{"ً":{"ٌ":8590,"ٍ":"الحوادث والبدع","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"العقيدة/الحوادث والبدع - الطرطوشي - ت الحلبي - ط ابن الجوزي","files":["18289.pdf"]},"ّ":"الكتاب: الحوادث والبدع\nالمؤلف: محمد بن الوليد بن محمد بن خلف القرشى الفهرى الأندلسي، أبو بكر الطرطوشى المالكي (ت ٥٢٠هـ)\nالمحقق: علي بن حسن الحلبي\nالناشر: دار ابن الجوزي\nالطبعة: الثالثة، ١٤١٩ هـ - ١٩٩٨ م\nعدد الصفحات: ١٧٨\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":80,"ٕ":1,"ٖ":1770153902,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة","level":1,"page":1},{"title":"الباب الأول الأمور التي ظاهرها سلم جرت إلى هلك","level":1,"page":3},{"title":"الباب الثاني فيما اشتملت عليه السنة من التحذير من الأهواء والبدع","level":1,"page":10},{"title":"تمهيد","level":2,"page":10},{"title":"فصل في تحقيق القول في البدع","level":2,"page":13},{"title":"فصل في تعريف البدعة","level":2,"page":19},{"title":"الباب الثالث منهاج الصحابة في إنكار البدع وترك ما يؤدي إليها","level":1,"page":20},{"title":"الباب الرابع في صلاة التراويح وأحكامها وكيف كان بدؤها ومستقرها","level":1,"page":26},{"title":"الأحاديث الواردة في صلاة التراويح","level":2,"page":26},{"title":"شرح أحاديث قيام رمضان والتوفيق بينها","level":2,"page":30},{"title":"فرع قيام رمضان يصلى في البيوت أو في المساجد والجماعات","level":2,"page":33},{"title":"فرع صلاة قيام رمضان في البيت","level":2,"page":34},{"title":"فرع عدد القيام في صلاة التراويح","level":2,"page":35},{"title":"فرع الفصل بين الترويحتين","level":2,"page":39},{"title":"فرع هل يؤم الإمام المصلين في المصحف","level":2,"page":40},{"title":"فصل في القنوت في رمضان","level":2,"page":41},{"title":"فصل في ختم القرآن في قيام رمضان","level":2,"page":44},{"title":"فصل في حماية الذرائع","level":2,"page":46},{"title":"فصل شيعوعة الفعل لا تدل على جوازه","level":2,"page":50},{"title":"فصل في بيان الوجه الذي يدخل منه الفساد على عامة المسلمين","level":2,"page":56},{"title":"الباب الخامس في نقل غرائب البدع وإنكار العلماء لها","level":1,"page":61},{"title":"فصل في القراءة بالألحان","level":2,"page":61},{"title":"فصل في معنى الألحان","level":2,"page":68},{"title":"فصل ما لا ينبغي في قراءة القرآن","level":2,"page":74},{"title":"فصل في التفقه في القرآن","level":2,"page":75},{"title":"فصل في كتابة القرآن","level":2,"page":80},{"title":"فصل فيما أحدث من الحوادث والبدع في المساجد","level":2,"page":82},{"title":"فصل في القصص في المساجد","level":2,"page":88},{"title":"فصل في آداب المسجد","level":2,"page":92},{"title":"فصل في البطحاء","level":2,"page":102},{"title":"فصل في اجتماع الناس في سائر الآفاق يوم عرفة","level":2,"page":105},{"title":"فصل في منتصف شعبان","level":2,"page":107},{"title":"فصل في مسجد مكة","level":2,"page":112},{"title":"فصل في شهر رجب","level":2,"page":113},{"title":"فصل في جوامع من البدع","level":2,"page":121},{"title":"فصل في تحرى النوافل من المواضع التي كان يتحراها رسول الله","level":2,"page":138},{"title":"فصل في قراءة القرآن بالإدارة","level":2,"page":140},{"title":"فصل في الاجتماع لقراءة القرآن","level":2,"page":143},{"title":"فصل في التعزية لأهل المصيبة","level":2,"page":146},{"title":"فصل في التصبر عند المصيبة","level":2,"page":150},{"title":"فصل في المآتم","level":2,"page":153},{"title":"فصل في خروج النساء للجنازة","level":2,"page":155},{"title":"فصل في أحكام تتعلق بالجنائز","level":2,"page":156}],"ٛ":{"1,21":1,"1,22":2,"1,23":3,"1,24":4,"1,25":5,"1,26":6,"1,27":7,"1,28":8,"1,29":9,"1,31":10,"1,32":11,"1,33":12,"1,34":13,"1,35":14,"1,36":15,"1,37":16,"1,38":17,"1,39":18,"1,40":19,"1,41":20,"1,42":21,"1,43":22,"1,44":23,"1,45":24,"1,46":25,"1,47":26,"1,48":27,"1,49":28,"1,50":29,"1,51":30,"1,52":31,"1,53":32,"1,54":33,"1,55":34,"1,56":35,"1,57":36,"1,58":37,"1,59":38,"1,60":39,"1,61":40,"1,62":41,"1,63":42,"1,64":43,"1,65":44,"1,66":45,"1,67":46,"1,68":47,"1,69":48,"1,70":49,"1,71":50,"1,72":51,"1,73":52,"1,74":53,"1,75":54,"1,76":55,"1,77":56,"1,79":57,"1,80":58,"1,81":59,"1,82":60,"1,83":61,"1,84":62,"1,85":63,"1,86":64,"1,87":65,"1,88":66,"1,89":67,"1,90":68,"1,91":69,"1,92":70,"1,93":71,"1,94":72,"1,95":73,"1,96":74,"1,97":75,"1,98":76,"1,99":77,"1,100":78,"1,101":79,"1,102":80,"1,103":81,"1,104":82,"1,105":83,"1,106":84,"1,107":85,"1,108":86,"1,109":87,"1,110":88,"1,111":89,"1,112":90,"1,113":91,"1,114":92,"1,115":93,"1,116":94,"1,117":95,"1,118":96,"1,119":97,"1,120":98,"1,121":99,"1,122":100,"1,123":101,"1,124":102,"1,125":103,"1,126":104,"1,127":105,"1,128":106,"1,129":107,"1,130":108,"1,131":109,"1,132":110,"1,133":111,"1,134":112,"1,135":113,"1,136":114,"1,137":115,"1,138":116,"1,139":117,"1,140":118,"1,141":119,"1,142":120,"1,143":121,"1,144":122,"1,145":123,"1,146":124,"1,147":125,"1,148":126,"1,149":127,"1,150":128,"1,151":129,"1,152":130,"1,153":131,"1,154":132,"1,155":133,"1,156":134,"1,157":135,"1,158":136,"1,159":137,"1,160":138,"1,161":139,"1,162":140,"1,163":141,"1,164":142,"1,165":143,"1,166":144,"1,167":145,"1,168":146,"1,169":147,"1,170":148,"1,171":149,"1,172":150,"1,173":151,"1,174":152,"1,175":153,"1,176":154,"1,177":155,"1,178":156},"ٜ":{"1":[21,178]},"ٝ":["1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178"],"ٞ":{"1":[1],"3":[2],"10":[3,4],"13":[5],"19":[6],"20":[7],"26":[8,9],"30":[10],"33":[11],"34":[12],"35":[13],"39":[14],"40":[15],"41":[16],"44":[17],"46":[18],"50":[19],"56":[20],"61":[21,22],"68":[23],"74":[24],"75":[25],"80":[26],"82":[27],"88":[28],"92":[29],"102":[30],"105":[31],"107":[32],"112":[33],"113":[34],"121":[35],"138":[36],"140":[37],"143":[38],"146":[39],"150":[40],"153":[41],"155":[42],"156":[43]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\nوصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.\nقال الشيخ، الإمام، قدوة الإسلام، وواضح الدلائل، الإمام، أبو بكر الطرطوشي، رحمه الله تعالى ورضي عنه:\nالحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وصلواته على سيدنا محمد خاتم النبيين، وإمام المرسلين، ورسول رب العالمين.\nهذا كتاب أردنا أن نذكر فيه جُمَلا من بدع الأمور ومحدثاتها، التي ليس لها أصل في كتاب الله، ولا سنة، ولا إجماع، ولا غيره، فألفيت ذلك ينقسم إلى قسمين:\nقسم يعرفه الخاصة والعامة أنها بدعة محدثة؛ إما محرمة، وإما مكروهة.\nوقسم يظنه معظمهم - إلا من عصم الله - عبادات، وقربات، وطاعات، وسننا.\nفأما القسم الأول؛ فلم نتعرض لذكره؛ إذ كُفينا مؤنة الكلام فيه؛ لاعتراف فاعله أنه ليس من الدين.","vol":"1","page":21},{"text":"وأما الثاني؛ فهو الذي قصدنا جمعه، وإيقاف المسلمين على فساده ووبال عاقبته.\nأعلم أن ما حدث في سائر أقطار بلاد أهل الإسلام من هذه المنكرات والبدع لا مطمع لأحد في حصرها؛ لأنها خطأ وباطل، والخطأ لا تنحصر سبله، ولا تتحصل طرقه؛ فاخط كما شئت! وإنما الذي تنحصر مداركه وتنضبط مآخذه؛ فهو الحق؛ لأنه أمر واحد مقصود، يمكن إعمال الفكر والخواطر في استخراجه.\nوما مثل هذا إلا كالرامي للهدف؛ فإن طرق الإصابة تنحصر وتتحصل من إحكام الآلات، وأسباب النزع، وتسديد السهم.\nفأما من أراد أن يخطئ الهدف؛ فجهات الأخطاء لا تنحصر ولا تنضبط؛ إلا أن نذكر من ذلك حسب الإمكان. وأحصر ذلك في أربعة أبواب:\nالباب الأول: فيما انطوى عليه الكتاب العزيز من الأمور التي ظاهرها سِلْمٌ جرَّت إلى هُلْكٍ.\nوالباب الثاني: فيما اشتملت عليه السنة من النهي عن محدثات الأمور.\nوالباب الثالث: في أساليب الصحابة في كيفية ضبطهم للقانون الذي به تُحفظ قواعد الدين وتموت البدع.\nوالباب الرابع: في نقل ما حدث من ذلك في الإسلام، وتنصيص العلماء على تحريمها وكراهتها.","vol":"1","page":22},{"text":"الباب الأول\nفيما انطوى عليه الكتاب العزيز من الأمور التي ظاهرها سِلْمٌ جرَّت إلى هُلْكٍ\n* فأما الباب الأول؛ فيكفي الأمة منه قصة أصحاب السبت التي حكاها الله تعالى في كتابه.\nوكان مالك بن أنس يحتج بها على من خالفه في مسألة الذرائع: قال الله تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ﴾ ... إلى قوله: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ .\nوذلك أن الله تعالى حرَّم الصيد على اليهود يوم السبت، وأطلقه لهم في سائر الأيام، فكانت الحيتان تأتيهم يوم السبت شرعا - يعني: في مشارع","vol":"1","page":23},{"text":"المياه إلى أبواب بيوتهم، وقيل: شوارع ظاهرة على الماء كثيرة - ولا تأتيهم في سائر الأيام، فعمد رجال منهم يوم الجمعة، فحفروا الأنهار، ووضعوا آلات الصيد، فدخل الحيتان فيها، فأخذوها يوم الأحد، وكان يوما يجوز فيه الصيد ... إلى أن فشا ذلك فيهم، فذمَّهم الله تعالى، ومسخهم قردة وخنازير.\nوقال ابن زيد: \" وأول من أخذ منهم رجل حوتا في يوم الأحد، فشواه، فوجد جاره ريح الحوت، فقال له: إني أرى الله سيعذبك. فلما لم يعجل عليه بالعذاب؛ سار معه، فأخذ في السبت الآخر اثنان، فلما لم يعاجلهما العذاب؛ تتابعوا فيه، فأخذوا وأكلوا، وكانوا نحوا من سبعين ألفا في قرية يقال لها: أيلة، بين مدين والطور.\nفصارت القرية أثلاثا: ثلثا نهوا - وكانوا اثني عشر ألفا - وثلثا قالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾، وثلثا هم أصحاب الخطيئة، فلما لم ينتهوا؛ قال المسلمون: لا نساكنكم. فقسموا القرية بجدار: للمسلمين باب، وللمعتدين باب، فلعنهم داود، فأصبح الناهون يوما في مجالسهم ولم يخرج من المعتدين أحد، فقالوا: إن للناس لشأنا، فنظروا على","vol":"1","page":24},{"text":"الجدار، فإذا هم قردة، فقالوا: أي عباد الله! قرودا - والله - تعاوي!\nففتحوا الباب، فعرفت القردة أنسابها من الإنس، ولا تعرف الإنس أنسابها من القردة، فجعلت القردة تأتي أنسابها من الإنس، فتشم ثيابه وتبكي، فيقول: ألم ننهكم؟ ! فتقول برأسها: نعم \".\nقال قتادة: \" صار شبابهم قرودا، والشيوخ خنازير، فما نجا إلا الذين نهوا، وهلك سائرهم \".\nواختلف العلماء في الفرقة الذين قالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾؛ أكانت من الناجية أم من الهالكة؟\nفأما ابن عباس؛ فقال: \" هم ثلاث فرق: الواعظة، والموعوظة، والذين قالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا﴾، فالواعظة نجوا، والموعوظة هلكوا، ولا أرى الآخرين ذُكروا، فيا ليت شعري! ما فعل بهم ونحن نرى أشياء ننكرها ولا نقول فيها شيئا؟ ! \".\nقال عكرمة: \" فقلت له: جعلني الله فداك! ألا تراهم كرهوا ما هم عليه، وخالفوهم، فقالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ﴾، فلم أزل به حتى عرفته أنهم نجوا، فكساني حلة \".\nوأيضا فإن الواعظين قالوا لهم: انتهوا عن هذا العمل السيئ قبل أن ينزل بكم العذاب؛ فإنا قد علمنا أن الله منزل بكم بأسه إن لم تنتهوا. فقالت لهؤلاء الفرقة الأخرى: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ إذ علمتم أن الله معذبهم عذابا شديدا، فلا تعظوهم؛ فإن الله مهلكهم.\nوقال جماعة من العلماء: بل هذا الفريق من الهالكين؛ لأنهم منعوا","vol":"1","page":25},{"text":"الناهين، فأخطؤوا، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب عليهم، وإن كان التقدير غالبا؛ لأنهم وإن كانوا قد علموا بعذابهم، فلم يسقط عنهم فرض الأمر بالمعروف، وإن كان ما قالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ﴾؛ رضًى بالمنكر، لكن لأنهم اعتقدوا أنهم هالكون.\n* ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا﴾ .\nوذلك أن المسلمين كانوا يقولون: يا رسول الله! راعنا وأرعنا سمعك.\nوهي بالعبرانية كلمة سب من الرعونة، فكانت اليهود تقولها للنبي ﷺ يقصدون سبه، فمنع الله المسلمين أن يقولوها - وإن كانت جائزة -؛ لئلا يتذرع اليهود بذلك إلى ما لا يجوز.\nوهذا في الحقيقة منع جائز في الظاهر؛ لما كان يتطرق به إلى باطن ممنوع.\n* ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ .\nفمنع الله سائر المسلمين من سب آلهة الكفار، وهو مباح؛ لئلا يصير","vol":"1","page":26},{"text":"طريقا لهم إلى سب إله العالمين ﷾.\n* ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ .\nفمنع الله تعالى النساء أن يضربن بأرجلهن، وهو فعل جائز في الظاهر؛ لئلا يتذرعن إلى ما لا يجوز من الدعاء إلى أنفسهن.\n* ومما يدخل في هذا الباب والتحذير من الزيادة في دين الله تعالى والنقصان منه: قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ ... إلى قوله: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾ .\nقال أهل التأويل: طؤطئ لهم الباب؛ ليخفضوا رؤوسهم، فيدخلوا سجدا منحنين متواضعين، ويقولوا: حِطَّة؛ معناه: حط عنا خطايانا، فقالوا: حنطة.\nويقال: إنهم قالوا: هطا سمقايا؛ يعنون حنطة حمراء؛ استخفافا بأمر الله، فأرسل الله تعالى عليهم رجزا ظلمة وطاعونا، فهلك منهم في ساعة واحدة سبعون ألفا، فلقوا من البلاء ما لقوا - وإنما زادوا حرفا في الكلمة -؛ يعرفهم أن الزيادة في الدين والابتداع في الشرع عظيم الخطر.\nقال علماؤنا ﵃: إذا كان تغيير كلمة في باب التوبة - وذلك","vol":"1","page":27},{"text":"أمر يرجع إلى المخلوق- يوجب كل ذلك العذاب؛ فما ظنك بتغيير ما هو خبر عن صفات المعبود؟ !\n* ومن ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ .\nقال ابن عباس: \" قوله: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾: هي الأهواء المختلفة \".\nوقال غيره: ما فيه الناس من الاختلاف.\n﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾: يسلط بعضكم على بعض بالقتل والعذاب.\nواختلف في المراد بهذه الآية:\nفقال مجاهد وأبو العالية وغيرهم: \" هي لأمة محمد ﷺ \".\nفروى خالد بن زيد الخزاعي: «أن النبي ﷺ صلى، ثم قال: سألت الله تعالى فيها ثلاثا، فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة: سألت الله تعالى ألا يصيبكم بعذاب أصاب به من قبلكم فأعطانيها، وسألته ألا يسلط عليكم عدوا يستبيح بيضتكم فأعطانيها، وسألته ألا يُلبسكم شيعا فمنعنيها» .","vol":"1","page":28},{"text":"قال أبو العالية \" [عن أبي بن كعب؛ قال]: هن أربع: ظهر اثنتان بعد وفاة النبي ﷺ بخمس وعشرين سنة، فألبسوا شيعا، وأذيق بعضهم بأس بعض، وبقيت اثنتان، فهما ولا بد واقعتان: الخسف من تحت أرجلهم، والرجم والمسخ من فوقهم \".\nوهذا تأويل ابن مسعود.\nوعن ابن عباس: \" ومِنْ فَوْقِكُم: أئمة السوء. ومِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ: خدم السوء \".","vol":"1","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>الباب الثاني\nفيما اشتملت عليه السنة\nمن التحذير من الأهواء والبدع</span>\nقال رسول الله ﷺ: «بدأ الإسلام غريبا، وسيعود غريبا، فطوبى للغرباء.\nقيل: من هم يا رسول الله؟\nقال: الذين يصلحون إذا فسد الناس» .\nوفي لفظ آخر: «النُّزَّاع من القبائل» .\nوفي لفظ آخر: «أناسٌ صالحون قليلٌ في أناس سوء كثير، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم» .","vol":"1","page":31},{"text":"ومعنى هذا الحديث: أنه لما جاء الله بالإسلام، فكان الرجل إذا أسلم في قبيلته وحيه غريبا فيهم، مستخفيا بإسلامه، قد جفاه الأهل والعشيرة، فهو بينهم ذليل حقير خائف يتغصص بجرع الجفاء والأذى، ثم يعود غريبا؛ لكثرة الأهواء المضلة، والمذاهب المختلفة، حتى يبقى أهل الحق غرباء في الناس؛ لقلتهم وخوفهم على أنفسهم.\nوقال ابن مسعود: «خط لنا النبي ﷺ خطا، ثم خط إلى جانبه خطوطا، ثم قال للخط الأول: هذا سبيل الله يدعو إليه، وقال للخطوط: هذه سبل الشيطان، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه ثم قرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾» .\nفحذر من البدع ومحدثات الأمور.\nومن ذلك ما رواه البخاري ومسلم: أن النبي ﷺ قال: «لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبرا بشبر، وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا في جحر ضب لاتبعتموهم.\nقلنا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟\nقال: فمن؟ !» .\nوروى أبو داود في \" السنن \" عن أبي هريرة ﵁ قال: قال","vol":"1","page":32},{"text":"رسول الله ﷺ: «افترقت اليهود على إحدى - أو اثنتين - وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على إحدى - أو اثنتين - وسبعين فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة» .\nورواه معاوية بن أبي سفيان؛ قال: «قام النبي ﷺ فقال: ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على اثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة: اثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، وهي الجماعة، وإنه سيخرج في أمتي أقوام تجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه، لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله» .\nواعلم أن هذا الحديث قد طاشت فيه أحلام الخلق، وفي معرفة هذه الفرق، وهل كملوا بعد أم لا؟ !\n١ - فصل في تحقيق القول فيه\nاعلم أن علماءنا ﵃ قالوا: أصول البدع أربعة، وسائر الأصناف الثنتين وسبعين فرقة عن هؤلاء تفرقوا وتشعبوا، وهم: الخوارج - وهي أول فرقة خرجت على علي بن أبي طالب ﵁ - والروافض، والقدرية، والمرجئة.\nولم يرد علماؤنا أن أصل كل بدعة من هؤلاء الأربع تفرعت وتشعبت على","vol":"1","page":33},{"text":"مقتضى أصل البدع، حتى كملت ثلاثة وسبعين فرقة؛ فإن ذلك لعله لم يدخل في الوجود إلى الآن، وإنما أرادوا أن كل بدعة وضلالة لا تكاد توجد إلا في هذه الأربع فرق، وإن لم تكن البدعة الثانية فرعا للأولى وشعبة من شعبها، بل هي بدعة مستقلة بنفسها، ليست من الأولى بسبب.\nوبيان ذلك بالمثال: أن القدر أصل من أصول البدع، ثم اختلف أهله في مسائل من شعب القدر، وفي مسائل لا تعلق لها بالقدر، فجميعهم متفقون أن أفعال العباد خلق لهم من دون الله تعالى، ثم اختلفوا في فرع من فروع القدر:\nفقال أكثرهم: لا يكون فعل بين فاعلين!\nوقال بعضهم - وهو المِرْدَار -: يجوز بين فاعلين مخلوقين على التولد. وأحال مثله بين القديم والمحدث.\nثم اختلفوا فيما لا يعود إلى القدر في مسائل كثيرة؛ كاختلافهم في الصلاح والأصلح:\nفقال البغداديون منهم: يجب على الله - تعالى عن قولهم - فعل الأصلح لعباده في دينهم ودنياهم، ولا يجوز في حكمته تبقية وجه ممكن به الصلاح العاجل والآجل؛ إلا وعليه فعل أقصى ما يقدر عليه في استصلاح عباده.\nقالوا: وواجب على الله - تعالى - ابتداء الخلق الذين علم أنه يكلفهم،","vol":"1","page":34},{"text":"ويجب عليه إكمال عقولهم وأقدارهم، وإزاحة عللهم!\nوقال البصريون منهم: لا يجب على الله - تعالى - إكمال عقولهم، ولا أن يؤتيهم أسباب التكليف.\nوقال البغداديون منهم: يجب على الله - تعالى عن قولهم - عقاب العصاة إذا لم يتوبوا، والمغفرة من غير توبة سفه من الغافر!\nوأبى البصريون ذلك.\nوابتدع جعفر بن مبشر من القدرية بدعة، فقال: \" من استحضر امرأة ليتزوجها، فوثب عليها، فوطئها بلا ولي ولا شهود ولا رضىً ولا عقدٍ؛ حل له ذلك \"!\nوخالفه في ذلك سلفه، وخالفه خلفه.\nوقال ثمامة بن أشرس: \" إن الله - تعالى - يصير الكفار والملحدين وأطفال المشركين والمؤمنين والمجانين ترابا يوم القيامة؛ لا يعذبهم، ولا يعوضهم \"!\nوقوله هذا في الكفار والملحدين خرق لإجماع الأمة؛ من أهل الإثبات، وأهل القدر، وغيرهم.\nوهكذا ابتدعت كل فرقة من هذه الفرق بدعا تتعلق بأصل بدعتها التي هي معروفة بها، وبدعا لا تتعلق بها.","vol":"1","page":35},{"text":"فإن كان أراد رسول الله ﷺ بتفرق أمته أصول هذه البدع التي تجري مجرى الأجناس للأنواع، والمعاقد للفروع؛ فلعلهم - والعلم عند الله - ما بلغوا هذا العدد إلى الآن؛ غير أن الزمان باق، والتكليف قائم، والخطوات متوقعة، وكل قرن عصر لا يخلوا إلا وتحدث فيه البدع.\nوإن كان أراد النبي ﷺ بالفرق كل بدعة في دين الإسلام؛ مما لا يلائم أصول الإسلام، ولا تقبلها قواعده؛ من غير التفات إلى التقسيم الذي ذكرنا؛ سواء كانت البدع أنواعا لأجناس، أو كانت متغايرة الأصول والمباني - وهذا هو الذي أراده، والعلم عند الله -؛ فقد وجد من ذلك عدد كثير، أكثر من اثنين وسبعين.\nووجه تصحيح الحديث - على هذا - أن يخرج من الحساب غلاة أهل البدع، ولا يعدون من الأمة ولا في أهل القبلة؛ كنفاة الأعراض من القدرية؛ لأنه لا طريق لحدوث العالم وإثبات الصانع إلا بثبوت الأعراض، وكالحلولية، والمنصورية، وأشباههم من الغلاة.","vol":"1","page":36},{"text":"وسنذكر عند تمام الفصل أن البدعة تكون في الأفعال؛ كما تكون في الأقوال.\nومن ذلك ما رواه أبو داود في \" السنن \" عن العرباض بن سارية قال: «صلى بنا النبي ﷺ ذات يوم، ثم أقبل علينا، فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله! كأن هذا موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ فقال:\nأوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن عبد حبشي استعمل عليكم؛ فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» .\nوروى أبو داود أيضا أن معاذ بن جبل كان لا يجلس مجلسا للذكر إلا قال: \" الله حكم قسط، هلك المرتابون، إن وراءكم فتنا يكثر فيها المال، ويفتح فيها القرآن؛ حتى يأخذه المؤمن والمنافق، والرجل والمرأة، والصغير والكبير،","vol":"1","page":37},{"text":"والحر والعبد، فيوشك قائل أن يقول: ما للناس لا يتبعوني وقد قرأت القرآن؟ ما هم بمُتَّبِعيَّ حتى ابتدع لهم غيره. فإياكم وما ابتُدع؛ فإنما ابتدع ضلالة، وأحذركم زيغة الحكيم؛ فإن الشيطان قد يقول كلمة الضلالة على لسان الحكيم، ويقول المنافق كلمة الحق \".\nروى أنس قال: قال النبي ﷺ: «أهل البدع هم شر الخلق والخليقة» .\nوروى البخاري عن أبي واقد الليثي قال: «خرجنا مع النبي ﷺ قِبَلَ خيبر ونحن حديثو عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون حولها وينوطون بها أسلحتهم؛ يقال لها: ذات أنواط. فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسول الله! اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال النبي ﷺ: الله أكبر! هذا كما قالت بنو إسرائيل: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾، لتركبن سَنَنَ من قبلكم....» .\nفانظروا - رحمكم الله - أينما وجدتم سدرة أو شجرة يقصدها الناس","vol":"1","page":38},{"text":"ويعظمون من شأنها ويرجون البرء والشفاء من قبلها وينوطون بها المسامير والخرق؛ فهي ذات أنواط؛ فاقطعوها.\nوروى مسلم في \" صحيحيه \" أن النبي ﷺ قال: «لا يجعل أحدكم للشيطان عليه حقا؛ يرى إذا صلى ألا ينصرف إلا عن يمينه» .\nوروى مالك في \" موطئه \" عن واسع بن حبان قال: \" انصرفت من الصلاة من قبل شقي الأيسر، فقال لي عبد الله بن عمر: ما منعك أن تنصرف عن يمينك؟ قلت: رأيتك فانصرفت إليك. قال: أصبت. إن قائلا يقول: انصرف عن يمينك، وأنا أقول: انصرف كيف شئت عن يمينك أو عن يسارك \".\nوروى البخاري في \" صحيحيه \": «أن النبي ﷺ نهى أن يصام يوم الجمعة؛ إلا أن يصله بصيام قبله أو بعده» .\nوروى مسلم في \" صحيحيه \": «أن رسول الله ﷺ نهى عن صيام يوم الجمعة وعن قيام ليلتها» .\n٢ - فصل [في تعريف البدعة]\nفإن قيل لنا: فما أصل البدعة؟","vol":"1","page":39},{"text":"قلنا: أصل هذه الكلمة من الاختراع، وهو الشيء يحدث من غير أصل سبق، ولا مثال احْتُذِيَ، ولا ألف مثله.\nومنه قوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، وقوله: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾؛ أي: لم أكن أول رسول إلى أهل الأرض.\nوهذا الاسم يدخل فيما تخترعه القلوب، وفيما تنطق به الألسنة، وفيما تفعله الجوارح.\nوالدليل على هذا ما سنذكره في أعيان الحوادث من تسمية الصحابة وكافة العلماء بدعا للأقوال والأفعال.","vol":"1","page":40},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>الباب الثالث\nمنهاج الصحابة في إنكار البدع\nوترك ما يؤدي إليها</span>\n* فمن ذلك ما روى البخاري في كتاب الصلاة عن أم الدرداء؛ قالت: دخل علي أبو الدرداء مغضبا، فقلت له: ما لك؟ فقال: والله ما أعرف فيهم شيئا من أمر محمد إلا أنهم يصلون جميعا.\nوروى مالك في \" الموطإ \" عن عمه أبي سهيل بن مالك عن أبيه أنه قال: \" ما أعرف شيئا مما أدركت عليه الناس إلا النداء بالصلاة \".\nيعني: الصحابة.\nوذلك أنه أنكر أكثر أفعال أهل عصره، ورآها مخالفة لما أدرك من أفعال الصحابة.\nوكذلك أبو الدرداء أنكر ما أدرك بعد موت النبي ﷺ ولم يعرفه من أحوال رسول الله ﷺ.\nوقال الزهري: \" دخلت على أنس بدمشق وهو يبكي، فقلت له: ما يبكيك؟ فقال: ما أعرف شيئا مما أدركت إلا هذه الصلاة، وهذه الصلاة قد","vol":"1","page":41},{"text":"ضيعت \".\nوفي لفظ آخر أنه قال: \" ما كنت أعرف شيئا على عهد رسول الله ﷺ إلا قد أنكرته اليوم \".\nوقال الحسن: \" سأل أبا الدرداء رجلٌ، فقال: رحمك الله! لو أن رسول الله ﷺ بين أظهرنا؛ هل كان ينكر شيئا مما نحن عليه؟ فغضب واشتد غضبه، ثم قال: وهل كان يعرف شيئا مما أنتم عليه؟ ! \".\nوقال المبارك بن فَضَالَةَ: \" صلى الحسن الجمعة، ثم جلس فبكى، فقيل له: ما يبكيك يا أبا سعيد؟ ! فقال: تلومونني على البكاء ولو أن رجلا من المهاجرين اطلع من باب مسجدكم؛ ما عرف شيئا مما كانوا عليه على عهد رسول الله ﷺ مما أنتم اليوم عليه؛ إلا قِبْلَتَكُمْ هذه؟ ! \".\nوروى البخاري عن أنس قال: إنكم لتعملون أعمالا هي أدق في أعينكم من الشعر، إن كنا لنعدها على عهد رسول الله ﷺ من الموبقات.\nفانظروا - رحمكم الله - إذا كان في ذلك الزمان طمس الحق وظهر الباطل حتى لا يعرف من الأمر القديم إلا القبلة؛ فما ظنك بزمانك هذا؟ !\nوالله المستعان.\n* ومن ذلك قصة عثمان بن عفان ﵁، وذلك أنه كان لا يقصر في السفر، فيقال له: أليس قصرت مع النبي ﷺ؟ فيقول: \" بلى! ولكني إمام الناس، فينظر إليَّ الأعراب وأهل البادية أصلي ركعتين فيقولون: هكذا فرضت \"!","vol":"1","page":42},{"text":"تأملوا - رحمكم الله -؛ فإن في القصر قولين لأهل الإسلام:\nمنهم من يقول: فريضة، ومن أتم؛ فإنه يأثم ويعيد أبدا.\nومنهم من يقول: سنة، يعيد من أتم في الوقت.\nثم اقتحم عثمان ترك الفرض أو السنة لما خاف من سوء العاقبة، وأن يعتقد الناس أن الفرض ركعتان.\n* ومنه قصة الأضحية:\nقال حذيفة بن أسيد: \" شهدت أبا بكر وعمر، وكانا لا يضحيان؛ مخافة أن يرى أنها واجبة \".\nوقال بلال: \" لا أبالي أن أضحي بكبش أو بديك \".\nوعن ابن عباس: أنه كان يشتري لحما بدرهمين يوم الأضحى، ويقول لعكرمة: \" من سألك؛ فقل له: هذه أضحية ابن عباس \".\nقال أبو مسعود البدري: \" إني لأترك أضحيتي وإني لمن أيسركم؛ مخافة أن يظن الجيران أنها واجبة \".\nوقال طاوس: \" ما رأيت بيتا أكثر لحما وخبزا من بيت ابن عباس؛ يذبح وينحر كل يوم، ثم لا يذبح يوم العيد، وإنما كان يفعل ذلك؛ لئلا يظن الناس أنها واجبة، وكان إماما يُقتَدى به \".\nوقال أبو أيوب الأنصاري: \" كنا نضحي عن النساء وأهلينا، فلما تباهى الناس بذلك؛ تركناها \".\nانظروا - رحمكم الله -؛ فإن القول في هذا الأثر كالقول فيما قبله؛ فإن","vol":"1","page":43},{"text":"لأهل الإسلام قولين في الأضحية:\nأحدهما: سنة.\nوالثاني: واجبة.\nثم اقتحم الصحابة ترك السنة؛ حذرا أن يضع الناس الأمر على غير وجهه، فيعتقدونها فريضة.\nوقال ابن عباس: \" ما من عام إلا تظهر فيه بدعة وتموت فيه سنة، حتى تظهر البدع وتموت السنن \".\n* ومن \" صحيح مسلم \": قال مجاهد: \" دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد، فإذا عبد الله بن عمر مستند إلى حجرة عائشة ﵂، وإذا الناس في المسجد يصلون الضحى، فقلنا: ما هذه الصلاة؟ فقال: بدعة \".\nومحمله عندي على أحد وجهين:\nإما أنهم كانوا يصلون جماعة.\nوإما أنهم كانوا يصلونها معا أفذاذا على هيئة النوافل في أعقاب الفرائض.\n* وروى مالك في \" موطئه \" عن عائشة ﵂ أنها قالت: «لو»","vol":"1","page":44},{"text":"«رأى رسول الله ﷺ ما أحدث النساء بعده؛ لمنعهن المساجد كما مُنِعَهُ نِسَاءُ بني إسرائيل» .\nقالت عائشة ﵂ - في \" مصنف عبد الرزاق \" -: «وكان نساء بني إسرائيل يتخذن أرجلا من خشب؛ ليشرفن بها على الرجال في المساجد، فحرم الله عليهن المساجد، وسلط عليهن الحيض» .\nوقال ابن مسعود: \" كان رجال بني إسرائيل ونساؤهم يصلون جميعا، فإذا كان للمرأة خليل؛ لبست القالبين من خشب تطول بهما لخليلها، فألقي عليهن الحيض \".\nوكان ابن مسعود يقول: \" أخروهن من حيث أخرهن الله \".\nوكان لإبراهيم ثلاث نسوة، ما صلت واحدة منهن في مسجد الحي.\nوقال الليث: \" إنما منع نساء بني إسرائيل المساجد؛ لأنهن أكثرن التطيب، حتى إن إحداهن كانت تملأ يديها مسكا، فإذا مرت بمسجد فيه رجال؛ مالت بيدها كأنها تسوي ثيابها، فرمت به على الرجال \".\nهذا قول عائشة، وهي تعلم أن النبي ﷺ قال: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله»، فرأت ترك السنة؛ حذرا من التذرع إلى الباطل.\nقال علماؤنا: والذي أنكرت عائشة على نساء المسلمين: التطيب،","vol":"1","page":45},{"text":"والتجمل، وقلة الستر والملابس، وإنما كن في زمان النبي ﷺ يلبسن المروط فيخرجن بها متلفعات، وقد قال الرسول ﷺ: «إذا شهدت إحداكن صلاة العشاء؛ فلا تمسن طيبا» .\nوأعظم من ذلك ما يوجد اليوم في هذا الختم من اختلاط الرجال والنساء وازدحامهم وتلاصق أجساد بعضهم ببعض، حتى بلغني أن رجلا ضم امرأة من خلفها فعبث بها في مزدحم الناس!\nوجاءت إلينا امرأة تشكو، فقالت: حضرت عند الواعظ في المسجد الجامع، فاحتضنني رجل من خلفي والتذ مني في مزدحم الناس، فما حال بينه وبين ذلك مني إلا الثياب! ! فأقسمتْ ألا تحضره أبدا.\nوروى مالك في \" موطئه \" عن ابن عمر: \" أنه رأى رجلا يدعو ويشير بأصبعين، أصبع من كل يد، فنهاه \".","vol":"1","page":46},{"text":"باب\nفي صلاة التراويح وأحكامها\nوكيف كان بدؤها ومستقرها\nأعلم أن الأصل في صلاة التراويح ما رواه مالك في \" موطئه \" والبخاري ومسلم وأبو داود في \" سننه \" عن أبي هريرة قال: «كان النبي ﷺ يرغب في قيام رمضان؛ من غير أن يأمر بعزيمة، ثم يقول: من صام رمضان إيمانا واحتسابا؛ غفر له ما تقدم من ذنبه» .\nوروي: «من قام رمضان» .\nقال ابن شهاب: \" فتوفي النبي ﷺ والأمر على ذلك في خلافة أبي بكر وصدر من خلافة عمر \".\nوروت عائشة ﵂: «أن النبي ﷺ صلى في المسجد، فصلى بصلاته ناس، ثم صلى من القابلة، فكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة، فلم يخرج إليهم رسول الله ﷺ، فلما أصبح؛ قال: قد رأيت الذي صنعتم، ولم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن يفرض عليكم» .\nوذلك في رمضان.","vol":"1","page":47},{"text":"رواه مالك وأبو داود.\nوروته عائشة ﵂ أيضا؛ قالت: «كان الناس يصلون في المسجد في رمضان أوزاعا، فأمرني رسول الله ﷺ، فضربت له حصيرا، فصلى عليه ...» .\nوساقت القصة إلى أن قال النبي ﷺ: «أيها الناس! أما والله ما بت ليلتي هذه بحمد الله غافلا، ولا خفي علي مكانكم ...» .\nوروى أبو ذر؛ قال: «صمنا مع النبي ﷺ رمضان فلم يقم بنا شيئا من الشهر حتى بقي سبع فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل، فلما كانت السادسة لم يقم بنا، فلما كانت الخامسة قام بنا حتى ذهب شطر الليل، فقلت: يا رسول الله! لو نفلتنا قيام هذه الليلة. فقال: إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف؛ حسب له قيام الليلة، فلما كانت الرابعة لم يقم بنا، فلما كانت الثالثة جمع أهله ونساءه والناس، فقام بنا حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح - قلت: وما الفلاح؟ قال: السَّحُورُ -، ثم لم يقم بنا بقية الشهر» .\nوروت عائشة ﵂: «أن النبي ﷺ كان إذا دخل العشر الأواخر؛ أحيى الليل، وشد المئزر، وأيقظ أهله» .","vol":"1","page":48},{"text":"وروى أبو هريرة؛ قال: «خرج النبي ﷺ فإذا الناس في رمضان يصلون في ناحية المسجد، فقال: ما هؤلاء؟. فقيل: هؤلاء ناس ليس معهم قرآن، وأبي بن كعب يصلي [بهم]، وهم يصلون بصلاته. فقال النبي ﷺ: أصابوا، ونعم ما صنعوا» .\nقال أبو داود: \" هذا الحديث ليس بالقوي، يرويه مسلم بن خالد الزنجي، وهو ضعيف \".\nوروى مالك في \" موطئه \" عن أبي سلمة أنه سأل عائشة ﵂: «كيف كانت صلاة رسول الله ﷺ في رمضان؟ فقالت: ما كان النبي ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثا. فقلت: يا رسول الله! أتنام قبل أن توتر؟ فقال: إن عيني تنامان ولا ينام قلبي» .","vol":"1","page":49},{"text":"وروى مالك في \" موطئه \" عن عبد الرحمن بن عبد القاري أنه قال: «خرجنا مع عمر بن الخطاب في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون؛ يصلي الرجل لنفسه، ويصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: والله إني لأراني لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد؛ لكان أمثل. فجمعهم على أبي بن كعب. قال: ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم، فقال: نعمت البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون» .\nيعني: آخر الليل، وكان الناس يقومون أوله.\nوقال أبو أمامة الباهلي: \" ابتدعتم قيام شهر رمضان ولم يكتب عليكم، فدوموا عليه إذا فعلتموه؛ فإن ناسا من بني إسرائيل ابتدعوا بدعا، ولم يراعوها، فعابهم الله تعالى بتركها \"، ثم قرأ: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ إلى آخر الآية.","vol":"1","page":50},{"text":"١ - شرح هذه المتون، ووجه الجمع بينها\nاعلم أن أصل قيام رمضان ثبت على عهد رسول الله ﷺ بقوله وفعله:\nأما قوله ﵇؛ فترغيبه في قيامه على ما بيناه أولا.\nوأما فعله؛ فجمعه بالناس ليلتين.\nفإن قال قائل: فالنبي ﷺ قد ترك بقية الشهر ولم يصل معهم!؟\nفالجواب: أن هذا لا يدل على نسخ الجمع فيها؛ لأنه - ﵇ - علل الامتناع بأنه خشي أن يفرض عليهم؛ إما لما جرت به عادته من أن ما داوم عليه على وجه الاجتماع من القرب؛ يفرض على أمته.\nقالت عائشة ﵂: «إن كان النبي ﷺ ليدع العمل وهو يجب أن يعمل به؛ خيفة أن يعمل به الناس، فيفرض عليهم» .\nقالت: «وما سبح النبي ﷺ سُبْحَةَ الضحى قط، وإني لأسبحها» .\nقال القاضي أبو بكر: \" ويحتمل أن الله تعالى أوحى إليه إن واصل هذه الصلاة معهم؛ فَرَضَهَا عليهم؛ إما لإرادته فرضها فقط على ما نذهب إليه من أن أفعال القديم تعالى غير معللة، أو لأنه يحدث فيهم من الأحوال والاعتقاد ما يكون الأصلح لهم فرض هذه الصلاة عليهم، ويحتمل أن يريد بذلك أنه خاف أن يظن أحد من أمته بعده - إذا داوم عليها - وجوبها على الناس \".\nوهذه المعاني كلها مأمونة بعد موت النبي ﷺ.","vol":"1","page":51},{"text":"وإذا كان كذلك؛ فقد زالت العلة المانعة من الاجتماع بانقطاع الفروض بعده، فثبت جواز الاجتماع لقيام رمضان.\nفهذا الحديث أصل في جواز الاجتماع للنافلة في رمضان.\nفإن قيل: فأبو بكر ﵁ لم يصلها معهم، وكذلك عمر؛ لأنه قال: \" ... ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر وصدر من خلافة عمر \"، وكذلك علي لم يصلها!\nقلنا: أما أبو بكر؛ فشغله أهل الردة وتدبير أمور الإسلام مع قصر مدته عن النظر في جمع المسلمين عليها.\nويحتمل أن يكون رأى من قيام الناس في آخر الليل وقوتهم عليه ما كان أفضل عنده من جمعهم على إمام في أول الليل.\nوأما علي بن أبي طالب ﵁؛ فروى أبو عبد الرحمن السلمي عن علي: \" أنه صلى بهم في شهر رمضان، فكان يسلم بهم في كل ركعتين، ويقرأ في كل ركعة بخمس آيات \".\nوإنما نسب إلى عمر؛ لأنه جمع الناس على أبي بن كعب، فكان يصلي بهم عشرين ليلة، فإذا كان العشر الأواخر تخلف في بيته، فيقال: أبِقَ أُبَيٌّ.","vol":"1","page":52},{"text":"فأما الجماعة في سائر النوافل؛ فروى ابن حبيب عن مالك؛ قال: \" ليس من الأمر الذي يواظب عليه العامة أن يصلي الرجل بالنفر سبحة الضحى وغيرها من النافلة بالليل والنهار غير نافلة رمضان؛ إلا أن يكون نفرا قليلا، الرجلين والثلاثة ونحوه، من غير أن يكون أمرا كثيرا مشهورا \".\nكأنه خاف أن يظنها كثير من الناس من جملة الفرائض لو ظهر الاجتماع لها، وأمن ذلك في رمضان؛ لما اشتهر من أنه نافلة، وقد قيل غير ذلك.\n٢\n- فرع\nوهل الأفضل أن تصلى في البيوت\nأو في المساجد والجماعات؟\nقال مالك في \" المدونة \": \" قيام الرجل في بيته أحب إلي لمن قوي عليه \".\nقال: \" وكان ربيعة وغير واحد من علمائنا ينصرفون ولا يقومون مع الناس، وبه قال ابن عمر \".\nوقال عبيد الله: \" رأيت مشيختنا: القاسم وسالما ونافعا ينصرفون من العشاء في رمضان ولا يقومون مع الناس \".\nوقال أبو يوسف: \" من قدر على أن يصلي في بيته كما يصلي مع الإمام في رمضان؛ فأحب إلي أن يصلي في بيته \".","vol":"1","page":53},{"text":"واختلف أصحاب الشافعي عليه، وذلك أنه قال: \" فأما قيام رمضان؛ فصلاة المنفرد أحب إلي منه \".\nفمن أصحابه من حمل كلامه على ظاهره، والمراد به: إذا كانت صلاته لا تخل بصلاة أهل المسجد؛ فإنه يصلي في بيته؛ لتكون صلاته أخلص وأطول.\nوقال أبو العباس بن سريج وأبو إسحاق المروزي من أصحابه: \" صلاة التراويح جماعة أفضل من الانفراد؛ لإجماع الصحابة على ذلك؛ لأن عمر جمع الناس على أبي، فكان يصلي عشرين ليلة، وإجماع الأعصار عليه \".\nوتأولوا قول الشافعي أن صلاة المنفرد أفضل منه؛ يعني: الوتر وركعتي الفجر.\nواحتج من اختارها في البيوت بقول النبي ﷺ: «صلاة الرجل في بيته أفضل إلا المكتوبة» .\nقال ابن حبيب: «رغب النبي ﷺ في قيام رمضان من غير أن يأمر فيه بعزيمة، فقام الناس وحدانا؛ منهم في بيته، ومنهم في المسجد. فمات النبي ﷺ والأمر على ذلك، وكان الناس كذلك في خلافة أبي بكر وصدر من خلافة عمر، ثم رأى عمر أن يجمعهم، فأمر أبيا وتميما أن يصليا بهم إحدى عشرة ركعة بالوتر» .\nفرع","vol":"1","page":54},{"text":"٣ - فرع\n[صلاتها في البيت]\nفإذا صلاها في بيته؛ فهل الأفضل له أن يصليها منفردا أو يصليها بأهل بيته وإخوانه إن حضروا؟\nقلنا: إن عبد الله بن هرمز كان يقوم في منزله بأهله.\nوأما قولها: «ما كان يزيد النبي ﷺ في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة..»؛ يدل على أن الأفضل قيام العام كله، ولهذا قالت: «وأيكم يستطيع ما كان رسول الله ﷺ يستطيعه؟ ! كان عمله ديمة» .\nفلما علم أن أمته لا تطيق من ذلك ما يطيقه؛ حضهم على أفضل الأوقات بالعمل، وهو رمضان.\n٤ - فرع\n[عدد القيام]\nوأما الكلام في عدد القيام؛ فلم يثبت فيه عدد على عهد رسول الله ﷺ؛ لأنه إنما صلى بهم ليلتين، ثم تخلف في بيته، ولم ينقل أحدٌ كم صلى فيها من ركعة.\nوأثبت حديث فيه حديث عائشة: «ما كان النبي ﷺ يزيد في رمضان ولا»","vol":"1","page":55},{"text":"«في غيره على إحدى عشرة ركعة» .\nوهو الذي أمرهم به عمر في أول الأمر، ثم ضعفوا عن طول القيام، فجعلها عشرين على ما سنبينه.\nواختلفت الرواية فيما كان يصلي به في زمن عمر:\nفروى مالك عن السائب بن يزيد: أن عمر بن الخطاب أمر أبي بن كعب وتميما الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة.\nوقال: \" وكان القارئ يقوم بالمائتين حتى كنا نعتمد على العِصِيِّ من طول القيام، وما كنا ننصرف إلا في فُروعِ الفجر \".\nوهذه الرواية موافقة لقول عائشة ﵂.\nوقال مالك - في \" مختصر ما ليس في المختصر \" -: \" والذي آخذ به في نفسي في قيام شهر رمضان الذي جمع عمر عليه الناس: إحدى عشرة ركعة بالوتر، وهي صلاة النبي ﷺ، وإحدى عشرة من ثلاث عشرة قريب \".\nوروى يزيد بن رومان: \" أن عمر لما جمع الناس على أبي صلى بهم عشرين ركعة \".\nوروى مالك عن نافع قال: \" أدركت الناس يقومون بتسع وثلاثين","vol":"1","page":56},{"text":"ركعة، يوترون منها بثلاث \".\nقال مالك: \" وهو الذي لم يزل عليه الناس، وهو الذي كان في زمن عثمان \".\nوروي أن أول من أمرهم به معاوية بن أبي سفيان.\nوروي أن عمر بن عبد العزيز أمر القراء يقومون بذلك.\nقال عبد الله بن أبي بكر: \" وكنا ننصرف فنتعجل السحور خيفة الفجر \".\nقال مالك - في كتاب ابن شعبان -: \" ويكره تأخير الختم إلى آخر رمضان \".\nوقال أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد بن حنبل: \" التراويح خمس ترويحات، كل ترويحة أربع ركعات بتسليمتين \".\nووجه حديث يزيد بن رومان، ووجه ما اختاره مالك: اتفاق أهل المدينة عليه.\nوقد قال لنا بعض العلماء: إنما اختص أهل المدينة بهذا العدد؛ لأنهم أحبوا أن يساووا أهل مكة؛ لأن أهل مكة يطوفون سبعا بين كل ترويحتين، فجعل","vol":"1","page":57},{"text":"أهل المدينة مكان كل طواف أربع ركعات، فزادوا ست عشرة ركعة، وأوتروا بثلاث، فصار ذلك تسعا وثلاثين ركعة! !\nقال: وليس لغير أهل المدينة أن يفعلوا ذلك؛ لأن أهل المدينة شرفوا بمهاجرة رسول الله ﷺ وقبره، فلهذا أرادوا مساواة أهل مكة؛ بخلاف غيرهم!\nوأجاب أصحابنا بجواب سديد تتفق عليه الأخبار، فقالوا: يحتمل أن يكون عمر أمرهم بإحدى عشرة ركعة، وأمرهم مع ذلك بطول القراءة؛ يقرأ القارئ بالمائتين في الركعة؛ لأن التطويل في القراءة أفضل الصلاة، فلما ضعف الناس عن ذلك؛ أمرهم بثلاث وعشرين ركعة تخفيفا من طول القيام، فاستدرك نقص الفضيلة بزيادة الركعات، فكان يقرأ بسورة البقرة في ثماني ركعات أو اثنتي عشرة ركعة - على حديث الأعرج -.\nورواه مالك عن داود بن الحصين عن الأعرج قال: ما أدركت الناس إلا وهم يلعنون الكفرة في رمضان.\nقال: \" وكان القارئ يقرأ بسورة البقرة في ثماني ركعات، فإذا قام بها في اثنتي عشرة ركعة؛ رأى الناس أنه قد خفف \".\nهذه الآثار الثلاثة رواها مالك في \" موطئه \".","vol":"1","page":58},{"text":"وقد قيل: إنه كان يقرأ من ثلاثين آية إلى عشرين، وكان الأمر على ذلك إلى يوم الحرة، فثقل عليهم القيام، فنقصوا من القراءة وزادوا في عدد الركعات، فجعلت ستا وثلاثين ركعة، والوتر بثلاث، فمضى الأمر على ذلك!\nوأمر عمر بن عبد العزيز في أيامه أن يقرأ في كل ركعة بعشر آيات.\nوكره مالك أن ينقص من ذلك أو تمد القراءة.\nوهذا الذي مضى عليه الأمر، واتفق عليه رأي الجماعة، فكان هو الأفضل لمعنى التخفيف.\nقال الشيخ أبو القاسم: \" وهذا في الآيات الطوال، ويزيد على ذلك في الآيات الخفاف، وإنما هذا في الجماعات وفي المساجد، فأما المنفرد في خاصة نفسه؛ فإن استطاع أن يصلي بإحدى عشرة ركعة يقرأ في كل ركعة بالمائتين؛ كان أفضل؛ لقول النبي ﷺ: «أفضل الصلاة طول القنوت» \".\n٥ - فرع\nالفصل بين الترويحتين\nوجرت عادة الأئمة أن يفصلوا بين كل ترويحتين بركعتين خفيفتين","vol":"1","page":59},{"text":"يصلونهما أفذاذا، إما لأنه أقرب إلى تصحيح عدد الركعات وأبعد من الغلط فيها، وإما أن يتمكن من فاتته ركعة مع الإمام من قضائها في تلك المدة.\nويجوز لمن أراد أن يتنفل بين الترويحتين إذا أتم ركعتين وسلم، فإما أن يقف ويقرأ ينتظر الناس، فإذا قاموا؛ دخل معهم بإحرامه الأول، وأما بإحداث إحرام؛ فلا.\n٦ - فرع\nوهل يؤمهم في المصحف؟\nكانت عائشة يؤمها غلام لها في المصحف.\nقال الزهري: \" كان خيارنا يقرؤون في المصحف، ولم يزل الناس يفعلون ذلك منذ كان الإسلام \".\nوبه قال ابن سيرين، ويحيى بن سعيد، والليث.\nوأباه ابن المسيب، وقال: \" يصلي بما كان معه، ويعيد، ولا يقرأ في المصحف \".\nوبه قال الحسن؛ قال: \" لا يقرأ في المصحف؛ كما يفعل اليهود والنصارى \".\nوفي كتاب ابن شعبان؛ قال: \" لا يصلي الحافظ خلف القارئ في المصحف في شهر رمضان \".\nقال: \" ويؤم الذي يحفظ شيئا من السور الطوال، أو يحفظ المفصل؛ يردد ذلك في شهر رمضان: أحب إلي من أن يؤمهم الذي لا يحفظ ويقرأ في","vol":"1","page":60},{"text":"المصحف، فإن كان إنما يحفظ السورة الواحدة؛ فالذي يقرأ في المصحف أحب إلينا \".\nقال: \" وقد قيل: يؤمهم في شهر رمضان في المصحف \".\nومن تعايا عن القراءة في تنفله؛ تفكر قليلا، فإن تذكر، وإلا خطرف ذلك، وابتدأ سورة أخرى، ولا يسلم.\n٧ - فصل\n[القنوت]\nوأما القنوت - وهو لعن الكفرة في رمضان -؛ فعن مالك فيه روايتان:\nقال في \" المدونة \": \" وليس العمل على القنوت في رمضان؛ لا في أوله، ولا في آخره، ولا في نافلة، ولا في الوتر أصلا \".\nهذه رواية ابن القاسم وعلي بن زياد.\nوروى ابن وهب وابن حبيب عن مالك: \" أن ذلك مستحب في النصف الآخر من رمضان، فيقنت الإمام؛ يلعن الكفرة، ويؤمن من خلفه \".\nوبه قال ابن عمر، ومعاذ، وجماعة من التابعين.\nوروى محمد بن يحيى عن مالك في \" المدونة \" أنه قال: \" يلعن الكفرة في رمضان إذا أوتر الناس، فصلى الركعتين، ثم قام في الثالثة، فركع، فإذا رفع","vol":"1","page":61},{"text":"رأسه من الركوع؛ وقف يدعو على الكفرة ويلعنهم ويستنصر للمسلمين، ويدعو مع ذلك بشيء خفيف غير كثير، وكان للإمام دعاء معروف يجهر به كما يجهر بالقراءة، وإنه لحسن، وهو أمر محدث لم يكن في زمان أبي بكر وعمر وعثمان \".\nقال ابن القاسم: \" كان مالك ينكره إنكارا شديدا \".\nقال: \" ولا أرى أن يعمل به \".\nقال محمد بن يحيى عن مالك: \" كان الناس يدعون به ليلة خمس عشرة من الشهر \".\nوقال أبو حنيفة وأحمد: \" يستحب القنوت في الوتر في جميع السنة \".\nوقال الشافعي: \" يستحب في النصف الآخر من شهر رمضان \".\nواحتج أبو حنيفة بما روى أبي بن كعب قال: «كان النبي ﷺ يوتر بثلاث: بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، ويقنت في الثالثة قبل الركوع» .\nووجه من اختاره في النصف الآخر ما روي: \" أن أبيا صلى بالناس في النصف الأول فلم يقنت، ثم مرض، فصلى مكانه معاذ، فقنت \".\nوروي \" أن عمر جمع الناس على أبي بن كعب، فكان يقوم بهم عشرين","vol":"1","page":62},{"text":"ليلة، ولا يقنت إلا في النصف الثاني \".\nفحصل الاتفاق منهما، ومن سائر الصحابة الذين لم ينكروا على واحد منهما، على أن القنوت مشروع في النصف الآخر كما اختص بالركعة الأخيرة من صلاة الصبح.\nووجه الرواية الثانية ما قاله مالك؛ أن هذا الأمر لم يدرك العمل عليه","vol":"1","page":63},{"text":"بالمدينة، ولأنها صلاة وتر، فلم يكن القنوت مشروعا فيها كالمغرب.\nفأما ما احتج به أبو حنيفة، فقال أبو داود: \" خبر القنوت في هذا الحديث ليس بصحيح \"، وعلى أنا نخصه بما ذكرنا.\nفهذه جمل من أحكام قيام رمضان، ومنشئها، ومستقرها، وما روي فيها عن رسول الله ﷺ والصحابة والتابعين وسائر الأئمة الراشدين على ما رواه مالك والبخاري ومسلم والنسائي وأبو داود وسائر مصنفات المسلمين ودواوينهم الفقهية، لم يرووا في شيء من ذلك ما أحدثه الناس من هذه البدع؛ من نصب المنابر عند ختم القرآن، والقصص، والدعاء، بل قد حفظ عنهم النهي عن ذلك على ما رويناه.\n٨ - فصل\n[ختم القرآن]\nفأما ما أحدثه الناس من الخطب في أعقاب الختم؛ فقال مالك: \" ليس ختم القرآن بسنة لقيام رمضان \".\nوأنكر مالك والأئمة أن يقرأ أحدهم في غير الموضع الذي انتهى إليه الآخر.","vol":"1","page":64},{"text":"وقال مالك في \" المدونة \": \" الأمر في رمضان الصلاة، وليس بالقصص بالدعاء \".\nفتأملوا - رحمكم الله -، فقد نهى مالك أن يقص أحد في رمضان بالدعاء، وحَكَى أن الأمر المعمول به في المدينة إنما هو الصلاة من غير قصص ولا دعاء.\nوروى محمد بن أحمد في \" المستخرجة \" عن ابن القاسم؛ قال: \" سئل مالك عن الذي يقرأ القرآن فيختمه ثم يدعو؟ فقال: ما سمعت أنه يدعى عند ختم القرآن، وما هو من عمل الناس \".\nوهذه المسألة ذكرها ابن شعبان عن مالك أيضا في \" مختصر ما ليس في المختصر \"، وذكرها الشيخ أبو الحسن القابسي بالقيروان في \" الكتاب الممهد \"، وقد كانت القيروان دار العلم بالمغرب، ولم يكن في عصره من فقهاء المغرب أعلم منه.\nوأعظم من هذا مسألة قالها مالك في \" مختصر ما ليس في المختصر \"؛ قال مالك: \" لا بأس أن يجتمع القوم في القراءة عند من يقرئهم أو يفتح على كل واحد منهم فيما يقرأ \".\nقال: \" ويكره الدعاء بعد فراغهم \".\nوهذا غاية ما يكون في إنكار الأمور المحدثة.","vol":"1","page":65},{"text":"قال: وروى ابن القاسم أيضا عن مالك: \" أن أبا سلمة بن عبد الرحمن رأى رجلا قائما عند المنبر يدعو ويرفع يديه، فأنكر، وقال: لا تقلص تقليص اليهود \"\nقال مالك: \" التقليص: رفع الصوت بالدعاء ورفع اليدين \".\nوروى ابن القاسم أيضا؛ قال: \" سئل مالك عما يعمل الناس من الدعاء حين يدخلون المسجد وحين يخرجون ووقوفهم عند ذلك؟ فقال: هذا من البدع، وأنكر ذلك إنكارا شديدا \".\nقال بعض أصحابنا: إنما عنى بهذا: الوقوف للدعاء، فأما عند دخوله وخروجه ماشيا؛ فحسن جائز، وقد وردت فيه آثار عن رسول الله ﷺ.\nقال: \" وسئل عن التكبير خلف الصلوات بأرض العدو؟ فقال: ما سمعته، إنما هو شيء أحدثه المسودة. قيل له: إن بعض البلدان يكبرون دبر المغرب والصبح؟ فقال: هذا مما أحدثوه \".\nوسئل مالك عن الرجل يدعو خلف الصلاة قائما؟ فقال: \" ليس بصواب، ولا أحب لأحد أن يفعله \".\n٩ - فصل\nفي توجيه هذا الأصل\nاعلم أن الحرف الذي يدور عليه هذا المذهب إنما هو حماية الذرائع، وألا يزاد في الفروض ولا في السنن المسننة، وألا يعتقد أيضا في النوافل المبتدأة أنها سنن مؤقتة.","vol":"1","page":66},{"text":"وهذا الأصل؛ كل من أباه في الجملة قد قال به في التفصيل فنذكر أولا موافقة أبي حنيفة والشافعي لمالك في هذا الأصل:\nفمن ذلك أن مالكا كره صيام ست من شوال، ووافقه أبو حنيفة، فقال: \" لا أستحب صيامها \"، وخالفهما الشافعي، فقال: \" يستحب صيامها \"!\nوالحديث منصوص فيه، رواه البخاري عن النبي ﷺ أنه قال: «من صام رمضان وأتبعه بست من شوال؛ فكأنه صام الدهر» .\nولا حجة لمالك وأبي حنيفة إلا أنهما قالا: \" التزام هذا يؤدي إلى الزيادة في الفروض، فيجيء الأعراب، وينشأ الأطفال، فإن رأوا الأسلاف والعموم يداومون على صومه؛ اعتقدوه فرضا \"!\nوعلى هذا المنهاج تدرج صوم النصارى حتى صار خمسين يوما، وذلك أن الله تعالى فرض عليهم صوم شهر رمضان، وذلك بين في قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾، فأقاموا عليه برهة من دهرهم، فاشتد عليهم؛ لأنه ربما أتاهم في الحر الشديد، أو في البرد الشديد، فيضرهم في أسفارهم ومعايشهم، فاجتمع رأي علمائهم ورؤسائهم على أن يجعلوا صيامهم في فصل من السنة بين الشتاء والصيف! فجعلوه في الربيع، وزادوا فيه عشرة أيام؛ كفارة لما صنعوا، فصار أربعين يوما! ! ثم اشتكى ملك","vol":"1","page":67},{"text":"لهم، فجعل لله عليه إن برئ من مرضه في صومه أسبوعا، فبرئ، فزادوه، ثم مات، فوليهم آخر، فقال: لو أكملتموه خمسين يوما!\nقال الحسن والشعبي وجماعة من العلماء: \" وعلى هذا دل حديث عثمان في الإتمام في السفر \".\nوقد بيناه.\nوأما الشافعي؛ فقد وافق مالكا في أن الأضحية سنة، وخالفهما أبو حنيفة، وقال: \" واجبة \".\nواحتج أصحاب مالك والشافعي جميعا بالأسلوب الذي ذكرناه في الباب الثالث؛ من ترك أبي بكر وعمر وجابر وابن عباس الأضحية؛ مخافة أن يرى الناس أنها واجبة!\nوهؤلاء الأئمة الثلاثة - وهم أثافي الإسلام - تركوا سنة ثابتة عن الرسول ﷺ، فلم لا يجوز أن نترك الخطب ونصب المنابر عند الختم في رمضان؛ خوفا من أن يظن الناس أن الخطبة عقيب الختم في رمضان سنة ثابتة عند هذين الشيئين - أعني: الختم والصوم -، وأن الرسول ﷺ إنما سن قيامه وتلاوة القرآن فيه على هذا الوجه؟","vol":"1","page":68},{"text":"وهكذا ذكر ابن شعبان في كتابه عند ذكره جملا من هذه الأمور المحدثة؛ قال: \" ... إنما كرهه مالك؛ خيفة أن يلحق بما يجب فعله حتى يتخذ أمرا ماضيا \".\nوما لنا نقدر ذلك؟ ! بل قد وجدنا ما كنا نحذر! فأكثر المسلمين اليوم يعتقدون أن الرسول ﷺ إنما شرع قيام رمضان على هذا الوجه، وأن ترك ذلك بدعة، مع القطع بأن رسول الله ﷺ لم يجمع في رمضان إلا ليلتين، ولم ينقل أحد من المسلمين عدد الركوع، ولا دعاء، ولا خطبة.\nوقد بيناه.\nوهذا المذهب أيسر؛ لأنه ليس فيه ترك سنة، وفي ترك صيام ست من شوال وترك الأضحية ترك السنن، فهو بالإنكار أحق.\nفإن خالفنا أحد من أصحاب أبي حنيفة، والشافعي، ومالك، ممن لا يطلع على أسرار المذهب وأغوار الأصول ولم يتحقق بالكليات، وإنما نظر في الأطراف والجزئيات، فقال: إن هذا ذكر لله تعالى، وتحميد، وثناء، ودعاء، واجتماع من المسلمين على طاعة الله، وفيه إظهار شعائر الإسلام؛ فينبغي أن يكون مشروعا مستحبا كنفس القيام!\nفالجواب أن نقول: هذا منقوص بما لا قبل لكم به: منها صيام ست من شوال على أصل أبي حنيفة، وترك الأضحية على أصل الشافعي؛ فإن هذه قرب وطاعات، ومناسك وعبادات، ثم كان تركها - عند خوف البدعة - خيرا من فعلها.\nثم نقول: الذكر والثناء قد يكون استحبابه مشروطا بشروط؛ كما في","vol":"1","page":69},{"text":"الصيام والأضحية، وكما أن قراءة القرآن في الركوع والسجود والتشهد بدعة، وإن كان على غير هذا الوجه قربة.\nوينتقض بالخطبة والدعاء صبيحة الختم بالنهار، فلو أنه ختم بالليل ثم نصب كرسيه واختطب ودعا بالنهار؛ لكان مبتدعا! وإن كان ذكرا لله تعالى ودعاء!\nوينتقض بالخطبة والدعاء في آخر الشهر؛ فإن الناس لو نصبوا الكراسي واختطبوا ودعوا في أول ليلة من رمضان، وحضوا المسلمين على صيامه وقيامه والتشمير للعبادة في ليله ونهاره؛ لكان مبتدعا منهيا عنه!\nوهذا أشبه مما صرتم إليه؛ فإن الناس في أول الشهر أحوج إلى الخطبة والدعاء والتنبيه على خدمة مولاهم في هذا الشهر منهم إلى ذلك في آخره.\nويشهد لذلك أيضا أصول الشرع:\nألا ترى أن يوم الفطر والأضحى إنما شرعت الخطبة فيهما في أول النهار، فيختطب في صبيحة الأضحى، فيعلم الناس أمر مناسكهم وضحاياهم وقربانهم، ثم لو فعل ذلك في أول الشهر لم يجز، كذلك في آخره؟","vol":"1","page":70},{"text":"١٠ -<span data-type=\"title\" id=toc-19> فصل\n[شيعوعة الفعل لا تدل على جوازه]</span>\nفي الكلام على فريق من العامة وأهل التقليد قالوا: إن هذا الأمر شائع ذائع في أقاليم أهل الإسلام وأقطار أهل الأرض، حتى قال بعض الأغبياء: إن القيروان كانت دار العلم بالمغرب، ولم يزل هذا الأمر بها فاشيا، لا منكر له! !\nفالجواب أن نقول: شيعوعة الفعل وانتشاره لا يدل على جوازه؛ كما أن كتمه لا يدل على منعه.\nألا ترى أن بيع الباقلاء في قشرته شائع في أقطار أهل الإسلام وعند الشافعي لا يجوز؟\nوالاستئجار على الحج شائع في بلاد أهل الإسلام وعند أبي حنيفة لا يجوز؟","vol":"1","page":71},{"text":"واقتعاط العمائم شائع في أهل الإسلام، وهو بدعة منكرة.\nوالاقتعاط: هو التعميم دون الحنك:\nنظر مجاهد رجلا قد اعتم ولم يتحنك، فقال: \" اقتعاط كاقتعاط الشيطان؟ ! \".\nفهي عمامة الشيطان، وهذه كانت عمائم قوم لوط أصحاب المؤتفكات.\nوروى أبو بكر محمد بن يحيى الصولي في \" غريب الحديث \": \" أن النبي ﷺ أمر بالتلحي ونهى عن الاقتعاط \".\nيقال للعمامة إذا لاثها على رأسه ولم يجعلها تحت حنكه: اقتعطها،","vol":"1","page":72},{"text":"وهو المنهي عنه، وإذا أدارها تحت حنكه؛ يقال: تلحاها، وهو المأمور.\nوإسبال الثوب تحت الكعبين شائع في بلاد أهل الإسلام، وهو حرام لا يجوز؟\nوالتقنع بالثوب على الرأس شائع في بلاد المغرب، وهم أتباع مالك بن أنس، وقد سئل مالك عن التقنع؟ فقال: \" أما لحر، أو لبرد أو لغيره من العذر؛ فلا بأس به، وأما لغير ذلك؛ فلا \".\nقال: \" وكان أبو النضر يلزمه لحر يجده \".\nقال: \" ورأت سكينة - أو فاطمة - بنت الحسين بعض ولدها مقنعا رأسه، فقالت: اكشف القناع عن رأسك؛ فإن التقنع ريبة بالليل، ومذلة بالنهار \".\nقال مالك: \" وأنا أكرهه لغير عذر، وما علمته حراما، ولكنه ليس من لباس خيار الناس \".\nفهذه بدعة منكرة كما ترى، قد صارت سنة في خيار الناس اليوم، وقد روي عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال: \" ما دخلت الخلاء مذ أسلمت إلا مقنعا رأسي حياء من ربي \".\nوأكثر أفعال أهل زمانك على غير السنة، وكيف لا وقد روينا قول أبي الدرداء إذ دخل على أم الدرداء مغضبا، فقالت له: مالك؟ فقال: والله ما أعرف فيهم شيئا من أمر محمد ﷺ؛ إلا أنهم يصلون جميعا، وما روينا هنالك من الآثار!","vol":"1","page":73},{"text":"فإنه لم يبق فيهم من السنة إلا الصلاة في جماعة، كيف لا تكون معظم أمورهم محدثات؟ !\nوأما من تعلق بفعل أهل القيروان؛ فهذا غبي يستدعي الأدب دون المراجعة!\nفنقول لهؤلاء الأغبياء: إن مالك بن أنس رأى إجماع أهل المدينة حجة، فرده عليه سائر فقهاء الأمصار، هذا وهو بلد رسول الله ﷺ، وعرصة الوحي، ودار النبوة، ومعدن العلم، فكيف بالقيروان؟ !\nوأيضا؛ فإنما كان يكون فيه متعلق لو نقلتم عن علماء القيروان أنهم أفتوا بهذا؛ لأن الاقتداء إنما يكون بالعلماء لا بالعوام، وهذا ما لا ينقلونه أبدا، وإنما كان يفعله العوام والغوغاء، فإنكارنا عليهم كإنكارنا عليكم.\nوالدليل على هذا أن الفتيا بالقيروان إنما كانت على مذهب أهل المدينة، وقد كان القوم من أشد الناس تمسكا بمذهب مالك، فكان علماؤنا إنما يقومون في رمضان في بيوتهم؛ لقول مالك: \" قيام الرجل في بيته لمن قوي عليه أحب إلي \"، وكان الغالب عليهم الورع والاتباع، وقد قال لهم في \" المدونة \": \" ليس الشأن في رمضان القصص بالدعاء \"، فيبعد من حالهم أن يحدثوا هذه البدعة، وينصبوا المنابر، ويخطبوا عند الختم!\nولو كان هذا؛ لشاع وانتشر، وكان يضبطه طلبة العلم، والخلف عن السلف، فيصل ذلك إلى عصرنا، فلما لم ينقل هذا أحد ممن يعتقد علمه، ولا","vol":"1","page":74},{"text":"ممن هو في عداد العلماء؛ علم أن هذه حكاية العوام والغوغاء.\nثم يقال لهم: بم تنفصلون ممن يعارضكم بشكل آخر من جنسه، فيقول لكم: إن قرطبة أعظم من القيروان، وهي دار العلم والخلافة - فقد فضلت القيروان بالخلافة -، ثم لم يعهد فيها قط خطبة ولا منبر ولا دعاء ولا اجتماع عند ختم القرآن في رمضان؟\nفإن قيل: فهل يأثم فاعل ذلك؟\nفالجواب أن يقال: أما إن كان ذلك على وجه السلامة من اللغط، ولم يكن إلا الرجال، أو الرجال والنساء منفردين بعضهم عن بعض، يستمعون الذكر، ولم تنتهك فيه شعائر الرحمن؛ فهذه البدعة التي كرهها مالك.\nوأما إن كان على الوجه الذي يجري في هذا الزمان؛ من اختلاط الرجال والنساء، ومضامة أجسامهم، ومزاحمة من في قلبه مرض من أهل الريبة، ومعانقة بعضهم لبعض - كما حكي لنا أن رجلا وجد يطأ امرأة وهم وقوف في زحام الناس! وحكت لنا امرأة أن رجلا واقعها فما حال بينهما إلا الثياب! وأمثال ذلك من الفسق واللغط -؛ فهذا فسوق، فيفسق الذي يكون سببا لاجتماعهم.\nفإن قيل: أليس روى عبد الرزاق في \" التفسير \": \" أن أنس بن مالك كان إذا أراد أن يختم القرآن جمع أهله \"؟","vol":"1","page":75},{"text":"قلنا: فهذا هو الحجة عليكم؛ فإنه كان يصلي في بيته، ويجمع أهله عند الختم، فأين هذا من نصبكم المنابر، وتلفيق الخطب على رؤوس الأشهاد، فيختلط الرجال والنساء والصبيان والغوغاء، وتكثر الزعقات والصياح، ويختلط الأمر، ويذهب بهاء الإسلام ووقار الإيمان؟ !\nوأيضا؛ فإنه ما روي أنه دعا، وإنما جمع أهله فحسب.\nوأيضا؛ فإن عمر سمع رجلا يقول: واحبذا صفرة ماء ذراعيها! لماء كانت قد توضأت به امرأة فبقي من أثر الزعفران، فعلاه بالدرة.\nوروي أنه نهى أن يجلس الرجل في مجلس المرأة عقيب قيامها منه.\nفكل من قال بأصل الذرائع؛ يلزمه القول بهذا الفرع، ومن أبى أصل الذرائع من العلماء؛ يلزمه إنكاره؛ لما يجري فيه من اختلاط الرجال والنساء.\n١١ - فصل\nفي بيان الوجه الذي يدخل منه الفساد على عامة المسلمين\nروى مسلم في \" الصحيح \" أن النبي ﷺ قال: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس، ولكن يقبضه بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم؛ اتخذ الناس رؤوسا جهالا، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا» .","vol":"1","page":76},{"text":"فتدبر هذا الحديث؛ فإنه يدل على أنه لا يؤتى الناس قط من قبل علمائهم، وإنما يؤتون من قبل أنه إذا مات علماؤهم؛ أفتى من ليس بعالم، فيؤتى الناس من قبله.\nوقد صرف عمر هذا المعنى تصريفا، فقال: \" ما خان أمين قط، ولكنه اؤتمن غير أمين فخان \".\nونحن نقول: ما ابتدع عالم قط، ولكنه استفتي من ليس بعالم؛ فضل وأضل.\nوكذلك فعل ربيعة؛ قال مالك: \" بكى ربيعة يوما بكاء شديدا، فقيل له: أمصيبة نزلت بك؟ فقال: لا، ولكنه استفتي من لا علم عنده \".\nوروى البخاري في \" صحيحه \" عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله","vol":"1","page":77},{"text":"ﷺ: «قبل الساعة سنون خداعات، يصدق فيهن الكاذب، ويكذب فيهن الصادق، ويخون فيهن الأمين، ويؤتمن الخائن، وينطق فيهن الرويبضه» .\nقال أبو عبيد: \" هو الرجل التافه الخسيس ينطق في الأمور العامة \".\nوروي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: \" قدعلمت متى يهلك الناس: إذا جاء الفقه من قبل الصغير؛ استعص عليه الكبير، وإذا جاء الفقه من قبل الكبير؛ تابعه الصغير، فاهتديا \".\nوقال عبد الله بن مسعود: لا يزال الناس بخير ما أخذوا العلم عن أكابرهم، فإذا أخذوه عن أصاغرهم وشرارهم؛ هلكوا.\nوتناقش العلماء فيما أراد عمر بالصغار:","vol":"1","page":79},{"text":"فأما عبد الله بن المبارك؛ فقال: \" الأصاغر: هم أهل البدع \".\nقال أبو بكر بن ثابت الخطيب الحافظ: \" إنما أراد به صغير السن، وفي هذا ندب إلى التعليم في الصغر؛ مثل قول عمر أيضا: تفقهوا قبل أن تُسَوَّدوا؛ أي: إن لم تتعلموا تسودوا؛ استحييتم من التعليم، فأخذتم العلم عن صغاركم \".\nوأما أستاذنا القاضي أبو الوليد؛ فقال: \" يحتمل أن يكون معنى الأصاغر: من لا علم عنده، وقد كان عمر بن الخطاب يستشير الصغار، وقد كان القراء أصحاب مشورته؛ كهولا كانوا أو شبابا، ويحتمل أن يريد بالأصاغر من لا قدر له ولا حال، ولا يكون ذلك إلا بنبذ الدين والمروءة، فأما من التزمهما؛ فلا بد أن يسمو أمره ويعظم قدره \".\nوقد روي عن مكحول أن قال: \" تفقه الرعاع فساد الدنيا، وتفقه السِّفْلَةِ فساد الدين \".\nوقال الفريابي: \" كان سفيان الثوري إذا رأى هؤلاء النبط يكتبون العلم؛","vol":"1","page":80},{"text":"تغير وجهه! فقلت له: يا أبا عبد الله! أراك إذا رأيت هؤلاء يكتبون العلم يشتد عليك؟ ! فقال: كان العلم في العرب وفي سادة الناس، فإذا خرج عنهم وصار إلى هؤلاء - يعني: النبط والسفلة -؛ غير الدين \".\nوقال سفيان: \" كانوا يتعوذون بالله من شر فتنة العالم، ومن شر فتنة العابد الجاهل؛ فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون \".\nوقال وهب بن منبه: \" جمع المال وغشيان السلطان لا يبقيان من حسنات المرء إلا كما يبقي ذئبان جائعان سقطا في حظار فيه غنم، فباتا يجوسان حتى أصبحا \".\nوقال سفيان الثوري: \" كان خيار الناس وأشرافهم الذين يقومون إلى هؤلاء الأمراء فيأمرونهم وينهونهم، وكان آخرون يلزمون بيوتهم، فكان لا ينتفع بهم ولا يذكرون، ثم بقينا حتى صار الذين يأتونهم فيأمرونهم شرار الناس، والذين لزموا بيوتهم خيار الناس \".\nوقال محمد بن سحنون: \" كان لبعض أهل العلم أخ يأتي القاضي والوالي بالليل، ويسلم عليهما، فبلغه ذلك، فكتب إليه: أما بعد؛ فإن الذي","vol":"1","page":81},{"text":"يراك بالنهار يراك بالليل، وهذا آخر كتاب أكتبه إليك \".\nقال محمد: \" فعرضته على سحنون، فأعجبه، وقال: ما أسمجه بالعالم أن يؤتى إلى مجلسه، فلا يوجد فيه، فيقال: إنه عند الأمير \".\nوقال سحنون: \" إذا أتى الرجل مجلس القاضي ثلاثة أيام متواليات من غير حاجة؛ فينبغي ألا تقبل شهادته \".","vol":"1","page":82},{"text":"الباب الرابع\nفي نقل غرائب البدع وإنكار العلماء لها\n١ -[فصل:\nالقراءة بالألحان]\nفمن ذلك البدع المحدثة في الكتاب العزيز من الألحان والتطريب:\nقال الله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾؛ يعني: فصله تفصيلا، وبينه تبيينا، وترسل فيه ترسيلا، ولا تعجل في قراءته، وهو من قول العرب: ثغر رتل ورتل؛ إذا كان مفلجا ذا فرج.\nقال مالك: \" ولا تعجبني القراءة بالألحان، ولا أحبها في رمضان ولا في غيره؛ لأنه يشبه الغناء، ويضحك بالقرآن، فيقال: فلان أقرأ من فلان \".\nوبلغني أن الجواري يعلمن ذلك كما يعلمن الغناء! أترى هذا من القراءة","vol":"1","page":83},{"text":"التي كان يقرأ بها رسول الله ﷺ؟ !\nوكذلك سعيد بن المسيب نهى عمر بن عبد العزيز وقد سمعه يطرب، فأرسل إليه سعيد، فنهاه عن التطريب، فانتهى.\nوقال إبراهيم النخعي: \" كانوا يكرهون القراءة بتطريب، وكانوا إذا قرؤوا القرآن؛ قرؤوا حدرا مرسلا بحزن \".\nوقال عبد الله بن عمرو: يقال للقارئ يوم القيامة: اقرأ، واقرأ، ورتل كما كنت ترتل في الدنيا.\nوقال حذيفة: \" إذا قرأتم القرآن؛ فاقرؤوه بحزن، ولا تجفوا عنه، وتعاهدوه، ورتلوه ترتيلا \".\nوقال محمد ابن سيرين: \" أصوات القرآن محدثة \".\nوقال كعب: \" ليقرأن القرآن أقوام هم أحسن أصواتا من العازفات بعزفهن، ومن حداة الإبل لإبلهم؛ لا ينظر الله إليهم يوم القيامة \".\nوقال أبو ذر: «سمعت النبي ﷺ يتخوف على أمته قوما يتخذون القرآن مزامير؛ يقدمون الرجل يؤمهم، ليس بأفقههم؛ إلا ليغنيهم» .","vol":"1","page":84},{"text":"قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: \" سمعت أبي وقد سئل عن القراءة بالألحان؟ فقال: محدث \".\nوقال سلمان: \" خطبنا علي يوما ... \"، فذكر خطبة له طويلة، وذكر فيها فتنة قربها، وقال فيها: \" ... تضيع حقوق الرحمن، ويتغنى بالقرآن ذو الطرب والألحان \".\nفأما أصحاب الألحان؛ فإنما حدثوا في القرن الرابع؛ منهم: محمد بن سعيد صاحب الألحان، والكرماني، والهيثم، وأبان ... فكانوا مهجورين عند العلماء، فنقلوا القراءة إلى أوضاع لحون الأغاني، فمدوا المقصور، وقصروا الممدود، وحركوا الساكن، وسكنوا المتحرك، وزادوا في الحرف، ونقصوا منه، وجزموا المتحرك، وحركوا المجزوم؛ لاستيفاء نغمات الأغاني المطربة.\nثم اشتقوا لها أسماء، فقالوا: شذر، ونبر، وتفريق، وتعليق، وهز، وخز، وزمر، وزجر، وحذف، وتشريق، وإسجاح، وصياح!\nثم يقولون: مخرج هذا الحرف من الأنف، وهذا من الرأس، وهذا من الصدر، وهذا من الشدق! فما خرج من القحف؛ فهو صياح، وما خرج من","vol":"1","page":85},{"text":"الجبهة؛ فهو زجر، وما خرج من اللهوات؛ فهو نبر، وما خرج من الأنف؛ فهو زمر، وما خرج من الحلق؛ فهو خرير وشذر، وما خرج من الصدر؛ فهو هرير!\nوسموها لحونا، ثم جعلوا لكل لحن منها اسما مخترعا، فقالوا: اللحن الصقلبي، فإذا قرؤوا قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ يرقصون في هذه الآية كرقص الصقالبة بأرجلها وفيها الخلاخيل، ويصفقون بأيديهم على إيقاع الأرجل، ويرجعون الأصوات بما يشبه تصفيق الأيدي ورقص الأرجل، كل ذلك على نغمات متوازنة! !\nومن ذلك الرهب: أن نظروا إلى كل موضع في القرآن فيه ذكر المسيح؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾، وكقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾، فمثلوا أصواتهم فيه بأصوات النصارى والرهبان والأساقفة في الكنائس!\nومن ألحانهم في القرآن: النبطي، والرومي، والحساني، والمكي، والإسكندراني، والمصري، والكاروندي، والراعي، والديباجي، والياقوتي، والعروسي، والزرجون، والمرجي، والمجوسي، والزنجي، والمنمنم، والسندي، وغيرها؛ كرهنا ذكر التطويل بها.\nفهذه أسماء ابتدعوها في كتاب الله تعالى ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ .","vol":"1","page":86},{"text":"فالتالي منهم والسامع لا يقصدون فهم معانيه؛ من أمر، أو نهي، أو وعد، أو وعيد، أو وعظ، أو تخويف، أو ضرب مثل، أو اقتضاء حكم، أو غير ذلك مما أنزل به القرآن، وإنما للذة، والطرب، والنغمات، والألحان؛ كنقر الأوتار، وأصوات المزامير؛ كما قال الله ﷿ يذم قريشا: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ .\nوإنما أنزل القرآن لتتدبر آياته وتفهم معانيه:\nقال الله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ .\nوقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ .\nوقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ .\nوهذا يمنع أن يقرأ بالألحان المطربة والمشبهة للأغاني؛ لأن ذلك يثمر ضد الخشوع، ونقيض الخوف والوجل.\nوقوله تعالى فيهم: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ .\nوهذا يفيد الأمر بتلاوته على هذا الوجه، وأن بكاءهم إنما كان مما فهموا من معانيه، لا من نغمات القارئ.","vol":"1","page":87},{"text":"فأين هذا من دق الرجل، وثني العطف، وتحريك الرأس، والصياح، والزعق، والمكاء، والتصدية؟ !\nقال الله تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ .\nفليت شعري! ما الذي يورث خشية الله تعالى؟ !\nأألحان الكرماني ونغمات الترمذي، أو فهم معانيه، وتدبر آياته، واستخلاص حكمه وعجائب مضمونه؟ !\nقال بهز بن حكيم: \" صليت خلف زرارة بن أوفى، فقرأ: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾، فخر ميتا، فكنت ممن حمله \".\nوقال أبو الربيع إدريس الخولاني: \" كان أبو بكر البصري قد أوتي الحزن وحسن الصوت، وقراءته تقع على القلب من فضله، وكان يأتي إلى الليث بن سعد فيقرأ عنده، ويبكي الليث وأصحابه، ويقول الليث: لقد جعل الله لقراءته سلطانا على الأعين \".\nوقرأ رجل عند عمر بن الخطاب: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾، حتى إذا بلغ: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾؛ قال عمر: \" بهذا جرى الحديث \".","vol":"1","page":88},{"text":"وإنما كان همه في معنى الآية، لا في ترجيع ونغمة.\nقال ابن أبي عبلة: \" كانت أم الدرداء تأتينا من دمشق إلى بيت المقدس على بغلة لها، فإذا مرت بالجبال؛ تقول لقائدها: أسمع الجبال ما وعدها ربها، فيرفع صوته بهذه الآية: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾ \".\nوروى مالك قال: \" قيل لزيد بن ثابت: كيف ترى في قراءة القرآن في سبع؟ فقال: حسن، ولأن أقرأه في نصف شهر أو عشرين أحب إلي، وسلني: لم ذلك؟ قال: فإني أسألك؟ قال: كي أتدبره وأقف عليه \".\n٢ - فصل\nفي معنى الألحان\nقد ذكرنا أن مالكا كره القراءة بالألحان:","vol":"1","page":89},{"text":"قال مالك: \" ولا يعجبني النبر والهمز في القراءة \".\nوقال نافع بن أبي نعيم: \" سمعت عبد الله بن هرمز يسأل عن النبر في القراءة؟ فقال: إن كانت العرب تنبر؛ فإن القرآن أحق أن ينبر \".\nوقال محمد بن جعفر: \" نهيت عن نبر القرآن في النوم \".\nومعنى هذا أن يمطط الحروف، ويفرط في المد، ويشبع الحركات حتى تصير حروفا؛ فإنه متى أشبع حركة الفتح؛ صارت ألفا، وإن أشبع حركة الضم صارت واوا، وإن أشبع حركة الكسر؛ صارت ياء!\nوأعظم من هذا أن الحرف الذي فيه واو واحدة تصير واوات كثيرة، ويكون في الحرف ألف واحد فيجعلونه ألفات كثيرة، وكذلك كل حرف من الآية يزيد فيه من الحروف بحسب ما تحتاج إليه نغمته ولحنه، فيزيل الحرف عن معناه، فتلحق الزيادة والنقصان على حسب النغمات والألحان، فلا تخلو من زيادة أو نقصان، وهذا أمر ليس في كلام العرب، ولا تعرفه الفصحاء والشعراء إذا ثبت هذا.\nواختلف قول الشافعي في هذا الأصل:\nفروى عنه المزني: \" ولا بأس بالقراءة بالألحان وتحسين الصوت \".\nوروى عنه الربيع بن سليمان الجيزي أنه كره القراءة بالألحان.\nواحتجوا لهذه المقالة - أعني: قول المزني - بضروب من الحجج:\nمنها قوله ﵇: «حسنوا أصواتكم بالقرآن» !","vol":"1","page":90},{"text":"قلنا: لا حجة فيه؛ فإن التحسين أن يقرأه ترتيلا وحدرا وتحزينا، وقد بينا معنى الترتيل، فتكون آية الترتيل مفسرة.\nواستدلوا بقول النبي ﷺ: «ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي أن يتغنى بالقرآن» !\nهذا لفظ \" الصحيح \".\nوقد روي: «... لنبي حسن الترنم بالقرآن» .\nوالجواب: \" ما أذن \": معناه: استمع، قال الله ﷿: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾؛ أي: استمعت.\nوقال الناظم:","vol":"1","page":91},{"text":"أيها القلب تعلل بددن ... إن قلبي في سماع وأذن\nوروى عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ قال: «ليس منا من لم يتغن بالقرآن» .\nقلنا: لفظ التغني يحتمل ثلاثة معان:\nأحدها: الاستغناء.\nوهكذا رواه البخاري عن سفيان مفسرا، فقال: \" قال سفيان: يستغني به \".\nوهكذا فسره أبو عبيد، فقال: \" هو من الاستغناء \".\nوقد جاء في اللغة: يتغنى؛ بمعنى: يستغني؛ قال الناظم:\nوكنت امرءا زمنا بالعراق ... عفيف المناخ طويل التغني\nوروى الكسائي عن امرأة من العرب وقد سئلت عن أعنز عجاف في بيتها، فقالت: \" نتغنى بها \".\nوروى ابن وهب في \" موطئه \" أن النبي ﷺ قال: «يا أيها الناس! تعلَّموا!»","vol":"1","page":92},{"text":"«إن الأيدي ثلاثة: فيد الله العليا، ويد المعطي الوسطي، ويد المعطى السفلى، فتغنوا ولو بجرم الحشف. اللهم هل بلغت؟»؛ ثلاثا.\nوهذا واضح في صحة قول سفيان.\nوالقول الثاني: أن المراد به الجهر، حكى أبو سليمان الخطابي: يتغنى؛ إذا أعلى صوته، وزعم أن رجلا منهم قال لآخر: غن يا ابن أخي! يقول: سل حاجتك، وارفع صوتك.\nوالثالث: تحسين الصوت.\nفعلى هذا نقول بموجبه: فإنا نستحب تحسين الصوت، وهو الترتيل والحدر والتحزن.\nواستدلوا بما رواه البخاري؛ قال: «سئل أنس: كيف كانت قراءة النبي ﷺ؟ فقال: كان يمد مدا. ثم قرأ: (بسم الله الرحمن الرحيم)؛ يمد (بسم الله)، ويمد (الرحمن)، ويمد (الرحيم)» .\nوقال عبد الله بن مُغَفَّلٍ: «رأيت النبي ﷺ على ناقته وهي تسير وهو يقرأ»","vol":"1","page":93},{"text":"«من سورة الفتح قراءة لينة، يقرأ وهو يرجع» .\nوروى مسلم في \" صحيحيه \" عن معاوية بن قرة: «سمعت عبد الله بن مغفل يقول: قرأ النبي ﷺ في مسير له سورة الفتح على راحلته، فرجع في قراءته» .\nقال معاوية: \" لولا أني أخاف أن يجتمع علي الناس؛ لحكيت لكم قراءته \"، وروى أنه كان يقرأ: \" آآ آ \".\nفالجواب نقول: كل هذا حجة عليكم، إذ ليس فيه للألحان ذكر؛ لأن النبي ﷺ كانت قراءته ترتيلا.\nقالت عائشة: «كان النبي ﷺ يقرأ بالسورة، فيرتلها حتى تكون أطول من أطول منها» .\nوهذا هو المروي عن أكثر الصحابة، وهو نص القرآن.\nوقد سئل مالك عن الهذ في القراءة؟ فقال: \" من الناس من إذا هذ؛ كان أخف عليه، وإذا رتل؛ أخطأ، ومن الناس من لا يحسن يهذ، والناس في ذلك على ما يخف عليهم، وذلك واسع \".","vol":"1","page":94},{"text":"قال القاضي أبو الوليد: \" ومعنى هذا أنه يستحب لكل إنسان ملازمة ما يوافق طبعه ويخف عليه، فربما تكلف ما يخالف طبعه ويشق عليه، فيقطعه ذلك عن القراءة والإكثار منها، فأما من تساوى في حقه الأمران؛ فالترتيل أولى \".\nورأيت أصحاب الشافعي يرفعون الخلاف ويجمعون بين قوليه، فقالوا: الموضع الذي قال: \" لا بأس به \": إذا لم يمطط ويفرط في المد، والذي كرهه: إذا أفرط فيه على الوجه الذي بيناه.\nوأما الترجيع؛ فإن أراد به ترديد الكلمة؛ مثل أن يتلو آية تخويف أو تحزين فيرددها خوفا أو تخشعا؛ فلا بأس به.\n٣ -[فصل\nما لا ينبغي في قراءة القرآن]\nوسئل مالك عن قراء مصر الذين يجتمع الناس إليهم، وكل رجل منهم يقرئ العُصبَة يفتح عليهم؟ قال: \" إنه حسن لا بأس به \".\nوقد قال مرة: إنه كرهه وعابه، وقال: \" يقرأ ذا ويقرأ ذا؛ قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ \".\nوأما أن يجتمع القوم، فيقرؤون في السورة مثل ما يعمل أهل الإسكندرية، وهو الذي يسمى القراءة بالإدارة؛ فكرهه مالك وقال: \" هذا لم يكن من عمل الناس \".","vol":"1","page":95},{"text":"قال القاضي أبو الوليد: \" إنما كرهه للمجاراة في حفظه، والمباهاة بالتقدم فيه \".\nوأما القوم يجتمعون في المسجد أو غيره، فيقرأ لهم الرجل الحسن الصوت؛ فإنه ممنوع؛ قاله مالك؛ لأن القراءة مشروعة على وجه العبادة، والانفراد بذلك أولى، وإنما يقصد بهذا صرف وجوه الناس، والأكل به خاصة، ونوع من السؤال به، وهذا مما يجب تنزيه القرآن عنه.\nوأما قراءة القرآن في الطرق؛ فقد قال مالك في \" العتبية \": \" أما الشيء اليسير؛ فلا بأس به، وأما الذي يديم ذلك؛ فلا \".\nقال سحنون: \" ولا بأس أن يقرأ الراكب والمضطجع \". قيل: فالرجل يخرج من قريته؛ أيقرأ ماشيا؟ قال: \" نعم \". قيل فيخرج إلى السوق، فيقرأ في نفسه ماشيا؟ قال: \" أكره أن يقرأ في السوق \".\nوسئل عن القراءة في الحمام؟ فقال: \" ليس الحمام موضع قراءة، وإن قرأ الإنسان الآيات؛ فلا بأس بذلك \".\n٤ - فصل\n[التفقه في القرآن]\nومما ابتدعه الناس في القرآن الاقتصار على حفظ حروفه؛ دون التفقه فيه:","vol":"1","page":96},{"text":"روى مالك في \" موطئه \": \" أن عبد الله بن عمر مكث في سورة البقرة ثماني سنين يتعلمها \".\nقال علماؤنا: معنى ذلك: أنه كان يتعلم فرائضها، وأحكامها، وحلالها، وحرامها، ووعدها، ووعيدها، وغير ذلك من أحكامها.\nوروي عن مالك في \" العتبية \" قال: \" كتب إلى عمر بن الخطاب من العراق يخبرونه أن رجالا قد جمعوا كتاب الله تعالى، فكتب عمر: أن افرض لهم في الديوان. قال: فكثر من يطلب القرآن، فكتب إليه من قابل أنه قد جمع القرآن سبع مائة رجل. فقال عمر: إني لأخشى أن يسرعوا في القرآن قبل أن يتفقهوا في الدين. فكتب ألا يعطيهم شيئا \".\nقال مالك: \" معناه: مخافة أن يتأولوه غير تأويله \".\nوهذا هو حال المقرئين في هذه الأعصر؛ فإنك تجد أحدهم يروي القرآن بمائة رواية، ويثقف حروفه تثقيف القدح، وهو أجهل الجاهلين بأحكامه، فلو سألته عن حقيقة النية في الوضوء، ومحلها، وعزوبها، ورفضها، وتفريقها على أعضاء الوضوء؛ لم يخرج جوابا، وهو يتلو عمره:","vol":"1","page":97},{"text":"﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ .\nبل لو سألته عن أول درجة، فقلت له: أمر الله تعالى على الوجوب هو؟ أم على الندب والاستحباب؟ أم على الوقف؟ أم على الإباحة؟ فطلبته بفهم هذه الدقائق ووجوهها وترتيبها؛ لم يجد جوابا!\nوسئل مالك عن صبي ابن سبع سنين جمع القرآن، فقال: \" ما أرى هذا ينبغي \".\nوإنما وجه إنكاره ما تقرر في الصحابة من كراهة التسرع في حفظ القرآن دون التفقه فيه.\nومن ذلك حديث مالك عن عبد الله بن مسعود: إنكم في زمان كثير فقاؤه، قليل قراؤه، تحفظ فيه حدود القرآن، وتضيع حروفه، قليل من يسأل، كثير من يعطي، يبدؤون أعمالهم قبل أهوائهم، وسيأتي زمان قليل فقاؤه، كثير قراؤه، تحفظ فيه حروف القرآن، وتضيع حدوده، كثير من يسأل، قليل من يعطي، يبدؤون أهوائهم قبل أعمالهم.\nوقال الحسن: \" إن هذا القرآن قد قرأه عبيد وصبيان لا علم لهم بتأويله، ولم يأتوا الأمر من قبل أوله؛ قال الله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، وما تدبر آياته إلا اتباعه بعلمه، أما والله ما هو","vol":"1","page":98},{"text":"بحفظ حروفه وإضاعة حدوده، حتى إن أحدهم ليقول: والله لقد قرأت القرآن كله ما أسقطت منه حرفا، وقد والله أسقطه كله، ما رئي القرآن له في خلق ولا عمل، وإن أحدهم ليقول: والله إني لأقرأ السورة في نفس [واحد]، ما هؤلاء بالقراء ولا العلماء الورعة، متى كان القراء يقولون مثل هذا؟ ! لا كثر الله في الناس مثل هذا \".\nقال الحسن: \" ولقد قرأ القرآن ثلاثة نفر:\nفرجل قرأ القرآن، فأعده بضاعة؛ يطلب به ما عند الناس، من مصر إلى مصر.\nوقوم قرؤوا القرآن فثقفوه تثقيف القدح، فأقاموا حروفه، وضيعوا حدوده، واستدروا به ما عند الولاة، واستطالوا به على أهل بلادهم، وما أكثر هذا الصنف من حملة القرآن! لا كثر الله صنفهم تعالى \".\nقال: \" ورجل قرأ القرآن، فبدأ بدواء ما يعلم من القرآن، فجعله على داء قلبه، فهملت عيناه، وسهر نومه، وتسربل الحزن، وارتدى الخشوع، فبهم يسقي الله الغيث، وينفي العدو، ويدفع البلاء، فوالله لهذا الضرب من حملة القرآن أقل في الناس من الكبريت الأحمر \".\nوقد قال الله تعالى فيمن يحفظ الكتب المنزلة من السماء ولا يعلم أحكامها وحلالها وحرامها: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾","vol":"1","page":99},{"text":"كانوا يحفظون التوراة ولا يعلمون ما استودع الله تعالى فيها من الحكم والعبر، فوصفهم الله تعالى بأنه ليس عندهم من ذلك إلا أماني، والأماني: التلاوة، واحدها: أمنية؛ قال الناظم:\nتمنى كتاب الله آخر ليلة ... تمني داود الزبور المنزلا\nوقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾، فشبه تالي القرآن من غير أن يفهمه كمثل الحمار يحمل أسفارا، وفيه وجهان:\n١ - قال ابن عباس: \" كلفوا العمل بها، فأقروا بها، ثم لم يعملوا بما فيها \".\n٢ - والثاني: أن هذا من الحمالة والضمان، لا من الحمل على الظهر؛ يقول: حملوا ما في التوراة، ثم لم يرضوا بها.\n﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾؛ قال الفراء: \" الأسفار: الكتب العظام، واحدها سفر، وهو مأخوذ من الإسفار، قال الله العظيم: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ﴾؛ لأن الكتاب يسفر عما استودعته فيه؛ فكما أن الحمار يحملها ولا","vol":"1","page":100},{"text":"يدري ما فيها، كذلك التوراة والإنجيل إذا دلتهم على نبوة محمد ﷺ، ثم لم يقروا به، ولم يعملوا بما فيها من الدلالة على نبوته؛ لم ينفعهم حفظها.\nفدخل في عموم هذا من يحفظ القرآن من أهل ملتنا، ثم لا يفهمه، ولا يعمل بما فيه، وفيه قال الناظم:\nزوامل للأسفار لا علم عندهم ... بجيدها إلا كعلم الأباعر\nلعمرك لا يدري البعير إذا غدا ... بأوساقه أو راح ما في الغرائر\nفبئس مثل القوم.\nوأيضا؛ فقد قال الله تعالى ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ .\nقال سفيان: \" ليس في كتاب الله تعالى آية أشد علي من قوله تعالى ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾، وإقامتها: فهمها والعمل بها \".","vol":"1","page":101},{"text":"٥ -[فصل\nكتابة القرآن]\nومن ذلك ما روي في \" المستخرجة \"؛ قال: \" كره مالك أن يكتب القرآن أسداسا وأسباعا في المصاحف، وشدد فيه الكراهية، وعابه \".\nقال: \" قد جمعه الله تعالى، وهؤلاء يفرقونه \".\nقيل لمالك: هل يكتب في السورة عدة آيِهَا؟ فكره ذلك في أمهات المصاحف، وكره أن يشكل أو ينقط. فأما ما يتعلم فيه الصبيان وألواحهم؛ فلا بأس به.\nقيل لمالك: فما كتب اليوم من المصاحف؛ يكتب على ما أحكم الناس من الهجاء اليوم؟ قال: \" لا، ولكن يكتب على الكتابة الأولى \".\nقال: \" وبيان ذلك أن براءة لم يوجد في أولها: (بسم الله الرحمن الرحيم)، فتركت؛ لئلا يوضع شيء في غير موضعه، ويكتب في الألواح في أولها: (بسم الله الرحمن الرحيم)، سواء بدأ بأول [الـ] سورة أو غيره؛ لأنه لا يجعل إماما \".\nقيل لمالك: كيف قدمت السور الكبار في التأليف وقد نزل بعضه قبل بعض؟ قال: \" أجل! ولكن أراهم إنما ألفوه على ما كانوا يسمعون من قراءة النبي ﷺ \".","vol":"1","page":102},{"text":"قال: \" وكره مالك علم الأعشار في المصاحف بالحمرة ونحوه، وقال: يعشر بالحبر \".\nوقال غيره: أول من أحدث الأعشار والأخماس وكتب أوائل السور بالحمرة الحجاج بن يوسف.\n٦ - فصل\nفيما أحدث من الحوادث والبدع في المساجد\nفمن ذلك المحاريب:\nروى عبد الرزاق في: \" مصنفه \"؛ قال: \" جاء الحسن إلى ثابت البناني يزوره، فحانت الصلاة، فقال: تقدم يا أبا سعيد. فقال الحسن: بل أنت تقدم. قال ثابت: والله لا أتقدمك أبدا. فتقدم الحسن واعتزل الطاق أن يصلي فيه \".\nقال: \" وكره الصلاة في طاق الإمام: النخعي، وسفيان الثوري، وإبراهيم التيمي \".\nقال الضحاك بن مزاحم: \" أول شرك كان في أهل الصلاة هذه","vol":"1","page":103},{"text":"المحاريب \".\nوصلى في طاق الإمام: سعيد بن جبير، ومعمر.\nوروي أن النبي ﷺ قال: «ما أمرت بتشييد المساجد» .\nقال ابن عباس: أما والله لتزخرفنها.\nوروي «أن أبي بن كعب وأبا الدرداء ذرعا المسجد، ثم أتيا النبي ﷺ بالذراع، فقال النبي ﷺ: بل عريش كعريش موسى: ثمام وخشب، فالأمر أعجل من ذلك» .\nوروى البخاري في \" صحيحه \" أن عمر أمر ببنيان مسجد، وقال: أكن الناس من المطر، إياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس! .\nوقال أيضا: أليس يتباهون بها ثم لا يعمرونها إلا قليلا.","vol":"1","page":104},{"text":"وقال ابن عباس: لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى.\nوقال أبو الدرداء: \" إذا حليتم مصاحفكم وزخرفتم مساجدكم؛ فالدبار عليكم \".\nوقال حوشب الطائي: \" ما أساءت أمة أعمالها؛ إلا زخرفت مساجدها، ولا هلكت أمة قط؛ إلا من قبل علمائها \".\nوقال علي: \" إن القوم إذا زينوا مساجدهم؛ فسدت أعمالهم \".\nوأصل الزخرف الذهب، وإنما يعني به تمويه المساجد بالذهب ونحوه، ومنه قولهم: زخرف الرجل كلامه؛ إذا موهه وزينه بالباطل.\nوالمعنى في ذلك: أن اليهود والنصارى إنما زخرفوا المساجد عندما حرفوا وبدلوا وتركوا العمل بما في كتبهم، فأنتم تصيرون إلى مثل حالهم إذا طلبتم الدنيا بالدين، وتركتم الإخلاص بالعمل، فصار أمركم إلى المراءاة في","vol":"1","page":105},{"text":"المساجد، والمباهاة بتشييدها وتزيينها.\nومر ابن مسعود على مساجد منقشة بالكوفة، فقال: \" من بنى هذا أنفق مال الله في معصيته \".\nوكان يقول: \" سيأتي بعدكم قوم يرفعون الطين ويضعون الدين، ويسمنون البراذين، ويصلون في قبلتكم \".\nوروى ابن وهب عن مالك، قال: لقد كره الناس يوم بني المسجد حين عمل بالذهب والفسيفساء - يعني: الفصوص - ورأوا أن ذلك مما يشغل الإنسان في صلاته بالنظر إليه \".\nقال مالك: \" وكان الوليد بن عبد الملك بنى المسجد بناء عجيبا \".\nقال ابن القاسم: \" وسمعت مالكا يذكر مسجد المدينة وما عمل فيه من التزويق في قبلته، فقال: كره الناس ذلك حين فعله؛ لأنه يشغلهم بالنظر إليه. ولما ولي عمر بن عبد العزيز؛ أراد نزعه، فقيل له: إنه لا يخرج منه كبير شيء من الذهب، فتركه \".\nوروى سعيد بن عفير في \" تاريخه \": \" أن عمر بن عبد العزيز أمر بمسجد دمشق أن ينزع ما فيه من الفسيفساء ومذهبة، وبيعه، وإدخال ثمنه في بيت المال، فكلمه كبراء أهل دمشق، وأخبروه بما لقي المسلمون في بنائه مع الوليد السنين الطويلة، وحمل فسيفسائه من أرض الروم، فأمر أن تستر عجائبه","vol":"1","page":106},{"text":"بالكرابيس - يعني: ثياب القطن الغلاظ -؛ لئلا يلهي المصلي \".\nوإنما فعل ذلك حين حاجه الدمشقيون، فقال: \" حمل الوليد من ذلك ما تحمل \"!\nثم بلغ عمر بن عبد العزيز أن بطريقا عظيما وفد من أرض رومية - دمرها الله - فلما نظر إلى مسجد دمشق - وكان قبل ذلك كنيسة -؛ هاله ذلك، وقال: ما كنا نتحدث بتعجيل دولتنا، والله ما رفع هذا البيت لنا ولا لغيرنا من ملوك الأرض وأهل القوة في إقبال الدنيا وعمارتها، ورفع لهم ذلك عند انقطاع من الدنيا وإذن في خرابها، وإن لهم لدولة مدة طويلة.\nفبلغ مقالته عمر بن عبد العزيز، فقال: \" لا أرى مسجد دمشق إلا غيظا للكفار \".\nفأمر كاتبه بتخريق رقعة الستور.\nوسئل مالك عن المساجد: هل يكره أن يكتب في قبلتها بالصبغ نحو آية الكرسي، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ والمعوذتين، ونحوها؟ فقال: \" أكره أن يكتب في قبلة المسجد بشيء من القرآن والتزويق \".\nويقول: \" إن ذلك يشغل المصلي \".\nولقد كره مالك أن يكتب القرآن في القراطيس، فكيف بالجدران؟ !\nوقال أصبغ: \" كان في جوار ابن القاسم مسجد بني من الأموال الحرام،","vol":"1","page":107},{"text":"فكان لا يصلي فيه، ويذهب إلى أبعد منه، ولا يراه واسعا لمن صلى فيه، والصلاة عظم الدين، وهي أحق ما احتيط فيه \".\nقال محمد بن مسلمة: \" ولا يؤتى شيء من المساجد يعتقد فيه الفضل بعد الثلاثة مساجد؛ إلا مسجد قباء \".\nقال: \" ويكره أن يعمد له يوما بعينه يؤتى فيه؛ خوفا من البدعة، وأن يطول الناس الزمان، فيجعل ذلك عيدا يعتمد، أو فريضة تؤخذ، ولا بأس أن يؤتى في كل حين؛ ما لم تجئ فيه بدعة \".\nقال: \" فأما سواه من المساجد؛ فلم أسمع عن أحد أنه أتاها راكبا ولا ماشيا كما أتى قباء، وقد قال عمر: لو كان بأفق من الآفاق؛ لضربنا إليه أكباد الإبل \".\nقال ابن وهب: \" سمعت مالكا يسأل عن مسجد بمصر يقال له: مسجد الخلوق، ويقولون فيه كذا وكذا، حتى ذكر أنه رئي فيه الخضر، أفترى أن يذهب الناس إليه متعمدين إلى الصلاة فيه؟ فقال: لا والله \".\nقال وهب بن منبه: \" وفيما أوحى الله تعالى إلى أشعياء ﵇: قل لبني إسرائيل يتقربون إلي بذبح الغنم، وليس ينالني اللحم ولا آكله، ويدعون أن يتقربوا إلي بالتقوى والكف عن ذبح الأنفس التي حرمتها عليهم، ويشيدون البيوت، ويزرقون المساجد، وأي حاجة إلى تشييد البيوت ولست أسكنها، وإلى","vol":"1","page":108},{"text":"تزويق المساجد ولست آتيها! إنما أمرت برفعها؛ لأذكر فيها وأسبح \".\n٧ - فصل\n[القصص في المساجد]\nقال مالك: \" وإني لأكره القصص في المساجد \".\nقال: \" وقد قال تميم الداري لعمر بن الخطاب: دعني أدع الله وأقص وأذكر الناس. فقال عمر: لا. فأعاد عليه. فقال: أنت تريد أن تقول: أنا تميم الداري؛ فاعرفوني! \".\nقال مالك: \" ولا أرى أن يجلس إليهم، وإن القصص لبدعة \".\nقال: \" وليس على الناس أن يستقبلوهم كالخطيب \".\nقال: \" وكان ابن المسيب وغيره يتخلفون والقاص يقص \".\nقال مالك: \" ونهيت أبا قدامة أن يقوم بعد الصلاة فيقول: افعلوا كذا وكذا \".\nقال سالم: \" وكان ابن عمر يلفى خارجا من المسجد، فيقول: ما أخرجني إلا صوت قاصكم هذا \".\nوقال أبو إدريس الخولاني: \" لأن أرى في ناحية المسجد نارا تأجج أحب","vol":"1","page":109},{"text":"من أن أرى قاصا يقص \".\nقال علماؤنا ﵏: لم يقص في زمان النبي ﷺ ولا في زمان أبي بكر وعمر، حتى ظهرت الفتنة، فظهرت القصص.\nفلما دخل علي المسجد؛ أخرج القصاص من المسجد، وقال: \" لا يقص في مسجدنا \".\nحتى انتهى إلى الحسن، في علوم الأعمال والأحوال، فاستمع إليه، ثم انصرف ولم يخرجه.\nوجاء ابن عمر إلى مجلسه من المسجد، فوجد قاصا يقص، فوجه إلى صاحب الشرطة أن أخرجه من المسجد، فأخرجه.\nقال مالك بن أنس: «كان رجل من المنافقين يقوم كل جمعة في المسجد، فيحض على طاعة رسول الله ﷺ، فلما كان يوم خيبر؛ انصرف بالناس من قتال العدو، ثم قام بعد ذلك في المسجد، فحض على طاعة رسول الله ﷺ، فأمر به النبي ﷺ، فأخرج من المسجد، فقال: لا أبالي ألا أصلي في حش بني فلان» .\nقال أبو التياح: \" قلت للحسن: إمامنا يقص فيجتمع الرجال والنساء، فيرفعون أصواتهم بالدعاء، ويمدون أيديهم! فقال الحسن: رفع الصوت بالدعاء","vol":"1","page":110},{"text":"بدعة، ومد الأيدي بالدعاء بدعة، والقصص بدعة \".\nوقيل لابن سيرين: \" لو قصصت على إخوانك؟ فقال: قد قيل: لا يتكلم على الناس إلا أمير أو مأمور أو أحمق، ولست بأمير، ولا مأمور، وأكره أن أكون الثالث \".\nقال معاوية بن قرة: \" قلت للحسن البصري: أعود مريضا أحب إليك أو أجلس إلى قاص؟ قال: عد مريضك. قلت: أشيع جنازة أحب إليك أو أجلس إلى قاص؟ فقال: شيع جنازتك. قلت استعان بي رجل في حاجة؛ أعينه أو أجلس إلى قاص؟ قال: اذهب في حاجتك ... حتى جعله خيرا من مجالس الفراغ \".\nوقال ضمرة: \" قلت للثوري: نستقبل القاص بوجوهنا؟ قال: ولوا البدع ظهوركم \".\nوقال أبو معمر: \" رأيت سيارا أبا الحكم يستاك على باب المسجد، وقاص يقص في المسجد، فقيل له: يا أبا الحكم! إن الناس ينظرون إليك. فقال: إني في خير مما هم فيه، أنا في سنة وهم في بدعة \".\n\" ولما دخل سليمان بن مهران الأعمش البصرة؛ نظر إلى قاص يقص في","vol":"1","page":111},{"text":"المسجد، فقال: حدثنا الأعمش عن أبي إسحاق، وحدثنا الأعمش عن أبي وائل ... \".\nقال: \" فتوسط الأعمش الحلقة، ورفع يديه، وجعل ينتف شعر إبطيه! فقال له القاص: يا شيخ! ألا تستحي؟ نحن في علم وأنت تفعل هذا؟! فقال الأعمش: الذي أنا فيه خير من الذي أنت فيه. قال: كيف ذلك؟ قال: لأني في سنة وأنت في كذب، أنا الأعمش، وما حدثتك مما تقول شيئا! !\nفلما سمع الناس ذكر الأعمش؛ انفضوا عن القاص، واجتمعوا حوله، وقالوا: حدثنا يا أبا محمد! \".\nوقال أحمد بن حنبل: \" أكذب الناس القصاص والسؤال، وما أحوج الناس إلى قاص صادق صدوق؛ لأنهم يذكرون الموت وعذاب القبر \".\nقيل له: أكنت تحضر مجالسهم؟ قال: \" لا \".\nوروي أن عامر بن عبد الله بن قيس المعروف بـ (راهب هذه الأمة) انقطع عن مجلس الحسن البصري، فجاءه الحسن في منزله، فإذا عامر في بيت قد لف رأسه، وليس في البيت إلا رمل، فقال له الحسن: يا أبا عبد الله! لم نرك منذ أيام؟ فقال له: إني كنت أجلس هذه المجالس، أسمع تخليطا وتغليطا، وإني كنت أسمع مشيختنا فيما روي عن نبينا ﷺ أنه كان يقول: «إن أصفى»","vol":"1","page":112},{"text":"«الناس إيمانا يوم القيامة أكثرهم فكرة في الدنيا، وأكثر الناس ضحكا في الجنة أطولهم بكاء في الدنيا، وأشد الناس فرحا في الآخرة أطولهم حزنا في الدنيا»، فوجدت البيت أخلى لقلبي، وأقدر لي من نفسي على ما أريد منها. فقال له الحسن: أما إنه لم يعن مجالسنا هذه، إنما عنى مجالس القصاص في الطرق، والذين يخلطون ويقدمون ويؤخرون.\nقال ابن القاسم: \" وأول قاص كان بالمدينة إنما جعله عمر بن عبد العزيز ولم يكن بها قبل ذلك قاص \".\nقال مالك: \" لم يكن القصاص فيما مضى حتى كان عمر بن عبد العزيز أميرا، فجعل قاصا ورزقه دينارين في الشهر \".\nوفي كتاب الوضوء من \" المدونة \": أن عمر بن عبد العزيز كان له قاص؛ يعني: واعظا يذكره.\n٨ - فصل\nآداب المسجد\nقال الله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ .\nدلت الآية على أن المساجد إنما رفعت لأعمال الآخرة؛ دون حرث الدنيا واكتسابها.","vol":"1","page":113},{"text":"ولقد كره مالك التابوت الذي جعل في المسجد للصدقات، ورآه من حرث الدنيا.\nوسئل مالك عن الأكل في المسجد، فقال: \" أما الشيء الخفيف؛ مثل السويق ويسير الطعام؛ فأرجو أن يكون خفيفا، ولو خرج إلى باب المسجد؛ كان أعجب إلي، وأما الكثير؛ فلا يعجبني، ولا في رحابه \".\nقال مالك: \" وأكره المراويح التي في مقدم المسجد، التي يروح بها الناس \".\nقال مالك: \" وما كان يفعل ذلك فيما مضى، ولا أجيز للناس أن يأتوا بالمراويح يتروحون بها \".\nوقال في الذي يأكل اللحم في المسجد؛ قال: \" أليس يخرج يغسل يده؟ \". قالوا: بلى. قال: \" فليخرج ليأكل \".\nقال: \" وأكره أن يتكلم بألسنة العجم في المسجد \".\nوقال: \" إنما ذلك لما قيل في ألسنة الأعاجم أنها خب \".\nقال: \" فلا يفعل في المسجد شيء من الخب \".\nقال: \" وهو لمن يحسن العربية أشد خبا \".","vol":"1","page":114},{"text":"قال: \" وأكره أن يبني مسجدا ويتخذ فوقه مسكنا يسكن فيه بأهله، ولا يقلم أظفاره في المسجد، ولا يقص فيه شاربه، وإن أخذه في ثوبه، وأكره أن يتسوك في المسجد من أجل ما يخرج من المسواك فيلقيه في المسجد \".\nقال: \" ولا أحب أن يتمضمض في المسجد، وليخرج؛ ليفعل ذلك \".\nوأما المبيت في المسجد:\nفجوزه مالك للغرباء دون الرجل الحاضر.\nوقال ابن القاسم في \" العتبية \": \" لا بأس به للحاضر الضعيف، دون من له منزل \".\nوروى ابن حبيب عن ابن وهب: \" لا يرقد شاب في المسجد \".\nقال مالك: \" قد كان يبيت في المسجد أهل الصفة وغيرهم؛ لعدم البيوت \".\nقال ابن عمر: \" ما كان لي مبيت ولا مأوى على عهد النبي ﷺ إلا المساجد \".\nوقد كان مبيت عطاء بن أبي رباح في المسجد أربعين سنة.\nوفي الحديث: «قيل: يا رسول الله! أتأذن لي في الترهب؟ قال: ترهب.»","vol":"1","page":115},{"text":"قال ابن حبيب: \" لا بأس بالاستلقاء في المسجد للراحة \".\nقال: \" ولا بأس بالقائلة في المسجد والنوم فيه نهارا للحاضر المقيم، ولا بأس بالمبيت فيه للمسافر والمنتاب إلى أن يرتاد مسكنا، ولا ينبغي أن يتخذه مسكنا؛ إلا رجل قد تبتل للعبادة، وتجرد فيه لقيام الليل، فلا بأس أن يكون في دهره إذا كان مرافقه لوضوئه ومعاشه في غير المسجد \".\nوفي الحديث: \" «إن الله تعالى يقول: إني أهم بعذاب عبادي، فأنظر إلى عمار المساجد، وجلساء القرآن، وولدان الإسلام، فيسكن غضبي» \".\nوروى عباد بن تميم عن عمه: \" «أنه رأى النبي ﷺ مستلقيا في المسجد، واضعا إحدى رجليه على الأخرى» \".\nقال ابن المسيب: \" وكان عمر وعثمان يفعلان ذلك \".\nقال: \" وسئل مالك عن الرجل يتخذ في المسجد فراشا يجلس عليه، أو وسادة يتكئ عليها؟ قال: ليس ذلك من عمل الناس، ولا أحبه \".","vol":"1","page":116},{"text":"وكان يرخص في الخمرة والنخاع والمصليات، ويقول: \" قد كان ذلك يتخذ في مسجدنا ليستوطأ أو يستدفأ به من برد الحصباء في شدة البرد \".\nوالخمرة: حصير من جريد.\nوالنخاع: بسط طوال.\nقال: \" وكانت الأقناء تعلق في المسجد على عهد النبي ﷺ؛ لمكان أضياف النبي ﷺ المساكين؛ يأكلون منه، وأراه حسنا أن يعلق في سائر البلاد التي فيها التمر في المساجد \".\nوسئل مالك عن الرجل في رمضان يكون في المسجد فيأتيه الطعام؟ فقال: \" أما الشيء الخفيف؛ مثل السويق والطعام اليسير؛ فأرجو أن يكون خفيفا، وأما الطعام؛ مثل اللحم والألوان؛ فلا يعجبني \".\nفقيل له: فرحاب المسجد؟ قال: \" رحاب المسجد من المسجد \".\nوكره أكل الطعام في المسجد، قيل له: فإن بعض الأئمة يعشون الناس في المسجد. قال: \" ليس بإمام الذي يطعم الناس في المسجد \".","vol":"1","page":117},{"text":"قال أشهب: \" وسئل مالك عن قوم يفطرون في رمضان على الكعك والتمر المنزوع نواه والزبيب؟ قال: ما يعجبني، كيف يصنعون بأذاه وبالمضمضة؟ قيل: يؤتى به في منديل وليس به أذى، ويخرجون من المسجد فيتمضمضون. قال: إن كان هذا؛ فأرجو أن يكون خفيفا \".\nوروى ابن وهب عن مالك: \" ولو خرج إلى باب المسجد، فأكل وشرب هناك؛ كان أحب إلي \".\nوقال ابن عبد الحكم: \" سمعت مالكا يسأل عن الماء الذي يسقى في المسجد، أترى أن نشرب منه؟ قال: نعم؛ وإنما جعل للعطشان، ولم يرد به أهل المسكنة، فلم يترك شربه؟ ولم يزل هذا من أمر الناس بهذا المكان وغيره \".\nقال ابن حبيب: \" رأيت القرب بالماء العذب معلقة في مسجد الرسول ﷺ على الحصباء وتحتها أقداح نضار، فمن أحب شرب الماء في المسجد \".\nقال ابن القاسم: \" رأيت مالكا يشرب في المسجد \".\nقال ابن حبيب: \" وقد فعله ابن الزبير في المسجد الحرام، ورأيت ابن الماجشون وغيره من علماء المدينة يشربون الماء في المسجد \".\nوكره مالك قتل القمل ودفنها في المسجد، ولا يطرحها من ثوبه في المسجد، ولا يقتلها بين النعلين في المسجد.\nوقال مالك في المعتكف: \" لا يدخل إليه حجام؛ ليأخذ من شعره وأظفاره \".","vol":"1","page":118},{"text":"قال ابن القاسم: \" إنما كرهه لحرمة المسجد \".\nوروى ابن حبيب وابن القاسم عن مالك: \" أنه نهى عن قتل القمل والبراغيث في المسجد، ولا يدفنها فيه \".\nقال ابن حبيب: \" أخبرني مطرف أن البرغوث كان أخف عند مالك من القمل، وليصرها حتى يلقيها خارجا \".\n«ورأى النبي ﷺ في جدار مخاطا أو بصاقا أو نخامة في القبلة، فحكه» .\nوروى أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: «البصاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها» .\nقال مالك: \" لا أرى أن يبصق على حصير المسجد ويدلكه برجله، ولا بأس أن يبصق تحت الحصير، وإن كان المسجد محصبا؛ فلا بأس أن يحفر الحصباء ويبصق فيه ويدفنه \".\nقال ابن القاسم: \" إن لم يكن المسجد محصبا، لا يقدر على دفن البصاق فيه؛ فلا يبصق فيه \".\nوسئل مالك عن التنخم في النعلين، فقال: \" إن كان لا يصل التنخم تحت الحصير؛ فلا بأس، وإن كان يصل؛ فلا يتنخم في نعليه \".\nقال محمد بن مسلمة: \" لم يزل الناس يتنخمون في المسجد ويبصقون فيه منذ كان، قبل أن يحصب وبعدما حصب، وأخبرني مالك أن أول من حصبه عمر بن الخطاب، وإن الناس كانوا يبصقون قبل أن يحصب عن يسارهم \".","vol":"1","page":119},{"text":"قال: \" فكان مالك يفتي به في المساجد التي ليست محصبة \".\nوسئل مالك عن السؤال الذين يسألون في المساجد ويلحون في المسألة؟ قال: \" أرى أن ينهوا عن ذلك \".\nوقال غيره: يحرم الصدقة.\nوروى مالك في \" موطئه \": أن عطاء بن يسار كان إذا مر عليه من يبيع في المساجد؛ دعاه، فسأله: ما معك؟ وما تريد؟ فإن أخبره أنه يريد بيع ما عنده؛ قال: عليك بسوق الدنيا، فإنما هذه سوق الآخرة.\nقال القاضي أبو الوليد: العمل في المسجد على ضربين: قربة وغير قربة:\nفالقرب: مثل الصلاة، والتلاوة، والذكر، ويدخل فيه درس العلم والمناظرة فيه.\nوما ليس بقرب؛ فعلى ضربين: أفعال، وأقوال:\nفأما الأفعال؛ فكالبيع، والشراء، والأكل، وعمل الصنائع، ونحوه.\nفأما البيع:\nفروى ابن القاسم عن مالك في \" المجموعة \": \" لا بأس أن يقضى الرجل في المسجد ذهبا، فأما ما كان بمعنى التجارة والصرف؛ فلا أحبه \".\nوإنما أراد بالقضاء المعتاد الذي فيه يسير العمل، وقليل العين، وأما لو كان قضاء المال جسيما، يحتاج إلى المؤنة والوزن والانتقاد، ويكثر فيه العمل؛ فإنه مكروه.","vol":"1","page":120},{"text":"وقال مالك في \" المبسوط \": \" لا أحب لأحد أن يظهر سلعة في المسجد للبيع، فأما أن يساوم رجلا ثوبا عليه، أو سلعة تقدمت رؤيته لها ومعرفته بها؛ فيواجبه البيع فيها؛ فلا بأس به \".\nوقال محمد بن مسلمة: \" لا ينبغي لأحد أن يبيع في المسجد ولا يشتري شيئا حاضرا ولا غائبا:\nأما الحاضر؛ فإن المسجد ليس بموضع للسلع، ولو جاز ذلك؛ صار المسجد سوقا.\nوأما ما ليس بحاضر؛ كالدور والأصول وبيع الصفة وأشباه ذلك؛ فلما فيه من اللغط واللغو، وعلى هذا القول دل قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ الآية \".\nوقد كره غيره أن يشتري الرجل في المسجد القربة من الماء؛ ليسيلها، وقال: يخرج إلى الباب، ويشتريها هنالك، ثم يسيلها.\nوفي الحديث: \" «لا تقوم الساعة حتى يتبايع الناس في المساجد» \".","vol":"1","page":121},{"text":"وروى البخاري «أن النبي ﷺ سمع رجلا ينشد ضالة في المسجد، فقال: أيها الناشد! غيرك الواجد» .\nوروى مسلم في \" صحيحه \" «أن رسول الله ﷺ سمع رجلا ينشد ناقته في المسجد، فقال: لا جمعها الله عليك! إن المساجد لم تبن لهذا» .\nقال مالك في \" المبسوط \": \" ولو لم يرفع بذلك صوته؛ فلا بأس بذلك؛ لأنه من جنس المحادثة، وذلك غير ممنوع \".\nوأما الكتابة في المساجد:\nفروى ابن القاسم عن مالك في \" المجموعة \" في ذكر الحق يكتب في المسجد؛ قال: \" أما الشيء الخفيف؛ فنعم، وأما الشيء يطول؛ فلا أحبه \".\nويجري على أصل محمد بن مسلمة أن لا يكتب فيه اليسير ولا الكثير \".\nقال القاضي أبو الوليد: \" ولم أر شيئا في كتب المصاحف في المساجد \".","vol":"1","page":122},{"text":"قال: \" فأما الرجل المتوقي الذي يصون المساجد ويكتب المصاحف؛ ظاهره الجواز \".\nوأما تعليم الصبيان في المساجد:\nفكرهه سحنون، ويتفرع في تعليله وجهان:\nأحدهما: قلة توقيهم للنجاسة.\nوالثاني: أنه صنعه وتكسب.\nقال القاضي أبو الوليد: \" فيلزم على هذا التعليل منع كتابة المصاحف فيه \".\nقال ابن حبيب: \" ويكره دخول الصبيان المسجد وتعليمهم فيه؛ إلا أن يدخل الصبي للصلاة ثم يخرج \".\nوقال غيره: في تعليمهم فيه بالأجر تكسب، وهي إجازة من جنس التجارة، وقد نهي عنه، ويجوز أن يؤتى بالصبي إلى المسجد إذا كان قد علم الأدب، ولم يعبث لصغره، ثم يخرج.\nوأما الخياطة وغيرها من الأعمال الظاهرة التي لا تتعلق بالقرب:\nفقد قال سحنون: \" لا يجلس فيه للخياطة \".\nويلزم أن تكون سائر الأعمال التي في معنى الخياطة على ذلك.","vol":"1","page":123},{"text":"٩ -<span data-type=\"title\" id=toc-30> فصل\nفي البطحاء</span>\nروى مالك بن أنس أن عمر بن الخطاب ﵁ بنى رحبة في ناحية المسجد تسمى البطحاء، وقال: \" من كان يريد أن يلغط أو ينشد شعرا أو يرفع صوته فليخرج إلى هذه الرحبة \".\nواعلموا أنه لما رأى عمر جلوس الناس في المسجد، وحديثهم فيه، وربما أخرجهم ذلك إلى اللغط - وهو المختلط من القول وارتفاع الأصوات - وربما تناشدوا شعرا واتسع الخوض في أخبار الدنيا: بنى البطحاء مرتفعة نحو الذراع وحصرها بجدار قصير، وبسطها بالحصباء ملاصقة المسجد، ليخلص المسجد لذكر الله تعالى.\nقال السائب: كنت في المسجد، فحصبني رجل، فنظرت؛ فإذا عمر بن الخطاب، فقال لي: اذهب فأتني بهذين، فجئته بهما، فقال: من أنتما؟ ومن أين أنتما؟ قالا: من أهل الطائف. قال: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما؛ ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله ﷺ؟ ! إن مسجدنا هذا لا نرفع فيه الأصوات.","vol":"1","page":124},{"text":"وقال ابن القاسم في \" المبسوط \": \" رأيت مالكا يعيب على أصحابه رفع أصواتهم في المسجد \".\nوعلل ذلك محمد بن مسلمة بعلتين:\nإحداهما: أنه يجب أن ينزه المسجد من مثل هذا؛ لأنه مما أمر بتعظيمه وتوقيره.\nوالثانية: أنه مبني للصلاة، وقد أمرنا أن نأتيها وعلينا السكينة والوقار، فكان يلزم ذلك في موضعها المتخذ لها أولا.\nقال مالك في \" العتبية \": \" وقد كان عمر بن الخطاب يجلس في المسجد ويجلس إليه رجال، فيحدثهم عن الأجناد، ويحدثونه بالأحاديث \".\nوفي لفظ آخر: \" ويحدثونه عن أحاديث النبي ﷺ \".\nفيقتضي هذا أن الحديث على وجه لا لغط فيه ولا رفع صوت، والأمر الخفيف من ذلك إذا لم يطل؛ أنه لا بأس به، لا سيما في مثل أخبار الأجناد والسرايا.\nوقد روي أن مسجدا من المساجد ارتفع إلى السماء شاكيا من أهله يتكلمون فيه بكلام الدنيا، فاستقبلته الملائكة، فقالوا: \" بعثنا بهلاكهم \".\nوروي أن الملائكة يشكون إلى الله تعالى من نتن فم المغتابين والقائلين في المساجد بكلام الدنيا.\nوروي أن المسيح ﵇ مر على قوم يتنازعون في المسجد،","vol":"1","page":125},{"text":"فجعل يضربهم ويقول: \" يا بني الأفاعي! اتخذتم مساجد الله أسواقا، إنما هذا سوق الآخرة \".\nوجوز مالك التعزير في المسجد بالأسواط اليسيرة دون ما كثر من الضرب والحدود.\n١٠ - فصل\nفي اجتماع الناس في سائر الآفاق يوم عرفة\nقال ابن وهب: \" سألت مالكا عن الجلوس يوم عرفة؛ يجلس أهل البلد في مسجدهم، ويدعو الإمام رجالا يدعون الله تعالى لللناس إلى غروب الشمس؟ فقال: ما نعرف هذا، وإن الناس عندنا اليوم ليفعلونه \".\nقال ابن وهب: \" وسمعت مالكا يسأل عن جلوس الناس في المسجد عشية عرفة بعد العصر، واجتماعهم للدعاء؟ فقال: ليس هذا من أمر الناس، وإنما مفاتيح هذه الأشياء من البدع \".\nقال مالك في \" العتبية \": \" وأكره أن يجلس أهل الآفاق يوم عرفة في المساجد للدعاء، ومن اجتمع إليه الناس للدعاء؛ فلينصرف، ومقامه في منزله أحب إلي، فإذا حضرت الصلاة؛ رجع فصلى في المسجد \".\nوروى محمد بن وضاح أن الناس اجتمعوا بعد العصر من يوم عرفة في مسجد النبي ﷺ يدعون، فخرج نافع مولى ابن عمر، فقال \" يا أيها الناس!","vol":"1","page":126},{"text":"إن الذي أنتم فيه بدعة وليست بسنة، أدركت الناس لا يصنعون هذا \".\nقال مالك بن أنس: \" ولقد رأيت رجالا ممن اقتدي بهم يتخلفون عشية عرفة في بيوتهم \".\nقال: \" وإنما مفاتيح هذه الأشياء من البدع، ولا أحب للرجل الذي قد علم أن يقعد في المسجد في تلك العشية؛ مخافة أن يقتدى به، وليقعد في بيته \".\nقال الحارث بن مسكين: \" كنت أرى الليث بن سعد ينصرف بعد العصر يوم عرفة، فلا يرجع إلى قرب المغرب \".\nوقال إبراهيم النخعي: \" الاجتماع يوم عرفة أمر محدث \".\nوقال عطاء الخراساني: \" إن استطعت أن تخلو عشية عرفة بنفسك؛ فافعل \".\nوكان أبو وائل لا يأتي المسجد عشية عرفة.\nفاعلموا رحمكم الله أن هؤلاء الأئمة علموا فضل الدعاء يوم عرفة، ولكن علموا أن ذلك بموطن عرفة لا في غيرها، ولم يمنعوا من خلا بنفسه فحضرته نية صادقة أن يدعو الله تعالى، وإنما كرهوا الحوادث في الدين، وأن يظن العوام أن من سنة يوم عرفة بسائر الآفاق الاجتماع والدعاء، فيتداعى الأمر إلى أن","vol":"1","page":127},{"text":"يدخل في الدين ما ليس منه.\nوقد كنت ببيت المقدس، فإذا يوم عرفة؛ حبس أهل السواد وكثير من أهل البلد، فيقفون في المسجد مستقبلين القبلة مرتفعة أصواتهم كأنه موطن عرفة!\nوكنت أسمع هناك سماعا فاشيا منهم: أن من وقف ببيت المقدس أربع وقفات؛ فإنها تعدل حجة، ثم يجعلونه ذريعة إلى إسقاط فريضة الحج إلى بيت الله الحرام! !\nوروى المالكي في كتاب \" رياض النفوس \": \" أن يحيى بن عمر الفقيه الأندلسي كان يغير في القيروان على موضع ناس حاكة، فإذا كانت أيام العشر؛ يرفعون أصواتهم بالتكبير والتهليل، فنهاهم، فلم ينتهوا، ثم نهاهم، فلم ينتهوا، وكان شديدا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر \".\nقال: \" فدعا الله عليهم، فانقرضوا، وخربت ديارهم برهة من الزمان \".\n١١ - فصل\nفي منتصف شعبان\nقال الله تعالى: ﴿حم وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ﴾ .","vol":"1","page":128},{"text":"اعلموا - رحمكم الله - أن لأهل العلم في هذه الليلة قولين:\nفقال بعضهم: هي ليلة النصف من شعبان.\nواستدلوا بما روي عن علي بن أبي طالب ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إذا كان ليلة النصف من شعبان؛ فقوموا ليلتها، وصوموا يومها؛ فإن الله تعالى ينزل لغروب الشمس إلى سماء الدنيا، فيقول: ألا مستغفر فأغفر له؟ ألا مبتلى فأعافيه؟ ألا مسترزق فأرزقه؟ ألا كذا؟ ألا كذا؟ ... حتى يطلع الفجر» .\nوهذا مذهب عكرمة مولى ابن عباس؛ قال: \" هي ليلة النصف من شعبان، يبرم فيها أمر السنة، وينسخ الأحياء من الأموات، ويكتب الحاج، فلا يزاد فيهم أحد ولا ينقص منهم أحد \".\nوروى عثمان بن المغيرة؛ قال: قال النبي ﷺ: «تقطع الآجال من شعبان إلى شعبان، حتى إن الرجل لينكح ويولد له، ولقد خرج اسمه في الموتى» .","vol":"1","page":129},{"text":"وقال قتادة، وابن زيد، ومجاهد، والحسن، وأبو عبد الرحمن السلمي، وأكثر علماء العراق: هي ليلة القدر، أنزل الله تعالى القرآن في ليلة القدر من أم الكتاب إلى السماء الدنيا، ثم أنزله على نبيه في الليالي والأيام.\nقالوا: فيبرم في ليلة القدر من شهر رمضان كل أجل وعمل ورزق وما يكون في تلك السنة.\nقال سعيد بن جبير: \" يؤذن للحاج في ليلة القدر، فيكتبون بأسمائهم وأسماء آبائهم، فلا يغادر منهم أحد، ولا يزاد، ولا ينقص \".\nوقال هلال بن يساف: \" انتظروا القضاء في شهر رمضان \".\nوعلى هذا القول علماء المسلمين.\nوروى ابن وضاح عن زيد بن أسلم؛ قال: \" ما أدركنا أحدا من مشيختنا ولا فقهائنا يلتفتون إلى النصف من شعبان، ولا يلتفتون إلى حديث مكحول، ولا يرون لها فضلا على ما سواها \".\nوقيل لابن أبي مليكة: إن زيادا النميري يقول: إن أجر ليلة النصف من شعبان كأجر ليلة القدر. فقال: \" لوسمعته وبيدي عصا؛ لضربته \".","vol":"1","page":130},{"text":"وكان زياد قاصا.\nوالدليل على صحة هذا القول قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ .\nوهذه الكناية كناية عن غير مذكور؛ إلا أنه قد جرى في قوله تعالى: ﴿حم وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ ...؛ نزل القرآن كله جملة واحدة في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، فوضع في بيت العزة، وأملاه جبريل على السفرة، ثم كان ينزله جبريل ﵇ على النبي محمد ﷺ نجوما.\nوكان بين أوله وآخره ثلاث وعشرون سنة.\nألا تراه سماها مُبَارَكَةٍ، وإنما البركة من خصائص ليلة القدر؛ من أنها خير من ألف شهر، فهذا هو الخير والبركة والمغفرة؟\nوالاشتقاق يقتضيه أيضا؛ لأنه مأخوذ من التقدير، فتقدر فيها الأشياء؛ أي: يقضي الله تعالى فيها قضاء السنة كلها.\nوقيل: ليلة العظمة والشرف وعظم الشأن؛ من قولك: رجل له قدر؛ يقال: قدرت فلانا؛ أي: عظمته؛ قال الله ﷿: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾","vol":"1","page":131},{"text":"؛ أي: ما عظموه حق تعظيمه، وهذا تأويل الزهري.\nوقيل: لأن كل عمل صالح يوجد فيها من المؤمن يكون ذا قدر وقيمة عند الله تعالى؛ لأنه مقبول.\nوقيل: سميت بذلك لأن من لم يكن ذا قدر وخطر يصير في هذه الليلة ذا قدر وخطر إذا أحياها.\nوهذه المعاني هي تحقيق البركة، فأما مجرد فصل القضاء، وفرق كل أمر حكيم؛ فهو عمل الله تعالى.\nفبان بهذا أن قوله تعالى: ﴿فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾؛ إنما أراد به ليلة القدر.\nوقوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾؛ أي يفصل ويبرم، هو المعنى الذي ذكرناه في معنى القدر.\nوأخبرني أبو محمد المقدسي؛ قال: \" لم يكن عندنا ببيت المقدس قط صلاة الرغائب هذه التي تصلى في رجب وشعبان، وأول ما حدثت عندنا في أول سنة (٤٤٨) ثمان وأربعين وأربع مائة: قدم علينا في بيت المقدس رجل من نابُلُس يعرف بابن أبي الحمراء، وكان حسن التلاوة، فقام، فصلى في","vol":"1","page":132},{"text":"المسجد الأقصى ليلة النصف من شعبان، فأحرم خلفه رجل، ثم انضاف إليهما ثالث، ورابع، فما ختمها إلا وهم في جماعة كثيرة! !\nثم جاء في العام القابل فصلى معه خلق كثير، وشاعت في المسجد.\nوانتشرت الصلاة في المسجد الأقصى، وبيوت الناس ومنازلهم، ثم استقرت كأنها سنة إلى يومنا هذا \"!\nفقلت له: فأنا رأيت تصليها في جماعة؟\nقال: \" نعم؛ وأستغفر الله منها \"!\nقال: \" وأما صلاة رجب؛ فلم تحدث عندنا في بيت المقدس إلا بعد سنة ثمانين وأربع مائة، وما كنا رأيناها ولا سمعنا بها قبل ذلك \".\n١٢ -[فصل\nمسجد مكة]\nوروى الأزرقي في \" كتاب مكة \" بإسناده عن عثمان الأسود؛ قال: \" كنت مع مجاهد، فخرجنا من باب المسجد، فاستقبلت الكعبة، فرفعت يدي، فقال: لا تفعل! إن هذا لفعل اليهود \".\nوروى أيضا بإسناده عن قتادة في قوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾؛ قال: \" إنما أمروا أن يصلوا عنده، ولم يأمروا بمسحه، ولقد","vol":"1","page":133},{"text":"تكلفت هذه الأمة شيئا ما تكلفته الأمم قبلها، ولقد ذكر لنا بعض من رأى أثره وأصابعه، فما زالت هذه الأمة تمسحه حتى اخلولق وانماح \".\n١٣ - فصل\nفي رجب\nنذكر أولا الأشهر الحرم وخصائصها وصيامها وقيامها، وهل أحكامها منسوخة أم لا؟\nقال الله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾، وهن: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب.\nومعنى حُرُمٌ: تعظم انتهاك المحارم فيها بأشد مما تعظم في غيرها.\nوكانت العرب تعظمها حتى لو لقي الرجل منهم قاتل أبيه؛ لم يهجه، وكانوا يسمون رجبا: (منصل الأسنة)؛ ينزعون فيه الأسنة من الرماح؛ توقيا للقتال.\nوأصل هذا اللفظ من (الحرام)، و(الحرام): المحظور بعض أحواله، فالأم حرام؛ لحظر نكاحها، والخمر حرام؛ لحظر شرابها والاتخاذ لها والمعاملة بها، والمسجد الحرام؛ لحظر صيده وسفك الدم فيه وابتذاله بما يبتذل به غيره.","vol":"1","page":134},{"text":"وأما قوله تعالى في أول (براءة): ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ . . .؛ ففيه قولان:\nأحدهما: أن المراد بها هذه بعينها.\nوالثاني: أن المراد بها الأربعة التي جعل الله لهم أن يسيحوا فيها آمنين، وهو قوله تعالى: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾، وهي عشرون من ذي الحجة والمحرم، وصفر، وربيع، وعشر من ربيع الآخر. قاله الحسن.\nفأما قوله: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾؛ فقال ابن عباس: \" الضمير عائد على الشهور كلها \".\nوقال قتادة: \" بل هو عائد على الأربعة الحرم؛ لعظم أمرها \".\nفإن قيل: لم جعل بعض الشهور أعظم حرمة من بعض؟\nقلنا: أفعال القديم عندنا لا تعلل؛ لأنه تعالى لا يفعل لغرض وعلة، ومن لا يفعل لغرض وعلة؛ لا يجوز أن يقال فيه: لم فعل؟ ولم لم يفعل؟\nوأصحاب اللطف يجيبون عن ذلك؛ لما في ذلك من المصلحة في الكف عن الظلم فيها؛ لعظم منزلتها في حكم خالقها، فربما أدى ذلك إلى ترك الظلم رأسا؛ لانطفاء النائرة في تلك المدة، وانكشاف الحمية، ولأن","vol":"1","page":135},{"text":"الأشياء تجر إلى أشكالها، وتباعد من أضدادها.\nوإنما سمي رجب [بذلك]؛ لأنهم كانوا يرجبونه؛ أي: يعظمونه؛ يقال: رجَّبْته ورجَبْته؛ بالتشديد والتخفيف؛ أي: عظمته.\nقال الكميت:\nولا غيرهم أبقى لنفسي جنة ... ولا غيرهم ممن أجل وأرجب\nوقيل: سمي بذلك لترك القتال فيه؛ من قولهم: رجل أرجب؛ إذا كان أقطع لا يمكنه العمل.\nوفي الحديث: «إن في الجنة نهرا؛ يقال له: رجب، ماؤه أشد بياضا من الثلج، وأحلى من العسل، من صام يوما من رجب؛ شرب منه» .","vol":"1","page":136},{"text":"﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾؛ قال ابن عباس: \" باستحلال القتل والغارة في جميع شهور السنة \".\nوقيل في التفسير: \" ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾؛ في الأشهر الحرم؛ بالعمل بمعصية الله تعالى، وترك طاعته \".\nوقال محمد بن إسحاق بن يسار: \" لا تجعلوا حلالها حراما، ولا حرامها حلالا؛ كما فعل أهل الشرك، وهي النسيء \".\nقال قتادة: \" إن العمل الصالح والأجر أعظم في الأشهر الحرم، والظلم والذنب فيهن أعظم من الظلم فيما سواهن، وإن كان الظلم على كل حال عظيما، ولكن الله تعالى يعظم من أمره ما شاء، ويصطفي من خلقه من شاء \".\nواختلف العلماء في تحريم القتال في الأشهر الحرم:\nفقال قتادة وعطاء الخرساني: \" كان القتال كبيرة من الكبائر في الأشهر الحرم، ثم نسخ وأحل القتال فيه؛ لقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾؛ يقول: فيهن وفي غيرهن \".\nوقال الزهري: \" كان النبي ﷺ يحرم القتال في الأشهر الحرم بما أنزل الله تعالى من تحريم ذلك، حتى نزلت ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ﴾ . . .، فأحل قتال","vol":"1","page":137},{"text":"المشركين \".\nقال محمد بن إسحاق: \" فسألت سفيان الثوري عن القتال في الشهر الحرام؟ فقال: هذا منسوخ، ولا بأس فيه وفي غيره؛ لأن النبي ﷺ غزا هوازن بحنين وثقيفا بالطائف، وحاصرهم في شوال وفي بعض ذي القعدة \".\nوهذا واضح في استحلاله ونسخه.\nوقيل: إنه غير منسوخ.\nقال ابن جريج: \" حلف عطاء بن أبي رباح بالله: ما يحل للناس أن يغزوا في المحرم، ولا في الأشهر الحرم؛ إلا أن يقاتلوا فيها، وما نسخت \".\nقال ابن حبان: \" نسخت هذه الآية كل آية فيها رخصة \".\n* فأما فضل صيامها:\nفروى أبو داود «أن النبي ﷺ قال لرجل قد غيره طول الصيام: لمَ عذَّبت نفسك؟ صم شهر الصبر، ويوما من كل شهر. قال: زدني؛ فإني فيَّ قوة.»","vol":"1","page":138},{"text":"«قال: صم يومين. قال زدني؛ فإن في قوة. قال: صم ثلاثة أيام. قال: زدني؛ فإن في قوة. قال: صم من الحرم واترك، صم من الحرم واترك» .\nانظر في السند؛ فإنه يرويه عن موسى بن إسماعيل عن حماد عن سعيد الجُريري عن أبي السليل عن مجيبة الباهلية عن أبيها أو عمها عن النبي ﷺ!\nوروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: «أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم، وإن أفضل الصلاة بعد المفروضة صلاة من الليل» .\nقال عثمان بن حكيم: \" سألت سعيد بن جبير عن صيام رجب؟ فقال: أخبرني ابن عباس «أن النبي ﷺ كان يصوم حتى نقول: إنه لا يفطر، ويفطر حتى نقول: إنه لا يصوم» .\nوروى مالك والبخاري ومسلم عن عائشة «أن النبي ﷺ ما كان يخص شهرا من السنة بصوم» .\nوروى ابن وضاح أن عمر بن الخطاب كان يضرب الرجبيين الذين يصومون رجبا كله.","vol":"1","page":139},{"text":"قال أبو محمد بن أبي زيد: \" وكره ابن عباس صيام رجب كله؛ خيفة أن يرى الجاهل أنه مفترض \".\nوروي أن ابن عمر كان إذا رأى الناس وما يعدون لرجب؛ كرهه، وقال: صوموا منه وأفطروا؛ فإنما هو شهر كانت تعظمه أهل الجاهلية.\nوعن ابن عباس: \" لا تتخذوا رجبا عيدا؛ إذا أفطرتم قضيتموه \".\nوعن أبي بكر أنه دخل على أهله وقد أعدوا لرجب، فقال: \" ما هذا؟ قالوا: رجب؛ نصومه. فقال: أجعلتم رجبا كرمضان؟ ! \".\nوقد ورى ابن عباس: «أن النبي ﷺ نهى عن صيام رجب» .\nوالله أعلم بصحة هذا الخبر؛ لأنه ليس على شرط الصحة.\nوروى الفاكهي في \" كتاب مكة \" بإسناده عن خرشة بن الحر؛ قال: \" رأيت عمر بن الخطاب ﵁ يضرب أيدي أو أكف الناس في رجب","vol":"1","page":140},{"text":"إذا رفعوها حتى يضعوها في الطعام، ويقول: كلوا؛ فإن رجبا كان أهل الجاهلية يعظمونه \".\nوروى أيضا بإسناده عن ابن عباس؛ قال: لا تتخذوا رجبا عيدا ترونه حتما مثل شهر رمضان، إذا أفطرتم منه صمتم.\nدلت هذه الآثار على أن الذي في أيدي الناس من تعظيمه إنما هي غبرات من بقايا عقود الجاهلية.\nوروى مسلم في \" صحيحه \": \" أن أسماء أرسلت إلى ابن عمر: بلغني أنك تحرم صوم رجب! فقال لها ابن عمر: فكيف بمن يصوم الأبد؟ ! \".\nوقديما حرف العامي على الخاص: هذا ابن عمر كان يكره صوم رجب كله؛ إما حذرا أن يعتقد الجاهل أنه مفروض، وإما حذرا أن يعتقده سنة ثابتة موقتة، فقال الناس: حرم ابن عمر صيام رجب. وهذا التحريف ديدن الناس اليوم.\nوالله المستعان!\nوفي الجملة: أنه يكره صومه على أحد ثلاثة أوجه:\nأحدها: أنه إذا خصه المسلمون بالصوم في كل عام؛ حسب العوام ومن لا معرفة له بالشريعة - مع ظهور صيامه - أنه فرض كرمضان.\nأو: أنه سنة ثابتة خصه الرسول بالصوم كالسنن الراتبة.","vol":"1","page":141},{"text":"أو: أن الصوم فيه مخصوص بفضل ثواب على سائر الشهور، جار مجرى صوم عاشوراء، وفضل آخر الليل على أوله في الصلاة، فيكون من باب الفضائل لا من باب السنن والفرائض، ولو كان من باب الفضائل؛ لسنه ﵇ أو فعله ولو مرة في العمر؛ كما فعل في صوم عاشوراء، وفي الثلث الغابر من الليل، ولما لم يفعل؛ بطل كونه مخصوصا بالفضيلة، ولا هو فرض ولا سنة باتفاق، فلم يبق لتخصيصه بالصيام وجه، فكره صيامه والدوام عليه؛ حذرا من أن يلحق بالفرائض والسنن الراتبة عند العوام.\nفإن أحب امرؤ أن يصومه علي وجه تؤمن فيه الذريعة وانتشار الأمر حتى لا يعد فرضا أو سنة؛ فلا بأس بذلك.\n١٤ - فصل\nفي جوامع من البدع\nروى محمد بن وضاح؛ قال \" كان نافع يكره الضج مع الإمام حين يقرأ: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾، ونحوه، وكرهه سفيان \".\nوقال المعرور بن سويد: \" خرجنا حجاجا مع عمر بن الخطاب، فلقينا مسجدا، فجعل الناس يصلون فيه، فقال عمر: أيها الناس! إنما هلك من كان قبلكم باتباع مثل هذا حتى اتخذوها بيعا، فمن عرضت له فيها صلاة؛ فليصل، ومن تعرض له صلاة؛ فليمض \".","vol":"1","page":142},{"text":"وروى مالك: \" أن عمر بن الخطاب ضرب المنكدر على صلاة بعد العصر \".\nورواه غيره: \" فقيل له: أعلى الصلاة؟ قال: \" على خلاف السنة \".\nوقال ابن عباس: «قال لي النبي ﷺ غداة العقبة وهو على راحلته: هات القط! . فلقطت له حصيات مثل حصى الخذف، فقال: مثل هذا - ثلاث مرات - وإياكم والغلو في الدين؛ فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين» .\nوقال مالك في \" المدونة \": \" بلغني أن بعض أصحاب النبي ﷺ كانو يكرهون أن يترك الرجل العمل يوم الجمعة؛ كما تركت اليهود والنصارى في","vol":"1","page":143},{"text":"السبت والأحد \".\nوروى أستاذنا القاضي أبو الوليد في \" المنتقى \" أن ابن عمر حضر جنازة، فقال: \" لتسرعن بها وإلا رجعت! \".\nانظروا - رحمكم الله - لما ترك الإسراع - وهو سنة -؛ هم ابن عمر بالانصراف، ولم ير أن قيراطين من الأجر بقيا بترك سنة من سنن النبي ﷺ!\nوسئل مالك: هل يقول عند أضحيته: اللهم منك وإليك؟ فقال: \" لا، وهذة بدعة \".\nقال مالك بن أنس: \" وليس أيضا هذا موضع الصلاة على النبي ﷺ \".\nقال مالك بن أنس: \" وقول الناس: يبدأ بيمين النعش؛ هذه بدعة \".\nوقال عمر بن الخطاب ﵁ لكعب: «ما أخوف ما تخاف على أمة محمد ﷺ؟ قال: أئمة مضلين. قال: صدقت، قد أسر إليَّ ذلك رسول الله ﷺ» .","vol":"1","page":144},{"text":"وقال سهل بن عبد الله: \" آخر عقوبة يعاقب بها ضلال هذه الأمة: كفر النعم، واستحسان المساوئ \".\nوقال مالك ﵀: \" دخلت يوما على ابن هرمز، فذكر شرائع الإسلام، وما انتقض منه، وما يخاف من ضيعته ... وإن دموعه لتسيل على لحيته \".\nقال مالك: \" وأخبرني من دخل على ربيعة، فوجده يبكي، فقال: ما يبكيك؟ أدخلت عليك مصيبة؟ قال: لا، ولكن استفتي من لا علم عنده، وظهر في الإسلام أمر عظيم \".\nوقال يسار أبو الحكم: \" خرج رهط من القراء؛ منهم معضد، وعمر بن عتبة، حتى بنوا مسجدا بالنخيلة قريبا من الكوفة، فوضعوا جرارا من ماء، وجمعوا أكواما من الحصباء للتسبيح، ثم أقاموا في مسجدهم يتعبدون، وتركوا الناس، فخرج إليهم ابن مسعود، فقالوا: مرحبا بأبي عبد الرحمن! انزل. فقال: والله ما أنا بنازل حتى يهدم مسجد الخبال هذا. فهدموه، ثم قال لهم: والله إنكم لتمسكون بذنب ضلالة، أو أنتم أهدى ممن كان قبلكم؟ أرأيتم لو أن الناس كلهم صنعوا ما صنعتم؛ من كان يجمعهم لصلاتهم في مساجدهم، ولعيادة مرضاهم، ولدفن موتاهم؟ ! فردهم إلى الناس \".\nوقال ابن مسعود: \" إن منكر اليوم لمعروف قوم ما جاؤوا بعد، وإن معروف اليوم لمنكر ما جاؤوا بعد \".","vol":"1","page":145},{"text":"وقال حسان بن عطية: \" ما من قوم يحدثون في دينهم بدعة؛ إلا نزع الله من دينهم من السنة مثلها، ثم لا يعيدها عليهم إلى يوم القيامة \".\nوكان عمر بن الخطاب ﵁ ينهى الإماء عن لبس الإزار؛ يقول: \" لا تتشبهن بالحرائر \".\nوقال لابنه عبد الله: \" ألم أخبر أن جاريتك لبست الإزرار؟ لو رأيتها؛ لأوجعتها ضربا \".\nومعلوم أن هذه سترة، ولكن فهموا أن مقصود الشرع المحافظة على حدوده، وأن لا يظن الناس أن الحرة والأمة في الستر سواء، فتموت سنة وتَحْيَى بدعة.\nوقال الحسن: \" حسب المرء من الشر أن يشار إليه بالأصابع في دينه أو دنياه \".","vol":"1","page":146},{"text":"فقيل: يا أبا سعيد إن الناس إذا رأوك أشاروا إليك بالأصابع.\nقال: \" يقولون ماذا؟ \".\nقال: يقولون: هذا الحسن رجل صالح.\nفقال: \" الحمد لله الذي ستر القبيح وأظهر الجميل؛ إنما أريد بذلك البدع في الدين والفسوق في الدنيا \".\nفأخبر أن الشهرة ليست في الأصلح.\nقال عوف بن مالك الأشجعي: «نظر رسول الله ﷺ إلى السماء، فقال: هذا أوان يرفع العلم. فقال له رجل: يا رسول الله! كيف يرفع العلم وقد أثبت في الكتب، ووعته القلوب؟ فقال: إن كنت لأحسبك أفقه أهل المدينة. ثم ذكر اليهود والنصارى وضلالتهم على ما في أيديهم من كتاب الله تعالى» .\nقال عوف: \" ألا أخبركم بأول ذلك؟ يرفع الخشوع حتى لا يرى خاشع \".","vol":"1","page":147},{"text":"ومعنى قوله ﷺ: «هذا أوان يرفع العلم»؛ أى: قد قرب.\nوروى محمد بن وضاح: \" أن عمر بن الخطاب أمر بقطع الشجرة التي بويع تحتها النبي ﷺ لأن الناس كانوا يذهبون تحتها، فخاف عمر الفتنة عليهم \".\nقال: \" وكان مالك وغيره من علماء المدينة يكرهون إتيان تلك المساجد وتلك الآثار التي بالمدينة ما عدا قباء وأحدا.\nودخل سفيان بيت المقدس، وصلى فيه، ولم يتبع تلك الآثار، ولا الصلاة فيها، وكذلك فعل غيره أيضا ممن يقتدى به \".\nقال محمد بن وضاح: \" فكم من أمر هو اليوم معروف عند كثير من الناس كان منكرا عند من مضى، وكم من متحبب إلى الله بما يبغضه الله عليه، ومتقرب إلى الله بما يبعده منه، وكل بدعة زينة وبهجة \".\nوسئل سفيان الثوري عمن يقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾؛ لا يقرأ غيرها، فكرهه، وقال: \" إنما أنزل القرآن ليقرأ، ولا يخص شيء دون شيء، وإنما أنتم متبعون، ولم يبلغنا عنهم مثل هذا \".","vol":"1","page":148},{"text":"وسئل مالك بن أنس عن قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ في ركعة مرارا؟ فكرهه، وقال: \" هذا من محدثات الأمور \".\nوقال الأوزاعي: \" بلغني أن من ابتدع بدعة؛ خلاه الشيطان والعبادة، وألقى عليه الخشوع والبكاء؛ لكي يصطاد به \".\nوقال بعض الصحابة: أشد الناس عبادة مفتون. واحتج بقول النبي ﷺ في الخوارج: «يحقر أحدكم صلاته في صلاته، وصيامه في صيامه، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرَّميَّةِ» .\nوقال حذيفة: \" كل عبادة لم يتعبدها أصحاب النبي ﷺ؛ فلا تتعبدها؛ فإن الأول لم يدع للآخر مقالا، فاتقوا يا معشر القراء! وخذوا بطريق من كان قبلكم \".\nوقال مجاهد: \" كنت مع ابن عمر، فثوب رجل في الظهر أو العصر، فقال: اخرج بنا؛ فإن هذه بدعة \".\nومعنى التثويب: هؤلاء الذين يقومون على أبواب المساجد، فينادون: الصلاة، الصلاة.\nوقال علي: \" كان للمجوس كتاب كانوا يدرسونه، فوقع ملكهم على","vol":"1","page":149},{"text":"أخته، فأرادوا إقامة الحد عليه، فامتنع، وقال: لا أعلم دينا خيرا من دين آدم، وإنه زوج ابنه من ابنته، ولا أرغب بكم عن دينه. ثم أمر أهله، فقاتلوا القوم، فأسري بكتابهم، ورفع العلم من صدروهم \".\nوكان يجلس إلى سفيان الثوري فتى كثير التفكر، طويل الإطراق، فأراد سفيان أن يحركه؛ ليسمع كلامه، فقال: \" يا فتى! إن من كان قبلنا مروا على خيل عتاق، وبقينا على حمر دبرة \". فقال: \" يا أبا عبد الله! إن كنا على الطريق؛ فما أسرع لحوقنا بهم! \".\nقال مالك: \" ولم تكن القراءة في المصحف في المسجد من أمر الناس القديم، وأول من أحدثه الحجاج \".\nقال: \" وأكره أن يقرأ في المصحف \".\n* ومن البدع اجتماع الناس بأرض الأندلس على ابتياع الحلوى ليلة سبع وعشرين من رمضان.\nوكذلك على إقامة (ينير) بابتياع الفواكه؛ كالعجم، وإقامة","vol":"1","page":150},{"text":"العنصرة، وخميس إبريل؛ بشراء المجبنات والإسفنج، وهي من الأطعمة المبتدعة، وخروج الرجال جميعا أو أشتاتا مع النساء مختلطين للتفرج.\nوكذلك يفعلون في أيام العيد، ويخرجون للمصلى، ويقمن فيه الخيم للتفرج لا للصلاة.\nودخول الحمام للنساء مع الكتابيات بغير مئزر، والمسلمين مع الكفار","vol":"1","page":151},{"text":"في الحمام\nوالحمام من البدع، ومن النعيم.\nورجع الناس ينافسون في الضحية؛ للافتخار لا للسنة، ولا لطلب الأجر، بل لإقامة الدنيا.\n* ومن البدع قراءة القارئ يوم الجمعة عشرا من القرآن عند خروج السلطان.\nوكذلك الدعاء بعد الصلاة.\nوقراءة الحزب في جماعة.\nوقراءة سورة الكهف بعد العصر في المسجد في جماعة.\nوكذلك قول من يقول عند قيام الإمام في المحراب قبل تكبيرة الإحرام: اللهم أقمها وأدمها ما دامت السماوات والأرض!","vol":"1","page":152},{"text":"وهذا دعاء المحال؛ لأن ما بقي لقيام الساعة أقل مما مضى؛ بدليل قوله ﷺ: «بعثت أنا والساعة كهاتين»، وقرن السبابة والوسطى.\n* ومن البدع: اتخاذ الألوان، والأكل على الخوان.\nواستعمال الطيب في آنية الفضة - ويرجع من الوليمة عند رؤية آنية الفضة -.\n* ومن البدع: الإنذار للعروس وللجنازة؛ للمباهاة، والتفاخر لكثرة الناس.\nوكذلك الإنشاد ورفع الصوت عند حمل الجنازة.\n* ومن البدع: السؤال في المسجد، والكلام، ولا سيما والإمام","vol":"1","page":153},{"text":"يخطب للجمعة.\nوكذلك الإنذار للصلاة قبل الإمام وبعده.\nوعمل التوابيت للموتى.\nوحفر القبر دون لحد.\nوكذلك الاجتماع لغير ذكر الله في المسجد.\nوكذلك تقديم اللحم على الفاكهة، والله تعالى يقول: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾، - والأولى استعمال أدب القرآن، وتقديم ما قدم الله، وتأخير ما أخر الله -.\nوأكل اللحم من غير نهش.","vol":"1","page":154},{"text":"وشرب الماء غير مص.\nواستعمال السواك غير عرض.\nوالأكل بأزيد من ثلاثة أصابع مكروه.\nقال: وأرى أن يقاموا من المسجد إذا اجتمعوا فيه للقراءة في يوم الخميس أو غيره.\nقال مالك في \" مختصر ما ليس في المختصر \": \" ولا تكتب المصاحف بالذهب، ولا تعشر به، ولا تزوق \".\nقال: \" ومن قرأ منكوسا أدب، والذى يقرأ السورة من آخرها إلى أولها يؤدب \".\nقال أبو وائل: \" جاء رجل إلى ابن مسعود، فقال: إن رجلا يقرأ القرآن منكوسا. فقال: ذلك منكوس القلب \".","vol":"1","page":155},{"text":"قال: \" ولا يتخذ على القبور مساجد، ويكره أن يبنى على القبور بالحجارة \".\nقال ابن شعبان: \" معناه البلاطة التي ينقش فيها عند رأس الميت \".\nواعلم أنه روى البخارى: «أن النبي ﷺ جعل حجرا عند قبر عثمان بن مظعون، وقال: أتَعَلَّمُ بهِ قبرَ أخي، وأدفن إليه من مات من أهلي» .\nوهذا دليل على استحسان جعل الأحجار على القبور علامة، وحمل قول مالك على ظاهره، وأن لا تبنى القبور بالحجارة؛ لأنه قد ثبت «أن قبر رسول الله ﷺ وصاحبيه مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء» .\nرواه أبو داود في \" السنن \".\nولا يتمسح بقبر النبي ﷺ، ولا يمسح كذلك المنبر، ولكن يدنو من المنبر، فيسلم على النبي ﷺ، ثم يدعو مستقبلا القبلة؛ يوليه ظهره - وقيل:","vol":"1","page":156},{"text":"لا يوليه ظهره - ويصلي ركعتين قبل السلام عليه.\nوقيل: واسع أن يسلم عليه قبل أن يركع.\nقال: \" ويكره السجع في الدعاء وغيره، وليس من كلام الماضين \".\nوروى ابن وهب عن عروة بن الزبير أنه كان إذا عرض عليه دعاء فيه سجع عن النبي ﷺ وعن أصحابه؛ قال: \" كذبوا، لم يكن رسول الله ﷺ ولا أصحابه سجاعين \".\nوروى البخاري في \" صحيحه \" أن ابن عباس قال لعبيد بن عمير: \" اقصص يوما ودع يوما، ولا تمل الناس، وإياك والسجع في الدعاء؛ فإن النبي ﷺ وأصحابه لا يفعلون إلا ذلك \"؛ أي: ترك السجع.\nقال مالك: \" ويقول الداعي في دعائه: اللهم يا رحمن! يا رحيم! ... أحب إلينا من قوله - كما جاء في القرآن -: اللهم ... فقط \".\nقال: \" ولا يؤذن بالجنائز على أبواب المساجد \".\nقال: \" ولا بأس أن يمشي في الخلق يذكر ذلك في خفية \".\nقال: \" ولا يصاح عليها في الطريق \".\nقال: \" ولا يعزى المسلم بقريبه الكافر؛ لقول الله تعالى:","vol":"1","page":157},{"text":"﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾\nقال: \" ولا أعرف رش القبور بالماء حين يفرغ من دفن الميت \".\nقال: \" ولا بأس أن ينزل في القبر بخفيه ونعليه \".\nقلت: وإن الناس ليقبلون القصة اليوم.\nوقال غير مالك - وهو الشافعي -: \" من بنى مسجدا في طريق واسع بغير إذن الإمام؛ فإن كان لخاصة نفسه؛ لم يجز، وإن كان لجماعة المسلمين، فصدمه إنسان، فمات؛ ففي وجوب الضمان عليه قولان. وكذلك لو حفر بئرا في طريق المسلمين لمنفعة جميعهم؛ مثل أن يحفر بئرا لماء المطر أو نحوه. وكذلك إذا سقف مسجدا فوقع على إنسان، أو فرش حصيرا في المسجد فعثر فيه إنسان، أو وضع فيه جذعا أو رفا، فوقع على إنسان، فإن كان بإذن الإمام؛ فلا ضمان عليه، وإن كان بغير إذنه؛ ففي الضمان قولان \".\nقال أصحاب الشافعي: \" إذا بالت دابة في الطريق، فزلق فيه إنسان، وسقط، ومات؛ وجبت ديته على عاقلة من يده على الدابة؛ سواء كان راكبها،","vol":"1","page":158},{"text":"أو قائدها، أو ساقيها. وكذلك إذا رش ماء في الطريق ليزيل شعثه، فزلق به إنسان، أو طرح فيه قشور بطيخ أو غيره، فزلق به إنسان؛ فإن الدية على عاقلته \".\n١٥ - فصل\nمن لطيف الكلام في هذا الباب\nهل الأفضل أن تتحرى النوافل من المواضع التي كان يتحراها رسول الله ﷺ أم لا؟\nقال مالك في \" مختصر ما ليس في المختصر \": \" فأما موضع النافلة في مسجد النبي ﷺ؛ فالأفضل موضع مصلاه \".\nوقد قيل: إنه أبى أن يحد لموضع منه في النافلة استحباب.\n١٦ - شرح\nوهذان قولان في تعيين محل الفعل:\nأحدهما: لا يتعين للفضيلة، وإليه صار عمر بن الخطاب، فروى المعرور بن سويد؛ قال: \" صليت مع عمر بن الخطاب في طريق مكة صلاة الصبح، فقرأ فيها: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ﴾ . . .، و﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾، ثم رأى الناس يذهبون مذاهب، فقال: أين يذهب هؤلاء؟ فقيل: يا أمير المؤمنين! مسجد صلى فيه النبي ﷺ، فهم يصلون فيه. فقال: إنما هلك من كان قبلكم بمثل هذا، كانوا يتبعون آثار أنبيائهم ويتخذونها كنائس وبيعا، فمن أدركته الصلاة","vol":"1","page":159},{"text":"منكم في هذه المساجد؛ فليصل، ومن لا؛ فليمض ولا يتعمدها \".\nوهكذا أيضا أرسل عمر، فطمس موضع الشجرة التي بايع تحتها أصحاب الشجرة.\nوقد ذكرناه.\nوالقول الثاني: يتعين للفضيلة، وبه قال ابن عمر وسلمة بن الأكوع.\n«أما سلمة؛ فكان يصلي عند الأسطوانة التي عند المصحف، فقال له يزيد بن أبي عبيد: أراك تتحرى الصلاة ها هنا؟ قال: فإني رأيت النبي ﷺ يتحرى الصلاة عندها» .\nوأما ابن عمر؛ فروي عنه أنه جاء إلى مسجد بني معاوية من الأنصار، فقال: أين صلى النبي ﷺ من مسجدهم؟ ثم صلى فيه ابن عمر.\nسأل ابن عمر بلالا: أين صلى النبي ﷺ يوم دخل الكعبة؟ فصلى فيه.\nوكذلك فعل في مسجد قباء.\nوروى البخاري: قال موسى بن عقبة: \" رأيت سالما - ابن عبد الله - يتحرى أماكن من الطريق، ويصلي فيها، ويحدث أن أباه كان يصلي فيها، وأنه","vol":"1","page":160},{"text":"رأى النبي ﷺ يصلي في تلك الأمكنة \".\nقال موسى: \" وحدثني نافع أن ابن عمر كان يصلي في تلك الأمكنة \".\nوقد روي «أن ابن عمر أدار راحلته في الطريق مرتين أو ثلاثا، فسئل عن ذلك؟ فقال: رأيت النبي ﷺ أدار راحلته» .\nوأصل هذا الباب أن زمان الفعل ومكانه وقرائنه كل ذلك شرط في الفعل؛ وجوبا أو استحبابا.\nوقد بيناه في أصول الفقه.\n١٧ - فصل\nفي قراءة القرآن بالإدارة\nقال مالك في \" مختصر ما ليس بالمختصر \" لابن شعبان: \" ولا يجتمع القوم يقرؤون في سورة واحدة؛ كما يفعل أهل الإسكندرية، هذا مكروه ولا يعجبنا \".\nقال: \" ويكره أن يقرئ المقرئ جماعة \". ثم خفف للجماعة بعد.\nوذكر في \" المنتقى \"؛ قال: \" سئل مالك عن قراء مصر الذين يجتمع الناس إليهم، فكل قارئ منهم يقرئ العصبة يفتح عليهم؟ قال: إنه حسن، لا بأس به \".","vol":"1","page":161},{"text":"وقد قال مرة: إنه كرهه وعابه، وقال: \" يقرأ ذا ويقرأ ذا، يقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ \".\nقال: ولو كان يقرأ واحد ويستثبت من يقرأ عليه، أو يقرأ عليه واحد بعد واحد؛ لم أر به بأسا \".\nوأما أن يجتمع القوم، فيقرؤون في السورة مثل ما يقرأ في الإسكندرية، وهو الذي يسمى الإدارة؛ فكرهه مالك، وقال: \" هذا لم يكن من عمل الناس \".\nقال في \" مختصر ما ليس في المختصر \": \" والذين يجتمعون ويقرؤون سورة واحدة حتى يختموها كل واحد منهم على إثر صاحبه مكروه منكر \".\nقال: \" فلو قرأ أحد منهم منها آيات، ثم قرأ الآخر على إثر صاحبه، والآخر كذلك؛ لم يكن بذلك بأس، هؤلاء يعرضون بعضهم على بعض \".\n١٨ - شرح\nلم يختلف قوله إلا إذا قرؤوا جماعة معا على المقرئ، وسواء على هذا كانوا في سورة واحدة أو سور مختلفة، والمسألتان لا تفترقان؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ يمنع قراءة اثنين معا، سواء قرآ على مقرئ في سورة أو سور، أو قرؤوا بالإدارة في سورة.\nفإن قيل في مسألة الجماعة على المقرئ: قد وجد الإنصات من","vol":"1","page":162},{"text":"المقرئ ولم يوجد في الإدارة!\nقلنا: قوله تعالى ﴿وَأَنْصِتُوا﴾ خطاب لجميع الحاضرين، فلو قرأ اثنان وأنصت ألف؛ دخل الاثنان في النهي؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَأَنْصِتُوا﴾ متوجه إليهما.\nثم يلزم على هذا إذا قرأ جماعة بالإدارة في سورة واحدة، وواحد منصت يستمع: أن ترتفع الكراهة.\nفالصواب أن يرد أحد جوابيه إلى الآخر، فيمنع في الموضعين، ووجه المنع قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ .\nفإن قيل: إن هذه الآية إنما نزلت في الصلاة بإحماع العلماء:\nقال ابن مسعود: \" كنا يسلم بعضنا على بعض في الصلاة، فنزلت \".\nوقال بشير بن جابر: \" صلى ابن مسعود، فسمع ناسا يقرؤون مع الإمام، فقال لهم: أما آن لكم أن تفقهوا ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾؟ \".\nقلنا: من أصلنا أن الخطاب إذا نزل على سبب، وكان مستقلا بنفسه؛ وجب حمله على العموم، ولا يقصر على سببه.\nفإن قيل: قد قال مالك في \" مختصر ما ليس في المختصر \": \" من سمع رجلا يقرأ؛ فليس عليه أن يستمع له \".","vol":"1","page":163},{"text":"قال: \" ولا حرج على متكلم وقارئ يقرأ \".\nقال ابن شعبان: \" هذا إجماع الأمة، ففيه دليل على قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ في الصلاة \"!\nقلنا: معنى هذا إذا قعد جماعة لمعايشهم وأشغالهم، فابتدأ أحدهم بالقراءة من غير إذنهم؛ فليس عليهم أن يستمعوا له، ولهم أن يتكلموا فيما يعنيهم؛ لأن القارئ قد آذاهم وقطعهم عن منافعهم وتجارتهم؛ فقد فعل مكروها.\nفأما إذا اجتمع القوم للتلاوة والعبادة، أو قرأ القارئ بإذن الجماعة، أو مر الناس إلى مجالس القراء؛ فعليهم أن ينصتوا للقارئ، ولا يتكلموا.\nفهذا المراد بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ .\nألا ترى أن في الخطبة وفي الإمام إذا جهر في الصلاة، ولا يقرأ المأموم ولا يتكلم! وإن كان - أو جاء - رجل يعظك ويقرأ القرآن بحضرتك من غير أن تامره بذلك؛ لم يجب عليك الاستماع، وكان لك أن تتكلم فيما يعنيك.\nفإن قيل في الصلاة والخطبة: هما واجبان، فكان الاستماع والإنصات واجبين، فأما اجتماع الجماعة للتلاوة فليس بواجب، فلم يكن الإنصات فيه واجبا، فنشأ منه جواز القراءة بالإدارة!\nقلنا: وإن لم يكن واجبا؛ إلا أن تلاوة القرآن فضيلة ومنقبة، واستماعه أيضا فضيلة، فإذا كان أصل القراءة على وجه مأمور به مندوبا إليه؛ جاز أن يكون الاستماع مأمورا به مندوبا إليه.\nوقد علل القاضي أبو الوليد المنع من قراءة الإدارة؛ قال: \" إنما كرهه مالك للمجاراة في حفظه والمباهاة بالتقدم فيه \".","vol":"1","page":164},{"text":"١٩ -<span data-type=\"title\" id=toc-38> فصل\nفي الاجتماع لقراءة القرآن</span>\nروى أبو داود في \" السنن \" عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله تعالى يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفت بهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده» .\nوروى مسلم في \" صحيحه \" عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا؛ نفس الله عنه كربة من كرب الآخرة يوم القيامة، ومن يسر على معسر؛ يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما؛ سهل الله له به طريقا إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله تعالى يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفت بهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطأ به عمله؛ لم يسرع به نسبه» .\nوروى مالك في \" الموطإ \" عن محمد بن سيرين: \" أن عمر بن الخطاب","vol":"1","page":165},{"text":"﵁ كان في قوم وهم يقرؤون القرآن، فذهب لحاجته، ثم رجع وهو يقرأ القرآن، فقال له رجل: يا أمير المؤمنين! أتقرأ القرآن ولست على وضوء؟ فقال له عمر: ومن أفتاك بهذا! أمسيلمة؟ \".\nفالجواب: أن هذه الآثار تقتضي جواز الاجتماع لقراءة القرآن على معنى الدرس له والتعلم والمذاكرة، وذلك يكون بأن يقرأ المتعلم على المعلم، أو يقرأ المعلم على المتعلم، أو يتساويا في العلم، فيقرأ أحدهما على الآخر على وجه المذاكرة والمدارسة، هكذا يكون التعليم والتعلم؛ دون القراءة معا.\nوجملة الأمر أن هذه الآثار عامة في قراءة الجماعة معا على مذهب الإدارة، وفي قراءة الجماعة على المقرئ.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ خاص في وجوب الإنصات عند القراءة.\nفإن قيل: الآية خاصة في وجوب الإنصات عند القراءة؛ عامة في المحل، فيخص عمومها، وتحمله على صلاة الجهر وعلى الخطبة؛ بدليل حديثه الخاص، وهو قوله ﷺ: «ما اجتمع قوم يتلون كتاب الله ويتدارسونه....» !\nقلنا: حديثكم أيضا خاص من وجه، عام من وجه، فخصوصه في تدارس القرآن، وعمومه في وجه التدارس، إذ لم يبين على أي وجه يتلونه ويتدارسونه؛ لأن التدراس يحتمل ما قلتم وقلنا، فنفس الإنصات خصوص غير محتمل، وإنما عمومه في شيء آخر، فأما التلاوة والتدارس؛ فعام في نفسه على ما ذكرناه، فيمضي عليه خصوص آيتنا.","vol":"1","page":166},{"text":"والسر فيه أن قوله ﷺ: \" يتلونه ويتدارسونه \" خطاب عربي، ومعلوم من لسان العرب أنهم لو رأوا جماعة اجتمعوا لقراءة القرآن على أستاذهم، ورجل واحد يقرأ القرآن؛ لجاز أن يقولوا: هؤلاء جماعة يقرؤون القرآن ويتدارسونه وإن كانوا كلهم سكوتا.\nوكذلك لو مر العربي بجماعة اجتمعوا لتدريس العلم والتفقه فيه ولسماع حديث رسول الله ﷺ؛ لجاز أن يقول: هذه جماعة يدرسون العلم، ويقرؤون العلم والحديث. وإن كان القارئ واحدا.\n٢٠ - فصل\nفي التعزية\nاعلم أن التعزية لأهل المصيبة سنة مرغب فيها، والدليل عليه أن النبي ﷺ قال: «من عزَّى مسلما مصابا؛ كان له مثل أجره» .\nوروى أبو داود عن عبد الله بن عمر قال: «قبرنا مع النبي ﷺ ميتا، فلما»","vol":"1","page":167},{"text":"«فرغنا؛ انصرف وانصرفنا معه، فلما حاذى بابه؛ لقي فاطمة في الطريق، فقال لها: ما أخرجك يا فاطمة؟ . قالت: أتيت - يا رسول الله! - أهل هذا البيت، فرحمت إليهم ميتهم، أو عزيتهم به. فقال لها النبي ﷺ: فلعلك بلغت معهم الكُدى! ...»، فذكر تشديدا في ذلك.\nقال ربيعة وغيره: \" الكُدى: القبور \".\nوكأنه مأخوذ من الكدية، وهي القطعة الصلبة من الأرض، والقبور إنما تحفر بالمواضع الصلبة؛ لئلا تنهار.\nوروي أن النبي ﷺ لما توفي جاءت التعزية، فسمعوا صوتا من جانب البيت يقول: \" السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته، إن في الله عزاء من كل مصيبة، وخلفا من كل هالك، ودركا من كل فائت، فبالله فثقوا، وإياه فارجوا؛ فإن المصاب من حرم الثواب \".\nويقال: إنه كان الخَضر ﵇!","vol":"1","page":168},{"text":"إذا ثبت هذا؛ فإن العزاء من حين يموت الميت إلى أن يدفن وعقيب الدفن، وبه قال الشافعي.\nوقال أبو حنيفة والثوري: \" لا يعزى بعد الدفن؛ لأن الدفن عاقبة أمره، وكما لو طال الزمان \".\nودليلنا قوله ﷺ: «من عزى مصابا؛ كان له مثل أجره»، ولم يفرق.\nوأيضا؛ فإن عقيب الدفن يكثر الجزع؛ لأنه وقت مفارقة شخصه، والانقلاب عنه، فتستحب التعزية.\nفحصل اتفاق أبي حنيفة والشافعي على أنه لا يعزى بعد الدفن إذا طال.\nوروي أن محمد بن عبد الحكم أرسل إلى الشافعي يعزيه في ميت له:\nإنا معزوك لا أنَّا على ثقةٍ ... من البقاء ولكن سنة الدين\nفلا المُعزَّى بباق بعد صاحبه ... ولا المُعَزِّي وإن عاش إلى حين","vol":"1","page":169},{"text":"وأحسن ألفاظ التعزية ما ذكرناه من تعزية الخضر لأمة محمد ﷺ فيه.\nويعزى الكبير والصغير، والرجل والمرأة؛ إلا أن تكون شابة؛ فلا يعزيها إلا ذو رحم.\nقال علماؤنا المالكيون: التصدي للعزاء بدعة ومكروه، فأما إن قعد في بيته أو في المسجد محزونا من غير أن يتصدى للعزاء؛ فلا بأس به؛ فإنه «لما جاء النبي ﷺ نعي جعفر؛ جلس في المسجد محزونا، وعزاه الناس» .\nقال مالك: \" ولا بأس أن يبعث إلى أهل الميت طعام، وسواء فيه القريب والبعيد، وذلك «أن النبي ﷺ لما جاءه نعي جعفر؛ قال: اصنعوا لآل جعفر طعاما؛ فإنه جاءهم ما يشغلهم عنه» \".\nوهذا الطعام مستحب عند معظم العلماء؛ لأن ذلك من البر والتقرب للأهل والجيران، فكان مستحبا.\nفأما إذا أصلح أهل الميت طعاما ودعوا الناس إليه؛ فلم ينقل فيه عن القدماء شيء، وعندي أنه بدعة ومكروه.","vol":"1","page":170},{"text":"وهذه المسألة مما وافقنا عليه الشافعي.\nقال أبو نصر بن الصباغ في \" الشامل \"؛ قال: \" لم ينقل فيه شيء، وهو بدعة غير مستحب \".\nوقد روى أبو داود في \" السنن \" أن النبي ﷺ قال: «لا عقر في الإسلام» .\nوذلك أنه كان أهل الجاهلية يعقرون الإبل على قبر الرجل الجواد، يقولون: نجازيه على فعله؛ لأنه كان يعقرها في حياته، فيطعمها الأضياف، فنحن نعقرها على قبره؛ ليأكلها الطير والسباع فيكون مطعما بعد مماته؛ كما كان مطعما في حياته.\nومنهم من كان يذهب في ذلك إلى أنه إذا عقرت راحلته عند قبره؛ حشر في القيامة راكبا، ومن لم يعقر عنه؛ حشر راجلا!\nوهذا رأي من كان يرى البعث بعد الموت، فجاء الإسلام بإبطال ذلك.","vol":"1","page":171},{"text":"٢١ - فصل\n[التصبر]\nاعلم أن التصبر واجب، وإظهار الجزع حرام، والنياحة حرام، والبكاء مباح:\nفأما الصبر؛ فالقرآن جميعه دل عليه:\nقال الله ﷿: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ .\nثم وعد ما علمت.\nوقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ﴾ إلى قوله: ﴿لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ .\nوقد قيل: إنه ليس في كتاب الله تعالى أسلى من هذه الآية.\nفأما الجزع؛ فليس هو إلا مرارة الفقد، ومضاضة الثكل؛ فإن هذا مركوز في الجبلة، وإنما المذموم إظهار ما لا ينبغي إظهاره بالقول والفعل.\nوقد قيل لبعض الحكماء - وقد ظهر عليه الحزن والجزع -: أخرج هذا من قلبك. فقال: ليس بإذني دخل.\nوأما النياحة؛ فحرام:","vol":"1","page":172},{"text":"وروى أبو سعيد الخدري؛ قال: قال النبي ﷺ: «لعن الله النائحة والمستمعة» .\nوقال النبي ﷺ: «ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب» .\nومن \" صحيح مسلم \" عن أبي موسى الأشعري قال: قال النبي ﷺ: «ليس منا من حلق، ومن سلق، ومن خرق» .\nوقال الرسول ﵇: «تكسى النائحة يوم القيامة سربالا من قطران، ودرعا من جرب» .\nرواه مسلم في \" الصحيح \".\nوفيه أخبار كثيرة عن الرسول ﷺ؛ لأن ذلك يشبه التظلم والاستغاثة على الله ﷿، وفيه تشبه بالاستعداء.\nوما فعله الله تعالى؛ فهو حق وعدل.\nوكذلك لا يجوز الصراخ على الميت، والدعاء بالويل والثبور.","vol":"1","page":173},{"text":"فأما البكاء من غير شيء من ذلك؛ فهو مباح.\nوالدليل عليه «أن النبي ﷺ جعل ابنه إبراهيم في حجره، وكان ينزع، فبكى عليه، وقال: تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي الرب، وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون» .\nوروي «أن النبي ﷺ فاضت عيناه، فقال له سعد: ما هذا يا رسول الله؟ فقال: إنها رحمة يضعها الله في قلوب من يشاء، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء» .\nفإذا ثبت هذا؛ فإن البكاء مباح إلى أن تخرج الروح، فإذا خرجت؛ كره البكاء؛ لما روى عبد الله بن عتيك؛ قال:\n«جاء رسول الله ﷺ إلى عبد الله بن ثابت يعوده، فوجده قد غلب، فصاح به، فلم يجبه، فاسترجع النبي ﷺ، وقال: غلبنا عليك يا أبا الربيع. فصاح النسوة وبكين، فجعل ابن عتيك يسكتهن، فقال النبي ﷺ: دعهن؛ فإذا وجب؛ فلا تبكين باكية» .\nيعني: مات.","vol":"1","page":174},{"text":"٢٢ - فصل\n[المآتم]\nفأما المآتم؛ فممنوعة بإجماع العلماء:\nقال الشافعي: \" وأكره المآتم، وهو اجتماع الرجال والنساء؛ لما فيه من تجديد الحزن \".\nقال: \" ويكره المبيت في المقبرة لما فيه من الوحشة \".\nوالمأتم: هو الاجتماع في الصبحة، وهو بدعة منكرة لم ينقل فيه شيء.\nوكذلك ما بعده من الاجتماع في الثاني والثالث والسابع والشهر والسنة، فهو طامة.\nوقد بلغني عن الشيخ أبي عمران الفاسي - وكان من أئمة المسلمين -","vol":"1","page":175},{"text":"أن بعض أصحابه حضر صبحة، فهجره شهرين وبعض الثالث، حتى استعان الرجل عليه، فقبله وراجعه، وأظنه استتابه ألا يعود.\nفأما ما يوقد فيها من الشمع والبخور؛ فتبذير وسرف، وإن أنفقه الوصي من مال التركة؛ ضمنه، وسقطت به عدالته، واستأنف الحاكم النظر في الوصاية.\nقال ابن السماك: \" سألت بعض رهبان الأكواخ: لم سمي الاجتماع في المصيبة مأتما؟ قال: فبكى، ثم قال: لأن المجتمع عليه ومن أجله لم يتم \".\n٢٣ - فصل\n[خروج النساء للجنازة]\nومن البدع المنكرة عند جماعة العلماء خروج النساء لاتباع الجنائز، والدليل عليه حديث فاطمة الذي ذكرناه في أول الفصل.","vol":"1","page":176},{"text":"قال مالك: \" وأكره أن تخرج النساء إلى الجنازة، وإن كان من أقاربها؛ إلا الأبوين والزوج والولد والأخوة \".\nقال علماؤنا: فيجبر الزوج على مضيها خلفه إلى الجنازة دفعة واحدة؛ لأن في منعها إضرارا بها، فإن حلف عليها الطلاق؛ لم يحنث؛ لأن ما يدخل عليها من ضرر الطلاق أكثر من ضرر منع الزيارة؛ بخلاف ما لو حلف عليها أن لا تصلي ولا تصوم؛ فإنها تصلي وتصوم ويحنث.\nقال مالك: \" ولا ينبغي لها أن تخرج فيمن عداهم؛ من عم، أو خال، أو غيرهما، فأما الصلاة؛ فإذا حضرت؛ جاز لها الصلاة على الجنازة \".\n٢٤ - فصل\n[الجنائز]\nقد ذكرنا عن مالك أنه قال: \" لا يؤذن بالجنائز على أبواب المساجد، ولا بأس أن يمشي في الخلق يذكر ذلك في خفية، ولا يصاح عليها في الطريق \".\nوهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي.\nوقد يحكى عن أبي حنيفة أنه قال: \" يجوز أن ينادى على الميت \".\nوليس يعني ما يفعله الناس اليوم بأرض مصر من الصياح بين يدي الجنازة؛ من حين يخرج الميت إلى أن يتم من دفنه، وإنما يعني \" إعلام الناس في مثل أبواب المساجد، ومجامع الناس.","vol":"1","page":177},{"text":"ودليلنا ما روي عن حذيفة بن اليمان؛ قال: «إذا مت؛ فلا تنعوني؛ فإني سمعت النبي ﷺ بأذني هاتين ينهي عن النعي» .\nقال عبد الله بن المبارك: \" تأويله النداء على الميت \".\nوالله أعلم وأحكم.\nتم كتاب \" الحوادث والبدع \" بحمد الله تعالى وحسن عونه.\nوصلى الله على محمد وآله وسلم.","vol":"1","page":178}]}