحصل المقصود.\nفهذا الحديث عظيم جدًّا، وهو حجة للموحّدين على أصحاب الشبه والمشركين، الذين يقولون: من قال لا إله إلاَّ الله فهو المسلم ظاهرًا وباطنًا ولو فعل ما فعل، يعبد القبور، ويذبح للأولياء والصالحين، ويعمل السحر والشعوذة، ويعمل كل شيء، هو مسلم حقًا ما دام يقول: لا إله إلاَّ الله. ولهذا يقول الشيخ ﵀: \"لم يجعل النطق بلا إله إلاَّ الله، بل ولا كونه لا يدعو إلاَّ الله، بل ولا معرفة معنى هذه الكلمة، لم يجعل كل هذه الأمور عاصمة للدم والمال حتى يضيف إليها الكفر بما","vol":"1","page":133},{"text":"وشرح هذه الترجمة ما بعدها من الأبواب:\nــ\nيُعبد من دون الله\"، فالذي يقول أنا ما أكفِّر هؤلاء، أنا ما أكفر من يعبدون الحسن والحسين والبدوي، لا أكفّرهم لأنهم يقولون: لا إله إلاَّ الله؛ هم إخواننا، لكن أخطئوا، نقول له: أنت مشرك مثلهم، لأنك لم تكفر بما يُعبد من دون الله، والله تعالى قدّم الكفر بالطاغوت على الإيمان بالله، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ فلا بد من الكفر بالطاغوت، ولابد من الكفر بما يعبد من دون الله ﷿، واعتقاد بطلانه، والبراءة منه ومن أهله، وإلا فلا يصير الإنسان مسلمًا، لأن هذا تلفيق بين الإسلام والكفر، ولا يجتمع الكفر والإسلام أبدًا.\nفهذا الحديث على اختصاره منهج عظيم، يبيّن معنى شهادة أن لا إله إلاَّ الله، وأنها ليست مجرد لفظ يقال باللسان ويردّد في الأذكار والأوراد، وإنما هي حقيقة تقتضي منك أن تكفر بما يُعبد من دون الله، وأن تتبرّأ من المشركين، ولو كان أقرب الناس إليك، كما تبرأ الخليل﵊- من أبيه وأقرب الناس إليه.\nثم قال ﵀: \"وشرح هذه الترجمة ما بعدها من الأبواب\" أي: أن الأبواب الآتية إلى آخر كتاب التّوحيد، كلها تفسير لهذه الكلمة، مثل باب: النهي عن لبس الحَلْقَة والخيط، والتبرك بالأشجار والأحجار وباب السِّحر، وباب التَّنْجيم، وباب ما جاء في الطِّيَرة، وباب الرُّقى والتمائم، إلى آخر ما في هذا الكتاب من الأبواب، كله يفسِّر التّوحيد، ويفسِّر معنى: لا إله إلاَّ الله.","vol":"1","page":134},{"text":"[الباب السابع:] * بابُ من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه\nــ\nمناسبة هذا الباب لما قبله من الأبواب: أن الشيخ ﵀ لما ذكر في الباب الذي قبله بيان معنى شهادة أن لا إله إلاَّ الله، وتفسير التّوحيد، وأن ذلك هو عبادة الله وحده لا شريك له، وترك عبادة ما سواه؛ ناسب أن يذكر في هذا الباب وما بعده أشياء من الشرك الأكبر أو الأصغر، الذي هو ضدّ التّوحيد، وضدّ شهادة أن لا إله إلاَّ الله أو منقص لهما.\nوقوله رحمه الله تعالى: \"بابٌ من الشرك\" أي: من أنواع الشرك، \"لبس الحلْقة والخيط ونحوهما\" مما يعلّق على البدن أو على الدابة، أو على السيارة أو على الأبواب من الأشياء التي يعتقدون فيها أنها تدفع عين الحاسد، وأنّها تحرس البدن، أو تحرس الدابة، أو تحرس السيارة أو تحرس البيت أو المتجر من الشرور والمحاذير، وهذه عادة جاهلية لا تزال في بعض الناس إلى اليوم، بل تتزايد بسبب الجهل، فإنهم يعلّقون هذه الأشياء على أجسامهم، وعلى أجسام الأطفال، وعلى السيارات، والدكاكين، والبيوت، قصدهم من ذلك أن هذه الأشياء تدفع عنهم الشرور والمحاذير، وهذا من الشرك لأنه تعلق على غير الله ﷾، لأن الله جل وعلا وهو الذي يدفع الشر، وهو الذي إذا أراد بعبده شيئًا فلابد أن يقع إما في نفسه أو في ماله أو في أهله، فلا أحد يدفعه، وإذا منع شيئًا فلا أحد ينزله ﴿مَا يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢)﴾، الأمر كله بيد الله جلّ وعلا، فيجب أن تتعلق القلوب بالله ﷿، وأن تُخلص العبادة لله ﷿، وأن لا يخاف إلاَّ من الله ﷿، فمن تعلّق قلبه بالله ووحّد الله، فإنه لا يضره شيء إلاَّ بإذن الله ﷾، أما من تعلّق على غير الله، فإن الله يَكِلُه إلى ما تعلق عليه، ويبتليه- كما يأتي-.","vol":"1","page":135},{"text":"وقول الله تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ الآية.\nــ\nقال: \"وقول الله تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾، تتمة الآية: ﴿أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ \".\nهذه الآية من سورة الزمر، السورة العظيمة التي قرّر الله فيها التّوحيد، وأبطل فيها أنواع الشرك، فالسورة من أولها إلى آخرها تعالج قضية العقيدة، وتعالج قضية أنواع الشرك التي كان المشركون يزاولونها، فأبطلتها هذه السورة ونقضتها، ومن ذلك هذه الآية الكريمة.\n\" ﴿قُلْ﴾ \" يا محمد، الخطاب للنبي ﷺ، أي قل لهؤلاء المشركين: \" ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ \" من الأصنام والأحجار والأشجار والقبور والأضرحة والأولياء والصالحين، وكل ما يُعبد من دون الله. فالسؤال موجّه إلى كل مشرك على وجه الأرض إلى أن تقوم الساعة، هل يستطيع الإجابة عنه؟، لا.\n\" ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ﴾ \" أي: أخبروني \" ﴿مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ \" \" ﴿مَا﴾ \" عامة لكل ما يُدعى من دون الله، لا يُستثنى منها شيء، سواء كان من البشر أو من الجماد أو غير ذلك.\n\" ﴿إِنْ أَرَادَنِيَ اللهُ بِضُرٍّ﴾ \" يعني: بضرر، أو بفقر، أو بموت، أو أرادني بضياع مال، أو إصابة في قريب، أو غير ذلك مما يضرّني في بدني أو في مالي أو في أهلي.\n\" ﴿هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ \" هل هذه المعبودات التي تعبدونها تستطيع أن تكشف الضر عمّن دعاها؟، وهذا مثل ما سبق في قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا (٥٦)﴾، \" ﴿هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ \"؟، سؤال استنكار ونفي، أي. لا تكشف الضر عمن دعاها. ولذلك المشركون يمرضون، ويُقتلون، ويُصابون، وتذهب أموالهم، ولا تستطيع معبوداتهم أن تدفع عنهم شيئًا نزل من الله ﷾.\n\" ﴿أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ﴾ \" من صحة وغنىً وغير ذلك من أنواع الرحمة، هل أحد","vol":"1","page":136},{"text":"من الخلق يستطيع أن يمنع نزول الرحمة على أحد من عباد الله؟، فظهر بذلك عجز آلهة المشركين.\nوالنبي ﷺ قال لهم هذا وتلا عليهم القرآن، وسألهم هذا السؤال، وأعلنه على رؤوس الأشهاد، ولم يُجيبوه، ولن يجيبوه إلى أن تقوم الساعة.\nهذه من جملة الأسئلة التي وجهها الله في القرآن إلى المشركين ولم يجيبوا عنها. فدلّ على بطلان الشرك.\n\" ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللهُ﴾ \" أي: هو كافيني، لأن الحَسْب معناه: الكافي، فهذا فيه تفويض الأمور إلى الله ﷾، وتعليق القلوب بالله ﷾ دون ما سواه، لما أبطل الشوك في أول الآية قرّر التّوحيد بقوله: ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللهُ﴾ أي: هو كافيني ولن يستطيع أحد أن يضرني من دون الله أو ينفعني من دون الله، ولهذا يقول هود -﵊- لقومه: ﴿قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ* مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ (٥٥)﴾ ثم قال ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)﴾ .\n\" ﴿عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ \" ولا يتوكلون على الحلْقة والخيط والصنم والقبر والولي أو غير ذلك، بل الذي يُتوكّل عليه هو الله ﷾، لأنه بيده مقادير الأشياء.\nوفي الحديث أن النبي ﷺ قال لعبد الله بن عباس: \"واعلم أن الخلق لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلاَّ بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلاَّ بشيء قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلام وجَفَّت الصحف\".\nفالأمور كلها مرجعها إلى الله ﷾، فهو الذي يستحق أن يُعبد، وأن يُتوكّل عليه، وأن يُدعى، ويُرجى، ويُخاف ﷾، وما عداه فإنه خلق من خلق الله، مسخّر بيد الله ﷾، إن شاء سلّطه عليك وإن شاء منعه عنك، ما في الأرض من الأشرار من بني آدم ومن الشياطين ومن الجن ومن الإنس ومن الحيّات والسباع ومن سائر الأشياء الضارة، كلها بيد الله ﷾، إن شاء سلّطها عليك وإن شاء أمسكها عنك، فلا تخف من غير الله ﷿، وكذلك الخير بيد الله ﷾: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ","vol":"1","page":137},{"text":"عن عمران بن حُصين ﵁، أن النبي ﷺ رأى رجلًا في يده حلْقة من صُفْر، فقال: \"ما هذا؟ \".\nــ\nقَدِيرٌ﴾، بيده الخير فلا يملك أحد من الخلق أن يُعطيك شيئًا من الخير إلاَّ إذا أراده الله ﷾ لك، ويكون هذا الشيء سبب فقط أجرى الله على يده الخير لك، أو سبب أجرى الله على يده الضرر عليك فهي، مجرّد أسباب، وإلا فما من شك أن النار تُحرق، وأن السَّبُع يفترس، وأن العدو يَفْتِك بعدوه، ولا شك أن الله خلق أشياء فيها ضرر، ولكن هذه الأشياء جنود من جنود الله ﷾، نواصيها بيد الله: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾، فإذا أراد الله سلّط عليك هذه الجنود، وإذا أراد الله حبس عنك هذه الجنود، إذًا فلا تعلق قلبك إلاَّ بالله ﷿، ولا تتوكل إلاَّ عليه، ولا تُفوِّض أمورك إلاَّ عليه ﷾، ولا يمنع هذا من أن تتخذ الأسباب- الجالبة للخير والأسباب الواقية من الشر، ولكن الاعتماد على الله ﷾.\nقوله: \"عمران بن حُصين\" بن عُبيد الخزاعي، هو وأبوه صحابيّان ﵄، ومن أفاضل الصحابة.\n\"أن النبي ﷺ رأى رجلًا\" الرجل مُبْهَم، ولكن جاءت الرّوايات أنه هو نفس عمران بن حُصين، دخل على النبي ﷺ.\n\"وفي يده حلقة\" الحلْقة هي: الشيء المستدير الذي يُدار على العضد، أو على الذِّراع، أو على الأصبع. فالشيء المستدير يسمى حلْقة، ومنه تحلّق القوم إذا استداروا في الجلوس.\n\"من صُفر\" الصفر نوع من المعدن معروف.\n\"فقال النبي ﷺ: \"ما هذا؟ \" \" الظاهر أنه سؤال إنكار، وقيل: إنه سؤال استفهام، فالنبي ﷺ سأله عن قصده في هذه الحلقة.\nففيه دليل على وجوب إنكار المنكر، وفيه دليل على أن الإنسان لا ينكر شيئًا حتى يعرف مقصود صاحبه إذا كان الشيء محتمِلًا، فإن كان مقصود صاحبه شرًّا فإنه ينكره.","vol":"1","page":138},{"text":"قال: من الواهِنَة. فقال: \"انزعها، فإنها لا تزيدك إلاَّ وهنًا، فإنك لو متّ وهي عليك ما أفلحت أبدًا\"، رواه أحمد بسند لا بأس به.\nــ\n\"قال: من الواهنة\" يعني: لبستها من أجل دفع الواهنة، لتقيني منها، والواهنة مرض يصيب اليد، يُسَمَّى عند العرب بالواهنة، وكان من عادتهم لبس الحلْقة من أجل توقِّي هذا الوجع، يزعمون أن هذه الحلْقة تدفع هذا الوجع.\n\"فقال النبي ﷺ: \"انزعها\" النزع معناه: الرفع بشدّة، أي: ارفعها مسرعًا بنزعها ونشيطًا في رفعها لا تتوانى، في تركها على جسمك، لأنها مظهر شرك- والعياذ بالله-.\nففيه المبادرة بإزالة مظاهر الشرك، وأن الإنسان لا يتوانى في تركه.\nثم علّل ﷺ ما في بقائها عليه من الضرر، قال: \"فإنها لا تزيدك إلاَّ وهنًا\" إلا ضعفًا، فالوهن معناها: الضعف والمرض.\nفهذا فيه دليل على أن لبس هذه الأشياء فمن الحلْقة ونحوها بقصد دفع الضرر أنه يسبّب عكس المقصود، فإنه لبسها من أجل توقِّي المرض، والنبي ﷺ أخبر أنها تجلب المرض، وذلك ظاهر في الذين يتعاطون هذه الأشياء؛ تجدهم دائمًا في قَلَق وفي خوف، لكن الذي يتوكل على الله لا يهمّه شيء فتجده نشيطًا، قويّ العزيمة، مرتاح الضمير، منشرح الصدر، وتجد الذي يخاف من غير الله ويستعمل هذه، الرباطات ضعيف الجسم، منهك القوى، مهمومًا حزينًا، يتخوّف من كل شيء.\n\"فإنك لو متّ وهي عليك ما أفلحت أبدًا\" أي: لو مات ولم يتب منها ما أفلح أبدًا.\nفهذا فيه دليل على أن الشرك لا يُغفر حتى ولو كان شركًا أصغر، يُعذّب به، وإن كان لا يعذّب تعذيب المشرك الشرك الأكبر؛ فلا يخلّد في النار، لكن يعذّب بها بقدره.\nقال الشيخ ﵀ في مسائله: \"فيه شاهد لكلام الصحابة: أن الشرك الأصغر أكبر من الكبائر\"، فالشرك الأصغر أكبر من الكبائر، لأن المعاصي وإن كانت كبائر إذا لم تكن شركًا، فلا تخل بالعقيدة وأما الشرك الأصغر فإنه يخلّ بالعقيدة، وأيضًا لا يُغفر على الصحيح، والمعاصي الكبائر التي دونه مظِنّة المغفرة: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ .","vol":"1","page":139},{"text":"والشاهد من هذا الحديث ظاهر: لأن النبي ﷺ استنكر لبس الحلْقة التي يُقصد منها دفع الضرر، وأخبر أنها لا تزيد صاحبها إلاَّ مرضًا، وأنه لو مات وهي عليه ما أفلح أبدًا، وهذا فيه دليل على منع لبس الحلْقة ونحوها من أجل دفع الضرر، أو من أجل دفع العين، أو غير ذلك من المقاصد السيّئة.\nومثله: ربط الخيط على الساق، فبعض الناس يربطون خيوطًا على سيقانهم، أو على أذرعهم، أو على أصابعهم، ويقولون: إن هذا يمنع من المرض، وهذا هو نفسه فعل الجاهلية، وهو مثل الذي استنكره النبي ﷺ في هذا الحديث.\nقال: \"رواه أحمد\" الإمام أحمد بن حنبل الشيباني، الإمام الجليل، أحد الأئمة الأربعة، شيخ المحدّثين ﵀، وهو الإمام الذي امتُحن وصبر، امتُحن في العقيدة على يد المأمون والمعتصم والواثق من خلفاء بني العباس، لأن المأمون تأثّر بالمعتزلة، وأدخلوا عليه أشياء مستنكرة، منها: القول بخلق القرآن- والعياذ بالله-، ومنها: تعريب الكتب الرُّومية وكتب الأمم الكافرة، التي لما عُرِّبت دخل على عقائد المسلمين منها الشر الكثير، وهذا كله بسبب المعتزلة، لأنهم غرّروا بهذا الخليفة.\nففي هذا خطر الفِرق الضالة، وخطر مصاحبتها والقُرب منها، ولهذا كان السلف يُحذِّرون من مصاحبة المبتدعة ومن مجالستهم، لأنهم يُؤثِّرون على من صاحبهم. وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ .\nفهؤلاء لما صاحبوا هذا الخليفة استمالوه معهم، فصار ضد أهل السنّة، ووقف الإمام أحمد في وجهه، وأبى أن يقول بخلق القرآن، حتى ضُرب وسُجن وعُذّب، ولكنه صبر ﵀ وصابر، وتعاقب عليه ثلاثة خلفاء، كلهم ضدّه: المأمون، والمعتصم، والواثق، ولكنه صبر ووقف بحزم وثبات، ولم يَخْضع لهم، وصبر على الضرب وعلى الحبس، وعلى الإهانة حتى نصره الله ﷿، وجاء المتوكِّل ورفع عنه المحنة، وناصره، وصارت العاقبة للمتقين- والحمد لله-، وأخزى الله المعتزلة ومن تابعهم.\nفهذا الإمام يجب أن نعرف موقفه من أجل أن نقتدي به، وأن نعرف- أيضًا-","vol":"1","page":140},{"text":"وله عن عُقبة بن عامر مرفوعًا: \"من تَعَلّق تَمِيمَة؛ فلا أتم الله له، ومن تَعَلَّق وَدَعَة؛ فلا وَدَعَ الله له\".\nــ\nموقفنا من الفِرق الضالة والفِرق المخالفة لأهل السنة والجماعة حتى لا نتساهل معها، ونعمل عمليّة تجميع، ونقول: نحن نجمِّع ولا نفرّق كما تقوله بعض الجماعات!. بل يجب أن نفرّق بين أهل الحق وأهل الباطل، نحن مع أهل الحق وإن قَلُّوا، ولسنا مع أهل الباطل وإن كثروا، هذا هو الموقف الصحيح. فالإمام أحمد وحده وقف في وجه أمة، ونصره الله عليهم، ولا بد أن الإنسان يناله أذى في مقابل موقفه وصبره وثباته، لكن ما دام على الحق لا يهمه ذلك، وهذا في موازينه وفي حسناته عند الله ﷾.\nفهذا الحديث: \"رواه أحمد\" في مسنده \"بسند لا بأس به\"، ورواه الحاكم في مستدركه، وقال: \"صحيح الإسناد\"، ووافقه الإمام الذهبي ﵀.\nقال: \"وله\" أي: للإمام أحمد ﵀ \"من تعلق تميمة فلا أتم الله له\" إلخ.\nقوله: \"من تَعَلَّق\" أي: من علّق هذا الشيء على جسمه، أو علّق قلبه به، واعتقد فيه أنه ينفعه أو يضره من دون الله ﷿.\n\"تميمية\" التَمِيمَة: خرزات تعلّق على الأولاد يتّقون بها العين، وكذلك ما شابهها من كل ما يُعلّق من الخرزات وغيرها من الحُرُوز والحُجُب، فهذا ليس بخاص بالخرز، وإنما هذا التفسير لبيان نوع من أنواع المعلّقات، ومنهم من يعلّق النعل على الباب، ويجعل وجه النعل مقابلًا للشخص الآتي، أو على السيارة، ويظنون أن هذه الأشياء تدفع عنهم شر الحسد، وكل هذا من أمور الجاهلية.\nوقوله: \"فلا أتم الله له\" هذا دعاء من النبي ﷺ بأن الله لا يتمّ له أموره، ويعكس مقصوده عليه؛ والرسول ﷺ مجاب الدعوة، فهذه الدعوة تتناول كل من علّق على نفسه أو على غيره شيئًا من الحُجُب والحُرُوز والتمائم يريد بها كفّ الشر عنه إلى يوم القيامة، إلاَّ أن يتوب إلى الله ﷿، فمن تاب تاب الله عليه، ومن لم يتب \"فلا أتمّ الله له\" يعني: لا أتم الله له أمره ومقصوده، بل أصابه بعكس ما يريد من الضرر والشر والخوف والقلق، ولهذا تجدون من يعلِّقون هذه الأشياء من أكثر الناس","vol":"1","page":141},{"text":"وفي رواية: \"من تَعَلَّق تَمِيمَة؛ فقد أشرك\".\nــ\nخوفًا وهمًّا وحزنًا وضعفًا وخورًا، بعكس الموحّدين المعتمدين على الله، فتجدونهم أقوى الناس عزيمة وأقوى الناس عملًا، وتجدونهم لأن أيضًا- في أمن واستقرار وانشراح الصدور، لأنهم يؤمنون بالله ﷿ وحده، ويعلّقون آمالهم بالله ﷿، والله يكفيهم ﷾: ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ ويقول سبحانه: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ .\nوقوله: \"ومن تعلق وَدْعَة؛ فلا وَدَع الله له\" الوَدْع: شيء يُستخرج من البحر، يشبه الصّدف، يعلقونه على صدورهم أو على أعناقهم أو على دوابهم يتقون به العين.\n\"فلا وَدَعَ الله له\" أي: لا تركه في دَعَة وسُكُون وراحة، بل سلّط عليه الهموم والأحزان والوساوس والأعداء حتى يُصبح في قلق وهمّ وغمّ دائم، وهذا دعاء من الرسول ﷺ بأن يسلب الله راحته واستقراره وأمنه، ويصبح في خوف وهمّ وقلق دائم، يخاف من كل شيء، إلى أن يتوب إلى الله ﷾، وهذا ظاهر في كل من يتعاطون هذه الأشياء، تجدونهم من أشد الناس قلقًا وهمًّا وخوفًا وتوقُّعًا للمكروه في كل لحظة ومن كل شخص.\nقال: \"وفي رواية\" يعني: للإمام أحمد ﵀.\n\"من تعلّق تَمِيمَة؛ فقد أشرك\" هذه فيها زيادة على دعاء الرسول ﷺ عليه بأنه قد أشرك، فهذا تصيبه مصيبتان: مصيبة دعوة الرسول ﷺ عليه، والمصيبة الثانية في عقيدته، وهي أنه قد أشرك بالله ﷿ باتخاذ هذا الشيء، وهذا هو الشاهد من الحديث للباب، لان الباب: \"باب من الشرك تعليق الحلْقة والخيط ونحوهما\".\nفإن قلت: ما نوع هذا الشرك؟، هل هو الشرك الأكبر، نقول: فيه تفصيل إن كان يرى أنها تقيه من دون الله فهذا شرك أكبر. وإن كان يعتقد أنها سبب فقط والواقي هو الله ﷾ فهذا شرك أصغر لأن الله لم يجعل هذه الأشياء سببًا.","vol":"1","page":142},{"text":"ولابن أبي حاتم عن حذيفة: أنه رأى رجلًا في يده خيط من الحُمّى، فقطعه، وتلا قوله: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ .\nــ\nقوله: \"ولابن أبي حاتم عن حذيفة: أنه رأى رجلاُ في يدّه خيط من الحُمّى\" يعني: اتخذه أن يقيه من الحُمّى، والحُمّى: ارتفاع الحرارة في الجسم. فالرجل ربط الخيط من أجل أن يتقي الحُمّى، فحذيفة بن اليمان ﵁ قطع هذا الخيط من هذا الرجل، فهذا فيه إزالة المنكر، كما أن النبي ﷺ لما رأى الحلْقة قال: \"انزعها\".\nقوله: \"وتلا قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ \"، ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ﴾ أكثر الناس \" ﴿وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ \" قيل معناه أنهم لا يؤمنون بالربوبية إلاَّ وهم مشركون في الألوهية، لأن المشركين كلهم يقرُّون بالربوبية، ولكنهم يشركون في الألوهية، إما الشرك الأكبر وإما الشرك الأصغر، وربط الخيط حسب ما فصّلنا من أنه إذا كان يرى أن النفع والضرر بيد الله، وإنما الخيط سبب؛ فهذا شرك أصغر، لأن الله لم يجعل ربط الخيط سببًا من الأسباب الواقية. أما إذا كان يعتمد على هذا الخيط من دون الله في دفع الضرر؛ فهذا شرك أكبر.\nفدلّ على أن الشرك قد يقع ويكثر وقوعه حتى من أهل الإيمان، إن كان المراد الشرك الأصغر، فالشرك الأصغر قد يصدر من المؤمن، كما قد يصدر منه النفاق لا العملي، ويصدر منه الرياء. أما إذا كان القصد الاعتماد عليه فإنه يكون من الشرك الأكبر المنافي للإيمان، فالشرك الأصغر ينقّص الإيمان، وينقّص التّوحيد، أما الشرك الأكبر فإنه ينافي الإيمان وينافي التّوحيد.\nقال الشيخ ﵀ في مسائله فيه: \"أن الصحابة يستدلُّون بالآيات التي في الشرك الأكبر على الأصغر\"، لأن حذيفة بن اليمان استدل بالآية النازلة في الشرّك الأكبر على الشرك الأصغر، هذا إذا فُسِّرت الآية بأن المراد بها أهل الجاهلية، لأن أهل الجاهلية يقرّون بتوحيد الربوبية ويشركون في توحيد الألوهية، ولكن إقرارهم بتوحيد الربوبية لا يدخلهم في الإسلام، فيكون حذيفة ﵁ استدل بالآية النازلة على الشرك الأكبر على الشرك الأصغر، لأنها تتناوله بعمومها، مثل ما استدل ابن عباس بقوله: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ قال: \"هو قول الرجل: ما شاء الله وشئت، لولا الله وأنت، لولا كُليبة هذا لأتانا اللصوص وما أشبه ذلك\"، فسّرها بالشرك","vol":"1","page":143},{"text":"الأصغر، لأن الآية شاملة للشرك الأكبر والشرك الأصغر، فهو استدل بها على بعض ما دلّت عليه، كذلك حذيفة استدل بهذه الآية على بعض ما دلت عليه، لأنها تشمل الشرك الأكبر والشرك الأصغر، وبعض المسلمين يؤمنون بالله في توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، ولكن يصدر منهم بعض الشرك الأصغر الذي لا ينافي الإيمان، فدلّ على الحذر من الشرك، وأنه إذا كان هذا يحصل من بعض المؤمنين، فإن الإنسان لا يأمنه على نفسه، ويستعيذ بالله من الشرك الأكبر والأصغر ويقول: \"اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئًا وأنا أعلم، وأستغفرك من الذنب الذي لا أعلم\"، وفي الدعاء المشهور: \"أعوذ بك من الشك والشرك والكفر والنفاق وسوء الأخلاق\"، فالمسلم يخاف على نفسه، ويدعو الله ﷿ بالعافية من هذه الأمور، ولا يزكي نفسه، ولا يأمن على نفسه.","vol":"1","page":144},{"text":"[الباب الثامن:] *باب ما جاء في الرقى والتمائم\nفي الصحيح عن أبي بشير الأنصاري ﵁ أنه كان مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره، فأرسل رسولًا: \"أن لا يُبقين في رقبة بعير قلادة من وَتَر، أو قلادة إلاَّ قُطِعت\".\nــ\nقال الشيخ ﵀: \"باب ما جاء في الرّقى والتمائم\" أي: ما جاء عن الرسول ﷺ وعن الصحابة والتابعين من الأحاديث والآثار في النهي عن الرُّقى والتّمائم.\nهذا الباب مناسبته لما قبله: وهو: \"بابٌ من الشرك لبس الحلْقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه\"؛ أن هذا الباب مكمِّلٌ للباب الذي قبله، لأنه ذكر أنواعًا أخرى مكمِّلة لما ذُكر في الباب الذي قبله، ولكن الباب الذي قبله صرّح الشيخ في ترجمته بأن لبس الحلْقة والخيط من الشرك، وأما هنا فلم يصرّح، بل قال: \"ما جاء في الرُّقى والتمائم\"، وهذا من دقّة فقهه ومعرفته ﵀، فإنه إذا كان الحُكم واضحًا منصوصًا عليه في الحديث ذكره في الترجمة، وإذا كان الحكم فيه تفصيل، أو فيه احتمال؛ فإنه لا يجزم في الترجمة، وإنما يورد الأدلة في الباب ويُؤخذ منها الحكم مفصّلًا. فهذا من دقّة فقهه ﵀، وشدّة تورّعه عن إطلاق الأحكام، مما يُرَبِّي في طلبة العلم هذه الخَصْلَة الطيّبة، وهي أنهم يتورّعون في إطلاق الأحكام ويتثبتون فيها، لأن الأمر خطير جدًّا.\nقوله: \"عن أبي بشير الأنصاري ﵁\" هكذا كان مشهورًا بكُنْيته، ولم يُعرف له اسم -كما قال ابن عبد البر.\n\"أنه كان مع النبي ﷺ في بعض أسفاره\" لم يعين هذا السفر، قال الحافظ: لم أقف على تعيينه\".\n\"فأرسل رسولًا\" أي: مندوبًا.\n\"أن لا يبقيّن في رقبة بعير قلادة\" \" يبقيّن\" مؤكّد بنون التأكيد الثقيلة، وقلادة فاعل. كانوا في الجاهلية يعلّقون القلائد على رقاب الإبل، يعتقدون أن ذلك يدفع","vol":"1","page":145},{"text":"عنها العين والضرر، والنبي ﷺ أراد أن يزيل هذه العادة الجاهلية، ويقرر التّوحيد. والقلادة ما أحاط بالعنق.\nوالـ \"وَتَر\" -بفتح الواو- المراد به: وَتَر القوس، والقوس آلة كانوا يرمون بها السهام. وكانوا في الجاهلية إذا اخْلَقَّ الوَتَر أخذوه وعلّقوه على رقاب الدواب، وأبدلوه بوَتَر جديد، يعتقدون أن هذا الوَتَر القديم الذي استعمل ورُمي به أنه يدفع العين عن الإبل.\nوقوله: \"أو قلادة\" هذا شك من الراوي، هل الرسول ﷺ قال: قلادة من وَتَر، أو قال: قلادة مطلقة، سواء كانت من وَتَر أو من غيره؟. وهذا من دقتهم ﵃ في الرواية.\nوعلى كل حال؛ فيه دليل على منع هذا الشيء من أي نوع كان، سواء كان من وَتَر أو من غيره، ما دام أن المقصود منه عقيدة فاسدة، حتى ولو كان من السُّيور، أو من الخيوط، أو من الخرز، أو من غير ذلك، كل قلادة يُقصد بها هذا المقصد الشركي فهي ممنوعة.\nأما القلائد التي لا يُقصد منها مقصد شركي، مثل قلاد الهَدْي الذي يُهدى للبيت العتيق؛ فلا حرج فيها.\n\"إلاّ قُطِعت\" هذا فيه إزالة المنكر، ولاسيّما إذا كان هذا المنكر في العقيدة، فإن إزالته متأكِّدة.\nوفيه: أن الحاكم أو الإمام يرسل نوّابًا عنه في إزالة المنكر، وليس من شرط ذلك أن يباشره بنفسه.\nالشاهد من الحديث: تحريم عقد القلائد على الدواب، أو على الآدميين بقصد أن ذلك يدفع العين لأنه لا يدفع الضرر ولا يدفعه إلاَّ الله ﷾، وليست القلائد هي التي تدفع الضرر، أو تجلب النفع، وليست سببًا في ذلك وإنما هذا بيد الله ﷾: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٠٧)﴾، ﴿مَا يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢)﴾، ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا","vol":"1","page":146},{"text":"وعن ابن مسعود ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن الرُّقى والتّمائم والتِّوَلَة شرك\" رواه أحمد وأبو داود.\nــ\nتَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ .\nقال: \"وعن ابن مسعود\" هو: عبد الله بن مسعود بن غافل الهُذلي الصحابي الجليل، من أئمة العلم المعروفين في الصحابة، ومن أشهر القرّاء لكتاب الله ﷿، وهو الذي أُعجب النبي ﷺ بقراءته، وقال: \"من أراد أن يسمع القرآن غضًّا طريًّا كما أنزل؛ فليسمع إلى قراءة ابن أم عبد\"، وقد أمره النبي ﷺ أن يقرأ عليه، فقال: يا رسول الله كيف أقرأ عليك وعليك أُنزل؟، قال ﷺ: \"إني أحب أن أسمعه من غيري\"، قال عبد الله: فقرأت عليه من أول سورة النساء حتى بلغت قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾ قال النبي ﷺ: \"حسبك\"، قال: فالتفت إليه ﷺ فإذا عيناه تذرفان.\nوالشاهد من هذا: فضيلة عبد الله بن مسعود ﵁.\nوكان من أَوْعِيَة العلم، وكان له رواية عن النبي ﷺ كثيرة، وكان مُفتيًا من مشاهير المُفتين من الصحابة، وكان يقال له: صاحب السِّواد، لأنه كان يحمل نعليّ الرسول ﷺ.\nوفضائله كثيرة ﵁، وكان من السابقين الأولين.\nوفي بعض الأسفار: أنه صعد شجرة وكان نحيلًا، فنظر الصحابة إلى ساقيه دقيقتين؛ فضحكوا، فقال الرسول ﷺ: \"تضحكون من دقّة ساقيه؟!، لهما في الميزان أثقل من جبل أحد\".\nسبب ذكر عبد الله بن مسعود لهذا الحديث: أنه رأى على امرأته زينب ﵂ خيطًا في عنقها، وقال: لأنتم يا آل عبد الله أغنياء عن الشرك، قالت: إن عيني كانت تَطْرف، فأذهب إلى فلان اليهودي فيرقاها فتكف، قال ﵁: إنما ذلك شيطان يَنْخَسُها بكفه، فإذا رُقي كفّ، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن الرُّقى والتّمائم والتوَلَة شرك\".","vol":"1","page":147},{"text":"وعن عبد الله بن عُكيم مرفوعًا: \"من تعلّق شيئًا؛ وُكِل إليه\".\nــ\nفهو لما قطع هذا الخيط، وأنكر على زوجته هذا الفعل؛ ذكر الدليل من سنة رسول الله ﷺ: \" إن الرُّقى والتّمائم والتِّوَلَة شرك\" وسيأتي تفسير هذه الثلاثة.\nقال: \"وعن عبد الله بن عُكيم مرفوعًا\" عبد الله بن عُكيم أدرك النبي ﷺ، لكنه لم يثبت له سماع من النبي ﷺ؛ فيكون تحديثه عن الرسول من باب المرسل، لأنه لم يسمع من النبي ﷺ، ولهذا قال الشيخ: \"مرفوعًا\".\n\"من تعلّق شيئًا وُكِل إليه\" \"من تعلّق شيئًا\" سواءً قلادة، أو تَمِيمَة، أو حِرْزًا من الحُرُوز، أو خيطًا، أو حلقة، يعني: علّق قلبه بشيء أيّ شيء، يظن أنه ينفع ويضر، \"وُكِل إليه\" وَكَلَه الله إلى ما تعلق به. وهذه عقوبة من الله ﷾، وإهانة له من الله ﷾، لأن الله إذا تخلّى عنه وَوَكَلَه إلى غيره هلك. أما من توكّل على الله ﷿ وحده فإن الله ﷾ يتولى أمره. أما من اعتقد بغيره فإنه يَكِلُه إليه ويتخلّى عنه، يَكِلُه إلى حلْقة من صُفْر، أو خيط، أو إلى تَمِيمَة، أو إلى وليّ من الأولياء، أو قبر من القبور، أو ضريح من الأضرحة، يَكِلُه إلى من اعتقد فيه.\nفهذا فيه خطر عظيم، وفيه حث على أن يعلِّق الإنسان قلبه بالله ﷿، وأن يعتقد أنه لا ينفع إلاَّ الله، ولا يضر إلاَّ الله، ولا يشفي إلاَّ الله، ولا يرزق إلاَّ الله، ولا يُعطي ولا يمنع إلاَّ الله، يتوكّل على الله، مع أخذه بالأسباب المباحة التي جعلها الله أسبابًا كالدواء المباح، وغير ذلك من الأسباب المباحة، لكن القلب يتعلق بالله.\nفقوله: \"من تعلّق شيئًا وُكِل إليه\" قاعدة عامة، تعمّ كل شيء يعلّق الإنسان قلبه به من دون الله ﷿؟ من بشر، أو حجر، أو شجر، أو قبر، أو حلْقة، أو خيط، أو تَمِيمَة، أو غير ذلك، أو جن، أو إنس.\nففي هذا وجوب التوكّل على الله، والنهي عن الاعتماد على غير الله في جلب خير أو دفع ضُر، والقرآن يقرّر هذا في آيات كثيرة.","vol":"1","page":148},{"text":"\"التّمائم\": شيء يعلّقونه على الأولاد يتقون به العين.\nلكن إذا كان المعلّق من القرآن؛ فرخّص فيه بعض السلف، وبعضهم لم يرخّص فيه، ويجعله من المنهي عنه، منهم ابن مسعود ﵁.\nــ\nثم إن الشيخ محمد ﵀ شرح هذه الألفاظ، فقال: \"التّمائم شيء يعلِّقونه على الأولاد يتّقون به العين\" ثم قال مفصِّلًا الحكم في هذا: \"لكن إذا كان هذا المعلَّق من القرآن؛ فقد رخّص فيه بعض السلف\" يعني: إذا كانت التَمِيمَة مكتوبة من القرآن؛ فقد رخّص فيها بعض السّلف، مثل: عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁، وعائشة، لأنها من القرآن، والتشافي بالقرآن ليس فيه محذور شركي، فهو كلام الله ﷾.\n\"وبعضهم\" أي: بعض الصحابة، \"لم يرخِّص فيه \" حتى لو كان من القرآن، منهم: عبد الله بن مسعود- راوي الحديث-، وسيأتي الأثر عن إبراهيم أنه قال: \"كانوا يكرهون التّمائم من القرآن ومن غير القرآن\"، وإبراهيم النخعي تلميذ لابن مسعود.\nهذا اختلاف السلف في تعليق التّمائم من القرآن، فقد اختلفوا في هذا على قولين: منهم من أجاز، نظرًا لأن هذا من القرآن، وهو كلام الله ﷾، والتداوي بكتاب الله والاستشفاء بكتاب الله مشروع، ومنهم من منع هذا ولم يرخِّص فيه لعموم النهي عن التمائم.\nوبناءً على ذلك اختلف الفقهاء من بعد الصحابة في هذه المسألة على قولين:\nمنهم من أجاز؛ أخذًا برأي من أجاز من الصحابة، ومنهم من منع.\nوالصحيح: الرأي الثاني وهو المنع، والشيخ عبد الرحمن بن حسن وقبله الشيخ سليمان بن عبد الله رجَّحا منعه، وذلك لثلاثة أمور:\nالأمر الأول: عموم النهي، ولم يَرِد دليل يخصّص ذلك.\nالأمر الثاني: سدّ الوسيلة المُفضية إلى الشرك، لأننا إذا أجزنا تعليق القرآن انفتح الباب لتعليق غيره.\nالأمر الثالث: أن تعليق القرآن يعرِّضه للامتهان، لأنه يعلّق على الصبيان، والصبيان لا يتجنّبون النجاسة أو الدخول في مواضع القاذورات، وكذلك الجُهّال لا يحترمون القرآن كما ينبغي، ولا يتنّبهون لذلك، وما كان سببًا لتعريض القرآن للامتهان فهو محرّم.","vol":"1","page":149},{"text":"و\"الرُّقى\": هي التي تُسَمَّى العزائم، وخص منها الدليل ما خلا من الشرك، فقد رخّص فيه رسول الله ﷺ من العين والحُمَة.\nــ\nوالذين أجازوا- وهم أصحاب الرأي الأول- اشترطوا ثلاثة شروط:\nالشرط الأول: أن تكون التَمِيمَة من القرآن.\nالشرط الثاني: أن تكون مكتوبة باللفظ العربي، فلا تُكتب بلفظ أعجمي أو بخط لا يُقرأ.\nالشرط الثالث: أن يعتقد أن الشفاء من الله لا من هذه التَمِيمَة، وإنما هذه التَمِيمَة سبب فقط.\nقال الشيخ: \"والرُّقى: هي التي تُسمى العزائم\" الرُّقى: جمع رقية، والرُّقْيَة: القراءة على المريض. ويسميها العوام العزيمة.\nقال الشيخ: \"وخصّ منها الدليل ما خلا من الشرك\" أي: استثناه من التحريم فهناك أدلة تفصِّل بأنه إن كانت الرُّقْية من القرآن أو من الأدعية المباحة فإنها ليست بشرك، بدليل أن النبي ﷺ رخّص في الرُّقْية من العين ومن الحُمَة كما جاء في حديث بُريدة بن الحُصين الذي سبق في \"باب من حقق التّوحيد\"، وكذلك النبي ﷺ رَقى المرضى، ورُقي ﷺ؛ رَقاه جبريل، وكذلك لما جاءوا إلى النبي ﷺ يسألونه قالوا: كنا في الجاهلية لنا رُقى نرقي بها وأدوية نتداوى بها، قال ﷺ: \"اعرضوا علي رُقَاكُم، لا بأس بها ما لم تكن شركًا\".\nوقوله: \"فقد رخص فيه رسول الله ﷺ من العين والحمة\" الرُخصة عند الأصوليين: ما ثبت على خلاف دليل شرعي لمعارض راجح، لأن الأحكام على قسمين: رُخصة، وعزيمة. فالشيء المستثنى من الممنوع بدليل يسمى: رُخصة، مثل: الأكل من الميتة، وقصر الصلاة للمسافر، هذا يسمى رخصة، كذلك الإفطار في نهار رمضان، كل هذه رُخص، رخّص فيها الشارع من أشياء كانت في الأصل ممنوعة، وذلك من أجل الرّحمة بالخلق، وكذلك الرقية في القرآن استثنيت من الرقى الممنوعة بقوله ﷺ: \"إن الرقى والتمائم والتولة شرك\"، فهي رخصة.","vol":"1","page":150},{"text":"و\"التِّوَلَة\": هي شيء يصنعونه، يزعمون أنه يحبِّب المرأة إلى زوجها، والرجل إلى امرأته.\nوروى أحمد عن رُوَيْفع قال: قال لي رسول الله ﷺ: \" يارُوَيْفِع، لعل الحياة ستطول بك؛ فأخبر الناس: أن من عقد لحيته، أو تقلّد وَتَرًا، أو استنجى برجيع دابة أو عظم؛ فإن محمدًا بريء منه\".\nــ\nقوله: \"والتِّوَلَة\" بكسر التاء وفتح الواو، \"شيء يصنعونه، يزعمون أنه يحبب المرأة إلى زوجها، والرجل إلى امرأته\" \"يزعمون\" أي: يكذبون، والزعم: الكذب، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا﴾، يعني: يكذبون في قولهم أنهم آمنوا.\n\" أنه يحبِّب المرأة إلى زوجها، والرجل إلى امرأته\" هذا يسمونه: الصّرف والعطف، وهو سحر، قال الله ﷾: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾، فهو سحر يفرِّق ويَجْمع، لأنه عمل شيطاني، يعمل أشياء تنفِّر الإنسان من الإنسان، أو الرجل من زوجته، أو الزوجة من زوجها، وهو من عمل الشياطين. فالسحرة لما تقرّبوا من الشياطين وخدموهم وأشركوا بالله، فالشياطين في مقابل ذلك ساعدتهم في هذه الأمور. وهذا كثير في الناس، خصوصًا إذا ضعف في الإيمان، وخصوصًا في البلاد التي لا يُعتنى فيها بأمر العقيدة، فإن السحر يُتخذ حِرْفَة ومهنة في بعض البلاد، ولكن من نعمة الله على هذه البلاد أن هذا الشيء لا يوجد فيها إلاَّ خُفية، لكنه يُطارد، وأهله- والحمد لله- أذِلاء.\nقوله: \"وروى أحمد عن رويفع\".\n\"رُوَيْفِع\" هو رُوَيْفِع بن ثابت الأنصاري- رضي الله تعالى عنه- تولّى إمارة بُرْقة في عهد الخلفاء في مصر، وتوفي هناك ﵁، وقد طال عمره.\nقال: \"لعل الحياة ستطول بك\" هذا إخبار من النبي ﷺ أن رُوَيْفِعًا يعمّر، وقد عُمّر، ففيه: عَلَم من أعلام النبوة، وهو الإخبار عن شيء مستقبَل، ويقع كما أخبر به ﷺ، وهذا مما أطلعه الله تعالى عليه.\n\"فأخبر الناس\" هذا فيه دليل على تبليغ العلم، ونشر العقيدة، والدعوة إليها،","vol":"1","page":151},{"text":"وإنكار الشرك، وأن الإنسان محمّل هذه الأمانة، لا يتخلى عنها، ويترك الناس يقعون في الشرك وفساد العقيدة، وهو ساكت، ثم يقول: اتركوا الناس مجتمعين، لا تفرقوا بين الناس، حاربوا الشيوعية وحاربوا المذاهب الهدّامة، واتركوا الشرك وهل هناك أشد من الشرك؟، الشرك هو أكبر المذاهب الهدّامة، وهذا القول يدسّه علينا الأعداء إما من اليهود والماسونية أو غيرهم، ويأخذه بعض المغرورين من شبابنا على أنه صحيح، وهو يقصد منه هدم الإسلام، وهدم العقيدة، لأنه إذا تُرك الشرك فسدت العقيدة.\nقوله: \"أن من عقد لحيته\" عقد اللحية اختلف العلماء في تفسيره، منهم من قال: عقد اللحية عادة عند الفُرس، أنهم كانوا عند الحروب يعقدون لحاهم تكبّرًا وتجبّرًا، ونحن قد نهينا عن التشبّه بالكفّار.\nوالقول الثاني: المراد به عقد اللحية في الصلاة، لأن هذا من العبث في الصلاة، والحركة في الصلاة، وهذا مكروه في الصلاة، لأنه يدل على عدم الخشوع.\nالقول الثالث: أن المراد بعقد اللحية ما يفعله أهل الترف من تجعيد لحاهم وتحسينها وكدّها، حتى تتجعّد، يقصدون بها الجمال، فهذا يكون من الترف، نعم لا بأس أن اللحية تصلح وأنها تُنظّف، وأنها تُكرم لكن لا يصل هذا إلى حد الإسراف.\n\"أو تقلد وَتَرًا\" يعني: جعل الوَتَر قلادة عليه، أو على دابته، أو على ولده من أجل أن يتّقي به العين والضرر، كما كانت الجاهلية تفعل.\nوهذا محل الشاهد في الحديث، قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن ﵀: \"وإذا كان هذا فيمن تقلدوا وترًا، فكيف بمن تعلّق على الأموات يسألهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات؟؟؟!! \".\n\"أو استنجي\" الاستنجاء: إزالة أثر الخارج من السبيلين.\nلأن الواجب أن الإنسان إذا قضى حاجته أن ينقي المخرج إما بماء وإما باستجمار بالحجارة، فإن جمع بينهما فهذا أفضل.","vol":"1","page":152},{"text":"وعن سعيد بن جبير قال: \"من قطع تَمِيمَة من إنسان؛ كان كعدل رقبة\" رواه وكيع.\nــ\n\"برجيع دابة\" الرجيع زوث الدواب، \"أو عظم، فإن محمدًا ﷺ بريء منه\" وهذا وعيد شديد يدل على تحريم هذا الفعل، وهو الاستجمار بروث الدواب والعظام، لأن هاتين المادتين طعام الجن وطعام دوابهم فلا يلوثهما عليهم.\nقوله: \"عن سعيد بن جبير قال: من قطع تميمة من إنسان كان كعدل رقبة\" أي: كان كمن أعتق رقبة من الرِّق، والمناسبة أن اعتاق العبد فيه اعتاق من الرِّق، وقطع التَمِيمَة فيه إعتاق من الشرك، لأن الشرك رِقّ للشيطان بدل الرِّق للرحمن، ورحم الله الإمام ابن القيم حيث يقول:\nهربوا من الرِّق الذي خلقوا له ... فبُلُوا برق النفس والشيطان\nيعني: هم أرقاء لله، عبيد لله، لكن لما أشركوا به صاروا عبيدًا للشيطان، وعبيدًا للنفس والهوى، فالإنسان خلق لعبادة الله، فإذا تركها صار عبدًا للشيطان، فهو عبد ولابد.\nفالذي يزيل هذه الظاهرة الشركية عن مسلم يكون كمن أعتقه من الرِّق في الأجر والثواب.\nوسعيد بن جبير ﵀ اعتبر الشرك رقًّا، من أزاله فكأنما أعتق هذا العبد من هذا الرِّق الذّليل المهين، وجعله حُرًّا من عبادة المخلوق، عبدًا لله ﷾ لا يعبد غيره، فعبادة الله جل وعلا هي الحرية الصحيحة، ليست الحرية أن الإنسان يشرك ويكفر ويعتقد ما شاء، كما يقولون: الناس أحرار في اعتقادهم لا بل الناس خلقوا لعبادة الله، وعبادة الله ليست من باب الذل والمهانة، وإنما هو من الإكرام، ومن الرِّفعة، وهذا شرف، والله جل وعلا أكرم نبيه بالعبودية له، فقال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، فعبودية الله شرف، أما عبودية غيره فهي ذلّ ومهانة.\n\"رواه وكيع\" ووكيع هو: وكيع بن الجراح، الإمام الجليل، روى عنه الإمام أحمد وغيره.","vol":"1","page":153},{"text":"وله عن إبراهيم قال: \"كانوا يكرهون التّمائم كلها؛ من القرآن وغير القرآن\".\nــ\nقال: \"وعن إبراهيم\" أي: عن إبراهيم النخعي، أحد الأئمة من التابعين.\nوقوله: \"يكرهون التمائم كلها من القرآن وغير القرآن\" أي: كان كبار التابعين من أصحاب ابن مسعود لا يفصِّلون في التّمائم، بل كانوا يكرهونها عمومًا، كما سبق أن الراجح هو: تحريم تعليق التّمائم، ولو كانت من القرآن؛ من أجل الأمور الثلاثة التي ذكرناها هناك. وقوله: \"يكرهون\" أي يحرمون، لأن الكراهة عند السلف يريدون بها التحريم.\nفكلام إبراهيم هذا يؤيّد ترجيح المنع مطلقًا، ولأن هذا قول عبد الله بن مسعود، وتلاميذه من أئمة التابعين، أن التّمائم لا تفصيل فيها، حتى ولو كانت من القرآن، لا تُعلّق على الرِّقاب على شكل حُروز، أو على شكل رقاع، أو على شكل أكياس تعبّأ بالأوراق المكتوب فيها ويسمونها خطوطًا، أو عزائم، هذا لا يجوز وإن كان من القرآن، ولا تعلّق على السيارات أو الجدران لأن هذا وسيلة إلى الشرك، ولأنه لم يرد دليل على جوازه، ولأنه تعريض للقرآن للامتهان والابتذال- كما سبق-.\nوفي هذا دليل على بعد السلف عما يخدش العقيدة.","vol":"1","page":154},{"text":"[الباب التاسع:] باب من تبرّك بشجرة أو حَجْر ونحوهما\nــ\nهذا الباب مكمِّلٌ للأبواب التي قبله، لأن الأبواب التي قبله في لبس الحلْقة والخيط ونحوهما، أو تعليق الرُّقى والتّمائم، وهذا فيه النهي عن التبرّك بالأشجار والأحجار، فهذه الأبواب كلها مؤدّاها الاعتقاد بغير الله ﷾ أنه يضر أو ينفع، وهذا شرك، لأن الذي يقدر على دفع الضر وجلب النفع هو الله ﷾ وحده لا شريك له، هو القادر ﷾ على ذلك، لا يشاركه أحد، وإن كان هناك أشياء يترتّب على استعمالها أو أكلها أو شُربها ضرر، أو يترتّب عليه نفع؛ فهذه أسباب فقط، أما الذي يخلق ذلك فهو الله سبحانه.\nمثلًا: الأكل والشرب من الطيبات هذا فيه نفع، لكن ليس الأكل والشرب هو الذي يخلق النفع، إنما الذي يخلق النفع هو الله ﷾.\nمثلًا: السُّم يقتل، والنار تُحرق، لكن ليست هي التي تفعل هذه الأشياء، لأنها مخلوقات لله ﷾، ولكنها أسباب، يقدِر القادر سبحانه أن يسلبها هذه الخاصيات، كما سلب النار الحرارة لما أُلقي فيها إبراهيم، وصارت بردًا وسلامًا، فدلّ على أنها لا تستقل بالضرر.\nوقوله: \"باب من تبرّك\" أي: طلب البركة، وهي حصول الخير ونماؤه وثبوته وكثرته.\n\"بحَجَر أو شجر\" أي: طلب البركة من حَجَر أو من شجر، أو اعتقد أنها سبب للبركة وهي لم يجعلها الله أسبابًا لها فقد أشرك بالله ﷾، لأن الحجر والشجر لا يخلق البركة ولا يوجدها، ولا هو مسبب في حصولها إلاَّ ما جعله سببًا في حصولها وإنما الذي يوجدها هو الله ﷾، وهو سبب الأسباب نعم قد يجعل الله بعض الأشياء مباركة، مثل: ماء زمزم، ومثل: الأنبياء ﵈، ومثل: الكعبة المشرفة: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ (٩٦)﴾، فالله هو الذي جعل الكعبة مباركة، أما الكعبة فليست هي التي تُوجِد البركة، أو تخلق البركة، لكن الله جعلها مباركة، فالبركة من الله ﷾ وبركتها بالحج والعمرة واستقبالها في الصلاة والطواف بها والتعبد عندها في المسجد الحرام.","vol":"1","page":155},{"text":"وقول الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى (١٩)﴾ الآيات.\nــ\nوقد يجعل الله بعض الأشياء مباركة، كما أن الله يجعل بعض الأشياء شرِّيرة، فقد جعل الشياطين شرِّيرة، وجعل بعض الدواب شرِّيرة، فالاعتماد على الله ﷾ في كل الأمور، وإنما نتخذ الأسباب لأن الله أمرنا باتخاذ الأسباب، وأما النتائج فهي عند الله ﷾، نحن لا نعتمد على الأسباب، وإنما نعتمد على الله، ونحن لا نعطّل الأسباب، لأن الله أمرنا باتخاذها، وتعطيل الأسباب عجز وتعطيل للمنافع، التي جعلها الله ﷾ في الأشياء، كما قال بعض العلماء: \"الاعتماد على السبب شرك، وترك السبب قدح في الشرع\" لأن الشرع أمرك باتخاذ الأسباب، و\"الاعتماد على الأسباب شرك\" لأنه اعتماد على غير الله.\nفهذه مسألة يجب على طالب العلم أن يفقهها وأن يعرفها، وأن يتأملها جيدًا، وأن يوضحها للمسلمين، لإزاحة الشُّبُهات، وإزاحة التضليل الذي يَرُوج عند بعض الناس بسبب الجهل، أو بسبب سوء القصد.\nقوله: \"وقول الله تعالى: \" ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى (١٩)﴾ \" وتتمة الآيات: \" ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢) إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى (٢٣) أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى (٢٤)\nفَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى (٢٥) وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦)﴾ \" هذه الآيات في تقرير التّوحيد وتثبيت العقيدة في قلوب المؤمنين، والرد على المشركين.\nيقول الله تعالى للمشركين الذي يعبدون الأصنام، وفي مقدمتها الأصنام الثلاثة المشهورة عند العرب: اللات والعُزَّى ومَنَاة، هل تنفع هذه الأصنام أو تضر؟، فيقول: \" ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى (١٩)﴾ \" هل نفعتكم؟، هل دفعت عنكم الضرر؟، هل جلبت لكم شيئًا من الرزق؟، فلا يستطيعون الجواب بأنها تضر أو تنفع، لم تنفعهم في بدر وغيرها من الغزوات، ولم تدفع عنهم ما أوقع الله بهم من الهزائم، ما أجابوا عن هذا السؤال العظيم؛ فدلّ على انقطاع حجتهم.\nوهكذا في كل أسئلة القرآن الكريم التي هي من باب التحدِّي والتعجيز، لم","vol":"1","page":156},{"text":"يصدر لها جواب من قبل المشركين، ولن يصدر لها جواب إلى أن تقوم الساعة.\nو\" ﴿اللاَّتَ﴾ \": صنم في الطائف لبني ثقيف. وفي تفسيرها قولان لأهل العلم:\nالقول الأول: أنها بالتخفيف، وهو اسم حجر كبير أملس عليه نقوش، كانوا يتبرّكون به، ويطلبون منه قضاء حاجتهم، وتفريج كرباتهم.\nوالقول الثاني: أنه بالتشدّيد اسم فاعل من لَتَّ يَلُتُّ: وهو في الأصل رجل صالح، كان يَلُتُّ السّويق للجاج، وكان يُطعم الحجّاج من هذا الطعام تقرّبًا إلى الله ﷾، فلما مات عَكَفُوا على قبره يتبرّكون به، كما حصل لقوم نوح لما غَلَوْ في الصالحين.\nفالغُلُّو في الصالحين قديم، ولا يزال مستمرًّا وهو سنّة جاهلية من قديم الزمان، من عهد قوم نوح، ولا تزال.\nفعلى التفسير الأول هو: تبرّك بالأحجار، وعلى التفسير الثاني هو: تبرّك بالقبور. وكِلا التفسيرين حق، فالآية تدلّ على منع التبرّك بالأحجار، ومنع التبرّك بالقبور، وما زال هذا الصنم يُعبد من دون الله إلى أن فتح النبي ﷺ مكة في السنة الثامنة من الهجرة، وأمر بهدم هذا الصنم كغيره من الأصنام التي هدمت.\nأما \"وَالْعُزَّى\" فكانت صنمًا لأهل مكة، وهي عبارة عن شجرات ثلاث من السَّمْر، وعندها بَنِيَّة عليها أستار، وكانت لقريش ولأهل مكة يعبدونها من دون الله ﷿. ولهذا قال أبو سفيان في يوم أحد بعد أن انتهت المعركة: لنا العُزَّى ولا عُزَّى لكم. فقال النبي ﷺ: \"أجيبوه، قولوا: الله مولانا، ولا مولى لكم\"، هذا هو الرد الشافي، وفيما بعد منّ الله على أبي سفيان بالإسلام فأسلم، والإسلام يَجُبُّ ما قبله، والشاهد من هذا: أن العُزَّى كانت لأهل مكة، فلما فتح النبي ﷺ مكة أرسل إليها خالد بن الوليد فهدمها وقطّع الأشجار، ثم رجع إلى النبي ﷺ فأخبره، قال: \"لم تفعل شيئًا\"، فرجع خالد ﵁، إليها مرّة ثانية فوجد عندها السَّدَنة، فلما رأوه هربوا إلى الجبال، فجاء فإذ بامرأة عريانة ناشرة شعرها، فعلاها بالسيف وقتلها، ثم رجع إلى النبي ﷺ وأخبره، قال: \"تلك العُزَّى\".\nوالواقع أن المشركين ليست عبادتهم لهذه الأصنام، وإنما عبادتهم للشياطين،","vol":"1","page":157},{"text":"وعن أبي واقد الليثي قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حُنَيْن، ونحن حُدَثاء عهد بكفر،...................................................................................................\nــ\nفالشياطين هي التي تُغريهم، وتدعوهم إلى عبادتها، وهي التي تكلّمهم أحيانًا، ويظنون أن الصنم هو الذي يتكلم، أو أن الميت هو الذي يتكلم.\nأما \" ﴿وَمَنَاةَ﴾ \" فهي صنم قريب من المدينة، وكانت لقبائل من العرب. وكانوا يُحْرِمُون من عندها للحج والعمرة.\nولما فتح النبي ﷺ مكة أرسل إلى مَنَاة علي بن أبي طالب ﵁ فهدمها.\nفأين ذهبت هذه الأصنام؟، لو كانت آلهة لدفعت عن نفسها.\nوالشاهد من الآية الكريمة: بطلان التبرّك بالأشجار والأحجار، لأن هذه أشجار وأحجار، ولم تدفع عن نفسها فضلًا عن أن تدفع عن غيرها.\nففي هذا: بُطلان التبرك بالأحجار والأشجار، وفيه: أن من تبرّك بقبر أو بحجر أو شجر يعتقد فيه أنه ينفع ويضر من دون الله، أو أنه سبب لحصول البركة، أو تقرب إليه بشيء من العبادة؛ فهو مثل من عبد اللات والعُزَّى سواء، ولا فرق، بل من غلا في قبر من القبور فهو كمن عبد اللات، لأن اللات- على التفسير الثاني- هو رجل صالح، غَلَوا في قبره بعد موته، فالذين يعبدون القبور اليوم مثل الذين يعبدون اللاتّ سواء بسواء، والقرآن واضح في هذا، لكن يحتاج إلى التدبّر، ونبذ للتقاليد والعادات والبيئات الفاسدة، والتحرر من الخرافات والأباطيل، ورجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله، ففيهما الشفاء للقلوب.\nقال \"وعن أبي واقد الليثي\" هذه كنيته، أما اسمه فهو الحارث بن عوف، و\"الليثي\" من بني الليث.\n\"قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حُنَيْنِ\" أي: غزوة حنين، وحنين اسم وادٍ بين مكة والطائف، وغزوة حُنَيْن كانت في شوال من السنة الثامنة من الهجرة، وذلك أن الرسول ﷺ لما فتح مكة، ونصره الله على قريش؛ خافت هوازِن على نفسها أن يصلها الرسول ﷺ، فأرادوا أن يغزوا الرسول ﷺ قبل أن يغزوهم، وجمّعوا أمرهم ليغزوا رسول الله ﷺ، يريدون الدفاع عن أنفسهم، فلم يمهلهم الرسول ﷺ، بل غزاهم هو بنفسه ﷺ. وهذا هو الحزم والسياسة؛ أن ولي أمر المسلمين إذا علم أن","vol":"1","page":158},{"text":"وللمشركين سِدْرَة يعكفون عندها وينُوطون بها أسلحتهم، يُقال لها: ذات أَنْواط، فمررنا بِسدْرَة فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أَنْواط كما لهم ذات أَنْواط.\nــ\nهناك من الكفار من يريد غزو المسلمين يبادر إلى ذلك العدو، ولا يمهله.\nوأبو واقد كان من الذين أسلموا في هذا العام، ولهذا قال: \"خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حُنَيْن ونحن حُدَثاء عهد بكفر\" يعني: أن إسلامهم كان جديدًا متأخرًا، وهو يريد بذلك بيان العذر مما وقع منهم، أنهم كانوا جُهّالًا، لم يتفقّهوا كما كان الصحابة الذين مع الرسول ﷺ فقهاء، عرفوا العقيدة ودرسوها، لكن هؤلاء أسلموا قريبًا، ولم يتمكّنوا من التفقّه في العقيدة، وكانوا آلفين لأشياء من دين الجاهلية، لم يتخلّصوا منها بعد. قال العلماء: فهذا فيه دليل على أن الإنسان إذا عاش في بيئة فاسدة ثم انتقل منها؛ أنه قد يبقى في نفسه منها شيء. فهذا كان في بيئة شركية، وأسلم قريبًا.\nوهذا دليل على آفة الجهل، وأن الإنسان قد يقع في الشرك بسبب الجهل، وفيه الحث على تعلم العقيدة ومعرفتها والتبصّر فيها خشية أن يقع الإنسان في مثل ما وقع فيه هؤلاء، فالذين ينادون اليوم بتهوين أمر العقيدة، ويقولون: لماذا يدرسون العقيدة وهم مسلمون؟، يا سبحان الله، المسلم هو أولى بدراسة العقيدة من أجل أن يصحِّح إسلامه، ومن أجل أن يحفظ دينه، هؤلاء مسلمون ومع هذا وقعوا في هذه القضية بسبب أنهم لم يتعلموا، ففي هذا دليل على وجوب تعلم العقيدة الصحيحة، ووجوب تعلّم ما يضادها من الشرك والبدع والخرافات؛ حتى يكون الإنسان على حذر منها، وما أوقع اليوم عُبّاد الأضرحة- أو كثير منهم- في عبادة القبور إلاَّ بسبب الجهل، ويظنون أن هذه من الإسلام، فهذه مصيبة عظيمة، حتى سمعنا أن بعض الدعاة يدعون - في أمريكا وفي غيرها- إلى دين الصوفية وإلى دين القبوريّة، فهم أخرجوهم من كفر إلى كفر، وكونه يبقى على كفره، أخف من كونه ينتقل إلى كفر يسمّى باسم الإسلام.\nوقوله: \"وللمشركين سِدْرَة يَعْكُفُون عندها\" العُكُوف هو: البقاء في المكان، يقال: اعتكف في المكان إذا أطال الجلوس فيه، واعتكف في المسجد يعنى: جلس في المسجد للعبادة.","vol":"1","page":159},{"text":"فقال رسول الله ﷺ: \"الله أكبر، إنها السُّنَن، قلت- والذي نفسي بيده- كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ لتركبن سُنَن من قبلكم\" رواه الترمذي وصحَّحه.\nــ\n\"ويُنَوطُون بها أسلحتهم\" النَّوْط هو: التعليق، وغرضهم من هذا العكوف والنوط التبرك بهذه الشجرة.\n\"فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أَنْوَاط كما لهم ذات أَنْوَاط\" أعجبهم عمل المشركين، فظنوا أن هذا عمل سائغ، وهم يحرصون على تحصيل البركة، فطلبوا من النبي ﷺ أن يجعل لهم شجرة يَعْكُفُون عندها، ويَنُوطُون بها أسلحتهم طلبًا للبركة، ولكن انظروا إلى أدب الصحابة مع الرسول ﷺ حيث لم يقدموا إلى هذا الأمر من عند أنفسهم، بل رجعوا إلى الرسول ﷺ، فالمسلم إذا أعجبه شيء ويظن أنه خير فلا يستعجل حتى يعرض هذا على الكتاب والسنة ويسأل عنه أهل العلم الثقات.\nفهذا فيه دليل على وجوب الرجوع إلى الكتاب والسنة في أمور العبادة، وأن الإنسان لا يعمل باستحساناته، أو استحسانات غيره، بدون أنه يرجع إلى الكتاب والسنة، وهذا يدل على أن العبادات توقيفية.\nفقوله: \"فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أَنْواط\" يعني: شجرة نعلّق بها أسلحتنا للبركة، ونجلس عندها للبركة. \"فقال ﷺ: \"الله كبر، إنها السُّنَن\" النبي ﷺ غضب لما قالوا له هذا الكلام وتعجّب، وكبّر الله ﷾ تنزيهًا لله ﷿ عن هذا العمل. وهذه عادة النبي ﷺ أنه كان إذا أعجبه شيء أو استنكر شيئًا أنه يسبح أو يكبر.\n\"إنها السُّنن\" أي: الطرق المسلوكة، أي: السبب أن الذي أوقعكم في هذا هو التَّشَبُّه بما عليه الناس، فالتَّشَبُّه بالكفار في عباداتهم وتقاليدهم الخاصة بهم، آفة خطيرة: \"من تشبه بقوم فهو منهم\"، وما أصاب بعض المسلمين من الأمور الشنيعة، أغلبه من جهة التَّشَبُّه بالكفار، أوّل ما حدث الشرك في مكة هو بسبب التَّشَبُّه بالكفار، لأنه لما ذهب عمرو بن لُحَيْ إلى الشام، ووجد أهل الشام يعبدون الأصنام، أعجبه ذلك، وجلبها إلى الحجاز، ومن ذلك الوقت فشا الشرك في أرض","vol":"1","page":160},{"text":"الحجاز، فهو أول من غير دين إبراهيم﵊-، فهذه هي الآفة، هذه هي السُّنَن التي تعجّب منها النبي ﷺ.\nثم بيّن ﷺ خطر هذه المقالة، فقال: \"قلتم والذي نفسي بيده\" أقسم ﷺ ففي هذا مشروعية القسم على الفتوى إذا تحقق من إصابة الحق.\n\"كما قالت بنوا إسرائيل لموسى: \" ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ \" النبي ﷺ بيّن أن هذه عادة قديمة في العالم، وأنها حصلت على عهد موسى ﵇، وذلك أن الله لما نجّى بني إسرائيل من فرعون، وأغرق فرعون وقومه، ونجّى موسى وقومه، ومرّوا في طريقهم على قوم يعكفون على أصنام لهم.\n﴿قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ طلبوا من موسى أنه يجعل لهم صنمًا يعبدونه كهؤلاء الذين يعبدون الصنم، قال موسى ﵇: \" ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ \" السبب الذي أوقعكم في هذا هو الجهل بالتّوحيد، وهذا- كما ذكرنا- يُوجب على المسلمين أن يتعلموا العقيدة، ولا يكتفوا بقولهم: نحن مسلمون، نحن في بلاد إسلام، نحن في بيئة إسلامية، كما يقوله الجهال أو الذين يُثَبِّطون عن تعلّم العقيدة.\nففيه آفة الجهل، وان الجهل قد يوقع في الكفر بالله ﷿، وهذه خطورة عظيمة، ولا يُنجّي من هذا الجهل إلاَّ تعلّم العقيدة الصحيحة، والتأكُّد منها، وتدريسها، وتكرارها على الناس، وتعليمها للناس، ونشرها بكل وسيلة في المساجد، وفي المدارس، وفي وسائل الإعلام، وفي المجالس، وفي البيوت، وقوله: ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ﴾، أي: عمل هؤلاء زائل وتالف ﴿وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ لأنه شرك بالله ﷿، ﴿قَالَ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٤٠)﴾ أي: أنا لا أَشْرَع لكم الشرك، وهل هذا جزاء النعمة أن الله فضلكم على العالمين، يعني: عالم زمانهم، أما بعد بِعثة محمد ﷺ فأفضل العالمين هم أمة محمد ﷺ.\nفالحاصل؛ أن التبرّك بالأشجار والأحجار هو من سنة المشركين، ومن سنة الجاهلية، ومن فعله فهو متشبه بالكفار، وهو كافر مثلهم، لا فرق بين من يعبد القبر ومن يعبد اللات والعُزَّى، أو الذي يطلب البركة من الشجرة والذي يطلبها من الصنم، لا فرق بينهما.","vol":"1","page":161},{"text":"ففي هذا: بُطلان التبرّك بالأشجار والأحجار، وأنه شرك، لأن موسى ﵇ قال: ﴿أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا﴾، فدلّ على أن من تبرّك بشجر أو حجر فقد اتخذه إلهًا، وهذا هو الشرك، واختلاف اللفظ لا يؤثر مع اتفاق المعنى، هؤلاء قالوا: \"اجعل لنا ذات أَنْوَاط كما لهم ذات أَنْوَاط\"، وبنوا إسرائيل قالوا: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾، والرسول ﷺ جعل هذا مثل هذا، وإن اختلف اللفظ.\nوالآن عَبَدَة القبور يقولون: هذا ليس بشرك، هذا توسُّل، وهذا محبة للأولياء والصالحين. إن أولياء الله الصالحين لا يرضون بهذا العمل، ولا يرضون أن تُجعل قبورهم أوثانًا تُعبد من دون الله، والنبي ﷺ يقول: \"اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد\"، فدلّ على أن تعظيم القبور والتبرك بها يجعلها أوثانًا تُعبد من دون الله.\nفالحاصل؛ أن هذا فيه دليل على أن العبرة في المعاني لا في الألفاظ، فاختلاف الألفاظ لا يؤثر، وإن سموه توسّلًا، أو سموه إظهارًا لشرت الصالحين، أو وفاءً بحقهم علينا- كما يقولون-، هذا هو الشرك، سواء بسواء، فالذي يتبرّك بالحجر أو بالشجر أو بالقبر قد اتخذه إلهًا، وإن كان يزعم أنه ليس بإله، فالأسماء لا تغير الحقائق، إذا سمّيت الشرك، توسلًا، أو محبة للصالحين، أو وفاءً بحقهم، نقول: الأسماء لا تغير الحقائق.\nوفيه- أيضًا- مسألة مهمة: وهي أن حُسن المقاصد لا يغير من الحكم الشرعي شيئًا، هؤلاء لهم مقصد حسن، ولكن النبي ﷺ لم يعتبر مقاصدهم، بل أنكر هذا، لأن الوسائل التي تُفضي إلى المحاذير ممنوعة، صحابي مع رسول الله ﷺ يحمل السيف للجهاد، ما قصد إلاَّ الخير هو ومن معه، ومع هذا غضب النبي ﷺ عند مقالتهم، وجعلها مثل مقالة بني إسرائيل، فدلّ على أن المقاصد الحسنة لا تبرِّر الغايات السيّئة والمنكرة.\nوفيه- أيضًا-: القاعدة العظيمة، وهي: خطورة التَّشَبُّه بالكفار والمشركين، لأنها تؤدِّي إلى الشرك، ولهذا قال ﷺ: \"لتركبن سُنَن من قبلكم \" وهذا فيه- أيضًا- عَلَم من أعلام النبوة، فإن النبي ﷺ أخبر أنه في المستقبَل سيكون في المسلمين من","vol":"1","page":162},{"text":"يقلِّد الكفار، وهذا وقع كما أخبر ﷺ، فتقليد الكفار الآن على قدم وساق، إلاَّ من رحم الله ﷾ وهذا خبر معناه التحذير وليس مجرد خبر.\nفهذا الحديث فيه التحذير من التَّشَبُّه بالمشركين والكفار في أفعالهم وعاداتهم الخاصة وتقاليدهم وطقوسهم.\nأما الأمور المباحة فلا بأس بالأخذ بها، نأخذ من المشركين الخِبْرات المفيدة، نأخذ منهم البضائع، نأخذ منهم الأسلحة، هذه أمور كانت في الأصل لنا، يقول الله ﷾: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، هذه المنافع في الأصل للمسلمين، ولكن لما تكاسل المسلمون أخذها أعداؤهم، فلا مانع أن المسلمين يأخذون بهذه الأشياء المفيدة، وليس هذا من التَّشَبُّه، إنما لتَّشَبُّه هو تقليدهم في الأمور التي لا فائدة منها ولا قيمة لها، أو الأمور التي تدخل في العبادة والعقيدة والدين.\nقد يُقال: أنتم تحرمون التبرّك بالأشجار والأحجار والقبور، في حين أن الصحابة -﵃كانوا يتبرّكون بريق النبي ﷺ وشعره ووضوئه، أليس هذا تبركًا بمخلوق.\nفالجواب عن ذلك: أن هذا خاص بالنبي ﷺ وبما انفصل من جسده ﷺ لأنه مبارك، فما انفصل من جسده من ريق، أو عرق، أو شعر، أو وضوء، فإنه يُتبرّك به، أما التبرّك بغير النبي ﷺ فهذا لم يَرِد حتى مع أفضل الأمة كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، والعشرة المبشرين بالجنة، وأصحاب بدر، وأصحاب بيعة الرضوان، ما ذُكر أن المسلمين كانوا يتبرّكون بهؤلاء، لا بريقهم، ولا بعرقهم، ولا بشعورهم.\nفالتبرك لا يجوز؛ لا بالأشجار، ولا بالأحجار، ولا بالأشخاص، ولا بالحُجْرة النبوية، ولا بقبر النبي ﷺ، كل هذا لا يجوز، لأن هذه أمور لم تكن منفصلة عن النبي ﷺ وليست من جسده ﷺ فلابد أن نعرف الجواب عن هذه الشُّبَه، لأنهم يُدْلُون بها.","vol":"1","page":163},{"text":"[الباب العاشر:] * باب ما جاء في الذبح لغير الله\nوقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لا شَرِيكَ لَهُ﴾ الآية.\nــ\nهذا الباب كالأبواب التي قبله في بيان أنواع من الشرك التي يمارسها بعض الناس في مختلف الأزمان، من عهد الجاهلية، ولا تزال مستمرَّة، وذلك من أجل أن يتميّز الخبيث من الطيّب، ولله الحكمة ﷾ في بقاء هذا الشرك والكفر؛ من أجل أن يتميّز الخبيث من الطيّب، والموحِّد من المشرك، والمهتدي من الضال: ﴿لَوْ يَشَاءُ اللهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾، ولكن لو هداهم جميعًا لم تكن هناك مِيزَة لأحد على أحد، ولكن اقْتَضَتْ حكمته سبحانه أن يُجري الامتحان من أجل أن يتميّز الخبيث من الطيّب.\nقال: \"وقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لا شَرِيكَ لَهُ﴾ تتمة الآيات: \" ﴿وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ* قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ \" ختم الله هذه السورة العظيمة بهذه الآيات، لأن السورة تدور كلها على التّوحيد وبيان الشرك، وبيان ما يفعله المشركون مع الأصنام، وما حرّموه من المزارع والأنعام لأصنامهم.\nوختمها ﷾ بالبراءة من كل ما يفعله المشركون، وهذا الغالب على السور المكية، فالسور المكية غالبها، بل تكاد تكون كلها في التّوحيد والنّهي عن الشرك، لأن النبي ﷺ مكث في مكة ثلاثة عشرة سنة يدعو إلى التّوحيد، وينهى عن الشرك، وينزل عليه القرآن في ذلك، ومن جُملة ما نزل عليه في مكة هذه السورة العظيمة: سورة الأنعام.\nفقوله تعالى: \" ﴿قُلْ﴾ \" هذا أمر من الله جل وعلا لنبيه محمد ﷺ أن يُعلن للناس، ليس لناس وقته فقط، بل للناس جميعًا إلى أن تقوم الساعة، وليس لناس بلده، بل لناس العالم:","vol":"1","page":164},{"text":"\" ﴿إنَّ صَلاتِي﴾ \" الصلاة في الشرع يُراد بها: العبادة المبتدئة بالتكبير المختتمة بالتسليم، التي تشتمل على عبادات قلبيّة وقوليّة وعملية، فالصلاة تشتمل على أنواع العبادة في القلب: من الخشوع، والخشية، والإقبال على الله ﷾، وباللسان: من التكبير، والتحميد، والثناء على الله، وتلاوة كتابه الكريم، ومناجاة الرب ﷾، وبالجوارح: من القيام، والرّكوع، والسجود، والجلوس. فالصلاة عبادة عظيمة، يجتمع فيها ما لا يجتمع في غيرها من أنواع العبادات، ولذلك جعلها الله عمود الإسلام، وجعلها الركن الثاني من أركان الإسلام.\n\" ﴿وَنُسُكِي﴾ \" النُّسُك المُراد به: ما يذبح من بهيمة الأنعام على وجه التقرّب والعبادة، كهَدْي التمتُّع والقِران، وهَدْي التطوُّع، وهَدْي الجُبران، والأضاحي، والعقيقة، هذه كلها تُسمى نُسُكًا، فما ذُبح من بهيمة الأنعام على وجه التقرّب إلى الله تعالى بذبحه، فهو النُّسُك.\nوكان الذبح على وجه التقرُّب موجودًا في الجاهلية، كانوا يذبحون للأصنام، ويذبحون للجن، ويذبحون للكواكب، يذبحون لغير الله ﷿، ولهذا يقول النابغة في قصيدته:\nلا والذي قد زردته حججا ... وما هريق على الأنصاب من جسد\nالأنصاب: الأصنام.\nوهُرِيق، يعني: سُفك من الدماء من جسد، يعني: من ذبيحة.\nفالنبي ﷺ بيّن أن دينه مخالف لدين المشركين، فالمشركون يذبحون لغير الله، والنبي ﷺ ومَن اتبعه يذبحون لله وحده لا شريك له، كما أنهم لا يصلُّون إلاَّ لله فكذلك لا يذبحون إلاَّ لله ﷾، وقَرْن النُّسُك بالصلاة يدلّ على أنه عبادة عظيمة، لا يجوز صرفها لغير الله، والنسك قد تساهل فيه كثير من الناس فصاروا يذبحون للجن طاعة للمُشَعْوِذِين من أجل العلاج بزعمهم.\n\" ﴿وَمَحْيَايَ﴾ \": ما أحيا عليه في عمري من العبادة كله لله ﷿.\n\" ﴿وَمَمَاتِي﴾ \": ما أموت عليه- أيضًا- لله ﷿، فيموت على التّوحيد، فمعنى الآية: أنه يحيا على التّوحيد، ويموت على التّوحيد، ثم أكد ذلك بقوله: ﴿لا شَرِيكَ لَهُ﴾ في ذلك وفي سائر أنواع العبادة.","vol":"1","page":165},{"text":"وقوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾ .\nــ\n\" ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ \" الرب هو: المالك، والعالمين جمع عالَم، وهو: ما سوى الله ﷿ من المخلوقات، فكل المخلوقات ربها واحد، هو الله ﷾، لكن قد يُقال لمالك الشيء: ربه، مثل: رب البيت، رب الحاجة، رب السيارة، رب الدراهم، وهذا مقيّد، أما إذا قلت الرب، أو رب العالمين، فهذا لا يكون إلاّ لله ﷾.\nأما هذه الأصنام وهذه الأوثان، فلا تستحق العبادة لأنها مملوكة لله ﷾، ومعبدة لله ﷾، والعبد لا يُعبد، حتى ولو كان من أشرف العباد كالملائكة والرسل والأولياء، كلهم عبيد لله ﷾.\nوذكر عبادتين عظيمتين: الصلاة والنُّسُك، لأن الصلاة عبادة بدنيّة، والنُّسُك عبادة ماليّة، وهي من أفضل العبادات المالية.\nقال: \" ﴿وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾ \" أمرني ربي ﷾، فدلّ على أن العبادات توقيفيّة، لا يصلح منها شيء إلاَّ بأمر الله ﷾.\nثم قال: \" ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ \" أي: من هذه الأمة، فالأوليّة هنا نِسْبِيَّة، وإلاَّ فالرسل والمؤمنون من قبل النبي ﷺ كلهم مسلمون، بمعنى أنهم مخلصون العبادة لله ﷿.\nوالإسلام هو الاستسلام لله بالتّوحيد، والانقياد له بالطاعة، والخلوص من الشرك وأهله، هذا هو الإسلام، وهذا دين جميع الرسل- عليهم الصلاة والسلام، فقوله: \" ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ \" أي: من هذه الأمة.\nكما أنّ الآية- أيضًا- تدلّ على أن الرسول أول من يبادر إلى امتثال أمر الله ﷾، وأنه لا يتأخر عن امتثال أمر الله ﷾، فكذلك يجب على المسلم أن لا يتأخر عن الامتثال والمبادرة إذا أمره الله بشيء يكون من أول من يفعل ذلك، فمن أمر بشيء من المعروف والطاعة، فإنه يجب عليه أن يكون أول من يفعله.\nقال: \"وقوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾ \" هذا أمر من الله لنبيه أن يُخلص الصلاة لله ﷿، وأن يخلص النحر- وهو: الذبح- لله ﷿.\nقالوا: وهذا شكر لله ﷾ لما أعطاه الكوثر، فإن الله ﷾ أمره أن يشكره على","vol":"1","page":166},{"text":"عن علي ﵁ قال: حدثني رسول الله بأربع كلمات: \"لعن الله من ذبح لغير الله، لعن الله من لعن والديه، لعن الله من آوى محدثًا، لعن الله من غير منار الأرض\" رواه مسلم.\nــ\nهذه النعمة العظيمة، بأن يصلِّي ويذبح لله ﷿، ولهذا ربط بما قبله بفاء السببيّة.\nوالكوثر نهر في الجنة، وقيل: هو الخير الكثير، فهذا من باب الشكر لله ﷾ على هذه النعمة، على إعطائه الكوثر، ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ (٣)﴾، كان الكفار يذمّون الرسول ﷺ ويقولون: إنه أبتر، ليس له ذرية، وليس له مال، وإنه إذا مات سينتهي ذكره. ﴿شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾، والله جل وعلا يقول: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ (٣)﴾، أما أنت فلست بأبتر، سيستمر ذكرك، ويستمر عملك، وتستمر دعوتك إلى يوم القيامة.\nوصدق الله العظيم، أين ذكر أبي جهل؟، وأين ذكر أبي لهب؟، وأين ذكر صناديد الكفار؟، انقطع، ولا يذكرون إلاَّ بالذم- والعياذ بالله، أما رسول الله فإنه يُذكر بالخير والثناء، ويُذكر بكل فضيلة، ودعوته باقية، ودينه باق -ولله الحمد- على مرّ الزمان، بينما تتهاوى المذاهب الأخرى وتتساقط، وإن قويت شوكتها في بعض الأحيان، إلاَّ أنها تتهاوى، ودين الرسول ﷺ يتجدّد.\nانظروا إلى الشيوعية في وقتنا الحاضر ماذا بلغت من القوة والإرهاب وإخافة العالم، وفي فترة وجيزة ذابت كما يذوب الملح في الماء، وأين هي الآن؟، لكن دين الإسلام لا يزال- ولله الحمد- يظهر ويتجدّد، ولو ضعف أهله، إلاَّ أنه هو بنفسه- ولله الحمد- دين يتجدّد ويظهر في مرّ الزمان، ومرّ المكان.\nالشاهد من الآية: ﴿إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي﴾، ومن الآية: \" ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾ \":\nأن الله جل وعلا قَرَن النحر بالصلاة في الآيتين، فدلّ على أنه عبادة لا يجوز صرفها لغير الله.\nقوله: \"بأربع كلمات\" يعني: أربع جُمَل، فالكلمات المراد بها الجمل.\nوقوله: \"لعن الله\" اللعن معناه: الطرد والإبعاد عن رحمة الله ﷾.\n\"من ذبح لغير الله\" أي: تقرَّب بالذبح لغير الله من الأصنام، ومن الأضرحة، ومن الأشجار والأحجار، والجن، وغير ذلك. فكل من تقرَّب بالذبح إلى غير الله فإنه قد لعنه الله ﷾، وهذا يدلّ على شدّة هذه الجريمة، فإن الله جل وعلا لا يلعن","vol":"1","page":167},{"text":"إلا على جريمة خطيرة، فدلّ على شدة جريمة من ذبح لغير الله، أيًّا كان هذا الذبح كثيرًا أو قليلًا جليلًا أو حقيرًا.\nوذلك بأن يذكر على الذبيحة غير اسم الله أو يكون في نيّته وقلبه واعتقاده أنه يتقرّب بهذه الذبيحة إلى غير الله، أو يريد بهذه الذبيحة دفع شر هذا المذبوح له، فيذبح للجن من أجل دفع شرهم، وخوفًا منهم، أو يذبح للصنم من أجل أن الصنم يجلب له الخير، كما يفعل بعض الجُهّال؛ إذا تأخر المطر ذهبوا بِثَوْر أو غيره من الحيوان وذبحوه في مكان معيّن، أو عند قبر يريدون نزول المطر، وقد يُبتلون فينزل المطر، وتحصل لهم حاجتهم ابتلاءً وامتحانًا من الله ﷾، وهذا لا يدلّ على جواز ما فعلوه، من الشرك والتقرّب لغير الله ﷾.\nفمن فعل ذلك فهو مشرك وملعون، سواء تلفّظ وقال: هذه الذبيحة للقبر، أو للبدوي، أو للسيد الحسين، أو لفلان أو لفلان، أو ونوى بقلبه فقط. وهذه الذبيحة حرام، لأنها تدخل في قوله: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ﴾ فما أهلّ به لغير الله يشمل ما ذُبح باسم غير الله، ويشمل ما ذُبح باسم الله ويُنْوى به الصنم أو الجن أو العفاريت، والمُشَعْوِذُون الآن إذا جاءهم المرضى يأمرونهم بالذبح لغير الله لأجل أن يشفوا من مرضهم.\nويدخل في الذبح لغير الله أصناف: ما ذُبح لغير الله على وجه التقرّب، ولو قيل عليه: بسم الله، وهذا حرام بإجماع المسلمين، وهو شرك بالله ﷿. وما ذُبح للّحم وسمي عليه بغير اسم الله. وما ذُبح من أجل التحيّة والتعظيم، مثل: ما يُذبح للملوك والرؤساء عند قدومهم إذا نزل من الطائرة، أو من السيارة، أو من الدابة؛ ذبحوا عند نزوله. وما يُذبح عند ابتداء المشروع، فبعض الجُهّال، أو بعض الذين لا يُبالون، إذا أنشؤوا مشروعًا- مصنعًا أو غير ذلك- يذبحون عند تحريك الآلة.\nوما يُذبح عند أول نزول البيت خوفًا من الجن، وهذا شرك، لأنه مما ذُبح لغير الله ﷿. أما إذا ذبح ذبيحة عند نزول البيت من باب الفرح والسرور، ودعوة الجيران والأقارب، فهذا لا بأس به.\nفالحاصل؛ أن قوله سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي﴾ وقوله: \" ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ","vol":"1","page":168},{"text":"وَانْحَرْ (٢)﴾ \" وقول الرسول: \"لعن الله من ذبح لغير الله\" يشمل كل هذه الأمور:\n١- ما ذُبح للأصنام تقرّبًا إليها.\n٢- ما ذُبح للحم وذكر عليه اسم غير الله ﷾.\n٣- ما ذُبح تعظيمًا لمخلوق وتحيّة له عند نزوله ووصوله إلى المكان الذي تستقبل فيه.\n٤- ما ذُبح عند انحباس المطر في مكان معين أو عند قبر لأجل نزول المطر.\n٥- ما يُذبح عند نزول البيوت خوفًا من الجن أن تصيبه، كل هذا يدخل في الذبح لغير الله، ويكون شركًا بالله ﷾.\nقوله: \"لعن الله من لعن والديه\" إن الله ﷾ قَرَن حق الوالدين بحقه سبحانه: ﴿وَاعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، فحق الوالدين يأتي دائمًا بعد حق الله ﷾، كذلك النهي عن الإساءة إلى الوالدين تأتي بعد الإساءة في حق الله ﷾ كما في حديث السبع الموبقات. فالذبح لغير الله، إساءة في حق الله ﷾، ثم ذكر تنقّص الوالدين والإساءة إليهم بلعنهم، فلا يجوز للولد أن يشتم والديه، وهذا من الكبائر، لأن الرسول ﷺ لعن من فعله، واللعن على الشيء يدل على أنه كبيرة، سواء لعنهما بالمباشرة أو بالتسبّب، فبعض الناس لا يلعن والديه مباشرة، لكن يتسبّب في ذلك، بأن يلعن والدي رجل آخر، ثم يرد عليه بالمثل، فيكون متسبّبًا في لعن والديه، وقد قال النبي ﷺ: \"إن من الكبائر أن يشتم الرجل والديه\"، قالوا: وكيف يشتم الرجل والديه يا رسول الله؟ قال: \"يسبّ أبا الرجل فيسبّ أباه، ويسبّ أم الرجل فيسبّ أمه\"، والمسلم لا يجوز أن يكون لعّانًا، ولا سبّابًا، ولا بذيئًا، المسلم يجب أن يكون مؤدبًا، ويتكلم بالكلام الطيّب ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، هكذا ينبغي للمسلم أنه يحفظ لسانه عن القول البذيء، ولاسيّما إذا كان هذا القول من أقبح الكلام كاللعن والسبّ والشتم، حتى البهائم والدواب والدُّور والمساكن لا يجوز لعنها، فقد لعنت امرأة ناقة لها وهي تسير مع النبي ﷺ، فأمر النبي ﷺ بأخذ ما على الناقة وتركها تمشي، لا يتعرّض لها أحد، من باب","vol":"1","page":169},{"text":"التأديب والتعزير فلا يجوز لعن الآدميين، ولا لعن الدواب، ولا لعن المساكن، أو السيارات، أو غير ذلك.\nوقوله: \"لعن الله من آوى محدثًا\" آوى معناها: حَمَى، فالإيواء معناه: الحَمَى والدفع. والمُحْدِث: هو الذي فعل جُرمًا يستحق عليه إقامة الحد، فيأتي واحد من الناس ويَحُول دون هذا المجرم ودون إقامة الحد عليه، بجاهه، أو بقوته وسلطانه، أو بجنوده، أو بغير ذلك، فيمنع هذا المجرم من أن يقام عليه الحد. وهذا لعنه رسول الله.\nوفي الحديث الآخر: \"من حالت شفاعته دون حد من حدود الله؛ فقد ضادّ الله في أمره\"، وفي حديث آخر: \"تعافوا الحدود فيما بينكم، فإذا بلغت السلطان فلعن الله الشافع والمشفع\".\nولما سرق رجل رِدَاء صفوان بن أُميّة، وهو بالمسجد، فأمسكه صفوان، وذهب به إلى النبي ﷺ فأمر النبي ﷺ بقطع يده، فقال صفوان: الرداء له يا رسول الله، أنا ما أردت هذا، قال: \"هلاّ قبل أن تأتيني به\"، يعني: هلا سمحت عنه قبل أن تأتني به؟.\nفإذا تقرّر الحد في المحكمة الشرعية فلابد من تنفيذه، إلاَّ إذا كان في إقامة الحد عليه ضرر على غيره، كالحامل إذا أُقيم عليها الحد تأثّر الحمل، فيؤخّر إلى أن تلد، وتجد من يرضعه وإلاّ تركت حتى تفطمه.\nالحاصل؛ أن إيواء أصحاب الجرائم التي تستوجب الحدود، ومنع إقامة الحدود عليهم، من الكبائر، لأن النبي ﷺ لعن من فعله.\nوفي بعض الروايات بفتح الدال \"لعن الله من آوى محدثًا\" والمحدَث معناه: البدعة، ومعنى آوى المحدَث أي: رضي به. فمن رضي بالبدعة، ولم يُنكرها وهو يقدر فقد آواها، يعني: من رأى البدع وسكت ولم يتكلم في إنكارها والبيان للناس أنها بدع، فقد آواها، يعني حماها بسكوته وتَرْكِه لها، فيكون مستوجبًا للعنة، فكيف إذا دعا إليها ودافع عنها- والعياذ بالله-.\nثم قال ﷺ: \"لعن الله من غيّر منار الأرض\" المنار: جمع منارة، وهي: العلامة. والمراد بمنار الأرض للعلماء فيه ثلاثة أقوال:","vol":"1","page":170},{"text":"وعن طارق بن شهاب أن رسول الله ﷺ قال: \"دخل الجنة رجلٌ في ذباب، ودخل النار رجلٌ في ذباب\"، قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال: \"مرّ رجلان على قوم................................\nــ\nالقول الأول: أن المراد بمنار الأرض: المراسيم، ومعنى غيّرها يعني: قدّمها أو أخرّها عن مكانها، وفي الحديث: \"من اقتطع شبرًا من الأرض بغير حق طُوِّقه يوم القيامة من سبع أرضين\".\nوالقول الثاني: أن المراد بمنار الأرض: أعلام الحَرَم الذي يحرم قتل صيده وَتَنْفِيره، ويحرم قطع شجره وحشيشيه، وأخذ لُقَطَتِه فقد، جعل الله حول الكعبة حرمًا من كل جانب، وهذه المنطقة، لا يدخلها مشرك، ولا يُنَفَّر صيدها، ولا يُخْتلى خلاها، ولا تُلْتَقَط لقطتها إلاَّ لمنشد، ولا يجوز القتال فيها إلاَّ دفاعًا، فالمراد بمنار الأرض على هذا القول: أنصاب الحَرَم، أي: الأعلام المجعولة على الحَرَم من كل جانب، من جهة التَّنْعيم، ومن جهة الحُدَيْبِيَة، ومن جهة عرفات ونَمِرة، ومن جهة الجِعْرانة، أنصاب مبنيّة وأعلام مقامة على حدود الحَرَم.\nالقول الثالث: أن المراد بمنار الأرض: العلامات التي على الطرق، وكانت معروفة، وفي وقتنا الحاضر اللوحات التي تجعلها المواصلات على الطريق، هذه من منار الأرض، فلا يجوز لأحد أن يغير هذه الأعلام، لأنه يضلل الناس والراجح من هذه الأقوال هو القول الأول.\nقال: \"وعن طارق بن شهاب\" طارق بن شهاب البَجَلي الأَخْمَسي، صحابي جليل، أدرك النبي ﷺ ولكنه لم يسمع من الرسول ﷺ، فيكون حديثه عن الرسول مرسل صحابي، ومراسيل الصحابة مقبولة من غير شك، لأن الصحابي لا يرسل إلاّ عن صحابي مثله، فمراسيل الصحابة ليست كمراسيل غيرهم لأنهم كلهم عدول.\n\"دخل الجنة رجل في ذباب\" هذا حديث عجيب، ولذلك تعجّب منه الصحابة، والرسول ﷺ ساقه ولم يبيّنه من أجل أن ينتبهوا ويتشوقوا لمعرفة معناه.\n\"قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال: \"مرّ رجلان على قوم \" يعني: من الأمم السابقة.","vol":"1","page":171},{"text":"لهم صنم لا يجوزه أحد حتى يقرِّب له شيئًا، فقالوا لأحدهما: قرِّب. قال: ليس عندي شيء أقرِّبه، قالوا به: قرِّب ولو ذبابًا. فقرّب ذبابًا، فخلَّوْ سبيله، فدخل النار. وقالوا للآخر: قرِّب. فقال: ما كنت لأقرِّب لأحد شيئًا دون الله ﷿. فضربوا عنقه، فدخل الجنة\" رواه أحمد.\nــ\n\"لهم صنم\" الصنم هو: ما كان على صورة حيوان، أما ما عُبد وهو على غير صورة حيوان، كالشجر والحجر والقبر فهذا يسمى وثنًا، فالوثن أعم من الصنم، لأن الصنم لا يُطلق إلاَّ على التِّمثال، وأما الوثن فيُطلق على التِّمثال وغيره، حتى القبر وثن إذا عُبد، قال ﷺ: \"اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعبد\"، فالوثن كل ما عُبد من دون الله على أي شكل كان.\n\"لا يجوزه أحد\" أي: يتجاوزه ولا يمرّ عليه أحد، \"حتى يقرِّب له شيئًا\" يعني: يذبح له تعظيمًا له.\n\"فقال لأحدهما: قرّب، قال: ليس عندي شيء أقرِّبه\" اعتذر بالعدم، ولم يقل: إن الذبح لغير الله لا يجوز، أو هذا منكر- والعياذ بالله-، وهذا يدلّ على أنه لو كان عنده شيء لقربه.\n\"قالوا له: قرِّب ولو ذبابًا\" فقرب ذبابًا، يعني: اذبحه للصنم، \"فقرِّب ذبابًا فخلوا سبيله\" سمحوا له بالمرور، \"فدخل النار\" بسبب الشرك، وأنه ذبح لغير الله، والعبرة بالنيّة والقصد لا بالمذبوح.\nوالقصد أنه ما استنكر هذا الشيء، ولا تمنع منه، وإنما اعتذر بعدم وجود شيء فلذلك دخل النار- والعياذ بالله.\n\"وقالوا للآخر: قرِّب. فقال: ما كنت لأقرِّب لأحد شيئًا دون الله ﷿\" امتنع وأنكر الشرك، \"فضربوا عنقه\" يعني: قتلوه، \"فدخل الجنة\" بسبب التّوحيد.\nفهذا الحديث حديث عظيم، فيه مسائل عظيمة:\nالمسألة الأولى: هذا الحديث فيه جواز الإخبار عن الأمم السابقة، والتحدّث عنها بما ثبت لأجل العظة والعبرة.\nالمسألة الثانية: في الحديث دليل على تحريم الذبح لغير الله، ومن ذبح","vol":"1","page":172},{"text":"لغير الله فقد أشرك، لأن هذا الرجل الذي ذبح الذباب دخل النار، وحتى لو كان المذبوح شيئًا تافهًا، والرجل الثاني عظّم الشرك، وتجنبه ولو كان شيئًا حقيرًا، فدخل الجنة.\nالمسألة الثالثة: كما قال الشيخ ﵀ في مسائله: أن المدار على أعمال القلوب، وإن كان الشيء الظاهر تافهًا، لكن المدار على عمل القلب.\nالمسألة الرابعة: فيه دليل- كما قال الشيخ ﵀- على قُرب الجنة والنار من الإنسان، كما قال ﷺ: \"الجنة أقرب إلى أحدكم من شِراك نعله، والنار مثل ذلك\"، هذا ضربوا عنقه فدخل الجنة، وذاك خلو سبيله فدخل النار.\nالمسألة الخامسة: أن هذا الرجل الذي ذبح الذباب كان مؤمنًا، فدخل النار بذبحه الذباب، لأنه لو كان كافرًا لدخل النار بكفره، لا بذبح الذباب، فدلّ على أنه كان مؤمنًا، وهذه مسألة خطيرة جدًّا، فأين الذين يذبحون للقبور وللجن، وللشياطين، وللعفاريت، وللسخرة؟، فدلّ على أن الشرك الأكبر يخرج من الملة ولو كان شيئًا يسيرًا، فأمور التّوحيد وأمور العقيدة لا يُتسامح فيها.","vol":"1","page":173},{"text":"[الباب الحادي عشر:] * باب لا يُذبح لله بمكان يُذبح فيه لغير الله\nوقول الله تعالى: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ الآية.\nــ\nقال الشيخ ﵀: \"بابٌ لا يُذبح لله بمكان يُذبح فيه لغير الله\" هذا الباب تابعٌ للباب الذي قبله؛ لأن الباب الذي قبله: \"ما جاء في الذبح لغير الله\" يعني: أنه محرَّمٌ وأنه شرك، وهذا الباب فيه سدُّ الذريعة المُفْضية إلى الذبح لغير الله.\nوقوله: \"باب لا يذبحُ\" بضم (الحاء) على أنّ (لا) نافية، ويصلُح: \"لا يُذبحْ\" بإسكانها على أنّ (لا) ناهية، وحتى لو أخذناها على أنها نافية فالنفي هنا معناه: النهي، فالنفي يأتي بمعنى النهي، بل إذا جاء النهي بصيغة النفي كان أبلغ، مثل قوله ﷺ: \"لا تشد الرحال إلاَّ إلى ثلاثة مساجد\" هذا نفيٌ معناه: النهي، ومثله قوله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ هذا نفي معناه النهي عن هذه الأمور.\nوقوله: \"لا يذبحُ لله في مكان يذبح فيه لغير الله\" لأن الذبح في هذا المكان وإن كان لله ﷿، فإنه وسيلة إلى الشرك، وكذلك في الذبح في هذا المكان تعظيم له ومشابهة للمشركين، وقد نهى النبي ﷺ عن الوسائل المُفْضية إلى الشرك، مثل: نهيه عن الصلاة إلى القُبور وإنْ كان المصلي لا يصلي إلاَّ لله ﷿، ونهي عن الدعاء عند القُبور وإن كان الداعي لا يدعو إلاَّ الله وحده، لكن هذا المكان لا يصلُح التعبد لله فيه، لأنه وسيلةٌ إلى الشرك، وكذلك نهى عن الصلاة عند غروب الشمس لأنه وسيلة إلى عبادتها لأن المشركين كانوا يسجدون لها عند الغروب، ونهى عن الصلاة عند شروق الشمس لأن المشركين كانوا يسجدون لها في هذا الوقت؛ فكل موطن وكلُّ زمان قد اتخذه المشركون لعبادتهم فإننا نهينا أن نُشاركهم فيه، وأمرنا أن نبتعد عنه، من باب سدِّ الذرائع، ومن باب قطْع المشابهة للمشركين، ممّا يعطي دينَ الإسلام استقلالية تامّة عن كلِّ دين سواه في الأديان الباطلة.\nقوله: \"وقول الله تعالى: \" ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ \" أي: في مسجد الضرار، نهيٌ للنبي ﷺ عن الصلاة في هذا المسجد.","vol":"1","page":174},{"text":"وقصته: أنّ أبا عامر الفاسق كان قد قرأ الكتب السابقة في الجاهلية، وتعبّد حتى صار يُقال له: \"أبو عامر الراهب\"، ويعظِّمه الناس لِمَا يظهر عليه من الدين؛ فلما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة حسده وكفر به، وأبغض الرسول ﷺ؛ وسمّاه النبي بـ \"أبي عامر الفاسق\"، لأنه خرج عن طاعة الله وكفر برسول الله ﷺ.\nثم ذهب هذا الكافر إلى الشام يؤلِّب النصارى على رسول الله ﷺ، وكتب وهو في الشام إلى جماعة من المنافقين في المدينة: أنِ ابْنوا لنا مكانًا من أجل أن نجتمع فيه ونتشاور. يريدون أن يكون هذَا المكان محل اجتماع لأعداء الرسول ﷺ، يتشاورون فيه للكيْد للإسلام، وكانوا لم يجرءوا على أن يبنوه على أنه مَجْمَع، فأظهروه بصورة المسجد، وقالوا: بنيناه من أجل الضعيف والمريض والليلة المطيرة أو الليلة الشاتَية، وطلبوا من الرسول ﷺ أن يصلّي فيه، يريدون من هذا التغطية والخديعة.\nفوعدهم ﷺ وقال: \"إنا على سفر إلى غزوة تبوك، إنْ شاء الله إذا رجعنا نصلي فيه\"، فلما رجع النبي ﷺ من تبوك ولم يبق على وصوله إلى المدينة إلاَّ ليلة - أو ليلتان- أتاه الوحي من السماء، قال الله ﷾: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾، وبيّن سبحانه مقاصدهم الخبيثة في هذا البناء.\nوقوله: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ فيه: منع الرسول ﷺ من الصلاة في هذا المسجد وتيئيس لهؤلاء.\nففي هذه الآيات: أن النّيات تؤثِّر في الأمْكنة والمباني، النيّات الخبيثة تؤثر في الأمكنة والبِقاع خبثًا، والنيّات الصالحة تؤثِّر فيها بركة وخيرًا. ففيها: الحث على إصلاح المقاصد، وفيها: دليلٌ على أن الاعتبار بالمقاصد لا بالمظاهر؛ هؤلاء بنوا مسجدًا في الظاهر، ولكن ليس مقصودهم المسجد، فدلّ على أن ما كل من أظهر الصلاح يُقبَل منه حتى تُعرف حقيقته. وفيه: التنبيه على خِداع المخادِعين، وأن يكون المؤمنون على حذر دائمًا من المشبوهين ومن تضليلهم، وأنهم قد يتظاهرون بالصلاح، ويتظاهرون بالمشاريع الخيرية، ولكن ما دامت سوابقهم وما دامت، تصرُّفاتهم تشهد بكذبهم فإنه لا يُقبل منهم، ولا ننخدع بالمظاهر دون نظر إلى","vol":"1","page":175},{"text":"وعن ثابت بن الضحاك ﵁ قال: نذر رجل أن ينحر إبلًا....................................\nــ\nالمقاصد وإلى ما يترتب -ولو على المدى البعيد- على هذه المظاهر. ففيه: تنبيه المسلمين إلى الحذر في كل زمان ومكان من تضليل المشبوهين، وأن كل من تظاهر بالخير والصلاح والمشاريع الخيرية لا يكون صالحًا، إلاَّ من لم يكن له سوابق في الإجرام، ولم يُعرف عنه إلاَّ الخير؛ فهذا يُقبل منه، لكن من كان معروفًا بالسوابِق السيِّئة والمكائد الخبيثة، أو يظهر عليه أو على فلتات لسانه أو على كَلامه شيء؛ فإننا نأخذ الحذر منه ولا ننخدع، لأنّ الله جل وعلا نهى رسوله أن يصليَ في مكان أُعِدَّ للمعصية، فدلّ هذا على أنه لا يذبح لله في مكان يذبح فيه لغير الله، كما لا يصلى لله في مكان أُعِدَّ للمعصية والكفر، كذلك لا يُذبح لله في مكان أُعِدَ للمعصية. وقوله تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ هو مسجد قباء لصلاح نية أهله ﵃.\nوفيه: دليلٌ على فضيلة مسجد قباء، وفضل أهله رضوان الله عليهم، وأنّ هذا المسجد بقيَ له الفضل في الإسلام إلى أنْ تقوم الساعة، ويقصد للصلاة فيه ممّن كان في المدينة اقتداءً بالنبي ﷺ.\nقال: \"وعن ثابت بن الضحّاك\" الأشهلي ﵁، صحابيٌّ جليل.\n\"أن رجلًا نذر\" النذر في اللغة هو: الالتزام-؛ يقال: نذر كذا إذا التزمه، ونذر دم فلان بمعنى أنه التزم أن يقتله. وأما في الشرع: فالنذر معناه: \"إلزام المكلَّف نفسه طاعة لله لم تجب عليه بأصل الشرع\" من صلاة وصيام وحجٍّ وعمرة وصدقة وغير ذلك.\nوالنذر -في الأصل- غير مشروع، ولا يُستحب للإنسان أنه ينذر لنهيه ﷺ عن النذر وقال: \"إن النذر لا يأتي بخير، وإنما يُستخرج به من البخيل\"، وفي رواية: \"لا تنذروا\" - بالنهي- \"فإن النذر لا يأتي بخير\"، فما دام الإنسان على السَّعَة فإنه لا ينبغي له أن ينذر ليكون في سَعة، إنْ أراد أن يتعبّد ويأتي بالطاعة أتى بها، وإلاّ فليست لازمة له، ولكنه إذا نذر ورَّط نفسه، ووجب عليه الوفاء بالنذر، قال تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧)﴾، وقال تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾، قال","vol":"1","page":176},{"text":"ببوانة، فسأل النبي ﷺ؟ فقال: \"هل كان فيها وثْن فن أوثان الجاهلية يُعبد؟ \".\nــ\nتعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ﴾، وقال ﷺ: \"من نذر أن يطيع الله فليطعه\".\n\"أن ينحر إبلًا\" النحر معناه: ذبح الإبل في النحر -وهو اللَّبَّة-، يقال: نحر البعير، وذبح الشاة والبقرة. فالنحر خاصٌّ بالإبل، وأما الذبح فيكون لغير الإبل.\n\"ببُوانة\" (بُوانة) اسم موضع بين مكة والمدينة، قيل: إن قريبٌ من مكة عند (السعديّة) التي هي (يَلَمْلَم) ميقات أهل اليمن، وقيل إنه قريبٌ من المدينة عند (ينبع) . فالحاصل؛ أنه اسم موضع بين مكة والمدينة.\n\"فسَأل النبي ﷺ\" فيه دليل: على الرجوع إلى أهل العلم، وأن الإنسان لا يقدِم على شيء من العبادات حتى يعرف هل هو مشروع أو غير مشروع؟.\n\"فقال النبي ﷺ: \"هل كان فيها وَثنٌ من أوثان الجاهلية يعبد؟ \" يعني: هل كان في هذا المكان - ببُوانة- وثن من أوثان الجاهلية يُعبد، يعني: وأُزيل الآن.\nوالوثن: كل ما عُبد من دون الله من حجر ومن شجر أو صورة أو قبر، أما الصنم فهو خاصٌّ بما كان على صورة.\nو\"الجاهلية\" المراد بها: ما كان قبل الإسلام. وقد زالتْ -بحمد الله- ببعثة النبي ﷺ، لكن قد يبقى منها أشياء في بعض الناس، مثل قول النبي ﷺ لبعض أصحابه: \"إنك امرؤ فيك جاهلية\"، ومثل قوله ﷺ: \"أربع في أمتي من أمر الجاهلية؛ الطعن في الأنساب، والفخر بالأحساب والاستقاء بالنجوم والنياحة على الميِّت\". فقد يبقى من أعمال الجاهلية شيء في بعض المسلمين.\nأما الجاهلية العامة فقد زالتْ ببعثة النبي ﷺ، لا كما يقول بعض الكُتّاب: (جاهلية القرن العشرين)، أو (الجاهلية الحديثة) فلا يجوز مثل هذا التعبير لما فيه من التعميم. فهذا فيه: دليلٌ على أنّ الصنم ولو زال وأن الوثن ولو زال من المكان أنّ هذا المكان يُترك ولا يُذبح فيه، لأنه قال: \"هل كان فيها؟ \"، يعني: في الزمان الماضي؛ فدلّ على أنّ مكان الوثن يجب أن يُهجَر قال تعالى: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥)﴾ الرجز الأصنام وهجرها: تركها وترك المكان الذي كانت فيه.","vol":"1","page":177},{"text":"قالوا: لا، قال: \"فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ \"، قالوا: لا. فقال رسول الله ﷺ: \"أوف بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم\" رواه أبو داود، وإسناده على شرطهما.\nــ\nثم قال: \"فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ \" العيد: اسم لِمَا يعود ويتكرّر من الزمان أو المكان. فالعيد الزماني مثل: عيد الفطر وعيد الأضحى. والعيد المكاني: وهو المكان الذي يجتمع الناس فيه للعبادة مثل: عرفة، ومزدلفة، ومنى، هذه أعياد للمسلمين المكانية والزمانية.\nوالشاهد من هذا الحديث للباب في قوله ﷺ: \"هل كان فيها وثنٌ من أوثان الجاهلية يُعبد ... فهل كان فيها عيد من أعيادهم\" فدلّ على أنه لا يُذبح لله في مكان كان في السابق يُذبح فيه لغير الله، لأن هذا وسيلةٌ إلى الذبح لغير الله ﷿، كالصلاة عند القبر، وكالدعاء عند القبر، كل الوسائل التي تُفضي إلى الشرك ممنوعة؛ وكإسراج القبور نهى عنه النبي ﷺ لأنه وسيلةٌ إلى الشرك، والبناء عنى القبور نهى عنه الرسول ﷺ لأنه وسيلة إلى الشرك؛ كل الوسائل التي تُفضي إلى الشرك نهى عنها ﷺ، ومنها: الذبح لله في مكان يُذبح فيه لغير الله.\nوقوله: \"أوف بنذرك\" فيه دليل على وجوب الوفاء بالنذر إذا كان نذر طاعة. وقوله: \"فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله\" فيه تحريم الوفاء بنذر المعصية ومنه نذر الذبح في مكان يذبح فيه لغير الله.\nفهذا الحديث يدلُّ على مسائل عظيمة:\nالمسألة الأولى: أنّ الذبح عبادة لا تجوز لغير الله.\nالمسألة الثانية: فيه: مشروعية الرجوع إلى أهل العلم وسؤال أهل العلم؛ لأن هذا الرجل لم يُقدِم على تنفيذ النذر إلاَّ بعد أن سأل النبي ﷺ.\nالمسألة الثالثة: في الحديث دليل على مشروعية تثبُّت المفتي من حال السائل، ومقاصده قبل إصدار الفتوى؛ لأن الرسول ﷺ تثبّت قبل الفتوى؛ وبعض الناس يتسرّع في الفتوى مباشرة قبل أن يكمِّل السائل السؤال أو قبل أن يعرف مقصده.\nالمسألة الرابعة: وهي الشاهد للباب: أنه لا يُذبح لله بمكان يُذبح فيه لغير الله ﷿، لأن هذا من وسائل الشرك.","vol":"1","page":178},{"text":"المسألة الخامسة: فيه: خطورة الذبح لغير الله؛ لأنه إذا كان لا يُذبح لله في المكان الذي يُذبح فيه لغير الله فكيف بالذبح لغير الله؟.\nالمسألة السادسة: فيه: وُجوب الوفاء بالنذر إذا كان نذر طاعة.\nالمسألة السابعة: فيه: أنّ النذر إذا كان نذر معصية أو أنه لا يجوز الوفاء به أو في شيء لا يملكه الناذر فإنه لا يلزمه؛ وإنما اختلف العلماء: هل عليه كفّارة يمين أو لا؟، على قولين أرجحهما ليس عليه شيء.\nالمسألة الثامنة: في الحديث: دليلٌ على تحريم نذر المعصية، كمن نذر أن يقتل فلانًا- أو نذر الذبح لغير الله، أو نذر الذبح في مكان يُذبح فيه لغير الله، وفيه: دليل على تحريم الوفاء بنذر المعصية.","vol":"1","page":179},{"text":"[الباب الثاني عشر:] * باب من الشرك النذر لغير الله\nوقول الله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ .\nــ\nقال الشيخ ﵀: \"باب من الشرك النذر لغير الله\" النذر في اللغة: التزام فعل الشيء. وفي الشرع: التزام مكلّف فعل طاعة لم تجب عليه بأصل الشرع. وهذا منهيٌّ عنه؛ لما فيه من إحراج الإنسان لنفسه، وتحميلها شيئًا قد يشق عليها، وكان قبل أن ينذر في سعة من أمره؛ إن شاء فعل هذه الطاعة المستحبة، وإن شاء لم يفعلها، فلمَّا نذر فِعْلها لزمَتْه.\nوالدليل على أن الوفاء بنذر الطاعة عبادة: أن الله سبحانه ذكر أن من صفات الأبرار: أنهم ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾، وأمر بالوفاء به بقوله: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾، وقال النبي ﷺ: \"من نذر أن يطيع الله فليطعه\".\nوإذا كان كذلك فهو من أنواع العبادة، لأن العبادة كما عرّفها شيخ الإسلام ابن تيمية: \"اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة\"، فكل أنواع الطاعات التي أمر الله بها، أو أمر بها رسوله ﷺ ومنها الوفاء بالنذر عبادة، فمن صرف شيئًا من هذه الأنواع لغير الله صار مشركًا الشرك الأكبر الذي يُخرجه من المَلَّة.\nوالشيخ ﵀ في هذه الأبواب إنما يحكي أنواعًا تقع من بعض الناس وهي من الشرك، يريد أن يحذر المسلمين منها، ومن ذلك: النذر لغير الله من الجن، أو الأولياء والصالحين، أو أصحاب القبور، وهذا عبادة لغير الله ﷿ فهو شرك، وهذا واقع في هذه الأمة بكثرة، من حين وُجدت الأضرحة، وبُنيت على القبور، وصار كثير من الناس يتجهون إليها، لأنهم قيل لهم: إن هذه القبور فيها بركة، وفيها نفع، وفيها دفع ضرر، وإنها مجرَّبة، فمن نذر للقبر الفلاني، أو للشيخ الفلاني، فإنه يحصل له مقصوده، إن كان مريضًا يُشفى، وإن كانت امرأة تريد الحمل فإنها إذا نذرت للشيخ الفلاني أو للقبر الفلاني تحمل، وإذا حصل بالناس تأخر مطر ونذروا لهذه القبور نزل المطر، إلى غير ذلك من المُغْريات.","vol":"1","page":180},{"text":"وقد يفعلون هذا ويحصل لهم مقصودهم ابتلاءً وامتحانًا من الله ﷾، أو أن هذا يصادف قضاءً وقدرًا فيحصل، ويظنوا أنه بسبب النذر لهذا الميت أو لهذا القبر أو هذا الوليّ- بزعمهم-.\nوحصول المقصود لا يدل على جواز الفعل، فيجب أن يُتنبّه لهذه الشبهة، لأنهم أهلكوا بها كثيرًا من الناس، يقولون: القبر الفلاني مجرَّب، إذا فعل الإنسان عنده نذرًا أو ذبح ذبيحة يحصل له مقصوده، فبذلك انصرفت قلوب كثير من العوام والجُهَّال، أو حتى بعض من العلماء غير المحقِّقين إلى فعل هذا، والنبي ﷺ يقول: \"وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين\"، فالخطر شديد من هذه الأمور، لأنها كثُرت في الأمة، بسبب وجود هذه الأوثان التي يسمونها الأضرحة: ضريح السِتِّ نفيسة، ضريح البدوي، ضريح لفلان، صُرفت لها العبادات، من نذور، وذبح لغير الله، وتبرّك بها، وطواف بها، ودعاء عندها، إلى غير ذلك، أو استغاثة بها من دون الله ﷿، يدعونها: المدد يا فلان، المدد يا سيّدي فلان، أو يا رسول الله، أو يا عليّ، أو يا أي شخص ينادونه، حتى في حالة الشدائد التي كان المشركون الأولون يُخلصون فيها الدعاء لله، هؤلاء كلما اشتد بهم الكَرْب زاد شركهم، فصاروا يستغيثون بالأولياء، فالسفينة- أو المركب- إذا كرق في البحر- أو أشفى على الغرق- صاروا ينادون عليًّا، أو فلانًا، أو فلانًا؛ أدركنا، المدد يا فلان، ولا يقولون: يا الله، مع أن المشركين الأوّلين إذا مسّهم الضر في البحر ضل من يدعون إلاَّ الله ﷾، فينادون الله، ويُخلصون له الدين، فإذا أنجاهم إلى البر عادوا إلى الشرك.\nوالنذر على قسمين. نذر طاعة، ونذر معصية.\nفنذر الطاعة مثل: الاعتكاف في المسجد الحرام، أو الصلاة في المسجد الحرام، أو المسجد الأقصى، أو المسجد النبوي أو غيرها من المساجد ينذر أن يصلي في أحد المساجد الثلاثة، ويسافر إليه من أجل ذلك، هذا نذر طاعة، وهو في الأصل غير واجب، لكن لما نذره وجب عليه بنذره، والدخول في النذر ابتداءً غير مرغّب فيه، والنبي ﷺ نهى عن النذر، قال: \"لا تنذروا، فإن النذر لا يأتي","vol":"1","page":181},{"text":"وقوله: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ﴾ .\nــ\nبخير، وإنما يُستخرج به من البخيل\"، وذلك لأن الإنسان في سَعَة في أمور الطاعة غير الواجبة، إن شاء فعلها وله أجر، وإن شاء تركها ولا حرج عليه، والله لا يحب لنا أن نكلف أنفسنا شيئًا لم يوجبه علينا: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾، وإدخال الإنسان نفسه في نذر غير واجب عليه في الأصل، قد يعجز، وقد يشق عليه، وعلى هذا تُنزَّل الأدلة التي تمدح الذين يوفون بالنذر، قال تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧)﴾ هذا مدح لهم، بعد أن ينذروا، ليس مدحًا للدخول في النذر، وإنما هو مدح للوفاء به بعد لزومه، فالإنسان إذا التزم شيئًا لله من الطاعة وجب عليه الوفاء، قال ﷺ: \"اقضوا الله، فالله أحق بالقضاء\".\nونذر الطاعة دَين في ذمة المسلم؛ يجب عليه الوفاء به، ومن هنا مدحهم الله.\nفوجه الاستدلال من الآية الكريمة على أن النذر لغير الله شرك: لأنها دلّت على أن النذر عبادة، لأن الله مدح الموفين به، وإذا كان عبادة فصرفه لغير الله شرك.\nوفي الآية الثانية من سورة البقرة قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ﴾ ولازم ذلك: أن يجازيكم عليه، وهذا من باب الحث على الوفاء بالنذر.\nووجه الاستدلال من الآية الكريمة من وجهين:\nالوجه الأول: أن الله قرن النذر بالنفقة، والنفقة في سبيل الله طاعة، فدلّ على أن النذر طاعة.\nالوجه الثاني: قوله: \" ﴿فَإِنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ﴾ \" وهذا من باب الحث على النفقة، وعلى الوفاء بالنذر؛ فدلّ على أنه طاعة، وإذا كان النذر طاعة، فإن صرفه لغير الله شرك. هذا وجه استدلال المصنّف ﵀.","vol":"1","page":182},{"text":"وفي الصحيح: عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال:\nــ\nقال: \"وفي الصحيح عن عائشة ﵂\" عائشة هي أم المؤمنين، بنت أبي بكر الصديق- رضي الله تعالى عنها-، عقد عليها رسول الله ﷺ وهي في سن السابعة، ودخل بها وهي في سن التاسعة.\nوهذا فيه دليل على جواز تزويج الصغيرة وإن لم يكن لها إذن، لأنها في سن السابعة ليسن لها إذن، ولكن وليّها يقوم مقامها إذا رأى المصلحة أن يزوّجها وهي صغيرة، بأن يزوجها من رجل صالح، أو من عالم تقي، لأن لها مصلحة في ذلك، كما زوّج الصدِّيق رسول الله هذه الطفلة الصغيرة التي هي في سن السابعة، وهي في هذا السن ليس لها إذن، لكن وليّها يقوم مقامها إذا رأى المصلحة.\nكما أن فيه دليلًا على تزوج الكبير بالشابة، والآن ينادون ويحذّرون منه، ويشنِّعون على تزويج الكبير، ويعتبرونه جريمة، ووحشيّة، ويندّدون بمن فعله في الصحف والمجلاّت ووسائل الإعلام، بل ربما في الخطب والمحاضرات، وهذا الرسول ﷺ سيّد الخلق تزوّج عائشة وهو في سن الخمسين تقريبًا، وهي في سن السابعة، فدلّ على أنه لا بأس به، بل يرغب في تزويج الكبير من الشابّة إذا كانت المصلحة في ذلك، وأن هذه سنة نبويّة، فمن أنكر تزويج الكبير من الشابّة فإنه يُنكر سنة نبويّة، هذا إذا كانت المصلحة في ذلك.\nأما إذا لم يكن هناك مصلحة، وإنما هو استغلال من وليّ هذه الطفلة من أجل أن يأكل مهرها، ومن أجل أن يستغل تزويجها، وهي ليس لها مصلحة؛ فهذا لا يجوز.\nإنما نقول: إذا كانت المصلحة في ذلك فلا حرج في تزويج الكبير من الشابة، إذا كان في ذلك مصلحة وخير، وأن هذا من سنة الرسول ﷺ.\nوكانت ﵂ أفضل نساء النبي ﷺ ما عدا خديجة ﵂، فهناك خلاف: هل خديجة أفضل من عائشة؟، أو عائشة أفضل من خديجة؟.\nمن العلماء من قال: بأن خديجة أفضل من عائشة، ومنهم من كال:. عائشة أفضل من خديجة. والحقيقة أن لكل منهما فضائل لا تشاركها فيها الأخرى، لعائشة فضائل لا تشاركها فيها خديجة، ولخديجة فضائل لا تشاركها فيها عائشة. والإجماع","vol":"1","page":183},{"text":"\"من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصِه\".\nــ\nعلى أن خديجة وعائشة أفضل نساء النبي ﷺ، إنما الخلاف في أيِّهما أفضل.\nوكانت عائشة فقيهة من فقهاء الصحابة، وكانت راوية للأحاديث عن الرسول ﷺ، وكان كبار الصحابة يرجعون إليها في الرّواية والفتوى،- رضي الله تعالى عنها وأرضاها-، فهي عالمة فقيهة، وهي أم المؤمنين، وهي بنت الصديق الذي هو أفضل الصحابة، فلها فضائل- رضي الله تعالى عنها-، ولها مزايا.\nوقد روت \"أن رسول الله ﷺ قال: \"من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه\" الحديث صريح في أن النذر يكون طاعة، وإذا كان طاعة فهو عبادة، وإذا كان عبادة، فصرفه لغير الله شرك أكبر.\nهذا وجه استدلال المصنف ﵀ بهذا الحديث للباب.\nفقوله: \"من نذر أن يطيع الله\" بصلاة، بصيام، بحج، بعمرة، بصدقة، باعتكاف، أو بغير ذلك من أنواع الطاعات.\n\"فليطعه\" بفعل هذا النذر.\nفدلّ هذا على أن النذر عبادة، وعلى أنه يجب الوفاء به، لأنه دَين لله ﷿ في ذمة الناذر.\n\"ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه\" كان نذر أن يقطع رحمه، وأن لا يصل أباه أو أمه أو أخاه. فهذا نذر معصية لا يجوز له الوفاء به، أو نذر أن يقتل فلانًا؛ فهذا لا يجوز الوفاء به لأنه معصية، لأن القتل بغير حق معصية كبيرة، فلا يجوز الوفاء به، أو نذر أن يترك الصلاة، أو أن يشرب الخمر. كل هذه نذور معصية، سواء كانت المعصية بترك واجب أو بفعل محرّم، من نذر ذلك فإنه لا يجوز له الوفاء بهذا النذر، لأنه معصية لله.\nومن ذلك- بل أولى-: إذا نذر للقبور، لأن النذر للقبور شرك وهو من أعظم المعاصي، فلا يجوز له الوفاء به كما إذا نذر أن يذبح للبدوي، أن يذبح لأيّ ضريح من الأضرحة، أو أن يذبح للجن، أو أن يذبح للأولياء والصالحين يرجو نفعهم أو دفع الضرر عنه بالذبح لهم؛ فهذا من أعظم أنواع المعصية، ويدخل في قوله: \"ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه\"، لأن المعصية قد تكون شركًا، وقد تكون دون ذلك.","vol":"1","page":184},{"text":"فالحديث إذًا دليل على أن النذر عبادة، وأنه إذا نذر عبادة وجب عليه الوفاء بها، ولو صرفها لغير الله صار مشركًا، وعلى أنه لو نذر فعل الشرك، فإنه لا يجوز له الوفاء به، وكذلك إذا نذر المعصية التي هي دون الشرك، لا يجوز له الوفاء بنذر المعصية، وهذا محل إجماع: أنه لا يجوز له الوفاء بنذر المعصية، ولكن اختلفوا: هل تجب عليه كفّارة يمين أو لا تجب؟، من العلماء من رأى أنه تجب عليه كفّارة يمين بدل النذر، ومنهم من يرى أنه لا يجب عليه كفّارة يمين، نظرًا لأن نذر المعصية غير مُنْعَقِد أصلًا، فليس فيه كفّارة يمين. ولأن النبي ﷺ في هذا الحديث نهى عن فعله ولم يأمر بالكفارة.\nوعلى كل حال؛ تبيّن لنا من خلال هذه الآيات الكريمة وهذا الحديث أن النذر عبادة، وإذا كان عبادة فصرفه لغير الله شرك.\nفما يفعله عُبّاد القبور، والمتصوّفة، والمخرِّفون، من هذه النذور التي تقدّم للقبور، أو تقدّم للجن والشياطين، أو حتى للأولياء والصالحين، أنها عبادة لغير الله ﷿، وشرك بالله ﷿، فلا يجوز عملها، ويجب المنع منها، والتحذير منها، وأن هذه النذور باطلة، لا يجوز له الوفاء بها، فإن وَفَى بها ونفّذها صار مشركًا بالله الشرك الأكبر، فيجب عليه أن يتوب وأن يدخل في الإسلام من جديد. فهذا في النذر الواحد، فكيف بالذي أفنى عمره بالنذور، وضيع ماله بالنذور، كلما أحسَّ بشيء، أو خاف من شيء صار يَنْذُر للأولياء والصالحين؟!. فالمسألة خطيرة جدًا.\nولكن مهما عمل الإنسان من الشرك والكفر إذا تاب، تاب الله عليه، ولو أفنى عمره في الشرك والكفر ثم تاب توبة صحيحة تاب الله عليه: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ فلو أن هؤلاء القبوريّين تابوا إلى الله لتاب الله عليهم.","vol":"1","page":185},{"text":"[الباب الثالث عشر:] * بابٌ من الشرك الاستعاذة بغير الله\nوقول الله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦)﴾ .\nــ\nوهذا كالأبواب التي قبله في بيان أنواع الشرك التي يمارسها بعض الناس في مختلف الأزمان، ولا تزال تُمارس عند كثير من الناس.\nوالاستعاذة معناها: الاعتصام والالتجاء إلى الله ﷾ في دفع المكروه والشرور.\nوهو نوع من أنواع العبادة، لأن دفع الضرر، ودفع الشرور لا يقدر عليه إلا الله ﷾، فكل ما لا يقدر عليه إلاَّ الله فإنه لا يُطلب إلاَّ من الله، فإن طُلب من غيره كان ذلك شركًا، هذا وجه كون الاستعاذة بغير الله من الشرك، لأن الاستعاذة عبادة، وصرف العبادة لغير الله شرك، لماذا كانت عبادة؟، لأنها طلب دفع الضرر الذي لا يقدر على دفعه إلاَّ الله، وطلب ما لا يقدر عليه إلاَّ الله من غير الله شرك، ولأن الله تعالى أمر بالاستعاذة به دون غيره، قال تعالى في آيات من القرآن: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦)﴾، وقال تعالى لنبيه ﷺ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾، كما أنه سبحانه بيّن أن الاستعاذة بغيره من الشرك وذلك في سورة الجن: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦)﴾، وفي سورة الأنعام: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْأِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْأِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾، ففي هذه الآيات ما يبيّن أن الله أمر بالاستعاذة به وحده، ومنع من الاستعاذة بغيره، فدلّ على أن الاستعاذة عبادة، لا يجوز أن تُصرف لغير الله ﷾.\nقال الشيخ ﵀: \"وقول الله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦)﴾ \" هذه من جُملة الانتقادات التي انتقدها الجن الذين استمعوا للقرآن","vol":"1","page":186},{"text":"وآمنوا به، انتقدوها على قومهم من الجن، كما في قوله تعالى في أول السورة: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (٢) وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَدًا (٣)﴾، وبعد ما نزّهوا الله عن الشرك، وتبرءوا منه، جعلوا ينتقدون أقوامهم وما يفعلونه مما يخالف التّوحيد، ولهذا قالوا: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللهِ شَطَطًا (٤) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللهِ كَذِبًا (٥) وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦) وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ أَحَدًا (٧)﴾ إلى آخر السورة، وذلك أن النبي ﷺ لما خرج إلى أهل الطائف يدعوهم إلى الله ﷾، فردُّوه ردًّا قبيحًا، وأَغْرَوْ عبيدهم وسفهاءهم يرجمونه بالحجارة ﵊ رجع إلى مكة، وقد خرج من مكة على حالة شديدة: مات عمه الذي كان يدافع عنه، وماتت زوجته خديجة التي كانت تُؤَنِّسه، وكانت له نِعْم المعين على دعوته، ثم لما خرج إلى الطائف أُصيب بهذا الرد القبيح، اشتدت به الحال ﷺ جدًّا، وبينما هو كذلك يسّر الله له من الجن من استمع إلى القرآن وآمن به، وذلك أنه لما رجع من الطائف، وبلغ وادي نَخْلَة - بين مكة والطائف-، قام يصلي الفجر ويقرأ القرآن، واستمع له الجن، فأُعجبوا بالقرآن- كما في هذه السورة، وفي سورة الأحقاف-: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ يعني: بعد التوراة، ﴿يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١)﴾، وفي سورة الجن: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾، فهذا فيه فرج من الله ﷾ لنبيه، وتسلية لنبيه، وأن الله يقيِّض له من يتبعه ويؤمن به، لأنه مبعوث إلى الإنس والجن.\n\" ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ﴾ \" الإنس: بنو آدم.\n\" ﴿يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ \" الجن المُراد بهم: عالم من عالم الغيب، يعيشون معنا في هذه الأرض، وهم مكلّفون، مأمورون بطاعة الله، ومَنْهِيُّون عن معصية الله، مثل الإنس، لكننا لا نراهم، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ﴾ يعني: إبليس ﴿هُوَ وَقَبِيلُهُ﴾","vol":"1","page":187},{"text":"يعني: جماعته من الجن ﴿مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾، فهم يروننا ونحن لا نراهم، وقد يتصوّرون بصور متشكّلة، ويتصوّرون بصور حيّات، وبصور حيوانات، وبصور آدميين، أعطاهم الله القُدرة على ذلك، وهم عالم مخلوق من نار، والإنس خُلقوا من الطين، كما قال تعالى: ﴿خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤)﴾ يعني: من الطين، ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (١٥)﴾ الجان: جمع جنِّي، سُمُّوا بالجن لاجتنانهم أي: استتارهم عن الأنظار، ومنه سُمِّي الجَنين في بطن أمه لأنه لا يُرى، فهو مُجْتَنّ في بطن أمه، ومنه المِجن الذي يتّخذ في الحرب يتوقّى به المقاتل سهام العدو، سُمِّي مِجَنًّا لأنه يُجِنُّه من السهام، ومنه قوله ﷺ: \"الصوم جُنّة\" بمعنى: أنه ساتر بين العبد وبين المعاصي، يستتر به من المعاصي، ومن كيد الشيطان، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا﴾ ﴿جَنَّ عَلَيْهِ﴾ يعني: غطّاه ظلام الليل.\nفالحاصل؛ أن الجن عالم خفي، لا نراهم، وهم يعيشون معنا، وهم مكلّفون كما كُلِّفنا بالأوامر والنواهي.\nوالإيمان بوجودهم من الإيمان بالقلب، تصديقًا لخبر الله ﷾، وخبر رسوله ﷺ، فوجود الجن ثابت بالكتاب والسنة والإجماع، ومن جحد وجود الجن فهو كافر، لأنه مكذِّب لله ولرسوله ولإجماع المسلمين، وهل كل ما لا يراه الإنسان يُنكر؟.\nوقد ظهرت طائفة من جهلة الأطباء- كما يقول الإمام ابن القيّم-، وكذلك من بعض المفكِّرين والكُتّاب المنتسبين للإسلام؛ ينكرون وجود الجن، لأنهم لا يؤمنون إلاَّ بما تقرّه عقولهم، وعقولهم لا تتّسع للتصديق بهذه المغيّبات، وكذلك الجن يمسُّون الإنس ويخالطونهم ويصرعونهم، وهذا شيء ثابت، لكن من جَهَلَة الناس من يُنكر صَرْع الجن للإنس، وهذا لا يَكْفُر، لأن هذه مسألة خفيّة، ولكنه يُخطّأ، فالذي يُنكر مسّ الجن للإنس لا يُكَفَّر، ولكن يضلّل، لأنه يُكذِّب بشيء ثابت، أما الذي يُنكر وجودهم أصلًا فهذا كافر، فقوله تعالى: \" ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ \" أي: يلتجئون إليهم ليدفعوا عنهم الشرور.\n\" ﴿فَزَادُوهُمْ﴾ \" زاد الجن الإنس، \" ﴿رَهَقًا﴾ \" أي: خوفًا، فالجن تسلّطوا على","vol":"1","page":188},{"text":"وعن خَوْلَة بنت حكيم قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"من نزل منزلًا فقال: أعوذ بكلمات التّامّات من شر ما خلق؛ لم يضره شيء حتى يرحل من منزله ذلك\" رواه مسلم.\nــ\nالإنس لمّا رأوهم يعوذون بهم، وزادوهم خوفًا وقلقًا، وأُعجبوا بأنفسهم، وقالوا: إننا أَخَفْنا الإنس، وصاروا يستعيذون بنا.\nوسبب نزول هذه الآية: أن العرب كانوا في الجاهلية إذا نزلوا منزلًا قال أحدهم: أعوذ بسيّد هذا الوادي من شر سفهاء قومه، فأنزل الله هذه الآية: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ .\nفهذه عقيدة جاهليّة، أبطلها الله ﷾ بالأمر بالاستعاذة به وحده لا شريك له، وذلك في قوله: \"عن خَوْلَة بنت حكيم\"- رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله ﷺ قال: \"من نزل منزلًا فقال: أعوذ بكلمات الله التامّات من شر ما خلق، لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك\" رواه مسلم.\nهذه هي الاستعاذة الشرعية البديلة من الاستعاذة الشركية.\nفقوله: \"أعوذ بكلمات الله التّامّات من شر ما خلق\" كلمات الله: المُراد. بها: كلامه ﷾ المنزّل على رسوله ﷺ. والاستعاذة بالقرآن مشروعة، لأن القرآن كلام الله، فالاستعاذة بالقرآن استعاذة بصفة من صفات الله، وهي الكلام، وليست استعاذة بمخلوق.\nواستدلّ أهل السنّة والجماعة بهذا الحديث على أن القرآن غير مخلوق، لأنه لا تجوز الاستعاذة بالمخلوق، فلو كان القرآن مخلوقًا- كما تقوله الجهمية والمعتزلة- لصار هذا من الاستعاذة بالمخلوق، وهي شرك، كما دلّ هذا الحديث على مشروعية الاستعاذة بالله ﷿، وترك الاستعاذة بغيره ﷾.\nوقوله: \"التّامّات\" أي: الصادقات العادلات، التي لا يتطرّق إليها نقص، لأن كلام الله ﷾ كامل، لأن الله جل وعلا كامل وصفاته كاملة، وكلامه كامل لا يتطرّق إليه النقص: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾، ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)﴾ .","vol":"1","page":189},{"text":"فكلمات الله تامّة، لا يتطرّق إليها نقص بوجه من الوجوه، ولذلك كان القرآن الكريم كاملًا، لا يتطرّق إليه نقص، واف بحوائج الناس، والحكم فيما بينهم، وإزالة الشكوك والشرك والكفر والإلحاد، وبيان الأحكام والعدل بين الناس، كل هذا في القرآن، لأنه كلام الله ﷾، وفضل كلام الله على كلام غيره كفضل الله ﷾ على خلقه.\nفالحاصل؛ أن الكتاب والسنّة قد دلاّ على أن الاستعاذة عبادة، وما دام أنها عبادة، فالاستعاذة بغير الله تكون شركًا أكبر يَخرج به صاحبه من الملّة، فالذي يستعيذ بالجن أو بالشياطين يكون كافرًا الكفر الأكبر، مشركًا بالله ﷿، كالذين يكتبون الحُجُب والطلاسم، ويستعيذون بالشياطين وبِمَرَدَة الجن، ويكتبون أسماء الشياطين في كتاباتهم، وفي طلاسمهم، وكذلك الذين ينادون الجن عند الشدّة وعند الخوف هذا- أيضًا- كله من الشرك الأكبر لأنه استعاذة بغير الله ﷾، ومن هذا -أيضًا- من يستعين بالجن عندما يتخاصم مع أحد فيقول: يا جن خذوه، افعلوا به كذا وكذا. وهذا شرك بالله ﷿ إذا كان يقصد الاستعانة بهم، وكذلك الذي يعالج الناس بالاستعانة بالجن وسؤالهم عن المرض أو عن الذي سحر المريض.\nوفي قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْأِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْأِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾، قال العلماء في تفسير هذه الآية: \"استمتاع الإنس بالجن: أنهم يستعيذون بهم مما يكرهون، ويطلبون منهم ما يريدون، فالجن تخدمهم، وتحضّر لهم الغائب والبعيد، وتقضي بعض حوائجهم، لأن هناك أشياء لا يقدر عليها الإنس، فهم يستعيذون بالجن، ويستمتعون بالجن، بمعنى: أن الإنس يستخدمون الجن في بعض أمورهم، هذا استمتاع الإنس بالجن.\nواستمتاع الجن بالإنس: أن الإنس يخضعون لهم ويعظمونهم ويجلّونهم، ففي هذا استمتاع للجن بالإنس، فكل من الفريقين استمتع بالآخر، هذا استمتع بحصول حوائجه، وهذا استمتع بتعظيمه، وصرفه هذا الإنسي إلى الكفر بدل الإيمان.\nفدلّ على أن الاستعانة بالجن شرك أكبر، ولو سميت بغير الشرك، لو سميت: بالاستخدام، أو الزار، أو ما أشبه ذلك من الأسماء.","vol":"1","page":190},{"text":"فالواجب أن الإنس يتوبون إلى الله ﷾ من ممارسة هذه الأعمال مع الجن.\nوالواجب على الجن: أن يتوبوا إلى الله من إضلال الإنس وإغوائهم، لأن الكُل عباد من عباد الله، يجب عليهم مخافة الله وخشيته والرغبة إليه، وطاعته، وطاعة رسله، وترك ما حرّم الله.\nوقد تلاعب بعض الأشرار من الإنس بعقائد الناس، وبأكله لأموالهم، وشعوذته عليهم، ولاسيما عند البوادي والقرى البعيدة عن حضور مجالس الذكر، فإن هذا يكثر كلما كثر الجهل، وحقيقة هذا أنه عَمِيل للجن، وأنه مشرك بالله ﷿، ولا يقتصر شره على نفسه، بل يضلِّل الناس، ويُفسد عقائد الناس، ويأتي إليه الناس ويسألونه، ويُخبرهم بالمغيّبات، أو يأمرهم بالذبح لغير الله، أو غير ذلك من أنواع الشرك.\nفهذه مسألة خطيرة، يجب على أهل العلم وعلى الدعاة إلى الله ﷾ أن يبيّنوها للناس، وأن يتجوّلوا في القرى، وفي البوادي، ويوضِّحوا هذا الأمر للناس، لأنهم - والله أمانة في أعناق طلبة العلم، وفي أعناق الدعاة-، هذا هو المطلوب.\nأما أنك تتكلّم أمام الناس عن قضايا السياسة ونحوها؛ فهذه ما فائدة الناس منها؟، ما فائدة البدو في الصحراء، أو الناس في القرية، ما فائدتهم من هذه الأمور؟، وهم واقعون في الشرك، أو يجهلون قراءة الفاتحة التي هي ركن من أركان الصلاة؟!، يجب علينا أن نتقي الله ﷾، وأن نعلم أن منهج الرسول ﷺ: دعوة، وتعليم، وإرشاد، وتوجيه فيما ينفع الناس، وأيضًا معالجة ما وقع فيه الناس في بلدهم وفي أنفسهم. أما أنك تجلب لهم مشاكل من بعيد، وتريد منهم أن يعالجوا قضية أمريكا، أو قضية الجزائر، أو قضية السودان؟، وهم مساكين، ما بيديهم شيء، وأيضًا هم واقعون فيما هو أخطر من ذلك وهو الجهل وفساد العقيدة، لماذا لا تعالج هذا الأمر؟.\nوأنا ليس غرضي بهذا الكلام أن أتنقّص أحدًا، لا والله، ولكن غرضي أن أبيّن الطريقة الصحيحة للدعوة، ونفع الناس.\nفإن هذه الأبواب من أبواب \"كتاب التّوحيد\" تُعالج واقع الناس، لماذا","vol":"1","page":191},{"text":"لا نشرحها للناس، ونبيّنها للناس، ونوضِّحها، ونحفِّظهم هذه الآيات وهذه الأحاديث ونشرحها لهم، ولو شرحًا وجيزًا على قدر أفهامهم، ينتفعون بها؟.\nهذه هي الدعوة إلى الله ﷿، وهذا العلم النافع.\nتعلمون ما للدعاة من الأثر وماذا حصل بسبب دعوتهم من الخير:\nفالشيخ: محمد بن عبد الوهاب، كيف أثر في دعوته من الإصلاح والنّفع للمسلمين، الذي لا نزال ننتفع به- ولله الحمد-.\nالشيخ: عبد الله القرعاوي في الجنوب، كما تعلمون إلى عهد قريب، والآن تلاميذه وطلاّبه ماذا أثّر من الخير؟.\nالشيخ: فيصل بن مبارك في الشمال، ماذا أثّر من الخير، ولا يزال تلاميذه الآن مصابيح هدى، يبيِّنون للناس الحق.\nأما أن تجلب للناس مشاكل الخارج وتشغلهم بها؛ فهذه ما هي بدعوة إلى الله، وإنما هي اشتغال بأمور لا تفيد الناس، ولا تحل مشاكلهم، ولا تُصلح فسادهم، وإنما تُحْبِط أفهامهم، وقد تسبِّب سوء الظن بالمسلمين وبولاة الأمور، وتفرّق الكلمة. فالواجب علينا أن نتنبّه لهذا.\nأنا ما أقول هذا من أجل الغَمْط من أحد، لا والله، ولكني أتأسف من واقع بعض الدعاة الذي تردّى إلى هذا المستوى.\nونسأل الله سبحانه أن يأخذ بأيدينا وأيديهم إلى الصلاح والفلاح والاستقامة، والسير على منهج الرسول ﷺ فيما ينفعنا وفيما ينفع الناس، كما قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾، ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾، هذا منهج الرسل- عليهم الصلاة والسلام-.\nنسأل الله ﷿ أن يوفقنا جميعًا لما فيه خيرنا وخير أمتنا، وصلاحنا وصلاحهم، وأن يصلح ولاة أمورنا، وأن يأخذ بأيديهم إلى ما فيه الخير للأمة، وما فيه صلاح الأمة.","vol":"1","page":192},{"text":"[الباب الرابع عشر:] * بابٌ من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعوَ غيره\nــ\nهذا الباب جاء في سياق الأبواب التي تبيّن أنواعًا من الشرك يقع فيها بعض الناس في مختلف العصور والأزمان.\nفقوله: \"من الشرك\"، أي: من أنواع الشرك الأكبر: \"أن يستغيث بغير الله\" فيما لا يقدر عليه إلاَّ الله.\nوالاستغاثة: طلب الغوث، ولا تكون إلاَّ في وقت الشدّة.\nوأما الدعاء فهو عام في وقت الشدّة وفي غيرها، فعطف الدعاء على الاستغاثة من عطف العام على الخاص.\nوالاستغاثة بالمخلوق على قسمين:\nالقسم الأول: الاستغاثة بالمخلوق فيما لا يقدر عليه إلاَّ الله ﷾، فهذه هي الشرك الأكبر، لأنها صرف للعبادة لغير الله ﷾.\nأما الاستغاثة بالمخلوق فيما يقدر عليه المخلوق كاستغاثة بغيره في الحرب ليساعده ويناصره على عدّوه؛ فهذا جائز، كما قال الله تعالى عن موسى ﵇: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾، فالاستغاثة بالمخلوق فيما لا يقدر عليه- كالاستغاثة بالأموات والغائبين- شرك أكبر، لأنه يستغيث بمن لا يقدرون على شيء أبدًا، فالذين يستغيثون بالأضرحة، وبالأولياء وبالصالحين، والأموات، أو يستغيثون بالغائبين من الجن، أو بالشياطين، كل هذا من النوع الممنوع.\nأما الدعاء، فهو أعم من الاستغاثة- كما سبق-، وهو نوعان: دعاء عبادة، ودعاء مسألة.\nودعاء العبادة هو: الثناء على الله ﷾ بأسمائه وصفاته.\nودعاء المسألة هو: طلب الحاجات من الله ﷾.\nويجتمع النوعان في سورة الفاتحة، فقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾، هذا دعاء عبادة، لأنه ثناء على الله، وقوله: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾","vol":"1","page":193},{"text":"وقول الله تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦)﴾ .\nــ\nدعاء عبادة، ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ دعاء عبادة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، دعاء عبادة، ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ إلى آخر السورة دعاء مسألة.\nولهذا يقول الله جل وعلا في الحديث القدسي: \"قسمت الصلاة\" يعني: الفاتحة، سماها صلاة لأنها دعاء \"بيني وبين عبدي نصفين\" لأن أولها دعاء عبادة الله، وآخرها دعاء مسألة، والعلاقة بين دعاء العبادة ودعاء المسألة: أن دعاء العبادة مُسْتَلْزِم لدعاء المسألة، فإذا قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ يلزم من هذا أنه يسأل الله ﷾، ودعاء المسألة متضمِّن لدعاء العبادة، بمعنى: أن دعاء العبادة داخل في دعاء المسألة، فالذي يسأل الله حوائجه يتضمّن سؤاله أنه يعبد الله بذلك.\nقال: \"وقول الله تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦)﴾ \"، والآية التي تليها: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٠٧)﴾ الآيتان من آخر سورة يونس.\nيقول الله جل وعلا لنبيه ﷺ: \" ﴿وَلا تَدْعُ﴾ \" هذا نهي من الله لنبيه عن دعاء غير الله، والخطاب الموجه للنبي ﷺ موجه إلى أمته، إلاَّ إذا دلّ دليل على اختصاصه به، فهذا النداء عام للنبي ﷺ ولأمته، ولأنه إذا نُهي النبي ﷺ عن ذلك، فغيره من باب أولى.\n\" ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ \" أي: غير الله.\n\" ﴿مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ﴾ \" \" ﴿مَا﴾ \" موصولة، أي: الذي لا ينفعك ولا يضرك، وذلك لأن المدعو إما أن يُطلب منه جلب خير، وإما أن يطلب منه دفع ضرر، وهذا إنما يختص بالله ﷾، فإنه هو الذي يقدر على دفع الضرر وجلب الخير، ودعاء الأموات وأصحاب القبور والأصنام والأوثان والأشجار والأحجار، لا يجلب خيرًا ولا يدفع ضررًا. وكل ما يُدعى من دون الله فهو بهذه المثابة، لا ينفع ولا يضر،","vol":"1","page":194},{"text":"لأنها إما أحجار جامدة، وإمّا صور وتماثيل، وإما قبور هامدة، وإما أشجار، أو غير ذلك، فهي مخلوقات لا تقدر على جلب نفع ولا دفع ضرر، فالدعاء إنما يصلح أن يوجه لمن يقدر على ذلك، وهو الله ﷾.\n\" ﴿فَإِنْ فَعَلْتَ﴾ \" يعني: دعوت غير الله مما لا ينفعك ولا يضرك، وهذا من باب الافتراض، وإلاّ محال أن النبي ﷺ سيفعل ذلك، ولكن لو قُذُّر أنه فعله وهو أكرم الخلق، فإنه يكون من الظالمين، فكيف بغيره، إذا دعا غير الله؟، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥)﴾ يعني: أوحي إلى الرسول ﷺ، وإلى غيره من الأنبياء السابقين أنه لو قُدِّر أن أحدًا منهم- وحاشاهم عليهم الصلاة والسلام- دعا غير الله، وأشرك بالله حبط عمله، وصار من الخاسرين ولو كان من الأنبياء، فكيف بغيرهم؟، ولما ذكر الله ﷾ إبراهيم وذريته، فقال: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (٨٦)﴾، لما ذكر الله ﷾ أنبياءه في هذه الآيات قال: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، لو أشرك هؤلاء الأنبياء ﴿لَحَبِطَ﴾ أي: لبَطَلَ ﴿عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: بطلت جميع أعمالهم. فدلّ على أن الشرك مُحبط للأعمال، ولو صدر من خير الخلق، وهم الأنبياء، فكيف إذا صدر ممن هو دونهم؟، إذا هو يُخرج من المِلّة، ويُحبط جميع الأعمال، فالدعاء عبادة، بل هو أعظم أنواع العبادة، قال ﷺ: \"الدعاء هو العبادة\" كما قال ﷺ: \"الحج عرفة\" يعني: أعظم أركان الحج عرفة، فكذلك أعظم أنواع العمادة الدعاء.\nثم قال تعالى: \" ﴿فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ \" يعني: من المشركين، لأن الشرك أعظم أنواع الظلم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾، والظلم في الأصل: وضع الشيء في غير موضعه، والشرك وضع للعبادة في غير مستحقها، فلذلك صار أعظم أنواع الظلم.","vol":"1","page":195},{"text":"﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ الآية.\nوقوله: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللهِ الرِّزْقَ﴾ .\nــ\nوقوله: \" ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ﴾ \" هذا تقرير لإبطال دعاء غير الله، \" ﴿فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ \" هذا- أيضًا- فيه إبطال دعاء غير الله، لأن هذه المدعوات لا تقدر على كشف الضر، ولا تقدر على جلب الخير، وهذا كما في قوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا (٥٦)﴾، ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾، وفي قوله تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢)﴾، وكما في قوله ﷺ: \"واعلم أن الناس لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لن ينفعوك إلاَّ بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلاَّ بشيء قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلام، وجَفَّتِ الصحف\".\nفالنفع والضرر إنما هو من الله ﷾، فهو الذي يستحق أن يُدعى لطلب الخير، ويُدعى- أيضًا- لرفع الشر، وكشف الضر، هو الذي يملك ذلك ﷾، لا تملكه جميع المخلوقات، وكذلك في سورة الأنعام: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧)﴾، فالنفع والضر بيد الله ﷾، فيجب على العباد أن يتوجهوا إلى الله، وأن يدعو الله وحده، ولا يدعوا معه غيره ﷾.\nقال: \"وقوله: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللهِ الرِّزْقَ﴾ \" وكمال الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ هذا من جملة ما ذكره الله تعالى عن خليله إبراهيم -﵊- مما خاطب به قومه قال تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٦) إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١٧)﴾ .","vol":"1","page":196},{"text":"فقوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا﴾ لأن الرزق من الله ﷾ فهو الرزاق: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾، ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ﴾، فلو أنّ الله منع المطر من السماء الذي هو سبب الرزق واجتمع أهل الأرض كلهم أن يُوجدوا المطر لن يستطيعوا أبدًا.\n\" ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللهِ الرِّزْقَ﴾ \" أي: اطلبوا الرزق من الله ﷾، فإن الله قريب مجيب لمن دعاه، ولا تطلبوا الرزق من الأوثان التي لا تملك شيئًا.\n﴿وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ هذا فيه توجيه من الله ﷾ لعباده أن لا يطلبوا الرزق من غيره، وأن يعبدوه ولا يعبدوا غيره، فإنهم إذا عبدوه رزقهم، كما قال تعالى: \" ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ﴾، فالرزق إنما يُسْتَجْلَب بعبادة الله ﷾، وأما المعاصي فإنها تسبِّب منع الرزق، فما يحصل في الأرض من المجاعات ومن شُحّ الأرزاق إنما سببه الكفر والمعاصي، وما يحصل في الأرض من خيرات وأرزاق فسببه الطاعة والعبادة إلاَّ أن يكون استدراجًا.\nفهذه الآية كالتي قبلها فيها وجوب التَّوَجُّه إلى الله سبحانه بالدعاء، وطلب الحاجات، وتفريج الكُرُبات، وطلب الرزق، وأن أحدًا غيره لا يملك رزقًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا﴾، فكيف يطلب الرزق ممن لا يملكه.\nوفاقد الشيء لا يعطيه.\nوقوله: ﴿إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ في الدار الآخرة بعد الموت، فيجازيكم بأعمالكم.\nوهذا تنبيه على أن هناك دار جزاء، وأنكم إن أحسنتم فستلقون الجزاء الحسن، وإن أسأتم فستلقون الجزاء السيء، فأنتم لستم بمهملين، ولا مضيّعين، ولا متروكين، لابد لكم من موعد مع الله ﷾ في موقف الحساب، فاستدركوا لأنفسكم قبل الموت، وتوجهوا إلى الله، وأخلصوا له العبادة، وأصلحوا الأعمال، لأنكم تُرجعون إلى الله، وهذا الموعد ما أحد يتخلّف عنه، لا الكافر، ولا المسلم.","vol":"1","page":197},{"text":"وقوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ الآية.\nــ\nقال: \"وقول الله ﷾: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، وتتمة الآية: ﴿وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (٦)﴾، الآيات من سورة الأحقاف.\n\" ﴿وَمَنْ أَضَلُّ﴾ \" لا أحد أشدّ ضلالًا، \" ﴿مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللهِ﴾ \" أي: غير الله.\n\" ﴿مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ \" هل الصنم استجاب لأحد في يوم من الأيام؟، هل القبر استجاب لأحد في يوم من الأيام؟، هل الشجرة التي- تُعبد من دون الله استجابت لأحد؟، أبدًا، ولو قُدِّر أنه يحصل للمشرك مقصوده، فهذا ليس من المعبود من دون الله، وإنما هو من الله ﷾، أجراه امتحانًا له، واستدراجًا له، حتى يظن أن هذا من القبر، فيستمر في الشرك- والعياذ بالله.\nوقد ذكر شيخ الإسلام في إحدى رسائله- أو في كثير من رسائله- ما معناه: أن ما يحصل لعبّاد القبور من قضاء الحاجات، فليس ذلك دليلًا على صحة مذهبهم، لأن حصول المقصود يكون ابتلاءً وامتحانًا من الله ﷾، ويكون من أجل الاستدراج كما قال تعالى: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (٤٤)﴾، ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾، فالله ﷾ يُمْهِل ويستدرج، من أجل أن يزداد هذا الكافر وهذا المشرك آثامًا يُعَذَّب بها يوم القيامة، فليس هذا من صالحه، فإذا حصل لعبّاد القبور شيء من مقاصدهم، فهذا من إهانة الله لهم، واستدراجهم.\nوذكر الشيخ- أيضًا- أنه يمكن أن الشياطين تتصوّر أحيانًا بصورة المقبور، وتخرج على الناس الذين يدعون القبر بصورة المقبور وتخاطبهم، وتقول نحن نقضي حوائجك، والشيطان قد يأتي لهم بأشياء بعيدة، قد يسرق من أموال الناس أشياء ويأتي بها لهم، ويظنون أن هذا من الميت، والميت ما درى عن شيء من هذه الأمور، الميت مشغول بنفسه إما في نعيم وإما في عذاب في قبره، وإذا حشر الناس يوم القيامة، وبُعث هؤلاء المشركون، وبُعث هؤلاء الموتى يوم القيامة كانوا أعداءً لمن عبدهم يتبرءون من هؤلاء الذين عبدوهم في الدنيا أحوج ما يكونون إليهم، كما","vol":"1","page":198},{"text":"وقوله: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ .\nــ\nقال تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦)﴾، ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾ يعني: الشياطين، ﴿أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ لأن الشياطين هي التي دعتهم إلى هذا الشيء فأجابوا، فهم لم يعبدوا الملائكة، وإنما عبدوا الشياطين الذين أمروهم بذلك، فالحاصل؛ أنه في يوم القيامة يتبرّأ كل من عُبد من دون الله، ممن عبده، ويحصل بينهم عداوة، بين الداعين والمدعوين.\n\"وقوله: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ \" هذا استفهام من الله تعالى للمشركين، يقول: أنتم تشركون بالله ﷿ في حالة الرخاء، ولكن إذا وقعتم في الشدة والاضطرار دعوتم الله مخلصين له الدين فأنقذكم، فلماذا تُشركون به في حالة الرخاء؟، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْأِنْسَانُ كَفُورًا (٦٧)﴾ \"، فالله ﷾ يقول: إذا كان لا ينقذكم من الشدائد إلاَّ الله باعترافكم-، فكيف تُشركون به في حالة الرخاء، هل هذا إلاَّ التناقض؟.\nوقوله:\" ﴿وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ \" أي: لا أحد يكشف السوء سواه، والمشركون يعترفون أنه لا أحد يكشف السوء إلاَّ الله ﷾، فلماذا يعبدون غيره؟.\nوتمام الآية: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ من هو الذي يداول الدنيا بين الناس، يداول الغنى والفقر، ويداول العز والذل، ويداول الملك بين الناس، فقوله: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ تخلفون الجيل الذي قبلكم في الملك، وفي الأموال، وفي العقارات، وفي كل شيء، جيل يخلف جيلًا، من هو هذا الذي يدبر هذا التدبير؟، هل هي الأصنام؟، كلا، بل هو الله، وهم يعترفون بهذا.\nثم قال: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ﴾ هل يستحق أحد العبادة مع الله ﷾؟، هذا إلزام لهم ببطلان ما هم عليه من عبادة غير الله.\nولهذا قال: ﴿تَعَالَى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي: تنزه عن الشرك.\nوفى الآية السابقة فائدة عظيمة وهي: أن الله سمّى الدعاء عبادة، فقال: ﴿وَكَانُوا","vol":"1","page":199},{"text":"روى الطبراني بإسناده أنه كان في زمن النبي ﷺ رجل منافق يؤذي المؤمنين، فقال بعضهم: قوموا بنا نستغيث برسول الله ﷺ من هذا المنافق،......................................\nــ\nبِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾، لأنه في أول الآية قال: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو﴾، وإذا كان الدعاء عبادة فصرفه لغير الله شرك، كما في الآية الأخرى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾، يعني: عن دعائي، فسمّي الدعاء عبادة، وإذا كان الدعاء عبادة فصرفه لغير الله شرك.\nقوله: \"كان رجل\" لم يذكر اسمه هنا، وورد أنه عبد الله بن أبي، رأس المنافقين.\n\"منافق\" النفاق هو: إظهار الخير وإبطان الشر، وهو نوعان: نفاق اعتقادي، ونفاق عملي.\nوالنفاق الاعتقادي كفر أكبر، وصاحبه في الدرك الأسفل من النار، ومعناه: أن يُظهر الإيمان ويُبطن الكفر.\nوسبب النفاق: أنه لما اعتزّ الإسلام بعد هجرة الرسول ﷺ صار هناك أُناس يريدون العيش مع المسلمين، ولكنهم لن يستطيعوا أن يعيشوا بين المسلمين إلاَّ إذا أظهروا الإسلام، وهم لا يريدون الإسلام ولا يحبُّون الإسلام، فلجأوا إلى حيلة النفاق، وهي: أن يُظهروا الإسلام من أجل أن يعيشوا مع المسلمين، ويبقوا في قرارة نفوسهم على الكفر. فسموا بالمنافقين، هذا هو النفاق الاعتقادي.\nوأما النفاق العملي فمعناه: أن بعض المسلمين الذين عقيدتهم سليمة ومؤمنون بالله، لكنهم يتصفون ببعض صفات المنافقين، مثل: الكذب في الحديث، والغدر في العهد، وإخلاف الوعد، قال ﷺ: \"آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان\"، هذا نفاق عملي، صاحبه مؤمن، ولكن فيه خَصْلَة من خصال المنافقين، وهي خطيرة جدًّا، ربما أنها تؤول إلى النفاق الأكبر إذا لم يتب منها.\n\"يؤذي المؤمنين\" بمعنى: أنه يضايق المسلمين بكلامه وبتصرّفاته، يسخر من","vol":"1","page":200},{"text":"فقال النبي ﷺ: \"إنه لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله\".\nــ\nالمسلمين، يتلّمس معايب المسلمين، ينال من الرسول ﷺ، وينال من المؤمنين، ويتتبّع العثرات. فدلّ على أن إيذاء المسلمين من النفاق.\n\"فقال بعضهم\" لم يسمّ القائل، وقد ورد في بعض الروايات أنه أبو بكر الصديق ﵁.\n\"قوموا بنا نستغيث برسول الله ﷺ\" يعني: نستجير به، ونحتمي به \"من هذا المنافق\" ليردعه عنا ويكفّه عنا.\nوالنبي ﷺ استنكر هذه اللفظة، فقال: \"إنه لا يستغاث بي، وإنما يُستغاث بالله ﷿\" مع أن الرسول ﷺ قادرًا على أن يَرْدَع هذا المنافق؟، وأن يُغيث المسلمين من شرّه؟، بلى، هذا من الاستغاثة الجائزة، لأنه استغاثة بالرسول ﷺ فيما يقدر عليه، لكن الرسول تأدُّبًا مع الله ﷾، وتعليمًا للمسلمين أن يتركوا الألفاظ التي فيها سوء أدب مع الله ﷿، وإن كانت جائزة في الأصل، فقال: \"إنه لا يُستغاث بي\" وهذا من باب التعليم وسدّ الذرائع لئلا يُتَطَرَّق من الاستغاثة الجائزة إلى الاستغاثة الممنوعة، فالرسول ﷺ منع من شيء جائز خوفًا أن يُفضي إلى شيء غير جائز، مثل ما منع من الصلاة عند القبور، والدعاء عند القبور، وإن كان المصلي والداعي لا يدعو إلاَّ الله، ولا يصلِّي إلاَّ لله، لكن هذا وسيلة من وسائل الشرك، كذلك هنا؛ فالرسول أنكر هذه اللفظة سدًّا للذرائع، وتعليماُ للمسلمين، أن يتجنّبوا الألفاظ غير اللائقة.\nفإذا كان الرسول أنكر الاستغاثة به فيما يقدر عليه، فكيف بالاستغاثة به فيما لا يقدر عليه إلاَّ الله ﷾؟، وكيف بالاستغاثة بالأموات؟. هذا أشد إنكارًا.\nوإذا كان الرسول ﷺ منع من الاستغاثة الجائزة به في حياته تأدُّبًا مع الله، فكيف بالاستغاثة به بعد وفاته ﷺ؟، وكيف بالاستغاثة بمن هو دونه من الناس؟. هذا أمر ممنوع ومحرّم. وهذا وجه استشهاد المصنف ﵀ بالحديث للترجمة.\nإذًا فقول البوصيري:\nيا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم\nإن لم تكن في معادي آخذًا ... بيدي فضلًا وإلاّ قل يا زلّة القدم","vol":"1","page":201},{"text":"فإن من جودك الدنيا وضرّتها ... ومن علومك علم اللّوح والقلم\nأليس هذا من أكبر الشرك؟\nيقول: ما ينقذ يوم القيامة إلاَّ الرسول ﷺ، ولا يخرج من النار إلاَّ الرسول، أين الله ﷾؟.\nثم قال: إن الدنيا والآخرة كلها من جود الرسول ﷺ، وعلم اللّوح المحفوظ والقلم الذي كتب في اللوح المحفوظ بأمر الله هو بعض علم الرسول، إذ الرسول يعلم الغيب.\nوهذه القصيدة- مع الأسف- تُطبع بشكل جميل وحرف عريض، وتوزّع، وتُقرأ، ويُعتنى بها أكثر مما يُعتنى بكتاب الله ﷿، فلا حول ولا قوة إلاَّ بالله العلي العظيم.\nالحاصل؛ أن الرسول ﷺ إذا كان أنكر على خواص أصحابه هذه الكلمة، وقال: \"إنه لا يستغاث بي\" وهذا في الدنيا، مع أنه قادر على أن يغيثهم من المنافق، فكيف يُستغاث به بعد وفاته ﷺ، كيف يُستغاث بمن هو دونه من الأولياء والصالحين؟، هذا أمر باطل، والاستغاثة لا تجوز إلاَّ بالله، فيكون في هذا شاهد للترجمة: \"بابٌ من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعوَ غيره\" والمناسبة ظاهرة ولله الحمد والمنة، وكل هذا من أجل حماية التّوحيد، وصفاء العقيدة، والمنع من كل ما يُفضي إلى الشرك ولو على المدى البعيد.\nالشرك لا يُتساهل فيه أبدًا، والطُّرُق التي توصِّل إلى الشرك لا يُتساهل فيها أبدًا، وأنتم تعلمون ماذا حصل في قوم نوح، وأن الشرك حصل فيهم بسيف تعليق الصور، والغلو في الصالحين، وكانوا في وقتهم لم يشركوا، ولكن صار هذا وسيلة إلى الشرك فيما بعد؛ لما مات أولئك، ونُسي العلم أو نُسخ العلم عُبدت هذه الصور، فالوسائل إذا تُسوهل فيها أدّت إلى الشرك. فالواجب علينا منع الشرك، ومنع وسائله، وأسبابه، وأن لا نسمح بالألفاظ الشركية، ولا بأي شيء يُفضي إلى الشرك، وعلينا أن نحذر من ذلك صيانةً للعقيدة، وحماية للتّوحيد، وإشفاقًا على المسلمين من الضلال والكفر والإلحاد، فإنه ما حصل هذا الشرك في الأمة، وما","vol":"1","page":202},{"text":"حصل هذا الضلال في الأمة إلاَّ لما تساهل الناس في أمر العقيدة، وسكت العلماء عن بيان خطر الشرك، والتحذير من أسباب الشرك، ورأو الناس على الشرك وعبادة القبور ولم ينهوهم. هذا إذا أحسنّا بهم الظن، وقلنا: إنهم ينكرون هذا بأنفسهم، ولكن ما قاموا بواجب الأنكار، إما إذا كانوا يرون هذا جائزًا، فهذا شرك وكفر لأن من رضي به صار مثل من يفعله.\nنسأل الله ﷿ أن يحفظ لنا ديننا وعقيدتنا، وأن يجعلنا من الدعاة إليه بالحكمة، والدعوة إلى سبيله بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن.","vol":"1","page":203},{"text":"[الباب الخامس عشر:] * بابٌ قول الله تعالى\n﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١) وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا﴾ الآية.\nــ\nما في هذا الباب من الأدلة من الكتاب والسنّة أراد الشيخ ﵀ من سياقها بيان أدلة بُطلان الشرك، لأن القرآن الكريم جاء بالدعوة إلى التّوحيد، وعبادة الله وحدة لا شريك له، وجاء بالنهي عن الشرك، وهو عبادة غير الله ﷾، والنهي عن ذلك.\nفقوله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ هذا استفهام، معناه: الإنكار.\n\" ﴿مَا لا يَخْلُقُ شَيْئًا﴾ \" أي: هذا الشرك باطل؛ بدليل أن هذه المعبودات من دون الله لا تخلق شيئًا، فهي عاجزة لأن الذي يستحق العبادة هو الخالق، فالذي يقدر على الخلق هو الذي يستحق العبادة، أما الذي لا يقدر على الخلق فهذا لا يستحق العبادة، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ لا تجعلوا لله شركاء وأنتم تعلمون أن هذه الشركاء لا تقدر على خلق شيء، ولا على رَزْق، ولا على إحياء، ولا إماتة، فهي عاجزة، وكما في قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (١٧)﴾، فالذي يستحق العبادة هو الخالق، أما الذي لا يقدر على الخلق فهذا عاجز لا يستحق العبادة، فكيف يُسَوَّى العاجز بالقادر؟، كيف يُسَوَّى المخلوق بالخالق ﷾؟: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٢١)﴾، وقال تعالى في تعجيز المشركين وآلهتهم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣)﴾، فهذه المعبودات بجميع أنواعها سواءً كانت أحجارًا، أو أشجارًا، أو قبورًا وأضرحة، أو ملائكة، أو أنبياء، أو صالحين من المؤمنين، كلهم يدخلون تحت هذا الوصف؛ لا يقدرون على خلق شيء، لأن المخلوق لا يستطيع أن يخلق، فكيف يُتخذ معبودًا مع الله ﷾؟.","vol":"1","page":204},{"text":"وفي هذه الآية يقول: \" ﴿لا يَخْلُقُ شَيْئًا﴾ \" وشيئًا نَكِرَة في سياق النفي تَعُم، يعني: لا يخلقون أي شيء ولو كان قليلًا، ولو يجتمع العالم كله بما فيهم المَهَرة والصنّاع والمهندسون والأطباء، ويُطلب منهم أن يخلقوا حبة شعير ما استطاعوا.\nثم قال: \" ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ \" أي: هذه المعبودات التي تعبدونها مخلوقات لله ﷾: فهم لم يخلقوا أنفسهم، ولم يخلقوا غيرهم، فكيف تتّخذونهم مع الخالق ﷾؟، هل هذا إلاّ من باب المكابرة، ومن باب العِناد.\nفالذي يُشرك بالله أيًّا كان هذا الشيء قد قامت عليه هذه الحجة في أن هذا المعبود عاجز، لكن أين العقول التي تفكِّر؟، هؤلاء الذين يزعمون أنهم مفكِّرون، وأنهم مَهَرَة، وأنهم مثقفون، وأنهم.. وأنهم، تجدهم يخضعون للقبور، ويعبدون الأموات، ويذبحون لها، وينذرون لها، ويستغيثون بها، وهم يسمعون هذا القرآن.\nثم قال ﷾: ﴿وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا﴾ أي: هذه المعبودات وهذه الأصنام لا تملك نصرًا لمن دعاها، إذا وقع المشرك في كُربة، أو في ضيق، أو في مرض، لا يستطيع أحد من الخلق أن يُنقذه إلاّ بإذن الله: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إلاّ إِيَّاهُ﴾، ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢)﴾، ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾، وهنا يقول: \" ﴿وَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ \" لا يملك المعبودون \" ﴿لَهُمْ﴾ \" للعابدين ﴿نَصْرًا﴾ عندما يتسلط عليهم عدو، أو يتسلط عليهم سَبُع، أو يتسلط عليهم خوف، فإنها لا تستطيع هذه المعبودات أن تنصرهم على عدوهم، ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ﴾، ﴿وَمَا النَّصْرُ إلاّ مِنْ عِنْدِ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ فالنصر من الله ﷾، ولو كانت هذه المعبودات تُغني عن المشركين شيئًا ما انهزموا في بدر، ولا انهزموا في الأحزاب، ولا انهزموا يوم فتح مكة، وفي يوم حنين، وأما المؤمنون فالله نصرهم ﷾، وهم قِلّة، كانوا في بدر ثلاثمائة وبضعة عشر، والمشركون يزيدون على الألف، والمسلمون ليس معهم عُدّة ولا سلاح إلاّ قليل، والمشركون مُدَجَّجُون بالسلاح: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ","vol":"1","page":205},{"text":"وقوله: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ الآية.\nــ\nيَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (١٣)﴾، حتى الشيطان لما تراءى الجمعان قال: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ﴾، أما الله جل وعلا فكان مع أوليائه، وكان مع عباده، فنصرهم على عدوّهم مع قلّة عددهم وضعف عُددهم، والمشركون لم يجدوا من ينصرهم، أين ذهبت آلهتهم؟\n\" ﴿وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ \"أي: هذا المعبود الضعيف إذا نزل به آفة لا يستطيع أن يُنقذ نفسه، فكيف ينقذكم؟\nهذا الميت المقبور المدفون لا يستطيع أن يتخلص من الموت ومن القبر ومما هو فيه، مشغول عنكم بنفسه؛ إما في عذاب وإما في نعيم، لا يسمع دعاءكم.\nوهذه الأشجار والأحجار التي تعبدونها جمادات لا تستطيع نصركم ولا تنصر نفسها، الصنم الكبير يحطمه الطفل ولا يستطيع أن ينصر نفسه، يقع عليه الذباب ويقذِّره ولا يستطيع أن يَنْفي عن نفسه، الذباب الضعيف: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾ .\nيُروى أن بعض المشركين له صنم، فجاء الثعلب وبال عليه، فلما رآه عابده فكّر وقال:\nأرب يبول الثعلبان برأسه ... لقد هان من بالت عليه الثعالب\nفعند ذلك فكّر وترك عبادة الأصنام.\nويدخل في هذه الآية كل ما عُبد من دون الله من الملائكة، والأنبياء، والصالحين، والأشجار، والأحجار، كلها مخلوقات ضعيفة، لا تستطيع أن تنصر نفسها، فكيف تنصر غيرها؟\nوقوله ﷾: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ أي: غير الله ﷾، وهذا يشمل كل ما عُبد من دون الله، لأن الاسم الموصول من صيغ العموم، فيشمل كل ما عُبد من دون الله من آدميِّين، أو أحجار، أو أشجار، أو ملائكة، أو غير ذلك. والقطمير هو الغشاء الرقيق الذي يكون على النواة وهو شيء حقير: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ .","vol":"1","page":206},{"text":"يُشترط في المدعُو ثلاثة شروط:\nالأول: أن يكون مالكًا لما يطلب منه.\nالثاني: أن يكون يسمع الداعي.\nالثالث: أن يكون يقدر على الإجابة.\nوهذه الأمور لا تتّفق إلاّ في الله ﷾، فإنه المالك، السميع، القادر على الإجابة، أما هذه المعبودات فهي أولًا: فقيرة، ليس لها ملك. ثانيًا: لا تسمع من ودعاها. وثالثًا: لو سمعت فإنها لا تقدر على الإجابة.\nففي قوله تعالى: ﴿مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ انتفى الشرط الأول.\nوفي قوله: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾ انتفى الشرط الثاني.\nوفي قوله: ﴿وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ انتفى الشرط الثالث.\nإذًا بَطل دعاؤها.\nثم قال ﷾: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ إذا جاء يوم القيامة يتبرّؤون منكم، وكل المعبودات من دون الله تتبرّأ ممن عبدها يوم القيامة، حتى الشيطان يتبرأ: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إلاّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ﴾، يعني: ما أنا بمغيثكم. والصريخ: المغيث. يعني: لا أقدر على إغاثتكم ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ أنتم لا تقدرون على إغاثتي، كقوله سبحانه: ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ .\nوكذلك الملائكة يتبرؤون ممن عبدهم يوم القيامة، قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (٤١)﴾، يعني: يعبدون الشياطين التي دعتهم إلى هذا، أما نحن براء منهم، وحاشا وكلا أن ترضى ملائكة الرحمن بأن تُعبد من دون الله، فضلًا عن أن تدعَو إلى ذلك، وإنما هذا من عمل الشياطين.\nوعيسى ﵇ يقول الله له يوم القيامة: ﴿وَإِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ","vol":"1","page":207},{"text":"وفي الصحيح عن أنس قال: شُجَّ النبي ﷺ يوم أحد، وكُسِرت رباعيته،\nــ\nإِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦) مَا قُلْتُ لَهُمْ إلاّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧)﴾ .\nوكذلك سائر المعبودات: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا﴾ يتمنون ﴿كَرَّةً﴾ يعني: رجوعًا إلى الدنيا ﴿فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ﴾ نتبرّأ من هذه الأصنام والمعبودات، ﴿كَمَا تَبَرَّأُوا مِنَّا﴾ لكن أين؟، ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ نعوذ بالله.\n﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥)﴾ لا يسمعون دعاءهم في الدنيا، ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (٦)﴾ هذا خبر من الله ﷾ عن مصير هؤلاء المشركين يوم القيامة، يُخبرهم بما يكون إليه الأمر يوم القيامة من أجل أن يتوبوا إلى الله ﷾، وهذا رحمة منه بعباده، ولهذا قال: ﴿وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ لا ينبئك ويُخبرك عن الأشياء مثل خبير بها وهو الله ﷾، هو الذي يعلم الأشياء والعواقب، ويعلم المآل والمصير، وهو يُخبركم أيها الناس بأن من عبد غير الله فإنه سيتبرّأ منه يوم القيامة، فخذوا حذركم. وهذا رحمة من الله ﷾، وأخبر أنه لا ينبئك بالأمور وعواقبها ونتائجها وثمراتها إلاّ الخبير بالأمور، أما الجاهل فإنه لا يستطيع أن يُخبرك عن شيء، ولو أخبرك فإن خبره يكون غير صحيح، أما الله جل وعلا إذا أخبر بخبر فإنه يكون واقعًا لابد منه، وكذلك رُسُلُه، لأنهم يخبرون عن الله ﷾.\nأما هؤلاء المشعوذون والصوفيّة والمخرّفون الذين يُدعون الناس إلى عبادة الأضرحة والمقامات، ويقولون: هذه فيها بركة، وفيها.. وفيها. هؤلاء كذبة، فلا تصدقوهم.\nقال: \"وفي الصحيح\" يعني: الصحيحين.\n\"عن أنس قال: شُجَّ النبي ﷺ\" الشَّجَّة هي: الجرْح في الرأس والوجه خاصة،","vol":"1","page":208},{"text":"أما الجرح إذا كان في البدن فهذا لا يُسمى شَجَّةً، وإنما يُسمى جراحة.\n\"يوم أحد\": جبل يقع في الشمال الشرقي من المدينة، حصلت عنده وقعة أحد في السنة التي بعد وقعة بدر، فالمشركون تجمعوا وأرادوا الانتصار لأنفسهم، وجمعوا جنودًا بقيادة أبي سفيان بن حرب، وجاءوا يريدون الانتقام من الرسول ﷺ وأصحابه، الذين أصابوهم يوم بدر، جاءوا ونزلوا عند هذا الجبل، فخرج إليهم رسول الله ﷺ بأصحابه الكرام من المهاجرين والأنصار، والْتقى بهم في هذا المكان، ونظّم ﷺ المقاتلين، وجعل على الجبل الذي خلفهم جماعة من الرُّماة يحمون ظهور المسلمين، ودارت المعركة، والرُّماة على الجبل يحرسون المسلمين، وصار النصر في الأول للمسلمين لما كانوا يمشون على خُطّة الرسول ﷺ، وشرعوا يجمعون الغنائم، فلما رآهم الرُّماة الذين على الجبل ظنُّوا أن المعركة انتهت، فقالوا: نَنْزِل نساعد إخواننا على جمع الغنائم، فقال لهم قائدهم عبد الله بن جبير ﵁: لا تنزلوا، لأن الرسول ﷺ قال لنا: لا تتركوا الجبل، سواءً انتصرنا أو هُزمنا. ولكنهم خالفوا قائدهم ونزلوا، فلما رأى خالد بن الوليد- وكان يوم ذاك مشركًا-، لما رأى الجبل فَرَغ- وهو كان من الشُّجعان وساسة الحرب- عرف أن هذه الثغرة انفتحت لهم، فدار بمن معه، وانقضوا على المسلمين من الخلف، وما شعر المسلمون إلاّ والمشركون يضربونهم من الخلف، فحينئذ اختلط الجمعان: المسلمون والكفّار، ودارت المعركة من جديد، وأصيب المسلمون عقوبة لهم بسبب مخالفة أمر النبي ﷺ. وفي هذا نزل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ﴾، يعني: تقتلونهم، وهذا في أول المعركة، ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ عقوبة لكم.\nوالنبي ﷺ شُجَّ في رأسه، وهشم المغفرُ على رأسَه، وغاصت حلقتان في وجنته ﷺ، وكُسِرت رُباعِيّته﵊-، ووقع في حفرة، وأشاع المشركون أن محمدًا قد قُتل، فلما أشاع المشركون هذه الشائعة وصاح الشيطان بذلك، حصل على المسلمين مصيبة أكبر من مصيبة القتل، كل هذا بسبب المعصية.","vol":"1","page":209},{"text":"فقال: \"كيف يُفلح قوم شَجُّوا نبيهم؟ \" فنزلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ .\nــ\nانظروا يا عباد الله، معصية واحدة وليست من الجميع، وإنما هي من بعض الصحابة حصل بسببها هذه العقوبة على خير الخلق، فكيف بنا نحن، ونحن نرتكب من المعاصي والمخالفات الشيء الكثير؟، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله، فهذا فيه خطورة المعاصي، ومخالفة أمر النبي ﷺ.\nثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ هذا تطمين لهم بعدما وَبَّخهم ﷺ، لأنهم أحبابه وأولياؤه.\nوقد \"شُجَّ النبي ﷺ\" وهذا دليل على أن الرسول ﷺ لا يملك لنفسه ضرًّا ولا نفعًا، فلا تجوز عبادته.\nوهذا من أدلة بطلان الشرك؛ أن المخلوق وإن بلغ من المنزلة العالية فإنه مخلوق، لا يستحق شيئًا من العبادة، فأشرف الخلق محمد ﷺ وقع عليه الضرر، ج وجُرح﵊-، فدلّ على أنه لا تجوز عبادته من دون الله، وإذا كان كذلك فغيره من باب أولى، فلا تجوز عبادة الأولياء والصالحين ومَن دون ذلك، لأن كل الخلق لا تجوز عبادتهم، لا الملائكة، ولا النبييون، ولا الأولياء، ولا الصالحون. العبادة حق لله ﷾، لا يجوز صرفها لغيره، وقال تعالى: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إلاّ مَا شَاءَ اللهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إلاّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨)﴾ .\nفإذا كان الرسول لا تجوز عبادته من دون الله ﷿، فكيف بغيره من الخلق؟، والرسول لم يستطع الدفع عن نفسه: ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا (٢١) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٢)﴾ .\nولما شُجَّ النبي ﷺ يوم أحد قال﵊-: \"كيف يُفلح قوم شَجُّوا نبيهم؟ \" استبعد ﷺ فلاحهم، واستبعد استجابتهم للدعوة، لأنهم بلغوا من العناد، وبلغوا من المشاقة إلى هذا الحد، فهؤلاء بعيد أن يستجيبوا، وإذا لم يستجيبوا فلن يفلحوا، ولكن الله جل وعلا يعلم المستقبل وما يكون، فعاتبه وقال: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨)﴾ وهذا- أيضًا- دليل آخر على عدم استحقاقه لشيء من العبادة، الأمر في هذا الكون والتدبير لله ﷾،","vol":"1","page":210},{"text":"وفيه عن ابن عمر ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر: \"اللهم العَنْ فلانًا وفلانًا\" بعدما يقول: \"سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد\"، فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ .\nــ\nوإنما الرسول ﷺ مبلِّغ عن الله، والأمر لله ﷾: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، فالأمر لله ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾، وإنما الرسل- عليهم الصلاة والسلام- مبعوثون عن الله فقط، ودعاة إلى الله.\n\" ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ \" لا أمر النصر، ولا أمر الهزيمة، ولا أمر التوبة، ولا أمر الفلاح، ولا أمر الدخول في الإسلام والهداية، وإنما كل هذا بيد الله ﷾، أنت ليس عليك إلاّ البلاغ: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إلاّ الْبَلاغُ﴾، ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾، هذه وظيفة الرسول ﷺ أنه مبلِّغ عن الله فقط، أما أنه يملك النفع والضَّر والنصر والرَّزق والحياة والموت؛ فهذا لا يملكه أحد إلاّ الله ﷾.\nقال \"وفيه\" أي: في الصحيح، يعني: صحيح مسلم.\n\"عن ابن عمر\" هو: عبد الله بن عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنهما-، من فقهاء الصحابة، ومن العُبّاد.\n\"أنه سمع رسول الله ﷺ يقول إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر: \"اللهم العن فلانًا وفلانًا\" يدعو الرسول ﷺ على فلان وفلان أن يطردهم الله من رحمته؛ بسبب أنهم أَلَّبُوا المشركين، وجاءوا لحرب الرسول ﷺ، وأوْقعوا بالمسلمين هذه المصيبة.\nفيه دليل على مشروعيّة القنوت في صلاة الفجر عند النوازل، أي: ما تنزل بالمسلمين نازلة من مداهمة عدو، أو حصول بلاء فيه خطورة على المسلمين، فإنهم يُشرع لهم أن يقنتوا في صلاة الفجر، بمعنى أنهم يدعون في صلاة الفجر لرفع هذا البلاء الذي عليهم، أو على إخوانهم من المسلمين، فالقنوت عند النوازل من سنّة الرسول ﷺ، كما في هذا الحديث، أما القنوت في صلاة الفجر في غير النوازل على صفة مستمرّة؛ فهذا ليس بمشروع عند جمهور أهل العلم.","vol":"1","page":211},{"text":"وفي رواية: يدعو على صفوان بن أُميّة، وسُهيل بن عمرو، والحارث بن هشام. فنزلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ .\nــ\nقال: \"وفي رواية: يدعو على صفوان بن أُميّة، وسُهيل بن عمرو، والحارث بن هشام\" هذا تفسير لقوله:\n\"اللهم العن فلانًا وفلانًا\"، وأن المراد بهم هؤلاء الأشخاص، لأنهم من قادة المشركين يوم أحد مع أبي سفيان، وكان النبي ﷺ يدعو عليهم لمِا وقع منهم، ولكن الله يعلم من حال هؤلاء وما يؤول إليه أمرهم ما لا يعلمه الرسول ﷺ، فإن هؤلاء تاب الله عليهم وأسلموا، وحسُن إسلامهم ﵃.\nولما ارتدّ الناس بعد وفاة النبي ﷺ وقف سهيل بن عمرو خطيبًا في أهل مكة يُثبِّتهم على الإسلام، وقال لهم: يا أهل مكة لا تكونوا آخر من أسلم وأوّلُ من ارتد. فثبت أهل مكة على الإسلام، ولم يرتدُّوا بسب هذا الرجل الذي جعل الله فيه الخير.\nفهذا دليل على أن الإنسان مهما بلغ من الضلال، ومهما بلغ من الكفر، فإنه لا ييأس من هدايته، لأن القلوب بيد الله ﷾.\nوهذا دليل على أنه لا يعلم الغيب إلاّ الله ﷾، وأنك لا تحكم على المعينين بالنار إلاّ من حكم عليه الله ﷾ في القرآن، أو حكم عليه الرسول ﷺ.\nولهذا من عقيدة أهل السنّة والجماعة: أنهم لا يشهدون لأحد بجنة ولا نار إلاّ من شهد له رسول الله ﷺ، ولكنهم يرجون للمحسنين، ويخافون على المسيئين، ولا يجزمون لأحد لأن العواقب بيد الله ﷾، والإنسان مهما بلغ من الكفر والشرك والعناد، فإنه قد يهديه الله ﷾، ويُصبح من أولياء الله الصالحين.\nفهؤلاء أسلموا، وحسُن إسلامهم- رضي الله تعالى عنهم-، مع أنهم آذوا الرسول، وقاتلوه، وآذوا المسلمين، ولكن منّ الله عليهم بالهداية.\nفالحاصل؛ أن هذه الآية الكريمة وما جاء في سبب نزولها فيها دليل على بُطلان الشرك، لأن الرسول ﷺ ومعه سادة المهاجرين والأنصار حصل عليهم من الضرر والهزيمة في وقعة أحد ما حصل، وهم سادات الأولياء، فدلّ على أنه لا يجوز التعلق بغير الله ﷾، لأن هؤلاء لم يستطيعوا الدفع عن أنفسهم، فكيف يدفعون عن غيرهم، لأن المخلوق مهما كان فإنه مخلوق، وهو فقير إلى الله ﷾، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ .","vol":"1","page":212},{"text":"وفيه: عن أبي هريرة ﵁ قال: قام فينا رسول الله ﷺ حين أنزل عليه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ فقال:\nــ\nقوله: \"وفيه\" يعني: في صحيح البخاري.\n\"عن أبي هريرة\" أبو هريرة اشتهر بكنيته، أما اسمه فاختلف فيه العلماء على أقوال كثيرة، أصحها أنه: عبد الرحمن بن صخر، من قبيلة دوس المشهورة، قَدِم على النبي وأعلن إسلامه، ولازم النبي ﷺ ملازمة تامة، يروي عنه الأحاديث، واهتمّ بذلك اهتمامًا عظيمًا، حتى أصبح من أكثر الصحابة رواية للحديث، فإنه يوجد له في كتب السنّة ما يزيد على خمسة آلاف حديث، فهو أكثر الصحابة رواية للحديث، لأنه تفرغ لذلك، تفرّغًا تامًّا، واهتم به، اهتمامًا تامًا، فأعانه الله على ذلك، وحفظ لهذه الأمة قسمًا كبيرًا من سنة رسول الله ﷺ، فهو راوية الإسلام- رضي الله تعالى عنه-.\nوقد تعجّب بعض الجهّال في هذا العصر، الذين تأثروا بدعايات المستشرقين، أو بدعايات المبتدعة، فاستغربوا كثرة الأحاديث التي رواها هذا الصحابي الجليل، فصاروا يتكلمون كلامًا سيّئًا في حق أبي هريرة ﵁، ولكن الله قيِّض من علماء الإسلام من دحض هذه الشبهات، وردها في نحورهم، وبيّن منزلة هذا الصحابي الجليل من بين الصحابة، واهتمامه بأحاديث رسول الله ﷺ، فهناك كتابات كثيرة تدافع عن مرِويّات هذا الصحابي الجليل وتدحض شبهات المستشرقين والمبتدعة من الشيعة وغيرهم.\n\"قال: قام فينا رسول الله ﷺ\" جاء في الحديث الآخر: أنه قام على الصفا.\n\"حين أنزل عليه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ \" أمره الله ﷾ أن يُنذر عشيرته الأقربين، كما أمره الله أن يُنذر الناس عامة، لأنه رسول إلى العالم كله: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾، رسالته ﷺ عامة للثقلين الجن والإنس، وقد بلّغ البلاغ المبين، ولكنه اختص عشيرّته، لأمر الله له بذلك.\nوفي هذا دليل على وجوب المبادرة إلى فعل الأوامر، فإنه ﷺ لما نزل عليه \" ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ \" بادر بتنفيذ ذلك وإبلاغه، ففيه دليل على وجوب المبادرة بامتثال أوامر الله ﷾، وأن الإنسان لا يتوانى إذا بلغه أمر من أوامر الله، أو","vol":"1","page":213},{"text":"أمر من أوامر رسول الله ﷺ؛ فإنه يبادر إلى تنفيذه، ولا يتوانى، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ .\nوالإنذار معناه: الإخبار والتحذير من وقوع أمر مكروه، وأما البشارة فهي الإخبار عن أمر سار، فالله جل وعلا بعث هذا النبي بشيرًا ونذيرًا، بشيرًا للمؤمنين بالخير والجنة، ونذيرًا للكافرين بالنار والعذاب إلاّ أن يتوبوا إلى الله ﷾.\nوالعشيرة: جماعة الرجل الذين ينتسب إليهم.\nوالأقربين يعني: أقرب الناس إلى الإنسان، لأن القرابة تتفاوت، منها القرابة القريبة كالآباء، والأمهات، والإخوان، والأخوات، والأعمام، والعمّات، ومنهم أقارب أباعد مثل أبناء الأعمام، وأبناء أبناء الأعمام إلى آخره، فهم أقارب، ولكنهم أقارب بعيدون.\nوفى هذا دليل على أن الداعية والأمر بالمعروف والناهي عن المنكر يبدأ بأهل بيته وخاصته أوّلًا، ثم بجيرانه وأهل بلده، ثم يتمدّد بالخير إلى من حوله من البلاد، أما العكس وهو أن يذهب إلى الأباعد أو إلى البلاد البعيدة ويترك أهله، ويترك بلده، ويترك أقاربه، فهذا خلاف منهج الرسول ﷺ الذي أمره الله تعالى به في هذه الآية، فمن منهج الدعوة البداية بالأقارب، وبأهل البيت، كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ أمر بوقاية النفس أوّلًا، ثم بوقاية الأهلين، وذلك لأن الأقارب لهم حق، ومن أعظم حقوقهم: إرشادهم إلى ما فيه خيرهم، وصلاحهم، وفلاحهم، فهذا أنفع من أن تعطيهم الذهب والفضة والأموال، بل تبدأ بإرشادهم، وتوجيهم، ودعوتهم إلى الله تعالى، لأن لهم حقًّا عليك، وليس حقهم مقصورًا على الإنفاق وإعطائهم المال.\nوثانيًا: لأجل القدوة، لأنك إذا دعوت الناس وتركت أهل بيتك، فإن الناس سينقمون عليك، ولا يقبلون دعوتك، ولا توجيهاتك، يقولون لو كان صادقًا لبدأ بأهل بيته، يذهب إلى الناس ويترك أهل بيته على المخالفات، وعلى المنكر، وعلى الجهل، ويذهب إلى الناس يدعوهم إلى الله، هذا ليس من منهج الدعوة، منهج الدعوة أن تبدأ بالأقربين، ثم ينتشر الخير شيئًا فشيئًا على من حولهم، هذا المنهج","vol":"1","page":214},{"text":"\"يا معشر قريش (أو كلمة نحوها) اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئًا.\nــ\nالسليم، أما الذي يتعدّى بيته،. ويتعدّى بلده، ويذهب إلى الناس البعيدين يدعوهم إلى الله، وبيته فيه الجهل، وفيه الأخطاء الكثيرة، والمخالفات، أو في بلده وجماعته الأخطاء الكثيرة والمخالفات، فهذا ليس من منهج الدعوة.\nهذا أمر يجب أن نتفطّن له، فمنهج الدعوة يُؤخذ من الكتاب والسنّة، لا يؤخذ من الاصطلاحات والآراء، كما عليه كثير من الدعاة اليوم، يأخذون مناهجهم من العادات والآراء والمقترحات، لا من الكتاب والسنّة، انظروا إلى هذه الآية: \" ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ \"، وانظروا إلى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾، وانظروا إلى قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٤٤)﴾، فهذا من أعظم مناهج الدعوة.\nلما نزلت عليه هذه الآية الكريمة بادر -﵊- بامتثال أمر الله، وصعد على الصفا، الجبل المعروف، وكونه \"صعد الصفا\" فيه مشروعية أن يكون الخطيب والمبلّغ على مُرْتَفَع من أجل أن يراه الناس، ومن أجل أن يَبْلُغ صوته إلى الحاضرين والمستمعين.\nفقال: \"يا معشر قريش\" المعشر: الجماعة، أي: يا جماعة قريش، يقال: إنهم من العشرة فأكثر. وقريش: القبيلة المشهورة التي بُعث منها رسول الله ﷺ، لأنه ﷺ من بني هاشم، وبنو هاشم من قريش، صميم العرب، وجيران بيت الله العتيق.\n\"اشتروا أنفسكم\" أي: افتدوها من عذاب الله، أنقذوها من عذاب الله. بماذا يشترون أنفسهم؟، يشترون أنفسهم بالدخول في الإسلام، وتوحيد الله ﷿، وترك عبادة ما سواه، هذا هو الذي يشترون به أنفسهم، فافتداء الإنسان نفسه من النار إنما يكون بطاعة الله، وطاعة رسوله ﷺ، وبدون ذلك لا يمكن أن ينجوَ من عذاب الله، ولو قدّم الأموال الطائلة، فمن مات على الكفر، فإنه لو قدّم ملء الأرض من الذهب يشتري نفسه من النار لا يمكن هذا، لكن لو مات على التّوحيد، وعلى العقيدة الصحيحة، فقد اشترى نفسه من النار، فلا نجاة من النار إلاّ بطاعة الله وطاعة","vol":"1","page":215},{"text":"رسوله ﷺ، والموت على عقيدة التّوحيد الخالص، والسلامة من الشرك: \"من مات وهو لا يدعو لله نِدًّا دخل الجنّة، ومن مات وهو يدعو لله نِدًّا دخل النار\".\n\"لا أُغني عنكم من الله شيئًا\" أي: لا ينفعكم أني منكم، وأنتم قبيلتي، هذا لا ينفعكم عند الله شيئًا.\nوفي هذا دليل على بُطلان التعلق على الأشخاص، والتعلق على الأولياء والصالحين، واعتقاد أنهم يقرِّبون إلى الله زُلفى، كما يفعله المشركون قديمًا وحديثًا، الذين يتعلقون على الأولياء والصالحين، ويعتقدون أنهم يشفعون لهم عند الله، وأنهم يتوسّطون لهم عند الله، ويتقرّبون إلى الأولياء والصالحين بالذبح، والنذر، والاستغاثة، والاستعاذة، والدعاء، كما قال الله سبحانه: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ﴾، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى﴾، هذا زعمهم.\nولا يزال هذا عند بعض الناس إلى اليوم، هناك طوائف كثيرة من عُبّاد القبور، والصوفية، وغيرهم يعتقدون أن الأولياء والسادة أنهم يُكْفونهم المؤنة، ويذهبون إلى أضرحتهم، ويتمسحون بها، ويذبحون عندها، وينذرون لها، ويهتفون بأسمائهم ويظنون أن هذا ينفعهم عند الله تعالى، وفي هذا الحديث وغيره ردٌّ على هؤلاء، لأنه إذا كان الرسول ﷺ وهو أشرف الخلق، وأقرب الخلق إلى الله، وأكرمهم على الله يقول لعشيرته وأقاربه: \"لا أُغني عنكم من الله شيئًا\" فكيف يتعلق الناس على المخلوقين؟.\nفالواجب أن يتعلق الناس بربهم ﷾، وأن يتقربوا إليه بالطاعة والعبادة، ويُخلصوا له التّوحيد، هذا هو طريق النجاة، أما التعدي عدى المخلوقين، ولو كانوا أنبياء أو صالحين أو أولياء، فإنهم لا ينفعون من تعلق بهم، وتوسل بهم، أو بجاههم أو بحقهم، هذا كله باطل، وتعبٌ بلا فائدة، بل هو ضلالة، وقد صرّح الله جل وعلا في القرآن بهذا، حينما قال لنبيه: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨)﴾، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا (٢١) قُلْ إِنِّي لَنْ","vol":"1","page":216},{"text":"يا عباس بن عند المطلب، لا أغني عنك من الله شيئًا.\nــ\nيُجِيرَنِي مِنَ اللهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٢) إِلَّا بَلاغًا مِنَ اللهِ وَرِسَالاتِهِ﴾، هذا صريح لا يحتاج إلى كثير تأمّل، لأنه واضح من الكتاب والسنّة، ولكن الشيطان سَوَّل لهم وأملى لهم، اتبعوا العوائد، واتبعوا وقلّدوا أهل الضلال، ومشوا على طريقهم، وتركوا الكتاب والسنّة والله جل وعلا قريب مجيب، لا يحتاج إلى من يبلّغه عن خلقه، هو ﷾ قريب مجيب: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾، \"ينزل ﷾ كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: \"هل من سائل فأعطيه؟، هل من مستغفر فأغفر له؟، هل من تائب فأتوب عليه؟ \"، لم يقل لنا قدِّموا حوائجكم إلى الأولياء والوسائط، وهم يقدِّمونها لي، بل إنه سبحانه هو الذي تكفّل بالإجابة، وطلب من عباده أن يتقرّبوا إليه، وأن يدعوه، وأن يستغفروه، وأن يسألوه، لماذا يذهب المخلوق إلى غير الله ﷾؟، هذا من غرور الشيطان، نسأل الله العافية والسلامة، الحق واضح - ولله الحمد-، ما فيه خفاء، لو أن الناس سَلِمُوا من دعاة الضلال، ومن المخرفين، ومن الدجالين، لو أن الناس استعملوا عقولهم وبصائرهم، وأقبلوا على كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ، لوجدوا الحق واضحًا لا خفاء فيه.\nفقوله: \"يا معشر قريش، لا أُغني عنكم من الله شيئًا\" عمّم ﷺ في الإنذار لجميع قريش، وجميع بطونها، وجميع أفخاذها وقبائلها.\nثم خص ﷺ الأقربين إليه، فقال: \"يا عبّاس ابن عبد المطلب، لا أُغني عنك من الله شيئًا\" العبّاس بن عبد المطلب عم الرسول ﷺ، فإذا كان لا يُغني عن عمه شيئًا، فكيف يغني عن غيره؟، وإذا كان أبو لهب عم الرسول ﷺ أيضًا، ولكنه أبى أن يدخل في الإسلام، واستمر على الشرك وآذى رسول الله ﷺ، أنزل الله فيه سورة تُقرأ إلى يوم القيامة: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١)﴾، التَّبْ هو: الخسارة، ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (٢) سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (٣) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (٥)﴾، هذا عمّ الرسول ﷺ، لكنه كان كافرًا، فلم ينفعه قرابته من الرسول ﷺ، وكذلك أبو طالب مع قُرْبِه من الرسول ﷺ، وحمايته للرسول، ودفاعه عنه، لما أبى أن يُسلم، وقال: \"هو على ملّه عبد المطلب\" وأراد","vol":"1","page":217},{"text":"يا صفية عمة رسول الله ﷺ لا أُغني عنك من الله شيئًا. ويا فاطمة بنت محمد؛ سليني من مالي ما شئت، لا أُغني عنك من الله شيئًا\".\nــ\nالنبي ﷺ أن يستغفر له، أنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣)﴾ . وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ .\nثم قال: \"يا صفية عمّة رسول الله ﷺ لا أُغني عنك من الله شيئًا\" مثل عمه العباس.\nثم خص أقرب من هؤلاء، وهي بنته، التي هي بَضْعَة منه، فقال: \"يا فاطمة بنت محمد؛ سليني من مالي\" يعني: اطلبي مني شيئًا أملكه وهو المال، أما النجاة من النار فهذه لا أملكها: \"لا أُغني عنك من الله شيئًا\" أما الآخرة، والنجاة من النار، والدخول في الجنة، فهذا إنما يُطلب من الله ﷾، ويحصل عليه بطاعة الله وطاعة رسوله ﷺ.\nانظروا كيف أن الرسول ﷺ عمّم أوّلًا جميع قريش، ثم خصّ عمه وعمّته ثم خصّ بنته، فهذا بيان واضح بأنه ﷺ لا يملك النجاة والإنقاذ من النار لمن هُم أقرب الناس إليه: قبيلته قريش، وعمه وعمته إخوان أبيه، بل ولده، عمّم وخصص ﷺ في هذا. فأين من يقول:\nيا أكرم الخلق مالي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم\nفهذا فيه دليل على مسألة مهمة وهي: أنه لا يجوز الاعتماد على النسب والقرابة من الأنبياء والصالحين، لأنه لا يُغني عند الله شيئًا: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١)﴾، هذا عام في كل الناس وقرابات الأنبياء وغيرهم، وقال ﷺ: \"من بَطَّأ به عمله لم يُسرع به نسبه\"، قال ﷾: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾، فالاعتبار بالتقوى لا بالنسب، النسب إنما يُستعمل في الدنيا: ﴿لِتَعَارَفُوا﴾ يعرف بعضكم بعضًا، كلٌّ يعرف قرابته وقبيلته، أما في الآخرة فلا ﴿فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ﴾، لا يبقى إلاّ الأعمال فقط، ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾، فالله ﷾ لا ينفع عنده إلاّ العمل الصالح.","vol":"1","page":218},{"text":"وقال الخليل - ﵊-: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾، يقول بعضهم: أنا من أهل البيت، ويتكّل على هذا، ولا يَحْفَل بالأعمال الصالحة، يظن أن كونه من أهل البيت يكفي، وهذا غرور من الشيطان، هذا الرسول ﷺ يقول لابنته سيدة نساء العالمين، يقول لها: \"سليني من مالي ما شئت، لا أُغني عنك من الله شيئًا\" وهي بنته، أليست في مقدمة أهل البيت؟، \"لا أُغني عنك من الله شيئًا\" فكيف يأتي من يأتي ويقول: أنا من أهل البيت، ويتكِّل على هذا، ويتبرك الناس به، ويتمسّحون به، ويَلْحَسُون أقدامه، ويظنون أن هذا ينجيهم من عذاب الله، هذا باطل وغرور، ولا نجاة إلاّ بالأعمال الصالحة.\nهذا أبو لهب، وأبو طالب، وهم أعمام الرسول ﷺ، لما لم يؤمنوا لم ينفعهم قرابتهم من الرسول ﷺ.\nوهذا بلال، وعمّار بن ياسر، وصُهَيب، وخبّاب موالي، وصاروا من سادات المهاجرين، ومن سادات المؤمنين، ما ضرهم أنهم موالي، وقال في سلمان الفارسي: \"سلمان منّا أهل البيت\" رضي الله تعالى عن الجميع، والسبب: الإيمان والعمل الصالح، فمجرد كون الرجل من أهل البيت، أو من قرابة الرسول لا يُغني عنه شيئًا، ولا ينفعه شيئًا، كما لم ينفع أبا طالب وأبا لهب وغيرهم من عشيرة الرسول ﷺ لما لم يؤمنوا، بل إن بعض الغُلاة يقول: إن التسمي بمحمد يكفي، يقول صاحب \"البُرْدة\":\nفإن لي ذمّة منه بتسميتي محمدًا ... وهو أوفى الخلق بالذمم\nلا ينفع عند الله إلاّ العمل الصالح، لا الأسماء، ولا القبائل، ولا شرف النسب، ولا كون الإنسان من بيت النبوّة، كل هذا لا ينفع إلاّ مع العمل الصالح والاستقامة على دين الله ﷿.\nنعم، القرابة من الرسول ﷺ إذا كانت مع العمل الصالح لها فضل لا شك فيه، فأهل البيت الصالحون المستقيمون على دين الله لهم حق، ولهم شرف، ولهم كرامة، ويجب الوفاء بحقهم، طاعة للرسول ﷺ، فإنه أوصى بقرابته وأهل بيته، لكن","vol":"1","page":219},{"text":"يريد القرابة وأهل البيت المستقيمين على طاعة الله ﷿، أما المخرّف والدجّال والمشعوذ الذي يعتمد على قرابته من الرسول، ولكنه في العمل مخالف للرسول ﷺ، فهذا لا يُغنيه شيئًا عند الله، لو كان هذا ينفع لنفع أبا لهب، ونفع أبا طالب، ونفع غيرهم ممن لم يدخلوا في دين الله، وهم من قرابة الرسول ﷺ، فالواجب أن نتنبّه لهذا.\nفهدا الحديث اشتمل على مسائل عظيمة- كما ذكرت-:\nالمسألة الأولى: المبادرة إلى تنفيذ أمر الله، وأن الإنسان لا يتوانى في ذلك.\nالمسألة الثانية: أن الداعية يبدأ بأقرب الناس إليه، وبأهل بيته أوّلًا.\nالمسألة الثالثة: أنه لا يجوز الاعتماد على الأشخاص والأولياء والصالحين، واعتقاد أنهم يقرِّبون إلى الله، بل على الإنسان أن يعمل لنفسه، وأن يتقّي الله في نفسه، وأن يتقرّب إلى الله مباشرة، بدون واسطة أحد، لأن الله قريب مجيب.\nالمسألة الرابعة:- وهي مهمة جدًّا-: أن الانتساب إلى أهل البيت، أو القرابة من الرسول ﷺ لا تنفع إلاّ مع العمل الصالح، أما بدون ذلك فإنها لا تنفع عن الله.\nوالواجب أن يتنبّه المسلمون لهذه الأمور.","vol":"1","page":220},{"text":"[الباب السادس عشر:] *بابُ قول الله تعالى\n﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ .\nفي الصحيح عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: \"إذا قضى الله الأمر في السماء؛\nــ\nمُراد الشيخ ﵀ بهذا الباب: أن يبيّن تفسير هذه الآية، كما جاءت بذلك السنّة عن النبي ﷺ، فإن هذه الآية فسّرتها السنّة بالأحاديث التي ذكرها الشيخ في هذا الباب، والغرض من ذلك إتمام ما سبق في الأبواب السابقة من بيان أدلة بُطلان الشرك.\nففي الأبواب السابقة بيّن الشيخ ﵀ بيان بُطلان عبادة الأنبياء والصالحين من بني آدم، بالأدلة التي سبقت من الكتاب والسنّة.\nوفي هذا الباب يبيّن بُطلان عبادة الملائكة، لأن الملائكة عُبدوا من دون الله، فهذا الباب مكمِّلٌ للأبواب السابقة التي قبله في بيان بُطلان عبادة كل من عُبد من دون الله من الأنبياء، والأولياء، والصالحين، والملائكة، لأنهم إذا بطلت عبادة هؤلاء، فبُطلان عبادة من دونهم من باب أولى، وإذا بطل ذلك في حق الملائكة وهم أقوى الخلق خِلقة، ومن أقربهم إلى الله ﷾ منزلة فلأن تبطل عبادة من سواهم من الآدميين والجن والإنس من باب أولى، هذا فقه هذه الترجمة.\nقوله: \"إذا قضى الله الأمر\" معناه: إذا تكلّم الله بالوحي، كما في حديث النواس بن سَمْعان الذي في آخر الباب بهذا اللفظ: \"إذا تكلم الله بالوحي\" وهذا معنى قوله: \"قضى الله الأمر في السماء\"، ففي ذلك إثبات الكلام لله ﷾، وأنه كلام يُسمع، تسمعه الملائكة، وإذا سمعوه صَعِقوا وخَرُّوا- كما يأتي-، خَرُّوا لله سُجّدًا، تعظيمًا لله ﷿.\nوفي قوله: \"في السماء\" هذا فيه إثبات علوّ الله ﷾، فهو كقوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ","vol":"1","page":221},{"text":"ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله، كأنه سلسلة على صفوان،\nــ\nيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾، والذي في السماء هو الله ﷾، أي: العلو، هو العلي الأعلى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾، ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾، والعرش هو أعلى المخلوقات، وسقف المخلوقات وأعظمها.\nوقال النبي ﷺ للجارية: \"أين الله؟ \" قالت: في السماء، قال لسيّدها: \"أعتقها، فإنها مؤمنة\" والأدّلة على ذلك كثيرة، وقد صنّف الحافظ الذهبي ﵀ كتابًا سمّاه: \"العلو للعليّ الغفّار\" ساق فيه الأدلة على علو الله على عرشه، وهي كثيرة.\nقال العلماء: إن أدلة علو الله على عرشه تبلغ ألف دليل أو أكثر من الوحي، ومن الفطرة، ومن الأدلة العقلية، وهذا ثابت لا شك فيه، ولا ينكره إلاّ الملاحدة من الجهميّة وغيرهم.\nوقوله: \"ضربت الملائكة بأجنحتها\" الملائكة من أعظم المخلوقات، لا يعلم عِظَمِ خِلْقة الملائكة إلاّ الله ﷾، وإذا كانوا على هذه الحالة من العِظَم، ومع هذا لا تصلح عبادتهم من دون الله، فهم مع قوّتهم وعِظَم خِلْقَتهم يخافون من الله ﷾، إذا سمعوا كلامه ضربوا بأجنحتهم. وهذا فيه إثبات الأجنحة للملائكة، وهي ثابتة بالقرآن كما في قوله تعالى: ﴿رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ﴾ .\n\"خضَعانًا\" هذا مفعول لأجله، يعني: لماذا ضربوا بأجنحتهم؟، لأجل الخضوع لله. وتعظيمًا له، وخوفًا منه ﷿.\nفإن كانت هذه حالتهم فلا يجوز أن يُعبدوا مع الله: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾، قال تعالى في حقهم: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ﴾ يعني: الملائكة ﴿وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ .\n\"لقوله\" أي: لقول الله ﷾، فيه إثبات القول لله، وإثبات الكلام لله جلّ وعلا، وأنه يتكلّم كما يليق بجلاله ﷾، كلامًا يُسمع، تسمعه الملائكة، ويسمعه جبريل، وإذا سمعه الملائكة أصابهم هذا الرُّعب والخوف من الله.\nقوله: \"كأنه\" أي: كأن قوله تعالى ويكَلُّمه سبحانه بالوحي.\n\"سلسلة على صفوان \" تشبيه لصوت الوحي الذي يأتي إلى المَلَك، أو صوت","vol":"1","page":222},{"text":"ينفذهم ذلك ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ . فيسمعها مُسْتَرِق السمع، ومُسْتَرِق السمع هكذا بعضه فوق بعض\" وصفه سفيان بكفه، فحرّفها وبدّد بين أصابعه.\nــ\nالمَلَك نفسه بصوت السلسلة إذا جُرّت على حجر أمْلَس.\n\"ينفذهم ذلك\" أي: أن كلام الله يبلغ إلى قلوبهم فيخافون.\n\" ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ \" يعني: أُزيل عنها الفزع، تساءلوا بينهم: ماذا قال ربكم؟.\n\" ﴿قَالُوا الْحَقَّ﴾ \" أي قال بعضهم لبعض: قال الله الحق، لأن كلامه حق ﷾.\nقال ﷺ: \"فيسمعها مسترق السمع\" المسترق هو: الذي يأخذ الشيء بسرعة وخُفية، ومنه سمّي السارق الذي يأخذ المال على وجه الخُفية والسرعة حيث لا يراه أحد، ومسترق السمع، هو الشيطان الذي يخطف الكلمة من الوحي الذي تتكلم به الملائكة في السماء، قال تعالى: ﴿إِلَّامَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ (١٨)﴾ .\n\"ومسترق السمع هكذا بعضهم فوق بعض\" معناه: أن الشياطين يَعْلُو بعضها بعضًا حتى تصل إلى عنان السماء، كل واحد يركب على الآخر، من أجل استراق السمع.\n\"وصفه سفيان\" يعني: راوي الحديث، وهو سفيان بن عيينة، أحد كبار المحدِّثين المشهورين الثقات الأثبات ﵀.\nيعني: وصف تراكمهم ووصف ركوب بعضهم فوق بعض في الجو.\n\"بكفه، فحرّفها\" يعني: أمالها، وفرّق أصابعها، والأصابع يكون بعضها فوق بعض، هذا معناه: أن سفيان أراد أن يوضّح لتلاميذه والرواة عنه بالمثال المحسوس المشاهد عملية الشياطين في الهواء، فهذا فيه من وسائل التعليم: ضرب الأمثلة للطلاّب حتى يفهموا، مثل ما فعل النبي ﷺ لما أراد أن يفسّر قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾، فالنبي ﷺ أراد أن يوضّح هذه الآية بمثال محسوس: خطّ خطًّا مستقيمًا على الأرض، وخطّ عن يمينه وشماله خطوطًا، وقال للمستقيم: \"هذا صراط الله\" وقال للأخرى: \" هذه سُبُل، على","vol":"1","page":223},{"text":"\"فيسمع الكلمة فيُلقيها إلى من تحته، ثم يُلقيها الآخر إلى من تحته، حتى يُلقيها على لسان الساحر أو الكاهن،\nــ\nكل سبيل منها شيطان يدعو الناس إليها\" هذا توضيح للمعاني بالمحسوسات، وهي طريقة شرعية، وطريقة ناجحة في الإفهام، وهذا ما أراده سفيان ﵁ من وصفه عمليّة الشياطين في الهوى بكفه وجعْل أصابعه بعضها فوق بعض مفرِّجة من أجل أن يوضّح لهم.\nوقوله: \"فيسمع الكلمة\" أي: يسمع مسترق السَّمع الكلمة مما تكلّمت به الملائكة، فيُلقيها إلى من تحته من الشياطين، والذي تحته يُلقيها إلى الآخر، واحدًا بعد واحد، حتى يُلقيها الأخير على لسان الساحر أو الكاهن من بني آدم.\nفهذا فيه دليل على أن السّحرة والكهان يتلقون عن الشياطين، ففيه إبطال لعمل السّحرة والكهان، قال تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (٢٢٣)﴾، هذا خبر من الله ﷾ أنّ الكهان والسحرة يتلّقون عن الشياطين، فهذا فيه بُطلان السحر والكهانة، وأن مصدرهما واحد؛ عن الشياطين الذين هم أكفر الخلق، وأَغَشُّ الخلق للخلق.\nوالسحر معروف، وهو: عملية يعلمها الساحر إما بالعُقَد والنَّفْث ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤)﴾، وإما بكلام الكفر والشرك، فهو عزائم ورُقى شيطانية، وإما بمواد خبيثة تركّب بعضها مع بعض ثم يتكوّن منها السحر، فالسحر عمل شيطاني، والسحر كفر، والساحر كافر، بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾، فدلّ على أن الذي يتعلم السحر يكفر، لأن السحر كفر.\nوأما الكِهانة فمعناها: الإخبار عن المغيبات بسبب ما يتلقاه الكاهن عن الشيطان، لأن الشيطان يخبر الكاهن بأمور غائبة عن بني آدم، لأن الشيطان عنده قدرة أكبر من قدرة بني آدم، فهو يطير في الهواء، ويصل إلى السحاب، ويسترق السمع، ويطير بسرعة من الأمكنة البعيدة، فعنده مقدرة ليست عند الإنسي، فالإنسي يخضع للشيطان، ويتقرب إلى الشيطان بما يحب من الكفر بالله والشرك بالله حتى","vol":"1","page":224},{"text":"فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مائة كذبة، فيُقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا: كذا وكذا؟، فيُصرَّف بتلك الكلمة التي سُمعت من السماء\".\nــ\nيخدمه الشيطان بما يريد من الأمور الغائبة عن بني آدم، قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْأِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْأِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٢٨)﴾، هذا فيه أن الله ﷾ إذا حشر الشياطين يوم القيامة وحشر الكهان وعملاء الشياطين يوبخهم: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْأِنْسِ﴾، يعني: أهلكتم كثيرًا من الإنس، ﴿وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْأِنْسِ﴾، يعني: الكهان والسحرة وكل من يتعامل مع الشياطين ﴿رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾ هم خدمونا ونحن خدمناهم في الدنيا ﴿وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا﴾ الآن وقفنا بين يديك يا ربنا، فيقول: ﴿النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ﴾، هذا مآل السحرة والكهان مع أوليائهم من الشياطين.\nوقال سبحانه: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦)﴾ يقولون: نعوذ بسيد هذا الوادي من شر سفهاء قومه، ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ أي: خوفًا. أما لو أنهم عاذوا بالله لأعاذهم وقوّاهم، وأذهب ما بهم من الفزع، ولا يضرهم أحد إذا توكلوا على الله وعاذوا بالله، لكن عاذوا بمخلوق فأذلهم الله ﷾.\nوقوله: \"حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن\" دلّ على أنهما من فصيلة واحدة، وأنهم يتلقون عن الشياطين.\nقال سبحانه مبيّنًا سند الكهان والسحرة والمشعوذين: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (٢٢٣)﴾ .\nقوله: \"فيكذب معها مائة كذبة\" هذا المقصود من استراق السمع؟، من أجل أن يخدعوا الإنس، ومن أجل أن يخلطوا الحق بالباطل، ويلبسوا الحق بالباطل، لأنهم لو جاءوا بالباطل الخالص المحض ما صدقهم أحد، لكن إذا خلطوه بشيء من الحق صدقهم الناس، فيكون هذا فيه فتنة لضعفاء الإيمان وضعفاء العقول، يأخذون الباطل الكثير بسبب حق يسير خالطه.","vol":"1","page":225},{"text":"وهذا واقع في النّاس الآن فكثير من النّاس يتبع أئمة الضلال، ويتبع الفرق الضالة والجماعات المنحرفة بسبب أن عندهم شيئًا من الحسنات أو شيئًا من الحق، ولا ينظر إلى كثرة الباطل الذي هم عليه، وهذا بلاء وفتنة للناس، ليس هذا خاصًّا بالكهان والسحرة، بل هذا عام في كل من تقبل الباطل بسبب التباسه بشيء من الحق.\nقوله: \"فيقال: أليس قد قال يوم كذا وكذا: كذ وكذا؟. فيُصدّق بتلك الكلمة التي سُمعت من السماء\" هذه الفتنة العظيمة: لبس الحق بالباطل، لأن الباطل لو كان مكشوفًا واضحًا خالصًا ما قبله أحد، وإنما يُقبل الباطل إذا لُبِّس معه شيء من الحق، وهذه فتنة عظيمة يجب أن نتنبه لها.\nفالحاصل: أن هذا حديث عظيم، فيه فوائد عظيمة:\nالفائدة الأولى: فيه أن السنّة النبوية تفسر القرآن، فهذا الحديث فسر هذه الآية: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ﴾، ففيه رد على الطائفة الخبيثة التي تريد رفض السنّة والاقتصار على القرآن، وإذا اقتصر على القرآن من أين نفسر القرآن؟، القرآن يفسر بأحد أربعة أمور:\nأولًا: يفسّر القرآن بالقرآن.\nثانيًا: إذا لم يكن فيه تفسير من القرآن يفسر بسنة الرسول ﷺ.\nثالثًا: إذا لم يكن فيه تفسير من الرسول ﷺ يفسر بأقوال الصحابة، لأنهم تلاميذ الرسول ﷺ، وعنه تعلموا وتلقوا العلم فهم أدرى النّاس بسنة الرسول ﷺ.\nرابعًا: إذا لم يكن هناك تفسير من الصحابة يفسر بمقتضى لغة العرب التي نزل بها، ينظر إلى معنى الكلمة في لغة العرب ويفسر بلغة العرب التي نزل بها.\nأما أن يفسر القرآن بغير هذه الطرق فهذا باطل، إما بالقرآن، وإما بالسنّة، وإما بقول الصحابي، وإما بلغة العرب التي نزل بها، ولا يفسر القرآن بغير هذه الوجوه.\nنعم، اختلفوا في قول التابعي: هل يفسر به القرآن؟، منهم من يرى ذلك، فيكون وجهًا خامسًا، لأن التابعي له خاصية، لأنه تتلمذ على صحابة الرسول ﷺ، فله ميزة على غيره ممن تتلمذ على غير الصحابة.","vol":"1","page":226},{"text":"أما تفسير القرآن بغير هذه الوجوه فلا يجوز، لأنه قول على الله بلا علم، فالذين يفسرون القرآن بالنظريّات الحديثة -أو ما يسمونه بالعلم الحديث- فهذا خطأ، وهذا قول على الله بلا علم، فالنظريّات هذه عمل بشر، تصدق وتكذب، وكثير منها يكذب، ويأتي نظرية أخرى تبطل هذه النظرية السابقة، مثل: ما عند الأطباء، ومثل: ما عند الفلاسفة، لأنه عمل بشر، فالنظريّات الحديثة لا يفسر بها كلام رب العالمين، ولا يقال: هذا من الإعجاز العلمي- كما يسمونه-، هذا ليس بإعجاز علمي أبدًا، كلام الله يُصان عن نظريّات البشر، وعن أقوال البشر، لأن هذه النظريّات تضطرب ويكذب بعضها بعضًا، فهل يفسّر كلام ربنا بنظريّات مضطّربة؟، هذا باطل ولا يجوز، ويجب رفض هذا التفسير، والاقتصار على الوجوه الأربعة- أو الخمسة- التي نصّ عليها أهل العلم، كما ذكرها ابن كثير ﵀، في أول التفسير.\nالفائدة الثانية: إثبات صفات الله ﷾، فقد أثبت في هذا الحديث علو الله على خلقه، وأنه في السماء ﷾، وأثبت أن الله يتكلم بكلام يُسمع، تسمعه الملائكة وترتعد عند سماعه.\nالفائدة الثالثة: وهي التي عقد المصنف ﵀ بهذا الباب من أجلها: بطلان التعلق على الملائكة، عكس ما كان عليه أهل الجاهلية من عبادة الملائكة، واعتقاد أنهم بنات الله، تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا.\nففي هذا بطلان الشرك، لأنه إذا بطلت عبادة الملائكة وهم من هم في القوة والمكانة عند الله والقرب من الله، إذا بطل عبادتهم والتعلق عليهم وطلب الحوائج منهم فلأن يبطل ذلك في حق غيرهم من باب أولى، فالذين يتعلقون على القبور وعلى الأضرحة وعلى الأشجار والأحجار، ويتبركون بها، كل هذا باطل، لأن هذه مخلوقات ليس لها من الأمر شيء، مسخرة ليس لها من الأمر شيء، إنما التعلق يكون بالله ﷿، والتوكل على الله، لأن الملائكة مفتقرون إلى الله، وكل المخلوقات مفتقرة إلى الله ﷾، وهو الغني الحميد، هو غني عن غيره، وأما غيره فهم فقراء إليه ﷾.","vol":"1","page":227},{"text":"الفائدة الرابعة: في الحديث إثبات استراق السمع، وأن الشياطين قد يسترقون السمع، وهذا كان في الجاهلية كثيرًا، فلما بُعث النبي ﷺ حُرست السماء بالشُّهب، وقلّ استراق السمع، قال بعضهم لبعض: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾ يعني: هذا في الجاهلية، ﴿فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ﴾ يعني: بعد بعثة النبي ﷺ ﴿يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا * وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (١٠)﴾ .\nالفائدة الخامسة: فيه بُطلان السحر والكِهانة، وأن مصدرهما واحد، التلقي عن الشياطين، فلا يُقبل السحر، ولا خبر الساحر، ولا تُقبل الكِهانة ولا خبر الكاهن لأن مصدرها باطل، وقد جاء في الحديث: \"من أتى كاهنًا أو عرّافًا لم تُقبل له صلاة أربعين يومًا\" وفي الحديث الآخر: \"من أتى كاهنًا أو عرّافاُ فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمّد ﷺ\" فهذا فيه بطلان السحر والكِهانة، وأنه لا يجوز تصديق السحرة، ولا تصديق الكُهَّان، ولا الذهاب إليهم، لكن في وقتنا الحاضر السحرة والكهان خرجوا على الناس باسم أطباء ومعالجين، وفتحوا محلات، يعالجون فيها المرضى بالسحر والكهانة، لكن لا يقولون: هذا سحر، ولا يقولون: هذا كهانة، بل يُظهرون أنهم يعالجون النّاس بأمور مباحة، ويذكرون الله عند الناس، وقد يقرءون شيئًا من القرآن من أجل التلبيس، ولكن في الخفاء يقول للمريض اذبح شاة على صفة كذا وكذا، ولا تأكل منها، خذ من دمها واعمل كذا وكذا، أو اذبح ديكًا أو دجاجة، يصفه بأوصاف، ويقول له: ولا تذكر اسم الله عليه، أو يسأله عن اسم أمه واسم أبيه، أو يأخذ ثوبه وطاقيته من أجل أن يسأل عملاءه من الشياطين لأن الشياطين يخبر بعضهم بعضًا. ثمّ يقول الساحر أو الكاهن-: فلان هو الذي سحرك، وهو كله تدجيل، والواجب على المسلمين أن يتنبهوا لهذا، وأن يحذروا هؤلاء المشعوذين والدجالين الذين يفسدون عقائد الناس، ويأكلون أموالهم بالباطل.\nالفائدة السادسة: ذكرها الشَّيخ ﵀ في قوله: \"قبول النفوس للباطل، كيف يتعلقون بواحدة ولا يعتبرون بمائة؟ \" بحيث تُقبل مائة كذبة بسبب كلمة واحدة من الحق، فالنفوس تقبل الباطل، حيث إنها تقبل مائة كذبة بسبب كلمة واحدة من الحق، وهذا فيه: التحذير من لبس الحق بالباطل، وأن لا نغتر بمن يلبس علينا،","vol":"1","page":228},{"text":"وعن النواس بن سمعان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا أراد الله تعالى أن يوحي بالأمر؛ تكلّم بالوحي، أخذت السماوات منه رجفة \" أو قال: رعدة شديدة: خوفًا من الله ﷿،.................................................................................\nــ\nيأتي لنا بأشياء من الحق، ويدخل تحتها كثيرًا من الباطل والخداع، والواجب على المؤمن أن يكون كَيِّسًا فطنًا كما قال النبي ﷺ: \"المؤمن كَيِّسٌ فطن\" ويقول ﷺ: \"لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين\"، فالمؤمن لا يتسرع بقبول الأقوال أو المذاهب أو المناهج حتى يفحصها تمامًا، وكيف يفحصها؟، يعرضها على الكتاب والسنّة إن كان يعرف، وإن كان لا يعرف يسأل عنها أهل العلم وأهل البصيرة، حتى يميزوا له الصحيح من السقيم، هذا واجب علينا جميعًا أننا لا ننخدع بالدعايات المُزَوَّقَة والمستورة والمغلّفة بشيء من المحسّنات حتى نَسْبُرَ غَوْرَها، وَنَخْبُرَ ما بداخلها إن كنا نستطيع ذلك فالحمد لله، وإلاَّ فإننا نسأل أهل العلم وأهل البصيرة الذين يميّزون بين الحق والباطل.\nقوله ﷺ: \"إذا أراد الله أن يوحي بالأمر\" فهذا فيه: إثبات الإرادة لله ﷾، وهي صفة من صفاته، دلّت عليها الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، فالله جل وعلا له إرادة، وإرادته على نوعين:\nإرادة كونية، بها يخلق ويرزق، ويهدي ويضل، ويحيي ويميت.\nوإرادة شرعية دينية بها يأمر عباده بما يصلحهم وينهاهم عما يضرهم، مثل قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦) وَاللهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾، هذه إرادة دينية، كما فصّل ذلك أهل العلم.\n\"أن يوحي\" الوحي هو: الإعلام بسرعة وخفاء، وهو على نوعين: وحي إلهام ووحي إرسال.\nوحي الإلهام: يكون بإلهام الله بعض المخلوقات ببعض الأمور مثل قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ أي: ألهمها، ومثل قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ ألهم الله أم موسى أن تعمل هذا العمل","vol":"1","page":229},{"text":"فإذا سمع ذلك أهل السماوات صعقوا وخرّوا لله سجّدًا.\nــ\nبولدها لما ولدته، وكان فرعون يقتِّل الذكور، فالله ألهمها أن تعمل هذا العمل من أجل نجاة موسى من هذا الجبار.\nوأما وحي الإرسال فهو الذي ينزل به جبريل ﵇ إلى الرسل.\n\"بالأمر\" أي: بالشأن من شؤون الكون والمخلوقات، أو بالأمر من الوحي المنزل على الرسل، فهو عام.\nفالأمر على نوعين: كوني وشرعي.\n\"تكلم بالوحي\" تكلمًا يليق بجلاله، وهذا فيه: إثبات الكلام لله ﷾.\n\"أخذت السماوات منه رجفة (أو قال: رعدة شديدة) \" هذا شك من الراوي، أي: إذا سمعت كلام الله يصيبها خوف وهيبة لكلام الله، وهذا فيه: أن الجمادات تدرك عظمة ربها، وتسبّحه، وتعظمه كما قال ﷾: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾، ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾، وكما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١)﴾، في هذا: أن السماوات والأرض تتكلم، وأنها تسبح كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ﴾ .\n\"فإذا سمع ذلك أهل السماوات\" يعني: سمع الملائكة كلام الله أيضًا.\n\"صعِقُوا\" بمعنى: أنهم يغشى عليهم من الخوف من الله ﷿ والهيبة والجلال.\n\" وخروا لله\" يعني: ينحطّون لله \"سُجّدًا\" على وجوههم تعظيمًا لله وتعبدًّا لله.\nقد يكون السجود قبل الصعق، وقد يكون بعد الصعق، لأن الواو لا تقتضي الترتيب.\nوفي هذا دليل على أن الملائكة عباد لله، يخافونه ويهابونه.\nوفي هذا ردٌّ على المشركين الذين يعبدون الملائكة، ويزعمون أن الملائكة تقرّبهم إلى الله، كما يقرب خاصة الملوك إلى الملوك من يريد قضاء حاجته منهم، قاسوا الخالق على المخلوقين، تعالى الله عما يقولون، فهذا فيه ردّ عليهم، وهو أن الملائكة عباد، كما قال تعالى: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦)﴾، عباد من عباد الله، يخافون","vol":"1","page":230},{"text":"فيكون أول من يرفع رأسه جبريل، فيكلمه الله من وحيه بما أراد،\nــ\nمن الله، ويسجدون له، والعبد لا يجوز أن يُعبد، ولا أن يُدعى، ويُستغاث به، وإنما يُعبد الله ﷾، وهذا هو الذي ساق المصنّف ﵀ هذا الحديث من أجله، وهو: الرد على المشركين الذين يتعلقون على المخلوقين في قضاء الحاجات التي لا يقدر عليها إلاّ الله، وتفريج الكربات، وهو أنه إذا كانت الملائكة مع عظمتهم وقوتهم ومكانتهم -بما فيهم جبريل ﵊-، كانوا بهذه المثابة إذا سمعوا كلام الله، دلَّ على أنهم ليس لهم من الأمر شيء، وأنه لا يجوز أن يُدعوا، ويُستغاث بهم، وإذا كان هذا في حق الملائكة ففي حق غيرهم من باب أولى، فلا يجوز دعاء الصالحين، أو الاستغاثة بهم، أو التقرب إليهم بالعبادة، أو الذبح، أو النذر، أو غير ذلك، كل هذا باطل، وشرك أكبر.\nوفيه دليل على أن السماوات متعددة وأنها سبع طِباق كما تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥)﴾، قال تعالى: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾، ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾، ولكل سماء سكان من الملائكة.\n\"فيكون أول من يرفع رأسه\" يعني: من السجود.\n\"جبريل\" وهو: أعظم الملائكة، وهو موكّل بالوحي كما أن ميكائيل موكّل بالقطر والنّبات، وإسرافيل موكّل بالنفخ في الصُّور، وكل نوع من الملائكة له عمل، منهم ملائكة الموت، ورئيسهم مَلَك الموت: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾، ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ .\nوهناك ملائكة موكّلون بالأَجِنَّة في الأرحام، كما جاء في الحديث: \"إن أحدكم يُجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثمّ يكون عَلَقَة مثل ذلك، ثمّ يكون مُضْغَة مثل ذلك، ثمّ يُرسل إليه المَلَكَ في الطَّوْر الرابع \"ويؤمر بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقيُّ أو سعيد\" فهؤلاء موكّلون بالأَجنَّة في الأرحام.\nوهناك ملائكة موكّلون بحفظ أعمال بني آدم، بكتابة الحسنات والسيّئات يلازمون بني آدم، إلاّ في الأحوال الخاصة، دائمًا معهم في الليل والنهار يكتبون ما يصدر عنهم من أقوال وأفعال طيّبة أو رديئة، وهؤلاء يسمون بالحَفَظَة.","vol":"1","page":231},{"text":"ثمّ يمر جبريل على الملائكة، كلما مر بسماء سأله ملائكتها: ماذا قال ربنا يا جبريل؟ فيقول: قال الحق وهو العلي الكبير. فيقولون كلهم مثل ما قال جبريل.\nــ\nوهناك ملائكة موكّلون بحفظ الإنسان نفسه، يحفظون الإنسان من المخاطر، ورفع المؤذيات: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ﴾ .\nوهناك أنواع من الملائكة لا يعلمهم إلاّ الله.\n\" ثم يمر جبريل على الملائكة\" هذا فيه: فضل جبريل ﵇، وأن الله اختصه بائتمانه على الوحي، وأن أهل السماوات يسألونه وهذا دليل على فضله كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠)﴾ ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠)﴾، يعني: ذا مكانة عند الله ﷾، ﴿مُطَاعٍ ثَمَّ﴾ أي: في الملأ الأعلى، تطيعه الملائكة ﴿أَمِينٍ﴾ أمين على الوحي، لا يزيد فيه ولا ينقص﵊-.\n\"كلما مر بسماء\" هذا كما سبق فيه دليل على تعدّد السموات.\n\"سأله ملائكتها\" هذا فيه دليل على أن لكل سماء ملائكة خاصّون بها.\n\"ماذا قال ربنا يا جبريل؟، فيقول: قال الحق وهو العلي الكبير. فيقولون كلهم مثل ما قال جبريل\" تعظيمًا لله ﷾.\nوهذا فيه دليل على أن كلام الله حق لا ريب فيه، وأن الملائكة لا تعلم الغيب ولذلك تسأل جبريل.\n\"وهو العلى\" هذا فيه إثبات العلو لله ﷿، والعلو ثلاثة أقسام: علو الذات. وعلو القدر. وعلو القهر. وكلها ثابتة لله ﷾.\nفهو عليٌّ بذاته فوق مخلوقاته، وهو عليُّ القدر ﷾، وهو عليُّ القهر، ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ بجميع أنواع العلو.\nوأهل السنّة والجماعة يثبتون العلو بأنواعه الثلاثة.\nأما المبتدعة فلا يُثبتون إلاّ علو القدر والقهر فقط، وأما علوّ الذات فينفونه، ولا يثبتون العلو لله ﷿، تعالى الله عما يقولون علوًّ كبيرًا.\n﴿الكبير﴾ الذي لا أكبر منه ﷾، كل المخلوقات صغيرة بالنّسبة إلى الله ﷾،","vol":"1","page":232},{"text":"ليست بشيء: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾، هذا من عظمته ﷾.\nفدلّ هذا الحديث على مسائل عظيمة:\nالمسألة الأولى: إثبات الكلام لله ﷾، وهذا بإجماع أهل السنّة والجماعة، لم يخالف فيه إلاّ المبتدعة.\nالمسألة الثانية: إثبات الإدراك للسماوات والخوف من الله، وأنها تُدرك عظمة الله، وتخافه، وهي جمادات، كما دلّت على ذلك الأدلة الأخرى فإذا كانت السماوات تخافه، فكيف لا يخافه ابن آدم هذا الضعيف المسكين؟، كيف لا يخاف من الله ﷾؟.\nالمسألة الثالثة: وهي المسألة التي ساق المصنف هذا الحديث من أجلها، فيه: أن الملائكة يخافون من الله، ويسجدون له، فدلّ على أنهم عباد محتاجون إلى الله ﷾ فقراء إلى الله، فهذا يدل على بُطلان دعائهم من دون الله، واتخاذهم وسائط، وشفعاء عند الله ﷿، الملائكة يشفعون، لكن لا يشفعون إلاّ بإذن الله ﷾: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾، فلا تحصل الشفاعة عند الله إلاّ بشرطين: الإذن بالشفاعة، ورضاه عن المشفوع فيه، بأن يكون المشفوع فيه من أهل الإيمان، أما الكافر، فقال الله تعالى فيه: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾، ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾، وليس الله مثل ملوك الدنيا يشفع الشفعاء عندهم ولو لم يأذنوا، ويضَطَّرُّ الملوك إلى قبول الشفاعة من أجل تأليف الكلمة، ومن أجل حاجتهم للوزراء، أما الله جل وعلا فإنه٤ غني عن عباده، ولا أحد يتقدّم بالشفاعة عنده إلاّ بإذنه، ومحمَّد ﷺ أفضل الخلق، في يوم القيامة في المحشر إذا تقدّمت الخلائق إلى محمَّد تطلب منه الشفاعة لفصل القضاء، لا يشفع إلاّ بعد أن يسجد لله ﷿، ويحمد الله بمحامد عظيمة، ويدعوه بدعاء، ثمّ يقال له: يا محمَّد، ارفع رأسك، وسَلْ تُعط، واشفع تشفّع، فالشفاعة ملك لله: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾، وتُطلب الشفاعة من الله، تقول: اللهم شفِّع فيّ نبيّك محمدًا ﷺ، اللهم شفِّع فيّ عبادك الصالحين، تطلبها من الله، أما أن تقول بعد موت","vol":"1","page":233},{"text":"الرسول: يا محمّد اشفع لي، أو يا فلان اشفع لي، تطلبها من الميّت فهذا لا يجوز.\nفطلب الشفاعة من القبور شرك أكبر، أما الحي فتُطلب منه الشفاعة بأن يطلب منه أن يدعو الله ﷿ لمن احتاج إلى ذلك، أما الميّت فلا يقدر على دعاء، ولا يطلب منه شيء.\nهذا هو المقصود من إيراد هذا الحديث، وهو بيان حالة الملائكة مع الله ﷾، وأنهم يخافونه، ويَصْعَقُون من هيبته ﷾، ومن سماع كلامه، ويخرُّون لله سجّدًا، فدلّ على أنهم عباد فقراء إلى الله، ليس بيدهم شيء إلاّ ما أعطاهم الله ﷾، فلا تجوز دعوتهم من دون الله ﷿، وإذا كان هذا في حق الملائكة ففي حق غيرهم من باب أولى وأحرى.\nالمسألة الرابعة: فيه دليل على تعظيم كلام الله، وتعظيم القرآن الكريم، لأنه كلام الله، ووحي من الله، فيجب تعظيمه، والخشوع عند سماعه، والخوف مما فيه من الوعيد، والتهديد، والرجاء بما فيه من الوعد الكريم، فكلام الله ﷾ يكرّم، ويُهاب، ويعظّم، ليس مثل كلام المخلوقين، وكذلك حديث الرسول ﷺ يجلّ ويعظم، لأنه وحي من الله ﷿: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾، فهو وحي من الله، وكلام رسوله ﷺ.\nالمسألة الخامسة: فيه فضل جبريل﵊-، وأنّه موكّل بالوحي، وأن الملائكة كلهم يسألونه: ماذا قال ربنا؟، هذا دليل على فضله ومكانته عند الله ﷿.\nالمسألة السادسة: فيه دليل على ما ذكرنا أن السماوات طِباق متعدِّدة إلى سبع سماوات، وفي كل سماء سكّان من الملائكة، يعمرونها بعبادة الله ﷿ من التسبيح والتهليل، وتعظيم الله ﷿.\nالمسألة السابعة: في الحديث دليل- أيضًا- على أن الملائكة كلٌّ له عمل موكّل به، إذا كان جبريل موكلًا بالوحي، فكذلك ميكائيل موكل بالقطر والنبات كما جاء في الحديث، وكذلك إسرافيل موكل بالنفخ في الصُّور، وكذلك بقية الملائكة، ولهذا كان النبي ﷺ يقول في استفتاحه إذا قام يتهجّد من الليل: \"اللهم رب جبرائيل","vol":"1","page":234},{"text":"وميكائيل وإسرافيل\" لماذا خص هؤلاء، مع أن الله رب لكل شيء؟، لمكانة هؤلاء، لأن جبرائيل موكّل بالوحي الذي به حياة القلوب، وميكائيل موكّل بالفطر والنبات الذي فيه حياة الأرض بعد موتها، وإسرافيل موكّل بالنفخ في الصُّور الذي فيه حياة الأجسام بعد موتها، فكلّهم موكلون بالحياة، هذا بحياة القلوب بالوحي، وهذا بحياة الأرض بالماء والقطر، وهذا بحياة الأجساد يوم القيامة ونفخ الأرواح فيها. المسألة الثامنة: أن الملائكة لا يعلمون الغيب، ويسألون غيرهم عما خفي عليهم.","vol":"1","page":235},{"text":"[الباب السابع عشر:] *بابُ الشفاعة\nــ\nقال الشيخ الإمام ﵀: \"باب الشفاعة\" الشفاعة معناها: التوسط في قضاء حاجة المحتاج لدى من هي عنده. سميت بذلك لأن طالب الحاجة كان منفردًا في الأول، ثمّ لما انضم إليه الشافع صار شفعًا، لأن الشفع ضد الوتر. فلما كان طالب الحاجة منفردًا، ثمّ انضم إليه الواسطة شفعه في الطلب، ولذلك سمّي شافعًا، وسمّي هذا العمل شفاعة، قال الله ﷾: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾، فالذي يشفع عند السلاطين، أو عند الأغنياء، أو عند غيرهم لقضاء حاجة المحتاجين يعتبر عمله شفاعة طيبة يؤجر عليها، قال ﷺ: \"اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان رسوله ما شاء\".\nأما إذا كانت الشفاعة في أمر محرّم، فهذه شفاعة سيئة، كالذي يشفع عند السلطان في تعطيل الحدود، إذا وجب الحد على شخص شفع عنده ليسقط الحد عنه، هذه شفاعة سيئة، ولهذا لما تقرر الحد على امرأة من بني مخزوم في عهد النبي ﷺ، كانت تستعير المتاع وتجحده، شقّ على أهلها وذويها قطع يدها، تراجعوا بمن يشفع عند رسول الله ﷺ، فتقرّر رأيهم أن يطلبوا من أسامة بن زيد ﵁، حِبُّ رسول الله ﷺ وابن حِبَّه، ليشفع عند رسول الله ﷺ في ترك قطع يد هذه المرأة، فكلم أسامة رسول الله ﷺ في ذلك، فغضب النبي ﷺ غضبًا شديدًا، وتغيّظ على أسامة ﵁، وقال له: \"أتشفع في حد من حدود الله؟، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمَّد سرقت لقطعت يدها\" وقال: \"إذا بلغت الحدود السلطان فلعن الله الشافع والمشفّع\".\nوالحاصل؛ أن هذا تعريف الشفاعة، وانقسامها إلى شفاعة حسنة وشفاعة سيئة، هذا فيما بين النّاس، والمراد هنا: الشفاعة عند الله تعالى.\nومراد المصنف ﵀ من هذا الباب: أنه لما كان المشركون قديمًا وحديثًا يعبدون من دون الله الأصنام والأشجار والأحجار والقبور والأضرحة والأولياء والصالحين والملائكة والأنبياء، فإذا أنكر عليهم ذلك قالوا: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ﴾، نحن نعلم","vol":"1","page":236},{"text":"أنهم مخلوقون، وأن الأمر بيد الله، ولكن هؤلاء لهم مكانة عند الله، ونريد منهم أن يشفعوا لنا عند الله. فيذبحون للأولياء والصالحين والأشجار والأحجار، ويستغيثون بهم، ويصرفون لهم أنواع العبادة، فإذا أنكر عليهم قالوا: غرضنا من ذلك هو الشفاعة فقط. فبين الله أن ذلك هو الشرك، وأن تلك هي عبادة غير الله، فقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ﴾، يقولون: نحن نعلم أنهم مخلوقون، وأنهم ليس لهم من الأمر شيء، ولكننا فعلنا ذلك من أجل أن يشفعوا لنا عند الله لأن لهم مكانة عند الله، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ يعني: يعبدونهم، ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ﴾، اعترفوا أنهم يعبدونهم ﴿إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ سَمَّى فعلهم هذا كذبًا، وسَمّاه كفرًا، ولم تنفعهم اعتذاراتهم، وذلك لأنهم قاسوا الخالق ﷾ على ملوك الدنيا، فكما أنهم من عادتهم عند ملوك الدّنيا أنهم يوسطون الشفعاء بينهم وبين الملوك في قضاء حوائجهم، قاسوا الله جل وعلا بخلقه، اتخذوا عند الله الشفعاء كما يتخذونهم عند الملوك والرؤساء، وهذا باطل، لأنه تسوية بين الخالق والمخلوق، فإن ملوك الدنيا أو سلاطين الدّنيا أو رؤساء النّاس في الدّنيا يقبلون الشفاعة لحاجتهم إلى ذلك، وذلك لأن الملك أو الرئيس بحاجة إلى الوزراء والمستشارين ليعينوه على أمور الملك، فلو لم يقبل شفاعتهم لنفروا منه، ولم يعينوه، والله جل وعلا غني عن خلقه، ليس بحاجة إلى أن يعينه أحد، بخلاف الملوك والسلاطين فهم بحاجة.\nوأيضًا ملوك الدّنيا والسلاطين لا يعلمون أحوال الرّعيّة، فهم بحاجة إلى هؤلاء ليبلغوا حاجات النّاس وأحوال الناس، فإذا بلغهم هؤلاء الوسائط والشفعاء، فقد بلّغوهم ما لم يعرفوا من أحوال رعيتهم، أما الله جل وعلا فإنه يعلم كل شيء، لا تخفى عليه أحوال عباده، يعلم المحتاجين والمرضى والفقراء وأصحاب الحاجات، يعلم ذلك بدون أن يخبره أحد ﷾، فلا يقاس الخالق بالمخلوق.\nوأيضًا الملوك والرؤساء ولو علموا بأحوال الناس، فإنهم قد لا يلينون لهم، ولا يلتفتون إليهم، لكن إذا جاءهم هؤلاء الوسطاء، وتكلموا معهم أثّروا فيهم،","vol":"1","page":237},{"text":"فقبلوا الشفاعة، أما الله جل وعلا فإنه لا يؤثر عليه أحد، الله جل وعلا يريد الزحمة لعباده، ويريد المغفرة، ويريد قضاء حاجات الناس، وإعطاءهم، ورزقهم، هو مريد لذلك ﷾ بدون أن يؤثّر عليه أحد.\nففيه فرق بين الخالق والمخلوق من هذه الوجوه، من ناحية أن الله غني لا يحتاج إلى إعانة الشّفيع، ومن ناحية أن الله عليم لا يحتاج إلى إخبار الشفيع عن أحوال خلقه، ومن ناحية أن الله ﷾ مريد للخير والرحمة لعباده، وقضاء حوائجهم، إذا هم طلبوا من الله بصدق، ولجؤا إليه لإخلاص قضى حوائجهم، بدون أن يكون هناك واسطة.\nفتبيّن لنا إذًا الفرق بين الخالق والمخلوق، فغلِط المشركون في ذلك حيث سووا الخالق بالمخلوق، واتخذوا الشفعاء عنده كما يتخذون الشفعاء عند الملوك والرؤساء.\nوالشفاعة في كتاب الله جاءت على قسمين:\nقسم منفي. وقسم مثبت.\nفالقسم المنفي: هو الشفاعة التي تطلب من غير الله.\nهذه الشفاعة منفية، لأن الشفاعة ملك لله، لا تطلب إلاّ منه، وكذلك الشفاعة التي تطلب فيمن لا تقبل فيه، وهو الكافر، فالكافر والمشرك لا تقبل فيه الشفاعة: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾، وقال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ﴾ .\nوالشفاعة المثبتة: هي التي توفر فيها الشرطان:\nالشرط الأول: أن تُطلب من الله.\nالشرط الثاني: أن تكون فيمن تقبل فيه الشفاعة، وهو المؤمن الموحِّد الذي عنده شيء من المعاصي دون الشرك، فهذا تُقبل فيه الشفاعة بإذن الله.\nقال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾، هذا الشرط الأول.\nالشرط الثاني: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾، وهم أهل الإيمان.\nوقال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللهُ﴾ هذا الشرط الأول.\n﴿وَيَرْضَى﴾، هذا هو الشرط الثاني.","vol":"1","page":238},{"text":"والشافعة المثبتة ستة أنواع:\nالنوع الأول: الشفاعة العظمى، وهي المقام المحمود، وهي التي تكون من الرسول ﷺ لأهل الموقف، إذا طال الوقوف على أهل الموقف التمسوا من يشفع لهم إلى الله في القضاء بينهم، وإراحتهم من الموقف، فيأتون إلى آدم ﵇ ثمّ إلى الأنبياء نبيًّا نبيًّا كلهم يعتذرون، حتى ينتهوا إلى محمَّد ﷺ، فيقول: \"أنا لها، أنا لها\" ثمّ يخر ساجدًا بين يدي ربه ﷿، ويفتح الله عليه بمحامد، فلا يزال ساجدًا حتى يقال له: \"يا محمَّد ارفع رأسك، وسَلْ تعط، واشفع تشفّع\"، هذا فيه أن الرسول لا يشفع ابتداءً، وإنما يشفع بعد الاستئذان، بعد أن يخر ساجدًا لله، ولا يشفع إلاّ بعد أن يؤذن له، ويقال: اشفع تشفّع، ثمّ يشفع في أهل الموقف، فيحاسبون، ثمّ ينصرفون من الموقف إما إلى الجنة وإما إلى النار.\nهذه الشفاعة العظمى، وهي المقام المحمود الذي قال تعالى فيه: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾، لأنه يحمده عليه الأولون والآخرون -﵊-، وهذه لم يخالف فيها أحد وحقيقتها أن الخلائق يطلبون من النبي ﷺ أن يدعو الله لهم بأن يريحهم من الموقف الطويل.\nالنوع الثاني: شفاعته ﷺ لأهل الجنة في أن يدّخلوا الجنة.\nالنوع الثالث: شفاعته ﷺ في بعض أهل الجنة في رفعة درجاتهم في الجنة.\nالنوع الرابع: شفاعته ﷺ في عمّه أبي طالب، وذلك أن أبا طالب كانت مواقفه مع الرسول ﷺ، وتأييده له، وحمايته من أذى قومه، كلها معروفة، وأنه صبر معه على الأذى وعلى الحصار والضيّق، فهو بذل مع الرسول ﷺ شيئًا عظيمًا من الحماية والنُّصرة والدفاع عنه، وهذا من تسخير الله ﷾، وتيسير الله، حيث سخّر هذا الكافر لحماية النبي ﷺ، وحرص النبي ﷺ على هدايته، ودخوله في الإسلام، حتى إنه زاره وهو يُحتضر، وقال له: \"يا عم، قل: لا إله إلاّ الله، كلمة أحاج لك بها عند الله\" إلاّ أنه كان عنده حَضْرة من المشركين قالوا له: أترغب عن مِلّة عبد المطلب؟. فأخذته النّخوة- والعياذ بالله-، والحَمِيَّة الجاهلية وقال: هو على ملّة عبد المطلب، ومات ولم يقل لا إله إلاّ الله، فصار من أهل النار، فالنبي ﷺ","vol":"1","page":239},{"text":"وقول الله ﷿: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ .\nــ\nيشفع له في تخفيف العذاب عنه يوم القيامة، لا في إخراجه من النار، فلا يتعارض هذا مع قوله: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾، لأنها لم تنفع أبا طالب بالخروج من النار، وإنما نفعته في تخفيف العذاب عنه.\nالنوع الخامس: الشفاعة فيمن استحق النار من أهل التّوحيد أن لا يدخلها.\nالنوع السادس: الشفاعة فيمن دخل النار من أهل التّوحيد أن يخرج منها، وهاتان الشفاعتان الأخيرتان ليستا خاصتين بالنبي ﷺ، بل هما عامتان في الأنبياء والأولياء، والصالحين، والأفراط. فالأولياء يشفعون، والصالحون، والأفراط- وهم الأولاد الصغار- يشفعون لآبائهم.\nوهذه الشفاعة يثبتها أهل السنّة والجماعة للأحاديث الواردة الصحيحة فيها، ويخالف فيها المبتدعة من المعتزلة، والخوارج الذين يقولون إن من دخل النار لا يخرج منها، ويخالفون بذلك الأحاديث الصحيحة الواردة فيها عن النبي ﷺ، هذه أنواع الشفاعات الثابتة الصحيحة التي توفر فيها الشرطان المذكوران.\nوأمر الشفاعة أمر عظيم، لأنه غلط فيها أمم من النّاس قديمًا وحديثًا، وفهموها على غير المقصود، فجمهور المشركين- أو كل المشركين- فهموها على غير المقصود، وبعض المبتدعة من المسلمين أنكروا بعضها، فحصل الغلط، فلابد من التفصيل والإيضاح في أمر الشفاعة، لأنها أصبحت مزلة أقدام، يجب على طلبة العلم أن يهتموا بهذا الأمر، لأن فيها مغالطات عند القبوريين والخرافيين، لأنهم لا يفقهون معنى الشفاعة، أو أنهم يتعمّدون المعاندة والمخالفة، ويصرون على ما كان عليه آباؤهم وأجدادهم ومشايخهم من الضلال في هذا الباب.\nفالشفاعة ليست منفية مطلقة، ولا مثبتة مطلقة، بل فيها تفصيل، وفيها إيضاح لابد من معرفته، ولذلك عقد المصنف ﵀ هذا الباب لها من أجل هذا الغرض.\nثمّ ساق ﵀ بعض الآيات والأحاديث في موضوع الشفاعة.\nالآية الأولى: قوله تعالى: \" ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ","vol":"1","page":240},{"text":"لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾، هذا أمر من الله للنبي ﷺ.\nيقول: \" ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ﴾ \" الإنذار هو: الإعلام بشيء مَخُوْف. أما البشارة فهي: الإعلام بشيء محبوب، والنبي ﷺ بشير ونذير، بشير لأهل الإيمان بالأجر والثواب والجنة، ونذير لأهل الشرك والمعاصي بالعذاب والنار.\n﴿الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ الحشر معناه: الجمع، لأن الله يجمع الخلائق يوم القيامة أولهم وآخرهم في صعيد واحد، لا يخفى منهم أحد؛ لأجل فصل القضاء بينهم، وجزائهم بأعمالهم. وهذا الموقف لابد منه، فأنت أيها الرسول أنذر المؤمنين بهذا الموقف، ولماذا خص المؤمنين؟، لأنهم هم الذين يمتثلون، وإلاَّ فإنه مأمور بأن يبلغ النّاس كلهم، ولكنه- أحيانًا- يؤمر بتخصيص المؤمنين، لأنهم هم الذين يمتثلون، وفي إنذارهم نفع لهم، أما المشركون والكفار فهم يبلغون من أجل إقامة الحجة عليهم، وأما المؤمنون فإنهم يبلغون من أجل نفعهم بذلك.\n\" ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ \" أي: غير الله.\n\" ﴿وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ \" لا أحد يتولاّهم يوم القيامة من الخلق، و﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧)﴾، يوم القيامة ما أحد يسأل عن أحد، قال تعالى: ﴿وَرُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾،فـ ﴿هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ﴾ يوم القيامة ما أحد يلوي على أحد، ولا أحد يسأل عن أحد، بل إن القريب إذا رأى أقرب النّاس إليه يفر منه.\n\" ﴿وَلا شَفِيعٌ﴾ \" أي: واسطة، يتوسط له عند الله، ما أحد يشفع له يوم القيامة إلاّ بإذن الله ﷾، وبشرط أن يكون هذا الشخص ممن يرضى الله عنه، هذه شفاعة منفيّة فبطل أمر هؤلاء الذين يتخذون الشفعاء ويظنون أنهم يخلصونهم يوم القيامة من عذاب الله كما يقول صاحب (البردة):\nيا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم\nإن لم تكن في معادي آخذًا ... بيدي فضلًا وإلاَّ قل يا زلّة القدم\nهذا على اعتقاد المشركين أن الرسول يأخذ بيده ويخلصه من النار، وهذا ليس بصحيح، لا يخلصه من النار إلاّ الله ﷾ إذا كان من أهل الإيمان.","vol":"1","page":241},{"text":"وقوله: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ .\nوقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ .\nــ\n﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ هذا تعليل لقوله: \" ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ﴾ \"، من أجل ماذا؟، أي: من أجل أن يتقوا ربهم ﷾، والتقوى معناها: أن يتخذوا ما يقيهم من عذاب الله يوم القيامة، وذلك بالأعمال الصالحة، بفعل الطاعات وترك المحرمات، ولا يقي من عذاب الله يوم القيامة إلاّ التقوى.\nفهذا فيه الرد على المشركين الذين يتخذون الشفعاء بيّن الله أنه سيأتي يوم القيامة ولا أحد يشفع لهم كما يزعمون.\nقوله: \" ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ \" هذه الآية جزء من آية من سورة الزمر، وفي قوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ (٤٣) قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٤٤)﴾ .\nفقوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ شُفَعَاءَ﴾ ﴿أَمِ﴾ هنا بمعنى: بل، أي: بل اتخذوا، وهذا من باب الإنكار عليهم.\n﴿اتَّخَذُوا﴾ أي: المشركون.\n﴿مِنْ دُونِ اللهِ﴾ أي: غير الله.\n﴿شُفَعَاءَ﴾ أي: وسائط، يتوسّطون بينهم وبين الله في إجابة دعواتهم، وقضاء حاجاتهم.\n﴿قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا﴾ فالشفاعة ليست ملكًا لهم، فأنتم تطلبون منهم ما لا يملكون.\n﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ إذًا تُطلب الشفاعة من الله ﷾، ولم تطلب من غيره.\nقال: وقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ هذا جزء من آية الكرسي:\n﴿اللهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ","vol":"1","page":242},{"text":"وقوله: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦)﴾ .\nــ\nالْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾، وهي أعظم آية في كتاب الله ﷿، لماذا صارت أعظم آية في كتاب الله؟، لأنها اشتملت على النفي والإثبات: نفي النقائص عن الله تعالى، وإثبات الكمال لله ﷿ والشاهد منها قوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ ﴿مَنْ﴾ نفي، أي: لا أحد، \" ﴿يَشْفَعُ عِنْدَهُ﴾ \" أي: عند الله تعالى، ﴿إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ فهو الذي يأذن للشفعاء أن يشفعوا، وبدون إذنه لا يمكن لأحد أن يشفع أبدًا، لا الأنبياء، ولا الملائكة، ولا الأولياء، ولا الصالحين، وهذا محل الشاهد؛ أن الشفاعة لا تكون إلاّ بإذن الله، ففي هذا رد على المشركين الذين اتخذوا الشفعاء بدون إذنه ﷾ في ذلك، وزعموا أن هؤلاء الشفعاء يقومون بما يريدون منهم عند الله ﷿، ولذلك صرفوا لهم العبادة، فصاروا يذبحون للقبور، وينذرون لها، ويطوفون بها، ويتبركون بها، ويتمسحون بترابها، وبجدرانها، يعبدونها من دون الله، لأنهم يقولون: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ﴾، تركوا الله ﷿ وعبدوا غيره، فعملهم هذا حابط باطل، لأنهم يضعونه في غير محله، وقاسوا الخالق على المخلوق.\nثم ساق ﵀ آية النجم: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ﴾، كم هنا بمعنى: كثير، فهي خبريّة، أي: كثير من الملائكة.\n﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾ لأن موطن الملائكة: السماوات، ومع كثرتهم ﴿لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا﴾ هذا نفي، لأن ﴿شَيْئًا﴾: نَكِرة في سياق النفي، أي: لا تغني شيئًا أبدًا إلاّ بشرطين: ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللهُ﴾ هذا الشرط الأول. ﴿وَيَرْضَى﴾ هذا الشرط الثاني.\nويأذن للشافع أن يشفع، ويرضى عن المشفوع فيه أن يُشفع فيه، وهو المؤمن الموحّد الذي عنده ذنوب يستحق بها العذاب، فإذا أذن الله جل وعلا في الشفاعة فيه، فإنه تنفعه الشفاعة، ويسلم من العذاب بإذن الله ﷿.\nفدلّ على أن الأمر كله الله ﷾، وتُطلب الشفاعة وغيرها من الله، ولا يُتعلّق على غيره، ولا تُصرف العبادة إلاّ له، ولا يُدعى إلاّ هو ﷾، ولا يجوز اتخاذ","vol":"1","page":243},{"text":"الوسائط بين الخلق وبين الله في قضاء الحاجات وتفريج الكربات وإجابة الدعوات، لا يجوز هذا، وإنما العباد يجب عليهم أن يتوجهوا إلى الله ﷾ في عباداتهم، وفي دعواتهم، وفي سائر أمورهم، ومهمّة الرسل هي: التبليغ عن الله ﷾، أما أنهم يكونون وسطاء بين الله وبين خلقه في قضاء الحوائج فهذا أمر باطل، ولهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيميّة: \"هناك واسطة من أثبتها كفر، وواسطة من أنكرها كفر\" فالواسطة التي من أنكرها كفر: هم الرسل- عليهم الصلاة والسلام- في تبليغ أمر الله ﷾، يعني: من جحد رسالة الرسول كفر، فالرسول واسطة بين الله وبين النَّاس في تبليغ الرسالة، أما الواسطة التي من أثبتها كفر، فهي: جعل الوسائط بين الخلق وبين الله في قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، هذه من أثبتها كفر، لأن الله كفّر المشركين في ذلك، والله جل وعلا أمرنا أن نتوجّه إليه مباشرة بدون أن نوسّط أحدًا، أو نسأل بجاه أحد، أو بحق أحد، حتى ولو كان هذا الأحد له مكانة عند الله كالرسل والملائكة لأن الله لم يشرع لنا أن نوسطهم في قضاء حوائجنا، بل الله قال: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ ما قال: ادعوني بواسطة فلان، أو وسّطوا فلانًا بيني وبينكم، قال: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، وفي الحديث: \"ينزل ربنا ﷾ كل ليلة إلى سماء الدنيا فيقول: هل من سائل فأعطيه؟ هل من داع فأستجيب له؟، هل من مستغفر فأغفر له؟ \" فالباب مفتوح بينك وبين الله ﷿، لماذا هذا التعريج، وهذه الأباطيل التي تجعلها بينك وبين الله؟، اتصل بالله مباشرة، وهو سميع مجيب: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾، فهذا إبطال الوسائط التي يضعونها بينهم وبين الله، ويزعمون أنها تقربهم إلى الله زلفى، لا أصحاب القبور، ولا الأشجار، ولا الأحجار، ولا الأصنام، ولا أي مخلوق حتى ولا الأنبياء ولا الملائكة ليسوا الواسطة بين الله وبين خلقه في قضاء الحاجات غير الأعمال الصالحة أمر منفي، أما الواسطة بين الله وبين خلقه في تبليغ الرسالات، فهذا أمر ثابت.","vol":"1","page":244},{"text":"وقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ﴾ الآيتين.\nقال أبو العباس: \"نفى الله عما سواه كل ما يتعلّق به المشركون، فنفى أن يكون لغيره مِلْكٌ أو قِسْط منه، أو يكون عونًا لله، ولم يبق إلاَّ الشفاعة، فبيّن أنها لا تنفع إلاّ لمن أذن له الرب، كما قال: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ .\nــ\nثم ذكر الشيخ قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ﴾، وتمامًا الآيتين: ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ*) وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ .\nثمّ ساقّ ﵀ كلام شيخ الإسلام ابن تيميّة في توضيح هذه الآية وتفسيرها، وختم به هذا الباب العظيم، الذي هو: \"باب الشفاعة\".\nوقد مضى الكلام في أول الباب وما فيه من آيات وأحاديث وما فيه من تفصيل في أمر الشفاعة، لأن أمر الشفاعة أمر مشكل من قديم الزمان وحديثه، لأن كثيرًا - أو جميع- من يقع منهم الشرك في العبادة بدعاء الأولياء والصالحين والموتى إذا سُئلوا وقيل لهم: هذا شرك، قالوا: لا، هذا ليس بشرك، لأننا لم نقصد أن نعبد من دون الله أحدًا، لأننا نعلم أن العبادة حق لله، ولكن هؤلاء أناس صالحون لهم مكانة عند الله، ومن العادة أن الإنسان إذا كان له حاجة عند السلطان أو عند الملك أنه لا يتقدم إليه بحاجته مباشرة، لأنه يخشى أن لا يُقبل منه أو لا يُعرف، فحتى لا يُرد طلبه يجعل بينه وبين المطلوب منه واسطة، فهذه الواسطة تشفع له عند من عنده طلب المحتاج. هذا حاصل ما يجيبون به.\nوهو جواب باطل، لأن قياس الخالق على المخلوق قياس باطل، لأنّ الله ﷾ ينزّه أن يقاس بأحد من خلقه، قال سبحانه: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٧٤)﴾، وقال ﷾: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، وقال ﷾: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾، إلى غير ذلك مما بيّن الله سبحانه أنه لا يجوز أن يُقاس بخلقه أو أن يشبّه بخلقه لوجود الفرق","vol":"1","page":245},{"text":"فهذه الشفاعة التي، يظنها المشركون في منتفية يوم القيامة، كما فناها القرآن، وأخبر النبي ﷺ: \"أنه يأتي فيسجد لربه ويحمده [لا يبدأ بالشفاعة أوّلًا] ثم يقال له: ارفع رأسك، وقل يُسمع، وسلْ تُعط، واشفع تشفَّع \".\nــ\nالعظيم بين الخالق والمخلوق، فإذا كان ملوك الدنيا تسوغ عندهم شفاعة الشافعين بغير إذنهم، فإن الخالق جل وعلا لا تسوغ عنده لأنه أعظم من ذلك، لأن ملوك الدّنيا بحاجة إلى هؤلاء الشفعاء لإعانتهم على أمور الملك، فيشفعونهم من أجل أن يعينوهم على أمور الملك، أو لأن ملوك الدّنيا لا يعلمون أحوال الرعيّة، فهم بحاجة إلى من يبلّغهم، أو لأن ملوك الدّنيا لا يريدون قضاء الحوائج أحيانًا، ولا يريدون الرحمة حتى يأتي من الشفعاء من يتكلم معهم، حتى تتأثر قلوبهم بالعطف، وهذه الأمور كلها منتفية عن الله ﷾، فهو ليس بحاجة إلى من يعينه على أمور الملك، لأنه غني كريم، قادر على كل شيء، وليس بحاجة إلى من يبلّغه عن أحوال خلقه، لأنه يعلم كل شيء، وليس بحاجة إلى من يؤثر عليه ويعطفه، لأنه بعباده رؤوف رحيم، يريد لهم الخير، ويريد لهم الإعانة، ويحب العفو والمغفرة، ويجود على خلقه بدون أن يؤثر عليه أحد أو يتوسط عنده أحد، فهذه الأمور كلها منتفية، وبذلك بطلت حجة المشركين، وتبيّن أن فعلهم هذا هو الشرك، سماه الله شركًا في قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ﴾، ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ هذا هو الشرك، وفي الآية الأخرى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى﴾، ثمّ توعدهم بقوله: ﴿إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾، فسمّى فعلهم هذا كذبًا وسماه كفرًا، بل سماه مبالغة في الكفر، لأن كفّار صيغة مبالغة، فالذي يفعل هذا قد بلغ غاية الكفر وأعظم الكفر- والعياذ بالله-.\nوفي هذه الآية يقول: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ هذه الآية والتي بعدها يقول العلماء عنها: إنها قطعت عروق الشرك من أصله.","vol":"1","page":246},{"text":"أما قوله تعالى: ﴿قُلِ﴾ هذا أمر لرسوله محمَّد ﷺ بأن يقول لهؤلاء الذين يدعون الملائكة وغيرهم من دون الله ويزعمون أنهم يشفعون لهم عند الله بغير إذنه ﷾، قل لهم يا أيها الرسول، بلّغهم، أخبرهم، بيّن لهم.\n﴿ادْعُوا﴾ هذا أمر توبيخ وتعجيز، لأن الأمر يأتي- أحيانًا- للتّوبيخ والتعجيز، لا لطلب الشيء أو تشريع الشيء، كما في قوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾، ليس هذا أمرًا بالكفر، وإنما هذا أمر توبيخ وتهديد، وإلاّ فالله ﷾ لا يأمر بالكفر، وإنما ﴿َفلْيَكْفُرْ﴾ معناه أمر تهديد وتوبيخ وقد يكون الأمر للتعجيز ﴿يَمَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا﴾ هذا أمر تعجيز.\n﴿الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ هذا فيه رد عليهم وذلك لأنهم لم يبنوا فعلهم هذا على دليل من الشرع النازل من عند الله، فالله لم يشرع دعاء غيره أبدًا، وإنما أمر بدعائه وحده لا شريك له، فمن دعا غيره فهذا زعم منه، والزعم باطل، وكذلك لم يعتمدوا على دليل عقلي فطري، لأن العقل يدل على أن العبادة لا تكون إلاّ لمستحقها وهو الله ﷾، أما العبد الفقير العاجز، فإنه لا يستحق العبادة، هذا دليل العقل مع دليل الشرع بأن العبادة والدعاء لا يصلحان إلاّ لله ﷾، والزعم معناه: الكذب، دلّ على أنهم كاذبون في عملهم هذا، لأنه إذا لم يكن عليه دليل فهو كذب.\nومعنى: ﴿زَعَمْتُمْ﴾ أي: زعمتم أنهم ينفعون أو يضرون.\n﴿مِنْ دُونِ اللهِ﴾ أي: غير الله ﷾.\n﴿لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾، وذلك أن المدعو لابد أن يتوفر فيه أحد هذه الأحوال:\nالحالة الأولى: إما أن يكون مالكًا للمطلوب منه، فأنت إذا طلبت من أحد شيئًا فلابد أن يكون مالكًا له، وهؤلاء المدعوون لا يملكون شيئًا مما يطلب منهم؟ إذًا دعاؤهم باطل، كيف تطلبون من أناس لا يملكون ما تطلبونه منهم فهم: ﴿لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ أي: ليس لهم ملك ولو قلّ، والذّرّة معروفة هي أصغر شيء،","vol":"1","page":247},{"text":"إما أنها؛ الهَبَاءَة التي تطير في الهواء، أو أنها: النملة الصغيرة التي لا وزن لها، ودائمًا يضرب الله هذا المثل: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾، أقل شيء من الخير والشر: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ فالظلم منتفٍ عن الله ﷾ قليله وكثيره، إذًا كيف تدعونهم وتطلبونهم وهم لا يملكون ما تدعونهم له وتطلبونه منهم؟، هذا من العبث، كيف تُعرضون عن الذي يملك السماوات والأرض ومن فيها، وهو الله، وتنصرفون إلى دعاء من لا يملك شيئًا، ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ﴾ .\nالحالة الثانية: إذا لم يكن مالكًا فلا أقل من أن يكون شريكًا للمالك، وهذا منتفٍ في حق الخلق، لأنهم لا يشاركون الله في ملكه: ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، فلا أحد يشارك الله في ملك السماوات والأرض أبدًا، لا الملائكة، ولا الأنبياء، ولا الأولياء، الملك لله.\nالحالة الثالثة: إذا لم يكن مالكًا للشيء ولا شريكًا فيه فربما يكون معينًا للمالك، وإذا كان معينًا للمالك جاز أن يستشفع به إليه، والله نفى هذا وقال: ﴿وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ لا أحد يعين الله من خلقه، لم يتخذ من خلقه من يعينه على تدبير خلقه ﷾، انفرد بخلق السماوات والأرض، وخلق المخلوقات، ولم يتخذ من يعينه على ذلك، لأنه قادر ﷾ على كل شيء.\nالحالة الرابعة: قد يكون شفيعًا عند المالك مثل ما يشفع الناس عند الملوك، وهم ليسوا ملوكًا، وليسوا شركاء للملوك، وليسوا وزراء للملوك وأعوانًا، لكنهم شفعاء، يأتي ذو جاه ومكانة فيدخل على السلطان ويشفع عنده، وهو ليس معينًا له ولا شريكًا له، هذا جائز في حق المخلوقين، لكن في حق الخالق لا يجوز، لأن الشفاعة لا تكون إلاّ بإذنه ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ﴾ أي: عند الله ﴿إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾، هذا بخلاف المخلوقين، قد يشفع عندهم بدون أن يأذنوا، وهل الله أذن في الشفاعة في المشركين من المستحيل أن تقع، الشفاعة في مشرك أو كافر.\nقال ﷾: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾، ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾، إذًا بطلت شفاعتهم من كل الوجوه الأربعة، فهي شفاعة باطلة، وإنما","vol":"1","page":248},{"text":"وقال أبو هريرة له ﷺ: من أسعد النّاس بشفاعتك؟، قال: \"من قال: لا إله إلاّ الله؛ خالصًا من قلبه\".\nفتلك الشفاعة لأهل الإخلاص بإذن الله، ولا تكون لمن أشرك بالله.\nــ\nالشفاعة الصحيحة هي الشفاعة التي يتوفر فيها شرطان: الشرط الأول: أن تكون بإذن الله. الشرط الثاني: أن تكون في أهل التّوحيد والإخلاص.\nوفي حديث أبي هريرة لما سأل النبي ﷺ قال: من أسعد النّاس بشفاعتك يا رسول الله؟، قال: \"لقد ظننت أن لا يسألني عن هذا الحديث غيرك يا أبا هريرة لما أرى من حرصك على الحديث، أسعد النّاس بشفاعتي: من قال: لا إله إلاّ الله؛ خالصًا من قلبه\".\nفدلّ هذا الحديث على أن شفاعة الرسول ﷺ بعد إذن الله تعالى بها لا تكون إلاّ لأهل الإخلاص، لا تكون لأهل الشرك، وأهل الإخلاص هم: \"من قال: لا إله إلاّ الله \" أي: تلفّظ بها، \"خالصًا من قلبه\" لم يقلها بلسانه فقط، وإنما قالها عارفًا لمعناها، عاملًا بمقتضاها، معتقدًا لها بقلبه.\nأما الذي يقول: لا إله إلاّ الله، وهو لا يعرف معناها، ولا ما تدل عليه، أو يعرف معناها، ولكنه لا يعتقدها بقلبه، كحال المنافقين، فهذا لا تنفعه لا إله إلاّ الله، وليس له شفاعة عند الله ﷾، إنما الشفاعة لأهل الإخلاص، وهم الذين ينطقون بهذه الكلمة مخلصين لله ﷿ في قلوبهم ما تدل عليه هذه الكلمة من إفراد الله تعالى بالعبادة.\nفدلّ هذا على أنه لا حظ لأهل الشرك في الشفاعة.\nإذًا كل هؤلاء المشركون القدامى والمحدثون، هؤلاء الذين يأتون إلى القبور، ويجثون عندها على ركبهم، ويتمرّغون بجباههم على ترابها، ويذبحون لها، وينذرون لها، ويتمسحون بها، ويقولون: هؤلاء أولياء يشفعون لنا عند الله. هؤلاء كلهم محرومون من هذه الشفاعة، وفعلهم هذا تعب بلا فائدة، وضرر بلا منفعة، لأن هذا هو عين فعل المشركين السابقين.","vol":"1","page":249},{"text":"وحقيقته: أن الله سبحانه يتفضل على أهل الإخلاص، فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع؛ ليُكرمه وينال المقام المحمود.\nفالشفاعة التي نفاها القرآن ما كان فيها شرك، ولهذا أُثبتت الشفاعة بإذنه مواضع.\nــ\nوالآية: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ﴾، عامة في الملائكة، وفي الأولياء، والصالحين، وغيرهم، كل من دُعي من دون الله ﷿، فهو بهذه المثابة، لا يملك شيئًا ولا مثقال ذرة، ولا يشارك المالك، وليس هو ظهير للمالك، وليس هو شفيع عند المالك بشفاعة أهل الشرك، وأهل عبادة القبور، والأضرحة، والأشجار، والأحجار، والأصنام، وغيرها، هؤلاء لا حظ لهم في الشفاعة، كل هؤلاء القطعان الضائعة، هؤلاء الذين يأتون إلى هذه الأضرحة، وينفقون الأموال، ويضيعون الأوقات، كلهم لا حظ لهم في الشفاعة عند الله ﷾، وإنما الشفاعة لأهل التّوحيد.\nوالسبب في جعل الله ﷾ هذه الشفاعة أنها إكرام للشافع، يأذن الله لمن شاء من عباده أن يشفع إكرامًا له، مثل ما يحصل لمحمد ﷺ في المقام المحمود، إكرامًا له ﷺ، ورحمة للمشفوع فيه إذا كان من أهل الشفاعة والرحمة، هذا هو الحكمة في جعل الله هذه الشفاعة، فالأمر لله ﷾.\nوبهذا يتبيّن لنا معنى الآيتين الكريمتين مع بيان شيخ الإسلام ابن تيمية بهذا الكلام الواضح.\nوأبو العباس كنية شيخ الإسلام ابن تيمية، واسمه: أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني، الحنبلي، الإمام المشهور. وليس له ولد.\nوإنما يكنى أبا العباس من باب التكريم له، ويجوز أن يكنى الإنسان ولو لم يكن له ولد.\nفالحاصل؛ أن هذه الآية الكريمة قد أبطلت ما يعتقده المشركون في معبوداتهم، وردّت عليهم ردًّا مفحمًا: هل يستطيع المشركون أن يقولوا: إن معبوداتنا هذه تملك في السماوات أو في الأرض شيئًا؟ لا يستطيعون.","vol":"1","page":250},{"text":"وقد بيَّن النبي ﷺ أنها لا تكون إلاّ لأهل الإخلاص والتّوحيد\". انتهى كلامه ﵀.\nــ\nهل يستطيعون أن يقولوا: إنها شريكة لله؟، لا يستطيعون.\nهل يستطيعون أن يقولوا: إنها تعين الله في تدبير الملك؟، لا يستطيعون.\nهل يستطيعون أن يقولوا إنها تشفع عند الله بغير إذنه؟، لا يستطيعون.\nهل يستطيعون أن يقولوا: إن الشفاعة تنفع المشركين وتنفع الكفار؟ لا يستطيعون. كل هذا لا يستطيعونه أبدًا.\nهل أحد منهم عارض هذه الآية، وقال: إن معبوداتنا تملك، أو أنها شريكة لله، أو أنها معينة لله، أو أنها تشفع عنده بغير إذنه؟، ما أحد يستطيع أن يعارض كلام الله ﷾، لأن كلام الله لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، ولكن إذ عميت البصائر، وصار الناس يعملون على حسب أهوائهم، وحسب التقاليد الفاسدة؛ حينئذٍ يقعون في المهالك، يقعون فيما وقعوا فيه.\nولو سألت أي خرافي أو أي مشرك من عباد الأضرحة قلت له: أجب عن هذه الآيات؟. ما استطاع الجواب. وإذا لم يستطع الجواب، تبيّن أنه مكابر، وأن عمله باطل.\nكان الواجب على من يدّعي الإسلام، ويشهد أن لا إله إلاّ الله وأن محمدًا رسول الله؛ الواجب أن يرجع إلى القرآن، وأن يتدبرّ القرآن، وأن يعمل به، وأن يراجع سنة الرسول ﷺ، ويعمل بها، ولا يذهب مع التقاليد الفاسدة، أو يتبع ما كان عليه الناس، أو الدعاوى الباطلة أن هذه القبور تنفع، أو أن هؤلاء الأموات ينفعون من دعاهم، أو من تقرّب إليهم، هذا كله إذا عُرِضَ على الكتاب والسنّة تبيّن بطلانه.\nنعم، قد يقع لهؤلاء الذين يدعون الأولياء أو القبور أن تحصل لهم حاجاتهم التي طلبوها، لكن هذا لا يدل على صحة ما هم عليه، لأنهم قد يُعطون ما طلبوا من باب الفتنة، ومن باب الاستدراج، أو أنه يصادف ذلك قضاءً وقدرًا من الله ﷾","vol":"1","page":251},{"text":"في إعطائهم هذا الشيء، فيظنون أنه بسبب القبور، وهو في الواقع بقضاء الله وقدره، فحصول المطلوب لا يدل على صحة الطلب، إنما الاحتجاج يكون بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ، لا بالعادات، والتقاليد، والحكايات، والمنامات، والخرافات، أو أن فلانًا قد حصل له كذا، فلان ذهب إلى القبر الفلاني، فلانة ذهبت إلى القبر الفلاني فحملت، هذا ليس بدليل أبدًا، لأن إعطاء الإنسان شيئًا مما يحتاج إليه، لا يدل على صحة ما ذهب إليه، أو ما فعل من الشرك والعادات السيئة.\nيقول شيخ الإسلام: \"قد يرون عند القبور أو يسمعون عند القبور من يكلمهم، أو يخرج عليهم من القبر ويقول: أنا فلان الذي تطلب، وأنا أقضي حاجتك. يتمثل لهم الشيطان، ليس هو الميت، وإنما هو الشيطان، يتمثل لهم بصورة الميت، ويخاطبهم، وقد يجلب لهم شيئًا مما يطلبون من بعيد، وهو شيطان يريد أن يضلهم، ويريد أن يهلكهم، وأن يغرر بهم\".\nفحصول المقصود لا يدل على صحة العمل، وكذلك كونهم يشاهدون الشخص الذي بصورة الميت، أو يسمعون كلامًا يكلمهم، كل هذا ليس بحجة، لأن هذه أعمال شيطانية، يتمثل لهم الشيطان في صورة الميت، أو يكلمهم بصوت الميت، أو هو شيطان يريد أن يضلهم عن سبيل الله، أو يعطيهم بعض الحوائج، لأن الشيطان يستطيع أن يسير إلى الأمكنة البعيدة، وحمل الأشياء والمجيء بها، وتحضيرها، والجن يتعاونون على هذا الشيء ويحضرون مطلوب هؤلاء، ويعطونهم إياه.\nالحاصل؛ أنها كلها أعمال شيطانية، لأنها مخالفة لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وهذه من البلايا، يعني: كونهم يحتجّون بأن فلانًا شفي لما ذهب إلى القبر، فلانة حملت لما ذهبت إلى القبر، فلان أعطي كذا وكذا، وهذا ليس بحجة أبدًا. هذا فتنة وابتلاء وامتحان، وهو من أعمال الشياطين.\nقد يقولون: إنه رأى الميّت في الرؤيا، وأنه قال له كذا وكذا، والرؤيا هذه من الشيطان، الشيطان قد يأتي النائم ويكلمه، أو يتمثل له بصورة من يعرف من الأموات، يأتيه في الرؤيا وهو شيطان، لأنه ليس كل رؤيا تكون صحيحة، الرؤيا على ثلاثة أقسام:","vol":"1","page":252},{"text":"رؤيًا هي حديث نفس، وأضغاث أحلام، لا أصل لها.\nوالقسم الثاني: من الشيطان، جاءه فقال له في الرؤيا: اعمل كذا، أو اطلب كذا، أو اذهب إلى كذا، وهي رؤيا شيطانية، خصوصًا إذا كان الإنسان نام على غير ورد؛ لم يقرأ آية الكرسي عند النوم، ولم يقرأ سورة الإخلاص والمعوذتين عند النوم، فإنه يتسلط عليه الشيطان من أجل أن يضله، أو من أجل أن يكدّر عليه نومه، ويزعجه، لأنه يأتيه بمزعجات، يرى أشياء يكرهها.\nالقسم الثالث: هي الرؤيا الصحيحة، وهي التي تجري على يد المَلَك، هذه الرؤيا الصحيحة وليس فيها تضليل، وإنما فيها خير، وهي جزء من النبوّة- كما في الحديث-، وهي من المبشرات، لكن هذه لا تحصل إلاّ لأهل الإيمان في الغالب، وقد تحصل الرؤيا للكفار لحكمة يريدها الله ﷾، كما حصلت للملك في قصة يوسف ﵇، والملك كان كافرًا، هذه رؤيا صحيحة جرت لكافر لأمر أراد الله، وهو: الإرهاص ليوسف ﵇ من أجل أن يكرمه الله بتأويل هذه الرؤيا، ويتبيّن عمله وفضله، ثمّ يُخرج من السجن، ثمّ يصل إلى درجة المُلك.\nالحاصل؛ أن الرؤيا، لا يُعتمد عليها في العبادات لأن العبادات ولاسيّما التّوحيد- لا يُبنى إلاَّ على دليل من كتاب الله أو من سنة رسوله ﷺ، أو إجماع المسلمين، أما المنامات والرؤى والحكايات هذه كلها لا تُبنى عليها الأحكام الشرعية.\nلو جاءك واحد في الرؤيا وقال لك: صلِّ كذا وكذا من الصلوات، أو صُم، لم يجز العمل بهذه الرؤيا، لأن التشريع انتهى، ما هناك دليل إلاّ من الكتاب أو السنّة، فليس هناك تشريع بعد وفاة رسول الله ﷺ، ولاسيّما في أمور التّوحيد، وأمور العقيدة، فهؤلاء الذين شرّعوا في أمور العقيدة، فبنوا الأضرحة على القبور، والرسول ينهى عن ذلك، وطافوا بها، وتقربوا إليها، كل هذا مناف للكتاب والسنّة، لأن الله ﷾ لم يشرَع لنا هذه الشركيّات، وهذه الخرافات، وهذه البِدْعيّات والمحدثات.","vol":"1","page":253},{"text":"[الباب الثامن عشر:] *باب قول الله تعالى\n﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ الآية.\nوفي الصحيح عن ابن المسيّب عن أبيه قال: لما حضرت أبا طالب\nــ\nغرض المصنّف ﵀ من عقد هذا الباب: الردّ على الذين غلو في النبي ﷺ، وعلى المشركين الذين يتعلّقون بالأولياء والصالحين، يدعونهم من دون الله، ويستغيثون بهم، لأنه إذا كان رسول الله ﷺ لم يملك لعمه أبي طالب شيئًا، وأنه نُهي عن الاستغفار له، ففي حق غير النبي ﷺ من باب أولى، فدلّ ذلك على أنه ﷺ لا يُدعى من دون الله، ولا يُطلب منه شيء من الأمور التي لا يقدر عليها إلاّ الله، لأنه لم يملك هذا لعمه أبي طالب مع حرصه على نفعه، وعاتبه الله بقوله: \" ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ \"، وبقوله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾، فإذا كان هذا في حق النبي ﷺ، وهو أفضل الخلق، دلّ على أنه لا يُدعى من دون الله، ولا يُطلب منه شيء من الأمور التي لا يقدر عليها إلاّ الله، فغيره من باب أولى من الأولياء، والصالحين، وأصحاب الأضرحة، مهما بلغوا من الصلاح، ومهما بلغوا من المكانة في الدين، فإنهم لا يُطلب منهم إلاّ ما يقدرون عليه من أمور الدنيا، إذا كانوا على قيد الحياة، أما أمور الهداية، وأمور قضاء الحاجات التي لا يقدر عليها إلاّ الله من شفاء المرضى، وإنزال المطر، وجلب الأرزاق، وإعطاء الأولاد، هذا كله لا يُطلب إلاّ من الله ﷾، ولا يطلب من غير الله، لا من نبي، ولا من ولي، ولا من أي مخلوق، ومن طلبه من غير الله فهو مشرك الشرك الأكبر المخرج من الملّة.\nفهذا غرض المصنّف ﵀ من عقد هذا الباب.\nقال: \"في الصحيح\" يعني: في الصحيحين صحيح البخاريّ وصحيح مسلم.\n\"عن ابن المسيّب\" هو: سعيد بن المسيّب بن حَزَن بن أبي وهب المخزومي، أحد أكابر التابعين، وكان له منزلة في العلم عظيمة، فهو من أكبر علماء التابعين، وهو أحد الفقهاء السبعة الذين انتهت إليهم الفتوى في الدّنيا في زمانهم.","vol":"1","page":254},{"text":"الوفاة جاءه رسول الله ﷺ وعنده عبد الله بن أبي أمية، وأبو جهل، فقال له: \"يا عم، قل: لا إله إلاّ الله؛ كلمة أحاجّ لك بها عند الله\".\nــ\nوأبوه المسيّب بن حَزَن، صحابي، وجده الحَزَن- أيضًا- صحابي، فهو من كبار التابعين، وأبوه وجده صحابيّان.\n\"عن أبيه\" المسيّب.\n\"قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة\" معناه: قارب الوفاة، وليس المراد أنه نزل به الموت، لأنه إذا نزل الموت بالمحتضر، وبلغت الروح الغرغرة لا تُقبل منه توبة، كما جاء في الحديث: \"إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر\" فالمراد بهذا- والله أعلم- أنه لما حضرته الوفاة وظهرت عليه علامات الموت قبل أن تبلغ روحه الغرغرة، وقبل أن يأتي الوقت الذي لا تُقبل منه التوبة. ويَحتمل أنه حضرته الوفاة يعني: بلغ نزع الروح، فيكون هذا خاصًّا بأبي طالب، وأما غيره فإذا وصل إلى هذا الحد فإنه لا تُقبل منه توبة. والله اعلم.\nوأبو طالب هو: أبو طالب بن عبد المطّلب عم الرسول ﷺ، كَفَل الرسول ﷺ بعد موت جدّه عبد المطّلب، وبقي أبو طالب حول الرسول ﷺ قبل البعثة وبعد البعثة، يدافع عنه، ويحميه، إلى سنة ثمان من البعثة، وهو لم يفارقه، يدافع عنه، ويحميه من أذى قومه، ويصبر معه على مضايقات المشركين، وبذل معه شيئًا كثيرًا، وحرص النبي ﷺ على هدايته، لعلّ الله أن ينقذه من النار، ومن ذلك أنه لما حضرته الوفاة جاء إليه، وهذا من حرصه ﷺ على الدعوة إلى الله خصوصًا مع أقاربه، ففيه حرصه ﷺ على الدعوة إلى الله، وصبره على ذلك.\n\"وعنده عبد الله بن أبي أمية المخزومي، وأبو جهل\" المخزومي، أما عبد الله بن أبي أمية فقد منّ الله عليه بالإسلام فأسلم، وأما أبو جهل عمرو بن هشام - قبّحه الله- فهذا ألدّ أعداء الإسلام، وأعظم الذين آذوا رسول الله ﷺ، وسمّاه رسول الله ﷺ: \"فرعون هذه الأمّة\"، وقُتل يوم بدر، وهو الذي قاد المشركين إلى بدر، وهو الذي حرّضهم على رسول الله ﷺ، فقُتل مع صناديد قريش في غزوة بدر كافرًا- والعياذ بالله-.","vol":"1","page":255},{"text":"فقالا له: أترغب عن ملّة عبد المطلب؟، فأعاد عليه النبي ﷺ، فأعادا، فكان آخر ما قال: هو على ملّة عبد المطلب، وأبى أن يقول لا إله إلاّ الله.\nــ\n\"فقال له\" أي: قال النبي ﷺ لأبي طالب.\n\"يا عم\" هذا فمه استعطاف.\n\"قل: لا إله إلاّ الله\" يعني: انطق بهذه الكلمة، معتقدًا لها بقلبك.\n\"كلمة أحاج لك بها عند الله\" \"كلمة\" منصوب على أنه بدل من: لا إله إلاّ الله، لأن لا إله إلاّ الله في محل نصب، مقول القول، وكلمة بدل منها، وبدل المنصوب منصوب، لأنه أحد التوابع الأربع.\n\"أحاج لك بها عند الله\" يعني: أشهد لك بها عند الله يوم القيامة، من أجل نجاتك من النار، و\"أحاج\" مجزوم على أنه جواب الأمر، وحرّك بالفتح من أجل التقاء الساكنين، وإلاّ أصله: أحاجج، فأدغمت الجيم في الجيم فصارت أحاج، التقى ساكنان، فحرّك بالفتح للتخلّص من التقاء الساكنين.\nبيّن له ﷺ فائدة ذلك، ترغيبًا له.\nففيه أن الداعية إلى الله يبيّن للناس الترغيب، يرغّبهم في الخير، ويبيّن لهم العواقب الحسنة إن استجابوا، ويحذرهم من العواقب الوخيمة إن لم يستجيبوا، فالداعية يبشر وينذر.\nولكن جلساء السوء- والعياذ بالله- تسببوا في شقاوة هذا الرجل: \"فقالا له\" قال: أبو جهل وعبد الله بن أمية لأبي طالب معارضين لرسول الله ﷺ: \"أترغب عن ملة عبد المطّلب؟ \" أي: أتترك ملّة أبيك؟، وهذا من إثارة النخوة الجاهلية، والحميّة الجاهلية، وهي: التعصّب الممقوت، وأتيا بالحجة الملعونة، وهي: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾، وهذه يحتج بها المشركون، إذا جاءتهم الرسل قالوا: نحن وجدنا آباءنا على هذا، لا نقدر أن نترك دين آبائنا ونتبعكم. وفرعون لما جاءه موسى وهارون ﵉ قال: ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى﴾، يحتج عليهم بما كانت عليه القرون الأولى من الكفر والشرك، فهي حجة مطّردة عند المشركين، الاحتجاج بما عليه النّاس، والآباء، والأجداد، وهذه الحجة حالت بين كثير من النّاس وبين الإيمان- والعياذ بالله- إلاّ من هداه الله.","vol":"1","page":256},{"text":"فقال النبي ﷺ: \"لأستغفرن لك ما لم أنه عنك\" فأنزل الله ﷾: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ .\nوأنزل الله في أبي طالب: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ .\nــ\n\"فأعاد عليه رسول الله ﷺ\" هذا فيه: أن الداعية لا ييأس، أي: طلب منه أن يقول: لا إله إلاّ الله.\n\"فأعادا عليه\" أعاد عليه الرّجلان، قولتهم القبيحة: \"أترغب عن ملّة عبد المطّلب؟ \".\nفعند ذلك أخذته الحميّة الجاهلية، فقال: \"هو على ملة عبد المطلّب\".\n\"هو\" هذا ضمير الغائب، يَحتمل أن الرّاوي صرفه، ولم يقل: أنا، من باب كراهة هذا اللّفظ.\nوجاء في بعض الروايات:\"أنا على ملّة عبد المطلب\".\n\"وأبى أن يقول: لا إله إلاّ الله\" ومات- والعياذ بالله- على الشرك.\nفعند ذلك النبي ﷺ من شفقته على عمه، ولما رأى أنه مات على الشرك، وكان منه في حياته من النُّصرة والتأييد قال: \"لأستغفرن لك ما لم أُنه عنك\" هذا كله من كمال شفقته ﷺ، ومن مجازاته على المعروف، ووفائه ﷺ.\n\"فأنزل الله سبحانه: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ \" نهاه الله عن ذلك، ونهى المؤمنين، لأن المسلمين لما رأوا رسول الله ﷺ يستغفر لعمّه قالوا: إذًا نستغفر لموتانا، فأنزل الله هذه الآية.\n﴿مَا كَانَ﴾ أي: لا يليق ولا ينبغي، وهذا خبر معناه: النهي والتحذير.\n\" ﴿لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ \" المشرك لا يجوز الاستغفار له ولا التّرحّم عليه إذا مات على الشرك، وكذلك في حالة الحياة فالمشرك لا يستغفر له وهو حي، ولا يُترحّم عليه، وإنما يطلب له الهداية، يُقال: اللهم اهده، أما الاستغفار والترحّم فإنه لا يجوز للمشركين، لا أحياءً ولا أمواتًا، لأنه لا تجوز محبتهم وموالاتهم ما داموا على الشرك، وإبراهيم ﵇ استغفر لأبيه لأنه وعده أن يستغفر له، ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ .\n\"وأنزل الله في أبي طالب: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ \" ﴿إِنَّكَ﴾ أيها الرسول،","vol":"1","page":257},{"text":"﴿لا تَهْدِي﴾ لا تملك هداية \" ﴿مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ \" من أقاربك وعمك، والمراد بالمحبة هنا: المحبة الطبيعية، ليست المحبة الدينيّة، فالمحبة الدينيّة لا تجوز للمشرك، ولو كان أقرب الناس: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾، فالمودة الدينيّة لا تجوز، أما الحب الطبيعي فهذا لا يدخل في الأمور الدينيّة.\n﴿وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ فنفى ﷾ عن نبيه محمَّد ﷺ أنه يملك الهداية لأحد، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾، قال سبحانه: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾ .\nفإن قلت: أليس الله جل وعلا قال في الآية الأخرى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، فأثبت في هذه الآية أن الرسول يهدي إلى صراط مستقيم؟.\nفالجواب عن ذلك: أن الهداية هدايتان: هداية يملكها الرسول ﷺ، وهداية لا يملكها.\nأما الهداية التي يملكها الرسول فهي: هداية الإرشاد والدعوة والبيان ويملكها كل عالم يدعو إلى الخير.\nأما الهداية المنفيّة فهي: هداية القلوب، وإدخال الإيمان في القلوب، فهذه لا يملكها أحد إلاّ الله ﷾.\nفنحن علينا الدعوة، وهداية الإرشاد والإبلاغ، أما هداية القلوب فهذه بيد الله ﷾، لا أحد يستطيع أن يوجد الإيمان في قلب أحد إلاّ الله ﷿، هذا هو الجواب عن الآيتين الكريمتين.\n﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ فلا يضع هداية القلب إلاّ فيمن يستحقّها، أما الذي لا يستحقّها فإن الله يحرمه منها، والله عليم حكيم جلّ وعلا، ما يُعطي هداية القلب لكل أحد، وإنما يُعطيها سبحانه من يعلم أنه يستحقّها، وأنه أهل لها، أما الذي يعلم منه أنه ليس أهلا لها، ولا يستحقّها، فإن الله يحرمه منها، ومن ذلك حرمان أبي طالب، حرمه الله من الهداية لأنه لا يستحقّها، فلذلك حرمه منها، والحرمان له أسباب:\nومنها: التعصّب للباطل، وحميّة الجاهلية تسبّبان أن الإنسان لا يوفّقه الله جل","vol":"1","page":258},{"text":"وعلا، فمن تبيّن له الحق ولم يقبله فإنه يعاقب بالحرمان -والعياذ بالله-، يعاقب بالزّيغ والضلال، ولا يقبل الحق بعد ذلك، فهذا فيه الحثّ على أن من بلغه الحق وجب عليه أن يقبله مباشرة، ولا يتلكّأ ولا يتأخر، لأنه إن تأخر فحريّ أن يُحرم منه: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ﴾، ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ .\nوهذا الحديث مع الآية يدلان على مسائل عظيمة:\nالمسألة الأولى: فيه مشروعية الدعوة إلى الله ﷿، فإن الرسول ﷺ أتى عمه وهو في سياق الموت، من أجل ماذا؟، من أجل الدعوة إلى الله ﷿، ففيه: الدعوة إلى الله، وأن الداعية لا ييأس، ولا يقنط من القبول، أو يكسل عن مواصلة الدعوة، ويقول: النّاس ما هم بقابلين، النّاس ما فيهم خير، الإنسان يدعو إلى الله، من قَبِل فالحمد لله، ومن لم يقبل قامت عليه الحجّة، وحصل الأجر للداعية.\nالمسألة الثانية: في الحديث دليل على مشروعية عيادة المريض المشرك من أجل دعوته إلى الله ﷿، فإن الرسول عاد عمه وهو مشرك من أجل دعوته إلى الله.\nالمسألة الثالثة: - وهي مهمة جدًّا-: أن من قال: لا إله إلاّ الله فإنه يُقبل منه، ويُحكم بإسلامه، ما لم يظهر منه ما يُناقض هذه الكلمة من قول أو فعل، فإن ظهر منه ما يناقض هذه الكلمة حُكم بردّته، أما ما لم يظهر منه ما يناقض هذه الكلمة، فإنه يُحكم بإسلامه، فإن كان صادقًا فيما بينه وبين الله، فهو مسلم حقًّا، وإن كان كاذبًا فيما بينه وبين الله فهو منافق، أمره إلى الله ﷿، أما نحن فليس لنا إلاّ الظاهر.\nالمسألة الرابعة: في الحديث دليل على أن الأعمال بالخواتيم، فأبو طالب عاش على الكفر والشرك، لكنه لو قال: لا إله إلاّ الله عند الوفاة، واستجاب للرسول ﷺ لختم له بالإسلام، فدلّ على أن الأعمال بالخواتيم، وهذا يصدقه قول الرسول ﷺ في حديث عبد الله بن مسعود: \"إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلاّ ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وان أحدكم ليعمل بعمل أهل النار، حتى ما يكون بينه وبينها إلاّ ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها\" فالأعمال بالخواتيم.","vol":"1","page":259},{"text":"المسألة الخامسة: فيه التحذير من جلساء السوء، ماذا جرّ على أبي طالب هؤلاء الجلساء، ومات على الكفر بسبب مشورتهما- والعياذ بالله-.\nالمسألة السادسة: في الحديث ردٌّ على من زعم إسلام أبي طالب من الشيعة والخرافيين لأن آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب وأبى أن يقول لا إله إلاّ الله.\nالمسألة السابعة: وهي عظيمة جدًّا: تفسير لا إله إلاّ الله كما يقول الشيخ ﵀، وأن معناها: ترك عبادة غير الله، لأن أبا جهل وزميله فهما أنه إذا قال: لا إله إلاّ الله فقد ترك ملّة عبد المطّلب، وأن لا إله إلاّ الله ليست مجرّد كلمة تُقال، وإنما هي كفر بالطّاغوت وإيمان بالله ﷿، بخلاف ما يعتقده كثير من الخرافيين في هذا الزمان، يقولون: لا إله إلاّ الله، ويقولون: يا حسين، ويا فلان، ويذبحون للموتى، ويستغيثون بهم، وهم يقولون: لا إله إلاّ الله!!، بل لهم أوراد صباحية ومسائية يقولونها بالمئات، ثم يذبحون للضريح ويطوفون به، ويستغيثون به.\nفدلّ على أن أبا جهل أفهم منهم بمعنى لا إله إلاّ الله، لأن أبا جهل فهم أن معنى لا إله إلاّ الله: ترك عبادة الأوثان، وهؤلاء ما فهموا هذا، ما فهموا أن لا إله إلاّ الله معناها؛ ترك عبادة القبور، وهذا من الفقه العظيم، وهذه هي العقيدة الصحيحة، والداعي إلى الله يجب أن يفهم هذا الفقه، لأن هذا هو فقه الدعوة.\nالمسألة الثامنة: فيه الردّ على المرجئة، الذين يقولون: إن الإيمان هو مجرّد المعرفة أو الاعتقاد، فإذا عرف الإنسان بقلبه أو اعتقد أنه لا إله إلاّ الله وأن محمّدًا رسول الله، ولو لم يعمل؛ فإنه يكون مسلمًا، لأن الأعمال ليست شرطًا في الإيمان، بل مجرّد المعرفة أو الاعتقاد بالقلب يكفي عندهم، وهذا باطل، لأنها لم تعتبر معرفة أبي طالب لرسالة النبي ﷺ، لم تعتبر إسلامًا، والله تعالى قال عن المشركين: ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللهِ يَجْحَدُونَ﴾، فهم يعرفون أنه رسول الله، لكن الكبر والحمية الجاهلية، جعلتهم لا يقبلون الدعوة، مع أنهم يعرفونها بقلوبهم، والله جل وعلا حكى عن موسى ﵇ أنه قال لفرعون: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا","vol":"1","page":260},{"text":"رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، ففرعون عارف بقلبه صحّة ما جاء به موسى، ولكن منعه الكبر والمعاندة، وقال تعالى عن المشركين: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾، وأيضًا قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ﴾، فاليهود يعرفون أنه رسول الله - أيضًا- كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ يعرفون أنه رسول الله.\nوكان أبو طالب يعرف أنه رسول الله، وصرّح بهذا في قصائده، يقول:\n\"ولقد علمت أن دين محمَّد ... من خير أديان البرية دينًا\nلولا الملامة أو حذار مسبة ... لرأيتني سمحًا بذاك مبينًا\"\nفالذي منعه هو ما جاء في هذا الحديث: أبى أن يقول: لا إله إلاّ الله وقال: \"وهو على ملّة عبد المطلب\"، وهو يعرف أنه رسول الله.\nالمسألة التاسعة: فيه تحريم الاستغفار للمشركين، والترحّم عليهم، وموالاتهم، ومحبتهم، لأن الله جل وعلا يقول: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣)﴾ .\nالمسألة العاشرة: فيه التحذير من التعصّب لدين الآباء والأجداد إذا كان يخالف ما جاءت به الرسل، فإن الذي حمل أبا طالب على ما وقع فيه هو التعصّب لدين عبد المطّلب، وأنه سبب لسوء الخاتمة- والعياذ بالله-، فليحذر المسلم من هذا. الواجب على المسلم أن يقبل الحق ولو خالف ما عليه آباؤه وأجداده، أما إذا كان آباؤه وأجداده على حق، فأتباعهم حق، ويوسف ﵇ يقول: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ﴾ .\nفإتباع الآباء والأجداد على الحق مشروع.","vol":"1","page":261},{"text":"المسألة الحادية عشرة: وهي المقصودة بالذات من عقد هذا الباب، وهي: الردّ على المشركين الذين يتعلّقون بالأولياء والصالحين، ويدعونهم من دون الله، لأنه إذا كان الرسول ﷺ لم يملك لعمه أبي طالب الهداية فغيره من باب أولى، وهذه هي المناسبة للتّرجمة.\nوالله تعالى أعلم.","vol":"1","page":262},{"text":"[الباب التاسع عشر:]\n*باب ما جاء في أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين\nوقول الله ﷿: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ .\nــ\nقال الشيخ ﵀: \"باب ما جاء\" يعني: ما ورد من الأدلة من أن \"سبب كفر بني آدم\" السبب في اللغة: ما يُتوصّل به إلى الشيء، ولذلك سمّي الحبل سببًا، قال تعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ يعني: فليمدد بحبل إلى السماء. أما السبب عند الأصوليين فهو: ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته.\n\"كفر بني آدم\" يعني: كفرهم بالله ﷿.\n\"وتركهم\" بالجر عطفًا على كفر المضاف إليه، لأن المعطوف على المجرور مجرور.\n\"دينهم\" دينهم منصوب على المفعوليّة، لأن المصدر إذا أضيف أو دخلت عليه \"ألـ\" فإنه يعمل عمل فعله.\n\"هو الغلو في الصالحين\" الغلو في اللغة: هو الزيادة عن الحد، يقال:. غلى القدر إذا زاد ومنه يقال: غلى السعر؛ إذا زاد في الأسواق، فالغلو في اللغة: هو الزيادة عن الحد.\nأما في الشرع: هو الزيادة عن الحد المشروع، يسمّى غلوًّا، ويسمّى طُغيانًا.\nوالغلو في الصالحين، هو: الزيادة في مدحهم، ورفعهم فوق مكانتهم؛ بأن يُجعل لهم شيءٌ من العبادة.\nقال: \"وقول الله ﷿: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ \" المراد بأهل الكتاب: اليهود والنصارى، سُمّوا بأهل الكتاب: لأن الله سبحانه أنزل على أنبيائهم الكتب. اليهود أنزل الله على نبيهم موسى ﵇ التوراة. والنصارى أنزل الله على نبيهم عيسى﵊- الإنجيل، فلذلك سُمّوا أهل الكتاب فَرْقًا بينهم وبين الأُميّيّن والوثنيّين الذين لا كتاب لهم.","vol":"1","page":263},{"text":"وهذا فيه تنبيه على أن المطلوب منهم أن يتقيّدوا بالكتاب الذي أنزل عليهم، وعدم مجاوزته، وهو تنبيه لكل عالم بأن يلتزم الاعتدال.\n\" ﴿لا تَغْلُوا﴾ \" هذا نهي من الله تعالى لهم عن الغلو، لأن الغلو أن يكون في شخص، أو يكون في دين.\nوالغلو في الشخص هو: المبالغة في مدحه، ورفعه فوق منزلته التي أنزله الله فيها.\nوأما الغلو في الدين فهو: الزيادة عن الحد المشروع في العبادات، في مقاديرها، أو في كيفيّتها، كما في قصة الثلاثة الذي جاءوا يسألون عن عبادة النبي ﷺ، فلما أخبروا بها كأنهم تقالّوها، ولكنهم قالوا: أين نحن من رسول الله ﷺ وقد غُفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر؟، فقال أحدهم: أما أنا فأصلي ولا أنام، قال الآخر: أما أنا فأصوم ولا أفطر، وقال الثالث: أما أنا فلا أتزوج النساء [يعني: يتبتّل]، وفي رواية: لا أكل اللحم [من باب التّقشّف وحِرمان النفس] . هذا غلو أيضًا، فلما بلغ ذلك النبي ﷺ قال لهم: \"أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟، أما والله إني لأرجو أن أكون أعرفكم بالله ﷿، وأخشاكم لله، وإني أصلّي وأنام، أصوم وأفطر، وأتزوّج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس منّي\"، هذا غلو نهى عنه الرسول ﷺ، وأمر بالتّوسّط وعدم الغلو.\nولما لُقطت له﵊ - حصى الجمار أمثال حصى الخَذْف - يعني: أكبر من الحِمَّص بقليل- أخذها ﷺ في كفّه وقال: \"أمثال هؤلاء فارموا، وإياكم والغلو؛ فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو\".\nواليهود والنصارى غلو في أنبيائهم، وغلو في دينهم- أيضًا-، غلو في أنبيائهم، حيث قالت النصارى للمسيح: ابن الله، فرفعوه فوق منزلة البشرية إلى منزلة الربوبية ويسمُّونه الرب. وأما اليهود فقد غلوا في عزير، قالوا: هو ابن الله.\nوكذلك النصارى غلو في دينهم فابتدعوا الرهبانية، وهي: التّبتّل والتّعبدّ، ولزوم الصّوامع، وعدم الخروج منها، رهبانية ابتدعوها، كما قال الله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾، هذا من الغلو في الدين، قال تعالى: ﴿لا","vol":"1","page":264},{"text":"وفي الصحيح عن ابن عباس ﵁ في قول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣)﴾ .\nــ\nتَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾، وفي الآية الأخرى في سورة النساء يقول: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلًا (١٧١)﴾ .\nفكذلك الذين غلو في الصالحين من هذه الأمة حتى عبدوهم مع الله ﷾، وجعلوا لهم شيئًا من الرّبوبيّة والألوهيّة، سواءً بسواء.\nقال: \"في الصحيح\" يعني: صحيح البخاريّ.\n\"عن ابن عباس ﵁ في قول الله تعالى\" يعني: في تفسير قوله تعالى: \" ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣)﴾ \"، قال: هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح ... إلخ\"\nقوم نوح لما نهاهم نبي الله نوح﵊- عن الشرك وأمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له؛ تواصوا فيما بينهم بهذه الوصية الكافرة:\n\"وقالوا لا نذرن آلهتكم\" يعني: لا تطيعوا نوحًا ﵇، لا تتركوا آلهتكم التي تعبدونها من دون الله. \" ﴿وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ \" هذه أسماء رجال صالحين، وكان هذا في الأوّل، لأن النّاس كانوا بعد آدم ﵇ على دين التّوحيد- كما قال ابن عباس-، كانوا على دين التّوحيد دين أبيهم آدم﵊- عشرة قرون، وكان هؤلاء الصالحون في هذا العهد- عهد التّوحيد-، فلما ماتوا - ويُروى: أنهم ماتوا في سنة واحدة- حزنوا عليهم حزنًا شديدًا، وبكوا عليهم، فاستغل الشيطان- لعنه الله- هذه العاطفة فيهم، وأشار عليهم بمشورة ظاهرها النصح، وباطنها الخديعة والمكر، أشار عليهم بأن يصوّروا تماثيلهم، يعني: يجعلوا لهم صورًا على شكل تماثيل، كل واحد له صورة، وأن ينصبوا هذه التماثيل على","vol":"1","page":265},{"text":"قال: \"هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم: أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابًا، وسموها بأسمائهم، ففعلوا، ولم تُعبد، حتى إذا هلك أولئك ونُسي العلم عُبدت\".\nــ\nمجالسهم؛ من أجل أن ينشطوا على العبادة، إذا رأوهم تذكّروا حالتهم فنشطوا على العبادة، فهو جاءهم من باب النصح، وأشار عليهم بمشورة ظاهرها الخبر، وأن هذه وسيلة للنشاط على العبادة، والتقوى، والصلاح، والإقتداء بهؤلاء، إذا رأوا صورهم تذكّروا صلاحهم وحالتهم فاقتدوا بهم، هذا ظاهر نصيحته، ولكنه في الباطن يمكر بهم، لأنه يرمي إلى مرمى بعيد- لعنه الله-، ينظر إلى العواقب، إلى الأجيال القادمة، يؤسس هذا الأساس للأجيال القادمة، وإلاَّ فإنه يعرف أن هؤلاء- ما دام العلم موجودًا، وما دام أنهم على التّوحيد- لن يتركوا عبادة الله ﷿، فقبلوا هذه المشورة لأن ظاهرها أنها خير، وابتدعوا هذه البدعة.\nوهذا دليل على أن البدع لا تجوز وإن كان ظاهرها الخير، وإن كانت نيّة أصحابها الخير.\nابتدعوا هذه البدعة، وصوّروا هذه التماثيل على مجالس هؤلاء الصالحين ولم تُعبد في هذا الجيل، لأنهم على علم وعلى دين، لكن لما مات هذا الجيل، ونُسي العلم- وفي رواية: نُسِخ العلم بموت العلماء-، لأن الشيطان لا يتسلّط- في الغالب- مع وجود العلماء، لأن العلماء يكافحونه، ويردّون كيده، إنما يتسلّط عند عدم العلماء.\n\"حتى إذا هلك أولئك، ونُسي العلم\" يعني: بموت العلماء الذي يحذّرون من الشرك، \"عُبدت\" هذه الصور لأن الشيطان قال لهم: إن آباءكم ما نصبوا هذه الصور إلاّ من أجل أن يتقرّبوا إليها، ويسقون بها المطر، فصدّقوه في هذا.\nومقالته لهذا الجيل المتأخِّر تخالف مقالته للجيل السابق، هذا من باب المكر، فصدّقوه في هذا فعبدوهم، ومن حينها حدث الشرك في الأرض، وغُيّر دين آدم - ﵊- فبعث الله نبيّه نوحًا ﵇ أول الرّسل.\nوهذا أول شرك حدث في الأرض، وسببه هو الغلو في الصالحين ثمّ بعث الله","vol":"1","page":266},{"text":"قال ابن القيم: \"قال غير واحد من السلف: لما ماتوا؛ عكفوا على قبورهم، ثمّ صوّروا تماثيلهم، ثمّ طال عليهم الأمد، فعبدوهم\".\nــ\nنبيّه نوحًا ﵇ ينهى عن ذلك، ويريد ردّهم إلى التّوحيد، ولكن لم يؤمن معه إلاّ القليل كما قال الله ﷾: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾، كما قال كفّار قريش لما نهاهم محمّد ﷺ عن الشرك: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾، لا تطيعوا محمّدًا فدين المشركين واحد من قديم الزمان وحديثه.\n\"قال ابن القيم\" ابن القيّم هو: محمّد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي الدمشقي، الإمام الجليل، الحافظ، صاحب المصنّفات المشهورة في التّوحيد والأصول والفقه ومختلف العلوم، وهو أكبر تلاميذ شيخ الإسلام ابن تيميّة- رحمهما الله- علمًا وقدرًا.\nقال: \"لما ماتوا\" يعني: لما مات هؤلاء الصالحون. وهذا تفسير وتوضيح لما قاله ابن عباس ﵁.\n\"عَكَفوا على قبورهم\" العُكوف هو: طول البقاء في المكان، ومنه: الاعتكاف في المساجد، كما عرّفه الفقهاء بأنه: لزوم مسجد لطاعة الله.\n\"ثم صوّروا تماثيلهم\" هذه خطوة ثانية.\n\"ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم\" هذه خطوة ثالثة.\nفهذه الآثار مع الآية الكريمة تدلّ على مسائل عظيمة:\nالمسألة الأولى: تحريم الغلو في الصالحين، بمعنى ما ذكرناه في الغلو، وأنه يؤول إلى الشرك، فإن غلو قوم نوح في الصالحين آل بهم إلى الشرك- والعياذ بالله-، فهذا شاهد للتّرجمة: \"باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين\" وهذا ظاهر، فإن ما وقع في قوم نوح كان سببه الغلو في الصالحين.\nوفيه ردٌّ على عبّاد القبور اليوم، الذين يقولون: البناء على القبور من باب المحبة للصالحين. وكوننا نستغيث بهم، ونستشفع بهم، ونذبح لهم، وننذر لهم، ونتبرّك بتربتهم، هذا ليس من الشرك، هذا من باب محبة الصالحين. ويقولون: للذين ينكرون هذا أنتم تبغضون الصالحين. هكذا فسروا المحبة والبُغض، بأن","vol":"1","page":267},{"text":"المحبة: عبادتهم، والبغض: ترك عبادتهم، هذا من انتكاس الفِطَر- والعياذ بالله-.\nفالآية والأثر يردّان عليهم، لأن هذا ليس من محبة الصالحين، وإنما هو من الغلو فيهم الذي يؤول إلى الشرك- والعياذ بالله-.\nالمسألة الثانية: في هذه الآثار دليل على أن الغلو في الصالحين من سنّة اليهود والنصارى، قال الله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾، فالغلو في الصالحين من سنة اليهود والنصارى، وليس من سنة المسلمين، فهؤلاء القبوريون سلفهم اليهود والنصارى، وبئس السلف.\nالمسألة الثالثة: فيه التحذير من التصوير، ونشر الصور، لأن ذلك وسيلة إلى الشرك، فأول شرك حدث في الأرض هو بسبب الصور المنصوبة، وهذه إحدى علّتي تحريم التصوير، لأن التصوير ممنوع لعلّتين:\nالعلّة الأولى: أنه وسيلة إلى الشرك.\nالعلّة الثانية: أن فيه مُضاهاة لخلق الله ﷾.\nوقد قال تعالى كما في الحديث القدسي: \"ومن أظلم ممّن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا حبّة، أو ليخلقوا شعيرة\"، فالمصوّر يحاول أن يضاهي خلق الله تعالى بإيجاد الصورة، فلذلك يجعل لها أعضاء، ويجعل لها عينين، ويجعل لها أنفًا، ويجعل لها شفتين، ويجعل لها وجهًا، ويجعل لها يدين، ويجعل لها رجلين، يضاهي خلق الله، إلاّ أنه لا يقدر على نفخ الروح فيها، ويجعل الصورة على شكل ضاحكة، أو على شكل باكية، أو شكل مقطّبة الجبين، أو مسرورة، كل هذا مضاهاة لخلق الله، وإن كانوا يسمون هذا من باب الفنون، وهي فنون شيطانية، والجنون فنون، فتسميته من باب الفنون لا يسوغ عمله، والتصوير ملعون من فعله، ففيه: التحذير من التصوير ونصب الصور. لأن ذلك يؤول إلى الشرك بالله ﷿، وهذا أعظم العلّتين في النهي عن التصوير ونصب الصور، لاسيّما صور المعظمين من الملوك والرؤساء ومن الصالحين والمشايخ إذا نُصبت فإن هذا يؤول إلى عبادتها، ولو على المدى البعيد، لأن الشيطان حاضر ويشغل الجهل والعواطف.\nالمسألة الرابعة: في الآية والآثار دليل على تحريم البدع في الدين، وأنها","vol":"1","page":268},{"text":"تؤول إلى الشرك، ولذلك قال العلماء: البدعة توصل إلى الشرك ولو على المدى البعيد. وهذه بدعة قوم نوح وصَّلت إلى الشرك، وهذا شيء واضح.\nالمسألة الخامسة: فيه دليل على أن حسن النيّة لا يسوغ العمل غير المشروع، لأن قوم نوح نيّتهم حسنة، عندما صوّروا الصور يريدون النشاط على العبادة، وتذكر أحوال هؤلاء الصالحين، ولا قصدوا الشرك أبدًا، وإنما قصدوا مقصدًا حسنًا، لكن لما كان هذا الأمر بدعة صار محرّمًا لأنه يُفضي إلى الشرك ولو على المدى البعيد، فالنية الحسنة لا تسوغ العمل غير المشروع.\nالمسألة السادسة: وهي عظيمة جدًا: فيه بيان فضيلة وجود العلم والعلماء في النّاس، ومضرّة فقدهم، لأن الشيطان ما تجزّأ على الدعوة إلى الشرك مع وجود العلم ووجود العلماء، إنما تجزّأ لما فُقد العلم ومات العلماء، فهذا دليل على أن وجود العلم ووجود العلماء فيه خير كثير للأمة، وأن فقدهم فيه شر كثير.\nالمسألة السابعة: فيه التحذير من مكر الشيطان، وأنه يُظهر الأشياء القبيحة بمظهر الأشياء الطيبّة حتى يغرِّر بالناس. هذا من ناحية.\nومن ناحية أخرى أنه يتدرّج بالناس شيئًا فشيئًا، لأنه تدرّج بقوم نوح من تذكّر العبادة والنشاط والمقصد الحسن، تدرّج بهم إلى المقصد السيء والشرك بالله ﷿.\nوليسو هذا مقصورًا على شيطان الجن، بل وشيطان الإنس كذلك يعمل هذا العمل، فدعاة السوء ودعاة الضلال- أيضًا- يمكرون بالأمة الإسلامية مثل ما يمكر الشيطان: ﴿شَيَطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ .\nالمسألة الثامنة: فيه دليل على تحريم الغلو في قبور الصالحين،، فقول ابن القيم: \"لما ماتوا عكفوا على قبورهم\" فيه: التحذير من الغلو في قبور الصالحين، وذلك بالعكوف عندها، أو البناء عليها، أو غير ذلك من أي مظاهر الغلو، والنبي ﷺ حذّر من البناء على القبور، وحذّر ﷺ من الصلاة عند القبور، والدعاء عند القبور، لأن ذلك وسيلة إلى الشرك، وحذّر ﷺ من إسراج القبور، فقال: \"لعن الله زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسّرج\" لأن هذا يغرّ العوام، ويقولون: ما عمل به هذا العمل إلاّ لأنه يضر أو ينفع، ولذلك أوصى النبي ﷺ علي بن أبي طالب ﵁","vol":"1","page":269},{"text":"وعن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: \"لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله\" أخرجاه.\nــ\nقال: \"لا تدع قبرًا مشرفًا إلاّ سوّيته\" المشرف: هو المرتفع بالبناء، \"إلاَّ سوّيته\" يعني: هدمت البناء الذي عليه، وكذلك نهى ﷺ عن تجصيص القبور، وطلائها بالجص، أو بالنورة، أو بالبويات، أو الألوان المزخرفة، لأن هذا يغرّ العوام، ويظنون أنه ما عمل به هذا العمل إلاّ لأنه له خاصية، ونهى ﷺ عن الكتابة على القبور، فلا يكتب على القبور اسم الميت، ولا تاريخ وفاته، ولا مكانته، فلا يقال: هذا قبر العالم الفلاني الذي عمل كذا وكذا، كل هذا لا يجوز، لأن هذا يغرر بالناس فيما بعد، ويقولون: ما كُتبت هذه الكتابة إلاّ لأن هذا الميّت له خاصيّة. كل هذه الأمور نهى عنها الشارع، لأنها وسائل إلى الشرك.\nوالمشروع في القبور أن تُدفن كما كان على عهد النبي ﷺ تُدفن بترابها، وتُرفع عن الأرض قدر شبر بالتراب من أجل أن تُعرف أنها قبور فلا تُداس، ويجعل عليها نصائب من طرفيها لتحديد القبر، لأجل أن لا يوطأ، وما زاد عن ذلك فهو ممنوع.\nهكذا كانت القبور في عهد النبي ﷺ، وهذه سنة النبي ﷺ في دفن الأموات.\nالمسألة التاسعة: فيه أن درأ المفاسد مقدم على جلب المصالح، وهذه قاعدة مشهورة، لأن عمل قوم نوح فيه مصلحة جزئية وهي: تذكر حالة الصالحين، لكن المفسدة أكبر من هذا، وهو أن ذلك يؤول إلى الشرك- والعياذ بالله-.\nقوله: \"وعن عمر\" المراد به: عمر بن الخطاب بن عمرو بن نُفَيْل العدوي القرشي، ثاني الخلفاء الراشدين، وأفضل هذه الأمة بعد أبي بكر الصدّيق، رضي الله تعالى عن الجميع.\nفهو عمر بن الخطاب الذي أعزّ الله به الإسلام والمسلمين، وفتح الله على يديه الفتوحات في المشرق والمغرب، حتى اتسعت رُقْعة الإسلام في الأرض، وله من الفضائل الشيء الكثير، رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعن جميع صحابة رسول الله والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.\n\"أن رسول الله ﷺ قال: \"لا تُطْروني\" هذا نهي منه ﷺ عن الإطراء في حقهّ،","vol":"1","page":270},{"text":"والإطراء هو: زيادة المدح والمبالغة فيه، كما هي عادة بعض المدّاحين من الشعراء وغيرهم، وهذه صفة ذميمة، فإن كثرة المدح والزيادة في ذلك منهي عنها في حق الرسول ﷺ وفي حق غيره، ولكن في حق الرسول أعظم، لأن ذلك يؤدي إلى الشرك والكفر، فإن الغلو في مدح الأنبياء يؤدي إلى الشرك، كما حصل للنصارى واليهود حينما غلو في الأنبياء.\nفمعنى قوله: \"لا تُطروني\" يعنني: لا تزيدوا في مدحي.\n\"كما أطرت النصارى ابن مريم\" النصارى المراد بهم: أتباع عيسى ﵇، قيل: سُمُّوا نصارى نسبة إلى البلد: الناصرة في فلسطين، أو من قوله تعالى: ﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللهِ﴾، وهم أهل ملّة من الملل الكتابيّة، ويسمّون بالنصارى، أما أن يسمّوا بالمسيحيين- كما عليه النّاس الآن- فهذا غلط، لأنه لا يقال: المسيحيون إلاّ لمن اتبع المسيح ﵇، أما الذي لم يتبعه فإنه ليس مسيحيًّا، وإنما هو نصراني، فاسمهم في الكتاب والسنّة: النصارى.\nكما أن اليهود نفروا من الاسم الخاص بهم في الكتاب والسنّة وهو اليهود فسموا أنفسهم إسرائيل، وإسرائيل هو نبي الله يعقوب - ﵊- فليسوا هم إسرائيل، وإنما هم اليهود. هذا هو اللفظ الموضوع لهم، الذي رُبطت به اللعنة والغضب من الله ﷾ بسبب كفرهم بالله وعنادهم وتعنتّهم، فهم اليهود.\nنعم، يُقال: بنو إسرائيل- كما سمّاهم الله بذلك- لأنهم من ذرية يعقوب ﵇ في الغالب، وفيهم أناس يهود ليسوا من ذرية إسرائيل، لكن الغالب عليهم أنهم من بني إسرائيل.\nوعلى كل حال؛ لا يجوز أن يُقال: إسرائيل، وإنما يُقال: اليهود، أو يقال: بنوا إسرائيل.\n\" كما أطرت النصارى\" أي: كما غلت النصارى في مدح المسيح ﵇.\n\"ابن مريم\" يُنسب إلى أمه ﵍ لأنه ليس له أب، لأن الله خلقه من أم بلا أب بقوله: ﴿كُن﴾، فهو تكوّن بالكلمة من قوله: ﴿كُن﴾، ولذلك يُقال: (كلمة الله)، لأنه تكوّن بها من غير أب، فتكوّن بأمر الله ﷾ حين قال له: \"كُن\" فكان بأمر الله، هذا","vol":"1","page":271},{"text":"سبب تسميته كلمة الله، والله قادر على كل شيء، فالله خلق آدم من غير أب ولا أم، خلقه من تراب بشرًا سويًا، وخلق حوّاء من غير أم، خلقها من آدم: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾، وخلق عيسى أم بلا أب، وخلق سائر البشر من أم وأب، ولهذا يقول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾، فإذا كنتم تعجبون من خلق عيسى من أم بلا أب، فآدم ﵇ أولى بالعجب، لأن الله خلقه من تراب ﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، فلا غرابة في قدرة الله ﷾، فالله قادر على كل شيء، لا تتحكّم فيه الأسباب، وإنما هو سبحانه يتحكّم في الأسباب والمخلوقات: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ ﷾، ولا حَجْر على قدرته ﷾.\nوكيف أطرت النصارى ابن مريم؟، قالوا: إنه ابن الله، أو هو الله، أو ثالث ثلاثة. ولا يزالون على هذه المقالة إلى الآن، في إذاعاتهم، وفي كتاباتهم.\nفسبب وقوعهم في هذا الكفر هو: الغلو- والعياذ بالله-، لأنهم لم يرتضوا أن يصفوا عيسى بأنه عبد الله ورسوله، وإنما زادوا وقالوا: إنه ابن الله جاء ليخلّص النّاس من الخطيئة، وقُتل وصُلب من أجل أن يخلّص النّاس من الخطيئة، ثمّ بعد قتله وصلبه قام وصعد إلى السماء.\nوهذا كذب مَحْضٌ، كذبه الله وردّه بقوله: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾، فالذي قُتل وصُلب هو شخص غير المسيح، ألقى الله شبه المسيح عليه، فقُتل وصُلب، لأنه خان ودلَّ الكفرة على مكان المسيح، أما المسيح فإنه رفعه الله إليه، ولهذا لم يجزموا أن الذي قتلوه هو المسيح: قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ .\nفالحاصل؛ أن هذا هو غلو النصارى، أنهم مدحوا المسيح ورفعوه فوق منزلته، حتى عبدوه من دون الله، وادّعوا فيه الربوبية بسبب الغدو، وعيسى ﵇ يقول: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١)﴾، وفي يوم القيامة يتبرّأ من هؤلاء: ﴿وَإِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾، فالعبادة حق الله ليست حقًا لمخلوق، ﴿مَا يَكُونُ لِي﴾ ما ينبغي ولا يليق ولا يصح ﴿أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ لأن العبادة حق لله ﷾، ثمّ ردّ ذلك","vol":"1","page":272},{"text":"إلى الله ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾، والله يعلم ﷾ أن عيسى لم يقل هذه المقالة، وإنما هذا من باب التوبيخ لهؤلاء، ثمّ قال: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨) قَالَ اللهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ هذا تصديق للمسيح ﵇ على رؤوس الأشهاد يوم القيامة، حينما يجتمع الأولون والآخرون يوم القيامة، فهذا مآلهم -والعياذ بالله-، وهذا موقف المسيح - ﵊- في الدنيا والآخرة أنه عبد الله ورسوله، ليس له من الربوبية شيء، ولا يستحق من العبادة شيئًا، وإنما العبادة حق لله ﷾ وحده لا شريك، وإذا كان المسيح ليس له حق في العبادة، ومحمد ﷺ ليس له حق في العبادة، وجميع الرسل، فكيف بغيرهم من الأولياء والصالحين.\nففي هذا الحديث دليل على ما ساقه المصنّف من أجله، وهو أن الغلو في الصالحين يسبِّبُ كفرَ بني آدم وتركهم دينهم.\nوفي هذا شفقته ﷺ بأمته، حيث حذّرهم مما وقعت فيه النصارى.\nوفيه: النهي عن التشبّه بالكفار.\nثمّ قال ﷺ: \"إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله\" \"إنما\" هذه كلمة حَصْر، أي: أن شأني ومكانتي أنني عبد الله ﷾، ليس لي من الربوبية شيء، والعبد لا يُغلى فيه ويُطرأ، ويُرفع فوق منزلته.\n\"فقولوا: عبد الله ورسوله\" أرشدنا ﷺ إلى أن نقول فيه الكلام الواقع واللاّئق به ﷺ، وهو أنه عبد الله ورسوله. فدلّ هذا على أنه يُمدح ﷺ بصفاته من غير زيادة ومن غير نقص، وهي: العبودية والرسالة، والله جل وعلا وصف محمّدًا بأنه عبد في كثير من الآيات، في مقام التنزيل قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا (١)﴾، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾، وفي مقام الإسراء قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾، والمعراج في قوله: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩)","vol":"1","page":273},{"text":"فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠)﴾، وفي مقام التحدّي وصفه الله بالعبودية قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣)﴾ .\nففي قوله: \"عبد الله\" ردٌّ على الغلاة الذين يغلون في حقه ﷺ.\nوفي قوله: \"رسوله\" ردٌّ على المكذبين الذين يكذّبون برسالته ﷺ، والمؤمنون يقولون: هو عبد الله ورسوله.\nهذا وجه الجمع بين هذين اللّفظين، أن فيهما ردًا على أهل الإفراط وأهل التفريط في حقه ﷺ.\nوفيه: ردٌّ على الذين غلو في مدحه ﷺ من أصحاب القصائد، كقصيدة البُردة والهمزية وغيرهما من القصائد الشركية التي غلت في مدحه ﷺ، حتى قال البوصيري:\nيا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم\nفنسي الله ﷾.\nثم قال:\nإن لم تكن في معادي آخذًا بيدي ... فضلًا وإلاّ قل يا زلة القدم\nيعني: ما ينجيه من النار يوم القيامة إلاّ الرسول.\nثم قال:\nفإن من جودك الدّنيا وضرّتها ... ومن علومك علم اللّوح والقلم\nالدّنيا والآخرة كلها من جود النبي ﷺ، أما الله فليس له فضل، هل بعد هذا الغلو من غلو؟؟.\nواللّوح المحفوظ والقلم الذي كتب الله به المقادير هذا بعض علم النبي ﷺ، ونسي الله تمامًا- والعياذ بالله-.\nوكذلك من نهج على نهج البردة ممن جاء بعده، وحاكاه في هذا الغلو، هذا كله من الغلو في مدح النبي ﷺ ومن الإطراء.\nأما المؤمنون فيمدحون الرسول ﷺ بما فيه من الصفات الحميدة والرسالة","vol":"1","page":274},{"text":"وقال: قال رسول الله ﷺ: \"إياكم والغلو؛ فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو\".\nــ\nوالعبودية، كما أرشد إلى ذلك النبي ﷺ، كما عليه شعراء الرسول ﷺ الذين مدحوه وأقرّهم، مثل: حسّان بن ثابت، وكعب بن مالك، وكعب بن زُهير، وعبد الله بن رواحة، وغيرهم من شعراء الرسول ﷺ الذين مدحوه بصفاته ﷺ، وردوا على الكفّار والمشركين.\nهذا هو المدح الصحيح المعتدل، الذي فيه الأجر وفيه الخير، وهو وصفه ﷺ بصفاته الكريمة من غير زيادة ولا نُقصان.\nثم قال المصنّف ﵀: \"وقال: قال رسول الله ﷺ: \"إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو\"، هكذا ذكره المصنف ﵀ من غير أن يذكر راويه، ومن غير أن يعزوه إلى مخرِّج من أصحاب الكتب، بل جعل مكان ذلك بياضًا.\nوالحديث رواه ابن عباس، وخرّجه أحمد في مسنده، وأبو داود في سننه، وابن ماجه في سننه.\nوهذا حصل في مُنْصَرَفه ﷺ في حجة الوداع من مزدلفة إلى منى من أجل رمي جمرة العقبة، ولما كان في الطريق بين مزدلفة ومنى قال لابن عباس: \"التقط لي الحصى\"، فلقط له سبع حصيات مثل حصى الخَذَف، وهي الصغار التي تُخْذَف على رؤوس الأصابع، وهي أكبر من الحِمَّص بقليل، فأخذها ﷺ بيده الكريمة، ثمّ نفضها والناس ينظرون إليه، ثمّ قال ﷺ: \"أمثال هؤلاء فارموا، وإياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو\"، وهذا يدل على أن الواجب علينا أن نتقيد بالعبادة كما جاءت.\nفـ \"إياكم\" هذه كلمة تحذير.\n\"والغلو\" تقدم معناه، وهو: الزيادة على الحد المشروع، وهذا لا يجوز، وهو مردود وهلاك، بل نتقيّد بضوابط العبادة كما جاءت في سنة رسول الله ﷺ، وليس لنا تدخّل في تحديد العبادة ومواقيتها وصفاتها، وهيئاتها، وإنما يتبع في هذا ما دلّ عليه الدليل من كتاس الله وسنة رسوله ﷺ، علينا الامتثال فقط.","vol":"1","page":275},{"text":"\"فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو\" مثل النصارى غلو في عيسى ﵇، يعني: فأخرجهم الغلو من الدين إلى الكفر- والعياذ بالله- فهلكوا، وهم يريدون النجاة، لكن لما كانت طريقتهم غير مشروعة لم تحصل لهم النجاة، وإنما حصل لهم الهلاك، فكل أحد يريد النجاة من غير أن يسلك طريقها فإنه هالك، لا نجاة إلاّ بإتباع الرسول ﷺ، مهما كلّف الإنسان نفسه إذا خالف منهج الرسول ﷺ فإنه غالٍ وهالك، وهو مشابه لمن كان قبلنا من الغلاة.\nففي هذا: التحذير من الغلو في العبادات، والغلو في الأشخاص، والغلو في كل شيء، فالغلو في كل شيء ممنوع، والمثل يقول: \"كل شيء جاوز حدّه انقلب إلى ضده\"، كل غلو فهو طريق هلاك، وإنما طريق النجاة هو الاعتدال والاستقامة: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا﴾ .\nوما هلكت الخوارج والمعتزلة وعلماء الكلام إلاّ بسبب غلوهم.\nفالخوارج عندهم عبادة عظيمة، حتى إن الصحابة يحقرون صلاتهم إلى صلاتهم، وعندهم قراءة للقرآن كثيرة، لكنهم لم يقتصروا على المشروع، زادوا -والعياذ بالله- حتى هلكوا، وكل من فعل هذا فإنه يهلك، والتجربة موجودة، وما وصل أحد من المتنطّعين والغلاة إلى النتيجة المطلوبة أبدًا، وإنما يكون سبيلهم الهلاك في الدّنيا والآخرة.\nفهذا مما يحذّر منه في هذا الزمان، لأن ظاهرة الغلو والتّنطع كثرت إلاّ من رحم الله ﷿، وذلك لما فشا الجهل في الناس جاء الغلو وجاءت المخالفات بتزيين شياطين الإنس والجن.\nفالواجب علينا أن نحذر من هذا، وأن نلزم طريق الاستقامة في كل شيء.\nأما المعتزلة فغلوا في تنزيه الله، حتى نفو صفات الله التي وصف بها نفسه.\nوالممثلة غلو في إثبات الصفات، حتى شبّهوا الخالق بالمخلوق، فغلو في ذلك، فَضَلّوا -والعياذ بالله-.\nوأهل السنّة والجماعة توسطوا؛ فأثبتوا لله الأسماء والصفات كما جاءت، تنزيهًا بلا تعطيل، هذا نفي للغلو في التنزيه، وإثباتًا بلا تمثيل، هذا نفي للغلو في الإثبات، فهم توسطوا.","vol":"1","page":276},{"text":"ولمسلم عن ابن مسعود: أن رسول الله ﷺ قال: \"هلك المتنطّعون\" قالها ثلاثًا.\nــ\nأما المعتزلة فهم غلو في التنزيه حتى نفو الصفات.\nوالممثلة غلو في الإثبات حتى شبهوا الله بخلقه، تعالى الله عما يقولون.\nوالخوراج والمعتزلة غلوا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى خرجوا على أئمة المسلمين، ومن أصولهم: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بمعنى: الخروج على الأئمة.\nوالأمر بالمعروف والنهي عن المنكرمطلوب، ولكن في حدود الشريعة، قال ﷺ: \"من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه\" فجعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مراتب حسب الاستطاعة، ولم يأمر بالخروج على الولاة، ونقض البيعة، والتفريق بين المسلمين، وهذه طريقة المعتزلة والخوراج.\nوالخوارج خرجوا على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، وانتهى بهم الأمر إلى أن قتلوه ﵁، هذا كله بسبب الغلو، بزعمهم أنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فسبب لهم هذا الهلاك، وهذا مصداق قوله ﷺ \"فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو\".\nفالغلو هلاك في الدّنيا، وهلاك في الآخرة، ولا يأتي بخير أبدًا، ودين الله بيّن الغالي فيه والجافي عنه، دين الله وسط: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾، وسط بين الغلو وبين الجفاء، وهذه الأمة عدول خيار، ليس فيهم غلو، وليس فيهم جفاء، وإنما فيهم الاعتدال، هذا هو طريق النجاة دائما وأبدًا.\nقال \"ولمسلم\" يعني روى الإمام مسلم ﵀ في صحيحه.\n\"عن ابن مسعود\" عبد الله بن مسعود بن غافل الهذلي، الصحابي الجليل، والعالم الكبير، الذي يُعد من أكابر علماء الصحابة، وإليه المرجع في الفتوى، ورواية الحديث، وغير ذلك، فهو من أكابر الصحابة، ومن السابقين الأولين إلى الإسلام، رضي الله تعالى عنه، وكان- أيضًا- من أشد الناس تحذيرًا من البدع","vol":"1","page":277},{"text":"\"والغلو\" ومواقفه من المبتدعة مشهورة، وكلماته رضي الله تعالى عنه في ذلك مأثورة.\n\"أن رسول الله ﷺ قال: \"هلك المتنطعون\" قالها ثلاثا\" المتنطعون: جمع متنطع، وأصل التنطع هو التقعّر في الكلام إظهارًا للفصاحة، هذا هو أصل التنطع في اللغة. والمراد هنا: التنطع في الكلام، والتنطع في الاستدلال، والتنطع في العبادة.\nوالتنطع في الكلام معناه: أن يتكلم الإنسان بالكلمات الغريبة من اللغة التي لا يفهمها الناس، فيأتي بأسلوب وألفاظ من وحشي اللغة لا يعرفها النّاس.\nوكذلك من التنطع في الكلام: أن يخاطب الحاضرين بأشياء لا يفهمونها، فالنّاس بحاجة إلى أن يبيّن لهم عقيدتهم وعبادتهم وطهارتهم ومعاملاتهم، ثمّ يذهب يتكلم في أشياء بعيدة عنهم، بل بعيدة من مجتمعهم، يتكلم في أمور السياسة، والأمور البعيدة، وأمور الدول، وأمور وسائل الإعلام، وأمور بعيدة، العوام لا يعرفون منها شيئًا، ولا يستفيدون منها شيئًا، ويخرجون من عنده بجهلهم، لا يعرفون أمور دينهم، بل منهم من لا يعرف كيف يصلي، منهم من لا يعرف كيف يتوضأ، ومنهم من لا يعرف كيف يغتسل من الجنابة، فيخرجون بجهلهم، وما انتفعوا بهذا الكلام البعيد الغريب عن أسماعهم.. هذا من التنطع.\nوغرض المتكلم أن يبيّن للناس أنه فاهم، وأنه مثقّف ولو على حساب الحاضرين، ولو ما فهموا، ولو ما عرفوا شيئًا.\nوهذا من التنطع.\nوالمطلوب من الخطيب والمحاضر والمتكلم والمدرس: أن يتكلم في حدود ما يفهمه الحاضرون، وما هم بحاجة إليه في أمور دينهم، وفي أمور معاملاتهم وأخلاقهم، هذا هو المطلوب.\nوأن يكون قصده نفع الحاضرين، وتعليم الحاضرين، لا يكون قصده إظهار شخصيته، وإظهار فصاحته، فهذا هالك كما قال النبي ﷺ: \"هلك المتنطعون\".\nفلنحذر من هذا حينما نتكلم في درس، حينما نخطب في الجمعة، أو عيد أو استسقاء، حينما نلقي محاضرة، علينا أن نراعي حالة الحاضرين، وأن نأتي من","vol":"1","page":278},{"text":"الكلام بما يفهمونه، وما يستفيدون منه، وأيضًا يكون بأسلوب سهل، لا نتعمّد المجيء بأساليب لا يفهمونها، وكلمات لا يفهمونها، بل يختار الموضوع المناسب، والأسلوب المناسب، واللغة التي يفهمونها. هذا الذي يريد الخير للناس، ويريد تعليم الناس.\nأما الذي يريد أن يُظهر نفسه على حساب الناس، فهذا هو المتنطع، وهذا لا يفيد شيئًا، ويَخرج كما دخل من غير فائدة.\nفعلينا أن نتنبّه لذلك، لئلا نكون من المتنطعين في الكلام.\nوأمير المؤمنين علي بن أبي طالب يقول: \"حدثوا النّاس بما يعرفون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟ \".\nأما التنطع في الاستدلال فهو: طريقة أهل الكلام وأهل المنطق الذين عدلوا عن الاستدلال بالكتاب والسنّة إلى الاستدلال بقواعد المنطق، ومصطلحات المتكلمين.\nوالمنطق هذا من أين جاء؟، وقواعد المنطق من أين جاءت؟، جاءت من اليونان، استجلبوها واستعملوها في الإسلام، وتركوا الاستدلال بالكتاب والسنّة، وقالوا: إن الأدلة السمعية لا تفيد اليقين، وإنما الذي يفيد اليقين هو الأدلة العقلية - بزعمهم-، فبذلك هلكوا.\nالواجب أن يكون الاستدلال بالأدلة الشرعية من الكتاب والسنّة وإجماع المسلمين والقياس الصحيح كما عليه علماء أهل السنّة والجماعة، ولهذا يقول الإمام الشافعي ﵀: \"حكمي في أهل الكلام: أن يضربوا بالجريد والنعال، وأن يطاف بهم في القبائل، وأن يقال: هذا جزاء من أعرض عن الكتاب والسنّة واشتغل بعلم الكلام\".\nفمن هؤلاء من يترك كلام الله وكلام رسوله ويأتي بقواعد المنطق، حتى في العقائد وهو ما يسمونه الآن علم التّوحيد، يسمون علم المنطق، وعلم الكلام: علم التّوحيد، ولذلك وقعوا في الهلاك، وضلوا وأضلوا، وقد انتهى أمرهم إلى الحيرة، كما شهد بذلك أكابرهم، وبعضهم عند الوفاة أشهد الحاضرين بأنه مات وهو","vol":"1","page":279},{"text":"لا يعرف شيئًا، مع أنه أفنى عمره في علم الكلام والجدل والمنطق، هذا مآل المتنطعين- والعياذ بالله-، وشهاداتهم على أنفسهم موجودة، مما يدل على صدق قول الرسول ﷺ: \"هلك المتنطعون\".\nأما التنطع في العبادة فهو كما سلف، هو: أن يزيد الإنسان في العبادة على الحد المشروع، وهذه رهبانية النصارى، أما الحد المشروع فهو كما قال ﷺ: \"أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، وآكل اللحم، ومن رغب عن سنتي فليس مني\" هذا هو الاعتدال، وأما التبتّل وعدم التزوج، والصيام دائمًا ولا يُفطر، والصلاة كل الليل ولا ينام، هذا كله من الغلو ومن التنطع الذي يَهْلك صاحبه كما هلكت النصارى في رهبانيتهم، والنبي ﷺ حذّر من الغلو، وحذّر من رهبانية النصارى، وأمر بالاعتدال والتوسط، وقال: \"هذا الدين متين، ولن يشاد الدين أحد إلاّ غلبه، ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا﴾، وقال ﷺ: \"إن المنبتّ لا أرضًا قطع، ولا ظهرًا أبقى\" والمنبت هو: الذي يكلّف نفسه بالسير ولا يستريح ولا يريح راحلته، هذا ينبت، يعني: ينقطع وتموت راحلته، ويقف في وسط الطريق: \"فلا ظهرًا أبقى\" لأن راحلته ماتت، ولا أرضًا قطع لأن المسافة باقية. أما لو أخذ الطريق على مراحل، وشيئًا فشيئًا، وأراح نفسه، وأراح راحلته لقطع الطريق، وبلغ المقصود ولهذا قال ﷺ: \"أوغلوا فيه برفق\".\nفالحاصل؛ أن التنطع في العبادة هو: الزيادة فيها عن الحد المشروع، والمطلوب أن الإنسان يتوسط في العبادة من غير زيادة، ومن غير نقصان.\nونبيّن هنا ما يُستفاد من هذه الأحاديث لاختصار:\nالمسألة الأولى: التحذير من الغلو في مدحه ﷺ، لأن ذلك يؤدي إلى الشرك، كما أدى بالنصارى إلى الشرك.\nالمسألة الثانية: فيه الرد على أصحاب المدائح النبوية التي غلوا فيها في حقه ﷺ، كصاحب البردة، وغيره.\nالمسألة الثالثة: فيه النهي عن التشبه بالنصارى، لقوله: \"كما أطرت النصارى ابن مريم\".","vol":"1","page":280},{"text":"....................................................................................\nــ\nومن الغلو في حقه ﷺ: إحياء المولد كل سنة، لأن النصارى يحيون المولد بالنسبة للمسيح على رأس كل سنة من تاريخهم، فبعض المسلمين تشبّه بالنصارى فأحدث المولد في الإسلام بعد مضي القرون المفضلة، لأن المولد ليس له ذكر في القرون المفضلة كلها، وإنما حدث بعد المائة الرابعة، أو بعد المائة السادسة لما انقرض عهد القرون المفضلة، فهو بدعة، وهو من التشبه بالنصارى.\nالمسألة الرابعة: فيه مشروعية مدحه ﷺ بصفاته الكريمة: عبد الله، ورسوله، الداعي إلى الله، بلّغ البلاغ المبين، جاهد في الله حق جهاده، كل هذا من صفاته ﷺ؛ فذكره طيّب.\nالمسألة الخامسة: يُستفاد من ذلك: كمال شفقته ﷺ على أمته، وأنه حذّرها من الإطراء في حقه ﷺ، وحذّرها من الغلو، وحذّرها من التنطع.\nثلاثة أساليب جاء بها ﷺ: الإطراء والغلو والتنطع. نوّعها ﷺ من باب التأكيد والتحذير من الغلو.\nالمسألة السادسة: فيه أن من نهى عن شيء فإنه يذكر البديل الصالح عنه إن كان له بديل، فإنه ﷺ لما نهاهم عن الإطراء قال: \"إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله\" هذا البديل الصالح.\nالمسألة السابعة: في الحديث: النهي عن الغلو في العبادات، ومنها حصى الجمار، قال فيها ﷺ: \"إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو\"، والغلو في العبادات، هو: الزيادة فيها عن الحد المشروع: كميّة وكيفيّة ووقتًا، إلى غير ذلك، نحن لا نُحدث شيئًا من عند أنفسنا.\nوالبدعة تنقسم إلى قسمين: بدعة حقيقية، وبدعة إضافية.\nالبدعة الحقيقية: إذا أُحدث شيء لا أصل له، مثل المولد والتبرك بالآثار.\nوالإضافية: أن نُحدِث للعبادة المشروعة وقتًا أو صفة لم يشرعها الله ورسوله، كما لو قلنا: ليلة النصف من شعبان يصلون النّاس ويتهجّدون، أو نصوم النصف من شعبان.\nفالصيام مشروع، وقيام الليل مشروع، لكن إذا حدّدناه بوقت لا دليل عليه فهذا","vol":"1","page":281},{"text":"بدعة إضافية، لأن أصل العبادة مشروع، ولكن تقييدها بوقت محدّد، منه إضافة إلى العبادة وهي غير مشروعة، فهذه بدعة تسمى إضافية.\nذكر الله مشروع؛ التسبيح والتهليل والتكبير، لكن إذا قلنا للناس: سبِّحوا ألف تسبيحة، كبروا ألف تكبيرة، قولوا: كذا ألف مرة بدون دليل. فهذا يُعتبر بدعة إضافية.\nالمسألة الثامنة: فيه التحذير من التنطع في الكلام، والتنطع في الاستدلال، والتنطع في العبادة، وعرفنا بماذا يكون التنطع في الكلام، والتنطع في الاستدلال، والتنطع في العبادة.\nالمسألة التاسعة: فيه تكرار النصيحة حتى ترسخ وتثبت، لأن النبي ﷺ كرّر قوله: \"هلك المتنطعون\" قالها ثلاثًا، من أجل أن ترسخ هذه النصيحة، وتثبت في قلوب السامعين.\nوالله تعالى أعلم.","vol":"1","page":282},{"text":"[الباب العشرون:]\nباب ما جاء في التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح، فكيف إذا عبده؟\nــ\nقال المؤلف ﵀: \"باب ما جاء في التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح، فكيف إذا عبده\" لما ذكر المؤلف ﵀ في الباب الذي قبل هذا: التحذير من الغلو في الصالحين، وأنه سبب لكفر بني آدم، وتركهم دينهم، ذكر في هذا الباب الغلو في قبورهم، لأنه نوع من الغلو فيهم.\nوالتغليظ معناه: بيان شدّة الأمر، خلاف التسهيل أو التخفيف.\n\"فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح\" عبد الله بدعاء الله عند القبر رجاء الإجابة، يظن أن الدعاء في هذا المكان سبب للإجابة، أو بالصلاة، يظن أن الصلاة عند القبر سبب للإجابة، أو الذبح عند القبر، وإن كان الفاعل يعبد الله بهذه العبادات ولكنه فعلها عند القبر رجاء أن تُقبل، وأن العبادة عند القبر لها مزية عن العبادة في مكان آخر، فهذا مبني على ظن فاسد، لأن القبور ليست مكانًا للعبادة، وأن العبادة عندها وإن كانت خالصة لله فإنها سبب للشرك، ولهذا حذّر النبي ﷺ من العبادة عند القبور سدًّا للذريعة.\nأما إذا كان يدعو القبر، ويستغيث بالميت؛ فهذا شرك أكبر.\nوأما إذا كان يعبد الله مخلصًا له العبادة لكن عند القبر، فهذا وسيلة إلى الشرك، وطريق إلى الشرك، فهو محرّم، فكيف إذا عبده؟\nوالذي عليه القبوريون اليوم، أنهم يعبدون القبور صراحة؛ ويستغيثون بها، ويذبحون لها، وينادون الموتى: المدد يا فلان، المدد يا بدوي، المدد يا علي، يطلبون منهم المدد صراحة، ويذبحون لهم، وينذرون لهم، ويصرفون لهم أنواعًا من العبادة، فهم داخلون فيمن عبد القبر.","vol":"1","page":283},{"text":"في الصحيح عن عائشة: أن أم سلمة ﵂، ذكرت لرسول الله ﷺ كنيسة رأتها بأرض الحبشة، وما فيها من الصور، فقال: \"أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح؛ بنوا على قبره مسجدًا، وصوّروا فيه تلك الصور، أولئك شِرار الخلق عند الله\".\nــ\nقال: \"في الصحيح\" يعني: في الصحيحين: صحيح البخاري وصحيح مسلم.\n\"عن عائشة\" أم المؤمنين، بنت أبي بكر الصديق.\n\"أن أم سلمة\" اسمها: هند بنت أبي أمية المخزومية، القرشية، زوج أبي سلمة، هاجرت هي وزوجها أبو سلمة الهجرتين: الهجرة إلى الحبشة، والهجرة إلى المدينة، وتوفي أبو سلمة ﵁ في المدينة، فتزوجها رسول الله ﷺ فصارت من أمهات المؤمنين- رضي الله تعالى عنها-.\n\"أنها ذكرت لرسول الله ﷺ كنيسة رأتها في أرض الحبشة\" الكنيسة هي معبد النصارى الذي يجتمعون فيه يوم الأحد لعبادتهم. أما الصومعة فهي معبد خاص لفرد من النصارى يخلو فيه، وينقطع عن الدنيا. فالصومعة للأفراد من النصارى، وأما الكنيسة فهي للجميع.\n\"وما فيها من الصور\"يعني: من صور الصالحين.\n\"أولئكِ\" بالكسر خطاب لأم سلمة، ويجوز الفتح: \"أولئكَ\" خطاب للمذكر، ولكن الكسر أشهر، لأنه يخاطب امرأة.\n\" أولئكِ إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح\" هذا شك من الراوي: هل قال الرسول ﷺ رجل أو عبد، وهذا من تحرّيهم ﵃ في الرواية، وأنه لم يجزم باللّفظ الذي قاله النبي ﷺ.\n\"بنوا على قبره مسجدًا\" أي: مصلى، فالمراد بالمسجد هنا: المصلى والمتعبَّد، يعني: اتخذوا عليه كنيسة يتعبّدون فيها، فسمي مسجدا.\n\" وصوّروا فيه تلك الصور\" أي: صور الصالحين، ينصبونها في هذا المكان، من باب الغلو في الصالحين وتخليد شخصياتهم، واتخاذ التماثيل تخليدًا للشخصيات من هذا الباب، هو من باب تعظيم الصالحين، أو تعظيم العظماء، ولو كانوا من غير الصالحين كالرؤساء والسلاطين والملوك، وهذا لا يجوز في الإسلام، لأنه وسيلة","vol":"1","page":284},{"text":"هؤلاء جمعوا بين فتنتين: فتنة القبور، وفتنة التماثيل.\nــ\nإلى الشرك، ولاسيّما في مواطن العبادة، كالمساجد ومحلات العبادة، فهذا الأمر أشد.\nثم قال ﷺ \"أولئكِ شرار الخلّق عند الله\" فدلّ على أن من بنى المسجد على القبر، أو صوّر الصور ونصبها؛ أنه من شرار الخلق. وشرار: جمع شر، وهو أفعل تفضيل، والمراد به: أشد الناس شرًّا، فدلّ على أن الذي يبني المساجد على القبور أنه أشد الناس شرًّا- والعياذ بالله-، وفي الحديث الآخر الذي سيأتي: \"إن من شرار الخلق من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يبنون المساجد على القبور\" لأنهم فتحوا للنّاس باب الشرك بهذا الفعل، وتسبّبوا في انحراف الأمة، وما حدث الشرك في هذه الأمة إلاّ بسبب البناء على القبور.\nوأول من بنى على القبور في الإسلام- كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية- هم: الشيعة، الفاطميون، ثمّ قلدهم من قلدهم من المنتسبين إلى السنّة من الصوفية وغيرهم، فبنيت المساجد على القبور في الأمصار.\nولا تزال الأمة الإسلامية تعاني من شر هذه القبور وفتنتها، وحدوث الشرك في الأمة، الذي لا يقره من يؤمن بالله ورسوله، لأنه شرك صُراح، وأصبحت هذه المساجد المبنية على القبور أوثانًا تُعبد من دون الله، ويظن أصحابها أن ذلك من الإسلام، وأن من أنكره فهو خارج عن الإسلام، كالذين يقولون: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾، فهم شرار الخلق، وإن كانوا يزعمون في أنفسهم أن ذلك إصلاح، وأنهم خير الخلق.\nثم ذكر الشيخ عبارة لشيخ الإسلام ابن تيمية بعد الحديث وهي قوله: \"فهؤلاء\" يعني: اليهود والنصارى.\n\"جمعوا بين فتنتين: فتنة القبور، وفتنة التماثيل\" فتنة القبور هي الغلو في القبور، وتعظيم القبور حتى تتخذ متعبدات، هذه فتنة عظيمة في الأمم السابقة وفي هذه الأمة.\nوالفتنة الثانية: فتنة التماثيل، وهي فتنة قديمة كما في قصة قوم نوح، فقوم نوح إنما وقع الشرك فيهم بسبب نصب التماثيل، ووقع الشرك في اليهود بسبب تمثال العِجل الذي عمله السامري، ووقع الشرك في النصارى بسبب نصب الصليب على","vol":"1","page":285},{"text":"ولهما عنها قالت: لما نزل برسول الله ﷺ؛ طَفِق يطرح خميصة له على وجهه، فقال: وهو كذلك:\nــ\nصورة المسيح بزعمهم، ويُخشى أن يقع الشرك في هذه الأمة بسبب نصب التماثيل للعلماء والعباد الصالحين، فهذه فتنة عظيمة، حذّر منها النبي ﷺ.\nقال: \"ولهما\" أي: البخاريّ ومسلم.\n\"عنها قالت: لما نُزل برسول الله \" يعني:. نزل به الموت -﵊-.\n\"طَفِقَ\" طَفِقَ: من أفعال الشروع عند أهل اللغة، أي: جعل يفعل كذا.\n\"يطرح خميصة\" أي: يضعها، والخميصة: كساء له أعلام، أي فيه خطوط.\n\"على وجهه\" يغطّي وجهه ﷺ بها وهو في هذه الحالة.\n\"فإذا اغتم بها\" أي: ضيّقت نفسه﵊-.\n\"كشفها\" من أجل أن يتنفّس.\n\"فقال- وهو كذلك-\" يعني: في هذه الحالة الحرجة، لم يشتغل عن الدعوة إلى التّوحيد، وإنكار الشرك، ونصيحة الأمة، صلوات الله وسلامه عليه.\nوالمناسبة: أنه لما شعر بالموت خشي على أمته أن تفعل عند قبره ما فعل من قبلها من الأمم عند قبور الأنبياء والصالحين، فلم يترك الفرصة تذهب، وإنما استغلها بالنصيحة للأمة﵊.\nفإذا كان النبي ﷺ يحذّر من الشرك وهو في هذه الحالة، فهذا دليل على أن التحذير من الشرك أمر متعيّن، وأنه يجب على الدعاة أن يهتموا بهذا الأمر اهتمامًا بالغًا قبل غيره، قبل أن يحثوا النّاس على الصلاة والصيام، وترك الربا، وترك الزنا، وترك شرب الخمر، قبل ذلك ينهوهم عن الشرك، لاسيّما إذا كان واقعًا في الأمة، فالسكوت عنه من الغش للأمة، فلابد أن يُبدأ به، وأن يُعمل على إزالته قبل كل شيء، لأنه إذا صلحت العقيدة صلحت بقية الأعمال.\nأما إذا فسدت العقيدة فلا فائدة في الأعمال كلها، ولو ترك الربا، وتصدق بماله، وصلى الليل والنهار، وصام الدهر، وحج، واعتمر، وعنده شيء من الشرك الأكبر، فإن أعماله تكون هباءً منثورًا، لا فائدة منها، أما إذا كان موحّدًا خاليًا من","vol":"1","page":286},{"text":"\"لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد\".\nيحذِّر ما صنعوا، ولولا ذلك أُبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدًا. أخرجاه.\nــ\nالشرك، فلو وقع في الكبائر، ولو وقع في الزنا، ووقع في الربا، ووقع في المحرمات التي دون الشرك، فإنه يُرجى له المغفرة، وإن عذب بذنوبه فإنه لا يخلد في النار وهو مؤمن موحد، حكمه حكم المؤمنين، ولابد له من دخول الجنة بتوحيده وإيمانه، وإن كان ضعيفًا، أما إذا كان عنده شرك أكبر، فهذا لا فائدة في أعماله، لو ترك المحرمات كلها، وأدى الواجبات كلها ولم يتجنب الشرك، فإنه لا فائدة في أعماله كلها.\nفكيف إذًا نهتم بجوانب فرعية، أو جوانب جزئية، ونترك هذا الأمر الخطير يعجّ في جسم الأمة الإسلامية، ولا نحذّر منه، ولا ندعوا إلى تركه، ولا نسعى في إزالته عن الأمة؟؟ بحجة أننا نريد أن نجمع الأمة كما يقولون.\nهذا هو صميم الدعوة، هذا هو الذي جاءت الرسل من أولهم إلى آخرهم للتحذير منه، كل رسول يقول لقومه: ﴿وَاعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾، لان العبادة لا تنفع مع وجود الشرك، فهذا أمر عظيم.\nقوله ﷺ: \"لعنة الله على اليهود والنصارى\" اللعنة هي: الطرد والإبعاد من رحمة الله.\nواليهود: الأمة المغضوب عليها، والنصارى: الأمة الضالة.\n﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ المغضوب عليهم: اليهود، ومن اقتدى بهم من هذه الأمة، ممن علم ولم يعمل بعلمه، والضالون هم: النصارى الذين يعبدون الله على غير علم، بل بالبدع والمحدثاث والخرافات من النصارى وكل من اقتدى بهم.\n\"اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد\" يعني: أمكنة للعبادة يصلون عندها، يدعون الله عندها، ظنًّا منهم أن العبادة عند القبور أفضل من العبادة في الأمكنة الأخرى، مع أن العبادة عند القبور لا تجوز، لأنها وسيلة إلى الشرك.\nقالت عائشة ﵂: \"يحذّر ما صنعوا\" أي: أن الذي حمل النبي ﷺ على أن\nيقول هذه الكلمة في هذه الحالة الحرِجة: أنه يحذّر أمته مما صنع اليهود والنصارى،","vol":"1","page":287},{"text":"لئلا يفعلوا بقبر نبيهم ما فعل اليهود والنصارى مع قبور أنبيائهم. فالذي حمله على هذا تحذير هذه الأمة لئلا تعمل هذا العمل، فلا تتخذ القبور مساجد، سواء بُني عليها أو لم يُبن عليها، إذا بُني عليها فالأمر أشد، وإذا لم يُبن عليها، وصلّي عندها، ودعا عندها فكذلك، هذا من اتخاذها مساجد كما يأتي.\n\"ولو ذلك\" أي: ولولا الخوف من أن يحصل عند قبره ﷺ مثل ما حصل عند قبور أنبياء بني إسرائيل.\n\"أبرز قبره\" أي: لدفن في مكان بارز يراه الناس.\n\"ولكنه خَشي\" بالفتح، أو \"خُشي\" بالضم.\n\"أن يتخذ قبره مسجدًا\" يعني: مكان صلاة ودعاء، كما فعل اليهود والنصارى عند قبور أنبيائهم.\nفقطعًا لهذه الذريعة وسدًّا لهذا الباب دُفِنَ - ﵊- في بيته في حجرة عائشة، داخل الجدران وتحت السقف، لا يراه أحد.\n\"ولا يزال- والحمد لله- في صيانة وأمانة، فلا يزال في بيته ﷺ محاطًا بالجدران لا يراه أحد، صيانة لقبره أن يُفعل عنده كما فعلت اليهود والنصارى عند قبور أنبيائهم.\nهذه هي الحكمة في دفنه ﷺ في بيته، وعدم دفنه في المقبرة مع أصحابه في البقيع.\nقال ابن القيم:\nودعا بأن لا يجعل القبر الذي ... قد ضمه وثنًا من الأوثان\nفأجاب رب العالمين دعاءه ... وأحاطه بثلاثة الجدران\nحتى اغترت أرجاؤه بدعائه ... في عزة وحماية وصيان\nفدلّ ذلك على تحريم الغلو في القبور، والبناء عليها، واتخاذ بقاعها أمكنة للصلاة عندها، والدعاء عندها.\nويُستفاد من هذين الحديثين مسائل عظيمة:\nالمسألة الأولى: تحريم البناء على القبور، لأن ذلك وسيلة إلى الشرك بالله ﷿،","vol":"1","page":288},{"text":"لأن القبر إذا بُني عليه بنيّة، أو جُعل عليه ستائر وزُخرف، فإن العوام والجهّال يفتتنون به، ويظنون أنه ما عُمل به هذا العمل إلاّ لأن فيه سرًا، وأنه محل للعبادة والدعاء وطلب الحاجات -كما هو الواقع-، ولهذا كان هدي الإسلام في القبور أن الميت يُدفن في المقبرة العامة مع أموات المسلمين، ويُدفن في تراب قبره الذي حُفر منه، لا يزاد عليه، ويُرفع عن الأرض قدر شبر من التراب من أجل أن يعرف أنه قبر فلا يُداس، ولا يُبنى عليه شيء، هكذا كان قبر النبي وكانت قبور الصحابة في عهد رسول الله ﷺ، وهذا هو هدي الإسلام في القبور، لا يُبنى عليها بنيّة، ولا يُكتب عليها، ولا تزخرف، ولا تجصّص، لأن هذه الأمور إذا فُعلت صارت وسيلة إلى الشرك، وقد أمر النبي ﷺ بهدم القبور المشرفة، فقال لعلي بن أبي طالب ﵁: \"لا تدع قبرًا مشرفًا [يعني: مرتفعًا] إلاّ سوّيته\" يعني: هدمت ما عليه من البناء، حتى يصبح كسائر القبور لا يُلفت النظر، ولا يُفتتن به، فالقبور إذا كانت على الهدي الشرعي لا يُفتتن بها، أما إذا بُني على بعضها، وجصّص، وزُخرف، فإن النّاس سينصرفون إليه ولابد.\nالمسألة الثانية: في الحديث دليل على تحريم العبادة عند القبر، حتى ولو لم يُبْنَ عليه بنيّة، لا بدعاء، ولا بصلاة، ولا بذبح، ولا بنذر، ولا بغير ذلك، وإنما هدي الإسلام أن القبور تُزار من أجل السلام على الأموات، والدعاء لهم بالمغفرة والرحمة، واتعاظ الزائر بأحوال الموتى، هذا هو هدي الإسلام في القبور، وأن لا تُهان القبور- أيضًا-، ولا تُمتهن، بل يُحافظ عليها، فلا تُهان ولا تُداس.\nفهدي الإسلام وسط بين إفراط وتفريط، بين الغلو فيها، وبين التساهل في شأنها وإهانتها، يُحافظ عليها الإسلام، ولكنه لا يغلو فيها، هدي الإسلام هو الوسط في كل شيء- والحمد الله-، لأن من النّاس من يمتهن القبور، ويبني عليها المساكن، أو يجعلها محلًا للقمامات والقاذورات، أو بِدَوْسِ الأقدام عليها، أو مرور الحيوانات عليها، أو يقضون حوائجهم ويبولون عليها، وهذا حرام لا يقرّه الإسلام.\nالمسألة الثالثة: فيه دليل على تحريم نصب الصور من التماثيل وغيرها، لأن","vol":"1","page":289},{"text":"ذلك وسيلة إلى الشرك بهذه الصور ولو على المدى البعيد، كما حصل لقوم نوح.\nالمسألة الرابعة: فيه دليل على أن النيّة الصالحة لا تسوغ العمل السيء، فهؤلاء إنما فعلوا هذا لظنهم أن فيه خيرًا، وفيه تذكرًا لأحوال هؤلاء الصالحين، أو إكرامًا للصالحين- كما يقولون-، أو تخليدًا لذكراهم، فهذا وإن كان قصدهم فيه حسنًا، فإن هذا العمل غير مشروع لأنه يُفضي إلى الشرك في العبادة، والشارع جاء بسدّ الذرائع المُفضية إلى الشرك دون نظر إلى نيات أصحابها.\nالمسألة الخامسة: فيه دليل على جواز لعن الكفار وأصحاب الكبائر على وجه العموم، لأن النبي ﷺ لعن اليهود والنصارى، وهذا لعن على العموم، فلعن الكفار وأصحاب الكبائر على العموم لا بأس به لأجل التنفير في فعلهم، وأما لعن المعيّن ففيه خلاف.\nالمسألة السادسة: في الحديثين دليل على التحذير من التشبه بالنصارى، لأن البناء على القبور والصلاة عندها من هدي النصارى، ونحن منهيون عن هدي النصارى، ففي قول عائشة ﵂: \"يحذّر ما صنعوا\" دليل على النهي عن التشبه بالنصارى، ولاسيما في أمور العقيدة.\nالمسألة السابعة: أن الذين يبنون على القبور والذين يذهبون إليها للتعبد عندها هم شرار الخلق، لا أحد شرٌّ منهم، لأن معصيتهم فوق كل معصية، فالزاني وشارب الخمر والسارق أخف من الذي يبني على القبور، ولو كان زاهدًا عابدًا.\nفالزاني والشارب- الذي يشرب الخمر- ومعه أصل التّوحيد وأصل العقيدة هذا خير من الذين يبنون على القبور، والذين يذهبون للعبادة عندها، وإن كانوا يبكون الليل والنهار، ويصومون، فهم شرار الخلق- والعياذ بالله-.\nالمسألة الثامنة: فيه دليل على أن المصورين هم شرار الخلق، لأن فعلهم هذا وسيلة إلى الشرك، ولأنه مضاهاة لخلق الله، قال الله تعالى في الحديث القدسي: \"ومن اظلم ممن ذهب يخلق كخلقي\" يعني: المصورين، \"فليخلقوا حبة، أو ليخلقوا شعيرة\" لما وهذا تعجيز لهم، فدلّ على أن المصورين هم شرار الخلق، سواء كانوا يصورون ببناء التماثيل، أو يصورون بالرسم، أو يصورون بالتقاط الصور بالآلة","vol":"1","page":290},{"text":"الفوتوغرافية، كل ذلك داخل في الوعيد والنهي الشديد، وأنهم شرار الخلق عند الله. ومن أخرج التصوير بالكمرة عن حكم التصوير المنهي عنه فليس له دليل ولا عبرة بقوله.\nالمسألة التاسعة: في الحديث دليل على وجوب الاهتمام بأمر العقيدة، والدعوة إليها قبل كل شيء من أنواع الفساد، نبدأ بإصلاح العقيدة قبل إصلاح الأمور الأخرى، لأن هذا منهج الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-.\nالمسألة العاشرة: في الحديث دليل على كمال حرصه ﷺ على أمته، ونصيحته لأمته، وأنه بلّغ البلاغ المبين حتى في آخر لحظة من حياته ﷺ، بل في حالة حرِجة، وهي حالة الاحتضار.\nالمسألة الحادية عشر: فيه دليل على بيان الحكمة من دفنه ﷺ في بيته.\nوعدم دفنه في المقبرة العامة، وأن ذلك لأجل الحفاظ على عقيدة المسلمين من الغلو في حقه ﷺ، وأن يُفعل عند قبره كما فُعل عند قبور الأنبياء والصالحين في بني إسرائيل، هذا هو بيان الحكمة.\nوهذا فيه بيان الإشكال الذي لا يزال يتردّد عند بعض الناس، ويقولون: إن مسجد الرسول مبني على القبر، فهذا دليل على جواز البناء على القبور بزعمهم.\nونقول: إن النبي ﷺ لم يدفن في المسجد، وإنما دفن في بيته خارج المسجد، والحكمة في ذلك ما ذكرته أم المؤمنين أنه خشي أن يتخذ مسجدًا، فالبيت منفرد عن المسجد، وفي معزل عن المسجد، وإنما أدخل البيت في المسجد بعد عهد الخلفاء الراشدين في وقت الوليد بن عبد الملك؛ لما أراد أن يوسع المسجد عمّم التوسعة من جهة المشرق، فأدخل حجرة النبي ﷺ، ولم يكن هذا بمشورة أهل العلم، وإنما هذا عمل الخليفة بدون مشورة أهل العلم، ولكن مع هذا فالبيت لا يزال على شكله وحيازته، والمسجد لا يزال على وضعه والحمد لله، وما يحصل من النّاس الجهّال إنما يكون في مسجد الرسول وليس عند القبر، لأن القبر بعيد عنهم، ومَصُون عنهم، ولا يرونه، ولهذا لما دعا النبي ﷺ ربه قال: \"اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعبد\" استجاب الله دعاءه، فصانه في بيته، ولهذا يقول العلامة ابن القيم:","vol":"1","page":291},{"text":"ولمسلم عن جندب بن عبد الله قال: سمعت النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: \"إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله قد اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا، ولو كنت متخذًا من أمتي خليلًا، لاتخذت أبا بكر خليلًا.\nــ\nفأجاب رب العالمين دعاءه ... وأحاطه بثلاثة الجدران\nيعني: صار القبر داخل الجدران، فلا يُرى أبدًا، وذلك صيانة له عن الغلو - ﵊-.\nقوله: \"ولمسلم عن جُندب بن عبد الله\" هو: جُندب بن عبد الله البَجَلي، رضي الله تعالى عنه.\n\"قال: سمعت النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس\" يحتمل أن المراد: خمس سنين، ويحتمل أن المراد: خمس ليال.\n\"وهو يقول: إني أبرأ إلى الله\" البراءة معناها: نفي الشيء والابتعاد عنه، كما يقال: برأ القلم إذا قطعه وأبعد جزءا منه، فالبرء هو: البعد والانقطاع، فـ \"أبرأ إلى الله\" أي: ابتعد عن ذلك وأكرهه.\n\"أن يكون لي منكم خليل\" من الصحابة، فليس له من الصحابة خليل، والسبب في ذلك، أن الله اتخذه خليلًا، والخُلّة لا تقبل الاشتراك، فلا يمكن أن يكون خليل الله وخليل أحد من الخلق، لأن الخُلّة لابد أن تكون لواحد، لا تقبل الاشتراك، والخُلّة هي أعلى درجات المحبة، كما قال الشاعر:\nتخللت مسلك الروح مني ... وبذا سمّي الخليل خليلًا\nوعباد الله وأنبياؤه كلهم يشتركون في المحبة، فالله يحب التوابين، ويحب المتطهرين ويحب المتقين، ويحب المحسنين، أما الخُلّة فهي لم تحصل إلاّ لاثنين فقط، هما: محمَّد ﷺ وإبراهيم، كما في قوله تعالى ﴿وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾، أما بقية الأنبياء والمؤمنين فإن الله يحبهم ويحبونه كما جاءت بذلك النصوص لكن لم يتخذ الله منهم خليلًا.\nثمّ قال ﷺ: \"ولو كنت متخذًا من أمتي خليلًا\" يعني: على فرض لو صحّ لي وجاز لي أن أتخذ من أمتي خليلًا.","vol":"1","page":292},{"text":"ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، إلاّ فلا تتخذوا القبور مساجد؛ فإني أنهاكم عن ذلك\".\nــ\n\"لاتخذت أبا بكر خليلًا\" فهذا فيه فضيلة أبي بكر الصديق- رضي الله تعالى عنه-، وأنه أحب الناس إلى رسول الله ﷺ.\nوأبو بكر كنيته، أما اسمه: فعبد الله بن عثمان، ولُقّب بالصديق لكثرة صدقه مع الله ﷾ ومع رسوله ﷺ ومع عباد الله، فهو كثير الصدق، رضي الله تعالى عنه.\nوفي قوله: \"ولو كنت متخذًا من أمتي خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا\" هذا فيه إشارة إلى استخلاف أبي بكر من بعده لأن الرسول ﷺ قال هذا في آخر حياته، كما أنه ﷺ في مرض موته أمر أبا بكر أن يصلي بالناس، ولما قيل له عن عمر؛ أبى وغضب، وأمر أن يُؤمر أبو بكر أن يصلّي بالناس، فهذا فيه إشارة إلى خلافته.\nوفي ذلك رد على الرافضة الذين يُبغضون أبا بكر الصديق، ويطعنون في خلافته وخلافة إخوانه: عمر وعثمان، ويقولون: إن الخلافة لعلي بعد الرسول، وإنما الصحابة اغتصبوها، وظلموا عليًّا، هكذا يقولون- قبحهم الله-. فعلي رضي الله هو الخليفة الرابع وهذا بإجماع المسلمين.\nثمّ قال ﷺ: \"ألا وإن من كان قبلكم \"ألا\": حرف تنبيه، \"وإن من كان قبلكم يتخذون القبور مساجد\" يعني أن اليهود والنصارى يغلون في قبور الأنبياء ويبنون عليها المساجد ويصلون عندها.\n\"ألا فلا تتخذوا القبور مساجد\" كرّر كلمة \"ألا\" مرة ثانية لأجل التنبيه والتأكيد. ومعنى اتخاذها مساجد أي: مصليات.\nثمّ لم يقتصر على هذا، بل قال: \"فإني أنهاكم عن ذلك\" تأكيد بعد تأكيد، لأهمية هذا الأمر.\nواتخاذ القبور مساجد على معنيين:\nالمعنى الأول: وهو المراد بهذا الحديث-: اتخاذها مصليات يُصلّى عندها وإن لم يُبن مسجد، كما يأتي.","vol":"1","page":293},{"text":"فقد نهى عنه في آخر حياته، ثمّ إنه لعن- وهو في السيّاق - من فعله.\nوالصلاة عندها من ذلك، وإن لم يُبن مسجد، وهو معنى قولها: \"خشي أن يتخذ مسجدًا\"، فإن الصحابة لم يكونوا ليبنوا حول قبره مسجدًا.\nــ\nالمعنى الثاني: أن يُبنى عليها مسجد كما حصل من اليهود والنصارى وكما حصل في القرون المتأخرة من هذه الأمة.\nوأول من بني المساجد على القبور- كما يقول الشيَّخ: تقي الدين هم: الشيعة الفاطميون في مصر والمغرب، ثمّ قلّدهم الخرافيون الذين ينتسبون إلى أهل السنّة من الصوفية وغيرهم، وبنوا على القبور، وهذا إنما حدث بعد القرون المفضلة، التي أثنى عليها رسول الله ﷺ.\nثم نقل الشَّيخ ﵀ كلام شيخ الإسلام ابن تيمية فقال: \"فقد نهى عنه في آخر حياته\" يعني: قبل أن يموت بخمس- كما في حديث جُندب-.\n\"ثم إنه لعن- وهو في السياق-\" في سياق الموت، كما في حديث عائشة الذي سبق: أنه ﷺ لما نزل به جعل يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها، فقال وهو كذلك- يعني: في هذه الحالة الحرِجة-: \"لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد\".\nقالت عائشة ﵂: يحذّر ما صنعوا، ولولا ذلك لأُبرز قبره، غير أنه خُشي أن يتخذ مسجدًا.\nقال الشيخ: \"فإن الصحابة لم يكونوا ليبنوا حول قبره مسجدًا\" لأنهم معصومون عن ذلك ﵃، ولا يمكن ذلك أبدًا في حقهم، بل لم تبن المساجد في القرون الأربعة كلها، لأن القرون الأربعة أثنى عليها رسول الله ﷺ بقوله: \"خيركم قرني، ثمّ الذين يلونهم، ثمّ الذين يلونهم\"، فإذا كانت القرون الأربعة لم يبن فيها على القبور مساجد فكيف يُبنى في عهد الصحابة الذين هم القرن الأول، رضي الله تعالى عنهم؟، فدلّ على أن المراد باتخاذها مساجد: تحرّي الصلاة عندها ظنًّا أن","vol":"1","page":294},{"text":"وكل موضع قُصد الصلاة فيه فقد اتُّخذ مسجدًا، بل كل موضع يصلى فيه يسمى مسجدًا كما قال ﷺ: \"جُعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا\".\nــ\nالصلاة عندها فيها مزيّة، وأنها يُستجاب الدعاء عندها، لأن ذلك وسيلة من وسائل الشرك، والنبي ﷺ نهى عن الصلاة عند القبور، واتخاذها مساجد سدًّا لذريعة الشرك، لأنه إذا صُلّي عندها، ودُعِيَ عندها، فإن ذلك يتطوّر وتُدعى من دون الله، وتُعبد من دون الله، كما حصل عند الأضرحة الآن حيث صارت تُعبد من دون الله؛ فيُذبح لها، وينذر لها، ويُستغاث بالموتى، ويُتمرّغ على تُربتها، ويُعكف عندها، ويُطاف حولها كما يُطاف بالكعبة، كل ذلك لأن الباب فُتح لما بُني عليها.\nثمّ قال ﵀: \"وكل موضع قُصدت الصلاة فيه\" أي: كل موضع يُتردّد عليه ويصلى فيه، سواء كان عنده قبر أو ليس عنده قبر \"فقد اتَّخذ مسجدًا\" وإن لم يُبن، ولو كان صحراء فهو يسمّى مسجدًا، يعني: مكان صلاة ومكان سجود.\n\"بل كل موضع يصلى فيه يسمى مسجدًا\" حتى لو لم يُبْنَ عليه.\n\"كما قال ﷺ: \"جُعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا\" يعني: صالحة للصلاة فيها.\nفدلّ على أن المكان الذي يُصلى فيه يسمى مسجدًا، سواءٌ قُصد أو لم يُقصد، سواءٌ بُني عليه أولم يُبن.\nفالحاصل؛ أن معنى اتخاذ القبور مساجد يشمل معنيين:\nالمعنى الأول: الصلاة عندها وإن لم يُبن مسجد، وهذا هو المعنى المراد من الأحاديث.\nوالمعنى الثاني: بناء المساجد فيها والقِباب، وهذا- أيضًا- منهي عنه، فإن النبي ﷺ قال لعلي بن أبي طالب: \"لا تدع قبرًا مشرفًا إلاّ سوّيته\" يعني: إلاّ هدمته، وسوّيته بالأرض، لأن هذا يفتن الناس، ويصبح وسيلة من وسائل الشرك.","vol":"1","page":295},{"text":"ولأحمد بسند جيد عن ابن مسعود مرفوعًا: \"إن من شرار النّاس من تُدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد\". رواه أبو حاتم في صحيحه.\nــ\nثمّ قال: \"ولأحمد\" أي: لأحمد بن حنبل ﵀.\n\"بسند جيد، عن ابن مسعود مرفوعًا\" إلى النبي ﷺ، يعني: وليس من كلام ابن مسعود، وإنما هو من كلام الرسول ﷺ.\n\"إن من شرار النّاس\" شرار جمع: شر، وشر أفعل تفضيل، بمعنى أشر، أي: أشدّ الناس شرًّا.\n\"الذين تدركهم الساعة\" أي: قيام الساعة، وذلك عند نفخة الصعق التي يموت بها الخلق- إلاّ من شاء الله-، وهي المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللهُ﴾ صعقوا أي: ماتوا مرة واحدة من أثر الصعقة، إذا نفخ إسرافيل في الصورة النفخة الأولى صعق كل الأحياء، إلاّ من استثنى الله ﷾ بقوله: ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللهُ﴾، ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ وهذه نفخة البعث. الأولى نفخة الموت، والثانية: نفخة البعث، ينفخ إسرافيل ﵇ في الصور مرّة ثانية، فيقومون من قبورهم أحياء يمشون: ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾، وهذا بقدرة الله ﷾، فهاتان نفختان: نفخة الصعق، ونفخة البعث.\nوهناك نفخة ثالثة ذكرها الله في آخر سورة النمل: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللهُ﴾ فهذه نفخة الفزع، وبعض العلماء -كشيخ الإسلام ابن تيمية وغيره- يرون أن النفخات ثلاثة:\nنفخة الفزع، وهي المذكورة في سورة النمل.\nونفخة الموت. ونفخة البعث. وهما المذكورتان في سورة الزمر.\nوبعض العلماء يرى أنه ليس هناك إلاّ نفختان: نفخة الصعق، ونفخة البعث، ونفخة الصعق هذه عندهم هي نفخة الفزع، يفزعون ثمّ يموتون.\nفالذين يحضرون هذا الحدث الهائل- وهو: نفخة الصعق- هم شرار الناس، لأن المؤمنين يموتون قبل ذلك، كما قال ﷺ: \"لا تقوم الساعة وفي الأرض من يقول: الله، الله\" لأنه إذا كان فيها من يقول: الله، الله، ويذكر الله فالحياة تبقى في","vol":"1","page":296},{"text":"هذه الدنيا، لأن ذكر الله والتّوحيد والعبادة عِمارة لهذه الأرض، فإذا فُقد ذلك أستحق أهلها العقوبة، فيحصل بذلك الموت العام.\nأما قوله ﷺ: \"لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله\" فالمراد بذلك أنهم يموتون قبل ذلك، يقبض الله أرواحهم قبل ذلك بريح يرسلها الله تقبض روح كل مؤمن ومؤمنة، ولا يحضرون هذا الحدث المروّع، رحمة من الله تعالى بهم.\nيُستفاد من هذين الحديثين مسائل عظيمة:\nالمسألة الأولى: يُستفاد من الحديثين إثبات المحبة الله ﷾، وأنها صفة من صفاته، وأنه يحب أولياءه ورسله، ويحب عباده المؤمنين، وهذه صفة من صفاته اللائقة بجلاله، كما يُبغض الكافرين والمنافقين، ويكره، ويمقت، ويغضب، ويرضى، ويضحك، كل هذه من صفاته ﷾، وهي صفات لائقة به جلّ وعلا.\nوهذا مذهب أهل السنّة والجماعة أنهم يثبتون ما جاء في الكتاب والسنّة من صفاته الذاتية، ومن صفاته الفعلية ﷾ على ما يليق بجلاله، ومن ذلك: أثبات المحبة، وأنه يحب. وتكرّر ذكر محبته لعباده في آيات كثيرة: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾، ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾، ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (٤)﴾، إلى غير من الآيات والأحاديث التي تثبت أن الله يحب عباده المؤمنين.\nالمسألة الثانية: في الحديث دليل على أن الخُلّة أعلى درجات المحبة، ولذلك لم تحصل إلاّ للخليلين: محمد وإبراهيم- عليهما الصلاة والسلام-، أما بقية الأنبياء والصالحين فإن الله يحبهم، لكن لم تصل محبتهم إلى مرتبة الخُلّة.\nوكذلك النبي ﷺ يحب أصحابه؛ فيحب عائشة، ويحب أبا بكر، ويحب عمر، وقال لمعاذ: \"يا معاذ إني أحبك\" فهو يحب أصحابه﵊-، أما الخُلّة فإنه لم يخالل أحدًا منهم حتى ولا أبا بكر، لأن الخُلّة لا تقبل الاشتراك، فلم","vol":"1","page":297},{"text":"تكن إلاّ لله ﷾ خالصة، فهذا فيه دليل على أن الخُلّة أعلى درجات المحبة. وقولا بعض الصحابة: خليلي رسول الله هذا من قبل الصحابي لا من قبل الرسول ﷺ.\nالمسألة الثالثة: فيه دليل على فضل الخليلين: محمَّد وإبراهيم - عليهما الصلاة والسلام-، حيث نالا هذه المرتبة التي لم ينلها أحد غيرهم.\nالمسألة الرابعة: في الحديث دليل على فضل أبي بكر الصدّيق، لأن الرسول ﷺ قال: \" لو كنت متخذًا من أمتي خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا\" فهذا فيه فضيلة أبي بكر، وفيه إشارة إلى استخلافه من بعده.\nالمسألة الخامسة: في الحديث دليل على تحريم الصلاة عند القبور، وبناء المساجد عليها، لأن قوله ﷺ: \"فلا تتخذوا القبور مساجد\" يشمل المعنيين: الصلاة المجردة عن البناء، أو مع البناء على القبر، كله من اتخاذها مساجد، وذلك سدًّا لذريعة الشرك، لا كما يقوله من قل فهمه أو أراد التضليل ممن زعم أن العلة هي: نجاسة المكان، فهذه علة غير صحيحة، لأن المكان ليس فيه نجاسة. أو من قال: المراد لا يصلي فوق القبر.\nالمسألة السادسة: في الحديث دليل على بطلان الصلاة عند القبور، أو في المساجد المبنيّة على القبور، لأن الرسول ﷺ نهى عن ذلك، والنهي يقتضي الفساد عند الأصوليين، فالذي يصلي عند القبر صلاته غير صحيحة، فعليه أن يعيد الفريضة، لأن صلاته عند القبر أو في المسجد المبني على القبر غير صحيحة، لأنها صلاة منهي عنها، والصلاة المنهي عنها غير مشروعة، فهي لا تصحّ.\nالمسألة السابعة: في الحديث دليل على أن الذين يتخذون القبور مساجد شرار الخلق، فالذين يفعلون هذا الفعل سواء كانوا من اليهود أو من النصارى أو من المنتسبين إلى الإسلام هم شر الخلق، لا أحد شر منهم، والعياذ بالله.\nالمسألة الثامنة: أن الحديث يدل على أن الساعة لا تقوم على أهل الإيمان، وإنما تقوم على الكفار، لأن أهل الإيمان من خير الناس، وليسوا شر الناس،","vol":"1","page":298},{"text":"فلا تقوم عليهم الساعة، وإنما يموتون قبل ذلك، تُقبض أرواحهم كما دلّت على ذلك الأحاديث الواردة عن النبي ﷺ، وأن الله يُرسل ريحًا قبل قيام الساعة تقبض روح كل مؤمن ومؤمنة، فلا يبقى في الأرض إلاّ الكفّار وشرار الخلق، يتهارجون كما تتهارج الحُمُر، لأنهم ليس عندهم دين، ولا خلق، ولا مروءة.","vol":"1","page":299},{"text":"[الباب الحادي والعشرون:]\n* بابُ ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصيّرها أوثانًا تعبد من دون الله\nــ\nقوله ﵀: \"باب ما جاء\" أي: من الوعيد.\n\"إن الغلو في قبور الصالحين\" الغلو تقدم لنا معناه، وهو: الزيادة عن الحد المشروع.\nوالغلو في قبور الصالحين هو: الزيادة في تعظيمها، لأن ذلك يؤدي إلى الشرك، لأن المشروع في قبور الصالحين- وقبور المسلمين عمومًا- احترامها، وعدم إهانتها، وصيانتها عن الأذى، وزيارتها للسلام على الأموات، والدعاء لهم، والاعتبار بأحوالهم، هذا هو المشروع، أما الغلو فهو قصدها للتبرّك، أو الدعاء عندها، أو الصلاة عندها رجاء الإجابة، هذا هو الغلو، لأن هذا لم يشرعه الله ولا رسوله، ولأنه وسيلة إلى الشرك.\n\"يصيّرها\" أي: يجعلها في المستقبل، وعلى امتداد الزمان.\n\"أوثانًا تعبد\" الأوثان: جمع وثن، والوثن ما عُبد من دون الله من قبر، أو شجر، أو حجر، أو بقاع، أو غير ذلك، أما الصنم فهو: ما عُبد من دون الله وهو على صورة إنسان أو حيوان، كما كان قوم إبراهيم يعبدون التماثيل: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (٥٢)﴾، والتماثيل جمع تمثال، وهو: ما كان على صورة إنسان، أو حيوان هذا هو الفرق بين الوثن والصنم، وقد يراد بالصنم الوثن، والعكس.\nوالشارع ﵀ يقول: إذا ذكر أحدهما شمل الآخر، إذا ذكر الصنم فقط دخل فيه الوثن، وإذا ذُكر الوثن فقط دخل فيه الصنم، أما إذا ذُكرا جميعًا افترقا في المعنى، فصار الصنم: ما كان على شكل تمثال، وأما الوثن فيراد به: ما عبد من دون الله من الشجر، والحجر، والقبور والصور وغير ذلك، ولم يكن على صورة تمثال، فبينهما عموم وخصوص مطلق، يجمعها أنها تُعبد من دون الله ﷿.","vol":"1","page":300},{"text":"روى مالك في \"الموطأ\" أن رسول الله ﷺ قال: \"اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد \".\nــ\nقال \"روى مالك\" هو: مالك بن أنس إمام دار الهجرة واحد الأئمة الأربعة المجتهدين: الذين هم أبو حنيفة، ومالك، والشافعي وأحمد أصحاب المذاهب الأربعة الباقية.\nوهناك مذاهب لأهل السنّة، لكن انقرضت، مثل:. مذهب سفيان الثوري، ومذهب ابن جرير الطبري.\nفمالك هو أحد الأئمة الأربعة المقلَّدين، وهو إمام جليل، يسمى بإمام دار الهجرة -يعني: المدينة-، ويسمى عالم المدينة، واشتهر في وقته، حتى قيل: لا يُفتى ومالك في المدينة، وذلك لعظيم منزلته وثقة النّاس به، ﵀ رحمة واسعة.\n\"في الموطأ\" الموطأ: كتاب أَلَّفَه مالك في الحديث والفقه، حيث يذكر فيه الأحاديث ويذكر فقهها، وما يؤخذ منها، فهو كتاب عظيم من الكتب التي جمعت بين الفقه والحديث، ومرجع من مراجع الأمة الإسلامية، شرحه علماء كثيرون، لكن أشهر شروحه: \"التمهيد\" لابن عبد البر، وشرحه أبو الوليد الباجي في كتابه: \"المنتقى\"، وشرحه الزُّرقاني- أيضًا-، وشرحه السيوطي، وله شروح كثيرة، لكن أشهرها وأعظمها وأكثرها فائدة هو: كتاب: \"التمهيد\" للإمام ابن عبد البر النَّمَري ﵀.\nسُمي الموطأ من التوطئة وهي: التسهيل والتقريب، لأنه ﵀ سهَّله للناس، ووطّأه للناس بترتيبه وتبويبه، حتى أصبح سهلًا، هذا معنى تسميته بالموطأ.\n\"إن رسول الله ﷺ قال: \"اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعبد\" هذا دعاء من الرسول ﷺ، دعا به ربه أن يصون قبره من الغلو به، كما حصل لقبور الأنبياء السابقين من اليهود والنصارى حيث غلوا في قبور أنبيائهم، فقال: \"اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعبد\" فدلّ على أن الغلو في القبر يصيّره وثنًا، وهذا الشاهد من الحديث للباب، ولكن الله حماه ولله الحمد، حماه بأن دفن في بيته، ومُنع النّاس من الوصول إليه وسيبقى مصونًا- بإذن الله- استجابة لدعوة رسوله ﷺ، ودفن في بيته من أجل هذا، كما مر قول عائشة: \"ولولا ذلك لأبرز قبره، غير أنه خُشي أن يُتخذ مسجدًا\" فدفنه ﷺ في بيته له سرٌّ عظيم، هو: صيانته من قصد النّاس له بالدعاء، والصلاة عنده، والتبرّك به، يقول ابن القيم ﵀:","vol":"1","page":301},{"text":"فأجاب ربُ العالمين دعاءه ... وأحاطه بثلاثة الجدران\nوالمشروع: السلام عليه من غير مكوث عنده وطول قيام ولا تكرر زيارة كما كان الصحابة يفعلون ذلك:\nفقد كان ابن عمر يقف- إذا جاء من سفر- مقابل وجه النبي ﷺ فيقول: السلام عليك يا رسول الله، ثمّ يتأخر إلى جهة الشرق قليلًا فيقول: السلام عليك يا أبا بكر، ثمّ يتأخر قليلًا فيقول: السلام عليك يا أبت، ثمّ ينصرف.\nوهكذا كان عمل المسلمين عند السلام على الرسول ﷺ وعلى صاحبيه ﵄، ما كانوا يجلسون، وما كانوا يتردّدون، حتى إن الصحابة في المدينة ما كانوا كلما دخلوا إلى المسجد راحوا يسلمون على الرسول، لأن هذا يُعتبر من الغلو، إنما كانوا يسلمون على الرسول إذا جاءوا من سفر- كما فعل ابن عمر رضي الله تعالى عنه-، فالصحابة يأتون إلى المسجد، ويتردّدون عليه للصلاة، ولطلب العلم، وللاعتكاف فيه، لكن ما كانوا كلما دخلوا ذهبوا يسلمون على الرسول ﷺ، لأنهم عرفوا أن هذا من الغلو الذي حذّر منه النبي ﷺ، وهم أعلم النّاس وافقه النّاس بمقاصد الرسول. ومن أجل ذلك ما كانوا يتردّدون على القبر، حتى إن مالكًا ﵀، كان يكره أن يقول الإنسان: زرت قبر الرسول ﷺ، لأن زيارة قبر الرسول ﷺ لم يرِد بها دليل خاص، والأحاديث المروية في زيارة قبره كلها موضوعة أو ضعيفة شديدة الضعف، لم يثبت منها شيء، وإنما تدخل زيارة قبره ﷺ في عموم قوله ﷺ: \"زوروا القبور، فإنها تذكركم الآخرة\"، فزيارة قبره تدخل في عموم زيارة القبور التي أمر بها النبي ﷺ، أما أنه ورد لفظ خاص بزيارة قبر الرسول ﷺ، فهذا لم يثبت أبدًا، كما نبّه على ذلك الحفاظ؛ كشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن حجر، وابن عبد الهادي، وغيرهم من الأئمة الحفاظ.\nولابن عبد الهادي كتاب مستقل اسمه: \"الصارم المنكي في الرد على السبكي\" تناول الأحاديث التي استدل بها السبكي على مشروعية السفر لزيارة قبر الرسول ﷺ، فبين ما فيها من المقال واحدًا واحدًا، حتى أتى على آخرها.\nفهذا الكتاب- الصارم المنكي- كتاب نفيس جدًّا، يحتاجه طالب العلم،","vol":"1","page":302},{"text":"ولابن جرير بسنده: عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩)﴾ قال: \"كان يَلُتُّ لهم السّويق، فمات، فعكفوا على قبره\".\nــ\nليتسلح به ضد الخرافيين الذي يحتجون بهذه الأحاديث التي لا تصلح للاحتجاج.\nثمّ قال ﷺ: \"اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد\" تحذير بعد تحذير، حيث سبق عدة مرات أن الرسول ﷺ لعن اليهود والنصارى وهو في سياق الموت لأنهم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد؛ يحذّر ما صنعوا، وقال- قبل أن يموت بخمس-: \"ألا إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد إلاَّ فلا تتخذوا القبور مساجد\" وهنا يقول: \"اشتد غضب الله\". \"غضب الله\" والغضب صفة من صفاته ﷾ فالله يغضب، كما أنه يفرح ويضحك ويحب، كما جاءت بذلك النصوص، وكل هذه الصفات تليق بجلاله، ليس كغضب المخلوق، ولا كفرح المخلوق، ولا كضحك المخلوق، ويحب كما يليق بجلاله لا كمحبة المخلوق.\nونُثبت لله ما أثبته لنفسه أو أثبته له رسوله من الصفات من غير تحريف ولا تأويل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، فنُثبت أن الله يغضب، وأنه يشتدّ غضبه، وأنه يمقت، والمقت أشد الغضب: ﴿لَمَقْتُ اللهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾، فالله يمقت بمعنى: أنه يشتد غضبه.\nوهذا فيه أن من جعل القبر مسجدًا فقد اتخذه وثنًا يُعبد.\nودلّ على أن هذه الأضرحة المبنية على القبور التي يُطاف بها الآن، وينذر لها، ويُذبح لها، ويُستغاث بها أوثان، لا فرق بينها وبين اللاّت والعزّى ومناة الثالثة الأخرى، وإن سموها مساجد، أو سموها مقامات للصالحين، فالتسمية لا تغير المعنى، فهي أوثان كما سماها الرسول ﷺ.\nثم قال: \"ولابن جرير\" ابن جرير هو: الإمام الجليل، إمام المفسرين، محمَّد بن جرير الطبري، صاحب كتاب \"التفسير\" الذي أصبح مرجعًا للمفسرين الذين جاءوا من بعده، فأعظم التفاسير هو تفسير ابن جرير، أما تفاسير أهل الكلام وأهل المنطق فليس مرجعها كتب أهل السنّة، بل مرجعها قواعد المنطق وعلم الكلام،","vol":"1","page":303},{"text":"مثل: \"تفسير الرازي\" و\"تفسير الزمخشري\" وفيها من الخلط، وفيها مر الشر الشيء الكثير، وإن كان فيها فوائد، \"تفسير الزمخشري\" فيه فوائد لغوية، وأسرار بلاغية، وبيان لتفسير الألفاظ من جهة اللغة، فهو جيد من هذه الناحية، ولكنه من ناحية العقيدة ومن ناحية التأويل يشتمل على كثير من الشر والقول بخلق القرآن، فهو من هذه الناحية تفسير مختلط، لا يصلح أن يطالع فيه إلاَّ طالب العلم المتأصّل من أجل أن يأخذ ما فيه من الفوائد، ويترك ما فيه من الأباطيل، أما المبتدئ والجاهل فلا يصلح أن يطالع في تفسير الزمخشري.\nوأما: \"تفسير الرازي\" فهو أكثر شيئًا شرًّا من: \"تفسير الزمخشري\" لأنه كله جدل وافتراضات، وأحياناُ يأتي بإشكالات ولا يُجيب عليها.\nإنما التفاسير الموثوقة هي التفاسير المبنية على كلام الله ﷿ على قواعد التفسير المعروفة: تفسير القرآن بالقرآن، أو تفسير القرآن بالسنّة، أو تفسير القرآن بأقوال الصحابة، أو تفسير القرآن بمقتضى اللغة العربية، هذه وجوه التفسير.\nأما أن يُدخل فيها علم الكلام وعلم المنطق، فهذا ليس من التفسير.\nفأوثق التفاسير هو: \"تفسير ابن جرير\" وكذلك: \"تفسير ابن كثير\"، وكذلك: \"تفسير البغوي\" هذه كتب موثوقة، تنهج منهج السلف، وتفسر القرآن بالوجوه المعروفة التي هي وجوه التفسير الصحيحة، وما عداها ففيه خلط.\nوكل مفسر له اتجاه، بعضهم يتجه إلى النحو كأبي حيّان، وبعضهم يتجه إلى البلاغة كالزمخشري، وبعضهم يتجه إلى الأحكام الفقهية كالقرطبي.\nقال: \"عن سفيان\" سفيان هذا يحتمل أنه: سفيان بن عيينة، الإمام المشهور، ويحتمل أنه: سفيان الثوري، وهذا هو الذي رجّحه الشارح.\nوسفيان الثّوريّ إمام جليل في علم الحديث وفي علم الفقه، وله مذهب مستقلّ، لكنه انقرض.\n\"عن منصور\" منصور هو: منصور بن المعتمر، إمام جليل وثقة.\n\"عن مجاهد\" مجاهد بن جَبْر، التابعي الجليل، من أكبر تلاميذ عبد الله بن عباس- رضي الله تعالى عنهما-، وهو الذي يقول: \"عرضت المصحف على ابن","vol":"1","page":304},{"text":"وكذا قال أبو الجوزاء عن ابن عباس: \"كان يَلُتُّ السّويق للحاجّ\".\nوعن ابن عباس ﵁ قال: \"لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسُّرج \" رواه أهل السنن.\nــ\nعباس من أوله إلى آخره، أقف عند كل آية، وأسأله عن معناها\" هذا هو مجاهد بن جَبْر، من أكبر أئمة المفسرين، ومن أكبر تلاميذ عبد الله بن عباس- رضي الله تعالى عنهما-.\n\"في قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩)﴾ \" هذه أسماء أصنام العرب.\nاللاّت في الطائف، والعزى في مكّة عند عرفات، ومناة على طريق المدينة بالمشلّل عند قُدَيْد، كان يُحرِم منها المشركون إذا جاءوا للحج. والشاهد من ذلك: اللاّت.\n\"قال: كان يَلُتُّ لهم السّويق \" ولَتُّ السويق هو: خلطه بالسمن.\nكان هذا الرجل يعمل هذا العمل من أجل إطعام النّاس، يعني: يُحسن إلى النّاس، فأحبوه، وتعلقت قلوبهم به، لأنه يبذل الطعام، فلما مات عكفوا على قبره حتى صار وثنًا.\n\"فمات، فعكفوا على قبره \" دل على أن الغلو في قبور الصالحين يصيّرها أوثانًا تُعبد من دون الله، لان اللاّت رجل صالح ما صار قبره وثنًا إلاَّ بسبب الغلو فيه، والعكوف عند قبره.\n\"وكذا قال أبو الجوزاء\" وأبو الجوزاء هو: سفيان بن عبد الله الرَّبَعي.\n\"عن ابن عباس قال: كان يَلُتُّ السّويق للحاج\" هذا مثل رواية ابن جرير، في أن اللات اسم رجل غلو في قبره حتى صار وثنًا يعبد.\nقال: \"وعن ابن عباس ﵄ قال: \"لعن رسول الله ﷺ\"\" اللعن هو: الطرد والإبعاد عن رحمة الله ﷿.\nومعنى \"لعن رسول الله\": دعا عليهم باللعنة.\nفهذا فيه دليل على لعن أصحاب الكبائر.\n\"زائرات القبور\" أي: النساء اللاتي تزور القبور.","vol":"1","page":305},{"text":"فدلّ هذا على تحريم زيارة النساء للقبور، وهذا مذهب الجمهور أهل العلم، أنه لا يجوز للنساء أن تزور القبور لهذا الحديث.\nقال العلماء: لأن المرأة ضعيفة، فإذا رأت قبر قريبها من ابنها، أو أبيها، أو أخيها، أو زوجها، فإنها لا تملك نفسها من النياحة ومن الجزع.\nوأيضًا: المرأة عورة، فإذا ذهبت إلى المقابر واختلطت بالرجال حصل من ذلك فواحش وزنى وشر، لأنها فتنة، كما هو الواقع الآن عند الأضرحة من اختلاط النساء بالرجال، وما يحصل من المفاسد.\nوذهب بعض العلماء إلى جواز زيارة النساء -للقبور أخذًا من عموم قوله ﷺ: \"كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها فإنها تذكر بالآخرة\" قالوا: هذا لفظ عام يدخل فيه الرجال والنساء.\nوالجواب عن ذلك من وجهين:\nالوجه الأول: أن قوله: \"فزوروها\" هذا الخطاب للرجال، وخطاب الرجال لا تدخل فيه النساء.\nالوجه الثاني: أنه على فرض أن هذا الخطاب عام للرجال والنساء، فإنه مخصوص بهذا الحديث.\nواحتجّوا- أيضًا- بأن عائشة ﵂ زارت قبر أخيها عبد الرحمن. قالوا: فهذا دليل على جواز زيارة النساء للقبور.\nوالجواب عن ذلك: أن فعل عائشة هذا محمول على أنها لم يبلغها النهي، ولو بلغها النهي لم تكن لتخالف رسول الله ﷺ.\nوالجواب الثاني: وعلى فرض أنها بلغها هذا الحديث، فهذا اجتهاد منها، ولا شك أن الحجة في حديث رسول الله ﷺ لا في اجتهاد المجتهدين.\nفبناءً على ذلك فالقول الصحيح الراجح هو: منع النساء من زيارة القبور، وأن كان بعض الباحثين في هذا العصر أظهر هذه المسألة وكتب فيها، وأباح للنساء زيارة القبور، فهذا قول مرجوح، ولم يأت بجديد وإنما أثار هذه المسألة فقط، ولا يجوز","vol":"1","page":306},{"text":"لطالب العلم أنه يتتبّع المسائل الغريبة ويذهب يثيرها من جديد، ويبعثها على النّاس من جديد، لما يترتب على ذلك من المفاسد.\nقوله: \"زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسُّرج\" أما لعنه المتخذين عليها المساجد فهذا سبق في قوله ﷺ: \"لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد\".\nوأما لعنة المتخذين عليها السّرج، فالمراد بذلك: إضاءة المقبرة بالأنوار. لأن هذا وسيلة إلى الغلو في القبور، ويُفضي إلى الشرك، فإن هذا يجلب إليها أنظار النّاس والجُهّال، ثمّ يزورونها، ويتردّدون عليها، ثمّ يؤول هذا إلى الشرك، فلا يجوز أن تُضاء المقابر، بل تُجعل المقابر خالية من الإضاءة، وإذا احتاج النّاس إلى دفن ميّت في الليل فإنهم يأخذون معهم سراجًا، كما فعل النبي ﷺ والصحابة عند الدفن بالليل.\nوفي هذه النصوص فوائد عظيمة:\nالفائدة الأولى: أن الغلو في قبور الأنبياء يصيّرها أوثانًا تُعبد من دون الله بدليل قوله ﷺ: \"اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعبد\".\nومن الغلو فيها: اتخاذها مساجد، كما قال ﷺ: \"اشتدّ غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد\" يعني: مصليات، يصلون عندها رجاء الإجابة.\nالفائدة الثانية: أن الله سبحانه صان قبر رسوله ﷺ، وأجاب دعاءه، فحفظ من الغلو فيه، وأحيط بالجُدارن التي تمنع الوصول إليه، بل تمنع رؤيته والوصول إليه، كل ذلك من أجل منع الغلو في قبره ﷺ.\nالفائدة الثالثة: فيه أن العكوف على قبور الصالحين يصيّرها أوثانًا تُعبد من دون الله، كما حصل لقبر اللاّت، فإنه صار وثنًا بسبب العكوف عنده بعد موته، كما أن الشرك حصل في قوم نوح بسبب الغلو في الصالحين، فسياسة إبليس- لعنه الله - واحدة مع الأولين والآخرين، يأتي النّاس من باب الغلو في الصالحين.\nالفائدة الرابعة: فيه الردّ على من زعم أن البناء على قبور الصالحين من محبة","vol":"1","page":307},{"text":"الصالحين، ويقولون: أنتم لا تبنون على قبور الصالحين لأنكم تبغضون الصالحين.\nففي هذا الحديث وهذه الآية ردٌّ عليهم وأن البناء على قبورهم والغلو فيها ليس من محبتهم، وإنما هو من اتخاذهم أوثانًا تُعبد من دون الله.\nالفائدة الخامسة: في الحديث دليل على تحريم زيارة النساء للقبور، وهو مخصِّص لقوله ﷺ: \"كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها\"، فالرسول ﷺ في أول الأمر منع من زيارة القبور مطلقًا للرجال والنساء، لأنهم كانوا حديثي عهد بالشرك وبالجاهلية، فمنعهم من زيارة القبور خشية من أن يترسّب فيهم شيء من أمور الجاهلية عند القبور، فلما استقر التّوحيد في قلوبهم، وعرفوا التّوحيد، أَذِن للرجال في زيارة القبور خاصة، ومنع النساء، لأن المحذور باق في حقهن.\nالفائدة السادسة: في الحديث دليل على تحريم إضاءة المقابر بالأنوار، بأي وسيلة، سواء كان بالسُّرج، أو كان بالكهرباء، أو غير ذلك، كل أنواع الإضاءة على حسب الأزمنة ممنوعة، والواجب أن تكون القبور خالية من الإضاءة، لأن الإضاءة وسيلة إلى اتخاذها أوثانًا، والرسول ﷺ لعن من فعل ذلك، لأنه وسيلة إلى الشرك.","vol":"1","page":308},{"text":"[الباب الثاني والعشرون:]\n* بابُ ما جاء في حماية المصطفى ﷺ جناب التّوحيد وسدّه إلى طريق يوصل إلى الشرك\nــ\nهذا الباب عقده الشَّيخ ﵀ في بيان حماية المصطفى ﷺ لجناب التّوحيد، والأبواب التي قبله- أيضًا- هي في حماية التّوحيد، لكن الأبواب التي قبله عامة، وما في هذا الباب أمور خاصة، وإلاَّ كل الأبواب السابقة: الغلو في الصالحين، وبناء المساجد على القبور، والغلو في القبور، كل هذا من الوسائل المُفضية إلى الشرك، وقد نهى النبي ﷺ عنها سدًّا للطريق الموصِّل إلى الشرك، وهذه الأبواب كلها في موضوع واحد.\nولا تعجبوا من كون الشَّيخ كرّر هذه الأبواب واحدًا بعد واحد، لأن هذه المسألة عظيمة، فالشرك إنما حصل في هذه الأمة بسبب الفتنة في القبور والغلو فيها، وبسبب الغلو في الصالحين، والغلو في الرسول ﷺ، فالشرك إنما حصل في هذه الأمة بسبب هذه الأمور، منذ أن بُنيت المساجد على القبور، ومنذ أن ظهر التصّوف في هذه الأمة، والشرك يكثر ويتعاظم في هذه الأمة، من رحم الله ﷿، فالأمر خطير جدًّا، ولذلك كرّر الشَّيخ ﵀ في هذا الموضوع، وأبدى وأعاد، لأنه هو المرض الذي أصاب الأمة في أجل أن ينبه العلماء، وينبه المسلمين على هذا الخطر الشديد ليقوموا بعلاجه، والدعوة إلى التّوحيد، ونفي الشرك من هذه الأمة، وإلاَّ إن سكت العلماء عن هذا الأمر فإنه يتعاظم، وبالتالي في النّهاية يكثر الجهل، وتعتبر هذه الأمور من الدين، ويعتبر من نهى عنها من الخارجين عن الدين كما حصل الآن؛ أن من ينكر هذه الأمور، وينبه النّاس إلى خطرها، ويدعو إلى التّوحيد يرمونه بأنه متشدد، وأنه خارج عن الأمة، لأن الأمة عندهم هم عباد القبور، ومن أنكر عبادة القبور صار خارجًا عن الأمة، وهذا من قلب الحقائق -والعياذ بالله-، فالدين الذي جاءت به الرسل هو إخلاص العبادة لله ﷿، هذا هو الدين.\nأما عبادة القبور فهي دين أبي جهل وأبي لهب ودين المشركين، ليست في دين الرسل- عليهم الصلاة والسلام-، ولكن إذا ظهر الجهل، وظهر إتباع الهوى حصل في الأمة ما حصل من جعل هذه الأمور الشركية من الدين، وجعل التّوحيد هو الخروج عن الدين، ولا حول ولا قوة إلاَّ بالله.","vol":"1","page":309},{"text":"وقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ الآية.\n............................................................................................\nــ\nقوله: \"باب ما جاء في حماية المصطفى\" المصطفى معناه: المختار، من الصفوة، أصله: مصتفى بالتاء، ثم أُبدلت التاء طاء، فصار مصطفى: ﴿اللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ يعني: يختار، ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ (٤٧)﴾، أي: المختارين، ومنهم: نبينا محمَّد ﷺ، بل هو خيرهم وأفضلهم، فهو المصطفى ﷺ، اختاره الله للرسالة، والقيام بدعوته على فترة من الرسل، وهو خاتم النبيين ﷺ.\nوقوله: \"جناب التّوحيد\" الجناب هو: الجانب، فالجناب والجانب بمعنى واحد، أي: حمايته ﷺ حدود التّوحيد من أن يدخل عليه الشرك بسبب وسائل الشرك والتساهل فيها، فالرسول ﷺ حمى حدود التّوحيد حماية بليغة، بحيث أنه نهى عن كل سبب أو وسيلة توصِّل إلى الشرك، ولو كانت هذه الوسيلة في أصلها مشروعة كالصلاة، فإذا فُعلت عند القبور، فهو وسيلة إلى الشرك، ولو حسُنت نية فاعلها، فالنية لا تبرّر ولا تزكي العمل إذا كان يؤدي إلى محذور، والدعاء مشروع، ولكن إذا دعى عند القبر، فهذا ممنوع، لأنه وسيلة إلى الشرك بهذا القبر، هذا سدّ الوسائل.\nفالرسول نهى عن الصلاة عند القبور، ونهى عن الدعاء عند القبور، ونهى عن البناء على القبور، ونهى عن العكوف عند القبور، واتخاذ القبور عيدًا، إلى غير ذلك، كل هذا من الوسائل التي تُفضي إلى الشرك، وهي ليست شركًا في نفسها، بل قد تكون مشروعة في الأصل، ولكنها تؤدي إلى الشرك بالله ﷿، ولذلك منعها ﷺ.\nقال: \"وقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ وتمام الآية: ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾، هذه الآية في ختام سورة التوبة.\nقوله تعالى: \" ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ﴾ \" اللاّم لام القسم، تدلّ على قسم مقدّر، تقديره: والله لقد جاءكم، وقد حرف تحقيق. والخطاب للعرب خاصة، وهو للناس","vol":"1","page":310},{"text":"...........................................................................................\nــ\nعامة- أيضًا، لكن للعرب خاصة لأن الرسول عربي، بُعث بلسانهم، فالمنة عليهم به أعظم.\n\" ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ﴾ \" أيها المسلمون عمومًا والعرب خصوصًا.\n\" ﴿رَسُولٌ﴾ \" الرسول هو: من أوحي إليه بشرع وأُمر بتبليغه.\nوأما النبي فهو: من أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه.\nهذا التعريف المشهور عند أهل العلم، ويذكره المفسرون عند قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إلاَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾، من سورة الحج، يذكرون هناك تعريف الرسول وتعريف النبي، والفرق بينهما، وذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في كتبه، وأشهرها كتابه: \"النبوات\": \"الرسول من أوحي إليه بشرع، بخلاف النبي فإن النبي يبعث بشريعة من قبله، كأنبياء بني إسرائيل، يُبعثون بالدعوة إلى التوراة التي نزلت على موسى ﵇\".\nوقد يوحى إلى النبي وحي خاص في بعض القضايا، لكن الغالب أنه يُبعث بشريعة سابقة، كأنبياء بني إسرائيل، أما الرسول فإنه يُبعث بشريعة مستقلّة.\nوالمراد بتبليغه هنا: الجهاد والإلزام، أي: أُمر أن يُلزم النّاس بإتباعه، ويجاهدهم على ذلك، خلاف النبي فإنه يؤمر بالتبليغ، بمعنى: تعليم النّاس شرع من قبله وإفتائهم فيه. وهذا مأمور به غير الأنبياء، حتى العلماء.\nفالتبليغ الذي معناه التعليم والإفتاء، وبيان الحلال والحرام والحق من الباطل، هذا مأمور به كل من عنده علم، إنما المراد بالتبليغ هنا: التبليغ الخاص الذي هو الإلزام، والجهاد على ذلك. والنبي أيضًا يجاهد. لكن يجاهد على شرع من قبله.\n\" ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ \" أي: من جنسكم من العرب، تعرفون لسانه، ويخاطبكم بما تعرفون، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾، فهذا من نعمة الله أن جعل هذا الرسول عربيًّا يتكلم بلغتنا، ولم يجعله أعجميًا لا نفهم ما يقول، ولهذا قال: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ .\nفمن رحمة الله أن جعل هذا الرسول يتكلم بلغتنا، ونعرف نسبه، ونعرف لغته،","vol":"1","page":311},{"text":"ولم يكن أجنبيًا لا نعرفه، أو يكن أعجميًا لا نفهم لغته، هذا من تمام النعمة على هذه الأمة، ولم يكن من الملائكة، وهم جنس آخر من غير بني آدم، بل هو من جنسنا، ويتكلم بلغتنا.\n\" ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ﴾ \" أي: شاقٌّ.\n\" ﴿مَا عَنِتُّمْ﴾ \" العنت معناه: العتب والمشقّة، ومعناه: أن الرسول ﷺ يشق عليه ما يشق على أمته، وكان يحب لهم التسهيل دائمًا، ولهذا كان ﷺ يجب أن يأتي بعض الأعمال ولكنه يتركها رحمة بأمته خشية أن يشق عليهم، ومن ذلك: صلاة التراويح، فإنه صلاها بأصحابه ليالي من رمضان، ثم تخلف عنهم في الليلة الثالثة أو الرابعة، فلما صلّى الفجر، بيّن لهم ﷺ أنه لم يتخلّف عنهم إلاَّ خوف أن تُفرض عليهم صلاة التراويح، ثمّ يعجزوا عنها، هذا من رحمته وشفقته بأمته.\nوقال ﷺ: \"لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة\"، فلم يمنعه من ذلك إلاَّ خوف المشقة على أمته، وكان يحب تأخير صلاة العشاء إلى ثلث الليل، ولكنه خشي المشقة على أمته ﵊.\nوهكذا كل أوامره-، يراعي فيها التوسيع على الأمة، وعدم المشقة، لا يحب لهم المشقة أبدًا، ويحب لهم دائمًا التيسير عليهم، ولذلك جاءت شريعته سمحة سهلة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾، ﴿مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ .\nولما ذكر الإفطار في رمضان للمسافر والمريض ذكر أنه شرع ذلك من أجلا التسهيل: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ .\nهذا من صفة هذا الرسول ﷺ أنه يحب التيسير لأمته، ويكره المشقة عليها.\n\" ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ \" وخاصة.\n\" ﴿رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ \" الرأفة هي: شدّة الشفقة، ﴿رَحِيمٌ﴾ يعني: عظيم الرحمة بأمته ﷺ، أما بالكفّار فإنه كان شديدًا على الكفّار، كما وصفه الله تعالى بذلك: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾، وكما قال الله ﷾: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني: رحماء، ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ يعني:","vol":"1","page":312},{"text":"يتصفون بالغلظة والشدة على الكافرين، لأنهم أعداء لله وأعداء لرسوله، فتناسبهم الشدة والغلظة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ لأنهم كفار، لا تأخذكم بهم الرحمة والشفقة فلا تقاتلونهم، بل قاتلوهم، واقتلوهم، ما داموا مصرين على الكفر: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، الكافر ليس له جزاء إلاَّ القتل إذا أصر على الكفر، أو يخضع لحكم الإسلام ويدفع الجزية صاغرًا، هذا في الدنيا. وأما في الآخرة فله النار -والعياذ بالله-، وهذا أشد من القتل، لأنه عدو لله، وعدو لرسوله، وعدو لدينه، فلا تناسب معه الرحمة والشفقة.\nفهذه الآية الكريمة مناسبة إيراد الشَّيخ ﵀ قي هذا الباب: أنه إذا كان الرسول ﷺ متصفًا بهذه الصفات التي هي أنه: عربي، يتكلم بلساننا ونفهم لغته، وأنه يشق عليه ما يشق علينا، وأنه بالمؤمنين رؤوف رحيم، فهل يليق بمن هذه صفاته أن يترك الأمة تقع في الشرك الذي يُبعدها عن الله، ويُسبب لها دخول النار؟، هل يليق بمن هذه صفاته أن يتساهل بأمر الشرك؟، أو أن يتركه ولا يهتم بالتحذير منه، ى لأن هذا هو أعظم الخطر على الأمة؟ وهذا هو الذي يشق على الأمة، لأنه يفسد عليها حياتها، ولا يجعل لها مستقبلًا عند الله ﷿، لأن المشرك مستقبله النار، ليس له مستقبل إلاَّ العذاب، فهل يليق بهذا الرسول الذي هذه صفاته أن يتساهل في أمر الشرك؟، لا، بل اللاّئق به أن يبالغ أشد المبالغة في حماية الأمة من الشرك، وقد فعل ﷺ، فقد سد كل الطرق الموصلة إلى الشرك بالأحاديث التي مرت في الأبواب السابقة.\nهناك ناس الآن يقولون: لا تذكروا الشرك، ولا تذكروا العقائد، يكفي التسمّي بالإسلام، لأن هذا ينفّر النّاس ويفرق الناس، اتركوا كلًاّ على عقيدته، دعونا نجتمع ولا تفرقونا.\nيا سبحان الله، نترك الشرك ولا نتكلم في أمر التّوحيد من أجل أن نجمع الناس؟!!.","vol":"1","page":313},{"text":"عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، ولا تجعلوا قبري عيدًا، وصلوا عليَّ؛ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم\" رواه أبو داود بإسناد حسن، ورواته ثقات.\nــ\nوهذا الكلام باطل من وجوه:\nأولًا: لا يمكن اجتماع النّاس إلاَّ على العقيدة الصحيحة.\nوثانيًا: ما الفائدة من الاجتماع على غير عقيدة، هذا ماذا يؤدي إليه؟، لا يؤدي إلى نتيجة أبدًا.\nفلا بد من الاهتمام بالعقيدة، ولابد من تخليصها من الشرك، ع ولا بد من بيان التّوحيد، حتى يحصل الاجتماع الصحيح على الدين، لا يجتمع النّاس إلاَّ على التّوحيد، لا يوحد النّاس إلاَّ كلمة: لا إله إلاَّ الله؛ قولًا وعملًا واعتقادًا.\nهذا هو الذي جمع العرب على عهد الرسول ﷺ، وجعلهم أمة واحدة هو الذي يجمعهم في آخر الزمان، أما بدون ذلك فلا يمكن الاجتماع مهما حاولتم، فلا تتعبوا أنفسكم أبدًا، وهذا من الجهل أو من المغالطة.\nفالتّوحيد ليس هو الذي يفرق الناس، بل العكس؛ الذي يفرق النّاس هو الشرك، والعقائد الفاسدة، والبدع والمنهجيات هذه هي التي تفرق الناس، أما التّوحيد والإتباع للرسول ﷺ فهذا هو الذي يوحد الناس، كما وحّدهم في أول الأمر، ولا يُصلح آخر هذه الأمة إلاَّ ما أصلح أولها.\nقوله: (عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا تجعلوا بيوتكم قبورًا\" الحديث) .\nثلاث كلمات قالها ﷺ في هذا الحديث:\nالكلمة الأولى: قوله ﷺ: \"لا تجعلوا بيوتكم قبورًا\" يعني: لا تعطلوا البيوت من ذكر الله، ومن صلاة النافلة، وتلاوة القرآن، لأنها إذا عُطلت صارت مثل القبور، لأن القبور ليس فيها عمل، خاوية خالية، حفر مظلمة، إلاَّ من نورها الله عليه بنور الإيمان الذي سبق لهم في الحياة الدنيا.\nفهذا فيه العناية بالبيوت، بيوت المسلمين، وأن تُعمر بذكر الله، وبتلاوة","vol":"1","page":314},{"text":"القرآن، وصلاة النافلة، والإكثار من ذكر الله، بل إن الرسول ﷺ أمر بأن تُجعل النوافل التي لا تُشرع لها الجماعة كلها في البيوت، أما الفرائض فإنها تكون في المساجد، وذلك لعمارة البيوت، لأنها إذا عمرت بذكر الله ابتعدت عنها الشياطين، ونشأ أهل البيوت من النساء والذرية والساكنين فيها على طاعة الله، وصارت هذه البيوت مدارس خير، يتخرج منها المسلم الموحد.\nأما إذا كانت هذه البيوت خالية من ذكر الله، فإن أهلها يعيشون في الجهل، ويعيشون في الغفلة، ويصيرون مثل الموتى، فما بالكم إذا خلت البيوت من ذكر الله، وجُلب إليها وسائل الشر من الأفلام الخليعة، وجلب إليها الجهاز الذي يستقبل محطات التلفزيون من العالم بما فيها من فساد وخلاعة ومجون وكفر وإلحاد وشرور عظيمة، كلها تدخل في هذا البيت بواسطة هذا الجهاز الشيطاني الذي ينُصبه صاحب البيت ماذا تكون هذه البيوت؟، تكون بيوتًا للشيطان، لا تكون مقابر فقط، وإنما تكون مآوي للشياطين- والعياذ بالله-، ويتخرج منها أشرار من الذرية والنساء، يصاحبهم عدم الحياء، وعدم الغيرة، وحب الشر، والحرص على تنفيذ ما يرونه في هذه المبثوثات من الشرور، وفساد الأخلاق، وفساد الأمور، سيطبقون هذه الأمور التي يرونها ويشاهدونها، وتؤثر على أخلاقهم وعلى عفتهم، ويتكاسلون عن الصلاة، بل يضيعون الصلاة بسببها، ويقولون: هذا العالم المتحضر، انظروا إلى العالم ماذا يفعلون؟.\nهذه هي الحياة، وهذه الحضارة، وهذا هو الرُّقي، نحن مشتغلون بأمور بعيدة عن الحياة.\nسيقولون هذا شئتم أم أبيتم أيها الآباء، وأنتم السبب في هذا، أنتم المسئولون أمام الله ﷾ يوم القيامة، الله قال لكم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾، أنتم ما وقيتم أنفسكم، ولا وقيتم أهليكم من النار، بل جلبتم النار إلى بيوتكم.\nاتقوا الله يا من ابتليتم بهذه الآلة الخبيثة؛ أزيلوها عن بيوتكم، فالرسول ﷺ يقول: \"لا تجعلوا بيوتكم قبورًا\" وأمركم بالعناية بالبيوت، بأن تعمروها بطاعة الله،","vol":"1","page":315},{"text":"وأخبر ﷺ أن الشيطان يفرّ من البيت الذي تُقرأ فيه سورة البقرة، وقال: \"إنها لا تطيقها البَطَلَة\" أي: الشياطين، أي لا تطيق سماع سورة البقرة، فتنبهوا لبيوتكم \"لا تجعلوا بيوتكم قبورًا\" هذا فيه العناية بالبيوت المسلمة، وأن لا تُهمل، ولا تُجلب إليها وسائل الشر والتدمير الخلقي، بل يُعتنى بها غاية الاعتناء، يؤمر بالمعروف وينهى عن المنكر فيها.\nكما أن في الحديث الحث على عمارة البيوت بذكر الله فيه النهي عن الصلاة عند القبور؛ من مفهوم الحديث، لأن الذي لا يصلى عنده هو القبر، فالبيت الذي لا يصلى فيه نافلة، ولا يُقرأ فيه قرآن، ولا يُدعى فيه صار مثل القبر، لأنه ممنوع من الصلاة عنده، والدعاء عنده، فالحديث يدل بمفهومه على منع الصلاة عند القبر، ومنع الدعاء عند القبور.\nالكلمة الثانية، قوله ﷺ: \"ولا تجعلوا قبري عيدًا\" العيد: اسم لما يعود ويتكرّر في اليوم أو في الأسبوع، أو في الشهر، أو في السنّة، سمي عيدًا من العود، وهو التكرّر.\nوالعيد ينقسم إلى قسمين: عيد زماني، وعيد مكاني.\nفالعيد الزماني المشروع: عيد الفطر، وعيد الأضحى، هذه أعياد الإسلام المشروعة. والعيد الزماني الممنوع: أعياد الموالد، فهي الأعياد الزمانية المحرمة، وأعياد الجاهلية التي كانوا يعملونها في الجاهلية، أعياد الفُرس: النيروز والمهرجان، وعيد الميلاد المسيحي، بل الميلاد النصراني ولا نقول المسيحي لأن الله برّأ المسيح من هذا، وإنما هو العيد النصراني، ومثله كل عيد فعله بعض المسلمين أو المنتسبين للإسلام مما لم يشرعه الله كعيد المولد للرسول، أو المولد للشيخ، أو الموالد للعظماء، أو لغير ذلك، كل هذه أعياد جاهلية، وهي أعياد زمانية جاهلية، لا يجوز عملها.\nلأن الله شرع لنا عيدين: عيد الأضحى، وعيد الفطر، وكل عيد من هذين العيدين بعد أداء ركن من أركان الإسلام، فعيد الفطر بعد أداء ركن الصيام، وعيد الأضحى بعد أداء ركن الحج وهو الوقوف بعرفة، لأن الوقوف بعرفة هو الركن","vol":"1","page":316},{"text":"الأعظم للحج كما قال النبي ﷺ \"الحج عرفة\" وما بعده من المناسك فهي تابعة له، فمن وقف بعرفة فقد أدّى الركن الأكبر للحج، ويتبعه بقية الأركان، أما من لم يقف بعرفة فقد فاته الحج، فلا فائدة من أنه يأتي ببقية الأركان، لأنه لم يأت بالأساس وهو الوقوف بعرفة، فجعل الله عيد الأضحى شكرًا لله بعد أداء الركن الأعظم من أركان الحج، هذه أعياد الإسلام الزمانية.\nأما الأعياد المكانية: فهي- أيضًا- تنقسم إلى قسمين:\nأعياد شرعية، وأعياد محرّمة.\nالأعياد الشرعية مثل الاجتماع في المساجد في اليوم والليلة خمس مرات، فهذا عيد مكاني مشروع.\nكذلك الاجتماع في الأسبوع لصلاة الجمعة؛ هذا عيد الأسبوع عيد مكاني.\nوكذلك من الأعياد المكانية المشاعر: المسجد الحرام، ومنى، وعرفة، ومزدلفة، التي يجتمع فيها المسلمون أيام الحج لأداء المناسك، هذه أعياد إسلامية مكانية.\nأما الأعياد المكانية المحرمة، فهي: الاجتماع عند القبور، سواء قبر الرسول ﷺ أو قبر غيره، والسفر إلى القبور، والتردد على القبور من أجل الدعاء عندها، والصلاة عندها، ولهذا قال ﷺ: \"لا تجعلوا قبري عيدًا\" أي: مكانًا للعبادة، تصلون عنده، وتدعون عنده، وترددون عليه. وهذا من حمايته ﷺ لجناب التّوحيد، ففيه شاهد للباب من حيث إن النبي ﷺ نهى عن اتخاذ قبره عيدًا، أي: مكانًا يُجتمع عنده للعبادة، فالعبادة لا تُشرع عند القبور، لا قبور الأنبياء والرسل، ولا قبور غيرهم من الأولياء والصالحين أبدًا، فالمقابر ليست محلًا للعبادة، فمن تردد عليها، وجلس عندها، أو وقف عندها للتبرك بها، أو للدعاء عندها، أو للصلاة عندها أو سافر إليها فقد اتخذها عيدًا جاهليًّا وعيدًا محرمًا، ولهذا لما جاء رجل إلى النبي ﷺ يسأله بأنه نذر أن ينحر إبلًا ببوانة- اسم مكان-، فقال له النبي صلى الله عليه وسل: \"هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يُعبد؟ \" قالوا: لا، قال: \"هل كان فيها عيد من أعيادهم؟ \" يعني: مكان لاجتماع أهل","vol":"1","page":317},{"text":"الجاهلية، قالوا: لا، قال: \"فأوف بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملكه ابن آدم\" والشاهد منه: أنه قال: \"هل كان فيها عيد من أعيادهم؟ \" يعني: هل هذا المكان الذي خصّصته هل كان الجاهليون يخصّصونه؟، فدلّ على أن تخصيص مكان للعبادة لم يخصصه الله ولا رسوله أنه من أعياد الجاهلية، لا تجوز العبادة فيه أبدًا، ومن ذلك: القبور، فالترّدد عليها، والجلوس عندها من أجل التبرّك بتربتها، أو من أجل الدعاء عندها، أو الصلاة عندها، كل هذا من اتخاذها عيدًا، وهو وسيلة من وسائل الشرك.\nكما هو واقع الآن عند الأضرحة مما لا يخفاكم، وتسمعون عنه في البلاد الأخرى التي بُليت بهذه الفتنة -والعياذ بالله-، ولم تجد من دعاة التّوحيد من يقوم بنصيحة المسلمين عنها والأمر بإزالتها.\nنرجو الله أن يهيء للمسلمين من يقوم بإصلاح عقيدتهم، وإزاحة هذه الفتنة العظيمة عنهم، كما منّ على هذه البلاد- ولله الحمد- بهذه الدعوة المباركة التي أزاحت عنها هذه الأوثان الجاهلية.\nنسأل الله أن يثبتنا وإياكم وإخواننا المسلمين على هذا الدين، وأن يتم علينا هذه النعمة، وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، وإلاَّ فنحن معرضون للفتنة، ولا نزكي أنفسنا، ولا نأمن أن نصاب بمثل ما أصيب به أولئك، إذا تساهلنا وغفلنا وتركنا الدعوة إلى الله وتركنا بيان التّوحيد والتحذير من الشرك فإنه يدب إلينا ما وقع في البلاد المجاورة لنا.\nالكلمة الثالثة الواردة في هذا الحديث قوله ﷺ: \"وصلوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم\" هذا أمر بالصلاة عليه ﷺ، وقد أمر الله بذلك في محكم كتابه فقال: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾، أمرنا الله بالصلاة والسلام على رسوله ﷺ، وذكر سبحانه أنه هو وملائكته يصلّون عليه.\nوالصلاة من الله: ثناؤه على عبده في الملأ الأعلى. والصلاة من الملائكة: الاستغفار ومن الآدميين الدعاء كما ذكر الإمام البخاري عن أبي العالية.","vol":"1","page":318},{"text":"وعن علي بن الحسين ﵁: أنه رأى رجلًا يجيء عند فُرْجة عند قبر النبي ﷺ فيدخل فيها، فيدعو، فنهاه، وقال:.........................\nــ\nوقوله: \"صلّوا عليّ\" هذا أمر يفيد الوجوب، فالصلاة على النبي ﷺ مشروعة ومتأكدة، وتجب في بعض المواضع.\nفتجب في الخطبتين للجمعة والعيد وخطبة الاستسقاء، وتجب الصلاة على رسول الله ﷺ في التشهد الأخير في الصلاة، وكذلك تجب الصلاة على رسول الله عند ذكره ﷺ، وتستحب في بقية الأحوال، وكلما أكثر الإنسان من الصلاة على الرسول ﷺ كثر أجره، كما قال ﷺ: \"من صلّى عليّ واحدة صلى الله عليه بها عشرًا\".\nقوله: \"فإن صلاتكم تبلغني\" فالله جل وعلا وكّل بصلاة المصلين على النبي ﷺ من يبلغ الرسول إياها وهو في قبره ﷺ، ففي أي مكان صليت عليه فإن صلاتك تبلغه ولو كنت في المشرق أو في المغرب، وهذا من آيات الله ﷾، أنها تبلغه الصلاة عليه في قبره ﷺ، وهذا من أمور البرزخ التي لا يعلمها إلاَّ الله ﷾.\nفقوله: \"فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم\" أي: أينما كنتم في بر، أو في بحر، قريبين أو بعيدين، في المشرق أو المغرب.\nوفي هذا الحديث دليل على أنه ليس للصلاة عليه عند قبره خاصية، بل إذا قصد الإنسان القبر لأجل الصلاة عليه فهذا منهي عنه، لكن إذا قصد قبره للسلام عليه ويصلى عليه فهذا مشروع، فتسلم وتصلي على الرسول عند قبره إذا قدمت من سفر، أما أن تقصده من أجل أن تجلس أو تقف وتصلي عليه دائمًا فهذا غير مشروع، لأنه مطلوب منك الصلاة والسلام عليه في أي مكان.\nقال: \"عن علي بن الحسين\" أحد أعلام التابعين، وهو علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وجدّته فاطمة بنت الرسول ﷺ، وأبو جدّته هو رسول الله ﷺ، فهو من بيت النبوّة، وهو يلقب بزين العابدين، وهو من كبار أئمة التابعين، رضي الله تعالى عنه.\n\"أنه رأى رجلًا يجيء إلى فُرْجَة كانت عند قبر النبي ﷺ\" قبر الرسول ﷺ في","vol":"1","page":319},{"text":"ألا أحدثكم بحديث سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله ﷺ قال: \"لا تتخذوا قبري عيدًا، ولا بيوتكم قبورًا، وصلوا عليَّ؛ فإن تسليمكم ليبلغني أين كنتم\" رواه في \"المختارة\".\nــ\nبيته، في حجرة عائشة، وفي أحد الجدران فُرْجَة، أي: نَقْبٌ في الجدار، رآه هذا الرجل، فصار يتردد، ويأتي ويدخل من هذه الفُرْجَة، ويدعو عند قبر النبي ﷺ، فلما رآه علي بن الحسين ﵀ نهاه عن ذلك، قال له: لا تفعل هذا، لا تتردد على قبر الرسول، ولا تدع عنده. وهذا من إنكار المنكر، ولاسيما ما يؤدي إلى الشرك.\nفالتردّد على قبر الرسول والدعاء عنده من وسائل الشرك به، فيجب إنكاره، ولذلك أنكر علي بن الحسين على هذا الرجل ونهاه.\nثمّ لم يكتف بهذا، بل بين الدليل والحجة على هذا الإنكار، فقال: \"ألا أحدثكم حديثًا سمعته عن أبي\" يعني: الحسين ﵁ \"عن جدَّي\" يعني: علي بن أبي طالب ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: \"لا تتخذوا قبري عيدًا\" هذا مثل ما في حديث أبي هريرة السابق ومعنى اتخاذ القبر عيدًا: بأن يُتردّد عليه، ويجتمع عنده لأجل الدعاء أو التبرك أو الصلاة على الرسول ﷺ.\nفهذا مثل حديث أبي هريرة الذي قبله إلاَّ أنه زاد عليه: الإنكار على من يأتي ويدعو عند قبر الرسول ﷺ، فهو يعد مفسّرًا لحديث أبي هريرة، يبين معنى اتخاذه عيدًا، وأنه يكون في الدعاء عنده، والتردّد عليه.\nثم قال: \"رواه في المختارة\" المختارة: كتاب اسمه: الأحاديث الجياد المختارة\" ومؤلفه هو: عبد الله بن محمَّد بن عبد الواحد المقدسي الحنبلي، ألّف هذا الكتاب، وجمع فيه الأحاديث الجياد الزائدة على ما في الصحيحين، فهو كالمستدرك، لكنها أحسن من \"مستدرك الحاكم\".\nما يُستفاد من الآية الكريمة ومن الحديثين:\nأولًا: يستفاد من الآية: امتنان الله على هذه الأمة ببعثة هذا الرسول ﷺ، وهي نعمة عظيمة، قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو","vol":"1","page":320},{"text":"عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾، هذه أعظم منّة على الخلق، لأنه ببعثة هذا الرسول واتباعه خرجوا من الظلمات إلى النور، ومن الكفر إلى الإيمان، ومن النار إلى الجنة.\nالمسألة الثانية: في الآية دليل على صفات عظيمة من صفاته ﷺ:\nالصفة الأولى: ﴿رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ .\nالثانية: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ .\nالثالثة: ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ .\nالرابعة: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ﴾ .\nالخامسة: ﴿رَحِيمٌ﴾ .\nخمس صفات من صفاته ﷺ.\nالمسألة الثالثة: في الحديث دليل على أنه ﷺ قد سدّ الطريق المُفضية إلى الشرك، بمقتضى هذه الصفات العظيمة التي ذكرها الله جل وعلا فيه، ولهذا جاء في الحديث أنه ﷺ قال: \"ما تركت شيئًا مما يقربكم إلى الله إلاَّ وبينته لكم، وما تركت شيئًا يُبعدكم عن الله إلاَّ وبينته لكم\" أو كما قال ﷺ، ويقول أبو ذر: \"لقد توفي رسول الله وما طائر يقلب جناحيه إلاَّ وذكر لنا منه علمًا، علمه من علمه، وجهله من جهله\"، والله يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾، فلا يمكن أنه يترك النّاس ولا يبين لهم أعظم خطر عليهم وهو الشرك.\nالمسألة الرابعة: حديث أبي هريرة يدلّ على وجوب العناية بالبيوت- بيوت المسلمين- وعمارتها بالعبادة، وإبعاد وسائل الشر عنها، وهذه مسألة عظيمة يجب التنبه لها في هذا الزمان أكثر من غيره.\nالمسألة الخامسة: فيه أن القبور لا تصلح للصلاة عندها من مفهوم حديث أبي هريرة، فدلّ على أن القبور لا تصلح للصلاة عندها، وللدعاء، ولا للعبادة، وإنما هذا إما أن يكون في بيوت المسلمين إذا كان نافلة وإما أن يكون في بيوت الله المساجد إذا كان فريضة.\nالمسألة السادسة: في حديث أبي هريرة النهي عن التردد على قبره ﷺ، والقيام","vol":"1","page":321},{"text":"أو الجلوس عنده، والدعاء والصلاة ﷺ، لأن هذا من اتخاذه عيدًا، فقد نهى عنه رسول الله ﷺ.\nالمسألة السابعة: في حديث أبي هريرة أن الرسول سدّ الطريق المُفضية إلى الشرك، بنهيه عن اتخاذ قبره عيدًا، لأن هذا من وسائل الشرك، ومن الطرق الموصلة إلى الشرك.\nالمسألة الثامنة: في حديث أبي هريرة مشروعية الصلاة عليه ﷺ في أي مكان.\nالمسألة التاسعة: في الحديث النهي عن التردّد على قبر الرسول ﷺ من أجل الصلاة عليه والسلام عليه، لأن هذا وسيلة إلى الشرك، ومن اتخاذه عيدًا، ولهذا ما كان الصحابة ﵃ كلما دخلوا المسجد يذهبون إلى قبر الرسول ليسلموا عليه أو يصلوا عليه، أبدًا، إنما يفعلون هذا إذا جاءوا من سفر فقط، لأنك إذا أكثرت التردّد عليه صار من اتخاذه عيدًا.\nالمسألة العاشرة: في حديث علي بن الحسين ﵀ وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتعليم الجاهل، لأنه لما رأى هذا الرجل وما يفعله من وسائل الشرك لم يسكت على هذا، بل نهاه عن ذلك، وحذّره من ذلك، وكان في ذلك الخير والبركة لهذه الأمة.\nالمسألة الحادية عشرة: في الحديث دليل على أن من أنكر شيئًا أو أمر بشيء فإنه يُطالب بالدليل، لأن علي بن الحسين لما نهى هذا الرجل ذكر له الدليل عن رسول الله ﷺ، من أجل إقامة الحجة، ومن أجل معرفة الحق بدليله، وهذا منهج من مناهج الدعوة: أن الداعية إلى الله إذا أمر بشيء أو نهى عن شيء يذكر الدليل ويوضحه للناس من أجل أن يقتنعوا، ومن أجل أن تقوم الحجة على المخالف.\nالمسألة الثانية عشرة: في عموم الآية والحديثين أن النبي ﷺ سدّ الطرق المُفضية إلى الشرك، وهو الشاهد للباب من الآية والحديثين.\nالمسألة الثالثة عشرة: في الحديثين دليل على أن الرسول ﷺ تبلغه صلوات أمته عليه في أي مكان كانوا من الأرض، وهذا مما يحث المسلمين على الإكثار من الصلاة والسلام عليه، لأن هذا يبلغه ﷺ، وقد قال ﷺ: \"من صلّى عليّ واحدة صلى الله عليه بها عشرًا\".","vol":"1","page":322},{"text":"وفي الصلاة على الرسول ﷺ أُلّفت كتب، منها-أو من أحسنها- كتاب: \"جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام\" للإمام ابن القيم، فهو كتاب جيد في هذا الموضوع، حيث جمع فيه الأدلة وفقهها، وما تدل عليه، وبسط الكلام في هذا.\nأما الكتب التي أُلفت في الصلاة والسلام عليه، والتبرّك به، والتوسل به، مثل كتاب \"دلائل الخيرات\"، ومثل كتب الخرافيين؛ فهذه يجب الحذر منها، وإن سموها كتب الصلاة على الرسول ﷺ، فإنهم دسوا فيها من الشرور والفتن والشركيّات الشيء الكثير- والعياذ بالله-.\nوكذلك صلاة الفاتح عند التيجانية- أيضًا- هي من الأمور المحدثة، وفيها غلو في حقه ﷺ، وهي صلاة لا دليل عليها من كتاب الله ولا من سنة نبيه ﷺ، إنما من أراد أن يعرف أحكام الصلاة عليه وأدلتها مع الأمانة العلمية فيراجع كتاب \"جلاء الأفهام\" للإمام ابن القيّم، هذا هو الكتاب الذي يستفيد منه طالب العلم، ويأمن من الدسّ الذي في الكتب الأخرى.","vol":"1","page":323},{"text":"[الباب الثالث والعشرون:]\n*بابُ ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان\nــ\nقوله ﵀: \"باب ما جاء\" أي: من الأدلة في الكتاب والسنّة.\n\"أن بعض هذه الأمة\" يعني: وليس كلها، فالأمة لا تجتمع على ضلالة- ولله الحمد-، بل يبقى فيها من يثبت على الحق، كما قال ﷺ: \"لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله \"، فهذه الأمة لا تضل كلها، وإنما يضل الكثير، ولكن يبقى من هذه الأمة من يثبت على الحق إلى أن تقوم الساعة. فهذا من فضل الله ورحمته.\nولهذا قال المصنف ﵀: \"أن بعض هذه الأمة\"، وهذا من دقة فقهه ﵀، وعدم تسرعه في الأحكام، بخلاف الذين يكفرون عوام الأمة كما عليه بعض الكتاب المعاصرين.\n\"يعبد الأوثان\" أي: يشرك بالله ﷿، والأوثان- كما سبق-: جمع وثن، والمراد به: كل ما عبد من دون الله من صنم، أو قبر، أو حجر، أو شجر، أو جن، أو إنس، كله يسمّى وثنًا؛ فالوثن كل ما عبد من دون الله؛ مأخوذ من وثن بالمكان إذا ثبت وبقي فيه.\nوقصد الشَّيخ ﵀ من هذه الترجمة: الرد على من زعم أنه لا يقع في هذه الأمة شرك، وهم عباد القبور يقولون: هذا الذي نعمله ليس بشرك، لأن هذه الأمة لا يقع فيها شرك؟ وإنما هو من باب التوسل بالصالحين، أو محبة الصالحين، أو ما أشبه ذلك من الأعذار الباردة.\nوهذه مقالة المشركين الأولين: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى﴾، ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ﴾، لكن هؤلاء- والعياذ بالله- يقرأون القرآن ولا يفقهون معناه، أو يعرفون معناه، ويغالطون ويكابرون تبعًا لهواهم.","vol":"1","page":324},{"text":"وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ .\n............................................................................................\nــ\nقال: \"وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾، هذا استفهام تقرير، أي: قد رأيت وعلمت يا محمَّد.\n\" ﴿إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ \" أي: حظًّا من الكتاب فالنصيب: الحظ؛ والمراد بهم اليهود، لأن الله أعطاهم التوراة التي أنزلها على موسى﵊- من عند الله، فهو كتاب عظيم من عند الله.\nوهذا من باب الإنكار عليهم، لأن المفروض أن الذي أوتي نصيبًا من الكتاب وعلم الحق يجب عليه أن يعمل به: فكونهم يخالفون الحق - وعندهم الكتاب- هذا دليل على غِلظ كفرهم وعنادهم.\n\" ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ﴾ \" أي: يصدقون بالجبت، وهو الشرك، أو السحر، أو الساحر، أو الكاهن، أو الشيطان، كل ذلك يسمى جبتًا.\n\" ﴿وَالطَّاغُوتِ﴾ \" في اللغة: مأخوذ من الطغيان، وهو: مجاوزة الحد؛ والمراد به هنا: ما تجاوز به العبد حدّه من معبود، أو متبوع، أو مطاع في غير طاعة\"الله، كله طاغوت.\nويقول العلامة ابن القيم: \"الطواغيت كثيرون، ورؤوسهم خمسة: إبليس- لعنه الله- ومن عُبد وهو راض. ومن دعا النّاس إلى عبادة نفسه. ومن ادعى شيئًا من علم الغيب. ومن حكم بغير ما أنزل الله\".\n\" ﴿وَيَقُولُونَ﴾ \" أي: يقول هؤلاء اليهود.\n\" ﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ \" وهم مشركوا قريش ﴿هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ أي: هؤلاء الكفار أهدى من الذين آمنوا سبيلًا، أي: منهج الكفار أهدى من منهج المسلمين المتبعين لمحمد ﷺ. وهذا وهم عندهم الكتاب، ويعرفون الحق من الباطل.\nوسبب ذلك: أن الرسول ﷺ لما هاجر إلى المدينة، وبايعه الأنصار من الأوس والخزرج، وصارت للمسلمين دولة عظيمة في المدينة، اغتاظ اليهود الذين","vol":"1","page":325},{"text":"كانوا في المدينة من المسلمين، وضاقوا بهم ذرعًا، فذهب كعب بن الأشرف وحيّي بن أخطب إلى المشركين في مكة يستنجدونهم على قتال الرسول ﷺ وأصحابه، فانتهز المشركون الفرصة وقالوا: أنتم أهل كتاب، تعرفون الحق من الباطل، بينوا لنا أنحن أهدى أم محمّد؟، فقالوا: وما أنتم وما محمّد؟ يعني: بينوا لنا صفتكم وصفة محمّد-، قالوا: محمَّد صنبور مبتور، قطّع أرحامنا وسب آلهتنا. ونحن نذبح الكوم، ونطعم الحجيج، ونسقي الحجيج، ونفك العاني، ونصل الأرحام. يصفون أنفسهم بهذه الصفات.\nومحمد قطع أرحامنا، وتبعه سراق الحجيج من غفار.\nقالوا: أنتم خيرٌ وأهدى سبيلًا.\nوالشاهد من الآية للباب: أنه إذا كان في اليهود من يؤمن بالجبت والطاغوت فسيكون في هذه الأمة من يفعل ذلك تشبّهًا بهم، لأن الرسول ﷺ خبر أنه يكون في هذه الأمة من يتشبه باليهود والنصارى، ومن ذلك: التشبه بهم في الإيمان بالجبت والطاغوت.\nوكذلك يوجد في هذه الأمة من يمجّد الكفار، وينتقّص المسلمين، كما كان اليهود يقولون: ﴿هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾، فمن النّاس من يثني اليوم على دول الكفر والإلحاد، ويصفهم بصفات الكمال والعظمة، ويتنقص المسلمين، ويصفهم بالتأخر والرجعية، إلى آخره، فهذا شيء موجود.\nفدلّ على أن هذه الأمة يقع فيها ما وقع في اليهود من الإيمان بالجبت والطاغوت، ومن الشرك بالله ﷿.\nوكل ما وقع في اليهود أو في النصارى فإنه سيقع في هذه الأمة من بعض أفرادها أو طوائفها من يفعله تشبّهًا بهم، فها هي الأضرحة، والبناء على القبور، والطواف بها، وإقامة الموالد، والاستغاثة بالأموات، والذبح والنذر لهم موجود، كما كان في اليهود.\nوهذا الشاهد من الآية للترجمة.","vol":"1","page":326},{"text":"وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللهِ مَنْ لَعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ .\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ .\nــ\nقال: \"وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللهِ مَنْ لَعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ تمام الآية: ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾، هذه الآية في الرد على الذين يسخرون من المسلمين ومن دينهم من اليهود والنصارى والوثنيين.\nيقول تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ﴾ أي: أخبركم والاستفهام هنا المراد به: التقرير والتوبيخ.\n\" ﴿بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ﴾ \": الذي زعمتم فينا.\n\" ﴿مَثُوبَةً﴾ \" منصوب على التمييز، يعني جزاء عند الله ﷾.\n\" ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللهُ﴾ \" أي: طرده وأبعده من رحمته بسبب كفره، وهو أنتم أيها اليهود والنصارى.\n\" ﴿وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ \" والغضب ضد الرضا، فالله جلّ وعلا يرضى عق عباده المؤمنين ويغضب على الكافرين، وغضبه لا يقوم له شيء، والمغضوب عليهم هم الذين عندهم علم ولم يعملوا به، لأنهم عصوا الله على بصيرة.\n\" ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾ \" مسخهم قردة وخنازير، بسبب كفرهم.\nوالشاهد في قوله: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ دلّ على أن في أهل الكتاب من يعبد كل الطاغوت، فلا بد أن يكون في هذه الأمة من يتشبّه بهم ويعبد الطاغوت.\nفالآية الأولى فيها: أنهم يؤمنون بالجبت والطاغوت، وهذه الآية فيها أن فيهم من عبد الطاغوت، فلا بد أن يكون من هذه الأمة من يتشبّه بهم في ذلك.\nقال: \"وقوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ هذا في قصة أصحاب الكهف، وذلك أن جماعة من الفِتيان في الزمان القديم آمنوا بالله، وأنكروا ما عليه أهل بلدهم من الشرك بالله، فلما ماتوا بنى قومهم عليهم مسجدًا لأجل التبرك بهم.\n﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ فقالوا: هؤلاء رجال","vol":"1","page":327},{"text":"عن أبي سعيد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القُذَّة بالقُذَّة، حتى لو دخلوا جحر ضبٍّ لدخلتموه\" قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟، قال: \"فمن؟ \" أخرجاه.\nــ\nصالحون، فيهم بركة، فيهم خير، نبني عليهم مسجدًا من أجل التبرُّك بهم، والصلاة عندهم، والدعاء عندهم، لأنهم من أولياء الله، ونفّذوا ذلك بقوة السلطة لا بقوة الحجة، لأنهم غلبوا على أمرهم، أي: تمكنوا من تنفيذ ما أرادوا بقوتهم.\nفالشاهد من الآية: أنه كان في أول الخليقة من يبني المساجد على القبور، فلا بدّ أن يكون في هذه الأمة من يبني المساجد على القبور، تشبُّهًا بهم، وقد وقع هذا، ووُجِد في هذه الأمة من يبني المساجد على القبور، فدلّ على وقوع الشرك في هذه الأمة كما وقع في الأمم السابقة عن طريق التشبُّه والمحاكاة.\nقوله: \"عن أبي سعيد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"لتتبعن،\" سبق أن اللاّم هذه لام قسم، فهي على تقدير: والله لتتّبعن، وأكّده بالنون الثقيلة.\n\"سنن\" أي: طريق.\nفالسَّنن- بالفتح-: الطريق، أما السُّنن- بالضم- فهي جمع: سنَّة، وهي الطرق. فمن قرأه سَنَن فالمراد به: الطريق، وهذا هو المشهور.\nومن قرأه سُنَن فالمراد به: جمع: سُنّة وهي: الطرق.\nوالمعنى واحد.\n\"حَذْوَ القُذَّة بالقُذَّة\" حَذْوَ: منصوب على الحال، والقُذَّة: ريشة السهم الذي يُرمى به، والمعنى: تُشبونهم كما أشبهت ريشة السهم ريشة السهم الأخرى.\n\"حتى لو دخلوا جُحْر ضب لدخلتموه\" الجُحر- بالضم- هو: السَّرَب الذي يكون في الأرض، ومنه جُحر الضب، لأنه يحفر جحرًا من أعسر الجحور، ومع هذا لو دخله اليهود والنصارى لكان في هذه الأمة من يفعل ذلك تقليدًا لهم.\nوقد وقع ما أخبر به ﷺ، فالتقليد والتشبه بالكفار قائم على قدم وساق بأتفه الأشياء وأحقر الأشياء، لا لشيء إلاَّ لأنهم يفعلونه، والمقلد يرى أنهم أهل العقول، وأنهم أهل التقدم والحضارة، فيقلدهم من أجل ذلك.","vol":"1","page":328},{"text":"وهذا الحديث خبر بمعنى النهي، أي: لا تتشبّهوا بهم، ولا تقلّدوهم، وقد جاء النهي عن التشبّه بهم بقوله: \"لا تشبّهوا باليهود والنصارى\"، وقوله: \"ومن تشبه بقوم فهو منهم\".\nوالشاهد من هذا الحديث واضح: أنه يكون في هذه الأمة من يتشبّه باليهود والنصارى في كل شيء، واليهود والنصارى يعملون الشرك فلا بد أن يوجد في هذه الأمة من يعمل الشرك مثلهم سواء بسواء.\nنعم، اليهود والنصارى بنوا على القبور، فيؤخذ في هذه الأمة من يبني على القبور تشبُّهًا بهم، والنصارى يعملون عيد المولد للمسيح ﵇ فيُوجد في هذه الأمة من يعمل عيد المولد لمحمد ﷺ تشبُّهًا بالنصارى.\nكما وُجد في اليهود والنصارى من يحلق لحيته ويُوَفِّر شاربه، فوُجد من هذه الأمة من يحلق لحيته ويوفّر شاربه، إلى غير ذلك من أنواع التشبُّه التي لا تُحصى مصداقًا لقوله من باب التحذير والنهي: \"لتتبعن سَنن من كان قبلكم حَذْو القُذَّة بالقُذَّة، حتى لو دخلوا جُحْر ضب لدخلتموه\".\nفالشاهد منه: أنه لا بد أن يوجد في هذه الأمة من يتشبّه باليهود والنصارى في الشرك بالله ﷿، كما أنهم ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ فلا بدّ أن يوجد في هذه الأمة من يغلو بالأئمة، ويتخذهم أربابًا من دون الله، كما عند الصوفية الذين يتخذون رؤساء الطرق والمشايخ أربابًا من دون الله، يحلّلون ويحرّمون، ويقولون: المريد ينبغي أن يكون مع الشَّيخ كالميّت بين يدي غاسله. وكذلك من يتعصّب لشيخه ولو خالف الدليل إلى غير ذلك.\nأما فقه هذه النصوص، فإنها تدلّ على مسائل كثيرة:\nالمسألة الأولى: في الآية الأولى دليل على أن من اليهود والنصارى من والطاغوت، الذي هو: الشرك، والسحر، والكِهانة، والطِّيرَة، والتّنجيم، والحكم بغير ما أنزل الله. فسيوجد في هذه الأمة من يؤمن بالجبت والطاغوت؛ تشبُّهًا بهم.\nالمسألة الثانية: في الآية دليل على أن الموافقة لهم في الظاهر تسمّى إيمانًا","vol":"1","page":329},{"text":"ولو لم يوافقهم في الباطن، لأن اليهود لما قالوا كفّار قريش: أنتم أهدى من الذين آمنوا سبيلًا. هم في الباطن يعتقدون بُطلان هذا الكلام، لكنهم وافقوهم في الظاهر ليحصلوا على مناصرتهم لهم، ومع هذا سمّى الله هذا إيمانًا بالجبت والطاغوت.\nفالذي يمدح الكفر والكفار ولو بلسانه، ويفضّل الكفر والكفار على المؤمنين؛ يُعتبر مؤمنًا بالجبت والطاغوت، ولو كان قلبه لا يوافق على هذا؛ ما لم يكن مُكرهًا، ففيه رد على مرجئة هذا العصر الذين يقولون: إن من تكلم بكلام الكفر لا يكفر حتى يعتقد بقلبه صحة ما يقول.\nوهذه دقيقة عظيمة ذكرها الشَّيخ في المسائل، وهي عظيمة جدًا.\nالمسألة الثالثة: في الآية الثانية بيان أن في أهل الكتاب من عبد الطاغوت، بمعنى: أنه دعا غير الله، أو ذبح لغير الله، أو نذر لغير الله، فلا بد أن يكون في هذه الأمة من يعبد الطاغوت تشبُّهًا بهم.\nففيه الرد على من زعم أنه لا يقع في هذه الأمة شرك، لأن الحديث يدلّ على أنه يوجد من يتشبّه باليهود والنصارى في عبادة الطاغوت التي منها عبادة القبور والأضرحة، ومنها الحكم بغير ما أنزل الله، ومنها الشيء الكثير الذي كله من عبادة الطاغوت.\nالمسألة الرابعة: في الآية الثانية دليل على ذكر عيوب المردود عليه، وذلك في قوله: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ ففيه ذكر معائب المردود عليه حتى يَخْتَزِى ويُفْحَم في الخصومة.\nالمسألة الخامسة: في الآية رد على من يقول: إنه ينبغي ذكر محاسن المردود عليه وهو ما يسمونه بالموازنات.\nوذكر محاسن الطوائف الضالّة والأشخاص الضالين من المبتدعة وغيرهم، ووجه الرد: أن الله ذكر في هذه الآية معايبهم، ولم يذكر لهم شيئًا من المحاسن.\nففي الآية ردٌّ صريح على هذه المقالة التي يراد منها السكوت عن البدع والخرافات أو ذكر محاسن المبتدعة والمخالفين للحق.","vol":"1","page":330},{"text":"ولمسلم عن ثوبان ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: \"إن الله زَوَى ليَ الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زُوِيَ لي منها.\nــ\nالمسألة السادسة: في الآية الثالثة دليل على أنه كان في الأمم السابقة من يبني المساجد على القبور، فلا بد أن يوجد في هذه الأمة من يبني المساجد على القبور وقد وقع هذا.\nففيه ردٌّ على من زعم أنه لا يقع في هذه الأمة شرك، ووجه الرد: لأن بناء المساجد على القبور وسيلة إلى الشرك.\nالمسألة السابعة: في الحديث دليل على معجزة من معجزاته ﷺ، حيث أخبر أنه سيكون في هذه الأمة من يتشبّه باليهود والنصارى، وقد وقع كما أخبر ﷺ.\nالمسألة الثامنة: في الحديث دليل على تحريم التشبّه باليهود والنصارى، لأن الحديث خبرٌ معناه النهي والإنكار على من فعل ذلك.\nالمسألة التاسعة: في الحديث دليل للتّرجمة: أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان، لأن في اليهود والنصارى من يعبد الأوثان، فلا بد أن يوجد في هذه الأمة من يتشبّه بهم فيعبد الأوثان، كما هو واقع وحاصل في عبادة القبور والأضرحة الآن لا بكثرة وعلى مَسْمع من علماء المسلمين ومرأى ولم ينكر ذلك الكثير منهم، بل بعضهم أجازه وشجع عليه.\nولا حول ولا قوة إلاَّ بالله العلي العظيم.\nهذا حديث عظيم فيه أمور مخيفة، وفيه أخبار عظيمة، وفيه بشارة:\nفقوله: \"عن ثوبان، ثوبان هو: مولى رسول الله ﷺ، والمولى معناه ث العتيق، لازم الرسول ﷺ، وله فضائل كثيرة ﵁.\n\"أن رسول الله ﷺ قال: \"إن الله زَوَى ليَ الأرض\" يعني: جمعها، وحواها وطواها له ﷺ حتى صارت حجمًا صغيرًا، يرى النبي ﷺ أطرافه ما بعُد منها وما قرُب، والله قادر على كل شيء.\nأو أن المراد- والله أعلم- أنه قوّى بصر رسوله ﷺ فصار يري كل الأرض مشارقها ومغاربها، كما حصل له ﷺ لما سأله المشركون عن بيت المقدس، حيث","vol":"1","page":331},{"text":"وأُعطيت الكنزين: الأحمر والأبيض.\nــ\nقوّى بصر رسوله فصار ينظر إلى بيت المقدس وهو في مكّة يخطب في المشركين، ويصف لهم المسجد عن معاينة ومشاهدة، حتى ذكر لهم علاماته والأشياء التي يعرفونها فيه، وحتى إنه أخبرهم عن عيرهم التي في الطريق التي كانوا ينتظرونها، أخبرهم أين هي؟.\n\"فرأيت مشارقها ومغاربها\" رأى المشرق والمغرب وجمعها لكثرة الطالع والغارب من الكواكب.\n\"وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زَوَى لي منها\" بالبناء على الفاعل وهو الله ﷾، أو \"ما زُوِي لي منها\" بالبناء للمفعول، والفاعل هو الله ﷾.\nولم يذكر ﷺ الشمال والجنوب من الأرض لقلة سكانها ولأن هذا لم تبلغه الفتوحات، وإنما الفتوحات امتدّت من المشرق إلى المغرب.\n\"وإن أمتي سيبلغ ملكها\" هذا خبر عن المستقبل، وهو لا ينطق عن الهوى ﷺ.\nففيه دليل من أدلّة نبوّته ﷺ.\nالدّليل الأول: زَوي الأرض له. هذا دليل على نبوّته.\nالدليل الثاني: أنه أخبر عن ملك أمته، وأنه سيتّسع ويبلغ المشرق والمغرب في يوم أن كان ملك المسلمين في المدينة وما حولها فقط.\nفهذا من علامات نبوّته ﷺ.\nوقد وقع كما أخبر، فانتشرت الفتوحات في عهد الخلفاء الراشدين وخلفاء بني أمية وبني العباس حتى سقطت دولة الفُرْس بالمشرق، وسقطت دولة الروم بالمغرب، وامتدّ سلطان المسلمين في الشرق إلى أن وصل السّند، وفي المغرب إلى أن وصل إلى طَنْجَة في أقصى المغرب، بل امتدّ إلى أن وصل إلى جبال البَرَانِس وهي حدود فرنسا، حيث دخلت الأندلس في الخلافة الأمويّة في ملك المسلمين، وهذا مِصْداق لخبره ﷺ: \"وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوى لي منها\".\n\"وأُعطيت الكنزين: الأحمر والأبيض\" المراد بالكنزين: الأموال النّفيسة، \"الأحمر\": الذهب، \"والأبيض\": الفضة، وهذا عبارة عن أموال الفرس والروم. فأموال الفرس من الذهب، وأموال الروم من الفضة، أو العكس، قولان في المسألة.","vol":"1","page":332},{"text":"وإني سألت ربي لأمتي أن لا يُهلكها بسنة بعامة، وأن لا يسلط عليهم عدوًّا من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم.\nوإن ربي قال: يا محمَّد، إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يُرد، وإني أعطيتك لأمتك: أن لا أهلكهم بسنة بعامة، وأن لا أسلط عليهم عدوًّا من\nــ\nوقد وقع ما أخبر به ﷺ، فقد جيء بأموال الفرس والروم في خلافة عمر بن الخطاب، ووزّعت بين المسلمين في المدينة، حتى إنه جيء بتاج كسرى الذي يلبسه على رأسه، وجيء بسواريه الذين يلبسهما في يديه، وهذا مصداق ما أخبر به ﷺ.\nوقوله: \"وإني سألت ربي لأمتي\" هذا من شفقته ﷺ بأمته.\n\"أن لا يهلكها بسنة بعامة\" المراد بالسنة: الجُدْب، أي: لا يعمّ الجدب والقحط كل بلاد المسلمين، فتَهلك أموالهم وزروعهم وما يأكلون منه، فالسنّة المراد بها: الجَدْب كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾ يعني: بالجَدْب.\nدعا النبي ﷺ ربه أن لا يُنزل الجَدْب والقَحْط على أمة محمَّد كلهم، لأنه إذا نزل بهم كلهم هلكوا.\nوقوله: \"وأن لا يسلط عليهم عدَوًّا من سوى أنفسهم\" يعني: من الكفار، أي: لا يسلط الكفار على المسلمين.\n\"فيستبيح بيضتهم\" البيضة: الحوزة، يعني: لا يستبيح الكفار حوزة المسلمين وبلادهم، أو المراد بالبيضة اجتماع الكلمة. والمعنى عام ومعناه: لا يستبيح بلادهم وجماعتهم.\n\"وإن ربي قال: يا محمَّد\" هذه إجابة الله لدعوة رسوله ﷺ.\n\"إني إذا قضيت قضاءً فإنه لا يردّ\" إذا قدّر الله قدرًا فلا بد من نفاذه، فأقدار الله نافذة في المسلمين والكفّار وعموم الناس، لا أحد يستطيع رد القضاء والقدر، فهذا فيه إثبات القدر، وأن قدر الله نافذ، لا يستطيع أحد رده.\n\"وإني أعطيتك لأمتك: أن لا أهلكهم بسنة بعامة\" استجاب الله الدعوة الأولى مطلقًا، وأنه سبحانه لا ينزل قحطًا عامًّا للبلاد كلها، وإنما ينزل القحط في بعض البلاد دون بعض بخلاف الأمم السابقة، فإن الله ينزل القحط العام عليهم فيضرهم،","vol":"1","page":333},{"text":"سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بأقطارها، حتى يكون بعضهم يُهلك بعضًا، ويَسْبي بعضهم بعضًا\".\nــ\nكما حصل لقوم فرعون، أما هذه الأمة لكرامتها على الله فإن الله لا ينزل عليها القحط العام.\n\"وأن لا أسلط عليهم عدوًّا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بأقطارها، حتى يكون بعضهم يُهلك بعضًا، ويسبي بعضهم بعضًا\" استجاب الله له الدعوة الثانية استجابة معلّقة، يعني: ما دامت أمتك مجتمعة على الحق كلمتها واحدة، فإن الله لا يسلّط عليهم عدوًّا من الكفار، أما إذا حصل في الأمة افتراق كلمة، وحصل بينهم قتال فيما بينهم، وسبى بعضهم بعضًا، فحينئذ يعاقبهم الله ﷿ ويسلط عليهم الكفّار.\nقوله: \"ولو اجتمع عليهم من بأقطارها\" أي: إذا اجتمعت كلمة المسلمين، ولم يكن بينهم اختلاف ولا تقاتل فيما بينهم، فلو اجتمع أهل الأرض كلهم على قتال المسلمين أو أراد سلب شيء من ملكهم فلن يستطيعوا، وأما إذا اختلفوا فيما بينهم، وتقاتلوا فيما بينهم، وأخذ بعضهم أموال بعض، فإن الله يعاقبهم، ويسلّط عليهم الكفّار.\nوقد حصل مصداق هذا، فإنه لما كانت الأمة مجتمعة في عهد أبي بكر الصدّيق وعمر بن الخطاب، وأول خلافة أمير المؤمنين عثمان، وسلطان المسلمين ظاهر في الأرض، قد خافتهم الأمم، فصار الكفار يخافون من المسلمين.\nولما وقعت الفتنة بين المسلمين في خلافة عثمان- رضي الله تعالى عنه- بسبب اليهوديّ الذي ادّعى الإسلام وهو: عبد الله بن سبأ اليماني، وصار يحرّض المسلمين على الخليفة عثمان ذي النورين ﵁، واجتمع حوله من الأوباش وضعاف الإيمان من الشباب الطائش، اجتمعوا على هذه الطاغية، وفي النّهاية حاصروا عثمان ﵁ وقتلوه، ولما قتلوا عثمان عاقب الله المسلمين فجعل بأسهم بينهم، وسلّط عليهم عدّوهم.\nوما زالت المداولات والحروب بين المسلمين بعضهم مع بعض وبين المسلمين والكفار.","vol":"1","page":334},{"text":"رواه البَرْقاني في \"صحيحه\"، وزاد: \"وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلّين.\nــ\nصحيح أنها قامت دولة بني أمية بعد ذلك وانتشر الإسلام، ودولة بني العباس، ولكن لم تخل الأمة من اقتتال ومن فتن فيما بينها، إلى أن جاءت الداهية الدهياء في آخر خلافة بني العباس، فغزا التّتار بلاد المسلمين، واستباحوا عاصمة المسلمين بغداد، وقتلوا الخليفة العباس، وقتلوا من المسلمين مئات الألوف، واحرقوا -كتب المسلمين- وألقوها في نهر دِجلة حتى تغير الماء بمداد الكتب، وتسلّلوا إلى بقية البلاد، وحصل من الحروب الطاحنة ما سجّله التاريخ.\nما وكذلك الصليبيّون زحفوا على المسلمين واستولوا على الأندلس، وزحفوا إلى بلاد الشام واستولوا على بيت المقدس، وبقي بيت المقدس حوالي مائة سنة تحت أيدي الصليبيّين، حتى جاء صلاح الدين الأيوبي ﵀، فخلّص بيت المقدس من أيدي الصليبيّين.\nولا يزال الخلاف وتسلط الكفار على المسلمين إلى وقتنا هذا، بل في وقتنا هذا اشتدّ فيه الأمر، والسبب في هذا هو اختلاف المسلمين فيما بينهم، كما في هذا الحديث: \"حتى يكون بعضهم يهلك بعضًا\" ويسبي بعضهم بعضًا\" فإذا حصل للمسلمين هذا سلّط الله عليهم الكفار بسبب الاختلاف، واستباحة حرمة المسلمين فيما بينهم، هذا يقتل هذا، وهذا يسبي هذا، مع أنهم إخوة مسلمون.\nوالواجب على المسلمين أن يكونوا أمة واحدة: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢)﴾، ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا﴾، ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا﴾، ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾، فالاختلاف عذاب، وسبب لتسلّط الكفار، والاجتماع رحمة وقوة وعزّة للمسلمين ولن يحصل الاجتماع إلاَّ تحت عقيدة التّوحيد.\nقوله: \"رواه البَرْقاني في صحيحه\" البَرْقاني هو: أبو بكر محمَّد الخوارزمي الشافعي، وكتابه يسمّى بالمسند الصحيح، جمع فيه الأحاديث الصحيحة، ويقول: أنه جمع فيه أحاديث الصحيحين وزاد عليهما ما صح عنده من الأحاديث.","vol":"1","page":335},{"text":"\"وزاد\" يعني: على رواية مسلم.\nأن الرسول ﷺ قال: \"وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين\" هذا سبب آخر، السبب الأول: الاختلاف بينهم. السبب الثاني: وجود دعاة الفتنة، ودعاة الضّلال. فهؤلاء سبب آخر لهلاك المسلمين، وسبب لتفرق كلمتهم، وتسلط العدوّ عليهم، بأن يكون هناك دعاة ضلال، ودعاة فتنة، ودعاة فُرقة، وتحريش بين المسلمين، كما حصل من الداعية الخبيث الأول عبد الله بن سبأ.\nوالأئمة جمع: إمام، والإمام هو القدوة الذي يُقتدى به في الخير أو الشر.\nفإذا كانت القدوة من أهل الضلال ضلّت الأمة، وحصل فيهم الشر، ويراد بهم الأمراء الضالون، والعلماء الضالون، والعُبّاد الضالون، والدُّعاة الضالون، كل هؤلاء من الأئمة المضلّين، فإذا قاد الأمة هؤلاء قادوها إلى الهلاك، أما إذا قاد الأمة دعاة الحق قادوها إلى الصلاح والسلامة.\nففي قوله: \"أخاف على أمتي الأئمة المضلين\" مفهومه؛ أن الأئمة المصلحين خير للأمة، يجمعون كلمتها، ويصلحون عقيدتها، ويردونها إلى منهج السلف الصالح، ويحصل بهم الخير.\nأما دعاة الضلال فإنهم يصدونها عن الحق، ويدعونها إلى خلاف منهج السلف.\nوالآن فيما بيننا ظهر من يزهّد في منهج السلف ويعتبره من الأمور الرجعية، ومن الأمور القاصرة، ويريد من المسلمين أن ينهجوا مناهج حديثة، ابتكرها جهّال أو ضُلاّل، يريدون أن الدعاة يسيرون على هذا المنهج المبتكر المحدث، ويتركون منهج السلف الصالح الذي فيه الخير، وفيه الصلاح والفلاح، هذا ظهر وقد أخبر ﷺ أنه يكون في هذه الأمة دعاة على أبواب جهنم من أطاعهم قذفوه فيها، قالوا: صفهم لنا يا رسول الله، قال: \"هم قوم من جِلْدَتنا، ويتكلمون بألسنتنا\" فلنحذر من هؤلاء غاية الحذر.\nلا نجاة لنا إلاَّ بإتباع دعاة الصلاح الذين يدعون إلى منهج السلف الصالح وإلى إتباع الكتاب والسنّة، هؤلاء هم الخير على الأمة.","vol":"1","page":336},{"text":"وإذا وُضع عليهم السيف لم يُرفع إلى يوم القيامة. ولا تقوم الساعة حتى يلحق حيٌّ من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد فِئَام من أمتي الأوثان.\nــ\nأما من أراد بالأمة خلاف ذلك، وابتكر لها منهجًا أو خطّط لها تخطيطًا جديدًا يخالف منهج السلف، فهذا لا يريد للأمة خيرًا سواءً كان متعمدًا أو لم يتعمّد.\nوأخطر ما على الأمة الآن الدعاة الجُهّال الذين لا يعرفون العلم، ويدعون النّاس بجهل وضلال، أو الدعاة المغرضون الذين يعرفون الحق لكنهم معرضون، يريدون صرف الأمة عن جادّة الصواب.\nالحاصل، أن الأمة على خطر من هؤلاء، فعلينا أن نتنبّه لهذا الأمر، وأن نعالج هذا الأمر قبل أن يستحفل.\nقوله: \"وإذا وضع عليهم السيف لم يرفع إلى يوم القيامة\" كذلك خاف عليهم النبي ﷺ أنه إذا بدأ القتال بين المسلمين فإنه لا يُرفع إلى يوم القيامة، وهذه بليّة أخرى.\nالبليّة الأولى: تسلُّط الكفار على المسلمين.\nوالبليّة الثانية: إذا وقع القتال بين المسلمين فإنه لا يُرفع إلى يوم القيامة عقوبة لهم.\nوذلك حصل كما أخبر به ﷺ فإنه لما قُتل الخليفة الراشد أمير المؤمنين عثمان فإنه لا يزال القتال مستمرًّا بين المسلمين، وسيستمر إلى يوم القيامة. ولا حول ولا قوة إلاَّ بالله كما أخبر النبي ﷺ.\nقوله: \"ولا تقوم الساعة حتى يلحق حيٌّ من أمتي بالمشركين\" الحي: المراد به: القبيلة، ومعنى يلحق: يتبع؛ إما بأن يذهبوا إلى بلادهم ويسكنوا معهم ويكونوا من دولتهم، وإما بأن يبقوا في بلاد المسلمين ولكن يكونون على منهج الكفار ويرتدّون عن الإسلام.\nووقع هذا كما أخبر به ﷺ، ففيهم من ذهب إلى بلاد الكفار وثم يرجع وصار يوافق الكفار في أمورهم الدينية، ويجري عليهم حكمهم وهو مختار للإقامة بينهم. وفيهم من بقي في بلاد المسلمين ويعتنق مذاهب الكفر من شيوعية وبعثية وقومية وغير ذلك، وهؤلاء لحقوا بالمشركين في قلوبهم وعقائدهم كما أخبر ﷺ وإن لم يلحقوا بهم في أبدًانهم.","vol":"1","page":337},{"text":"وإنه سيكون في أمتي كذّابون ثلاثون، كلّهم يزعم أنه نبيّ. وأنا خاتم النبيّين، لا نبي بعدي.\nــ\nقوله: \"وحتى تعبد فِئام من أمتي الأوثان\" الفِئام: الجماعات، والأوثان: كل ما عبد من دون الله.\nوقد وقع ما أخبر به ﷺ، فعَبَدت جماعات من هذه الأمة القبور والأضرحة، واعتبروا هذا هو الدين الصحيح، وسموا دين التّوحيد الصحيح دين الخوارج.\nوهذا مع ما قبله هو الشاهد من هذا الحديث للباب.\nوفيه رد على من زعم أن هذه الأمة لا يقع فيها شرك، ووجه الرد: لأن الرسول ﷺ أخبر- وهو الصادق المصدوق- أنه لا بدّ أن تعبد جماعات وليسوا أفرادًا من هذه الأمة الأوثان.\nوقوله ﷺ: \"وإنه سيكون في أمتي كذّابون ثلاثون كلّهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيّين، لا نبي بعدي\"، هذا فيه إخبار منه ﷺ بظهور المتنبِّئين الكَذَبَة الذين يدعون النبوة.\nوقد حصل ما أخبر به ﷺ، وأول من ظهر في حياته ﷺ اثنان:\nمُسَيْلِمة الكذّاب في اليمامة، والأسود العَنْسي في اليمن.\nأما الأسود العَنْسي فقد قتله المسلمون قبل موت النبي ﷺ.\nوأما مُسَيْلِمة الكذّاب فإنه قد تبعه قوم من أهل اليمامة، ولما بُويع أبو بكر الصديق- رضي الله تعالى عنه- بالخلافة بعد وفاة الرسول ﷺ جهّز له الصديق جيشًا من المسلمين من المهاجرين والأنصار بقيادة خالد بن الوليد اليمامة، وحصل قتال شديد جدًّا، وقُتل فيه من المسلمين ومن أفاضلهم ومن قُرّاء القرآن العدد الكثير، ولكن في النّهاية قَتل الله مُسَيْلِمة الكذّاب على يد المسلمين في خلافة أبي بكر الصديق- رضي الله تعالى عنه-، وأراح الله المسلمين من شرِّه.\nثم ظهر طُليحة الأسدي وادّعى النبوّة، وظهرت سَجَاح التميمية وادّعت النبوة، ولكن الله منّ على طُلَيحة فتاب إلى الله ﷿، وجاهد في سبيل الله، وتوفّي على الإسلام، وكذلك سَجَاح تابت إلى الله ﷿.\nثمّ ظهر المختار بن أبي عُبيد الثقفي في خلافة عبد الملك بن مروان، وادّعى النبوّة، وقتله الله ﷾ على أيدي المسلمين.","vol":"1","page":338},{"text":"ولا يزال المتنبئون الكذَبَة يظهرون بين الحين والآخر، إلى أن ظهر منذ سنين رجل في الباكستان يسمّى غلام أحمد القادياني، ادّعى النبوّة، وتَبِعه قوم، وصار له أتباع الآن يسمّون القاديانية، وقد كفّرهم المسلمون، ونبذوهم- ولله الحمد-.\nوقوله ﷺ: \"وأنا خاتم النبيّين، لا نبيّ بعدي\" هذا كما قال الله ﷾: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾، والخاتم- بفتح التاء-: الذي يختم على الشيء فلا يزاد فيه، يقال: ختم الكتاب، يعني: وضع الختم عليه بحيث لا يُزاد فيه، وختم الكيس، بمعنى أنه أغلقه بحيث لا يُزاد فيه ولا يُنقص، فالرسول ﷺ ختم الأنبياء، بمعنى انه هو آخرهم، ولا يأتي بعده نبي.\nوأما لفظ خاتِم- بالكسر- فهو: اسم فاعل، فالنبي ﷺ هو خاتِم النبيّين، أي: الذي كمّلهم وانتهى به عددهم، فلا يُبعث نبي بعد رسول الله ﷺ إلى أن تقوم الساعة، كما أن شريعته لا تُنسخ إلى أن تقوم الساعة، وأرسله الله إلى العالمين كافّة: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾، أرسله إلى العالم كافّة - ﵊-، إلى العرب والعجم، والجن والإنس ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾، وأنزل عليه شريعة كاملة، شاملة لكل زمان ومكان إلى أن تقوم الساعة.\nفالذي يدّعي النبوة بعد محمَّد ﷺ فهو كافر، لأنه مكذِّب لله، لأن الله قال: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾، ومكذِّب لرسول الله في قوله: \"أنا خاتم النبيين\" ومكذِّب لإجماع المسلمين، لأن المسلمين أجمعوا على أنه لا نبيّ بعد محمَّد ﷺ.\nفإن قال قائل: \"ليس المسيح عيسى بن مريم ينزل في آخر الزمان كما تواتر ذلك في الأحاديث؟.\nقلنا: نعم، ينزل في آخر الزمان، ولكن لا ينزل بشريعة جديدة، وإنما ينزل ليعمل بشريعة محمَّد ﷺ، فهو يُعتبر مجدِّدًا من المجدِّدين، ومصلحًا من المصلحين، يحكم بشريعة الإسلام، ويتبع محمدًا ﷺ، فنزول عيسى ﵇ لا يختلف مع قوله ﷺ: \"أنا خاتم النبيين\" وقول الله: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾، لأنه لا ينزل بشريعة، ولا ينزل على أنه نبي يُبعث إلى الناس، وإنما ينزل على أنه حاكم بشريعة محمَّد ﷺ، وتابع لمحمد - ﵊-.","vol":"1","page":339},{"text":"ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة، لا يضرّهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله ﵎\".\nــ\nثم قال مبشرًا لأمته بعد هذه الأخبار المروِّعة: \"ولا تزال طائفة من أمتي على الحق\" يعني: مع هذه الحوادث العظيمة، وهذا الابتلاء العظيم، ووقوع الشرك، ووقوع اللَّحاق بالمشركين من بعض القبائل وتسلّط الكفّار، وقلّة أهل الحق، وكثرة أهل الباطل، مع هذا يبقي في هذه الأمة بقية صالحة إلى أن يأتي أمر الله ﵎.\nوالطائفة في الأصل الجماعة. والمراد هنا من كان على الحق ولو كان واحدًا. بدليل قوله تعالى: ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ﴾ وهو واحد.\n\"على الحق ظاهرين\" يعني: غالبين.\n\"لا يضرّهم من خذلهم\" مع هذه الشرور كلها، وهذه الفتن كلها، هذه الطائفة لا تتضرّر، بل تبقى على الحق الذي بُعث به محمَّد ﷺ، ولم يعيّن ﷺ عددها، ولم يعيّن مكانها، لأن العدد قد يقلّ وقد يكثر، وكذلك المكان قد تكون تارة في المشرق، وتارة في المغرب، وتارة في العرب، وتارة في العجم، المهم أنها تبقى هذه الطائفة من الأمة، لتبقى حجّة الله ﷾ على خلقه.\nوقد قال أهل العلم- كالإمام أحمد وغيره-: \"إن هذه الطائفة هم أهل الحديث\"، أي: الذي يتمسّكون بسنّة الرسول ﷺ، كما قال ﷺ - لما ذكر افتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة-: \"كلها في النار إلاَّ واحدة\" قالوا: من هي يا رسول الله؟، قال: \"من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي\"، فهم أهل الحديث الذين يتمسّكون بحديث الرسول ﷺ، ولا يتمسّكون بالآراء والأقوال وعلم الكلام والمنطق.\nفهم الطائفة المنصورة وهم الفرقة الناجية وهم أهل الحديث وهم أهل السنّة والجماعة، لا كما يقول بعض المعاصرين: إن الفرقة الناجية غير الطائفة المنصورة، وهذا تفريق بغير علم.\nوقوله: \"حتى يأتي أمر الله\" المراد بأمر الله ما يكون في آخر الزمان من قبض","vol":"1","page":340},{"text":"أرواح أهل الإيمان، حين يبعث الله ريحًا طيّبة في آخر الزمان قبل قيام الساعة فتقبض روح كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى شرار الناس، وحينئذ تقوم الساعة.\nما يستفاد من هذا الحديث:\nهذا الحديث يدلّ على مسائل عظيمة:\nالمسألة الأولى: في هذا الحديث دلائل من دلائل النبوة، وهي:\nأولا: قوله ﷺ: \"إن الله زَوَى ليَ الأرض حتى رأيت مشارقها ومغاربها\".\nثانيًا: قوله ﷺ: \"سيبلغ ملك أمتي ما زُوِيَ لي منها،.\nثالثًا: إخباره ﷺ بأن هذه الأمة إذا افترقت وتقاتلت يتسلّط عليها العدّو. وقد وقع ما أخبر به ﷺ.\nرابعًا: إخباره ﷺ عن وقوع الشرك في أمته. وقد وقع ما أخبر ول ﷺ.\nخامسًا: إخباره بظهور المتنبّئين الكَذَبَة. وقد وقع ما أخبر به ﷺ، فلا يزال المتنبئون الكَذَبَة يظهرون بين الحين والآخر، لكن منهم من له شوكة، ومنهم من ليس له شوكة.\nسادسًا: إخباره ﷺ ببقاء الطائفة المنصورة على الحق. وقد وقع ما أخبر به ﷺ، فلا تزال هذه الأمة- ولله الحمد- يبقى فيها من أهل الصلاح والإصلاح من يبقى بهم هذا الدين، وتقوم به حجّة الله على العالمين، مع اشتداد الغُربة، وعظيم الكُرْبة، ولكنهم يصبرون، ويثبتون على الحق.\nالمسألة الثانية: في هذا الحديث كمال شفقته ﷺ بأمته، حيث دعا لهم ﷺ بهذه الدعوات المباركات العظيمة، واستجاب الله له.\nالمسألة الثالثة: في هذا الحديث أن تفرّق الأمة وتناحرها فيما بينها سبب لتسلُّط العدوّ عليها، وأن اجتماعها وتوحّدها على الحق سبب لمنع الكفّار من الاستيلاء على شيء من بلادها.\nالمسألة الرابعة: في الحديث دليل على خطر الأئمة المضلّين، أي: القيادات الفاسدة من الأمراء والعلماء والعبّاد والدعاة الفاسدين، أما الأئمة المصلحون فهؤلاء خير على الأمة وصلاح لها.","vol":"1","page":341},{"text":"المسألة الخامسة: في الحديث دليل على أنه إذا وقع في هذه الأمة قتال فيما بينهم أنه سيستمرّ إلى أن تقوم الساعة، ولا يُرفع، ولكن يكثر ويقل أحيانًا.\nالمسألة السادسة: في الحديث دليل فيما ترجم له المصّنف ﵀ من وقوع الشرك والردّة في بعض هذه الأمة، فهذا شاهد لقول المصنِّف: \"باب ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان\".\nالمسألة السابعة: في الحديث دليل على خَتْم النبوة به ﷺ، وأن من ادّعى النبوة بعده فهو كافر، لأنه مكذِّب لله ولرسوله ولإجماع المسلمين ولما عُلم بالدين بالضرورة.\nالمسألة الثامنة: في الحديث دليل على بقاء الفرقة الناجية المنصورة، مع كثرة الفتن والمحن والشرور، فإن الله ﷾ لا يُخلي الأرض من الدعاة إلى الحق القائمين عليه من الأئمة المصلحين.","vol":"1","page":342},{"text":"[الباب الرابع والعشرون:]\n* باب ما جاء في السحر\nــ\nمناسبة هذا الباب للأبواب السابقة: أن الشَّيخ ﵀ في الأبواب السابقة ذكر أنواعًا من الشرك، ووسائل الشرك.\nولما كان السحر نوعًا من أنواع الشرك عقد له هذا الثالث؟ لأن السحر لا يمكن الوصول إليه إلاَّ عن طريق الشياطين، فالسحرة يخضعون للشياطين، ويستعينون بهم في سحرهم، وهذا شرك بالله ﷿.\nوالسحر في اللغة هو: كل ما لَطُفَ وخَفِيَ سببه، ومنه سُمّي السَّحَر سَحَرًا في آخر الليل، لأنه خفيٌّ وكل ما لَطُف يعني: دقّ، وخَفِيَ سببه عن النّاس يُسمّى سحرًا في اللغة، ومنه قوله ﷺ: \"إن من البيان لسحرًا\" البيان معناه: الكلام البليغ، لأنه يستميل النفوس ويؤثّر فيها كما يؤثر السحر، إلاَّ أنه ليس حرامًا وكذلك النميمة، سُميّت سحرًا١ لأنها تعمل عمل السحر في الإفساد بين الناس، وأحداث البغضاء في القلوب، وإن لم تكن سحرًا في الحقيقة، لكنها سحر لغوي، هذا تعريف السحر في اللغة.\nأما تعريفه في الشرع: فالسحر عبارة عن عزائم ورُقى وعُقد يؤثر في بدن المسحور بالقتل أو بالمرض، أو بالإخلال بعقله، أو يفرِّق بين الزوجين، أو يأخذ الزوج عن زوجته فلا يستطيع الوصول إليها، قال تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤)﴾ يعني: السواحر.\nفالساحر يعقد العقد بالخيط ثمّ ينفث فيها من ريقه، ويستعين بالشيطان، ويؤثِّر هذا بإذن الله في المسحور إما قتلًا، وإما مرضًا، وإما تفريقًا بينه وبين حبيبه، وإما أن يمنعه عن زوجته فلا يستطيع الوصول إليها.\nوقد سُحر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ٢، وأثر فيه السحر، وصار﵊ - يخيل إليه أنه فعل الشيء ولم يكن فعله، ورقاه جبريل فبرئ بإذن الله.\n_________\n١ في قوله ﷺ: \"ألا أنبئكم ما العضة - يعني السحر- هي النميمة القالة بين الناس\".\n٢ كما في الصحيح ولا عبرة بمن أنكر ذلك من العقلانيين لأن السحر مرض والنبي ﷺ بشر يجري عليه ما يجري على البشر من الأمراض.","vol":"1","page":343},{"text":"فالسحر له حقيقة، ويؤثر في بدن المسحور، ولكنه لا يؤثِّر إلاَّ بإذن الله القدريّ، كما قال تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ﴾، أي: إذن الله القدريّ الكونيّ.\nوقد ذكر العلماء أن السحر المحرم على نوعين:\nسحر حقيقي، وهو هذا الذي ذكرنا.\nوالنوع الثاني: سحر نخييلي، ليس له حقيقة، وإنما هو خيال وشعوذة، وهو ما يسمّى بالقُمْرة، فالساحر يخيِّل للناس شيئًا وهو ليس حقيقة، كأن يخيِّل للناس أنه دخل في النار، وليس كذلك، أو يخيِّل للناس أنه يمشي على حبل، وهو ليسق كذلك، أو يخيِّل للناس أن السيارة تمشي على بطنه، وليس كذلك، أو يخيِّل للناس أنه يطعن نفسه بالسلاح ولا يؤثِّر فيه، وليس كذلك، والحقيقة أنه عمل شيئًا من التخيل والقُمْرة فأثر على الأبصار. كما قال الله تعالى ني قوم فرعون: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾، فسحروا الأعين فقط، وذلك بما يعملونه من الحِيَل، ويجعلون في العِصِيّ التي معهم مواد تحرّكها، وتجعل العصى كأنها حيّة، وهي ليست كذلك كما قال تعالى عن موسى ﵇: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾، حيث حشوها بشيء من الزِّئْبق وشيء من الأمور التي لا يراها الناس، وظنوا أنها تتحرك.\nوأنكرت المعتزلة النوع الأول، مع أن النوع الأول هو الخطير، وقالوا: السحر كله تخييلي.\nوهذا غير صحيح، لأنه لو كان كذلك لما أثّر في المسحور ولما قتل المسحور، ولما أمرضه، ولما فرّق بينه وبين زوجه، فدلّ على أنه حقيقي، وعمل شيطاني، لأنه عُقد وعزائم، ولهذا يقول تعالى لنبيه: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾، إلى قوله: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤)﴾ فدل على أنه حقيقي.\nوالذي ذكره الشَّيخ في هذا الباب من النصوص على نوعين:\nالنوع الأول: في حكم السحر.\nوالنوع الثاني: في حكم الساحر.","vol":"1","page":344},{"text":"وقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ .\nوقوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ .\nقال عمر: \"الجبت: السحر. والطاغوت: الشيطان\".\nوقال جابر: \"الطواغيت: كُهَّان كان ينزل عليهم الشيطان، في كل حيٍّ واحد\".\nــ\nقال: \"وقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا﴾ \" أي: اليهود، لأن الآية في سياق الآيات التي تتحدّث عن اليهود، أي: تحققوا.\n\" ﴿لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾ \" أي: استبدل السحر بالتوراة.\n\" ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ \" أي: الساحر ليس له نصيب من الجنة.\nوهذا دليل على أنه كافر، فالسحر كفر بالله ﷿، وذلك من عدة مواضع في الآية:\nأولًا: قوله: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ .\nثانيًا: قوله: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا﴾ أي: الملكان ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ .\nثالثًا: قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾ أي: السحر ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾، أي: نصيب من الجنة.\nقال المصنِّف- رحمه الله تعالى-: \" وقوله ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ \" ثمّ ذكر تفسير الجبت والطاغوت بقوله: \"قال عمر: الجبت: السحر\" فاليهود يؤمنون بالسحر، وهو كفر بالله ﷿.\n\"والطاغوت: الشيطان \" أي: هو رأس الطواغيت، والطاغوت مشتق من الطغيان، وهو مجاوزة الحد، كما سبق.\nفي قوله: \"وقال جابر: الطواغيت: كُهَّان تنزل عليهم الشياطين، في كل حيٍّ منهم واحد\" الكاهن هو الذي يدّعي علم الغيب، وكانوا في الجاهلية يتخذون حُكّامًا من الكهّان، يحكمون بين الناس.","vol":"1","page":345},{"text":"وكان هؤلاء الكُهَّان تنزل عليهم الشياطين التي تسترق السمع، كما قال الله تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (٢٢٣)﴾، وكما جاء في الحديث أن مسترق السمع قد يسمع الكلمة من السماء فيُلقيها على الكاهن، فيكذب الكاهن معها مائة كذبة، فيصدِّقه النّاس بسبب هذه الكلمة التي سُمعت من السماء.\nفالكاهن هو: الذي يخبر النّاس عن المُغَيّبات، بسبب أنه يسأل الشياطين، وتُخبره الشياطين عن الأشياء الغائبة، والأشياء المسروقة والمفقودة، والأشياء البعيدة، فهو يخبر الناس، فيظنون أن هذا الكاهن يعلم الغيب، وهو ليس كذلك، لا يعلم الغيب، وإنما أخبرته الشياطين بأشياء غائبة، لأن الشياطين لهم قدرة على الطيران السريع، والوصول إلى الأمكنة البعيدة، حتى إنهم يصعدون إلى السحاب، ويطيرون في الآفاق، فهم يجوبون الآفاق بسرعة، فيأتون بالأخبار ويُخبرون الكهّان، ويرون الأشياء المغيبة في البيوت أو في الأمكنة، لأنهم يدخلون بعض البيوت، وعندهم مقدرة ليست عند الإنس، فإذا تقرّب إليهم الإنسي بما يريدون من الشرك والذبح لغير الله والسجود لهم؛ فإنهم يخدمونه بما يريد، فيظن الإنس أن هذا الكاهن عنده خبر من الغيب، وأنه له خاصّية، والحقيقة أن هذا كله من الشيطان.\nوكانوا يحكِّمونهم في المنازعات والخصومات، وكان عند كل حي كاهن، يعني: عند كل قبيلة كاهن يحكم بينهم.\nفلما جاء الإسلام أبطل الله ذلك كله، لكن لا يزال عند بعض البوادي والجهّال نوع من هذا الشيء، يسألون الكُهّان، ويحكّمونهم، ويرجعون إليهم وقد جاء في الحديث: \"من أتى كاهنًا أو عَرَّافًا فصدّقه بما يقول فقد كفر بما أُنزل على محمَّد ﷺ\"\nفلا يجوز الذهاب إلى الكُهَّان والمشعوذين والدجّالين لا للعلاج، ولا للسؤال عن الأشياء الضائعة، ولا الأشياء الغائبة، وهذا كفر بما أنزل الله ﷾، ولا يجوز إقرارهم وتركهم، بل يجب القضاء عليهم، وإراحة البلاد والعباد منهم، لأنهم دُعاة كفر وشرك، يُفسدون العقائد، ويأكلون أموال النّاس بالباطل ويُحدثون الشر في","vol":"1","page":346},{"text":"وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"اجتنبوا السبع الموبقات\" قالوا: يا رسول الله، وما هنّ؟، قال: \"الشرك بالله..........\nــ\nالأمة، فلا يجوز تركهم وإقرارهم، فضلًا عن الذهاب إليهم وتصديقهم فيما يقولون، إنما هذا من عادات الجاهلية كما قال جابر ﵁.\nفالكُهَّان لا يأتون بالأخبار من عند أنفسهم، وإنما جاءتهم بها الشياطين؛ لما عبدوهم من دون الله، وأطاعوهم في معصية الله، وتقرّبوا إليهم بالعبادة.\nقال: \"وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: اجتنبوا \" أي: ابتعدوا، ولفظة: \"اجتنبوا\" أبلغ من: لا تفعلوا، لأن الاجتناب يعني: ترك الشيء وترك الأسباب الموصلة إليه.\n\"السبع\" أي: المعاصي السبع.\n\"الموبقات\" يعني: المهلكات.\n\"قالوا: يا رسول الله، وما هن؟ \" سألوه ﷺ: ما هي هذه السبع حتى نتجنبها؟، لأن الإنسان لا يمكن يتجنّب الشيء إلاَّ بعد أن يعرفه.\nففي هذا دليل على أنه يجب على المسلم أن يسأل عن الأمور المحرّمة، ويعرف الأمور الشركيّة، حتى يتجنبها.\nوهناك من يقولون: علّموا النّاس التّوحيد واتركوا الكلام في الشرك، والكلام في المحرّمات، علِّموهم الخير فقط، ولا تبيّنوا لهم الشرك والأمور المحرّمة.\nوهذا خداع من الشيطان، لأنه لا بد أن يعرف الإنسان الخير ويعرف الشر من أجل أن يعمل بالخير ويترك الشر، والله قدّم الكفر بالطاغوت على الإيمان بالله فقال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ وكيف يكفر بالطاغوت وهو لا يعرفه؟، لا بدّ أن يعرفه من أجل أن يكفر به، إلاَّ إذا لم يعرفه ظنّه خيرًا.\n\"قال: الشرك بالله\" هذا أكبر الكبائر، وأعظم الموبقات، وأعظم ذنب عُصي الله به.\nوما هو الشرك؟، الشرك هو عبادة غير الله ﷾، بأن يصرف له شيئًا من العبادة","vol":"1","page":347},{"text":"والسحرّ. وقتل النفس التي حرّم الله إلاَّ بالحق..........\nــ\nإما دعاءًا أو استغاثة: كأن يقول: يا سيدي فلان أغثني اشفني من المرض، أو يذهبون إلى القبور والأضرحة ويقولون: يا سيدي فلان أنا بحسبك، أغثني، أو اشفني من المرض، أو اعطني ولدًا، أو هب لي زوجة ... إلى آخره. وهذا شرك بالله ﷿، لأنه دعاء لغير الله.\nكذلك الذبح لغير الله، كان يذبح للقمر أو الضريح من أجل أن يُعطى ولدًا، أو يُدفع عنه البلاء، أو يُشفى من المرض، ينذر للقبور، هذا هو الشرك بالله ﷿.\nفليس الشرك مقصورًا على عبادة الأصنام، بل الشرك في كل ما صُرف لغير الله من العبادة أيًا كان المصروف له، سواء كان صنمًا أو قبرًا أو شجرًا أو حجرًا أو غير ذلك.\nوالشرك لا يغفره الله ﷿ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ .\nوالمشرك لا يدخل الجنة أبدًا، ومأواه النار، قال تعالى: ﴿فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾، ﴿حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ يعني: منعه من دخولها منعًا باتًا، ﴿وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ مقرّه ومصيره الأبدي ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ .\nثم قال ﷺ: \"والسحر\" وهذا محل الشاهد من الحديث، لأن السحر كفر وشرك بالله ﷿، وعطفه على الشرك من باب عطف الخاص على العام، وإلاَّ فالسحر نوع من أنواع الشرك، لكن الرسول ﷺ خصّه بالذكر، وعطفه على الشرك من باب عطف الخاص على العام من أجل الاهتمام بتجنبه.\n\"وقتل النفس التي حرّم الله إلاَّ بالحق\" النفس التي حرم الله هي نفس المؤمن ونفس المعاهد، فالمؤمن عصم الله دمه وماله وعرضه، فلا يجوز الاعتداء عليه، قال ﷺ: \"أُمرت أن أُقاتل النّاس حتى يقولوا: لا إله إلاَّ الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلاَّ بحقها، وحسابهم على الله ﷿\"، وقال ﷺ: \"إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا، ألاَّ هل بلغت؟ \".\nفالمؤمن حرّم الله قتله بغير الحق، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا","vol":"1","page":348},{"text":"وأكل الربا........\nــ\nفَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ .\nوكذلك الكافر المعاهَد، لا يجوز قتله، فقد جاء في الحديث: \"من قتل معاهَدًا لم يَرَحْ رائحة الجنة\".\nوقوله ﷺ: \"إلاّ بالحق\" أي: إلاَّ بسبب يبيح قتل المؤمن أو المعاهد، وقد بيّنه رسول الله ﷺ بقوله: \"لا يحل دم امرئ مسلم إلاَّ بإحدى ثلاث: الثّيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة\".\nو\"الثيب الزاني\" المراد به: المُحْصَن الذي تزوج ووطئ زوجته بنكاح صحيح، ثمّ زنى فإنه يُقتل، وكيفيّة قتله: أنه يُرجم بالحجارة حتى يموت، كما تواترت بذلك سنّة الرسول ﷺ، وذلك حماية للأعراض.\n\"والنفس بالنفس\" والمراد به: القصاص، إذا قتل مُكافِئًا له عمدًا عدوانًا، فإنه يُقتل قصاصًا، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾، وقال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)﴾، وذلك حماية للأنفس.\n\"والتارك لدينه المفارق للجماعة\" وهو المرتد، وهو الذي ارتكب ناقضًا من نواقض الإسلام، فهذا يُستتاب، فإن تاب ورجع إلى الإسلام وإلاَّ قُتل مرتدًا، حماية للدين من العبث.\nثم قال ﷺ: \"وأكل الربا\" والربا لغة: الزيادة، والمراد به هنا: زيادة مخصوصة في مال مخصوص، وهي الأصناف التي حرم الرسول ﷺ الزيادة فيها بقوله: \"الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبُرّ بالبُرّ، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، سواءً بسواء، يدًا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيفما شئتم إذا كان يدًا بيد\" وألحق جمهور العلماء بهذه الستة ما شابهها في العلة.\nوالربا من أكبر الكبائر بعد الشرك، قد توعّد الله عليه بأشد الوعيد، كما في آخر سورة البقرة: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ","vol":"1","page":349},{"text":"وأكل مال اليتيم. والتَّوَلِّي يوم الزَّحْف. وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات\".\nــ\nهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧٥) يَمْحَقُ اللهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦)﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ﴾، وقد لعن النبي ﷺ آكل الربا، وموكله، وشاهديه، وكاتبه، فالربا من أعظم الكبائر بعد الشرك.\nقوله: \"وأكل الربا\" ليس المراد خصوص الأكل، وإنما كل الاستعمالات: من أكله ولبسه وإهدائه، إلى غيره، كل استعمالات الربا حرام، وكذلك من ادّخره عنده أو جعله رصيدًا له في البنك.\nوإنما ذكر الأكل لأنه غالب وجوه الانتفاع، وإلاَّ فكل وجوه استعمالات الريا محرّمة.\nقال ﷺ: \"وأكل مال اليتيم\" المراد باليتيم: من مات أبوه وهو دون البلوغ، والواجب الإحسان إلى اليتيم، لأنه فقد أباه وعطفَه، فيجب على المسلمين أن يسدّوا محلّ والده بالإحسان إليه ورعايته، وإن كان له مال فيجب أن يحافظ عليه حتى يبلغ رشيدًا، ويسلم له ماله بالتمام، كما قال تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾ .\nلأن اليتيم ضعيف لا يستطيع أن يدافع عن نفسه، فإذا تسلّط عليه ظالم وأكل ماله فهذا من أعظم الظلم، وليس المراد خصوص الأكل، بل كل استعمالات مال اليتيم حرام، إلاَّ ما فيه مصلحة له.\nقال ﷺ: \"والتولِّي يوم الزحف\" التولي يوم الزحف، هو: الفرار من القتال بين المسلمين والكفار إذا حضر المعركة.\nفمن حضر المعركة بين المسلمين والكفار وهو يستطيع القتال فلا يجوز له أن ينصرف، بل يجب عليه أن يقاتل مع المسلمين، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦)﴾ .\nقال ﷺ: \"وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات\" المراد بالقذف: الرمي","vol":"1","page":350},{"text":"وعن جندت مرفوعًا: \"حَدّ الساحر ضربة بالسيف\" رواه الترمذي، وقال: \"الصحيح أنه موقوف\".\nــ\nبالفاحشة، من زنا أو لواط. والمراد بالمحصنات: العفيفات عن الزنا من الحرائر، ومثلهن الرجال العفيفون.\nوالواجب على المسلم أن يحفظ لسانه، ولا يرمي أحدًا بالزنى، أو باللواط، وإذا قذفه ولم يُقم البيّنة فإنه يُجلد ثمانين جلدة، قال تعالي: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ .\nوالشاهد من هذا الحديث: أن الرسول ﷺ عدّ السحر من السبع الموبقات.\nأما ما يُستفاد من هذه النصوص فهو كما يلي:\nأولًا: يُستفاد من هذه النصوص تحريم تعلّم السحر، وتعليمه، والعمل به، وأنه من السبع الموبقات، وأنه من الإيمان بالجبت وأنه كفر يخرج من الملة.\nثانيًا: في هذه النصوص الأمر بالابتعاد عن الكبائر خصوصًا، والمعاصي عمومًا، وترك أسبابها، لأن كلمة \"اجتنبوا\" معناها: أن الإنسان يترك الأسباب الموصِّلة إلى الحرام.\nثالثًا: يُستفاد من الحديث أن الشرك أكبر الكبائر، لأن الرسول ﷺ بدأ به في هذا الحديث، فدلّ على أن الشرك بالله أكبر الكبائر.\nقوله: \"عن جُندب\" قيل هو: جُندب بن عبد الله البَجَلي، وقيل غيره. والله أعلم.\n\"حدّ الساحر ضربه بالسيف\" المعنى: أن حكم الساحر وجوب قتله، لأنه يُفسد في الأرض، كما قال تعالى: ﴿مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾، فالساحر مفسد في الأرض، يجب قتله، وأيضًا هو كافر، والكافر يجب قتله، إن كان كافرًا أصليًا وجب قتله بكفره وإفساده، وإن كان مسلمًا ثمّ استعمل السحر وجب قتله لردّته.\nوالسحر ناقض من نواقض الإسلام، كما ذكر ذلك الشَّيخ في نواقض الإسلام العشرة، قال: \"ومنها تعلّم السحر، وتعليمه\".","vol":"1","page":351},{"text":"في صحيح البخاري عن بجالة بن عبدة، قال: كتب عمر بن الخطاب ﵁: \"أن اقتلوا كل ساحر وساحرة\"، قال: فقتلنا ثلاث سواحر.\nوصحَّ عن حفصه ﵂: \"أنها أمرت بقتل جارية لها سحرتها، فقُتلت\". وكذلك صح عن جندب.\nقال أحمد: \"صحّ عن ثلاثة من أصحاب النبي ﷺ\".\nــ\nقوله: \"وفي صحيح البخاريّ: عن بَجَالة بن عَبَدة، قال: كتب عمر بن الخطاب\" أمير المؤمنين، ثاني الخلفاء الراشدين، ﵃ أجمعين.\n\"أن اقتلوا كل ساحر وساحرة\" فهذا يؤيِّد حديث جُنْدب: \"حدّ الساحر: ضربه بالسيف\".\nإذا كان عمر بن الخطاب- أمير المؤمنين وثاني الخلفاء الراشدين- كتب إلى الأمصار وإلى ولاته: \"أن اقتلوا كل ساحر وساحرة\" واشتهر ذلك، والنبي ﷺ يقول: \"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهدييّن من بعدي\"؛ إذًا فقتل الساحر دلّ عليه الحديث، وفعل عمر بن الخطاب.\nوكان بَجَالة بن عَبَدة كاتبًاَ لبعض الوُلاة، فهو يذكر ما وصلهم من عمر.\nقال: \"فقتلنا ثلاث سواحر\" يعني: نفّذنا ما كتب به أمير المؤمنين، وسواحر: جمع ساحرة، وهي المرأة التي تتعاطى السحر.\nقال: \"وصحّ عن حفصة\" هي: حفصة بنت عمر بن الخطاب، أم المؤمنين ﵂.\n\"أنها أمرت بقتل جارية لها\" أي: مملوكة لها.\n\"سحرتها\"سحرت حفصة ﵂ فأمرت بقتلها.\nوهذا أيضًا فعل صحابيّة، وهي أم المؤمنين، أمرت بقتل مملوكتها لما سحرت.\nولذلك \"قال أحمد\" هو أحمد بن حنبل، إمام أهل السنّة، والصابر على المحنة، أحد الأئمة الأربعة المشهورين في الإسلام الذين بقِيت مذاهبهم حيّة، وله من الفضائل ﵀ الشيء الكثير، وكُتب في مناقبه وترجمته مؤلّفات، كان إمامًا في","vol":"1","page":352},{"text":"السنّة، ومناصرًا للحق، وصابرًا على المحنة، حتى ثبّته الله، وثبّت به عقيدة المسلمين من الزيغ حينما امتُحن النّاس بالقول بخلق القرآن، فثبت، وصبر على الجلد، وعلى السجن، وعلى الإهانة حتى أظهره الله، ونشر به الحق.\nقال: \"صح عن ثلاثة من أصحاب النبي ﷺ\" يعني: صح قتل الساحر عن عمر بن الخطاب، وحفصة أم المؤمنين، وجُنْدب، وهو جُنْدب بن كعب الأزدي الغامدي، وله قصة، وهي:\nأن الوليد كان يلعب عنده ساحر، ومن جملة سحره أنه يُظهر للناس بأنه يقتل الرجل ثمّ يحييه، حيث يستعمل القُمْرة، أي: السحر التخييلي، فيخيّل إلى النّاس أنه يقطع رأس الرجل ثمّ يعيد الرأس مكانه، فيما يظهر للنّاس، فجاء جُنْدب بن كعب ﵁ مُخْفيًّا السيف، فلما وصله قطع رأسه، وقال: إن كان صادقًا فليحيي نفسه.\nقتله غَيْرة على دين الله ﷿، وتحدِّيًا لهذا الساحر الذي يُحيي الموتى بزعمه، فبذلك بطلت هذه الحيلة الشيطانية، وانقشعت هذه القُمْرة، وتبيّن أنه كاذب.\nويُستفاد من هذه الآثار فوائد عظيمة:\nالفائدة الأولى: كُفر الساحر، لأن الصحابة قتلوه، وما قتلوه إلاَّ لكفره.\nهذا مع الآيات التي تدل على كفره، كقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾، يعني: ما استعمل السحر كما يظن اليهود، فدلّ على أن استعمال السحر كفر، ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾، يعني: سبب كفرهم أنهم ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ فدلّ على أن تعليم السحر كفر.\nوأن الله قال في الملكين: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى﴾ ينصحاه ﴿يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ يعني: نحن امتحان واختبار، فمن قبل السحر فهو كافر، ﴿فَلا تَكْفُرْ﴾ بتعلُّم السحر.\n﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا﴾ يعني: من الملكين، ﴿مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾، هذا دليل على أن السحر له حقيقة، وأنه يؤثِّر ويفرِّق بين المرء وزوجه بإحداث البغضاء، فهو دليل لمذهب أهل السنّة على أن السحر له حقيقة يؤثِّر، ولو لم يكن له حقيقة لم يؤثِّر البغضاء.","vol":"1","page":353},{"text":"ثمّ قال تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ﴾، أي: القدري الكوني، لأن الإذن على نوعين:\nالنوع الأول: القدري الكوني، الذي تنتج عنه المقدَّرات، خيرها وشرّها.\nوالنوع الثاني: الإذن الشرعي المذكور في هذه الآية: ﴿فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ أي: بشرعه.\nوهذا فيه: أن الإنسان يتوكّل على الله، ومن توكّل على الله كفاه شرّ السحرة وغيرهم، ولهذا أمر الله بالاستعاذة به من السحرة: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤)﴾ أي: من شر السواحر.\nثمّ قال جل وعلا: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ﴾، دلّ على أن تعلم السحر ضرر محض، ليس فيه مصلحة، لأن الأمور على خمسة أقسام:\nما كان ضررًا محضًا: ومنه السحر، والكفر والمعاصي.\nالنوع الثاني: ما كان مصلحة محضة، ليس فيه ضرر البتّة كالطاعات.\nالنوع الثالث: ما كان فيه مضرّة ومصلحة، لكن مضرّته أكثر من مصلحته.\nالنوع الرابع: ما كان مصلحته أكثر من ضرره، كالجهاد في سبيل الله على ما فيه من القتل والجراح.\nالنوع الخامس: ما تساوى ضرره ومصلحته.\nالموضع الرابع: مما يدل عدى كفر الساحر: وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ أي: قد علم اليهود أن من تعلم السحر وعلمه ما له نصيب في الجنة، وهذا هو الكافر.\nوالموضع الخامس: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ* وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ خَيْرٌ﴾، قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا﴾، أي: تركوا السحر، وهذا دليل على أن السحر كفر ينافي الإيمان، لكنهم لم يتركوا السحر بل اتخذوه بدل الإيمان فكفروا.\nفهده خمسة مواضع من هذه الآيات تدل على كفر الساحر، مع عمل الصحابة، وقتلهم للسحرة.","vol":"1","page":354},{"text":"وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾، دليل على كفر الساحر، حيث نفي فلاحه، والمؤمن يفلح ولو كان إيمانه ضعيفًا، ولو لم يكن عنده إلاَّ ذرّة من الإيمان فإنه يُفلح، وإن عُذِّب، والله نفى عن الساحر الفلاح مطلقًا، فدلّ على أنه كافر، والعياذ بالله.\nهذه المسألة الأولى، وهي مسألة مهمة جدًّا، ذكرنا فيها الأدلة التي تدلّ على كفر الساحر.\nوكفر الساحر مطلقًا كما ذكر الشارح هو مذهب الأئمة الثلاثة: أبي حنيفة، ومالك، وأحمد؛ يرون كفر الساحر، وقد سبقهم جمع من الصحابة.\nوالإمام الشافعي يقول: \"نقول للساحر: صف لنا سحرك، فإن وصفه بما يُقتضى الكفر فهو كافر، وإلاَّ فلا\".\nولكن هذا المذهب مرجوح، لأنه لا يمكن السحر إلاَّ بالتعاون مع الشياطين، والخضوع لهم، وحينئذ يكون كافرًا.\nالفائدة الثانية: في الحديث دليل على وجوب قتل الساحر قتل ردّة، لأنه صحّ عن ثلاثة من أصحاب النبي ﷺ: عمر وحفصة وجُنْدب، ولم يظهر لهم مخالف من الصحابة، فدلّ على وجوب قتله، لأنه مرتدّ، والمرتدّ يجب قتله لقوله ﷺ: \"من بدل دينه فاقتلوه\"، وقوله ﷺ: \"لا يحلّ دم امرئ مسلم إلاَّ بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة\" فالساحر من هذا القسم الأخير التارك لدينه المفارق لجماعة المسلمين. فيجب قتله.\nالفائدة الثالثة: في هذه الآثار دليل على أنه يُقتل ولا يُستتاب، لأنه لم يذكر في هذه الآثار أن الصحابة استتابوه، وإنما فيها أنهم قتلوه، ولم يذكر أنهم استتابوه.\nوأيضًا إذا تاب في الظاهر فعلم السحر لا يزول من قلبه، فهو وإن أظهر التوبة فإنه يُقتل في كل حال، لأن التوبة لا تزيل السحر من قلبه بعدما تعلّمه، ومن أجل دفع فساده، لأنه قد يُظهر التوبة وهو غير صادق، بل من أجل أن يتّقي القتل.\nقال الشارح: \"هذا قول الإمام مالك، ورواية عن الإمام أحمد\".","vol":"1","page":355},{"text":"والقول الثاني -وهو قول الشافعي-، ورواية عن أحمد-: أنه يُستتاب كغيره من المرتدّين، لأن المشرك يُستتاب، فالساحر- أيضًا- يُستتاب.\nولكن الرأي الأول أرجح، فيُقتل ولا يُستتاب لِغِلَظ ردّته، ولأجل كفِّ شرِّه عن المسلمين، ولأنه يُظهر التوبة ويخدع النّاس.\nلكن إن كان صادقًا في توبته فهذا فيما بينه وبين الله، أما الحد فلا يسقط عنه. وهذا حكمه في الدنيا.\nوعلى كل حال؛ أمر السحر أمرٌ خطير.\nوفي هذا الزمان كثر شرّ السحرة، وصاروا يستعملون السحر من أجل ابتزاز أموال الناس، واللعب عليهم، وأمر الأموال أخف من أمر العقيدة، وإن كانت الأموال شيئًا مهمًّا يجب الحفاظ عليه، ولكن العقيدة أهمّ، ووجود السحرة في المجتمعات الإسلامية وباء خطير فتَّاك، يجب علاجه، ويجب القضاء عليه.\nفالسحرة في العالم في هذا الزمان يقيمون نوادي، يجتمعون فيها، ومؤتمرات يعقدونها من أجل إهلاك البشر، وتعاظَم شرّهم وخطرهم، فيجب على المسلمين أن يحذروا منهم غاية الحذر، ويجب على من علم بوجود ساحر في البلد أن يبلِّغ ولاة الأمور عنه.\nولا يجوز الذهاب إلى السحرة وتصديق السحرة، فالسحرة مثل الكُهَّان أو شرّ من الكُهَّان، وقد قال النبي ﷺ: \"من أتى كاهنًا لم تُقبل له صلاة أربعين يومًا\"، وقال ﷺ: \"من أتى كاهنًا أو عرّافًا فصدّقه بما يقول فقد كفر بما أُنزل على محمَّد ﷺ\"، والسحر من الطاغوت ومن الجبت- كما سبق-، وهو شرّ من الكِهانة.\nوإذا كان الكاهن يجب على المسلمين هجره والابتعاد عنه، وأن من أتاه لا تُقبل صلاته أربعين يومًا، ومن صدقه يكفر بما أنزل على محمَّد ﷺ، فكيف يذهب بعض النّاس إلى السحرة والمشعوذين، وقد يأمرونه بالشرك، فيأمرونه بالذبح لغير الله؟! فالأمر خطير جدًّا\nفيجب على المسلمين أن يحذروا من هذا البلاء، ومن هذا الوباء، وهذا الخطر؛ أن لا يتفشَّى بين المسلمين.","vol":"1","page":356},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>[الباب الخامس والعشرون:]\n* باُب بيان شيء من أنواع السحر</span>\nــ\nمناسبة هذا الباب بعد الباب الذي قبله ظاهرة، لأنه في الباب الذي قبله بَيّن ما جاء من الأدلة في كتاب الله وسنّة رسوله في حكم السحر وحكم الساحر، فتطلَّعت الأنظار إلى أن يعرف النّاس ما هو السحر، وما هي أنواعه حتى يتجنّبوه.\nومن ثَمّ يتعيّن على العلماء وطلبة العلم أن يبيّنوا للناس الحق والباطل، أن يبينوا للناس الحق وأدلّته، وأن يبيّنوا للناس الباطل وأدلّته وأنواعه؛ من أجل أن يأخذوا بالحق على بصيرة، وأن يتركوا الباطل على بصيرة، وإلاَّ فإنه إذا لم يبيّن الحق والباطل التبس على الناس، وظنوا الحق باطلًا والباطل حقًّا.\nومن هنا يتعيّن على الدعاة وعلى الخطباء في المساجد وعلى المدرِّسين أن يعتنوا بهذا الأمر، وأن يبيّنوا للناس أمور عقيدتهم، وأمور دينهم.\nومما حمل المصنِّف- أيضًا﵀ على عقد هذا الباب: أن هناك خوارق تجري على أيدي بعض النّاس خارجة عن الأسباب المعروفة، مثل: المشي على الماء، والطَّيَران في الهواء، والإخبار عن الأشياء الغائبة، وإحضار الشيء البعيد.\nوهذه الخوارق إن جرت على أيدي الصالحين فهي كرامات من الله ﷾، والكرامات ثابتة عند أهل السنّة والجماعة، تجري على أيدي الصالحين إكرامًا لهم من الله ﷾، وقد تجري على أيدي الكفرة، والفسّاق، والمنافقين، فتكون هذه الخوارق شيطانية، يفتِنون بها الناس، ويلبِّسون بها على الناس، وهي إما سحر، وإما بسبب استخدام هؤلاء الفسّاق للشياطين، فيخدمهم الشياطين بهذه الأمور التي ليست من مقدور بني آدم، وإما أن لها أسبابًا خفيّة لم تظهر للنّاس من حِيَل، يعملونها.\nفمن أجل التباس الحق بالباطل في هذه الخوارق أراد الشَّيخ أن يعقد هذا الباب ليبيّن أن هذه الخوارق من السحر، وليست من الكرامات.\nفيجب أن نعرف هذا الباب، والفرق بين الكرامات وخوارق الشيطان، لئلا يلتبس الأمر، ولئلا يتخذ المخرِّفون والمنحرفون الخوارق الشيطانية دليلًا على الولاية لله ﷿، فيعبدون هؤلاء من دون الله ﷿.","vol":"1","page":357},{"text":"قال أحمد: حدّثنا محمَّد بن جعفر، حدّثنا عوف، وحدّثنا حَيَّان بن العلاء، حدّثنا قَطَن بن قَبِيصة، عن أبيه، أنه سمع النبي ﷺ قال: \"إن العِيافة والطَّرْق والطِّيَرة من الجبت\".\nال عوف: العِيافة: زجر الطير. والطَّرْق: الخطُّ يُخطُّ بالأرض.\nوالجبت: قال الحسن: رنّة الشيطان. إسناده جيّد.\nــ\nقوله: \"قال أحمد: حدَّثنا محمَّد بن جعفر\" المراد به: غُنْدُر.\n\"حدثنا عوف \" هو: عوف بن أبي جميلة، المسمى بعوف الأعرابي، إمام ثقة مشهور.\n\"حدثنا حيان بن العلاء\" حيان- بالياء المثنّاة- بن العلاء، بصريٌّ مقبول.\n\"حدثنا قَطَن بن قَبِيصة\" قَطَن بن قَبِيصة تابعي، بصري ثقة.\n\"عن أبيه\": قَبِيصة بن المُخَارق الهلالي، صحابي معروف.\n\"أنه\" يعني: قبيصة﵁-.\n\"سمع النبي ﷺ قال: \" إن العِيافة والطَّرْق والطِّيَرة من الجبت\".\nوتفسير هذه الألفاظ مروي عن: \"عوف\"، وهو: عوف بن أبي جميلة، المسمى بعوف الأعرابي؛ أحد رواة هذا الحديث.\nقال: \"العيافة: زَجْر الطير\" ومعناه: التشاؤم بأصواتها وأسمائها ومسارها.\n\"والطَّرْق: الخطُّ يخطّ في الأرض\" من أجل استطلاع الأمور الغائبة، وهي طريقة جاهلية، وهم لا يعلمون بها الغيب بذاتها، وإنما الشياطين هي التي تأتي لهم بما يريدون إذا تقرّبوا إليهم بالعبادة، وكفروا بالله ﷿، لأن الشياطين تريد إضلال بني آدم مهما استطاعت. قوله:\n\"قال الحسن \" هو الحسن البصري إمام التابعين.\n\"الجبت: رنّة الشيطان\" أي: صوت الشيطان، وصوت الشيطان يشمل أشياء كثيرة، منها: الأغاني والمزامير، قال تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ .\nوصوت الشيطان: كل كلام باطل، وكل كلام كفر أو شرك.\nفهذا فيه بيان الشيء من أنواع السحر:","vol":"1","page":358},{"text":"ولأبي داود والنسائي وابن حبّان في \"صحيحه\" المسند منه.\nوعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: \"من اقتبس شُعبة من النجوم، فقد اقتبس شُعبة من السحر، زاد ما زاد\" رواه أبو داود، وإسناده صحيح.\nــ\nفالعِيافة نوع من أنواع السحر.\nوالطَّرْق نوع من أنواع السحر.\nوالطِّيَرة نوع من أنواع السحر.\nكلها من أنواع السحر؛ لأنها من الجبت، والجبت السحر كما سبق، فالسحر إذًا كلمة عامة تجمع شرورًا كثيرة، إما قولية، وإما عمليّة.\nثم قال المصنِّف ﵀: \"إسناده جيّد\" أي: إسناد الإمام أحمد جيد، لأن رواته ليس فيهم أحد مجروح.\nقال: \"وروى أبو داود والنسائي وابن حيان في صحيحه المسنَدَ منة\" أي: رووا أصل الحديث، دون التفسير المذكور الذي ذكره عوف.\n\"وأبو داود\"، هو الإمام المشهور، سليمان بن الأشعث، صاحب السنن المشهورة بسنن أبي داود وهي إحدى السنن الأربع.\n\"والنسائي\" هو: أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي، الإمام الجليل، صاحب \"السنن الكبرى\" إحدى السنن الأربع.\n\"وابن حبّان في صحيحه\" ابن حبّان هو: أبو حاتم، محمَّد بن حبان البُسْتي، صاحب الصحيح المسمّى بـ\"صحيح ابن حبان\".\nقال: \"وعن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"من اقتبس شُعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر، زاد ما زاد\" رواه أبو داود، وإسناده صحيح\".\nقوله ﷺ: \"من اقتبس شُعبة\" يعني: تعلَّم. والشُّعبة: الطائفة أو القطعة.\n\"من النجوم\" يعني: من علم التنجيم.\nوالتنجيم معناه: اعتقاد أن النجوم تؤثِّر في الكون،- كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية- هو: نسبة الحوادث الأرضيّة إلى الأحوال الفلكيّة.","vol":"1","page":359},{"text":"وللنسائي من حديث أبي هريرة: \"من عقد عُقْدة ثمّ نفث فيها فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك، ومن تعلَّق شيئًا وُكِل إليه\".\nــ\nولا تزال آثار هذه الخصلة الجاهلية في عصرنا الحاضر فيما يظفر عند المنجِّمين والذين يذهبون إليهم، وبما يُكتب في بعض الصُّحف والمجلاّت من أحوال البُرُوج، لأن نسبة هذه الأمور إليها في طلوعها أو غروبها، أو إلى الأفلاك في تحرُّكها؛ شرك بالله ﷿، لأن الذي يدبِّر النجوم، ويدبِّر الأفلاك، ويدبِّر الكون كله هو الله ﷾، فيجب أن نؤمن بذلك. أما النجوم، وأما الأفلاك، وأما جميع المخلوقات فليس لها تدبير، وليس لها إحداث شيء، أو جَلْبُ نفع، أو دفع ضر إلاَّ بإذن الله ﷾، فالأمر يرجع كلّه إلى الله. ويجب على المسلم أن يعتمد على الله، وأن يتوكّل على الله، ولا يتأثّر بما يقوله المنجِّمون والفلكيُّون.\nأما تعلّم حساب منازل القمر من أجل معرفة مواقيت العبادات، ومواقيت الزراعة والبذور؛ فلا بأس به، وهذا ما يسمِّيه العلماء بعلم التَّسْيِير.\nوأما الاعتقاد بالنجوم بأنها تؤثِّر فهو علم التَّأْثير، وهو المحرّم.\nقوله: \"فقد اقتبس شُعبة من السحر\" وهذا هو الشاهد من الحديث للباب، حيث دلّ على أن التنجيم نوع من أنواع السحر، لأن كلًاّ من المنجِّم والساحر يدّعي علم الغيب الذي اختص الله تعالى بعلمه.\nوقوله: \"زاد ما زاد\" يعني: كل ما زاد من الاقتباس زاد من السحر، فمُقِلٌّ ومُسْتَكْثِر. فهذا تحذير من الرسول ﷺ.\nفالإنسان لا يجوز له أن يتعلم التنجيم الذي عليه المشركون، لأنه سحر وشرك بالله ﷾، وادِّعاءٌ لعلم الغيب الذي لا يعلمه إلاَّ الله ﷾.\nوالنجوم إنما خُلقت لفوائد بيّنها الله ﷾ في كتابه\nقال: \"وللنسائي من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: \"من عقد عُقدة\" هذا من عمل السحرة؛ يعقدون الخيوط ثمّ ينفثون فيها، والنفث هو: النفخ مع الرِّيق، ينفث فيها من ريقه الخبيث، لأنه متكيِّف بالشيطان، فريقه ممزوج بالخُبث وتأثير الشيطان.","vol":"1","page":360},{"text":"وقد يضرّ من وُجّه إليه بإذن الله ﷿، كما قال تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ﴾ .\nوقد أمر الله نبيّه بالاستعاذة منه في سورة الفلق، قال تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤)﴾، ﴿النَّفَّاثَاتِ﴾: السواحر، و﴿الْعُقَدِ﴾ هي: العُقد التي في الخيوط.\nوقوله: \"فقد سحر\" يدل على أن هذا العمل سحر.\nوقوله: \"ومن سحر فقد أشرك\" هذا هو الشاهد من الحديث؛ أن من أنواع الشرك: عقد العُقد والنفث فيها بقصد السحر، لأن الساحر لا يتوصّل إلى سحره إلاَّ بالاستعانة بالشياطين، وإذا استعان بالشياطين فقد أشرك بالله ﷿.\nقوله: \"ومن تعلّق شيئًا وُكِل إليه\" أي: من اعتقد في شيء من دون الله أنه ينفع أو يضر وَكَله الله إلى ذلك الشيء.\nفمن اعتقد في السحرة والكُهّان والمشعوذين والمنجِّمين والأموات والأولياء أنهم ينفعون أو يضرُّون من دون الله وُكِل إليهم؛ عقوبةً له، وتخلّى الله ﷾ عنه، وَوَكَله إلى هؤلاء الذين لا يملكون ضرًّا ولا نفعًا، ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا، ولا وتنقطع صلته بالله الذي بيده المُلْك، والذي بيده الخير، والذي يرحم عباده ويرزقهم، ويكلِه الله إلى هذه المخلوقات الضعيفة، لأنه اعتمد عليها، وتوكّل عليها، وخاف منها، ورجاها، فيوكل إليها.\nفمن ذهب إلى مشعوذ يريد منه العلاج والشفاء من المرض وَكَله الله ﷾، ومن سأل كاهنًا أو عرَّافًا عن شيء من الأشياء وَكَله الله إليه إذ اعتمد عليه.\nومن توكّل على الله، وتعلّق بالله ﷾، وخاف الله ورجاه فإن الله يتولّى أمره، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾، فالذي يتوكّل على الله، ويؤمن بالله، ويعتمل! على الله؛ فإن الله يكفيه، ويصونه من شر عباده، قال تعالى ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾،.\nفمن توكّل على الله كفاه، ومن تركل على غير الله وَكَله الله إلى ضعيف، عاجز لا يُغني عنه من الله شيئًا، لا في الدّنيا ولا في الآخرة.","vol":"1","page":361},{"text":"وعن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: \"ألا هل أنبئكم ما العَضْةُ؟ هي النميمة، القالة بين الناس\" رواه مسلم.\nــ\nأما في الدّنيا فيكِله الله إلى هؤلاء الذين يضلُّونه، ويُفسدون عقيدته، أو يوهِّمونه، ويتسلَّطون عليه حتى يعيش عيشة القلق والأوهام والضّعف والخَوَر.\nولذلك نجد الخرافيّين والقبوريين دائمًا في قلق، ودائمًا في خوف، ودائمًا في ذلّ، لأنهم تعلَّقوا بغير الله.\nأما في الآخرة فمعلوم مصيره إن لم يتب.\nونجد الموحِّدين الصادقين في قوة وفي أمن، وفي سرور بال وراحة نفس وطُمأنينة، لأنهم توكّلوا على الله.\nومن عبد الله وحده تولى الله أمره في الدُنيا والآخرة، ونجاه من العذاب، وأدخله الجنة.\nومن عبد الشياطين والمخلوقين والقبوريين وغير ذلك وَكَله الله إليهم يوم القيامة، يقول لهم: اذهبوا إلى من كنتم تعبدونهم في الدنيا، وإذا ذهبوا إليهم تبرأوا منهم: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾، ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥)﴾، هذا في الدّنيا.\nوفي الآخرة: ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (٦)﴾، وقت الحاجة ووقت الخطر كفروا بعبادتهم وتبرأوا منهم، فيذهبون إلى النار، لأنهم لم يعقدوا مع الله صلة تصلهم بالله ﷿، ولم يعبدوا الله ويوحِّدوه، بل عبدوا غيره.\nقال: \"وعن ابن مسعود\" ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: \"ألا هل أنبئكم ما العَضْةُ؟ \"\" العضه: السحر، أي: ما هو السحر؟.\nوهذا فيه التعليم وطريقة السؤال الجواب، لأن ذلك أوقع في النفس، إذا صار الشيء مهمًّا وخطيرًا فإنه يُلقى على النّاس بطريق السؤال، من أجل أن يتنبّهوا.\nثمّ قال ﷺ في الجواب: \"هي النميمة\" وهذا لبيان خطر النميمة، كأن النبي ﷺ حصر السحر فيها تحذيرًا منها.\nولماذا صارت النميمة بهذه الخطورة؟، لأن النميمة تعمل عمل السحر، فتفرِّق","vol":"1","page":362},{"text":"ولهما عن ابن عمر ﵄ رسول الله ﷺ قال: \" إن من البين لسحرًا\".\nــ\nبيّن النّاس كما يفرِّق بينهم السحر، بل هي أشد، كما قال بعضهم: \"يُفسد النمّام في ساعة ما يُفسده الساحر في سنة\"، فالنميمة أشدّ تأثيرًا من السحر، لأنها تفرِّق بين المسلمين والسحر إنما يؤثر فيمن وقع عليه.\nوالنميمة معناها: نقل الحديث بين النّاس على وجة الوشاية والإفساد، يذهب إلى شخص فيقول له: إن فلانًا يسبُّك ويتنقَّصك، ويقول فيك كيت وكيت. ثمّ يغضب هذا الشخص على فلان. ثمّ يذهب إلى الثاني، ويقول: إن فلانًا يقول فيك كذا وكذا، ويسبّك، ويتنقّصك. فيغضب هذا على هذا، وهذا على هذا، ثمّ تقوم القطيعة بين الوالد وولده، وبين الأخ وأخيه، وبين المسلم وأخيه المسلم، حتى ربّما تقوم الحروب الطاحنة بين النّاس بسبب النميمة.\nوالنميمة من الكبائر، وقد بين النبي ﷺ أن النميمة من أسباب عذاب القبر، كما جاء في الحديث أن النبي ﷺ مرّ بقبرين فقال: \"إنهما ليعذّبان، ما يعذّبان في كبير، أما إنه كبير، أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستبرئ من بوله\".\nفدلّ على أن النميمة تسبِّب عذاب القبر.\nوفي الحديث الصحيح: \"لا يدخل الجنة نمّام\" وفي رواية: \"لا يدخل الجنة قتّات\".\nوالنمام ليس له حكم الساحر، فلا يكفر كما يكفر الساحر.\nوإنما النميمة محرَّمة كما يحرُم السحر، إلاَّ أن السحر كفر، والنميمة فسق.\nقال: \"ولهما\" أي للشيخين: البخاري ومسلم.\n\"من حديث ابن عمر ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: \"إن من البيان لسحرًا\"\" البيان هو: البلاغة والفصاحة، لأن النّاس يُصغون إلى المتكلِّم إذا كان فصيحًا في كلامه، وبليغًا في منطقه، بخلاف ما إذا كان ثَرْثَارًا، فإنهم لا يُصغون إلى كلامه، ويستثقلونه، ويملُّون من سماعه، فإن استعمل هذه القوّة البيانيّة في الخير والدفاع عن","vol":"1","page":363},{"text":"الحق، والردّ على الباطل، فهو مأجور، أما إن استعملها بضدّ ذلك، فاستعملها في نُصرة الباطل، وهدم الحق فهو آثم، وهذا هو المذموم.\nوالنبي ﷺ لم يذم البيان مطلقًا، وإنما ذم البيان الذي يقلب الحق باطلًا والباطل حقًّا، فإن البليغ الفصيح يستطيع بأسلوبه أن يزيّن للناس الباطل، وان يزوّره بكلامه حتى يظنّوه صحيحًا، ويستطيع أن يؤثِّر على الحق حتى يخيّل إلى النّاس أنه باطل.\nفالواجب على المسلم إذا أعطاه الله مقدرة في الكلام والمحاورة أن يستعمل هذا في طاعة الله ﷾، وفي الدعوة إلى الخير، وترغيب النّاس في الخير، وتنفيرهم من الشرّ.\nأما أن يستعمله بضدّ ذلك بأن يستعمله بالكلام في أعراض العلماء الربانيين وتبديعهم، وتجهيلهم؛ فهذا من السحر.\nأو يستعمله في تزيين الشرك، وعبادة القبور، وتزيين البدع والخرافات والمحدثات؛ فهذا من السحر، لأن السحر يقلب الحق باطلًا والباطل حقًّا، كذلك البليغ الذي يستعمل فصاحته في الدعوة إلى الشر.\nوما ضلّ كثير من النّاس إلاَّ بسبب الدعاة البُلغاء المنحرفين إما في الإذاعات، وإما في الصحف، وإما فوق المنابر، وإما في مدرّجات الجامعات، إذا تكلموا استمالوا الحاضرين، وملئوا أدمغتهم بكلام مزوّر، حتى يخرجوا وهم يُبغضون الحق ويحبون الباطل- والعياذ بالله-، فهذا خطر عظيم.\nما يًستفاد من هده الأحاديث:\nأولًا: في حديث قبيصة ﵁ أن العِيَافة والطَّرْق والطِّيُرة من الجبت، والجبت هو السحر، وكما سبق: أن الجبت كلمة عامة تشمل السحر، وتشمل الكهانة، وتشمل العِيَافة، وتشمل الخطّ يخطّ في الأرض. يعني: تشمل كل ما فيه ادّعاءٌ لعلم الغيب.\nثانيًا: في حديث ابن عباس تحريم تعلّم التنجيم، وأنه نوع من أنواع السحر.\nثالثًا: في حديث أبي هريرة أن عقد الخيوط والنفث فيها بقصد التأثير","vol":"1","page":364},{"text":"والإضرار بالنّاس أن هذا سحر، ومن سحر فقد أشرك، فالسحر نوع من أنواع الشرك، لأن الساحر يستعين بالشيطان، ويتقرّب إلى الشيطان، وهذا هو الشرك.\nرابعًا: في حديث أبي هريرة أن من تعلّق على السحرة والمشعوذين والدجّالين أنه يوكل إليهم، ويتخلى الله ﷾ عنه، وإذا تخلى الله عنه وَوَكَله إلى غيره هلك.\nخامسًا: في حديث ابن مسعود ﵁ تحريم النميمة، وأنها من الكبائر، وأنها نوع من أنواع السحر.\nسادسًا: في حديث ابن عمر تحريم البلاغة التي تُستخدم لنصر الباطل والدعوة إليه، والتنفير من الحق، وتشويه الحق، وأن هذا نوع من أنواع السحر.","vol":"1","page":365},{"text":"[الباب السادس والعشرون:]\n* بابُ ما جاء في الكهان ونحوهم\nــ\nمناسبة هذا الباب لما قبله: أن ما قبله في بيان السحر وحكم الساحر، وبيان بعض أنواع السحر. وهذا في حكم الكُهّان، وذلك للتشابه بين الكُهّان والسحرة، لأن كلًاّ من السحر والكهانة عمل شيطاني يُنافي العقيدة ويضادّها.\nوالشيخ ﵀ في هذا الكتاب يبيّن العقيدة الصحيحة، ويبيّن ما يضادّها من الشركيّات والكفريّات أو ينقصها من البدع والمحدثات.\nوهذه هي الطريقة الصحيحة المتمشِّية مع الكتاب والسنّة؛ أنه يبيّن الخير ويوضِّحه، ثمّ يبيّن ضدّه من الشر؛ من أجل أن يكون المسلم على حذر، لأنه لا يكفي أن الإنسان يعرف الخير فقط، بل لابد مع معرفته للخير أن يعرف الشر؛ من أجل أن يتجنّبه، وإلاَّ إذا لم يعرف الشر فإنه حريٌّ أن يقع فيه وهو لا يدري بل قد يظنه خيرًا.\nفقوله: \"باب ما جاء في الكُهّان ونحوهم \" يعني: ومن كان مثلهم من العرّافين والرّمّالين وغير ذلك، لأن هذا باب يشمل كل ما هو من نوع الكِهانة.\nوالكِهانة معناها: ادّعاء علم الغيب، بطرق شيطانية.\nفالكاهن هو: الذي يُخبر عن المغيبّات من الأشياء المستقبَلَة، والأشياء المفقودة والضالّة، بسبب أنه يخضع للشياطين، لأن الشياطين عندهم مقدرة ليست عند الإنس، فهم يرتفعون في الجوّ ويحاولون استراق السمع من السماء، ثمّ يُخبرون بما يسمعون من يخضع لهم من الإنس، ثمّ هذا الإنسي يأخذ الكلمة التي سُمعت من السماء، ويكذب معها مائة كذبة، من أجل أن يلبِّس على النّاس.\nولا تُخبره الشياطين إلاَّ إذا أطاعهم، وكفر بالله ﷾، وأشرك بالله، ونفّذ ما تمليه عليه الشياطين من الكفر والشرك، وإلاَّ فالشياطين لا تطيع المؤمن، الموحّد لأنه لا يطيعها، وإنما تطيع من يأتي على رغبتهم في الكفر بالله والشرك بالله.\nوكانت الكهانة سوقًا رائجة عند العرب في الجاهلية، وكان الكُهّان لهم شأن عند العرب، كل قبيلة لها كاهن يتحاكمون إليه، وكانت الشياطين تسترق السمع،","vol":"1","page":366},{"text":"روى مسلم في صحيحه عن بعض أزواج النبي ﷺ عن النبي ﷺ قال: \"من أتى عرّافًا فسأله عن شيء فصدّقه بما يقول، لم تُقبل له صلاة أربعين يومًا\".\nــ\nوتُخبر به هؤلاء الكُهّان، فلما أراد الله بعثة نبيه محمدًا ﷺ حُرست السماء بالشُّهب، ومنعوا من استراق السمع. كما قال تعالى حكاية عن الجن في أول سورة الجن: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (٩)﴾ .\nفلما بعث الله نبيّه محمّدًا ﷺ قَلّت الكِهانة عمّا كانت عليه في الجاهلية، وذلك لظهور الإسلام، ومعرفة الحق من الباطل، لكن لهم وجود مستمرّ إلى يومنا هذا.\nوكلما فشا الجهل في الأمة ظهر الكُهّان، وكلما كثر العلم والتمسك بالدين والعقيدة الصحيحة قلّ الكُهّان، أو انقرضوا.\nفالجهات التي فيها توحيد، وفيها إسلام صحيح، لا يوجد فيها كُهّان، وإن وُجدوا فإنهم لا يظهرون، ولا يُعرفون إلاَّ نادرًا.\nأما المجتمعات الهمجيّة، والمجتمعات التي فشا فيها الجهل والخرافات، فإن الكُهّان يكثرون فيها، وتكون لهم سوق رائجة فيها، كما كانت لهم في الجاهلية.\nفمن أجل ذلك عقد الشَّيخ ﵀ هذا الباب في موضوع الكُهّان، وبيان حكمهم، وحكم من يأتي إليهم وحكم من يسألهم ويصدّقهم؛ من أجل أن يكون المسلمون على حذر منهم، وأن لا يغتروا بهم، ولو ظهروا للناس باسم أطبّاء أو معالجين أو أصحاب خِبرة، فإن هذه الأسماء أسماء خدّاعة، لا تغيّر الحقيقة، فالكاهن كاهن مهما تسمّى بالأسماء التي يستتر بها.\nقال: \"روى مسلم في صحيحه عن بعض أزواج النبي ﷺ\" ورد في رواية أخرى بأنها حفصة بنت عمر بن الخطاب ﵄.\n\"عن النبي ﷺ قال: \"من أتى عرَّافًا\" العرّاف قيل: هو الذي يُخبر عن الأمور الغائبة عن طريق الحَدْس والتّخمين والظّن. وقيل: هو الكاهن. فلا فرق بينهما -كما سيأتي في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية-؛ أن العرَّاف اسم عام يدخل فيه كلّ من أخبر عن المغيّبات، سواء عن طريق الشياطين، أو عن طريق الحَدْس والتّخمين،","vol":"1","page":367},{"text":"وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: \"من أتى كاهنًا فصدَّقه بما يقول؛ فقد كفر بما أُنزل على محمَّد ﷺ\" رواه أبو داود.\nــ\nأو عن طريق الخطّ في الرّمل، أو قراءة الكف والفِنْجَان، أو غير ذلك.\n\"فصدَّقه بما يقول لم تُقبل له صلاة أربعين يومًا\" هذه اللَّفظة (فصدَّقه) ليست في صحيح مسلم، وإنما وردت في رواية الإمام أحمد في المسند، والذي في صحيح مسلم: \"من أتى عرَّافًا لم تُقبل له صلاة أربعين يومًا\"، فالحكم مرتّب على مجيء العرَّاف فقط، لأن إتيان العرّاف والذهاب إليه جريمة ومحرم حتى ولو لم يصدِّقه.\nولهذا لما سأل معاوية بن الحكم رسول الله ﷺ عن العرَّافين قال: \"لا تأتهم\" فالنبي ﷺ نهاه عن مجرّد إتيانهم.\nفهذا الحديث يدلّ على تحريم الذهاب إلى العرَّافين، حتى ولو لم يصدِّقهم، ولو قال: أنا أذهب من باب الإطلاع، فهذا لا يجوز.\n\"لم تُقبل له صلاة أربعين يومًا\" في رواية: \"أربعين يومًا وليلة\".\nفدلّ هذا على شدّة عقوبة من يأتي العرَّاف، وأن صلاته لا تُقبل عند الله، ولا ثواب له عند الله فيها، وإن كان لا يؤمر بالإعادة، لأنه صلّى في الظاهر، لكن فيما بينه وبين الله صلاته لا ثواب له فيها لأنها غير مقبولة.\nوهذا وعيد شديد يدلّ على تحريم الذهاب إلى العرَّافين مجرّد الذهاب، ولو لم يصدِّق، أما إذا صدّقهم فسيأتي في الأحاديث ما عليه من الوعيد الشديد، والعياذ بالله.\nقال: \"وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: \"من أتى كاهنًا ... إلخ\" هذا الحديث فيه شيئًان:\nالشيء الأول: المجيء إلى الكاهن.\nوالشيء الثاني: تصديقه بما يخبر به من أمر الكِهانة.\nوحكمه: أنه يكون كافرًا بما أنزل على محمَّد ﷺ، لأنه لا يجتمع التصديق بما أنزل على محمَّد والتصديق بما عند الكُهّان من عمل الشياطين. ضدّان لا يجتمعان، لا يمكن أن يصدِّق بالقرآن ويصدِّق بالكِهانة.","vol":"1","page":368},{"text":"وللأربعة والحاكم- وقال: صحيح على شرطهما- عن أبي هريرة: \"من أتى عرَّافًا أو كاهنًا فصدّقه بما يقول؛ فقد كفر بما أُنزل على محمَّد ﷺ\".\nولأبي يعلى بسند جيّد عن ابن مسعود مثله موقوفًا.\nــ\nوظاهر هذا أنه يخرج من الملّة.\nوعن أحمد روايتان في نوع هذا الكفر: رواية أنه كفر أكبر يُخرج من الملّة.\nورواية أنه دون ذلك. وفيه قول ثالث: وهو التوقّف، وأن يُقرأ الحديث كما جاء من غير أن يفسِّر بالكفر الأكبر أو الكفر الأصغر، فنقول ما قاله الرسول ﷺ ويكفي.\nولكن الظاهر- والله أعلم- هو القول الأول؛ أنه كفر يُخرج من الملّة، لأنه لا يجتمع التصديق بالقرآن والتصديق بالكهانة، لأن الله أبطل الكِهانة، وأخبر أنها من عمل الشياطين، فمن صدّقها وصوّبها كان كافرًا بالله كفرًا أكبر. هذا هو الظاهر من الحديث.\nقال: \"وللأربعة والحاكم وقال: صحيح على شرطهما- عن أبيص هريرة: من أتى عرَّافًا أو كاهنًا ... الخ\" في هذا الحديث جمع بين الاثنين: العرَّاف والكاهن، فإذا جُمع بينهما فالكاهن هو: الذي يُخبر عن المغيّبات بسبب ما تُلقيه عليه الشياطين. وأما العرّاف فهو الذي يُخبر عن المغيّبات بسبب الحَدْس والتّخمين والخطّ في الأرض، وما أشبه ذلك.\nفإذا ذُكر الاثنان جميعًا صار لكل واحد معنى.\nأما إذا ذُكر الكاهن وحده دخل فيه العرّاف، وإذا ذُكر العراف وحده دخل فيه الكاهن.\nقال: \"ولأبي يعلى\" أبو يعلى هو: أبو يعلى الموصلي، الإمام الحافظ.\n\"بسند جيّد عن ابن مسعود مثله\" أي: مثل حديث أبي هريرة: \"من أتى عرَّافًا أو كاهنًا فصدَّقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمَّد ﷺ\" إلاَّ أنه موقوف على ابن مسعود، ولم يُرفع إلى النبي ﷺ، والموقوف: ما كان من كلام الصحابي.\nفهذا يؤيّد ما سبق.","vol":"1","page":369},{"text":"الأحاديث كلها تدل على تحريم الذهاب إلى الكهان والعرّافين، وتصديقهم بما يقولون.\nفقد دلت هده الأحاديث على مسائل:\nالمسألة الأولى: بُطلان الكِهانة ومشتقّاتها من العِرافة وغير ذلك من دعاوى علم الغيب، وأن هذا كله باطل، لأن الغيب لا يعلمه إلاَّ الله ﷾، قال تعالى ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللهُ﴾، والنبي ﷺ يقول الله عنه: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾، فالرسول لا يعلم الغيب إلاَّ ما علمه الله، كما قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧)﴾، فقد يطلع الله أنبياءه على شيء من الغيب من أجل إقامة الحجّة على الخلق، وتكون معجزة لهذا الرسول.\nالمسألة الثانية: في الحديث دليل على وجوب تكذيب الكُهّان ونحوهم، وأن لا يقع في نفس الإنسان أدنى شك في كذبهم، فمن صدّقهم، أو شك في كذبهم، أو توقّف؛ فقد كفر بما أُنزل على محمَّد ﷺ، لأنه يجب الجزم بكذبهم.\nالمسألة الثالثة: فيه دليل على تحريم الذهاب إلى الكهّان ولو لم يصدِّقهم، وأنه إذا فعل ذلك لم تُقبل له صلاة أربعين يومًا.\nالمسألة الرابعة: فيه دليل على أن تصديق خبر الكُهّان كفر بما أنزل الله على رسوله محمَّد ﷺ، والذي أنزل الله على رسوله هو الكتاب والسنّة.\nالمسألة الخامسة: تدلّ هذه الأحاديث على وجوب معاقبة الكهان ومن يذهب إليهم من قِبَل ولاة الأمور، لأجل إراحة المسلمين من شرّهم، ووقاية المجتمع من خطرهم، لأن خطر الكُهّان في المجتمع خطر شديد يقضي على عقيدة التّوحيد، وينشر الخوف والرّعب بين الناس، لأن هؤلاء الكُهّان يُرهبون النّاس بما يقولون لهم من الكذب والوعيد والترهيب حتى يخيفوهم، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦)﴾، يعني: خوفًا.\nفهؤلاء وجودهم في المجتمع يسبب الإرهاب، ويسبب التشويش على عقول الناس، والخوف، ويروِّجون الكذب والشر، حتى يُصبح النّاس في خوف وقلق","vol":"1","page":370},{"text":"عن عمران بن حصين مرفوعًا: \"ليس منا من تَطَيَّر أو تُطُيِّر له، أو تَكَهَّن أو تُكُهِّن له، أو سَحَر أو سُحِر له، ومن أتى كاهنًا فصدقه بما يقول؛ فقد كفر بما أنزل على محمَّد ﷺ\" رواه البزار بإسناد جيد.\nــ\nبسبب الكهّان، يأتونهم ويقولون لأحدهم: إن فلانًا عمل لك سحرًا، أو ربطك، أو ربط فيك الجن، أو غير ذلك من أكاذيبهم وإرجافاتهم.\nقال: \"وعن عمران بن حصبن مرفوعًا: \"ليس منا من تطيّر أو تطيّر له\" الطيرة: سيأتي لها باب خاص. وهذا الحديث كالذي سبقه، يدل على تحريم الكِهانة، والذهاب إلى الكهان، لأنهم يفسدون عقيدة من يذهب إليهم، وبعضهم ربما تظاهر بذكر اسم الله أو يصلي، أو غير ذلك، حتى يقول من رآه: رأيته يصلي، رأيته يذهب للمسجد.\nوما كل مَنْ يصلي يصير مسلمًا، قد يصلي الإنسان ويزكِّي ويصوم ويحج وهو كافر، إذا فعل ذلك نفاقًا أو ارتكب ناقضًا من نواقض الإسلام، فالكاهن لو صلى ولو صام ولو حج، ولو تصدّق ولو زكّى لا تُقبل أعماله لأنه مشرك كافر، وكذلك الساحر.\nوبعضهم يقول: أنا انتفعت من ذهابي إلى هؤلاء، أنا كنت مريضًا وانتفعت، وحصول الحاجة أو حصول الغرض ليس دليلًا على الجواز، فقد يُعطى الإنسان حاجته من باب الفتنة ومن باب الاستدراج والاختبار، والعبرة في كونه دلّ الدليل الشرعي على جواز هذا الشيء أو على تحريمه هذا هو الشأن.\nوالنبي ﷺ يقول: \"ليس منّا من تكهّن أو تُكُهِّن له، أو سحر أو سُحر له\"، ويقول: \"ومن أتى كاهنًا فصدّقه بما يقول فقد كفر بما أُنزل على محمَّد ﷺ\".\nومعنى: \"تكهّن\" فعل الكهانة. ومعنى: \"تُكُهِّن له\" فعلت الكهانة من أجله بطلبه.\nفمن ذهب إلى الكهّان فله حالتان:\nالحالة الأولى: أن لا يصدِّقهم، ولكن يقول: أريد أن أرى ماذا عندهم؟.\nفهذا لا تُقبل له صلاةٌ أربعين يومًا، لأن ذهابه إليهم محرّم، فعوقب بأنه لا تُقبل له صلاةٌ أربعين يومًا، إلاَّ إذا ذهب إليهم من أجل التثبت في شأنهم مي أجل منعهم والقضاء على فسادهم.","vol":"1","page":371},{"text":"ورواه الطبراني في \"الأوسط\" بإسناد حسن من حديث ابن عباس، دون قوله: \"ومن أتى ... \" إلى آخره.\nقال البغوي: \"العرّاف: الذي يدّعي معرفة الأمور بمقدمات يستدل بها على المسروق ومكان الضالة، ونحو ذلك\".\nــ\nأما إذا صدّقهم فقد كفر بما أُنزل على محمَّد ﷺ، فهو لا يرجع سالمًا أبدًا، ممّا يدل على تحريم الذهاب إلى الكُهّان والمشعوذين والمدجِّلين.\nوقوله \"رواه البزّار بإسناد جيِّد\" البزّار هو: أبو بكر أحمد البزّار،: صاحب \"المسند\" المعروف بـ \"مسند البزّار\"، وهو إمامٌ جليل، توفي على رأس القرن الثالث ﵀، ومسنده يعرف عند العلماء بـ \"مسند البزّار\".\nوقوله: \"ورواه الطبراني في الأوسط بإسناد حسن من حديث ابن عبّاس\" أي: روى الطبراني هذا الحديث الذي رواه عمران بن حُصين من حديث ابن عباس.\n\"دون قوله: ومن أتى\" إلى آخره\" يعني: روى منه أوله: \"ليس منا من تكهّن أو تُكُهِّن له، أو تطيّر أو تُطيِّر له، أو سحر أو سُحر له\"، وبإسناد حسن، فهو يؤيِّد رواية البزّار عن عمران بن حُصين.\nثم ذكر الشَّيخ ﵀ تفسير هذه الألفاظ التي وردتْ في الباب نقلًا عن \"البغوي\" وهو: الإمام الحافظ الجليل، محيي السنّة، الحسين بن مسعود البغوي، نسبة إلى \"بَغْ\" من بلاد المشرق، لأنها من حرفين، فإذا نُسب إلى اسم من حرفين تُزاد فيه (واو) فيقال: (بغوي) مثلًا.\nوهو: إمام جليل، سلفي العقيدة، وله مؤلَّفات جليلة، منها: \"تفسير البغوي\" المطبوع المعروف المتداوَل، وهو يشبه \"تفسير ابن كثير\" في التحقيق والأصالة وسلامة العقيدة، إلاَّ أنه أخصر من \"تفسير ابن كثير\"، ومنها: \"شرح السنّة\" الذي يتكوّن من حوالي أربعة عشر مجلّد، وقد طُبع والحمد لله، ومنها: \"مصابيح السنّة\" التي رتّبها وزاد عليها التِّبْريزي في كتاب \"مِشْكاة المصابيح\".\nفهو إمامٌ جليل ﵀، وهو من أئمة الشافعية ويُلقّب بمحيي السنّة، لأنه إمامٌ مجدِّد ﵀.","vol":"1","page":372},{"text":"وقيل: هو الكاهن. والكاهن: هو الذي يخبر عن المغيبات في المستقبل.\nوقيل: الذي يخبر عما في الضمير.\nوقال أبو العباس ابن تيمية: العرّاف: اسم للكاهن والمنجّم والرمّال ونحوهم؛ ممن يتكلّم في معرفة الأمور بهذه الطرق\".\nــ\n\"العرّاف: الذي يدّعي معرفة الأمور بمقدِّمات يستدلُّ بها على المسروق ومكان الضالة، ونحو ذلك\" وهذا من الشيطان، فالشياطين تأتيه بذلك، لكن يتظاهر بعمل أشياء يظن النّاس أنّ هذه الأشياء من الأمور المباحة، لكن هذه رموز فقط، وإلاَّ في الحقيقة هو يتعامل مع الشيطان، وإلاَّ ما الذي يدريه عن مكان المسروق، وما الذي يدريه عن مكان الضالّة لولا أنه يتعامل مع الجن ومع الشياطين.\nقال: \"وقيل: هو: الكاهن\" أي: العرَّاف والكاهن سواء، لأنّ كلًاّ منهما يخبر عن الأمور الغائبة بواسطة الشياطين، فكلهم عملاء للشياطين، وإنِ اختلفوا في الاسم، هذا عرّاف، وهذا كاهن، فالمعنى واحد، والمهنة واحدة، وهي ادّعاء علم الغيب، وإن اختلف اللفظ.\n\"والكاهن هو: الذي يُخبر عن المغيِّبات في المستقبل\" بسبب أن الشياطين تُخبره بما تعلَم ممّا لا يعلمه الإنسان، لأن الشياطين تدري عن أشياء لا يعرفها الناس، فيخبرون النّاس في مقابل إن النّاس يخضعون لهم، ويفعلون ما يطلبونه منهم من الشرك والكفر بالله ﷿، ويتقرّبون إليهم، فإذا تقرّب الإنسي إلى الجنيّ بما يريد خدمه الجني بما يطلبه منه من الأمور الغائبة.\n\"وقيل: هو الذي يُخبر عمّا في الضمير\"يعني: عمّا في النفس، ولا يعلم ما في القلوب إلاَّ الله ﷾، لكن الشيطان قد يعرف شيئًا من هواجس الإنسان، لأنه هو الذي يوسوس للإنسان، ولأنه يجري من ابن آدم مجرى الدم، فيعرف الشيطان من الإنسان ما لا يعرفه الإنسان عن الإنسان.\nهذا تفسير البغوي ﵀.\nقال: \"وقال أبو العبّاس ابن تيمية\" أبو العبّاس هذه كنيته، وليس له ابن اسمه","vol":"1","page":373},{"text":"العباس، لأنه لم يتزوّج ﵀، ولكن يجوز أنّ الإنسان يُكَنَّى بأبي فلان ولو لم يكن له ابن.\nوهو: أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية، شيخ الإسلام، الإمام المجدِّد المشهور، الذي نفع الله بعلومه، ولا يزال نفعه مستمرًَّا ولله الحمد، وكتبه لا تزال موضع تنافُس طلاب العلم للحصول عليها والإطلاع عليها، وهذا ممّا كتبه الله من الكرامة لهذا العالم الجليل؛ لصدْق نيّته، وإخلاصه وجهاده في سبيل الله ﷿، وصبره واحتسابه.\nقال: \"العرّاف: اسم للكاهن والمنجِّم والرمّال ونحوهم \" لأن كلمة العرّاف عامّة، يدخل تحتها كل من يدّعي معرفة المستقبل، سواءٌ بِكِهانة أو بتنجيم، أو بخط في الرمل، فكلهم يتعاملون مع الشياطين ويتقربون إليهم. ولهذا يقول الله تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (٢٢٣)﴾، وهذا يدخل فيه الكاهن والمنجِّم والرمّال والعرّاف، كلهم يدخلون تحت كلمة ﴿أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾، وتتنزّل عليهم الشياطين، بخلاف الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- فإنهم تتنزّل عليهم الملائكة، ولهذا قال: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠)﴾، يعني: القرآن، ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (٢١٢)﴾، فالأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- تتنزّل عليهم الملائكة من الرحمن، وأما الكهّان فتتنزّل عليهم الشياطين.\nفهذا يشمل كل من يتكلّم في معرفة الأمور بهذه الطرق ممّن يُخبر عن هذه الأشياء بتلك الأمور التي يسمونها خطًّا في الرمل، إلى آخره.\nفهذا تفسير جامع.\nوأما اختلاف الوسائل؛ هذا يستعمل كذا، وذا يستعمل كذا فلا عبرة بها، لأن النتيجة وهي ادّعاء علم الغيب؛ نتيجة واحدة.\nوالذي يهمنا النتيجة والحكم، فالنتيجة: الإخبار بعلم الغيب، وادعاء مشاركة الله ﷾ في علم الغيب.\nوالحكم: أن كل هؤلاء كفرة، لأنهم يدّعون مشاركة الله تعالى في صفة من أعظم صفاته وهي علم الغيب.","vol":"1","page":374},{"text":"وقال ابن عباس في قوم يكتبون (أبا جاد)، وينظرون في النجوم: \"ما أرى من فعل ذلك له عند الله من خلاق\".\nــ\nقال الشَّيخ ﵀ \"وقال ابن عبّاس في قوم يكتبون (أبا جاد) وينظرون في النجوم\" (أبا جاد) المراد بها: حروف الجُمَّل، التي هي: (أبْجَدْ، هَوِّزْ، حُطِّيْ، كَلِمَنْ) إلى آخره، وهي حروف مقطّعة يكتبونها لتمييز الجمل، والمشعوذ إذا كتب هذه الحروف قال: يحدث كذا ويكون كذا. وهذه في الحقيقة طلاسِم.\nوهؤلاء هم الذين قال فيهم عبد الله بن عباس ﵁: \"ما أرى مَنْ فعَل ذلك\" أي: كتب هذه الحروف، ونظر في النجوم، وأخبر أنه سيحدث كذا وكذا.\n\"له عند الله من خَلاق\" أي: ليس له نصييبٌ من الجنّة عند الله ﷿، ومعناه: أنه كافر، لأن الذي ليس له عند الله مِنْ خلاق هو الكافر، كما قال تعالى في السَّحَرة: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ .\nفهذا حكم عبد الله بن عبّاس ﵁ على أصحاب الطلاسم الذين يكتبون الحروف المقطّعة، وينظرون في النجوم، ويقولون: سيحدث كذا. فهذا من ادّعاء علم الغيب، وهو طريقة من طرق الكِهانة أو العِرافة أو التنجيم أو السحر، سمِّها ما شئت، لا يهمّنا الأسماء، الذي يهمّنا النتيجة والحكم الشرعي.\nأما الذي يكتب (حروف الجُمل) لتمييز الجُمَل فقط وهو تمييز الفقرات؛ فهذا لا بأس به، مثلًا يقول: الفقرة (أ)، الفقرة (ب)، الفقرة (ج)، الفقرة (د) لا يدّعي به علم الغيب، وإنما يريد ترتيب الجمل فقط. والحاصل؛ أن هذا بابٌ عظيم؛ لأنه يعالج أمراضًا واقعة في العالم اليوم، لا أقول في العالم الكافر، لأنه ليس بعد الكفر ذنب، لكن في العالم الإسلامي، وربما يسمونه أعمالًا رياضية وفنونًا تشكيلية، ووُجود هذا الوباء؛ وباء السحرة والمشعوذين والدّجالين والكَهَنة والمنجِّمين، ويسمون هذا من باب الفنون، أو يسمونهم بأسماء تدلُّ على تبجيلهم، وعلى أنهم أصحاب علم، وأصحاب خبرة، أو أشد من ذلك يدّعون أنهم أولياء الله، وأنّ هذه كرامات تدلُّ على أنهم من أولياء الله، وهذه ليستْ كرامات، وإنما هي خوارق شيطانية، لأن الكرامات هي التي تجري على أيدي الصالحين، وليس لهم فيها تصرُّف منهم، وإنما هي من الله ﷾.","vol":"1","page":375},{"text":"فالكرامات تجري على أيدي رجال صالحين مستقيمين على الكتاب والسنّة. والخوارق الشيطانية تجري على أيدي كفرة مشعوذين.\nوأيضًا الكرامات لا صنع للآدمي فيها، وإنما يجريها الله ﷾، بخلاف هذه الخوارق الشيطانية، فهي حِيَل ومِهَن وحِرَف وتدجيل يعملونه هم، ويتظاهرون أمام النّاس أنه بسبب هذه الأشياء حصل ما حصل. وهو في الحقيقة إنما هو من عمل الشياطين الذين لا يراهم الناس.\nفالحاصل؛ أنّ هذا بابٌ عظيم، ويشتمل على علاج لمرض خطير يتفشّى الآن في العالم الإسلامي، وهو مرض الكهنة والسحرة والمنجِّمين والعرّافين؛ الذين صار لهم صوْلة وجولة في العالم، وأشدّ من ذلك إذا ادُّعِي أن هؤلاء من أولياء الله، وأنّ هؤلاء لهم كرامات، مع أنهم كفرة لا يصلون ولا يصومون ولا يتطهّرون من الجنابة!، وربما يقولون: هذا دليل على كرامتهم، وكونه لا يصلي لأنه وُضِعَتْ عنه التكاليف، ووصل إلى الله، والتكاليف هذه على النّاس العوام!!\nفالحاصل؛ أن هذا الباب إذا تأمّلته وجدت أن الشَّيخ ﵀ لم يكتبه من فراغ، وإنما كتبه ليعالِج به أمراضًا متفشِّية، وازدادت الآن بحكم تأخر الزمان، وبحكم فُشُوُّ الجهل، وبحكم تقارب العالم وارتباط بعضه ببعض، وسريان الشرور في العالم بسرعة.\nفيجب على طلبة العلم أن يتنبّهوا لهذه الأمور ويقوموا بالتحذير منها وإنكارها، لأن أكثر النّاس سُذَّج لا يعرفون هذه الأمور، فيغرِّرون بهم.\nوأيضًا هم محتاجون للعلاج من الأمراض، فيقولون: هذه فيها منافع، وفيها علاج، ولا يدرون أن المضار التي فيها أكبر من المنافع، إن كان فيها منافع أو يدخلونها في قسم الفنون والمهارات.\nفيجب على طلبة العلم أن يهتمُّوا بهذا الأمر وأن يتفهّموا هذا الأمر، ويتفقهوا فيه، ويعالجوا هذه الأمراض المتفشيِّة التي تقضي على العقيدة، وتقضي على دين الإسلام، والعياذ بالله.","vol":"1","page":376},{"text":"[الباب السابع والعشرون:]\n* بابُ ما جاء في النُّشرة\nعن جابر: أن رسول الله ﷺ سئل عن النُّشرة؟ فقال: \"هي من عمل الشيطان\" رواه أحمد بسند جيد، وأبو داود، وقال: سئل أحمد عنها؟، فقال: \"ابن مسعود يكره هذا كله\".\nــ\nمناسبة هدا الباب لما قبله: أن الشَّيخ لَمّا ذكر في الأبواب السابقة السّحر وما جاء فيه، وذكر أنواعًا من السحر، وذكر ما يعمّ السحر وغيره من أعمال الشياطين؛ وهو الكِهانة والعِرافة وكل ما هو من هذا القبيل من الشعوذات؛ انتقل إلى بيان حكم النُّشرة، فقال:\n\"باب ما جاء في النُّشرة\" يعني: من الأحاديث والآثار التي تدلّ على حكمها في الشرع.\nوهذا في غاية المناسبة؛ لأن النّاس في حاجة إلى معرفة ذلك، لأن السحر موجود، ومن النّاس من يُبتلى به ويقع عليه السحر ويتضرّر به، والله تعالى ما أنزل داء إلاَّ أنزل له شفاء، علِمه مَنْ علِمه وجهله مَن جهِله، فلابد أن نعرف ما هو الدواء الصحيح للسحر، الدواء الذي لا يمس العقيدة، ونعرف- أيضًا ما يخالف العقيدة فنتجنّبه، وأيضًا: هناك من السحرة من يقول للناس: أنا أُعالج السحر، وأنا.. وأنا؛ فهذا أمرٌ واقع لابد من معرفته وبيان حكمه للناس.\nوالنُّشرة- بضم النون وسكون الشين- مأخوذة من (النّشر) وهو التفريق؛ وهي - كما فسّرها الإمام ابن القيم-: حلّ السحر عن المسحور. وهي ضرب من العلاج، سمي نشرة: لأنه يُنشر به، أي: يزال ما أصاب المريض وما خامره من الداء.\nوقوله في حديث جابر: \"أنّ رسول الله ﷺ سُئل عن النُّشرة\" أي: النُّشرة المعهودة في الجاهلية، وهي التي كانت من عمل الشيطان.\n\"فقال: \"هي من عمل الشيطان\" \"، لأنها سحر، والسحر من عمل الشيطان- كما مرّ في الأبواب السابقة-.","vol":"1","page":377},{"text":"وفي البخاري عن قتادة: قلت لابن المسيّب: رجل به طب، أو يؤخذ عن امرأته؛ أَيُحَلُّ عنه أو يُنْشَر؟، قال: \"لا بأس به؛ إنما يريدون به الإصلاح، فأما ما ينفع فلم يُنَه عنه\".\nــ\n\"رواه\" الإمام \"أحمد\" في مسنده بسند جيِّد، وأبو داود\" في سننه.\n\"وقال\" أي: أبو داود، لأن أبا داود من تلاميذ الإمام أحمد، وروى عنه كثيرًا من المسائل في المذهب، ويوجد الآن مجلّد مطبوع اسمه \"مسائل أبي داود\" وهي المسائل التي رواها أبو داود من أجوبة الإمام أحمد على الأسئلة التي تَرِدُ عليه.\n\"قال: سُئل أحمد عنها\" يعني: عن النُّشرة؛ ما حكمها؟ \"فقال: \"ابن مسعود يكره هذا كله\"\" أي: يحرم النُّشرة، لأن السلف يريدون بالكراهة التحريم، والمراد النُّشرة التي هي من عمل الجاهلية.\nقال: \"وفي البخاري\" أي: في \"صحيح البخاري\".\nعن قَتادة هو: قتادة بن دِعامة السدوسي، نسبةً إلى جده سَدوس، وكان من أكبر علماء التابعين، ويُقال: إنه وُلد أكْمه يعني: ليس له عينان. وكان نادرًا في الحفظ والذّكاء والفقه ﵀، حتى كان من كبار التّابعين.\n\"قلت لابن المسيّب\" المراد به: سعيد بن المسيّب، أحد أعلام التّابعين وأحد الفقهاء السبعة الذين اتتهت إليهم الفتوى في زمانهم، وهو عالِم المدينة وفقيهها.\n\"رجلٌ به طِب\" يعني: أنّ قتادة بن دِعامة سأل شيخه سعيد بن المسيّب عن رجل به طبّ.\nوالطِّبّ معناه: السحر، يقال: مطبوب يعني: مسحور، قالوا: وهذا من باب التّفاؤل، لأنّ الطب معناه العلاج، كما يقولون للديغ: سليم، من باب التفاؤل بالشّفاء.\n\"أو يؤخّذ عن امرأته\" يؤخّذ: معناه: يُمنع عن جماع امرأته فلا يستطيع جماعها بسبب السّحر.\n\"أَيُحَلُّ عنه أو يُنشر\" يُحَل وينشَّر بمعنىً واحد، يعني: هل يجوز أن يحلّ عن هذا المطبوب أو هذا المؤخَّذ ما أصابه؟.\nفأجابه ابن المسيّب ﵀ بقوله: \"لا بأس\" لا بأس أن يحلّ عنه أو ينشّر.","vol":"1","page":378},{"text":"ورويَ عن الحسن؛ أنه قال: \"لا يحل السحر إلاَّ ساحر\".\nقال ابن القيم: \"النُّشرة: حلّ السحر عن المسحور، وهي نوعان:\nحلٌّ بسحر مثله، وهو الذي من عمل الشيطان. وعليه يحمل قول الحسن. فيتقرّب الناشر والمنتشر إلى الشيطان بما يحب؛ فيبطل عمله عن المسحور.\nــ\nوقوله: \"إّنما يريدون به الإصلاح\" أي: حلّ السحر يراد به االإصلاح، بخلاف السحر نفسه فإنّما يُراد به الضّرر، أما حلّه فيُراد به الإصلاح وإزالة المرض عن الإنسان.\n\"فأمّا ما ينفع فلم يُنْهَ عنه\" أي: أنّ الشارع جاء بإباحة ما ينفع وتحريم ما يضرّ، والنُّشرة من القسم الثني، أي: من الشيء النّافع.\nقوله: \"ورويَ عن الحسن\" الحسن هو: ابن أبي الحسن البصري، أحد أعلام التّابعين بالفقه والعلم والوَرع والعبادة﵀.\nوقوله: \"لا يحلّ السحر إلاَّ ساحر\" هذا يتّفق مع الحديث ومع قول ابن مسعود، ويختلف مع قول ابن المسيب.\nقوله: \"قال ابن القيم: \"النُّشرة حلّ السحر عن المسحور، وهي نوعان\".\nجمع ابن القيم﵀- بين هذا الحديث وهذه الآثار في كتابه: \"زاد المعاد\" فقال: \"وهي نوعان: أحدهما: حلٌّ بسحر مثله، وهو الذي من عمل الشيطان، وعليه يُحمل قول الحسن\" يعني: في قوله السابق: \"لا يحلّ السحر إلاَّ ساحر\" وقصده: حلّ السحر بسحر مثله، وهذه هي النُّشرة التي سُئل عنها رسول الله ﷺ.\n\"قوله: \"فيتقرب الناشر والمنتشر إلى الشيطان بما يحب\" النّاشر هو: الذي يعمل النُّشرة. والمنتشر هو: الذي تُعمل له النُّشرة، كلٌّ منهما- المريض والساحر- يتقرّب إلى الشيطان بما يحبّه، فيخضعان له، فيطيعانه فيما يريده منهما من الشرّك والكفر بالله ﷿، وفعل المحرّمات، فيبطل الشيطان عمله عن المسحور، لأنّ السحر من عمل الشيطان، وذلك في مقابل إفساد دينهم وعقيدتهم. فهذا هو الممنوع.\nفلا يجوز لمن أصابه السحر أن يذهب إلى السحرة، لأنّه إذا ذهب إلى السّحرة","vol":"1","page":379},{"text":"والثاني: النُّشرة بالرقية والتعوذات والأدوية والدعوات المباحة. فهذا جائز\".\nــ\nفإنه حينئذ يتقرّب إلى الشيطان بما يحبّ، وحينئذ يُزيل الشيطان عمله عن المسحور، لكن بعدما يفسد عقيدته ودينه، فيخسر الدّنيا والآخرة.\nقال الإمام ابن القيم: \"والثاني: النُّشرة بالرقية والتعوذات والأدوية والدعوات المباحة؛ فهذا جائز\" أي: النّوع الثّاني من النُّشرة: حلّ السحر بغير السّحر ممّا أباحه الله ﷿، فالله ما أنزل داء إلاَّ أنزل له دواء، علمه من علمه وجهله من جهله، والسحر داء ولابد أن الله أنزل له شفاء والرقية المباحة أنواع:\nالنوع الأول: حلُّ السحر \"بالرقية\" بأن يُقرأ على المسحور من كتاب الله ﷿، فتُقرأ عليه الفاتحة التي هي أعظم الرقى، ويقرأ عليه الآيات التي تتعلّق بذكر السحر وإبطاله، مثل قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (١١٧) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٨) فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ (١١٩) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (١٢٠) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٢)﴾، وفي سورة يونس: ﴿قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ * وَيُحِقُّ اللهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨٢)﴾، وفي سورة طه: ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (٦٩) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى (٧٠)﴾ .\nهذه الآيات من سورة الأعراف ومن سورة يونس ومن سورة طه، يقرأها الرّاقي على المسحور بقلب حاضر وتوكّل على الله ﷾، وحسن ظنّ بالله، واعتقاد أنّ الله يشفي هذا المريض.\nثم على المقروء عليه أن يعتقد هذه العقيدة؛ فيرجو الشفاء من الله، ويثق بالله ﷿، ويتوكّل عليه، ويعتقد أنّ كلام الله جل وعلا فيه الشّفاء.\nفإذا حصل هذا التوجه إلى الله والتوكّل عليه من الرّاقي والمرقي حصلت النتيجة بلا شكّ ولا رَيْب.\nوإنّما تتخلّف النتيجة إذا تخلّف اعتقاد الإنسان، أو غفل عن ذلك.\nالنوع الثاني: حلّ السِّحر \"بالتعوذات\"، وهي الأدعية التي وردت عن","vol":"1","page":380},{"text":"النبي ﷺ، فإننا نذكر بعضًا منها: \"أعيذك بكلمات الله التامّات من شرّ ما خلَق\"، أُعيذك بكلمات الله التامّة من كلّ شيطان وهامّة ومن كلّ عين لامّة\"، \"أُعيذك بكلمات الله التّامّات التي لا يجاوزهنّ بَرّ ولا فاجر، من شرّ ما خلق وذَرَأ وبرأَ، ومن شرّ طوارق اللّيل والنهار، إلاَّ طارقًا يطرق بخير يا رحمن\"، \"باسم الله أرقيك، من كلّ داء يؤذيك، من شر كلّ نفس وعين حاسد، الله يشفيك\"، \"باسم الله، أذهب البأس ربّ النّاس، واشفه أنت الشّافي لا شفاء إلاَّ شفاءُك، شفاء لا يغادر سقمًا\"، \"ربّنا الله الذي في السّماء، تقدّس اسمك، أمرُك في السماء والأرض كما رحمتك في السماء، اجعل رحمتك في الأرض، اغفر لنا حوبنا وخطايانا، أنت ربّ الطيّبين، أنزل رحمةً من رحمتك وشفاءً من شفائك على هذا المرض. فيبرأ بإذن الله\". هذه هي التعوّذات.\nالنوع الثالث: الرقية بـ \"الأدوية المباحة\" فهناك أدوية مباحة يُذهب الله بها السّحر، يعرفها الحُذّاق وأهل التجربة وأهل العقيدة السليمة تنفع بإذن الله في إزالة السحر، مع ذكر الله، ومع التعوّذ، ومع الرّقية، ومع قراءة القرآن، فإذا اجتمعت هذه الأمور المباحة نفع الله بها، لكن بشرط حسن الظنّ بالله ﷿ واعتقاد أن الشّفاء من الله ﷾.\nفالحاصل؛ أنّ النشرة كما ذكر ابن القيِّم: منها شيء محرّم، وهي النّشرة التي كانت تُعمل في الجاهليّة، وهي ما يعمله السحرة.\nومنها شيء مباح وهي النشرة الشرعية، لكن يشترط لها أن يتولاها من يوثق بعلمه ودينه، لا أن يتولاها أصحاب المطامع الدنيوية، أو المشعوذين الذين يفسدون عقائد الناس، ويرهبونهم بالكذب والتدجيل.\nانتهى الجزء الأول\nويليه بإذن الله تعالى الجزء الثاني، وأوله:\n\"باب ما جاء في التطيّر\"","vol":"1","page":381},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>المجلد الثاني</span>\n[الباب الثامن والعشرون:]\n* باب ما جاء في التطيُّر\nــ\nقول الشيخ ﵀: \"باب ما جاء في التطيُّر\" أي: ما ورد في التطيُّر من الوعيد، وبيان أنه شرك.\nومناسبة هذا الباب لِمَا قبله: أنّ فيه بيان نوع من أنواع الشرك والاعتقاد الباطل المُخِلُّ بالتّوحيد.\nوكان الشيخ ﵀ يذكُر في هذا الكتاب حقيقة التّوحيد وما يناقضه أو ينقِّصه من العقائد والأقوال والأفعال الباطلة، ومن ذلك: التطيُّر.\nوالتطيُّر مصدر: تطيّر تطيُّرًا وطِيَرة، وهو: التشاؤم بالأشياء، واعتقاد أنه يصيب الإنسان منها شيء من الشر.\nوأصله مأخوذٌ من الطير، لأنهم كانوا في الجاهلية يتشاءمون بالطيور وفي طَيَرانها؛ إذا رأوها تطير على جهةٍ مخصوصة عندهم تشاءموا بها، ورجعوا عمّا عزموا عليه من الأسفار أو الزيجات أو غيرها، ثمّ عَمَّ هذا وصاروا يتطيّرون بكل شيء، فيتطيّرون بالبِقاع، ويتطيّرون بالآدمييِّن، ويتطيّرون بالبهائم، ويتطيّرون بكل شيء.\nلكن أصل التطيُّر مأخوذٌ من الطير؛ لأنهم كانوا في الجاهلية يتطيّرون من الطير في حركاتها وطيَرانها وتحريكها لأجنحتها واتّجاهاتها في الطَيران، إلى غير ذلك.\nفهو عقيدة جاهلية، بل إنه موجود في الأمم القديمة؛ فهؤلاء قوم فرعون تطيّروا بموسى ومن معه، يعني: تشاءموا بموسى ﵇ وبمن معه من المسلمين، قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ﴾ الحسنة المراد بها هنا: الخصْب والأرزاق ونزول الأمطار، ﴿قَالُوا لَنَا هَذِهِ﴾ استحقيناها على الله بأفعالنا، فنحن نستحقُّ هذا، ولا يعترفون أنه فضلٌ من الله تعالى، بل ينسبون هذا إلى استحقاقهم، وأنهم حصلوا على هذه الشيء بسبب أنهم ناسٌ أهل خير، فما يصيبهم من الحسنات قي السنين يقولون: هذا بسبب أفعالنا، وبسبب صفاتنا، وبسبب كسبنا وكدِّنا، جحدوا نعمة الله عليهم.","vol":"2","page":5},{"text":"وقول الله تعالى: ﴿أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ .\nــ\n﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ المراد بالسيئة هنا: الجدْب، وانحباس الأمطار، وشُحُّ الآبار، وتلف الثمار. فإنهم ينسبون هذا إلى موسى ﵇، ومنْ معه من المؤمنين، فيقولون هذا الذي أصابنا بسببهم، فيتطيّرون بخير النّاس- والعياذ بالله-.\nوالحق أنّ موسى ومن معه من المؤمنين هم سبب الخيرات، وهم سبب البركات، لأن الرسل- عليهم الصلاة والسلام- يُصلحون في الأرض بالطاعات فتنزل الخيرات، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ .\nفالمؤمنون هم سبب الخير لا سبب الشر كما يظنه أهل الجاهلية، إنما سبب الشر هم العُصاة والمشركون والكَفَرة، فما يصيب أهل الأرض من الكوارث والمصائب إنما هو بسبب العُصاة، وما يصيبها من الخيرات فهو بفضل الله، وسببه أهل الطاعات وأهل الصلاح والتقوى؛ ولهذا إذا خَلَت الأرض من الصالحين في آخر الزمان تقوم القيامة وتخرب الدنيا، \"ولا تقوم الساعة وفي الأرض من يقول: الله، الله\"، و\"لا تقوم الساعة إلاَّ على شرار الخلق\". فإذا خلت الأرض من الصالحين قامت القيامة، أما ما دام الصالحون موجودين فإن الله ﷾ ينزل على أهل الأرض الخيرات والبركات بسبب وجودهم، عكس ما يعتقده آل فرعون من التطيُّر بالرسل- عليهم الصلاة والسلام-.\nوكذلك ثمود، تطيّروا بصالح ﵇ لَمّا دعاهم إلى الله ﷾. من ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾ .\nوكذلك أهل القرية الذين ذكرهم الله في سورة \"يس\" لَمّا جاءتهم الرسل قال تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (١٤) قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ (١٥) قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (١٦) وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (١٧) قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾ يعني: تشاءمنا بكم، وما جئتمونا بخير، ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ هدّدوا الرسل وقالوا: ما رأينا منكم إلاَّ الشرّ","vol":"2","page":6},{"text":"وقوله: ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (١٩)﴾ الآية.\nعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"لا عدوى، ولا طَيرة، ولا هامة، ولا صفر\" أخرجاه.\nــ\nفرد عليهم الرسل: ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ أي: ما أصابكم فأنتم سببه، لأن سببه الذنوب والمعاصي التي تصدُر منكم والكفر، فأنتم السبب، ونحن سبب الخير، نحن رسلٌ من عند الله جئناكم، لو أطعتمونا لحصلتم على الخير؛ فهذا ردٌ عليهم، فهذا فيه: بيان أن الشر والشؤم سببه المعاصي والكفر والشرك بالله.\nوكذلك المشركون تطيّروا بمحمد ﷺ خاتم الرسل وأفضل الرسل، تطيّروا به، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ يخاطبون النبي ﷺ، ﴿تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ﴾ يعني: خير وخصب ونبات وزروع وخيرات، يقولون: هذه من عند الله، نعم، صحيح أنها من عند الله، الله هو الذي أنزلها، ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾: قحطٌ جدْب شُحٌّ في الأرزاق ﴿يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ بسببك يا محمد، وبسبب أتباعك، ﴿قُل كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ كلٌّ بقضاء الله وقدره، الخصب والخيرات والجدب والقحط كله من عند الله وبقضائه وقدره، ولكن الخصب والخيرات سببها الطاعات، وأما الجدْب والقَحْط وانحباس الأمطار فسببه المعاصي والسيّئات، فالسبب من قِبل بني آدم وأما المقدِّر فهو الله تعالى، هو الخالق وهو الموجِد ﷾، ويعطي كلًاّ على حسب عمله؛ المحسِن يحسن إليه، والمسيء يعاقبه إذا شاء ﷾، فالأمر كله بيد الله.\nفالحاصل؛ أن التطيُّر عادةٌ جاهلية، ذكرها الله ﷾ عن الأمم الكافرة من قوم فرعون، وثمود، وأصحاب ياسين، وأهل الجاهلية الذين بُعث إليهم رسول الله ﷺ ولم يؤمنوا به، بل تطيّروا به.\nوهذه العادة الجاهلية لا تزال في النّاس إلى أن تقوم الساعة.\nقوله ﷺ: \"لا عدوى\" المراد بالعدوى: انتقال المرض من شخص إلى شخص، أو من بهيمة إلى بهيمة، أو من مكان إلى مكان.","vol":"2","page":7},{"text":"والمرض يتعدّى من محل إلى محل، ويتعدّى من المريض إلى السليم، ويتعدّى من الجربى إلى الصحيحة، هذا شيءٌ موجود.\nوالرسول ﷺ لا ينفي هذا، وإنما ينفي العدوى التي كان يعتقدها أهل الجاهلية من أنّ المرض يتعدّى بنفسه بدون تقدير الله ﷾، فالعدوى وهي: انتقال المرض من محل إلى محل بسبب قرب الصحيح من المريض، والمقدر لها هو الله تعالى، فقد يقرُب الصحيح من المريض ولا يصيبه شيء، وقد يقرُب ويُصاب، والسبب: أن هذا راجعٌ إلى الله، إن شاء ﷾ انتقل هذا المرض، وإنْ شاء لم ينتقل، فمجرّد مقاربة المريض أو القدوم على المحل الموبوء هذا سبب، أما التأثُّر فهو بيد الله ﷾، فقد يدخل الإنسان في الأرض الموبوءة ولا يصاب، وقد يورِد الممرض على المُصح ولا يُصاب، قد ينام المريض بجانب الصحيح ولا يصاب، وقد يصاب، فما وجه التفريق بين الحالتين؟ وجه التفريق: أن هذا راجعٌ إلى مشيئة الله تعالى.\nأما أهل الجاهلية فلا يفرِّقون بل عندهم: أن كل من قارب المرض- أو كل من قارب المريض- أنه يُصاب، ولا ينسبون هذا إلى قضاء الله وقدره، ولا يتوكّلون على الله ﷾، ويفرِطون في التشاؤم والتطيُّر وانتقال العدوى، ويعملون أعمالًا تُضحك.\nفقوله ﷺ: \"لا عدوى\" يعني: على ما كان يعتقده أهل الجاهلية، أما أنّ العدوى تحصُل بإذن الله فهذا أمرٌ واقع، ولهذا نهى ﷺ عن مخالطة المجذوم، ونهى ﷺ عن القدوم على الأرض الموبوءة، ونهى من كان في أرض فيها وباء أن يخرج منها ومن كان خارجها لا يدخل فيها، لأن هذه أسبابٌ لانتشار المرض، والامتناع عنها أخذٌ بالأسباب الواقية، والإقدام عليها إلقاءٌ إلى التَّهْلُكة، والله نهى عن ذلك، إلاَّ من قَوِيَ إيمانه وتوكُّله على الله تعالى؛ فهذا قد يُقدم على الوباء ويخالط المرضى ولا يصاب، لأنه متوكِّلٌ على الله ﷾، لكن هذا لا يكون إلاَّ لأهل الإيمان القوي، أما أهل الإيمان الضعيف فهؤلاء يبتعدون عن هذه المواطن لئلا يصابوا، ثمّ تسوء عقيدتهم.","vol":"2","page":8},{"text":"والإقدام على محلاَّت الخطر من الإلقاء إلى التهلُكة، والله تعالى يقول: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، إلاَّ إذا كان هناك مصلحة راجحة من الإقدام على هذه الأمور فيُقدم عليها، أما إذا لم يكن فيه مصلحة راجحة فالأخذ بالأسباب الواقية أحسن، وإذا كان هناك مصلحة راجحة فالإقدام أحسن، على حسب الأحوال.\nوقوله: \"ولا طَيرة\" هذا نفيٌ معناه: النهي، يعني: لا تتطيّروا، وإنْ كان الإنسان يجد في نفسه شيئًا فلا يمنعه ما يجد في نفسه من المُضي والعزم، لأن إيمانه يسوقه، بخلاف ضعيف الإيمان فإن التشاؤم يتغلّب عليه فيتراجع، ويكون هذا من الخلل في العقيدة، وضعف التوكُّل على الله ﷾.\nوإذا وجدت في نفسك تشاؤمًا أو كراهية فتوكّل على الله وأقدِم.\nوالطيرة ليس لها أصل، بخلاف العدوى، وإنما هي من الشيطان، فهي تخيُّلٌ من الإنسان بسبب وسوسة الشيطان.\nفالتطيُّر ليس له أصل، ومن وجد في نفسه شيئًا من الكراهية فليتوكّل على الله وليعزم، ولا ترده الطيَرة عن مقصوده.\nوقوله ﷺ: \"ولا هامَة\" الهامة: طائر يسمّى البومة، وكان العرب يتشاءمون به إذا وقع على بيت أحدهم قال: نعى إليَّ نفسي أو أحدًا من أهلي. كانوا يتشاءمون بها، ويقولون: البوم لا يقع إلاَّ على الخراب. فهذا من عقيدة الجاهلية.\nوبعض أهل الجاهلية يزعمون أنه إذا قُتل القتيل ولم يؤخذ له بالثأر فإنه يخرج منه طائر يسمّى الهامة، ويصوِّت: أسقوني، أسقوني\" يعني: خذوا بالثأر، ولهذا يقول الشاعر:\nيا عمرو إن لم تدع ذمي ومثلبتي\nأضربك حتى تقول الهامة أسقوني\nقوله ﷺ: \"ولا صَفَر\" هذا فيه قولان لأهل العلم:\nالقول الأول: أن المراد بالصفر: شهر صفر، لأنهم كانوا في الجاهلية يتشاءمون بهذا الشهر، فلا يتزوّجون فيه، ولا يسافرون، ولا يتاجرون، ويعتقدون أنه شهرٌ مشؤوم.","vol":"2","page":9},{"text":"وزاد مسلم: \"ولا نوء، ولا غول \".\nــ\nفردّ عليهم النبي ﷺ بأنه ليس هناك صفر مشؤم، وإنما صفرٌ شهر من أشهر الله، ليس فيه شؤم ولا شرٌّ.\nفهذا فيه: إبطال لتشاؤمهم بشهر صفر.\nوالقول الثاني: أن المراد بصفر: مرض يكون في المعدة، يزعمون أنه يُعْدي غير المصاب به.\nولكن سواءٌ قيل هذا أو هذا، كله منفي سواء تشاءموا من الشهر أو تشاءموا من المرض، كله لا أصل له، فليس في الشهر شؤم ولا في المرض،. وإنما الأمراض بيد الله ﷾، هو الذي ينزلها، وهو الذي يرفعها، هو الذي يُمرض، وهو الذي يشفي ﷾، لا دخل للشهور، ولا دخل لغيرها في هذا الأمر.\nقوله: \"أخرجاه\" أي: أخرجه البخاري ومسلم.\nومناسبة الحديث للباب ظاهرة حيث إنه قال: \"ولا طيرة\"، ففيه: النهي عن الطيّرة.\nقوله: \"زاد مسلم\" أي: في روايته، يعني: زاد على الأربعة المذكورة فصارت \"لا عدوى، ولا طيرة، ولا هامة، ولا صفر، ولا نوء، ولا غول\" فصارت ستة أشياء.\nوالنوء المراد به: أحد الأنواء، وهو: النجم، لأنهم كانوا يعتقدون أنّ نزول الأمطار وهُبوب الرياح بسبب طلوع النجوم، ويُسندون هذا اإلى النجوم والكواكب، وهذا من اعتقاد الجاهلية، لأن نزول الأمطار وحصول الرياح وغير ذلك إنما هو بقضاء الله وقدره، أما هذه النجوم وهذه الكواكب فإنها لا تُحْدِثُ شيئًا، نعم، وقت طلوع النجم وقت للمطر بإذن الله، أو هبوب الرياح، هذا من ناحية الوقت لا من ناحية الخلق والإيجاد، فهي لا توجِد ولا تسبب ولا تحدِث، ولكن يكون طلوعها وقتًا لنزول الأمطار إذا شاء الله، وقد يطلع النجم ولا يحصل مطر، وهذا راجع إلى مشيئة الله وقدره، فقد يكون هناك مواقيت للأمطار ولا ينزل مطر، قد يكون هناك مواقيت لهبوب الرياح ولا تهب الريح لأن هذا بيد الله ﷾، وكم من بلاد كانتْ تنزل عليها الأمطار صيفًا وشتاءً، وامتنع عنها المطر وأجدبتْ، كما تسمعون الآن بما يسمونه بالجفاف في بلاد كانتْ تدوم عليها الأمطار، فإذا أراد الله مَنَعَه","vol":"2","page":10},{"text":"وحَبَسَهُ منعه وحبسه، وبلاد مجدبة قاحلة يابسة يسوق الله إليها المطر فتمطر فتهتز بالنبات والزهور، هذا بيد الله ﷾، فنزول المطر لا تصرُّف لأحد فيه لا النجوم ولا غير النجوم.\nوسيأتي مزيد بيان للتنجيم في \"باب بيان ما جاء في التنجيم\".\nولَمّا صلى النبي ﷺ صلاة الفجر بأصحابه يوم الحديبية على إِثّر سماء كانت من الليل قال ﷺ: \"أتدرون ماذا قال ربكم؟ \"، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: \"قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مُطرنا بفضل الله ورحمته؛ فذلك مؤمنٌ بي كافرٌ بالكوكب. وأما من قال: مُطرنا بنوء كذا وكذا؛ فذاك كافرٌ بي مؤمنٌ بالكوكب\"، فالذي ينسب الأمطار إلى الكواكب أو الأنواء مشركٌ بالله.\nأما الذي يقول: إن الأنواء وقت للأمطار، فلا شيء فيه، لأن الله جعل للأشياء مواقيت، قد تحصل في هذه المواقيت وقد لا تحصل.\nفالحاصل؛ أن هذا حديثٌ عظيم، جمع فيه النبي ﷺ كثيرًا من عقائد الجاهلية وأبطلها ونفاها، وقرّر ﷺ عقيدة التّوحيد.\nوقوله ﷺ: \"ولا غول\" - بضم الغين-: أحد الغيلان، والغيلان من أعمال شياطين تتشكّل أمام النّاس في الفلوات، خصوصًا إذا استوحش الإنسان تتشكّل أمامه أشياء تضله عن الطريق، إما بإنْ يرى أمامه نارًا تتنقّل، أو أصواتًا يسمعها، أو غير ذلك، ولهذا يقول ﷺ: \"إذا تغوّلت الغيلان فبادروا بالأذان\" بمعنى: أنه إذا تغوّل الغول أمامك فبادر إلى ذكر الله، فإن ذكر الله يطرد الشيطان، فإذا ذكرت الله أو تلوت القرآن ذهب عنك هذا العمل الشيطاني.\nفالنبي ﷺ نفى هذا- أيضًا-.\nوكانوا في الجاهلية يعتقدون في هذه الغيلان أنها تُحدِث لهم شرًّا، والنبي ﷺ نفى هذا، وقال: لا أصل لها، وهي أعمال شيطانية لا تضر أحدًا إلاَّ بإذن الله، وذكر لها علاجًا شافيًا وهو: ذكر الله.\nفهذه أمراضٌ جاهلية عالجها النبي ﷺعليه الصلاة والسلام-.","vol":"2","page":11},{"text":"ولهما عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا عدوى، ولا طيرة، ويعجبني الفأل\"، قالوا: ما الفأل؟ قال: \"الكلمة الطيبة\".\nــ\nوهذه الأحاديث والآثار في موضوع حكم الطيرَة، والفرق بينهما وبين الفأل، وبيان ما تُعالَج به الطيرة.\nفقوله ﷺ في حديث أنس ﵁: \"لا عدوى\" العدوى سبق الكلام فيها، وأن معناها: انتقال المرض من شخص إلى شخص بحكم مقاربته له، أو ملامسته له، ونحو ذلك.\nولذلك كان أهل الجاهلية يعملون أعمالًا فظيعة خوفًا من العدوى، والرسول ﷺ نفى ذلك، وأمر باتّخاذ الأسباب الواقية مع التوكُّل على الله ﷾.\nفقوله: \"لا عدوى\" يعني: على ما كان تعتقده الجاهلية، وإنما العدوى بأمر الله ﷾ ومشيئته، فإذا توكلت على الله، وآمنت بالله، وقوِيَ يقينك بالله، واتخذت الأسباب التي أمر الله بها؛ فحينئذ تكون قد فعلت المشروع، والتوكل ليس معناه أنك تترك الأسباب، بل تأخذ بالأسباب الواقية، ولا تقْدم على البلد الذي فيه الوباء، ولا تخرج منه إذا وقع وأنت فيه، ولا تخالط الممرضين وأنت تقدر على الابتعاد عنهم، إلاَّ إذا دعت الضرورة إلى ذلك، بأن كان المريض ليس له أحدٌ يعالجه، والمصاب ليس له أحد يعالجه ويقوم بشؤونه؛ فتوكل على الله وقُم بمعالجة المريض، وقُم بخدمته وتوكّل على الله ﷾، وأنت مأجور، فالله جل وعلا إذا علم من نيّتك الإيمان والإخلاص كفاك ﷾، أما ما دمت في غنىٌ عن مخالطته فلا حاجة بك إلى مخالطته، فأنت لا تُقدِم عليه من باب أخذ الأسباب.\nوقوله ﷺ: \"ويعجبني الفأل\" الفأل: تأميل الخير. والطيرة: تأميل الشر.\nوتأميل الخير مطلوب، والطيرة ممنوعة لأن الطيرة سوء ظنٍّ بالله، والفأل حسن ظنٍّ بالله جل وعلا.\nفإذا سمع الشخص كلمة طيِّبة انشرح صدره، أو رأى شخصًا طيِّبًا جاء إليه انشرح صدره وأمّل خيرًا، وأحسن الظن بالله ﷾، فهذا أمرٌ طيِّب، ولهذا","vol":"2","page":12},{"text":"ولأبي داود بسند صحيح عن عقبة بن عامر قال: ذُكرت الطيرة عند رسول الله ﷺ فقال: \"أحسنها الفأل، ولا ترد مسلمًا، فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلاَّ أنت، ولا يدفع السيئات إلاَّ أنت، ولا حول ولا قوة إلاَّ بك\".\nوعن أبي مسعود مرفوعًا: \"الطيرة شرك، الطيرة شرك، وما منا إلاّ ...، ولكن الله يذهبه بالتوكل\" رواه أبو داود والترمذي وصححه، وجعل آخره من قول ابن مسعود.\nــ\nكان الفأل يعجب الرسول ﷺ، فإذا سمع ﷺ اسمًا حسنًا، أو كلمة طيبة، أو مرّ بمكان طيّب، انشرح صدره ﷺ من حسن الظن بالله جل وعلا.\nولِمّا أقبل سُهيل بن عمرو في قصة الحديبية ليتفاوض مع الرسول ﷺ، ورآه مقبلًا قال ﷺ: \"سُهِّل لكم من أمركم\"، وكان كما أمّل الرسول ﷺ، فكان مجيئه سبب خير.\nقوله. \"فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل\" إلخ فيه ما تعالج به الطيرة وهو هذا الدعاء الذي ذكره.\nوفي حديث ابن مسعود قال: \"الطيرة شرك، الطيرة شرك\" كرِّر هذا مرّتين أو ثلاثًا تأكيدًا، وقد قدّمنا بيان معنى كونها شركًا.\nقوله: \"وما منّا إلاّ ... ولكن الله يُذهبه بالتوكُّل\" هذا من كلام ابن مسعود، يقول: يقع في قلوبنا شيء من الطَيرة، فإذا رأى الإنسان شيئًا يكرهه يقع في نفسه شيء، لأنه لا يقدر على ردِّ هذا، وهذا لا يؤاخذ عليه الإنسان، كما قال ﷺ: \"إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما حدَّثتْ بها أنفسها ما لم تتكلّم أو تعمل\"، فكونه يقع في نفس الإنسان شيءٌ إذا رأى شيئًا يكرهه، أو يخاف شيئًا ثمّ لا يتأثر ولا يتصرّف تصرُّفًا يخالف ما شرعه الله؛ لا يؤاخذ على هذا.\n\"ولكن الله يُذهبه بالتوكُّل\" هذا هو العلاج، فالمؤمن يتوكل على الله ولا يضره ما وقع في نفسه، ويذهب بإذن الله إذا توكّل على الله.\nفهذا إشارةٌ إلى ما تُعالجَ به الطيَرة أيضًا وهو: التوكُّل على الله سبحانه","vol":"2","page":13},{"text":"ولأحمد من حديث ابن عمرو: \"من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك\"، قالوا: فما كفارة ذلك؟، قال: \"أن تقولوا: اللهم لا خير إلاَّ خيرك، ولا طير إلاّ طيرك، ولا إله غيرك \".\nوله من حديث الفضل بن العباس: \"إنما الطيرة ما أمضاك أو ردّك\".\nــ\nوتعالى، ثم المُضي وعدم التردُّد، فإن تأثر بالطيَرة التي وقعتْ في نفسه وقعد عن الخروج، أو فرّ من المكان الذي تطيّر منه؛ فهذا هو الطيَرة المذمومة، لأنها أثّرْت فيه فمضى أو رجع.\nوقوله: \"من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك\" فيه أن التطير الذي يرد ويمنع الإنسان عن حاجته شرك.\nوقوله ﷺ: \"الطيرة: ما أمضاك أو ردّك\" \"ما أمضاك\" يعني، ما نفّرك من المكان، أو من الشخص، أو من المرئي الذي رأيته، وفررْت منه تأثرًا بالطيْرة فهو شرك.\n\"أو ردّك\" أي: عن حاجتك، كأن تريد أن تسافر ولَمّا رأيت الثعلب أو الغراب أو فلانًا الذي تكره قلت: هذا سفر ليس بحسن أو طيّب. ورجعت عنه وهذا هو التطيُّر، وهو شرك. والواجب عليك حينما حصل لك هذا الشيء وكرهته في نفسك أن ترفضه متوكِّلًا على الله تعالى وأنْ تمضيَ في حاجتك.\nثم بيّن ﷺ ما تُعالجَ به الطيَرة، وهو ثلاثة أمور:\nالأمر الأول:- وهو الأصل-: التوكُّل على الله ﷾، وأنه لا يأتي بالخير ولا يدفع الشر إلاّ هو ﷾، وهو الذي يأتي بالخير ويدفع الشر، وهو الذي يضرُّ وينفع، وهو الذي يتصرف في الكون فإذا توكّل على الله فإن الطيرة لا تضره.\nالأمر الثاني: أنْ يمضيَ في حاجته التي أرادها، ولا يرجع عنها بسبب الطيَرة.\nالأمر الثالث: الدعاء، بأن يدعوَ الله بالدعاء الذي أرشد إليه النبي ﷺ، وهو أن يقول: \"اللهم لا يأتي بالحسنات إلاَّ أنت، ولا يدفع السيّئات إلاَّ أنت، ولا حول","vol":"2","page":14},{"text":"ولا قوة إلاَّ بك\" وهذا دعاءٌ عظيم، فيه توكُّل على الله، رفيه اعتراف بأن الذي يأتي بالحسنات ويدفع السيّئات هو الله تعالى وليست الطيَرة، وأنه لا حول ولا قوة إلاَّ بالله، لا أحد يحوِّل من حال إلى حال إلاَّ الله ﷾، ولا أحد يقوى على شيء إلاَّ بقوة الله ﷾.\nوالدعاء الثاني: \"اللهم لا خير إلاَّ خيرك، ولا طير إلاَّ طيرك، ولا إله غيرك\" \"لا خير إلاَّ خيرك\" أي: لا أحد يجلب الخير إلاَّ الله ﷾.\n\"ولا طير إلاَّ طيرك\" لا يصيبك شيء إلاَّ بإذن الله وقدره ومشيئته، وبسبب ذنوبك.\n\"ولا إله غيرك\" لا معبود بحقٍّ سواك، وهذا اعتراف بالتّوحيد ونفي للشرك.\nفالحاصل؛ أن الطيرة تُعالج بهذه الأمور الثلاثة:\nأولًا: التوكُّل على الله.\nثانيًا: المضي وعدم التأثر بها، ولا تظهر على تصرُّفاتك، وما كأنها وُجدت.\nوالثالثة: أن تدعوَ بهذه الدعوات الواردة في الأحاديث، فإذا دعوتَ الله بهذه الدعوات فإن الله يعافيك من الطيرة ويُمدُّك بإعانته ونصره وتوفيقه.\nوالله تعالى أعلم.","vol":"2","page":15},{"text":"[الباب التاسع والعشرون:]\n* باب ما جاء في التنجيم\nقال البخاري في \"صحيحه\": قال قتادة: \"خلق الله هذه النجوم لثلاث: زينة للسماء، ورجومًا للشياطين، وعلامات يُهتدى بها، فمن تأوّل غير ذلك أخطأ وأضاع نصيبه، وتكلّفٌ ما لا علم له به\" انتهى.\nــ\nقال الشيخ ﵀: \"الباب ما جاء في التنجيم\" أي: ما ورد من الأدلة على تحريم ذلك، والنهي عنه.\nوالتنجيم المراد به: اعتقاد أن للنجوم تأثيرًا في الحوادث وما يجرى في هذا الكون، وقد يُراد بالتنجيم معاني أُخَر يأتي تفصيلها.\nوهذا اعتقادٌ قديم كان في قوم نُمرود، الذين بُعث إليهم الخليل إبراهيم﵊-، وهم الصابئة الذين يعبدون الكواكب، ويبنون لها الهياكل وبيوت العبادة، يعتقدون أنها تدبِّر أمر العالم، ولا يزال هذا الشر موجودًا في العالم.\nقوله: \"قال البخاري في صحيحه\" هذا الحديث يُعتبر من البخاري ﵀ من التعليق، والتعليق هو: أن يذكُر الأثر بدون إسناد، فإذا قال: (قال فلان) بدون إسناد؛ فهذا يسمُّونه بالتعليق، وهو على نوعين عند البخاري:\nالنوع الأول: تعليقٌ بصيغة الجزم، مثل هذا الأثر: \"قال قتادة\"، (قال فلان) .\nالنوع الثاني: تعليقٌ بغير صيغة الجزم، كأنْ يقول: (يُروى عن فلان)، فهذا يسمّى تعليقًا بغير صيغة الجزم، وهو أقل درجة من الأول.\nوقد جاء الحافظ ابن حجر ﵀ فذكر أسانيد هذه المعلّقات التي علقها \"البخاري\" في صحيحه واستقصاها في كتاب سمّاه \"تغليق التعليق\"، يتكوّن من ثلاثة مجلّدات ضخمة، وقد طبع الكتاب والحمد لله.\nقوله: \"قال قتادة\" قتادة هو ابن دِعامة السدوسي، الإمام الجليل في التفسير والحديث وغيره.\n\"خلق الله هذه النجوم لثلاث \"يعني: لثلاث حِكَم.","vol":"2","page":16},{"text":"الفائدة الأولى: \"زينة للسماء\" كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ لأنها سُرُج تتلألأ، قال تعالى: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦)﴾ .\nالفائدة الثانية: \"رجومًا للشياطين \"وذلك لأن الشياطين يحاولون استراق السمع من الملائكة في السماء، وبأتون بما يسترقونه إلى الكُهّان من بني آدم، ولكن الله جل وعلا حفِظ السماء بهذه الشهب التي تنطلق من هذه الكواكب فتُحرِق هذا المارد فتُهلكه، خصوصًا عند بعثة محمد ﷺ فإنها حُرست السماء بالشهب، كما قال تعالى عن الجن: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (٩) وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (١٠)﴾، استغربوا هذه الحراسة وهذه الشهب، وكان ذلك مُؤْذِنًا ببعثة محمد ﷺ، ولكن بقي من هذا شيء لكنه قليل.\nالفائدة الثالثة: \"علامات يُهتَدى بها\" قال تعالى: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥) وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦)﴾، فالله جعل للمسافرين علامات يستدلُّون بها في الأرض وعلامات في السماء. والعلامات التي في الأرض: السبل والفِجاج والطرق التي جعلها الله في الأرض والجبال والأعلام الواضحة، وأما في السماء فهي: النجوم والشمس والقمر، فالنّاس يستدلُّون بسيرهم في الطرق، ولاسيما في البحار التي ليس فيها جبال وليس فيها علامات وكذلك في الليل، يسيرون على النجوم، ينظرون إلى النجوم ويعرفون بها الجِهات، فيسيرون إلى الجهة التي يريدونها، وكذلك يُستدل بهذه النجوم والشمس والقمر على القِبْلة في الصلاة، لانهم إذا نظروا إلى هذه النجوم عرفوا الجهات واهتدوا إلى جهة القبلة.\nفهذا من حكمة الله ﷾ من خلق هذه النجوم، خلقها لهذه النجوم.\nأما من أراد أن يزيد على هذه الأمور الثلاثة التي ذكرها الله في كتابه فكما قال قتادة: \"فمن تأول غير ذلك أخطأ\"، لان الله لم يخلقها لهذا، لأنه أراد أن يحمِّلها شيئًا لم تُخلق من أجله، كأن يعتقد فيها أنها تدلُّ على حوادث في الأرض، أو","vol":"2","page":17},{"text":"وكره قتادة تعلّم منازل القمر. ولم يرخِّص ابن عيينة فيه.\nذكره حربٌ عنهما.\nــ\nهُبوب رياح، أو نُزول مطر، أو موت أحد، أو حياة أحد، أو توفيق في أمر، أو انخذال في أمر؛ فهذا كله من التقوَّل والتطاوُل، والخَرْص والتخمين، وادّعاء لعلم الغيب الذي ما أنزل الله به من سلطان.\nوالنجوم لا تدلُّ على هذا لأنها لم تُخلق لهذا، وإنما هذا يرجع إلى علاَّم الغيوب ﷾.\nفقوله: تأوّل فيها- يعني: اعتقد فيها غير ذلك من هذه الأمور الثلاثة التي دلّ عليها كتاب الله؛ فقد اخطأ.\n\"وأضاع نصيبه\" يعني: من الدِّين، وهذا يقتضي أنه يكفُر.\n\"وتكلّف ما لا علم له به\" لأن هذه خَرْصٌ وتخمين وحَدْسٌ وظن لا يُغنى من الحق شيئًا أبدًا.\nوقوله: \"انتهى\" يعني: كلام قتادة.\nوقوله: \"وكره قتادة تعلُّم منازل القمر، ولم يرخِّص ابن عيينة فيه\" يعني: سفيان بن عيينة، الإمام الجليل، المحدِّث المشهور.\nومنازل القمر المراد بها: المنازل التي ينزلها في الشهر، وهي ثمانية وعشرون منزلة؛ أربع عشرة منزلة يمانية، وأربع عشرة منزلة شامية، ينزل في كل ليلة منزلة١، وعلامة هذه المنزلة نجمٌ من النجوم المعروفة يقطعها القمر في شهر، بينما تقطعها الشمس في سنة.\nوكل منزلة ثلاثة عشرة يومًا، وواحدة منها أربعة عشر يومًا، وهي القلب. وهل يجوز تعلم هذه المنازل لمعرفتها من أجل الحساب.\nعلى قولين:\nالقول الأول: المنع، وهو قول قتادة وسفيان بن عيينة، لأن هذا- وإنْ كان\n_________\n١ ويستسر في ليلة أو ليلتين حسب تمام الشهر ونقصانه. ويستسر بمعنى أنه يختفي في ضوء الشمس.","vol":"2","page":18},{"text":"ورخّص في تعلُّم المنازل: أحمد وإسحاق.\nــ\nلا شيء فيه في نفسه- إلاَّ أنه وسيلة لأن يُعتقد فيها ما لا يجوز، فهذا من سدِّ الذرائع، فلا يتعلّم منازل القمر عندها، لأنه ربما يتدرّج إلى اعتقاد أنها تؤثِّر في الكون وأنها..، وأنها..، ولأنه زائد على الفوائد الثلاث السابقة.\nوالقول الثاني: أنه لا بأس بتعلّم منازل القمر، وهذا ما يسمّى بعلم التسيير.\nوهو مذهب الإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه، وقول كثير من أهل العلم.\nوهذا هو الصحيح- إن شاء الله- لأجل ما فيه من الفوائد وعدم المحذور.\nأما الممنوع فهو علم التأثير، وهو: اعتقاد أن هذه النجوم تؤثِّر في الكون، هذا هو الممنوع، أما معرفة حسابها من أجل الفوائد من غير اعتقاد أنّ لها تأثيرًا في الكون؛ فهذا لا بأس به، ولا يزال العلماء يتعلّمونه ويعلِّمونه للناس لفوائده العظيمة.\nوعلم التأثير ينقسم إلى ثلاثة أقسام، كلها محرّمة، لكن بعضها أشدّ من بعض.\nالقسم الأول: اعتقاد أنّ هذه الكواكب هي التي تُحدِث هذه الحوادث الكونية، وأنّ مصدر الحوادث هو حركات الكواكب وتَشَكُّلاتها.\nوهذا اعتقاد الصابئة، وهو جُحودٌ للخالق ﷾، واعتقاد أنّ هذه الكواكب هي التي تُحدِث هذه الحوادث، وأنها هي التي بتشَكُّلاتها وأحوالها ينتجُ عنها ما يحدُث في هذا الكون من خير أو شرّ، ومن صحة ومرض، ومن خُصْب وجَدْب، وغير ذلك، فهذا هو اعتقاد الصابئة، وهذا كفرٌ صريحٌ بإجماع المسلمين.\nوالقسم الثاني: أن لا يعتقد أنها هي التي تُحْدِث هذه الحوادث، ولكن يعتقد أنها سبب للتأثير، وأما الذي يُحدِث هذا الشيء فهو الله ﷾، ولكن هذه أسباب، فينسب إليها الأمور من باب الأسباب.\nوهذا- أيضًا- باطل ولا يجوز وهو شرك أصغر، لأن الله لم يجعلها أسبابًا، ولا علاقة لها بما يجري في هذا الكون أبدًا؛ من نزول مطر، أو هُبوب رياح، أو غير ذلك، وإنما هذا راجعٌ إلى تدبير الله ﷾، لأمره وإذنه ﷾ وليس للكواكب علاقة بهذا، غير أنّ الله خلقها للأمور الثلاثة التي سبق بيانها.\nوالقسم الثالث: الاستدلال بها على الحوادث المستقبَلة.","vol":"2","page":19},{"text":"وعن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ: \"ثلاثة لا يدخلون الجنة: مدمن خمر، وقاطع رحم، ومصدِّق بالسحر\" رواه أحمد وابن حبّان في \"صحيحه\".\nــ\nوهذا من ادّعاء علم الغيب، ومن الكهانة ومن السحر، وهو كفر بإجماع المسلمين.\nوكلُّ هذه الأمور الثلاثة اعتقاد أنها هي التي تخلُق هذه الأشياء، واعتقاد أنها أسباب لما يجري في الكون من الحوادث، واعتقاد أنها تدلُّ مجرّد دلالة على أنه سيحصل كذا؛ رُخص أو غلاء، ومن تزوّج في النجم الفلاني فإنه يوفّق، ومن تزوج في النجم الفلاني أو البُرْج الفلاني فإنه يُخْفِق، وما يسمونه بالبَخْت والنَّحْس.\nهذا كله باطل، وهذا يُنشر في بعض المجلاَّت التي تصدُر من جهات غير ملتزمة بالإسلام يُنشر فيها أبوابٌ خاصّة بالنجوم، وأنّ في البُرج الفلاني يحصُل كذا من تزوّج فيه، أو باع أو اشترى يربح، والنجم الفلاني نحسٌ ولا يصلح فيه شيء.\nهذا من اعتقاد الجاهلية.\nوأما علم الحساب المستفاد من منازل القمر لمعرفة مواقيت الصلاة، ووقت بذر الزرع، وغرس الأشجار، وغير ذلك من المصالح. فهذا ليس من الاستدلال بالنجوم على المحرّم، إنما هو من علم الحساب، والله خلق الشمس والقمر للحساب.\nوهذه المفكِّرات التي تعلق على الجُدران ويتداولها النّاس لمعرفة مواقيت الصلوات هي من هذا النوع، من العلم المرخّص فيه، والذي رخّص فيه: الإمام أحمد، وإسحاق، وغيرهما، سواء كان من الحساب الشمسي أو القمري، كله من هذا النوع، لا بأس به لأنه فيه مصالح للناس وليس فيه اعتقاد سيء.\nقال: \"وعن أبي موسى\" هو الصحابي الجليل عبد الله بن قيس الأشعري، نسبة إلى جماعة في اليمن يقال لهم \"الأشعريين\".\nوأبو موسى هذا من أفاضل الصحابة وأجلاَّئهم وفُضلائهم، قد تولّى أعمالًا جليلة في أيام الرسول ﷺ وفي أيام الخلفاء الراشدين، فله مكانةٌ عظيمة في","vol":"2","page":20},{"text":"الإسلام، رضي الله تعالى عنه وأرضاه وكان حسن الصوت بالقرآن واستمع إليه النبي ﷺ وأثنى عليه.\nقوله ﷺ: \"ثلاثة لا يدخلون الجنة\" هذا وعيد يُجرى على ظاهره ولا يُؤَوّل ولا يُفَسّر، لأن تفسيره وتأويله يقلِّل من أهميِّته، فيُترك على ظاهره للزجر والوعيد، وإن كان أصحاب هذه الجرائم لا يخرجون من الإسلام، ولكن هذا من باب الوعيد الشديد لهم.\nوهم: \"مدمن الخمر\" والمراد بالمدمن: الذي يداوِم على شرب الخمر، ولا يتوب إلى الله منها.\nفشرب الخمر كبيرة من كبائر الذنوب، ومن استحلّه فقد كَفر، ومن اعتقد تحريمه وشَرِبَه من باب الشهوة النفسانية فقد فعل كبيرة من كبائر الذنوب، ويُعتبر فاسقًا ناقص الإيمان، إذا ثبت عليه الشرب بإقراره أو بشهادة الشهود يُقام عليه الحد ثمانين جلدة، لأن حدّ الخمر شرع لصيانة العقل، الذي هو أشرف شيء في الإنسان، يميّز به الضار من النافع، والطيِّب من الخبيث، وبه يعقل أمور دينه، وبه يُمسك عن الأذى، فإذا فقد العقل صار أحطّ من البهيمة، فيؤذي، ويضيِّع أخلاقه ومصالحه ومصالح غيره، فلذلك زجر الله عن شُرب الخمر، ووضع لها حدًّا في الدنيا ووعيدًا في الاخرة، وأخبر النبي ﷺ أنه لا يدخل الجنة، فهذا وعيدٌ شديد.\nوالثاني: \"قاطع الرحم\" والرحم هي: القرابة من جهة الأب، أو من جهة الأم.\nوصلة الأرحام واجبةٌ في الإسلام بعد بِرِّ الوالدين، وهم: الأولاد وأولادهم، والإخوة والأخوات وأولادهم، والأعمام والعمّات وأولادهم، والأخوال والخا لات وأولادهم، والآباء والأجداد.\nفأول من تَجبُ صلته: الوالدان بالبر بهما، ثمّ الأولاد، ثمّ الإخوة وأولادهم، ثمّ الأعمام والعمّات وأولادهم ثمّ الأخوال والخالات وأولادهم، قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شيئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى﴾، ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ .","vol":"2","page":21},{"text":"فالقربى لها حق واجب، ومن قطع هذا الحق فإنه يكون قاطعًا للرحم، وقاطع الرحم مرتكبٌ لكبيرة من كبائر الذنوب، وملعونٌ في القرآن، كما قال تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (٢٣)﴾ .\nوالله جل وعلا يقول للرحم في الحديث القدسي: \"من وصلكِ وصلته، ومن قطعكِ قطعته\"، وفي هذا الحديث: أنه لا يدخل الجنة. وهذا وعيدٌ شديد.\nوالثالث: \"مصدِّقٌ بالسحر\" وهذا محل الشاهد من الحديث.\nفإنْ قلتَ: الحديث في مصدِّق السحر، والباب في باب التنجيم، فما المناسبة؟\nقلنا: المناسبة أن التنجيم نوعٌ من السحر؛ لما يأتي في الحديث: \"من اقتبس شُعبة من النجوم فقد اقتبس شُعبة من السحر زاد ما زاد\"، فالتنجيم نوعٌ من السحر، فلذلك أورده المصنِّف في هذا الباب.\nوأخبر النبي ﷺ أنّ المصدِّق بالسحر- ومنه المصدِّق بالنجوم- أنه لا يدخل الجنة، وهذا وعيدٌ شديد، قد لا يدخل الجنة لكفره، وقد لا يدخلها لمعصيته.\nوهذا من أحاديث الوعيد التي تُجرى على ظاهرها ولا تُفسَّر.\nوالشاهد منه قوله: \"مصدِّقٌ بالسحر\" الذي منه التنجيم.\nوعلى كل حال؛ فالواجب على المسلم أن يحذَر من هذه المشكلة، وهي مسألة التنجيم التي لا يزال شرها موجودًا في النّاس.","vol":"2","page":22},{"text":"[الباب الثلاثون:]\n* باب ما جاء في الاستسقاء بالأنواء\nوقول الله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)﴾ .\nــ\nقال الشيخ ﵀: \"باب الاستسقاء بالأنواء\" أي: طلب السقيا بالنجوم. ما حكمه؟ وما دليله؟.\nوهذا الباب يُعتبر نوعًا من أنواع الباب الذي قبله، وهو \"باب ما جاء في التنجيم\"، فالباب الأول عامٌّ في كلِّ ما يُعتقد في النجوم من الكفر والضلال والباطل من استسقاء وغيره، وهذا الباب خاصٌّ بمسألة واحدة، وهي الاستسقاء بالنجوم.\nقوله: \"باب ما جاء\" أي: من الوعيد في الكتاب والسنّة، وبيان أنّ ذلك كفر بالله تعالى، لأنه اعتقادٌ في غير الله في أنه يخلق أو يرزق أو يدبِّر شيئًا من هذا الكون، وهذا كفرٌ بالله ﷾، لأن الله سبحانه هو الخالق المتصرِّف المدبِّر لهذا الكون ليس له شريك، وكلُّ هذه المخلوقات كلها مدبَّرةٌ بأمره ﷾: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾، ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ﴾ الذي هو: التدبير والإيجاد والتصرُّف، ﴿وَالْأَمْرُ﴾ الذي هو الشرع، فكما أنه الخالق فهو الذي يشرع ﷾، ويأمر وينهى، ﴿تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ .\nلَمّا قرأ عبد الله بن عمر هذه الآية قال: \"من كان له شيء فليطلبه\".\nوقال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٢)﴾، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧)﴾، فلا يجوز أن يُعتَقد في مخلوق من المخلوقات أيًّا كان شكله وقوته ونوعه أن يُعتقد فيه أنه يدبِّر مع الله ﷾، وانما يدبِّر بأمر الله: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (٥)﴾ يعني: الملائكة يدبِّرون بأمر الله ﷾، الله يأمرها وهي تدبِّر ما أمرها به سبحانه.\nقال: \"وقول الله تعالى: \" ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)﴾ \" هذه الآية في سياق","vol":"2","page":23},{"text":"الآيات التي قبلها، وهي قوله تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٠) أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)﴾ .\nوالشاهد في قوله تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)﴾ .\nوقد ذكر العلماء في تفسيرها قولين:\nالقول الأول: أن المراد بالنجوم الكواكب، والمراد بمواقعها طلوعها وغروبها، طلوعها من المشرق وغروبها من المغرب، لأن هذا من أعظم آيات الله ﷾.\nوالمقسم عليه هو: أحقيّة القرآن.\nوقوله تعالى: ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ﴾ هو القرآن ﴿أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ يعني: تكذِّبون بهذا القرآن، وتقولون: إنه من قول محمد، أو من قول فلان أو علاَّن، بعد هذا البيان، وبعد هذا التوضيح.\n﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)﴾ ﴿رِزْقَكُمْ﴾ يعني: المطر، ﴿أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ فتقولون: مُطرنا بنوء كذا وكذا، فتنسبون المطر إلى الأنواء.\nوالأنواء جمع نوء، من: ناء ينوء إذا نهض، والنوء عبارة عن أحد منازل القمر الثمانية والعشرين.\nوذلك أن العرب تزعم في الجاهلية أن المطر إنما ينزل بسبب طلوع النجم، وبعضهم يقول: المطر يحصل بسبب غروب النجم الذي يغرب في الفجر. والخلاف بينهم يسير.\nالمهم أنهم يضيفون نزول المطر إلى طلوع النجم أو غروبه، يظنون أن غروب النجم أو طلوع النجم في الفجر هو الذي يسبِّب نزول المطر، فيقولون: مُطرنا بنوء كذا وكذا، مطرنا بنوء الثريا، بنوء القلب، بنوء العُوّاء، بنوء الغَفْر، بنوء الزُّبانة، إلى آخره، هكذا تقول العرب في جاهليتها.\nوقد أكذبهم الله فقال تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ أي: المطر ﴿أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ فتنسبونه إلى الطالع أو الغارب من النجوم، وهذا كذب، لأن الذي ينزل المطر","vol":"2","page":24},{"text":"وعن أبي مالك الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم والنياحة\".\nــ\nهو الله ﷾، وليس طلوع النجم أو غروبه، فيكذبون على الله ﷾، وينكرون نعمة الله ويجحدونها، وكان الواجب عليهم أن يشكروا نعمة الله، وأن يضيفوا النعمة إلى الله، لكنهم أضافوها إلى غيره، وقالوا: مُطرنا بالنوء الفلاني، فأنكر الله عليهم: قولهم: مطرنا بنوء كذا وكذا وسمّاه الله كذبًا، وهو كذبٌ في الاعتقاد، وأشد الكذب هو الكذب في الاعتقاد، قال تعالى ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكَافِرِينَ (٣٢)﴾، فالذي يكذب على الله وينسب نعمه لغيره، وينسب المطر إلى مخلوق من خلقه فقد كذب على الله أعظم الكذب، بدل أن يشكر الله يكذب عليه، وينسب نعمه إلى غيره، وهذا جُحودٌ للنعمة، وكُفرانٌ بها.\nوقد فصّل العلماء حكم ذلك فقالوا: إن اعتقد أنّ النجم هو الذي يوجد المطر؛ فهذا كفرٌ أكبر، وشركٌ أكبر مخرجٌ من الملَّة.\nأما إذا اعتقد أنّ المطر ينزل بأمر الله وبتقدير الله سبحانه، ولكنه نسبه إلى النجم، أو إلى الطالع أو الغارب من باب المجاز أو السبيبة -كما يقولون- فهذا كفرٌ أصغر، وشركٌ أصغر، لكنه وسيلةٌ إلى الشرك الأكبر، لأن الله لم يجعل النجوم سببًا في نزول الأمطار، وإنما الأمطار تنزل بأمره ﷾، فالأمطار إنما تنزل بأمره وبسبب رحمته ﷾ كما دلّتْ على ذلك آياتٌ كثيرة من القرآن: ﴿فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ﴾، ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩)﴾، ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ .\nوالحاصل؛ أن المنزِّل للمطر هو الله ﷾، والرياح والسحاب إنما هي مخلوقات لله ﷾.\nقوله ﷺ: \"أربع\" أي: أربع خِصال.\n\"في أمتي\" يعني: أمة الإجابة، لأن أمة الدعوة تشمل كل الثقلين الجن والإنس، لأن الرسول بُعث إليهم.","vol":"2","page":25},{"text":"وأما أمة الإجابة فهم الذين آمنوا به ﷺ وصدّقوه واتّبعوه.\n\"من أمر الجاهلية\" المراد بالجاهلية: ما قبل الإسلام، سُمي جاهلية من الجهل وهو عدم العلم، لخلو هذا الوقت -وقت الفتْرة- من آثار الرسالات السماوية، لأن بين بِعثة محمد ﷺ وبين عيسى- آخر أنبياء بني إسرائيل- أربعمائة سنة وزيادة، كانتْ قد اندثرتْ فيها آثار الرسالات، ونظر الله إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلاَّ بقايا من أهل الكتاب انقرضوا قبل البِعثة.\nفهذا الوقت الذي قبل الإسلام سمّي بالجاهلية لعدم وجود العلم فيه.\nأما ما بعد الإسلام فلا يقال له: جاهلية، لأن الجاهلية زالت والحمد لله بالإسلام، والعلم موجود، ورّثه الرسول لله، فبعد بعثة هذا الرسول زالت الجاهلية العامّة، أما بقايا من الجاهلية أو خصال من أمور الجاهلية فقد تبْقى في أفراد من الناس أو طوائف من الناس المسلمين، لكن أن يقال: الناس كلهم في جاهلية -كما يطلقه بعض الكتّاب الجهال- فهذا باطل.\nفقد يُبالغ بعض الكُتّاب الجُهّال فيصفون هذا الوقت بوقت الجاهلية، فيقول بعضهم: \"جاهلية القرن العشرين\"، وهذا تعبير خاطئ، وقول باطل، كما نبّه على هذا شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه: \"اقتضاء الصراط المستقيم\".\nفقوله ﷺ: \"أربع في أمتي من أمر الجاهلية\" دلّ على أنه تبقى أشياء من الجاهلية تتسرّب في الناس، وقد تكون في بعض المؤمنين الصادقين.\nوقد تكثُر الجاهلية في بعض الأشخاص وتعظُم، ولكنه لا يخرج بها من الإسلام ما دام أنه يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ولم يشرك بالله، ولم يرتكب ناقضًا من نواقض الإسلام، فليس كل من فيه جاهلية يكون كافرًا.\nفالحاصل؛ أن المبالغات في وصف الزمان بأنه جاهلية والناس كلهم في جاهلية؛ فهذا باطل، ولا يصدُر من عالم محقِّق، إنما يصدُر من بعض الجُهّال.\nوقوله: \"من أمر الجاهلية لا يتركونهن\" دلّ هذا على مسألتين.\nالأولى: يُنسب إلى الجاهلية، وعلى أنه محرّم، لأن الرسول ﷺ ذكر هذا من باب الذم والتحذير منه، وقال الله تعالى لنساء نبيه: ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ","vol":"2","page":26},{"text":"الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾، فكل ما يُنسب إلى الجاهلية فإنه محرّم ومذموم يجب التخلِّي عنه والابتعاد عنه.\nالمسألة الثانية: فيه- أيضًا-: أنه قد يبقى شيءٌ من الجاهلية في بعض المسلمين، فيجب عليه الحذَر منه، والتحذير منه، والتوبة إلى الله ممّن وقع في شيء من ذلك من أمور الجاهلية. وهذه الأربع التي ذكرها النبي ﷺ هي: الأولى: \"الفخر بالأحساب\" والمراد بالحسَب: شرف الإنسان ومكانته في المجتمع، فلا يفخر بحسبه، لأن الله سبحانه يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾، فالكرم عند الله هو بالتقوى لا بالحسب.\nيقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: \"إذا كان لا يجوز للإنسان أنه يفخر بعمله هو، فكيف يفخر بعمل أبيه وجده\".\nقال الشاعر:\nلعمرك ما السعادة جمع مال ... ولكن التقي هو السعيد\nوقال آخر:\nوليس على عبد تقيِّ غضاضة ... إذا حقق التقوى وإنْ حاك أو حجم\nالثانية من أمور الجاهلية: \"الطعن في الأنساب\" بأن يتنقّص أنساب النّاس.\nلأنه يعظّم نفسه، ولأنه يتنقّص الآخرين وكلاهما مذموم.\nالثالثة: \"والاستسقاء بالأنواء\" وهذا محل الشاهد من الحديث.\nوالاستسقاء (استفعال)، أصله: طلب السقيا، قال الله تعالى: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ﴾ ﴿اسْتَسْقَى﴾ يعني: طلب السقيا.\nوالاستسقاء بالنجوم هنا ليس معناه: أنهم يطلبون من النجوم أن تسقيهم، لكن معناه: أنهم ينسبون المطر إلى النجوم، فيقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا.\nوكما فصّل العلماء: إنْ كان يعتقد أن النجوم هي التي أنزلت المطر وأثّرت؛ فهذا كفر مخرِج من الملّة. وإن كان يعتقد أن المنزل للمطر هو الله، وأن النجوم إنما هي أسباب وأضاف ذلك إليها من باب التساهل في التعبير؛ فهذا يُعتبر شركًا وكفرًا أصغر لا يخرج من الملة. ولكنه محرّم شديد التحريم، لأنه وسيلة إلى الشرك","vol":"2","page":27},{"text":"وقال: \"النائحة إذا لم تتب قبل موتها تُقام يوم القيامة وعليها سِربال من قَطِران ودرْعٌ من جَرَب\" رواه مسلم.\nــ\nالأكبر، ولأن الشرك وإن كان أصغر فهو خطير، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ .\nقال العلماء: أما لو قال: سُقينا في نوء كذا، فأتى بـ (في)، فلا بأس بذلك، لأن هذا ليس فيه نسبة المطر إلى النجم، وإنما يقول: سُقينا في هذا الوقت، سُقينا في نوء كذا يعني: في وقت كذا.\nالرابعة: قوله ﷺ: \"والنياحة على الميت\" والنياحة: رفع الصوت على الميِّت من باب الجزَع والتسخُّط، وإذا صحبه شقّ للثوب، أو لطم للخد، أو تعداد لمحاسن الميِّت، أو نياحة وندْب وجزَع؛ فهذا كبيرة من كبائر الذنوب.\nوالواجب عند نزول المصيبة: الصبر والاحتساب لا الجزَع والتسخُّط.\nوالنياحة دليل على عدم الرضى بقضاء الله وقدره، ودليلٌ على عدم الصبر والاحتساب. وهي من أمور الجاهلية، ويكفي أنها من أمور الجاهلية، لأن أمور الجاهلية محرّمة.\nقوله: \"وقال: النائحة إذا لم تتب\" يعني: ترجع عن النياحة، وتندم على ما حصل منها، وتعزم على أن لا تعود إلى النياحة في مستقبلها.\nوهذه شروط التوبة:\nفالتوبة لغة: الرجوع، وشرعًا هي: الرجوع من معصية الله إلى طاعة الله.\nوشروطها ثلاثة: الإقلاع عن الذنب، والندم على ما حصل، والعزم أن لا يعود إليه. فإذا توفّرت هذه الشروط فالتوبة صحيحة، وإذا اختلّ شرطٌ منها فهي توبة غير صحيحة.\nودلّ هذا على أن التوبة تمحو المعصية ولو كانتْ كبيرة، ولو كانت شركًا وكفرًا بالله جل وعلا، فالتوبة تَجُبُّ ما قبلها من النياحة وغيرها.\nوفي قوله ﷺ: \"قبل موتها\" دليل على أنه عند الموت لا تُقبل التوبة، فإذا بلغت الروح الحُلْقوم فحينئذ لا تُقبل التوبة.","vol":"2","page":28},{"text":"ولهما عن زيد بن خالد ﵁ قال: صلى لنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء كانتْ من الليل، فلما انصرف أقبل على النّاس فقال: \"أتدرون ماذا قال ربكم؟ \".\nــ\nقوله: \"تُقام يوم القيامة\" يعني: من قبرها.\n\"وعليها سِرْبال\" السِّربال هو: الثوب.\n\"من قطران\" هو النحاس المذاب.\n\"ودِرْعٌ من جَرَب\" الدرع كذلك هو: الثوب، والجَرَب: مرض جلدي، يكون في الإبل ويكون في الإنسان.\nفدلّ هذان الحديثان على مسائل:\nأولًا: فيه تحريم أمور الجاهلية وذمها عمومًا.\nثانيًا: فيه أن أمور الجاهلية لا ترتفع بالكلية، بل يبقى منها شيءٌ في بعض المسلمين.\nثالثًا: وهي مسألة مهمة جدًّا-: أن من كان فيه شيء من أمور الجاهلية لا يقتضي ذلك كفره، لكن يكون هذا ذنبًا مذمومًا يجب عليه التخلِّي عنه والتوبة منه، لكنه لا يقتضي الكفر، لأنه قال: \"من أمتي\"، فمن كان فيه شيء من أمور الجاهلية فهذا لا يقتضي كفره، إلاَّ إذا بلغ مبلغ المكفِّرات كالشرك بالله جل وعلا، أو بلغ ناقضًا من نواقض الإسلام المعروفة فهذا يكفُر به.\nرابعًا: فيه دليل على تحريم المسائل الأربع المذكورة: \"الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة\"، وأن هذه الأمور من كبائر الذنوب.\nوالخامسة: فيه دليلٌ على أن التوبة تمحوا ما قبلها.\nسادسًا: فيه أن قبول التوبة محدّد بما قبل الموت.\nوالله تعالى أعلم.\nقوله ﵀: (ولهما) أي البخاري ومسلم في صحيحهما: \"عن زيد بن خالد\" الجهني، صحابي جليل مشهور، والجهني نسبة إلى جُهينة القبيلة المعروفة، وهي قبيلة كبيرة من قبائل العرب.\n\"قال: صلى لنا\" المراد: صلى بنا، فاللام هنا بمعنى الباء.","vol":"2","page":29},{"text":"قالوا: الله ورسوله أعلم.\nقال: \"قال: أصبح من عبادي مؤمنٌ بي وكافرٌ. فأما من قال: مُطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمنٌ بي كافرٌ بالكوكب. وأما من قال: مُطرنا بنوء كذا وكذا؛ فذلك كافرٌ بي مؤمن بالكوكب\".\nــ\n\"رسول الله ﷺ صلاة الصبح\" يعني: صلاة الفجر، سُمِّيت صلاة الصبح لأنها تجب عند طلوع الفجر، كما قال تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ يعني: صلاة الصبح.\n\"بالحديبية\" اسم مكان على حدود الحرم من جهة الغرب، قريب من التنعيم، يقال له الآن (الشميسي)، وهو عند مدخل الحرم للقادم من جدّة.\nيقال الحديبيةَ - بالتخفيف-، ويقال بالحديبيّة، بالتشديد والمشهور الأول.\n\"فلما انصرف أقبل على النّاس\" لأن هذا من السنّة؛ أن الإمام إذا فرغ من الصلاة فإنه لا يبقى مستقبل القبلة، بل ينصرف إلى النّاس ويُقبِل عليهم بوجهه كما كان النبي ﷺ يفعل ذلك.\n\"فقال ﷺ: \"أتدرون ماذا قال ربكم؟ \" هذا فيه: مشروعية الموعظة بعد الصلاة إذا صار لها مناسبة، كتنبيهٍ على خطأ وقع، أو بيان لواجب، أو موعظةٍ عامة، وحثِّ على تقوى الله، فإنه ﷺ كان يعظ النّاس أحيانًا، ولم يكن يداوم على ذلك، وإنما يفعل ذلك أحيانًا خشية المَلَل، فكان يتخوّلهم بالموعظة ﷺ، خصوصًا إذا حصل شيءٌ يحتاج إلى تنبيه، مثل هذه القضية.\nوفي هذا مشروعة التعليم من خلال السؤال والجواب، فالمعلِّم يسأل الطالب أوّلًا من أجل أن ينتبه للجواب، لأن هذا يكون أبلغ في التعليم وأنبه للطالب، لأنه إذا سُئل أولًا ثمّ أُجيب فإنه يكون هذا أثبت في ذهنه، بخلاف ما لو أُلقيَ إليه العلم ابتداءً فإنه قد لا ينتبه له تمامًا.\n\"قالوا: الله ورسوله أعلم\" هذا فيه أن المسؤول إذا لم يكن عنده علم ولا جواب أنه لا يتخرّص، وإنما يكِل العلم إلى عالمه، فيقول: الله ورسوله أعلم، وهذا في حياته ﷺ، أما بعد موته فيقول: الله أعلم فقط. ففيه: مشروعية تفويض العلم إلى الله ﷾.\nفأجاب ﷺ: و\"قال\" أي: الرسول ﷺ \"قال\" أي: الله.","vol":"2","page":30},{"text":"وهذا من الأحاديث القدسية، نسبة إلى القدس وهو الطهارة، والتقديس هو التطهير، سُمي بذلك تشريفًا له لأنه من كلام الله.\nفالحديث القدسي من كلام الله لفظه ومعناه.\nأما الحديث غير القدسي فهو من كلام الرسول ﷺ، لكن المعنى من الله، لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ .\nإلاّ أن الحديث القدسي مع أنه من كلام الله لا يأخذ حكم القرآن من كل وجه، بحيث يُتعبد بتلاوته مثل القرآن، وبحيث لا يمسه إلاَّ طاهر مثل القرآن، أو أنه يُشترط له التواتر مثل القرآن، ومن حيث إنه تجوز روايته بالمعنى. أما القرآن فلا تجوز روايته بالمعنى.\nالحاصل؛ أن بين الحديث القدسي وبين القرآن فروقًا كثيرة، وإن كان يجتمع مع القرآن في أنه كلام الله ﷾ لفظًا ومعنى.\nوفي قوله: \"قال\" إثبات أن الله يتكلّم، فصفة الكلام ثابتةٌ لله، يتكلّم متى شاء إذا شاء ﷾؛ كلامًا يليق بجلاله، ليس مثل كلام المخلوقين، فكيفيّته وكُنْهُه لا يعلمهما إلاَّ الله ﷾، لكنه ثابتٌ لله من صفات الأفعال التي يفعلها الله إذا شاء ﷾.\nففيه: ردٌّ على الجهمية والمعتزلة والأشاعرة الذين ينفون الكلام عن الله ﷾.\n\"أصبح من عبادي\" يعني: بسبب نزول المطر.\n\"مؤمنٌ بي وكافر\" \"مؤمن بي\" بسبب هذه النعمة، \"وكافر\" بسببها.\nدلّ على أنّ حصول النعم ابتلاء من الله سبحانه، يبتلي به عباده، فمنهم من يشكر الله فيكون مؤمنًا، ومنهم من ينكر نعمة الله فيكون كافرًا بنعمه.\nثمّ بيّن ﷺ سبب ذلك فقال فيما يرويه عن ربه ﵎: \"فأما من قال: مُطرنا بفضل الله ورحمته\" يعني: نسب النعمة إلى الله ﷾.\nوالتفضُّل والرحمة صفتان من صفات الله، فالله هو الذي يتفضل وهو الذي يرحم، ونزول المطر أثرٌ من آثار رحمة الله، كما قال تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ","vol":"2","page":31},{"text":"اللهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ يعني بإنزال المطر وإنبات النبات.\n\"فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب\" لأنه لم ينسب نزول المطر إلى طلوع الكواكب أو غروبها، وهو ما يسمى بالنوء.\n\"وأما من قال: مُطرنا بنوء كذا وكذا\" والنوء سبق لنا أنه هو النجم إذا طلع من المشرق وقت الفجر، أو غاب في المغرب وقت الفجر.\nكان أهل الجاهلية ينسبون المطر إلى طلوع النجم أو غروبه، فيزعمون أنه إذا طلع النجم أو غرب ينزل المطر، ويعتقدون أن هذا بسبب الكواكب، ولا ينسبونه لله تعالى. وهذا كفر، لأنهم نسبوا النعمة إلى المخلوق، وهذا شرك بالله ﷾؛ شركٌ في الربوبية، وكل مشرك كافر.\nوهذا فيه دليل على كفر من استسقى بالأنواء ونسب نزول المطر إليها، أو أنّ نزول المطر بتأثيرها، لأن نزول المطر إنما هو بقدرة الله ﷾ هو الذي ينزِّله متى شاء وأين شاء ويمنعه متى شاء وأين شاء، ويصرِّفه ﷾.\nتطلُع الأنواء ولا يحصل مطر، ويحصل المطر في غير طلوع الأنواء، فيحصل المطر في أيِّ وقتٍ شاءه الله، وهذا شيءٌ مشاهَد أن المطر ينزل في جميع الأحيان ولا يتقيّد بظهور النجم، فهذا دليل على كذب هؤلاء.\nوفيه مشروعية قول هذا الكلام عند نزول المطر: \"مُطرنا بفضل الله وبرحمته\".\nوفيه التنبيه على شكر الله عند حدوث النعم من الأمطار وغيرها، فكل ما حصل للإنسان نعمة فإنه يجب عليه أن ينسبها إلى الله، وأن يشكر الله عليها، ولا ينسبها إلى غيره، لا إلى حوله وقوَّته، ولا إلى أحدٍ من خلقه، وإنما ينسب الفضل إلى المتفضِّل وهو الله ﷾.\nوهذا الحديث فيه فوائد عظيمة:\nفيه: مشروعية الموعظة بعد الصلاة خصوصًا إذا حصل مناسبةٌ لها.\nوفيه: مشروعية صلاة الجماعة في السفر كما هي مشروعة في الحضَر.\nوفيه: مشروعية التعليم عن طريق السؤال والجواب، لأن ذلك أبلغ في التفهيم وأيسر للتعليم، وقد فعل النبي ﷺ هذا مرارًا وتكْرارًا.","vol":"2","page":32},{"text":"ولهما من حديث ابن عباس معناه، وفيه: (قال بعضهم: لقد صدق نوء كذا.\nفأنزل الله هذه الآيات: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٠) أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)﴾ .\nــ\nوفيه- وهو الشاهد من الحديث للباب-: أن نسبة المطر إلى الأنواء كفرٌ بالله ﷺ وشرك، وأن نسبة النِّعم والأمطار إلى الله إيمان بالله وتوحيد.\nوفيه: أن حصول النعم ابتلاء وامتحان من الله تعالى؛ ليتبيّن بذلك المؤمن من الكافر.\nوفيه: مشروعية قول هذا الكلام عند نزول المطر: \"مُطرنا بفضل الله وبرحمته\" كما كان النبي ﷺ يقول ذلك، ويقول: \"اللهم صيِّبًا نافعًا\".\nوقوله: \"ولهما\" أي: للبخاري ومسلم.\n\"من حديث ابن عبّاس بمعناه ... إلخ\" هذا مثل الحديث الذي قبله؛ لما نزل عليهم المطر قالوا: \"صَدَق نوء كذا وكذا\" زعموا أن طلوع النجم هو الذي حصل به المطر، فهم نسبوا نزول المطر إلى النوء، فصدّقوه، فأنزل الله تعالى منكرًا عليهم قوله تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ﴾ .\nقوله تعالى: ﴿فَلا﴾ لا هذه نافية، أي: ليس الأمر كما زعمتم أنّ نزول المطر بسبب صدق النوء الفلاني، وإنما المطر بفضل الله.\nثمّ أقسم جل وعلا على هذا النفي. والمشهور- كما اختاره ابن جرير-: أن المراد بالنجوم هنا: الكواكب، لأن في طلوعها وغروبها آية عظيمة من آيات الله ﷾ لمن يتدبّر ويتفكّر.\nوالله جل وعلا يقسم بما شاء من خلقه، وهو لا يقسم إلاَّ بشيء فيه سرٌّ عظيم يحتاج إلى تأمُّل، ويحتاج إلى نظر، فلو نظرت إلى تنظيم هذه النجوم في مسارها","vol":"2","page":33},{"text":"وتعاقبها، وعدم تخلُّفها عن نظامها وانتظامها، ونظرت إلى زينتها وتلألئها وبهائها في السماء؛ لدلّك ذلك على قدرة الله ﷾ وعظيم صنعته.\nفالله أقسم بها لمِا فيها من العجائب.\nأما المخلوق فلا يُقسم إلاَّ بالله، كما جاء في الحديث: \"من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك \"، فلا يجوز الحلف إلاَّ بالله.\nقوله تعالى: ﴿َإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيم (٧٦)﴾ هذا تنبيه على عظَم هذا القسم، ولا يتنبّه لهذا إلاَّ أهل العلم الذين يتدبّرون في آيات الله الكونية.\nثمّ ذكر سبحانه المقسَم عليه وهو القرآن فقال: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ من الكرم وهو الشرف والرِّفعة، فهو كريم في منزلته، عظيمٌ في معناه، جليلٌ في قدْره، لأنه كلام الله ﷾، فهو أعظم الكلام. وفضل كلام الله على غيره كفضل الله على خلقه.\n﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨)﴾ يعني: محفوظ، والمشهور: أنّ المراد بالكتاب المكنون هنا: اللوح المحفوظ، لأن الله كتبه في اللوح المحفوظ، فهو مكتوبٌ في اللوح المحفوظ، ومكتوب في صحائف الملائكة، ومكتوبٌ في المصاحف التي في أيدي البشر، ومحفوظٌ في الصدور، فهو كلام الله بكل اعتبار.\n﴿لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ يعني: الملائكة، وهذا فيه ردٌّ على المشركين الذين يزعمون أن القرآن ممّا تنزّلت به الشياطين، وأنه من كلام الشياطين، والله بيّن أن الشياطين لا تقرب القرآن، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (٢١٢)﴾ السمع يعني: الوحي.\n﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٠)﴾ نزل به جبريل﵊- إلى نبينا محمد ﷺ، وبلّغه محمد ﷺ لأمته، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾، وكما في الآية الأخرى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠)﴾ يعني: جبريل ﵇، ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١) وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢)﴾ يعني: محمدًا ﷺ، وهذا توثيق لسند القرآن، لأن رواته عن الله هم: أمة محمد ﷺ عن نبيهم محمد ﷺ عن جبريل عن ربه ﷿، وليس كما يقوله المشركون: إنه من كلام الشياطين، أو من كلام","vol":"2","page":34},{"text":"البشر، أو من صحائف الأولين. فهو كلام الله حقيقة وجبريل ومحمد عليهما الصلاة والسلام مبلغان عن الله تعالى.\nثمّ قال: ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١)﴾ يعني: تكذبون به، وتقولون: هذا من كلام محمد، أو من كلام فلان، أو مما تنزّلت به الشياطين التي تتنزّل على الكُهّان، أو ما أشبه ذلك من أقاويل باطلة.\n﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)﴾ معناه: أنكم تنسبون الأمطار إلى الأنواء، سمّى الله ذلك كذبًا وباطلًا لأن الأمطار ليستُ من الأنواء وإنما الأمطار من الله ﷾ هو الذي ينزِّلها ويقدّشرها ويجعل فيها البركة والنماء، فهو الذي ينزِّلها سبحانه.\nوفي هذا الأثر الذي رواه ابن عبّاس- مثل ما سبق-:\nالرد على الذين ينسبون الأمطار إلى الأنواء، وأن هذا كذبٌ محْض، حيث أقسم الله سبحانه- وهو الصادق- أن هذا كذب، فدلّ على بُطلان الاستسقاء بالأنواء، وأنه يجب نسبة المطر إلى الله ﷾، لا إلى الأنواء، ومن نسبها إلى الأنواء فقد كفر بالله.","vol":"2","page":35},{"text":"[الباب الواحد والثلاثون:]\n* باب قول الله تعالى\n﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ﴾ .\nــ\nأراد الشيخ ﵀، بهذا الباب أن يبين أن المحبة نوعٌ من أنواع العبادة، وأن من أحب مع الله غيره فقد أشرك بالله الشرك الأكبر المخرج من المِلة، كما كان عليه المشركون الذين قال الله فيهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ﴾ .\nولَمّا كانت المحبة من أنواع العبادة، بل هي أعظم أنواع العبادة، وكان من أحب مع الله غيره مشركًا الشرك الأكبر؛ ناسب أن يذكر الشيخ ﵀، هذا الباب في \"كتاب التّوحيد\"؛ لينبه على هذه المسألة المهمّة.\nوالمحبة- كما ذكر العلماء- تنقسم إلى قسمين:\nالقسم الأول: محبة العبودية، وهذه يجب أن تكون خالصةً لله ﷿، ومحبة العبودية هي التي يكون معها ذل للمحبوب. وهذه لا يجوز صرفها لغير الله، كما لا يجوز السجود لغير الله والذبح لغير الله والنذر لغير الله فإنه لا تجوز محبة غير الله محبة عبودية يصحبها ذلٌّ وخضوع وطاعةٌ للمحبوب، وإنما هذه حقٌّ لله ﷾.\nولهذا يقول العلامة ابن القيم ﵀ في \"النونية\":\nوعبادة الرحمن غاية حبه ... مع ذلُّ عابده هما قطبان\nوعليك فَلَك العبادة دائر ... وما دار حتى قامت القطبان\nومداره بالأمر أمر رسوله ... لا بالهوى والنفس والشيطان\nويقول العلماء في تعريف العبادة هي: غاية الذل مع غاية الحب.\nفالعبادة تترّكز على ثلاثة أشياء: على المحبة، وعلى الخوف، وعلى الرجاء.\nفالمحبة والخوف والرجاء هي ركائز العبادة وأساسها، فإذا اجتمعتْ تحقّقت العبادة ونفعت كالصلاة والحج وسائر العبادات، أما إذا اختلّتْ هذه الثلاثة فإن الإنسان وإن صام وإن صلى وإن حج فإنها لا تكون عبادته صحيحة.\nويقول العلماء: \"من عبد الله بالمحبة فقط فهو صوفي\"، لأن الصوفية يزعمون","vol":"2","page":36},{"text":"أنهم يعبدون الله لأنهم يحبونه فقط، ويقولون: لا نعبده نخاف من ناره ولا نرجو جنته، وإنما نعبده لأننا نحبه. وهذا ضلال.\n\"ومن عبد الله بالرجاء فقط فهو مرجئ\" لأن المرجئة يخرجون الأعمال عن مسمى الإيمان.\n\"ومن عبد الله بالخوف فقط فهو خارجي\" لأن الخوارج يكفرون المؤمنين بالمعاصي.\nفالمرجئة أخذوا جانب الرجاء فقط، والصوفية أخذوا جانب المحبة فقط، والخوارج أخذوا جانب الخوف فقط.\nوأهل السنّة والجماعة جمعوا بين الأمور الثلاثة -ولله الحمد-: المحبة مع الخوف والرجاء والذل والانقياد والطاعة، وبنوا على ذلك سائر أنواع التعبُّد والتقرُّب إلى الله ﷾.\nالنوع الثاني: محبة ليستْ محبة عبودية وهي أربعة أقسام:\nالقسم الأول: محبة طبيعية كمحبة الإنسان للطعام والشراب والمشتهيات المباحة، كالزوجة والملذات.\nالقسم الثاني: محبة إجلال، كمحبة الولد لوالده غير المشرك والكافر، فالولد يحب والده محبة إجلال وتكريم واحترام لأنه والده المحسن إليه والمربِّي له. وهذه محمودة ومأمور بها.\nالقسم الثالث: محبة إشفاق، كمحبة الوالد لولده، فالوالد يحب ولده محبة إشفاق.\nالقسم الرابع: محبة مصاحبة، كأن تحب شخصًا من أجل مصاحبتك له، إما لكونه زميلًا لك في العمل، أو شريكًا في تجارة، أو صاحبًا لك في سفر، فأحببته من أجل المشاركة في شيء من الأشياء.\nهذه الأقسام ليستْ من أنواع العبادة، لأنها ليس معها ذلّ، وليس معها خضوع.","vol":"2","page":37},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ﴾ ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ يعني: المشركين، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ﴾ أي: غير الله، ﴿أَنْدَادًا﴾ الند هو: الشبيه والنظير والعديل، سُمُّوا أندادًا لأنهم ساووهم بالله، فصاروا أندادًا لله بمعنى: شركاء مساوين له في اعتقاد المشركين.\n﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ﴾ أشركوهم مع الله في محبة العبودية، فعبدوا الأصنام والأوثان لأنهم يحبونها محبة ذل وانقياد وخضوع وطاعة فأشركوا في أعظم أنواع العبادة، وهو المحبة.\nفالمشركون يحبون الله لأنهم يعترفون بربوبيته وخلقه لهم، فهم يحبونه، لكنهم لم يخلصوا محبتهم، بل أشركوا معه آلهةً أخرى يحبونها مع الله محبة عبودية وخضوع وذلُّ وتقرُّب إليها بالعبادة.\nهذا هو الوجه الصحيح في تفسير الآية؛ أن المشركين يحبون الله ويحبون معه غيره من الأصنام والأوثان كما يحبُّون الله، فيعادِلون بين محبة الله ومحبة الأصنام ومحبة الأوثان.\nولا يزال المشركون على هذا، فالذين يعبدون القبور والأضرحة يحبُّونها، ولهذا يغارون ويغضبون إذا قيل لهم إن هذه المعبودات باطلة لا تُغني عنكم شيئًا، ولا تنفعكم بل تضركم فهم يغضبون، بل قد يقاتلون دونها، لأنهم يحبونها ﴿كَحُبِّ اللهِ﴾ أي: كما يحبون الله.\nقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ الذين أخلصوا المحبة لله وهم المؤمنون، هؤلاء أشدُّ حبًّا لله من محبة المشركين لله، لأن محبة المؤمنين خالصة ومحبة المشركين مشتركة، والمحبة الخالصة أشدُّ وأقوى من المحبة المشتركة، وهذه المحبة هي التي تنفع، أما محبة المشركين لله فإنها لا تنفعهم ما داموا يحبون مع الله غيره فلم يُخلصوا في محبتهم.\nفدلت هذه الآية الكريمة على أن المحبة نوعٌ من أنواع العبادة، بل هي أعظم أنواع العبادة، وأن من أحب مع الله غيره فيها فقد أشرك بالله الشرك الأكبر واتّخذ هذا المحبوب نِدًّا، أي: شريكًا مع الله ومعادِلًا لله ومساوِيًا لله، كما يقول أهل النار","vol":"2","page":38},{"text":"وقوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ﴾ .\nــ\nيوم القيامة لمن أشركوهم مع الله: ﴿تَاللهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨)﴾ .\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ﴾ الآية.\nهذه الآية فيها: أن من قدّم محبة هذه الأشياء على محبة الله فإنه متوعّد بهذه الوعيد ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ أي: انتظروا، ﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ﴾ حتى يأتيكم الله بالعقوبة ﴿وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ سمّاهم فاسقين، والفسق هو: الخروج عن طاعة الله جل وعلا، ومعنى ﴿لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ يعني: لا يوفقهم للإيمان، مثل قوله: ﴿لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالمين﴾، ﴿لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ .\nفالهداية المنفية هنا: هداية التوفيق، أما هداية البيان والإرشاد فهذه موجودة، فالله هدى كل النّاس، بمعنى: أنه بيّن لهم طريق الخير من طريق الشر، هدى الكفار وهدى المؤمنين بمعنى: بيّن لهم طريق الخير وطريق الشر.\nأما هداية التوفيق والإيمان فهي خاصة بالمؤمنين.\nأما الكافرون- إذا أصرُّوا على كفرهم وأصروا على طغيانهم- فإن الله يحرمهم هداية القلوب: ﴿حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾، عقوبة من الله ﷾ أنّ من عاند وأصرّ بعد البيان وبعد الإرشاد وأصرّ على الباطل فإن الله يعاقبه بحرمانه من هداية قلبه، بل يزيغ ويبقى على زيغه وضلاله وعقوبة له: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ﴾ يعني: وأصروا على الكفر، ﴿َسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ لأنهم لم يقبلوا الهداية من أول الأمر، فلما لم يقبلوا الهداية من أول الأمر عاقبهم الله بالحرمان، ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠)﴾، فالذي يتبيّن له الخير والهدى والإيمان ولم يقبل، بل يستمر على ما هو عليه من الطغيان والكفر والعناد فإنه يعاقب بفساد قلبه -والعياذ بالله- وعدم هداية قلبه ﴿وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ .","vol":"2","page":39},{"text":"وهذه الآية: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ يقول المفسِّرون: إنها نزلت في قوم من المسلمين كانوا في مكة، ولَمَّا هاجر الرسول ﷺ وأصحابه إلى المدينة لم يهاجروا؛ لأنهم آثروا أن يبقوا في مكة محافظة على أموالهم وعلى مساكنهم وعلى أقاربهم، فهم قدّموا محبة هذه الأشياء على محبة الله ورسوله، فالله توعّدهم.\nويُروى: أنهم لَمّا أرادوا الهجرة تعلّق بهم أقاربهم وقالوا: كيف تدعوننا؟، ولمن تدعوننا؟ ولما تعلّقوا بهم، رقّوا لهم ورحموهم، فأقاموا في مكة وتركوا الهجرة إيثارًا لهذه الأشياء، فالله وبَّخهم وتوعّدهم، لأن الواجب عليهم أن يهاجروا، وأن يقدّموا الهجرة إلى الله ورسوله على هذه الأشياء كما فعل ذلك المهاجرون الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾، فالمهاجرون تركوا هذه المحبوبات طاعة لله ورسوله ومحبة لله ورسوله، وإن كانوا يحبون هذه الأشياء، يحبون أولادهم، ويحبون بلدهم، ويحبون أموالهم، ولكنهم قدّموا عليها محبة الله ﷾ فهاجروا، تركوا أموالهم، تركوا ديارهم وأوطانهم، تركوا أولادهم وذرّيتهم، تركوا مساكنهم، تركوا التجارات التي لهم في مكة، كل هذا تركوه لله جل وعلا، أما هؤلاء من المؤمنين فإنهم بقوا في مكة وآثروا أن يبقوا عند أقاربهم، وأن ينمُّوا أموالهم وتجاراتهم، وأن يبقوا في مساكنهم في مكة، فتوعّدهم الله، كما قال في الآية الأخرى في الذين لم يهاجروا من المسلمين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ يعني: لِمَ تركتم الهجرة؟، ﴿قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩) وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٠)﴾، فالهجرة من أفضل خصال الإيمان، والمهاجر لا يهاجر للنُّزهة أو يهاجر للبلد الذي فيه سعة ورفاهية من أجل الدنيا، ولكنه يهاجر من أرض يحبها ومن بلد يحبها، وقد يترك أمواله وأولاده ويخرج محبة لله ولرسوله، هذا هو المؤمن الصادق في إيمانه.","vol":"2","page":40},{"text":"عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: \"لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والنّاس أجمعين\" أخرجاه.\nــ\nفقوله في هذه الأشياء إذا كانت ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ ﴿أَحَبَّ﴾ يدل على أن محبة هذه الأشياء في الأصل لا حرج فيها، فالإنسان يحب والده، ويحب ولده، ويحب أخاه، ويحب قبيلته، ويحب ماله، ويحب تجارته، ويحب مسكنه. فأصل المحبة لهذه الأشياء مباح لأنه من المحبة الطبيعية، لكن إنما يأتي اللوم إذا قدّم محبة هذه الأشياء على محبة الله فأخّرته هذه الأشياء عن طاعة الله ورسوله، وعن الهجرة إلى الله ورسوله.\nقوله: \"وعن أنس أن رسول الله ﷺ قال: \"لا يؤمن أحدكم حتى كون أحبَّ إليه من ولده ووالده والنّاس أجمعين\" \" وذلك أنه بعد محبة الله تأتي محبة الرسول ﷺ، فالأولى: محبة الله ﷿، وهي محبة عبادة، وهي الأصل والقاعدة. أما محبة الرسول ﷺ فهي تابعةٌ لمحبة الله ﷿، تأتي بعد محبة الله وكذا محبة كل ما يحبه الله من الأشخاص والأعمال وهذه محبة في الله ولله فالمحبة المشروعة محبة الله والمحبة في الله، والمحبة الممنوعة هي المحبة مع الله. وتقديم ما تحبه النفس على ما يحبه الله.\nوقوله: \"لا يؤمن أحدكم\" ليس نفيًا لأصل الإيمان، وإنما هو نفيٌ لكمال الإيمان، أي: لا يكمُل إيمان أحدكم هذا إذا كان يحب الرسول ﷺ ولكن لا يقدم محبته على محبة غيره من الخلق.\nأما إذا كان الإنسان لا يحب الرسول ﷺ أصلًا، بل يبِغض الرسول، فهذا كافر، أما الذي يحب الرسول ﷺ، ولكنه يقدِّم محبة ولده ووالده على محبة الرسول ﷺ، فهذا ناقصُ الإيمان، بل لا يكمُل إيمان العبد ولا يتم حتى يكون الرسول ﷺ أحبَّ إليه من نفسه التي بين جنبيه، وأحب إليه من ولده الذي هو بضْعَةٌ منه وجزءٌ منه، وأحب إليه من والده الذي هو أصله والمحسِن إليه، وأحب إليه من النّاس أجمعين أيًّا كانوا.\nوهذا يقتضي أن الإنسان يقدِّم طاعة الرسول ﷺ على طاعة غيره: فإذا أمرك الرسول ﷺ بأمر وأمرك والدك أو ولدك أو أحد من النّاس بأمر يخالف أمر","vol":"2","page":41},{"text":"الرسول ﷺ فإنه يجب عليك معصية هذا الآمر وطاعة الرسول ﷺ، وهذا هو الدليل على محبة الرسول ﷺ، أن لا تقدّم على محبته شيئًا، ولا تقدّم على طاعة الرسول شيئًا، فإذا أمرك أحد بمخالفة الرسول ﷺ فلا تطعه ولو كان أقرب النّاس إليك ولو كان أحب النّاس إليك، فطاعة الرسول ﷺ مقدَّمة، وهي ثمرة محبته ومن علامات محبة الرسول ﷺ ترك ما لم يشرعه الرسول من البدع والمحدثات لقول النبي ﷺ: \"من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد\" أي مردود عليه عمله هذا.\nأما الذي يدّعي أنه يحب الرسول ﷺ ويُقيم الموالد والاحتفالات المبتدعة، والرسول ﷺ ينهاه عن البدع والمحدثات، فلا يطيعه، وإنما يطيع المخرِّفين والدجَّالين في هذا، فهذا كاذبٌ في محبّته للرسول ﷺ، لأن الرسول ﷺ نهى عن البدع والمحدَثات والخُرافات ولو كان النّاس عليها ولو كان عليها أبوك أو ابنك أو أقرب النّاس إليك، فمن كان عنده بدعة ومخالفة للرسول ﷺ وجب عليك معصيته، فإذا أطعته فإن هذا دليل على عدم صدق محبتك للرسول ﷺ.\nفالحاصل؛ أنه ليس الدليل على محبة الرسول ﷺ دعوى تُقال، أو احتفال يُقام، لأن الدليل على محبة الرسول ﷺ: متابعته، وطاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وأن لا يُعبد الله إلاَّ بما شرع ﵊. هذا هو الدليل على محبة الرسول ﷺ، ونحن لا نقبل الدعوى، وإنما نقبل الدليل على الدعوى.\nفالذين يعملون بالسنّة ويتركون البدع فهذا دليلٌ على محبتهم للرسول ﷺ، أما الذين يدّعون أنهم يحبُّون الرسول ﷺ ولكنهم يخالفونه فيرتكبون ما نهى عنه ويتركون ما أمر به طاعةً لأنفسهم أو طاعة لغيرهم فإن هذا دليل على عدم صدقهم في محبتهم للرسول ﷺ \"لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والنّاس أجمعين\" بل ومن نفسه.\nفإذا أراد أحدٌ منّا أن يختبر إيمانه فلينظر إلى موقع هذا الحديث منه ويطبِّقه على نفسه، هل هو يحب الرسول، أحب إليه من نفسه، هل يحب الرسول أحب إليه من والده وولده والنّاس أجمعين؟، فإن كان كذلك فهو يحبُّ الرسول ﷺ، والدليل","vol":"2","page":42},{"text":"ولهما عنه قال: قال رسول الله ﷺ: \"ثلاثٌ من كُنَّ فيه وجد بهنّ حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحبّ إليه ممّا سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلاَّ لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذْ أنقذه الله منه كما يكره أن يُقذَف في النار\".\nــ\nعلى ذلك- كما ذكرنا-: الموافقة للرسول ﷺ بتنفيذ أوامره وترك نواهيه واجتناب البدع والمحدثات التي نهى عنها رسول الله ﷺ ولو كان عليها أقرب النّاس إليه أو أحب النّاس إليه، يتركها طاعةً لله وطاعةً لرسوله، ومحبةً لله ومحبةً لرسوله ﷺ.\nفدل هذا الحديث: على وجوب محبة الرسول بعد محبة الله ﷿، وأن محبة الله ومحبة رسوله تقتضيان المتابعة للرسول ﷺ وعدم المخالفة، وأنه لو أمرك أيُّ أحدٍ من الناس بأمر يخالف أمر الرسول ﷺ وجب عليك معصيته ورفض ما يأمرك به، والأخذ بأمر الرسول ﷺ، فكما تجب محبة الله ﷿ تجب محبة رسوله ﷺ قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ .\nقوله: \"أخرجاه\" يعني: أخرجه البخاري ومسلم.\n\"ولهما\" أي: البخاري ومسلم.\n\"عنه\" أي: عن أنس ﵁.\n\"قال: قال رسول الله ﷺ: \"ثلاث\" \" أي: ثلاث خصال.\n\"مَنْ كُنّ فيه\" اجتمعن فيه، ووُجدن فيه.\n\"وجد بهنَّ حلاوة الإيمان\" هذا من ثمرات محبة الله ورسوله.\nو\"حلاوة الإيمان\" أي: لذّته، لأن الإيمان الصادق له لذّة في النفوس، وله طُمأنينة في القلوب، هذا هو الإيمان الصادق: تجد المؤمن يتلذّذ بالإيمان، ويَطْعَم الإيمان أكثر ممّا يَطْعَم أيَّ أنواع الملذّات.\nالخصلة الأولى: \"أن يكون الله ورسوله أحبّ إليه ممّا سواهما\" أي: أحب إليه من نفسه، وأحبّ إليه من كل شيء، ومن الوالدين والأولاد والأقارب والأصدقاء وسائر النّاس. وهذا يقتضي تقديم قولهما على قول كل أحد.\nالخصلة الثانية: \"وأن يحب المرء لا يحبه إلاَّ لله\" أي: يحب الإنسانَ من بني","vol":"2","page":43},{"text":"آدم \"لا يحبه إلاَّ لله\"، لا يحبه من أجل طمع دنيا أو عَرض عاجل، هانما يحبه لله لأنه مطيعٌ لله، لأنه مؤمن، لأنه تقي. أما الذي يحب الشخص من أجل الدنيا أو من أجل الأطماع أو الشهوات أو الأغراض، فهذه محبة لا تنفعه عند الله شيئًا.\nوهذا فيه فضل المحبة في الله بين المؤمنين، والمحبة في الله أوثق عُرى الإيمان- كما في الحديث: \"أوثق عرى الإيمان: الحب في الله والبغض في الله\"، ومن السبعة الذين يظلُّهم الله في ظله يوم لا ظلّ إلاَّ ظله: \"رجلان تحابَّا في الله اجتمعا عليه وتفرّقا عليه\"، وفي الحديث الصحيح: \"أن رجلًا خرج إلى قرية ليزور أخًا له في الله فأرصد الله على مَدْرَجته\" أي: طريقه \"ملكًا\" ليختبره، فلما مرّ عليه \"قال له الملَك: أين تُريد؟، قال: أُريد قرية كذا وكذا، قال: وما غرضك فيها وما شأنك؟، قال: لأن فيها أخًا لي في الله أحبْبتُ زيارته، فقال له الملَك: هل له عليك نعمة تربُّها؟ \" يعني: هل هو قد أحسن إليك وأنت تحبُّه من أجل صنيعه معك ومعروفه معك، \"قال: لا، إلاَّ أني أحببته في الله \"يعني: ما زرته ولا خرجتُ إليه إلاَّ لأني أحبه في الله، لا من أجل أنه أحسن إليَّ أو من أجل أنه أعطاني شيئًا أو منّ عليَّ بشيء، \"فقال له الملك: إني رسول الله إليك أن الله قد أحبك كما أحبَبْته فيه\".\nكثيرٌ من الناس يتحابُّون ويتآلفون من أجل أمور الدنيا، من أجل الرجاء والطمع وغير ذلك، إن أحسن إليه وأعطاه شيئًا أحبه، وإلاَّ فإنه لا يحبه وهذا موجود في البهائم والكلاب والقطط إذا أحسنت إليها فإنها تألفك وتحبك جِبِلّة وطبيعة، فقد جُبِلت القلوب على حب من أحسن إليها، لكن هذا ليس فيه مزيّة، إنما المَزيّة أن تحبه لا من أجل شيء أعطاك، وإنما تحبه من أجل الله ﷿، هذه هي الدرجة العالية الرفيعة من المحبة في الله.\nالخصلة الثالثة: التي يجد بهن العبد حلاوة الإيمان: \"وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه؛ كما يكره أن يُقذف في النار\" كل النّاس ينفرون من النار - والعياذ بالله- لأنها مؤلمة، ولا أحد يصبر على حرها، فكلٌّ يفرُّ من النار ويبتعد عنها، والكفر نار، والمسلم الذي منّ الله عليه بالإسلام يكره أن يعود إلى الكفر، ويكره الرِّدّة عن دين الإسلام، كما يكره أن يُلقى في النار، هذا هو المؤمن حقًّا،","vol":"2","page":44},{"text":"الذي تمكَّن الإيمان من قلبه فلا يساوِم عليه، ولا يتنازل عن شيء منه أبدًا مهما كلّفه الأمر، بل يتمسّك بدينه. لأنه وجد حلاوة الإيمان ولذته.\nأما الذي يدّعي الإيمان ولكنه يتنازل عن الإيمان- أو عن شيء منه- من أجل الخوف أو الطمع أو غير ذلك فهذا دليل إما على عدم إيمانه أو على نقصان إيمانه ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللهِ﴾، أما المؤمن فإنه يصبر ولو ناله شيء من المكاره، ولو حاول النّاس أن يصرفوه عن دينه، أعطوه أموالًا، وأعطوه ما يعطونه، أو حاولوا صرفه عن دينه، أو التنازل عن دينه بالتخويف والتهديد بالقتل، والتهديد بالتعذيب، فإنه يصبر، ولا يتنازل عن دينه حتى يلقى الله سبحانه متمسِّكًا بدينه، هذا هو المؤمن حقًّا.\nوقوله: \"وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذْ أنقذه الله منه كما يكره أن يُقذَف في النار\" قالوا: هذا فيه دليل على أن المكره إذا صبر على الإكراه وصبر على القتل أنه يكون من هذا النوع- ممّن وجد حلاوة الإيمان، ولَمّا وجد حلاوة الإيمان ما رضيَ أن يتنازل عنها أبدًا.\nولهذا جاء في قصة الرجلين اللذين مرَّا على صنم لا يجوزه أحدٌ حتى يقرِّب إليه شيئًا، \"فقالوا لأحدهما: قرِّب\"، يعني: اذبح للصنم حتى نتركك تَمُر، \"فقال: ما كنتُ لأقرّب لأحد شيئًا دون الله ﷿، فضربوا عنقه. فدخل الجنة\"، وقالوا للآخر: قرِّب. فقال: ليس عندي شيء أقَرِّب. قالوا: قرِّب ولو ذبابًا، فقرّب ذبابًا فدخل النار\". الأول أبى أنْ يذبح لغير الله، والثاني استجاب. فالأول قُتل ودخل الجنة، والثاني ذبح لغير الله، فمر مع الطريق ودخل النار، لأنه رجع إلى الكفر بعد إذْ أنقذه الله منه، أما الأول فأبى أن يرجع إلى الكفر وصبر على القتل فدخل الجنة، وهذا الإيمان إذا باشر القلب ووجد حلاوته.\nفهذا الحديث ميزان يزن العبد به إيمانه:\n\"أن يكون الله ورسوله أحبّ إليه مما سواهما\" فإذا عرض شيءٌ من العوارض فإنه يقدِّم محبة الله ورسوله على محبة ذلك العارض.\n\"وأن يحب المرء لا يحبه إلاَّ لله\" لا يحبه من أجل طمع الدنيا ومرغِّباتها.","vol":"2","page":45},{"text":"وفي رواية: \"لا يجد أحدٌ حلاوة الإيمان حتى ... \" إلى آخره.\nوعن ابن عبّاس قال: \"من أحبّ في الله، وأبغض في الله، ووالى في الله وعادى في الله، فإنما تُنال ولاية الله بذلك.\nــ\n\"وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه\" قال العلماء: هذا فيه تكميل المحبة وتفريعها ودفع ضدها.\nفتكميل المحبة: أن يكون الله ورسوله أحب إليه ممّا سواهما.\nوتفريعها: أن يحب المرء لا يحبه إلاَّ لله.\nودفع ما يضادها: يكره أن يعود في الكفر بعد إذْ أنقذه الله منه كما يكره أن يُقذف في النار.\nفهذا حديثٌ عظيم.\nقوله: وفي رواية: \"لا يجد أحدٌ طعم الإيمان\" هذه الرواية في \"صحيح البخاري\" وفائدتها: أنها نَفَتْ بمنظومها وجود طعم الإيمان عمن لم يتّصف بهذه الصفات الثلاث: \"أن يكون الله ورسوله أحبَّ إليه ممّا سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلاَّ لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذْ أنقذه الله منه\"، أما الرواية الأولى فهي دلّت بالمفهوم -مفهوم المخالفة- على أنّ من لم تكن فيه هذه الخصال فإنه لا يجد طعم الإيمان، وإنْ كان فيه إيمان، لكنه لا يتلذّذ به ويجد طعمه فالرواية الثانية دلّت بالمنطوق، والأولى بالمفهوم، ولهذا ساقها الشيخ ﵀، بعد الحديث.\nقال ﵀: \"وعن ابن عباس قال: \"من أحب في الله\" يعني: من أجل الله، فأحب المؤمنين لأنهم أولياء الله، لا يحبهم من أجل طمع دنيا أو رغبة عاجلة، وإنما يحبهم في الله.\n\"وأبغض في الله\" أبغض الكفّار والمنافقين والعصاة من أجل الله لا من أجل أنهم ضربوه أو أنهم حرموه من شيء، أو أنهم تعدّوا عليه، أو ظلموه، لا يبغضهم من أجل هذه الأمور، لأن هذا بغض طبيعي ليس بعضًا يتعلّق بأمور العبادة.\n\"ووالى في الله\" أي: أحب وناصر. فالموالاة: المحبة والمناصرة والمعاونة.\n\"وعادى في الله\" أي: أبغض الكفار والمنافقين والفاسقين من أجل الله، لأن الله يبغضهم.","vol":"2","page":46},{"text":"ولن يجد عبدٌ طعم الإيمان- وإن كثُرت صلاته وصومه- حتى يكون كذلك.\nوقد صارتْ عامّة مؤاخاة الناس على أمر الدنيا، وذلك لا يُجدي على أهله شيئًا\" رواه ابن جرير.\nــ\n\"فإنما تُنَال ولاية الله\" ولاية الله محبته ونصرته. أما الوِلاية- بالكسر-: فهي الإمارة والوظيفة، وِلاية القضاء، وِلاية الملك، وِلاية حسبة، وولاية الله تعني: محبة الله. فمن اتصف بهذه الصفات أحبه الله، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾، فإنما تنال محبة الله بطاعة رسوله كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾، فمن اتّبع الرسول ﷺ أحبه الله، ومن عصى الرسول ﷺ أبغضه الله.\nفقوله: \"فإنما تُنال ولاية الله بذلك\" أي لا يحصل الإنسان على محبة الله ونُصرته إلا بهذه الأمور: المحبة في الله، والبغض في الله، والموالاة في الله، والمعاداة في الله. أما الذي يتّخذ الدنيا هي المقياس عليها يعادي وعليها يوالي، من أحسن إليه أحبه ولو كان عدوًّا لله ﷿. ومن أساء إليه أبغضه ولو كان وليًا لله فهذا لا ينال ولاية الله، ولهذا قال ابن عباس في آخر الحديث: \"وقد صارتْ عامّة مؤاخاة الناس على أمر الدنيا\".\nفابن عباس يستنكر في وقته أن الناس صاروا يوالون ويعادون من أجل الدنيا فكيف بوقتنا هذا؟، لا شك أن الأمر قد زاد، فكثير من الناس فقدوا هذه الصفات: المعاداة في الله، والموالاة في الله، والمحبة في الله، والبُغض في الله، إلا من شاء الله ﷾، ولكن قلّ هذا في الناس اليوم، لا نقول إنه مفقود، بل هو موجود -ولله الحمد، ولكنه قلّ، وما دام أنه قليلٌ فليفتّش كل واحد منا عن نفسه بأن لا يكون مع الكثرة التي ضيّعتْ هذا الأصل العظيم كالذين لا يوالون، إلا على الحزبية والمنهجية فمن وافقهم على حزبيتهم ومنهجيتهم أحبوه ولو كان عدو الله ورسوله ومن خالفهم أبغضوه ولو كان وليًا لله ورسوله.","vol":"2","page":47},{"text":"وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ قال: \"المودّة\".\nــ\nقال ﵀: \"وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ قال: \"المودة\"\"هذه نهاية من عبد غير الله يوم القيامة، فعبدة غير الله في الدنيا يحبون ما عبدوه كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ﴾، وكذلك التابعون في الدنيا يحبون المتبوعين على الضلالة، فتوجد المحبة بين الكفار بعضهم مع بعض، وبين المشركين ومعبوداتهم في الدنيا، لكن يوم القيامة تنعكس الأمور، وتصير هذه المحبة عدواة كما قال تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ يعني: يوم القيامة، ﴿إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ فلا يبقى إلاَّ المحبة التي كانت في الله والله هي التي تبقى يوم القيامة: ﴿إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾، ويقول إبراهيم - ﵊- للمشركين يحذِّرهم: ﴿إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ﴾ فهم يوم القيامة يتلاعنون ويتباغضون، لأنهم يقولون لمن أضلوهم أنتم السبب في إضلالنا وإغوائنا وصرفنا عن دين الله.\nأما محبة المؤمنين بعضهم لبعض من أجل الإيمان والموالاة في الله والمعاداة في الله فإنها تبقى، بل تزيد يوم القيامة، وتستمرُّ إلى أبد الآباد ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٧)﴾ .\nفدلّت هذه الآية على أن المحبة التي لغير الله أنها تزول يوم القيامة، وتنقلب عداوة، وأن محبة التابعين على الضلال لأتباعهم وقادتهم ورؤسائهم تنقلب عداوة يوم القيامة فيما بينهم ويتلاعنون ويتلاومون فيما بينهم، من باب التحسُّر- والعياذ بالله- والتألُّم.\nفهذا الباب بابٌ عظيم، يجب على المسلم أن يَزِن نفسه به، ولهذا يسمى بباب الامتحان، فكلٍّ يَدّعي الإيمان، وكلٌّ يَدّعي الإسلام، وكلٌّ يدّعي الزهد والورع ولكن الميزان ما ذكر في هذا الباب.","vol":"2","page":48},{"text":"[الباب الثاني والثلاثون:]\n* باب قول الله تعالى:\n﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)﴾ .\nــ\nهذا الباب عقده الشيخ ﵀ في موضوع الخوف.\nوالخوف من الله هو أحد ركائز العبادة، كما سبق أن المحبة والخوف والرجاء أعظم أنواع العبادة، وهي أعمال قلبية، فلما ذكر المحبة في الباب السابق ذكر في هذا الباب الخوف؛ ليدلّ على أن المحبة لا تكفي وحدها، لأن التعبُّد بالمحبة وحدها منهج الصوفية الضُلاّل، أما منهج الرسل وأتباعهم فإنه ينبني على المحبة والخوف والرجاء، محبة الله سبحانه مع خوفه ورجائه وغير ذلك من أعمال القلوب كالتوكُّل والرغبة والرهبة والخشية كل هذه من أعمال القلوب، وهي عباداتٌ عظيمة.\nوالخوف ثلاثة أنواع:\nالنوع الأول: خوف السر وهو الخوف الذي يكون معه عبادة لغير الله أو ترك لما أوجب الله. ومعناه: أن يخاف الإنسان من غير الله من الأصنام والأوثان وما عُبد من دون الله، من القبور والأضرحة، أو يخاف الشياطين والجن، ويتقرّب إليهم بما يحبون من الشرك بالله من أجل أن يسلَم من شرهم، فهذا شركٌ أكبر يُخرج من الملّة، والله ﷾ ذكر عن خليله إبراهيم ﵇ أنه قال: ﴿وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾، ثمّ قال بعد ذلك: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا﴾ كأنهم توعّدوه بآلهتهم ومعبوداتهم أن تصيبه. فهذا ردٌّ عليهم، كيف لا تخافون من الله وأنتم تهدِّدونني بأن أخاف من معبوداتكم التي لا تُغني عني شيئًا، ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ هل هو أنا الذي أعبد الله وحده لا شريك له، أو أنتم الذين أشركتم؟.\nثمّ ذكر الله الحكم في ذلك فقال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ والظلم معناه هنا: الشرك، فبيّن أنّ الأمن إنما يحصل لأهل التّوحيد، وأما المشركون فليس لهم أمن، وليس لهم إلاَّ العذاب، هذا حكم من الله ﷾.","vol":"2","page":49},{"text":"وكما ذكر الله عن نبيه هود أنّ قومه قالوا: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾، يخوِّفون هودًا لَمّا دعا إلى التّوحيد وترك عبادة الأصنام يخوِّفونه بالأصنام أن تُصيبه ويهدِّدونه بها. ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ (٥٥)﴾ وهذا تحدِّ من فردٍ واحد يتحدّى أمة كاملة، وهذا من المعجزات.\nثمّ قال: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)﴾ أعلن البراءة منها، وتحدّاها وتحدّى جميع الأمة التي تعبدها أن تكيده، وأن تصل إليه بسوء فلا يستطيعون، ثمّ علّل ذلك بقوله: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾ .\nوكذلك المشركون قالوا لنبينا محمد ﷺ ما ذكره الله عنهم بقوله: ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾، فالمشركون يخوِّفون الرسول ﷺ، بمعبوداتهم من دون الله فرد الله عليهم بقوله: ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ .\nفهذا النوع من الخوف يسمّى: خوف السر، وهو خوف العبادة، بأن يخاف من المعبودات التي تُعبد من دون الله ﷿، فالمؤمن لا يخاف هذه المعبودات أبدًا، لا يخاف من الأصنام، لا يخاف من القبور والأضرحة التي تُعبد من دون الله، لا يخاف من الشياطين والجن أن تصيبه إلاَّ بإذن الله ﷾، وكذلك الخوف من كل مخلوق أن يصيبه بما لا يقدر عليه إلاَّ الله ﷾ من الإصابة بالمرض، أو قطع الرزق، أو غير ذلك، وهذا أحد أنواع الشرك الأكبر.\nوالآن عُباد القبور يهددون النّاس بهذه الأضرحة، ويقولون: الولي الفلاني يصيب من لم يخضع له ويعبده، يصيبه في نفسه أو في ولده، ثمّ الجهال ينخدعون بهذا التخويف، ويتقرّبون إلى هذه القبور وهذه الأضرحة بما يُطلب منهم، وغرض عُبّاد القبور والسَّدَنة: أكل أموال النّاس بالباطل، يهدِّدون النّاس إذا لم ينذروا لهذه القبور ولم يقرِّبوا لها شيئًا من الأموال، فأنها تصيبهم، أو تصيب زروعهم، أو تُصيب حروثهم، أو أولادهم، ثمّ الجهال يتقرّبون إلى هذه الأضرحة بأموالهم، ثمّ يأخذها هؤلاء السدنة وهؤلاء القائمون على هذه الأوثان ويقتسمون هذه الأموال،","vol":"2","page":50},{"text":"فالشر باقٍ من قديم الزمان إلى آخر الزمان، وطريقة المشركين واحدة.\nوأما أهل الإيمان فإنهم لا يخافون إلاَّ الله تعالى، لأنه هو الذي يملك النفع والضر، وهو الذي بيده الأمور، وأنه لا يصيب المؤمن إلاَّ ما قدّره الله له ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ .\nالنوع الثاني من أنواع الخوف المذموم: أن يترك الإنسان ما أوجب الله عليه من الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خوفًا من النّاس أن يؤذوه أو يضايقوه أو يعذِّبوه فيترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله وبيان الحق خوفًا من النّاس، فهذا شركٌ أصغر، وهو محرّمٌ، وقد جاء في الحديث: \"أن الله يحاسب العبد يوم القيامة: لِمَ لَمْ تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟. فيقول: يا رب خشيتُ النّاس، فيقول: إيّايَ أحقُّ أن تخشى\". ونعنى بذلك: القادر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقادر على الدعوة إلى الله، أما الذي لا يقدر -أو ليس عنده استطاعة- فهذا معذور.\nالنوع الثالث: الخوف الطبيعي، الذي ليس معه عبادة للمخوف ولا ترك لواجب. كأن يخاف الإنسان من العدو، أو من السَّبُع، أو من الحيَّة، ويخاف الإنسان من أعدائه، أو يخاف من السّباع، أو يخاف من الهوام، فهذا الخوف خوفٌ طبيعي لا يُلام عليه الإنسان لأنه ليس عبادة وليس تركًا لواجب، ولا يُؤاخذ عليه الإنسان. وموسى ﵇ لَمّا تآمر عليه الملأ ليقتلوه وأُنذر أن يخرج من البلد ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢١)﴾ .\nثمّ أورد الشيخ قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)﴾ وهذه الآية بعد قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللهِ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (١٧٤) إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)﴾ وذلك أن الرسول ﷺ وأصحابه لَمّا حصلَتْ وقعة أحد، وحصل على المسلمين ما حصل من الابتلاء والامتحان،","vol":"2","page":51},{"text":"واستشهد من المسلمين من استُشْهد وانصرف المشركون إلى مكة أرادوا أن يُرعبوا المسلمين، فأرسلوا إليهم يهدِّدونهم ويقولون: إننا سنرجع إليكم، فنقضي على بقيّتكم، فلما بلغ الخبر رسول الله ﷺ والمسلمين قالوا: ﴿حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ لم يؤثِّر عليهم هذا التهديد، وأمر ﷺ أصحابه أن يخرجوا وفيهم الجراح، وفيهم التعب بعد المعركة، فنهضوا مسرعين وخرجوا مع الرسول ﷺ، ونزلوا في مكان يُقال له: (حمراء الأسد) ينتظرون المشركين، فلما علِم المشركون بخروج رسول الله ﷺ وخروج المسلمين أصابهم الرعب، وقالوا: ما خرجوا إلاَّ وفيهم قوة، فهربوا إلى مكة وألقى الله الرعب في قلوبهم لَمّا صدَق المسلمون وصبروا وتوكّلوا على الله، ولم يؤثّر فيهم تهديد هؤلاء: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ﴾ رجعوا إلى المدينة سالمين غانمين الأجر والثواب من الله ﷾، ﴿لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ أي: ما أصابهم ما يكرهون، بل حصلوا على الأجر والثواب ﴿وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللهِ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ .\nثمّ قال تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ﴾ أي: الذي حصل من المشركين من التهديد إنما هو من الشيطان.\nوالمراد بالشيطان: إبليس اللعين الذي هو رأس الكفر.\n﴿يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ أي: يخوِّفكم بأوليائه من الكفار، فالشيطان هو الذي خطّ هذه الخطة من أجل أن يخوِّفكم بأوليائه، يعني: المشركين، لأن المشركين أولياء الشيطان، كما أن المؤمنين أولياء الرحمن، كما قال تعالى: ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧)﴾ .\nفمعنى قوله تعالى: ﴿يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ أي: يخوِّفكم أيها المسلمون بأوليائه من الكفّار.\nثمّ قال تعالى: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ لا تخافوا من الكفّار بل توكلوا على الله، وخافوا من الله، وفي الأثر: \"من خاف الله خافه كلُّ شيء، ومن خاف غير الله أخافه من كلُّ شيء\".\n﴿فَلا تَخَافُوهُمْ﴾ هذا نهيٌ من الله ﷾ عن خوف أولياء الشيطان، ثمّ أمر بخوفه وحده ﷾.\nومن خاف الله فإن الله يكفيه ويعينه وينصره خلاف العكس: من خاف غير الله وترك طاعة الله من أجل خوف النّاس فإن الله يسلِّط عليه، فالواجب على المسلمين","vol":"2","page":52},{"text":"وقوله: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨)﴾ .\nــ\nالصادقين في إيمانهم: أن لا يخافوا إلاَّ الله ﷾، وأن لا يخافوا من أعدائهم بل يخافون من ربهم ويخافون من ذنوبهم، أما الكفار وغيرهم فإنهم عبيد، نواصيهم بيد الله ﷾، هو الذي يسلِّطهم، وهو الذي يكفُّهم فنحن لا نخاف من الكفار، وإنما نخاف من الله، ونخاف من عواقب الذنوب، فإذا خِفْنا الله وأصلحنا أعمالنا فإنّ أحدًا لن يضرّنا إلاَّ بإذن الله ﷾.\nوليس معنى ذلك: أن المسلمين لا يخافون من شر الكفّار ويتركون الأخذ بالأسباب الواقية، بل عليهم أن يستعدوا بالسلاح والقوّة والعُدّة التي يُرهبون بها عدو الله وعدوهم، قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾، وأمر الله المسلمين في صلاة الخوف أن يحملوا معهم السلاح وهم في الصلاة، من أجل أن يدافعوا عن أنفسهم: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً﴾، وقال تعالى: ﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾، فالحِذْر وإعداد العُدّة للعدو أمرٌ مطلوب، إنما الممنوع: أن نخافهم الخوف الذي يمنعنا من الجهاد في سبيل الله ومن إعداد العدة، ومن الدعوة إلى الله، هذا هو الممنوع.\nوالشاهد من الآية: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ﴾ نهى عن خوف الكفّار وأولياء الشيطان خوفًا يمنع من الدعوة والجهاد في سبيل الله، والقيام بواجبات الدين، وأمر بخوفه ﷾.\nفدلّ على أن الخوف عبادةٌ عظيمة، يجب أن تُخلص لله ﷿.\nثمّ قال الشيخ ﵀: \"وقوله: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨)﴾ هذه الآية بعد قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللهِ","vol":"2","page":53},{"text":"شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (١٧)﴾ .\n﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ أي: لا يسوغ ولا في جوز للمسلمين أن يمكنوا المشركين من دخول المساجد لأجل أن يتعبّدوا فيها العبادة الشركية، ويدعوا غير الله فيها، فلا يجوز للمسلمين أن يمكِّنوا المشركين من إظهار الشرك في المساجد ولا أن يكونوا من عُمّارها والمتردِّدين عليها وهم يُعلنون الشرك بالله تعالى، لأن المساجد إنما بنيت لعبادة الله وإخلاص الدين له كما قال الله ﷾ في المشركين: ﴿وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾، فالمشرك ليس له حقٌّ في مساجد الله ﷾ لأن مساجد الله بيوت الله بُنِيَتْ لعبادة الله وحده لا شريك له ولم تُبْنَ لعبادة غيره، وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللهِ أَحَدًا (١٨)﴾ .\nوقوله: ﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللهَ﴾ هذا محل الشاهد من الآية للباب، أي: لم يخش من غير الله، لا من المعبودات، ولا من سائر المخلوقات، وإنما الخشية حقٌّ لله ﷾ لا يجوز أن يُشرك معه فيها غيره، وهي عملٌ قلبي- من العبادات القلبية-. وهذا حصر للخشية لله ﷾، فلا يخشى الإنسان غير الله ﷿، ومن خشيَ غير الله خشية العبادة فقد أشرك بالله. وهذا مثل قوله: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، فمن شرط الإيمان: إخلاص الخوف من الله، كذلك من شرط الإيمان: إخلاص الخشية من الله ﷾.\n﴿فَعَسَى أُولَئِكَ﴾ أي: الذين اتّصفوا بهذه الصفات: الإيمان بالله واليوم الآخر، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، والخشية من الله وحده، ﴿فَعَسَى﴾ عسى حرف ترجٍّ، ولكنها من الله واجبة، لأنها وعدٌ من الله ﷾، والله لا يخلف وعده، ولهذا يقول العلماء: كلُّ \"عسى\" من الله فهي واجبة.\n﴿أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ المهتدين إلى الحق، أما من لم يتّصف بهذه الصفات فليس من المهتدين، بل هو من الضالِّين.","vol":"2","page":54},{"text":"وقول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللهِ﴾ الآية.\nــ\nثمّ قال: \"وقول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللهِ﴾ هذه الآية في المنافقين الذين يظهرون الإيمان ويُبطِنون الكفر.\nفقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ﴾ يقول مجرّد قول ويدّعي، ما ليس له حقيقة.\n﴿فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللهِ﴾ إذا جاء الامتحان، لأن المؤمنين يُمتحنون، ولا يتركون على قول: ﴿آمَنَّا بِاللهِ﴾، فيظهر الصادق في إيمانه من الكاذب، قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ (٢)﴾ يعني: يُختبرون ويُمتحنون، ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾، فإذا قال: (آمنت بالله) فإنه يُمتحن، بأن يصاب بالأذى من الكفار والمنافقين والفُسّاق، فإن صبر وثبت على إيمانه وتحمّل الأذى في سبيل الله ﷿، فهذا دليلٌ على صِدْق إيمانه. أما إنِ انْحرف وذهب مع الفتنة فإنّ هذا دليلٌ على نفاقه.\nوموقف المنافقين في الشدائد في زمن رسول الله ﷺ معلوم، كموقفهم يوم غزوة الأحزاب ماذا كان. كان كما ذكر الله عنهم في قوله: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (١٢)﴾، وفي وقعة أحد انصرفوا ورجعوا مع عبد الله بن أُبي وتركوا رسول الله والمسلمين. فالفتن تكشف المنافقين وتبيِّن الصادقين في إيمانهم، قال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا رَءا الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (٢٢)﴾، فمواقف الفتن والشدائد هي التي تبيّن أهل الإيمان الصادق من النفاق الكاذب، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ﴾، فوقت الرخاء كلٌّ يقول: ﴿آمَنَّا بِاللهِ﴾، ويتظاهر بالإسلام وبالدين، لكن إذا جاءت الفتن فالمنافق ينعزل، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ يعني: على طَرَف ﴿فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ .","vol":"2","page":55},{"text":"فالفتن والشدائد والمواقف الصعبة هي التي تبيِّن الإيمان الصادق من النفاق، والله ﷾ حكيمٌ عليمٌ يُجري هذه الابتلاءات وهذه الامتحانات وهذه الهزّات ليتبيّن أهلُ الإيمان الصادق من أهل النفاق: ﴿مَا كَانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾، قال ﷺ: \"أشد النّاس بلاءً: الأنبياء (عليهم الصلاة والسلام) ثمّ الأمثل فالأمثل، يُبتلى المؤمن على حَسَب إيمانه\"، وقال ﷺ: \"إن الله إذا أحبّ قومًا ابتلاهم\" يعني: امتحنهم \"فمن رضي فله الرضى، ومن سخط فعليه السخط\". والدنيا دار امتحان، ودار ابتلاء، وهذه سنة الله ﷾ في خلقه أنه يبتلي العباد بعضهم ببعض، ويبتليهم بالمحن والشدائد والخوف ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ .\nوقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللهِ﴾ أي: ناله أذى بسبب إيمانه بالله.\n﴿جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ﴾ أي: أذاهم.\n﴿كَعَذَابِ اللهِ﴾ أي: مساوية لعذاب الله، مع الفرق العظيم، لأن فتنة النّاس زائلة ومنتهية وخفيفة، بخلاف عذاب الله- والعياذ بالله- فإن عذاب الله شديد وباق ومستمر، فهو سوّى بين الأمرين، وهذا من جهله وعدم إيمانه.\nومعنى هذا: أنه يُطاوع الكفار، فينسلخ من دينه، لأنه ليس له دين أصلًا وإنما تظاهر به، فإذا جاءت المحن انكشف وتبيّن أنه ليس في قلبه إيمان، أو كان في قلبه إيمان ضعيف، ثمّ زال، ﴿وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ﴾ أي: إذا حصل للمسلمين فرج وحصل لهم خير قال: أنا معكم، أنا مسلم. أما إنْ حصل على المسلمين أذى وامتحان فإنه ينعزل ويصير مع الكفار ويطاوع الكفار. هذه مواقف المنافقين وضِعاف الإيمان عند الشدائد والمحن.\nوالشاهد من الآية: ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللهِ﴾ أي: أنه يخشى النّاس ولا يخشى الله ﷾، فهذا هو موضع اللوم.","vol":"2","page":56},{"text":"عن أبي سعيد ﵁ مرفوعًا: \"إنّ من ضعف اليقين: أن ترضي النّاس بسخط الله، وأن تحمدهم على رزق الله، وأن تذمُّهم على ما لم يؤتك الله.\nــ\nقال: \"عن أبي سعيد ﵁ مرفوعًا\" يعني: إلى النبي ﷺ، فالحديث المرفوع:\nما نُسب إلى الرسول ﷺ، والحديث الموقوف: ما كان من كلام الصحابي، والحديث المرسل: ما نسبه التابعي إلى رسول الله ﷺ.\n\"إنّ من ضعف\" بفتح الضاد ويجوز الضم: والضَعف ضدّ القوة.\n\"اليقين\" واليقين هو أعلى درجات العلم.\n\"أن ترضي النّاس بسخط الله\" هذا من ضعف اليقين، وهذا مثل ما ذكر في الآية: ﴿جعل فتنة النّاس كعذاب الله﴾، فمن أرضى النّاس بما يُسخط الله إذا طلبوا منه ذلك إرضاءً للناس بما يُسخط الله من المخالفات والمعاصي، فهذا من ضعف اليقين، لأنه لو كان يقينه قويًّا لكان العكس، فكان يُرضي الله ﷾ بسخط النّاس. أما إذا جاء العكس فأرضى النّاس بسخط الله، فهذا من ضعْف اليقين.\n\"وأن تَحْمَدَهم على رزق الله\" أي: ومن ضعف اليقين: أن تَحْمَدَ النّاس على رزق الله، إذا جاءك رزق وجاءك خير تنسب هذا إلى النّاس وتحمدهم عليه، مع أن الرزق من الله ﷾، فالواجب: أن تحمد الله لا أن تحمد النّاس، إنما تحمد الله ﷿ لأنه هو الرزّاق، وإذا كان لأحدٍ من النّاس تسبُّب في هذا الرزق، فإنّ هذا المتسبِّب يُشكر على قدْر ما فعل، لا أن يُنسب الرزق إليه، وإنما يُشكر على قدر سعيه وعلى ما بذل من السبب فقط، مع الاعتراف أن الرزق من الله، وتعتقد أن هذا الشخص إنما هو سبب فقط، وفي الحديث: \"من لا يشكر النّاس لا يشكر الله\"، وفي الآخر: \"من صنع إليكم معروفًا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى تُرَوْا أن قد كافأتموه\"، فالنّاس إنما تجري على أيديهم أسباب يُشكرون عليها ويُدعى لهم، أما أن يُنسب الرزق إليهم، ويقال: هذا من فلان، فهذا كفرٌ بنعمة الله ﷾ ومن ضعف اليقين، لأن القوي اليقين يعتقد أن الأرزاق بيد الله، فيكون الحمد المطلق لله ﷿.\n\"وأن تذمهم على ما لم يؤتك الله\" يعني: إذا سعيت تطلب شيئًا محبوبًا من أمور الدنيا ولم يحصل لك فلا تذمّ النّاس، لأن هذا بيد الله، لو شاء الله لحصل لك، والنّاس ليس بيدهم شيء، وإنما هذا بيد الله، لو أراد هذا لحصل لك، فكونه لم","vol":"2","page":57},{"text":"إن رزق الله لا يجره حرص حريص، ولا يرده كراهية كاره\".\nــ\nيحصل لك هذا دليل على أن الله لم يُرده لك، فعليك أن ترضى، وربما يكون امتناع هذا الشيء عنك في صالحك، وأنت لا تدري ماذا تكون الخيرة، فأنت تبذل السبب فإن حصل المطلوب فالحمد لله، وإن لم يحصل المطلوب فإنك ترضى عن الله ﷾ وتحمده وتحاسب نفسك عن التقصير، وتعلم أنك ما حُرمت هذا الشيء إلاَّ لأحد أمرين: إما لأنك مقصِّرٌ في حق الله ﷾، وأن الله حرَمك هذا الشيء بسبب ذنوبك ومعاصيك، أو أن الله ﷾ منعه لمصلحتك، وأنه لو جاءك سبّب لك شرًّا، هذا موقف المؤمن عندما لا يحصل له مطلوبه.\nثمّ قال: \"إن رزق الله لا يجُرُّه حرص حريص، ولا يَرُدُّه كراهية كاره\"، مهما حرِص الإنسان وحرصت الواسطة التي عمدها، فالحرص لا يجلب لك المطلوب إذا لم يقدِّره الله ﷾.\n\"ولا يردُّه كراهية كاره\" لو أراد الله لك شيئًا فلو اجتمع أهل الأرض أن يمنعوه لم يستطيعوا كما قال ﷺ: \"واعلم أن النّاس لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلاَّ بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضرُّوك لم يضروك إلاَّ بشيء قد كتبه الله عليك\".\nإذا علِّق قلبك بالله ﷾ وأحسِن المعاملة مع الله: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ .\nوهذا هو حقيقة التّوحيد؛ أن يكون العبد معتمدًا على الله ومتوكِّلًا على الله، ويعتقد أن النّاس مجرّد أسباب، والأسباب إن شاء الله نفعتْ وإنْ شاء لم تنفع، فلا يجعل الحمد والذم للناس، وإنما يجعل الحمد لله ﷾، وإذا لم يحصل له مطلوبه فليصبر وليعلم أن ما قُدِّر له لا بد أن يكون فليحمد الله أيضًا.\nوليس معنى ذلك أن الإنسان لا يحرص على طلب الخير، قال ﷺ: \"احرص على ما ينفعك، واستعن بالله\"، فجمع بين الأمرين: الحرص والاستعانة. فالحرص ليس مذمومًا، وإنما المذموم: الاعتماد على الحرص واعتقاد أنه يحصل به المطلوب.\nوحديث أبي سعيد رواه أبو نعيم في \"الحلية\"، ورواه البيهقي، وهو حديث ضعيف، ولكنّ الشيخ ﵀ من قاعدته أن لا يذكر الحديث الضعيف إلاَّ إذا كان له ما يؤيِّده، وهذا الحديث تؤيِّده الآية التي قبله وهي قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللهِ جَعَلَ","vol":"2","page":58},{"text":"وعن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: \"من التمس رضا الله بسخط النّاس ﵁ وأَرْضى عنه النّاس، ومن التمس رضا النّاس بسخط الله سخِط الله عليه وأسخط عليه النّاس\" رواه ابن حبان في \"صحيحه\".\nــ\nفِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللهِ﴾، \"إن من ضعف اليقين أن ترضي الناس بسخط الله\".\nفالشيخ ﵀ قد يذكر بعض الأحاديث الضعيفة إذا كان لها ما يؤيِّدها من القرآن أو من السنّة.\nوهذه قاعدة معروفة عند أهل العلم.\nقوله: \"وعن عائشة ﵂ أدن رسول الله ﷺ قال: \"من التمس\" إلخ\" لحديث عائشة ﵂ هذا قصة، وهي: أن معاوية ﵁ لَمّا وَلِيَ المُلْك كتب إلى أم المؤمنين يطلُب منها النصيحة، لأنها زوج رسول الله ﷺ، وعندها من العلم الشيء الغزير الذي حملته عن رسول الله ﷺ فهي فقيهة النساء فكتبت إليه: \"السلام عليكم، أما بعد: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"من التمس رضا الله بسخط النّاس ﵁ وأرضى عنه النّاس، ومن التمس رضا النّاس بسخط الله سخِط الله عليه وأسخط عليه الناس\".\nهذا الحديث إذا سار عليه الحكّام وغير الحكّام حصل الخير الكثير، فهو منهج عظيم، وهذه الكلمات اليسيرة منهج تسير عليه الأمة، حُكّامها ومحكوموها، الراعي والرعية، ولذلك نصحت به عائشة معاوية ﵄، وهذا من فقهها ﵂ حيث اختارت هذا الحديث لمعاوية لأنه وال وإمام، فهو بحاجة إلى هذا الحديث ليجعله منهجًا له في سياسة المُلْك.\nوهذا الحديث فيه: أن الإنسان يقدِّم خشية الله على خشية النّاس، ويقدِّم رضا الله على رضا النّاس، كالحديث الذي قبله.\nفإذا جمعتْ هذه الآيات وهذه الأحاديث دلّتْ على أن الخوف عبادة يجب إفراد الله تعالى بها، ونعني بالخوف النوع الأول الذي هو خوف العبادة الخوف الذي يترتب عليه العمل بطاعة الله وترك معصية الله، أما الخوف المعكوس الذي تترتب عليه معصية الله لإرضاء النّاس، فهذا مذموم.\nودلّ حديث أبي سعيد -كما يقول الشيخ في مسائله- على أن اليقين يقوى ويضعُف، بدليل قوله: \"إن من ضعف اليقين\".","vol":"2","page":59},{"text":"[الباب الثالث والثلاثون:]\n* باب قول الله تعالى:\n﴿وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ .\nــ\nالتوكل هو: التفويض، فالتوكل على الله: تفويض الأمور إليه سبحانه، وهو من أعظم أنواع العبادة.\nومناسبة هذا الباب لكتاب التّوحيد: أنه لَمّا كان التوكل على الله عبادةً لله ﷿ وجب إخلاصه لله وترك التوكُّل على مَن سواه، لأن العبادة حقٌّ لله، فإذا صُرفت لغيره صار ذلك شركًا؛ فالتوكُّل على غير الله شرك- كما يأتي بيانه وتفصيله-.\nوهذا الكتاب المبارك ألّفه الشيخ ﵀ لبيان التّوحيد وبيان الشرك؛ فالتوكلُّ على الله وحده توحيد، والتوكُّل على غيره شرك.\nفهذا مناسبة هذا الباب لكتاب التّوحيد.\nقوله ﵀: \"بابُ قول الله\" أي: تفسير هذه الآيات؛ فهذا الباب يبيَّن فيه تفسير هذه الآيات الكريمات.\nفقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ هذه الآية في سورة المائدة في قصة موسى ﵇ مع قومه لَمّا قال لقومه: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾ يعني: أرض فلسطين، ليخلِّصوها من الوثنيين لأنها كانت بيد الوثنيِّين، وموسى ﵇ أُمر بالجهاد لنشر التّوحيد ومحاربة الشرك والكفر بالله وتخليص الأماكن المقدَّسة من قبضة الوثنييِّن، وهذا من أغراض الجهاد في سبيل الله.\n﴿الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾ لأن الله كتب أن المساجد والأراضي المقدَّسة للمؤمنين من الخلق من بني إسرائيل وغيرهم، ﴿كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾ شرع أن تكون الولاية عليها للمؤمنين، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥)﴾، فالوِلاية على المساجد خصوصًا المساجد المبارَكة وهي المسجد الحَرام ومسجد الرسول ﷺ والمسجد الأقصى وسائر المساجد تكون الولاية عليها للمؤمنين، ولا يجوز أن يكون للكفار والمشركين من الوثنيِّين والقبوريِّين سلطة على مساجد الله ﷾: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ","vol":"2","page":60},{"text":"بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (١٧) إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، وهذا سبق في الباب الذي قبل هذا.\nقال تعالى في المسجد الحرام: ﴿وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ .\nفمساجد الله- خصوصًا المساجد الثلاثة- يجب أن تكون الولاية عليها للمسلمين، ولا يكون للمشركين عليها سلطة، ويجب على المسلمين أن يجاهدوا حتى يخلِّصوا هذه المساجد من أيدي المشركين.\nفموسى ﵇ خرج ببني إسرائيل يريد تخليص بيت المقدس، ولكن بني إسرائيل كانوا قومًا جبناء: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾ يقال كان فيها حينذاك قبيلة يقال لها: العماليق، كانوا شِدادًا في خلقهم أقوياء، ﴿وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا﴾ وهذا منتهى المهانة ومنتهى السُّخرية، لأن الكفار ليسوا بخارجين إلاَّ بالجهاد والجلاد والاستشهاد في سبيل الله.\n﴿قَالَ رَجُلانِ﴾ يعني: من بني إسرائيل من أهل الرأي والإيمان والعزيمة.\n﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ يخافون الله ﷾.\n﴿أَنْعَمَ اللهُ عَلَيهِمَا﴾ أنعم الله عليهما بالإيمان والعزيمة الصادقة.\n﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾ يعني: اعزموا واهجموا عليهم حتى يروا منكم القوة، فإذا رأوا منكم القوة فإنهم يخرجون.\n﴿فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ﴾ لا شك أنه إذا حصل هجوم صحيح ودخل المجاهدون عليهم الباب أنه سيقع الرعب في قلوبهم ويخرجون منها، لكن هذا لا يكون إلاَّ من أهل الإيمان وأهل الصدق والعزيمة والبأس كما في رجال محمد ﷺ الذين كانوا يجاهدون ويهجمون على الكفار ويقتحمون الأبواب ويخاطِرون بأنفسهم.\nوأيضًا فإنه لا يكفي دخول الباب، بل ﴿وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فهذا لا يحصل إلاَّ بالعزيمة الصادقة، والإقدام في سبيل الله، وتقديم النفس في سبيل الله، مع التوكُّل على الله وعدم الاعتماد على القوة، بل يعتمد على الله مع الأخذ بالقوة المناسبة.","vol":"2","page":61},{"text":"وقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ الآية.\nــ\nوهذا محل الشاهد من الآية؛ حيث قدّم المعمول وهو الجارّ والمجرور ﴿وَعَلَى اللهِ﴾، وأخّر العامل وهو ﴿تَوَكَّلُوا﴾ ممّا يفيد الحصْر، أي: توكّلوا على الله ولا تتوكّلوا على غيره.\nففيه: وجوب إخلاص التوكُّل على الله ﷿، وأنه سببٌ من أسباب النصر على الأعداء مثل قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ قدّم المعمول وأخّر العامل، أصله: نعبدك ونستعين بك، ولكن قدّم المعمول وهو الضمير المنفصل ﴿إِيَّاكَ﴾ في الموضعين على العامل ﴿نَعْبُدُ﴾ و﴿نَسْتَعِينُ﴾ ليفيد الحصر أي لا نعبد إلاَّ إياك ولا نستعين بغيرك، وهذا هو الإخلاص والتّوحيد.\nقال: \"وقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ الآية\" أي: إذا خُوِّفوا بالله خافوا، وإذا ذكّروا بالله تذكّروا، وإذا قيل لهم: ﴿اتَّقُوا اللهَ﴾ خافوا من الله ﷿ وأشفقوا من عذابه، إذا وُعظوا وذُكِّروا فإنهم يخشون الله ﷾، بخلاف الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْأِثْمِ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ (١٣)﴾، وقوله تعالى: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (١٠) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (١٢)﴾، وقال تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥)﴾، فإن المؤمن ينتفع بالموعظة والتذكير ويخاف من الله ﷾ إذا ذُكِّر به وخُوِّف به، وهذه علامة الإيمان؛ أما المنافق فهو وإن ادّعى الإيمان فإنه إذا ذُكِّر بالله ازداد عُتُوًّا ونفورًا وازداد طُغيانًا فتأخذَه العزّة بالإثم.\n﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ﴾ القرآنية ﴿زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ وهذه علامة الإيمان؛ أن المؤمن إذا تُليت عليه آيات الله وسمع القرآن يزيد إيمانه ويقينه، وينتفع بالقرآن الكريم، خلاف المنافق؛ فإنه إذا تُليَ عليه القرآن لا يستفيد منه شيئًا، كما قال الله ﷾: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (١٢٥)﴾ .\n﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ هذا محل الشاهد من الآية للباب، فهي مثل الآية التي قبلها: ﴿وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا﴾ .","vol":"2","page":62},{"text":"وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ﴾ الآية.\nــ\nوهنا يقول: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ قدم المعمول أيضًا وهو الجار والمجرور على العامل وهو ﴿يَتَوَكَّلُونَ﴾ ليُفيد الحصر، وبيان أن التوكّل عبادة يجب إفراد الله ﷾ فيها، ولا يجوز التوكُّل على غير الله؛ لأن من توكّل على غير الله فقد أشرك.\nوقد جعل سبحانه التوكل شرطًا في صحة الإيمان؛ فقال: ﴿وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، فمن توكّل على غير الله فليس بمؤمن.\nقال: \"وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ﴾ الآية\" هذا خطاب من الله ﷾ لنبيّه محمد ﷺ.\nفقوله: \"يا أيها النبي\" ناداه بصفته الكريمة: ﴿النَّبِيُّ﴾، والله تعالى لم يناد محمدًا باسمه أبدًا في القرآن بل يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾، فيناديه باسم النبوة وباسم الرسالة تكريمًا وتشريفًا له ﷺ.\nأما الإخبار عنه فإن الله يذكره باسمه، كقوله: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾، ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾، فهذا من باب الإخبار، فإذا جاء باب الإخبار يأتي باسمه ﷺ، وإذا جاء بالنداء فيناديه بصفاته الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ .\nولذلك: عاب الله على الأعراب الذين وقفوا على الحُجُرات وقالوا: يا محمد؛ اخرج إلينا، قال الله ﷾: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (٢) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٣)﴾، ثم قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (٤) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾ فيجب التأدُّب مع الرسول ﷺ حيًّا وميِّتًا.\nقوله: ﴿حَسْبُكَ اللهُ﴾ ﴿حَسْبُكَ﴾ يعني: كافيك، فالحسب هو: الكافي.\n﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: وحسب من اتبعك من المؤمنين؛ فالـ (واو) عاطفة، ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ﴾ معطوف على ضمير المخاطَب المضاف إليه في قوله:","vol":"2","page":63},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ الآية.\nعن ابن عبّاس قال: ﴿حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾، قالها إبراهيم ﵇ حين أُلْقيَ في النار.\nــ\n﴿حَسْبَكَ﴾: حسبك وحسب من اتّبعك، فحَذف المضاف في الكلمة الثانية اعتمادًا على ما جاء في الأولى من باب الاختصار والإيجاز؛ فقوله: ﴿وَمَنْ﴾ (الواو) عاطفة و﴿مَن﴾ في محل جر، عطف على ضمير المخاطَب المضاف إليه في قوله: ﴿حَسْبُكَ﴾، هذا هو الصواب الذي رجّحه الإمام ابن القيّم وأبطل ما سواه، فليس ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ﴾ معطوف على الله، فيكون مرفوعًا.\nومحل الشاهد من الآية: ﴿حَسْبُكَ اللهُ﴾، فإذا كان حسبك الله فيجب التوكُّل على الله ﷾ والاعتماد عليه ﷾ وحده. لأنه يكفي من توكّل عليه، كما في الآية التي بعدها وهي قوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ أي: يفوِّض أمره إلى الله ويعتمد على الله فإن الله حسبه، أي: كافيه جميع الأمور.\nأما من لم يتوكّل على الله فإن الله يَكِلُه إلى من اعتمد عليه كما في الحديث: \"من تعلّق شيئًا وُكِل إليه\"؛ فمن تعلّق بالله كفاه، ومن تعلّق بغيره خذله الله ووكله إلى ضعيف.\nقوله: \" ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ \" أي: لا على غيره.\n\" ﴿فَهُوَ﴾ \" أي: الله ﷾.\n\" ﴿حَسْبُهُ﴾ \" أي: كافيه.\nفهذا فيه: ثمرة التوكُّل على الله ﷾، وأن الله يكفي من توكّل عليه، ومن كان الله كافيه فإنه هو الرابح والمفلح في الدنيا والآخرة، ولا يخاف من غيره أبدًا، إنما يخاف من الله ﷾.\nقال: \"وعن ابن عباس\" هو: عبد الله بن عباس، حَبْرُ الأمة، وترْجُمان القرآن.\n\"قال: \" ﴿حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ \" قالها إبراهيم ﵇ حين أُلْقيَ في النار، وقالها محمدٌ ﷺ حين قالوا له: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ الآية\" هذه كلمة عظيمة قالها الخليلان: إبراهيم ومحمد- صلى الله عليهما وسلم-","vol":"2","page":64},{"text":"وقالها محمدٌ ﷺ حين قالوا له: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ الآية\"رواه البخاري والنسائي.\nــ\nفي أضيق الأحوال وأحرج المواقف، وهكذا الأنبياء عند تأزُّم الأمور؛ لا يعتمدون إلاَّ على الله ﷾، ولا يلجئون إلاَّ إليه، وتزيد رغبتهم في الله عند الشدائد، ويُحسنون الظن بالله ﷾ دائمًا وأبدًا.\nفالأنبياء وأتباعهم لا يعتمدون إلاَّ على الله، خصوصًا عند المضائق وتأزُّم الأمور؛ يتوكّلون على الله ولا يضعُفون أو يخضعون لغير الله ﷾، أو يتنازلون عن شيء من عقيدتهم ودينهم أبدًا.\nقوله: \"قالها إبراهيم ﵇ حين أُلقيَ في النار\" إبراهيم ﵊ بعثه الله في قوم وثنيِّين في أرض (بابل)، يعبدون الكواكب، ويبنون لها الهياكل، وينحتون الأصنام التي على صورها، وكان أبوه يصنع الأصنام، ويبيعها على النّاس ويأكل من ثمنها.\nفبعث الله إبراهيم﵊- في هذه الأمة الوثنية يدعوها إلى التّوحيد وإخلاص العبادة لله ﷾، ويُنكر عليهم عبادة الأصنام، وبدأ بأبيه وقال: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا * يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (٤٣) يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ﴾، انظر التلطُّف، يكرِّر: يا أبت، يا أبت. وهكذا الداعية يتلطّف بالمدعو، كما قال تعالى: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤)﴾، لا يأتيه بعنف وقسوة وشدة، ويقول: هذا غَيْرة لله.\n\"حين ألقي في النار\" أي: قال هذه الكلمة حينما ألقاه قومه في النار انتصارًا لآلهتهم، فقال الله للنار: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ .\nوالشاهد في قوله: ﴿حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾، فهذا فيه: التوكُّل على الله ﷾، وبيان ثمراته، وأن ثمرة التوكُّل على الله حوّلت النار إلى برْدٍ وسلام على إبراهيم ﵊.\nفهذا فيه: فضيلة هذه الكلمة، وثمرة التوكُّل على الله ﷾.\nقوله: \"وقالها محمد ﷺ حين قالوا له: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ الآية\" لَمّا حصلت غزوة بدر في السنّة الثانية من الهجرة، وانتصر","vol":"2","page":65},{"text":"المسلمون فيها، وقتلوا صناديد الكفُار ورؤساءهم، وغَنِموا أموالهم؛ عند ذلك تشاور المشركون في مكة بقيادة أبي سفيان بن حرب، وأرادوا غزو رسول الله ﷺ انتقامًا لرؤسائهم الذين قُتلوا في بدر، ولآبائهم ولأموالهم التي أُخذت، فاجتمعوا بقيادة أبي سفيان بن حرب، وجاءوا بجيوش عظيمة -ونزلوا عند أحد، وهو الجبل الذي يقع شمالي شرق المدينة، فخرج إليهم رسول الله ﷺ بأصحابه بعد التشاوُر معهم: هل يخرج إليهم، أو يبقى في المدينة؟.\nفكان الرسول ﷺ يميل إلى البقاء في المدينة، وهو رأي عبد الله بن أُبي، ولكنّ الصحابة الذين لم يحضروا بدْرًا ندِموا ندامة شديدة وعزَموا على الرسول ﷺ أن يخرج إليهم ليخرجوا كما خرج إخوانهم في بدر، ليستدركوا ما حصل وما فات عليهم في بدر.\nفالرسول ﷺ نزل على رغبة هؤلاء الصحابة وخرج، وخرج المسلمون معه، ورجع عبد الله بن أبي المنافق مع جماعة من المنافقين، وانخذل من العسكر.\nفخرج الرسول ﷺ بأصحابه وعسكر عند أحد، ونظّم أصحابه، وجعل جماعةً من الرُّماة على الجبل ليحموا ظهور المسلمين أن يأتيهم الكفّار من الخلف.\nثمّ دارت المعركة وصار النصر للمسلمين، فصاروا يجمعون المغانم، فلما رأى الذين على الجبل أن أصحابهم يجمعون المغانم ظنوا أن المعركة قد انتهتْ؛ أرادوا النزول من الجبل ليشاركوا في جمع الغنائم، فمنعهم قائدهم عبد الله بن جُبَيْر، لأن الرسول ﷺ قال لهم: \"لا تتركوا الجبل سواء انتصرنا أو هُزمنا\"، ولكنهم ﵃ اجتهدوا ونزلوا من الجبل، وأما رئيسهم فبقي طاعةً لرسول الله ﷺ.\nفلما رأى خالد بن الوليد- وكان يومَ ذاك على الشرك- الجبل قد فرغ، وكان قائدًا محنَّكًا يعرف السياسة الحربية؛ دار بمن معه من كتيبة الخيل، وانقضّوا على المسلمين من خلف ظهورهم، والمسلمون لم يشعروا، فدارت المعركة من جديد، وعاقب الله المسلمين بسبب هذه المخالفة التي حصلتْ من بعضهم والعقوبة شملت المخالفين وغير المخالفين، لأن العقوبة إذا نزلت تَعُمّ، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ .","vol":"2","page":66},{"text":"فدارت المعركة من جديد، وأصاب المسلمين ما أصابهم من القرْح، واستُشهد منهم سبعون من خيار الصحابة من المهاجرين والأنصار، وعلى رأسهم حمزة بن عبد المطّلب عم الرسول ﷺ، بل إن الرسول ﷺ أصابه ما أصابه؛ فكُسِرتْ رَباعيّته، وشُجَّ في رأسه، وسقط في حفرة، وأُشيع أنه قد مات. فأصاب المسلمين مصيبة عظيمة، ولكن أهل الإيمان لا يتغيّر موقفهم ولا يتزحزح أبدًا مهما بلغ الأمر، لا تضعُف عزيمتهم، اجتمعوا حول الرسول ﷺ يَذُبُّون عنه، ويحمونه من سهام المشركين، والمعركة لا تزال مستمرة، والرسول مشجوج، والمِغْفَر قد هشم على رأسه ﷺ.\nثمّ انتهت المعركة، وأُعلن أنّ محمدًا ﷺ لم يُقتل، فحينئذ فرح المسلمون فرحًا شديدًا، واغتاظ المشركون غيظًا شديدًا.\nفانصرف المشركون إلى مكّة، والنبي ﷺ أمر أصحابه أن يدفنوا الشهداء، وأن يدفنوا الاثنين والثلاثة في قبرٍ واحد، لكثرة الأموات، ولضعف المسلمين في هذه الحالة، فدفنوهم في مكان الشهداء المعروف عند أحد، وحملوا الجرْى إلى المدينة.\nولَمْا وصلوا إلى المدينة جاءهم مندوب من أبي سفيان بأنه سيعيد الكرّة عليهم، ويرجع عليهم ويستأصل بقيّتهم، فما زادهم ذلك إلاَّ إيمانًا، وأمر الرسول ﷺ الذين خرجوا معه إلى أُحُد أن يخرجوا ولا يخرج معهم غيرهم، فخرجوا مع الرسول ﷺ بجراحهم ونزلوا في مكان يقال له: (حمراء الأسد) - قريب من المدينة - ينتظرون الكفّار.\nلما بلغ أبا سفيان ومن معه أن الرسول ﷺ خرج في أَثَرهم وفي طلبهم أصابهم الرعب، وقالوا: ما خرجوا إلاَّ وفيهم قوة. فمضوا إلى مكة خائفين من الرسول ﷺ، ورجع المسلمون إلى المدينة سالمين.\nوأنزل الله ﷾ قوله: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢» الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ .\nهذا قول أبي سفيان أننا نأتي ونقضي على بقيّتهم ﴿فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا","vol":"2","page":67},{"text":"اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ *) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللهِ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (١٧٤)﴾ .\nهذه ثمرات التوكُّل على الله ﷾، وهذه ثمرات الاعتماد على الله، كما صارت النار برْدًا وسلامًا على إبراهيم؛ صارت هذه المعركة وهذه التخويفات بردًا وسلامًا على صحابة رسول الله ﷺ.\nفقه الباب وما يُستفاد من النصوص، وذلك في مسائل:\nالمسألة الأولى: يؤخَذ من هذه الآيات وأثر ابن عباس ﵄ أن التوكُّل على الله عبادة يجب إخلاصها لله ﷾، وأن التوكُّل من أعظم أنواع العبادة.\nالمسألة الثانية: التوكُّل على غير الله فيما لا يقدر عليه إلاَّ الله شركٌ أكبر، كالذين يتوكّلون على الأصنام، أو على أصحاب القبور، أو على الأولياء والصالحين في جَلْب الأرزاق، ودفع المضار، وشفاء المرضى، وغير ذلك.\nالمسألة الثالثة: يؤخَذ من هذه النصوص: أنّ التوكُّل على الله شرط في صحّة الإيمان لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾؛ فدلّ على أن التوكل على الله شرطٌ لصحّة الإيمان.\nالمسألة الرابعة: يُؤْخذ من هذه النصوص: أن الإيمان يزيد وينقص كما هو مذهب أهل السنّة والجماعة خلافًا للمرجئة الذين يقولون: الإيمان شيء واحد لا يزيد ولا ينقص.\nوهذه مسألة عظيمة معروفة عند أهل السنّة والجماعة، ومن أدلتها: هذه الآية: ﴿زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾، فدلّ على أن الإيمان يزيد، وإذا كان يزيد فهو ينقص، لأن كل شيء يزيد فهو ينقص، فمن لازِم الزيادة النُّقصان.\nوكما في قوله تعالى: ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ .\nوكذلك قوله ﷺ: \"الإيمان بِضْعُ وسبعون شُعبة، أعلاها: قولُ: \"لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق\" دلّ على أن الإيمان يتفاوت، منه ما هو أعلى ومنه ما هو دون ذلك.","vol":"2","page":68},{"text":"وقال ﷺ: \"من رأى منكم منكرًا فليغيِّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان\" دلّ على أن الإيمان يضعُف.\nوفي الحديث الآخر: \"أنه يُخرج من النار من كان في قلبه أدنى أدنى مثقال حبة من خردل من إيمان\" فدلّ على أن الإيمان ينقص حتى يصير كوزن الحبة من الخردل، وأنه يزيد حتى يكون كالجبال.\nفالإيمان يزيد وينقص، هذا مذهب أهل السنّة والجماعة، وفي ذلك أيضًا رَدٌّ على الخوارج والمعتزلة الذين يكفّرون بالذنوب الكبائر.\nالمسألة الخامسة: في الحديث دليلٌ على وجوب الأخذ بالأسباب مع التوكُّل على الله سبحانه؛ لأنه لَمّا ذكر التوكُّل على الله ذكرت الأعمال، فقال: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾، فالتوكُّل على الله لا يكفي، لا بد من الأعمال الصالحة، لا بد من الصلاة والصيام والحج والجهاد في سبيل الله، وفعل الأسباب التي تنفع مع التوكُّل على الله ﷾.","vol":"2","page":69},{"text":"[الباب الرابع والثلاثون:]\n* باب قول الله تعالى:\n﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (٩٩)﴾ .\nــ\nهذا الباب وضعه المصنف ﵀ في \"كتاب التّوحيد\" لأن الأمن من مكر الله والقنوط من رحمته ينقِّصان التّوحيد، ويُنافيان كماله، وهذا الكتاب كله في موضوع التّوحيد ومكمِّلاته وبيان مناقضاته ومنفِّصاته.\nومكر الله ﷾ هو: إيصال العقوبة إلى من يستحقُّها من حيث لا يشعر. وهو عدلٌ منه ﷾، والله تعالى يقول: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤)﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٥٠)﴾؛ فالمكر في حق الله ﷾ عدل وجزاء يحمد عليه.\nأما المكر من المخلوقين فهو مذموم لأنه بغير حق.\nوالمكر من الله نظير الاستهزاء: ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥)﴾، ونظير السخرية: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ﴾، ونظير الكيد: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا (١٦)﴾، ونظير النسيان في مثل قوله: ﴿نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ .\nفهذه أمور تُنسب إلى الله جل وعلا لأنها من باب المقابلة والجزاء، فهي عدلٌ منه ﷾ حيث إنه ينزِّلها فيمن يستحقُّها، فهي عدلٌ منه سبحانه؛ بخلاف هذه الصفات من المخلوقين فإنها مذمومة لأنها في غير محلها ولأنها ظلمٌ للمخلوقين.\nقوله تعالى: \" ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللهِ﴾ \" هذه الآية في سِياق ما ذكره الله عن الأمم الكافرة التي أحلّ الله بها عقوباته من قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم لوط، وقوم شعيب، الذين ذكرهم الله في سورة الأعراف، ثمّ قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (٩٤)﴾، ﴿بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ الشدائد من الجوع والخوف والقحط وغلاء الأسعار، يفعل الله ذلك بهم لعلهم يدعونه، ولعلهم يرجعون إلى الله ويتوبون، ويعلمون أن ما أصابهم بسبب ذنوبهم؛ لكنهم لم يرجعوا.\nثمّ إن الله سبحانه استدرجهم بالنعم، لَمّا لم يرجعوا عند النِّقَم استدرجهم","vol":"2","page":70},{"text":"بالنعم قال تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ﴾ أي: بدل الشدة والجوع والخوف، بـ ﴿الْحَسَنَةَ﴾ وهي: الغناء والسَّعَة والثروة؛ استدراجًا من الله سبحانه لهم.\n﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ يعني حتى كثروا وزادت قوتهم ونموا وصار لهم قوة واغتروا بهذه النعمة؛ فهم لم يتوبوا عند النقمة ولم يشكروا عند النعمة.\n﴿وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ﴾ قالوا: هذه الأمور تجري عادة، مرّة رخاء ومرّة شدة، لم يُرْجِعوا الأمر إلى الله ﷾ ويعلموا أن ما أصابهم من العقوبات يسبب ذنوبهم وأن ما أصابهم من النعمة فهو فضلٌ من الله؛ بل نسبوا هذا إلى العادة.\n﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ هذا هو المكر، وهو: أن الله أخذهم في مأمنهم حيث لم يتوقعوا العقوبة.\nوفي هذا تحذير لنا من الله ﷾ أننا لا نغتر بهذه النعم، وهذه الثروات، وهذه السَّعَة؛ فنغفلُ عن شكر الله ﷿، ولا نعمل بطاعة الله، ولا نخاف من العقوبة ومن زوال هذه النعم.\nثمّ قال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾؛ فالنعم إذا كانت مع المعاصي فهي استدراج، وإذا كانت مع الطاعات فإنها نعمةٌ من الله تعالى وعون على طاعته.\nثمّ قال تعالى: \" ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللهِ﴾ \" هذا استنكار من الله ﷾ على من يغترّ بالنعم وينسى العقوبة أن يأخذهم على غِرّة وهم آمنون منعَّمون، ثمّ ينقلهم من النعمة إلى النِّقْمة، ومن الصحة إلى الألم والمرض، ومن الوجود إلى العدم.\n﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ﴾ أي: لا يأمن عقوبة الله التي تنزل على خُفْية ومن غير تأهُب ومن غير توقع لها.\n﴿إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ الذين حقّتْ عليهم الخسارة التي لا رِبْح معها أبدًا ولا نجاة منها أبدًا.\nوالشاهد في قوله: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللهِ﴾ فهو استفهام إنكار على من يقع منه مثل ذلك.","vol":"2","page":71},{"text":"وقوله: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ .\nــ\nفالأمن من مكر الله يستلزم عدم الخوف من الله ﷾، كما يستلزم الاستمرار في المعاصي والزيادة منها، ويستلزم ترك التوبة والرجوع إلى الله ﷿. وهذه حالة الأشقياء من الخلق.\nوالأمن من مكر الله ينافي التّوحيد؛ لأنه يدل على عدم الخوف من الله ﷿.\nقال: \"وقوله: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ﴾ \"هذا استفهام إنكار من الله ﷾، وهو بمعنى النفي، أي: لا أحد يقنط من رحمة ربه.\n\" ﴿إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ \" التائهون عن الحق.\nوهذه الجملة قالها إبراهيم﵊- لَمّا جاءته الملائكة في صورة أضياف يريدون إهلاك قوم لوط، وكان إبراهيم﵊- كريمًا مِضْيافًا، فلما جاءه هؤلاء الرجال بادر إلى ضيافتهم وجاء بعجل حنيذ -وفي آية أخرى بعجل سمين، وقرّبه إليهم، لكنهم لم يأكلوا لأنهم ملائكة، والملائكة لا يأكلون؛ فإبراهيم خاف أنهم أعداء، لكنهم طمأنوه، وأخبروه بمهمتهم، وأنهم جاءوا لإهلاك هذه القرية.\nوزادوه -أيضًا- بالبشرى بالولد، وكان لا يُولد له فاستبعد ذلك وقالوا له: ﴿فَلا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ﴾ .\n\" ﴿قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ (٥٦)﴾ \" هذا محلّ الشاهد، أي: لا أحد يقنط من رحمة ربه \" ﴿إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ \" عن الحق؛ لأن المؤمنين -وخاصّة الأنبياء- يعلمون من قدرة الله ﷾ وفضله وإحسانه ما لا يعلمه غيرهم، ويعلمون من قُرب رحمته وفرجه ما لا يعلمه غيرهم.\nهذا إبراهيم ﵇ أبو الأنبياء يقول: \" ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ \" مهما كانتِ الحال من الشدّة ومن الضيق ومن الحرج؛ فإن المؤمن لا يقنط من رحمة الله، لأن الله قادرٌ على كل شيء، لا يعجزه شيء، وهو أرحم الراحمين.\nففي هذه الآية: أن الذي يقنط من رحمة ربه يكون من الضالين، والضلال ضدُّ الهدى.\nوفي هاتين الآيتين: مشروعية الجمع بين الخوف والرجاء؛ فالخوف في قوله:","vol":"2","page":72},{"text":"\" ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (٩٩)﴾ \"، وفي الآية الثانية: \" ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ \" ففيهما وجوب الرجاء وعدم القنوط من رحمة الله؛ فيجب الجمع بينهما، بأن يكون خائفًا راجيًا، لا يكون خائفًا فقط، لأن هذا يقنِّطه من رحمة الله ﷾، ولا يكون راجيًا فقط، لأن هذا يؤمِّنه من مكر الله؛ فإذا خاف الإنسان وقنِط من رحمة الله لم يتب، وإذا أمِن من مكر الله فإنه لا يترُك المعاصي بل يزيد منها.\nولهذا يقول العلماء: \"من عبد الله بالخوف فقط فهو حروري\"، يعني: من الخوارج، لأن الخوارج وعيديّة يأخذون بآيات الوعيد -والعياذ بالله-، ويخرجون العاصي من الإسلام ويخلِّدونه في النار، وهذا يأس من رحمة الله، نسأل الله العافية.\n\"ومن عبد الله بالرجاء فقط فهو مرجئ\" لأن المرجئة هم الذين يقولون: لا يضر مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، فطريقة الخوارج فيها يأسٌ من رحمة الله، وطريقة المرجئة فيها أمنٌ من مكر الله.\nأما أهلُ السنّة والجماعة فإنهم يجمعون بين الخوف من عذاب الله، مع رجاء رحمة الله؛ فالخوف يمنعهم من المعاصي، ورجاء رحمة الله يحملهم على التوبة والاستغفار والندم على ما حصل منهم؛ هذه طريقة أهل السنّة والجماعة وكما قال الله تعالى في الأنبياء: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ ﴿رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ الرغب هو الرجاء، والرهب هو الخوف؛ يعني: يجمعون بين الخوف والرجاء، وكما في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (٥٧)﴾، ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ يجمعون بين الأمرين بين الخوف والرجاء.\nقال أهل العلم: \"فيجب على المؤمن أن يكون معتدلًا بين الخوف والرجاء، لا يرجو فقط حتى يأمن من مكر الله، ولا يخاف فقط حتى ييأس من رحمة الله، بل يكون معتدلًا\".","vol":"2","page":73},{"text":"وعن ابن عبّاس أن رسول الله ﷺ سئل عن الكبائر؟، فقال: \"الإشراك بالله، واليأس من رَوْح الله، والأمن من مكْر الله \".\nــ\nويقولون: \"الخوف والرجاء للمؤمن كجناحي الطائر، إذا اعتدلا استطاع الطيران في الجو، وإذا اختلّ واحدٌ منهما سقط فلا يستطيع الطيران\"، كذلك المؤمن، إذا تعادل فيه الخوف والرجاء استطاع السير إلى الله ﷾، وإذا اختلّ أحدُ الركنين اختلّ إيمانه.\nقوله: \"وعن ابن عبّاس أن رسول الله ﷺ سئل عن الكبائر؟ \" أي: عن الذنوب الكبائر؛ جمع كبيرة وهي: العظيمة.\nفقال: \"الإشراك بالله\" هذا اكبر الكبائر. فأكبر الكبائر: الإشراك بالله ﷿، وهو: عبادة غير الله بأيِّ نوع من أنواع العبادة وأيًّا كان هذا المعبود صنمًا أو شجرًا أو حجرًا أو حيًّا أو ميِّتًا أو قبرًا أو غير ذلك.\nوهذا هو الذي لا يُغفر إلاَّ بالتوبة، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، وهذا هو الذي يحبط الأعمال جميعها، قال تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ .\nقوله ﷺ: \"واليأْس من رَوْح الله\" هذا مثل قوله تعالى: \" ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ \"؛ فالقنوط من رحمة الله من أكبر الكبائر، لأن فيه إساءة ظنٍّ بالله ﷾، ولأنه يحمل صاحبه على عدم التوبة لأنه يقول: لا يغفر الله لي وإن تبت، والله ﷾ يقول: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣) وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ (٥٤)﴾: توبوا إلى الله ﷿؛ والتوبة تَجُبُّ ما قبلها مهما كان الذنب الشرك والكفر وقتل النفس والزنا وشرب الخمر وأكل الربا؛ فالتوبة لا يبقى معها ذنب إذا كانت توبة صحيحة، والتائب من الذنوب كمن لا ذنب له: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾، فالكفّار إذا كانوا يُغفر لهم ما قد سلف فكيف بُعصاة المؤمنين إذا تابوا؟، هم أولى بالمغفرة؛ فعَفْوُ الله أعظم من ذنوبهم.\nقوله ﷺ: \"والأمن من مكر الله\" أي: ومن أكبر الكبائر: الأمن من مكر الله،","vol":"2","page":74},{"text":"وعن ابن مسعود قال: \"أكبر الكبائر: الإشراك بالله، والأمن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله، واليأس من روح الله \"رواه عبد الرزّاق.\nــ\nأي: من عقوبته عند المعصية من حيث لا يشعر. والغفلة عن طاعة الله ﷾.\nوهذا الحديث رواه البزّار وغيره.\nوبعضهم يرى أنه من كلام ابن عبّاس، وأنه موقوف، وبعضهم يضعِّفه.\nوقد ذكرت لكم أن الشيخ ﵀ إذا ذكر مثل هذا الحديث الذي في سنده مقال لا يذكره إلاَّ وقبله أو بعده ما يؤيِّده من الآيات أو الأحاديث التي يسوقها في الباب.\nوهذا الحديث تؤيِّده الآيتان السابقتان: \" ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (٩٩)﴾ \"، \" ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ \"، وكذلك الآيات التي في التحذير من الشرك وأنه أكبر الكبائر.\nفالحديث هذا وإن كان في سنده مقال إلاَّ أنه تؤيِّده الأدلة الصحيحة، خصوصًا ما ذكره المؤلف ﵀ من هاتين الآيتين، وبعضهم أثنى على سنده، فهو ليس مُجْمَعًاَ على ضعفه.\nقال: \"وعن ابن مسعود قال: \"أكبر الكبائر\" هذا فيه دليل على أن الذنوب تنقسم إلى كبائر وصغائر والكبائر تختلف، بعضها أكبر من بعض كما في الحديث: أن النبي سُئل أيُّ الذنب أعظم؟ قال: \"أن تجعل لله نِدًّا وهو خلقك\"، قلت: ثمّ أيٌّ؟ قال: \"أن تقتُل ولدك خشية أن يَطْعَم معك\"، قلت: ثمّ أيٌّ؟، قال: \"أن تُزانيَ بحليلة جارك\".\nفهذه أعظم الكبائر: الشرك بالله، وقتل النفس التي حرّم الله إلاَّ بالحق، ولاسيّما قتل القريب، مثل: قتل الابن. كذلك: الزنا بحليلة الجار، فالزنا محرّم عمومًا، وهو كبيرة، ولكن الزنا بحليلة الجار أشد من الزنا بغيرها لحرمة الجيرة، ومِصْداق ذلك في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ .\nوقوله: \"والأمن من مكر الله\" سبق معنى الأمن من مكر الله.","vol":"2","page":75},{"text":"....................................................................................\nــ\n\"والقنوط من رحمة الله\" هذا سبق أيضًا معناه.\n\"واليأس من رَوْح الله\" القنوط واليأس متقارِبان، وكلاهما فيه استبعادٌ لرحمة الله ﷿ وسوءُ ظنٍّ بالله ﷿.\n\"واليأس من روح الله\" قال الله ﷾ على لسانه نبيه يعقوب ﵇: ﴿إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾، أما المؤمنون فلا ييأسون من روح الله مهما بلغ بهم الكرب والشدة؛ لعلمهم بالله ﷿ وأسمائه وصفاته، وقُرب فَرَجِه، وقُرب رحمته من عباده؛ فهم لا ييأسون من رَوْح الله مهما اشتدت بهم الخُطوب، وضاق بهم الحال. بل كلما اشتد الخطب عظم رجاؤهم بالله.\nومواقفهم معروفة، كموقف إبراهيم ﵇، وموقف يعقوب لَمّا فقد أولاده الثلاثة، وموقف أيّوب ﵇ الذي بلغ منه الضُّرُّ مبلَغًا شديدًا، لم ييأسوا من رحمة الله.\nومحمد ﷺ لَمّا أُخْرِجَ هو وصاحبه أبو بكر يوم الهجرة واختفيا في الغار، وجاء المشركون في طلبهما، ووقفوا على الغار والرسول ﷺ وأبو بكر تحت أقدامهم، يقول أبو بكر: يا رسول الله، لو نظر أحدهم إلى موضع قدمه لأبصرنا، قال: \"يا أبا بكر، ما ظنُّك باثنين الله ثالثهما؟ \"، فأعمى الله أبصارهم ولم يروا رسول الله وصاحبه، كما قال تعالى: ﴿إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠)﴾ .\nولَمّا خرج إلى الطائف يدعوهم إلى الله، وردّوا عليه ردًّا قبيحًا، وأغروا عبيدهم وسفاءهم برميه بالحجارة، هو ومولاه زيد بن حارثة؛ ورجع وأهل مكة كلهم أعداء له؛ فجاء من الطائف وقد قابلوه أسوأ مقابلة، وأهل مكة -أيضًا- خرج منهم لشدّة أذاهم، فقال له مولاه زيد بن حارثة: يا رسول الله، كيف ترجع إليهم وهم قد أخرجوك، قال: \"يا زيد، إن الله جاعلٌ لِمَا ترى فرجًا ومخرَجًا\".\nهكذا مواقف أنبياء الله -عليهم الصلاة والسلام-، لا ييأسون مهما بلغ الأمر ومهما بلغت الشدة لعلمهم برحمة الله ﷿ وقدرة الله ﷿ وعلم الله ﷿ بحالهم وأنه","vol":"2","page":76},{"text":"لا تخفى عليه خافية ولا تخفى عليه أحوالُ عباده أبدًا، ولكنه يبتليهم ويمتحنهم ليكفِّر عنهم سيِّئاتهم وليختبر إيمانهم وليعظُم رجاؤهم بالله ﷿ وليتوبوا إلى الله ﷿. وله الحكمة في ذلك ﷾.\nقوله: \"رواه عبد الرزاق\" عبد الرزاق بن هَمَّام الصنعاني، الإمام الجليل، شيخ العلماء والمحدِّثين، روى عنه: الإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهوَيْه، وغيرهما من كبار الأئمة﵏-.\nوقوّى إسناد هذا الحديث: ابن جرير الطبري.\nفهذه النصوص في هذا الباب يُستفاد منها الأحكام التالية:\nأولًا: تحريم الأمن من مكر الله والقنوط من رحمة الله، وأنهما ينقِّصان كمال التّوحيد وقد ينافيان التّوحيد.\nثانيًا: أنه يجب على المسلم أن يجمع بين الخوف والرجاء، فلا يخاف فقط ولا يرجو فقط، وإنما يكون خائفًا راجيًا دائمًا وأبدًا، هذا هو التّوحيد، وهو صفة أولياء الله.\nثالثًا: في هذه النصوص أن المعلِّم والداعية يبدأ بالأهم فالأهم؛ لأن الرسول ﷺ لَمّا أراد أن يعلِّم أصحابه الكبائر بدأ بأهمها وهو الشرك بالله ﷿، لأن الشرك أكبرُ الكبائر فبدأ به، ثمّ ذكر بعده الأمن من مكر الله والقنوط من رحمة الله.\nرابعًا: في الحديثين: أن الذنوب تنقسم إلى صغائر وكبائر، وقد عرّف العلماء الكبيرة بأنها: \"ما رُتِّبَ عليها حدٌّ في الدنيا، أو وعيدٌ في الآخرة، أو خُتم بغضب، أو لعنة، أو نار، أو تبرّأ النبي ﷺ من صاحبها، بأن قال: \"ليس منا من فعل كذا\"، أو نفى عنه الإيمان كقوله ﷺ: \"لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن\". هذه ضوابط الكبيرة.\nأما الصغائر فهي ما ليس كذلك مما حرّمه الله ونهى عنه، ولم يصل إلى حدّ الكبيرة.\nولكن لا يحمل هذا الإنسان على أنه يتساهل بالصغائر، لأن الصغائر إذا تُسوهِل بها جرَّتْ إلى الكبائر؛ والصغيرة تعظُم حتى تكون كبيرة مع الإصرار؛","vol":"2","page":77},{"text":"فلا يُتساهل فيها؛ لكن: ليست الذنوب على حدٍّ سواء، بل هي فيها صغائر وفيها كبائر. والصغائر تسمى اللَّمَم، كما قال الله ﷾: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْأِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ .\nوالصغائر تكفَّر بالأعمال الصالحة، كما قال الله ﷾: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ يعني: الصغائر.\nوقال ﷺ: \"الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان كفّارات لِمَا بينهن إذا اجْتُنِبَتِ الكبائر\".\nفالصغائر تُكَفَّر بالأعمال الصالحة، أما الكبائر فإنها لا تكفَّر إلاَّ بالتوبة، إلاّ إذا شاء الله أن يعفوَ عن صاحبها وهي دون الشرك فإنها قابلة للعفو من الله ﷾؛ فهي تكفَّر إما بعفو الله وإما بالتوبة، بخلاف الشرك فإنه لا يكفَّر إلاَّ بالتوبة، ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ .","vol":"2","page":78},{"text":"[الباب الخامس والثلاثون:]\n* بابٌ من الإيمان بالله الصبر على أقدار الله\nــ\nمناسبة هذا الباب لكتاب التّوحيد: أن الصبر على أقدار الله من مكمِّلات التّوحيد، وأنّ عدم الصبر على أقدار الله يكون من منقِّصات التّوحيد؛ وهذا الكتاب المبارك صنفه الشيخ في بيان التّوحيد ومكمِّلاته وفي بيان منافياته ومنقِّصاته.\nفقوله: \"بابٌ\" مرفوع على أنه مبتدأ محذوف تقديره: هذا بابٌ.\n\"من الإيمان بالله\" أي: من خصال الإيمان بالله، ومن شعب الإيمان بالله ﷿: الصبر على أقداره ﷾، أي: أن ذلك يدخل في الإيمان بالله، الذي هو أول أركان الإيمان الستة.\nوالإيمان- كما عرّفه أهل السنّة والجماعة-: \"قول باللسان، وعمل بالأركان\" يعني: الجوارح \"واعتقاد بالجَنان\" يعني: بالقلب \"يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية\". هذا هو الإيمان.\n\"الصبر على أقدار الله\" الصبر لغة: الحبْس، قال الله تعالى لنبيه: ﴿وَاصْبرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ أي: احبسها مع هؤلاء.\nوأما في الشرع فالصبر هو: حبس النفس على طاعة الله ﷾ وترك معصيته.\nوذكر العلماء: أن الصبر له ثلاثة أنواع: صبرٌ على طاعة الله، وصبرٌ عن محارم الله، وصبرٌ على أقدار الله المؤلِمة.\nفالأول: صبرٌ على طاعة الله: بأن يؤدي الإنسان ما أمر الله تعالى به؛ وإن كان فيه مشقّة عليه، وإن كانت نفسه تريد الراحة؛ فإنه يصبر، فيقوم للصلوات الخمس، ويقوم لصلاة الفجر ويترك النوم، ويقوم لصلاة الليل ويترك النوم، ويصوم ويترك الطعام والشراب، ويترك الأهل؛ طاعة لله ﷾، ويجاهد في سبيل الله ويصبر على الجراح وعلى الآلام وعلى ملاقاة الأعداء، ويصبر على طاعة الله ﷾، لأن الطاعة لابد فيها من تعب.\nالثاني: صبرٌ عن محارم الله: فيتجنّب ما نهى الله تعالى عنه، والنفس تنازعه تريد الشهوات المحرَّمة، فهو يصبر على حبسها عنها وإمساكها عنها، وإن كانت","vol":"2","page":79},{"text":"تنازعه وتدعوه، وكذلك شياطين الإنس والجن يدعونه ويرغِّبونه ويحسِّنون له القبيح، لكن يمسك نفسه ويحبسها عن محارم الله.\nوالثالث: صبرٌ على أقدار الله المؤلِمة: فإن أصابه مرض أو أصابته مصيبة في ماله أو ولده أو في قريبه فإنه يصبر ولا يجزع. هذا من الإيمان بالله، قال- تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦)﴾، يعرفون أن هذا من الله، وأنه بقضاء الله وقدره؛ فلا يجزعون ولا يتسخّطون.\nأما أقدار الله غير المؤلمة التي تلائم النفس فهذه لا تحتاج إلى صبر، لأن النفس تميل إليها.\nوهذا النوع الأخير- الصبر على أقدار الله المؤلمة- ذكروا أنه ثلاثة أنواع - أيضًا-:\nالنوع الأول: حبس النفس عن الجزع.\nوالنوع الثاني: حبس اللسان عن التشكِّي لغير الله ﷾.\nوالنوع الثالث: حبس الجوارح عن لطم الخدود وشقِّ الجيوب.\nويقول أمير المؤمنين علي ﵁: \"الصبر من الدين بمنزلة الرأس من الجسد؛ فلا إيمان لمن لا صبر له\"، ويقول الإمام أحمد ﵀: \"وجدت أنّ الله ذكر الصبر في القرآن في تسعين موضعًا\"؛ مما يدلّ على أهميّته، وعلى عِظَم شأنه.\nفالصبر له مقامٌ عظيمٌ في الدين، ولابد للمؤمن من الصبر لِمَا يواجه في هذه الحياة من المشاكل ومن المشاق والصعوبات لكنه يصبر عليها طاعة لله ﷾.\nوقوله: \"على أقدار الله\" أقدار جمع قدر، والقدر: ما قضاه الله ﷾ في خلقه، فإن كلَّ شيء يجري في هذا الكون فإنه مقدَّر، ليس هناك شيء يجري بدون تقدير الله ﷾؛ فالله علِمه وقدّره وكتبه ووقّته بوقت يحدُث فيه، فإنه ﷾ أول ما خلق القلم قال له: \"اكتب\"، قال: ما أكتب؟ قال: \"اكتب ما هو كائنٌ إلى يوم القيامة\"، فكتب في اللوح المحفوظ كلَّ شيء؛ فما من شيء يجري إلاَّ وهو مقدّرٌ من الله ﷾ ومؤقّتٌ بوقت لا يتقدّم عليه ولا يتأخّر عليه ومكتوب في اللوح المحفوظ.\nوالإيمان بالقضاء والقدر أحد أركان الإيمان الستّة. كما قال جبريل للنبي ﷺ:","vol":"2","page":80},{"text":"وقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ .\nقال علقمة: \"هو الرجل تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من عند الله، فيرضى ويسلِّم\".\nــ\nأخبرني عن الإيمان؛ قال: \"الإيمان: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره\"؛ فجعل الإيمان بالقدر ركنًا من أركان الإيمان؛ والله تعالى يقول: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾، وكما في \"الصحيح\": \"قدر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وعرشه على الماء\". فما من شيء يجري في هذا الكون من صغير أو كبير إلاَّ وقد قدّره الله ﷾.\nقال: \"وقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ \"هذا بعض آية من سورة التغابُن، وأولها قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)﴾ .\nفقوله: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ﴾ يعني: أن جميع المصائب التي تنزل بالنّاس من أول الخليقة إلى آخرها، فإن الله قدّرها، ليس هناك مصيبة تحدُث في العالم إلاَّ وقد قّدرها الله ﷾.\n﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ﴾ أي: بقضائه وقدره؛ لأن إذن الله على نوعين:\nإذنٌ قدري كوني، مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ﴾ أي: بتقديره ومشيئته.\nوالنوع الثاني: الإذن الشرعي، مثل: قوله تعالى: ﴿فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ أي: بشرعه.\nقوله: \"قال: علقمة\" هو: علقمة النخعي التابعي من كبار التابعين، وأحد النَّخَعييِّن الثلاثة الذين هم: علقمة والأسود وإبراهيم من تلاميذ ابن مسعود.\nومعنى قوله: \"هو الرجل تصيبه المصيبة\" يعني: تنزل به المصيبة، إما في نفسه وإما في ماله وإما في ولده وإما في أهله وإما في أقاربه، فلا يجزع، ولكن يعلم أنها من عند الله، يعلم أن الله قد قدّرها وقضاها، وما قضاه الله وقدّره فلابد أن يقع، فلا يقول: لو أني فعلت كذا، لو أني عملت كذا ما نزلت بيَ المصيبة. فالمؤمن","vol":"2","page":81},{"text":"وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: \"اثنتان في النّاس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت\".\nــ\nيعلم هذا فيهون عليه الأمر، يعلم أنها من عند الله فيرضى بقضاء الله، ولا يجزع ولا يسخط، ويسلِّم لله ﷿، ولقضاء الله وقدره.\nوقد سمّى الله هذا التسليم وهذا الرضى إيمانًا، فقال: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ﴾ يعني: يرضى بقضاء الله ويسلِّم له، وهذا هو الشاهد: إن الله سمى الصبر على المصيبة والرضى بقضاء الله وقدره إيمانًا.\n﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ فثمرة الرضاء بقضاء الله والصبر والاحتساب: هداية قلبه، لأن الله يجعل في قلبه الإيمان والبصيرة والنور، وهذه ثمرة الصبر على قضاء الله وقدره.\nأما الذي يجزع فإن ذلك يسبِّب العكس، يسبِّب عمى قلبه، واضطراب نفسه، فهو يكون دائمًا في اضطراب وقلق. أما المؤمن فهو مرتاح، من هذا كله.\nفدلّت الآية على مسائل عظيمة:\nالمسألة الأولى: أن المصائب كلها بقضاء الله وقدره.\nالمسألة الثانية: أن الرضى بها والصبر عليها من خصال الإيمان، لأن الله سمّاه إيمانًا.\nالمسألة الثالثة: أنّ ذلك يُثمر هداية القلب إلى الخير وقوة الإيمان واليقين.\nقال: وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: \"اثنتان من النّاس\" إلخ.\nقوله ﷺ: \"اثنتان\" يعني: خَصْلتان.\n\"في النّاس\" في بني آدم حتى ولو كانوا مسلمين فإنه يوجد في بعض المسلمين بعض خصال الجاهلية وبعض خصال الكفر الذي لا يخرج من الملة.\n\" هما بهم كفر\" هو كفر أصغر، لأن الكفر إذا نُكِّر فإنه يُراد به: الكفر الأصغر، أما إذا عُرِّف بـ (الألف واللام) فإنه يُراد به: الكفر الأكبر، كما في قوله: \"بين العبد وبين الكفر والشرك: تركُ الصلاة\"، وليس كلُّ من قام به خصلة من خصال الكفر يكون كافرًا خالصًا، وإنما يكون فيه خصلة من خصال الكفر، كما أنه","vol":"2","page":82},{"text":"ولهما عن ابن مسعود مرفوعًا: \"ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية\".\nــ\nليس كلُّ من فيه خصلة من خصال النفاق يكون منافقًا خالصًا، وإنما تكون فيه خصلة من خصال النفاق.\nفالخصلة الأولى: \"الطعن في النسب\" تقدم الكلام عليه في باب سابق.\nوالخصلة الثانية: \"النِّياحة على الميِّت\" والنياحة معناها: إظهار الجَزَع على الميت، كما كان أهل الجاهلية يفعلونه.\nوالمطلوب والواجب: الصبر على موت الأقارب أو موت الأحباب.\nولا يمنع هذا أن الإنسان يتألّم ويبكي، فالبكاء لا مانع فيه، والنبي ﷺ بكى على ابنه إبراهيم، وقال: \"إن العين تَدْمَع، والقلب يحزن، ولا نقول إلاَّ ما يُرضي الرب، وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون\". وهذا من الرحمة، وأيضًا هذا لا يستطيع الإنسان حبسه.\nفالآية دلّت على أن الصبر والرضى من خصال الإيمان، والحديث دلّ على أن الجزع من المصيبة وإظهار الجزع أنه من خصال الكفر؛ فهما متضادّان.\nقال: ولهما عن ابن مسعود مرفوعًا \"ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب\" إلخ.\nقوله: \"ولهما\" أي: البخاري ومسلم.\n\"عن ابن مسعود مرفوعًا\" أي: إلى النبي ﷺ.\n\"ليس منا\" هذه الكلمة كثيرًا ما تأتي عن الرسول ﷺ على معاص تصدُر من النّاس من باب التحذير منها، مثل قوله: \"من غشّنا فليس منا\"، وقوله ﷺ: \"ليس منا من تشبّه بغيرنا\"، ومنه هذا الحديث.\nوهذه الكلمة \"ليس منا\" معناها: البراءة ممّن فعل ذلك، ولكن ليس معناها أنه يخرُج من الإسلام، وإنما معناها: التنفير من هذا العمل. وأحسن ما يُقال فيها: أنها من ألفاظ الوعيد، ولا تُفسّر، لكن مع اعتقاد أنّ هذا لا يدل على الخروج من الدين لأدلّة أخرى دلَّت على أن أصحاب الكبائر التي دون الشرك لا يخرجُون من الدين.","vol":"2","page":83},{"text":"والنياحة من الكبائر، لكنها دون الشرك؛ فلا تُخرِج من الدين.\nوقوله ﷺ: \"من ضرب الخدود\" ضرب الخدود جزعًا من المصيبة كفعل الجاهلية. لأن المشروع الصبر، وهذا عكسه، وهذا من باب الغالب.\n\"وشَقَّ الجيوب\" أي: جيوب الثياب؛ جزعًا من المصيبة.\n\"ودعا بدعوى الجاهلية\" يعني: نادى عند المصيبة بالألفاظ التي تقولها الجاهلية، والمراد بالجاهلية: ما كان قبل بِعْثة الرسول ﷺ في وقت الفترة. فلا يجوز أن نقول بعد بعثة النبي ﷺ: النّاس في الجاهلية، أو النّاس في جاهلية جهلاء. هذا لا يجوز أبدًا، لأن الله رفع الجاهلية ببعثة الرسول ﷺ، ولكن: قد تبقى خصالٌ من خصال الجاهلية، فيقال- مثلًا-: هذا من الجاهلية، وهذا من خصال الجاهلية. وليس مَنْ قام به خصلة من خصال الجاهلية يكون من أهل الجاهلية. فلا يجوز إطلاق الجاهلية بعد بِعثة النبي ﷺ.\nومن دعوى الجاهلية: أن يتلفّظ بألفاظ الجاهلية، كأن ينادي ويقول: واعضداه، وانصيراه، واكذا وكذا. وكذا إثارة العصبيات والقوميات والحزبيات، وما إلى ذلك. كل ذلك من دعوى الجاهلية. وكذا التعصب للأقوال والمذاهب التي لا دليل عليها.\nقال ابن القيِّم ﵀: \"المراد بدعوى الجاهلية: كل من تعصّب إلى مذهب، أو تعصّب إلى قبيلة\".\nفالعصبية الجاهلية والنخوة الجاهلية كلُّه يدخل في دعوى الجاهلية، فلا يجوز للمسلم أنه يتعصّب لأحد العلماء أو لأحد المذاهب ولا يقبل غير هذا المذهب أو لا يقبل غير هذا الرجل من العلماء، فهذه عصبية جاهلية. أو يتعصّب لقبيلته إذا كانت على خطأ، كما يقول الشاعر:\nوهل أنا إلاَّ من غَزِيّة إنْ غَوَتْ ... غَوَيْتُ وإن تَرْشَد غزية أَرْشَد\nوالواجب على المسلم: أن يَتْبع الحق سواء كان مع إمامه أو مع غيره، وسواء كان مع قبيلته أو مع غيرها، والله ﷾ يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ .","vol":"2","page":84},{"text":"وعن أنس أن رسول الله ﷺ قال: \"إذا أراد الله بعبده الخير عجّل له بالعقوبة في الدنيا، وإذا أراد بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافي به يوم القيامة\".\nــ\nفلا تجوز العصبية للمذاهب، ولا تجوز العصبية للأشخاص، ولا تجوز العصبية للقبائل، وإنما المسلم يَتْبَع الحق مع من كان، ولا يتعصّب، ولا يترك الحق الذي مع خصمه. فالمسلم يدور مع الحق أينما كان، سواءً كان في مذهبه، أو مع إمامه، أو مع قبيلته، أو حتى مع عدوه. والرجوع إلى الحق خيرٌ من التمادي في الباطل، والله تعالى يقول: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾، والنبي ﷺ يقول: \"قل الحق ولو كان مُرًّا\".\nقال: \"وعن أنس أن رسول الله ﷺ قال: \"إذا أراد الله\" إلخ\".\nقوله ﷺ: \"إذا أراد الله بعبده الخير\" أي: من علامة إرادة الله بعبده الخير: أن يعجِّل له العقوبة على ذنوبه؛ لأن الذنوب تصدُر من الإنسان بكثرة، ليس هناك أحدٌ معصوم إلاَّ الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- فيما عصمهم الله منه، \"كلكم خطّاء وخير الخطّائين التوّابون\"؛ والإنسان تصدُر منه ذنوب كثيرة ومخالفات؛ فإذا أراد الله بعبده خيرًا عجّل له العقوبة على هذه المعاصي في الدنيا حتى يطهِّره، وحتى ينتقل إلى الدار الآخرة ليس عليه ذنوب فيدخل الجنة.\nوقوله ﷺ: \"وإذا أراد بعبده الشر أمسك عنه\" فلا تنزل به عقوبة، مع أنه يعصي ويزني ويخالف أوامر الله ﷾، ومع هذا يُنَعَّم ويُصَحّ في جسمه، ولا يمرض. وهذه علامة شر، من أجل أن تبقى عليه ذنوبه.\n\"حتى يوافي به يوم القيامة\" يعني: يرجع إلى الله في الدار الآخرة وذنوبه عليه لم يُحَطُّ عنه منها شيء، فيعذَّب بها يوم القيامة، فدلّ هذا على أن صحّة الإنسان الدائمة ليستْ علامة خير.\nودلّ هذا على أن الخير والشر كلُّه مقدَّرٌ من الله ﷾ وبقضاء الله وقدره، وهو قدّر الشر لحكمة وقدّر الخير لحكمة لا يقدِّر شيئًا إلاَّ لحكمة عظيمة، ابتلاءً وامتحانًا.","vol":"2","page":85},{"text":"وقال النبي ﷺ: \"إن عِظَم الجزاء من عظم البلاء، وإن الله تعالى إذا أحب قومًا ابتلاهم؛ فمن رضي فله الرضى، ومن سخط فله السخط\" حسّنه الترمذي.\nــ\nقال: \"وقال النبي ﷺ: \"إن عظم الجزاء\" إلخ.\nقوله: \"وقال النبي ﷺ\" هذا حديث آخر، والمؤلف ﵀ قرن بينهما لأن راويهما واحد وهو أنس، والذي خرّجهما واحد وهو الترمذي، فلذلك ساقهما المصنِّف سياقًا واحدًا.\n\"إن عِظَم الجزاء\" أي: عند الله ﷾.\n\"مع عِظَم البلاء\" وذلك أن المبتَلى إذا صبر ورضيَ بقضاء الله وقدره فإن الله يجزيه على ذلك الخير العاجل والآجل، فيجزيه الجزاء العظيم آجِلًا وعاجلا ًكما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، وهذا مع الصبر والاحتساب.\nوالمراد بالبلاء هنا: الابتلاء والامتحان، فيصاب الإنسان بالشدّة، ويصاب بالمرض ويصاب بضياع المال ويصاب بموت القريب. ومن النّاس من تتكاثر عليه المصائب وتتابع، وهذه علامة خير إذا كان مؤمنًا وصبر.\nوقوله: \"وإن الله تعالى ذا أحبَّ قومًا ابتلاهم\" هذه- أيضًا- حِكمة أخرى، وهِي: أن وجود الابتلاء والامتحان الذي يصيب المسلمين دليلٌ على محبة الله لهم، ولَمّا أحبهم ابتلاهم من أجل أن يخفِّف عنهم، ومن أجل أن ينتقلوا إليه وهم مخلِّصون من الذنوب.\nومفهوم الحديث: أن الله إذا لم يحب قومًا يُمسك عنهم الابتلاء، من أجل أن ينتقلوا إلى الآخرة بذنوبهم فيعاقَبون عليها.\n\"فمن رضي\" بقضاء الله وقدره \"فله الرضا\" من الله ﷾. وهذا دليل على أنّ الجزاء من جنس العمل.\n\"ومن سخِط\" على قضاء الله وقدره \"فله السخط\" من الله ﷾ جزاءً وفاقًا.\nفهذا فيه دليل على أن الجزاء من جنس العمل، ران من رضي بالقضاء والقدر، وصبر على المصائب؛ فإن الله يرضى عنه ويحبُّه، وأن من لم يرضَ بالقضاء والقدر فإن الله يبغضه.","vol":"2","page":86},{"text":"وهذه المصائب إنما هي ابتلاء وامتحان ليظهر الصابر من غير الصابر، وليترتّب الجزاء على ذلك من الله ﷾.\nفيُستفاد من هذه النصوص التي ساقها المصنِّف فوائد كثيرة:\nالفائدة الأولى: أن جميع المصائب بقضاء الله وقدره: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ﴾ .\nالثانية: أن الرضى بقضاء الله وقدره من الإيمان: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ﴾ يعني: يرضى ويصبر، سمى ذلك إيمانًا.\nالثالثة: أن الإيمان له خصال، منها: الرضى بقضاء الله وقدره، وكما قال ﷺ: \"الإيمان بِضْعٌ وسبعون شُعبة أعلاها: قولٌ لا إله إلاَّ الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شُعبةٌ من الإيمان\".\nالرابعة: أن الرضى بقضاء الله وقدره يسبِّب هداية القلوب: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ .\nالخامسة: يُستفاد من حديث أبي هريرة ﵁ أن الطعن في الأنساب والنياحة على الميّت من خصال الجاهلية.\nالسادسة: أنه ليس كلُّ من اتّصف بشيء من أمور الجاهلية يكون كافرًا الكفر الأكبر.\nالسابعة: أن الكفر أنواع؛ كفرٌ أكبر يُخرج من الملة، وكفرٌ أصغر لا يُخرِج من الملّة.\nالثامنة: يُستفاد من حديث ابن مسعود: أن شق الحبوب ولطم الخدود ودعوى الجاهلية أنها كبائر، لأن النبي ﷺ تبرأ ممّن فعلها.\nالتاسعة: فيه أنه يجب على المسلم الابتعاد عن خصال الجاهلية، وأنّ كل ما كان من أمور الجاهلية فهو مذموم.\nالعاشرة: في حديث أنس ﵁: وصفُ الله ﷾ بالرضى والسخط؛ وهما صفتان من صفاته ﷾ تليقان بجلاله، ليس كرضى المخلوق ولا كسخط المخلوق.\nالحادية عشرة: في حديث أنس الأول: أنّ من علامة إرادة الخير بالمؤمن: أن","vol":"2","page":87},{"text":"يُصاب في بدنه أو في ماله أو في قريبه، وأن من علامة إرادة الشر به: أن يُمسك عنه فلا يقع به مصيبة حتى يوافي بذنوبه؛ ومن هنا يؤخذ الرد على هؤلاء الذين يقولون: المسلمون لا يزالون متخلِّفين وفيهم تأخُّر، وفيهم..، وفيهم..، وفيهم المصائب. وأما الكفّار فإنهم عندهم تقدُّم وحضارة ورُقي وأسلحة، وإلى آخره. فهذا الحديث يبيِّن أنّه ليست السلامة من المصائب والسلامة من النَّكَبات دليلٌ على رضى الله ﷾، وإنما هذا من باب الاستدراج لهم: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾، وأما المسلمون فإنهم يصابون بهذه الأمور ليكفِّر الله بها عنهم، ومن أجل أن يحاسبوا أنفسهم ويرجعوا عن أخطائهم.","vol":"2","page":88},{"text":"[الباب السادس والثلاثون:]\n* بابُ ما جاء في الرياء\nــ\nقول الشيخ ﵀: \"باب ما جاء في الرياء\" أي: ما جاء فيه من الوعيد، وبيان أنه شرك يحبط العمل الذي خالطه.\nومناسبة هذا الباب لكتاب التّوحيد: أنّ فيه بيان نوعٍ من أنواع الشرك الأصغر، وذلك أن هذا الكتاب صنّفه الشيخ ﵀ في بيان التّوحيد وبيان ما يضادُّه من الشرك الأكبر أو ينقِّصه من الشرك الأصغر.\nولَمّا كان الشرك على نوعين: شركٌ ظاهر، وشرك خفي.\nفالشرك الظاهر هو: ما يكون في الأعمال الظاهرة كالذي يذبح لغير الله أو ينذر لغير الله أو يستغيث بغير الله إلى غير ذلك من أنواع الشرك الأكبر الذي يراه النّاس ويسمعونه.\nأما النوع الثاني وهو: الشرك الخفي، فهذا لا يراه النّاس ولا يعلمونه؛ لأنه في القلوب.\nفالشرك الأول يكون في الأعمال الظاهرة، وهذا في النيّات والمقاصد القلبية التي لا يعلمها إلاَّ الله ﷾. فلهذا عقد له الشيخ ﵀ هذا الباب.\nفكلُّ ما سبق من أنواع الشرك فهو من الشرك الظاهر، ولهذا يقول العلاّمة ابن القيم ﵀:\nوالشرك فاحذره فشرك ظاهر ... ذا القسم ليس بقابل الغفران\nوهو اتّخاذ النِّدِّ للرحمن أيًّا ... كان من حجر ومن إنسان\nيدعوه أو يرجوه ثمّ يخافه ... ويحبه كمحب الديّان\nفعبادة الأصنام، وعبادة الأضرحة، وعبادة الأشجار والأحجار، كل هذا شرك ظاهر.\nأما الرياء فإنه شرك خفي لأنه في المقاصد والنيّات التي لا يعلمها إلاَّ الله ﷾.\nوالرياء مأخوذٌ من: الرؤية، وذلك بأن يزيِّن العمل ويُحَسِّنه من أجل أن يراه النّاس ويمدحوه ويُثنوا عليه، أو لغير ذلك من المقاصد، فهذا يسمّى رياءً، لأنه يقصد رؤية النّاس له.","vol":"2","page":89},{"text":"والفرق بين الرياء والسمعة: أن الرياء فيما يُرى من الأعمال التي ظاهرها لله وباطنها لغيره كالصلاة والصدقة. أما السمعة فهي لِمَا يُسْمَع من الأقوال التي ظاهرها لله والقصد منها لغير الله كالقراءة والذكر والوعظ وغير ذلك من الأقوال، وقصد المتكلِّم أن يسمع النّاس كلامه فيثنوا عليه، ويقولوا هو جيِّد في الكلام، جيِّد في المحاورة، جيِّد في الخُطْبة، إنه حسن الصوت في القرآن، إذا كان يحسِّن صوته بالقرآن، لأجل ذلك فإذا كان يُلقي المحاضرات والندوات والدروس من أجل أن يمدحه النّاس فهذا سُمعة.\nوالرياء على قسمين:\nالقسم الأول: شركٌ أكبر وهو: إذا كان قصد الإنسان بجميع أعماله مراءاة النّاس، ولا يقصد وجه الله أبدًا، وإنما يقصد العيش مع المسلمين، وحقن دمه، وحفظ ماله، فهذا رياء المنافقين، وهو شركٌ أكبر، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢)﴾، وهذا لا يصدر من مؤمن.\nالقسم الثاني: قد يصدر من مؤمن، ويكون في بعض الأعمال، وهو: أن يكون العمل فيه قصدٌ لله وفيه قصدٌ لغير الله.\nوهذا هو الشرك الأصغر.\nوهذا النوع من الرياء له ثلاثة حالات:\nالحالة الأولى: إن كان مقصودًا في العمل من أوله واستمرّ معه إلى آخره فإنّ هذا عملٌ مردود، لا يقبله الله ﷾. فمن صلّى لله وهو يحب أن يُمدح وأن يُثنى عليه، واستمرّ معه الرياء إلى آخر صلاته؛ فهذا لا تُقبل منه صلاته، بدليل الحديث الآتي.\nالحالة الثانية: أن يكون أصل العمل لله ثمّ يطرأ عليه الرياء. فهذا إن تاب منه صاحبه في الحال ودفعه، وأخلص العمل لله؛ فإنه لا يضر صاحبه قولًا واحدًا، لأن أصل العمل لله وطرأ الرياء، ثمّ دفعه وأخلص العمل لله وعاد إلى الإخلاص، فهذا لا يضرُّه.","vol":"2","page":90},{"text":"وقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ الآية.\nــ\nالحالة الثالثة: أن يطرأ في أثناء العمل ويستمر معه. فهذا موضع خلاف بين أهل العلم؛ منهم من قال: إنه يحبط العمل كالنوع الأول، ومنهم من قال: إنه يثاب على قدر نيّته لله في هذا العمل. ذكر هذا التفصيل الحافظ ابن رجب في شرح الأربعين.\nقال: \"وقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ \" وتمام الآية: \" ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ \" هذه الآية ختام سورة الكهف.\n﴿قُلْ﴾ أمر الله نبيه ﷺ أن يقول للناس: ﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ﴾، فالرسول ﷺ بشر، وكلُّ الرسل من البشر.\nفالرسل قسمان: رسلٌ من الملائكة ورسلٌ من البشر، كما قال تعالى: ﴿اللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ .\nفالرسل من الملائكة يكونون واسطة بين الله وبين الرسل من البشر، لأن البشر لا يطيقون مقابَلة الملك ورؤيته على صورته الملَكية، وإنما يطيقون رؤية البشر الذي هو مثلهم، ولذلك يبعث الله الرسل من البشر إلى البشر، لأن هذا مقتضى رحمته بعباده، من أجل أن يفقهوا عنهم، ويتعلّموا منهم ويألفوهم، ولو كانوا من الملائكة ما استطاعوا أن يروهم، لأن صورة الملَك مخالِفة لصورة البشر.\nوقوله: ﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ﴾ يعني: ليس لي من الربوبية شيء ولا من العبادة شيء.\n﴿أَنَا بَشَرٌ﴾ عبدٌ من عباد الله.\nفهذا فيه: ردٌّ على الذين يغلون في حق الرسول ﷺ، ويدعونه من دون الله، ويستغيثون به من دون الله، أو يقولون: إنه مخلوقٌ من نور، أو من كذا وكذا، ولم يُخلق ممّا خُلق منه بنو آدم وأنه مخلوق قبل آدم.\nوهذا -والعياذ بالله- من أعظم أنواع الغلو والكفر بالله ﷿.\nثمّ قال: ﴿مِثْلُكُمْ﴾ يعني: مثلكم في أمور البشريّة، فهو بشر يجوع، ويمرض، ويتعب في السفر مثل البشر وتجري عليه العوارض البشرية كما تجري على البشر، فيُصيبه ﷺ الهم، ويصيبه الحَزَن، ويصيبه ما يصيب البشر: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ","vol":"2","page":91},{"text":"لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾، ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾، ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ﴾، فهو يهْتَمُّ ويحزن لما يرى من مخالفة النّاس لعبادة الله ﷾، لأنه يريد للناس الخير، ويريد لهم النجاة، فيُحزنه إذا رآهم على سبيل الهلاك لكمال شفقته ﷺ.\nوإنما امتاز﵊- عن البشر بالرسالة والفضيلة وكمال العبودية لله، فهو أكمل الخلق عبودية لله، وأخشاهم لله، وأتقاهم له.\n﴿يُوحَى إِلَيَّ﴾ من الله ﷾ بواسطة جبريل ﵇ كغيري من الرسل. فكل ما جاء به من الشرع وحي من الله.\n﴿أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ يعني: معبودكم بحق. فالإله معناه: المعبود.\nوالمعبود بحق هو الله وحده. وما سواه فهو معبود بالباطل كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ .\nفهذا فيه: أن زبْدة رسالة الرسول وأصل دين الرسول والذي جاء به وبدأ به هو: التّوحيد والإنذار عن الشرك، وكلُّ الرسل كذلك أول ما يبدؤون بالدعوة إلى التّوحيد وإنكار الشرك.\nوهذا فيه ردٌّ على الذين يقولون في هذا الزمان: إن الرسل جاءوا لتحقيق الحاكمية في الأرض.\nوهذا كلام محدَث باطل، فالرسل جاءوا لتحقيق العبودية بجميع أنواعها لله ﷿.\nكما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾، هذا هو الذي جاءتْ به الرسل، ويدخل فيه بقية أوامر الدين ومنها الحاكمية، أما أن تُجعل هي الأصل فهذا باطل، وهذا معناه: إهمال التّوحيد وعدم الاهتمام بأمر الشرك وعدم الالتفات إليه، وأن الرسل جاءوا لطلب الحكمة والرئاسة.\n﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا﴾ معناه: يخشى ويخاف، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:\n﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ أي: يؤمِّل رؤية الله يوم القيامة، لأن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة، ويتنعّمون برؤيته ﷺ أعظم مما يتنعّمون بنعيم الجنة\".","vol":"2","page":92},{"text":"﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ لأنه لا يمكن أن تحصُل هذه الرؤية إلاَّ لمن عمل عملًا صالحًا.\nوالعمل لا يكون صالحًا إلاَّ إذا توفّر فيه شرطان:\nالشرط الأول: الإخلاص لله ﷿ من الرياء والسمعة، ومن جميع أنواع الشرك الأكبر والأصغر.\nوالشرط الثاني: أن يكون موافقًا لسنة رسول الله ﷺ، خاليًا من البدع والمحدَثات والخُرافات.\nأما إنِ اختلّ شرطٌ من هذين الشرطين فليس عملًا صالحًا، وإنما هو عملٌ باطل.\nفإن اختلّ الشرط الأول، صار العمل حابطًا لما دخله من الشرك.\nوإنِ اختلّ الشرط الثاني صار بدعًا ومحدَثات ومخالَفات فهو مردود باطل، لقوله ﷺ: \"من عمِل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد\"، وفي رواية: \"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد\".\nفلا يكون العمل صالحًا إلاَّ إذا توفّر فيه هذان الشرطان كما قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ . قال الفُضيل بن عياض ﵀: \"أخلصه وأصوبه\"، قالوا: يا أبا علي وما أخلصه وأصوبه؟، قال: \"أخلصه: أن يكون خالصًا لوجه الله، وأصوبه: أن يكون صوابًا على سنة رسول الله، فإن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يُقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يُقبل، وإنما يُقبل إذا كان خالصًا صوابًا\".\n﴿وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ ومن ذلك: أن يرائي بعمله، أو يسمِّع بعمله، فإنه إذا راءى بعمله، أو سمّع به، أبطله اله وردّه عليه.\nوقوله: ﴿أَحَدًا﴾ نكرة في سياق النهي، تعمُّ كلَّ أحد، فالله لا يقبل أن يُشرك معه أحد لا من الملائكة، ولا من الرسل، ولا من الأولياء والصالحين، ولا من الأحجار والأشجار، ولا من الجن، ولا من الإنس.\nفهذا فيه ردٌ على الذين يقولون: إنما الشرك عبادة الأصنام فقط، أما أن نتقرَّب","vol":"2","page":93},{"text":"وعن أبي هريرة مرفوعًا: \"قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري؛ تركته وشركه\" رواه مسلم.\nــ\nإلى الله ونتوسّل إلى الله بأولياء وعبادٍ صالحين، فهذا ليس مثل عبادة الأصنام.\nوهذا باطل، لأن الله يقول: ﴿وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾، وهو عام يشمل كلُّ من عبد مع الله، سواءً كان من الجن، أو من الإنس، أو من الملائكة، أو من الأنبياء والرسل، أو من الصالحين والأولياء، أو أيًّا كان، فالله لا يقبل أن يُشرك معه في عبادته أحد كائنًا من كان، ولا تفريق في ذلك بين الأصنام وبين الأولياء والصالحين والأضرحة كله داخل في قوله تعالى: ﴿وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ .\nقال: \"عن أبي هريرة مرفوعًا. قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملًا أشرك فيه غيري تركته وشركه\" رواه مسلم.\nقوله: \"قال الله تعالى\" هذا حديث قدسي، والحديث القدسي: ما يرويه النبي ﷺ عن ربّه ﷿، والقدسي: نسبة إلى القدْس، وهو التطهير والتنزيه، لأن الله مقدَّسٌ ومنزّهٌ عن صفات النقص.\nوالحديث القدسي: ما كان من كلام الله ﷿ لفظه ومعناه ورواه عنه رسوله ﷺ. فالفرق بينه وبين الحديث النبوي:\nأن الحديث القدسي: ما كان لفظه ومعناه مرويًّا عن الله ﷾.\nوأما الحديث النبوي فهو: ما كان معناه من الله ولكن لفظه من الرسول ﷺ.\nقال الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ .\nفقوله: \"قال الله تعالى\" هذا فيه إثبات أن الله يتكلّم كما يليق بجلاله ﷾.\n\"أنا أغنى الشركاء عن الشرك\" الله ﷾ غنيٌّ عن عبادة خلقه، وإنما أمرهم بعبادته لمصلحتهم هم، لأنهم محتاجون إلى الله ﷿ ولا يقربهم من الله إلاَّ العبادة، فعبادتهم لله من أجل مصلحتهم، من أجل أن يغفر الله لهم، وأن يرزقهم، وأن يُدخلهم الجنة، فالمصلحة من عبادتهم عائدةٌ إليهم، أما الله ﷾ فإنه لا تنفعه طاعة الطائعين ولا تضرُّه معصية العاصين، وإنما هو النافع الضار، ولهذا يقول ﷾: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾، ويقول ﷾","vol":"2","page":94},{"text":"وعن أبي سعيد مرفوعًا: \"ألا أخبركم بما هو أخوف عندي من المسيح الدجال؟ \" قالوا: بلى. قال: \"الشرك الخفي، يقوم الرجل فيزين صلاته لِما يرى من نظر رجل إليه\" رواه أحمد.\nــ\nحكاية عن موسى﵊-: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (٨)﴾ .\nوفي الحديث القدسي الذي رواه أبو ذر ﵁: أن الله ﷾ يقول: \"يا عبادي، لو أنّ أوّلكم وآخِركم وإنْسكم وجنّكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، ولو كان أولكم وآخركم وجنكم وإنسكم كانوا على أفجر قلب رجل منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئًا\".\nإذًا، فعبادة النّاس لله يرجع ثوابها ويرجع خيرها إليهم، أما الله جل وعلا فهو غنيٌّ عنها، ومن باب أولى: من عمل عملًا أشرك مع الله فيه فإنه ﷾ غنيٌّ لا يقبل ما فيه شرك، وإنما يتقبّل الخالص لمصلحة العباد.\nوهذا يدخل فيه الرياء، فمن عمل عملًا ودخله الرياء والقصد لغير الله ﷾ فإن الله يردُّه عليه ولا يقبله منه.\nوهذا وجه الشاهد من الحديث للباب.\nوفي قوله: \"تركته وشركه\" دليل على أن الشرك يُحْبِط العمل سواءً كان أكبر أو أصغر.\nوالشاهد منه للباب: أن الرياء نوعٌ من الشرك يرد العمل الذي خالطه على صاحبه، ولا يقبله الله.\nقال: وعن أبي سعيد مرفوعًا: \"ألا أخبركم بما هو أخوف عندي من المسيح الدجال قالوا: بلى. قال الشرك الخفي. يقوم الرجل فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل إليه\".\nقوله: \"وعن أبي سعيد\" أبو سعيد هو أبو سعيد الخدري، مالك بن سِنان الخُدْري الصحابي الجليل المشهور، رضي الله تعالى عنه.\n\"مرفوعًا\" المرفوع: ما كان من كلام النبي ﷺ.\nقوله ﷺ: \"إلاَّ أخبركم بما هو أخوفُ عليكم عندي من المسيح الدّجال؟ \" هذا الحديث له سبب وهو: أنّ النبي ﷺ خرج إلى أصحابه وهم يتحدّثون عن الدجال","vol":"2","page":95},{"text":"وعن فتنته، وكانوا خائفين منه، فقال: \"ألا أنبِّئكم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ \" الحديث.\nفأجابوا و\"قالوا: بلى\" وهذا فيه: مشروعية التعليم عن طريق السؤال والجواب، لأنه يكون أوقع في الذهن، فإذا أراد أن يعلِّم أصحابه شيئًا مهمًّا ألقاه على طريقة السؤال حتى يتطلّعوا إلى الجواب ثمّ يُلقي عليهم الجواب.\n\"قال: \"الشرك الخفي، يقوم الرجل فيصلي فيُزَيِّن صلاته لِمَا يرى من نظر رجل إليه\" هذا فيه: أن الرياء شركٌ خفي، ووجهُ كونه خفيًاّ: أنه في النيّات والمقاصد وأعمال القلوب، وهذه لا يعلمها إلاَّ الله ﷾، لا أحد يعلم النيّات ويعلم المقاصد إلاَّ الله ﷾.\nوفي الحديث دليلٌ على خطورته، لأن النبي ﷺ خافه على أفضل هذه الأمة وهم الصحابة، فكيف بغيرهم، وأنه ﷺ يخافه عليهم أشد مما يخاف عليهم من فتنة المسيح الدّجال، لأنه قَلّ من يسلم منه.\nأما المسيح الدجال مع عِظَم فتنته -وقانا الله وإيّاكم من فتنته- فإنما ضرره على الذين يعاصِرونه ويخرج وهم أحياء، أما الرياء فهذا خطره على الجميع في كل عصر، في كل وقت.\nوالمسيح الدجّال هو: مسيح الضّلالة الذي يخرُج في آخر الزمان، وخروجه من علامات الساعة، وسُمي بالمسيح لأنه ممسوح العين، أعور، وقيل: سمّي بالمسيح لسُرعة سيره في الأرض، يعني: يمسح الأرض بسرعة، وهو: مسيح الضلالة، الأعور الدجّال، وما من نبي إلاَّ حذّر أمته من الدجّال، وكان تحذير نبيّنا ﷺ أكثر وأشد من تحذير من سبقه، لأنه أقرب إلى عهده ممن سبقه، فهو يخرج في آخر الزمان، ويتبعه اليهود، ثمّ ينزل المسيح عيسى ابن مريم -﵊- مسيح الهداية فيقتل هذا الدّجال بباب لُدٍّ- في فلسطين، وعند ذلك يكفي الله المسلمين شرّه، وعند ذلك ينتصر المسلمون على اليهود، ويظهر حكم الإسلام في الأرض، ويظهر الحق، لكن بعد المحنة وبعد الشدّة.\nوالنبي ﷺ شرع لنا أن نستعيذ منه في كل تشهُّد أخير في الصلاة، فقال:","vol":"2","page":96},{"text":"\"استعيذوا بالله من أربع: من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال\".\nفهذه النصوص- الآية والحديثان- يدلان على مسائل عظيمة:\nالمسألة الأولى: الآية تدلّ على أن الرسول ﷺ بشر، ليس له من الربوبية والألوهية شيء، ففيه: الرد على الذين يغلون في حق النبي ﷺ، ويعتقدون فيه شيئًا من صفات الربوبية، ويتعلّقون به ﷺ من دون الله بالدعاء والاستغاثة وطلب الحاجات، وتفريج الكربات، وهذا شركٌ أكبر.\nالمسألة الثانية: يُستفاد من الآية مسألة عظيمة وهي: أن الرسول ﷺ بُعث بالدعوة إلى التّوحيد والنهي عن الشرك بالله ﷿، كمُهِمّة غيره من الأنبياء والمرسلين. وهذه هي المهمّة العظمى، وهي قضية القضايا.\nالمسألة الثالثة: تدُلُّ الآية الكريمة على وجُوب الإخلاص في العمل لله، وهذا محل الشاهد منها للباب.\nالمسألة الرابعة: في حديث أبي هريرة ﵁ أن الله ﷾ غنيٌّ عن عبادة الخلق، ولو أشرك النّاس كلهم، أو كفروا كلهم، لم ينقُص ذلك من ملكه شيئًا.\nالمسألة الخامسة: في حديث أبي هريرة: التحذير من الشرك في العمل، وأنه سببٌ لِرَدِّه وعدم قَبوله سواء كان شركًا أكبر أو شركًا أصغر، ومنه الرياء.\nالمسألة السادسة: فيه إثبات أن الله جل وعلا يتكلّم كما يشاء ﷾، والكلام ثابتٌ له سبحانه، صفةٌ فعليّة كسائر صفاته الفعلية تليق بجلاله، ليس مثل كلام المخلوقين، بل هو كلامٌ يليق بجلاله ﷾.\nالمسألة السابعة: في حديث أبي سعيد ﵁: التحذير من الرياء، وبيان تفسيره، فإن النبي ﷺ فسّره في قوله: \"يقوم الرجل فيصلي فيُزَيِّن صلاته لِمَا يرى من نظر رجل إليه\".\nالمسألة الثامنة: في حديث أبي سعيد: أن الشرك ينقسم إلى شرك ظاهر وشرك خفي، حيث قال ﷺ: \"الشرك الخفي\" فهذا دليل على أنّ هناك شركًا ظاهرًا، وهو الشرك في الأعمال الظاهرة كالركوع والسجود والدعاء والذبح والنذر. فإذا صرفت هذه العبادات لغير الله صار شركًا ظاهرًا.","vol":"2","page":97},{"text":"أما الرياء فإنه شركٌ خفي يكون في القلوب والمقاصِد، ولهذا جاء في الحديث: \"الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النملة السوداء على صَفاةٍ سوداء في ظُلمة الليل\"، وكفّارته أن يقول: \"اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئًا وأنا أعلم، وأستغفرك من الذنب الذي لا أعلم\".\nوكان الصحابة يخافون من هذا الشرك.\nوهكذا كلما قويَ إيمان العبد قويَ خوفه من الرياء، وخوفه من جميع الشرك،","vol":"2","page":98},{"text":"[الباب السابع والثلاثون:]\n* باب من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا\nوقول الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾ الآية.\nــ\nقوله ﵀: \"بابٌ\" هذا- كما سبق وتكرّر- أنه خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هذا بابٌ.\n\"من الشرك\" أي: من أنواع الشرك، والمراد: الشرك الأصغر.\n\"إرادة الإنسان بعمله الدنيا\" ومعناه: أن يعمل العمل الذي شرع للآخرة وهو لا يريد به إلاَّ طمع الدنيا، كأن يجاهد من أجل المغنم، أو يتعلم من أجل الرئاسة والوظيفة، أو يحج أو يعتمر من أجل أخذ المال، وهكذا.\nوالفرق بين هذا الباب والذي قبله: أن الباب الذي قبله في الرياء وهذا في إرادة الإنسان بعمله الدنيا، وهما يجتمعان في العمل لغير وجه الله، وفي أنهما شرك خفي، لأن الإرادة والقصد من أعمال القلوب، فهما يجتمعان في هذا، لكن يفترقان في أن الرياء يراد به الجاه والشهرة، وأما طلب الدنيا فيراد به الطمع والعرض العاجل، قالوا: والذي يعمل من أجل الطمع والعرض العاجل أعقل من الذي يعمل للرياء، لأن الذي يعمل للرياء لا يحصل له شيء، وأما الذي يعمل من أجل الدنيا فقد يحصل له طمع في الدنيا ومنفعة في الدنيا، ولكن كلاهما خاسر عند الله ﷾، حيث أن كلًا منهما أشرك في نيته وقصده، فهما يجتمعان من وجه ويفترقان من وجه.\nقوله: \"وقول الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ أي: من كان يقصد بعمل الآخرة عرض الدنيا.\n\" ﴿وَزِينَتَهَا﴾ \" زينة الدنيا وهي المال والولد، كما قال تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ .\n﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾ هذا جواب الشرط، أي: نعطه من الدّنيا ما أراد وما","vol":"2","page":99},{"text":"وفي الصحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"تَعِسَ عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة؛ إنْ أُعطيَ رضي، وإن لم يُعْط سخِط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتَقش.\nــ\nقصد إذا شئنا ذلك، استدراجًا له، ومعاملةً له بما قصد، كما في قوله تعالى: ﴿عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ .\n﴿وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ﴾: لا يُنقصون.\n﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ﴾ بيان لعاقبتهم، حيث ذكر أنهم يُعطون في الدنيا ما أرادوا وما طلبوا، وأما في الآخرة فإنهم يُحْرَمون من الثواب، لأنهم لم يريدوا الآخرة، والآخرة إنما تحصُل لمن أرادها: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩)﴾ .\n﴿وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا﴾ أي: في الآخرة ما صنعوه في الدنيا.\n﴿وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ البُطلان يكون في الدنيا، والحُبوط يكون في الآخرة، في الدنيا أعمالهم باطلة لأنها بدون قصدٍ خالصٍ لوجه الله، فإذا جاءت الآخرة حبطتْ أعمالهم. والحَبَط في اللغة: انتفاخ الشيء، ومنه: انتفاخ البعير، إذا أكل من أول الربيع فإنه ينتفخ ويموت.\nقال: \"وفي الصحيح\" أي: في \"صحيح البخاري\" في باب الجهاد.\n\"عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"تَعِس\" يعني: هلك، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ﴾ يعني: هلاكًا، فالتعس: الهلاك.\n\"عبد الدينار، تعس عبد الدرهم\" الدينار هو: النَّقْد المضروب من الذهب، والدرهم هو: النقد المضروب من الفضة.\n\"عبد الخميصة\" الخميصة: كساءُ يُلبس، لونه أسود وفيه خطوط حُمُر.\n\"عبد الخميلة\" الخميلة: القطيفة، سُمِّيت خميلة لأنها ذات خُمُل يعني: ذات أهداب، سمّاهم عبيدًا لهذه الأشياء لأنهم يعملون لها، فصاروا عبيدًا لها، أما الذي يعمل من أجل وجه الله فهو عبدٌ لله ﷾.","vol":"2","page":100},{"text":"ثم ذكر علامتهم، فقال: \"إنْ أُعطيَ رضي، وإن لم يُعط سخط\" هذه علامة الذي يعمل من أجل الدنيا، أنه إنْ أُعطيَ منها رضي وإن لم يعط منها لم يرض، كما قال الله ﷾ في المنافقين: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (٥٨)﴾ .\nأما المؤمن فإنه إنْ أُعطي شكر، وإن لم يعطَ فإنه يصبر ولا يسخط، لأنه يعمل لله لا يعمل من أجل الدنيا، وبعضهم يحب أن يُعطى من الدنيا شيئًا، فقد كان بعض الصّحابة لا يرضى أن يُعطى من الدنيا شيئًا، ولا يطلب شيئًا، لأنه يريد الدار الآخرة، من باب حفظ أعمالهم ورجاء ثوابها في الدار الآخرة، فلا يحبون أن يتعجّلوا من حسناتهم شيئًا، ولكن من أُعطي من غير تشوُّف، ومن غير طمع، ومن غير طلب، فإنه يأخذ، كما في الحديث: \"ما جاءك من هذا المال وأنت غير مستشرِفٍ له فخذه، وما لا فلا تُتْبِعْهُ نفسك\".\nفالمؤمن سِيَّان عنده؛ يعطى من الدنيا أو لا يعطى، ولا ينقص ذلك من عمله لله شيئًا، لأنه يحب الله ورسوله، ولهذا كان النبي ﷺ يعطي بعض النّاس وهو يبغضهم من أجل تأليفهم، والخوف عليهم من النفاق والرِّدة، ويمنع ناسًا هم أحب النّاس إليه ويَكِلُهم إلى إيمانهم، لأنه واثقٌ من إيمانهم وعقيدتهم، وأنهم لا يتأثّرون إذا لم يُعطوا، وهذه علامة المؤمن: أنه باقٍ على إيمانه ويقينه أعطيَ من الدنيا أو لم يعط، أما صاحب الدنيا فهذا إنْ أُعطي منها رضي وإن لم يعط منها سخط، فهو يرضى لها ويغضب لها.\nوهذا هو الشاهد من الحديث: أنه سمّاه عبدًا لهذه الأشياء مع أنه مسلم مؤمن، ولكن لَمّا كان يعمل ويريد هذه الأشياء صار عبدًا لها، وهذه عبودية شرك، لكنه شركٌ أصغر لا يُخرِجه من الإيمان، ولكنه ينقِّص توحيده وينقِّص إيمانه.\nثم أعاد الدعاء عليه مرّة ثانية فقال: \"تعس وانْتَكَس\" يعني: كلما تماثل للشفاء عاد إليه المرض وعاد عليه الهلاك.\n\"وإذا شيك فلا انتَقش\" أي: أنه يصاب بالعجز حتى إذا ضربته الشوكة في رجله أو في يده لا يستطيع أخذها من العجز الذي أصابه، عقوبةً له في أنه إنما يعمل من أجل الدنيا.","vol":"2","page":101},{"text":"طوبى لعبدٍ آخذٍ بعِنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه، مغبرّة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إنِ استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفَّع\".\nــ\nثم بيّن الفرق بين الذي يعمل للآخرة والذي يعمل للدنيا فقال ﷺ: \"طوبى\" قيل: إنها شجرة في الجنة ظلها مسيرة مائة عام منها ثياب أهل الجنة، وقيل: إنها الجنة نفسها، فالجنة يقال لها طوبى، فطوبى من أسماء الجنة أو شجرة فيها.\nوهذا دعاء من الرسول ﷺ لهذا الشخص بأن يكون من أهل الجنة.\n\"لعبد آخذٍ بعِنان فرسه\" العِنان: اللِّجام.\n\"في سبيل لله\" يعني: للجهاد في سبيل الله، دائمًا مُعِدٌّ نفسه ومُعِدٌّ فرسه للجهاد في سبيل الله، يترقّب الغزوات والسرايا، ويحب الجهاد في سبيل الله، ولا يحب الراحة والرفاهية، وإنما يحب الجهاد في سبيل الله، فهذا على أجر وإن لم يجاهد، لأن له ما نوى، ما دام أنه حبس نفسه وفرسه وأعدّ نفسه، فإنه في سبيل الله وإن لم يجاهد، لقوله ﷺ: \"إنما الأعمال بالنيّات\".\n\"أشعث رأسه، مغبرة قدماه\" هذه الصفة الأولى لهذا العبد المجاهد لم يتفرغ للرفاهية ويعتني بنفسه عليه آثار الجهاد في سبيل الله من الشعث والغبار.\n\"إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة\" هذه صفة ثانية، أي: أنه لا يبالي بنوع العمل الذي يشتغل فيه، بل يطيع وليّ الأمر وقائد الجيش، سواءٌ أمره أن يكون في الحراسة أو أمره أن يكون في الساقة- يعني: في آخر الجيش-، لا يقول: أكون مع أول النّاس، بل يمتثل الأوامر، ويطيع وليّ أمر المسلمين في الجهاد، ولا ينظر إلى مكانه هل هو مكان مشقة أو مكان راحة، هل هو مكان بروز، أو مكان خُمول، لأنه يجاهد لأجل الله ﷾.\n\"والحراسة\": حماية الجيش من أن يهجم عليهم العدو، سواء بالليل أو في النهار يتطلّع إلى العدو، ويكون حارسًا للجيش أن يُهجم عليه من الجهة المَخُوفة. \"\n\"والساقة\" آخر الجيش من أجل أن يتفقّد العاجز ويتفقّد من يحتاج إلى إعانة من المجاهدين، لأنه لا يريد لنفسه العز في الدنيا والظهور والبُروز أمام النّاس، ولا يريد لها الراحة والرفاهية، وإنما يريد الجهاد في سبيل الله على أيِّ سبيلٍ كان،","vol":"2","page":102},{"text":"لا يهمُّه في أيِّ موقع وقع ما دام أنّ هذا في الجهاد في سبيل الله وفي صالح المسلمين وفي طاعة وليّ الأمر.\nوقوله: \"إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع\" أي: هو- أيضًا- غير معروف عند النّاس، لأنه لا يحب الظهور أمام النّاس، ولا يحب البُروز، لا يحب المدح، بل يحرص على الاختفاء، لأنه يعمل لله، ولكونه غير معروف إنِ استأذن للدخول على وُلاة الأمور، أو على السلاطين، أو على أصحاب الجاه، لم يُؤذن له، لأنه غير معروف، والنّاس إنما يأذنون للإنسان المعروف الذي له جاه وله مكانة. وهذا لا يضره عند الله سبحانه لأنه معروف عند الله ﷿ لأن الله يعلمه وبعلم مكانه.\n\"وإن شفع لم يشفع\" إن توسط في قضاء حاجة أحد لم تقبل وساطته، وفي الحديث: \"رب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبرّه \"، فهو إنسان ما له هيئة عند النّاس، منظره ليس منظر صاحب هيئة، ومخبره أيضًا غير معروف عند النّاس، لكنه عند الله عزيز لأنه يعمل فيما بينه وبين الله بإخلاص، فلو أقسم على الله - يعني: لو حلف على الله- أن يُعطيه كذا وكذا لأبرّه- يعني: لأعطاه ما طلب مع أنه مدفوع بالأبواب عند النّاس.\nهذه صفات هذا المؤمن، وهي باختصار:\nأولًا: أنه مُعِدٌّ نفسه للجهاد، والجهاد دائمًا يرغب فيه.\nثانيًا: أنه لا يتفرغ لإصلاح هيئته من إصلاح شعره ودهنه وتجميل هيئته لأنه مشغول بالجهاد.\nوثالثًا: أنه لا يبالي بالعمل الذي يتولاّه في الجهاد سواءً كان شاقًّا أو غير شاق، سواءً كان بارزًا أو غير بارز، لأنه يعمل لله، ولا يعمل من أجل الظهور، ومن أجل مراءاة النّاس.\nرابعًا: أنه غير معروف عند النّاس وعند أصحاب الجاه، إنِ استأذن لم يُؤذن له في الدخول، وإن شفع لم يشفَّع، أي: إن توسَّط لأحد لم تُقبل وساطته، لأنه غير معروف.","vol":"2","page":103},{"text":"فهذا فيه: فضل عدمُ الظهور، وفضل الاختفاء بالأعمال الصالحة.\nوقد ذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب في بعض أجوبته لَمّا سُئل عن هذه الآية: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾، أنها تشمل أنواعًا:\nالنوع الأول: المشرك والكافر الذي يعمل أعمالًا صالحة في هذه الدنيا من إطعام الطعام وإكرام الجار وبرِّ الوالدين والصدقات والتبرُّعات ووجوه الإحسان، ولا يُؤْجَر عليها في الآخرة لأنها لم تُبْنَ على التوحيد، فهو داخلٌ في قوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ (١٥)﴾، فالكافر إذا عمل حسنات فإنه قد يجازى بها في الدنيا، وأما الآخرة فليس له جزاء عليها عند الله لأنها لم تُبْنَ على التوحيد والإخلاص لله ﷿.\nالنوع الثاني: المؤمن الذي يعمل أعمالًا من أعمال الآخرة، لكنه لا يريد بها وجه الله، وإنما يريد بها طمع الدنيا، كالذي يحج ويعتمر، عن غيره، يريد أخذ العِوَض والمال، وكالذي يتعلّم ويطلب العلم الشرعي من أجل أن يحصل على وظيفة. فهذا عمله باطلٌ في الدنيا، وحابطٌ في الآخرة، وهو شركٌ أصغر.\nالنوع الثالث: مؤمن عمل العمل الصالح مخلصًا لله ﷿ لا يريد به مالًا أو متاعًا من متاع الدنيا ولا وظيفة، لكن يريد أن يجازيه الله به، بأن يشفيه الله من المرض، ويدفع عنه العين، ويدفع عنه الأعداء. فإذا كان هذا قصده فهذا قصد سيِّء، ويكون عمله هذا داخلًا في قوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ (١٥)﴾ . والمفروض في المسلم: أن يرجو ثواب الآخرة، يرجو أعلى ممّا في الدنيا، وتكون همّته عالية. وإذا أراد الآخرة أعانه الله على أمور الدنيا، ويسّرها له: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ .\nالنوع الرابع: من يعمل أعمالًا صالحة ثم يفسدها بالشرك، كأن يدعو غير الله من الموتى وأصحاب الأضرحة، كما عليه كثير من المنتسبين للإسلام اليوم.\nفيُستفاد من هاتين الآيتين ومن هذا الحديث الشريف فوائد عظيمة:\nالفائدة الأولى: التحذير من إرادة الإنسان بعمله الدنيا، وأنّ ذلك من الشرك","vol":"2","page":104},{"text":"في النيّات، وهو: الشرك الخفي، وهذا هو الذي عقد الشيخ ﵀ هذا الباب من أجله.\nالفائدة الثانية: يؤخذ من الآيتين: أن إعطاء الله الدنيا لبعض الناس ليس دليلًا على ﵃، ولهذا قال: ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ﴾ ثم قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ﴾، فهذا دليل على أن هذا العطاء عن غير رضى، وأنّ منع الدنيا عن العبد المؤمن ليس دليلًا على عدم ﵁، فالدنيا ليست مقياسًا لرضى الله وغضبه وجودًا وعدمًا.\nالفائدة الثالثة: يؤخذ من الآيتين الكريمتين: أن العبرة ليستْ في صورة العمل، وإنما العبرة في نية العامل، فإنْ كانت نيّة العامل خالصة لله ﷿ فهذا العمل عملٌ صالح، وإن كانت نية العامل غير خالصة لوجه الله ﷿ فهذا عملٌ فاسد وإن كانت صورته صورة عمل صالح، فلا تنظر إلى كثرة الإنفاق والتبرُّعات والمشاريع، فربما يكون من يتصدّق بشيء قليل مع نيّة صالحة ينال به أجرًا عظيمًا، كما قال ﷺ: \"اتقوا النار ولو بِشِقِّ تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيِّبة\"، فالعمل القليل مع الإخلاص يكون كثيرًا، وربما يكون العمل كثيرًا لكن فائدته قليلة أو ليس فيه فائدة أصلًا نظرًا لنيّة عامله، ولهذا يقول ﷺ: \"إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم\"، فمحل نظر الله ﷾ إلى القلوب والأعمال؛ أعمال القلوب من المقاصد والنيّات، وأعمال الجوارح أيضًا، فالعبرة ليست بصورة العمل وإنما هي بنية العامل.\nالفائدة الرابعة: في الحديث دليل على الفرق بين العبد الذي يعمل لوجه الله والعبد الذي يعمل لأجل الدنيا، لأنه ذكر عبدين: واحدًا يعمل لأجل الدنيا وواحدًا يعمل لأجل الآخرة، فالذي يعمل لأجل الدنيا إن أُعطي رضي، وإن لم يُعْطَ لم يرضَ، هذه علامته، بخلاف المؤمن فإنه لا يؤثِّر عليه العطاء وعدم العطاء للإيمان الذي في قلبه، فالحديث فيه: الفرق بين من يعمل من أجل الله ومن يعمل لأجل الدنيا.\nالفائدة الخامسة: أن النبي ﷺ سمّى العبد الذي يعمل من أجل مطامع الدنيا","vol":"2","page":105},{"text":"عبدًا لها، وهذا يقتضي الشرك، ولكنه في حق المؤمن يكون شركًا أصغر ينقِّص توحيده ويبطل أعماله التي خالطها هذا القصد السيء.\nالفائدة السادسة: في الحديث: بيان علامات الذي يعمل من أجل الآخرة، وهي كما يلي:\nأولًا: أنه مُعِدٌّ نفسه للجهاد دائمًا وأبدًا، ينتظر الجهاد، ويرغب فيه \"آخذ بعِنان فرسه في سبيل الله\" في أيّة ساعة تدعو الحاجة فإنه يبادِر بالجهاد في سبيل الله.\nثانيًا: أنه لا يتفرّغ للعناية بنفسه والرفاهية بحيث يرجِّل شعره ويدهن شعره، بل هو أشعث: \"مغبرة قدماه\"، فالغبار عنده مرغوب لأنه في سبيل الله، وهذا يدل على أن هذا العبد ليس مُتْرَفًا في هذه الدنيا.\nالصفة الثالثة: أنه لا يبالي بنوع العمل الذي يؤذِّيه في الجهاد سواء كان شاقًّا أو سهلًا، سواءً كان فيه ظهور أمام الناس أو ليس فيه ظهور أمام الناس، \"إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة\" يعني: يعمل حيثُ وُضع، لا يتبرّم ولا يتكرّه لذلك ولا يقول للقائد: أنت تهينني، وأنت، وأنت، لأنه لا يعمل من أجل القائد، ولا من أجل الناس، وإنما يعمل من أجل الله ﷾.\nالصفة الرابعة: أنه غير معروف عند الناس، لأنه يخفي نفسه، ولا يريد الظهور، وإنما يريد إخفاء نفسه وإخفاء عمله. وليس معناه: أنه يَنْزَوي ويقعُد في داره في زاوية من الزوايا، بل هو يشتغل ويعمل، ولكنه لا يحب أن يظهر عمله، ولا أن تظهر شجاعته، ولا أن يظهر إقدامه، ولا أن يُعرف جهاده، ولا يرغب هذا، لأنه يعمل من أجل الآخرة، لا يريد مَحْمَدة عند الناس أو مدحًا عند الناس، وإنما يريد ثواب الله ﷾ بحيث إنه إذا استأذن في الدخول على العظماء لا يُؤذن له لأنه غير معروف، والناس عادة لا يأذنون في الدخول إلاّ لمن كان معروفًا عندهم، وإن شفع لأحدٍ لا تُقبل شفاعته، لأن الناس لا يشفِّعون إلا أصحاب الجاه، وهذا ليس له جاه، لكن هذا لا يضرُّه عند الله ﷾.\nهذه صفات الذي يعمل من أجل الآخرة، ويعمل لوجه الله ﷾.","vol":"2","page":106},{"text":"[الباب الثامن والثلاثون:]\n* بابٌ من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحلَّ الله أو تحليل ما حرّمه الله فقد اتخذهم أربابًا\nــ\nقال الشيخ ﵀: بابٌ \"من أطاع العلماء والأمراء\" هذا شرط وجوابه، وذلك لأن التحليل والتحريم حقٌّ لله ﷾ لا يشاركه فيه أحد، فمن حلّل أو حرّم من غير دليلٍ من كتاب الله أو سنة رسول الله ﷺ فقد جعل نفسه شريكًا لله، ومن أطاعه فقد أشركه مع الله في التشريع. وليس في الآية التي سيوردها المصنف ذكر للأمراء. وإنما هو إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا (٦٧)﴾ .\nوهذا ما يسمى بشرك الطاعة، لأن العبادة معناها: طاعة الله ﷾ بفعل أوامره وترك نواهيه، ومن ذلك: مسألة التحليل والتحريم، فهي داخلة في العبادة، بدليل قوله تعالى لَمّا ذكر ما يفعله المشركون من استباحة ما حرّمه الله من الميتة التي حرّمها وهم يستحلُّونها ويقولون: هي أولى بالأكل من المُذَكّاة، لأن المذكّاة أنتم ذبحتموها، وأمّا الميتة فإن الله هو الذي ذبحها، وكانوا تلقّوا هذه المقالة من المجوس، فأنزل الله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ (١١٨)﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)﴾ أي: إنْ أطعتموهم في استباحة الميتة وخالفتم أمرَ الله ﷾ بتركها، ﴿إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ مع الله في التحليل والتحريم.\nفطاعة العلماء والأمراء في مثل هذا شرك، في تحليل ما حرّم الله أو تحريم ما أحل الله. فإن كان الذي أطاعهم يعلم أنهم خالفوا أمر الله في ذلك وتعمّد طاعتهم واستباح هذا، فهذا شركٌ أكبر يُخرِج من الملّة.\nوإنْ كان الذي أطاعهم يعتقد أن هذا حرام، ويعترف أن هذا خطأ، ولكنه أطاعهم لهوىً في نفسه أو رغبة في نفسه مع اعترافه بالمعصية، فهذا شرك أصغر.\nوإن كان أطاعهم وهو لا يعلم أنهم خالفوا شرع الله، بل ظن أنهم على حق، فهذا معذور إن كان مثله يجهل ذلك.\nوأما طاعة العلماء والأمراء في غير معصية الله فهذا أمرٌ واجب، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾، فطاعة العلماء","vol":"2","page":107},{"text":"وقال ابن عبّاس: \"يوشِك أن تنزل عليكم حجارةٌ من السماء، أقول: قال رسول الله ﷺ وتقولون: قال أبو بكر وعمر؟! \".\nــ\nوطاعة وُلاة الأمور في غير معصية الله أمرٌ أوجبه الله على الناس.\nو﴿وَأُولِي الْأَمْرِ﴾ قيل: هم الأمراء، وقيل: هم العلماء.\nوالصواب: أن الآية تعني العلماء والأمراء معًا، فكلهم من أولي الأمر، فالعلماء يبيِّنون الأحكام الشرعية، والأمراء ينفِّذونها.\nفليست طاعة وُلاة الأمور ممنوعة مطلَقًا ولا جائزة مطلقًا، بل فيها هذا التفصيل الذي لابد منه. والشيخ ﵀ خصص تحريم طاعتهم في تحليل الحرام وتحريم الحلال فقال: \"من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرم الله فقد اتخذهم أربابًا\" ولم يعمم تحريم طاعتهم.\nقوله: \"وقال ابن عبّاس\" هو: حَبْر الأمة، وترجُمان القرآن، عبد الله بن عبّاس بن عبد المطّلب، ابن عمّ النبي ﷺ.\n\"يوشِكُ\" معناه: يقرُب.\n\"أن تنزل عليكم حجارة من السماء\" عقوبةً لكم كما نزلت الحجارة على من كان قبلكم ممن خالفوا الرسل.\n\"أقول: قال رسول الله ﷺ، وتقولون: قال أبو بكر وعمر\" هذا هو السبب الذي يوجِب نزول الحجارة وهو طاعة العلماء والأمراء فيما يخالف شرع الله.\nقال ابن عبّاس ﵄ هذه المقالة لَمّا بلغه أن أبا بكر وعمر ﵄ الخليفتين الراشدين، كانا لا يريان فسخ الحج إلى العمرة، بينما رسول الله ﷺ أمر بفسخ الحج إلى العمرة لمن لم يَسُقِ الهدي.\nفهذا عند عبد الله بن عبّاس ﵄ يدلُّ على وجوب فسْخ الحج إلى العمرة لمن لم يَسُقِ الهدي، عملًا بأمر الرسول ﷺ، لأنه أمر بذلك أصحابه وأكّد عليهم، ولَمّا خالف ذلك الخليفتان الراشدان أبو بكر وعمر، ورأيا أنه لا يجب فسْخ الحج إلى العمرة، بل المُضي في الإفراد أفضل، من أجل أن لا يُهْجَر البيت في بقية السنّة، لأن الحاج إذا جمع بين الحج والعمرة في سفر واحد، فهذا مما يسبِّب أن لا يأتي الناس مّرة أخرى للعمرة، بل يكتفون بسفرٍ واحد.","vol":"2","page":108},{"text":"وقال أحمد بن حنبل: \"عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحّته يذهبون إلى رأي سفيان، والله تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ .\nــ\nهذه وِجهة نظرهما ﵄، وهي مسألة اجتهادية، ولكن الاجتهاد إذا خالف الدليل فإنه لا يجوز العمل به.\nفإذا كان ابن عبّاس يُنكر على من أخذ برأي الخليفتين الراشدين أبي بكر وعمر، لأنه اجتهاد مخالف للنص، وأن ذلك يوجِب العقوبة، فكيف بطاعة العلماء والأمراء في التحليل والتحريم من غير دليل؟.\nوهذا مما يدل على وجوب احترام سنة الرسول ﷺ، وأنها هي المنتهى بعد كتاب الله ﷿، وأنه إذا حصل اجتهاد من المجتهدين يجب عرضه على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، فما قام عليه الدليل أخذناه، وما خالف الدليل تركناه، وإنْ كان قائله من أفضل الناس، كأبي بكر وعمر، فضلًا عن غيرهما.\nوالاجتهاد سائغ، وهو \"استنباط الأحكام الشرعية من أدلة الكتاب والسنّة\"، ولكن عند التطبيق لا يجوز لنا أن نأخذ إلا ما قام عليه الدليل من أقوال أهل العلم، فلا يجوز لنا أن نأخذ ما خالف الدليل إمّا تعصُّبًا لصاحبه، وإما لأنه يوافق أهواءنا، ويوافِق رغباتنا، بل المدار على الكتاب والسنّة: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ .\nوالعامي يسأل أهل العلم، ويأخذ بقولهم، لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ .\nقوله: \"وقال أحمد\" هو: الإمام أحمد بن حنبل، إمام أهل السنّة، الصابر على المحنة.\nقال ﵀: \"عجبت\" تعجُّب استنكار.\n\"لقوم عرفوا الإسناد وصحّته\" يعني: عندهم علم بالأدلّة، والإسناد هو: سلسلة الرُّواة الذين يروون الحديث عن رسول الله ﷺ من لَدُن الراوي إلى الرسول ﷺ، سواءٌ قصُر السند أو طال، وهو ما يسمى بالعالي والنازل.","vol":"2","page":109},{"text":"والإسناد يحتاج إلى دراسة لمعرفة رُواته من حيث الثقة والحفظ والإتقان، وعدم ذلك، فإذا توفّر في السند أن راويه عدل تام الضبط من بداية السند إلى نهايته مع السلامة من الشذوذ والعلل فهو صحيح وإن نقص شيءٌ من ذلك نزل عن درجة الصحيح إلى الحسن أو إلى الضعيف.\nوالعلماء هم الذين يميِّزون ذلك ويعرفونه، فالذين بلغوا من العلم بحيث أنهم يعرفون صحّة الإسناد إلى رسول الله ﷺ فإنهم يجب عليهم الأخذ بالدليل، لأن صحة الإسناد تدلّ على صحة المُسْنَد، فصحة السند تدلُّ على صحة المتن، كما هو مدلول عبارة الإمام أحمد هذه.\nوفي هذا ردٌّ على بعض المتشدِّقين من بعض العصْريِّين العقلانيِّين الذين يقولون: حتى لو صحّ الإسناد فهذا لا يدل على صحة المتن، وينتقدون أحاديث في \"صحيح البخاري\" صحّتْ أسانيدها لأنها تخالف عقولهم القاصرة.\nوهذا لجهلهم، أو لتجرّئهم على كلام رسول الله ﷺ لأنه يخالف أهواءهم ويخالف عقولهم.\nيا سبحان الله! كلام رسول الله ﷺ يُخضع للعقول، إنه يجب على من يؤمن بالرسول ﷺ أن يقدِّم قوله ويعتقده ويعمل به بدون مناقشة، وبدون جدال: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ .\nومن معنى شهادة أن محمدًا رسول الله: تصديقه فيما أخبر. فمن لم يصدِّق ما أخبر به وإنما يُخضعه لهواه، ويُخضعه لقواعده المنطقية أو العقلية أو للعلم الحديث -كما يسمُّونه-؛ فهذا كأنه لم يؤمن أنه رسول الله ﷺ، فالأمر خطيرٌ جدًّا، مع العلم أن النقل الصحيح لا يخالف العقل الصريح، فإن اختلفا ففي أحدهما خلل، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.\nوقوله: \"يذهبون إلى رأي سفيان\" يعني: يتركون ما صحّ به الإسناد عن رسول الله ﷺ ويذهبون إلى رأي سفيان، وهو الإمام الجليل الفقيه الزاهد المتقن، سفيان بن سعيد الثوري، كان فقيهًا، محدِثًا، وله اجتهاد، وله مذهب في الفقه، لكنه انقرض بسبب أنه لم يكن له أتباع يحفظونه ويتدارسونه كما كان للأئمة الأربعة، وقد","vol":"2","page":110},{"text":"نقل كثير من مذهبه في موسوعات الفقه، كـ \"المغني\"، وكـ \"المحلّى\" لابن حزم، وكتب التفسير، وشروح الحديث، لأنه إمامٌ مجتهد، وله باعٌ طويلٌ في الفقه والحديث والتفسير، ﵀.\nولكن هو كغيره من الأئمة، لا يجوز أن يقدَّم قوله على قول الرسول ﷺ، وهو ﵀ لا يرضى بذلك، كغيره من الأئمة لا يرضون بذلك.\nولهذا يقول الإمام مالك: \"كلنا رادٌّ ومردود عليه إلا صاحب هذا القبر\" يعني: رسول الله ﷺ.\nويقول الإمام الشافعي: \"إذا صحّ الحديث فهو مذهبي\"، ويقول: \"إذا خالف قولي قولَ رسول الله ﷺ فخذوا بقول رسول الله واضربوا بقولي عرْض الحائط\"، ويقول ﵀: \"أجمع المسلمون على أنّ من استبانتْ له سنة رسول الله ﷺ لم يكن له أن يدعها لقول أحد كائنًا من كان\".\nويقول الإمام مالك ﵀: \"أَوَ كلَّما جاءنا رجلٌ أَجْدَلَ من رجل تركنا ما نزل به جبريل على محمد ﷺ لجدل هؤلاء؟ \".\nوالإمام أحمد يقول هذه المقالة: \"عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحّته يذهبون إلى رأي سفيان\".\nوالإمام أبو حنيفة ﵀ يقول: \"إذا جاء القولُ عن رسول الله ﷺ فعلى الرأس والعين، وإذا جاء عن الصّحابة فعلى الرأس والعين، وإذا جاء عن التابعين فنحن رجال وهم رجال\"، لأنه ﵀ كان من أتباع التابعين، وتتلمذ على التابعين، فأبو حنيفة هو أقدم الأئمة الأربعة، بل يُقال: إنه أخذ عن بعض الصّحابة، ولكن هذا لم يَثْبُت، فهو يقول هذه المقالة، يقدِّم قول الرسول ﷺ على الرأس والعين، ولا يقدِّم عليه قول أحد، ثم بعد قول الرسول ﷺ يقدِّم قولَ الصحاب. ولا يعدِل بالصحابي أحدًا ممّن جاء بعده، وأما من بعد الصّحابة فيقول: \"نحن رجال وهم رجال\"، يعني: متساوين في المدارك والعلم.\nهذه مقالاتهم﵏- تدلُّ على أن الواجب هو الأخذ بما صحّ عن رسول الله ﷺ، وأن اجتهادات العلماء يُستفاد منها وتُدْرَس، ولكن إذا خالف الدليل","vol":"2","page":111},{"text":"شيءٌ منها فيجب الأخذ بالدليل، ولا يجوز التعصُّب لقائله، فإن تعصّب أحدٌ لقولٍ يخالف الدليل وقع في هذا المحظور، وصار من الذين اتّخذوا أحبارهم ورُهبانهم أربابًا من دون الله.\nونحن لا نرفض الفقه كما يظن بعض الجهال أو بعض المبتدئين، بل نعتبره ثروة عظيمة، فيها علمٌ غزير، فندرسُ الفقه ولكن لا نأخذ منه إلا ما قام دليله، وما علمنا أنه خلاف الدليل حرُم علينا الأخذ به، مع اعتذارنا لقائله، واحترامه، لأنه لم يتعمّد المخالفة، والمجتهد يخطئ ويصيب، فإن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد. والخطأ مغفور، كما صحّ بذلك الحديث.\nوالناس على أربعة أقسام:\nالقسم الأول: من يستطيع الاجتهاد المطلق بأن يأخذ من الكتاب والسنّة ويستنبط من الكتاب والسنّة ولا يقلِّد أحدًا.\nوهذا أعلى الطبقات، ولكن هذا إنما يكون لمن توفّرتْ فيه شروط الاجتهاد المعروفة، بأن يكون عالمًا بكتاب الله وبسنة رسول الله ﷺ، وأن يكون عالمًا بلغة العرب التي نزل بها القرآن، وأن يكون عالمًا بالمحكم والمتشابه وبالناسخ والمنسوخ، والمطلق والمقيَّد، والخاص والعام، ويكون عنده معرفة بمدارك الاستنباط، أعني: لديه مؤهِّلات، فهذا يجتهد. وهذا الصنف كالأئمة الأربعة: أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، وسفيان الثوري، والأوزاعي، هؤلاء أعطاهم الله مَلَكة الاجتهاد.\nالصنف الثاني: من لا يستطيع الاجتهاد المطلَق، ولكنه يستطيع الترجيح بين أقوال أهل العلم بأن يعرف ما يقوم عليه الدليل وما لا يقوم عليه الدليل من أقوالهم.\nفهذا يجب عليه الأخذ بما قام عليه الدليل وترك ما خالف الدليل وهذا العمل يسمى بالترجح ويسمى بالاجتهاد المذهبي.\nالصنف الثالث: من لا يستطيع الترجيح.\nفهذا يُعتبر من المقلدِّين، ولكن إذا عرف أنّ قولًا من الأقوال ليس عليه دليل","vol":"2","page":112},{"text":"فلا يأخذ به، أما ما دام لا يعرف ولم يتبيّن له مخالفة، فلا بأس أن يقلِّد ويأخُذ بأقوال أهل العلم الموثوقين.\nوالصنف الرابع: من لا يستطيع الأمور الثلاثة: لا الاجتهاد المطلق، ولا الترجيح، ولا التقليد المذهبي كالعامي- مثلًا-.\nفهذا يجب عليه أن يسأل أهل العلم كما قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾، فيسأل أوثق من يرى، ومن يطمئن إليه من أهل العلم، ممّن يثق بعلمه وعمله ويأخذ بفتواه.\nهذه أقسام الناس في هذا الأمر.\nومن هنا علِمنا أن الأمر ليس بمتروك ومُفْلَت، كل واحد ينصب نفسه منصب الأئمة ومنصب المجتهدين، ويغلِّط العلماء، ويرجّح من غير علم.\nأو يزهِّد في الفقه وأقوال الفقهاء، ويعتبرها شيئًا مرفوضًا. وهذا ليس من آداب طلبة العلم المريدين للحق.\nوالواجب على الإنسان: أن يعرف قدْر نفسه، فلا يجعل نفسه في مكانة أعلى مما تستحقُّها، بل الأمر أخطر من ذلك وهو أن يخاف من الله ﷾ لأن الأمر أمر تحليل وتحريم وجنة ونار، فلا يورِّط نفسه في أمور لا يُحسن الخروج منها.\nوالمجتهد إذا توفّرت فيه شروط الاجتهاد فإن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجرٌ واحد، لأنه يريد الحق، ولكنه لم يستطع الوصول إليه بعد بذْل مجهوده، بذَل مجهوده وتحرّى الحق ولم يصل إليه، فهو معذور، قال ﷺ: \"إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجرٌ واحد\"، لكن مع كونه معذورًا ومأجورًا في الخطأ لا يجوز لنا أن نأخذ بقول نرى أنه خطأ، بل يجب علينا أن نأخذ بالقول الصواب، سواء كان هذا القول الصواب في المذهب الذي نقلّده، أو في مذهب آخر، هذا هو طريق أهل الحق، أنهم لا يقلِّدون على خطأ، بل يأخذون ما ترجّح بالدليل ولو لم يكن عليه إمامهم.\nولهذا- ولله الحمد- إمام هذه الدعوة ومؤلِّف هذا الكتاب الشيخ محمد بن عبد الوهّاب وتلاميذه ومَن جاء بعده من علماء هذه البلاد ينهجون هذا المنهج،","vol":"2","page":113},{"text":"ويقولون: نحن حنابلة، ولكن ليس معنى هذا أننا نأخذ كل ما في المذهب الحنبلي بدون تمحيص، بل إذا قام الدليل على قول من الأقوال أخذنا به ولو لم يكن في المذهب الحنبلي، كالمذهب المالكي، أو المذهب الشافعي، أو المذهب الحنفي، لأننا ننشُد الدليل، ولا يمنع هذا أن يكون الإنسان حنبليًّا وإذا أخذ بقول قام عليه الدليل يخالف قول ابن حنبل أخذ به لأن إمامه أرشده إلى هذا، فقال له: خذ ما قام عليه الدليل، ولا تقلِّدني على خطأ، كلُّ الأئمة يقولون هذا، ما أحد منهم ادّعى العصمة أو ادّعى الكمال أو قال للناس لا تخالِفوا مذهبي أبدًا، بل هم يحذِّرون من هذا، فأنت إذا أخذت بالدليل فإنك موافِقٌ لإمامك الذي تقلِّده، أما إذا أخذت الخطأ فأنت مخالفٌ لإمامك وإن كنت تزعُم التعصُّب له.\nفهذه مسألة يجب علينا أن نهتمّ بها، فنتجنّب الإفراط والتفريط، لا نكون مع الذين يرفضون الفقه، ويقولون: هذه أقوال رجال، فيضيعون، فلا هم الذين أخذوا بالفقه، ولا هم الذين يُحسنون الاستنباط والاستدلال، فضاعوا وضيعوا من تبعهم.\nولا نحن مع الذين يقلِّدون تقليدًا أعمى، ويتعصّبون لمذاهبهم، ويأخذون بقول إمامهم، ولو خالف الحديث، ويقول: آخذ بقول إمامي ولو خالف الدليل، لأن إمامي أعلم بالدليل. فهذان على طرفي نقيض.\nوالصواب الوسط، أننا نأخذ بالفقه، ونأخذ بأقوال الأئمة، وندرُس الفقه، لأن دراسته طريقٌ إلى معرفة الحق، ولكن لا نقلِّد تقليدًا أعمى، وإنما نميِّز بين الأقوال التي عليها دليل والتي ليس عليها دليل، وإذا كنا لا نعرف هذا علينا أن نسأل أهل العلم عن ذلك.\nهذا هو الحق والوسط في هذه المسألة التي خاض فيها الناس في وقتنا الحاضر على غير هدى إلا من رحم الله.\nقال الإمام أحمد: \"والله تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ هذا أمرٌ من الله ﷾ وتهديد: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ .\nوالضمير في ﴿أَمْرِهِ﴾ يرجع إلى الرسول ﷺ، الذي مرّ ذكره في أول الآية.","vol":"2","page":114},{"text":"أتدري ما الفتنة؟، الفتنة الشرك، لعلّه إذا ردّ بعضَ قوله أن يقع في قلبه شيءٌ بلا من الزيغ فيهلِك\".\nــ\n﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ فسّرها الإمام أحمد بالزيغ والشرك، قال: \"أتدري ما الفتنة؟، الفتنة الشرك، لعله إذا ردّ بعض قوله\" أي: بعض قول الرسول ﷺ، \"أن يقع في قلبه شيءٌ من الزَّيْغ فيَهْلِك\".\nفمن ردّ قول الرسول ﷺ متعمِّدًا تَبَعًا لهواه، أو تعصُّبًا لشيخه الذي يقلِّده، فإنه مهدّد بعقوبتين:\nالعقوبة الأولى: الزيغ في قلبه، لأنه إذا ترك الحق ابتُلي بالباطل، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُمْ﴾، لَمّا انصرفوا عن تلقِّي القرآن عند نزوله وتعلُّمه صرف الله قلوبهم عن الحق عقوبةً لهم، وقال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، لَمّا رفضوه أول الأمر عند ذلك ابتلاهم الله بتقليب أفئدتهم وأبصارهم عقوبةً لهم، فلا تقبل الحق بعد ذلك. وهذا خطرٌ شديد، بخلاف الذي يقبل الحق ويرغب فيه، فإن الله يهديه ويزيده علمًا وبصيرة، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (١٢٥)﴾، فالمؤمن يَتْبع الدليل ويفرح به إذا حصل عليه، والحق ضالّة المؤمن أنّى وجده أخذه، أما الذي في قلبه زيع أو نفاق فهذا إنما يتّبع هواه ولا يتّبع الدليل، وهذا يُصاب بالزيغ والانحراف في العقيدة والانحراف في الدين والانحراف في الأخلاق وفي كلِّ شيء، عقوبةً له من الله ﷾.\nوالعقوبة الثانية: ﴿أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ في أبدانهم، بالقتل في الدنيا، بأن يسلِّط الله عليهم من يستأصِل شَأْفَتهم ويقتلهم، إما من المؤمنين، وإما من غير المؤمنين، عقوبةٌ لهم ﴿أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، إن ماتوا ولم يُقتلوا بأن يعذبوا في النار. فهذا وعيدٌ شديد على مخالفة أمر الرسول ﷺ.\nفترك أمر الرسول ﷺ، والأخذ بأقوال العلماء والأمراء المخالِفة لِمَا قاله الرسول ﷺ في التحليل والتحريم يسبب الفتنة، أو العذاب الأليم.","vol":"2","page":115},{"text":"وعن عديّ بن حاتم: أنه سمع النبي ﷺ يقرأ هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ﴾ الآية، فقلت له: إنا لسنا نعبدهم. قال: \"أليس يحرِّمون ما أحل الله فتحرِّمونه، ويُحِلُّون ما حرّم الله فتُحلُّونه؟ \" فقلت: بلى. قال: \"فتلك عبادتهم\" رواه أحمد والترمذي وحسّنه.\nــ\nوهذا هو الشاهد من الآية للباب.\nقوله: \"وعن عدي بن حاتم: أنه سمع النبي ﷺ يقرأ هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ﴾ الأحبار جمع حَبر أو جمع حِبر وهو: العالِم.\n\" ﴿وَرُهْبَانَهُمْ﴾ \" جمع راهب، وهو: العابد، والغالب أن الأحبار من اليهود، والرهبان من النصارى.\n\" ﴿أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ﴾ \" أي: يطيعونهم في التحليل والتحريم.\n﴿وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ غلوا فيه واتخذوه ربًا يعبدونه.\n﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ فسمّاه شركًا، ونزّه نفسه عنه، فدلّ على أنّ طاعة الأحبار والرُّهبان في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرّم الله أنه يُعتبر شركًا بالله ﷿، ويعتبر حديث عديّ هذا تفسيرًا للآية.\nفَلمّا سمع عديّ ﵁ رسول الله ﷺ يقرأ هذه الآية قال: \"إنا لسنا نعبدهم\"، فَهِمَ ﵁ أن عبادتهم تعني الركوع لهم والسجود لهم، والذبح لهم فقط.\nقال ﷺ: \"أليس يحرِّمون ما أحل الله فتحرِّمونه، ويحلون ما حرّم الله فتحلُّونه؟ \"، قال: بلى، قال: \"فتلك عبادتهم\" فدلّ هذا على أن طاعة الأحبار والرُّهبان في تحريم الحلال وتحليل الحرام عبادة لهم، ويُعتبر هذا من شرك الطاعة، لأن التحليل والتحريم حقٌّ لله ﷾، فليست العبادة قاصرة على السجود والركوع والدعاء والذبح والنذر وغير ذلك مما يفعله الوثنيُّون، بل ويشمل طاعة المخلوقين في معصية الخالق ﷾ ومخالفته في تشريعه، يدخل هذا في ضِمْن العبادة، فالعبادة عامة ليست مقصورة على نوع أو أنواع من العبادة، بل هي شاملة لكل ما هو من حق الله، ومن ذلك: التحليل والتحريم.","vol":"2","page":116},{"text":"ما يُستفاد من هذه النصوص:\nأولًا: تحريم طاعة العلماء والأمراء في تحريم الحلال وتحليل الحرام، وأنه إن استباح ذلك فهذا هو الشرك الأكبر، وإن لم يستبحه فإنه يُعتبر معصيةً عظيمة من المعاصي، وهو من الشرك الأصغر.\nثانيًا: أن طاعة العلماء والأمراء في غير معصية الله واجبة لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾، وذلك لأنه لا يتمّ نظام العالَم وقيام المصالح إلاّ بطاعة وُلاة الأمور ما لم يأمروا بمعصية الله ﷿، فإن أمروا بمعصية الله فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق في تلك المعصية، ويُطاعون فيما ليس بمعصية.\nثالثًا: في قول ابن عبّاس ﵄ أن قولَ العالم إذا خالف قول رسول الله ﷺ فإنه يجب الأخذ بقول رسول الله ﷺ وترك قولَ العالم مهما بلغ من الفضل، كأبي بكر وعمر، وسفيان الثوري. والعالم إذا أخطأ عن اجتهاد فخطأه مغفور، لكن لا يجوز لنا تقليده على خطأ.\nرابعًا: يؤخذ من قول الإمام أحمد ﵀: أن الذي بلغ رُتبة الاجتهاد ومعرفة صحة الإسناد أنه لا يجوز له أن يقلِّد، بل يجب عليه الاجتهاد للتوصُّل إلى الحق بنفسه، ولا يسعه إلاّ ذلك، لأن التقليد لا يجوز إلاّ عند الحاجة، وهذا غير محتاج للتقليد.\nخامسًا: يؤخذ من قول الإمام أحمد: أن من لا يعرف الإسناد وصحته يجب عليه التقليد لمن يثق بعلمه وعمله، لئلا يضيع في دينه.\nسادسًا: أن صحة الإسناد تدلُّ على صحة المتن خلافًا لمن قال من العقلانيِّين: إنه وإنْ صحّ الإسناد فهو لا يدل على صحة المتن.\nسابعًا: يؤخذ من حديث عدي بن حاتم ﵁ أن العبادة ليستْ قاصرةً على الركوع والسجود والدعاء والاستغاثة، بل تشمل طاعة الأوامر وترك النواهي.\nثامنًا: أنّ مَن أطاع العلماء والأمراء أو غيرهم في تحريم الحلال أو تحليل الحرام أنه قد اتّخذهم شركاء لله ﷾ في عبادته، وهذا محلّ الشاهد من الآية الكريمة وحديث عدي للترجمة.\nوالله تعالى اعلم.","vol":"2","page":117},{"text":"[الباب التاسع والثلاثون:]\n* باب قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا (٦٠)﴾ الآيات.\nــ\nهذا الباب من جنس الباب الذي قبله كلاهما في تغيير شرع الله، لكن هذا الباب يخص التحاكم في الخصومات خاصة والباب الذي قبله في التحليل والتحريم عمومًا.\nوقولُ المصنف- رحمه الله تعالى-: \"باب قول الله تعالى\" يعني: ما جاء في تفسير هذه الآيات ممّا ذكره أهلُ العلم في تفسيرها؛ ممّا يدلّ دَلالة واضحة على أنّ التحاكُم إلى ما أنزل الله من التّوحيد والعبادة، وأنّ التحاكُم إلى غيره شركٌ بالله ﷿ وكفرٌ به، لأنّ الحكم لله وحده: الحكم القدَري، والحكم الشرعي، والحُكم الجزائي كلّه لله ﷾، كما قال تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾، ﴿لَهُ الْخَلْقُ﴾، هو الذي خلق، (وله الأمر)، فهو الذي يأمر وينهى، ويحلِّل ويحرِّم، ليس لغيره شركٌ في ذلك. وقال تعالى: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ .\nفالتحاكم إلى ما أنزل الله داخلٌ في التوحيد، والتحاكُم إلى غيره من أنواع الشرك، لأنّ من معنى ﴿لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ﴾ ومقتضاها ومدلولها: التحاكُم إلى كتاب الله وسنّة رسوله ﷺ.\nومَن تحاكَم إلى غير كتاب الله وسنّة رسوله فإنّه قد أخلّ بكلمة التّوحيد فأخلّ بمقتضى \"لا إله إلا الله، محمد رسول الله\".\nفمدلول الشّهادتين: أن نتحاكَم إلى كتاب الله وإلى سنّة رسول الله ﷺ في جميع أُمورنا، ليس المُراد: التحاكُم في المنازعات فقط، بل التحاكُم في المقالات والاجتهادات الفقهيّة أيضًا، فلابدّ أن نحكِّم كتاب الله وسنّة رسول الله ﷺ في أقوال المجتهدين، ونأخذ منها ما دلّ عليه الدليل، ونترك ما لم يدل عليه دليل، ولا نتعصّب","vol":"2","page":118},{"text":"لرأي فلان أو للإمام فُلان، فمن تعصّب لم يكن متحاكمًا إلى ما أنزل الله وإلى الرّسول، وإنما تحاكم إلى هذا الشخص الذي تعصّب له وجَمَد على رأيه، مع مخالفته، وهو اجتهاد اجتهد فيه، لكن إذا خالف الدليل فلا يجوز لنا أن نتعصّب لرأي إمام أو لرأي عالم أو لرأي مفت من المفتين، ونحنُ نعلم أنّه مخالِفٌ للدّليل، لكن ذلك العالم معذور لأنّه مجتهِد، ولكنّه لم يصادف الدّليل، فهو معذور له أجرٌ على ذلك، لأنّ هذا منتهى اجتهادِه، أما مَن تبيّن له أن هذا الاجتهاد غير مطابِق للدّليل فلا يسعه أن يأخذ بهذا الاجتهاد، ولا يجوز له. والأئمّة ينهون عن ذلك، ينهوننا أن نأخُذ بآرائهم دون نظرٍ إلى مستندها من كتاب الله وسنّة رسول الله ﷺ، وإلاّ كنا- كما سبق في الباب الذي قبل هذا- أطعنا العلماء والأمراء في تحريم ما أحلّ الله وتحليل ما حرّم الله.\nوكذلك التحاكُم في المناهِج التي يسمّونها الآن: مناهج الدّعوة، ومناهج الجماعات هي من هذا الباب، يجب أن نحكِّم فيها كتاب الله وسنّة رسوله ﷺ، فما كان منها متمشِّيًا مع الكتاب والسنّة فهو منهجٌ صحيح يجب السّير عليه، وما كان مخالِفًا لكتاب الله وسنّة رسوله يجب أن نرفُضه وأن نبتعد عنه.\nولا نتعصّب لجماعة أو لحزب أو لمنهج دَعَوِيّ ونحنُ نرى أنه مخالِف لكتاب الله وسنّة رسوله ﷺ، فالدعاة منهم من هو داعية ضلال.\nفالذي يَقْصُر هذا التحاكُم إلى الكتاب والسنّة على المحاكم الشرعيّة فقط غَالِط، لأن المراد: التحاكُم في جميع الأمور وجميع المنازَعات: في الخُصومات وفي الحُقوق المالية، وغيرها، وفي أقوال المجتهدين، وأقوال الفقهاء، وفي المناهج الدّعويّة، والمناهج الجماعيّة، لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ و﴿شَيْءٍ﴾ نكِرة في سياق الشرط، فتعتمّ كل نزاع وكل خِلاف في شيء، سواءً في الخُصومات، أو في المذاهب، أو في المناهِج. وفي أقوال الجهمية والمعتزلة والأشاعرة والقدرية.\nيجب أنّنا نعرف هذا، لأن بعض الناس وبعض المنتسبين للدّعوة يَقْصُر هذا على وجوب التحاكُم في المنازعات والخُصومات إلى المحاكِم الشرعية، ويقول: يجب تحكيم الشريعة ونَبْذِ القوانين، نعم، يجب هذا، ولكن لا يجوز الاقتصار","vol":"2","page":119},{"text":"عليه، بل لابُدّ أن يتعدّى إلى الأُمور الأخرى، إلى تحكيم الشريعة في كلّ ما فيه نزاع، سواءً كان هذا النّزاع بين دُول، أو كان هذا النّزاع بين جماعات، أو كان هذا النزاع بين أفراد، أو كان هذا النّزاع بين مذاهب واتّجاهات، لابدّ من تحكيم الكتاب والسنّة. نحن نُطالِب بهذا في كلّ هذه الأُمور.\nأما أن نَقْصُرَهُ على ناحية ونسكُت عن النّاحية الأخرى، فنقول: النواحي الأخرى دعوا الناس إلى رغباتهم، دعوا كلًاّ يختار له مذهبًا، وكلًاّ يختار له منهجًا.\nنقول: هذا قُصور عظيم، لأنه يجب أن نحكِّم الشريعة في المحاكِم، ونحكّمها في المذاهب الفقهيّة، ونحكّمها في المناهج الدّعويّة، لابد من هذا، فلا يجوز لنا أن نَقْصُر كلام الله وكلام رسوله على ناحية ونترُك النواحي الأخرى، لأنّ هذا إمّا جهل وإمّا هوى.\nكثيرٌ من النّاس اليوم ينادون بتحكيم الشريعة في المحاكِم وهذا حق؛ لكن هم متنازِعون ومختلفون في مناهجهم وفي مذاهبهم، ولا يريدون أن يحكِّموا الشّريعة في هذه الأمور، بل يقولون: اتركوا الناس على ما هم عليه، لا تتعرّضوا لعقائدهم، لا تتعرضوا لمصطلحاتهم، لا تتعرّضوا لمناهجهم، اتركوهم على ما هم عليه، وهذا ضلال، بل هذا من الإيمان ببعض الكتاب والكفر بالبعض الآخر، مثل قوله تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾ .\nفهذا أمر يجب التنبُّه له، لأنّ هذه مسألة عظيمة غفل عنها الآن الأكثرون.\nفالذين ينادون بتحكيم الشريعة إنما يريدون تحكيمَها في المخاصَمات، في الأموال، والأعراض، والخلافات بين الناس، والأمور الدّنيوية دون العقائد والمذاهب. ومناسبة عقد هذا الباب في كتاب التوحيد: أن التّحاكُم إلى ما أنزل الله هو من التّوحيد والتحاكُم إلى غيره شركٌ بالله ﷿، شركٌ في الحكم والتّشريع.\nثم ذكَر الآيات، وهي قولُ الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ هذا تعجُّب استنكار.\n﴿إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ","vol":"2","page":120},{"text":"يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ هل يتّفق هذا مع دعوى الإيمان؟، لا يتّفق، لأنهم يريدون أن يجمعوا بين الإيمان والكُفر، ولا يمكن هذا، فالمؤمن بالله وبرسوله يحكِّم كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، أما الذي يدّعي الإيمان ولكنّه في الحكم لا يرجع إلى الله ولا إلى رسول الله، فهذا ليس بمؤمن، ولهذا قال: ﴿يَزْعُمُونَ﴾ والزّعمُ هو: أكذبُ الحديث، وهذا يدلّ على أنهم كاذبون في دعواهم الإيمان، والدليل على كذبهم: أنّهم يريدون أن يتحاكموا إلى الطّاغوت، ولو كان إيمانهم صادقًا لم يتحاكموا إلاّ إلى كتاب الله وسنّة رسول الله.\nفدلّ هذا على أن إرادة التحاكُم إلى غير كتاب الله وسنة رسول الله- مجرّد الإرِادة- يتنافى مع الإيمان، فكيف إذا فَعل؟، كيف إذا تحاكَم إلى غير كتاب الله وسنّة رسوله؟، إذا كان مَن نوى بقلبه واستباح هذا الشيء ولو لم يفعل أنّه غير مؤمن، فكيف بمن نفّذ هذا وتحاكَم إلى غير كتاب الله وسنة رسوله في أموره كلها، أو في بعضها؟.\nوقوله: ﴿آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ وهو القُرآن.\n﴿وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ وهو: الكُتُب السابقة، لأنّ الإيمان بالكُتُب كلها هو أحد أركان الإيمان الستّة، الإيمان بالكُتب التي أنزلها الله ﷾ على رُسله، يجب الإيمان بها، ما سمّى الله منها وما لم يسمّ. أما الذي يؤمن بكتابٍ ويكفُر بالكتب الأخرى فهذا كافرٌ بالجميع، فاليهود إذا قيل لهم: آمنوا بما أنزل الله، ﴿قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾، فالذي يقول: لا نؤمن إلاّ بالكتاب الذي نزل على رسولنا فقط، أما الكتاب الذي نزل على غير رسولنا فلا نؤمن به. فهذا كافر بالكتاب الذي نزل على رسوله، لأنّ الكتب مصدرها واحد، يصدِّق بعضها بعضًا، وكلّها من الله ﷾، والرُّسل إخوة، كلّهم- عليهم الصلاة والسلام- إخوة، دعوتهم واحدة، ومنهجهم واحد، فالذي يؤمن بكتاب ويجحد غيره، أو يؤمن بالكتب إلا واحدًا منها، أو يؤمن بالرسل ويكفر ببعضهم فهذا كافر ٌبالجميع، ولهذا قال: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥)﴾، ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣)﴾، ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (١٤١)﴾، ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (١٦٠)﴾، مع أنهم لم يكذُبوا إلا رسولهم، لكن لَمّا كفروا","vol":"2","page":121},{"text":"برسولهم صاروا مكذبين للمرسلين جميعًا، لأنّ الرسل- عليهم الصلاة والسلام- دينهم واحد، ومنهجهم واحد، وهم إخوة، يجب الإيمان بهم جميعًا.\nوقوله: ﴿يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ ادّعوا هذا، لكن لَمّا جاء التنفيذ اختلف الفعل عن القول، وتبيّنت حقيقتهم.\n﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ الطّاغوت: مشتقٌّ من الطُّغيان، وهو: مجاوزة الحدّ، قال الشيخ الإمام ابن القيِّم: (الطّاغوت: ما تجاوز به العبدُ حدّه من معبود أو متبوعٍ أو مُطاعٍ في معصية الله، والطّواغيتُ كثيرون، ورؤوسهم خمسة: إبليسٌ- لعنه الله، ومَن عُبد وهو راضٍ، ومَن دعا الناس إلى عبادة نفسه، ومَن حكم بغير ما أنزل الله، ومن ادّعى علم الغيب\".\nهؤلاء رؤوس الطواغيت، ومنهم: مَن حكم بغير ما أنزل الله، الذي هو موضوع هذا الباب، وهم الذين يحكمون ويتحاكمون بغير شريعة الله ﷾ من القوانين والأنظِمَة، والعادات والتقاليد، وأمور الجاهلية والقَبَلِيّة، لأن هناك قوانين وَضْعِيّة وضعها البَشَر، وهناك عادات وتقاليد في المجتمعات، يمشي بعضُ الناس عليها، وهُناك أعرافٌ جاهليّة بين القبائل يسمّونها (السُّلُوم)، وشيوخ القبائل (العوارِف)، كل قبيلة لها عارفة يحكم بينهم، إمّا كاهن، وإِمّا ساحر، وإمّا رجل عادي، وهذا كلَّه منبوذ، وكلّه مطروح بعد بِعثَة الرّسول ﷺ، ويَجب الرُّجوع إلى كتاب الله وسنّة رسوله ﷺ، وكلّ من حكم بغير كتاب الله وسنّة رسوله مستحلًا لذلك فإنه طاغوت يجب الكُفر به. ولهذا قال: ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾، وكذلك في قوله تعالى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا﴾، فالإيمان بالله لا يصحّ إلاّ بعد الكفر بالطّاغوت، فالكفر بالطّاغوت ركن الإيمان، فلا يصحّ أن يجمع بين الإيمان بالله والإيمان بالطّاغوت، لأن هذا جمعٌ بين نقيضين، والله قدّم الكفر بالطاغوت على الإيمان بالله. وهذا معنى \"لا إله إلاّ الله\"، لأنّ \"لا إله إلاّ الله\" إيمانٌ بالله وكُفرٌ بالطّاغوت، فقولنا: \"لا إله\" هذا نفيٌ، ينفي جميع المعبودات والطّواغيت، وقولُنا: \"إلاّ الله\" هذا إيمانٌ بالله ﷾ وحده.","vol":"2","page":122},{"text":"وقوله: ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ بيّن ﷾ أنّ عملهم هذا إنما هو إملاءٌ من الشيطان، فهو الذي سوّل لهم هذه الإرادة- إرادة التحاكُم إلى الطّاغوت-، هو الذي سوّل لهم وأملى عليهم هذه الفكرة الخبيثة، يريد أن يُبعدهم ويُغوِيَهم، وليس ضلالًا عاديًّا، بل ﴿ضَلالًا بَعِيدًا﴾ عن الحقّ، يُبعدهم غاية البُعد، فلا يكفيه أنّه يتركهم في مكان قريب، لأنّهم إذا كانوا في مكان قريب ربّما يرجعون، لكن يُبعدهم بُعدًا لا يرون معه الحق أبدًا. هذا الذي يريده الشيطان، فهو الذي يبعد الناس عن تحكيم كتاب الله وسنّة رسوله، لأنّ الشيطان يريد لهم الشّرّ ولا يُريد لهم الخير، ولا يكفيه الانحراف اليسير، لا يرضى إلاّ بالانحراف الكُلِّي والبعيد عن منهج الله ﷾.\nثم- أيضًا- من علاماتهم: أنهم لا يقبلون النّصيحة، لأنّ الشيطان أضلّهم ضلالًا بعيدًا، ولهذا قال: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ﴾ طُلب منهم ونُصحوا أن يرجعوا إلى الحق لا يقبلون، لأنهم تعمّدوا مخالفة الحق، فهم ما تركوا الحقّ عن جهل، ولكنّهم تركوه عن تعمُّد، فلذلك لا يقبلون النّصيحة، ولهذا قال: ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ يعرضون إعراضًا كليًا.\nوالمنافقون: جمع منافق، وهو: الذي أظهر الإسلام وأبطن الكفر، لأنه لَمّا رأى قوة الإسلام لم يستطع معارضته، فلجأ إلى حيلة وهي أن يُظهِر الإيمان من أجل أن يعيش مع المسلمين ويسلَم على دمه وماله، ويَبقَى على الكفر في باطن أمره، فهو أظهر الإسلام خداعًا ومكْرًا، فصار شرًّا من الكافر الخالص، لأنّ الكافر الخالص أخفّ من المنافق، لأنّ الكافر الخالص معلوم ومعروف عداوته، معروف موقفه من الإسلام، لكن هذا موقفه من الإسلام متذبذب، لا هو مع الكفّار ولا هو مع المسلمين ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ﴾، إن صارت الغلبة للكفّار فرح وعاش معهم، وإن صارت العزّة والغَلَبة للمؤمنين عاش معهم، فيُريد أن يعيش مع القوي، وهذا أخسّ المذاهب، وأحطّ المذاهِب، لأنّ الإنسان يجب أن يكون صريحًا، لا يخادع، لكن هؤلاء يخادعون، ولذلك صاروا في الدَّرْك الأسفل من النار ﴿وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرا﴾ .","vol":"2","page":123},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (٦٢)﴾ يعني: إذا نزلت بهم كارثة، أو أنزل الله فيهم قرآنًا يفضحهم جاءوا إلى الرّسول يعتذرون، ويحلفون بالله، وهم أكثرُ الناس حلفًا بالله وهم كاذبون، يحلفون على الكذب وهم يعلمون.\n﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ يقولون: ما أردنا مخالفتك، ولا أردنا مخالفة كتاب الله، ولكن عملنا هذا للمصلحة، وتوفيقًا بين الناس، وهذا ممّا يدلّ على غباوتهم، وعلى قُبْح سجيّتهم، فالاعتذار أخسّ من الفعل، لأنهم يدّعون أن تحكيم غير كتاب الله إحسان وتوفيق، فهذا عذرٌ أقبح من فعل، لأن الإحسان والتوفيق هو بإتّباع كتاب الله وسنّة رسوله ﷺ.\nولَمّا قالوا في إحدى الغزوات: \"ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء، أرغب بطونًا، وأكذب ألسنًا، وأجبن عند اللّقاء\" يعنون: رسول الله ﷺ وأصحابه، وكان قد حضر مجلسهم واحدٌ من المسلمين فذهب وبلّغ الرسول ﷺ، فلمّا علموا جاءوا يركضون يريدون الاعتذار، فوجدوا الوحي قد سبقهم، فأنزل الله على رسوله: ﴿قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾، ما يزيد الرسول على أن يقرأ هذه الآية، وهم متعلِّقون بناقته ﷺ يعتذرون، ولا يلتفت إليهم.\nثم بيّن الله أنهم كاذبون، وأنهم يقولون ما ليس في قلوبهم: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾، فهم يعتذرون إليك في الظّاهر ويحلفون في الظّاهر، وما جاءوا تائبين ونادمين، وإنّما جاءوا مخادعين.\n﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ لا تقبل اعتذارهم، لأنّه اعتذارٌ كاذب، وإنما يُقبل الاعتذار من الإنسان النّادم والإنسان التّائب، والإنسان المخطئ من غير تعمّد، أما الإنسان المتعمِّد للباطل فلا يُقبَل اعتذارُه إلاّ إذا رجع إلى الصواب.\n﴿وَعِظْهُمْ﴾ يعني: الواجب عليك تجاههم: الموعظة، بأن تخوِّفهم بالله ﷿، وتحذّرهم من النّفاق والكذب، وتأمُرهم بالتّوبة، وتبيِّن لهم عقوبة مَن فعل هذا الفعل.\n﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ ﴿فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ قيل: معناه: بيِّن لهم ما","vol":"2","page":124},{"text":"في أنفسهم، وما يبيِّتونه ممّا بيّنه الله لك، وأطلعك عليه. وقيل: معناه: ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: قل لهم خاليًا بهم وحدهم وأسِرَّ إليهم بالنصيحة. ﴿قَوْلًا بَلِيغًا﴾ يعني: كلامًا جَزْلًا فاصلًا يؤثِّر فيهم، ومعنى هذا: أنّك لا تقابلهم باللّين أو بالكلام اللّيّن أو بالملاطفة، لأنهم ليسوا أهلًا لذلك، ولكن قابلهم بالكلام البليغ الزّاجر المخوِّف المروِّع، لأنهم فعلوا فعلًا قبيحًا لا يناسِب معهم الملاطفة والملايَنة.\nثم قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ﴾ يعني: جميع الرّسل- عليهم الصلاة والسلام- ومنهم: محمد ﷺ.\n﴿إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ﴾ بشرعه ودينه، أو بتوفيقه ﷾، فالواجب: طاعة الرسول ﷺ، وعدم مخالفته، ومن طاعته: التحاكُم إليه.\nثم بيّن ﷾: أنّ هؤلاء لو تابوا ورجعوا إلى الله لتاب الله عليهم، فقال: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ يعني: لَمّا حصل منهم ما حصل من التحاكُم إلى غير كتاب الله وسنّة رسوله ﴿جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ﴾ هذا عَرْضٌ للتّوبة. ﴿وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ لأنّ استغفار الرسول ﷺ شفاعةٌ منه ﷺ. وهذا في حياته ﷺ، فهو يستغفر للمذنبين والمسيئين، ويدعو للمسلمين في قضاء حوائجهم، فهو ﷺ في حياته يستغفر ويدعو للمسلمين، أما بعد مماته ﷺ فلا يُذهب إلى قبره، ولا يُطلب منه الاستغفار ولا الدّعاء، لأنّ هذا انتهى بموته ﷺ، ولكن بقي- ولله الحمد- كتابُ الله وسنّة رسوله ﷺ فيهما الخير، وفيهما البَرَكة، وما كان الصّحابة ﵃ يذهبون إلى قبره، ويطلبون منه ذلك.\nأما الذين يستدلّون بهذه الآية على المجيء إلى قبر الرّسول ﷺ والدعاء عنده، وطلب الاستغفار من الرّسول وهو ميّت، فهذا باطل، لأن الصّحابة ﵃ لم يفعلوا هذا، وهم أعلم الأمة وأحرص الأمة على الخير، وما كانوا يأتون إلى قبر الرّسول ﷺ إذا أشكل عليهم شيء، أو نزلت بهم نازلة، أو أصابهم قحط، أو انحباس مطر، أو أصابتهم شدّة من الشّدائد، ما كانت القرون المفضّلة يأتون إلى قبر الرّسول ﷺ، وإنما يطلُبون من الله، وإذا كان فيهم أحدٌ من أهل الصلاح أو من قَرابة الرّسول ﷺ طلبوا منه أن يدعوَ الله لهم، كما فعل عمر ﵁ مع العبّاس بن","vol":"2","page":125},{"text":"عبد المطّلب- عمّ الرّسول ﷺ- لَمّا انحبس المطر واستسقوْا، قال عمر ﵁: \"اللهم إنّا كنا نتوسّل إليك بنبيّك فتسقينا\" يعني: يوم أنْ كان حيًّا﵊، \"وإنّا نتوسّل إليك بعمّ نبيّنا فاسقنا، ادع يا عبّاس\".\nهذا عمل الصّحابة ﵃، ما كانوا يأتون إلى قبر الرّسول ﷺ، بل عدَلوا إلى العبّاس لأنّ العباس حيّ موجود بينهم والرّسول ﷺ ميّت، والحي يقدر على الدعاء والاستغفار، والميت لا يقدر، ومن لم يفرّق بين الحي والميت فهو ميّت القلب.\nوكذلك معاوية بن أبي سفيان ﵁ لَمّا استسقى، طلب من أبي يزيد الجُرَشي أن يدعوَ الله، فدعا، هذا عمل الصّحابة، وهم أفقهُ الأمة وأعلم الأمة، ما كانوا يأتون إلى قبر الرّسول ﷺ، وإنما كانوا إذا قدِموا من سفر يأتون إلى قبر الرّسول ﷺ للزّيارة والسلام على الرّسول ﷺ ثم ينصرفون، ما كانوا يأتون ويدعون عند القبر، أو يطلُبون من الرّسول ﷺ الشّفاعة، أو يطلُبون منه الاستغفار بعد موته هذا لا يجوز، لأنّه من وسائل الشّرك.\nوتدلّ الآية على أن المنافقين لو تابوا تاب الله عليهم، وأنّ مَن تحاكَم إلى غير شريعة الله أنه يجب عليه التّوبة، وإذا تاب تاب الله عليه.\nأما المخادَعة، وأما الكلام الفارغ، وأنّنا ما أردنا بهذه الأُمور إلاّ الخير والإصلاح بين الناس، وما أردنا مخالفة الكتاب والسنّة، فهذا لا يُقبل، ولا اعتذار فيه أبدًا. وتنميق الألفاظ، وتنميق الاعتذارات والحُجج المزخرفة، كل هذا لا يُقبل إلاّ مع التّوبة الصّادقة، وترْك هذا الذنب العظيم.\nكثيرٌ ممّن يحكِّمون القوانين اليوم ممّن يدّعون الإسلام يعتذرون بأعذار باطلة فيقال لهم: إنْ كنتم تريدون الحق فارجعوا عمّا أنتم عليه وتوبوا إلى الله كما عرض الله التّوبة على مَن كان قبلكم. أزيلوا هذه القوانين، وهذه الطاغوتيّة إنْ كنتم صادقين وتوبوا إلى الله، والله يتوب على مَن تاب. أما الاستمرار على الذّنب مع إظهار التّوبة والاستغفار، فهذه مخادَعة لا تجوز، لأن شروط التّوبة: الإقلاع عن الذّنب، والعزم أن لا يعود إليه، والنّدم على ما فات.\nثم قال: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ هذا ردٌّ على دعواهم الإيمان، وهو ردّ مؤكّد بالقسم.","vol":"2","page":126},{"text":"﴿حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ من النِّزاع والاختلاف، وهذا- كما ذكرنا- عامٌّ للاختلاف في الخُصومات الّتي تنشَبُ في الأموال أو غيرها، وفي العقائد، وعامٌّ في الخُصومات في المذاهب والآراء الفقهية، وعام في الخصومات في المناهج الدّعويّة التي انقسم فيها النّاس اليوم، يجب أن يحكَّم فيها كتاب الله وسنّة رسوله، فإن لم يُفعلوا فليسوا بمؤمنين، لأن الله أقسم سبحانه على نفي الإيمان عن من لم يعمل هذا العمل.\nثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾ أما مَن تحاكَم إلى الشّريعة ولكنّه قَبِل الحُكم على مَضَض، وهو يجد في نفسه كراهية لهذا الحكم فهذا ليس بمؤمن، لابدّ أن يقبَل هذا الحُكْم عن اقتناع، أما إنْ قَبِلَه مضطّرًّا وأغمض عليه إغماضًا فهذا ليس بمؤمن.\nثم قال تعالى: ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ينقادون انقيادًا تامًا.\nفهذه ثلاثة أمور:\nأولًا: يحكِّموك فيما شَجَر بينهم.\nثانيًا: أن لا يجدوا في أنفسهم حرجًا من حكم الله ورسوله.\nثالثًا: ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ينقادون انقيادًا لحكم الله ورسوله.\nفبهذه الأمور الثلاثة يثبُت الإيمان بها ويتحقّق.\nفالذي لا يحكِّم كتاب الله وسنّة رسوله ليس بمؤمن، والذي يحكِّم كتاب الله وسنّة رسوله ولا يرضى به، وإنما يقبَله مجامَلة، أو لأجل غَرضٍ من الأغراض هذا ليس بمؤمن، والّذي لا ينقاد ولا يسلِّم، هذا ليس بمؤمن.\nثم- أيضًا- ليس المقصود من التحاكُم إلى الشريعة هو مجرّد تحقيق الأمن والعَدالة بين الناس، فهذا لا يكفي، لابدّ أن يكون تحكيم الشريعة تعبُّدا ًوطاعةً لله، فالّذين يحكِّمون الشّريعة من أجل ما فيها من المصالح والعدل بين الناس فقط، فهذا لا يدلّ على الإيمان، لابد أن يكون تحكيم الشّريعة صادرًا عن إيمان وتعبُّد لله ﷿ وطاعةً لله ﷿، لأنّ هذا من التّوحيد، أمّا الذي لا يقبل من الشّريعة إلا المصالح الدنيويّة والعدالة الحاصلة بين الناس في هذه الدنيا فهذا لا يكفي، بل يحكِّم الشريعة","vol":"2","page":127},{"text":"وقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١)﴾ .\nوقوله: ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا﴾ .\nــ\nطاعةً وتعبُّدًا، وخُضُوعًا لحكم الله ﷾، ولهذا صار تحكيم الشّريعة من التّوحيد.\nوالشّاهد من الآيات للباب واضح، أنّها تدلّ على أنّ تحكيم الشّريعة والتحاكُم إليها من توحيد الله ﷿، وأنّ ترْكَ ذلك من الشّرك بالله ومن صفات المنافقين.\nقوله ﵀: \"وقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١)﴾ \" هذه الآية في سياق الآيات التي ذكرها الله في مطلَع سورة البَقرة في المنافقين أي إذا قيل للمنافقين: لا تُفسدوا في الأرض بالمعاصي، ومن أشدّ المعاصي: التحاكُم إلى غير ما أنزل الله، وهذا وجه إيراد الآية في هذا الباب وهو أنّ تحكيم غير شريعة الله من الإفساد في الأرض، وأن تحكيم شريعة الله هو صَلاح الأرض، فكذلك بقيّة الطّاعات، فصلاح الأرض إنّما يكون بطاعة الله ﷿ وفساد الأرض إنّما يكون بمعصية الله ﷿، فالمعاصي تُحدِثُ الفساد في الأرض من نُضوب المياه، وانحباس الأمطار، وغلاء الأسعار، وظُهور المعاصي والمنكَرات، كلّ هذا فسادٌ في الأرض، ولا صلاح للأرض إلا بطاعة الله ﷿، ولا عِمارة للأرض إلاّ بطاعة الله ﷿.\nفالمنافقون إذا قيل لهم: اترُكوا النّفاق لأنّ النفاق فساد، ﴿قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾، وهذا من فساد الفِطْرة، حيث يعتقدون أنّ ما هم عليه هو الإصلاح، وأنّ ما عليه المؤمنون هو الفساد. وهكذا كلّ صاحب مذهب فاسد، يدّعي أن مذهبه إصلاح في الأرض، وأنّه تقدّم، وأنه رُقيّ، وأنّه حضارة، وأنّه، وأنه، إلى آخره.\nوكما ذكرنا: أنّ التحاكُم إلى كتاب الله من الإصلاح في الأرض، والتحاكُم إلى غير كتاب الله من الإفساد في الأرض، فيكون هذا وجه سِياق المصنِّف ﵀ لهذه الآية في هذا الباب.\nقال ﵀: \"وقوله: ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا﴾ \" هذه الآية من سورة الأعراف.","vol":"2","page":128},{"text":"وقوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ الآية.\nــ\nوهذه كآية سورة البقرة تمامًا ومعناها لا تُفسدوا في الأرض بالمعاصي، والشّرك بالله ﷿، وتحكيم غير ما أنزل الله، ﴿بَعْدَ إِصْلاحِهَا﴾ بإرسال الرُّسل وإنزال الكتب والإيمان بالله ﷿، فالله أصلح الأرض بإرسال الرُّسل وإنزال الكُتب وحُصول الإيمان فيها، فلا يجوز أن تُغَيَّر نعمةُ الله ﷿ وتُسْتَبْدَل بضدّها، فيكون بعد التّوحيد الشرك، ويكون بعد تحكيم كتاب الله تحكيم القوانين الوضعيّة والعوائد الجاهليّة، ولا يكون بعد الطّاعات المعاصي والمخالفَات.\nقال ﵀: \"وقوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ المراد بالجاهلية: ما كان قبل الإسلام، كان أهل الجاهليّة على ضلالة، ومن ذلك: التّحاكم، كانوا يتحاكمون إلى الكُهّان، وإلى السحرة، وإلى الطّواغيت، وإلى العوارِف القَبَليّة.\nفهؤلاء المنافقون الذين ادّعوا الإسلام يريدون حكم الجاهليّة، ولا يريدون حكم الله ﷾، ولا يريدون أن ينتقلوا من حكم الجاهلية إلى حكم الشريعة، بل يريدون البقاء على حكم الجاهلية، وهذا مذهب المنافقين دائمًا ومَن سار في رَكْبِهم.\nوهذا استنكارٌ من الله ﷾ لمن يريد أن يستبدل الشّريعة بالقوانين الوضعيّة، لأنّ القوانين الوضعيّة هي حكم الجاهليّة، لأنّ حكم الجاهلية أوضاع وضعوها ما أنزل الله بها من سلطان، والقوانين الوضعيّة أوضاع وضعها البشر، فهي وحكم الجاهليّة سواء لا فرق، فالذي يريد أن يحكم بين الناس بالقوانين الوضعيّة يريد حكم الجاهليّة الذي أراده المنافقون من قبل.\nثم قال: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ﴿مَنْ﴾ بمعنى: لا، أي: لا أحد أحسنُ من الله حكمًا، لأنّ الله ﷾، عليم حكيم خبير، يعلم ما يصلُح به العباد، ويعلم حوائج النّاس، ويعلم ما يُنْهِي النزاعات بين النّاس، ويعلم العواقب وما تؤول إليه، فهو تشريعٌ من عليم حكيم ﷾، لا يستوي هو والقوانين التي وضعها البشر، الذين عقولهم قاصرة وتدخُلهم الأهواء والرّغبات، وعلمهم محدود، إنْ كان عندهم علم، لا يشرِّع للبشر إلاّ خالق البشر الذي يعلم مصالحهم، وبعلم ما تنتهي إليه أُمورهم، ولهذا قال: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ﴾ أي: لا أحد أحسنُ حكمًا من الله،","vol":"2","page":129},{"text":"وعن عبد الله بن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: \"لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لَمّا جئت به\" قال النووي: (حديث صحيح، رويناه في كتاب \"الحجة\" بسند صحيح\".\nــ\nوأفعل التفضيل هنا على غير بابه، فليس هناك طرفان، أحدهما أفضل من الآخر، فحكم البشر ليس فيه حسن أبدًا، وإنما حكم الله هو الحسن وحده.\nقال: \"وعن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: \"لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لِمَا جئت به\".\nقوله ﷺ: \"لا يؤمن أحدُكم\" هذا نفيٌ للإيمان الكامل، وليس نفيًا للإيمان كلِّه، لأنّه قد يأتي نفي الإيمان، ويُراد نفي الإيمان الكامل كما في قوله ﷺ: \"لا يؤمن أحدُكم حتى يحبَّ لأخيه ما يحبّ لنفسه\"، ومثل قوله ﷺ: \"لا يزني الزّاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرِق السّارق حين يسرِق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن\" فالمراد بهذَا: نفيُ الإيمان الكامل، لا نفي مطلَق الإيمان، فإنّ الفاسق يكون معه من الإيمان ما يصحّ به إسلامُه، أمّا الذي ليس معه إيمان أصلًا، فهذا كافرٌ خارجٌ من الملّة. وهذا مذهب أهل السنّة والجماعة: أن الفاسق لا يُسْلَب مطلَق الإيمان، ولا يعطى الإيمان المطلَق، فلا يُسلب لمطلق الإيمان بحيث يكون كافرًا كما تقوله الخوارج والمعتزلة، ولكنه لا يُعطى الإيمان المطلق كما تقوله المرجئة، وإنما يُقال: \"مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته\"، أو يُقال: \"مؤمنٌ ناقص الإيمان\"، لأنّ الذين يقولون: إن صاحب الكبيرة مؤمن كامل الإيمان، هم المرجئة، والذين يقولون: إن صاحب الكبيرة كافرٌ خارجٌ من الإيمان وليس معه من الإيمان شيء، هؤلاء هم الخوارج والمعتزلة.\nوأهل السنّة- ولله الحمد- وسط بين هذين المذهبين، فلا يسلِبون مرتكب الكبيرة الإيمان بالكُلِيّة، ولا يُعطونه الإيمان الكامل، وإنما يسمّونه مؤمنًا فاسقًا أو مؤمنًا ناقص الإيمان.\nوقوله ﷺ: \"حتى يكون هواه\" الهوى مقصور، معناه: تكون محبّته ورغبته تابِعةً لِمَا جئتُ به، فما جاء به الرّسول ﷺ أحبّه، وما خالف ما جاء به الرّسول ﷺ أبغضه، هذا هو المؤمن الذي يحبّ ما جاء به الرّسول ﷺ ويُبغض ما خالفه.","vol":"2","page":130},{"text":"\"تبعًا لِمَا جئتُ به\" من الشّريعة والكتاب والسنّة، فهذه علامةٌ واضحة بين أهل الإيمان وأهل الكفر.\nقوله: \"قال النّووي\" الإمام أبو زكريّا يحيى بن شَرَف النّووي، صاحب التصانيف العظيمة في الإسلامِ كـ \"شرح صحيح الإمام مسلم\"، \"وروضة الطالبين\" في الفقه، وغير ذَلك من المصنّفات العظيمة، وقد تُوفّي ﵀ وهو شابّ في الأربعين من عُمُره.\nوقوله: \"رَوَيْنَاهُ في كتاب الحُجّة\" وهو كتابٌ لأبي الفتح نصرْ بن إبراهيم المقدِسي الشّافعي، سماه: \"الحُجّة على تارك المَحَجَّة\"، وهو كتابٌ في التوحيد يردّ فيه على المبتدعة وأصحاب المقالات الباطلة في العقيدة، فيُعتبر من كتب العقيدة وهو مطبوع محقق.\n\"بسند صحيح\" الإسناد تؤيِّده الأدلّة من الكتاب والسنّة، فإنّ المؤمن يجب أن يكون محبًّا وراغبًا فيما جاء به النبي ﷺ، ومبغضًا لِمَا سواه، قال الله ﷾: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللهِ إِنَّ اللهَ﴾، وقال ﷾: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ فالذي لا يأخذ من الشرع إلاّ ما يوافق هواه ويترك ما خالف هواه ورغبته إنَّما يتّبع هواه، وقد اتّخذ هواه إلهًا يطيعُه فيما يريد وفيما يكره، أما الذّي يتّخذ الله جل وعلا إلهًا فإنه يتبع ما جاء عن الله سواءً وافق رغبته أو خالف رغبته، فإنّ الله وصف المنافقين بأنهم لا يأخذون إلاّ ما وافق أهواءهم، قال ﷺ: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩)﴾ يعني: إذا كان الحكم لهم جاءوا، وإذا كان الحكم عليهم لم يأتوا ولا يقبلون، وهذا نفاق، وفي آخر الآيات السابقة: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ .\nوهذا كلّه يشهد لهذا الحديث الذي رواه عبد الله بن عمر ﵄.\nثم ذكر المؤلِّف- رحمه الله تعالى- سببين من أسباب نُزول قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾:","vol":"2","page":131},{"text":"وقال الشعبي: كان بين رجل من المنافقين ورجل من اليهود خصومة، فقال اليهودي: نتحاكم إلى محمد. عرف أنه لا يأخذ الرشوة، وقال المنافق: نتحاكم إلى اليهود. لعلمه أنهم يأخذون الرشوة، فاتفقا أن يأتيا كاهنًا في جهينة فيتحاكما إليه، فنزلت: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ الآية.\nــ\nالسبب الأول:\nقوله: \"قال الشّعبي: كان بين رجلٍ من المنافقين ورجل من اليهود خُصومة، فقال اليهودي: نتحاكم إلى محمد\" لأنّه يعرف أن محمدًا ﷺ لا يأخذ الرشوة.\n\"وقال المنافق: نتحاكم إلى اليهود. لعلمه أنهم يأخذون الرشوة\" والرّشوة مثلّث الرّاء، يقال: رِشوة، ورَشوة، ورُشوة، هي: ما يدفعه أحدُ الخصمين للحاكم من أجل أن يقضي له، وما يدفعه للموظّف أحدُ المراجعين من أجل أن يقدِّم معاملته على معاملة غيره من المستحقِّين، أو من أجل أن يعطيه ويحرِم المستحقِّين، أو من أجل أن يعطيه حقّه الذي ليس فيه ضرر على أحد، فهذه رشوة، سواء كانت للقاضي في المحكمة، أو كانت لموظّف في أحد الدوائر الحُكوميّة، من أجل أن يتلاعب بحقوق المراجعين، ويقدِّم من لا يستحقّ التقديم، ويؤخّر من يستحقّ التقديم، أو يعطي من لا يستحقّ، ويحرِم المستحقّ في الوظائف أو في أيّ شيء من المراجَعات.\nوالرّشوة سُحْتٌ: قال النبي ﷺ: \"لعن الله الراشي والمرتشي\" الراشي هو: الذي يدفع الرّشوة، والمرتشي هو: الذي يأخُذ الرشوة، وقد سمّاها الله سُحْتًا في قوله عن اليهود: ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾، والمراد بالسُّحت: الرّشوة، لأنّ الرشوة تُفسد المجتَمَع، فتفسد الحُكّام، والقُضاة، والموظّفين، وتضرّ أهل الحق، وتقدِّم الفُسّاق، ويحصُل بها خللٌ عظيم في المجتمع.\nفالرشوة وَباءٌ خطير، إذا فَشَتْ في المجتمع خَرب نظامُه، واستطال الأشرار على الأخيار، وأُهين الحقّ، فهي سُحْتٌ وباطلٌ، وهي من أعظم الحرام- والعياذ بالله- قال الله ﷾: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا","vol":"2","page":132},{"text":"وقيل: نزلت في رجلين اختصما، فقال أحدهما: نترافع إلى النبي ﷺ، وقال الآخر: إلى كعب بن الأشرف، ثم ترافعا إلى عمر، فذكر له القصة، فقال للذي لم يرضَ برسول الله ﷺ: أكذلك؟، قال: نعم. فضربه بالسيف فقتله.\nــ\nفَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْأِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨)﴾ قيل: هذه الآية نزلت في الرّشوة التي تُدفع للحُكّام من أجل أكل أموال النّاس بالباطل، سُمِّيت رشوة؛ مأخوذة من الرِّشاء وهو الحبل الذي يُتَوَصِّل به إلى استنباط الماء من البئر، فكأن مقدِّم الرشوة يريد سحب الحكم أو جذب الحكم لنفسه دون غيره، من ذلك سمّيت رشوة.\nفهذا اليهودي طلب التحاكم إلى الرسول ﷺ لعلمه أن الرسول لا يأخذ الرشوة لأن الرشوة سُحْتٌ وحرام وباطل، والرسول ﷺ جاء بالحقّ والعدل بين الناس.\nوأما المنافق- مع أنه يزعُم الإيمان- طلب أن يتحاكم إلى اليهود لعلمه أنّ اليهود يأخذون الرشوة، فقد قال الله تعالى فيهم: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ .\n\"ثم اتّفقا أن يأتيا كاهنًا\" والكاهن هو الذي يتلقّى عن الشّياطين في استراق السمع، فالكاهن يستخدم الشياطين، وتُخبره بأشياء من الأمور الغائبة، فيُخبِر بها الناس ويكذب معها.\n\"في جُهينة\" وجهينة: قبيلة معروفة، وبقال: إنها حيٌّ من قُضاعَة، وهي قبيلة كبيرة.\n\"فنزلت: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ \".\nفيكون هذا أحد القولين في سبب نزول الآية الكريمة.\nوالسبب الثاني لنزول الآية:\nأنها: \"نزلت في رجلين اختصما، فقال أحدهما: نترافع إلى النبي ﷺ، وقال الآخَر: إلى كعْب بن الأَشْرف\" وكعب بن الأشرف زعيمٌ من زعماء اليهود، وهو عربيّ من قبيلة طَيِّء، ولكن كان أخوالُه من اليهود من بني النّضير، فتهوّد، وكان من أَلَدِّ خُصوم رسول الله ﷺ، وهو الذي ذهب إلى أهل مكّة بعد غزوة بدر يرثي قتلى","vol":"2","page":133},{"text":"المشركين، ويحرّض أهل مكّة على غزو رسول الله ﷺ، وهو الذي أنزل الله تعالى فيه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥٠)﴾، ثم رجع إلى المدينة وجعل يُنشد الأشعار في ذمّ رسول الله ﷺ، ويحرِّض الناس عليه، فقال النّبي ﷺ: \"مَنْ لي بكعب بن الأشْرَف فقد آذى الله ورسوله؟ \" فانتدب محمد بن مَسْلَمة الأنصاري ﵁، واستأذن رسول الله ﷺ في قتله، فخرج هو ورجالٌ معه إلى كعب بن الأشرَف باللّيل، فدعوه فنزل إليهم، فقتلوه وأراحوا المسلمين من شرّه، لأنّه لَمّا خان الله ورسوله، وصار يؤذي رسول الله ﷺ انتقض عهده، فأهدر النّبي ﷺ دمه، وأَمر هؤلاء بقتله، فقتلوه بأمر النّبي ﷺ، وأراح الله المسلمين من شرّه.\n\"ثم ترافعا إلى عمر\" وكلّ هذا محاولة للابتعاد عن حكم الله ورسوله.\n\"فذكر له\" أحدُهما \"القصّة\" يعني: سبب مجيئهما.\n\"فقال\": عمر ﵁: \"للّذي لم يرضَ برسول الله ﷺ: أكذلك؟، قال: نعم. فضربه بالسّيف فقتله\" لأنّه مرتدّ عن دين الإسلام، أو لأنّه لم يُسْلِم من الأصل، ولكنّه أظهر الإسلام نفاقًا، والمنافق إذا ظهر منه ما يعارِض الكتاب والسنّة وَجَب قتلُه دفعًا لشرّه، ولكنّ النبيّ ﷺ لم يقتل المنافقين كعبد الله بن أُبيّ وغيره، درْءًا للمفسدة، لئلاّ يتحدّث الناس أنّ محمدًا يقتُل أصحابه. فالرّسول ﷺ ارتكب أخفّ، المفسدتين- وهي: ترك قتله- لدفع أعلاهما وهو قول الناس: محمد يقتل أصحابه.\nهذا وجه كون الرّسول لم يقتل المنافقين مع عداوتهم لله ولرسوله، لأنّه خشي من مفسدة أكبر.\nفدلّت هذه النّصوص في هذا الباب العظيم على أحكام عظيمة:\nأوّلًا: في الآيات والحديث: وُجوب التحاكُم إلى كتاب الله وسنّة رسوله ﷺ، وأنّ هذا هو مقتضى الإيمان.\nثانيًا: وُجوب تحكيم الكتاب والسنّة في كلّ المنازَعات، لا في بعضها دون بعض، فيجب تحكيمها في أمر العقيدة، وهذا أهمّ شيء، وفي المنازعات الحقوقيّة","vol":"2","page":134},{"text":"بين الناس، وفي المنازعات المنهجيّة والمذاهب والمقالات، وفي المنازعات الفقهية: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ﴾ \"، أما الذي يريد أن يأخُذ جانبًا فقط، ويترك ما هو أهمّ منه، فهذا ليس تحاكُمًا إلى كتاب الله، فما يقوله دعاة الحاكميّة اليوم ويريدون تحكيم الشريعة في أُمور المنازعات الحقوقيّة، ولا يحكِّمونها في أمر العقائد، ويقولون: النّاس أحرار في عقائدهم، يكفي أنّه يقول: أنا مسلم، سواءً كان رافضيًّا أو كان جهميًا أو معتزليًّا، أو.. أو.. إلى آخره، \"نجتمع على ما اتفقنا عليه، ويعذُر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه\" هذه القاعدة التي وضعوها، ويسمونها: القاعدة الذهبية. وهي في الحقيقة: تحكيم للكتاب في بعض، وترك له فيما هو أهمّ منه، لأنّ تحكيم الشريعة في أمر العقيدة أعظم من تحكيمها في شأن المنازعات الحُقوقية، فتحكيمُها في أمر العقيدة وهدم الأضرحة ومشاهد الشرك، ومقاتلة المشركين حتى يؤمنوا بالله ورسوله، هذا أهمّ، فالذي إنما يأخذ جانب الحاكميّة فقط ويُهمِل أمر العقائد، ويُهمِل أمر المذاهب والمناهج التي فرّقت الناس الآن، ويُهمل أمر النّزاع في المسائل الفقهيّة، ويقول: أقوال الفقهاء كلها سواء، نأخذ بأيّ واحدٍ منها دون نظر إلى مستنده. فهذا قول باطل، لأن الواجب أن نأخذ بما قام عليه الدليل، فيحكَّم كتاب الله في كلّ المنازَعات العَقَديّة، وهذا هو الأهم، والمنازَعات الحُقوقيّة، والمنازَعات المنهجيّة، والمنازَعات الفقهيّة، ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ﴾ هذا عامّ، ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللهِ ذَلِكُمُ اللهُ﴾ هذا عام أيضًا.\nوهؤلاء الذين جعلوا الحاكميّة بدل التوحيد غالطون، حيث أخذوا جانبًا وتركوا ما هو أعظم منه، وهو العقيدة، وتركوا ما هو مثله- أو هو أعظم منه- وهو المناهج التي فرّقت بين الناس، كلّ جماعة لها منهج، كل جماعة لها مذهب، لم لا نرجع إلى الكتاب والسنّة ونأخذ المنهج والمذهب الذي يوافق الكتاب والسنّة ونسير عليه.\nوالحاصل؛ أنّ تحكيم الكتاب والسنّة يجب أن يكون في كلّ الأُمور، لا في بعضها دون بعض، فمن لم يحكِّم الشريعة في كلّ الأمور كان مؤمنًا ببعض الكتاب وكافرًا ببعض شاء أم أبى، ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ .","vol":"2","page":135},{"text":"المسألة الثالثة: في هذه النصوص تفسير الطّاغوت، وأنّ من معانيه: كل بغير ما أنزل الله.\nالمسألة الرّابعة: في هذه النصوص دليل على أنّ مَن اختار حكم الطاغوت على حكم الله، أو سوّى بين حكم الله وحكم الطّاغوت وادّعى أنّه مخيّر بينهما أنّه كافر بالله خارجٌ من الملّة، لأن الله تعالى قال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا﴾ فكذّبهم في دعواهم الإيمان ما داموا يتحاكمون إلى الطّاغوت، لأنّه لا يمكن الجمع بين النّقيضين، فمن اختار حكم الطّاغوت على حكم الله أو سوّى بينهما وقال: هما سواء، إنْ شئنا أخذنا بهذا، وإنْ شئنا أخذنا بهذا، أو قال: تحكيم الطاغوت جائز، أو حَكَم بالشريعة في بعض الأمور دون بعض، فهذا كافر بالله. كالذين يحكِّمون الشريعة في الأحوال الشخصية فقط. أما من حَكَم بغير ما أنزل الله لهوىً في نفسه، وهو يعترف ويعتقد أن حكم الله هو الحق، وحكم غيره باطل، ويعترف أنه مخطئ ومذنب، فهذا يكفر كفرًا أصغر لا يخرج من المِلّة.\nالمسألة الخامسة: في حديث عبد لله بن عمرو وفي آخر الآيات: ﴿ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ دليل على أنّ علامة الإيمان: أن يقتنع بحكم الله ورسوله، فإن لم يقتنع وكان في نفسه شيء من عدم الاطمئنان فهذا دليلٌ على ضعف إيمانه، أو على عدم إيمانه، لقوله ﷺ: \"لا يؤمن أحدُكم حتى يكون هواهُ تَبعًا لِمَا جئتُ به\"، قال تعالى: ﴿ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ . فمن علامة الإيمان: الاطمئنان لحكم الله ورسوله، سواءً كان له أو عليه، فلا يجد في نفسه شيئًا من التّبرُّم أو الكراهية حتى ولو كان الحكم عليه.\nالمسألة السّادسة: في سبب نزول الآية: دليل على تحريم الرّشوة، لأنّها من أكل المال بالباطل، ولأنّها تسبّب تغيير الأحكام عن مجراها الصحيح، وأنّها من صفة اليهود، فمن أخذها من هذه الأمّة فقد تشبّه باليهود، وقد قال ﷺ: \"من تشبّه بقوم فهو منهم\"، مع ما فيها من أكل المال بالباطل مع ما فيها من إفساد الحكم، ونشر الفوضى في الحُقوق، وهي شرٌّ كلّها.","vol":"2","page":136},{"text":"المسألة السّابعة: في الحديث دليل على وُجوب قتل المنافق إذا ظهر منه ما يعارض الكتاب والسنّة، لأنّه أصبح مفسدًا في الأرض، فيجب على ولي الأمر قتله إلاّ إذا ترتب على قتله فساد أكبر.\nالمسألة الثامنة: في قوله: ﴿ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ أنّه لا يُقبل اعتذار من تحاكَم إلى غير الكتاب والسنّة، لأنّ الله أنكر عليهم ذلك، وهم ﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾، فلا يُقبل اعتذار مَن حكّم غير الكتاب والسنّة، ولو اعتذر بما اعتذر فإنّه لا عُذر له، لأنّ الله لم يقبل منهم هذا الاعتذار.\nالمسألة التاسعة: في قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ فيه: قَبول التّوبة من المرتدّ، فإنّ الله عرَض عليهم التّوبة مع ردّتهم في تحكيم غير ما أنزل الله أنهم لو تابوا تاب الله عليهم.\nوالمسألة العاشرة: فيه أن طلب الدّعاء من الرّسول ﷺ إنما هو في حال حياته، بدليل أن الصّحابة ﵃ ما كانوا يأتون إلى قبره ﷺ يطلبون منه الاستغفار والدعاء، وهم القدوة، وخير القرون، وأعلم الناس بتفسير القرآن ولأنه سبحانه قال: ﴿إِذْ ظَلَمُوا﴾ وإذ ظرف لما مضى من الزمان. ولم يقل: \"إذا ظلموا\" لأن إذا ظرف لما يستقبل من الزمان.\nوما يذكرونه من قصة الأعرابي الذي جاء إلى قبر النبي ﷺ وطلب منه الاستغفار بعدما تلا الآية: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا ...﴾، فهي قصة مختلقة لا أصل لها، ولو صحّت لم يجز الاستدلال بها، لأنها فعل أعرابي جاهل مخالف لما عليه الصّحابة، وهم أعلم الأمة بما يُشرع وما لا يُشرع. وديننا لا يُؤخذ من القصص والحكايات، وإنما يُؤخذ من الكتاب والسنّة وهدي السلف الصالح.\nقال الشيخ ﵀: \"فيه مسائل:\nالمسألة الأولى: تفسير آية النساء، وما فيها من الإعانة على فهم الطاغوت\" أي: أنّ الطاغوت هو من يحكُم بغير ما أنزل الله، سمّاه الله طاغوتًا.\nالثانية: تفسير آية البقرة: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ ...﴾ الآية\" أي:","vol":"2","page":137},{"text":"ومن أعظم الإفساد في الأرض: التحاكُم إلى غير ما أنزل الله.\n\" الثّالثة: تفسير آية الأعراف: ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا﴾ \" أي: أن مِن أعظم الإفساد في الأرض بعد إصلاحها: تحكيم غير الشّريعة.\n\" الرّابعة: تفسير: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ \" أي: أنّ حكم الجاهلية هو الحكم بغير ما أنزل الله، فكلّ حكم يخالف حكم الله فإنّه حكم الجاهلية في أيّ وقت، ولو سُمّي قانونًا، أو نظامًا، أو دستورًا، أو سُمّي ما سُمّي، فإنّه حكم الجاهليّة.\n\" الخامسة: ما قال الشّعبي في سبب نزول الآية\" أي: أن الشّعبي ذكر سبب نزول الآية الأولى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾، وأنّها نزلت في رجلين أرادا التحاكم إلى غير الرسول ﷺ فنفى الله الإيمان عمن أراد ذلك؛ مجرد نية فكيف إذا نفذ هذا!.\n\" السّادسة: تفسير الإيمان الصادق والإيمان الكاذب\" أي: أن من الإيمان الصّادق: تحكيم ما أنزل الله ﷿، والإيمان الكاذب هو تحكيم الطاغوت ولو ادعى الإيمان بالله.","vol":"2","page":138},{"text":"[الباب الأربعون:]\n* باب من جحد شيئًا من الأسماء والصّفات\nــ\nقول الشيخ ﵀: \"بابُ مَنْ جَحَد شيئًا من الأسماء والصّفات\" أي: ما حكمُه؟، وما دليل ذلك؟.\nومناسبة الباب: أنه لَمّا كان التّوحيد ثلاثة أنواع: توحيد الرُّبوبية، وتوحيد الأُلوهيّة، وتوحيد الأسماء والصّفات، وكان غالبُ هذا الكتاب في النّوع الثّاني وهو توحيد العبادة، لأن فيه الخُصومة بين الرُّسل والأُمم، وهو الذي كثرُ ذكره في القرآن الكريم وتقريرُه والدّعوة إليه، فهو الأساس، وهو معنى شهادة أن لا إله إلاَّ الله، وهو الذي خلق الله الخلْق من أجله كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ .\nوأما النّوع الأوّل وهو توحيد الرّبوبيّة: فهذا أكثرُ الأُمم مقرّة به، خصوصًا الذين كانوا في وقت نُزول القرآن من كُفّار قريش وكُفّار العرب كانوا مقرِّين بتوحيد الرّبوبيّة، فهم يعتقدون أنّ الله هو الخالق الرّازق، المحيي، المميت، المدبِّر يعترفون بذلك كما جاءت آياتٌ في القرآن الكريم تبيّن ذلك: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩)﴾، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾، ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾، ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾، هذا شيءٌ متقرِّر، ولكنّه لا يُدخِلُ في الإسلام، فمن أقرّ به واقتصر عليه ولم يقرّ بالنوع الثّاني وهو توحيد العبادة، ويأت به فإنه لا يكون مسلِمًا ولو أقرّ بتوحيد الرّبوبيّة.\nأمّا النوع الثّالث: وهو توحيد الأسماء والصّفات، فهو في الحقيقة داخل في توحيد الربوبية.\nومن أجل هذا؛ بعض العلماء يُجمِل ويجعل التوحيد نوعان:\nتوحيدٌ في المعرفة والإثبات، وهو توحيد الرّبوبية والأسماء والصّفات وهو التوحيد العلمي.\nوتوحيد في الطّلب والقصد وهو التوحيد الطَّلَبي العملي، وهو توحيد الأُلوهيّة.","vol":"2","page":139},{"text":"وقول الله تعالى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ الآية.\nــ\nولكن لما وجدت طوائف من هذه الأمة افترقت عن مذهب السلف، وصار لها رأي في الأسماء والصفات تخالف الحق؛ جعل هذا قسما ثالثا من أجل الرد عليهم وبيانه للناس، فجعل التوحيد ثلاثة أقسام: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات، لأن هذا التقسيم تفصيلي، والتقسيم الأول إجمالي.\nوقد وجدت نابتة في الآونة الأخيرة على طريقة علماء الكلام تجعل التوحيد قسما واحدا هو: توحيد الربوبية فقط، وتنكر ما عداه، فلم يزيدوا على ما أقر به المشركون، ولم يعلموا - أو هم يتجاهلون - أن القرآن الكريم قد دل على التوحيد بأقسامه الثلاثة في آيات كثيرة.\nوجدت طائفة أخرى تقول: إن التوحيد أربعة أقسام، وتزيد من عندها توحيد الحاكمية، ولم تعلم أن هذا القسم الذي زادوه هو قسم من توحيد الألوهية، وليس قسيما له. ويجوز اعتباره من توحيد الربوبية من ناحية أن التشريع من اختصاص الرب ﷾.\nوقد تكلم الشيخ على توحيد الألوهية في معظم أبواب هذا الكتاب أول باب منه يقول: \"كتاب التوحيد، وقول الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ فاعتنى بتوحيد الألوهية، لأنه هو المقصود، وتوحيد الربوبية دليل عليه، وداخل في ضمنه.\nثم ذكر في هذا الباب توحيد الأسماء والصفات، ولم يذكر توحيد الربوبية، لأن توحيد الربوبية معترف به عند جميع الخلق، وتقر به حتى الأمم الكافرة على جاهليتها وشركها، ولكنه خص باب الأسماء والصفات هنا لأن منكريه من هذه الأمة من الفرق الضالة كثيرون.\nفأراد بهذا الباب أن يبين حكم هذه الفرق المخالفة في هذا النوع العظيم من أنواع التوحيد.\nولهذا قال: \"باب من جحد الأسماء والصفات \" أي: بيان حكمه.\nقال: \"وقول الله تعالى: وهم أي: المشركون.","vol":"2","page":140},{"text":"\" ﴿يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ \" أي: ينكرون هذا الاسم الكريم، ويجحدونه.\nويوضّح ذلك سبب نزول الآية، وهو: أنّ كُفّار قريش لَمّا سمعوا رسول الله ﷺ يذكُر الرحمن، قالوا: وما الرّحمن؟، لا نعرف الرّحمن إلاَّ رحمن اليمامة. يَعْنُون: مسيلِمة الكذّاب، وذلك عندما صالح النّبي ﷺ المشركين في الحديبيَة، وأراد أن يكتُبَ الصُّلْح، ونادى عليَّ بن أبي طالب ليكتُب الصُّلْح، فقال له: \"اكتب: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ \"، قالوا: لا نعرف الرّحمن إلاَّ رحمن اليمامة، ولكن اكتُب باسمك اللهم. فأنزل الله تعالى: \" ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ \".\nوكذلك لَمّا كان النّبي ﷺ في مكّة، وكان يصلِّي ويدعو في سُجوده: \"يا الله، يا رحمن\"، فقال المشركون لَمّا سمعوه: انظروا إلى هذا يزعُم أنّه يعبُد ربًّا واحدًا وهو يدعو ربّين: الله والرّحمن، قال الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ .\nبيّن سبحانه أنّ أسماءه كثيرة، وتعدُّد الأسماء لا يدلّ على تعدُّد المسمّى، بل تعدُّد الأسماء يدّل على عظمة المسمّى، والله جل وعلا له أسماء كثيرة، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾، وقال ﷾: ﴿اللهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾، وقال تعالى في آخر سورة الحشر: ﴿هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ...﴾ إلى قوله: ﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾، فالله له أسماءٌ كثيرة، كلّها حسنى، يعني: تامّة عظيمة، تشتمِل على معان جليلة.\nوفي الحديث الصحيح: أنّ النّبي ﷺ قال: \"إنّ لله تسعة وتسعين اسمًا مَنْ أحصاها دخل الجنّة\"، وفي دعاء النّبي ﷺ: \"أسألُك بكل اسم هو لك سمّيت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علّمته أحدًا من خلقك\"، فدلّ على أنّ أسماء الله كثيرة لا يعلمها إلاَّ الله ﷾.\nوكثرة الأسماء الحسنى تدلّ على عظمة المسمّى.\nفكل اسم يُدعى به ويُطلب منه تعالى ما يتضمّنه ذلك الاسم من الرحمة والمغفرة والتّوبة وغيرها.","vol":"2","page":141},{"text":"وفي صحيح البخاري: قال علي: \"حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يُكَذَّب الله ورسوله؟! \".\nــ\nوقوله: ﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾ يعني: توسّلوا إليه بها في دعائكم، كأن تقول: يا رحمن ارحمني، يا غفور اغفر لي، يا توّاب تُب عليّ، يا رازق ارزقني.. وهكذا.\n﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ يعني: يُنكرونها، أو ينكرون معانيها ويحرفونها، توّعدهم الله بقوله: ﴿سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ .\nوالإيمان بأسماء الله وصفاته هو مذهب أهل السنّة والجماعة من الصّحابة والتّابعين، وأتباعهم إلى يوم القيامة، فأهلُ السنّة والجماعة يؤمنون بأسماء الله وصفاته التي سمّى الله تعالى بها نفسه، أو سمّاه بها رسوله من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، يؤمنون بها، ويُثبتون معانيها وما تدلّ عليه، ولكنّ كيفيّتها لا يعلمها إلاّ الله ﷾.\nأما الفرقُ الضالّة من الجهميّة والمعتزلة والأشاعرة ومشتقّات هؤلاء فإنّهم يجحدونها، فمنهم مَن يجحد الأسماء والصّفات وهم الجهميّة، ولذلك كفّرهم كثيرٌ من علماء هذه الأُمة، يقول الإمام ابن القِّيم ﵀ في \"النّونيّة\":\nولقد تقلَّدَ كفرهم خمسون في ... عشر من العلماء في البُلدان\nيعني: كفّر الجهميّة خمسمائة عالِم من هذه الأُمة، لأنّهم يجحدون الأسماء والصّفات، فلا يُثبتون لله اسمًا ولا صفَة.\nوالمعتزلة أثبتوا الأسماء ولكنهم جحدوا معانيَها، وجعلوها أسماء مجرّدة، ليس لها معاني.\nوالأشاعرة: اثبتوا الأسماء وبعض الصّفات، وجحدوا كثيرًا من الصّفات، فأثبتوا سبع صفات، وبعضهم يُثبت أربع عشرة صفة، والبقيّة يجحدونها ويُنكرونها.\nوكلّ هؤلاء فرقٌ ضالّة، وهم يتفاوتون في ضلالهم.\nقال: \"وفي صحيح البخاري: قال عليّ\": علي بن أبي طالب يخاطِب العلماء، ويقول لهم: \"حدِّثوا النّاس بما يعرفون\" أي: تكلّموا عندهم بما يعرفون، أي: بما لا تستنكِرُه عقولهم، بل حدِّثوهم بما تتحمّله عقولهم، وتُدركه أفهامُهم، ولا تُسمعوهم شيئًا لا يفهمون معناه، أو يجهلونه، فيبادِرون إلى تكذيبه فتوقعونهم في الحَرج.","vol":"2","page":142},{"text":"وكأنّه قال هذه المقالة لَمّا كثُر القُصّاص في وقته، وهم: الوُعّاظ، والوُعّاظ يحرصون على أن يخوِّفوا الناس، فيذكُرون لهم كلّ ما قرأوا أو سمعوا من الأخبار والأحاديث، سواءً كانت صحيحة أو غير صحيحة، وسواء كان النّاس يفهمونها أو لا يفهمونها. وهذا أمرٌ لا يجوز، فالحاضرون يحدِّثون بما تتحمّلُه عقولهم، ربما ينفعُهم، أما ذكر الأشياء التي تشوِّش عليهم- وقد تحمِل بعضَهم على التكذيب- فهذا أمرٌ محرّمِ، فينبغي للقاصّ والواعظ والخطيب والمتحدِّث أن يراعيَ أحوال السّامعين، فيتكلّم معهم بما يُناسِب حالهم: إنْ كان يتكلّم في وسط علماء يتكلّم بالكلام اللاّئق بأهل العلم، وإن كان يتكلّم في وسط عوام فيتكلّم بما يناسبهم وبما تتحملّه عقولهم، ويحرص على ما ينفعهم أيضًا، ويعلِّمهم أُمور دينهم: أمور عقيدتهم وصلاتهم، وأُمور عبادتهم، ويحذّرهم من المعاصي ومن المحرّمات، ولا يدخُل في المواضيع العلميّة البعيدة عن أفهام العوامّ.\nوهذه حكمةٌ عظيمة من أمير المؤمنين ﵁: أنه أمر أن يراعى أحوال الحاضرين وأحوال السّامعين، فيحدّثون بما يتناسب مع مستواهم العلميّ.\nويا ليت المتحدِّثين في وقتنا هذا والخُطباء يمشون على هذا النّظام وهذه القاعدة التي قالها أميرُ المؤمنين عليّ بن أبي طالب.\nفهذه قاعدة للمتحدِّثين في كل وقت: أنّ المتحدِّث يراعِي أحوالَ السّامعين: إنْ كان في وسطٍ علمي يتحدّث بما يناسِبه، وإن كان في وسط عامِّي يتحدّث بما يناسبه، وإنْ كان في وسط مختَلِط من العلماء ومن الجُهّال ومن العوام فإنه يلاحظ الواقع، فيتحدّث بحديث يستفيدُ منه الحاضرون ويفهمونه من أُمور دينهم، ويدرِّسون العقائد والعلوم شيئًا فشيئًا حتى تتسع لها عقولهم، وتتقبلها أفهامهم.\nولا يدخل في هذا ذكر نصوص الأسماء والصّفات بدليل قول ابن عباس الآتي لما ذكر حديثًا عن النبي ﷺ في الصّفات. وإنما هذا خاص بأحاديث القصاص التي قد تكون مكذوبة أو لا تتحملها عقول الناس.","vol":"2","page":143},{"text":"وروى عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاووس عن أبيه عن ابن عباس: \"أنه رأى رجلًا انتفض لمّا سمع حديثًا عن النبي ﷺ في الصّفات؛ استنكارًا لذلك، فقال: ما فَرَقَ هؤلاء؟، يجدون رِقّة عند محكمه، ويهلكون عند متشابهه؟! \" انتهى.\nــ\nقال: \"وروى عبد الرزّاق \" عبد الرزّاق: هو عبد الرزّاق بن همّام الصنعانيّ: الإمام الجليل، صاحب \"المصنّف\" المسمّى بـ \"مصنّف عبد الرزّاق \".\n\"عن معمَر\" هو معمَر بن راشد الأزدي: من تلاميذ محمد بن شهاب الزُّهريّ، الإمام الجليل.\n\"عن ابن طاووس عن أبيه\" طاووس هو: طاووس بن كَيْسان، من أئمّة العلم في اليمن. وابنُه هو: عبد الله بن طاووس: كان إمامًا جليلًا، يروي عن أبيه طاووس.\n\"عن عبد الله بن عبّاس: أنّه رأى رجلًا انتفض لَمّا سمعَ حديثًا عن النبي ﷺ في الصّفات؛ استنكارًا لذلك، فقال: ما فَرَقُ هؤلاء؟!، يجدون رقّة عند مُحكمه، ويهلكون عند متشابهه\" الفَرَق: الخوف. والمحكَم من النّصوص هو: الذي يُفهم معناه من لفظه، ولا يحتاج إلى دليل آخر يفسّره. والمتشابه هو: الذي لا يُفهم معناه من لفظه، ويحتاج إلى دليل آخر يفسّره، كالنّاسخ والمنسوخ، والمطلَق والمقيَّد، والعام والخاص، والمجمل والمبيّن.\nفقاعدة أهل السنّة والجماعة: أنّهم يردوّن المتشابه إلى المحكَم، فيفسّرون بعض النّصوص ببعض، لأنّها كلها كلامُ الله أو كلامُ رسوله ﷺ.\nوأمّا أهل الزّيغ فإنّهم يأخذون المتشابهِ، ويترُكون المحكَم.\nقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ فيردّون المتشابه إلى المحكم، ويفسِّرون كلام الله بكلام الله أو بكلام رسوله ﷺ، و﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ﴾ يعني: المحكَم والمتشابه، ﴿مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ فيفسّرون بعضه ببعض، فلا يأخذون المتشابه فقط ويترُكون المحكَم.","vol":"2","page":144},{"text":"ولَمّا سمعت قريش رسول الله ﷺ يذكر الرحمن، انكروا ذلك، فأنزل الله فيهم: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ .\nــ\nومنهم: هذا الرجل الذي لما سمع حديثًا في الصّفات استنكره وانتفض خوفًا من ذكره ولا يحدث ذلك منه عند المتشابه.\nفدلّ قولهُ ﵁: \"يجدون رِقّة عند محكَمه\" على أنّ آيات الصّفات من المحكَم وليست من المتشابه. وفي هذا ردٌّ على أهل الضّلال الذين يجعلون نصوص الصّفات من المتشابهِ، ويفوِّضون معناها إلى الله. وهذا ضلالٌ وغلط، بل هي من المحكَم الذي يُعرف معناه ويفسَّرُ، ولذلك بيّن عبد الله بن عبّاس ﵄ أنها من المحكَم، وهذا هو الحقّ، وهو مذهب السّلف: يقول شيخ الإسلام ﵀: \"ما وجدتّ أحدًا من أهل العلم من السلف جعل آيات الصّفات من المتشابه\" على كثرة إطّلاعه وتتبُّعه.\nويُستفاد من نصوص الباب فوائد عظيمة:\nالفائدة الأولى: أن إنكار الأسماء والصّفات كفر لقوله تعالى: \" ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ \"، ولكنّه كفرٌ فيه تفصيل قد يكون كفرًا أكبر مخرج من المِلّة، وقد يكون كفرًا أصغر لا يُخرج من الملّة لكنّه ضلال، وهذا بحسب حال النّافي للأسماء والصّفات: هل هو مقلِّد أو غير مقلِّد؟، هل هو متأوِّل أو غير متأوِّل؟.\nالفائدة الثانية: في قول عليّ ﵁: \"حدِّثوا الناس بما يعرِفون\" فيه: أنه يجب على المتحدِّث في خطبة أو في درس أو في موعظة أو في محاضرة أن يتحدّث بما يناسِب حال المستمعين وما ينفعهم، ولا يأتي لهم بالغرائب والأشياء التي لا يفهمونها، لأنّ هذه الأشياء إن لم تكن صحيحة فقد كذَب على رسول الله ﷺ، كالذي يروِّجه بعضُ القُصّاص من الأحاديث المكذوبة والموضوعة، وإن كانت ثابتة عن الرّسول ﷺ فإنّه يكون قد تسّبب في استنكار الحاضرين لها وجحدهم لها، فيكون هو السّبب الذي حملهم على ذلك.\nالفائدة الثالثة: أيضًا في قول عليّ ﵁ طلب التدرُّج في تعليم النّاس، فيبدأ بصغار المسائل، ثم يُنتَقل إلى كِبارها، هذا هو الطّريق الصحيح للتّعليم، أما أن يؤتى بكبار المسائل للمبتدئين فهذا خطأ في طريقة التعليم.","vol":"2","page":145},{"text":"الفائدة الرابعة: في قول ابن عبّاس ﵄ دليلٌ على أنّ نصوص الصّفات من المحكَم، وأنّها تُذكَر عند الناس، لا يُتحاشى من ذكرها، لأنّها واضحة المعاني، لا إشكال فيها، ولذلك جاءت في القُرآن، والقرآن يتلوه العوام ويتلوه المتعلِّمون.\nالفائدة الخامسة: فيه دليل على أنّ أهل الزيغ يتبعون المتشابه ويترُكون المحكَم.\nالفائدة السّادسة: فيه- أيضًا- دليل على إنكار المنكَر، لأنّ ابن عبّاس ﵄ ما استنكر على هذا الرّجل، وبيّن السبب الذي حمله على ما حصل منه من الرِّعدة، وأنّه من أهل الزّيغ الذين ينكرون المحكَم ويتّبعون المتشابه.\nالفائدة السابعة: أنّ أوّل مَن جحد الأسماء والصّفات هم المشركون، فيكونون أئمّة للجهميّة والمعتزلة ومَن نحا نحوَهم، وبئْس الأئمَّة والقُدوة، نسأل الله العافية والسّلامة.\nهذا، وبالله التّوفيق.","vol":"2","page":146},{"text":"[الباب الواحد والأربعون:]\n* باب قول الله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ .\nــ\nهذا الباب ذكره الشيخ ﵀ بعد باب \"مَن جحد شيئًا من الأسماء والصّفات\"، لأنّه مِن جنسه، فيه تنقُّصٌ للرُّبوبيّة، فالذي يجحد الأسماء والصّفات قد تنقَّص الربوبيّة، وكذلك الذي يُضيفُ النّعم إلى غير الله ﷾ قد تنقّص الرّبوبيّة.\nفهذه الآية التي ذكرها في الترجمة، وهي قولُه ﷾: \" ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ (٨٣)﴾ \" هي من سورة النّحل، وسورة النّحل تسمّى سورة النِّعَم، لأنّ الله ﷾ عدّد فيها كثيرًا من نعمه على عباده، وقال فيها: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ اللهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨)﴾، وأوّل النِّعمَ التي ذكرها الله في هذه السّورة نعمة إرسال الرُّسل، وإنزال الوحي لهداية عباده.\nثم النعمة بخلق الإنسان، وما جعل فيه من الأعضاء الكبيرة والصغيرة الدّقيقة، وما جعل فيه من بديع الصّنعة.\nثم النّعم في خلق بهيمة الأنعام التي فيها الجمال، وفيها منافعهم من الرُّكوب والحمل والألبان واللحوم، وغير ذلك.\nوكذلك: المراكِب البحريّة التي تقطَعُ بهم عُباب الماء.\nوكذلك: ما أنبت في الأرض من صُنوف النباتات التي فيها أرزاق العباد وفيها أدويتُهم وفيها مراعي لأنعامهم.\nوكذلك: ما جعل فيها من العلامات التي يهتدي بها المسافرون في البرّ والبحر: ﴿وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦)﴾ .\nومن ذلك: نعمة المشارب من الماء واللَّبَن والعسل.\nوكذلك: نعمة المساكن التي يسكُنون فيها فتُؤويهم من الحرّ والبرْد، فيتحصّنون بها من عدوّهم: البيوت الثّابتة، والبُيوت المتنقِّلة: ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ﴾ .\nوكذلك: نعمة الملابس التي يلبسونها: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ","vol":"2","page":147},{"text":"وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ ملابس الأبدًان التي يستُرون بها عوراتهم، ويُجمِّلون بها هيئاتهم، وملابس الدُّروع التي تقيهم من سلاح العدو.\nكلُّ هذه النعم من الله ﷾.\nثم قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٨٢) يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ (٨٣)﴾ .\nوالمفسِّرون﵏- ذكروا أقوالًا في تفسير هذه الآية، وكلّها صحيحة، ولا تناقُض بينها، لأنّها كلّها تدخُل في نعمة الله، وكلُّ منهم يذكُر مثالًا من هذه النعم. فأقوال المفسّرين لا تناقض بينها، واختلافهم- كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية-: اختلافُ تنوُّع، وليس هو اختلاف تضادّ، لأنّ الآية - أو الآيات- تحتمِل عدّة معان، فكلّ واحدٍ من المفسِّرين يأخذ معنىً من هذه المعاني، فإذا جمعتها وجدتّ أنّ الآية- أو الآيات- تتضمّن هذه المعاني الّتي قالوها جميعًا.\nفمنهم مَن قال: المراد بقوله: \" ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ﴾ \": بِعثة محمد ﷺ، ولا شكّ أنّ هذه النعمة هي أكبرُ النعم، ولذلك صدّر السّورة بذكر بعثة الرُّسل: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (٢)﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ .\nومنهم مَن قال: المراد بالنعمة: كلّ ما ذكره الله في هذه السّورة من أصناف النِّعَم.\nلأن قوله: \" ﴿نِعْمَتَ اللهِ﴾ \" مفرد مضاف، فيعم جميع النِّعم، فقولُه تعالى: \" ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ﴾ \" أي: يعرفون نِعَمَ الله المذكورة في هذه السورة، ولا يجحدونها في قَرارة أنفسهم، فيعرفون بقلوبهم أنّها من الله، ولكنّهم بألسِنَتهم ينسِبونها إلى غير الله ﷾، أو بالعكس؛ يتلفّظون بأنّ هذه النِّعَم من الله ولكنّهم في قلوبهم يعتقدون أنها من غيره.\nولهذا يقولُ العلماء: أركانُ الشكر ثلاثة لا يصحّ الشّكر إلاّ بها:\nالركن الأوّل: التحدُّث بها ظاهرًا، كما قال تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾ .","vol":"2","page":148},{"text":"قال مجاهدٌ- ما معناه-: \"هو قول الرجل: هذا مالي ورثته عن آبائي\".\nوقال عونُ بن عبد الله: \"يقولون: لولا فلان لم يكن كذا\".\nــ\nالركن الثاني: الاعتراف بها باطنًا، يعني: تعتَرِف في قَرارة نفسك أنّها من الله ﷾، فيكون قلبُك موافِقًا للسانك من الاعتراف بأنّها من الله.\nالرُّكن الثالث: صرفُها في طاعة موليها ومُسْدِيها وهو الله ﷾، بمعنى: أن تستعين بها على طاعة الله، فإنِ استعنْتَ بها على معصية الله فإنك لا تكون شاكرًا لها.\n\" ﴿ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ \" المُراد بإنكارها: جُحودُها، إما باللّسان وإمّا بالقلب، بأن تُنسَب إلى غير مَن أنعم بها، إما أن تُنسب إلى الأسباب، وإمّا أن تُنسب إلى الأصنام والآلِهة، وإمّا أن تُنسب إلى الآباء والأجداد، وإمّا أن تُنسب إلى كَدِّ العبد وكسبِه وحِذْقِه ومعرِفَته وإما بصرفها في معصية الله.\nفما ذكره الشيخ ﵀ في هذا الباب إنّما هو أمثلة لكُفران النعمة.\nقوله: \"قال مجاهد\" وهو مجاهد بن جَبْر، الإمام التّابعي الجليل، يفسِّر الآية بقول الرجل: \"هذا مالي ورثته عن آبائي\"، فلا يَنْسب حصول المال إلى الله ﷾، وإنما ينسِبُه إلى آبائه وأجداده.\nوكذلك إذا نسبه إلى كَدِّه وكسبه وحِذْقِه ومعرفته، فإنّ هذا جُحود لنعمة الله، لأنّ المال فضلٌ من الله ﷾، أما الحِذْق والكسب ومعرفة الصنعة فهذه أسباب قد تُنْتِجْ مسبَّباتِها وقد لا تُنْتِج، فكم من حاذِق وكم من عالم وكم من صانع يُحْرَم من الرّزق ولا تُغنيه صنعته شيئًا، فهذا فضلٌ من الله ﷾، وأما هذه فهي أسبابٌ إن شاء الله نفعتْ وإنْ شاء لم تنفع.\nقوله: \"وقال عونُ بن عبد الله، هو: عَوْن بن عبد الله بن عُتبة بن مسعود الهُذَلي: إمامٌ جليل.\n\"يقولون: لولا فلان لم يكن كذا\" وهذا لا يجوز، لأن فيه نِسبة النعمة إلى","vol":"2","page":149},{"text":"وقال ابنُ قُتيبة: \"يقولون: هذا بشفاعة آلهتنا\".\nــ\nغير الله، والذي يجوز ما أرشد إليه النّبي ﷺ، أن تقول: \"لولا الله، ثُمَّ فلان\"، لأنّك نسبت النعمة إلى الله، وذكَرْتَ أنّ فلانًا إنّما هو سببٌ فقط، لأنّ (ثُمَّ) للترتيب والتعقيب.\nقوله: \"وقال ابنُ قُتَيْبَة\" ابن قُتيبة هو أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قُتيبة الدِّيْنَوَرِي، إمامٌ في النحو، واللّغة، والتّفسير، وله كتبٌ مشهورة، منها: \"كتاب التفسير\"، وكتاب \" المعارِف\".\n\"يقولون: هذا بشفاعة آلِهتَنا\" يعني: يقول المشركون: هذا الذي حصل من الخير ومن النّفع إنما هو بشفاعة آلهتنا. يعني: أنّ آلهتهم شفعتْ عند الله في حصولها، لأنّ المشركين الذين يعبُدون غير الله لا يعتقدون أن معبوداتهم هي التي تخلُق وترزُق، وإنما يعبدونها لاعتقاد أنّها تشفَع لهم عند الله، كما قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ﴾، وقوله: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى﴾، فهم يعتقدون أنّ هذه المعبودات تشفع لهم عند الله، وهذا كذِب، لأنّ الله بيّن الشفاعة الصحيحة، وهي ما توفّر فيها شرْطان: إذْنُ الله للشّافع أن يشفع، ورضاهُ عن المشفوع فيه بأن يكون من أهل التّوحيد.\nوالمشركون يتقرّبون بأنواع القربات إلى هذه الأوثان، ويذبحون لها، وينذُرون لها، ويطوفون بها، ويقولون: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ﴾، مثل حالة عُبّاد القبور اليوم، يذبحون للقُبور، وينذُرون للقبور، ويهتِفون بها، ويستغيثون بها، ويستصرخون بها، ويقولون: نحن لا نعتقد أنها تخلُق وترزُق، إنما هي شفعاء عند الله. وكذَبوا في ذلك، فإنّ الله ﷾ لا يرضى بهذا ولم يكن هؤلاء شفعاء عنده ﷾.\nومن ذلك قولهم: هذا بشفاعة آلِهَتنا. يقولون: إنّ هذه النعم إنما هي بسبب آلهتنا وبشفاعتها عند الله، كما يقول القبوريّ: هذا بسبب الوليّ فلان، بسبب عبد القادر، بسبب العَيْدَرُوس، بسبب البَدَويّ، وهذا يدخُل في قوله: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ بمعنى: أنهم ينسِبون نعمة الله إلى هذه المعبودات من دون الله ﷿. فهذه طريقة المشركين قديمًا وحديثًا.","vol":"2","page":150},{"text":"وقال أبو العبّاس بعد حديث زيد بن خالد الذي فيه: أنّ الله ﷾ قال: \"أصبح من عبادي مؤمنٌ بي وكافر ... \" الحديث- وقد تقدّم-:\nوهذا كثير في الكتاب والسنّة؛ يذم سبحانه من يضيف إنعامه إلى غيره ويشرك به.\nــ\nقوله: \"قال أبو العبّاس\" أبو العبّاس كنية شيخ الإسلام أحمد بن تيميّة.\n\"بعد حديث زيد بن خالد الذي فيه: أنّ الله ﷾ قال: \"أصبَحَ مِنْ عبادي مؤمنٌ بي وكافر فأمّا مَنْ قال: مُطِرْنا بفضل الله وبرحمته، فذلك مؤمنٌ بي كافرٌ بالكوكب. وأما مَن قال: مُطِرْنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافرٌ بي مؤمنٌ بالكوكب\".\nثم قال أبو العبّاس ﵀: \"يذم سبحانه من يضيف إنعامه إلى غيره ويشرك به\" فكل من أضاف نعم الله إلى غيره فقد كفر نعمة الله، وأشرك به.\nوهذا الشرك وكفر النعمة ليس من الكفر والشرك المخرِج من الملّة، إذا كان الإنسان يعتقد أنّ إضافة النعمة إلى الشيء من إضافة المسبّب إلى سببه، وإنّما المنعم هو الله، وأضافها إلى السبب مجرّد مجاز، فهذا كفرٌ أصغر.\nأما إذا اعتقد أنّ النعم من إحداث المخلوق ومن صُنع المخلوق، فإنّ هذا كفرٌ أكبر يُخرِجُ من الملّة.\nفالواجب أن تُضاف النعم إلى الله ﷾.\nفكلّ مَن أضاف النعمة إلى غير الله، فإنّ هذا كفرٌ بالله، إما أنْ يكون كفرًا أكبر، وإما أن يكون كفرًا أصغر، بحسَب ما يقوم باعتقاد الشّخص وقَرارة نفسه، فليحاسِب الإنسان نفسه عند ذلك.\nومن ذلك: ما يجري على ألسنة بعض الصحفييّن وكثير من الإعلاميِّين الذين ينسِبون الأشياء إلى أسبابها، فيقولون: \"المطر ناتج عن انخفاض جويّ، أو عن المناخ\" وما أَشبه ذلك. فالذي يُضيف المطر إلى وقته أو إلى الكوكب أو إلى النّوء، فهو من هذا الباب، كما في حديث زيد بن خالد: \"أصبَحَ مِن عبادي مؤمنٌ بي وكافر\" نعم: المناخ أو الانخفاض الجويّ سبب، لكن الذي ينزِّل المطر ويكوِّن المطر هو الله ﷾، ليس لهذه الأسباب تدخُّلٌ في إيجاد المطر أو إحداث المطر.","vol":"2","page":151},{"text":"قال بعضُ السلف: هو كقولهم: كانت الرّيح طيِّبة والملاّح حاذِقًا ... ونحو ذلك ممّا يجري على السنّة كثير.\nــ\nوقد حصل- ويحصُل- أنّ هناك مناخات كانت تهطُل فيها الأمطار بكثرة، ولكن يأتي وقتٌ من الأوقات تُقْفِر هذه المناخات وتُجْدِب، فكثير من القارّات وإنْ كانت معروفة بكثرة المطر وتواصُل المطر عليها يحصُل فيها الجدْب، كما يقولون عنه: الجفاف، في أمريكا وفي أوروبّا وفي أفريقيا حصل جفافٌ كثير، وهلكت خلائق كثيرة من الأموال ومن الأنفُس، وما نفعهم المناخ، هذا بيد الله ﷾، وفي تقدير الله ﷾.\nقال المصنف: \"قال بعضُ السَّلف\" المراد بالسَّلَف: القُرون المفضَّلة، وصَدْر هذه الأمة، وهم محلّ القُدوة، لقُرْب عهدهم من النّبي ﷺ ومن صحابته الكِرام.\nوأمّا مَن جاء بعدهم فيُقال لهم: الخَلَف، فمن كان من الخَلَف يسير على منهج السلَف فهو لاحقٌ بهم، ومن تخلَّف عن منهج السَّلَف فإنّه هالك، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾، ويقول سبحانه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ .\nقوله: \"هو كقولهم: كانت الريح طيِّبة، والملاّحُ حاذقًا\" يعني أن من إنكارهم لنعمة الله أنهم إذا ساروا في البحر في السُّفُن التي كانت تسير بالرِّيح إذا نجوا من البحر وخرجوا إلى البر يُثنون على الرِّيح وعلى الملاّح، ولا يقولون: هذا بفضل الله، بل يقولون: كانت الريح التي حملت السفينة طيِّبة.\n\"وكان الملاّح حاذِقًا\" الملاّح هو: قائد السفينة، سمّى ملاّحًا لملازمته للماء المِلْح، لأنّ مياه البحار مالحة، فالذي يقود السفينة يقال له: ملاّح، لأنّه يسير على الماء المِلْح والحاذق: الذي يجيد المهنة.\nوكان الواجب عليهم أن يقولوا: أنّ الله هو الذي نجّانا، وهو الذي سخّر لنا الرّيح الطيِّبة، وهو الذي أقدر قائد السّفينة وألهمه أن يقودها إلى برّ السلامة. أما أن يقولوا: إنّ نجاتنا وخُروجنا إلى البر بسبب طيب الريح وحِذْق القائد، فهذا كفرٌ بنعمة الله ﷾.\nوقوله: \"ونحو ذلك ممّا يجري على ألسنة كثير\" يعني: نحو هذه الألفاظ ممّا يجري على ألسنة كثيرٍ من النّاس من نِسْبة النِّعَم إلى غير الله ﷾، إمّا من باب التساهُل في التعبير، وإمّا من باب سوء الاعتقاد، فإنْ كان من سوء الاعتقاد فهو كفرٌ","vol":"2","page":152},{"text":"يخرج من الملّة، وإنْ كان من باب الإساءة في التعبير مع الاعتقاد بأنّ الله هو الذي أوجد هذا الشيء: فهذا كفرٌ أصغر، يسمّى بكفر النّعمة.\nفهذا الباب باب جليل لأنّه يعالِج مشكلة يقع فيها كثيرٌ من النّاس ولا يحسِبون لها حسابًا، ويتكلّمون بكلام يظنّونه هيّنًا وهو عند الله عظيم: حيث إنّهم ينسبون نعم الله تعالى إلى غيره، ولا يشكرون الله ﷾، ولهذا قال: \"ونحو ذلك ممّا يجري على ألسنة كثير\" فهذا تنبيهٌ لنا أن لا نقع في هذه المزالِق، حتى إنّ ابن عبّاس ﵁ فسّر قوله تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ قال: \"هو قول الرّجل: \"لولا الله وفلان\"، \"ما شاء الله وشئت\"، \"لولا كُلَيْبَةُ هذا لأتانا اللُّصوص\"، \"لولا البّط في الدّار لأتانا اللّصوص\"، وما أشبه ذلك من الألفاظ وعد هذا من اتّخاذ الأنداد لله تعالى.\nفهذه مسائل هي في عُرْف النّاس سهلة، ولكنّها خطيرة جدًّا، لأنها كفرٌ بنعمة الله ﷾ وإساءةُ أدبٍ مع جَناب الرّبوبيّة.\nفيُستفاد من هذه الآية بتفاسير السلف التي ذكرها الإمام ﵀ مسائل:\nالمسألة الأولى: أنّ إضافة النعم إلى الله ﷾ من الإيمان بالله.\nالمسألة الثانية: أنّ إضافة النعم إلى غير الله من الكفر بالله ﷾.\nالمسألة الثالثة: في الآية وأقوال السلف: دليلٌ على عدم جواز نِسبة الأشياء إلى أسبابها، وأنّ ذلك من كفر النعمة، لأنّه معلومٌ أنّ الريح الطيِّبة سببٌ لجريَان السفينة، وأنّ حِذْق الملاّح سبب لجريَان السفينة، ولكن إذا أضاف النتيجة الطيِّبة إلى هذين السّببين صار ذلك من الكفر بنعمة الله.\nالمسألة الرّابعة: كما قال الشيخ ﵀ في مسائل الباب: \"فيه: اجتماعُ الضّدين في القلب؛ الكفر والإيمان\" أخذًا من قوله تعالى: \" ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ \"، ففيها: اجتماع الإقرار والإنكار، والكفر والإيمان في القلب، فأيّهما غلب على صاحبه صار من أصحابه.\nالمسألة الخامسة: أنّ كفر النعمة يكثُر وُقوعه في النّاس، ولهذا قال: \"مما يجري على ألسنة كثير\"، فهذا ممّا يوجِب الحذر منه، وأن الإنسان لا يجري على العوائد المخالفة للشرع.","vol":"2","page":153},{"text":"[الباب الثاني والأربعون:]\n* بابُ قول الله تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ .\nــ\nقال الشيخ ﵀: \"باب قول الله تعالى\" أي: ما جاء في تفسير هذه الآية من أقوال الصّحابة.\nوالتّفسير إنّما يُعرف من كلام الله، فكلام الله يفسِّر بعضه بعضًا، أو يُعرف من كلام الرّسول ﷺ أو من كلام أصحابه، أو من كلام التّابعين الذين هم تلاميذ الصّحابة، هذه مصادر التّفسير، لا يفسِّر القرآن بالرأي أو بكلام المتأخِّرين الذين لم يأخذوا عن الرسول ﷺ ولم يأخذوا عن أصحابه الذين أخذوا عنه، لأنّ الله أنزل القرآن ووَكَل بيانَه إلى الرّسول ﷺ: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ من ربهم.\nفالمصدر في تفسير القرآن - كما ذكر العلماء- خمسة أشياء:\nالمصدر الأوّل: تفسير القرآن بالقرآن، لأن القرآن يفسِّرُ بعضهُ بعضًا.\nالمصدر الثّاني: تفسير القرآن بكلام الرّسول ﷺ، لأنّه هو المبيِّن.\nالمصدر الثّالث: تفسير القرآن بتفسير الصّحابة، لأنّهم تلاميذ الرّسول ﷺ.\nالمصدر الرّابع: عند بعض العلماء تفسير القرآن بأقوال التّابعين، لأنّهم أخذوا عن الصّحابة، وهم أدرى بمعاني القرآن الكريم من غيرهم.\nالمصدر الخامس: تفسيره بمقتضى اللغة العربية لأنه نزل بها.\nفلهذا تجدون المصنف في هذا الباب وفي غيره يسوق في تفسير الآيات كلام الصّحابة أو كلام التّابعين، لأنها من مصادر التفسير.\nقوله: \" ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ \" هذا آخرُ آيةٍ من سورة البقرة، وأولها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ .\nقال العلماء: هذا أوّلُ نداءٍ في المصحف الشريف: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا","vol":"2","page":154},{"text":"رَبَّكُمُ﴾ . لأنّ الله ﷾ ذكر في مطلَع هذه السّورة انقسامَ النّاس أمامَ القرآن الكريم إلى ثلاثة أقسام:\nالقسم الأول: الذين آمنوا بالقرآن ظاهرًا وباطنًا، وهم المتّقون المذكورون في قوله تعالى: ﴿هُدىً لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ﴾ .\nالقسم الثاني: الذين كفروا بالقرآن ظاهرًا وباطنًا، وهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٦) خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٧)﴾ .\nالصّنف الثّالث: الذين آمنوا بالقرآن ظاهرًا وكفروا به باطنًا وهم المنافقون، وهم شرٌّ من الكُفّار الذين كفروا بالقرآن ظاهرًا وباطِنًا، ولهذا أنزل الله فيهم بِضعَ عشر آية، بينما ذكر في الكفّار آيتين، لأنّهم أخطر من الكُفّار، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨) يُخَادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٩) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (١٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ (١٢) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ (١٣)﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، هذه الآيات كلّها في المنافقين، وهم الصّنف الثّالث.\nثم قال بعد ذلك: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ نادى النّاس جميعًا، المؤمن والكافر، والعربي والعجمي، ناداهم جميعًا وأمرهم بعبادته. وهذا دليل على عموم رسالة محمد ﷺ، وأنه بعث إلى النّاس كافة، كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾، ووصف القرآن بأنه هدىً للنّاس وأنّه هدًى للعالَمين، فرسالتُه ﷺ عامّة لجميع الثّقَلين.\nوقوله تعالى: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ هذا أمرٌ من الله ﷾ بعبادته وحده لا شريك له، وترك عبادة ما سواه.","vol":"2","page":155},{"text":"ومعنى: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ وحِّدوا ربّكم، وأفردوه بالعبادة، لأنّ العرب في وقت نُزول القرآن كثيرٌ منهم يعبُدون الله، ولكنّهم يعبُدون معه غيرَه، فإذا كانت العبادة غير خالِصة لله فإنّها تكون عبادة باطلة، ولهذا أمرهم أن يُفردوه بالعبادة، ويُخلِصوا له العبادة.\nثم ذكر الدليل على وُجوب عبادة الله تعالى فقال: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ لأنّ العبادة لا تصلُح إلا للخالِق ﷾، فالذي لا يخلُق لا يصحّ أن يُعبَد، وهذا فيه: إبطال عبادة الأصنام، وعبادة الموتى، وعبادة الأولياء والصّالحين، وعبادة الأشجار والأحجار، لأنّها لا تقدر على الخلْق، وما لا يقدر على الخلق لا يصحّ أن يُعبَد، ولهذا قال في سورة الحج: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾، الخالق وهو الذي يستحق العبادة، وهم لا يجحدون هذا، بل يُقرِّون بأن الله هو الذي خلق: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ .\n﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ إذا ذكرتم بأنّه هو الخالق لكم ولمن قبلكم، لعلّ تذكُّركم لذلك يبعثكم على تقوى الله ﷾، فتعبدونه وتتقون عذابه، لأنّه لا يقي من عذاب الله إلاَّ عبادة الله ﷾، فهو الذي خلقكم، وخلق لكم المصالح التي تستعينون بها على عبادته ﷾، خلقكم وخلق لكم هذه الأشياء، لستم أنتم خلقتم لأنفسكم شيئًا، لستم الذين أنبتم الزرع، ولستم الذين أنزلتم المطر، ولستم الذين خلقتم الأرض وجعلتموها صالحة للنبات والإنبات، ولستم الذين خلقتم السماء وجعلتموها سقفًا للعالم، وفيها مصالحُ العباد.\n﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾ تجلسون عليها، وتنامون عليها، وتعيشون على ظهرها، وتدفنون في بطنها إذا متم، وتبعثون منها: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (٥٥)﴾، ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦)﴾ .\nثم هذه الأرض الواسعة أثبتها الله وأرساها بالجِبال الرواسي من أجل أن لا تميد بالنّاس وتضطرب.\n﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ يعني: سقفًا، لأنّ السماء فوق الأرض، وجعل الله فيها","vol":"2","page":156},{"text":"الكواكِب والشمس والقمر التي بها مصالح العباد، وحفظها من الشياطين، ولهذا قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ .\n﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ هو المطر، والسماء هو السّحاب، لأنّ السماء على قسمين: السماء بمعنى: العلوّ والارتفاع، فكلّ ما علا وارتفع يقال له: سماء، والثّاني: السموات المبنيّة، وهي: الطِّبَاق السبع.\n﴿فَأَخْرَجَ بِهِ﴾ بهذا المطر.\n﴿مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ هذا المطر ماءٌ واحد ومع هذا يُخرج الله به ثمرات مختلِفة ومتنوّعة، والتُّربة واحدة، ومع هذا يُخرِجُ في هذه التُّربة ومن هذا الماء أصنافًا من الثمرات مختلفة الطُّعوم، ومختلفة الألوان، مختلفة الرّوائح، مَن الذي نظّمها هذا التنظيم؟، هو الله ﷾.\n﴿رِزْقًا لَكُمْ﴾ تأكُلون منه قوتًا وتتفكّهون به فواكه متنوّعة، من الذي أوجد هذه الأشياء؟، بل إنّ الجنس الواحد تحته أنواعٌ لا يعلم حصرها إلاّ الله سبحانه.\n﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ هذا نهيٌ من الله ﷾ عن الشرك بعد الأمر بالتوحيد.\nوالأنداد: جمعُ نِدّ، والمراد به: المثيل، والشّبيه، والنّظير.\nأي: فلا تجعلوا لله نُظراء وأمثالًا تشبِّهونهم به، وتُشركونهم معه في العبادة، وهم خلْقٌ مثلُكم لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًّا ولا موتًا ولا حياةً ولا نُشورًا.\n﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنه لا نِدّ له ﷾، وتعلمون أنّ أحدًا لم يشارك الله في خلقه وفي تدبيره.\nأقام ﷾ الدليل في هاتين الآيتين بعدّة أُمور: خلقُه لهم، وجعله الأرض فراشًا، والسماء بناءً، وإنزال المطر، وإخراج الثمرات، كلّها أدلّة عقليّة واضحة هم يعترفون بها، فهذا من إلزامهم بالحُجّة، على التوحيد. وإبطال الشّرك الذي هم عليه، وبيان أنّه لا بُرهان له ولا دليل عليه، وإنما الدليل والبُرهان على وُجوب عبادة الله ﷾: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (١١٧)﴾، ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، ﴿وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ﴾ لا بُرهان لهم على الشّرك","vol":"2","page":157},{"text":"وقال ابن عبّاس في الآية: \"الأنداد هو الشرك، أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل.\nــ\nأبدًا، وإنما البراهين القاطعة هي على توحيد الله ﷾ وإفراده بالعبادة.\nودلَّ ذلك على أن الإقرار بتوحيد الربوبية لا يكفي، فالذين يقولون: بأنّ التوحيد هو الإقرار بأنّ الله هو الخالق الرازق المحيي المميت.\nهؤلاء مخطئون، لم يعرفوا التّوحيد، لأنّ هذا لو كان توحيدًا كافيًا لكان المشركون موحِّدين، لأنّ الله أخبر بأنهم يعلمون أنّ الله هو الخالق الرّازق الذي ينزّل المطر والذي فعل هذه الأفعال، يعلمون هذا ولم يكونوا موحِّدين، بل أمرهم بعبادته فقال: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾، فدلّ على أن علمهم بهذه الأشياء لا يكفي حتى يُفردوا الله ﷾ بالعبادة، إذًا: فالتوحيد هو إفراد الله تعالى بالعبادة، وليس التوحيد هو الإقرار بتوحيد الرّبوبيّة كما يقوله علماء الكَلام الذين لم يفهموا التّوحيد، بل جعلوا كلّ همّهم ومناظَراتهم واستدلالهم على توحيد الرّبوبية، وهذا تحصيل حاصل، وموجود عند أبي لَهب وأبي جهل وغيرهما، فهم يقرّون بأن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت.\nقال: \"وقال ابن عبّاس في الآية: الأنداد هو الشرك\" الشرك منه نوعٌ جليٌّ واضحٌ كالذبح لغير الله، والنّذر لغير الله، ودُعاء غير الله، والاستغاثة بغير الله، هذا شرك واضحٌ جلي، لأنّه يُرى ويُسمَع.\nوهُناك شركٌ خفي، وهو نوعان:\nالنوع الأول: شركٌ في المقاصد والنيّات، وهذا خفيّ لأنّه في القُلوب، والقُلوب لا يعلم ما فيها إلاَّ ﷾، كالذي يصلِّي، لكن يصلّي رياءً وسُمعة، وهذا لا يعلمُه إلاّ الله.\nوالنوع الثاني: شركٌ خفيّ، لأنّه لا يعلمه كثيرٌ من النّاس، وهو الشرك في الألفاظ دون الاعتقاد، وهو المذكور هنا.\nقال ابن عبّاس: \"الشرك أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلُمة الليل\" سُمّي خفيًا: لأنه قَلَّ من يتنبّه له.","vol":"2","page":158},{"text":"وهو أن تقول: والله وحياتك يا فلان، وحياتي، وتقول: لولا كُلَيْبَة هذا لأتانا اللصوص، ولولا البط في الدار لأتى اللصوص.\nوقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت، وقول الرجل: لولا الله وفلان. لا تجعل فيها فلانًا؛ وهذا كله به شرك\".\nــ\nثم ضرب له أمثلة بكلمات يقولها بعض النّاس بألسنتهم.\n\"وهو أن يقول: والله وحياتِك يا فلان، وحياتي\" فالحلف بغير الله من الشرك الذي يجري على ألسنة كثيرٍ من النّاس، ولا يعلمون أنه شرك، فكثيرًا ما يقول بعضهم: والنبي، والأمانة، وحياتك. وقد قال النبي ﷺ: \" من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك\".\nوالحلف بغير الله شركٌ أصغر، إنْ كان لا يقصد تعظيم المحلوف به كما يعظِّم الله.\nوإنْ كان يقصد تعظيم المحلوف به مثل ما يعظِّم الله فإن الحلف يكون شركًا أكبر.\nوالذين يحلفون بالقُبور والأضرحة، ويعظِّمونها كما يعظِّمون الله، هو من هذا النوع.\nلأنّ كثيرًا منهم يتساهل بالحلف بالله، ولا يتساهل بالحلف بالضريح أو الوليّ، إذا قيل له: احلف بالله؛ بادَر بالحلف، إذا قيل له: احلف بمعبودك وبمعظِّمك وبالوليّ الذي أنت تعظِّمه؛ ارتعد وأبى أن يحلِف، يخاف من البطش من هذا الولي، فهذا شرك أكبر بلا شك.\nومن الشرك في الألفاظ قول الرّجل: ما شاء الله وشئت، لولا الله وفُلان. لأنه لا يجوز، الجمع بين الله وغيره بالواو، لأنّ الواو تقتضي التشريك.\nوالصواب: ما أرشد إليه النبي ﷺ أن تقول: ما شاء الله، ثُمَّ شاء فلان. لأنّ \"ثُمَّ\" ليست للتشريك، وإنّما هي للترتيب، وجعل مشيئة المخلوق بعد مشيئة الخالق، كما قال تعالى: \" ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ \"، فالعبد له مشيئة بلا شك، ولكنها تابعة لمشيئة الله سبحانه.\nهذا ما قاله ابن عبّاس في تفسير هذه الآية: \" ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ \"، فالآية نهت عن اتّخاذ الأنداد، وهذا يشمل الشرك الأكبر والشرك الأصغر.","vol":"2","page":159},{"text":"وابن عبّاس ﵄ مثَّل بالشرك الأصغر لينبِّه به على ما هو أشدّ منه وهو الشرك الأكبر، فإذا كان الشرك الأصغر لا يجوز فكيف بالشرك الأكبر؟، والسّلف يستدلون بالآيات النّازلة في الشرك الأكبر على منع الشرك الأصغر، لأنّه نوعٌ من الشّرك، وقوله تعالى: \" ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ \" يشمل هذا وهذا.\nيُستفاد من هاتين الآيتين مع قول ابن عبّاس ﵄ مسائل كثيرة:\nالمسألة الأولى: أن التّوحيد هو أعظمُ مأمورٍ به، لأن الله بدأ به في أوّل نداء في المصحف الشريف.\nالمسألة الثانية: في الآية دليلٌ على أنّ الإقرار بتوحيد الرُّبوبية لا يكفي في التّوحيد، لأن الله أخبر أنّ المشركين يعلمون هذا فقال: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ . أنه لا خالق لهذه الأشياء المذكورة وغيرها إلا الله فلماذا تعبدون معه غيره ممن لا يخلق شيئًا.\nالمسألة الثالثة: في الآيتين الاستدلال بتوحيد الرّبوبيّة على توحيد الإلهيّة، وأنّ توحيد الرّبوبيّة وسيلة وتوحيد الألوهيّة غاية، لأنّه هو المقصود وهو المطلوب من الخلْق، لأنّه لَمَّا أمر بعبادته ذكر توحيد الرّبوبية، ففيه الاستدلال بتوحيد الرّبوبية على توحيد الأُلوهية.\nالمسألة الرابعة: أنّه لا يكفي الأمر بالتوحيد، بل لابد من النّهي عن الشّرك، لأنّ الله قال في الآية الأولى: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾، وقال في ختام الآية الثانية: \" ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ \"، فدلّ على أنّه لابد من الجمع بين الأمرين: الأمر بالتوحيد والنّهي عن الشرك، فالذي يقتصر على الأمر بالتّوحيد ولا ينهى عن الشّرك لم يقم بالمطلوب لأن ذلك لا يحقِّق شيئًا، وهذا في القرآن كثير دائمًا بجانب الأمر بالتّوحيد النّهي عن الشّرك، قال تعالى: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ هذا أمر ونهي، ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ﴾ هذا فيه: الكفر بالطّاغوت، والإيمان بالله، فالإيمان بالله لا يكفي، بل لابد من الكفر بالطّاغوت، وكلّ رسول يقول لقومه: ﴿وَاعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾، ﴿اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾، فلا بد من الجمع بين الأمر بالتوحيد والنّهي عن الشّرك.\nالمسألة الخامسة: أنّ هذه الألفاظ التي ذكرها ابن عبّاس تجري على ألسنة","vol":"2","page":160},{"text":"وعن عمر بن الخطاب ﵁: أنّ رسول الله ﷺ قال: \"مَنْ حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك\" رواه الترمذيّ وحسّنه، وصححه الحاكم.\nــ\nكثيرٍ من النّاس وهي من الشّرك، لكنه شرك أصغر، ويسمّى شرك الألفاظ، ولو لم يقصد بقلبه، وهو من اتّخاذ الأنداد.\nالمسألة السّادسة: فيه أنّ السلف يستدلّون بالآيات النازلة في الشرك الأكبر على الشرك الأصغر، لأنّ ابن عبّاس استدلّ بالآية على ذلك، لأنّ الشرك الأصغر يجُرُّ إلى الشرك الأكبر، ففيه: الابتعاد عن الشّرك من كلّ الوُجوه، باللّفظ، وبالنّيّة، وبالفعل.\nقوله ﷺ: \"من حلف بغير الله\" أي: أقسم بغير الله، كأن يقول: والنّبي، أو يقول: والأمانة، أو يقول: وحياتِكَ ما فعلتُ كذا، أو ما أشبه ذلك، بأن يقسم بمخلوق. فالحلف والقسم: تأكيد شيء بذكر معظّم على وجه مخصوص.\nوهو تعظيمٌ للمُقْسَم به، والتعظيم إنّما يكون لله ﷾، فالمخلوق لا يُقْسِمُ إلاّ بالله أو بصفةٍ من صفات الله ﷾.\nأمّا الله ﷾ فإنّه يُقْسِمُ بما شاء مِن خلقه، أمّا المخلوق فلا يقسِم إلاّ بالله، ولا يجوز له أن يقسم بغيره كائنًا مَنْ كان: لا يقسِم بالأنبياء، ولا بالملائكة، ولا بالصالحين، ولا يُقسم بالكعبة، ولا يقسم بأي شيء إلا بالله ﷾.\nوفي هذا الحديث: أنّ النبي ﷺ قال: \"مَن حلَف بغير الله\" كائنًا مَنْ كان من ملائكة، أو أنبياء، أو أولياء، أو مشاعر مقدّسة، أو غير ذلك.\n\"فقد كفر أو أشرك\" وهذا إمّا شكٌ من الراوي، يعني: هل قال الرّسول: كفر، أو قال: أشرك، أو أنّ (أو) بمعنى (الواو)، لأنّ (أو) تأتي أحيانًا بمعنى (الواو) في لغة العرب، يعني: فيكون المعنى: \"فقد كفر وأشرك\"، يعني: جمع بين الكفر والشّرك، لأنّ بين الشرك والكفر عموم وخُصوص، فكل مشرك كافر وليس كل كافر يكون مشركًا.\nوقد يَرِد سؤال هنا وهو: أنّه جاء في بعض الأحاديث الحلف بغير الله، كقول النبي ﷺ: \"أَفْلح َوأبيه إنْ صدَق\"، مع قوله: \"مَن حلَف بغير الله فقد كفر أو أشرك\". فما الجواب؟.","vol":"2","page":161},{"text":"وقال ابن مسعود: \"لأنْ أحلِف بالله كاذبًا أحبُّ إليّ من أنْ أحلِف بغيره صادقًا\".\nوعن حُذيفة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: \"لا تقولوا: ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا: ما شاء الله، ثُمَّ شاء فلان\" رواه أبو داود بسند صحيح.\nــ\nأجاب عنه العلماء بجوابين:\nالجواب الأوّل: أن هذا وأمثاله لا يُقصد به اليمين، وإنما يجري على الألسنة من غير قصد اليمين.\nوالجواب الثاني: أنّ هذا كان قبل النّهي، فكان في الأوّل يجوز الحلِف بغير الله، وبعد ذلك نُهي عن الحلِف بغير الله، فقوله: \"أفلح وأبيه\" وأمثاله يكون منسوخًا بالنّهي عن الحلف بغير الله، وهذا هو الذي رجّحه في الشرح.\nوالشاهد من الحديث للتّرجمة: أن الحلف بغير الله من اتّخاذ الأنداد لله ﷾، لأنّ النّد معناه: النّظير والشّبيه، فالذي يحلف بغير الله يجعل المحلوف به نِدًّا لله وشبيهًا لله ﷾.\nقوله: وقال ابن مسعود: \"لأن أحلِف بالله كاذبًا أحبُّ أليّ من أنْ أحلِف بغيره صادقًا\" الكذب حرام، وكبيرة من كبائر الذّنوب، ولكنّه أسهل من الحلف بغير الله، لأنّ الحلف بغير الله شرك، والحلف بالله كاذبًا محرّم ومعصية، ولكنه دون الشرك، لأن الشرك أكبر الكبائر. وسيِّئة الكذب أخف من سيِّئة الشرك.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"لأن الحلف بالله كاذبًا فيه توحيد، والحلف بغير الله صادقًا شرك، وحسنة التّوحيد أعظم من حسنة الصّدق\" وسيِّئة الشرك أشدّ من سيِّئة الكذب.\nقوله ﷺ: \"لا تقولوا: ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا: ما شاء الله، ثُمَّ شاء فلان\" هذا نهيٌ من الرّسول ﷺ عن الجمع بين الله وبين المخلوق في المشيئة بأن يقول: \"ما شاء الله وشاء فلان\"، لأنّ (الواو) لمطلق الجمع والتّشريك، فكأنّك جعلت المشيئة صادرة من الله ومن المخلوق، وهذا شركٌ في اللّفظ، وتصحيح العبارة أن يقال: \"ما شاء الله، ثُمَّ شاء فُلان\".","vol":"2","page":162},{"text":"وجاء عن إبراهيم النخعي: \"أنه يكره: أعوذ بالله وبك، ويجوز أن يقول: بالله ثم بك\". قال: \"ويقول: لولا الله ثم فلان، ولا تقولوا: لولا الله وفلان\".\nــ\nفهذا فيه مسألتان:\nالمسألة الأولى: النّهي عن عطف مشيئة المخلوق على مشيئة الخالق بـ (الواو)، وجواز عطفها بـ (ثُمَّ)، والفرق: أنّ (الواو) تقتضي التشريك، و(ثُمَّ) تقتضي الترتيب والتعقيب، فتجعل مشيئة المخلوق بعد مشيئة الخالق ومترتِّبةً عليها.\nالمسألة الثانية: فيه دليل على إثبات المشيئة للمخلوق، رَدًّا على الجبريّة الذين يقولون إنّ المخلوق ليس له مشيئة وإنّما هو مجبَر ومسيَّر، ليس له اختيار ولا مشيئة، وهو مذهبٌ باطل، فالمخلوق له مشيئة، لكنها بعد مشية الله: قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠)﴾، ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠)﴾، ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ فأثبت ﷾ للمخلوق مشيئة، وجعلها بعد مشيئة الله ﷾، فمشيئة المخلوق مترتّبة على مشيئة الخالق ﷾.\nوفي حديث حذيفة مسألة ثالثة: وهو أنّه مَن منع من شيء فإنّه يذكُر البديل الصّحيح عنه إن كان له بديل، لأن النبي ﷺ لَمّا مَنع من هذه العبارة ذكر البديل الصحيح عنها وهو قولُ: \"ما شاء الله ثم شاء فلان\".\nقوله: \"وجاء عن إبراهيم النخعي: أنه يكره: أعوذ بالله وبك\" الاستعاذة نوعٌ من أنواع العبادة، لا يجوز صرفُها إلاَّ لله ﷾، فلا يجوز أن تقول: \"أعوذ بالله وبك\"، لأنّك إذا قلتَ هذا شرَّكت بين الخالق والمخلوق، والتجأت إليها جميعًا، وهذا شرك، لكن تصحيح العبارة أن تقول: (أعوذ بالله، ثُمَّ بك) فتأتي بـ (ثُمَّ)، والفرق بين (ثُمَّ) وبين (الواو): أن (ثُمَّ) تجعل الالتجاء إلى المخلوق بعد الالتجاء إلى الخالق ﷾، فالمخلوق يلتجأ إليه فيما يقدر عليه، فتذهب إلى شخص وتطلُب منه أنه يمنع عدوّك عنك، إذا كان هذا الشخص حيًا يقدر على منع عدوّك عنك. أمّا العياذ المطلَق فإنّه لا يكون إلاَّ بالله ﷾ ولا يجوز العياذ بالميت مطلقًا.\nوقوله: \"ويقول: لولا الله ثُمَّ فلان، ولا تقولوا: لولا الله وفُلان\" سبق شرحه.","vol":"2","page":163},{"text":"وهذا مما يدل على أنه يجب تعليم النّاس أُمور العقيدة، وما يُخِلُّ بها وما ينقِّصُها، لأنّ أغلب النّاس الآن - إلاّ ما شاء الله- أعرضوا عن تعليم العقيدة وتعلُّمها، ولا يعتنون بها، ولا يدعون إليها إلاّ ما شاء الله، وإلاّ فالأكثر يركِّزون على أمورٍ أخرى جانبيّة لا تُفيد شيئًا إذا اختلّت العقيدة، حتى ولو صحّت هذه الأغلاط الجانبية التي يريدون إصلاحها، لو صلحت وصحّت ما نفعت بدون إصلاح العقيدة، فالعقيدة هي الأساس، يجب أن نتعلّمها أوّلًا، وأن ندعوَ إليها أوّلًا، وأن نصحِّح الأخطاء فيها قبل تصحيح الأخطاء في المعامَلات، وتصحيح الأخطاء في الآداب والأخلاق. وما انتشرت هذه الأُمور في النّاس إلاَّ لَمّا قَلّ تدريس التوحيد وشرح العقيدة والدعوة إليها في المحاضرات والندوات والصُّحف والمجلات فانتشرت هذه الأمور، بسبب شياطين الإنس والجن الذين يريدون إفساد عقائد النّاس، فالاهتمام بأمر العقيدة وتصحيحها هو أمّ المهمّات: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ بدأ بالعلم بمعنى ﴿لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ﴾ قبل العمل والاستغفار، لأنّه هو الأساس الذي تنبني عليه أمور الدين كلّها.","vol":"2","page":164},{"text":"[الباب الثالث والأربعون:]\n* باب ما جاء فيمن لم يقنع بالحلف بالله\nعن ابن عمر: أنّ رسول الله ﷺ قال: \"لا تحلفوا بآبائكم، من حلف بالله فليَصْدُق، ومن حُلِف له بالله فليرض، ومن لم يرض فليس من الله \" رواه ابنُ ماجه، بسند حسن.\nــ\nقوله: \"باب ما جاء فيمن لم يَقنع بالحلف بالله\" يعني \"ما جاء فيه من الوعيد، وأنّه ينقِّص التّوحيد، لأنّ الذي لا يقنع بالحلف بالله لا يعظِّم الله ﷾ حق التّعظيم، لأنّه لو كان يعظِّم الله حقّ التعظيم لرضيَ بالحلف به، فكونه لا يرضى ولا يقنع بالحلف بالله دليلٌ على نُقصان تعظيمه لله، وهذا ينقِّص التوحيد، كما أنّ كمال تعظيم الله كمالٌ في التّوحيد.\nهذا وجه المناسبة لعقد هذا الباب في كتاب التوحيد.\nثم ذكر الحديث عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: \"لا تحلفوا بآبائكم\" سبق في الباب الذي قبله النهي عن الحلف بغير الله، وأنه شرك أو كفر، كما قال ﷺ: \"مَن حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك\"، لأنّ الحلف تعظيمٌ للمحلوف به، ومَن عظّم غيرَ الله بالحلف به فإنّ هذا شركٌ بالله ﷿، وهو يختلف باختلاف الحالفين: من كان يعظِّم المحلوف به كما يعظِّم الله فهو شركٌ أكبر، ومن كان لا يعظِّمه كتعظيم الله بل عنده نوعُ تعظيم لا يساوي تعظيم الله، فإنّه يكون شركًا أصغر.\nوقوله ﷺ: \"لا تحلفوا بآبائكم\" ليس هذا خاصًّا بالآباء، فالحلف بغير الله لا يجوز، سواء كان بالآباء أو بغيرهم، وسواء كان بالآدميِّين من الرُّسل والصالحين، أو كان بالكعبة، أو غير ذلك، فالمخلوق لا يجوز له أن يحلف إلاّ بالله ﷿، فذكره الآباء هو من باب ذكر بعض أفراد المنهي عنه، لأنّ عادتهم أن يحلفوا بالآباء.\nقوله: \"ومن حلف بالله فليصدُق \" هذا أمرٌ من النبي ﷺ أنّ الحالف بالله يجب عليه أن يصدُق، فلا يحلف بالله كاذبًا، لأنّ من حلف بالله وهو كاذب فقد استهان","vol":"2","page":165},{"text":"بعظمة الله ﷾، وإذا انضاف إلى ذلك: أن يأخذ مالًا بغير حق بموجب هذه اليمين، فهي يمين فاجِرة، يقتطع بها مال امرئ مسلم.\nوالحلف بالله كاذبًا هي اليمين الغَموس، سُمِّيت بذلك لأنّها تغمس صاحبها في الإثم ثم في النّار- والعياذ بالله-، كالذي يحلف على السِّلع في البيع والشّراء أنها جيّدة، وهي ليست كذلك، أو أنها سليمة وهي ليست كذلك، أو أن قيمتَها كذا وكذا، ليرغِّب النّاس فيها وهو كاذب، فإذا حلف على أمرٍ ماضٍ كاذبًا متعمِّدًا فهذه هي اليمين الغَموس، وهي كبيرة من كبائر الذنوب، لأنّ الكذب في حد ذاته كبيرة: قال الله تعالى: ﴿فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٠٥)﴾، فالكذب في حدّ ذاته كبيرة، فإذا انضاف إليه يمين كاذبة صار أشدّ وأعظم، وجاء في الحديث: \"ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكِّيهم، ولهم عذابٌ أليم: المُسْبِل، والمنّان، والمنفِّق سلعته باليمين الكاذبة\".\nوقوله: \"ومن حُلف له بالله فليرضَ\" هذا محل الشاهد من الحديث للباب، ومعناه: فليرضَ باليمين بالله تعظيمًا لله سبحانه، وهذا يدل على كمال التوحيد. ثم الحالف إنْ كان صادقًا فهو على ما حلف، وإنْ كان كاذبًا فإثُمه عليه.\nقوله: \"ومن لم يرض فليس من الله\" هذه براءة من الله ممن لم يقنع بالحلف به، وهذا وعيد شديد.\nفيجب تعظيم اليمين بالله والرّضا بها، سواءً كانت في الخُصومات أو كانت في الاعتذارات، فالمسلم يحسن الظنّ بأخيه المسلم.\nوهذا الحديث يدلّ على مسائل:\nالمسألة الأولى: تحريم الحلف بغير الله، لقوله ﷺ: \"لا تحلفوا بآبائكم\".\nوالمسألة الثّانية: وُجوب الصدق في الأيمان وعدم الكذب فيها، لأنّ الصدق في الأيمان تعظيمٌ لله ﷾، وتعظيمٌ لعهده.\nوالمسألة الثالثة: وجوب القناعة بالحلف بالله، وتحريم عدم القناعة بالحلف بالله، لأنّ ذلك تعظيمٌ لجانب الله ﷾، وثقةٌ بالحلف به، وأن لا يُستهان باليمين بالله، لا من الحالف ولا من المحلوف له، بل تعظَّم من الجانبين، وهذا من حقوق التوحيد، وعدمُه من نُقصان التّوحيد.","vol":"2","page":166},{"text":"[الباب الرابع والأربعون:]\n* باب قول: ما شاء الله وشئت\nعن قتيلة: أن يهوديًا أتى للنبي ﷺ فقال: إنكم تشركون؛ تقولون: ما شاء الله وشئت، وتقولون: والكعبة.\nــ\nقال الشيخ ﵀: \"باب قول: ما شاء الله وشئت\" يعني: ما ورد في ذلك من النّهي، وأنّه شركٌ وتنديد؛ لأنّك إذا قلت ذلك شرَّكْتَ بين الخالق والمخلوق في المشيئة، حيث عطفتَ بالواو، والواو تقتضي التشريك، فهذا شرك في الرّبوبيّة، وهو لا يجوز، وإنْ كان القائل لا يعتقد هذا في قلبه، فهو شركٌ في اللّفظ منهيٌّ عنه، فكيف إذا اعتقد هذا في قلبه؟، فالأمر أشدّ.\nقوله: \"عن قُتَيْلة\" هي قُتَيْلَة بنت صَيْفِي الأنصاريّة، وبعضُهم يقول: الجُهَنِيَّة.\nقوله: \"أن يهوديًا أتى للنبي ﷺ فقال: إنكم تُشركون؛ تقولون: ما شاء الله وشئت، وتقولون: والكعبة\" هذا اليهودي عرف أنّ هذا شرك، وأقرّه النبي ﷺ على ذلك، ووجّه أمّته أن يستبدلوا هذه الألفاظ بألفاظٍ صحيحة، فيقولوا \"ورب الكعبة، وأن يقولوا ما شاء الله ثم شئت\".\nفقوله: (قولوا: وربّ الكعبة) وربُّ الكعبة هو الله ﷾، والكعبة: بَيْتُ الله، فلا يحلف بالكعبة، وإنّما يحلف بربّ الكعبة، هذا هو البديل الصحيح الخالي من الشرك.\nوإذا كان الحلف بالكعبة شركًا ومنهيًا عنه؛ فكيف بالحلف بغيرها من المخلوقات؟. وقوله: قولوا: \"ما شاء الله ثم شئت\"، هذا هو اللّفظ الصحيح: أن تأتي بـ (ثُمَّ) بدل (الواو)، لأنّ (الواو) للتشريك بين الخالق والمخلوق في المشيئة، أما (ثُمَّ) فإنّها للتّرتيب حيث جعلت مشيئة المخلوق بعد مشيئة الخالق، لأنّ المخلوق لا يشاء إلاّ إذا شاء الله ﷾، فمشيئته تابعة لمشيئة الله وليست مستقلّة، فهذا هو فرقُ ما بين اللّفظتين لفظة: \"ما شاء الله وشئت\" وبين: \"ما شاء الله، ثُمَّ شئت\"، فلفظة \"ما شاء الله وشئت\" شركٌ، ولفظة: \"ما شاء الله، ثُمَّ شئت\" توحيد.","vol":"2","page":167},{"text":"فأمرهم النبي ﷺ إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: \" ورب الكعبة، وأن يقولوا: ما شاء الله ثم شئت\" رواه النسائي وصححه.\nــ\nوالمخلوق له مشيئة، خلافًا للجَبْرِيَّة الضُّلاَّل الذين يقولون: إنّ المخلوق ليس له مشيئة، بل هو مجبور، يفعل الكفر والمعاصي والشرك من غير اختياره، مثل الآلة التي تُحَرَّك والريشة التي تحرِّكُها الريح، ولو كان كذلك لم يستحقّ العذاب على المعصية، ولم يستحقّ الثواب على الطاعة.\nويقابلهم المعتزلة الذين قالوا: العبد له مشيئة مستقلة لا تتعلّق بمشية الله، فهو يفعل الكفر والمعاصي بغير مشيئة الله، وإنّما بمشيئته مستقلًا بها. تعالى الله عمّا يقولون، وهذا معناه: أنه يحدُث في ملك الله ما لا يشاؤُه. وليس من لازم مشيئة الله: محبته لكل ما يشاؤه سبحانه؛ فهو يشاء كفر الكافر ولا يحبه، وإنما يشاؤه ويخلقه لحِكمة بالغة وهي الابتلاء والامتحان. وإلاَّ فـ \"لو يشاء الله لهدى النّاس جميعًا\" ولكن اقتضت حكمته أن يفاوت بينهم.\nقوله ﷺ: \"أجعلتني لله نِدًّا؟!، قل: ما شاء الله وحده\" الند هو: الشّبيه والمثيل والنّظير، يعني: أجعلتني شبيهًا لله ومثيلًا لله وشريكًا له في المشيئة، ثم أمره أن يستبدل هذه اللفظة بلفظة التّوحيد فيقول: ما شاء الله وحده.\nوهذا إرشاد إلى الأكمل أن يقول: ما شاء الله وحده، وإذا قال: ما شاء الله، ثُمَّ شئت. فهذا بيانٌ للجائز، فلا تعارُض بين الحديثين.\nوهذا من سدّ الطُرُق الموصلة إلى الشرك، فإنّه ﷺ نهى عن الشرك ونهى عن الطرق التي توصل إليه، فإذا تلفظ بذلك- ولو كان لا يعتقد- فهذا وسيلةٌ إلى الاعتقاد فيما بعد، فيُمنَع اللفظ وإنْ كان لا يعتقد بمعناه لئلا يفضي هذا إلى الاعتقاد.\nوهذان الحديثان فيهما فوائد عظيمة:\nالفائدة الأولى: ما ذكره الشيخ ﵀ في مسائله قال: \"فيه فَهْمُ الإنسان إذا كان له هوى\"، فهذا اليهودي مع كونه يهوديًّا مغضوبًا عليه فهم أنّ هذا من الشّرك، لأنّه يريد أن يتنقّص هذه الأُمّة، ومع هذا تقبّل الرّسول ﷺ هذه الملاحظة، وأرشد إلى تصحيحها.","vol":"2","page":168},{"text":"وله- أيضًا- عن ابن عبّاس: أن رجلًا قال للنبي ﷺ: ما شاء الله وشئت، فقال: \"أجعلتني لله ندًا؟!، بل ما شاء الله وحده\".\nــ\nفهذا فيه فائدة ثانية وهي: قَبول الحقّ ممّن جاء به ولو كان عدوًّا.\nوفيه فائدة ثالثة: نبّه عليها الشيخ ﵀ وهي: أن اليهود على ضلالهم يفهمون الشّرك، وبعض علماء هذه الأُمّة لا يفهمون الشرك، ولذلك يرون جواز عبادة الأضرحة والقُبور، ولا يستنكرونها، ويقولون: هذا من التوسُّل بالصالحين، وليس شركًا، أو هذا يدلّ على محبة الصالحين. ويحبِّذون هذا الشيء، ويرون أنّه ليس بشرك، مع أنه شركٌ مخرجٌ من الملّة، والذي ذكره هذا اليهودي شركٌ أصغر لا يُخرِجُ من الملّة، وبعض المنتسبين إلى العلم من هذه الأمة لا يُنكرون الشرك المخرِج من الملّة الذي يَعُجُّ الآن في العالم الإسلامي بعبادة غير الله، ففيه أن بعض اليهود أفهم من بعض العلماء المنتسبين إلى الإسلام، نسأل الله العافية والسلامة.\nالفائدة الرابعة: النّهي عن قول: (ما شاء الله وشئت)، والنّهي عن الحلف بالكعبة، وبغيرها من المخلوقات، لأنّ الحلف بغير الله شرك، لأنّه تعظيمٌ لغير الله ﷾، ولا يستحقّ التعظيم على الوجه الأكمل إلاّ الله ﷾، ففيه: أن الحلف بغير الله شرك، لأنّ النبي ﷺ أقرّ هذا اليهودي على قوله: \"إنكم تُشركون\"، فدل على أنّ هذه الألفاظ شرك.\nالفائدة الخامسة: التّوجيه أنّ العالِم إذا منع من شيء؛ فإنّه يوجِّهُ إلى البديل الصّالح، لأنّ النبي ﷺ وجّه إلى أن يُقال: \"وربّ الكعبة\"، وأن يقال: \"ما شاء الله، ثُمَّ شئت\"، فمن أفتى بتحريم شيء أو بمنع شيء وهُناك له بديلٌ صالح فإنّه يوجِّه إليه، كما فعل النّبي ﷺ.\nالفائدة السادسة: وفي حديث ابن عبّاس في الرّجل الذي قال للنّبي ﷺ: \"ما شاء الله وشئت، قال له: \"أجعلتني لله نِدًّا\" فيه: إنكار المنكر، فإنّ النبي ﷺ أنكر عليه، لا سيّما إذا كان هذا المنكر شركًا يُخِلُّ بالعقيدة فإنّه لا يجوز السُّكوت عليه، بل يجب أن يبيِّن ويُنبِّه، وهذا يشهد لِمَا قاله ابن عبّاس ﵄ في تفسير الآية التي سبقت، وهي قولُه: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ قال ابن عبّاس هو قولُ الرّجل: \"لولا الله وفلان، لو كُلَيْبَة هذا لأتانا اللّصوص، لولا البطّ لأتى اللُّصوص\"،","vol":"2","page":169},{"text":"ولابن ماجه: عن الطفيل -أخي عائشة لأمها- قال:\nرأيت كأني أتيت على نفر من اليهود، قلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: عزير ابن الله. قالوا: وأنتم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد.\nــ\nففسّر اتّخاذ الأنداد بهذه الأشياء، وها هو الرّسول ﷺ في هذا الحديث يقول: \"أجعلتني لله نِدًّا؟ \"، فدلّ على أنّ قول: (ما شاء الله وشئت) اتّخاذ للنِدّ مع الله ﷾ وإنْ كان من الشّرك الأصغر.\nقوله: \"ولابن ماجه: عن الطُّفيل- أخي عائشة لأمّها-\" الطُّفَيل هو: الطُّفَيْل بن عبد الله بن سَخْبَرَة الأَزْدي، نِسْبَةَ إلى الأَزْد؛ قبيلةٌ عربيّة مشهورة، وأبوه: عبد الله بن سَخْبَرَة جاء إلى مكّة قبل البِعْثة وحالَف أبا بكر الصدِّيق، كما كان عليه الأمر في الجاهلية أنهم يتحالفون، ويصبح الحليِف أخًا لحليفه يدافِع عنه ويناصره ويحميه، بل إذا مات يَرِثُه، ويصبح الحليف مختلطًا بحلفائه كأنّه واحدٌ منهم، ثم نسخ الإسلام الأحْلاف وأبطل الميراث الذي يكون بالحِلْفِ، وقال الله تعالى: ﴿وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ﴾، فجعل الميراث لأولى الأرحام، يعني: الأقارب دون الحلفاء، ثم مات عبد الله بن سَخْبَرَة، وكانت زوجته يقال لها: (أُمْ رُوْمَان)، فتزوجها أبو بكر الصدِّيق بعد حليفه عبد الله بن سَخْبَرَة، وأنجبت منه عبد الرحمن بن أبي بكر، وعائشة بنت أبي بكر زوج النبي ﷺ، ولهذا كان الطّفيل بن عبد الله أخًا لعائشة من أمها.\n\"قال: رأيت\" يعني: في النّوم. والرؤيا حقّ، وهي جزء من ستّة وأربعين جزءًا من النّبوّة.\nقد ذكر ابن القِّيم ﵀ في كتاب \"الروح\" أن الرؤيا على ثلاثة أقسام:\nالقسم الأول: حق، وهو ما يجري على يد ملَك الرؤيا، يأتي إلى النائم فيُريه أشياء عجيبة، فيستيقظ النائم وقد رأى هذه الرؤيا فتقع كما رآها.\nالنوع الثّاني: يكون من الشيطان، وذلك: أنّ الإنسان إذا نام ولم يذكر الله عند النوم، ولم يقرأ آية الكرسي، ولم يقرأ سور الإخلاص والمعوِّذتين، ولم يتعوّذ بالله","vol":"2","page":170},{"text":"ثم مررت بنفر من النصارى فقلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: المسيح ابن الله. قالوا: وإنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد.\nــ\nمن الشيطان الرجيم، ويأتي بالأدعية المشروعة عند النّوم، فإنّ الشيطان يتسلّط عليه، ويكدِّر عليه نومه، ويُريه أشياء باطلة لا حقيقة لها من أجل أن يكدِّره. والسبب: أنه لم يتحصّن بالله من الشيطان قبل النوم.\nالنوع الثالث: حديث نفس، وذلك أنّ الإنسان يفكِّر في أشياء في اليَقظة، أو تُهِمُّه أشياء، فإذا نام فإنّ هذه الأشياء تَعْرِضُ له في نومِه، لأنّه كان مهتمًّا بها في اليقظة. وهذا حديث نفس ليس له حقيقة، وإنما هو أضغاث أحلام.\nقوله: \"كأنِّي أتيتُ على نَفَرٍ من اليهود\" النفر: الجماعة، واليهود: هم أتباع موسى﵊- في الأصل. قيل: إنّهم سُمُّوا باليهود نسبة إلى (يهودا ابن يعقوب)، وقيل: سُمُّوا يهودًا أخذًا من قول موسى: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ يعني: تُبْنا إليك، من (الهَوْد) وهو التّوبة والرُّجوع إلى الله ﷾. هذا في الأصل، ثم صار يُطلق لفظ اليهود على المنتسبين إلى إتِّباع موسى، وإن كانوا قد خالفوه في أشياء كثيرة، وكذبوا عليه، وأَحْدَثوا في دينِه الأشياء القبيحة من الشرك بالله والكلام في حق الله ﷾.\nقوله: \"قلت: إنكم لأنتم القوم\" هذا مدحٌ لهم، لأنهم كانوا في الأصل على دين صحيح.\n\"لولا أنّكم تقولون: عُزير ابن الله\" ينسبون الولد إلى الله ﷾، و\"عُزَيْر\" اسم رجلٍ منهم، قيل: إنّه نبي، وقيل: إنّه رجلٌ صالح وعالِمٌ من علمائهم.\n\"لولا أنكم\" يعني: لولا هذه المقولة الكافرة فيكم.\n\"قالوا\" ردًّا على الطُّفيل.\n\"وأنتم لأنتم القوم\" يمدحون المسلمين.\n\"لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد\" فيه: أن الإنسان يرى عيب غيره، ولا يرى عيب نفسه، وإن كان عيبه أكبر من عيب غيره. وفيه: قبول الحق ممن جاء به.\nقال: \"ثم مررت على نفرٍ من النصارى\" النصارى: أتباع عيسى ﵇ في الأصل. قيل: سُمُّوا نصارى نسبةً إلى البَلد (الناصرة) بفلسطين، وقيل: سُمُّوا نصارى من قولهم: ﴿نَحْنُ أَنْصَارُ اللهِ﴾ .","vol":"2","page":171},{"text":"فلما أصبحت أخبرت بها من أخبرت، ثم أتيت النبي ﷺ فأخبرته، قال: \"هل أخبرتَ بها أحدًا؟ \"، قلت: نعم، قال: فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: \"أما بعد: فإن طفيلًا رأى رؤيا أخبر بها من أخبر منكم، وإنكم قلتم كلمة يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم عنها، فلا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء الله وحده \".\nــ\n\"فقلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: المسيح ابن الله\" وهو عيسى ابن مريم، سُمِّي بالمسيح لأنّه يمسح بيده على ذي العاهة فيبرأ بإذن الله. فالنصارى غلوا في المسيح كما غَلَت اليهود في عُزير.\nثم رد عليه النصارى بمثل ما قاله اليهود، قال طُفيل: \"فلما أصبحتُ أخبرتُ بها مَن أخبرت، ثم أتيتُ النبي ﷺ فأخبرتُه، قال: \"هل أخبرتَ بها أحدًا؟ \"، قلت: نعم، قال: فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: \"أمّا بعد\" هذا فيه: دليل على مشروعية حمد الله والثّناء عليه في بداية الكلام، لقوله ﷺ: \"كلّ أمر ذي بال لا يُبدأُ في بالحمد لله فهو أبتر\"، ولهذا افتتح الله كتابه العظيم القرآن بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾، وفيه استحباب الإتيان بأما بعد، وهي كلمة يُؤتَى بها للانتقال من أسلوب إلى آخر.\n\"فإن طُفيلًا قد رأى رؤيا أخبر بها من أخبر منكم، وإنّكم قلتم كلمة يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم عنها\" قيل: كان يمنع النبي ﷺ الحياء، لأنّه لم ينزل عليه وحيٌ في المنع منها.\n\"فلا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء الله وحده\" لَمّا نبّههم على خطأ هذه الكلمة أرشدهم إلى البديل الصالح منها، وهو أن يقولوا: ما شاء الله وحده.\nفهذه القصة فيها فوائد عظيمة ودُروس وعِبَر:\nالفائدة الأولى: أن الرؤيا حقّ، ولذلك: لا يجوز الكذب في الرؤيا، وجاء في الحديث الوعيد على ذلك.\nالفائدة الثّانية: فيه: فهم الإنسان إذا كان له هوى، فهؤلاء اليهود والنصارى لَمّا كان لهم هوى في حق المسلمين؛ لاحظوا هذه المسألة، لا حُبًّا في الخير أو حِرْصًا على التّوحيد، ولكنّهم يريدون بذلك تنقُّص المسلمين، والتماس عيوبهم، وإن كان في اليهود والنصارى عيوب أكثر منها.","vol":"2","page":172},{"text":"الفائدة الثالثة: قَبول الحقّ ممّن جاء به ولو كان عدوًّا، لأنّ الحق ضالّة المؤمن، والرُّجوع إلى الحقّ فضيلة.\nالفائدة الرّابعة: في الحديث دليل: على أنّ من نهى عن شيء أو منع من شيء وكان له بديل صالح أن يأتيَ بالبديل، فالنّبي ﷺ لَمّا منع من هذه الكلمة \"ما شاء الله وشاء محمد\" أتى بالبديل الصالح الذي ليس فيه محذور وهو أن يقال: \"ما شاء الله وحده\".\nالفائدة الخامسة- وهي التي ساق المصنّف الحديث من أجلها-: أنّ كلمة \"ما شاء الله وشاء فلان\" ولو كان نبيًّا من الأنبياء؛ شركٌ بالله ﷿ يجب تركُه، ولكنّه من الشّرك الأصغر، بدليل قوله: \"يمنعني كذا وكذا\"، فإذا كان الإنسان لم يقصد معناه؛ فإنّه شركٌ في الألفاظ، فيجب تركُه واجتنابُه والابتعاد عنه.\nالفائدة السادسة: أنه لا يجوز الغلو بالنبي ﷺ وإشراكه مع الله في شيء، ودعاؤه، والاستغاثة به من دون الله ﷿ لأنه نهى أن يقال \"ما شاء الله وشاء محمد\" فما بالك بما هو أشد من ذلك من أنواع الغلو.","vol":"2","page":173},{"text":"[الباب الخامس والأربعون:]\n* باب من سب الدهر فقد آذى الله\nــ\nقال الشيخ ﵀: \"باب من سبّ الدهر\" السبّ معناه: الذّم والتنقُّص، والدهر المراد به: الزمان والوقت.\nومعنى: \"آذى الله\": أن الله ﷾ يبغض ذلك ويكرهه، لأنّه تنقُّصٌ لله ﷾، والله ﷾ يتأذّى ببعض أفعال عباده وأقوالهم التي فيها إساءةٌ في حقّه، ولكنّه لا يتضرّر بذلك، لأنه الله لا يضرُّه شيء: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٥٧)﴾، وقال ﷾: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْأِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٧)﴾ .\nوفي الحديث: \"يا عبادي إنّكم لن تبلُغوا ضرّي فتضرّوني\" ففرقٌ بين الضرر والإيذاء.\nووجهُ كونه يتأذّى بسبّ الدهر: لأن السبب يكون متوجهًا إليه، لأنّه هو المتصرِّف الذي يجري في قدَره وقضائه الخير والشّرّ والمكروه والمحبوب، أما الدهر فإنّما هو زمانٌ ووقتٌ للحوادث، لا أنّ الدهر نفسه هو الذي يتصرّف ويُحدِث هذه الحوادث التي تجري فيه، وإنّما الدهر زمانٌ ووقتٌ للأعمال كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا (٦٢)﴾، بل إنّ الله جعل بعض الأزمان له خاصيّة وفضيلة في مضاعفة الأعمال مثل شهر رمضان، وعشر ذي الحجّة، ويوم عرفة، وبوم الاثنين والخميس من كلّ أسبوع، ويوم الجمعة الذي هو سيّد أيّام الأسبوع وهو عيد الأسبوع، وآخر ساعة من يوم الجمعة، ووقت السّحر. هذه أوقات فاضلة تُضاعَف فيها الأعمال، ويُستجاب فيها الدّعاء أكثر من غيرها، فالدهر في الحقيقة نعمةٌ من الله ﷾ لمن حفظه فيما ينفعه، أما مَن ضيّعه فإنّه يكون حَسْرةً عليه يوم القيامة، فالدّهر إنما هو وقتٌ للأعمال، يَجري فيه الخير والشرّ، والطاعة والمعصية، والكفر والإيمان. فلا يتعلّق بالدهر مدح ولا ذم، لأنّه مجرّد زمان ومجرّد وقت للأعمال خيرها وشرِّها، ومَن علّق الذم بالدهر فإنّما يذمّ الخالِق ﷾ لأنّ الدهر مخلوق لا يخلق ولا يُحْدِث شيئًا، وإنّما الذي يخلُق هو الله ﷾.","vol":"2","page":174},{"text":"وقول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إلاّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إلاّ الدَّهْرُ﴾ الآية.\nــ\nثم ساق الشيخ ﵀ الآية، وهي قولُه تعالى عن المشركين: \" ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٢٤)﴾ \" ذكر الله ﷾ في هذه الآية عن المشركين، الذين بُعث إليهم رسول الله ﷺ أنّهم يُنكرون البعث ويستبعدونه، ويزعمون أنّه لا يمكن حصول البعث لأنّ الأجسام تتفتّت وتضيع وتذهب، فمن أين الإعادة لشيء قد ضاع وتفتّت وذهب: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩)﴾، ﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٤٩) قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا (٥١)﴾، ﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً (١١) قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ (١٢)﴾، ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (١٧)﴾، ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (٣) قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ (٤)﴾، فيا سبحان الله أين العُقول؟!، فالذي خلقهم من لا شيء، وأوجدهم من العَدَم في أوّل مرّة؛ ألا يقدر على إعادتهم مرّة ثانية؟، بل من ناحية العُقول: أنّ الإعادة أسهل من البداءة: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧)﴾، مع أن الله لا يصعُب عليه شيء ﷾، لا الإعادة ولا البداءة، الكلّ سهلٌ عليه ويسيرٌ عليه لكن هذا من جهة التصور العقلي.\nثم- أيضًا-: لو لم يكن بعثٌ ونُشور للزِم أن يكون خلق الخلق عبثًا لا نتيجة له، وهذه الأعمال لا نتيجة لها: الإيمان والطاعة والاستقامة والعبادة لا نتيجة لها إذا لم يكن هُناك بعث، الكفر والمعاصي والإلحاد والفُسوق والظُّلم والعُدوان لا نتيجة له، لأنّنا نرى أنّ النّاس يموتون الطائع والعاصي المؤمن والكافر، الكافر يموت على كفره، والمطيع يموت على طاعته، وقد يكون المطيع في هذه الدنيا في فقر وحاجة ومرض وآلام، وقد يكون الكافر في نعيم وفي رفاهية وفي أُبَّهة من العيش مع كفره، إذًا: أين النتيجة؟، لا بدّ أن هناك دارًا أُخرى تظهر فيها النتائج،","vol":"2","page":175},{"text":"تظهر فيها نتيجة الطّاعة، ونتيجة المعصية، وإلاّ للزِم أن يكون خَلْقُ الخلْق عبثًا، كما قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ (١١٥)﴾، وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٢١) وَخَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٢)﴾، وقال ﷾: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦)﴾، وقال ﷾: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨)﴾؟، هذا تأباه حكمة الله ﷾، فكون المطيع الصالح العابد يعيش في هذه الدنيا في ضيق ومرض وفقر وفاقة؛ لأنّ الله ادّخر له جزاءً يوم القيامة، وكون العاصي والكافر يعيش في سُرور وفي رغَدٍ من العيش مع كفره؛ هذا لأنّ الله أعدّ له النّار يوم القيامة؛ ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ﴾، تأبى حكمة الله ﷾ أن يُضيع أعمال العباد سُدى، وأن يسوِّي بين المؤمن والكافر والمطيع والعاصي، تأبى حكمة أحكم الحاكمين أن تتّصف بذلك، فلولا أنّ هناك بعثًا يحاسَب فيه العباد ويجزى كلُّ عامل بعمله للزم العبث وللزم الجور والظُّلم من الله، تعالى الله عن ذلك، دلّ هذا على أن هناك دارًا أُخرى غير هذه الدّار، أخبر الله عنها، وتواترت بها أخبارُ الرُّسل- عليهم الصلاة والسّلام-، لكنّ المشركين الذين بُعث إليهم رسول الله ﷺ يستبعدون البعث لجهلهم بقدرة الله ﷾، ويقيسون قدرة الخالق على قدرتهم، ولهذا استصعبوا البعث، ورأوه مستحيلًا؛ أن يبعث الله هذه الأجسام بعد تفتُّتها وضياعها في الأرض، ولكنّ الله ﷾ يعلم مستقرّها ومستودَعها ويعلم مصيرها، ولو فنَيتْ وصارت تُرابًا فالله يعلم هذه الأجسام وما تحلّل منها وقادرٌ على إعادتها: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ (٤)﴾، بل إنّ كل جسم الإنسان يفنى إلاَّ عَجْبَ الذَّنب، وهو: حبّة صغيرة، منها يركَّبُ خلقُ الإنسان يوم القيامة.\nفهم ينكرون البعث والنشور ويقولون: ﴿مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ ما هناك حياةٌ أُخرى بعد هذه الحياة، ما هناك إلاّ الحياة التي نحن فيها.","vol":"2","page":176},{"text":"﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ يعني: يموت ناس ويولَد ناس، كما يقولون: أرحام تدفع، وأرض تبلع.\n﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ أي: أنّ سبب الموت إنما هو طول العمر طول الحياة، الإنسان يعمّر ثم يَهْرَم ثم يموت، أو سبب الموت هو: حوادث الدهر، فينسبون الهلاك إلى الدهر.\nلماذا أصابهم قحط أو انحباس مطر نسبوه إلى الدّهر، وإذا أصابتهم مجاعة أو أصابهم قتلٌ أو مرض نسبوه إلى الدهر، ويزعمون أنّ هذا من تصرُّف الدهر، ولذلك يهجون الدهر في إشعارهم.\nوهذا في الحقيقة إنّما هو ذمٌّ لله ﷾، لأنّ الدهر ليس في مقدوره شيء، فليس هو الذي يصدرُ هذه المجريات، وإنما هي صادرة عن الله ﷾، فمن ذَمّ الدهر فقد ذمّ الله سبحانه.\nقال الله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ الواجب أن الإنسان إذا ادّعي دعوى أن يقيم عليها الدليل، وما عندهم دليل، ولهذا قال: ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ يعني: ما لهم دليل على هذا، بل الدليل على العكس، على أن الدهر ليس له تصرُّف وإنّما التصرُّف هو للخالق ﷾.\nثم قال: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ يعتمدون على الظّن، والظن ﴿لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ .\nهذا هو المنطق الصحيح في لسان المناظرات، أما مجرّد الوهم ومجرّد الظنّ، فلا يُبنى عليه مثل هذا الأمر العظيم، وهو إنكار البعث.\nثم ساق الشيخ الحديث، وهو من الأحاديث القدسيّة، والحديث القدسي: هو الذي يرويه النبي ﷺ عن ربّه، فهو كلام الله جل وعلا.\nيقول جل وعلا: \"يؤذيني ابن آدم\" الله يتأذّى ببعض أفعال عباده، لكنّه لا يتضرّر بها.","vol":"2","page":177},{"text":"وفي الصحيح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: \"قال الله تعالى: يؤذيني ابن آدم؛ يسبب الدهر، وأنا الدهر، أقلب الليل والنهار\".\nوفي رواية: \"لا تسبوا الدهر؛ فإن الله هو الدهر\".\nــ\nثم فسّر ذلك الأذى بقوله: \"يسبُّ الدّهر\" والدهر ليس محلًاّ للسّب، فيكون محلّ السب هو الله ﷾، لأنّه هو الذي خلق أو أوجد هذا الأمر الذي يكرهه هذا الإنسان، فإذا سبّ الدهر فقد سبّ الفاعل وهو الله ﷾، والواجب على أهل الإيمان أنه إذا أصابهم ما يكرهون أن يعتبروا أن هذا قضاء من الله وقدر، وأنّه من الله جل وعلا، وأنّه لم يخلُقه عبثًا، وأنّه بسبب الذّنوب والمعاصي، فيتوب المؤمن، ويصبر على المصيبة، ويحتسب الأجر عند الله ﷾، ولا يُطلق لسانه بذمّ الساعة واليوم والوقت الذي حصل فيه هذا المكروه، وإنما يحمد الله ويشكره ويرضى بقضائه وقدَره، ويعلم أنّه ما أُصيب إلاّ بسبب ذُنوبه، فيحاسب نفسه ويتوب إلى الله تعالى.\nثم بيَّن معنى قوله: \"أنا الدهر\" فقال: \"أقلّب الليل والنهار\"، وليس معناه: أن الله يُسمّى الدهر، فليس الدّهر من أسماء الله، والحديث يفسِّر بعضه بعضًا، فمن زعم أن (الدهر) من أسماء الله فقد غلِط.\n\"وفي رواية: \" لا تسبُّوا الدهر\" هذا نهي، والنّهي يقتضي التحريم.\nثم علّل ذلك بقوله: \"فإنّ الله هو الدهر\" يعني: مَن سبّ الدهرَ فقد سبّ الله، لأنّ الله هو الخالق ﷾، وهو الذي أجرى هذا الحادث الذي يكرهه العبد ويتألّم منه، فإذا سبّ الدهر فقد سبّ الفاعل وهو الله ﷾.\nونخلص من هذا كله إلى مسائل نستنبطها من هذه الآية، ومن الحديث:\nالمسألة الأولى: تحريم مسبّة الدهر، ومسبّة الدهر على نوعين:\nالنوع الأوّل: ما يكون كفرًا وشركًا أكبر، وذلك إذا اعتقد أنّ الدهر هو الفاعل، وهو الذي أحدث المصيبة، فذمّه من أجل ذلك، فهذا شركٌ أكبر، لأنّه أثبت شريكًا لله تعالى.\nالنّوع الثاني: أن يعتقد أنّ الفاعل هو الله ولكنّه ينسِب الأذى إلى الدهر، أو ينسب الذمّ إلى الدهر من باب التساهُل في اللّفظ: فهذا أيضًا محرّم، ويُعتبر من","vol":"2","page":178},{"text":"الشّرك الأصغر، حتى ولو لم يقصد المعنى وإنما جرى على لسانه، فيُعتبر من الشرك في الألفاظ.\nالمسألة الثانية: فيه: أنّ الله ﷾ يتأذّى ببعض أفعال عباده السيِّئة، ولكنّه جل وعلا لا يتضرّر بذلك.\nالمسألة الثالثة: في الحديث بيان معنى أنّ الله هو الدّهر، وأنّ معناه: أنّه هو الذي يخلُق، ويدبِّر ويُجري هذه الحوادث في هذا الزمان، وليس معناه أن الدهر من أسماء الله، والحديث يفسِّر بعضُه بعضًا.","vol":"2","page":179},{"text":"[الباب السادس والأربعون:]\n* باب التسمّي بقاضي القضاة ونحوه\nــ\nهذا الباب مشابهٌ للباب الذي قبله \"باب من سب ّالدهر فقد آذى الله\"؛ لأن الباب الذي قبله فيه النّهي عن مسبّة الدهر، لأنّ ذلك يؤذي الله ﷾. وهذا الباب في النّهي عن التسمِّي بالأسماء الضخمة التي فيها العَظَمة التي لا تليق إلاّ بالله ﷾، لأنّ هذا يغيظُ الله ﷾، فسبّ الدهر يؤذي الله، وهذا يغيظ الله ﷾، وكلا الأمرين محرّم شديد التحريم.\nثم يأتي بعد هذا الباب: \"باب احترام أسماء الله\"، وهو كذلك يُشبِه هذين البابين.\nفهذه الأبواب الثلاثة بعضُها يشبه بعضًا، لكنّها لَمّا كانت متنوِّعة نوّعها المؤلِّف ﵀، من أجل أن يُعرف كلُّ شيء على حِدَته مفصَّلًا، لأنّ أمور التّوحيد لا بدّ فيها من التّفصيل والبيان، ولا يكفي فيها الإجمال والاختصار.\nقوله: \"التّسّمي بقاضي القُضاة ونحوه\" يعني: كلّ اسم فيه تعظيمٌ شديد للمخلوق من الألقاب والأسماء التي فيها التعظيم الذي لا يليق إلاّ بالله ﷾، مثل: \"ملِك الأملاك\" و\"سيِّد السادات\"، وما أشبه ذلك من الألقاب الضّخمة التي يتلقّب أو يتسمّى بها بعض الجبابرة أو المستكبرين.\nوكلُّ هذا محرَّم ومنهيٌّ عنه، لأنّ المطلوب من المخلوق التواضُع مع الله ﷾، وتجنُّب ما فيه تزكيةٌ للنفس أو تعظيمٌ للنفس، لأنّ هذا يحمل على الكِبْر والإعجاب، وخروج الإنسان عن طَوره ووضعه الصحيح.\nوكلُّ هذا يُخلُّ بعقيدة التّوحيد، لأنّ عقيدة التّوحيد تدور على توحيد الله ﷾، وعلى تنزيه الله عن المشابَهة والمماثَلة، فمن تسمّى باسم لا يليق إلاّ بالله على وجه التعاظُم فهذا فيه تشبيه بأسماء الله ﷾.\nفمثلًا: (قاضي القُضاة) هذا لا يليق إلاّ لله ﷿، لأنّ الله ﷾ الذي يقضي النّاس يوم القيامة القضاء النهائي، يقضي بين جميع الخلْق، ملوكهم وعامّتهم وعلمائهم وعوامّهم، يقضي بين جميع خلقه ﷾، فالقضاء المطلَق هو لله ﷾، فلا يليق أن يقال للمخلوق: \"قاضي القُضاة\"، لأنّ الله هو الذي يقضي بين جميع","vol":"2","page":180},{"text":"في الصحيح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: \"إن أخنع اسم عند الله رجُلٌ تَسَمَّى: ملك الأملاك، لا مالك إلاّ الله \".\nــ\nالنّاس يوم القيامة، يقضي بينهم بحكمه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ﴾، فهو الذي يقضي بين النّاس ﷾.\nأما القاضي من النّاس فإنه يقضي بين فئاتٍ قليلة من النّاس، لا يقضي بين كلّ النّاس، وإنما يقضي بين عدد قليل محصور، إما في بلد وإما في قضيّة خاصّة، ثم قضاؤه- أيضًا- قد يكون صوابًا وقد يكون خطئًا، أما قضاء الله جل وعلا فإنّه لا يكون إلاّ حقًّا وصوابًا، ولا يتطرّق إليه الخطأ والنقص جل وعلا.\nففي هذه الكلمة \"قاضي القُضاة\" تعظيم زائد، ومنحٌ للمخلوق لصفةٍ لا يستحقُّها ومرتبة لا يرقى إليها.\nفالمناسب أن يُقال: \"رئيس القُضاة\"، بمعنى: أنه يُرجع إليه في أُمور القضاء وتنظيماته ومُجرياته.\nوكذلك: \"ملِك الأملاك\"، لأن المُلك المطلق لله ﷿، وهو المُلْك الدائم الشامل، أما ملك المخلوق فهو مُلك جزئي ومؤقت.\nفالشيخ ﵀ ترجم بقاضي القُضاة لأن كلمة \"قاضي القُضاة\" تدخل في \"ملِك الأملاك\"، فإذا نُهي عن كلمة \"ملِك الأملاك\" فإنّ \"قاضي القُضاة\" تأخُذ حكمها، لأنّ كلًّ من اللّفظتين فيهما التعظيم الزائد عن حقّ المخلوق.\nوكذلك ملك المخلوق مِنْحَة من الله ﷾، وعاريّة، لم يملك هذا المُلك بحوله ولا قوّته، وإنّما الله هو الذي ملّكه: ﴿قُلِ اللهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾، فالذي يملِّك الملوك هو الله ﷾، هو الذي يعطي الملك لمن يشاء، وينزع الملك ممّن يشاء، أمّا ملك الله جل وعلا فإنّه مُلكٌ حقيقيٌّ عام دائم.\n\"في الصحيح\" يعني: \"صحيح مسلم \".\n\"أنّ النبي ﷺ قال: إن أَخْنَع \" فسّرها المؤلِّف في آخر الباب: \" أَخْنَع\" يعني: أَوْضَع\" فهذه الكلمة إذا أُطلقت على المخلوق \"ملِك الأملاك\" فإنّها تكون وضيعةً","vol":"2","page":181},{"text":"قال سفيان: \"مثل: شاهان شاه\".\nوفي رواية: \"أغيظ على الله يوم القيامة وأخبثه\".\nقوله: \"أخنع\" يعني: أوضع.\nــ\nعند الله ﷾، وإن كان مقصود صاحبها الرِّفعة والعُلُوّ، فإنّ الله يجازيه بنقيض قصدِه، ويجعله وضيعًا، كما جاء في الحديث: أن المتكبِّرين يوم القيامة يُحشرون أمثال الذّرّ، وذلك معامَلةً لهم بنقيض قصدِهم.\n\"رجل تسمّى\" وفي رواية: \"يُسمّى\" بالياء، والفرقُ بينهما \"تَسَمّى\" يعني: سمّى نفسه، و\"يُسَمّى\" يعني: سمّاهُ غيرهُ ورضيَ هو بذلك ولم يُنكره.\nفهذا فيه سوءُ أدب مع الله ﷾، وتعاظُمٌ ورفعةٌ لا يستحقُّها المخلوق، والله جل وعلا يقول: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣)﴾، فالمؤمن لا يريد العلوّ في الأرض، وإنما يريد التواضُع لله ﷾، وإن تولّى ومَلَك فإنّه لا يُريد العلو، وإنّما يريد بالوِلاية والمُلك الإصلاح والعدل بين النّاس، فإذا كان هذا قصدُه صار من أحبِّ الخلق إلى الله تعالى، وصار من السّبعة الذين يظلُّهم الله في ظِلِّه يوم القيامة، فالملك العادل من السبعة الذين يظلّهم الله في ظلّه يوم القيامة.\nفليس معنى هذا النّهي عن تولِّي المُلك، لأن تولِّي السلطة والحكم مطلوب إذا كان القصد الإصلاح، فلا عيب في ذلك، إنما العيب في القصد السيّء، فإنْ كان قصدُه من تولِّي الملك العَظَمة والكبرياء والتجبُّر صار مُهانًا عند الله ﷿، وإن كان قصدُه الإصلاح والعدل وإقامة الحق في الأرض صار مأجورًا عند الله ﷾، بل أجرُه عظيم، ومن الذين تُستجاب دعوتهم عند الله ﷾ ولا تُردُّ دعوتُه.\n\"قال سُفيان \" هو: سفيان بن عُيينة: الإمام، المحدِّث، الجليل.\n\"مثل: شاهان شاه\" يعني: عند العجم، فمعنى هذا اللقب عندهم: \"ملك الملوك\".\nومقصود سفيان ﵀ بهذا أن يبيِّن أنّ هذا اللّقب ممنوعٌ في جميع اللّغات، سواء بالعربيّة أو بالأعجميّة، سواء سُمّي \"ملك المُلوك\" أو \"شاهان شاه\"، فالمعنى واحد، وكذلك \"قاضي القُضاة\" أو ما أشبه ذلك، فهذا منهيٌّ عنه في جميع اللُّغات.\n\"وفي رواية: أَغْيَظُ\" هذا أفعل تفضيل، والغيظ: شدّة الغضب.","vol":"2","page":182},{"text":"[الباب السابع والأربعون:]\n* باب احترام أسماء الله تعالى وتغيير الاسم من أجل ذلك\nــ\nقولُه ﵀: \"بابُ احترام أسماء الله\" أي: إكرامُها وإجلالُها، وعدم إهانتها، أو استعمالها في شيء يُمْتهن.\nوالأسماء: جمع اسم، والاسم: ما يوضَع علامةً على الشيء مميِّزًا له عن غيره، مأخوذ من السُّمُو وهو الارتفاع، أو من السِّمَة وهي العلامة.\nوالله ﷾ له أسماء سمّى بها نفسَه في كتابه، وسمّاهُ بها رسوله ﷺ في سنّته، وله أسماء لا يعلمها إلاَّ هو ﷾، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾، وقال تعالى: ﴿اللهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾، وقال ﷾: ﴿قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾، وقال تعالى في آخر سورة الحشر: ﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ والنّبي ﷺ في دعائه يقول: \"اللهم إنّي أسألك بكلّ اسم هو لك سمّيت به نفسك، أو أنزلته في كتابك أو علّمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك \"، فأسماء الله لا يعلمها إلاّ هو ﷾، وكلّها حسنى.\nوتعدُّد الأسماء يدلّ على عظم المسمّى، فهي أسماءٌ عظيمة، يجب على العباد: احترامُها، وإجلالُها، ودُعاء الله تعالى بها، والتوسّل إليه تعالى بأسمائه وصفاته، فيقول في الدّعاء: \"يا رحمن يا رحيم، يا حيّ يا قيّوم، يا ذا الجلال والإكرام\"، لأنّ ذلك من أسباب الإجابة، فدلّ على عظمها.\nفلا يجوز أن تُمْتَهَن وأن تُبْتَذَل، أو توضَع في أشياء تُستعمَل وتُهان، كأن تُكتب على أشياء تُداس بالأقدام، أو تقع في الشّوارع والقاذورات، ومَن وجد شيئًا من ذلك وجب عليه رفعُه أو إتلافه، أو إزالة اسم الله تعالى منه، فهذا من احترام أسماء الله ﷾.\nوقوله: \"وتغيير الاسم\" أي: إذا سُمّي شيء من المخلوقات باسم من أسماء الله الخاصّة به، كـ (الله) أو (الرحمن) أو ما أشبه ذلك من أسمائه الخاصّة به التي لا يُسمّى بها غيرُه؛ فإنّه يجب تغيير الاسم احترامًا لأسماء الله.","vol":"2","page":183},{"text":"عن أبي شُريح: أنّه كان يُكنى أبا الحكم، فقال له النبي ﷺ: \"إنّ الله هو الحَكم وإليه الحُكم\".\nــ\n\"من أجل ذلك\" أي: من أجل احترام أسماء الله تعالى.\nأما الأسماء التي يُسمّى بها المخلوق ويسمّى بها الخالق مثل: الملِك، والعزيز، وأشباه ذلك؛ فهذه ليست من هذا الباب، فالله له أسماء تختصّ به، والمخلوق له أسماء تختصّ به، فالله سمّى نفسه: (الرؤوف، الرحيم)، وقال عن نبيّه بأنّه: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾، وسمّى نفسه بالعليم، ووصف وسمّى عبده ﴿بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ وسمّى نفسه بالحليم، وسمّى عبده: ﴿بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾، فهذه أشياء مشتركة يجوز أن يسمّى بها المخلوق، ولكن يُعلم أنّها ليست كأسماء الله ﷾.\nثم ذكر ﵀ الدليل فقال: \"عن أبي شريح\" اسمه- على الراجح-: هانئ بن يزيد الكِنْدي، صحابي، له رواية عن الرّسول ﷺ.\n\"أنه كان يُكنى\" الكنية: ما صُدِّر بأبٍ أو أُم، كأبي عبد الله، وأمّ هانئ، وما أشبه ذلك، والكنية تكون للتشريف والتكريم، أما اللَّقب فإنه يكون للمدح وللذّمّ، والغالب أنّه للذمّ، ولذلك يقول الله جل وعلا: ﴿وَلا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ .\n\"أبا الحَكَم\" الحكم هو: الذي يُحكم بين النّاس ويُفصِل النِّزاع، ومنه سُمِّي الحاكم حاكمًا لأنّه يفصل بين النّاس، فالحكم- بالألف واللاَّم- لا يُطلق إلاّ على الله ﷾، أما أن يُقال: (حكم) بدون تعريف فلا بأس، فالله جل وعلا يقول: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ .\nوقوله: \"إن الله هو الحَكَم، وإليه الحُكْم\" بمعنى: أنّه هو الذي يحكُم بين عباده، في الدُّنيا يحكُم بينهم بوحيه الذي أنزله على رسوله ﷺ من الكتاب والسنّة: قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللهِ﴾، قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ والرّدّ إلى الله هو: الرّدّ إلى كتابه، والردّ إلى الرّسولِ ﷺ هو: الرّد إليه في حياته وإلى سنّته بعد وفاته ﷺ، وكذلك هو الحَكَم في الآخرة الذي يحكُم بين النّاس فيما كانوا فيه يختلفون، ففي الآخِرة ليس هناك حاكم سواه ﷾، هو الذي يتولَّى الفصل بين عباده،","vol":"2","page":184},{"text":"فقال: إنّ قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمتُ بينهم، فرضيَ كِلا الفريقين. فقال: \"ما أحسن هذا!، فما لك من الولد؟ \" قلت: شُريح، ومسلم، وعبد الله، قال: \"فمن أكبرُهم؟ \"، قلت: شُريح، قال: \"فأنتَ أبو شُريح \" رواه أبو داود وغيره.\nــ\nويحكم للمظلومين على الظَّلَمة، ويردّ المظالِم إلى المظلومين، فلا يُنهي النّزاع بين العالَم إلاّ الله سبحانه، أما الحكم الذي في الدّنيا يحكُم به الحُكّام من القُضاة؛ فهذا يُخطئ ويُصيب، والنّبي ﷺ يقول: \"إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد وأخطأ فله أجرٌ واحد\"، أما إذا لم يجتهد أو اجتهد وهو ليس أهلًا للاجتهاد وحكم فإنه على كل حال مخطئ وآثم، لأنه ليس من حقّه أن يحكم وهو ليس أهلًا للاجتهاد، إلاَّ في مسألة الصُّلْحِ.\nوالنّبي قال: \"إنّ الله هو الحكَم، وإليه الحُكم \" على سبيل الإنكار على أبي شريح.\nثم إنّ ابا شريح أراد أن يبيِّن السبب للرّسول ﷺ، وأنّه لم يسمِّ نفسَه بذلك، وإنّما النّاس هم الذين سمّوه به، والسبب في هذا: أنّه إذا اختلف قومُه في شيء رجعوا إليه فحكم بينهم فرضيَ كلاَ الفريقين، بمعنى: أنّه يُصْلِح بينهم برضاهم، وليس في هذا ظلمٌ لأحد، وإنّما فيه إنهاء للنّزاع وقطع للخُصومة وإرضاء لكلا الطَّرَفين، وهذا عملُ خير، ولهذا قال النّبي ﷺ: \"ما أحسن هذا\"، والله جل وعلا يقول: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾، وقال النّبي ﷺ: \"الصلح جائز بين المسلمين، إلاّ صلحًا أحلّ حرامًا أو حرّم حلالًا\".\nفالإصلاح بين النّاس أمرٌ مرغَّبٌ فيه، وعملٌ صالح، وصدقة من الإنسان على نفسه أن يعدِل بين النّاس ويسوِّي الخلافات بين النّاس، بعكس الذي يُثير النّزاع ويُحدث الفتنة بين النّاس، ويحرِّش بعضهم على بعض، فهذا مفسد- والعياذ بالله-، خلاف الذي إذا وجد النّاس مختلفين فإنّه يصلح بينهم ويقارِب بين وجهات نظرهم، ويُذهِب ما في نفوسهم من الكراهية بعضهم لبعض، فهذا مصلِح وله أجرٌ عند الله ﷾، ولهذا قال النّبيُّ ﷾: \"ما أحسن هذا! \"، تعجُّبًا وثناءً على عمل هذا الرّجل،","vol":"2","page":185},{"text":"وتشجيعًا له على ذلك، وإنما أنكر التكنّي بأبي الحكم، وأراد تغييره، حيث قال ﷺ: \"فما لَك من الولد؟ \"، ليجعل له بديلًا صالحًا.\nقال أبو شريح: \"قلت: شريح، ومسلم، وعبد الله \".\nقال النّبي ﷺ: \"من أكبرُهم؟ \".\nقال: شُريح.\nفقال النّبي ﷺ: \"أنت أبو شريح\" بَدَّل \"أبا الحَكَ م\"، وكنّاه بأكبر أولاده، فدلّ على أنّ الكنية تكون بأكبر الأولاد.\nفهذا الحديث يدلّ على مسائل عظيمة:\nالمسألة الأولى: فيه: احترامُ أسماء الله ﷾، وإجلالُها، وتغيير الاسم من أجل إجلالها، لأنّ النّبي ﷺ غيّر اسم (أبي الحَكَم) إلى (أبي شُريح) احترامًا لأسماء الله ﷾.\nالمسألة الثانية: في الحديث دليلٌ على تعليم الجاهل، فإنّ النّبي ﷺ علّم أبا شُريح، وبيّن له أنّ هذه الكُنْيَة خطأ.\nالمسألة الثالثة: في الحديث دليل على أنَّ مَن مَنع من شيء سيّء وله بديلٌ صالح فإنّه يأتي بالبديل، فإنّ النّبي ﷺ لَمّا مَنع من التكنِّي بـ (أبي الحكَم) جعل بديلًا له وهو (أبو شريح) .\nوهذه قاعدة للمعلِّمين والدُّعاة أنَّهم إذا نهوا النّاس عن شيء محرّم وهناك ما يحلُّ محلَّه من الطيِّب الحلال؛ فإنُّهم يأتون به ويبيِّنونه للنّاس.\nالمسألة الرابعة: في الحديث دليلٌ على مشروعيّة الصلح بين النّاس فيما يختلفون فيه، وأنّ الصلح مبنيٌّ على التراضي ليس إلزاميًّا فإنَّ أبا شُريح قال: (فرضيَ كلاَ الفريقين،، فالمصلح لا يُلْزم وإنّما يَعْرِض الحلّ النافع، فإن قُبل فالحمد لله، وإلاَّ فإنّ المَرَاد إلى كتاب الله وسَنّة رسوله ﷺ لحسم النّزاع.\nأمّا الذي يُلْزِم النّاس بغير حكم الله؛ فهذا طاغوت، كالذي يُلزم النّاس بحكم الأعراف القَبَليّة التي يتحاكم إليها بعض القبائل، فهذا من حكم الجاهلية.\nالمسألة الخامسة: في الحديث دليل على أنّ الكنية تكون بأكبر الأولاد.","vol":"2","page":186},{"text":"[الباب الثامن والأربعون:]\n* بابُ من هَزل بشيء فيه ذكرُ لله أو القرآن أو الرّسول\nوقول الله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ .\nعن ابن عمر ومحمد بن كعب وزيد بن أسلم وقتادة - دخل حديثُ بعضهم في بعض-:\nــ\nهذا الباب بابٌ عظيم، إذا تأمّله الإنسان وعرَف واقِع النّاس فإنّه ينفعه الله به.\nفقوله: \"بابُ من هزَل\" الهزْل هو: اللعب والاستهزاء، ضدّ الجدّ.\n\"بشيءْ فيه ذكرُ الله أو القرآن أو الرّسول ﷺ يعني: من استهزأ بشيء من هذه الأشياء فما حكمُه؟، حكمُه: أنّه يرتدُّ عن دين الإسلام، لأن هذا من نواقِض الإسلام بإجماع المسلمين، سواءٌ كان جادًّا أو هازلًا أو مازحًا، حيث لم يستثن الله إلاَّ المُكْرَه، قال تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (١٠٧) أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٠٨) لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٠٩)﴾، فالأمر شديد جدًّا.\nوقد بيّن الشيخ أن هذا الحكم في كتاب الله مع سبب نزوله فقال: \"\"وقول الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ .\nثم ذكر سبب نُزول الآية، فقال: \"عن ابن عمر\" هو: عبد الله بن عمر.\n\"ومحمد بن كعب\" هو: محمد بن كعب القُرظيّ من بني قُرَيْظة.\n\"وزيد بن أَسْلم\" هو: مولى عمر بن الخطاب.\n\"وقَتادة” هو: قتادة بن دَعامة بن قَتادة السُّدُوسيّ.\n\"دخل حديثُ بعضهم في بعض\" يعني: كلّ هؤلاء رووا هذا الحديث، ولكن لَمّا كانت ألفاظُهم متقارِبة والمعنى واحد دخل حديثُ بعضهم في بعض، فسِيْق سياقًا واحدًا، من باب الاختصار.","vol":"2","page":187},{"text":"أنه قال رجلٌ في غزوة تبوك: ما رأينا مثل قُرَّائنا هؤلاء؛ أرْغَبَ بطونًا، ولا أكذبَ ألسنًا، ولا أجْبَنَ عند اللَّقاء \"يعني: رسول الله ﷺ وأصحابَهُ القُرّاء\".\nــ\n\"أن رجلًا\" يعني: من المنافقين.\n\"كان في غزوة تبوك \" تبوك: اسم موضع، شماليّ المدينة من أدنى الشّام.\nوغزوة تبوك سبُبها: أنّ الرسول ﷺ بَلغه أنّ الروم يُعِدُّون العُدّة لغزو المسلمين، وكان هذا في الصيف وفي شدّة الحرّ ووقت مَطِيْب الثمار، فالوقت وقتٌ حَرِج جدًّا، والمسافة بعيدة، والعدوّ عدده كبير، والوقت حارّ، ووقت مَطِيب الثمار والنّاس بحاجة إليها، والمسلمون عندهم عُسرة، فليس عندهم استعداد للتجهُّز للغزو، ولذلك سُمّي هذا الجيش بـ \"جيش العُسرة\"، وسُمّيت هذه الساعة: \"ساعة العُسْرة\".\nوقد جهّز عثمان ﵁ من ماله ثلاثمائة بعير بجميع لوازمها، فهو الذي جهّز جيش العُسرة من ماله الخاصّ، وهذا من أعظم فضائله، ﵁ وأرضاه.\nوكذلك شارَك مَن شارك من الصّحابة بما عندهم من مال، فجهّزوا الجيش، وخرجوا، وكانت آخر غزوة غزاها رسول الله ﷺ.\nوالمنافقون صاروا يتكلّمون، واعتذروا عن الخُروج، لأنّهم ليس معهم إيمان، والغزوة هذه صعبة، لا يصبر عليها إلاَّ أهلُ الإيمان، وهذه حكمة من الله تعالى، واختبار في آخر عهد الرسول ﷺ، أراد الله أن يختبر المسلمين ليظهَر الصادِق من المنافق، فالصادقون ما تردّدوا ولا تلكّأوا، وأمّا المنافقون فإنهم تلكّأوا وجعلوا يتكلّمون ويقولون: يحسبون أن غزو بني الأصفر مثل غزو العرب، كأنّنا بهم يقرَّنون في الأصفاد، وما أشبه ذلك من الكلام القبيح، واعتذروا عن الخُروج، ولهذا يقول الله ﷾ عنهم: ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾ لأنّ المسافة بعيدة، ﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (٤٣)﴾ .","vol":"2","page":188},{"text":"فقال عوفُ بن مالك: كذبتَ، ولكنّك منافق، لأُخبرنَّ رسول الله ﷺ. فذهب عوفُ إلى رسول الله ﷺ ليُخبره، فوجد القرآن قد سبقه.\nــ\nخرج المسلمون وصبروا على المشقّة وفيهم رسولُ الله ﷺ يصيبُه ما أصابهم من الشدّة ومن الرمضاء ومن الحرّ.\nخرجوا وذهبوا ووصلوا إلى تبوك ونزلوا فيه، فلمّا عَلِم العدو بقدومهم إلى تبوك أصابه الرُّعب، وتقهقر.\nفنزل النّبي ﷺ أيّامًا في تبوك ينتظر قُدومهم ومجيئَهم، ولكنهم جَبُنوا، وألقى الله الرعب في قلوبهم، ورجع المسلمون سالمين مأجورين، وخاب المنافقون.\nوأنزل الله في هذه الغزوة سورةً كاملة هي سورة التوبة التي فضح الله فيها المنافقين وأثنى فيها على المؤمنين، وهكذا حكمةُ الله ﷾ يبتلي عبادَه.\nفكان للمنافقين كلمات، منها ما في هذا الحديث، حيث قال رجلٌ منهم: \"ما رأينا مثل قُرَّائنا هؤلاء\" يعني بالقُرّاء: رسول الله ﷺ وأصحابه.\n\"أرْغَبَ بطونًا، ولا أكذبَ ألسنًا، ولا أجْبَنَ عند اللَّقاء\" وهذه الصّفات في الواقع هي صفات المنافقين، لكنّهم وصفوا بها رسولَ الله ﷺ وأصحابَه.\nفقال عوف بن مالك: \"كذبت، ولكنك منافق، لأخبرنّ رسولَ الله ﷺ\" وهذا مِن أنكار المنكر، ومن النصيحة لوُلاة الأُمور، فالمسلم يبلِّغهم مقالات المفسدين والمنافقين من أجل أنْ يأخُذوا على أيدي هؤلاء، لئلا يُخِلُّوا بالأمن ويفرِّقوا الكلِمة، فتبليغ وُلاة أمور المسلمين كلمات المنافقين ودعاة السوء، الذين يريدون تفريق الكلمة، والتحريش بين المسلمين؛ هو من الإصلاح ومن النَّصيحة، لا من النّميمة.\n\"فذهب عوفٌ إلى رسول الله ﷺ ليُخبره فوجد القرآن قَدْ سَبَقه\" لأنّ الله ﷾ سَمِعَ مقالتهم وأنزل على رسوله ﷺ الخبر قبل أن يصل إليه عوف.\nفهذا فيه: سَعَةُ علم الله ﷾.\nوفيه: علامةٌ من علامات النبوّة، وأنّ الرسول ﷺ كان يوحى إليه ويبلُغه الخبر بسرعة.\nثم جاء ذلك الرجل الذي تكلّم بهذا الكلام- والعياذُ بالله-، ووجد النّبي ﷺ:","vol":"2","page":189},{"text":"فجاء ذلك الرجلُ إلى رسول الله ﷺ وقد ارتحل وركب ناقته، فقال: يا رسول الله، إنّما كنا نخوضُ ونتحدث حديث الرَّكْب، نقطع به عناء الطريق.\nقال ابن عمر: كأني أنظُر إليه متعلِّقًا بِنِسْعَة ناقة رسول الله ﷺ، وإنَّ الحجارة تنكُبُ رجليه، وهو يقول: إنّما كنا نخوض ونلعب، فيقولُ له رسول الله ﷺ: \" ﴿أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ \"، ما يلتفتُ إليه وما يزيدُه عليه.\nــ\n\"قد ارتحل وركِب ناقته\" من أجل أن يُفسد على المنافقين خُطّتهم، ومن أجل أن يُنهيَ هذه الخُطّة الخبيثة.\n\"فقال: يا رسول الله، إنما كنّا نخوض ونتحدّث حديثَ الرَّكْب، نقطع به عناء الطّريق. قال ابن عمر: كأنّي أنظرُ إليه متعلِّقًا بِنِسْعَة ناقة النّبي ﷺ\" النِّسْعَة هي الحبل الذي يُشَدُّ به الرحل.\nوهو يقول: يا رسول الله، إنّما كنا نخوض ونلعب\" فالرسول ﷺ يرُدُّ عليه بقوله تعالى: ﴿أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ .\nفهذه القصّة فيها فوائد عظيمة:\nالفائدة الأولى: أن من استهزأ بالله أو برسوله أو بالقرآن ارتدّ عن دين الإسلام رِدّةً تنافي التّوحيد، وهذا وجه المناسبة من عقد المصنِّف لهذا الباب؛ أنّ مَنِ استهزأ بالله أو برسوله أو بالقرآن، أو استهان بشيء من ذلك؛ أنّه يرتدّ عن دين الإسلام رِدّة تنافي التّوحيد وتُخرج من دين الإسلام، لأن هؤلاء كانوا مؤمنين، فارتدّوا عن دينهم بهذه المقالة، بدليل قوله تعالى: ﴿قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ .\nالفائدة الثانية: أن نواقض الإسلام لا يُعفى فيها عن اللّعب والمزح، سواءً كان جادًّا أو هازلًا، بل يُحكم عليه بالردّة والخُروج من دين الإسلام، لأنّ هؤلاء زعموا أنّهم يمزحون ولم يقبل الله جل وعلا عذرهم، لأنّ هذا ليس موضع لعب ولا موضع مزح.\nالفائدة الثالثة: وُجوب إنكار المنكر، لأنّ عوف بن مالك ﵁ أنكر ذلك وأقرّه الرسول ﷺ على ذلك.","vol":"2","page":190},{"text":"الفائدة الرابعة: أنّ مَن لم يُنكر الكفر والشرك فإنّه يكون كافرًا، لأنّ الذي تكلّم في هذا المجلس واحد والله نسب هذا إلى المجموع فقال:\n﴿أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾، لأنّ الراضيَ كالفاعل، وهذه خطورة عظيمة.\nالفائدة الخامسة: أنّ إبلاغ وليّ الأمر عن مقالات المفسدين من المنافقين ودُعاة السوء الذين يريدون تفريق الكلمة والتحريش بين المسلمين من أجل الحَزْم يُعَدُّ من النصيحة الواجبة، وليس هو من النّميمة، لأنّ عوف بن مالك ﵁ فعل ذلك ولم يُنكر عليه الرسول ﷺ، فدلّ على أنّ هذا من النّصيحة، وليس من النّميمة المذمومة.\nالفائدة السادسة: فيه احترام أهلِ العلم وعدم السخرية منهم، أو الاستهزاء بهم، لأنّ هذا المنافق قال: \"ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء\" يريد بذلك العلماء، والعلماء وَرَثَةُ الأنبياء، وهم قُدوة الأُمَّة، فإذا طعنَّا في العلماء فإنَّ هذا يُحْدِثُ الخَلْخَلَةَ في المجتمع الإسلاميّ، ويقلِّل من قيمة العلماء، ويُحْدِث التشكيك فيهم.\nنسمع ونقرأ من بعض دُعاة السوء من يقول: \"هؤلاء علماء حيض، علماء نفاس، هؤلاء عُمَلاء للسلاطين، هؤلاء علماء بغْلَة السلطان\"، وما أشبه ذلك، وهذا القول من هذا الباب- والعياذُ بالله- وليس للعلماء ذنب عند هذا الفاسق إلاّ أنهم لا يوافقونه على منهجه المنحرف.\nفالوقيعة بالمسلمين عُمومًا ولو كانوا من العوامّ لا تجوز، لأنّ المسلم له حُرمَة، فكيف بوُلاة أُمور المسلمين وعلماء المسلمين.\nفالواجب الحذر من هذه الأمور، وحفظ اللّسان، والسّعي في الإصلاح، ونصيحة مَن يفعل هذا الشيء.\nالفائدة السابعة: في الحديث دليلٌ على معجزة من معجزات الرّسول ﷺ؛ حيث إنّه بلغه الوحي عن القصّة قبل أن يأتيَ إليه عَوفُ بن مالك، وهذا مصداق قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ .\nالفائدة الثامنة: في الحديث دليلٍ على أنّ نواقِض الإسلام لا يُعذَر فيها بالمزح","vol":"2","page":191},{"text":"واللّعب، لأنها ليست مجالًا لذلك، وإنّما يُعذر فيها المُكْره على القول خاصة كما في آية النحل: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ﴾ .\nالفائدة التاسعة: في الحديث دليلٌ على وُجوب الغِلْظة على أعداء الله ورسوله من المنافقين والكُفّار ودُعاة الضّلال، وأنّ الإنسان لا يَلِين لهم، لأنّه إنْ لان معهم خدعوه ونفّذوا شرّهم، فلا بُدّ من الحَزْم من وليّ الأمر ومن العالِم نحو المنافقين والكُفّار ودُعاة السوء.","vol":"2","page":192},{"text":"[الباب التاسع والأربعون:]\n* باب قول الله تعالى:\n﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾ الآية.\nقال مجاهد: \"هذا بعملي، وأنا محقوقٌ به \".\nوقال ابن عبّاس: \"يريد: من عندي \".\nــ\nهذا الباب بابٌ عظيم، تقدّم نظيره في باب قول الله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ .\nوقوله: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ﴾ الضمير في ﴿أَذَقْنَاهُ﴾ ضمير الغائب راجعٌ إلى الإنسان المذكور في الآية التي قبلها في قوله تعالى: ﴿لا يَسْأَمُ الْأِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُوسٌ قَنُوطٌ (٤٩)﴾، والمراد بالإنسان هنا: جنس الإنسان، يعني: لا يملّ الإنسان من طلب الدنيا، ﴿وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ﴾ يعني: إذا أصابته مصيبة في ماله أو في بدنه، ﴿فَيَؤُوسٌ قَنُوطٌ﴾ يستبْعِد الفَرَج من الله ﷿ ويقنط من رحمة الله، ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ﴾ يعني: هذا الإنسان، أي: أعطيناه، ﴿رَحْمَةً مِنَّا﴾ عافية وصحّة في بدنه وغنىً من فقره، ﴿مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ﴾ مشته في بدنه من المرض والمصائب، أو في ماله من الفقر والإعواز. ﴿لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾ ينسى الضرّاء التي مسّته، وينسى من أين جاءت هذه النعم، ويظنّ أنّ ما في يده إنما هو بحوله وقوّته، فيقول: ﴿هَذَا لِي﴾، فلا يشكُر الله ﷿ ويعترف بنعمته، بل ينسِب هذه النعمة إليه هو وإلى كَدِّه وكسْبه، أو إلى آبائه وأجدادِه.\n\"قال مجاهد\" هو مجاهد بن جَبْر، الإمام الجليل، من كبار التابعين.\n\"هذا بعملي، وأنا محقوقٌ به\" يعني: هذه النعمة إنما حصلتُ عليها بعملي وكَدِّي وكسبي واحترافي، وأنا محقوق بها، أي: أستحقها، وأنا الذي حصّلتُها، وأنا الذي جمعتُها.\n\"وقال ابن عبّاس: يريد: هذا مِن عندي\" يعني: بعملي وبسببي، أنا الذي حصّلتُه وتعبْتُ فيه.","vol":"2","page":193},{"text":"وقوله: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ .\nقال قتادة: \"على علمٍ منِّي بوُجوه المكاسب\".\nوقال آخرون: \"على علم من الله أنّي له أهل \".\nوهذا معنى قولِ مجاهد: \"أوتيتُه على شَرَف \".\nوعن أبي هريرة ﵁: \"إن ثلاثةً من بني إسرائيل: أبرص، وأقرع، وأعمى، فأراد الله أن يبتليَهم، فبعث إليهم مَلَكًا.\nــ\n\"وقوله: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ قال قتادة: على علم منّي بوجوه المكاسب. وقال آخرون: على علم من الله أني له أهل\" القول الأول معناه: أنّني رجلٌ عالم بالاقتصاد وطُرق الكسب، كما يقوله اليوم الاقتصاديِّون، حيث يتباهون بالحِذْق بعلم الاقتصاد، ويظنون أنّ الأموال والثّروات التي يحُصلون عليها بسبب حِذْقهم ومعرفتهم وخِبْرَتهم، ولا ينسبون هذا إلى الله ﷾.\nوالقولُ الثاني معناه: أن الله أعطاني هذا المال لأنّه يعلم أنّي أستحقُّه، ولا فضل لله عليّ فيه.\nقال الشيخ: \"وهذا معنى قول مجاهد: أوتيتُه على شرف\" أي: أن الله علم أنني رجل شريف وذو مكانة ومنزلة، فالله أعطانيه لمنزلتي، ومعنى هذا: إنكار الفضل من الله ﷾.\nقال العلماء: \"هذه الأقوال لا تنافيَ بينَها\"، لأنّ الآيتين تشملان كلّ هذه الأقوال، فاختلافهم إنّما هو اختلاف تنوُّع وليس اختلاف تضادّ.\nقال: \"عن أبي هريرة ﵁: إنّ ثلاثةً من بني إسرائيل\" بنوا إسرائيل هم ذرية يعقوب، وإسرائيل، ومعناه: عبد الله.\n\"أبرص\" الأبرص: مَن أُصيب بالبَرَص، وهو داءٌ يُصيب الجلد فيتحوّل إلى أَبْيَض كَريه المنظر، وهذا المرض لا يُمكِن علاجه في الطِبَّ البشري، ولذلك كان من معجزة عيسى﵊- أنه يُبْرئ الأبرص والأكمَهْ ويُحيي الموتى بإذن الله، وهذا ما لا يقوى عليه الطب البشري.","vol":"2","page":194},{"text":"فأتى الأَبْرَص فقال: أيُّ شيءٍ أحبُّ إليك؟، قال: لونٌ حسن، وجِلْدٌ حسن، ويَذْهَبُ عني الذي قد قَذِرَنِي النّاس به. قال: فمسحه فذهب عنه قذره، فأُعطي لونًا حسنًا وجِلْدًا حسنًا. قال: فأيُّ المالِ أحبُّ إليك؟، قال: الإبل، أو البقر [شكَّ إسحاق] . فأُعطيَ ناقة عُشراء، وقال: باركَ الله لك فيها.\nــ\n\"وأقرع\" وهو الذي لا ينبُت لرأسه شعر، لأنّ هذا الشعر الذي ينْبَت على الرأس فيه فوائد عظيمة منها: الجمال، ومنها منافع صحيّة، وغير ذلك، فمن فقد شعر الرأس فإنّه يفقد منافع كثيرة أعظمُها الجمال، ويُصبح كريه المنظر.\nوأما \"الأعمى\" فهو الذي ذهب بصرهُ كلُّه، أمّا الذي ذهب منه بصرُ عينٍ واحدة؛ فهذا يسمّى أعور.\nوقوله: \"فأراد الله\" الله جل وعلا يوصَف بالإرادة، والمخلوق- أيضًا- يوصف بالإرادة، ولكنْ إرادةُ الله خاصّةٌ به، وإرادة المخلوق خاصّة به، وإرادة الله تنقسم إلى قسمين: إرادة كونيّة، وإرادة شرعيّة.\n\"أن يبتليهم\" يعني: أن يختبرهم.\n\"فبعث إليهم مَلَكًا\" المَلك: واحدُ الملائكة، وهم: خَلْقٌ من خَلْق الله ومن عالم الغيب، خلقهم الله جل وعلا لعبادته، وخلقهم- أيضًا- لتنفيذ أوامره تعالى في مُلْكه، فمنهم الموكّل بالوحي، ومنهم الموكّل بالقَطْر والنّبات، ومنهم الموكّل بالنفخ في الصّور، ومنهم الموكّل بالأجنّة، ومنهم الموكّل بحفظ أعمال بني آدم، كُلُّ من الملائكة له عمل: ﴿لا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ .\nفأتى الأَبْرَص فقال: أيُّ شيءٍ أحبُّ إليك؟، قال: لونٌ حسن، وجِلْدٌ حسن، ويَذْهَبُ عني الذي قد قَذِرَنِي النّاس به. قال: فمسحه الملَك\" مسح على هذا الأبرص فبرئ، وعاد إليه لونٌ حسن وجلدٌ حسن، وهذا بقدرة الله تعالى لأنّ المَلك رسولُ الله.\n\" قال: فأيُّ المالِ أحبُّ إليك؟، قال: الإبل، أو البقر [شكَّ إسحاق] \" المراد: إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، راوي الحديث، شكّ هل قال الرّسول ﷺ الإبل، أو قال البقر؟، وهذا من التحفُّظ والدِّقة في الرواية.","vol":"2","page":195},{"text":"قال: فأتى الأقرع فقال: أيُّ شيءٍ أحبُّ إليك؟، قال: لونٌ حسن وشعر حسن، ويَذْهَبُ عني الذي قد قَذِرَنِي النّاس به، فمسحه فذهب عنه قدّره، وأُعطِي شعرًا حسنًا. فقال: أيُّ المالِ أحبُّ إليك؟، قال: البقر، أو الإبل. فأُعْطيَ بقرة حاملًا، قال: بارك الله لك فيها.\nفأتى الأعمى فقال: أيُّ شيءٍ أحبُّ إليك؟، قال: يردّ الله إليَّ بَصري فأُبصر به النّاس، فمسحه فردّ الله إليه بصره. قال: فأيُّ المال أحبُّ إليك؟، قال: الغنم، فأُعطي شاةً والدًا.\nفأنتج هذان وولَّد هذا، فكان لهذا وادٍ من الإبل، ولهذا وادٍ من البقر، ولهذا وادٍ من الغنم.\nــ\n\"فأُعطيَ ناقة عُشراء\" العُشَراء هي: الحامل التي تمّ لها ثمانية أشهر، لأنّها أنفس الأموال، قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (٤)﴾، عند قيام الساعة يذهلون فيتركون أنفس الأموال، ويعطِّلونها من شدّة الهَوْل.\n\"وقال: بارك الله لك فيها\" دعا له بالبركة، ودعوةُ المَلك مستجابة، وهذا بأمر الله ﷾ من أجل الامتحان والابتلاء.\n\"ثم أيُّ شيءٍ أحبُّ إليك؟، قال: لونٌ حسن وشعر حسن، ويَذْهَبُ عني الذي قد قَذِرَنِي النّاس به، فمسحه فذهب عنه قذره، وأُعطِي شعرًا حسنًا. فقال: أيُّ المالِ أحبُّ إليك؟، قال: البقر، أو الإبل. فأُعْطيَ بقرة حاملًا\" البقرة الحامل هي التي في بطنها جَنين.\n\"وقال: بارك الله لك فيها\" دعا له مثل الأوّل.\n\"فأتى الأعمى فقال: أيُّ شيءٍ أحبُّ إليك؟، قال: يردّ الله إليَّ بَصري فأُبصر به النّاس، فمسحه فردّ الله إليه بصره. قال: فأيُّ المال أحبُّ إليك؟، قال: الغنم، فأُعطي شاةً والدًا\" يعني: قد ولدت حملَها.\n\"فأنتج هذان\" أنتج أصحاب الإبل والبقر.\n\"وولّد هذا\" أي: صاحب الشّاة.\n\"فكان لهذا وادٍ من الإبل، ولهذا وادٍ من البقر، ولهذا وادٍ من الغنم\" بسبب بركة دعوة المَلك ولأجل الابتلاء والامتحان.","vol":"2","page":196},{"text":"قال: ثم إنّه أتى الأبرص في صورته وهيئته، فقال: رجلٌ مسكين وابن سبيل، قد انقطعت بيَ الحبال في سفري، فلا بلاغ ليَ اليوم إلاّ بالله ثم بك، أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجِلْد الحسن والمال؛ بعيرًا أتبلّغ به في سفري. فقال: الحُقوق كثيرة. فقال له: كأنِّي أعرِفُك!، ألم تكن أبرص يقذِرك النّاس، فقيرًا فأعطاك الله ﷿ تامال؟ فقال: إنما ورثتُ هذا المال كابِرًا عنْ كابر. فقال: إن كنت كاذبًا فصيّرك الله إلى ما كنت.\nــ\n\"ثم إنّه أتى الأبرص في صورته وهيئَته\" أي: في صورة رجل أبرص، لأنّ الله أعطى الملائكة القُدرة على التشكُّل، فيظهَرون في صور مختلفة.\n\"فقال: رجلٌ مسكين \" يَعْرِض حالَه عليه ليتصدّق عليه.\n\"وابنُ سبيل\" ابنُ السّبيل هو: المسافر الذي انقطع ما معه من الزّاد، وقد جعل الله له حقًّا في الزكاة ما يوصِّلُه إلى بلده، ولو كان غنيًّا في بلده.\n\"قد انقطعت بيَ الحبال\" يعني: الأسباب، جمعُ حبل وهو السّبب، وفي رواية: \"انقطعت بيَ الحيال\" -بالياء- يعني: الحِيَل.\nثم ذكّره بحالته الأولى فقال: \"أسألُك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال؛ بعيرًا أتبلغ به في سفري. فقال: الحقوق كثيرة\" يعني: أن الحقوق التي عليّ كثيرة وينفد المال لو أعطيتك، وأعطيت هذا ممّن لهم عليّ حقوق، وهذا اعتذارٌ منه.\nثم ذكّره المَلَك مرّة ثانية وقال له: \"كأنِّي أعرِفُك!، ألم تكن أبرص يُقْذُرُك النّاس، فقيرًا فأعطاك الله ﷿ المال؟ \".\nثم إنه جحد نعمة الله عليه، وجحد هذه الحالة التي مرّت به، وقال: \"إنما وَرثْتُ هذا المال كابِرًا عن كابر\" يعني: هذا ليس بمال جديد كما تقول، بل هو معي من قديم ومع آبائي من قبل، وهذا جُحود لنعمة الله ﷿.\nفدعا عليه المَلَك، وقال: \"إن كنت كاذبًا فصيّرك الله إلى ما كُنت \" يعني: صيّرك الله فقيرًا أبرص.","vol":"2","page":197},{"text":"قال: وأتى الأقرع في صورته، فقال له مثل ما قال لهذا، وردّ عليه مثل ما ردّ عليه هذا. فقال: إن كنت كاذبًا فصيّرك الله إلى ما كنت.\nقال: وأتى الأعمى في صورته، فقال: رجلٌ مسكين وابن سبيل، قد انقطعتْ بِيَ الحبال في سفري، فلا بلاغ ليَ اليوم إلاّ بالله ثم بك، أسألُك بالذي ردّ عليك بصرك؛ شاةً أتبلّغ بها في سفري. قال: كنتُ أعمى فردّ الله عليَّ بصري، فخُذ ما شئتَ، فوالله لا أجْهَدُك اليوم بشيء أخذته لله، فقال له الملَك: أَمْسِكْ عليك مالك، فإنّما ابتُلِيتُم؛ فقد رضيَ الله عنك وسخِط على صاحبيْك\" أخرجاه.\nــ\n\"قال: وأتَى الأقرع في صورته، فقال له مثل ما قال لهذا\" أي: رجل مسكين وابن سبيل ... إلى آخره.\n\"وردّ عليه مثل ما ردّ عليه هذا\" قال له: الحقوق كثيرة.\nوذكّره المَلَك بحالته من قبل، فأنكر ذلك، فدعا عليه الملك كما دعى على الأبرص بأن يصيره الله إلى ما كان عليه من قبل.\nقال: \" وأتى الأعمى في صورته، فقال: رجلٌ مسكين وابن سبيل، قد انقطعتْ بِيَ الحبال في سفري، فلا بلاغ ليَ اليوم إلاّ بالله ثم بك، أسألُك بالذي ردّ عليك بصرك؛ شاةً أتبلّغ بها في سفري\"، فاعترف الأعمى بنعمة الله وقال: \"كنتُ أعمى فردّ الله عليّ بصري، فخذ ما شئتَ\" يعني: خذ الذي تريده.\n\"فوالله لا أجْهَدُك\" أي: لا أمنعك، \"بشيء أخذته لله\"، وفي رواية: \"لا أَحْمَدُك على شيء أخذته لله\" لأنّه ليس مالي وإنما هو مالُ الله ﷾.\nثم ظهرت نتيجة الامتحان: \"فقال له الملَك: أَمْسِكْ عليك مالك، فإنّما ابتُلِيتُم\" يعني: اختُبِرْتُم أنت وصاحباك.\n\"وقد رضي الله عنك\" بسبب شكرك لنعمة الله ﷿.\n\"وسخِط على صاحبيْك\" بسبب كفرهم بنعمة الله ﷿.\nفهذا الأعمى فاز برضى الله تعالى وسلم عليه مالُه، أمّا أولئك فعاقبهم الله وسَخِط عليهم، وهذه نتيجة الابتلاء والامتحان.","vol":"2","page":198},{"text":"وهذا عامٌّ في كلِّ من كفر نعمة الله ومَن شكر نعمة الله ﷿.\nفدلّت هاتان الآيتان وهذا الحديث العظيم على مسائل:\nالمسألة الأولى: فيه: أنّ نسبة النعم إلى الله ﷿ توحيد، وأنّ نسبتها إلى غيرِه شرك، لكن إن اعتقد أنّ غيرَه هو الذي أوجدَها فهو شركٌ أكبر، وإن اعتقد أنّ غيرَه سبب والله هو الذي أوجدها، ولكن نسبها إلى السبب فهو شركٌ أصغر، لأنّه لا يجوز النِّسبة إلى الأسباب، حتى ولو كانت أسبابًا صحيحة، وإنّما تُضاف النّعم إلى الله ﷾، ولهذا مَرّ بنا الحديث: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، أنّه قولُ الرجل: \"لولا كُليبة هذا لأتانا اللّصوص، لولا البطّ في الدّار لأتانا اللصوص\" لولا كذا، لولا كذا، فلا تجوز النّسبة إلى الأسباب، وإنّما تُنسب النعم إلى مسبِّب الأسباب، وهو الله ﷾.\nالمسألة الثانية: فيه: أنّ النعم والنِّقَم ابتلاءُ واختبارٌ من الله ﷾، كما قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ .\nالمسألة الثالثة: فيه: أنّ الله سبحانه أعطى الملائكة القُدرة على التشكُّل بأشكال مختلفة، وهذا ثابتٌ من النُّصوص الكثيرة، فتشكُّلُهم لأجل مصالح العباد، لأنَّهم لا يُطيقون رؤية الملائكة.\nالمسألة الرابعة: في الحديث دليلٌ على مشروعيّة ذكر قَصَص الأوّلين من بني إسرائيل وغيرِهم من أجل الاعتبار والاتّعاظ إذا كانت القصص صحيحة.\nالمسألة الخامسة: في الحديث دليل على أنّ من شكر نعمة المال: إخراج الحقوق الواجبة فيه من زكاة وإطعام جائع وكسوة عارٍ، وما أشبه ذلك من الحقوق الواجبة والحقوق المستحبّة، وأنّ البُخْل بحقوق المال من كفر النعمة.\nالمسألة السّادسة: في الحديث دليل على أنّ الجزاء من جنس العمل؛ فقد رضيَ الله عن هذا الأعمى بسبب إحسانه، وسخِط على صاحبيه بسبب بخلهما بحقوق الفقراء والمساكين.\nالمسألة السّابعة: فيه وصفٌ الله جل وعلا بالرِّضا والسخط، صفتان من صفاته اللاَّئقة به ﷾، ليس كرضى المخلوق ولا كسخط المخلوق.","vol":"2","page":199},{"text":"[الباب الخمسون:]\n* باب قول الله تعالى:\n﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ الآية.\nــ\nهذا الباب المقصود به: بيان أنّ تعبيد الأسماء لغير الله شرك ينافي كمال التّوحيد، إنْ كان المقصود مجرّد التسمية، أما إنْ كان المقصود تعبيد التألُّه لغير الله فإنّه شرك أكبر ينافي التّوحيد.\nوقولُه ﵀: \"بابُ قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ \" يريد: بيان ما جاء في تفسير الآية.\nوالآية التي قبلها قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ يعني آدم وحواء ﵉. ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا﴾ يعني وطئها.\n﴿حَمَلَتْ﴾ يعني: عَلِقَتْ رَحِمُها بالنُّطْفَة.\n﴿حَمْلًا خَفِيفًا﴾ هذا شأن الحمل في أوّل أطواره: كونُه نُطفة، ثم عَلَقَة، ثم مُضْغَة، ويكون خفيفًا في هذه الأطوار.\n﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ يعني: ما أجلسها ولا عوّقها عن العمل، فهي تمرّ وتمشي وتقوم وتقعد.\n﴿فَلَمَّا أَثْقَلَتْ﴾ يعني: في طور نفخ الروح فيه.\n﴿دَعَوَا اللهَ رَبَّهُمَا﴾ دعا آدم وحواء، وطلبا من الله جل وعلا.\n﴿لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا﴾ رزقتنا مولودًا سَوِيًّا في خِلْقَتِهِ.\n﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ لأنّ هذا هو الواجب في النعمة أن تُشكر.\n﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا﴾ استجاب الله دعوتهما وآتاهُما ولدًا إنسانًا سويًاّ صالحًا.\n﴿جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ بأن سمّياهُ (عبد الحارث)، فعبّداهُ لغير الله.\nوهذا من الشّرك في التسمية، حيث عبّداه لغير الله.\nثم ذكر عن ابن حزْم، وهو الإمام الجليل، أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حَزْم، الأندلسي، القُرطبيّ، الظاهريّ، له المؤلَّفات العظيمة مثل:","vol":"2","page":200},{"text":"قال ابنُ حزم: \"اتّفقوا على تحريم كلّ اسم مُعَبَّدِ لغير الله؛ كعبد عمرٍو، وعبد الكعبة، وغير ذلك، حاشا عبد المطّلب\".\nــ\n\"المحلّى\" و\"الفِصَل في الملل والنِّحل\"، و\"الأنساب\"، و\"جوامع السيرة\"، فهو إمامٌ جليل خصوصًا في علم الحديث، إلاّ أنه ﵀ يؤخذ عليه سلاطة اللسان في ردّه على المخالفين، واعتناقه لمذهب الظاهرية، والظاهرية معناها: الأخذ بظواهر النُّصوص دون النظر في معانيها وأسرارها، وعدم القول بالقياس، وهذا نقصٌ في هذا المذهب.\nولكن على كلّ حال هو إمامٌ جليل، له نفعٌ عظيم في الإسلام، ومؤلَّفاتُه خصوصًا \"المحلّى\" وما فيه من الآثار والأحاديث والرواية بالأسانيد، ففضائلُه كثيرة ﵀.\nقال: \"اتّفقوا\" يعني: أجمعوا، وليس المراد الاتّفاق عند المتأخِّرين الذي هو قولُ جماعةٍ من أهل العلم.\n\"على تحريم كلِّ اسم مُعَبَّدٍ لغير الله\" كـ (عبد الحُسين)، و(عبد الرّسول) و(عبد الكعبة)، و(عبد الحارث) وغير ذلك، لأنّ التعبيد يجب أن يكون لله ﷾، لأنّ الخلْق كلهم عبادُ الله كما قال تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣)﴾، فكلُّ الخلق عباد الله المؤمن والكافر.\nولكن العبودية على قسمين:\nعبوديّة عامّة: وهذه تشمل جميع الخلق المؤمن والكافر كلُّهم عبادُ لله تعالى، بمعنى: أنّهم مملوكون لله، مخلوقون لله، يتصرّف فيهم، ويدبِّرُ أمورَهم، لا يخرُج عن هذا أحد من الخلق.\nالنوع الثاني: عبوديّة خاصّة: وهي عبوديّة التألُّه والمحبّة، وهذه خاصّة بالمؤمنين: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ﴾، ﴿يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٦٨)﴾، فهذه عبوديّة خاصّة بالمؤمنين.\nقال: \"حاشا\" حاشا: كلمة استثناء.\n\"عبد المطّلب\" هو جدّ الرّسول ﷺ، لأنّ الرسول ﷺ هو: محمد بن عبد الله بن عبد المطلِب بن هاشم بن عبد مناف بن قُصي بن كِلاب، فـ (عبد المطلِّب) هذا استثناهُ ابن حزم من التحريم.","vol":"2","page":201},{"text":"وعن ابن عبّاس في الآية، قال: \"لَمّا تغشّاها آدمُ حملت، فأتاهُما إبليس فقال: إني صاحبُكما الذي أخرجكما من الجنّة، لتُطيعانني، أو لأجعلنّ له قرنْي أيِّل، فيخُرج من بطنك فيشقه، ولأفعلنَّ –يخوِّفهما-، سمِّياه عبد الحارث. فأبيا أن يطيعاه، فخرج ميِّتًا.\nــ\nولكن ليس الأمر كما قال ﵀ فلا يجوز أن يسمّى أحد الآن عبد المطّلب، فلا وجه للاستثناء، وإنّما يقال عبد المطّلب لجد الرسول خاصة، حكاية للماضي، كما يقال؛ (عبد الكعبة) و(عبد شمس)، و(عبد مناف)، حكاية لِمَا مضى.\nأما بعد الإسلام فلا يجوز أن يسمّى أحد بهذه الأسماء.\nأما حكاية شيء مضى وانتهى فلا بأس بذلك، وقد قال النّبي ﷺ: \"أنا النّبي لا كذب، أنا ابن عبد المطّلب\" هذا من ناحية.\nالنّاحية الثانية: يقولون: إنّ عبد المطّلب ليس اسم جد الرسول، وإنما اسمُه: (شَيْبَة الحمد)، ولكن قيل له: عبد المطّلب لأنّ عمّه المطّلب بن عبد مناف جاء به وهو صغير من أخواله بني النجار في المدينة، وكان تأثّر لونه بالسواد بسبب السفر، فظنوه عبدًا مملوكًا للمطلب، فقالوا: عبد المطّلب.\nقال ابن عبّاس ﵄: \"فأتاهما\" أي آدم وحواء\" إبليس فقال: إني صاحبُكما الذي أخرجكما من الجنّة \"يشير إلى القصة التي ذكرها الله ﷾ في كتابه من وَسْوَسَة الشيطان لآدم ﵇ لَمّا حرّم الله عليه أن يأكُل من شجرة معيَّنة في الجنة، وجاءه الشيطان وزيّنها له وأغراهُ بالأكل منها، فعصى ربَّه وأكل منها، فحصلت المصيبة، وأُخرج من الجنّة بسبب ذلك، وأُهْبِط إلى الأرض. ولكنّ آدم وحوّاء تابا إلى الله﵉- تابا إلى الله فتاب الله عليهما.\n\"لتُطِيعاني\" أي: تمتثلان ما آمركما به.\n\"أو لأجعلنّ له قرنْي أيِّل\" الأَيِّل هو ذكر الأوعال. \"فيخرج من بطنك فيشقه\" يعني: بقرنيه.\n\" ولأفعلنَّ –يخوِّفهما-\" من التخويفات والتهديدات، فلم يلتفتا إليه، ولم يطيعاه لأنه عدوهما.","vol":"2","page":202},{"text":"ثم حملت، فأتاهُما، فذكر لهما، فأدركُهما حبُّ الولد، فسمّياه عبد الحارث.\nفذلك قوله تعالى: ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ رواه ابن أبي حاتم.\nوله بسند صحيح عن قتادة: \"شركاء في طاعته، ولم يكن في عبادته\".\nــ\n\"فخرج ميِّتًا\" وهذا من باب الامتحان والابتلاء من الله ﷾.\n\"ثم حملت فأتاهُما فذكر لهما\" ذلك، لأن الشيطان- لعنه الله- يحاوِل مع الإنسان ولا ييأس.\n\"فأدركهما حُبّ الولد، فسمّياه عبد الحارث\" والحارث قيل: هو اسم إبليس، قبل أن تحصل عليه اللعنة، ولكن بعد أن حصلت عليه اللعنة وطُرد من الملأ الأعلى سمّي بإبليس.\n\"فذلك قولُ الله تعالى: ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ \" أي: هذا تفسير هذه الآية.\n\"رواه ابن أبي حاتم\".\n\"وله\" أي: ابن أبي حاتم.\n\"بسند صحيح عن قتادة: شركاء في طاعته، ولم يكن في عبادته\" وشركُ الطاعة شركٌ أصغر لا يُخرِج من الملّة، لاسيّما وأنّهما لم يفعلا هذا قصدًا للمعنى، وإنّما فعلاه من باب حُبّ الولد، ومن أجل سلامته فقط، ومع هذا سمّاه الله شركًا، فيكون شركًا ولو لم يقصده الإنسان. فدلَّ هذا على أنَّ مَن تكلَّم بالشّرك أو فعل الشرك فإنّه يسمّى مشركًا، ولو لم يقصده ولم ينوِّه، فيُحكَم عليه بأنّ فعله هذا شرك، سواء من الشرك الأصغر أو الشرك الأكبر، ولهذا قال الرّسول ﷺ للذي قال له: ما شاء الله وشئتَ: \"أجعلتني لله نِدًّا؟ \" مع أنّ القائل ما أراد أن يجعل لله نِدًّا، ولكن هذا اللّفظ لا يجوز، فهو شرك ولو لم يقصده، فكيف إذا قصده؟","vol":"2","page":203},{"text":"وله بسند صحيح عن مجاهد في قوله: ﴿لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا﴾ قال: أشفقا أن لا يكون إنسانًا.\nوذكر معناه عن الحسن وسعيد وغيرِهما.\nــ\nففيه ردٌّ على من يقول: أن من قال كلمة الشرك أو فعل الشرك لا يُحكم عليه أنه مشرك حتى يعتقده بقلبه كما هو قول مرجئة هذا العصر.\n\"وله\" أي: ابن أبي حاتم.\n\"بسند صحيح عن مجاهد في قوله: ﴿لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا﴾ قال: أشفقا أن لا يكون إنسانًا\" أي: خافا من ذلك.\n\"وذكر معناه عن الحسن\" هو: الحسن البصري.\n\"وسعيد\" هو: سعيد بن المسيِّب، وهما من أئمّة التّابعين، أي: ورُوِيَ هذا التفسير عن هذين الإمامين، بل هذا قولُ أكثر المفسِّرين، كما ذكر ذلك الشوكاني في \"فتح القدير\"، ورجحه شيخُ المفسرين الإمام ابن جرير ﵀ في \"تفسيره \" وقال: \"هو أولى القولين في تفسير الآية الكريمة\".\nوهو الذي اختاره الشيخ المصنِّف: محمد بن عبد الوهاب، واختاره الشارح الشيخ: سليمان بن عبد الله، وأنّ هذا الشرك المذكور في الآية وقع من آدم وحوّاء، لكنه شركٌ في الطاعة وليس في العبادة.\nوذهب بعض المفسِّرين- وهو القول الثّاني-: إلى أنّ الآية من أوّلها إلى آخرها لا تعني آدم ولا حوّاء، وإنّما تعني المشركين من بني آدم، واعتمدوا في هذا على شيئين:\nالشيء الأوّل: أنّه لا يجوز أن يقع من آدم وحوّاء مثل هذا، لأنّ آدم﵊- نبي من أنبياء الله، ولا يقع منه هذا الشيء.\nالشيء الثاني: أنّ الله خَتَم الآية بقوله: ﴿فَتَعَالَى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، وهذا لفظُ جمع، فيُراد به المشركون من بني آدم.\nواختار هذا القول ابن كثير في تفسيره، وَطَعَنَ فيما روي عن ابن عبّاس، وقال: \"لعلّه من الإسرائيليّات\".","vol":"2","page":204},{"text":"ولكن الإمام ابن جرير يقول: \"أولى القولين هو القول الأوّل\" وهو الذي عليه أكثرُ المفسرين.\nويرجّح القولُ الأوّل: أنّ الله ﷾ ذكر الضّمير بلفظ التثنية، وأوّل الآية لا شك في آدم وحوّاء، وهو قوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾، ولا شك أن المراد: آدم وحوّاء، ثم أعاد الضمائر إليهما، وهذا أُسلوب العرب؛ أنهم يذكرون الاسم في الأوّل ثم يعيدون الضمائر إليه، إنْ كان مفرَدًا مفردًا، وإنْ كان مثنى مثنى، وإنْ كان جمعًا فجمعًا، هذا الأسلوب العربي.\nوالضمائر هي: ﴿دَعَوَا﴾، ﴿رَبَّهُمَا﴾، ﴿لَئِنْ آتَيْتَنَ﴾، ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا﴾، ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ﴾، كلُّ هذه الضمائر ترجع إلى آدم وحوّاء.\nأمّا آخِر الآية فهو التفاتٌ إلى الذريّة، وهذا أسلوبٌ عربي معروف في لغة العرب، وذلك أنه لَمّا ذكر قصة آدم وحوّاء وفرغ منها انصرف إلى الذريّة فقال: ﴿فَتَعَالَى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي: المشركون من العرب الذين بُعث إليهم رسولُ الله ﷺ، فمعظم الآية في آدم وحوّاء، وآخِرُها التفاتٌ إلى ذريّة آدم وحوّاء، فكأنّ الله ﷾ يستنكر الشرك من أصله، الشرك الذي وقع من آدم وحوّاء، وهو شركٌ أصغر، والشرك الأكبر الذي وقع من عَبَدَة الأوثان من ذريّة آدم.\nفيترجّح القول الأوّل من عِدّة وجوه:\nأوّلًا: أن الضمائر كلُّها مثنّاة، والقول بأنّ المراد الذريّة تعسُّفٌ في الألفاظ لا يجوز.\nثانيًا: إنّ ما فسّر به ابن عبّاس ورد من عدّة جهات، فهو تفسير صحيح من مجموع طُرُقِه.\nثالثًا: أنّ عليه الأكثر من أهل العلم، كما قال الشوكاني.\nرابعًا: أنّه هو المعنى الذي رجّحه الإمام أبو جعفر ابن جرير، شيخ المفسِّرين، حيث قال: \"أولى القولين: القولُ الأوّل\"، وهذا الذي اختاره المصنِّف في هذا الباب.\nأمّا قول المخالفين: أنّ آدم ﵇ لا يليقُ به ذلك.\nفنقول: هذا ليس بشرك أكبر، إنما هو شركٌ أصغر، وهو شركٌ في الطاعة والألفاظ، لا في المعاني والمقاصد والنيّات، وقد يقع من الأنبياء بعض الذنوب","vol":"2","page":205},{"text":"الصغار التي عاتبهم الله عليها، ثم يتوبون منها ويتوب عليهم، والعِصمة إنما هي من الذنوب الكبائر، ومن الاستمرار على الصغائر. كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية.\nهذا، ويُستفاد من هذه القصة التي ذكرها الله في القرآن عدّة فوائد:\nالفائدة الأولى: بيان الحكمة من خلق الزوجات لبني آدم، وأن المقصود من ذلك السَّكَن والاستيلاد، وغير ذلك من الفوائد، والقوامة من الرجل على المرأة: وصيانتُها، إلى غير ذلك، لكن أهمّ شيء هو السَّكَن، كونُ الإنسان يأتي إلى بيتٍ فيه زوجة طيِّبة ملائِمة يسكُن إليها ويرتاح معها.\nالفائدة الثانية: أن حصول الأولاد الأسوياء في خِلْقَتِهم، الصالحين في دِينهِم؛ من أكبر النعم: ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾، ﴿لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ .\nالفائدة الثالثة: في الآية دليل على بيان الحكمة من الزواج، وأنّها السكَن والاستيلاء، ويَتْبَعْ ذلك بقية الأغراض من الصيانة، والقوامَة، والنّفقة، وغير ذلك، فالمرأة بلا رجل تكون معذَّبة، والرجل بلا امرأة يكون معذّبًا، أما إذا اجتمع زوجان متناسِبان فهذا من تمام النِّعمة.\nالفائدة الرابعة: في الحديث دليلٌ على أن تعبيد الأسماء لغير الله شرك.\nالفائدة الخامسة: التحذير من كَيْد إبليس، فإذا كان فعل جمع الأبوين ما فعل فإنّه سيفعل مع الذريّة أشدّ: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾، ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾، فهو يهدِّد ويتوعّد.\nالفائدة السادسة: أن تعبيد الأسماء لغير الله يُعتبر من الشرك الأصغر، وهو شرك الطّاعة، إذا لم يقصد به معنى العُبودية، فإنْ قصد به معنى العبوديّة والتألُّه صار من الشرك الأكبر، كما عليه عُبّاد القُبور الذين يسمّون أولادهم: (عبد الحسين) أو (عبد الرَّسول) أو غير ذلك، هؤلاء في الغالب يقصدون التألُّه، لا يقصدون مجرّد التّسمية وإنما يقصدون التألُّه بذلك والتعبُّد لهذه الأشياء لأنهم يعبدونها، فهذا يعتبر من الشرك الأكبر.","vol":"2","page":206},{"text":"[الباب الواحد والخمسون:]\n* باب قول الله تعالى:\n﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ الآية.\nــ\nهذا الباب عقده الشيخ ﵀ في كتاب التّوحيد من أجل بيان وجوب إثبات أسماء الله وصفاته، ومن أجل أن يبيّن التوسُّل المشروع والتوسُّل الممنوع، لأن مسألة التوسُّل ضلَّ فيها خلقٌ كثير من قديم الزّمان، فالمشركون يعبُدون غيرَ الله ويسمّون معبوداتهم وسائل إلى الله، فيقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى﴾، قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ﴾، فهم لا يعبدون هذه المعبودات لذاتها، لأنّهم يعلمون أنّها لا تخلُق ولا تَرزُق ولا تُحيي ولا تُميت، وإنّما زعموا أنّها تتوسّطُ لهم عند الله ﷾، من باب الوسيلة، فردّ الله تعالى عليهم في القرآن بأنّ هذا التوسُّل وهذا العمل كفرٌ وشركٌ، وأنّه لم يَشْرَعْهُ ﷾ لعباده.\nوجاء مِن بعدهم القبوريُّون والصوفيّة ومن قبلهم الرّافضة والباطنيّة كلُّهم نَحَوا هذا المنحى الذي نحاه المشركون، فصاروا يعبدون الموتى، ويستغيثون بهم، ويدعونهم من دون الله، ويذبحون لهم، وينذُرون لهم، ويقولون: نحن نعلم أنّهم مخلوقون، وأنهم لا يخلُقون ولا يرزُقون، ولكننّا اتّخذناهم وسائل بيننا وبين الله، وربّما يحتجّون بقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾، وبقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣٥)﴾، فظنّوا أنّ الوسيلة التي أمر الله باتخاذها إليه أنّها جعل وسائط بينهم وبين الله.\nوهذا فهمٌ باطل، لم يُرِدْهُ الله ﷾، بل أنكره على المشركين، وحكم بأنّه كُفر، وأنّه شرك، ونزّه نفسَه عنه فقال: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، وقال: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾، بيَّن أنّه كفر وأنه شرك، ونزّه نفسَه عنه، فهو لم يَشْرَع لعباده أبدًا أن يجعلوا بينه وبينهم وسائط من الخلْق يبلِّغونه حاجات عبادِه، وإنما أمر بدعائه مباشَرة: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ .","vol":"2","page":207},{"text":"\"ينزل كلّ ليلة إلى سماء الدّنيا حين يبقى ثُلث الليل الآخر فيقول: هل من سائل فأعطيَه؟، هل من داعٍ فأستجيب له؟، هل من مستغفرٍ فأغفر له\".\nفأمر بدعائه واستغفاره وسؤاله مباشرة، لأنه ﷾: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾، ويعلم أحوال عبادِه، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.\nإنّما تُتّخذ الوسائل والوسائط عند من لا يعلم أحوالَ النّاس ولا يعلم أحوال الرعيّة من المُلوك والرؤساء من البشر الذين تخفى عليهم أحوال الرعايا وأحوال النّاس وحاجات النّاس ويحتاجون إلى مَنْ يبلِّغُهم، أما الله جل وعلا فإنّه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، ويعلم كلَّ شيء، ويسمع كلَّ شيء، يسمع السر، ويعلم ما في القلب، ولو لم يتكلّم الإنسان، فهو ليس بحاجة إلى اتّخاذ مبلِّغين ومتوسِّطين بينه وبين عباده.\nأما استدلالُهم بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾، وبقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾، فالآيتان لم يُرِد منها اتّخاذ وسائط بين الله وبين عباده.\nوإنّما معنى التوسُّل في اللغة: التقرُّب، يقال: توسّل إليه: تقرَّب إليه، ووسَل إليه: قَرُب منه، والواسل: اسم فاعل من وسل، هو المتقرِّب، والوسيلة هي: السبب والطريق الذي يوصل إلى الله ﷾، والذي يوصل إلى الله طاعتُه ﷾، وعبادته، وما شرعه على أَلْسُن أنبيائه ورسله. هذه الوسيلة.\nوالمخلوق وإن كان له منزلة عند الله كالأنبياء والرُّسل- عليهم الصلاة والسلام- والصالحين والأولياء، لكنّ الله لم يَشْرَعْ لنا أن نسأل بمكانتهم ومنزلتهم عنده، وإنما أمرنا أن نتوسّل إليه بعملنا نحن لا بعمل غيرِنا، بأن نطيع الله ونتقرّب إليه، أما أنّ فلانًا له عند الله مكانة وله جاه، فهذا ليس من عملنا وليس لنا فيه شيء، هذا خاصٌ بهم، والله لم يشرع لنا أن نسأله بجاه أحد، ولا بذات أحد، ولا بمنزلة أحدٍ عنده ﷾، هذا كلُّه باطل.\nوإذا تبيَّن أنّ الوسيلة المذكورة في القرآن هي الطّاعة، وهي التي تقرِّب إلى الله ﷿ وتُدني من الله ﷿، وأن اتّخاذ الوسائط من الخلْق بين الله وبين عبادِه لم","vol":"2","page":208},{"text":"يَشْرَعْهُ الله ولا رسولُه؛ وجب علينا التقرّب إلى الله بطاعته. والتوسّل بالخلق إن صحِبَه شيءٌ من التقرُّب إلى المخلوق كالذبح له والنّذر له؛ صار شركًا أكبر، وإن لم يصحبه شيءٌ من التقرُّب إلى المخلوق، وإنما هو مجرّد توسُّط بالجاه ونحوه؛ فهذا بدعة ووسيلة إلى الشرك، كالسؤال بالجاه، والسؤال بحقّ النّبي، أو بمنزلة النّبي، أو بالنّبي ذاته.\nفهذا يُعتَبر بدعة في الدعاء لم يشرعها الله، وهي وسيلة من وسائل الشرك، لأنّه إذا بدأ يتوسّل بجاه المخلوق أو بمنزلته أو بحقِّه عند الله؛ فإنّه يتدرّج إلى أن يعبُد هذا المخلوق، مثل ما حصل للمشركين قديمًا وحديثًا، حيث بدأتْ مسألتهم من مجرّد التوسُّل، وانتهت بالشّرك الأكبر المخرج من المِلّة، نسأل الله العافية والسلامة.\nوقد تعلّق بعض المغالطين بكلمة جاءت في بعض رسائل الشيخ: محمد بن عبد الوهاب ﵀، أنه قال: \"إن التوسل من مسائل الفقه والاجتهاد التي لا إنكار فيها\"، هكذا قالوا!!، ونسبوه إلى الشيخ!!\nوالواقع أن الشيخ ﵀ فصّل فقال: \"إن التوسّل الخالي من عبادة المتوسِّل به، وإنما هو توسل بحق الشخص، أو جاهه؛ فهذا بدعة، وليس بشرك. وأما التوسل الذي معناه التقرب إلى المتوسِّل به بالذبح له، والنذر له، وغير ذلك من أنواع العبادة؛ فهذا شرك أكبر\".\nهذا معنى ما قاله الشيخ، وهو ما قرّره المحققون من أهل العلم، وليس المراد: أن التوسل كله من مسائل الفقه؛ لأن منه ما هو شرك أكبر.\nوهذا بابٌ عظيم، لأنّ هذه الشبهة ضلّ بها أكثرُ الخلق قديمًا وحديثًا، لأنّهم لم يفرقوا بين الوسيلة الممنوعة والوسيلة المشروعة.\nفالتوسُّل على قسمين:\nتوسُّل ممنوع، وهو: التوسُّل بجاه المخلوق، أو بحق المخلوق ومنزلته، أو بذاته وهو إمّا شركٌ، وإما بدعة ووسيلة إلى الشرك.\nأما التوسُّل المشروع فهو: الذي جاء في الكتاب والسنّة ذكرُه والأمرُ به، ومن","vol":"2","page":209},{"text":"ذلك: هذه الآيةُ الكريمة التي صدّر بها الشيخ هذا الباب: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ .\nوالتوسُّل المشروع أنواع:\nالنوع الأول: التوسُّل بأسماء الله وصفاته، تقول: (يا رحمن ارحمني)، (يا غفور اغفر لي)، (يا توّاب تُبْ عليّ)، (يا غنيّ اغنني)، وهكذا، تذكُر في دعائك كلَّ اسم يناسِب حاجتك.\nولا يناسِب أنك تأتي باسم غير مناسب لحاجتك: فلا تقل: اللهم اغفر لي إنّك شديد العقاب.\nالنوع الثاني: التوسُّل إلى الله جل وعلا بدعاء الصالحين: إذا كان هناك صالحٌ من الصالحين، حيٌّ موجود تأتي إليه وتقول: (ادعُ الله لي أن يغفر لي)، (أن يرزقني)، (أن يشفِيَني)، أو إذا قَحِطّ النّاس طلبوا من الصالحين أن يدعوا الله تعالى لهم بالغيث، فهذا مشروع.\nوقد استسقى عمر بن الخطّاب- رضي الله تعالى عنه- بدعاء العبّاس عمّ الرسول ﷺ، وقال: \"اللهم إنّا كُنّا نستسقي بنبينا فتسقينا، وإنا نستسقي بعمّ رسولك، قم يا عبّاس فادعو\"، فيدعو العبّاس والنّاس يؤمنِّون.\nوهذا توسُّل بدعاء الصالحين، وكما توسّل معاوية ﵁ بيزيد الجُرْشي، وغيرُهم.\nأما الميِّت فلا يجوز أن تطلُب منه شيئًا، فلا يجوز أن تذهب إلى قبر الرُسول ﷺ أو قبر غيره من الصالحين وتقول: (ادعُ الله لنا)، لأنّ الصّحابة ما كانوا يذهبون إلى قبر الرّسول ﷺ، بل إنّهم لَمّا أجدبوا وما بينهم وبين قبر الرّسول إلاّ أمتار ما ذهبوا إليه، إنّما طلبوا من العبّاس، لأنّ العبّاس حيٌّ حاضر يستطيع أن يدعو، أما الرسول ﷺ فإنّه ميِّت، ولا يجوز أن يُطلب من الميِّت شيء لا دُعاء ولا غيره.\nالنوع الثالث: التوسُّل إلى الله بالأعمال الصالحة، مثل حديث أصحاب الغار الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصّخرة وسدّت عليهم المَخْرَجْ فكلٌّ منهم توسّل إلى الله","vol":"2","page":210},{"text":"بالعمل الذي قدّمه لله ﷿: هذا توسَّل بعِفّته عن الحرام، وهذا توسّل ببرِّه بوالديه، وهذا توسَّل بأمانته وحِفظه لحقّ الأجير حتى جاء وأعطَاه إيَّاه، ففرّج الله عنهم، وكما قال الله ﷾: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (١٩٣)﴾ توسّلوا إلى الله بإيمانِهم بالرّسول ﷺ: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣)﴾ توسّلوا إلى الله بإيمانهم وإتّباعهم للرّسول ﷺ. والتوسُّل بالتّوحيد: (أسألك بأنّك أنت الله لا إله إلاَّ أنت)، وكما توسّل ذو النون - ﵊- وهو في بطن الحوت: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ .\nقال: وقولُه تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ إخبارٌ من الله جلا وعلا أنّ له الأسماء وأنّها حُسنى.\nوالحسنى: أي: البالغة في الحُسن أعلاه، لا شيء أحسن منها، فالحسنى هي: المتناهِيّة في الحُسن، فكلُّ أسماء الله حسنى.\nولا يعلم عددها إلاّ الله ﷾ كما قال النّبي ﷺ: \"أسألُك بكلّ اسمٍ هو لك سمَّيْتَ به نفسَك، أو أنزلته في كتابك، أو علّمته أحدًا من خلقك، أو استأثرْتَ به في علم الغيب عندك\"، فالله جل وعلا له أسماء كثيرة، منها ما أنزله في كتابه، ومنها ما علّمه بعضَ خلْقه ولم يُنزله في كتابه.\nوأمّا قولُه ﷺ: \"إنّ الله تسعةً وتسعين اسمًا، مَن أحصاها دخل الجنّة\" فليس المراد الحصر، وإنّما هذه التسعة والتسعين موصوفة بأنّ مَن أحصاها دخل الجنّة، وليس المعنى: أنّها منتهى أسماء الله تعالى، وأن أسماء الله محصورة فيها.\nومعنى إحصائها: عدها، ومعرفة معناها، والعمل بمقتضاها. أما مجرّد أنه يكتُبها، أو يعدّها عدًّا فقط، وهو لا يعرف معانيها، أو أنّه يعرف معانيها لكنّه لا يعمَلُ بها فإنَّه لا يحصُل على هذا الوعد الكريم.\nأما ما جاء في رواية التّرمذي من عدّ هذه الأسماء، فهذا لم يَثْبُت عن النّبي ﷺ، وإنّما هو مُدْرَجٌ في الحديث من عمل بعض الرواة.","vol":"2","page":211},{"text":"فهذه الآية تدلُّ: على إثْبات الأسماء لله تعالى رَدًّا على المشركين وعلى الجهميّة ومَن نفى أسماءَ الله ﷾.\nوفي الآية: أنها كلُّها حسنى.\nوفيها: مشروعيَّة التوسُّل إلى الله تعالى بها، ودعائه بها: ﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾ يعني: توسّلوا إلى الله بها، بأن تقول: يا رحمن ارحمني، يا غفور اغفر لي، يا كريم أكرِمني، يا توّاب تُبْ عليّ. إلى آخره، بأنْ تأتي بكل اسمٍ يناسب حاجتك.\nثم قال: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ ﴿وَذَرُوا﴾ يعني: اترُكوا.\nوالإلحاد في اللغة: المَيْل عن الشيء، ومنه سُمي اللحد في القبر لحدًا لأنّه مائل عن سَمْت القبر.\nأما الإلحاد في أسماء الله: فذكروا له عدّة معانٍ:\nالنوع الأول: جُحودها ونفيُها كما نفتْها الجهميّة.\nوهذا أعظم الإلحاد فيها، فالذي يقول: \"إن الله ليس له أسماء، لأنّ الأسماء موجودة في المخلوقين، فإذا أثبتناها صار تشبيهًا\".\nفهذا جاحدٌ لأسماء الله، ملحِدٌ فيها- والعياذُ بالله- أعظم الإلحاد، وهذا كُفرٌ بالله ﷿.\nالنوع الثاني: تأويلُها عما دلّت عليه، كما فعلت المعتزلة فإنهم يُثبتون الأسماء ولكنّهم ينفون معانيها وما تدل عليه من الصّفات، لأنّ هذه الأسماء كلُّ اسم منها يدلّ على صفة؛ ﴿الرحمن﴾ يدلّ على الرحمة، ﴿الغفور﴾ يدلّ على المغفرة، ﴿العزيز﴾ يدلّ على العزّة والقوة والمَنَعة والغَلَبة، وهكذا، كلُّ اسم يُشتَقُّ منه صفة من صفات الله تعالى: ﴿السميع﴾ يدلّ على السمع، ﴿البصير﴾ يدلّ على البصر، ﴿العليم﴾ يدلّ على العلم، ﴿القدير﴾ يدلّ على القدرة، وهكذا، كلُّ اسم منها يدلُّ على صفة. فالذي لا يُثْبِتُ الصّفات مُلحدٌ في أسماء الله، لأنّه جحد معانيها، وجعلها ألفاظًا مجرَّدة لا تدلّ على شيء.\nالنوع الثالث: تسمية المخلوقين بأسماء الله، مثل ما فعل المشركون من تسمية اللات من اسم الإله، والعُزّى من اسم العزيز، فجعلوا أسماء الله أسماءً لمعبودات المشركين، وهذا من الإلحاد في أسماء الله ﷾.","vol":"2","page":212},{"text":"ذكر ابنُ أبي حاتم عن ابن عبّاس: ﴿يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾: \"يُشركون \".\nوعنه: \"سموا اللآت من الإله، والعُزّى من العزيز\".\nوعن الأعمش: \"يُدخلون فيها ما ليس منها\".\nــ\nالنوع الرابع: أن يدخل فيها ما ليس منها.\nفدلّ على أنّ الذي يُنكر أسماء الله، أو يؤوِّلها بغير معانيها الصحيحة، أو يدخل فيها ما ليس منها أو يحرِّفها إلى مسمّيات الأصنام؛ أنّه ملحدٌ متوعَّدٌ بأشدّ الوعيد.\nثم ذكر عن ابن أبي حاتم ﵀، عن ابن عبّاس: \" ﴿يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾: يُشركون \" أي: يُشركون في أسماء الله.\n\"وعنه\" أي: ابن عبّاس.\n\" سَمُّوا اللآت من الإله، والعُزّى من العزيز\" أي: أنهم سمّوا الأصنام الكبار المعروفة عند العرب (اللات) و(العُزّى) اشتقّوا لها من أسماء الله.\n\"وعن الأعمش\" هو: سُليمان بن مَهْران، الإمام الجليل في الحديث والفقه والتفسير.\n\"يدخلون فيها ما ليس منها\" لأنّ القاعدة في أسماء الله: أن لا يُسمّى إلاّ بما سمّى به نفسَه، أو سمّاه به رسولُه ﷺ، فما لم يسمِّ الله به نفسَه ولم يسمِّه به رسولُه ﷺ فلا يجوز أن يُطلَق على الله، لكن المشركون سمّوا الله بما لم يسمِّ به نفسَه، وهذا من الإلحاد في أسماء الله، كما سمّت النصارى الله ﷿ بالأَبْ.\nفهذه الآية الكريمة وما جاء في تفسيرها عن ابن عبّاس وعن الأعمش تدلّ على مسائل:\nالمسألة الأولى: بيان التوسُّل المشروع، وهو التوسُّل بأسماء الله وصفاته.\nالمسألة الثانية: بيان التوسُّل الممنوع، وهو التوسُّل إلى الله بجعل واسطة في","vol":"2","page":213},{"text":"الدعاء بين الداعي وبين الله ﷿، كأنه يقول: أسألُك بنبيِّك، أو بجاه نبيِّك، أو بمنزلة نبيِّك، أو ما أشبه ذلك.\nالمسألة الثالثة: فيه إثبات الأسماء الله ﷾.\nالمسألة الرابعة: أن أسماء الله كلها حسنى، قوله: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾، فليس فيها اسمٌ غير حسن.\nالمسألة الخامسة: فيه: النّهي عن الإلحاد في أسماء الله ﷿.\nالمسألة السادسة: أن أسماء الله توقيفيّة، لا يجوز أن يُذكر فيها ما ليس ثابتًا في كتاب الله ولا سنّة رسوله ﷺ، لأنّ هذا من الإلحاد في أسماء الله، كما قال الأعمش: \"يدخلون فيها ما ليس منها\".","vol":"2","page":214},{"text":"[الباب الثاني والخمسون:]\n* باب لا يقال: السلام على الله\nفي الصحيح عن ابن مسعود ﵁ قال: كُنا إذا كنا مع النّبي ﷺ في الصلاة؛ قلنا: السلام على الله من عباده، السلام على فلان وفلان، فقال النّبي ﷺ: \"لا تقولوا: السلام على الله؛ فإن الله هو السلام\".\nــ\nمناسبة هذا الباب الكتاب التّوحيد: أنّه لَمّا كان السلام من أسماء الله ﷾ فإنّه لا يقال: \"السلامُ على الله\" لأنّه هو السلام ﷾\".\nوأيضًا: لَمّا كان معنى السلام الدعاء للمسلَّم عليه بالسّلامة من الآفات، والله جل وعلا منزّه عن أن ينالَه شيءٌ من النقص أو من الآفات أو من المكروهات، فليس بحاجة أن يدعى له ﷾ لغِنَاهُ عن كلِّ شيء وحاجة كلِّ شيء إليه ﷾، بل هو المدعو، ولا يُدعى له ﷾، لأنّ الدعاء إنّما يكون للمخلوق المحتاج، أمّا الله جل وعلا فإنّه غنيٌّ لا يحتاج إلى شيء، فمن دعا لله فقد تنقّص الله ﷿، وهذا يُخِلُّ بالتّوحيد.\nقال: \"في الصحيح \" يعني: في \"الصحيحين \".\n\"عن ابن مسعود ﵁ قال: في بعض الروايات: \"السلامُ على جبريل وميكائيل\"، فقال النّبي ﷺ: \"لا تقولوا: السلام على الله، فإنّ الله هو السلام، ولكن قولوا: التحيَّاتُ لله، والصلوات، والطيِّبات \" إلى آخر الحديث في التشهُّد.\nفقولُه: \"لا تقولوا: السلامُ على الله\" هذا نهيٌ منه ﷺ عن هذه الكلمة، والنّهيُ يقتضي التحريم.\nثم بيَّن ﷺ السبب في هذا النّهي فقال: \"فإن الله هو السلام\" أي: أنّ \"السلام\" من أسماء الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ﴾ .\nو\"السلامُ\" من أسمائه ﷾ معناه: السالم من الآفات والعُيوب والنقائص، فالله جل وعلا سالمٌ من الآفات والعُيوب والنقائص لذاتِه ﷾ لا أنّ أحدًا يسلِّمه، وإنّما","vol":"2","page":215},{"text":"هو سالم بذاته ﷾.\nوأيضًا: \"السلام\" هو الذي يُطلَبُ منه السلام، كما كان النّبي ﷺ إذا سلَّم من الصلاة قبل أن ينصرف إلى أصحابه يستغفرُ الله ثلاثًا وهو متوجِّهٌ إلى القبلة، ثم يقول: \"اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركتَ يا ذا الجلال والإكرام\" \"ومنك السلام \": أنت الذي تمنحُ السلام لعبادِك، وأنت الذي يُطلَب منك السلام، بمعنى: أنّ العباد يسألونك أن تسلِّمهم من الآفات والنقائص والمكاره.\n\"السلام\" من أسماء الله له معنيان كما ذكر أهلُ العلم:\nالمعنى الأوّل: السالم من النقائص والعيوب.\nوالثاني: المسلِّم لغيره.\nأي: السالم في نفسه، المسلِّم لغيره، ﷾.\nفحينما يقول المسلِّم على النّاس: (السلام عليكم ورحمة الله وبركاته) فمعناه: أنّه يقول: أدعوا لكم بالسَلامة من الله ﷾، أو (السلام عليكم) أي: اسمُ الله عليكم، بمعنى: أن الله يحفظُكم ممّا تكرهون.\nفهذا الحديث فيه مسائل:\nالمسألة الأولى: أنه لا يُقال: \"السلام على الله\" من عبادِه، لأنّ هذا معناه: الدعاء، والله جل وعلا لا يدعى له.\nالمسألة الثانية: في الحديث بيان الحكمة في النّهي عن أنْ يقال: \"السلام على الله\" لأنّ الله جل وعلا هو السلام، يعني: وإذا كان هو السلام فليس بحاجة إلى أن يسلَّم عليه.\nالمسألة الثالثة: أنّ مَن نهى عن شيء فإنّه يبيِّن السبب في هذا النّهي، لأنّ النّبي ﷺ لَمّا نهى بقوله: \"لا تقولوا: السلام على الله\" بيّن المعنى الذي من أجلِه نهى عنه فقال: \"إن الله هو السلام\"، ففيه: بيان الحكم بعِلَّته، لأنّ هذا أثبت في ذِهْنِ السامع وأدعى للامتثال.\nالمسألة الرابعة: في الحديث دليلٌ على أنّ مَن نهى عن شيء وكان لهذا","vol":"2","page":216},{"text":"الشيء بديلٌ صالح فإنه يأتي بالبديل، لأنّ النّبي ﷺ لَمّا نهى عن هذه الصِّيغة أتى بالصيغة اللائقة فقال: \"قولوا: التحيّات\" إلى آخره، ففيه: أنّ مَن نهى عن شيء وله بديلٌ صالح فإنّه يأتي بالبديل، ولا يترُك الشخص لا يدري ماذا يفعل.\nالمسألة الخامسة: في الحديث دليلٌ على أن الله جل وعلا يحيّي ولا يسلَّم عليه، لأن التحيّة تعظيم له والسلام دعاء له، والله جلّ وعلا يعظَّم ولا يُدعى له.\nالمسألة السادسة: في الحديث دليل: على الفرق بين التحيّة والسلام: التحيّة تُقال في حقّ الله تعالى التحيات لله، وأمّا السلام فلا يقال في حق الله، وقد عرفنا الفرق: أن التحيّة تعظيم، والله مستحقٌّ للتعظيم، وأمّا السلام فإنّه دعاء والله ليس بحاجة إلى الدعاء.","vol":"2","page":217},{"text":"[الباب الثالث والخمسون:]\n* باب قول: اللهم اغفر لي إن شئت\nفي الصحيح عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: \"لا يقل أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت\". اللهم ارحمني إن شئت. ليعزِم المسألة؛ فإن الله لا مُكرِهَ له\".\nــ\nهذا الباب من جنس الباب الذي قبله، لأنّ الذي يدعو الله تعالى يجب أن يعزم الدعاء، ولا يعلِّقه بالمشيئة، لأنّه إذا علّقه بالمشيئة تضمّن ذلك أمرين:\nالأمر الأوّل: أنّ هذا يدلّ على فُتوره في طلب الدعاء من الله ﷾، كأنّه غنيّ عن الله، يقول: إن حصل شيء وإلاَّ ما هو بلازم، فكأنّه فاترٌ في طلبه، وكأنّه غنيّ عن الله ﷾.\nولا شكّ أن العبد مفتقرٌ إلى الله جل وعلا في كلّ أحواله، لأنّه فقيرٌ إلى الله، ولا ينظُر إلى ما عنده من الأسباب ومن الإمكانيّات، فإنّ هذه الإمكانيّات يمكن أن تزول في لحظة، لا ينظُر إليها ولا يعتمد عليها، فهو فقيرٌ إلى الله مهما كان، ولو كان من أكثر النّاس مالًا وأولادًا ومُلكًا فهو فقيرٌ إلى الله في أن يُبقيَ عليه هذه النعمة وأن ينفعه بها، وإلاَّ فهي عُرضة للزوال في أسرع وقت. هذا معنى.\nوالأمر الثاني: كأنّه يرى بأن الله جل وعلا قد يُجيب الدعاء وهو كاره، فـ \"إنْ شئتَ\"؛ معناه: أنا لستُ ملزمًا لك، أخشى أن يشقّ عليك، لكن إنّ شئتَ اغفر لي وارحمني، وهذا لا يليق بالله ﷾ لأنه تنقص له. والله جل وعلا لا مُكْره له، وهذا المعنى عليه قوله ﷺ: \"فإن الله لا مكره له\".\n\"في الصحيح\" أي: في \"الصحيحين\".\n\"عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: \"لا يقل أحدكُم: اللهم اغفر لي إنْ شئتَ، اللهم ارحمني إنْ شئتَ، وليعزم المسألة، فإنّ الله لا مُكرِهَ له \" علّل النّبي ﷺ هذا النّهي بأمرين: الأمر الأوّل: أنّ هذا يدلّ على الفُتور من السائل، والمطلوب من السّائل العزم: \"وليعزم المسألة\".\nالأمر الثّاني: أنّ هذا يُشعر بأنّ السائل يخاف أنّ الله يفعل هذا وهو كارهٌ من","vol":"2","page":218},{"text":"ولمسلم: \"وليعظِم الرغبة؛ فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه\".\nــ\nباب المجامَلة، والله جل وعلا لا مُكْرِهَ له، يفعل ما يشاء ويختار سبحانه، لا أحد يُكرهه أو يؤثِّر عليه، أو أنّه يجامِل أحدًا، أو يخافُ من أحد.\n\"وفي رواية لمسلم: \"وليعظِّم الرغبة\" مثل: \"وليعزم المسألة\" يعني: يلحّ على الله في الدعاء.\n\"فإنّ الله لا يتعاظمه شيء أعطاه\" يعطي ﷾ ما يشاء ما لا يعلمُه إلاّ هو، بلا حصر ولا حساب، ولا تنفد خزائنُه سبحانه، بخلاف المخلوق فإنّه قد يعطي العطاء ولكن هذه العطيّة تكون ثقيلةً عليه وتُجحف بماله، قد يكون معسِرًا ليس عنده شيء.\nأمّا الله جل وعلا فإنّه غنيّ لا يتعاظمه شيءٌ أعطاه، ولذلك: يعطي الجنّة التي هي غاية المطالب، ويعطي الدنيا والآخرة ﷾، يعطي بلا حساب، ولا تنفد خزائنه، كما في الحديث القدسي: \"يا عبادي، لو أنّ أوّلكم وآخركم وإنسكم وجنّكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيتُ كلّ واحدٍ ما سألني ما نقص ذلك ممّا عندي إلاَّ كما ينقُص المِخْيَط إذا أُدخل البحر، ذلك بأنِّي جواد واجد ماجد عطائي كلام وعقابي كلام، أفعلُ ما أشاء\"، هذا شأنه ﷾.\nفدلّ هذا الحديث على مسائل:\nالمسألة الأولى: النّهي عن أن يقول: \"اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إنْ شئت\"، والنّهي للتحريم.\nالمسألة الثانية: بيان علّة النّهي، وهي أنّ الله جل وعلا لا مكره له حتى يحتاج إلى أن تقول: \"إنْ شئت\"، ولا يتعاظمه شيء أعطاه ولو كان كثيرًا، فإنّ هذا بالنسبة لله كلا شيء، خزائنُه ملأى لا تغيض مع كثرة الإنفاق، كلّ ما في الدنيا والآخرة فإنّه من جودِه ﷾، ومع هذا لا تغيضُ خزائنُه ﷾: ﴿وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، كلّ ما في الدنيا وكلّ ما في الآخرة وكلّ ما في السموات وكلّ ما في الأرض من الخيرات والنعم فإنّه من خزائن الله ﷾.\nالمسألة الثالثة: في الحديث دليلٌ على كمال غناه ﷾، وأنّ خزائنه لا مع كثرة الإنفاق وإعطاء السّائلين، أرأيتم ماذا أنفق منذ خلق السموات والأرض فإنّه لم يَغِض ما في يمينه ﷾، كما في الحديث عن النّبي ﷺ.","vol":"2","page":219},{"text":"[الباب الرابع والخمسون:]\n* باب لا يقول: عبدي وأمتي\nفي \"الصحيح\" عن أبي هريرة أن رسولَ الله ﷺ قال: \"لا يقل أحدكم: أطعم ربك، وضّئ ربّك. وليقل: سيّدي ومولاي.\nــ\nهذا الباب عقده المصنِّف ﵀ كالباب الذي قبلَه، من أجل احترام أسماء الله وصفاتِه، ومن أجل سدّ الطّرق التي تُفضي إلى الشرك وحماية جانب التّوحيد، وذلك: بتجنُّب الألفاظ الموهمة التي قد يُفهم منها شيءٌ من الشرك، ولو كان المتكلِّم بها لا يقصد المعنى، ولكنّه يتجنّب ذلك من أجل سدّ الباب من أصلهِ، هذا هو المقصود.\nوقد سبق له نظائر في هذا الكتاب من حماية النّبي ﷺ حمَى التّوحيد وسدّ الطُرق التي تُفْضي إلى الشرك، وهذا منها.\nومن ذلك: لا يقُلْ السيِّد والمالك لرقيقه: عبدي وأَمَتي. لأنّ العباد عباد الله ﷾، قال تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣)﴾، فليس هناك عبدٌ لأحد إلاّ لله ﷾، فالعبوديّة والتعبيد خاصٌّ بالله ﷾، أما المخلوقون فليس بعضُهم عبيدًا للبعض، فالعباد كلّهم عبادُ الله، مؤمنُهم، وكافرُهم، هذه العبوديّة العامّة، أما العبودية الخاصّة فهي خاصّة بالمؤمنين: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ﴾، ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾، ﴿يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٦٨)﴾، هذه عبوديّة خاصّة بالمؤمنين، وهي عبوديّة تقرُّب إلى الله تعالى وإنابةٍ إليه، وجزاؤها الجنة. فالعبودية إذًا خاصّة لله.\nقوله: \"أَمَتي\": الأَمّة معناها- أيضًا- العبدة، فلا يقال: هذه أَمَة فلان، وإنّما يُقال: هذه أَمَةُ الله،. وهذا تأدُّبٌ مع التّوحيد ومع جناب الرّبوبيّة. هذا وجه عقد المصنِّف للترجمة.\nقوله: \"في الصحيح\" أي: الصحيحين: صحيح البخاري، وصحيح مسلم.\n\"أن النّبي ﷺ قال: \"لا يقل أحدكم\"! هذا نهيٌ من الرّسول ﷺ.","vol":"2","page":220},{"text":"ولا يقل: عبدي وأَمَتي. وليقل: فتاي وفتاتي وغُلامي\".\nــ\n\"أطعم ربّك\" أي: ناوِلْه الطعام.\n\"وضِّئ ربّك\" أي: ائتِه بالوضوء، أو أعنه على الوُضوء.\nثم بيّن النّبي ﷺ اللفظ الذي يقوله المملوك لمالكه، وهو: \"سيدي ومولاي\"، كما بيّن اللفظ الذي يقوله المالك لمملوكه، وهو: \"فتاي، وفتاتي وغلامي\"، لأن هذه الألفاظ لا محذور فيها، فتكون بدائل للألفاظ المحذورة.\nفدلّ هذا الحديث على مسائل:\nالمسألة الأولى: فيه ما ترجم المصنِّف من أجلِه، وهو عدم جواز قول \"عبدي\" و\"أَمتي\"، لأنّ هذا ورد منصوصًا عليه في الحديث: \"لا يقل: عبدي وأمتي\".\nالمسألة الثانية: فيه: أنّ لفظ (الرّبّ) لا يُطلق إلاّ على الله، لأنّه هو الرب ﷾ الذي له الربوبيّة على عباده: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾، وهكذا لم يَرِد إطلاق لفظ (الربّ) في القرآن إلاّ على الله ﷾، فلا يجوز استعمالُه لغيره، وإنْ كان المتكلَّم لا يقصد المعنى وإنّما يقصد مجرّد الملكيّة والرِّق، لكن من باب سدّ الذرائع- كما سبق- أما إذا قُيِّد لفظ الرب فإنه يجوز إطلاقه على المخلوق مثل رب الدار، وكقوله تعالى: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ .\nالمسألة الثالثة: فيه: القاعدة المعروفة وهو سدّ الذرائع التي تقضي إلى المحذور، كلّ ذريعة ووسيلة تُفضي إلى محذور فإنّها ممنوعة، وهي قاعدة عظيمة، تُسمّى عند الأُصولييّن: \"قاعدة سدّ الذرائع\"، قد تكلّم عليها بإسهاب الإمام ابن القيِّم في كتابَيْه: \"إعلام الموقِّعين\" و\"إغاثة اللهفان\"، وذكر لها تسعة وتسعين مثالًا.\nالمسألة الرّابعة: في الحديث: دليلٌ على أنّ مَن نهى عن شيء وله بديل صالح فإنّه يأتي بالبديل، لأنّ النّبي ﷺ لَمّا نهى عن قول: \"عبدي\" و\"أَمَتِي\" قال: \"وليقل: فتاي وفتاتي وغلامي\" هذا البديل الصّالح الذي لا محذور فيه، فإذا كان هناك بديل يقوم مقام هذا المنهي عنه فإنّه يُؤتى بالبديل الذي لا محذور فيه، مهما أمكن ذلك.\nوسبق لهذا نظائر، وتكرّر لهذا أمثلة في الأبواب السّابقة.\nالمسألة الخامسة: في الحديث: دليلٌ على جواز لفظ \"سيدي ومولاي\" بالنسبة","vol":"2","page":221},{"text":"للمخلوق، لأنّهما يحتملان معاني لا محذور فيها، فإذا كان اللفظ له معنى غير محذور فلا بأس به، لأنّ السيّد يُراد به الرّئيس.\nوالمالك يقال له (سيد)، والزوج يقال له (سيد) .\nوالمولى يراد به المعتق، ويُراد به المناصِر، ويُراد به المحبوب، ويُراد به المالِك، كلّ هذا يقال له: (مولى) .","vol":"2","page":222},{"text":"[الباب الخامس والخمسون:]\n* باب لا يُرد من سأل بالله\nعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: \"من سأل بالله فأعطوه، ومن استعاذ بالله فأعيذوه، ومَن دعاكم فأجيبوه، ومن صنع إليكم معروفًا فكافئوه، فإنْ لم تجدوا ما تكافئونَه فادعوا له حتى تُرَوا أنكم قد كافأتموه\" رواه أبو داود والنسائيّ بإسناد صحيح.\nــ\nقول الشيخ ﵀: \"باب لا يُرد مَن سأل بِالله\" لأنّ هذا فيه تعظيمٌ لله ﷾، وهو من كمال التّوحيد، أمّا إذا رُدّ السائل بالله ففيه إساءة في حقّ الله ﷾.\nوفي ردّه نقصٌ في التّوحيد.\nوالسؤال بالله جائز، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ﴾ ومعنى ﴿تَسَاءَلُونَ بِهِ﴾ يعني: يسأل بعضُكم بعضًا بالله، وفي هذا الحديث: \"مَن سأل بالله فأعطوه \" فدلّ على جواز السّؤال بالله.\nلكن من سُئل بالله لا يجوز له أن يردّ السائل إجلالًا لله ﷾.\nقوله ﷺ: \"مَن سأل بالله\" كأن يقول: أسألُك بالله، وهذا معناه: الإقسام بالله ﷿، كأنّه قال: والله لتُعطينِّي هذا الشيء، لأنّ الباء باء القسم، فإذا قال: أسألُك بالله أي: أُقسم عليك بالله لتعطينِّي كذا وكذا.\n\"فأعطوه\" هذا أمرٌ من النّبي ﷺ بإعطاء مَن سأل بالله، وظاهرُه الوُجوب.\nولكن هذا فيه تفصيل؛ فإذا سأل بالله شيئًا له فيه حقّ كالذي يسأل من بيت المال؛ فكلّ مسلم له حقٌّ في بيت المال، فإذا سأل بالله وجب إعطاؤه، وكذلك إذا سألك مضطرٌ إلى شيء من طعام أو كسوة أو غير ذلك مضطرًا، وأنت عندك فضل زائد عن حاجتك؛ فإنّه يجب عليك أن تُعطيه دفعًا لضرورته، وإنْ لم تعطه فقد عصيتَ الله.\nوقد جاء في الحديث الذي سبق في قصّة الأعمى والأقرع والأبرص: أن الله غضب على اللذين سُئِلا في حالة ضرورة ولم يُعطيَا، فسؤال المضطّر والمحتاج من شيء فاضل عن حاجة المسؤول يجب بذلُه له، فإن لم يبذله فقد عصى الله.","vol":"2","page":223},{"text":"حتّى إنّه إذا كان مضطّرًا فإنّه له الحق في أنْ يأخُذ من مال غيرِه ما يدفع ضرورته.\nأما إذا سأل شيئًا ليس له فيه استحقاق، وهو ليس محتاجًا ولا مضطرًا؛ فهذا يستحبّ للمسؤول أن يُعطيَه، فإن لم يعطِه في هذه الحالة الأخيرة يكون فاعلًا لمكروه، وإذا أعطاه كان فاعلًا لمستحبّ.\n\"ومن استعاذ بالله فأعيذوه\" استعاذ: طلبَ العوذ، وهو: اللُّجوء.\nفمن استعاذَ بالله عن شرك فإنّه يجب عليك أن تُعيذَه، ولا يجوز لك أن لا تُعيذَه.\n\"ومن دعاكم\" أي: طلب منكم حضور مناسبة عنده؛ كأن دعاكم إلى حُضور طعام وليمة، فإنه يجب عليكم الإجابة، إلاّ إذا كان هُناك مانع، لأنّ هذا من حقّ الأُخوة.\nوظاهرُ الحديث عامٌّ في كلّ دعوة، ولكن العلماء يقولون: إجابة الدعوة إنّما هي خاصّة بوليمة العُرس، أما ما عداها من الولائم فيستحبّ حُضورُها، أمّا وليمة العُرس فيجب حُضورُها لقوله ﷺ: \"شرُّ الطعام طعامُ الوليمة؛ يُدعى إليها الأغنياء ويُمنع منها الفقراء\" وقال: \"ومن لا يجب فقد عصى الله ورسولَه\" الشَّاهدُ في قوله: \"عصى الله ورسولَه\"، فدلّ على وجوب الحُضور لولائم الزّواج.\nوإن لم يحضُر من غير عُذر يكون آثِمًا.\nأمّا إذا كان هناك عُذر كأن يكون في الوليمة منكَر ولا يستطيع إزالة هذا المنكر فإنّه لا يحضُر، لأنّ هذا مانع من إجابة الدعوة؛ فإنْ كان يستطيع إزالته وجب عليه الحُضور، حتى إنّ الصائم يجب عليه الحُضور، ولكن إنْ كان صيامُه واجبًا فإنّه يدعو وينصرِف، وإنْ كان صيامُه مستحبًا فإنّه يخيّر بين أنْ يُفطِر ويأكُل أو يدعو وينصرف.\n\"ومن صنع إليكم معروفًا فكافئوه\" يعني: مَن أحسن إليك بإحسان مالي أو عملي أو قولي.\nوالمعروف: ضدّ المنكر، والمراد به هنا: الخير، يعني: من أسدى إليك خيرًا من مال أو جاه أو كلام طيِّب أو غير ذلك، فكلّ هذا من المعروف، فإنّه يجب عليك أن تكافئه، بمعنى: أن تفعل له من المعروف مثل ما عمِل لك، وتقابل إحسانه بالإحسان، وهذا من باب المكافأة من ناحية، وأيضًا فيه قطعٌ للمنّة من ناحية أُخرى، لأنك لو لم تكافئه بقيَ له منّة عليك، ورِقٌّ منك له.","vol":"2","page":224},{"text":"حتى ولو كان صانعُ المعروف كافرًا فإنّك تكافئه على معروفه، لأنّ هذا من باب مكارم الأخلاق ومن باب قطع المنّة ومن باب جزاء الإحسان بالإحسان: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْأِحْسَانِ إِلَّا الْأِحْسَانُ (٦٠)﴾، وقال تعالى: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨)﴾، هذا في الكافر الذي يحسن إلى المسلم فالمسلم يكافئه، بل يتأكَّد في حقّ المسلم مكافأة الكافر على صنيعهِ ليقطع منّتَهُ عليه، ولا يكون منه رقٌّ للكافر، ولأنّ هذا يدخل في باب الدعوة إلى الله ﷿، فإذا رأى الكفّار من المسلمين هذه الأخلاق الطيِّبة والفاضلة كان ذلك مدعاة لدخولهم في الإسلام.\n\"فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له\" أي: ادعوا له بالخير والتيسير والتوفيق.\n\"حتى تُرَوْا\" بضمّ التّاء، يعني: تظنُّوا، ويجوز الفتح، بمعنى: تعلَموا.\nفدلّ هذا: على أنّ المحسِن يكافأُ على إحسانِه إمّا بالقول وإمّا بالفعل.\nفهذا الحديث فيه مسائل عظيمة:\nالمسألة الأولى: فيه ما ترجم له المصنِّف وهو: لا يُرَدّ مَن سأل بالله، لقوله: \"من سألكم بالله فأعطوه\"، لأنّ في هذا إجلالًا لله ﷾ الذي سَأل به، وفي ردِّه إساءة في حقّ الله تعالى ونقصٌ في التّوحيد، وفي إعطائِه احترامٌ لحقّ الله تعالى، وتكميلٌ للتّوحيد.\nالمسألة الثانية: فيه وُجوب إعاذة من استعاذ بالله وعدم المساس به بمكروه، لأن هذا يكون تعدِّيًا على من استجارَ بالله ﷾، وذلك من نقص التّوحيد، وفي إعاذَتِه إكمالٌ للتّوحيد.\nالمسألة الثالثة: فيه وُجوب إجابة دعوة المسلم لأخيه المسلم، لِمَا، في ذلك من جَبْر القُلوب وتثبيت المحبّة وإزالة النُّفرة بين الإخوة، أمّا إذا لم يُجب فهذا يسبِّب العكس، يسبِّب النُّفرة ويسبِّب التباغُض بين النّاس والقطيعة.\nالمسألة الرابعة: في الحديث دليلٌ على وجوب مكافأة صانع المعروف بمثل معروفِه إذا أمكن، فإن لم يمكن فإنّه يكافئه بالدعاء له بالخير.\nالمسألة الخامسة: في الحديث: النّهي عن عدم مكافأة صانع المعروف، لأنّ ذلك من صفات اللّئيم التي لا تليق بالمسلم.","vol":"2","page":225},{"text":"[الباب السادس والخمسون:]\n* بابٌ لا يُسأل بوجه الله إلاَّ الجنة\nــ\nهذا الباب عقده الشيخ ﵀ في \"كتاب التّوحيد\" لأنّ تعظيم صفات الله ﷾ من تعظيم الله، وتعظيمُها من التّوحيد، لأنه تعظيمٌ لله ﷾، وأمّا عدمُ تعظيمِها فإنّه تنقُّصٌ للتّوحيد، لأنّه تنقُّصٌ لله ﷿.\n\"ووجهُ الله\" صفةٌ من صفاتِه ﷾ الذّاتيّة، تواتَرتْ بإثباتِه الأدلّة في كتاب الله وفي سنّة رسوله ﷺ، وأجمع عليه علماء السنّة والجماعة: قال الله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ (٢٧)﴾ فأثبت له وجهًا ووصفه بالجلال ووصفه بالإكرام.\nكذلك قال تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، فقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ مثل قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإكْرَامِ (٢٧)﴾ .\nوالسنّة: فيها أحاديث كثيرة في إثبات الوجه لله ﷿، مثل الحديث الذي ساقَه المصنِّف: \"لا يُسأل بوجه الله إلاَّ الجنة\"، ومثل حديث: \"أعوذُ بنور وجهك الذي أشرقت له الظُّلُمات، وصلح عليه أمرُ الدنيا والآخرة\".\nومثل أحاديث في هذا الباب كثيرة، ذكرها علماء السنّة والمصنِّفون في العقائد، الذين يسوقون الآيات والأحاديث، مثل كتاب \"التّوحيد\" لابن خُزيمة و\"كتاب السنّة\" للآجري، وكتاب \"السنة\" لابن أبي عاصم، وغيرها من الكتب المؤلَّفة في التّوحيد، كلُّهم يذكُرون النُّصوص الدّالة على صفاتِ الله ﷾، الصّفات الذّاتية كالوجه واليدين، والصّفات الفعليّة كالاستواء والنُّزول إلى سماء الدُّنيا، وغير ذلك من صفات الأفعال.\nفالوجه من الصّفات الذّاتيّة وهو أعظمُها، ولكن مع العلم واليقين والقطع بأنّ صفاتِ الله ليست كصفات خلْقِه، فالله له وجه والمخلوق له وجه، والله له يدان والمخلوق له يدان، والله جل وعلا له سمع وله بصر، والمخلوق له سمع وله بصر، ولكن صفات الله جل وعلا لائقةٌ به وبعظمتِه، وصفات المخلوقين تليقُ بهم وبخلقتهم، فلا تُشبه صفات المخلوقين صفات الخالق جل وعلا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ","vol":"2","page":226},{"text":"عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا يسأل بوجه الله إلاّ الجنة\" رواه أبو داود.\nــ\nشَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾، ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾، كلّ هذا ينفي المماثَلة والمشابهة بين صفات الخالق وصفات المخلوق، فلا تشابُه وإن اشتركَتْ في المعنى، فإنّها لا تشترك في الكيفيّة والحقيقة.\nومَن شَبّه الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسَه فقد كفَر، كما قال نُعيم بن حماد -شيخ البخاري- وغيرُه علماء السلف: من شبّه الله بخلقه فقد كَفر، لأنّ الله جل وعلا يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ومَن جحد ما وصف الله به نفسَه فقد كفَر، لأنّ الله تعالى يقول: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ويقول: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإكْرَامِ (٢٧)﴾، فأثبت له الوجه، فمن نفى ما أثبته الله لنفسه فهو مكذِّبٌ لله، ويكون كافرًا بالله ﷿، لأنّ الإيمان أنْ تؤمن بالله ﷿ وملائكته، وكُتبه، ورُسله، واليوم الآخِر، وبالقدَر خيرِه وشرِّه، ومن الإيمان بالله: الإيمان بأسمائه وصفاتِه ﷾ على الوجه اللائق به.\nفالله جل وعلا له وجهٌ كما أثبته لنفسه، ولكنه لا يشبه وجه المخلوق، ولا يدور بخلَد المؤمن- أو في ظنّ المؤمن- هذا الظنّ السيّء وهو المشابهة بين الله وبين خلقه، فمن دار بخلده ذلك فإنّه يكون ناقصَ الإيمان، فإنْ نفى ما وصف الله به نفسَه فإنّه يكون عديم الإيمان، نسأل الله العافية.\nولذلك يقولون: المشبّه يعبُد صنمًا، والمعطِّل يعبُد عدمًا، والموحِّد يعبُد ربًا فَرْدًا صمَدًا.\nفقوله ﷺ: \"لا يُسأل بوجه الله\" يثبت أنّ لله وجهًا، لكن هذا الوجه عظيم يعظَّم، ولا يُسأل به الأشياء الحقيرة كمتاع الدنيا وأطماع الدنيا، وإنّما يُسأل به شيءٌ عظيم يليق بعظمتِه وهو الجنّة، لأنّ الجنة هي أعظم المطالِب، وهي غاية المطالب، فهي شيءٌ عظيم، أو ما يوصِّلُ إلى الجنة من الأعمال الصالحة، وفي الحديث: \"أسألُك الجنة وما قرّب إليها من قول وعمل، وأعوذ بك من النار وما قرّب إليها من قول وعمل\".","vol":"2","page":227},{"text":"فلا يُسأل بوجه الله إلاَّ الجنّة تعظيمًا له أن يُسأل به شيءٌ من المحقَّرات.\nوكلُّ ما دون الجنّة فإنّه حقير، إلاَّ إذا كان يوصِّل إلى الجنّة من الأعمال الصّالحة، فإنّه يُسأل بوجه الله.\nففي هذا الحديث مسألتان:\nالمسألة الأولى: فيه إثبات الوجه لله ﷾.\nالمسألة الثانية: فيه النّهي عن سؤال الأشياء الحقيرة بوجه الله ﷿، وكلّ ما عدا الجنّة فإنّه حقير، فلا يُسأل بوجه الله ﷿.\nبقي أنّ هذا الحديث رواه أبو داود، وفي إسناده: سليمان بن معاذ، وهو ضعيف، فهو حديث ضعيف فكيف أورده المصنِّف هنا؟.\nفنقول: المصنِّف ﵀ في هذا الكتاب يستدل بالأحاديث الصحيحة أو الأحاديث الحسنة، أو الأحاديث الضعيفة التي لها شواهد تؤيدها، وهذا الحديث له شواهد في إثبات الوجه لله ﷿ من الكتاب والسنّة.","vol":"2","page":228},{"text":"[الباب السابع والخمسون:]\n* باب ما جاء في اللّو\nــ\nوله: \"باب ما جاء في اللّو\" لو: حرفٌ، يسمِّيه النُّحاة حرف امتناع لامتناع، تقول- مثلًا-: لو جاء زيدٌ لأكرمتُك، لو أطعتني لأكرمتُك، فامتنع الإكرام لامتناع المجيء أو امتناع الطّاعة.\nأما دُخول (ألـ) عليه فليس هو للتعريف، لأنّ الحرف لا يعرَّف، وإنّما التعريف من خواصّ الأسماء، فـ (ألـ) هنا زائدة، فقولُه: \"باب ما جاء في اللو\" يعني: من النّهي عن ذلك، وذلك: لأنّ الإيمان بالقدَر هو أحد أركان الإيمان الستة، قال ﷺ: \"الإيمان: أنّ تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدَر خيرِه وشرِّه\"، فقوله: \"تؤمن بالقدَر خيرِه وشرِّه\"، دليلٌ على أنّ الإيمان بالقدَر من أركان الإيمان الستّة.\nقال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾، كلُّ شيءٍ فإنّ الله خلقه بقدَر، مقدَّرٌ خلقُه ومقدَّرٌ إيجادُه، ومقدَّرٌ كلُّ تفاصيلِه، لا يوجد في هذا الكون شيء إلاّ وهو مقدَّر من خير أو شر، من ضرر أو نفع، من صلاح أو فساد، من كفر أو إيمان، كلُّه مقدّر من الله ﷾.\nوفي الحديث الصحيح: \"إن الله كتب مقادير الأشياء في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء\".\nوقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ يعني: في اللوح المحفوظ، ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ أي: أنّها مكتوبة في اللوح المحفوظ قبل أن يخلقها الله ﷿، وقبل أن تحدُث في وقتها، ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾، وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ﴾ إذن الله الكوني القدري، يعني: بقدره ومشيئته ﷾، فكل شيء مقدّر من الله ﷾.\nفالإيمان بالقدر هو أحد أركان الإيمان الستّة، وهو داخل في التّوحيد، وعدم الإيمان بالقدر يتنافى مع التّوحيد ويتنافى مع الإيمان، فمن كفر بالقدر فإنّه كافرٌ بالله ﷿ ولا توحيد له ولا دين له، لأنّه جحد القدر، وهذا سيأتي له بابٌ خاصٌّ سيعقده المصنِّف فيما بعد.","vol":"2","page":229},{"text":"وقول الله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ .\nــ\nهذا وجه إيراد المصنف لهذا الباب في \"كتاب التّوحيد\"، أن جحود القدر ينافي التّوحيد، لأنه كفر بالله ﷾.\nوكلمة \"لو إذا جاء بها الإنسان في سياق الجزع والسخط على ما يحصل له، فإن هذا نقص في التّوحيد، وجزع من القدر، لأن الواجب على المسلم: أن يرضى بقضاء الله وقدره، ولا يجزع ولا يسخط، وأن يعلم أنه لابد أن يحصل له ذلك شاء أم أبى جزع أم لم يجزع، لابد أن يحصل ما قدره الله ﷾.\nقال: \"وقول الله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ \" ﴿يَقُولُونَ﴾ يعني: المنافقين.\nوهذه الآية جاءت في سياق غزوة أحد في سورة آل عمران، وما حصل على المسلمين فيها من المصيبة التي حلت بهم من استشهاد كثير منهم وانتصار عدوهم عليهم بسبب أنهم خالفوا أمر الرسول ﷺ في تنظيم العسكر، فالرسول ﷺ نظم العسكر قبل القتال، وجعل جماعة من الرماة على جبل يحمون ظهور المسلمين، وقال لهم: \"لا تتركوا الجبل سواءً انتصرنا أو هزمنا\"، ثم بدأت المعركة فصار المسلمون يقاتلون الكفار وظهورهم محمية، فاندفعوا على الكفار وقتلوا منهم وفتكوا بهم، فكان النصر للمسلمين.\nولما شرعوا في جمع الغنائم رءاهم الذين على الجبل فقالوا: ننزل نشارك في الغنائم، فنهاهم قائدهم عبد الله بن جبير وذكرهم بقول الرسول ﷺ: \"لا تتركوا الجبل سواء انتصرنا أو هزمنا\"، فأبوا ونزلوا.\nفلما نزلوا جاء الكفار من خلف المسلمين مع الجبل وانقضوا على المسلمين، وما شعر المسلمون إلاّ وهم بين الكفار من هنا وهنا، فدارت المعركة من جديد، وصارت على المسلمين المصيبة بسبب معصيتهم للرسول ﷺ، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ﴾ يعني: تقتُلونهم، ﴿بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ﴾، يعني: الرُّماة، ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾ من النّصر ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ","vol":"2","page":230},{"text":"وقول: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ الآية.\nــ\nلِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ هذا تطمينٌ للمسلمين، بعد العتاب طمأنهم بأنّهم قد عفي عنهم لِمَا لهم من السّوابق والفضل، لكن هذه عقوبة على المعصية، ﴿وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾، إلى قوله ﷾: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ كان المسلمون في حالة الخوف الشديد، وقد أنزل الله عليهم النّوم، لأنّ النّوم أمان، فصار النوم فارقًا بين المؤمنين وبين المنافقين، المؤمنون أصابهم النوم وهذا أمانٌ من الله ﷾، والمنافقون ما ذاقوا غَمْضًا من الفزع ومن الخوف والجُبُن.\n﴿يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ هذا هو السّبب، المؤمن يظنّ بالله ظنّ الحقّ وأنّه قادمٌ على ربّه، وما عند الله خيرٌ له وأبقى، فهو يظنّ بربّه ظنّ الحق يحسِن الظنّ بالله ﷿، فلذلك لا يخاف من الموت، لأنّه يؤمن بالله ﷿، ويحسن الظنّ بالله وأنّه قادمٌ على ربٍّ كريم ووعدٍ من الله ﷾، فهو مطمئنّ، وأما المنافقون فإنهم يظنون بالله ظن السوء.\n﴿يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ هذا هو محلّ الشّاهد: ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾، أرجعوا سبب القتل إلى أنهم ليس لهم تدبير، ولو كان لهم تدبير ما قُتلوا. فردّ الله عليهم بقوله: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ فالبقاء في البيوت لا يمنع من الموت، فالذي مكتوبٌ عليه الموت في أيّ مكان سيخرجُ ويذهب إلى مكانه الذي مكتوبٌ أنه يقتل أو يموت فيه.\nفهذا هو محل الشاهد: \"لو\"، لأنه قال هذه الكلمة من باب الجزع والتسخُّط لقضاء الله وقدره وعدم الرضى بقضاء الله وقدره.\nوإذا قيلت \"لو\" في مثل هذا الحال فإنَّها لا تجوز.\nقال: \"وقوله: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ \" هذه قالها عبد الله بن أُبيّ -رأس المنافقين-.\n﴿قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ﴾ يعني: من المؤمنين الذين خرجوا وقُتلوا في أُحد، وكيف","vol":"2","page":231},{"text":"وفي \"الصحيح\" عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"احرص على ما ينفعك، واستعِن بالله ولا تعجزن، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا، ولكن قُل: قدّر الله وما شاء فعل. فإن لو تفتح عمل الشيطان\".\nــ\nسمّاهم إخوانهم؟، هل يكون المؤمن أخًا للمنافق؟، هذا حسَب الظّاهر، لأنّ المنافق في الظّاهر مؤمن، فهي أُخوّة بحسَب الظّاهر، لأنّ المنافق يعامَل معاملة المؤمن في الظّاهر، وتوكَل سريرَته إلى الله ﷾، فهو سمّاهم إخوانهم بحسب ما أظهروا من الإيمان.\nوقيل: إخوانهم في النّسب؛ لأنّ عبد الله بن أُبيّ من قبيلة الأنصار ومن أهل المدينة فهم إخوانهم في النّسب، والله أعلم.\nوقد ردّ الله عليه بقوله: ﴿قُلْ فَادْرَأُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ إذا كنتم تزعمون أنكم تمنعون الموت من هؤلاء فامنعوه عن أنفسكم.\n﴿قُلْ فَادْرَأُوا﴾ أي: امنعوا، ﴿عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ من أنهم لو كانوا عندكم ما ماتوا وما قتلوا.\nالشّاهد في قوله: ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا﴾، هذا فيه استعمال ﴿لَوْ﴾ في مقام الجزع والتسخُّط وعدم الإيمان بالقدر، فالموت الذي حصل عليهم- بزعمه- ليس هو بقضاء الله وقدره وإنّما هو بسبب الخُروج، وأنّ البقاء في المدينة سببٌ للسلامة، ولا يرجِع هذا إلى القضاء والقدر، والسلامة والقتل كلاهما راجع إلى القضاء والقدر سواء بقوا في المدينة أو خرجوا إلى أُحد، فمن كتب الله أنّه يموت فإنّه سيموت في المدينة أو في أُحد، ومن كتب الله أنّه يبقى فسيبقى سواءً في المعركة أو في المدينة، فالأمر راجع إلى قضاء الله وقدره.\nقال: \"وفي الصحيح\" يعني: في \"صحيح مسلم\".\nقوله: \"المؤمن القويّ\" المراد بالقويّ هنا: قوّة الإيمان أي: القويّ في إيمانه، وكذلك القويّ في بدنه ورأيِه وتدبيرِه، فالقوّة تشمل قوّة الإيمان، وهذا هو الأصل والأساس، وقوّة الرأي والتدبير، وقوّة البدن أيضًا، لأنّه ينفع بقوّته، ينفع نفسَه وينفع غيرَه، فنفعُهُ يكون متعدِّيًا، فهو \"خيرٌ\" أفعل تفضيل، يعني: أكثرُ خيرًا.","vol":"2","page":232},{"text":"\"وأحبُّ إلى الله\" هذا فيه: إثبات المحبّة لله ﷿، وأنّه يحبّ المؤمن القويّ. والمحبّة من صفات الله ﷾.\n\"من المؤمن الضّعيف\" الضعيف في إيمانه، وكذلك الضعيف في إرادتِه وتدبيرِه وبدنه، لأنّ نفعَه يكون قليلًا لنفسه ولغيره.\nقال: \"وفي كلٍّ خير\" المؤمن كلُّه خير، المؤمن القويّ والمؤمن الضعيف، كلّهم فيه خير، لكن المؤمن القويّ خيرهُ متعدٍّ إلى غيره، والمؤمن الضعيف خيرهُ قاصرٌ على نفسه لا يتعدّاه.\nوقوله: \"احرص\" بكسر الرّاء، ويجوز الفتح، والحرص معناه: المبالَغة في طلب الشيء.\nومعنى قوله: \"احرص على ما ينفعك\" يعني: بالغ في طلبهِ، وابذل الوُسع في تحصيلِه، فإنّ النفع مطلوب.\nوفي ضمن ذلك النّهي عن الحرص على الشيء الذي لا ينفع.\nثم قال: \"واستعن بالله\" يعني: لا تعتمد على الحرص فقط ولكن مع الحرص استعن بالله ﷾، لأنّه لا غنى لك عن الله، ومهما بذلْت من الأسباب فإنّها لا تنفع إلاّ بإذن الله ﷾، فلذلك جمع بين الأمرين: فعل السبب مع الاستعانة بالله ﷿.\nثم قال: \"ولا تعجَزن\" بفتح الزاي، ويجوز الكسر، والنون: نون التوكيد الثّقيلة. هذا نهي، نهيٌ عن العجز.\nوالعجز معناه: الكسل والإهمال، وليس العجز الجسمي، فالإنسان إذا عجز عجزًا جسميًّا لا يؤاخَذ لأنّه لشيء باختيارِه، لكن المراد: عجز الكسل وعجز الإهمال وإيثار الرّاحة هذا هو المنهيّ عنه، لأنّه يفوِّت على المسلم خيرًا كثيرًا، ولهذا: كان النّبي ﷺ يستعيذ بالله من العجز والكسل ومن الجُبُن والبُخل ومن غلبة الدَّيْن وقهر الرجال.\nثم قال ﷺ: \"وإنْ أصابك شيءٌ\" يعني: ممّا تكره، بعدما تحرص على ما ينفعك وتستعين بالله وتترُك العجز، بعدما تعمل هذه الأسباب إذا أصابك شيء عكس ما تُريد وعكس ما تطلُب فلا تجزع واعلم أنّ هذا بقضاء الله وقدره، وأنّ الله لو قدّر","vol":"2","page":233},{"text":"لك شيئًا لحصل ولكنّه لم يقدِّر لك، ولا تدري ما الخيرة فيه، لعلّ الله حبسه عنك لخير أرادَه بك، ربّما أن الإنسان يحرص على شيء لو حصل له لأهلَكه، فالله يمنعه عنه رحمةً به: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ .\n\"فلا تقل: لو أنّي فعلتُ كذا لكان كذا وكذا\" لا ترجع هذا إلى تقصيرِك، ولكن أرجِعه إلى قضاء الله وقدرِه.\n\"ولكن قل: قدَّر الله وما شاء فعل\" يعني: أرجِع هذا إلى قضاء الله وقدره، فالذي منعه عنك ليس هو فعلُك أو تركك، وإنّما الذي منعه عنك هو الله ﷾، ولا تدري لعلّ الله أراد بك خيرًا وصرف عنك شرًّا، فارْض بقضاء الله وقدره.\nهذا هو شأن المؤمن الذي يؤمن بالقضاء والقدر، أما المنافق وضعيف الإيمان فإنّه إذا أصابَه شيء يكرهُه جزع وتسخّط وقال: هذا بسبب فلان أو هذا بسبب أنّي ما علمت كذا أو كذا. هذا جُحودٌ للقدر، أو عدم إيمان بالقدر، أو ضعف إيمان بالقدر، وما هكذا المؤمن.\nفقول: \"قدر الله وما شاء فعل\" يحلّ عن المسلم مشاكل كثيرة.\nثم قال ﷺ: \"فإنّ لو\" أي: قول: \"لو\".\n\"تفتح عمل الشيطان\" إذا أرجعتَ هذا إلى غير القضاء والقدر دخل الشيطان، وصار يوسوس لك ويلقي عليك الأوهام ويُلقي عليك القلق النفسي، وتُصبح في همٍّ وغم وحزن، أما إذا أغلقتَ هذا الباب وقلتَ: \"قضاءُ الله وقدرُه\"، أو \"قدَّر الله وما شاء فعل\" فإنّك تُغلق باب الشيطان.\nفـ \"لو\" مفتاح لباب الشيطان، و\"قدّر الله وما شاء فعل\" إغلاق لباب الشيطان، تستريح من شرِّه ومن هُمومه وأحزانِه ووساوسه.\nيبقى إشكالٌ وهو: أنّ الرسول ﷺ قال لأصحابهِ في حجّة الوداع: \"لو استقبلْتُ من أمري ما استدبرت لَمَا سُقت الهدي ولأحللتُ معكم وجعلتها عمرة\" أليس في هذا استعمال \"لو\" في شيء تبيّن للرّسول ﷺ أنّه فاته وهو فضيلة التمتُّع بالعْمرة إلى الحج؟، ألاَ يتعارض مع قوله: \"وإنْ أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلتُ كذا وكذا\"؟.","vol":"2","page":234},{"text":"الجواب: لا تعارض، لأنّ \"لو أني فعلتُ كذا وكذا لكان كذا وكذا\" هذا من باب الجزع على شيءٍ حصل وانتهى، أما \"لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت\" فهو إخبارٌ عن المستقبَل لا عن الماضي، وأنّ الرّسول ﷺ لو تبيّن له فضل العُمرة والتّمتّع بها إلى الحج لتمتّع ﷺ ولَمَا ساق الهدي، فهو إخبارٌ عمّا يفعله في المستقبَل.\nفهذا هو الجمع بين الأحاديث؛ فالرّسول ﷺ يُخبر عن مستقبَل، وأيضًا هو يتمنّى عمل طاعة وعمل قُربة إلى الله ﷾، وليس يتجزّع على شيء فات أو شيء مضى، فلا تعارُض بين هذا وهذا.\nوفي الباب مسائل:\nالمسألة الأولى: وُجوب الإيمان بالقضاء والقدر، وأنّه الركن السّادس من أركان الإيمان، وهو من علامات التّوحيد. وعدم الإيمان بالقضاء والقدر يتنافى مع التّوحيد وهو من علامات النفاق.\nالمسألة الثانية: يُستفاد من الآيتين والحديث: وُجوب ترك \"لو\" عند نُزول المصائب والمكروهات، لا يقول: \"لو أنّي فعلتُ كذا وكذا ما حصلت هذه المصائب\"، بل يقول: هذه المصائب مقدَّرةٌ من الله ﷾، فيرضى بقضاء الله وقدره.\nالمسألة الثالثة: فيه الحثّ على فعل الأسباب، لقوله ﷺ: \"احرص على ما ينفعُك\".\nالمسألة الرابعة: فيه النّهي عن الاعتماد على الأسباب ووُجوب الاستعانة بالله تعالى: \"واستعن بالله\".\nالمسألة الخامسة: فيه النّهي عن الإهمال والكسل وتعطيل الأسباب.\nالمسألة السادسة: فيه علة النّهي عن قول \"لو\" وهو لأنّها تفتح عمل الشّيطان، وأمّا الاستعانة بالله والحرص على ما ينفع وترك التلوُّم بقول \"لو\" فإنّ هذا يُغلق باب الشّيطان عن الإنسان.\nالمسألة السابعة: فيه فضل المؤمن عمومًا، وأن المؤمن القوي أفضل من المؤمن الضعيف.\nالمسألة الثامنة: فيه إثبات محبة الله للمؤمنين وأنها تتفاضل بحسب قوتهم وضعفهم في الإيمان وغيره.","vol":"2","page":235},{"text":"[الباب الثامن والخمسون:]\n* بابُ النّهي عن سبّ الريح\nــ\nهذا الباب من جنس الأبواب السابقة التي فيها النّهي عن سبّ الدهر، والنّهي عن قول: \"لو\" وغير ذلك، والنّهي عن التنجيم، كلّ ما فيه إضافة الأشياء إلى غيرِ الله ﷿ فإنّه منهيٌّ عنه، لأنّ الأُمور كلّها بيد الله ﷾، وهو خالقُها ومدبِّرها فتُضاف إليه ﷾ ولا تُضاف إلى غيره لا إضافة سبّ ولا إضافة مدح، لأنّ في هذا تنقُّصًا لله ﷿ وإسناد الأمور إلى غيرِه.\nوكما سبق: أنّه إذا اعتقد أنّ هذه الأشياء تصنع هذه الأشياء أو تُحدثها؛ فهذا شركٌ أكبر، لأنّه شركٌ في الرّبوبيّة.\nوإنْ كان لا يعتقد ذلك، بل يعتقد أنّ الله هو الخالق المدبِّر، وإنّما نسب هذه الأشياء إلى هذه المخلوقات من باب أنّها أسبابٌ فقط: فهذا يكون محرَّمًا ويكونُ من الشرك الأصغر، حتى إنّ ابن عبّاس- كما سبق- جعل قولَ الرجل: \"كانت الريح طيِّبة، وكان الملاّح حاذقًا\"، جعل هذا من اتّخاذ الأنداد لله ﷿، وفسّر به قولَه تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، فرُكّاب السفينة إذا خرجوا من البحر ولم يحصل عليهم مكروه ونسبوا هذا إلى حِذْق الملاّح أو إلى طيب الريح التي وجّهت سفينتَهم فإنّ ذلك من اتّخاذ الأنداد لله ﷿، لأنّ الواجب: أن يشكُروا الله ﷿، لأنّه هو الذي سخّر الريح وهو الذي سخّر الملاّح وعلّمه ووفّقه، فتُنسب الأشياء إلى مصدرها وهو الله ﷾. هذا هو التّوحيد.\nأما نسبة الأشياء إلى غيرِه فهذا شركٌ إمّا أكبر وإمّا أصغر.\nوالواجب على المسلمين أن يتنبّهوا لذلك، لأنّه يكثُر على الألسنة الآن مدح الأشياء وأنّه بفضلها حصل كذا وكذا، بفضل الطبِّ بفضل كذا وكذا، بفضل تضافُر الجهود، بفضل المجهودات الفلانية حصل كذا وكذا، والله لا يُذكر أبدًا، ولا يُثنى عليه في هذه الأُمور، وهذا خطأُ كبيرٌ في العقيدة، ويُخشى على مَنْ قالَه من الشّرك الأكبر، هو لا يسلم من الشرك: إمّا الشرك الأصغر وإمّا الشرك الأكبر.\nأو يَنسب الأشياء إلى الظّواهر الطبيعيّة، كما يقولون من نِسبة الأمطار إلى","vol":"2","page":236},{"text":"عن أُبيّ بن كعب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"لا تسبُّوا الرّيح، فإذا رأيتم ما تكرهون، فقولوا: اللهم إنّا نسألُك من خير هذه الريح وخير ما فيها وخير ما أُمرت به، ونعوذ بك من شرّ هذه الرّيح وشرّ ما فيها وشرّ ما أُمرت به\" صحّحه الترمذي.\nــ\nالمناخ، أو المنخفض الجوي، أو إلى الرّياح، أو ما أشبه ذلك؛ كلّ هذا من سوء الأدب مع الله ﷾.\nنعم؛ الله جعل للأشياء أسبابًا، ولكن مَن هو الذي خلق الأسباب ومَن هو الذي سخّرها وأودع فيها الأسرار؟ هو الله ﷾، فالواجب: أن تُسند الأُمور إلى الله ﷿، هذه عقيدة المسلم دائمًا وأبدًا، وهذا هو التّوحيد.\nإلاّ الأُمور التي من أفعال الإنسان مثل الطاعات ومثل الكفر والمعاصي والفُسوق والتعدِّي على النّاس؛ فهذه تُنسب إلى المخلوق لأنّها أفعالُه وجنايَتُه، وهو محاسَبٌ عليها، وإنْ كان الله قدّرها ﷾، ولكن الذي فعلها وقام بها المخلوق باختياره وإرادته، فيذمّ عليها، ويعاقَبُ عليها، أو يُثاب عليها إن كانت صالحة، فهي من ناحية القدَر تنسب إلى الله، أمّا من ناحية الفعل فهي تُنسب إلى المخلوق، وهو الذي فعلها وهو الذي قام بها باختياره وإرادته ومشيئَته، وهو يعاقَب أو يُثاب على أفعاله، لا على قدر الله.\nقال: \"عن أُبيّ بن كعب\" هو: أبو المنذر أبيّ بن كعب الخزرجي الأنصاري، كان مشتهرًا بجودة القراءة للقرآن، فهو أقرأ الصّحابة لكتاب الله ﷿.\n\"أن رسولُ الله ﷺ قال: \"لا تسبّوا الريح\" هذا نهي من الرّسول ﷺ، ومعنى: \"تسبّوا\" يعني: لا تشتموا الرّيح وتذمّوها وتلعنوها، كما كان عليه أهل الجاهليّة أنهم يسبّون الريح إذا جاءت على غير رغبتهم، والواجب أن الإنسان عندما يصيبُه ما يكره: أن يحاسب نفسَه، لأنّه ما أصابه هذا المكروه إلاّ بسببه وبفعلِه، فيحاسب نفسَه ويتوب إلى الله ﷿: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ .\nفالواجب أنّ الإنسان لا يلوم الرّيح ولا يلوم غيرها وإنّما يلوم نفسَه، بأن يرجع إلى الله ويتوب إلى الله ويعلم أنّ الله ما قدّر عليه هذه المصيبة إلاّ بسبب فعلِه ومعصيته، فيتوب إلى الله ﷿ ويحاسِب نفسه، ثم ينسب الأشياء إلى الله وأنّ الله هو","vol":"2","page":237},{"text":"الذي قدّرها بسبب فعله عقوبة له وأوجدَها وهو الذي أمرها بذلك، فهي مأمورة مدبّرة: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ﴾، فالله جل وعلا هو الذي يُرسل الرّياح: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ تلقِّح السحاب، ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ﴾، ﴿اللهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ﴾، فالرّياح إنّما هي بأمر الله ﷾ يُرسلها بالخير، ويُرسلها- أيضًا- بالشرّ والعذاب، كما أرسلها على عاد: ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (٤١) مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (٤٢)﴾، ﴿أَرْسَلْنَا﴾ هو الذي أرسلها، ليست هي التي جاءت وأهلكتْ عادًا، وإنّما الله هو الذي أرسلها، ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (١٩) تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠)﴾، ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾، كلّ هذا بأمر الله ﷾.\nوقوله: \"فإذا رأيتم ما تكرَهون\" يعني: إذا رأيتم من الرّيح ما تكرهون: رأيتم شدّة الريح وقوّتها وخشيتُم من أنّها تضرّكم أو تضرّ بأموالكم أو تقتلع أشجارَكم أو تهدِّم بيوتكم، أو ما تكرهون من برودتها، لأنها قد تكون باردة شديدة البُرودة، أو تكون حارّة شديدة الحرارة، تُهلك النبات وتُهلك الثّمار.\n\"فإذا رأيتم ما تكرهون\" منها من قوّتها، أو من برودتها، أو من حرارتها فتوجهوا إلى الله ﷾، لا تتوجّهوا إلى الرّيح تذمّونها وتسبّونها، هذا ليس فيه جدوى من ناحية، وهو- أيضًا- شركٌ بالله ﷿، ووضعٌ للشيء في غير موضعه.\n\"فإذا رأيتم ما تكرهون فقولوا\" هذا هو العلاج.\n\"اللهم إنّا نسألك من خير هذه الريح، وخير ما فيها، وخير ما أُمرت به، ونعوذُ بك من شرّ هذه الريح، وشرّ ما فيها، وشرّ ما أُمرت به\" هذا هو العلاج: إسنادُ الأُمور إلى الله ودعاءُ الله جل وعلا لدفع المكروه وجلْب الخير.\nفدلّ على أنّ الريح تؤمَر بالخير وتُؤمر بالشّر، وفي الحديث: \"الريح من","vol":"2","page":238},{"text":"رَوْح الله تأتي بالخير وتأتي بالشرّ\"، فهي مأمورة من الله ﷾ ومدبّرة مرسلة.\nيُستفاد من هذا الحديث مسائل:\nالمسألة الأولى: فيه النّهي عن سبّ الريح، لأنّ ذلك يُخِلُّ بالتّوحيد من حيث إنّه ينسِب الأُمور إلى غير الله ﷿.\nالمسألة الثانية: فيه أنّ الريح مدبّرة مخلوقة، تأتي بالخير وتأتي بالشرّ بأمر الله ﷾، وما دامت كذلك فإنّها لا يُتوجّه إليها لا بذمٍّ ولا بمدح، وإنّما يُتوجّه إلى الله تعالى بالتضرُّع والدعاء عند الشدائد والشُّكر والحمد عند الرخاء والنعمة.\nالمسألة الثالثة: في الحديث دليلٌ على أنّ المسلمين عند الشدائد يتوجّهون إلى الله ﷾ بالدعاء والتضرُّع والتّوحيد، ولا يترُكون الدعاء، ولا يتوجّهون إلى غيرِه، كحالة مشركي هذا الزّمان الذين إذا وقعوا في شدّة فإنّهم ينادون بالشّرك، ويدعون غيرَ الله ﷾، يدعون مَن يخلِّصهم من الموتى ومن الأولياء والصّالحين، يهتفون بأسمائهم، ويذكرون أسماءهم حتى يخلِّصوهم، ويتواصون بذلك.\nفالواجب على الدعاة: أن يهتمّوا بهذا الأمر، أن يحذِّروا النّاس، وأن يبيِّنوا للناس، وأن يدعوا النّاس إلى توحيد الله، وأن يقوموا بتبليغ هذا الدين إلى النّاس ويوضحوا العقيدة على الوجه الصحيح الخالص، هذا هو الحلّ، فالذي يريد أن يحلّ مشاكل المسلمين هذا هو الحل.\nولو قام بهذا واحدٌ مخلص لأنقذ الله به أمّة من الأمم أو أجيالًا من النّاس، كما حصل على أيدي الدّعاة المخلصين وهم أفراد، والآن هناك جماعات للدعوة وهناك إمكانيّات هائلة وهناك أموال وهناك وهناك، لكن أين الآثار؟، لو كان هناك داعيةٌ واحد يقوم على المنهج الصحيح ويدعو إلى الله على المنهج الصحيح لحصل به النفع الكثير.\nوالآن كثر الدعاة وكثرت الجماعات وكثرت التنظيمات، ولكن أين الجدوى وأين الثمرة؟، الشر يزيد، والشرك ينتشر، لأنّ الدعوات هذه في الغالب ليست على أساس صحيح، ولو كانت على أساس صحيح ومنهج سليم فواحد من المخلصين يكفي عن ألف داعية، كما هو معروف من سير الدعاة المصلحين السّابقين.","vol":"2","page":239},{"text":"[الباب التاسع والخمسون:]\n* باب قول الله تعالى:\n﴿يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ الآية.\nــ\nهذا بابٌ عظيم، فقولُه- رحمه الله تعالى-: \"باب قول الله تعالى: ﴿يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ .\nمناسبة هذا الباب لكتاب التّوحيد: أنّ حسن الظنّ بالله ﷾ من واجبات التّوحيد، وسوء الظنّ بالله ﷿ ينافي التّوحيد، هذا وجه المناسبة لهذا الباب في كتابه التّوحيد.\nقولُه: \"باب قول الله تعالى\" يعني: ما جاء في تفسير هذه الآية الكريمة من آل عمران والآية الثانية من سورة الفتح، كلاهُما في موضوع واحد، وهو: سوء الظنّ بالله ﷾ وما توعّد الله عليه من العذاب والعُقوبة، لأنّه ينافي التّوحيد.\nوالقصّة حصلت في وقعة أُحد لَمّا حصل على المسلمين ما حصل من إدالة العدو عليهم بسبب المخالفة التي حصلت في الجيش.\nلَمّا حصل ما حصل تكلّم المنافقون بكلام سيّئ، لأنّ المنافق دائمًا ينتهز الفرص التي يرى أنّ فيها غضاضةً على المسلمين ويشغلّها ويفسّرها ويكيّفُها على حسب هواه، دائمًا هذا في المنافقين إلى آخر الزمان، كلّما حصل على المسلمين شدّة أو كُربة أو ضائقة فرح المنافقون وجعلوا يفسِّرونها ويحلِّلونها بأن المسلمين ليسوا على شيء وأن دينهم ليس بشيء، ويظنون بالله غير الحق ظنّ الجاهلية، وظنّ السوء.\nففي سورة آل عمران سمّاه ظنّ الجاهليّة، وفي سورة الفتح سمّاه ظنّ السّوء.\nقال في سورة آل عمران: ﴿ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ لأنّ الجاهلية عدم العلم، فالذي ظنّ هذا الظنّ الخاطئ سببه عدم العلم بالله ﷾ وبأسمائه وصفاته وحمْدِه وحكمته.","vol":"2","page":240},{"text":"وقوله: ﴿الظَّانِّينَ بِاللهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ الآية.\nقال ابن القيم في الآية الأولى: \"فُسِّر هذا الظنّ بأنه سبحانه لا ينصُر رسولَه، وأن أمره سيضمحل.\nوفسّر بأن ما أصابه لم يكن بقدر الله وحكمته.\nففُسّر بإنكار الحكمة، وإنكار القدر، وإنكار أن يُتِمّ أمرَ رسوله ﷺ، وأن يُظهره على الدين كلِّه.\nــ\nوقال في سورة الفتح: ﴿ظَنَّ السَّوْءِ﴾ يعني: إساءة الظنّ بالله ﷿، وهو يخالف حسن الظنّ بالله ﷿، فحسن الظنّ بالله توحيد وسوء الظنّ بالله كفر.\nثم ذكر الشيخ ﵀ كلام ابن القيِّم في تفسير الآيتين، وساقه من \"زاد المعاد في هدي خيرِ العباد\" باختصار.\n\"قال ابن القيِّم: فُسِّر هذا الظن في الآية الأولى\" يعني: آية آل عمران.\n\"بأنّه سبحانه لا ينصُر رسولَه\" وهذا ظنّ الجاهليّة.\n\"وأنّ أمرَه سيضمحلّ\" وهذا تكذيبٌ لقوله تعالى: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾، والتكذيب لوعد الله كفر.\n\"وفسّر بأن ما أصابه لم يكن بقدر الله وحكمته. ففُسّر بإنكار الحكمة، وإنكار القدر، وإنكار أن يُتِمّ أمرَ رسولِه ﷺ، وأن يُظهره على الدين كلِّه \" يعني في ذلك ثلاثة تفاسير: إنكار الحكمة في أفعاله ﷾، وإنكار الحكمة: كفرٌ وضلال، لأنّ الله وصف نفسَه بالحكمة، وسمّى نفسَه بالحكيم: ﴿حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾، ﴿حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾، في كثيرٍ من الآيات، والحكمة: وضعُ الشيء في موضعه.\nفمن أنكر حكمة الله فإنّه يكفر بذلك، بخلاف من أثبتها وأوّلها فإنّه يُعتبر ضالًا في هذا التأويل، لأنّ الله جل وعلا حكيم لا يفعل شيئًا إلاّ لحكمة عظيمة، قد تظهر لنا وقد لا تظهر، والله جل وعلا لا يفعل شيئًا عبثًا، ولا يفعل شيئًا لمجرّد المشيئة من غير حكمة، إنّما يفعل الأفعال لحكمة وغايةٍ عظيمة، كلُّ أفعاله ﷾ معلَّلة وكلُّها لحكمة.","vol":"2","page":241},{"text":"وليس من لازم ذلك: أن تظهر لنا الحكمة أو يظهر لنا التعليل، لكنّنا نقطع ونؤمن ونتيقّن أنّ أفعال الله جل وعلا ليس فيها عبث.\nوفسّر بـ\"إنكار القدر\" وهذا- أيضًا- كفرٌ بالله، لأنّ القدر- كما سبق- هو الركن السّادس من أركان الإيمان.\nوفسّر بـ \"إنكار أن يُتِمّ أمرَ رسوله ﷺ، وأن يُظهره على الدين كلِّه\" وهذا هو التفسير الثالث، وهو أنّ الله لا ينصر رسوله، وهذا تكذيبٌ لقوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١)﴾ .\nقوله: \"وأنّ أمرَه سيضمحلّ\" يعني: أنّ هذا الدين الذي جاء به محمد ﷺ سيزول نهائيًّا ولا يبقى منه شيء، مثل سائر الدعوات والمذاهب الباطلة، تعيش فترة من الزمن ثم تنقطع وتذهب بذهاب أصحابها وذهاب أحزابها وجماعاتها وهذا التفسير باطل، لأن الحق لابد أن يبقى مهما جرى عليه من الامتحان والضعف أحيانًا والمداولة لكنِ الحق يبقى ويستمرّ، فمن ظنّ أنّ أمرَ الرّسول ﷺ سيضمحلّ بسبب ما جرى من النكَبات التي جرت على المسلمين، من ظنّ هذا فقد ظنّ بربّه ظنّ السَّوء.\nوالله لم يُجرِ هذه النكبات لأجل أن يُزيل أهل الدين ويُزيل الدين، إنّما أجرى هذه النكبات على الدين وعلى أهل الدين ابتلاءً وامتحانًا من أجل الرّجوع إليه ﷾ أو لخطأ ارتكبوه ووقعوا فيه، فالله يريد أن ينبِّههم من أجل أن ينقُّوا صفوفهم من الدّخيل ومن الخطأ، فيرجعوا إلى الله ﷾، فيُعيد لهم الله النصر والتمكين، هذه سنّة الله جل وعلا في خلقه.\nوكذلك يريد أن يمحِّص الذين آمنوا، يخلِّصهم من الذّنوب والمعاصي ليقدموا على الله مطهّرين ليس عليهم سيّئات.\nهذه حكمة الله ﷾، لا يريد بالنكبات التي تجري على عباده المؤمنين أن يُزيلَهم وأن يُزيل حقّهم الذي هم عليه، أبدًا، تأبى حكمة الله ذلك، وإنّما يُريد أن يثبِّت هذا الحق وأن يُزيل عنه الدّخيل وأن يُزيل عنه ما أصاب أصحابه من الأُمور المخالفة حتى يرجعوا إلى الله ﷾ ويثوبوا إليه، فعند ذلك تعود إليهم عزّتهم ومكانتُهم.","vol":"2","page":242},{"text":"وهذا هو ظنّ السوء الذي ظنّه المنافقون والمشركون في سورة الفتح.\nوإنّما كان هذا ظنّ السوء؛ لأنّه ظنّ غير ما يليق به سبحانه، وما يليق بحكمته وحمده ووعده الصادق.\nــ\nهذه سنّة الله في خلقه من قديم الخليقة إلى أن تقوم الساعة، كم جرى على الرّسل؟، وكم جرى على أتباعهم من النكبات ومن المُعضلات؟، ولكن العاقبة تكون لهم دائمًا وأبدًا، والحق لا يزال ولله الحمد.\nقوله: \"وهذا هو ظن السوء\" أي: من نفى القدر، وأن حدوث الأشياء بدون إرادته ﷾، وبدون قدره؛ فقد ظنّ بربّه ظنّ السّوء، ووصف ربّه بالعجز والجهل وعدم العلم، تعالى الله عمّا يقولون.\nقوله: \"وإنّما كان هذا ظنّ السَّوء؛ لأنّه ظنّ غير ما يليق به سبحانه\" ظنّ ما لا يليق به ﷾ وهو العَبث.\n\"وما لا يليق بحكمته وحمدِه ووعده الصّادق\" لأنّه ﷾ محمودٌ على كلّ حال، على ما يكره العباد وعلى ما يحبّون، لأنّه من قِبَل الله محمود، فإيقاعُ العقوبة فيمن يستحقّها عدلٌ منه ﷾ يُحمد عليه، وإيقاع الهلاك بالأُمم الكافرة يُحمد عليه ﷾ لأنّه جزاء، ونزول النعم بأهل الإيمان والنصر والتوفيق وأهل الإتّباع فضلٌ من الله ﷾، فهو المحمود على كلّ حال على المحامد وعلى المكاره، لأنّه ليس من قِبَله شيء عبث أبدًا.\nفالذي يعرف الله ويعرف أسماءه وصفاته ومقتضى حمدِه؛ فإنّه لا يقع في هذه الأغلاط أبدًا، حتّى ولو بلغ به الأمر والشدّة ما بلغت، لأنّه يعلم أنّ الله لا يفعل إلاّ ما فيه خير له، فيصبر ويرضى بقضاء الله وقدره وينتظر الفرج، ولا ييأس من رحمة الله، بل ينتظر رحمة الله، كلّما اشتدّ الكرب انتظر رحمة الله، بل يزيد الرجاء عند شدّة الكرب، كما قال ﷺ: \"واعلم أنّ النصر مع الصبر، وأنّ الفرج مع الكرب، وأنّ مع العُسر يُسرًا\"، والله جل وعلا يقول: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦)﴾، ﴿سَيَجْعَلُ اللهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾، فكلّما اشتدّ الأمر انفرج.","vol":"2","page":243},{"text":"فمن ظنّ أنّه يُديل الباطل على الحقّ إدالةً مستقرّة يضمحلّ معها الحقّ، أو أنكر أن يكون ما جرى بقضائه وقدره، أو أنكر أن يكون قدره لحكمة بالغة يستحقّ عليها الحمد، بل زعم أن ذلك لمشيئةٍ مجرّدة؛ فذلك ظنّ الذين كفروا، فويلٌ للذين كفروا من النّار.\nــ\nأما أهلُ النفاق وأهلُ الكفر وأهل الجهل فإنّهم عند الكَرْب يكفُرون بالله ﷿ ويقنطون من رحمة الله، ولهذا لَمّا أصاب المسلمين في أُحد ما أصابَهم كانت هذه كلماتهم القبيحة.\nقال ابن القيِّم: \"فمن ظنّ أنّه يُديل الباطل على الحقّ إدالة مستقرّة يضمحلّ معها الحقّ، أو أنكر أن يكون ما جرى بقضائه وقدره\" هذا إعادة من الإمام ابن القيِّم ﵀ لتقرير هذه المسألة العظيمة.\n\"أو أنكر أن يكون قدره لحكمة بالغة يستحقّ عليها الحمد، بل زعم أن ذلك لمشيئة مجرّدة؛ فذلك ظنُّ الذين كفروا\" من ظنّ أن الله يُديل الباطل على الحق إدالةً مستقرّة، الله قد يُديل الباطل على الحقّ أحيانًا، لكن هذه الإدالة مؤقتّة وليست مستقرّة، وإدالتُه على الحقّ لحكمة، وهي أنّ أهل الحق يتنبّهون ويتداركون الخطأ والنقص الذي حصل فيهم: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، يعني: يطهِّرهم من رجس الذنوب والمعاصي بما نزل عليهم من العُقوبة، كما قال ﷾: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾، ولَمّا شقّ على أبي بكر- رضي الله تعالى عنه- قال: أيُّنا لم يعمل سوءًا يا رسول الله؟، فقال رسولُ الله ﷺ: \"ألستَ تحزَن؟، ألستَ تَنْصَب؟، ألستَ تُصيبُك اللأوى؟ \"، قال: بلى، قال: \"فذلك ما تُجزون به\".\nفالله جل وعلا قد يُجازي عبدَه المؤمن وهو يحبُّه، ويعاقبه لأنّه يحبّه؛ من أجل أن يخلِّصه من هذا الذنب، حتى يوافيَ ربّه طاهرًا نقيًّا ويدخُل الجنّة.\nأمّا الكافر عدوُّ الله فإنّ الله يصبُّ عليه النعم للاستدراج ويُمسكُ عنه العُقوبة حتى يوافي القيامة وهو محمّلٌ بالذّنوب فيكون من أهل النّار، هذه حكمة الله ﷾.\nبعض النّاس يقول: لماذا الكُفّار ينعَمون بالحضارة والصناعات، والجوّ الطيِّب، والبيئة الطيِّبة، والفواكه، والأشجار، والمحاصيل، والمسلمون في هذه الحالة، ثم يذهب به ظنّ السَّوء إلى أن يظنّ أنّ الكفّار على الحقّ، وأنّ الله راضٍ","vol":"2","page":244},{"text":"وأكثرُ النّاس يظنّون بالله ظنّ السّوء فيما يختص بهم، وفيما يفعله بغيرهم، ولا يسلم من ذلك إلاَّ من عرف الله وأسماءه وصفاته وموجب حكمته وحمده.\nفليعتَنِ اللّبيب الناصح لنفسه بهذا، وليتب إلى الله، وليستغفره من ظنّه بربّه ظنّ السوء.\nولو فتّشت مَن فتّشت؛ لرأيت عنده تعنُّتًا على القدر وملامةً له، وأنّه كان ينبغي أن يكون كذا وكذا.\nــ\nعنهم، وأنّ المسلمين ليسوا على حق وأنّ الله ساخطٌ عليهم، ثم قد يرتدّ عن الدين.\nفالله جل وعلا يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحبّ، وأما الدين فإنّه لا يُعطيه إلاّ لمن يحبّ.\nوليس إنزال النعم أو إنزال النِّقَم دليلًا على المحبّة أو على البُغض والكرَاهة وإنّما هو ابتلاء وامتحان، فقد يعاقبُ الله من يحبُّه وقد يُنعم على من يُبغِضُه في هذه الدّنيا: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٧٨)﴾ .\nفهذا يجب أن يكون من المؤمن على بال، لكن ما يُدرك هذا إلاّ أهل الفقه وأهل العلم وأهل البصيرة وأهل النظر الصّائب.\nثم قال ابن القيم ﵀: \"فليعتن اللبيب الناصح لنفسه بهذا\" فيتأمّله تأمُّلًا جيِّدًا، وهو أمر أفعالِ الله تعالى في عِباده، وليعلم أنّه لا يفعل شيئًا إلاّ لحكمة وقضاءٍ وقدر، ما يجري في هذا الكون شيء إلاّ لحكمة وقضاء وقدر، ولم يعد الله ﷾ بوعد إلاّ ولا بدّ أن يقع، ويتأمّل الإنسان نفسه حِيال هذه الحوادث: ماذا تقولُ نفسُه إذا رقع شيء ممّا يكره به أو بغيره، ولهذا يقول الإمام ابن القيِّم: \"وأكثر النّاس يظنون بالله ظنّ السَّوء فيما يختص بهم، وفيما يفعلُه بغيرهم\".\nوهذا موجودٌ في بعض بني آدم: \"ولو فتَشتَ من فتّشت؛ لرأيت عنده تعنُّتًا على القدر وملامَة له\" كما كان من إبليس، وما نتج عن تكبُّر إبليس وتعنُّته على الله جل وعلا.","vol":"2","page":245},{"text":"فمستقل ومستكثر، وفتّش نفسَك هل أنت سالم؟\nفإنْ تنجُ منها تَنْجُ من ذي عظيمة ... وإلاَّ فإنّي لا إخالُك ناجيًا\nــ\nوكذلك بالنسبة لمن تشبّه به في الاعتراض على الله في أفعاله ﷾ وفي تصرُّفه في ملكه جل وعلا، وأنّه ينبغي أن يكون كذا وكذا.\nثم قال: \"وفتِّش نفسَك هل أنت سالم؟ \" يجب على الإنسان أن لا يزكِّي نفسه أبدًا، يقول الله جل وعلا: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾، ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٤٩)﴾، فالإنسان لا يزكِّي نفسه، بمعنى: يمدح نفسه ويُعجب بنفسه، ويظنّ أنه كامل، وأنّه من الأخيار، بل دائمًا الإنسان يتّهم نفسَه بالتقصير في حقّ الله تعالى.\nأمّا التزكية التي أثنى الله تعالى على أصحابها في قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩)﴾ فالمراد بتزكية النفس هنا تطهيرُها بالأعمال الصالحة وترك الأعمال السيّئة، هذه تزكية النفس، شغلُها بالأعمال الصّالحة وتجنيبُها للأعمال السيّئة.\nفهناك تزكيةٌ منهيٌّ عنها وهي: الإعجاب والمدح للنفس، وهناك تزكية مأمورٌ بها وهي الإصلاح والتوبة والعمل الصالح: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩)﴾، وتوعّد الله الذين لا يزكون أنفسهم قال تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ قال بعض المفسرّين: المراد بالزّكاة هنا: تزكية النفس، لأن الآية مكية، والزكاة بالأموال لم تكن نزلت إلاّ في المدينة، وفي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤)﴾ قالوا: والمراد بالزكاة هنا: زكاة النفس، لأنّ الآية مكيّة- أيضًا-، فتزكية النفس بالأعمال الصالحة مطلوبة مأمور بها.\nوقوله: \"فتِّش نفسك هل أنتَ سالم؟ \" يعني: لا تشتغل بعيوب النّاس وتنسى نفسك، فتِّش نفسك هل أنت سالم من هذا التعنُّت والملامة على القدر والاعتراض على الله ﷾ في الحوادث؟.\nقوله: \"فإنْ تنجُ منها\" يعني: من هذه المصيبة.\nفإنْ تنجُ منها تَنْجُ من ذي عظيمة ... وإلاَّ فإنّي لا إخالُك ناجيًا\nيعني: لا أظنُّك تنجو من هذه الفتنة.\nفهذا الباب في الحقيقة بابٌ عظيم، وبابٌ جليل، ومن أحب المزيد من هذا","vol":"2","page":246},{"text":"الكلام الطيِّب فليراجع \"زاد المعاد\" في كلامه على غزوة أُحد، وما جرى فيها من المحنة على المسلمين، وما قاله المنافقون في هذه الغزوة.\nفيُستفاد من هاتين الآيتين وتفسيرهما:\nأولًا: أنّ حسن الظنّ بالله ﷿ واجبٌ من واجبات التّوحيد.\nثانيًا: أن سوء الظنّ بالله ﷾ ينافي التّوحيد أو ينافي كمالَه، ينافي أصلَه إذا زاد وكثُر واستمرّ، أو ينافي كمالَه إذا كان شيئًا عارضًا أو شيئًا خفيفًا أو خاطرًا في النّفس فقط ولا يتكلّم به بلسانِه، أمّا إنْ تكلّم به بلسانِه فإنّه يكونُ منافيًا للتّوحيد.\nثالثًا: فيه: إثبات القضاء والقدر، وأنّ ما يجري من المصائب والمحابّ والمكروهات والملاذ كلُّه بقضاء الله وقدره.\nرابعًا: أن النّبي ﷺ ليس له من الأمر شيء، فلا يتعلق به ﷺ، وأنّما يُتعلّق بالله، لأنّ الأمر كلَّه لله جل وعلا، لا للرسول ولا لغيره، قد قال الله جل وعلا له: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨)﴾، لما دعا ﷺ على أقوام من أهل مكّة فعاتبه الله قال: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨)﴾، وقد تاب الله عليهم وأسلموا، وحسُن إسلامُهم، وصاروا من قُوّاد الجهاد في الإسلام.\nفهذا فيه: أنّ الأمر لله ﷾، فلا يُتعلّق إلاّ بالله جل وعلا، أمّا الرّسول﵊- فإنّه رسولُ الله، هو مبلِّغٌ عن الله تعالى رسالاته، وهذه وظيفة الرّسل عليهم الصلاة والسلام البلاغ والأمر بيد الله.\nخامسًا: فيها: إثبات الحكمة في أفعال الله ﷾، وأنّ الله لا يفعل شيئًا عبثًا.\nسادسًا: فيها: أنّ وعد الله جل وعلا لابدّ أن يتحقّق، ولا يتخلّف وعدُ الله ﷾ أبدًا، وهو وعد بأنّ هذا الدين سيظهر، وماذا كان الواقع؟، أليس الدين ظهر في المشارق والمغارب؟، أليس بلغ هذا الدين مبلغ الليل والنّهار؟، أليستْ دخلتْ فيه دول الأرض الكبرى: فارس والرّوم وبلاد الشّرق والغرب، هل بقي في الأرض مكان لم يصل إليه هذا الدين؟، هذا وعد الله ﷿: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ ولم ينته أمره بوقعة أحد كما ظن ذلك المنافقون.","vol":"2","page":247},{"text":"[الباب الستون:]\n* باب ما جاء في منكري القدر\nوقال ابن عمر: \"والذي نفس ابن عمر بيده؛ لو كان لأحدهم مثل أحد ذهبًا، ثم أنفقه في سبيل الله؛ ما قبله الله منه، حتى يؤمن بالقدر\".\nــ\nهذا الباب عقده الشيخ ﵀ ليبيِّن أنّ الإيمان بالقدَر من الإيمان بربوية الله، وأنّ مَن أنكر القدر فقد أشرك في توحيد الربوبيّة، فالإيمان بالقدر من الإيمان بالربوبيّة، فالذي لا يؤمن به فإنه لا يؤمن بربوبيّة الله ﷾، لأنّه جَحد قدره وعلمَه وأنكر أن يكون ما يجري في هذا الكون بتقدير الله ومشيئَتِه، ووصف الله تعالى بالجهل وبالعجز، إلى غير ذلك.\nوالقدَر: مصدرُ (قدَرْتُ الشيء أقدره): إذا أحطت بمقداره.\nفالقدَر هو: إحاطة الله ﷾ بالأشياء وعلمُه بها قبل كونِها، ثم كتابتهُ لها في اللّوح المحفوظ، فكلّ ما يقع في هذا الكون فهو داخلٌ في علم الله ﷾ الأزلي وفيما كتبه في اللّوح المحفوظ: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾، ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾، فكلُّ شيءٍ بقضاء الله وقدره ومشيئته وإرادته، لا يخرُج عن ذلك شيءٍ من الأشياء، وهو- أيضًا- مكتوبٌ في اللّوح المحفوظ.\nوفي السنّة النبويّة أحاديث في الصّحاح وغيرها، ساق المصنِّف منها طَرَفًا في هذا الباب.\nوأجمع على ذلك المسلمون، إلاّ من ضلّ وانحرف عن منهج السّلف مع الفرق الضالّة، وهؤلاء محجوجون بالكتاب والسنّة وإجماع الأُمّة.\nقال: \"وقال ابن عمر\" ابن الخطاب ﵄\n\"والذي نفسُ ابن عمر بيده\" أقسم عبد الله بن عمر بالله ﷾ لتأكيد الأمر وأهميته.\n\"لو كان لأحدهم مثلُ أحدٍ ذهبًا ثم أنفقَه في سبيل الله ما قبِلَهُ الله منه حتى يؤمن بالقدر\" سببُ مقالة ابن عمر هذه: أنّه لَمّا وُجد في آخر حياته ﵁ مَنْ يُنكر القدَر، وسُئل عن ذلك، أجاب بهذا الجواب.","vol":"2","page":248},{"text":"ثم استدل لقول النّبي ﷺ: \"الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره \". رواه مسلم.\nــ\nوذلك أنّه ظهر بالبصرة في آخر عصر الصّحابة بعد عهد الخلفاء الراشدين وبعد خلافة معاوية بن أبي سفيان ﵁ وفي آخر حياة ابن عمر وابن عبّاس وغيرِهما من الصّحابة ظهر بالبصرة رجلٌ يُقال له: مَعْبَد الجُهَني، يُنكر القدر، وكان يَحْيَى بن عمر وحُمَيْد بن عبد الرحمن الحِمْيَري: لَمّا ظهرت هذه المقالة بالبصرة قدمِا إلى الحجاز حاجّين أو معتمِرين، وقالا: \"سنسأَل أوّل مَن نلقى من الصّحابة\"، وهكذا المسلمون قديمًا وحديثًا إذا أشكل عليهم شيء يرجعون إلى علمائهم ويسألونهم، ولا يستقلّون بالأمر، أو يكون لكلّ واحد منهم رأي، أو ينقسمون إلى جماعات وأحزاب، كلٌّ له قول، هؤلاء جاءوا من البصرة إلى مكّة المكرّمة بقصد مسألة واحدة مع ما في ذلك من مشقّة السفر وطول المسافة، لأنّ الأمر عظيم، يجب الرّجوع إلى أهل العلم فيه، فكان أوّل من لقيا: عبد الله بن عمر- رضي الله تعالى عنهما-، وقد وفّقهما الله لهذا الصحابي، العالِم الجليل، لقياه وهو يدخُلِ إلى المسجد الحرام، فأمسكا بكتفَيْه، فقالا: يا أبا عبد الرحمن، حَدَث عندنا في البصرة رجلٌ يقول كذا وكذا.\nفكان جواب عبد الله بن عمر: أنّه أقسم بالله: \"لو كان لأحدهم\" أي: هؤلاء الذين يُنكرون القدر.\n\"مثل أحد ذهبًا\" هذا أبلغ تقدير وأكثر تقدير.\n\"ثم أنفقه في سبيل الله\" النفقة في الجهاد في سبيل الله من أعظم النفقات أجرًا، فهو مبلغٌ كبيرٌ صُرِف في مصرفٍ عظيم، يُرجى لصاحبِه الأجر العظيم، ولكن هؤلاء إذا أنفقوا هذا المبلغ في هذا المصرِف العظيم وهم يُنكرون القدر فإنّ الله لا يتقبّلُه منهم، لأنّهم لم يؤمنوا بالله ﷿، والله لا يقبل إلاّ من المؤمنين: \"ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر\" فدلّ هذا على كفرهم، لأنهم لم يؤمنوا بالقضاء والقدر.\nوقوله: \"ثم استدل \" إلخ.. أي: لم يقل هذا القول من عنده بل لَمّا قال هذه المقالة العظيمة، ذكر دليلَها من سنّة رسول الله ﷺ، فكلُّ مَن قال قولًا في الإسلام فلابدّ أن يذكُر دليلَه من كتاب الله أو من سنّة رسوله ﷺ، فإن لم يكن له دليل فإنْه مردودٌ عليه.","vol":"2","page":249},{"text":"ولذلك ابن عمر لَمّا ذكر هذه المقالة وهذا الجواب ذكر دليلَه من سنّة رسول الله ﷺ فقال: \"حدّثني أبي\" عمر بن الخطّاب ﵁، \"قال: بينما نحن جلوسٌ عند النّبي ﷺ إذ طلع علينا رجلٌ شديدُ سواد الشعر، شديدُ بياض الثّياب، لا يُرى عليه أثرُ السفر، ولا يعرفُه منّا أحد، فجلس إلى النّبي ﷺ، وأسند ركبتيه إلى ركبتيه\" يعني: أسند ركبتيه إلى ركبتي النّبي ﷺ مقابِلًا له جلوسَ المتعلِّم من المعلِّم، \"ووضع يديه على فخذيه\" تأدُّبًا مع رسول الله، \"وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام؟، قال: الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمدًا رسولُ الله، وتقيمَ الصلاة، وتؤتي الزّكاة، وتصوم رمضان، وتحجّ البيت إن استطعتَ إليه سبيلًا، فقال: صدقت، قال: فعجبنا له يسألُه ويصدِّقُه\"، لأن من العادة أنّ السائل لا يكون عنده علم، فكونُه قال: \"صدقتَ\"، هذا دليلٌ على أنّه كان عالمًا بالجواب.\nثم قال: \"أخبرني عن الإيمان؟، قال: الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتُبه، ورُسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدَر خيرِه وشرِّه، قال: صدقت، قال: فعجبنا له يسألُه ويصدِّقُه.\nثم قال: أخبرني عن الإحسان؟، قال: الإحسان: أن تعبُد الله كأنّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنّه يراك، قال: صدقت، فأخبرني عن السّاعة؟ \" يعني: متى قيام السّاعة؟، قال الرّسول ﷺ: \"ما المسؤولُ عنها بأعلم من السّائل\" أي: أنا لا أدري وأنت لا تدري متى تقومُ السّاعة، لأنّ هذا من علم الله ﷾ الذي اختصّ به، لا يعلمُه أحد، لا ملَك مقرّب ولا نبيٌّ مرسل، لا أفضل الملائكة وهو جبريل، ولا أفضل البشر وهو محمد ﷺ.\n\"قال: فأخبرني عن أماراتها؟ \" أي: \"علامات السّاعة التي إذا حصلت فإنّ قيام السّاعة قريب، \"قال: أن تَلِد الأَمَة ربَّتَها، وأن ترى الحُفاة العُراة العالة رعاة الشاة يتطاولون في البُنيان. قال: ثم خرج الرّجل، ولبثنا مليًَّا، ثم قال الرسول: \"اطلبوا السّائل\"، فخرجوا يطلُبونه فلم يجدوه. قال: \"هذا جبريل أتاكُم يعلِّمكم دينكم\" تمثّل صورة بشرٍ، وجاء من أجل أن يعلِّم الصّحابة دينهم عن طريق السّؤال والجواب يبنه وبين رسول الله ﷺ وهم يسمعون.","vol":"2","page":250},{"text":"والشّاهد من هذا الحديث: قولُه: \"أخبرني عن الإيمان\" وذكر في آخره: \"وأن تؤمن بالقدَر خيرِه وشرَّه\"، ذكر ستّة أركان للإيمان، وخمسة أركان للإسلام، وركنًا واحدًا للإحسان.\nفأركان الإيمان: الإيمان بالله، وهو: التصديق الجازم بوحدانيّة الله ﷾، واستحقاقِه للعبادة وحدَه لا شريك له، وذلك يشمل أنواع التّوحيد الثلاثة: الإيمان بتوحيد الرّبوبيّة، والإيمان بتوحيد الأُلوهية، والإيمان بتوحيد الأسماء والصّفات.\nفمن جحد نوعًا من هذه الأنواع لم يكن مؤمنًا بالله ﷿.\nويدخُل في ذلك: الإيمان بالقدَر، لأنّه من توحيد الرّبوبيّة، ومن أفعال الله ﷾، فهو داخلٌ في توحيد الرّبوبيّة، لكنه أفرده بالذكر تأكيدًا له.\n\"وملائكته\": تؤمن أنّ لله ملائكة، خلقهم ﷾ من نور، خلقهم لعبادته: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾، ينفّذون أوامره ﷾ في مُلكه، كلّ نوعٍ من الملائكة له عملٌ خاص في هذا الكون يأمر الله تعالى به، فمنهم من هو موكّل بالوحي، وهو جبريل ﵊، ومنهم من هو موكّل بالقطر والنّبات، وهو ميكائيل، ومنهم من هو موكّل بالنفخ في الصّور، وهو إسرافيل، ومنهم من هو موكّل بالأجنّة في البُطون- بطون الأُمّهات-، وهو الملك الذي يأتي إلى الجنين في بطن أُمِّه حينما يكمل الشهر الرّابع فينفخ فيه الرّوح، ثم يُؤمر بأربع كلمات: بكتْب رزْقِه، وأجلِه، وعملِه، وشقيٌّ أو سعيد.\nومنهم من هو موكّل بحفظ أعمال بني آدم خيرِها وشرِّها، وكتابتها: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾ .\nومنهم من هو موكّل بحفظ بني آدم من المؤذيات: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ﴾ .\nإلى غير ذلك من الأعمال التي لا يعلمُها إلاّ الله ﷾.\nفالإيمان بالملائكة من الإيمان بالغيب، لأننا لا نراهم ولكن الله أخبرَنا عنهم وأخبرنا عنهم رسولُه ﷺ، فنحنُ نؤمن بهم.\nومن لم يؤمن بالملائكة أو لم يؤمن ببعضهم؛ فإنّه كافرٌ بالله ﷿.","vol":"2","page":251},{"text":"\"وكتبه\" وهي: الكتب التي أوحاها الله تعالى إلى رُسله، مثل: التوراة والإنجيل والقُرآن والزَّبور، وصحف إبراهيم، إلى غير ذلك من الكتب التي ينزّلها الله على رسله بواسطة جبريل﵊-، فيها أوامرُ الله ﷾ ونواهيه، وفيها إصلاح البشريّة.\nفمن لم يؤمن بالكتب من أوّلها إلى آخرها فإنّه كافر: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦)﴾، فلابدّ من الإيمان بجميع الكُتب.\nفمن لم يؤمن بالكتب أصلًا وهم الدهريّون والوثنيّون فهم أكفرُ الخلْق.\nومن آمن ببعض الكتب وكفر ببعضها كاليهود والنصارى فهم كفّار أيضًا.\nإنّما الإيمان هو: الإيمان بجميع الكتب من أوّلها إلى آخرِها: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ .\nفالذي يكفُر بكتابٍ واحد من كتب الله يكون كافرًا بالجميع.\n\"ورسله\" كذلك يجب الإيمان بجميع الرّسل من أوّلهم إلى آخرهم، من سمّى الله منهم ومن لم يسمِّ، نؤمن بجميع الرّسل- عليهم الصّلاة والسلام-.\nفمن آمن ببعضهم وكفرَ ببعضهم فهو كافرٌ بالجميع، كحالة اليهود والنصارى الذين يكفُرون بمحمّد ﷺ، واليهود يكفُرون بعيسى وبمحمَد- عليهما الصّلاة والسّلام-.\nوكذلك من لم يؤمن بالرّسل أصلًا كالوثنيين والدهريّين والملاحدة: أغرقُ في الكفر وأبعد في الكفر -والعياذ بالله-.\n\"واليوم الآخر\" يوم القيامة، يجب الإيمان باليوم الآخِر، وهو: ما بعد الموت ممّا أخبر الله تعالى به وأخبر به رسولُه ﷺ من أحوال البَرْزَخ، ثم البعث والنُّشور، والقيام من القُبور، ثم الوُقوف في المحشَر، ثم الحساب، ثم الميزان، ثم تطايُر الصحُف فالمؤمن يأخُذ كتابه بيمينِه وغير المؤمن يأخذ كتابه بشمالِه، ثم المُرور على","vol":"2","page":252},{"text":"الصّراط، ثم الاستقرار في الجنّة أو في النّار، هذا كلُّه يشمله الإيمان باليوم الآخِر.\nفمن لم يؤمن باليوم الآخر فإنّه ولو امن بالله وملائكته وكتبه ورسله إذا جحد البعث واليوم الآخر كان كافرًا بالجميع.\n\"وتؤمن بالقدر\" هذا هو محلّ الشّاهد، وهو أن تؤمن بقضاء الله وقدره، وأنّه لا يجري في هذه الكون شيءٌ إلاّ وقد علمه الله في الأزَل وكتبه في اللّوح المحفوظ وشاءه وأراده ﷾ ثم خلقَه وأوجَدَه.\nفالإيمان بالقضاء والقدر يتضمن أربع مراتب:\nالمرتبة الأولى: الإيمان بعلم الله الأزَلي بكل شيء، وأنّه يعلم ﷾ ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، كلُّ ذلك يعلمُه الله سبحانه، لا يخفى عليه شيء: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، ﴿أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾، والله جل وعلا لا يخفى عليه شيءٌ في الأرض ولا في السماء: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ (٥)﴾، ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣)﴾ فالإيمان بأنّ الله عالمُ بكلّ شيء لابدّ منه. ومن جحد علمَ الله فهو كافر.\nالمرتبة الثانية: أن الله كتب في اللّوح المحفوظ كلّ شيء. فالذي يُنكر الكتابة في اللّوح المحفوظ لم يكن مؤمنًا بالله ﷾ ولم يكن مؤمنًا بالقدَر.\nالمرتبة الثالثة: إرادة الله ومشيئتُه للأشياء، فكل شيء يقع ويوجد فهو بإرادة الله.\nالمرتبة الرّابعة: خلْق الأشياء، فكلّ شيء في هذا الكون فهو من خلْق الله سبحانه ﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾، ﴿اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)﴾، فكلّ شيء في هذا الكون فهو من خلْقه ﷾، من خيرٍ أو شر، من كفرٍ وإيمان، طاعة ومعصية، غنىً أو فقر، مرض أو صحّةً، حياة أو موت، إلى غير ذلك.\nلكنِ الشر بالنسبة إليه لا يكون شرًَّا، لأنّه خلقه لحكمة ووضعه في موضعه، فهو بالنسبة إليه ليس شرًَّا، وإنّما هو شرِّ بالنسبة لمن وقع عليه ومن قُدِّر عليه بذُنوبه ومعاصيه، فإنّه شرٌّ بالنسبة للمحلّ الذي يقع عليه، أما بالنسبة لله فهو خير، لأنّه عدلٌ منه سبحانه.","vol":"2","page":253},{"text":"فالحاصل؛ أنّ كل ما يقع في هذا الكون فهو عدلٌ ورحمةٌ وخيرٌ من الله ﷾ وإنْ كان ضررًا وعقوبةً وشرًَّا بالنسبة لمن وقع عليه ذلك.\nهذه مراتب الإيمان بالقدر، وأهل السنّة والجماعة يؤمنون بها كلّها.\nأمّا القدرية النُّفاة فهم على قسمين - والعياذ بالله-:\nالقسم الأول:- وهم القدماء منهم- ويسمّون (غُلاة القدريّة): فإنّهم يُنكروا علمَ الله، ويقولون: (إنّ الله لا يعلم الأشياء قبلَ وقوعِها، إنّما يعلمها إذا وقعت وحصلت\"، ويُنكرون عِلمَ الله القديم الأزَلي بالأشياء قبلَ كونِها.\nفيكونون بذلك: قد كفروا وخرجوا من الملّة، لأنهم أنكروا علم الله ﷾، ومن أنكر علم الله فهو كافر.\nالقسم الثاني: من يقرّ بعلم الله الأزليّ، لكن يقول: إنّ الله لم يقدِّر هذه الأشياء وإنّما النّاس هم الذين يفعلونها ويستقلّون بإيجادها وخلقها، كلٌّ يخلق فعل نفسه وهؤلاء أخفّ من الأوّلين، لكنّهم ضلاّل، لأنّهم أنكروا خلق الله، وهم متأخِّروا القدرية.\nولذلك سمّوا (مجوس هذه الأمة)، لأنّ المجوس يقولون: \"إنّ الكون له خالقَان: خالق الخير والشر\".\nوالمعتزلة الذين يقولون: \"إنّ الله لم يخلق أفعال العباد، وإنّما هم الذين خلقوها\"، أثبتوا خالقِيْن كثيرين، وصاروا شرًّا من المجوس، لأنّ المجوس إنّما أثبتوا خالقَيْن وهؤلاء أثبتوا خالقِيْن كثيرين.\nولا يجوز للمسلم أن يدخل في تفاصيل القدر ويفتح على نفسه باب الشُّكوك والأوهام، بل يكفيه أن يؤمن بالقدَر كما أخبر الله ﷾ وكما أخبر رسولُه ﷺ أنّ كلَّ شيء بقضاء الله وقدره، ولا يدخل في التفاصيل والأسئلة: لماذا كذا ولماذا كذا، لأنّه لن يصل إلى نتيجة، لأنّ الأمر كما يقول عبد الله بن عبّاس- رضي الله تعالى عنهما-: \"القدر سِرُّ الله \" سِرٌّ لا يعلمه إلاّ الله ﷾.\nفالواجب علينا: أن نؤمن به، ولا ندخل في تفاصيله، بل نكتفي بالإيمان به على ما جاء في الدليل من كتاب الله وسنّة رسوله.","vol":"2","page":254},{"text":"وعن عبادة بن الصامت؛ أنه قال لابنه: يا بني، إنك لن تجد طعم الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك.\nــ\nوعلينا العمل بطاعة الله وامتثال أمره واجتناب نهيه. هذا الذي كلّفنا به، ولم نكلّف بالبحث عن القدر، ولا نترك العمل ونقول: ما قُدّر لنا فسيحصل.\nلذلك لَمّا أخبر النّبي ﷺ أنّ كلّ أحد مقرّرٌ مكانه من الجنّة أو من النّار قالوا: يا رسول الله إلاَ نتكل على كتابنا؟، قال ﷺ: \"اعملوا فكلّ ميسّر لِمَا خُلِق له\"، وأنزل الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)﴾ .\nفأنت المطلوب منك: العمل والإيمان بالقضاء والقدر، وأنت قادرٌ على العمل، وممكّنٌ من العمل، فعليك أن تعمَل الخير وتترك الشّر، وتتوب من السيّئات وتكثر من الحسنات، هذا المطلوب منك، أمّا البحث في هذه الأمور التي لا يعلمها إلاّ الله ﷾ والدّخول في هذه المخاصمات فهذا يؤدِّي إلى الضّلال ويؤدِّي إلى التِّيه، لأنّ الله ﷾ لم يطلُب منّا هذه الأشياء، وإنّما أمرنا بالعمل، هذا الذي أمرنا الله به، أمرنا بالإيمان وأمرنا بالعمل، هذا المطلوب من المسلم.\nقوله: \"وعن عُبادة بن الصّامت\" الصحابي الجليل، من السّابقين الأوّلين إلى الإسلام، وأحد النقباء المعروفين.\n\"أنه قال لإبنه\" وهو الوليد بن عُبادة بن الصامت قال له ذلك عند وفاته لما قال له ابنه الوليد: يا أبت أوصني، فقال: أقعدوني، فأقعدوه، فقال هذا الحديث في القدر.\n\"يا بني\" (يا): هذه حرف نداء، و(بُني) تصغير (ابن)، وذلك من أجل العطف والشَّفقة، مثل قول لقمان: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾، فالأب يوصي أولاده بتقوى الله ﷿، وبالتمسّك بالدين والعقيدة، هذا من واجب الآباء نحو أبنائهم، أن يوصوهم بتقوى الله وبإصلاح العقيدة وبالتمسُّك بالدين والأخلاق الفاضلة.","vol":"2","page":255},{"text":"سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب. فقال: رب، وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة\".\nــ\n\"إنّك لن تجد طعم الإيمان حتى تعلم أنّ ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليُصيبك\" طعم الإيمان: حلاوته ولذته، وذلك لأنّ الإنسان إذا آمن أنّ ما يجري عليه فهو بقضاء الله وقدره؛ فإنّه يستريح، لا يجزع عند المصيبة، ولا يفرح فَرَح بَطَرٍ عند النعمة، لأنّه يؤمن أنّ هذا بقضاء الله وقدره، فيرتاح ضميرُه وتطمئنّ نفسُه ولا يجزع ولا يسخط، قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)﴾، قال علقَمة: \"هو الرجل تُصيبه المصيبة فيعلم أنّها من عند الله فيرضى ويسلِّم\".\nفمن آمن بالقضاء والقدر فإنّه يجد طعم الإيمان وراحة الإيمان عند الشدائد والمصائب والمنغِّصات، فلا يكون فيه جزع ولا تسخُّط ولا تضايُق، وإنّما يؤمن أنّ هذا قضاء وقدر وأنّه لابدّ منه.\nأمّا الذي لا يؤمن بالقضاء والقدر فإنّه يُصبح في قلق وفي همْ. فإذا أصابه شيء فإنّه يجزع ويسخط ويلوم نفسَه: لماذا لم أعمل كذا؟، ليتني عملت كذا، ليتني فعلتُ كذا، ثم يُصبح في عذاب أشدّ من ألم المصيبة.\nثم قال: \"سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: \"إنّ أوَّلَ ما خلَق الله القلم، فقال له: اكتب، فقال: ربِّ، وماذا أكتبُ؟ \" القلم هو: خلق من خلق الله ﷾، لا يعلم مقداره وصفته وكيفيّته إلاّ الله ﷾، لأنّه من عالم الغيب.\nوالمكتوب فيه هو: اللوح المحفوظ، ففيه: قلم، وفيه كتابة، وفيه مكتوب فيه وهو اللّوح المحفوظ.\n\"فقال له: اكتب مقادير كلّ شيء حتى تقوم السّاعة\" فهذا فيه: أنّ كلّ ما يجري في هذا الكون فهو مكتوبٌ بالقلم- بقلم المقادير- في اللّوح المحفوظ، من أوّل الخلق إلى آخر الخلق، حتّى تقوم السّاعة، لا يخرُج عن هذا شيءٌ في هذا الكون أبدًا، لا في الماضي ولا في الحاضر ولا في المستقبل، لا من الخير ولا من الشّر، لا من المحبوب ولا من المكروه، كلّه مكتوبٌ ولابدّ أن يقع.","vol":"2","page":256},{"text":"يا بني، سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"من مات على غير هذا فليس مِنِّي \".\nــ\nوقوله ﷺ: \"إنّ أوّل ما خلق الله القلم\" يدلّ بظاهره على أنّ القلم أوّل المخلوقات، ولكن هناك أحاديث تدلّ على أنّ العرش هو أوّل المخلوقات مثل حديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: \"كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألفَ سنة وكان عرشُه على الماء\"، وكذلك في حديث عِمران بن حُصين في \"الصحيحين\" وغيرهما ما يدلّ على أنّ أوّل المخلوقات هو العرش، وهذا الحديث دلَّ على أن أوّل المخلوقات هو القلم، فكيف الجمع بين الأحاديث؟.\nاختلف العلماء في ذلك على قولين:\nالقول الأوّل: أنّ أوّل المخلوقات هو العرش، وأنّ القلم خُلق بعده، فيكون قوله ﷺ: \"إنّ أوّل ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب\" \" أن الكتابة متعقِّبة لخلق القلم، فهي جارية من أوّل ما خلق الله القلم.\nوالقول الثّاني: العمل بظاهر هذا الحديث، وأنّ القلم هو أوّل المخلوقات مطلقًا، قبل العرش، لأنّ هذا هو ظاهر هذا الحديث، وهذا قولٌ لجمعٍ من أهل العلم.\nولكن الراجح الذي رجّحه شيخُ الإسلام ابن تيمية وابن القيِّم وغيرُها هو: أنّ العرش هو أوّل المخلوقات، وأنّ القلم بعده١.\nثم قال عُبادة ﵁: \"يا بُني سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"من مات على غيرِ هذا فليس مِنِّي\" \" من مات على غير الإيمان بالقضاء والقدر ولم يتب إلى الله ﷾ قبل موته فإنّ محمدًا ﷺ بريءٌ منه. فهذا وعيدٌ شديد حيث تبرّأ منه رسولُ الله ﷺ.\n_________\n١ قال ابن القيم:\nوالنّاس مختلفون في القلم الذي ... كتب القضاء به من الديان\nهل كان قبل العرش أو هو بعده ... قولان عند أبي العلا الهمذاني\nوالحق أن العرش كان قبل لأنه ... وقت الكتابة كان ذا أركان","vol":"2","page":257},{"text":"وفي رواية لأحمد: \"إن أوّل ما خلق الله تعالى القلم، فقال له: اكتب. فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة\".\nوفي رواية لابن وهب: قال رسول الله ﷺ: \"فمن لم يؤمن بالقدر خيره وشره؛ أحرقه الله بالنار\".\nوفي \"المسند\" و\"السنن \" عن ابن الديلمي؛ قال: \"أتيت أبيّ بن كعب فقلت: في نفسي شيء من القدر، فحدثني بشيء لعل الله يذهبه من قلبي.\nــ\nقال: \"وفي رواية لأحمد: \"إنّ أوّل ما خلق الله تعالى القلم، فقال له: اكتب. فجرى في تلك الساعة بما هو كائنٌ إلى يوم القيامة\" \" رواية أحمد مثل رواية أبي داود والترمذي، وفيها: أنّ الله جل وعلا أمر القلم عندما خلقه أن يكتب مقادير الأشياء، إلاّ أنّ لفظة رواية أحمد: \"إلى يوم القيامة\"، والرواية التي قبلها: \"إلى أن تقوم الساعة\" والمعنى واحد، الساعة ويوم القيامة بمعنىً واحد، ولكن هذا من باب التأييد للروايات بعضها ببعض.\n\"ولابن وهب\" عبد الله بن وهب: الإمام المحدِّث، من أصحاب الإمام مالك، توفّي على رأس المائة الثّانية، وله مؤلّفات مشهورةٌ في الحديث والرّواية.\nقال رسول الله ﷺ: \"فمن لم يؤمن بالقدر خيره وشره أحرقه الله بالنّار\" هذا نوعٌ آخر من الوعيد، وهو أنّ من أنكر القضاء والقدر فإنّ الله يُحرقه بالنّار، فدلّ على أنّ الإيمان بالقضاء والقدر أمرٌ واجب، وأنّ إنكاره موجبٌ لدخول النّار إمّا لكفره وإمّا لبدعته، فالمنكر للقضاء والقدر إنْ كان مع هذا يجحد علم الله جل وعلا فهذا كفر كما عليه غُلاة القدرية، لأنّهم ينكرون علم الله جل وعلا، ويقولون: \"إنّ الله لا يعلم الأشياء إلاّ إذا وقعت، والأمرُ أُنُف\" يعني: مستأنَف لم يسبق له تقديرٌ ولا علم، هذا كفرٌ صريح.\nأمّا إن كانوا يقرّون بالعلم ويُنكرون القدر فهذا بدعة شنيعة والعياذ بالله، قد تقرُب من الكفر، وهو ما عليه متأخِّروهم.\nقال: \"وفي المسند والسنن\" المسند هو: \"مسند الإمام أحمد\"، والمراد بالسنن هنا: \"سنن أبي داود\" و\"سنن ابن ماجه\".","vol":"2","page":258},{"text":"فقال: لو أنفقت مثل أحد ذهبًا ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولو متّ على غير هذا لكنت من أهل النار.\nــ\n\"عن ابن الدَّيْلَمي\" ابن الدَّيْلَمي هو: عبد الله بن فَيْرُوز الدَّيْلَمي، أحد كبار التّابعين، وأبوه فيروز الذي قتل الأسود العَنْسي الذي ادّعى النبوّة في اليمن، والديلمي نسبة إلى جبل الدَّيْلَم في بلاد فارس، فأصلُه فارسيّ، ممّن جاءوا إلى اليمن من الفُرس، وأسلم وحسُن إسلامُه، وابنُه من كبار التّابعين والأئمّة المشهورين ﵀.\nقال: \" أتيتُ أُبيَّ بن كعب\" الأنصاري، الصحابيّ الجليل، أقرأ الصّحابة لكتاب الله ﷿.\n\"فقلتُ: في نفسي شيءٌ من القدَر\" هكذا طلبةُ العلم الذين يبحثون عن الحقيقة، ويبحثون عن العلم النّافع إذا أشكل عليهم شيء، لا يَعْتَمدون على رأيِهم، وإنّما يرجعون إلى أهل العلم، فهذا ابن الدّيلمي رجع إلى الصّحابة لَمّا أشكل عليه أمرُ القدر.\n\"فحدِّثني بشيء\" يعني: أخبرني بشيء عن رسول الله ﷺ، لأنّ أُبيّ بن كعب من خواصّ صحابة الرّسول ﷺ.\n\"لعلّ الله أن يُذهبُه من قلبي\" هذا دليلٌ على أنّ الإشكال يزول بالعلم، وعلى أن الوساوس تزول بالعلم النّافع، لا شفاء لها إلاّ العلم، والعلم إنّما يطلب عند أهله، لا يطلب من المتعالمين والمبتدئين والصحافيّين الذين يعتمدون على قراءة الكتب، هؤلاء قُرّاء، وليسوا علماء، وما يُخطئون فيه أكثر ممّا يصيبون، فلابدّ من الرّجوع إلى أهل العلم الرّاسخون في العلم.\n\"فقال: لو أنفقتَ مثل أُحدٍ ذهبًا ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدَر\" لأنّ العمل وإن كان جليلًا فإنّه لا يُقبل إلاّ إذا صحّت العقيدة، ومن صحّة العقيدة: الإيمان بالقضاء والقدر، لأنّه من أركان العقيدة، كما مرّ في حديث عمر بن الخطّاب في سؤالات جبريل للنّبي ﷺ.\n\"وتعلم أنّ ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليُصيبك\" الله","vol":"2","page":259},{"text":"قال: فأتيت عبد الله بن مسعود وحذيفة بن اليمان وزيد بن ثابت؛ فكُلُّهم حدثني بمثل ذلك عن النّبي ﷺ \"حديث صحيح، رواه الحاكم في \"صحيحه\".\nــ\nأكبر!، تطابقت كلمة أبيّ بن كعب مع كلمة ابن عمر ومع كلمة عُبادة بن الصّامت - رضي الله عن الجميع-، لأنّهم يأخذون من مصدر واحد وهو سنّة رسول الله ﷺ، ولا يقولون شيئًا من عند أنفسهم.\n\"ولو مِتّ على غير هذا لكنتَ من أهل النار\" هذا- أيضًا- مطابِق لحديث رسول الله ﷺ الذي مرّ قريبًا: \"من لم يؤمن بالقدر خيره وشره أحرقه الله بالنّار\".\nقال: \"فأتيت عبد الله بن مسعود وحذيفة بن اليمان وزيد بن ثابت \" هؤلاء أقطاب من أقطاب العلم، من صحابة رسول الله ﷺ.\nويُروى: أنّ أُبيّ بن كعب أحاله إلى عبد الله بن مسعود، ولَمّا أجابه عبد الله بن مسعود أحاله على حُذيفة بن اليمان، ولَمّا أجابه حُذيفة بن اليمان أحاله على زيد بن ثابت، فكلّ واحد منهم يُحيلُه على أخيه لأجل أن يزول ما في قلبِه.\nيقول ابن الديلمي: \"فكلهم حدّثني بمثل ذلك عن النّبي ﷺ\" أنّ الإيمان بالقضاء والقدر أمرٌ لابدّ منه، ولا يقبل الله من أحدٍ عملًا إلاّ به، ومن لم يؤمن به فهو من أهل النّار، نسأل الله العافية والسّلامة.\nفيُستفاد من هذه الأحاديث التي أوردها المصنِّف ﵀ في هذا الباب فوائد عظيمة:\nالفائدة الأولى: وُجوب الإيمان بالقضاء والقدر، وأنّ ذلك من أركان الإيمان الستّة.\nالفائدة الثانية: أنّ الله ﷾ كتب مقادير الأشياء في اللوح المحفوظ بعد علمه بها ﷾ أزَلًا، ففيه: ثُبوت كتابة القدر في اللّوح المحفوظ.\nالفائدة الثالثة: أنّ القلم من أوّل المخلوقات، وهل هو قبل العرش أو بعده؟، على القولين السّابقين، والرّاجح: أن العرش هو السّابق.\nالفائدة الرابعة: أنّ من لم يؤمن بالقضاء والقدر فهو إمّا كافر وإمّا مبتدع، إمّا كافر إنْ كان ينكر العلم، أو مبتدع إنْ كان لا يُنكر العلم، وذلك لأُمور:","vol":"2","page":260},{"text":"أوّلًا: أنّ الله لا يقبَلُ منه النفقة في سبيله ولو كثرت.\nثانيًا: براءة الرّسول ﷺ منه.\nثالثًا: أنّ الله توعّده بالنّار: \"أحرقه الله بالنّار\"، \" لو مِتّ على غير هذا لكنت من أهل النّار\".\nفهذه الأمور الثلاثة كلّها تدلّ على شناعة إنكار القضاء والقدر.\nالفائدة الخامسة: في الحديث دليلٌ على وُجوب الرُّجوع إلى أهل العلم عندما يعرِض للإنسان مشكِلة، فإنّها لا تزول إلاّ بالرجوع إلى أهل العلم، وذلك لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ .\nالفائدة السادسة: في هذه الأحاديث دليلٌ على أنّ أهل العلم لا يقولون إلاّ بما دلّ عليه الدّليل من كتاب الله وسنّة رسوله ﷺ، فابن عمر استدلّ بالحديث الذي رواه أبوه في دخول جبريل على النّبي ﷺ وسؤاله إيّاه، وفي آخره: \"وتؤمن بالقدر خيرِه وشرِّه\"، وحذيفة بن اليَمان يقول: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: \"من مات على غير هذا فليس مِنِّي\".\nكذلك الصّحابة الذين ذهب إليهم ابنُ الدّيلمي، وهم: أُبيّ بن كعب، وعبد الله بن مسعود، وحذيفة بن اليَمان، وزيد بن ثابت، كلُّهم يحدِّثون عن رسول الله ﷺ، فدلّ على أنّ أهلَ العِلم إذا أفتوا بفتوى أو قالوا مقالًا أو أجابوا بإجابة علميّة أنّهم يُسندونها إلى الدّليل من كتاب الله ومن سنّة رسولِه ﷺ، لاسيّما إذا كانت من أُمور العقائد، فإنّ العقائد توقيفيّة لا يصلُح فيها شيءٌ من الاجتهاد، وإنّما هي أمورٌ توقيفيّة.","vol":"2","page":261},{"text":"[الباب الواحد والستون:]\n* باب ما جاء في المصورين\nــ\nهذا الباب عقده المصنِّف ﵀ في \"كتاب التّوحيد\" لأنّ التصوير سببٌ من أسباب الشّرك، ووسيلةٌ إلى الشّرك الذي هو ضدّ التّوحيد، كما حدث لقوم نوح لَمّا صوّروا صور الصالحين ونصبوها في مجالسهم وآل بهم الأمر إلى أنْ عبدوهم من دون الله، فأوّلُ شركٍ حصل في الأرض كان بسبب الصور وبسبب التّصوير.\nوكذلك قوم إبراهيم الذين بعث إليهم الخليل﵊- كانوا يعبدون التماثيل التي هي صور مجسّمة لذوات الأرواح، وكذلك بنو إسرائيل عبدوا التمثال الذي هو على صورة عجل صنعه لهم السامري.\nفدلّ هذا: على أنّ التصوير سببٌ لحُدوث الشرك ووسيلةٌ إلى الشّرك، وذلك أنه إذا صنعت الصورة وعلِّقت أو نُصبت وهي صور للزُّعماء والصّالحين والعلماء فإنّها في النهاية تعظُّم، ثم الشيطان يأتي النّاس ويقول لهم: إنّ هذه الصور فيها نفعٌ لكم، وفيها دفعُ ضرر، فيعظِّمونها ويتبرّكون بها، ويذبحون لها وينذرون لها، حتى تُصبح أوثانًا تعبد من دون الله.\nفلهذا السبب عقد المصنِّف ﵀ هذا الباب في \"كتاب التّوحيد\"، لأنّ هذا الكتاب في بيان التّوحيد وبيان الشرك ووسائل الشرك، ومن أعظم وسائل الشرك وأسبابِه التّصوير ونصب الصور وتعليقها.\nفقوله ﵀: \"باب ما جاء في المصوِّرين\" يعني: من الوعيد الشديد والنّهي والزّجر عن ذلك.\nقال: \"عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"قال الله تعالى\"\" مثل هذا الحديث الذي يرويه النّبي ﷺ عن ربّه يسمّى بالحديث القُدْسي، نسبةً إلى القدس وهو الطهر، لأنّه من كلام الله ﷾ الذي رواه عنه رسوله ﷺ.\nوالأحاديث القدسيّة معروفة عند أهل العلم، وأُلِّفتْ فيها مؤلّفات، جُمعت فيها الأحاديث القدسيّة، منها ما هو صحيح، ومنها ما هو دون ذلك.\nوهذا الحديث من الأحاديث القدسيّة الصحيحة لأنّه في \"الصحيحين \".","vol":"2","page":262},{"text":"عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"قال الله تعالى: ومن أظلم ممّن ذهب يخلُق كخلقي؛ فليخلقوا ذرّة، أو ليخلُقوا حبّة، أو ليخلُقوا شعيرة\" أخرجاه.\nــ\nفقوله: \"قال الله تعالى\" هذا فيه إثبات الكلام لله ﷿، وأنّه يقول ويتكلّم كما يليق بجلاله ﷾، ليس ككلام المخلوق، وإنّما هو كلام الخالق جل وعلا.\n\"ومن أظلم ممّن ذهب يخلق كخلقي\" هذا استفهام إنكار بمعنى النفي، أي: لا أحد أشدُّ ظلمًا من المصوِّر، مثل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا﴾، ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْأِسْلامِ﴾ أي: لا أحد اظلم من هذا، فهو أظلمُ الظّالمين.\nقوله تعالى: \"يخلُق كخلقي\" يعني بذلك المصوِّر، لأنّ المصور يحاول أن يوجد صورة تشبه الصورة التي خلقها الله ﷾، لأنّ الله جل وعلا تفرّد بالخلْق، وتفرّد بالتّصوير: ﴿هُوَ اللهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾، ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾، ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾، فالله جل وعلا هو المصوِّر، فالذي يحاول أن يضع شكلًا يشبه الصورة التي خلقها الله جل وعلا يجعل نفسَه شريكًا لله في التّصوير، ولهذا يجعل الصورة على شكل المصوِّر من إنسان أو حيوان، فيجعل لها رأسًا ووجهًا وعينين وأنفًا وشفتين وأُذنين ويدين ورجلين، ثم يلوِّنُها بالتلوينات إذا كانت رسمًا، وإن كانت بناءً فإنّه يبني تمثالًا مكوّنًا من أعضاء وتقاطيع يحاولُ بها مشابهة خلق الله ﷾ ومشاركة الله جل وعلا فيما اختصّ به وتفرّد به، فإنّ الله جل وعلا هو الخالق وحدَه، لا أحد يخلُق غيرُه: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ .\nهو يستطيع أن يرسم شكلًا أو يبني تمثالًا، ولكنّه لا يستطيع أن يجعله حيًَّا متحركًا عاقلًا مفكِّرًا يأكُل ويشرب ويعمل كما يعمل خلقُ الله ﷾: ﴿هَذَا خَلْقُ اللهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ .\nوقوله: \"فليخلقوا ذرة\" هذا أمر تعجيز وتحدٍّ، وهو تحدٍّ قائم إلى يوم القيامة.","vol":"2","page":263},{"text":"ولهما عن عائشة ﵂، أن رسول الله ﷺ قال: \"أشدُّ النّاس عذابًا يوم القيامة الذين يضاهئون بخلق الله \".\nــ\n\"أو ليخلُقوا حبّة\" حبّة من النّبات: حبّة بُرّ أو دخن أو غير ذلك من الحبوب.\n\"أو ليخلُقوا شعيرة\" أي: حبّة شعير، هم يستطيعون أن يعملوا صورة حبّة، صورة شعيرة، صورة ذرّة، لكن لا يستطيعون أن يجعلوا فيها الخواصّ التي يجعلها الله في هذا المخلوق، وإنّما عمله أن يستطيع أن يجعل مجرّد شكل ورسم أو تمثال فقط.\nقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾، فالله وحده يجعل حبّة فيها خصائص الحبّة من الحياة والنموّ والطعم، لأنّ الحبّة فيها حياة، ولذلك إذا بُذِرَتْ نبتَتْ، وتسمّى حياة نموّ، أمّا حياة الحيوان فإنّها تسمّى حياة حركة، فالحياة على قسمين: حياةُ حركة، وهذه في ذوات الأرواح، وحياةُ نموّ وهي في الحبُوب والبُذور التي جعلها الله ﷾ لإنباتِ الأشياء.\nولو أن هذا الإنسان الذي يسمّونه الفنّان صرف جهده لأشياء نافعة، صرف جهده لاختراع، صناعة تنفع، ينفع نفسه وينفع النّاس بها لكان هذا عملًا جيِّدًا، ومع النيّة والإيمان يكون عبادة ويؤجَرُ عليها.\nأمّا أنْ يصرف جُهده ووقته وتعلُّمه في إيجاد هذه الصور ونحت هذه الصور فهذا عبثٌ فارغ وعملٌ محرّم، وهو ملعون على لسان رسول الله ﷺ، وهو أشدّ النّاس عذابًا يوم القيامة، فبئسما اختار لنفسه من هذا الفنّ الممقوت.\n\"أخرجاه\" أي: أخرجه البخاري ومسلم- رحمهما الله-.\n\"ولهما\" أي: البخاري ومسلم: \"أشدّ النّاس عذابًا يوم القيامة الذين يضاهئون بخلق الله \".\nقوله ﷺ: \"أشدّ النّاس عذابًا يوم القيامة\" في الحديث الأوّل: \"ومن أظلم\"، وفي هذا أنّهم أشدّ النّاس عذابًا يوم القيامة، فيدلّ على أنّ التصوير حرامٌ مغلّظ التحريم وأنّه كبيرة من كبائر الذُّنوب، فهذا الذي يعتبرونَه فنًَّا ويتعلّمونه ويتفاخرون به هو أعظم الذُّنوب.","vol":"2","page":264},{"text":"ولهما عن ابن عبّاس: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"كلُّ مصوِّرٍ في النّار، يُجعل له بكلّ صورة صوّرها نفسٌ يعذّب بها في جهنّم \".\nــ\nوهم أشدّ النّاس عذابًا يوم القيامة إن لم يتوبوا إلى الله ﷿.\n\"الذين يضاهئون بخلق الله\" \"يضاهئون\" يعني: يحاولون أنْ يوجدوا صورة تشبه خلق الله ﷾، فالمضاهاة معناها: المشابهة، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾ يعني: يشابهون من سبقهم من الكُفّار.\nفهذا فيه: بيان علّة تحريم التصوير؛ أنّ فيه مضاهاة لخلق الله تعالى وإساءة أدب مع الله ﷿.\nقال: \"ولهما عن ابن عبّاس: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"كلُّ مصوِّرٍ في النّار، يُجعل له بكلّ صورة صوّرها نفسٌ يعذّب بها في جهنّم\".\nهذا الحديث- أيضًا- فيه وعيدٌ شديد؛ فقوله: \"كلّ مصوّر\" هذا يشمل جميع أنواع التصوير، سواءً كان نحتًا وتمثالًا، وهو ما يسمّونه: مجسّمًا، أو كان رسمًا على ورق، أو على لوحات، أو على جُدران، أو كان التقاطًا بالآلة الفوتوغرافية التي حدَثت أخيرًا، لأنّ من فعل ذلك يسمّى مصوِّرًا، وفعله يسمّى تصويرًا، فما الذي يخرج التصوير الفوتوغرافي كما يزعم بعضهم.\nفما دام أنّ عمله يسمّى تصويرًا فما الذي يُخرِجُه من هذا الوعيد؟.\nوكذلك قوله: \"بكل صورة صوّرها\" عامٌّ أيضًا لكل صورة أيًّا كانت، رسمًا أو نحتًا، أو التقاطًا بالآلة، غاية ما يكون أنّ صاحب الآلة أسرع عملًا من الذي يرسُم، وإلا فالنتيجة واحدة، كلٌّ من هؤلاء قصده إيجاد صورة، فالذي ينحت أو يبني التمثال قصده إيجاد صورة، والذي يرسم قصده إيجاد صورة، والذي يلتقط بالكاميرا قصده إيجاد الصّورة، لماذا نفرّق بينهم والرّسول ﷺ يقول: \"كلُّ مصوِّرٍ في النّار؟ \"، ما هو الدليل المخصص إلاّ فلسفة يأتون بها، وأقوالًا يخترعونها يريدون أن يخصّصوا كلام الرّسول ﷺ برأيهم، والمحذور الذي في الصور الفوتوغرافية والتمثاليّة أو المرسومة هو محذور واحد، وهو أنّها وسيلةٌ إلى الشرك، وأنّها مضاهاةٌ لخلق الله تعالى، كلٌّ منهم مصوِّر، والنتيجة واحدة، والمقصود واحد، فما الذي","vol":"2","page":265},{"text":"يخصّص صاحب الآلة عن غيره؟، إن لم يكن صاحب الآلة أشد، لأنّ صاحب الآلة يأتي بالصورة أحسن من الذي يرسم، فهو يحمّضُها ويلوّنُها، ويتعب في إخراجها حتى تظهر أحسن من التي تُرسم، فالمعنى واحد، ولا داعي لهذا التكلُّفَ أو هذا التمحُّل في التفريق بين الصور.\nومعلومٌ أنّ كلام الله وكلام رسوله ﷺ لا يجوز أن يخصّص إلاّ بدليل من كلام الله أو كلام رسوله، لا باجتهادات البشر وتخرُّصات البشر وفلسفات البشر، هذا مردود على صاحبه، وهذا معروف من أُصول الحديث وأُصول التفسير أنّ العامّ لا يخَصَّص إلاّ بدليل، ولا يخصّص العامّ باجتهادات من النّاس يقولونها، هذه قاعدة مسلّمةٌ مجمَعٌ عليها، فما بالُهم تغيب عنهم هذه القاعدة ويقولون: \"إن التصوير بالآلة الفوتوغرافية لا يدخل في الممنوع\" إلى آخره؟، كلّ هذا كلام فارغ لا قيمة له عند أهل العلم وعند الأُصوليّين. القواعد الأُصولية تأبى هذا كلّه، وهم يعرفون هذا، ولكن- سبحان الله- الهوى والمغالَطة أحيانًا يذهبان بصاحبهما مذهبًا بعيدًا.\nيقول الرسول ﷺ: \"كل مصوِّرٍ في النّار\" ويأتي فلان ويقول: \"لا، المصوِّر بالفوتوغرافي ليس في النّار\".\nوقوله: \"يُجعل له بكلّ صورة صوّرها نفسٌ يعذّبُ بها في جهنّم\" أي: كلّ صورة صوّرها بأي وسيلة إمّا بنحت وإمّا برسم وإمّا بالتقاطٍ بالآلة الفوتوغرافية، كثرت الصور أو قلّت، تحضر هذه الصور التي صوّرها يوم القيامة، ويُجعل في كل صورة نفس يعذّب بها في جهنّم، هذه الصور تصلاه بالعذاب يوم القيامة، كما أنّ صاحب المال الذي لا يزكِّيه يجعل الله مالَه ثُعبانًا يوم القيامة- أو في القبر- فيسلِّطُه عليه: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، كذلك الصور هذه تجعل فيها نفوس وتسلّط عليه تعذّبه في نار جهنّم، فما بالُكم بالذي صنع آلات الصّور؟، سيعذّب بها يوم القيامة- والعياذُ بالله- كلِّها. وهل يخلصه الذي يقول: الصورة الفوتوغرافية لا يعذب بها.\nوقوله ﷺ: \"يُجعل له بكل صورة \" قيل: إنّ الباء سببيّة، أي: بسبب كلّ","vol":"2","page":266},{"text":"ولهما عنه مرفوعًا: \"من صوّر صورة في الدنيا؛ كُلِّف أن ينفُخ فيها الروح، وليس بنافخ \".\nولمسلم عن أبي الهيّاج قال: قال لي عليّ: \"ألا أبعثُك على ما بعثني عليه رسولُ الله ﷺ؟: أن لا تدع صورةً إلاّ طمستها، ولا قبرًا مشرِفًا إلاّ سوّيتَه\".\nــ\nصورة، وقيل: إنّ الباء بمعنى (في)، أي: في كل صورة نفس يعذب بها.\nقوله: \"ولهما عنه مرفوعًا: من صوّر صورة \" هذا نوعٌ آخر من الوعيد.\n\"كُلِّف أن ينفُخ فيها الرّوح، وليس بنافخ\" أي: تحضّر الصور كلّها التي صنعها، ويؤمر بأن ينفخ فيها الأرواح، وهل يستطيع أن ينفخ الأرواح؟، ولكن هذا من باب التعجيز والعذاب، بأن يُحمّل ما لا يستطيع وما لا يُطيق- والعياذ بالله- فيطولُ عذابُه.\nولولا أنّ في التصوير خُطورة وفيه فتنة لَمَا رأيتُم فتنة النّاس به وكثرتُه، لأنّ الشيطان يحثّ عليه ويحرِّض عليه، لأنّ فيه ضررًا على بني آدم، فهو يحثُّهم على فعله وعلى صنعتِه من أجل أن يتحمّلوا هذه الأوزار\n- والعياذُ بالله-.\nوتتلخص أنواع الوعيد التي وردت في حق المصور فيما يلي: أنه لعنه ﷺ أنه أشد النّاس ظلمًا، أنه أشد النّاس عذابًا، أنه يجعل له بكل صورة صوّرها نفس يعذب بها في النار، أنه يكلّف نفخ الروح بكل صورة صوّرها ويقال له: أحي ما خلقت؟.\nقوله: \"عن أبي الهيّاج\" الأسدي: تابعيّ جليل، وهو كاتب أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ﵁.\n\"قال: قال لي عليّ: \"لا أبعثُك\" أي: أُرسلك.\n\"على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ؟ \" أي: أرسلني إليه رسولُ الله ﷺ وكلّفني به، فعليّ ﵁ يريد أن يكلِّف أبا الهيّاج بهذه المهمة التي كلّفه بها رسولُ الله ﷺ.\n\"أن لا تدع صورةً\" \"صورة\" نكرة في سياق النفي، فتعُمّ كلّ صورة مجسّمة أو مرسومة أو ملتقطة بالآلة.","vol":"2","page":267},{"text":"\"إلاَّ طمستَها\" وطمسُها يكون بإتلافها، أو بقطع رأسها، حتى تصبح مجّرد شكل بدون رأس، لأنّ الصورة تتمّ وتتكامل بالرأس والوجه.\nوليس معنى طمس الصورة كما يفعله بعض الجُهّال أو المتحيِّلين أنّه يجعل خطًَّا في عُنُق الصورة فيُصبح كالطّوق، لأن الطمس: أن تُزيل الرأس إمّا بقطعهِ، وإمّا بتلطيخِه وإخفائه تماما.\nفقوله: \"ولا قبرًا مشرِفاُ إلاّ سوّيته\" المشرف: المرتفع، بأن يُبنى على القبر بناية من أجل تعظيم القبر، كما يفعل من بناء الأضرحة، أو يزاد عليها غير ترابها حتى تصبح مرتفعة أكثر من شبر، أو تجصص القبور ويكتب عليها، وما أشبه ذلك، فهذا كله حرام، لأنّه وسيلة إلى الشرك.\nولاحظوا كون الرسول ﷺ جمع بين طمس الصورة وتسوية البناء على القبور مما يدلُّكم على أنّ من العلل العظيمة في منع التصوير أنّه وسيلة إلى الشرك، فكما أن البناء على القبور وسيلة إلى الشرك، فكذلك التصوير وسيلة إلى الشرك. وأيضًا كون الرسول ﷺ كلف علي بن أبي طالب ﵁ بهذه المهمة مما يرد به على الذين يغلون في أهل البيت ويزعمون أن لهم خاصية تسوغ الغلو في قبورهم.\nوقوله ﷺ: \"ولا قبرًا مشرِفًا\" يعني: مرتفعًا بالبناء، أو بالتّراب، ففي هذا: الأمر بهدم القباب التي على القبور والأمر بهدم الأضرحة، وأنّ هذا من مهمّة ولاة الأُمور ومن مهمّة كلّ مسلم أن يعمل على إزالة هذا الشيء فإن كان له سلطة وقدرة فيزيله باليد، وإن كان ليس له سُلطة فإنّه يتصل بولاة الأمور ويبلِّغ ويبِّين أن هذا أمر يلزمهم إزالته، لأن الرسول ﷺ أمر بإزالته. ويحذر المسلمين من البناء على القبور ويبيِّن لهم السنّة في دفن الموتى وما يلزم اتخاذه وعمله نحو القبور مما هو مشروع.\nفهذه الأحاديث فيها فوائد ومسائل عظيمة:\nالمسألة الأولى: فيها إثبات الكلام لله ﷿، وأنه يتكلم، وكلامه ﷾ كسائر صفاته، يليق بجلاله ﷾ ليس ككلام المخلوق.\nالمسألة الثانية: في الحديث دليلٌ على تحريم التّصوير بجميع أنواعه، لا يُستثنى شيءٌ من التصوير، لقوله ﷺ: \"كلُّ مصوّرٍ في النار\"، \"من صوّر صورة\"، \"لا تدع","vol":"2","page":268},{"text":"صورة\"، \"أشدّ النّاس عذابًا يوم القيامة المصورون\" وهذا عام في كل مصور، وكل صورة بأي وسيلة كان إيجادها، لكن ما دعت الضّرورة إليه من التصوير؛ فإنه يرخص فيه، مثل: الصورة التي توضع في الجواز، أو إثبات الشخصية، لأنّ النّاس يُمنعون من حوائجهم ومن أسفارهم ومن وظائفهم، بل حتّى من دخولهم في المدارس والمعاهد إلاّ بهذا، فكان هذا من باب الضّرورة، فيجوز بقدر الضّرورة فقط، وما عداه من التصوير فهو حرام، سواء كان للذكريات- كما يقولون-، أو لأجل الفنّ أو لغير ذلك من الأغراض أو لتجميل الجدران أو ما أشبه ذلك، فكلّه حرام.\nالمسألة الثالثة: في الأحاديث بيان علّة تحريم التصوير، وهي: أنّه مضاهاة لخلق الله، وأيضًا هو وسيلةٌ من وسائل الشرك وهذه أشّد.\nالمسألة الرابعة: في الأحاديث: دليل على أنّ التصوير من كبائر الذّنوب، وذلك لأمور:\nأوّلًا: الرسول ﷺ قال عن ربِّه: \"من أظلمُ ممّن ذهب يخلُق كخلقي\"، هذا يدلّ على أنّ التصوير كبيرة.\nوثانيًا: وعيدُه بالنّار، والوعيد بالنّار إنّما يكون على كبيرة.\nالمسألة الخامسة: في الحديث دليلٌ على وجوب طمس الصور، والرّسول ﷺ لَمّا رأى في بيت عائشة قرامًا فيه تصاوير؛ تغيّظ ﷺ وأبى أن يدخُل البيت حتى هُتِك هذا القِرام وأُزيلت الصور المعلقة.\nففي هذه الأحاديث: وُجوب إتلاف الصّور أو امتهانُها، لأنّ الصورة إذا كانت ممتهنة توطأ وتُداس ويُجلس عليها فإنها تكون ممتهنة، كما إذا كانت في فِراش أو في إناء يُشرب به أو يُطبخ به فإنها ممتهنة لا قيمةَ لها، والرّسول ﷺ لَمّا أُميط القِرام وجُعِل وسائد جلس عليه صارت الصور مهانة.\nالمسألة السادسة: في الحديث دليل على وُجوب هدم الأضرحة المبنيّة على القُبور، لأنّها وسيلةٌ من وسائل الشّرك فيجب هدمُها، ممن يقدِر على ذلك بسلطتِه، ومن لا سُلطة له فإنّه يبيِّن ويدعو إلى هدمِها ويراجع السلطة في هدمِها.","vol":"2","page":269},{"text":"[الباب الثاني والستون:]\n* باب ما جاء في ثرة الحلف\nوقول الله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ .\nــ\nمناسبة هذا الباب لكتاب التّوحيد: أنّ الاستهانة بالحلف بالله تنقِّصُ التّوحيد، كما أنّ تعظيم الحلف بالله من كمال التّوحيد.\nقوله: \"بابُ ما جاء\" يعني: من الوعيد في حقّ من كثر حلفه.\nوالحلف- كما سبق- هو: تأكيد شيء بذكر معظَّم بأحد حروف القسم، التي هي: الواو والباء والتّاء.\nوكثرة الحلف معناها الإكثار من الأيمان في كلّ مناسبة، وقد يكون في غير داع لليمين إلاّ التغرير بالنّاس وخداع النّاس كحالة المنافقين الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ وقال الله ﷾: ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠)﴾، والحلاَّف: كثير الحلف.\nوالله جل وعلا ذكر ذلك من صفات المنافقين، فقال فيهم: ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلّا الْحُسْنَى وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾، قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ يعني: سُتْرة يتستّرون بها أمام النّاس ليصدِّقوهم، وكلّما قل الإيمان أو عدم الإيمان في القلب حصل التهاوُن باليمين والحلف.\nقال: \"وقول الله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ لَمّا ذكر الله ﷾ كفّارة الأيمان في سورة المائدة في قوله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩)﴾ جعل في اليمين الكفّارة إذا حَنِثَ فيها وخالَفها ممّا يدلّ على عظمتها، لأنّ الكفّارة لا تكون إلاَّ من ذنبٍ وقع فيه الإنسان، فنقض اليمين يحتاج إلى كفّارة ممّا يدلّ على عِظَم اليمين.\nثم قال: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ ذكر العلماء عدّة تفاسير لهذه اللّفظة: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ على قولين:","vol":"2","page":270},{"text":"عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: \"الحلف منفقة للسلعة، ممحقة للكسب\" أخرجاه.\nــ\nالقول الأول: أنّ معنى ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾، أي: لا تحلفوا، نهيٌ عن الحلف، فلا يخلف الإنسان إلاّ إذا دعت إلى ذلك حاجة، ويكونُ صادقًا في يمينه، كما قال ﷺ: \"من حلف بالله فليصدُق، ومن حُلف له بالله فليرض، ومن لم يرض فليس من الله\".\nفمعنى قوله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ أمرٌ بحفظها يتضمَّن النّهي عن الحلف إلاّ إذا دعت إلى ذلك حاجة، كأن يطلب منه القاضي اليمين لخصمه، فإذا كان بارًّا وصادقًا فليحلف على نفي ما ادّعاه عليه خصمُه، أو دعت حاجةٌ إلى اليمين ليُزيل شكوكًا حصلت لأخيه فيه، فيريد أن يبرئ نفسَه وأن يُزيل ما في نفس أخيه بأن يحلف له وهو بارٌّ في يمينه فهذا لحاجة، أمّا غير ذلك فإنّه يحفظ يمينه كما يحفظ دينه.\nوالقول الثاني: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾، أي: بالكفّارة إذا حَنِثْتُم فاحفظوها، يعني: كفِّروا عنها، فالكفّارة حفظٌ لليمين واحترامٌ لها.\nقال: \"عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: \" الحلف\" أي: اليمين.\n\"مَنْفَقَةٌ للسلعة\" أي: مروِّجة للسِّلْعة وسببٌ لِنفَاقِها، وهو خُروجها من يد صاحبها إلى الزّبائن، لأنّ النَّفَاق، معناه: الخُروج، ومنه سُمّيت النفقة نفقة لأنّها تَخْرُج من مُلك صاحبها، ومنه سُمّي المنافق منافِقًا لأنّه يخرُج من الدِّين.\nفنَفاقُ السلع: رواجُها وخُروجها من ملك صاحبها بالبَيْع، لأنّ النّاس يصدِّقون صاحبها فيشترونها، فإذا حلف أنّ هذه السلعة من النّوع الجيّد أو حلف أنّ هذه السلعة سميت بكذا وكذا أو حلف أنّه اشتراها بكذا فإنّ هذا سبب لأن يصدِّقه النّاس وأن يشتروها منه، لأنّ المسلمين يعظِّمون اليمين، فيُحسنون الظنّ بهذا الحالف ويثقون به، ويقولون لولا أنّه صادقٌ لَمَا حلف، فيقبلون ما يقول ويعملون به، فيكونُ ذلك سببًا لرواج سلعه.\nوقوله في: \"مَمْحَقَةٌ للكسْبِ\" المَحْقُ معناه: الإزالة، أي: أنّ اليمين تُزيل","vol":"2","page":271},{"text":"وعن سلمان: أن رسول الله ﷺ قال: \"ثلاثة لا يكلمهم الله ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: أُشيمط زانٍ، وعائل مستكبر، ورجل جعل اللهَ بضاعته، لا يشترى إلاّ بيمينه، ولا يبيع إلاّ بيمينه\" رواه الطبراني بسند صحيح.\nــ\nالكسْب إمّا بأن تُزيل البركة منه، ولو بقي، ولا ينتفع به صاحبه، وإمّا بأن تُزيل أصل المال بالتلف والآفات، فلا يبقى عنده هذا الكسب بل يمحقُه الله كما قال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾، فالمحق قد يكون معنويًا بمعنى محْقِ البركة من المال، فلا يكونُ مباركًا على صاحبه ولا ينتفع به ولا يتصدّق منه.\nوقد يكون محقًا حسيًّا بأن يُتلف الله المال بآفةٍ، أو بسرقة، أو بنهب، أو بتسلُّط ظالم، أو غير ذلك.\n\"للكسب\" الكسب الذي يكسبه بسبب اليمين التي هي ليس بارًّا فيها ولا صادقًا، يسِّبْ ذلك محق مالِه، مع ماله عند الله من العُقوبة الآجلة في الدّار الآخرة- كما يأتي في الحديث الذي بعده.\n\"أخرجاه\" أي: أخرج هذا الحديث الإمام البخاري ومسلم في \"صحيحيهما\"، فهو متّفقٌ عليه، وهذا أعلى ما يكون من درجات الصحّة.\nقوله: \"وعن سلمان \" هو: سلمان الفارسي: الصحابي الجليل.\n\"أن رسولُ الله ﷺ قال: \"ثلاتةٌ\" مبتدأ.\n\"لا يكلِّمهم الله\" إلى آخره، خبر المبتدأ، والمعنى: لا يكلّمهم الله يوم القيامة كلامَ تكريم وتنعيم، فهم يُحرمون من كلام الله ﷿ لهم يوم القيامة، وقد جاء في الحديث: \"ما منكم من أحد إلاّ سيكلّمه ربُّه، ليس بينه وبينَه ترجُمان\"، أمّا هؤلاء فلا يكلّيهم الله غضبًا عليهم، فيحرمهم الله من هذه النعمة العظيمة.\nفهذا فيه: إثبات الكلام لله ﷿، وأنّ الله يكلِّم عبادَه، ويتكلّم بما شاء من أمرِه ﷾.\nوالكلام من صفاته سبحانه، وهو من صفات الأفعال التي يفعلُها إذا شاء سبحانه.","vol":"2","page":272},{"text":"وكلامُه قديمُ النّوع حادثُ الآحاد، بمعنى: أنّ نوع كلامه سبحانه قديم بقدمه سبحانه، ليس له بداية كسائر أفعاله، وحادث الآحاد بمعنى: أنه يتكلّم إذا شاء ﷾.\nونُثبتُ ذلك لله ﷿، ومن كلامه: القرآن الكريم، فإنّه كلامُ الله جل وعلا.\n\"ولا يزكيهم\" أي: لا يطهّرهم، لأنّ الزكاة تُطلق على عدّة معانٍ:\nمنها: النماء، والزيادة في الأموال، فإنّ الزكاة تنمِّي الأموال وتزيدُها.\nومنها: الطهارة قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ أي: تطهّرهم بها من الذُّنوب ومن البخل ومن الشُّحّ، فالزكاة تطهّر صاحبها من الصّفات الذميمة، وتطهِّرُ المال من الآفات ومن سائر الأشياء التي تُخَلُّ به.\nكما أنّ الزكاة تدفع البلاء عن المسلم، وهي سببٌ لنُزول الغيث ونزول البركات، فتزيد في أرزاق النّاس، فهي خيرٌ كلُّها، ولذلك سُمّيت زكاة.\n﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: موجِع، من (الألم) وهو: الوجع، فمعنى (أليم): مؤلِم.\nفهذه ثلاثة أنواع من الوعيد: \"لا يكلّمهم الله، ولا يزكِّيهم، ولهم عذاب أليم\".\nثم بيّنهم ﷺ بعدما أجملهم، وذكر وعيدَهم ولما تطلّعت الأنظار إلى معرفتهم من أجل أن يُجتنب ما هم عليه، لأجل أن لا يكون الإنسان مثلَهم وبينهم.\nفقال: \"أُشَيْمِطُ\" خبر لمبتدأ مقدّر، تقديره: هم أُشيمط إلى آخره. والأُشَيْمِط: تصغير (أَشْمَط)، والأَشْمَطُ هو: الذي بدأَهُ الشَّيْب، وصغّره تحقيرًا له.\n\"زان\" أصله \"زاني \" بالياء، ثم حذفت الياء تخفيفًا، وهو صفةٌ لـ (أُشَيْمِط) مرفوع، وعلامة رفعه: الضمّة المقدّرة على الياء المحذوفة، منع من ظهورها الثِّقَل.\nوالزنا قبيح، وكبيرةٌ من كبائر الذّنوب، قال تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾، فهو قبيح، مستهجَن، ومرض فتّاك في المجتمعات، مدمِّرٌ للأخلاق، مدمٍّرٌ للمجتمع، مضيع للنسل، إلى غير ذلك من الآفات التي في الزنا، وهو موجبٌ لغضب الله، وموجبٌ للعقوبة الآجلة والأمراض الفتّاكة في المجتمع.\nفالزّنا قبيح بكلّ معاني القُبح، ولكنّه يقبُح من بعض النّاس أكثر وأكثر، فالزنا من مثل هذا الأُشيمِط قبيح، لأنّ الأُشيمِط لَمّا أصابَه الشيب كان الواجب أن يكون","vol":"2","page":273},{"text":"أبعد النّاس عن الزّنا، لأنّه ضعُفت فيه الشهوة وداعي الزنا، وأيضًا هو يتطلّع إلى الموت والانتقال إلى الدّار الآخرة، فكان الواجب عليه التّوبة والاستعداد للآخرة، والاستعداد للقاء الله، فإذا زنى وهو في هذه السنّ فهذا دليلٌ على قُبح أخلاقِه، وعلى أنّ الزنى سجيّةٌ فيه.\nأمّا الشّاب وإنْ كان الزنا في حقِّه حرام وقبيح، لكن فيه دافع الشهوة وقوّة الشهوة.\nالثّاني: \"عائلٌ\" المراد به: الفقير.\n\"مستكبر\" الكبر قبيح، لأنّ الإنسان مطلوبٌ منه التواضُع، والتواضع لربّه ﷾، والتواضُع لخلق الله ﷿، فالاستكبار ضدّ التواضع.\nوالاستكبار يحمل الإنسان على الكفر أحيانًا وترك عبادة الله ﷿ استكبارًا، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾، والذي سبّب لإبليس ما سبّب من الخزي والكفر هو الاستكبار ﴿أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾، استكبر عن السّجود لآدم حسدًا لآدم واستكبارًا، فسبب عدم سجوده هو الكبر، استكبر عن أمرِ الله ﷿.\nوقد يستكبِر على عبادِ الله ويرى أنّه فوقهم، وأنّه أعلى منهم، هذا أيضًا من أكبر الكبائر بعد الشرك بالله ﷿، فالكبر كلّه قبيح من كلّ أحد، لأنّ المطلوب من الإنسان التواضع.\nولكنّ الكبر من العائل- أي: الفقير- أشدّ، لأنّه لا داعي للكبر فيه، لأنّ الغني قد يغترّ بمالِه ويستكبر من أجل المال ويرى أنّه له درجة ترفعُه عن النّاس بسبب مالِه، فيحملهُ المال والغنى على الكبر: ﴿كَلَّا إِنَّ الْأِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى) (٧)﴾ .\nلكن العائل ليس عنده سبب للكبر، فاستكبارُه من باب السجيّة القبيحة فيه، لأنّه استكبر من غير سبب، فدلّ على أنّ الكبر سجيّة فيه وطبيعةٌ فيه، لا من أجل سبب خارجيّ، فلذلك صار استكبارهُ أشدّ من استكبار الغنيّ.\nوالثّالث:- وهو محلّ الشّاهد من الحديث للباب-: \"رجل جعلَ الله بضاعته\" هذا عامٌّ للرجال وللنساء، ولكن ذكر الرّجال من باب التغليب، وإلاَّ فهو عامٌ للرجال وللنّساء\".","vol":"2","page":274},{"text":"\"جعلَ الله بضاعَته\"، \"جعل\" فعل ماض من الأفعال التي تنصبُ مفعولَيْن: المفعول الأول الحلف بالله والمفعول الثاني: \"بضاعَتَه\".\nفمعنى \"جعل الله بضاعتَه\": أنّه لا يشتري إلاَّ بيمينه ولا يبيع إلاَّ بيمينه، كما فسّره ﷺ بقوله: \"لا يشتري إلاَّ بيمينه ولا يبيع إلاَّ بيمينِه\".\nومحلّ الشّاهد هو الجملة الأخيرة \"ورجلٌ جعلَ الله بضاعَتَه، لا يشتري إلاّ بيمينه ولا يبيع إلاّ بيمينِه\"، فهو يُكثر من الحِلف بالله تهاوُنًا، فكان جزاؤه هذه العقوبات الثلاث: لا يكلِّمّه الله، ولا يزكِّيه، وله عذابٌ أليم- والعياذُ بالله-، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٧)﴾ .\nالواجب على المسلم: أن يصدُق في معاملته مع النّاس في بيعِه وشرائه.\nوالدّنيا مهما حصّل منها فإنّها لا تُغنيه عن الآخرة، والكسب الحلال وإنْ كان يسيرًا فإنّ فيه البركة وفيه الخير، والكسب الحرام وإنْ كان كثيرًا فهو ممحوق لا خيرَ فيه.\nفيُستفاد من الآية الكريمة ومن هذين الحديثين المسائل الآتية:\nالمسألة الأولى: وُجوب تعظيم اليمين بالله ﷿، لأنّ تعظيمها كمالٌ في توحيد العبد.\nالمسألة الثانية: النّهي عن كثر الحلف لأنّ من كثُر حلفه كثُر كذبُه، وكثرة الحلف تدلّ على التهاوُن باليمين، ومن تهاوَن باليمين نقص توحيدُه: قال تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠)﴾ وقال تعالى: ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، هذا من صفات أهلِ النّفاق.\nالمسألة الثالثة: في الحديث دليلٌ على أنّ الصدق وتعظيمَ اليمين سببٌ للبركة، وأنّ الكذب والتهاوُن باليمين سببٌ لمحق البركة.\nالمسألة الرابعة: في الحديث الثاني دليلٌ على إثبات الكلام لله ﷿، وأنّ الله جل وعلا يتكلَّم بكلامٍ يليقُ بجلالِه، ليس ككلام المخلوقين أو صفة المخلوقين، هذا","vol":"2","page":275},{"text":"وفي \"الصحيح\" عن عمران بن حصين ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم\".\nــ\nمذهب أهل السنّة والجماعة، خلافًا للجهميّة والمعتزلة ومَنْ درَج على سبيلهم.\nالمسألة الخامسة: في الحديث دليلٌ على الوعيد الشديد في حقّ مَن أكثَر من الحلف، وأنّ هذا من الكبائر، لأنّ الله توعّد عليه هذا الوعيد الشديد المغلّط، فدلّ على أنّ كثرة الحلف من كبائر الذّنوب.\nالمسألة السادسة: في الحديث دليلٌ على أنّ الكبائر بعضُها أشدُّ من بعض، فزنى الأُشَيْمِط أشدّ من زنى الشّاب، والكبر من الفقير أشدّ من الكبر من الغني، فالكبائر تتفاوت بحسب أحوال مرتكبيها.\nقوله: \"وفي الصّحيح\" أي: في \"صحيح مسلم\"، وهو في \"صحيح البخاري\" بمعناه.\n\"عن عمران بن حُصين ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"خيرُ أمّتي قرني\"، القرن يراد به: الجيل من النّاس، ويُطلق على الزّمان، ومقدار القرن من الزّمان: مائة سنة، وقيل: أربعون سنة، وقيل: غيرُ ذلك.\nوالمراد: أهل القرْن، ليس المراد ذات القرن الذي هو الزّمان.\n\"خيرُ أمْتي قرني\" يعني: أفضل أمّة محمد ﷺ هم القرن الذين عاصروا الرَّسول ﷺ.\nوهذا بإجماع الأمة أنّ قرن الصّحابة أفضل هذه الأُمة، لِمَا امتازوا به من مزايا لا توجَد في غيرِهم ممّن جاء يعدَهم، بل إنّ قرن الرّسول ﷺ خير الأمم على الإطلاق، فأمّة محمد ﷺ أفضلُ الأمم، وأفضلُ أمّة محمد القرن الأوّل لما امتازوا به من الفضائل، التي منها:\nأوّلًا: أنهم شاهدوا رسول الله ﷺ رأوه وآمنوا به، فهم أفضل ممّن آمن به ولم يرَه.\nثانيًا: أنّهم جاهدوا مع الرّسول ﷺ وناصروه، ودافعوا عنه بأنفسهم وأموالهم وهاجروا معه.","vol":"2","page":276},{"text":"ثالثًا: أنّهم هم الذين تلقّوا هذا الدين عن الرّسول ﷺ، تلقّوا القرآن وتلقّوا السنّة، وتلقّوا هذا الدين عن رسول الله ﷺ، ثم بلّغوه لمن بعدَهم بأمانة وإخلاص.\nرابعًا: أنّهم هم الذين نشروا هذا الإسلام في المشارق والمغارب، في وقت الرّسول وبعد وفاة الرّسول، فهم الذين جاهدوا وفتحوا الفتُوح، ونشروا هذا الدين في مشارق الأرض ومغاربها ﵃ فلا يحبهم إلاَّ مؤمن ولا يبغضهم إلاّ كافر أو منافق.\nقال الله ﷾: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْأِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾، قال ﷾: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾، قال ﷾ في سورة الحشر: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨)﴾ هذا في المهاجرين، ثم قال في الأنصار: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾ .\nوقال النّبي ﷺ: \"لا تسبّوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدُكم مثل أحدٍ ذهبًا ما بلغ مُدّ أحدهم ولا نصيفَه\".\nإلى غير ذلك من الأدلّة الدالّة على فضل صحابة رسول الله ﷺ، فقد أثنى الله عليهم في محكم كتابه، وأثنى عليهم رسولُه ﷺ، وأجمعت الأمة على فضلهم وسبْقِهم، وأنّهم خيرُ القرون، بل خيرُ الأمم، فمن سبّهم أو سبّ أحدًا منهم فإنّه يكونُ مكذِّبًا لله ولرسوله ولإجماع المسلمين.\nقال ﷺ: \"ثم الذين يلونهم\" يعني التّابعين، فجيلُ التابعين لهم فضلٌ عظيم، وهم في المرتبة الثّانية بعد صحابة رسول الله ﷺ، لأنّهم تتلمذوا على الصّحابة، وأخذوا علمَهم عن الصّحابة، فبذلك حصلوا على هذا الفضل العظيم وصاروا في المرتبة الثّانية في الفضيلة بعد صحابة رسولِ الله ﷺ.","vol":"2","page":277},{"text":"قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه مرتين أو ثلاثًا؟، \"ثم إن بعدكم قوم يشهدون ولا يُستشهدون، ويخونون، ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السّمن \".\nــ\n\"قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه مرّتين أو ثلاثًا؟ \" هذا من تحرِّيه في الرواية ﵁، وهذه عادتُهم ﵃؛ أنّهم لا يقولون ولا يجزمون إلاّ بما يتأكدّون من صحّته وثُبوتِه عن رسول الله ﷺ، وهذا من أمانتهم في الرّواية.\nقال ﷺ: \"ثم إنّ بعدكم قومٌ\" \"قومٌ\" بالرفع، هذا في كثيرٍ من الروايات، وهو مخالفٌ للوجه اللّغوي، لأنّ الوجه اللّغوي: أنّ يكون بالنصب، لأنّه اسم لـ (إنّ)، و(إنَّ) تنصب الاسم وترفع الخَبَر.\nوبعض المحدِّثين يقول: (قوم) مرفوعٌ بفعلٍ محذوف، تقديره: (يجيء قومٌ)، فحُذفت (يجيء) ويقيت (قومٌ) .\n\"يشهدون ولا يُستشهدون\" أي: يشهدون بدون أن تُطلب منهم الشهادة، بل يبادرون بها، ويتسارَعون بالشهادة من دون أن تُطلب منهم، فهذا دليل على استخفافهم بالشهادة ومسارعتهم إليها لقلّة ديِنهم وقلّة أمانتهم، لأنّ الشّاهد يجب عليه أن يكون أمينًا في شهادته ولا يشهد إلاّ بالحق: قال تعالى: ﴿وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦)﴾ يعلمون ما شهدوا به، ويتيقّنونَه، ولا يشهدون بموجِب الخرْص والظنّ، وإنّما يشهدون بشيء يعلمونه ويتأكّدونه.\nثم أيضًا: لا يسارعون بالشهادة إلاّ إذا طُلبت منهم، فإذا سارعوا بالشهادة قبل أن تُطلب منهم فهذا دليلٌ على استخفافهم بها، وهذا نقضٌ في التّوحيد، فيكون فيه مطابقة للترجمة وهي قول الشيخ ﵀: \"باب ما جاء في كثرة الحلف\" لأنّ الشهادة حلف، كما قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١» اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾، فسمّى الشهادة يمينًا، وهذا يتضمّن كثرة شهاداتهم، لأنّهم ما داموا أنهم مستعدِّين للشهادة؛ فهذا دليلٌ على أنّهم ليس عندهم تمنُّع، فتكثُر شهاداتهم، وكثرة شهاداتهم دليلٌ على استخفافهم بالشهادة، وإلاّ فالشّاهد الحقّ لا يشهد إلاّ إذا طُلبت منه الشهادة واحتِيج إليها فحينئذ يشهد.","vol":"2","page":278},{"text":"قال ﷺ: \"ويخونون ولا يؤتمنون\" يخونون أماناتهم وعهودهم، إذا ائتمنوا على شيء من الأشياء فإنّهم لا يحفظون الأمانة.\nوالخيانة في الأمانة من صفات المنافقين: قال ﷺ: \"آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتُمِن خان\"، فالخيانة في الأمانة سواءً كانت هذه الأمانة مالًا أو سرًّا من الأسرار أو عملًا من الأعمال: كموظّف وُكِل إليه أن يقوم بعمل فخان فيه، أو مقاول تعهّد بإقامة عمل أو مشروع من المشاريع فخان فيه وغشّ فيه هذا من الخيانة، فالخيانة قد تكونُ في الأموال وقد تكونُ في الأسرار التي يؤتمنُ عليها، إمّا من الأفراد وإمّا من وُلاة الأُمور.\nوكذلك تكون الأمانة أيضًا في الأعمال والعُهَد التي يتعهّد بها، فيجب عليه أن يفيَ بما التزم به وما عُهد إليه القيامُ به، سواءً كان عملًا وظيفيًّا أو كان عملًا مهنيًّا، عهد إليه بعمل يقوم به من بناء أو غير ذلك أو مقاولة أو غير ذلك، فيجب أن يكون أمينًا فيما اؤتمن عليه، فإن خان فإنّ الله ﷾ توعّد الخائنين؛ قال تعالى: ﴿وَأَنَّ اللهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾، قال ﷾: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧)﴾، ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾، ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨)﴾، إلى غير ذلك من الآيات التي تعظِّم من شأن الأمانة، وتأمر بحفظها وأدائها كما تحمّلها الإنسان.\nفأمر الأمانة أمرٌ عظيم، وصدرُ هذه الأُمّة كانوا أمناء، لكن يجيء بعدَهم قومٌ يخونون في أماناتهم، وهذا من علامات السّاعة: إذا اتُخذت الأمانة مغنَمًا يفرح بها من أجل أن يتصرَّف فيها وأن يخون فيها، ولا يعتبر الأمانة حملًا تحمّله وعُهدة تعهّدها، بل يعتبرُها غنيمةً سيقت إليه ليتصرّف فيها حسب هواه ورغبته، فأمرُ الأمانة أمرٌ عظيم قال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢)﴾، وقوله: \"وينذرون ولا يوفون\" النذر لغة: التزامُ الشيء. وشرعًا: التزام طاعةٍ لله لم تكن واجبةً بأصل الشّرع، فالتزام العبد طاعةً لله لم تكن واجبة بأصل الشرع وإنّما تجب عليه بالنذر.\nفإذا التزم عبادةً لله فإنّها تجب عليه، ويجب عليه الوفاء بها لقوله ﷺ: \"مَن","vol":"2","page":279},{"text":"نذر أن يطيع الله فليطعه \"، وقال ﷾ في وصف الأبرار: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧)﴾، قال تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾، قال ﷾: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ﴾، فالمسلم إذا نذر نذرًا لله من صدقة أو صلاة أو صيام أو حجّأو عُمرة أو أيّ عبادة فإنّه يجب عليه الوفاء به، فإن لم يفِ به كان عاصيًا وتاركًا لواجب يعاقَب عليه.\nوإنْ كان الدخول في النذر منهيًّا عنه، لأنّه يحرج نفسه ويورِّط نفسه وهو في عافية وفي سعة، إنْ شاء فعل وله الأجر، وإنّ شاء ترك ولا إثم عليه، لكنّه إذا نذر فقد ألزم نفسه وأوجب على نفسِه فضاق عليه الأمر إن ترك هذا النذر ولم يفِ كان عاصيًا وآثمًا وكان قبل ذلك في سعة، ولهذا نهى النّبي ﷺ عن النذر وقال: \"إنّ النذر لا يأتي بخير، وإنّما يُستخرج به من البخيل\"، فقبل أن ينذر نكره له أن ينذر، والمجال أمامه مفتوح للطّاعات إنْ فعل فله أجر وإن لم يفعل فلا إثم عليه.\nلكنّه إذا نذر والتزم فإنّه عاهد الله فيجب عليه الوفاء: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكَذِبُونَ (٧٧)﴾، فالذي ينذر الطاعة ثم لا يفي بها هذه صفته عند الله، ويعتبر كاذبًا فيما بينه وبين الله.\nفهذا يدلّ على وُجوب الوفاء بالنّذر إذا كان نذر طاعة، وأن ترك الوفاء به من علامات النّفاق، وأن هذا يكْثُر في آخر الزّمان، أنّ النّاس ينذُرون ولا يوفون.\nوما أكثر الآن ما يسأل النّاس: (أنا نذرتُ أصوم)، (أنا نذرت أتصدّق) يريد التخلّص من النّذر، يبحث له عن مخارج، وهذا ممّا يدلّ على وقُوع هذه الصفة في آخر الزمان، وإلاّ لو كان قويّ الإيمان صادقًا مع الله ما احتاج إلى أنّه يبحث عن المخارج.\nثم قال﵊- مبيِّنًا علامة هؤلاء: \"ويظهر فيهم السَّمَن\" يظهر فيهم سِمَنُ الأجسام، وذلك لأنّهم يرفّهون أنفسهم ويشتغلون بملذّاتهم وشهواتِهم وينسون الآخرة وينسون الحساب، فهم يستعجلون ملذّاتهم وشهواتهم","vol":"2","page":280},{"text":"وفيه: عن ابن مسعود: أن النّبي ﷺ قال: \"خير النّاس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته\".\nقال إبراهيم: \"كانوا يضربوننا على الشهادة والعهد ونحن صغار\".\nــ\nويشتغلون بها عن طاعة الله ﷾، فيصيرون كالبهائم التي تأكُل وتسمَن.\nفإذا كان السمَن سبُبُه هذا فهو مذموم، أمَّا إذا كان السِّمَن ليس من أجل هذا، وإنّما هو عارضٌ عرض للإنسان مع قيامِه بحقّ الله ﷾، وأدائِه لفرائضِ الله، وعمله لآخرته؛ فهذا ليس مذمومًا.\nقال: \"وفيه\" يعني: في \"صحيح مسلم\".\n\"عن ابن مسعود: أن النّبي ﷺ قال: \"خير النّاس قرني\" \" في الحديث الأوّل:\n\"خيرُ أمّتي\" وهنا \"خير النّاس\"، أي: جميع النّاس، من هذه الأمّة وغيرِها.\n\"ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم\" هذا فيه: الجزم بما شكّ فيه عمران ﵁، وأنّ الرّسول ﷺ ذكر ثلاثة قرون: قرن الصّحابة، ثم قرن التّابعين، ثم قرن أتباع التّابعين.\n\"ثم يجيء\" يعني: من بعد القرون الثلاثة.\n\"قومٌ تَسبق شهادة أحدهم يمينَه، ويمينُه شهادَتَه\" يعني: لا يبالون بالشهادة، ولا يبالون بالإيمان، بل سابقون إليها، ويسارعون إليها بدون تحفُّظ، وبدون خوفٍ من الله ﷿، يحلفون ويشهدون بكثرة.\nفهذا فيه: ذمّ كثرة الشهادة، وذمُّ كثرة اليمين، فيكون مطابِقًا للترجمة، لأنّ الرسول ﷺ ساقه مساق الذّم، ففيه: النّهي عن كثرة الشهادة وكثرة الحلف، لأنّ في ذلك: استخفافًا بهما، فيكونُ منقِّصًا للتوحيد.\nوقوله: \"قال إبراهيم\" المراد به: إبراهيم النخعي، التّابعي الجليل، من تلاميذ عبد الله بن مسعود- رضي الله تعالى عنه-.\n\"كانوا يضربوننا\" يعني: السلف الذين أدركهم، قيل: إنّه يريد: أصحاب ابن مسعود خاصّة، وقيل: إنّه يُريد أصحاب ابن مسعود وغيرَهم من السلف، كانوا","vol":"2","page":281},{"text":"يضربون الأطفال إذا سمعوهم يشهدون أو يحلفون، تأديبًا لهم ليربُّوهم على تعظيم الشهادة وتعظيم اليمين، حتى ينشأوا على ذلك، لأن الطفل ينشأ على ما عُوِّد عليه، فإذا عُوِّد الالتزام والطّاعة فإنّه ينشأُ على ذلك ويشبُّ عليه \"ومن شَبَّ على شيءٍ شاب علي\"، كما قال الشاعر:\nوينشأ ناشئ الفتيان منا ... على ما كان عوّده أبوه\nفالتربية لها شأن كبير ولها أثر بليغ، لاسيّما في صغير السنّ، فإنّك إذا نهيتَه عن شيء أو أمرتَه بشيء ينغرسُ هذا في ذاكرَتِه ولا ينساه أبدًا، وإذا صحِب هذا تأديبٌ فإنّه يكون أبلغ.\nفهذا فيه: العناية بالنّاشئة وتربيتهم وتأديبِهم.\nوفيه- أيضًا-: أنّ الضرب وسيلةٌ من وسائل التربية، وأنّ السلف كانوا يستعملونَه، بل إنّ الرّسول ﷺ أَمر بالضّرب فقال: \"مُروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضرِبوهم عليها لعشر\"، بل الله جل وعلا أمر بالضرب أيضًا للتأديب في حقّ الزوجات: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾، وقال ﷺ: \"لا يُضرب فوق عشرة أسواط إلاّ في حدّ من حدود الله\"، فالضّرب وسيلة من وسائل التربية، فللمعلِّم أن يضرب، وللمؤدِّب أن يضرب، ولولّي الأمر أن يضرب تأديبًا وتعزيرًا، وللزوج أن يضرب زوجته على النشور.\nفالذين يُنكرون الضّرب، ويمنعون منه، ويقولون: إنّه وسيلة فاشلة.\nهؤلاء متأثِّرون بالغرب وبتربية الغرْب، وهم ينقلون إلينا ما تحمّلوه عن هؤلاء، لأنهم تعلّموا على أيديهم.\nأمّا ما جاء عن الله وعن رسوله وعن سلفنا الصالح فهو أنّ الضرب وسيلة ناجحة، لكن يكون بحدود، لا يكون ضربًا مبرحًا يشقّ الجلْد أو يكسرُ العظم، وإنّما يكون بقدر الحاجة.\nفيُستفاد من هذين الحديثين مع أثر إبراهيم الذي نقله عن السّلف فوائد عظيمة:\nالفائدة الأولى: فيه فضلُ الصّحابة ﵃، وأنّهم أفضلُ الأمّة، بل أفضل النّاس على الإطلاق.","vol":"2","page":282},{"text":"ففيه ردٌّ على مَنْ يتنقَّصُهم، أو يتنقَّض أمرًا منهم، أو يذمُّهم بأيِّ نوعٍ من الذم، لأنّهم صحابة رسول الله ﷺ، وهو خير القرون.\nالفائدة الثانية: فيه فضل القرون الثلاثة: قرن الصّحابة، وقرن التّابعين، وقرن أتباع التّابعين، لأنّ هذه القرون يكثُر فيها العلم والعلماء، وقد وُجدَ أكثرُ العلماء في هذه القرون؛ كالأئمة الأربعة، وكذلك كثير من الأئمة كلهم في القرون المفضّلة، الذين جعل الله لهم أثرًا باقيًا وقدم صِدْقٍ في الأُمّة.\nففيه: فضل القرون المفضّلة الثلاثة، لكثرة العلم فيهم، ولقلّة ظهور البدع فيهم، وما ظهر من البدع في عصرهم فإنّهم يُنكرونه، بل ربّما يقتُلون دُعاة البدع والضلال، بخلاف من جاء بعدهم فإنه يقلّ فيهم الإنكار، كلّما تأخّر الزمان تكُثر البدع ويقلّ الإنكار، بخلاف الإنكار في القرون المفضّلة فإنّه أكثر، وصاحبُ البدعة مغمور ومختفٍ، ولا ينتشر شرُّه.\nالفائدة الثالثة: في هذا الحديث: فضلُ السلف على الخلف، وأنّ السلف بما فيهم القرون المفضَّلة- أفضل من الخَلف، في العلم، وفي العمل، وفي السَّمْت والأخلاق، ففي هذا ردٌّ على من يقول: \"طريقة السلف أسلم، وطريقة الخَلفِ أعلم وأحكم\"، بل: \"طريقة السلف أسلم وأعلم وأحكم من طريقة الخلف\"، لأنّ الرسول ﷺ أثنى عليهم وذمّ مَن يأتي يعدَهم، وإنّما ينجو مَن جاء بعدهم بإتّباعه لهم وإقتدائه بهم، فلا يسلم من الخلَف إلاّ من تمسّك بهدي السلف وسار على نهجهم، أمّا من خالفهم فإنّه يهيك، فيكون: السلف أعلم وأسلم وأحكم.\nالفائدة الرابعة: في الحديث علَم من أعلام النبوة: حيث إنّه ﷺ أخبر عن حُدوث أشياء وظهرت كما أخبر بها، فإنه بعد القرون المفضّلة كثُر الشرّ والفتن وظهرت البدع وحدث الشرك في الأمّة وبُنيت الأضرحة على القبور ونشأ التصوُّف، وغير ذلك من الشّرور التي لابست الأمّة ولا تزال الأمّة تعاني منها، كلّ هذا حدث بعد القرون المفضَّلة وظهر واشتهر، وصار له أتباعٌ وفِرَقٌ تنشُره وتدعو إليه.\nففي هذا: علَم من أعلام النبوّة.","vol":"2","page":283},{"text":"الفائدة الخامسة: في الحديثين دليلٌ على النّهي عن كثرة الحلف وكثرة الشهادة، وهذا هو الشّاهد من الحديثين للترجمة.\nالفائدة السادسة: في الحديثين دليلٌ على وُجوب حفظ الأمانة والنّهي عن الخيانة فيها.\nالفائدة السابعة: في الحديثين دليلٌ على وجوب الوفاء بالنذر إذا كان نذر طاعة، لأنّ الرسول ﷺ ذمّ الذين ينذُرون ولا يوفون، وهذا تدلّ عليه الأدلّة الأخرى.\nالفائدة الثامنة: في الحديث: ذمٌّ للاشتغال بالشهوات وترفيه النّفس، لأنّ ذلك يكسِّل عن الطّاعة ويثبِّط عن الطّاعة، وعلامته: ظهور السِّمَن على أصحابه.\nالفائدة التاسعة: في أثر إبراهيم دليلٌ على وجوب العناية بتربية الأولاد، وأنّ هذه طريقة السلف الصّالح، أمّا الآن فلا رادع ولا وازع للأولاد، يعملون ما يشاءون، ويسرحون ويمرحون في الشّوارع في أيِّ مكان، ويؤذون النّاس، ويترُكون الصلاة، ويتشاتمون، بل قد يتعاطون المحرَّمات، بل قد يخالطون الأشرار، ويذهبون مع الأشرار، ولا أحد يسأل عن أولاده، ولو كانت له غنم لرأيته يحافظ عليها ويُغلق الباب عليها ولا يترك شيئًا يخرجُ منها، لكن الأولاد لا يهمُّه أمرُهم، يدخُلون أو يخرُجون، يفسدون أو يصلُحون، لا يحاسبهم ولا يراقبهم.\nوبهذا حصل فساد النشأ إلاّ من رحم الله ﷿.\nالفائدة العاشرة: في الحديث دليلٌ على أنّ الضرب وسيلةٌ من وسائل التربية، ففيه رد على من يمنع من الضّرب، ويقول: إنّه وسيلةٌ فاشلة بل هو وسيلة ناجحة، دينيّة، إسلامية، عمل بها السلف الصّالح، وأمر بها رسولُ الله ﷺ، وأمَر الله بها في كتابه، فهو وسيلةٌ ناجحة، إذا استُعملت على الوجه المشروع، ووُضعت في موضعها.","vol":"2","page":284},{"text":"[الباب الثالث والستون:]\n* باب ما جاء في ذِمة الله وذمة نبيه\nوقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ الآية.\nــ\nمناسبة هذا الباب لكتاب التّوحيد: أن نقض العهود فيه نقصٌ في التّوحيد، لأنّه يدلّ على عدم احترام عهدِ الله، ومن لم يحترم عهد الله، فإنّ هذا يدلّ على نقص توحيده، ومن وفى بعهد الله وعظم عهد الله فهذا يدلُّ على كمال توحيده. هذا وجه المناسبة.\nوقول الشيخ ﵀: \"باب ما جاء في ذمّة الله وذمّة نبيّه\" الذِّمّة معناها: العهْد.\nوما جاء يعني: من النّهي عن نقض العهود من كتاب الله وسنّة نبيّه، وما جاء من الوعيد في ذلك.\nقال: \"وقول الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا﴾ \" هذا أمرٌ من الله ﷾ بالوفاء بالعهود، والوفاء: ضدّ الغدر والخيانة.\n﴿بِعَهْدِ اللهِ﴾ المراد به: الميثاق الذي يُعقد بين النّاس، وأضافه إلى نفسه إضافة تشريف؛ ممّا يدلّ على تعظيم العهد، لأن الشيء إذا أضيف إلى الله فهذا دليلٌ على تعظيمه، مثل: بيتِ الله، وناقة الله، وعبد الله، فالإضافة هنا تقتضي تعظيم المضاف، فهي تدلّ على عظم العهد، ووجوب احترامه.\n\" ﴿إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ \" أي: عاهدتم طرفًا آخر من النّاس، وهذا يشمل الذي بين الله وبين خلقه والعهد الذي بين المسلمين وبين الكُفّار، ويشمل العهد الذي بين وليّ أمر المسلمين وبين الرعيّة، ويشمل العهد الذي بين أفراد النّاس بعضهم مع بعض.\nفهذه العهود العامّة والخاصّة يجب الوفاء بها، لأنّ نقض العُهود من علامات المنافقين، قال ﷾: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكَذِبُونَ (٧٧)﴾،","vol":"2","page":285},{"text":"قال ﷺ: \"آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر\".\nفنقض العهود من صفات المنافقين، والوفاء بالعهود من صفات المؤمنين.\nثم نهى ﷾ عن نقض العهود، فقال ﴿وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ﴾ يعني: العهود، لأنّ العهد يسمّى يمينًا.\n﴿بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ أي: بعد إبرامها وعقْدِها، لأنّها إذا عُقدت وأبرمت وجب الوفاء بها والالتزام بها من الطرفين، حتى ولو كانت مع كفّار، قال تعالى: \" ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (٥٨)﴾ \" أي: أعلِن لهم أنّك تريد إنهاء العقد الذي بينك وبينهم، حتى يكونوا على بيِّنة وعلى بصيرة، ولا تفاجئهم بنقض العهد بدون سابقة إنذار ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾، هذا مع الكفّار، فكيف مع المسلمين؟.\n﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ الواو: واو الحال، أي: والحال أنّكم إذا عاهدتّم فقد جعلتم الله كفيلًا عليكم.\nوالمعنى: أن الله ﷾ ينتقم ممّن نقض العهد، لأنّهم إنّما وثِقوا بكم ووثقتم بهم باسم الله ﷾، فصار الله سبحانه كفيلًا وحسيبًا ورقيبًا على الجميع، ومن كان الله حسيبَه ورقيبَه ومحاسبه فإنّه لن يفوت على الله جل وعلا، ولا يخفى ما في قلبه وفي نيّته من النّيات الباطلة والغدر، فالله يعلم ما في القلوب، فكيف إذا ظهر ووقع: ﴿إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾، هذا الكفيل ليس كغيره من الكفلاء فالكفيل من الخلق قد يغفل وقد يجهل، ولا يعلم بما يحصل من المكفول، ولكنّ الله جل وعلا لا تخفى عليه أفعال خلقه وأعمال عباده، فهو يعلم أفعالكم ونيّاتكم ومقاصدكم وأهدافكم وما ترمون إليه، فاحذروا من الله ﷾، احذروا من هذا الكفيل العليم الخبير القدير الذي لا يخفى عليه شيء ولا يُعجزه شيء.\nفهذه الآية فيها شاهدٌ واضح للترجمة وهي: النّهي عن إخفاء العهد ونقض العهد من غير مسوغ ومن غير سبب يقتضي ذلك.","vol":"2","page":286},{"text":"وعن بريدة قال: كان رسول الله ﷺ إذا أَمَّر أميرًا على جيش أو سريّة؛ أوصاه بتقوى الله، وبمن معه من المسلمين خيرًا، فقال:\nــ\nثم أورد الحديث الذي في \"صحيح مسلم\" وغيره، فقال:\n\"وعن بُرَيْدة\" هو بُريدة بن الحُصَيْب الأسلمي، الصحابي الجليل- رضي الله تعالى عنه-.\n\"كان رسول الله ﷺ إذا أَمَّر أميرًا على جيش أو سَرِيَّة\" النّبي ﷺ كان يعقِد الجيوش والسرايا للجهاد في سبيل الله، بعدما هاجر إلى المدينة وقَوِيَ الإسلام وأمرهُ الله بالجهاد، كان ﷺ يكوِّن الجيوش والسرايا لمحاربة المشركين، امتثالًا لأمر الله ﷾ بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٣)﴾، ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾، ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، إلى غير ذلك.\nوالجيش هو: العسكر العظيم الكثير، وأمّا السرية فهي القطعة من الجيش، تنطلق من الجيش وترجع إليه.\nوكان ﷺ يؤمِّر على السرايا، وأمّا الجيوش فكان يقودُها بنفسه في الغالب -﵊-.\nفقوله: \"إذا أمّر أميرًا\" فيه: أنّه لابدّ من نصب الأمير على الجيوش والسرايا لأجل أن ترجع إليه ولأجل أن يتولّى أمرها ويحلّ مشاكلها ونزاعاتها، لابدّ من الإمارة في الجيوش والسرايا، ولابدّ من الإمامة العظمى للمسلمين، لأنّ الفوضى وعدم وُجود الوُلاة فيه مفاسد عظيمة، وفيه شرٌّ كبير.\nوفيه: أنّ تأمير الأمراء سواء على الأقاليم أو على الجيوش أو على السرايا يُرجع فيه إلى وليّ الأمر، هو الذي يومِّر وهو الذي يعزل، لأنّ ذلك من صلاحيّاته في حدود ما شرعه الله ﷾.\n\"أوصاه بتقوى الله\" هذا من عناية الرّسول ﷺ بأمور المسلمين، وهكذا ينبغي لوُلاة أمور المسلمين أن يقتدوا الرّسول ﷺ فيوصوا أمراءهم ومَن تحت أيديهم بتقوى الله.","vol":"2","page":287},{"text":"\"اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله.\nــ\nوتقوى الله هي: فعلُ أوامره وترك نواهيه. سُميت تقوى لأنّها تقي من عذاب الله.\nفالتقوى معناها: اتّخاذ الوقاية من عذاب الله وسخطه وغضبه، وذلك إنّما يكون بطاعته وترك معصيته خوفًا من عقابه ورجاءً لثوابه.\nوهي كلمةٌ جامعة تجمع خصال الخير كلّها، ولذلك أوصى الله بها في كتابه في مواضع كثيرة، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾، وفي كثير من الآيات، فهي كلمة جامعة.\nومن اتقى الله فهو أشرف النّاس، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾، فالتقيُّ هو الكريم عند الله ﷾ دون نظرٍ إلى نسبه أو إلى ماله أو إلى جاهه.\n\"وبمَن معه من المسلمين خيرًا\" أي: وأوصاه بمن معه من المسلمين ممّن تحت يده من السريّة أو الجيش خيرًا: بأن ينصح لهم ويتولّى أمرهم ويدبِّر شؤونهم وينظر في مصالحهم، ويحلّ مشاكلهم، ويرفُق بهم، فليست المسألة مسألة إمارة فقط، أو نيل مرتبة فقط، أو نيل لقب.\nثم يقول﵊- للأمير وللجيش وللسرية، يقول للجميع:\n\"اغزوا\" الغزو هو: قصْد العدوّ والذّهاب إليهم.\n\"باسم الله\" أي: مستعينين بالله، وهذا فيه: بَدَاءَة الأمور المهمّة باسم الله، وأنّ الإنسان إذا بدأ بشيء فإنّه يبدأ باسم الله، فإذا شَرَع في السفر، أو شرع في الغزو، أو شرع في الأكل أو الشُّرب، أو الدخول في البيت أو المسجد، وحتّى الدخول في محلّ قضاء الحاجة يقول: (باسم الله) قبل الدّخول، لأن هذا الاسم يعصمه من الشيطان، وتنزل عليه وعلى عمله وعلى فعله الرحمة والبركة، كما يُذكر اسم الله على الذّبائح عند التذكية، بل جاء في الحديث: \"كلُّ أمرٍ ذي بال لا يُبْدأ فيه باسم الله فهو أَبْتَر\" أي: ناقصُ البَرَكة، وتُبدأ به الرسائل والمؤلَّفات، وتُبدأ به الدروس والنصائح، وتُبدأ به سورة القرآن الكريم- ما عدا سورة براءة، فـ (باسم الله) كلمة عظيمة، تُبدأ بها مهامّ الأمور.","vol":"2","page":288},{"text":"\"في سبيل الله\" يعني: أن الغزو لا يكون لطلب الملك أو لطلب المال أو التسلّط على النّاس، هذا شأن أهل الجاهلية، إنّما يكون الغزو لمصالح المغزوِّين، وليس للانتقام منهم إذا لم يصرُّوا على الكفر، وإنّما هي لمصالحهم، لأجل إنقاذهم من الكفر وإخراجهم من الظلمات إلى النور، فهو في سبيل الله، القصد منه: إعلاءُ كلمة الله ﷾، والمصلحة في هذا عائدة إلى المغزويّن، والى الغازين أيضًا، فالغازون يكون لهم أجر الجهاد في سبيل الله وأجر الشهادة والغنيمة، والمغزوّون يكون لهم إخراجهم من الكفر إلى الإيمان ومن الظّلمات إلى النّور، ومن الكفر إلى الإسلام.\n\"قاتلوا من كفر بالله\" القصد من الغزو هو: قتال الكفّار، لكفرهم، لأن الله خلق النّاس لعبادته ﷾، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾، والمصلحة في العبادة راجعةٌ إليهم، لأنّهم إذا عبدوا الله أكرمهم الله ﷾ في الدنيا والآخرة، أما إذا عبدوا غير الله فقد ضرّوا أنفسهم.\nفالمقصود من الغزو في الإسلام هو: إزالة الكفر وإحلال التّوحيد محلّه، هذا هو المقصود من الغزو، ليس المقصود من الغزو الاستيلاء على البلاد، أو أخذ الأموال، أو توسيع الملك، أو ما أشبه ذلك، قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ .\nوهذا فيه دليلٌ على أنّ الجهاد يكون بالغزو والهجوم على الكفّار في ديارِهم بعد دعوتهم إلى الإسلام وليس المقصود منه- كما يقول بعض الكُتّاب العصريّين: إن المقصود به الدفاع، إنّما المقصود من الجهاد هو: إزالة الكفر والشرك من الأرض، كما قال ﷾: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣٩) وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٤٠)﴾ . فالمقصود من الغزو والجهاد في الأصل: هو طلب الكفّار في بلادهم، ونشر الإسلام، وإزالة الكفر.\nأمّا قصة الدفاع فمعناه: أنّنا نبقى في ديارِنا، فإن جاءونا دافعناهم، وإن ما جاءونا تركناهم. وهذا باطل، ولم يأتِ الإسلام بهذا، إنما كان هو موجودًا في أوّل","vol":"2","page":289},{"text":"اغزوا ولا تغُلّوا، ولا تغدروا، ولا تمثّلوا، ولا تقتلوا وليدًا.\nــ\nالإسلام لَمّا كان المسلون قِلّة، ولم يكن للمسلمين دولة فعندما كانوا في مكّة، كانوا منهيِّين عن القتال لأنّ المفسدة فيه أعظم من المصلحة، لكن لّمّا قويَ المسلمون ووجُدت دولة المسلمين في المدينة أمر الله المسلمين بالجهاد والغزو وقتال الكفّار وغزوهم في ديارهم وفي بلادهم لنشر الإسلام، ونفّذ ذلك رسول الله ﷺ، فما تُوفّي رسولُ الله ﷺ إلاّ والإسلام منتشر في معظم جزيرة العرب، وجاء النّاس ودخلوا في دين الله أفواجًا قبل وفاته ﷺ، وكاتب الملوك- ملوك الأرض- يدعوهم إلى الإسلام، وكان ذلك مقدَّمة لجهادهم.\nوجاء مِن بعده الخلفاء الرّاشدون فواصلوا الجهاد الذي بدأه رسولُ الله ﷺ حتى انتشر الإسلام في مشارق الأرض وفي مغاربها، ودخلت دولة الفُرس ودولة الروم تحت حكم الإسلام، منهم من أسلم ومنهم من خضع لبذل الجزية، وصارت الغلبة والظهور لدين الإسلام كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾، فتحقّق وعدُ الله ﷾ وظهر دينُ الإسلام على الدين كلّه، وبلغ مشارق الأرض ومغاربها، بجهاد المجاهدين في سبيل الله.\n\"اغزوا\" هذا تكرارٌ منه ﷺ للتأكيد.\n\"ولا تَغُلُّوا، ولا تغدروا، ولا تمثِّلوا، ولا تقتلوا وليدًا\" يرسم لهم ﷺ الخُطَّة التي يسيرون عليها في جهادهم، وهي خُطّة العدل والإنصاف والرِّفْق والحكمة.\n\"ولا تَغُلُّوا\" الغُلول هو: أن يأخذ شيئًا من الغنيمة قبل القِسْمة، فالغنيمة تُجمع ثم يُقْسَم حسب ما شرعه الله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ .\nفمن أخذ شيئًا منها بدون القسمة أو التنفيل الذي يمنحُه القائد لبعض المجاهدين لمزية فيه؛ فمن أخذ شيئًا بدون وجه شرعي من المغانم فهذا الغُلول، وهو كبيرة من كبائر الذّنوب، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١٦١)﴾، ففي يوم القيامة يأتي الغالّ يحمل ما أخذه في الدنيا، يحمله على ظهره، إن أخذ بعيرًا جاء","vol":"2","page":290},{"text":"وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال [أو خلال]، فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكُفّ عنهم:\nــ\nبالبعير على رقبته، وإن أخذ بقرة جاء بها يحملها على رقبته، وإن أخذ مالًا جاء به يحملُه يوم القيامة فضيحةً له في هذا الموقف العظيم.\nوالغالُّ يؤدَّب بأن يُحْرَقُ رَحْلُه، والأثاث الذي معه، من باب العقوبة بالمال، ولا يصلِّي عليه الإمام إذا مات بل يتركُه يصلِّي عليه النّاس من أجل الردع للنّاس.\nوحتّى العُمّال الذين يبعثهم وليّ الأمر لجباية الزكاة؛ إذا قبِلوا الهدايا من النّاس فهي غُلول، قال ﷺ: \"هدايا العُمّال غُلول\".\n\"ولا تَغْدِرُوا\" هذا الشّاهد من الحديث للباب، والغدر هو: الخيانة في العهد.\n\"ولا تُمَثِّلُوا\" أالتمثيل معناه: تشويه جُثَث القتلى؛ بقطع آذانهم أو أُنوفهم أو أطرافهم، وهذا لا يجوز، لأنّ جُثة الآدمي لها حُرْمة حتى ولو كان كافرًا، فلا يجوز التمثيل به.\n\"ولا تقتلوا وليدًا\" الوليد معناه: الصّغير من الكُفّار، لأنّه ليس منه خطرٌ على المسلمين، كما أنّها لا تُقتل -أيضًا- المرأة من الكُفّار، لأن النساء لسن من أهل القتال، وإنّما الأطفال والنساء يؤخذون أرقّاء للمسلمين، وكذلك الشيخ الكبير الهَرِم لا يُقتل، إلاّ إذا كان له رأي ومشورة في الخَرْب، مثَل ما قُتل دُرَيْد بن الصِّمَّة سيِّد هوازِن، وكان رجلًا كبيرًا هَرِمًا لكن قُتل في غزوة حُنين لأنّه كان يعطي الآراء للكُفّار، لأنّه كان سيِّدًا من ساداتهم وشجاعًا من شجعانهم، وقد مارس الحروب وساس المعارك، فعنده خِبرة، وكانوا يرجعون إليه، فقتله المسلمون، لأنّه يصدُر منه ضررٌ على المسلمين، أمّا الشيخ الذي ليس له أهميّة، وكفره قاصرٌ على نفسه، فلا يقتل، إنّما يُقتل الكافر الذي يتعدّى ضرره وكفره إلى النّاس، وكذلك الرُّهبان الذين في الصوامع أيضًا لا يُقتلون، لأنّهم مشغولون بما هم فيه ولا يصدُر منهم أذى للمسلمين وكفرهم قاصر عليهم.\nوقوله: \"وإذا لقيت عدوّك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال [أو خِلال] \" الخصال والخِلال بمعنىً واحد، ولكن هذا شكٌّ من الراوي، وهذا من الدقّة في الرواية، إذا كان الراوي لا يجزم باللّفظة التي قالها رسول الله ﷺ فإنّه يأتي بالكلمة","vol":"2","page":291},{"text":"ادعهم إلى الإسلام؛ فإن أجابوك فاقبل منهم. ثم ادعهم إلى التحوّل من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين.\nــ\nالتي تشابهها تحرُّجًا من القول على رسول الله ﷺ ما لم يقل وإنْ كان المعنى صحيحًا، وهذا من احترام كلام رسول الله ﷺ، وأنّ أحدًا لا يُضيف إليه شيئًا، ويقول: قال رسول الله كذا وهو لم يجزم.\n\"فأَيَّتَهُنَّ \" بالنصب على أنّه مفعول للفعل المتأخِّر وهو \"أجابوك\".\n\"ما أجابوك فاقبل منهم وكُفَّ عنهم\" إذا قبلوا أيّ واحدة من هذه الخلال الثلاث- أو الخصال- فاقبل منهم إجابتهم وكُفّ عنهم القتال، ولا تقاتلهم.\nهذا فيه: أنّ القتال لا يجوز إلاّ بعد الدعوة إلى الإسلام، ولا تجوز مفاجأتهم وقتالهم وهم لم يسبق لهم دعوة من المسلمين.\n\"ادعهم إلى الإسلام\" قوله في الحديث: \"ثم ادعهم إلى الإسلام\" هذه رواية مسلم: (ثم)، وفي رواية غير مسلم بحذف (ثمّ)، وهو الصحيح، ويكون: \"ادعهم إلى الإسلام\" بداية الكلام.\nفالكفّار يجب أن يُدعوا إلى الإسلام أوّلًا، فإنّ قبلوا فالحمد لله، لأنّ هذا هو المقصود، نحن لا نقاتلهم إلاّ لأجل دخولهم في الإسلام، فمن شهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمدًا رسولُ الله وجب الكفُّ عنه، واعتبرناه من المسلمين، له ما للمسلمين وعليه ما على المسلمين، إلاّ أن يظهر منه بعد ذلك ما يخالف الشهادتين فنعتبرُه مرتدًّا، ونعامله معاملة المرتدّ، أمّا إذا لم يظهر منه شيء فإنّه يُقبل منه الإسلام، ولو مات بعد نُطقه بالشهادتين عاملناه معاملة المسلم في الميراث والجنازة وغير ذلك.\nثم إذا قبلوا الإسلام فـ \"ادعهم إلى التحوّل من دارهم\" يعني: من مكانهم الذي يقيمون فيه.\n\"إلى دار المهاجرين\" وهي المدينة في ذاك الوقت.\nوالهجرة في اللغة هي: ترك الشيء، قال تعالى: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥)﴾ أي: اترُك الشرك، وقال ﷺ: \"المهاجر: من هجر ما نهى الله عنه\" الهجر هو: التَّرْك. هذا في اللغة.","vol":"2","page":292},{"text":"فإن أبوا أن يتحوّلوا منها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله تعالى، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء؛ إلاّ أن يجاهدوا مع المسلمين.\nــ\nأمّا في الاصطلاح الشرعي فالهجرة صارت تُطلق على الانتقال من بلاد الكفر إلى بلاد المسلمين من أجل حفظ الدين.\nوالهجرة من أعظم الأعمال بعد الإسلام، ولهذا صار للمهاجرين ميزة على إخوانهم من الأنصار، وصاروا يقدّمون في الذّكر لشرفهم، لأنّهم تركوا أوطانهم وديارهم وأموالهم وخرجوا، بل تركوا أولادهم وأزواجهم، وخرجوا إلى المدينة من أجل الدين ومن أجل نُصرة الرّسول ﷺ، فشكر الله لهم ذلك وأثنى عليهم ووعدهم بجزيل الثواب.\nوالهجرة باقية إلى أن تقوم السّاعة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ هؤلاء الذين تركوا الهجرة عن غير عذر فظلموا أنفسهم بذلك.\nفالهجرة واجبة وباقية إلى أن تقوم السّاعة، وفي الحديث: \"لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تخرُج الشمس من مغرِبها\".\nوأمّا قولُه ﷺ: \"لا هجرة بعد الفتح ولكن جهادٌ ونيّة\" فالمراد به: الهجرة من مكّة، لأنّها بعد الفتح صارت دارَ إسلام، وأمّا الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام فهي باقية إلى قيام السّاعة.\nوالهجرة في هذا الحديث وهي الانتقال من دارهم إلى دار المهاجرين مستحبّة في حقّهم، إذا كانت البلاد بلادًا إسلامية فالانتقال منها إلى بلد أفضل منها مستحبّ، لأن الرّسول ﷺ هنا خيَّرهم، فدلّ على أن الهجرة هنا غير واجبة عليهم، وإنّما هي أفضل في حقِّهم.\n\"فإن أبوا أن يتحوّلوا منها فأخبرهم أنّهم يكونون كأعراب المسلمين\" يعني: إن آثروا البقاء في بلدهم ولم ينتقلوا إلى المدينة فأخبرهم أنّهم يكونون كأعراب المسلمين، والأعراب: جمع أعرابي، وهو: ساكنُ البادية.\nولا شكّ أن سُكنى الحاضرة الإسلاميّة أفضل من سُكنى البادية الإسلامية لأنّ","vol":"2","page":293},{"text":"فإن هم أبوا فاسألهم الجزية، فإن أجابوك فاقبل منهم وكُفّ عنهم.\nــ\nسُكنى البادية فيها جفاء، أمّا سُكنى الحاضرة الإسلاميّة ففيها في الغالب خير، وفيها تعلُّم العلم النّافع، وفيها مخالطة الصّالحين، فالتعرُّب فيه جهل، وفيه بعدٌ عن العلم، خلاف الهجرة ففيها خيرٌ كثير.\n\"يجري عليهم حكم الله تعالى\" أي: حكم الإسلام، فيكونون مسلمين، ولكن \" لا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء\" الغنيمة هي: ما يستولي عليه المسلمون من أموال الكُفّار في أثناء القتال.\nوقد تولّى الله تعالى قسمَتها في كتابه فقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾، وأربعة الأخماس الباقية توزّع بين المقاتلين: للرّاجل سهم، وللفارس ثلاثة أسهم، سهمٌ له وسهمان لفرسه.\nفهؤلاء الذين أسلموا ولكنّهم لم ينتقلوا إلى بلاد الهجرة، وبقوا في البادية؛ ليس لهم من الغنيمة شيء، لأنّهم لم يشاركوا المجاهدين ولم يكونوا في بلد المجاهدين رِدْءًا لهم، لأنّ الذين يقيمون في الحواضر يكونون رِدًا للمجاهدين إذا احتاجوا إليهم.\n\"فإنْ أبَوا\" يعني: أبوا الإسلام، فينتقل معهم إلى الخصلة الثانية، وهي: طلب الجِزْية.\nوالجزية: مقدارٌ من المال يدفعه الكافر حتى يُحْقَنَ دمه ويعيش تحت ظلِّ الإسلام وحكم الإسلام، ويبقى على كفره، لكن يكون خاضعًا لحكم الإسلام.\nواختلف العلماء﵏- هل تُؤخذ الجزية من كُلِّ كافر كما هو ظاهر هذا الحديث، أو أنّها تُؤخذ من أهل الكتاب فقط لقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾، فخصّ الله في الآية أهلَ الكتاب: اليهود والنصارى، فالذين أوتوا الكتاب هم اليهود والنصارى، وأُلْحِقَ بهم المجوس بسنّة رسول الله ﷺ فقال: \"سُنُّوا بهم سُنَّة أهل الكتاب\" يعني: في أخذ الجزية، فهم يُسَنُّ بهم سنة أهل الكتاب في أَخذ الجزية، أمّا ذبائحهم فهي حرام، بخلاف ذبائح أهل الكتاب، ونسائهم.","vol":"2","page":294},{"text":"فإن هم أبوا فاستعِن بالله وقاتلهم.\nــ\nفتؤخذ الجزية من أهل الكتاب بنصَ الآية، وتؤخذ الجزية من المجوس بالسنّة النبويّة وفعل الخلفاء الراشدين، ويبقى الخلاف في بقيّة المشركين، فهذا الحديث يدلّ على أخذها منهم أيضًا.\nوالعلماء اختلفوا في ذلك على ثلاثة أقوال:\nالقول الأوّل: وهو قولُ الإمام مالك ﵀، واختيار الإمام ابن القيِّم: أنّها تُؤخذ من كُلِّ كافر، بدليل هذا الحديث، لأنّ النّبي ﷺ عمّم أخذ الجزية، وقال: \"إذا لقيتَ عدوّك من المشركين\"، وهذا عامّ يعمّ جميع المشركين.\nالقول الثّاني: أنّها تؤخذ من كلّ مشرك من العجم. أما مشركو العرب فلا تؤخذ منهم الجزية، فلا يُقبل منهم إلاّ الإسلام أو القَتْل، وهذا قول الإمام أبي حنيفة ﵀.\nالقول الثالث: أنّ أخذ الجزية خاصٌّ بأهل الكتاب وبالمجوس فقط من العرب ومن العجم، ومن عداهم من المشركين فلا يُقبل منهم جزية، وهذا قولُ الإمام الشافعي، وظاهر مذهب الإمام أحمد ﵀.\nوالمسألة مفصّلة في كتب الفقه وفي \"كتاب أحكام أهل الذمَّة\" للإمام ابن القيِّم، وفي كلام شيخ الإسلام ابن تيميّة في \"مجموع الفتاوى\".\nوالحكمة في أخذ الجزية في مقابل تأمينهم ولإتاحة الفرصة لهم ليتأمّلوا في أحكام الإسلام ويعيشوا تحت حكمه، فتظهر لهم سماحة الإسلام، وفضك الإسلام فيكون ذلك دافعًا لدخولهم فيه، هذا من الحكمة في أخذ الجزية ليتأمّلوا في الإسلام، ويجرّبوا العيش تحت ظلّه وعدله، ويتمكّنوا من سماع القرآن والسنّة، ويكون ذلك دافعًا لهم للدّخول في الإسلام.\nوقوله: \"فإن هم أبوا\" يعني: أبوا دفع الجزية.\n\"فاستعن بالله وقاتلهم\" هذه الخصلة الثاّلثة، وهي المرحلة الأخيرة معهم، وهي: القتال، لأنّهم أبوا الدخول في الإسلام، وأبوا دفع الجزية، فلم يبق إلاّ","vol":"2","page":295},{"text":"وإذا حاصرت أهل حِصن، فأرادوك أن تجعل لهم ذِمّة الله وذِمّة نبيه؛ فلا تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه، ولكن اجعل لهم ذمة أصحابك؛ فإنكم أن تخفروا ذممكم وذمة أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة نبيه.\nــ\nالقتال، وقد بلغتهم الدعوة، وقامت عليهم الحجة، وانقطعت معذرتهم فلم يبق إلاّ قتالُهم لأجل أن تكون كلمة الله هي العليا، قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾، ﴿لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ يعني: لا يكون شرك ولا يفتنون المسلمين عن دينِهم، لأنّهم إذا بقوا صاروا دُعاة إلى الكفر، وهم خطرٌ يهدِّد المسلمين لصرفهم عن دينهم، فالكفّار دائمًا وأبدًا يريدون صَرّْف المسلمين عن دينهم: قال تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾، وقال ﷾: ﴿وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾، وقال ﷾: ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾، فالكفّار دائمًا في كلِّ مكان وزمان يحاولون صرف المسلمين عن دينهم، وقوله: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ هذا هو الواجب، لأنّ الله هو الخالق الرازق الرب المدبِّر الذي يستحقّ العبادة، وعبادة غيرِه باطلة، لأنّها بغير حقّ.\nوقوله: \"استعن بالله\" هذا دليلٌ على وجوب الاستعانة بالله وعدم الاغترار بالقوّة، وأن المسلمين إنّما يقاتِلون بإعانة الله جل وعلا ويعتمدون على الله، ويطلُبون منه النصر والقوّة، ولا يعتمدون على قوّتهم وعبي كثرتهم، فإنهم إن اعتمدوا على ذلك هُزِموا، كما قال ﷾: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ* ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (٢٦)﴾ .\nفالمسلمون يعتمدون على الله، ويتّخذون القوّة والسلاح: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾، ولكن هذه القوّة وهذا السلاح إنما هو سبب من الأسباب، وأمّا الاعتماد فهو على الله جل وعلا، فلا يُعتمد على القوّة ولا على الكثرة، فإنّ ذلك لا ينفع إذا لم يساعد الله جل وعلا بنصره وتأييده.\nثم قال ﷺ: \"وإذا حاصرت أهلَ حِصْن\" والمراد بالحِصْن: واحد الحُصون، وهي: الأبنية والقِلاع التي يتحصَّن بها المقاتلون.","vol":"2","page":296},{"text":"وإذا حاصرت أهل حصن، فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله؛ فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك، فإنك لا تدري أتصيب فيهم حكم الله أم لا؟ \" رواه مسلم.\nــ\nوأغلب من يتحصّن بالقلاع هم أهل الكتاب وأهل المدن والحضر، أمّا البادية فإنّهم يكونون في الصحراء، ليس لهم قلاع ولا حصون.\nوالحصار معناه: تطويق الحُصون من كلِّ المنافذ، ومنعهم من الخروج والدخول، ووصول الأمداد إليهم. من الحصر وهو: الحبْس. وهذه خُطَّة من خطط الحرب.\n\"فأرادوك أن تجعل لهم ذِمّة الله وذِمّة نبيه\" الذمّة: العهد.\n\"فلا تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه\" هذا نهي عن ذلك؛ احترامًا لذمة الله وذمة نبيه من النقض وعدم الوفاء.\n\"فإنّكم أن تَخْفِرُوا ذممكم وذمة أصحابكم أهون من أن تَخْفروا ذمّة الله \" \"فإنكم أن تَخْفِرُوا\" تنقضوا، الإخفار معناه: النّقص، والخفر معناه: الحماية. ولا يؤمن ممن أعطى ذمة أن ينقضها، فنقض ذمته أهون من نقض ذمة الله وذمة رسوله.\nثم قال ﷺ: \"وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تُنزلهم على حكم الله فلا تُنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك\" يعني: على اجتهادك، تقول لهم: أنا أجتهد فيكم فرب الحكم الذي أرى أنّه حق وصواب، فإن وُفِّقت وأصبت فذلك من الله ﷾، وإنْ أخطأتُ فهذا من اجتهادي ولا يُنسب إلى الله ﷾.\nوإذا حصل خطأ في اجتهاد البشر فإنه لا يُنسب إلى حكم الله ﷾.\nولهذا قال في ختام الحديث: \"فإنك لا تدوي أتصيب فيهم حكم الله أم لا\".\nقال الفقهاء: هذا فيه دليل على الاجتهاد في الأحكام الفقهيّة.\nوفيه: دليل على أنّ المصيب من المختلفِين واحد، فليس كلُّ مجتهد مصيبًا، وإنّما المصيب يكون واحدًا والبقيّة يكونون مخطئين.\nفهذا فيه دليل على أنّ المفتي إذا أفتى بفتوى لا يقول: هذا حكم الله، وإنّما يقول: هذا اجتهادي الذي أراه، لأنّه لا يدري هل أصاب الحقّ أو لا، فلا ينسب إلى الله شيئًا لا يدري هل هو حقّ، أو خطأ.","vol":"2","page":297},{"text":"وفي هذا دليلٌ على أنّ الخطأ يتفاوت، وأنّ الذنب يتفاوت؛ بعضُه أعظم من بعض.\nوفيه: الإرشاد إلى أخفّ الضررين، فإنّ نقض عهد الله سبحانه أشدّ من نقض عهد المخلوق، وإن كان الكلّ حرامًا، سواء كان مضافًا إلى الله أو مضافًا إلى المخلوق، ولكن نقض عهد الله أشدّ من نقض عهد المخلوق.\nوهذا في المسائل الاجتهادية.\nأمّا المسائل التي نصّ الله على حكمها؛ فهذا لا إشكال فيه، يقال: هذا حكم الله، تقول: الزنا حرام، هذا حكم الله.\nتقول: الرِّبا حرام، هذا حكم الله.\nالشرك حرام، هذا حكم الله ﷾.\nلأن الحكم في هذا واضح، وهذه أمور ليست من مسائل الاجتهاد، لأنّ الله نصّ على حكمها.\nكذلك القاضي الذي يحكم بين النّاس لا يقول: هذا حكم الله، وإنّما يقول:\nهذا حكمي واجتهادي، وهذا الذي توصّلتُ إليه.\nفيؤخذ من الآية والحديث مسائل عظيمة:\nالمسألة الأولى: يؤخذ من الآية تحريم نقض العُهود، قال الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ .\nوالعهود عامّة، تشمل العهود التي بين العبد وبين ربِّه، العهود التي بين الرّاعي والرعيّة، العهود التي بين المسلمين والكُفّار، العهود التي بين المسلمين بعضهم مع بعض كلها يجب الوفاء بها، ويحرم نقضُها بدون سبب صحيح.\nالمسألة الثانية: في الحديث أنّ تكوين الجيوش والسرايا والغزو والجهاد من صلاحيَّات الإمام، هو الذي يأمر بذلك وهو الذي ينظِّم هذه الأمور ويُرجع إليه فيها، لأنّ النّبي ﷺ كان هو الذي ينظِّم الجيوش والسرايا ويؤمِّر الأمراء عليها، ويوصيهم، فدلّ هذا على أن هذا الأمر من صلاحيّات الإمام، وأنّه لا يجوز لأحدٍ","vol":"2","page":298},{"text":"من النّاس أن يغزو أو يقاتِل أو يجمِّع جماعة في وسط ولاية الإمام ويأمر وينهى ويُصدر أوامر بدون إذن إمام المسلمين، هذا يُعتبر من الاعتداء على صلاحيّات الإمام ومن الفوضى في الإسلام، ويحصل بهذا مفاسد عظيمة.\nالمسألة الثالثة: في الحديث دليلٌ على أنّ الجهاد في الإسلام شرُع من أجل إعلاء كلمة الله ونشر الإسلام والقضاء على الكفر والشِّرك، لقوله ﷺ: \"قاتلوا مَن كفر بالله\".\nالمسألة الرابعة: في الحديث دليلٌ على تحريم قتل من لا يقاتِل من الكفّار كالطفل الوليد: \"لا تقتلوا وليدًا\"، وكذلك النساء، وكذلك الشيخ الكبير الهَرِم، وكذلك الرُّهبان في الصوامع، هؤلاء لا يجوز قتلُهم لأنّهم لا يقاتِلون، وكفرهم قاصرٌ على أنفسهم لا يتعدّى إلى غيرهم، أمّا إذا كان هؤلاء لهم رأيٌ ولهم دعوة إلى الكفر فإنّهم يُقتلون دفعًا لشرهم.\nالمسألة الخامسة: في الحديث دليلٌ على أنّ الكُفّار لا يقاتَلون إلاّ بعد دعوتهم إلى الإسلام، وأنّه لا تجوز بداءتهم بالقتال قبل الدعوة، لقوله ﷺ: \"ادعهم إلى الإسلام\"، وهذا أوّل ما بدأ به ﷺ.\nالمسألة السادسة: فيه أنّ من أظهر الإسلام ونطق بالشهادتين فإنّه يُقبَل منه ويُكَفُّ عنه، حتى يتبيّن منه ما يناقض الإسلام، فعند ذلك يُحكم عليه بحكم المرتد لقوله ﷺ: \"فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكُفَّ عنهم\".\nالمسألة السابعة: في الحديث دليلٌ على مشروعية أخذ الجزية ممّن أبى أن يقبل الإسلام وبَذَل الجزية.\nالمسألة الثامنة: في الحديث دليلٌ على أن المسلمين يعتمدون في قتالهم للكفّار على الله ﷾، ولا يعتمدون على حولهم وقوّتهم وكثرة جنودهم ولا يغترون بذلك لقوله ﷺ: \"فاستعن بالله وقاتلهم\".\nالمسألة التاسعة: في الحديث دليلٌ على أنَّ المسلمين لا يُنزلون الكُفّار المحاصرين على ذمّة الله وذمّة رسوله، يعني: على عهد الله وعهد رسوله، وإنّما يُنزلونهم على ذممهم هم، لأنّه إنْ حصل خطأ فإنّه ينسب إليهم ولا ينسب إلى ذمة الله وذمة رسوله.","vol":"2","page":299},{"text":"المسألة العاشرة: فيه دليلٌ على أنّ الذنوب تختلف، بعضها أشدّ من بعض، وذلك أنّ نقض عهد الله أشدّ من نقض عهد المخلوقين، وإنْ كان الكلُّ حرامًا، ولكن الذنوب تتفاوت، وارتكاب أخفّ الذنوب أسهل من ارتكاب أعظمها.\nالمسألة الحادية عشرة: في آخر الحديث دليلٌ على مشروعية الاجتهاد في المسائل التي هي مَحَلٌّ للاجتهاد.\nوالمسألة الثانية عشر: في الحديث دليلٌ على أنّ الصواب يكون مع واحد من المجتهدين ولا يكون مع جميعهم، بدليل قوله ﷺ: \"فإنّك لا تدري\"، وإذا كان هذا خطابًا للصحابة، وهم أقرب النّاس إلى العلم والإصابة، لأنّهم يتلّقون عن الرّسول ﷺ، فغيرهم من باب أولى من المجتهدين، فلا يغترّ الإنسان برأيه وباجتهاده، لأنّه يحتمل أنّه مخطئ وأنّ الصواب مع مخالفه، فلا يغتّر الإنسان باجتهاده أو يتعصّب لرأيه أو يشتدّ عندما يناقَش، هذا لا يجوز، لأنك مجتهد وهذا مجتهد، والصواب محتمل أن يكون معك وأن يكون معه، فلا يجزع الإنسان من المناقشة ومن المساءلة في المسائل الخلافية، ويقول: هذا اجتهادي وهذا الذي أرى، والإنسان عُرْضة للخطأ، ولا يقول هذا حكم الله في المسألة.","vol":"2","page":300},{"text":"[الباب الرابع والستون:]\n* باب ما جاء في الإقسام على الله\nعن جندب بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"قال رجل: والله لا يغفر الله لفلان. فقال الله ﷿: من ذا الذي يتألَّى عليَّ أن لا أغفر لفلان؟!، إني قد غفرت له وأحبطت عملك\" رواه مسلم.\nــ\nقال الشيخ ﵀: \"باب ما جاء في الإقسام على الله\" الإقسام على الله هو: الحلف على الله، فإن كان هذا الحلف على الله. بأنّه لا يرحم عباده ولا يغفرُ لهم ولا يُدخل أحدًا منهم الجنّة فهذا محرَّم، وهو سوء أدبٍ مع الله تعالى، لأنّ معناه: الحجّر على الله تعالى، ولا أحدٌ يمنع الله من أن يتصرّف في خلقه، وأن يرحم من شاء ويعذِّب من شاء، وأن يغفر لمن شاء؟.\nفالذي يفعل هذا قد أساء الأدب مع الله، وتنقّص الله ﷾، فهذا النوع يُعتبر مُخلًا بالتّوحيد.\nفلذلك عقد المصنِّف ﵀ هذا الباب، وأجمل في الترجمة فقال: \"باب ما جاء في الإقسام على الله\" لأنّ الإقسام على الله له احتمالان أو وجهان:\nالاحتمال الأوّل: هو ما ذكرنا، وهذا ممنوع وحرام، ومخلٌّ بالعقيدة.\nالنوع الثاني من الاقسام على الله: أن يكون على وجه حسن الظنّ بالله أن يفعل الخير، وأن يغفر لعباده وأن يسقيهم المطر، وأن ينصرهم على الأعداء، فهذا لا بأس به، لأنّه حسن ظنٍّ بالله، وقد جاء في الحديث: \"إنَّ مِن عباد الله مَن لو أقسم على الله لأَبَرَّه\"، وقال النّبي ﷺ: \"رُبَّ أشعث أغبر ذي طِمْرين، مدفوع بالأبواب؛ لو أقسم على الله لأبرَّه\".\nقال الشيخ ﵀: \"عن جُنْدَب بن عبد الله\" جندب: بفتح الدّال، ويجوز الضمّ. والمراد به: جندب بن عبد الله البَجَلي، صحابي جليل، ﵁.\n\"قال: قال رسولُ الله ﷺ: \"قال رجل\" \" يعني: ممّن كان قبلنا من الأمم.\nقولُه: \"والله لا يغفر الله لفلان\" هذا من النّوع الأوّل، وهو الحلف على الله أن لا يفعل الخير، وهو المحرَّم.","vol":"2","page":301},{"text":"وفي حديث أبي هريرة: أن القائل رجل عابد.\nقال أبو هريرة: تكلّم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته.\nــ\n\"فقال الله ﷿: \"من ذا الذي يتألّى عليّ\"، يتألّىيعني: يحلف، والأَلِيَّة هي الحَلِف، قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾، ومعنى ﴿يُؤْلُونَ﴾ يعني: يحلفون.\nثم قال جل وعلا: \"إني قد غفرتُ له\" الله جل وعلا يغفر الذنوب، يوفِّق العبد للتوبة ولو قبل الموت بلحظات، ثم يتوب الله عليه ويدخله الجنّة، وقد يكون الإنسان كافرًا عدوًّا لله، ثم يمنّ الله عليه بالتوبة والإسلام، ويموت في لحظته ويدخُل الجنّة، وقد يكون الإنسان على عمل صالح وعلى عبادة ثم يرتد عن الإسلام في آخر لحظة ثم يدخل النّار، فالأعمال بالخواتيم: \"إنّ أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتّى ما يكون بينه وبينها إلاّ ذراع فيعمل بعلم أهل النّار فيدخلها، وإنّ أحدكم ليعمل بعمل أهل النّار حتّى ما يكون بينه وبينها إلاّ ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنّة فيدخلها\"، فالأعمال بالخواتيم، والمدار على التوبة الصادقة، متى حصلت التوبة الصادقة قبل الغرغرة حصلت المغفرة، مهما كانت الذنوب والخطايا والسيِّئات.\nولهذا جاء في الحديث الآخر: \"أنّ الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله والنّار مثل ذلك\"، ما بينه وبين الجنّة إلاّ أن يموت على الإسلام والتوبة فيدخل الجنّة، وما بينه وبين النّار إلاّ أن يموت على الشرك أو على الذنوب الكبائر فيدخل النار إلاّ أن يعفو الله عمّا دون الشرك.\nولهذا قال المصنِّف ﵀ في مسائله: \"فيه: أنّ الجنة أقرب إلى أحدنا من شراك نعله، والنّار مثل ذلك\".\nقال جلّ وعلا للذي تألّى عليه سبحانه: \"أحبطتُّ عملك\" أي: أبطلته. فهذه الكلمة أبطلت عمله.\nففيه: خطر اللّسان، ولهذا قال أبو هريرة ﵁: \"تكلّم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته\" يعني: أهلكت دنياه وآخرته.\nفهذا الحديث فيه مسائل:\nالمسألة الأولى: فيه تحريم الإقسام على الله إذا كان على وجه الحجْر على الله ﷾ أن لا يفعل بعباده خيرًا، وأنّه مخلٌّ بالتّوحيد.","vol":"2","page":302},{"text":"المسألة الثانية: فيه خطرُ اللّسان، وأنّه قد يزلّ في كلمة تُهلكه في الدنيا والآخرة، فكيف بالذي يتكلّم بكلام كثير من سخَطِ الله؟، ماذا تكون حالته وعاقبته - والعياذ بالله-، كم يتكلمّ الإنسان من الكلام الذي عليه لا له، فلنتحفّظ من ألسنتنا.\nالمسألة الثالثة: فيه ما أشار إليه المصنِّف: أنّ الجنة أقرب إلى أحدنا من شِراك نعله وأنّ النار مثل ذلك.\nالمسألة الرابعة: في الحديث دليلٌ على تحريم إعجاب الإنسان بنفسه واحتقاره للآخرين.\nالمسألة الخامسة: في الحديث دليلٌ على وجوب التحفُّظ عند إنكار المنكر من الكلام الذي يكون وبَالًا على صاحبه، لأنّ بعض النّاس عند إنكاره المنكر قد تحمله الغَيْرة فيتكلّم على العُصاة والمخالفين بكلام لا يليق، فيكون إثم ذلك عليه ووبالُه عليه، ففيه: أنّ الإنسان ينكر المنكر بضوابط، ولا يندفع في الإنكار إلى حدٍّ يزلُّ فيه بلسانه أو بيده، فيقع في منكر أشدّ، فإنكار المنكر له ضوابط؛ يقول الله جل وعلا: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، ويقول ﷾: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾، ويقول جل وعلا: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾، فالإنسان يتكلّم بالكلام الطيِّب الذي له تأثيرٌ حسن على المدعوِّين وعلى العُصاة، ولا يغلِّظ عليه بكلام يكون منفِّرًا ويكون مُغْضِبًا لله ﷾، ففيه: أنّه يجب على من يقومون بالإنكار على النّاس والدعوة إلى الله أن يتحفّظوا من الزلاّت التي تُوقعهم في منكر أعظم وتنفر النّاس من القبول.","vol":"2","page":303},{"text":"[الباب الخامس والستون:]\n*باب لا يُستشفع بالله على أحد من خلقه\nعن جبير بن مطعم ﵁ قال: جاء أعرابي إلى النّبي ﷺ فقال: يا رسول الله، نهكت الأنفس، وجاع العيال، وهلكت الأموال؛ فاستسق لنا ربك، فإنا نستشفع بالله عليك، وبك على الله.\nــ\nالاستشفاع: طلب الشفاعة.\nوالشفاعة: هي الوساطة في قضاء الحوائج عند من هي بيده.\nوهي بحسب المشفوع فيه؛ فإن كان المشفوع فيه خيرًا فالشفاعة حسنة وفيها أجر، قال ﷾: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾، وقال ﷺ: \"اشفعوا تؤجروا \".\nأمّا إنْ كانت الشفاعة في أمر محرَّم فإنّها محرَّمة، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾، كالذي يشفع في إسقاط حد من حدود الله كحدّ الزنا، وحدّ السرقة، وحدّ الشرب، فأراد أحدٌ أن يبُْطِلَه، وذهب إلى الحاكم من أجل أن يترك إقامة الحدّ بعدما تقرّر وثبت؛ فهذه شفاعة محرّمة، قال ﷺ: \"تعافوا الحدود فيما بينكم، وما بلغني من حدٍّ فقد وجب\"، وقال: \"إذا بلغت الحدود السلطان فلعن الله الشّافع والمشفَّع\".\nهذا في الشفاعة عند المخلوق:\nأمّا الاستشفاع بالله على أحدٍ من خلقه: فهذا منكر عظيم، لأنّ المشفوع عنده يكون أعظم من الشّافع، فإذا استشفع بالله إلى أحدٍ من خلقه فمعناه: أن هذا المخلوق عنده أعظم من الله، فهذا تنقُّصٌ لجناب الله ﷾، وهذا مخلٌّ بالتّوحيد.\nقوله: \"جاء أعرابي\" الأعرابي هو: ساكن البادية، والغالب على سُكّان البادية الجهل.\n\"نَهِكَت الأنفس\" يعني: ضغُفت.\n\"وجاع العيال، وهلكت الأموال\" وذلك بسبب تأخُّر المطر، لأنّ عيشة البادية","vol":"2","page":304},{"text":"على ما ينزّله الله ﷾ من الأمطار، والمطر لا يستغني عنه أحد لا أصحاب الحاضرة ولا أصحاب البادية، كلُّهم بحاجة إلى المطر، فإذا تأخّر المطر تضرّر النّاس، وإذا نزل المطر وأنزل الله فيه البركة انتفع النّاس وانتعشوا، فالأمطار فيها خيرٌ للعباد.\nولا يحبسها الله جل وعلا إلاّ بسبب الذنوب والمعاصي: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (١٦)﴾ .\n\"فاستسق لنا ربك\" وهذه عادة الصّحابة ﵃، أنهم كانوا إذا تأخّر المطر أو أنحبس المطر طلبوا من النّبي ﷺ أن يستسقيَ لهم.\nوالاستسقاء هو: طلب السُّقيا.\nوالاستسقاء: سنّة قديمة فقد استسقى موسى﵊- لقومه، واستسقى سليمان لقومه، واستسقى نبيُّنا محمد ﷺ لأمّته، فالاستسقاء مشروع.\nوذلك بأن يأتوا إلى النّبي ﷺ في حياتِه ويطلبوا منه أن يدعو الله لهم بنزول المطر، فالنّبي ﷺ يُجيبُهم إلى ذلك، تارةً يدعو وهو جالس بين أصحابه، وتارة يدعو في خطبة الجمعة بنزول المطر، وتارة يخرُج إلى المصلَّى في الصحراء فيصلَّي بالنّاس صلاة الاستسقاء، ثم يخطُب ويدعو الله ﷾ ويسقيهم الله ﷿.\nوبعد وفاة النّبي ﷺ كانوا يأتون إلى الخلفاء الراشدين: يأتون إلى عمر فيطلُبون منه أن يدعوَ الله لهم، وعر يطلب من العبّاس عمّ النّبي ﷺ أن يدعوَ الله لقرابَتِه من رسول الله ﷺ.\nكذلك المسلمون يطلُبون من علمائهم ووُلاة أمورهم ومن الصالحين منهم أن يدعو ربّهم بالسقيا، وهذه سنّة ثابتة.\nفمجيء هذا الأعرابي إلى النّبي ﷺ وطلبه من الرّسول أن يستسقيَ لهم، أمرٌ معروف مستقرّ.\nولكن هذا الأعرابي لم يقتصر على ذلك بل قال: \"فإننّا نستشفع بالله عليك\" وهذه هي الكلمة المنكَرة، لأنه جعل الله شافعًا عند الرّسول ﷺ، والشّافع أقلّ درجة من المشفوع عنده، فهذا تنقُّصٌ لله ﷾.\nوقوله: \"ونستشفع بك على الله\" هذا أيضًا لا إنكار فيه في حياة النّبي ﷺ،","vol":"2","page":305},{"text":"فقال النّبي ﷺ: \"سبحان الله، سبحان الله\" فما زال يسبِّح حتى عُرف ذلك في وجوه أصحابه.\nثم قال النّبي ﷺ: \"ويحك!، أتدري ما الله؟!، إن شأن الله أعظم من ذلك، إنه لا يُستشفع بالله على أحد من خلقه\" وذكر الحديث. رواه أبو داود.\nــ\nلا بعد موته. ومعناه: طلب الدعاء من الرّسول لهم بالسقيا، كذلك طلب الدعاء من الصالحين الأحياء، لا بأس به.\nثم إنّه ﷺ نزّه الله عن هذا التنقُّص وهذا الجهل الذي وقع من هذا الأعرابي في حقِّ الله، وقال: \"سبحان الله! سبحان الله! \" وهذه عادته ﷺ، أنّه كان إذا استنكر شيئًا يسبِّح، أو أعجبه شيء يسبِّح أو يكبِّر.\nقوله: \"حتى عُرف ذلك في وجوه أصحابِه\" لَمّا تأثَّر وغضب، غضبوا لغضب الرّسول ﷺ، وتأثّروا من تأثُّر الرّسول ﷺ، وظهر ذلك على وجوههم ﵃.\nثم قال: \"ويحك! \" (ويح) كلمة يُراد بها العِتاب، أو يراد بها الشَّفَقة أحيانًا.\n\"أتدري ما الله؟ \" هذا استنكار من النّبي ﷺ وبيان لجهل هذا الأعرابي في حق الله.\n\"شأنُ الله أعظم من ذلك، إنّه لا يستشفع بالله على أحدٍ من خلقه\" لَمّا أنكر ﷺ ذلك ونزّه ربّه علّم هذا الجاهل ما يجب عليه من تعني الله.\nفهذا الحديث فيه مسائل عظيمة:\nالمسألة الأولى: في الحديث دليل على مشروعيّة الاستسقاء عند تأخُّر المطر، فهو سُنّة ثابتة، وأن الطّلب من الصالحين الأحياء الحاضرين أن يدعو الله للمسلمين، لا بأس به، أمّا المِّيت فلا يُطلب منه شيء، لا شفاعة ولا دعاء.\nوالدليل على ذلك: أنّ الصّحابة ﵃ لَمّا تُوفّي الرّسول ﷺ لم يكونوا يذهبون إلى قبره إذا أجدبوا أو احتاجوا إلى شيء، ما كانوا يذهبون إلى قبره مثل ما كانوا يأتونه وهو حيّ ويطلبون منه الدعاء، وإنّما عدلوا إلى العبّاس عمّه لأنّه حيٌّ موجود بينهم وطلبوا منه أن يدعو الله لهم.","vol":"2","page":306},{"text":"المسألة الثانية: في الحديث دليل على إنكار المنكر، فإنّ النّبي ﷺ أنكر على هذا الأعرابي ولم يسكُت عنه.\nالمسألة الثالثة: في الحديث دليل على تحريم الاستشفاع بالله على أحدٍ من خلقه، وأنّ هذا يُخِلُّ بالعقيدة وينقِّص التّوحيد، وفيه إساءةُ أدبٍ مع الله ﷾، وهذا الذي عقد المصنِّف هذا الباب من أجله.\nالمسألة الرابعة: في الحديث دليل على أنّ طلب الدعاء والاستشفاع بالحيّ جائز، لأنّ النّبي ﷺ لم يُنكر على هذا الأعرابي قوله: (ونستشفع بك على الله)، وإنّما أنكر عليه الجملة التي قبلَها: \"إنا نستشفع بالله عليك\"، أمّا الاستشفاع بطلب الدعاء من الحي الحاضر فلا بأس بذلك، وهذا فعل الصّحابة مع الرّسول ﷺ ومع غيرِه إذا احتاجوا إلى ذلك.\nالمسألة الخامسة: فيه مشروعيّة تعليم الجاهل، فإنّ النّبي ﷺ علَّم هذا الجاهل بعدما أنكر عليه ونبهه على الخطأ الذي حصل منه من أجل أن يتجنَّبه.\nالمسألة السادسة: فيه مشروعية التسبيح والتكبير عند حصول أمرٍ منكر أو أمرٍ عجيب، بدل التصفيق الذي أحدثه من يقلدون الكفار.","vol":"2","page":307},{"text":"[الباب السادس والستون:]\n* باب ما جاء في حماية النّبي ﷺ حمى التّوحيد وسده طرق الشرك\nــ\nسبق بابٌ يشبه هذا، وهو قول الشيخ ﵀ هناك: \"باب ما جاء في حماية المصطفى ﷺ جناب التّوحيد، وسدّه كل طريق يوصِّل إلى الشرك\"، فما الفرق بين البابين؟.\nالفرق بين البابين: أنّ جناب التّوحيد معناه: جانب التّوحيد، وهنا: \"حمى التّوحيد\" وفرقٌ بين الجانب وبين الحمى، لأنّ الجانب بعض الشيء، وأمّا الحمى فهو ما حول الشّيء.\nفهناك أراد المصنِّف ﵀ أن يبيّن حماية النّبي ﷺ للتوحيد نفسه من أن يقع فيه شرك.\nوهنا أراد أن يبيّن أنّ النّبي ﷺ حمى ما حول التّوحيد، بعد حمايته التّوحيد، وهذا من باب العناية التامة بشأن التّوحيد.\nقوله: \"باب ما جاء\" يعني: من الأحاديث.\n\"في حماية النّبي ﷺ\" الحماية معناها: المنع، أي: منع النّبي ﷺ.\n\"حمى التّوحيد\" أي: ما حول التّوحيد.\n\"وسده طرق الشرك\" الطرق هي: الأشياء التي توصِّل إلى الشيء، فالنّبي ﷺ سدّ الوسائل والأسباب التي تؤدِّي إلى الشرك وإن لم تكن هي من الشِّرْك لكن لَمّا كانت تؤدِّي إلى الشرك منع منها النّبي ﷺ احتياطًا للتّوحيد، فقد يكون الشيء مباحًا في نفسه، ولكن إذا كان هذا المباح يُفضي إلى محرَّم فإنّ هذا المباح يُصبح حرامًا، لأنّ الوسائل لها حكم الغايات، فالوسيلة إلى المحرّم تكون حرامًا، وهذا ما يسمّى عند الأُصوليّين بقاعدة (سدّ الذرائع)، فكلُّ ذريعة توصِّل إلى محظور وإلى حرام فإنّ الشّارع منع منها وحرّمها، وهذا كثيرٌ في الشريعة.","vol":"2","page":308},{"text":"عن عبد الله بن الشَّخِّير ﵁ قال: انطلقت في وفد بني عامر إلى رسول الله ﷺ، فقلنا: أنت سيِّدُنا، فقال: \"السيِّد الله ﵎\".\nــ\nقولُه: \"عن عبد الله بن الشَّخِّير\" هو عبد الله بن كعب بن عامر بن الشخِّير العامري نسبةً إلى بني عامر، قبيلة من قبائل العرب معروفة.\nقال: \"انطلقت في وفد بني عامر إلى رسول الله ﷺ\" وذلك عام الوُفود، وهو العام التّاسع من الهجرة، فإنّ النّبي ﷺ لَمّا فتح الله عليه مكّة في السنّة الثامنة من الهجرة، دخل النّاس في دين الله أفواجًا، فصاروا يتوافدون على الرّسول ﷺ يعلنون إسلامهم، فسمّيَ هذا العام عامَ الوُفود، وهذا كما قال الله ﷾: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْوَاجًا (٢)﴾، والفتح المراد به: فتحُ مكّة.\nقالوا للرّسول ﷺ يخاطبونه: \"أنت سيدنا\" على عادة العرب أنّهم إذا قدِموا إلى كبيرٍ من كبرائهم أو ملكٍ من ملوكهم يمدحونه ويفخِّمونه بالألفاظ، فظنّوا أن النّبي ﷺ كذلك يقال له مثل ما يقال لرؤساء العرب وملوك العرب، فقالوا: \"أنت سيدنا وابن سيدنا\".\nفقال النّبي ﷺ: \"السيِّد الله ﵎\" أراد ﷺ أن يسدّ باب الغلوّ في حقِّه ﷺ، فقال لهم: \"السيِّدُ الله\" من أجل أن يترُكوا هذا اللّفظ.\nوالسيِّد يطلق ويُراد به: المالِك، كما يقال لمالك العبد: سيِّد، لأنّه يملكُه، فالله جل وعلا هو السيد، بمعنى أنّه هو المالك المطلق الذي له التصرُّف كما يشاء ﷾ في عباده، فهو السيِّد والخلق عباده ﷾.\nوالنّبي ﷺ أراد أن يسدّ هذا المديح خوفًا عليهم من الغلو، كما أن الصّحابة لَمّا آذاهم منافق من المنافقين فقالوا: \"قوموا بنا نستغيث برسول الله ﷺ\"، فقال النّبي ﷺ: \"إنّه لا يُستغاث بي، وإنما يُستغاث بالله\"، فأراد ﷺ أن يسدّ هذا الباب، وإن كانت الاستغاثة بالمخلوق فيما يقدر عليه جائزة، كما قال الله تعالى في قصة موسى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾، والنّبي ﷺ قادرٌ على أن يردع هذا المنافق ولكنّه أراد أن يعلِّم الأمّة الآداب ويبعدها عن الغلو فقال: \"إنّه لا يُستغاث بي، وإنّما يُستغاث بالله ﷿\".\nوقال- أيضًا-: \"لا تُطْرُوني\" أي: لا تزيدوا في مدحي، \"كما أطرت","vol":"2","page":309},{"text":"قلنا: وأفضلنا فضلًا، وأعظمُنا طَوْلًا، فقال: \"قولوا بقولكم أو بعض قولكم، ولا يستجرينكم الشيطان\" رواه أبو داود بسند جيِّد.\nــ\nالنصارى ابن مريم\" أي: كما غَلَت النصارى في المسيح عيسى ابن مريم﵊- حتى أدّى بهم هذا الغلوّ إلى أن عبدوه من دون الله، وجعلوه إلهًا، \"إنّما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسولُه\".\nإلى غير ذلك من الأحاديث التي ينهى فيها النّبي ﷺ عن الغلوّ في مدحه ﷺ، خوفًا على الأمّة من الوُقوع في الشّرك، لأنّ المبالغة في المدح تُفضي إلى الغلو والشرك في الممدوح، لاسيّما إذا كان هذا الممدوح نبيًّا من الأنبياء، أو كان صالحًا من الصالحين، أو عالمًا من العلماء أو ممّن كانت لهم مكانةٌ في النّاس، فإنّه لا يجوز الغلوّ في مدحه، لأنّ هذا يؤدِّي إلى الشرك.\nوأيضًا: مدح الإنسان في وجهه يسبِّب إعجاب الممدوح بنفسه، فالمبالغة في المدح فيها محذوران.\nالمحذور الأوّل على المدح نفسه: أن يغلو في الممدوح حتى يعبُده من دون الله.\nوالمحذور الثّاني في حقِّ الممدوح: فقد يُعجب هذا الممدوح في نفسِه ويرى لنفسه منزلة رفيعة، فيكون ذلك ضررًا عليه ويفسد أعماله، لأنّ الإنسان إذا أُعجب بأعماله وأُعجب بصلاحه وأُعجب بعلمه فإن ذلك يؤدي إلى فساد أعماله، لأنّ الواجب على الإنسان أن يتذلّل لربِّه وأن يخضع لربِّه وأن يعرف قدْر نفسه وأنّه ضعيف، وأنّه محتاج إلى الله ﷾، وأنّه مخلوق كسائر المخلوقين ليس له ميزة على غيره من البشر إلاّ بالتقوى والعمل الصّالح، وإلاّ فإنّه لا فضل لعربي على عجمي ولا لأبيض على أسود إلاّ بالتقوى.\nفالنّبي ﷺ قال لهم: \"السيِّد الله\" من أجل أن يسدّ عليهم هذا الطريق الذي كانوا يعتادونه مع رؤسائهم ومع أكابرهم.\nوقوله ﷺ: \"قولوا بقولكم\" يعني القول المعتاد مع الرّسول ﷺ، بأن يقال له:\nيا رسولَ الله، يا نبيّ الله، هذا القول المعتاد معه ﷺ، وليس فيه غلو.\nوقوله: \"ولا يستجرينكم الشيطان\" أي: لا يتّخذكم الشيطان جريًاّ له، والجري","vol":"2","page":310},{"text":"وعن أنس ﵁: أنّ ناسًا قالوا: يا رسولَ الله، يا خيرنا وابن خيرنا، وسيِّدنا وابنَ سيِّدنا، فقال: \"يا أيها النّاس، قولوا بقولكم، ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد؛ عبد الله ورسولُه، ما أُحِبُّ أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله ﷿\" رواه النسائي بسند جيّد.\nــ\nمعناه: الرسول، أي: لا تكونوا رسلًا للشيطان يُرسلكم إلى النّاس بالغواية والمديح الكاذب.\nثم ذكر المصنِّف الحديث الثاني فقال: \"عن أنس ﵁: أن ناسًا قالوا: يا رسول الله، يا خيرنا وابن خيرنا، وسيّدنا وابن سيّدنا\" أما قولهم: \"يا رسول الله\" فهذا سليم، لكن قولهم: \"سيدنا وابن سيِّدنا\" هذا الذي استنكره النّبي ﷺ.\nوكذلك قولهم: وخيرنا وابن خيرنا\" هذا- أيضًا- استنكره النّبي ﷺ، لأن الرّسول ﷺ لا يريد المدح، وإنّما يريد أن يوصف بما وصفه الله تعالى به من الرّسالة والنبوّة، وكفى بذلك شَرَفًا له ﷺ.\nقوله ﷺ: \"ولا يستهوينكَم الشيطان\" يستهوينَّكم: يوقعكم في الهوى الذي يضلُّ عن سبيل الله ﷿. أو يسهوينّكم: من الهُوِي وهو: الوُقوع في الهلاك، أي: لا يوقعكم الشيطان في الضّلال، أو لا يوقعكم في الهوى الذي يضلّكم عن سبيل الله ﷿، فإنّ الشيطان يتدرَّج في بني آدم شيئًا فشيئًا إلى أن يُهلكهم. فعلى المسلم أن يحذر من الشيطان واستدراجه واستهوائه، ولا يتساهل مع الشيطان في شيء ولو كان صغيرًا فإنّه يكَبُر ويعظم.\nثم قال ﷺ: \"أنا محمد؛ عبد الله ورسوله\" هذا ما يمدح به ﷺ العبودية\nوالرسالة.\n\"ما أُحبُّ أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله ﷿ \" هذا بيان الحكمة في منعه ﷺ؛ أّنه خشي عليهم في مدحهم له أن يرفعوه فوق منزلته التي أنزله الله وهي العبوديّة والرّسالة، لئلا يعتقدوا فيه جانب الرّبوبيّة، كما حصل للنصارى في حقّ عيسى﵊-.\nفعبده: فيه منع من الغلوّ.","vol":"2","page":311},{"text":"ورسوله: فيه المنع من تنقص حقه ﷺ.\nفلا تعتبره أنّه لا ميزة له على البشر في شيء، كما يقول الكفار: ﴿مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾، لأنّه جُحودٌ للرّسالة.\nففي قولنا: \"عبده ورسوله\" منع من الإفراط ومن التفريط.\nفهذان الحديثان يُستفاد منهما فوائد عظيمة:\nالفائدة الأولى: فيه التحذير من الغلوّ في حقِّه ﷺ عن طريق المديح، وأنّه ﷺ إنّما يوصف بصفاته التي أعطاه الله إيّاها: العبوديّة والرِّسالة، أمّا أن يغلى في حقِّه فيوصف بأنّه يفرِّج الكروب ويغفر الذنوب، وأنّه يُستغاث به﵊ - بعد وفاته، كما وقع فيه كثيرٌ من المخرِّفين اليوم فيما يسمّونه بالمدائح النبويّة في أشعارهم كـ \"البردة\" للبوصيري، وما قيل على نَسْجِها من المخرِّفين، فهذا غلوٌّ أوقع في الشرك، كما قال البوصيري:\nيا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم\nإن لم تكن في معادي آخذا بيدي ... فضلًا وإلاّ قل يا زلّة القدم\nفإنّ من جودك الدنيا وضرَّتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم\nفهذا غلوٌّ- والعياذ بالله- أفضى إلى الكفر والشِّرْك، حتى لم يترُك لله شيئًا، كلّ شيء جعله للرّسول ﷺ: الدنيا والآخرة للرّسول، علم اللوح والقلم للرّسول، لا ينقذ من العذاب يوم القيامة إلاّ الرّسول، إذًا ما بقي لله ﷿؟.\nوهذا من قصيدةٍ يتناقلونها ويحفظونها ويُنشدونها في الموالد.\nوكذلك غيرها من الأشعار الكفريّة الشركيّة، خصوصًا ما يُنشد في الموالِد المبتدعة من الأناشيد الشركيّة، كلّ هذا سببه الغلوّ في الرّسول ﷺ.\nوأمّا مدحه ﷺ بما وصفه الله به بأنّه عبدٌ ورسول، وأنّه أفضل الخلق، فهذا لا بأس به، كما جاء في أشعار الصّحابة الذين مدحوه، كشعر حسّان بن ثابت، وكعب بن زُهير، وكذلك كعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة، فهذه أشعار نزيهة طيِّبة، قد سمعها النّبي ﷺ وأقرّها، لأنّها ليس فيها شيءٌ من الغلو، وإنّما فيها ذكر أوصافه ﷺ.","vol":"2","page":312},{"text":"الفائدة الثانية: في الحديث النّهي عن وصف الرّسول ﷺ بالسيّد، وهذا فيه إشكال عند أهل العلم: حيث إنّه أنكر على من قال له: \"أنت سيِّدُنا\"، وقال \" السيِّد الله\".\nبينما جاءت أحاديث أخرى فيها إطلاق السيِّد عليه ﷺ وعلى غيره، فقد صحَّ عنه ﷺ إنّه قال: \"أنا سيِّد ولد آدم ولا فخر\"، وقال في الحسن بن علي ﵄: \"إن ابني هذا سيِّد، وسيصلح الله به بين طائفتين عظيمتين من المسلمين\"، وقال: \"الحسن والحسين سيِّدا شباب أهل الجنّة\"، ولما جيء بسعد بن معاذ ﵁ عام الخندق، قال ﷺ للأنصار: \"قوموا إلى سيِّدكم\".\nفالعلماء اختلفوا في الجواب على ثلاثة أقوال:\nالقول الأوّل: تحريم إطلاق لفظ (السيِّد) على المخلوق، فلا يقال السيِّد إلاّ في حقِّ الله ﷾، كما جاء في هذين الحديثين: \"السيِّد الله\" وهذا مرويٌّ عن الإمام مالك ﵀.\nوأجابوا عن الأحاديث المخالفة بأنها أحاديث متقدّمة، وحديث: \"السيِّد الله\" متأخر لأنّه كان في عام الوفُود في السنّة التاسعة، فيكون ناسخًا للأحاديث التي تدلّ على جواز إطلاق لفظ (السيِّد) على المخلوق.\nالقول الثّاني: جواز إطلاق السيِّد على المخلوق عملًا بالأحاديث التي فيها ذلك: \"أنا سيِّد ولد آدم\"، \"إن ابني هذا سيِّد\"، \"قوموا إلى سيِّدكم\"، فيجوز إطلاق لفظ السيد على المخلوق كما في هذه الأحاديث.\nوأجابوا عن حديث المنع بأنّه محمولٌ على كراهة التنزيه، فيكون النّهي للتنزيه.\nوالقول الثالث: الجواز مطلقًا بلا كراهة، إلاّ إذا خيف من الغلو، فإنّ النّبي ﷺ خاف عليهم من الغلو، كما في الحديثين المذكورين، فإذا خيف على الإنسان من الغلو يُنهى عن ذلك، أمّا إذا لم يُخفْ عليه من الغلو فلا بأس عملًا بالأحاديث الكثيرة التي جاء فيها إطلاق السيد على المخلوق.\nوهناك قولٌ رابع ألمح إليه المشايخ، وهو: أنّه لا يجوز إطلاق السيِّد على","vol":"2","page":313},{"text":"الشخص في حضورِه ومواجهته، ويجوز إطلاقُه عليه وهو غائب، لأنّ النّبي ﷺ إنّما استنكر هذا لَمّا واجهوه به ﷺ، فيُمنع مواجهة الإنسان بقول: (أنت السيِّد)، (أنت سيِّدنا) أو ما أشبه ذلك خوفًا عليه من الإعجاب بنفسه، كما نهى النّبي ﷺ من مدح الإنسان حال حضوره.\nهذا حاصل الأقوال في هذا المسألة.\nتنبيه: الآن لفظ (السيِّد) صار يطلق على من يُعتقد فيهم النفع والضر، مثل من يسمّونهم السادة من أهل البيت أو السادة من الصوفية، وصار يصحب هذا القول اعتقاد في الأشخاص، وهذا لا شكّ في تحريمه.\nفإذا أُطلق (السيِّد) على مثل هؤلاء فإنّه محرَّم، لأنّه ينبئ عن اعتقاد باطل وشرك بالله ﷿، وأنّ هؤلاء ينفعون ويضرّون وتحلّ البركة منهم.\nالمسألة الثالثة: فيه ما عقد المصنِّف هذا الباب من أجله، وهو حمايته ﷺ حمى التّوحيد وسدّه الطرق التي تُفضي إلى الشّرك، حيث إنّه منع من وصفه ﷺ بالسيادة وبالفضل وبالطَّوْل من أجل سدّ الوسيلة إلى الغلو وإلى الشرك، ففيه: شاهد للترجمة.\nالفائدة الرّابعة: فيه المنع من الغلوّ في مدحه ﷺ سواءً في النثر أو في الشِّعر، والشِّعر أشد، لأنّ الشعر يُحفظ ويُرغب فيه أكثر من النّثر، وبعضهم إذا جاء لزيارة قبر النّبي ﷺ يقف ويدعو النّبي ﷺ يستغفر، ويقول: جئتك تائبًا يا رسول الله، يا حبيب الله جئتك تائبًا وما أشبه ذلك من الغلو، لأنّ التوبة إلى الله سبحانه وليست إلى الرسول ﷺ.","vol":"2","page":314},{"text":"[الباب السابع والستون:]\n* باب ما جاء في قول الله تعالى:\n﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ الآية.\nــ\nهذا الباب ختم به المؤلِّف ﵀ أبواب \"كتاب التّوحيد\"، لأنه يشتمل على الأسماء والصّفات، لأنّ \"كتاب التّوحيد\" كلُّه يدور على توحيد الأُلوهيّة، ومكملاته ومنقصاته ومناقضاته، وفي هذا الباب ذكرُ الأسماء والصّفات من أجل أن يتكامل هذا الكتاب فيحتوي على جميع أنواع التّوحيد، لأنّ توحيد الألوهيّة يتضمّن توحيد الربوبيّة، ومن جملة توحيد الربوبيّة: الإيمان بالأسماء والصّفات، ولكن فُصلت الأسماء والصّفات بقسم خاص لوُجود المخالفين فيها؛ من فرق الجهميّة والمعتزلة والأشاعرة ومَن أخذ بمذهبهم، وقد أنكر عليهم الأئمّة مذهبهم هذا إنكارًا شديدًا، وألّفوا في ذلك المؤلَّفات والرُّدود الكثيرة، لأنّ هذا تعطيلٌ لأسماء الله وصفاته، وإلحادٌ في أسماء الله وصفاته، والله تعالى يقول: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ .\nفالله أثبت لنفسه الأسماء وأثبت له الصّفات، أثبت له السمع، والبصر، والقُدرة، والحياة، والعلم، والوجه، واليدين، وأثبت له ﷾ صفات الكمال، فمن نفى ذلك عن الله فقد ألحد في أسماء الله، فهو من الذين قال الله- تعالى فيهم: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ أي: اتُركوهم ولا تلتفتوا إلى قولهم، لأنّه مخالف لكتاب الله وسنّة رسوله ﷺ.\nوفي قوله: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ﴾ تهديدٌ من الله ﷾ لِمَنْ خالف في أسماء الله وصفاته بأنّه سيعذِّبُه.\nولذلكِّ عقد المصنف ﵀ هذا الباب في آخر \"كتاب التّوحيد\" من أجل تكامل الكلام على التّوحيد.\nقوله ﵀: \"باب ما جاء\" يعني: ما ورد عن النّبي ﷺ وعن السّلف الصالح في تفسير هذه الآية: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ وهذه آية عظيمة فيها عبر","vol":"2","page":315},{"text":"وعِظات، وأنّ هذا الكون بسمائه وأرضه وجباله وشجره ومائه وثرائه وجميع المخلوقات يجعلها الله ﷾ يوم القيامة على أصابعه ويجمعها في كفيّه ﷾، كمَا صحت بذلك الأدلة، فهذا يدلّ على عظمة الله ﷾، وصغر هذه المخلوقات الهائلة بالنسبة إليه ﷾ ويدلّ عل عظمته وكبريائه وجَبَروته سبحانه، ولهذا قال جل وعلا: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أي: ما عظّموه حقّ تعظيمِه.\n﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ هذا بيان لعظمته ﷾ وسيأتي بيان ذلك في الحديث الذي يسوقه المصنِّف ﵀.\n﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ من كان يقدر على هذه الأمور فإنّه لا أعظم منه ﷾، كلُّ الكون- بمن فيه- كلُّه حقير وصغير بالنّسبة إلى خالقه ﷾.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ هذا يشمل كلّ من تنقّص الله تعالى فإنّه ما قدره حقّ قدره، فيدخل في ذلك الجاحدون المعطِّلون الذين ينفون وُجود الله تعالى، وهم الدهرية الذين يقولون: ﴿مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾، يقولون: ليس لنا ربّ يتصرّف فينا، وإنّما هذا الوُجود إنّما هو نتيجة الطّبيعة والصُّدفة ليس له ربٌّ أوجده وخلقه، وإنّما يتفاعل هذا الوُجود بنفسه، فتتكوّن هذه الأشياء من تفاعُل هذا الكون، ويجحدون وُجود الخالق ﷾، وهؤلاء يقال لهم: المعطِّلة الدهريّة.\nوقد ردّ الله تعالى عليهم بقوله: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ (٣٦)﴾، وردّ عليهم بقوله: ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾، لأن القول لابد أن يكون مستندًا إلى بُرهان، وأين بُرهانهم؟ لأن البرهان إنما على أنّ هذا الخلْق له خالق، هذا هو البُرهان الذي تقرّه الفطر والعقول.\nفلا يُتصوّر ولا يُعقل أن يوجَد مخلوق بدون خالق، فلا عاقل في الدّنيا يتصوّر أنّ هذا الكون وُجد بدون خالق، لأن هذا من باب العبث بالعُقول، هل تجدون - مثلًا- أنّ قصرًا تكوّن بدون عمال وبدون بانٍ؟، هذا محال هل تجدون- مثلًا- شجرة وُجدت بدون أسباب وبدون بِذار وبدون سقي؟، لابدّ من أسباب لوجودها.","vol":"2","page":316},{"text":"وهذا يقال إنّ الإمام أبا حنيفة ﵀ جاءه جماعة من الملاحدة وقالوا: نريد المناظرة، فقال لهم ﵀: قبل المناظرة بلغني خبرٌ عجيب، قالوا: وما هو؟، قال: بلغني أنّ سفينةً تسير بنفسها في البحر، وتحمَّل نفسها بالبضائع، ثم تأتي وتُفرغ حَمولتها بنفسها بدون عُمّال وبدون قائد، قالوا: هذا مُحال، لا يُتصوّر أنّ سفينة تمشي في البحر وتحمّل نفسها وتُفرغ عن نفسها بدون عمّال وبدون قائد، قال: هكذا بلغني، قالوا: هذا مُحال، قال: يا سبحان الله! إذا كانت سفينة- وهي جزئيّة صغيرة في الكون- لا يُتصوّر فيها أنّها تعمل هذا الشّيء فكيف بهذا الكون كلّه ليس له خالق وليس له مدبِّر وليس له رب، فانخصموا واندحروا، وأفحمهم بهذه الحُجّة.\nوهذه الآية مفحمة لكل ملحد: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ﴾ هل يُعقل أنّ الخلق يوجد بدون خالق؟، لا، هذا لا يقولُه عاقل.\nوإذا كان الكون لابدّ له من خالق فمن هو هذا الخالق؟، هل هو أنتم؟ ﴿أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ يعني: أنتم الذين خلقتم السماء، خلقتم الأرض، خلقتم الشجّر، خلقتم البحار، بيِّنوا لنا الذي خلق هذه الأشياء، وضِّحوا لنا، لا يستطيع أحد مهما بلغ من الكفر والإلحاد، لا يستطيع أن يدّعي أنّه خلق السماء، وخلق الأرض، ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ (٣٦)﴾، ﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾، ﴿هَذَا خَلْقُ اللهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾، فكلّ الكفرة والمشركين لا أحد منهم ادّعى أنّ معبوده من دون الله خلقَ شيئًا من هذا الكون، أبدًا، قال ﷾: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ .\nفالله جل وعلا هو المنفرد بالخلْق، ولا أحد نازعَ الله في ذلك من الجبابرة والمتكبِّرين والكَفرة والملحدين، لا أحد ادّعى أنه خلق بعوضة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾، هذا تحدٍّ من الله ﷾، تحدِّ لجميع الخلق بمن فيهم المَهَرة والمهندسون والخُبراء أن يخلُقوا ذبابًا، ولا يزال التحدِّي قائمًا إلى يوم القيامة، فهذا دليل على أنّ الخالق هو الله.\nأوّلًا: الخلْق لابدّ له من خالق، هذه بداهة عقلية لا ينازع فيها إلاّ مكابر.","vol":"2","page":317},{"text":"ثانيًا: ما أحد ادّعى أنّه خلق شيئًا من السموات ولا من الأرض، والتحدِّي قائم إلى يوم القيامة.\nفالملاحدة ما قدروا الله حقَّ قدره، الذين نفوا وُجود الله ووجود الخالق.\nوكذلك المشركون الذي أقرّوا أن الخالق الرّازق المحيي المدبِّر هو الله ﷾، واعترفوا بتوحيد الرّبوبية، ولكنّهم خالفوا في العبادة، وخالفوا في توحيد الألوهيّة، فعبدوا مع الله غيره من الأصنام والأحجار والأشجار والقبور والأضرحة، هؤلاء ما قدروا الله حقّ قدره، حيث إنّهم أشركوا معه غيرَه في عبادته، ممن لا يخلُق ولا يرزق ولا يملك نفعًا ولا ضرًّا ولا موتًا ولا حياةً ولا نُشورًا، هؤلاء ما قدروا الله حقّ قدره، حيث سوّوا به خلقًا من خلقه، وجعلوهم معبودين معه، يذبحون لهم، وينذُرون لهم، ويتبرّكون بهم، ويطوفون بقبورهم، ويتبرّكون بالأحجار والأشجار، ويعبدون الأصنام، جعلوا هذه الأصنام والجمادات، وجعلوا هؤلاء الأموات الرُّفات في القبور جعلوهم شركاء لله في العبادة، هؤلاء ما قدَروا الله حقّ قدره ﷾.\nوكذلك ما قدر الله حقّ قدره مَن جحد الأسماء والصّفات، فمن أنكر الأسماء والصّفات الّتي أثبتها الله لنفسه وأثبتها له رسولُه ﷺ أو تأوّلها على غير معناها وألحد فيها؛ ما قدَر الله حقّ قدره، فالذي قال: \"إنّ الله لا يوصف بصفات، ولا يسمّى بأسماء، وإنّما هذه مجازات لا حقيقة لها، فلا يوصف الله عنده بأنّ له يدين، ولا أنّ له وجهًا، ولا يوصف الله بأنّه في العلو عالٍ على خلقه مستوٍ على عرشه\"، ثم راح يؤوِّل هذه الصّفات إلى معانٍ لا تحتملُها، فهذا ما قدَر الله حقّ قدره ﷾، حيث إنّه ألحد في أسمائه، وألحد في صفاته، ما قدر الله حقّ قدره، ويدخُل في ذلك الجهميّة والمعتزلة والأشاعرة والماتوريديّة، وكلّ من ألحد في الأسماء والصّفات أو جحد بعضها أو شيئًا منها فإنّه ما قدَر الله حقّ قدره ولا عظّمه حقّ تعظيمه، ويدخل في ذلك كلّ من خالف في الأسماء والصّفات فإنّه ما قدَر الله حق قدره ولا عظّمه حق تعظيمه ولا تأدّب مع ربه ﷾، بل صار يكذِّب بما وصف الله به نفسه وسمّى به نفسه، فيقول: هذا غير صحيح، هذا مجاز، هذا ليس بحقيقة، إلى غير ذلك من مقالاتهم الباطلة، ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ .","vol":"2","page":318},{"text":"كذلك ما قدر الله حقّ قدره من نفى القدر: فالقدريّة ما قدروا الله حقّ قدره، حيث نفوا القدر، وقالوا: \"إنّ الأشياء توجد بدون قدر الله وأنّها أُنف- يعني: تحدُث بغير قدر الله، وإنّما العبد هو الذي يخلق فعل نفسه دون أن يكون لله قدرٌ سابق وعلمٌ سابق بهذه الأشياء، ﴿مَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ .\nويدخل في ذلك كلّ من ألحد في القدر من الجبرية ومن القدريّة، كلّهم ما قدروا الله حقّ قدره.\nأيضًا: ما قدر الله حقّ قدره مَن عصى الله وارتكب ما حرّم الله من المعاصي وترك ما أوجب الله من الطّاعات، ما قدر الله حقّ قدره، لأنّه خالف أمره ﷾، ولا شك أن من عصى مخلوقًا فقد تنقّصه فكيف بمن عصى الخالق، ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ لو أنّ إنسانًا تمرّد على أوامر ملِك من الملوك وأبى أن ينفِّذ ما آمر به، فيكون ما قدر ذلك الملِك حق قدره، بل تنقّص هذا الملِك حيث إنّه لم يلتزم بأوامره ونواهيه، فكيف بالذي خالف أمرَ الله ﷾، وخالف نواهيه، وارتكب المنهي وترك الواجب؟، هل يكون هذا مقدِّرًا لله حقّ قدره؟.\nإذًا فكلّ مخالف لأوامر الله ﷾ ونواهيه وأحكامه فإنّه ما قدر الله حقّ قدره، حيث لم يمتثل شرعَ الله، ومن لم يمتثل شرع الله فإنّه لم يقدُره حقّ قدره.\nكذلك من حكم بغير ما أنزل الله، وجعل القوانين الوضعيّة بديلًا عن الأحكام الشّرعية التي شرعها الله لعباده ما قدر الله حقّ قدره، يقول- بلسان الحال أو بلسان المقال-: إنّ شرعك لا يصلُح للبشر، وإنّما يصلُح للبشر القوانين البشرية التي وضعها المخلوق، هكذا، ما قدر الله حقّ قدره سبحانه.\nوالنّاس يتفاوتون في هذا، فمنهم من خالف مخالفة كبيرة ومنهم من هو دون ذلك بحسب مخالفتهم، كلّ من خالف الله أي نوع من المخالفة فإنّه ما قدر الله حقّ قدره، وإنّما قدر الله حقّ قدره من امتثل أوامره ونواهيه وحكم بكتابِه وعبد الله وحده ولم يُشرك به شيئًا، هذا هو الذي قدَر الله حق قدْره، امتثل أمره واجتنب نهيه وآمن به ﷾ ووصفه بما وصف به نفسَه وسمّاه بما سمّى به نفسه أو وصف وسمّى به رسولُه ﷺ، هذا هو الذي قدر الله حقّ قدره.","vol":"2","page":319},{"text":"عن ابن مسعود ﵁ قال: جاء حَبْرٌ من الأحبار إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمّد، إنّا نجد أنّ الله يجعل السماوات على إصبع، والأرَضِيْن على إصبع، والشجرَ على إصبع، والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع، فيقول: أنا الملك.\nــ\nكذلك من جحد الرّسالة وقال: إنّ الله لا يبعث رسولًا من البشر فهذا ما قدر الله حقّ قدره، لأنّه اتهم الله ﷾ بأنّه ترك عباده بدون هداية ولا بيان، ولا بيّن لهم طريق الحقّ من طريق الباطل، ولا وضّح لهم، ولهذا يقول جل وعلا: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (٩١)﴾، فالذي يجحد الرّسالة ويقول: \"لا يمكن أن يبعث الله بشرًا\"، وإنّما يقترح على الله أن يبعث الملائكة إلى البشر؛ فهذا ما قدر الله حق قدره.\nوكذلك من جحد البعث، وزعم أن الله لا يبعث عبيده ليجازيهم بأعمالهم: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١)﴾، فهذا ما قدر الله حق قدره، ووصفه بالعبث، وأن الله خلق الخلق عبثًا، وتركهم سدىً، يعملون بلا نتيجة، لا فرق بين المحسن والمسيء والمطيع والعاصي، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا.\nوكذلك من جحد كلام الله وقال: \"إنّ الله لا يتكلّم، وهذا الكتاب الذي هو التوراة والإنجيل والقرآن والزَّبور وغيرها من كتب الله ليس هو كلامُ الله، لأنّ الله لا يتكلم، وإنّما هو كلامُ البشر\"، ومنهم من يقول: \"المعنى من الله واللّفظ من البشر\"، هذا ما قدَر الله حقّ قدره.\nالحاصل؛ أنّ هذا بابٌ واسع، وأنّ قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ يشمل كلّ من خالف في أمور العقائد وأمور الأحكام فإنّه ما قدَر الله حقّ قدره.\nفقوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ تفسير هذه الآية في هذه الأحاديث والآثار التي ذكرها المصنِّف في هذا الباب.\nأولُها: \"عن ابن مسعود ﵁ قال: جاء حَبْرٌ من الأحبار\" الحَبر- بفتح الحاء، ويجوز الكسر، هو: العالِم، وأغلب ما يُطلق ذلك على علماء اليهود قال تعالى:","vol":"2","page":320},{"text":"﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ﴾ الأحبار في اليهود والرُّهبان للنصارى.\n\"فقال: يا محمد\" اليهود يخاطبونه بهذا الخطاب، وأحيانًا يقولون: يا أبا القاسم، ولا يقولون: يا نبيَّ الله، أو يا رسول الله، لأنّهم يجحدون رسالته ويحسدونه﵊-، وإنْ كانوا يعترفون بأنّه رسول الله وأنّه نبيُّ الله في قَرارة أنفسهم كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦)﴾، فهم يعلمون أنّه رسول الله، وأنّه نبيُّ الله، ولكنّهم جحدوا هذا تكبُّرًا وحسدًا لرسول الله ﷺ، وحسدًا للعرب، لأنّهم يريدون أن تكون النبوّة في بني إسرائيل ولا يريدونها أن تكون في بني إسماعيل، ولكنّ الله يختصّ برحمته من يشاء.\nقال الحبر: \"إنا نجد\" يجدون ذلك في التّوراة.\n\"أن الله يجعل السماوات على إصبع، والأرضين على إِصبع\" الأرضين: جمع أرض.\n\"والشجر على إصبع\"؛ شجر الدنيا، شجر البر والبحر، فالشجر اسم جنس يشمل كلّ الشجر الذي في الدنيا.\n\"والثرى على إصبع \" الثرى يعني: التراب: قال ﷾: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (٦)﴾ أي: تحت التُّراب.\n\"وسائر الخلْق على إصبع\" يعني: باقي المخلوقات.\nفهذه خمسة أصابع عليها جميع المخلوقات العلوية والسفلية، كلّ إصبع عليه خلْقٌ من خلقه ﷾.\n\"فيقول: أنا الملك\" ولا أحد ينازع في هذا، فدلّ على انفراده سبحانه بالمُلْك يوم القيامة، يقول الله جل وعلا: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ فيقول: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾، ولا أحد ينازع في هذا فيدّعي شيئًا من ملك السماوات والأرض، لأنّه لا أحد يملك السماوات والأرض إلاّ الله ﷾.\nأمّا المُلك المؤقت في الدنيا والملك الذي يُعطى لبعض النّاس فهذا عارية، ليس مُلكًا حقيقيًّا وإنّما هو عاريّة وامتحان يزول؛ ﴿قُلِ اللهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ","vol":"2","page":321},{"text":"فضحك النّبيُّ ﷺ حتى بدت نواجذه تصديقًا لقول الحَبْر، ثم قرأ:\n﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ الآية\".\nوفي رواية لمسلم: \"والجبال والشجر على إصبع، ثم يهزّهنّ فيقول: أنا الملك أنا الله \".\nــ\nمَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢٧)﴾ .\nفالأملاك ترجع إلى الله ﷾، فهو الذي يرث الأرض ومن عليها: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (٤٠)﴾ .\nقوله: \"فضحك النّبي ﷺ\" أي: لمّا سمع كلام هذا الحَبْر ضحك ﷺ سرورًا بهذا، لأنّ هذا إقرارٌ بما جاء في القرآن، وإقرارٌ بما جاء به الرّسول ﷺ.\n\"حتى بَدَتْ نواجذُه\" النواجذ هي: أوائل الأضراس، كان ﷺ إذا ضحك يتبسّم فقط، وإذا بالغ في التبسُّم بدت نواجذه ﷺ.\n\"ثم قرأ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ \" فهذا شيء جاء به القرآن كما جاءت به التّوراة، والقرآن والتوراة والإنجيل والزَّبور وصحف إبراهيم وموسى وكتب الأنبياء كلها من عند الله ﷾، وما دخل في التّوراة والإنجيل من التحريف فإنّما هو من اليهود والنصارى بعد الأنبياء. وقد بيّن الله تحريفهم في القرآن وفضح سرائرهم.\nقوله: \"وفي رواية لمسلم: والجبال والشجر على إصبع\" في هذه الرواية زيادة الجبال.\n\"ثم يهزُّهن\" يحرِّكهنُّ ﷾.\n\"فيقول: أنا الملِك، أنا الله\" هذا فيه: بيان عظمته، وربوبيّته ومُلكه ﷾، وعظيم قدْرته جل وعلا وتقرير انفراده بالملك.","vol":"2","page":322},{"text":"وفي رواية للبخاري: \"يجعل السماوات على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلْق على إصبع\" أخرجاه.\nولمسلم عن ابن عمر مرفوعًا: \"يطوي الله السماوات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليُمنى، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبّارون؟، أين المتكبِّرون؟ .\nثم يطوي الأرضين السبع، ثم يأخذهن بشماله، فيقول: أنا الملِك، أين الجبّارون؟، أين المتكبِّرون؟ \".\nــ\nقوله: \"وفي رواية للبخاري: يجعل السماوات على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع\" ذكر هنا أن أصابعه سبحانه استوعبت كلَّ الخلْق وأن يقبض السماوات والأرضين بيديه وهذا من عظمته ﷾. قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن ﵀: وقد وردت أحاديث كثيرة متعلقة بهذه الآية الطريق فيها وفي أمثالها مذهب السلف وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تحريف انتهى.\nقال الإمام ابن خزيمة الإمساك على الأصابع غير القبض على الشيء. قال: فالإمساك على الأصابع قبل تبديل الله الأرض غير الأرض. انتهى بمعناه.\nقال: \"ولمسلم عن ابن عمر مرفوعًا: \"يطوي الله السماوات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليُمنى، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبّارون؟ \" هذا تحدٍّ منه ﷾ لهؤلاء الذين يتجبّرون في الدّنيا.\nوالجبّارون: جمع جبّار، وهو المتعالي على النّاس بالقَهْر والغَلَبة والظُّلم والبَطْش بغير حق.\nأمّا الجبّار من أسمائه سبحانه، فمعناه: المتعالي بحقّ.\n\"أين المتكبِّرون؟ \" جمع متكبِّر، والمتكبِّر من الخلق هو: المتعالي، الذي يتعالى على النّاس بالظّلم والبَطْش، وكذلك يتعالى على الحق فلا يقبله. والمتكبر من أسماء الله الحسنى الكاملة يدل على العظمة والجلال والتنزه عن النقائص","vol":"2","page":323},{"text":"وروي عن ابن عبّاس قال: \"ما السماوات السبع والأرضون السبع في كف الرحمن إلاّ كخردلة في يد أحدكم\".\nــ\nوالعيوب ويتضمن صفة الكبرياء قال تعالى: ﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ .\nقوله: \"روي عن ابن عبّاس قال: ما السماوات السبع والأرَضون السبع في كفِّ الرحمن إلاّ كخردلة في يد أحدكم\" تقدّم بيان معنى هذا من الآية والأحاديث، وأنّ الله ﷾ يطوِي السماوات فيأخذها بيده اليُمنى، ويطوي الأرضين السبع فيأخذهن بشمالِه، ثم يقول: \"أنا الملِك ... \" إلى آخره، وفي هذا الأثر ما يوافق ما سبق.\nفقوله: \"ما السماوات السبع في كفِّ الرحمن إلاّ كخردلة\" أي: أنّه ﷾ يطوي السماوات السبع ويقبضُها بيده اليُمنى، ويطوي الأرَضين السبع فيأخذهنّ بشماله، فتكون في كفِّه ﷾ كخردلة، والخردلة هي: أصغر شيء يُضرب المثل بصغيرِها.\nفهذه السماوات العظيمة في كَفِّ الرحمن والأرضون الواسعة وما فيها في كفِّ الرحمن كالخردلة في يد واحدٍ منّا، هذا تشبيه لصغر هذه المخلوقات بالنسبة إلى الله، كصغر حبّة الخردل في يد المخلوق، وليس هو من تشبيه الله ﷾ أو صفة من صفاتِه بصفات المخلوقين، وإنّما هو تشبيه لصغر المخلوقات بالنسبة إلى الله ﷾ بصغر حبّة الخردل بالنسبة ليد المخلوق.\nوهذا من باب ضرب الأمثال التي تقرب بها المعاني ويوضح المقصود.\nقال شيخنا الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀ في تفسيره: \"أضواء البيان \": فيحصل من هذا البحث أن الصّفات من باب واحد وأن الحق فيها متركب من أمرين:\nالأول: تنزيه الله جل وعلا عن مشابهة الخلق.\nوالثاني: الإيمان بكل ما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ إثباتًا أو نفيًا وهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ والسلف الصالح ﵃ ما كانوا يشكون في شيء من ذلك ولا كان يشكل عليهم. إلاّ ترى إلى قول الفرزدق وهو شاعر فقط وأما من جهة العلم فهو عامي:","vol":"2","page":324},{"text":"وقال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد: حدثني أبي قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما السماوات السبع في الكرسي إلاّ كدراهم سبعة ألقيت في ترس \".\nــ\nوكيف أخاف النّاس والله قابض ... على النّاس والسبعين في راحة اليد\nومراده بالسبعين: سبع سموات وسبع أرضين. فمن علم مثل هذا من كون السموات والأرضين في يده جل وعلا أصغر من حبة خردل فإنه عالم بعظمة الله وجلاله لا يسبق إلى ذهنه مشابهة صفاته لصفات الخلق ومن كان كذلك زال عنه كثير من الإشكالات التي أشكلت على كثير من المتأخرين، وهذا الذي ذكرنا من تنزيه الله جل وعلا عما لا يليق به والإيمان بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ هو معنى قول الإمام مالك ﵀: الاستواء غير مجهول. والكيف غير معقول والسؤال عنه بدعة. ويروى نحو قول مالك عن شيخه ربيعة وأم سلمة ﵂ والعلم عند الله تعالى. انتهى كلامه ﵀.\nثم قال: \"وقال ابن جرير\" هو الإمام المفسِّر: محمَّد بن جرير، صاحب التفسير المشهور الذي يُعتبر أُمّ التفاسير.\n\"حدثني يونس، أخبرنا ابن وَهْب، قال: قال ابن زَيْد: حدثني أبي قال: قال رسولُ الله ﷺ: ما السماوات السّبع في الكُرْسي إلاَّ كدراهم سَبْعة أُلقِيَتْ في تُرس\" السماوات السبع: السماء الدنيا والتي تليها إلى السماء السّابعة على عظمتها وسَعَتها كما قال ﷾: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧)﴾، هذه السموات السبع العظيمة الواسعة بطِباقها وتباعُد ما بينها هناك مخلوقٌ أعظم منها وهو الكُرسي.\nوالكُرسي مخلوق: قال تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾، فهو مخلوقٌ من مخلوقات الله ﷾.\nوهو فوق السماوات والسماوات بالنسبة إليه كسبعة دراهم أٌلْقِيَت في تُرْس.\nوالتُّرْس هو: القاع المستدير من الأرض، فلو ألقيت سبعة دراهم في قاعٍ من الأرض ماذا تكون نسبة هذه الدراهم السّبعة إلى هذا القاع الواسع؟، تكونُ صغيرة جدًّا.","vol":"2","page":325},{"text":"قال: وقال أبو ذر ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما الكرسي في العرش إلاّ كحلقة من حديد ألقيت بين ظهراني فلاة من الأرض\".\nــ\nوقد يُراد بالتُّرْس: الصفحة من الفُولاذ التي يتّخذها المقاتِل وقايَةً بينَه وبين السّلاح يتترّس بها.\nولكن الظّاهر المعنى الأوّل، وهو أنّ المراد به: القاع المستدير.\nفالسماوات السبع بالنسبة للكرسي تكون كالدراهم السبعة إذا أُلقيت في القاع الواسع المستدير، فتكون نسبتُها ضئيلة، ممّا يدلّ على أنّ الكرسيَّ أعظمُ من السموات، وأنّها بالنسبة إليه صغيرة، والله جل وعلا يقول: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾، فمصداقُ هذا في كتاب الله ﷾.\nفدلّ على وُجود الكرسي، وأنّه مخلوق، أعظم من السماوات، وفي هذا ردٌّ على من فسّر الكرسي بالعلم، والصّواب: أنّ الكرسي غير العلم.\nوفيه ردٌّ- أيضًا- على من فسّر الكرسي بالعرش، لأنّه سيأتي أنّ العرش غير الكرسي.\nوقد جاء في الحديث: أن الكرسيَّ موضعُ القدمين، فهو مخلوقٌ مستقل، عظيم، أكبر من السموات على سعتها، وأعظم من السموات على عظمتِها.\nقال: \"وقال أبو ذرّ\" الصحابي الجليل، الزاهد، التّقي، الورع، العالِم، العابِد، الذي له سَبْق في الإسلام فهو من السّابقين الأوّلين، ومن المهاجرين- رضي الله تعالى عنه-.\n\"سمعت رسول الله ﷺ يقول: \" ما الكرسي في العرش إلاّ كحلقة أُلْقِيَتْ بين ظهراني فلاةٍ من الأرض\" الكرسي سبق لنا أنّه مخلوق مستقلّ، وأنّه أعظم من السموات، لكن هناك مخلوق أعظمُ منه وهو العَرْش.\nوالعرش هو: شَقْفُ المخلوقات، وأعلى المخلوقات، وأعظمُها.\nوالكرسي بالنسبة إلى العرْش كحلقة من حديد أُلقيت بين ظهراني فلاةٍ من الأرض، والفلاة هي: المكان المتّسع من الأرض، لو ألقيتَ فيها حَلْقة من حديد، فماذا تكون نسبة الحلْقة إلى هذه الفلاة الواسعة؟، قد لا تُرى أو تكون شيئًا ضئيلًا، فكذلك الكرسي","vol":"2","page":326},{"text":"وعن ابن مسعود قال: \"بين السماء الدنيا والتي تليها خمسمائة عام، وبين كل سماء وسماء خمسمائة عام، وبين السماء السابعة والكرسي خمسمائة عام، وبين الكرسي والماء خمسمائة عام، والعرش فوق الماء، والله فوق العرش، لا يخفى عليه شيء من أعمالكم\" أخرجه ابن مهدي عن حمّاد بن سلمة، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله.\nــ\nبالنسبة لعرش الرّحمن كحلقة من حديد أُلْقِيَت في فلاةٍ واسعة من الأرض.\nفهذا يدلّ على وُجود العرْش، وأنّه مخلوق من مخلوقات الله، وأنّه أكبر من الكُرْسي، وأنّ الكرسي أكبر من السماوات، فهذا يدلّ على عظمة الخالق ﷾ الذي هذه مخلوقاتُه العظيمة الهائلة.\nوفي هذا رد على من فسّر العرش بالملك أو غير ذلك من التفاسير الباطلة.\nثم قال: \"وعن ابن مسعود\" حديث ابن مسعود هذا يبيِّن المسافات التي بين السماوات والأرض والمسافة التي بين السماوات والكُرْسي، والمسافة التي بين الكرسي وبين العرش.\n\"قال: \" بين السمّاء الدنيا\" يعني: القريبة من الأرض، الموالية للأرض كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ .\nفبين الأرض والسماء الدنيا خمسمائة عام، وبين كلِّ سماء وسماء خمسمائة عام، وبين السماء السّابعة والكُرسي خمسمائة عام، وبين الكرسي والماء خمسمائة عام وكثف كل سماء من السماوات السبع خمسمائة عام.\nإذًا تكون المخلوقات: أوّلًا: الأرض، ثم فوقها السماوات السّبع، ثم فوق السموات السّبع الكرسي، ثم فوق الكرسي بحر ما بين أعلاه وأسفلِه خمسمائة عام، وفوق الماء عرْش الرّحمن ﷾، والله جل وعلا فوق العرش، هذا ترتيب هذه المخلوقات حسبما جاءت به النصوص، وهي متباعِدة فيما بينها، فبين السماء الدنيا والأرض خمسمائة عام، وبين كلِّ سماء والتي تليها- يعني: السماء الثّانية والسماء الثّالثة والرّابعة والخامسة والسّادسة والسّابعة- بين كلِّ سماء وسماء خمسمائة عام.\nوكثف كل سماء خمسمائة عام.","vol":"2","page":327},{"text":"ورواه بنحوه المسعودي عن عاصم بن أبي وائل، عن عبد الله.\nقاله الحافظ الذهبي- رحمه الله تعالى- قال: (وله طرق) .\nــ\nوبين السماء السّابعة والكرسي- الذي مرَّ بنا أنّه أعظم من السموات، وأنّها بالنسبة إليه كالدّراهم في التُّرْس- بينهما خمسمائة عام، ثم فوق الكرسي بحر ما بين أسفلِه وأعلاه خمسمائة عامّ، ثم فوق الماء عرشُ الرّحمن ﷾: قال تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾، فكما أن في الأرض بحرًا يغمرها فكذلك في السماء بحر آخر غير البحر الذي في الأرض، وهذا البحر الذي في السماء بحر هائل عمقه خمسمائة عام، قال تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ .\nفالعرش فوق هذا البَحْر، ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ .\nإذًا يكون العرش هو أعظم المخلوقات، أعظم من هذا البَحْر، وأعظم من الكُرْسي، وأعظم من السموات، وأعظم من كلِّ المخلوقات، فالعرش هو أعظم المخلوقات، وأوسعُها، وأعظمُها، والله ﷾ أضافه إلى نفسه فقال: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥)﴾ ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ فتمدح ﷾ به وذلك لأنّه خلْقٌ عظيم، وخَلْقٌ فيه عبرٌ عظيمة يدل على عظمة خالقه.\nثم قال: \"وبين السماء السّابعة والكرسي خمسمائة عام، وبين الكرسي والماء خمسمائة عام، والعرش فوق الماء\" أي فوق هذا البحْر.\n\"والله فوق العرش\" فهو ﷾ فوق مخلوقاتِه، عالٍ على خَلْقِه ﷾، العليُّ الأعلى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾، ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾، ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾، ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾، وأدلّة علوّ الله جل وعلا على خلْقه كثيرة في الكتاب والسنّة والعقْل والفطرة حتى قال بعضُهم: \"إنّها بلغت ألف دليل\"، وقد ألّف الحافظ الذهبي ﵀ كتابًا مستقلًا في العلو سمّاه: \"العلوُّ للعليِّ الغفّار\"، وهو مطبوع ومتداوَل، ذكر فيه النّصوص الدالّة على علوّ الله على خلْقه، وقد أجمع أهلُ السنّة والجماعة على علوّ الله ﷾ بذاتِه على خلقه، ولهذا قال: \"والله فوق العرش\"، يعني: إذا كان العرش فوق المخلوقات والله فوق العرش، فدلّ على أنّ الله جلا وعلا هو العليُّ الأعلى فوق مخلوقاته جل وعلا، وأنّ المخلوقات كلُّها بالنسبة إلى كف الرحمن سبحانه كالخرْدَلة في يد أحدِنا كما سبق فيما ورد عن ابن عبّاس ﵄.","vol":"2","page":328},{"text":"وعن العبّاس بن عبد المطلب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"هل تدرون كم ما بين السماء والأرض؟ \"، قلنا: الله ورسوله أعلم.\nــ\nقوله: \"لا يخفى عليه شيء من أعمالكم\" أي: مع علوِّه على خلْقه لا يَتصوّر أحدٌ أنّه بعيدٌ عن عبادِه، بل له هذا العلوّ، ومع هذا لا يخفى عليه شيءٌ من أعمال بني آدم، فهو ﷾ فوق العرْش وعلمُه في كلِّ مكان، لا يخفى عليه شيء: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ (٥)﴾، ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣)﴾، ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، ﴿مَعَكُمْ﴾ أي: بعلمه ﷾ وإحاطته، لا تخفون عليه، ولا تخفى عليه أعمالُكم خيرُها وشرُّها، وكلُّ ما يصدر من عباده فإنّه يعلمُه ﷾ من الطّاعات والمعاصي والخير والشّرّ، كلّه يعلمه ﷾، لا يخفى عليه شيءٌ من أعمالهم: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦١)﴾ .\nفلا يتصوّر أحدٌ أنّ الله إذا كان في العلوّ أنّه يكون بعيدًا عن عبادِه، وأنّه لا يعلم أعمالهم، فيتصوّر أنّ الخالق مثل المخلوق، إذا كان في مكان مرتفع فإنّه لا يعلم ما تحتَه، ولا يدري ما يحدُث بما تحته، هذا في حق المخلوق، أما الله جل وعلا فإنّه لا يخفى عليه شيء، والمخلوقات كلها على عظمها وسعتها ما هي بالنسبة إليه بشيء ﷾ فهو محيطٌ بها، يعلمُها ويراها، ويسمع ما يحدُث فيها، ويرى ما يحدُث فيها، هو بكلِّ شيء عليم سبحانه. ولا يحدث فيها شيء إلاَّ بقضائه وقدره وأمره.\nفهذا فيه: الجمع بين العلوّ والعلم والإحاطة.\n\"وعن العبّاس\" عمّ النّبي ﷺ.\nقوله ﷺ: \"أتدرون كم بين السماء والأرْض؟ \" هذا فيه: السؤال يراد به التعليم والإرشاد، وليس هو من السؤال الذي يطلُب السّائل من المسؤول أن يُخبره عن شيء لا يعلمُه، وإنّما هو من باب التقريب وإحضار الذّهن، لأنّ التعليم إذا جاء عن طريق السؤال والجواب كان أثبت.","vol":"2","page":329},{"text":"قال: \"بينهما مسيرة خمسمائة سنة، ومن كل سماء إلى سماء مسيرة خمسمائة سنة، وكثف كل سماء مسيرة خمسمائة سنة، وبين السماء السابعة والعرش بحر، يين أسفله وأعلاه كما بين السماء الأرض، والله تعالى فوق ذلك، وليس يخفى عليه شيء من أعمال بني آدم\" أخرجه أبو داود وغيره.\nــ\nقال ﷺ: \"بينهما مسيرة خمسمائة سنة\" أي: بين السماء الدنيا والأرض خمسمائة عام.\n\"وبين كلِّ سماء إلى سماء خمسمائة عام، وكثف كلِّ سماء\" هذه هي الزيادة التي جاء بها هذا الحديث عما قبله، أي: غِلَظ كلّ سماء وسمكها.\n\"وبين السماء السّابعة والعرْش بحر، بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض\" هذا بيان عمق البحْر.\nوالعرش فوق الماء، وهذا سبق، وهو في الآية الكريمة: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ .\n\"والله تعالى فوقَ ذلك، وليس يخفى عليه شيءٌ من أعمال بني آدم\" هذا كما سبق أنّ الله ﷾ مستوٍ على عرشه، عالٍ على خلقه بذاته ﷾، ومع علوِّه سبحانه- على مخلوقاته فإنّه يعلم ما في السموات وما في الأرض، ولا يخفى عليه شيءٌ ممّا يحدُث في هذا الكون في أعلاه وفي أسفله، وجميع أعمال بني آدم على كثرة بني آدم وتفرُّقهم في الأرض واختلاف أمكنتهم فإنّ الله يعلم جميع ما يصدُر منهم: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (١٠)﴾، فالله جل وعلا لا يخفى عليه شيء على كثرة العباد، وتفرُّقهم في الأرض، واختلاف أمكنتهم، وتبايُن ما بينهم وخفاء أعمالِهم فإنّ الله جل وعلا يعلمُها: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ أي أخفى من السّرّ، بل يعلم ما في النّفس وما في القلب قبل أن يتكلّم الإنسان فالله يعلم ما يختلج في نفسك وما يدور في فِكْرك قبل أن تتكلّم وقبل أن تعمل، فالله جل وعلا لا يخفى عليه شيء، وهو العليُّ الأعلى فوقَ مخلوقاتِه سبحانه.\nيُستفاد من هذه النصوص فوائد عظيمة جليلة:\nأوّلًا: فيه قَبُول الحقِّ مِمَّن جاء به، فإنّ النّبي ﷺ قبِل الحق من هذا اليهودي وفرح به - ﵊-.","vol":"2","page":330},{"text":"ثانيًا: في هذه النّصوص مشروعيّة التحدُّث عن آيات الله الكونيّة، من أجل الاعتبار والاتّعاظ، وتعظيم الله ﷾ وإفرادِه بالعبادة، وليس التحدُّث بهذه الأمور هو من باب الاستطلاع أو زيادة المعلومات فقط، وإنّما هو من أجل الاعتبار والاتّعاظ والاستدلال على استحقاق الله جل وعلا للعبادة دونما سواه، هذا هو المطلوب.\nثالثًا: فيها إثبات اليدين لله جل وعلا، والكف، والأصابع، ووصف يديه باليمين والشِّمال، وفي حديثٍ آخر: \"وكلتا يديه يمين\"، فهي شِمال لكنّها ليست كشِمال المخلوق، فشِماله يمين، خلاف المخلوق فإنّ شِماله لا تكون يمينًا، وإنّما هذا خاصٌّ بالله تعالى بأن \"كلتا يديه يمين\"، فله يد يمين وله شِمال كما في هذه الأحاديث، فهي يمين لا تُشبه يمين المخلوقين وشمالٌ لا تشبه شمال المخلوقين، وله أصابع سبحانه لا تُشبه أصابع المخلوقين، بل تليق به ﷾.\nرابعًا: في هذه النّصوص بيانُ المسافات التي بين هذه المخلوقات: المسافات بين السماء والأرض، المسافات بين السموات، المسافات بين السموات والكرسيّ، المسافات بين الكرسي والماء، وهذه مسافات عظيمة متباعِدة، ممّا يدلّ على عظمة هذا الكون، وعظمة هذا الكون يدلّ على عظمة خالقِه ﷾.\nوفيها: الردُّ على أصحاب النظريّات الحديثة الذين لا يؤمنون بوجود السموات، ولا بوجود هذه المخلوقات العُلْويّة، وإنّما يظنّون أنّ هذا فضاء خارجي، وعندهم: أن الكون هو المجموعة الشمسيّة، ويعتبرون أنّ الشمس هي المركز لهذه المجموعة، وأنّ هذه الأفلاك بكواكبها تدور عليها -بما فيها الأرض، وهذا من الكذب على الله ﷾، والقول على الله بلا علم، والتحرُّص الذي ما أنزل الله به من سلطان، والنّبي ﷺ بيَّن هذه المخلوقات في هذه الأحاديث: أوّلًا: الأرض، ثم فوقها السموات السّبع، ثم فوق السموات السّبع الكرسي، ثم فوق الكرسي البحر، ثم فوق البحر العرش، والله جل وعلا فوق العرْش، فيجب الإيمان بذلك، وتكذيب هذه النظريّات الباطلة التي ما أنزل الله بها من سلطان. فالله أخبر أن الأرض قرار وأن الشمس تجري وأصحاب النظريات يقولون بالعكس.\nخامسًا: في هذه النّصوص إثبات أنّ الأرضين سبع كالسموات، والله جل","vol":"2","page":331},{"text":"وعلا لم يذكر في القرآن عدد الأرضين، ولكنّه أشار إلى هذا في قوله تعالى: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾، فقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾، يدلّ على أنّ الأرضين سبع، وجاء مصرَّحًا بذلك في السنّة كما في الأثر الأوّل، وقوله ﷺ: \"من اقتطع شِبْرًا من الأرض طُوِّقَه يومَ القيامة من سبع أَرَضين\"، فدلّ هذا على أنّ الأَرَضين سبع.\nسادسًا: فيها بيان كيفيّة هذه المخلوقات، وأنّ بعضَها فوق بعض، فالأرض أوّلًا ثم السموات، ثم الكرسيّ، ثم البَحْر، ثم العَرْش، وأنّ العرش هو أعظم هذه المخلوقات وفيها رد على من يقول إن العرش هو الملك وأن معنى: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ استولى على الملك.\nسابعًا: فيها أنّ الكرسي غير العرش، وأنّه مخلوق مستقل، ردًّا على من زعم أنّه العرْش، أو أنّ المراد به العلم.\nثامنًا: في هذه النّصوص إثبات علوّ الله على عرشِه، ردًّا على الجهميّة والمعتزلة والأشاعرة ونُفاة العلوّ الذين ينفون علوَّ الله على عرشِه.\nتاسعًا: فيها إثبات إحاطة علمِ الله- جلّ وعلا بكلِّ شيء-، وأنّه لا تخفى عليه أعمال عباده صغيرُها وكبيرُها.\nعاشرًا: فيها وُجوب إفراد الله تعالى بالعبادة، لأنّه إذا كانت هذه المخلوقات العظيمة حقيرةٌ بالنسبة إليه ﷾، وصغيرة بالنسبة إليه، وأنّه يتصرّف فيها جل وعلا، ويعلم ما يجري فيها وما يكونُ فيها؛ فهو المستحقُّ للعبادة، وبُطلان عبادة ما سواه ممّن لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا ولا موتًا ولا حياةً ولا نُشورًا.\nوبهذا انتهى شرح هذا الكتاب المبارَك: \"كتاب التّوحيد الذي هو حقُّ الله على العبيد\".\nوالحمد لله رب العالمين، وصلّى الله وسلّم على نبيّنا محمّد، وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"2","page":332}]}