{"ً":{"ٌ":8613,"ٍ":"فتاوى ورسائل سماحة الشيخ عبد الرزاق عفيفي - قسم العقيدة","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"shamela","files":["70462.pdf|0","70462p.pdf|المقدمة"]},"ّ":"الكتاب: فتاوى ورسائل سماحة الشيخ عبد الرزاق عفيفي - قسم العقيدة\nالمؤلف: عبد الرزاق عفيفي (ت ١٤١٥هـ)\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]\nعدد الصفحات: ٣٨١","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":158,"ٕ":1,"ٖ":1770154057,"ٗ":133},"٘":{"ٙ":["المقدمة","1"],"ٚ":[{"title":"تقديم الشيخ محمد عيد العباسي","level":1,"page":1},{"title":"مقدمة السعيد بن صابر عبده","level":1,"page":5},{"title":"مقدمة بقلم أبي خالد وليد بن إدريس","level":1,"page":13},{"title":"ترجمة سماحة الشيخ عبد الرزاق عفيفي","level":2,"page":21},{"title":"الفصل الأول سيرته بمصر","level":3,"page":22},{"title":"المرحلة الأولى في شنشور","level":4,"page":24},{"title":"المرحلة الثانية في القاهرة","level":4,"page":26},{"title":"صورة شهادة العالمية ١٣٥١ هـ","level":5,"page":28},{"title":"صورة شهادة التخصص","level":5,"page":29},{"title":"المرحلة الثالثة في شبين الكوم","level":4,"page":30},{"title":"المرحلة الرابعة في الإسكندرية","level":4,"page":31},{"title":"نماذج من كتابات الشيخ عبد الرزاق أثناء إقامته بالإسكندرية","level":5,"page":33},{"title":"الفصل الثاني هجرته إلى المملكة العربية السعودية","level":3,"page":35},{"title":"الأعمال التي قام بها في المملكة العربية السعودية","level":4,"page":38},{"title":"دور الشيخ عبد الرزاق عفيفي في هيئة كبار العلماء واللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء","level":4,"page":44},{"title":"نماذج من مشاركات الشيخ في هيئة كبار العلماء","level":4,"page":46},{"title":"وجهة نظر","level":4,"page":47},{"title":"نموذج من توقيع الشيخ وهو رئيس لإحدى دورات هيئة كبار العلماء","level":4,"page":50},{"title":"الفصل الثالث منزلته عند أعلام عصره وثناؤهم عليه","level":3,"page":53},{"title":"الفصل الرابع شهادة العلماء له بسعة علمه وتبحره في جميع الفنون","level":3,"page":62},{"title":"الفصل الخامس: عقيدته السلفية","level":3,"page":67},{"title":"الفصل السادس حكمته في الدعوة إلى الله ومنهجه في التعليم","level":3,"page":77},{"title":"الفصل السابع إدراك الشيخ لواقعه وما فيه من مذاهب واتجاهات","level":3,"page":83},{"title":"الفصل الثامن عبادته","level":3,"page":86},{"title":"الفصل التاسع كرمه وجوده","level":3,"page":87},{"title":"الفصل الحادي عشر حلمه وسعة صدره","level":3,"page":91},{"title":"الفصل الثاني عشر رحمته بطلابه ونصحه لهم","level":3,"page":93},{"title":"الفصل الرابع عشر صبره","level":3,"page":99},{"title":"الفصل الخامس عشر مزاحه","level":3,"page":101},{"title":"الفصل السادس عشر إعراضه عن اللغو","level":3,"page":103},{"title":"الفصل السابع عشر هيبته واحترام الناس له","level":3,"page":104},{"title":"الفصل الثامن عشر تلاميذه وأثره فيهم","level":3,"page":105},{"title":"الفصل التاسع عشر مؤلفاته وموقفه من التأليف","level":3,"page":110},{"title":"الفصل العشرون أسرته وأولاده","level":3,"page":115},{"title":"الفصل الحادي والعشرون حفظه الله تعالى عليه حواسه إلى آخر عمره","level":3,"page":117},{"title":"الفصل الثاني والعشرون حسن خاتمته ووصف جنازته","level":3,"page":119},{"title":"الفصل الثالث والعشرون تفجع المسلمين عليه وتألمهم لفقده","level":3,"page":123},{"title":"الفصل الرابع والعشرون ما رثي به الفقيد ﵀ من الشعر","level":3,"page":128},{"title":"خاتمة","level":3,"page":132},{"title":"أولا: مباحث وفتاوى العقيدة","level":1,"page":133},{"title":"١ - علم التوحيد","level":2,"page":134},{"title":"١ - تعريف علم التوحيد","level":3,"page":134},{"title":"٢ - بيان الحكم وأقسامه","level":3,"page":134},{"title":"مسائل في علم التوحيد","level":4,"page":138},{"title":"المسألة الأولى إثبات أن العالم ممكن","level":5,"page":138},{"title":"المسألة الثانية الممكن محتاج إلى موجد ومؤثر","level":5,"page":138},{"title":"المسألة الثالثة إثبات وجوب الوجود لله ﷾","level":5,"page":139},{"title":"المسألة الرابعة في أنواع التوحيد","level":5,"page":146},{"title":"توحيد الربوبية","level":6,"page":146},{"title":"توحيد الأسماء والصفات","level":6,"page":149},{"title":"توحيد الإلهية","level":6,"page":152},{"title":"المسألة الخامسة في الفرق بين النبي والرسول وبيان النسبة بينهما","level":5,"page":155},{"title":"٢ - الرسالة","level":2,"page":156},{"title":"بيان كفر من آمن ببعض الرسل وكفر ببعض","level":3,"page":156},{"title":"مباحث الكلام على الرسالة","level":3,"page":158},{"title":"المبحث الأول إمكان الوحي والرسالة","level":4,"page":158},{"title":"المبحث الثاني حاجة العالم إلى الرسالة","level":4,"page":164},{"title":"المبحث الثالث طريقة الرسل في إثبات توحيد الألوهية والعبادة","level":4,"page":166},{"title":"المبحث الرابع الفرق بين المعجزة والسحر","level":4,"page":168},{"title":"المبحث الخامس تنوع المعجزة مع بيان الحكمة في ذلك","level":4,"page":170},{"title":"المبحث السادس معجزات الأنبياء لا تنحصر فيما تحدى به كل نبي قومه","level":4,"page":172},{"title":"قصة يوسف ﵊ وكيف أنها من معجزات النبي ﷺ","level":5,"page":174},{"title":"قصة موسى ﵇ وكيف أنها من معجزات النبي ﷺ","level":5,"page":183},{"title":"٣ - منهج الرسل في الدعوة إلى الله","level":2,"page":191},{"title":"إرسال الرسل وشرع الشرائع رعاية لمصالح العباد في معاشهم ومعادهم رحمة من الله","level":3,"page":191},{"title":"وفاء الشريعة بمصالح الخلق في العاجل والآجل","level":3,"page":195},{"title":"حصول الثقة واليقين في نفوس المكلفين بمصدر الشريعة وتبلغها","level":3,"page":198},{"title":"طريقة الرسل في إثبات وجود الله وتوحيده","level":3,"page":198},{"title":"الرد على من يزعم أن العالم وما فيه وليد الصدفة والاتفاق.","level":3,"page":202},{"title":"إقرار المكلفين حتى المشركين بتفرد الله بالخلق والملك والتدبير وشهادة الفطرة بذلك","level":3,"page":204},{"title":"استحالة أن يكون في الكون خالقان معبودان","level":3,"page":206},{"title":"انتظام العالم علوه وسفله يثبت لله صفات الكمال التي تليق به","level":3,"page":207},{"title":"الطريق الأول: الوحي والخبر.","level":4,"page":207},{"title":"الطريق الثاني: الحس والعقل.","level":4,"page":208},{"title":"توحيد الربوبية هو باب الاستدلال على توحيد الإلهية.","level":3,"page":212},{"title":"٤ - وجوب الإيمان بالبعث والنشور وبيان شبهة الكفار في إنكارهم يوم القيامة والرد عليهم في ذلك","level":2,"page":215},{"title":"٥ - مبحث في أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن، وأنهما باقيتان لا تفنيان","level":2,"page":224},{"title":"الأمر الأول خلق الجنة والنار ووجودهما في الدنيا","level":3,"page":224},{"title":"شبهة من أنكر وجود الجنة والنار الآن والرد على ذلك","level":4,"page":226},{"title":"الأمر الثاني الجنة والنار لا تفنيان","level":3,"page":228},{"title":"الأدلة من القرآن على بقاء الجنة","level":4,"page":228},{"title":"الأدلة من السنة على بقاء الجنة","level":4,"page":229},{"title":"أبدية النار وآراء السلف في ذلك","level":4,"page":230},{"title":"٦ - مبحث في العرش والكرسي وإثبات صفة العلو","level":2,"page":233},{"title":"صفة العرش واستواءه سبحانه عليه","level":3,"page":233},{"title":"أدلة علو الله على خلقه","level":3,"page":237},{"title":"الاستدلال بالفطرة على أن الله فوق عباده","level":3,"page":241},{"title":"ومما يجب اعتقاده أن الله اتخذ إبراهيم خليلا، وأنه كلم موسى تكليما","level":3,"page":245},{"title":"٧ - رسالة في الحكم بغير ما أنزل الله","level":2,"page":247},{"title":"الرجوع في بيان الحق والفصل فيما اختلف فيه إلى الكتاب والسنة","level":3,"page":247},{"title":"حالات الحكم بما أنزل الله","level":3,"page":248},{"title":"حالات الحاكمين بغير ما أنزل الله","level":3,"page":249},{"title":"٨ - رسالة في الدفاع عن السنة ورد شبهات المغرضين","level":2,"page":255},{"title":"اختلاف موقف المدافع عن السنة باختلاف حال من يورد الشبهة","level":3,"page":256},{"title":"الشبهة الأولى الاقتصار على القرآن وإنكار السنة","level":3,"page":257},{"title":"الشبهة الثانية رد بعض الأحاديث لمخالفتها للعقل أو لمعارضتها المستقر في بعض الأذهان","level":3,"page":262},{"title":"الرد على أهل المسلك الأول القائلين برد السنة لمخالفتها العقل","level":4,"page":265},{"title":"الرد على أهل المسلك الثاني القائلين برد السنة بتأويلها على ظاهرها","level":4,"page":266},{"title":"الرد على أهل المسلك الثالث: الذين يردون معظم السنة لأنها أخبار آحاد","level":4,"page":270},{"title":"الشبهة الثالثة دندنة البعض بأن السنة لم تدون في عصر النبوة","level":3,"page":276},{"title":"س ١: يدندن بعض المعارضين لحجية السنة بأن أسانيد الأحاديث لم تدون إلا بعد قرن من وفاة الرسول ﷺ فما رأي سماحتكم؟","level":4,"page":276},{"title":"استفسار وبيان","level":4,"page":279},{"title":"س ٢: هل في السنة شرع مبتدأ ليس له أصل في القرآن أو زيادة على ما في القرآن؟","level":4,"page":279},{"title":"س ٣: في حديث الرسول ﷺ عن الداء والدواء في جناحي الذباب، هل جناح الذباب الذي فيه دواء موافق لهذا الداء الذي في الجناح الآخر؟ أو داء أو مرض غيره؟ وهل الذباب المذكور في الحديث هو الذباب المعروف؟","level":4,"page":280},{"title":"الجمع بين حديث الذباب وحديث أنتم أعلم بأمور دنياكم","level":4,"page":282},{"title":"س ٤: كيف نجمع بين حديث الذباب وبين قوله ﷺ في الحديث الذي رواه مسلم «أنتم أعلم بأمور دنياكم».","level":4,"page":282},{"title":"س ٥: ما حكم من ابتلع من الشراب أو من الأكل الذي وقع عليه الذباب ثم قاءه مع إيمانه بالحديث؟.","level":4,"page":284},{"title":"حكم من رد السنة جملة وتفصيلا","level":4,"page":285},{"title":"س ٦: كيف ترون التعامل مع من يرد سنة النبي ﷺ سواء كان ذلك جملة أو تفصيلا خاصة وأن من هؤلاء من يتولون الحكم في بعض بلاد المسلمين اليوم؟","level":4,"page":285},{"title":"الاجتهاد شيء ورد الأحاديث شيء آخر","level":5,"page":287},{"title":"حكم من خالف معلوما من الدين بالضرورة","level":5,"page":288},{"title":"س ٧: هل يجوز للمسلم أن يتمسك برأيه إذا كان مخطئا ولكنه مجتهد في ذلك؟ وهل يقبل منه ذلك شرعا بحجة أنه مجتهد؟","level":4,"page":289},{"title":"الشبهة الرابعة","level":3,"page":290},{"title":"س ٨: ما حكم من يقول إن بعض الأحاديث تنكر بعضها؟","level":4,"page":290},{"title":"٩ - وجوب تقديم نصوص الكتاب والسنة على العقل","level":2,"page":294},{"title":"١٠ - مبدأ وميثاق ووجوب التزام عقيدة السلف","level":2,"page":298},{"title":"١١ - مبحث في وجوب محبة أصحاب رسول الله ﷺ وموالاتهم والرد على الروافض والنواصب","level":2,"page":302},{"title":"١٢ - التعريف بأهل السنة والجماعة وتمييزهم عن الفرق الإسلامية","level":2,"page":305},{"title":"س ١: سئل الشيخ رحمه الله تعالى: من هم أهل السنة والجماعة؟ وما هي الفرق التي شذت عن منهج أهل السنة؟","level":3,"page":305},{"title":"التعريف بأهل السنة والجماعة","level":3,"page":306},{"title":"١٣ - كبار الفرق الإسلامية أربع هي القدرية - الصفاتية - الخوارج - الشيعة","level":2,"page":312},{"title":"عدد الفرق الإسلامية","level":3,"page":312},{"title":"١٤ - أولا: الخوارج: أصولهم ورءوسهم","level":2,"page":313},{"title":"تسمية الخوارج بذلك وأصولهم","level":3,"page":314},{"title":"الفرق التي تشعبت من الخوارج","level":4,"page":315},{"title":"النجدات العاذرية","level":4,"page":316},{"title":"١٥ - الشيعة والفرق التي تشعبت منها","level":2,"page":319},{"title":"تسمية الشيعة بذلك وأصولهم","level":3,"page":319},{"title":"من فرق الشيعة الزيدية","level":4,"page":320},{"title":"من فرق الشيعة الإمامية","level":4,"page":322},{"title":"من فرق الشيعة الكيسانية","level":4,"page":324},{"title":"١٦ - فتاوى في العقيدة","level":2,"page":329},{"title":"س ١: سئل الشيخ: بعض الناس ينكرون على من قال: \"جل من لا يسهو\" فهل هذه العبارة خطأ؟","level":3,"page":329},{"title":"س ٢: سألت الشيخ عن وجه الجمع بين الأحاديث التي فيها تسمية يد الله تعالى الأخرى شمالا، وحديث كلتا يدي ربي يمين مباركة؟","level":3,"page":329},{"title":"س ٣: سألت الشيخ: عن الفرق بين إرادة الله تعالى وأمره؟","level":3,"page":329},{"title":"س ٤: سئل الشيخ: عن بعض عبارات الإمام ابن قدامة في \"لمعة الاعتقاد\" التي يفهم منها التفويض؟","level":3,"page":329},{"title":"س ٥: سئل الشيخ: عن تعلق الله تعالى بالمستحيل والواجب.","level":3,"page":330},{"title":"س ٦: سئل الشيخ: عن تقسيم الأشاعرة لصفات الله تعالى.","level":3,"page":330},{"title":"س ٧ سئل الشيخ: عن معنى \"حجابه النور \"؟","level":3,"page":331},{"title":"س ٨: سئل الشيخ: عن قدم الله تعالى ورجله هل هما صفتان أو صفة واحدة؟","level":3,"page":331},{"title":"س ٩: سئل الشيخ: عن المشيئة هل هي كونية فقط، أو هي كونية وشرعية كالإرادة؟","level":3,"page":331},{"title":"س ١٠: سئل الشيخ: عن صفة المكر والمخادعة والاستهزاء ونحوها.","level":3,"page":332},{"title":"س ١١: سئل الشيخ: عن صفات الذات وصفات الفعل.","level":3,"page":333},{"title":"س ١٢: سئل الشيخ: هل الكفار يرون الله في المحشر؟","level":3,"page":333},{"title":"س ١٣: سئل الشيخ: هل اللقاء بمعنى الرؤية؟","level":3,"page":333},{"title":"س ١٤: سئل الشيخ: ما أثر الإيمان بأسماء الله تعالى وصفاته؟","level":3,"page":333},{"title":"س ١٥: سئل الشيخ: بعض الناس ينسبون إلى السلف القول بالتفويض - فما ردكم؟.","level":3,"page":333},{"title":"س ١٦: سئل الشيخ: هل الكافرون يرون الله تعالى في المحشر؟","level":3,"page":334},{"title":"س ١٧: سئل الشيخ: ما المقصود بقرب الله تعالى: ﴿فإني قريب﴾؟","level":3,"page":334},{"title":"س ١٨: سئل الشيخ: ما معنى قوله ﷺ: «وأنت الباطن»؟.","level":3,"page":334},{"title":"س ١٩: سئل الشيخ: ما معنى: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد»؟.","level":3,"page":334},{"title":"س ٢٠: سئل الشيخ: ما الفرق بين التشبيه والتمثيل والتكييف في صفات الله تعالى؟","level":3,"page":334},{"title":"س ٢١: سئل الشيخ: هل يجوز وصف الله تعالى بأنه في جهة أو له حد؟.","level":3,"page":334},{"title":"س ٢٢: سئل الشيخ: ما هي قبلة الدعاء؟.","level":3,"page":335},{"title":"س ٢٣: سئل الشيخ: ما الدليل على إثبات العينين لله تعالى؟.","level":3,"page":335},{"title":"س ٢٤: سئل الشيخ: هل صفات الفعل تقوم بذات الله سبحانه؟","level":3,"page":335},{"title":"س ٢٥: سئل الشيخ: عن حديث: «خلق الله آدم على صورته».","level":3,"page":335},{"title":"س ٢٦: سئل الشيخ: ما الفرق بين الأزلي والقديم؟","level":3,"page":336},{"title":"س ٢٧: سئل الشيخ: هل المنان من أسماء الله تعالى؟","level":3,"page":336},{"title":"س ٢٨: سئل الشيخ: ما علاقة الأسماء بالصفات؟","level":3,"page":336},{"title":"س ٢٩: سئل الشيخ: هل لفظ الجلالة جامد أم مشتق من الآلهة أو الوله؟","level":3,"page":336},{"title":"س ٣٠: سئل الشيخ: عن معنى دلالة أسماء الله تعالى على معناها مطابقة وتضمنا والتزاما؟.","level":3,"page":336},{"title":"س ٣١: سئل الشيخ: عن قيام صفات الله تعالى بذاته.","level":3,"page":337},{"title":"س ٣٢: سئل الشيخ: ما معنى قوله: ﴿وهو معكم أين ما كنتم﴾؟.","level":3,"page":337},{"title":"س ٣٣: سئل الشيخ: ما الفرق بين العبارة والحكاية؟.","level":3,"page":337},{"title":"س ٣٤ سئل الشيخ: رجل يقول: إن كلام الله تعالى يسمع يوم القيامة من كل جهة.","level":3,"page":337},{"title":"س ٣٥: سئل الشيخ: ما أرجح الأقوال في مسألة نزول الرب ﷾ هل يخلو منه العرش أو لا يخلو أو نتوقف؟.","level":3,"page":338},{"title":"س ٣٦: سئل الشيخ: عن توضيح قول شارح الطحاوية ما ملخصه: أن العلم الإلهي يصح فيه قياس الأولى سواء أكان تمثيليا أو شموليا، ولا يصح فيه قياس المساوي أو الأدنى سواء كان تمثيلا أو شمولا؟","level":3,"page":338},{"title":"س ٣٧: سئل الشيخ: هل يجوز الإخبار عن الله تعالى بأنه (واجب الوجود)؟","level":3,"page":339},{"title":"س ٣٨: سئل الشيخ: عن وسائل الشرك هل تعتبر شركا أصغر أم تعتبر محرمة فقط؟","level":3,"page":339},{"title":"س ٣٩: سئل الشيخ: هل يثاب المرء على ترك الحرام؟.","level":3,"page":339},{"title":"س ٤٠ سئل الشيخ: ما الفرق بين اليقين والصدق والإخلاص، وبين القبول والانقياد؟","level":3,"page":340},{"title":"س ٤١: سئل الشيخ: هل لفظ (لعمري)، (لعمرك) من باب القسم؟ وإذا كان كذلك فهل هو قسم ممنوع أم مباح؟ وما معنى: «أفلح وأبيه إن صدق»؟","level":3,"page":340},{"title":"س ٤٢: سئل الشيخ: كفر الجهل والتكذيب هل هما قسمان أم قسم؟ وهل هو خاص باليهود والنصارى، أم يدخل فيه من كان مسلما؟","level":3,"page":340},{"title":"س ٤٣: سئل الشيخ: ما الفرق بين توحيد المراد (الإخلاص) وتوحيد الإرادة (الصدق)؟","level":3,"page":340},{"title":"س ٤٤: سئل الشيخ: عن التوسل البدعي هل هو شرك؟.","level":3,"page":340},{"title":"س ٤٥: سئل الشيخ: ما حكم لو قلت في دعائي \"إلهي أسألك بأعز من ناجاك وأفضل من دعاك أن تمطر على قلوبنا من سحائب عطفك، وشآبيب رضوانك. فهل هذا الدعاء جائز؟.","level":3,"page":341},{"title":"س ٤٦: سئل الشيخ: ما حكم التبرك بآثار الصالحين؟","level":3,"page":345},{"title":"س ٤٧: سئل الشيخ: عن رجل دفن في المسجد.","level":3,"page":345},{"title":"س ٤٨: سئل الشيخ: ما هي زيارة القبور السنية، وما هي الزيارة البدعية والشركية؟.","level":3,"page":345},{"title":"س ٤٩: سئل الشيخ: عن حديث الرجل الضرير الذي رد الله بصره بعد أن جاء إلى النبي ﷺ فأمره أن يقول: «اللهم شفعه في وشفعني فيه».","level":3,"page":347},{"title":"س ٥٠: سئل الشيخ: ما حكم التحاكم إلى المحاكم التي تحكم بالقوانين الوضعية؟","level":3,"page":347},{"title":"س ٥١: سئل الشيخ: ما الفرق بين الفسق الأكبر، والكفر الأكبر؟","level":3,"page":347},{"title":"س ٥٢: سئل الشيخ: ما حكم تعليق تميمة من القرآن على الجدار أو في السيارة؟","level":3,"page":347},{"title":"س ٥٣: سئل الشيخ: ما حكم العزائم بالقرآن، وهي آيات بالزيت أو الزعفران في طبق وخلط المكتوب بالماء وشربه؟","level":3,"page":348},{"title":"س ٥٤: سئل الشيخ: ما حكم القراءة على ماء أو طعام وشربه؟","level":3,"page":348},{"title":"س ٥٥: سئل الشيخ: عن رأيه في شيخ الإسلام إسماعيل الهروي ودفاع الإمام ابن القيم عنه في مدارج السالكين، وعن رأيه في تقسيم الهروي التوحيد إلى ثلاثة أقسام: توحيد العامة، والخاصة، وخاصة الخاصة.","level":3,"page":348},{"title":"س ٥٦: سئل الشيخ: هل يمكن ظهور الملك بصورته لغير الرسل؟","level":3,"page":348},{"title":"س ٥٧: سئل الشيخ: عن نبوة الخضر ولقمان وذي القرنين؟","level":3,"page":349},{"title":"س ٥٨: سئل الشيخ عن صحف إبراهيم وموسى: هل هما شيء واحد؟","level":3,"page":349},{"title":"س ٥٩: سئل الشيخ: هل التوراة والإنجيل كلام الله.","level":3,"page":349},{"title":"س ٦٠: سئل الشيخ ما معنى حديث احتجاج آدم وموسى؟","level":3,"page":349},{"title":"س ٦١: سئل الشيخ: ذكر شارح الطحاوية أن الله تعالى لو أراد كونا إيمان جميع الناس لكان في ذلك مفسدة فما هذه المفسدة؟","level":3,"page":350},{"title":"س ٦٢: سئل الشيخ: عن معنى قوله ﷺ: \" «السعيد من سعد في بطن أمه» \".","level":3,"page":350},{"title":"س ٦٣: سئل الشيخ: عن مذهب المعتزلة في الإيجاب على الله تعالى.","level":3,"page":350},{"title":"س ٦٤: سئل الشيخ: عن معنى الكسب.","level":3,"page":350},{"title":"س ٦٥: سئل الشيخ: عن مشيئة الرب ومشيئة العبد.","level":3,"page":350},{"title":"س ٦٦: سئل الشيخ: عن مسألة التحسين والتقبيح العقلي.","level":3,"page":351},{"title":"س ٦٧: سئل الشيخ: عن موقف الخوارج من الحدود هل يبطلونها؟","level":3,"page":351},{"title":"س ٦٨: سئل الشيخ: ما معنى خلود القاتل الوارد في قوله تعالى: ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها﴾؟.","level":3,"page":351},{"title":"س ٦٩: سئل الشيخ: هل الأشاعرة والماتريدية من أهل السنة؟","level":3,"page":351},{"title":"س ٧٠: سئل الشيخ: هل الفرق التي قال فيها ﷺ: \"كلها في النار\" كافرة؟ أم غير كافرة؟","level":3,"page":352},{"title":"س ٧١: سئل الشيخ: عن دعوة العوام للتوحيد.","level":3,"page":352},{"title":"س ٧٢: سئل الشيخ: هل الساحر كافر؟","level":3,"page":352},{"title":"س ٧٣: سئل الشيخ: ما حكم من سب صحابيا؟","level":3,"page":352},{"title":"س ٧٤: سئل الشيخ: هل العلم المشترط في شروط (لا إله إلا الله) هو العلم الإجمالي بأنه لا يستحق العبادة إلا الله؟ أم لا بد من العلم التفصيلي بأن الذبح عبادة والنذر عبادة .. وهكذا؟","level":3,"page":352},{"title":"س ٧٥: سئل الشيخ: سألته عن رأيه في قول الصنعاني في تطهير الاعتقاد عن القبوريين الذين يعتقدون في الموتى ويطلبون منهم (هم كفار أصليون) حيث اعترض عليه بعض العلماء كالشيخ بشير السهسواني صاحب (صيانة الإنسان) وقال (هم مرتدون).","level":3,"page":353},{"title":"س ٧٦: سئل الشيخ: عن الكافر الأصلي إذا تلفظ أمامنا بالشهادتين ولا ندري هل يعلم معناها أم لا؟","level":3,"page":353},{"title":"س ٧٧: سئل الشيخ: هل يلزم إقامة الحجة على تارك الصلاة حتى يحكم بكفره؟","level":3,"page":353},{"title":"س ٧٨: سئل الشيخ: الإيمان الركن هل يزيد وينقص كالإيمان الواجب والمستحب؟","level":3,"page":353},{"title":"س ٧٩: سئل الشيخ: ما حكم المستهزئ بالدين أو ساب الدين أو الرسول ﷺ أو القرآن العظيم هل يكفر ولو كان جاهلا؟","level":3,"page":354},{"title":"س ٨٠: سئل الشيخ: ما حكم من قال: القرآن مخلوق؟","level":3,"page":354},{"title":"س ٨١: سئل الشيخ: عن مسألة فناء النار؟","level":3,"page":354},{"title":"س ٨٢: سئل الشيخ: هل تكفي إحدى الشهادتين للحكم للشخص بالإسلام؟","level":3,"page":354},{"title":"س ٨٣: سئل الشيخ: عن خروج جماعة التبليغ لتذكير الناس بعظمة الله.","level":3,"page":354},{"title":"س ٨٤: سئل الشيخ: عن رجل قيل له: فعلك هذا محرم، فقال: أنا أعرف أنه حرام ولكن سأفعله؟","level":3,"page":355},{"title":"س ٨٥: سئل الشيخ: ما الفرق بين قتال المرتدين وقتال تاركي الشرائع؟ وقتال التتار يتبع أي القسمين؟","level":3,"page":355},{"title":"س ٨٦: سئل الشيخ: هل يوجد عذر بالجهالة في أصل التوحيد، علما بأن بعض أهل السنة ذكر أنه لا عذر لأحد بالجهل في أصل التوحيد؟","level":3,"page":355},{"title":"س ٨٧: سئل الشيخ: عن حكم من أنكر معلوما من الدين بالضرورة، ومن خالف حكما ثابتا بالكتاب والسنة وإجماع الأمة؟","level":3,"page":356},{"title":"س ٨٨: سئل الشيخ عن قول الإمام محمد بن عبد الوهاب في كشف الشبهات في حديث ذات أنواط فلم يعذرهم بالجهالة؟","level":3,"page":357},{"title":"س ٨٩: سئل الشيخ: هل يجوز إكرام أي شخص بالذبح له؟","level":3,"page":358},{"title":"س ٩٠: فضيلة الشيخ سمعنا عن كرامات حدثت مع إخواننا المجاهدين الأفغان فما هي الكرامة ومدى صحتها أفادكم الله وهل نصدقها؟","level":3,"page":359},{"title":"ثانيا: فتاوى الفقه","level":1,"page":364},{"title":"أولا: فتاوى الطهارة","level":2,"page":365},{"title":"س ١: سئل الشيخ: عن التسوك باليد اليمنى أو اليسرى؟","level":3,"page":365},{"title":"س ٢: سئل الشيخ: عن زيادة مسلم بن إبراهيم (وسواكه)؟","level":3,"page":365},{"title":"س ٣: سئل الشيخ: هل يصح الوضوء بدون غسل الكف مع غسل اليدين إلى المرفقين؟ أم يكفي غسلهما في أول الوضوء؟","level":3,"page":365},{"title":"س ٤: سئل الشيخ: هل يمسح على الخف الأيسر اليد اليمني أم باليسرى؟","level":3,"page":365},{"title":"س ٥: سئل الشيخ: هل يجزئ غسل الجنابة عن غسل الجمعة؟","level":3,"page":365},{"title":"س ٦: سئل الشيخ: ما الفرق بين غسل المرأة للجنابة وللحيض؟","level":3,"page":365},{"title":"س ٧: سئل الشيخ: عن طريقة التخلص من الشعر والأظافر؟","level":3,"page":366},{"title":"س ٨: سئل الشيخ: حكم تقصير المرأة شعرها؟","level":3,"page":366},{"title":"س ٩: سئل الشيخ: هل على من وطئ زوجته وهي حائض كفارة؟","level":3,"page":366},{"title":"س ١٠: سئل الشيخ: هل يصح التيمم بالتراب الذي في السجاد؟","level":3,"page":366},{"title":"س ١١: سئل الشيخ: عن أحكام المسح على الجوربين والنعلين؟","level":3,"page":366},{"title":"س ١٢ سئل الشيخ: هل يلزم تحريك الخاتم في الوضوء؟","level":3,"page":367},{"title":"س ١٣: سئل الشيخ حديث من غسل ميتا فليغتسل ومن حمله فليتوضأ؟","level":3,"page":367},{"title":"س ١٤: سئل الشيخ ما حكم مس الحائض للمصحف وهي ترتدي قفازا؟","level":3,"page":367},{"title":"س ١٥: سئل الشيخ: هل يعتبر البياض الذي في جانبي الصفحة وغلاف المصحف من القرآن، لا يجوز مسه للمحدث أم القرآن هو المكتوب فقط؟","level":3,"page":367},{"title":"س ١٦: سئل الشيخ: هل يلزم نزع اللصق الطبي في الوضوء والغسل؟","level":3,"page":367},{"title":"س ١٧: سئل الشيخ: عمن لبس الفوقاني على التحتاني؟","level":3,"page":368},{"title":"س ١٨: سئل الشيخ: ورد في زيادة لأبي داود على حديث عائشة الذي في الصحيحين كان النبي ﷺ «يعجبه التيمن في تنعله وترجله زاد وسواكه»، وذهب شيخ الإسلام تبعا للإمام أحمد أنه يستاك بشماله؛ لأنه من باب إزالة الوسخ فما قولكم في ذلك؟","level":3,"page":368},{"title":"س ١٩: سئل الشيخ: تعلمون ما ورد من النصوص في مشروعية المسح على العمامة. فهل يعتبر الشماغ الحالي في حكمها في المسح؟","level":3,"page":368},{"title":"س ٢١: سئل الشيخ: عن دم السقط؟","level":3,"page":368},{"title":"س ٢٢: سئل الشيخ: حكم الرطوبات التي تخرج من فرج المرأة؟","level":3,"page":368},{"title":"ثانيا: فتاوى الأذان","level":2,"page":369},{"title":"س ١: ما هي السنة في الأذان أن يفرد قوله (الله أكبر، أم يثنيها يعني ينطق والله أكبر، الله أكبر)؟","level":3,"page":369},{"title":"س ٢: سئل الشيخ: هل تأذين أذانين للجمعة، أحدهما قبل دخول الوقت والآخر بعد دخوله هل هذا هو السنة أم أذان واحد بين يدي الخطيب؟","level":3,"page":369},{"title":"س ٣: سئل الشيخ: الأذان خارج المسجد؟","level":3,"page":369},{"title":"س ٤: سئل الشيخ: متى يقوم الناس إلى الصلاة عند سماع الإقامة؟","level":3,"page":369},{"title":"ثالثا: فتاوى الصلاة","level":2,"page":370},{"title":"س ١: سماحة الشيخ: ما حكم تارك الصلاة في المسجد مع العلم أنه يصلي في البيت وهل صلاته مقبوله مع العلم أنه يسمع النداء؟","level":3,"page":370},{"title":"س ٢: سئل الشيخ: عن الجمع بين الصلاتين في المطر، هل يشترط أن يكون المطر كثيرا؟ فقال الشيخ ﵀: «يشرع الجمع بين الصلاتين الظهر والعصر تقديما أو تأخيرا في المطر والمغرب مع العشاء تقديما أو تأخيرا في المطر الذي يبل الثياب ويحتاج الإنسان معه إلى استعمال المظلة وتصير الأرض زلقة يصعب السير فوقها».","level":3,"page":376},{"title":"س ٣ سئل الشيخ: هل يتابع المسبوق الإمام إذا زاد ركعة خامسة؟ فقال الشيخ ﵀: «إذا زاد الإمام خامسة لا يقوم المأموم وراءه، وإذا قام وراءه عالما أنها خامسة تبطل صلاته فإن كان جاهلا يعلم وتصح صلاته، ولا يصح للمأموم أن يسلم قبل الإمام إلا في صلاة الخوف. أما المسبوق فإن كان عالما أنها زائدة لا يتابع فيها الإمام ولا يقضي ما عليه حتى يسلم الإمام، وإذا لم يعلم وصلاها معه يحسبها ركعة ويكمل».","level":3,"page":376},{"title":"س ٤: سئل الشيخ: هل يصلي المأموم المغرب خلف إمام يصلي العشاء؟ فقال الشيخ ﵀: «يشترط اتحاد الهيئة في اقتداء المأموم فيصح أن تصلي الظهر خلف من يصلي العصر ولكن لا يصح أن تصلي المغرب خلف من يصلي العشاء، وإذا لم تعلم أنها العشاء فلك أن تنوي الانفصال إذ علمت في أثناء الصلاة كانفصال المأموم خلف معاذ بن جبل ولم ينكره النبي ﷺ».","level":3,"page":376},{"title":"س ٥: سئل الشيخ: هل يباح للدارس خارج وطنه القصر والجمع والفطر إذا طالت مدة سفره؟ جزاكم الله خيرا.","level":3,"page":377},{"title":"س ٦: سئل الشيخ: ما حكم صلاة تحية المسجد والإمام يخطب؟","level":3,"page":379},{"title":"س ٧: سئل الشيخ: هل يصلي تحية المسجد إذا دخل أثناء آذان الجمعة؟","level":3,"page":384},{"title":"س ٨: سئل الشيخ: عن إئتمام المسافر بالمقيم؟","level":3,"page":384},{"title":"س ٩: سئل الشيخ: عن الاحتباء في خطبة الجمعة هل يدخل فيها إمساك رجل واحدة بيديه؟","level":3,"page":384},{"title":"س ١٠: سئل الشيخ: عن معنى كف الثوب؟","level":3,"page":384},{"title":"س ١١: سئل الشيخ رحمه الله تعالى عن بعض المسلمين في غرب تنزانيا يصلون الجمعة ثم يصلون الظهر. فما حكم الجمع بين الصلاتين هاتين؟","level":3,"page":385},{"title":"س ١٢: سئل الشيخ رحمه الله تعالى: هل صلاة العيد تجزئ عن صلاة الجمعة؟","level":3,"page":388},{"title":"س ١٣: سئل الشيخ: عن رجل بلده مصر وهو يعمل في السعودية فهل يقصر إذا زار مصر؟","level":3,"page":390},{"title":"س ١٤: سئل الشيخ: هل يصح أن يصلي ركعتين استخارة عن أمرين مختلفين؟","level":3,"page":390},{"title":"س ١٥: سئل الشيخ: هل يشرع تكرار الاستخارة؟","level":3,"page":390},{"title":"س ١٦: سئل الشيخ: هل يشرع رفع اليدين في تكبيرات العيدين والجنازة؟","level":3,"page":390},{"title":"س ١٧: سئل الشيخ: حكم الخروج لصلاة العيد في مسيرات؟","level":3,"page":390},{"title":"س ١٨: سئل الشيخ: التكبير الجماعي في صلاة العيد؟","level":3,"page":390},{"title":"س ١٩: سئل الشيخ: هل إقامة الصلاة في الميكرفون أفضل أم بدونه؟","level":3,"page":391},{"title":"س ٢٠: سئل الشيخ: هل يجوز وضع المصلي نعله أمامه واتخاذه إياها سترة؟","level":3,"page":391},{"title":"س ٢١: سئل الشيخ: عن تحريك الأصبع بين السجدتين؟","level":3,"page":391},{"title":"س ٢٢: سئل الشيخ: معنى الحديث «كان النبي ﷺ إذا سجد يرص عقبيه» هل يشترط أن يتلامسا؟","level":3,"page":391},{"title":"س ٢٣: سئل الشيخ: عن تحريك الأصبع في التشهد هل يحرك أم يكتفي بالإشارة بدون تحريك؟","level":3,"page":391},{"title":"س ٢٤: سئل الشيخ: عن حكم رسم خطوط المساجد لتستوي الصفوف عليها؟","level":3,"page":392},{"title":"س ٢٥: سئل الشيخ: عن بناء البيوت فوق المساجد؟","level":3,"page":392},{"title":"س ٢٦: سئل الشيخ: حكم تقدم المسبوقين أو تأخرهم قليلا بعد تسليم الإمام لئلا يحسب الداخل أن الجماعة ما زالت قائمة؟","level":3,"page":392},{"title":"س ٢٧: سئل الشيخ: وقت القيلولة قبل الظهر أو بعده في المنقول من السنة؟","level":3,"page":392},{"title":"س ٢٨: سئل الشيخ: عن تحية المسجد هل هي سنة أم واجبة؟","level":3,"page":392},{"title":"س ٢٩: سئل الشيخ: هل يأثم بتركها؟","level":3,"page":393},{"title":"س ٣٠: سئل الشيخ: ماحكم من تعمد ترك واجب في الصلاة؟","level":3,"page":393},{"title":"س ٣١: سئل الشيخ: إذا خرج من المسجد الحاجة يسيرة ثم رجع. هل تلزمه تحية المسجد؟","level":3,"page":393},{"title":"س ٣٢: سئل الشيخ: هل تجزئ السنة القبلية عن تحية المسجد؟","level":3,"page":393},{"title":"س ٣٣: سئل الشيخ: ما حكم من قام من الركعة الثانية إلى الثالثة بدون جلوس للتشهد ثم تذكر فرجع وجلس؟","level":3,"page":393},{"title":"س ٣٤: سئل الشيخ: ما حكم كف الشماغ عن الأرض عند السجود؟","level":3,"page":393},{"title":"س ٣٥: سئل الشيخ: هل يجوز للمدرس أن يأمر الطالب بصلاة الراتبة ويعاقبه عليها إذا لم يصلها؟","level":3,"page":394},{"title":"س ٣٦: سئل الشيخ: قراءة بعض سورة السجدة وبعض سورة الإنسان أو السجدة على ركعتين؟","level":3,"page":394},{"title":"س ٣٧: سئل الشيخ: عن حكم قلب الغترة في صلاة الاستسقاء؟","level":3,"page":394},{"title":"س ٣٨: سئل الشيخ: ماذا يقول الإمام عند الجمع لصلاة الكسوف؟","level":3,"page":394},{"title":"س ٣٩: سئل الشيخ: عن حكم تنفل الإمام في مكانه؟","level":3,"page":394},{"title":"س ٤٠: سئل الشيخ: عن حكم صلاة الطلاب جماعة في المدرسة؟","level":3,"page":394},{"title":"س ٤١: سئل الشيخ: عندما يصلي الطلاب في المدرسة يخصص الصف الأول لفصول معينة فما حكم ذلك؟","level":3,"page":395},{"title":"س ٤٢: سئل الشيخ: هل تسقط الجماعة عن المسجون؟","level":3,"page":395},{"title":"س ٤٣: سئل الشيخ: ما تقول فيمن لا يدرك قراءة الفاتحة خلف الإمام لسرعته وتخفيفه؟ وهل من أدرك الإمام راكعا تحسب له ركعة؟","level":3,"page":395},{"title":"س ٤٤: سئل الشيخ: ما حكم اتخاذ السترة للمصلى؟ وهل يجوز أن يصلي المصلي إلى غير سترة خشية فوات الصف الأول، إذا انتقل إلى عمود أو غيره ليتخذه سترة؟ وما هو تأويلكم لحديث ابن عباس عند البخاري أنه ﷺ صلى إلى غير جدار؟","level":3,"page":396},{"title":"س ٤٥: سئل الشيخ: ما حكم الصلاة خلف إمام يتوسل بالصالحين أو يشرب الدخان؟","level":3,"page":396},{"title":"س ٤٦: سئل الشيخ: ما حكم الصلاة على من مات تاركا الصلاة؟ فقال الشيخ ﵀: «على المسلمين ترك الصلاة عليه؛ لأنه كافر ولو ترك فريضة واحدة عمدا».","level":3,"page":396},{"title":"س ٤٧: سئل الشيخ: ماذا يفعل من كان أبوه لا يصلي؟","level":3,"page":397},{"title":"س ٤٨: سئل الشيخ: إذا أقيمت الصلاة وهو يصلي نافلة هل يخرج منها لصلاة الفريضة؟","level":3,"page":397},{"title":"س ٤٩: سئل الشيخ: ما حكم حلق تلاوة القرآن بعد صلاة فجر يوم الجمعة؟","level":3,"page":397},{"title":"س ٥٠: سئل الشيخ: يقول السائل والدي شيخ كبير السن ومريض جدا. وقد يفقد الذاكرة أحيانا فهل تسقط الصلاة عنه؟","level":3,"page":397},{"title":"س ٥١: إذا نسي الإمام في صلاة التراويح فلم يسلم في الثانية ثم قام إلى الركعة الثالثة، ثم عرف أنه أخطأ وأراد أن يصليها أربعا فهل على المأمومين متابعته؟ وما الدليل على ذلك؟","level":3,"page":397},{"title":"س ٥٢: هل تجب قراءة الفاتحة في كل ركعة من صلاة التراويح؟","level":3,"page":398},{"title":"س ٥٣: سئل الشيخ: بعض الأئمة لا يتركون فرصة للمأمومين لقراءة الفاتحة بعد قراءتهم هم للفاتحة خاصة في صلاة التراويح فهل يجب قراءتها؟","level":3,"page":399},{"title":"س ٥٤: هل صلاة الترايح ثلاث عشرة ركعة أم اثنتان وعشرون؟","level":3,"page":399},{"title":"رابعا: فتاوى الصيام","level":2,"page":403},{"title":"س ١: هل الراجح أن لكل بلد رؤية يصوم بها أم يصوم البلد برؤية غيره من البلدان؟","level":3,"page":403},{"title":"س ٢: إذا كان مفتي البلد يعمل بالحساب الفلكي ولا يأخذ بالرؤية، فماذا نفعل إذا علمنا أن رمضان قد انتهى، وقد أفطر المسلمون في بلد قريب منا قد بدأوا صومهم معنا؟","level":3,"page":403},{"title":"س ٣: تختلف بداية شهر رمضان في دولة عنها في الدول الأخرى وكذلك يختلف وقت بداية الفطر فكيف يفعل المسلم هل يصوم مع بلده أم يصوم إذا رأت إحدى الدول الإسلامية الهلال؟ وماذا تفعل الجالية الإسلامية التي تعيش في إحدى الدول الكافرة؟","level":3,"page":403},{"title":"س ٤: المسافر بالطائرة إذا غربت الشمس في الأرض يفطر ولكن إذا ارتفعت الطائرة في الفضاء يرى أن الشمس لم تغرب فما يفعل؟","level":3,"page":404},{"title":"س ٥: متى يمسك الإنسان عن الأكل والشرب؟ هل في بداية آذان الفجر أم في نهايته؟","level":3,"page":404},{"title":"س ٦: إنسان أمنى في نهار رمضان ولكنه عند الإنزال أمسك ذكره حتى لا يخرج منه شيء من المني هل عليه غسل؟ وهل يصح صيامه؟","level":3,"page":405},{"title":"س ٧: هل يصح استعمال فرشة الأسنان في نهار رمضان؟","level":3,"page":405},{"title":"س ٨: نزلت يوما إلى مكة ولشدة الحر فيها كنت أضع الثلج في فمي وأنا صائم فهل على حرج؟","level":3,"page":406},{"title":"س ٩: ماذا يلزم الحامل المرضع إذا أفطرتا أياما في رمضان؟","level":3,"page":406},{"title":"س ١٠: امرأة أفطرت في رمضان بسبب نفاسها ثم لم تقضه إلا بعد مرور تسع سنوات لجهل منها ثم قضته بعد أن علمت، فهل يلزمها شيء أخر أم لا؟","level":3,"page":406},{"title":"س ١١: إذا فات الإنسان صوم الست من شوال لعذر، هل يشرع له أن يقضيها بعد شوال؟","level":3,"page":407},{"title":"س ١٣: ما معنى صفدت الشياطين؟","level":3,"page":407},{"title":"صوم يوم عاشوراء","level":3,"page":408},{"title":"التدرج في فرض الصوم","level":3,"page":411},{"title":"خامسا: فتاوى الاعتكاف","level":2,"page":412},{"title":"س ١: سئل الشيخ: هل يصح الاعتكاف على سطح المسجد أو منارته؟","level":3,"page":412},{"title":"سادسا: فتاوى الزكاة","level":2,"page":413},{"title":"س ١: سئل الشيخ: عن طريقة حساب الحول في رواتب الموظفين؟","level":3,"page":413},{"title":"س ٢: سئل الشيخ: إذا جمعت صدقات لفقراء معينين ثم اغتنى هؤلاء الفقراء قبل أن تصلهم الصدقة، فهل يصلح تحويلها إلى فقراء آخرين؟ وهل يمكن نقلها إلى بلد فيها فقراء محتاجون؟","level":3,"page":413},{"title":"س ٣: سئل الشيخ: هل يجوز إقامة مشروع بأموال الزكاة؟","level":3,"page":413},{"title":"س ٤: سئل الشيخ: إذا كان له زرع وعليه ديون هل يخرج زكاة الزروع؟","level":3,"page":413},{"title":"س ٥: سئل الشيخ: هل يجوز إخراج الزكاة بدون تقدير؟","level":3,"page":413},{"title":"س ٦: سئل الشيخ: عن حكم تارك الزكاة؟ وهل لو تاب تارك الزكاة يزكي عن الأعوام السابقة؟","level":3,"page":413},{"title":"س ٧: سئل الشيخ: إذا كان لديه أرض يقتنيها ثم ينوي بيعها؟ فقال الشيخ ﵀: «إذا حال عليها حول من تاريخ طروء نية البيع فعليه زكاتها زكاة عروض التجارة».","level":3,"page":414},{"title":"س ٨: سئل الشيخ: رجل له دين عند آخر، وحال الحول عليه وليس عند هذا الدائن ما يخرجه زكاة عن دينه فهل يجوز أن يؤخر الزكاة حتى يتقاضى راتبه أو يسوق الله له أي مال فيخرج الزكاة عن دينه الذي له؟ فقال الشيخ ﵀: «إذا كان له دين عند آخر وحال عليه الحول، وليس في يده ما يخرج منه الزكاة فإنه يجوز له تأخير إخراج الزكاة حتى يصل إلى يده شيء من المال فيخرج منه وذلك كله إذا كان الدين عند مليك. أما إذا كان الدين عند غير مليك فإنه لا تجب على صاحبه زكاة».","level":3,"page":414},{"title":"س ٩: سئل الشيخ: متى تجب الزكاة على الدائن في دينه ومتى لا تجب عليه؟ فقال الشيخ ﵀: «تجب الزكاة على الدائن في دينه إذا كان المدين غير معسر، بل هو مليك، ولم يكن المدين مماطلا ويستطيع الدائن أن يستخلص حقه منه.","level":3,"page":414},{"title":"س ١٠: سئل الشيخ: لي أخ يدرس في مصر وأنا الذي أصرف عليه ووالدي موجود على قيد الحياة، فهل أستطيع أن أعتبر ما أنفقته على أخي زكاة أم لا؟","level":3,"page":415},{"title":"س ١١: سئل الشيخ: هل يجوز إعطاء القريب الفقير من الزكاة إذا كان خارج بلد المزكي؟","level":3,"page":415},{"title":"س ١٢: سئل الشيخ: إذا كان الحلي يعد للإستعمال والزينة فهل تجب فيه الزكاة؟","level":3,"page":416},{"title":"س ١٣: سئل الشيخ: هل يجوز إخراج نقود بدل زكاة الفطر؟","level":3,"page":417},{"title":"س ١٤: سئل الشيخ: هل يصلح الحليب المجفف في زكاة الفطر؟","level":3,"page":418},{"title":"س ١٥: سئل الشيخ: ما مقدار نصاب زكاة الحلي من الذهب وكيف تقدر؟ هل بالريالات أم من جنس الذهب؟","level":3,"page":418},{"title":"س ١٦: سئل الشيخ: هل يجوز شراء أسلحة لمحاربة الكافرين من أموال الزكاة؟","level":3,"page":418},{"title":"سابعا: الحج","level":2,"page":421},{"title":"١ - بناء المسجد الحرام","level":3,"page":421},{"title":"٢ - مواقيت الحج","level":3,"page":427},{"title":"٤ - الوقوف بعرفة والمبيت بمزدلفة","level":3,"page":431},{"title":"٥ - باب في الإكثار من ذكر الله تعالى أثناء المناسك وبعدها أكثر من ذكر الآباء","level":3,"page":437},{"title":"ثامنا: فتاوى الحج","level":2,"page":440},{"title":"س ١: سئل الشيخ: هل وجوب الحج على الفور أو التراخي؟","level":3,"page":440},{"title":"س ٢: سئل الشيخ: امرأة لبست القفازين في الإحرام جهلا بالحكم؟","level":3,"page":440},{"title":"س ٣: سئل الشيخ: رجل نسى أن يحلق رأسه ولبس المخيط؟","level":3,"page":440},{"title":"س ٤: سئل الشيخ: الميقات في العمرة إذا كان سيمر به إلى بلد أخرى كجدة؟","level":3,"page":440},{"title":"س ٥: سئل الشيخ: إذا اعتمر في أشهر الحج ثم ذهب إلى أمريكا ورجع قبل الحج يلزمه أن يدخل مكة محرما وتكفيه العمرة السابقة وحجه تمتع؟","level":3,"page":440},{"title":"س ٦: سئل الشيخ: الشخص الذي له مصلحة بمكة وليس مريدا للنسك؟","level":3,"page":440},{"title":"س ٧: سئل الشيخ: حكم استعمال الصابون ذي الرائحة للمحرم؟","level":3,"page":440},{"title":"س ٨: سئل الشيخ: هل يجوز سفر المرأة بدون محرم بالطائرة؟","level":3,"page":441},{"title":"س ٩: سئل الشيخ: عن رمي الجمرات في المرمى؟","level":3,"page":441},{"title":"س ١٠: سئل الشيخ: عن المبيت بمنى؟","level":3,"page":441},{"title":"س ١١: سئل الشيخ: هل السفر بالطائرة التي لا تستغرق المسافة إلا ساعتين يعتبر في حكم السفر القصير؛ لأنه لا يستغرق يوما وليلة والنبي ﷺ أباح للمرأة السفر القصير بلا محرم؟","level":3,"page":441},{"title":"س ١٢: سئل الشيخ: شخص أحرم لطفله من الميقات ثم لم يؤد له مناسك العمرة فلم يطف به ولم يسع ولم يحلق أو يقصر وعاد إلى بلده. فماذا عليه؟","level":3,"page":441},{"title":"س ١٣: سئل الشيخ: ما حكم السعي في الحج؟","level":3,"page":442},{"title":"س ١٤: سئل الشيخ: هل يعتبر الزحام فى الرمي في هذا الزمن عذرا للمرأة يجوز لها أن تنيب من يرمي عنها؟ وأيهما أفضل أن تنيب من يرمي عنها نهارا، أو ترمي هي بنفسها ليلا؟","level":3,"page":442},{"title":"س ١٥: سئل الشيخ: شخص جامع امرأته بعد تحلله من إحرامه بالعمرة وقبل تحللها بقص شعرها؟","level":3,"page":442},{"title":"س ١٦: سئل الشيخ: إذا ازدحم الناس فلم يقف بعضهم بعرفة أو المزدلفة؟","level":3,"page":442},{"title":"س ١٧: سئل الشيخ: ما حكم مكث المرأة في بلدة ما بدون محرم؟","level":3,"page":442},{"title":"س ١٨: سئل الشيخ: امرأة أحرمت وعندما وصلت مكة حاضت؟","level":3,"page":442},{"title":"س ١٩: سئل الشيخ: إذا كانت عنده شاه أعدها كأضحية فمرضت. هل يجوز تحويل نيته؟","level":3,"page":443},{"title":"س ٢٠: سئل الشيخ: هل طواف الوداع للخارج من مكة عموما؟","level":3,"page":443},{"title":"س ٢١: سئل الشيخ: هل يجب طواف الوداع على المعتمر؟","level":3,"page":443},{"title":"س ٢٢: سئل الشيخ: هل كثرة العمرة في رمضان سنة أو أمر مستحب؟","level":3,"page":443},{"title":"تاسعا: مباحث وفتاوى البيوع","level":2,"page":445},{"title":"بحث في الربا","level":3,"page":445},{"title":"عاشرا: فتاوى البيوع","level":2,"page":450},{"title":"س ١: سئل الشيخ: عن حكم بيع الماء؟","level":3,"page":450},{"title":"س ٢: سئل الشيخ: عن دفع ريالات في البنك وأخذ شيك يرسل بالبريد ليصرف من بلد أخرى بعملة أخرى كالجنيه بما يعادل قيمة الريالات المدفوعة؟","level":3,"page":450},{"title":"س ٣: سئل الشيخ: مبادلة الريالات الورقية بالريالات الحديدية مع التفاضل عشرة من تلك بتسع من هذه؟","level":3,"page":450},{"title":"س ٤: سئل الشيخ: ما حكم الأرباح من البنوك الربوية؟","level":3,"page":450},{"title":"س ٥: سئل الشيخ: الشراء بالتقسيط ممن يعرض للسلعة سعرين نقدا وتقسيطا؟","level":3,"page":450},{"title":"س ٦: سئل الشيخ: فقه حديث لا يجوز لامرأة عطية إلا بإذن زوجها؟","level":3,"page":451},{"title":"س ٧: سئل الشيخ: عن البيع في المسجد؟","level":3,"page":451},{"title":"س ٨: سئل الشيخ: البيع والشراء في المقابر؟","level":3,"page":451},{"title":"س ٩: سئل الشيخ: ما حكم من يعمل حارسا أو فراشا في مؤسسة ربوية؟","level":3,"page":451},{"title":"س ١٠: سئل الشيخ: إذا حولت الحكومة راتبي على بنك ربوي؟","level":3,"page":452},{"title":"س ١١: سئل الشيخ: تحويل المال في البنوك؟","level":3,"page":452},{"title":"س ١٢: سئل الشيخ: هل دفع الرشوة جائز؟","level":3,"page":452},{"title":"س ١٣: سئل الشيخ: إذا قال تاجر في مصر لشخص يعمل هنا وأنت نازل احمل لي هذا الجهاز لأنك ستعفى من الجمرك، لأنه جهاز واحد وأعطيك مبلغا من المال مقابل حملك إياه وتسببك في إعفائي من الجمرك؟","level":3,"page":452},{"title":"س ١٤: سئل الشيخ: هل يجوز للمستأجر إذا خرج قبل انقضاء المدة أن يؤجر السكن لآخر ينتفع به؟","level":3,"page":452},{"title":"س ١٥: سئل الشيخ: حكم من اقترض مبلغا من المال بالجنيه المصري على أن يرده بالريال؟","level":3,"page":453},{"title":"س ١٦: سئل الشيخ: رجلان وأمهما في منزل كان قد استأجره أبوهما المتوفي فاتفق أحدهما مع الآخر أن يدفع له مبلغا من المال مقابل أن يخرج من السكن ويبحث عن مسكن آخر بدون علم المالك؟","level":3,"page":453},{"title":"س ١٧: سئل الشيخ: إذا اختلط مال شخص بمال آخر وديعة عنده ليعمل فيه ويربح ولم يدركم الربح؟","level":3,"page":453},{"title":"س ١٨: سئل الشيخ: ما حكم السلم في العمارات، المقاول أو صاحب العقار يصف العقار الذي سوف يبنيه، ويتقاضى جزءا من ثمن البناء ممن يريد الشراء فيه ويستعين بهذا المبلغ الذي قبضه في بناء المبنى ثم يسلمه للمشترين حسب الإتفاق؟","level":3,"page":453},{"title":"س ١٩: سئل الشيخ: هل يجوز بيع سيارة بالتقسيط ويشترط إذا لم يسدد الأقساط وأراد إعادة السيارة يقتطع جزءا من الثمن مقابل انتفاعه باستعمال السيارة؟","level":3,"page":454},{"title":"س ٢٠: سئل الشيخ: عن الشروط الجزائية؟","level":3,"page":454},{"title":"س ٢١: سئل الشيخ: محل بيع قطع الغيار يبيع العامل فيه القطعة رخيصة لصديقه ولا يتقاضى الأجر على التركيب؟","level":3,"page":454},{"title":"س ٢٢: سئل الشيخ: عن رجل من البدو اغتصب إبلا وعندما حضرته الوفاة أوصى ابنه أن يردها، وابنه لا يعرف أصحابها؟","level":3,"page":454},{"title":"س ٢٣: سئل الشيخ: عن المساهمات في الشركات والبنوك؟","level":3,"page":454},{"title":"س ٢٤: سئل الشيخ: ما حكم مبادلة عيار ١٨ بذهب عيار ٢١، أو ٢٤ علما بأنه قد يخلط الذهب بنحاس أو فضة بنسب متفاوتة في هذه العيارات؟","level":3,"page":455},{"title":"س ٢٥: سئل الشيخ: بائع الجملة هل يجوز أن يبيع لبعض الناس بسعر ولبعضهم بسعر آخر؟","level":3,"page":455},{"title":"س ٢٦: سئل الشيخ: بعض البنوك يعلن عن نفسه أنه بنك إسلامي، ولا يتعامل بالربا فهل يكفي هذا للإيداع فيه أم لا بد من البحث والتأكد من صحة ذلك؟","level":3,"page":455},{"title":"س ٢٧: سئل الشيخ: هل يجوز ترك المال في بنك ربوي كوديعة بدون فوائد؟","level":3,"page":455},{"title":"س ٢٨: سئل الشيخ: هل يجوز بيع حق استعمال الهاتف والذي حصل عليه من الحكومة؟","level":3,"page":455},{"title":"س ٢٩: سئل الشيخ: عن حكم بيع عقود العمل؟","level":3,"page":455},{"title":"س ٣٠: سئل الشيخ: عن حكم التورق (وهو شراء سلعة بالتقسيط وبيعها نقدا بأقل لغير من اشتراها منه)؟","level":3,"page":456},{"title":"س ٣١: سئل الشيخ: عن حكم أخذ الأجرة على تعليم القرآن؟","level":3,"page":456},{"title":"س ٣٢: سئل الشيخ: بعضهم يتورع عن تجارة الذهب لكثرة المخالفات فيها؟","level":3,"page":456},{"title":"س ٣٣: سئل الشيخ: حكم أخذ الذهب بدون دفع قيمته؟","level":3,"page":456},{"title":"س ٣٤: سئل الشيخ: (خلو الرجل) وتقبيل المحلات؟","level":3,"page":456},{"title":"س ٣٥: سئل الشيخ: ما حكم البيع والشراء من الكفار؟","level":3,"page":456},{"title":"س ٣٦: سئل الشيخ: عن أخذ الأجر على الطاعة؟","level":3,"page":456},{"title":"س ٣٧: سئل الشيخ: عن الشروط في العقود كاشتراط إكمال المرأة تعليمها في عقد الزواج، واشتراط عدم التدريس دروسا خاصة بعد الداوم في المدارس؟","level":3,"page":457},{"title":"حادي عشر: فتاوى النكاح","level":2,"page":458},{"title":"س ١: سئل الشيخ: هل يجوز الزواج بالكتابية؟","level":3,"page":458},{"title":"س ٢: سئل الشيخ: عن الزواج من النصارى؟","level":3,"page":458},{"title":"س ٣: سئل الشيخ: الذهب الذي يعطيه الزوج لامرأته؟","level":3,"page":458},{"title":"س ٤: سئل الشيخ: ما حكم الزواج بزوجة ثانية؟","level":3,"page":458},{"title":"س ٥: سئل الشيخ: رجل رضع من زوجته هل تحرم عليه؟","level":3,"page":458},{"title":"س ٦: سئل الشيخ: ماهي الرضعات التي تحرم الزواج؟","level":3,"page":458},{"title":"س ٧: سئل الشيخ: امرأة رضعت مع أخت لي من الرضاعة، ولها أخوان أكبر منها هل هم إخواني أم لا مع أن هذه الأخت رضعت من أمي؟","level":3,"page":459},{"title":"س ٨: سئل الشيخ: إذا أسلمت فتاة في دولة كافرة وأولياؤها كفار، وتريد أن تتزوج من رجل مسلم فمن يكون وليها؟","level":3,"page":459},{"title":"ثاني عاشر: فتاوى الطلاق","level":2,"page":460},{"title":"س ١: سئل الشيخ: عن الرجل إذا قال لزوجته: إذا فعلت كذا فأنت علي كأمي وأختي وفعلت هذا الشيء ناسية؟","level":3,"page":460},{"title":"س ٢: سئل الشيخ: عن كفارة الظهار؟","level":3,"page":460},{"title":"س ٣: سئل الشيخ: عن انفصال الخاطب عن مخطوبته؟","level":3,"page":460},{"title":"س ٤: سئل الشيخ: عن امرأة زوجها تارك للصلاة وشارب للخمر؟","level":3,"page":460},{"title":"ثالثا: مباحث في القرآن الكريم وتفسيره","level":1,"page":461},{"title":"القرآن الكريم","level":2,"page":462},{"title":"١ - مبحث في القرآن الكريم وكيف نقل إلينا","level":3,"page":462},{"title":"٢ - وصوله إلينا تواترا بطريق الحفظ","level":3,"page":464},{"title":"٣ - وصوله إلينا متواترا بطريق الكتابة","level":3,"page":466},{"title":"٤ - جمعه في عهد أبو بكر","level":3,"page":467},{"title":"٥ - جمع عثمان القرآن وكتابة المصاحف وإرسالها إلى الأمصار","level":3,"page":468},{"title":"٦ - فضل كلام الله وفضل تلاوته","level":3,"page":471},{"title":"٧ - التكبير عقب قصار المفصل","level":3,"page":474},{"title":"٨ - الإجتماع والدعاء عند ختم القرآن","level":3,"page":475},{"title":"٩ - حكم القراءة بالأحرف السبعة","level":3,"page":477},{"title":"أبواب التفسير","level":2,"page":480},{"title":"١ - تفسير مختصر لسورة الفاتحة","level":3,"page":480},{"title":"٢ - من مقاصد سورة المائدة","level":3,"page":490},{"title":"٣ - تفسير سورة الأنبياء إجمالا","level":3,"page":509},{"title":"س ١: سئل الشيخ: ما معنى نفشت فيه غنم القوم؟","level":4,"page":518},{"title":"٥ - آيات من سورة الأعلى","level":3,"page":528},{"title":"٦ - تفسير مختصر لسورة الكوثر","level":3,"page":533},{"title":"٧ - فتاوى التفسير","level":3,"page":535},{"title":"س ١: سئل الشيخ: عن تفسير قوله تعالى: ﴿ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها﴾؟","level":4,"page":535},{"title":"س ٢: سئل الشيخ: عن قوله تعالى ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾؟","level":4,"page":535},{"title":"س ٣: سئل الشيخ: عن قوله تعالى ﴿بدلناهم جلودا غيرها ...﴾؟","level":4,"page":535},{"title":"س ٤: سئل الشيخ: عن قوله تعالى ﴿أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت﴾؟","level":4,"page":535},{"title":"س ٥: سئل الشيخ: عن الفرق بين الكفر والفسوق والعصيان في قوله تعالى: ﴿وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان﴾؟","level":4,"page":536},{"title":"س ٦: سئل الشيخ: عن معنى حديث: (أبى الله أن يجعل لقاتل مؤمن توبة)؟","level":4,"page":536},{"title":"س ٧: سئل الشيخ: عن معنى الآية: ﴿أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء﴾؟","level":4,"page":537},{"title":"س ٨: سئل الشيخ: عن الاستئذان المذكور في سورة النور؟","level":4,"page":537},{"title":"رابعا: الحديث النبوي","level":1,"page":538},{"title":"١ - شرح حديث الحلال بين والحرام بين","level":2,"page":539},{"title":"٢ - شرح حديث «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده. والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه»","level":2,"page":545},{"title":"خامسا: فتاوى الحجاب واللباس والتصوير","level":1,"page":550},{"title":"س ١: سئل الشيخ: ما هي عورة المرأة المسلمة على المسلمة؟","level":2,"page":550},{"title":"س ٢: سئل الشيخ: عن عورة الأمة؟","level":2,"page":550},{"title":"س ٣: سئل الشيخ: هل يصح أن تتزين المرأة بكامل زينتها وهي مغطاة بجلباب سابغ وتحته كحل وخضاب وحلي وكله مستور؟","level":2,"page":550},{"title":"س ٤: سئل الشيخ: عما تكشفه المرأة لمحارمها؟","level":2,"page":550},{"title":"س ٥: سئل الشيخ: عن صفة العمامة النبوية؟","level":2,"page":550},{"title":"س ٦: سئل الشيخ: عن لبس المرأة البنطلون؟","level":2,"page":550},{"title":"س ٧: سئل الشيخ: هل يصح إهداء الحرير إلى قريب كافر؟","level":2,"page":551},{"title":"س ٨: سئل الشيخ: هل يجوز إرضاع المرأة طفلها أمام المرأة أو أمام محرم من محارمها؟","level":2,"page":551},{"title":"س ٩: سئل الشيخ: عن لباس الشهرة؟","level":2,"page":551},{"title":"س ١٠: سئل الشيخ: هل لبس المنطلون أو لبس الساعة في اليسار يعتبر من التشبه بالكفار؟","level":2,"page":551},{"title":"س ١١: سئل الشيخ: إذا ألبست الأم البنت فستانا قصيرا وعمرها ثمان سنوات، ورآها الأب ولم يتكلم مع العلم أنه لا يرضى بلبس القصير، فهل يأثم في ذلك؟","level":2,"page":551},{"title":"س ١٢: سئل الشيخ: أعرف أخ مهندس، وهو رسام ماهر وبارع، فنصحته أن يتجه لتصوير الأمور الطبيعية مثل الكواكب، والنجوم، والأمطار، والنباتات وغيرها مما يظهر قدرة الله وإعجازه في خلقه فوافق وسر بذلك، وقال لي أن أرسل له أفكارا بهذا المعنى السابق وهو بدوره يحولها إلى صور، ويكتب بجوار كل صورة الآية أو الآيات التي تعبر عنها. فهل هذا أمر جائز ومشروع أم لا؟","level":2,"page":552},{"title":"س ١٣: سئل الشيخ: عن حكم التصوير؟","level":2,"page":553},{"title":"س ١٤: سئل الشيخ: ما رأيكم في ملابس الأطفال التي يكون عليها صور؟","level":2,"page":554},{"title":"س ١٥: سئل الشيخ: ما رأيكم في شراء السجاد الذي يكون عليه صور؟","level":2,"page":555},{"title":"س ١٦: سئل الشيخ: ما رأيكم في الكتب التي تحتوي على صور؟","level":2,"page":555},{"title":"سادسا مباحث الدعوة إلى الله والعلم والأخلاق وفتاويها","level":1,"page":556},{"title":"١ - الطريقة المثلى للدعوة إلى الله - الحلقة الأولى","level":2,"page":557},{"title":"٢ - الطريقة المثلى في الدعوة إلى الله - الحلقة الثانية","level":2,"page":562},{"title":"٣ - الطريقة المثلى في الدعوة إلى الله - الحلقة الثالثة","level":2,"page":571},{"title":"٤ - الطريقة المثلى في الدعوة إلى الله - الحلقة الرابعة","level":2,"page":577},{"title":"٥ - الدعوة إلى العلم والعمل","level":2,"page":583},{"title":"٦ - من أسباب الإنحراف والصدود عن الحق","level":2,"page":586},{"title":"٧ - فتاوى الأخلاق وطلب العلم والدعوة","level":2,"page":590},{"title":"س ١: سئل الشيخ: بماذا تنصح طلبة العلم والدعاة؟.","level":3,"page":590},{"title":"س ٢: سئل الشيخ: هل يبدأ بتعليم القرآن قبل غيره من العلوم؟","level":3,"page":590},{"title":"س ٣: سئل الشيخ: عن حكم تعلم التجويد؟ فقال الشيخ ﵀: المطلوب هو التجويد العملي للقرآن وتلاوة","level":3,"page":590},{"title":"س ٤: سئل الشيخ: هل تنصح بالقراءة والتوسع في علم من العلوم أم تنصح بالقراءة في جميع العلوم؟","level":3,"page":591},{"title":"س ٥: سئل الشيخ: أيهما أفضل الجلوس في حلقات الذكر أم تشيع الجنازة؟","level":3,"page":591},{"title":"س ٦: سئل الشيخ: انتقد بعضهم كتاب بلوغ المرام لابن حجر، يقولون فيه أحاديث مبتورة غير كاملة، وأحاديث أخرى ضعيفة فما رأيكم في هذا الكلام؟","level":3,"page":591},{"title":"س ٧: سئل الشيخ: أيهما أقرأ زاد المعاد أم المغني؟","level":3,"page":592},{"title":"س ٨: سئل الشيخ: ما هو رأي فضيلتكم في كتاب الترغيب والترهيب للحافظ المنذري ﵀؟ وأيهما أقرأ الترغيب أو رياض الصاحين؟","level":3,"page":592},{"title":"س ٩ سئل الشيخ: هل تصح نسبة كتاب النبوات لابن تيمية؟","level":3,"page":593},{"title":"سابعا: فتاوى ذم البدع","level":1,"page":595},{"title":"س ١: سئل الشيخ: عن تخصيص ليلة النصف من شعبان بصيام أو قيام؟","level":2,"page":595},{"title":"س ٢: سئل الشيخ: الأيام الفاضلة والأمكنة الفاضلة. هل تخص بزيارة العبادة وهل يتضاعف فيها الثواب؟","level":2,"page":595},{"title":"س ٣: سئل الشيخ: هل من السنة المواظبة على ختم القرآن في التراويح؟","level":2,"page":595},{"title":"س ٤: سئل الشيخ: عن حكم قراءة القرآن جهرا في المحافل والمجامع كحفلات الزواج هل هذا ابتداع؟","level":2,"page":595},{"title":"س ٥: سئل الشيخ: عن التزام «صدق الله العظيم»، ختاما للقراءة؟","level":2,"page":595},{"title":"س ٦: سئل الشيخ: هل هناك بدعة حسنة؟","level":2,"page":596},{"title":"س ٧: سئل الشيخ: هل هناك حرج في أن يحدد الإنسان لنفسه صلوات أو أوراد من الذكر والتلاوة؟","level":2,"page":596},{"title":"ثامنا: فتاوى متفرقة","level":1,"page":597},{"title":"س ١: سئل الشيخ: متى يحمل الأمر على الندب والنهي عن التحريم؟","level":2,"page":598},{"title":"س ٢: سئل الشيخ: هل يجوز الاحتجاج بالحديث الضعيف في مسائل الاعتقاد على سبيل الاحتجاج لمذهب السلف عند فقد دليل صحيح؟","level":2,"page":598},{"title":"س ٣: سئل الشيخ: عن معنى حديث: «لا يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكا فيعتقه»؟","level":2,"page":598},{"title":"س ٤: سئل الشيخ: ما هي ضوابط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟","level":2,"page":599},{"title":"س ٥: سئل الشيخ: عن الفديو؟","level":2,"page":599},{"title":"س ٦: سئل الشيخ: عن القصة؟","level":2,"page":599},{"title":"س ٧: سئل الشيخ: عن الحكاية؟","level":2,"page":599},{"title":"س ٨: سئل الشيخ: ماذا يفعل الإنسان إذا اغتاب شخصا آخر؟","level":2,"page":600},{"title":"س ٩: سئل الشيخ: ما حكم اتهام العلماء بعدم الفهم؟","level":2,"page":600},{"title":"س ١٠: سئل الشيخ: هل ننال فضل الاجتماع على الطعام بالرغم من استقلال كل واحد بصحن؟","level":2,"page":600},{"title":"س ١١: سئل الشيخ: عند تدريس التربية الإسلامية للنصارى هل يجوز لهم مس المصحف، وقراءته ويختبرون وترصد لهم الدرجات لعلهم يسلمون؟","level":2,"page":600},{"title":"س ١٢: سئل الشيخ: عن زواج الجني بالإنسية؟ والإنسي بالجنية؟","level":2,"page":600},{"title":"س ١٣: سئل الشيخ: عن تشبيك اليدين خلف الظهر؟","level":2,"page":600},{"title":"س ١٤: سئل الشيخ: عن وقت أذكار المساء؟","level":2,"page":601},{"title":"س ١٥: سئل الشيخ: امرأة متزوجة لا ينبت لها شعر في رأسها. هل لها أن تلبس شعرا مستعارا بعلم زوجها؟","level":2,"page":601},{"title":"س ١٦: سئل الشيخ: هل يجوز الاستشهاد بكافر في المحكمة في قضية أو الشهادة له؟","level":2,"page":601},{"title":"س ١٧: سئل الشيخ: ما هو الضابط في مسألة الإحسان إلى الكافر الذمي متى تكون من باب الموالاة؟ ومتى تكون من باب تأليفه على الإسلام؟","level":2,"page":601},{"title":"س ١٨: سئل الشيخ: عن ورقة بن نوفل هل يعتبر صحابيا أو من أهل الفترة؟ ولم؟","level":2,"page":601},{"title":"س ١٩: سئل الشيخ: عن الروائح المخلوطة بالكحول؟","level":2,"page":602},{"title":"س ٢٠: سئل الشيخ: امرأة باق في عدة وفاة زوجها خمسة أيام ومضى منها أربعة أشهر وخمسة أيام هل يجوز لها الخروج؟","level":2,"page":602},{"title":"س ٢١: سئل الشيخ: عن طريقة التخلص من الورق المكتوب فيه اسم الله؟","level":2,"page":602},{"title":"س ٢٢: سئل الشيخ: شخص يلحقه ضرر في ماله إذا لم يشفع له آخر عند من له سلطة؟","level":2,"page":602},{"title":"س ٢٣: سئل الشيخ: هل يلزم تغطية الفواكه والخضروات قبل النوم؟","level":2,"page":602},{"title":"س ٢٤: سئل الشيخ: عمن سها وترك تغطية الطعام فهل يأكل منه؟","level":2,"page":603},{"title":"س ٢٥: سئل الشيخ: ما حكم السفر إلى بلاد الكفار للعمل؟","level":2,"page":603},{"title":"س ٢٦: سئل الشيخ: ما حكم الأموال التي اكتسبها المسلم من عمله في بلاد الكفار مع فرض أن إقامته فيها محرمة؟","level":2,"page":603},{"title":"س ٢٧: سئل الشيخ: إذا كان الإنسان يعمل المعصية ثم يندم على فعلها ويتوب إلى الله، ولكن بعد ذلك بمدة يعود إلى هذه المعصية مرة أخرى، ثم يندم ويتوب، ثم يعود إليه وهكذا فماذا يفعل؟","level":2,"page":603},{"title":"س ٢٨: سئل الشيخ: هل هناك حرج في قولة أدامك الله، وهل هذه القولة تعارض قوله تعالى: ﴿كل من عليها فان﴾ أم لا؟","level":2,"page":604},{"title":"س ٢٩: سئل الشيخ: ما حكم مسح الوجه باليدين بعد الإنتهاء من الدعاء وهل ورد فيه حديث عن النبي ﷺ؟","level":2,"page":604},{"title":"س ٣٠: سئل الشيخ: رجل كان له دكان يبيع فيه أشرطة الأغاني المنحرفة، ثم هداه الله وحول المحل إلى بيع أشرطة إسلامية، فما الحكم في المال الذي كسبه وأكله من بيع الأشرطة المحرمة التي كان يسجلها ويبيعها قبل التوبة؟","level":2,"page":604},{"title":"س ٣١: سئل الشيخ: خادمة صغيرة السن حملت طفلة ثم سقطت وماتت فهل عليها دية لهذه الطفلة؟","level":2,"page":605},{"title":"تاسعا: نظرة إلى واقع المسلمين ما يجب عليهم","level":1,"page":606},{"title":"١ - التحذير من كيد الأعداء المتربصين بالأمة الإسلامية","level":2,"page":607},{"title":"٢ - التحذير من الفرقة وآثارها المدمرة","level":2,"page":609},{"title":"٣ - وجوب تنصيب ولي أمر المسلمين ووجوب طاعته في المعروف","level":2,"page":612},{"title":"س ١: فضيلة الشيخ في الوقت الذي نرى فيه العالم الإسلامي اليوم من فرقة وانقسام وضياع لمقدسات المسلمين وموالاة لبعض دول الغرب الكافرة، والبعض الآخر لقوى الشرق يسأل الشباب المسلم عن دوره تجاه أمته الإسلامية حتى تعود للمسلمين عزتهم ومقدساتهم؟","level":2,"page":614}],"ٛ":{"المقدمة,1":1,"المقدمة,2":2,"المقدمة,3":3,"المقدمة,4":4,"1,3":5,"1,4":6,"1,5":7,"1,6":8,"1,7":9,"1,8":10,"1,9":11,"1,10":12,"1,11":13,"1,12":14,"1,13":15,"1,14":16,"1,15":17,"1,16":18,"1,17":19,"1,19":20,"1,21":21,"1,23":22,"1,24":23,"1,25":24,"1,26":25,"1,27":26,"1,28":27,"1,29":28,"1,30":29,"1,31":30,"1,33":31,"1,34":32,"1,35":33,"1,36":34,"1,37":35,"1,39":36,"1,40":37,"1,41":38,"1,42":39,"1,43":40,"1,44":41,"1,45":42,"1,46":43,"1,47":44,"1,48":45,"1,49":46,"1,50":47,"1,51":48,"1,52":49,"1,53":50,"1,54":51,"1,55":52,"1,57":53,"1,58":54,"1,59":55,"1,60":56,"1,61":57,"1,62":58,"1,63":59,"1,64":60,"1,65":61,"1,67":62,"1,68":63,"1,69":64,"1,70":65,"1,71":66,"1,72":67,"1,73":68,"1,74":69,"1,75":70,"1,76":71,"1,77":72,"1,78":73,"1,79":74,"1,80":75,"1,81":76,"1,83":77,"1,84":78,"1,85":79,"1,86":80,"1,87":81,"1,88":82,"1,89":83,"1,90":84,"1,91":85,"1,93":86,"1,95":87,"1,96":88,"1,97":89,"1,98":90,"1,99":91,"1,100":92,"1,101":93,"1,102":94,"1,103":95,"1,104":96,"1,105":97,"1,106":98,"1,107":99,"1,108":100,"1,109":101,"1,110":102,"1,111":103,"1,113":104,"1,115":105,"1,116":106,"1,117":107,"1,118":108,"1,119":109,"1,121":110,"1,122":111,"1,123":112,"1,124":113,"1,125":114,"1,127":115,"1,128":116,"1,129":117,"1,130":118,"1,131":119,"1,132":120,"1,133":121,"1,134":122,"1,135":123,"1,136":124,"1,137":125,"1,138":126,"1,139":127,"1,141":128,"1,142":129,"1,143":130,"1,144":131,"1,145":132,"1,147":133,"1,149":134,"1,150":135,"1,151":136,"1,152":137,"1,153":138,"1,154":139,"1,155":140,"1,156":141,"1,157":142,"1,158":143,"1,159":144,"1,160":145,"1,161":146,"1,162":147,"1,163":148,"1,164":149,"1,165":150,"1,166":151,"1,167":152,"1,168":153,"1,169":154,"1,170":155,"1,171":156,"1,172":157,"1,173":158,"1,174":159,"1,175":160,"1,176":161,"1,177":162,"1,178":163,"1,179":164,"1,180":165,"1,181":166,"1,182":167,"1,183":168,"1,184":169,"1,185":170,"1,186":171,"1,187":172,"1,188":173,"1,189":174,"1,190":175,"1,191":176,"1,192":177,"1,193":178,"1,194":179,"1,195":180,"1,196":181,"1,197":182,"1,198":183,"1,199":184,"1,200":185,"1,201":186,"1,202":187,"1,203":188,"1,204":189,"1,205":190,"1,206":191,"1,207":192,"1,208":193,"1,209":194,"1,210":195,"1,211":196,"1,212":197,"1,213":198,"1,214":199,"1,215":200,"1,216":201,"1,217":202,"1,218":203,"1,219":204,"1,220":205,"1,221":206,"1,222":207,"1,223":208,"1,224":209,"1,225":210,"1,226":211,"1,227":212,"1,229":213,"1,230":214,"1,231":215,"1,232":216,"1,233":217,"1,234":218,"1,235":219,"1,236":220,"1,237":221,"1,238":222,"1,239":223,"1,240":224,"1,241":225,"1,242":226,"1,243":227,"1,244":228,"1,245":229,"1,246":230,"1,247":231,"1,248":232,"1,249":233,"1,250":234,"1,251":235,"1,253":236,"1,254":237,"1,255":238,"1,256":239,"1,257":240,"1,258":241,"1,259":242,"1,260":243,"1,261":244,"1,262":245,"1,263":246,"1,265":247,"1,266":248,"1,267":249,"1,268":250,"1,269":251,"1,270":252,"1,271":253,"1,272":254,"1,273":255,"1,274":256,"1,275":257,"1,276":258,"1,277":259,"1,278":260,"1,279":261,"1,280":262,"1,281":263,"1,282":264,"1,283":265,"1,284":266,"1,285":267,"1,286":268,"1,287":269,"1,288":270,"1,289":271,"1,290":272,"1,291":273,"1,292":274,"1,293":275,"1,294":276,"1,295":277,"1,296":278,"1,297":279,"1,298":280,"1,299":281,"1,300":282,"1,301":283,"1,302":284,"1,303":285,"1,304":286,"1,305":287,"1,306":288,"1,307":289,"1,308":290,"1,309":291,"1,310":292,"1,311":293,"1,312":294,"1,313":295,"1,314":296,"1,315":297,"1,316":298,"1,317":299,"1,318":300,"1,319":301,"1,320":302,"1,321":303,"1,322":304,"1,323":305,"1,324":306,"1,325":307,"1,326":308,"1,327":309,"1,328":310,"1,329":311,"1,330":312,"1,331":313,"1,332":314,"1,333":315,"1,334":316,"1,335":317,"1,336":318,"1,337":319,"1,338":320,"1,339":321,"1,340":322,"1,341":323,"1,342":324,"1,343":325,"1,344":326,"1,345":327,"1,346":328,"1,347":329,"1,348":330,"1,349":331,"1,350":332,"1,351":333,"1,352":334,"1,353":335,"1,354":336,"1,355":337,"1,356":338,"1,357":339,"1,358":340,"1,359":341,"1,360":342,"1,361":343,"1,362":344,"1,363":345,"1,364":346,"1,365":347,"1,366":348,"1,367":349,"1,368":350,"1,369":351,"1,370":352,"1,371":353,"1,372":354,"1,373":355,"1,374":356,"1,375":357,"1,376":358,"1,377":359,"1,378":360,"1,379":361,"1,380":362,"1,381":363,"1,383":364,"1,385":365,"1,386":366,"1,387":367,"1,388":368,"1,389":369,"1,390":370,"1,391":371,"1,392":372,"1,393":373,"1,394":374,"1,395":375,"1,396":376,"1,397":377,"1,398":378,"1,399":379,"1,400":380,"1,401":381,"1,402":382,"1,403":383,"1,404":384,"1,405":385,"1,406":386,"1,407":387,"1,408":388,"1,409":389,"1,410":390,"1,411":391,"1,412":392,"1,413":393,"1,414":394,"1,415":395,"1,416":396,"1,417":397,"1,418":398,"1,419":399,"1,420":400,"1,421":401,"1,422":402,"1,423":403,"1,424":404,"1,425":405,"1,426":406,"1,427":407,"1,428":408,"1,429":409,"1,430":410,"1,431":411,"1,432":412,"1,433":413,"1,434":414,"1,435":415,"1,436":416,"1,437":417,"1,438":418,"1,439":419,"1,440":420,"1,441":421,"1,442":422,"1,443":423,"1,444":424,"1,445":425,"1,446":426,"1,447":427,"1,448":428,"1,449":429,"1,450":430,"1,451":431,"1,452":432,"1,453":433,"1,454":434,"1,455":435,"1,456":436,"1,457":437,"1,458":438,"1,459":439,"1,460":440,"1,461":441,"1,462":442,"1,463":443,"1,464":444,"1,465":445,"1,466":446,"1,467":447,"1,468":448,"1,469":449,"1,470":450,"1,471":451,"1,472":452,"1,473":453,"1,474":454,"1,475":455,"1,476":456,"1,477":457,"1,478":458,"1,479":459,"1,480":460,"1,481":461,"1,483":462,"1,484":463,"1,485":464,"1,486":465,"1,487":466,"1,488":467,"1,489":468,"1,490":469,"1,491":470,"1,492":471,"1,493":472,"1,494":473,"1,495":474,"1,496":475,"1,497":476,"1,498":477,"1,499":478,"1,500":479,"1,501":480,"1,502":481,"1,503":482,"1,504":483,"1,505":484,"1,506":485,"1,507":486,"1,508":487,"1,509":488,"1,510":489,"1,511":490,"1,512":491,"1,513":492,"1,514":493,"1,515":494,"1,516":495,"1,517":496,"1,518":497,"1,519":498,"1,520":499,"1,521":500,"1,522":501,"1,523":502,"1,524":503,"1,525":504,"1,526":505,"1,527":506,"1,528":507,"1,529":508,"1,530":509,"1,531":510,"1,532":511,"1,533":512,"1,534":513,"1,535":514,"1,536":515,"1,537":516,"1,538":517,"1,539":518,"1,540":519,"1,541":520,"1,542":521,"1,543":522,"1,544":523,"1,545":524,"1,546":525,"1,547":526,"1,548":527,"1,549":528,"1,550":529,"1,551":530,"1,552":531,"1,553":532,"1,554":533,"1,555":534,"1,556":535,"1,557":536,"1,558":537,"1,559":538,"1,561":539,"1,562":540,"1,563":541,"1,564":542,"1,565":543,"1,566":544,"1,567":545,"1,568":546,"1,569":547,"1,570":548,"1,571":549,"1,573":550,"1,574":551,"1,575":552,"1,576":553,"1,577":554,"1,578":555,"1,579":556,"1,581":557,"1,582":558,"1,583":559,"1,584":560,"1,585":561,"1,586":562,"1,587":563,"1,588":564,"1,589":565,"1,590":566,"1,591":567,"1,592":568,"1,593":569,"1,594":570,"1,595":571,"1,596":572,"1,597":573,"1,598":574,"1,599":575,"1,600":576,"1,601":577,"1,602":578,"1,603":579,"1,604":580,"1,605":581,"1,606":582,"1,607":583,"1,608":584,"1,609":585,"1,610":586,"1,611":587,"1,612":588,"1,613":589,"1,614":590,"1,615":591,"1,616":592,"1,617":593,"1,619":594,"1,621":595,"1,622":596,"1,623":597,"1,625":598,"1,626":599,"1,627":600,"1,628":601,"1,629":602,"1,630":603,"1,631":604,"1,632":605,"1,633":606,"1,635":607,"1,636":608,"1,637":609,"1,638":610,"1,639":611,"1,640":612,"1,641":613,"1,642":614,"1,643":615,"1,644":616,"1,645":617,"1,646":618},"ٜ":{"المقدمة":[1,4],"1":[3,646]},"ٝ":["المقدمة,1","المقدمة,2","المقدمة,3","المقدمة,4","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,19","1,21","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,93","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,113","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,147","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,383","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,514","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,520","1,521","1,522","1,523","1,524","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529","1,530","1,531","1,532","1,533","1,534","1,535","1,536","1,537","1,538","1,539","1,540","1,541","1,542","1,543","1,544","1,545","1,546","1,547","1,548","1,549","1,550","1,551","1,552","1,553","1,554","1,555","1,556","1,557","1,558","1,559","1,561","1,562","1,563","1,564","1,565","1,566","1,567","1,568","1,569","1,570","1,571","1,573","1,574","1,575","1,576","1,577","1,578","1,579","1,581","1,582","1,583","1,584","1,585","1,586","1,587","1,588","1,589","1,590","1,591","1,592","1,593","1,594","1,595","1,596","1,597","1,598","1,599","1,600","1,601","1,602","1,603","1,604","1,605","1,606","1,607","1,608","1,609","1,610","1,611","1,612","1,613","1,614","1,615","1,616","1,617","1,619","1,621","1,622","1,623","1,625","1,626","1,627","1,628","1,629","1,630","1,631","1,632","1,633","1,635","1,636","1,637","1,638","1,639","1,640","1,641","1,642","1,643","1,644","1,645","1,646"],"ٞ":{"1":[1],"5":[2],"13":[3],"21":[4],"22":[5],"24":[6],"26":[7],"28":[8],"29":[9],"30":[10],"31":[11],"33":[12],"35":[13],"38":[14],"44":[15],"46":[16],"47":[17],"50":[18],"53":[19],"62":[20],"67":[21],"77":[22],"83":[23],"86":[24],"87":[25],"91":[26],"93":[27],"99":[28],"101":[29],"103":[30],"104":[31],"105":[32],"110":[33],"115":[34],"117":[35],"119":[36],"123":[37],"128":[38],"132":[39],"133":[40],"134":[41,42,43],"138":[44,45,46],"139":[47],"146":[48,49],"149":[50],"152":[51],"155":[52],"156":[53,54],"158":[55,56],"164":[57],"166":[58],"168":[59],"170":[60],"172":[61],"174":[62],"183":[63],"191":[64,65],"195":[66],"198":[67,68],"202":[69],"204":[70],"206":[71],"207":[72,73],"208":[74],"212":[75],"215":[76],"224":[77,78],"226":[79],"228":[80,81],"229":[82],"230":[83],"233":[84,85],"237":[86],"241":[87],"245":[88],"247":[89,90],"248":[91],"249":[92],"255":[93],"256":[94],"257":[95],"262":[96],"265":[97],"266":[98],"270":[99],"276":[100,101],"279":[102,103],"280":[104],"282":[105,106],"284":[107],"285":[108,109],"287":[110],"288":[111],"289":[112],"290":[113,114],"294":[115],"298":[116],"302":[117],"305":[118,119],"306":[120],"312":[121,122],"313":[123],"314":[124],"315":[125],"316":[126],"319":[127,128],"320":[129],"322":[130],"324":[131],"329":[132,133,134,135,136],"330":[137,138],"331":[139,140,141],"332":[142],"333":[143,144,145,146,147],"334":[148,149,150,151,152,153],"335":[154,155,156,157],"336":[158,159,160,161,162],"337":[163,164,165,166],"338":[167,168],"339":[169,170,171],"340":[172,173,174,175,176],"341":[177],"345":[178,179,180],"347":[181,182,183,184],"348":[185,186,187,188],"349":[189,190,191,192],"350":[193,194,195,196,197],"351":[198,199,200,201],"352":[202,203,204,205,206],"353":[207,208,209,210],"354":[211,212,213,214,215],"355":[216,217,218],"356":[219],"357":[220],"358":[221],"359":[222],"364":[223],"365":[224,225,226,227,228,229,230],"366":[231,232,233,234,235],"367":[236,237,238,239,240],"368":[241,242,243,244,245],"369":[246,247,248,249,250],"370":[251,252],"376":[253,254,255],"377":[256],"379":[257],"384":[258,259,260,261],"385":[262],"388":[263],"390":[264,265,266,267,268,269],"391":[270,271,272,273,274],"392":[275,276,277,278,279],"393":[280,281,282,283,284,285],"394":[286,287,288,289,290,291],"395":[292,293,294],"396":[295,296,297],"397":[298,299,300,301,302],"398":[303],"399":[304,305],"403":[306,307,308,309],"404":[310,311],"405":[312,313],"406":[314,315,316],"407":[317,318],"408":[319],"411":[320],"412":[321,322],"413":[323,324,325,326,327,328,329],"414":[330,331,332],"415":[333,334],"416":[335],"417":[336],"418":[337,338,339],"421":[340,341],"427":[342],"431":[343],"437":[344],"440":[345,346,347,348,349,350,351,352],"441":[353,354,355,356,357],"442":[358,359,360,361,362,363],"443":[364,365,366,367],"445":[368,369],"450":[370,371,372,373,374,375],"451":[376,377,378,379],"452":[380,381,382,383,384],"453":[385,386,387,388],"454":[389,390,391,392,393],"455":[394,395,396,397,398,399],"456":[400,401,402,403,404,405,406],"457":[407],"458":[408,409,410,411,412,413,414],"459":[415,416],"460":[417,418,419,420,421],"461":[422],"462":[423,424],"464":[425],"466":[426],"467":[427],"468":[428],"471":[429],"474":[430],"475":[431],"477":[432],"480":[433,434],"490":[435],"509":[436],"518":[437],"528":[438],"533":[439],"535":[440,441,442,443,444],"536":[445,446],"537":[447,448],"538":[449],"539":[450],"545":[451],"550":[452,453,454,455,456,457,458],"551":[459,460,461,462,463],"552":[464],"553":[465],"554":[466],"555":[467,468],"556":[469],"557":[470],"562":[471],"571":[472],"577":[473],"583":[474],"586":[475],"590":[476,477,478,479],"591":[480,481,482],"592":[483,484],"593":[485],"595":[486,487,488,489,490,491],"596":[492,493],"597":[494],"598":[495,496,497],"599":[498,499,500,501],"600":[502,503,504,505,506,507],"601":[508,509,510,511,512],"602":[513,514,515,516,517],"603":[518,519,520,521],"604":[522,523,524],"605":[525],"606":[526],"607":[527],"609":[528],"612":[529],"614":[530]},"ٟ":[1,2,3,4,5,6,7,8,9,10,11,12,13,14,15,16,17,18,19,20,21,22,23,24,25,26,27,28,29,30,31,32,33,34,35,36,37,38,39,40,41,42,43,44,45,46,47,48,49,50,51,52,53,54,55,56,57,58,59,60,61,62,63,64,65,66,67,68,69,70,71,72,73,74,75,76,77,78,79,80,81,82,83,84,85,86,87,88,89,90,91,92,93,94,95,96,97,98,99,100,101,102,103,104,105,106,107,108,109,110,111,112,113,114,115,116,117,118,119,120,121,122,123,124,125,126,127,128,129,130,131,132]},"pages":[{"text":"- أ -\n\n<span data-type='title' id=toc-1>تقديم الشيخ محمد عيد العباسي</span>\nالحمد لله الذي هدى عباده لطريق الرشاد وأنقذهم بدينه من تيه الضلال والفساد، والصلاة والسلام على خير من نطق بالضاد، وعلى آله وأصحابه وأتباعه أولي الفضل والسداد. أما بعد\nفإن من فضل الله على المسلمين أن حفظ لهم الذكر، وأبقى فيهم في كل عصر ومصر علماء مصلحين يذبون عن الدين، ويدفعون بالحجج النيرات والبراهين الساطعات عن حماه عدوان الحاقدين، وسهام الشانئين، مصداقا لقوله صلوات الله وسلامه عليه: «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين» (^١).\n- ومن هؤلاء العلماء الأعلام في زماننا الحاضر العلامة الشهير والداعية الكبير الشيخ عبد الرزاق عفيفي - رحمه الله تعالى - الذي توفي من نحو سنتين، فقد كان له جهود مشكورة في تعليم الناس أحكام دينهم، والجواب على ما يرد إليه من الأسئلة، والرد على ما يبلغه من الشبهات التي يثيرها ذوو الأغراض الخبيثة والمقاصد المشبوهة.\n- ومن آثاره الطيبة الحميدة ما يتضمنه هذا السفر النفيس الموسوم بـ «فتاوى ورسائل» والذي عرض فيه كثيرا من قضايا التوحيد، في مقدمة القسم الثاني من خلال رسالة علم التوحيد، وتحدث عن سبع مسائل في التوحيد، ثم تحدث في\n_________\n(^١) قال المباركفوري في مقدمة شرح الترمذي (١/ ١٤): قال القسطلاني وهذا الحديث رواه من الصحابة علي، وابن عمر، وابن عمرو، وابن مسعود، وابن عباس، وجابر بن سمرة، ومعاذ، وأبو هريرة ﵃، وأورده ابن عدي من طرق كثيرة كلها ضعيفة كما صرح به الدارقطني، وأبونعيم، وابن عبد البر، لكن يمكن أن يتقوى بتعدد الطرق ويكون حسنا كما جزم بذلك ابن كيكلدي العلائي.","vol":"المقدمة","page":1},{"text":"- ب -\n\nالرسالة ومباحثها، ووجوب الإيمان بالبعث والنشور، وبيان شبهتهم في إنكار يوم القيامة، ثم تحدث عن الحكم بغير ما أنزل الله في رسالة نفيسة، كما تحدث عن الجنة والنار أنهما مخلوقتان موجودتان الآن باقيتان لا تفنيان، ورد على الشبهات والتشكيكات التي يوسوس بها أعداء الإسلام حول هذه القضايا، لكن يفتنوا بعض الشباب المثقف وغيرهم عن دينهم، ويزينون لهم القبيح من الرأي، والسيء من العمل، فتعرض ﵀ لهذه الشبهات واحدة واحدة فرد عليها ردا علميا مفحما دحض به شبهاتهم، وأبطل استدلالاتهم وأبان وجه الحق المنير وجلاه وجعله قرة عين للناظرين، ثم بعد ذلك تعرض لقضية محبة أصحاب الرسول ﷺ …، ويوجد بالكتاب رسائل كثيرة في الفقه وفتاويه، وكذلك مباحث في القرآن وتفسيره، والحديث النبوي، والحجاب واللباس والتصوير، وأخيرا البدع وأحوال العالم الإسلامي، والكتاب مهم لأنه يوجد به فتاوى وآراء لهذا العالم المحقق المدقق الثقة الذي أدعو الله أن يغفر له ويرحمه ويجعله في عليين ﴿مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا﴾ (^١).\n- وقد تطوع الأخ الفاضل السعيد بن صابر عبده لنشر آثار الشيخ، وشمر عن ساعد الجد، مبتغيا بذلك إن شاء الله خدمة هذا الدين ونشر علومه، والدفاع عنه، وأداء شيء من حق الشيخ الجليل، فقام بجمع المادة العلمية التي بداخل الكتاب وأعدها للطبع، ورغب إلي أن أقوم بمراجعتها وإبداء الملاحظات على العمل الذي قام به، فقمت بذلك، ثم كان من توفيق الله وتيسيره أن الأخ الفاضل وليد إدريس هو من تلامذة الشيخ الفقيد ومن ملازميه في الفترة الأخيرة من حياته، قام بكتابه ترجمة إضافية للشيخ سجل فيها ذكرياته عنه، وكثيرا من أخباره، ونقل طائفة طيبة من أقوال العلماء والفضلاء وطلاب العلم وتلامذته في الثناء عليه ورواية بعض أخباره وشمائله.\n_________\n(^١) سورة النساء، الآية: ٦٩.","vol":"المقدمة","page":2},{"text":"- ت -\n\nوبالإضافة إلى ذلك فقد سجل الأخ وليد مجموعة من الفتاوى والأجوبة التي أجاب فيها الشيخ عن أسئلة وردت إليه، مما خصه بها أو اطلع عليها ولم تنشر، فضمها إلى مجموع الفتاوى التي بداخل الكتاب.\nوقد اتفق رأي الأخوين الكريمين الأخ السعيد، والأخ الوليد على أن يضما عملهما بعضه إلى بعض ويصدرا ما جمعاه وكتباه في هذا الكتاب القيم، وأن يخصص القسم الأول لما كتبه الأخ وليد من ترجمة الشيخ وأما ما جمعه من فتاوى، فضم إلى مجموع فتاوى ورسائل التي أعدها الأخ/ السعيد من أجل ترتيبها كما قام الأخ السعيد بالتعليق على الكتاب كله وتخريج آياته وأحاديثه.\nومن الجدير بالذكر أن الشيخ عبد الرزاق عفيفي - رحمه الله تعالى رحمة واسعة - كان على قدم راسخة في أنواع العلوم الشرعية من العقائد، والفرق، والفقه، والأصول، والتفسير، والحديث، والآثار، والعلوم العربية وأنواعها، بالإضافة إلى الاطلاع الواسع على واقع المسلمين وواقع العالم المعاصر، كما أوتي ذكاء وقادا وذاكرة قوية، وفهما ثاقبا ساعده على التحقيق في الأمور المعضلة، والفصل في الأمور المشكلة، فلم يكن جماعا للمعرفة فقط، وإنما محققا كقللة من العلماء الذين كانوا يخوضون في لجج العلم، ويستخرجون منها كنوز الفوائد ونفيس الفرائد.\nكما يحسن أن نشير في هذه المقدمة إلى الشيخ العفيفي طيب الله ثراه كان - مثل إمام أهل السنة أحمد بن حنبل ﵀ يرى كراهية التأليف، ويرى أنه يكفي المسلمين اليوم العودة إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فحسب فينهلوا منهما، ويستضيئوا بهداهما، ويستعينوا على فهمهما بما كتبه علماء السلف في ذلك، ويرى أن ما كتبه السلف كاف وواف، وأن ما يكتبه المعاصرون إنما هو إعادة له أو تشويه لجماله، وأكثره غثاء لا طائل تحته.\nوبناء على ذلك أقول: إن ما نقدمه في هذا الكتاب - على جودته وحسنه - لا يمثل ما كان عليه الشيخ من العلم الغزير، والثقافة الواسعة، والتحقيق المتين،","vol":"المقدمة","page":3},{"text":"- ث -\n\nوبسببه ما قدمته من رأيه في التأليف، ولذلك فهو مقتصد فيه إلى حد كبير، بل إنه كان لا يسمح بالكتابة عنه. ولو كان يسجل كل ما يعلمه لأتى بالعجب العجاب ولما وسعته عشرات المجلدات.\nوها نحن نقدم للقارئ الكريم هذا الأثر النفيس لفقيدنا الغالي راجين أن يجد فيه ما يقوي ثقته بدينه، وما يتسلح به لرد عدوان المشككين، والمتحاملين على سنة خير المرسلين عليه أزكى الصلاة والتسليم، وما يعرفه بجهود العلماء سلفا وخلفا وأقدارهم.\n- رحم الله الشيخ الجليل وجزى الله خيرا كل من دعا إلى الحق، ودافع عنه ونشره، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.\nالرياض في: ٢٣/ ٤ / ١٤١٧ هـ\n\nوكتبه\nمحمد عيد العباسي","vol":"المقدمة","page":4},{"text":"<span class='title'>المقدمة </span>\nإن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ [آل عمران: ١٠٢].\n﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا﴾ [النساء: ١].\n﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا * يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١].\nوبعد:\nفقد اشتدت الحاجة في وقتنا الحاضر إلى تيسير العلم، وتعريف الناس بالأحكام الشرعية، وتقريبها لهم، ليعبدوا الله مخلصين له الدين، وفق ما شرعه الله ورسوله ﷺ.\nوحسب العلم فضلا أن مجالسه تحفها ملائكة الله، وتنزل عليها السكينة، وتغشاها الرحمة، ويذكرها الله في الملأ الأعلى. يقول عمر بن الخطاب ﵁ أيها الناس عليكم بطلب العلم، فإن الله رداء محبة، فمن طلب بابا من العلم رداه الله بردائه ذاك (^١).\nوقال ابن مسعود ﵁: نعم المجلس تنشر فيه الحكمة، وترجى\n_________\n(^١) جامع بيان العلم وفضله ص ٥٩.","vol":"1","page":3},{"text":"فيه الرحمة (^١). يعني مجلس العلم.\nوقال معاذ بن جبل ﵁: تعلموا العلم فإن تعلمه الله خشية، وطلبه عبادة، ومدارسته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه من لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربه، وهو الأنيس في الوحدة، والصاحب في الخلوة، والدليل على الدين، والنصير على السراء والضراء، والوزير عند الأخلاء، والقريب عند القرباء، ومنار سبيل الجنة، يرفع الله به أقواما فيجعلهم في الخير قادة سادة وأئمة يقتفى أثارهم، ويقتدى بهم،، أدلة في الخير تقتفي آثارهم، وترمق أفعالهم، وترغب الملائكة في خلتهم، وبأجنتها تمسحهم، لهم كل رطب ويابس ليستغفر لهم، حتى حيتان البحر وهوامه، وسباع البر وأنعامه، والسماء ونجومها … إلى أن قال: به يطاع الله وبه يعبد، وبه يوحد، وبه يمجد، وبه يتورع، وبه توصل الأرحام وبه يعرف الحلال والحرام، وهو إمام والعمل تابعه، يلهمه السعداء ويحرمه الأشقياء. (^٢)\nوإنه مما يعلمه المسلم العاقل أن أفضل وأصح الطرق الموصلة للصلاح والفلاح والنجاة في الدنيا والآخرة، هو الحرص على العلم النافع الذي يقول عنه الإمام ابن القيم - رحمه الله تعالى -: حياة القلوب ونورها ومتى فاتها شقيت في الدارين الدنيا والآخرة.\nأخي القارئ: العلماء هم نبراس الحياة بين الناس وامتداد لحبل الله بين عباد الله على مر الزمان.\nوانطلاقا من هذا المفهوم كان حرصنا على نشر العلم النافع فمن الله علينا\n_________\n(^١) جامع بيان العلم وفضله ص ٥٠.\n(^٢) نقلا من كتاب: [مكانة العلم والعلماء في الإسلام] للأستاذ الدكتور سيد محمد ساداتي الشنقيطي [تحت الطبع].","vol":"1","page":4},{"text":"بمجموعة علمية فريدة لعالم من علماء الأمة المعاصرين، رحمه الله تعالى وأسكنه فسيح جنانه، وترك خلفه ثروة علمية تدل على سعة علمه، ودقة نظره وشمول معارفه، إنه سماحة الشيخ المحقق العلامة المدقق عبد الرزاق عفيفي الأثري السلفي [المصري نزيل الرياض] عضو هيئة كبار العلماء، ونائب رئيس اللجنة الدائمة للإفتاء بالمملكة العربية السعودية، الذي وهب حياته لبيان الحق للناس وإفادة طلاب العلم بل والعلماء، فهو لا يخفى على من له صلة بالعلم والعلماء .. أنه كان على قدم راسخة في أنواع العلوم الشرعية من العقائد، والفقه، والأصول، والتفسير، والحديث، والآثار، والعلوم العربية وأنواعها، بالإضافة إلى الاطلاع الواسع على واقع المسلمين وواقع العالم المعاصر، كما أوتي ذكاء وقادا وذاكرة قوية، وفهما ثاقبا ساعده على التحقيق في الأمور المعضلة، والفصل في الأمور المشكلة، فلم يكن جماعا للمعرفة فقط، وإنما كان محققا كالقلة من العلماء الذين كانوا يخوضون في لحج العلم، ويستخرجون منها كنوز الفوائد ونفيس الفرائد.\nويكفي ما وصفه به شيخنا العلامة الألباني حفظه الله تعالى بأنه: [من أفاضل العلماء، ومن القلائل الذي نرى منهم سمت أهل العلم وأدبهم، ولطفهم، وأناتهم وفقههم] (^١).\nولما كان باب الإفتاء من أعظم المسائل، وأخطرها على الناس أجمعين رأينا نشر هذا المجموع الذي هو أثر من آثار هذا العلامة ﵀ فهو مجموعة من الرسائل والفتاوى المتنوعة والتي أجاب عنها الشيخ بأسلوب يتدفق حيوية مستدلا بالقرآن والسنة، وإجماع الأمة، برفق الداعية، وعلم المفتي، ليهتدي بها الحائرون الذين كثيرا ما تخبطوا في ظلمات الجهل بسبب من أفتوا بدون دليل، ولا حق من التنزيل، فضلوا وأضلوا، ولو قالوا: لا أدري لأصابوا.\n_________\n(^١) مجلة الأصالة، العددان الثالث عشر والرابع عشر.","vol":"1","page":5},{"text":"وأسأل الله أن يكثر في الأمة الإسلامية أمثاله، ويخلفها خيرا منه، فإنه كما هو معروف أن موت العالم ثلمة لا تسد، وكما ذكر النبي ﷺ في حديثه: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يترك عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا» (^١).\nفلله در أقوام، أعظم الله لهم الثواب، وطابت الدنيا بذكراهم بعد الممات، أحياء غير أموات.\nعلما بأني جمعت هذا المجموع من أماكن متفرقة، ومواضع متباعدة، فمن بين رسالة مطبوعة، وفتوى مخطوطة، ومقالة مسطورة في مجلة من المجلات، وبين شريط مسموع لجلسة من الجلسات أو محاضرة من المحاضرات، وغير ذلك من المصادر المتنوعة التي يسرها الله لي.\nبالإضافة إلى مجموعة الفتاوى التي دونها الأخ وليد بن أدريس من جلسات الشيخ بمنزله، وعندما كنت أعمل بالجمع والترتيب علمت من الأخ وليد أنه يكتب ترجمة مفصلة للشيخ رحمه الله تعالى، وأن لديه مجموعة من فتاوى الشيخ التي أجاب عنها في منزله.\nفطلبت منه أن يصدر هذا المجموع بما كتبه من ترجمة حتى لا يكرر العمل، وتضاف الفتاوى التي كتبها من إملاء الشيخ إلى المجموع الذي جمعته من الرسائل والفتاوى وترتب ترتيبا فقهيا حتى يستفيد منها الناس فرحب بذلك جزاه الله خيرا.\nوكان عملي في هذه الطبعة كالاتي:\n١ - قرأت المادة العلمية المجموعة، واستبعدت المكرر منها واصلاح ما وقع\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٠٠)، ومسلم (٢٦٧٣) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.","vol":"1","page":6},{"text":"في المطبوع منها سابقا من أخطاء، وهذا مما تمتاز به هذه الطبعة، بالإضافة إلى الزيادات الجديدة والكثيرة من المباحث والفتاوى.\nولابد من الإشارة هنا إلى أن بعض أعمال سماحة الشيخ ﵀ قد طبع ولكن تحت مسميات مختلفة.\n٢ - قمت بتخريج الأحاديث الواردة في هذا الكتاب، واكتفيت بالعزو إلى الصحيحين، أو أحدهما إن لم يكن فيهما جميعا، وما لم يكن في أحدهما اجتهدت في تخريجه من بقية كتب السنة مع ذكر أقوال الأئمة الحفاظ.\n٣ - رتبت المادة العلمية التي تجمعت لدي على الأبواب الفقهية. وقد راعيت في هذا الترتيب البدء بالأبحاث، أو المباحث التي وقفت عليها للشيخ عبد الرزاق رحمه الله تعالى، ذات الصلة بالباب، ثم بعد ذلك أتبعتها بالفتاوى والاستفسارات التي تخصه.\nوعلى هذا فالباب له بداية ونهاية. والبداية هي الأبحاث أو المباحث، والنهاية هي الفتاوى. إلا في حالة نادرة اقتضتها علاقة الفتوى بجزء من الباب مما يساعد على فهم إجابات الشيخ.\n٤ - وضعت بعض العناوين للفقرات التي تضمنتها بعض المباحث حتى يسهل على القاريء الوصول إلى مبتغاه بأسهل طريق، وفي أسرع وقت، وبأقل جهد.\n٥ - وضعت فهرس إجمالي للموضوعات والمباحث والأبواب الرئيسة في الكتاب.\n٦ - وضعت فهرسا تفصيليا لجزئيات الكتاب وفتاويه. وقد قسمت الكتاب إلى قسمين:","vol":"1","page":7},{"text":"١ - القسم الأول: سيرة الشيخ رحمه الله تعالى و[هي من إعداد الأخ الفاضل وليد ادريس]\n٢ - القسم الثاني: الرسائل والفتاوى ويشتمل على عشرة فصول وكل فصل يحتوي على مباحث.\nأولا: رسائل ومباحث العقيدة\n- علم التوحيد\n- مسائل علم التوحيد\n- الرسالة ومباحثها\n- منهج الرسل في الدعوة إلى الله\n- الإيمان بالبعث\n- مبحث في وجود الجنة والنار الآن وبقائهما أبدا\n- مبحث في العرش والكرسي وإثبات صفة العلو لله\n- رسالة في الحكم بغير ما أنزل الله\n- رسالة في الدفاع عن السنة ورد شبهات المغرضين\n- وجوب تقديم النص على العقل عند التعارض\n- وجوب التزام عقيدة السلف\n- وجوب محبة أصحاب رسول الله ﷺ والرد على مبغضيهم\n- التعريف بأهل السنة (أ)، (ب)\n- الفرق التي شذت عن أهل السنة\n- الخوارج وما تشعب منها\n- الشيعة وما تشعب منها\n- فتاوى العقيدة","vol":"1","page":8},{"text":"ثانيا: مباحث الفقه وفتاويه\n- فتاوى الطهارة\n- فتاوى الآذان\n- فتاوى الصلاة\n- فتاوى الصيام\n- فتاوى الاعتكاف\n- فتاوى الزكاة\n- مباحث الحج\n- فتاوى الحج\n- مباحث البيوع (بحث في الربا)\n- فتاوى البيوع\n- فتاوى النكاح والرضاع\n- فتاوى الطلاق\nثالثا: مباحث في القرآن\n- القرآن وكيف نقل إلينا\n- نقله متواترا حفظا\n- نقله متواترا خطا وكتابة\n- جمع القرآن في عهد أبي بكر\n- نسخ المصاحف في عهد عثمان\n- فضل كلام الله وفضل تلاوته\n- التكبير عقب قصار المفصل\n- الاجتماع والدعاء عند ختم القرآن\n- حكم القراءة بالأحرف السبعة","vol":"1","page":9},{"text":"رابعا: أبواب التفسير\n- تفسير الفاتحة\n- تفسير سورة المائدة\n- الكلام على مقاصد سورة الأنبياء\n- تفسير سورة الانفطار\n- آيات من سورة الأعلى\n- تفسير مختصر لسورة الكوثر\n- فتاوى التفسير\nخامسا: الحديث النبوي\n- حديث الحلال بين والحرام بين\n- حديث المسلم من سلم المسلمون\n- دعاء الكرب\nسادسا: فتاوى الحجاب واللباس والتصوير\nسابعا: مباحث الدعوة والعلم\n- الطريقة المثلى في الدعوة إلى الله [١، ٢، ٣، ٤]\n- الدعوة إلى العلم والعمل\n- ذم الغرور الفكري\n- فتاوى الباب\nثامنا: ذم البدع\nتاسعا: فتاوى متفرقة\nعاشرا: نظرة إلى واقع المسلمين\nوإني لأرجو من طلاب العلم الناصحين، والتمس النصيحة بملحوظة أو","vol":"1","page":10},{"text":"﷽\n\n<span data-type='title' id=toc-3>مقدمة بقلم أبي خالد وليد بن إدريس</span>\nالحمد لله الذي جعل في كل زمان بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى وينهونه عن الردى، وينفون بسنة رسوله ﷺ الجهالة والردى.\nفكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضال تائه قد هدوه! فما أحسن آثارهم على الناس وما أقبح آثار الناس عليهم! (^١).\nوالصلاة والسلام على إمام العلماء وقدوتهم القائل: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء» (^٢).\nأما بعد:\nفما أعظم فجيعة العالم الإسلامي يوم الخميس الخامس والعشرين من شهر ربيع الأول سنة خمس عشرة وأربعمائة وألف للهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم. وما أفدح خسارته يومئذ! وهو اليوم الذي قبضت فيه روح الإمام العلامة الفقيه الأصولي المفسر النحوي البارع في جميع العلوم الزاهد الورع الشيخ أبي أحمد عبد الرزاق بن عفيفي بن عطية النوبي الشنشوري المالكي الأزهري السلفي عن اثنين وتسعين عاما قضى شطرها بمصر وشطرها بنجد ينشر العلم ويفتي المسلمين ويدعو إلى الله تعالى في البلدين كليهما ويخرج على يديه أكابر العلماء يواصلون مسيرته في الدعوة إلى الله على بصيرة.\nوقد كان ﵀ شديد الغيرة على عقيدة السلف الصالح حريصا على\n_________\n(^١) هذه الافتتاحية مقتبسة من رسالة السنة للإمام أحمد التي أرسلها إلى مسدد بن مسرهد ونص الرسالة بترجمته في طبقات الحنابلة لأبي يعلى.\n(^٢) رواه البخاري (١٠٠)، ومسلم (٢٦٧٣) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄.","vol":"1","page":11},{"text":"نشرها بكل سبيل والدفاع عنها بكل سلاح، ويزين ذلك كله بتواضعه الجم وزهده في حطام الدنيا وسخائه بما في يده. لذلك عظم المصاب به ولله در شيخنا العلامة صالح بن فوزان- وهو أحد تلاميذ المترجم- حيث يقول:\n«إن شيخنا الشيخ عبد الرزاق عفيفي يرحمه الله شخصية علمية فذة، فهو شيخ المدرسين وقدوة العلماء السلفيين في هذا الوقت، فله الفضل بعد الله على كل متعلمي هذا الجيل ممن تخرجوا في الدراسات الشرعية في التفسير والحديث والعقيدة والأصول … إلى أن يقول: … والآن وقد لقى ربه من ذا سيسد ثلمته؟\nسيذكرني قومي إذا جد جدهم … وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر» (^١).\nوقد كنت وأنا بالأسكندرية قبل قدومي إلى المملكة أسمع الثناء العطر على الشيخ عبد الرزاق ﵀ من تلاميذه هناك خاصة شيخنا الشيخ عبد العزيز بن على البرماوي ﵀، الذي كان لا يفتأ يحدثني عن جهاد الشيخ عبد الرزاق في نشر السنة والعقيدة السلفية بالأسكندرية مدة مقامه بها، وكيف أنه كان يذهب إلى مساجد الصوفية يأمرهم بالتوحيد واتباع السنة وينهاهم عن الشرك والبدع مما جعله لا يسلم من أذاهم حتى وصل الأمر إلى أن رفعوا شكاوى ضده إلى المحاكم.\nثم إني عندما عزمت على القدوم إلى المملكة أرسل معي الشيخ البرماوي ﵀ رسالة إلى الشيخ عبد الرزاق، وأعطيته الرسالة، وكان ذلك في شهر جمادى الأولى سنة ١٤١٠ هـ، قرأها متهلل الوجه ثم طفق يسألني عن أحوال الشيخ البرماوي وأحوال الدعوة بالأسكندرية وأظهر لي من الحفاوة والإكرام ما يليق به - وإن لم أكن له بأهل- ثم رد إلى الرسالة ولازلت محتفظا بها، ثم إن\n_________\n(^١) من مقالة للشيخ صالح بن فوزان.","vol":"1","page":12},{"text":"الشيخ عبد الرزاق ألح علي أن أتغدى عنده، وكان معي أحد إخواني فقال: أنت وصاحبك، فقلت له: إني راجع متأخرا من الدوام، والمسافة بعيدة فقال: ولو! سوف أنتظركما، فلما كان من الغد قدمنا على الشيخ فإذا به قد فتح باب منزله وجلس على كرسي قريبا من الباب، والطعام بالداخل معد على المائدة، فقابلنا بالترحيب كعادته، ولم تخل جلسة الطعام من فائدة علمية، وذلك أن الشيخ ناول كلا منا طبقا ليغرف فيه وغرف الشيخ لنفسه طبقا ثالثا، فسألته هل يحصل فضل الاجتماع على الطعام الوارد في قوله ﷺ: (خير الطعام ما تكاثرت عليه الأيدى) (^١). وإن لم يكن الاجتماع على نفس الإناء. فأجاب قائلا: المقصود بالحديث الاجتماع على مائدة واحدة ولا يشترط الاجتماع على نفس الطبق.\nثم إني طلبت من الشيخ أن يحدد لنا موعدا نزوره فيه، فحدد لنا يوم السبت بعد صلاة المغرب من كل أسبوع.\nفكنت أتردد على الشيخ ﵀ في هذا الموعد مع بعض إخواني يشرح لنا فيه عبارة غامضة في كتاب، أو يجيب على استفتاءاتنا، وقد طلبت من الشيخ أن أقرأ عليه في كتاب معين. فقال: الأحسن أن تقرأ أنت وحدك، وما غمض عليك أشرحه لك، فلازمت الشيخ ﵀ نحو أربع سنوات يتخللها انقطاعات بسبب سفر الشيخ ومرضه، وغير ذلك.\n_________\n(^١) لم أقف عليه بهذا اللفظ. وإنما الذي وقفت عليه ما رواه أبو يعلى في مسنده (٢٠٤٥) وفي اسناده عبد المجيد بن أبي رواد وفيه ضعف وقد وثق. وابن جريج وأبي الزبير المكي وكلاهما مدلس وقد عنعن ولفظه (إن أحب الطعام إلى الله ما كثرت عليه الأيدي)، وقد عزاه المنذري في الترغيب والترهيب (٣/ ١٣٤) إلى الطبراني وأبي الشيخ. وللحديث شاهد عن وحش بن حرب مرفوعا ولفظه «اجتمعوا على طعامكم واذكروا الله عليه يبارك لكم فيه» والحديث اسناده ضعيف وقد رواه أحمد (٣/ ٥٠١) وأبو داود (٣٧٦٤). وابن ماجه (٣٢٨٦) وقد حسنه الألباني بالطريقين في السلسلة الصحيحة (٨٩٥).","vol":"1","page":13},{"text":"وقد كنت حريصا على تسجيل هذه الجلسات المباركة مع الشيخ ﵀ تسجيلا صوتيا على شريط إلا أن الشيخ ﵀ رفض ذلك رفضا قاطعا ولم يأذن لنا فيه، فكنت أكتب خلفه الفتاوى المهمة فكان كثيرا ما ينهاني أيضا عن الكتابة خلفه، ويقول: لقد كان الإمام ابن حزم ينتقد الإمام ابن القاسم؛ لأنه كان يكتب كل ما يقوله الإمام مالك، وكان ينبزه بقوله هو حمار مالك يكتب كل ما يقول، إلا أن الشيخ ﵀ كان يعقب على هذه الحكاية بقوله: كان ابن حزم بذي اللسان يقع في العلماء.\nوبالرغم من هذا فإني كنت أكتب خلف الشيخ أحيانا كثيرة حتى تجمعت لدى مجموعة كبيرة من فتاوى الشيخ الخاصة، والشيخ ﵀ كان يتميز بدقة العبارة والتأني في الإجابة بحيث إن إجابته كانت إجابة من يملي إملاء مما يسهل على من يرغب في الكتابة خلفه أن يكتب بيسر مع المحافظة على عبارة الشيخ غالبا.\nوبعد وفاة الشيخ عبد الرزاق ﵀ ترجم له جماعة من تلاميذه تراجم موجزة في هيئة مقالات، في الصحف، والمجلات، أو محاضرات ألقوها، أو تراجم خاصة أرسلوها إلى ولده الأستاذ محمود - حفظه الله - الذي أعطاني نسخة منها، بالإضافة إلى عدد من الحكايات التي سمعتها مشافهة من الشيخ عبد الرزاق نفسه ومن بعض تلاميذه.\nفرأيت أنه من الوفاء للشيخ ﵀ والعرفان لجميله أن أجمع شتات ذلك في كتاب واحد بعد ترتيبه وتهذيبه، فاستخرت الله تعالى وشرعت في هذا العمل؛ إذ لم يشكر الله من لا يشكر الناس، وأولى الناس بالشكر هم الأنبياء وورثتهم من علماء الأمة، فلهم منة قد طوقوا بها رقاب الخلق، ومما شجعني على مواصلة هذا العمل، رغبة الأخ السعيد بن صابر بن عبده الذي أخذ على عاتقه نشر تراث الشيخ ﵀.","vol":"1","page":14},{"text":"ومما شجعني على ذلك أيضا أني وجدت كثيرا من الفضلاء قد أملوا هذا الأمل واستنشدوا من كان لديه شيء من تراث الشيخ أن ينشره لتعم به الفائدة.\nفمن ذلك ما قاله الشيخ الدكتور محمد لطفي الصباغ في آخر ترجمته الخطية للشيخ عبد الرزاق:\nإن حياة شيخنا المباركة تستحق أن تكتب فيها مؤلفات، ولست أدعي أن هذه الكلمة قد وفت فقيدنا العظيم حقه من الترجمة، ولكنها كلمة وفاء وعرفان بالجميل، ﵀ وغفر له، وأحسن جزاءه.\nومن ذلك أيضا: ما قاله الشيخ يوسف المطلق لمجلة الدعوة [العدد ١٤٥٨] قال - حفظه الله -:\n«وإننا نرجو أن تنشر فتاويه الخاصة في سجل يستفاد منه زيادة على فتاوى مشايخنا، وعلمائنا، وعلى رأسهم سماحة عالم الأمة الشيخ عبد العزيز بن باز و﴿إنا لله وإنا إليه راجعون﴾» ا هـ.\nومن ذلك أيضا: ما قاله الأستاذ محمد عبد الله الشريف عضو مجلس الشورى في جريدة الرياض الصادرة يوم ١/¬٤/¬١٤١٥ هـ:\n«إن من حق الشيخ عبد الرزاق عفيفي على طلبته الذين تتلمذوا على يديه ونهلوا من معرفته وعلمه، أن يقوموا بجمع تراثه العلمي، ومؤلفاته، ورسائله، وفتاويه، وسيرته، وينقحوها ويطبعوها ليستفيد منها كل طالب علم لأنه ﵀ كان يتصف حتى بالزهد في طباعة المؤلفات» ا. هـ.\nوتحقيقا لبعض ما رغب فيه هؤلاء الأفاضل، شرعت في هذا العمل مستعينا بالله تعالى على إتمامه، وعلى أن يخرج بالصورة اللائقة بالمترجم.\nوقد قسمت هذا الكتاب إلى قسمين:","vol":"1","page":15},{"text":"أ - قسم للترجمة، جعلته مرتبا على فصول كما ستجده - إن شاء الله -.\nب - وقسم للفتاوى الخاصة وقد طبع بمفرده في الطبعة الماضية. أما في هذه الطبعة فسوف يطبع ضمن مجموع الرسائل والفتاوى التي جمعها الأخ السعيد لكي يرتب الكتاب ترتيبا علميا.\nوالجدير بالذكر أنى لم أذكر في قسم الفتاوى إلا ما سمعته من الشيخ - رحمه الله تعالى - بأذني، وكتبته عنه بقلمي، ولم أكتب فيه شيئا لم أسمعه بنفسي من فم الشيخ عبد الرزاق عليه سحائب الرحمة.\nوقد أوردت عقب هذه المقدمة، صورة ورقة بخط المترجم ﵀ يوصي فيها بقبول شهادة العبد الفقير كاتب هذه السطور لتحصل الثقة - إن شاء الله - فيما أرويه عن الشيخ من الفتاوى.\nوأختم هذه المقدمة بنداء أوجهه إلى طلبة العلم في هذا العصر الذي ابتلينا فيه بظاهرة غريبة، لا نظير له في أي عصر من العصور السابقة وهي إهمال الترجمة، والتأريخ للمعاصرين، ولمشايخهم إهمالا عجيبا رغم أن أسلافنا قد دأبوا على تصنيف تواريخ خاصة بكل بلد على حدة كتاريخ دمشق، وتاريخ بغداد، وتاريخ نيسابور ونحوها، وتواريخ عامة للقرون كخلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر، وسلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر، وطبقات للحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، والقراء، والنحاة مما يطول ذكره.\nثم يجئ من بعدهم فيذيل على تواريخهم وطبقاتهم، لكنه من المؤسف الآن أنك ترى مئات من الأعلام في أنحاء العالم الإسلامي تقبض أرواحهم هذا مقرئ، وهذا محدث، وهذا نحوي، وهذا زاهد عابد، فتموت معهم أخبارهم، ولا يجدون من تلاميذهم، ومحبيهم من يتصدى لنشر فضائلهم حتى إن المرء. ومن جرب عرف - يعاني الأمرين حين يبحث - في الأسانيد المتأخرة وتلاميذه ولو أن كل طالب علم ذكر ما يعرفه عن أحوال مشايخه لتجمع من ذلك ما يكمل بعضه بعضا وتتم به الفائدة.","vol":"1","page":16},{"text":"فإن قال القائل: ما فائدة التراجم، والتعرف على سير الرجال؟ قلت: لها فوائد كثيرة، منها:\n١ - حصول الثقة لدى من يأتي بعدهم في علومهم ومؤلفاتهم وفتاواهم.\n٢ - تثبيت قلوب المؤمنين بسماع قصص أتباع الرسل كما ثبت الله تعالى رسوله بأن قص عليه من قصص الرسل، قال تعالى: ﴿وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك﴾ (^١).\n٣ - الاقتداء بهم والسير على طريقهم.\n٤ - الوفاء لهم وشكر إحسانهم بالتسبب في الترحم عليهم، والانتفاع بعلمهم عملا بقوله ﷺ «لا يشكر الله من لا يشكر الناس» (^٢). وقوله ﷺ: من دل على خير فله مثل أجر فاعله (^٣).\n٥ - التعريف باتصال الأسانيد المارة بهم، وصحتها سواء أسانيد القرآن الكريم وقراءاته، أو أسانيد الحديث النبوي، أو أسانيد غيره من العلوم والكتب.\nوأختم مقدمتي هذه بحمد الله تعالى، والصلاة والتسليم على رسوله الأمين وعلى آله، وصحبه، ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.\nوكتبه\nأبو خالد وليد بن إدريس بن عبد العزيز بن منيسي الإسكندري الحنبلي\nعفا الله عنه\nالرياض ١٠/¬١١/¬١٤١٧ هـ\n_________\n(^١) سورة هود، الآية: ١٢٠.\n(^٢) رواه أبوداود، والترمذي. انظر: صحيح أبي داود للشيخ الألباني، الحديث رقم ٤٠٢٦.\n(^٣) رواه مسلم، باب من سن سنة حسنة أو سيئة [٦٧٤].","vol":"1","page":17},{"text":"﷽\nنشهد نحن الموقعين أدناه\nأن الأخ/ عبد الحميد عثمان رجل فاضل وعلى خلق، وولده بالمستشفى يحتاج إلى عملية جراحية بالعين ويحتاج إلى مساعدة مالية.\n١ - وليد إدريس عبد العزيز\n٢ - عادل مرسي رفاعي\n\n* * *\nالشاهدان المذكوران من إخواني السلفيين الثقات الصادقي اللهجة والمعروفين لديَّ بالخير، والمعروف، فأرجو أن يقبل قولهم وتحقق رغبتهم فيما شهدوا به.\n\nوالله الموفق؛ ٦/ ٩ / ١٤١٠/ هـ\nكتبه وشهد به\nعبد الرزاق عفيفي","vol":"1","page":19},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4>ترجمة سماحة الشيخ عبد الرزاق عفيفي </span>رحمه الله تعالى\n[١٣٢٣ هـ - ١٤١٥ هـ]\nالفصل الأول سيرته بمصر\nالمرحلة الأولى: في شنشور.\nالمرحلة الثانية: في القاهرة.\nالمرحلة الثالثة: في شبين الكوم.\nالمرحلة الرابعة: في الإسكندرية.","vol":"1","page":21},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5>الفصل الأول سيرته بمصر</span>\nاسمه ونسبه: هو أبو أحمد عبد الرزاق بن عفيفي بن عطية النوبي الشنشوري المالكي الأزهري السلفي.\nقضى الشيخ ﵀ نصف عمره تقريبا بمصر، ويمكن تقسم حياته بمصر إلى أربع مراحل:\n١ - المرحلة الأولى: من مولده سنة ١٣٢٣ هـ إلى حين حصوله على الثانوية الأزهرية، وقد قضى هذه المرحلة في قريته شنشور.\n٢ - المرحلة الثانية: بعد حصوله على الثانوية سافر إلى القاهرة للدراسة في الأزهر، وظل هناك حتى حصل على شهادة العالمية سنة ١٣٥١ هـ، ثم شهادة التخصص في فقه المالكية والأصول سنة ١٣٥٥ هـ، وشهادة العالمية (بكسر اللام) تعادل في وقتنا هذا (البكالوريس أو الليسانس)، وشهادة التخصص تعادل (الماجستير أو الدكتوراه).\n٣ - المرحلة الثالثة: بعد حصوله على شهادة التخصص، عين مدرسا بالمعهد الأزهري بشبين الكوم سنة ١٣٥٦ هـ، وظل الشيخ مقيما بشبين الكوم بضع سنوات.\n٤ - المرحلة الرابعة: انتقل الشيخ إلى الإسكندرية وعمل بها مدرسا بالمعاهد الأزهرية إلى جانب رئاسته الجماعة أنصار السنة بالأسكندرية نائبا عن الشيخ حامد الفقي الرئيس العام للجماعة، ثم تم اختياره ﵀ رئيسا عاما لجماعة أنصار السنة خلفا للشيخ حامد الفقي ﵀، وظل الشيخ عبد الرزاق بالإسكندرية يدعو إلى التوحيد، والسنة، ويحارب البدع وأهلها إلى أن قدم إلى","vol":"1","page":23},{"text":"المملكة العربية السعودية في عهد الملك عبد العزيز ليواصل سيرته في الدعوة إلى الله تعالى، ونشر العلم النافع.\nوسوف ننقل في هذا الفصل نبذا من سيرته ﵀ بكل مرحلة من هذه المراحل عمن عاصر الشيخ فيها.","vol":"1","page":24},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6>المرحلة الأولى في شنشور</span>\nشنشور هي القرية التي ولد فيها الشيخ عبد الرزاق عفيفي بن عطية النوبي، وهي قرية تابعة لمركز أشمون بمحافظة المنوفية بمصر.\nوكانت ولادته ﵀ سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة وألف للهجرة، وممن ينتسب إلى شنشور من الأعلام خطيب الجامع الأزهر الشيخ عبد الله بن محمد الشنشوري شارح الرحبية، المتوفى سنة ٩٨٣ أو ٩٩٩ هـ.\nوأسرة الشيخ أسرة كريمة تعد من أعيان البلد، وأفاضلها تعرف بعائلة النوبي.\nوقد ذكر الشيخ محمد لطفي الصباغ أن الشيخ عبد الرزاق حدثه حديثا طويلا عن والده ﵀ وما كان يتحلى به والده من الصفات الكريمة.\nوقد درس الشيخ في قريته شنشور المرحلتين الابتدائية الأزهرية، والثانوية الأزهرية حتى نهايتها.\nومن المعروف أن الدراسة في الأزهر في عهد الشيخ، كانت تنقسم إلى المرحلة الابتدائية، ثم الثانوية، ثم الجامعية. وكان يشترط للالتحاق بالأزهر في عهد الشيخ، حفظ القرآن الكريم كاملا حفظا متقنا، ثم يظل يمتحن في القرآن إلى نهاية دراسته، ويبدأ في المرحلة الابتدائية بحفظ متون متنوعة في جميع العلوم، منها: ألفية ابن مالك يبدأ في حفظها بالصف الأول الابتدائي.\nثم يدرس قطر الندى، وشذور الذهب في النحو في الصفوف التالية، ثم شرح ابن عقيل، ثم الأشموني.\nوكانت دراسة الفقه كذلك، تتدرج مع الطالب حسب المذهب الفقهي الذي","vol":"1","page":25},{"text":"يختاره، فينتقل من كتاب مختصر إلى كتاب أوسع فأوسع، وهكذا في كل العلوم فلا يكاد الطالب يتخرج من المرحلة الثانوية الأزهرية في ذلك العهد إلا وقد صار متبحرا في جميع الفنون حافظا لعدد كبير من المتون المعتمدة في كل علم.\nثم توالت المؤمرات على الأزهر بدعوى تيسير المناهج، وإدخال العلوم الدنيوية على حساب العلوم الشرعية حتى صار المستوى إلى ما هو عليه الآن، ولا حول ولا قوة إلا بالله.","vol":"1","page":26},{"text":"<span data-type='title' id=toc-7>المرحلة الثانية في القاهرة</span>\nانتقل الشيخ ﵀ بعد إتمامه المرحلة الثانوية إلى القاهرة للدراسة بالقسم العالي بالأزهر.\nوممن التقى به من العلماء في هذه الفترة العلامة الشيخ أحمد محمد شاكر، والشيخ حامد الفقي، وغيرهما.\nوذكر الشيخ عبد الله بن جبرين - حفظه الله (^١) - أن الشيخ عبد الرزاق أدرك الشيخ محمد عبده، والشيخ محمد رشيد رضا.\nقلت: أما محمد عبده. فلم يدركه الشيخ عبد الرزاق قطعا حيث توفي محمد عبده في السنة التي ولد فيها الشيخ عبد الرزاق سنة ١٣٢٣ هـ (^٢).\nوأما الشيخ رشيد رضا فتوفي ١٣٥٤ هـ، وكان عمر الشيخ عبد الرزاق وقتها إحدى وثلاثين سنة، وكانا مقيمين بالقاهرة. والله أعلم.\nهذا، وقد حدثني الشيخ عبد الرزاق ﵀ عن شيخه الشيخ عبد المجيد الشرنوبي (^٣) وقال لي: هو صاحب أخصر شرح على ألفية ابن مالك،\n_________\n(^١) في مجلة الدعوة، العدد ١٤٦١ تاريخ ١/¬٥/¬١٤١٥.\n(^٢) الأعلام للزركلي، ج ٦، ص ٢٥٢.\n(^٣) هو عبد المجيد الشرنوبي المالكي الأزهري المصري أبو محمد، ولد في شرنوب التابعة لدمنهور، وأخذ عن إبراهيم السقا، ومحمد عليش، وحسن العدوي، وعبد الرحمن الشربيني، والشمس الإمبابي. من مؤلفاته: إرشاد السالك إلى ألفية ابن مالك، وشرح العشماوية في فقه المالكية، وشرح رسالة ابن أبي يزيد القيرواني. توفى ﵀ سنة ١٣٤٨ هـ. له ترجمة في: شجرة النور الزكية، والأعلام الشرقية لزكي مجاهد ص ٣٤٥، جـ ٢، والأعلام جص ٤ ص ١٤٩.","vol":"1","page":27},{"text":"وأنه من أساتذته الذين استفاد من علمهم أثناء دراسته بالأزهر.\nومما حدثنيه الشيخ عبد الرزاق عن فترة دراسته في القاهرة، أنه كان طالبا في القاهرة أيام الحرب العالمية الأولى، فكان الطلبة يهجمون على محلات الصاغة اليهود بالقاهرة، وكان اليهود في هذا الوقت أذلاء ما يجرؤ أحدهم على الجلوس أمام محله بل يهربون إلى بيوتهم، ويغلقون الأبواب عليهم، وكان هذا في عهد الملك فؤاد واستمر كذلك إلى عهد فاروق.\nقال الشيخ عبد الرزاق ﵀: كان اليهود أسيادا ماديا لكنهم أراذل أخلاقيا يمكنون الفساق من نسائهم ليكسبوا مالا. ا. هـ.\nوقد ظل الشيخ بالقاهرة حتى حصل على شهادة العالمية سنة ١٣٥١ هـ ثم شهادة التخصص في فقه المالكية والأصول سنة ١٣٥٥ هـ.\nوإليك صورة عن هاتين الشهادتين:","vol":"1","page":28},{"text":"<span data-type='title' id=toc-8>صورة شهادة العالمية ١٣٥١ هـ</span>","vol":"1","page":29},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9>صورة شهادة التخصص </span>في فقه المالكية والأصول سنة ١٣٥٥ هـ","vol":"1","page":30},{"text":"<span data-type='title' id=toc-10>المرحلة الثالثة في شبين الكوم</span>\nوممن كان معاصرا للشيخ عبد الرزاق بشبين الكوم في هذه الفترة: الشيخ مناع خليل القطان الذي كان تلميذا للشيخ في معهد شبين الكوم الأزهري، وها هو يصف هذه الفترة من حياة الشيخ قائلا:\nعين شيخنا مدرسا بالمعهد الديني بشبين الكوم التابع للأزهر سنة ١٩٣٧ م = سنة ١٣٥٦ هـ.\nتوثقت علاقته بمدير العهد آنذاك «الشيخ عبد الجليل» فكان موضع مشورته.\nقام بتدريس مادة الحديث المقررة في المرحلة الثانوية (صفوة صحيح البخاري) فكان أستاذا متميزا بترتييب الموضوع، وجودة العرض، وحسن التعليق، ورجاحة العقل، ويسجل النابهون من طلابه إضافاته العلمية على هامش الكتاب المقرر.\nاتفقت معه الجمعية الشرعية بشبين الكوم برئاسة الشيخ أحمد الزيات على أن يلقي درسا أسبوعا منتظما في مسجدها، فكان هذا الدرس مدرسة يجتمع فيه الجم الغفير للاستماع والنقاش والحوار.\nكان يغشى المساجد الأخرى من وقت لآخر لإلقاء دروس فيها:\nوأخذ يجول في البلاد المتعددة لأداء رسالته. وحيث كانت معظم المساجد لا تخلو من البدع، ويجهل عامة الناس مسائل العقيدة الصحيحة، فقد ركز - غفر الله له - على الجوانب العقدية والعودة إلى منابع أصولها الصافية، والتمسك بالسنة الصحيحة، وما كان عليه أمر المسلمين في القرون المشهود لها بالخير، وإذا تعذر عليه التغيير سعى إلى إقامة مسجد خاص يقوم عليه من هداهم الله ويتخذون منه منطلقا للدعوة، وله في هذا مواقف شتى.","vol":"1","page":31},{"text":"<span data-type='title' id=toc-11>المرحلة الرابعة في الإسكندرية</span>\nوممن كان معاصرا للشيخ عبد الرزاق بالإسكندرية في هذه الفترة، الشيخ حسن محمد إسماعيل - من علماء الأزهر - وكان تلميذا للشيخ في المعهد الأزهري بالإسكندرية.\nومما قاله في وصف سيرة الشيخ عبد الرزاق:\nكان يمشي في الطرقات فيجد البناء يرتفع عن الأرض فيذهب إلى صاحب البيت، ويطلب أن يشاركه في المصاريف مقابل أن يجعل الدور الأرضي في البناء مسجدا، وبهذا كان يبني في المهد دعاة، ويبني في الشارع مساجد.\nوكان يوم من أيام صيف عام ١٩٤٢ م = ١٣٦١ هـ مر فضيلة الشيخ برجل يبني بيتا كبيرا وفي أول دور فقال له: شيخنا بعد أن بدأه محييا مجيبا بالسلام: هل لك شريك في هذا العمل - يقصد بناء البيت -؟. فقال الرجل: هو لي وحدي ورثت الأرض عن أبي وأقوم الآن بالبناء، فرد عليه الشيخ: هل تسمح لنا بتأجير الدور الأرضي لنتخذه مسجدا على أن نعطيك ما تشاء؟ فقال الرجل - وكان كبير السن وقورا -: أن لا أمانع في ذلك أبدا، وبدون أجر البتة، بل وسأرعى هذا بنفسي. وكان الرجل يدعى الحاج عبده، وكان رجلا فاضلا، ولقد صدق الحاج فأكمل البناء، وأدخل الماء، والكهرباء، وبنى بالمسجد كل ما يلزم، وبعد إتمام بناء المسجد افتتح الشيخ المسجد بصلاة العصر، وكان هذا المسجد أقرب المساجد من ورشة أبي فسهل لي الذهاب والإياب، وبعد انتهاء صلاة العصر الأولى بالمسجد أخذ فضيلة الشيخ يعطينا التوعية اللازمة، وقص علينا قصة إسلام سلمان الفارسي وجعلها نبراسا لنا يضيء لنا الطريق. وفي هذا اليوم ختم الدرس قائلا: استمعتم إلى قصة سلمان الفارسي الذي كان صغيرا ولم يقتنع بما","vol":"1","page":33},{"text":"يعبد أبواه؛ إذ كانا من المجوس يعبدون النار. فقال الشيخ: أنتم أسعد حظا من هذا، وهو غلام. وقال لنا: ولدتم على الإسلام وتربيتم على الإسلام، والآن تدرسون الإسلام، فما مدى هذه السعادة التي أعطاكم الله إياها! ألا تحسون من قولي هذا أنكم محظوظون في جميع أطوار حياتكم؟\nإذا فلا بد من أن تكرسوها للدعوة إلى عبادة من وهبكم كل هذه النعم.\nوفي هذا الأسبوع الذي افتتح فيه المسجد، جاء من القاهرة خبر أثلج صدورنا جميعا وزاد من فرحتنا، وذلك أن اللجنة المركزية لجماعة أنصار السنة المحمدية اجتمعت في القاهرة واختارت بإجماع الأصوات فضيلة الشيخ الفاضل عبد الرزاق رئيسا لجماعة أنصار السنة المحمدية بالقطر المصري، وتوافدت الوفود على مدينة الإسكندرية تهنئ شيخنا الجليل بهذا المنصب الحبيب إلى نفوسنا جميعا، وسرنا جميعا أن هذا الاختيار قد جاء بإجماع الأصوات، وكانت الوفود القادمة من أنحاء القطر المصري تحمل الهدايا لفضيلة الشيخ الذي كان بدوره يقوم بتوزيعها على مستحقيها. ا. هـ.","vol":"1","page":34},{"text":"<span data-type='title' id=toc-12>نماذج من كتابات الشيخ عبد الرزاق أثناء إقامته بالإسكندرية</span>\nوإذا كان الشيخ - يرحمه الله - من مواليد عام ١٩٠٤ م = ١٣٢٣ هـ، وقد تخرج في الأزهر الشريف، ومنح الشهادة العالمية عام ١٩٣٢ م = ١٣٥١ هـ، ثم منح شهادة التخصص في الفقه وأصوله، وعمل مدرسا بالأزهر الشريف، حتى كان العدد الأول من المجلة حيث حرر فيه مقالين يستطيع القارئ أن يلمس في الشيخ - يرحمه الله - وهو لا يزال بعد شابا في الثالثة والثلاثين من عمره، يتمتع بالنظر الثاقب، والفهم الدقيق، والأسلوب المعبر، فهذه كلمات يصف بها علماء السلف من هذه الأمة، وإني لأرجو أن تكون تلك الكلمات وصفا له. يرحمه الله تعالى -.\nقال - يرحمه الله -:\n«فالعالم منهم يجد نفسه - وقد أنعم الله بنعمة العلم، وعهد إليه أن يبلغه الناس - مضطرا إلى القيام بهذا العبء فلا يعتريه في نشر الثقافة الدينية، والمبادئ الإسلامية فتور ولا خور، ولا يقعده عن البلاغ رغبة ولا رهبة ولا خوف من سلطان، لأن القلب الذي أشرب حلاوة الإيمان يكتسب قوة روحية، وحصانة دينية، ونورا ربانيا، فلا يجد أحد إلى إغوائه سبيلا. فمهما جاهد الشيطان هذا المخلص فلن يتاح له أن يوهن عزيمته أو يمس عقيدته، وإن قلبا قد صبغ بصبغة الله وتشبع بتعاليم الإسلام حتى ملكت سويداءه، ليأبى أن يخضع لسلطة قاهر، أو يرهب بطش جبار في الجهر بكلمة الحق، بعدما خضع لسلطان ربه واشتد خوفه منه، وعلم أنه مالك قهار جبار، بيده نواصي العباد. وإن ذلك ليخلق منه سيفا مصلتا، ونارا متأججة، يقذف بها من عادى الله وبارزه بعصيان لا يخاف في الله لومة لائم. كان العلماء بذلك قوامين على الدين حفظا، ونشرا، وبلاغا، ونصيحة، وإرشادا، وكانوا خير قدوة للناس ومثلا عليا في إصابة الحق","vol":"1","page":35},{"text":"وتأييده، وكشف الباطل وإزهاقه، قولا، وعملا، يقصدهم الناس، ليكشفوا لهم وجه الصواب، بما ورثوه عن نبيهم ﷺ، فيجدوا لديهم ما يروي غليلهم، ويزيل شبهتهم، ويزيد يقينهم وإيمانهم وتعلقهم بشريعة سيد المرسلين» (^١).\n_________\n(^١) نقلا عن مجلة التوحيد، وجريدة المسلمون، العدد (٥٠٣).","vol":"1","page":36},{"text":"<span data-type='title' id=toc-13>الفصل الثاني هجرته إلى المملكة العربية السعودية</span>\nأ - الأعمال التي قام بها في المملكة.\nب - دور الشيخ ﵀ في هيئة كبار العماء واللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء","vol":"1","page":37},{"text":"هجرته إلى المملكة العربية السعودية\nقال الشيخ أبو عبد الرحمن بن عقيل الظاهري:\nلا أزال أذكر احتجاج الإمام أبي محمد ابن حزم في رسالته الميزان التي فاضل بها بين الأندلس والقيروان، وقد أوردها المقري كاملة في نفح الطيب، وعنون لها بالوصف لا بالاسم على أنها في فضل أهل الأندلس، ثم طبعها الدكتور المنجد عن هذا الأصل بهذا العنوان في رسالة مستقلة.\nوقد احتج في هذا الفصل على أن من كان من غير أهل الأندلس وقد عاش فيها ومات بها فهم (أى الأندلسيون) أولى به، وهو معدود من مفاخرهم ما دام من الأعلام الثقافية والعلمية.\nومن كان أصلا من أهل الأندلس ثم استبدلها بدار أخرى عاش فيها ومات عندهم فهم أولى به.\nقال أبو عبد الرحمن: وعلى هذا القانون تفخر سعوديتنا بعلامتها سماحة الشيخ عبد الرزاق عفيفي قدس الله روحه، ونور ضريحه، ولقاه ربه الروح والريحان، والرضوان، وأدخله فسيح جناته، فقد اختار الرياض بلده ومثواه في النصف الأخير من عمره المبارك، وهو النصف الناضج الملئ بالعلم والعطاء.\nولم يأت الشيخ عبد الرزاق ﵀ إلى المملكة ليكون سلفيا، وليكون موظفا .. بل كان منهجه العلمي في الرياض هو منهجه العلمي بمصر قبل أن يدور بخلده أنه يأتي للسعودية، بل عندما كانت مصر أكثر خيرا وقبل أن تتدفق عندنا ينابيع الذهب الأسود.\nوكان نشر «العلو للعلي الغفار» (^١) للحافظ الذهبي - من كتب السلف - من\n_________\n(^١) قلت: رجح شيخنا الألباني في مختصره الكتاب أن اسمه (العلو للعلي العظيم). (العباسي).","vol":"1","page":39},{"text":"أوائل تحقياقته المطبوعة القليلة، وذلك عندما كان بمصر بشبين الكوم، وكان زملاؤه من أمثال الشيخ محمد عبد الوهاب بحيري، ومحمد بن راشد، وابن يابس يقصون أخباره وهو بمصر يخرج التلاميذ أكثر مما يخرج الكتب، فذكروا عنه علما وعقلا، وعفة، وسلفية.\nووصلت أخباره لسماحة الشيخ محمد بن إبراهيم فحرص على استقدامه.\nوكانت السعودية مقر السلفية، وناشرة علم ابن تيمية، وزينتها الحرمان الشريفان فرغب الشيخ عبد الرزاق في السعودية لهذه الأشياء، لأنه سلفي بعقله ووجدانه.\nوجاء إلى السعودية على علمه وسجيته لم يجتذبه طمع في مال أو جاه أو منصب، وعلم الله نيته فانقادت له كل أسباب العز الدنيوي، وهو لم يطلبها.","vol":"1","page":40},{"text":"<span data-type='title' id=toc-14>الأعمال التي قام بها في المملكة العربية السعودية</span>\nجاء في مقدمة فتاوى اللجنة الدائمة للشيخ أحمد بن عبد الرزاق الدويش في ترجمته للشيخ عبد الرزاق:\n«ثم ندب للعمل بالمملكة العربية السعودية للتدريس بالمعارف السعودية عام ١٣٦٨ هـ، ثم عمل مدرسا بدار التوحيد بالطائف، ثم نقل منها بعد سنتين إلى معهد عنيزة العلمي في شهر محرم عام ١٣٧٠ هـ، ثم نقل إلى الرياض في آخر شهر شوال عام ١٣٧٠ هـ للتدريس بالمعاهد العلمية التابعة لسماحة الشيخ محمد ابن إبراهيم آل الشيخ، ثم نقل للتدريس بكليتي الشريعة، واللغة العربية، ثم جعل مديرا للمعهد العالي للقضاء عام ١٣٨٥ هـ، ثم نقل إلى الرئاسة العامة لإدرات البحوث العلمية والإفتاء عام ١٣٩١ هـ، وعين بها نائبا لرئيس اللجنة الدائمة للبحوث العلمية، والإفتاء مع كونه عضوا في مجلس هيئة كبار العلماء بالمملكة.\nوقد رزقه الله المواهب المتعددة، ومن قوة الحافظة والملاحظة، وفقه النفس، وكان قد كرس جهده لطلب العلم خارج أروقة الأزهر، وعني بعلوم اللغة، والتفسير، والأصول، والعقائد، السنة، والفقه، حتى أصبح إذا تحدث في علم من هذه العلوم ظن السامع أنه تخصصه الذي شغل فيه كامل وقته.\nوقد كان له عناية خاصة في دراسة أحوال الفرق وهذه الأمور جعلت طلاب العلم يقصدونه في كل وقت ويسمعون منه، وانتفع بعلمه خلق كثير، وقد شارك في أعمال التوعية في مواسم الحج، وكان ﵀ يشرف على رسائل بعض الدارسين في الدراسات العليا، كما كان يشترك مع لجان مناقشة بعض الرسائل، ويلقي بعض الدروس في المساجد لطلبة العلم».","vol":"1","page":41},{"text":"ويقول الشيخ محمد بن لطفي الصباغ:\n«ثم هاجر إلى المملكة العربية السعودية في سنة ١٣٦٨ هـ، فدرس في المعارف، ثم في دار التوحيد في الطائف، وكان الملك عبد العزيز قد استدعى شيخنا الشيخ محمد بهجة البيطار ليكون مديرا له، فعمل فقيدنا فيه، ثم انتقل إلى نجد فدرس في الرياض، وعنيزة، ولما أنشئت كلية الشريعة في الرياض كلف القيام بالتدريس فيها، ولما جئت للتدريس في كليتي الشريعة واللغة عام ١٣٨١ هـ - ١٣٨٢ هـ وكان لي شرف لقائه والاجتماع به، وكان من أقدر الأساتذة على نقل المعلومات إلى أذهان الطلاب، يبسط المسألة المعقدة ويوضحها، وما ذلك إلا لتمكنه من العلم؛ لأن الإنسان عندما تكون المعلومة واضحة في ذهنه يستطيع أن ينقلها بيسر إلى الآخرين مهما كانت دقيقة وصعبة.\nثم أنشئ المعهد العالي للقضاء في سنة ١٣٨٥ هـ، وكان الشيخ من المخططين لمناهجه، وعين مديرا له، وقد تخرج على يديه عدد كبير من العلماء.\nثم انتقل إلى دار الإفتاء عام ١٣٩١ هـ فكان عضوا في اللجنة الدائمة للبحوث العلمية، ونائبا لرئيسها وبقي فيها حتى وفاته، ﵀ رحمة واسعة. وكان أيضا عضوا في هيئة كبار العلماء.\nوقد أشرف على عدد من الرسائل الجامعية للماجستير والدكتوراه وناقش عددا آخر منها».\nويقول الشيخ مناع بن خليل القطان:\n«انتقل الشيخ من مصر سنة ١٣٦٨ هـ، للعمل بالمعارف السعودية، فدرس في عنيزة، وفي دار التوحيد بالطائف، وهي نواة التعليم الديني في المملكة العربية السعودية.","vol":"1","page":42},{"text":"وحين عهد الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود - يرحمه الله - إلى سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ بإنشاء الرئاسة العامة للكليات والمعاهد العلمية سنة ١٣٧٠ هـ، وقع اختيار سماحته على فضيلة الشيخ عبد الرزاق عفيفي ليسهم في ذلك بما عرف عنه من علم، وثاقب رأي، فقربه إليه وجعله موضوع مشورته.\nوما لبث الأمر طويلا حتى طلبت بأمر خاص أنا والأستاذ الهراس سنة ١٣٧٣ هـ للتدريس في هذه المؤسسة العلمية التي بارك الله فيها، وأتت أكلها الطيب - ولا تزال بحمد الله - باسم جامعة الأمام محمد بن سعود الإسلامية.\nوعندما توفرت الدواعي لإنشاء دراسات عليا، ورفع مستوى القضاء أنشئ المعهد العالي للقضاء سنة ١٣٨٤ هـ، وتولى الفقيد - غفر الله - إدارة المعهد، ووضع مع لجنة متخصصة مناهجه، وقام بالتدريس فيه، وأشرف على رسائل طلابه.\nوفي سنة ١٣٩١ هـ انتقل إلى إدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، وصار عضوا في هيئة كبار العلماء ونائبا لسماحة والدنا وشيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز في رئاسة اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء.\nوكان - يرحمه الله - عضوا في اللجنة التي وضعت مناهج الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة - كما كنت عضوا فيها - وسهرنا سويا الليالي المتتابعة لإنجاز هذا العمل». ويقول الشيخ زهير الشاريش:\n«… وانتقل إلى السعودية ضمن بعثة علمية قام بإحضارها أستاذي العلامة الشيخ محمد بن عبد العزيز المانع ﵀، وبعد سنتين اختاره مفتي البلاد الشيخ محمد بن إبراهيم ليكون معه في الرئاسة العامة للمعاهد، والكليات.\nثم تولى رئاسة المعهد العالي للقضاء، وبعدها انتقل إلى إدارة البحوث.","vol":"1","page":43},{"text":"العامة والإفتاء حيث كان الرفيق الأقرب إلى سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز - حفظه الله -.\nووجوده في هذه اللجنة أثرى ما أصدرت من فتاوى».\nويقول الدكتور صالح بن سعود آل علي عضو مجلس الشورى:\n«جاء به الملك عبد العزيز مؤسس هذا الكيان وموحد هذه المملكة: جاء به مع علماء آخرين من داخل المملكة، وخارجها لينفذ بهم، ومن خلالهم سياسته الصارمة في محاربة الجهل واقتلاع جذروه بعد أن خيم ردحا من الزمن على أرجاء هذه الجزيرة. فقد كان الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ ضمن مجموعة من العلماء الذين عملوا في دار التوحيد، درس، وحاضر، ووعى ثم لما أمر الملك عبد العزيز ﵀ بفتح المعاهد العلمية، كان الشيخ عبد الرزاق من أوائل من جاء للتدريس فيها، وكان مع الشيخ محمد بن إبراهيم مفتي الديار السعودية آنذاك، ومع الشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم عليهم جميعا رحمة الله، كان معهم خير معين على السير بهذه المعاهد، والكليات من بعد ذلك نحو تحقيق الرسالة المنوطة بها.\nتولى التدريس بعد دار التوحيد في المعاهد العلمية ثم في كلية الشريعة واللغة العربية بالرياض، وكذا في المعهد العالي للقضاء الذي أسندت إليه إدراته فيما بعد، إضافة إلى التدريس فيه».\nوجاء في مجلة الفرقان، [العدد ٥٤، ص ١٩]:\n«ثم انتدب للعمل في المملكة العربية السعودية منذ عام ١٣٦٨ هـ - ١٩٤٩ م وقد قام بالمشاركة مع الشيخ محمد علي عبد الرحيم ﵀ الرئيس السابق لجماعة أنصار السنة المحمدية، بتأسيس المعاهد بالمملكة، ثم شارك في تأسيس كلية الشريعة واللغة العربية بالرياض، ثم رأس المعهد العالي للقضاء، وحين","vol":"1","page":44},{"text":"تأسست هيئة كبار العلماء كان أحد أعضائها ثم أصبح نائبا لرئيس اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في المملكة».\nويقول الشيخ عبد الله الشهراني:\nثم في عام ١٣٦٨ هـ ذهبت بعثة تابعة لمديرية المعارف برئاسة الشيخ (محمد ابن مانع) - رحمة الله عليه - للتعاقد مع بعض المدرسين للتدريس في المدارس السعودية التي افتتحت لتوها آنذاك .. فكان صاحب الفضيلة الشيخ (عبد الرزاق عفيفي) ﵀ أحد أوائل من تم التعاقد معه، وما ذلك إلا للسمعة الطيبة التي عرف بها الشيخ، فقد كان داعية من أبرز دعاة أنصار السنة المحمدية هناك، مدافعا عن عقيدة السلف الصالح، محاربا للبدع.\nوقدم ﵀ إلى هذه البلاد مع عدد من المشائخ، منهم الشيخ (محمد حسين الذهبي) صاحب كتاب (التفسير والمفسرون) والشيخ (عبد المنعم النمر) - عليهما رحمة الله - والشيخ (يوسف السبع) أستاذ اللغة العربية في (جامعة أم القرى سابقا).\nوكانت أول مدرسة درس فيها هي (دار التوحيد) بالطائف، وقد استمر فيها سنتين إلى أن فتح (معهد عنيزة العلمي) فانتقل إليه عام ١٣٧٠ هـ في شهر محرم، ثم لما كان في شهر شوال من العام نفسه انتقل إلى (المعاهد العلمية بالرياض) إلى أن افتتحت (كلية الشريعة) فيها وفي (كلية اللغة العربية) وهكذا ظل يدرس فيهما حتى أنشئ (المهد العالي للقضاء) عام ١٣٨٥ هـ، فكان أول مدير له، ويشرف عليه، ويلقي فيه محاضرات ودروسا، ويشرف - كذلك - على بعض الرسائل العلمية التي يتقدم بها طلاب المهد.\nثم في عام ١٣٩١ هـ انتقل إلى (الرئاسة العامة للإفتاء) حيث عين نائبا لرئيس اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء التي تم تشكيلها برئاسة فضيلة.","vol":"1","page":45},{"text":"الشيخ (إبراهيم بن محمد إبراهيم) - حفظه الله - ثم برئاسة سماحة الشيخ (عبد العزيز بن عبد الله بن باز) المفتي الحالي للمملكة - حفظه الله وأمد في عمره - ونفع به الإسلام والمسلمين، وفي الوقت نفسه كان عضوا في (هيئة كبار العلماء)، وإضافة إلى ذلك كان يشرف على كثير من الرسائل الجامعية» ا. هـ.","vol":"1","page":46},{"text":"<span data-type='title' id=toc-15>دور الشيخ عبد الرزاق عفيفي في هيئة كبار العلماء واللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء</span>\nلقد كان للشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ دور بارز في هيئة كبار العلماء منذ تأسيسها. فقد كان الشيخ ﵀ رئيسا لهيئة كبار العلماء بالمملكة في بعض الدورات كما يتضح من توقيعه الذي أوردنا صورته ص [٥٥] نقلا عن مجلة البحوث الإسلامية العدد ٢٨ ص ٣٢٢.\nكذلك كان للشيخ ﵀ وجهات نظر على بعض قرارات الهيئة فكان يبديها ويسجلها كما يتضح من توقيعه الذي أوردنا صورته ص [٥٦] نقلا عن مجلة البحوث الإسلامية العدد ٣١، ص ٣٨٠ - ٣٨٢.\nوقد حدثني الشيخ عبد الرزاق ﵀ أنه كان يرى بدعية افتتاح المجلس بالقرآن، وأنه لفت نظر أعضاء الهيئة إلى ذلك عندما افتتحوا جلسة لهم بالقرآن الكريم.\nكما كان الشيخ ﵀ يعد بعض الأبحاث التي تقدم للهيئة لتناقشها وتصدر حولها ما تراه من قرارات، ولعل من أنفس البحوث التي قدمها الشيخ، بحثه حول البورصة حيث شرح فيه أنظمة البورصة، ومعاملاتها ثم ألحق دقائق مسائلها بأشباهها ونظائرها في كتب الفقه الإسلامي بما يدل على متانة فقهه، وسعة إحاطته بالمعاملات العصرية.\nوكذلك في اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، كان الشيخ نائبا لرئيس اللجنة لسماحة الشيخ إبراهيم بن محمد بن إبراهيم آل الشيخ، ثم نائبا السماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، وواحدا من أربعة أعضاء شاركوا في إصدار","vol":"1","page":47},{"text":"آلاف الفتاوى وعشرات الأبحاث بحيث يصح أن ننسب للشيخ عبد الرزاق ربع ما صدر عن اللجنة من أبحاث، وفتاوى في غاية النفاسة وقد عم النفع بها جميع أرجاء العالم الإسلامي.\nوقد حدثني الشيخ عبد الرزاق ﵀ أنه كان يختلف مع أعضاء اللجنة في مسائل قليلة منها مسألة إدراك الركعة مع الإمام بإدراك الركوع فكان الشيخ عبد الرزاق يرى أن المأموم لا يدرك الركعة مع الإمام إلا بالفاتحة كما هو مذهب الإمام البخاري وغيره. فكان الشيخ عبد الرزاق لا يوقع على الفتاوى الصادرة من اللجنة في هذه المسألة.\nوحدثني الشيخ عبد الرزاق أيضا أنه قد كتب مقالا في هذه المسألة قديما بمجلة الهدي النبوي انتصر فيه لعدم إدراك الركعة بالركوع، وإليك نماذج من مشاركات الشيخ في هيئة كبار العلماء.","vol":"1","page":48},{"text":"<span data-type='title' id=toc-16>نماذج من مشاركات الشيخ في هيئة كبار العلماء</span>\n«… بيع الليرة السورية، أو اللبنانية بريال سعودي، ورقا كان، أو فضة، أو أقل من ذلك، أو أكثر، وبيع الدولار الأمريكي بثلاثة أريلة سعودية، أو أقل أو أكثر، إذا كان ذلك يدا بيد، ومثل ذلك في الجواز بيع الريال السعودي الفضة بثلاثة أريلة سعودية ورق أو أقل أو أكثر يدا بيد لأن ذلك يعتبر بيع جنس بغير جنسه ولا أثر بمجرد الاشتراك في الاسم مع الاختلاف في الحقيقة.\nثانيا: وجوب زكاتها إذا بلغت قيمتها أدنى النصابين من ذهب، أو فضة، أو كانت تكمل النصاب مع غيرها من الأثمان والعروض المعدة للتجارة إذا كانت مملوكة لأهل وجوبها.\nثالثا: جواز جعلها رأس مال في السلم والشركات.\nوالله أعلم، وبالله التوفيق، وصلى الله محمد وعلى آله وصحبه وسلم».","vol":"1","page":49},{"text":"<span data-type='title' id=toc-17>وجهة نظر </span>(^١)\nالحمد لله والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه وسلم، وبعد:\nفلما كانت الأوراق النقدية لا قيمة لها في نفسها، ولم تكن قيمتها مستمدة من مجرد إصدار الدولة لها وحمايتها إياها وإنما قيمتها فيما أكسبها ثقة الدول بها، وجعلها مع سن الدولة لها قوة شرائية، وأثمانا للسلع، ومقياسا للقيم، ومستودعا عاما للادخار، ولما كان الذي أكسبها ذلك وجعلها صالحة للحلول محل ما سبقها من العملات المعدنية هو ما استندت إليه من الغطاء ذهبا، أو فضة، أو ما يقدر بهما من ممتلكات الدولة، أو إنتاجها، أو احتياطها، أو أوراق مالية، أو أوراق تجارية. لما كان الأمر كذلك كانت الأوراق النقدية بدلا عما حلت محله من عملات الذهب، أو الفضة التي سبقتها في التعامل بها، وكانت تابعة لهما فما كان منها متفرعا عن ذهب فله حكم الذهب، وما كان منها متفرعا عن فضة فله حكم الفضة، وعلى هذا تجب فيها الزكاة كأصلها، ويقدر فيها النصاب بما قدر به في أصلها ويجري فيها الزكاة كأصلها، ويجري فيها ربا الفضل، والنسيئة مع اعتبار أن ما كان منها متفرعا عن فضة حسب الأصل جنس، وما كان متفرعا عن ذهب في الأصل جنس، ولا يجوز بيع الورقة النقدية لما تفرعت عنه من الذهب أو الفضة. مع التفاضل ويعتبر قبض الأوراق النقدية في حكم قبض ما حلت محله من الذهب، أو الفضة، هذا وليس بلازم أن يكون في خزينة الدولة ذهب أو فضة بالفعل ما دامت خاماتها، وسائر إمكانياتها التي تقدر بوحدتها السابقة من الذهب، أو الفضة قائمة محققة تقوم مقامها في استمرار الثقة بالأوراق النقدية في دولة الإصدار وغيرها من الدول، وليس بلازم أيضا أن تسلم مؤسسة النقد ذهبا أو فضة لحامل الورقة النقدية مقابل\n_________\n(^١) انظر: مجلة البحوث الإسلامية العدد ٣١، من ص ٣٨١ - ٣٨٢.","vol":"1","page":50},{"text":"ما فيها ما دامت الأوراق النقدية تؤدي وظيفتها وتقوم بما أنشئت من أجله، فإن لولي الأمر أن يتصرف في غطاء الأوراق النقدية أيا كان الغطاء فيما يعود على أمته بالمصلحة من وجوه تنمية الثروة، والترفيه عن الرعية حتى لا تبقى معطلة في خزينة الدولة أو معرضة للتبديد والتهريب في أيدي الأفراد.\nوبهذا يعرف أن عدم وجود الغطاء في خزينة الدولة بالفعل، وعدم رد المقابل لحاملها لا يعتبر إلغاء للغطاء ولا إبطالا له ما دام الغطاء الذي هو روح العملة وسر الثقة بها موجودا قائما ممثلا فيما يثبت ملاءة الدولة وقوة إمكانياتها، ويكسب الثقة بها قبل إصدار الأوراق النقدية، وإن وجود وحدة متفق عليها كالذهب مثلا تقاس بها موجودات وإمكانيات الدول ليعرف بها مدى ملاءة كل دولة بالنسبة للأخرى ينافي وجود غطاء لأوراق الدولة النقدية وإن تنوع، كما أنه لا ينافي وجود وحدة خاصة بكل دولة تتصل بعملتها المعدنية السابقة - وقد سئل سعادة محافظ مؤسسة النقد أسئلة منها ما هو في الموضوع ومن اختصاصه كالأسئلة المتعلقة بالغطاء، وبالسر في ارتفاع سعر العملة وانخفضها فسلم وجود الغطاء، وإن تنوع وأن من الدول ما لها احتياطي، ومنها ما ليس لها احتياطي أو لها احتياطي ضعيف، ومنها ما ليس من اختصاصه بل من اختصاص الهيئة كالسؤال: هل الأوراق النقدية عملة قائمة بنفسها أو بدل عن غيرها، فإن الجواب عن هذا السؤال من اختصاص الهيئة بعد سؤالها عن مقدمات اقتصادية يبنى على الجواب عنها حكم الهيئة بأن الأوراق النقدية عملة قائمة بنفسها أو بدل عن غيرها حالة محلها.\nوهناك أسئلة أخرى لم توجه إلى سعادة محافظ المؤسسة إما لضيق الوقت وقد كان من الممكن أن يستدعى في جلسة أخرى، وإما لاكتفاء الأكثرية بالإجابة عن بعض الأسئلة، وبالرجوع إلى ما كتب الأعضاء من الأسئلة، وجعل عند فضيلة الأمين، والمقارنة بينها، وبين الأجوبة يتبين ما ذكرت من عدم توجيه كل","vol":"1","page":51},{"text":"الأسئلة لسعادة المحافظ .. والله الهادي إلى سواء السبيل. وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم في ٤/¬١٦/¬١٣٩٣ هـ.\nعضو هيئة كبار العلماء\nعبد الرزاق عفيفي","vol":"1","page":52},{"text":"<span data-type='title' id=toc-18>نموذج من توقيع الشيخ وهو رئيس لإحدى دورات هيئة كبار العلماء</span>\nقرار هيئة كبار العلماء\nرقم ٢ وتاريخ ١٣/¬٨/¬١٣٩٢ هـ\nفي مسألة اعتبار اختلاف مطالع الأهلة من عدمه (^١)\nالحمد لله والصلاة والسلام على من لا نبي بعده محمد وعلى اله وصحبه، وبعد:\nفبناء على خطاب المقام السامي رقم ٢٢٤٥١ وتاريخ ٦/ ١١/ ١٣٩١ هـ المتضمن إحالة موضوع الأهلة إلى كبار العلماء نظرا إلى أن الموضوع عند دراسة مجلس رابطة العالم الإسلامي في جلسته المنعقدة في ١٥ شعبان عام ١٣٩١ هـ واطلاعها على قرار اللجنة الفقهية المنبثقة من المجلس قررت الموافقة على القول بعدم اعتبار اختلاف المطالع إلا أن بعض أعضاء المجلس التأسيسي. رأى التريث في الأمر وزيادة البحث والتقصي في هذا الموضوع.\nوبناء على ذلك عرض على مجلس هيئة كبار العلماء في دورتها الثانية المنعقدة في شهر شعبان ١٣٩٢ هـ ما أعدته اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في موضوع إثبات الأهلة المشتمل على الفقرتين التاليتين:\nأ - حكم اعتبار المطالع وعدم اعتباره.\nب - حكم إثبات الهلال بالحساب.\nوكذا قرار رابطة العالم الإسلامي الصادر منها في دورتها الثالثة عشرة\n_________\n(^١) انظر: مجلة البحوث الإسلامية، العدد ٢٨، من ص ٣٢١، ٣٣٣.","vol":"1","page":53},{"text":"المنعقدة في شهر شعبان عام ١٣٩١ هـ، ومرفقة بحث اللجنة الفقهية المشكلة من بعض أعضاء مجلس الرابطة في الموضوع، وبعد دراسة المجلس للموضوع وتداول الرأي فيه قرر ما يلي:\nأولا: اختلاف مطالع الأهلة من الأمور التي علمت بالضرورة حسا وعقلا ولم يختلف فيها أحد، وإنما وقع الاختلاف بين علماء المسلمين في اعتبار اختلاف المطالع من عدمه.\nثانيا: مسألة اعتبار اختلاف المطالع من عدمه من المسائل النظرية التي للاجتهاد فيها مجال، والاختلاف فيها وفي أمثالها واقع ممن لهم الشأن في العلم والدين، وهو من الخلاف السائغ الذي يؤجر فيه المصيب أجرين: أجر الاجتهاد، وأجر الإصابة. ويؤجر فيه المخطئ أجر الاجتهاد، وقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:\nفمنهم من رأى اعتبار اختلاف المطالع.\nومنهم من لم ير اعتباره واستدل كل فريق بأدلته من الكتاب والسنة، وربما استدل الفريقان بالنص الواحد كاشتراكهما في الاستدلال بقوله: ﴿* يسئلونك عن الأهلة قل هى مواقيت للناس والحج﴾ (^١). وبقوله ﷺ: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته …» (^٢) الحديث. وذلك لاختلاف الفهم في النص وسلوك كل منهما طريقا في الاستدلال به، وعند بحث هذه المسألة في مجلس الهيئة، ونظرا لاعتبارات قدرتها الهيئة، ولأن هذا الخلاف في مسألة اعتبار اختلاف المطالع من عدمه ليس له آثار تخشى عواقبها. وقد مضى على ظهور هذا الدين مدة أربعة عشر قرنا لا نعلم منها فترة جرى فيها توحيد الأمة الإسلامية على رؤية\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية ١٨٩.\n(^٢) أخرجه البخاري [١٩٠٩]، ومسلم [١٠٨٠].","vol":"1","page":54},{"text":"واحدة … فإن أعضاء الهيئة يرون بقاء الأمر على ما كان عليه وعدم إثارة هذا الموضوع وأن يكون لكل دولة إسلامية حق اختيار ما تراه بواسطة علمائها من الرأيين المشار إليهما في المسألة؛ إذ لكل منهما أدلته ومستنداته.\nثالثا: أما ما يتعلق بإثبات الأهلة بالحساب فبعد دراسة ما أعدته اللجنة الدائمة في ذلك، وبعد الرجوع إلى ما ذكره أهل العلم فقد أجمع أعضاء الهيئة على عدم اعتباره لقوله ﷺ: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ..» (^١) الحديث. ولقوله ﷺ: «لا تصوموا حتى تروه ولا تفطروا حتى تروه …» (^٢) الحديث.\nوبالله التوفيق، وصلى الله عليه نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم …\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) أخرجه البخاري (١٩٠٦)، ومسلم (١٠٨٠، ١٠٨١).","vol":"1","page":55},{"text":"<span data-type='title' id=toc-19>الفصل الثالث منزلته عند أعلام عصره وثناؤهم عليه</span>\nأما منزلة الشيخ عند علماء مصر قبل قدومه إلى المملكة العربية السعودية فيكفي في ذلك أن الشيخ عبد الرزاق ﵀ كان من المؤسسين لجماعة أنصار السنة بمصر، وكان نائبا للشيخ محمد حامد الفقي من سنة ١٣٦٥ هـ، وكانت له عنده المنزلة الأثيرة، وبعد وفاته انعقدت آراء علماء أنصار السنة على اختيار الشيخ عبد الرزاق رئيسا للجماعة سنة ١٣٧٩ هـ.\nوقد كان الشيخ عبد الرزاق ﵀ قد اختير عضوا في هيئة كبار العلماء التي أنشأتها جماعة أنصار السنة بمصر قديما، وكان من أعضاء هذه الهيئة العلامة المحدث الفقيه الشيخ أحمد محمد شاكر ﵀ والشيخ محمد عبد الحليم الرمالي، والشيخ حامد الفقي .. وغيرهم من الأعلام.\nوبعد قدوم الشيخ عبد الرزاق ﵀ إلى المملكة كانت له منزلة لا تدانيها منزلة عند سماحة محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀ (١٣١١ - ١٣٨٩ هـ) وقد حدثني شيخنا صالح بن عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم آل الشيخ - نائب وزير الشئون الإسلامية والأوقاف أن جده الشيخ محمد كان يقول عن الشيخ عبد الرزاق: «هذا الرجل ذهب خالص»، وأنه كان يعرض القضاة قبل تعيينهم على الشيخ عبد الرزاق فإن رأى الشيخ عبد الرزاق أهليتهم للقضاء عينهم الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ وإلا فلا.\nوقد ذكر الشيخ عبد الله بن قعود - عضو هيئة كبار العلماء وعضو اللجنة الدائمة سابقا - أن الشيخ عبد الرزاق أول قدومه إلى المملكة أعطاه الشيخ ابن إبراهيم كتاب الإنصاف للمرداوي في الفقه الحنبلي، وطلب من أن يقرأه فقال الشيخ عبد الرزاق: لقد قرأته فلم أر مؤلفه ذكر النبي ﷺ من أول الكتاب إلى آخره إلا","vol":"1","page":57},{"text":"ثلاث مرات، فكانت هذه الحادثة من أسباب إعجاب الشيخ ابن إبراهيم بالشيخ عبد الرزاق - رحمهما الله تعالى -.\nويقول الشيخ الدكتور محمد لطفي الصباغ مبينا منزلة الشيخ عبد الرزاق عند الشيخ ابن إبراهيم:\nوكان الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀ مفتي المملكة يقدره ويستشيره، ويعتمد عليه في كثير من الأمور تقديرا لعلمه الواسع، ورأيه الصائب، وإخلاصه الجم.\nوالفضل يعرفه ذووه، وكذلك كان الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله وأطال عمره (^١).\nويقول الشيخ الدكتور عبد الله التركي - وزير الأوقاف والشئون الإسلامية والأوقاف -:\nلقد فقدنا عالما فاضلا، مربيا لأجيال من العلماء وطلاب العلم، إنه شيخنا فضيلة الشيخ عبد الرزاق عفيفي، والذي توفي يوم الخميس الخامس والعشرين من ربيع الأول عام ١٤١٥ هـ ﵀ وأكرم مثواه ..\nلقد فقدنا بفقده عالما فاضلا، قضى كل حياته في سبيل العلم تحصيلا وتعليما، نفع الله به عددا كثيرا من الطلاب الذين تتلمذوا عليه، أو تتلمذوا على طلابه.\nلقد عاصر ﵀ جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، منذ نواتها الأولى، واستمر عطاؤه لها إلى أن توفاه الله يوم الخميس الماضي، وكان من أبرز الذين أفادوا الجامعة في كلياتها ومعاهدها.\n_________\n(^١) عن ترجمة خطية عند الأستاذ محمود بن الشيخ عبد الرزاق.","vol":"1","page":58},{"text":"ولقد أدرك سماحة شيخنا الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ رئيس الكليات والمعاهد، ومؤسسها بثاقب نظره، وبقدرته في معرفة الرجال ما يتصف به هذا العالم الفذ الشيخ عبد الرزاق عفيفي من علم، وبعد نظر وقدرة على معالجة الأمور فقربه وعرف مكانته ومكن له لإفادة الباحثين والعلماء منه.\nولقد استمر عطاؤه في الكليات والمعاهد بعد وفاة سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم - عليه رحمة الله -، ثم في مجال الإفتاء، والدعوة في رئاسة البحوث العلمية، والإفتاء، والدعوة، والإرشاد، وكان فيها من المقربين لسماحة والدنا وشيخنا عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله، ومد في عمره في نشر العلم والدعوة إلى الله والدفاع عن دينه (^١).\nويقول الشيخ صالح الأطرم - عضو هيئة كبار العلماء -:\nوكان سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم - رحمة الله عليه - يعتمد رأيه في المناهج وفي الكتب المقررة (^٢).\nيقول الشيخ الدكتور عبد الله العجلان - وكيل الرئيس العام لتعليم البنات لشؤون الكليات الجامعية -:\nإن الفقيد يحتل الصدارة بين أساتذة الكليات والمعاهد العلمية بالمملكة وذلك بعلمه، وأدبه، وأخلاقه، وسداد رأيه، وحسن تعامله، وكونه قدوة حسنة قولا وعملا .. وقد عرفته صديقا حميما ومستشارا مخلصا لمفتي المملكة السابق الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، كما عرفته أستاذا ماهرا، وبحرا زاخرا بمختلف علوم التفسير، والعقيدة، والفقه، والأصول، وغيرها من جوانب العلوم الشرعية، واللغة العربية .. وعرفته كذلك محدثا واعظا، ومرشدا جم\n_________\n(^١) جريدة الجزيرة، بتاريخ ٤/¬١٢/¬١٤١٥ هـ.\n(^٢) مجلة الدعوة، العدد ١٤٦٠ تاريخ ٤/¬٢٤/¬١٤١٥ هـ.","vol":"1","page":59},{"text":"المعرفة، غزير العلم، متواضعا كثير الزهد والتقشف، مقبلا على الله في جميع أقواله وأعماله.\nوإن كان يرحمه الله لم يترك لنا آثارا علمية تتفق مع مقامه الرفيع وعلمه الغزير فإن يعتبر أستاذ جيل كامل من علماء المملكة (^١).\nوحول منزلته عند سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز - المفتي العام للمملكة - يقول الشيخ أبو عبد الرحمن بن عقيل الظاهري:\n«وكان سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز أكثر تعلقا به لما جربه من غزير علمه، ورجاحة عقله، وعفته وتورعه، فلم يأذن له بالاستراحة وقد أناف على التسعين واحتنكته أمراض عديدة، فالتزم الشيخ عبد الرزاق جانب الحسبة ما دامت قوته العقلية لم تضعف، فكان يذهب إلى المملكة يدف على العجل» (^٢).\nمنزلته عند الشيخ الألباني:\nويكفي ما وصفه به شيخنا العلامة ناصر الألباني حفظه الله تعالى بأنه: (من أفاضل العلماء، ومن القلائل الذي نرى منهم سمت أهل العلم وأدبهم، ولطفهم وأناتهم وفقههم) (^٣).\nوقد كان للشيخ عبد الرزاق منزلة كبيرة عند الملك عبد العزيز آل سعود ﵀:\n«وكان للشيخ - يرحمه الله - أيام الملك عبد العزيز درس كل يوم أربعاء، وكان الملك يحضره، وكان الشيخ يستخدم ذلك الدرس في النصح الطيب للملك ويسعد الملك بذلك» (^٤).\n_________\n(^١) جريدة عكاظ ٣/¬٧٢/¬١٤١٥ هـ.\n(^٢) جريدة عكاظ ٤/¬١٢/¬١٤١٥ ..\n(^٣) المسلمون ٤/¬١٨/¬١٤١٥ هـ.\n(^٤) مجلة الأصالة، العدد الثاني عشر والرابع عشر.","vol":"1","page":60},{"text":"والشيخ ﵀ كان داعية متميزا يحرص على حضور دروسه ومجالسه الكثير ومما يذكر أنه كان للشيخ أيام الملك عبد العزيز ﵀ درس كل يوم أربعاء، وكان الملك يحضره (^١).\nوحول منزلته لدى الملك فيصل بن عبد العزيز ﵀ يقول أبو عبد الرحمن بن عقيل:\n«وأبى الملك فيصل ﵀ إحالة أمثال الشيخ عبد الرزاق عفيفي إلى التقاعد وأوصى بأن يظل منبعا ثرا مدى حياته» (^٢).\nويقول الشيخ زهير الشاويش - صاحب المكتب الإسلامي للنشر -:\n«عرفت أستاذنا وفقيد الأمة الإسلامية قبل خمسين سنة، وتوثقت صلتي به منذ أربعين سنة على أمتن ما تكون الصلة، عرفته بفضله وكرمه، تغمده الله برحمته.\nومنذ عرفته حتى يوم فقدته ما رأيت منه إلا العلم الغزير والأخلاق السامية، والنبرة الصادقة، والألفاظ العطرة، والعقل الراجح والورع الحقيقي والترفع عن سفاسف الأمور، والصبر عند الملمات، مما لا تكاد تجده مجموعا عند غيره من الرجال.\nكان عالما عاملا بنشر العقيدة الصحيحة، والتربية السليمة والأخلاق المحمدية فكان مدرسة فريدة في جمع الناس على الخير» (^٣).\nويقول الشيخ الدكتور محمد لطفي الصباغ:\n«… وإني منذ طفولتي إلى هذه الساعة وأنا أعاشر العلماء، أتتلمذ على\n_________\n(^١) الفرقان، العدد ٥٤.\n(^٢) الجزيرة ٤/¬١٢/¬١٤١٥ هـ.\n(^٣) جريدة السبيل، العدد ٤٦، تاريخ ١٣ أيلول ١٩٩٤ م.","vol":"1","page":61},{"text":"أيديهم، وأتلقى منهم وأباحثهم، ولا والله لم ألق عالما في سعة اطلاعه، ودقة استحضاره وحفظه، وسلامة منهجه، واستقامة حياته، وجولان ذهنه وقدرته على إعطاء الحكم الدقيق في المسألة المطروحة، ومعاصرته لأحداث زمانه».\nويقول الشيخ مناع خليل القطان:\nعرف بسعة علمه، وعمق فهمه - فكان زملاؤه المدرسون يعتبرونه مرجعا لهم.\nويقول الشيخ عبد الله بن حافظ الحكمي - مدير مكتب المفتي العام -:\n«وإن من آخر من فقدتهم الأمة الإسلامية الوالد الشيخ عبد الرزاق عفيفي عضو هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية سابقا ونائب رئيس اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، ولست بصدد الترجمة له فقد كفيت ذلك ولكن للتعريف ببعض سيرته ﵀ من واقع اتصالي به قيض لي العمل قريبا منه في رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد - سابقا - كما شرفني ﵀ بالإشراف علي في المرحلة الأولى من رسالتي لنيل درجة الدكتوراه قبل أن تنتابه الأعراض المرضية والمتاعب الصحية في آخر حياته.\nلقد عرفت في فضيلته الدقة العلمية والمتابعة والاستيعاب الواسع الجوانب المباحث المطروحة متميزا ﵀ بدقة فهمه لمختلف مسائل العلم الشرعية واستيعابه للأصول والقواعد التي تصدر عنها الأحكام، وسرعة استحضاره لكلام أهل العلم من قراءاته في المراجع المختلفة» (^١).\nويقول الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ - عضو هيئة كبار العلماء -:\n«الشيخ أحد الأعلام الفضلاء الذين هيأ الله لهم فرصة تربية الأجيال، وهو\n_________\n(^١) مجلة الدعوة، ٤/¬٢٤/¬١٤١٥ هـ.","vol":"1","page":62},{"text":"أحد العلماء الذين عرفوا بالجد والاجتهاد والإخلاص في أداء الواجب، وهو ذو علم واسع وله اطلاع في الحديث، والتفسير، والفقه وأصوله، واللغة العربية، وقد تخرج على يديه أفواج كثيرة، ويذكر له طلابه إخلاصه ومحافظته على أداء الواجب وجده واجتهاده.\nولقد كان الشيخ عبد الرزاق عفيفي يلقي دروسا بعد العشاء في مسجد الشيخ محمد بن إبراهيم في التفسير، وكانت دروسه نافعة وتوجيهاته قيمة، وعرف بسعة علمه، وحسن تربيته وتوجيهه وإخلاصه وهو ﵀ مثال للعالم العامل. فالشيخ غفر الله له عرف بتوجيهه وتأثيره وعظته وبخاصة في التعليم، فما زال طلابه الذين تلقوا العلم على يديه يعرفون له جده واجتهاده، وقدرته على إيصال المعلومة لأذهان الطلاب مما يدل على تمكنه وحرصه غفر الله لنا وله ولجميع موتى المسلمين (^١).\nويقول الشيخ إبراهيم بن محمد بن إبراهيم آل الشيخ - وزير العدل سابقا -:\n«الشيخ - يرحمه الله - ممن عرف علمه وفضله وورعه، وهو أول من عمل في المعاهد العلمية، وكان وجوده فيها كسبا لها من سعة علم واطلاع وخبرة وفهم، وهي الآن خسرت خيرة الرجال والعلماء في الداخل والخارج، وقد لازمت الشيخ طويلا واستفدت منه كثيرا» (^٢).\nويقول الشيخ عبد العزيز بن عبد المنعم - أمين هيئة كبار العلماء -:\n«درسني الشيخ في دار التوحيد عام ١٣٦٨ هـ، ثم درست في المعهد العالي للقضاء عندما كان مديرا له، وعملت معه في التدريس بالمعاهد، وكان - برحمه الله - مثالا للعالم الباذل الجهده وفي دقته في الفتاوى، والبحوث العلمية، كما\n_________\n(^١) المسلمون ٤/¬٤/¬١٤١٥ هـ، عكاظ ٣/¬٢٧/¬١٤١٥ هـ.\n(^٢) المسلمون ٤/¬٤/¬١٤١٥ هـ.","vol":"1","page":63},{"text":"كان دمث الأخلاق طيبا والكل يألفه ويحبه، ومن حسن خلقه نال ثقة الشيخ محمد بن إبراهيم وكان يأنس برأيه فيما يتعلق بالمناهج» (^١).\nويقول د. صالح بن غانم السدلان:\n«كنت معجبا جدا بطريقة الشيخ عبد الرزاق في التدريس، حيث المادة العلمية لديه - يرحمه الله - خالية من الحشو، مرتبة، مركزة، متسقة، معروضة بأسلوب شيق قشيب» (^٢).\nويقول الشيخ علي الرومي - رئيس محكمة التمييز -:\n«كان الشيخ أول من باشر التدريس في المعهد العلمي بالرياض منذ أول يوم لافتتاحه في عام ١٣٧١ هـ وله اطلاع واسع - يرحمه الله - في الفقه والحديث والتفسير والتاريخ، وله علم في الجغرافيا وغيرها» (^٣).\nويقول معالي الدكتور عبد الملك بن دهيش - الرئيس العام لتعليم البنات -:\n«إن الأمة الإسلامية فقدت برحيل فضيلة الشيخ عبد الرزاق عفيفي واحدا من علمائها الأجلاء الذين أثروا بغزير علمهم المكتبة الإسلامية مشيرا أن فضيلته درس العلم من منابعه حتى نال الشهادة العالمية من الأزهر، وتدرج في سلك التدريس بدءا بدار التوحيد بالطائف ثم في كليتي الشريعة واللغة العربية بالرياض قبل أن يعين مديرا للمعهد العالي للقضاء.\nوأضاف: أن فضيلته كان زميلا لوالدي - يرحمه الله - الذي كان كثيرا الثناء عليه مشيدا بعلمه الغزير» (^٤).\n_________\n(^١) المسلمون، ١٤١٥/¬٤/¬٤ هـ.\n(^٢) المصدر نفسه.\n(^٣) المصدر نفسه.\n(^٤) عكاظ، ٣/¬٢٧/¬١٤١٥ هـ.","vol":"1","page":64},{"text":"ويقول الشيخ محمد السبيل - الرئيس العام لشؤون الحرمين -:\n«والفقيد الراحل ليس خسارة على المملكة فحسب، إنما لكل الأمة الإسلامية. وها هو يرحل عنا بعد سنوات طويلة قضاها في نشر تعاليم الدين الإسلامي الحنيف، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر .. وقد تعلم على يده العديد من طلبة العلم، وكان حليما وقورا مجلسه من طلبة العلم» (^١)\nويقول الشيخ بن عبد الرحمن الأطرم:\n«صفات الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ صفات العلماء الأفذاذ الذين مضوا وسجل التاريخ لهم ما يبقى من المحاسن إلى يوم القيامة والذين شملهم قول الرسول ﷺ: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة» (^٢) لأنهم ورثة الأنبياء والأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، وإنما ورثوا العلم، تعليما وتدوينا.\nوالشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ جمع العلم والعقل فيا سعادة من جمع العلم والعقل، إذ لا يستغني بأحدهما عن الآخر، فالعقل يزن به ما يقول ويفعل، ويتأمل في العواقب، والعلم الشرعي يعرف به أحكام الشرع في التصرفات والأقوال والأفعال. والشيخ عبد الرزاق نفع الله به في جميع مستويات الدراسة النظامية منذ أن بدأت النهضة العلمية النظامية في المملكة العربية السعودية مع أنه شارك في حلق التدريس في مسجد سماحة الشيخ محمد ابن إبراهيم آل الشيخ ﵀ أول ما قدم إلى الرياض في سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة وألف، وعند الملك عبد العزيز غفر الله له وأصلح عقبه» (^٣)\n_________\n(^١) المصدر نفسه.\n(^٢) رواه البخاري، كتاب المناقب (٣٦٤٠، ٤٧٥٩)، ومسلم (١٠٣٧).\n(^٣) الدعوة، ٤/¬٢٤/¬١٤١٥ هـ.","vol":"1","page":65},{"text":"<span data-type='title' id=toc-20>الفصل الرابع شهادة العلماء له بسعة علمه وتبحره في جميع الفنون</span>\nيقول الشيخ محمد لطفي الصباغ:\n«وكان إذا تكلم في فن من فنون العلم ظن السامع أنه لا يحسن غيره، وأنه متخصص فيه وحده كان موسوعي المعرفة. كان محدثا كبيرا قل أن يخفى عليه حديث، وكانت له مقدرة متميزة في تخريج الحديث والحكم عليه، وقد ترى في بعض الأحاديث من الرأي الصحيح ما لا تجده عند غيره سواء في تحديد درجته أم في فهمه والوقوف على دلالالته.\nوله عناية خاصة بكتب الرجال، وقد بلغ من عنايته أنه فقد جزءا من كتاب من كتب الرجال فكتبه بخطه وجلده، ولما رآه بعض الولوعين بحفظ آثار عظماء العلماء استهداه هذا الجزء فأهداه إياه بحضوري.\nوكان مفسرا عظيما، وإن أنس لا أنس دروسه الرائعة في تفسير القرآن التي كان يلقيها في مسجد الشيخ محمد بن إبراهيم في دخنه في الرياض، وكنت ملازما لها، وذلك من فضل الله علي … لقد كان يغوص بين تلك المعاني العميقة في الآية ويذكر ارتباطها بما قبلها وما بعدها، ويصل بين تلك المعاني وبين حياة الناس، ويشير إلى أسرار البلاغة ونواحي الإعجاز فيها، وكان لا يرضى تأويل المتأخرين ولا المعاصرين المفتونين بحضارة الغرب الذين تزعزعت عندهم الغيبيات فراحوا يؤولون النصوص تأويلا متكلفا بعيدا.\nوكان فقيها مجتهدا، وما كان يرضى التعصب لمذهب من المذاهب مع إحاطة بها إحاطة لم أر مثلها، بل كان يمشي مع الدليل. وقد تكونت لديه ملكة فقهية","vol":"1","page":67},{"text":"عظيمة.\nوكان إذا سئل لا يتسرع بالإجابة، بل يسأل عن دقائق الموضوع المطروح حتى يستوعبه ويكون عنده تصور صحيح دقيق للموضوع ثم يجيب.\nوكان أصوليا متبحرا في هذا العلم العظيم: علم أصول الفقه، واقفا على دقائقه، مطلعا على كتبه مستحضرا لما فيه، فإذا سألته عن كتاب من كتب الأصول ذكر لك خصائصه ومزاياه وطريقته، والمآخذ التي قد تؤخذ عليه، وقد كان معجبا بكتاب «المستصفى» للغزالي وبكتاب «الموافقات» للشاطبي.\nوكان من كبار علماء التوحيد على مذهب السلف ﵏ يعرض القضايا الدقيقة فيه بأسلوب ميسر واضح، وقد كان ﵀ واقفا على كلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم في هذا العلم. ولقد استطاع أن يرد ما جاء في شرح الطحاوية وهو مقتبس من كلام ابن تيمية وتلميذه إلى مواضعه في كتبهما، وقد تضمنت طبعة المكتب الإسلامي الأخيرة للكتاب هذه الإحالات.\nوكان في علوم العربية متمكنا، فقد كان في النحو مرجعا تراه يورد في حديثه القاعدة النحوية إذا اقتضاه التوضيح أن يوردها وكأنه من المتخصصين في النحو، وكان ذواقة للنصوص الجميلة وهذا يدل على موهبة بيانية أكرمه الله بها وعلى تمكنه من علوم البلاغة.\nوكان في الكتابة ذا أسلوب متين جزل بليغ، لا يقل عن أساليب كبار الكتاب والأدباء، تتصف عباراته بالإيجاز، والإحكام، والبيان، والوضوح، والجزالة. ولدي عدد من رسائله الشخصية إلي وهي نماذج على ذاك الأسلوب العالي.\nوكذا ذا بيان مشرق متدفق إذا تكلم أو درس، لا يتلعثم ولا يتوقف ولا يلحن. وكان مناظرا قوي الحجة مستحضر الدليل يحيط بأطراف الموضوع الذي يناقشه.","vol":"1","page":68},{"text":"وكان مدرسا ناجحا سواء كان درسه في الجامع أو في الجامعة، فلقد كان له درس أسبوعي في مسجد الشيخ محمد كما ذكرنا آنفا، ثم لما انتقل إلى بيته في شارع الخزان كان يؤم الناس في المسجد الذي يقابل بيته وكان يلقي بين الفينة والأخرى دروسا تأخذ بالألباب في روعتها وعمق معانيها وغزارة أدلتها.\nوكانت إحاطته بمفردات اللغة العربية تكاد تكون إحاطة شاملة، فلقد كان يصحب القاموس المحيط، وقد حدثني أنه يجد متعة في قراءة مواده. والناس عادة لا يرجعون إلى القاموس إلا عندما يريدون معرفة معنى كلمة، أما الشيخ ﵀ فقد كان يقرأ فيه كما يقرأ أي كتاب من الكتب.\nأما فهمه لعبارات الأقدمين في كتبهم فقد كان شيئا مدهشا حقا، وبعض العبارات بالغة التعقيد بسبب الرغبة عند هؤلاء المتقدمين في تحميل الألفاظ القليلة المعاني الكثيرة … لقد كان ينظر في العبارة العويصة نظرة فيحلها ويشير إلى مراميها ومقاصد كاتبها، على نحو لا تجده إلا عند قليل من أهل العلم.\nومهما يكن من أمر، فإني لا أستطيع أن أنقل للقراء صورة حقيقية لعلم الرجل الواسع في هذه الكلمة».\nويقول الشيخ عبد الله الحكمي:\n«أقول: رحم الله الوالد الشيخ عبد الرزاق، فقد كان بحر علم زاخرا صدر عنه الكثير من طلبة العلم الشرعي، ولا سيما في هذه البلاد بخاصة.\nكما كان في علم الفقه سريع الاستحضار للأحكام الشرعية محيطا بأدلتها عالما بقواعدها، وأصولها مدركا لأشباه المسائل ونظائرها سديد الرأي، صائب الاجتهاد، يفتي السائل على حسب حالته ومستواه من الجهل والعلم» (^١).\n_________\n(^١) الدعوة ٤/¬٢٤/¬١٤١٥ هـ.","vol":"1","page":69},{"text":"ويقول الشيخ عبد الله بن جبرين:\n«أما علمه فهو بحر لا ساحل له في أغلب العلوم التي يتناولها بالبحث والشرح، فلقد عرفته لأول مرة عام ١٣٧٤ هـ، وكان يزور بعض المشايخ كالشيخ عبد العزيز بن محمد الشتري، ونقرأ عليه في المجلس حديثا من أول صحيح البخاري فيشرحه شرحا موسعا بحيث يستغرق شرح الحديث الواحد أكثر الجلسة، وعرفته في أحد الأعوام يفسر سورة سبأ في مسجد سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ فكان يبقى في تفسير الآيتين نحو ساعة أو أكثر، ويستنبط من الآيات فوائد، وأحكاما، وأقوالا، وترجيحات يظهر منها عظمة القرآن وما فيه من الاحتمالات والفوائد، ومما يدل على موسوعية الشيخ وسعة اطلاعه وكثرة معلوماته» (^١).\nويقول الشيخ الدكتور حمد الجنيدل:\n«كان شيخنا - يرحمه الله - من العلم بمكان، وله طريقة متميزة في إلقاء الدروس، وتأثير عجيب على مستمعيه بأسلوب سهل متين، وعلم جم، وجوامع كلم، يتقن عدة علوم، من أبرزها: علم التفسير، والعقيدة، والفقه، وأصوله وعلم المنطق، وشيئا من علم الحديث، كان في علم التفسير أستاذا وفي كل ما أشرت إليه قمة يتمنى كل طالب علم أن يسمع له، وكان لا يدرس من كتاب بل له حافظة قوية جدا» (^٢).\nويقول الشيخ الدكتور صالح بن سعود آل علي - عضو مجلس الشورى-:\n«… وكان ﵀ ذا باع طويل في علوم الشريعة، له القدح المعلى في تفسير وعلوم القرآن، وقل أن يوجد له نظير في التوحيد وعلوم العقائد والمذاهب\n_________\n(^١) الدعوة ١/¬٥/¬١٤١٥ هـ.\n(^٢) المسلمون ٤/¬٤/¬١٤١٥ هـ.","vol":"1","page":70},{"text":"والملل والنحل. أما في علم أصول الفقه، فهو علم من أعلامه له في ميدانه اليد الطولى. وأما الفقه فإليه المنتهى» (^١).\nويقول الشيخ أبو عبد الرحمن بن عقيل الظاهري:\n«وكان هو والعلامة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي فرسي رهان ويظل لكل واحد منهما ميزته».\nوالشيخ له باع في المنطق والعقليات وعلم الكلام، وعلى علم ودراية بمواقع الضعف في كتب العقيدة التي تدرس خارج المملكة على أسلوب المتكلمين كالسنوسية. بل كان الشيخ ذا عناية بالنسفية قبل أن يصل إلى السعودية، إلا أن سماحته لا يتظاهر بعلمه، ولكنه إذا سئل، أو ناقش أو طلب منه الدليل والتأصيل كانت فتواه عن علم مؤصل لا يملكه إلا خاصة من الأسلاف جمعوا بين المعقول والمنقول، حديثا وتفسيرا، وأصولا ولغة ومنطقا.\nوتعليقاته القليلة على بعض الكتب مثل الكتاب الفحل إحكام الآمدي في الأصول، كانت قليلة وكانت لمحة عالم (^٢).\nويقول الشيخ صالح الأطرم:\n«درسنا الشيخ عبد الرزاق في معهد الرياض العلمي، وفي كلية الشريعة، وفي المعهد العالي للقضاء في التفسير، وفي توحيد العبادة، وفي العقيدة، وفي الفقه وفي البلاغة، وفي النحو، وفي أصول الفقه فما درس مادة إلا أبدع فيها» (^٣).\n_________\n(^١) عكاظ ٣/¬٢٨/¬١٤١٥ هـ.\n(^٢) الجزيرة ٤/¬١٢/¬١٤١٥ هـ.\n(^٣) الدعوة ٤/¬٢٤/¬١٤١٥ هـ.","vol":"1","page":71},{"text":"<span data-type='title' id=toc-21>الفصل الخامس: عقيدته السلفية</span>\nلقد كان الشيخ عبد الرزاق ﵀ من أئمة الدعوة السلفية وأعلامها في هذا العصر وكان ﵀ مدافعا عنها بيده ولسانه في جميع مراحل حياته.\nفهو في مصر كان رئيسا لجماعة أنصار السنة المحمدية التي أسست لنشر التوحيد الخالص، ومحاربة القبوريين، وأهل البدع، فكان الشيخ عبد الرزاق ﵀ كما سبق أحد المؤسسين لهده الجماعة مع الشيخ حامد الفقي حيث كان نائبا له، ثم رئيسا للجماعة من بعده.\nوما بقى من آثار الشيخ عبد الرزاق المكتوبة كلها يشهد له بصفاء عقيدته في جميع أبواب الاعتقاد، فمن ذلك حاشيته على تفسير الجلالين التي نبه فيها إلى ما وقع في الكتاب من تأويلات أشعرية، وحواشيه على التدمرية، والحموية، والتبوكية وهي تحت الطبع الآن يظهر منها بجلاء أن الشيخ عبد الرزاق ﵀ كان يسير على منهج شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، وعلى منهج شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵏، وهو المنهج السلفي القويم الحري بالاتباع.\nوقد شهد للشيخ بسلفيته كل من عرفه من علماء عصره وسوف أنقل لك بعضا من أقوالهم في ذلك:\nيقول الشيخ صالح بن عبد الرحمن الأطرم:\nكانت عقيدة الشيخ عبد الرزاق في أسماء الله وصفاته وتوحيد العبادة عقيدة السلف الصالح فيفسر «لا إله إلا الله» بلا معبود بحق إلا الله، وهذ التفسير هو الحق. وفي الأسماء والصفات كان على طريقة السلف الصالح فهم يصفون الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل على حد قوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ (^١).\n_________\n(^١) سورة الشورى، الآية: ١١.","vol":"1","page":72},{"text":"وكان كثيرا ما ينبهنا على دقائق ولطائف، فمن ذلك أن أحد مدرسي التفسير أثنى على تفسير الفخر الرازي، وكان عند أحد الكتبيين في الرياض منه نسختان، فسارعت لشراء واحدة وقرأت فيه ثم ذهبت إلى الشيخ عبد الرزاق وأثنيت على ذلك التفسير، وقلت له: لكني لم أسمع مشايخنا يذكرونه أو يقرؤونه على الناس، فقال لي بغضب: ألا تدري لماذا؟ ثم قال: ألا تعرف منهج مشايخك؟. وكنت إذ ذاك لم أسمع لفظة منهج، ثم قال: مشايخك مشايخ عقيدة سلفية، وتفسير الفخر الرازي فيه شوك لا يصلح أن يقرأ على العامة، ولا يصلح للمبتدئين في التعليم، فاستفدت من هذه اللفتة من الشيخ اختلاف المنهجيات وبيان المراد بها» (^١).\nويقول الشيخ عبد الله بن عبد المحسن التركي:\n«لقد امتاز ﵀ عن غالب زملائه وأقرانه الذين درسوا في الأزهر وفي غيره من المؤسسات العلمية، بشدة متابعته لسلف الأمة الصالح، وتركيزه في آرائه وتدريسه على العقيدة الإسلامية الصافية، المرتبطة بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ.\nولقد كان يقوم كل بحث أو رأي في ضوء الأسس والأصول الصحيحة التي إلتزمها السلف الصالح، والأئمة الكبار حينما واجهوا الفلسفات المادية في الأصول والفروع» (^٢).\nويقول الشيخ عبد الله بن حافظ الحكمي:\n«… ولقد كان ﵀ واسع العلم بمسائل العقيدة شديد التمسك بمذهب السلف الصالح مع المعرفة التامة بالملل والنحل المختلفة وأصولها التي\n_________\n(^١) الدعوة ٤/¬٢٤/¬١٤١٥ هـ.\n(^٢) الجزيرة ٤/¬١٢/¬١٤١٥ هـ.","vol":"1","page":73},{"text":"تصدر عنها عالما بعوارها ومواطن دحضها.\nلقد كان ﵀ شديد الإعجاب بشيخ الإسلام ابن تيمية كثير الرجوع إلى مؤلفاته، وكان مما سمعته منه قوله: «لم أر لدى أكثر المؤلفين في العصور المتأخرة جديدا بل تكرار لما ذكره من سبقهم سوى شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فإنك تجد في مؤلفاته الكثير من العلم مما لم يسبق إليه» (^١).\nويقول الدكتور محمد لطفي الصباغ:\n«وكان تغمده الله بالرحمة سلفي العقيدة، يدعو إلى الحق على بصيرة، وكان رئيس جماعة أنصار السنة في الإسكندرية، يوم أن كان في مصر» (^٢).\nويقول الشيخ مناع خليل القطان:\n«… كان منهجه السلفي سمة بارزة فيه بأسلوب شائق جذاب يدعمه الدليل والحجة، ولا يمس أحدا بتجريح، مما جعل استجابة الناس له عن حب وقناعة» (^٣).\nويقول الشيخ عبد الله العجلان:\n«… وتعرفت على بعض مراجعه في الدراسة، وإعجابه ببعض العلماء وبعض الأئمة في بعض الأمور، كان تلميذا مخلصا على مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن قيم الجوزية قرأ إنتاجهما العلمي قراءة مكررة حتى وعى ما فيها عن قناعة وتشرب فقههما ومنحاهما في الاجتهاد واستقلالهما في أخذ الأحكام من الأدلة الشرعية، وهو يظهر الإعجاب بهما ولا يخفى على مجالسه\n_________\n(^١) الدعوة ٤/¬٢٤/¬١٤١٥ هـ.\n(^٢) ترجمة خطية.\n(^٣) ترجمة خطية.","vol":"1","page":74},{"text":"تقديره لهذين الأمامين الجليلين، كما لا يخفي عليه إعجابه بحركة الإصلاح والتجديد في نجد على يد الشيخ محمد بن عبد الوهاب ومنهجه في الدعوة وحسن معالجته للمشكلات التي كانت تواجه دعوته …\nويظهر بجلاء احترامه وتقديره لكثير من علماء المملكة العربية السعودية، وفي مقدمتهم الشيخان الجليلان الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، والشيخ عبد العزيز بن باز في علمهما وعملهما وذكر لي الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي وكان يثني عليه ثناء لعصره بحرا في علمه سديدا في توجيهه» (^١).\nوليس أدل على صفاء عقيدته السلفية من أن سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز كان يعهد إليه ببعض الكتب التي فيها مخالفات لمعتقد السلف طالبا منه أن ينبه على مواضع المخالفة.\nوإليك صورة مكاتبة بين الشيخ عبد الرزاق، والشيخ عبد العزيز بن باز حول كتاب الاعتقاد للإمام البيهقي حيث طلب الشيخ عبد العزيز من الشيخ عبد الرزاق تقريرا حول كتاب الاعتقاد للإمام البيهقي، فأجاب الشيخ عبد الرزاق بما نصه:\n_________\n(^١) ٢٦/ ١٤١٥٣ هـ.","vol":"1","page":75},{"text":"(صورة التقرير)","vol":"1","page":76},{"text":"(صورة التقرير)","vol":"1","page":77},{"text":"«سماحة الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد:\nالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:\nفبناء على كتاب سماحتك رقم في// ١٤٠٤ هـ الذي تطلب فيه تقريرا عن كتاب الاعتقاد للبيهقي.\nقرأت الكتاب فوجدته موافقا للسلف في مواضع كثيرة ومخالفا لهم في مواضع أخرى، وسأجمل فيما يلي ما يؤخذ عليه مما خالف فيه السلف في العقيدة:\n١ - يصف الله وأسماءه بالقدم، ويسميه بالقديم، كما يتبين مما تحته خط في الصفحات التالية ٦، ٢٠، ٢٢، ٣٧، ٦٠، ٦١.\n٢ - استدل على حدوث الكونيات بأنها محل للحوادث كسائر الأشعرية، فلزمهم بذلك نفي قيام الصفات الفعلية بالله والتزموا تأويل النصوص المثبتة لصفات الأفعال بما يسمونه قديما، كما يتبين ذلك بالرجوع إلى ما تحته خط في ص ٧.\n٣ - تأول اسم الله - الرحمن - بالمريد لرزق كل حي في الدنيا، واسمه - الرحيم - بالمريد لإكرام المؤمنين في الجنة، وقال: «فيرجع معناها إلى صفة الإرادة التي هي صفة قائمة بذاته تعالى» ويعني بالإرادة - الإرادة الكونية الأزلية، لا الإرادة الدينية التي تعني المحبة، يتبين ذلك مما تحته خط من ص ١٥ - ١٩، وتأويل الإلهية بالقدرة على اختراع الأعيان.\n٤ - ذهب في صفة الكلام إلى مذهب الكلابية، كسائر الأشعرية، فجعلها صفة نفسية ذاتية قديمة قائمة بذات الله تعالى، ورد صفة الحكم المفهومة من اسم الله الحكم وقال: «وقد يكون بمعنى حكمه لواحد بالنعمة والآخر لواحد بالمحنة.","vol":"1","page":78},{"text":"فيكون من صفات فعله».\nوقال مثل ذلك في اسم الله - الشكور - وفي اسمه العدل - يتبين ذلك مما تحته خط من ص ١٦.\n٥ - فسر اسم الله - العلي - بالأعلى القاهر، وبالذي علا وجل عن أن يلحقه صفات الخلق وقال: هذه صفة يستحقها بذاته.\nوتأول محبة الله عباده بإرادته رحمتهم وبمدحهم، وقال: فيرجع معناه إلى صفة الإرادة والكلام بمعنى الإرادة الكونية، والكلام النفسي، وقال: وقد يكون بمعنى إنعامه عليهم فيكون من صفات الأفعال.\nكما تقدم بيانه يتبين ذلك مما تحته خط من ص ١٧ - ١٩.\n٦ - قال في اسم الله «المتعالي» هو المنزه عن صفات الخلق، وهذه صفة يستحقها بذاته وقد يكون العالي فوق خلقه بالقهر» ا. هـ.\nوهذا فرار من إثبات علو الله على خلقه بذاته ص ١٧ - ١٩.\n٧ - بعد أن فسر أسماء الله الحسنى وذكر ما رآه فيها من احتمال ووجوه قال: «وهذه الوجوه التي في معانيها كلها صحيح، وربنا ﷻ، وتقدست أسمائه متصف بجميع ذلك، فله الأسماء الحسنى، والصفات العلى، لا شبيه له في خلقه، ولا شريك له في ملكه، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير» ا. هـ. ص ٢١.\n٨ - قال في ص ٢١ أيضا: «فلله عز اسمه أسماء وصفات، وأسماؤه صفاته وصفاته أوصافه» ا. هـ.\nفجعل أسماءه صفات، ومعلوم أن الإسم يتضمن الصفة، وأنها بعض مفهومه لا أنه الصفة.","vol":"1","page":79},{"text":"٩ - في ص ٢١ - ٢٢ قسم صفات الله، قسمين: صفات ذات وصفات أفعال، وقسم صفات الذات قسمين: عقليا وهو ما كان طريق إثباته أدلة العقل مع ورود السمع به، فإذا دل وصف الواصف به على الذات فالإسم عين المسمى مثل شيء، ذات، موجود، جليل، عزيز، عظيم، متكبر، وإن دل وصف الواصف به على صفات زائدة على ذاته قائمة به مثل حي، عليم، قادر، سميع، بصير، متكلم، فالإسم في هذا لا يقال: إنه هو المسمى ولا أنه غير المسمى.\nوأما السمعي فما كان طريق إثباته السمع فقط كالوجه، واليدين، والعين، وهذه أيضا صفات قائمة بذاته، لا يقال فيها: إنها هي المسمى ولا غير المسمى، ولا يجوز تكييفها، فالوجه صفة وليست بصورة، واليدان له صفتان، وليستا الجارحتين، والعين له صفة وليست بحدقة … إلى آخر ما ذكره في ص ٢٢ - ٤٤.\nولا يخفى ما في هذا من المخالفة للسلف من أهل السنة والجماعة، إذ فيه نفي تفصيلي، والسلف على خلافه، وإنما يمنعون الخوض في الكيف ويقولون: إنه مجهول أو غير معلوم، فيفوضون علمه إلى الله تعالى، كما يمنعون عموما الخوض فيما لم يخوضوا فيه نفيا وإثباتا.\n١٠ - قال في صفات المعاني السبعة القدرة والإرادة، والعلم، والحياة، والسمع، والبصر، والكلام: إنها زائدة على الذات قائمات بها، ليرد على المعتزلة، وقال: إنما قال النبي ﷺ: «أعوذ بكلمات الله التامة» (^١) على طريق التعظيم. ا. هـ. يعني أن الجمع للتعظيم لا لكون كلامه تعالى متعدد بل هو شيء واحد هو الكلام النفسي الأزلي، يتبين ذلك مما تحته خط في ص ٢٥ حتى ص ٢٩، وفي ص ٣٢ حتى ص ٣٧.\n١١ - ذكر في الاستواء طريقتين: طريقة التفويض، وطريقة حمله على وجه.\n_________\n(^١) حديث صحيح رواه البخاري (٣٣٧١) من حديث ابن عباس ﵄. ومسلم (٢٧٠٨) من حديث خولة بنت حكيم السلمية ﵂.","vol":"1","page":80},{"text":"يصح استعماله في اللغة، وأتبع ذلك نفيا تفصيليا للكيفية في الاستواء وفي النزول وفي المجئ والإتيان .. إلخ ص ٤٤، وأحال في ذلك على كتابه. الأسماء والصفات.\n١٢ - أحسن في إثبات رؤية الله تعالى في الآخرة بالأبصار، وفي إقامة الأدلة على ذلك، وفي رده على منكري رؤيته تعالى، ولكنه يرى أن الله ﷿ لا يرى في جهة، بل يراه الراءون في جهاتهم كلها، لأنه يتعالى عن جهة ص ٥١.\n١٣ - قال في أفعال العباد: إنها كسب لهم على معنى تعلق قدرتهم بمباشرتهم التي هي إكسابهم، ووقوع هذه الأفعال أو بعضها على وجوه تخالف قصد مكتسبها يدل على موقع أوقعها كما أراد غير مكتسبها والله ربنا خلقنا وخلق أفعالنا .. إلخ ص ٦٠، ٦١.\nوهذا إلى القول بالجبر أقرب منه إلى القول بإثبات الاختيار للعبد في أفعاله.\n١٤ - وفسر ما جاء في الحديث من أن «قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن» بأن المراد به كونه القلب تحت قدرة الرحمن (^١).\n١٥ - أخطأ في تفسير آيات في المشيئة ص ٧١.\n١٦ - ذكر كثيرا من الأحاديث ولم يبين درجتها من الصحة، والضعف، والمقام مقام الاستدلال في العقيدة، والجملة فالكتاب نافع، وفيه خير كثير، ويمكن التعليق عليه في مواضع الخطأ، أو التنبيه على ذلك في مقدمة له، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.\nكتبه\nعبد الرزاق عفيفي\n_________\n(^١) حديث صحيح رواه مسلم في صحيحه (٢٦٥٤)، وأحمد (٢/ ١٦٨) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄.","vol":"1","page":81},{"text":"<span data-type='title' id=toc-22>الفصل السادس حكمته في الدعوة إلى الله ومنهجه في التعليم</span>\nلقد كان الشيخ عبد الرزاق ﵀ حكيما في دعوته إلى الله تعالى، وفي تعليم الناس ممتثلا قوله ﷾: ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة﴾ (^١) فكان يترفق بالجاهل ويتواضع للمتعلم ويلتمس أفضل السبل لتوصيل دعوته، وقد أثابه الله تعالى على حسن صنيعه فكان لدعوته أبلغ الأثر ولتعليمه أكبر النفع، ولا غرابة حينئذ أن يشهد له طلابه بأنهم لم يروا في معلميهم أحسن منه تعليما.\nوقد ذكر شيخنا عبد الله بن قعود - حفظه الله - أنه كان أحد ثمانية طلاب هم الدفعة الأولى بالمعهد العالي للقضاء أول افتتاحه حيث كان الشيخ عبد الرزاق مدير المعهد وكان الشيخ محمد الأمين الشنقيطي مدرسا فيه، وهؤلاء الطلاب هم الآن من أعمدة هيئة كبار العلماء.\nفيذكر الشيخ ابن قعود أنه بالرغم من سعة علم شيخهم الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀، فإن معظم استفادتهم وتكوينهم العلمي كان على يد الشيخ عبد الرزاق بسبب أن الشيخ محمد الأمين كان كثير الاستطراد فيخرج كثيرا عن موضوع الدرس إلى أبحاث لغوية، أو أصولية، أو غيرها مما يقطع تسلسل المعلومات، بخلاف الشيخ عبد الرزاق الذي كان يلخص لهم موضوع الدرس في نقاط مرتبة مسلسلة فلا ينتهي الدرس إلا وقد حفظه الطلاب أو كادوا - رحمة الله على الجميع - ويذكر الشيخ ابن قعود حفظه الله أيضا أنه في بعض الأحيان كان\n_________\n(^١) سورة النحل، الآية ١٢٥","vol":"1","page":83},{"text":"يتغيب بعض المدرسين فيدخل الشيخ عبد الرزاق ويسألهم ما درسكم اليوم: فيقولون: درس كذا في أي علم من العلوم، فيشرحه الشيخ عبد الرزاق بدون إعداد شرحا أفضل من شرح المدرس الأصلي.\nوقد سمعت الشيخ عبد الرزاق ﵀ وقد سأله سائل: بماذا تنصح لطلبة العلم والدعاة؟ فأجاب قائلا:\n«الدعاة يدعون إلى ما تعلموا، ويبدؤون بالتدريج بالأهم فالأهم، فالعقيدة قبل الفروع كما فعل الرسل وينتهز الفرص، كذلك طلبة العلم كما يبدؤون غيرهم بالدعوة إلى التوحيد، ويبدؤون بتعلم التوحيد قبل الفروع. والرسل لم يتعرضوا للفروع في أول الأمر إلا الفروع الشديدة التي تتفشى فيها المخالفة، فشعيب ﵇ حذر من نقصان الكيل، ولوط ﵇ حذر من الفاحشة، وهذان الأمران يتصلان بالأخلاق والأخلاق قرينة التوحيد.\nوفي الفروع يتدرج، فالربا لم ينزل تشريعه إلا في آخر التشريع، وشرب الخمر كان تركه صعبا فتأخرت الدعوة إلى تحريمه.\nوفي الدعوة للعقيدة تدرج فالرسول ﷺ لم ينه الصحابة عن الحلف بغير الله إلا مؤخرا إلا من باب الوسائل، وفي هذه الحالة إذا رأى منكرا لم يأت الوقت لبيان حكمه يسكت ولكن لا يدعو إلى المنكر» أ. هـ.\nوقد حدثني الشيخ عبد الرزاق ﵀ أنه كان يخطب في مسجد أنصار السنة في مصر أيام الملك فاروق عن قصة موسى ﵇، ويحض من خلالها على اتباع داعية الحق، ويلمح تلمحيات يفهمها الحاضرون، وفي نفس الوقت لا يمكن أن تؤخذ عليه، وقد ذكر جماعة من تلاميذ الشيخ مواقف رأوها منه تتجلى فيها حكمته في الدعوة.\nفمن ذلك: ما سبق نقله في الفصل الأول عن سيرته بمصر في المرحلة الرابعة","vol":"1","page":84},{"text":"بالأسكندرية. ارجع إليها ففيها أمثلة عظيمة على حكمته في الدعوة والتعليم. وإليك بعض ما كتب في ذلك:\nيقول الدكتور - محمد لطفي الصباغ:\nوقد حدثني ﵀ أنه أراد أن يحذر إخوانه في مصر من دجل الدجالين من القصاص والوعاظ الذين يأتون في دروسهم بالأقاصيص الممتعة التي تشد السامعين، وتمتعهم وتستحوذ على إعجابهم ولا أصل لها، والعامة هذا شأنهم في أغلب البلاد، فألقى عليهم درسا ملأه بمثل تلك الأقاصيص الغريبة فأعجبوا بالدرس واستمتعوا فلما رأى ذلك باديا على وجوههم سألهم: ما رأيكم؟ أهذا الدرس أحسن أم الدروس السابقة؟ قالوا: بل هذا. إنه درس جميل ممتع. فقال لهم: هذا غير صحيح. وما كنا عليه في دروسنا السابقة هو الصواب.\nفأفهمهم بهذه الطريقة العملية أنه ليس عاجزا عن أن يأتي في دروسه بما يستحوذ على إعجابهم، ولكن الحق هو الذي ينبغي أن يكون رائد الموجه والعالم.\nإن العالم ينبغي أن يكون مربيا مرشدا يقول الحق، ولا يخشى في الله لومة لائم، لا يداري ولا يتكلف التأويل ليسوغ للناس ما يحبون من الخرافات والأباطيل.\nوقد ابتلى المسلمون من زمن بعيد بالقصاص الذين يملؤون مواعظهم بالأحاديث الموضوعة والواهية، ويأتون بالقصص الغريبة ولو كانت باطلة ليجعلوا الناس يقبلون عليهم فكان الشيخ ﵀ يحذر الناس من الوقوع في أحابيلهم.\nوكان حكيما في تصرفاته يفرض احترامه على الآخرين مهما كان رأيهم فيه، فما كان يقدم على تصرف يعرضه إلى الحرج أو الانتقاد","vol":"1","page":85},{"text":"وكان بعيدا عن المراء والجدل الذي لا طائل من ورائه، ولا يخوض في الموضوعات التي لها حساسية ويتركها للآخرين.\nوكانت له آراء خاصة في بعض المسائل العلمية لا يذكرها إلا للخاصة من أصحابه، ولا يسؤوه أن يكون هناك من يخالفه فيها، وإذا ذكرت الآراء المخالفة له أمامه لا ينفعل ولا يتشنج لأنها تخالفه بل يقول: لكل رأيه، وهذا خلق عظيم ما أحوج العلماء إليه.\nلماذا نمنع أن يكون للعالم المؤهل للاجتهاد والنظر آراء تخالفنا؟ إن الحق ليس مقصورا على مذهب معين، ولا يحتكره ناس معينون، وقد يدرك المتأخر أمرا لم ينتبه إليه المتقدم.\nويقول الشيخ يوسف المطلق:\nوكان يحذر من البدع ودعوته دائما ترى فيها الحكمة والموعظة الحسنة، وإذا رأى أحدا متلبسا بمنكر في لباسه أو هيئته قام بنصح عام بالتلميح، وضرب المثل حتى لا يدرك الحاضرون أنه يعني شخصا بعينه، بينما المقصود بالنصيحة يدركها ويخرج شاكرا مستيفدا.\nوعرف الشيخ بالحياء والصمت إلا في حقه وكان طلابه يهابونه حياء ويقدرونه في أنفسهم.\nويقول الشيخ صفوت نور الدين - رئيس جماعة أنصار السنة بمصر -:\nولقد كان الشيخ - برحمه الله - مثالا يحتذى في الفتاوى دقة والتزاما، فقد جالسته سائلا مستفتيا كثيرا في مواسم الحج لأعوام متعددة، فكان يختار من الألفاظ المعبرة، ثم يبين التغير في المعنى إذا اختير غير هذا اللفظ، ولقد كان بالغ العناية باحترام أقوال إخوانه العلماء، فإذا صدرت الفتوى في مسألة، وله رأي مخالف، وسأله أحد عن هذه الفتوى أفتى بقول جماعة العلماء، ولو لم يكن","vol":"1","page":86},{"text":"هو رأيه، بل وجدته يحبس رأيه عن المستفتين إذا وجد أن هذا الرأى قد يحدث بينهم شقاقا، ولا يبرزه إلا لطلبة العلم الذين يعرفون الأدب عند الاختلاف وتوقير العلماء، وذلك هو شأن السلف الصالح، كقول علي بن أبي طالب ﵁: «حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذب الله ورسوله» (^١).\nويقول أبو عبد الرحمن بن عقيل الظاهري:\nوكان ﵀ منصفا في جدله العلمي يفرق بين صحة الدعوى ذاتها أو فسادها وبين صحة أو فساد البرهان المستدل به على الدعوى، ويرى أن فساد حجة ما لا يعني فساد المدعى، ولهذا تراه يناقشك في أدلتك أو اعتراضاتك، ثم يهلهلها مع أنه يوافقك في المدعى.\nوتكوينه العلمي يعلم طلابه الحرية الفكرية. ولهذا فهو يرى النقاش في الدرس والأطروحات وسيلة للاستقلال الفكري بأن يكون الطالب قادرا على الاحتجاج والاعتراض .. أما صحة المذهب في ذاته فأمر مردود لاجتهاد طالب العلم خارج أسوار المعهد وفق ما لديه من حصيلة علمية وفطرية فكرية ونزاهة خلقية.\nويقول الشيخ يوسف الأطرم:\nأما منهجيته فتمتاز بوضوح الكلام وقلته وتكييف المادة بحيث تصل إلى الأذهان من أول وهلة، بديع في تفكيك عبارة المؤلفين باختلاف المواد وإذا استغربنا ما سمعناه من المعاني التي لا ندركها بمجرد قراءة الكتاب وسألناه من أين هذا؟ قال: هذا من كتابكم لم آت بغريب.\nوكانت دراسته في الفقه لى مذهب مالك ويدرسنا في المقنع على مذهب أحمد بكل سهولة، وكان للخلاف في الفقه عندنا روعة واستعظام حتى سألناه\n_________\n(^١) رواه البخاري (١٢٧) موقوفا.","vol":"1","page":87},{"text":"من أين تأتي بهذا الكلام؟ فقال: ما قرأت غير كتابكم الذي بين أيديكم وهو المقنع. ثم أخذ يشرح لنا فقال: التدريس فهم الكتاب، وأهدافه، ومنهجيته، وأصول مذهبه. وضرب لنا مثلا في القصاص من السكران عند قول المؤلف: «وفي القصاص من السكران روايتان إذا تعمد السكر، فعند من قال فيه القصاص لاحظ أنه تعمد إزالة عقله، ومن قال: إنه ليس فيه قصاص؛ الحقه بمن زال عقله بعذر ومن هنا نشأ الخلاف»، ثم قال ﵀: هكذا كل خلاف يكون له مأخذان من الأدلة، والتنفيذ يكون حسب ما مشت عليه دارسة الفقيه في البلد من المذاهب الفقهية.","vol":"1","page":88},{"text":"<span data-type='title' id=toc-23>الفصل السابع إدراك الشيخ لواقعه وما فيه من مذاهب واتجاهات</span>\nلقد كان الشيخ ﵀ مدركا لما يموج به عصره من آراء واتجاهات بما يمكنه من الحكم الدقيق عليها، وله أسوة في شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ الذي كان يعرف من تفاصيل مذاهب خصومه من فلاسفة، ومتصوفة، ورافضة وغيرهم أكثر مما يعرفونه هم عن مذاهبهم كما يتضح هذا بجلاء لمن قرأ في كتبه.\nفمن ذلك أني سألته عن رأيه في جماعة الإخوان المسلمين ورأيه في اتهام بعض قادتهم بأنهم كانوا من الماسونية فأجاب:\nالتشكيك في شخصية البنا والهضيبي غلط، فهذا ظن سوء ليس له أساس فهما ضد الماسونية، والعيب الموجود في الإخوان أنهم لا يمسون تفاصيل الدين، فكل حديثهم عن جمال الإسلام وسماحته، وهدفهم تجميع الناس على الإسلام لا على الماسونية، ولا يتصور أنهم يمهدون لتوجيه الحركة الإسلامية لأن حسن البنا ﵀ مات فهل كان يهدف إلى التوجيه بعد مماته؟ والإخوان هم الذين حاربوا اليهود تطوعا.\nوسألته أيضا عن رأيه في منهج الدكتور عمر عبد الرحمن فأجاب:\nمنهجه ليس بسليم من ناحية الجرأة أكبر من القوة التي أعدها، وضررهم أكبر من نفعهم، وقد ذكر الله قاعدة ﴿إثمهما أكبر من نفعهما﴾ (^١) فعليهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باللسان، ولا يجوز لهم تغيير منكرات يترتب عليها منكر أشد، الرسول ﷺ لم لم يقم الجهاد في مكة وأخره حتى ذهب إلى المدينة؟\n_________\n(^١) سورة البقرة الآية ٢١٩.","vol":"1","page":89},{"text":"لماذا عاهد جماعة من الأنصار في مكة على أن يحموه، وهاجر إليهم بناء على هذا العهد؟ هذا كله تمهيد لكسب القوة في التطبيق، وهاجر ليمنع الإثارة حوله، وليهدأ الجو حتى تتاح الفرصة للجهاد بالسيف، فنظام الإسلام أن الدعوة بالتدريج، والحالة في مصر الآن أردى من العهد المكي فالتبرج والسفور بالصورة الحالية في مصر، لم يكن في مكة قبل الهجرة، وكانت دعوة الرسول ﷺ في مكة باللسان لم يستعمل يده حتى خرج من مكة فالدعوة الآن في مصر يجب أن تكون باللسان.\n١ - يقول الشيخ محمد لطفي الصباغ:\nلقد كان الشيخ ﵀ يعيش عصره، ويدرك بعمق شراسة الغزو الفكري والاستعماري للمسلمين، ويعرف التيارات الفكرية، والسياسية التي تسود العالم وتغزو بلاد المسلمين يعرفها تمام المعرفة، وهذه صفة لم تكن موجودة في كثير من علماء عصره.\nوكان بعيد النظر، عميق الفكر، له جولات نقدية موجزة يدركها الواعي من جلسائه، ولا يذكر في مجلسه أحد بسوء.\nوكانت معرفته بالرجال المعاصرين من الأعلام معرفة دقيقة، وكان حكمه عليهم حكما سديدا. يعرف أوضاعهم الاجتماعية وعادات بيئاتهم ومدى تأثرهم بذلك كله.\n٢ - ويقول الدكتور حبيب بن مصطفى زين العابدين - وكيل وزارة الأشغال العامة بالمملكة.\nأكتب اليوم عن بعض جوانب حياة الشيخ عبد الرزاق عفيفي التي عرفتها كتلميذ له، واكتشفتها من خلال لقاءات علمية عديدة جمعتني به، لقد كان - يرحمه الله - رحب الصدر، عميق الفكر، واسع المدارك، عالما بعصره وما يدور","vol":"1","page":90},{"text":"فيه، ولهذا كانت فتاواه وإجاباته عن أسئلة تلامذته أقرب للواقع والعصر الذي نعيشه، وكان يستشيره عدد من كبار علمائنا الأفاضل ويأخذون برأيه في المسائل المختلفة وخاصة تلك التي تمس التجارب والخبرات، والمسائل التي تتعلق بما ظهر في عصرنا، وعالمنا من أمور حديثه.\nوفي جلسة حوار دارت حول تطبيق النظام الاقتصادي الإسلامي بينه وبين عدد من خبراء الاقتصاد الذين ينشدون السعي لتطوير النظام الاقتصادي الإسلامي، سئل الشيخ عبد الرزاق عفيفي عن إمكانات عديدة تسمح بالتدرج في تطبيق النظام الاقتصادي الإسلامي وعدم التشديد والتضييق أول الأمر.\nفأجاب - يرحمه الله - بقوله: يجب ألا نكتفي بالأسئلة النظرية التي ليس لها أي مردود علمي. وأردف قائلا: لقد درسنا كثيرا من الأمور النظرية، بل قدمنا فيها الفتوى المناسبة بهدف أن نجد التطبيق العلمي لها، وإذا بها تتعثر لعدم وجود الدعم الكافي لها، أو أن الكثير تخطاها بفتاوى تجاوزت الحدود الإسلامية المقبولة.","vol":"1","page":91},{"text":"<span data-type='title' id=toc-24>الفصل الثامن عبادته</span>\nيقول الشيخ محمد لطفي الصباغ:\nوكان يحج كل عام منذ أن هاجر إلى المملكة. ويدرس في الحرم ويفتي الناس في شؤون دينهم ولا سيما في أمر المناسك. وله اقتراحات نافعة أخذ ببعضها بالنسبة إلى الضحايا والهدي. وقد حججت معه مرات، وأشهد أنه كان في المواقف ولا سيما في عرفات كثير التضرع، يدعو ربه ويجتهد في الدعاء والدموع تنهمر على لحيته يسأل الله المغفرة والرضوان وإصلاح أحوال المسلمين ويطيل في ذلك. وقد حج في هذا الموسم الأخير على الرغم من ضعفه بسبب الشيخوخة وإصابته ببعض الأمراض.\nويقول الشيخ يوسف المطلق:\nوبلغني من عبادته أنه كان أشد الناس محافظة على السنة والعمل بها.\nقلت: ومن ذلك محافظته ﵀ على صلاة الجماعة في المسجد حتى وهو في أصعب الظروف الصحية، وقد رأيته ﵀ وهو يذهب إلى المسجد متكئا على العصا والجدار تارة، ومتكئا على كتف ابنه تارة، ثم رأيته وهو يذهب إلى المسجد مدفوعا على العربة بعد أن عجز عن المشي في آخر عمره، وكان ﵀ مبكرا إلى المسجد محافظا على السنن القبلية والبعدية.\nوقد كان ﵀ محافظا على الهدي النبوي الظاهر من إعفاء لحيته البيضاء الكثة وتقصير ثوبه فوق الكعبين.\nوكان من عاداته ﵀ التداوي بالحبة السوداء لما ثبت فيها من الحديث.","vol":"1","page":93},{"text":"<span data-type='title' id=toc-25>الفصل التاسع كرمه وجوده</span>\nمن مكارم الأخلاق التي كان يتحلى بها الشيخ ﵀ خلق الكرم والجود متمثلا قوله ﷺ: «إن الله كريم يحب الكرماء جواد يحب الجودة» (^١).\nوقد شهد له بذلك كل من عرفه.\n١ - فمن مظاهر كرمه أثناء إقامته بمدينة شبين الكوم ما ذكره الشيخ مناع خليل القطان حيث يقول:\nاستأجر بيتا لسكناه (وهو عزب) فأسكن معه طلاب بلدته «شنشور - منوفية».\nثم تزوج وسكن في بيت مستقل، ولكنه كان يدعو طلابه إلى بيته ويرعاهم كما يرعى الأب أبناءه.\n٢ - ويقول الدكتور محمد لطفي الصباغ:\nكان مما يمتاز به سعة صدره، وبعد نظره، وزهده في الدنيا ومتاعها، وحبه الخير للناس جميعا، وبذله جاهه في مساعدة الآخرين.\nوكان كريما كرما أصليا لا يتكلف يريد المباهاة والمفاخرة، بل يقدم ما تيسر وما كان أعده لنفسه، وكان بذلك قادرا على أن يقيم في كل يوم وليمة، وكان إذا علم بمجيء عالم يعرفه دعاه إلى الطعام، وقد حضرت كثيرا من هذه الولائم، وبيته مفتوح كل ليلة للزائرين، وطلاب العلم، والمستفتين، والذين يبغون الشفاعة في أمر من أمورهم.\n_________\n(^١) حديث صحيح رواه الحاكم (١/¬٤٨) وصححه.","vol":"1","page":95},{"text":"٣ - ويقول الشيخ عبد الله بن جبرين:\nكما أنه يكرم من زاره ويقدم ما حضر بدون تكلف، ويجود بما يقدر عليه دون أن يمن بما أعطاه، أو يرد من سأله وهكذا دأبه مع العلماء، وطلبة العلم، والأصحاب والزملاء الأقدمين فهو جواد كريم بما اعتاده، ومجيب لمن دعاه بدون تكلف أو تشدد.\n٤ - ومن مظاهر كرمه العظيمة أثناء تدريسه بالمعهد العالي للقضاء ما ذكره الشيخ أبو عبد الرحمن بن عقيل الظاهري حيث يقول:\nومع أنه اكتفي برويتبه وبقي في فليلة بحارة شعبية لا تليق بأصغر تلامذته، فإنه لم يدخر من هذا الرويتب شيئا، فقد كان يوزعه على أسر فقيرة في مصر، وكان له صدقات في رمضان سخية على بعض المستحقين بالمملكة. وعندما كنت بالمعهد العالي للقضاء كان هناك مكافآت للطلاب المغتربين تتأخر عليهم فكان يقرضهم، وكان يتنازل عن حقه لدى هذا ويأخذ بعض حقه من ذلك.\n٥ - ومن أبرز مظاهر جوده:\nأنه كان يمتلك دارا بمكة المكرمة فوقفها على دار الحديث الخيرية لتكون له صدقة جارية وفي هذا يقول منسوبو دار الحديث الخيرية في كلمتهم التي نشرت بصحيفة الندوة عدد ١٠٨٨٣ بتاريخ ٤/¬١٣/¬١٤١٥ هـ:\nولقد كان ﵀ حدبا على دار الحديث الخيرية ومنسوبيها، عطوفا عليهم، قوي الصلة بهم، ولا أدل على ذلك من أنه أوقف داره بمكة المكرمة على هذه الدار، مما يترجم عن عظيم حبه وتقديره لهذه الدار المباركة.","vol":"1","page":96},{"text":"الفصل العاشر تواضعه\nومن مكارم أخلاقه التواضع عملا بقوله ﷺ: «من تواضع لله رفعه» (^١).\nوقوله ﷺ: «يحشر المتكبرون يوم القيامة كأمثال الذر يطؤهم الناس بأقدامهم» (^٢).\n١ - يقول الشيخ عبد الله بن حافظ الحكمي:\nوكان ﵀ في أخلاقه محل القدوة والأسوة، شديد التواضع تغلب عليه البساطة في مجلسه إذا ارتاح لمحدثه استرسل في ذكر بعض الأحداث والمواقف ونزل معه على قدره صغيرا كان في سنه أو منزلته، ولذا كان ﵀ محبوبا من كل من يعرفه ممن عمل معه أو تتلمذ عليه، محل الإجلال من الجميع والتقدير.\n٢ - ويقول الشيخ محمد لطفي الصباغ:\nوعلى الرغم من تلمذتي عليه ما كان يعاملني إلا على أني زميل له تواضعا منه وكرما، أحسن الله إليه وجزاه عنا الخير.\nوكان يعرف للناس أقدراهم ولا سيما إن كانوا غرباء، وكان متواضعا يكرم الصبيان والفتيان، ولا يدعوهم إلا بألقاب التكريم، ويتودد إليهم. وقد رأيته يوم أن جاء الشيخ حسن حنبكة أحد كبار علماء بلاد الشام لزيارة مفتي المملكة الشيخ محمد بن إبراهيم رأيته في قمة التواضع، إذ كان يؤثر الكثير على الجلوس\n_________\n(^١) أخرجه مسلم بلفظ [وما تواضع أحد لله إلا رفعه] رقم (٢٥٨٨) وأحمد في المسند (٢/ ٣٨٦) والترمذي (٢٠٢٩).\n(^٢) أخرجه أحمد (٢/ ١٧٩) عن عبد الله بن عمرو، والترمذي في السنن (٤/ ٥٦٥) رقم (٢٤٩٢) وقد حسنه الألباني في صحيح الجامع (٨٠٤٠).","vol":"1","page":97},{"text":"في المقاعد المتقدمة مع أنه أجدر منهم بهذا التقديم.\n٣ - ويقول الشيخ مناع القطان:\nأضفى عليه تواضعه حلة من زيادة التقدير والاحترام لدى كل من عرفه.","vol":"1","page":98},{"text":"<span data-type='title' id=toc-26>الفصل الحادي عشر حلمه وسعة صدره</span>\nومن مكارم أخلاقه الحلم وسعة الصدر والحلم خلق يحبه الله تعالى كما جاء في قوله ﷺ (لأشج عبد القيس): «إن فيك لخصلتين يحبهما الله ورسوله الحلم والأناة» (^١).\n١ - يقول الشيخ عبد الله بن جبرين:\nأما أخلاقه فقد عرف منه لين الجانب، وطلاقة الوجه، وحسن الملاطفة فهو أمام الزوار، والتلاميذ، والزملاء دائما يظهر الفرح والسرور، والانبساط في الكلام والإجابة على الأسئلة بدون غضب أو ملل أو تبرم أو رد شديد للسائل. فجليسه يلقى منه كل المؤانسة والتبسم بحيث لا يمل جليسه ولا يزال يتلقى عنه أنواعا من الفوائد واللطائف وغرائب المسائل.\n٢ - ويقول الدكتور محمد لطفي الصباغ:\nوكان يتصف بسعة الصدر وحسن المناقشة والحلم وإلانة القول لمن يسأله ويناقشه، فقد ذكر لي الشيخ ناصر الدين الألباني أنه في أول قدمة جاء فيها المملكة من بضع وأربعين سنة قابل عددا من المشايخ وذاكرهم في مسألة قررها شيخ الإسلام ابن تيمية وهي مشكلة في نظره، وقد أنكرها، فاشتدوا عليه إلا واحدا وكان هو الشيخ عبد الرزاق عفيفي الذي تلطف به وناقشه في الموضوع، وكان الشيخ الألباني يذكر هذه القصة مشيدا بالصفات الكريمة التي تميز بها الشيخ ﵀.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم رقم (١٧، ١٨) وأبو داود رقم (٥٢٢٥) وأحمد (٣/¬٢٣)، والنسائي (٨/ ٣٠٦).","vol":"1","page":99},{"text":"٣ - ويقول الشيخ يوسف المطلق:\nوكان يخصص وقته بين إجابة السائل شخصيا، أو تحريرا، وما كان يسأم من السائلين بل كان يبذل جهدا حتى يفهم سائله.\n٤ - ويقول الدكتور حبيب مصطفى زين العابدين - وكيل وزارة الأشغال -:\nوذهبت مرة أستفتي أحد كبار العلماء الأفاضل في مسألة خاصة، واستدعت الفتوى أن أراجع هذا العالم الفاضل واستوضح بعض جوانب فتواه، ولم يزد ذلك على سؤالين أو ثلاثة، وبهت عندما هب هذا العالم واقفا وأقفل الحديث وخرج من المجلس، ذهبت بعدها مباشرة إلى الشيخ عبد الرزاق عفيفي وهو مريض على فراشه في غرفة نومه فأحسن استقبالي وأحضر لي الشاي وحاورته في مسألتي حتى اتضحت لي الأمور، وغادرت بيته معجبا بعلمه ورحابة صدره وصبره، وتمثلت فيه العالم القدوة، ودعوت الله له دعوات حارة صادرة من أعماق قلبي .. ويكفي الشيخ فضلا أن يذكر عنه وزير الأوقاف والشئون الإسلامية والدعوة والإرشاد بالمملكة، ومدير جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سابقا أنه ما من طالب درس بالجامعة، أو أستاذ عمل بها إلا ويعد من تلامذة الشيخ.","vol":"1","page":100},{"text":"<span data-type='title' id=toc-27>الفصل الثاني عشر رحمته بطلابه ونصحه لهم</span>\nكان الشيخ ﵀ رحيما بطلابه مشفقا عليهم يسعى في مصالحهم ويريد الخير لهم عملا بقوله ﷺ: «الراحمون يرحمهم الله. ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» (^١).\nوطالب العلم هو وصية رسول الله ﷺ فلذا صار دأب العلماء المخلصين العاملين الاحتفاء بطلابهم والحرص على إفادتهم وتعلميهم مستحضرين قوله تعالى: ﴿كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم﴾ (^٢).\n١ - يقول الشيخ مناع القطان:\nكان يزن طلابه بميزان دقيق في الجوانب المتعددة، ولا يخفي حبه لمن يتوسم فيهم الخير. فيعاملهم - وهم بمنزلة أبنائه- معاملة الأخ الأكبر لإخوانه الصغار.\n٢ - ويقول الشيخ صالح السدلان:\nولا تكاد تجلس معه قليلا من الوقت إلا وتخرج بفائدة علمية، أو أدبية، أو خلقية .. وأعرفه لا يحب الكلام في أحد كما تميز ﵀ بوضوح العبارة، ولم أر مدرسا مثله في إيصال المعلومات وقلة الحشو ..\nولم يكن يدرس مادة إلا وأكملها وكان ﵀ من المفيدين في التدريس وغير المخوفين في الامتحانات ..\nوكان ينصف الطلاب على مستوى الدرجات العلمية ومن شدة دقته في\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٥/ ٢٣١)، رقم (٤٩٤١) والترمذي (٤/ ٢٨٥) رقم (١٩٢٣، ١٩٢٤).\n(^٢) سورة النساء، الآية: ٩٤.","vol":"1","page":101},{"text":"التصحيح لم يكن يساوي بين طالبين بدرجة واحدة، وكان يتميز بالثقة وقوة الإرادة.\n٣ - ويقول الشيخ صالح الأطرم:\nوقد اشتهر الشيخ عبد الرزاق بحبه للنفع وبذله للنصح، فهو المستشار الناصح لكل من استشاره من مسؤول أو من سائر الأفراد، وكان ثاقب النظر عارفا بطلابه واتجاهاتهم، من يصلح للقضاء أو للتدريس في حقول التعليم أو في الوظائف الإدراية، وكان حريصا على تأهيل من يتولون المسؤوليات من قضاء وتدريس وأعمال إدارية.\nومما استحضره من نصحه لما اقترح من اقترح اختبار نصف العام جاءت مشكلة المكفوفين فحل المشكلة بأن يختبروا شفويا فكأن المكفوفين لم يرغبوا، فما زاد على كلمة واحدة وهي قوله: إنه أرفق بكم؛ فليس كل واحد سيجد كاتبا وبعد خروج النتيجة حصل الرضا فأدرك المكفوفين نصح الشيخ.\nومن نصحه لي شخصيا لما درست السنة الأولى في المعهد العالي للقضاء لم أدخل الاختبار فغلظ علي اللوم فاعتذرت بعدم المذاكرة، فقال لي: ادخل الاختبار وأجب بما عندك، فلم أفعل، ولما بدأت الدراسة في العام الثاني بالمعهد العالي للقضاء أعاد علي النصح بمواصلة الدراسة فأبديت الرغبة واستشرت الشيخ عبد الرزاق عمن أذاكر معه، وذكرت له شخصا، فقال: اعزم على مواصلة الدراسة، وأنا أعرف من يناسبك وتناسبه في المذاكرة، فحقق ما قال غفر الله له وجزاه الله عني والإسلام والمسلمين خيرا، وكان نصحه مع كل واحد ولكني ذكرت نموذجا مما يتصل بي.\n٤ - ويقول الشيخ حسن محمد إسماعيل أحد تلامذه في المعهد الأزهري بالأسكندرية ١٣٦١ هـ.\nوأمسكت بالقلم للكتابة وفكرت من أين أبدأ، ورأيت أن من الواجب أن","vol":"1","page":102},{"text":"أكتب من أول يوم تقابلت فيه مع الشيخ عندما ذهبت إلى المعهد لتقديم أوراقي وإذا بفضيلة الشيخ يقدم لنا أسئلة شفوية لاختبار قدراتنا فأثنى على بعضنا، وقال للمسؤل خذ منهم فورا ولا داعي لأن يعودوا غدا لأن الوقت كان قد انتهى، فشكرنا له حسن صنيعه وكيف أنه عاملنا هذه المعاملة الطيبة.\n٥ - ويقول الشيخ أبو عبد الرحمن بن عقيل الظاهري حاكيا بعض ذكرياته عندما كان طالبا بالمعهد العالي للقضاء، والذي كان الشيخ عبد الرزاق مديرا له، ومدرسا به: وقد زاملت في المعهد من هو في دور مشايخي، وما دام التغابن في العلم من باب التنافس المحمود فما غبنني إلا جبهات وكتل من العقل البشري جاءت إلى المعهد بعدي وتخرجت قبلي بسنين، ومنهم من كان أول ممتازا منذ بدأ إلى انتهى مثل أصحاب المعالي الدكاترة: عبد الله التركي، وحمود الفايز، وعبد العزيز الربيعة.\nجئت إلى المعهد وكان الشيخ عبد الرزاق يكن لي ذكريات حب - وإعجاب كما يفرح الأب بابنه النجيب، إلا أنه وجدني على غير عهده، إذ وجد شيئا من الأناقة في الملبس والمظهر مع توسع الأدباء والظرفاء فلم يغسل يده مني لأنه يحس عندي عناصر من التأصيل الشرعي، ولم يفرح بي كما يفرح بنجباء تلامذته الذين لا يزالون على سمتهم.\nوقد فضحتني الصحافة أو فضحت نفسي بها بشيء من الترطيب الفني حيث إنني لم أبال بمشايخي في مقدمتي لكتيبي نظرات لاهية، وكان إذا رآني وأحس بأن الساحة خلية من سامع رمى كليمة من مثل قوله: «يا أبا عبد الرحمن لا تسقط الزنبيل».\nكأنه يريد أننا نريد رفعتك، وأنت تأبى إلا أن تتدلى.","vol":"1","page":103},{"text":"وعندما كنت طالبا في المعهد كنت أحمل شيئا من الصلف الأبي والصحفي أمام جهابذة العلم، وأحضر فصول الدراسة للاعتداد بنفسي أكثر من الاستفادة من مشايخي.\nوقد نغصت على مشايخ لي من أمثال البجيري، والدسوقي إلا أن الشيخ عبد الرزاق لم يترك مجالا لفضولي مثلي لأنه يأسرني فكرا، ووجدانا، ولغة إذا تحدث فأصغى للدرس وأستفيد على الرغم مني. ومن سخافاتي أنني أحضر للآية التي سيفسرها من أكثر من تفسير لأستدرك عليه شيئا فاته فإذا شرع بدرسه تبخر كل شيء في جعبتي، لأنه يتناول الموضوع تناول الخاصة من العلماء الذين جمعوا بين الحفظ والذكر فكانت مادته دسمة، وكان قديرا على التوصيل لأنه كان جذابا ومغريا، وما سمعت منه قط كلمة مؤذية ولكنه كان يفرض هيبته. وكان احترام الطلاب له تلقائيا وبشكل عجيب.\nوانتهيت من المعهد بدرجة مقبول، وكانت هذه الدرجة إنقاذا منه لي وقد صرح أمام لجنة المناقشة أن انتشالي تقديرا لي وليس لبحثي إذن لم أنل من الشيخ عبد الرزاق شهادة علمية، وإنما فزت منه بمنهج تربوي تعليمي كريم، فعندما تأزمت لشيخي البجيري ﵀، وتولى الإشراف على فترة قليلة ريثما أعادني إلى مشرفي الأول تخلقت منه بخلق علمي، فكنت ألخص أقوال بعض العلماء بفهمي وأسلوبي فيطالبني بالتنصيص ثم يستعيد النص مني مرارا حتى يبين لي أن ما فهمته ولخصته كان فهما خاطئا.\nوأحيانا أنقل نقلا عن عالم ثم أحيل إلى أقوال آخرين ظانا أن كلامهم كان واحدا فيطالبني بالتنصيص ثم يظهر لي فروقا دقيقة يتضح بها أن كلامهم مختلف وليس واحدا. أ. هـ.","vol":"1","page":104},{"text":"الفصل الثالث عشر زهده وورعه\n١ - يقول الشيخ محمد لطفي الصباغ:\nوكان الشيخ عبد الرزاق ﵀ متواضعا زاهدا في متاع الدنيا ومناصبها، لا يغشى منازل الوجهاء والأغنياء إلا إن دعي، وكان يتعفف إن حضر ولا يقول إلا ما يرضي ضميره، ولعل زهده هذا هو السبب في عزوفه عن إلقاء المحاضرات وحضورها. وكان يبذل جاهه في خدمة الناس الصالحين ومعونتهم، وكان لا يرد صاحب حاجة يستطيع أن يقضيها له.\n٢ - ويقول الشيخ عبد الله بن حافظ الحكمي:\nكان شديد الزهد في أعراض الدنيا يلبس الخشن من الثياب في آخر حياته ويرتاح لذلك ويعلله بأنه يناسب بدنه صحيا.\n٣ ويقول الشيخ يوسف المطلق:\nولقد كان مثالا للإخلاص والقدوة الحسنة في زهده وورعه.\n٤ - ويقول الشيخ مناع القطان:\nوقد عاش الفقيد متقشفا زاهدا بعيدا عن المظاهر العامة بمنأى عن أضواء وسائل الإعلام.\n٥ - ويقول الشيخ عبد الله بن عبد المحسن التركي:\nإن فضيلة الشيخ عبد الرزاق عفيفي يتصف بصفات يندر أن تجتمع في شخص: غزارة العلم، ورجاحة العقل، والزهد في الدنيا ومظاهرها، وحب","vol":"1","page":105},{"text":"الخير للآخرين، وبذل جاهه وماله في ذلك.\n٦ - ويقول الشيخ أبو عبد الرحمن بن عقيل الظاهري:\nوالبرهان على أنه ليس طالب مجد دنيوي أنه ما التمس سبيلا لازدياد كسب مادي غير رويتب تلقاء عمله الوظيفي الذي كرس له كل وقته وما أكثر الكسب المادي لو أرادها.\nوبعد عن الإعلام والإعلامين بعدا لا هوادة فيه، وما عرفت من الشيخ عبد الرزاق حياة قط غير حياته بين طلابه في الصف، أو بين مريديه في بيته يقرأون عليه ويسألونه، أو في صميم عمله الوظيفي لدى سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم يذاكره في العلم ويستفتيه في واقع الطلبة الذين يرشحون للقضاء والمناصب القيادية. وكان ﵀ عمدة في ترشيح الخريجين وتزكيتهم.\nولما أحيل للتقاعد مرت سنون لم يراجع لاستلام استحقاقه، لأنه وقلة من المشايخ خارج المملكة يتورعون عن التقاعد من دون أن يكتب فتوى في ذلك، وإنما حمل نفسه على الأشد لأن كثيرين من السلف يتورعون عن بعض المباح وباب الزهد واسع عند الأسلاف.","vol":"1","page":106},{"text":"<span data-type='title' id=toc-28>الفصل الرابع عشر صبره</span>\n١ - يقول الشيخ محمد لطفي الصباغ:\nوكان صابرا .. نزلت به كوارث شديدة فلم تضعضعه ولم تخرجه عن اتزانه وخلقه.\nفقد أصيب في عام ١٣٧٦ هـ بشلل نصفي وعافاه الله منه، وأصيب بعدد من الأمراض كان فيها نعم العبد الصابر، وقتل ولده الكبير أحمد عاصم ﵀ في حرب رمضان ١٩٧٣ م، التي قامت بين اليهود ومصر، فتلقى الخبر صابرا محتسبا، وكان في مجلسه يحمد الله، ويحدث الحاضرين، وإذا غلط أحد المعزين في قول يجاوز به الحد الشرعي أنكر عليه ذلك ورده إلى الحق.\nثم توفى ولده الأصغر عبد الرحمن ﵀ فكان كذلك في غاية الصبر والرضى بقضاء الله وقدره.\nثم توفى ابنه عبد الله في ٣٠/¬٦/¬١٤٠٣ هـ فجأة في جدة، فكان أيضا مثلا في الصبر والاحتساب والتسليم.\nوقد سافرت زوجته مرة إلى مصر وعندما أرادت أن تعود إلى الرياض إلى زوجها وأولادها منعت من العودة مدة طويلة، لمضايقة الشيخ وإيذائه، فصبر وصابر حتى أذن الله بالفرج وعادت إلى بيتتها.\n٢ - ويقول الشيخ محمد سعد السعيد - إمام جامع سلطانة بالرياض:\nوقد أصيب في عام ١٣٧٦ هـ بشلل نصفي وشفاه الله منه، ثم أصيب مرة أخرى بشلل نصفي عام ١٤١٣ هـ تقريبا وشفاه الله منه، وقد أجرى له قبل خمس سنوات تقريبا عملية في البروستات، وعملية في العين بسبب انفصال في الشبكية","vol":"1","page":107},{"text":"ومنذ فترة طويلة وهو مبتلى بأمراض عدة كالتهاب المسالك البولية، وتعطل إحدى الكليتين، وضعف الأخرى، والضغط، والسكر، ومع ذلك نراه صابرا محتسبا، ولم يثنه ذلك عن طلب العلم، وتعليمه، والعناية به، وإفادة الناس وتوجيههم وإرشادهم إلى آخر أيام حياته.\n٣ - ويقول الدكتور صالح بن سعود آل علي:\nوقبل وفاته ﵀ كان مبتلى، ابتلاه الله سبحانه بمصائب ولكنه كان الصابر المحتسب، فإضافة إلى الأمراض التي عرضت له في العقد الأخير من عمره أصيب بثلاثة من أبنائه، وهم في ريعان الشباب: عبد الرحمن الذي كان يلازمه في شيخوخته كظله يخدمه ويساعده إذ به يفاجأ بوفاته بسبب انفجار أسطوانة غاز. وعبد الله بسكتة قلبية، ومن قبلهما أحمد أكبر أبنائه الذي جاءه نعيه قتيلا في حرب الدبابات مع إسرائيل في سيناء عام ١٩٧٣ م.\nومما يلفت النظر في جلد هذا الشيخ وصبره أنه لما جاء خبر وفاة ابنه أحمد وهو مدير ومحاضر في المعهد العالي للقضاء لم يتوقف عن برنامجه اليومي، فقد جاء إلى طلابه في مرحلة الماجستير - وكنت واحدا منهم - وألقى المحاضرة كالعهد به دون أثر أو تلعثم، وكانت بعد العصر إلى المغرب، وكان الطلاب كعادتهم بعد أن ينتهي من المحاضرة يوجهون الأسئلة واحدا تلو الآخر، وإذا به يجيب عنها دون أن يظهر عليه ما يلفت النظر. وبعد انتهاء المحاضرة خرج من القاعة ونحن وراءه، وإذا بنا نحن الطلاب نفاجأ بطابور من الأساتذة وطلاب آخرين يقابلونه ويقبلونه معزين بوفاة ابنه. ولا تسأل عن ذهولنا نحن ليس من الوفاة، ولكن لأن الشيخ لم يترك المحاضرة، لا بل لأنه لم يخبرنا، ولم يظهر عليه أي أثر للصدمة. فأقبلنا عليه مع غيرنا مواسين ومعزين فرحمه الله وغفر له.","vol":"1","page":108},{"text":"<span data-type='title' id=toc-29>الفصل الخامس عشر مزاحه</span>\nكان الشيخ ﵀ يمزح ولا يقول إلا صدقا كما كان هدي النبي ﷺ، فكان يحب التعبير الطريف الصادق، وكثيرا ما يروي بعض المواقف التي يتعجب لها مما مر به في عمره الطويل المبارك، فمن ذلك أنه حدثني أن أحد زملائه المدرسين في المعهد كان كثير المزاح فجاء يوما وقال لهم لقد جئت اليوم على سيارة فيها (ألف تيس) فتعجبوا من ذلك إلى أن تبين أنه يقصد (الفتيس) وهو العصا التي تنقل الحركة من السرعة الأولى إلى الرابعة أو الخامسة بالسيارات.\nوسئل الشيخ ﵀ عن رجل رضع من امرأته بعد زواجه عددا من الرضعات فقال لا تحرم عليه، ولو تغذى على لبنها إلى أن يموت لأنه ليس في الحولين.\nوسئل عن امرأة مسنة بقي من عدة وفاة زوجها خمسة أيام وتريد أن تخرج للحج فقال لا يجوز ولو كان عمرها عمر نوح ﵇.\nيقول الدكتور حمد الجنيدل:\nكما كانت له نكتة حلوة طريفة يعرفها كل من عاشره مع صراحة تامة ببراءة وطهر.\nويقول الشيخ عبد الله الحكمي:\nوكان رحمه - الله - يقول في وصف تغير العصر وانقلاب المفاهيم «بعض الناس الآن كنبت البصل رأسه إلى أسفل ورجلاه إلى أعلى».\nوسمعت منه في كلام في عدم الجهل بما يحل ويحرم وأن الإنسان يعرف ذلك غالبا من نفسه قال: «حتى الحيوان قد يدرك ذلك ألا ترى الهرة إذا ناولتها","vol":"1","page":109},{"text":"قطعة اللحم أكلتها وهي بجوارك آمنة، وإذا غافلتك وخطفتها من غير رضى منك هربت بها بعيدا عنك».\nويقول الشيخ محمد لطفي الصباغ:\nوكان ذا روح خفيفة قلما يخلو مجلسه من إلقاء نكتة مهذبة واقعية تنشط السامع وتسره، وتؤدي غرضا توجيهيا.\nويقول الشيخ صالح بن فوزان الفوزان:\nوقد أعطاه الله القدرة على إيصال المعلومات إلى أذهان الطلاب بطريقة سهلة جذابة مع جدية حازمة، وظرافة مليحة، وحفظ للوقت، وقد تأثر بهذه الطريقة كل من تتلمذ فصاروا يتميزون عن غيرهم من المدرسين.","vol":"1","page":110},{"text":"<span data-type='title' id=toc-30>الفصل السادس عشر إعراضه عن اللغو</span>\n١ - يقول الشيخ محمد لطفي الصباغ:\nكانت حياته حافلة بالجد النافع من الأعمال، فلم يكن يشغل الشيخ عن العلم والعبادة ولقاء الناس وتعليمهم شيء مما يشغل الآخرين، فلم يكن الشيخ يسمع الإذاعة ولم يكن يرى التلفاز ولم يكن يعنى بقراءة الجرائد، بل كان ينفق وقته كله في قراءة القرآن ومطالعة مسائل العلم. ونحسب أنه كان مما طال عمره وحسن عمله ولا نزكي على الله أحدا.\n٢ - ويقول الشيخ عبد الله الحكمي:\nوكان يكره الجدل والمراء وقل أن يسمح لمحدثه بالاستمرار في ذلك أو ينساق له.\n٣ - ويقول الشيخ عبد الله العجلان:\nوكان يرحمه الله إذا نقد أحدا أو موقفا أجمل في الكلام وقد يكتفي بإظهار عدم الرضا بنبرة أو كلمة مجملة أو إشارة، وإذا أثنى على شخص أو موقف فصل فيه وحدد وأبان، وإذا تكلم استرسل في كلامه سواء كان في المحاضرة أو إلقاء الدروس أو كان في الحديث العام حتى يستطيع السريع في الكتابة أن يكتب كل كلامه إذ أنه في الكلام كأنه يملي.","vol":"1","page":111},{"text":"<span data-type='title' id=toc-31>الفصل السابع عشر هيبته واحترام الناس له</span>\n١ - يقول الشيخ عبد الله العجلان:\nوكان كثير الصمت يفرض احترامه على جليسه كثير التأمل شديد الملاحظة دقيق الفهم نافذ الفراسة، ويلاحظ أن أسلوبه في الحديث والصمت مختلف باختلاف المجالس والحضور في كل جلسة، وحسب الموضوعات التي يتبادلها الحضور بالبحث إلى أخبار وتحليلات وغيرها، فهو ينطلق في الحديث في المسائل العلمية وفي تحليل بعض الظواهر الاجتماعية، وهو يمسك عن الحديث إن كان الحديث في أمور الناس، ودنياهم العامة والقضايا التي ليس له فيها دخل أو تأثير، فكان مثالا في علمه وأدبه وأخلاقه وقدوة في تصرفاته، ورعا زاهدا متواضعا يندر أن يوجد في الناس مثله.\n٢ - ويقول الشيخ مناع القطان:\nيهاب الطلاب شخصيته، وينصتون لسماع درسه، ويحرصون على الاستفادة منه.","vol":"1","page":113},{"text":"<span data-type='title' id=toc-32>الفصل الثامن عشر تلاميذه وأثره فيهم</span>\nيقول الشيخ صالح بن فوزان الفوزان عضو هيئة كبار العلماء:\nإن شيخنا الشيخ عبد الرزاق عفيفي - يرحمه الله - شخصية علمية فذة هو شيخ المدرسين، وقدوة العلماء السلفيين في هذا الوقت، فله الفضل بعد الله على كل متعلمي هذا الجيل ممن تخرجوا في الدراسات الشرعية في التفسير، والحديث، والعقيدة، والأصول. فقد درس في كل مراحل التعليم الثانوي والعالي، والتخصصي. وكانت طريقته في التدريس طريقة فذة نادرة، سهلة جذابة مع جدية حازمة، وظرافة مليحة، وحفظ للوقت، وقد تأثر بهذه الطريقة كل من تتلمذ عليه فصاروا يتميزون عن غيرهم من المدرسين، ولقد أفنى عمره المبارك في التدريس، والإفتاء، وعضوية هيئة كبار العلماء والدعوة إلى الله، إذ لا يقتصر نشاطه على التدريس المنهجي، بل كان يدرس في المسجد الحرام في أوقات المواسم وفي غيره من المساجد ويحضر دروسه الجم الغفير من الناس، وكان يشارك بالقاء المحاضرات، والندوات في مختلف الأماكن، وكان يشرف على الرسائل العلمية في الماجستير، والدكتوراه، ويشارك في مناقشتها، وهكذا كان كل وقته يصرفه في نشر العلم والإفادة - حتى في آخر أيامه وهو يعاني من المرض- كان يستقبل الزائرين ويجيب عن تساؤلاتهم ويرد على أسئلة المستفتين عن طريق الهاتف\nويقول الشيخ عبد الله بن جبرين:\nوقد تتلمذ عليه أكابر العلماء في هذه المملكة، واعترفوا بفضل علمه، وافتخروا بالانتماء إلى تعليمه في أغلب المراحل، كما انتفع الكثير بالفوائد التي تلقوها عنه في دروسه في المسجد وغيره.","vol":"1","page":115},{"text":"ويقول الشيخ عبد الله بن عبد المحسن التركي:\nولا أبالغ إذا قلت: إن غالب منسوبي جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية من طلابه أو طلاب طلابه، بل إن هذا الوصف ينطبق على غالب العلماء في المملكة سواء أكانوا في القضاء أم التدريس أم الإفتاء والدعوة.\nويقول الشيخ أبو عبد الرحمن بن عقيل الظاهري:\nفكان في هذه المملكة أستاذ جيل بحق تتلمذ عليه أبناء ما بين السبعين إلى الثلاثين، ولا يزال تلامذته مربين للأجيال أهل منابر وحلقات وتدريس وتأليف.\nويقول الشيخ عبد الله العجلان:\nولا أكون مبالغا إذا قلت: إن معظم علماء المملكة اليوم هم إما من طلابه أو ممن استفادوا منه بوجه من وجوه الاستفادة وكلهم يحفظ له حقه، وجهوده، وتعتبر وفاته خسارة عظيمة إذ إنه من كبار حملة ميراث النبوة في هذه المملكة ومن دعاة الهدى وأئمة التوجيه الصائب.\nويقول الشيخ يوسف المطلق:\nوإننا وطلابه الذين منهم الوزير، والقاضي، والداعية، والأستاذ، والإداري لا نقدر على مكافأته إلا بخالص الدعاء الصالح. فبارك الله في ذريته وجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء والإحسان.\nويقول الشيخ محمد لطفي الصباغ:\nصحبته ما يزيد عن اثنين وثلاثين عاما، ما تركت مجلسه في أسبوع إلا أن يكون أحدنا مسافرا، وقلما كانت سفراتنا تطول. وقد جاورته سنين عديدة فكان نعم الأستاذ والجار. لقد تعلمت منه في هذه الصحبة أمورا كثيرة، منها ما يتعلق بالناحية العلمية، ومنها ما يتعلق بالناحية السلوكية، ومنها ما يتعلق","vol":"1","page":116},{"text":"بالناحية الشخصية … لقد كنت ألجأ إليه في كل أمر من هذه الأمور، وكان يمدني بالرأي السديد، والتوجيه القويم. لقد أكرمه الله بالعقل المسدد، والعلم الواسع، والرأي المحكم.\nويقول الشيخ صالح بن سعود آل علي:\nوقد شرفت بأن أكون أحد تلاميذه في كلية الشريعة، ثم في المعهد العالي للقضاء، وخبرته من قرب، ورأيت فيه ما كنت أقرأ عن علماء السلف من العلم الجم والفقه في الدين والتحلي بمبادئ هذا الدين من تواضع، وتقى، وزهد، وورع، وصبر وحب لهذه الأمة، وحرص على أن تظل كما هو مؤمل منها منارة هدى ومصدر إشعاع وموئل عز الإسلام والمسلمين.\nويقول الشيخ صفوت نور الدين:\nولقد كان الشيخ - يرحمه الله تعالى - وفي كبر سنه، منظما في علمه محافظا على وقته بين الدروس والتدريس، ومراجعة الرسائل العلمية، وإعداد الأبحاث، وتسطير الفتاوى، لا تراه أبدا إلا في عمل مثمر نافع، ولقد نفع الله بجهده فصار تلامذته من كبار العلماء والمعايشين له من الفقهاء، فلقد كان الشيخ محمد علي عبد الرحيم - يرحمه الله - وهو أسن منه يراه شيخا له وأستاذا معلما.\nويقول الشيخ زهير الشاويش:\nكان من تلامذته الدكتور عبد العزيز كامل، والأستاذ عبد الرحمن الباني والدكتور محمد الصباغ، والأخ مناع القطان وغيرهم، ومجموعة من الإخوان الذين أخذوا فضائل كل جماعة وابتعدوا عن الغرور والتنطع والشذوذ والتفرد.\nويقول الشيخ مناع القطان:\nوفي رحلته العلمية كانت عنايته الفائقة بتربية تلاميذه على العقيدة السلفية،","vol":"1","page":117},{"text":"ونبذ البدع والخرفات والأخذ بيدهم إلى هدى الكتاب والسنة وسلف هذه الأمة، فاحتضن نخبة متميزة وتعهدها منذ الطفولة بالرعاية، واصطحبها معه حتى نمت وشبت عن الطوق، ونهجت نهجه ولعلني كنت على رأس هذه النخبة وأحب تلاميذه إليه - ولا أزكي على الله أحدا.\nومن القرية تعهدني بها منذ الطفولة انتقلت معه طالبا في معهد شبين الكوم الديني، أتلقى من فيض علمه على مقعد الدرس، وأزوره في بيته، فيختار ما يشاء من الكتب لأقرأ عليه بعض الموضوعات التي يريدها ويقف عند كل فقرة شارحا ومبينا.\nالشيخ عبد الله بن عبد المحسن التركي:\nلقد عرفته ﵀ وأسكنه فسيح جناته منذ ستة وثلاثين سنة عاما، وتوطدت صلتي به في أثناء طلب العلم، والدراسة في كلية العلوم الشرعية في الرياض، ثم في المعهد العالي للقضاء، ثم في حلقات المساجد والمحاضرات في الجامعات، ومناقشة الرسائل الجامعية، وازدادت معرفتي به حينما لازمته فترة إعداد بحثي في الماجستير، حيث كان مشرفا عليه، فكان نعم الموجه والناصح، يبذل وقته وجهده ويحرص على إفادة طالب العلم.\nيقول الشيخ صالح السدلان:\nإن كان لي من كلمة في أخص مشايخي الشيخ عبد الرزاق عفيفي فهي أنه قد درسني كثيرا في عدد من مراحل البكالوريوس في الحديث وأصول الدين، وقام بتدريسي في المعهد العالي للقضاء لمادة أصول التفسير ودرسني الفقه في السنة الثانية بمعهد القضاء واعتبره كما يقول المثل: «قلبه فوق لسانه»، فهو لا يتكلم إلا بعد معرفته ما يقول، ويعتبر من العلماء الأوائل","vol":"1","page":118},{"text":"ويقول الشيخ عبد الله العجلان:\nلقد عرفت هذا الرجل أستاذا في علوم الشريعة، واستمعت لدروسه، وتلقيت عنه في فترات مختلفة، فأدركت مكانته العلمية وصدق لهجته، وسداد توجيهه وجاورته في السكن فكان خير جار، ورافقته في السفر فكان نعم الرفيق والمؤانس، وجالسته فرأيت فيه حسن الأدب وصواب الرأي\nويقول الشيخ سعود الفنيسان:\nكان لي الشرف بأن قام الشيخ بالإشراف على رسالة الدكتوراه، حيث استفدت منه في أثناء جلسات عدة معه من خلال ما لديه من معلومات وملاحظات ما لم أستفده في سني دراستي الجامعية كلها وما دونها وما بعدها، وقد كان للشيخ فضل في توحيد وتأسيس منهج الدراسات العليا في الجامعة وبالأخص في تخصصي التفسير وأصول الفقه، وكان من المقربين والمحبوبين جدا من سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز إلى آخر لحظة في حياته\nومما جاء في جريدة المسلمون بتاريخ ٤/¬٤/¬١٤١٥ هـ:\nوالجدير بالذكر أن الشيخ عبد الرزاق عفيفي يعتبر شيخا لجل كبار علماء المملكة كالشيخ عبد العزيز آل الشيخ، والشيخ عبد الله بن غديان، والشيخ صالح اللحيدان، والشيخ صالح الفوزان، والشيخ عبد الله بن حسن بن قعود، والشيخ إبراهيم آل الشيخ، والشيخ عبد الله بن جبرين، والشيخ صالح الأطرم، والشيخ الدكتور عبد الله التركي، والشيخ صالح السدلان، والشيخ راشد بن خنين، والشيخ على الرومي، والشيخ مناع القطان، وغيرهم كثيرون\n١٧ - ومن تلاميذ الشيخ عبد الرزاق أيضا فضيلة الشيخ عبد الرحمن السديس إمام وخطيب الحرم المكي، الذي درس على الشيخ في الجامعة، وكان الشيخ عبد الرزاق مشرفا على رسالته في الماجستير.\nوقد ألقى الشيخ السديس محاضرة في مدينة جدة في رثاء الشيخ عبد الرزاق عقب وفاته ﵀","vol":"1","page":119},{"text":"<span data-type='title' id=toc-33>الفصل التاسع عشر مؤلفاته وموقفه من التأليف</span>\nلقد كان للشيخ ﵀ موقف من تأليف الكتب في هذا العصر لا يوافقه عليه أغلب العلماء، فقد كان يرى أن تصانيف السلف فيها الكفاية، وأنه لا حاجة للمزيد عليها، وأن الأولى أن تنصرف الهمة إلى دراسة كتب السلف، وتدريسها بدلا من الانشغال عنها بمؤلفات المعاصرين، ولعل عذر الشيخ في ذلك أن أكثر المؤلفات في هذا العصر قليلة القيمة لا تعدو أن تكون تكرارا لكلام السابقين، وليت هذا التكرار يسلم من التشويه، والتحريف، لكن لا ريب أنه ظهر في هذا العصر من المؤلفات العظيمة ما كانت المكتبة الإسلامية تفتقد إليه، منه ما هو أبحاث في مسائل عصرية تحتاج إلى تخريجها على أشباهها ونظائرها في كتب الفقه الإسلامي، ومنها ما هو اختصار، أو تهذيب لكتاب من كتب السلف ييسر تحصيل الفائدة منه عند أكبر عدد، ومنه ما هو شرح يحل غوامض كتب السلف التي يتعذر على أكثر المبتدئين فهم عباراتها، ومنها أعمال موسوعية تجمع شتات ما كتبه عالم في مكان واحد، أو تجمع شتات ما كتب عن مسألة يثور حولها الجدل في مكان واحد، ومنها ما هو تكميل لعمل بدأه أحد السلف ولم يكمله لعذر ما، إلى غير ذلك من فوائد التصنيف وهي كثيرة جدا، ولكن على كل حال فهذه كانت وجهة نظر الشيخ، وقد أخبرني الشيخ أنه لا يحب كتابة كلامه، وأنه استغنى عن كثير من كتبه، وأنه لا يكتب عليها من الهوامش إلا القليل، وكان يقول لي: صاحب الكتاب خير من صاحب الكتب، وكثرة الكتب عند الرجل علامة على جهله يقصد أن الذي يدرس كتابا موسعا في الفقه مثلا ويظل دائما يكرر قراءته ودراسته وتدريسه حتى يحفظه خير من الذي يشتت نفسه في كتب كثيرة لا يتقن شيئا منها. والله أعلم بالصواب","vol":"1","page":121},{"text":"يقول الشيخ عبد الله بن جبرين:\nأما التأليف فلم يكن يرغب فيه، ولا يحب الكتابة في أي فن من الفنون، بل يرى أن هذه الكتب والمؤلفات الحديثة لا فائدة فيها، فيكتفي فيما يكتبه بما كتبه وجمعه العلماء السابقون حيث أنهم تطرقوا إلى كل فن، وأوضحوا ما يحتاج إلى توضيح، فمن جاء بعدهم لا يستطيع أن يضيف إلى علومهم زيادة، وأن المتأخرين إنما توسعوا في الكلام بما لا فائدة فيه، وكان ينهي عن الانشغال بكتب المعاصرين التي كتبوها في الأصول، أو التفسير، أو الأدب، والفقه، ونحو ذلك، حيث إنهم لا يزيدون على من سبقهم، ومع ذلك فقد أشرف على رسالتي في أخبار الآحاد التي قدمتها لنيل درجة الماجستير، وعلى رسالة الدكتور عبد الله ابن عبد المحسن التركي وغيرهما، وكان يولي التلميذ توجيهات، ودلالة على المواضيع، وأماكن البحث، ونحو ذلك مما يدل على قدرته على الكتابة لو أراد ذلك فهو من حملة العلوم المتعددة، وأي فن يتطرق إليه يوسعه بحثا. فرحمه الله وأكرم مثواه، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.\nويقول الشيخ مناع القطان:\nتميز الفقيد بتأصيل المسائل العلمية وتحليل فروعها، وتحرير مواطن الخلاف فيها، والترجيح السديد بين الآراء المتعددة، ولم يكن يميل إلى تأليف الكتب مع غزارة علمه، وسعة اطلاعه، ويفضل أداء العلم تدريسا وبحثا، وقد أصدرت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء كثيرا من الأبحاث التي يرجع إليها طلبة العلم وينهلون من معينها العذب.\nله من المؤلفات (^١): مذكرة في التوحيد، وتحقيق وتعليق على كتاب\n_________\n(^١) وقد قمنا - بفضل الله - بجمع هذه المؤلفات وغيرها، وما ألقاه من محاضرات، وما سمعه منه كثير من تلامذته وسجلوه، كل ذلك في هذا السفر الجامع لمؤلفاته رحمه الله تعالى، وهو السفر الذي بين يديك.","vol":"1","page":122},{"text":"الإحكام في أصول الأحكام للآمدي، وتعليق على الجزء المقرر في التفسير من الجلالين لطلاب المعاهد العلمية.\nويقول الشيخ محمد لطفي الصباغ:\nوالعلماء نوعان: علماء ينعزلون عن الناس، ويتفرغون لكتابة الكتب والمصنفات، وعلماء يعنون ببناء النفوس، وتوجيه العامة وإرشادهم، وبالإجابة عن أسئلتهم وحل مشكلاتهم، وقد كان فقيدنا العظيم من النوع الثاني، وقد انتفع بعلمه وتوجيهه خلق كثير، وهناك عدد من مشايخنا كانوا من النوع الثاني وهم جبال من العلم، وكذلك في العصور السابقة كان أكثر العلماء من هذا القبيل، وأحسب أن فقيدنا كان يحمله على ترك التأليف عامل آخر وهو زهده في الشهرة والسمعة والمناصب.\nوكان إذا رأى كتابا لأحد المحدثين ليس فيه صفة الأصالة ولا دقة ولا استيفاء قال: ياليته ما ألف! وياليته اقتصر على الانتفاع بما كتب الأئمة.\nويقول الشيخ أبو عبد الرحمن بن عقيل الظاهري:\nوالشيخ في جبلته يؤمن بتخريج الطلاب، وتسهيل العلم الذي ورثناه عن الأسلاف دون حاجة إلى مزيد من التأليف. ولهذا نفع الله بدروسه وتلاميذه فكانت له في وسطنا العلمي بالسعودية بصمة متميزة تجمع بين المعقول والمنقول رحم الله الفقيد وجمعنا به في دار كرامته.\nويقول الشيخ زهير الشاويش:\nالشيخ والتأليف: كان ﵀ يرى أن في ثروتنا العلمية التي تركها لنا الأجداد ﵏، ما يكفي وإذا كان ولا بد من مؤلف فيكون لسد الحاجات الطارئة علينا من أمور استجدت.","vol":"1","page":123},{"text":"وقال لي مرة: يا زهير إن حسن إخراج الكتب وتحقيقها وحسن عرضها أفضل من التأليف.\nولذلك صرف جهوده إلى وضع المناهج للجامعات، والمعاهد، ورسم الخطط لها من غير أن يؤلف كتبا.\nوقام على تحقيق كتاب «إحكام الأحكام» للآمدي.\nوبحكم تدريسه الطويل كان عنده أمال: في التفسير، والحديث، وأصول الفقه … ما لو جمع لكان كتبا نافعة وفي تعليقه على رسائل الدكتوراه التي أشرف عليها - ولعلها بلغت المئات - العلم الغزير النافع.\nويقول الشيخ عبد الله العجلان:\nوكان يخبر عن نفسه في أكثر من مناسبة بأنه في الفترة الأخيرة ما كان يعتني باقتناء الكتب الكثيرة في بيته، وأنه يكتفي باقتناء عدد محدد من الكتب المنتقاة في كل فن من الفنون يرجع إليها عند الحاجة، ويؤكد بأنه لا يوجد لديه مكتبة بالمعنى المتعارف عليه بين طلاب العلم.\nوكان له رأي في التأليف يذكره عندما يقال: لم لم تؤلف في العلم الفلاني من علوم الشريعة؟! فيقول: نحن لسنا في حاجة إلى التأليف بقدر ما نحن في حاجة إلى الاطلاع على المؤلفات التي تزخر بها المكتبات، وإن كثيرا من التأليف الحديثة في علوم الشريعة، واللغة العربية ما هي إلا معلومات معادة وفي المكتبة ما هو أصل منها.\nويقول الشيخ حمد الجنيدل:\nوعندي من إملائه ما يزيد عن مائة ورقة من التفسير كتبتها بقلمي في أثناء تدريسه لنا في المعهد العالي للقضاء اعتبرها أنفس ما لدي في مكتبتي الخاصة.","vol":"1","page":124},{"text":"ولعل الله أن يسهل لنا إخراجها وطبعها.\nقلت: ومما يبقى من آثار الشيخ (^١):\n١ - تعليقات على تفسير الجلالين من أول سورة غافر إلى آخره.\n٢ - وتعليقات على العقيدة الحموية لشيخ الإسلام ابن تيمية.\n٣ - وعلى التدمرية أيضا لشيخ الإسلام ابن تيمية.\n٤ - وعلى الرسالة التبوكية للإمام ابن القيم.\n٥ - وله حواش نفسية على ألفية العراقي في المصطلح.\n٦ - وله بحث كبير في نحو ١٥٠ صفحة عن البورصة كان قد قدمه لهيئة كبار العلماء.\n٧ - وله مذكرة في التوحيد (طبعت).\n٨ - وله تعليقات مطبوعة على شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز.\n٩ - وله مقدمة وتعليقات على كتاب الإحكام للآمدي.\n١٠ - وله رسالة شبهات حول السنة.\n١١ - وله رسالة في الحكم بغير ما أنزل الله، وقد طبعت الآن بدار الفضيلة بالإضافة إلى فتاويه الخاصة المتناثرة عند تلاميذه ومحبيه وهذه الأشياء تحت الطبع بدار الفضيلة للنشر وفقهم الله.\nوقد علمت أن دار الفضيلة للنشر بالرياض جمعت مؤلفات الشيخ ونسخت أشرطة التسجيل المحفوظة بصوته، ولديهم كتب للشيخ، وفتاوى ورسائل جاهزة للطبع الآن.\nويضاف إلى هذا كله كما أسلفنا أن الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ كان واحدا من أربعة علماء هم أعضاء اللجنة الدائمة للبحوث، والإفتاء اشتركوا في إصدار آلاف الفتاوى وعشرات الأبحاث القيمة التي لا تقدر لنفاستها بثمن.\n_________\n(^١) وله رسالة «الحكمة من إرسال الرسل».","vol":"1","page":125},{"text":"<span data-type='title' id=toc-34>الفصل العشرون أسرته وأولاده</span>\nيقول الشيخ محمد لطفي الصباغ:\nوقد تزوج سيدة فاضلة من أسرة كريمة من الإسكندرية هي أسرة سالم، وقد أنجب منها عددا من البنين وهم المهندس الزراعي أحمد عاصم ﵀، والأستاذ محمد نبيل حفظه الله (^١) والأستاذ محمود حفظه الله، والأستاذ عبد الله ﵀، والأستاذ عبد الرحمن ﵀ وأما البنات فثلاث وقد أكرمه الله بأصهار صالحين بررة.\nوكان يهتم بتربية أولاده، فكانوا مثالا في الاستقامة والبر، ولقد كان الأستاذ محمود منقطعا لخدمة والده وضيوفه، فكان هو الذي يصحبه إلى الصلاة؛ ذلك لأن الشيخ في آخر حياته كان لا يقوى على المشي، فكان يستخدم كرسيا طبيا، وما كان الشيخ ﵀ يترك صلاة الجماعة في المسجد في وقت من الأوقات الخمسة، وكان الأستاذ محمود أحسن الله إليه يجلس معه يقوم بخدمة والده وتقديم الضيافة للضيوف وتنفيذ أوامر الشيخ. وكان يلازمه إذا مرض لا يتركه.\nوقال الشيخ عبد الله بن جبرين:\nكان من زملائه عبد الله بن يابس الذي أصله من بلاد القويعة، وقد كان بينهما من المحبة، والصحبة، وقوة الأخوة مالا يوجد مثله إلا نادرا، وكان زواجهما متقاربا في مصر من زوجتين صالحتين كالأختين، وقد استضاف الشيخ\n_________\n(^١) يعمل الأستاذ محمد مراقبا ماليا للإدارات المالية وشؤون الموظفين بالخطوط السعودية حاليا.","vol":"1","page":127},{"text":"عبد الله عند مجيئه من مصر لأول مرة، واستزاره الشيخ عبد الله إلى بلاده، ونال هناك حفاوة وإكراما من قبيلة الشيخ عبد الله، ولم يزالوا يوادون الشيخ عبد الرزاق ويتصلون به حتى توفى ﵀.","vol":"1","page":128},{"text":"<span data-type='title' id=toc-35>الفصل الحادي والعشرون حفظه الله تعالى عليه حواسه إلى آخر عمره</span>\n١ - قال الشيخ عبد الله الحكمي:\nوإن كانت وفاته ﵀ بعد أن جاوز التسعين عاما فقد كان رغم ما توالى عليه في السنين الأخيرة من العلل والأمراض مع كبر سنه تام الحواس سليم الإدراك، لم يتغير في علمه وقد يسر الله له الحج عام ١٤١٤ هـ آخر موسم قبل وفاته بصحبة سماحة الوالد الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز فكانت حجة وداع من خير ما ختم به أعماله.\n٢ - وجاء في جريدة اليمامة بتاريخ ٢١/¬٥/¬١٤١٥ هـ:\nكان مثالا للأمانة والإخلاص لله، والأمانة والإخلاص في حياته وعمله حتى أنه كان يذهب إلى عمله في آخر حياته، وحتى في بعض الأيام التي لا يستطيع الذهاب إلى عمله بسبب سوء حالته الصحية كانت تأتي له أوراق الفتاوى إلى بيته ليجيب عنها.\n٣ - وقال الشيخ عبد الله بن جبرين:\nأما تدريسه فقد أفنى حياته في وظيفة التدريس في مصر، ثم في المملكة، في دار التوحيد بالطائف، ثم في معهد الرياض العلمي، ثم في كلية الشريعة وكلية اللغة العربية بالرياض، ثم في معهد القضاء العالي مديرا ومدرسا حتى أحيل الى التقاعد، ثم عمل متعاقدا في رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء بقية حياته حتى وافاه الأجل وهو على رأس العمل في هذه الرئاسة.","vol":"1","page":129},{"text":"٤ - وقال الشيخ مناع القطان:\nبقي أن نضيف أن الشيخ عبد الرزاق عفيفي بقي عضوا في هيئة كبار العلماء حتى أعفى لحالته الصحية التي فرضها كبر سنه قبل نحو عامين، أما اللجنة الدائمة للإفتاء فلم يزل يشارك فيها منذ أقيمت بالرياض حتى وفاته يرحمه الله، بل لقد كان يباشر عمله مفتيا ومجيبا عن مسائل العامة، وكان يذهب إلى مكتبه بإدارة البحوث العلمية والإفتاء مدفوعا بالعربة لصعوبة المشي عليه.","vol":"1","page":130},{"text":"<span data-type='title' id=toc-36>الفصل الثاني والعشرون حسن خاتمته ووصف جنازته</span>\nجاء في جريدة المسلمون بتاريخ ٤/¬٤/¬١٤١٥ هـ:\nوكان الشيخ عفيفي - يرحمه الله تعالى - قد أدخل المستشفى العسكري بالرياض الساعة الواحدة بعد الظهر من يوم الثلاثاء الموافق ١٦/¬٣/¬١٤١٥ هـ في قسم العناية المركزة، ثم أخرج من ذلك القسم في يوم الأحد ٢١/¬٣/¬١٤١٥ هـ وهو يعاني من ألم شديد في الكبد، وضعف في الكلى، ووجود سوائل في الرئتين وهبوط في ضربات القلب، وظل بالمستشفي حتى وافاه الأجل المحتوم في يوم الخميس ٢٥/¬٣/¬١٤١٥ هـ في حوالي الساعة السابعة صباحا، وكان - يرحمه الله - قبل وفاته - كما يروي ابنه محمد - في كامل وعيه وفي حالة ذكر الله ﷿ حتى ازداد ضيق نفسه، وهبط الضغط لتخرج روحه إلى بارئها، وقد صلى على جنازته عقب صلاة الجمعة ٢٦/¬٣/¬١٤١٥ هـ في جامع الإمام تركي بن عبد الله (الجامع الكبير) بالرياض، وقد صلى عليه جمع غفير من الناس، ويقول الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، والشيخ محمد السعيد: إنه كان يوما عظيما مشهودا امتلأ الجامع الكبير إلى آخره، وهي من المرات القلائل التي يمتلأ فيها الجامع، وقد ازدحمت المواقف والشوارع المؤدية إلى المقبرة بالسيارات خصوصا بعدما انطلق الناس بسياراتهم، ومشيا على الأقدام مشيعين له، وحضر دفنه بمقبرة العود بالرياض عدد هائل من البشر غالبيتهم من المشايخ والعلماء، وطلبة العلم وتلاميذ الفقيد يغمرهم الحزن على فراقه داعين له بالمغفرة والرحمة.\nوهذا الحزن من الناس، والجمع الغفير من المشيعين يدل بوضوح على ما للشيخ من مكانة وقدر في نفوس الناس وتلامذته الذني لا يحصون لكون الشيخ درس في أماكن كثيرة ومتعددة طوال ثلاثين عاما قضاها في التدريس بالمملكة،","vol":"1","page":131},{"text":"وبرغم أن الشيخ تلقى تعليمه بعيدا في الأزهر بالقاهرة، إلا أنه سرعان ما نال مكانته، وقدره بين علماء المملكة بعد أن جاء به الملك عبد العزيز آل سعود - يرحمه الله - مع علماء آخرين من داخل المملكة وخارجها - لينفذ من خلالهم سياسته الصارمة في محاربة الجهل واقتلاع جذروه، ونشر العلم في ربوع المملكة، وخاصة العلم الشرعي، وما زالت هذه المكانة تتعاظم حتى انتهت بالشيخ عبد الرزاق عفيفي عضوا في هيئة كبار العلماء، ونائبا لرئيس اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء.\nويقول الشيخ عبد الله العجلان:\nولا غرابة في أن يتوافد أبناء عاصمة المملكة إلى المسجد الكبير في مدينة الرياض من كل حدب وصوب وأن تكتظ بهم شوارع العاصمة، وأن يضيق بكثرة المصلين على سعته وساحاته على امتدادها، والشوارع المحيطة به على طولها. وأن يمشي أبناء مدينة الرياض في تشييع جنازته زرافات، ووحدانا، شيوخا، وشبابا حتى ضاقت بهم شوارع العاصمة على سعتها، وغصت المقبرة بالمشيعين والطرقات المؤدية إليها، كل منهم يريد أن يلقي على هذا الفقيد نظرة أخيرة ويقول له وداعا أيها الإمام وموعدنا معكم في الجنة إن شاء الله. إن هذا المشهد العظيم الذي عاشته عاصمة المملكة في توديعها هذا العالم يدل على وعي هذه الأمة، وتقديرها للمخلصين من رجالها، والعلماء العاملين بعلمهم من أبنائها.\nويقول الشيخ صالح السدلان (بجريدة عكاظ ٢٧/¬٣):\nوكان محبوه كثيرين ولم نكن نتصور أن يكون الحضور بهذا الحجم الكبير ومن كافة الفئات في جنازته .. أسأل الله له الرحمة وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يلهم أهله ومحبيه الصبر والسلوان.","vol":"1","page":132},{"text":"ويقول الشيخ محمد سعد السعيد في مقالة بجريدة الجزيرة:\nأدخل المستشفى العسكري بالرياض الساعة الواحدة بعد الظهر من يوم الثلاثاء الموافق ١٦/¬٣/¬١٤١٥ هـ في قسم العناية المركزة، ثم أخرج من ذلك القسم في يوم الأحد ٢١/¬٣/¬١٤١٥ هـ وهو يعاني من ألم شديد في الكبد، وضعف في الكلى، ووجود سائل في الرئتين، وهبوط في ضربات القلب، وظل بالمستشفى حتى وافاه الأجل المحتوم في يوم الخميس ٢٥/¬٣/¬١٤١٥ هـ في حوالي الساعة السابعة صباحا ثم صلى على جنازته عقب صلاة الجمعة ٢٦/¬٣/¬١٤١٥ هـ في الجامع الكبير بالرياض وقد صلى عليه خلق كثير لا يحصى وقد ازدحمت المواقف، وكذلك الشوارع المؤدية إلى المقبرة بالسيارات خصوصا بعد ما انطلق الناس بسياراتهم للمقبرة ومن المشيعين من ذهب إلى المقبرة مشيا على الأقدام خوفا من الزحام، حيث حضر دفنه بمقبرة العود بالرياض عدد هائل من البشر غالبيتهم من المشايخ، والعلماء وطلبة العلم، وتلامذة الفقيد يغمرهم الحزن على فراقه داعين له بالمغفرة والرحمة.\nوهذا الجمع الغفير من مشيعيه يدل دلالة واضحة على محبتهم له، وإن العالم الإسلامي فعلا قد فقد عالما جليلا وشيخا فاضلا، وعلما من أعلام الأمة، قدس الله روحه، ونور ضريحه، ورحمه وغفر له، وأسكنه فسيح جناته، وجمعنا به في دار كرامته، ومستقر رحمته، وجبر الله مصيبتنا ومصيبة أهله فيه، ورزقنا وإياهم الصبر والسلوان و﴿إنا لله وإنا إليه راجعون﴾ (^١).\nوجاء في مجلة الفرقان:\nهذا وقد شهدت الرياض يوم دفنه الجمعة ٢٦ ربيع الأول يوما متميزا حيث وفد الآلاف من طلبة العلم، ومحبي الشيخ المواراته الثرى، وقد امتلأت بهم\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية ١٥٦.","vol":"1","page":133},{"text":"الطرقات والمقبرة، والله نسأل أن يسكن شيخنا الفردوس الأعلى، وأن يجعل قبره روضه من رياض الجنة، وأن يجمعنا معه في الجنة مع النبيين، والصديقين، والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا.\nقلت: وقد شهدت الصلاة على الشيخ ﵀ بالجامع الكبير بمدينة الرياض، وكان إمام الناس في الصلاة فضيلة الشيخ عبد العزيز آل الشيخ إمام الجامع الكبير، ثم شهدت جنازته، ودفنه ﵀، فكانت كما وصفها الواصفون الذين نقلت كلامهم، وهذا الجمع الغفير من العلامات التي يرجى للفقيد حسن الخاتمة. قال الإمام أحمد ﵀: «بيننا وبينهم أيام الجنائز».","vol":"1","page":134},{"text":"<span data-type='title' id=toc-37>الفصل الثالث والعشرون تفجع المسلمين عليه وتألمهم لفقده</span>\nلقد كانت وفاة الشيخ عبد الرزاق ﵀ فجيعة كبيرة تألم لها المسلمون في أرجاء العالم الإسلامي وإليك بعض ما كتب في ذلك.\nيقول الشيخ صالح بن فوزان الفوزان:\nوالآن قد لقى ربه من ذا سيسد ثلمته:\nسيذكرني قومي إذا جد جدهم … وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر\nإن مصابنا فيه كبير، وواجبنا أن نقول ﴿إنا لله وإنا إليه راجعون﴾ (^١) رحم الله شيخنا أبا أحمد، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أولاده وأهله الصبر واحتساب الأجر.\nويقول الدكتور محمد لطفي الصباغ:\nفجع العالم الإسلامي بوفاة العالم العامل، والعلامة الداعية إلى الله على بصيرة الشيخ عبد الرزاق عفيفي، وذلك في صباح يوم الخميس الواقع في ٢٥/ ربيع الأول سنة ١٤١٥ هـ (الموافق ١/¬٩/¬١٩٩٤ م) ودفن في الرياض بعد صلاة الجمعة.\nبلغني الخبر المؤلم وأنا في عمان، فالمني ذاك الخبر إيلاما شديدا، وشعرت بعظم الكارثة على وجه أكبر مما كنت أتوقع.\nيالله!! مات العالم الذي قل نظيره في العلماء .. لقد أذهلني الخبر حقا.\nأشهد أني قد جزعت لذاك النبأ جزعا لم أجزعه إلا يوم وفاة والدي رحمه\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية ١٥٦","vol":"1","page":135},{"text":"الله. والشيخ عبد الرزاق عفيفي كان لي بمثابة الوالد. ثم تماسكت وتصبرت وتذكرت الآيات القرآنية التي تقرر أن الموت سبيل كل حي ﴿إنك ميت وإنهم ميتون﴾ (^١)، وأن الأجل إذا جاء لا يؤخر ﴿فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون﴾ (^٢)، ومرت بخاطري كلمة عمر بن عبد العزيز:\n(ما الجزع مما لا بد منه؟ وما الطمع فيما لا يرجى؟ وما الحيلة فيما سيزول؟ وإنما الشيء من أصله، فقد مضت قبلنا أصول نحن فروعها، فما بقاء فرع بعد أصله؟ إنما الناس في الدنيا أغراض فيهم المنايا، وهم فيها نهب للمصائب، مع كل جرعة شرق، وفي كل أكلة غصص).\nفاسترجعت قائلا: إنا لله وإنا إليه راجعون، غفر الله له، وأكرم نزله، وعوضه الجنة وعوض المسلمين خيرا.\nوجاء في جريدة الرياض بتاريخ الثلاثاء غرة ربيع الآخرة ١٤١٥ هـ ما نصه:\nخادم الحرمين، وسمو ولي العهد، وسمو النائب الثاني يعزون الشيخ ابن باز في وفاة الشيخ عبد الرزاق عفيفي.\nتلقى خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود برقية من سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز مفتي عام المملكة العربية السعودية ورئيس هيئة كبار العلماء وإدارة البحوث العلمية والإفتاء هذا نصها: حضرة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز، وفقه الله لما فيه رضاه ونصر به دينه أمين.\nسلام الله عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد\n_________\n(^١) سورة الزمر الآية: ٣٠.\n(^٢) سورة الأعراف الآية: ٣٤.","vol":"1","page":136},{"text":"ففي صباح يوم الخميس الموافق ٢٥/¬٣/¬١٤١٥ هـ توفي صاحب الفضيلة العلامة الشيخ عبد الرزاق عفيفي: عضو مجلس هيئة كبار العلماء، ونائب رئيس اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، عن عمر جاوز التسعين ﵀ رحمة واسعة - فأقول أحسن الله عزاءكم فيه، وجبر مصيبتكم، وأصلح ذريته، وكان ﵀ من خيرة العلماء عقيدة، وعلما، ودعوة، وتعليما مضى عليه في ذلك ما يقارب خمسين عاما ضاعف الله حسناته، وخلفه على المسلمين بأحسن الخلف، وفسح في أجلكم على خير عمل وبارك في أوقاتكم، وأعمالكم إنه جواد كريم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته/ …\nعبد العزيز بن عبد الله بن باز\nمفتي عام المملكة العربية السعودية\nورئيس هيئة كبار العلماء\nوإدارة البحوث العلمية والإفتاء\nوجاء في جريدة الرياض أيضا ما نصه:\nوقد وجه الملك المفدى يحفظه الله البرقية الجوابية التالية لسماحته:\nسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز\nمفتي المملكة العربية السعودية ورئيس هيئة كبار العلماء وإدارة البحوث العلمية والإفتاء - حفظه الله -\nسلام الله عليكم ورحمة الله وبركاته .. وبعد\nفقد كدرنا نبأ وفاة فضيلة الشيخ عبد الرزاق عفيفي عضو هيئة كبار العلماء ونائب رئيس اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، وإننا إذ نعرب لسماحتكم","vol":"1","page":137},{"text":"عن تعازينا ومواساتنا ونأمل إبلاغ ذلك لأسرته وذويه لنسأل الله جل وعلا أن يتغمده بواسع رحمته، ومغفرته، ويسكنه فسيح جنته، وأن يعوض المسلمين عنه خيرا والحمد لله على قضائه وقدره .. إنا لله وإنا إليه راجعون .. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..\nويقول الشيخ عبد الله العجلان:\nفهد بن عبد العزيز\nولقد وقع نبأ وفاته ﵀ على نفوس أبنائه ومحبيه وعارفي فضله - وما أكثرهم - بل وعلى الأمة كلها موقعا عظيما فيه بعظم الخسارة، وفداحة الخطب، وشدة المصاب لكن الكل وهم مؤمنون بالله وراضون بقضائه وقدره، ويعلمون أن الموت حق، وأنه مصير كل حي قالوا بصوت واحد ﴿إنا لله وإنا إليه راجعون﴾ ودعوا الله بصادق الدعاء وخالص الرجاء بأن يسكنه فسيح جناته، ويغفر له، ويعفو عنه، وأن يعوض الله هذه الأمة فيه خيرا.\nويقول الشيخ صالح بن سعود آل علي - عضو مجلس الشورى -:\nومن أجل هذا أصيب الوسط العلمي، والعام، من علماء، ومتعلمين، بالذهول يوم الخميس ١٤١٥/¬٣/¬٢٥ هـ عندما فاضت روح علم من أعلام هذه البلاد وواحد من أكبر علمائها وهو فضيلة الشيخ عبد الرزاق عفيفي عليه من الله الرحمة والرضوان. أصيب الناس بالحزن والأسى لفقد هذا العالم الذي كان - يرحمه الله - وحدا قل من يناظره في الشريعة وعلومها.\nوجاء في جريدة الندوة\nبتاريخ ١٣/¬٤/¬١٤١٥ هـ على لسان منسوبي دار الحديث الخيرية بمكة المكرمة قولهم:","vol":"1","page":138},{"text":"وقد تلقت مدرسة دار الحديث الخيرية بمكة المكرمة ممثلة في جميع منسوبيها نبأ وفاة الشيخ عبد الرزاق عفيفي بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره.\nوقد آلمنا فراقه وعز علينا رحيله، ولكن تلك سنة الله في خلقه ﴿فلن تجد لسنت الله تبديلا﴾ (^١).\n_________\n(^١) سورة فاطر الآية: ٤٣.","vol":"1","page":139},{"text":"<span data-type='title' id=toc-38>الفصل الرابع والعشرون ما رثي به الفقيد ﵀ من الشعر</span>\nعقب وفاة الشيخ ﵀ رثاه بعض الشعراء منهم العبد الفقير مؤلف هذه الترجمة، فقد هاجت نفسي تأثرا لوفاته فرثيته بقصيدة عينية من البحر الطويل رغم كوني مقلا من الشعر جدا.\nومنهم الأستاذ محمد بن سعد المشعان الذي رثى الشيخ ﵀ بقصيدة همزية بارعة من البحر الطويل أيضا، وقد نشرت بجريدة الرياض العدد ٩٥٧٣ بتاريخ ٤/¬٤/¬١٤١٥ هـ.\nوهذه مرثية الفقيد العلامة الشيخ عبد الرزاق عفيفي- ﵀ المتوفى يوم الخميس ٢٥/¬٥/¬١٤١٥ هـ. عن اثنين وتسعين عاما رثاه بها تلميذه أبو خالد وليد ابن إدريس بن عبد العزيز منيسي- المدرس بالرياض-.\nهوى نجم عبد في الأنام فأفجعوا … وذا الخطب جل والمصاب مروع\nفلله نعش شيعوه عشية … به الحلم والعلم الذي كان يتبع\nفيا عبد رزاق البرايا تركتنا … ومنا قلوب للفراق تصدع\nفتسعون عاما قد قضيت مجيدة … بمصر ونجد فالبلاء موزع\nوفي أزهر حزت العلوم بعرش من … هب المالكيين الكرام تربع","vol":"1","page":141},{"text":"لقد كنت ردءا للفقي (^١) بمصرنا … وقد كنتما حربا على من تبدعوا\nفكم قد نصرتم سنة لنبينا … وفي أز من عز النصير المشجع\nفظلتم بأرض مصر نورا فقمتم … بنشر الفنون بين قوم تطلعوا\nمع النفر الألى إليهم يشار بالـ … بنان بنيتمو معاهد ترفع\nمع ابن حميد والأمين وحبرنا … وأعنى ابن باز عطركم يتضوع (^٢)\nوفي هيئة الكبار صلتم وجلتم … وفي لجنة الفتوى قلوب وأضلع\nعزا أهل مصر فيكم أن تركتم … وعبيد العزيز حبر برما المفزع (^٣)\nوأما بنجدكم شهاب أفضم … عليهم سيوبكم فأرووا وارتعوا\nوتلميذك المحزون يأسى لفقدكم … وكم من محب قلبه يتوجع\n_________\n(^١) إشارة إلى دور الشيخ عبد الرزاق في مناصرة دعوة الشيخ حامد الفقي، وتأسيس جماعة أنصار السنة بمصر، والتي كانت امتدادا لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب.\n(^٢) إشارة إلى دور الشيخ عبد الرزاق في نشأة المعاهد الشرعية، والمعهد العالي للقضاء، ومع أقرانه الشيخ عبد الله بن حميد، والشيخ محمد الشنقيطي، والشيخ ابن باز.\n(^٣) إشارة إلى أجل تلامذته بمصر العلامة الشيخ عبد العزيز علي البرماوي أحد علماء الأزهر، وأنصار السنة بالأسكندرية، وكان حيا آنذاك ﵀.","vol":"1","page":142},{"text":"شعر الأستاذ/ محمد بن سعد المشعان\nإلى روح فقيد العلم الشرعي الشيخ الجليل/ عبد الرزاق عفيفي يرحمه الله رحمة واسعة.\nوقفت لكي أرثي «العفيفي» فصدني … وجوم - وقد حل النوى - وبكاء\nوقمت أعزي فيه من رام علمه … فقالوا: وهل يسليك عنه «عزاء»؟\nفعدت أناجي ذكريات ترحلت … وقد ضمني و«الشيخ» ثم لقاء\nوأبصرت فيها الشيخ يرقي بعلمه … وعانيت فيها الشيخ وهو بهاء\nوناجيت فيها الشيخ فازور طيفه … وما في ازورار الطيف منه جفاء\nلقد سار في درب الشريعة يافعا … يطير به عزم له وإباء\nوأنفق في بسط الشريعة عمره … يسير به خوف له ورجاء\n(ثمانون) (^١) عاما والحياة مصاعد وللشيخ فيها منهج وسناء\n_________\n(^١) قلت هكذا ذكر الشاعر (ثمانون) وحيث إن الشيخ ﵀ توفى وعمره اثنان وتسعون عاما فينبغي تعديل البيت (فتسعون) عاما علما بأن وزن البيت لا يختل بهذا (وليد).","vol":"1","page":143},{"text":"إذا المحفل الراقي تناظر جمعه … رأيت مقال الشيخ فيه سخاء\nشواهده الآيات جل دليلها … وحشد أحاديث لهن صفا\nيسربل بالإقناع كل مقاله … فيصغى له الكتاب والخطباء\nإلى عرصات الخلد يا وافر النهى … لعلك عند الله حيث تشاء\nوإن قصيدي حين يندى بذكركم … حري بأن يندى به الشعراء","vol":"1","page":144},{"text":"<span data-type='title' id=toc-39>خاتمة</span>\nوإلى هنا توقف القلم، وهذا الذي ذكرته ليس إلا غيضا من فيض شمائله وقطرة من بحر محاسنه، ولا يستطيع مثلي أن يحيط بمناقب الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀، أو أن يفيه حقه، ولا أملك إزاء هذا إلا أن أدعو له أن يتقبل الله منه أحسن ما عمل، وأن يتجاوز له عن سيئاته، وأن يسكنه فسيح جناته مع النبيين والصديقين، والشهداء، والصالحين، وحسن أولئك رفيقا، وأن يلحقنا به في الصالحين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.\nوكان الفراغ من جمع هذه الترجمة بمدينة الرياض يوم الاثنين الخامس عشر من ذي القعدة سنة سبع عشرة وأربعمائة وألف للهجرة النبوية على صاحبها صلوات الله وتسليمه\nأبو خالد وليد بن إدريس بن عبد العزيز ابن منيسي السلمي الإسكندري الحنبلي - عفا الله عنه -","vol":"1","page":145},{"text":"<span data-type='title' id=toc-40>أولا: مباحث وفتاوى العقيدة</span>","vol":"1","page":147},{"text":"<span data-type='title' id=toc-41>١ - علم التوحيد</span>\n<span data-type='title' id=toc-42>١ - تعريف علم التوحيد:</span>\nالتوحيد لغة: جعل المتعدد واحدا، ويطلق على اعتقاد أن الشيء واحد متفرد، ويطلق شرعا على تفرد الله بالربوبية والإلهية، وكمال الأسماء والصفات.\nوعلم التوحيد يبحث عما يجب لله من صفات الجلال والكمال، وما يستحيل عليه من كل ما لا يليق به، وما يجوز من الأفعال، وعما يجب للرسل والأنبياء، وما يستحيل عليهم، وما يجوز في حقهم وما يتصل بذلك من الإيمان بالكتب المنزلة، والملائكة الأطهار، ويوم البعث والجزاء، والقدر والقضاء، وفائدة تصحيح العقيدة، والسلامة في العواقب، ونيل السعادة في الدارين، واسمه: \" علم التوحيد، وعلم أصول الدين \".\n\n<span data-type='title' id=toc-43>٢ - بيان الحكم وأقسامه:</span>\nالحكم إثبات أمر لأمر، أو نفيه عنه، مثاله: محمد رسول الله ومسيلمة ليس برسول.\nوينقسم إلى ثلاثة أقسام: عقلي، وشرعي، وعادي.\nفالعقلي إثبات أمر لأمر، أو نفيه عنه بناء على تفكير دون توقف على شرع، ولا تجربة أو تكرار. مثاله: الله موجود، لا إله إلا الله.\nوالشرعي إثبات أمر لأمر، أو نفيه عنه بناء على وحي من الله مثل الصلوات الخمس فريضة على المكلفين، ولا يجوز شرب الخمر.\nوالعادي إثبات أمر لأمر، أو نفيه عنه بناء على تجربة أو تكرار مثل: الأمطار تكثر بالشواطئ.","vol":"1","page":149},{"text":"وينقسم الحكم الشرعي إلى تكليفي: كوجوب الزكاة، وتحريم القمار، واستنان ركعتي الفجر، وكراهية الأكل باليسار، وإباحة الطيبات من الطعام، والشراب، واللباس ونحوها.\nووضعي: كسببية دخول الوقت لوجوب الصلاة، وشرطية الطهارة لصحتها، وكمنع الجنون من وجوبها، والحدث من صحتها، ومن ذلك: الصحة، والفساد، والرخصة، والعزيمة.\nوينقسم العادي إلى أربعة أقسام:\nربط وجود بوجود، كربط الشبع بالأكل، وربط عدم بعدم: كربط عدم المطر بعدم السحاب، وربط وجود بعدم: كربط البرد بعدم اللباس والغطاء، وربط عدم بوجود: كربط عدم الصحة بوجود ميكروب المرض.\nوينقسم الحكم العقلي إلى ثلاثة أقسام: الوجوب، والاستحالة، والجواز.\nفالواجب: هو الثابت الذي لا يقبل الانتفاء لذاته: كثبوت العلم، والقدرة، والمحبة، والرضا، والوجه، واليدين، ونحوها من الكمالات لله، فإنها صفات ثابتة له -تعالى- لا تقبل الانتفاء.\nوالمستحيل: هو المنفي الذي لا يقبل الثبوت: كشريك الباري، والجمع بين النقيضين، ورفعهما، والجمع بين الضدين.\nوالجائز: يقال له: \" الممكن \" هو ما يقبل الوجود والعدم: كالمخلوقات التي نشاهدها، فإنها كانت معدومة فقبلت الوجود، ثم بعد وجودها فهي قابلة للعدم. \"وقد يطلق الواجب على الأمر الثابت من حيث تعلق علم الله بثبوته، وإن كان ممكنا في ذاته\". ويسمى الواجب لغيره، كوجود إنسان على كيفية معينة في عصر معين، فإن وقوعه على تلك الصفة في ذلك العصر واجب، باعتبار تعلق علم الله به كذلك، وإن كان ممكنا في ذاته.","vol":"1","page":150},{"text":"وقد يطلق المستحيل على أمر معدوم يجوز أن يوجد لكنه امتنع وجوده لتعلق علم الله ببقائه على العدم، ويقال له: المستحيل لغيره.\nوالذي يحتاج إليه من أقسام الحكم في مباحث التوحيد، وعليه تدور مسائله، الحكم العقلي.\nأما الشرعي: فيبحث عنه في علم الفقه، وأصوله، وفي الأخلاق، وآداب السلوك.\nوأما العادي: فله اتصال وثيق بالكونيات، وسنن الله فيها، وما يجربه البشر عليها من التجارب، وما يستفاد منها بالتكرار.\nومعنى كون الوجوب والاستحالة والجواز حكما عقليا أنها لازمة لما حكم بها، لا تقبل التخلف عنه ولا الانفكاك، فقولنا: الله عليم وحكيم، والنقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان، والضدان لا يجتمعان، قضايا لا تختلف أحكامها كما تختلف الأحكام العادية إكراما من الله لأوليائه، أو إثباتا لرسالة رسله، وكما تختلف الأحكام الشرعية الفرعية بنسخ أو استثناء، وليس المراد أنها تثبت بالعقل دون نصوص الشرع، فإن نصوص الشرع قد جاءت بأصول الدين، وكشفت للعقل عما خفي عليه، وقصر عن إدراكه من تفاصيل عقائد التوحيد، وسلكت به طريق الحق، وهدته إلى سواء السبيل.\nولولا ما جاء فيها من البيان لارتكس العقل في حمأة الضلالة، وقام للناس العذر، وسقط عنهم التكليف، وقال الله -تعالى-: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾. وقال: ﴿رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما﴾. وقال: ﴿ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى﴾. بل جاءت الرسل بما تحار في إدراك حقيقته العقول، وتعجز عن فهم كنهه الأفكار: كسؤال الميت في","vol":"1","page":151},{"text":"قبره، ونعيمه، وعذابه، وحياة أهل النار في النار، ولكنها لا تحيله، ولا تقوى على رده، ولا تجد لديها من الأدلة الصحيحة ما ينقضه، بل وصلت العقول بتيسير الله لها، وهدايته إياها إلى ما يصدق هذا، وأمثاله مما جاءت به الرسل، ووقفت بما أتاح الله لها من الوسائل، وسخرت لها من الكون، وهداها إليه من التجارب على حقائق سبق أن أنكرتها، وسخرت ممن تحدث بها، وربما رمته بالسحر، والكهانة، أو الخيال، والجنون.\nوليس ذلك لشيء أكثر من أنها لم تقع تحت حسها، ولم تكن من إلفها، ومعهودها، فوجب أن تعترف بقصورها، وأن تقر بأن لإدراكها غاية لا تعدوها، وحدا تقف عنده، وتؤمن بما صح من وحي الله لرسله، وأن تسلم وجهها إلى الله، فإن اتهمت فلتتهم نفسها بالقصور والتقصير، دون أن تتهم الله ورسله، فإنها بذلك أولى، وهي به أقعد.\nقال -تعالى-: ﴿سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم ألا إنه بكل شيء محيط﴾.\nفإن حجب الإنسان بعد ذلك ركوبه لرأسه، لجهالة، أو كبر، أو هوى في نفسه، حاول بالباطل ليدحض به الحق، غلب على أمره، ودارت عليه الدوائر، قال -تعالى-: ﴿إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾.\nوقال -تعالى-: ﴿أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون﴾.","vol":"1","page":152},{"text":"<span data-type='title' id=toc-44>مسائل في علم التوحيد</span>\n<span data-type='title' id=toc-45>المسألة الأولى إثبات أن العالم ممكن</span>\nإن ما شاهدناه في ماضينا من الكائنات، وما نشاهده منها في حاضرنا ممكن: أي جائز الوجود، والعدم؛ وذلك لأنا نراه يتحول من عدم إلى وجود، ومن وجود إلى عدم، وهذا التغير والتحول دليل إمكانه، إذ لو كان واجبا لما سبق وجوده على العدم، ولما لحقه فناء، ولو كان مستحيلا لما قبل الوجود؛ لأن المستحيل لذاته لا يوجد، وحيث إننا قد شاهدناه موجودا بعد عدم ثبت أنه ممكن.\n\n<span data-type='title' id=toc-46>المسألة الثانية الممكن محتاج إلى موجد ومؤثر</span>\nوحيث ثبت أن العالم ممكن، والممكن ما استوى طرفاه -الوجود والعدم- بالنسبة إلى ذاته، فوجوده ليس من ذاته، وعدمه بعد وجوده ليس من ذاته، إذن لا بد له من سبب يرجح وجوده على العدم، إذ لو وجد بدون سبب خارج عن ذاته وحقيقته للزم ترجيح أحد المتساويين على الآخر بلا مرجح، وهو باطل، ولو أوجد الممكن نفسه للزم من ذلك أن يكون متقدما على نفسه باعتباره خالقا لها، ومتأخرا على نفسه باعتباره مخلوقا لها، وتقدم الشيء على نفسه، وتأخره عنها محال بالضرورة لما فيه من التناقض الواضح، فثبت أن الممكن لا بد له من موجد غير ذاته وحقيقته، يوجده ويدبر شئونه في كل أحواله، هذا المغاير: إما المستحيل، وإما الواجد، ولا جائز أن يكون موجده هو المستحيل؛ لأن المستحيل غير موجود فلا يؤثر، ولأن فاقد الشيء لا يعطيه. فثبت أن","vol":"1","page":153},{"text":"موجده هو الواجب، وهو الله -تعالى-.\nوقد أرشدنا الله -تعالى- إلى ذلك في كثير من آيات القرآن الكريم.\nقال تعالى: ﴿أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون﴾.\nفقد أنكر -سبحانه- أن يكونوا قد خلقوا بلا خالق، وأن يكونوا قد خلقوا أنفسهم، فإذن لا بد لهم من خالق موجود مغاير لهم وهو الله تعالى.\nومن ذلك يتضح اتفاق الفطرة، والعقل السليم والسمع، على أن العالم محتاج إلى صانع، ومستند إلى موجد أوجده.\n\n<span data-type='title' id=toc-47>المسألة الثالثة\nإثبات وجوب الوجود لله ﷾</span>\nإن لفظ الوجود، ومعناه المطلق، يشترك فيهما كل من الممكن والواجب، والحادث والقديم الأزلي. فالله يوصف بأنه موجود، والحادث يقال له -أيضا- أنه موجود، ولكن للممكن وجود يخصه، فإنه حادث سبق وجوده عدم، ويلحقه الفناء، وهو في حاجة دائمة ابتداء، ودواما، إلى من يكسبه، ويعطيه الوجود، بل يحفظه عليه. ولله - تعالى- وجود يخصه، فهو -سبحانه- واجب الوجود لم يسبق وجوده عدم، ولا يلحقه فناء، ووجوده من ذاته لم يكسبه من غيره.\nوذلك لأنه تعالى الغني عن كل ما سواه، وبذلك جاء السمع، وشهد العقل. أما السمع: فمنه قوله-تعالى-: ﴿هو الأول والآخر والظاهر والباطن﴾.\nوأما العقل: فبيانه أنه تعالى: لو كان مستحيل الوجود لم يصح أن يستند","vol":"1","page":154},{"text":"إليه الممكن في حدوثه بداهة؛ لأن المستحيل ما لا يتصور في العقل وجوده، وفاقد الشيء لا يعطيه.\nولو كان ممكنا لافتقر في حدوثه إلى من يرجح وجوده على عدمه لما تقدم، فإن استمرت الحاجة، فاستند كل في وجوده إلى نظير له من الممكنات لزم إما الدور القبلي، وإما التسلسل في المؤثرات إلى ما لا نهاية، وكلاهما محال، وإذا انتفى عنه الإمكان والاستحالة ثبت له الوجوب ضرورة؛ لأن أقسام الحكم العقلي ثلاثة، وقد انتفى اثنان، فتعين الثالث، وهو الوجوب فالله -تعالى- واجب الوجود.","vol":"1","page":155},{"text":"وقد أرشدنا الله إلى ذلك في كثير من الآيات.\nمنها قوله -تعالى-: ﴿إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون﴾.\nوهذه الآية، وإن سيقت للاستدلال على توحيد الألوهية الذي تقدم قبلها في قوله تعالى: ﴿وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم﴾. إلا أنها تدل دلالة قاطعة على توحيد الربوبية، فإن استحقاقه -تعالى- للعبادة، واختصاصه بها فرع عن وجوده، وانفراده بالخلق، والتدبير، والتصريف، والتقدير.\nومنها قوله -تعالى-: ﴿أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون لو نشاء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون﴾.\nفهذه الآيات، وإن ذكرت لتنزيه الله -تعالى- وتقديسه عما ظنه به منكرو البعث، وسيقت لإثبات قدرته على المعاد. كما يرشد إليه ما قبلها من الآيات، فهي دليل -أيضا- على وجوب وجوده -تعالى - لاستناد ما ذكر في الآيات من المخلوقات إليه. وحدوثه، ولا يعقل ذلك إلا إذا كان واجب الوجود.\nفمن نظر إلى ما ترشد هذه الآيات، ونحوها من سنن الله في العالم نظرا ثاقبا، وفكر في عجائب خلقها، وحسن تنسيقها، وشدة أسرها تفكيرا عميقا،","vol":"1","page":156},{"text":"وبحث في أحكامها، وبديع صنعها بحثا بريئا من الهوى، والحمية الجاهلية، وأنصف مناظره من نفسه، فلم يمنعه من فهم ما عرض عليه من الحق، والإذعان له كبر يرديه، ولا عناد يطغيه، اتضح له طريق الهدى.\nواضطره ذلك أن يستيقن النتيجة، ويؤمن من أعماق قلبه، بأن للعالم ربا خلاقا فاعلا مختارا حكيما في تقديره، وتدبيره أحاط بكل شيء علما، وهو على كل شيء قدير.\nومع قيام الدليل، ووضوح السبيل، تعامى فرعون موسى عن الحق، وتجاهل ما استيقنته نفسه، وأنكر بلسانه ما شهدت به الفطرة، ودل عليه العقل من وجود واجب الوجود، فأقام موسى عليه الحجة، بدلالة الأثر على المؤثر، والصنعة على الصانع، ووجود العالم، وعظم خلقه على وجود الخالق، وعظيم قدرته، وسعة علمه، وكمال حكمته، فغلبه بحجته.\nوذلك بين واضح فيما حكاه الله عنهما من الحوار، والسؤال، والجواب:\nقال -تعالى-: ﴿قال فرعون وما رب العالمين قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين قال لمن حوله ألا تستمعون قال ربكم ورب آبائكم الأولين قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين﴾.\nفانظر كيف وقف موسى موقف من يصدع بالحق، ويقيم عليه البرهان؟\nوكيف وقف فرعون من موسى موقف السفهاء، لا يملك إلا الشتم، والسباب، والسخرية، والاستهزاء، والتهديد بأليم العذاب؟!!.\nوقال -تعالى-: ﴿ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات فاسأل بني إسرائيل إذ جاءهم فقال له فرعون إني لأظنك ياموسى مسحورا قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر وإني لأظنك يافرعون مثبورا﴾.","vol":"1","page":157},{"text":"وقال -تعالى-: ﴿فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين﴾.\nوإن فرعون حينما أخذته الحجة، وانتصر عليه موسى، لم يبق بيده سلاح إلا التمويه على قومه، وإنذار موسى، ومن آمن به أن يذلهم، ويذيقهم العذاب الأليم.\nوأنى له ذلك! والله من ورائهم محيط؟! وقد كتب على نفسه أن يجعل العاقبة للمتقين.\nوقال -تعالى-: ﴿فأراد أن يستفزهم من الأرض فأغرقناه ومن معه جميعا﴾.\nوقد ورث ذلك الزيغ، والإلحاد أناس ظهروا في عصور متعاقبة بأسماء مختلفة، واشتهروا بألقاب متنوعة.\nفتارة يسمون بالدهريين: وأخرى برجال الحقيقة، ووحدة الوجود.\nوأحيانا بالشيوعيين، وأخرى بالوجوديين. (اللقب الجديد) وآونة بالبهائيين.\nإلى غير ذلك من العبارات التي اختلفت حروفها ومبانيها، وائتلفت مقاصدها، واتحدت معانيها، فكلها ترمي إلى غرض واحد، وتدور حول محور واحد، هو أنه ليس للعالم رب يخلق ويدبر، وليس له إله يعبد ويقصد.\nوبما تقدم من دليل حاجة الممكن إلى موجد، ودليل وجوب وجوده -تعالى- يظهر لك فساد مذهبهم، وخروجه عن مقتضى النظر، وموجب العقل، وما","vol":"1","page":158},{"text":"يصدق ذلك، ويؤيده من أدلة السمع.\nفإن زعم زاعم منهم بعد ذلك أن وجود العالم وليد الصدفة والاتفاق.\nأو أنه نشأت أطواره عن تفاعل بين عناصر المادة، فتفرقت إلى وحدات بعد اجتماع، أو اجتمعت، وائتلفت بعد تفرق، واختلاف.\nوصار لتلك الوحدات، أو المركبات من الخواص ما لم يكن لها قبل هذا التفاعل، وبذلك تجددت الظواهر، وحدث ما نشاهده من تغيير، وآثار مع جريانها على سنة لا تتبدل، وناموس لا يختلف، ولا يتغير.\nقيل له: من الذي أودع تلك المادة طبيعتها، وأكسبها خواصها، فإنها إن كانت لها من ذاتها، ومقتضى حقيقتها لم تقبل التغير والزوال؛ لأن ما بالذات لا يتخلف ولا يزول، وقد رأيناها تتبدل، فلا بد لها من واهب يهبها، وفاعل مختار حكيم عليم يدبرها، ويضعها في محالها، وليس ذلك من المادة وحدها، ولا خواصها، أو طبيعتها القائمة بها، فإنها ليس لها من سعة العلم، وكمال الحكمة، وشمول المشيئة، وعظيم القدرة ما ينتظم معه الكون على ما نشاهد من إحكام تبهر العقول دقته وجماله، ومن إبداع يأخذ بمجامع القلوب ما فيه من شدة الأسر، وقوة الربط بين وحداته، كمال التناسب، والتكافؤ بين أجزائه، وقيام كل من الآخر مقام الخادم من سيده، والراعي من رعيته.\nألا إن الطبيعة صماء لا تسمع، بكماء لا تنطق، عمياء لا تبصر، جاهلة لا تعلم، مسخرة لمن أودعها المادة، خاضعة لتصريفه وتقديره، سائرة على ما رسم لها من سنن لا تعدوها، ونواميس لا تخرج عنها، فأنى يكون لها خلق وإبداع أو إليها تنظيم وتدبير أو منها وحي وتشريع؟! إنما ذلك إلى الله وحده -تعالى الله عما يقول الملحدون-: ﴿نحن خلقناهم وشددنا أسرهم وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا﴾.","vol":"1","page":159},{"text":"﴿تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور الذي خلق سبع سماوات طباقا ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين وأعتدنا لهم عذاب السعير﴾.\nولا يعيب الحق بعد ذلك أن يتنكب طريقه من مسخت فطرته، واتخذ إلهه هواه، وأضله الله على علم، وختم على سمعه، وقلبه، وجعل على بصره غشاوة، ولا يضير الدعاة إلى الحق أن عدل عن طريقه المستقيم من انحراف مزاجه، أو غلبته شهوته، فخشي أن تحد الشريعة من نزعاته الخبيثة، وتحول دون وصوله إلى نزواته الدنيئة، أو أطغاه كبره وسلطانه، وخاف أن تذهب الشريعة بزعامته الكاذبة، وسلطانه الجائر، فوقف في سبيلها، ولج في خصامها بغيا وعدوانا. فإن الله ناصر دينه، ومؤيد رسله، وأولياءه.\n﴿ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز﴾.\n﴿إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم﴾.\n﴿وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون﴾.","vol":"1","page":160},{"text":"<span data-type='title' id=toc-48>المسألة الرابعة في أنواع التوحيد</span>\nأنواع التوحيد ثلاثة:\n١ - توحيد الربوبية.\n٢ - توحيد الأسماء والصفات. ويقال له أيضا: توحيد الخبر، وتوحيد المعرفة والإثبات.\n٣ - توحيد العبادة ويسمى -أيضا-: توحيد الإلهية، وتوحيد الإرادة والقصد، وتوحيد الطلب.\n\n<span data-type='title' id=toc-49>توحيد الربوبية</span>\nأما توحيد الربوبية: فهو توحيد الله -تعالى- بأفعاله. والإقرار بأنه خالق كل شيء ومليكه، وإليه يرجع الأمر كله في التصريف والتدبير.\nفهو الذي يحيي ويميت، وهو الذي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، وهو الذي يرسل الرسل، ويشرع الشرائع، ليحق الحق بكلماته، ويقيم العدل بين عباده شرعا وقدرا إلى غير ذلك مما لا يحصيه العد، ولا تحط به العبارة. وهذا النوع من التوحيد قد أقرت به الفطرة، وقام عليه دليل السمع والعقل، ولم يعرف عن طائفة بعينها القول بوجود خالقين متكافئين في الصفات والأفعال.\nومن نقل عنهم من طوائف المشركين نسبة شيء من الآثار والحوادث لغير الله، كقوم هود، حيث قالوا فيما حكاه الله عنهم:\n﴿إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء﴾. فإن ما نسبوه إلى آلهتهم إنما كان","vol":"1","page":161},{"text":"لزعمهم أنها وثيقة الصلة بالله، وأنها شفيعة لمن عبدها، وتقرب إليها بالقرابين عند الله، في جلب النفع له، ودفع الضرر عنه.\nومن أجل هذه الشائبة من الشرك في الربوبية نبه الله على بطلانه، وأنكر على من زعمه، فقال -تعالى-: ﴿ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون عالم الغيب والشهادة فتعالى عما يشركون﴾.\nفبين -سبحانه- أنه لو كان معه إله يشركه في استحقاقه العبادة لكان له خلق، وملك، وقهر، وتدبير. إذ لا يستحق العبادة إلا من كان كذلك، ليرجى خيره ونفعه، فيطاع أمره، وينفذ قصده، ويخشى بأسه وبطشه. فلا يعتدى على حدوده، ولا ينتهك حماه، ولو كان له خلق، وتدبير، وملك، وتقدير لعلا على شريكه، وقهره إن قوي على ذلك؛ ليكون له الأمر وحده، ولذهب بخلقه، وتفرد بملكه دون شريكه إن لم يكن لديه القوة والجبروت ما يفرض به سلطانه على الجميع. فإن من صفات الرب -تعالى- كمال العلو، والكبرياء، والقهر، والجبروت، وفي معنى هذه الآية قوله -تعالى-: ﴿قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا﴾.\nإذا كان المعنى المراد لاتخذوا سبيلا إلى مغالبته، وقيل: المعنى لاتخذوا سبيلا إلى عبادته، وتأليهه، والقيام بواجب حقه وابتغوا إلى رضاه سبيلا، كما قال -تعالى-: ﴿أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا﴾.","vol":"1","page":162},{"text":"وقد استخلص بعض العلماء من ذلك دليلا سموه: دليل التمانع، استدلوا به على توحيد الربوبية. قالوا: لو أمكن أن يكون هناك ربان يخلقان ويدبران أمر العالم لأمكن أن يختلفا بأن يريد أحدهما وجود شيء، ويريد الآخر عدمه، أو يريد أحدهما حركة شيء، ويريد الآخر سكونه، وعند ذلك إما أن يحصل مراد كل منهما، وهو محال؛ لما يلزمه من اجتماع النقيضين، وإما أن يحصل مراد واحد منهما دون الآخر فيكون الذي نفذ مراده دون الآخر لعجزه، والعاجز لا يصلح أن يكون ربا.","vol":"1","page":163},{"text":"<span data-type='title' id=toc-50>توحيد الأسماء والصفات</span>\nوأما توحيد الأسماء والصفات: فهو أن يسمى الله ويوصف، بما سمى ووصف به نفسه، أو سماه، ووصفه به رسوله ﷺ من غير تحريف، ولا تأويل، ومن غير تكييف، ولا تمثيل.\nومن تبصر في العالم، وعرف شئونه وأحواله تبين له كمال تعلقه خلقا وأمرا بأسماء الله الحسنى، وصفاته العليا، وارتباطه بها أتم ارتباط، وظهر له أن الوجود كله آيات بينات، وشواهد واضحات على أسماء الله، وصفاته.\nوقد ذكر (ابن القيم) في: \"مدارج السالكين\" طريقين لإثبات الصفات:\nالإحسان، والنفع، ووصول المنافع العظيمة إلى المخلوق يدل على رحمة خالقه، وإحسانه، ووجوده، وما فيه من آثار الكمال يدل على أن خالفه أكمل منه، فمعطي الكمال أحق بالكمال.\nوخالق الأسماع، والأبصار، والنطق أحق أن يكون سميعا بصيرا متكلما.\nوخالق الحياة، والعلوم، والقدر، والإرادات أحق بأن يكون هو كذلك في نفسه، فما في المخلوقات من أنواع التخصيصات هو من أدل شيء على إرادة الرب -سبحانه- ومشيئته، وحكمته التي اقتضت التخصيص، وحصول الإجابة عقيب سؤال الطالب على الوجه المطلوب دليل على علم الرب تعالى بالجزئيات، وعلى سمعه لسؤال عبيده، وعلى قدرته على قضاء حوائجهم، وعلى رأفته ورحمته بهم، والإحسان إلى المطيعين، والتقرب إليهم، والإكرام لهم، وإعلاء درجاتهم يدل على محبته ورضاه. وعقوبته للعصاة، والظلمة، وأعداء رسله بأنواع العقوبات المشهودة تدل على صفة الغضب. والسخط، والإبعاد والطرد، والإقصاء يدل على المقت، والبغض.","vol":"1","page":164},{"text":"فهذه الدلالات من جنس واحد عند التأمل، ولهذا دعا -سبحانه- عباده إلى الاستدال بذلك على صفاته، فهو يثبت العلم بربوبيته، ووحدانيته، وصفات كماله بآثار صنعته المشهودة، والقرآن مملوء، فيظهر شاهد اسم الخالق من المخلوق نفسه، وشاهد اسم الرازق من وجود الرزق، والمرزوق، وشاهد اسم الرحيم من شهود الرحمة المبثوثة في العالم، واسم المعطي من وجود العطاء الذي هو مدرار لا ينقطع لحظة، واسم الحليم من حلمه على الجناة، والعصاة، وعدم معاجلتهم بالجزاء، واسم الغفور، والتواب من مغفرة الذنوب، وقبول التوبة، ويظهر اسم الحكيم من العلم بما في خلقه، وأمره من الحكم، والمصالح، ووجود المنافع.\nوهكذا كل اسم من أسمائه الحسنى له شاهد في خلقه وأمره. يعرفه من عرفه، ويجهله من جهله. فالخلق، والأمر من أعظم شواهد أسمائه وصفاته. وكل سليم العقل، والفطرة يعرف قدرة الصانع، وحذقه على غيره، وتفرده بكمال لم يشاركه فيه غيره من مشاهدة صنعته فكيف لا تعرف صفات من هذا العالم العلوي والسفلي، وهذه المخلوقات من بعض صنعه، وإذا اعتبرت المخلوقات، والمأمورات وجدتها بأسرها كلها دالة على النعوت، والصفات، وحقائق الأسماء الحسنى، وعلمت أن المعطلة من أعظم الناس عمى، ومكابرة، ويكفي ظهور شاهد الصنع فيك خاصة، كما قال -تعالى-: ﴿وفي أنفسكم أفلا تبصرون﴾.\nفالموجودات بأسرها شواهد صفات الرب ﷻ ونعوته، وأسمائه، هي كلها تشير إلى الأسماء الحسنى، وحقائقها، وتنادي بها وتدل عليها، وتخبر بها بلسان النطق والحال كما قيل:","vol":"1","page":165},{"text":"تأمل سطور الكائنات فإنها … من الملك الأعلى إليك رسائل\nوقد خط فيها لو تأملتها … ألا كل شيء ما خلا الله باطل\nتشير بإثبات الصفات لربها … فصامتها يهدي ومن هو قائل\nفلست ترى شيئا أدل على شيء من دلالة المخلوقات على صفات خالقها ونعوت كماله، وحقائق أسمائه، وقد تنوعت أدلتها بحسب تنوعها فهي تدل عقلا، وحسا، وفطرة، واعتبارا. ا. هـ.","vol":"1","page":166},{"text":"<span data-type='title' id=toc-51>توحيد الإلهية</span>\nوأما توحيد الإلهية: فهو إفراد الله بالعبادة: قولا، وقصدا، وفعلا، فلا ينذر إلا له، ولا تقرب القرابين إلا إليه، ولا يدعى في السراء والضراء إلا إياه، ولا يستغاث إلا به، ولا يتوكل إلا عليه، إلى غير ذلك من أنواع العبادة.\nوهذا النوع هو الذي من أجله بعثت به الرسل، وأنزلت به الكتب، وبدأ به كل رسول دعوته، ووقعت فيه الخصومة بينه وبين أمته.\nوهو الذي من أجله شرع الجهاد، وقامت الحرب على ساقها بين الموحدين والمشركين.\nوالطريق الفطري لإثبات توحيد الإلهية الاستدلال عليه بتوحيد الربوبية. فإن قلب الإنسان يتعلق أولا بمصدر خلقه، ومنشأ نفعه وضره، ثم ينتقل بعد ذلك إلى الوسائل التي تقربه إليه، وترضيه عنه، وتوثق الصلات بينه وبينه، فتوحيد الربوبية باب لتوحيد الإلهية.\nمن أجل ذلك احتج على المشركين، وأرشدهم رسوله إلى هذه الطريقة، وأمره أن يدعو به قومه، قال -تعالى-:\n﴿قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل أفلا تذكرون قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم سيقولون لله قل أفلا تتقون قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل فأنى تسحرون﴾.\nفقد استدل بتفرده بالربوبية، وكمال التصرف، وحمايته ما يريد أن يحميه على استحقاقه وحده للعبادة، ووجوب إفراده بالإلهية قال -تعالى-:","vol":"1","page":167},{"text":"﴿أتى أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه وتعالى عما يشركون﴾ فأخبر بأن البعث استدل -سبحانه- على قدرته على البعث، وتفرده باستحقاقه بآياته الكونية، فقال تعالى: ﴿خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون﴾.\nإلى قوله -تعالى-: ﴿أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم والله يعلم ما تسرون وما تعلنون والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون إلهكم إله واحد فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون﴾.\nوقال -تعالى-: ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم﴾ إلى أن قال: ﴿فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون﴾ فجعل -سبحانه- تفرده بالربوبية خلقا للحاضرين والسابقين، وتمهيده الأرض، ورفعه السماء بغير عمد يروها، وإنزاله الأمطار ليحيي بها الأرض بعد موتها، ويخرج بها رزقا لعباده بابا إلى توحيد الإلهية وآية بينة على استحقاقه وحده العبادة، وقال -تعالى-:\n﴿قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار﴾ إلى أن قال: ﴿فما لكم كيف تحكمون﴾.\nفقررهم -سبحانه- بما لا يسعهم إنكاره، ولا مخلص لهم من الاعتراف به من تفرده بالرزق، والملك، والتدبير، والإحياء، والإماتة، والبدء، والإعادة","vol":"1","page":168},{"text":"والإرشاد، والهداية ليقيم به عليهم الحجة في وجوب تقواه دون سواه.\nوينكر عليهم حكمهم الخاطئ، وشركهم الفاضح، وعكوفهم على من لا يملك لهم ضرا ولا نفعا، ولا حياة ولا نشورا، قال تعالى:\n﴿قل الحمد لله وسلام على عباده الذي\nن اصطفى آلله خير أم ما يشركون أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون أمن جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا أإله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله قليلا ما تذكرون أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر ومن يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته أإله مع الله تعالى الله عما يشركون أمن يبدأ الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السماء والأرض أإله مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين﴾.\nفأنكر -سبحانه- أن يكون معه من خلق، ودبر، أو صرف، وقدر، أو يجيب المضطر إذا دعاه، ويكشف السوء، أو يولي، أو يعزل، وينصر، ويخذل، أو ينقذ من الحيرة، ويهدي من الضلالة، أو يبدئ ويعيد، ويبسط الرزق لمن يشاء، ويقدر إلى غير ذلك مما استأثر الله به.\nوهذا مما استقر في فطرتهم، ونطقت به ألسنتهم، وبه قامت الحجة عليهم فيما دعتهم إليه الرسل من توحيد العبادة، وما ذكر من الآيات قليل من كثير.\nومن سلك طريق القرآن في الاستدلال، واهتدى بهدى الأنبياء في الحجاج اطمأنت نفسه، وقوي يقينه، وخصم مناظره (أي انتصر) عليهم، فإن في ذلك الحجة، والبرهان من جهتين:\nالأولى: أنه خبر المعصوم.\nوالثانية: أنه موجب الفطرة، ومقتضى العقل الصحيح.","vol":"1","page":169},{"text":"<span data-type='title' id=toc-52>المسألة الخامسة في الفرق بين النبي والرسول وبيان النسبة بينهما</span>\nالنبي: مشتق من النبأ، بمعنى: الخبر، فإن كان المراد أنه يخبر أمته بما أوحى الله إليه، فهو فعيل، بمعنى: فاعل، وإن كان المراد أن الله يخبره بما يوحى إليه، فهو فعيل، بمعنى مفعول، ويصح أن يكون مأخوذا من النبء (بالهمزة وسكون الباء)، أو النبوة، أو النباوة (بالواو)، كلها بمعنى: الارتفاع والظهور، وذلك لرفعة قدر النبي، وظهور شأنه وعلو منزلته.\nوالفرق بين النبي والرسول: أن الرسول: من بعثه الله إلى قوم، وأنزل عليه كتابا، أو لم ينزل عليه كتابا لكن أوحى إليه بحكم لم يكن في شريعة من قبله.\nوالنبي: من أمره الله أن يدعو إلى شريعة سابقة دون أن ينزل عليه كتابا، أو يوحي إليه بحكم جديد ناسخ أو غير ناسخ، وعلى ذلك، فكل رسول نبي، ولا عكس، وقيل: هما مترادفان، والأول أصح.","vol":"1","page":170},{"text":"<span data-type='title' id=toc-53>٢ - الرسالة</span>\nالإيمان بالرسل عليهم الصلاة والسلام ركن من أركان الدين، فلا يستقيم لأحد دين ولا يقبل منه عمل إلا إذا أيقن برسالتهم، وأذعن لكل ما جاءوا به من الشرائع كل حسب طاقته وبقدر ما بلغه من ذلك إجمالا أو تفصيلا، قال تعالى: ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير﴾، وفي الحديث: «أن جبريل سأل النبي -عليهما الصلاة والسلام- عن الإيمان، فبينه بقوله: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره».\n\n<span data-type='title' id=toc-54>بيان كفر من آمن ببعض الرسل وكفر ببعض</span>\nومن زعم أنه آمن ببعض الرسل دون بعض لم يقبل منه ذلك، وكان في حكم من كفر بالجميع، وذلك لأمرين:\nالأول: أن من تقدم من الرسل قد بشر بمن تأخر منهم، وأخذ عليه وعلى من تبعه العهد والميثاق إن أدركهم أن يؤمنوا به وينصروه، وأن من تأخر منهم مصدق لمن بين يديه، فمن كفر بواحد منهم تقدم أو تأخر فهو كافر بجميعهم.\nالثاني: أن الأمر الذي ثبت به رسالة من آمن به منهم، ومن أجله صدقه، وهو المعجزة، قد أجرى الله مثله على يد من كفر به من الأنبياء تصديقا لهم في دعوى الرسالة، قال ﷺ: «ما من الأنبياء نبي إلا وقد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة»، فكان إيمانه بمن آمن به، وكفره بغيره منهم اتباعا للهوى لا لدليل","vol":"1","page":171},{"text":"النبوة وإلا لآمن بالجميع، ومن كان إيمانه تبع هواه ولو تغير هواه لتغير إيمانه فليس بمؤمن في حكم الشريعة، قال تعالى: ﴿إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا﴾.\nوالقول في رسالة الرسل عليهم الصلاة والسلام يتشعب شعبا كثيرة ويرجع إلى مباحث عدة، يرجع إلى إمكان أن يوحي الله إلى بعض من يصطفيه من عباده بشريعة ليهدي بها أمته سواء السبيل، ثم إلى حاجة العالم إلى هذه القيادة الرشيدة والشريعة المستقيمة ليكون إرسالهم على مقتضى الحكمة وموجب العدالة الإلهية، ثم إلى بيان ما يؤيدهم الله به من الآيات البينات والمعجزات الباهرات التي تدل على صدقهم فيما ادعوه من الرسالة والبلاغ عن الله لتقوم بذلك الحجة وينقطع العذر، ثم إلى بيان ما يتعلق بذلك من تنوع المعجزات وحكمته، وبيان الفوارق بين المعجزات والسحر والكهانة، وبيان ما يعد الله به رسله قبل الرسالة من السيرة الحميدة والأخلاق الفاضلة؛ ليكون ذلك أقرب إلى أن تستجيب لهم أممهم، وتتقبل عنهم ما دعوهم إليه.\nوقد تكفل الله ببيان ذلك كله خبرا وعقلا وفطرة فيما أنزل على رسله، فعلمهم سبحانه طريق الحجة والبرهان التي يخضع لها العقل الصريح، وسلك بهم الطريقة المثلى التي لا يرتاب فيها إلا من سفه نفسه وأنكر فطرته.\nوإليك تفصيل ذلك؛ لتعلم أن الشرائع الإلهية تعتمد في أصولها الحجة والإقناع، وإن جاء في فروعها وتفاصيل أصولها ما قد يعجز العقل عن إدراك حكمته، فطريقه ثبوت مثل هذا الخبر عن المعصومين عليهم الصلاة والسلام.","vol":"1","page":172},{"text":"<span data-type='title' id=toc-55>مباحث الكلام على الرسالة</span>\n<span data-type='title' id=toc-56>المبحث الأول\n١ - إمكان الوحي والرسالة</span>\nلا يبعد في نظر العقل، ولا يستحيل في تقدير الفكر أن يختص واهب النعم ومفيض الخير -سبحانه- بعض عباده بسعة في الفكر، ورحابة الصدر، وحسن قيادة، وكمال صبر، وسلامة في الأخلاق؛ ليعدهم بذلك لتحمل أعباء الرسالة، ويكشف لهم عما أخفاه عن غيرهم، ويوحي إليهم بما فيه سعادة الخلق وصلاح الكون رحمة للعالمين، وإعذارا إلى الكافرين، وإقامة للحجة على الناس أجمعين، فإنه -سبحانه- بيده ملكوت كل شيء وهو الفاعل المختار، لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع، وهو على كل شيء قدير.\nوآية ذلك: أنا نشاهد أن الله سبحانه خلق عباده على طرائق شتى في أفكارهم ومذاهب متباينة في مداركهم، فمنهم من سما عقله واتسعت مداركه واطلع من الكون على كثير من أسراره، حتى وصل بما منحه الله من ثاقب الفكر، ويسر له من التجارب إلى أن اخترع للناس ما رفع إليه من أجله أولو الألباب رؤوسهم إعجابا به، وشهادة له بالمهارة، وأنكره عليه صغار العقول، وعدوه شعوذة وكهانة أو ضربا من ضروب السحر، ولم يزالوا كذلك حتى استبان لهم بعد طوال العهد ومر الأزمان ما كان قد خفي عليهم فأذعنوا له وأيقنوا بما كانوا به يكذبون.\nومنهم من ضعف عقله، وضاقت مداركه فعميت عليه الحقائق واشتبه عليه الواضح منها، فأنكرت البديهيات، ورد الآيات البينات، ومنهم من انتهى به انحراف مزاجه واضطراب تفكيره إلى أن أنكر ما تدركه الحواس كطوائف","vol":"1","page":173},{"text":"السفسطائية.\nوكما ثبت التفاوت بين الناس في العقول والأفكار بضرورة النظر وبديهة العقل، ثبت التفاوت بينهم -أيضا- في قوة الأبدان وضعفها، وسعة الأرزاق وضيقها، ونيل المناصب العالية والاستيلاء على زمام الأمور وقيادة الشعوب، والحرمان من ذلك إما للعجز وإما للقصور أو التقصير وإما لحكم أخرى يعلمها بارئ الكائنات، ليتخذ بعضهم بعضا سخريا، وربما كشف الغطاء عن الكثير منها لمن تدبر القرآن وعرف سيرة الأنبياء وتاريخ الأمم وما جرى عليها من أحداث.\nفمن شاهد ما مضت به سنة الله في عباده من التفاوت بينهم في مداركهم وقواهم وإرادتهم، وغير ذلك من أحوالهم لم يسعه إلا أن يستسلم للأمر الواقع، ويستيقن أن الله ينبئ من شاء من خلقه ويصطفي من أراد من عباده: ﴿رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما﴾، ﴿وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون﴾، ﴿وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمة ربك خير مما يجمعون﴾.","vol":"1","page":174},{"text":"بل هذا الحوار وأمثاله مما دار بين الرسل وأممهم يدل على أنهم لم يكونوا ينكرون أصل الرسالة، ولم يكونوا يستبعدون أن يصطفي الله روحا طيبة لوحيه، أو يختار نفسا طاهرة لتبليغ رسالته وهداية خلقه، لكنهم استبعدوا أن يكون ذلك الرسول من البشر، وظنوا خطأ أنه إنما يكون من الملائكة، زعما منهم أن البشرية تنافي الرسالة، فمهما صفت روح الإنسان وسمت نفسه واتسعت مداركه فهو في نظرهم أقل من أن يكون أهلا؛ لأن يوحي الله إليه، وأحقر من أن يختاره -سبحانه- لتحمل أعباء رسالته.\nوقد ذكر الله عنهم هذه الشبهة، وردها بما لا يسع العاقل إلا قبوله والإذعان له، ومن نظر في الكتب المنزلة وتصفح ما رواه علماء الأخبار مما دار بين الأنبياء وأممهم من الجدال والحجاج اتضح له ذلك، قال تعالى: ﴿ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إني لكم نذير مبين أن لا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين﴾ الآيات إلى قوله: ﴿قالوا يانوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين قال إنما يأتيكم به الله إن شاء وما أنتم بمعجزين﴾ فانظروا كيف فروا من ميدان المناظرة إلى استعجال الهلاك، وطلبوا ذلك من نوح، فبين لهم أن ذلك إلى الله لا إليه، إن عليه إلا النصح والبلاغ المبين وإقامة الحجة والبرهان، وقال تعالى: ﴿كذبت ثمود بالنذر فقالوا أبشرا منا واحدا نتبعه إنا إذا لفي ضلال وسعر أؤلقي الذكر عليه من بيننا بل هو كذاب أشر سيعلمون غدا من الكذاب الأشر﴾، فذكر","vol":"1","page":175},{"text":"شبهتهم، ثم ردها بما آتاه من المعجزة الدالة على صدقه، وبنصره وإهلاكهم؛ فإن العاقبة للمتقين.\nوقال تعالى: ﴿وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا﴾، وقال تعالى: ﴿قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السماوات والأرض يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطان مبين قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾، إلى غير ذلك من الآيات التي دلت على إنكار الأمم لم يكن لأصل الرسالة إنما كان لبعث رسول إليهم من جنسهم.\nولو قال قائل: إن أئمة الكفر وزعماء الضلالة كانوا يوقنون بإمكان أن يرسل الله رسولا من البشر، غير أنهم جحدوا ذلك بألسنتهم حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق، وتمويها على الطغام من الناس وخداعا لضعفاء العقول، وتلبيسا عليهم خشية أن يستجيبوا إلى مقتضى الفطرة، ويسارعوا إلى داعي الدين ومتابعة المرسلين -لو قال ذلك قائل- ما كان بعيدا عن الحقيقة ولا مجافيا للصواب، بل بدرت منهم البوادر التي تؤيد ذلك وتصدقه، وسبق إلى لسانهم ما يرشد البصير إلى ما انطوت عليه نفوسهم من الحسد والاستكبار أن يؤتى الرسل ما أوتوا دونهم، وأن ينالوا من الفضيلة وقيادة الأمم إلى الإصلاح ما لم ينل هؤلاء، قال تعالى: ﴿وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته﴾، ﴿وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم﴾.","vol":"1","page":176},{"text":"وقال: ﴿ونادى فرعون في قومه قال ياقوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين﴾.\nهذا وليس بدعا أن يختار الله نبيا من البشر، ويبعث إليهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، بل ذلك هو مقتضى الحكمة وموجب العقل وما جرت به سنة الله في أنبيائه.\nفإن الله سبحانه قد مضت سنته في خلقه أن يكونوا أنواعا مختلفة على طرائق شتى وطبائع متباينة، لكل نوع غرائزه وميوله، أو خواصه ومميزاته التي تقتضي الأنس والتآلف بين أفراده، وتساعد على التفاهم والتعاون بين جماعاته، ليستقيم الوجود، وينتظم الكون، فكان اختيار الرسول من الأمة أقرب إلى أخذها عنه وأدعى إلى فهمها منه وتعاونها معه لمزيد التناسب وإمكان الإلف بين أفراد النوع الواحد، ولو كان عمار الأرض من الملائكة لاقتضت الحكمة أن يبعث الله إليهم ملكا رسولا، وقد أرشد الله إلى ذلك في رده على من استنكر أن يرسل إلى البشر رسول منهم، قال تعالى: ﴿وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا﴾، ولكن شاء الله أن يجعل عمار الأرض من البشر، فاقتضت حكمته أن يرسل إليهم من أنفسهم، بل اقتضت حكمته ما هو أخص من ذلك ليكون أقرب إلى الوصول للغاية، وتحصيل المقصود من الرسالة فكتب على نفسه أن يرسل كل رسول بلسان قومه، قال تعالى:","vol":"1","page":177},{"text":"﴿وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم﴾.\nولو قدر أن الله أجاب الكفار إلى ما طلبوا من إرسال ملك لجعل ذلك الملك في صورة رجل؛ ليتمكنوا من أخذ التشريع عنه والاقتداء به فيما يأتي ويذر، ويخوض معهم ميادين الحجاج والجهاد، وإذ ذاك يعود الأمر سيرته الأولى، كما لو أرسل الله رسولا من البشر، ويقعون في لبس وحيرة، جزاء وفاقا، قال تعالى: ﴿وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون﴾.\nومن نظر في آيات القرآن، وعرف تاريخ الأمم تبين له أن سنة الله في عباده أن يرسل إليهم رسولا من أنفسهم، قال تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون بالبينات والزبر وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون﴾، وقال تعالى: ﴿وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق﴾، وفي ذلك الرد الواضح على من زعم منافاة البشرية للرسالة ببيان سنة الله في رسله وحكمته في اختيارهم على نحو يكفل المصلحة وينتهي بالأمة إلى المقصود.","vol":"1","page":178},{"text":"<span data-type='title' id=toc-57>المبحث الثاني\n٢ - حاجة العالم إلى الرسالة</span>\nالأفعال الاختيارية منها ما تحمد عاقبته، فيجمل بالعاقل فعله والحرص عليه، ولو ناله في سبيل تحصيله حرج ومشقة، وأصابه منه في عاجل أمره كثير من الآلام، ومنها ما تسوء مغبته، فيجدر بالعاقل أن يتماسك دونه، وأن يتنكب طريقه خشية شره، وطلبا للسلامة من ضره وإن كان فيه ما فيه من اللذات العاجلة التي تغري الإنسان بفعله، وتخدعه عما فيه سلامته.\nغير أن العاقل قد يقصر في كثير من شئونه عن التمييز بين إدراك ما قصر عنه إدراكه، وقد يعجز كليا عن العلم بما يجب عليه علمه؛ لأنه ليس في محيط عقله، ولا دائرة فكره، مع ما في علمه به من صلاحه وسعادته، وذلك كمعرفته بالله واليوم الآخر والملائكة تفصيلا، فكان في ضرورة إلى من يهديه الطريق في أصول دينه، وقد يتردد في أمر إما لعارض هوى وشهوة أو لتزاحم الدواعي واختلافها، فيحتاج إلى من ينقذه من الحيرة، ويكشف له عن حجاب الضلالة بنور الهدى، فبان بذلك حاجة العالم إلى رسول يخرجهم من الظلمات إلى النور، ويكلمهم بمعرفة ما قصرت عنه أفهامهم، ويوقفهم على حقيقة ما عجزوا عنه، ويدفع عنهم آلام الحيرة ومضرة الشكوك.\nأضف إلى ذلك: أن تفاوت العقول وتباين الأفكار واختلاف الأغراض والمنازع ينشأ عنه تضارب الآراء وتناقض المذاهب، وذلك يفضي إلى سفك الدماء ونهب الأموال والاعتداء على الأعراض وانتهاك الحرمات، وبالجملة ينتهي إلى تخريب وتدمير لا إلى تنظيم وحسن تدبير، ولا يرتفع ذلك إلا برسول يأتي بفصل الخطاب، ويقيم الحجة، ويوضح المحجة، وينشر العدل، فاقتضت حكمة الله أن يرسل الرسل، وينزل الكتب رحمة بعباده وإقامة للعدل بينهم، وتبصيرا لهم بما يجب عليهم من حقوق خالقهم، وإعانة لهم على أنفسهم، وإعذارا إليهم؛ فإنه لا أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك أرسل الرسل","vol":"1","page":179},{"text":"وأنزل الكتب، ففي الحديث أن سعد بن عبادة قال: لو رأيت رجلا مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: «تعجبون من غيرة سعد لأنا أغير منه، والله أغير مني، ومن أجل غيرة الله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه العذر من الله، ومن أجل ذلك بعث المبشرين والمنذرين، ولا أحد أحب إليه المدحة من الله، ومن أجل ذلك وعد الجنة».\nومما تقدم يعلم أن إرسال الله للرسل مما يدخل في عموم قدرته، وتقتضيه حكمته فضلا من الله ورحمة، والله عليم حكيم، وهذا هو القول الوسط والمذهب الحق.\nوقد أفرط المعتزلة فقالوا: إن بعثة الرسل واجبة على الله إبانة للحق، وإقامة للعدل ورعاية للأصلح، وهذا مبني على ما ذهبوا إليه من القول بالتحسين والتقبيح العقليين وبناء الأحكام عليهما -ولو لم يرد شرع- وهو أصل فاسد.\nوتطرف البراهمة، فأحالوا أن يصطفي الله نبيا ويبعث من عباده رسولا، وزعموا أن إرسالهم عبث، إما لعدم الحاجة إليهم اعتمادا على العقل في التمييز بين المصالح والمفاسد، واكتفاء بما يدركه مما يحتاج إليه العباد في المعاش والمعاد، وإما لاستغناء الله عن عباده، وعدم حاجته إلى أعمالهم، خيرا كانت أو شرا؛ إذ هو سبحانه لا ينتفع بطاعتهم، ولا يتضرر بمعصيتهم.\nوقد سبق بيان عدم كفاية العقل في إدراك المصالح والمفاسد، وحاجة العالم إلى رسالة تحقيقا لمصالحهم، مع غنى الله عن الخلق وأعمالهم، فليس إرسالهم عبثا، بل هو مقتضى الحكمة والعدالة.","vol":"1","page":180},{"text":"<span data-type='title' id=toc-58>المبحث الثالث\n٣ - طريقة الرسل في إثبات توحيد الألوهية والعبادة</span>\nلم يدع الأنبياء أممهم إلى الإيمان بما جاءوا به من الشرائع دون بينة أو برهان يكون شاهد صدق على إثبات أن ما دعوهم إليه وحي من الله وشرعه الذي ارتضاه لعباده دينا، ولم يلزموهم بذلك دون إقناع تقوم به الحجة ويسقط به العذر، بل تحدى كل رسول أمته بما آتاه الله من الآيات البينات، والمعجزات الباهرات التي يخضع لها العقل السليم، وتتصاغر أمامها قوى الشر، وطلب منهم أن يأتوا بمثل ما ظهر على يده من خوارق العادات -وأنى لهم ذلك وهو من اختصاص واهب القوى والقدر- فلما عجزوا عنه كان دليلا واضحا على صدقهم في دعوى الرسالة، وأن ما جاءوا به شرع الله ودينه الحق.\nفإن لله سبحانه من كمال الحكمة والعدالة وسعة الرحمة والجود وسابغ الكرم والإحسان ما يمتنع معه أن يؤيد متنبئا كذابا يخدع العباد ويفسد عليهم أمر دينهم ودنياهم؛ بل يستحيل في حكمه وعدله أن يبقى عليه أو يهمله؛ لما في ذلك من التلبيس والتضليل وفساد الكون وتخريبه، وهو شر محض، والشر ليس إليه سبحانه، ففي الحديث: «الخير كله بيديك والشر ليس إليك».\nوقد بين سبحانه أنه بالمرصاد لمن افترى عليه كذبا، أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء، فقال تعالى: ﴿ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين فما منكم من أحد عنه حاجزين﴾.\nوإذا أبت حكمة الله وسعة رحمته أن يترك عباده سدى فلا يرسل إليهم","vol":"1","page":181},{"text":"رسولا يأمرهم وينهاهم، ويبين لهم معالم الهدى وشرائع الحق، ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة، فأولى في حكمه العدل ورحمته الواسعة أن يقضي على المتنبئين كذبا وافتراء، وأن يعاجلهم بالعقوبة والهلاك رحمة للعالمين وتمييزا بين رسله الصادقين والمتنبئين الكاذبين.","vol":"1","page":182},{"text":"<span data-type='title' id=toc-59>المبحث الرابع\n٤ - الفرق بين المعجزة والسحر</span>\nكل ما لم تبلغه طاقة البشر ولم يقع في دائرة قدرتهم فهو معجز، وقد تطلق المعجزة على ما خرج عن طاقة العامة من الخلق دون الخاصة، كبعض المسائل العلمية المشكلة، واختراع بعض الآلات والأجهزة الحديثة ونحوها مما لا يقوى عليه إلا الخواص من الناس، كالغوص والسباحة وحمل الأثقال، وهذا عجز نسبي يكون في مخلوق دون آخر.\nوالمراد من المعجزة: هذا الأمر الخارق عن سنن الله العامة في خلقه الذي يظهره الله على يد مدعي النبوة تصديقا له في دعواه وتأييدا له في رسالته مقرونا بالتحدي لأمته ومطالبتهم أن يأتوا بمثله؛ فإذا عجزوا كان ذلك آية من الله على اختياره إياه وإرساله إليهم بشريعته.\nأما السحر: فهو في اللغة كل ما دق ولطف وخفي سببه، فيشمل قوة البيان وفصاحة اللسان؛ لما في ذلك من لطف العبارة ودقة المسلك، ويشمل النميمة، لما فيها من خفاء أمر النمام وتلطفه في خداع من نم بينهما ليتم له ما يريد من الوقيعة، ويشمل العزائم والعقد التي يعقدها الساحر، وينفخ فيها مستعينا بالأرواح الخبيثة من الجن ليصل بذلك في -زعمه- إلى ما يريد من الأحداث والمكاسب.\nويتلخص الفرق بين المعجزة والسحر فيما يأتي:\nأ - المعجزة ليست من عمل النبي وكسبه، وإنما هي خلق محض من الله على خلاف سننه في الكائنات، وقد طلب من محمد ﷺ آية، فقال بإرشاد مولاه: ﴿إنما الآيات عند الله﴾، وقال لمن استعجلوا ما توعدهم به من أمر ربه:","vol":"1","page":183},{"text":"﴿ما عندي ما تستعجلون به إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين قل لو أن عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر بيني وبينكم والله أعلم بالظالمين﴾. أما السحر فمن عمل الساحر وكسبه سواء أكان تعويذات أم بيانا أم نميمة أم غير ذلك، وله أسبابه ووسائله التي قد تنتهي بمن عرفها ومهر فيها وعمل بها إلى مسبباتها، فليس خارقا للعادة ولا مخالفا لنظام الكون في ربط الأسباب بمسبباتها والوسائل بمقاصدها.\nب - المعجزة تظهر على يد مدعي النبوة؛ لتكون آية على صدقه في دعوى الرسالة التي بها هداية الناس من الضلالة وإخراجهم من الظلمات إلى النور، والأخذ بأيديهم إلى ما ينفعهم في عقائدهم وأبدانهم وأموالهم، والسحر خلق ذميم أو حرفة أو صناعة يموه بها الساحر على الناس ويضللهم، ويخدعهم بها عن أنفسهم وما ملكت أيديهم، ويتخذها وسيلة لكسب العيش من غير حله، ويفرق بها بين المرء وزوجه والصديق وصديقه، وبالجملة يفسد بها أحوال الأمة في خفاء، والناس عنه غافلون.\nج - سيرة من ظهرت على يده المعجزة حميدة وعاقبته مأمونة، فهو صريح في القول والفعل، صادق اللهجة، حسن العشرة، سخي كريم عفيف عما في أيدي الناس يدعو إلى الحق وينافح عنه بقوة وشجاعة، أما الساحر فسيرته ذميمة ومغبته وخيمة، خائن خداع سيئ العشرة، يأخذ ولا يعطي، يدعو إلى الباطل، ويسعى جهده في ستره خشية أن يفتضح أمره ويكشف سره فلا يتم له ما أراد من الشر والفساد.\nد - من ظهرت على يده المعجزة يقود الأمم والشعوب إلى الوحدة والسعادة، ويهديها طريق الخير، وعلى يده يسود الأمن والسلام وتفتح البلاد، ويكون العمران، والساحر آفة الوحدة ونذير الفرقة والتخريب والفوضى والاضطراب.","vol":"1","page":184},{"text":"<span data-type='title' id=toc-60>المبحث الخامس\n٥ - تنوع المعجزة مع بيان الحكمة في ذلك</span>\nآيات الأنبياء التي أيد الله بها رسله قد اختلفت أنواعها، وتباينت مظاهرها وأشكالها إلا أنها تجتمع في أن كلا منها قد عجز البشر عن أن يأتوا بمثله منفردين أو مجتمعين، فكانت بذلك شاهد صدق على الرسالة وحجة قاطعة تخرس الألسنة وينقطع عندها الخصوم، ويجب لها التسليم والقبول.\nويغلب أن تكون معجزة كل رسول مناسبة لما انتشر في عصره وبرز فيه قومه، وعرفوا بالمهارة فيه؛ ليكون ذلك أدعى إلى فهمها، وأعظم في دلالتها على المطلوب، وأمكن في الإلزام بمقتضاها.\nففي عهد موسى انتشر السحر، ومهر فيه قومه حتى أثروا به على النفوس، وسحروا أعين الناظرين، وأوجس في نفسه خيفة منه من شهده وإن كان عالي الهمة قوي العزيمة، فكان ما آتاه الله نبيه موسى فوق ما تبلغه القوى والقدرة، وما يدرك بالأسباب والوسائل، وقد أوضح الله ذلك في كثير من الآيات، قال تعالى: ﴿وما تلك بيمينك ياموسى قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى قال ألقها ياموسى فألقاها فإذا هي حية تسعى قال خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى واضمم يدك إلى جناحك تخرج بيضاء من غير سوء آية أخرى لنريك من آياتنا الكبرى﴾، ولهذا بهت السحرة وبطل ما جاءوا به من التمويه والتخييل وامتاز الحق من الباطل، قال تعالى في بيان ذلك في المباراة التي كانت بين موسى ﵇ والسحرة ﴿فألقي السحرة ساجدين قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون﴾.","vol":"1","page":185},{"text":"وفي عهد المسيح عيسى ابن مريم ﵇ برع بنو إسرائيل في الطب، فكان مما آتاه الله أن يصور من الطين كهيئة الطير، فينفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله، وإبراء الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى بإذن الله، إلى غير ذلك من الآيات التي ثبت بها رسالته، وقامت بها الحجة على قومه.\nوفي عهد محمد ﷺ كان العرب قد بلغوا الغاية في الفصاحة وقوة البيان، وجرت الحكمة على ألسنتهم، حتى اتخذوا ذلك ميدانا للسباق والمباراة، فأنزل الله القرآن على رسوله ﵊، فكانت بلاغته وبيانه وما تضمنه من الحكم والأمثال إلى جانب ما كان من تأبيد إعجازه كان ذلك من الأدلة والآيات التي تدل على صدقه في نبوته ورسالته قال ﷺ: «ما من الأنبياء نبي إلا وقد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة».","vol":"1","page":186},{"text":"<span data-type='title' id=toc-61>المبحث السادس\n٦ - معجزات الأنبياء لا تنحصر فيما تحدى به كل نبي قومه</span>\nوليست معجزات موسى، وعيسى، ومحمد عليهم الصلاة والسلام قاصرة على ما ذكر، وإنما ذلك بيان لما تحدى به كل منهم قومه، وجعله قاعدة يبني عليها دعوته، ويثبت بها شريعته وإلا فلهؤلاء وغيرهم من الأنبياء كثير من الآيات البينات، والدلائل الواضحات التي دلت على صدقهم سوى ما تحدى به كل نبي قومه، منها ما يرجع إلى سيرتهم قبل الرسالة، فإن الله قد أعدهم لتحمل أعباء رسالته، ومنها ما يرجع إلى ثبات جأشهم وقوة بأسهم في مقام الدعوة والجهاد في سبيل الله نصرة للحق ونشرا له بأنفسهم، وبمن آمن معهم، وهم الأقل عددا والأضعف جاها، مع غنى خصومهم وكثرة عددهم وعددهم وقوة سلطانهم، إلى غير ذلك مما يدل على صدق الداعي في دعوته، وكمال يقينه بها، ومنها ما يرجع إلى سلامة الشريعة التي يدعون إليها، وحكمتهم في حمل الناس عليها، وقوة حجاجهم في الدفاع عنها، وما شوهد من آثارهم في صلاح من اهتدى بها من الأمم في الدولة والسياسة والاجتماع والاقتصاد والحرب وغير ذلك من أحوال الشعوب، حتى إذا حرفوها عن مواضعها وتأولوها على غير وجهها أو أعرضوا عنها وتركوا العمل بها دالت دولهم وساءت حالهم، فإن العاقبة للمتقين، والخيبة والخسران على المفسدين.\nومن ذلك يتبين أن الرسالة ليست شعوذة ولا كهانة، فإن الرسل عرفوا بالصدق والأمانة، والشياطين إنما تنزل على من يجانسهم في الكذب والافتراء والإفك والبهتان، قال تعالى: ﴿هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم يلقون السمع وأكثرهم كاذبون﴾، ولو لمست الشياطين السماء استراقا للسمع أو طلبا للوحي ما وجدوا إلى ذلك سبيلا، قال تعالى في شأن القرآن:","vol":"1","page":187},{"text":"وما تنزلت به الشياطين ﴿وما ينبغي لهم وما يستطيعون إنهم عن السمع لمعزولون﴾.\nوليست الرسالة أيضا من جنس ما تجود به قريحة الشعراء، وتمليه عليهم مما تهواه نفوسهم، فإن الشعراء -إلا من عصم الله- يغلب عليهم أن يسلكوا كل فج، ويضربوا في كل واد، ومن سلك سبيلهم كان على شاكلتهم في الغي والفساد.\nأما الرسل فقد جاءوا بالهدى ودين الحق، ومن سلك سبيلهم كان على بصيرة في عمله وبينة من أمره واستقامة في سيره، قال تعالى: ﴿والشعراء يتبعهم الغاوون ألم تر أنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾.\nومن المعجزات ما يرجع إلى آيات حسية أكرم الله بها رسله ومن آمن بهم من تفريج كربة وإزالة شدة، أو خوارق عادات طلبتها الأمة بغيا وعنادا، كانشقاق القمر، فأجيبت إليها دفعا للحرج عن الرسل وزيادة في التثبيت لهم والإعذار إلى من كفر بهم، ومنها ما يرجع إلى تعليم الصناعات وتيسير طريقها كإسالة عين القطر وإلانة الحديد لداود ﵇ على خلاف السنة الكونية، ليكون ذلك آية له وكرامة، ليكون سعة للعباد ورحمة لهم، وكتسخير الريح والطير والجن لسليمان ﵇، إلى غير ذلك مما لا يحصيه إلا الله، ومن اطلع على قصص الأنبياء في القرآن وكتب السير وجد الكثير من ذلك، وسأذكر جملة منها بعد ترشد إلى ما وراءها مما لم يذكر إن شاء الله.\nوقد بين سبحانه لرسوله محمد ﷺ في كثير من قصص القرآن الطريقة المثلى التي يثبت بها رسالته ويحاج بها أمته، وأرشده إلى كون ذلك القصص آية بينة توجب عليهم أن يستجيبوا لما دعاهم إليه من التصديق برسالته، والإيمان بسائر ما جاءهم من عند الله.","vol":"1","page":188},{"text":"<span data-type='title' id=toc-62>قصة يوسف ﵊ وكيف أنها من معجزات النبي ﷺ</span>\nإن هذه القصة فيها كثير من العجائب والعبر والعظات والأحكام والأخلاق وألوان الابتلاء والامتحان والفضل والإحسان، والذي أقصد إليه من مباحثها أمران لمزيد اتصالهما بما أنا بصدد الكلام عليه، الأول: كيف كانت هذه القصة معجزة لرسول الله محمد ﷺ، والثاني: كيف كانت دليلا على أن الله يعد رسله في حياتهم الأولى قبل الرسالة لتحمل أعبائها حين إرسالهم إلى أممهم.\nأما الأول: فإنه تعالى ذكر قصة يوسف ﵊ في القرآن مفصلة؛ لتكون آية، بل آيات على نبوة رسوله محمد ﵊، وبيان ذلك: أنه كان أميا لم يقرأ شيئا من كتب الأولين، ولا درس شيئا من تاريخهم، ولا خط من ذلك شيئا بيمينه حتى يرتاب في أمره ويتهم بأنه تكلم بما قرأ أو درس، قال تعالى: ﴿وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون﴾، بل كان من الغافلين عن قصة يوسف وأمثالها، لم تخطر له ببال، ولم تقرع له سمعا قبل أن يوحي الله بها إليه، ويذكرهم له في محكم كتابه، قال تعالى في مطلع سورة يوسف: ﴿الر تلك آيات الكتاب المبين إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين﴾، وقال بعد ذكر يوسف لرؤياه وعرضها على أبيه ووصية أبيه له: ﴿لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين﴾.\nولم تكن قصة يوسف بالأمر الذي اشتهر في العرب، وتناولوه بالحديث فيما بينهم، بل كانت غيبا بالنسبة إليهم، ولا كان محمد مع يوسف وإخوته،","vol":"1","page":189},{"text":"ولا شهد مكرهم به، ولا كيدهم له فيتهم بأنه تكلم بأمر شهده أو انتشر بين قومه، قال تعالى لنبيه محمد في ختام قصة يوسف ﵊: ﴿ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون﴾.\nولا يسع أحدا أن يقول إنه عرف تفاصيل القصة من اليهود، فإن السورة مكية، واليهود كانوا يعيشون بالشام والمدينة وما حولها، ولم يعرف عنه أنه اتصل بهم قبل الهجرة، ولا دارسهم شيئا من العلوم، ولو كان تم شيء من ذلك لانكشف أمره لطول العهد وكثرة الخصوم وحرج قومه من دعوته، وسعيهم جهدهم في الكيد له والصد عنه وحرصهم على تشويه سمعته والقضاء عليه وعلى دعوته حتى رموه بالسحر والكهانة والجنون، واتهموه زورا بالكذب، وهو في قرارة أنفسهم الصادق الأمين، وتبادلوا الرأي فيما يوقعونه من حبسه أو طرده من بينهم وتشريده، وانتهى أمرهم بالاتفاق على قتله، فأنجاه الله من كيدهم، وكتب له الهجرة إلى المدينة حيث عز الإسلام وقامت دولته، قال تعالى: ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين﴾، فقوم هذا شأنهم معه لا يخفى عليهم أمره وهو يعيش بين أظهرهم وهو له بالمرصاد، فلو وجدوا سبيلا عليه باتصاله باليهود والأخذ عنهم لسارعوا إلى فضيحته، والتشنيع عليه بذلك ولم يضطروا إلى الافتراء عليه، ولا إلى التفكير في قتله أو تشريده ولا إلى نشوب الحرب بينه وبينهم سنين طويلة ولم يلجئوا إلى اتهامه تهمة تحمل ردها في طيها، فقد اتهموه برجل أعجمي بمكة وادعوا أنه يعلمه، فسفه الله أحلامهم وألقمهم الحجر، قال تعالى: ﴿ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين﴾.","vol":"1","page":190},{"text":"وليست قصة يوسف خبرا مقتضبا عبر عنه بالجملة أو الجملتين، فيقال إن صدقه في الحديث عنها وليد الصدفة والاتفاق، بل هي قصة كثيرة العجائب متشعبة الموضوعات، وقعت بين أطراف مختلفة في أزمان متباعدة، فمن رؤيا صادقة إلى مؤامرة، ثم نجاة يتبعها بيع، ثم إيواء … إلى مراودة يتبعها هم، ثم عصمة من الفحشاء … إلى سجن فيه دعوة إلى التوحيد مع رفق وحسن سياسة وتأويل للرؤيا أصدق تأويل يتبع ذلك خروجه ﵇ من السجن بريئا من التهمة، وتولية شئون الدولة واجتماع إخوته به مع معرفته لهم وإنكارهم إياه، وما أكثر ما دار بينه وبينهم من الأحاديث وما جرى من الأحداث ..... إلى أن انتهى ذلك بتعريفه لهم بنفسه وعفوه عنهم، وحضور أبويه إليه على خير حال إلى غير ذلك من التفاصيل التي يعرفها البصير بكتاب الله .. وقد سيقت القصة مفصلة في جميع نواحيها مستوفاة في جميع فصولها في أدق عبارة وأحكم أسلوب .. أفيعقل بعد ذلك أن يقال إن صدقه ﵊ فيما سرده من قضاياها ووقائعها وعجائبها على هذا النهج الواضح والطريق السوي وليد الصدفة والاتفاق.\nوختم سبحانه سورة يوسف بمثل ما بدأها به من الإرشاد إجمالا إلى القصد الذي من أجله سيقت القصة، وهو أن تكون آية على نبوة محمد ﷺ. وصدقه فيما جاء به من التشريع، وأن قصة يوسف ونحوها مما نزل به الوحي مستقى من المشكاة التي أخذ منها الأنبياء، فليس حديثا مفترى ولكنه تصديق لما بين يديه من كتب المرسلين، وتفصيل لما يحتاج إليه المكلفون من التشريع في معاشهم ومعادهم، وجماع الهداية والرحمة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، أفيمكن أن تكون هذه القيادة الرشيدة بهذا التشريع المستقيم من إنسان أمي عاش في أمة أمية من عند نفسه دون وحي من الله؟ كلا إنها العناية الربانية والرسالة الحقة، والوحي الصادق المبين، نزل به الروح الأمين على قلب محمد","vol":"1","page":191},{"text":"ﷺ ليكون رحمه للعالمين ﴿لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون﴾.\nوأما الثاني: فإن في تفاصيل القصة كثيرا من الأسرار والعجائب التي أيد الله بها رسله، وهيأ بها أنبياءه لقيادة الأمم وسياسة الشعوب من أخلاق سامية وآداب عالية وحكمة بالغة وقوة عزيمة وعقائد صحيحة، وبيان ذلك من وجوه كثيرة:\nأ - منها صفاء روح يوسف، ونقاء سريرته، وهذا واضح من الرؤيا الصادقة التي رآها في صغر سنه، وأول نشأته، فتحقق تأويلها بسجود أبويه وإخوته له في كبر سنه وختام حياته، ﴿إذ قال يوسف لأبيه ياأبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين﴾ ﴿ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا وقال ياأبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا﴾.\nب - ومنها ما خصه الله به من الميزات التي زادت تعلق والده به وحبه له، وحملت إخوته على التآمر عليه والكيد له، فأشار بعضهم بقتله ليخلوا لهم وجه أبيهم وتطيب لهم الحياة مع أبيهم من بعده، ورأى آخرون أن في إبعاده عن أبيه الكفاية، فلما أجمعوا أمرهم على ذلك، ورموه في غيابة الجب، وأوحى الله إليه لتنبئهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون، إيناسا له وإزاحة للغمة عن نفسه، وهيأ له من أخرجه من البئر، لكنهم باعوه بثمن بخس دراهم معدودة، فرعاه الله وجعله عند من يكرم مثواه، ومكن له في الأرض، وعلمه من تأويل الأحاديث ﴿والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾.\nج - ومنها الحلم والصفح الجميل وسعة الصدر والصبر على البلاء، فإنه بعد","vol":"1","page":192},{"text":"أن مكن الله له وجعله على خزائن الأرض، واجتمع بإخوته لم ينتقم لنفسه، بل صفح عن الزلة، وعفا عند القدرة، واكتفى بالإشارة في إشعارهم بما سبق من سوء صنيعهم معه، ﴿قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون قالوا أئنك لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين قالوا تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين﴾.\nد - ومنها عفة فرجه ونزاهة نفسه مع توفر دواعي الشهوة وتهيؤ أسباب الجريمة، من تكرار الخلوة بامرأة العزيز، ومزيد الخلطة، ودعوتها إياه للفاحشة، وحياته معها في بيتها، وأخذها الحيطة بإغلاق الأبواب، لقد كان يوسف من المخلصين لله الواثقين به، فاستعاذ بربه ولاذ بجنابه، واستقبح أن يقابل جميل من أحسن مثواه بخيانته في عرضه، وذكر ما يصيب الظالمين في العواقب من الدمار والخسارة، وبذلك صرف الله عنه السوء والفحشاء، وأظهر براءته على رءوس الأشهاد: ﴿وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين﴾، إلى أن قال تعالى حكاية عن عزيز مصر بعد الشهادة عنده ببراءة يوسف: ﴿يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين﴾ إلى أن قال تعالى حكاية عن امرأة العزيز مع النسوة اللاتي عيرنها بشغفها، وتعلقها بيوسف: ﴿راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونن من الصاغرين﴾.\nولقد عرف يوسف عليه الصلاة السلام طريق الخلاص، ففزع إلى من بيده","vol":"1","page":193},{"text":"القلوب ومقاليد الأمور يصرفها كيف يشاء، وتبرأ من حوله وقوته إلى حول الله وقوته حينما سمع إنذارها له بالسجن إن لم يكن عند رغبتها ويحقق لها ما تريد، وسأل ربه أن يعصمه من الزلل، ويصرف عنه كيد أولئك النسوة: ﴿قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين﴾، وما كان الله ليرد عبدا اتقاه، وأخلص له الدعاء، وكان السجن أحب إليه من الفحشاء ﴿فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين﴾.\nهـ- ومنها أنه لم يشغله ما أصيب به من تتابع البلاء عن ربه ودينه والدعوة إلى ما ورثه من التوحيد عن آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب عليهم الصلاة والسلام، فانتهز حاجة من معه في السجن إليه في تأويل ما رأياه في منامهما، فبدأ بالحديث عن نفسه تعزيزا لمركزه حتى يقبل عنه قوله، ثم نصح لهما في التوحيد وزينه، وحذرهما عن الشرك وقبحه، وأقام على ذلك الحجة مع لطف وتذكير بالصحبة في البلاء، كل ذلك قبل تأويل الرؤيا ليكون أدعى إلى الإصغاء والقبول وأبعد عن الإعراض، وقد أطال في ذلك وجعله المقصود، ثم ختم بتأويل الرؤيا لهما في آية قصيرة، قال تعالى: ﴿ودخل معه السجن فتيان قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ذلكما مما علمني ربي إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون ياصاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون ياصاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه قضي الأمر الذي فيه تستفتيان﴾","vol":"1","page":194},{"text":"فانظر إلى سلامة فطرته وصحة عقيدته وتناسيه البلاء، وذكره لأسلافه وأمجاده الطاهرين المصلحين، ليتخذ منهم قدوة له في التوحيد والدعوة إليه والحذر من الشرك وبيان فساده بالحجة والبرهان، وانظر إلى كرم خلقه مع صاحبيه حتى شهدا له بالمعرفة والفضل والإحسان، وإلى حسن سياسته معهم في الدعوة إلى الله وإيثارها على ما سألاه عنه دون تضييع لما تعلقت به نفوسهما من تأويل الرؤيا، وبلا مجابهة بالمكروه لمن دلت رؤياه على سوء عاقبته، بل أبهم الأمر، فقال: ﴿أما أحدكما فيسقي ربه خمرا وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه﴾ وقد حقق الله ما قال فصار كل منهما إلى ما ذكر له في تأويل رؤياه.\nوومنها أن يوسف مع ثقته بربه وتوكله عليه أراد أن يأخذ بأسباب الخلاص مما أصابه من البلاء، وليس في ذلك ما يعيبه أو يغض من توكله على الله، فإنه قد زج به في السجن ظلما وعدوانا بشهادة خصومه -ودفع الظلم مشروع بل قد يكون واجبا- فقال للذي ظن أنه ناج منهما: اذكرني عند ربك، ولكن الله أراد أن يزيده تمحيصا وصدقا في التوكل عليه، وقوة في الصبر على البلاء، فأنسى الشيطان ذلك الفتى أن يذكر يوسف لربه بالخير، فلبث في السجن بضع سنين، ثم اختار الله له طريقا إلي الخلاص خيرا من الطريق التي رسمها لنفسه كما سيأتي.\nز - ومنها أن الله سبحانه شاء أن تكون نجاته بما آتاه من العلم والحكمة وعلمه من تأويل الأحاديث، ولا بشفاعة أحد، ولحاجة الأمة إليه راعيها ورعيتها دون","vol":"1","page":195},{"text":"حاجته إليهم؛ ليكون ذلك أكرم لنفسه وأعز لها ولئلا يكون لأحد عليه سوى الله منة، فهيأ له السبيل لذلك، ورأى ملك مصر رؤيا هاله أمرها، وعجز أشراف قومه عن تعبيرها ﴿وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون﴾ قالوا ﴿أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين﴾، ولما انتهى أمر الرؤيا إلى يوسف أولها أصدق تأويل، وبين أنها كشفت للأمة عن مستقبلها في رخائها وشدتها أربع عشر سنة، ﴿قال تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون﴾، فأخذ ذلك التعبير من قلب الملك مأخذه، ولم يسعه إلا أن يرسل بإحضار يوسف إليه، فأبى حتى ينظر في قضيته مع النسوة، فإنه قد زج به في السجن من أجلهن، ﴿قال ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم﴾، ففعل الملك، وظهرت براءة يوسف: ﴿قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين﴾، ولما طلبه الملك بعد ذلك وحضر عنده، ﴿قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم﴾، ثقة منه بنفسه، وعلما منه بأنه ليس في الأمة من يصلح لتدبير شئون الدولة الاقتصادية وتصريف أمورها على وجه يحفظ كيانها سواه، فطلب ذلك لمصلحة الأمة لا لحظ نفسه، فاستجاب له الملك لعلمه وصدقه وأمانته، وأتم الله","vol":"1","page":196},{"text":"ليوسف ما شاء من نعمته، ﴿وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين﴾.\nوبذلك يتبين أن الله محص يوسف ورعاه بتتابع البلاء والإنجاء، وابتلاه بكيد إخوته له ورميهم إياه في الجب، ثم أنجاه، وابتلاه ببيع السيارة له، ثم هيأ له من أحسن مثواه، ابتلاه بتسليط امرأة العزيز عليه وبالنسوة اللاتي قطعن أيديهن، ثم عصمه وحماه، وابتلاه بالسجن، ثم أخرجه منه بريئا من التهمة عليما بربه وبشئون الأمة في وقت اشتدت فيه حاجة البلاء إلى حفيظ عليم يدبر أمرها، ويقودها في حياتها خير قيادة، فتولى أمرها واستسلم له أهلها.\nوفي قصة يوسف سوى ما ذكر شيء كثير يدل على أن الله سبحانه تعهد يوسف برعايته، وتولاه في أطوار حياته ليختاره رسولا يضطلع بأعباء الرسالة وليجعل من سيرته الحميدة آيات بينات على صدقه فيما جاء به وأمانته في البلاغ عن رب العالمين.","vol":"1","page":197},{"text":"<span data-type='title' id=toc-63>قصة موسى ﵇\nوكيف أنها من معجزات النبي ﷺ</span>\nكانت رسالة محمد ﷺ بعد تتابع المعجزات على ثبوتها -واضحة ظاهرة لكل من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، ولكن المشركين تعنتوا معه حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق وأنفة واستكبارا أن يتبعوا رجلا منهم، فطلبوا منه أن يأتيهم بآية، فهدى الله رسوله إلى أن فيما أوحى إليه من القرآن آيات بينات على نبوته وبعد ذلك نبأ موسى وفرعون.\nفقد أوضح له في قصصهما أولا وجه دلالته على رسالته.\nثانيا سنته الحكيمة في إعداد الأنبياء لتحمل أعباء الرسالة.\nأما الأول: فقد ذكر سبحانه في أول سورة \"القصص\" بيانا عن نشأة موسى ﵊، وحاله قبل الرسالة، وأتبعه ببيان عن رسالته إلى أن أنجاه ومن آمن به، وأهلك أعداءه ليكون ذلك آية، بل آيات على نبوة محمد ﷺ وصدقه فيما أنزل الله عليه من الوحي، ودعا إليه أمته من الهدى، ويرشد إلى ذلك قوله تعالى في مطلع السورة: ﴿تلك آيات الكتاب المبين نتلوا عليك من نبإ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون﴾، وقوله تعالى عند انتهاء ما أراد ذكره من القصة: ﴿وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر وما كنت ثاويا في أهل مدين تتلو عليهم آياتنا ولكنا كنا مرسلين وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون﴾.\nوذكر في آخر السورة أنه ﷺ لم يكن لديه من الأسباب ما يبعث على الأمل في الرسالة، ولا من الدواعي ما يحمله على أن يحدث نفسه بها ويستشرف إليها","vol":"1","page":198},{"text":"عن أن يدعيها ويسعى في تحقيقها، فقد كان ﷺ أميا لا يقرأ ولا يكتب، ولم يخالط أهل الكتاب حتى يتعلم منهم قصص الأنبياء وتاريخ أممهم وما جرى بينهم من الأحداث، وليس في آبائه من ملك حتى تتعلق نفسه بذلك ويطلب ملك آبائه، وبيان ذلك كما يلي:\n١ - قدم الله بين يدي هذه القصة من الآيات ما بين فيها سنته العادلة وحكمته البالغة في القضاء على من علا في الأرض وأفسد فيها، ومنه على المستضعفين والتمكين لهم وإنالتهم من عدوهم فضلا منه ورحمة، والله عليم حكيم، قال تعالى: ﴿ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون﴾ وأتبع قصة قارون وما أصابه من الهلاك بقوله: ﴿تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين﴾، وهذه هي سنته سبحانه في عباده، ولن تجد لسنة الله تبديلا، ثم فصل ذلك فيما ذكره بعد من القصة.\n٢ - ولد موسى ﵊ بمصر وكان ملكها -إذ ذاك- جبارا جائرا يقتل كل حديثي الولادة، فاضطرت أمه إلى إلقائه في اليم خوفا عليه من خطر القتل فالتقطه آل فرعون، وحين ذاك مر موسى بطور آخر من أطوار الخطر، وقضى الله لنبيه أن ينتهي بهم التفكير في أمره إلى أن يتخذه فرعون ولدا، وأن ينشأ في بيت ملك ليربى فيه على العزة وشدة البأس وقوة العزيمة، والأخذ بالحزم، ولا يصاب بما أصيب به قومه من العذاب والذل والهوان، وبذلك يصلح لحمل أعباء الرسالة ومواجهة فرعون في جبروته وطغيانه، ثم أولاه سبحانه نعمة أخرى، فكتب عليه ألا يرضع إلا من أمه، حتى اضطر فرعون ومن إليه أن يردوه إلى أمه، وهم لا يشعرون، وبهذا التدبير الحكيم واللطف الخفي أنجز الله","vol":"1","page":199},{"text":"لأم موسى وعده، فرجع إليها ولدها لكفله ويتمتع بحنانها، وينعم بعطفها وتقر به عينها، ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله حق.\n٣ - هذه حلقة أولى من حياة موسى، كلها عبر وعظات وآيات بينات على سنته تعالى في إعداد أنبيائه قبل الرسالة فمنها:\nأولا: أن الله ﷾ جعل نجاته مما أصاب غيره من أبناء قومه فيما يراه الناس دمارا وإلقاء بالنفس إلى التهلكة ﴿وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين﴾.\nثانيا: أن الله سبحانه كتب لموسى حياة سعيدة في بيت من يخشى عليه منهم، فعاش بين أظهرهم عيشة الملوك ﴿وقالت امرأة فرعون قرة عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وهم لا يشعرون﴾.\nثالثا: أن الله حرم عليه تحريما كونيا أن يرضع من امرأة سوى أمه، فكان ذلك فيما يرى الناس بلاء أحاط به، وهم لا يشعرون، فاجتمع له إلى السلامة والنجاة عطف الأمهات وعز الملوك، ﴿وحرمنا عليه المراضع من قبل فقالت هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون﴾.\n٤ - وهناك سلسلة أخرى من حياة موسى قبل الرسالة تضمنت الكثير مما حباه الله به من العلم والحكمة والمروءة والنجدة ونصر المظلوم والأخذ على يد الظالم والعطف على الضعيف وقوة الإيمان بالله والصدق في الالتجاء إليه والتوكل عليه","vol":"1","page":200},{"text":"والتواضع مع عزة النفس، وغير ذلك من مكارم الأخلاق التي يعد الله بها من يختاره للرسالة وقيادة الأمم، وألخص ذلك فيما يأتي:\nأولا: حفظ الله على موسى صفاء روحه وسلامة فطرته، فمع أنه عاش في أوساط ظلم وطغيان ولكن لم يتأثر بما يتأثر به من قضى أيامه الأولى من حياته في بيئة استشرى فيها الفساد، وطبعت بطابع الجبروت والاستبداد، ولم يصب بما يصاب به أبناء الوجهاء، ومن يتقلب في النعمة ورغد العيش غالبا من الجهل والاستهتار أو الرخاوة والخلاعة والمجون، بل صانه الله عن كل ما يشينه، وآتاه العلم النافع والحكمة البالغة وسداد الرأي، كما حفظ عليه نعمته من قبل في بدنه ﴿ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين﴾.\nثانيا: جبل الله نبيه موسى على الحزم والأخذ بالقوة في نصرة المظلوم، يتجلى ذلك من الخصومة التي كانت بين إسرائيلي وفرعوني، وإنصافه للمظلوم، كما طبعه الله على الرفق بالضعيف والعطف عليه ومد يد المعونة إليه، يتبين ذلك فيما كان منه من النجدة حينما ورد ماء مدين، فوجد عليه أمة من الناس يسقون، ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء، وأبونا شيخ كبير، فسقى لهما، فجمع له بين شدة البطش بالظالمين، وكمال الرفق بالمستضعفين.\nثالثا: كان من آثار عناية الله بموسى ورعايته له أن قوى فيه الوعي الديني، واستحكمت الصلة بينه وبين ربه، فأحب ما يحبه الله من العدل والإنصاف، وكره ما يبغضه الله من الظلم والعدوان، لذلك فزع إلى ربه واعترف بظلمه لنفسه حينما قضى القبطي نحبه من وكزته، وأسرع في الأوبة إليه من ذنبه، فغفر الله له، فأخذ على نفسه عهدا ألا يكون ظهيرا للمجرمين، شكرا","vol":"1","page":201},{"text":"لله على نعمته ووفاء له بما غفر من ذنبه ﴿قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم قال رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين﴾.\nرابعا: فاض قلبه إيمانا بالله، وعظمت ثقته به وتوكلا عليه، فقصد إليه وحده في غربته وحيرته رجاء أن يهديه سواء السبيل ﴿ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل﴾، ولما اشتدت به الحاجة وأخذ منه الجوع مأخذه توجه إلى ربه وسأله من فضله، وأبت عليه عزة نفسه أن يشكو حاجته لغيره، أو يعرض لمن سقى لهما بطلب الأجر، ﴿فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير﴾ وقد استجاب الله دعاه وهيأ له بيئة صالحة يحيا فيها حياة طيبة فقد عرض عليه شعيب لما عرف عنه من القوة والأمانة أن يزوجه إحدى ابنتيه على أن يرعى له الغنم ثماني حجج، فإن أتم عشرا كان ذلك مكرمة منه، فالتزم موسى بذلك، ولم يمنعه ما كان فيه أولا من رغد العيش وحياة الملوك أن يكون أجيرا يأكل ويتزوج من كسب يده، وأشهد ربه على ذلك ﴿قال ذلك بيني وبينك أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي والله على ما نقول وكيل﴾ وقد ثبت أنه أتم أبعد الأجلين، فدل على أنه طبع على حب الخير وفعل المعروف.\n٥ - وحلقة ثالثة من حياة موسى ﵊ بعد الرسالة يتجلى فيها","vol":"1","page":202},{"text":"ما حباه الله به ليكون أصلا له يعتمد عليه في إثبات رسالته والرشاد، ويتبين ذلك في مواضع من القصة، منها:\nأولا: طلب موسى من ربه أن يشد أزره بأخيه هارون، فإنه أفصح منه لسانا وأقوى بيانا، فآتاه سؤله، وأرسله معه زيادة في المنة ومضاعفة للإحسان، وليكون عونا له في الحجاج وتحمل أعباء الرسالة، وخافا أن يبطش بهما فرعون وجنوده وأن يقتلوا موسى بالقبطي الذي سبق أن قتله فقال تعالى: ﴿لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى﴾، وجعل لهما سلطانا تقوم به الحجة، وتنخلع به قلوب الجبارين، وتمتلئ بالضعف والوهن من حجاج عقلي في الربوبية بهر فرعون وقطع عليه طريق الجدال، ومن يد إذا أدخلها في جيبه ثم أخرجها خرجت بيضاء للناظرين، ومن عصا إذا ألقاها صارت حية تسعى حقا لا سحرا، قد أبطل الله بها كيد الساحرين، وبهذا وغيره مما أيده الله به ثبت في ميدان الدعوة إلى الله ثبات واثق بربه مؤمن بما يدعو إليه من الهدى والنور، وتجلى في حجاجه صولة الحق، وأحسن من نفسه بالعزة والقوة، وبذلك ذل جبروت فرعون، وتلاشى عنده تألهه وتعاليه: ﴿قال فرعون وما رب العالمين قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين قال لمن حوله ألا تستمعون قال ربكم ورب آبائكم الأولين قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين قال أولو جئتك بشيء مبين قال فأت به إن كنت من الصادقين فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين﴾ وقال تعالى: ﴿ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات فاسأل بني إسرائيل إذ جاءهم فقال له فرعون إني لأظنك ياموسى مسحورا قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر وإني لأظنك يافرعون مثبورا﴾.","vol":"1","page":203},{"text":"ولم يعد فرعون يملك لموسى من الكيد إلا أن يرعد ويبرق ويموه ويخدع ﴿وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد﴾ ولم يكن ليأخذ على يديه أحد من الحاضرين، ولا هناك من الأسباب العادية ما يمنعه أن يبطش بموسى، فإن الدولة دولته والجنود جنوده، لكنها عناية الله برسوله وما آتاه من آيات وسلطان قد بهر فرعون وقطع نياط قلبه، ولم يملك أيضا ملأ فرعون وزبانيته سوى أن يثيروا حفيظته ويغروه بموسى ومن آمن به، ﴿وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك قال سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون﴾.\nمن هذا يتبين للعاقل أن موسى وهو وحيد غريب وقومه مستعبدون لم يقف هذا الموقف من فرعون وملئه والدولة دولتهم إلا وهو مؤيد من ربه، صادق في دعوته أن هذا لهو الحق المبين.\nثانيا: جرت سنة الله العادلة أن يفتح بالحق بين رسله وبين من كذب بهم من الأمم، فينصر رسله ومن سار سيرتهم ويجعلهم خلفاء في الأرض، ويهلك من كذبهم وانحرف عن طريقتهم، ليكون ذلك من آيات الله التي يفصل بها بين الصادق والكاذب والحق والباطل والشريعة العادلة والقوانين الجائرة ﴿وقال موسى ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده ومن تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون﴾، وقال تعالى: ﴿إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد﴾، وقال: قال ﴿موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون﴾.","vol":"1","page":204},{"text":"وهذا الذي انتهى به أمر موسى ومن آمن به وفرعون ومن استهواه، ﴿فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين﴾ وقال: ﴿فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم وأزلفنا ثم الآخرين وأنجينا موسى ومن معه أجمعين ثم أغرقنا الآخرين إن في ذلك لآية﴾.\nفانظر كيف اتحدت وسيلة الإنجاء للأولياء والإهلاك للأعداء وإنها آية الله الباهرة، وقدرته القاهرة، نجى موسى ومن آمن به بما جعله هلاكا لفرعون وجنده، هذا إلى جانب انفلاق البحر اثني عشر طريقا وتماسك مائه وخروجه عن طبيعة السيلان بضربة عصا.\nوفي قصص موسى ذلك من الآيات ما يبهر العقول، ويأخذ بمجامع القلوب، ولا يدع مجالا للريب ولا قولا لقائل إلا من سفه نفسه، وسعى في هلاكها، والله الهادي إلى سواء السبيل.","vol":"1","page":205},{"text":"<span data-type='title' id=toc-64>٣ - منهج الرسل في الدعوة إلى الله</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أنبيائه ورسله وآلهم أجمعين، وبعد:\nفلم يكن الله ﷾ ليدع عباده سدى ويتركهم هملا دون أن يأمرهم، ينهاهم ويجزيهم على ما كسبت أيديهم، قال تعالى: ﴿أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم﴾، وقال تعالى: ﴿أيحسب الإنسان أن يترك سدى ألم يك نطفة من مني يمنى ثم كان علقة فخلق فسوى فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى﴾.\nفأرسل سبحانه الرسل وشرع الشرائع رعاية لمصالح عباده في معاشهم، ومعادهم فضلا منه ورحمة، قال تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾، وأبان الدليل وأوضح السبيل وبشر وأنذر إقامة للحجة عليهم وإعذارا إلى من حقت عليه كلمة العذاب، فاتبع هواه بغير هدى من الله حكمة منه وعدلا، قال تعالى: ﴿رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما﴾.\nوقال تعالى: ﴿وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى﴾.","vol":"1","page":206},{"text":"وفي الصحيح: «أن سعد بن عبادة قال: لو رأيت رجلا مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: \"تعجبون من غيرة سعد، والله لأنا أغير من سعد، والله أغير مني، ومن أجل غيرة الله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه من الله ومن أجل ذلك بعث المبشرين والنذرين، ولا أحد أحب إليه المدحة من الله ومن أجل ذلك وعد الله الجنة» \".\nومن تمام رحمة الله بعباده ونعمته عليهم وكمال حكمته في إقامة الحجة والإعذار إلى من سبق عليه القول منهم أن جعل شريعة كل رسول من رسله شاملة كل ما تحتاجه أمته جامعة لما يصلح شأنها، وينهض بها في إقامة دولتها وبناء مجدها، وتقويم أودها وحفظ كيانها، ويجعلها مثلا أعلى في جميع شئونها، سعيدة في الدنيا والآخرة، قال ﷺ: «ما بعث نبيا إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينهاهم عن شر ما يعلمه لهم» بل تضمنت فوق ذلك ما يكمل الضروريات والحاجيات والتحسينات على خير حال وأقوم طريق، قال تعالى: ﴿ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيء عليما﴾.\nوقال: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا﴾.\nوقال: ﴿ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين﴾.","vol":"1","page":207},{"text":"وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له، ويقولون هلا وضعت هذه اللبنة، وأنا خاتم النبيين».\nوقال أبو ذر ﵁: «لقد توفي رسول ﷺ وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علما».\nوقال عمر ﵁: «قام فينا رسول الله مقاما، فذكر بدء الخلق حتى دخل أهل الجنة منازلهم وأهل النار منازلهم، حفظ ذلك من حفظه، ونسيه من نسيه».\nوقال مالك بن أنس: لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح أولها، ثم ذكر قوله تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا﴾، ثم قال: فما لم يكن يؤمنذ دينا فلا يكون اليوم دنيا.\nولا عجب في أن يشرع الله شريعة عامة دائمة لعالم يطول عهده ويتجدد خلقه وتتطور أحواله، ويكون التدرج في شرعها أيام رسولها، ثم تستقر بعد وفاته إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فإن الله سبحانه أحاط بكل شيء علما ووسع كل شيء فقدره تقديرا، فهو عليم بكل شئونه الظاهرة والباطنة، وما","vol":"1","page":208},{"text":"يصلح حاله في عاجله وآجله ﴿ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير﴾ ﴿وما كان ربك نسيا﴾.\nإنما يستنكر ذلك من البشر ونحوهم من المخلوقات؛ لأن أفكارهم محدودة ومداركهم قاصرة، مع استيلاء الهوى عليهم وتمكن العصبية منهم، إلى غير ذلك مما يوجب كثرة اللغط في آرائهم والاضطراب والتناقض في مذاهبهم، في أصول التشريع وفروعه عن قصد وغير قصد، وخاصة تفاصيل التوحيد والمعاد والعبادات والمعاملات، قال تعالى: ﴿أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا﴾.\nولما كانت الأمم الماضية تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي وكان الوحي مستمرا، جرت فيهم سنة التطور في التشريع والتدريج في الأحكام، وكان الكثير من التفاصيل وفروع الشريعة مؤقتا، فنسخت الشريعة اللاحقة من أحكام الشريعة السابقة ما اقتضت المصلحة نسخه تنشئة للأمة وتربية لها وسدا لحاجتها، أو عقوبة لها على ظلمها وتمردها على شرائع ربها، قال تعالى -في رسالة عيسى ﵊: ﴿ومصدقا لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم﴾، وقال تعالى في محمد ﵊: ﴿ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون﴾ الذين ﴿يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون﴾.","vol":"1","page":209},{"text":"وقال: ﴿فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل وأعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما﴾.\nأما هذه الأمة المحمدية فشريعتها خاتمة الشرائع، ورسولها خاتم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا نبي بعده، فاقتضت حكمة الله أن تكون شريعته فيهم عامة دائمة إلى يوم القيامة كفيلة بجميع مصالحهم الدينية والدنيوية، منظمة لنواحي حياتهم المختلفة، مغنية لهم عما سواها في جميع أمورهم وشئونهم، ولو طال بهم الأمد واختلفت أحوالهم على مر الأيام والعصور حضارة وثقافة، وتباينت أفكارهم ذكاء وغباوة، وحالتهم قوة وضعفا وغنى وفقرا.\n\n<span data-type='title' id=toc-66>وفاء الشريعة بمصالح الخلق في العاجل والآجل</span>\nوجاءت تكاليف هذه الشريعة جملتها وتفصيلها قواعدها وجزئيتها بتحقيق مقاصد التشريع الضرورية التي لا بد منها في قيام مصالح العباد الدينية والدنيوية، ولا تستقيم أحوالهم إلا بها، وذلك يرجع إلى ما يحفظ عليهم دينهم وأنفسهم وأنسابهم وعقولهم وأموالهم، وبتحقيق مقاصده الحاجية التي تيسر عليهم طريق العمل للوصول للغاية المنشودة، وتجعلهم في سعة وسهولة وترفع عنهم المشقة والحرج، وبتحقيق ما يجمل حالهم، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا.\nوصحيفة الوجود وواقع الحياة في تاريخ الأمم أصدق شهيد بذلك؛ فمن ابتغى الهدى في شريعة الله من النظم والقوانين الوضعية أضله الله، ومن","vol":"1","page":210},{"text":"حكم غيرها في عقيدته أو عبادته أو معاملاته فهو مبتدع، فيه جاهلية، سيئ الظن بربه معجب بفكر نفسه أو أفكار من اتخذهم من زعمائه أربابا في التشريع يشرعون له ما يضاهي به شريعة الله، بل يؤثر قوانينهم مع قصورهم وتقصيرهم على شريعة أحكم الحاكمين، وكفى بذلك زيغا وضلالا وكفرا وطغيانا، قال تعالى: ﴿وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون﴾.\nوقال: ﴿اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون﴾.\nوقال: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين﴾.\nوقال: ﴿أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون﴾.\nوقال: ﴿وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون﴾.\nوقال: ﴿واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون﴾، إلى غير ذلك من النصوص التي حثت على العمل بكتاب الله وهدي رسوله ﵊، وحذرت من الحيدة عن ذلك والإعراض عنه تباعا للآراء، ونحاتة الأفكار دون بينة من الله أو حجة عن المعصوم ﷺ.","vol":"1","page":211},{"text":"وإليك كلمات في أركان الشريعة والسياسة في البلاغ، وأمثلة من نصوص الكتاب والسنة وسيرة الخلفاء الراشدين، وسوف يتبين لك منها سعة الشريعة وغناها بالنصوص والقواعد العامة، والجزئيات الخاصة التي تشرح حق الله على عبده، وحق العبد على ربه، وحق الراعي والرعية، وتحدد موقف الدولة من الدولة في السلم والحرب، والعلاقة بين أفراد الشعب وجماعاته، بل بينت حقوق الحيوانات والعجماوات على راعيها وحدث من تسخيره لها وتسلطه عليها على وجه من العدالة يكفل لها البقاء، وحل جميع ما يجد من المشاكل العامة والخاصة على أقوم وأهدى سبيل.\nإن للشريعة أصولا إليها ترجع، ودعائم عليها تقوم، فشريعة الصلاة والصيام والزكاة ونحوها من العبادات لا يستقيم أداؤها ولا التنسك بها إلا إذا عرف العابد أن يتقرب إليه غني كريم، قوي متين، غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، إلى غير ذلك من صفات الجلال والإنعام وقوة البأس وشدة الانتقام، فإنه إذا عرفه العباد بذلك أشربت قلوبهم حبه، واستشعرت كمال الذل والخوف منه، فأسلموا وجوههم إليه، وعبدوه عبادة من يعلم أنه يسمعه ويراه ويراقبه في كل شئونه وأحواله رجاء رحمته وخشية عذابه.\nوشريعة المعاملات لا تعدو -ذلك النهج- نهج العبادات؛ فإن استقامة الناس في أخلاقهم، وعدلهم في رضاهم وغضبهم، وإنصافهم لأوليائهم وأعدائهم، ونصحهم في بيعهم وشرائهم، وجميع معاملاتهم يتوقف على شعور القلب بهيمنة قوة غيبية فوق قوى العالم، قوة رب قادر يخفض ويرفع ويعطي ويمنع على سنن قويم من الحكمة والعدالة، لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع، ولا راد لما قضى، بذلك الشعور يستقيم حال الإنسان، وينتظم أمره في سره وعلنه، فيرعى الحقوق دفعا لعذابه ونقمته، وبذلك الشعور وحده يجتمع شمل العالم ويعم الأمن والسلام جميع مرافق الحياة.","vol":"1","page":212},{"text":"<span data-type='title' id=toc-67>حصول الثقة واليقين في نفوس المكلفين بمصدر الشريعة وتبلغها</span>\nأضف إلى ذلك أن ثبوت الشريعة في ذاتها عند المكلفين، والإيمان بها يتوقف على معرفة مصدرها والثقة بطريق بلاغها، فيجب إذن على العباد أن يعلموا أولا أن لهم ربا خلاقا عليما حكيما، بيده ملكوت كل شيء وإليه يرجعون، إلى غير ذلك مما تفرد به من صفات الربوبية، ويؤديها على وجهها استمدادا لفضل الله ورحمته، ودفعا للتي استوجبت إخلاص العبادة منه ليسلموا وجوههم إليه كونا وشرعا، ويعبدوه مخلصين له الدين رغبة ورهبة، وأن يعلموا ثانيا أنه تعالى يرسل رسله ليبلغوا عنه شريعته رحمة منه وفضلا، ويؤيدهم بالمعجزات، ويعصمهم في البلاغ حكمة منه وعدلا ليميز الكاذب من الصادق والمبطل من المحق، فيثق العباد بشريعة ربهم، ويأمنوا عليها من الدخل والافتراء، وتقوم عليهم بها الحجة، قال تعالى: ﴿ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين فما منكم من أحد عنه حاجزين﴾.\nلهذا بدأت الرسل دعوتها بالتوحيد، وإثبات الرسالة والجزاء يوم المعاد، فجرت على موجب العقل ومقتضى الفطرة، وكان لزاما على الدعاة أن يبدءوا بما بدأ به الرسل، ويتبعوا ذلك القول في الفروع وتفاصليها وكل ما يكمل الأصول ويحمي حماها حسب الأهمية وما يشعر به الدعاة من حاجة المدعوين شعوبا وأفرادا.\n\n<span data-type='title' id=toc-68>طريقة الرسل في إثبات وجود الله وتوحيده</span>\nلقد سلكت الرسل في إثبات وجود الله وتوحيده وصدقهم في دعوى الرسالة وخبرهم عن اليوم الآخر مسلك الإقناع بالحجة والبرهان، وضرب الأمثال، وجمعت في ذلك بين مناجاة العقل والتأثير على العاطفة والتذكير بما","vol":"1","page":213},{"text":"جبلت عليه النفوس، وفطر عليه الخلق من الإقرار بالحق، والميل إلى العدل والإنصاف، مع لين الجانب، والرفق في الخطاب، والصفح الجميل في غير ذلة ولا مواربة أو مداهنة في الحق، فلا عنت في القول ولا تعسف، ولا فرض لحكم على الأمة دون بينة من الله وسلطان.\nففي إثبات وجود الله: اكتفوا في الاستدلال عليه بالإشارة مع دقة المأخذ وسهولة العبارة، لقلة من أنكر وجوده تعالى ممن مسخت فطرهم، ووضح للعقلاء جهلهم ومجافاتهم الحق وتنكبهم طريق الصواب، قال تعالى: ﴿أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون أم خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون﴾، فأنكر تعالى أن يكونوا خلقوا بلا خالق؛ ضرورة أن الأثر يحتاج في حدوثه إلى مؤثر كما شهد بذلك العقل والفطرة والحس، وأنكر أن يكونوا خالقين لأنفسهم لما يلزمه من التناقض، وأنكر أن يكونوا خالقين للسماوات والأرض؛ لشهادة تاريخ وجود الأمم والكونيات الأخرى بأن خلق السماوات والأرض قد كان قبل خلق ما بينهما من الإنس والجن ونحوهم، فكيف يخلق المتأخر في الوجود شيئا قد سبقه وتقدم عليه.\nوقد أخذ جماعة من العلماء هذا الدليل الخبري العقلي، وأدخلوا عليه شيئا من التكلف والصناعة الكلامية فقالوا: إن نسبة المكن إلى طرفيه الوجود والعدم على السواء، فلو وجد بدون سبب خارج عن ذاته وحقيقته لزم ترجيح أحد المتساوين على الآخر بلا مرجح، ولو أوجد نفسه لزم مع ذلك أن يكون متقدما على نفسه .. باعتباره خالقا لها، متأخرا عنها باعتباره مخلوقا لها، وتقدم الشيء على نفسه وتأخرها عنها باطل بالضرورة، لما فيه من التناقض، ولا بد أيضا أن يكون واجب الوجود لذاته، مختلفا عن العالم في خواصه وصفاته","vol":"1","page":214},{"text":"﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾، ذلك ليصح أن يستند إليه العالم في وجوده بدءا ودواما؛ إذ لو كان مستحيلا لما صح أن يكون منه خلق أو تقدير؛ لأن المستحيل عدم محض وفاقد الشيء لا يعطيه، ولو كان ممكنا لافتقر إلى من يرجح وجوده على عدمه كما سبق بيانه، فإن استمرت الحاجة فاستند كل في حدوثه إلى نظير له من الممكنات؛ لزم إما الدور القبلي وإما التسلسل في المؤثرات، وكلاهما باطل باتفاق العقلاء.\nوإذا انتفى عنه الإمكان والاستحالة ثبت له وجوب الوجود لذاته ضرورة؛ لأن أقسام الحكم العقلي ثلاثة: الوجوب، والإمكان، والاستحالة، وقد انتفى اثنان فتعين الثالث: وهو وجوب الوجود، قال تعالى: ﴿هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم﴾، وفي الحديث: «اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء».\nومن نظر فيما ترشد إليه الآيات نظرا ثاقبا، وفكر فيما توحي به سنن الله في المخلوقات -من عجائب خلقها، وحسن تنسيقها، وشد أسرها- تفكيرا عميقا، وبحث في أحكامها وبديع صنعها بحثا بريئا من الهوى والحمية الجاهلية وأنصف مناظره من نفسه -فلم يمنعه من فهم ما عرض عليه من الحق والإذعان له كبر يرديه، ولا عناد يطغيه- اتضح له الهدى، واضطره ذلك أن يؤمن من أعماق قلبه بأن للعالم ربا خلاقا فاعلا مختارا حكيما في تدبيره وتقديره أحاط بكل شيء علما، وهو على كل شيء قدير.\nومع قيام الدليل ووضوح السبيل تعامى بعض الناس عن الحق، ومن أولئك: فرعون موسى، فإنه أنكر بلسانه ما تيقنت به نفسه، فأقام موسى عليه","vol":"1","page":215},{"text":"الحجة بدلالة الأثر على المؤثر، والصنعة على الصانع -فوجود الخلق وعظم شأنه دليل على وجود الخالق وعظم قدرته وقدره وسعة علمه وكمال حكمته- فألقمه الحجر.\nوذلك بين فيما حكاه الله عنهما من الحوار والسؤال والجواب، قال تعالى: ﴿قال فرعون وما رب العالمين قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين قال لمن حوله ألا تستمعون قال ربكم ورب آبائكم الأولين قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين﴾.\nفانظر كيف وقف موسى موقف من يصدع بالحق ويقيم عليه الحجة والبرهان، وكيف وقف فرعون من موسى موقف السفهاء لا يملك إلا الشتم والسباب، والسخرية، والاستهزاء، والتهديد بأليم العذاب، وقال تعالى: ﴿ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات فاسأل بني إسرائيل إذ جاءهم فقال له فرعون إني لأظنك ياموسى مسحورا قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر وإني لأظنك يافرعون مثبورا﴾، وقال تعالى: ﴿فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين﴾ فبين تعالى أنه آتى موسى الآيات البينات التي تنير البصائر، وتجلو الشكوك، وأن موسى ثبت في ميدان الدعوة ثبات مؤمن بما جاء به موقن بنصر ربه، فلم يرهبه جبروت فرعون ولم يأخذ من نفسه مأخذا مع وحدته وضعف قومه.\nأما فرعون فقد بهرته الآيات، وأخذت عليه صولة الحق الطريق فلم يجد لديه سلاحا يحفظ به ملكه في زعمه، ويدافع به عن باطله إلا الخداع والتمويه","vol":"1","page":216},{"text":"على قومه، وإنذار موسى ومن آمن به أن يذيقهم أليم عذابه، وأنى له ذلك! والله من ورائهم محيط، وقد كتب على نفسه أن يجعل العاقبة للمتقين، ﴿فأراد أن يستفزهم من الأرض فأغرقناه ومن معه جميعا وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا﴾.\nومن ذلك أيضا قوله تعالى: ﴿قال فمن ربكما ياموسى قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى﴾ .. إلا أنه أجمل وأوجز في الاستدلال بهذه الآيات وفصل في تلك.\nوقد ورث ذلك الزيغ والإلحاد أناس ظهروا في عصور متعاقبة بأسماء مختلفة، واشتهروا بألقاب متنوعة، فتارة يسمون بالدهريين، وأخرى برجال الحقيقة ووحدة الوجود، وأحيانا بالشيوعيين، وآونة بالبهائيين، إلى غير ذلك من العبارات التي اختلفت حروفها ومبانيها والتقت مقاصدها ومعانيها، فكلها ترمي إلى غرض واحد، وتدور حول محور واحد، هو أنه ليس للعالم رب يخلق ويدبر، ولا له إله يقصد ويعبد، وقد تبين بما تقدم وأمثاله فساد مذهبهم وخروجه عن مقتضى العقل والفطرة وما أيد ذلك وصدقه بعد أدلة السمع.\n\n<span data-type='title' id=toc-69>الرد على من يزعم أن العالم وما فيه وليد الصدفة والاتفاق.</span>\nفإن زعم بعد ذلك أن وجود العالم وليد الصدفة والاتفاق، أو أنه نشأت أطواره عن تفاعل عناصر المادة فتفرقت إلى وحدات بعد اجتماع أو اجتمعت بعد تفرق واختلاف، وصار لتلك الوحدات أو المركبات من الخواص ما لم يكن لها قبل ذلك من التفاعل، وبذلك تجددت الظواهر، وحدث ما نشاهد من تغير وآثار مع جريانها على سنة لا تتبدل وناموس لا يختلف ولا يتغير.","vol":"1","page":217},{"text":"قيل له: من الذي أودع تلك المادة طبيعتها وأكسبها؟ فإنها إن كانت لها من ذاتها ومقتضى حقيقتها لم تقبل التغير والزوال؛ لأن ما بالذات لا يتغير ولا يزول، وقد رأيناها يتغير، فلا بد لها إذن من واهب يهبها، وفاعل مختار حكيم يوجدها، ويدبرها ويضعها مواضعها، وليس ذلك المادة أو خواصها وطبيعتها؛ فإنها مع حدوثها وحاجتها ليس لها من سعة العلم وكمال الحكمة وشمول المشيئة وعظم القدرة ما ينتظم معه الكون، مع ما نشاهده من إحكام تبهر العقول دقته وجماله، ومن إبداع يأخذ بمجامع القلوب ما فيه من شدة الأسر وقوة الرباط بين وحداته وكمال التناسب بين أجزائه وقيام كل من الآخر مقام الخادم من سيده والراعي من رعيته.\nألا إن الطبيعة صماء لا تسمع، بكماء لا تنطق، عمياء لا تبصر، جاهلة لا تعلم، مسخرة لمن أودعها المادة، خاضعة لتصريفه وتقديره، سائرة على ما رسم لها من سنن لا تعدوها ونواميس لا تخرج عنها، فأنى يكون لها خلق وإبداع! أو إليها تنظيم وتدبير! أو منها وحي وتشريع! إنما ذلك إلى الله الذي شهد العقل والفطرة بوجوب وجوده، وكمال علمه وحكمته، وغناه وقدرته، إلى غير ذلك من صفات جلاله، تعالى الله عما يقول الملحدون علوا كبيرا، قال تعالى: ﴿تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور الذي خلق سبع سماوات طباقا ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين وأعتدنا لهم عذاب السعير﴾.\nولا يعيب الحق بعد ذلك أن يقل من سلك طريقه، وأن يزيغ عنه من انتكست بصيرته، وفسدت فطرته، فاتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم،","vol":"1","page":218},{"text":"وختم على سمعه وقلبه، وجعل على بصره غشاوة، ولا يضير الدعاة إليه أن عدل عن الصراط المستقيم من انحرف مزاجه أو غلبته شهوته فخشي أن تحد الشريعة من نزعاته الخبيثة، وتحول دون نزواته الدنيئة، أو أطغاه كبره وسلطانه، وخاف أن تذهب الشريعة بزعامته الكاذبة، وسلطانه الجائر، فوقف في سبيلها، وصد عنها، ولج في خصامها بغيا وعدوانا، فإن الله ناصر دينه ومؤيد رسله وأولياءه ﴿ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز﴾، ﴿إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم﴾، ﴿وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون﴾.\nيحكى عن أبي حنيفة ﵀ أن جماعة من أهل الكلام أرادوا البحث معه في تقرير الربوبية، فقال لهم: أخبروني قبل أن نتكلم في هذه المسألة عن سفينة في دجلة، تذهب فتمتلئ من الطعام والمتاع وغيرهما بنفسها، وتعود بنفسها فترسو بنفسها، وتفرغ وترجع، كل ذلك من غير أن يديرها أحد؟ فقالوا: هذا محال لا يكون أبدا، فقال لهم: إذا كان هذا محالا في سفينة، فكيف في هذا العالم كله علوه وسفله؟!!\nوقد قال مثل هذه المقالة جماعة من العلماء، وقولهم ليس حجة لصدوره عنهم، بل لصحته في ذاته، وشهادة الواقع له.\n\n<span data-type='title' id=toc-70>إقرار المكلفين حتى المشركين بتفرد الله بالخلق والملك والتدبير وشهادة الفطرة بذلك</span>\nشهدت الفطرة بأن الله وحده خالق كل شيء ومليكه، وإليه يرجع الأمر كله من التصريف والتدبير، فهو الذي يحي ويميت، وهو الذي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، وهو الذي يرسل الرسل، ويشرع الشرائع ليحق الحق بكلماته ويقيم","vol":"1","page":219},{"text":"العدل بين عباده شرعا وقدرا، إلى غير ذلك مما لا يحصيه العد، ولا تحيط به العبارة.\nوقام على ذلك أيضا دليل السمع، وأقر به كل مكلف حتى المشركون قال تعالى: ﴿ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم الذي جعل لكم الأرض مهدا وجعل لكم فيها سبلا لعلكم تهتدون والذي نزل من السماء ماء بقدر فأنشرنا به بلدة ميتا كذلك تخرجون والذي خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون﴾ وقال تعالى: ﴿قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى آلله خير أم ما يشركون أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون﴾ إلى أن قال: ﴿أمن يبدأ الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السماء والأرض أإله مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين﴾، فأنكر سبحانه أن يكون معه إله فعل شيئا من ذلك، وقررهم بتفرده بكل شيء من الخلق والتدبير والتصريف والتقدير؛ ليجعل من ذلك ونحوه دليلا على توحيد العبادة الذي هو المقصود الأول من بعثة الرسل وإنزال الكتب وشرع الشرائع -كما سيجيء- ونظائر ما ذكر من الآيات كثير.\nولم يعرف عن طائفة بعينها القول بوجود خالقين متكافئين في الصفات والأفعال، ومن نقل عنهم من طوائف المشركين نسبة شيء من الآثار والحوادث إلى غير الله كقوم هود، حيث حكى الله عنهم ﴿إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء﴾، فإنما نسبوه إلى آلهتهم لزعمهم أنها وثيقة الصلة بالله، وأنها تملك الشفاعة عنده سبحانه لمن عبدها وتقرب إليها بالقرابين، فهي في زعمهم تملك لهم جلب النفع ودفع الضرر، لكن عن طريق الشفاعة لهم عند الله، ومن أجل","vol":"1","page":220},{"text":"هذه الشائبة من الشرك نبه الله سبحانه على بطلانه، وأنكر على من زعمه، فقال تعالى: ﴿ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون عالم الغيب والشهادة فتعالى عما يشركون﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-71>استحالة أن يكون في الكون خالقان معبودان</span>\nفبين سبحانه أنه لو كان معه إله يشركه في استحقاق العبادة لكان له خلق وتقدير وملك وقهر وتدبير، إذ لا يستحق العبادة إلا من كان كذلك، ليرجى خيره، ونفعه، فيطاع أمره ويقصد قصده، ويخشى بأسه، فلا يعتدى على حدوده ولا ينتهك حماه. ولو كان له خلق وتقدير وملك وتدبير لعلا على شريكه وقهره إن قوي على ذلك ليكون له الأمر وحده، ولذهب كل بما خلق وتفرد بتدبير ما ملك إن لم يكن لديه من القوة ما يفرض بها سلطانه على الجميع، فإن من صفات الرب كمال العلو والكبرياء والقهر والجبروت.\nوفي معنى هذه الآية قوله تعالى: ﴿قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا﴾، على تقدير أن المراد: لاتخذوا سبيلا إلى مغالبته وقهره، أو الخروج عليه والتفرد عنه بما خلقوا وملكوا، أما إن كان المعنى المراد: لاتخذوا سبيلا إلى عبادته والقيام بواجب حقه رجاء رحمته وخوف عقابه، فالآية في توحيد الإلهية، كقوله تعالى: ﴿أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا﴾.\nوقد استخلص بعض العلماء من ذلك دليلا سموه دليل التمانع، وجعلوا جل همهم إثبات توحيد الربوبية به، قالوا: لو جاز أن يكون للعالم ربان يخلقان","vol":"1","page":221},{"text":"ويدبران أمره لأمكن أن يختلفا، بأن يريد أحدهما وجود شيء، ويريد الآخر عدمه، أو يريد أحدهما حركة شيء ويريد سكونه، وعند ذلك إما أن ينفذ مرادهما، وذلك محال لما يلزمه من الجمع بين الضدين، وإما أن لا ينفذ مراد كل منهما، وذلك محال لما يلزمه من رفع النقيضين وعجز كل منهما، وإما أن ينفذ مراد أحدهما دون الآخر، فيكون الذي نفذ مراده هو الرب دون الآخر لعجزه، والعاجز لا يصلح أن يكون ربا.\nولو أن هؤلاء عنوا بتوحيد الإلهية، وصرفوا همتهم إلى بيان تفاصيله، وأجملوا القول في توحيد الربوبية والاستدلال عليه اكتفاء بشهادة الفطرة وإقرار العبادة به، وعلمه بالضرورة، وجعلوا البحث فيه وسيلة إلى توحيد العبادة ودليلا عليه، لكانوا بذلك قد سلكوا طريقة القرآن ومنهج الرسل عليهم الصلاة والسلام.\n\n<span data-type='title' id=toc-72>انتظام العالم علوه وسفله يثبت لله صفات الكمال التي تليق به</span>\nوقصارى القول أن انتظام العالم علوه وسفله، وإحكام صنعه وحسن تنسيقه وشدة الأسر، وقوة التماسك بين أجزائه ووحداته دليل واضح على تفرد الله -سبحانه- بالربوبية ووحدانية أفعاله، وبرهان قاطع على إثبات ما أثبته لنفسه من كمال الأسماء والصفات، أو أثبته له الرسل عليهم الصلاة والسلام من ذلك إثباتا صريحا مفصلا، لم يدع مجالا للشك أو التأويل ولا سبيلا إلى الريب أو التعطيل، فزالت به الشبهة وحصل به اليقين.\nوعلى ذلك اجتمعت شهادة الفطرة والعقل الصريح والنقل الصحيح وصدق كل منهما الآخر.\nوقد ذكر ابن القيم في مدارج السالكين هذين الطريقتين:\n\n<span data-type='title' id=toc-73>الطريق الأول: الوحي والخبر.</span>","vol":"1","page":222},{"text":"<span data-type='title' id=toc-74>الطريق الثاني: الحس والعقل.</span>\n١ - الوحي الذي جاء من عند الله -تعالى - على لسان رسوله ﷺ.\n٢ - الحس الذي شاهد به البصير آثار الصنعة قال -رحمه الله تعالى- في بيان الطريق الأول:\nفأما الرسالة فإنها جاءت بإثبات الصفات إثباتا مفصلا على وجه أزال الشبهة، وكشف الغطاء، وحصل به العلم اليقين، ورفع الشك المريب فثلجت له الصدور، واطمأنت به القلوب، واستقر به الإيمان في نصابه، ففصلت الرسالة الصفات، والنعوت، والأفعال، أعظم من تفصيل الأمر والنهي، وقررت إثباتها أكمل تقرير، فما أبلغ لفظه وأبعده من الإجمال، والاحتمال، وأمنعه من قبول التأويل، ولذلك كان التأويل لآيات الصفات، وأحاديثها بما يخرجها عن حقائقها من جنس تأويل آيات المعاد، وأخباره، بل أبعد منه لوجوه كثيرة ذكرتها في كتاب: \" الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة \" بل تأويل آيات الصفات بما يخرجها عن حقائق كتأويل آيات الأمر والنهي سواء، فالباب كله باب واحد، ومصدره واحد، ومقصده واحد، وهو إثبات حقيقتها، والإيمان بها.\nوكذلك سطا على تأويل آيات المعاد قوم، قالوا: فعلنا فيها، كفعل المتكلمين في آيات الصفات، بل نحن أعذر، فإن اشتمال الكتب الإلهية على الصفات، والعلوم، وقيام الأفعال أعظم من نصوص المعاد للأبدان بكثير، فإذا ما ساغ لهم تأويلها، فكيف يحرم علينا نحن تأويل آيات المعاد.\nوكذلك سطا قوم آخرون على تأويل الأمر، والنهي، وقالوا: فعلنا فيها كفعل أولئك في آيات الصفات مع كثرتها، وتنوعها، وآيات الأحكام لا تبلغ زيادة على خمسمائة آية، قالوا: وما يظن أنه معارض من العقليات لنصوص","vol":"1","page":223},{"text":"الصفات، فعندنا معارض عقلي لنصوص المعاد من جنسه، وأقوى منه.\nوقال متأولو آيات الأحكام على خلاف حقائقها، وظواهرها، والذي سوغ لنا هذا التأويل القواعد التي اصطلحتموها لنا، وجعلتموها أصلا نرجع إليه، فلما طردناها كان طردها أن الله ما تكلم بشيء قط، ولا يتكلم، ولا يأمر ولا ينهى، ولا له صفة تقوم به، ولا يفعل شيئا.\nوطرد هذا الأصل لزوم تأويل آيات الأمر، والنهي، والوعيد، والثواب، والعقاب، وقد ذكرنا في كتاب الصواعق أن تأويل آيات الصفات، وأخبارها بما يخرجها عن حقائقها هو أصل فساد الدنيا والدين، وزوال الممالك، وتسليط أعداء الإسلام عليه إنما كان بسبب التأويل، ويعرف هذا من له اطلاع، وخبرة بما جرى في العالم.\nولهذا يحرم عقلاء الفلاسفة التأويل مع اعتقادهم بصحته؛ لأنه سبب لفساد العالم وتعطيل للشرائع، ومن تأمل كيفية ورود آيات الصفات في القرآن والسنة علم قطعا بطلان تأويلها بما يخرجها عن حقائقها، فإنها وردت على وجه لا يحتمل التأويل بوجه فانظر إلى قوله -تعالى-: ﴿هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك﴾ هل يحتمل هذا التقسيم والتنويع تأويل إتيان الرب ﷻ بإتيان ملائكته وآياته؟ وهل يبقى مع هذا السياق شبهة أصلا في أنه إتيان بنفسه!\nوكذلك قوله -تعالى-: ﴿إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده﴾. إلى أن قال ﴿وكلم الله موسى تكليما﴾.\nففرق بين الإيحاء العام، والتكليم الخاص، وجعلها نوعين ثم أكد فعل","vol":"1","page":224},{"text":"التكليم بالمصدر الرافع لتوهم ما يقوله المحرفون، كذلك قوله: ﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا﴾.\nفنوع تكليمه إلى تكليم بواسطة، وتكليم بغير واسطة، وكذلك قوله لموسى ﵇: ﴿إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي﴾ ففرق بين الرسالة والكلام، والرسالة إنما هي بكلامه، وكذلك قول النبي ﷺ: «إنكم ترون ربكم عيانا كما ترون القمر ليلة البدر في الصحو ليس بينه سحاب، وكما ترون الشمس في الظهيرة صحوا ليس دونها سحاب».\nومعلوم أن هذا البيان، والكشف، والاحتراز ينافي إرادة التأويل قطعا، ولا يرتاب في هذا من له عقل ودين.\nثم قال: الطريق الثاني لإثبات الصفات هو دلالة الصنعة عليها، فإن المخلوق يدل على وجود خالقه، على حياته وقدرته وعلى علمه ومشيئته، فإن الفعل الاحتياري يستلزم ذلك استلزاما ضروريا وما فيه من الإتقان والإحكام، ووقوعه على أكمل الوجوه يدل على حكمة فاعله وعنايته، وما فيه من الإحسان والنفع ووصول المنافع العظيمة إلى المخلوق يدل على رحمة خالقه وإحسانه وجوده، وما فيه من آثار الكمال يدل على أن خالقه أكمل منه، فمعطي الكمال أحق بالكمال، وخالق الأسماع والأبصار والنطق أحق بأن يكون سميعا بصيرا متكلما، وخالق الحياة والعلوم والقدرة والإرادات أحق بأن يكون هو كذلك في نفسه، فما في المخلوقات من أنواع التخصيصات هو من أدل شيء على إرادة","vol":"1","page":225},{"text":"الرب سبحانه ومشيئته وحكمته التي اقتضت التخفيض، إلى أن قال: والإحسان إلى المطيعين، والقرب إليهم بالإكرام، وإعلاء درجاتهم يدل على محبته ورضاه، وعقوبته للعصاة والظلمة وأعداء رسله بأنواع العقوبات المشهودة تدل على صفة الغضب والسخط، والإبعاد والطرد والإقصاء يدل على المقت والبغض، فهذه الدلالات من جنس واحد عند التأمل.\nولهذا دعا الله سبحانه في كتابه عباده إلى الاستدلال بذلك على صفاته، فهو يثبت العلم بربوبيته ووحدانيته وصفات كماله بآثار صنعته المشهودة، فالقرآن مملوء بذلك، فيظهر شاهد اسم الخالق من نفس المخلوق، وشاهد اسم الرزاق من وجود الرزق والمرزوق، وشاهد اسم الرحيم من شهود الرحمة المبثوثة في العالم، إلى أن قال: وهكذا كل اسم من أسمائه الحسنى له شاهد في خلقه وأمره، ويعرفه من عرفه، ويجهله من جهله، فالخلق والأمر من أعظم شواهد أسمائه وصفاته، وكل سليم العقل والفطرة يعرف قدر الصانع وحذقه وتبريزه على غيره، وتفرده بكمال لم يشاركه فيه غيره من مشاهدة صنعته، فكيف لا تعرف صفات من هذا العالم العلوي والسفلي وهذه المخلوقات من بعض صنيعه.\nوإذا اعتبرت المخلوقات والمأمورات وجدتها بأسرها كلها دالة على النعوت والصفات وحقائق الأسماء، وعلمت أن المعطلة من أعظم الناس عمى بمكابرة ويكفي ظهور شاهد الصنع فيك خاصة، كما قال تعالى: ﴿وفي أنفسكم أفلا تبصرون﴾، فالموجودات بأسرها شواهد صفات الرب ﷻ ونعوته وأسمائه، فهي كلها تشير إلى الأسماء الحسنى وحقائقها، وتنادي عليها وتخبر بها بلسان النطق والحال، كما قيل:","vol":"1","page":226},{"text":"تأمل سطور الكائنات فإنها … من الملك الأعلى إليك رسائل\nوقد خط فيها لو تأملت خطها … ألا كل شيء ما خلا الله باطل\nتشير بإثبات الصفات لربها … فصامتها يهدي ومن هو قائل\nفلست ترى شيئا أدل على شيء من دلالة المخلوقات على صفات خالقها ونعوت كماله وحقائق أسمائه.\nوقد تنوعت أدلتها بحسب تنوعها، فهي تدل عقلا وحسا ونظرا واعتبارا، وفي هذا المعنى قال الشاعر:\nتأمل في نبات الأرض وانظر … إلى آثار ما صنع المليك\nعيون من لجين شاخصات … بأحدق هي الذهب السبيك\nعلى قضب الزبرجد شاهدات … بأن الله ليس له شريك\n\n<span data-type='title' id=toc-75>توحيد الربوبية هو باب الاستدلال على توحيد الإلهية.</span>\nوإذا ثبت بدلالة الصنعة على الصانع، وبأدلة السمع والفطرة وجود الله ووجوب وجوده وتفرده بكمال الصفات والأفعال وجب على العباد أن يخلصوا له العبادة، وأن يسلموا وجوههم إليه في السراء والضراء، وأن يدعوه وحده رغبة ورهبة خفية وجهرة، فهذا هو مقتضى الفطرة، وموجب العقل السليم، وبه جاء النقل الصحيح، قال تعالى: ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون﴾ فجعل سبحانه تفرده بالربوبية خلقا للحاضرين والسابقين، ووضعه الأرض للأنام وتذليله إياها ليمشوا في مناكبها وينعموا برزقه، ورفعه السماء بغير عمد","vol":"1","page":227},{"text":"الآيات إلى قوله: ﴿أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم والله يعلم ما تسرون وما تعلنون والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون إلهكم إله واحد فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون﴾، فأخبر سبحانه عن البعث والتوحيد، ثم أقام على ذلك الحجة بآياته الكونية التي لا يشاركه فيها أحد باعترافهم، ثم ختم البحث بنتيجة الاستدلال وهو التوحيد والقدرة على البعث، وذلك قوله: ﴿إلهكم إله واحد﴾.\nوقوله تعالى: ﴿قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار﴾ إلى قوله: ﴿فما لكم كيف تحكمون﴾، فقررهم سبحانه بما لا يسعهم إنكاره، ولا مخلص لهم من الاعتراف به من تفرده بالرزق والملك والتدبير والإحياء والإماتة والبدء والإعادة والإرشاد والهداية ليقيم به عليهم الحجة في وجوب طاعته دون سواه، وينكر عليهم حكمهم الخاطئ وشركهم الفاضح وعكوفهم على عبادة من لا يملك لهم ضرا ولا نفعا ولا حياة ولا نشورا، وكذلك ما تقدم من قوله: ﴿قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى آلله خير أم ما يشركون أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء﴾ إلى قوله: ﴿قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين﴾، فأنكر سبحانه أن يكون معه من خلق ودبر وصرف وقدر، أو من يجيب المضطر إذا دعاه، ويكشف السوء أو يولي ويعزل وينصر ويخذل، أو ينقذ من الحيرة ويهدي من الضلالة، أو من يبدأ الخلق ثم يعيده ويبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، إلى غير ذلك مما استأثر الله به وهذا مما استقر في فطرهم واستيقنت","vol":"1","page":229},{"text":"به أنفسهم، ونطقت به ألسنتهم، وقامت به عليهم الحجة فيما دعت إليه الرسل من توحيد العبادة.\nوقال: ﴿قل من يرزقكم من السماوات والأرض قل الله وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تعملون﴾ إلى أن قال: ﴿كلا بل هو الله العزيز الحكيم﴾، فأمره سبحانه أن يسلك في دعوته لقومه طريق الفطرة والعقل، فيستدل بتفرد الله بالآيات الكونية على توحيد الإلهية، وأن يلين لهم الجانب في غير ذلة ولا مداهنة، ويتلطف معهم في الدعوة والاستدلال من غير كذب ولا خداع، حتى لا تأخذهم العزة بالإثم، وذلك بين قوله: ﴿وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تعملون﴾.\nفهذا منهج القرآن والرسل في الدعوة حجاج واستدلال ورفق في القول، وأمر بالعرف، وحسن في السياسة من غير مداراة تذهب بالحق، وفي معنى هذه الآية كثير، كمناظرة إبراهيم ونوح وموسى وإخوانهم من النبيين لأممهم عليهم الصلاة والسلام.\nومن سلك طريق القرآن في الدعوة والاستدلال، واهتدى بهدي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في الحجاج وحسن السياسة قوي يقينه، وخصم مناظره، فإن في ذلك الحجة والبرهان من جهتين: الأولى: أنه الخبر عن المعصوم، والثانية: أنه موجب الفطرة ومقتضى العقل الصحيح.","vol":"1","page":230},{"text":"<span data-type='title' id=toc-76>٤ - وجوب الإيمان بالبعث والنشور وبيان شبهة الكفار في إنكارهم يوم القيامة والرد عليهم في ذلك</span>\nالبعث هو إحياء الله الموتى وإخراجهم من قبورهم يوم القيامة، ويسمى يوم الميعاد لإعادة الأرواح إلى الأبدان فتعود بهذا الحياة للأبدان، ويسمى يوم النشور، لانتشار المخلوقات إلى الموقف، ويسمى يوم الدين؛ لأن الناس يدانون فيه بأعمالهم، أي يجزون عليها.\nوقد دل الكتاب والسنة والإجماع على وجوب الإيمان ببعث الأبدان بعد نفخ الأرواح فيها، كما جاءت شرائع الأنبياء السابقين بالأخبار عنه ووجوب الإيمان به، قال تعالى: مخاطبا آدم وزوجته وإبليس: ﴿اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين﴾، وقال: ﴿فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون﴾، وقال تعالى في بيان دعوة نوح قومه إلى الإيمان بالله واليوم الآخر: ﴿والله أنبتكم من الأرض نباتا ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا﴾، وقال تعالى عن إبراهيم ﵊: ﴿والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين﴾ ويوم الدين هو يوم الحساب والجزاء، وقال تعالى لنبيه موسى ﵊: ﴿إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى﴾، وأخبر تعالى عن أهل النار إذا قال لهم خزنتها: ﴿ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا﴾.","vol":"1","page":231},{"text":"اعترفوا بأن الرسل تلت عليهم آيات ربهم وأنذرتهم اليوم الآخر، كما قال تعالى عنهم: ﴿قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين﴾، وأمر سبحانه نبيه محمدا ﵊ أن يقسم به على البعث والجزاء فقال: ﴿زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير﴾، وذم تعالى من يشك في يوم القيامة أو يكذب به أو يماري فيه قال تعالى: ﴿بل ادارك علمهم في الآخرة بل هم في شك منها بل هم منها عمون﴾، وقال: ﴿ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله وما كانوا مهتدين﴾، وقال: ﴿ألا إن الذين يمارون في الساعة لفي ضلال بعيد﴾، وقال: في بيان جزاء الكافرين به: ﴿ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا ذلك جزاؤهم بأنهم كفروا بآياتنا وقالوا أئذا كنا عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا جديدا﴾.\nورد عليهم هذه الشبهة بدليل كوني عقلي بين فيه أن من قدر على خلق ما هو أعظم منهم كالسماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم، وقال: ﴿لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾ وقال: ﴿أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم﴾. واستدل على","vol":"1","page":232},{"text":"قدرته على الإعادة بقدرته على الخلق، فقال: ﴿وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم﴾ وقال في بيان غفلة المكذبين عن النشأة الأولى أو تغافلهم عنها، وأنهم تذكروها، وتبصروا فيها ما وسعهم إلا أن يؤمنوا بيوم القيامة: ﴿وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم﴾، قال تعالى في بيان أن قيام الساعة ومجازاة العباد مقتضى حكمته، وكمال عدله: ﴿أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم﴾ وقال: ﴿أيحسب الإنسان أن يترك سدى﴾ أي لا يؤمر ولا ينهى، ولا يثاب ولا يعاقب، وقال: ﴿وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار﴾.\nبالجملة فكمال علمه يوجب ألا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات والأرض، وكمال حكمته يقتضي ألا يترك الناس سدى بلا أمر ولا نهي ولا شرع ولا ثواب ولا عقاب، ومعلوم أن ما حصل في الدنيا لا يكفي للجزاء فلا بد من يوم يتحقق فيه كمال عدل الله وحكمته في الفصل بين العباد، وهو اليوم الذي أعده الله لفصل القضاء بين العباد، وكمال قدرة الله يقتضي ألا يعجز الله شيء، فهو قادر على أن يعيد العظام والرفات والذرات بشرا سويا: ﴿إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون﴾ إلى غير ما تقدم من نصوص القرآن الصريحة في","vol":"1","page":233},{"text":"البعث للأرواح والأبدان.\nأما السنة فمنها حديث: «كل ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب منه خلق، ومنه يركب»، وستأتي نصوص أخرى في تفاصيل ما يجري على العباد يوم القيامة، وهي متضمنة لقيام الساعة.\nوأما جزاء الأعمال: فقد دل على ثبوته قوله تعالى: ﴿مالك يوم الدين﴾.\nأي يوم الجزاء على الخير والشر، وقال: ﴿من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار هل تجزون إلا ما كنتم تعملون﴾، ودل على ثبوته الحديث القدسي الذي رواه أحمد، ومسلم من طريق أبي ذر الغفاري وفيه: «يا عبادي إنما هي أعمالكم، أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه».\nوأما العرض والحساب وقراءة الكتاب والثواب والعقاب: فالمراد بذلك عرض العباد على الله وعرض كتب أعمالهم عليهم حين تتطاير صحف أعمالهم فمن آخذ كتابه بيمينه، ومن آخذ كتابه بشماله، يقرأ كل ما في كتابه، ويحاسب على عمله، ويثاب المحسن بإحسانه، ويعاقب المسيء بإساءته، قال تعالى: ﴿وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة بل زعمتم ألن نجعل لكم موعدا ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون ياويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا﴾.","vol":"1","page":234},{"text":"وقال تعالى: ﴿يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرءوا كتابيه إني ظننت أني ملاق حسابيه فهو في عيشة راضية في جنة عالية قطوفها دانية كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول ياليتني لم أوت كتابيه ولم أدر ما حسابيه يا ليتها كانت القاضية ما أغنى عني ماليه هلك عني سلطانيه خذوه فغلوه ثم الجحيم صلوه﴾.\nوقال تعالى: ﴿رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء لمن الملك اليوم لله الواحد القهار اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب﴾.\nوروى البخاري في صحيحه عن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ: «ليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا هلك فقلت: يا رسول الله، أليس قد قال الله تعالى: ﴿فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا﴾ فقال رسول الله ﷺ: إنما ذلك العرض، وليس أحد يناقش الحساب يوم القيامة إلا عذب».\nففهمت عائشة ﵂ من قوله ﷺ أولا عموم الهلاك لكل من حوسب، فكان الحديث معارضا ليسير الحساب في الآية وانقلاب من أخذ كتابه بيمينه إلى الذي ذكر في الآية مجرد عرض أعمال المؤمن عليه، وأن الحساب الذي ذكر في الحديث أريد به المناقشة في الحساب، فلا تعارض بين الآية والحديث.\nوأما الصراط فمعناه في اللغة الطريق، ومعناه المقصود منه هنا الجسر الممتد","vol":"1","page":235},{"text":"على متن جهنم الذي يمر عليه العباد إذا انتهوا من الموقف إلى منازلهم في الجنة أو النار.\nوهناك ظلمة دون الصراط يكون فيها الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات، كما روى مسلم من طريق عائشة ﵂ «أن النبي ﷺ سئل أين الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات، فقال: هم في الظلمة دون الجسر»، وفي هذه الظلمة يكون للمؤمنين نور يسعى بين أيديهم وبأيمانهم، فيقول المنافقون لمن صدقوا في إيمانهم: انظرونا نقتبس من نوركم، فيقال لهم: ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا، فإذا ما رجعوا حيل بينهم وبين المخلصين بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب، قال الله تعالى: ﴿يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله الغرور فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا مأواكم النار هي مولاكم وبئس المصير﴾.","vol":"1","page":236},{"text":"والدليل من القرآن على الصراط قوله تعالى: ﴿وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا﴾ فإن المراد بالورود في الآية المرور على جهنم فوق الصراط، المضروب على متنها، ثم من الناس من يسقط، ومنهم من ينجو، قال تعالى: ﴿ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا﴾، ولا يلزم من المرور على الصراط فوقها دخول كل من مر في النار وتعذيبه بها، ولا يلزم أيضا من التعبير بالإنجاء دخول من أنجاهم الله فيها، فإنه يكفي في صحة التعبير بالإنجاء انعقاد أسباب الهلاك مع تخليص أهل الخير، كما في قوله تعالى: ﴿فلما جاء أمرنا نجينا صالحا﴾. وقوله: ﴿ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا﴾ وقوله: ﴿ولما جاء أمرنا نجينا هودا﴾ فأخبر سبحانه بإنجائهم ولم يكن أصابهم ولا أصاب من آمن بهم شيء من العذاب الذي أهلك الله به من كذبهم وكفرهم، فكان توفر أسباب العذاب إجمالا كافيا لتصحيح التعبير بالإنجاء من الهلاك، وقال ﷺ: «يجمع الله الناس يوم القيامة -إلى أن قال-: فيعطون نورهم على قدر أعمالهم، وقال: فمنهم من يعطى نوره مثل الجبل بين يديه، ومنهم من يعطى نوره فوق ذلك ومنهم من يعطى نوره مثل النخلة بيمينه، ومنهم من يعطى دون ذلك بيمينه، حتى يكون آخر من يعطى نوره على إبهام قدمه، يضيء مرة ويطفأ أخرى، إذا أضاء قدم قدمه، وإذا طفئ قام، قال: فيمر ويمرون على الصراط، والصراط كحد السيف ودحض مزلة، فيقال لهم:»","vol":"1","page":237},{"text":"«امضوا على قدر نوركم، فمنهم من يمر كانقضاض الكوكب، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كالطوف، ومنهم من يمر كشد الرجل يرمل رملا، فيمرون على قدر أعمالهم حتى يمر الذي نوره إبهام قدمه، يجر يدا ويعلق يدا، يجر رجلا ويعلق رجلا، وتصيب جوانبه النار، فيخلصون، فإذا خلصوا قالوا: الحمد لله الذي نجانا منك بعد أن أراناك، فقد أعطانا الله ما لم يعط أحدا» رواه الحاكم من طريق عبد الله بن مسعود.\nوأما الميزان فقد أخبر الله تعالى عنه وعن وزن الأعمال به لحكم كثيرة، منها: ظهور عدل الله تعالى لجميع عباده، قال الله تعالى: ﴿ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين﴾.\nوقال: ﴿يوم يكون الناس كالفراش المبثوث وتكون الجبال كالعهن المنفوش فأما من ثقلت موازينه﴾ ﴿فهو في عيشة راضية﴾ ﴿وأما من خفت موازينه فأمه هاوية﴾.\nوأخبر النبي ﷺ بوزن الأعمال، روى مسلم في صحيحه عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ: «الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان». وروى البخاري ومسلم أن النبي ﷺ قال: «كلمتان خفيفتان على»","vol":"1","page":238},{"text":"«اللسان، حبيبتان إلى الرحمن ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم»، وجاء في حديث البطاقة المشهور أن البطاقة التي فيها أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله توضع في إحدى كفتي الميزان، وأن سجلات السيئات توضع في الكفة الأخرى فترجح كفة البطاقة وتطيش كفة سجلات السيئات لهذه الأدلة ذكر أهل السنة أن الميزان له كفتان، وأنه توزن فيه الأعمال وصحف الأعمال وأرباب الأعمال، والله أعلم.\nوعلى كل حال يجب الإيمان بالوزن والميزان، وأن العبرة بالأعمال لا بالشخص نفسه، ولا بالصحف نفسها، إنما المعتبر في الوزن هو الأعمال في الرجحان والخفة، وشئون الآخرة من الأمور الغيبية التي لا مجال للعقل فيها إثباتا ونفيا، فعلينا أن نؤمن بما صح من النقل في ذلك كتابا وسنة، ولا نعارضه بعقولنا، لقصورها عن إدراكه، ورحم الله امرأ عرف قدره، ولم يتجاوز حده، ومن أنكر ذلك أو تأول ما ورد فيه من النصوص فقد رام ما ليس إليه، ولا في دائرة تفكيره، والله الهادي إلى سواء السبيل.","vol":"1","page":239},{"text":"<span data-type='title' id=toc-77>٥ - مبحث في أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن، وأنهما باقيتان لا تفنيان</span>\nهذا المبحث يتضمن أمرين، الأول: خلق الجنة والنار ووجودهما في الدنيا، والثاني: بقاؤهما أبد الآبدين وفي كل منهما خلاف بين العلماء، وفيما يلي بيان مذهب أهل السنة ومخالفيهم في الأمرين مع الدليل:\nالأمر الأول: اتفق أهل السنة على أن الجنة والنار موجودتان في الدنيا، ولم يعرف لهم مخالف في صدر الإسلام، واستدلوا على ذلك بالكتاب والسنة، وإجماع الأمة.\nأما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين﴾. وقوله تعالى: ﴿سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم﴾ فدل التعبير عن إعداد الجنة للمؤمنين بالفعل الماضي على أنها موجودة بالفعل في الدنيا، وقوله تعالى: ﴿فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين﴾. وقوله: ﴿واتقوا النار التي أعدت للكافرين﴾. وقوله: ﴿إن جهنم كانت مرصادا للطاغين مآبا﴾ فدل التعبير بالماضي على أن النار وجدت فعلا.\nوأما السنة فالأحاديث الدالة على وجودهما الآن كثيرة، منها ما رواه البخاري","vol":"1","page":240},{"text":"ومسلم في صحيحيهما من حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، يقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة» وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «لما خلق الله الجنة فقال: اذهب فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها، فذهب فنظر إليها وإلى ما أعد الله لأهلها فيها، فرجع فقال: وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها، فأمر بالجنة فحفت بالمكاره، فقال: ارجع فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها، قال: ثم أرسله إلى النار، قال: اذهب فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها ما فيها، قال: فنظر إليها فإذا هي يركب بعضها بعضا، ثم رجع فقال: وعزتك، لا يدخلها أحد سمع بها، فأمر بها فحفت بالشهوات، ثم قال: اذهب فانظر إلى ما أعددت لأهلها فيها، فذهب فنظر إليها، فرجع فقال: وعزتك لقد خشيت ألا ينجو منها أحد إلا دخلها». فهذان الحديثان صريحان في إعداد كل من الجنة والنار لأهلها وروى مالك في الموطأ وأصحاب السنن من حديث كعب بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «إنما نسمة المؤمن طير تعلق في شجر الجنة حتى يرجعها الله إلى جسده يوم القيامة». وجاء في حديث خسوف الشمس أن النبي ﷺ رأى الجنة","vol":"1","page":241},{"text":"والنار وهو يخطب أصحابه وأنه حدثهم عنها، وثبت أن الله أسكن آدم وحواء الجنة قبل أن يهبطا إلى الأرض، من أجل مخالفتهما لله بأكلهما من الشجرة التي نهاهما عن الأكل منها.\nوأما الإجماع: فإن صدر هذه الأمة لم يزالوا على القول بوجودهما في الدنيا حتى نبتت نابتة من القدرية والمعتزلة فأنكرت ذلك وهم محجون بالنصوص، وإجماع الأمة قبل وجودهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-79>شبهة من أنكر وجود الجنة والنار الآن والرد على ذلك:</span>\nأولا: قالوا: خلق الجنة والنار قبل يوم الجزاء عبث؛ لأن كلا منهما تبقى معطلة مدة طويلة دون أن يجزى بها أحد، والعبث محال على الله، وأجيب أولا بأنه معارضة للنصوص الصحيحة بالعقل في أمر غيبي لا يعرف إلا من أهل النقل، وثانيا بأن وجودهما في الدنيا فيه فائدة ولأن المؤمنين ينعمون في قبورهم، وأرواحهم نسمات تعلق في شجر الجنة، والكفار يعذبون في قبورهم بالعرض على النار ورؤية كل منهم لمقعده فيهما إلى أن يبعثه الله كما تقدم بيانه، فوجودهما ليس بعبث.\nواستدلوا ثانيا: بقوله تعالى: ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾، قوله: ﴿كل نفس ذائقة الموت﴾، قالوا: فلو كانتا موجودتين الآن لهلكتا وذاق كل من فيهما الموت عند النفخة الأولى في الصور من أجل إنهاء الدنيا وتخريبها،","vol":"1","page":242},{"text":"وأجبيب بأن كلا من الجنة والنار مستثنى مما يصيبه الهلاك والفناء عند النفخة الأولى؛ لأنهما خلقتا للبقاء.\nقال الله تعالى: ﴿ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله﴾ فإنهما داخلتان في عموم من شاء الله بقاءه جمعا بين الأدلة، وأيضا المعنى كل شيء كتب عليه الهلاك أو ذوق الموت فهو هالك، والجنة والنار ليستا مما كتب عليه الهلاك؛ لأنهما خلقتا للجزاء، وأيضا معنى كل شيء هالك إلا وجهه كل عمل حابط إلا ما أريد به وجه الله، بدليل قوله في صدر الآية: ﴿ولا تدع مع الله إلها آخر لا إله إلا هو﴾.\nواستدلوا ثالثا: بما ذكره الله عن امرأة فرعون من قولها: ﴿رب ابن لي عندك بيتا في الجنة﴾ وبقول رسول الله ﷺ: «لقيت إبراهيم ليلة أسري بي، فقال: يا محمد أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم بأن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غراسها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر». وقوله ﷺ: «من قال: سبحان الله وبحمده غرست له نخلة في الجنة»، قالوا: فلو كانت الجنة مخلوقة مفروغا منها لما طلبت امرأة فرعون من ربها أن يبني لها بيتا فيها","vol":"1","page":243},{"text":"ولما قال ﷺ إنها قيعان، وأنها لا تزال يغرس فيها كلما كان التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير من العابدين، وأجيب بأن ما ذكرتم دليل على وجود الجنة الآن لا على عدمها إلا أنها لا تزال يخلق الله فيها أنواعا من النعيم ما ذكره الذكرون، بل ويجدد الله فيها يوم القيامة أنواعا من النعيم. فالإنشاء فيها مستمر اليوم ويوم القيامة، والنعيم فيها متجدد أبد الآبدين.\nالأمر الثاني: اتفق أهل السنة على أن الجنة لا تفنى، وذهب جمهور منهم إلى أن النار أيضا لا تفنى وقالت طائفة قليلة منهم بفناء النار.\nوالدليل من القرآن على بقاء الجنة قوله تعالى: ﴿مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار أكلها دائم وظلها﴾. وقوله تعالى: ﴿لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين﴾. وقوله تعالى: ﴿إن هذا لرزقنا ما له من نفاد﴾ وقوله تعالى: ﴿لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ووقاهم عذاب الجحيم﴾، وقوله تعالى: ﴿وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ﴾.\nواختلف السلف في الاستثناء من خلود المؤمنين في الجنة في قوله: ﴿إلا ما شاء ربك﴾ فقيل: إنه استثنى المدة التي يمكثها عصاة المؤمنين في النار قبل دخولهم من مدة خلودهم في الجنة، فالمعنى يخلد المؤمنين في الجنة ما دامت السماوات والأرض إلا مدة شاء ربك أن يقضيها عصاة المؤمنين في النار قبل","vol":"1","page":244},{"text":"دخولهم الجنة، وقيل: إنه استثناء الرب ولا يفعله، كقولك: والله لأكرمن فلانا إلا أن أرى غير ذلك، وأنت لا ترى إلا إكرامه، وقريب منه ما قيل من أن الاستثناء إعلامهم بأنهم مع خلودهم فهم في مشيئة الله لا أنهم باستقرارهم في الجنة وتمكنهم منها خرجوا من مشيئة الله، ولا ينافي ذلك إرادته إرادة كونية أن يخلدوا فيها، ونظيره قوله تعالى: ﴿ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك به علينا وكيلا﴾ وهو سبحانه مريد لبقاء ما أوحى به إلى رسوله، وقوله: ﴿فإن يشأ الله يختم على قلبك﴾ وهو سبحانه لا يشاء الختم على قلب رسوله، بل أراد له استمرار الهداية والإمداد بالنور وصفاء البصيرة وقوله: ﴿قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به﴾. وقد شاء سبحانه إعلامهم به، وتلاوة رسوله القرآن عليهم، إلى غير هذا من النظائر التي يقصد فيها إثبات كمال الاختيار؛ ولأن الأمور لم تخرج من دائرة تقديره سبحانه وتصريفه، واختار ابن جرير أن [إلا] بمعنى لكن، وعليه يكون الاستثناء منقطعا، والمعنى خالدين فيها سوى ما شاء ربك من زيادة النعيم، أو لكن هنا بعد زيادة النعيم والإكرام على الخلود ما لا يقدر قدره إلا الله، فليس المراد قطع أمر الخلود، ولكن المراد زيادة نعيم إلى جانب خلودهم في الجنة، بدليل ما ختمت به الآية من قوله تعالى: ﴿عطاء غير مجذوذ﴾.\nوالدليل من السنة على أبدية الجنة قوله ﷺ: «من يدخل الجنة ينعم ولا يبأس، ويخلد ولا يموت». وقوله: «ينادي مناد يا أهل الجنة إن لكم أن تصحوا فلا»","vol":"1","page":245},{"text":"«تسقموا أبدا، وأن تشبوا فلا تهرموا أبدا، وأن تحيوا فلا تموتوا أبدا». وقوله: «يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت». رواه البخاري ومسلم.\nأما أبدية النار ففيها آراء كثيرة، للسلف منها رأيان:\nالأول: رأي جمهور السلف، قالوا: إن النار باقية لا تطفأ، ومن دخل بقي مخلدا فيها أبدا إلا من دخلها من عصاة المؤمنين، فإنهم يخرجون منها على ما تقدم بيانه في مبحث الشفاعة، واستدلوا على بقائها وخلود الكافرين بقوله تعالى: ﴿وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار﴾ وقوله: ﴿إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم ولهم عذاب أليم يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم﴾ وقوله: ﴿لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون﴾، وقوله: ﴿والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزي كل كفور﴾ وقوله: ﴿فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا﴾ وقوله: ﴿مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا﴾.\nوقوله: ﴿إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزا حكيما﴾.\nالرأي الثاني: أن النار تفنى بعد أن يستوفي الكفار نصيبهم من العذاب فيها،","vol":"1","page":246},{"text":"ونسب هذا القول إلى عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود، وأبي هريرة من الصحابة، وبه قال ابن تيمية، وابن القيم وجماعة، واستدلوا لهذا الرأي بقوله تعالى: ﴿ويوم يحشرهم جميعا يامعشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم﴾ وقال: ﴿فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد﴾.\nقالوا: استثنى من الخلود في الآيتين بقوله في الآية الأولى: ﴿إلا ما شاء الله﴾ وبقوله في الآية الثانية: ﴿إلا ما شاء ربك﴾ ولم يأت بعد الاستثناء ما يدل على عدم الانقطاع وانتهاء العذاب، كما جاء عقب الاستثناء من الخلود في نعيم الجنة، فإن الآية ختمت بقوله: ﴿عطاء غير مجذوذ﴾ وهو دال على دوام النعيم واستمراره فكان قرينة على أن الاستثناء الذي قبله لا يراد به الإخراج، إنما يراد به إثبات كمال الاختيار واستدلوا أيضا بقوله تعالى: ﴿لابثين فيها أحقابا﴾ فجعل اللبث في النار مدة محدودة، فدل على انتهاء العذاب، واستدلوا أيضا بأن النار موجب غضبه والجنة موجب رحمته وقد روى البخاري في صحيحه عن النبي ﷺ","vol":"1","page":247},{"text":"قال: «لما قضى الله الخلق كتب كتابا فهو عنده فوق العرش، إن رحمتي سبقت غضبي» وفي رواية: «تغلب غضبي». قالوا: فلو بقي الكفار في النار، ولم تفن النار لكان غضبه قد سبق رحمته، وفي هذا خلف لخبر الصادق ﷺ عن ربه، وخلف خبره مستحيل.\nقالوا: وما ورد من النصوص الدالة على خلود الكفار فيها أبدا وعدم خروجهم منها فلا نزاع فيه، لكنه يقتضي البقاء في العذاب ما دامت النار باقية، وإنما يخرج منها في حال بقائها أهل التوحيد، وهناك فرق بين من يخرج من الحبس والحبس قائم، وبين من ينهدم حبسه وينتقض بناؤه، فيبطل حبسه وينتهي سجنه بانتقاض البناء، وقد يناقش هذا بأنه وإن صلح جوابا عن أدلة الخلود فلا يصلح جوابا عن النصوص الصريحة في أن عذابها مقيم، وأنه كان غراما، وأن النار كلما خبت زادها الله سعيرا، وأنهم لا يفتر عنهم العذاب ولا يخفف، بل يزيدهم الله عذابا، وأنهم كلما نضجت جلودهم بدلهم الله جلودا غيرها ليذوقوا العذاب، اللهم إلا أن يقال: إن الاستثناء بالمشيئة في الآيتين السابقتين مسلط على جميع النصوص التي دلت على دوام العذاب واستمراره، وعلى كل حال فالموضوع من شئون الله فليترك إلى الله سبحانه، والله أعلم.","vol":"1","page":248},{"text":"<span data-type='title' id=toc-84>٦ - مبحث في العرش والكرسي وإثبات صفة العلو</span>\nالعرش والكرسي كلاهما حق، وللعرش حملة من الملائكة يحملونه فوقهم، قال الله تعالى: ﴿الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا﴾ وقال تعالى: ﴿وسع كرسيه السماوات والأرض﴾ وقد ميز الله العرش بنسبته إليه، وخصه باستوائه عليه، قال تعالى: ﴿ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية﴾ وقال: ﴿ذو العرش المجيد﴾ وقال: ﴿رفيع الدرجات ذو العرش﴾، وقال: ﴿الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم﴾ وقال: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ وقال: في أكثر من آية ﴿ثم استوى على العرش﴾ فدل ذلك على وجوده وامتيازه واستواء الله عليه، كما دلت الآية الثانية على وجود الكرسي.\nواختلف في صفة العرش وموقعه من المخلوقات، فقيل: إن العرش مثل القبة فوق المخلوقات، واستدل لهذا بما رواه أبو داود وغيره في حديث الأطيط من قوله ﷺ: «إن عرشه على سماواته» هكذا، وقال بأصابعه، مثل القبة.","vol":"1","page":249},{"text":"أي: أشار بأصابعه إشارة تدل على أن العرش يشبه القبة، لكن هذا حديث ضعيف الإسناد، واستدل لذلك أيضا بما رواه البخاري في صحيحه أن النبي ﷺ قال: «إذا سألتم الله فسلوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة»، لكن هذا لا يدل على أن العرش كالقبة فوق السماوات من جانب واحد، فإن السماوات محيطة بالأرض، ومع ذلك فهي كالقبة بالنسبة لكل جماعة على سطح الأرض من الجهة التي تليهم، وقيل: إن العرش فلك مستدير محيط بالعالم من كل جهة، وربما سماه أصحاب هذا القول الفلك الأطلسي أو الفلك التاسع، ورد هذا بأن للعرش قوائم، لما ورد في حديث بيان النبي ﷺ فضل موسى ﵊ من قوله ﷺ: «فإن الناس يصعقون، فأكون أول من يفيق، فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور» فالظاهر أنه كسقف أقيم على قوائم، وأن الملائكة تحمله من هذا القوائم، وأيضا العرش في اللغة السرير الذي أعد للملك ليجلس عليه، ولا تفهم منه العرب إلا ذلك، وقد نزل القرآن بلغة العرب، وإذن ليس العرش فلكا مستديرا، بل هو كالقبة على العالم وسقف للمخلوقات، وقد استشهد لكونه سريرا بشعر أمية بن أبي الصلت:\nمجدوا الله فهو للمجد أهل … ربنا في السماء أمسى كبيرا\nبالبناء العالي الذي بهر النا … س وسوى فوق السماء سريرا","vol":"1","page":250},{"text":"واستشهدوا لذلك أيضا بما ذكره ابن عبد البر وغيره من الأئمة، من أن عبد الله بن رواحة عرض لامرأته بشعر عن القراءة حينما اتهمته بجارته ليوهمها به أنه قرآن، وأنه ليس بجنب، قال:\nشهدت بأن وعد الله حق … وأن النار مثوى الكافرينا\nوأن العرش فوق الماء طاف … وفوق العرش رب العالمينا\nوتحمله ملائكة شداد … ملائكة الإله مسومينا\nلقول أبي ذر ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت بين ظهراني فلاة من الأرض».\nوتأول جماعة العرش فقالوا: إنه عبارة عن الملك، وهذا تحريف لكلام الله وإخراج له عن المعنى المتبادر منه بلا دليل، فإنه يبعد أن يقال في تفسير الآيات السابقة: ويحمل ملك ربك فوقهم يومئذ ثمانية، وأن يكون معنى ﴿وكان عرشه على الماء﴾ وكان ملكه على الماء، ويكون معنى أخذ موسى بقائمة من قوائم العرش أخذ بقائمة من قوائم الملك، فكان تفسير العرش بالملك باطلا.\nأما الكرسي فقيل: إنه موضع القدمين، وأنه بين يدي العرش كالمرقاة إليه، فهو غير العرش، ولقول ابن عباس: الكرسي موضع القدمين، والعرش لا يقدر قدره إلا الله، وقيل: إن الكرسي هو العرش، ويرده ما تقدم عن ابن عباس، وفسر الكرسي بالعلم، ونسب هذا إلى ابن عباس، ولكن المحفوظ عنه","vol":"1","page":251},{"text":"التفسير الأول.\nهذا والسكوت عن الكلام في العرش وأنه كالقبة أو فلك مستدير محيط بالكائنات خير من الخوض في ذلك، وكذا ترك التعمق في كون العرش هو الكرسي أو خلافه خير من الجدل وكثرة الحديث فيه، فإن الخوض في ذلك والتعمق فيه من شره الفكر، واستشراف العقل إلى إدراك أمر غيبي لا يعلم إلا بالتوقف، فينبغي الوقوف عند النقل، ويجب أن يعلم أن استواء الله على العرش ليس لحاجته إليه، ولا لكون العرش حاملا له، فإن السماء فوق الأرض ومحيطة بها، ولم يلزم أن تكون السماء في قيامها وتماسكها محتاجة إلى الأرض، ولا أن تكون الأرض حاملة لها، فالله مستو على عرشه، وهو مستغن عنه وعما فيه من الكائنات، وهو فوق عباده حقيقة، محيط بهم إحاطة تليق بجلاله لا كإحاطة الفلك بما فيه من الكائنات، والجميع قائم بحوله وقوته ابتداء ودواما، محفوظ بعنايته ورعايته، جلت قدرته، وتعالت عظمته علوا كبيرا، قال تعالى: ﴿يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد﴾ وقال: ﴿ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغني عن العالمين﴾.\nوقال: ﴿ولله ما في السماوات وما في الأرض وكان الله بكل شيء محيطا﴾ وقال: ﴿ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم ألا إنه بكل شيء محيط﴾ وقال: ﴿بل الذين كفروا في تكذيب والله من ورائهم محيط﴾.\nوهذا هو مذهب السلف في صفة الاستواء، وعلو الله على عرشه حقيقة مع التفويض في الكيفية، فقد سئل مالك بن أنس ﵁: كيف استوى الله على العرش؟ فقال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، وذكر ذلك حسان بن ثابت في شعره، قال:\nشهدت بإذن الله أن محمدا … رسول الذي فوق السماوات من عل\nوأن أبا يحيى ويحيى كلاهما … له عمل من ربه متقبل\nيريد النبيين يحيى بن زكريا وأباه زكريا، وسأل مطيع البلخي أبا حنيفة عمن قال: لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض؟ فقال: قد كفر؛ لأن الله يقول: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾، وعرشه فوق سبع سماوات، قلت فإن قال: \"إنه على العرش ولكن يقول لا أدري العرش في السماء أم في الأرض، قال: هو كافر، لأنه أنكر أنه في السماء، فمن أنكر أنه في السماء فقد كفر، وفي بعض الروايات عنه زيادة \"لأن الله في أعلى عليين، وهو يدعى من أعلى لا من أسفل\"، ومن أنكر هذا عن أبي حنيفة فهو ممن انتسب إلى مذهبه الفقهي مع مخالفته له في بعض مسائل الاعتقاد كالمعتزلة.","vol":"1","page":253},{"text":"وقد شهدت العقول السليمة، والفطر المستقيمة على علو الله على خلقه وكونه فوق عباده، كما صرحت بذلك نصوص الكتاب والسنة المتنوعة والمحكمة.\nفمن ذلك التصريح بالفوقية مقرونا تارة بحرف \"من\" المعنية لفوقيته تعالى بنفسه، ومجردا منها تارة أخرى، قال الله تعالى: ﴿يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون﴾ وقال: ﴿وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير﴾.\nومنها التصريح بالعروج إليه، قال تعالى: ﴿تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة﴾ وقال النبي ﷺ: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ثم يعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم ربهم كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون».\nومنها التصريح بصعود العمل الصالح إليه، وبرفعه بعض المخلوقات إليه، قال تعالى: ﴿من كان يريد العزة فلله العزة جميعا إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور﴾، وقال: ﴿بل رفعه الله إليه﴾ وقال: ﴿إني متوفيك ورافعك﴾ وكذا عروج النبي محمد مع جبريل عليهما الصلاة والسلام إلى السماوات ليلة الإسراء والمعراج، وإخبار النبي ﷺ أنه تردد بين موسى وبين ربه تلك الليلة بشأن تخفيف الصلاة، فيصعد","vol":"1","page":254},{"text":"إلى ربه ثم يعود إلى موسى ﵊ عدة مرات.\nومنها التصريح بالعلو المطلق الدال على إثبات جميع مراتب العلو، علو النفس والقدر والشرف، قال تعالى: في آية الكرسي ﴿وهو العلي العظيم﴾.\nوقال: ﴿حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير﴾.\nوقال: ﴿إنه علي حكيم﴾ منها التصريح في كثير من الآيات بنزول القرآن منه - وتنزيله إلى الأرض يقتضي أنه فوق عباده. وقال تعالى: ﴿تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم﴾، وقال: ﴿تنزيل من الرحمن الرحيم﴾ وقال: ﴿قل نزله روح القدس من ربك بالحق﴾ ومنها التصريح باختصاص بعض المخلوقات بأنها عنده، وأن بعضها أقرب إليه من بعض، قال تعالى: ﴿إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته﴾ وقال: ﴿وله من في السماوات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون﴾ ففرق سبحانه بين من له عموما وبين من عنده من ملائكة وعبيده خصوصا، وقد بين النبي ﷺ «أن الله كتب كتابا فهو عنده فوق العرش، كتب فيه رحمتي سبقت غضبي».","vol":"1","page":255},{"text":"ومنها التصريح بأنه تعالى في السماء. قال تعالى: ﴿أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا﴾.\nوبيان ذلك أن \"في\" بمعنى على، وتقدير المعنى: أأمنتم من على السماء، أو \"في\" على حقيقتها والسماء معناها العلو، وتقدير المعنى: أأمنتم من في العلو، ولا يجوز في معنى هذا النص إلا هذان الوجهان.\nومنها التصريح بأنه مستو علي العرش خاصة مع التعدية بعلى وذكر \"ثم\" في الأكثر، وهي دالة على الترتيب والمهلة، فلا يأتي مع ذلك تأويل استوائه على العرش بالقدرة، أو الاستيلاء عليه.\nومنها التصريح بمشروعية رفع الأيدي إلى السماء في الدعاء، فقد رفع النبي ﷺ يديه إلى السماء وهو يدعو في الاستسقاء وغيره، وثبت عنه أنه قال: «إن الله يستحي من عبده إذا رفع يديه أن يردهما صفرا».\nومنها إشارته ﷺ إشارة حسية إلى جهة \"السماء\" وهو يخطب الناس في حجة الوداع، يوم الأضحى بينما قال في خطبته: «سوف تسألون عني، فماذا أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت» فرفع إصبعه الكريمة إلى السماء، مشيرا إلى أن الله فوقها وفوق كل شيء، ومنها «سؤاله الجارية بلفظ»","vol":"1","page":256},{"text":"«صريح في ذلك حيث قال لها: أين الله؟ وشهادته لها بالإيمان حينما أجابته بأن الله في السماء وشهدت له بالرسالة، فقال لسيدها: أعتقها فإنها مؤمنة» فهذا السؤال والإقرار والحكم بإيمان الجارية منه ﷺ وهو أعلم الخلق بربه، وأنصحهم لأمته، وأفصحهم بيانا عن المعنى الصحيح بلفظ لا يوهم باطلا بوجه من الوجود دليل على أن الله فوق السماء، وأنه فوق كل شيء بنفسه، والأدلة المتعلقة بعلو الله على خلقه كثيرة متنوعة، يؤيد بعضها بعضا، فمن رام أن يتأولها فقد رام باطلا ومن سلك طريق التأويل لهذه النصوص فقد فتح على نفسه باب شر لا يمكنه إغلاقه، فإنه يسلط على نفسه بذلك مسلك الباطنية الذين يتأولون نصوص الصلاة والزكاة والصيام وسائر فرائض الإسلام، وبهذا يعود الشرع كله مؤولا.\nومع هذا فقد تأول كثير من المتأخرين الفوقية في قوله تعالى: ﴿وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير﴾ بأنه تعالى خير من عباده، وأنه خير من العرش وأفضل منه، وهو كما ترى تأويل بعيد تنفر منه العقول الرشيدة، وتأباه الفطر السليمة، فإنه لا تمجيد لله في ذلك ولا تعظيم له بل هو تأويل سمج مرذول، فإنه يشبه قول القائل: الجبل أثقل من الحصى، ورسول الله أفضل من اليهود، والجوهرة فوق قشر البصل أو قشر السمك ونحو ذلك مما التفاوت فيه عظيم، ولا شك أن التفاوت بين الله وبين عباده أعظم، ولو أن هذا المتأول أثبت الفوقية مطلقا، فوقية الذات، وفوقية القهر والغلبة، وفوقية القدر والمنزلة لكان ذلك صوابا، لاتفاقه مع نصوص الكتاب والسنة مع عدم المحذور أما أن يحصر تأويله في نوع منها بلا دليل فذلك باطل.","vol":"1","page":257},{"text":"وقد يعبر بالخيرية بين الله وبين بعض خلقه إذا اقتضى المقام ذلك، كمقام الاحتجاج على من أشرك مع الله غيره، ودعوته إلى التوحيد، قال تعالى: ﴿قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى آلله خير أم ما يشركون﴾ وقال حكاية لمقالة يوسف ﵇ لصاحبيه في السجن، ودعوته إياهما إلى التوحيد: ﴿ياصاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار﴾.\nوقد دلت الأدلة العقلية على ما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، من أن الله بائن من خلقه وأنه فوق عباده بنفسه، وبيان أن وجود الله إما أن يكون ذهنيا فقط، وإما أن يكون في خارج الأذهان فالأول ممنوع بإجماع، وإذا تعين أن يكون وجوده خارج الأذهان، فإما أن يكون عين العالم أو صفة قائمة بالعالم، وإما أن يكون قائما بنفسه بائنا من خلقه وكل من الأول والثاني ممنوع، فتعين أن يكون الله موجودا قائما بائنا من خلقه.\n\n<span data-type='title' id=toc-87>الاستدلال بالفطرة على أن الله فوق عباده:</span>\nوإذا ثبت ذلك كان سبحانه فوق عباده، مستويا على عرشه؛ لأن السفول صفة ذم لا تتضمن مدحا ولا ثناء فلا يليق بالله، والعلو صفة مدح وثناء وكمال لا نقص فيه ولا يستلزم نقصا، ولا يوجب محذورا، ولا يخالف كتابا ولا سنة ولا إجماعا، بل النصوص وإجماع السلف تثبت ذلك وتقتضيه، فوجب اعتقاده وإنكار التأويل وصرف النصوص عن ظواهرها، لكونه عين الباطل الذي لا تأتي به الشريعة ولا يراه عقل سليم، فإذا قيل: إن أكثر العقلاء يتأولون نصوص الاستواء والعلو والفوقية بالاستيلاء والقهر والغلبة، وبعلو القدر والمنزلة، وبالخيرية وكمال الفضل، فكان تأويلهم مقتضى العقل، إذا يبعد أن يرمي","vol":"1","page":258},{"text":"جمهور العلماء بالجهل والسفاهة، وتحريف النصوص الصحيحة عن مواضعها، ولا يكون لهم وجه يعتمدون عليه فيما ذهبوا إليه، قيل: ليس الأمر كذلك، فإن الذين يصرحون بأن خالق العالم شيء موجود خارج الأذهان لكنه ليس فوق العالم، وأنه ليس مباينا للعالم ولا داخلا فيه طائفة من النظار، وأول من ابتدع ذلك في الإسلام الجعد بن درهم، وتبعه في التحريف والتعطيل الجهم بن صفوان، فقام هو وأتباعه بنشر هذه البدعة بين الناس، وهم مسبقون بإجماع الصحابة والتابعين وأئمة التفسير والفقه والحديث على إجراء النصوص كما جاءت، وإمرارها على ظواهرها إثباتا بلا تمثيل، وتنزيها بلا تعطيل، عملا بقوله تعالى: ﴿قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد﴾، وقوله: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾.\nوقد شهدت بذلك الفطر السليمة أيضا، فإن الخلق جمعيا يرفعون أكفهم إلى السماء عند الدعاء بمقتضى فطرهم وبدافع قوي من طباعهم التي لم يداخلها إلحاد، ولم ينحرف بها عن جادة الحق تمويه ولا تلبيس، ويقصدون جهة العلو بقلوب كلها خشوع وضراعة إلى الله راجين أن يتقبل أعمالهم، ويستجيب دعاءهم، ويسبغ عليهم نعمه، ويعمهم بفضله وإحسانه.\nوقد ذكر محمد بن طاهر المقدسي أن الشيخ أبا جعفر الهمداني حضر مجلس الأستاذ أبي المعالي الجويني المعروف بإمام الحرمين، وهو يتكلم في نفي صفة العلو، ويقول: كان الله ولا عرش، وهو الآن على ما كان، فقال الشيخ أبو جعفر: أخبرنا يا أستاذ عن هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا، فإنه ما قال عارف قط يا الله إلا وجد في قلبه ضرورة طلب العلو، لا يلتفت يمنة ولا يسرة،","vol":"1","page":259},{"text":"فكيف ندفع هذه الضرورة عن أنفسنا؟ قال: فلطم أبو المعالي على رأسه ونزل، وأظنه قال: وبكى، وقال: حيرني الهمداني حيرني، وكأن الشيخ أبا جعفر أراد أن هذا أمر فطري، فطر الله عليه عباده من غير أن يتلقوه عن المرسلين، يجدون في قلوبهم طلبا ضروريا يدفعهم للتوجه إلى الله وطلبه في العلو.\nفإن قيل: إن رفع الأيدي إلى السماء، وتوجه القلوب إلى جهة العلو، إنما كان من أجل أن السماء قبلة الدعاء، كما أن الكعبة قبلة الصلاة، لا لأن الله في السماء فوق عباده، ثم هو منقوض بشرع السجود، ووضع الجبهة على الأرض مع أن الله ليس في جهة الأرض، أجيب:\nأولا: يمنع أن تكون السماء قبلة الدعاء، فإن كون الشيء قبلة لا يعرف إلا من طريق الشرع، ولم يثبت في جعل السماء قبلة للدعاء كتاب ولا سنة، ولا قال به أحد من سلف الأمة وهم لا يخفى على جميعهم مثل هذا الأمر.\nثانيا: ثبت أن الكعبة قبلة الدعاء كما أنها قبلة الصلاة، فقد كان النبي ﷺ يستقبل الكعبة في دعائه في مواطن كثيرة، فمن ادعى أن للدعاء قبلة سوى","vol":"1","page":260},{"text":"الكعبة أو ادعى أن السماء قبلته كما أن الكعبة قبلة له فقد ابتدع في الدين وخالف جماعة المسلمين.\nثالثا: أن القبلة ما يستقبله بوجهه، كما يستقبل الكعبة في الصلاة والدعاء والذكر والذبح ودفن الميت ونحو ذلك مما يطلب فيه استقبال القبلة، ولذا سميت القبلة وجهة لاستقبالها بالوجه، فلو كانت السماء قبلة الدعاء لكان المشروع أن يوجه الداعي وجهه إليها، لكنه لم يشرع بل نهى عنه، وإنما شرع رفع اليدين إلى السماء حين الدعاء لا يسمى استقبالا لها شرعا ولا لغة، ولا حقيقة ولا مجازا.\nرابعا: أن الأمر باستقبال القبلة مما يقبل النسخ والتحويل، كالأمر باستقبال بيت المقدس في الصلاة نسخ بالأمر باستقبال الكعبة، ورفع الأيدي إلى السماء في الدعاء والتوجيه بالقلب إلى جهة العلو أمر فطري مركوز في طبائع الناس لم يتغير في جاهلية ولا إسلام، يضطر إليه الداعي عند الشدة والكرب مسلما كان أم كافرا.\nخامسا: أن من استقبل الكعبة لا يقع في قلبه أن الله هناك جهة الكعبة، بخلاف الداعي فإنه يرفع يديه إلى ربه وخالقه وولي نعمته، يرجو أن تنزل عليه الرحمات من عنده، وأجيب عن نقضهم الاستدلال بالفطرة على أن الله فوق خلقه بما ذكروه من السجود ووضع الجبهة على الأرض بأنه باطل، فإن واضع الجبهة على الأرض في السجود إنما قصده الخضوع لله، وإعلان كمال ذل العبودية من الساجد لربه ومالك أمره، لا لأنه يعتقد أنه تحته فيهوى إليه ساجدا، فإن هذا لا يخطر ببال، بل ينزه ربه عن ذلك، ولهذا شرع له أن يقول في سجوده سبحان ربي الأعلى، تعالى الله عن الظنون الكاذبة علوا كبيرا.","vol":"1","page":261},{"text":"<span data-type='title' id=toc-88>ومما يجب اعتقاده أن الله اتخذ إبراهيم خليلا، وأنه كلم موسى تكليما</span>\nأما الخلة فهي كمال المحبة، وقد اتخذ الله نبيه محمدا خليلا كما اتخذ نبيه إبراهيم خليلا عليهما الصلاة والسلام، فهي ثابتة لهما من الله على وجه يليق بجلاله ﷾، وقد تخللت محبة الله قلب كل من إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام، فكمال المحبة ثابت من الجانبين من الله لحبيبه، ومنهما لله كل على ما يليق بمقامه وحاله، قال تعالى: ﴿ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا﴾ وقال النبي ﷺ: «إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا» وقال: «ولو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن صاحبكم خليل الله» يعني نفسه ﵊، فبين لنا أنه لم يتخذ خليلا من المخلوقين، وأنه لا يصلح له ذلك، ولو صلح ذلك لكان أحق الناس به أبو بكر الصديق، وقد ثبت أن النبي ﷺ كان يحب الصحابة مثل أبي بكر، ومعاذ بن جبل، وأسامة بن زيد، وعائشة، فتبين بهذا أن الخلة أخص من المحبة، وأنها لكمالها لا تقبل الشركة ولا المزاحمة فيها، ولهذا لما أعطى الله إبراهيم الخليل ولده إسماعيل أمره بذبحه ليظهر مقام إبراهيم في كمال محبته لولده، وتم بذلك نجاحه في الاختيار على أكمل وجه، ونسخ الله أمره بالذبح، وفدى إسماعيل بذبح عظيم، تكريما لإبراهيم","vol":"1","page":262},{"text":"وولده على الصبر والاستسلام لأمر الله وطاعته، وبقيت الذبائح والقرابين من الهدايا والضحايا وما في حكمها سنة في أتباعه ومن سار على ملته الحنيفية إلى يوم القيامة، وأنكرت الجهمية أصل المحبة وحقيقتها من الجانبين، زعما منهم أن المحبة لا تكون إلا لمناسبة بين المحب وحبيبه، وأنه لا مناسبة بين القديم والمحدث توجب المحبة، وزعمهم باطل؛ لأنه مجرد دعوى عارضوا بها النصوص الصحيحة الصريحة في إثبات محبة الله للمؤمنين وإثبات الخلة لإبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام.","vol":"1","page":263},{"text":"<span data-type='title' id=toc-89>٧ - رسالة في الحكم بغير ما أنزل الله</span>\nقال تعالى: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا﴾.\n- أمر الله جل شأنه جميع الناس أن يرد كل منهم ما لديه من أمانة إلى أهلها أيا كانت تلك الأمانة، فعم سبحانه بأمره كل مكلف وكل أمانة، سواء كان ما ورد في نزول الآية صحيحا أم غير صحيح؛ فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.\nثم أوصى سبحانه من وكل إليه الحكم في خصومة أو الفصل بين الناس في أمر ما أن يحكم بينهم بالعدل سواء كان: محكما، أو ولي أمر عام، أو خاص، ولا عدل إلا ما جاء في كتاب الله أو سنة رسول الله ﷺ؛ فذلك الهدى، والنور، والصراط المستقيم.\nثم أثنى على ما أسداه إلى عباده من الموعظة؛ إغراء لهم بالقيام بحقها، والوقوف عند حدودها.\nوختم الآية بالثناء على نفسه بما هو أهله؛ من كمال السمع والبصر، ترغيبا في امتثال أمره رجاء ثوابه، وتحذيرا من مخالفة شرعه خوف عقابه.\nثم أمر الله تعالى المؤمنين بطاعته وطاعة رسول الله ﷺ مطلقا؛ لأن الوحي كله حق، وأمر بطاعة أولي الأمر فيما وضح أمره من المعروف؛ لأنه لا طاعة","vol":"1","page":265},{"text":"لمخلوق في معصية الخالق؛ كما دلت عليه النصوص الثابتة الصريحة في ذلك.\nفإذا اشتبه الأمر ووقع النزاع وجب الرجوع -في بيان الحق، والفصل فيما اختلف فيه- إلى الكتاب والسنة.\nلقوله سبحانه: ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر﴾.\nوقوله: ﴿وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله﴾.\nوأمثال ذلك من نصوص الكتاب والسنة.\nفإن الرجوع إليهما عند الحيرة أو النزاع خير عاقبة وأحسن مآلا، وهذا إنما يكون فيما فيه مجال للنظر والاجتهاد.\n\n<span data-type='title' id=toc-91>حالات الحكم بما أنزل الله:</span>\nفمن بذل جهده ونظر في أدلة الشرع، وأخذ بأسباب الوصول إلى الحق؛ فهو مأجور أجرين إن أصاب حكم الله.\nأو معذور مأجور أجرا واحدا إن أخطأه.\nوله: أن يعمل بذلك في نفسه، وأن يحكم به بين الناس، ويعلمه الناس، مع بيان وجهة نظره المستمدة من أدلة الشرع على كلتا الحالتين.\nبناء على قاعدة (التيسير ودفع الحرج) وعملا بقوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾.","vol":"1","page":266},{"text":"ولقول النبي ﷺ: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» ولقوله ﷺ: «إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر واحد».\n\n<span data-type='title' id=toc-92>حالات الحاكمين بغير ما أنزل الله:</span>\nالأولى: من لم يبذل جهده في ذلك، ولم يسأل أهل العلم؛ وعبد الله على غير بصيرة أو حكم بين الناس في خصومة؛ فهو آثم ضال، مستحق العذاب إن لم يتب ويتغمده الله برحمته؛ قال الله تعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا﴾.\nالثانية: وكذا من علم الحق ورضي بحكم الله؛ لكن غلبه هواه أحيانا فعمل في نفسه، أو حكم بين الناس -في بعض المسائل أو القضايا- على خلاف ما علمه من الشرع لعصبية أو لرشوة -مثلا- فهو آثم، ولكنه غير كافر كفرا يخرج من الإسلام، إذا كان معترفا بأنه أساء، ولم ينتقص شرع الله، ولم يسئ الظن به، بل يحز في نفسه ما صدر منه، ويرى أن الخير والصلاح في العمل بحكم الله تعالى.\nروى الحاكم عن بريدة ﵁، عن النبي ﷺ؛ أنه قال: «قاضيان في النار، وقاض في الجنة: قاض عرف الحق فقضى به، فهو في الجنة، وقاض عرف الحق»","vol":"1","page":267},{"text":"«فجار متعمدا أو قضى بغير علم؛ فهما في النار».\nالثالثة: من كان منتسبا للإسلام؛ عالما بأحكامه، ثم وضع للناس أحكاما، وهيأ لهم نظما؛ ليعلموا بها ويتحاكموا إليها؛ وهو يعلم أنها تخالف أحكام الإسلام؛ فهو كافر، خارج من ملة الإسلام.\nوكذا الحكم فيمن أمر بتشكيل لجنة أو لجان لذلك، ومن أمر الناس بالتحاكم إلى تلك النظم والقوانين أو حملهم على التحاكم إليها وهو يعلم أنها مخالفة لشريعة الإسلام.\nوكذا من يتولى الحكم بها، وطبقها في القضايا، ومن أطاعهم في التحاكم إليها باختياره، مع علمه بمخالفتها للإسلام فجميع هؤلاء شركاء في الإعراض عن حكم الله.","vol":"1","page":268},{"text":"لكن بعضهم يضع تشريعا يضاهي به تشريع الإسلام ويناقضه على علم منه وبينه، وبعضهم يأمر بتطبيقه، أو يحمل الأمة على العمل به، أو ولي الحكم به بين الناس أو نفذ الحكم بمقتضاه.\nوبعضهم يأمر بطاعة الولاة والرضا بما شرعوا لهم مما لم يأذن به الله ولم ينزل به سلطانا.\nفكلهم قد اتبع هواه بغير هدى من الله، وصدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه، وكانوا شركاء في الزيغ؛ والإلحاد، والكفر، ولا ينفعهم علمهم بشرع الله، واعتقادهم ما فيه، مع إعراضهم عنه، وتجافيهم لأحكامه، بتشريع من عند أنفسهم، وتطبيقه، والتحاكم إليه؛ كما لم ينفع إبليس علمه بالحق، واعتقاده إياه، مع إعراضه عنه، وعدم الاستسلام والانقياد إليه، وبهذا قد اتخذوا هواهم إلها؛ فصدق فيهم:\nقوله تعالى: ﴿أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون﴾.\nوقوله: ﴿أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله﴾، وقوله: ﴿إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾ الآيات إلى قوله سبحانه: ﴿وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق﴾.","vol":"1","page":269},{"text":"إلى قوله: ﴿أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون﴾.\nوقوله سبحانه: ﴿ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا﴾.\nإلى قوله: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما﴾.\nإن هؤلاء قد صدوا عن تحكيم شرع الله انتقاصا له، وإساءة للظن بربهم الذي شرعه لهم، وابتغاء الكمال فيما سولته لهم أنفسهم؛ وأوحى به إليهم شياطينهم.\nوكأن لسان حالهم يقول: (إن شريعة الكتاب والسنة نزلت لزمان غير زماننا؛ ليعالج مشاكل قوم تختلف أحوالهم عن أحوالنا، وقد يجدي في إصلاحهم ما لا يناسب أهل زماننا، فلكل عصر شأنه، ولكل قوم حكم، ويتفق مع عروفهم ونوع حضارتهم وثقافتهم).\nفكانوا كمن أمر رسول الله أن ينكر عليهم ويسكتهم بقوله: ﴿أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا﴾ إلى قوله: ﴿وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم﴾.\nوكانوا ممن حقت عليهم كلمة العذاب وحكم الله عليهم بأن لا خلاق لهم في","vol":"1","page":270},{"text":"الآخرة بقوله: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين﴾.\nلقد استهوى الشيطان هؤلاء المغرورين فزين لهم أن يسنوا قوانين من عند أنفسهم ليتحاكموا إليها، ويفصلوا بها في خصوماتهم، وسول لهم أن يسنوا قواعد بمحض تفكيرهم القاصر وهواهم الجائر لينظموا بها اقتصادهم وسائر معاملاتهم؛ محاداة لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وانتقاصا لتشريعها؛ زعما منهم أن تشريع الله لا يصلح للتطبيق والعمل به في عهدهم، ولا يكفل لهم مصالحهم، ولا يعالج ما جد من مشاكلهم؛ حيث اختلفت الظروف والأحوال عما كانت عليه أيام نزول الوحي في المعاملات وكثرت المشكلات؛ فلا بد لتنظيم المعاملات والفصل في الخصومات من قواعد جديدة يضعها المفكرون من أهل العصر، والواقفون على أحوال أهله المطلعون على المشاكل العارفون بأسبابها، وطرق حلها؛ لتكون مستمدة من ثقافتهم وحضارتهم.\nفهؤلاء قد طغى عليهم الغرور المكروه فركبوا رءوسهم، ولم يقدروا عقولهم قدرها، ولم ينزلوها منزلتها، ولم يقدروا الله حق قدره، ولم يعرفوا حقيقة شرعه ولا طريق تطبيق منهاجه وأحكامه، ولم يعلموا أن الله قد أحاط بكل شيء علما؛ فعلم ما كان وما سيكون من اختلاف الأحوال وكثرة المشاكل وأنه أنزل شريعة عامة شاملة وقواعد كلية محكمة، قدرها بكامل علمه وبالغ حكمته؛ فأحسن تقديرها، وجعلها صالحة لكل زمان ومكان؛ فمهما اختلفت الطبائع والحضارات وتباينت الظروف والأحوال؛ فهي صالحة لتنظيم معاملات العباد، وتبادل المنافع بينهم، والفصل في خصوماتهم، وحل مشاكلهم وصلاح جميع شئونهم؛ في عباداتهم ومعاملاتهم.\nإن العقول التي منحها الله عباده - ليعرفوا بها، وليهتدوا بفهمها لتشريعه إلى","vol":"1","page":271},{"text":"ما فيه سعادتهم في العاجل والآجل - قد اتخذوا منها خصما لدودا لله فأنكروا حكمته وحسن تدبيره وتقديره، وضاق صدرهم ذرعا بتشريعه، وأساءوا الظن به فانتقصوه وردوه، وقد يصابون بذلك وهم لا يدرون؛ لأنهم بغرورهم بفكرهم عميت عليهم معالم الحق والعدل.\nفكانوا ممن قال الله فيهم: ﴿قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا﴾.\nوكانوا ممن ﴿بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار جهنم يصلونها وبئس القرار﴾.\nإن الله سبحانه كثيرا ما يذكر الناس في القرآن بأحوال المعتدين والهالكين، ويحثهم على أن يسيروا في الأرض؛ لينظروا ما كانوا فيه -من قوة ورغد عيش وحضارة وبسطة في العلم- نظر عظة واعتبار، ليتنكبوا طرقهم اتقاء لسوء مصيرهم، ولفت النظر في بعض السور إلى جريمة الغرور الفكري؛ لشدة خطره، وبين أنه الفتنة الكبرى التي دفعوا بها في صدور الرسل وردوا بها دعوتهم، ليعرفنا بقصور عقول البشر أنها لا تصلح لمقاومة دعوة الرسل، وليحذرنا من خطر الغرور الفكري الذي هلك به من قاوم المرسلين.\nقال تعالى: ﴿أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثارا في الأرض فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون﴾.\nوصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم","vol":"1","page":272},{"text":"<span data-type='title' id=toc-93>٨ - رسالة في الدفاع عن السنة ورد شبهات المغرضين</span>\n﷽\nالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ.\nوبعد:\nفلا بد من الإقرار والتصديق بوقوع الرسالة، وهي صلة بين الله جل شأنه وبين أنبيائه، ووجوب تكليف العباد بما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام، فهذه الأصول الأولى لا بد من إثباتها؛ حتى يكون الاحتجاج بما ورد في السنة على إثبات أحكام شرعية، احتجاجا مبنيا على أساس، وحتى لا يحتاج الناس بعد ذلك إلا دفع شبه قد ترد.\nلا بد أن يكون الأصل ثابتا من جهة ما أجمع عليه؛ من وجود موح يوحي بشرع، ومن وجود رسل يوصلون إلى العباد ليهدوهم سواء السبيل.\n- ومن جهة الوجوب: وجوب ما جاءت به الرسل عقيدة وعملا على الأمة التي أرسلت إليها الرسل.\nفإذا أراد الإنسان أن يستوفي الموضوع فلا بد له أن يبدأه من أوله، ومن الأساس.\nأما هذه الرسالة فستكون في موضوع شبه، أو بعض الشبه التي وردت على الاحتجاج بالسنة أو العمل بها، أو اعتقاد ما جاءت به.","vol":"1","page":273},{"text":"<span data-type='title' id=toc-94>اختلاف موقف المدافع عن السنة باختلاف حال من يورد الشبهة</span>\nإن المسلم الداعية، أو المناظر الذي يثبت حجية السنة، والذي يدفع الشبه عنها يختلف موقفه باختلاف من يناظره.\nفتارة يكون منكرا للسنة من أصلها أي جميع ما جاء عن الرسول ﵊ من الأحاديث قولا أو عملا أو خلقا، فينكره ويكتفي بما جاء في القرآن الكريم، فيجب على من يناظر هؤلاء أن يثبت لهم حاجة المسلمين إلى السنة التي جاء بها النبي ﷺ قولا وعملا لكي يفهموا القرآن ويستطيعوا أن يعملوا به.\nوتارة يرد بعض الناس من المسلمين بعض أحاديث النبي ﷺ بحجة أنها تعارض العقل، أو أن ما كشفه العلماء التجريبيون في معاملهم ومختبراتهم من أطباء، وتجريبيين، وفلكيين وغيرهم تعارض هذه الأحاديث أو تناقض معناها، فهنا يجب على المسلم الذي ينتصب للرد أن يبين أن هذه الأحاديث إن صح سندها، وأيقنا أن الرسول ﷺ قالها، فيجب أن نثق برسولنا وبخبره أكثر من ثقتنا بالأطباء وغيرهم من علماء ومكتشفين، وكذلك ليعلم أن العقول قاصرة وقد جرب عليها الخطأ غير مرة، وتارة يكون من يرد السنة أو بعضها؛ لأن فيها أحاديث آحاد فهي لا توجب اليقين، فمنها ما رواه الواحد أو الاثنين أو أكثر من هذا العدد لكن لا يبلغ عددهم الحد الذي يحدث في النفس طمأنينة وثقة بالمنقول وهذا يرد عليه بأن النبي ﷺ اعتمد أخبار آحاد الناس ونقلهم ما داموا أهلا للثقة بما جرب عليهم من الصدق والأمانة وبما عرف عنهم من التقوى والديانة. وإليك سرد لبعض هذه الشبه والرد عليها بشيء من التفصيل:","vol":"1","page":274},{"text":"<span data-type='title' id=toc-95>الشبهة الأولى\nالاقتصار على القرآن وإنكار السنة</span>\nفإذا لم يحتج صاحب الشبهة إلا بالقرآن؛ وقال: إن الله تعالى أغنانا بالقرآن لقوله فيه: ﴿ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدا على هؤلاء ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين﴾، وقال فالقرآن بين واضح، ومبين لكل شيء فلا يحتاج معه سنة. فلماذا نتكلف البحث فيها والركون إليها أو الاحتجاج بها؟ ولماذا نتكلف هذا مع أن الله تكفل لنا ببيان كل ما نحتاج إليه في محكم كتابه لقوله تعالى: ﴿ونزلنا عليك الكتاب﴾ وهو القرآن ﴿تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين﴾ فلا حاجة إلى أن نكلف أنفسنا عناء البحث في سنة رسول الله ﷺ لنعمل بما فيها وقد أغنانا الله بالقرآن عنها، ويقول سبحانه في آية أخرى: ﴿وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون﴾ ويريدون بالكتاب القرآن فيكون المعنى ما فرطنا في القرآن من شيء ففي القرآن كل شيء فلا حاجة إلى السنة، وهذا إنكار للسنة بجملتها أو إنكار للحاجة إليها وإلى الاحتجاج بها في الجملة، اكتفاء بما جاء في القرآن بهاتين الآيتين.\nالجواب على هذه الشبهة:\nوقد أجاب العلماء عن الاستدلال بهاتين الآيتين بأجوبة منها: أن المراد بقوله تعالى: ﴿في الكتاب﴾، في قوله تعالى: ﴿ما فرطنا في الكتاب من شيء﴾ المراد به اللوح المحفوظ وليس القرآن الكريم.","vol":"1","page":275},{"text":"وسورة الأنعام مكية، ولم يكن نزل من القرآن إلا قليل، أما سورة البقرة فمدنية، وبراءة مدنية، والنساء مدنية، وآل عمران مدنية، وكثير من آيات الأحكام والفروع مدني، فما يتصل بالصلاة إنما وضح وتبين وتكامل في المدينة، وأحكام المعاملات إنما نزلت في القرآن بالمدينة ونزلت أصولها في القرآن بعد الهجرة، وأحكام الجنايات من قصاص وديات نزلت في المدينة.\nوسورة الأنعام كلها مكية على الصحيح، وقد يكون منها آيات تشبه الآيات المدنية، كآيات الذبح وذكر اسم الله على الذبائح، قد يكون مثل هذا نزل بالمدينة لكن الغالب عليها أنها مكية كيف يكون في الكتاب الذي هو القرآن بيان كل شيء في الوقت الذي نزلت فيه هذه الآية، مع أن تلكم الأحكام إنما نزلت أصولها في المدينة لا في مكة؟.\nوقد ينزل في القرآن الأمر بالعبادة والحث على أدائها لكن تفصيل ذلك وبيان كيفيته وغير ذلك من التفاصيل التي تلزم المكلف لكي يأتي بهذا المأمور على الوجه المطلوب تفصيل ذلك يرجع بيانه إلى رسول الله ﷺ.\nفعدد الصلوات وتحديد أوقاتها وعدد ركعاتها وسائر كيفياتها لم تعرف من القرآن إنما عرفت من السنة.\nوأحكام الزكاة من جهة النصاب، ومن جهة المستحقين لم تكن عرفت في مكة، بل فريضة الزكاة لم تكن شرعت في مكة إنما الذي شرع الصدقات العامة، وفرض الزكاة وبدايتها إنما كان في المدينة، فبيان المستحقين للزكاة إنما نزل في المدينة في سورة التوبة: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب﴾ إلى آخر الآية التي فيها الأصناف الثمانية، ثم النصاب نصاب الزكاة ليس محددا في القرآن، وشرطها وهو حول الحول ليس محددا في القرآن ولا مبينا فيه.","vol":"1","page":276},{"text":"فالواقع يدل على أن القرآن اشتمل على الأصول العامة، وأنه ليس فيه كل شيء.\nوأما تفسير الكتاب بالقرآن في آية: ﴿ما فرطنا في الكتاب من شيء﴾ فهو تفسير غير صحيح، إنما المراد به اللوح المحفوظ الذي هدى الله تعالى القلم أن يكتب فيه ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة.\nأما الآية الأخرى وهي: ﴿ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين﴾ فيقال فيها: المراد بالكتاب القرآن، ولكن سورة النحل التي نزلت فيها هذه الآية أو هذه الجملة سورة مكية، ولم يكن نزل التشريع كله في مكة إنما نزلت أصول التوحيد وما يتصل بمعجزات الرسول ﷺ في مكة، وأما الفروع فقد نزلت في المدينة.\nفالمراد إذن بيانه لكل شيء، بيانه لجميع أحكام الفروع، وهذه الآية هي مثل الآية التي قال الله فيها: ﴿تدمر كل شيء بأمر ربها﴾ إخبارا عن الريح التي أرسلها الله جل شأنه على عاد قوم هود، أخبر أنه أرسل عليهم ريحا وقال: ﴿تدمر كل شيء بأمر ربها﴾ وهي إنما دمرت قوم هود، دمرت عادا، ودمرت ديارهم، فالأمارات الحسية، أو الأدلة الحسية، وواقع الهالكين الذين هلكوا وتحدث الله عنهم في القرآن يدل على أن المراد بالآية الخصوص لا العموم.\nكذلك قوله تعالى: ﴿ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء﴾ إلى آخر الآية هي","vol":"1","page":277},{"text":"مما أريد به الخصوص، وإلا ففي أي آية من الآيات بيان عدد الصلوات، وبيان تفاصيل الزكوات، أو بيان الحج إلى بيت الله الحرام بأصله وتفاصيله؟!\nلم يكن شرع الحج في هذا الوقت إنما شرع في المدينة في السنة التاسعة أو السنة العاشرة على الخلاف بين العلماء وأما ما كان من حج قبل ذلك فهو على الطريقة الموروثة عن إبراهيم الخليل ﵊ لما بنى البيت هو وابنه إسماعيل، وأمره الله أن يؤذن في الناس كان الحج مشروعا فظل من أيام رسالة إبراهيم ﵊ إلى أيام العرب في زمن النبي ﷺ وبعد زمنه، أما فرضه في شريعة محمد ﷺ فقد نزل ضمن آيات سورة آل عمران، وهذا لم ينزل في مكة، إنما نزل في السنة التاسعة من الهجرة أو في السنة العاشرة التي حج فيها رسول الله ﷺ، فكيف يقال: ﴿تبيانا لكل شيء﴾ وهو لم يتبين فيه أصل فريضة الحج ولا تفاصيل الحج ولا تفاصيل الصيام وقت نزول هذه الآية؟\nوالصيام أيضا فرض في المدينة بعد الهجرة بسنة، أين الصيام وتفاصيله؟، والجهاد بالسلاح وتفاصيله؟ والبيوع وتفاصيلها؟، وأين تحريم الربا؟ كل ذلك ما نزل إلا في المدينة.\nفمعني الآية إذن إما أن يقال فيها: إنها من العام الذي أريد به الخصوص، أو يقال: تبيانا لكل شيء شرعه وفرضه على المسلمين وهم في مكة؛ لأن السورة مكية، فهي ﴿تبيانا لكل شيء﴾ مما أوجبه عليهم وشرعه لهم حتى وقت نزولها لا أنها بيان لكل حكم من أحكام الإسلام.\nفهؤلاء الذين أنكروا السنة جملة، أو قالوا لا حاجة إليها جملة بتمامها اكتفاء بالقرآن واستدلالا بهاتين الآيتين، قد أخطئوا الطريق ولم يعرفوا تاريخ التنزيل، ولم يعرفوا واقع التشريع، ولم يعرفوا أن بيان ما في القرآن من","vol":"1","page":278},{"text":"العبادات والمعاملات واقع في السنة، ثم أين تحريم الجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها؟ وأين تحريم زواج الإنسان بامرأة أبيه؟؟\nإنما كان هذا كله في المدينة، وتفاصيل الأحوال الشخصية من مواريث، وزيجات، ووصايا، ونكاح، وطلاق، تفاصيل هذا كله إنما كان بالمدينة، في الآيات التي نزلت بالمدينة وبينها الرسول ﷺ في سنته.\nفواقع التشريع، وعمل المسلمين جميعا برهان واضح يدل دلالة ضرورية على أن السنة جاءت بيانا للقرآن؛ بينت في مكة ما يحتاجون إليه، بقدر ما نزل من أحكام أصول التشريع وبينت في المدينة ما طرأت الحاجة إليه من بيوع، ومعاملات، وجنايات، وحدود.\nكل هذا لم تنزل تفصيلات آياته إلا في المدينة، ولم يبين الرسول ﷺ تفصيله قولا وعملا إلا في المدينة.\nفهذا الاستدلال بالآيتين استدلال مردود، ولا نقول: الآيتان مردودتان، هذا هو التعبير الدقيق، ما يقال: رد على الدليل بكذا، إنما يقال: رد على استدلالهم بالآيتين بكذا.\nوكما قلت ابتداء: إن موقف الداعية من المدعوين يختلف باختلاف حالهم، فمن أنكر الاحتجاج بالسنة جملة اكتفاء بكتاب الله واحتج بالآيتين فالرد عليهم كما سبق ذكره.","vol":"1","page":279},{"text":"<span data-type='title' id=toc-96>الشبهة الثانية رد بعض الأحاديث لمخالفتها للعقل أو لمعارضتها المستقر في بعض الأذهان</span>\nبعض الناس من المسلمين قد يرد بعض أحاديث؛ إما لمعارضتها لفكره فيما يزعم، أو معارضتها لما يرى أن الطب جاء به، وأن الطب قرر قرارا صحيحا في أمور لا يليق أن يأتي على خلافها حديث عن الرسول ﷺ.\nفأمثال هؤلاء يردون أحاديث: إما لمعارضتها لفكرهم وعقولهم، وإما لمعارضتهم لقواعد صحية.\nمثلا: حديث الذباب والأمر بغمسه إذا سقط في الطعام أو في الشراب قد يرده جماعة ممن اقتنعوا بالطب، وبالنظريات الطبية، وقدسوا النظريات الطبية، ووثقوا بعقول الأطباء وبتجارب الأطباء، أعظم وأقوى من ثقتهم بتشريع الله وبما صح عن رسول الله ﷺ، فحسنوا ظنهم بالنظريات الطبية أكثر مما حسنوه بما صح عن رسول الله ﷺ.\nوفي هذا طعن في أحد أمرين:\n- إما طعن في المشرع.\n- أو في المبلغ وهو الرسول ﷺ أو خفض لوظيفته ومهمته.\nيقولون:\nإن وظيفة التشريع صيام، وصلاة، وكذا وليس دراية بالطب، وما الذي يدخله في الطب؟ فهو له دائرة محدودة يدور فيها هي دائرة التشريع من صلاة","vol":"1","page":280},{"text":"وصيام، وبيع وشراء، وأمثال ذلك، فما الذي يدخله في هذا؟ هذا ليس من اختصاصه، فالعمل فيه إنما يكون على النظريات الطبية لا على ما جاء عن الرسول ﷺ؛ لأن الفن ليس فنا له ولا هو من اختصاصه.\nثانيا: وإما أن يكون ردهم لهذا الحديث من جهة أخرى، هي طعنهم في الرواة الذين رووا هذا الحديث.\nوالجواب على هذه الشبهة:\nأما من الجهة الأولى: فالرسول ﷺ بين لهم العلة؛ فقال: إن في أحد جناحيه داء، وفي الآخر شفاء.\nوتعليله هذا -وهو أمي لم يدخل مدارس طب، ولم يتفنن بتجارب قام بها- دليل على أنه إنما تكلم بهذا عن طريق الوحي من الله جل شأنه.\nوالله سبحانه عليم بخواص مخلوقاته؛ فهو عليم بجناح الذباب، وما فيه من داء وما فيه من دواء، وأن هذا يكون علاجا لهذا، يقول الله ﷿: ﴿ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير﴾.\nومعروف في الذباب، أنه إذا هبط من أعلى إلى أسفل في كل مرة أنه يهبط بميل، حتى الطائرات؛ ما تنزل رأسية؛ لا بد أن تنزل مائلة إلا إن كانت طائرات مروحية (هليوكبتر)، إنما الطائرات العادية المعروفة تنزل مائلة ثم إذا أرادت أن تنزل من الجانب الآخر تميل .. وهكذا، هذا النظام الكوني والطيور إذا أرادت أن تنزل تنزل بجناح، وإذا أرادت أن تقف في الجو تنصب الجناحين إلى الجانبين كما نراها.\nالقصد أن الذباب -كسائر الطيور- إذا نزل مال على أحد جناحيه، فإذا غمسته كان الجناح الثاني وما فيه من شفاء علاجا لما أصاب الشراب أو الطعام من الداء الذي نزل في الطعام من الجناح الأول الذي نزل به الذباب أولا.","vol":"1","page":281},{"text":"فهذا التعليل دليل على أنه -وهو أمي لم يقرأ ولم يكتب وليس صاحب تجارب في الطب، ولم يدخل مدارس طب، ولا جامعات طب-، ليس تخمينا من عند نفسه ودخوله فيما لا يخصه من عند نفسه، إنما هو بوحي من الله جل شأنه، والله عليم بمخلوقاته وما فيها من خواص.\nوالرسول ﷺ مكلف بالبلاغ عن الله، وقد بلغ هذا عن ربه ويجب على الإنسان أن يثق بوحي الله جل شأنه أعظم من ثقته بنظريات الأطباء، ثم إن الأطباء لم يتفقوا على ما بنى عليه هؤلاء المعترضون على هذا الحديث، وهم مختلفون أيضا، فيما بينهم والمسألة مسألة نظرية اجتهادية من الأطباء فكيف يرد بمسألة نظرية اجتهادية -ما زالت تحت البحث- حديث رسول الله ﷺ.\nوأما من الجهة الثانية: جهة السند على طريقة المحدثين سند صحيح مستوف الشروط التي اشترطها علماء الحديث.\nوالناس الذين اعترضوا على هذا الحديث من جهة رجاله ليس عندهم سند يستندون إليه في ذلك، وهم في معاملتهم وقبولهم للأخبار التي تصل إليهم يعتقدون يقينا أو يظنون ظنا غالبا بما وصلهم من الأخبار، يعتقدون ما دلت عليه فيلزمهم أن يقبلوا ما جاء عن رواة هذا الحديث، لأنهم أوثق وأضبط وأعدل من الرواة الذين يروون لهم أخبارا بسفر فلان وفي إدانة فلان، وفي شهادة فلان فهم يقبلون الأخبار والنقل ممن وعمن هم أقل من الذين رووا عن رسول الله ﷺ هذا الحديث.\nثم إن الذين يردون بعض الأحاديث؛ لأنها لا تتفق مع أفكارهم ومداركهم يسلكون في ردها أحد ثلاثة مسالك:\nالأول: فإما أن يردوها ويكذبوها، ويقولون: خالفت العقل إن لم يمكنهم أن يؤولوها.\nالثاني: وإما أن يتأولوها على خلاف ما دلت عليه مع كثرتها.\nالثالث: وإما أن يردوها؛ لأنها أخبار آحاد:","vol":"1","page":282},{"text":"<span data-type='title' id=toc-97>الرد على أهل المسلك الأول\nالقائلين برد السنة لمخالفتها العقل</span>\nوهذا أيضا وضع غير سليم واعتراض غير سليم فإن عقولهم يعتريها الخطأ والصواب، والوحي -الذي جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام، وثبت عنهم- جاء الصادق الأمين بوحي من ربه، وهو لا ينطق عن الهوى.\nفيجب على الإنسان أن يتهم عقله وتفكيره بدلا من أن يتهم رسوله، أو الرواة العدول، أو أن يتهم ربه في وحيه، وليثق بربه وبرسوله ﷺ أكثر من ثقته في تفكيره، فإن العقل قاصر، وجرب عليه الخطأ كثيرا، ومداه محدود، وما يجهله أكثر مما يعلمه.\nفعليه أن يعتقد في تفكيره القصور، وأن يعتقد في وحي الله الكمال والصدق، وأن يعتقد في الرواة -الذين استوفوا شروط النقل المضبوطة المعروفة عند المحدثين- الثقة بهم أكثر من ثقته بتفكيره.\nهذا جواب على من ينكر الحديث لمعارضته لتفكيره.\nيقال له: اتهم عقلك بالقصور فإن ما يعلمه أقل مما يجهله، اتهم عقلك بالخطأ وبالجهل في تفكيرك؛ لأنك كثيرا ما تخطئ، وجرب عليك هذا، أما هؤلاء العدول الضباط الذين استوفوا شروط النقل، نقل الأحاديث، فهؤلاء يندر أن يخطئ أحدهم وخطؤه إلى جانب صوابه قليل جدا بل نادر.","vol":"1","page":283},{"text":"<span data-type='title' id=toc-98>الرد على أهل المسلك الثاني\nالقائلين برد السنة بتأويلها على ظاهرها</span>\nوهؤلاء هم الذين يحملون ذلك النوع من الأحاديث على غير ظاهره وهم يسلكون هذا المسلك في كتاب الله جل شأنه أيضا، ويتأولون كثيرا من النصوص على غير ما دلت عليه من ذلك:\n١ - نصوص آيات الأسماء والصفات ونصوص الرؤية، كقوله تعالى: ﴿لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار﴾، ﴿وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾ وغيرها من آيات الأسماء والصفات.\n٢ - وأحاديث عذاب القبر ونعيم القبر، وسؤال القبر، وعذاب الأبدان: يحملون العذاب على عذاب الأرواح، وكذلك بعث الأجساد يحملونه على بعث الأرواح.\n٣ - وأحاديث عروج النبي ﷺ ببدنه إلى السماء، وإسرائه من مكة إلى بيت المقدس ببدنه، ويقولون هذا إسراء بالروح، وعروج بالروح؛ تحكيما للسنن الكونية، والعادات المألوفة في الخلق، فإن الإنسان لا يسير تلك المسافة في جزء ليلة، ولا يعرج إلى السماء السابعة في جزء ليلة.\nويرد على هؤلاء بأن الأنبياء ليسوا كغيرهم في المعجزات، وقياس غيرهم عليهم","vol":"1","page":284},{"text":"في المعجزات باطل إذ أن الأنبياء جاءوا بخوارق العادات، فخوارق العادات بالنظر إلى الأنبياء والمعجزات الكونية والسنن الكونية التي خص الله بها الأنبياء، هذه تعتبر عادية بالنظر لخصوص الأنبياء، وإن كانت خارقة للعادة وغير مألوفة بالنظر لغير الأنبياء، فلماذا تقيسون الأنبياء بما أوتوا من الله على الأفراد العاديين؟ هذا قياس باطل، لا يصح الاحتجاج به؛ لأن الأنبياء يختلفون عن غيرهم في جريان خوارق العادات على أيديهم معجزة لهم.\nوحادث الإسراء قد ثبت في القرآن، فتأويلهم لا يكون تأويلا لحديث الإسراء، وإنما هو تأويل -أيضا- للقرآن، القرآن جاء فيه: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله﴾.\nثم إن كثيرا من النصارى، يعتقدون في عيسى أنه كان يحيي الموتى بإذن الله، وأنه كان يبرئ الأكمه الذي ولد أعمى، يبرئه بإذن الله، وأنه كان يصور طيرا من الطين فينفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله، وأنه كان يبرئ الأبرص بإذن الله، وليس ذلك بطريقة علاج؛ فهو لم يفتح مستشفى، إنما هي خوارق عادات.\nوكذلكم اليهود يؤمنون بخوارق العادات، فما الذي جعل خوارق العادات","vol":"1","page":285},{"text":"لموسى بانفلاق البحر، ونجاة موسى ومن معه إلى الشاطئ الآخر، وجعل الممر يابسا اثني عشر طريقا على عدد الأسباط، حتى لا يتنازع سبط مع سبط جعلها يبسا يمرون في هذه الممرات دون أن يغرقوا، والماء متماسك بدون حواجز، هذا سلب لخاصية الماء، معجزة لموسى وإكراما له ولمن معه حيث أنجاهم بإذنه ﷾، ثم ما جعله نجاة لموسى ومن معه جعله نكبة ودمارا وهلاكا لخصومه وأعدائه.\nإن الكفار من اليهود والنصارى يعترفون بخوارق العادات وبهذه المعجزات، والعرب يؤمنون بإبراهيم ﵇، وبأن الله نجاه من النار حين ألقي فيها، فما الذي يجعلهم يؤمنون بسلب الله خاصية النار حتى تكون بردا وسلاما على إبراهيم، ولا يؤمنون بالإسراء بمحمد ﷺ من مكة إلى بيت المقدس ثم العروج به إلى السماء السابعة؟\nأ - هؤلاء الذين يؤولون الإسراء والمعراج بأنه روحي أو ينكرونه بالكلية عندهم شبهات فيقولون:\n١ - هذه السرعة إلى هذا الحد تمزق البدن؛ لأن احتكاك البدن بالهواء الذي في الجو يولد نارا؛ فيحترق.\n٢ - كذلك الصعود لأعلى بهذه السرعة يولد نارا؛ فيحترق البدن، وأي شيء آخر إذا صعد إلى أعلى حتى إذا لم يكن هناك هواء ينفجر ويتمزق؛ لأن الضغط الخارجي على جلده وعلى جسمه من جميع الجهات بالهواء فقد، فينفجر.\nب - يقولون في الطبقات التي لا هواء فيها: الذين يصعدون في هذه الأيام ويريدون القمر، يتزودون ويأخذون لأنفسهم هواء، ويأخذون وقايات من هنا ومن هناك، والعرب ما كان عندهم هذا الاختراع.","vol":"1","page":286},{"text":"فكيف صعد الرسول ﷺ إلى أعلى؟ وكيف تغلب على الجاذبية الأرضية؟ وكيف لم يثبت على الجاذبية التي فوق جاذبية الكواكب (المجموعة الشمسية وأمثالها)؟\nوكيف خلص من الجاذبية الأرضية، ولا أجنحة له، ولا طائرة ركبها؛ إنما هو براق؟!\nهذه شبهة يوردونها على الإسراء، ويوردونها على المعراج وقد ألف بعض أهل السنة في هذا تأليفا يرد فيه على أولئك منهم الشيخ محمد عبد الحليم الرمالي له رسالة صغيرة في الإسراء والمعراج ذكر فيها جميع الشبه التي ترد على الإسراء والمعراج سواء كانت من جهة الحديث أو كانت من جهة السنن الكونية، فالرد عليها واحد.\nوالرد: أن خوارق العادات في معجزات الأنبياء سنن تشبه السنن العادية في حياة الناس العاديين فهم في معجزاتهم يسيرون في طريق كوني عادي بالنظر لهم؛ كما أن الناس يسيرون على سطح الأرض سيرا عاديا، وكما أن الطيور ترتفع بأجنحتها ارتفاعا وصعودا عاديا فالرد واحد، وهو أن هذه المعجزات من خوارق العادات التي أجراها الله جل شأنه على أيدي رسله عليهم الصلاة والسلام.\nوالموضوع في ذاته طويل إذا درس أصله:\n١ - من جهة إثبات وجود الله.\n٢ - إلى جانب إثبات حاجة العباد والمخلوقات إلى موجد.","vol":"1","page":287},{"text":"٣ - إلى جانب وحدانية الله في ربوبيته وفي أسمائه وصفاته، وفي تشريعه.\n٤ - إلى جانب حاجة البشر إلى الرسالة.\n٥ - وإمكان الوحي.\n٦ - ثبوت الوحي.\n٧ - وثبوت الرسالة.\nفالأمر يحتاج إلى إثبات هذا كله، وهو عبارة عن مقرر توحيد طويل يدرس في سنوات، وأنا أتكلم في دائرة محددة في \"شبهات حول السنة\".\n\n<span data-type='title' id=toc-99>الرد على أهل المسلك الثالث: الذين يردون معظم السنة لأنها أخبار آحاد</span>\nوالذين يعترضون على الأحاديث، أو على بعض الأحاديث:\nيؤمنون بما تواتر من الأحاديث لفظا ومعنى، وهو عدد قليل من الأحاديث؛ كحديث: «من كذب علي متعمدا؛ فليتبوأ مقعده من النار»، أو الأحاديث المتواترة معنى؛ كأحاديث رؤية الله تعالى، وأحاديث المسح على الخفين،","vol":"1","page":288},{"text":"وأحاديث عذاب القبر ونعيم القبر.\nيؤمنون بمثل هذا: إما لمجيئه في القرآن، وإما لتواتره في السنة، وإما لوجوده في الاثنين جميعا، لكنهم لا يؤمنون بأحاديث الآحاد؛ وذلك لأنهم يرون أنها لا تفيد إلا ظنا غير غالب.\nفيردون أمثال هذه الأحاديث ولا يحتجون بها أصلا، أو يحتجون بها في الفروع دون الأصول.\nأما شبهتهم في رد حجية (حديث الآحاد) فهم يقولون: إن الراوي","vol":"1","page":289},{"text":"يخطئ ويصيب، وإن الراوي قد يكون عدلا فيما يظهر؛ وهو كذاب أو منافق في باطن أمره.\nويقولون: إن عمر بن الخطاب رد على أبي موسى الأشعري ﵄ حديثه في الانصراف بعد الاستئذان ثلاثا.\nفيقولون: هذا عمر بن الخطاب لم يقبل رواية صحابي جليل لحديث، فهذا يدل على أن في رواية الواحد دخنا، وأنه مثار تهمة فلا نعمل به حتى يتأيد بغيره، وقد ورد مثل هذا عن علي بن أبي طالب في أعرابي.\nالجواب على هذه التهمة:\nوهذا وأمثاله يرد عليه بأمرين:\nالأمر الأول: أن عمر بن الخطاب لم يكذبه إنما أراد:\n١ - أن يتثبت من جهة.\n٢ - وإلى جانب التثبت خاف عمر بن الخطاب ﵁ أن يجترئ الناس على سنة الرسول ﷺ فأظهر لهم القوة حتى يحتاطوا لأنفسهم عند البلاغ فلا يبلغ أحد إلا وهو واثق مما يتكلم به، هذا بدليل أنه قبل خبر الواحد في مرات أخرى من ذلك أنه قبل خبر الواحد في إملاص المرأة.\n- ثم إن الرسول ﷺ قد اعتمد خبر الواحد، فكان يرسل رسولا واحدا بكتابه، وما أدرى أولئك أن هذا صادق في أن هذا كتاب الرسول عليه الصلاة","vol":"1","page":290},{"text":"والسلام، وليس عندهم بصمة له، ولا عندهم صورة لخاتمه.\nما الذي يدريهم بأن دحية الكلبي رسول رسول الله ﷺ؟\nوكيف لزمهم البلاغ؟\nوكيف أصيب كسرى بعذاب من عند الله حينما مزق الكتاب؟ كيف لزمتهم الحجة؟\nفالرسول ﷺ لم يرسل الواحد؛ إلا وهو يعتقد أن الحجة تقوم به، وهذا أمر معلوم بالضرورة من إرسال الرسول ﷺ أفرادا إلى جهات متعددة لنشر الدعوة وإقامة الحجة، فأرسل معاذ بن جبل ﵁ ليقضي، ويكون أميرا في اليمن، وأرسل عليا ﵁ وأرسل أبا موسى الأشعري ﵁.\nالقصد: أن إرسال الواحد من الرسول ﷺ قد تكرر مرات، وهو لا يرسله إلا إذا كان يعتقد أن الحجة تقوم به، وأن خبره يجب أن يصدق.\nوالمهم فيه أن يتخيره عدلا، أمينا، صادقا، يقوى على البلاغ.\nوليس من المهم أن يكون عددا بدليل أنه أرسل أفرادا إلى دول، وليس إلى أفراد، وفي أصل الدين وهو العقيدة وليس في الفروع فقط.\nفهذا بيان من النبي ﷺ يحتج به على قبول خبر الواحد، ضد هؤلاء الذين يتهمون الراوي إذا كان واحدا، ويردون خبره وحديثه وإن توافرت فيه الشروط التي توجب قبوله وهي:\n- أن يكون عدلا في دينه، ضابطا في نقله.","vol":"1","page":291},{"text":"- مع اتصال الإسناد.\n- ومع عدم مخالفة الرواي من هو أوثق منه.\n- ومع عدم الوقوف على علة قادحة يرد بها الحديث.\nهذا العمل من الرسول ﷺ يرد عليهم، وكذلك عمر بن الخطاب ﵁ قبل خبر الواحد عدة مرات، فلماذا يتمسكون بهذه القصة، ولا يتمسكون بغيرها وغيرها أكثر منها.\nالأمر الثاني: في عمر بن الخطاب ﵁:\nعمر بن الخطاب ﵁ كان عنده قوة في التثبت وكان يجتهد ويستوثق أكثر، لا لأنه متهم لمن استوثق في خبره، كما جاء في حادث التحقيق مع سعد بن أبي وقاص ﵁ لما كان -في العراق- أميرا وقاضيا وقائدا للسرية، وإماما في الصلاة وخطيبا في الجمعة، اشتكاه واحد من العراقيين إلى عمر بن الخطاب ﵁، وكتب إليه كتابا؛ يقول فيه: \"إنه لا يخرج بالسرية، ولا يعدل في القضية، ولا يقسم بالسوية، ولا يحسن الصلاة\"، فأرسل شخصا يحقق في الموضوع، مع أنه واثق من سعد بن أبي وقاص ﵁، لكن لا يريد الفتن والقلاقل، ويريد أن يستوثق أكثر، وفعلا حقق داخل المساجد ومر على الناس هنا وهناك، فكلهم يثنون خيرا على سعد بن أبي وقاص ﵁، إلا المكان الذي فيه بؤرة الفساد والرجل الذي بلغ فانتصب له، فحكى نفس الكلمة وسعد يسمع، فقال: \"اللهم إن كان كاذبا فأطل عمره، وأدم فقره، وأكثر عياله، وعرضه للفتن\".","vol":"1","page":292},{"text":"أربع دعوات نظير أربع تهم وجهها الرجل إلى سعد بن أبي وقاص ﵁ فطال عمره، وكثر عياله، ودام فقره، وكبر في السن حتى صار وهو يمشي في الطريق ينظر إلى النساء بعين خائنة، وقد سقط حاجبه على عينه، فيقال له: ما بك وقد شبت؟ فيقول: مسكين، أصابتني دعوة سعد.\nأقول: عمر بن الخطاب [لما استخلف ستة] حينما طعن وأيس من أن يبقى، فقالوا له: استخلف، فقال: لا أحملكم حيا وميتا، ولما ألحوا عليه استخلف ستة يختارون من بينهم خليفة، واستجاب لهم في الجملة، ثم جعل من الستة سعدا ﵁، ثم قال: اعلموا أني لم أعزله لشكي فيه ولا اتهاما له، ولهذا رضي به خليفة باختيارهم إياه، ثم إذا لم تصبه الخلافة نصحهم بأن يستشيروه، وأن يرجعوا إليه فيما يبرمون من أمور الدولة.\nفها يدل على اتجاه عمر ﵁ في قبول الآحاد.\nوالقصد أن هذا جواب اعتمادهم على طلب عمر من أبي موسى الأشعري ﵄، أن يأتيه بآخر يثبت أن الرسول ﷺ قال هذا الحديث.\nوأسأل الله أن يوفقني، وإياكم لما فيه رضاه، وأن يشرح صدورنا بالعلم النافع، وأن يجعل لنا بصيرة في إصابة الحق، وأن يوفقنا للعمل بما علمنا، فإنه مجيب الدعاء.","vol":"1","page":293},{"text":"<span data-type='title' id=toc-100>الشبهة الثالثة\nدندنة البعض بأن السنة لم تدون في عصر النبوة</span>\n<span data-type='title' id=toc-101>س ١: يدندن بعض المعارضين لحجية السنة بأن أسانيد الأحاديث لم تدون إلا بعد قرن من وفاة الرسول ﷺ فما رأي سماحتكم؟</span>\nالجواب على هذه الشبهة:\nهذا صحيح من أحد الجوانب، فإن السنة لم تدون أسانيدها إلا في وقت متأخر، أما متون الأحاديث فمن المفروغ منه أنه دونها بعضهم، فهذا عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ دون وكتب بعض الأحاديث لنفسه، وقد أمر النبي ﷺ بالكتابة لبعض الوفود فكتبوا لهم كتابا ببعض أحاديث رسول الله ﷺ، وهذا علي بن أبي طالب ﵁ كان عنده صحيفة لما سئل: ما عندكم غير الوحي عن رسول الله ﷺ؟ قال: ما عندنا إلا كتاب الله وهذه الصحيفة. وفيها جملة أحكام.\nوعلى هذا فقد كان بعض السنة مدونا في آخر حياة الرسول ﵊ لكن هذا ليس بصفة عامة، وحيث إن أغلب السنة كان غير مدون، ومن دون فقد دون لنفسه، أو جماعة خاصة بأمر النبي ﷺ.\nإلا أن أذهان أولئك كانت سيالة تغنيهم عن التقييد والكتابة، وقد منعوا من الكتابة ابتداء مخافة أن تلتبس السنة بالقرآن، وهذا ثابت في الأحاديث","vol":"1","page":294},{"text":"الصحيحة في كتاب العلم في صحيح البخاري، وغيره من دواوين السنة.\nأما الأسانيد فلم تكن طويلة في القرن الأول حتى يحتاج المسلمون إلى تدوين هذه الأسانيد، وقد انتهت خلافة عمر بن عبد العزيز ﵁ على رأس المائة والحال هذه، في قوة الدولة الإسلامية، وفي تماسك المسلمين وحرصهم على الدين، وبقاء عدد من الصحابة ﵃ يأخذ عنهم التابعون، ومن وجد إلى عهد عمر بن عبد العزيز فقد التقى ببعض الصحابة فهو تابعي، إلا أنه يوجد تابعيون كبار وأوساط تابعين وصغار تابعين، فمن أين علم هؤلاء المعارضين أن الذين نقلوا عن الصحابة لم يدونوا لأنفسهم ولم يكتبوا اسم الصحابي الذي روى لهم، إنما الذي تأخر بعد المائة جمع المتون والأحاديث في دواوين مختلطة بالآثار والفقهيات أولا، ثم جرد من هذا في بعض الكتب كما جرد صحيح مسلم من الآثار والفقهيات، وبقي الوضع على هذا في بعض الدواوين؛ مثل صحيح البخاري، وكذلك موطأ مالك الذي فيه ما بين مالك والصحابي رجل واحد أحيانا كنافع -مولى ابن عمر - وأحيانا يكون غيره.\nففي رد هذه الشبهة يراعى ما يلي:\nأولا: أنه لم يكن هناك بعد السند الطويل الذي يحتاج إلى تدوين وإلى كتابة","vol":"1","page":295},{"text":"الدواوين.\nثانيا: أنه ليس في تأخير دواوين الحديث إلى ما بعد ذلك دليل على أن أولئك الأتباع لم يكتبوا من رووا عنه، من شيخ أو شيخ شيخ، والسند في ذلك الوقت لم يكن فيه سوى راو واحد أو اثنين.\nثالثا: ثم الشروط التي اشترطت من جهة الضبط وعدالة الراوي وأمانته واتصال السند كفيلة ببعث الثقة في النفس بأن هذا ثابت عن الرسول ﷺ.","vol":"1","page":296},{"text":"<span data-type='title' id=toc-102>استفسار وبيان</span>\n<span data-type='title' id=toc-103>س ٢: هل في السنة شرع مبتدأ ليس له أصل في القرآن أو زيادة على ما في القرآن؟</span>\nالجواب: أما سؤال: هل في السنة أحاديث ليست في القرآن أو أصلها ليس في القرآن؟ فهذا فيه خلاف ذكره الشاطبي في الموافقات وكذلك غيره، والخلاف في هذا يكاد يكون لفظيا؛ لأن الذين اختاروا أنه ليس في السنة شيء زائد على ما في القرآن، وإنما كل ما وجد في السنة فهو بيان لأصل في القرآن، فهؤلاء يتأولون ما قال مخالفوهم بأنه ليس في القرآن بل زائد.\nفمثلا في الحديث الذي فيه النهي عن الجمع بين المرأة وخالتها أو عمتها علل فيه الرسول ﵊ هذا النهي، فقال: «إن لم تفعلوا ذلك تقطعوا أرحامكم» فبين ﷺ أن هذا وسيلة لقطيعة الرحم.\nوهذا التعليل جعله الشاطبي وهو الذي بني عليه تحريم الأم، وتحريم الزواج بالبنت، وتحريم الزواج بالأخت؛ لأنه يصير فيه جانبان متقابلان متعارضان؛ حقوق الزوجية للزوج، وحق أمه عليه، هي أقوى من حرم نكاحه، ولذلك جاء في أول المحرمات في الآية، وكلما تأخر كان أخف في المفسدة، وفي تعارض الحقوق.\nفلما بين الله تعالى في القرآن الأصل الذي بني عليه تحريم نكاح الأمهات والأخوات؛ وهو أن ذلك يؤدي إلى تعارض الحقوق وتقطع الأرحام أشار النبي ﷺ إلى هذا في حديث النهي عن الجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها.","vol":"1","page":297},{"text":"وعلى هذا يكون حديث النهي بيانا للتعليل الذي بني عليه تحريم من حرم نكاحه في نص القرآن، وقد فهمه النبي ﷺ وعلل به، وبهذا لم يكن الحديث زائدا عن التقعيد الذي في القرآن، إنما هو استنباط من ذلك التقعيد وما كان التحريم فيه أخف؛ لأن تقطيع الرحم فيه أقل، وتعارض الحقوق فيه أقل، فجاء التحريم في الجمع دون التحريم في أصل الزواج، فله أن يطلق المرأة ويتزوج عمتها، أو يطلق المرأة ويتزوج خالتها.\nوكذلك فإن أصل هذا التقعيد الذي فيه خفة المفسدة موجود في تحريم الجمع بين الأختين؛ لأن الضرة من شأنها أن يقع بينها وبين ضرتها الخصومة، فحرم الجمع بينهما مخافة المضارة التي هي من شأن البشر، وخاصة النساء، فحرم الجمع دون أن يحرم تزوج الأخت بعد وفاه أختها، أو بعد طلاق أختها.\nومن أجل هذا يقول الشاطبي ومن وافقه: إنه مبني على تقعيد مستنبط من القرآن فهو بيان لا تأصيل.\nأما غيرهم فنظر إلى الظاهر، وأن هذا الحكم لم يكن موجودا نصا، إذا هو زائد على ما في القرآن، وهذا التعليل موجود في الموافقات للشاطبي ومن أحب الزيادة فليرجع إليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-104>س ٣: في حديث الرسول ﷺ عن الداء والدواء في جناحي الذباب، هل جناح الذباب الذي فيه دواء موافق لهذا الداء الذي في الجناح الآخر؟ أو داء أو مرض غيره؟ وهل الذباب المذكور في الحديث هو الذباب المعروف؟</span>\nالجواب على هذا يتضح مما يلي:\nأولا: المعروف بالذباب في لغة العرب هو هذا النوع الذي يسقط على","vol":"1","page":298},{"text":"القاذورات والأوساخ، والذي يسقط في الطعام أو الشراب، وبهذا الفهم أيضا هو ما يقصده الأطباء، فهو ليس عاما إذن في كل ما يطير بجناحيه.\nثانيا: أن الرسول ﷺ أخبرنا في هذا الحديث أن في إحدى جناحيه داء والأخرى دواء، وهذا يدلنا على أن المراد بالجناح جناح هذا الذباب الذي ذكره الرسول ﵊، والرسول ﷺ لم يخبر فيه هذا عن كونه دواء لغير هذا الداء؛ لأنه يعلل ما ذكر في كلامه بالغمس ولم يجعل ﷺ هذا تعليلا عاما لعلاج كل داء، إنما ذكره بمناسبة الداء الذي في جناح الذبابة يقول: «فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء».\nإذن فقوله ﷺ عن دواء في الجناح هو دواء للداء الذي نزل من الجناح الآخر، ولا يصح أن يقال: إن هذا يتعدى إلى علاج داء آخر إلا بدليل، فالأصل أن ذلك يخص ما ذكر في الخبر ولا يجوز تعديه إلى غيره، مثل أي طبيب يقول: هذا الدواء لهذا الداء، فلو ذهبت إلى الصيدلية لوجدتها مملوءة بالأدوية وكل ما فيها يقال إنه دواء، لكن لا يستعمل كل دواء في الصيدلية لكل داء أيا كان، بل الأدوية التي في الصيدلية موزعة على الأدواء والأمراض وفق خاصية الداء وخاصية الدواء.\nوعلى هذا فلا بد للإنسان أن يقف عند ما أخبر به الرسول ﵊ دون أن يتجاوزه بجعل هذا الدواء دواء لكل داء.","vol":"1","page":299},{"text":"<span data-type='title' id=toc-105>الجمع بين حديث الذباب وحديث أنتم أعلم بأمور دنياكم</span>\n<span data-type='title' id=toc-106>س ٤: كيف نجمع بين حديث الذباب وبين قوله ﷺ في الحديث الذي رواه مسلم «أنتم أعلم بأمور دنياكم».</span>\nالجواب: كان الرسول ﷺ في أرض عربية، والبلاد بلاد نخيل، وهو يعرف شيئا ما عن هذا في الجملة، ولا أقول إنه يعرف كمعرفة الزراع أو أرباب النخيل والثمار، لكنه مطلع على ذلك في الجملة، والرسول ﵊ ما قال أنا أعلم بأمور دنياكم، بل نفى أنه أعلم بأمور الدنيا منهم، نفى هذا في مسألة النخيل وفي غيرها، فالشئون التي تتصل بالدنيا هم فيها أعلم، وإنما يعلم منها ما أوحى الله به إليه.\nوحيث إن الشيء الذي قاله ﵊ وأشباهه مما رجع عنه هو الأمور الاجتهادية، فهذا يدلنا على أنه قال فيها باجتهاده، ولهذا رجع عنها، أما الذي لا مدخل للاجتهاد فيه مثل حديث الذباب إنما قاله عن طريق الوحي، بدليل التعليم الذي أشعر بذلك كما تقدم في السؤال السابق.\nوحيث إنه لم يقل فيه ﷺ: «أنتم أعلم بأمور دنياكم»، ولم يرجع عنه، ولم يعارضه أحد فهذا محمول على أنه وحي من الله.\nأما ما كان في مسألة النخيل فهو من الأمور التي تؤخذ بالتجارب، وكذلك","vol":"1","page":300},{"text":"مسألة النزول على غير ماء بدر، حين قال الصحابة ﵃: «أهو الرأي أو هو من الله؟ فقال: هذا هو الرأي، قالوا: لا، الرأي أن ننزل على الماء»، وهذا يبين أنه أمر اجتهادي.\nفالأمور التي فيها مجال للاجتهاد ومنها تأبير النخل يمكن أن يقول فيها باجتهاده، فإذا أخطأ قال: «أنتم أعلم بأمور دنياكم»، والأمور التي لا مجال لمثله للاجتهاد فيها يتبين لنا أنها وحي من الله، ويؤيد هذا التعليل أنه ﷺ أمي ولا عهد لأمته بالطب الذي من هذا الجنس ولا تجارب عندهم في هذا، وخوضه فيه لا يليق برسالته؛ لأنه يكون مجازفا بنى شيئا على غير تجربة، ولا مجال لأمثاله في أن يجرب في مثل هذا، ثم قال ﷺ: «فإن أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء» وهذا أمر لا يعلم إلا عن طريق تحليل جناح الذباب، فمن أجل هذا قلت: إن هذا وحي من السماء.\nأما مسألة تأبير النخل في الحديث المذكور، ففيها نوع من الاجتهاد قد أخطأ فيه ﷺ، فهو قد يخطئ في الأمور الاجتهادية من شئون الدنيا، ويهيئ الله له من يتكلم معه ويناقشه فيرجع عن خطئه إلى ما هم عليه من صواب، فمن أجل ذلك قال ﷺ: «أنتم أعلم بأمور دنياكم» وهذا في الأمور التي تكتسب بالخبرة وغيرها.\nومن جهة أخرى مسألة الذباب لم ينته الأطباء وأهل الاختصاص فيها إلى رأي واحد، بل ما زالت إلى اليوم محل بحث ومحل تجربة، وأكثر ما فيها الاستقذار، وسقوط الذباب على الأوساخ وعلى الأذى، وأن النفس تعاف الطعام أو الشراب الذي سقط فيه وقد قلنا: إن الرسول ﵊ لم","vol":"1","page":301},{"text":"يأمر المسلم أن يأكل أو يشرب ما وقع فيه الذباب، وعلى ذلك فهو حر إن شاء أكله أو شربه وإن شاء أعطاه غيره، فلا إشكال في الأمر، وكل ما أمره به أن يغمسه؛ لأن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء.\n\n<span data-type='title' id=toc-107>س ٥: ما حكم من ابتلع من الشراب أو من الأكل الذي وقع عليه الذباب ثم قاءه مع إيمانه بالحديث؟.</span>\nالجواب: هذا أشرت إليه في الجواب السابق، وقلت: إن الرسول ﵊ ما أمر أحدا بأن يأكله، إنما بين لهم الفائدة في غمسه وأن ما فيه من داء يعالج بما فيه من دواء، ولم يأمر من غمسه بأكله، فهذا إليه إن استقذره فهو غير ملزم بأكله لكنه يعطيه من يطعمه ولا يستقذره ولا يضيع ماله.","vol":"1","page":302},{"text":"<span data-type='title' id=toc-108>حكم من رد السنة جملة وتفصيلا</span>\n<span data-type='title' id=toc-109>س ٦: كيف ترون التعامل مع من يرد سنة النبي ﷺ سواء كان ذلك جملة أو تفصيلا خاصة وأن من هؤلاء من يتولون الحكم في بعض بلاد المسلمين اليوم؟</span>\nالجواب: الحكم فيمن رد السنة جملة -أي كلها- فهو كافر؛ فمن لم يقبل منها إلا ما كان في القرآن فهو كافر؛ لأنه معارض للقرآن، مناقض لآيات القرآن، والله تعالى يقول: ﴿قل أطيعوا الله والرسول﴾، ويقول تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ ويقول: ﴿وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين﴾. وقال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا﴾ ويقول تعالى: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾، فقوله: ﴿فاتبعوني﴾ هذا عام، فحد المفعول طريق من طرق إفادة العموم، ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه﴾ وما من صيغ العموم، وقوله: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم﴾ أي: تنازع الرعية، وأولو الأمر من العلماء والحكام ﴿في شيء فردوه إلى الله والرسول﴾، فلم يجعله إلى الله وحده، بل جعله إلى الله وإلى الرسول، ورده إلى الله رده إلى كتاب الله، ورده إلى الرسول بعد وفاته رده إلى سنته ﵊، فدعواه أنه يعمل بالقرآن عقيدة وعملا ويرد السنة جملة - هذه الطائفة التي تسمي نفسها \" القرآنية \"- دعوة باطلة، وهو مناقض لنفسه؛ لأنه كذب آيات","vol":"1","page":303},{"text":"القرآن التي فيها الأمر باتباع الرسول ﷺ، وأخذ ما جاء به، وطاعته فيما جاء به من عند الله عموما دون أن يخص آيات القرآن، ثم هو في الوقت نفسه كيف يصلي؟، وكيف يحدد أوقات الصلوات؟، وكيف يحج بيت الله الحرام؟ فليس هناك إلا أركان محدودة من الحج في سورة البقرة، وكذلك أين أنصبة الزكاة؟ وكيف يزكي؟ كل هذه التفاصيل موجودة في السنة وليست في القرآن، فمن يدعي أنه يأخذ بالقرآن ولا يأخذ بالسنة فإنه مغالط ومناقض لنفسه، ومناقض للقرآن؛ لأنه رد آياته الكثيرة التي ورد فيها الأمر بطاعة الرسول ﵊ والأخذ بما جاء به، ومناقض لإجماع الصحابة رضوان الله عليهم، فإنهم جميعا لم يشذ واحد منهم عن الأخذ بالسنة، فإذا هو كافر بالقرآن وإن ادعى أنه مؤمن به، والكافر بآية منه كالكافر بكل آياته، كافر بالإجماع منكر له، أي: إجماع الصحابة رضوان الله عليهم، فما فيهم واحد شذ عن السنة وأنكرها جملة وإذا أنكر أحدهم شيئا فإنما ينكر حديثا من جهة الراوي لا من جهة أنه كلام الرسول ﵊، أي: السنة.\nوهذا أيضا لا يقوى على أن يقوم بالصلوات الخمس على وجهها المعلوم من الدين بالضرورة، فصلاة العصر أربع ركعات، وصلاة الصبح ركعتين لا يجد هذا في كتاب الله فمن أين جاء هذا؟ ما جاء إلا من تعليم جبريل للرسول ﵊، وتعليم الرسول ﵊ لأصحابه، فمن أين يأتي بهذا؟ فهذا مجمل الرد عليه، وإثبات أنه كافر بالقرآن، كافر بالإجماع اليقيني، كافر بالمعلوم من الدين بالضرورة، من مثل أن ركعات الظهر أربع،","vol":"1","page":304},{"text":"والعصر أربع، والعشاء أربع، والمغرب ثلاث، والصبح ركعتان، وكافر أيضا بتفاصيل الصيام؛ لأنها ليست في القرآن، وهي معلومة من الدين بالضرورة، فلذلك كان كافرا.\n\n<span data-type='title' id=toc-110>الاجتهاد شيء ورد الأحاديث شيء آخر:</span>\nأما الذي ينكر حديثا ما لعلة في سنده ويختلف فيها مع غيره من رجال الحديث، فهذا نوع من الاجتهاد يقال فيه أخطأ وأصاب، ولا يقال فيه آمن وكفر.\nوكذلك إذا رد ظاهر الحديث متأولا له تأويلا تسوغه اللغة العربية، ففسره بمعنى مختلف عن المعنى الذي فسره به غيره، فهذا حمله على الظاهر وهذا تأوله، فهذا لا يقال فيه آمن وكفر، إنما يقال أخطأ وأصاب، فمن أصاب فله أجران ومن أخطأ فله أجر واحد، ويلزمه العمل بما اعتقده، وإن كان خطأ في نفسه، ودليل ذلك حدث في زمن الرسول ﷺ في الذهاب إلى بني قريظة، حين قال: «لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة» فاجتهد الصحابة، فبعضهم أخر العصر على ظاهر الحديث مثل ما يقول ابن حزم: لو كنت معهم ما صليت العصر إلا في بني قريظة؛ لأنه ظاهري، وقال بعضهم: إن النبي ﷺ لم يرد منا هذا ولكن أراد منا السرعة والمبادرة، ولم يرد منا أن نترك الصلاة في وقتها هذا فرض وذاك فرض، وفريضة الصلاة لا يسقطها الجهاد، فنصلي ثم نسرع ولا نتمهل، وصلوا في الوقت، ولما اجتمعوا عند النبي ﷺ لم يعنف طائفة من الطائفتين، لا المخطئة ولا المصيبة، لا التي أخرت ولا التي عجلت.\nهذا دليل على أن الأحاديث التي هي مجال للاجتهاد يقال في الخلاف فيها أخطأ وأصاب، ولا يقال آمن وكفر، ويعذر من أخطأ، وعمله الذي بناه على اجتهاده الخاطئ صحيح.","vol":"1","page":305},{"text":"والثاني المصيب أيضا معروف واضح أنه يؤجر أجرين ويجب عليه العمل باجتهاده.\nالقصد أن من ينكر الحديث من سنده للاختلاف بينه وبين غيره في توفر أسباب القبول وعدم توفرها، هذا لا نقول له: إنك آمنت أو كفرت، بل نقول له: أخطأت أو أصبت، وكذلك لو تأول متنا وفيه مجال للاجتهاد يقال فيه: أخطأ وأصاب.\n\n<span data-type='title' id=toc-111>حكم من خالف معلوما من الدين بالضرورة:</span>\nأما أن يأتي بأمر يخالف صريح السنة التي لا تحتمل تأويلا مثل صلاة أربع ركعات، يقول هذه تصلى ركعتين، نقول له: لا، أنت خالفت معلوما من الدين بالضرورة، فأنت كافر، وكذلك من يقول: إن الصلوات في اليوم والليلة صلاتان فقط، صلاة في النهار، وصلاة في الليل، ويذكر القرآن؛ لأن فيه الصلاة أول النهار وآخر النهار، وصلاة من الليل ففيه ثلاث صلوات، واحدة في الليل بنص القرآن، وواحدة في الغدو، وواحدة في الآصال، فيصلي ثلاث صلوات بنص القرآن، ويضيع صلاة الظهر لأنها ليست في الغدو، ويضيع واحدة من الصلاتين بالليل، فهذا نقول له أنت أنكرت معلوما من الدين بالضرورة، وإن لم يكن في القرآن لكنه ثابت متواتر تواترا عمليا وتواترا قوليا، فإنكارك إياه مثل إنكارك للقرآن، فهذا نقول له: إنه كافر؛ لأنه خالف معلوما من الدين بالضرورة.\nوأما إن أنكر شيئا واحدا؛ أنكر حديثا واحدا، أو عملا واحدا، مثل من ينكر صلاة الوتر -ولا أقول هذا في الفرائض- سواء قلنا: إن الوتر واجب، والواجب أقل من الفرض، أو قلنا: الوتر سنة مؤكدة، من ينكر صلاة الوتر فهو كافر، أنكر سنة عن النبي ﷺ معلومة من الدين بالضرورة، وأنا ما أخص هذا بالفرائض","vol":"1","page":306},{"text":"الخمس، يعني الكلام ليس على درجة أهو فرض أو سنة، فمن ينكر أن هناك رواتب للفرائض، ركعتان قبل، وركعتان بعد، من ينكر أن هناك تهجد الليل هذا أنكر معلوما من الدين بالضرورة، بعضه في القرآن وبعضه في السنة، فيقال: كافر.\nفما كان فيه مجال للاجتهاد، يقال فيه أخطأ وأصاب ولا يقال فيه آمن وكفر، وما لم يكن فيه مجال للاجتهاد وهو ثابت ثبوتا قطعيا أو معلوما من الدين بالضرورة فهو كافر، وإن كان الذي أنكره شيئا واحدا وإن لم يكن أصله في القرآن، هذا هو حكم الصنفين من أنكر الجملة ومن أنكر البعض هذا هو التفصيل.\n\n<span data-type='title' id=toc-112>س ٧: هل يجوز للمسلم أن يتمسك برأيه إذا كان مخطئا ولكنه مجتهد في ذلك؟ وهل يقبل منه ذلك شرعا بحجة أنه مجتهد؟</span>\nالجواب: المجتهد إذا رأى رأيا ولو خطأ وله وجهة من جهة اللغة، ومن جهة مقاصد الشرع - فله أن يتمسك برأيه، ولو كان خطأ في الواقع لكنه لم يتبين له خطؤه، وما قامت عليه الحجة، أما إذا تبينت له الحجة، فيجب عليه أن يرجع عن رأيه ولو كان مجتهدا، والحق أحق أن يتبع، أما الذي لا دراية له ولا قدرة له على الاجتهاد إنما هو يعتمد في تفكيره في دنياه وآخرته على غيره، فهذا ليس له أن يتعصب لمذهب، أو أن يتعصب لرأي، بل عليه أن يضع يده كالأعمى على كتف غيره ممن يثق بهم، يعني يجتهد في اختيار الشخصيات المأمونة المعروفة بالاجتهاد والإصابة في الجملة، عليه أن يجتهد في اختيار الأفراد أن يجتهد في النصوص؛ لأنه ليست عنده تلك القوة التي تؤهله للاستنباط من كتاب الله أو سنة رسوله الصحيحة.","vol":"1","page":307},{"text":"<span data-type='title' id=toc-113>الشبهة الرابعة</span>\nشبهة أخرى والجواب عليها\n\n<span data-type='title' id=toc-114>س ٨: ما حكم من يقول إن بعض الأحاديث تنكر بعضها؟</span>\nالجواب: الرسول ﵊ ليس برجل بدوي يخبط خبطا عشوائيا وهو أمي وأمته أمية فلا يمكن أن يتكلم بتخمين؛ فكونه يخبر بأن الذباب في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء، لا يمكن أن يتكلم به عن طريق اجتهاد في أمر لا يعنيه وليس من شأنه، إنما يتكلم فيه عن وحي، ولذلك علل وقال: «في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء» فالمسألة ليست مسألة اجتهاد، إنما هو وحي من الله، فمثله لا يمكن أن يدخل فيه باجتهاده، وهو أمي في أمة أمية يقول في أحد جناحي الذباب داء وفي الآخر دواء، وليس هناك من أمة العرب من يدري عن خواص الذباب ولا خواص ما في أجنحته، هذا لا يمكن أن يقوله رسول من عند نفسه في شأن من شئونه، إنما هو وحي من الله أوحى به إلى رسوله فتكلم به.\nأما موضوع التلقيح فهم رجال نخل في بلاد العرب - وهم رجال التمور، وقد يدخل في مثل هذا باجتهاده، كما دخل في مسألة النزول في ميدان القتال واجتهد، ولما أراد أن يصطلح مع قريش والأحزاب لما جاءت إلى المدينة في غزوة الأحزاب، وأن يبرم معهم صلحا، وأن ينزل لهم عن بعض الشيء من ثمار المدينة فأبى الأنصار فرجع إلى رأي الأنصار الذي أشاروا به وكانت الحرب، هذا فيه مجال للاجتهاد فيمكن أن يقول فيه برأيه، ويمكن أن يظهر له خطؤه وأن يرجع عنه.\nأما الذي لا يحق لمثله الدخول فيه أصلا هي الأمور الغيبية التي لا تدرك بالنظر والخبرة والاجتهاد وذلك مثل قوله: «في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء».\nهذا لا يمكن أن يكون مما يدرك ويقال بالظن والاجتهاد، ولا يجترئ عليه وهو أمي، بل لا بد أن يكون بوحي من الله.","vol":"1","page":308},{"text":"فالذين يقولون: هذا الكلام ينظرون إلى كلمات المشوشين في الموضوع.\nالذين يقولون: إنما بعث للتشريع وهذا صحيح، ولكنه أيضا أحيانا يخبر بأمور غيبية فيها مصلحة المسلمين وفيها علاج مثل علاج بالرقية، وهذا لا يقول به الأطباء، فالأطباء لا يقولون بالكي وهم يكوون، أي يعالجون بالكي وهم ينكرون الكي ويسجنون من كوى وسلم نفسه للكي، فهم يعالجون بعض الأدواء بالكي لكنه لا يسلخ الجلد وذلك بالكهرباء، والعرب يعالجون بالكي، فهم يعالجون بالكي وهو أسرع -من جهة السبب- في العلاج، والعلاج بالكهرباء بطيء، وذلك مثل الشلل فهو يعالج بالكي وهم يعالجونه بالكهرباء، فهذا فقط نوع من العلاج لا يسلخ الجلد ولا يوجد جرح، وذلك نوع من العلاج البدائي أخبر به الرسول ﵊، يقول: «إن كان الشفاء في شيء ففي ثلاث وذكر منها الكي» هل أتبع أولئك وأقول هذا ليس من فنه؟ أم أن التجربة أيضا","vol":"1","page":309},{"text":"أثبتت أن هذا يعالج به، فأتخير الشخص الذي يكوى.\nكذلك الرقية هل يؤمن بها الأطباء؟! هم يتبعون الفرنجة الكفرة فلا يعملون بالرقية، والرقية ثابتة شرعا، وهي نوع من العلاج، نوع من التشريع، ورسول الله ﷺ جاء للتشريع. ولا يقال: ما الذي أدخله في الرقية والعلاج؟ وما الذي يدخله في حل السحر؟ وما الذي يدخله في الإثمد وأنه خير أنواع العلاج للعين؟ فهذه الأمور دخل فيها بحالتين:\nأ - منها ما يرجع إلى التجربة في قومه.\nب - ومنها ما يرجع إلى الوحي.\nفالأحاديث التي قامت القرائن على أنها من الوحي نؤمن به ونكذب الأطباء؛ لأن الأطباء يجهلون سبب وعلاج كثير من الأمراض الموجودة ولم يصلوا إلى شيء يشفي منها كالسرطان وغيره، ويوجد كثير من الأشياء ما وصلوا إليها في الوقت الحاضر، وآفات كثيرة ما وصلوا إلى علاجها، وقد يكشف طبيب أو","vol":"1","page":310},{"text":"جملة من الأطباء ويشخصون مرضا ويتبين أن المرض على خلاف ما شخصوا، وهم جملة، فهم يخطئون.\nالقصد أنني أتهم الأطباء، ولا أتهم الله، ولا أتهم رسوله، ولا أتهم علماء المسلمين العدول، الذين ضبطوا ما نقلوا بسند متصل، ولم ينقض كلام بعضهم بعضا، وليس هناك تعارض بينهم، وبين القرآن، فأنا أثق بهم أكثر من ثقتي بالأطباء مهما كانوا أقوياء ونابهين.\nوصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين","vol":"1","page":311},{"text":"<span data-type='title' id=toc-115>٩ - وجوب تقديم نصوص الكتاب والسنة على العقل</span>\nالحمد لله والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه … وبعد.\nفإن نبينا محمدا ﷺ قد أيده الله بروح من عنده، أيده في التشريع بالوحي وعصمه في الإخبار عن الكذب، فلا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى وما كان منه ﵊ عن اجتهاد أقره الله تعالى عليه إن أصاب فيه، وكشف له عن الحق وأبان له الصواب إن أخطأ، فكان بفضل الله وتوفيقه على بينة وبصيرة من أمره على كل حال، لم يكله الله لنفسه، ولم يدعه لحسن تفكيره، بل هداه سبحانه في كل شئونه إلى سواء السبيل.\nلقد أنزل الله عليه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان وأوحى إليه من الأحاديث ما فيه بيان لما أجمل في القرآن، وتفصيل لقواعده، وشرح للعقائد والشرائع، فضلا من الله ورحمة والله عليم حكيم.\nقال تعالى: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون﴾.\nفوجب تصديق ما جاء في كتاب الله وما صح من الأحاديث عن رسول الله ﷺ وتحكيمها في كل شأن من الشئون، والرضا والتسليم لحكمها دون حرج أو ضيق في الصدور تحقيقا للإيمان، وتطهيرا للقلوب من درن الشك والنفاق قال الله تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما﴾.","vol":"1","page":312},{"text":"ولا يغترن إنسان بما آتاه الله من قوة في العقل وسعة في التفكير، وبسطة في العلم، فيجعل عقله أصلا، ونصوص الكتاب والسنة الثابتة فرعا، فما وافق منها عقله قبله واتخذه دينا، وما خالفه منها لوى به لسانه وحرفه عن موضعه، وأوله على غير تأويله إن لم يسعه إنكاره، وإلا رده ما وجد في ظنه إلى ذلك سبيلا -ثقة بعقله- واطمئنانا إلى القواعد التي أصلها بتفكيره واتهاما لرسول الله ﷺ، أو تحديدا لمهمة رسالته وتضييقا لدائرة ما يجب اتباعه فيه واتهاما لثقاة الأمة وعدولها، وأئمة العلم، وأهل الأمانة الذين نقلوا إلينا نصوص الشريعة ووصلت إلينا عن طريقهم قولا وعملا.\nفإن في ذلك قلبا للحقائق، وإهدارا للإنصاف مع كونه ذريعة إلى تقويض دعائم الشريعة والقضاء على أصولها؛ إذ طبائع الناس مختلفة واستعدادهم الفكري متفاوت وعقولهم متباينة، وقد تتسلط عليهم الأهواء، ويشوب تفكيرهم الأغراض، فلا يكادون يتفقون على شيء، اللهم إلا ما كان من الحسيات أو الضروريات، فأي عقل يجعل أصلا يحكم في نصوص الشريعة فترد أو تنزل على مقتضاه فهما وتأويلا.\nأعقل الخوارج في الخروج على الولاة، وإشاعة الفوضى وإباحة الدماء؟ أم عقل الجهمية في تأويل نصوص الاستواء والصفقات وتحريفها عن موضعها وفي القول بالجبر.\nأم عقل المعتزلة ومن وافقهم في تأويل نصوص أسماء الله وصفاته ونصوص القضاء والقدر وإنكار رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة؟\nأم عقل الغلاة في إثبات الأسماء والصفات، والغلاة في سلب المكلفين المشيئة على الأعمال.\nأم عقل من قالوا بوحدة الوجود … إلخ.","vol":"1","page":313},{"text":"ولقد أحسن العلامة أحمد بن عبد الحليم بن تيمية ﵀ إذ يقول:\n\"ثم المخالفون للكتاب والسنة، وسلف الأمة من المتأولين لهذا الباب في أمر مريج، فإن من أنكر الرؤيا يزعم أن العقل يحيلها، وأنه مضطر فيها إلى التأويل، ومن يحيل أن لله علما وقدرة، وأن يكون كلامه غير مخلوق ونحو ذلك يقول: إن العقل أحال ذلك فاضطر إلى التأويل، بل من ينكر حقيقة حشر الأجساد والأكل والشرب الحقيقيين في الجنة، يزعم أن العقل أحال ذلك وأنه مضطر إلى التأويل، ومن يزعم أن الله ليس فوق العرش يزعم أن العقل أحال ذلك وأنه مضطر إلى التأويل.\nويكفيك دليلا على فساد قول هؤلاء أنه ليس لواحد منهم قاعدة مستمرة فيما يحيله العقل، بل منهم من يزعم أن العقل جوز وأوجب ما يدعي الآخر أن العقل أحاله، فيا ليت شعري بأي عقل يوزن الكتاب والسنة، فرضي الله عن الإمام مالك بن أنس حيث قال: أوكلما جاء رجل أجدل من رجل تركنا ما جاء به جبريل إلى محمد ﷺ لجدل هؤلاء؟ انتهى.\nهذا وإن فريقا ممن قدسوا عقولهم، وخدعتهم أنفسهم، واتهموا سنة نبيهم قد أنكروا رفع الله نبيه عيسى ابن مريم ﵇ إلى السماء حيا بدنا وروحا، ونزوله آخر الزمان حكما وعدلا، لا لشيء سوى اتباع ما تشابه من الآيات دون ردها إلى المحكم منها، اتباعا لما ظنوه دليلا عقليا؛ وما هو إلا وهم وخيال.\nوردوا ما ثبت من سنة النبي ﷺ نزولا على أصل أصلوه من عند أنفسهم من أن العقائد لا يستدل عليها بأحاديث الآحاد، واتهامها لبعض الصحابة ومن إليهم فيما نقلوا من الأحاديث في جرأة منهم على الثقات الأمناء من أهل العلم","vol":"1","page":314},{"text":"والعرفان دون حجة أو برهان.\nوتطاولوا على علماء الحديث وتناولوا رجال الجرح والتعديل بألسنة حداد جهلا منهم بما قدموه من خدمة للدين وحفظ الأصل الثاني من أصول الإسلام وهو السنة النبوية وعجزا منهم عن أن يبخسوا ما دون أولئك الأئمة الأخيار من كتب في قواعد علوم الحديث ودواوين في تاريخ رواة الحديث، وبيان درجاتهم، ومراتبهم في الرواية، وطبقاتهم ومواليدهم ووفياتهم، ولقاء بعضهم بعضا أو سماعه تمييزا لمن تقبل روايته ممن ترد روايته، وما يقبل من الأحاديث وما يرد، وذبا عن السنة النبوية وحفاظا عليها.","vol":"1","page":315},{"text":"<span data-type='title' id=toc-116>١٠ - مبدأ وميثاق ووجوب التزام عقيدة السلف</span>\nالإسلام عقيدة وقول وعمل، فالعقيدة إيمان راسخ بأن الله رب كل شيء، ومليكه، خلقا، وتقديرا، وملكا، وتدبيرا، وأن العبادة بجميع أنواعها حق له، وحده لا يشركه فيها ملك مقرب، ولا نبي مرسل.\nفله سبحانه الأسماء الحسنى والصفات العليا التي جاءت بها نصوص الكتاب والسنة الصحيحة.\nترى جماعة أنصار السنة المحمدية أن تمر هذه النصوص كما جاءت اقتداء منهم فيها بسلف هذه الأمة، وخير قرونها فيفسرونها بمعانيها التي تدل عليها حقيقة في لغة العرب التي بها نزل القرآن، وكانت لسان النبي ﵊ مع تفويض العلم بكيفياتها إلى الله من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تشبيه، ولا تمثيل ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ ولا يلزم من ذلك تشبيه الله بعباده، كما لم يلزم ذلك من الإيمان بذات له تعالى على الحقيقة، مع الكف عن الخوض في كنهها.\nوذلك لأن الله أعلم بنفسه من خلقه، وأرحم بهم منهم بأنفسهم، وكلامه أبلغ كلام وأبينه، وله سبحانه الحكمة البالغة فيستحيل أن تتوارد النصوص وتتابع الآيات، والأحاديث على إثبات أسماء الله وصفاته بطريقة ظاهرة واضحة، ويكون المراد منها غير ما دلت عليه حقيقة، ويقصد الله منها أو يقصد رسوله ﵊ إلى معان مجازية من غير أن ينصب من كلامه دليلا على ما أراد من المعاني المجازية اعتمادا على ما أودعه عباده من العقل وقوة","vol":"1","page":316},{"text":"الفكر، فإن ذلك لا يتفق مع كمال علمه تعالى وسعة رحمته، وفصاحة كلامه، وقوة بيانه، وبالغ حكمته؛ ولأن يتركهم الله دون أن يعرفهم بنفسه، ويعرفهم به رسوله ﵊ بوحيه، خير لهم وأيسر سبيلا لعدم وجود المعارض للشبه الباطلة التي زعموها أدلة وبراهين، وما هي إلا الخيالات ووساوس الشياطين، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.\nفمن جحد شيئا من هذه النصوص، أو تأولها على معان مجازية من غير دليل يرشد إلى ما تأولها عليه فقد ألحد في آيات الله، وأسمائه، وصفاته، وحق عليه ما توعد الله به الملحدين في ذلك بقوله: ﴿إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا﴾ ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون﴾.\nوقد زادت السنة عن نصوص الكتاب في إثبات الأسماء، والصفات توكيدا، وبيانا فقضت على قول كل متأول يحرف كلام الله عن مواضعه، كما فعلت اليهود في تحريفها لكتاب ربها وتلاعبها بشريعة نبيها.\nالعقيدة الصحيحة توجب إخلاص العبادة لله، وإفراده تعالى بجميع أنواعها ما ظهر منها كالصلاة، والزكاة، والحج، وما بطن منها التوكل على الله، والإنابة إليه، والرجاء لرحمته، والخوف من عقابه ونقمته، والاستغاثة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغير ذلك من الأقوال، والأعمال، والأخلاق التي تدخل في مسمى الإسلام، كما تدخل العقيدة وإن تفاوتت منازلها في الدين وكان لكل منها درجة نخصها حسب ما يتوقف عليها من العبادة، وما يتبعها من الآثار.","vol":"1","page":317},{"text":"إن العقيدة السليمة الخالصة التي تستمد من الكتاب والسنة، ولا يخالطها شيء من شوائب الشرك، وألوان البدع، والخرافات لتبعث من دان لله إلى العمل الصالح، والأخلاق الفاضلة، والآداب السامية، وتجعل منه رجلا مثاليا في الحياة، إن حكم عدل، وإن قال فقوله سديد، وإن عمل كان على جادة الكتاب والسنة، وإن عاشر الناس: وجدوا منه خير سيرة، فمظهره يشرح للناس الإسلام، ويفسره تفسيرا عمليا بقوله وعمله وخلقه، ومن ضعف يقينه أو كانت عقيدته مدخولة قد شابها كثير من البدع والخرافات، أو غلب عليه الغرور والاعتداد برأيه، وإن خالف وحي السماء، أو طغت عليه الشبه، واستولت عليه الشكوك والأوهام، ضرب في كل واد وأخذ في بنيات الطريق وضل السبيل.\nمن أجل ذلك نجد جماعة أنصار السنة المحمدية يكثرون من الكلام في التوحيد في دروسهم، وخطبهم، وقادة الإصلاح المؤيدون من الله بوحيه ونصره، أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام.\nهذا وإن جماعة أنصار السنة المحمدية قد أخذت على نفسها أن تعتصم بكتاب الله، وتهتدي بهدي الرسول ﷺ، وتجعل سيرة السلف الصالح نصب أعينها عقيدة، وقولا، وعملا لا تؤثر على ذلك شيئا، ولا ترضى به بديلا من آراء الرجال الضالة، وأهوائهم الزائفة، عملا بقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم﴾ وما في معناه من الآيات والأحاديث، والتزمت ما ألزمها الله به من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر، وعهدت إلي برئاسة الجماعة بعد وفاة مؤسسها بمصر، ورئيسها السابق، فضيلة الشيخ محمد حامد الفقي ﵀ رحمة واسعة، وجزاه عن الدعوة إلى الدين، ونشر التوحيد خير الجزاء","vol":"1","page":318},{"text":"فكان لزاما علي أن أقوم بهذا الواجب وأسير بالجماعة على هدي كتاب الله، وسنة رسوله ﵊، ابتغاء مرضاة الله في نشر دينه، وتحقيقا لمبدأ التعاون في نصرة الحق.\nوأرجو الله أن يهيئ لنا جميعا من أمرنا رشدا، وأن يلهمنا الرشد والصواب في القول والعمل، فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.","vol":"1","page":319},{"text":"<span data-type='title' id=toc-117>١١ - مبحث في وجوب محبة أصحاب رسول الله ﷺ وموالاتهم والرد على الروافض والنواصب</span>\nواعلم أن أهل السنة والجماعة يحبون أصحاب رسول الله ﷺ ويثنون عليهم ويترضون عنهم، كما أثنى الله عليهم وترضى عنهم، قال تعالى: ﴿والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم﴾ وقال: ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا﴾ وقال: ﴿محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم﴾ إلى آخر السورة، وقال: ﴿للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون﴾ الآيات إلى قوله: ﴿إنك رءوف رحيم﴾ إلى غير ذلك من الآيات التي وردت في ثناء الله عليهم وترغيب المؤمنين في حبهم والدعاء لهم ولمن تبعهم بإحسان، وهم متفاوتون فيما بينهم، فبعضهم فوق بعض درجات، فأعلاهم درجة أهل بيعة الرضوان، وكل من آمن قبل فتح مكة وأنفق في سبيل الله وقاتل لإعلاء كلمة الله، قال الله تعالى: ﴿وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله ولله ميراث السماوات والأرض لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى والله بما تعملون خبير﴾. وعن أبي سعيد الخدري","vol":"1","page":320},{"text":"﵁ أنه كان بين عبد الرحمن بن عوف، وبين خالد بن الوليد شيء، فسبه خالد، فقال رسول الله ﷺ: «لا تسبوا أحدا من أصحابي فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه» رواه مسلم، فدل الحديث على أن من أسلم قبل فتح مكة وقبل صلح الحديبية كعبد الرحمن بن عوف أفضل ممن أسلم بعد صلح الحديبية وبعد فتح مكة كخالد بن الوليد، وإذا كان حال خالد بن الوليد ومن أسلم معه أو بعده من الصحابة بالنسبة لعبد الرحمن بن عوف والسابقين معه إلى الإسلام هو ما ذكر في الحديث، فكيف بحال من جاء بعد الصحابة بالنسبة إلى الصحابة، ﵃، وفي صحيح مسلم عن جابر ﵁ قال: قال: النبي ﷺ: «لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة»، وفي حديث عمران بن حصين أن النبي ﷺ قال: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة».\nيرى أهل السنة أن حب الصحابة دين وإيمان وإحسان لكونه امتثالا للنصوص الواردة في فضلهم، وأن بغضهم نفاق وضلال لكونه معارضا لذلك، ومع ذلك فهم لا يتجاوزون الحد في حبهم أو في حب أحد منهم لقوله تعالى:","vol":"1","page":321},{"text":"﴿قل ياأهل الكتاب لا تغلوا في دينكم﴾ ولا يخطئون أحدا منهم، ولا يتبرءون منه، ولهذا ورد عن جماعة من السلف كأبي سعيد الخدري والحسن البصري وإبراهيم النخعي، أنهم قالوا: الشهادة بدعة، والبراءة بدعة، ومعنى ذلك أن الشهادة على مسلم معين أنه كافر أو من أهل النار بدون دليل يرشد إلى الحكم عليه بذلك بدعة، وأن البراءة من بعض الصحابة بدعة.","vol":"1","page":322},{"text":"<span data-type='title' id=toc-118>١٢ - التعريف بأهل السنة والجماعة وتمييزهم عن الفرق الإسلامية</span>\n[أ]\n\n<span data-type='title' id=toc-119>س ١: سئل الشيخ رحمه الله تعالى: من هم أهل السنة والجماعة؟ وما هي الفرق التي شذت عن منهج أهل السنة؟</span>\nفأجاب رحمه الله تعالى: أهل السنة والجماعة من كان على مثل ما كان عليه النبي ﷺ بأن عملوا بالكتاب والسنة والإجماع فما كان صحيحا صريحا من ذلك وبلغهم التزموه، وما كان محل نظر واجتهاد بحثوه فإن انتهى البحث إلى وفاق فبها وإلا عمل بما أداه إليه اجتهاده دون خصومة أو عداوة أو سب لمن خالفه في ذلك رعاية لحق الأخوة الإسلامية، وأهل الفرقة والاختلاف هم الذين لم يعولوا على ما ذكر من الأدلة الصحيحة الصريحة أو لم يردوا ما تنازعوا فيه من المسائل الاجتهادية إليها، وأعجب كل منهم برأيه أو رأي من وافقه ولم يرجع عنه ونصره وقاتل من أجله ومنشأ الفرقة والخلاف بالظن والهوى وتقديم العقل على ما صح من النقل وأول الفرق الضالة ظهورا الخوارج والشيعة وقد قاتل الصحابة الخوارج دون خلاف منهم في الإقدام على قتالهم، وحرق علي من غلا فيه من شيعته، وأراد قتل عبد الله بن سبأ فهرب منه.\nوأصول الفرق المبتدعة خمسة: الخوارج والروافض والقدرية والمرجئة والجهمية، حكي عن ابن المبارك أن الجهمية كفار ليسوا من الثنتين والسبعين فرقة وهذا انبنى على أن الثنتين والسبعين فرقة لم تكفر ببدعتها، ومن المتأخرين من كفرهم جميعا، والمعروف عن السلف إطلاق القول بتكفير الجهمية المحضة، وفي تكفير الخوارج والروافض خلاف، ومن نفى من القدرية العلم والكتابة فكافر، ومن أثبتهما ونفى خلق الله للأفعال ففاسق.","vol":"1","page":323},{"text":"<span data-type='title' id=toc-120>التعريف بأهل السنة والجماعة</span>\n[ب]\nكان الناس أمة واحدة على الحق بما أودع الله فيهم من فطرة الإسلام وبما عهد إليهم من الهدى والبيان، فلما طال عليهم الأمد قست قلوبهم فاجتالتهم الشياطين عن الصراط المستقيم، وسلكت بهم بنيات الطريق فتمزقت وحدتهم، واختلفت كلمتهم، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، وكان الله عزيزا حكيما، قال -تعالى-: ﴿كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه﴾.\nوقال: ﴿فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها﴾.\nوقال ﷺ: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصراه، أو يمجسانه». الحديث. وقد أمر الله تعالى - في كتبه، وعلى ألسنة رسله بوحدة الكلمة، والاعتصام بشرعه، وحذر من الفرقة والاختلاف، وبين عاقبة ذلك بما ذكر من أحوال الأمم الماضية، وما حاق بها من الدمار، وأصابها من الهلاك، وحثهم على البلاغ والبيان، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، نصرة للحق، وإزالة للشبهة، وإحباطا لكيد دعاة السوء، واستهوائهم النفوس الضعيفة، قال الله -تعالى-: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا﴾.","vol":"1","page":324},{"text":"وقال: ﴿إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون﴾. وقال: ﴿وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله﴾.\nوعن العرباض بن سارية قال: «وعظنا رسول الله ﷺ موعظة بليغة، ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله! كأنها موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ فقال: أوصيكم بالسمع والطاعة، فإنه من يعش منكم بعدي، فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث.","vol":"1","page":325},{"text":"ومع ذلك دب الخلاف بين الناس، فما من أمة من الأمم إلا وقد اختلفت بهم الأهواء حتى وضع كل لنفسه أصولا عليها يبني مذهبه، وإليها يرجع في خصومته، فتناقضت مذاهبهم، وصار كل واحد حربا على أخيه، وشغل بذلك عن كتاب الله، وهدي رسوله ﵊، إلا أنه -سبحانه- جرت سنته، واقتضت حكمته، أن يقيض للحق في كل عصر جماعة تقوم عليه، وتهدي الناس إليه، إنجازا للوعد بحفظ دينه، وإقامة للحجة وإسقاطا للمعاذير، قال -تعالى-: ﴿وإن من أمة إلا خلا فيها نذير﴾، وقال: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ وقال ﷺ: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة وتفرقت النصارى على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة».\nوفي رواية: «قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي».","vol":"1","page":326},{"text":"وفي رواية قال: «هي الجماعة» رواه أبو داود، والترمذي وابن ماجه وغيرهم وفي الحديث: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق …».\nوقد تبين من ذلك أن الفرقة الناجية هم أهل السنة والجماعة، وأن شعارها كتاب الله، وهدي رسوله ﵊، وكان عليه سلف الأمة الذين يؤمنون بمحكم النصوص ويعملون بها، ويردون إليه ما تشابه منها، وأما الفرق الضالة، فشعارها مفارقة الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، واتباع الأهواء، وشرع ما لم يأذن به الله من البدع والآراء الزائفة بناء على أصول وضعوها يوالون عليها ويعادون، فمن وافقهم عليها أثنوا عليه وقربوه، وكان في زعمهم من أهل السنة والجماعة، ومن خالفهم تبرءوا منه ونبذوه، وناصبوه العداوة والبغضاء وربما رموه بالكفر، والخروج من ملة الإسلام لمخالفته لأصولهم الفاسدة.\nهذا وليس في نصوص الكتاب والسنة ما يعتمد عليه في تعيين الفرق، ولا بيان ما يرجع إليه في تمييز بعضها من بعض، وإن كان فيها التحذير من فرق الضلال، وذكر عددهم، وبيان شعارها إجمالا، ولسنا مكلفين بتعيينها، وتحديدها، ولا نحن في ضرورة إلى ذلك في عقيدة، أو عبادة، أو معاملة، أو دعوة إلى الحق، بل يكفينا في جميع شئوننا أن يتميز لدينا الحق من الباطل بالحجة والبرهان، وبالحق يعرف رجاله والدعاة إليه فلا يعيب الشريعة إن خلت من ذلك، ولا ينقص قدر العلماء أن يضربوا صفحا عن استقصاء الفرق الضالة حتى يبلغوا بها ما ذكر في الحديث من العدد، ومع ذلك، فقد حمل بعض العلماء حب الاستطلاع، والولع، والبحث أن يصنفوا في تعيين الفرق، ويذكروا لكل","vol":"1","page":327},{"text":"فرقة ما به تتميز عن الأخرى إشباعا للرغبة، واستجابة لداعي الفكر، وحاولوا أن يبلغوا بما جمعوا وقسموا وأصلوا وفصلوا ما ذكر رسول الله ﷺ في الحديث من غير أن يتجاوزوه أو يقفوا دونه.\nومن أجل أن المسألة اجتهادية، ولا خبر فيها عن المعصوم تباينت مناهجهم في التصنيف، واختلفت مذاهبهم في التعيين، فمنهم من أخذ في عد الفرق من غير أن يبني على أساس، أو يستند إلى قانون يضبط ما ذكر من عدد الفرق، ومذاهبها، ومنهم من أصل أصولا يتفرع عنها ما سواها، ووضع قواعد تضمنت المسائل التي وقع فيها النزاع، وذكر كبار الفرق التي ينشعب عنها ما عداها، ومن هؤلاء الشهرستاني في كتابه \"الملل والنحل\". وإليك كلمته في أصول المذاهب، وكبار الفرق، فقال:\nالمقدمة الثانية:\nفي تعيين قانون يبني عليه تعديد الفرق الإسلامية: اعلم أن لأصحاب المقالات طرقا في تعديد الفرق الإسلامية لا على قانون مستند إلى نص، ولا على قاعدة مخبرة عن الوجود، فما وجدت مصنفين منهم متفقين على منهاج واحد في تعديد الفرق.\nومن المعلوم الذي لا مراء فيه أن ليس كل من تميز عن غيره بمقالة ما في مسألة ما عد صاحب مقالة، فتكاد تخرج المقالات عن حد الحصر والعدد، ويكون من انفرد بمسألة في أحكام الجوهر مثلا معدودا في عداد أصحاب المقالات، فلا بد إذن من ضابط في مسائل هي: أصول، وقواعد يكون الاختلاف فيها اختلافا يعتبر مقالة، ويعد صاحبها صاحب مقالة، وما وجدت لأحد من أرباب المقالات عناية بتقرير هذا الضابط، إلا أنهم استرسلوا في إيراد مذاهب الأمة كيفما اتفق وعلى الوجه الذي وجد بلا قانون مستقر ولا أصل مستمر، فاجتهدت على ما تيسر من التقدير وتقدر من التيسير، حتى حصرتها في أربع قواعد هي: الأصول الكبار.","vol":"1","page":328},{"text":"القاعدة الأولى: الصفات، والتوحيد فيها، وهي تشتمل على مسائل: الصفات الأزلية إثباتا عند جماعة، ونفيا عند جماعة، وبيان صفات الذات، وصفات الفعل، وما يجب لله -تعالى- وما يجوز عليه وما يستحيل، وفيها الخلاف بين الأشعرية، والكرامية، والمجسمة والمعتزلة.\nالقاعدة الثانية: القدر والعدل، وهي تشتمل على مسائل: القضاء، والقدر، والجبر، والكسب في إرادة الخير، والشر، والمحذور، والمعلوم إثباتا عند جماعة، ونفيا عند جماعة، وفيها الخلاف بين القدرية والنجارية، والجبرية، والأشعرية، والكرامية.\nالقاعدة الثالثة: الوعد، والوعيد، والأسماء، والأحكام، وهي تشتمل على مسائل: الإيمان، والتوبة، والوعيد، والإرجاء، والتفكير والتضليل إثباتا على وجه عند جماعة، ونفيا عند جماعة، وفيها الخلاف بين المرجئة والوعيدية، والمعتزلة، والأشعرية، والكرامية.\nالقاعدة الرابعة: السمع، والعقل، والرسالة، والأمانة، وهي تشتمل على مسائل: التحسين، والتقبيح، والصلاح، والأصلح، واللطف، والعصمة في النبوة، وشرائط الإمامة نصا عند جماعة، وإجماعا عند جماعة، وكيفية انتقالها على مذهب من قال بالنص، وكيفية إثباتها على مذهب من قال بالإجماع، والخلاف فيها بين الشيعة والخوارج، والمعتزلة، والكرامية، والأشعرية، فإذا وجدنا انفراد واحد من أئمة الأمة بمقالة من هذه القواعد عددنا مقالته مذهبا، وجماعته فرقة، وإن وجدنا واحدا انفرد بمسألة فلا نجعل مقالته مذهبا، وجماعته فرقة، بل نجعله مندرجا تحت واحدة ممن وافق مقالته، ورددنا باقي الاختلافات إلى الفروع التي لا تعد مذهبا مفردا، فلا تذهب المقالات إلى غير النهاية، وإذا تعينت المسائل التي هي قواعد الخلاف تبينت أقسام الفرق، وانحصرت كبارها في أربع بعد أن تداخل بعضها في بعض.","vol":"1","page":329},{"text":"<span data-type='title' id=toc-121>١٣ - كبار الفرق الإسلامية أربع هي القدرية - الصفاتية - الخوارج - الشيعة</span>\nثم يتركب بعضها مع بعض، ويتشعب عن كل فرقة أصناف، فتصل إلى ثلاث وسبعين فرقة، ولأصحاب كتب المقالات، طريقان في الترتيب.\nأحدهما: أنهم وضعوا للمسائل أصولا ثم أوردوا في كل مسألة: مذهب طائفة طائفة، وفرقة فرقة.\nوالثاني: أنهم وضعوا الرجال وأصحاب المقالات أصولا، ثم أوردوا مذاهبهم في مسألة مسألة، وترتيب هذا المختصر على الطريقة الأخيرة؛ لأني وجدتها أضبط للأقسام وأليق بأبواب الحساب، وشرطي على نفسي أن أورد مذهب كل فرقة على ما وجدته في كتبهم من غير تعصب لهم، ولا كسر عليهم، دون أن أبين صحيحه من فاسده، وأعين حقه من باطله، وإن كان لا يخفى على الأفهام الذكية، في مدرج الدلائل العقلية لمحات الحق ونفخات الباطل.\nومهما يكن المنهج الذي سلكه من ألف في الفرق الإسلامية، وأيا كان اجتهادهم في تعيين الفرق، وتمييز بعضها من بعض لتبلغ العدد الذي ورد في الحديث، فلن يبرئهم ما وضعوا من الأصول والضوابط من معرة التكلف، ولن يعصمهم من مزالق التخمين، وما يوجه إليهم من طعنات النقاد.\nفإن النصوص وإن دلت على حدوث الفرق في هذه الأمة، وبينت عدد الفرق إجمالا لم تخص بحدوث الفرق عهدا دون عهد، والأمة لا تزال تتابع أجيالها، وتختلف آراؤها، والمستقبل لا يعلمه إلا الله، فربما حدث من البدع، ومذاهب الضلال ما ليس في الحسبان مما لا يمكن رده إلى مذاهب الفرق الأولى.\nوإذا كان ذلك على ما وصفت كان تعيين الفرق رجما بالغيب واقتحاما","vol":"1","page":330},{"text":"لمتاهات لا تزيد من رمى بنفسه فيها إلا حيرة، مع ما في ذلك من التكلف في ضم بعض الفرق إلى بعض بإلغاء ضرب من الخلاف خشية أن يتجاوز العدد ما ذكر في الحديث، أو جعل الواحدة فرقتين باعتبار نوع من الخلاف حذرا أن ينقص العدد عما ذكر في الحديث، إلا أن التأصيل، ووضع القواعد على النحو الذي صنفه \" الشهرستاني \" وغيره أقرب إلى الضبط وأسرع للفهم والتحصيل وأبعد عن نشر الكلام، وأدخل في صناعة التأليف، لذلك اكتفيت بذكر أصول الفرق الكبار مع مراعاة ترتيبها حسب حدوثها من غير استقصاء، أو محاولة بلوغ العدد المذكور في الحديث.\nذكر جملة من الفرق المشهورة التي تشعبت عن الفرق الأربع السابقة مع بيان شيء مما يتميز به كل منهما.\n\n<span data-type='title' id=toc-123>١٤ - أولا: الخوارج: أصولهم ورءوسهم</span>\nخرج جماعة من المسلمين على الخليفة الثالث عثمان بن عفان لأمور نقموها منه، وأحداث أنكروها عليه، وما زال بهم اللجاج في الخصومة معه حتى قتلوه، ولما انتهت الخلافة إلى علي بن أبي طالب كان ممن اختلف عليه وقاتله طلحة بن عبيد الله القرشي، والزبير بن العوام، فأما الزبير فقتله ابن جرموز، وأما طلحة فرماه مروان بن الحكم بسهم فقتله، وكانت معهما عائشة ﵂ على جمل لها، ولكنها رجعت سالمة مكرمة لم يعترض عليها أحد وتسمى هذه الموقعة بـ \" موقعة الجمل \" (٣٦ هـ). واختلف على علي -أيضا- معاوية ومن تبعه ﵃ ودارت الحرب بين الفريقين حتى كان التحكيم الذي زاد الفتنة اشتعالا ودب الخلاف في جيش علي، وخرج عليه ممن كان من أنصاره فرقة تعرف بالحرورية وبالشراة، واشتهرت باسم الخوارج.\nوحديث العلماء في الفرق الإسلامية عن الخوارج إنما هو عن هؤلاء الذين","vol":"1","page":331},{"text":"خرجوا على علي ﵁ من أجل التحكيم، أما طلحة، والزبير، ومعاوية، ومن تبعهم فلم يعرفوا عند علماء المسلمين بهذا الاسم.\nثم صارت كلمة الخوارج تطلق على كل من خرج على إمام من أئمة المسلمين اتفقت الجماعة على إمامته في أي عصر من العصور دون أن يأتي ذلك الإمام بكفر ظاهر ليس له عليه حجة، وإذن فأول من أحدث هذه البدعة في هذه الأمة الجماعة التي خرجت على علي بن أبي طالب سنة ٣٩ هـ، وأشدهم في التمرد، والخروج عليه، الأشعث بن قيس، ومسعود بن فدكي التميمي، وزيد بن حصين الطائي، والذي دعاهم إلى ذلك مسألة التحكيم المشهورة في التاريخ، ورضا الملومة به مع أنهم الذين أمروه به، واضطروه إليه، ثم أنكروه عليه فقالوا: لم حكمت الرجال؟ لا حكم إلا لله. رءوسهم ستة: الأزارقة، والنجدات، والصفرية، والعجاردة، والأباضية، والثعالبة، وعنها تتفرع فرقهم.\nومن أصولهم التي اشتركت فيها فرقهم، البراءة من علي، وعثمان، وطلحة، والزبير، وعائشة، وابن عباس ﵃ وتكفيرهم.\nوالقول بأن الخلافة ليست في بني هاشم فقط، كما تقول الشيعة، ولا في قريش فقط، كما يقول أهل السنة، بل في الأمة عربها وعجمها، فمن كان أهلا لها علما، واستقامة في نفسه، وعدالة في الأمة جاز أن يختار إماما للمسلمين، ومن أصولهم الخروج على أئمة الجور، وكل من ارتكب منهم كبيرة، ولذلك سموا بالخوارج، والإيمان عندهم: عقيدة، وقول، وعمل.\nوقد وافقوا في هذا أهل السنة في الجملة، وخالفوا غيرهم من الطوائف. ومن أصولهم -أيضا-: التكفير بالكبائر، فمن ارتكب كبيرة فهو كافر، وتخليد من ارتكب كبيرة في النار إلا النجدات في الأخيرين؛ ولذا سموا وعيدية، ومن أصولهم -أيضا- القول بخلق القرآن وإنكار أن يكون الله قادرا على أن يظلم.","vol":"1","page":332},{"text":"وتوقف التشريع والتكليف على إرسال الرسل، وتقديم السمع على العقل على تقدير التعارض، فمن وافقهم في هذه الأصول فهو منهم، وإن خالفهم في غيرها، ومن وافقهم في بعضها، ففيه منهم بقدر ذلك، وقد اجتمعوا بحروراء برئاسة عبد الله بن الكواء، وعتاب بن الأعور، وعبد الله بن وهب الراسبي، وعروة بن حدير، ويزيد بن عاصم المحاربي، وحرقوص بن زهير المعروف بذي الثدية، وكانوا في اثني عشر ألف رجل، فقاتلهم علي يوم النهروان، فما نجا منهم إلا أقل من عشرة، فر منهم اثنان إلى عمان، واثنان إلى كرمان، واثنان إلى سجستان، واثنان إلى الجزيرة، وواحد إلى موزان، فظهرت بدع الخوارج في هذه المواضع.\nوأول من بويع منهم بالخلافة عبد الله بن وهب الراسبي، فتبرأ من الحكمين، وممن رضي بهما، وكفر هو ومن بايعه عليا لتحكيمه الرجال ورضاه بذلك.\n\nثانيا:<span data-type='title' id=toc-125> الفرق التي تشعبت من الخوارج</span>\nالأزارقة: هم جماعة من الخوارج ينسبون إلى أبي راشد نافع بن الأزرق، خرج آخر أيام يزيد بن معاوية، ومات سنة ٦٥ هـ، وبايع الأزارقة بعد موته قطري بن الفجاءة، وسموه بأمير المؤمنين، ومن بدعهم تصويب قاتل علي عبد الرحمن بن ملجم، وفي ذلك يقول عمران بن حطان مفتي الخوارج:\nيا ضربة من منيب ما أراد … بها إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا\nإني لأذكره يوما فأحسبه … أوفى البرية عند الله ميزانا\nومنها تكفير من قعد عن الجهاد معهم، وتكفير من لم يهاجر إليهم، وإسقاط الرجم لعدم وجوده في القرآن، وإسقاط الحد عمن قذف المحصنين دون المحصنات، وعدم جواز التقية في قول أو عمل، وإباحة قتل أطفال المخالفين لهم ونسائهم، وعدم أداء الأمانة لمن خالفهم.","vol":"1","page":333},{"text":"<span data-type='title' id=toc-126>النجدات العاذرية:</span>\nينسبون إلى نجدة بن عامر الحنفي، وكان من شأنه أنه خرج من اليمامة مع عسكره يريد اللحاق بالأزارقة، فاستقبله أبو فديك، وعطية بن الأسود الحنفي في الجماعة الذين أنكروا على نافع بن الأزرق بدعه، فأخبروه بما أحدثه من تكفير القعدة من القتال معه، وغير ذلك من بدعه، فكتب إليه ينصح له، فلما أبى نافع أن يرجع، بايعه على الإمامة أبو فديك، وعطية ومن معهما، وسموه بأمير المؤمنين.\nومن بدعهم: جواز التقية في القول والعمل، وتناصفهم فيما بينهم بلا إمام، فإن عجزوا عن ذلك إلا بالإمام جاز لهم أن يقيموه.\nوسموا بالعاذرية؛ لأنهم يعذرون من أخطأ في أحكام الفروع لجهالته دون من أخطأ في الأصول: كمعرفة الله، ورسله، والإقرار بما جاء به محمد ﷺ من عند الله جملة، ولم يلبث أبو فديك وعطية أن اختلفا وبرئ كل منهما من الآخر، وصار لكل منهما أتباع، وسمي أتباع أبو فديك فدكية، وأتباع عطية: العطوية، وقد أرسل عبد الملك بن مروان، عثمان بن عبيد الله بن معمر إلى أبي فديك، فحاربه أياما وقتله، وفر عطية إلى أرض سجستان.\nالعجاردة:\nهم طائفة من الخوارج ينسبون إلى عبد الكريم بن عجرد، وهم من أصحاب عطية بن الأسود الحنفي ومن بدعهم: البراءة من الأطفال حتى يدعوا إلى الإسلام عند بلوغهم، ومن بدعهم -أيضا -: أن سورة يوسف ليست من القرآن، وأنهم يتولون القعدة، ويرون الهجرة فضيلة لا فرضا.\nوقد افترقت العجاردة فرقا كثيرة منها: الميمونة أتباع ميمون بن خالد وهو على","vol":"1","page":334},{"text":"مذهب المعتزلة في القدر، ومن بدعه -أيضا - جواز نكاح بنات البنات والبنين، وبنات أولاد الإخوة والإخوات، ومنها الحمزية أتباع حمزة بن أدرك ثبتوا على قول ميمون في القدر، وقالوا بجواز إمامين في عصر واحد ما لم تجتمع الكلمة، أو تقهر الأعداء.\nومنها الأطرفية: فرقة من الحمزية رئيسهم غالب بن شاذان السجستاني سموا أطرفية؛ لأنهم يعذرون أصحاب الأطراف في ترك ما لم يعرفوه من الشريعة إذا أتوا بما عرفوه بالعقل، ومذهبهم: كالعاذرية في تحكيم العقل، ومنها الشيعة أصحاب شعيب بن محمد الذي تبرأ من ميمون لما أظهر القدر، ومنها الجازمية أصحاب جازم بن علي، وكان على قول شعيب في القدر.\nالثعالبة:\nهم أصحاب ثعلبة بن عامر، كان مع عبد الكريم بن عجرد يدا واحدة إلى أن اختلفا في أمر الطفل، فقال ثعلبة بولايته حتى نرى منه إنكارا للحق ورضا بالجور، فتبرأت العجاردة من ثعلبة، ونقل عنه -أيضا- أنه لا يحكم في الطفل بشيء حتى يبلغ، ويدعى إلى الإسلام، فإن أجاب فبها، وإلا كفر!! وقد افترقت الثعالبة فرقا كثيرة. منها: الشيبانية، وهم أتباع شيبان بن سلمة، خرج أيام أبي مسلم الخراساني وأعانه على نصر بن سيار والي خراسان من قبل هشام، وقتل أناسا ممن يوافقون في المذهب، وأخذ أموالهم، فبرئت منه الثعالبة، ولما قتل أخبروا بتوبته، فلم يقبلوها؛ لأنه لم يرد المظالم، ولم ينصف أولياء الدم.\nومن بدعهم: تشبيه الله بخلقه، وموافقة جهم في قوله بالجبر، والاعتقاد أن الولاية والعداوة من صفات الله الذاتية، لا من صفات الفعل، ومن لم يقبل توبة شيبان يسمون بالزيادية نسبة لرئيسهم زياد بن عبد الرحمن، ومنها: الرشيدية أتباع رشيد الطوسي، ومن بدعهم: إخراج نصف العشر زكاة لما سقي بالأنهار، ومنها","vol":"1","page":335},{"text":"المكرمية أصحاب أبي مكرم بن عبد الله العجلي، ومن مقالته: تكفير تارك الصلاة لجهله بربه، وغفلته عن معرفته، وعدم مبالاته بالتكليف، وقالوا بإيمان الموافاة، بمعنى أن الله يوالي عباده، ويعاديهم على ما يوافونه عند الموت من خير أو شر لا على أعمالهم قبل ذلك. ومنها المعلومية والمجهولية: وهما في الأصل من الحمزية. فالمعلومية، قالت: لا يكون العبد مؤمنا حتى يعرف الله بجميع أسمائه وصفاته. وقالوا فعل العبد مخلوق له، فبرئت منهم الجازمية. والمجهولية قالت: من علم البعض وجهل البعض كان مؤمنا.\nالأباضية:\nهم أتباع عبد الله بن أباض التميمي، الذي خرج أيام مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية، قال: إن مخالفينا من أصل القبلة كفار غير مشركين وأباح الحرب لا غير، وحرم قتلهم، وسبيهم غيلة، وأباح ذلك بعد إقامة الحجة، ونصب القتال، وقال: مرتكب الكبيرة موحد لا مؤمن، وكافر نعمة لا كفرا يخرج من الملة، وأنه مخلد في النار، وأفعال العباد مخلوقة لله مكتسبة للعبد.\nوهم فرق كثيرة، منها الحفصية أصحاب حفص بن أبي المقدم، تميز عن الأباضية بجعله الفرق بين الشرك والإيمان معرفة الله وحده، فمن عرفه فهو مؤمن، وإن كفر بالرسل وما جاءوا به، ومن ارتكب كبيرة فهو كافر غير مشرك.\nومنها الحارثية:\nأصحاب الحارث بن مزيد الأباضي، خالف الأباضية في القدر فقال بقول المعتزلة، ولذا كرهوه، وقال بالاستطاعة قبل الفعل لا معه، وقال بإثبات طاعة لا يراد بها وجه الله، كما قال أبو الهذيل من المعتزلة.","vol":"1","page":336},{"text":"<span data-type='title' id=toc-127>١٥ - الشيعة والفرق التي تشعبت منها</span>\nالشيوع والشياع: القوة والانتشار، يقال: شاع الخبر إذا انتشر، وكثر التكلم به، وشيعة الرجل: خواصه، وجماعته الذين ينتشرون ويتقوى بهم لنسب يجمعهم، أو لاتباعهم إياه في مذهبه، وسيرهم على منهاجه وسنته ويجمع الشيعة على شيع، وتجمع شيع على أشياع.\nوالمراد بالشيعة هنا: كل من شايع علي بن أبي طالب خاصة، وقال بالنص على إمامته، وقصر الإمامة على آل البيت، وقال بعصمة الأئمة من: الكبائر، والصغائر، والخطأ، وقال: لا ولاء لعلي إلا بالبراء من غيره من الخلفاء الذين في عصره قولا وفعلا، وعقيدة، إلا في حال التقية، وقد يثبت بعض الزيدية الولاء دون البراء.\nفهذه أصول الشيعة التي يشترك فيها جميع فرقهم، وإن اختلفت كل فرقة عن الأخرى في بعض المسائل، فمن قال ممن ينتسب إلى الإسلام بهذه الأصول فهو شيعي، وإن خالفهم فيما سواها ومن قال بشيء منها، ففيه من التشيع بحسبه.\nورءوس فرق الشيعة خمسة:\nالزيدية، والإمامية، والكيسانية، والغلاة، والإسماعيلية، ومن العلماء من لم يجعل الإسماعيلية رئيسية.","vol":"1","page":337},{"text":"و<span data-type='title' id=toc-129>من فرق الشيعة الزيدية</span>\nالزيدية: هم أتباع زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ومن مقالته: إن الإمامة تنعقد للمفضول مع وجود الفاضل للمصلحة في ذلك.\nومن أجل هذا رأى انعقاد الخلافة لأبي بكر وعمر مع أن عليا أفضل منهما عقيدة، وكان لا يتبرأ منهما، ولما بلغ شيعة الكوفة أنه لا يتبرأ منهما رفضوه، فسموا رافضة، ومن مذهبه سوق الإمامة في أولاد فاطمة: الحسن والحسين، وأولادهما، وجواز خروج إمامين في قطرين على أن يكون كل منهما من أولاد فاطمة، ويتحلى بالعلم، والزهد، والكرم، والشجاعة.\nوقد عاب عليه أخوه محمد الباقر أخذه العلم عن واصل بن عطاء الغزال من أجل أنه كان يجوز على جدهما علي الخطأ في قتال الخارجين عليه.\nوعاب عليه: رأيه بأن الخروج شرط في كون الإمام إماما وكان يذهب في القدر إلى مذهب القدرية، وبذلك نعرف السبب في أن أتباع زيد كلهم معتزلة.\nوقد خرج زيد على هشام بن عبد الملك أيام خلافته، وبويع له بالخلافة، فقتل، وصلب بكناسة الكوفة عام ١٢١ هـ. وكان ابنه يحيى إماما بعده أيام الوليد بن يزيد بن عبد الملك، وذهب إلى خراسان، فبعث إليه أميرها نصر بن سيار، سلم بن أحوز، فقتله عام ١٢٥ هـ ثم انحرفت الزيدية بعد عن القول بصحة إمامة المفضول، وطعنوا في الصحابة كالإمامية.\nومما أجمعت عليه الزيدية: تخليد من ارتكب كبيرة من المؤمنين في النار، وتصويب علي، وتخطئة مخالفه، وتصويبه في التحكيم، وإنما أخطأ الحكمان، ويرون السيف والخروج على أئمة الجور، وأنه لا يصلى خلف فاسق.\nوقد افترقت الزيدية ثلاث فرق: جارودية، وسليمانية، وبترية.","vol":"1","page":338},{"text":"الجارودية: هم أتباع أبي الجارود زياد بن المنذري العبدي، مات عام ١٥٠ هـ وقد سماه أبو جعفر الباقر حزب (الشيطان)، ومن مقالته: إن النبي ﷺ نص على إمامة علي بالوصف دون الاسم، وإن الصحابة كفروا بتركهم بيعة علي، وبذلك خالف إمامه زيد بن علي، ومن أصحاب أبي الجارود فضيل الرسان، وأبو خالد الواسطي.\nالسليمانية: هم أتباع سليمان بن جرير الزيدي الذي ظهر أيام أبي جعفر المنصور، ومن مقالته: إن الإمامة شورى، وإنها تنعقد ولو برجلين من خيار الأمة، وإنها تنعقد للمفضول مع وجود الفاضل. إلا أنهم كفروا عثمان للأحداث التي نسبت إليه، وكفروا عائشة، وطلحة، والزبير لإقدامهم على قتال علي بن أبي طالب، وطعنوا في الرافضة من أجل قولهم بالبداء وبالتقية.\nالبترية والصالحية: أما البترية، فأتباع كثير الثواب الملقب بالأبتر مات سنة ١٦٩ هـ تقريبا، وأما الصالحية، فأصحاب الحسن بن صالح بن حي الكوفي الهمداني مات عام ١٦٧ هـ ومذهبهما في الإمامة مثل مذهب السليمانية، إلا أنهم يتوقفون في كفر عثمان لتعارض نصوص فضائله، والأحداث التي نسبت إليه، ويتوقفون كذلك في إكفار قتلته.\nذكر في مقالات الإسلاميين أن الزيدية ست فرق الثلاث السابقة والنعيمية أتباع نعيم بن اليمان. واليمانية، وهم أتباع محمد بن اليمان. واليعقوبية، وهم أتباع يعقوب بن علي الكوفي.","vol":"1","page":339},{"text":"و<span data-type='title' id=toc-130>من فرق الشيعة الإمامية</span>\nالإمامية: قالوا: بالنص الصريح على إمامة علي في مواضع، وبالإشارة إليه بعينه في مواضع أخرى، وقالوا: إن الإمامة ركن الدين ليس في الإسلام شيء أهم منه، فلا يجوز أن يتركه الرسول ﷺ، لاختيار الأمة، بل يجب أن يعين له شخصا، وقد عين له علي بن أبي طالب بالنص عليه، والإشارة إليه.\nوقالوا: بتكفير بعض الصحابة، واتفقوا على إمامة الحسين، فعلي زين العابدين، فمحمد الباقر، ثم افترقوا بعد ذلك فرقا كثيرة في الوقوف بالإمامة عند الباقر، وسوقها إلى ابنه جعفر، ثم فيمن كان إماما من أولاد جعفر الستة: محمد، وإسحاق، وعبد الله، وإسماعيل، وعلي، وإليك بعضها:\nالباقرية: هم أصحاب أبي جعفر محمد الباقر، وهم يثبتون إمامته بالنص من أبيه زين العابدين عليه، ويزعمون أنه لم يمت، وأنه المهدي المنتظر.\nالجعفرية أو الناوسية: نسبة إلي رجل يقال له: ناوس أو عجلان بن ناوس من أهل البصرة، أو قرية تسمى ناوسا، ومن مذهبهم سوق الإمامة إلى جعفر الصادق بنص أبيه الباقر عليه، ويزعمون أنه لم يمت، وأنه المهدي المنتظر.\nالشمطية: هم أصحاب يحيي بن أبي شميط، يقول بموت جعفر الصادق ونصه على إمامة ابنه محمد، وأنه المهدي المنتظر.\nالأفطحية أو العامرية: ينسبون إلى رجل يقال له: عمار، كان يقول بموت جعفر الصادق، ونص على إمامة ابنه عبد الله الأفطح.\nالموسوية: ينسبون إلى موسى الكاظم، قالوا: إن الإمامة انتقلت من جعفر الصادق إلى ابنه موسى الكاظم بنصه عليه، ثم إن هارون الرشيد حمل موسى إلى بغداد، وحبسه لإظهاره الإمامة، ويقال: إنه دس له سما فمات، ودفن ببغداد، ثم من قال بموته سموا: بالقطعية، ومن قال: لا ندري أمات أم","vol":"1","page":340},{"text":"لا، سموا: بالممطورة، لقول علي بن إسماعيل فيهم، ما أنتم إلا كلاب ممطورة، ومن قال بغيبته، ولم يسق الإمامة فيمن بعده سموا: بالوقفية.\nالاثنا عشرية: فرقة من الموسوية، قالت: بموت موسى، وسموا القطعية، كما تقدم، وهؤلاء ساقوا الإمامة في أولاد موسى بنص كل منهم على من بعده، فزعموا أن الإمام بعد موسى: علي الرضا، ثم محمد التقي، ثم علي بن محمد، ثم الحسن العسكري، ثم ابنه القائم المنتظر الذي اختفى في سرداب في سر من رأى وهو الإمام الثاني عشر.\nالإسماعيلية الواقفية: قالوا بموت جعفر الصادق، ونص على إمامة ابنه إسماعيل، ثم انتقلت منه إلى ابنه محمد بن إسماعيل لموت إسماعيل في حياة جعفر، وقالوا: بغيبة محمد ورجعته.\nالإسماعيلية الباطنية: فرقة من الإسماعيلية ساقت الإمامة بعد محمد بن إسماعيل بن جعفر في أئمة مستورين، ثم ظاهرين، وهم الباطنية، وهي الفرقة المشهورة في الفرق بهذا الاسم، ومن مقالتهم أن الأرض لا تخلو من إمام حي، إما ظاهر مكشوف، وإما باطن مستور، وأن من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية! ومن مات وليس في عنقه بيعة لإمام مات ميتة جاهلية! وسموا باطنية لحكمهم بأن لكل ظاهر باطنا، ولكل تنزيل تأويلا، ولهم ألقاب أخرى، منها أنهم يسمون بالعراق -أيضا- القرامطة أو المزدكية. وبخراسان: التعليمية والملاحدة. وهم يسمون أنفسهم: الإسماعيلية لامتيازهم عن الموسوية الاثنا عشرية بالقول بإمامة إسماعيل بن جعفر دون أخيه موسى الكاظم.\nومن مقالتهم -أيضا- أنهم لا يقولون بإثبات الصفات لله، ولا نفيها، فرارا من التشبه بالموجودات والمعدومات، ولهم سوى ذلك كثير من الشناعات الكفرية.","vol":"1","page":341},{"text":"و<span data-type='title' id=toc-131>من فرق الشيعة الكيسانية</span>\nالكيسانية: هم أصحاب كيسان مولى علي بن أبي طالب، ويقال: إنه تتلمذ على محمد ابن الحنفية، وقد زعم أتباعه أنه جمع العلوم كلها، وجمع أسرار علوم علي وابنه محمد، ويجمعهم القول بأن الدين طاعة رجل، ومن أجل ذلك ضل منهم كثير، وجاءوا بالكفر: كإنكار أركان الإسلام والشك في البعث، والقول بالتناسخ، والحلول والرجعة بعد الموت، ومن الكيسانية:\nالمختارية: وهم أصحاب المختار بن أبي عبيد الثقفي كان خارجيا، ثم زبيريا، ثم شيعيا، كيسانيا، ومن مقالته القول: بإمامة محمد ابن الحنفية، بعد علي، أو بعد الحسن والحسين، وقد تبين خيبته لمحمد ابن الحنفية، وقيامة بثأر الحسين، واشتغاله بقتل الظلمة. ومن مذهبه جواز البداء على الله علما، وإرادة وأمرا ليبرر رجوعه فيما أبرمه مع دعواه أنه يوحى إليه، ومن المختارية من قال: بأن محمد ابن الحنفية لم يزل، وأنه المهدي، ومن هؤلاء كثير عزة، وإسماعيل بن محمد الحميري الشاعران، ومنهم من قال: بموته، وانتقال الإمامة إلى غيره.\nالهاشمية: قالوا بسوق الإمامة من محمد ابن الحنفية إلى ابنه أبي هاشم عبد الله بن محمد ابن الحنفية، وأن والده أفضى إليه بالأسرار التي أفضى بها علي إلى ولده محمد ابن الحنفية.\nالبيانية: هم أتباع بيان بن سمعان التميمي النهدي، قالوا بسوق الإمامة من بني هاشم إلى بيان، ومن مقالتهم: أن عليا حل فيه جزء من الله واتحد بجسده، فكان به إلها، وعلم به الغيب، وانتصر به في الحروب .. إلخ!! ثم ادعى النبوة.\nالرزامية: هم أصحاب رزام من غلاة الشيعة، قالوا: بإمامة علي بن عبد الله بن عباس بعد أبي هاشم بوصية منه، ثم انتقلت منه إلى ابنه محمد ثم إلى","vol":"1","page":342},{"text":"ابنه إبراهيم بن محمد صاحب أبي مسلم الخراساني حتى انتهت إلى أبي جعفر المنصور، ومن مذهبهم: إسقاط التكاليف، والحلول وتناسخ الأرواح.\nالغلاة: هم الذين غلوا في أئمتهم حتى ألهوهم، ويجمعهم القول بتشبيه الأئمة بالله: كقول النصارى في عيسى ﵇، وغيره، أو تشبيه الله بالأئمة: كاليهود، والقول بالبداء، والرجعة، والحلول، وتناسخ الأرواح والإلهية، ومن بحث وأنصف تبين له أن أصول الغلاة دخلت عليهم من تعاليم اليهود والنصارى، وماني، ومزدك التي انتشرت في العراق، ولهم في كل بلد لقب، فهم يلقبون في أصفهان: بالخرمية، الكردية، وفي الري: بالمزدكية، والسنبادية، وفي أذربيجان: بالذقولية، وفي موضع بالمحمرة وفيما وراء النهر: بالمبيضة ومن فرقهم ما يأتي:\nالسبائية: أتباع عبد بن سبأ الحميري اليهودي، أظهر الإسلام، وأثار الفتن الدينية والسياسية، فوضع قاعدة حلول الله في علي، ومنه تشعبت فرق الغلاة الذين قالوا: بتناسخ الجزء الإلهي في الأئمة بعد علي، ومنهم من قال: بحياة علي، وغيبته ورجعته، وهو الذي أثار الفتن على عثمان، وألب عليه فرقا من الأمة وقد نفاه علي إلى ساباط المدائن لما علم فيه من الغلو، وإحداث الفتن، ويظهر أن فكرة حياة الإمام، والغيبة، والرجعة أنشأها عبد الله بن سبأ حينما يئس الشيعة من إقامة دولة لهم ليصرفهم بها عن البيعة لخليفة موجود إلى إمام مفقود.\nالكاملية: أتباع أبي كامل، ومذهبهم تكفير من لم يبايع عليا والطعن في علي لعدم قتالهم، والخروج عليهم، ومع ذلك غلا أبو كامل في علي ورأى أن الإمامة نور ينتقل من شخص لآخر، ويتفاوت، ففي شخص يقوى حتى يكون نبيا وفي آخر يكون إماما. وقال كغيره من الغلاة بفكرة الحلول الكلي، والجزئي، وتناسخ الأرواح.","vol":"1","page":343},{"text":"العليانية: أتباع العلياء بن ذراع الدوسي الأسدي، زعم أن عليا أفضل من محمد! ثم منهم من زعم أن عليا هو الذي سمى محمدا إلها! وبعثه ليدعو إليه، فدعا إلى نفسه، وذموه لذلك! فسموا بالذميمية، ومنهم من أله عليا ومحمدا، أو فضل عليا! سموا بالعينية. ومنهم من ألههما وقدم محمدا وسموا بالميمية، ومنهم من أله أصحاب الكساء: محمدا وعليا، وفاطمة، وحسنا، وحسينا.\nوقالوا: هم شيء واحد حلت فيهم الروح بالسوية.\nالمغيرية: أتباع المغيرة بن سعيد البجلي مولى خالد بن عبد الله القسري، زعم أن الإمام بعد محمد الباقر هو محمد بن عبد الله بن الحسن الذي خرج في المدينة، وزعم أنه حي لا يموت، ثم زعم الإمامة لنفسه، ثم ادعى النبوة. وفي زعمه أن الله صورة، وجسم ذو أعضاء على حروف الهجاء، وصورته صورة رجل من نور على رأسه تاج من النور، وله قلب تنبع منه الحكمة إلى غير ذلك من الشناعات.\nالمنصورية: أتباع منصور العجلي، زعم أنه إمام حين تبرأ منه الباقر وطرده، ثم زعم بعد وفاة الباقر أن روحه انتقلت إليه، وله كثير من المزاعم. منها أنه عرج به إلى السماء. ومنها أن الكسف الساقط من السماء هو الله أو علي.\nومنها أن الرسالة لا تنقطع، ومنها تسمية الجنة والنار وأنواع التشريع بأسماء رجال لإسقاط التكاليف، واستحلال الدماء والأموال، وقد أخذه يوسف بن عمر الثقفي إلى العراق أيام هشام بن عبد الملك، وصلبه لخبث دعوته وهم صنف من الحزمية.\nالخطابية: أتباع أبي الخطاب محمد بن أبي زينب الأسدي، انتسب أبو الخطاب إلى جعفر الصادق أولا، فلما تبرأ منه جعفر وطرده، زعم الإمامة لنفسه، ومن مزاعمه: أن الأئمة أنبياء، ثم آلهة! وأن جعفرا إله ظهر في صورة جسم، أو لبس جسما فرآه الناس! ولما وقف عيسى بن موسى صاحب المنصور","vol":"1","page":344},{"text":"على خبث دعوته قتله بسبخة الكوفة، وقد افترق أصحاب أبي الخطاب بعده إلى فرق، منها: المعمرية، أتباع معمر بن خيثم زعموا أن الإمام بعد أبي الخطاب معمر، وهؤلاء ينكرون فناء الدنيا، ويرون أن ما يصيب العالم فيها من خير وشر هو الجزاء. ومنها: البزيغية أتباع بزيغ بن موسى، زعموا أنه الإمام بعد أبي الخطاب، وهؤلاء ينكرون الموت لمن بلغ من الناس النهاية في الكمال، ويزعمون أن من مات فارق فقط ورفع، ويزعمون أن المؤمن يوحى إليه. ومنها العجلية، زعموا أن الإمام بعد أبي الخطاب عمير أو عمر بن بيان العجلي، ومنها: أتباع مفضل الصيرفي الذي قال بربوبية جعفر دون نبوته ورسالته. وقد تبرأ جعفر الصادق بن محمد الباقر من هؤلاء كلهم؛ لأنهم كلهم حيارى ضالون جاهلون بحال الأئمة.\nالكيالية: أتباع أحمد بن الكيال، كان له مزاعم لا أساس لها من العقل، ولا مستند لها من السمع، فتبعه من انخدع به، ادعى أنه إمام، ثم ادعى أنه القائم وله تأويلات لنصوص الدين، منها حمله الميزان على العالمين، والصراط على نفسه، والجنة على الوصول إلى عمله من البصائر، والنار على الوصول إلى ما يضاده.\nالهشامية: أتباع هشام بن الحكم، وهشام بن سالم الجواليقي، كلاهما من أهل التشبيه، فأما هشام بن الحكم، فقال فيما نقل عنه: إن الله -تعالى- جسم ذو أبعاض له قدر من الأقدار، وكان لا يشبه شيئا من المخلوقات، ولا يشبهه شيء منها، ونقل عنه أن قال: إنه شبر بشبر نفسه، إلى آخر شناعاته، وغلا في علي حتى جعله إلها واجب الطاعة. وأما هشام الجواليقي، فقال: إن الله -تعالى- على صورة إنسان أعلاه مجوف، وأسفله مصمت، إلى آخر شناعاته، وأجاز المعصية على الأنبياء دون الأئمة لعصمتهم.\nالنعمانية: هم أتباع محمد بن علي بن النعمان أبي جعفر الأحول الملقب","vol":"1","page":345},{"text":"بشيطان الطاق، ومذهبه في حدوث علم الله: كمذهب هشام بن الحكم، وكذلك مذهبه في ذات الله، إلا أنه يقول: إنها نور على صورة إنسان.\nاليونسية: هم أتباع يونس بن عبد الرحمن القمي مولى آل يقطين، وهو من المشبهة، يزعم أن الملائكة تحمل العرش، وأن العرش يحمل الله وأن أطيط الملائكة من وطأة عظمة الله على العرش.\nالنصيرية والإسحاقية: النصيرية أتباع محمد بن نصير النميري، والإسحاقية ينسبون إلى إسحاق بن الحارث، وكلاهما من غلاة الشيعة يرون ظهور الروحانية في صور جسمية خيرة أو خبيثة، ويزعمون أن الله يظهر في صورة إنسان، وأن جزءا منه حل في علي به يعلم الغيب، ويفعل ما لا طاقة لأحد به من البشر، إلا أن النصيرية أميل إلى مشاركة علي لله في الألوهية.\nوالإسحاقية أميل إلى مشاركة علي لمحمد في النبوة، وكلاهما يرى -أيضا- إباحة المحارم، وإسقاط التكاليف.\nومن الرافضة -أيضا- جماعة يقولون: بإمامة محمد بن عبد الله بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وأنه لم يزل حيا، وينتظرون خروجه، مع أن جيش أبي جعفر المنصور قد قتله بالمدينة، وأقر بذلك فرقة من أتباع إمامهم محمد.","vol":"1","page":346},{"text":"<span data-type='title' id=toc-132>١٦ - فتاوى في العقيدة</span>\n<span data-type='title' id=toc-133>س ١: سئل الشيخ: بعض الناس ينكرون على من قال: \"جل من لا يسهو\" فهل هذه العبارة خطأ؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: \"لا، بل هي عبارة صحيحة فيها إثبات السهو لغير الله وتنزيه الله تعالى عن السهو، وفيها إشارة إلى أن الإنسان معذور في سهوه سواء كان نبيا أو وليا أو صالحا من الصالحين\".\n\n<span data-type='title' id=toc-134>س ٢: سألت الشيخ عن وجه الجمع بين الأحاديث التي فيها تسمية يد الله تعالى الأخرى شمالا، وحديث كلتا يدي ربي يمين مباركة؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: \"حديث كلتا يدي ربي يمين من باب التغليب لنفي الضعف عن يده تعالى الأخرى؛ لأن عادة بني آدم أن تكون يده اليمنى أقوى من يده الشمال، والله تعالى منزه عن ذلك، وفي مثل هذه الأحاديث التي تحتاج إلى الجمع خاصة في العقائد يرجع إلى كتاب تأويل مختلف الحديث للإمام ابن قتيبة، وكذلك من الكتب القيمة في هذا الموضوع كتاب \"مشكلات الحديث\" لعبد الله القصيمي، وكان تأليفه لهذا الكتاب قبل مروقه وتلاعبه بالدين.\n\n<span data-type='title' id=toc-135>س ٣: سألت الشيخ: عن الفرق بين إرادة الله تعالى وأمره؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: \"إرادة الله تعالى قد تكون على عكس أمره فهو سبحانه أمر أبا جهل بالإيمان مع عدم إرادته كونا أن يؤمن فيفرق بين أمره تعالى الشرعي وبين إرادته الكونية، فإنه ﷾ لا يأمر إلا بما يجب وقد يريد كونا خلافه\".\n\n<span data-type='title' id=toc-136>س ٤: سئل الشيخ: عن بعض عبارات الإمام ابن قدامة في \"لمعة الاعتقاد\" التي يفهم منها التفويض؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: \"مذهب السلف هو التفويض في كيفية الصفات لا","vol":"1","page":347},{"text":"في المعنى، وقد غلط ابن قدامة في لمعة الاعتقاد، وقال: بالتفويض ولكن الحنابلة يتعصبون للحنابلة، ولذلك يتعصب بعض المشايخ في الدفاع عن ابن قدامة، ولكن الصحيح أن ابن قدامة مفوض\".\n\n<span data-type='title' id=toc-137>س ٥: سئل الشيخ: عن تعلق الله تعالى بالمستحيل والواجب.</span>\nفقال الشيخ ﵀: \"قدرة الله تعالى لا تتعلق بالمستحيل ولكن تتعلق بالممكن فقط، ولا تتعلق بالواجب العقلي، وتعلق القدرة بالواجب إما بإبقائه وإما بإفنائه، فإذا تعلقت بإبقائه فلا أثر للقدرة فهو تحصيل حاصل، وكذلك إبقاء المستحيل عقلا على العدم كالشريك للبارئ غير ممكن الوجود، وإن تعلقت بإفناء الواجب أو إيجاد المستحيل ترتب عليها قلب الحقائق\"؟.\n\n<span data-type='title' id=toc-138>س ٦: سئل الشيخ: عن تقسيم الأشاعرة لصفات الله تعالى.</span>\nفقال الشيخ ﵀: صفات السلب عند الأشاعرة (خمسة):\n١ - القدم.\n٢ - البقاء.\n٣ - المخالفة للحوادث.\n٤ - القيام بالنفس.\n٥ - الوحدانية.\nصفات المعاني عند الأشاعرة (سبعة)، وهي:\n١ - القدرة.\n٢ - الإرادة.\n٣ - العلم.\n٤ - الحياة.","vol":"1","page":348},{"text":"٥ - السمع.\n٦ - البصر.\n٧ - الكلام.\nالصفات المعنوية وتسمى الصفات الأحوال (سبعة): كونه قادرا، كونه مريدا بزيادة كونه على كل واحدة، والصحيح عند الأشعرية نفي السبعة المعنوية ويقولون: الحق أن الحال محال.\nوزاد الماتريدية صفة من الصفات فصارت ثمانية، وهي صفة التكوين (راجع آخر الحموية لشيخ الإسلام ابن تيمية).\nوصفة نفسية: هي الوجود (صفة واحدة).\n\n<span data-type='title' id=toc-139>س ٧ سئل الشيخ: عن معنى \"حجابه النور \"؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: \"بصر الإنسان لا يقوى على رؤية نور الحجاب الذي يحجب ذات الله تعالى عن الرؤية، فنور الحجاب لا تدرك كيفيته إلا رؤيته تعالى في الآخرة\".\n\n<span data-type='title' id=toc-140>س ٨: سئل الشيخ: عن قدم الله تعالى ورجله هل هما صفتان أو صفة واحدة؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: \"قدم الله تعالى هي رجله، صفة واحدة وهما روايتان في الحديث.\nومن قال كيف تحيط النار برجله أو قدمه تعالى فنقول: هذا بحث في الكيفية ومذهب السلف تفويض الكيفية، وعندما يضع الجبار قدمه ينزوي بعض النار عن بعض فإذا تضامت ملأها ما قد ألقى فيها\".\n\n<span data-type='title' id=toc-141>س ٩: سئل الشيخ: عن المشيئة هل هي كونية فقط، أو هي كونية وشرعية كالإرادة؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: \"الإرادة بمعنى المحبة شرعية وبمعنى المشيئة كونية فالمشيئة هي الإرادة الكونية لا غير؛ فالإرادة أعم من المشيئة\".","vol":"1","page":349},{"text":"<span data-type='title' id=toc-142>س ١٠: سئل الشيخ: عن صفة المكر والمخادعة والاستهزاء ونحوها.</span>\nفقال الشيخ ﵀: \"قوله تعالى: ﴿ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين﴾، وقوله: ﴿الله يستهزئ بهم﴾، وقوله: ﴿سخر الله منهم﴾، وقوله: ﴿وهو خادعهم﴾، وقوله: ﴿وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم﴾، وبالفعل أقدم هؤلاء وهؤلاء ثم بعد ذلك صار المسلمون يرون ضعف الكفار كما في آل عمران: ﴿يرونهم مثليهم رأي العين﴾ هذا تفسير للمكر والمخادعة، وتفسير آخر هو انطفاء نورهم على الصراط في سورة الحديد: ﴿نسوا الله فنسيهم﴾ أي تركهم وخذلهم لا بمعنى ذهاب الشيء من الذاكرة حاشا لله.\nالصفات السابقة يسميها العلماء خبرية، ويصح أن تستعمل في تركيب مشابه لتركيب القرآن؛ أي مصاحب للمكر من المخلوق.\nفنقول: الله ماكر بالماكرين، ومستهزئ بالمستهزئين، ومخادع من يخادعه، ولا يصح أن نقول: يا ماكر -حاشا لله-، والصفات السابقة نوع من الصفات الفعلية إلا أنها لا بد من اقترانها بالسياق الوارد.\nوالمكر نوعان حسن وسيئ، والمنسوب لله هو المكر الحسن\".","vol":"1","page":350},{"text":"<span data-type='title' id=toc-143>س ١١: سئل الشيخ: عن صفات الذات وصفات الفعل.</span>\nفقال الشيخ ﵀: \"صفات المعاني داخلة في صفات الذات ولذلك لا تسلط عليها كلمة المشيئة فلا يصح (إذا شاء قدر)؛ لأن القدرة صفة ذات ربنا موصوف بها على الدوام، ولكن يصح أن تقول: (إذا شاء خلق)؛ لأن الخلق صفة فعل فهو يخلق ما يشاء وقتما شاء كيفما شاء، ولا يصح أن تقول شاء الله أن يكون عالما، أو قادرا.\n\n<span data-type='title' id=toc-144>س ١٢: سئل الشيخ: هل الكفار يرون الله في المحشر؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: \"نعم، الناس كلهم في الموقف يرون الله تعالى، لكن لا يتنعمون بالرؤية حتى أطيب عباد الله؛ لأنهم يكونون في بلاء وكرب.\nأما الرؤية التي فيها نعمة فهي في الجنة، والرؤية في المحشر ليست خاصة بالمنافقين بل تعم أنواع الكفار\".\n\n<span data-type='title' id=toc-145>س ١٣: سئل الشيخ: هل اللقاء بمعنى الرؤية؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: \"اللقاء بمعنى الرؤية واستدلال من استدل بقوله: ﴿تحيتهم يوم يلقونه﴾ على الرؤية لا يصح؛ لأنه استدلال بما لا دليل فيه\".\n\n<span data-type='title' id=toc-146>س ١٤: سئل الشيخ: ما أثر الإيمان بأسماء الله تعالى وصفاته؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: \"الأسماء والصفات لها أثر عظيم في حياه الفرد، فمعرفة الفرد أن الله تعالى رحمن يبعث في قلبه الرجاء، وإذا ذكر القهار يبعث فيه الخوف من الله تعالى، والقرآن مليء بصفات الله تعالى\".\n\n<span data-type='title' id=toc-147>س ١٥: سئل الشيخ: بعض الناس ينسبون إلى السلف القول بالتفويض - فما ردكم؟.</span>\nفقال الشيخ ﵀: التفويض ليس هو اعتقاد السلف ومن نسب إلى السلف التفويض فقد أخطأ، فالتفويض عند السلف في الكيفية، الكيف مجهول، ما هو الاستواء؟ مجهول، فالكلام عن كيفية الرؤية خطأ.","vol":"1","page":351},{"text":"<span data-type='title' id=toc-148>س ١٦: سئل الشيخ: هل الكافرون يرون الله تعالى في المحشر؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: \"الكفار يكشف لهم عن الله تعالى وعن ساقه ﷾، فيرون الله تعالى في الموقف، لكن لا يتمكنون من السجود له ﷾\".\n\n<span data-type='title' id=toc-149>س ١٧: سئل الشيخ: ما المقصود بقرب الله تعالى: ﴿فإني قريب﴾؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: \"قرب الله تعالى من عباده قرب ذاتي بغير حلول ولا امتزاج، هكذا قال ابن تيمية وابن القيم ولا أوضح من هذا الذي قالاه\".\n\n<span data-type='title' id=toc-150>س ١٨: سئل الشيخ: ما معنى قوله ﷺ: «وأنت الباطن»؟.</span>\nفقال الشيخ ﵀: \"تفسير: «وأنت الباطن فليس دونك شيء» يعني: بطن الأمور وعلم حقيقتها فلا يخفى عليه شيء\".\n\n<span data-type='title' id=toc-151>س ١٩: سئل الشيخ: ما معنى: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد»؟.</span>\nفقال الشيخ ﵀: \" «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد،» يفيد قرب العبد من الرب أي العبد في هذه الحالة أقرب منه في حالة الركوع\".\n\n<span data-type='title' id=toc-152>س ٢٠: سئل الشيخ: ما الفرق بين التشبيه والتمثيل والتكييف في صفات الله تعالى؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: \"الأحسن لك أن تقرأها في كتاب العقيدة الواسطية وشروحها. كشرح الشيخ ابن عثيمين عليها\".\n\n<span data-type='title' id=toc-153>س ٢١: سئل الشيخ: هل يجوز وصف الله تعالى بأنه في جهة أو له حد؟.</span>\nفقال الشيخ ﵀: \"وصف الله تعالى بالجسم، والحيز، والجهة، والحد الفاصل مجملة إذا أراد بها معنى صحيحا قررناها وقلنا التعبير خطأ، وإذا ذكر معنى فاسدا أنكرنا عليه وقد ذكرته في شرح التدمرية\".","vol":"1","page":352},{"text":"<span data-type='title' id=toc-154>س ٢٢: سئل الشيخ: ما هي قبلة الدعاء؟.</span>\nفقال الشيخ ﵀: \"السماء قبلة الدعاء، ورفع اليد إلى السماء من أدلة أهل السنة على علو الله تعالى، حتى البهائم إذا أصيبت ترفع رأسها إلى السماء، والكعبة قبلة الدعاء أيضا كما أنها قبلة الصلاة\".\n\n<span data-type='title' id=toc-155>س ٢٣: سئل الشيخ: ما الدليل على إثبات العينين لله تعالى؟.</span>\nفقال الشيخ ﵀: \"صفة العينين ثابتة لله تعالى كما يليق بكماله، ولا يوجد واحد من الأولين من الصحابة نفى عن الله تعالى صفة العينين، ويدل على إثباتها حديث الدجال، فقال ﷺ: «إنه أعور وإن ربكم ليس بأعور» وهذا منطوق صريح وليس مفهوما\".\n\n<span data-type='title' id=toc-156>س ٢٤: سئل الشيخ: هل صفات الفعل تقوم بذات الله سبحانه؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: \"صفات الخالق تقوم بذاته كما يليق به، وصفات المخلوق تقوم بذاته كما يليق به وبفقره، والصفات الحادثة التي تجدد من آن لآخر كالرزق، والإحياء، والإماتة تقوم بذات الله لكن المخلوقات الحادثة أنا وأنت وبقية الأعيان لا تقوم بذات الله تعالى -حاشا لله-.\nوهذا المذهب ليس مذهب شيخ الإسلام وحده بل هو مذهب جماعات من الأولين قبل أن يخلق شيخ الإسلام وأبوه وجده\".\n\n<span data-type='title' id=toc-157>س ٢٥: سئل الشيخ: عن حديث: «خلق الله آدم على صورته».</span>\nفقال الشيخ ﵀: \"أي على صورة الرحمن كما ثبت في الرواية الأخرى خلافا للألباني ولنسيب الرفاعي والصورة ثابتة لله تعالى في الصحيحين أنه تعالى يأتي على صورته وعلى غير صورته\".","vol":"1","page":353},{"text":"<span data-type='title' id=toc-158>س ٢٦: سئل الشيخ: ما الفرق بين الأزلي والقديم؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: (الأزلي: الذي لا أول له، أما القديم: فقد تكون صفة مدح، وقد تكون صفة ذم، وفي القرآن الكريم: ﴿حتى عاد كالعرجون القديم﴾ والقديم ليس من صفات الله، بل هو صفات سلطانه؛ لأن سلطانه يتجدد وهو قديم\".\n\n<span data-type='title' id=toc-159>س ٢٧: سئل الشيخ: هل المنان من أسماء الله تعالى؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: \"قال عند من يجوز اشتقاق الأسماء لله من صفاته هو اسم لله، وعند من لا يجوز الاشتقاق لا يجوز تسمية الله تعالى به، ولكن هو صفة؛ لأنه ليست كل صفات الله أسماء له\".\n\n<span data-type='title' id=toc-160>س ٢٨: سئل الشيخ: ما علاقة الأسماء بالصفات؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: \"كل أسماء الله تعالى عدا لفظ الجلالة تتضمن وصف الله تعالى بما تضمنته الأسماء من الصفات، فكل أسماء الله تعالى صفات له ولا ينعكس فمن أسماء الله ما هو مشتق على وزن اسم الفاعل، وهو يتضمن ذاتا وصفة قامت بالذات\".\n\n<span data-type='title' id=toc-161>س ٢٩: سئل الشيخ: هل لفظ الجلالة جامد أم مشتق من الآلهة أو الوله؟</span>\nفقال الشيخ: ﵀: \"جامد لأنه لو كان مشتقا من الآلهة لكان بمعنى الإله يطلق على الآلهة الباطلة، لكن لفظ الجلالة (الله) علم على ذاته سبحانه لا يشاركه فيه غيره\".\n\n<span data-type='title' id=toc-162>س ٣٠: سئل الشيخ: عن معنى دلالة أسماء الله تعالى على معناها مطابقة وتضمنا والتزاما؟.</span>\nفقال الشيخ ﵀: \"دلالة اللفظ على معناه مطابقة كدلالة السفينة","vol":"1","page":354},{"text":"على الخشب والمسامير، ودلالة اللفظ على بعض معناه تضمنا كدلالة السفينة على الخشب فقط، ودلالة اللفظ على معنى خارج لكنه لازم دلالة التزام كدلالة السفينة على الحمولة أو السير فوق الماء، ويرجع في هذا إلى أنواع الدلالات في كتب المنطق وإلى متن السلم، وإلى كتب الشيخ السعدي ﵀\".\n\n<span data-type='title' id=toc-163>س ٣١: سئل الشيخ: عن قيام صفات الله تعالى بذاته.</span>\nفقال الشيخ ﵀: \"صفات الله تعالى قائمة بالذات ملازمة لها، وليست هناك ذات مجردة عن الصفات، والمعتزلة هم الذين يقولون الذات قائمة مجردة عن الصفات، فصفات الله تعالى ليست هي الذات، وليست هي غير الذات\".\n\n<span data-type='title' id=toc-164>س ٣٢: سئل الشيخ: ما معنى قوله: ﴿وهو معكم أين ما كنتم﴾؟.</span>\nفقال الشيخ ﵀: \"أول الآية ﴿ألم تر أن الله يعلم﴾، وآخرها ﴿إن الله بكل شيء عليم﴾، ووسطها النجوى، أي هو أعلم بها وهذا كله يبين أن المراد معية العلم والإحاطة\".\n\n<span data-type='title' id=toc-165>س ٣٣: سئل الشيخ: ما الفرق بين العبارة والحكاية؟.</span>\nفقال الشيخ ﵀: \"عندي أن العبارة والحكاية شيء واحد، ومن أراد التفرقة بينهما فعليه أن يظهر الفرق، وقد أخطأ الأشعري وابن كلاب في قولهما: إن القرآن عبارة أو حكاية عن كلام الله النفسي القديم \".\n\n<span data-type='title' id=toc-166>س ٣٤ سئل الشيخ: رجل يقول: إن كلام الله تعالى يسمع يوم القيامة من كل جهة.</span>\nفقال الشيخ ﵀: \"هذا خوض في الكيفية، ونحن نؤمن بصفات الله ونفوض كيفيتها إليه\".","vol":"1","page":355},{"text":"<span data-type='title' id=toc-167>س ٣٥: سئل الشيخ: ما أرجح الأقوال في مسألة نزول الرب ﷾ هل يخلو منه العرش أو لا يخلو أو نتوقف؟.</span>\nوهل الراجح هو ما اختاره شيخ الإسلام أنه سبحانه ينزل ولا يخلو منه العرش؟\nفقال الشيخ ﵀: \"الصحيح أن نتوقف فنؤمن أنه على عرشه ونؤمن أنه ينزل، ولا نقول يخلو أو لا يخلو؛ لأنه خوض في الكيفية\".\n\n<span data-type='title' id=toc-168>س ٣٦: سئل الشيخ: عن توضيح قول شارح الطحاوية ما ملخصه: أن العلم الإلهي يصح فيه قياس الأولى سواء أكان تمثيليا أو شموليا، ولا يصح فيه قياس المساوي أو الأدنى سواء كان تمثيلا أو شمولا؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: \"القياس التمثيلي هو القياس الفقهي المعروف والقياس الشمولي هو: القياس المنطقي، والقياس أحد الأبواب الكبرى في علم المنطق، ويحتاج إلى عام كامل ليشرح بالتفصيل، ولكن خلاصة الكلام في القياس الشمولي أنه يتركب من مقدمتين صغرى، وكبرى وله ثلاث حدود:\n١ - مبتدأ الصغرى.\n٢ - وخبر الكبرى.\n٣ - والحد الأوسط هو خبر الصغرى وهو أيضا مبتدأ الكبرى.\n٤ - والمبتدأ يسمى موضوعا والخبر يسمى محمولا مثل يوضح ذلك:\n(الإنسان حادث)\n(وكل حادث لا بد له من محدث)\nلفظ (الإنسان)\nالحد الأول مبتدأ الصغرى موضوع.\nولفظ (كل حادث).","vol":"1","page":356},{"text":"الحد الأوسط مبتدأ الكبرى موضوع\nولاحظ أن موضوع الكبرى عام ليدخل فيه موضوع الصغرى.\nففي القياس الشمولي لا بد أن تدخل المقدمة الصغرى في المقدمة الكبرى فلذلك سمي شموليا؛ لأن الكبرى تشمل الصغرى\".\n\n<span data-type='title' id=toc-169>س ٣٧: سئل الشيخ: هل يجوز الإخبار عن الله تعالى بأنه (واجب الوجود)؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: \"ذكرت في مذكرة لي مقدمة في الصفات طبعها زهير الشاويش لكلية اللغة العربية بعنوان \"مذكرة التوحيد\" فيها الكلام عن الحكم العادي، والحكم العقلي، والحكم الفقهي، وتكلمت فيها عن تقسيم الحكم العقلي إلى مستحيل، وجائز، وواجب\"\nفالمستحيل هو: ما لا يتصور وجوده ويصح الإخبار عن الله تعالى بأنه واجب الوجود، وهذا من باب الإخبار لا من باب الصفة.\n\n<span data-type='title' id=toc-170>س ٣٨: سئل الشيخ: عن وسائل الشرك هل تعتبر شركا أصغر أم تعتبر محرمة فقط؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: \"كل وسيلة تؤدي إلى الشرك فهي من الشرك الأصغر بالإضافة إلى تحريمها، فمن ذلك عبادة الله تعالى عند قبر الرجل الصالح إذا كان معتقدا أن هذا المكان فيه بركة تؤثر في قبول الدعاء والعبادة، فهذا شرك أصغر، وكذلك التوسل البدعي يعتبر من الشرك الأصغر\".\n\n<span data-type='title' id=toc-171>س ٣٩: سئل الشيخ: هل يثاب المرء على ترك الحرام؟.</span>\nفقال الشيخ ﵀: \"الثواب يحتاج إلى شيئين هما: الإخلاص (النية) وموافقة العمل لمطلوب الشرع \"أحسن عملا\" أخلصه وأصوبه، النية وإصابة الحق ولو باجتهاد، والمباح لا أجر في فعله، ولا إثم في تركه ولكن بالنية يثاب أو يأثم، والترك في الأصل سلب لا يحتاج إلى نية، ولكن إذا نوى به كف النفس عن الحرام فهو فعل يثاب عليه\".","vol":"1","page":357},{"text":"<span data-type='title' id=toc-172>س ٤٠ سئل الشيخ: ما الفرق بين اليقين والصدق والإخلاص، وبين القبول والانقياد؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: \"اليقين الطمأنينة -القبول قبول الله تعالى للعبادة وقبول العبد الدين وهو الانقياد وكلاهما شرط\".\n\n<span data-type='title' id=toc-173>س ٤١: سئل الشيخ: هل لفظ (لعمري)، (لعمرك) من باب القسم؟ وإذا كان كذلك فهل هو قسم ممنوع أم مباح؟ وما معنى: «أفلح وأبيه إن صدق»؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: \"كانوا في الجاهلية يحلفون بآبائهم ثم نسخ وقوله: (لعمري) قسم لغوي يقصد به التوكيد وهو مباح؛ لأن القسم الشرعي يكون بالواو، والتاء، والباء، ولا يدخل قيه القسم باللام\".\n\n<span data-type='title' id=toc-174>س ٤٢: سئل الشيخ: كفر الجهل والتكذيب هل هما قسمان أم قسم؟ وهل هو خاص باليهود والنصارى، أم يدخل فيه من كان مسلما؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: \"هو نوع واحد إذا كان التكذيب عن جهل فيعرف بالدين، فإذا استمر على التكذيب بعد العلم كان كافرا\".\n\n<span data-type='title' id=toc-175>س ٤٣: سئل الشيخ: ما الفرق بين توحيد المراد (الإخلاص) وتوحيد الإرادة (الصدق)؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: \"المراد اسم مفعول، والإرادة مصدر، والمراد هو الله، وعليه أن يريد الله وحده، وإذا أراد الله ببعض إرادته نقص في صدقه\".\n\n<span data-type='title' id=toc-176>س ٤٤: سئل الشيخ: عن التوسل البدعي هل هو شرك؟.</span>\nفقال الشيخ ﵀: \"هو وسيلة إلى الشرك، ومن قال إنه شرك فهو مخطئ، وهذه المسألة عقائدية وليست من مسائل الفروع الفقهية\".","vol":"1","page":358},{"text":"التوسل المشروع والتوسل الممنوع\n\n<span data-type='title' id=toc-177>س ٤٥: سئل الشيخ: ما حكم لو قلت في دعائي \"إلهي أسألك بأعز من ناجاك وأفضل من دعاك أن تمطر على قلوبنا من سحائب عطفك، وشآبيب رضوانك. فهل هذا الدعاء جائز؟.</span>\nفقال الشيخ ﵀: \"الحمد لله وبعد، فإن هذا الذي ذكر في هذا الدعاء \"إلهي أسألك بأعز من ناجاك .. \" إلخ لا يجوز بل هو مكروه؛ لأنه توسل إلى الله بالمخلوقين وهذا غير مشروع، ولو كان المتوسل به إلى الله هو رسول الله ﷺ، والنبي ﷺ له منزلته عند الله ولا يدخل أحد الجنة إلا بالإيمان به وحبه ﷺ ومع ذلك فليس من المشروع أن تتوسل إلى الله بذاته ولا بذات غيره من المخلوقين، ومع مكانة الرسول ﷺ فإننا إذا أردنا التوسل إلى الله به فإننا نتوسل إلى الله بالإيمان به واتباعه؛ لأن هذا من أعظم القربات والأعمال الصالحة، بل هذا -يعني الإيمان برسول الله ﷺ واتباعه- أفضل الأعمال إطلاقا، فإذا أراد الإنسان أن يتوسل إلى الله بالرسول فليقل مثلا في دعائه \"اللهم بإيماني بك واتباعي لرسولك ولشريعتك وبما جاءنا به رسولك افعل لي كذا وكذا\".\n\"إيماني بك وبرسولك\" هذا هو التوسل المشروع وهو التوسل إلى الله بالعمل الصالح وهو الذي ذكره الله تعالى في كتابه فقال ﷾: ﴿إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار﴾.\nفهذا التفكر في خلق السماوات والأرض عبادة، وكذلك تأمل اختلاف الليل والنهار، ما فيها من الظلمة والنور، والطول والقصر هذا أيضا عبادة،","vol":"1","page":359},{"text":"وكذلك تدبر السنن الكونية التي بثها الله ﷿ في خلقه عبادة، فبعد قيام هؤلاء العباد بهذا التفكر وهذا التدبر واعترافهم أن الله ما خلق هذا كله باطلا بل خلقه بالحق وللحكم الكثيرة التي يعلمها، بعد هذا التدبر وهذا التفكر وهذا الاعتراف، سألوا الله ﷿ أن يقيهم عذاب النار ﴿فقنا عذاب النار﴾ الفاء في فقنا تدل على ترتيب الدعاء ودوام ذكره على كل حال وتنزيه الله أن يخلق خلقا باطلا هذا نوع من التوسل بالعمل الصالح وهو مشروع.\nومن هذا التوسل أيضا ما ذكره الله سبحانه بعد ذلك في نفس سياق هذه الآيات السابقة في قول أولي الألباب ﴿ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا﴾.\nوهذا المنادي للإيمان هو الرسول ﷺ وكل من بلغ عن الرسول ﷺ فلما سمع هؤلاء المؤمنون منادي الإيمان يدعو الناس هلموا إلى ربكم، هلموا إلى توحيد الله ونبذ الشرك، هلموا إلى طاعة الله وترك عصيانه ومخالفته، لما سمعوا منادي الله أن اعبدوا الله فعبدوه ونبذوا كل الشركاء والأنداد، فكان بعد هذا العمل الصالح طلب وتوسل من هؤلاء المؤمنين وهو ﴿فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد﴾.\nتوسلوا إلى الله بإيمانهم واتباعهم الرسول فدعوا ربهم بعدة دعوات: مغفرة الذنوب، وتكفير السيئات وطلبوا من الله أن يختم لهم بالخاتمة الحسنى، وأن يجعل مثواهم مع الأبرار، وسألوا الله ﷿ ألا يخزيهم وألا يفضحهم بين خلقه يوم القيامة، وسألوا الله أن ينجز لهم ما وعدهم على الإيمان على ألسنة رسله من النصر والتأييد في الدنيا وحسن العاقبة والمثوى في الآخرة فعقب الله ﷿ على هذا التوسل بالأعمال الصالحة بقوله: ﴿فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض﴾.","vol":"1","page":360},{"text":"ومن التوسل بالأعمال الصالحة ما رواه البخاري من حديث ابن عمر ﵄ قال سمعت رسول الله ﷺ: «انطلق ثلاثة رهط ممن كان قبلكم حتى آواهم المبيت إلى غار فدخلوه، فانحدرت صخرة من الجبل فسدت عليهم الغار، فقالوا: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم، فقال رجل منهم: اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت لا أغبق قبلهما أهلا ولا مالا، فنأى بي في طلب الشجر يوما فلم أرح عليهما حتى ناما فحلبت لهما غبوقهما فوجدتهما نائمين، فكرهت أن أغبق قبلهما أهلا أو مالا، فلبثت والقدح على يدي أنتظر استيقاظهما حتى برق الفجر، فاستيقظا، فشربا غبوقهما، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة، فانفرجت الصخرة شيئا لا يستطيعون الخروج، قال النبي ﷺ: وقال الآخر: اللهم كانت لي بنت عم كانت أحب الناس إلي، فأردتها عن نفسها فامتنعت مني حتى ألمت بها سنة من السنين فأعطيتها عشرين ومائة دينار على أن تخلي بيني وبين نفسها، ففعلت، حتى إذا قدرت عليها قالت: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه فتحرجت من الوقوع عليها، فانصرفت عنها وهي أحب الناس إلي، وتركت الذهب الذي أعطيتها، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها، قال النبي ﷺ: وقال الثالث: اللهم إني استأجرت أجراء فأعطيتهم أجرهم، غير رجل واحد ترك الذي له وذهب فثمرت أجره حتى كثرت منه الأموال، فجاءني بعد حين فقال: يا عبد الله أد إلي أجري، فقلت له: كل ما ترى من الإبل والبقر والغنم والرقيق فهو لك، فقال: يا عبد الله لا تستهزئ بي، فقلت: إني لا أستهزئ بك، فأخذه كله، فاستاقه ولم يترك منه شيئا، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة، فخرجوا يمشون».","vol":"1","page":361},{"text":"فهؤلاء الثلاثة لما وقعوا في الشدة والكرب بسبب انسداد الغار عليهم بفعل الصخرة التي سقطت من أعلى الجبل، توسل كل منهم بعمل من الأعمال الصالحة التي توفر فيها الإخلاص لله تعالى، فالأول توسل ببره والديه غاية البر، والثاني توسل بعفته عن الزنا وتركه المال الذي أعطاه لابنة عمه، والثالث توسل إلى الله تعالى بأدائه الحقوق للعباد ومنهم هذا الأجير الذي أخذ المال كله وطابت نفس المتوسل بذلك، ولما كان هذا التوسل مشروعا وجائزا كان له الأثر الطيب في أن الله ﷿ أزاح الصخرة عن باب الغار وتمكنوا من السير والانطلاق إلى وجهتهم التي أرادوا.\nهذا هو النوع الأول من التوسل المشروع وهو التوسل إلى الله ودعاؤه بالعمل الصالح الذي يعمله العبد تقربا إلى الله.\nوأما النوع الثاني من التوسل فهو التوسل إلى الله بأسمائه وصفاته وذلك كأن تسأل الله ﷿ وتدعوه بأسمائه الحسنى وصفاته العليا فتقول مثلا: اللهم إني أسألك بأنك أنت الله لا إله إلا أنت الرحيم اللطيف افعل كذا وكذا لي.\nأو تقول مثلا: اللهم إني أسألك بأنك الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يتخذ صاحبة ولا ولدا افعل لي كذا وكذا، وكقول المسلم في دعاء الاستخارة: «اللهم إني أستخيرك بعلمك وقدرتك فإنك تعلم ولا أعلم، وتقدر ولا أقدر وأنت على كل شيء قدير، إن كان كذا خيرا لي في عاجل أمري وآجله فيسره لي، وإن كان كذا شرا في عاجل أمري وآجله فاصرفه عني واصرفني عنه» .... الحديث.\nوقول النبي ﷺ في الحديث الآخر: «اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق أحيني ما عملت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا علمت الوفاة خيرا لي ..» الحديث عن عمار بن ياسر.\nوالنوع الثالث من التوسل المشروع هو التوسل إلى الله بدعاء العبد الصالح","vol":"1","page":362},{"text":"الحي لك، وذلك أن تقصد رجلا من الصالحين المتبعين للشرع الموحدين المتبعين للسنة وتظن فيه الإخلاص لله ﷾ وتطلب منه أن يدعو الله لك بحاجتك التي تريد، كأن يدعو الله أن يشفيك أو يشفي ابنك أو مريضك أو يدعو الله أن ينيلك كذا وكذا من المآرب والأهداف، هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد.\n\n<span data-type='title' id=toc-178>س ٤٦: سئل الشيخ: ما حكم التبرك بآثار الصالحين؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: \" التبرك بآثار الصالحين لا يشرع في الإسلام إلا بالنبي ﷺ وبآثاره لعدم ثبوت الدليل على جوازه بغيره ﷺ\".\n\n<span data-type='title' id=toc-179>س ٤٧: سئل الشيخ: عن رجل دفن في المسجد.</span>\nفقال الشيخ ﵀: \"يجب إخراج المدفون من المسجد ما دام دفن بعد بناء المسجد ولو كان عظاما\".\n\n<span data-type='title' id=toc-180>س ٤٨: سئل الشيخ: ما هي زيارة القبور السنية، وما هي الزيارة البدعية والشركية؟.</span>\nفقال الشيخ ﵀: \"زيارة القبور قسمان: القسم الأول وهو الأصل، وهو سنة وقربة يؤجر الإنسان على فعلها وهي ما كانت الزيارة للعبرة والعظة وتذكر الدار الآخرة، فإن الإنسان إذا زار القبور فإنه يذكر هؤلاء الأموات وهم آباؤه وأجداده فيتذكر أن هذه الحياة الدنيا فانية وزائلة، وأنه لا بد من الموت وأنه ميت ومقبور مثلهم، وإذا كان كذلك فإنه يتيقن أنه مسئول في قبره، وأن الإقامة في القبر إما حياة عذاب وجحيم إذا كان عاصيا مفرطا في جنب الله، أو حياة إكرام وتنعيم إذا كان من الموحدين المطيعين لله، ثم إن الحياة والإقامة في القبر ليست دائمة ولا نهائية، ولكن بعدها البعث والنشور والقيام لله رب العالمين.\nهذه المعاني كلها فيها العظة والعبرة للزائر، وهذه المعاني كذلك تذكر الزائر","vol":"1","page":363},{"text":"بالآخرة والحساب كما قال النبي ﷺ: «زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة».\nوفي هذه الزيارة السنية المشروعة فائدة أخرى غير العبرة والعظة وتذكر الآخرة، ذلك إذا كان الميت المقبور المزور من المسلمين فإنه يستحب للزائر أن يدعو له بالمغفرة والرحمة، وأن يوسع الله عليه أو عليهم قبورهم؛ لأن النبي ﷺ كان إذا زار القبور دعا لأهل القبور.\nالنوع الثاني: الزيارة البدعية وهذه الزيارة قد تكون بدعية فقط، وقد تكون بدعية وشركية على حسب ما يقع من الزائر من نية وأعمال، فإذا ذهب المسلم إلى قبر من القبور بنية التبرك بهذا القبر لكونه قبر أحد الصالحين، أو لدعاء صاحب القبر والاستغاثة به أو لطلب قضاء الحاجات وتفريج الكربات ونحو ذلك، فهذه زيارة شركية، ومن جنسها ما قد يقع من الزائر من الطواف حول القبر أو التمسح به، فهذا كله شرك، ولا نقول لفاعله مشرك وهذا ما تقول العلماء هذا شرك النوع وليس شرك العين، يعني أن هذا الفعل فعل شرك وفاعله ليس مشركا؛ لأن فاعله قد يكون معذورا بأي نوع من أنواع الأعذار كالجهل، أو متأولا أو مخدوعا بفتوى بعض الناس ممن ينتسبون إلى العلم والفتوى الذين يعتقدون بعض العقائد الباطلة، أو من أصحاب الطرق الصوفية، المقصود أن مثل هذا معذور ويجب له النصح والبيان والتلطف معه فلا نغلظ عليه بادئ الأمر حتى لا نضع في قلبه حواجز تمنعه من الأخذ بالصواب والنصيحة المقدمة له.\nويجب أن نفرق بين أمرين: الأول: أن المقبور الميت الذي يزار وتفعل عنده البدع أو الشركيات قد يكون هذا المقبور من الصالحين المتقين وهو غير مسئول عما يقع عند قبره من المخالفات التي تسخط الله.","vol":"1","page":364},{"text":"والأمر الثاني: أن صلاح هذا الميت المقبور ليس مبررا أن نصرف إليه العبودية التي هي حق رب العالمين على عباده كالدعاء، والاستغاثة، والتوكل، والتعلق، والخوف، والذل المصاحب للحب، فهذه وغيرها من حقوق الله ﷾.\n\n<span data-type='title' id=toc-181>س ٤٩: سئل الشيخ: عن حديث الرجل الضرير الذي رد الله بصره بعد أن جاء إلى النبي ﷺ فأمره أن يقول: «اللهم شفعه في وشفعني فيه».</span>\nفقال الشيخ ﵀: \"اقرأ الحديث: «اللهم شفعه في» \" فلم يقل بشفاعة رسولك، بل توجه إلى الله تعالى والرسول ﷺ حي، ووصى الرجل أن يساعده على نفسه (نفس الرجل) مثلما تطلب من أي حي أن يدعو لك\".\n\n<span data-type='title' id=toc-182>س ٥٠: سئل الشيخ: ما حكم التحاكم إلى المحاكم التي تحكم بالقوانين الوضعية؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: \"بقدر الإمكان لا يتحاكم إليها، أما إذا كان لا يمكن أن يستخلص حقه إلا عن طريقها فلا حرج عليه\".\n\n<span data-type='title' id=toc-183>س ٥١: سئل الشيخ: ما الفرق بين الفسق الأكبر، والكفر الأكبر؟</span>\nوما الفرق بين الفسق الأصغر، والكفر الأصغر؟\nفقال الشيخ: ﵀: \"الفسق الأكبر هو الكفر الأكبر، والفسق الأصغر هو الكفر الأصغر\".\n\n<span data-type='title' id=toc-184>س ٥٢: سئل الشيخ: ما حكم تعليق تميمة من القرآن على الجدار أو في السيارة؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: \"لا يجوز؛ لأن تعليق آية الكرسي أو غيرها من القرآن على الجدار أو في السيارة امتهان لها\".","vol":"1","page":365},{"text":"<span data-type='title' id=toc-185>س ٥٣: سئل الشيخ: ما حكم العزائم بالقرآن، وهي آيات بالزيت أو الزعفران في طبق وخلط المكتوب بالماء وشربه؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: \"لا يجوز كتابة القرآن بهذا وشرب المكتوب\".\n\n<span data-type='title' id=toc-186>س ٥٤: سئل الشيخ: ما حكم القراءة على ماء أو طعام وشربه؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: \"يجوز القراءة على أي شيء طاهر حسب رغبته، يقرأ القرآن على المريض أو على الماء والطعام\".\n\n<span data-type='title' id=toc-187>س ٥٥: سئل الشيخ: عن رأيه في شيخ الإسلام إسماعيل الهروي ودفاع الإمام ابن القيم عنه في مدارج السالكين، وعن رأيه في تقسيم الهروي التوحيد إلى ثلاثة أقسام: توحيد العامة، والخاصة، وخاصة الخاصة.</span>\nفقال الشيخ ﵀: \"أما إسماعيل الهروي في ذاته فأمره إلى الله تعالى، وهو أعلم به، وأما دفاع ابن القيم: فإن الإمام ابن القيم قد رد عليه في عدد من المواضع، واقرأ تعليقات الشيخ حامد الفقي على الكتاب، مع العلم بأن أصحاب المطبعة قد طلبوا من الشيخ حامد ألا يعلق على الكتاب، وقد تسبب هذا في منع الشيخ حامد من الإسهاب في الرد.\nوأما تقسيم الهروي التوحيد إلى ثلاثة أقسام، فهو تقسم باطل فهو يجعل الأنبياء ﵈ من العامة، ويجعل ابن عربي وأمثاله من خاصة الخاصة\".\n\n<span data-type='title' id=toc-188>س ٥٦: سئل الشيخ: هل يمكن ظهور الملك بصورته لغير الرسل؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: \"لم يثبت، ومن ادعى ذلك فعليه الإثبات، نعم قد ثبت في الأحاديث أن الملك أتي لثلاثة: أقرع، وأعمى، وأبرص وأن الله أرسل ملكا على جانب الطريق الذي ذهب ليزور أخا له في الله وغير ذلك من","vol":"1","page":366},{"text":"الأحاديث، لكن ليس في شيء منها أن الملك كان على صورته الأصلية، بل في كل منها ما يفهم منه أنه كان على صورة رجل؛ لأن في هذه الأحاديث لم يعرف أنهم ملائكة إلا بإخبارهم عن نفسهم أنهم ملائكة.\n\n<span data-type='title' id=toc-189>س ٥٧: سئل الشيخ: عن نبوة الخضر ولقمان وذي القرنين؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: \" الخضر نبي بنص القرآن ﴿وما فعلته عن أمري﴾.\nوقال ابن عاشر:\nلقمان إسكندر ليسا أنبيا … في أرجح الأقوال لكن أوليا\n\n<span data-type='title' id=toc-190>س ٥٨: سئل الشيخ عن صحف إبراهيم وموسى: هل هما شيء واحد؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: \"هما مختلفان فيهما شرائع إبراهيم، وشرائع موسى ﵉، وصحف موسى جزء من أجزاء التوراة والألواح\".\n\n<span data-type='title' id=toc-191>س ٥٩: سئل الشيخ: هل التوراة والإنجيل كلام الله.</span>\nفقال الشيخ ﵀: \"نعم التوراة والإنجيل اللذان أنزلهما الله هما كلام الله بدليل قوله تعالى: ﴿أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-192>س ٦٠: سئل الشيخ ما معنى حديث احتجاج آدم وموسى؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: \"معناه: رفع اللوم عن العصاة إذا تابوا وهذا ما ذكره ابن قتيبة وابن تيمية -رحمهما الله-\".","vol":"1","page":367},{"text":"<span data-type='title' id=toc-193>س ٦١: سئل الشيخ: ذكر شارح الطحاوية أن الله تعالى لو أراد كونا إيمان جميع الناس لكان في ذلك مفسدة فما هذه المفسدة؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: \"المفسدة العظمى التي كانت ستحدث لو أراد الله إيمان جميع الناس هي انتفاء الابتلاء، وانتفاء الفائدة من التكاليف الشرعية، ولما شرع الله تعالى شرعا ولما أرسل رسلا؛ لأنه لا حاجة إذن إلى إرسال الرسل وينتفي تقسيم الناس إلى أهل جنة ونار\".\n\n<span data-type='title' id=toc-194>س ٦٢: سئل الشيخ: عن معنى قوله ﷺ: \" «السعيد من سعد في بطن أمه»</span> \".\nفقال الشيخ ﵀: \"معناه من كتبه الملك الذي ينزل بأمر الله لكتابة أربع كلمات بعد تمام الشهر الرابع للحمل في رحم أمه بعد استكمال الأطوار الثلاثة نطفة ثم علقة ثم مضغة فمن كتبه الملك سعيدا يومئذ فهو سعيد\".\n\n<span data-type='title' id=toc-195>س ٦٣: سئل الشيخ: عن مذهب المعتزلة في الإيجاب على الله تعالى.</span>\nفقال الشيخ ﵀: \"كل ممكن لا يجب عليه تعالى بل إن شاء فعله وإن شاء تركه هذا عند الأشاعرة\".\nأما المعتزلة: فيوجبون عليه تعالى فعل (الأصلح) إذا كان الصلاح شيئين، ويوجبون عليه تعالى فعل (الصلاح) إذا كان شيئا واحدا.\n\n<span data-type='title' id=toc-196>س ٦٤: سئل الشيخ: عن معنى الكسب.</span>\nفقال الشيخ ﵀ \"الكسب عند الأشعري مقارنة القدرة للمقدور، وعند الماتريدي: هو العزم المصمم الذي يقع منه الفعل\".\n\n<span data-type='title' id=toc-197>س ٦٥: سئل الشيخ: عن مشيئة الرب ومشيئة العبد.</span>\nفقال الشيخ ﵀: \"لله ﷾ مشيئة، وللعبد مشيئة، ومشيئة العبد متوقفة على مشيئة الله، قال تعالى: ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين﴾.","vol":"1","page":368},{"text":"<span data-type='title' id=toc-198>س ٦٦: سئل الشيخ: عن مسألة التحسين والتقبيح العقلي.</span>\nفقال الشيخ ﵀: \"ارجع إلى تعليقي على الأحكام للآمدي حول مسألة التحسين والتقبيح، الجزء الأول المقدمات الكلامية\".\n\n<span data-type='title' id=toc-199>س ٦٧: سئل الشيخ: عن موقف الخوارج من الحدود هل يبطلونها؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: \"عندهم أن السارق والزاني حده القتل ولا يشترطون السيف بل يقتلونه بالسم، ولا يقطعون يد السارق أو يرجمون الزاني؛ لأنه عندهم من باب تداخل الحدود فيعطونه الحد الأعلى وهو القتل\".\n\n<span data-type='title' id=toc-200>س ٦٨: سئل الشيخ: ما معنى خلود القاتل الوارد في قوله تعالى: ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها﴾؟.</span>\nفقال الشيخ ﵀: \"خلود القاتل إذا كان غير مستحل فمعناه عند السلف طول المدة، وإذا كان مستحلا فهو على حقيقته، وقد فصل ابن القيم هذا الأمر في مدارج السالكين، وذكر أن قاتل العمد يتعلق به ثلاثة حقوق:\nحق للقتيل يقاص بالحسنات والسيئات يوم القيامة.\nوحق ولي الدم القصاص.\nوحق الله تعالى يسقط بالتوبة. وذكر الأدلة في آخر الجزء الأول.\n\n<span data-type='title' id=toc-201>س ٦٩: سئل الشيخ: هل الأشاعرة والماتريدية من أهل السنة؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: \"الأشاعرة والماتريدية من أهل السنة فيما وافقوا فيه أهل السنة لا على العموم\".","vol":"1","page":369},{"text":"<span data-type='title' id=toc-202>س ٧٠: سئل الشيخ: هل الفرق التي قال فيها ﷺ: \"كلها في النار\" كافرة؟ أم غير كافرة؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: \"فيها رأيان ذكرهما شيخ الإسلام في الفتاوى\".\n\n<span data-type='title' id=toc-203>س ٧١: سئل الشيخ: عن دعوة العوام للتوحيد.</span>\nفقال الشيخ ﵀: \"كونه لا يعلم العوام التوحيد غلط فقد مكث ﷺ يدعو إلى التوحيد في مكة، حتى الصلاة التي هي عماد الدين فرضت قبل الهجرة بثلاث سنين فكان ﷺ يعلم التوحيد (للأميين) هكذا سماهم الله\".\n\n<span data-type='title' id=toc-204>س ٧٢: سئل الشيخ: هل الساحر كافر؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: \"الصحيح أن كفر الساحر كفر يخرج من الملة\".\n\n<span data-type='title' id=toc-205>س ٧٣: سئل الشيخ: ما حكم من سب صحابيا؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: \"تفصيل القول في حكم من طعن في الصحابة أو سب صحابيا أن الطعن جملة كفر، لكن سب صحابي بعينه كبيرة من الكبائر\".\n\n<span data-type='title' id=toc-206>س ٧٤: سئل الشيخ: هل العلم المشترط في شروط (لا إله إلا الله) هو العلم الإجمالي بأنه لا يستحق العبادة إلا الله؟ أم لا بد من العلم التفصيلي بأن الذبح عبادة والنذر عبادة .. وهكذا؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: \"العلم المشترط هو العلم الإجمالي لا التفصيلي، لا يلزم أن يكون فيلسوفا؛ بدليل حديث معاذ وسجوده للرسول ﷺ، وقصة ذات أنواط\".","vol":"1","page":370},{"text":"فالجهل بتفاصيل العبادة لا يمنع الحكم للشخص بالإسلام.\n\n<span data-type='title' id=toc-207>س ٧٥: سئل الشيخ: سألته عن رأيه في قول الصنعاني في تطهير الاعتقاد عن القبوريين الذين يعتقدون في الموتى ويطلبون منهم (هم كفار أصليون) حيث اعترض عليه بعض العلماء كالشيخ بشير السهسواني صاحب (صيانة الإنسان) وقال (هم مرتدون).</span>\nفقال الشيخ ﵀: \"هم مرتدون عن الإسلام إذا أقيمت عليهم الحجة، وإلا فهم معذرون بجهلهم كجماعة الأنواط، أما من انتسب إلى الإسلام ثم بدت منه أفعال كفرية وأقيمت عليه الحجة فهو مرتد يقتل بالسيف\".\n\n<span data-type='title' id=toc-208>س ٧٦: سئل الشيخ: عن الكافر الأصلي إذا تلفظ أمامنا بالشهادتين ولا ندري هل يعلم معناها أم لا؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: \"يحكم له بالإسلام بالظاهر حتى يبدو أنه جاهل فيعلم معنى الشهادتين الصحيح؛ فإن استقام فالحمد لله، وإن لم يستقم فهو مرتد لا كافر أصلي\".\n\n<span data-type='title' id=toc-209>س ٧٧: سئل الشيخ: هل يلزم إقامة الحجة على تارك الصلاة حتى يحكم بكفره؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: \"يحتاج إلى إقامة الحجة، فإن مات قبلها عومل معاملة الكفار\".\n\n<span data-type='title' id=toc-210>س ٧٨: سئل الشيخ: الإيمان الركن هل يزيد وينقص كالإيمان الواجب والمستحب؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: \"نعم بدليل عموم قوله تعالى: ﴿فزادتهم إيمانا﴾. وقوله: ﴿ليزدادوا إيمانا﴾ وهذا يعم جميع أقسام الإيمان.","vol":"1","page":371},{"text":"<span data-type='title' id=toc-211>س ٧٩: سئل الشيخ: ما حكم المستهزئ بالدين أو ساب الدين أو الرسول ﷺ أو القرآن العظيم هل يكفر ولو كان جاهلا؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: \"هذا الباب كغيره من أبواب الكفر يعلم ويؤدب فإن علم وعاند بعد التعليم والبيان كفر. وإذا قيل: لا يعذر بالجهل، فمعناه يعلم ويؤدب وليس معناه أنه يكفر\".\n\n<span data-type='title' id=toc-212>س ٨٠: سئل الشيخ: ما حكم من قال: القرآن مخلوق؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: \"هذا كفر أكبر ولكن قائله يعلم ولا يكفر بعينه إلا إذا علم وأصر بعد إقامة الحجة\".\n\n<span data-type='title' id=toc-213>س ٨١: سئل الشيخ: عن مسألة فناء النار؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: \"ما لي رأي في المسألة، اقرأ كلام ابن تيمية وابن القيم. واقرأ للصنعاني في الرد عليهما وأنا لا أقول بفناء النار ولا بعدم فنائها أنا لم أختر رأيا إلى الآن؛ لأنه ليست هناك نتيجة عملية تترتب على هذا الخلاف، والواقع أن القول بفناء النار متصل بابن تيمية خلافا لمن نفى نسبة هذا القول له\".\n\n<span data-type='title' id=toc-214>س ٨٢: سئل الشيخ: هل تكفي إحدى الشهادتين للحكم للشخص بالإسلام؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: \"شهادة (أن محمدا رسول الله) تستلزم شهادة (أن لا إله إلا الله) ولا عكس، ومع هذا فإظهار أي شعيرة من شعائر الإسلام تكفي لمعاملته معاملة المسلمين\".\n\n<span data-type='title' id=toc-215>س ٨٣: سئل الشيخ: عن خروج جماعة التبليغ لتذكير الناس بعظمة الله.</span>\nفقال الشيخ ﵀: \"الواقع أنهم مبتدعة ومحرفون وأصحاب طرق قادرية وغيرهم، وخروجهم ليس في سبيل الله، ولكنه في سبيل إلياس، هم لا يدعون إلى الكتاب والسنة، ولكن يدعون إلى إلياس شيخهم في بنجلادش، أما الخروج بقصد الدعوة إلى الإسلام فهو جهاد في سبيل الله، وليس هذا هو خروج","vol":"1","page":372},{"text":"جماعة التبليغ، وأنا أعرف جماعة التبليغ من زمان قديم، وهم المبتدعة في أي مكان كانوا هم في مصر، وإسرائيل، وأمريكا، والسعودية، كلهم مرتبطون بشيخهم إلياس \".\n\n<span data-type='title' id=toc-216>س ٨٤: سئل الشيخ: عن رجل قيل له: فعلك هذا محرم، فقال: أنا أعرف أنه حرام ولكن سأفعله؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: \"إذا كان مضطرا إلى فعله فهو معذور وإلا فهو مستهتر وهي معصية كبرى قد تصل إلى درجة الكفر. والعياذ بالله\".\n\n<span data-type='title' id=toc-217>س ٨٥: سئل الشيخ: ما الفرق بين قتال المرتدين وقتال تاركي الشرائع؟ وقتال التتار يتبع أي القسمين؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: \"مانعو الشرائع لغير جحود يقاتلون حتى يؤدوها ولا يكفرون بالرغم من قتالهم، والذي يحكم بغير ما أنزل الله كافر مرتد يقاتل قتال الكفار، أما الذي لا يكفر فهو الفقيه الذي يحكم في مسألة يظن أنها من الدين، والحق بخلافه فلا يكفر، أما الذي يحكم بما يعلم أنه ليس من الدين فهذا كافر، الذي يبيح فوائد البنوك يناقش ويبين له، فإذا أقيمت عليه الحجة فإنه يقتل قتل المرتد، ولا أذكر الآن إلى أي القسمين ينتمي قتال التتار\".\n\n<span data-type='title' id=toc-218>س ٨٦: سئل الشيخ: هل يوجد عذر بالجهالة في أصل التوحيد، علما بأن بعض أهل السنة ذكر أنه لا عذر لأحد بالجهل في أصل التوحيد؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: \"إن وجوب الإيمان بالله تعالى ورسله وكتبه وملائكته واليوم الآخر والقدر، وما يتصل بذلك من أصول وفروع بمقتضاه: يتوقف على البلاغ الصحيح ومعرفة ما تضمنه البلاغ من الحق، وهذا مما يتفاوت بتفاوت الناس في مداركهم وقواهم العقلية، وكثرة العلماء والدعاة إلى الإسلام، وما إلى هذا مما يتيسر معه معرفة الحق وتأييده، واستبانة الباطل وتميزه","vol":"1","page":373},{"text":"من الحق والقضاء عليه، أو بعدهم عن ديار الإسلام والدعاة إليه، وما إلى ذلك من الحواجز التي يشق معها الوصول إلى معالم شرع الله تعالى والوقوف على حقيقته جملة أو التبحر فيه.\nفيجب أن يراعى ذلك وأمثاله في الحكم على الناس، فقد يجب على بعض الناس الإيمان بالله تعالى وبرسوله ﷺ وما جاء به من عند الله إجمالا، إذا لم يبلغه إلا ذلك، ولم يتيسر له سواه مع بذله وسعه في التعرف على الحق، لما رواه أبو هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار». رواه مسلم.\nولما ثبت عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ: «أن رجلا رزقه الله مالا، فقال لبنيه لما حضره الموت: أي أب كنت فيكم؟ قالوا: خير أب، قال: فإني لم أعمل خيرا قط، فإذا مت فاحرقوني ثم اسحقوني، ثم ذروني في يوم عاصف، ففعلوا، فجمعه الله ﷿، فقال: ما حملك، قال: مخافتك، فتلقاه برحمته» متفق عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-219>س ٨٧: سئل الشيخ: عن حكم من أنكر معلوما من الدين بالضرورة، ومن خالف حكما ثابتا بالكتاب والسنة وإجماع الأمة؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: \"إذا خالف مسلم حكما ثابتا بنص صريح من الكتاب والسنة لا يقبل التأويل، ولا مجال فيه للاجتهاد، أو خالف إجماعا","vol":"1","page":374},{"text":"قطعيا ثابتا بين له الصواب في الحكم، فإن قبل فالحمد لله، وإن أبى بعد البيان وإقامة الحجة وأصر على تغيير حكم الله حكم بكفره، وعومل معاملة المرتد عن دين الإسلام، مثال ذلك: من أنكر الصلوات الخمس أو إحداها، أو فريضة الصيام أو الزكاة أو الحج إلى بيت الله الحرام، وتأول ما دل عليها من نصوص الكتاب والسنة ولم يعبأ بإجماع الأمة.\nوأما إذا خالف حكما ثابتا بدليل مختلف في ثبوته، أو قابل للتأويل بمعان مختلفة وأحكام متقابلة فخلافه خلاف في مسألة اجتهادية فلا يكفر، بل يعذر في ذلك من أخطأ، ويؤجر على اجتهاده أجرا واحدا، وعمله بهذا الاجتهاد مشروع، ويحمد من أصاب، ويؤجر أجرين، أجرا على اجتهاده وأجرا على إصابته، مثال ذلك: من أنكر وجوب قراءة الفاتحة على المأموم، ومن قال بوجوب قراءتها عليه، ومثاله أيضا من قال بوجوب العمرة، ومن قال ليست واجبة، بل هي سنة، ومن قال بتوريث الإخوة مع الجد ومن خالفهم فقال: بحجبهم بالجد .. فمثل هذا لا يجوز تكفيره ولا إنكار الصلاة وراءه، ولا يحرم الأكل من ذبيحته، بل تجب مذاكرته والتفاهم معه، ذلك على ضوء الأدلة الشرعية، لأنه أخ مسلم له حقوق المسلمين، والخلاف في مثل هذه المسائل خلاف في مسائل فرعية اجتهادية، جرى مثلها في عهد الصحابة ﵃ وأئمة السلف، ولم يكفر بعضهم بعضا، ولم يهجر بعضهم بعضا من أجلها.\n\n<span data-type='title' id=toc-220>س ٨٨: سئل الشيخ عن قول الإمام محمد بن عبد الوهاب في كشف الشبهات في حديث ذات أنواط فلم يعذرهم بالجهالة؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: \"بعد أن قامت الحجة فلا يعذرون، أما قبل البيان فيعذرون بجهلهم، وقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب لم يعذرهم بالجهالة","vol":"1","page":375},{"text":"أي لم يكن الجهل عذرا يمنع من التغليظ والإنكار عليهم، حيث غضب النبي ﷺ، وأنكر ولكن لم يكفرهم\".\n\n<span data-type='title' id=toc-221>س ٨٩: سئل الشيخ: هل يجوز إكرام أي شخص بالذبح له؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: \"إذا كان الذبح على وجه الإكرام يجوز إذا كان المذبوح له أهلا لأن يكرم، أو كان المذبوح له ضيفا فإن النبي ﷺ قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه».\nأما إذا كان هذا الشخص المذبوح له فاجرا فلا يجوز؛ لأن الفاجر إهانته مطلوبة، إلا إذا كان صاحب البيت يخشى على نفسه من جبروته وشره فيقدم له الإكرام دفعا لبلائه وشره، وإذا أمكنه التخلص من هذا الفاجر والنجاة من شره دون أن يذبح له ودون أن يكرمه فهذا خير، وهذا هو الأولى.\nوإذا وجد المسلم أن تقديم الكرامة ومنها الذبح لهذا الفاجر، وهو نوع من السياسة واستمالة القلوب وتأليفها، ورأى أن الإكرام هو تمهيد وفتح للقلب لقبول النصيحة وتقريبه من الخير، أو كفه عن الشر، أو عن بعض الشر الذي هو فيه، فإنه يجوز الإكرام لهذا الشخص ولربما كان مستحبا، إذن مسألة الذبح لشخص ما يختلف حكمها على حسب حال الشخص المذبوح له وعلى حسب نية الشخص الذي يذبح.","vol":"1","page":376},{"text":"الكرامات\n\n<span data-type='title' id=toc-222>س ٩٠: فضيلة الشيخ سمعنا عن كرامات حدثت مع إخواننا المجاهدين الأفغان فما هي الكرامة ومدى صحتها أفادكم الله وهل نصدقها؟</span>\nالجواب: الكرامة خارقة للعادة أي حادثة تكون خارقة للعادة، يجريها الله جل شأنه على يد من شاء من الصالحين إكراما له، أو إنقاذا له من موقف رأفة له ورحمة به، وهي غير المعجزة، فالمعجزة خارقة للعادة يظهرها الله جل شأنه على يد نبي من أنبيائه، أو رسول من رسله بيانا لرسالته، وتأييدا له في دعوته، وإقامة للحجة على قومه، لإثبات أنه رسول من عند الله، وأنه نبي من أنبياء الله، هذه تسمى معجزة تجري على يد رسول أو نبي من أنبياء الله، والأولى تعتبر كرامة تظهر على يد صالح من الصالحين غير الأنبياء، وقد تظهر على يد الأنبياء مع أتباعهم فيما بينهم، كتلك المعجزات التي ظهرت على يد الرسول ﷺ.\n«ففي غزوة الخندق كان الطعام لا يكفي إلا لخمسة، أو لعشرة مثلا، فكفى جيشا من الجيوش بإذن الله، كفى المؤمنين في المدينة دعاهم أنس وجاءوا لبيت أبي طلحة، وأم أنس هي التي صنعت الطعام وأعدته ولما جاء الرسول ﷺ أمرها أن تأتي بالطعام، ودخلوا عشرة عشرة فأطعمت جميع من كان يحفر في الخندق، وبقي الطعام كما هو» وهذا فيما بين الرسول ﷺ والمؤمنين، لا يراد به إقامة حجة على كافر، إنما يراد به إكرام المؤمنين بإطعامهم من جوع؛ لأنه قد ظهر عليهم، «وكان الرسول ﷺ محتزما من شدة الجوع بحزام ضاغط به على جلد بطنه حتى يستطيع أن ينتصب قائما».","vol":"1","page":377},{"text":"هذا مما ظهر من الكرامات على يد الأنبياء، وهو يسمى أيضا معجزة، ولكن لا يراد بها إقامة حجة في مثل هذا.\n«وفي أحد الأسفار لم يكن معهم من الماء إلا الشيء القليل، فأمر الرسول ﷺ بقليل من الماء ووضع يده فيه فنبع الماء من بين أصابعه وهو بين الصحابة رضوان الله عليهم،» وهو شبيه بالخارقة الأولى التي حصلت إكراما له وللصحابة، فشربوا وسقوا وتوضئوا، ومن كان عليه جنابة اغتسل، ومن أراد أن يتنظف تنظف.\nوهناك معجزات أخرى يراد بها إقامة الحجة مثل القرآن، ومثل انشقاق القمر، ومثل المعجزات الأخرى التي ظهرت أمام الكفار، إثباتا لرسالة نبينا محمد ﷺ.\nفالكرامة تظهر على يد الرسول ﷺ، وعلى يد غيره من الصالحين الذين ليسوا برسل، ولا أنبياء، والمعجزة لا تظهر إلا على يد الأنبياء والرسل، والكرامة عامة في الرسل، والأنبياء، وفي الصالحين من غير الأنبياء والرسل، هذا من تظهر على يده الكرامة وهذا تعريفها.\nأما وقوع الكرامة فقد وقعت كما ذكرت للرسول ﷺ، ووقعت لبعض","vol":"1","page":378},{"text":"الصحابة ﵃ فمن ذلك أن أسيد بن حضير وعباد بن بشر تحدثا عند رسول الله ﷺ حتى ذهب من الليل ساعة، في ليلة شديدة الظلمة، ثم خرج بيد كل منهما عصية، فأضاءت عصا أحدهما حتى مشيا في ضوئها، حتى إذا افترقت بهما الطريق أضاءت عصا الآخر فمشى كل منهما في ضوء عصاه حتى بلغ أهله، هذه من الكرامات التي حصلت للصحابة.\nوأيضا في غزوة من الغزوات كان زعيمها أو قائدها سارية وكان عمر بن الخطاب ملهما محدثا كما ذكر الرسول ﷺ «إن كان في الأمة محدثون فعمر بن الخطاب ﵁» هذا الحديث ثابت عن النبي ﷺ، وكان عمر ملهما وكان يرى الرأي للنبي ﷺ فينزل به القرآن تصديقا لعمر بن الخطاب، وهذا الأمر حصل عدة مرات، فصلاة ركعتين إلى جهة الحجر الأسود عقب الطواف نزل به القرآن تصديقا لعمر بن الخطاب ﵁.\nفهذا ابن الخطاب ﵁ وهو يخطب على المنبر ألهمه الله، أو أراه الله","vol":"1","page":379},{"text":"سارية، والجيش من ورائه، فقال له: يا سارية الزم الجبل أي اجعل ظهرك إلى الجبل حتى لا يأتيك العدو من الخلف، وهذه خطة حرب علمه إياه، وهو في غيبة عنه على مسافة أطول من مسافة القصر بعشرات المرات، ومع ذلك سمع سارية عمر بن الخطاب ﵁ ولما حضر سألوه نادى عمر في يوم كذا وقال كذا أسمعت؟ فقال: لقد سمعته ولقد انصرفت إلى الجبل وجعلته في ظهر الجيش فنصرنا الله على أعدائنا.\nفهذه كرامة يذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من علماء المسلمين لعمر بن الخطاب، وكرامة لسارية ولسائر الجيش، رسم لهم خطة حربية وهو على المنبر في المدينة والجيش يجاهد في سبيل الله، هذا من الكرامات التي وقعت في هذا الحرب قد يكون في الجيش بعض المنافقين، ولكن أيضا يوجد بعض المخلصين، وجيش الرسول ﷺ قد خرج فيه بعض المنافقين في غزوة تبوك، وأرادوا أن يغتالوه ﷺ، فالجيوش لا تسلم من أن يكون فيها خائن أو من يدبر سوءا للجيش، وخرج عبد الله بن أبي ابن سلول في غزوة أحد، ومعه كثير من المنافقين، وكثير من ضعفاء القلوب، ولما وصلوا إلى مكان القتال رجع عبد الله بن أبي ابن سلول رأس المنافقين بثلث الجيش، فكادت تحصل فتنة في الجيش، وكادوا ينقسم بعضهم على بعض، وبعضهم يحدث نفسه بالانصراف وفي ذلكم يقول الله جل شأنه: ﴿إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما﴾ قد يحدث هذا، وبالفعل قد حدث ذلك في الجيش الذي خرج فيه جماعة من المنافقين، ورجع منه جماعة، فأنزل الله الملائكة وحاربت المشركين كما أنزل ملائكة في غزوة بدر، وكانت الملائكة تنزل في مواطن كثيرة في الحروب، وهذا من الكرامات التي حصلت في غزوة بدر، وحصلت لهم في غير غزوة بدر، وتحصل للمسلمين في الوقت الحاضر، وقد يكون عند إنسان إلهام يلهمه الله إياه","vol":"1","page":380},{"text":"إلى درجة اليقين في أمر لا يدريه قبل ذلك كما حصل لأبي سعيد الخدري في قصة الرقية التي ذكرت من قبل فرقى بالفاتحة دون أن يكون عنده علم مسبق بأنها رقية لكنه إلهام ويقين، فحقق الله يقينه وصدق إلهامه، هذا أيضا من الكرامات.\nأقول: إن الكرامات لها حقيقة وعرفتها لكم، وأنها تظهر على يد صالح من المسلمين، وأنها خارقة للعادة، وقد تظهر على يد رسول من رسل الله ونبي من أنبيائه، أما المعجزة فلا تظهر إلا على يد نبي إثباتا لرسالته أو لنبوته.","vol":"1","page":381},{"text":"<span data-type='title' id=toc-223>ثانيا: فتاوى الفقه</span>","vol":"1","page":383},{"text":"<span data-type='title' id=toc-224>أولا: فتاوى الطهارة</span>\n<span data-type='title' id=toc-225>س ١: سئل الشيخ: عن التسوك باليد اليمنى أو اليسرى؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «بأيهما شاء لا فضيلة لأحدهما».\n\n<span data-type='title' id=toc-226>س ٢: سئل الشيخ: عن زيادة مسلم بن إبراهيم (وسواكه)؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «لو ثبتت فيحتمل أن يكون المراد التيمن في الجهة أي يبدأ بالجهة اليمنى»\n\n<span data-type='title' id=toc-227>س ٣: سئل الشيخ: هل يصح الوضوء بدون غسل الكف مع غسل اليدين إلى المرفقين؟ أم يكفي غسلهما في أول الوضوء؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «يعمهما من أطراف الأصابع والإكان ناقصا ركنا».\n\n<span data-type='title' id=toc-228>س ٤: سئل الشيخ: هل يمسح على الخف الأيسر اليد اليمني أم باليسرى؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «يمسح على الخف الأيسر باليسرى وعلى الأيمن باليمنى، أو على كل منهما بيديه جميعا.\n\n<span data-type='title' id=toc-229>س ٥: سئل الشيخ: هل يجزئ غسل الجنابة عن غسل الجمعة؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «نعم يجزئ حتى على القول بوجوب غسل الجمعة؛ لأن الحكمة من غسل الجمعة النظافة وهي العلة\n\n<span data-type='title' id=toc-230>س ٦: سئل الشيخ: ما الفرق بين غسل المرأة للجنابة وللحيض؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «لا فرق بينهما إلا في حك الدم في الحيض ولا فرق في فك الضفائر، إذا منعت وصول الماء فكتها في الغسلين وإذا لم يمنع أبقتها».","vol":"1","page":385},{"text":"<span data-type='title' id=toc-231>س ٧: سئل الشيخ: عن طريقة التخلص من الشعر والأظافر؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «لا أصل للمنقول عن أحمد أنه يدفنه بل لا بأس بإلقائه في أي مكان».\n\n<span data-type='title' id=toc-232>س ٨: سئل الشيخ: حكم تقصير المرأة شعرها؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «لا يجوز، لأنه تشبه بالإفرنج. قاله في المغني في سنن الفطرة».\n\n<span data-type='title' id=toc-233>س ٩: سئل الشيخ: هل على من وطئ زوجته وهي حائض كفارة؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «حديث الصدقة بدينار، أو نصف دينار على من وطئ زوجته حائضا فيه مطعن، وهو قول أحمد عملا بالموقوف فالحنابلة يعملون بالموقوف، أما عند مالك فلا كفارة عليه».\n\n<span data-type='title' id=toc-234>س ١٠: سئل الشيخ: هل يصح التيمم بالتراب الذي في السجاد؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «إذا لم يجد ماء للوضوء ضرب السجاد فإذا خرج منه تراب تيمم به، وإلا لم يصح. وكذلك الجدار لا يصح التيمم عليه إلا إذا كان عليه غبار ولكن إذا كان الإنسان يحتاج إلى تيمم يجمع ترابا في إناء ويتيمم عليه».\n\n<span data-type='title' id=toc-235>س ١١: سئل الشيخ: عن أحكام المسح على الجوربين والنعلين؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «إذا توضأ ثم لبس جوربا وفوقه نعل له أن يمسح على النعل فإذا خلع النعل انتقض وضوؤه ولزمه خلع الجورب.\nإذا كان ماسحا على الجورب وأدخله في النعل لا يصح له المسح على النعل بل لابد من خلعه ومسح الجورب».","vol":"1","page":386},{"text":"<span data-type='title' id=toc-236>س ١٢ سئل الشيخ: هل يلزم تحريك الخاتم في الوضوء؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «لم يثبت أن النبي ﷺ حرك خاتمة في الوضوء، ولكن الإنسان يحركه إذا كان ضيقا، ويحول دون وصول الماء إلى الجزء الذي يغطيه الخاتم. والنبي ﷺ لم يلبس الخاتم للزينة، وإنما لبسه ليختم به الكتب التي كان يوجهها إلى الملوك يدعوهم فيها إلى الإسلام. والملوك كانوا لا يقبلون كتابا إلا مختوما».\n\n<span data-type='title' id=toc-237>س ١٣: سئل الشيخ حديث من غسل ميتا فليغتسل ومن حمله فليتوضأ؟</span> (^١)\nفقال الشيخ ﵀: «الحديث فيه مقال: ومن الناس من قال بالوجوب ومنهم من قال بالاستحباب». والصحيح أنه لا يلزمه الوضوء والغسل إذا شارك في حمل الميت.\n\n<span data-type='title' id=toc-238>س ١٤: سئل الشيخ ما حكم مس الحائض للمصحف وهي ترتدي قفازا؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «يجوز».\n\n<span data-type='title' id=toc-239>س ١٥: سئل الشيخ: هل يعتبر البياض الذي في جانبي الصفحة وغلاف المصحف من القرآن، لا يجوز مسه للمحدث أم القرآن هو المكتوب فقط؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «غلاف المصحف والبياض في جانبي المصحف منه، فلا يجوز مسه».\n\n<span data-type='title' id=toc-240>س ١٦: سئل الشيخ: هل يلزم نزع اللصق الطبي في الوضوء والغسل؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «اللصق الطبي على حسب الضرر إذا كان يضر نزعه أبقاه واغتسل في وجوده»\n_________\n(^١) رواه الإمام أحمد في المسند (٢/ ٤٣٣)، وأبو داود (٣١٦٢)، والترمذي (١/ ١٨٥)، وابن ماجه (١٤٦٣)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٦٤٠٢).","vol":"1","page":387},{"text":"<span data-type='title' id=toc-241>س ١٧: سئل الشيخ: عمن لبس الفوقاني على التحتاني؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: (إذا لبس على طهارة ولو ممسوح فيها على التحتاني فله أن يسمح على الفوقاني)\n\n<span data-type='title' id=toc-242>س ١٨: سئل الشيخ: ورد في زيادة لأبي داود على حديث عائشة الذي في الصحيحين كان النبي ﷺ «يعجبه التيمن في تنعله وترجله زاد وسواكه»، وذهب شيخ الإسلام تبعا للإمام أحمد أنه يستاك بشماله؛ لأنه من باب إزالة الوسخ فما قولكم في ذلك؟</span> (^١)\nفقال الشيخ ﵀: «لا عبرة بقول أحد في مخالفة النص والحديث يدل على استحباب التسوك باليمين ويشمل هذا أمرين: استعمال اليد اليمنى، والبدء بالجهة اليمنى من الفم. وإلحاق السواك بباب التنظيف والتطهر في الوضوء، والذي يشرع فيه التيمن أولى من إلحاقه بالاستنجاء والاستجمار الذي يشرع فيه التياسر».\n\n<span data-type='title' id=toc-243>س ١٩: سئل الشيخ: تعلمون ما ورد من النصوص في مشروعية المسح على العمامة. فهل يعتبر الشماغ الحالي في حكمها في المسح؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: (الشماغ أظنه لا يلحق بالعمامة ولا يصح المسح عليه لكن إذا لبس تحته أو تحت الفترة قلنسوة يجوز المسح على القلنسوة)\n\n<span data-type='title' id=toc-244>س ٢١: سئل الشيخ: عن دم السقط؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «دم السقط دم نفاس ولو بعد شهرين من الحمل».\n\n<span data-type='title' id=toc-245>س ٢٢: سئل الشيخ: حكم الرطوبات التي تخرج من فرج المرأة؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «لها حكم البول في النجاسة ولكن إذا استمرت كانت كمن به سلس البول»\n_________\n(^١) سبق التخريج.","vol":"1","page":388},{"text":"<span data-type='title' id=toc-246>ثانيا: فتاوى الأذان</span>\n<span data-type='title' id=toc-247>س ١: ما هي السنة في الأذان أن يفرد قوله (الله أكبر، أم يثنيها يعني ينطق والله أكبر، الله أكبر)؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «السنة أن يفرد كل تكبير بحالها ويتنفس بعدها، ثم يقول «الله أكبر» سواء ربع التكبير يعني كبر في أول الأذان أربع تكبيرات أم كبر تكبيرتين، والخلاف في هذا هو خلاف تنوع يعني أن كلا النوعين جائز في نفسه، والمقصود أن يكبر كل تكبيرة لحالها ويتنفس بعدها هذا هو السنة»\n\n<span data-type='title' id=toc-248>س ٢: سئل الشيخ: هل تأذين أذانين للجمعة، أحدهما قبل دخول الوقت والآخر بعد دخوله هل هذا هو السنة أم أذان واحد بين يدي الخطيب؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «تأذين أذانين لصلاة الجمعة أحدهما قبل دخول الوقت هو سنة الخلفاء الراشدين ﵃، فعله عثمان ﵁ ولم ينكر عليه، ولم يبطله علي ﵁ بل استمر العمل به بعد عثمان. وإن كنت أرى أن الأرجح هو آذان واحد بين يدي الخطيب كما يفعله أنصار السنة بمصر لأنه هو الذي كان على عهد رسول الله ﷺ وعلى عهد أبي بكر وعلى عهد عمر ﵄».\n\n<span data-type='title' id=toc-249>س ٣: سئل الشيخ: الأذان خارج المسجد؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «المهم الإسماع، فأيهما كان أبلغ في الإسماع كان أولى وإذا استويا فلا مزية للتأذين خارج المسجد ومثله مثل من يلتفت يمينا وشمالا عند الحيعلتين فينخفض صوته لابتعاده عن (الميك) بينما السماعات فوق المنارة توزع الصوت يمينا وشمالا، فإذا زالت العلة زالت المشروعية كما يستفاد ذلك من قصة اختلاف الصحابة ﵃ في صلاة العصر في بني قريظة»\n\n<span data-type='title' id=toc-250>س ٤: سئل الشيخ: متى يقوم الناس إلى الصلاة عند سماع الإقامة؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «كل بحسبه يقوم الثقيل أولا بمجرد سماعها والخفيف بعد ذلك»","vol":"1","page":389},{"text":"<span data-type='title' id=toc-251>ثالثا: فتاوى الصلاة</span>\nحكم تارك الصلاة\n\n<span data-type='title' id=toc-252>س ١: سماحة الشيخ: ما حكم تارك الصلاة في المسجد مع العلم أنه يصلي في البيت وهل صلاته مقبوله مع العلم أنه يسمع النداء؟</span>\nالجواب: أبدأ بذكر الدليل، وأختار لكم من الأدلة الدليل الذي يتصل بكم وهو في القرآن وفي السنة.\nكانت للرسول ﷺ حروب مع الكفار وهذا أمر معروف، وله غزوات، وقد نزل في السنة الخامسة أو التي بعدها صلاة الخوف (^١) وصلاة الخوف تصلى والإنسان في ميدان القتال سواء كان ميدان القتال خارج البلد، أو كان في حدود البلد، ومعروف أن العدو إذا دهم المسلمين صاروا لا يقوون على الصلاة العادية التي نصليها في المساجد، فكان الرسول ﷺ يصلي بهم صلاة الخوف جماعة فمن أنواع صلاة الخوف ما أذكرهالآن في قوله تعالى: ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة﴾ (^٢) هذا في الحرب، والنداء موجه للنبي ﷺ، إذا كنت فيهم في المسلمين الذين معك في القتال فأقمت لهم الصلاة ﴿فلتقم طائفة منهم معك﴾ (^٢) أي يكبر لصلاة الجماعة، ويكون معه نصف الجيش مثلا ﴿فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم﴾ (^٢) والنصف الباقي الذي يكون من ورائكم، أي أن النصف الأول كان يصلي مع الرسول ﷺ ركعتين إذا كانوا في غير سفر وإذا كانوا في سفر يصلون ركعة، فإذا صلوا ركعتين قاموا وكملوا لأنفسهم وسلموا، والرسول ﷺ مكانه يقرأ القرآن، ويسبح ويذكر الله حتى يكمل من كان خلفه الركعتين\n_________\n(^١) راجع حديث صلاة الخوف عند البخاري (٩٤٣) ومسلم (٦/ ١٢٥) نووي.\n(^٢) سورة النساء، الآية: ١٠٢.","vol":"1","page":390},{"text":"الأخيرتين، وتذهب الطائفة الأولى إلى مكان الطائفة المتخلفة التي تحرس من صلى مع النبي ﷺ وتأتي الطائفة الأخرى وتصلي مع الرسول ﷺ الركعتين الآخرين ويسلم الرسول ﵊، وهم يقومون فيصلون الركعتين الباقيتين، وإذا كانوا في سفر صلت الطائفة الأولى ركعة، وينتظر النبي ﷺ يقرأ القرآن، والطائفة الأخرى تأتي وتصلي الركعة الثانية وتذهب إلى مكان الطائفة المتخلفة التي هي في الحراسة فتأتي المتخلفة وتصلي الركعة الثانية مع النبي ﷺ ثم تقوم تقضي ما عليها من الركعة الباقية ويسلم الرسول ﷺ حينما ينتهي من الركعة الثانية.\nترتيب الصلاة معروف أنه فرض، وأن سلام المأموم لا يكون قبل سلام الإمام في الصلاة العادية لأنه لو سلم قبل الإمام بطلت صلاته بل يجب على المأموم أن يركع بعد الإمام إذا ركع، وأن يسجد بعده، وأن يقوم بعده، وأن ينخفض بعده وأن يكبر تكبيرة الإحرام بعده، وهذا النظام يختلف في صلاة الخوف، فتركت أركان من قضاء الركعتين، أو الركعة وسبق الإمام بها وكذلك سلامهم قبل الإمام، وهذا الأمر لو كان في الصلاة العادية دون خوف لبطلت الصلاة، ومع ذلك غض الطرف عنه من أجل المحافظة على صلاة الجماعة، فصلاة الجماعة التي يترك من أجلها فروض لافرض واحد كسبق الإمام، وقضاء ركعات، وهو يقرأ يسبقونه، ويسلمون، ويذهبون إلى العدو، والجماعة التي تركت فيها هذه الأركان ألا تكون واجبة؟ شيء تترك واجبات، وأركان من أجله، لابد أن يكون واجبا، والذي يقول لا يكون واجبا لا يقبل كلامه أحد، ولا يعقل، ولا يقبله الفكر. هذا مما استدل به العلماء القائلون بوجوب الصلاة في جماعة والواجب على المسلمين أن يصلوا في جماعة إلا لأعذار تبيح لهم التخلف عنها، مثل مرض شديد أو أحد الأفراد عليه حراسة ويخشى أن يترك المكان وفيه أشياء مهمة، هذا بعد أن يرجع من ذهب يصلي جماعة مع زميله وليس بلازم أن يكون مع الجماعة الأولى، وله أن يصلي منفردا إذا صلى أولئك.","vol":"1","page":391},{"text":"جماعة فيصلي هو ويصلي معه واحد يتصدق عليه بأن يكون مأموما معه، وإذا كان المأموم الذي صلى هو الذي يصلح للقراءة ويجودها فيصلي إماما ويصلي المفترض التي كانت عليه الحراسة مأموما، هذه طريقة للحرص على صلاة الجماعة في صلاة الخوف، ومن صلاة الخوف أن العدو إذا هجم بالفعل ولا يقوى قائد الجيش، ولا الجيش على أن ينقسموا قسمين، ولا على أن يقيموا الصلاة في جماعة لأن العدو يمكن أن يتغلب عليهم، ويأتيهم من كل جانب من الجوانب، إذا كانوا كذلك صلوا وهم رجال يمشون على أرجلهم، وهم راكبون على خيولهم وعلى إبلهم، وعلى حمرهم، صلوا وهم راكبون ويتكلم كل واحد منهم، ويحذر كل منهم صاحبه، ويضرب عدوه بالسيف، ويستقبل القبلة ويستدبرها، وهذا قد تجاوز الشرع فيه تجاوزا كليا للمحافظة على أداء الصلاة في وقتها، هذا لما نزلت صلاة الخوف أما قبل أن تنزل صلاة الخوف، فكان لهم أن يؤخروا الصلاة عن وقتها كما حصل في غزوة الخندق، وأخروا الصلوات النهارية حتى غربت الشمس فما صلى الرسول ﷺ صلاة العصر إلا بعد أن غربت عليهم الشمس (^١).\nوفي هذا نزل قوله: ﴿فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا﴾ (^٢) أي صلوا الصلاة العادية التي علمتكم إياها على لسان الرسول ﷺ وفي عمله، أما ما دام الخوف\n_________\n(^١) ثبت ذلك في أحاديث صحيحة عن عدد من الصحابة منهم:\n* ابن مسعود ﵁ رواه مسلم (٦٢٨). وأحمد (١/ ٣٩٢). والترمذي (١٨١). وغيرهم.\n* على ﵁. رواه مسلم (٦٢٧). وأحمد (١/ ٨١، ١١٣).\n* حديث أبي سعيد الخدري ﵁ رواه النسائي (٢/¬١٧)، وأحمد (٣/¬٢٥).\n(^٢) سورة النساء، الآية: ١٠٣.","vol":"1","page":392},{"text":"شديدا فصلوا رجالا أو ركبانا، وقال تعالى في سورة النساء أيضا عقب صلاة الخوف: ﴿فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم﴾ (^١) أي يصلي وهو واقف أو على جنبه مستقبل القبلة ومستدبرها إذا كان العدو أمامه والمسلم يقف له بالمرصاد وكامن له في مكان منخفض ويتحين له الفرصة لكي يصيده بسلاحه فبدلا من أن يراه الخصم في وجهه فيرميه بالنبال ينزل في مكان منخفض فيحتمي به ثم يدركه، ويصيده بدلا من أن الكافر هو الذي يصيد المسلم ويجوز للمسلم أن يصلي راقدا على جنبه وهو قوي قوة الفيل، ويصلي على جنبه خداعا لهذا الكافر وطلبا لسفك دمه والقضاء عليه، هذا درس نأخذه من صلاة الخوف.\nوهذا بيان لأهمية الصلاة وأنهم يحتاجون إليها وقت الجهاد كما يحتاجون لإقامتها في وقتها في غير وقت الجهاد، فإذا كانت الصلاة معتنى بها في الشرع إلى هذا الحد حتى في الجهاد في سبيل الله، فكيف الحال والرجل أمن مطمئن جالس في بيته في مكيف مع أهله، وعلى فراش لين سهل، فكيف الحال وأنا في هذا الأمن والرخاء وهذه النعمة الوفيرة، يجب على الإنسان أن يرعى حق الله في يسره ومنشطه ومكرهه في الجهاد وفي غير الجهاد.\nومن هذا يتبين أن صلاة الجماعة واجبة ولا يصح للإنسان أن يترك الصلاة في المسجد مع الجماعة، وهو قادر على ذلك إلا لمثل الضرورة التي ذكرت لكم في مسألة النيابة، أو في حريق مثلا ماذا يفعل جماعة الإطفاء ماذا يفعلون عندهم ضرورة لو تركوها وذهبوا لصلاة الجماعة، أوصلوا صلاة الخوف، قد تشتعل النار وتتغلب على الجماعة الذين بقوا أمام الحريق، والحريق لا يقف في وجهه شيئ ولا يخاف، وهو ليس مثل الكفار إذا كان أمامه جماعة يخاف منهم، الحريق ليس له قلب، وليس عنده روح حتى ترهب وتخاف، في مثل هذا يتركون الجماعة ولو خرج الوقت ويتركون الصلاة في وقتها، ويشتغلون باطفاء.\n_________\n(^١) سورة النساء، الآية: ١٠٣.","vol":"1","page":393},{"text":"الحريق، وبعد أن ينتهي الحريق ويطفأ يصلون جماعة، هذا شئ اضطرهم لترك الصلاة في جماعة، بل اضطرهم لتأخير الصلاة عن وقتها والضرورة تبيح لنا المحظورة التي هي من هذا الجنس وقد مثلت للضرورة.\nأما النائم على فراشه، ويريد أن يتمتع بأهله ويجلس مع أولاده، ويكمل شرب الشاي، وتفوته صلاة الجماعة، أو رجل عنده ضيوف واستحى أن يخرج بهم إلى المسجد، هذا يستحي من المخلوق ولا يستحي من الخالق.\nأما ترك الصلاة ففيها رأيان مشهوران، رأي الجمهور وهو أشهر وأكثر ويكاد يكون إجماعا وليس بإجماع، لكن من كثرة القائلين به يكاد يكون إجماعا هو أن تركها كسلا حتى يخرج وقتها هو كبيرة من الكبائر ويقولون: لتارك الصلاة قم إلى الصلاة، صلي العصر مثلا لأن الشمس كادت أن تغيب فإذا هو لم يصل حتى غابت الشمس، وقال إن شاء الله سأصلي، خذنا على جناحك، إذا دخلت الجنة اعمل كذا، الله يصلحك، روح عني، أنا أبتليت أنا كذا، ويقول كلمات غير طيبة هذا عند جمهور العلماء يقتل إذا غابت الشمس لكن يرون أنه يدفن في مقابر المسلمين بعد أن يغسل، ويكفن، ويصلى عليه صلاة الجنازة، هذا الرأي هو أشهر الرأيين.\nالرأي الثاني: يقول به جماعة من العلماء يقولون إذا ترك الصلاة كسلا وفتورا، وينبه فلا يصلي، هذا يقتل عند خروج الوقت، أي عند مغيب الشمس أو يستتاب ثلاثة أيام، فإن لم يتب بعد ثلاثة أيام قتل كفرا، ولا يصلى عليه صلاة الجنازة، ولا يدفن في مقابر المسلمين، ويلف في ملابسه، ويوضع في قبر وحده أو يدفن في مقابر الكفار، ولا يرث ماله المسلمون، بل يجعل ماله في بيت مال المسلمين، أي يصادر ويسدد منه الدين، هذا هو الرأي الثاني.\nأفيرضى إنسان أن يختلف فيه أئمة المسلمين؟!\nفريق يقول إنه يقتل، ولكنه مسلم.","vol":"1","page":394},{"text":"وفريق يقول إنه كافر يقتل مرتدا بعد أن يستتاب ثلاثة أيام.\nأيرضى مسلم لنفسه بأن يختلف فيه هذا الاختلاف؟! هذا لا يرضى به عاقل.\nهذا هو جملة القول في حكم تارك الصلاة أصلا، ولكنه غير جاحد لها وحكم تارك الصلاة في الجماعة من جهة وجوبها عليه لعذر ويوجد فتاوى في هذا الموضوع في الإفتاء، إذا أرسل من جانبكم رسالة واحد إلى الإفتاء باسم سماحة الرئيس العام الشيخ عبد العزيز بن باز يطلب منه الفتوى التي هي في حكم ترك الصلاة، والفتوى التي هي في حكم ترك الصلاة أثناء إطفاء الحريق، والذي سبق التحدث عنها، إذا طلبتم منهم الفتاوى في هذا الموضوع، وفي ترك الصلاة جماعة بغير عذر، تأتي إليكم الفتوى، وتعملون منها نشرات وتوزعون منها فيما بينكم.\nودليل آخر لوجوب صلاة الجماعة الرسول ﵊ علم أن جماعة يتخلفون عن الصلاة أي تكرر هذا منهم عدة مرات، ويصلون في بيوتهم، وقد يصلون جماعة في البيت، يصلي بزوجته، ويصلي بأولاده، ويعودهم على الصلاة في البيت بدلا من الصلاة في المسجد ولو جماعة، والرسول ﵊ علم بحال هؤلاء فقال: «لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام وأن آمر برجل فيصلي بالناس وأن آمر بحطب فيحطب وأن أذهب إلى قوم يصلون في بيوتهم ويتخلفون عن الصلاة في المسجد فأحرق عليهم بيوتهم» (^١) قال العلماء كان سوف يحرقها لولا ما فيها من النساء والصبيان، أي لولا ما فيها ممن لا تجب عليهم الصلاة جماعة في المسجد الحرقها عليهم، ولكنه ﵊ رحم من في البيوت من أرباب الأعذار من الصبيان والنساء، ومن لا يقوى، ومن لا يجب عليه أن يأتي إلى المسجد من المستضعفين والمرضى، فرحم هؤلاء وترك تحريق البيوت عليهم ثم كان هذا البلاغ منه على ملأ من الصحابة\n_________\n(^١) رواه البخاري (٦٤٤)، ومسلم (٢٥١).","vol":"1","page":395},{"text":"كافيا لأن يسارع أولئك إلى المسجد ليصلوا الصلوات الخمس جماعة في بيت الله ﷾.\nهذا دليل أيضا من الأدلة ولكني بدأت بما يتصل بالنواحي الحربية بما هو أوثق بجماعتكم من الجماعة الذين جلسوا في بيوتهم في أمن وسلام. وصلى الله على سيدنا محمد ﷺ.\n\n<span data-type='title' id=toc-253>س ٢: سئل الشيخ: عن الجمع بين الصلاتين في المطر، هل يشترط أن يكون المطر كثيرا؟ فقال الشيخ ﵀: «يشرع الجمع بين الصلاتين الظهر والعصر تقديما أو تأخيرا في المطر والمغرب مع العشاء تقديما أو تأخيرا في المطر الذي يبل الثياب ويحتاج الإنسان معه إلى استعمال المظلة وتصير الأرض زلقة يصعب السير فوقها».</span>\n<span data-type='title' id=toc-254>س ٣ سئل الشيخ: هل يتابع المسبوق الإمام إذا زاد ركعة خامسة؟ فقال الشيخ ﵀: «إذا زاد الإمام خامسة لا يقوم المأموم وراءه، وإذا قام وراءه عالما أنها خامسة تبطل صلاته فإن كان جاهلا يعلم وتصح صلاته، ولا يصح للمأموم أن يسلم قبل الإمام إلا في صلاة الخوف. أما المسبوق فإن كان عالما أنها زائدة لا يتابع فيها الإمام ولا يقضي ما عليه حتى يسلم الإمام، وإذا لم يعلم وصلاها معه يحسبها ركعة ويكمل».</span>\n<span data-type='title' id=toc-255>س ٤: سئل الشيخ: هل يصلي المأموم المغرب خلف إمام يصلي العشاء؟ فقال الشيخ ﵀: «يشترط اتحاد الهيئة في اقتداء المأموم فيصح أن تصلي الظهر خلف من يصلي العصر ولكن لا يصح أن تصلي المغرب خلف من يصلي العشاء، وإذا لم تعلم أنها العشاء فلك أن تنوي الانفصال إذ علمت في أثناء الصلاة كانفصال المأموم خلف معاذ بن جبل ولم ينكره النبي ﷺ</span>-» (^١).\n_________\n(^١) حديث صحيح رواه البخاري رقم (٧٠١، ٧٠٥) وفي مواضع أخرى ومسلم (٤٦٥) ولفظ مسلم أوضح في المقصود.","vol":"1","page":396},{"text":"<span data-type='title' id=toc-256>س ٥: سئل الشيخ: هل يباح للدارس خارج وطنه القصر والجمع والفطر إذا طالت مدة سفره؟ جزاكم الله خيرا.</span>\nالجواب: أولا الدراسة في الخارج في بلاد الكفر لا تجوز إلا إذا كانت دولته في حاجة لمثل هذا، ولن تتمكن من الإتيان بمن يدرس المواد التي تدرس في الخارج، واضطر أن يسافر للقيام بالواجب العام للإسلام والمسلمين بعد أن يكون ممن عصمهم الله جل شأنه بعلم نافع، وعقيدة صحيحة، والعمل الصالح، والاستقامة والصلابة في خلقه وتمسكه بمبدأه، فيجوز له أن يخرج ليدرس ما تحتاج إليه أمته، أو ما هو مضطر إليه ولا يجد عوضا عن الخارج في داخل بلاده، فإذا ما خرج كانت له رخصة في الجمع بين الصلاتين عند الحاجة إلى ذلك، وفي قصر الصلاة ولكن متى تكون الرخصة؟\nهذا محل خلاف بين العلماء وجمهور العلماء على تحديد مدة ما خمسة عشر يوما، وإما أربعة أيام أو أكثر من أربعة أيام ولو بزمن قليل، أو خمسة عشر يوما كما يذكر الحنفية ومن العلماء قلة لا تحدد المدة، والرأي في هذا رأي اجتهادي، ولكن الراجح في نظري تحديد المدة بأربعة أيام أو أكثر من أربعة أيام بشيء قليل، يعني في حدود الأربعة هذا الذي اعتقده، وهناك محل إجماع بين العلماء إذا كانت المدة غير محدودة، وهو لا يدري متى يعود وهو في انتظار أن يرجع فهذا محل وفاق بين العلماء في الترخيص له في القصر والجمع بين الصلاتين المشتركين في الوقت مهما طالت المدة، كما حصل للنبي ﷺ في غزوة تبوك وأمثالها، هذا الرأي مجمع عليه في هذه الصورة، الشخص الذي سافر عن بلده ولا يدري متى يعود ويرجع إلى بلده هذا محل وفاق بين العلماء له أن يستمر في الجمع بين الصلاتين المشتركين في الوقت وله أن يقصر الصلاة الرباعية، أما إذا كان الزمن محدودا وهو أكثر من أربعة أيام فهذا محل خلاف واجتهاد واختلاف نظر بين الفقهاء، جمهور الفقهاء يحدد المدة وقليل من العلماء","vol":"1","page":397},{"text":"كابن تيمية وابن القيم لا يحدد المدة بل له أن يقصر ويجمع دائما ولو مكث سنة أو سنوات، والسبب في هذا التحديد أولا: أن السفر اسم لمن هو مسافر بالفعل يعني الذي لا يسمى مقيما يسمى مسافرا، فالنازل يسمى مقيما، ولو كانت إقامته يوما واحدا أو نصف يوم هذا هو الأصل، الأصل أن كلمة سفر اسم للانتقال - فما دام منتقلا يسمى مسافرا، فإذا نزل واستقر لا يسمى مسافرا، يسمى مقيما، اسمه نازل ومقيم هذا الأصل في كلمة (سفر) من جهة اللغة، لكن الرسول ﷺ جمع في حجة الوداع بين الصلاتين وقصر - جمع وقصر في مدة أربعة أيام فاعتبرت مدة النزول أربعة أيام، اعتبرت في حكم السفر بالفعل إلحاقا لها بالسفر الذي هو انتقال بالفعل، فمن أجل ذلك رخص للنازل في حدود هذه المدة، رخص له في أن يعمل في صلاته وصومه - لو كان في رمضان - ما يعمله المسافر المنتقل بالفعل، وما زاد على ذلك فهو على الأصل أي يعتبر المسافر مقيما فلا يقصر ولا يجمع إلا لأسباب أخرى مثل البرد الشديد والمطر الشديد وما إلى ذلك.\nهذا هو الأساس، الأساس يتركب من أمرين الأول: لغوي: وهو أن السفر اسم للتنقل بالفعل فالمنتقل بالفعل هو الذي يقال له مسافر، ومدة معلومة يعني مسافة معلومة.\nوالنقطة الثانية: شخص نازل لكنه في حكم المسافر بالفعل وهو الذي أقام أربعة أيام فأكثر، وذلك من عمل الرسول ﷺ في حجة الوداع، فإذا جمعت بين المعنى اللغوي وما لحق به من عمل الرسول ﷺ في قصره لما نزل بالأبطح في حجة الوداع، إذا جمعنا بين الأمرين خرج لنا مذهب الجمهور وهو التحديد بأكثر من أربعة أيام، فما كان من أربعة أيام فأقل يعتبر في حكم المسافر، وما زاد ليس في حكم المسافر، هذا هو توجيه الرأي القائل أن المدة التي تقطع حكم السفر هي إقامة أربعة أيام فأكثر، بينت الخلاف فيه وكل له نظره واجتهاده.","vol":"1","page":398},{"text":"تحية المسجد (^١)\n\n<span data-type='title' id=toc-257>س ٦: سئل الشيخ: ما حكم صلاة تحية المسجد والإمام يخطب؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: اتفق العلماء على طلب تحية المسجد في الجملة لمن دخل المسجد، كما اتفقوا على طلب الإنصات والإصغاء للخطيب يوم الجمعة في الجملة أيضا، واختلفوا فيما ينبغي لمن دخل والخطيب يخطب للجمعة: فذهب إلى الأولى من الأئمة والاستماع فلا يصلي التحية؟ أم يصلي التحية. فذهب إلى الأول من الأئمة الأربعة مالك وأبو حنيفة، وإلى الثاني منهم الشافعي وأحمد (^٢). وهاك مأخذ الفريقين ومنزع المذهبين، وبيان ما يعطيه الحجاج من الحق:\nاحتج الأولون أولا: بعموم قوله تعالى: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا﴾ (^٣). قالوا: أمر الله تعالى بالإنصات والاستماع للقرآن، فالخطبة كذلك، إذ هي قرآن وفي أداء التحية وقتئذ تشاغل وإعراض عن امتثال الأمر، فلا يجوز.\nثانيا: بقوله ﵊: «إذا قلت لصاحبك: أنصت والإمام يخطب يوم الجمعة فقد لغوت» (^٤). متفق عليه، قالوا: اعتبر إرشاده لجليسه إلى الخير،\n_________\n(^١) مقالة للمؤلف ﵀ بمجلة التوحيد الصادرة في مصر (العدد الخامس).\n(^٢) قال النووي في (المجموع) (٤/ ٥٥٢): (مذاهب العلماء فيمن دخل المسجد يوم الجمعة والإمام يخطب: مذهبنا) (أي الشافعية) أنه يستحب له أن يصلي ركعتين تحية المسجد ويخففهما ويكره تركهما. وبه قال الحسن البصري، ومكحول، والمقبري، وسفيان بن عيينة، وأبو ثور، والحميدي، وأحمد، وإسحاق، وابن المنذر، وداود، وآخرون. وقال عطاء بن أبي رباح، وشريح، وابن سيرين، والنخعي، وقتادة، ومالك، والليث، والثوري، وأبو حنيفة، وسعيد بن عبد العزيز، لا يصلي شيئا، وقال النووي نحو ذلك في شرح صحيح مسلم (٦/ ١٦٤).\n(^٣) سورة الأعراف، الآية: ٢٠٤.\n(^٤) أخرجه البخاري في الجمعة، باب: الإنصات يوم الجمعة والإمام يخطب (٩٣٤) ومسلم في الجمعة باب الإنصات يوم الجمعة في الخطبة (٨٥١) من حديث أبي هريرة.","vol":"1","page":399},{"text":"وأمره بالمعروف لغوا مع قصر زمنه، فالتشاغل بالتحية أولى أن يكون لغوا فيمنع.\nثالثا: بما رواه الطبراني من حديث ابن عمر مرفوعا: «إذا دخل أحدكم والإمام على المنبر فلا صلاة ولا كلام حتى يفرغ الإمام» (^١).\nوالجواب عن الاثنين الأولين جملة أنها مخصوصة بمن دخل وصلى وجلس فلا يعمه حكمها من دخل ولم يصل، لقوله ﵊: «إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما» (^٢)، فإنه إذا تعارض الخاص والعام قضى بالخاص على العام.\nويخص الأول: أن إطلاق القول بأن الخطبة قرآن دعوى لا دليل عليها، نعم يجوز أن يكون فيها منه آية أو أكثر، ومع ذلك فالحكم للغالب، ويخص الثاني: أن مصلي الركعتين يطلق عليه منصت، ونظيره في ذلك: ما رواه أبو هريرة في افتتاح الصلاة أن قال: يا رسول الله، سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول فيه (^٣)؟ فأطلق السكوت على القول سرا، فهنا كذلك، ويخص الثالث: أنه حديث ضعيف، فيه: أيوب بن نهيك، قال أبو زرعة وأبو حاتم: إنه منكر الحديث (^٤) فلا تقوم به حجة.\nرابعا واستدلوا: بما رواه أبو داود والنسائي وصححه ابن خزيمة من طريق\n_________\n(^١) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ١٨٤) «رواه الطبراني في الكبير وفيه أيوب بن نهيك وهو متروك ضعفه جماعة وذكره ابن حبان في الثقات وقال: يخطئ».\n(^٢) رواه مسلم في الجمعة باب: التحية والإمام يخطب (٨٧٥).\n(^٣) أخرجه البخاري في الآذان باب ما يقوله بعد التكبير (٧٤٤). ومسلم في المساجد ومواضع الصلاة باب ما يقال بين تكبيرة الإحرام والقراءة (٥٩٨).\n(^٤) قاله ابن حجر في الفتح (٢/ ٤٧٥).","vol":"1","page":400},{"text":"عبد الله بن بسر قال: (جاء رجل يتخطى رقاب الناس والنبي ﷺ يخطب، فقال له: إجلس فقد آذيت) وفي رواية: (وآنيت) (^١) قالوا: أمره بالجلوس دون التحية فدل على عدم مشروعيتها حينئذ.\nوالجواب عنه من وجوه: الأول: أنه يحتمل أن يكون هذا الرجل قد صلى التحية في مؤخر المسجد على مرأى منه ﷺ، ثم تقدم ليتمكن من سماع الخطبة فتخطى الأعناق فأنكر عليه.\nالثاني: يحتمل أن يكون الرجل دخل في أواخر الخطبة، وقد ضاق الوقت بحيث لا يتمكن من التحية قبل الإقامة فلا يطالب بها، ويدل على ذلك ما في بعض الروايات: «فقد أذيت وآنيت» أي: أبطأت.\nالثالث: أن معنى قوله ﷺ: «اجلس» النهي عن تخطي الأعناق، بدليل قوله: «فقد آذيت» وأما التحية فقد وكله ﵊ إلى ما علمه الرجل قبل ذلك من ضرورة التحية، ومع هذه الاحتمالات لا يقوى الحديث المذكور على الاحتجاج به في محل النزاع ذلك جملة حجج المانعين وقد بينا ما فيها من توجيه واحتمال.\nواحتج الآخرون أولا: بقوله ﵊: (إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع وكعتين وليتجوز فيهما (^٢» وهو قاض على عموم ما ذكروا من الأدلة، ولا مطعن فيه، قال النووي: لا أظن عالما يبلغه هذا اللفظ صحيحا فيخالفه (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في الجمعة باب تخطي رقاب الناس يوم الجمعة (١١١٨) وليس فيه وأنيت والنسائي في الجمعة باب النهي عن تخطي رقاب الناس والإمام على المنبر يوم الجمعة (٣/ ١٠٣) وابن ماجه في إقامة الصلاة والسنة فيها باب ما جاء في النهي عن تخطي الناس يوم الجمعة (١١١٥) وابن خزيمة (١٨١١) والحاكم (١/ ٢٨٨) وصححه ووافقه الذهبي. قال ابن حجر في التلخيص الحبير (٢/ ١٤٤) وضعفه ابن حزم بما لا يقدح. وصححه الألباني في صحيح النسائي (١٣٢٦).\n(^٢) مر تخريجه، ص ٣٨٧.\n(^٣) انظر شرح صحيح مسلم للنووي (٦/ ١٦٤).","vol":"1","page":401},{"text":"ثانيا احتجوا: بما رواه جابر بن عبد الله قال: جاء رجل والنبي ﷺ يخطب يوم الجمعة فقال: «صليت يا فلان؟» فقال: لا، قال: «قم فاركع»، وفي رواية: «فصل ركعتين» رواه الجماعة (^١)، وهذا الرجل هو: سليك الغطفاني (^٢).\nوأجاب المانعون بأنها واقعة حال لا عموم لها. ويدل على اختصاصها بسليك ما روي من حديث أبي سعيد أن الرجل كان في هيئة بذة فقال له: «أصليت»، قال: لا، قال: «صلي ركعتين»، وحض على الصدقة (^٣). وأيضا في هذا الحديث عند أحمد أن النبي ﷺ قال: «إن هذا الرجل دخل في هيئة بذة وأنا أرجو أن يفطن له رجل فيتصدق عليه» (^٤)، ورد بأن الأصل عدم الخصوصية، وما ذكروه من قصد الصدقة لا يمنع القصد إلى التحية - أيضا - معها فيكون كل منهما جزء علة للأمر، ولو كان للفت النظر إلى الرجل فحسب لقال: إذا رأيتم ذا بذة فتصدقوه، أو إذا كان أحدكم ذا بذة فليصل ركعتين حتى ينتبه له فيتصدق عليه.\nوأجابوا عن حديث سليك - أيضا - بأن النبي ﷺ سكت حتي فرغ سليك في صلاته، فقد جمع سليك بين التحية والإنصات، فلم يبق في حديثه حجة لمن أجاز التحية وقتئذ. ورد بأن حديث سكوت النبي ﷺ حتى يفرغ سليك ضعيف،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الجمعة باب إذا رأى الإمام رجلا جاء وهو يخطب أمره أن يصلي ركعتين (٩٣٠) ومسلم في الجمعة باب تحية المسجد والإمام يخطب (٨٧٥). والترمذي في الصلاة باب: ما جاء في الركعتين إذا جاء الرجل والإمام يخطب (٥١٠) وقال (حسن صحيح).\n(^٢) أخرجه مسلم من حديث جابر السابق قال: جاء سليك الغطفاني يوم الجمعة ورسول الله ﷺ قاعد على المنبر فقعد سليك قبل أن يصلي فقال له النبي ﷺ أركعت قال: لا، قال: قم فأدركها.\n(^٣) أخرجه النسائي في الجمعة باب حث الإمام على الصدقة يوم الجمعة والإمام في الخطبة (٣/ ١٠٦) والترمذي في الصلاة باب ما جاء في الركعتين إذا جاء الرجل والإمام يخطب (٥١١) وقال (حسن صحيح) وابن خزيمة (١٧٩٩) وحسنه الألباني في تعليقه على صحيح ابن خزيمة.","vol":"1","page":402},{"text":"فإن الدار قطني الذي أخرجه من حديث أنس بن مالك قد ضعفه، وقال الصواب أنه من رواية سليمان التيمي مرسلا أو معضلا (^١) فلا صحة فيه، على أنه لو ثبت لكان مخالفا لقاعدتهم، فإن العمل بعد الشروع فيه لا يجوز قطعه عندهم، لا سيما إذا كان واجبا فعلى كلا الأمرين لاحجة لهم فيه، وقد تعللوا بأجوبة أخرى يأباها النظر فلا داعي إلى سردها.\nوبالجملة فلكل منزع، وقد عرفت وجه الصواب في ذلك، وهو ضروة (^٢) صلاة تحية المسجد للداخل والإمام يخطب للأحاديث الصحيحة الصريحة الثابتة في ذلك مع ضعف جميع الأحاديث التي تمسك به المانعون في الاسناد أو الاستدلال ولا نرى ما يحملنا على ترك الصحيح الثابت، والتحول عنه إلى\n_________\n(^١) أخرجه الدراقطني في الصلاة باب في الركعتين إذا إذا جاء الرجل والإمام يخطب (٢/¬١٥) من طريق عبيد بن محمد العبدي ثنا معتمر عن أبيه عن قتادة عن أنس قال: «دخل رجل من قيس، ورسول الله ﷺ يخطب، فقال: له النبي ﷺ «قم فاركع ركعتين، وأمسك عن الخطبة حتى فرغ من صلاته» قال الدراقطني «أسنده عبيد بن محمد العبدي عن معتمر عن أبيه عن قتادة عن أنس ووهم فيه والصواب عن معتمر عن أبيه مرسل، كذا رواه أحمد بن حنبل وغيره عن معمر». ثم أخرجه (١/¬١٦) عن أحمد بن حنبل ثنا معتمر عن أبيه قال: جاء رجل والنبي ﷺ يخطب فقال: يا فلان أصليت؟ قال: لا، قال، فصل، ثم انتظره حتى صلى» انظر: فتح الباري (٢/ ٤٧٥).\nوأخرجه أيضا (١/¬١٦) عن أبي معشر عن محمد بن قيس أن النبي ﷺ حين أمره أن يصلي ركعتين أمسك عن الخطبة حتى فرغ من ركعتيه، ثم عاد إلى خطبته قال الدارقطني: «هذا مرسل لا تقوم به الحجة، وأبو معشر اسمه نجيح وهو ضعيف». قال العلامة الطيب آبادي ﵀ في (التعليق المغني على الدار قطني) (١/¬١٦ - ١٧) (وأيضا هذه الزيادة - إمساكه عن الخطبة - معارضة لقول النبي ﷺ: «إذا جاء أحدكم والإمام يخطب، أو قد خرج فليصل ركعتين، وهذا حديث جيد الإسناد متفق على صحته مروي في الصحاح، ومعارضه ليس مما تقوم به الحجة لضعفه ولإرساله، فكيف يترك العمل به؟ بل ترد هذه الزيادة، والله تعالى أعلم».\n(^٢) قال ابن رشد في (بداية المجتهد) (١/ ٤٨٤) «والجمهور على أن ركعتي دخول المسجد مندوب إليها من غير إيجاب وذهب أهل الظاهر إلى وجوبها» والله أعلم.","vol":"1","page":403},{"text":"الضعيف الواهي اللهم إلا العصبية الممقوتة والتقليد الأعمى، هدانا الله إلى سواء السبيل.\n\n<span data-type='title' id=toc-258>س ٧: سئل الشيخ: هل يصلي تحية المسجد إذا دخل أثناء آذان الجمعة؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «نعم إذا دخل المسلم أثناء أذان الجمعة يصلي تحية المسجد ولا ينتظر حتى يفرغ المؤذن»\n\n<span data-type='title' id=toc-259>س ٨: سئل الشيخ: عن إئتمام المسافر بالمقيم؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «صلى الصحابة المسافرون أربعا خلف من يصلي أربعا كما في صلاة ابن مسعود خلف عثمان خلافا لابن حزم القائل: إن المسافر يجلس في الركعة الثانية ويترك الإمام يتم الأربع ثم يسلم بسلامه وهو خلاف عمل الصحابة».\nويقول ابن حزم: إذا دخل المسافر في الثالثة أو الرابعة صلى ركعتين وسلم وحجة ابن حزم هي فرضية القصر وبطلان صلاة المسافر إذا أتم».\n\n<span data-type='title' id=toc-260>س ٩: سئل الشيخ: عن الاحتباء في خطبة الجمعة هل يدخل فيها إمساك رجل واحدة بيديه؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «الحبوة يوم الجمعة إذا أمسك رجلا واحدة بيديه فهي حبوة أيضا، منهي عنها لأن العلة أنه يخشى خروج ريح أو نوم».\n\n<span data-type='title' id=toc-261>س ١٠: سئل الشيخ: عن معنى كف الثوب؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «كف الثوب ضمه بعضه إلى بعض وهو جائز إذا كان ذلك حتى يتمكن من السجود. والمنهي عنه هو تشمير الكم حتى لا يتسخ من غبار الأرض. فإذا كان التشمير موجودا قبل الصلاة فلا حرج عليه، إنما الحرج أن يكفه خصيصا عند دخول الصلاة»","vol":"1","page":404},{"text":"<span data-type='title' id=toc-262>س ١١: سئل الشيخ رحمه الله تعالى عن بعض المسلمين في غرب تنزانيا يصلون الجمعة ثم يصلون الظهر. فما حكم الجمع بين الصلاتين هاتين؟</span>\nفأجاب رحمه الله تعالى: ثبت أن الجمعة في عهد النبي ﷺ لم تكن تصلي بالمدينة إلا في مسجد واحد، وأن الصحابة ﵃ كانوا يأتون إليه ﷺ من أطراف المدينة ومن العوالي ونحوها ليصلوا معه الجمعة، واستمر العمل على ذلك في عهد الخلفاء الراشدين ﵃ فلم يثبت أن أحدا مع في عهده ﷺ ولا في عهد خلفائه الراشد بن ﵃ بالمدينة في غير المسجد النبوي أو في العوالي ونحوها مما هو حول المدينة، بل كانوا يقصدون إلى المسجد النبوي الإقامة الجمعة فيه لعدم الحاجة في ذلك الوقت إلى إقامتها في أكثر من مسجد (^١)، وعندما وجدت الحاجة تعددت المساجد من أجل ذلك (^٢) رأى بعض الفقهاء كالمالكية أن من شروط صحة الجمعة أن تكون في مسجد، مع اختلاف بينهم في شروطه، ورأى آخرون كالحنفية أنها لا تصح إقامتها إلا في مصر تقام فيه\n_________\n(^١) ما ذكره الشيخ مأخوذ بالاستقراء كما قال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير (١/ ١١١ - ١١٢) فقال: (قال الشافعي ولا يجمع في مصر وإن عظم ولا في مساجد إلا في مسجد واحد، وذلك لان النبي ﷺ والخلفاء بعده لم يفعلوا إلا كذلك). وقال ابن المنذر في الأوسط (٤/ ١١٦) (أن الناس لم يختلفوا أن الجمعة لم تكن تصلى في عهد رسول الله ﷺ وفي عهد الخلفاء الراشدين إلا في مسجد النبي ويعطل سائر المساجد وفي تعطيل الناس الصلاة في مساجدهم يوم الجمعة لصلاة الجمعة واجتماعهم في مسجد واحد أبين البيان بأن الجمعة خلاف سائر الصلوات وأن الجمعة لا تصلى إلا في مكان واحد).\n(^٢) وقد أخرج عبد الرزاق في المصنف (٥١٩٠) بسند صحيح عن ابن جريج قلت لعطاء أرأيت أهل البصرة لا يسعهم المسجد الأكبر كيف يصنعون؟ قال لكل قوم مسجد يجتمعون فيه، قلت: (الحق عليهم التجميع في مساجدهم ثم يجزي ذلك عنهم من التجميع في المسجد الأكبر إن لم يسعهم؟ قال: نعم). قال الشيخ الألباني في الأجوبة النافعة (ص/ ٨٢) (ينبغي الحيلولة دون تكثير الجمع والحرص على توحيدها ما أمكن اتباعا للنبي وأصحابه من بعده وبذلك تتحقق الحكمة من مشروعية صلاة الجمعة وفوائدها أتم تحقيق، ويقضى على التفرق الحاصل بسبب إقامتها في كل المساجد كبيرها وصغيرها حتى أن بعضها ليكاد أن يكون متلاحقا في بعض البلاد)","vol":"1","page":405},{"text":"الحدود، وتنفذ فيه أحكام الإسلام مع اختلاف بينهم في تفسير المصر، اعتمادا من الفريقين على ما كان من فعل النبي ﷺ وخلفائه الراشدين ﵃، لكن الاستدلال بذلك لما ذهب كل منهما إليه غير صحيح،، لأن مجرد الفعل والمداومة عليه إنما يدل على السنة والكمال، لا على توقف الصحة على ذلك، بل دل الدليل على صحتها في قرية وفي غير المسجد، فإن مصعب بن عمير (^١) وأسعد بن زراره (^٢)، جمعا المسليمن بالمدينة قبل هجرة النبي ﷺ إليها، ولم\n_________\n(^١) قال الحافظ ابن حجر في (التلخيص الحبير) (١/ ١١٥) (وروى الدار قطني من طريق المغيرة بن عبد الرحمن عن مالك عن الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس قال: «أذن النبي ﷺ الجمعة، قبل أن يهاجر، ولم يستطع أن يجمع بمكة، فكتب إلى مصعب بن عمير: أما بعد؛ فانظر اليوم الذي تهجر فيه اليهود بالزبور، فاجمعوا نساءكم وأبناءكم فإذا مال النهار عن شطره عند الزوال من يوم الجمعة فتقربوا إلى الله بركعتين». قال الشيخ الألباني في (إرواء الغليل) (١/ ٦٨) (سكت عليه الحافظ، ولم أره في سنن الدار قطني فالظاهر أنه في غيره من كتبه، وإسناده حسن إن سلم من دون المغيره، وهو ابن عبد الرحمن ابن الحارث بن عبد الله بن عياش أبو هاشم المخزومي وقد احتج به الشيخان وفيه كلام يسير)\nوروى الطبراني في الكبير (١٧/ ٢٦٧) رقم (٧٣٣) والأوسط (٦٢٩٤) ببعضه عن أبي مسعود الأنصاري قال: أول من قدم من المهاجرين المدينة مصعب بن عمير، وهو أول من جمع بها يوم الجمعة، جمعهم قبل أن يقدم رسول الله ﷺ، وصلى بهم.\nقال الحافظ ابن حجر في (التلخيص) (١/ ١١٥): «وفي إسناده صالح بن أبي الأخضر وهو ضعيف» وأقره الشيخ الألباني في الإرواء (١/ ٦٨). الله أعلم.\n(^٢) أخرجه أبو داود في الصلاة باب الجمعة في القرى (١٠٦٩) وابن ماجه في إقامة الصلاة والسنة فيها في باب فرض الجمعة (١٠٨٢) وغيرها وقال ابن حجر في (التلخيص الحبير) (١/ ١١٥) «وإسناده حسن».\nوحسنه الشيخ الألباني في (إرواء الغليل) (١/ ٦٧). وبينه وبين الحديث السابق مخالفة فإن فيه أن أسعد بن زرارة هو أول من جمع بهم وفي هذا الحديث قال عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه كعب بن مالك أنه كان إذا سمع النداء يوم الجمعة ترحم لأسعد بن زرارة فقلت له: إذا سمعت النداء ترحمت لأسعد بن زرارة قال: لأنه أول من جمع بنا في هزم النبيت من حرة بني بياضة في نقيه يقال له نقيع الخضمات قلت: كم أنتم يومئذ؟ قال أربعون). وقد جمع ابن حجر بينهما بقوله (ويجمع بينه وبين الأول بأن أسعد كان أمرا، وكان مصعب إماما) وقال الشيخ الألباني في (الإرواء) (٣/ ٦٩).\n«ويمكن أن يقال أن مصعبا أول من جمع في المدينة نفسها، وأسعد من جمع في بني بياضة وهي قرية على ميل من المدينة». الله أعلم.","vol":"1","page":406},{"text":"تكن حينئذ تقام به الحدود، ولا تنفذ فيها الأحكام لضعف شوكة المسلمين، وأقيمت الجمعة بقرية جواثي بالبحرين في عهد النبي ﷺ (^١)، فدل ذلك على أنه لا يشترط المصر ولا المسجد لصحة صلاة الجمعة.\nويرى جمهور العلماء أنه لا يجوز تعددها في البلد الواحد مراعاة لجمع الكلمة، وإشعارا بالوحدة، إلا لحاجة تدعو إلى ذلك، كتباعد أطراف البلد، أو ضيق المسجد عن أهله، أو وجود خصومة بين سكانه ينشأ عنها خطر عند الاجتماع، فيجوز تعددها بقدر الحاجة، دفعا للمشقة ورفعا للحرج عنهم قال الله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ (^٢)، وقال: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ (^٣) ولأنها صليت في أماكن عند الحاجة، وعلى هذا يتبين أن الجمعة إذا أقيمت في غير المصر وفنائه كانت باطلة عند الحنفية، وعلى من صلاها أن يصلي الظهر.\nوأن من صلاها في غير مسجد ولو في مصر بطلت جمعته عند المالكية، ووجب عليه عندهم أن يعيدها جمعة في مسجد ما دام الوقت، مع استيفاء بقية شروطها وإلا صلاها ظهرا، وأنها إذا أقيمت في مصر جماعة في مساجد متعددة لغير حاجة صحت عند جمهور الفقهاء ممن صلاها في الجامع العتيق أو ممن سبق بها في غيره، وبطلت على غيره، وعند العلم بالتساوي تبطل على الجميع، ويجب على من بطلت جمعته من هؤلاء أن يصلي ظهرا، فإن أقيمت في مسجد جماعة بمصر ولم تتعدد به أو تعددت الحاجة تدعو إلى ذلك مع استيفاء باقي شروطها صحت عند الجميع.\nولهذا يعرف أن السبب في صلاة بعضهم الظهر بعد أن صلى الجمعة إنما هو فقد شرط صحة الجمعة في رأيه أو في مذهب من قلده، مع اتفاق الجميع على أن\n_________\n(^١) يشير إلى حديث ابن عباس ﵄ الذي رواه البخاري في صحيحه رقم (٨٩٢، ٤٣٧١).\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ٢٨٦.\n(^٣) سورة الحج، الآية: ٧٨.","vol":"1","page":407},{"text":"الله لم يفرض على المسلمين في كل يوم وليلة إلا خمس صلوات.\nوقد تقدم أن اشترط المصر في صحة إقامتها، أو اشتراط المسجد في صحتها لا ينهض الدليل على إثباته، وأن المنع من تعددها في البلد الواحد إلا لحاجة يتفق مع ما كان عليه العمل في عهد النبي ﷺ وخلفائه الراشدين كما يتفق مع الحكمة التي من أجلها شرعت الجمعة، لكن غاية ما يدل عليه ذلك أنه يسن عدم تعددها في البلد الواحد إلا لحاجة، وعلى هذا فالصواب أن من صلى الجمعة في المسجد الذي حصل به التعدد في البلد لغير حاجة فصلاته صحيحة وقد أساء لتركه السنة ولا يصلي ظهرا بعد صلاته الجمعة، والله الموفق وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-263>س ١٢: سئل الشيخ رحمه الله تعالى: هل صلاة العيد تجزئ عن صلاة الجمعة؟</span>\nاختلف العلماء فيما إذا كان العيد يوم جمعة، فقال جماعة: من صلى العيد مع الإمام سقطت عنه الجمعة ولا ظهر عليه أيضا ذلك اليوم، واستدلوا بما رواه النسائي في سننه «المجتبى» بسنده عن وهب بن كيسان قال: اجتمع عيدان على عهد ابن الزبير، فأخر الخروج حتى تعالى النهار، ثم خرج فخطب فأطال الخطبة، ثم نزل فصلى، ولم يصل للناس يومئذ الجمعة، فذكر ذلك لابن عباس ﵄، فقال: أصاب السنة (^١)، وبما رواه أبو داود في سننه بسنده عن عطاء بن أبي رباح قال: صلى بنا ابن الزبير في يوم عيد في يوم جمعة أول النهار، ثم رحنا إلى الجمعة فلم يخرج إلينا فصلينا وحدانا، وكان ابن عباس بالطائف، فلما قدم ذكرنا ذلك له، فقال: أصاب السنة (^٢)، وبما رواه أبو داود أيضا عن عطاء قال: اجتمع يوم جمعة ويوم فطر على عهد ابن الزبير رضي الله\n_________\n(^١) أخرجه النسائي في صلاة العيدين، باب: الرخصة في التخلف عن الجمعة لمن شهد العيد (٣/ ١٩٤) صححه الألباني في صحيح النسائي (١١٥٠١)\n(^٢) أخرجه أبو داود في الصلاة باب: تفريغ أبواب الجمعة (١٠٧١)","vol":"1","page":408},{"text":"عنهما فقال: عيدان اجتمعا في يوم واحد، فجمعهما جميعا فصلاهما ركعتين بكرة لم يزد عليهما، حتى صلى العصر (^١)، فترك ابن الزبير صلاة الجمعة ذلك اليوم وهو الإمام إذ ذاك وقول ابن عباس: أصاب السنة، وعدم إنكار أحد من الصحابة عليه، وعدم خروجه ذلك اليوم عند الزوال لصلاتها أو صلاة الظهر بالناس دليل على سقوطها وسقوط الظهر يومئذ عنه وعمن صلى العيد معه، بل دليل على سقوطهما عنهم وعن غيرهم ممن لم يصل معه العيد ذلك اليوم.\nثم أن هذه المسألة من مسائل العبادات والعبادات مبنية على التوقيف في مثل ذلك، فكان عمل ابن الزبير ﵄ في حكم المرفوع.\nلكن قال أبو البركات ابن تيمية في المنتقى عقب ذكر عمل ابن الزبير: قلت: وجه هذا أنه رأي تقدمة الجمعة قبل الزوال فقدمها واجتزأ بها عن العيد. أ هـ (^٢)\nويقال أيضا إن إسقاط صلاة الجمعة والظهر عمن صلى العيد خارج عن الأصول التي فرضت على المكلفين خمس صلوات في كل يوم وليلة، وعن الأصول التي دلت على إقامة كل الصلوات في جماعة، وهؤلاء قد صلوا الجمعة أو الظهر وحدانا حينما لم يخرج لهم ابن الزبير، وكان المشروع لهم على مقتضى دليلهم ألا يصلوها أصلا اكتفاء بصلاتهم العيد، أو أن يصلوها جماعة بمقتضى دليل مشروعية الجماعة في الفرائض.\nوقال أكثر الفقهاء: لا يرخص لمن صلى العيد في ترك الجمعة ذلك اليوم، ولا لغيرهم بل يجب على من توفرت فيه شروط وجوبها أن يصليها، لأن أدلة وجوبها عامة لم تفرق بين من صلى العيد ذلك اليوم ومن لم يصله، والأصل بقاء ذلك حتى يثبت من أدلة الشرع ما يدل على خلافه.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في الصلاة باب: تفريع أبواب الجمعة (١٠٧٢).\n(^٢) انظر نيل الأوطار (٣/ ٣٢١).","vol":"1","page":409},{"text":"<span data-type='title' id=toc-264>س ١٣: سئل الشيخ: عن رجل بلده مصر وهو يعمل في السعودية فهل يقصر إذا زار مصر؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «إذا أقام المسافر أكثر من أربعة أيام يتم، وإذا سافر من السعودية إلى مصر يتم من حين يصل بلده».\n\n<span data-type='title' id=toc-265>س ١٤: سئل الشيخ: هل يصح أن يصلي ركعتين استخارة عن أمرين مختلفين؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «يصلي ركعتين للإستخارة عن شيء معين ثم يصلي استخارة عن الأمر الآخر، وهذا مع الإستشارة أيضا ولا تجزى ركعتان عن أمرين مختلفين أو أمر مخير فيه»\n\n<span data-type='title' id=toc-266>س ١٥: سئل الشيخ: هل يشرع تكرار الاستخارة؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «يشرع تكرار الاستخارة إذا لم ينشرح صدره لأحد الأمرين من أول مرة».\n\n<span data-type='title' id=toc-267>س ١٦: سئل الشيخ: هل يشرع رفع اليدين في تكبيرات العيدين والجنازة؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «تكبيرات صلاة العيدين والجنازة لا يشرع فيها رفع اليدين، وأنا لا أرفع يدي والموقوف على ابن عمر لا يكفي. ولا يشرع بينهما ذكر أو دعاء».\n\n<span data-type='title' id=toc-268>س ١٧: سئل الشيخ: حكم الخروج لصلاة العيد في مسيرات؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «الخروج للعيد في مسيرات منظمة مشروع إذا كان على وجه التعليم، وإشعار الناس بالصلاة في الخلاء».\n\n<span data-type='title' id=toc-269>س ١٨: سئل الشيخ: التكبير الجماعي في صلاة العيد؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «يكبر الإنسان من البيت إلى المصلى وفي المصلى جهرا فيشرع لكل شخص أن يجهر بالتكبير لحاله بحيث يرتج المكان بالتكبير","vol":"1","page":410},{"text":"ويصير عجبا.\nأما اتفاقهم بحيث يبدأون وينتهون معا فهذا التكبير الجماعي لم يرد عليه دليل ولذا فهو غير مشروع».\n\n<span data-type='title' id=toc-270>س ١٩: سئل الشيخ: هل إقامة الصلاة في الميكرفون أفضل أم بدونه؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «الإقامة في الميكروفون أفضل؛ لأن بعض الناس قد يكون غافلا فتحركه الإقامة».\n\n<span data-type='title' id=toc-271>س ٢٠: سئل الشيخ: هل يجوز وضع المصلي نعله أمامه واتخاذه إياها سترة؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «لا يصلح النعل سترة. أما إذا خشي عليها السرقة فوضعها أمامه، فلا بأس».\n\n<span data-type='title' id=toc-272>س ٢١: سئل الشيخ: عن تحريك الأصبع بين السجدتين؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «هو قول الشيخ ابن عثيمين ولا دليل على ذلك والأحاديث الواردة تحمل على التشهد».\n\n<span data-type='title' id=toc-273>س ٢٢: سئل الشيخ: معنى الحديث «كان النبي ﷺ إذا سجد يرص عقبيه» (^١) هل يشترط أن يتلامسا؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «لا. بل معناه يجعلهما قريبين من بعضهما ولا يشترط أن يتلامسا»\n\n<span data-type='title' id=toc-274>س ٢٣: سئل الشيخ: عن تحريك الأصبع في التشهد هل يحرك أم يكتفي بالإشارة بدون تحريك؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: (كلاهما سنة عن النبي ﷺ والأفضل التحريك)\n_________\n(^١) رواه ابن خزيمة (٦٥٤)، والبيهقي (٢/ ١١٦). والحاكم (١/ ٢٢٨) وصححه ووافقه الذهبي. وهو كما قالا.","vol":"1","page":411},{"text":"<span data-type='title' id=toc-275>س ٢٤: سئل الشيخ: عن حكم رسم خطوط المساجد لتستوي الصفوف عليها؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «إذا كان الناس لا تستقيم صفوفهم إلا بذلك فلا بأس، أو كان المسجد قد بني منحرفا عن القبلة ولا تستقيم الصفوف فيه إلا برسم خطوط فلا بأس بذلك إن شاء الله».\n\n<span data-type='title' id=toc-276>س ٢٥: سئل الشيخ: عن بناء البيوت فوق المساجد؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «لقد صدرت عن اللجنة فتوى خلاصتها إذا كان البيت سابقا وطرأ المسجد أسفله فلا بأس، أما إذا كان المسجد سابقا فلا يبنى فوقه إلا بشرط خلو البناء فوقه من دورات مياه أو يكون منفعة عامة كمدرسة».\n\n<span data-type='title' id=toc-277>س ٢٦: سئل الشيخ: حكم تقدم المسبوقين أو تأخرهم قليلا بعد تسليم الإمام لئلا يحسب الداخل أن الجماعة ما زالت قائمة؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «إذا كان لأجل أن يوسع لنفسه لضيق المكان فما هناك بأس وهو جائز. أما أذا كان لدفع الإيهام فليس مطلوبا شرعا، وهناك من هو جالس لم يقم وبعد قليل تختلف هيئتهم».\n\n<span data-type='title' id=toc-278>س ٢٧: سئل الشيخ: وقت القيلولة قبل الظهر أو بعده في المنقول من السنة؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «قد يكون قبل أن يصلوا الظهر ثم يصلون إذا خفت الحرارة. وقوله ﷺ: «أبردوا بالظهر» (^١) معناه أنه يقيل من قبل، فإذا نام بعد الصلاة فلا تعتبر قيلولة»\n\n<span data-type='title' id=toc-279>س ٢٨: سئل الشيخ: عن تحية المسجد هل هي سنة أم واجبة؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «تحية المسجد ليست بواجبة»\n_________\n(^١) حدث صحح رواه البخاري في صحيحه (٥٣٨). (٣٢٥٩). وابن ماجه (٦٧٩). وأحمد (٣/ ٥٣، ٥٩) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁","vol":"1","page":412},{"text":"<span data-type='title' id=toc-280>س ٢٩: سئل الشيخ: هل يأثم بتركها؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «تارك السنة المؤكدة عند المالكية يأثم»\n\n<span data-type='title' id=toc-281>س ٣٠: سئل الشيخ: ماحكم من تعمد ترك واجب في الصلاة؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «من ترك واجبا متعمدا في الصلاة بطلت صلاته».\n\n<span data-type='title' id=toc-282>س ٣١: سئل الشيخ: إذا خرج من المسجد الحاجة يسيرة ثم رجع. هل تلزمه تحية المسجد؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «من خرج من المسجد الحاجة يسيرة ولم يطل الفاصل ثم عاد إلى المسجد كمن خرج ليكلم إنسانا بالخارج، أو يشرب ماء بالخارج لا تلزمه تحية المسجد حتى عند القائلين بالوجوب».\n\n<span data-type='title' id=toc-283>س ٣٢: سئل الشيخ: هل تجزئ السنة القبلية عن تحية المسجد؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «يجزئ الجمع بين تحية المسجد وسنة قبلية».\n\n<span data-type='title' id=toc-284>س ٣٣: سئل الشيخ: ما حكم من قام من الركعة الثانية إلى الثالثة بدون جلوس للتشهد ثم تذكر فرجع وجلس؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «إذا قام المصلي من الركعة الثانية إلى الثالثة بدون أن يجلس للتشهد ثم عاد إلى الجلوس فبعض العلماء يبطل صلاته؛ لأن انتقل من فريضة إلى سنة» (عند المالكية والشافعية) أو واجب عند الحنفية والحنابلة.\n\n<span data-type='title' id=toc-285>س ٣٤: سئل الشيخ: ما حكم كف الشماغ عن الأرض عند السجود؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «كف الشماغ عن الأرض عند السجود هو منهي عنه كالشعر وفي الحديث لا يكفت شعرا ولا ثوبا (^١). إذا كان بقصد ألا يتسخ لا يجوز. أما إذا رفعه قبل الصلاة بقصد ألا يشغل، فهو كفت غير ممنوع».\n_________\n(^١) حديث صحيح رواه البخاري (٨١٥، ٨١٦) وفي غير موضع ومسلم (٤٩٠). وأبو داود (٨٨٩). والترمذي (٢٧٣) وغيرهم من حديث ابن عباس ﵄.","vol":"1","page":413},{"text":"<span data-type='title' id=toc-286>س ٣٥: سئل الشيخ: هل يجوز للمدرس أن يأمر الطالب بصلاة الراتبة ويعاقبه عليها إذا لم يصلها؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «له أن يأمر بأداء الراتبة من باب النصيحة فإذا لم يستجب الطالب فليس له معاقبته»\n\n<span data-type='title' id=toc-287>س ٣٦: سئل الشيخ: قراءة بعض سورة السجدة وبعض سورة الإنسان أو السجدة على ركعتين؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «خلاف السنة»\n\n<span data-type='title' id=toc-288>س ٣٧: سئل الشيخ: عن حكم قلب الغترة في صلاة الاستسقاء؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: (في الاستسقاء إذا لم يكن معه رداء قلب الكوت وإن لم يكن معه قلب الغترة، ولا يصح أن يقلب الطاقية، ولكن الغترة تقوم مقام الرداء وهذه هيئة مستحبة غير واجبة)\n\n<span data-type='title' id=toc-289>س ٣٨: سئل الشيخ: ماذا يقول الإمام عند الجمع لصلاة الكسوف؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «في الكسوف يقول الصلاة جامعة، أو الصلاة جامعة، وجهان صحيحان لغة، ولكن الرواية بالرفع».\n\n<span data-type='title' id=toc-290>س ٣٩: سئل الشيخ: عن حكم تنفل الإمام في مكانه؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «تنفل المأموم في مكانه بالمسجد بعد صلاة الفريضة لا حرج فيه، أما الإمام فالأفضل أن يتحول عن مكانه»\n\n<span data-type='title' id=toc-291>س ٤٠: سئل الشيخ: عن حكم صلاة الطلاب جماعة في المدرسة؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: (صلاة الطلاب في المدرسة غلط لا يجوز ولكن يتعين الذهاب إلى المسجد للصلاة هناك)","vol":"1","page":414},{"text":"<span data-type='title' id=toc-292>س ٤١: سئل الشيخ: عندما يصلي الطلاب في المدرسة يخصص الصف الأول لفصول معينة فما حكم ذلك؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «تخصيص الصف الأول في المسجد لفصل معين لا يجوز، بل الصف الأول لمن سبق فمن سبق له التقدم في الصف، وإن لم يكن داخلا في توطين البعير».\n\n<span data-type='title' id=toc-293>س ٤٢: سئل الشيخ: هل تسقط الجماعة عن المسجون؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «المقيم إقامة جبرية كالسجين تسقط عنه الجماعة في المسجد، ولكن يصلون جماعة في السجن».\n\n<span data-type='title' id=toc-294>س ٤٣: سئل الشيخ: ما تقول فيمن لا يدرك قراءة الفاتحة خلف الإمام لسرعته وتخفيفه؟ وهل من أدرك الإمام راكعا تحسب له ركعة؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «دبر حالك وأسرع في القراءة وبعد ذلك لا يصلي خلفه ويعيد الصلاة إذا لم يدرك الفاتحة في كل الركعات. أما إذا فاتته الفاتحة في ركعة واحدة أعاد ركعة واحدة.\nومن أدرك الركوع لا يدرك الركعة وهو رأي قليل من أهل العلم ولي مقال قديم في أول عدد من مجلة الهدي النبوي. قلت فيه: الفاتحة لا تسقط في حق من أدرك الإمام راكعا وأنا شخصيا إذا رأيت الإمام راكعا أظل واقفا ولا أركع حتى يرفع الإمام خروجا من الخلاف.\nوفي حديث أبي بكرة: «ولا تعد» أي عذره فيما مضى لكن بعد ذلك لا يعود إلي احتساب الركعة ركعة وهو رأي ابن حزم وظاهر كلام البخاري، وهناك فتوى للجنة الدائمة باحتساب الركعة ولم أوقع عليها لاختلافي معهم فيها».","vol":"1","page":415},{"text":"<span data-type='title' id=toc-295>س ٤٤: سئل الشيخ: ما حكم اتخاذ السترة للمصلى؟ وهل يجوز أن يصلي المصلي إلى غير سترة خشية فوات الصف الأول، إذا انتقل إلى عمود أو غيره ليتخذه سترة؟ وما هو تأويلكم لحديث ابن عباس عند البخاري أنه ﷺ صلى إلى غير جدار؟</span> (^١)\nفقال الشيخ ﵀: «حكم اتخاذ السترة في الصلاة أنه واجب، ولا يجوز للمصلي أن يصلي إلى غير سترة؛ من جدار أو عمود أو غيره ولو أدى ذلك إلى فواته من الصلاة في الصف الأول».\nوأما الحديث المذكور، فليس معناه أن النبي ﷺ صلى إلى غير سترة، وإنما سترته لم تكن جدارا. والسترة ليست الجدار فقط وإنما تكون جدارا وغيره.\nوأما الحديث الذي فيه أن النبي ﷺ صلى في أرض فضاء ليس بين يديه شيء فينظر في اسناده (^٢)، فإن صح كان قرينة تصرف الأوامر بالسترة من الوجوب إلى الندب. وإن لم يصح كان الأمر على ما ذكرت وهو الوجوب والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-296>س ٤٥: سئل الشيخ: ما حكم الصلاة خلف إمام يتوسل بالصالحين أو يشرب الدخان؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «من يتوسل بالصالحين لا تصح إمامته؛ لأنه ممنوع من جهة العقيدة. أما شارب الدخان فتصح إمامته».\n\n<span data-type='title' id=toc-297>س ٤٦: سئل الشيخ: ما حكم الصلاة على من مات تاركا الصلاة؟ فقال الشيخ ﵀: «على المسلمين ترك الصلاة عليه؛ لأنه كافر ولو ترك فريضة واحدة عمدا».</span>\n_________\n(^١) رواه البخاري، كتاب الصلاة (٤٩٣).\n(^٢) ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٦٣). وعزاه لأحمد وأبو يعلي وقال: فيه الحجاج بن أرطاة وهو ضعيف.","vol":"1","page":416},{"text":"<span data-type='title' id=toc-298>س ٤٧: سئل الشيخ: ماذا يفعل من كان أبوه لا يصلي؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «إذا كان أبوه وأمه لا يصليان يدعوهما ويبرهما ودعوتهما للإسلام هي أحسن ما يفعله تجاههما».\n\n<span data-type='title' id=toc-299>س ٤٨: سئل الشيخ: إذا أقيمت الصلاة وهو يصلي نافلة هل يخرج منها لصلاة الفريضة؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «نعم يخرج لأن صلاته تنقطع بذاتها ولا يحتاج إلى تسليم. فيجب أن يخرج من النافلة ويصلي المكتوبة حتى لو بقى منها قليل؛ لأن صلاته بطلت بذاتها ليس هو الذي يبطلها»\n\n<span data-type='title' id=toc-300>س ٤٩: سئل الشيخ: ما حكم حلق تلاوة القرآن بعد صلاة فجر يوم الجمعة؟</span>\nفقال الشيخ: ﵀: «إذا لم يكونوا يخصصون يوم الجمعة ولكنها دائمة في جميع أيام الأسبوع فهي مشروعة»\n\n<span data-type='title' id=toc-301>س ٥٠: سئل الشيخ: يقول السائل والدي شيخ كبير السن ومريض جدا. وقد يفقد الذاكرة أحيانا فهل تسقط الصلاة عنه؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «تسقط الصلاة عنه وقت الغفلة والذهول. وينبغي لمن حوله من أولاده أو اخوانه أو غيرهم من أهله وقرابته والمحيطين به أن ينصحوه وينبهوه ليذهب عنه الذهول والغفلة. ينبغي لمن حوله أن ينبهه مساعدة له على أداء الفرض الواجب عليه. فإذا لم يكن عنده من ينبهه فهو معذور وقت غفلته. وإذا انتبه وجب عليه أن يستدرك مافاته»\n\n<span data-type='title' id=toc-302>س ٥١: إذا نسي الإمام في صلاة التراويح فلم يسلم في الثانية ثم قام إلى الركعة الثالثة، ثم عرف أنه أخطأ وأراد أن يصليها أربعا فهل على المأمومين متابعته؟ وما الدليل على ذلك؟</span>\nالجواب: عندي أن الأمر في هذا واسع: له أن يستمر وأن يكملها أربعا،","vol":"1","page":417},{"text":"وله أن يجلس بعد الثالثة الزائدة ويسجد للسهو، والذي أختاره لنفسي وأراه وأعمل به أن يجلس ودليلي على هذا: «إنما الأعمال بالنيات» (^١)، وهو لم يدخل إلا ليصلي ركعتين. فليجلس، وليتم الركعتين وليسلم. ثم الحديث: «صلاة الليل مثنى مثنى» (^٢) هذا هو الدليل، والعلماء يتوسعون في النوافل ما لا يتوسعون في الفريضة، إذ الفريضة محدودة والنافلة بابها واسع، هذا هو الحكم الذي أراه والدليل الذي أستدل به «إنما الأعمال بالنيات»، و«وصلاة الليل مثنى مثنى» (^٣)\n\n<span data-type='title' id=toc-303>س ٥٢: هل تجب قراءة الفاتحة في كل ركعة من صلاة التراويح؟</span>\nالجواب: نعم لا فرق بين النافلة والفريضة، تجب الفاتحة في كل ركعة من ركعات الفريضة والنافلة، يجب على المصلي أن يقرأ الفاتحة في كل كعة من الركعات، والمسبوق فيه خلاف، الأئمة الأربعة، والجمهور من غير الأئمة الأربعة أيضا يقولون أن المسبوق الذي أدرك الإمام في الركوع لا تجب عليه قراءة الفاتحة، وقليل من العلماء قالوا تجب عليه أيضا ولا يعتد بالركعة، هؤلاء قلة من الأئمة ومن غير الأئمة الأربعة فلا فرق بين النافلة كصلاة التراويح والفريضة كصلاة الظهر أو المغرب في أن الفاتحة (^٤) فرض على المأموم كالإمام والمنفرد.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١) وفي غير موضع من كتابه، ومسلم (١٩٠٧) من حديث عمر بن الخطاب قال ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات …» الحديث.\n(^٢) حديث صحيح رواه البخاري (٩٩٠)، ومسلم (٧٤٩). وأبو داود (١٣٢٦). والنسائي (٣/ ٢٢٣). وغيرهم من حديث ابن عمر ﵄ مرفوعا.\n(^٣) أخرجه البخاري (٤٧٢١) [٩٩٠]. ومسلم (٧٤٩) من حديث بن عمر ﵄. قال رسول الله ﷺ: «صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى».\n(^٤) أخرج البخاري (٧٥٦)، ومسلم (٣٩٤) من حديث عبادة بن الصامت أن رسول الله ﷺ قال: «لا صلاة لمن لا يقرأ بفاتحة الكتاب». وأخرج مسلم (٣٩٥) من حديث أبي هريرة عن النبي =","vol":"1","page":418},{"text":"<span data-type='title' id=toc-304>س ٥٣: سئل الشيخ: بعض الأئمة لا يتركون فرصة للمأمومين لقراءة الفاتحة بعد قراءتهم هم للفاتحة خاصة في صلاة التراويح فهل يجب قراءتها؟</span>\nالجواب: يجب قراءة الفاتحة كما تقدم الكلام في هذا، ولم يرد نص في أن الإنسان يخص قراءة الفاتحة بسكتة من السكتات، إنما يجب عليه أن يقرأ الفاتحة وهو يتحين لها الفرصة، ولكن يقرأها أثناء قراءة الإمام للفاتحة، أو في قراءة الإمام للسورة، والأئمة يطولون في التراويح في قراءة القرآن فيقرأها أثناء قراءة الإمام للفاتحة، أو أثناء قراءته للسورة أما أن يجعل لها سكتة خاصة بين الفاتحة والسورة فإن هذا لم يثبت في حديث والحديث الذي ورد في هذا الأمر لم يثبت (^١).\nوالذين قالوا بوجوب قراءة الفاتحة ما عينوا لها زمنا، لكن بعض الناس يتحين الفرصة بوجود سكتة بين السورة والفاتحة ليجمع بين الأمرين، هذا اجتهاد من المأمومين أما قراءة الفاتحة فليس لها زمن معين في وقفة الإمام، فليقرأ الفاتحة حين قراءة الإمام لها أو ليقرأها حين قراءة الإمام للسورة أو الآيات التي يقرأها.\n\n<span data-type='title' id=toc-305>س ٥٤: هل صلاة الترايح ثلاث عشرة ركعة أم اثنتان وعشرون؟</span>\nفأجاب الشيخ رحمه الله تعالى بقوله: ثبت عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه سأل عائشة ﵂ كيف كانت صلاة رسول الله ﷺ في رمضان؟ فقالت: ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة\n_________\n= ﷺ قال: «من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج (غير تمام) ثلاثا فقيل لأبي هريرة إنا نكون وراء الإمام فقال اقرأ بها في نفسك … الحديث».\n(^١) يشير إلى حديث سمرة بن جندب كان للنبي ﷺ سكتتان، سكتة حين يكبر، وسكتة حين يفرغ من قراءته.\nأخرجه البخاري في «جزء القراءة» ص ٢٣، وأبو داود (٧٧٩)، والترمذي (٢٥١)، وابن ماجه وغيرهم وهو ضعيف انظر: السلسة الضعيفة (٥٤٧)، وكذا «للإمام سكتتان، فأتموا القراءة فيهما بفاتحة الكتاب» وقال الألباني في الضعيفة (٥١٦) «لا أصل له».","vol":"1","page":419},{"text":"ركعة، يصلي أربعا فلا تسل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعا فلا تسل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثا، قالت عائشة ﵂، فقلت: يارسول الله أتنام قبل أن توتر؟ فقال: (يا عائشة إن عيني تنامان ولا ينام قلبي) (^١).\nرواه البخاري في صحيحه، وثبت عن مسروق أنه سأل عائشة ﵂ عن صلاة رسول الله ﷺ بالليل. فقالت: «سبع وتسع وإحدى عشرة سوى ركعتي الفجر» (^٢) رواه البخاري في صحيحه، وثبت عن ابن عباس ﵄ أنه قال: «كانت صلاة النبي ﷺ ثلاث عشرة ركعة» (^٣) يعني بالليل رواه البخاري في صحيحه، وثبت عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ صلى ليلة في المسجد فصلي بصلاته ناس، ثم صلى من القابلة فكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة فلم يخرج إليهم رسول الله ﷺ، فلما أصبح قال: «قد رأيت الذي صنعتم، ولم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني حشيت أن تفرض عليكم، وذلك في رمضان» (^٤) رواه البخاري ومسلم، وثبت عن عائشة ﵂ أنها قالت: «كان رسول الله ﷺ يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء إلى الفجر، إحدى عشرة ركعة، يسلم بين كل ركعتين، ويوتر بواحدة»، رواه مسلم وأبو داود والنسائي (^٥).\nفمن هذا ونحوه من الأحاديث يتبين أن رسول الله ﷺ لم يزد في صلاة الليل.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صلاة التراويح باب من قام رمضان (٢٠٣٢).\n(^٢) حديث صحيح رواه البخاري رقم (١١٣٩).\n(^٣) حدث صحح رواه البخاري (١١٣٨)، ومسلم (٧٦٤).\n(^٤) أخرجه البخاري في التهجد، باب: تحريض النبي ﷺ على قيام الليل والنوافل من غير إيجاب (١١٢٩) ومسلم في صلاة المسافرين وقصرها باب الترغيب في قيام رمضان وهو التراويح (٧٦١).\n(^٥) أخرجه مسلم في صلاة المسافرين وقصرها باب: صلاة الليل وعدد ركعات النبي ﷺ في الليل وأن الوتر ركعة وأن الركعة صلاة صحيحة (٧٣٦) وأبو داود في الصلاة باب: في صلاة الليل (١٣٣٧) والنسائي في صلاة باب: إيذان المؤذنين الأئمة (٣٠١٢).","vol":"1","page":420},{"text":"على إحدى عشرة ركعة كما في حديث عائشة ﵂، وثلاث عشرة ركعة كما في حديث ابن عباس ﵄، وأنه كان ينقص من ذلك أحيانا، وقد استمر العمل على صلاة الليل إحدى عشرة ركعة في خلافة أبي بكر وصدر من خلافة عمر ﵄ باتفاق، ثم اختلف الفقهاء هل صارت صلاة الليل - التراويح - في شهر رمضان آخر خلافة عمر ﵁ عشرين ركعة سوي الوتر في الجماعة، أو أن الذي جد هو صلاتها جماعة بعد أن كان المسلمون يصلونها فرادى، أما عدد الركعات فإحدى عشرة ركعة لم يتغير عما كان عليه من قبل؟\nوسبب اختلافهم في ذلك الاختلاف ما أمر به عمر ﵁ من عدد ركعات التراويح وما فعل في عهده، فقد روى مالك في الموطأ عن محمد بن يوسف عن السائب بن يزيد أنه قال: «أمر عمر ﵁ أبي بن كعب وتميما الداري أن يقوم بالناس بإحدى عشرة ركعة قال: وقد كان القارئ يقرأ بالمئين حتى كنا نعتمد على العصي من طول القيام، وما كنا ننصرف إلا في بزوغ الفجر» (^١) و«روى مالك (^٢) عن يزيد بن رومان بثلاث وعشرين ركعة» (^٣)، وأرى أن صلاتها إحدى عشرة ركعة أفضل، فإنه على تقدير عدم صحة ما روى أنها صليت في عهد عمر ﵁ عشرين أو ثلاث وعشرين ركعة فالأمر ظاهر، وعلى تقدير صحة صلاتها عشرين أو ثلاث وعشرين ركعة في عمر -\n_________\n(^١) بزوغ الفجر: هي أوائله وأول ما يبدو منه. يعني بذلك أنهم كانوا لا يقضون صلاتهم لطول القيام إلا قرب الفجر - قاله الباجي في المنتقى (١/ ٢٠٩)\n(^٢) أخرجه مالك في الموطأ في الصلاة في رمضان باب: ما جاء في قيام رمضان (٤).\n(^٣) أخرجه مالك في الموطأ في الصلاة في رمضان باب ما جاء في قيام رمضان (٥) والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٤٩٦) وقد ضعفه النووي في المجموع (٤/ ٣٣١) بقوله «رواه البيهقي ولكنه مرسل فإن يزيد بن رومان لم يدرك عمر». وكذلك ضعفه العيني في (عمدة القاري) (٥/ ٣٥٧) بقوله (سنده منقطع).","vol":"1","page":421},{"text":"﵁ فالعمل بما ثبت عنه ﷺ وعمل به في عهد أبي بكر وصدر من خلافة عمر ﵄ مقدم على ما حدث بعد باجتهاد، والخطب في هذه المسألة سهل، فإنه خلاف في أي العملين أفضل؟\nوأما ما جرى عليه العمل بالمملكة العربية السعودية في صلاة التراويح في عصرنا، فبعض الأئمة يصليها بالمساجد جماعة إحدى عشرة ركعة، وبعضهم يصليها بالمساجد جماعة ثلاثا وعشرين ركعة، عملا ببعض ما ثبت في نظرهم من الآثار عن عمر ﵁.","vol":"1","page":422},{"text":"<span data-type='title' id=toc-306>رابعا: فتاوى الصيام</span>\n<span data-type='title' id=toc-307>س ١: هل الراجح أن لكل بلد رؤية يصوم بها أم يصوم البلد برؤية غيره من البلدان؟</span>\nالجواب: يرجح أن لكل بلد رؤيتهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-308>س ٢: إذا كان مفتي البلد يعمل بالحساب الفلكي ولا يأخذ بالرؤية، فماذا نفعل إذا علمنا أن رمضان قد انتهى، وقد أفطر المسلمون في بلد قريب منا قد بدأوا صومهم معنا؟</span>\nالجواب: قال الشيخ: تفطرون سرا مع المسلمين القريبين منكم والذين قد روأوا الهلال، وتصلون العيد مع الناس في اليوم التالي درءا للفتنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-309>س ٣: تختلف بداية شهر رمضان في دولة عنها في الدول الأخرى وكذلك يختلف وقت بداية الفطر فكيف يفعل المسلم هل يصوم مع بلده أم يصوم إذا رأت إحدى الدول الإسلامية الهلال؟ وماذا تفعل الجالية الإسلامية التي تعيش في إحدى الدول الكافرة؟</span>\nالجواب: إذا كان الإنسان في دولة إسلامية تتراءى الهلال وتعتني به يجب عليه الصوم تبعا لرؤية دولته ولا يجب عليه أن يتبع دولة أخرى إلا إذا كانت البلد التي يعيش فيها دولة كافرة لا تتراءى الهلال، وهم جماعة أو جالية إسلامية ولا يتراءون الهلال بأنفسهم فإنهم يصومون مع أقرب دولة إسلامية إليهم تعتني برؤية الهلال، فيصومون بصومها ويفطرون بفطرها.\nفإن كانت هناك جالية إسلامية لها كيان منظم وتعتبر نفسها مستقلة بأمورها كأنها دولة داخل الدولة وتراءوا الهلال فإنهم يصومون برؤية أنفسهم.\nويجدر بالذكر هنا أن مسألة رؤية الهلال وهل رؤية بلد ملزم لكل البلاد الإسلامية أن يصوموا ويفطروا أم أن لكل أهل بلد رؤيتهم الخاصة هذه المسألة من المسائل الإجتهادية التي فيها خلاف بين أئمة الفقهاء وكل يعمل بما يرى.","vol":"1","page":423},{"text":"فإذا كان الإنسان من العلماء فإنه يعمل بما يرى وإن لم يكن الإنسان من العلماء وكان من جمهور الناس وعوامهم فهو يتبع أئمة بلده، ويتبع العلماء الذي يقوون على أخذ الأحكام من أدلتها.\nوالإنسان يعرف حال نفسه من العلم والجهل وينبغي للمرء أن يكون منصفا في أحواله وأموره وينبغي أن يكون مريدا للحق متبعا له ولا يتبع الهوى والشيطان.\n\n<span data-type='title' id=toc-310>س ٤: المسافر بالطائرة إذا غربت الشمس في الأرض يفطر ولكن إذا ارتفعت الطائرة في الفضاء يرى أن الشمس لم تغرب فما يفعل؟</span>\nقال الشيخ ﵀: إذا غابت الشمس في الأرض فإن الصائم يفطر، فإذا ارتفعت الطائرة في الفضاء، فرأى الشمس لم تغرب استمر على فطره أما إذا ارتفعت الطائرة قبل الغروب فإنه يستمر صائما حتى تغيب الشمس في الطائرة.\n\n<span data-type='title' id=toc-311>س ٥: متى يمسك الإنسان عن الأكل والشرب؟ هل في بداية آذان الفجر أم في نهايته؟</span>\nالجواب: إذا كان المؤذن الذي يرفع الآذان يتحرى الوقت ويراعيه بدقة بحيث يغلب عليه الظن أن الوقت الصحيح قد دخل فلا يجوز أن يأكل أو يشرب إذا بدأ المؤذن قول الله أكبر وذلك لقول الله تعالى: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط --- الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾ (^١) وحتى تدل على الغاية فبعد بدء الآذان لا يصح أكل ولا شرب مادام هناك مراعاة للوقت الشرعي. أما إذا كان يغلب على ظن المسلم أن الآذان يكون قبل دخول الوقت فيجوز له أن يأكل ويشرب أثناء الآذان. ويعرف الوقت برؤية الإنسان للفجر الصادق أو بإخبار من يعرف هذا ممن يوثق به وبقوله وبخبرته.\nومن التناقض الذي يقع ويصدر من بعض الناس أنه يأكل ويشرب وهو يؤذن\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ١٨٧.","vol":"1","page":424},{"text":"ذلك أنه يعتقد دخول الوقت بدليل أنه يؤذن ثم هو يأكل أو يشرب أثناء الآذان: وتجد بعضهم يأكل ويشرب أثناء الآذان أو بعده ثم يقوم فيصلي ركعتي الفجر وهذا تناقض لأن صلاة سنة الفجر إنما تكون بعد دخول الوقت. فيأكل ويشرب وهذا لا يكون إلا قبل دخول الوقت ويصلى سنة الفجر وهي لا تكون إلا بعد دخول الوقت. وهذا تناقض لا ينبغي أن يصدر والصواب إذا كان يعتقد دخول الوقت إمتنع عن الأكل والشرب ويصلي سنة الفجر إذا كان يعتقد عدم دخول الوقت أكل وشرب ولم يصل سنة الفجر.\n\n<span data-type='title' id=toc-312>س ٦: إنسان أمنى في نهار رمضان ولكنه عند الإنزال أمسك ذكره حتى لا يخرج منه شيء من المني هل عليه غسل؟ وهل يصح صيامه؟</span>\nالجواب: نعم يجب عليه الغسل عند كثير من المسلمين. والمني إذا تحرك ينزل على كل حال، ولا يظل مكانه وإذا احتقن المني وبقى مكانه فإن هذا قد يؤدي إلى تورم الخصية وقد يحتاج فاعله لإجراء عملية أو تناول علاج لمداوة خصيته. القصد أنه يجب عليه الغسل والقضاء إذا كان ما ذكر في السؤال حقيقة واقعة وإلا فأنا أرى أنه مجرد فرض وتقدير وأنا أنصح المسلمين أن يبتعدوا عن تكلف أسئلة لم توجد ولم تقع أسوة بأصحاب رسول الله ﷺ.\n\n<span data-type='title' id=toc-313>س ٧: هل يصح استعمال فرشة الأسنان في نهار رمضان؟</span>\nالجواب: يجوز أن يستعمل الإنسان فرشة الأسنان والمعاجين التي ينظفون بها أسنانهم، إذا احتاج إلى ذلك، ولكن الأفضل له أن يتسوك بالسواك المعروف وفيه الكفاية والخير. وقد حث عليه النبي ﷺ (^١) والدين دين السهولة واليسر وتتسع أحكامه ويسره لجميع المستويات والأحوال فهو دين الغني الذي يجد\n_________\n(^١) قال النبي ﷺ: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة). رواه البخاري (٨٨٧). ومسلم (٢٥٢)، وأحمد (٢/ ٢٤٥) وغيرهم من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعا.","vol":"1","page":425},{"text":"الفرشة وما إليها، ودين الفقير الذي لا يجد إلا السواك المعروف، أو إصبعه إن لم يجد السواك المعروف، والأمر واسع ما دام لا ينزل في حلقه شيء مما استاك به.\n\n<span data-type='title' id=toc-314>س ٨: نزلت يوما إلى مكة ولشدة الحر فيها كنت أضع الثلج في فمي وأنا صائم فهل على حرج؟</span>\nالجواب: إذا لم ينزل منه شيء في الحلق فلا حرج. وخير له أن يضع في منخاره إحتياطا وبعدا عن المحظور، أو يضع الثلج على رأسه، ويغتسل ويتوضأ، ويكتفي بالمضمضة.\n\n<span data-type='title' id=toc-315>س ٩: ماذا يلزم الحامل المرضع إذا أفطرتا أياما في رمضان؟</span>\nالجواب: قال الشيخ رحمه الله تعالى: الحامل والمرضع إذا أفطرت رمضان كله أو بعضه عليها القضاء فقط، سواء كان خوفها على نفسها، أو على ولدها ولا تلزمها الفدية والدليل عموم القرآن: ﴿فمن كان منكم مريضا أو على سفر﴾ (^١) وهو أحد الأقوال الثلاثة وهذا مرض وهي نكرة عقب شرط فتعم كل مريض.\n\n<span data-type='title' id=toc-316>س ١٠: امرأة أفطرت في رمضان بسبب نفاسها ثم لم تقضه إلا بعد مرور تسع سنوات لجهل منها ثم قضته بعد أن علمت، فهل يلزمها شيء أخر أم لا؟</span>\nالجواب: يلزمها فدية عن كل يوم أفطرته، وهذه الفدية إطعام مسكين عن كل يوم لتأخيرها القضاء. وكان ينبغي لها أن تسأل لكي تتعلم. والمسلم ينبغي أن يكون حريصا على دينه وحريصا على التعجيل بالخير والوفاء بما سئلت به الذمة من صيام أو نحوه من الواجبات الشرعية، وينبغي للمسلم أن يكون حريصا على دينه بالوفاء مثل هذه المدة الطويلة، تسع سنوات كاملة والسائلة جاهلة لا تسأل هذا خطأ وتقصير كبير. ولو أن ولدها قد ضل طريقه ولم يصل إلى المنزل أو ضاع منها لصاحت، وبكت، وفتشت عنه في كل مكان وسألت\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ١٨٤.","vol":"1","page":426},{"text":"هنا وهناك. ولا تمل السؤال والبحث فكيف تسكت عن أمر دينها والسؤال عنه.\nوالخلاصة أن مذهب جمع من الصحابة أن الذي يؤخر قضاء ما فاته من رمضان حتى يأتي عليه رمضان الذي بعده أنه يقضي ويفدي عن كل يوم إطعام مسكين.\n\n<span data-type='title' id=toc-317>س ١١: إذا فات الإنسان صوم الست من شوال لعذر، هل يشرع له أن يقضيها بعد شوال؟</span>\nقال الشيخ ﵀: لا يقضيها حتى ولو فاته صيامها لعذر، وذلك لأنها مقيدة بكونها في شوال. حتى أن بعض العلماء شدد واشترط أن تكون متصلة متتابعة بعد العيد. والصحيح أنه لا يشترط اتصالها بالعيد. ولا يشترط تتابعها. بل يصح صومها في كل شوال.\n\n<span data-type='title' id=toc-318>س ١٣: ما معنى صفدت الشياطين؟</span>\nقال الشيخ ﵀: هي تصفد أي بالأعمال الصالحة أما من عمل أعمالا ردية، فقد حل قيدها، وفتح باب وساوسها على نفسه، فينفك قيد شياطينه بذلك.","vol":"1","page":427},{"text":"<span data-type='title' id=toc-319>صوم يوم عاشوراء</span>\nعن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ أمر بصيام يوم عاشوراء، فلما فرض رمضان كان من شاء صام ومن شاء أفطر (^١)، ففي الحديث أن النبي ﷺ أمر المسلمين بصيام عاشوراء أمر فرض ووجوب وأرسل من ينادي بذلك في أطراف المدينة وقراها القريبة منها فعن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: «أمر النبي ﷺ رجلا من أسلم أن أذن في الناس أن من كان أكل فليصم بقية يومه، ومن لم يكن أكل فليصم، فإن اليوم يوم عاشوراء» (^٢)\nفصامه المسلمون في العام الأول للهجرة فرضا عليهم. وفي السنة الثانية من الهجرة نزلت فريضة صيام رمضان فرفع عنهم فريضة صيام عاشوراء فكان من شاء صامه تطوعا وقربة ونافلة ومن شاء ترك صيامه كما ذكرت السيدة عائشة ﵂ في الحديث السابق\nثم إن النبي ﷺ نهى عن مشابهة اليهود. نهاه الله عن مشابهتهم وأمره بمخالفتهم. فأمر النبي ﷺ المسلمين أن يخالفوا اليهود في صيام عاشوراء وذلك أن يصوموا معه يوما قبله أو يضموا إليه يوم بعده\nفإذا كان يوم عاشوراء موافقا ليوم الجمعة مثلا نصوم يوم الخميس اليوم السابق ليوم الجمعة أو نصوم الجمعة والسبت. أما اليهود فإنهم يفردون يوم عاشوراء بالصيام. يوما واحدا.\nوقد ذكر بعض أهل العلم أن أكمل الأحوال في صيام يوم عاشوراء أن يصوم المسلم اليوم السابق ليوم عاشوراء ويوم عاشوراء ويوما بعده ثلاثة أيام، وهذا أجمل وأكمل وأعظم للأجر، وأعظم في مخالفة اليهود الذين نهانا الرسول ﷺ\n_________\n(^١) رواه البخاري (٢٠٠١).\n(^٢) رواه البخاري (٢٠٠٧).","vol":"1","page":428},{"text":"عن مشابهتهم فقال ﷺ: «من تشبه بقوم فهو منهم» (^١). فهذا تحذير من الرسول ﷺ يحذرنا فيه من التشبه بالكفار جميعا من يهود ونصارى وغيرهم من أهل الملل والديانات الأخرى، ومع هذا التشديد والتحذير الذي يمنع من التشبه بغير المسلمين من اليهود والنصارى وغيرهم فإن كثيرا من المسلمين، تشبهوا بهم في مجالات كثيرة من الأخلاق والسلوك بل ودخل على كثير من المسلمين بعض عادات النصارى في عبادتهم وعقائدهم.\nوأما عن فضل صيام يوم عاشوراء فقد قال رسول الله ﷺ: «صوم يوم عاشوراء يكفر سنة ماضية» (^٢).\nوالإنسان يحتاج إلى ما يكفر الله به خطاياه لأن العبد مهما كان اجتهاده في الطاعة فهو كثير السقطات والخطايا، فمن الناس من تكون سقطاته وأخطاؤه من قبل لسانه ومنهم تكون أخطاؤه من قبل عينيه، أو من قبل بعض جوارحه الأخرى. وقد تكون خطاياه من قبل وسوسة الشيطان في صدره. ومنهم من تكون خطايه من قبل بعض شهوات النفس. المهم أنه لا يخلو إنسان من خطأ أو تقصير وتفريط في طاعه الله فمن رحمة الله بعباده أن شرع لهم ما يكفرون به هذه الذنوب من الطاعات والعبادة وأعمال البر المختلفة قال تعالى: ﴿وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين﴾ (^٣).\nوقال ﷺ: «وأتبع السيئة الحسنة تمحها» (^٤).\n_________\n(^١) حديث حسن: رواه أبو داود (٤٠٣١)، وأحمد (٢/¬٥٠) من حديث ابن عمر ﵄.\n(^٢) رواه مسلم (١١٦٢) من حديث أبي قتادة الأنصاري ﵁.\n(^٣) سورة هود، الآية: ١١٤.\n(^٤) قال الألباني في صحيح الجامع (٩٧) «حسن»، والحديث رواه الترمذي (١٩٨٧) وأحمد (٥/ ١٥٣، ١٥٨) من حديث أبي ذر ﵁. ورواه الترمذي (ما بعد رقم ١٩٨٧). وأحمد (٥/ ٢٢٨، ١٣٦) من حديث معاذ ﵁، وانظر كلام الحافظ ابن رجب عليه في جامع العلوم والحكم حديث رقم (١٨) فإنه مهم.","vol":"1","page":429},{"text":"وقال ﷺ: «والصدقة تطفئ الخطيئة كما تطفئ الماء النار» (^١)\nفمن رحمة الله بعباده أن يسر لنا من أنواع العبادة ما يكفر بها الذنوب فهذا العبد الخطاء في حاجة إلى كثرة وتنوع المكفرات حتى ينشط كل إنسان في نوع من المكفرات التي يجدها أقرب وأسهل على نفسه فيطهر بذلك نفسه من الذنوب والمعاصي. ويلقى ربه طاهرا فتنزل عليه رحمة ربه في الدنيا والآخرة.\nوالحمد لله رب العالمين وصلي الله وسلم على عبده ورسوله محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين.\n_________\n(^١) رواه الترمذي (٢٦١٦). وابن ماجه (٣٩٧٣) وأحمد (٢٣١٥، ٢٣٥، ٢٣٦)، وفي غير موضع من حديث معاذ ابن جبل ﵁ وإسناده منقطع. وانظر جامع العلوم والحكم لابن رجب الحنبلي (حديث ٢٩) وراجع الترغيب والترهيب للحافظ المنذري (٢٣) كتاب الأدب باب الترغيب في الصمت إلا عن خير.","vol":"1","page":430},{"text":"<span data-type='title' id=toc-320>التدرج في فرض الصوم</span>\nإن من رحمة الله ﵎ في فرض الأحكام التي قد تشق على النفس أن يفرضها بالتدريج. فمن ذلك الصوم فقد تدرج في فرضيته ففي أول الأمر فرض صيام يوم عاشوراء فاستمرت فرضيته عاما واحدا. ثم فرض صيام رمضان بعد ذلك وكان صومه أول الأمر على التخير فكان من شاء صام ومن شاء أفطر وأطعم عن كل يوم يفطره مسكينا. في السنة الثانية لفرض الصيام صار صيامه عزيمة وارتفع الإطعام قال الله تعالى: ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين﴾ (^١) هذه الآية في التخيير فمن كان قادرا على الإطعام أطعم ثم قال الله: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ (^٢) هذه الآية في عزمة الصيام وإلغاء الإطعام.\nوهذا التدرج أيسر على العباد وأنفع في نقلهم من حال كانوا عليها إلى حال أخرى لم يتعودوها، وهذا كالطفل تتركه يرضع، ويرضع ثم يضاف إلى جانب الرضاع الأطعمة سهلة الهضم مع التقليل من الرضاع ثم نتدرج في زيادة الأطعمة وتقليل الإرضاع حتى يتعود على الأطعمة العادية التي يتغذى عليها الكبار بعد أن كان يأكل أطعمة خاصة تناسبه.\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ١٨٤.\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ١٨٥.","vol":"1","page":431},{"text":"<span data-type='title' id=toc-321>خامسا: فتاوى الاعتكاف</span>\n<span data-type='title' id=toc-322>س ١: سئل الشيخ: هل يصح الاعتكاف على سطح المسجد أو منارته؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: يصح الاعتكاف فيه وفي المنارة إذا كان بابها يفتح على داخل المسجد.","vol":"1","page":432},{"text":"<span data-type='title' id=toc-323>سادسا: فتاوى الزكاة</span>\n<span data-type='title' id=toc-324>س ١: سئل الشيخ: عن طريقة حساب الحول في رواتب الموظفين؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «في الزكاة: النماء ناتج عن أصل المال فحوله حول أصله وإذا كان مستقلا وناشئا من جديد كراتب الموظف فله حول جديد من تاريخ تملكه»\n\n<span data-type='title' id=toc-325>س ٢: سئل الشيخ: إذا جمعت صدقات لفقراء معينين ثم اغتنى هؤلاء الفقراء قبل أن تصلهم الصدقة، فهل يصلح تحويلها إلى فقراء آخرين؟ وهل يمكن نقلها إلى بلد فيها فقراء محتاجون؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «لا يصح نقلها إلا بإذن من دفعها، ويصرفها في وجوه البر كمسجد وغيره إذا لم يقف على إذنهم».\n\n<span data-type='title' id=toc-326>س ٣: سئل الشيخ: هل يجوز إقامة مشروع بأموال الزكاة؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «لا يجوز إقامة مشروع بأموال الزكاة بل تدفع لمستحقيها الذين سماهم الله ﷿ في كتابه»\n\n<span data-type='title' id=toc-327>س ٤: سئل الشيخ: إذا كان له زرع وعليه ديون هل يخرج زكاة الزروع؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «زكاة الزروع تجب في المحصول الذي حصده سواء كان عليه دين أم لا».\n\n<span data-type='title' id=toc-328>س ٥: سئل الشيخ: هل يجوز إخراج الزكاة بدون تقدير؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «يجوز إخراج ما يتيقن أنه أدى به الواجب وزيادة».\n\n<span data-type='title' id=toc-329>س ٦: سئل الشيخ: عن حكم تارك الزكاة؟ وهل لو تاب تارك الزكاة يزكي عن الأعوام السابقة؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «إذا تركها كسلا، وكذا ولو ترك الصوم والحج","vol":"1","page":433},{"text":"كسلا فهو فاسق ويجبر على أدائها وإن كانوا جماعة يحاربون حتى يؤدوا الزكاة. ومن كان تاركا لأداء الزكاة وتاب فإنه يزكي عن الأعوام السابقة ولو استغرقت كل ماله».\n\n<span data-type='title' id=toc-330>س ٧: سئل الشيخ: إذا كان لديه أرض يقتنيها ثم ينوي بيعها؟ فقال الشيخ ﵀: «إذا حال عليها حول من تاريخ طروء نية البيع فعليه زكاتها زكاة عروض التجارة».</span>\n<span data-type='title' id=toc-331>س ٨: سئل الشيخ: رجل له دين عند آخر، وحال الحول عليه وليس عند هذا الدائن ما يخرجه زكاة عن دينه فهل يجوز أن يؤخر الزكاة حتى يتقاضى راتبه أو يسوق الله له أي مال فيخرج الزكاة عن دينه الذي له؟ فقال الشيخ ﵀: «إذا كان له دين عند آخر وحال عليه الحول، وليس في يده ما يخرج منه الزكاة فإنه يجوز له تأخير إخراج الزكاة حتى يصل إلى يده شيء من المال فيخرج منه وذلك كله إذا كان الدين عند مليك. أما إذا كان الدين عند غير مليك فإنه لا تجب على صاحبه زكاة».</span>\n<span data-type='title' id=toc-332>س ٩: سئل الشيخ: متى تجب الزكاة على الدائن في دينه ومتى لا تجب عليه؟ فقال الشيخ ﵀: «تجب الزكاة على الدائن في دينه إذا كان المدين غير معسر، بل هو مليك، ولم يكن المدين مماطلا ويستطيع الدائن أن يستخلص حقه منه.</span>\nأما إذا كان المدين معسرا ليس عنده ما يسدد به فإن الدائن ليس عليه زكاة، كذلك إذا كان المدين عنده ما يسدد منه لكنه جبار، والبلاد التي هم فيها بلاد لا تستخلص الحق لصاحب الحق، أو كان صاحب الحق في بلاد يستخلصون الحق لصاحبه، ولكن صاحب الحق ليس عنده من المستندات ما يكفي لإثبات حقه والمطالبة به، وكان المدين ظالما ينكر أن عليه دين ففي هذه الحالة لا تجب على الدائن زكاة حتى يستخلص حقه ولا يسئل عنها ولا يقال متى يدفع الزكاة التي","vol":"1","page":434},{"text":"عليه لأنه لم تجب عليه أصلا ما دام الحال ما وصفت.\nأما إذا كان المدين ملئا ومعترفا بالحق، ويمكن استخلاص الدين منه، لكن الدائن هو الذي سكت عن حقه وانظر المدين لأنه عند المدين أصون وأحفظ له من السرقة والضياع عما إذا ما كان عنده هو، فهذا الدائن تجب الزكاة عليه في هذا الدين إذا حال عليه الحول. وإذا حال الحول على الدائن ولم يجد بيده ما يخرج منه الزكاة فإنه ينتظر حتى يوافيه الله بشيء يخرج منه الزكاة سواء كان المرتب أو موسم الحصاد لأحد المحاصيل أو غير ذلك».\n\n<span data-type='title' id=toc-333>س ١٠: سئل الشيخ: لي أخ يدرس في مصر وأنا الذي أصرف عليه ووالدي موجود على قيد الحياة، فهل أستطيع أن أعتبر ما أنفقته على أخي زكاة أم لا؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «لا تعتبره زكاة وأبوه موجود، وأبوه واجب أن ينفق عليه. لكن تلك النفقة منك صلة رحم ومساعدة في تخريجه ليقوم بواجب إسلامي في أمته وقومه وأسرته».\n\n<span data-type='title' id=toc-334>س ١١: سئل الشيخ: هل يجوز إعطاء القريب الفقير من الزكاة إذا كان خارج بلد المزكي؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «هذا يشتمل على سؤالين: سؤال في إعطاء القريب وسؤال: في إخراج الزكاة عن البلد، أما بالنسبة لكونه قريبا فإذا كان لا تلزم المزكي نفقته جاز أن يعطيه من الزكاة وغير الزكاة، وأما إذا كان ممن تلزمه نفقته فيواسيه من أصل ماله ولا يعتبر صدقة، وإن كان فيه أجر فزوجته مثلا ليست قريبة له ولكن تلزمه نفقتها، فإعطاؤها من ماله والتوسعة عليها في المعروف خير يؤجر عليه وكذلك إكرامه لأولاده وهم ممن تلزمه نفقتهم يؤجر عليه والوالدان يلزم الولد نفقتهما، ومع ذلك إكرامهما والإنفاق عليهما فيه أجر كثير، لكن لا يعطيهما من الزكاة هذا من جهة الأقارب، أما من جهة نقل الصدقة من بلد إلى بلد آخر فإذا كان البلد الآخر فيه من له خصوصية ومزية مثل","vol":"1","page":435},{"text":"قريب فقير لا تلزمك نفقته، فإعطاؤك إياه ونقل صدقتك إليه يقال إنها صدقة وصلة، اجتمع فيها أمران الصدقة وصلة الرحم فيجوز نقلها لمثل هذا، وإذا كان من في البلد البعيد غير بلد الذي يخرج الصدقة، أشد حاجة أرسلها إليه أيضا ويشترط كذلك أن تصل الزكاة إلى من يستحقها قبل يوم العيد أو تصل قبل صلاة العيد على أقصى تقدير، القصد أنها لا تنتقل لبلد آخر إلا لداع يدعو إلى ذلك، كأن يكون قريبا له أو عفيفا لا يمد يده ولا ينتبه إليه الناس، أو يكون أشد حاجة من غيره من أهل البلد أو غير ذلك من الدواعي الشرعية المعتبرة».\n\n<span data-type='title' id=toc-335>س ١٢: سئل الشيخ: إذا كان الحلي يعد للإستعمال والزينة فهل تجب فيه الزكاة؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «الرأي الصحيح أنه تجب فيه الزكاة شكرا لنعمة الله. أما إذا كان الحلي متخذا لوقت الحاجة ينفق منه أو للتجارة فتجب فيه الزكاة بإجماع المسلمين. الذي فيه خلاف هو الذي يتخذ للزينة والاستعمال، هذا هو الذي فيه خلاف، والراجح العمل بعموم النصوص في وجوب الزكاة فيه، أما الذي يتخذ للتجارة تأخذه وتخزنه عندها فإذا ارتفع السعر باعت، وسكتت حتى إذا انخفض السعر اشترت فهذه تجارة في المصاغ التي عندها تترصد بها الأسواق لتكسب، إذا ارتفع السعر باعت، وإذا انخفض السعر اشترت هذا بإجماع المسلمين تجب فيه الزكاة لأنه سلعة تجارية، وكذلك إذا كان موضوعا عندها لا للاستعمال والتحلي به إنما هو لأزمات الدهر فهذا تجب فيه الزكاة بإجماع المسلمين، ليس هو للزينة والحلية إنما رصيد عندها لوقت الأزمات إذا نزلت استغنت به عن مديدها للناس هذا تجب فيه الزكاة باتفاق المسلمين، أما الذي فيه خلاف هو الذي تتخذه المرأة لتتحلى به وتتزين به في المناسبات، فهذا هو الذي فيه الخلاف وعموم الأدلة تشهد بوجوب الزكاة، فيه وقياسه على ملابس الستر ومنزل السكنى خطأ لأن منزل السكن أصله في ذاته لا تجب فيه الزكاة، والملابس التي تستر بها بدنك وعورتك أصلها في مادتها لا تجب فيه الزكاة بخلاف النقود الأصل فيها أنها تجب فيها الزكاة، ولا تقاس على غيرها مما الأصل فيه أنها لا","vol":"1","page":436},{"text":"تجب الزكاة، وقياس الحلية من الذهب والفضة على الملابس التي تلبسها المرأة هذا قياس فاسد، لأن الأصل المقيس عليه مادته لا تجب فيه الزكاة بخلاف مادة الذهب والفضة، فالأصل فيها وجوب الزكاة هذا قياس فاسد والقول الراجح هو الذي ذكرته لكم فيما اتخذ من الذهب والفضة للزينة والمناسبات».\n\n<span data-type='title' id=toc-336>س ١٣: سئل الشيخ: هل يجوز إخراج نقود بدل زكاة الفطر؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «لا يجوز لأن النقود كانت موجودة عند الصحابة وزكاة الفطر مفروضة، ومع ذلك لم يخرج واحد منهم نقودا في ذلك الوقت وسنوات عديدة ليس رمضان واحدا أخرجت فيه زكاة فطر مرة واحدة، رمضان فرض في السنة الثانية وزكاة الفطر تابعة له فتسع سنوات أو ثمان سنوات على الأقل وزكاة الفطر تخرج حبوبا أو تمورا (^١) ولا يخرجها واحد من الصحابة نقودا، ويستمرون هكذا ثم بعد ذلك ينتحلون ليخرجوها نقودا، وفي ذلكم الوقت الناس هم الناس الموجودون الآن منهم من يحتاج إلى أكل، ومنهم من يحتاج إلى كسوة، ومنهم من يحتاج إلى شراء لحم وخضر، ومع ذلك تحرى الرسول ﵊ أن يحددها في أقوات يأكلون منها، وحاجة الإنسان إلى القوت أكثر من حاجته إلى فاكهة أو ملابس، حاجته إلى القوت اليومي أكثر من حاجته إلى ذلك، فاستمرار العمل من الرسول ﵊ في سنوات عديدة زكاة الفطر على إخراج من غير النقود مع كون الناس هم الناس، ويحتاجون إلى الأكل وإلى الكسوة وإلى مصاريف أخرى للأولاد، استمراره على إخراجها مماذكر في الأحاديث دليل على أن هذا هو المشروع دون سواه، فان قال قائل ربما لا أجد الفقير الذي يأخذ مني هذا، نقول له إذا وجدت\n_________\n(^١) أخرج البخاري (١٥٠٣) و(١٥٠٤)، ومسلم (٩٨٤) من حديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ فرض زكاة الفطر صاعا من تمر أو صاعا من شعير على كل حر أو عبد ذكر أو أنثى من المسلمين","vol":"1","page":437},{"text":"الفقير الذي يأخذ النقود سوف تجد الفقير الذي يأخذ القوت. والخلاصة أن زكاة الفطر تخرج من أقوات البلد خلافا لأبي حنيفة ﵀. ومن خالف القول بهذا الذي ذكرت فهو مخطيء في نظري».\n\n<span data-type='title' id=toc-337>س ١٤: سئل الشيخ: هل يصلح الحليب المجفف في زكاة الفطر؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «نعم يصلح الحليب المجفف في زكاة الفطر، لأنه يصلح أن يكون قوتا. والحليب هو أصل الإقط».\n\n<span data-type='title' id=toc-338>س ١٥: سئل الشيخ: ما مقدار نصاب زكاة الحلي من الذهب وكيف تقدر؟ هل بالريالات أم من جنس الذهب؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «الفضة نصابها أقل فينبغي أن يراعى جانب الفقراء والمساكين، فيقدرها بما فيه مصلحة للفقراء والمساكين فيكون تقديرها بالفضة لا بالذهب، وإذا كان الحلي ذهبا وليس فضة قدر ذلك بالذهب هذا له وإن قدره بالفضة كان خيرا فكل جنس يقدر بنوعه فالذهب يقدر بالذهب والفضة تقدر بالفضة، فإن أراد مراعاة جانب الفقير وقدر الذهب بالفضة فقد فعل خيرا ووسع في الخير للفقراء والمساكين دون أن يكون ذلك واجبا عليه».\n\n<span data-type='title' id=toc-339>س ١٦: سئل الشيخ: هل يجوز شراء أسلحة لمحاربة الكافرين من أموال الزكاة؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «إن العداوة التي بين المؤمن والكافرين عداوة قديمة مستأصلة، وأن الخصومة التي بين الفريقين خصومة مستحكمة، وأن قلوب الكافرين لم تزل ولا تزال تتوهج فيها جمرات الغيظ، وتشتعل فيها نيران الضغائن والأحقاد، لا يكاد يخبو لهيبها أو تخمد جمرتها، بل لا تزال تزداد يوما بعد يوم، وتتخذ ألوانا مختلفة من الكيد والتبيت وأشكالا من الحروب النارية خفية وجهرة سرا وعلانية، وما خفي منها أشد ضراوة وأعظم فتكا بالمسلمين مما ظهر، ولذا حذرنا الله من موالاتهم واتخاذ بطانة منهم، قال الله","vol":"1","page":438},{"text":"تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون﴾ ﴿ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور﴾ ﴿إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط﴾ (^١)\nفتارة تكون المعركة بأسلحة مادية وتدور رحاها في الجو، أو البحر، أو على بساط الأرض بالطائرات، والغواصات، والدبابات، وأمثال ذلك من الأسلحة الفتاكة، وتارة تكون نظرية تدور رحاها في عالم الأفكار بإلقاء الشبه ونشر نظريات الإلحاد ونحوها لتشكيك المسلمين في دينهم، وزلزلة العقيدة الإسلامية في نفوسهم، ومحو ما في قلوبهم من حق ويقين، وآونة تكون حرب أعصاب وفتن توهن العزائم، وتبعث الرعب في القلوب، وتحطم وحدة المسلمين، وتفرق جماعتهم بما تلقيه في نفوسهم من بذور الأثرة وأسباب العداوة والبغضاء، وتجعل بعضهم حربا على بعض إلى غير ذلك من ألوان الكيد والحروب فلا بد للمسلمين أن يواجهوهم بمثل أسلحتهم، يواجهونهم بأسلحة مادية يضعونها في نحورهم، ويقضون بها عليهم ويواجهونهم بأدلة علمية يثبتون بها الحق في قلوب المؤمنين، ويمحون بها الشبه حتى لا تكون فتنة ولا إلحاد ولا حيرة ولا شكوك يواجهونهم بإيجاد يقظة في الأمة الإسلامية ونشر الوعي فيها حتى ينكشف لهم ما بخصومهم من الكيد والدس وحتى لا يغتروا بالبهرج الكاذب والمظاهر الخداعة ولا يأخذ التهريج من نفوسهم مأخذه.\nوكل هذه المواجهات والمكافحات أنواع من الجهاد في سبيل الله فيجوز أن يستعان في القيام بها بأموال الزكاة وغيرها من تبرعات المحسنين من أغنياء.\n_________\n(^١) سورة آل عمران، الآيات: ١١٨ - ١٢٠.","vol":"1","page":439},{"text":"المسلمين وبيوت الأموال في الدول الإسلامية عن طريق ولاة الأمور، لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الكفر هي السفلى، وليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة وأن الله لسميع عليم.\nوالله الموفق وصلي الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.","vol":"1","page":440},{"text":"<span data-type='title' id=toc-340>سابعا: الحج</span>\n<span data-type='title' id=toc-341>١ - بناء المسجد الحرام</span>\nقال الله تعالى: ﴿إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين * فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾ (^١).\nأمر الله خليله إبراهيم ﵇ أن يبنى له الكعبة المشرفة في هذا البلد الأمين لتكون قبلة للناس يستقبلونها في صلاتهم ودعائهم، ويحجون إليها ويطوفون بها وحولها.\nوأعلم الله إبراهيم ﵇ بالمكان الذي يقيم فبة بناء الكعبة، وهداه إلى هذا المكان المختار بما شاء من الأمارات والعلامات. وسارع إبراهيم ﵇ بالرحيل من الشام إلى مكة المكرمة حيث يقيم ولده إسماعيل ﵇. فلما رآه إسماعيل قام إليه فصنعا كما يصنع الوالد بولده والولد بوالده. وقال إبراهيم ﵇ لابنه إسماعيل: يا إسماعيل إن الله أمرني بأمر. فقال إسماعيل: اصنع ما أمرك به ربك. قال إبراهيم ﵇: وتعينني؟ قال إسماعيل: وأعينك. قال: فإن الله أمرني أن أبني له بيتا هاهنا وأشار إلى أكمة مرتفعة عما حولها.\nعند ذلك أخذ إبراهيم وإسماعيل يرفعان القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني. حتى إذا ارتفع البناء وصعب على إبراهيم أن يكمل البناء لارتفاعه وعلوه، جاء إسماعيل بحجر ووضعه لأبيه ليقوم عليه وهو يبني وهذا الحجر هو الذي يسمى اليوم بالمقام. واستمر إبراهيم.\n_________\n(^١) سورة آل عمران، الآيات: ٩٦ - ٩٧.","vol":"1","page":441},{"text":"في البناء وإسماعيل يناوله الحجارة وهما يقولان (^١): ﴿ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم﴾، ﴿ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم﴾ (١٢٨)، ﴿ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم﴾ (^٢).\nفاستجاب الله دعاءهما وأراهما المناسك وأمر إبراهيم أن يؤذن في الناس بالحج إلى بيت الله الحرام قال تعالى: ﴿وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام﴾ (^٣).\nفقد عهد الله إلى إبراهيم وإسماعيل ﵉ ببناء البيت وأن يطهراه من كل رجس معنوي أو حسي. وأن يجعلاه خالصا لوجهه الكريم. ويجنباه الأصنام، والأوثان، والأزلام، والاستقام بهما، ويطهراه ويجنباه كل شائبة من شوائب الشرك ويصوناه من النجاسة والأقذار ومن غشيان الكفار له، ومن الضجيج ومنكرات الأصوات. ومن كل ما تأباه النفوس الطاهرة والفطر السليمة وليكون أنسب لجلال الله وتوقيره، وأدعى لإخلاص القائمين فيه والعابدين وأجلب لخشوعهم وصلاح قلوبهم واتصالها بالله وحده دون أن يقطع عليهم شيء من المنغصات أمر عبادتهم وتبتلهم.\nوقد اتفق العلماء على أن الكعبة شرفها الله أول بيت وضع للناس للعبادة في هذه الأرض لقوله تعالى: ﴿إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين﴾ (^٤).\n_________\n(^١) حديث صحيح رواه البخاري رقم (٣٣٦٤) و(٣٣٦٥).\n(^٢) سورة البقرة، الآيات: ١٢٧ - ١٢٩.\n(^٣) سورة الحج، الآيات: ٢٧ - ٢٨.\n(^٤) سورة آل عمران، الآية: ٩٦.","vol":"1","page":442},{"text":"ولحديث أبي ذر ﵁ قلت يا رسول الله: «أي بيت وضع للناس أول؟ قال المسجد الحرام. قلت ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى» (^١).\nونقل ابن كثير (^٢) عن أبي جعفر الباقر أن أول من بني الكعبة هم الملائكة قبل آدم، وقد روى هذا أيضا عبد الرزاق عن عطاء، وابن جريج، وسعيد بن المسيب أن آدم بناها من خمسة أوجه. ثم ذكر عن كعب الأحبار ووهب بن منبه أن أول من بناها شيث، ولم يذكرا دليلا على هذا، وهما إنما يذكران هذا من كتب أهل الكتاب وهذا لا يصدق ولا يكذب. ولا يعتمد عليها - يعني هذه الرواية - وإن صح حديث في هذا - يعني أول من بني الكعبة قبل إبراهيم فعلى العين والرأس. ومع هذا فإن مثل هذا الخلاف لا يبنى عليه شيء من أحكام الشريعة ولا المناسك ولا غيرها. ولا ينبغي تضييع الوقت في مناقشته والاشتغال به. ويجدر بنا أن نقف عند ما صح في الكتاب والسنة من أن أول من رفع بناءها بعد اندثاره هو إبراهيم ﵇ وولده إسماعيل، وكان ذلك بأمر الله ﷾ وللبيت الحرام مزايا كثيرة فقد جعله الله مباركا كثير الخير في الدنيا والدين.\nوقد ضاعف الله ﷾ فيه ثواب الأعمال الصالحات فالصلاة فيه بمائة ألف صلاة في غيره من المساجد (^٣).\nوخص بالوفود إليه للحج والعمرة والطواف به. وجعل الطواف بالبيت صلاة تعظيما لهذا البيت وتعظيما لحرماته.\n_________\n(^١) حديث صحيح رواه البخاري (٣٣٦٦)، ومسلم (٥٢٠). والنسائي (٢/¬٣٢). وابن ماجه (٧٥٣). وأحمد (٥/ ١٥٠، ١٥٦، ١٥٧).\n(^٢) انظر: تفسير ابن كثير (١/ ٣٨٣).\n(^٣) حديث صحيح: رواه أحمد (٣/¬٥). وابن حبان (١٠٢٧ زوائد) وقال الحافظ في فتح الباري (٣/ ٨٠) قال ابن عبد البر: اختلف على ابن الزبير في رفعه ووقفه، ومن رفعه أحفظ وأثبت ومثله لا يقال بالرأي.","vol":"1","page":443},{"text":"واستجاب الله دعوة خليله إبراهيم فجعل أفئدة كثير من الناس تهوى إليه وإلى ذريته في الحرم، ورزق أهله - أهل الحرم - من الطيبات الكثيرة الوفيرة والنعم التي لا حصر لها. وصار بعد هذه الدعوة المباركة من نبي الله وخليله صار المسجد الحرام والبلد الحرام تجبى إليه ثمرات كل شيء فضلا من الله ﷾ وكرما منه. وبارك لأهل هذا الحرم في طعامهم وشرابهم وبعث منهم رسولا إلى الناس كافة وجعله خاتم النبيين جمعا صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.\nقال ﷺ: «أنا دعوة أبي إبراهيم» (^١).\nوجعل في البيت الحرام آيات بينات، ومن دخله كان آمنا فمن دخله معظما له، ومن قصده محتسبا وأدى المناسك كما شرع الله كان آمنا من عذاب الله لقوله ﷺ: «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه» (^٢). ويقول ﵊: «الحج المبرور ليس له ثوابا إلا الجنة» (^٣).\nوأيضا من دخله كان آمنا من التشفي، والإنتقام منه من القتل والقتال، وكان هذا أمرا مستقرا عند العرب ومتعارف عليه حتى قبل الإسلام، حتى إن الرجل منهم كان يلقى فيه قاتل أبيه وأخيه فلا يقتله ما دام في الحرم، وحرم الله ﷿ القتال عنده وفيه إلا أن يبدأ أهل العدوان القتال عند الحرم وفي أرض الحرم فيجوز للمسلمين أن يدفعوا عن أنفسهم القتال والأذى قال تعالى: ﴿ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين﴾ (^٤).\nومن خصائص الحرم أنه لا ينفر الصيد فيه، ولا تقطع أشجاره ومن مزايا\n_________\n(^١) حدث صحيح أنظر صحيح الجامع للألباني (١٤٦٣).\n(^٢) حدث صحيح رواه البخاري (١٨٢٠)، ومسلم (١٣٥٠). وأجمد (٢/ ٢٤٨).\n(^٣) حدث صحيح رواه البخاري (١٧٧٣). ومسلم (١٣٤٩)، وأحمد (٢/ ٤٦٢).\n(^٤) سورة البقرة، الآية: ١٩١.","vol":"1","page":444},{"text":"هذا البيت أنه أول بيت وضع للناس في الأرض للعبادة للحج إليه واستقباله في الصلاة والدعاء.\nومن مزايا هذا الحرم وخصائصه أن الذي بناه ليس هو إنسانا عاديا بل هو إبراهيم الخليل وكان ذلك بأمر الله وحده وفي هذا ترغيم لأهل الكتابين من اليهود والنصارى الذين لم يرضوا بالبيت الحرام قبلة يصلون إليه ويحجون إليه مع زعمهم الإنتساب إلى إبراهيم وأنهم على شرعه وما كان ذلك لشيء إلا الإنفة، والكبر، والعصبية الجاهلية الممقوته فكيف بعد تركهم هذا وغيره من شرع إبراهيم ﵇ يزعمون أنهم أولى بإبراهيم من غيرهم وأنهم معظمون له ومتبعون له. يقول الله تعالى مبطلا دعواهم أنهم من إبراهيم، وأن النصرانية واليهودية التي هم عليها هي كانت دين إبراهيم وملته يرد عليهم ربنا فيقول: ﴿ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم والله يعلم وأنتم لا تعلمون * ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين * إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين﴾ (^١).\nفأبطل زعمهم أنهم على ملته الحنيفية وذلك لأنهم تركوا ملته وشريعته التي أساسها التوحيد ومن أعظم شعائرها تعظيم البيت الحرام وهو أبين التناقض وأوضحه بين الواقع الذي يعيشونه والصراط الذي يسلكونه وبين الدعوى والزعم الذي يزعمونه.\nولما تقادم بنيان الكعبة وصار بنيانها مرتفعا قدر القامة هدمتها قريش واجتمعوا لبنائها وكان ذلك قبل بعثة النبي ﷺ بخمس سنين. فجزأوا البنيان أجزاءا اختص كل جماعة منهم بقسم يبنيه، ولما بلغ البنيان موضع الحجر الأسود إختصموا فيمن يحمل الحجر الأسود (^٢) ويضعه في مكانه الذي سوف يستقر فيه.\n_________\n(^١) سورة آل عمران، الآيات: ٦٥ - ٦٨.\n(^٢) انظر سيرة بن هشام (١/ ١٩٢ - ١٩٧).","vol":"1","page":445},{"text":"حتى كاد يكون بينهم حربا وقتالا ثم احتكموا إلى أول داخل عليهم وأول قادم إليهم، وكان نبينا محمد ﷺ أول داخل عليهم فقالوا. هذا الأمين قبلنا به حكما. فقال هلم ثوبا فجيء بثوب فوضع ﷺ الحجر الأسود عليه بيده، ثم قال لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب فرفعوه حتى إذا بلغوا به موضعه رفعه رسول الله ﷺ بيده ووضعه في مكانه، ثم أتموا بناء الكعبة لكنهم قصرت بهم النفقة فضيقوا بناءها وحسروه عن قواعد إبراهيم ﵇ من ثلاث جوانب ودخلوا بها من جهة الشمال مقدارا معروفا اليوم بحجر إسماعيل. وظلت الكعبة على حالها الذي بنته عليها قريش حتى غلب عبد الله بن الزبير ﵄ على مكة فنقض الكعبة، وبناها على قواعد إبراهيم ﵇ وجعل لها بابين بابا شرقيا وبابا غربيا ملصقين بالأرض لقول رسول الله ﷺ لعائشة ﵂: «لولا أن قومك حديثوا عهد بكفر لهدمت الكعبة وبنيتها على قواعد إبراهيم ولجعلت لها بابين بابا شرقيا وبابا غربيا ولألصقتهما بالأرض» (^١). وظلت على حالها الذي بناها عليه ابن الزبير طيلة أمارته ﵁ حتى قتله الحجاج الثقفي فردوها إلى ما كانت عليه قبل ابن الزبير ﵄. كما كانت قد بنتها قريش قبل ذلك وكما كانت عليه في عهد عبد الملك بن مروان.\nولما كانت دولة بني العباس وتولي الخلافة هارون الرشيد عزم أن يهدم الكعبة ويؤسسها على قواعد إبراهيم كما كان فعل عبد الله بن الزبير. فقال له الإمام مالك رحمه الله تعالى: يا أمير المؤمنين لا تجعل الكعبة ألعوبة للملوك لا يشاء أحد أن يهدمها إلا هدمها فترك ذلك الرشيد فبقيت على هذا إلى وقتنا الحاضر والله الموفق وصلي الله وسلم على نبينا محمد.\n_________\n(^١) حديث صحيح رواه البخاري (١٥٨٤) وفي غير موضع. ومسلم (١٣٣٣) والنسائي (٥/ ٢١٤). وأحمد (٦/ ١١٣).","vol":"1","page":446},{"text":"<span data-type='title' id=toc-342>٢ - مواقيت الحج</span>\nذكر الله ﷿ مواقيت الحج في قوله: ﴿الحج أشهر معلومات﴾ (^١) ومعناه أن أشهر الحج أشهر معلومات من لدن إبراهيم ﵊، واستمر ذلك حتى أقر في شريعة خاتم النبيين محمد ﷺ. وهي تبدأ من أول ليلة من شوال باتفاق العلماء وتنتهي بأخر يوم من ذي الحجة كما هو المتبادر من ظاهر الآية لأن أقل الجمع ثلاثة. أو تنتهي بفجر يوم النحر لأنه لا يصح الإحرام بالحج بعده ولأن «الحج عرفه» كما قال ﷺ في حديثه (^٢). وقد مضى الوقوف بها بطلوع الفجر. أو ينتهي في يوم العاشر من ذي الحجة لوقوع طواف الإفاضة به غالبا وهو من أركان الحج أو تنتهي بأخر أيام التشريق لوقوع الطواف ورمي الجمار بهذه الأيام. هذه أقوال أئمة الفقهاء، وظاهر الآية يؤيد الأول منها كما أن هذه الآية تعتبر تفصيلا وبينا لقوله تعالى: ﴿يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج﴾ (^٣) وجاءت السنة العملية مبينة لهذه الآية ومقيدة لها ببعض الشهور بالنسبة للحج فليست أشهر العام كلها مواقيت للحج، وقد جعل الله للحج مواقيت زمنية وبين العلماء هذه المواقيت فلا يصح الإحرام بالحج قبل هذه المواقيت، كما لا يصح الإحرام به بعدها كما لا تصح صلاة الفريضة قبل وقتها المشروع لها، وبهذا قال جماعة من العلماء. وقال الشافعي يصح الإحرام به قبله لكنه ينعقد عمرة. وقال جمهور العلماء ينعقد حجا لأن الله قال: ﴿يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج﴾ غير أنه لا يكون كاملا لمخالفته للسنة. وأياما كان فإنه ينبغي للمسلم أن يتحرى الصواب في عبادته لربه وأن يؤديها على وجه\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ١٩٧.\n(^٢) حديث صحيح رواه الترمذي (٢٩٧٥) وأبو داود (١٩٤٩). والنسائي (٥/ ٢٥٦). وابن ماجه (٣٠١٥).\n(^٣) سورة البقرة، الآية: ١٨٩.","vol":"1","page":447},{"text":"الكمال إبراء لذمته واحتياطا لدينه ثم حذر سبحانه حجاج بيته الحرام من الآفات التي تحبط أعمالهم فقال سبحانه: ﴿فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج﴾ (^١) فمن أحرم بالحج وعقد عليه نيته فيجب عليه أن يصون لسانه لئلا يجلب عليه ما يفسد عليه حجه من الرفث، والفسوق، والجدال في الحج.\nأما الرفث فهو الجماع ودواعيه ومنه الكلام حول الجماع ووسائله. ولهذا حرم رسول الله ﷺ أن يعقد المحرم نكاحا لنفسه (^٢) أو لغيره فلا يتولى عقدا لنفسه ولا لغيره فهو - يعني الحاج - يضبط شهوة فرجه طيلة أدائه للمناسك حتى تتجمع دواعي قلبه وهمته ووجدانه على هذه العبادة وتتشبع بها روحه ويجد لذتها.\nوأما الفسوق فهي جميع المعاصي التي تخرج الإنسان عن حظيرة الروح ونقاوة النفس ومكارم الأخلاق إلى غير ذلك مما حرمه الله جل وعلا على المسلمين عامة وعلى حجاج بيته خاصة.\nوأما الجدال في الحج فهي كلمة جامعة فيدخل فيه تحريم الجدال في وقت الحج بعد أن قضى الله على نسئ الجاهلية وتغيرها مواقع الشهور، فقال النبي ﷺ: «أن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض» (^٣) فعاد بذلك الحج إلى ميقاته. ويدخل فيه تحريم الجدال في موقف الحج بعد أن قال الله ذلك في قوله: ﴿فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم﴾ (^٤) وقد أكد ذلك رسول الله ﷺ بقوله وعمله والوقوف إنما يكون بعرفه والمزدلفة يوم التاسع من ذي الحجة وليلة العاشر، ثم المبيت بالمزدلفة، ويدخل\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ١٩٧.\n(^٢) حديث صحيح رواه مسلم (١٤٠٩). وأبو داود (١٨٤١)، وأحمد (١/ ٦٤) من حيث عثمان ابن عفان ﵁ مرفرعا.\n(^٣) حديث صحيح رواه البخاري (٣١٩٧) ومسلم (١٦٧٩) مطولا، وأحمد (٥/¬٣٧، ٧٣) وفي غير موضع كلهم من حديث أبي بكرة ﵁ مرفوعا.\n(^٤) سورة البقر، الآية: ١٩٨.","vol":"1","page":448},{"text":"فيه أيضا تحريم الجدال في سائر أحكام الحج ومواقفه وذلك إذا جاوز الحد في الجدل والخصومة. أما ما كان من الرغبة في معرفة الصواب، والوصول إلى الحق مع رعاية الأدب وحقوق الأخوة فهو من الجدال بالتي هي أحسن وقد أباحه الله تعالى في قوله: ﴿وجادلهم بالتي هي أحسن﴾ (^١)، ولم يخص حال دون حال. ومثل هذا النوع من الجدال للوصول للحق مع النية الحسنة، ومراعاة الأدب وحفظ حقوق الأخوة مثل هذا الجدال واجب أو مندوب.\nوكما أن للأشجار والثمار آفات تقضي عليها وتعوق نموها على الصورة المطلوبة وتخيب آمال الزراع فلا يحصدون ولا يحصلون منها على الثمرة المرجوة من وراء زراعتها فيورثهم ذلك حسرة وندامة على ما فرطوا في صيانتها ورعايتها ومقاومة آفاتها ولات ساعة مندم.\nفكذلك على حجاج بيت الله الحرام أن يصونوا حجهم، وسائر أعمالهم عما يشوبها وينقص أجرها من الرفث، والفسوق، والجدال بالباطل حتى يرجعوا من حجهم إلى أهليهم كيوم ولدتهم أمهاتهم سعيهم مشكور، وذنبهم مغفور قد رضي الله عنهم ورضوا عنه. قال ﷺ: «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من حجه كيوم ولدته أمه» (^٢). وبعد أن حذر الله ﷿ حجاج بيته عن غشيان القبيح قولا أو فعلا. حثهم على التحلي بالجميل فقال: ﴿وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب﴾ (^٣) فأخبرهم جل شأنه أنه ما من عمل من أعمال الخير يكسبونه إلا وقد أحاط به علما، وسيجزيهم عليه جزاء رب كريم لعبد خشع له قلبه، وأسلم له وجهه.\nوقد كان جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم يحجون بغير زاد ويقولون\n_________\n(^١) سورة النحل، الآية: ١٢٥.\n(^٢) سبق تخريجه وهو حديث صحيح.\n(^٣) سورة البقرة، الآية: ١٩٧.","vol":"1","page":449},{"text":"نحن المتوكلون، فأمرهم الله ﷿ أن يتزودوا لحجهم لما في ذلك من صيانة ماء الوجه، وكف النفس عن المسألة مع عدم تعارض ذلك مع التوكل على الله، وبين لهم أن حاجتهم إلى التزود للدار الآخرة أعظم من حاجتهم للتزود لسفر الدنيا، وأن الزاد الذي يصطحب إلى الآخرة هو التقوى. وأن هذا الزاد. التقوى - أفضل أنواع الزاد، لأنه خير وأبقى، ولأنه يجلب للعبد السعادة الأبدية، لذا قال الله: ﴿وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب﴾ (^١). وقد حض الله بهذا الخطاب أولي الألباب لرجاحة عقولهم، وصفاء قلوبهم، وأرواحهم من دواعي الأهواء، ونزوات الشهوات التي تستهوي نفوسهم، وتنكد أعمالهم، وتميل بهم عن الجادة وعن الطريق المستقيم.\nوقد تحرجت طائفة أخرى من الصحابة من التجارة وكسب المال في موسم الحج واعتقدوا أنهم بذلك يشابهون أهل الجاهلية، وخشوا أن يؤثر هذا على حجهم أو ينقص أجرهم، فأنزل الله ﷿ ﴿ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم﴾.\nروى البخاري في صحيحه عن ابن عباس ﵄ أنه قال: كانت عكاظ، ومجنة، وذي المجاز أسواق في الجاهلية، فتأثموا أن يتجروا في الموسم، فنزلت: ﴿ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم﴾ في موسم الحج (^٢). فأباح الله في هذه الآية للمحرم والحاج البيع الشراء، وسائر أنواع الكسب الحلال.\nوحث الله ﷾ في الآية السابقة على التزود بخير الزادين زاد الدنيا وزاد الآخرة، فضلا منه ورحمة، وحثهم أن يجعلوه أمامهم في سعيهم وكسبهم، والتوكل على الله والركون إليه وحده، لا إلى الأسباب العادية، ففي يده مقاليد الأمور، فليجعلوا ثقتهم بالله وحده، لا إله إلا هو لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، ولا معقب لحكمه ولا راد لما قضى وهو على كل شيء قدير.\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ١٩٧.\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ١٩٨ والحديث أخرجه البخاري رقم (٤٥١٩).","vol":"1","page":450},{"text":"<span data-type='title' id=toc-343>٤ - الوقوف بعرفة والمبيت بمزدلفة</span>\nقال الله تعالى: ﴿فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين (١٩٨) ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم﴾ (^١).\nأفضتم من عرفات - دفعتم مسرعين في السير منها إلى المزدلفة، المشعر الحرام - المزدلفة كلها، سميت بذلك لأنها داخل الحرم. ويطلق المشعر الحرام أيضا على جبل موجود بالمزدلفة.\nمن حيث أفاض الناس: المراد إبراهيم الخليل أو إمام المسلمين أو العرب ما عدا قريشا.\nثبت أن قريشا غيرت العمل في مواقف الحج عما كان عليه الأمر في شريعة إبراهيم ﵇ فمن ذلك أنهم كانوا يقفون بالمزدلفة دون عرفات ويقولون نحن أهل الله في بلده وقطان بيته الحرام، وكان سائر العرب وجمهورهم يقفون بعرفات ثم يفيضون منها إلى المزدلفة، فلما جاء الإسلام أمر الله جل شأنه حجاج بيته الحرام أن يقفوا بعرفات ثم يدفعوا منها إلى المزدلفة ليذكروا الله فيها عند المشعر الحرام.\nروى البخاري في صحيحه من طريق عائشة ﵂ أنها قالت: كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة وكانوا يسمون الحمس (^٢) وسائر الناس يقفون بعرفات، فلما جاء الإسلام أمر الله نبيه أن يأتى عرفات، فيقف بها ثم يفيض منها فذلك قوله: ﴿من حيث أفاض الناس﴾ (^٣).\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآيات: ١٨٩ - ١٩٩.\n(^٢) رواه البخاري ومسلم والحمس هم قريش ومن ولدتهم وكنانة وسموا حمسا لأنهم تحمسوا في دينهم أي تشددوا.\n(^٣) سورة البقرة، الآية: ١٩٩.","vol":"1","page":451},{"text":"وفي ذلك إبطال لما كان من تغيير أهل الجاهلية وتبديلهم للمناسك، وقضاء على تلاعبهم بها وافتياتهم على شريعة إبراهيم ﵊، وبيان من الله لعباده أن العبادات توقيفية، وأن الإعتماد في أصل العمل بها وفى صفتها على الوحى من الله لا على آراء الناس وما تهواه نفوسهم، قال ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به» (^١).\nوفي هاتين الآيتين إثبات لأصل الوقوف بعرفة والنزول بالمزدلفة والكر بها، وبيان لترتيب الوقوف بهما، لكن فيهما إجمال بالنسبة لزمن كل منهما وتقديره، وبيان صفته وهذا هو الشأن في القرآن، ينزل الله فيه أصول الأحكام في الإيمان والعبادات والمعاملات كقوله: ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ (^٢).\nوقوله: ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾ (^٣). وقوله: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾ (^٤).\nوقوله: ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ (^٥). وقوله: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾ (^٦).\nوأمر رسوله ﵊ بالبلاغ والبيان، قال تعالى: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون﴾ (^٧).\nفبين رسول الله ﷺ بقوله وعمله زمنهما وما يفعل فيهما من نسك وعبادة\n_________\n(^١) حديث ضعيف أخرجه البغوي في شرح السنة (١/ ٢١٣) وابن أبي عاصم في السنة (١/ ١٢١) وأعله ابن رجب في جامع العلوم والحكم (٣٦٤) بثلاث علل وضعفه وهو كذلك. فالراجح أنه ضعيف وإن قال النووي عنه أنه صحيح.\n(^٢) سورة الحج، الآية: ٢٩.\n(^٣) سورة البقرة، الآية ١٢٥.\n(^٤) سورة البقرة، الآية: ١٥٨.\n(^٥) سورة البقرة، الآية: ٤٣.\n(^٦) سورة البقرة، الآية: ٢٧٥.\n(^٧) سورة النحل، الآية: ٤٤.","vol":"1","page":452},{"text":"وشرح المناسك في خطبته في حجة الوداع، وقال لأصحابه: «خذوا عني مناسككم» (^١)، وذلك أنه ﷺ مكث بمنى بعد أن صلى بها فجر اليوم التاسع حتى طلعت الشمس، وأمر بقبة من شعر تضرب له بنمرة، فسار رسول الله ﷺ، ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام كما كانت قريش تصنع في الجاهلية، فأجاز رسول الله ﷺ حتى أتى عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له، فأتى بطن الوادي فخطب الناس وقال: «إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع» (^٢) وذكر نصائح ووصايا كثيرة، ثم أذن المؤذن ثم أقام فصلى الظهر بالناس ركعتين ثم أقام فصلى العصر ركعتين، فقصرهما وجمع بينهما جمع تقديم، ولم يصل بينهما شيئا من النافلة، ثم ركب ﷺ حتى أتى الموقف فوقف عند صخرات إلى جانب الجبل المعروف اليوم بجبل الرحمة، ولم يصعد الجبل ولم يصل نافلة بعرفة ولم يصم يومها وقال: «وقفت هنا وعرفة كلها موقف» (^٣). ثم استقبل القبلة وأخذ يذكر الله تلبية وتسبيحا وتحميدا وتهليلا وتكبيرا، ولم يزل على ذلك حتى غربت الشمس، ولم يصل بها المغرب بل أفاض إلى المزدلفة، وأخذ بزمام راحلته، فإذا وجد متسعا في الطريق أسرع، وإلا كفها عن السرعة رحمة بالمسلمين، وكان يشير بيده اليمنى قائلا: «أيها الناس السكينة السكينة»، ونزل بالطريق فتوضأ وضوءا خفيفا وقيل له: الصلاة يا رسول الله، فقال: «الصلاة أمامك» (^٤)، واستمر في سيره حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وأقامة\n_________\n(^١) حديث صحيح أخرجه أبو داود (١٩٤٤). والترمذي (٨٨٦) والنسائي (٥/ ٢٥٨). وابن ماجه (٣٠٢٣).\n(^٢) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه (٢١٨) باب حجة النبي ﷺ، ومن حديث جابر بن عبد الله بن حرام الأنصاري ﵄.\n(^٣) حديث صحيح لغيره: رواه أحمد (١/ ٧٦، ١٥٧) والترمذي (٨٨٥) وأبو داود (١٩٣٥)، وابن ماجة (٣٠١٠) من حديث علي ﵁ ويشهد له حديث جابر السابق\n(^٤) حديث صحيح رواه مسلم (١٢٨٠) والبخاري (١٦٦٩).","vol":"1","page":453},{"text":"لكل منهما وقصر العشاء وجمع بينها وبين المغرب جمع تأخير، ولم يصل بينهما نافلة، ثم اضطجع حتى طلع الفجر، وصلى الفجر في أول الوقت بأذان وإقامة، ثم ركب ناقته حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة ودعا الله وكبره وهلله ووحده، ولم يزل واقفا حتى أسفر جدا ثم دفع قبل أن تطلع الشمس حتى أتى بطن محسر فأسرع حتى جاوزه، ثم تابع السير حتى أتى جمرة العقبة فرماها من بطن الوادي بسبع حصيات بعد طلوع الشمس يكبر مع كل حصاة (^١).\nهذا بيان من رسول الله ﷺ قولا وعملا لما ينبغي أن يكون عليه الحجاج في عرفات، وفي الإفاضة منها ثم في المزدلفة، وفي الإفاضة منها إلى منى، وقد اتفق العلماء على أن الوقوف بعرفة ركن من أركان الحج ولا يصح حج من تركه عمدا أو نسيانا أو خطأ لحديث الحج عرفة واختلفوا في أقل ما يجزئ من الوقوف بها.\nفذهب الجمهور إلى أنه يجزئ الوقوف بها ساعة ما بين ليل أو نهار بعد الزوال من يوم عرفة، وذهب طائفة من الفقهاء إلى أنه يجزئ الوقوف بها ساعة من نهار عرفة أو من ليله - وهو الظاهر - لحديث عروة بن مضرس الطائي قال: قلت: يا رسول الله أتيتك من جبلي طيء، أكللت مطيتي وأتعبت نفسي، والله ما بقى من جبل إلا وقفت عليه، فهل لي من حج، فقال رسول الله ﷺ: «من صلى الغداة ههنا، ثم أقام معنا وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلا أو نهارا فقد تم حجه» (^٢).\nورأت طائفة أنه لا يجزئ، إلا وقوف جزء من ليلة النحر، واتفقوا على أن من بات بالمزدلفة ليلة النحر، وجمع فيها بين المغرب والعشاء مع الإمام، ووقف بعد صلاة الصبح مع الإمام إلى الإسفار بعد الوقوف بعرفة فحجه تام، واختلفوا في المبيت والوقوف بعد الفجر بعد صلاة الصبح: هل هو من سنن الحج أو\n_________\n(^١) انظر حديث جابر بن عبد الله بن حرام الأنصاري ﵄ الذي أخرجه الإمام مسلم في صحيحه (٢١٨) باب حجة النبي ﷺ.\n(^٢) حديث صحيح رواه النسائي (٣/ ٢٦٢) من حديث عروة بن مضرس. وانظر ترجمته والخلاف في رواية الشعبي عنه في التهذيب لابن حجر (٧/ ١٧٠).","vol":"1","page":454},{"text":"واجباته أو فرائضه؟، ومهما يكن من الخلاف بين الفقهاء فيما يتعلق بعرفة ومزدلفة فإنه ينبغي للحاج وقد أتعب نفسه، ويذل ماله، وترك وطنه وأهله، وعمله للحج أن يؤدي حجه على الصفة التي كانت من النبي ﷺ في حجه، تحقيقا لمعنى الاقتداء به وعملا بقوله: «خذوا عني مناسككم». واحتياطا لصحة هذه العبادة التي هي ركن من أركان الإسلام، فليجمع في الوقوف بعرفة بين جزء من ليلة النحر وجزء من نهار عرفة بعد الزوال، وليبيت بمزدلفة وليصل بها المغرب والعشاء والصبح، إلا إذا كان من جنس الضعفة الذين رخص لهم الرسول ﷺ في الإفاضة منها إلى منى بعد منتصف الليل، ولا ينبغي أن يتساهل في عبادته ويتتبع الرخص فيها وخاصة نسك الحج، فإنه قد لا يتيسر له إلا مرة واحدة في العمر، ولا يليق أن يرجع بحج مشوة قد انتقص من أطرافه بترك سننه أو واجباته، طلبا للراحة باتباع السهل من أقوال العلماء دون نظر إلى الأدلة الشرعية، بل عليه أن يحرص على الكمال ما استطاع إلى ذلك سبيلا، ليكون حجه مبرورا، فيغفر الله له ويرجع من حجه كيوم ولدته أمه وقد طهره الله من الذنوب والآثام (^١).\nثم بين الله ﷾ اختلاف أحوال الناس وتباين مقاصدهم وأن سعيهم شتى، فمنهم من الدنيا أكبر همه ومبلغ علمه وغاية رغبته فهو لا يعمل إلا لها حتى إنه يبتغيها بعمل الآخرة. ولا يلهج لسانه بدعاء ربه إلا لطلب متعها فهذا يوافيه الله حظه في الدينا، وسيلاقي سوء حسابه في الآخرة لانحراف نيته وسوء قصده، وليس له في الآخرة من حرث ولا نصيب وذلك هو الخسران المبين قال تعالى: ﴿من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون (١٥) أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون﴾ (^٢).\nومنهم من حسن قصده فاسلم وجهه الله وهو محسن، فاستقامت جوارحه\n_________\n(^١) سبق تخرجه.\n(^٢) سورة هود، الآيات: ١٥ - ١٦.","vol":"1","page":455},{"text":"وعمل الأعمال الصالحة، وسأل الله أن يؤتيه في الدنيا حسنة من عافية ورزق واسع وعلم نافع وعمل صالح، ولسان صدق في الآخرين ليكون ذلك غنى لنفسه وعصمة لها من الذل، ووسيلة إلى السعادة يوم لا ينفع المرء إلا ما قدمت يداه، كما يضرع إلى ربه أن يكرمه في الآخرة، فيثبته عند المسألة وييسر حسابه ويؤمنه من أهوال يوم القيامة يوم الفزع الأكبر، وينجيه من النار، وأن يدخله الجنة مع الأبرار ﴿أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب﴾ (^١).\nفيا حجاج بيت الله الحرام تذكروا وقوفكم أمام الله في اليوم الآخر، واجعلوا كل همتكم ونيتكم السعادة الأبدية يوم لقاء الله، ولا تؤثروا الحياة الدنيا على الآخرة. ولا تنسوا نصيبكم من الدنيا، وقولوا ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار يكتب الله لكم الفوز المبين، ويدخلكم جنات النعيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين.\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ٢٠٢.","vol":"1","page":456},{"text":"<span data-type='title' id=toc-344>٥ - باب في الإكثار من ذكر الله تعالى أثناء المناسك وبعدها أكثر من ذكر الآباء</span>\nقال الله تعالى: ﴿فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق (٢٠٠) ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار (٢٠١) أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب﴾ (^١).\nقضيتم مناسككم: انتهيتم من أداء جميع شعائر الحج وفرغتم من أعماله كلها.\nماله في الآخرة من خلاق: ماله فيها من حظ ولا نصيب من الخير والسعادة.\nالحسنة في الدنيا كلمة جامعة تشمل كل ما ينتفع به المؤمن في دنياه وما يكون عونا له على السعادة في أخراه. فيدخل في هذا كل مطلوب دنيوي من عافية، ودار رحبة، وزوجه حسنة، ورزق واسع، وعلم نافع وعمل صالح، ومركب هين، وثناء جميل إلى غير ذلك. كل هذا يندرج في حسنة الدنيا.\nأما الحسنة في الآخرة: فأعلى ذلك دخول الجنة والنظر الى وجه الله الكريم، وما يسبق ذلك من الأمن من الفزع الأكبر في العرصات، وتيسير الحساب وغير ذلك من أمور الآخرة الصالحة.\nأما قوله تعالى: ﴿فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا﴾ فقد روى ابن جرير وغيره عن جماعة من السلف منهم ابن عباس ﵄: «أن أهل الجاهلية كانوا يقفون في المواسم فيقول الرجل منهم كان أبي يطعم الطعام،\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآيات: ٢٠٠ - ٢٠٢.","vol":"1","page":457},{"text":"ويحمل الحمالات، ويحمل الديات، ليس لهم ذكر غير فعال آبائهم، فأنزل الله تعالى على محمد ﷺ قوله ﴿فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا﴾ فأمر ﷾ حجاج بيته الحرام إذا فرغوا من أعمال الحج كلها، ومن الوقوف بالمشاعر، وطواف بالبيت، ونحر للهدي، ورمي للجمار وغير ذلك، أمرهم أن يذكروه سبحانه ذكرا كثيرا، وأن يثنوا عليه بما هو أهل له كذكرهم مفاخر آبائهم، وما كان منهم من النجدة والكرم ومن أنهم كانوا يطعمون الطعام ويحملون الحمالات ويحملون الديات، أو أشد ذكرا. فإنه جل شأنه هو أهل الثناء والمجد، وما كان فيهم أو في أبائهم من خير فهو من الله سبحانه ومن توفيقه، فهو رب الخير كله ﷾، وتصريف شئون العباد كلها إليه وبيده ﴿ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم﴾ (^١) سبحانه لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع وهو على كل شيء قدير. ولما كان هو الكريم المنان وكان هو أهل المحامد والثناء، كان هو أولى بالذكر والحمد والثناء والمجد، وكان الواجب على المؤمنين أن يذكروه، وأن يحمدوه، وأن يثنوا عليه بما هو أهل له سبحانه. وكان الواجب عليهم أن يشعروا قلوبهم محبته وعظمته ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم. وليكون ذلك منهم امتدادا لجني ثمار الحج وابقاءا لأثاره في القلوب، وإحياء لذكراه في النفوس. وليقضي به على العادات الجاهلية، وما فيها من التعالي والأنانية، وإثارة الضغائن، والأحقاد والعداوات، وغير ذلك من مثيرات الخلاف والنزاع.\nولا يبعد أن يقال إن الإنسان إذا سافر أحس بوحشة الغربة، وضعف الوحدة، فيذكر المسافر أهله ذكر حنين، وحاجة إلى الأنس بهم وحاجة إلى القوة والمنعة، والوجود بين أظهرهم، فأمر الله حجاج بيته إذا هم فرغوا من حجهم، وتمكن منهم الحنين إلى أهليهم أمرهم سبحانه أن يذكروه ذكر أنس به ولجوء إلى\n_________\n(^١) سورة فاطر (٢)","vol":"1","page":458},{"text":"كنفه وحماه، ورهبة منه ورغبة فيما عنده أكثر من ذكرهم لآبائهم، فإن الأنس به أعظم من كل أنس، وحماه أحفظ من كل حمى، وما عنده خير وأبقى.\nوقال جماعة من أهل العلم ﴿فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله …﴾ الآية أن المراد بالذكر الوارد، هو ذكر الله بالأذكار الواردة عند كل ركن من أركان الحج، كالتلبية عند الإحرام، والتكبير عند الرمي، والتسمية عند الذبح وغير ذلك.\nوقد جرت سنة الله في تشريعه أن يأمر الناس بالذكر والإستغفار في العبادة، وبعد الفراغ منها وأن يتبعوها بالذكر، بالتحميد والتسبيح والتهليل والتكبير. فأمر جل شأنه حجاج بيته الحرام في ختام هذه الآية الأولى أن يذكروه على الصفة التي هداهم إليها في مشاعر الحج وأنزلها لهم في كتابه وفي سنة رسوله ﷺ، وهي التي هدى إليها من قبل إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام وقد كانوا قبل ذلك ضلالا فليؤدوا النسك على وفق ما شرعه الله تعالى لهم شكرا له على نعمه البيان والهداية والإرشاد.\nوقد أمرهم في ختام الآية الثانية بالإستغفار عند الإفاضة من عرفات إلى المزدلفة ومن المزدلفة إلى منى، وبعد الفراغ من ذلك. وفتح باب الأمل والرجاء بقبول أعمالهم والتجاوز عن هفواتهم. فهو ﷾ واسع المغفرة.","vol":"1","page":459},{"text":"<span data-type='title' id=toc-345>ثامنا: فتاوى الحج</span>\n<span data-type='title' id=toc-346>س ١: سئل الشيخ: هل وجوب الحج على الفور أو التراخي؟</span>\nفقال الشيخ ﵀ الصحيح: وجوب الحج على المستطيع على الفور.\n\n<span data-type='title' id=toc-347>س ٢: سئل الشيخ: امرأة لبست القفازين في الإحرام جهلا بالحكم؟</span>\nفقال الشيخ ﵀ «لا شيء عليها وهي معذورة بجهلها».\n\n<span data-type='title' id=toc-348>س ٣: سئل الشيخ: رجل نسى أن يحلق رأسه ولبس المخيط؟</span>\nفقال الشيخ ﵀ «يحلق رأسه وهو لابس المخيط؛ لأنه لبسه ناسيا فيعفى عنه كالرجل المتضمخ بالخلوق»\n\n<span data-type='title' id=toc-349>س ٤: سئل الشيخ: الميقات في العمرة إذا كان سيمر به إلى بلد أخرى كجدة؟</span>\nفقال الشيخ ﵀ «يحرم من الميقات ويمكث بجدة ولو عشرين يوما محرما كعمل الصحابة يوم الحديبية حيث بقي الصحابة محرمين طيلة المدة التي جرى فيها التفاوض والصلح لأن قصدهم العمرة وإذا كان قصده الأول زيارة أهله بجدة والعمرة تبع جاز له أن يتجاوز الميقات حلالا ثم يحرم من مكانه إذا هو نوى العمرة».\n\n<span data-type='title' id=toc-350>س ٥: سئل الشيخ: إذا اعتمر في أشهر الحج ثم ذهب إلى أمريكا ورجع قبل الحج يلزمه أن يدخل مكة محرما وتكفيه العمرة السابقة وحجه تمتع؟</span>\nفقال الشيخ ﵀ «نعم».\n\n<span data-type='title' id=toc-351>س ٦: سئل الشيخ: الشخص الذي له مصلحة بمكة وليس مريدا للنسك؟</span>\nفقال الشيخ ﵀ «له أن يدخل مكة بغير إحرام حتى ولو يوم عرفات وله أن يجاوز الميقات بغير إحرام».\n\n<span data-type='title' id=toc-352>س ٧: سئل الشيخ: حكم استعمال الصابون ذي الرائحة للمحرم؟</span>\nفقال الشيخ ﵀ «لا ينبغي. والأحوط أن عليه فدية»","vol":"1","page":460},{"text":"<span data-type='title' id=toc-353>س ٨: سئل الشيخ: هل يجوز سفر المرأة بدون محرم بالطائرة؟</span>\nفقال الشيخ ﵀ «لا تسافر المرأة بدون محرم ولوفي الطائرة إلا أن بعض الفقهاء من المالكية، والشافعية يقولون الرفقة المأمونة تقوم مقام المحرم، وأنا أحيانا أقول بهذا، ومعنى الرفقة المأمونة أنها تأمن من شرهم، وإذا أرادها أحد بسوء فهم أهل قوة وشهامة يدافعون عنها، مثل أن يكون رجل وزوجته أو رجل وأخته، ومعهما زوجة رجل مقيم في المكان الذي يريدون السفر إليه قد تكون رفقة مأمونة ولو وصلها أحد محارمها إلى المطار، وانتظرها محرم لها في المطار الآخر فإننا نكون قد أخذنا بالاحتياط اللازم في سفر المرأة».\n\n<span data-type='title' id=toc-354>س ٩: سئل الشيخ: عن رمي الجمرات في المرمى؟</span>\nفقال الشيخ ﵀ «في رمي الجمرات يكفي غلبة الظن أنه أصاب المرمى ولا يشترط اليقين».\n\n<span data-type='title' id=toc-355>س ١٠: سئل الشيخ: عن المبيت بمنى؟</span>\nفقال الشيخ ﵀ «المبيت بمنى قيل إنه واجب فيلزم تاركه دم، وقيل سنة فلا يلزم تاركه شيء ومن قال بالوجوب يكفيه أكثر الليلتين. أما إذا بات ليلة واحدة أو أقل من نصف الليلة فعليه دم».\n\n<span data-type='title' id=toc-356>س ١١: سئل الشيخ: هل السفر بالطائرة التي لا تستغرق المسافة إلا ساعتين يعتبر في حكم السفر القصير؛ لأنه لا يستغرق يوما وليلة والنبي ﷺ أباح للمرأة السفر القصير بلا محرم؟</span>\nفقال الشيخ ﵀ «بلى هو كذلك».\n\n<span data-type='title' id=toc-357>س ١٢: سئل الشيخ: شخص أحرم لطفله من الميقات ثم لم يؤد له مناسك العمرة فلم يطف به ولم يسع ولم يحلق أو يقصر وعاد إلى بلده. فماذا عليه؟</span>\nفقال الشيخ ﵀ «عليه أن يعود به إلى مكة فيعيد العمرة إن كانت","vol":"1","page":461},{"text":"عمرة أو يعيد الحج إذا كان حجا، ولا دم عليه مادام يجهل الحكم».\n\n<span data-type='title' id=toc-358>س ١٣: سئل الشيخ: ما حكم السعي في الحج؟</span>\nفقال الشيخ ﵀ «ركن»\n\n<span data-type='title' id=toc-359>س ١٤: سئل الشيخ: هل يعتبر الزحام فى الرمي في هذا الزمن عذرا للمرأة يجوز لها أن تنيب من يرمي عنها؟ وأيهما أفضل أن تنيب من يرمي عنها نهارا، أو ترمي هي بنفسها ليلا؟</span>\nفقال الشيخ ﵀ «نعم» يعتبر عذرا لما في مزاحمتها الرجال من انتهاك لحرمتها، وهي مخيرة بين أن تنيب من يرمي عنها نهارا أو ترمي هي بنفسها ليلا.\n\n<span data-type='title' id=toc-360>س ١٥: سئل الشيخ: شخص جامع امرأته بعد تحلله من إحرامه بالعمرة وقبل تحللها بقص شعرها؟</span>\nفقال الشيخ ﵀ «هي تبطل عمرتها، وعليها دم. وإن كانت عمرة الإسلام الأولى فعليها القضاء».\n\n<span data-type='title' id=toc-361>س ١٦: سئل الشيخ: إذا ازدحم الناس فلم يقف بعضهم بعرفة أو المزدلفة؟</span>\nفقال الشيخ ﵀ «من لم يقف بمزدلفة عليه فدية ترك واجب، وأما من لم يقف بعرفة حتى تغرب الشمس فلا حج له، ولو اجتمع الناس كلهم ووقفوا بعرفة فإنها ستسعهم».\n\n<span data-type='title' id=toc-362>س ١٧: سئل الشيخ: ما حكم مكث المرأة في بلدة ما بدون محرم؟</span>\nفقال الشيخ ﵀ «يجوز مكثها بدون محرم؛ لأن ذلك ليس سفرا. أما السفر فلا تسافر إلا مع محرم أو جمع مأمون من الناس».\n\n<span data-type='title' id=toc-363>س ١٨: سئل الشيخ: امرأة أحرمت وعندما وصلت مكة حاضت؟</span>\nفقال الشيخ ﵀ «إن بقيت على إحرامها حتى أدت نكسها فلا شيء","vol":"1","page":462},{"text":"عليها. أما إذا خرجت عن إحرامها فعليها دم».\n\n<span data-type='title' id=toc-364>س ١٩: سئل الشيخ: إذا كانت عنده شاه أعدها كأضحية فمرضت. هل يجوز تحويل نيته؟</span>\nفقال الشيخ ﵀ «يصح له ذلك وهو معذور ويضحى بدلها»<span data-type='title' id=toc-365> س ٢٠: سئل الشيخ: هل طواف الوداع للخارج من مكة عموما؟</span>\nفقال الشيخ ﵀ (يجب في الحج على الصحيح. ومن أهل العلم من يوجبه على كل من خرج من مكة. ولكن الحديث الذي يستدل به على هذا، الخطاب فيه موجه للحجاج يقول الرسول ﷺ: (لا ينفرن أحدكم حتى يكون آخر عهده بالبيت) (^١). أمر من الرسول ﷺ للحجاج أن يكون آخر عهدهم بالبيت، فالخطاب خطاب للحجاج وليس خطابا لسكان مكة، لأن سكان مكة لا ينفرون منها والخطاب لمن ينفر من مكة يعنى يرحل منها ويسافر ويخرج وهم الحجاج.\nلهذا كان الرأي الصحيح إيجاب طواف الوداع إنما هو على الحاج وليس على كل ساكن في مكة إذا أراد الخروج منها)\n\n<span data-type='title' id=toc-366>س ٢١: سئل الشيخ: هل يجب طواف الوداع على المعتمر؟</span>\nفقال الشيخ ﵀ «ليس طواف الوداع بواجب على المعتمر وإن طاف فهو خير. ولم يعرف عن النبي ﷺ أنه طاف طواف الوداع لما اعتمر العمرات التي قبل حجة الوداع، وإنما طواف الوداع واجب في الحج على الرأي الصحيح».\n\n<span data-type='title' id=toc-367>س ٢٢: سئل الشيخ: هل كثرة العمرة في رمضان سنة أو أمر مستحب؟</span>\nفقال الشيخ ﵀ «كلمة سنة أو مستحب كلها قريبة من بعض وهي\n_________\n(^١) حديث صحيح: أخرجه مسلم (١٣٢٨) والبخاري (١٧٥٥) من حديث ابن عباس ﵄.","vol":"1","page":463},{"text":"اصطلاحات بين الفقهاء. والعمرة في رمضان خير وإن تكررت ولا حرج في تكرارها. ولم أعلم إلا قليلا من العلماء هم الذين يكرهون تكرار العمرة في السنة وليس في رمضان وحده. ومن هؤلاء المالكية يكرهون تكرار العمرة في رمضان، وفي غيره من الشهور بل وفى السنة وليس معهم دليل على هذا الرأي».","vol":"1","page":464},{"text":"<span data-type='title' id=toc-368>تاسعا: مباحث وفتاوى البيوع</span>\n١ -<span data-type='title' id=toc-369> بحث في الربا</span>\nالربا بالقصر: الزيادة، وهو مصدر ربا الشيء يربو إذا زاد سواء كانت زيادة الشيء في نفسه أم بالنسبة لغيره، وفي اصطلاح الفقهاء، زيادة أحد عوضين من جنس على الآخر، أو تأخير بعضه، في عقد معاوضة على معادن أو أطعمة مخصوصة بينتها السنة النبوية.\nوقد نص القرآن صريحا على تحريمه وتوعد من اقترفه بالمحق وأذنه بالحرب إلا من تاب واكتفى بأخذ رأس ماله فإن الله يتوب عليه. قال الله تعالى: ﴿الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (٢٧٥) يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم (٢٧٦) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (٢٧٧) يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين (٢٧٨) فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون﴾ (^١).\nوبين النبي ﷺ نوعية ربا الفضل وربا النساء وحرم كلا منهما في كثير من الأحاديث منها قوله ﷺ: «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها غائبا بناجزة» رواه البخاري ومسلم (^٢). ومنها قوله ﷺ: «الذهب\n_________\n(^١) سورة البقرة الآيات [٢٧٥ - ٢٧٩]\n(^٢) رواه البخاري (الفتح ٤/ ٢١٧٧) ومسلم (١٥٨٤). وقوله (لا تشفوا) أي لا تفضلوا والشف، الزيادة وقد يطلق أيضا على النقصان فهو من الأضداد.","vol":"1","page":465},{"text":"بالذهب والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح مثلا بمثل، سواء بسواء يدا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد»، رواه أحمد ومسلم (^١). وأجمعت الأمة على تحريمه واشتهر ذلك بين المسلمين شهرة تغني عن الاستدلال عليه وصار تحريمه معلوما من الدين بالضرورة، فمن أنكره فهو كافر يستتاب فإن تاب وإلا قتل كفرا، إلا إذا كان جاهلا يتوقعمن مثله جهله فيعذر ويعلم كحديث عهد بكفر، وما وقع بين الفقهاء من اختلاف فيه فإنما هو في التفاصيل وتطبيق النصوص على الوقائع والجزئيات.\nوصرحت السنة بستة أنواع يجري فيها الربا وهي المذكورة في رواية أحمد ومسلم السابقة فلذا لم يختلف فيها الفقهاء، وإنما اختلفوا في قياس غيرها عليها بناء على الاختلاف في تعليل حكمها، فمن قال أنه غير معلل قصر تحريم الربا على الأصناف الستة السابقة، وأقدم من يروى عنه ذلك قتادة وهو مذهب أهل الظاهر، واختاره ابن عقيل في آخر مصنفاته مع قوله بالقياس، قال: لأن علل القياسيين في مسألة الربا علل ضعيفة، وإذا لم تظهر فيه علة امتنع القياس. والذين قالوا أنه معلل اختلفوا في علته فقال عمار وأبو حنيفة: هي الكيل والوزن وهو ظاهر مذهب أحمد، وخصه الشافعي بالطعام وإن لم يكن مكيلا ولا موزونا وهو رواية عن أحمد. وخصه سعيد بن المسيب بالطعام إذا كان مكيلا أو موزونا وهو قول للشافعي ورواية عن أحمد. وخصه مالك بالقوت وما يصلحه، ورجحه ابن القيم فيما ذكر في كتابه إعلام الموقعين. وهذا الخلاف بينهم في علة الربا في البر والشعير والتمر والملح.\nوالذي يعنينا هنا بيان علة الربا في الذهب والفضة عند الجمهور القائلين بالتعليل مع الترجيح، وقد ذكر ابن القيم في إعلام الموقعين ما فيها من خلاف بين\n_________\n(^١) مسلم (١٥٨٧) من حديث عبادة بن الصامت ﵁.","vol":"1","page":466},{"text":"الفقهاء فقال: وأما الدراهم والدنانير فقالت طائفة: العلة فيهما كونهما موزونين، وهذا مذهب أحمد في إحدى الروايتين عنه ومذهب أبي حنيفة.\nوقالت طائفة: العلة فيهما الثمنية، وهذا قول مالك والشافعي وأحمد في الرواية الأخرى، وهذا هو الصحيح بل الصواب، فانهم أجمعوا على جواز إسلامهما في الموزونات من النحاس والحديد ونحوهما، فلو كان النحاس والحديد ونحوهما ربويين لم يجز بيعهما إلى أجل بدراهم نقدا، فإن ما يجري فيه الربا إذا اختلف جنسه جاز التفاضل فيه دون النساء، والعلة إذا انتقضت من غير فرق مؤثر دل على بطلانها. وأيضا فالتعليل بالوزن ليس فيه مناسبة، فهو طرد محض، بخلاف التعليل بالثمنية فإن الدراهم والدنانير أثمان المبيعات، والثمن هو المعيار الذي به يعرف تقويم الأموال، فيجب أن يكون محدودا مضبوطا لا يرتفع ولا ينخفض، إذ لو كان الثمن يرتفع وينخفض كالسلع لم يكن لنا ثمن نعتبر به المبيعات، بل الجميع سلع، وحاجة الناس إلى ثمن يعتبرون به المبيعات حاجة ضرورية عامة، وذلك لا يمكن إلا بسعر تعرف به القيمة، وذلك لا يكون إلا بثمن تقوم به الأشياء ويستمر على حالة واحدة ولا يقوم هو بغيره، إذ يصير سلعة يرتفع وينخفض، فتفسد معاملات الناس ويقع الخلف ويشتد الضرر، كما رأيت من فساد معاملاتهم والضرر اللاحق بهم حين اتخذت الفلوس سلعة تعد للربح، فعم الضرر وحصل الظلم، ولو جعلت ثمنا واحدا لا يزداد ولا ينقص بل تقوم بها الأشياء ولا تقوم هي بغيرها لصلح أمر الناس، فلو أبيح ربا الفضل في الدراهم والدنانير - مثل أن يعطي صحاحا ويأخذ مكسرة، أو خفافا ويأخذ ثقالا أكثر منها - لصارت متجرا، أو جر ذلك إلى ربا النساء فيها ولا بد، فالأثمان لا تقصد لأعيانها بل يقصد التوصل بها إلى السلع، فإذا صارت في أنفسها سلعا تقصد لأعيانها فسد أمر الناس، وهذا معنى معقول يختص بالنقود لا يتعدى إلى سائر الموزونات. أهـ (^١).\n_________\n(^١) انظر إعلام الموقعين لابن القيم (٢/ ١٣٧ - ١٣٨).","vol":"1","page":467},{"text":"ثم ذكر ابن القيم أن ربا الفضل حرم تحريم الذرائع، وأن ربا النساء حرم تحريم المقاصد، فكان تحريم ربا الفضل وإن كان من الكبائر أخف من تحريم ربا النساء، ولذلك استثنى منه بيع المصوغ والحلية المباحين بجنسهما من الدارهم والدناينر نقدا مع التفاضل لشدة الحاجة إلى استعمالها، ولا يمكن تكليف كل إنسان أن يصنع لنفسه ولا يعقل إهدار الصنعة ببيعها بجنسها من الدارهم والدنانير وزنا ولا يعقل إبطال هذه الصناعة، ومن الحرج تكليفها المعاوضة مع اختلاف الجنس، وبين أن الضرورة الداعية إلى استثناء العرايا ونحوها مما رخص فيه من فروع الفقه، وأورد اعتراضات منها أنه يلزم على ذلك جواز بيع الفرع بأصله متفاضلا كالخبز بالبر. فالتزم جوازه، ومنها أنه يلزم جواز الزيادة في معاوضة الرديئة من الفضة بالجيدة منها لتقابل الزيادة الجودة، وأجاب عن ذلك بالفروق بأن الجودة هنا طبيعية والصناعة كسبية، فأورد عليه الدارهم والدنانير المضروبة مع المكسرة، فأجاب بالفرق أيضا فإن السكة لا تتقوم فيها الصناعة للمصلحة العامة المقصودة منها وهي أن تكون معيارا للناس فلا تقابل بالزيادة في العرف وإلا لفسدت المعاملة بخلاف المصوغ فإن العرف جرى بتقويم زيادة الصناعة فيه وليس في تقويمها نقض للمصلحة العامة ولا إفساد المعاملة للناس.\nوقد يناقش نقد ابن القيم تعليل الربا في النقدين بالوزن بأنه لا إجماع على جواز إسلام الذهب أو الفضة في الحديد والنحاس والرصاص ونحوها من الموزونات، فإن من الحنابلة من منع من ذلك، وجعلها ربوية بناء على أن العلة الوزن كما في إحدى الروايتين عن أحمد، أما على الرواية الأخرى وهي تعليل الربا في النقدين بالثمنية فيجوز إسلامهما في الحديد ونحوه من الموزونات (^١).\nوقد يناقش أيضا تعليل الربا في النقدين بالثمنية بأنه غير منعكس، فإن التفاضل محرم باتفاق في المعاوضة بين أفراد الجنس الواحد من الأجناس\n_________\n(^١) انظر مبحث الربا في الجزء الثاني من إعلام الموقعين لابن القيم ﵀.","vol":"1","page":468},{"text":"الأربعة، البر والشعير والتمر والملح وإن كانت يدا بيد، وكذا النساء محرم باتفاق في المعاوضة بينها وان اختلف الجنس وليس منها ما هو ثمن عرفا، فوجد الحكم ولم توجد علة الثمنية، ويمكن أن يجاب بأن الحكم بتحريم الربا واحد بالجنس لا بالشخص، فيصح تعليله في كل نوع بعلة، فيعلل تحريم الربا في النقدين بالثمينة، ويعلل تحريم الربا في الأربعة المذكورة بكونها قوتا مثلا وكل منهما علة مطردة منعكسه فيما جعلت علة فيه.\nوقد يناقش التعليل بالثمينة أيضا بأنها قاصرة غير متعدية مستنبطة، ليست منصوصا على عليتها ولا مجمعا عليها، فلا يصح التعليل بها لعدم الفائدة. ويجاب أن فائدة التعليل غير منحصرة في التعدية، فإن الحكم إذا كان معقول المعنى كان أدعى إلى الإنقياد وأسرع إلى القبول، وأيضا يمتنع بتقدير ظهور وصف آخر في محل العلة القاصرة تعدية الحكم به دون ترجيحه على القاصرة إلى فوائد أخرى للتعليل، فصح التعليل بها (^١).\n_________\n(^١) انظر المجموع للنووي، ومبحث العلة القاصرة من كتاب إحكام الأحكام للآمدي.","vol":"1","page":469},{"text":"<span data-type='title' id=toc-370>عاشرا: فتاوى البيوع</span>\n<span data-type='title' id=toc-371>س ١: سئل الشيخ: عن حكم بيع الماء؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «إذا حاز الماء بتعبه ووضعه في قربة فله بيعه. وكذلك حافر البئر له بيعه. أما الماء النابع فهو غير مملوك لأحد ولا يحل بيعه كماء العيون والمطر، وكذلك الكلأ إذا استنبته إنسان فهو ملك له، لكن الكلأ الذي نبت بنفسه في البرية وكون الناس شركاء في النار يفيد أن البترول داخل في ذلك لأنه قابل للاشتعال فهو ملك للناس جميعا، ويتولى تنظيمه ولي الأمر، وهو خارج بنفسه ولذلك يصنعون له شيء يمنعه من التدفق، ولذلك لا زكاة فيه؛ لأنه ملك للأمة جميعا فهو كمال بيت المال لا زكاة فيه».\n\n<span data-type='title' id=toc-372>س ٢: سئل الشيخ: عن دفع ريالات في البنك وأخذ شيك يرسل بالبريد ليصرف من بلد أخرى بعملة أخرى كالجنيه بما يعادل قيمة الريالات المدفوعة؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «في التحويل يعتبر الشيك قبضا فيصح».\n\n<span data-type='title' id=toc-373>س ٣: سئل الشيخ: مبادلة الريالات الورقية بالريالات الحديدية مع التفاضل عشرة من تلك بتسع من هذه؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «لا يجوز؛ لأنه فيها ربا كلها ريالات».\n\n<span data-type='title' id=toc-374>س ٤: سئل الشيخ: ما حكم الأرباح من البنوك الربوية؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «إذا وضع مال في بنك ربوي يأخذ رأس ماله والأرباح ينفقها في مصارف الصدقة ووجوه الخير».\n\n<span data-type='title' id=toc-375>س ٥: سئل الشيخ: الشراء بالتقسيط ممن يعرض للسلعة سعرين نقدا وتقسيطا؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «يجوز إن لم يتفرقوا من المجلس، وإلا قد اتفقوا على أحد الأمرين، والشيخ ناصر يمنعه ويقول: هما بيعتين في بيعة، وليس كذلك هذا اسمه عرضان وليس بيعين.","vol":"1","page":470},{"text":"<span data-type='title' id=toc-376>س ٦: سئل الشيخ: فقه حديث لا يجوز لامرأة عطية إلا بإذن زوجها </span>(^١)؟\nفقال الشيخ ﵀: «سنده ضعيف (^١) والمرأة مالكة لمالها لا يحجر عليها إلا إذا كان فيها سفاهة فيحجر عليها وهو صريح القرآن ﴿فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا﴾ (^٢) أي إذا أعطت زوجها أو صديقاتها أو أقاربها فلهم أكله هنيئا مريئا»\n\n<span data-type='title' id=toc-377>س ٧: سئل الشيخ: عن البيع في المسجد؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «لا يصح مجرد عرض سلعة أو تعاقد على بيع أو إجازة في المسجد حتى لو كان البيع يتم خارجه».\n\n<span data-type='title' id=toc-378>س ٨: سئل الشيخ: البيع والشراء في المقابر؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «مباح» ولكن الأفضل والأولى أن نضع الأمر المناسب في المكان المناسب. فالمقابر أماكن يزورها المسلم يرق فيها قلبه ويتذكر الآخرة ويحتقر أمر الدنيا»\n\n<span data-type='title' id=toc-379>س ٩: سئل الشيخ: ما حكم من يعمل حارسا أو فراشا في مؤسسة ربوية؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «لا يجوز أن يقدم الشاي أو القهوة لمن يكتب الربا، ولا يجوز أن يعمل لديها أي عمل حتى ولو أدى ذلك إلى أن يعمل حمالا في السوق، سواء كانت هذه المؤسسة ربوية تبعا للحكومة أو للجن أو الإنس كله سواء. قال الله تعالى: ﴿ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾ (^٣) والذي يحمل الورق الذي فيه الربا من مكتب إلى مكتب آخر مثل كاتب الربا وحاسبه».\n_________\n(^١) صححه الألباني في صحيح الجامع (٧٢٣٨) وقد رواه النسائي وأحمد وابن ماجه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وهذا سند حسن عند كثير من أهل العلم وله شاهد من حديث كعب بن مالك وسنده ضعيف.\n(^٢) سرورة النساء، الآية: ٤.\n(^٣) سورة المائدة، الآية: ٢.","vol":"1","page":471},{"text":"<span data-type='title' id=toc-380>س ١٠: سئل الشيخ: إذا حولت الحكومة راتبي على بنك ربوي؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «لا بأس أن تستلم هذا المبلغ من البنك الربوي؛ لأن هذا المبلغ راتب على عملك والبنك هذا عمله ولا مانع من ذلك».\n\n<span data-type='title' id=toc-381>س ١١: سئل الشيخ: تحويل المال في البنوك؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «تحويل المال في البنوك بمعنى أنك تدفع هنا ريالات وتستلمها دولارات أو جنيهات في مصر أو أمريكا فهذا جائز، وهم ينزلون الشيك الذي تأخذه منزلة القبض. فأنت قبضت العوض عن المال الذي دفعته».\n\n<span data-type='title' id=toc-382>س ١٢: سئل الشيخ: هل دفع الرشوة جائز؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «دفع الرشوة جائز للتخلص من الضرر الذي وقع عليك ظلما أو لاستخلاص حقك الذي لا تستطيع تحصيله إلا بالرشوة بشرط أن تأمن من حدوث ضرر أشد كأن يسجنوك أو يعاقبوك».\n\n<span data-type='title' id=toc-383>س ١٣: سئل الشيخ: إذا قال تاجر في مصر لشخص يعمل هنا وأنت نازل احمل لي هذا الجهاز لأنك ستعفى من الجمرك، لأنه جهاز واحد وأعطيك مبلغا من المال مقابل حملك إياه وتسببك في إعفائي من الجمرك؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «لا يجوز هذا ولكن يجوز أن يحمل له من باب الإحسان بدون أجر».\n\n<span data-type='title' id=toc-384>س ١٤: سئل الشيخ: هل يجوز للمستأجر إذا خرج قبل انقضاء المدة أن يؤجر السكن لآخر ينتفع به؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «يجوز أن يؤجرها لمثله بحيث لا يفسد في الشقة ولو بأكثر وإذا أجرها لمثله لا يشترط إذن المالك».","vol":"1","page":472},{"text":"<span data-type='title' id=toc-385>س ١٥: سئل الشيخ: حكم من اقترض مبلغا من المال بالجنيه المصري على أن يرده بالريال؟</span>\nفقال الشيخ ﵀ «الأصل أنه يرده مصريا فإن لم يتمكن رده يصرفه من عملة أخرى، ومعنى لم يتمكن أن العملة انقرضت أو بطل التعامل بها».\n\n<span data-type='title' id=toc-386>س ١٦: سئل الشيخ: رجلان وأمهما في منزل كان قد استأجره أبوهما المتوفي فاتفق أحدهما مع الآخر أن يدفع له مبلغا من المال مقابل أن يخرج من السكن ويبحث عن مسكن آخر بدون علم المالك؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «إذا كان بنية خلو الرجل فلا يجوز، وإذا كان نظير انتفاع أحد الشريكين بحصة الآخر في الإيجار يجوز».\n\n<span data-type='title' id=toc-387>س ١٧: سئل الشيخ: إذا اختلط مال شخص بمال آخر وديعة عنده ليعمل فيه ويربح ولم يدركم الربح؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «هذا غالط في العمل في مال المسلمين إذا كان يغلط في حساب الربح، ولكن إذا كان مال شخص استسمحه، وإذا كان مال المسلمين اجتهد في التصدق به على أكثر التقديرين للربح، ويكتفي لنفسه بأقل تقدير».\n\n<span data-type='title' id=toc-388>س ١٨: سئل الشيخ: ما حكم السلم في العمارات، المقاول أو صاحب العقار يصف العقار الذي سوف يبنيه، ويتقاضى جزءا من ثمن البناء ممن يريد الشراء فيه ويستعين بهذا المبلغ الذي قبضه في بناء المبنى ثم يسلمه للمشترين حسب الإتفاق؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «يجوز هذا ولا حرج فيه وعامة بيع الشقق في مصر كذلك، ولا بأس».","vol":"1","page":473},{"text":"<span data-type='title' id=toc-389>س ١٩: سئل الشيخ: هل يجوز بيع سيارة بالتقسيط ويشترط إذا لم يسدد الأقساط وأراد إعادة السيارة يقتطع جزءا من الثمن مقابل انتفاعه باستعمال السيارة؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «هذا غلط يسترد مبلغه كاملا ويجوز للبائع أن يأخذ رهنا إذا تأخر المشتري باع المرهون واسترد الثمن»\n\n<span data-type='title' id=toc-390>س ٢٠: سئل الشيخ: عن الشروط الجزائية؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «تجوز في حالات خاصة كعقد المقاول إذا تأخر في تسليم الصفقة أو عند التعاقد مع المدرسين أو الموظفين يجوز مجازاتهم بخصم أو إلغاء العقد عند المخالفات».\n\n<span data-type='title' id=toc-391>س ٢١: سئل الشيخ: محل بيع قطع الغيار يبيع العامل فيه القطعة رخيصة لصديقه ولا يتقاضى الأجر على التركيب؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «لا يجوز إلا بإذن صاحب العمل أما إذا لم يتقاضى الأجر على التركيب بعد نهاية الدوام فلا حرج، أما أثناء الداوم فلا إذا كان متعاقدا مع صاحب العمل على أن يركب والأجر لصاحب العمل».\n\n<span data-type='title' id=toc-392>س ٢٢: سئل الشيخ: عن رجل من البدو اغتصب إبلا وعندما حضرته الوفاة أوصى ابنه أن يردها، وابنه لا يعرف أصحابها؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: (يقوم ثمن الإبل الآن، أي يوم الرد لا يوم الاغتصاب ويتصدق به على الفقراء وينفقه في مصالح المسلمين).\n\n<span data-type='title' id=toc-393>س ٢٣: سئل الشيخ: عن المساهمات في الشركات والبنوك؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «المساهمات كلها محل ريبة لا يساهم الإنسان في أي شركة من الشركات إلا على طريقة المضاربة بنسبة من الربح».\nوموضوع المساهمات في الشركات والبنوك سيبحث إن شاء الله في هيئة كبار العلماء.","vol":"1","page":474},{"text":"<span data-type='title' id=toc-394>س ٢٤: سئل الشيخ: ما حكم مبادلة عيار ١٨ بذهب عيار ٢١، أو ٢٤ علما بأنه قد يخلط الذهب بنحاس أو فضة بنسب متفاوتة في هذه العيارات؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «ما دام يبادل ذهبا بذهب فلا بد من تساوي الوزن. فمثلا عشرة جرامات من عيار ١٨ بمثلها عشرة جرامات من عيار ٢١ ولو تفاوت نسبة ما خلط به».\n\n<span data-type='title' id=toc-395>س ٢٥: سئل الشيخ: بائع الجملة هل يجوز أن يبيع لبعض الناس بسعر ولبعضهم بسعر آخر؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «نعم يجوز»\n\n<span data-type='title' id=toc-396>س ٢٦: سئل الشيخ: بعض البنوك يعلن عن نفسه أنه بنك إسلامي، ولا يتعامل بالربا فهل يكفي هذا للإيداع فيه أم لا بد من البحث والتأكد من صحة ذلك؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «لا بد من التأكد والبحث عن كون البنك لا يتعامل بالربا».\n\n<span data-type='title' id=toc-397>س ٢٧: سئل الشيخ: هل يجوز ترك المال في بنك ربوي كوديعة بدون فوائد؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «لا يجوز وضع المال في بنك يتعامل بالربا لا وديعة ولا غيرها»\n\n<span data-type='title' id=toc-398>س ٢٨: سئل الشيخ: هل يجوز بيع حق استعمال الهاتف والذي حصل عليه من الحكومة؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «لا يجوز ولو بما كلفه من مال؛ لأن هذا الحق ملك الدولة»\n\n<span data-type='title' id=toc-399>س ٢٩: سئل الشيخ: عن حكم بيع عقود العمل؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «لا يجوز ولا يشترى عقد عمل ولو كان محتاجا ومن تركه عوضه الله»","vol":"1","page":475},{"text":"<span data-type='title' id=toc-400>س ٣٠: سئل الشيخ: عن حكم التورق (وهو شراء سلعة بالتقسيط وبيعها نقدا بأقل لغير من اشتراها منه)؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «التورق جائز»\n\n<span data-type='title' id=toc-401>س ٣١: سئل الشيخ: عن حكم أخذ الأجرة على تعليم القرآن؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: (إذا تعين هو لتعليم القرآن كان واجبا عليه ولم يجز له أخذ الأجرة على واجب. أما إذا لم يجب عليه بعينه تعليم القرآن فيجوز له أن يأخذ أجرة في حدود ما يكفيه من النفقات. أما إذا لم يكن محتاجا فلا يجوز أخذ الأجرة)\n\n<span data-type='title' id=toc-402>س ٣٢: سئل الشيخ: بعضهم يتورع عن تجارة الذهب لكثرة المخالفات فيها؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «هذا غلط، بل يتاجر بالوجه الشرعي من غير ربا».\n\n<span data-type='title' id=toc-403>س ٣٣: سئل الشيخ: حكم أخذ الذهب بدون دفع قيمته؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «إذا كان قيمته نقودا لا يجوز. أما إذا كان ذهبا مقابل بر أو قماش فيجوز الأجل»\n\n<span data-type='title' id=toc-404>س ٣٤: سئل الشيخ: (خلو الرجل) وتقبيل المحلات؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «خلو الرجل لا يجوز وتقبيل المحلات يجوز».\n\n<span data-type='title' id=toc-405>س ٣٥: سئل الشيخ: ما حكم البيع والشراء من الكفار؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «كان النبي ﷺ يسوي بينهم، وبين المسلمين في البيع والشراء، وكان يشتري من اليهود مثل ما يشتري من المسلمين».\n\n<span data-type='title' id=toc-406>س ٣٦: سئل الشيخ: عن أخذ الأجر على الطاعة؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «أخذ الأجر الدنيوي على الطاعة لا يقدح في","vol":"1","page":476},{"text":"الإخلاص ولكن ينقص الأجر، وهذا منصوص عليه في الجهاد إذا استعجل الغنيمة (^١)، فإذا كان الدافع له على الطاعة هو وجه الله أو الأمران معا فهو مخلص. أما إذا كان مقصده المال فقط بحيث إذا نقص منه شيء من المال يترك هذه الطاعة فلا ثواب له. لكن إذا كان معذورا فلا إثم عليه. إذا امتنع من فعل الطاعة لأنهم لم يعطوه أجرته المالية. ولا يتوقف أجره الأخروي على كون أجره الدنيوي كبيرا أو صغيرا بل يتوقف على مدى حاجة الناس إليه وحاجتهم إلى من ينشر الخير بينهم، وقوله تعالى: ﴿لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة﴾ (^٢) الآية … فيها عدم استواء الأجر بحسب وقت الإنفاق.\n\n<span data-type='title' id=toc-407>س ٣٧: سئل الشيخ: عن الشروط في العقود كاشتراط إكمال المرأة تعليمها في عقد الزواج، واشتراط عدم التدريس دروسا خاصة بعد الداوم في المدارس؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: هو ملزم بالوفاء؛ لحديث «أحق الشروط وأن توفوا به ما استحللتم به الفروج» (^٣) ما لم يطرأ ما يمنع من الوفاء بالشروط فيعذر.\nواشتراط عدم التدريس خارج الداوم شرط ملزم، ولو لغير طلابه سدا للذرائع. وكذلك اشتراط ألا يعمل تاجرا مثلا بعد الدوام وطاعة ولي الأمر فيما نصح به حفظا للنظام ملزمة كقوانين المرور؛ إذ ليس فيها نص بخصوصها لولي الأمر وضع جزاءات بشرط أن تكون عادية. وإذا كان عارفا بعدم الجواز وفعل وتقاضى على ذلك أجر فعليه دين في ذمته مثل المبلغ الذي تقاضاه، أما إذا كان جاهلا بالحكم فلا شيء عليه وهو معذور فيما سبق.\n_________\n(^١) يشير الشيخ ﵀ إلى قول النبي ﷺ: «ما من غازية أو سرية تغزو في سبيل الله فيهيبون من الغنيمة، إلا تعجلوا ثلثى أجرهم من الآخرة. ويبقى لهم الثلث. وإن لم يصيبوا غنيمة ثم لهم أجرهم» رواه مسلم (١٩٠٦). وأحمد (٢/ ٦٩) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄.\n(^٢) سورة الحديد، الآية: ١٠.\n(^٣) حديث صحيح رواه البخاري (٢٧٢١، ٥١٥١)، ومسلم (١٤١٨) والترمذي (١١٢٧)، وأبو داود (٢١٣٩). والنسائي (٦/ ٩٢) وابن ماجة (١٩٥٤)، وأحمد (٤/ ١٤٤) من حديث عقبة بن عامر ﵁ مرفوعا.","vol":"1","page":477},{"text":"<span data-type='title' id=toc-408>حادي عشر: فتاوى النكاح</span>\n<span data-type='title' id=toc-409>س ١: سئل الشيخ: هل يجوز الزواج بالكتابية؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «السورة التي فيها إباحة الزواج بالكتابية هي سورة المائدة، وهي نفس السورة التي فيها أن النصارى كفروا لقولهم: ﴿إن الله هو المسيح ابن مريم﴾ (^١) ﴿إن الله ثالث ثلاثة﴾ (^٢) خلافا لعمر ﵁ اذ لم يطاوعه الصحابة»\n\n<span data-type='title' id=toc-410>س ٢: سئل الشيخ: عن الزواج من النصارى؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «عند المذاهب الثلاثة يباح الزواج من نساء اليهود والنصارى سواء عدلوا إلى الأسوأ، أو الأحسن ما دامت تنتسب إلي النصرانية أو اليهودية»\n\n<span data-type='title' id=toc-411>س ٣: سئل الشيخ: الذهب الذي يعطيه الزوج لامرأته؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «الذهب الذي أعطاه الزوج لامرأته يكون من حقها. وإذا لم يكن هناك اتفاق فعليه مهر غير الذهب ويعتبر الذهب هدية»\n\n<span data-type='title' id=toc-412>س ٤: سئل الشيخ: ما حكم الزواج بزوجة ثانية؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «حكم الزواج بثانية يختلف من شخص لآخر كل إنسان أدرى بحاله»\n\n<span data-type='title' id=toc-413>س ٥: سئل الشيخ: رجل رضع من زوجته هل تحرم عليه؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «يجوز له ذلك لأن لبنها حلال، وله أن يتغذى عليه إلى أن يموت ولا يترتب عليه تحريم؛ لأنه ليس في الحولين»\n\n<span data-type='title' id=toc-414>س ٦: سئل الشيخ: ماهي الرضعات التي تحرم الزواج؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «كل مصة تعتبر رضعة ولو كانت في مجلس\n_________\n(^١) سورة المائدة، الآية: ١٧.\n(^٢) سورة المائدة، الآية: ٧٣.","vol":"1","page":478},{"text":"واحد، ولو مص مصة ثم انفصل عن الثدي بسبب برغوث قرصه فهي واحدة، ولا يشترط كون الرضعات مشبعات ومصة اللبن إذا دخلت الأمعاء فقد فتقتها».\n\n<span data-type='title' id=toc-415>س ٧: سئل الشيخ: امرأة رضعت مع أخت لي من الرضاعة، ولها أخوان أكبر منها هل هم إخواني أم لا مع أن هذه الأخت رضعت من أمي؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «أختك من أمك من الرضاعة لها أخوان أو أخوات، إن كان رضاعتهم مع أختك من الرضاعة من أمك إذا رضعوا من أمك فهم إخوانك من أمك، ولا يحتاجون إذا كانوا رضعوا قبلها أو بعدها، إخوانها من الرضاعة أو أخواتها من الرضاعة إذا رضع أولئك من أمك أيضا فهؤلاء إخوانك من أمك إذا كان الرضاعة خمس رضعات (^١) في الحولين، وأما إذا رضعوا مع أختك من الرضاعة من إمرأة أخرى، أختك من الرضاعة رضعت من أمك ورضعت من إمرأة أخرى، فليسوا إخوانا لك من الرضاعة ولا أخوات لك من الرضاعة هم أخوات أختك من الرضاعة إن كان رضاعهم مع أختك من الرضاعة من إمرأة أخرى وليسوا إخوانا لك ولا أخوات لك من الرضاعة، وأما إذا رضعوا من أمك أو من أختك أو من بنتك فهم محارم لك من الرضاعة».\n\n<span data-type='title' id=toc-416>س ٨: سئل الشيخ: إذا أسلمت فتاة في دولة كافرة وأولياؤها كفار، وتريد أن تتزوج من رجل مسلم فمن يكون وليها؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: «إذا كانت الدولة كافرة، والأولياء كفار، والفتاة مسلمة، وتريد أن تتزوج فوليها هو القاضي المسلم الذي يتولى عقد الزواج».\n_________\n(^١) أخرج مسلم (١٤٥٢) من حديث عائشة أنها قالت «فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحر من ثم بخمس معلومات فتوفى رسول الله ﷺ وهن فيما يقرأ من القرآن».\nقال النووي في شرح مسلم (١٠/¬٢٩) وقولها «فتوفى رسول الله ﷺ وهن فيما يقرأ من القرآن معناه أن النسخ بخمس رضعات تأخر إنزاله جدا حتى أنه ﷺ توفى وبعض الناس يقرأ خمس رضعات، ويجعلها قرآنا متلوا لكونه لم يبلغه النسخ لقرب عهده فلما بلغهم النسخ بعد ذلك رجعوا عن ذلك وأجمعوا على أن هذا لا يتلى».","vol":"1","page":479},{"text":"<span data-type='title' id=toc-417>ثاني عاشر: فتاوى الطلاق</span>\n<span data-type='title' id=toc-418>س ١: سئل الشيخ: عن الرجل إذا قال لزوجته: إذا فعلت كذا فأنت علي كأمي وأختي وفعلت هذا الشيء ناسية؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: عليه كفارة يمين. أما إذا لم تكن ناسية فهو ظهار؛ لأن الناس معذورون بالنسيان قال تعالى ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-419>س ٢: سئل الشيخ: عن كفارة الظهار؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: كفارة الظهار - إذا كان عاجزا عن الصيام - ثلاثون صاعا من طعام، أو يحضر ستين مسكينا ويطعمهم، أو يذهب بهم إلى مطعم ويطلب لهم طعاما من جنس ما يأكله.\n\n<span data-type='title' id=toc-420>س ٣: سئل الشيخ: عن انفصال الخاطب عن مخطوبته؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: إذا قدر الانفصال بين الخاطب والمخطوبة ينظر إذا كان السبب من جهته فليس له شيء مما أعطاها، ولو كان لعيب فيها ظهر له. أما إذا كان من جهتها هي فيرجع ويأخذ ما أعطاها.\n\n<span data-type='title' id=toc-421>س ٤: سئل الشيخ: عن امرأة زوجها تارك للصلاة وشارب للخمر؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: لها أن تطلب الطلاق؛ لأن ترك الصلاة ولو كسلا كفر على الصحيح والسكير قد يقتلها أو يقتل ولدها. أما بالنسبة للمهر فإن كانت هي طالبة للطلاق واعتبره القاضي خلعا فإنها تفتدي نفسها بمبلغ من المال تدفعه له، وإذا ألزمه القاضي بتطليقها أخذت مهرها كاملا وعليه النفقة والسكنى مدة العدة، والحضانة حق لها أن تحتضن ولدها سبع سنين وقد تصل إلى تسع إذا رأى القاضي ذلك.\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ٢٨٦.","vol":"1","page":480},{"text":"<span data-type='title' id=toc-422>ثالثا [¬*]: مباحث في القرآن الكريم وتفسيره</span>\n_________\n[¬*] (تعليق الشاملة): في المطبوع «ثانيا»","vol":"1","page":481},{"text":"١ - مبحث في<span data-type='title' id=toc-423> القرآن الكريم </span>وكيف نقل إلينا\nأولا: القرآن ولم سمي قرآنا، وكيف نقل إلينا\nالقرآن في الأصل مصدر قرأ يقرأ قراءة وقرآنا، ومعناه في اللغة الجمع والضم. قال تعالى: ﴿إن علينا جمعه وقرآنه﴾ (^١) وقرآنه أي قراءته ﴿فإذا قرأناه فاتبع قرآنه﴾ (^٢) أي جمعناه لك في صدرك، فاتبع ذلك الذي جمع تلاوة وبلاغا وعملا، وقد صار علما بالغلبة على الكتاب العزيز في عرف علماء الشرع، ويعرف بأنه كلام الله الذي أنزله على محمد ﷺ، ليتعبد الناس بتلاوته وبأحكامه، وليكون آية له على رسالته، تحدى به قومه. وطالبهم أن يأتوا بمثله، فإذا عجزوا دل ذلك على صدقه فيما ادعاه من الرسالة.\nوسمي قرآنا لجمعه ما تحتاج إليه الأمة في سعادتها وصلاحها عاجلا وآجلا من عقائد وعبادات، وأخلاق ونظم المعاملات قال تعالى: ﴿ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء﴾ (^٣)، وقال ﴿ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء﴾ (^٤) ولما فيه من الجمع بين السور والآيات.\nوعلى هذا لا تسمى الأحاديث النبوية قرآنا لأن الفاظها من الرسول وإن كان معناها وحيا. ولا تسمى الكتب الأولى كالتوراة قرآنا لنزولها على غيره من الأنبياء ولا يسمى الحديث القدسي قرآنا لأنه ليس مما يتعبد بتلاوته ولا هو آية تحدى بها الرسول أمته.\nالقراءة المتواترة ما وافقت العربية ورسم المصاحف العثمانية وتواتر نقلها.\n_________\n(^١) سورة القيامة، الآية ١٧.\n(^٢) سورة القيامة الآية ١٨.\n(^٣) سورة يوسف الآية ١١١.\n(^٤) سورة النحل، الآية: ٨٩.","vol":"1","page":483},{"text":"والقراءة الشاذة ما نقلت أحادا على أنها قرآن، وقيل فيها أنها ما وراء السبعة، وقيل ما وراء العشرة كقراءة ابن مسعود ﴿فصيام ثلاثة أيام متتابعات﴾، وقراءته ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهم﴾ وقد اختلف في القراءة الشاذة هل تسمى قرآنا أم لا؟ والجمهور على أنها ليست بقرآن لعدم تواترها. ثم اختلفوا في الإحتجاج بها فقيل أنها حجة تثبت بها الأحكام، فإنها إن كانت قرآنا فلا إشكال فيها يمنع من كونها وحيا، فإذا رويت من طريق صحيح كانت حجة كسائر الأحاديث الثابتة، وبذلك وجب التتابع في صيام كفارة اليمين، وقيل ليست بحجة وبيانه أن الرسول ﷺ كان واجبا عليه أن يعلم القرآن من أمته جماعة تقوم بهم الحجة القاطعة لبلوغهم عدد التواتر، وإذا كان كذلك لم يتصور منهم التواطؤ على عدم نقل ما سمعوه من القرآن وعلى هذا فمن انفرد بقراءة فإن نقلها على أنها قرآن فهو مخطيء، وإلا فهي إما مذهب فهمه من القرآن، أو خبر أحاد ومع التردد بينهما لا يصح الاحتجاج. وأجيب عن ذلك بتسليم تعليم الرسول ﵊ من أمته جماعة تقوم بهم الحجة ولا تتواطأ على ترك ما سمعت، لكن يكفي في عدم تواطئها على الترك نقل البعض وإن كان أحادا فيكون ذلك قرآنا وعلى تقدير أن ناقله لم يسمه قرآنا فهو كحديث نبوي أو قدسي فكان حجة تثبت بها الأحكام لأنه خبر عن المعصوم.\nأنزل الله القرآن وجعله خاتم الكتب السماوية كما جعل نبيه محمدا ﷺ خاتم الأنبياء، وجعل إليه بيان القرآن وتفصيل آياته وأحكامه بقوله وعمله وسيرته قال تعالى: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما أنزل إليهم ولعلهم يتفكرون﴾ (^١) ووعد سبحانه الأمة بحفظ كتابه وتكفل لها ببقاء دينه لتقوم بهالحجة دائما وتسقط المعاذير حيث لا نبي بعد محمد ﷺ، ولا تشريع بعد تشريعه حتى يرث الله\n_________\n(^١) سورة النحل، الآية: ٤٤.","vol":"1","page":484},{"text":"الأرض ومن عليها، قال تعالى: ﴿إن نحن نزلنا الذكر وإن له لحافظون﴾ (^١) فقيض سبحانه لهذا الكتاب المبين من يحفظه من الزيادة فيه أو النقص منه، ومن التقديم والتأخير في آياته، أو كلماته، وتحريف الفاظه، أو معانيه بسوء فهمها وبيانها بغير ما قصد منها، وأريد بها من التأويلات الباطلة، والآراء الزائفة قصدا أو غير قصد. فما من عصر من العصور إلا وفيه من أئمة الدين، وأهل البصيرة فيه من ينفي عن كتاب الله ويدفع عن سنة رسوله ﷺ ما كاد به أعداء الإسلام لهذا الدين الحنيف من تأويلات ادخلوا بها الريب والشكوك على من يستهويهم زخرف القول ومن شبهات موهوا بها على ضعفاء العقول، إنجازا من الله لوعيده في كتابه وتصديقا لقول نبيه ﷺ (لا تزال طائفة من أمتي قائمة على الحق ظاهرة ..) (^٢) الحديث وإبقاء للحجة على الخلق وحفظا لهذا النور وهذه الهداية رحمة بالعباد.\n\nنقل القرآن تواترا ووصوله إلينا حفظا وكتابة\n\n<span data-type='title' id=toc-425>٢ - وصوله إلينا تواترا بطريق الحفظ</span>\nكلف الله سبحانه النبي ﷺ بأداء ما حمله من الآيات والوحي، فبلغ رسالة ربه امتثالا لقوله تعالى: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته﴾ (^٣) وقد نصح للأمة وبين لها غاية البيان، فكان يعلم أصحابه ما نزل عليه من القرآن تلاوة له وحفظا ودراسة لمعانيه وكان يأخذهم بالعمل بما فيه، وبذلك جمع الله لهم بين حفظ أصل الدين وفهم نصوصه وسلامة العقيدة وحسن\n_________\n(^١) سورة الحديد، الآية: ٩\n(^٢) ورد عن جميع الصحابة ﵃، وهو حديث متواتر كما نص على ذلك غير واحد من أهل العلم منهم شيخ الإسلام ابن تيمية في اقتضاء الصراط (١/ ٦٩). والكتاني في نظم المتناثر (٩٣) والألباني في صلاة العيدين (ص ٣٩، ٤٠) والسلسلة الصحيحة رقم (٢٧٠).\n(^٣) سورة المائدة، الآية: ٦٧.","vol":"1","page":485},{"text":"السيرة كما قال أبو عبد الرحمن السلمي حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن عثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي ﷺ عشر آيات لا يتجاوزونها حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل. قال فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعا (^١).\nوكثر حفظة القرآن من الصحابة من المهاجرين والأنصار، الرجال منهم والنساء، فمن المهاجرين الخلفاء الراشدين، وحفصة وأم سلمة وغيرهم، من الأنصار معاذ ابن جبل وأبي كعب وأبو زيد قيس بن السكن الخزرجي، وزيد بن ثابت وغير هؤلاء كثير، كالذين قتلوا ببئر معونة وكانوا زهاء سبعين رجلا، وكالقراء الذين استحر بهم القتل في موقعة اليمامة وغيرها، وكان بعض هؤلاء قد أخذ القرآن من النبي ﷺ مباشرة غضا طريا وحفظه في حياته، وبعضهم أخذ بعضه عن النبي ﷺ وأخذ بقيته من إخوانه الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين مع التفاوت بينهم في ذلك والأحاديث الصحيحة في حفظ من ذكر وغيرهم من الصحابة ﵃ مستفيضه كحديث (خذوا القرآن من أربعة: عبد الله بن مسعود وسالم ومعاذ وأبي بن كعب) (^٢)، ثم قاموا بواجب البلاغ وعنوا بتبليغ من أدركهم من التابعين كتاب الله قراءة وبيانا، وقد تقدم ذلك عن أبي عبد الرحمن السلمي. وقال مجاهد: عرضت المصحف على ابن عباس ﵄ من فاتحته إلى خاتمته اوقفه عند كل آية، وأسأله عنها فحفظ التابعون ﵃ القرآن وفهموه ممن سبقهم وساعدهم على ذلك ما قام به أبو بكر ثم عثمان ﵁ من جمع المصحف على ما سيجيء بيانه. وهكذا استمر حفظ أهل كل عصر لكتاب الله واشتدت عناية المسلمين به حتى حفظه الصبيان في الكتاتيب، وفي الوقت الحاضر مع بعد العهد بين نزول القرآن لو أراد أحد أن يجمع القرآن\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في (تفسيره) ١١/ ٢٤٥.\n(^٢) حديث صحيح رواه البخاري (٤٩٩٩) من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ مرفوعا.","vol":"1","page":486},{"text":"من الصدور من دون اعتماد على المصاحف لوجد في كل دولة من الدول الإسلامية جماعة كثيرة تمليه من حفظها دون رجوع إلى المكتوب لديها والحاضر شاهد عيان بذلك لمن أنصف، ولو لم يكن سوى ذلك في نقل القرآن لكان كافيا في ثبوت التواتر، فكيف وقد نقل إلينا متواترا أيضا بطريق الكتابة وإليك بيانه:\n\n<span data-type='title' id=toc-426>٣ - وصوله إلينا متواترا بطريق الكتابة</span>\nكما عني النبي ﷺ بتبليغ القرآن بالمشافهة وضبطه بالتلاوة والدراسة، عني بتبليغه بالكتابة أيضا، فكان كلما نزل عليه الوحى بالقرآن دعا كاتبه وأملى عليه ما أنزل فكتبه في الصحاف والأكتاف ونحوها، مما كان يستعمل للكتابة في عهدهم. ثبت أنه لما نزل عليه قوله تعالى ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم﴾ (^١) قال النبي ﷺ للبراء: «ادع لي زيدا يجيء باللوح والدواة والكتف» (^٢) … إلخ. رواه أصحاب السنن، ولم تكن الكتابة وقفا على زيد بن ثابت، بل كان لرسول الله ﷺ كثير من الكتاب منهم في الجملة الخلفاء الراشدون، والزبير بن العوام، وخالد بن سعيد العاص وأخوه ابان، وحنظلة بن الربيع الأسدي، ومعيقيب ابن أبي فاطمة، وعبد الله بن الأرقم الزهري، وشرحبيل بن حسنة، وعبد الله بن رواحة، وعبد الله بن سعد بن أبي السرح، وكل هؤلاء من قريش أسلموا قبل الفتح وكتبوا له الوحي وكتب له بالمدينة أبي بن كعب، وزيد بن ثابت، إلا أن زيدا كان أكثر الصحابة كتابة لرسول الله ﷺ. وبذلك اشتهر ومن أجله اختاره أبو بكر وعمر لجمع القرآن ورضيه المسلمون، فقام بذلك خير قيام مع الإستعانة بإخوانه من الصحابة رضي الله عليهم كما هو واضح في بحث جمع القرآن.\n_________\n(^١) سورة النساء، الآية: ٩٥.\n(^٢) أخرجه الترمذي في تفسير القرآن في باب. من سورة النساء (٣٠، ٢١) وقال حسن صحيح.","vol":"1","page":487},{"text":"جمع القرآن\n\n<span data-type='title' id=toc-427>٤ - جمعه في عهد أبو بكر</span>\nتوفي رسول الله ﷺ والقرآن محفوظ في صدور أصحابه ومكتوب في اللخاف والأكتاف ونحوهما، ولم يكن جمعه على هيئة كتاب واحد حيث لم تدع الحاجة إلى ذلك لوجوده بين أظهرهم وتوجههم إليه في كل ما اختلفوا فيه، وتوفر هممهم على حفظه وغير ذلك مما يساعد على صيانته من التحريف والأمن عليه من الضياع.\nفلما كان عهد أبي بكر واشتدت الفتنة، وكانت حروب الردة وقتل كثير من القراء في موقعة اليمامة، أشار عمر بن الخطاب على أبي بكر ﵄ أن يجمع القرآن، وبعد نقاش اقتنع أبو بكر بما أشار به عمر، فأرسل إلى زيد بن ثابت وعرض عليه جمع القرآن، وراجعه في ذلك حتى شرح الله صدره لما شرح له صدر أبي بكر ﵃، روى البخاري وغيره أن زيد بن ثابت قال: أرسل إلى أبو بكر مقتل أهل اليمامة (^١)، فإذا عمر بن الخطاب عنده، فقال أبو بكر: إن عمر بن الخطاب أتاني فقال إن القتل قد استحر (^٢) بقراء القرآن، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن، فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن. فقلت لعمر: كيف نفعل شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ؟ قال عمر: هذا والله خير. فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك.\n_________\n(^١) مقتل أهل اليمامة: أي عقب قتل أهل اليمامة. والمراد بأهل اليمامة هنا من قتل بها من الصحابة في الواقعة مع مسيلمة الكذاب، وكان من شأنها أن مسيلمة ادعى النبوة وقوي أمره بعد موت النبي ﷺ بارتداد كثير من العرب، فجهز إليه أبو بكر الصديق خالد بن الوليد في جمع كثير من الصحابة فحاربوه أشد محاربة، إلى أن خذله الله وقتله، وقتل في غضون ذلك من الصحابة جماعة كثيرة قيل سبعمائة وقيل أكثر. قاله الحافظ ابن حجر في (فتح الباري).\n(^٢) استحرى أي اشتد وكثر (فتح الباري ٩/¬١٢).","vol":"1","page":488},{"text":"ورأيت في ذلك الذي رأي عمر. قال زيد: قال أبو بكر إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي الرسول الله ﷺ فتتبع القرآن فاجمعه. والله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان علي أثقل مما أمراني به من جمع القرآن. قلت: كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ. قال: هو والله خير. فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر ﵄، فتتبعت القرآن من العصب (^١) واللخاف (^٢) وصدور الرجال ووجدت آخر سورة التوبة مع خزيمة بن ثابت الأنصاري لم أجدها مع غيره ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم﴾ (^٣) حتى خاتمة براءة فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياته ثم عند حفصة بنت عمر (^٤)، وبهذا يتبين فضل أبي بكر وعمر وزيد ومن أعانهم على جمع القرآن ﵃ فإنهم بذلك قد حفظوا لنا أصل الدين كما حفظوه بالجهاد في سبيل الله.\nوفي قراءة الكثير من الصحابة له بعد جمعه على النحو الذي جمعه عليه زيد ومن أعانه تقرير للجمع، والإجماع على صحته ومن قرأ بقراءة أخرى فإنما اختار لنفسه حرفا من الحروف السبعة التي بها نزل القرآن من غير أن ينكر على مبدأ الجمع أو ما جمع.\n\n<span data-type='title' id=toc-428>٥ - جمع عثمان القرآن وكتابة المصاحف وإرسالها إلى الأمصار</span>\nثبت أن القرآن أنزل على سبعة أحرف بدليل ما روى ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «أقرأني جبريل القرآن على حرف، فراجعته، فلم أزل\n_________\n(^١) العصب: جريدة النخل فتح الباري (٩/¬١٤).\n(^٢) اللخاف: الحجارة الرقاق فتح الباري (٩/¬١٤).\n(^٣) سورة التوبة، الآية: ١٢٨.\n(^٤) أخرجه البخاري في فضائل القرآن باب جمع القرآن (٩٨٦).","vol":"1","page":489},{"text":"أستزيده ويزيدني حتى إلى سبعة أحرف (^١) رواه البخاري. وأذن لكل من أصحابه أن يقرأ بما أخذ عنه من تلك الأحرف، تيسيرا لهم، وتخفيفا عنهم، ولم يكن بينهم من الإختلاف، ما يدعو إلى المنع من ذلك لقلته، وإجتماع الصحابة، وقلة عددهم بالنسبة لمن بعدهم، ولوجود الرسول ﷺ بين أظهرهم ورجوعهم إليه فيما اختلفوا فيه، ولم تدع الحاجة في عهد أبي بكر وعمر أيضا لأكثر من جمع القرآن من غير ترتيب السور، ولا إلى إلزام الناس أن يقرأوا بحرف واحد من السبعة. ولما انتهت الخلافة إلى عثمان ﵁، وكثر المسلمون وانتشروا في البلاد، وكانت موقعه أرمينية وأذربيجان ظهر الحذيفة بن اليمان كثرة اختلافهم في القراءة، ففزع من ذلك، وأرسل إلى عثمان ﵁ يشير عليه أن يحفظ كتاب الله بما يراه قبل أن يختلف المسلمون فيه كما اختلف اليهود والنصاري في كتابهم، فقام ﵁ بذلك خير مقام على النحو المذكور فيما رواه البخاري من حديث «أن حذيفة ﵁ قدم على عثمان وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القرآن، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب، كاختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت، وعبد الله ابن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم، ففعلوا، حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في فضائل القرآن باب: أنزل القرآن على سبعة أحرف (٤٩٩١).\n(^٢) أخرجه البخاري في فضائل القرآن باب جمع القرآن (٤٩٨٧) والترمذي في تفسير القرآن باب في سورة التوبة (٣١٠٤).","vol":"1","page":490},{"text":"قال ابن شهاب: وأخبرني خارجة بن زيد بن ثابت أنه سمع زيد بن ثابت قال: فقدت آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف، قد كنت أسمع رسول الله ﷺ يقرأ بها، فالتمسناها، فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري ﴿من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه﴾ (^١) «فألحقناها في سورتها في المصحف» (^٢).\nولا ضير على عثمان ﵁ في أن يلزم الناس بقراءة القرآن على حرف واحد وترك سائر الأحرف السبعة التي أقرأهم إياها رسول الله ﷺ وأمرهم بقراءتها، وقد أوضح ابن جرير هذا بقوله: إن أمره إياهم لم يكن أمر إيجاب وفرض، وإنما كان أمر إباحة ورخصة، لأن القراءة بها لو كانت فرضا عليهم لوجب أن يكون العلم بكل حرف من تلك الأحرف السبعة عند من تقوم بنقله الحجة، ويقطع خبره العذر. ويزيل الشك من قراءة الأمة، وفي تركهم نقل ذلك كذلك أوضح الدليل على أنهم كانوا في القراءة بها مخيرين بعد أن يكون في نقلة القرآن من الأمة من تجب بنقله الحجة ببعض الأحرف السبعة، وإذا كان ذلك كذلك لم يكن القيام بتركهم نقل جميع القراءات السبع تاركين مايكون يجب عليهم نقله، بل كان الواجب عليهم من العقل ما فعلوا إذ كان الذي فعلوا من ذلك كان هو النظر للإسلام وأهله فكان القيام بفعل الواجب عليهم بهم أولى من فعل ما لو فعلوه كانوا إلى الجناية على الإسلام وأهله أقرب منهم إلى السلامة من ذلك، فأما ما كان من اختلاف القراءة في رفع حرف، وجره ونصبه، وتسكين حرف، وتحريكه ونقل حرف إلى آخر مع اتفاق الصورة فمن معنى قول النبي ﷺ «أمرت أن أقرأ القرآن على سبعة أحرف»، بمعزل، لأنه معلوم أنه لا حرف من حروف القرآن مما اختلف القراءة في قراءته بهذا المعنى يوجب المراء به كفر المماري به في قول أحد من علماء الأمة، وقد أوجب ﵊ بالمراء الكفر من الوجه الذي تنازع فيه المتنازعون إليه وتظاهرت عنه بذلك الرواية.\n_________\n(^١) سورة الأحزاب، الآية: ٢٣.\n(^٢) أخرجه البخاري في فضائل القرآن باب جمع القرآن (٤٩٨٨).","vol":"1","page":491},{"text":"<span data-type='title' id=toc-429>٦ - فضل كلام الله وفضل تلاوته</span>\n﷽\nالحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. وبعد ..\nفإن فضل كلام الله على كلام البشر كفضل الله على عباده. وإن أفضل ذكر يذكر به الإنسان ربه هو كتاب الله، يتلوه العبد خاشعا، ضارعا متدبرا لمعانيه، مرتلا لألفاظه، جالسا جلسة أدب لأنه إنما يناجي ربه، ويذكره بكلامه وهو أفضل الكلام، كما أنه ﷾ أفضل وأعظم من كل شيء ولا يشبهه شيء.\nوقد بين الرسول ﷺ فضيلة القرآن وفضيلة من يقرأه، وقسم الناس في قراءته إلى قسمين:\nالقسم الأول: من جود القرآن وأحسن تلاوته ومرن في تلاوته، فهذا جعله النبي ﷺ في صفوف الملائكة البررة.\nالقسم الثاني: وهو صنف لم يلن لسانه بتلاوة القرآن، والقرآن عليه ثقيل، وهو يتمتع فيه، ويجاهد نفسه ليكون من المرتلين له، وهو شاق عليه ينطق به بصعوبة فهذا له أجران. أجر على التلاوة، وأجر على مجاهدته لنفسه، وفي هذا يقول النبي ﷺ: (الماهر بالقرآن مع السفرة والكرام البررة. والذي يقرأه ويتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران) (^١).\nفبين النبي ﷺ أن لكل تال للقرآن أجرا، إذا كان من أحد هذين الصنفين وإن\n_________\n(^١) حديث صحيح رواه البخاري رقم (٤٩٣٧)، ومسلم (١٤٥٤). والترمذي (٢٩٠٤) وابن ماجة (٢٧٧٩)، وأحمد (٦/¬٤٨، ٩٤، ٩٨) كلهم من حديث أم المؤمنين عائشة ﵂.","vol":"1","page":492},{"text":"كان أجر أحدهم يربو على الآخر، ولكل واحد منهم منزلة تناسبه. ولا يحرم أحد الثواب من عند الله ما ابتغى وجه الله بتلاوته. والإنسان في تلاوته للقرآن وتعلمه للعلوم من أي نوع، يشبه الولد الصغير، يبدأ رضيعا ولا يقوى على الطعام العادي. ثم يبدأ يحاكي الناس في الحديث، ويكون الحديث عليه صعب والكلام عليه شاق ولا يزال يحاكي الناس في حديثهم حتى يصير بإذن الله خطيبا أو محاضرا، أو عالما كبير يخف على لسانه الكلام، ويخف على فكره ما يريد أن يتكلم به أو يستنبطه بتفكيره من كتاب الله أو حديث رسول الله ﷺ أو غير ذلك مما يقرأه أو يسمعه أو يراه من السنن الكونية التي أودعها الله في هذا الكون.\nفكذلكم الإنسان لا يحقر نفسه في تلاوته القرآن، فإنه مهما كان حاله في صعوبة التلاوة عليه إبتداء فهو بالمران، وبالمداومة، والاستمرار ومحاكاته لمن يحسنون التلاوة سيصير إن شاء الله مرتلا لكتاب الله خير ترتيل. والأمر يحتاج إلى وقت ومثابرة ومجاهدة للنفس.\nوقد بين الرسول ﷺ أن القرآن قد يذهب عن فكر الإنسان وتغيب بعض آياته عن الذاكرة إذا الإنسان توانى في قراءته أو مراجعته لبعض الوقت. ولهذا أمر النبي ﷺ المسلمين أن يتعهدوا القرآن بالتلاوة خشية أن يتفلت من قلوبهم، وأن ينسوه فقال ﷺ: ﴿تعاهدوا القرآن فوالذي نفسي بيده، لهو أشد تفصيا من قلوب الرجال من الإبل من عقالها﴾ (^١).\nفالإبل إذا كانت في عقولها، كل منها في عقال فإنها تحاول التخلص والتحرر من هذه العقول والقيود. كذلك القرآن إذا أهمل الإنسان تلاوته وفترت همته عن مراجعته ذهب عنه وغاب عن فكره، فلا يكاد يقرأ إلا وتجده يخطيء في\n_________\n(^١) حديث صحيح رواه البخاري (٥٠٣٣)، ومسلم (٧٩١) وأحمد (٤/ ٣٩٧) كلهم من حديث أبي موسى ﵁ مرفوعا.","vol":"1","page":493},{"text":"القراءة فحثنا النبي ﷺ على تعهده حتى نكون على ذكر من كتاب الله ﷾. والناس إذا كانوا يعشقون شعر أحد من الناس فانهم يضبطونه ويحفظونه وكذلك هم يضبطون النظريات الهندسية، والأصول الصحية، ويضبطون الكلمات الفقهية. والسنن الكونية، والظواهر الجوية وأسباب ذلك كله، يضبطون هذا وغيره ليتكسبوا به مالا أو منصبا أو غير ذلك من الأغراض فإذا كانت لهم هذه الهمة وبذل الجهد في تحصيل وتأصيل هذه العلوم وغيرها، فكتاب الله أولى بالاجتهاد وبذل الوقت، فإن ما يناله الإنسان من وراء إجادته لكتاب الله أرفع وأنفع وأعظم لمكانة المسلم ودرجته عند الله في الآخرة. وليعلم المسلم أن القرآن هر أعظم الزاد الذي يتزوده المسلم ليوم القيامة.\nإن الإعتناء بكتاب الله تلاوة، وحفظا، وتدبرا لمعاني آياته ووقوفا على طريقة تلاوته تلاوة صحيحة، والنطق به على مقتضى القواعد والضوابط التي نقلها لنا القراء والمحفظون لكتاب الله من الإدغام والغنة والمد والإظهار وغيره الإعتناء بكتاب الله على هذا النحو هو من أعظم القربات وهذا كله مع الإخلاص الله ﷾ في العمل. فإذا أضاف المسلم إلى الإعتناء بتلاوة القرآن بإخلاص إذا أضاف إلى ذلك العمل بالقرآن والسير على منهجه والتخلق بأخلاقه كان ذلك أرفع الدرجته وأعظم لثوابه وأجره.\nوليعلم أن من أمور التلاوة مالا يمكن فهمه أو العمل به إلا عن طريق التلقي، والمحاكاة للقراء المتقنين الضابطين لكتاب الله الذين نقلوه لنا خلفا عن سلف تلقوه حفظا وتلقوه ضبطا لأحكام تلاوته. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى.","vol":"1","page":494},{"text":"<span data-type='title' id=toc-430>٧ - التكبير عقب قصار المفصل</span>\nقد اختلف العلماء في بعض المسائل المتعلقة بالتلاوة منها مسألة التكبير عقب قصار المفصل، من سورة الضحى إلى نهاية القرآن، إلى سورة الناس، فمنهم من رأى التكبير واقتصر على كلمة الله أكبر بعد قراءة كل سورة من (الضحى) إلى آخر القرآن، ومنهم من رأى أن يقول الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر، واقتصر على هذا. ومنهم من زاد ولله الحمد.\nوهؤلاء الذين رأوا جواز التكبير استندوا إلى آثار وردت في جوازه عن القراء، قراء السلف. ومنهم من استند إلى الحديث المرفوع الذي ورد من طريق أحمد البزي بسنده إلى النبي ﷺ. لكن أحمد البزي (^١) وإن كان ثبتا في القراءة إلا أنه في الحديث ضعيف، فأبو حاتم قد ضعفه وقال لا أحدث عنه، وكذلك ضعفه أبو جعفر العقيلي وقال هو منكر الحديث. من أجل هذا لم يكبر جماعة من العلماء عند الإنتهاء من قراءة قصار المفصل، لكن جرى العمل عند جماهير القراء على التكبير. ولما بلغ هذا الإمام الشافعي ارتضاه، وصححه وهذا شجع كثيرا من القراء على أن يكبروا عقب هذه السور، وقد ذكر هذا المعنى ابن كثير في تفسيره وأقصد بابن كثير أبا الفداء المفسر المتوفى سنة ٧٧٤ هـ ولست أقصد ابن كثير القاريء. فإن ابن كثير المفسر هذا متأخر (^٢). أما ابن كثير القاريء\n_________\n(^١) هذا الحديث رواه الحاكم (٣/ ٣٠٤) وقال الحاكم هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وتعقبه الذهبي بقوله: البزي قد تكلم فيه. وقال ابن كثير المفسر هذه سنة تفرد بها أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبد الله البزي من ولد القاسم بن أبي بزة، وكان إماما في القراءات، فأما الحديث فقد ضعفه … الخ وذكر الكلام المذكور أعلاه انظر التفسير (٤/ ٥٢١). وانظر الجرح والتعديل (٢/ ٧١).\n(^٢) ابن كثير أبو الفداء هو: إسماعيل بن عمر بن كثير بن ضو بن كثير بن درع القرشي من بني حصيلة، ولد سنة إحدى وسبعمائة وقد وصفه الداودي بقوله كان أحفظ من أدركناه لمتون الأحاديث، وأعرفهم بتخريجها ورجالها، وصحيحها وسقيمها، وكان أقرانه وشيوخه =","vol":"1","page":495},{"text":"فهذا قديم (^١) متقدم ليس بينه وبين رسول الله ﷺ إلا شخصان فقط.\nنرجع إلى ما كنا بصدد الكلام عليه وهو أن من أراد المزيد من الكلام على مسألة التكبير فليرجع إلى تفسير ابن كثير عند أول تفسير سورة الضحى. وليرجع أيضا إلى كتاب الإتقان في علوم القرآن. وكذلك كتاب الاستذكار لابن عبد البر. وغير ذلك من كتب المؤلفة في علوم القرآن.\n\n<span data-type='title' id=toc-431>٨ - الإجتماع والدعاء عند ختم القرآن</span>\nلم يعرف عن النبي ﷺ أنه كان إذا ختم القرآن نصب مجلسا وجمع فيه أهله أو بعضهم ودعا. إنما عرف هذا عن أنس بن مالك وبعض الصحابة الآخرين كابن عباس. فكان أنس ﵁ إذا ختم القرآن جمع أهله ودعا الله سبحانه بما هم في حاجة إليه.\nوكذلك روي عن ابن عباس أنه كان إذا علم أن أحدا من عباد وقراء الصحابة أوشك على ختم القرآن أرسل إلى بعض الناس من أصحابه وقال لهم إن فلانا سوف ينتهي من ختم القرآن هذا اليوم أو هذه الليلة فلنأته، فيأتونه ويجتمعون عنده ويدعون الله ﷾ بما يتيسر من الدعاء بما فيه خير الدنيا والآخرة من غير أن يتكلفوا دعاء معينا لذلك. وإنما يدعو كل إنسان بما يحتاج فهذا يدعو بالذرية الصالحة، وهذا يدعو بالغنى، وهذا يدعو بالشفاء، وهذا يدعو على ظالم قد تسلط عليه أو تسبب له في ضرر وأذى لحق به أو بأحد من أهله وأحبابه وهكذا. ومن هذا المفهوم تجد أن الأدعية التي نقلت عن الصحابة أو عن العلماء.\n_________\n= يعترفون له بذلك وكان يستحضر شيئا كثيرا من الفقه والتاريخ، قليل النسيان وكان فقيها جيد الفهم. صحيح الذهن يحفظ التنبيه، ويشارك في العربية مشاركة جيدة، وينظم الشعر، وما أعرف أني اجتمعت به علي كثرة ترددي إليه إلا واستفدت منه. طبقات المفسرين (١٤/ ١١١).\n(^١) عبد الله بن كثير القاريء الداري، المكي، أبو معبد القاريء، أحد الأئمة قرأ على مجاهد، صدوق، من السادسة. مات سنة عشرين ومائة.","vol":"1","page":496},{"text":"مختلفة وليست على صفة ولفظ واحد لأن الحاجات ليست واحدة.\nوكان بعضهم يتوسل إلى الله بتلاوته لكلامه وكتابه الذي هو القرآن، وهذه التلاوة من العمل الصالح الذي يجوز التوسل به. وربما توسلوا أيضا بأسماء الله ﷾ وصفاته وهو توسل مشروع أيضا والإخلاص لله في كل عمل تلاوة أو دعاء أو غير ذلك هو الأصل الذي تقبل به الأعمال وتجاب به الدعوات. وأسأل الله لي ولكم التوفيق لما يحب ويرضى وصلي الله وسلم على عبده ورسوله محمد.","vol":"1","page":497},{"text":"<span data-type='title' id=toc-432>٩ - حكم القراءة بالأحرف السبعة</span>\nوسئل الشيخ رحمه الله تعالى عن: حكم القراءة بالأحرف السبعة في الصلاة وفي غيرها؟\nفأجاب بقول: أراد أبو بكر بن مجاهد أن يجمع المشهور من قراءات قراء العراقين والحرمين والشام، لأنهم الذين عنوا أكثر من غيرهم بنصوص الشريعة حفظا لها وفهما لفقهها وإعداد الوسائل التي يتوقف فهمها عليها، فجمع على رأس المائة الثالثة ببغداد قراءات سبعة من أئمة القراءة المشهورين بهذه الأمصار، ليوافق عدد الحروف التي في حديث «أنزل القرآن على سبعة أحرف» (^١)، وكان أول من جمع قراءة هؤلاء ولم يعتقد هو ولا غيره أن هذه القراءات هي الأحرف السبعة، ولا منع أحد آنذاك القراءة بغير قراءاتهم: بل قال بعض أئمة القراء: لولا أن ابن مجاهد سبقني إلى حمزة لجعلت مكانه يعقوب الحضرمي إمام جامع البصرة وإمام قرائها في زمانه في رأس المائتين، بل يجوز لمن ثبت عنده قراءة الأعمش شيخ حمزة الزيات، أو قراءة يعقوب بن إسحاق الحضرمي، ونحوهما كما ثبتت لديه قراءة حمزة أن يقرأ بها بلا نزاع من العلماء المعتبرين بل أكثر العلماء الذين أدركوا قراءة حمزة كأحمد بن حنبل وسفيان بن عيينة كانوا يختارون قراءة أبي جعفر بن القعقاع ونحوه من أهل البصرة على قراءة حمزة، وكان الأئمة من قراء العراق الذين ثبت لديهم قراءة العشرة، يجمعون ذلك في الكتب تأليفا، ويقرءون بأيها في الصلاة وفي غيرها، وهذا متفق عليه بين العلماء، وإنما ينكر على من قرأ بقراءة لم تثبت عنده، ولم يكن عالما بها، فإن القراءة سنة متبعة، فمن علم منها شيئا قرأ به، وليس لأحد أن ينكر عليه ذلك، ومن جهل منها شيئا حرم عليه القراءة به سواء كان من القراءات السبعة أو غيرها.\n_________\n(^١) حديث صحيح. رواه البخاري (٤٩٩١) من حديث ابن عباس ﵄ مرفوعا. ورواه البخاري أيضا (٤٩٩٢) من حديث ابن عمر بن الخطاب ﵁ مرفوعا.","vol":"1","page":498},{"text":"٢ - إن الأحرف السبعة لا تتناقض بل تتحد في أصل معناها أحيانا، وتختلف اختلاف تنوع أحيانا لا اختلاف تضاد، فتفيد كل آية حكما، وتكون كل قراءة بالنسبة للأخرى كالآية بالنسبة لآية أخرى، والجميع حق فيما أفاد من الأحكام لا يجوز لأحد أن ينكره أو يترك العمل به.\n٣ - مصحف عثمان ﵁ هو أحد الأحرف السبعة، وهو موافق للعرضة الأخيرة، وقال طوائف من القراء والفقهاء، وعلماء الكلام إن مصحف عثمان مشتمل على الأحرف السبعة، إذ لا يجوز أن تهمل الأمة نقل شيء من هذه الأحرف، وحيث اتفقوا في خلافة عثمان على نقل هذا المصحف دون سواه دل ذلك على أنه مشتمل على الأحرف السبعة، وأيضا لو كانت خارجة عن رسم المصحف لنهي عن القراءة بها، لكن لم ينه عن القراءة بأي حرف منها، فكان داخلا في رسم المصحف، وأجيب عن ذلك بما ذكره ابن جرير في مقدمة تفسيره من أنه ليس من الواجب نقل كل حرف من الأحرف السبعة، بل يكفي حفظ القرآن في حرف منها، وقد اختير الحرف الموافق للعرضة الأخيرة، ولم تكن القراءة بالأحرف السبعة واجبة على كل واحد من الأمة، ولا على كل الأمة بحيث لا يفوتها في جملتها حرف منها، فإن القراءات نزلت رخصة لهم، وتسهيلا عليهم، فلما سهلت عليهم القراءة بحرف واحد اتفقوا على حرف منها دفعا لخطر الفرقة.\n٤ - ترتيب السور لم يكن واجبا عليهم منصوصا، بل كان باجتهاد الصحابة، بخلاف ترتيب الآيات في السورة، فإنه توقيفي.\n٥ - أمثلة للقراءات:\nأ - ﴿والليل إذا يغشى، والنهار إذا تجلى، والذكر والأنثى﴾.\nب - ﴿إن كانت إلا رقبة واحدة فصيام ثلاثة أيام متتابعات﴾.\nوهما عن ابن مسعود ﵁","vol":"1","page":499},{"text":"٦ - الخلاف في القراءة بما خرج عن رسم المصحف العثماني:\nروي عن كل من مالك وأحمد رويتان:\nجواز القراءة بها في الصلاة وغيرها، لأن الصحابة والتابعين كانوا يقرءون بها في الصلاة.\nوالرواية الثانية: المنع لأنها ليست من الحروف السبعة، لأنها لم تثبت متواترة، وبتقدير ثبوتها متواترة فهي منسوخة بالعرضة الأخيرة، التي روجعت في مصحف عثمان ﵁، ونقل عن أبي البركات ابن تيمية المنع من القراءة بها في القراءة الواجبة والجواز في غير الواجبة، وبذلك تعرف الرد على من يدعي الإتفاق على المنع من القراءة بما خرج عن رسم المصحف.\nقال القاضي أبو بكر ابن الباقلاني: يجب القطع بنفي قرآنية ما لم يثبت من القراءات أنه من الأحرف السبعة، وجمهور العلماء على أنه لا يجب القطع بالنفي، ولذلك جوزوا القراءة بها في الصلاة مطلقا أو في غير الواجب، ولم يكفر من أثبت البسملة قرآنا بين كل سورتين للفصل، وعلى أنها آية أو بعض آية من كل سورة.","vol":"1","page":500},{"text":"<span data-type='title' id=toc-433>أبواب التفسير</span>\n<span data-type='title' id=toc-434>١ - تفسير مختصر لسورة الفاتحة </span>(^١)\nالحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم.\n﴿الحمد لله رب العالمين * الرحمن الرحيم * مالك يوم الدين * إياك نعبد وإياك نستعين * اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ (^٢)\nهذه السورة تسمى سورة الفاتحة، وتسمى أم القرآن، وهي مجملة فصلت القرآن كله، تشتمل على تبيين الأسماء والصفات في الآيات الثلاث الأولى، وتشتمل على تبيين العبادة في قوله ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ وعلى الدعاء الذي في ختام السورة، وتشتمل على الولاء والبراء في قوله تعالى: ﴿اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾\nوهي على قصرها تشمل المطالب التي جاء القرآن بتفسيرها مما ذكرت من الأنواع الثلاثة.\nففي مطلع هذه السورة يعلمنا الله جل شأنه كيف نحمده. ونثني عليه الثناء كله فقال سبحانه: ﴿الحمد لله رب العالمين * الرحمن الرحيم﴾.\nثم علمنا كيف نمجده بقوله سبحانه ﴿مالك يوم الدين﴾.\nثم علمنا أن نخصه بالعبادة لا نصرف منها شيئا إلى غيره سبحانه فنعبده بما شرع، وكما شرع، ونخلص له في ذلك كما أمرنا سبحانه بقوله ﴿قل يا أيها الكافرون * لا أعبد ما تعبدون * ولا أنتم عابدون ما أعبد * ولا أنا عابد ما عبدتم * ولا أنتم عابدون ما أعبد * لكم دينكم ولي دين﴾ (^٣).\n_________\n(^١) نقلا من شريط مسجل.\n(^٢) سورة الفاتحة الآيات: ١ - ٧.\n(^٣) سورة الكافرون.","vol":"1","page":501},{"text":"وقال سبحانه معلما لنا أن نقول ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ بمعنى أن لا نعبد إلا إياك ولا نستعين إلا بك.\nثم علمنا كيف ندعوه ونتضرع إليه، ونطلب منه ما فيه سعادتنا في الدنيا والآخرة، وما يصلنا به ويقوي الصلة بين المؤمنين به، وكيف نتبرأ ممن حاد عن طريقه فغضب عليه وأضله عن سواء السبيل، فأمرنا أن نقول ﴿اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ والمغضوب عليهم هم كل من علم، وكان على بينة من أمر دينه، وعلى بينة من الحق وبصيرة منه، ومع ذلك حاد عنه ولم يسلك الطريق الحق، فكل من كان على هذا النحو فهو ممن غضب الله عليهم.\nومن أول هؤلاء اليهود الذين عرفوا الحق وحادوا عنه، وقد سئل بعض اليهود عن الرسول ﵊ فيما بينه وبين قومه فقالوا: إنا نعلم أنه رسول أكثر مما نعرف عن نسبنا لآبائنا، فنسبه لأبيه قد يكون مدخولا، أما البينة الصريحة الصحيحة فهي مثبتة لرسالة نبينا محمد ﷺ فهو على بينة من رسالة النبي ﷺ، ومعرفته بذلك أقوى من معرفته بنسبه لأبيه، ومع ذلك حاد عن الطريق المستقيم.\nهؤلاء الذين كانوا على بينة من الحق ومعرفة به ثم حادوا عنه يقال لهم المغضوب عليهم، ومن الأضلين في هذا اليهود عليهم لعائن الله.\nأما الضالون فهم كل جماعة جهلت الحق وطريق الصواب، وكانت في أمر عملها على غير بصيرة من دينها، ويمثل هؤلاء النصارى، فهم الضالون كما ورد هذا في حديث عن النبي ﷺ: بين أن المغضوب عليهم هم اليهود وأن الضالين هم النصارى (^١).\n_________\n(^١) يشير الشيخ ﵀ إلى حديث عدي بن حاتم الذي أخرجه الإمام أحمد [٤/ ٧٨٣، ٣٧٩] والترمذي [٢٩٥٤] وغيرهما وهو حديث حسن أو صحيح من مجموع طرقه. انظر التسهيل=","vol":"1","page":502},{"text":"وهذا من التفسير الجزئي أي من باب التمثيل لمن غضب الله عليهم، والتمثيل لمن أضلهم الله عن سواء السبيل.\nوالآيات الأخيرة بينت الطائفة التي تجب موالاتها، والسير في طريقها ومواخاتها، وهم الذين سلكوا الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين فهؤلاء رفقاء الخير وطريقهم طريق الحق والصواب، وهم الذين يجب على المسلم أن يواليهم، وأن ينشد طريقهم، وأن يسلك سبيلهم رجاء أن يرحمه الله جل شأنه في الدنيا والآخرة.\nأما الفريق الثاني فهو الذي يجب البراءة منه، وهم الفريق المغضوب عليه، والفريق الضال لسواء السبيل.\nهؤلاء هم الذين يجب على المسلم أن يتبرأ منهم، عقيدة وعملا، وأن يمتليء قلبه ببغضهم إلا بمقدار ما يدعوهم إلى الحق، ويبين لهم الصواب لأن البلاغ واجب، ولابد منه، إقامة للحجة، وإعذارا إليهم حتى لا يكون لهم على الله حجة بعد البلاغ والبيان.\nهذه السورة جاء في فضلها حديث قدسي وأحاديث نبوية، أما الحديث القدسي الذي قسمها أقساما، وأشار إلى معناها إجمالا، وبين الكثير من فضلها، ومكانتها من الإسلام فقد قال فيه النبي ﷺ عن ربه: «قال الله تعالى قسمت الصلاة أى الفاتحة، بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل.\nفإذا قال العبد: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ قال الله تعالى: حمدني عبدي.\nوإذا قال: ﴿الرحمن الرحيم﴾ قال الله تعالى أثنى علي عبدي.\nوإذا قال: ﴿مالك يوم الدين﴾ قال الله تعالى: مجدني عبدي.\n_________\n= لتأويل التنزيل في تفسير سورة الفاتحة للشيخ مصطفى العدوي - حفظه الله تعالى -[١٢٥، ١٢٦].","vol":"1","page":503},{"text":"وإذا قال: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ قال الله: هذه بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل» (^١).\nيريد بالنصف الأول خطابه تعالى عباده بقوله: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ علمهم أن يقولوا: ﴿إياك نعبد﴾، فهذا حق الله من عباده.\nويريد من النصف الثاني الذي لعبده. ﴿وإياك نستعين﴾ أي لا نستعين إلا بك فهذا حق العبد على ربه أن يستجيب منه إذا دعاه، وأن يحقق رجاءه فيه في حدود مصلحته وما يعود عليه بالخير في الدنيا والآخرة.\nوإذا قال العبد: ﴿اهدنا الصراط المستقيم (٦) صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ إلى آخر السورة. قال الله تعالى: هذه لعبدي ولعبدي ما سأل.\nفسمى الله سبحانه هذه السورة الصلاة إيذانا بأنها ركن من أركان الصلاة.\nولذلك لا تصح صلاة المسلم إلا إذا قرأ الفاتحة (^٢) في الصلاة الجهرية، والسرية إماما، ومنفردا ومأموما هذا هو الرأي الصحيح عند فقهاء المسلمين وأئمتهم، ولا تجزى الصلاة ولا تصح من المصلي إذا لم يقرأ فيها فاتحة الكتاب، لأن الله جل شأنه سماها الصلاة، فجعلها نفس الصلاة إيذانا منه سبحانه، بأن لها شأنها في إقام الصلاة وإجزائها.\nوهذه السورة فيها إثبات لأسماء الله وصفاته، وإلى ذلكم الإشارة في\n_________\n(^١) حديث صحيح: رواه مسلم (٣٩٥). وأبو داود (٨٢١). والترمذي (٢٩٥٣). وأحمد (٢/ ٢٤١، ٢٨٥، ٤٦٠). كلهم من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^٢) أخرج البخاري (٧٥٦)، ومسلم (٣٩٤) من حديث عبادة بن الصامت أن رسول الله ﷺ قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب». وأخرج مسلم (٣٩٥) من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج ثلاثا غير تمام فقيل لأبي هريرة: إنا نكون وراء الإمام فقال: اقرأ بها في نفسك … الحديث».","vol":"1","page":504},{"text":"الآيات الأولى.\nفقد سمى الله نفسه باسمه الذي لا يسمى به غيره، وهو كلمة الله، ثم وصف لفظ الجلالة بأنه الرب للعالمين جميعا، الملائكة والإنس والجن وسائر المخلوقات، والجمادات من سماوات وأراضين، رب العالمين جميعا.\nثم وصف نفسه بأنه الرحمن الرحيم وسمى نفسه بذلك.\nثم وصف نفسه سبحانه بأنه مالك يوم الدين، ويوم الدين هو يوم القيامة، فكما ملك الدنيا وصرفها ودبرها على مقتضى حكمته، وعلى طبق علمه ﷾ ملك الآخرة، وهي دار الجزاء ليجزي فيها كل نفس بما عملت من خير أو شر.\nفهذا فيه إشارة إجمالية إلى صفات الجلال والكمال التي وصف الله تعالى نفسه بها.\nثم ذكر حق عباده عليه، وحقه على عباده، ثم ختم السورة بالولاء والبراء، ليبين لنا من يجب علينا أن نواليه وأن نؤاخيه، ومن يجب علينا أن نعاديه، وأن نتنكب طريقه، فإنه طريق السوء والشر طريق الهلاك والتبار.\nهذه السورة ورد في فضلها عن النبي ﷺ أنه دخل المسجد يوما ما فوجد أبا سعيد بن المعلى يصلي نافلة، فنادى فحار أبو سعيد بن المعلى، هل يجيبه أو يستمر في صلاته، وغلب جانب الاستمرار في صلاته طاعة الله، وإيثارا لجانبه، ولما انتهى من صلاته جاء إلى النبي ﷺ إستجابة لندائه، وإن كان بعد فترة، فقال له: «يا أبا سعيد ألم أنادك؟» فقال: بلى ولكني كنت أصلي، قال له: «إن الله تعالى قال في محكم كتابه»: ﴿يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم﴾ (^١) فبين له أنه كان يجب عليه أن يجيب النبي ﷺ، ولكن أبا سعيد أثر\n_________\n(^١) سورة الأنفال، الآية رقم ٢٤.","vol":"1","page":505},{"text":"جانب الاستمرار في صلاته اجتهادا منه، فله الأجر عند الله على عمله واجتهاده.\nثم قال له: «يا أبا سعيد لأعلمنك سورة من القرآن هي أفضل القرآن، وهي السبع المثاني، وهي القرآن العظيم» (^١). ثم سكت النبي ﷺ ولم يعلمه، لم يعجل بتعليمه السورة وأخذ في طريقه إلى باب المسجد فلما اقترب من باب المسجد قال له أبو سعيد: يارسول الله ألم تقل لأعلمنك سورة هذ كذا وهي كذا؟ فقال: بلى ثم قال له: هي سورة الفاتحة وقرأ قوله تعالى: ﴿ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم﴾ (^٢).\n﴿ولقد آتيناك سبعا من المثاني﴾ الآيات السبع التي تكونت منها سورة الفاتحة، سميت مثاني لما فيها من الثناء على الله جل شأنه، ولأنها تتكرر قراءتها في كل ركعة من ركعات الصلاة، فلتكرارها في الصلاة في كل ركعة، ولاشتمالها على الثناء على الله سميت في نص القرآن السبع المثاني ﴿ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم﴾ وهذا من عطف العام على الخاص، ويدخل فيه سورة الفاتحة.\nفهي سبع آيات من القرآن، وهي داخلة في قوله تعالى: ﴿والقرآن العظيم﴾. وهي أفضل القرآن.\nفهذا بيان من النبي ﷺ لفضل الفاتحة، ولمكانتها عند الله جل شأنه، مع كونها كلام الله، وكلام الله خير الكلام، وفضل كلام الله على كلام البشر كفضل الله على عباده، وشتان ما بين الله وبين عباده فالفرق شاسع.\nوكذلكم الفضل واسع ولا يقدر قدره إلا الله، كما لا يقدر قدر الله إلا الله فلا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٤٧٤)، وفي عدة مواضع من صحيحه وأبو داود (٣٥١)، والنسائي (٢/ ١٣٩) وغيرها.\n(^٢) سورة الحجر، الآية رقم ٨٧.","vol":"1","page":506},{"text":"يقدر قدر كلامه إلا هو، ولا يقدر قدر الفاتحة خاصة إلا الذي تكلم بها وأنزلها على رسوله ﷺ.\nفهذا من فضائل الفاتحة التي بينها الرسول ﷺ، كما بين فضلها الله سبحانه في الحديث القدسي الذي ذكرناه.\nومما جاء في فضل الفاتحة والانتفاع بها، الرقية بها حتى ولو كان من رقي بها كافرا، فقد ثبت في حديث البخاري (^١) أن سرية من سرايا النبي ﷺ أرسلها الرسول ﷺ في مهمة فنزلت في طريقها على قوم من الكفار عتاة فاستضافوهم، فأبى أولئك الكفار أن يضيفوا صحابة رسول الله ﷺ لما بينهم وبين أولئك الصحابة من العداوة والبغضاء، وما في قلب الإنسان يظهر في أعماله، وعلى جوارحه وفي فلتات لسانه.\n_________\n(^١) أخرج البخاري (٥٧٣٧) من حديث ابن عباس ﵄ أن نفرا من أصحاب النبي ﷺ مروا بماء فيهم لديغ - أو سليم - فعرض لهم رجل من أهل الماء فقال: هل فيكم من راق؟ إن في الماء رجلا لديغا أو سليما، فانطلق رجل منهم فقرأ بفاتحة الكتاب على شاء فبرأ، فجاء بالشاء إلى أصحابه فكرهوا ذلك وقالوا: أخذت على كتاب الله أجرا، حتى قدموا المدينة، فقالوا: يارسول الله، أخذ على كتاب الله أجرا، فقال رسول الله ﷺ: (إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله).\nوأخرج البخاري (٥٧٤٩) حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن أبي المتوكل (عن أبي سعيد أن رهطا من أصحاب رسول الله ﷺ انطلقوا في سفرة سافروها حتى نزلوا في حي من أحياء العرب، فاستضافوهم فأبوا أن يضيفوهم. فلدغ سيد ذلك الحي، فسعوا له بكل شيء، لا ينفعه شيء. فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين قد نزلوا بكم، لعله أن يكون عند بعضهم شيء. فأتوهم فقالوا: يا أيها الرهط، إن سيدنا لدغ، فسعينا له بكل شيء لا ينفعه شيء، فهل عند أحد منكم شيء؟ فقال بعضهم: نعم، والله إني لراق، ولكن لقد استضفناكم فلم تضيفونا، فما أنا براق لكم حتى تجعلوا لنا جعلا. فصالحوهم على قطيع من الغنم. فانطلق فجعل يتفل ويقرأ ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ حتى لكأنما نشط من عقال؛ فانطلق يمشي. قال: فأوفوهم جعلهم الذي صالحوهم عليه. فقال بعضهم: اقسموا. فقال الذي رقى: لا تفعلوا حتى نأتي رسول الله ﷺ فنذكر له الذي كان، فننظر ما يأمرنا. قدموا على رسول الله ﷺ فذكروا له، فقال: وما يدريك أنها رقية؟ أصبتم، اقسموا واضربوا لي معكم بسهم).","vol":"1","page":507},{"text":"فهؤلاء قابلوا استضافة الصحابة ﵃ بالتنكر لهم، فذهب عنهم صحابة رسول الله ﷺ.\nوجزاء لهم على موقفهم السيء من الصحابة رضوان الله عليهم، وعقوبة لهم سلط الله على سيدهم حشرة لدغته، فطلبوا له العلاج بكل ما يستطيعون فلم يفلحوا، واضطروا إلي أن يذهبوا إلى صحابة رسول الله ﷺ في منزلهم الذي نزلوا فيه، ليستعينوا بهم على علاج لديغهم، وقالوا لهم القصة أنهم طلبوا له العلاج بكل شيء لا ينفعه شيء فهل عندكم من علاج؟ فقال أبو سعيد الخدري، وهو تقريبا أصغرهم سنا، لكنه يحفظ الكثير من القرآن قال: والله إن عندي له علاجا، ولكني لست بفاعل حتى تجعلوا لنا جعلا فإنا استضفناكم فلم تضيفونا، فجعلوا لهم جعلا على أن يأتي أبو سعيد إليه ليقوم بعلاجه، والشفاء بيد الله لا بيد أبي سعيد الخدري، وذهب معهم إلى اللديغ، وقرأ عليه سورة الفاتحة مرة واحدة فقام كأنما هو جمل نشط من عقال، كأنما هو جمل حل عقاله. والجمل معروف عند العرب، بأنه قوي فإذا حل عقاله، وكان أمامه أقوى رجل دفعه بصدره فوقع على ظهره، وليس به بأس كأنه لم يلدغ، فأعطوهم الجعل، وكان قطيعا من الغنم، وكان يكفي الصحابة أعدادا قليلة من الغنم لو أنهم كانوا قد أضافوهم أول الأمر لكن رزقهم الله هذا الرزق الواسع. ثم ارتابوا وقالوا فيما بينهم فقد يكون هذا كسبا غير حلال، والصحابة رضوان الله عليهم عرف فيهم التحرى للكسب الحلال، وعرف فيهم الصلاح، وتقوى الله ﷾، فقالوا لا نأكل حتى نسأل رسول الله ﷺ.\nفلما رجعوا سألوا الرسول ﷺ فقال لأبي سعيد «ما يدريك أنها رقية؟» فقال شيء ألقاه الله في روعي، والروع القلب والروع بالفتح الخوف.\nفإبراهيم لما جاءته الملائكة وأوجس خيفة منهم أخذه روع، وأخذته المخافة ثم ذهب عنه الروع لما عرف حقيقة الأمر.","vol":"1","page":508},{"text":"القصد أن الروع الخوف والروع هو القلب، فقال أبو سعيد هذ شيء ألقاه الله في روعي، وهذا مثل ما يلقى في قلب بعض الطيبين، بأن فلانا سوف يأتي من السفر هذا مجرد إحساس باطني لا يفيد اليقين، لكنه يدفع الإنسان إلى أن يتحدث عما جال في خاطره، وإن كان لا يسمى علما لكنه هواجس وخواطر تجول في صدره ولا يسمى علم الغيب.\nفالرسول ﷺ قال لهم جوابا عن سؤالهم هل هذا من الكسب الحلال أو الكسب الحرام؟ قال: «إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله» يريد بهذا أن العلاج قد يكون بالكي، وقد يكون بسحب السم من اللديغ من المكان الذي لدغ فيه.\nوكيف يسحب السم منه، يشرط جلده فيخرج الدم، أو يمتص طبيا، وقد يكون برقية، وقد يكون بدعوة له، وهناك أنواع كثيرة للعلاج، منها الرقية بقراءة القرآن التي ترتب عليها الشفاء، وصاحبها أحق بالأجر من الشخص الذي يعالج علاجا ماديا مثل الطبيب أو غيره.\nفهذا بيان من النبي ﷺ المشروعية الرقية بالفاتحة. وهذا بيان لنتيجة الرقية التي بها شفاء هذا وإن كان كافرا.\nوليس المراد بهذا الحديث أن يأخذ الإنسان أجرا على تلاوة القرآن مثل الصييت (^١) أو أن يأخذ أجرا على قراءة القرآن على الأموات، فإن هذا لم يفعله رسول الله ﷺ، وهو معلم البشر، وهو المبلغ عن ربه ﷾.\nفقراءة القرآن على الأموات رجاء أن يرحمهم الله بدعة من البدع، وأخذ أجر على تلاوة القرآن أيضا لا يجوز.\nوالكفار الذين أعطوا الصحابة قطيعا من الغنم، لم يعطوهم إياه حبا للقرآن.\n_________\n(^١) الصييت هو الذي يقرأ القرآن بعد وفاة الميت سواء في المنزل أو في مكان يجتمع فيه الناس للعزاء وسماع هذا الصييت.","vol":"1","page":509},{"text":"أو حبا فيه، أو حبا للقاريء، وللمسلمين وللإسلام، بل القرآن أبغض إليهم من كل شيء، والصحابة أبغض إليهم من كل شيء، ورسولهم أبغض إليهم من كل شيء، ومع ذلك دفعوا الأجر، فالأجر ليس للتلاوة وإنما هو للعلاج. ولم يدفعوا الأجر إلا بعد الشفاء لأنهم جعلوه على الشفاء - لا على التلاوة.\nفالاستدلال بهذه الجملة من الحديث على جواز تلاوة القرآن، على الأموات رحمة لهم، أو الاستدلال بها على مجرد تلاوة القرآن وأخذ أجر عليه لاستماع الناس إليه، لا يجوز ولا يصح وهو من تحريف الكلم عن مواضعه، وهذا من فوائد هذا الحديث إلى جانب الفائدة الجليلة التي بينها النبي ﷺ بين بها منزلة القرآن ومكانته من غيره من القربات ومكانة الفاتحة من سائر القرآن.\nهذا بيان لجانب آخر من جوانب فضيلة سورة الفاتحة، وذكرت من قبل فضيلتها وأنها جعلت فرضا في كل من ركعات الصلاة بخلاف السورة التي بعدها فإنها من سنن الصلاة لو تركها المصلي تكون صلاته صحيحة، أما الفاتحة فلو تركها كانت صلاته باطلة.\nوالقرآن كله خير وفضله على كلام البشر كفضل الله على عباده، وأسأل الله جل شأنه أن يبصرنا بديننا، وأن يجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، وأن يجعله لأرواحنا دواء، وأن يجعله مصدر تشريعنا، وأن يستميل قلوبنا إليه حتى لا نحكم سواه وسوى سنة رسوله ﷺ، فإن من أخذ بهما أخذ بالحق، وكان على بينة وبصيرة من أمر دينه مع ربه ومع المخلوقات، وكان حبيبا الله في الدنيا والآخرة سعيدا في دنياه وفي آخرته.","vol":"1","page":510},{"text":"<span data-type='title' id=toc-435>٢ - من مقاصد سورة المائدة </span>(^١)\nهذه سورة من سور القرآن الكريم، وسوف نتناولها بما يتضح به وحدة السورة والمقصد الذي تدور آياتها حوله، وأحب أن أتكلم عن نماذج من مقاصد بعض السور لتكون فاتحة لمعرفة مقاصد السور وتكون معينة للإنسان على فهم المحور الذي تدور عليه أحكام السورة. واخترت لهذا: أولا سورة العقود، وثانيا سورة الأحزاب وإن اتسع الوقت فستكون سورة الصافات، أو أخرى أقصر منها إن شاء الله تعالى.\nيذكر الله جل شأنه في مطلع سورة العقود هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم إن الله يحكم ما يريد﴾ (^٢).\nهذه الآية تشير إشارة واضحة إلى ما تدور حوله الآيات، وتدور حوله الأحكام التي تضمنتها هذه السورة، فالله يأمرنا في هذه الآية بالوفاء بالعقود، والعقود هي المواثيق والعهود كلها ترجع إلى معنى واحد هو الاتفاق الذي يكون بين العبد وربه، ميثاق يأخذه الله جل شأنه على عبده، وقد تكون إتفاقات تجري بين إنسان وآخر في بيع وشراء، في مواعيد، أو في جهاد وحروب، أو في أمر بالمعروف ونهي عن المنكر. فكلمة العقود كلمة جامعة عامة شاملة، تشمل كل الإتفاقات التي تكون فيما بين العباد على الخير، وتشمل ما أخذه الله جل شأنه على عباده من عهود التكاليف التي كلف بها خلقه، وما سيأتي في السورة يدور حول هذا، كل ما في السورة من التفاصيل دائر حول قوله تعالى: ﴿أوفوا بالعقود﴾ وحول مذمة من نقض العقود وخانها وجزاء من وفى بها ووقف\n_________\n(^١) أصل هذه المادة العلمية محاضرة للشيخ عبد الرزاق، وقد تم تسجليها في حينها، وقمت بتفريغ أشرطتها مع تصرف يسير.\n(^٢) سورة المائدة، الآية: ١","vol":"1","page":511},{"text":"عندها ويتبين هذا بالتفاصيل الآتية أو بذكر شيء من التفاصيل الآتية في قوله تعالى في الآية الثانية من هذه السورة: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا وإذا حللتم فاصطادوا ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب﴾ (^١)\nفهذه الآية فيها عقد وميثاق على المسلمين بعد أن تمكنوا في الأرض وصارت لهم دولة، وبعد أن أكمل الله لهم دينهم وأتم عليهم نعمته، وصاروا بإمكانهم أن يثأروا لأنفسهم، وأن ينتقموا ممن سبب لهم أذى، يأخذ الله تعالى عليهم أن لا يقابلوا السيئة بالسيئة، وأن لا يعتدوا على القاصدين لبيت الله الحرام إلى غير هذا مما ذكره الله في هذه الآية، وخاصة ما تحدث العبد به نفسه من أن يثأر لنفسه ممن ارتكب جريمة في شأنه واعتدى عليه في سابق حياته، فيبين الله جل شأنه في هذا العهد الذي أخذه على عباده الموحدين أنه لا ينبغي لهم أن يحملهم ما سبق من الكفار من صدهم المسلمين في السنة السادسة من الهجرة عن بيت الله الحرام، ومن موقفهم السيئ سنة الفتح عند دخول مكة، يبين لهم أنه لا ينبغي أن يحملهم ما سبق من أولئكم الكافرين على أن يعتدوا على الكافرين وأن يثأروا لأنفسهم منهم، وليجعلوا نعمة الله بإقدارهم لهم على الانتقام من عدوهم، ونعمة الله جل شأنه على هذا الإقدار بالعفو عن أولئك الذين سبقت منهم السيئات وتقدم منهم الأذى والضرر للمسلمين في صدهم عن بيت الله الحرام، وهذا منتهى العدل الإسلامي وهو تناسي ما سبق من السيئات بعد أن تمكن المسلم من إقامة العدل، فلا يرعى حظ نفسه بل يقف موقفا يرضى به ربه ويتألف به قلوب من سبقت منهم إساءة له فيقول تعالى: ﴿ولا يجرمنكم شنآن قوم﴾\n_________\n(^١) سورة المائدة، الآية: ٢","vol":"1","page":512},{"text":"لا تحملكم عداوة قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا ثم أمرهم بأن يتعاونوا عموما على البر والتقوى وحذرهم من أن يتعاونوا على الإثم والعدوان، وحذرهم شديد بأسه وأليم عقابه إن هم نقضوا عهده وخانوا ما أخذه عليهم من هذا التكليف وأمثاله فيشتد بهم بأسه، وحذرهم في ذلك بقوله سبحانه: ﴿واتقوا الله إن الله شديد العقاب﴾.\nثم بين لهم تفصيل أشياء مما حرم عليهم، واستثنى من هذا أشياء فقال: ﴿حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير﴾ إلى قوله: ﴿والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام﴾ (^١).\nفكان هذا تفسيرا لقوله تعالى: ﴿أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم إن الله يحكم ما يريد﴾ (^٢).\nفالآية الأولى إجمال وهذه الآية ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله﴾ (^٣)، وآية ﴿حرمت عليكم الميتة والدم﴾ (^٤). إلى آخرها فيهما تفصيل أو بعض التفصيل لما أجمل في الآية الأولى، فهذا من الأدب أو من المقاصد التي اشتملت عليها الآية الأولى من هذه السورة.\nثم ذكر ﷾ عهدا آخر أخذه على عباده الموحدين من أحكام الوضوء وأحكام الغسل وذكر تفصيل هذا في آية ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ (^٥).\n_________\n(^١) سورة المائدة، الآية: ٣.\n(^٢) سورة المائدة، الآية: ١.\n(^٣) سورة المائدة، الآية: ٢.\n(^٤) سورة المائدة، الآية: ٣.\n(^٥) سورة المائدة، الآية: ٦.","vol":"1","page":513},{"text":"ثم قال: ﴿واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به﴾ (^١).\nفأوجب عليهم أن يتذكروا مواثيق الله سبحانه التي أخذها عليهم إجمالا في قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾.\nوتفصيلا فيما ذكره من تفاصيل القرآن، في هذه السورة وغيرها وما بينته سنة رسول الله ﷺ.\nميثاق ثالث ذكره جل شأنه في قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون﴾ (^٢).\nفأوجب عليهم سبحانه أن يرعوا العدالة وأن يوفوا بالعهد والميثاق، وأن لا تكون الخصومة متسلطة على نفوسهم تسلطا يجور بهم عن الجادة ويحملهم على نقض ما أخذه الله عليهم من عهد وميثاق، ولا يجرمنكم شنآن قوم - أي عداوة قوم - على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى، وأنذرهم وحذرهم من نقض العهد والميثاق بقوله: ﴿واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون﴾.\nثم ذكر العدة الطيبة والجزاء الكريم، العدة الطيبة لمن وفى بالعهد والميثاق والوعيد الشديد لمن لم يف بذلك بل خان ونقض فقال: ﴿وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم * والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم﴾ (^٣).\nهذه منزلة أخرى، أو مرحلة أخرى ثالثة في تفصيل قوله تعالى في مطلع السورة: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾.\n_________\n(^١) سورة المائدة، الآية: ٧.\n(^٢) سورة المائدة، الآية: ٨.\n(^٣) سورة المائدة، الآيات: ٩ - ١٠.","vol":"1","page":514},{"text":"ميثاق رابع، فيه تفصيل لمطلع السورة يذكر الله عباده نعمته عليهم برد كيد خصومهم، ومكر أعدائهم في محاولة سفك دم رسول الله ﷺ وإيذاء المسلمين في شخص رسول الله ﷺ، فكف أيدي هؤلاء جميعا وأبطل كيدهم وأحبط سعيهم، وشردهم عن بلادهم فقال جل شأنه: ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمت الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم واتقوا الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾ (^١)\nوذلك أن بني النضير دبروا لرسول الله ﷺ تدبيرا سيئا، وذلك حينما جاء إليهم يطلب منهم شيئا من المال يستعين به في بعض المصالح فوعدوه خيرا وهم يضمرون الفتك به وأجلسوه تحت جدار، وصعد بعضهم فوق البيت ليرمي عليه حجرا يقضي عليه، فأوحى الله إليه أن يقوم فقام وقد أرسل بعض أصحابه إلى المدينة فذهب إلى جهة المدينة وبلغ أصحابه وجمعوا جموعهم، وجاء إلى بني النضير محاربا لهم إستجابة لأمر الله جل شأنه، ثم رضوا بأن يخرجوا من ديارهم فأذن لهم في ذلك بأمر الله جل شأنه، وأذن لهم في أن يأخذوا من أموالهم ما حملت حمولاتهم وفي ذلك أنزل الله سورة الحشر ﴿هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر﴾. هم بنو النضير ﴿ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم ما نعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار﴾ (^٢)\nهذه وما سواه من آيات سورة الحشر فيه تفصيل لما ذكر الله في هذه الآية التي أخذ فيها العهد والميثاق على المؤمنين أن لا يعتدوا بل عليهم أن يلزموا العدالة فقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمت الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم﴾ (^٣)\n_________\n(^١) سورة المائدة، الآية: ١١.\n(^٢) سورة الحشر، الآية: ٢.\n(^٣) سورة المائدة، الآية: ١١.","vol":"1","page":515},{"text":"يعني بسفك دم رسول الله ﷺ بهذا التدبير الذي دبره بنو النضير، واليهود كما هو مشهور عند العالم لا عند المسلمين فقط هم سوسة تنخر في عظام الأمم فهم في كل دولة من الأمم يسعون فسادا في الأرض ويدبرون التدبير السيئ ويمكرون المكر السيئ ويعيشون كالنباتات الطفيلية في سائر الدول، ومن تدبيرهم السيئ ما دبروه في هذا الحادث لرسول الله ﷺ رغبة منهم في القضاء عليه.\nثم بدأ الله جل شأنه بدءا جديدا، وذكر لنا لونا آخر من العهود والمواثيق ليست عهودا أخذها على المسلمين كالعهود التي مضى تفصيلها بل عهودا أخذت على أهل الكتاب من اليهود والنصارى وعلى أمثالهم فلم يكن منهم إلا التبرم لها والتنكر لها ونقضها شر نقض، فنزل بهم بأس الله وعذابه فهذا مما يتصل بمبدأ السورة أولا، يتصل بها من جهة أنه نقض للعهود والمواثيق نقضا أفسدوا به الأرض واستوجبوا به مقت الله وغضبه، يقول تعالى: ﴿ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا﴾ (^١). فالآية في العهود والمواثيق التي هي في الآية الأولى.\nوقال جل شأنه: ﴿لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة﴾\nهذا هو العهد ﴿لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم﴾.\nأي عظمتموهم وأيدتموهم ﴿وأقرضتم الله قرضا حسنا لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار﴾ (^٢).\nهذه العدة الجميلة التي وعدها من وفى بهذا العهد الذي فصله في الجملة السابقة، ثم هدد وأنذر من نقض العهد والميثاق فقال: ﴿فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل﴾.\n_________\n(^١) سورة المائدة، الآية: ١٢.\n(^٢) سورة المائدة، الآية: ١٢.","vol":"1","page":516},{"text":"وقد نقض هؤلاء العهد والميثاق فأصابهم الله شر إصابة وقال: ﴿فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية﴾ (^١).\nوهذا شأن السيئات وهذه هي عدالة الله جل شأنه من كسب سيئة نكت في قلبه نكتة سوداء وبقدر تلك السيئة، فإذا ما تكاثرت منه السيئات طبع الله على قلبه وجعل عليه الران حتى يصير قلبه متبلدا أو كالحجر الصلب لا يتأثر بموعظة ولا يعتبر بعبرة ولا تنفذ إليه نصيحة، بل يكون منه الصدود والإعراض عما يوجه إليه من آيات القرآن ومن الحجج والبراهين والمواعظ والعبر، فلا أدلة تناجي بها العقول، ولا مواعظ وعبر تؤثر في عواطفه ووجدانه وذلكم لما طبع على قلبه وكان عليه من الران والحجاب الذي يحول بينه وبين الدلائل والبراهين فلا ينصاع لها بل يحول بين قلبه، وبين وجدانه وعاطفته، وبين المواعظ والعبر حيث قد مسخ الله فطرته فجعل قلبه قاسيا يقول الله تعالى: ﴿فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية﴾ (^٢).\nثم ذكر الله جل شأنه الصنف الثاني بقوله تعالى: ﴿ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم﴾. أيضا أخذ على الطائفة الأخرى، طائفة النصارى عهدا وميثاقا ﴿ونسوا حظا مما ذكروا به﴾ (^٣) نقضوا أيضا العهد والميثاق، القصد أن الله ذكر في هذه الآيات أنه أخذ عهودا ومواثيق على اليهود والنصارى بتكاليف كلفهم بها فوقفوا منها موقف الخائن، وقفوا منها موقف الغادر المستهتر الذي لا يبالي لعهد الله وميثاقه بالا ولا يلفت له نظرا وليس لله وقار في قلوبهم، فأصابهم الله باللعنة وقساوة القلوب، وأصابهم بنسيانهم الكثير من حظوظهم، ثم ذكر الله جل شأنه أنه بين لهم ما أخفوا من التكاليف وما حرفوا من نصوص كتبهم التي أنزلها الله عليهم، أنزلها الله على موسى، وعيسى، وعلى داود. بين أنه أرسل إليهم\n_________\n(^١) سورة المائدة، الآية: ١٣.\n(^٢) سورة المائدة، الآية: ١٣.\n(^٣) سورة المائدة، الآية: ١٤.","vol":"1","page":517},{"text":"رسولا فجاءهم هذا الرسول وبين ما كانوا يخفون من كتاب الله، فإنهم كانوا يجزأونه أجزاء فيخفون بعضه ويبدون بعضه، تبعا للهوى، فما رأوه في مصلحتهم ومتفقا مع هواهم أعلنوه ونشروه بين الأميين والرعية العوام وما كان مخالفا لأغراضهم وأهوائهم أخفوه، يقول تعالى في هذه الآية: ﴿يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام﴾ (^١) إلى آخر الآيات.\nفذكر جل شأنه أن هذا الذي جاءهم على يد رسول الله محمد ﷺ من العهود والمواثيق تكشف أحوالهم فيجب عليهم حينئذ أن يعتبروا وأن يخشوا الفضيحة من كشف الوحي الذي ينزل على رسول الله ﷺ لما دبروه ولما خانوا فيه، كما عليهم أن يرتدعوا وأن يعملوا بالحق وأن يتبعوا رضوان الله جل شأنه ويسيروا على الصراط المستقيم لكنهم أبوا إلا اللجاج والعناد وإلا نقض العهد والميثاق فنقضوا عهد الله في وحدانيته وفي كماله وانتقصوه بنسبة الولد له كما قال الله عنهم: ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم﴾ (^٢).\nورد عليهم ذلك بقوله: ﴿قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا﴾ (^٢).\nعيسى لا يملك شيئا من الوجود، لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا، ومريم أمه لا تملك لنفسها ضرا ولا نفعا، عيسى يحتاج إلى الطعام والشراب وإلى أن يقضي من شأنه ويتخلص من فضلات طعامه، ومريم أيضا صديقة إنسانة تأكل وتشرب وتحتاج إلى أن تتخلص من فضلات الطعام الذي تناولته فيقول الله تعالى: ﴿قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا﴾ (^٢).\nمن يملك لعيسى ولأمه التخلص من مقت الله وغضبه إذا أراد أن يهلكهما\n_________\n(^١) سورة المائدة، الآيات: ١٥ - ١٦.\n(^٢) سورة المائدة، الآية: ١٧.","vol":"1","page":518},{"text":"وأن يقضي عليهما في هذه الحياة فكيف يصلحان لأن يكونا آلهة مع الله أو من دون الله؟!.\nويبين أن ملك السموات والأرض إليه سبحانه فإنه يخلق ما يشاء، فمن يخلق ما يشاء كيف يحتاج إلى ولد يولد منه وله من في السموات والأرض، وكيف يكون له منها الولد ﴿لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء سبحانه هو الله الواحد القهار﴾ (^١).\nوقال سبحانه: ﴿لو أردنا أن نتخذ لهوا﴾.\nأي ولدا وزوجة ﴿لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه﴾ (^٢).\nالقصد أن نسبة النصارى الولد إلى الله في قولهم عيسى ابن الله، أو ولد الله، والزوجة الله في قولهم إنه اتخذ مريم له هذا من نقض العهد والميثاق في أصل من أصول الدين وهو أصل التوحيد وإثبات الكمال الله وحده وتنزيه الله سبحانه عن الصاحبة والولد، ﴿وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا﴾ (^٣).\nفهذا نوع من أنواع نقض العهود والمواثيق وقد رد الله عليهم إجماليا وتفاصيل القرآن فيها تفاصيل الردود لمثل هذا.\nفالله ﷾ ذكر نقضا أيضا للعهود عن اليهود والنصارى فقال سبحانه: ﴿وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه﴾ (^٤).\nفنسبوا إليه أنفسهم على أنهم أبناء الله ويقول اليهود: نحن أبناء الله، ويقول النصارى: نحن أبناء الله. هذا أكثر من دعواهم بنوة عيسى الله، جعلوا كل\n_________\n(^١) سورة الزمر، الآية: ٤.\n(^٢) سورة الأنبياء، الآيات: ١٧ - ١٨.\n(^٣) سورة الجن، الآية: ٣.\n(^٤) سورة المائدة، الآية: ١٨.","vol":"1","page":519},{"text":"النصارى على كثرتهم، وكل اليهود على كثرتهم أبناء، وزادوا أن قالوا وأحباء الله. فهذا من نقضهم للعهود والمواثيق، فالله تعالى منزه عن الولد كما تقدم في الآية ذكرا أو أنثى فهو سبحانه منزه عن الولد على الإطلاق، ثم ميزان محبة الله لعباده الاستقامة على الجادة والطريق السوي واليهود والنصارى قد انحرفوا عن الجادة وغيروا وبدلوا فيما أنزل عليهم من الكتب السماوية فكيف يدعون زورا وبهتانا أنهم أحباء الله ﷾ ﴿نحن أبناء الله وأحباؤه﴾.\nقال تعالى في الرد عليهم: ﴿قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق﴾.\nإلى آخر ما ذكر من الآيات، هذا أيضا من نقض العهود والمواثيق التي تضمن أصلها ما أمر الله به من الوفاء في الآية الأولى من مطلع السورة، بعد هذا ذكر الله جل شأنه شيئا من جنس ما مضى يقول: ﴿يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل﴾ (^١).\nرسول جاء لإسقاط المعاذير ولإقامة الحجة حتى لا يقولوا ما جاءنا بشير ولا نذير حتى نتعرف منه الحق فنحن معذورون، يقول جاءكم الرسول على فترة من الرسل فهذا تكذيب للعهود والمواثيق التي أمر الله بالوفاء بها في مطلع السورة في قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾.\nثم ذكر جل شأنه أن بني إسرائيل مهما أنعم الله عليهم من النجاة من فرعون وملائه، وما أنعم الله عليهم من إرسال موسى إليهم وإنجائهم من الضلالة، ومع ما أنعم الله عليهم من إهلاك خصومهم نعمة أخرى، فإن الإنسان إذا نجى من خصمه، وخصمه لا يزال حيا فتوسوس له نفسه بأنه سيأتي عليه يوم من الأيام يفتح له الطريق إلى التسلط عليه وإلى التمكن منه فيسومه سوء العذاب في مستقبل حياته كما سامه من قبل سوء العذاب، فبين الله جل شأنه أنه أنعم على\n_________\n(^١) سورة المائدة، الآية: ١٩.","vol":"1","page":520},{"text":"اليهود، أنعم على بني إسرائيل الذين هم قوم موسى لأنه جعلهم أئمة وأنه مكنهم في الأرض وأنه جعلهم ملوكا بعد أن أنجاهم من عدوهم وخصمهم، بين ﷾ أنهم لما أمرهم موسى أن يدخلوا بيت المقدس، وهذا أمر من الله وعهد وميثاق أخذه على قوم موسى فأمر موسى قومه أن يدخلوا بيت المقدس وأن يجعلوه وطنا لهم، وأن يقيموا دولة فتية لهم في بيت المقدس، وجاءهم رجلان قد عرفا أخبار سكان بيت المقدس من الجبارين جاءا إلى موسى وقالا لقوم موسى لو أنكم تجمعتم وتعاونتم وتآزرتم ثم هجمتم هجمة رجل واحد على أولئكم الجبارين لفتح الله عليكم بيت المقدس، ولكنكم من رقاب هؤلاء ﴿قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون﴾ (^١).\nفأبوا أيضا بالرغم من هذه البشارة المباركة فموسى قال، وهارون قال، وبعض الجماعة من بني إسرائيل قالوا: فانتهى أمر بني إسرائيل إلى أن يقولوا لموسى ﴿فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون﴾ (^٢).\nوماذا يصنع موسى ﴿قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين﴾ (^٣).\nهذا شأن بني إسرائيل مع موسى أرادوا أن يتحكموا فيه ويقولون: نريد أكلا طيبا فجاءهم بالمن والسلوى فقالوا: هذا لا يصلح لنا، نريد عدسا وبصلا وثوما، قال هذا أزين لكم. أتتبدلون الطيب بالخبيث؟؟ قالوا: ما نريد إلا هذا، قال: اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم، ثم يضرب الحجر فتخرج منه العيون على عدد الأسباط، إثنا عشر سبطا، كل سبط له عين حتى لا تتزاحم أكثر من جماعة\n_________\n(^١) سورة المائدة، الآية: ٢٣.\n(^٢) سورة المائدة، الآية: ٢٤.\n(^٣) سورة المائدة، الآية: ٢٥.","vol":"1","page":521},{"text":"على عين واحدة وهي تشرب فيتنازعوا ويختلفوا ثم بعد ذلك يتنكرون لموسى، لذلك ابتلى الله هؤلاء على نقضهم العهد والميثاق بأن شردهم أربعين سنة يتيهون في الأرض قال تعالى: ﴿فإنها محرمة عليهم أربعين سنة﴾ (^١)\nوليست محرمة عليهم أربعين سنة فقط، بل إلى جانب ذلك عدم الإستقرار يتيهون في الأرض. القصد أن هذه القصة من عند قوله تعالى: ﴿يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير والله على كل شيء قدير﴾ (^٢). إلى قوله تعالى ﴿وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين * يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة﴾ (^٣)\nيذكرهم بفضل الله عليهم حتى إذا ذكروا هذا انبعثت نفوسهم بالوفاء لأوامره، ولكن قلوبهم صلدة لم تتأثر ولم تتذكر فضل الله عليها فلذلك تنكروا لموسى ﵇، هذه القصة إلى آية (التيه) التي ذكر الله فيها عقوبته لهم بالتيه والتشريد ﴿فإنها محرمة عليهم أربعين سنة﴾، فيها عهد أخذه الله على بني إسرائيل، على اليهود، وكيف أنهم لما عصوا ونقضوا عهد الله عليهم، عوقبوا على ذلك فهي توضيح وتفسير، ومثال على وجوب الوفاء بالعقود الذي أكد الله عليه في مطلع السورة وطالب المؤمنين به. وكيف أن الله عاقب من لم يراع عهده ولم يف بميثاقه.\nعهد آخر ذكره الله في قصة ابني آدم (^٤) وهو أن الله خلق آدم وبنيه من بعده وفطرهم على الخير، ولم يداخلهم شر. ولم يعرفوا الشر والفساد ولا سبق فيهم قتل نفس قبل هذا. وقتل النفس من أعظم الجرائم وأشنعها. وآدم نبي والأولاد.\n_________\n(^١) سورة المائدة، الآية: ٢٦.\n(^٢) سورة المائدة، الآية: ١٩.\n(^٣) سورة المائدة، الآيات: ٢٠ - ٢١.\n(^٤) انظر سورة المائدة، الآية: ٣٧ وما بعدها.","vol":"1","page":522},{"text":"أولاده - تربوا في بيت نبوة مع صفاء ونقاء الفطرة، يعرفون شريعة الله ويسيرون عليها وكانت إذ ذاك غضة طرية لم يشبها طمس ولا ضياع ولا تحريف، ويعلمون جميعا ما في الشريعة من عصمة دم المسلم، وحرمة سفك الدم وحرمة إزهاق النفوس والأرواح، ومع ذلك خان أحد ابنى آدم العهد فقتل أخاه. فهذا أيضا من نقض العهد والميثاق والتجرؤ على سفك الدم الحرام وهو أعظم الذنوب بعد الشرك بالله وهذا راجع إلى الآية الأولى في السورة: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾.\nثم بعد ذلك يأتي الحديث عن المحاربين الله ورسوله ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم﴾ (^١)، القاطعين للطرق الذين لا يسلم الناس من شرهم ولا من أذاهم، فلا يأمنون على أنفسهم ولا على أموالهم، ولا على أعراضهم، ولا يتركون صالحا لصلاحه ولا بارا لبره، إنما يؤذون الجميع. فهذا الصنف من شر الناس نقضا للعهد والميثاق لأنهم يعتدون على كل ما فيه عهد من الله بالمحافظة عليه وصيانته. فالأموال مصونة إلا بحقها، والنفوس من أعظم الأمور صونا وحرزا، والأعراض من أعظم الأمور صونا وحرزا، فهؤلاء يعتدون على هذه الأمور المصونة، ويروعون الآمنين ويعطلون مصالح العباد التي فيها صلاح عيشهم في الدنيا والآخرة. فهم يعطلون الضرب في الأرض والسعي على الرزق، ويعطلون التزوار في الله، والرحلة في طلب العلم، والسفر للحج والعمرة، ويعطلون التنقل لصلة الأرحام. وهذه المحاربة وهذا الإفساد في الأرض هي نوع من نقض العهود التي أخذها على عباده وأمرهم بالوفاء بها والمحافظة عليها في قوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾ ثم بين سبحانه عقوبة هذا النوع من ناقضي العهود وناكثي الوعود فحد لهم الحد الرادع الذي يناسب فعلتهم.\n_________\n(^١) سورة المائدة، الآية: ٣٣.","vol":"1","page":523},{"text":"ثم حذر المؤمنين أن يسلكوا هذا السبيل المسخط للرب فقال ولا تكونوا يا معشر المؤمنين كنقضة العهود من بني إسرائيل ولا تنكروا لرسولكم ولا لشريعة ربكم. ولا تتوانوا عن الجهاد في سبيله كما توانئ اليهود عن جهاد أعدائهم أعداء الله ولم يدخلوا الأرض المقدسة التي فيها المسجد المعظم عندهم ولم ينصروا موسى ﵇ ﴿ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون﴾ (^١).\nاتقوا الله باتباع أوامره واجتناب نواهيه. والوسيلة هي العمل الصالح الذي يرضى الله ويقرب العبد من ربه ويصله به، والبعد عن المنكرات والمعاصي التي يحصل بها للعبد ضد ذلك من البعد، والطرد، والجفاء بين العبد وبين ربه سبحانه. فعلى المسلمين أن يبتغوا إلى ربهم الوسيلة المشروعة التي هي العمل الصالح وترك الشر والسوء وهجر السيئات.\nثم ذكر ربنا ﷿ نوع آخر من المفسدين في الأرض الناقضين للعهود والمواثيق وهم السراق اللصوص، وبين ﷾ حدهم وعقوبتهم في الدنيا والآخرة إلا من تاب منهم وأصلح فإن الله يغفر له ذنبه ويتوب عليه في قوله تعالى ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم﴾ (^٢) هذا له صله بما سبق من الحديث عن اليهود الذين كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه، فمن كان منهم الغني ذو الجاه والقوة والمنعة من عشيرة وأهل وقبيلة، تركوه وأهملوا إقامة الحد عليه مراعاة لمكانه وغناه وقوته، وإذا سرق فيهم الضعيف الذي لا يهاب عاقبوه وأقاموا عليه الحد. وهذا يعني أن إقامة الحد على السراق كان موجودا ومشرعا في التوراة، وفي دين اليهود قبل أن يبدلوا ويحروفوا، وقد لعن الرسول ﷺ\n_________\n(^١) سورة المائدة، الآية: ٣٥.\n(^٢) سورة المائدة، الآية: ٣٨.","vol":"1","page":524},{"text":"اليهود وحذر قومه المؤمنين من أن يسلكوا سبيلهم، ودربهم وأن يجاروهم في منهجهم وذلك عندما سرقت إمرأة مخزومية شريفة في قومها وجيهة في أهلها، فأرادوا أن يشفع لها أحد عند رسول الله ﷺ فلا يقيم عليها الحد، ولا يقطع يدها وإن عاقبها بأي عقوبة أخرى مالية، فلم يجدوا من له الجرأة على هذه الشفاعة عند رسول الله ﷺ غير أسامة بن زيد حب رسول الله ﷺ وابن حبه ﵁ وعن أبيه. فلما كلم أسامة رسول الله ﷺ كلاما فيه شفاعة لهذه المرأة التي استوجبت الحد غضب رسول الله ﷺ ورد شفاعته وقال: «أتشفع في حد من حدود الله يا أسامة؟ أتشفع في حد من حدود الله يا أسامة؟» يكرر ذلك منكرا على أسامة هذه الشفاعة الغير مشروعة والتي لا تجوز ثم قال: رسول الله ﷺ: «إنما أهلك من كان قبلكم أنهم إذا سرق فيهم الشريف (القوي) تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد. ثم قال ﷺ والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها أو كما قال ﷺ» (^١). فذكر الله ﷿ هذا الحد (حد السرقة) عند الكلام على اليهود ونقضهم للعهود والمواثيق لأن نقضهم للعهد في هذا الأمر وهذه القضية موجود أيضا فهو يتفق مع أول هذه السورة التي ذكر الله فيها ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾.\nويذكر الله ﷿ في هذه السورة واقعة أخرى عن اليهود فيها نقضهم للعهد والميثاق، وأنهم وقعت فيهم واقعة زنا فأرادوا أن يحتالوا حيلة ليخرجوا من إقامة الحد على هذين الذانيين. وكان الحد عندهم في الشريعة المنزلة المحكمة هو حد الرجم للمحصنين وحد الجلد للبكرين أما الشريعة المحرفة التي كتبها لهم أحبار السوء فهي غير ذلك، فيها نوع من الإيذاء الخفيف الذي لا يتفق مع بشاعة الفعل وشناعته. ففي شرعهم الذي كتبوه بأيديهم، وقالوا هو من عند الله وما هو من عند الله فيه؛ التحميم وهو طلاء وجه كل من الزاني والزانية بطلاء أسود\n_________\n(^١) حديث صحيح رواه البخاري (٣٤٧٥) وفي غير موضع ومسلم (١٦٨٨). وأبو داود (٤٣٧٣) والترمذي (١٤٣٠).","vol":"1","page":525},{"text":"ويركبوهما على دابتين وجه كل منهما إلى مؤخرة الدابة، ويطوفون بهما أرجاء المكان قرية، أو مدينة، أو غيرها من المكان الذي يسكنون فيه، مع الجلد مائة جلدة ولا يقيمون حد الله في جريمة الزنا. فلما وقعت هذه الواقعة فيهم وزنا رجل بامرأة منهم أرادوا أن يتهربوا من إقامة الحد الإلهي الذي شرعه لهم وهو رجمهما إذ كانا محصنين. فاتفقوا على أن يأتوا رسول الله ﷺ ويعرضوا عليه القضية فإن هو حكم بحكم مخفف لا يصل إلى الرجم أخذوا به وعذرهم عند الله أنهمو عملوا بحكم نبي مرسل هم على يقين من نبوته - وإن لم يتبعوه وإن لم يؤمنوا به حسدا وكبرا. وإن هو حكم فيهم بحكم الرجم تركوا حكمه ورجعوا إلى حكمهم المبتدع المخترع، يقولون بعضهم لبعض: ﴿إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا﴾ (^١).\nهم أصحاب هوى إن جاءهم ما يتفق مع هواهم أخذوا به وطبقوه، وإن كان الأمر على غير أهوائهم أعرضوا وصدوا، فاتخذوا بذلك أهوائهم آلهه من دون الله فما اتفق وهواهم أخذوا وعملوا به، وما خالفهم تركوه. اليهود كانوا يقولون ما حكاه الله عنهم ﴿ليس علينا في الأميين سبيل﴾ (^٢) ويأكلون منهم الأموال فيأكلونها بالباطل، ويستحلون الرشوة، ويستحلون بالباطل أموال العوام؛ وهم كل من دون اليهود ويزعمون أنه لا مؤاخذة عليهم في ذلك. وفي هذا نقض للعهد الذي أخذ عليهم بألا يأكلوا أموال الناس بالباطل، وألا يأكلوا السحت، ولا يأكلوا الربا فنقضوا عهد الله في ذلك كما قال الله عنهم ﴿سماعون للكذب أكالون للسحت﴾ (^٣).\n_________\n(^١) سورة المائدة، الآية: ٤١.\n(^٢) سورة آل عمران، الآية: ٧٥.\n(^٣) سورة المائدة، الآية: ٤٢.","vol":"1","page":526},{"text":"المهم أنهم ذهبوا إلى رسول الله ﷺ في تلك القضية - الزنا - فلما حكم فيها رسول الله ﷺ بما أراه الله وبما كان في شريعتهم المحكمة المنزلة لا المحرفة المبدلة وجاء الحكم على غير ما تهواه نفوسهم لم يقبلوا الحكم. مع أنهم الذين اختاروه حكما ومع أن الحكم متفق وشرعهم المنزل ومصدقا لما عندهم، ومع ذلك كله لم يقبلوا حكمه ولم يأخذوا بقضائه فأنكر الله عليهم ذلك في قوله ﴿وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين﴾ (^١) فهذا ما أخذ على اليهود من العهود والمواثيق ثم هم نقضوه. فلاهم عملوا بما في التوارة الذي هو كتابهم وشرعهم، ولا بما حكم الرسول وقضى، وهو مصدق لما معهم ولما في أيدهم وهو أيضا في التوراة. المقصود أن هذا كله ذكر لبعض أخبار بني إسرائيل التي فيها نقضهم للعهود والمواثيق وهذا يتفق ووصية الله للمؤمنين وأمره لهم بأن يوفوا بالعهود ولا يسلكوا سبيل من نقض وخان ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾.\nبعد أن ذكر الله خيانة اليهود والنصارى لما أخذ عليهم من عهود ومواثيق، انتقلت السورة إلى ذكر تحذير من الله ﷿ لعباده المؤمنين الموحدين، يحذرهم ربهم من المواربة والمخادعة، ومن الموالاة لأعداء الله من اليهود والنصارى الذين لا يراعون عهود الله ومواثيقه، فكيف يركن المؤمنون إليهم وحذرهم بأنه لا ينبغي لهم وقد آمنوا بالله وسوله وصدقوا بما جاءهم من الحق والأخبار عن اليهود والنصارى حذرهم بأنه لا ينبغي لهم أن يسلكوا مسلكهم ولا يدخلوا مدخلهم وتتابعت آيات الله جل شأنه في هذا فقال جل شأنه: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض﴾ (^٢) فليوال بعضكم بعضا، وليحذر كل منكم أن يوالي يهوديا ولا نصرانيا، فما ذكره ﷿ من\n_________\n(^١) سورة المائدة، الآية: ٤٣.\n(^٢) سورة المائدة، الآية: ٥١.","vol":"1","page":527},{"text":"فضائح اليهود كاف في أن يدخل الوحشة والحذر منهم في قلوب المؤمنين. وفيه تنفير لقلوب المسلمين منهم حتى لا يركنوا إليهم ولا يخالطوهم مخالطة مودة وموالاة، فتنقل منهم هذه الصفات الذميمة التي استوجبوا عليها اللعنة والغضب والمقت من الله، حتى لا تنتقل هذه الصفات الذميمة إلى المؤمنين بطول العشرة والإلفة. بل الواجب أن يحد المسلمون معاملتهم لليهود والنصارى إلى أضيق حد، وإن وجد تعامل فعلى قدر الحاجة والضرورة لا محبة ولا إعجابا، فإن فيهم من المذام والنقص مع الله ومع عباد الله ما لا يدع مجالا لمحبة ولا موالاة ولا إعجاب. بل البراءة من اليهود ومن كل أعداء الله واجب على المؤمنين.\nقال تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض﴾ فمن عمل بهذا الأمر ولم يوال يهوديا ولا نصرانيا فقد وفى بهذا العهد وذاك العقد الذي أمر الله بالوفاء به في قوله ﴿ياأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾ ومن ولاهم فقد نقض العهد، وكان في معناه وسلوكه هذا يهوديا ونصرانيا صفته صفتهم ومعناه معناهم، وإن كان مسلما بالاسم والانتماء، وإن ادعى أنه موحد ثم خاطبهم بقوله: ﴿ياأيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتى الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون فى سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم﴾ (^١).\nفبين ﷾ أن موالاة اليهود والنصارى قد تنتهي بالإنسان إلى الخروج من الإسلام والإيمان بالله. فيبدأ بموالاة خفيفة ثم تزداد وتتدرج إلى أن تنتهي به من حيث يشعر أولا يشعر إلى الردة والخروج من حظيرة الإسلام نعوذ بالله من ذلك. فإذا ارتد إنسان بعد أن كان مؤمنا مسلما موحدا فالله غني عنه ولن يضر إلا نفسه، ولن يضر الله شيئا، وسيأتي الله بأقوام وجماعات أخرى فيهديهم إلى هذا الدين ويملأ قلوبهم بالإيمان يقومون على أمر هذا الدين فيحبون\n_________\n(^١) سورة المائدة، الآية: ٥٤.","vol":"1","page":528},{"text":"المؤمنين إخوانهم ويوالونهم، وينصرونهم ويعادون الكفار على اختلاف مناهجهم ومللهم من يهود ونصارى وأهل شرك وأهل إلحاد، يعادون الكفار جميعا ويجافونهم ويقومون بالجهاد في سبيل الله بكل ما يملكون من نفس ومال وغير ذلك من الوسائل التي تناسب الحال، ولا يخافون من أحد من أعداء الله خوفا يجعلهم يوالونه. فالمؤمنون الذين يوفون بعهد الله وميثاقه من جنس أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، من جنس خالد ابن الوليد وأبي عبيدة بن الجراح، وسعد بن أبي وقاص وغيرهم من الصحابة المخلصين والتابعين لهم بإخلاص وإحسان على مر العصور والدهور والسنين إلى يوم الدين، ﵃ أجمعين.\nوبين الله للمؤمنين أن وليهم ليس هو اليهود والنصارى الذين لا أمان لهم ولا عهد ولا ميثاق، إنما وليهم وناصرهم ومؤيدهم هو الله وأمرهم أن يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة.\nوقد وعدهم الله وعدا طيبا إن هم وفوا بهذا العهد وهذا الميثاق إن تخلصوا من ولاية اليهود والنصارى وكل الكفار والمشركين. وإن هم قصروا ولايتهم على الله ورسوله وعلى إخوانهم المؤمنين من أهل ملتهم، من أهل الإيمان والتقى، إن هم وفوا بهذا العهد والميثاق وعدهم أن يكتب لهم الفلاح والفوز في الدارين والغلبة على أعدائهم والنصر عليهم والظفر بهم وبما يمتلكون قال الله تعالى: ﴿ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون﴾ (^١).\n_________\n(^١) سورة المائدة، الآية: ٥٦.","vol":"1","page":529},{"text":"<span data-type='title' id=toc-436>٣ - تفسير سورة الأنبياء إجمالا</span>\n﷽\nالحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وبعد:\nفكل سورة من سور القرآن الكريم لها وحدة تدور عليها آياتها. ونتناول هذا إجمالا في سورة الأنبياء.\nلقد كان الكفار يعتقدون أن النبوة لا تكون في بشر، إنما إذا أراد الله أن يرسل أحدا أرسله من الملائكة. أما البشرية والرسالة والنبوة فبينهما تناف. وهذه السورة جاءت لبيان أن البشرية لا تتنافى مع الرسالة. ودلل الله ﷾ على هذه المسلمة في هذه السورة بذكر كثير من الأنبياء، فذكر كل نبي من هؤلاء الذين ذكرهم وذكر فيه صفة أو أكثر من الصفات التي تعلن بشريته وتدل عليها كل الدلالة. وبدأ الكلام في هذا بقوله تعالى: ﴿وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون﴾ (^١) فبين أنه بشر وأنه سيموت كما مات من قبله من البشر. وأن بشريته بإنتهاء أجله، هو أمر مشترك بينه وبين غيره من جميع إخوانه الأنبياء والمرسلين.\nثم بدأ بذكر الأنبياء نبيا بعد نبي. ذكر موسى وهارون (^٢)، والعرب وقريش يسمعون في أسفارهم عن موسى وهارون لأنهم كانوا يسافرون في متاجرهم إلى الشام ويعرفون من بني اسرائيل أشياء عن موسى وهارون، ففي الشام كان يعيش كثير من اليهود كما كان يعيش كثير منهم حول المدينة. وكان يعيش كثير منهم في اليمن والعرب كانوا يسافرون أيضا إلى اليمن للتجارة.\n_________\n(^١) سورة الأنبياء (٣٤)\n(^٢) اقرأ الآية (٤٨) من السورة","vol":"1","page":530},{"text":"فبدأ ﷾ بذكر موسى وهارون وأنهم كانوا من الأنبياء، وقد اشتهر أمرهم في بني إسرائيل، وكذلك في العرب لكثرة إختلاطهم باليهود والنصارى في أسفارهم، وتجاراتهم، ومساكنتهم لهم كما هو الحال للعرب الذين يسكنون المدينة ومن حولها. وقد كان موسى وهارون من البشر، فليس هناك غرابة ولا بعد في أن يكون محمد ﷺ نبيا ورسولا وهو من البشر.\nثم ذكر ﷾ ابراهيم الخليل ﵇ وذكر قصته وأنه أوذي وألقي به في النار، ولكن الله تعالى نجاه من النار، ثم خرج من داره مهاجرا إلى الله، وهذا شأن البشر لا الملك. إنسان يؤذى ويؤخذ ويقهر ويغلب على أمره، ويلقى به في النار لا يكون مالكا، لأنه لو كان ملكا لصعد إلى السماء، ولا يتمكن منه. فكان ابراهيم بشرا بشهادة الأحداث التي جرت عليه، وكان رسولا نبيا لا يختلف في ذلك. فمحمد ﷺ أيضا بشر لا تمنعه البشرية من أن يكون رسولا نبيا.\nثم ذكر سبحانه بعد هذا لوطا (^١) الذي أوذي، وهجم عليه قومه في بيته لما سمعوا أن عنده ضيوفا فيهم الجمال والبهاء، وكان قومه يأتون الذكران ويهجرون النساء، ابتلوا بهذه المعصية وهذه الفاحشة كما سماها الله تعالى في كتابه.\nوكانت الملائكة قد أتوا لوطا في صورة شبان حسان ولم يعلم لوط أنهم ملائكة. وسكتوا عن لوط ولم يخبروه بحقيقتهم وأمهله الله أيضا فلم يخبره بشيء ولا أوحى إليه شيئا لتتبين بشريته وعجزه، وأنه لا يعلم شيئا ولا يقدر على شيء، حتى خشى عليهم من قومه وأعلن عن ضعفه في مواجهة قومه وعن ضعفه في حماية ضيوفه فقال معبرا عن هذا بقوله الذي حكاه الله تعالى ﴿لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد﴾ يقول لقومه الذين جاءوا يراودونه على ضيفه الذين\n_________\n(^١) إقرأ الآية (٧١) إلى الآية (٧٧)","vol":"1","page":531},{"text":"ظنوهم بشرا وكذلك ظنهم لوط ﵇ يقول لقومه ﴿قال لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد﴾ (^١) لأهلكتكم وعاقبتكم فعند هذا قالت الملائكة ﴿إنا رسل ربك لن يصلوا﴾ (^٢) فكانت مفاجأة للوط ﵇ عندما عرف حقيقة أمرهم وأنهم ملائكة. فأمرته الملائكة أن يسرى بأهله من الليل أي يخرج من البلد ولم يؤمن معه إلا عدد قليل من أهله. وخرج وأهله وإمرأته استجابة لأمر الله ولوحيه الذي جاءته به الملائكة وشاء الله سبحانه للمرأة - امرأة لوط - أن تتخلف وتتأخر قليلا عن زوجها في السير وأن تلتفت إلى خلفها، إلى قومها فأصابها ما أصاب قومها من العذاب والهلاك. جاء جبريل واقتلع الأرض من تحتهم ورفعها إلى أعلى ثم قلبها بمن فيها. وجعل عالى الأرض سافلها وهذا يتناسب مع ما اقترفه قوم لوط من قلب الفطرة والخلقة، وهجر النساء الحلال اللائي جعلن مقضى الشهوات وحرث للأولاد واستبدالهن بالرجال.\nثم ذكر الله قصة نوح ﵇ (^٣) وأنه دعا قومه إلى الله وإلى توحيده سبحانه وجرب معهم وسائل شتى في الدعوة إلا أن بيئة قومه كانت من البيئات الردية، فلم تجد معهم الدعوة إلى الإسلام والتوحيد، دعا قومه جماعة بعد جماعة، وطائفة بعد طائفة، وجيلا بعد جيل وهكذا طيلة فترة تسعمائة وخمسين سنة، تسعة قرون مضت وهو يدعوهم إلى لا إله إلا الله. أمره الله أن يصنع سفينة ففعل وكلما مر عليه ملأ وجماعة من قومه سخروا به وسخروا منه وهو أيضا يسخر منهم ويوقن أن العاقبة له من الله جل شأنه وأن الدمار عليهم. ولما جاء وقت الإهلاك أمره الله أن يركب السفينة ويحمل فيها من آمن معه.\n_________\n(^١) سورة هود (٨٠)\n(^٢) سورة هود جزء من الآية (٨١)\n(^٣) إقرأ الآية (٦٦، ٦٧) من السورة (الأنبياء) واقرأ تمام القصة في سورة هود، ونوح ﵉.","vol":"1","page":532},{"text":"فإنتاج وثمرة تسعمائة وخمسين سنة في الدعوة حملهم جميعا في السفينة ومعهم حيواناتهم التي يحتاجون إليها، حمل هؤلاء جميعا في سفينة واحدة ثم أغرق الله باقي قومه جميعا. فالإيذاء والتسلط الذي وقع من الكفار على نوح ﵇ وأمر الله له بصناعة السفينة، وإغراق الله لقومه وإنجاء الله تعالى له ولمن معه من المؤمنين في السفينة، كان هذا كله عنوانا لبشرية نوح ﵇. وقد كان نبيا رسولا فلا يبعد أن يكون محمد من البشر وأن يكون نبيا رسولا.\nثم ذكر داود وسليمان ﵉ (^١) وما جرى على داود من الخطأ وهو شأن بني آدم، لأن كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون (^٢)، اجتهد داود ﵇ في الحكم في قضية من القضايا، وهي قضية الغنم التي نفشت ورعت، وأكلت حرث قوم غير أصحابها. واجتهد في هذه القضية وأخطأ وعرضت نفس القضية على سليمان وحكم فيها بالصواب، وكان حكمه مخالفا لحكم أبيه. وتم لداود أجر على إجتهاده ولو كان مخطئا. وحصل لسليمان أجران لأنه اجتهد وأصاب الحق وحكم في القضية بالصواب.\nثم ذكر الله ما علمه لداود من الصناعات فقد كان يصنع الآلات المختلفة وخصوصا الأسلحة الحربية وغير ذلك، وهذا كله من صفات البشرية سواء ما كان يتعاطاه داود من الصناعات أو ما قد وقع فيه داود من الخطأ في الإجتهاد في الحكم. وقد كان كل من سليمان وداود نبيا رسولا وقد كانا من البشر بكل ما في البشر من الصفات فما المانع أن يكون محمد ﵊ بشرا ونبيا رسولا!\n_________\n(^١) اقرأ من الآية (٧٨) إلى الآية (٨٢) من سورة الأنبياء.\n(^٢) حدث حسن رواه الترمذي (٢٥٠١). وابن ماجه (٤٢٥١). أحمد (٣/ ١٩٨). والحاكم (٤/ ٢٤٤) وصححه وتعقبه الذهبي بقوله على بن مسعده لين.","vol":"1","page":533},{"text":"ثم انتقلت السورة إلى ذكر أيوب عليه (^١) السلام، وذكر الله ﷿ أنه ابتلاه في صحته وماله وأهله ومرض المرض الشديد. ثم شفاه الله وأعطاه الذرية وأعطاه المال. وهذه أعراض البشرية، وقد كان نبيا رسولا فلا مانع إذن أن يكون محمد ﷺ من البشر ثم يكون نبيا رسولا.\nوذكر الله ﷾ ذا النون (^٢) وقد كان رسولا من عند الله. وذو النون هو يونس بن متى ﵇. وإنما سمي ذا النون والنون هو الحوت كان قد إبتلعه فنسب إليه. فذو النون يعني ذا الحوت. وكان يونس في بطن الحوت محفوظا بإذن الله تعالى. فلم يهضمه الحوت كما يهضم الطعام، وهذا كان بإذن الله تعالى، وكما أن يونس ﵇ لم ينس ذكر الله تعالى في هذا المكان الموحش فقد حفظه الله تعالى من شدائد ومحن وكروب في الظلمات، ومن أسباب الموت والهلاك التي توفرت وتداعت عليه. لكن الله ﷾ عطل أسباب الهلاك كلها عن أن تعمل عملها في يونس، وظل يونس حيا بإذن الله تعالى ومحفوظا ومصانا من كل الأذى حتى نجاه الله جل شأنه.\nفما حصل ليونس ﵇ يدل على أنه بشر وأعراض البشرية ظاهرة فيه وواضحة، وكان رسولا نبيا ودعا قومه إلى الإيمان والتوحيد، وإلى طاعة الله وعبوديته فصدوا وأعرضوا ولم يستجيبوا حتى حزن يونس ﵇ على ذلك، وضاق صدره وخرج من بين أظهرهم ظنا منه ﵇ أنه مخير بين الإقامة بينهم والرحيل عنهم على حسب ما يراه من المصلحة في ذلك فخرج من بين أظهرهم في الوقت الذي أوشك الإيمان أن يدخل إلى قلوبهم. وظن أن الله لن يضيق عليه في هذا الخروج. فخرج وركب سفينة لتنقله بعيدا عن قومه فثقلت بهم السفينة وحاصرتهم أمواج البحر حتى كادوا يغرقون جميعا، فأرادوا تخفيف حمولة السفينة. وليس أحد من ركاب السفينة أولى في النجاة من الآخر.\n_________\n(^١) و(^٢) اقرأ الآية (٨٣ - ٨٨).","vol":"1","page":534},{"text":"فاقترعوا واستهموا فيمن يلقون من الركاب فيكون ضحية وفداء للآخرين، فقرع يونس ﵇ فرموه في البحر فوقع في ضيق أشد من الضيق الذي كان فيه بين ظهراني قومه، إذ أصبح في ظلمات البحر والحوت والليل وغير ذلك من ظلمات. وفي الظلمات سبح يونس ربه ﷿ ودعاه، واعترف على نفسه بالظلم والتقصير فقال ﴿لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين﴾ (^١) فحفظه الله تعالى ونجاه من هذه الظلمات كما سبق الإشارة إليه فسياق هذه القصة وما فيها يدل بما لا يدع مجالا للشك على بشرية يونس ﵇ وأنه كان رسولا نبيا فمحمد ﷺ وهو من البشر كان نبيا ورسولا. وكما لم تمنع البشرية يونس من النبوة والرسالة لا تمنع بشرية محمد من أن يكون نبيا ورسولا عليهم جميعا الصلاة والسلام.\nثم جاء بعد هذا ذكر زكريا ﵇ (^٢) وهو أحد أنبياء بني إسرائيل وكانت زوجته عقيما لا تلد وقد بلغ من الكبر عتيا أي بلغ سنا لا يستطيع معه أن يأتي النساء لكبر سنه وضعف قوته لكنه لما رأى مريم ﵍ وعبادتها لربها ﵎ وأن أثر هذه العبادة والتقوى ظهر في الدنيا قبل الآخرة، وأنه كان يأتيها رزقها بكرة وعشيا وفي كل حين. ووجد منها أشياء هي خوارق للعادات التي يعرفها في البشر، لما رأى الصلاح في مريم اشتاقت نفسه للولد الذي يرى فيه الصلاح والتقوى. فرغب إلى ربه تعالي وطلب منه أن يعطيه الولد فاستجاب الله تعالى لدعائه ولبي رغبته ووعده بالولد. ولكن زكريا يريد أن يطمئن ويزداد إيمانا بموعود الله له لأنه بشر هو وزوجته بالولد في حالة لا تسمح لهما بالإنجاب في عرف البشر، وما جرت به عادتهم، فلذلك يريد أن يزداد إطمئنانا وإيمانا إذ هو لا ينكر على ربه أن يخلق ما يشاء، لأنه ﷾ القادر على كل شيء ولا يعجزه شيء ولذلك قال ﴿قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر﴾ (^٣).\n_________\n(^١) سورة الأنبياء آية: (٨٧).\n(^٢) اقرأ الآية (٨٩ - ٩٠) من السورة.\n(^٣) سورة آل عمران (٤٠)","vol":"1","page":535},{"text":"ثم ﴿قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا﴾ (^١) وفي الآية الأخرى ﴿إلا رمزا﴾ (^٢) فكان إذا أراد أن يتكلم مع الناس في الكلام العادي لا يستطيع ذلك طيلة هذه المدة، ولا يستطيع أن ينطق وإنما يفهمهم ما يريد بالإشارة والرمز ولم يكن هذا لعيب في آلة نطقه، ولا لمرض طرأ عليه وإنما هذا آية من الآيات، ولذلك فهو إذا أراد أن يسبح وأراد الذكر انطلق لسانه أما إذا أراد الحديث مع الناس انعقد لسانه فكان هذا أيضا آية من آيات البشرية. وقد ذكر الله تعالى شيئا من الأسباب العادية التي يرتب عليها الولد يقول سبحانه ﴿وأصلحنا له زوجه﴾، ما جعلها تلد وهي على حالها ووضعها، ولكن أصلحها الله للحمل والوضع وأزال ما كان بها من عقم ومن أسباب تمنع حملها. فقد جعل الله ﷾ في زوجة زكريا استعداد للحمل ولذلك قال تعالى ﴿وأصلحنا له زوجه﴾ فالله ﷾ اوجد الأسباب العادية فيها بعد أن كانت مفقودة.\nوذكر الله عنهم هذا في القرآن فقال تعالى ﴿وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه﴾ (^٣) فلم تصبح علي حالها الأول الذي كانت عليه قبل أن تحمل بل هيئت تهيئة تصلح معها للحمل، فكان زكريا أعجز من أن يهب لنفسه ولدا بل طلب من الله أن يعطيه الولد وأن يمنحه إياه فهذا عنوان البشرية، ومع ذلك كان رسولا وكان من البشر ومحمدرسول الله وهو من البشر ولا غرابة ولا بعد في هذا.\nأما مريم ﵍ فلم تكن نبية ولكن وهب الله لها عيسى ﵇. وحملت بدون زوج. والله الذي أصلح زوجة زكريا فصارت تستطيع الحمل بعد أن لم تكن تستطيعه، هو الذي جعل مريم تحمل بدون زوج بإذنه تعالى وذكر الله.\n_________\n(^١) سورة مريم (١٠).\n(^٢) سورة آل عمران (٤١).\n(^٣) سورة الأنبياء (٩٠).","vol":"1","page":536},{"text":"سبحانه هذا في القرآن فقال ﴿فنفخنا فيها من روحنا﴾ (^١).\nفالقصد أن كل هؤلاء جميعا من البشر وقد وصفهم الله تعالى بذلك وأظهر فيهم أعراض البشرية. قد كانوا رسلا وأنبياء أو صديقين مصطفين فلا يستبعد أن يكون محمد ﷺ نبيا رسولا وهو من البشر.\nلقد وصف الكفار الرسول ﵊ بصفات كثيرة مفتراة عليه وليست من صفته، ولا من خلقه رموه بالسحر والكذب والكهانة. ووصفوه بالبشرية كما ورد في أول السورة في قوله تعالى ﴿ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث … إلا استمعوه وهم يلعبون لاهية قلوبهم وأسروا النجوى الذين ظلموا هل هذا إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر وأنتم تبصرون﴾ (^٢) ﴿هل هذا إلا بشر مثلكم﴾ فكيف يكون رسولا فذكر الله أنبياء قبل رسول الله ﷺ ولا شك في نبوتهم، وقد ذكر الله ﷿ لهم من الأعراض ما لا يدع مجالا للشك في بشريتهم.\nوالعرب كانوا يعرفون أن هؤلاء المذكورين في السورة أنبياء ورسل فقد كان العرب أهل أسفار وتجارة، وقد ذكر الله ﷿ أنهم كانت لهم رحلتان جنوبا في الشتاء وشمالا في الصيف. ومن خلال هاتين الرحلتين وغيرهما عرف العرب هؤلاء الأنبياء والرسل وعرفوا قصصهم بالمخالطة مع الأقوام الآخرين في البلاد التي كانوا يسافرون ويتجرون إليها. فذكر لهم أمثالا تاريخية في بشر صاروا رسلا. والواقع شاهد برسالتهم. فيرد عليهم إنكار رسالة محمد من أجل بشريته في قولهم ﴿هل هذا إلا بشر مثلكم﴾ (^٣) فكيف يكون نبيا رسولا ﴿أفتأتون السحر وأنتم تبصرون﴾ (^٤) ﴿قال ربي يعلم القول في السماء والأرض وهو السميع العليم﴾ (^٥) أسروا النجوى فبين الله لرسوله ﷺ أنه يعلم السر وأخفى وهو السميع\n_________\n(^١) سورة الأنبياء (٩١).\n(^٢) سورة الأنبياء (٢، ٣).\n(^٣)، (^٤) سورة الأنبياء (٣).\n(^٥) سورة الأنبياء (٤).","vol":"1","page":537},{"text":"كامل السمع عليم كامل العلم ﴿بل قالوا أضغاث أحلام﴾ (١) أخلاط في الكلام، مخبول يتكلم كلام المخابيل ﴿بل افتراه﴾ (٢) كذاب، ﴿بل هو شاعر﴾ (٣) الشاعر مثل الكهان الذين يلفقون الكلام ويكذبون فيه ويبالغون، ويقولون أعذب الشعر أكذبه ﴿فليأتنا بآية كما أرسل الأولون﴾ (٤). الله ﷿ ذكر البشرية بعد ذلك فقال ﴿وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون﴾ (^٥). ثم ذكر قصص الأنبياء ثم ختم السورة بمثل ما بدأ به فقال ﴿قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فهل أنتم مسلمون﴾ (^٦).\nيعني أنا بشر ولكن يوحى إلي ﴿فإن تولوا فقل آذنتكم على سواء وإن أدري أقريب … أم بعيد ما توعدون﴾ (^٧) وما يوعدون هو ما يطالبون به من الآيات والمعجزات وربما كان ما يوعدون يعني يوم القيامة ﴿إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون﴾ (^٨) وهو نظير قوله تعالى في أول السورة ﴿قال ربي يعلم القول في السماء والأرض وهو السميع العليم﴾ (^٩) وبعده يقول سبحانه ﴿وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين﴾ (^١٠) لعله فتنة لكم ومتاع إلى أجل مسمى ثم الله يقضي بإنهاء الدنيا وافنائها كما يشاء وكما يريد. ﴿قال رب احكم بالحق﴾ (^١١) افصل بيننا ﴿وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون﴾ (^١٢) والذي وصفوه به في صدر السورة أن ما جاء به من الوحى\n_________\n(١ - ٤) سورة الأنبياء (٥).\n(^٥) سورة الأنبياء (٣٤).\n(^٦) سورة الأنبياء (١٠٨).\n(^٧) سورة الأنبياء (١٠٩).\n(^٨) سورة الأنبياء (١١٠)\n(^٩) سورة الأنبياء (٤).\n(^١٠) سورة الأنبياء (١١١).\n(^١١) سورة الأنبياء (١١٢).\n(^١٢) سورة الأنبياء (١١٢).","vol":"1","page":538},{"text":"أضغاث أحلام وأنه قد افتراه، وأنه شاعر، وأنه ساحر وأنه مجنون وغير ذلك مما الصقوه به من الأوصاف التي ذكروها ورموه بها في أول السورة وهو منها براء. وبهذا يعرف أن للسورة وحدة تدور الآيات حولها وهي هنا إثبات أن البشرية غير منافية للرسالة وذلك بذكر كثير من الأنبياء الذين شهد الواقع وشهدت الأمم بأنهم رسل. وقد ثبتت نبوتهم تاريخيا حتى عند العرب. قد كان العرب يتمسحون باليهود، لأنهم أهل كتاب وبعضهم كان يرسل أولاده إلى اليهود ليعيشوا بينهم وينالون منهم البركة.\nوهكذا نجد أن أول السورة وأخرها يرتبط بعضه مع بعض في وحدة مشتركة. وهذه السورة مكية. وكغيرها من السور المكية في القرآن فإنها ترتكز على الأصول الثلاثة، إثبات التوحيد والدعوة إليه، واثبات وقوع اليوم الآخر وإقامة الأدلة عليه، إثبات الرسالة وبيان عدم منافاتها للبشرية.\nوأسأل الله جل شأنه لي ولكم التوفيق والسداد. وأن يجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، وطهارة لنفوسنا إنه ﷾ مجيب الدعاء. وصلى الله وسلم وبارك على عبده محمد.\n\n<span data-type='title' id=toc-437>س ١: سئل الشيخ: ما معنى نفشت فيه غنم القوم؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: إنتشرت فيه غنم القوم وأكلت. فحكم أن الغنم تدفع إلى أصحاب الحرث فينتفعون منها بكل نفع فيكون لهم أولادها وألبانها وغير ذلك من منافعها ويقومون برعايتها في حين يقوم أهل الغنم بإصلاح الحرث والقيام برعايته وربايته حتى يرجع إلى الحال التي كانت عليها قبل أن تنفش فيه الغنم. فيرجع كل شيء إلى أصحابه فيأخذ أهل الحرث حرثهم ويأخذ أهل الغنم غنمهم.","vol":"1","page":539},{"text":"﷽\n﴿إذا السماء انفطرت﴾ ﴿وإذا الكواكب انتثرت﴾ ﴿وإذا البحار فجرت﴾ ﴿وإذا القبور بعثرت﴾ ﴿علمت نفس ما قدمت وأخرت﴾ ﴿يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم﴾ ﴿الذي خلقك فسواك فعدلك﴾ ﴿في أي صورة ما شاء ركبك﴾ ﴿كلا بل تكذبون بالدين﴾ ﴿وإن عليكم لحافظين﴾ ﴿كراما كاتبين﴾ ﴿يعلمون ما تفعلون﴾ ﴿إن الأبرار لفي نعيم﴾ ﴿وإن الفجار لفي جحيم﴾ ﴿يصلونها يوم الدين﴾ ﴿وما هم عنها بغائبين﴾ ﴿وما أدراك ما يوم الدين﴾ ﴿ثم ما أدراك ما يوم الدين﴾ ﴿يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله﴾.\nالحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد.\nفإن الله تعالى شأنه قد ذكرنا بالآخرة وما فيها من أهوال، من أول بدئها عند تخريب الدنيا إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار. وكرر هذا في كثير من سور القرآن الكريم ليعتبر الناس ويتذكروا، ويتقوا ربهم فيطيعوه ويخشوه.\nومن السور التي ذكر الله جل شأنه فيها أخبار يوم القيامة سورة الإنفطار، وسورة التكوير وغيرها من السور كثير من سور القرآن تتناول هذا الموضوع.\nوسورة الإنفطار قد بين الله فيها أنواعا من أهوال يوم القيامة:\nأولا: حالة التخريب التي تلحق هذه الحياة الدنيا عند نهايتها، وبدء يوم القيامة الذي يحاسب فيه العباد ويجازيهم فيه على أعمالهم.\nثانيا: نفى أن يكون هناك من قبل الرب ما يغتر به المخلوق اغترارا يعذر به.\nثالثا: بيان أن كثير من الناس كذب بيوم الدين مع وجود الأدلة والبراهين","vol":"1","page":540},{"text":"الواضحة التي تمنع ذلك التكذيب.\nرابعا: تقسيم الناس إلى أهل نعيم وأهل جحيم، إلى أبرار وإلى فجار.\nأما الأمر الأول: فذكر الله ﷿ فيه قوله تعالى: ﴿إذا السماء انفطرت﴾ (^١) ومعنى انفطرت يفسرها قوله تعالى في السورة الأخرى ﴿إذا السماء انشقت﴾ (^٢) فانفطرت معناها انشقت. انفطر: انشق. وفطر البئر: حفرها وشقها يطلب خروج الماء منها.\n﴿وإذا الكواكب انتثرت﴾ (^٣) يعني تساقطت عند فقد التوازن. الله ﷾ هو الذي يفقدها توازنها وتماسكها، ويخل نظامها. فتختل بعد انتظام، وتظلم بعد أن كانت نيرة.\n﴿وإذا البحار فجرت﴾ (^٤) الأرض وما فيها من مياه لها نظام تسير عليه نظمها الله جل شأنه، فجعل بعضها يبسا، وبعضها ماء. والماء بعضه حلو وبعضه مر. وجعل بين البحرين حاجزا لمصلحة العباد، ورحمة بهم كما قال سبحانه ﴿بينهما برزخ لا يبغيان﴾ (^٥) بين الملح والعذب برزخ من اليابس فلا يبغي الملح على العذب، ولا العذب على الملح. فيظل كل منهما في مكانه محتفظا بخواصه لمصلحة العباد ومنفعتهم.\nأما عند قيام الساعة يفجر الله اليبس حتى يختلط الملح بالعذب، فلا يصلح لبقاء العالم، وينتهي اليبس الذي كان يعيش عليه الناس. تنشق الأرض وتتفجر منها المياه. ويصير الكل مالحا.\n_________\n(^١) سورة الانفطار، الآية: ١.\n(^٢) سورة الإنشقاق، الآية: ١.\n(^٣) سورة الإنفطار، الآية: ٢.\n(^٤) سورة الإنفطار، الآية: ٣.\n(^٥) سورة الرحمن، الآية: ٢٠.","vol":"1","page":541},{"text":"﴿وإذا القبور بعثرت﴾ (^١) بعث ما فيها من الأموات وأخرج ما فيها من الكنوز ويصبح ما في باطنها ظاهرا على سطحها. ويبعث العباد أحياء بعد أن ماتوا، والله قاد على كل شيء. عند ذلك تعلم كل نفس ما قدمت من أعمال وما أخرت من خير وشر. من خير فعلت تثاب عليه، ومن شر تركت تثاب عليه. ومن خير تركت وشر فعل فتعاقب عليه. أو ما قدمت من أعمال وصدقات. وما أخرت من تركات وأموال.\nوفي هذا اليوم تتطاير الصحف، كل أحد يأخذ صحيفة أعماله إما بيمينه أو بشماله. فيفرح أهل الخير ويهنأ بعضهم بعضا. أما الأشقياء فيتمنوا ألا يكونوا قد خلقوا، وكانوا يتمنون ألا يكونوا قد بعثوا. وألا يكون هناك حساب، ولا عذاب، ولا نعيم. هذا هو الأمر الأول. وهي أحداث تقع عند قيام الساعة، وعلم كل نفس بما كسبت من خير أو شر، وما قدمت وأخرت من خير أو شر عندما تتناول صحيفتها باليمن أو بالشمال.\nالأمر الثاني: هو أنه ليس هناك من الله جل شأنه لا من صفاته ولا من أفعاله ما يغتر به المرء حتى يكفر بنعمة الله، وحتى يخرج من دينه ويتعدى حدوده. بل هناك ما يوجب على العبد أن يقوم أخلاقه وأن يستقيم على الشريعة التي بعث الله بها رسله صلى الله عليهم وسلم يقول الله تعالى: ﴿يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك﴾ (^٢) يعني أي شيء غرك بربك الكريم، والكريم شأنه أنه حكيم في عطائه وفي منعه، لا يعطي إلا من يستحق العطاء أو كانت الحكمة والمصلحة في اعطائه. ولا يمنع إلا ما كانت الحكمة في منعه. هذا هو الكريم.\n_________\n(^١) سورة الإنفطار، الآية: ٤.\n(^٢) سورة الإنفطار، الآية: ٦، ٧.","vol":"1","page":542},{"text":"أما السفيه: الذي لا حكمة عنده فقد يحسن إلى المسيء فيعيطيه، وقد يسيء إلى المحسن فيمنعه، فعمل السفيه وتصرفه لا يستند إلى علم بالمصلحة ولا يستند حكمة في العطاء والمنع. ولكن الله ﷿ كريم وحكيم وعليم ومن حكمته أنه يضع كرمه في أهل طاعته، وأن يضع عقوبته في أهل معصيته، فكرمه ﷾ ليس سببا ولا ينبغي أن يكون سببا في غواية الناس وضلالهم بل يجب على العباد أن يشكروه وأن يعبدوه وحده لا شريك له. وأن يتجنبوا معصيته شكرا له ﷾ على جوده وكرمه الذي أكرمهم به، فقد خلقهم في أحسن صورة وفي أحسن تقويم وكرمهم كما قال تعالى: ﴿ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا﴾ (^١).\nفمقتضى أن كرمهم أن يستقيم العباد على شريعة الله التي بعث بها رسله. فإن مصلحتهم في ذلك، وفي ذلك سعادتهم وهدايتهم وكان مقتضى كرمه أن يستقيموا على شرعه سبحانه، وأن يسلكوا سبيل طاعته. قال تعالى: ﴿هل جزاء الإحسان إلا الإحسان﴾ (^٢) خلقهم فعدلهم فصاروا في أكمل هيئة وأحسن تقويم قال تعالى: ﴿لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم﴾ (^٣) تناسق وتكامل بين الأعضاء والأجهزة، وفكر وعقل يميز بين الطيب والخبيث، بين الخير والشر، ثم شريعة تكمل إدراكه وتميزه بين ما ينفعه وبين ما يضره، هذا كله إحسان منه ﷾ إلى خلقه، وإلى عباده، وكان مقتضى هذا الإحسان الشكر والإمتنان، لا الجحود والنكران.\n﴿يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك * في أي صورة ما شاء ركبك﴾ (^٤).\n_________\n(^١) سورة الإسراء، الآية: ٧٠.\n(^٢) سورة الرحمن، الآية: ٦٠.\n(^٣) سورة التين، الآية: ٤.\n(^٤) سورة الإنفطار، الآية: ٦ - ٨.","vol":"1","page":543},{"text":"ثم ذكر الله جل شأنه الأمر الثالث وهو أن كثير من العباد كذب باليوم الآخر وكفر به، بدلوا نعمة الله كفرا، مع أن الله جل شأنه قد ذكرهم في كتابه وعلي السنة رسله بأنه جعل عليهم ملائكة كرام كاتبين يكتبون ما يفعلون، يكتبون عندهم في صحف ويسجلون فيها الحسنات والسيئات زيادة على علم الله المحيط بما كان وما لم يكن وما سيكون، ومحيط بأعمالهم وأحوالهم. فعلمه محيط وهو مطلع وشاهد على ما ظهر منهم وما خفي وكان هذا كافيا، ومع هذا رتب ملائكة يكتبون ويسجلون أفعال العباد وما عملوا من خير وشر كما قال الله تعالى: ﴿كلا﴾ وهي كلمة زجر تزجرهم عن الإغترار بكرم الله ﷾، وأن إقرارهم بكرم الله ﷾ يوجب عليهم عكس ذلك. فكأنه يقول انزجروا عن اغتراركم بربكم.\nثم انتقل ﷾ إلى الإخبار عن تكذيب بعض الناس بيوم القيامة مع وجود ما يمنع من هذا التكذيب فيقول سبحانه ﴿وإن عليكم لحافظين (١٠) كراما كاتبين (١١) يعلمون ما تفعلون﴾ (^١) هم يكتبون عن بينة وعن بصيرة. كما قال تعالى: في آية أخرى في سورة ق والقرآن المجيد ﴿ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد﴾ (^٢) ما يلفظ أي إنسان من قول يتكلم به إلا لديه وعنده ملك رقيب يراقب أعماله، أعمال الخير، وملك أخر يراقب أعمال الشر وعتيد يعني دائم. وفي هذا ما يدعو العبد إلى الإبتعاد عن المعاصي والشر، ويدعوه إلى الإقبال على ما يرضي الله ربه ﵎.\nوالأمر الرابع وهو إنقسام الناس إلى فريقين أبرار وفجار، أهل نعيم وأهل جحيم وهذا في قوله تعالى ﴿إن الأبرار لفي نعيم (١٣) وإن الفجار لفي جحيم﴾ (^٣)\n_________\n(^١) سورة الإنفطار، الآية: ١٠ - ١٢.\n(^٢) سورة ق، الآية: ١٨\n(^٣) سورة الإنفطار، الآية: ١٣، ١٤.","vol":"1","page":544},{"text":"الأبرار هنا كلمة جامعة تشمل كل من آمن حتى من ارتكب بعض المعاصي من المؤمنين. فهم ناجون وفائزون حتى وإن كان منهم من يعذبون على معاصيهم، إلا أنهم لا يخلدون في نار جهنم، بل يغفر الله لهم ويرحمهم ويشفع فيهم الشافعين.\nالمقصود أن الأبرار كلمة جامعة لأهل الإيمان الذين قسمهم الله في السور الأخرى إلى قسمين. فتشمل كلمة الأبرار أصحاب اليمين والسابقين المذكورين في سورة الواقعة.\n﴿وإن الفجار لفي جحيم﴾ هذا قسم الكفار الذين يدخلون النار في أول الأمر، ويصلون سعيرا، وييأسون من الخروج من جهنم، لا يموتون فيها ولا يحيون، ولا يخرجون منها ولا هم يستعتبون، بل يخلدون فيها أبد الآبدين.\n﴿وإن الفجار لفي جحيم (١٤) يصلونها يوم الدين﴾ (^١) يوم القيامة ذلك اليوم الذي لا تصريف لأحد في شيء، أما في الدنيا فالناس يتصرفون في بعض الأمور بما شاء الله وأذن لهم. أما يوم القيامة فلا تصرف لأحد في شيء ولا ملكية لأحد في أمر بل التصريف الله وحده لا شريك له.\nومعنى يصلونها يعني يقاسون عذابها وسعيرها وشدائدها وأهوالها وما فيها من بلاء وعذاب.\n﴿يوم الدين﴾ يوم يدين الله كل نفس بما كسبت، ومعنى يدين يعني يحاسب ويجازي.\nقوله تعالى: ﴿وما هم عنها بغائبين﴾ (^٢) يعني لا يخرجون منها ولا يقبل منهم فدية ولا عذر. فالفجار لا يغيبون عنها. ثم هول وفخم أمر يوم القيامة فقال\n_________\n(^١) سورة الإنفطار، الآية: ١٤، ١٥.\n(^٢) سورة الإنفطار، الآية: ١٦.","vol":"1","page":545},{"text":"﴿وما أدراك ما يوم الدين * ثم ما أدراك ما يوم الدين﴾ (^١) يقول الله أنت لا تستطيع أن تتصور وتتخيل ما في يوم الدين من الأهول العظام والشدائد والفزع، يوم يعطى كل ذي حق حقه. أنت لا تستطيع أن تحيط بكل ما فيه من دقائق وتفاصيل. والذي يعلم حقيقته وتفاصيله، وما فيه إنما هو الله وحده لا شريك له، ثم بين الله جل شأنه أن الإحاطة به وتصريف الأمور يومئذ أمر مختص به.\nيقول ﴿يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله﴾ (^٢) الله وحده لا شريك له. الله يذكرنا بأهوال يوم القيامة من بدء تخريب العالم إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار. وأنه وحده هو المتصرف في هذا اليوم لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، بل الكل خائف ومشفق حتى أعظم الخلق جميعا هو رسول الله ﷺ عندما يريد أن يشفع عند الله لصرف الناس من الموقف وهوله إلى مستقرهم ومثواهم، وعندما يريد أن يشفع هذه الشفاعة يذهب فيسجد تحت العرش معلنا العبودية لله وحده لا شريك له، ليبين للناس أنه لا يشفع بحوله وقوته ﷺ، إنما يشفع بذله وخضوعه وعبوديته الله ﷾، ثم تكون الشفاعة بعد إذنه ومشيئته ﷾. وفي هذا تكريم للنبي ﷺ، حيث يقبل شفاعته ويجيبه إلى طلبه فيرحم العباد ويبدأ الحساب.\nفهذا خير خلق الله ﷺ عندما يأتيه أهل الموقف ليشفع بعد أن يكونوا قد ذهبوا قبله إلى آدم وإلى أولي العزم من الرسل. عندما يأتي أهل الموقف رسول الله ﷺ ليشفع فيهم ويقول أنا لها، أنا لها، مع هذا يسجد تحت العرش إعلانا وإظهارا للعبودية، ثم يثني على ربه ويمجده، ويحمده بمحامد تفتح عليه وقتئذ. ولا يرفع رأسه حتى يقول الله ارفع رأسك، واشفع تشفع، وسل تعط وعند ذلك يبدأ في الشفاعة (^٣).\n_________\n(^١) سورة الإنفطار، الآية: ١٧، ١٨.\n(^٢) سورة الإنفطار، الآية: ١٩.\n(^٣) حديث صحيح رواه البخاري (٦٥٦٥)، ومسلم (١٩٣) من حديث أنس بن مالك ﵁.","vol":"1","page":546},{"text":"موقف العباد أمام ربهم يوم القيامة موقف العبودية والذل والخضوع له سبحانه. فلا يملك الشفاعة عند الله أحد من العباد إلا بعد مشيئته، فهو سبحانه لا شريك له، هو الذي يملك الشفاعة ﴿قل لله الشفاعة جميعا﴾ (^١). ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه﴾ (^٢) هذا هو الحال الذي يكون عليه العباد يوم القيامة فالله ﷾ يذكرنا بيوم القيامة في كثير من الآيات والسور في القرآن الكريم.\nمن وقت لآخر يذكرنا به بأمور نعيشها ونمارسها في أمور حياتنا ومعيشتنا. فالنار التي نشعلها لكي ننتفع بها في الدنيا هذه النار تذكرنا بيوم القيامة ﴿أفرأيتم النار التي تورون ﴿٧١﴾ أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون ﴿٧٢﴾ نحن جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين ﴿٧٣﴾ فسبح باسم ربك العظيم﴾ (^٣).\nفلو أن الناس كلما شاهدوا النار أو أشعلوها تذكروا نار الآخرة، وتذكروا أن نار الآخرة أضعاف أضعاف نار الدنيا وأن نار الدنيا هي فقط رمز لنار الآخرة ونار الآخرة فوقها بمراحل ومدد لو تذكر الناس هذا لحيت قلوبهم ولكان ذلك من خير الوعظ والتذكير لهم.\nكذلك الله ﷾ يأتينا بألوان من الحر والبرد، فالحر يذكرنا بحر جهنم والبرد يذكرنا بالزمهرير الذي يكون في جهنم أيضا. ففي جهنم يعذب بعض الناس بالزمهرير والبرد، وما بردنا في الدنيا الذي نستعد له في الشتاء بشيء في مقابل حرارة جهنم وبرد الزمهرير يوم القيامة. هذه أيضا من المذكرات التي يرسلها لنا أو وضعها لنا في الكون الذي نعيش فيه. فيجب علينا أن نتدبر آيات القرآن وأن نتعظ بالآيات الكونية التي تذكرنا بيوم القيامة.\n_________\n(^١) سورة الزمر، الآية: ٤٤.\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ٢٥٥.\n(^٣) سورة الواقعة، الآية: ٧١ - ٧٤.","vol":"1","page":547},{"text":"ومن ذلكم المرض الذي يشرف به الإنسان على الموت، ثم يتراجع عن معاصيه، ويعطي الله العهود والمواثيق بأن يطيع الله ولا يعصيه، لكنه بعد أن يعافيه الله، ويشعر بالقوة يرجع إلى ما كان عليه من المعاصي والتفريط في الطاعات.\nالمذكرات كثيرة منها الكوني، ومنها الشرعي القولي، ومنها الخطب والمواعظ وغيرها، ومع ذلك نجد كثيرا من العباد يرتكس في المعاصي ويفرط في الطاعات وفي أوامر الله ﷾.\nفيجب علينا معشر الإخوة أن نتدبر الآيات الكونية والآيات الشرعية عسى أن نستقيم على الطاعة وعسى أن نجد فيها لذة تدفعنا إلى المزيد منها وصلى الله وسلم على سيدنا محمد. والحمد لله رب العالمين.","vol":"1","page":548},{"text":"<span data-type='title' id=toc-438>٥ - آيات من سورة الأعلى</span>\n﷽\nالحمد لله رب العالمين، وصلى الله وبارك على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. وبعد.\nفأنصح نفسي وإخواني بقول الله جل شأنه ﴿قد أفلح من تزكى … وذكر اسم ربه فصلى بل تؤثرون الحياة الدنيا … والآخرة خير وأبقى إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى﴾ (^١).\nوفي هذه الآيات ذكر الله ﷿ ثلاث موضوعات:\nالأول: النصح للإنسان وارشاده إلى ما ينفعه في دنياه وفي أخراه.\nالثاني: التذكير بطبيعة الإنسان وتحليل هذه الطبيعة الإنسانية.\nالثالث: أن هذا الموضوع الأول وهذا الموضوع الثاني هما من الأمور المتقدمة في الكتب التي أنزلها الله على خليله إبراهيم ﵇، وعلى عبده وكليمه موسى على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام. وأنزل تقرير هذا أيضا في القرآن الكريم الذي أنزل على عبده ورسوله محمد ﷺ.\nأما الأمر الأول: فالله جل شأنه أخبره أن الفلاح والفوز ملازم تمام الملازمة، ومتقرر في حكم الله تعالى لمن تزكى وتطهر من الشرك والمعاصي، ونمى أعماله الصالحة بتقوى الله جل شأنه، فعلا لما أمر الله به سبحانه ولما أمر به رسوله ﷺ، وبعدا عما نهى الله ﷾ عنه وبعدا عما نهى عنه رسوله ﷺ. وذكرا لأسماء الله جل شأنه وما له من العظمة والوقار. فذكر أسمائه جل علاه يورث في القلب إيمانا وجلالا وهيبة تنبع من المعاني التي يفهمها العبد من ذكر هذه\n_________\n(^١) سورة الأعلى (١٤ - ١٩).","vol":"1","page":549},{"text":"الأسماء المقدسة وإستحضارها في نفسه. فذكر العبد لبعض أسمائه مثل اسمه الرحمن، والرحيم، واسمه العليم والحكيم، والغفور والودود وغيرها من هذه الأسماء تملأ قلب ابن آدم بالخير والطاعة والإقبال على الله.\nومن ذكر اسم الله الجبار، وذكر اسم الله المنتقم وتيقن أنه سبحانه شديد البطش، وشديد العقاب، وأدار في خاطره آثار هذه الأسماء في الخلق، وفي الناس سابقهم وحاضرهم، واستحضر ما في هذه الأسماء من معنى الجبروتية والعقوبة لكل من خالف أمره، فإن قلب العبد يمتلأ هيبة وخوفا، وخشية من ربه ﷾ فيدفعه، هذا الذكر لأسمائه التي فيها معاني الرحمة واللطف والإحسان والمغفرة والعطف للإنسان يدفعه إلى محبة الله والإقبال على طاعته وحده ﷾.\nوذكر الإنسان لأسماء الله التي فيها معنى الجبروتية والإنتقام والبطش، ذكر الإنسان لهذه الأسماء ولهذه المعاني يملأ قلب العبد خوفا وذلا الله ﷿.\nفالمحبة والخوف الذان يتولدان من معرفة أسماء الله هما ضروريان لاستقامة العبد وطاعته لربه وبعده عن معصيته.\nيقول الله تعالى: ﴿قد أفلح من تزكى (١٤) وذكر اسم ربه فصلى﴾ قد أفلح وفاز من تزكى وتطهر من الشرك ورواجس الشرك. وزكى نفسه أيضا بإلزامها بالطاعات والقربات. وزكى نفسه أيضا ونماها بذكره لأسماء الله فلما فعل هذا وهذا صلى الله الفرائض وصلى الله النوافل. فقوله تعالى: ﴿فصلى﴾ تشمل كل أنواع الصلوات من فرائض ونوافل ورتب ذلك على ذكر الإنسان لربه لأن الذكر إذا تشبعت به النفس، وخالطت بشاشته القلب أثمر هذه الثمرة المباركة. وهي الإقبال على الطاعات التي من أهمها الصلوات فرضا ونفلا.\nأما الأمر الثاني فهو تحديد طبيعة الأنس، وبيان السنة الكونية في إقبال الناس","vol":"1","page":550},{"text":"على الدنيا أكثر من إقبالهم على الآخرة وأكثر من إقبالهم على العمل للآخرة. يقول الله تعالى في هذا ﴿بل تؤثرون الحياة الدنيا * والآخرة خير وأبقى﴾ بل تقدمون الأعمال التي تكسبكم مالا ونفعا دنيويا عاجلا وجاها ووجاهة ومناصب في الدنيا تقدمون هذا وتؤثرونه وتولونه جل اهتمامكم وتبذلون فيه معظم سعيكم وجهدكم، وتهملون العمل لما ينفعكم في الآخرة من الأعمال الصالحات وترك المنكرات هذه هي طبيعة الناس. والواقع يصدق هذا، وكلام الله حق وصدق ولا يحتاج إلى برهان ليدل على صدقه فواقع الناس هو على وفق ما قال الله ﴿بل تؤثرون الحياة الدنيا * والآخرة خير وأبقى﴾.\nفإذا نظرنا في واقع الناس وجدنا أكثرهم كافرا. ويقول الله جل شأنه ﴿وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين﴾ (^١) ثم إذا نظرت في واقع المؤمنين وجدت أن الإنحراف قد دخل على الكثير منهم وخاصة في عهدنا، ولا ندري ماذا سيكون بعد عهدنا. ربما يكون انحرافهم أشد وأخبث. المقصود أن فيمن يؤمن بالله واليوم الآخر انحراف عن طاعة الله، وتقصير في أداء الواجبات من الصلوات والزكاة وغيرها من أنواع القربات وفيهم جرأة على معاصى الله، والتشبه بأعداء الله وبمن غضب الله عليه ولعنه، في ملبسهم ومطعمهم ومشربهم وغير ذلك من أمورهم، وتفكيرهم وأخلاقهم وأعمالهم، وفى المسلمين كذلك من يعرض عن هدي النبي ﷺ وشرعه في كثير من التصرفات والسلوكيات والأخلاقيات اليومية.\nفالأسماء إسلامية، والسلوكية بعيدة عن الإسلام وهذا مصداق لقول الله جل شأنه ﴿بل تؤثرون الحياة الدنيا﴾ ثم حث الله جل شأنه على العمل للآخرة فقال ﴿والآخرة خير وأبقى﴾ فالواجب على المسلمين أن يجهدوا أنفسهم في العمل للآخرة. إذ خيرات الدنيا ومتعها قليلة إلى جانب ما في الآخرة من النعيم المقيم.\n_________\n(^١) سورة يوسف، الآية: ١٠٣.","vol":"1","page":551},{"text":"ثم إن متع الدنيا زائلة فانية ومتع الآخرة ونعيمها مقيم، ومتع الدنيا وملذاتها تشوبها التكدير والتنغيص ولا يصفو فيها عيش لأحد مهما كان من أمره وأمر ما يملك من وسائل الملك ونعيم العيش، لابد وأن يعتريه التكدير أما نعيم الآخرة فسيكون خاليا من الكدر، خالصا من المنغصات.\nثم إن متع الدنيا وملذاتها مع كونها زائلة وفانية ومصحوبة بالكدر والتنغيص في كل أحوالها كسبا وإستعمالا واستمتاعا، فإنه يعقبها الحساب والتقصي على كل صغيرة وكبيرة منها. ولابد من جزاء ثوابا أو عقابا على هذه المتع والملذات كما قال ﷾ ﴿ثم لتسألن يومئذ عن النعيم﴾ (^١) وقال ﷺ «لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن خمس: عن عمره فيما أفناه؟ وعن شبابه فيما أبلاه؟ وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه؟ وماذا عمل في علمه» (^٢).\nوهذا تحليل لطبيعة الإنسان وبيان لما يجب أن يكون عليه الإنسان في دنياه، وما يجلب له السعادة والخير في دنياه وأخراه، فيسعد في الحياة الدنيا بإتباعه لشريعة الله، ويسعد السعادة الأبدية في أخراه. فيقول تعالى ﴿بل تؤثرون الحياة الدنيا … والآخرة خير وأبقى﴾. والآخرة خير وأبقى فينبغي أن يكون حال المسلم عكس ما هو عليه حال الناس فيجب أن يصرف همته للعمل من أجل سعادته في الآخرة، وإن عمل شيئا لأمر دنياه يحسن فيه النية وأنه إنما يفعل ذلك للإستعانة به على طاعة الله وتنفيذ الأوامر. والتقرب إلى الله ﷿ بما كسب وحصل من أمور الدنيا، فينوي بكسبه عفة نفسه وأولاده عن الإحتياج والسؤال والمذلة لغير الله تعالى.\nفإن العبد إذا أحسن النية وقصد قصدا طيبا في عمل المباح فإنه يتحول بالنية\n_________\n(^١) سورة التكاثر (٨).\n(^٢) حدث حسن لغيره رواه الترمذي (٢٤١٨) بإسناد ضعيف عن ابن مسعود وله شاهد باسناد حسن رواه الترمذي (٥٤١٩) من حديث أبي برزة الأسلمي.","vol":"1","page":552},{"text":"إلى قربة وطاعة وعمل صالح والنبي ﷺ يقول «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امريء ما نوى» (^١).\nوأما القضية الأخيرة فهي بيان إلى أن هذا الحكم الذي ذكره الله جل شأنه في هذه الآيات ليس حكما خاصا بهذه الأمة وإنما هو حكم متقرر أنزله الله في الكتب الماضية. وقرره الله أيضا في كتابه الذى أنزله على رسوله محمد ﷺ فهذه سنته التي لا تتبدل ولا تتغير في تشريعه وفي حكمه. وقضاءه الشرعي ﴿إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى﴾ أي أن ما ذكر من الأخبار والأحكام التي تليت في هذه الآيات في الصحف الأولي. ما هي؟ هي تلك الصحف التي أنزلها الله على رسوليه ابراهيم الخليل ﵇ وصحف موسى بن عمران عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام وهي التوراة. فهي عظات وعبر قد تقررت في القديم والحديث من الشرائع - وصلى الله وسلم على سيدنا محمد والحمد لله رب العالمين.\n_________\n(^١) حديث صحيح رواه البخاري (١) وفي غير موضع، ومسلم (١٩٠٧).","vol":"1","page":553},{"text":"<span data-type='title' id=toc-439>٦ - تفسير مختصر لسورة الكوثر</span>\nأعوذ بالله من الشيطان الرجيم\n﷽\n﴿إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك وانحر إن شانئك هو الأبتر﴾ (^١).\nهذه السورة أنزلها الله جل شأنه على رسول الله ﵊، حينما رماه قومه المشركون بأنه أبتر، وذلك أن الله جل شأنه ابتلاه في أولاده الذكور فماتوا جميعا؛ فقالوا: إنه أبتر لإنقطاع نسله، وكانوا يعتبرون الذكور هم النسل، وهم الأساس، وهم العصبة، الذين يحيون ذكراه بعد وفاته، والذين قالوا هذا عدة من كبار المشركين ووجهائهم كأبي لهب، والعاص بن وائل، وكعب ابن الأشرف وغير هؤلاء، القصد أنهم جملة اتفقت كلمتهم على أن ذكرى رسول الله ﷺ ستموت بموته لأنه لم يعش له ابن بل ماتوا جميعا، فالله ﷾ كذبهم في هذا، وبشره بأنه قد أعطاه فضلا منه وإحسانا وأعطاه الخير الكثير الذي منه الكوثر، الذي أخبر به رسوله ﷺ، وورد على لسان رسوله ﵊ ذكره في الأحاديث الصحيحة. ومنها النبوة، ومن ذلك ذكره ﵊ في الأذان والإقامة، وذكره بالرسالة كذكر الله ﷾ بالوحدانية، وأعطاه غير ذلك من الخيرات التي لا تحصى ولا تعد، منها ما عجله له في الدنيا من نصر وتأييد وكثرة أتباع، وانتشار دينه وبقائه حتى يرث الله الأرض ومن عليها. فكذبهم بما أعطاه من البشريات العديدة العاجلة والآجلة، وأمره أن يشكر هذه النعمة بإخلاص العبادة له فلا يصلى إلا له، ولا ينسك النسك إلا له وحده لا شريك له، ولا يذبح إلا له ﷾ مخلصا له القربات، وبين له أيضا أنه إلى جانب هذه البشريات وإلى جانب ما\n_________\n(^١) سورة الكوثر، الآيات: ١ - ٣.","vol":"1","page":554},{"text":"أمره به من الشكر وإخلاص القربات له، بين له أن أعداءه وخصومه هم البتر الذين تنقطع ذكراهم ويخسرون الدنيا والآخرة.\nفأما البشرى بالخير الكثير في قوله ﷾: ﴿إنا أعطيناك الكوثر﴾، فالكوثر هو الخير الكثير، ومنه الحوض المورود الذي يعطاه النبي ﷺ يوم القيامة، وأما الشكر على نعمة هذه البشريات التي بشره الله بها فقد تضمنتها الآية الوسطى من هذه الآيات الثلاث في قوله تعالى: ﴿فصل لربك وانحر﴾، أما النعمة الكبرى التي أنعم عليه فهي العقوبة التي عاقب بها خصومه من أبي جهل، وأبي لهب، والعاص بن وائل، وكعب بن الأشرف، وما إلى أولئك من عقبة بن أبي معيط وأمثالهم من الذين جرت على ألسنتهم هذه الكلمة الردية الخبيثة من أنه سينقطع ذكره بوفاته، فذكر الله جل شأنه أن شانئه ومبغضه هو الأبتر المنقطع ذكره في الدنيا الخاسر في الدنيا، والآخرة فقال: ﴿إن شانئك هو الأبتر﴾، فالآيات؛ آية بالبشرى بالخير، وآية فيما أوجبه الله عليه من الشكر بالإخلاص في القربات له ﷾ وهى قوله: ﴿فصل لربك وانحر﴾، والآية الثالثة هي: ما أصيب به خصومه من الذكر بعد وفاتهم وخسرانهم الدنيا والآخرة: ﴿إن شانئك هو الأبتر﴾، وهذا أمر عام وسنة الله في خلقه أن القائم بالحق ينصره الله تعالى، ويبقي ذكراه وإن لم يكن له أولاد. والذكرى المعتبرة ما كان سببها الصلاح في الدنيا وتؤدي بصاحبها إلى السعادة في الآخرة. الصلاح في الدنيا ظاهرا وباطنا، عقيدة وعملا. وتكون نتيجتها السعادة العاجلة والأجلة.","vol":"1","page":555},{"text":"<span data-type='title' id=toc-440>٧ - فتاوى التفسير</span>\n<span data-type='title' id=toc-441>س ١: سئل الشيخ: عن تفسير قوله تعالى: ﴿ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها﴾</span> (^١)؟\nفقال الشيخ ﵀: أي توفيقها، ولو حرف امتناع لا متناع، أى امتنع إيتاء الله كل نفس هداية التوفيق لا متناع مشيئته ذلك، فالمراد بالهداية التي لم يشأ الله أن يؤتيها لكل النفوس هي هداية التوفيق والإسعاد وليست هداية التبيين والإرشاد.\n\n<span data-type='title' id=toc-442>س ٢: سئل الشيخ: عن قوله تعالى ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾</span> (^٢)؟\nفقال الشيخ ﵀: هو يخلف العباد ولا يخلفه أحد، وقوله ﴿خلائف الأرض﴾ بعضكم يخلف بعضا.\n\n<span data-type='title' id=toc-443>س ٣: سئل الشيخ: عن قوله تعالى ﴿بدلناهم جلودا غيرها </span>…﴾ (^٣)؟\nفقال الشيخ ﵀: جلد الإنسان الذي يطيع الله تعالى يموت ويتجدد جلد غيره بخلايا أخرى في أثناء حياة الإنسان فكذلك العصاة يبدلهم الله تعالى جلودا من هذا النوع ولو لم يعصوا الله تعالى فيها ثم إن الخوض في ذلك تدخل في شأن الله تعالى لا يجوز، وسوء أدب من العبد أن يتدخل في شأن الله الخاص به.\n\n<span data-type='title' id=toc-444>س ٤: سئل الشيخ: عن قوله تعالى ﴿أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت﴾</span> (^٤)؟\nفقال الشيخ ﵀: خلق الإبل غريب ومأخوذ منها طريقة بناء المساجد على صورة القبة بلا أعمدة كجامع السلطان حسن بمصر والمقصود بالنظر وهو\n_________\n(^١) سورة السجدة، الآية: ١٣.\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ٣٠.\n(^٣) سورة النساء، الآية: ٥٦.\n(^٤) سورة الغاشية، الآية: ١٧.","vol":"1","page":556},{"text":"وسيلة إلى الفكر كبقية أبواب الحس، كالحواس الخمسة.\n\n<span data-type='title' id=toc-445>س ٥: سئل الشيخ: عن الفرق بين الكفر والفسوق والعصيان في قوله تعالى: ﴿وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان﴾</span> (^١)؟\nفقال الشيخ ﵀: الإنسان مفطور على الخير بحيث أنه إذا لم تؤثر فيه البيئة اختار الخير الحديث: (كل مولود يولد على الفطرة) (^٢) وحديث: (إني خلقت عبادي حنفاء كلهم) (^٣) وهو شامل لفطرته على الخير في الجسم والخلق والعقيدة ولا يعارض قوله تعالى ﴿إن النفس لأمارة بالسوء﴾ (^٤)؛ وقوله تعالى: ﴿إنه كان ظلوما جهولا﴾ (^٥) لأن هذا طارئ بدليل قوله: ﴿لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين﴾ (^٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-446>س ٦: سئل الشيخ: عن معنى حديث: (أبى الله أن يجعل لقاتل مؤمن توبة)؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: دل القرآن على أن للقاتل توبة في سورة الفرقان قال تعالى: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق﴾ (^٧) إلى قوله: ﴿إلا من تاب …﴾ (^٨) الآيات.\nولكن حق المقتول لا يسقط إلا بعفوه أو أخذه بحقه يوم القيامة من حسنات القاتل. أما حق الله فتنفع فيه التوبة وحق أولياء الدم تنفع فيه الدية.\n_________\n(^١) سورة الحجرات، الآية: ٧.\n(^٢) أخرجه البخاري (٣/ ٢٩٠) رقم (١٣٨٥)، ومسلم (٢٦٥٨).\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٨٦٥)، وأحمد (٤/ ١٦٢).\n(^٤) سورة يوسف، الآية: ٥٣.\n(^٥) سورة الحزاب، الآية: ٧٢.\n(^٦) سورة التين، الآيات: ٤ - ٥.\n(^٧) سورة الفرقان، الآية: ٦٨.\n(^٨) سورة الفرقان، الآية: ٧٠.","vol":"1","page":557},{"text":"<span data-type='title' id=toc-447>س ٧: سئل الشيخ: عن معنى الآية: ﴿أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء﴾</span> (^١)؟\nفقال الشيخ ﵀: هو الطفل غير المميز الذي لا يعرف الحسن من القبيح، ولا يعرف ما تعاب به المرأة وما يستحسن منها ويكون الطفل كذلك غالبا قبل سن السابعة.\n\n<span data-type='title' id=toc-448>س ٨: سئل الشيخ: عن الاستئذان المذكور في سورة النور؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: الاستئذان المذكور في سورة النور للمحارم وللأجنبي من باب أولى؛ لأنه أفحش.\n_________\n(^١) سورة النور، الآية: ٣١.","vol":"1","page":558},{"text":"<span data-type='title' id=toc-449>رابعا: الحديث النبوي</span>","vol":"1","page":559},{"text":"﷽\n\n<span data-type='title' id=toc-450>١ - شرح حديث الحلال بين والحرام بين</span>\nيقول الرسول ﷺ: «إن الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقي الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه. ومن وقع في الشبهات يوشك أن يقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب» (^١).\nفي هذا الحديث يقسم الرسول ﷺ الأشياء وأعمال الناس ثلاثة أقسام: قسم بين حله وواضح أنه من الحلال الصراحة الدليل الذي يدل على حله، ولحسن فهم الإنسان، وحسن تطبيق الإنسان.\nوقسم آخر يتبين أنه محرم لصراحة الأدلة التي تدل على تحريمه مع حسن تطبيق الإنسان لما فهمه من الدليل على ما يأتيه من أعمال أو يحدثه من أعمال.\nوقسم ثالث دائر بين الحلال والحرام ولا يتضح لأي قسم منهما ينتمي لخفاء الدليل الذي يدل عليه ولغموض فيه، إما آية فيها إجمال وإما حديث فيه إجمال فيشتبه أمر فهمه على من يبحث فيه، وعلى من اطلع عليه قراءة أو سماعا فيشتبه أمره عليه فلا يدري هل هذا يدل على الحل، أم هو يدل على الحرمة فمن أجل الاشتباه لم يعرف الناظر فيه أنه من قبيل الحلال الصرف أو من قبيل الحرام الصرف، أو عرف الحكم إلا أنه اشتبه عليه أمر في التطبيق، فعند التطبيق لم يدر عن هذه الجزئية هل تنطبق عليها قاعدة الحلال أو تنطبق عليها قاعدة الحرام. فمن أجل ذلك جاء الاشتباه.\n_________\n(^١) حديث صحيح رواه البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩)، وأبو داود (٣٣٢٩) والترمذي (١٢٠٥)، وأحمد (٤/ ٢٦٧، ٢٦٩) كلهم من حديث النعمان بن بشير ﵄.","vol":"1","page":561},{"text":"هذه هي القسام الثلاثة: فما وضح حله أمره بين، ويجوز للإنسان أن يقدم عليه. وما وضح تحريمه لا يجوز للإنسان أن يقدم عليه، أما ما اشتبه أمره فهو موضوع هذا الحديث الذي ذكرنا عن رسول الله ﷺ.\nوقد ذكر فيه العلماء أراء فمنهم من يقول: إن الذي اشتبه أمره من أعمال الناس أو من الأحكام هو الذي اختلف فيه العلماء فمنهم من أباح ومنهم من منع. أو هو خلاف الأولى، أو هو المكروه.\nوكما ذكرت لكم أن المشتبه يرجع إلى اشتباه الدليل وغموضه أو الإجمال فيه، أولا يرجع إلى فهم الحكم لكن الاشتباه وقع في التطبيق، فعند التطبيق تشتبه عليه مسألة أو جزئية هل تندرج في الحلال أم تندرج في الحرام. ومثال ذلك: المداينات العشر أحدى عشر هل هذه الجزئية من المبايعات من قبل الربا المحرم كما يقول بهذا كثير من العلماء أو جمهور العلماء والفقهاء، أو هي من البيع لأجل.\nوكذا المداينات المعروفة أن الإنسان قد يأخذ صفقة من شخص لا يريد من الصفقة أن يستهلكها لنفسه، إنما يريد من ورائها أن يأخذ مبلغا من المال لينتفع به، فيأخذ الصفقة ويعدها ويعتبر عدها وهي محلها قبضا ثم يأخذ عنها ثمنا من صاحب المحل. هل هذا يعتبر ربا؟ أو يعتبر بيعا. فكثير من الفقهاء يراه ربا. وأن القصد إنها حيلة إلى دفع القليل ليأخذ الكثير. وأخذ القليل ليدفع عنه كثيرا، فهو بيع ذهب بذهب أو فضة بفضة إلا أنهم جعلوا بين هذا وهذا سلعة يسميها ابن عباس حريرة. فليس المقصود الصفقة، إنما المقصود بيع فضة بفضة أكثر منها أو ذهب بذهب أكثر منه، أو ورق من الأوراق التي تمثل الفضة أو الذهب مثل النقود، بيع القليل منها بالكثير، أما الصفقة فاعتبرت حيلة من الحيل يتوصل بها إلى أخذ الكثير عن القليل والمعاوضة بالكثير عن القليل، ويكون هذا من باب الربا. فهذا مما اختلف فيه الفقهاء. والاختلاف فيه اختلاف في","vol":"1","page":562},{"text":"التطبيق. تطبيق نصوص الربا على هذه الصورة. فهم اتفقوا على أن الربا محرم إلا أن هذه الجزئية هل تدخل في قبيل الربا، أو تدخل من قبيل المبايعات والالتزام بالصفقات فهو من باب البيوع، بيوع السلع، أم هو من باب بيوع نقد بنقد.\nهذا مما اختلف فيه الفقهاء في التطبيق مع الإتفاق على أن الربا محرم وأنه لا يجوز بيع الذهب بالذهب ولا الفضة بالفضة إلا مثلا بمثل يدا بيد، لكنهم اختلفوا من جهة التطبيق لا من جهة التقسيم والدليل، فينبغي للإنسان أن يتجنب مثل هذا وأن يتقي موضوع الاشتباه حتى لا يقع في الحرام الصحيح، لإجترائه على الحرام المختلف فيه. وفي هذا ينصحنا الرسول ﷺ بقوله: «فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه» فقد إستبرأ لدينه بالبعد أي طلب التنزيه لدينه ولعقيدته ولعمله، ببعده عما اشتبه عليه هل هو من قبيل الحلال أمن قبيل الحرام.\nومثال آخر على المتشابه أو المشتبه، الإنسان إذا اشتبه في امرأة هل رضاعه معها وصل إلى درجة التحريم، أو دون درجة التحريم فهي حلال له. هذا اشتباه في التطبيق أيضا. هل الرضاع حصل ولا بد. هل بلغ عدد الرضعات خمس رضعات فتحرم أو لم يبلغ فتكون حلالا. فالخير والورع أن يتقي هذه الجزئية وأن يتزوج بغيرها من النساء وهن كثيرات والحمد لله، ولن يعدم امرأة أخرى تتفق مع حاله وتكون صالحة دينية أيضا. وبعده عن هذه المرأة التي اشتبه حالها هو عمل بوصية رسول ﷺ «فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه» فهو في تركه لهذه المرأة استبرأ لعرضه وطلب لنزاهة دينه.\nومن هذا أيضا، الاختلاف في العدة للمطلقة هل هي ثلاث حيضات أو هي ثلاث أطهار؟\nانقسم أصحاب المذاهب الأربعة إلى قسمين: المالكية والشافعية يقولون إن العدة ثلاثة أطهار فإذا مضى الطهر الذي طلقها فيه، ثم الطهر الذي بعده، ثم دخلت في الطهر الثالث يقولون إنها حلت للأزواج بمجرد أنها تدخل في الطهر","vol":"1","page":563},{"text":"الثالث.\nالحنابلة والحنفية يقولون: إن المراد بالقروء في القرآن في قوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ (^١) المراد بها الحيض فإذا طلقها في الطهر ثم حاضت حيضة، ثم طهرت، ثم حاضت الحيضة الثانية، ثم طهرت منها، فلا تحل بالطهر الثالث حتى ترى الحيضة الثالثة. فرعاية الخلاف بين العلماء ورعاية الاحتياط في الفروج، وفي الزواج ينبغي له أن يمشي على مذهب الحنفية والحنابلة فلا يتزوج المرأة المطلقة حتى ترى الحيضة الثالثة بعد طلاقها. وهذا أبعد أمد تكون بعد حلالا على المذاهب كلها. ولا يختلف مسلم مع آخر أنها بعد الحيضة الثالثة يحل العقد عليها والزواج بها. والأخذ بأبعد أمد أبرأ للدين والعرض وأبعد عن ارتكاب الأمر المشتبه وأخذ بنصيحة النبي ﷺ في قوله: «فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه.» ومن هذا الباب ما ثبت أن النبي ﷺ كان يسير في طريق فوجد تمرة فأخذها ومسحها وأبى أن يأكلها، عف عنها، وقال لأصحابه: «كلوها فلولا أن تكون من تمر الصدقة لأكلتها» (^٢) هذه التمرة في الأصل مجهولة هل هي من الصدقات أم لا؟ ولكن هذا احتياط وورع من النبي ﷺ، فلم يأكلها خشية أن تكون من الصدقة.\nومن باب الإحتياط والورع ما حكاه النبي ﷺ: «أنه اشترى رجل من رجل عقارا له، فوجد الرجل الذي اشترى العقار في عقاره جرة ذهب، فقال الذي اشترى العقار للرجل الذي باع العقار: خذ ذهبك إنما اشتريت منك الأرض ولم ابتع منك الذهب. وقال الذي باع العقار: إنما بعتك الأرض وما فيها، فتحاكما إلى رجل، فقال الذي تحاكما إليه. ألكما ولد؟ قال أحدهما: لي غلام وقال الآخر: لي جارية، قال:\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ٢٢٨.\n(^٢) حديث صحيح رواه البخاري (٢٠٥٥)، (٢٤٣١)، ومسلم (١٠٧١) وأحمد (٣/ ١١٩، ١٣٢). وأبو داود (١٦٥١) كلهم من حديث أنس ﵁.","vol":"1","page":564},{"text":"أنكحوا الغلام الجارية، وأنفقوا عليهما منه وتصدقا» (^١) فكلا الرجلين تورع عن أخذ المال والإنفاق منه لأنه حصلت شبهة في هذا المال هل هو حلال لأحدهما أم حرام، فما كان من الرجلين إلا أنهما ابتعدا عن المال حتى حكم فيه هذا الحكم بهذا التصرف في هذا المال، ومن وقع في الشبهات يوشك أن يقع في الحرام، من وقع فيما ارتاب فيه، واجترأ على ذلك، ولم يبال بذلك، يوشك ويقرب أن يجترأ على المحرم فيقع فيه، وهذا دليل على وجوب سد الذرائع والطرق الموصلة إلى الحرام. وقد قال رسول الله ﷺ في حديث آخر: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» (^٢) دع ما تشك فيه إلى ما تتيقنه. وتعلم أنه حلال لا غبار عليه.\nثم يقول الرسول ﷺ: «ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كراع يرعى حول الحمى، يوشك أن يواقعه» كان عظماء العرب في الجاهلية يحمون لأنفسهم مناطق يحرمون على غيرهم الرعى فيها. فإذا حمى أحدهم منطقة فإنه يحظر على غيره أن يرعى فيها إبله أو بقره وغنمه. فإذا حمى أحد الملوك أو الوجهاء أو العظماء الذين لهم سطوة وقوة مكانا، وجاء إنسان يرعى حول هذا الحمى غنمه أو إبله، فإنه لربما شردت أحدها ودخلت هذا الحمى فيتعرض بذلك لعقاب وبطش صاحب هذا الحمى.\nكذلك من يقع في الشبهات فهو مقترب من الحمى ودان منه، وهو على وشك أن يقع في الحرام لأن حمى الله محارمه فهو - يعني الواقع في الشبهات - مثله كمثل هذا الراعي الذي يرعى حول الحمى.\nثم نبهنا رسول الله ﷺ إلى أن الأصل في صلاح الإنسان واستقامة جوارحه وسعادته وسلامته في أعماله، وبعده عما حرم الله وامتثاله ما أمر الله، العماد في\n_________\n(^١) حدث صحيح رواه البخاري (٣٤٧٢).\n(^٢) حدث صحيح رواه أحمد (١/ ٢٠٠). وابن حبان (٥١٢، ٥١٣) موارد من حديث الحسن بن على ﵄.","vol":"1","page":565},{"text":"هذا صلاح القلب واستقامته، فإذا صلح القلب واستقامت أحواله وصفا وأخلص وعرف الحق من الباطل، إستقامت جميع الجوارح. وإذا فسد القلب جهلا، وعدم معرفة بالحق، وعدم معرفة بالحلال والحرام، وفرط في استبانة ذلك، أو عرف الحلال والحرام ولكنه لم يبال به فترك الحلال وتجرأ على الحرام، وكثرت بدعه فجوارحه جوارح فاسدة لا تستقيم على الجادة، ولا على ما شرع الله ﷾. وبين رسول الله ﷺ هذا في قوله: «ألا أن في الجسد مضغة» والمضغة قدر ما يمضغه الإنسان، وهي قطعة صغيره الحجم، ومع صغر حجم هذه المضغة إلا أن خطرها عظيم ومنفعتها جليلة، وإذا فسدت سببت فساد باقي الأعضاء والجوارح وهذه المضغة هي القلب «إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله». وأسأل الله أن يبصرنا بالهدى وأن يهدينا إليه وأن يثبتنا عليه وأسأله ﷾ أن يبصرنا بالضلال وأن يبجنبنا إياه وأن يجعل بيننا وبينه حاجزا. والحمد لله رب العالمين وصلي الله وسلم على سيدنا محمد.","vol":"1","page":566},{"text":"﷽\n\n<span data-type='title' id=toc-451>٢ - شرح حديث\n«المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده. والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه»</span> (^١)\nقال الشيخ رحمه الله تعالى:\nالمسلم الحقيقي الذي تظهر عليه آثار الإسلام وشعائره وأماراته هو الذي يكف أذى لسانه ويده عن المسلمين. فلا يصل إلى المسلمين منه إلا الخير والمعروف.\nوفي واقع المسلمين اليوم قد تجد الرجل محافظا على أداء الصلاة في وقتها، وقد تجده يؤدي حق الله في ماله، فيدفع الزكاة المفروضة، وقد يزيد عليها وقد تجده مسارعا في الخيرات يضرب في أبواب الخير المختلفة بسهم وقد يكون معوانا للناس، يسعى في قضاء حوائجهم، وقد تجده من حجاج بيت الله الحرام ومن عماره، ولكن مع هذا الخير كله قد تجده لا يحكم لسانه ولا يملك زمامه، فينفلت منه لسانه فيقع في أعراض الناس ويمزق لحومهم. فلا يستطيع أن يملك لسانه عن السب والشتم واللعن والنبي ﷺ يقول: «ليس المؤمن بالطعان ولا باللعان، ولا الفاحش، ولا البذئ» (^٢).\nوقد تجد الرجل مع ما فيه من الخير والصلاح لا يملك لسانه عن الغيبه والنميمة، ولا يملكه عن شهادة الزور وقول الزور، وقد لا يكف لسانه عن همز الناس ولمزهم. فيجره لسانه ويوقعه في كثير من الأخطاء والبلايا. فمثل هذا النوع من الناس، قد فقد صفة من أبرز وأهم صفات المسلم الحقيقي.\n_________\n(^١) حديث صحيح رواه البخاري (١٠)، ومسلم (٤٠)، وأحمد (٢/ ١٦٣).\n(^٢) حديث صحيح: رواه أحمد (١/ ٤٠٥، ٤١٦). والترمذي (١٩٧٨). والبخاري في الأدب المفرد (٣١٢). من حديث ابن مسعود ﵁.","vol":"1","page":567},{"text":"وهناك نوع آخر من المسلمين يختلف عن النوع السابق، فقد تجده يحكم لسانه ويقل به الكلام، ولكنه يؤذي المسلمين بيده، فيضرب بيده أبدان المسلمين، ويعتدي على أموالهم، فيسرقهم، أو يسلبهم حقوقهم، أو يظلمهم، فهذا أيضا قد فقد أمارة من الأمارات الظاهرة التي تدل على إسلام المرء وعلى إيمانه.\nوعلى هذا فلا يكتمل إسلام عبد حتى يحب المسلمين، ويترك إيذاءهم بلسانه، ويترك إيذاءهم بيده. ولا يتم إسلام عبد وإيمانه حتى يشغل لسانه في الأعمال التي يكون فيها نفع له في الدنيا والآخرة، فيعمل لسانه في تلاوة كتاب الله وفي ذكره ﷾، ويعمل بلسانه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونشر العلم النافع، أو تقديم النصيحة والمشورة المفيدة النافعة، وغير ذلك من المصالح التي تعود بالنفع العاجل على المرء وعلى إخوانه المسلمين.\nولو تحقق أن كف المسلم لسانه عن إيذاء الناس، وكف يده كذلك عن إيذاء الناس فلا يكسب بيده شرا، وإنما يعملها في الخير والنفع، ولو تحقق هذا لصار المسلم آمنا في سفره وفي إقامته، وفي بيته وخارج بيته، ولصار مجتمع المسلمين، مجتمعا فاضلا على ما يحب الله ورسوله وقول النبي ﷺ: «والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه» معناه أن الهجرة المطلوبة من كل مسلم هي ترك وهجر المعاصي والسيئات التي نهى الله عنها ونهى عنها رسوله ﷺ.\nوالهجرة تطلق على معنيين: الأول هجرة المكان. والثاني: هجرة الحال. فالهجرة المكانية هي الإنتقال من دار الكفر التي يغلب الكفر على أهلها وعلى أحكامها وعلى حكامها، ولا يستطيع الإنسان فيها أن يقيم شعائر دينه، ولا يأمن فيها على دينه ونفسه وعرضه فينتقل من هذا المكان ومن هذه الدار إلى دار أخرى تنتفي فيها هذه المثالب ويستطيع أن يقيم فيها المسلم آمنا على دينه.","vol":"1","page":568},{"text":"ونفسه وعرضه، فيستطيع أن يقيم فيها دينه دون خوف أو تهديد. وهذا النوع من الهجرة هو ما حصل من النبي ﷺ ومن المسلمين عندما انتقلوا من مكة المكرمة إلى المدينة النبوية حيث كان الكفر وقتها غالب على أهل مكة وكانوا يؤذون المسلمين ويضيقون عليهم في أمور دينهم.\nوهذه الهجرة هي التي عناها النبي ﷺ بقوله: (لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها) (^١) ذلك لأن الناس لا يزال منهم قسمان قسم من أهل الخير والصلاح، وقسم من أهل الشر والضلال والفساد فإن غلب أهل الخير على أهل الشر والفساد في عهد من العهود أو في مكان من الأماكن فهذا هو المراد وذلك هو المطلوب. وفي مثل هذا المجتمع الذي يقوى فيه أهل الخير والصلاح يستطيع الإنسان المسلم أن يقيم دينه ويعبد ربه ويأمن على نفسه وعرضه وتسمى هذه الدار دار إسلام وإيمان.\nوفي بعض العهود والأوقات والأماكن قد يضعف أهل الإسلام والإيمان، وتضعف شوكة أهل الصلاح، ويقوى عليهم أهل الشر والفساد، فيضعف المسلم عن إقامة دينه ولا يأمن على نفسه ولا على عرضه فحينئذ يجب على المسلم أن يبحث عن مكان وبيئة أصلح من هذه، فيهاجر إليها ويترك هذا المكان الذي تسلط فيه أهل الكفر والضلال وقويت شوكتهم فيه. وتسمى هذه الدار دار كفر.\nوأما الهجرة الثانية أو النوع والقسم الثاني فهو هجرة الحال وقد فسره النبي ﷺ في هذا الحديث «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه» فالهجرة بهذا المعنى أن يهجر المسلم السيئات والمعاصي وأن ينتقل من حال، المعصية والبعد عن الله ومخالفة أمره والتجرؤ على حرماته إلى حال آخر، وهو\n_________\n(^١) حدث صحح رواه أحمد (١/ ١٩٢).","vol":"1","page":569},{"text":"حال الإقلاع عن المعاصي والذنوب وحال القرب من الله والوقوف عند حدوده.\nوالهجرة بالمعنى الأخير وهو ترك ما نهى الله عنه تشمل النوع السابق بالمعنى الأخير، وهو ترك ما نهى الله عنه تشمل النوع السابق وبيان ذلك أن مما نهى الله أن يقيم المسلم في دار الكفر مقهورا مغلوبا وهو قادر على ترك هذا المكان إلى غيره مما هو آمن وأصلح منه. فتكون هجرته بهجران ما نهى الله عنه وهو الإقامة بين ظهراني الكفار.\nسئل الشيخ: ما هو حديث (دعاء الكرب) (^١)؟\nفقال الشيخ ﵀: روى البخاري ومسلم حديث دعاء الكرب ونصه: «لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات والأرض ورب العرش الكريم (^٢)»\n_________\n(^١) الكرب: قال الحافظ في الفتح الكرب بفتح الكاف وسكون الراء هو ما يدهم المرء مما يأخذ بنفسه فيغمه ويحزنه (١١/ ١٥٠).\n(^٢) حديث صحيح رواه البخاري (٦٣٤٦)، ومسلم (٢٧٣٠). من حديث ابن عباس ﵄. قال النووي في شرح مسلم (٧/¬٤٧) (وهو حديث جليل ينبغي الإعتناء به والإكثار منه عند الكرب والأمور العظيمة).","vol":"1","page":570},{"text":"خامسا فتاوى الحجاب واللباس والتصوير","vol":"1","page":571},{"text":"<span data-type='title' id=toc-452>خامسا: فتاوى الحجاب واللباس والتصوير</span>\n<span data-type='title' id=toc-453>س ١: سئل الشيخ: ما هي عورة المرأة المسلمة على المسلمة؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: عورة المرأة المسلمة ما بين السرة والركبة مع العلم أن في المسألة أقوالا أخرى ويصح للمسلمة أن ترضع أمام المسلمة الأخرى.\n\n<span data-type='title' id=toc-454>س ٢: سئل الشيخ: عن عورة الأمة؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: عورة الأمة من السرة إلى الركبة سواء كانت للخدمة أم ربة سرير للتسري، وهذا ظاهر الآية في سورة الأحزاب وهو مذهب المالكية.\n\n<span data-type='title' id=toc-455>س ٣: سئل الشيخ: هل يصح أن تتزين المرأة بكامل زينتها وهي مغطاة بجلباب سابغ وتحته كحل وخضاب وحلي وكله مستور؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: لا حرج في ذلك بل هي متزينة لزوجها وللنساء وليست متزينة للرجال الأجانب، وما دام لا يبدو منها شيء فلا حرج. أما إذا كان الجلباب زينة في نفسه لكونه لامعا ولافتا للنظر فهذا يحرم.\n\n<span data-type='title' id=toc-456>س ٤: سئل الشيخ: عما تكشفه المرأة لمحارمها؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: يجوز للمرأة أن تكشف لمحارمها ما يبدو منها غالبا عند الخدمة كالرأس والعنق واليدين والقدمين.\n\n<span data-type='title' id=toc-457>س ٥: سئل الشيخ: عن صفة العمامة النبوية؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: صفة العمامة النبوية لفافة تلف حول الرأس. أما الغترة أو الشماغ فليست واردة في السنة بل هي من باب العادات. أما العمامة فهي الواردة في السنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-458>س ٦: سئل الشيخ: عن لبس المرأة البنطلون؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: إذا لبست المرأة البنطلون وفوقه ملابس سابغة فلا","vol":"1","page":573},{"text":"تشبه فيه بالرجال ما دامت تلبسه أسفل ملابسها، ولكن التشبه الذي يمنع إذا لم تلبس فوقه شيئا.\n\n<span data-type='title' id=toc-459>س ٧: سئل الشيخ: هل يصح إهداء الحرير إلى قريب كافر؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: يصح، فقد فعله عمر ﵁. واحتفاظ الإنسان بملابس خاصة للجمعة والمناسبات أمر طيب وهو من فعل الرسول ﷺ.\n\n<span data-type='title' id=toc-460>س ٨: سئل الشيخ: هل يجوز إرضاع المرأة طفلها أمام المرأة أو أمام محرم من محارمها؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: يجوز لو كانت مسلمة. أما كتابية فالأظهر ألا تكشف أمامها لقوله تعالى: ﴿أو نسائهن﴾ أما ظهور الأطراف، الرجل إلى الركبة والذراعان أمام المحارم ليس بمحرم له لأنه لا يجوز أن يرى ما عدا ما بين السرة والركبة.\n\n<span data-type='title' id=toc-461>س ٩: سئل الشيخ: عن لباس الشهرة؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: لباس الشهرة هو اللباس الذي يجعلهم يضحكون عليك ويستهزئون بك ولو لبست كما يلبسون فلا حرج.\n\n<span data-type='title' id=toc-462>س ١٠: سئل الشيخ: هل لبس المنطلون أو لبس الساعة في اليسار يعتبر من التشبه بالكفار؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: اللباس الذي يعتبر تشبها بالكفار هو الذي من خصائصهم بحيث لو رآك أحد به حسبك كافرا أما ما عدا ذلك فيجوز لبسه وارتداؤه.\n\n<span data-type='title' id=toc-463>س ١١: سئل الشيخ: إذا ألبست الأم البنت فستانا قصيرا وعمرها ثمان سنوات، ورآها الأب ولم يتكلم مع العلم أنه لا يرضى بلبس القصير، فهل يأثم في ذلك؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: كلاهما آثم؛ الأب مسئول عن البيت كله عن الزوجة وعن البنت، فهو آثم ويجب عليه أن ينصح زوجته أم البنت، وأن","vol":"1","page":574},{"text":"ينصح البنت، والأم أئمة لأنها راعية (^١) على بناتها ورضيت بهذا لبنتها، فكلاهما متعاون على الإثم والعدوان، ومهمة الرجل أوسع من مهمة المرأة في هذا لأنه قيم على البيت كله على زوجته وعلى بنته، أما الأم فمهمتها ضيقة لأنها راعية في بيتها على بناتها وعلى أولادها الذكور، فدائرة رعاية الأم أضيق من دائرة رعاية الأب، والقصد أن كليهما أثم لتعاونهما على الإثم والعدوان، وتعود البنت على الشر من صغرها أمر لا يجوز.\n\n<span data-type='title' id=toc-464>س ١٢: سئل الشيخ: أعرف أخ مهندس، وهو رسام ماهر وبارع، فنصحته أن يتجه لتصوير الأمور الطبيعية مثل الكواكب، والنجوم، والأمطار، والنباتات وغيرها مما يظهر قدرة الله وإعجازه في خلقه فوافق وسر بذلك، وقال لي أن أرسل له أفكارا بهذا المعنى السابق وهو بدوره يحولها إلى صور، ويكتب بجوار كل صورة الآية أو الآيات التي تعبر عنها. فهل هذا أمر جائز ومشروع أم لا؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: يجوز التصوير إذا لم يكن صورة إنسان أو حيوان أو طير أو غيرها من صور ذات الأرواح.\nأما تصوير ما فيه روح فأكثر أهل العلم على تحريمه. وعلى هذا فلا يجوز تصويره إلا إذا كانت الصورة يحتاج إليها لضرورة وحاجة كجواز السفر والبطاقة والهوية، وأوراق الإلتحاق بالمدارس والجامعات، وغيرها من المصالح التي يحتاج فيها إلى معرفة الأشخاص وتميز بعضهم من بعض، وكذلك كل مصلحة معتبرة شرعا ولا يمكن أن تتم إلا بالصورة فيجوز التصور، والتصوير لأجلها وكذلك يجوز تصوير المجرمين والمشبوهين، وتوزيع صورهم على الدوائر والنقاط والهيئات التي تساعد في ضبطهم والإمساك بهم لاتقاء شرهم أو\n_________\n(^١) حديث صحيح: أخرجه البخاري (٧١٣٨)، ومسلم (١٨٣٩) من حديث ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته. فالأمير الذي على الناس راع وهو مسؤول عن رعيته. والرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عن رعيته. والمرأة راعية على بعلها وولده وهي مسؤولة عنهم. والعبد راع على مال سيده وهو مسؤول عنه. ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته».","vol":"1","page":575},{"text":"معاقبتهم على شرورهم بما يستحقون.\nأما تصوير الزعماء، والفضلاء، والوجهاء، والصلحاء فلا يجوز لما قد يكون في تصويرهم من التعظييم، والإفتتان بهم لا سيما وأن لهم مكانة في القلوب. فيخشى من أن يعظمهم الناس ويؤلهونهم، وقد سمعنا في بعض الدول أنه عندما يرى الناس صورة زعميهم أو معظمهم فإنهم ينحنون أمام صورته. وأصل الشرك في بني آدم كان سببه تصوير الصالحين، ثم تعظيم هذه الصور ثم الافتتان بها وتأليهها ثم صنع تماثيل ونصب على هيئتها ثم عبادة هذه النصب والتماثيل.\nأما صور الفنانين والفنانات فهي محرمة من عدة أوجه من ذلك أنها من جملة ذوات الأرواح التي ورد النهي عن تصويرها، وكذلك لما يكون في صور هؤلاء من العري والخلاعة التي تثير الغرائز والشهوات عند الشباب وغيرهم. وفي تصوريهم تشجيع لما هم فيه من الباطل والمجون.\nأما الصور التذكارية التي يكون فيها الإنسان مع بعض الزملاء والمحبين فهي محل اشتباه والأجدر بالإنسان المسلم والأولى به تركها وعدم فعلها لأنها من جملة الصور ذوات الأرواح. والإنسان إذا ترك المشتبهات خشية الوقوع في الحرام والمكروه فقد استبرأ لدينه وعرضه كما قال الرسول ﷺ.\n\n<span data-type='title' id=toc-465>س ١٣: سئل الشيخ: عن حكم التصوير؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: التصوير المجسد حرام باتفاق العلماء، ونعني بالتصوير المجسد نحت تماثيل لبعض ذوات الأرواح من إنسان أو حيوان أو طير أو غير ذلك مما فيه روح.\nويشتد التحريم إذا كانت هذه التماثيل والنصب المنحوتة لأناس معظمين كالملوك والأمراء والعلماء والصلحاء لأن تعلق القلوب بهم أكثر من غيرهم ممن هو دونهم.","vol":"1","page":576},{"text":"أما التصوير الشمسي لذوات الأرواح فهو محرم وممنوع، لأن فيه مضاهاة لخلق الله، ولأن فاعله من أظلم الناس، ولأنه يمنع من دخول ملائكة الرحمة والبركة إلى المكان الذي تكون به هذه الصور، ولأن تصوير ذوات الأرواح من المعظمين كالأمراء والعلماء ونحوهم هو ذريعة وسبب ووسيلة للشرك، وقد حدث هذا في الأمم السابقة. وهناك من الصور ما يجتمع فيه أكثر من سبب لتحريمه كما ذكرنا في صور المعظمين من ملوك وعلماء ونحوهم فهي محرمة لأنها من ذوات الأرواح، ولأنها ربما تكون وسيلة للإفتتان بها وتعظيمها وقد سمعنا شيئا من ذلك في بعض الشعوب المعاصرة من أنهم ينحنون أمام صورة من يعظمونه من رئيس أو كبير أو غيره.\nوكصور الممثلات والمغنيات التي تظهر في الجرائد والصحف، فإن فيها من أسباب التحريم أنها مضاهاه لخلق الله وهو محرم وملعون فاعله كما سبق، ولأن فيها صرف لقلوب الخلق عما فيه نفعهم ومصلحتهم من التعلق بالله والإشتغال بذكره. وكذلك في تصوير هؤلاء المغنيات والممثلات فتنة من نوع آخر وهي فتنة الشهوة في صور هؤلاء فقد تكون صورا عارية بادية المفاتن، وفي أجمل هيئة وأحسن زينة، مما يثير كوامن النفوس ويثير الغرائز والشهوات لا سيما عند الشباب الذين يمعن كثير منهم النظر إلى هذه الصور ويعلقونها أو يقتنونها لكي يستمتعوا برؤيتها والتلذذ بمفاتنها وإشباع غرائزهم بطريقة محرمة فهذا في التحريم أشد من غيره من أنواع التصوير التي يكون التحريم فيها لسبب واحد والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-466>س ١٤: سئل الشيخ: ما رأيكم في ملابس الأطفال التي يكون عليها صور؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: لا يجوز بيعها ولا شراؤها، أما إلباس الوالدين أطفالهم أثوابا فيها صور فإنه يجوز، لأن لبس الأطفال لهذه الملابس امتهان لها، لما يقع منهم من بول وغائط وغيره في هذه الملابس.","vol":"1","page":577},{"text":"<span data-type='title' id=toc-467>س ١٥: سئل الشيخ: ما رأيكم في شراء السجاد الذي يكون عليه صور؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: السجاد يشترى لذاته لا للصورة التي عليه فيجوز شراء هذا السجاد، والاحتياط واجب على المسلم، فينبغي أن يتجنب شراء ما يشتبه في حرمته فضلا عما تتضح حرمته، وإذا كان مثل هذا السجاد في البيت فيجوز استعماله لأنه بما فيه من الصور ممتهن.\n\n<span data-type='title' id=toc-468>س ١٦: سئل الشيخ: ما رأيكم في الكتب التي تحتوي على صور؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: يلزم طمس هذه الصور، أو طمس وجهها، ولا يكفي وضع خط يفصل الرأس عن الجسد.","vol":"1","page":578},{"text":"<span data-type='title' id=toc-469>سادسا مباحث الدعوة إلى الله والعلم والأخلاق وفتاويها</span>","vol":"1","page":579},{"text":"<span data-type='title' id=toc-470>١ - الطريقة المثلى للدعوة إلى الله - الحلقة الأولى</span>\nتختلف أحوال الدعاة إلى الله في أداء مهمتهم، فبينما يكون بعضهم خبيرا بجوهر الموضوع، ملما بأطرافه، محسنا للأداء والتعبير عما أراد، منسقا لنقاط الموضوع، مقدما منها ما يجب أن يقدم، مراعيا لظروف السامعين وأحوالهم، في حين يكون البعض الآخر محسنا في بعض النواحي دون بعض.\nوقد خلق الله الإنسان مختارا، وأودع فيه غريرة حب الإستطلاع، وطبعه على النفرة من النقص، والفرار منه، والرغبة في الدرجات العليا، وطلب المزيد مما ينهض به في حياته، ويرفع مستواه، وجعل فيه استعدادا للتأثر بما يرى ويسمع ومحاكاة ما يجده في بيئته من الخير، اللهم إلا من مسخت فطرته، وانسلخ مما هو الأصل في إنسانيته.\nوخير طريق يحتذيه الدعاة في القيام بمهمتهم، وأمثل منهاج يسلكونه في استمالة قلوب الناس إلى الخير، والإعذار إلى من لم يستجب للحق بعد بيان الحجة، وإقامة البرهان هو طريق الرسل، عليهم الصلاة والسلام، ومنهاجهم في دعوتهم إلى الله بقولهم المفصل وسيرتهم الحميدة.\nوفيما يلي، إلماعة من سيرة رسول الله وخليله إبراهيم، ﵊ ..\nكان إبراهيم الخليل، ﵊، مثلا أعلى في صدق اللهجة، والإيمان بما يدعو إليه من التوحيد، وشرائع الإسلام، والتصديق به على وجه اطمائنت به نفسه، ورسخ في سويداء قلبه، وقد أثنى الله عليه بذلك في محكم","vol":"1","page":581},{"text":"كتابه في مطلع الحديث عنه حينما قام يدعو أباه إلى الوحيد فقال: ﴿واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا﴾ (^١).\nفعلى الداعي إلى الحق أن يكون مؤمنا به، مخلصا لما يدعو إليه، صادق اللهجة فيه، وإلا انكشف سره، وافتضح أمره، فإن ثياب الزور تشف عما وراءها، وعند ذلك يكون وبالا على الدعوة.\nبدأ إبراهيم الخليل بأبيه في الدعوة إلى التوحيد، فإنه أقرب الناس إليه والصقهم به، فكان أولى بمعروفه، وبره، وإحسانه، وإلى جانب ذلك ردءا له إذا استجاب لدعوته وظهرا له يحميه بدافع أخوة الإيمان، وعصبية النسب.\nقال - تعالى - في وصفه إبراهيم في دعوته: ﴿يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا﴾ (^٢). وقد تلطف معه في الدعوة، فذكره بما بينهما من الرحم، ووشائج النسب، استمالة لقلبه، وتنبيها له إلى أنه لو كذب على الناس جميعا ما طابت نفسه بالكذب عليه، وأنه لو غشهم جميعا لم يكن منه إلا النصح له لما بينهما من أواصر القربى والنسب.\nوبدأ دعوته لأبيه بالتوحيد الذي هو أصل الدين، وجوهر الشرائع السماوية، وعليه تقوم فروع الإسلام، وبه صلاح القلب، وبصلاحه تصلح سائر الجوارح، وتستقيم أحوالها.\n«ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» (^٣). وسلك في دعوته إلى التوحيد طريق الاستدلال عليه.\n_________\n(^١) سورة مريم، الآية: ٤١.\n(^٢) سورة مريم، الآية: ٤٢.\n(^٣) حديث صحيح رواه البخاري (٥٢) ومسلم (١٥٩٩) من حديث النعمان بن بشير ﵄ وقد سبق شرحه في باب الأحاديث النبوية.","vol":"1","page":582},{"text":"بأن ما يعبده أبوه وقومه لا يسمعهم إذا دعوه لكشف غمة، أو تفريج كربة، ولا يراهم إذا عبدوه، وتضرعوا إليه، ولا يجلب لهم نفعا، ولا يدفع عنهم ضرا، وإذا كان لا يرجى نفعه، ولا يخشى بأسه، فكيف يستحق أن يعبد، أو يتقرب إليه؟!! وبذلك أقام عليهم الحجة، وقطع عذرهم.\nفيجب على من يأمر بالمعروف، وينهي عن المنكر أن يقتفي أثر إبراهيم الخليل في دعوته، فيتلطف مع من يدعوهم، ويسوسهم حسب ما تقتضيه أحوالهم، ويبدأ بأقرب الناس إليه، وأولاهم بإرشاده، ويقدم الإرشاد إلي عقيدة التوحيد، ويركز الحديث فيها، ويقيم على ذلك الدليل ليقنعهم بالحجة، ويسقط أعذارهم.\nادعى إبراهيم الخليل، ﵊، أن الله آتاه من العلم ما لم يؤت أباه، ولا ليفخر بذلك، أو يتعالى على أبيه وإلا لكان ذلك خلقا ذميما، ينفر الناس من حوله، ويمقتونه من أجله، بل ادعى ذلك ليلفت النظر إلى وجوب الإصغاء إليه، واتباعه فيما جاء به من الحق المبين، ليهديهم به إلى الصراط المستقيم.\nقال - تعالى - في وصفه إبراهيم في دعوته: ﴿يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا﴾ (^١)\nنهى إبراهيم ﵊، أباه عن طاعة الشيطان في وسوسته، واتباعه فيما يسوله، ويزينه له من الشرك بالله، وسائر المنكرات، فإن طاعته له، وإسلام قياده إليه عبادة له من دون الله، ونبه أباه إلى عصيان الشيطان لربه، وتمرده عليه، وإذن فليس على هدى في وسوسته، ولا يزين للناس إلا ما هو شر وضلال\n_________\n(^١) سورة مريم، الآية: ٤٣.","vol":"1","page":583},{"text":"قال - تعالى - في وصف دعوة خليله: ﴿يا أبت لا تعبد الشيطان﴾ (^١). فعلى الداعية إلى الحق أن يكشف الغطاء عن معنى العبادة، ويزيدها إيضاحا حماية لعقيدة التوحيد، وبيانا لأصولها، ويستعمل أسلوب التنفير من عبادة غير الله اقتداء بخليل الرحمن، ﵊.\nأنذر إبراهيم أباه إنذار المتلطف معه، المشفق عليه، بأنه يخشى عليه مغبة شركه، وعاقبة عبادته للشيطان، وطاعته له، فيعذبه الله على ذلك، ولا يجد ممن تولاهم بالعبادة من يدفع عنه بأس الله وعذابه.\nقال - تعالى - في وصف إبراهيم في دعوته: ﴿يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا﴾ (^٢).\nفعلى الداعية أن يستعمل أسلوب الإنذار، والتخويف من سوء العواقب، والتذكير بعذاب الله، وأليم عقابه يوم يتبرأ دعاة السوء ممن غروا بهم، ويتمنى المخدعون بزخزف القول أن لو عادوا إلى الدنيا، فيتبرأوا من دعاة السوء كما تبرأوا منهم يوم القيامة، وأنى لهم ذلك؟!\nلا تأثير للدعوة إلى الحق وإن كانت صادقة إلا إذا وجدت آذانا صاغية، وقلوبا واعية، وفطرة سليمة لم تفسدها الأهواء، ولذا لم يستجب لإبراهيم أبوه، بل أنذره لئن لم ينته ليرجمنه، وأمره بهجره مليا، فصبر إبراهيم على أذاه، وقابل سيئته بالحسنة، وقال له: ﴿سلام عليك سأستغفر لك ربي﴾ (^٣). واعتزلهم وما يدعون من دون الله، بعدا عن الفتنة، إذ لم يستطع القضاء عليها، وأملا في أن يجد لدعوته أرضا خصبة، فوهب الله له إسحاق، ويعقوب، وجعل كلا منهما نبيا، جزاء وفاقا بصدقه في الدعوة، وإخلاصه فيها، وصبره على الأذى.\n_________\n(^١) سورة مريم، الآية: ٤٤.\n(^٢) سورة مريم، الآية: ٤٥.\n(^٣) سورة مريم، الآية: ٤٧.","vol":"1","page":584},{"text":"في سبيل نشرها، وهجره للشرك وأهله، اتقاء للشر، وبعدا عن مواطنه ومظاهره.\nقال الله تعالى: ﴿قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم﴾ (^١).\nفعلى الدعاة أن يتذرعوا بالصبر، وسعة الصدر، وأن يقابلوا السيئة بالحسنة، وأن لا ينتقموا لأنفسهم ما استطاعوا إلى العفو سبيلا، لكن إذا انتهكت حرمات الشريعة انتصفوا لها، وأخذوا على أيدى العابثين، وعليهم أن يهجروا الشر وأهله، إذا لم يمكنهم إزالته أو تخفيفه، خشية أن تصيبهم الفتنة، أو يعمهم البلاء، أو تكون مخالطتهم حجة عليهم، أو معرة لهم، وذريعة للنيل منهم، وعدم الاستماع لنصائحهم، وعليهم أن يتحروا المجالس التي يرجى فيها قول الحق، والله الموفق.\n_________\n(^١) سورة مريم، الآية: ٤٦.","vol":"1","page":585},{"text":"<span data-type='title' id=toc-471>٢ - الطريقة المثلى في الدعوة إلى الله - الحلقة الثانية</span>\nعني إبراهيم الخليل ﵊ بالدعوة إلى الإسلام، ووجه جل همه وأعظم عنايته إلى إيضاح التوحيد وبيانه وإقامة الحجة عليه، فبدأبه وكرر الدعوة إليه، مع اختلاف لهجته في ذلك لينا وشدة، وذكر أنواعا من الأدلة على التوحيد، وسلك طرقا شتى في الإستدلال بها عليه، إتماما لإقامة الحجة، وزيادة في الإعذار إلى الأمة، وأملا في أن يجد كل نوع منها أو وجه من وجوه الإستدلال بها منفذا إلى قلوب جماعة، فإن الناس مختلفون في مداركهم ومتفاوتون في طبائعهم وأفهامهم قوة وضعفا، لينا وصلابة، وإنصافا للحق وعنادا وصدودا عنه، فما يجدي من الأدلة وطرق الإستدلال بها مع طائفة قد لا يؤثر على طائفة أخرى.\nوفيما يلي بيان ذلك:\nأنكر إبراهيم ﵊ على أبيه آزر أن يتخذ أصناما ألهة، ولم يقرن ذلك فيما ذكر الله عنه في سورة «الأنعام» بما يخفف من وطأة الإنكار على نحو ما ذكر الله سبحانه عنه في سورة «مريم» حيث مهد فيها قبل الإنكار بندائه بقلب الأبوة، ولما أشرك قومه مع أبيه في الحكم كان أشد لهجة وإنكارا، قال الله تعالى: ﴿وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين﴾ (^١)، فحكم عليهم بالجهل المبين وعمى البصائر، وذلك ليثير عواطفهم ويدفع بهم إلى التفكير فيمن يستحق أن يعبدوه مخلصين له الدين ولا يشركوا به شيئا، أهو من بيده كل شيء وهو ولي نعمتهم، أم الهياكل الأرضية والسماوية وهي لا تملك لنفسها ضرا ولا نفعا، ولا تغني عنهم من الله شيئا، ثم عسى أن.\n_________\n(^١) سورة الأنعام، الآية: ٧٤.","vol":"1","page":586},{"text":"تجد هذه الإثارة من قومه وأبيه قلوبا واعية تحفظ عنه ما يقول، وعقولا رشيدة تفقه ما سمعت من البلاغ وإحساسا مرهفا، فتتأثر بذلك وتستجيب إلى دعوة الحق ﴿إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد﴾ (^١).\nبصر الله ﷿ خليله إبراهيم ﵊ بالدلائل الكونية الدالة على وحدانيته سبحانه في ربوبيته وألوهيته، فأراه آياته في ملكوت السموات والأرض، ليعلم حقيقة التوحيد، أو ليزداد علما به ويقينا إلى يقينه، وأرشده إلى وجه الاستدلال بها، وكيف يسلك طريقها في البلاغ أو البيان ومناظرة الخصوم، ليفصل بذلك بين الحق والباطل ويلزمهم الحجة والبرهان، قال تعالى: ﴿وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين﴾ (^٢).\nكان قوم إبراهيم الخليل صابئة يعبدون الكواكب السيارة، يقيمون لها الهياكل في الأرض من الأحجار ونحوها، وكانوا يعظمونها ويتقربون إليها بالذبائح وغيرها، وكانوا يستغيثون بها ويضرعون إليها، فناظرهم ﵇ في ذلك، ولم يشأ أن يسلك في هذه المناظرة طريق الاستدلال الإيجابي المباشر على أن الله لا رب غيره ولا إله سواه، بل جعل دعوى قومه وعقيدتهم الشركية موضوع بحثه ونقاشه معهم، وفرضها فرض المستدل لما لا يعتقده، ثم يكر عليه بالنقض والإبطال، ويكشف عن وجه الحق.\n_________\n(^١) سورة ق، الآية: ٣٧.\n(^٢) سورة الأنعام، الآية: ٧٥ - ٧٩.","vol":"1","page":587},{"text":"فحينما أظلم الليل ورأي إبراهيم ﵊ النجم قال: هذا ربي فرضا وتقديرا، أو أهذا ربي؟ فلما غاب عن أعين الناس علم أنه مسخر ليس أمره إليه، بل إلى مدبر حكيم يصرفه كيف يشاء. أما الرب فأمره إلى نفسه، بل أمر غيره إليه، وهو دائم لا يحول ولا يزول، بيده مقاليد الأمور وهو على كل شيء قدير.\nثم انتقل في البحث إلى كوكب أخر، هو في نظرهم أضوء، وفي مرأى أعينهم أكبر حجما، وهو القمر، فلما رآه طالعا قال: هذا ربي، فرضا منه لذلك وتقديرا، أو أهذا ربي؟ فلما ذهب عن أعين الناظرين تبين أنه ليس بالرب الذي يجب أن تألهه القلوب، ويضرع إليه العباد في السراء والضراء، يرجون رحمته ويخافون عذابه، ويستهدونه فيهديهم إلى سواء السبيل، ولذا قال: لئن لم يهديني ربي لأكونن من القوم الضالين.\nثم انتقل بهم إلى معبود آخر لهم أكبر جرما من النجم ومن القمر، وأعظم ضياء منهما وهو الشمس، فلما رأى الشمس بازغة قال: هذا ربي، فلما أفلت قال: يا قوم إني بريء مما تشركون، إني وجهت وجي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا، وما أنا من المشركين، فاستدل بما يعرض لها من غيرها على أنها مأمورة بأمر ربها، وأنها مدبرة مسخرة بتسخير خالقها.\nفإذا كانت هذه الكواكب الثلاثة أرفع من الكواكب السيارة شأنا، وأعلى قدرا، وأعم نفعا عندهم، وقد قضت لوازمها بانتفاء سمات الربوبية والألوهية عنها، وأحالت أن تستوجب لنفسها حقا في العبادة والتقرب إليها، فما عداها من سائر الكواكب أبعد من أن يكون له حظ ما في الربوبية أو الألوهية، وأحرى بنفي ذلك عنه، واستحالته عليه، لذا أعلن إبراهيم ﵊ في ختام المناظرة براءته مما يزعمون من الشركاء، وأسلم وجهه الله وحده الذي فطر السماوات والأرض، وأبدع خلقهما دون شريك أو ظهير يعنيه في ذلك.","vol":"1","page":588},{"text":"وضمن إعلان النتيجة الإستدلال بتوحيد الربوبية على توحيد الألوهية، وهذا هو معنى لا إله إلا الله، فإن ما فيه من البراءة من الشركاء نظير نفي الإلهية الحقة عن الشركاء في كلمة التوحيد، وما فيه من إسلام وجهه الله نظير الإستثناء في كلمة التوحيد، لدلالته على إثبات الإلهية الحقة الله، ومثله قوله تعالى: ﴿وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون (٢٦) إلا الذي فطرني فإنه سيهدين﴾ (^١)، وهذا الضرب من الإستدلال قد سلك سبيله في المناظرة كثير من العلماء قديما وحديثا، وقد جاء في الكتاب والسنة كثيرا لكن على منهج العرب في حديثهم وطريقتهم في المناظرة والحجاج، فإن رسالة نبينا محمد ﷺ قد بدأت في العرب، وبلغتهم نزل القرآن على طريق الصناعة المنطقية، حيث يقولون في مثل هذا الموضع إجمالا: لو كانت هذه الكواكب أربابا أو آلهة ما حالت وزالت، لكنها تحول وتزول، فليست أربابا، فإن الله حي دائم لا يحول ولا يزول.\nفللداعية إلى الإسلام أن يسلك هذه الطريقة - طريقة إبراهيم ﵇ حسبما تقتضيه الحال، فيتنزل مع مناظرة من دعاة الباطل، ويفرض دعواه واقعة، ويرتب عليها لوازمها الباطلة وأثارها الفاسدة، ثم يكر عليها بالنقص والإبطال، وقد توجب عليه الأحوال والظروف سلوكها والدعوة بها أحيانا، فإن الدعوة إلى الحق كما تكون بتزيينه وذكر محاسنه للترغيب فيه واستمالة النفوس إليه، تكون بتشويه الباطل وذكر مساويه ومخازيه، تنفيرا منه، ليهرب المبطلون عنه، وتنفتح قلوبهم للحق، فيلتزموه.\nهذا، وقد ذهب جماعة من المفسرين وغيرهم إلى ما تقدم من أن حديث إبراهيم في شأن الكواكب مع قومه كان على سبيل المناظرة والحوار مع المشركين، ليقيم عليهم الحجة لا ليكسب هدي بعد حيرة، ولا ليستفيد علما بعد شك، واختار ذلك ابن كثير في تفسيره، فقال: والحق أن إبراهيم ﵊\n_________\n(^١) سورة الزخرف، الآيات: ٢٦، ٢٧.","vol":"1","page":589},{"text":"كان في هذا المقام مناظرا لقومه مبينا لهم بطلان ما كانوا عليه من عبادة الهياكل، وهي الكواكب السبع المتحيزة .. ثم قال: وكيف يكون إبراهيم ناظرا في هذا المقام. وهو الذي قال الله في حقه: ﴿ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون﴾ (^١).\nوقال تعالى: ﴿إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين (١٢٠) شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم (١٢١) وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين (١٢٢) ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين﴾ (^٢).\nوقال: ﴿إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين﴾ (^٣)\nثم استدل بنصوص خلق الناس على الفطرة السليمة كقوله تعالى: ﴿فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها﴾ (^٤)، وحديث «كل مولود على الفطرة» (^٥) … والحديث القدسي «إني خلقت عبادي حنفاء» (^٦) ثم قال: فإذا كان هذا في حق سائر الخليقة، فكيف يكون إبراهيم الخليل - الذي جعله الله أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين - ناظرا في هذا المقام، بل هو أولى الناس بالفطرة السليمة، والسجية المستقيمة بعد رسول الله ﷺ بلا شك ولا ريب، ومما يؤكد أنه كان في هذا المقام مناظرا لقومه فيما كانوا فيه من الشرك لا ناظرا؛ قوله\n_________\n(^١) سورة الأنبياء، الآيات: ٥١، ٥٢.\n(^٢) سورة النحل، الآيات: ١٢٠ - ١٢٣.\n(^٣) سورة الأنعام، الآية: ١٦١.\n(^٤) سورة الروم، الآية: ٣٠.\n(^٥) حديث صحيح رواه البخارى (٥٣) و(١٣٥٩) وفي غير موضع ومسلم (٤٧١٤). والترمذي (٢١٣٩). من حديث أبي هريرة.\n(^٦) حديث صحيح أخرجه مسلم (٢٨٦٥) من حديث عياض بن حمار.","vol":"1","page":590},{"text":"تعالى: ﴿وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان﴾ (^١). انتهى مع تصرف.\nويؤيده أيضا ما ذكر في مطلع هذه الآيات من دعوة إبراهيم لأبيه وقومه إلى التوحيد، وإنكاره ما كانوا عليه من الشرك وعبادة الأصنام التي كانت تماثيل وهياكل رمزية للكواكب، قال تعالى: ﴿وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين﴾ (^٢)، فبدأ الآيات بالتوحيد والبراءة من الشرك وختمها بذلك، فدل على أنه كان مؤمنا بذلك موقنا به أولا وآخرا على السواء، ويؤيده أيضا قوله تعالى في ختام المحاجة: ﴿وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم﴾ (^٣).\nوروى ابن جرير (^٤) من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ما يقتضي أن مقام إبراهيم في هذه الآيات مقام نظر لا مقام مناظرة، واختاره واستدل عليه بقوله: ﴿لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين﴾ (^٥)، وذكر محمد بن إسحاق ما يفيد أن ذلك حين خرج إبراهيم من السراب الذي ولدته فيه أمه لما خافت عليه من نمرود بن كنعان. اهـ باختصار.\nوبيان ذلك أن إبراهيم كان قبل الرسالة في حيرة في تعيين من يعبده، وإن كان يعتقد بفطرته السليمة أن للعباد ربا له قدره وعظمته وجلاله وحكمته في تدبيره وتصريف لشئون خلقه، فنظر في السنن الكونية نظرة اعتبار واستدلال لنفسه، نظر في النجم ثم الشمس، ليخرج نفسه من القلق والحيرة إلى العلم.\n_________\n(^١) سورة الأنعام، الآية: ٨٠.\n(^٢) سورة الأنعام، الآية: ٧٤.\n(^٣) سورة الأنعام، الآية: ٨٣.\n(^٤) انظر تفسير بن جرير الطبري (٧/ ١٥٩) وما بعدها واسناده منقطع، على بن أبي طلحة لم يسمع من ابن عباس ﵄.\n(^٥) سورة الأنعام، الآية: ٧٧.","vol":"1","page":591},{"text":"والهدى والرشاد، فلم يجد فيها سمات الربوبية، ولا الصفات التي تستحق بها أن تؤله وتعبد، وانتهى به نظره واستدلاله لنفسه إلى ما أعلنه أخيرا من البراءة من الشرك والشركاء، والتوجه الله رب العالمين وحده، ثم كان مقام دعوته لأبيه وقومه إلى التوحيد ومناظرته لهم فيما كانوا عليه من الشرك بعد الرسالة.\nوعلى هذا يستطع الداعية إلى الإسلام أن يجد لنفسه أيضا قدوة حسنة وأسوة رشيدة في سيرة إبراهيم ﵇، وفي خبر الله عن منهجه في هذه الآيات، فيبدأ النظر في الآيات الكونية والدلائل الشرعية، ليعلم الحق في نفسه أولا، ثم يتبع ذلك الدعوة إليه، ليكون في دعوته على بينة وبصيرة، فعلى كلا المعنيين لهذه الآيات يجد الداعية إلى الحق في خليل الرحمن مثالا حسنا يحتذيه، وميزانا عادلا يزن به عقيدته وعمله ودعوته ويقتفي أثره فيه.\nإن دعوة إبراهيم ﵊ أباه وقومه إلى التوحيد مع سلامته وقوة استدلاله عليها، وحسن سياسته وحكمه واستقامة منهجه فيها لم تجد لديهم قبولا، لأن قلوبهم في غلاف من العناد والصدود من اللجاج، فلم تتفتح لدعوة الحق، ولم تشأ أن تتقبلها، ولأن عواطفهم متبلدة بل ممسوخة، قد انحرف بها الهوى وتقليد الآباء وتحكم العادات السيئة عن الجادة وحدة الإعتدال، فلم تتأثر بالحق ولم تجد لنفسها فيه لذة ولا راحة، بل ذهبوا يجادلونه في الحق بعد ما تبين، ويهددونه ويخوفونه أن تصيبه آلهتهم بسوء فلا يحمد العاقبة، فما كان من إبراهيم ﵇ إلا أن ثبت على الحق واطمأنت به نفسه وازداد إيمانا به، فأنكر عليهم جدالهم إياه بالباطل، وتخويفه من خطر آلهتهم، مع أنها لا تملك لنفسها ضرا ولا نفعا، ولا تدفع عنها بأسا، وهو يركن إلى الركن الركين، ويتوكل على رب العالمين، وقد أخلص له قلبه وأسلم له وجهه، وقام بما أمره به من الدعوة إلى الحنفية السمحة، فهو أحق بالأمن والسلام ممن هددوه وخوفوه، لكن على تقدير أن يصيبه مكروه فهو من الله سبحانه، ابتلاء وامتحانا.","vol":"1","page":592},{"text":"اقتضته حكمته وعدله، قال الله تعالى: ﴿وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون﴾ ﴿وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون﴾ ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون﴾ (^١).\nفعليكم معشر الدعاة أن الدعاة أن تثبتوا على الحق في الدعوة، وأن تصبروا على الأذى والا تنخلع قلوبكم لكيد الكائدين، وتهديد المعتدين، وتوكلوا على الله أسوة بخليل الرحمن إبراهيم ﵊، فالله خير حافظا، وهو أرحم الراحمين وأحكم الحاكمين.\nلما فات إبراهيم ﵇ أن يؤمن به قومه فتستقر حياته بين أظهرهم ويشتد عضده بهم، وتولوه بالأذى وبلغ بهم الكيد له أن القوه في النار، ففر إلى ربه وهاجر طلبا لدعوة قوما آخرين، لما أصيب بذلك لم يكله الله إلى نفسه، ولم يحرمه جزاء عمله، فوهب له من تقر بهم عينه، وهب له إسحاق ويعقوب، وجعلهما من أنبيائه وهداهما إلى الصراط المستقيم، وتتابعت النبوة والرساله من بعده في ذريته إلى أن ختمت بنبوة الرسول الكريم محمد ﷺ.\nفيا معشر الدعاة إلى الحق؛ كونوا واثقين بالله، مطمئنين إلى صادق وعده، مؤملين النصر والخير وحسن العواقب ولكن لابد لكم من الإبتلاء بالسراء والضراء، فاشكروا ربكم على ما أولاكم من الخير، واصبروا على الشدة واللأواء، وليكن لكم في خليل الرحمن وإخوانه الأنبياء خير أسوة، فقد ابتلوا فصبروا وشكروا، فجزاهم الله خير الجزاء، قال تعالى: ﴿وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي\n_________\n(^١) سورة الأنعام، الآية: ٨٠ - ٨٢.","vol":"1","page":593},{"text":"الظالمين﴾ (^١)، وقال: ﴿وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين (١٤٦) وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين (١٤٧) فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين﴾ (^٢)، والله الموفق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وأصحابه وسلم.\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ١٢٤.\n(^٢) سورة آل عمران، الآيات: ١٤٦ - ١٤٨.","vol":"1","page":594},{"text":"<span data-type='title' id=toc-472>٣ - الطريقة المثلى في الدعوة إلى الله - الحلقة الثالثة</span>\nلم يرسل الله تعالى رسولا إلا أمره بالتوحيد والدعوة إلى عبادة الله وحده لا شريك له، قال تعالى: ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾ (^١) وقال تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون﴾ (^٢)، وقد عنى الرسل عليهم الصلاة والسلام بذلك، فبدءوا البلاغ بدعوة أممهم إلى أن يعبدوا الله وحده ولا يشركوا به شيئا، وقطعوا فيه شوطا بعيدا حتى شغلوا به الكثير من أوقات البلاغ، ولا عجب في ذلك فإن التوحيد أصل الدين وذروة سنامه، وملاك الإسلام ودعامته الأولى، لا تصح من إنسان قربة، ولا يتقبل الله منه عبادة إلا إذا كانت مقرونة بالتوحيد وإخلاص القلب لله وحده، قال تعالى: ﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين ألا لله الدين الخالص والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار﴾ (^٣)، وقال: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة﴾ (^٤).\nوقد أرشد الله الناس إلى أيسر الطرق في الدعوة إلى التوحيد وأسهلها، وأقربها إلى معرفة الحق وأعدلها، وهو الاستدلال بآيات الله وسننه الكونية وتفرده سبحانه بتصريفها وتدبيرها على تفرده بالإلهية واستحقاقه أن يعبد وحده لا شريك له، فذلك أهدى سبيلا وأقوم دليلا، وأقوى في إقناع الخصم وإلزامه\n_________\n(^١) سورة النحل، الآية: ٣٦.\n(^٢) سورة الأنبياء، الآية: ٢٥.\n(^٣) سورة الزمر، الآيات: ٢، ٣.\n(^٤) سورة البينة، الآية: ٥.","vol":"1","page":595},{"text":"الحجة، فإنه مقتضى العقل الصريح وموجب الفطرة السليمة، قال الله تعالى: ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون * الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون﴾ (^١) فرتب سبحانه نهيه إياهم عن اتخاذهم شركاء له في العبادة على علمهم وإقرارهم بأنه تعالى وحده هو الذي خلقهم وخلق الذين من قبلهم، وهو الذي جعل الأرض قرارا، وذللها لهم ليمشوا في جوانبها، وليبتغوا من فضله، ورفع السماء بلا عمد وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لهم، لينعموا بما آتاهم من النعم وليتمتعوا بما أفاض عليهم من الخيرات لعلهم يتقون ربهم وولي نعمتهم، فيعبدوه وحده لا شريك له مخلصين له الدين، شكرا له على ما أسبغ عليهم من نعمه وأفاض عليهم من بركاته، وفي القرآن كثير من النظائر لهاتين الآيتين في بيان أسلوب الدعوة، ورسم الطريق الناجحة في إقامة الحجة وإلزام الخصم، لقد سلك الأنبياء والمرسلون هذه الطريقة في دعوتهم أممهم إلى الهدى ودين الحق، اهتداء بهدي الله واسترشادا بإرشاده وهو العليم الحكيم، ومن أبرزهم في ذلك أولو العزم من الرسل، ومنهم إبراهيم الخليل عليهم الصلاة والسلام.\nأرسل الله جل شأنه خليله إبراهيم ﵊ إلى قوم من الفرس عتاة جبارين يعبدون التماثيل، فأنكر عليهم عكوفهم لها وتقربهم إليها، قال تعالى: ﴿ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين * إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون﴾ (^٢)، ولما لم يكن لديهم حجة يعتمدون عليها في عبادتهم الأصنام بل تعللوا لباطلهم بما وجدوا عليه آباءهم من التقرب إلى التماثيل وعبادتهم إياها، فألغوا عقولهم وقلدوا آباءهم على غير هدى وبصيرة\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ٢١، ٢٢.\n(^٢) سورة الأنبياء، الآية: ٥١، ٥٢.","vol":"1","page":596},{"text":"﴿قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين﴾ (^١)، فسفه إبراهيم ﵊ أحلامهم، وحكم عليهم وعلى آبائهم بالحيرة والضلال المبين ﴿قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين﴾ (^٢)، وبين لهم أن التماثيل لا تسمع النداء، ولا تستجيب الدعاء، ولا تملك نفعا، ولا توقع ضرا، فلا يليق بعاقل أن يتخذها آلهة مع من فطر السماوات والأرض، وإليه مقاليد الأمور، يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير قال: ﴿قال هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون﴾ ﴿قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون﴾ (^٣).\nفلما ركبوا رؤوسهم، وأبو إلا اللجاج والعناد، والعصبية الممقوتة في تقليد الآباء والأجداد أعلن براءته منهم، وشدة عداوته لهم ولما يعبدون من دون الله ﴿قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون﴾ (٧٥) ﴿أنتم وآباؤكم الأقدمون﴾ (٧٦) ﴿فإنهم عدو لي إلا رب العالمين﴾ (٧٧) ﴿الذي خلقني فهو يهدين﴾ (٧٨) ﴿والذي هو يطعمني ويسقين﴾ (٧٩) ﴿وإذا مرضت فهو يشفين﴾ (٨٠) ﴿والذي يميتني ثم يحيين﴾ (٨١) ﴿والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين﴾ (^٤).\nوجد إبراهيم ﵊ أنه لابد له من سلوك طريق آخر عملي في إقامة الحجة؛ ليكون أقوى في الإبانة عن الحق، وأملك في إلزام الخصم، يضطرهم به إلى الإعتراف بما هم فيه من ضلال وظلم وانحراف، فأقسم بالله أن يكيد لأصنامهم وهم عنها غائبون، وانتهز فرصة خروجهم من البلد لبعض شأنهم، وذهب إلى آلهتهم خفية لئلا يراه أحد فيصده عن تنفيذ ما أراد، فجعلهم قطعا صغارا إلا كبيرا لهم تركه سالما، ليكون له ولهم معه شأن عند\n_________\n(^١) سورة الأنبياء، الآية: ٥٣.\n(^٢) سورة الأنبياء، الآية: ٥٤.\n(^٣) سورة الشعراء، الآيات: ٧٢ - ٧٤.\n(^٤) سورة الشعراء، الآيات: ٧٥ - ٨٢.","vol":"1","page":597},{"text":"التحقيق فيما جرى على أصنامهم، فلما عادوا إلى منازلهم وشاهدوا ما أصيب به آلهتهم ﴿قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين﴾ ﴿قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم﴾ ﴿قالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون﴾ (^١)، فلما حضر مجلسهم أخذوا يقررونه بما صنع بآلهتهم، قالوا من فعل هذا بآلهتنا يا إبراهيم؟ فأجابهم بنسبة ما حدث إلى من لا يتأتى منه، نسبه إلى كبير التماثيل وهو - كما يعلم ويعلمون - جماد لا حراك به، ذلك ليرشدهم إلى مكان الخطأ في عكوفهم على التماثيل، عبادة لها وتقربا إليها، ويصرفهم عنها إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ويوحي إليهم بأنه هو الذي كاد لأصنامهم وأنزل بهم ما يكرهون، وقد أكد ذلك بأمره إياهم أن يسألوا التماثيل عمن أصابهم بالتكسير والتحطيم إن كانوا يملكون جوابا ﴿قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون﴾ (^٢).\nوقد نجحت هذه الطريقة إلى حد ما، وأوجدت فيهم وعيا، فثابوا إلى رشدهم وما كان في أصل قرائحهم، واعترفوا بأنهم هم الذين ظلموا أنفسهم بعبادتهم تماثيل لا تملك لنفسها نفعا ولا تدفع عنها بأسا، وظلموا إبراهيم ﵇ بصدهم إياه عن دعوته، وإعراضهم عما جاءهم به من الآيات البينات على التوحيد وإخلاص العبادة الله رب العالمين، لكنهم لم يلبثوا أن ركبوا رؤوسهم ونكصوا على أعقابهم وارتكسوا في حمأة الضلال والحيرة عصبية لما ورثوه عن آبائهم من الشرك والبهتان المبين، قال تعالى: ﴿فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون﴾ ﴿ثم نكسوا على رءوسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون﴾ (^٣).\nلقد ازداد طريق الحق وضوحا وبيانا، واستحكمت حلقات الحجة لإبراهيم على أبيه وقومه، وحق له أن يضيق ذرعا من صدودهم، وأن يتأفف ضجرا من\n_________\n(^١) سورة الأنبياء، الآيات: ٥٩ - ٦١.\n(^٢) سورة الأنبياء، الآية: ٦٣.\n(^٣) سورة الأنبياء، الآيات: ٦٤ - ٦٥.","vol":"1","page":598},{"text":"طغيانهم وشركهم، وأن ينكر عليهم ذلك إنكارا صارخا، ويرميهم بالخبال وإلغاء العقول، ﴿قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون﴾ (^١).\nلقد أخذت الحمية الجاهلية للباطل من نفوس قوم إبراهيم ﵇ مأخذها، وتمكنت منهم العصبية لطاغوت التقليد للآباء والأجداد فيما أصيبوا به من الشرك والانحراف عن الحق حتى ملكت مشاعرهم، ووجهت عقولهم وأفكارهم إلى شر وجهة، وصرفتهم عن الحق المبين والصراط المستقيم، وزينت لهم أن يتخلصوا من إبراهيم ﵇، وينزلوا به أشد العقاب انتصارا لآلهتهم الباطلة، وانتقاما منه جزاءله عما صنع لها من تحطيم وتكسير، ويعلم الله أنه ما أراد بذلك إلا الخير لهم، وإخراجهم من ظلمات الشرك إلى نور التوحيد ﴿قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين﴾ (^٢)، لكن يأبى الله إلا أن ينصر رسوله وخليله إبراهيم ﵇، وأن يخذل أعداءه وأعداء دينه، ويبطل ما كادوا به لأوليائه فيبؤوا بالخسران المبين، إمضاء لسنته العادلة الحكيمة في أوليائه وأعدائه.\nقال تعالى: ﴿قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم (٦٩) وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين (٧٠) ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين (٧١) ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين (٧٢) وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين﴾ (^٣).\nوقال تعالى: ﴿إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد (٥١)\n_________\n(^١) سورة الأنبياء، الآيات: ٦٦ - ٦٧.\n(^٢) سورة الأنبياء، الآية: ٦٨.\n(^٣) سورة الأنبياء، الآيات: ٦٩ - ٧٣.","vol":"1","page":599},{"text":"﴿يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار﴾ (^١)\nوقال تعالى: ﴿سنة الله التي قد خلت من قبل … ولن تجد لسنة الله تبديلا﴾ (^٢).\nوالله الموفق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم.\n_________\n(^١) سورة غافر، الآيات: ٥١ - ٥٢.\n(^٢) سورة الفتح، الآية: ٢٣.","vol":"1","page":600},{"text":"<span data-type='title' id=toc-473>٤ - الطريقة المثلى في الدعوة إلى الله - الحلقة الرابعة</span>\nيختلف حال الداعية في استدلاله باختلاف حال من يسأله عن قضية أو يحاجه فيها، فقد يكون مقرا بأصول تلك القضية، معترفا بما يوجب عليه التزامها والعمل بها، فلا يشغل المستدل نفسه بإثبات تلك الأصول وإقامة الحجة عليها، فقد أغناه اعتراف سائله أو خصمه بها عن الاحتجاج عليها، بل يوجه عنايته إلى بيان اقتضاء هذه الأصول إثبات دعواه فيما خالفه فيه خصمه ليحمله على موافقته فيها واعتقاده إياها والعمل بها، من ذلك استدلال الرسل عليهم الصلاة والسلام بما أقر به المشركون من توحيد الربوبية على إثبات ما أنكروه من توحيد الإلهية، وقد أرشد الله جل شأنه إلى هذا في كثير من آيات القرآن، وهي أدلة عقلية نقلية في وقت واحد، ومن ذلك أيضا احتجاج المسلم على المسلم بقوله تعالى ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ (^١)، على حفظ القرآن وصيانة نصوصه وألفاظه من التحريف والتبديل وبقائه بلفظه كما نزل، ليكون حجة على عباده إلى أن تقوم الساعة، وهذا دليل نقلي تقوم به الحجة على من آمن ببقاء ما بين دفتي المصحف إلى وقت الخصومة، لكنه خالف في استمرار حفظه في المستقبل.\nوقد يكون السائل شاكا في أصول ما سأل عنه، طالبا الدليل على تلك الأصول أو منكرا لها حتى إذا ما ثبتت بالحجة ثبت تبعا لها ما سأل عنه أو أنكره، فيضطر المستدل إلى إثبات هذه الأصول بالأدلة العقلية، كالذي حاج إبراهيم ﵇ في ربه، فإن إبراهيم ﵇ استدل على إثبات الربوبية لله بأنه هو الذي يحيي ويميت، فسلك الكافر في جداله طريق التمويه وادعى لنفسه أنه\n_________\n(^١) سورة الحجر، الآية: ٩.","vol":"1","page":601},{"text":"يحيي ويميت، وقصد معنى سوى الذي قصد إليه إبراهيم ﵇ في استدلاله، فأتاه إبراهيم ﵇ بآية أخرى من آيات الربوبية على سبيل المثال لا يجد الكافر سبيلا إلى التمويه والمغالطة فيها فقال: ﴿فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين﴾ (^١)، وكفرعون فإنه قال لقومه ﴿أنا ربكم الأعلى﴾ (^٢)، وقال: ﴿ما علمت لكم من إله غيري﴾ (^٣) وقال: ﴿يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب أسباب السموات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا﴾ (^٤)، وذكر الله في آيات من سورة الشعراء محاجة فرعون لموسى ﵇ في ربه وإنكاره عليه أن يتخذ ربا سواه وإقامة موسى الحجة عليه، فقال تعالى: ﴿قال فرعون وما رب العالمين قال رب السموات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين﴾ (٢٤) ﴿قال لمن حوله ألا تستمعون قال ربكم ورب آبائكم الأولين قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون﴾ (٢٨) ﴿قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين﴾ (^٥)، فهذا استدلال عقلي استدل فيه بالأثر على المؤثر، وبالآيات الكونية على بارئها، ولا شك أن ذلك مما يدل عقلا على اختصاصه تعالي بالربوبية، ويلزم من ذلك اختصاصه تعالى بالألوهية. وكذلك منكروا النبوة يستدل عليهم بالمعجزات وخوارق العادات؛ لإثبات النبوة كما هي سنة الله في رسله عليهم الصلاة والسلام، فإنه يؤيدهم بالمعجزات التي تدل علي صدقهم في دعوى الرسالة وتقوم بها الحجة على أممهم.\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ٢٥٨.\n(^٢) سورة النازعات، الآية: ٢٤.\n(^٣) سورة القصص، الآية: ٣٨.\n(^٤) سورة غافر، الآيات: ٣٦ - ٣٧.\n(^٥) سورة الشعراء، الآيات: ٢٣ - ٢٩.","vol":"1","page":602},{"text":"وليس بمجدي في مثل ذلك الاستدلال بالنقول الخبرية المحضة، كقوله تعالى: ﴿قل هو الله أحد﴾ (^١)، في إثبات التوحيد، وقوله: ﴿وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا﴾ (^٢)، في إثبات الرسالة، ولا يكفي في محاجة من ينكر بقاء القرآن محفوظا منذ نزل إلى زمن المحاجة الاستدلال بقوله تعالى: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ (^٣)، بل الإثبات بذلك مستحيل لما يترتب عليه من الدور السبقي أو التسلسل الممنوع. والذي يتعين الاستدلال به في مثل ذلك الدليل العقلي المحض أو النقلي المتضمن للدليل العقلي، كالآيات التي استدل بها إبراهيم ﵊ على من حاجه في ربه، والآيات التي استدل بها موسى على فرعون، وكثير من الآيات القرآنية التي استدل بها على البعث والنشور يوم القيامة، بل يستدل على إثبات بقاء القرآن محفوظا إلى يومنا بنقله نقلا متواترا وبكونه معجزة خالدة إلى يوم القيامة، وإليك بيان ذلك:\n١ - أما بيان كيفية نقله من حين نزوله وتتابعه نقلا متواترا يفيد القطع واليقين، فإن رسول الله ﷺ كان له كتاب يكتبون له الوحي وغيره، وكان إذا نزلت عليه سورة أو آيات أو آية أو بعض آية أملى ذلك على كاتب منهم فكتبه على ما تيسر له من العسب والحجارة الرقيقة والعظام ونحوها، واستمر ذلك حتى أكمل الله دينه وأتم على الأمة الإسلامية نعمته، ومع ذلك كان النبي ﷺ يقرأ ما نزل عليه منه قراءة تثبت وتفهم ودراسة في الصلاة وغيرها، وكان ينزل عليه جبريل عليهما الصلاة والسلام فيدارسه القرآن في شهر رمضان، واستمر ذلك حتى توفاه الله. هذا مع عصمته في البلاغ والتشريع.\nوكان أصحاب رسول الله ﷺ يقرأون ما نزل من القرآن ويتدارسون فيما\n_________\n(^١) سورة الإخلاص، الآية: ١.\n(^٢) سورة سبأ، الآية، الآية: ٢٨.\n(^٣) سورة الحجر، الآية: ٩.","vol":"1","page":603},{"text":"بينهم فلا يكادون ينتهون مما تعهدوه بالتلاوة والدراسة من السور أو الآيات إلا وقد حفظوه وفهموه وعملوا به، فجمعوا بذلك بين الحفظ والعلم والعمل، يعرف ذلك من قرأ في دواوين السنة والسيرة، وعلم ما فيهما من الأحاديث والآثار، وكان عنده إلمام بحياة النبي ﷺ وحياة أصحابه ﵃، وعرف مدى عنايتهم بحفظ الدين عامة وحفظ القرآن خاصة.\nوقد اشتهر بحفظ القرآن جماعة من الصحابة ﵃، منهم أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وأبي ابن كعب، ومعاذ بن جبل، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وأبو زيد الأنصاري ﵃.\nولما كان يوم اليمامة وكثر القتل فيمن كان في جيش المسلمين من القراء لزيادة حرصهم على القتال، وحث بعضهم بعضا عليه بكلمة «يا أهل القرآن» إثارة لشعورهم وغيرتهم على الإسلام حتى يتسابقوا إلى القتال نصرة لدين الله - لما كان ذلك - اتفق الصحابة ﵃ على جمع القرآن مما كتب فيه ومن صدور الحفاظ الثقات، فتم ذلك على أكمل وجه وأحكمه، وكانت الصحف التي جمع فيها عند أبي بكر خليفة رسول الله إلى أن توفي، ثم عند عمر أيام خلافته إلى أن توفى ﵄، ثم كانت عند بنته حفصه، وقد علم أن القرآن نزل على سبعة أحرف (^١) (أي لغات)، وكان كل جماعة من الصحابة يقرءون بحرف منها، فلما تولى عثمان ﵁ الخلافة أشير عليه أن يجمع القرآن على حرف واحد من الأحرف السبعة، فأمر ﵁ بذلك، وتمت كتابة القرآن على حرف واحد مما بأيدي القراء الثقات، وقوبل بالصحف التي كانت\n_________\n(^١) حديث صحيح: رواه البخاري (٤٩٩١) من حديث ابن عباس ﵄ مرفرعا. ورواه البخاري أيضا (٤٩٩٢) من حديث عمر بن الخطاب ﵁ مرفوعا.","vol":"1","page":604},{"text":"عند حفصة ﵂ وثبت اتفاقهما، ونسخ منه مصاحف أرسلها إلى عواصم الإمارات الإسلامية بعد أن قرأه على الصحابة بين يديه فأقروها ﵃، واحتفظ بالأصل عنده بالمدينة المنورة، وصار المعتمد عند الصحابة رضي عنهم هذه المصاحف وثبت ثبوتا يوجب اليقين ويفيد القطع، بأن ما جمع هو ما نزل على رسول الله ﷺ، واستمر العمل عليها إلى يومنا هذا، تنقلها كل طبقة من الأمة عمن قبلها كتابة وحفظا، وقد بلغ عدد من كتبه وحفظه، في كل طبقة حدا فوق التواتر الذي لا يبقى معه موضع لريبة، ولا يدع مجالا لشك في أن ما وصلنا هو ما جمعه أبو بكر الصديق أولا، ثم عثمان ثانيا ﵄. وهذا في إفادة اليقين كالأخبار الكثيرة عن المدن المشهورة في إفادة اليقين بوجودها. ولو لم يكن إجماع الصحابة ﵃ على أن ما جمع في المصحف في خلافة أبي بكر، وفي المصحف في خلافة عثمان ﵄ هو القرآن المنزل على النبي ﷺ مفيدا لليقين لما كان هناك ما يفيد اليقين سوى المحسات، ولو لم تكن الأخبار عن حفظ القرآن - في صدور قراء المسلمين وعن كتابتهم إياه مع الإحكام والدقة في الضبط فهما في جميع الطبقات - مفيدة لليقين لما كان هناك أخبار تفيد اليقين، ولو أن إنسانا في عصرنا الحاضر الذي خفت فيه عناية المسلمين بالدين أراد أن يجمع القرآن من أفواه القراء وحفاظ القرآن دون الرجوع إلى ما كتب مخطوطا أو مطبوعا أو مسجلا في أشرطة لو سعه ذلك بيسر وسهوله، فكيف بذلك في العصور الإسلامية الزاهرة التي بلغت فيها العناية بالدين أصوله وفروعه شأوا بعيدا وغاية قصوى في النهوض به في شتى جوانبه وجميع نواحيه. إن الواقع لأعظم بينة وأقوى شهيد على بقاء القرآن محفوظا نصوصه من يوم نزل إلى وقتنا.\n٢ - وأما إثبات بقائه محفوظا بكونه معجزة خالدة إلى يوم القيامة، فإن ما كان به معجزة ودليلا على نبوة رسول الله ﷺ زمن نزوله عليه لا يزال قائما، فهو","vol":"1","page":605},{"text":"لازال يتحدى العالم أن يأتوا بمثله في فصاحته وبلاغته وقوة أسلوبه وفي أحكام تشريعه وصلاحيته للنهوض بالأمم مع تفاوت طبقاتها واختلاف أحوالها في كل زمان ومكان، وفي قصصه الصادق عن الأمم السابقة وأخباره عن سائر الغيبيات السابقة واللاحقة، ولم يأت أحد بمثله حتى وقتنا الحاضر مع بعد العهد بنزوله، ومضي أكثر من ثلاثة عشر قرنا على ذلك، ومع كثرة خصوم الإسلام والمسلمين وشدة مكرهم وكيدهم لهم، ودأبهم في العمل للقضاء على هذا الدين ومع تقدم الناس في العلوم الكونية والثقافات المتنوعة، ويأبى الله إلا أن يحفظ دينه ويعلي كلمته، ويكتب للقرآن والسنة الصحيحة البقاء، لتقوم بذلك الحجة على الناس.","vol":"1","page":606},{"text":"<span data-type='title' id=toc-474>٥ - الدعوة إلى العلم والعمل </span>(^١)\nالحمد لله مولى النعم، واسع الجود والكرم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له دافع النقم، وكاشف الغمم، بيده ملكوت السموات والأرض، وإليه يرجع الأمر كله، وهو على كل شئ قدير، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وصفيه وخليله، أرسله الله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيدا، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه. وبعد، فالعلم نور يتبين به الضار من النافع، ويتميز به الخبيث من الطيب، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر، سيما علوم الدين التي تفرق بين الحق والباطل، والهدى والضلال، فتبصر العبد بربه، وتعرفه بحقه سبحانه وحق عباده، وتكسبه رشدا بعد غي، وتفتح منه أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا، وبذلك ينعم في دنياه، ويسعد السعادة الأبدية في أخراه، ولا يكاد يعرف إنسان ناجح في الحياة العملية من عبادة، أو دراسة، أو كتابة، أو سياسة، أو صناعة، أو زراعة، أو غير ذلك إلا من كان على بينة وبصيرة بالوسائل العلمية التي يتوقف عليها عمله.\nمن هنا كان للعلم مزيته وفضيلته، ومكانته في الحياة العاجلة والآجلة، ولهذا سارع في طلبه العقلاء، وتنافس فيه المتنافسون، وبه تفاوت الكثير من الناس في منازلهم ودرجاتهم حسب تفاوتهم في مداركهم وتحصيلهم وإنتاجهم، وبه انتظم الكون ونهضت الأمم، وكان لمن برز فيه القدح المعلى والمقام الأسمى.\nوإنما يكون ذلك لمن سدد الله خطاه، وبصره بشئون دينه ودنياه، فعلم وعلم، وكان مثالا يحتذى في قوله وعمله، وسيرته، وخلقه، قال تعالى: ﴿قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب﴾ (^٢)، وقال:\n_________\n(^١) مقالة للمؤلف بمجلة التوحيد التابعة لجماعة أنصار السنة المحمدية بمصر العدد الخامس السنة الثالثة والعشرون.\n(^٢) سورة الزمر، الآية: ٩.","vol":"1","page":607},{"text":"﴿وما يستوي الأعمى والبصير (١٩) ولا الظلمات ولا النور (٢٠) ولا الظل ولا الحرور (٢١) وما يستوي الأحياء ولا الأموات إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور﴾ (^١)، وقال: ﴿أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولوا الألباب (١٩) الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق (٢٠) والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب (٢١) والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية ويدرءون بالحسنة السيئة أولئك لهم عقبى الدار﴾ (^٢).\nوليست منافع العلم وآثاره، وأجره وثوابه، وقفا على من علم وعلم، وألف ودون، بل ينال ذلك بفضل الله ورحمته من أعان عليه بوسائله المتنوعة، وأسبابه الكثيرة، من طبع الكتب النافعة، والرسائل المفيدة ونشرها بين طلاب العلم، وتيسير طريق وصولها إلى أيديهم، وإنشاء المباني المناسبة لدراستهم وسكناهم، وبذل ما يلزم لفقرائهم من النفقات، والسخاء بما يكفل لهم راحة بالهم، وتفرغهم لما قصدوا إليه ليتوفروا على الدراسة والتحصيل، ويتمكنوا من التأليف والتبليغ، فإن للوسائل حكم مقصدها، والساعي في الخير كفاعله «وإنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امريء ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، - أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه» (^٣)، وفي الحديث: «لا حسد إلا في اثنين: رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الخير، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها الناس» (^٤).\n_________\n(^١) سورة فاطر، الآيات: ١٩: ٢٢.\n(^٢) سورة الرعد، الآيات: ١٩: ٢٢.\n(^٣) أخرجه البخاري رقم (١) وفي الإيمان باب ما جاء أن الأعمال بالنية والحسبة (٥٤) من حديث عمر بن الخطاب وفي غير موضع ومسلم (١٩٠٧).\n(^٤) أخرجه البخاري في العلم باب الإغتباط في العلم والحكمة (٧٣) ومسلم في صلاة المسافرين (٨١٦).","vol":"1","page":608},{"text":"ولقد انتدب في عصرنا جماعة من ذوي الوجاهة والثراء للإسهام في نشر العلوم الإسلامية، وأخذتهم أريحة الكرم والجود، وهزت مشاعرهم الآيات والأحاديث التي حثت على البلاغ ونشر الدين، فبذلوا الأموال الطائلة في طبع الكتب والرسائل النافعة، استجابة لما وقر في قلوبهم من الإيمان الصادق، وغيرة على الإسلام وأهله، ورغبة في الأجر والمثوبة عند الله، وليكون ذلك لهم لسان صدق في الآخرين، فيقتفي آثارهم من بعدهم من المحسنين، ويصنع مثل صنيعهم، وتلهج ألسنتهم بالدعاء بالرحمة والمغفرة لهم.\nأسأل الله أن يوزع الجميع إلى شكر نعمه، ويهب لنا عزيمة صادقة، وهمة عالية، ونية صالحة، وأن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم، ويجعل ما ذكر من الثناء والمحامد حافزا لأهل الخير إلى الإكثار من فعل البر والإحسان وابتغاء مرضاة الله، وطلبا للحسنى والمثوبة عنده يوم لا ينفع المرء إلا ما قدمت يداه، إنه جواد كريم رءوف رحيم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.","vol":"1","page":609},{"text":"<span data-type='title' id=toc-475>٦ - من أسباب الإنحراف والصدود عن الحق </span>(^١)\nالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين وجميع الأنبياء والمرسلين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وبعد.\nفللصدود عن الحق أسباب عديدة، وموانع كثيرة، منها الغرور الفكري، والتقليد عن غير بينة وبصيرة، وتحكم العادات السيئة في النفوس، والإنفة والاستكبار، والحسد الممقوت، وطاغوت الافتتان بالمركز والجاه وكثرة المال، وما إلى ذلك، وكلها أمراض أخلاقية وبيلة، وأدواء مستعصية فتاكة، والحديث عنها يطول، فليكن حديثي في هذه الحلقة عن الغرور الفكري:\nالغرور الفكري هو إعجاب الإنسان بعقله، وافتتانه برأيه، وإنزاله فوق منزلته، وإعطاؤه من القداسة ما ليس بأهل له، حتى يدخل فيما لا يعنيه وما ليس في حدود وسعه، وحدود طاقته، فيعارض العبد ربه في خلقه وتشريعه فضلا عن معارضته لنظرائه ومن هو أوسع منه فكرا وأكثر تجربة من العلماء.\nلقد وجد الشيطان منفذا لوسوسته في اغترار قوم في عقولهم وعلومهم فاستهواهم وزين لهم أن يخضوا فيما ليس من شأنهم، وأن يهجموا على بحث ما ليس في وسعهم بحثه.\nمن ذلك تفاصيل القضاء والقدر، وأسماء الله وصفاته وكيفيات ذلك، فاضطربت أفكارهم، وتفرقت بهم السبل عن الجادة والصراط المستقيم، فمنهم من غلا في نفي القدر زعما منه أنه سلك مسلك العدل والتنزيه الله عن الظلم والجور، وعارضوا بذلك نصوص الإثبات للقضاء والقدر، ومنهم من غلا في الإثبات حتى سلب المكلفين إختيارهم وأعمالهم، زعما منهم أن نصوص عموم مشئية الله واقتداره تنافي ثبوت الاختيار والكسب للمكلفين، فعارضوا بذلك\n_________\n(^١) مقالة للمؤلف بمجلة التوعية الصادرة في موسم الحج عام ١٣٩٦ هـ.","vol":"1","page":610},{"text":"الحس وأدلة الشرع والعقل، ولم يكن من اقتحم باب البحث في كنه الله وكيفيات صفاته فغلوا في ذلك نفيا أو إثباتا بأهدى سبيلا من هؤلاء، بل وقع الجميع في حيرة ومتاهات لا نجاة لهم منها إلا بمعرفتهم قدر أنفسهم، والحدود التي يجب أن تنتهي إليها أفكارهم ويعلموا أنهم لم يؤتوا من العلم إلا قليلا، ويلزموا ما جاء في شريعة الله فما تبين من ذلك وجب اعتقاده، وما لم يتبين من التفاصيل والكيفيات وجب التسليم له، والقول بما قال الراسخون في العلم ﴿آمنا به كل من عند ربنا﴾ (^١). وحرم الخوض فيه، لقوله تعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا﴾ (^٢).\nواستهوى الشيطان من هؤلاء المغرورين طائفة أخرى، فزين لها أن تسن قوانين من عند أنفسها لتتحاكم إليها، وتفصل بها في خصوماتها، وسول لها أن تضع قواعد بمحض تفكيرها وهواها، تنظم بها اقتصادها وسائر معاملاتها، محادة لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وانتقاصا لتشريعهما وزعما منها أن تشريع الله لا يصلح للتطبيق والعمل به في عهدهم، ولا يكفل لهم مصالحهم، ولا يعالج ما جد من مشاكلهم، حيث اختلفت الظروف والأحوال عما كانت عليه أيام نزول الوحي واتسع نطاق المعاملات، وكثرت المشكلات، فلابد لتنظيم المعاملات، والفصل في الخصومات من قواعد وقوانين جديدة، يضعها المفكرون من أهل العصر الواقفون على أحوال أهله، المطلعون على المشاكل العارفون بأسبابها وطرق حلها لترتكز على واقع الحياة، وتتناسب مع أحوال الناس وظروفهم الحاضرة، ومع مستوى ثقافتهم وحضارتهم الراهنة.\nفهؤلاء لم يقدروا عقولهم قدرها، ولم ينزلوها منزلتها، ولم يقدروا الله.\n_________\n(^١) سورة آل عمران، الآية: ٧.\n(^٢) سورة الإسراء، الآية: ٣٦.","vol":"1","page":611},{"text":"حق قدره، ولم يعرفوا حقيقة شرعه، ولا طريق تطبيق منهجه وأحكامه، ولم يعلموا أن الله قد أحاط بكل شيء علما، فعلم ما كان وما سيكون من اختلاف الأحوال وكثرة المشاكل، وأنه أنزل شريعة عامة وشاملة، وقواعد كلية محكمة، وقدرها بكامل علمه، وبالغ حكمته فأحسن تقديرها، قد جعلها صالحة لكل زمان ومكان، فمهما اختلفت الأزمنة والحضارات، وتباينت الظروف والأحوال فهي صالحة لتنظيم معاملات العباد وتبادل المنافع بينهم، والفصل في خصوماتهم وحل مشاكلهم، وصلاح جميع شئونهم في عبادتهم ومعاملاتهم.\nإن العقول التي منحها الله عباده ليعرفوه بها، وليهتدوا بفهمها لتشريعه إلى ما فيه سعادتهم في العاجل والآجل قد اتخذوا منها خصما لدودا الله فأنكروا حكمته، وحسن تدبيره وتقديره، وضاق صدرهم ذرعا بتشريعه وأساءوا الظن به فانتقصوه وردوه، وقد يصابون بذلك وهم لا يدرون، لأنهم بغرورهم بفكرهم عميت عليهم معالم الحق والعدل فكانوا من الأخسرين أعمالا ﴿الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا﴾ (^١) وكانوا ممن قال الله فيهم: ﴿ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار جهنم يصلونها وبئس القرار﴾ (^٢).\nإن الله سبحانه كثيرا ما يذكر الناس في القرآن بأحوال المعتدين الهالكين، ويحثهم على أن يسيروا في الأرض لينظروا ما كانوا فيه من قوة ورغد عيش وحضارة، وبسطة في العلم نظر عظة واعتبار، ليتنكبوا طريقهم السيء اتقاء لسوء مصيرهم، ولفت النظر في بعض السور إلى جريمة الغرور الفكري، لشدة خطره، وبين أنه الفتنة الكبرى التي دفعوا بها في صدور الرسل وردوا بها دعوتهم، ليعرفنا بقصور عقول البشر أنها لا تصلح لمقاومة دعوة الرسل\n_________\n(^١) سورة الكهف، الآية: ١٠٤.\n(^٢) سورة إبراهيم، الآية: ٢٨، ٢٩.","vol":"1","page":612},{"text":"وليحذرنا من خطر الغرور الفكري الذي هلك به من قاوم المرسلين قال تعالى: ﴿أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثارا في الأرض فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون﴾ ﴿فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون﴾ ﴿فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين﴾ ﴿فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنت الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون﴾ (^١).\nإن اعتبار الإنسان لفكره واعتداده به درجات، منها المحمود ومنا المذموم، فما جاوز الحد وبلغ درجة الإعجاب بالرأي والعصبية له، ودفع الحق به بعد ما يتبين على نحو ما مضى الحديث عنه فهو الممقوت، وما وقف بالمفكر عند حده فاعتقد ما فهم من الدليل عن بينة وبصيرة، واعتز به لكونه الحق في نظره دون أن يعارض به صريح كتاب، ولا صحيح سنة، ولا اجماع أمة فليس بممقوت، بل هو الواجب عليه، وعلى تمسكه به يحمد، لكن ينبغي له أن ينصف مناظره من نفسه، ويحترم فكر صاحبه كما يجب أن يقابله بمثل هذا الاحترام ليستمر البحث والمناظرة، ويتبين الحق من قريب مع المحافظة على الأخوة، وأواصر المحبة والوئام. والله الموفق. وصلي الله على نبينا محمد وآله وسلم.\n_________\n(^١) سورة غافر، الآيات: ٨٢، ٨٥.","vol":"1","page":613},{"text":"<span data-type='title' id=toc-476>٧ - فتاوى الأخلاق وطلب العلم والدعوة</span>\n<span data-type='title' id=toc-477>س ١: سئل الشيخ: بماذا تنصح طلبة العلم والدعاة؟.</span>\nفقال الشيخ ﵀: الدعاة يدعون إلى ما تعلموا ويبدؤون بالتدرج، يبدأ بالأهم فالأهم العقيدة قبل الفروع. كما فعل الرسل وينتهز الفرص. كذلك طلبة العلم كما يبدأون غيرهم بالدعوة إلى التوحيد، فيبدأون هم بتعلم التوحيد قبل الفروع والرسل لم يتعرضوا للفروع في أول الأمر إلا في الفروع الشديدة التي تفشى فيها المخالفة.\nشعب حذر من نقصان المكيال؛ ولوط حذر من الفاحشة. وهذان الأمران يتصلان بالأخلاق والأخلاق قرينة التوحيد. وفي الفروع يتدرج، فالربا لم ينزل تشريعه إلا في آخر التشريع، وشرب الخمر كان تركه صعبا فتأخرت الدعوة إلى تركه. وفي الدعوة إلى العقيدة تدرج، فالرسول ﷺ لم ينه الصحابة عن الحلف بغير الله إلا مؤخرا؛ لأنه من باب الوسائل.\nوفي هذه الحالة إذا رأى منكرا لم يأت الوقت لبيان حكمه يسكت ولكن لا يدعو إلى المنكر.\n\n<span data-type='title' id=toc-478>س ٢: سئل الشيخ: هل يبدأ بتعليم القرآن قبل غيره من العلوم؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: تعلم القرآن في طرق التربية لابن خلدون عند المغاربة طريقتهم البداءة بالقرآن قبل تعلم أي علم، وطريقة غيرهم أن يصاحب حفظ القرآن حفظ المختصرات وتعلمها، وكان هذا موجود عند الأولين، منهم من كان بحرا في الحديث، وحافظا للقرآن، وأجهل من دابة في النحو والعربية.\n\n<span data-type='title' id=toc-479>س ٣: سئل الشيخ: عن حكم تعلم التجويد؟ فقال الشيخ ﵀: المطلوب هو التجويد العملي للقرآن وتلاوة</span>","vol":"1","page":614},{"text":"صحيحة. ولو بالتقليد والمحاكاة وهذا الذي كان موجودا عند الصحابة. أما القواعد التي وضعت فيما بعد لضبط التلاوة فتعلمها فرض كفاية في حق الأمة كلها لابد أن يكون فيهم من يتعلمها لكي يعلمها. وهي مستحبة لمن بعدهم ممن قد سقط عنهم الفرض الكفائي.\n\n<span data-type='title' id=toc-480>س ٤: سئل الشيخ: هل تنصح بالقراءة والتوسع في علم من العلوم أم تنصح بالقراءة في جميع العلوم؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: ذكر الشاطبي في تعميم الملكات وهو مبحث في علم التربية: هل يلزم أن يكون الإنسان قويا في جميع العلوم؟ أم لا يلزم؟ هما قولان:\nوذكر أنهم سألوا نحويا في الفقه، وهو يقول بتعميم الملكات إذا سها في سجود السهو هل يسجد؟ قال: لا، لأن المصغر لا يصغر (قال الشيخ وهذا ليس بدليل).\n\n<span data-type='title' id=toc-481>س ٥: سئل الشيخ: أيهما أفضل الجلوس في حلقات الذكر أم تشيع الجنازة؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: هذا يختلف باختلاف الحال، فالجنازة إذا لم تجد من يشيعها كان واجبا على الإنسان أن يمشي فيها ويسعى في تشيعها، وهذا دون شك أفضل من حلق الذكر.\nوإذا وجدت من يشيعها سواه وهو في حاجة إلى العلم، جلس مجلس العلم وليشيعها من هو عندها.\nفالحكم يختلف بإختلاف الحال وبإختلاف حال الإنسان وحاجته. والبصير من يقدر الأمور ويرتبها على حسب أهميتها في الوقت والحال الكائن فيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-482>س ٦: سئل الشيخ: انتقد بعضهم كتاب بلوغ المرام لابن حجر، يقولون فيه أحاديث مبتورة غير كاملة، وأحاديث أخرى ضعيفة فما رأيكم في هذا الكلام؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: يصلح ما فيه من الخطأ ويؤخذ بما فيه من الصواب","vol":"1","page":615},{"text":"ولا يمنع ما فيه من خطأ من الاستفادة مما فيه من الصواب.\n\n<span data-type='title' id=toc-483>س ٧: سئل الشيخ: أيهما أقرأ زاد المعاد أم المغني؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: زاد المعاد خير من المغني، لأن ابن القيم متأخر عن ابن قدامة، ومحقق عنه.\n\n<span data-type='title' id=toc-484>س ٨: سئل الشيخ: ما هو رأي فضيلتكم في كتاب الترغيب والترهيب للحافظ المنذري ﵀؟ وأيهما أقرأ الترغيب أو رياض الصاحين؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: كتاب الترغيب والترهيب للحافظ المنذري هو كتاب جيد لكن ليس انتقاؤه للأحاديث الصحيحة بدرجة رياض الصالحين. فـ (رياض الصالحين) للنووي أنقى حديثا منه. أما كتاب الترغيب والترهيب ففيه أحاديث ضعيفة، وله اصطلاح خاص به وهو أنه إذا قال في صدر الحديث روى أو حكى أو صيغة من صيغ التمريض المبنية للمجهول فإن ذلك يدل على أن الحديث ضعيف وقد أشار المنذري إلى هذا الإصطلاح في المقدمة.\nوله اصطلاح آخر، ذلك أنه إذا ذكر رجلا أو رجلين من السند قبل الصحابي يعلم من ذلك أن السند فيه ضعف في الرجل أو الرجلين الذين ذكرهما من السند.\nوقد ترجم الحافظ المنذري لهؤلاء الرواة الذين ذكرهم، وتكلم فيهم في آخر الكتاب، وبهذا أصبح المنذري ﵀ معذورا فيما يذكر من الأحاديث، وذلك أنه بين حال غالبها، وحال رجالها المتكلم فيهم، ثم يبقى دورك أنت تقبل الحديث أولا تقبله. لكن الحكم على الحديث من خلال المصطلحات الني استعملها المنذري يحتاج إلى خبرة في هذا الشأن فمن كان يجد في نفسه هذه الخبرة فلا بأس أن يقرأ في كتاب الترغيب ويستفيد مما فيه، ومن كان يرى أنه لا تتوفر عنده مثل هذه الخبرة فالأفضل له أن يقرأ في كتاب رياض الصالحين.","vol":"1","page":616},{"text":"للنووي، فهو أنقى حديثا من كتاب الترغيب والترهيب وأوضح مسلكا ومنهجا والله أعلم وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد.\n\n<span data-type='title' id=toc-485>س ٩ سئل الشيخ: هل تصح نسبة كتاب النبوات لابن تيمية؟</span>\nفقال الشيخ: ﵀: - في نظري أنه لابن تيمية، فالأسلوب أسلوبه، وأنا لم أحكم أن نسبته لابن تيمية تثبت بخطوط، فهذا الاستدلال إليه ولا أجعله دليلا لي لأني لا أعرف الخطوط، ولا أعرف خط ابن تيمية حتى أطبق على المخطو، وكذلك لم أحكم من جهة سلسلة موثوق بها من عهد ابن تيمية إلى يومي هذا، فليس عندي ذلك السند إنما الذي أستند إليه في هذا معرفتي بأسلوب ابن تيمية، فإنني إذا قرأت في كتاب لابن جرير الطبري أو ابن تيمية أعرف طريقته في الاستدلال، وأعرف دورانه وجدله حول الموضوع، وذلك بكثرة قراءتي لكتبه، وأنا قرأت كتاب النبوات وأعرف أن الأسلوب أسلوبه وأن كثيرا منه موجود في كتب أثق بأنها كتب ابن تيمية غير هذا الكتاب.","vol":"1","page":617},{"text":"سابعا فتاوى ذم البدع","vol":"1","page":619},{"text":"<span data-type='title' id=toc-486>سابعا: فتاوى ذم البدع</span>\n<span data-type='title' id=toc-487>س ١: سئل الشيخ: عن تخصيص ليلة النصف من شعبان بصيام أو قيام؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: كل ما ورد في ليلة النصف من شعبان ضعيف.\n\n<span data-type='title' id=toc-488>س ٢: سئل الشيخ: الأيام الفاضلة والأمكنة الفاضلة. هل تخص بزيارة العبادة وهل يتضاعف فيها الثواب؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: إذا ورد فيها نص يخصها بزيادة عبادة أو يخبر بزيادة ثواب العبادة فيها فيها وإلا فلا يزاد في العبادة فيها عن بقية الأيام.\n\n<span data-type='title' id=toc-489>س ٣: سئل الشيخ: هل من السنة المواظبة على ختم القرآن في التراويح؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: المقصود ختم القرآن في رمضان، لكن ليس المقصود ختمه في الصلاة. ودعاء ختم القرآن مخترع وتخصيصه بوتر آخر رمضان لم يرد وتراجع رسالة الشيخ بكر أبو زيد.\n\n<span data-type='title' id=toc-490>س ٤: سئل الشيخ: عن حكم قراءة القرآن جهرا في المحافل والمجامع كحفلات الزواج هل هذا ابتداع؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: هذا من البدع جعل افتتاح المجالس رسميا بتلاوة القرآن حيث لم يرد فيه نص، فلا يتخذ عادة، ويجوز فعله أحيانا، وأنا اختلفت مع هيئة كبار العلماء عندما افتتحوا بتلاوة القرآن الكريم. قلت: هذا بدعة ما حصل هذا من الرسول ﷺ ومجالسه كثيرة، وهو الإمام المقتدى به. أما إذا كانت موعظة مشتملة على آيات من القرآن فما عليه حرج.\n\n<span data-type='title' id=toc-491>س ٥: سئل الشيخ: عن التزام «صدق الله العظيم»، ختاما للقراءة؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: إلتزام هذا القول بعد التلاوة بدعة؛ لأن الرسول ﷺ وصحابته أقرأ الناس للقرآن ولم ينقل هذا عنهم فهو بدعة.","vol":"1","page":621},{"text":"<span data-type='title' id=toc-492>س ٦: سئل الشيخ: هل هناك بدعة حسنة؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: ليس هناك بدعة حسنة. وما يسمونه بدعة حسنة هو من المصالح المرسلة.\n\n<span data-type='title' id=toc-493>س ٧: سئل الشيخ: هل هناك حرج في أن يحدد الإنسان لنفسه صلوات أو أوراد من الذكر والتلاوة؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: ما دام هذا التحديد لنفسه، ولم يدع إليه غيره فلا بأس.","vol":"1","page":622},{"text":"<span data-type='title' id=toc-494>ثامنا: فتاوى متفرقة</span>","vol":"1","page":623},{"text":"فتاوى متفرقة\n\n<span data-type='title' id=toc-495>س ١: سئل الشيخ: متى يحمل الأمر على الندب والنهي عن التحريم؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: إذا كان الأمر متعلقا بالضروريات فإنه يحمل على الوجوب وإذا كان متعلقا بالتحسينات فهو محمول على الندب.\nوالنهي إذا كان في باب الضروريات أو الحاجيات فهو للتحريم وإن كان في باب التحسينات فهو للكراهة.\nوهذه قاعدة ضابطة وإن شئت تفصيل الكلام فيها فارجع إلى كتاب المقاصد من الموافقات - بفتح الفاء - للإمام الشاطبي ﵀.\n\n<span data-type='title' id=toc-496>س ٢: سئل الشيخ: هل يجوز الاحتجاج بالحديث الضعيف في مسائل الاعتقاد على سبيل الاحتجاج لمذهب السلف عند فقد دليل صحيح؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: لا يجوز الاحتجاج بالحديث الضعيف لا في العقائد ولا في غيرها.\n\n<span data-type='title' id=toc-497>س ٣: سئل الشيخ: عن معنى حديث: «لا يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكا فيعتقه»</span> (^١)؟\nفقال الشيخ ﵀: مهما فعل الولد من المعروف والإحسان إلى والده لا يجزيه في بره له، ولا يستطيع أن يكافئه على تربيته إياه، إلا أن يجد الولد والده عبدا فيحرره، فيكون بذلك قد كافأه بنص الحديث.\nأما من قال: إنه لا يكافئه حتى لو أعتقه لحديث أنت ومالك لأبيك. فكيف يعتق المملوك مالكه؟ فليس بصحيح؛ لأن ملك الوالد لولده ملك معنوي وليس\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في صحيحه (١٥١٠). وأبو داود (٥١٣٧). وابن ماجه (٣٦٥٩). وأحمد (٢/ ٢٣٠، ٢٦٣، ٣٧٦).","vol":"1","page":625},{"text":"حقيقيا لأن الولد لا يكون عبدا لأبيه، ولكنه مع ذلك مأمور بطاعة أبويه كطاعة العبد لسيده أو أكثر.\n\n<span data-type='title' id=toc-498>س ٤: سئل الشيخ: ما هي ضوابط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: (لابد من أن يكون المنكر الذي ينهى عنه والمعروف الذي يأمر به مما لا خلاف في كونه معروفا أو منكرا عند جميع العلماء أو بالنصوص الشرعية. كذلك لابد ألا يجلب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تعطيل مصلحة أعظم من المعروف المأمور به، أو جلب مفسدة هي أعظم مما نهى عنه.\nولابد من تحمل الأذى في سبيل الله في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قال الله تعالى: ﴿واصبر على ما أصابك﴾ (^١) وقد أوذي الرسول ﷺ. وتغير المنكر بدون أذى غير موجود في الدنيا).\n\n<span data-type='title' id=toc-499>س ٥: سئل الشيخ: عن الفديو؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: الفديو آلة إذا استعملت في الخير فهو خير، وإذا استعملت في الشر فهو حرام، هذا من ناحية مشاهدة أشرطتها.\n\n<span data-type='title' id=toc-500>س ٦: سئل الشيخ: عن القصة؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: القصة يشترط أن تكون صدقا، وأن يكون هدفها خيرا، ولا يجوز اختلاق قصة لم تقع.\n\n<span data-type='title' id=toc-501>س ٧: سئل الشيخ: عن الحكاية؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: يصح لك أن تروي حكاية حكاها ابن الجوزي بشرط أن تنسبها إليه. قال ابن الجوزي: حصل كذا وإن كانت كذبا فعهدتها.\n_________\n(^١) سورة لقمان، الآية: ١٧.","vol":"1","page":626},{"text":"عليه وإن كانت صدقا فأجرها له.\n\n<span data-type='title' id=toc-502>س ٨: سئل الشيخ: ماذا يفعل الإنسان إذا اغتاب شخصا آخر؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: إذا اغتاب رجل آخر يستسمحه إجمالا يقول: أخطأت في حقك فسامحني، ولا يقول له تفصيلا حتى لا تحصل فتنة وإذا كان في بلد أخرى كتب له.\n\n<span data-type='title' id=toc-503>س ٩: سئل الشيخ: ما حكم اتهام العلماء بعدم الفهم؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: لا يجوز اتهام عالم من العلماء بأنه لا يفهم الواقع، هذا تشويه ولا يصح أن يقال أن العلماء أو بعض العلماء لا يدركون الواقع إذا كان الذهن ينصرف إلى علماء بعينهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-504>س ١٠: سئل الشيخ: هل ننال فضل الاجتماع على الطعام بالرغم من استقلال كل واحد بصحن؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: نعم: المقصود بالاجتماع الاجتماع على المائدة لا الإجتماع على نفس الصحن.\n\n<span data-type='title' id=toc-505>س ١١: سئل الشيخ: عند تدريس التربية الإسلامية للنصارى هل يجوز لهم مس المصحف، وقراءته ويختبرون وترصد لهم الدرجات لعلهم يسلمون؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: لنا فتوى في هذا الموضوع بجواز دخول الكافر مدارس المسلمين ولو كان بوذيا.\n\n<span data-type='title' id=toc-506>س ١٢: سئل الشيخ: عن زواج الجني بالإنسية؟ والإنسي بالجنية؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: ممكن ولكن من ادعى ذلك فعليه الإثبات.\n\n<span data-type='title' id=toc-507>س ١٣: سئل الشيخ: عن تشبيك اليدين خلف الظهر؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: هي عادة الأعاجم وهي من المشابهة المنهي عنها.","vol":"1","page":627},{"text":"<span data-type='title' id=toc-508>س ١٤: سئل الشيخ: عن وقت أذكار المساء؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: هناك من يقول: من بعد الظهر، وهناك من يقول بعد العصر، وهناك من يقول بعد غروب الشمس.\nوالراجح عندي: أنها من بعد غروب الشمس كما قال ابن القيم، وأنا لم أستقص الأذكار حتى أحدد إذا كان بعضها مقيدا بما قبل الغروب. وقوله: ﴿وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها﴾ (^١) المقصود به الخمس صلوات.\n\n<span data-type='title' id=toc-509>س ١٥: سئل الشيخ: امرأة متزوجة لا ينبت لها شعر في رأسها. هل لها أن تلبس شعرا مستعارا بعلم زوجها؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: لا يجوز.\n\n<span data-type='title' id=toc-510>س ١٦: سئل الشيخ: هل يجوز الاستشهاد بكافر في المحكمة في قضية أو الشهادة له؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: نعم، إذا كانت الشهادة بحق ليست بباطل يجوز أن تستشهد به، أو تشهد له.\n\n<span data-type='title' id=toc-511>س ١٧: سئل الشيخ: ما هو الضابط في مسألة الإحسان إلى الكافر الذمي متى تكون من باب الموالاة؟ ومتى تكون من باب تأليفه على الإسلام؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: حسب نيته. إذا نوى موالاته فهي موالاة، وإذا نوى تأليفه على الإسلام فهي تأليف على الإسلام.\n\n<span data-type='title' id=toc-512>س ١٨: سئل الشيخ: عن ورقة بن نوفل هل يعتبر صحابيا أو من أهل الفترة؟ ولم؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: إذا كان قد ثبت إسلامه في زمن الرسول ﷺ فهو صحابي. وقوله: إنه الناموس الأكبر ليس تصريحا بإسلامه؛ لأنه قال: إن يدركني يومك ولم يدركه.\n_________\n(^١) سورة طه، الآية: ١٣٠.","vol":"1","page":628},{"text":"<span data-type='title' id=toc-513>س ١٩: سئل الشيخ: عن الروائح المخلوطة بالكحول؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: لا بأس به ما لم تكن مسكرة والمسكر فيها أنواع مخصصة وهي التي تكسرها هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وليس كل كحول مسكر فقشر البرتقال فيه كحول لكنه غير مسكر.\n\n<span data-type='title' id=toc-514>س ٢٠: سئل الشيخ: امرأة باق في عدة وفاة زوجها خمسة أيام ومضى منها أربعة أشهر وخمسة أيام هل يجوز لها الخروج؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: لا يجوز لها أن تخرج من بيتها، ولا أن تسافر إلى الحج ولو كان عمرها عمر نوح.\n\n<span data-type='title' id=toc-515>س ٢١: سئل الشيخ: عن طريقة التخلص من الورق المكتوب فيه اسم الله؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: المهم ذهاب معالم الكتابة التي تجعلها تقرأ فيصح أن يشق اسم الله، فيفصل اللامين عن بعضهما، والرحمن يفصل اللام والراء عن الحاء والميم.\n\n<span data-type='title' id=toc-516>س ٢٢: سئل الشيخ: شخص يلحقه ضرر في ماله إذا لم يشفع له آخر عند من له سلطة؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: يجب على من يستطيع الشفاعة أن يشفع بدون مقابل لوجه الله، وإذا لم يشفع إلا بدفع رشوة له فيجوز دفعها لإزالة هذا الضرر، والإثم في هذه الحالة على الآخذ. أما الدافع فمعذور. والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-517>س ٢٣: سئل الشيخ: هل يلزم تغطية الفواكه والخضروات قبل النوم؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: يشرع تغطية الإناء والتسمية عند التغطية سواء أكان شرابا أم طعاما جامدا، ويستثنى من ذلك الفاكهة أو الخضروات إذا كانت في قشرتها","vol":"1","page":629},{"text":"<span data-type='title' id=toc-518>س ٢٤: سئل الشيخ: عمن سها وترك تغطية الطعام فهل يأكل منه؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: إذا سها وترك تغطية الطعام فعليه أن يطعمه للحيوان ولا يأكل منه. وإذا أكل منه فقد أساء إلى نفسه.\n\n<span data-type='title' id=toc-519>س ٢٥: سئل الشيخ: ما حكم السفر إلى بلاد الكفار للعمل؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: إذا وجد عملا في بلاد المسلمين لم يجز له السفر إلى بلاد الكفار. وإذا لم يجد يجوز له السفر للعمل هناك بشرط أن يأمن على نفسه من شبه الكفار، فإن لم يأمن فحفظ دينه أولى.\n\n<span data-type='title' id=toc-520>س ٢٦: سئل الشيخ: ما حكم الأموال التي اكتسبها المسلم من عمله في بلاد الكفار مع فرض أن إقامته فيها محرمة؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: إذا كان المال مكتسبا من وجه حلال كالبيع والشراء، فهو حلال.\n\n<span data-type='title' id=toc-521>س ٢٧: سئل الشيخ: إذا كان الإنسان يعمل المعصية ثم يندم على فعلها ويتوب إلى الله، ولكن بعد ذلك بمدة يعود إلى هذه المعصية مرة أخرى، ثم يندم ويتوب، ثم يعود إليه وهكذا فماذا يفعل؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: إذا علم الله منه الصدق في التوبة والإخلاص ثم طرأ عليه فيما بعد تغير، وتسلط عليه الشيطان وغير من حاله، فالله يغفر ما مضى مما قد تاب منه توبة خالصة نصوح، ولا يعود إليه الذنب الماضي بعودته إلى الذنب مرة أخرى.\nأما إذا علم الله منه عدم الصدق في التوبة في المرة الأولى، فذنبه لم يغفر لعدم الإخلاص في التوبة الأولى ولعدم النصح فيها، وليس لأنه عاد إلى الذنب مرة أخرى.","vol":"1","page":630},{"text":"<span data-type='title' id=toc-522>س ٢٨: سئل الشيخ: هل هناك حرج في قولة أدامك الله، وهل هذه القولة تعارض قوله تعالى: ﴿كل من عليها فان﴾ أم لا؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: لا حرج في أن يقول الإنسان لأخيه آدامك الله، والدوام ليس معناه أن لا يموت، والدوام يطلق على طول المدة مثل أطال الله بقاءك، فالمراد بأدامك الله، أطال الله بقاءك المراد بها هذا، ولو قال أطال الله بقاءك كان خيرا منها، حتى لا يحتاج إلى تأويل فيما يتكلم به، والكلام الذي لا تكلف فيه ولا يحتاج إلى تأويل خير من الكلام الذي يحتاج إلى تأويل وشرح لمقصده.\n\n<span data-type='title' id=toc-523>س ٢٩: سئل الشيخ: ما حكم مسح الوجه باليدين بعد الإنتهاء من الدعاء وهل ورد فيه حديث عن النبي ﷺ</span>-؟\nفقال الشيخ ﵀: ليس مسح الوجه بعد الدعاء من السنة بل هو بدعة لأن مسح الوجه باليدين عقب كل دعاء يعتبر نسك وعبادة. وهو لم يثبت أن النبي ﷺ فعله فيكون بدعة في الدين والحديث الذي ورد في هذا ضعيف ولم يصح.\n\n<span data-type='title' id=toc-524>س ٣٠: سئل الشيخ: رجل كان له دكان يبيع فيه أشرطة الأغاني المنحرفة، ثم هداه الله وحول المحل إلى بيع أشرطة إسلامية، فما الحكم في المال الذي كسبه وأكله من بيع الأشرطة المحرمة التي كان يسجلها ويبيعها قبل التوبة؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: ما أكله من هذا المال الحرام فإنه يتوب إلى الله ويستغفره. وما أكله يكفيه التوبة وليس في وسعنا إسترجاعه من جوفه ومن بطنه. وما بقى عنده من المواد المحرمة على الأشرطة فيسهل التخلص منها بمحوها ويسجل عليها قرآن وأذكار، أو كتاب في التوحيد والعلم. فيسمع حتى يتعلم دينه، فيترك السوء والشر ويجعل مكانه الخير. وأما ما مضى منه فالله يتوب عليه، وما بقى من الكسب الحرام ينفقه في وجوه البر، ليس على سبيل الصدقة","vol":"1","page":631},{"text":"إنما أقول يتخلص منه بانفاقه في وجوه الخير والبر، لأن الصدقه لا تكون إلا من كسب طيب ولذلك لا نسميه صدقه لكن نسميه تخلصا من كسب حرام. وسوف يكسب أجرا وثوابا على تخلصه من هذا المال إن شاء الله.\n\n<span data-type='title' id=toc-525>س ٣١: سئل الشيخ: خادمة صغيرة السن حملت طفلة ثم سقطت وماتت فهل عليها دية لهذه الطفلة؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: إذا كانت ماتت من السقطة فعليها الدية وعليها الكفارة لأن هذا قتل خطأ. ولو كانت جاهلة. والدية على العاقلة وهم عصبتها.","vol":"1","page":632},{"text":"<span data-type='title' id=toc-526>تاسعا: نظرة إلى واقع المسلمين ما يجب عليهم</span>","vol":"1","page":633},{"text":"<span data-type='title' id=toc-527>١ - التحذير من كيد الأعداء المتربصين بالأمة الإسلامية</span>\nقال رحمه الله تعالى: إن أعداء المسلمين ما فتئوا يكيدون للمسلمين ويحاولون إضعاف قوتهم وتفريق كلمتهم بكل سبيل. فلما أعيتهم الحيل للنيل من الإسلام وأهله بالقوة، والسيف، أو بالحجة والبرهان، عمدوا إلى السلاح النسوي، سلاح الدس البغيض، والتلبيس. فلبسوا لذلك لأمة النفاق، وتدرعوا بدروع التقية خشية الظنون والريب، وخشية أسياف الغيورين من المجاهدين. مستبطنين الكفر والعدوان، فأوضعوا خلال المسلمين يبغونهم الفتنة … ... . إن ما ترزخ تحته الأمة الإسلامية اليوم من تفرق في الرأي، وضعف في الدفاع، وتأخر إلى الوراء حين يتقدم غيرهم، ليس كل ذلك إلا نتيجة غفلتهم عن مخططات أعدائهم وبعدهم عن تراث السلف الصالح وسلوكهم لغير خطتهم علما وعملا وفي موضع آخر يتحدث الشيخ ﵀ عن حقيقة العداوة بين المؤمنين والكافرين وطرق مواجهتها فيقول:\nإن العداوة التي بين المؤمنين والكافرين عداوة قديمة مستأصلة، وإن الخصومة التي بين الفريقين خصومة مستحكمة، وإن قلوب الكافرين لم تزل ولا تزال تتوهج فيها جمرات الغيظ، وتشتعل فيها نيران الضغائن والأحقاد، لا يكاد يخبو لهيبها أو تخمد جمرتها، بل لا تزال تزداد يوما بعد يوم، تتخذ ألوانا مختلفة من الكيد والتلبيس، وأشكالا من الحروب الضاربة خفية وجهرة، سرا وعلانية، وما خفي منها أشد ضراوة، وأعظم فتكا بالمسلمين مما ظهر، ولذا حذرنا الله من موالاتهم واتخاذ بطانة منهم قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم﴾ (١١٨)","vol":"1","page":635},{"text":"﴿وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط﴾ (^١).\nتارة تكون حربا مادية تدور رحاها في الجو، أو البحر، أو على بساط الأرض، بالطائرات والغواصات والدبابات وأمثال ذلك من الأسلحة الفتاكة، وتارة تكون نظرية تدور رحاها في عالم الأفكار بإلقاء الشبه، ونشر نظريات الإلحاد ونحوها لتشكيك المسلمين في دينهم، وزلزلة العقيدة في نفوسهم، ومحو ما في قلوبهم من حق ويقين، وآونة تكون حرب أعصاب وفتن توهن العزائم، وتبعث الرعب في القلوب، وتحطم وحدة المسلمين وتفرق جماعتهم بما تلقيه في نفوسهم من بذور الأثرة وأسباب العدواة والبغضاء، وتجعل بعضهم حربا على بعض، إلى غير ذلك من ألوان الكيد والحروب، فلابد للمسلمين أن يواجهوهم بمثل أسلحتهم، فيواجهونهم بأسلحة مادية يضعونها في نحورهم، ويقضون بها عليهم، ويواجهونهم بأدلة علمية يثبتون بها الحق في قلوب المؤمنين ويمحون الشبه حتى لا تكون فتنة ولا إلحاد، ولا حيرة ولا شكوك ويواجهونهم بإيجاد يقظة في الأمة الإسلامية، ونشر الوعي فيها حتى ينكشف لهم ما بخصوصهم من الكيد والدس، وحتى لا يغتروا بالبهرج الكاذب والمظاهر الخداعة، ولا يأخذ التهريج من نفوسهم مأخذه.\nوكل هذه المواجهات والمكافحات أنواع من الجهاد في سبيل الله، فيجوز أن يستعان في القيام بها بأموال الزكاة وغيرها من تبرعات المحسنين من أغنياء المسلمين، وبيوت الأموال في الدول الإسلامية عن طريق ولاة الأمور، لتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الكفر هي السفلى، وليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة، وإن الله لسميع عليم، والله الموفق. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.\n_________\n(^١) سورة آل عمران، الآية: ١١٨، ١١٩.","vol":"1","page":636},{"text":"<span data-type='title' id=toc-528>٢ - التحذير من الفرقة وآثارها المدمرة</span>\nكان الناس أمة واحدة على الحق بما أودع الله فيهم من فطرة الإسلام، وبما عهد إليهم من الهدى والبيان، فلما طال عليهم الأمد قست قلوبهم، فاجتالهم الشياطين عن الصراط المستقيم، وسلكت بهم بنيات الطريق، فمتزقت وحدتهم واختلفت كلمتهم، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما.\nقال تعالى: ﴿كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه﴾ (^١).\nوقال تعالى: ﴿فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها﴾ (^٢).\nوقال ﷺ: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه» (^٣). الحديث، وقد أمر الله - تعالى - في كتابه وعلى ألسنة رسله بوحدة الكلمة والاعتصام بشرعه، وحذر من الفرقة والاختلاف، وبين عاقبة ذلك بما ذكر من أحوال الأمم الماضية، وما خاق بها من الدمار، وأصابها من الهلاك، وحثهم على البيان والبلاغ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، نصرة للحق، وإزالة للشبهة، وإحباطا لكيد دعاة السوء واستهوائهم النفوس الضعيفة.\nقال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ (^٤).\nوقال: ﴿إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون﴾ (^٥).\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ٢١٣.\n(^٢) سورة الروم. الآية: ٣٠.\n(^٣) رواه البخاري (٦٥٩٩) ومسلم (٢٦٥٨) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^٤) سورة آل عمران، الآية: ١٠٢.\n(^٥) سورة الأنعام، الآية: ١٥٩.","vol":"1","page":637},{"text":"وقال: ﴿وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله﴾ (^١).\nوعن العرباض بن سارية قال: وعظنا رسول الله ﷺ موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله كأنها موعظة مودع، فمذا تعهد إلينا؟ فقال: «أوصيكم بالسمع والطاعة فإنه من يعش منكم بعدي، فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهدين من بعدي، تمسكوا بها، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فأن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» (^٢). إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث.\nومع ذلك دب الخلاف بين الناس، فما من أمة من الأمم إلا وقد اختلف بهم الأهواء حتى وضع كل لنفسه أصولا يبني عليها مذهبه وإليها يرجع في خصومته. فتناقضت مذاهبهم، وصار كل واحد حربا على أخيه، وشغل بذلك عن كتاب الله، وهدى رسوله ﷺ إلا أنه - سبحانه - جرت سنته واقتضت حكمته أن يقيض للحق في كل عصر جماعة تقوم عليه، وتهدي الناس إليه، إنجازا للوعد بحفظ دينه وإقامة للحجة، وإسقاطا للمعاذير، قال تعالى: ﴿وإن من أمة إلا خلا فيها نذير﴾ (^٣).\nوقال: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ (^٤).\nوقال ﷺ: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، وستفترق هذه الأمة\n_________\n(^١) سورة الأنعام، الآية: ١٥٣.\n(^٢) رواه أبو داود (٤٦٠٧) والترمذي (٢٦٧٦) وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.\n(^٣) سورة فاطر، الآية: ٢٤.\n(^٤) سورة الحجر، الآية: ٩.","vol":"1","page":638},{"text":"على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة». وفي رواية، قالوا: يا رسول الله! من الفرقة الناجية؟ قال: «من كان على مثل ما أنا عليه اليوم أنا وأصحابي». وفي رواية، قال: «هي الجماعة يد الله على الجماعة». رواه أبو داود والترمذي والنسائي (^١) وغيرهم. وفي الحديث: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق … الحديث (^٢).\nوقد تبين من ذلك أن الفرقة الناجية هي أهل السنة والجماعة، وأن شعارها كتاب الله، وهدى رسوله ﵊، وما كان عليه سلف الأمة الذين يؤمنون بمحكم النصوص ويعملون بها، ويردون إليه ما تشابه منها، وأما الفرق الضالة فشعارها مفارقة الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة واتباع الأهواء، وشرع ما لم يأذن به الله من البدع والآراء الزائفة بناء على أصول وضعوها، يوالون عليها، ويعادون، فمن وافقهم عليها أثنوا عليه وقربوه، وكان في زعمهم من أهل السنة والجماعة، ومن خالفهم تبرأوا منه ونبذوه وناصبوه العداوة والبغضاء، وربما رموه بالكفر والخروج من ملة الإسلام لمخالفته لأصولهم الفاسدة.\n_________\n(^١) رواه أحمد في مسنده وابن ماجه (٣٩٩٣) وفي الزوائد: إسناده صحيح، ورجاله ثقات.\n(^٢) رواه البخاري (٧٣١١) ومسلم (١٩٢١) من حديث المغيرة بن شعبة ﵁.","vol":"1","page":639},{"text":"<span data-type='title' id=toc-529>٣ - وجوب تنصيب ولي أمر المسلمين ووجوب طاعته في المعروف</span>\nإن إقامة ولي أمر عام للمسلمين يتولى شؤونهم، وتنتظم به أمورهم، ويجمع شملهم، واجب على المسلمين، فيجب عليهم أن يختاروا من بينهم من يصلح للقيام بواجب الأمة، وإن لم يكن في الأمة من يصلح لذلك إلا واحدا تعين عليهم أن يقيموه وليا عاما عليهم، ويتعين عليه أن يقبل تولي هذا، حفظا لكيانها، وتحقيقا لما ينهض بها، سياسة وتدبيرا، وثقافة وعلما، وانتاجا في السلم والحرب، والشدة والرخاء، وفي جميع الأحوال.\nوالحكمة في ذلك: رعاية مصلحة الأمة، وصيانتها من أن يدب إليها دبيب الفشل، فتضعف شوكتها، وتذهب ريحها، فيطمع فيها أعداؤها ويستولوا عليها وعلي مرافق حياتها، ويسخروها لمصالحهم، ويسومونها سوء العذاب.\nوقد شهدت الفطرة بضرورة إقامة ولي عام على المسلمين، يسهر على مصالحهم، ويسعى جهده في دفع كيد أعدائهم، ويبذل وسعه في توحيد كلمتهم، ولم شعثهم، بل عرف الإنسان أن اتخاذ القيادة وضرورتها أمر جبلت عليه الحيوانات العجماوات، فإنا لا نكاد نجد طائفة من الحيوانات على اختلاف أنواعها، كالنمل والنحل في المأوى وجمع الغذاء، وكالطيور في الهواء، والأسماك في الماء، إلا وقد اتخذت لنفسها قيادة تنظم سيرها وعملها ورئاسة تهيمن على شؤونها وحركاتها، ولو قدر تخلف ذلك كان تخلفه نادرا، وإذا فقدت القيادة في أمة من الحيوانات تجدها قد ضربت أطنابها في الفوضى، وصارت يضرب بها المثل في الهمجية والتهرج والاضطراب كأمة الجراد.\nوقد زخرت أدلة الكتاب والسنة بالحث الكثير على طاعة ولاة الأمور، والتحذير الشديد من الخروج عليهم ومنازعتهم. والحديث في أصل الولاية.","vol":"1","page":640},{"text":"بالخبر عنها، وانتظام الأمر بها مبسوط في مصنفات العلماء وهي تنص على أن وجوب تنصيب الولاة والأئمة وهو أمر معروف، طبعت عليه القبائل والأمم، كما دل العمل المستمر من النبي ﷺ، في بعث السرايا على أنه ما بعث سرية إلا وقد أمر عليها أميرا، وأوصها بطاعته، ودل عمله في البلاد الإسلامية أنه لم يترك بلدا دون أن يؤمر على أهلها أميرا، ولم يسافر عن المدينة إلا وقد أمر عليها أميرا، فإذا كان هذا شأنه في الولايات الخاصة، فالولاية العامة ألزم، والعناية بها أتم وأوجب، بل لا تكون ولاية خاصة في أمة إلا عن طريق الولاية العامة ومستمدة منها.","vol":"1","page":641},{"text":"<span data-type='title' id=toc-530>س ١: فضيلة الشيخ في الوقت الذي نرى فيه العالم الإسلامي اليوم من فرقة وانقسام وضياع لمقدسات المسلمين وموالاة لبعض دول الغرب الكافرة، والبعض الآخر لقوى الشرق يسأل الشباب المسلم عن دوره تجاه أمته الإسلامية حتى تعود للمسلمين عزتهم ومقدساتهم؟</span>\nفقال الشيخ ﵀: الجواب عن هذا نأخذه من تاريخ المسلمين.\nأولا: كيف كثروا بعد أن كانوا قلة، وكيف اجتمعت قلوبهم على قلب رسول الله ﷺ وكانوا جبهة وقوة بعد ضعف، وكيف انتصروا على أعدائهم؟ وبماذا كان هذا الانتصار؟ وبما كانت هذه الوحدة وهذا التآلف بينهم؟ وبما كان هذا التآخي؟ إذا نظرنا في تاريخ المسلمين وجدناهم كالجسد الواحد يتأثر كل فرد منهم بما يصيب أخاه؛ وكل جانب أو بلد من البلاد التي كان يسكنها المسلمون في الصدر الأول في عهد الرسول ﵊، والصحابة، والتابعين ومن تبعهم في القرون الثلاثة الأولى نجدهم جميعا كانوا وحدة لا تتجزأ، ويحس كل واحد منهم بإحساس الآخر، انظر إلى المادة أو الغذاء أو الدينامو إن شئت أن تسميه دينامو الذي بعث في قلوبهم تلكم القوة، وأنار تلك القلوب وأحياها، وجعل فيها إن شئت قل الصواريخ التي تصيب أعداءهم، وإن شئت قل السهام والنبال، وإن شئت قل السيوف، أذكر ما شئت من العدد الحربية والقوة القلبية والشجاعة النفسية، أذكر ما شئت من هذا، مبعثه أمر واحد وهو الاعتقاد والإيمان بكتاب الله - جل شأنه - وبما جاء في سنة رسوله ﷺ مما يتصل بأسماء الله وصفاته، وبما يتصل بتوحيد العبادة والإخلاص فيها الله وحده وبما يتصل بالجهاد في سبيل الله وابتغاء مرضاته ونصرة لدينه وإحقاقا للحق وإبطالا للباطل وقضاءا علي الكفر وأنصاره. وهذا المعنى هو مبعث الإخاء والقوة التي في قلوب المسلمين والشجاعة التي في قلوب المسلمين.","vol":"1","page":642},{"text":"وأضرب لكم مثلا بأمر واقع في غزوة الحديبية (^١) الرسول ﷺ كان معه ألف وأربعمائة مقاتل، ولما وصل إلى المكان المسمى بالحديبية وهو قريب من وادي فاطمة، بركت ناقته وأرادوا أن يسيروها بالإكراه فقال: دعوها فإنها مأمورة فتركوها ثم بلغه أن أهل مكة في شدة وفي إباء أن يقبلوا دخوله مكة وأرسل إليهم عثمان بن عفان ليرى شأنهم فتأخر بالرد على النبي ﷺ ووقع في نفوس الكثيرين أنه قتل أو أسر.\nوكان القصد من إرسال عثمان إلى هناك لكي يتبين الأمر، فلما تأخر وظنوا أنه قتل عاهد النبي ﷺ أصحابه على القتال وألا يفروا من وجه الكفار حتى ولو جاءوا بجميع ما عندهم من قوة، بايعوه جميعا وسميت البيعة بيعة الرضوان.\nفي الوقت نفسه اجتمعت قريش في كيفية مواجهة النبي ﷺ، وذلك بعد أن أبلغهم بديل بن ورقاء الخزاعي بقوله إني قد جئتكم من عند هذا الرجل، وسمعته يقول قولا فإن شئتم عرضته عليكم، فقال سفهاؤهم لا حاجة لنا أن تحدثنا عنه بشيء، وقال ذوو الرأي منهم: هات ما سمعته فقال: سمعته يقول إنا لم نأتي لقتال أحد ولكن جئنا معتمرين، وإن قريشا قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم فإن شاءوا أن يخلو بيني وبين الناس، وإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإن أبوا إلا القتال فوالذي نفسي بيدي لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي أو لينفذن أمره.\nوعلى أثره بعثت قريش مكرز بن حفص فلما رآه ﷺ قال: هذا الرجل غادر فلما جاء وتكلم، قال له مثل ما قال لبديل فرجع إلي قريش وأخبرهم.\nثم قال رجل من كنانة اسمه الحليس بن علقمة: دعوني أته فقالوا ائته فلما أشرف على النبي ﷺ وأصحابه قال هذا فلان وهو من قوم يعظمون البدن فبعثوا\n_________\n(^١) حديث صلح الحديبية أخرجه البخاري (٢٧٣١)، (٢٧٣٢).","vol":"1","page":643},{"text":"له الهدي واستقبله القوم يلبون، فلما رأى ذلك قال سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت، فرجع إلى أصحابه فقال رأيت البدن قد قلدت وأشعرت، وما أرى أن يصدوا وجرى بينه وبين قريش كلام كثير، فقال عروه بن مسعود الثقفي إن هذا قد عرض عليكم خطه رشد فأقبلوها ودعوني أن آتيه. فأتاه فجعل يكلمه فقال له النبي ﷺ نحوا من قوله لبديل فقال له عروه عند ذلك: أي محمد أرأيت لو استأصلت قومك، هل سمعت بأحد من العرب اجتاح قومه قبلك؟ وإن تكن الأخرى فوالله إني لأرى وجوها، وأرى أوباشا من الناس خليقا أن يفروا ويدعوك. فقال له أبو بكر: أمصص بظر اللات أنحن نفر عنه؟ قال: من ذا؟ قالوا: أبو بكر قال أما والذي نفسي بيده لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك وجعل يكلم النبي ﷺ، وكلما كلمه أخذ بلحيته. وكان المغيرة بن شعبة مدججا بالسلاح واقفا على رأس النبي ﷺ وكلما أشار بالسلاح إلى رسول الله ﷺ قال له المغيرة: كف يدك وهدده بقطعها إذا لم يكفها، فقال: من هذا؟ فقالوا: المغيرة. فقال له: يا غدر بالأمس غسلنا سوءتك، وكف يده، لكن قال كلمة سيئه هي التي يسمونها اليوم حرب أعصاب، قال للنبي ﷺ جئت بجيش بعضه غفاري، وبعضه جهني، وبعضه من المهاجرين، وبعضه من الأنصار، وهم قسمان أوس، وخزرج، وبين الفريقين ما بينهما من العداوة والبغضاء في زمن الجاهلية، وهم أخلاط جئت بهم من كل حدب وصوب، وهم خليط، كيف أمنت علي نفسك أن تحارب قومك ويحمي هؤلاء ظهرك، يريد أن يفتر همة النبي ﷺ وأن يخدعه، ويخدع قومه حتى يمهد بذلك للصلح والرجوع دون أن يدخل مكة، ولكن أبو بكر لم يستطيع أن يصبر، وأن يترك الجواب للنبي ﷺ بل قال له أمصص بظر اللات، البظر هو الذي يقطع في الختان من البنت، واللات صنم تعبده قريش، فقال له ذلك سخرية به واستهزاء بإلهه وبالكفار جميعا. إن أخوة الإيمان أقوى من أخوة النسب، ولننظر إلى هذا","vol":"1","page":644},{"text":"الرباط الروحي، الرباط القلبي، رباط الإيمان فإنه يجمع بين القلوب أكثر مما يجمع النسب بين القلوب.\nكان الإيمان حلقة اتصال بين المؤمنين كان الإيمان رباطا انبني عليه الإخاء الصادق، وانبنت عليه الأخوة الصادقة، وإخلاص كل منهم للآخر، وإخلاص الجميع لله وحده، والرضا بقضائه وقدره رضا يجعله لا يجبن عن القتال، ولا يتأخر عن مواجهة الكفار أعداء الله، وأعداء المسلمين كما قال تعالى في بداية سورة الممتحمة: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء﴾ (^١) وكما أمر الله تعالى المسلمين بأن يؤاخي بعضهم بعضا، وأن يربطوا بينهم برباط الإيمان، وأن يجعلوه مقدما على النسب، وقال في سورة براءة: ﴿قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين﴾ (^٢)\nفبين أن قلوب المؤمنين يجب أن تكون ممتلئة بحب الله، وبحب رسول الله، وبالحب بين المؤمنين فيما بينهم وأن يكون هذا الحب مقدما على كل شيء من متاع الدنيا وحطامها، ومن الأقارب، ومن الأزواج، ومن الأولاد، ومن كل شيء إلا الله ورسوله، وإلا التشريع الإسلامي، فهذا يجب أن يكون في قلوبهم مقدما على كل شيء بهذا حقق الله للمسلمين القوة التي لا يستطيع الكفار أن يدفعوها مهما كان عددهم.\nكان الروم كثرة، والمسلمون قلة، ومع ذلك انتصروا عليهم كان كسرى، والفرس قوة في الجاهلية، وفي صدر الإسلام يخشاهما ويقدرهما الناس قدرهما، ومع ذلك لم يستطيعوا أن يقفوا في وجه المسلمين.\n_________\n(^١) سورة الممتحنة، الآية: ١.\n(^٢) سورة التوبة، الآية: ٢٤.","vol":"1","page":645},{"text":"وقد بشر الرسول ﷺ بأنهم سينتصررون على الروم، وأنهم سينتصرون على كسرى، وأنهم سيسكنون بلادهم، ويعمرونها بالإسلام، وأنهم سيأخذون كثيرا من أموالهم، وتفتح عليهم الدنيا بكثرة، هذا كله نتيجة لما لديهم من إيمان جعله الله جل شأنه حياة لهم وقوة لهم، فلم يخشوا على أنفسهم من القتال ولا من الجهاد في سبيل الله، ولم يتفرقوا فيما بينهم، وكان المشركون يخشون منهم، وهم على مسافة بعيدة، وينزل بهم الرعب على مسافات كثيرة فكانوا ينصرون لمجرد السماع، وهذا من فضل الله جل شأنه جزاء للمسلمين على ما وهبهم من قوة إيمان، وقوة إخاء، وحب في الله، وبغض في الله، وعمل بتشريع الله ﷾.\nهذا الذي كان في الأول هو العلاج الذي يجب أن يكون اليوم، ولن تجتمع كلمة المسلمين إلا بمثل ما اجتمعت عليه كلمة آبائهم، وأجدادهم من المؤمنين الأولين.\nهذا هو الطريق الذي رسمه الله وبينه رسوله ﷺ. وعمل به المسلمون الأولون، فإذا رجع المسلمون إليه في الوقت الحاضر رجع إليهم مجدهم، ونصرهم، ووحدتهم، ورعبوا أعدائهم، وماداموا على الوضع الذي هم عليه من الفرقة والاختلاف وترك العمل بالشرع وموالاة أعداء الله من الكفار، ولم يتحولوا عنه لا قدر الله فهم في شر، وفرقة، وخصومات وأحقاد، وضغائن أسأل الله السلامة والعافية.","vol":"1","page":646}]}