{"ً":{"ٌ":863,"ٍ":"اثر عمل القلب على عبادة الصلاة","َ":5,"ُ":3,"ّ":"الكتاب: الكتاب: أثر عمل القلب على عبادة الصلاة\nالمؤلف: ابراهيم بن حسن الحضريتي\nعام النشر: ١٤٤٢ هـ - ٢٠٢١ م\nعدد الصفحات: ١١٥\n[كتاب إلكتروني بترقيم الشاملة]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":491,"ٕ":23,"ٖ":1780758807,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"المقدمة","level":1,"page":1},{"title":"محاور هذا الموضوع","level":2,"page":2},{"title":"تنبيهات مهمة","level":2,"page":5},{"title":"المبحث الأول: ملخص في إثبات أثر عمل القلب، وأهميته، وفيه مطالب.","level":1,"page":7},{"title":"المطلب الأول: من أدلة الكتاب والسنة في إثبات أثر عمل القلب.","level":2,"page":7},{"title":"المطلب الثاني: أهمية عمل القلب.","level":2,"page":13},{"title":"المطلب الثالث: الآثار العامة لعمل القلب على العبادات، ونجملها في الآتي","level":2,"page":14},{"title":"المطلب الرابع: سبب تخصيص الصلاة بالذكر قبل بقية العبادات","level":2,"page":17},{"title":"المبحث الثاني: ملخص نماذج لبعض أعمال القلوب المتعلقة بالخشوع في الصلاة، وفيه تمهيد مطالب.","level":1,"page":21},{"title":"التمهيد: الارتباط الوثيق بين عمل القلب وأثره على الخشوع في الصلاة","level":2,"page":21},{"title":"المطلب الأول: الإخلاص.","level":2,"page":23},{"title":"المطلب الثاني: اليقين.","level":2,"page":28},{"title":"المطلب الثالث: الصبر.","level":2,"page":32},{"title":"المطلب الرابع: المحبة.","level":2,"page":36},{"title":"المطلب الخامس: الخوف والخشية.","level":2,"page":39},{"title":"المطلب السادس: الرجاء.","level":2,"page":44},{"title":"المطلب السابع: أثر هذه الأعمال القلبية على عبادة الخشوع في الصلاة، وفيه عدة مسائل","level":2,"page":47},{"title":"المسألة الأولى: إذا أحب العبد ربه أحب أن يلتقي به في كل وقت، وقدر الموقف بين يديه فهاب أن ينصرف عنه بقلبه ووجهه.","level":3,"page":47},{"title":"المسألة الثانية: إذا حقق العبد في قلبه محبة الله أحب لقاءه كما سبق ويعد نفسه لذلك، ويترقى به الحال إلى أعلى من هذا إلى محبة القرب منه.","level":3,"page":48},{"title":"المسألة الثالثة: إذا حقق العبد في قلبه محبة الله والخشية منه، وتيقن أنه يناجي ربه، أثمر ذلك حياؤه من الله أن ينصرف بوجهه وقلبه عنه في صلاته.","level":3,"page":49},{"title":"المسألة الرابعة: الشعور بمناجاته لله وأنه مطلع عليه عالم بسره وجهره يسمعه ويراه.","level":3,"page":55},{"title":"المبحث الثالث: من آثار عمل القلب على صلاة العبد، وفيه مطالب.","level":1,"page":61},{"title":"المطلب الأول: وجود لذة عبادة الصلاة وحلاوتها، وطمأنينة القلب بها","level":2,"page":61},{"title":"المطلب الثاني: أن يعلم بقلبه ما يقوله بلسانه، ويفهمه ويتدبره.","level":2,"page":62},{"title":"المطلب الثالث: أثر حضور القلب على تدبر سورة الفاتحة في الصلاة.","level":2,"page":65},{"title":"المطلب الرابع: تدبر القلب للآيات والسور التي تقرأ في الصلاة عقب الفاتحة.","level":2,"page":70},{"title":"المطلب الخامس: أثر عمل القلب على عبادة الركوع، وفيه مسائل.","level":2,"page":74},{"title":"المسألة الأولى: الركوع من أعظم أركان الصلاة","level":3,"page":74},{"title":"المسألة الثانية: تعظيم الرب في الركوع","level":3,"page":75},{"title":"المسألة الثالثة: من أذكار الركوع","level":3,"page":75},{"title":"المسألة الرابعة: أثر عمل القلب على ما يقوله في الرفع من الركوع.","level":3,"page":76},{"title":"المسألة الخامسة: أثر عمل القلب في عبادة الركوع","level":3,"page":77},{"title":"المطلب السادس: أثر عمل القلب على عبادة السجود، وفيه مسائل.","level":2,"page":80},{"title":"المسألة الأولى: السجود أعظم موقف يقرب فيه العبد من ربه","level":3,"page":80},{"title":"المسألة الثانية: من أذكار السجود","level":3,"page":81},{"title":"المسألة الثالثة: أثر عمل القلب في عبادة السجود","level":3,"page":82},{"title":"المطلب السابع: عمل القلب وأثره على طمأنينة العبد في صلاته، وفيه توطئة ومسائل.","level":2,"page":84},{"title":"المسألة الأولى: معنى الطمأنينة","level":3,"page":84},{"title":"المسألة الثانية: الحكمة من الطمأنينة","level":3,"page":85},{"title":"المسألة الثالثة: الأدلة على أن الطمأنينة ركن في جميع الصلاة، وخطورة التساهل فيها","level":3,"page":86},{"title":"المطلب الثامن: أثر عمل القلب على التشهد وجلسته، وفيه مسائل","level":2,"page":90},{"title":"المسألة الأولى: جلسة التشهد ولفظ التشهد الأول، والثاني.","level":3,"page":90},{"title":"المسألة الثانية: أدعية ما قبل التسليم","level":3,"page":91},{"title":"المسألة الثالثة: أثر عمل القلب في عبادة التشهد، ويتلخص ذلك في الأمور الآتية","level":3,"page":92},{"title":"المطلب التاسع: حضور القلب عند التسليم من الصلاة، وأذكار ما بعد السلام، وفيه مسائل.","level":2,"page":105},{"title":"المسألة الأولى: التسليم","level":3,"page":105},{"title":"المسألة الثانية: أذكار ما بعد السلام مع ذكر أثر حضور القلب على ذلك","level":3,"page":105}],"ٛ":{"1,2":1,"1,3":2,"1,4":3,"1,5":4,"1,6":5,"1,7":6,"1,8":7,"1,9":8,"1,10":9,"1,11":10,"1,12":11,"1,13":12,"1,14":13,"1,15":14,"1,16":15,"1,17":16,"1,18":17,"1,19":18,"1,20":19,"1,21":20,"1,22":21,"1,23":22,"1,24":23,"1,25":24,"1,26":25,"1,27":26,"1,28":27,"1,29":28,"1,30":29,"1,31":30,"1,32":31,"1,33":32,"1,34":33,"1,35":34,"1,36":35,"1,37":36,"1,38":37,"1,39":38,"1,40":39,"1,41":40,"1,42":41,"1,43":42,"1,44":43,"1,45":44,"1,46":45,"1,47":46,"1,48":47,"1,49":48,"1,50":49,"1,51":50,"1,52":51,"1,53":52,"1,54":53,"1,55":54,"1,56":55,"1,57":56,"1,58":57,"1,59":58,"1,60":59,"1,61":60,"1,62":61,"1,63":62,"1,64":63,"1,65":64,"1,66":65,"1,67":66,"1,68":67,"1,69":68,"1,70":69,"1,71":70,"1,72":71,"1,73":72,"1,74":73,"1,75":74,"1,76":75,"1,77":76,"1,78":77,"1,79":78,"1,80":79,"1,81":80,"1,82":81,"1,83":82,"1,84":83,"1,85":84,"1,86":85,"1,87":86,"1,88":87,"1,89":88,"1,90":89,"1,91":90,"1,92":91,"1,93":92,"1,94":93,"1,95":94,"1,96":95,"1,97":96,"1,98":97,"1,99":98,"1,100":99,"1,101":100,"1,102":101,"1,103":102,"1,104":103,"1,105":104,"1,106":105,"1,107":106,"1,108":107,"1,109":108,"1,110":109},"ٜ":{"1":[2,110]},"ٝ":["1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110"],"ٞ":{"1":[1],"2":[2],"5":[3],"7":[4,5],"13":[6],"14":[7],"17":[8],"21":[9,10],"23":[11],"28":[12],"32":[13],"36":[14],"39":[15],"44":[16],"47":[17,18],"48":[19],"49":[20],"55":[21],"61":[22,23],"62":[24],"65":[25],"70":[26],"74":[27,28],"75":[29,30],"76":[31],"77":[32],"80":[33,34],"81":[35],"82":[36],"84":[37,38],"85":[39],"86":[40],"90":[41,42],"91":[43],"92":[44],"105":[45,46,47]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"<span data-type='title' id=toc-1>المقدمة</span>\nإن الحمدَ لله، نحمدُهُ، ونستعينُهُ، ونستغفرُهُ، ونعوذُ بالله من شرورِ أنفسِنا، ومن سيئاتِ أعمالِنا، من يهدهِ اللهُ فلا مضلَّ له، ومن يضْلِل فلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ لهُ، وأشهدُ أن محمدًا عبدُهُ ورسولُه.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢].\n﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١].\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١].\nأما بعد:\nفإن لعمل القلب أثره الكبير على العبادات، فإذا حقق العبد عمل القلب، وجاهد نفسه لإصلاح ما في قلبه من أمراض، واستعان بالله على ذلك، وصدق وأخلص، فإن الله وعد بإعانته، كما قال تعالى:\n﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ العنكبوت: ٦٩.","vol":"1","page":2},{"text":"وإذا وفق الله العبد لذلك ظهر أثره على عبادته: إقامة لها مع الاتقان، وإخلاصًا فيها، وحرصًا على الاهتداء بالهدي النبوي في أدائها، وظهر أثر ذلك أيضًا على إقبال القلب وحسن حضوره عند أداء العبادة مع الخشوع والخضوع لله.\nوسأذكر -إن شاء الله تعالى- سلسلة بعنوان: (أثر عمل القلب على العبادات) وأركز في أول هذه السلسلة على الصلاة، ونسأل الله العظيم أن يرزقنا الإخلاص والصدق والتوفيق والإعانة في هذا العمل، وأن يتفضل علينا بالقبول، وأن يوفقنا للخشوع في صلاتنا، والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل.\n\nوستكون بإذن الله<span data-type='title' id=toc-2> محاور هذا الموضوع </span>وفق العناصر الآتية:\nالمبحث الأول: ملخص في إثبات أثر عمل القلب، وأهميته، وفيه مطالب.\nالمطلب الأول: من أدلة الكتاب والسنة في إثبات أثر عمل القلب.\nالمطلب الثاني: أهمية عمل القلب.\nالمطلب الثالث: الآثار العامة لعمل القلب على العبادات.\nالمطلب الرابع: أسباب تخصيص الصلاة بالذكر قبل بقية العبادات\nالمبحث الثاني: نماذج لبعض أعمال القلوب المتعلقة بالخشوع في الصلاة، وفيه تمهيد ومطالب.\nالتمهيد: الارتباط الوثيق بين عمل القلب وأثره على الخشوع في الصلاة.\nالمطلب الأول: الإخلاص.\nالمطلب الثاني: اليقين.\nالمطلب الثالث: الصبر.\nالمطلب الرابع: المحبة.\nالمطلب الخامس: الخوف والخشية.\nالمطلب السادس: الرجاء.","vol":"1","page":3},{"text":"المطلب السابع: أثر هذه الأعمال القلبية على عبادة الخشوع في الصلاة، وفيه عدة مسائل:\nالمسألة الأولى: إذا أحب العبد ربه أحب أن يلتقي به في كل وقت.\nالمسألة الثانية: إذا حقق العبد في قلبه محبة الله أثمر له ذلك محبة القرب منه.\nالمسألة الثالثة: إذا حقق العبد في قلبه محبة الله أثمر ذلك حياؤه من الله أن ينصرف بوجهه وقلبه عنه في صلاته.\nالمسألة الرابعة: الشعور بمناجاته لله وأنه مطلع عليه عالم بسره وجهره يسمعه ويراه.\nالمبحث الثالث: من آثار عمل القلب على صلاة العبد، وفيه مطالب\nالمطلب الأول: وجود لذة عبادة الصلاة وحلاوتها، وطمأنينة القلب بها.\nالمطلب الثاني: أن يعلم بقلبه ما يقوله بلسانه، ويفهمه ويتدبره.\nالمطلب الثالث: أثر حضور القلب على تدبر سورة الفاتحة في الصلاة من الإمام والمأموم.\nالمطلب الرابع: تدبر القلب -من الإمام والمأموم- للآيات والسور التي تقرأ في الصلاة عقب الفاتحة.\nالمطلب الخامس: أثر عمل القلب على عبادة الركوع، وفيه مسائل.\nالمسألة الأولى: الركوع من أعظم أركان الصلاة.\nالمسألة الثانية: تعظيم الرب في الركوع:\nالمسألة الثالثة: من أذكار الركوع:\nالمسألة الرابعة: أثر عمل القلب على ما يقوله في الرفع من الركوع.\nالمسألة الخامسة: أثر عمل القلب في عبادة الركوع:\nالمطلب السادس: أثر عمل القلب على عبادة السجود، وفيه مسائل.\nالمسألة الأولى: السجود أعظم موقف يقرب فيه العبد من ربه:\nالمسألة الثانية: من أذكار السجود:\nالمسألة الثالثة: أثر عمل القلب في عبادة السجود:","vol":"1","page":4},{"text":"المطلب السابع: عمل القلب وأثره على طمأنينة العبد في صلاته، وفيه توطئة ومسائل.\nالمسألة الأولى: معنى الطمأنينة:\nالمسألة الثانية: الحكمة من الطمأنينة:\nالمسألة الثالثة: الأدلة على أن الطمأنينة ركن في جميع الصلاة، وخطورة التساهل فيها:\nالمطلب الثامن: أثر عمل القلب على التشهد وجلسته، وفيه مسائل:\nالمسألة الأولى: جلسة التشهد ولفظ التشهد الأول، والثاني.\nالمسألة الثانية: أدعية ما قبل التسليم:\nالمسألة الثالثة: أثر عمل القلب في عبادة التشهد، ويتلخص ذلك في الأمور الآتية:\nأولًا: ينبغي أن نستصحب المجاهدة لحضور القلب وفهمه لما يقوله المؤمن في صلاته، وعدم الغفلة عن ذلك مع الاستمرار وعدم الانقطاع:\nثانيًا: أن يتدبر ويفهم ويفقه معنى التشهد، فيقوله بلسانه وقلبه يدرك معنى ما يقول.\nثالثًا: أن يدرك معاني الصلاة الإبراهيمية:\nرابعًا: يتذكر بقلبه حين يقول في تشهده: الصلاة الإبراهيمية أمورًا، منها:\nالأول: امتثال قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ الأحزاب: ٥٦.\nالثاني: فضل الصلاة على النبي -ﷺ-.\nخامسًا: أن يستحضر قلبه معاني الاستعاذة من هذه الأربع.\nالمطلب التاسع: حضور القلب عند التسليم من الصلاة، وأذكار ما بعد السلام، وفيه مسائل.\nالمسألة الأولى: التسليم.\nالمسألة الثانية: أذكار ما بعد السلام مع ذكر أثر حضور القلب على ذلك.","vol":"1","page":5},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3>تنبيهات مهمة:</span>\n١ - لم أذكر المراجع في نهاية الكتاب لأن المراجع التي رجعت اليها ونسختُ منها هي المكتبة الشاملة بإصدارها الجديد على موقعها على الشبكة، فلست أرى أن هناك حاجة لذكر المراجع، وقد ذكرتها في الهوامش، ومن أراد التأكد فليرجع إلى المكتبة الشاملة:https://www.shamela.ws\n٢ - أرى لزامًا على القارئ الكريم أن يقف وقفات تامل مع النصوص الشرعية من الكتاب والسنة وألا يستعجل عند قراءتها، فإن الأثر والبركة في نفع القارئ والسامع مرتبطة بها، وأما كلام البشر فليس فيه شيء من ذلك إلا بقدر ارتباطه بهذه النصوص مع سلامة المقصد.\n٣ - ربما الكثير من الآيات التي أوردتها لم أعلق عليها بذكر أقوال المفسرين إلا في بعض الأحيان القليلة، لأنه في ظني أن الآيات واضحة بينة المعنى في المقصود منها، وهي من آيات المحكم الواضح البين الدلالة.\n٤ - وحين يكتب الكاتب في مثل هذه القضايا الدقيقة والشائكة، فذلك يكون من باب معالجة الغير وهو عليل، لا تعفيه علته من معالجة غيره، مع السعي في معالجة نفسه، والله الذي بيده الشفاء.\n٥ - لم أتعرض بشكل مفصل عن كل ما يتعلق بالصلاة من ناحية صفتها، لأنه ولله الحمد قد كتب في ذلك الكثير المطول والقصير، ومن أعظم ما كتب في ذلك وهو ورقات قلائل يسهل الاطلاع عليها ما كتبه الشيخ ابن باز، وكذلك الشيخ ابن عثيمين.\nومن المطولات كتاب الشيخ الألباني رحمة الله على الجميع.\n٦ - أوردت الكثير من الأدعية في الركوع والسجود وقبل السلام، وهذه لا يتسع ذكرها في الفرائض بل مجالها في النوافل ولها أثر كبير على الخشوع.","vol":"1","page":6},{"text":"المبحث الأول: ملخص في إثبات أثر عمل القلب، وأهميته، وفيه مطالب.\nالمطلب الأول: من أدلة الكتاب والسنة في إثبات أثر عمل القلب.\nالمطلب الثاني: أهمية عمل القلب.\nالمطلب الثالث: الآثار العامة لعمل القلب على العبادات.\nالمطلب الرابع: أسباب تخصيص الصلاة بالذكر قبل بقية العبادات","vol":"1","page":7},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4>المبحث الأول: ملخص في إثبات أثر عمل القلب، وأهميته، وفيه مطالب</span>.\n<span data-type='title' id=toc-5>المطلب الأول: من أدلة الكتاب والسنة في إثبات أثر عمل القلب</span>.\nلقد اعتنى القرآن العظيم والسنة الشريفة بمسألة عمل القلب وأثره اعتناء كبيرًا، فقد جاءت آيات كثيرة في إثبات أثر عمل القلب وتأثره بما يعمل صاحبه، فقد ذكر الله -﷾- أن قلوب المؤمنين يصيبها الوجل، وتطمئن بذكره، وأنها تخشع وتخضع لأمره، وغير ذلك كثير، وإذا تقرر هذا في حق المؤمنين، فإن القرآن الكريم قد ذكر في مقابل ذلك حال الكفار والمنافقين وتأثر قلوبهم بما يعملون، وذكر -﷾- كذلك أثر أمراض قلوبهم عليهم؛ من الختم والطبع، وما أصابها من مرض النفاق، والزيغ عن الحق، والقسوة … وقد جاءت آيات كثيرة في بيان ذلك. وكذلك جاءت أحاديث كثيرة تثبت أثر عمل القلب، ودونك ملخص لإثبات ذلك:\nأولًا: أمثلة على إثبات أثر عمل القلب على المؤمن مع ذكر شواهدها من القرآن العظيم.\n١ - وجل القلب وخوفه من الله، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ الآية [الأنفال: ٢]. وفيها إثبات أثر ذكر الله على القلب بحصول الوَجَل، ومعناه: الخوف من الله (^١)، ولا شك أن الذكر لا يحدث أثره في حصول وجل القلب من الله تعالى إلا إذا تواطأ القلب مع الحواس.\n٢ - طمأنينة القلب، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨]، دلت الآية على أثر ذكر الله على قلب المؤمن، فهو يأنس ويطيب ويسكن بذكر الله تعالى (^٢).\n_________\n(^١) ينظر: تفسير ابن كثير (٥/ ٤٢٥).\n(^٢) ينظر: تفسير الطبري (١٦/ ٤٣٢).","vol":"1","page":8},{"text":"ثانيًا: أمثلة على إثبات أثر مرض القلب على صاحبه وردت في آيات الكتاب العزيز.\n١ - عقوبة الله لأصحاب القلوب التي كفرت بالله بالختم عليها، وزيغ القلوب عن الحق، فقال تعالى عنهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ٦، ٧].\nقال البغوي ﵀ في تفسيره لمعنى الختم على القلوب: \"فقال: ﴿خَتَمَ اللَّهُ﴾: طبع الله ﴿عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ فلا تعي خيرًا ولا تفهمه\" (^١).\nوهذا الختم على القلوب عقوبة لهم بسبب منهم، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف: ٥].\nومن آثار مرض النفاق على القلوب تقييدها عن الخير بما يحدث لها من التردد والتذبذب والشك والحيرة والكسل عن الطاعات وكرهها، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ [التوبة: ٤٥]. والريب هو الشك، وهو من أثر أمراض النفاق على القلوب، فيتولد منه أثره على القلب بالتردد والتذبذب والكسل عن الطاعة وكرهها، فقال تعالى في بيان أثر النفاق على القلب: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ\n_________\n(^١) تفسير البغوي (١/ ٦٤ - ٦٥).","vol":"1","page":9},{"text":"٣ - قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢، ١٤٣].\nوقال تعالى عن المنافقين: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [التوبة: ٥٤].\n٤ - وقال تعالى في بيان أثر مرض النفاق على القلب وأن الله -﷾- لا يمكِّن صاحبه من العمل، بل يقعده عنه عقوبةً له على ما في قلبه من مرض: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ [التوبة: ٤٦].\nوإذا وجد العبد أنه يثبَّط عن الطاعات، ويحال بينه وبينها، فليفتِّش عن مرض في قلبه.\n٥ - أثر الذنوب على القلب في تغطيته وحجبه عن رؤية الحق، كما في قول الله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطفِّفين: ١٤].\nأثبت الله تعالى أن الذنوب تغطي على القلوب، فتحجبها عن رؤية الحق فلا تقبله.","vol":"1","page":10},{"text":"كما في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «إِنَّ العَبْدَ إِذَا أَخْطَأَ خَطِيئَةً نُكِتَتْ (^١) فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، فَإِذَا هُوَ نَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ وَتَابَ سُقِلَ (^٢) قَلْبُهُ، وَإِنْ عَادَ زِيدَ فِيهَا حَتَّى تَعْلُوَ قَلْبَهُ، وَهُوَ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطفِّفين: ١٤]» (^٣).\nفإذا غطت الذنوب القلب عمي عن رؤية الحق وانطمست بصيرته، كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦].\nثالثًا: وقد ورد في السنة ما يبين مكانة عمل القلب وأثره على صاحبه، ودونك إشارة لذلك:\n١ - أثر عمل القلب على صلاح الجسد أو فساده، ويدل عليه ما رواه النعمان بن بشير -﵁- قال: قال -ﷺ-: «.. أَلَا وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً: إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ\n_________\n(^١) أي نُقِطَ نقطة في قلبه.\nينظر: الصحاح (١/ ٢٦٩)، النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ١١٤) لابن الأثير، مادة (نكت).\n(^٢) وفي أكثر روايات الحديث: \"صُقِلَ\" بالصاد، والسقل والصقل بمعنى واحد، أي: جلاه ونظفه وصفاه وذهب عنه أثر الذنب.\nينظر: الصحاح (٥/ ١٧٤٤) مادة (صقل)، مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (٤/ ١٦٢٢)، تحفة الأحوذي (٩/ ١٧٨) للمباركفوري، دار الكتب العلمية بيروت.\n(^٣) أخرجه أحمد (١٣/ ٣٣٣) ح (٧٩٥٢)، والترمذي واللفظ له (٥/ ٤٣٤) ح (٣٣٣٤) وقال الترمذي: \"حديث حسن صحيح\"، وابن ماجه (٢/ ١٤١٨) ح (٤٢٤٤)، وابن حبان في صحيحه (٣/ ٢١٠) ح (٩٣٠)، الحاكم في مستدركه (٢/ ٥٦٢) ح (٣٩٠٨) وصححه ووافقه الذهبي، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢/ ٢٧١) ح (١٦٢٠)، وقال شعيب الأرناؤوط في تحقيق المسند (١٣/ ٣٣٤) ح (٧٩٥٢): \"إسناده قوي\".","vol":"1","page":11},{"text":"٢ - كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ القَلْبُ» (^١).\nوفي الحديث إشارة -كما يقول ابن رجب ﵀-: \"إلى أن صلاح حركات العبد بجوارحه، واجتنابه المحرمات واتقاءه للشبهات بحسب صلاح حركة قلبه، فإذا كان قلبه سليمًا، ليس فيه إلا محبة الله ومحبة ما يحبه الله، وخشية الله وخشية الوقوع فيما يكرهه، صلحت حركات الجوارح كلها، ونشأ عن ذلك اجتناب المحرمات كلها، وتوقٍ للشبهات حذرًا من الوقوع في المحرمات.\nوإن كان القلب فاسدًا، قد استولى عليه اتباع هواه، وطلب ما يحبه، ولو كرهه الله، فسدت حركات الجوارح كلها، وانبعثت إلى كل المعاصي والمشتبهات بحسب اتباع هوى القلب\" (^٢).\n٣ - ارتباط التقوى بعمل القلب، يقول -ﷺ-: «التَّقْوَى هَاهُنَا» وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .. الحديث (^٣).\nوذكر النووي في شرحه للحديث أن التقوى إنما تحصل بما في القلب من الأعمال، فيقول ﵀: \"إن الأعمال الظاهرة لا يحصل بها التقوى، وإنما تحصل بما يقع في القلب من عظمة الله تعالى وخشيته ومراقبته\" (^٤).\n٤ - في بيان أثر مرض الكبر على القلب، فعن عبد الله بن مسعود -﵁-: قَالَ النَّبِيِّ -ﷺ-: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ»، قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً! قَالَ: «إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ: بَطَرُ الْحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ» (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٤/ ١٩٨٧) ح (٢٥٦٤).\n(^٢) جامع العلوم والحكم لابن رجب (١/ ٢١٠).\n(^٣) أخرجه مسلم (٤/ ١٩٨٦) ح (٢٥٦٤).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (١٦/ ١٢١).\n(^٥) أخرجه مسلم (١/ ٩٣) ح (٩١).","vol":"1","page":12},{"text":"وفي الحديث دليل على أثر آفة الكبر على من تلبس بها، وهو من أخطر أمراض القلوب، ومن أعظم ما يصد القلوب عن الهدى.","vol":"1","page":13},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6>المطلب الثاني: أهمية عمل القلب</span>.\nوتتضح الدلالة على أهمية عمل القلب من خلال الأمور الآتية:\nأولًا: كثرة ذكرها في القرآن العظيم، وقد تقدمت إشارة إلى ذلك.\nثانيًا: ويكفي في الدلالة على عظيم مكانة عمل القلب في السنة ماورد في الحديثين الآتيين:\n١ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ» (^١)، فالقلوب وأعمالها هي محل نظر الرب -﷾-.\n٢ - وقال -ﷺ-: «.. أَلَا وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ القَلْبُ»، فصلاح الجوارح مرتبط بصلاح القلب، وهذا له أثره الكبير على خشوع المؤمن في صلاته.\nثالثًا: تحدث ابن القيم عن أهمية عمل القلب، فقال ﵀: \"فعمل القلب هو روح العبودية ولبها، فإذا خلا عمل الجوارح منه كان كالجسد الموات بلا روح … ومن تأمل الشريعة في مصادرها ومواردها علم ارتباط أعمال الجوارح بأعمال القلوب، وأنها لا تنفع بدونها، وأن أعمال القلوب أفرض على العبد من أعمال الجوارح، وهل يميز المؤمن عن المنافق إلا بما في قلب كل واحد منهما من الأعمال التي ميزت بينهما؟! وهل يمكن أحد الدخول في الإسلام إلا بعمل قلبه قبل جوارحه؟! وعبودية القلب أعظم من عبودية الجوارح وأكثر وأدوم، فهي واجبة في كل وقت؛ ولهذا كان الإيمان واجب القلب على الدوام، والإسلام واجب الجوارح في بعض الأحيان\" (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٤/ ١٩٨٧) ح (٢٥٦٤).\n(^٢) بدائع الفوائد (٣/ ١٩٢ - ١٩٣).","vol":"1","page":14},{"text":"وأعمال القلوب هي الأصل، وهي فرض على الأعيان باتفاق أهل الإيمان، من تركها بالكلية فهو إما كافر أو منافق، وأعمال الجوارح تابعة ومتممة لأعمال القلوب، فلا تتم إلا بها (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-7>المطلب الثالث: الآثار العامة لعمل القلب على العبادات، ونجملها في الآتي:</span>\n١ - قبول الله للعمل، وذلك يكون بشرطين:\n_________\n(^١) ينظر: مجموع الفتاوى (١٨/ ١٨٤ - ١٨٥)، بدائع الفوائد (٣/ ١٨٧ - ١٨٨).","vol":"1","page":15},{"text":"أ - مجاهدة النفس على الإخلاص لله تعالى، مما يثمر الحرص على سلامة المقاصد في العبادات من العجب والرياء والسمعة.\nب - مجاهدة النفس على اتباع الهدي النبوي في أداء العبادة والحرص على سلامتها من البدع.\n٢ - طهارة القلب من التعلق بغير الله يثمر حضور القلب في العبادة وعدم تشتته في أودية الدنيا، ولايؤدي إلى ضيقه بالعبادة وثقلها عليه؛ لأنه اذا تعلق القلب بالله وحده لا شريك له صفا له قلبه وطهر وصار همه الآخرة، وسلم من التشتت والفتنة التي تضرب بها القلوب المتعلقة بغير الله، فتثبطها عن طاعة الله، كما قال تعالى عن المنافقين: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ [التوبة: ٤٦]، وقال -ﷺ-: «مَنْ كَانَتِ الآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٤/ ٦٤٢) ح (٢٤٦٥)، وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١١/ ٢٦٦) ح (١١٦٩٠)، وذكره الألباني في السلسة الصحيحة (٢/ ٦٣٣) ح (٩٤٩)، وصححه في صحيح الجامع (٢/ ١١٠٩) ح (٦٥٠٥).\nوأخرجه ابن ماجه (٢/ ١٣٧٥) ح (٤١٠٥) بلفظ: «مَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ فَرَّقَ اللَّهُ عَلَيْهِ أَمْرَهُ، وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا كُتِبَ لَهُ، وَمَنْ كَانَتِ الْآخِرَةُ نِيَّتَهُ جَمَعَ اللَّهُ لَهُ أَمْرَهُ، وَجَعَلَ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ» من حديث زيد بن ثابت -﵁-، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢/ ٦٣٤) ح (٩٥٠)، وصححه شعيب الأرناؤوط في تحقيقه لسنن ابن ماجه (٥/ ٢٢٧) ح (٤١٠٥).","vol":"1","page":16},{"text":"٣ - الحرص على إتقان العبادة وإتمامها، والاجتهاد في الوصول إلى مقام الإحسان في العبادات، كما قال -ﷺ- عن مقام الإحسان: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» (^١).\nوهذه المرتبة العظيمة لا تحصل إلا إذا سلم القلب لله تعالى، واستحضر عظمة الله ومراقبته له وعلمه واطلاعه عليه، وجاهد العبد نفسه على إصلاح قلبه، وتنقيته من شوائب العجب والرياء والكبر والحسد، ومن بقية الآفات.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١/ ١٩) ح (٥٠)، ومسلم (١/ ٣٦) ح (٨).","vol":"1","page":17},{"text":"<span data-type='title' id=toc-8>المطلب الرابع: سبب تخصيص الصلاة بالذكر قبل بقية العبادات:</span>\nلأهمية الصلاة ومكانتها العظيمة عند الله تعالى وذلك يتجلى في أمرين:\nالأول: كثرة ورود ذكرها في القرآن العظيم (^١) والسنة الشريفة، وذلك يدل دلالة بينة على مكانتها العظيمة.\nالثاني: طريقة فرضيتها، فقد فرضت كل العبادات بواسطة جبريل إلا عبادة الصلاة، فقد فرضت فوق السموات، وكلم الله نبيه محمدًا -ﷺ- بدون واسطة وفرضها الله عليه وعلى أمته مباشرة في رحلة الإسراء والمعراج:\nوعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «أُتِيتُ بِالْبُرَاقِ، وَهُوَ دَابَّةٌ أَبْيَضُ طَوِيلٌ فَوْقَ الْحِمَارِ، وَدُونَ الْبَغْلِ، يَضَعُ حَافِرَهُ عِنْدَ مُنْتَهَى طَرْفِهِ»، قَالَ: «فَرَكِبْتُهُ حَتَّى أَتَيْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ»، قَالَ: «فَرَبَطْتُهُ بِالْحَلْقَةِ الَّتِي يَرْبِطُ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ»، قَالَ \" ثُمَّ دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، فَصَلَّيْتُ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجْتُ فَجَاءَنِي جِبْرِيلُ ﵇ بِإِنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ، وَإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ، فَاخْتَرْتُ اللَّبَنَ، فَقَالَ جِبْرِيلُ ﷺ: اخْتَرْتَ الْفِطْرَةَ، ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، فَقِيلَ: مَنَ أَنْتَ؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: َ قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ، فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أَنَا بِآدَمَ، فَرَحَّبَ بِي، وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ، ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ ﵇، فَقِيلَ: مَنَ أَنْتَ؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ، فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أَنَا بِابْنَيْ الْخَالَةِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وَيَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّاءَ، صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمَا، فَرَحَّبَا وَدَعَوَا لِي بِخَيْرٍ، ثُمَّ عَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، فَقِيلَ: مَنَ أَنْتَ؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ ﷺ، قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ، فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أَنَا بِيُوسُفَ ﷺ، إِذَا هُوَ قَدِ اُعْطِيَ شَطْرَ الْحُسْنِ، فَرَحَّبَ وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ،\n_________\n(^١) وهذا لا يحتاج إلى كبير جهد مع وجود البحث الآلي من خلال المكتبة الشاملة أو مصحف الملك فهد ﵀ ..","vol":"1","page":18},{"text":"ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ ﵇، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قَالَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ، فَفُتِحَ لَنَا فَإِذَا أَنَا بِإِدْرِيسَ، فَرَحَّبَ وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ، قَالَ اللهُ ﷿: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٧]، ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الْخَامِسَةِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ، فَفُتِحَ لَنَا فَإِذَا أَنَا بِهَارُونَ ﷺ، فَرَحَّبَ، وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ، ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ ﵇، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ، فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى ﷺ، فَرَحَّبَ وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ، ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، فَقِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ ﷺ، قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ، فَفُتِحَ لَنَا فَإِذَا أَنَا بِإِبْرَاهِيمَ ﷺ مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إِلَى الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ، وَإِذَا هُوَ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ، ثُمَّ ذَهَبَ بِي إِلَى السِّدْرَةِ الْمُنْتَهَى، وَإِذَا وَرَقُهَا كَآذَانِ الْفِيَلَةِ، وَإِذَا ثَمَرُهَا كَالْقِلَالِ \"، قَالَ: \" فَلَمَّا غَشِيَهَا مِنْ أَمْرِ اللهِ مَا غَشِيَ تَغَيَّرَتْ، فَمَا أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللهِ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَنْعَتَهَا مِنْ حُسْنِهَا، فَأَوْحَى اللهُ إِلَيَّ مَا أَوْحَى، فَفَرَضَ عَلَيَّ خَمْسِينَ صَلَاةً فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَنَزَلْتُ إِلَى مُوسَى ﷺ، فَقَالَ: مَا فَرَضَ رَبُّكَ عَلَى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ: خَمْسِينَ صَلَاةً، قَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا يُطِيقُونَ ذَلِكَ، فَإِنِّي قَدْ بَلَوْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَخَبَرْتُهُمْ \"، قَالَ: \" فَرَجَعْتُ إِلَى رَبِّي، فَقُلْتُ: يَا رَبِّ، خَفِّفْ عَلَى أُمَّتِي، فَحَطَّ عَنِّي خَمْسًا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، فَقُلْتُ: حَطَّ عَنِّي خَمْسًا، قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لَا يُطِيقُونَ ذَلِكَ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ \"، قَالَ: \" فَلَمْ أَزَلْ أَرْجِعُ بَيْنَ رَبِّي ﵎، وَبَيْنَ مُوسَى ﵇ حَتَّى قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّهُنَّ خَمْسُ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، لِكُلِّ صَلَاةٍ عَشْرٌ، فَذَلِكَ خَمْسُونَ صَلَاةً، وَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً، فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشْرًا، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ تُكْتَبْ شَيْئًا، فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ","vol":"1","page":19},{"text":"سَيِّئَةً وَاحِدَةً \"، قَالَ: \" فَنَزَلْتُ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى مُوسَى ﷺ، فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ \"، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: \" فَقُلْتُ: قَدْ رَجَعْتُ إِلَى رَبِّي حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ \" (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥/ ٥٢) ح (٣٨٨٧)، ومسلم واللفظ له (١/ ١٤٥) ح (١٦٢).","vol":"1","page":20},{"text":"المبحث الثاني: نماذج لبعض أعمال القلوب المتعلقة بالخشوع في الصلاة، وفيه تمهيد ومطالب.\nالتمهيد: الارتباط الوثيق بين عمل القلب وأثره على الخشوع في الصلاة.\nالمطلب الأول: الإخلاص.\nالمطلب الثاني: اليقين.\nالمطلب الثالث: الصبر.\nالمطلب الرابع: المحبة.\nالمطلب الخامس: الخوف والخشية.\nالمطلب السادس: الرجاء.\nالمطلب السابع: أثر هذه الأعمال القلبية على عبادة الخشوع في الصلاة، وفيه عدة مسائل:\nالمسألة الأولى: إذا أحب العبد ربه أحب أن يلتقي به في كل وقت.\nالمسألة الثانية: إذا حقق العبد في قلبه محبة الله أثمر له ذلك محبة القرب منه.\nالمسألة الثالثة: إذا حقق العبد في قلبه محبة الله أثمر ذلك حياؤه من الله أن ينصرف بوجهه وقلبه عنه في صلاته.\nالمسألة الرابعة: الشعور بمناجاته لله وأنه مطلع عليه عالم بسره وجهره يسمعه ويراه.","vol":"1","page":21},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9>المبحث الثاني: ملخص نماذج لبعض أعمال القلوب المتعلقة بالخشوع في الصلاة، وفيه تمهيد مطالب</span>.\n<span data-type='title' id=toc-10>التمهيد: الارتباط الوثيق بين عمل القلب وأثره على الخشوع في الصلاة:</span>\nعبادة الخشوع في الصلاة، مرتبطة بعمل القلب إرتباطًا وثيقًا، قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ٢]، وذلك لأن الخشوع يكون في القلب ويظهر أثره على الجوارح عند إقامة الصلاة.\nيقول ابن رجب ﵀: \" وأصل الخشوع هو: لين القلب ورقته وسكونه وخضوعه وانكساره وحرقته فَإِذَا خشع القلب تبعه خشوع جميع الجوارح والأعضاء؛ لأنها تابعة له، كما قال -ﷺ-: \"أَلَا إِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ القَلْبُ\" (^١).\nفَإِذَا خشع القلب خشع السمع والبصر والرأس والوجه، وسائر الأعضاء وما ينشأ منها حتى الكلام\" (^٢).\nوقد نقل الطبري عن الحسن البصري في معنى قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾، قال: \"كان خشوعهم في قلوبهم، فغضوا بذلك البصر، وخفضوا به الجناح\" (^٣).\nأي: جعلوا أبصارهم في موضع سجودهم، واستحضروا عظمة الوقوف بين يدي الله، فخفضوا الجناح له من هيبته وتعظيمه في قلوبهم.\nونقل ابن أبي شيبة في مصنفه عن مجاهد ﵀ قال: \"كان ابن الزبير إذا قام في الصلاة كأنه عود (^٤) من الخشوع\"، قال مجاهد: وَحُدِّثْتُ أن أبا بكر كان كذلك (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١/ ٢٠) ح (٥٢)، ومسلم (٣/ ١٢١٩) ح (١٥٩٩).\n(^٢) الذل والانكسار للعزيز الجبار (٢٩٠).\n(^٣) تفسير الطبري (١٧/ ٨).\n(^٤) أي كأنه عود ثابت لا يتحرك من شدة خشوعه، وذكر ابن عساكر في تاريخه: أن ابن الزبير إذا سجد وقعت العصافير على ظهره كأنه قطعة من جدار من خشوعه -﵁-. ينظر: تاريخ دمشق (٢٨/ ١٧٠).\n(^٥) مصنف ابن أبي شيبة (٢/ ١٢٥) رقم (٧٢٤٥).","vol":"1","page":22},{"text":"وقال ابن كثير ﵀: \"والخشوع في الصلاة إنما يحصل بمن فرغ قلبه لها، واشتغل بها عما عداها، وآثرها على غيرها، وحينئذ تكون راحة له وقرة عين\" (^١).\nولعمل القلب أثر عظيم على خشوع العبد في صلاته، وكما نعلم يقينًا أن القلب إذا صلح صلحت سائر الجوارح كما سبق في الحديث: «أَلَا وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ القَلْبُ»، وعلى هذا فلا سبيل للخشوع إلا بصلاح القلب، نسأل الله أن يصلح قلوبنا، ومن أكثر الأعمال القلبية أثرًا على الخشوع في الصلاة: الإخلاص، واليقين، والصبر، والمحبة، والخوف والرجاء؛ وذلك لأن الخشوع في الصلاة مرتبط بالقلب فلا سبيل إليه إلا بالإخلاص لله تعالى ومجاهدة النفس على ذلك، واليقين بما جاءت به نصوص الكتاب والسنة، والصبر على الاستمرار على حضور القلب في الصلاة واستحضار عظمة الموقف بين يدي الله في الصلاة، وهذه الأعمال القلبية لها أثر بيّن في حصول الخشوع في الصلاة، وهي تختلف في شدة تأثيرها على عبادة الخشوع، وعلى رأسها: محبة الله والخوف منه والخشية والرجاء، ودونك شيء من الخبر باختصار عن هذه الأعمال القلبية بصورة عامة، وفق المطالب الآتية:\nالمطلب الأول: الإخلاص.\nالمطلب الثاني: اليقين.\nالمطلب الثالث: الصبر.\nالمطلب الرابع: المحبة.\nالمطلب الخامس: الخوف والخشية.\nالمطلب السادس: الرجاء.\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (٥/ ٤٦١ - ٤٦٢).","vol":"1","page":23},{"text":"<span data-type='title' id=toc-11>المطلب الأول: الإخلاص </span>(^١).\nتعريفه:\nلقد عرف الإخلاص بتعاريف كثيرة متقاربة، ومن أدقها تعريف الغزالي، فيقول ﵀ عن الإخلاص بأنه: \"تجريد قصد التقرب إلى الله عن جميع الشوائب\" (^٢).\nوعرفه ابن القيم ﵀ بمجموعة من التعريفات من أدقها: \"إفراد الحق بالقصد في الطاعة، وقيل: تصفية الفعل عن ملاحظة المخلوقين، وقيل: الإخلاص نسيان رؤية الخلق بدوام النظر إلى الخالق، ومن تزين للناس بما ليس فيه سقط من عين الله\" (^٣).\nمن أدلة الكتاب والسنة على الإخلاص:\nلقد جاءت الأدلة الكثيرة من كتاب الله وسنة رسوله -ﷺ- دالة على هذا العمل القلبي العظيم، ومنها على سبيل المثال:\n• قوله تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [الأعراف: ٢٩].\nيقول الحافظ ابن كثير ﵀ في معنى هذه الآية: \"أي: أمركم بالاستقامة في عبادته في محالها، وهي متابعة المرسلين المؤيدين بالمعجزات فيما أخبروا به عن الله تعالى، وما جاءوا به عنه من الشرائع، وبالإخلاص له في عبادته، فإنه تعالى لا يتقبل العمل حتى يجمع هذين الركنين: أن يكون صوابًا موافقًا للشريعة، وأن يكون خالصًا من الشرك\" (^٤).\n_________\n(^١) سيكون التعريف لهذه الأعمال القلبية التعريف الاصطلاحي حرصًا على الاختصار.\n(^٢) إحياء علوم الدين (٤/ ٣٧٩).\n(^٣) مدارج السالكين (٢/ ٩١ - ٩٢).\n(^٤) تفسير ابن كثير (٣/ ٤٠٣).","vol":"1","page":24},{"text":"ويقول السعدي ﵀: \"أي: قاصدين بذلك وجهه وحده لا شريك له. والدعاء يشمل: دعاء المسألة، ودعاء العبادة، أي: لا تراءوا ولا تقصدوا من الأغراض في دعائكم سوى عبودية الله ورضاه\" (^١).\n• ومن الأدلة على الإخلاص قوله تعالى: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر: ١٤].\nقال السعدي ﵀ في تفسيره لهذه الآية: \"وهذا شامل لدعاء العبادة ودعاء المسألة، والإخلاص معناه: تخليص القصد لله تعالى في جميع العبادات الواجبة والمستحبة، حقوق الله وحقوق عباده. أي: أخلصوا لله تعالى في كل ما تدينونه به وتتقربون به إليه.\n﴿وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ لذلك، فلا تبالوا بهم، ولا يثنكم ذلك عن دينكم، ولا تأخذكم بالله لومة لائم، فإن الكافرين يكرهون الإخلاص لله وحده غاية الكراهة، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر: ٤٥] \" (^٢).\n• ومن الأدلة على وجوب إخلاص النية لله تعالى في جميع العبادات الظاهرة والباطنة (^٣) قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥].\n• ومما ورد في السنة عن عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ -﵁- قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَإِنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ\n_________\n(^١) تفسير السعدي (٢٨٦).\n(^٢) تفسير السعدي (٧٣٤).\n(^٣) ينظر: فتح القدير للشوكاني (٥/ ٥٨٠)، تفسير السعدي (٩٣١).","vol":"1","page":25},{"text":"• وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ» (^١).\nقال ابن رجب ﵀: \"والنية في كلام العلماء تقع بمعنيين:\nأحدهما: بمعنى تمييز العبادات بعضها عن بعض، كتمييز صلاة الظهر من صلاة العصر مثلًا، وتمييز صيام رمضان من صيام غيره، أو تمييز العبادات من العادات، كتمييز الغسل من الجنابة من غسل التبرد والتنظف، ونحو ذلك، وهذه النية هي التي توجد كثيرًا في كلام الفقهاء في كتبهم.\nوالمعنى الثاني: بمعنى تمييز المقصود بالعمل، وهل هو الله وحده لا شريك له، أم غيره، أم الله وغيره؟ وهذه النية هي التي يتكلم فيها العارفون في كتبهم في كلامهم على الإخلاص وتوابعه، وهي التي توجد كثيرًا في كلام السلف المتقدمين\" (^٢).\n• ومما يدل على أن الإخلاص شرط لقبول العمل حديث أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيّ -﵁- قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، فَقَالَ: أَرَأَيْتَ رَجُلًا غَزَا يَلْتَمِسُ الْأَجْرَ وَالذِّكْرَ، مَا لَهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لَا شَيْءَ لَهُ»، فَأَعَادَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، يَقُولُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لَا شَيْءَ لَهُ»، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ مِنَ الْعَمَلِ إِلَّا مَا كَانَ لَهُ خَالِصًا، وَابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُهُ» (^٣).\n• وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ القِيَامَةِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لَقَدْ ظَنَنْتُ -يَا أَبَا هُرَيْرَةَ- أَنْ لَا يَسْأَلنِي عَنْ هَذَا الحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّل مِنْكَ؛ لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الحَدِيثِ، أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ» أَوْ: «نَفْسِهِ» (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٨/ ١٤٠) ح (٦٦٨٩)، ومسلم (٣/ ١٥١٥) ح (١٩٠٧).\n(^٢) جامع العلوم والحكم (١/ ٦٥ - ٦٦).\n(^٣) أخرجه النسائي (٦/ ٢٥) ح (٣١٤٠)، وجوَّد إسناده ابن حجر في الفتح (٦/ ٢٨)، وحسنه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (١/ ١١٨) ح (٥٢)، وقال في صحيح سنن النسائي (٢/ ٣٨٣ - ٣٨٤) ح (٣١٤٠): \"حسن صحيح\".\n(^٤) أخرجه البخاري كتاب العلم، باب الحرص على الحديث (١/ ٣١) ح (٩٩).","vol":"1","page":26},{"text":"ودل الحديث على أمور، منها:\n- أن الإخلاص في كلمة التوحيد من أعظم أسباب سعادة المؤمن بشفاعة النبي -ﷺ- يوم القيامة (^١).\n- وفي عون المعبود: \"وفي قوله في حديث أبي هريرة: «أسعد الناس بشفاعتي من قال: لا إله إلا الله» سر من أسرار التوحيد، وهو أن الشفاعة إنما تنال بتجريد التوحيد، فمن كان أكمل توحيدًا كان أحرى بالشفاعة\" (^٢).\n• عن أبي هريرة -﵁-: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ: «إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ: جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ، وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ، وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ: عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ: هُوَ قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللهُ عَلَيْهِ، وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ: هُوَ جَوَادٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ، ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ» (^٣).\nوالحديث من أعظم الزواجر عن الرياء والسمعة التي هي من نواقض الإخلاص.\n_________\n(^١) ينظر: فتح الباري لابن حجر (١/ ١٩٤).\n(^٢) عون المعبود (١٣/ ٥٦).\n(^٣) أخرجه مسلم (٣/ ١٥١٣) ح (١٩٠٥).","vol":"1","page":27},{"text":"من أقوال العلماء في الإخلاص:\nقال الفضيل بن عياض ﵀ في معنى قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢]: \"هو أخلصه وأصوبه\"، قالوا: يا أبا علي، ما أخلصه وأصوبه؟ فقال: \"إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل، حتى يكون خالصًا صوابًا، والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة\"، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠] (^١).\nوقال أبو سليمان الداراني ﵀: \"إذا أخلص العبد انقطعت عنه كثرة الوساوس والرياء\" (^٢).\nوقال ابن القيم ﵀: \"العمل بغير إخلاص ولا اقتداء كالمسافر يملأ جرابه رملًا يثقله ولا ينفعه\" (^٣).\n_________\n(^١) ينظر: حلية الأولياء (٨/ ٩٥)، مدارج السالكين (٢/ ٨٨ - ٨٩) مع بعض التصرف.\n(^٢) مدارج السالكين (٢/ ٩٢)، البداية والنهاية (١٤/ ١٥٠).\n(^٣) الفوائد (٤٩).","vol":"1","page":28},{"text":"<span data-type='title' id=toc-12>المطلب الثاني: اليقين</span>.\nتعريفه:\nيوجد ارتباط وثيق بين معناه في اللغة وفي الاصطلاح، فهو العلم الذي لا شك فيه.\nوعرفه الجنيد ﵀ بقوله: \"اليقين هو استقرار العلم الذي لا ينقلب ولا يحول ولا يتغير في القلب\" (^١).\nوعرفه شيخ الإسلام ﵀ بقوله: \"أما اليقين فهو: طمأنينة القلب، واستقرار العلم فيه\" (^٢).\nمن أدلة الكتاب والسنة على اليقين:\nلقد اعتنى القرآن الكريم بهذا العمل القلبي العظيم، فذكر اليقين في آيات كثيرة، ومن ذلك:\n• جعله الله من صفات عباده المتقين، فقال تعالى: ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ٤].\nقال السعدي ﵀: \"والآخرة اسم لما يكون بعد الموت، وخصه بالذكر بعد العموم؛ لأن الإيمان باليوم الآخر أحد أركان الإيمان، ولأنه أعظم باعث على الرغبة والرهبة والعمل، واليقين: هو العلم التام الذي ليس فيه أدنى شك، الموجب للعمل\" (^٣).\n• وقال تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠].\n_________\n(^١) مدارج السالكين (٢/ ٣٧٥).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٣/ ٣٢٩).\n(^٣) تفسير السعدي (٤١).","vol":"1","page":29},{"text":"وفي تفسير السعدي لقوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾: \"أي: أفيطلبون بتوليهم وإعراضهم عنك حكم الجاهلية، وهو كل حكم خالف ما أنزل الله على رسوله؟!\nفلا ثَمَّ إلا حكم الله ورسوله أو حكم الجاهلية، فمن أعرض عن الأول ابتلي بالثاني المبني على الجهل والظلم والغي، ولهذا أضافه الله للجاهلية، وأما حكم الله تعالى فمبني على العلم، والعدل والقسط، والنور والهدى، ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ فالموقن هو الذي يعرف الفرق بين الحكمين ويميز بإيقانه ما في حكم الله من الحسن والبهاء، وأنه يتعين عقلًا وشرعًا اتباعه. واليقين هو: العلم التام الموجب للعمل\" (^١).\n• وقال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ [الروم: ٦٠].\nقال الطبري ﵀ في تفسيره لهذه الآية: \"يقول تعالى ذكره: ﴿فَاصْبِرْ﴾ يا محمد لما ينالك من أذاهم، وبلِّغهم رسالة ربك، فإن وعد الله الذي وعدك من النصر عليهم والظفر بهم وتمكينك وتمكين أصحابك وتُبَّاعك في الأرض حقّ، ﴿وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ يقول: ولا يستخفنّ حلمك ورأيك هؤلاء المشركون بالله، الذين لا يوقنون بالمعاد، ولا يصدّقون بالبعث بعد الممات، فيثبطوك عن أمر الله والنفوذ لما كلَّفك من تبليغهم رسالته\" (^٢).\n_________\n(^١) تفسير السعدي (٢٣٥).\n(^٢) تفسير الطبري (٢٠/ ١٢٠).","vol":"1","page":30},{"text":"• وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤].\nومن هذه الآية استنبط شيخ الإسلام ﵀ أن الإمامة في الدين لا تنال إلا بالصبر واليقين (^١).\n• وقال تعالى: ﴿هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [الجاثية: ٢].\nقال السعدي ﵀: \"أي: ﴿هَذَا﴾ القرآن الكريم والذكر الحكيم ﴿بَصَائِرُ لِلنَّاسِ﴾ أي: يحصل به التبصرة في جميع الأمور للناس، فيحصل به الانتفاع للمؤمنين، والهدى والرحمة. ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ فيهتدون به إلى الصراط المستقيم في أصول الدين وفروعه، ويحصل به الخير والسرور والسعادة في الدنيا والآخرة، وهي الرحمة؛ فتزكو به نفوسهم، وتزداد به عقولهم، ويزيد به إيمانهم ويقينهم، وتقوم به الحجة على من أصر وعاند\" (^٢).\n• ومما ورد في السنة عن اليقين حديث أبي هريرة -﵁-: قال رسول الله -ﷺ-: «فَمَنْ لَقِيتَ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْحَائِطَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ فَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ».\nدل هذا الحديث على أنَّ من شروط كلمة التوحيد اليقينَ.\n• وعن شَدَّاد بْنِ أَوْسٍ -﵁-، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-: «سَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ أَنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ»، قَالَ: «وَمَنْ قَالَهَا مِنَ النَّهَارِ مُوقِنًا بِهَا، فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَمَنْ\n_________\n(^١) ينظر: مجموع الفتاوى (٣/ ٣٥٨).\n(^٢) تفسير السعدي (٧٧٧).","vol":"1","page":31},{"text":"• قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ وَهُوَ مُوقِنٌ بِهَا، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ» (^١).\nدل هذا الحديث على أن من شروط أثر سيد الاستغفار على صاحبه أن يقوله بيقين.\nمن أقوال العلماء في اليقين:\nعن سفيان الثوري ﵀ قال: \"لو أن اليقين، استقر في القلب كما ينبغي لطار فرحًا وحزنًا وشوقًا إلى الجنة، أو خوفًا من النار\" (^٢).\nوقال سهل بن عبد الله التستري ﵀: \"حرام على قلب أن يشم رائحة اليقين وفيه سكون إلى غير الله\" (^٣).\nوقال ابن القيم ﵀: \"فإذا باشر القلب اليقين امتلأ نورًا وانتفى عنه كل ريب وشك، وعوفي من أمراضه القاتلة، وامتلأ شكرًا لله وذكرًا له ومحبة وخوفًا\" (^٤).\nويقول أيضًا: \"فالعلم أول درجات اليقين، ولهذا قيل: العلم يستعملك، واليقين يحملك، فاليقين أفضل مواهب الرب لعبده، ولا تثبت قدم الرضا إلا على درجة اليقين، قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التغابن: ١١]، قال ابن مسعود -﵁-: (هو العبد تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من الله، فيرضى ويسلم) (^٥)، فلهذا لم يحصل له هداية القلب والرضا والتسليم إلا بيقينه\" (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٨/ ٦٧) ح (٦٣٠٦).\n(^٢) حلية الأولياء (٧/ ١٧).\n(^٣) مفتاح دار السعادة (١/ ١٥٤).\n(^٤) مفتاح دار السعادة (١/ ١٥٤).\n(^٥) نسبه ابن جرير إلى علقمة، ينظر: تفسير الطبري (٢٣/ ١٢).\n(^٦) مفتاح دار السعادة (١/ ١٥٥).","vol":"1","page":32},{"text":"<span data-type='title' id=toc-13>المطلب الثالث: الصبر</span>.\nتعريفه:\nمن أدق تعاريفه تعريف الراغب ﵀ بقوله: \"الصَّبْرُ: حبس النّفس على ما يقتضيه العقل والشرع\" (^١).\nوالذي يظهر لي أن تعريف الراغب تعريف دقيق؛ لأنه يشمل كل أنواع الصبر، فيكون حبسًا للنفس على الطاعة وترك المعصية، وعلى القدر المؤلم، والله أعلم.\nوقيل: هو: \"حبس النفس عن الجزع والتسخط، وحبس اللسان عن الشكوى، وحبس الجوارح عن التشويش\" (^٢). وهذا التعريف يصلح لنوع من الصبر وهو الصبر على القدر المؤلم (^٣).\nويقول ابن القيم ﵀ عن حقيقة الصبر وفائدته: \"خلق فاضل من أخلاق النفس، يمتنع به من فعل ما لا يحسن ولا يجمل، وهو قوة من قوى النفس التي بها صلاح شأنها وقوام أمرها\" (^٤).\nمن أدلة الكتاب والسنة على الصبر:\nقال الإمام أحمد ﵀: \"ذكر الله سبحانه الصبر في القرآن في تسعين موضعًا\" (^٥).\nوذكر ابن القيم أن الصبر مذكور في القرآن على ستة عشر نوعًا، وذكرها ﵀ مع ذكر شواهدها، وأذكر منها على سبيل المثال، الآتي (^٦):\n_________\n(^١) المفردات في غريب القرآن (٤٧٤).\n(^٢) مدارج السالكين (٢/ ١٥٥).\n(^٣) ينظر: أعمال القلوب للسبت (٢/ ٢١١، ٢١٢).\n(^٤) عدة الصابرين (١٦).\n(^٥) نقله ابن القيم عن الإمام أحمد في عدة الصابرين (٧١)، مدارج السالكين (٢/ ١٥١).\n(^٦) ينظر: مدارج السالكين (٢/ ١٥١ - ١٥٢).","vol":"1","page":33},{"text":"• الأمر به، نحو قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٣].\n• النهي عن ضده، كقوله: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ [الأحقاف: ٣٥]، وقوله: ﴿فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ [الأنفال: ١٥]، فإن تولية الأدبار: ترك للصبر والمصابرة.\n• الثناء على أهله، كقوله تعالى: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧]، وهو كثير في القرآن.\n• محبته -﷾- لهم، كقوله: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦].\n• معيته -﷾- لهم، وهي معية خاصة، تتضمن: حفظهم ونصرهم، وتأييدهم كقوله: ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٦]، وهي ليست معية عامة، التي تتضمن: معية العلم والإحاطة.\n• الجزاء منه -﷾- لهم بغير حساب، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠].\nوورد الصبر في السنة في عدة أحاديث منها:\n• عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «وَالصَّلَاةُ نُورٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ» الحديث (^١).\nقال النووي ﵀ في شرحه لهذا الحديث: \"والمراد: أن الصبر محمود ولا يزال صاحبه مستضيئًا مهتديًا\" (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١/ ٢٠٣) ح (٢٢٣).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٣/ ١٠١).","vol":"1","page":34},{"text":"• وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ -﵁-: إِنَّ نَاسًا مِنَ الأَنْصَارِ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ، حَتَّى نَفِدَ مَا عِنْدَهُ، فَقَالَ: «مَا يَكُونُ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ» (^١).\nدل الحديث على فضيلة الصبر ومكانته العظيمة، ومن يعالج نفسه على الصبر ويعودها عليه، فإن الله يمكنه من نفسه حتى تنقاد له، وأن الصبر أفضل ما يعطاه المرء لكونه غيرَ محدودٍ جزاؤُه، فيوفيه الله أجره بغير حساب (^٢)، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠].\nمن أقوال العلماء في الصبر:\nقال عمر بن الخطاب -﵁-: \"وجدنا خير عيشنا بالصبر\" (^٣).\nوقال علي بن أبي طالب -﵁-: \"ألا إن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، فإذا قطع الرأس بار الجسم\"، ثم رفع صوته فقال: \"ألا إنه لا إيمان لمن لا صبر له\"، وقال: \"الصبر مطية لا تكبو (^٤) \" (^٥).\nوقال الحسن ﵀: \"الصبر كنز من كنوز الخير، لا يعطيه الله إلا لعبد كريم عنده\" (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢/ ١٢٢) ح (١٤٦٩)، ومسلم (٢/ ٧٢٩) ح (١٠٥٣).\n(^٢) ينظر: فتح الباري لابن حجر (١١/ ٣٠٤).\n(^٣) الزهد لأحمد بن حنبل (٩٧)، حلية الأولياء (١/ ٥٠).\n(^٤) أي: دابة لا تعثر ولا تسقط على الوجه أثناء الحركة.\nينظر: الصحاح (٦/ ٢٤٧١)، مقاييس اللغة (٥/ ١٥٥)، لسان العرب (١٥/ ٢١٣) مادة (كبا).\n(^٥) ينظر: الصبر والثواب عليه لابن أبي الدنيا (٢٤)، حلية الأولياء (١/ ٧٦)، وهو بهذا اللفظ في عدة الصابرين (٩٥).\n(^٦) الصبر والثواب عليه لابن أبي الدنيا (٢٨).","vol":"1","page":35},{"text":"وقال ابن القيم ﵀: \"وقد أمر الله -﷾- في كتابه بالصبر الجميل، والصفح الجميل، والهجر الجميل، فسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- يقول: الصبر الجميل هو الذي لا شكوى فيه ولا معه، والصفح الجميل هو الذي لا عتاب معه، والهجر الجميل هو الذي لا أذى معه\" (^١).\nويقول أيضًا: \"وهو ثلاثة أنواع: صبر على طاعة الله، وصبر عن معصية الله، وصبر على امتحان الله\" (^٢).\n_________\n(^١) مدارج السالكين (٢/ ١٥٩).\n(^٢) مدارج السالكين (٢/ ١٥٥).","vol":"1","page":36},{"text":"<span data-type='title' id=toc-14>المطلب الرابع: المحبة</span>.\nتعريفها:\nعرفها النووي ﵀ بقوله: \"المحبة: مواطأة القلب على ما يرضي الرب سبحانه، فيحب ما أحب ويكره ما كره\" (^١).\nوخلاصة القول كما قال ابن القيم ﵀: \"لا تحد المحبة بحد أوضح منها، فالحدود لا تزيدها إلا خفاء وجفاء، فحدها وجودها، ولا توصف المحبة بوصف أظهر من المحبة.\nوإنما يتكلم الناس في أسبابها، وموجباتها، وعلاماتها، وشواهدها، وثمراتها، وأحكامها، فحدودهم ورسومهم دارت على هذه الستة، وتنوعت بهم العبارات، وكثرت الإشارات، بحسب إدراك الشخص ومقامه وحاله، وملكه للعبارة\" (^٢).\nمن أدلة الكتاب والسنة على المحبة:\n• ذكر -﷾- أنه يحب المتقين، ويحب الصابرين، ويحب المتوكلين.\nقال تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ٧٦].\nوقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦].\nوالآيات في ذلك يصعب حصرها لكثرتها.\n• وذكر أيضًا -﷾- أنه لا يحب الكافرين، ولا يحب المعتدين، ولا يحب المسرفين، والآيات في ذلك كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠]، وقوله تعالى وتبارك:\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٢/ ١٤).\n(^٢) مدارج السالكين (٣/ ١١).","vol":"1","page":37},{"text":"• … ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣٢].\n• وجعل -﷾- علامة على محبته اتباع رسوله -ﷺ-، فقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١].\n• وذكر -﷾- أن المؤمنين أشد حبًّا لله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥].\n• وقال -﷾- عن نفسه وعن عباده الصالحين: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤].\nوعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -﵁-، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ» (^١).\nدل الحديث على أن محبة الله ورسوله من أعظم أسباب حلاوة الإيمان، وهي جنة معجلة لمن حقق أسبابها.\nمن أقوال العلماء في المحبة:\nوقال ابن القيم ﵀: \"المحبّة هي حياة القلوب وغذاء الأرواح، وليس للقلب لذّة، ولا نعيم، ولا فلاح، ولا حياة إلّا بها.\nوإذا فقدها القلب كان ألمه أعظم من ألم العين إذا فقدت نورها، والأذن إذا فقدت سمعها، والأنف إذا فقد شمّه، واللّسان إذا فقد نطقه، بل فساد القلب إذا خلا من محبّة فاطره وبارئه\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٩/ ٢٠) ح (٦٩٤١)، ومسلم (١/ ٦٦) ح (٤٣).","vol":"1","page":38},{"text":"وإلهه الحقّ أعظم من فساد البدن إذا خلا من الرّوح، وهذا الأمر لا يصدّق به إلّا من فيه حياة\" (^١).\nوقال أيضًا: \"المحبّ الصّادق لا بدّ أن يقارنه أحيانًا فرح بمحبوبه، ويشتدّ فرحه به، ويرى مواقع لطفه به، وبرّه به، وإحسانه إليه، وحسن دفاعه عنه، والتّلطّف في إيصاله المنافع والمسارّ والمبارّ إليه بكلّ طريق، ودفع المضارّ والمكاره عنه بكلّ طريق\" (^٢).\nوقال ابن قدامة ﵀: \"علامة المحبّة كمال الأنس بمناجاة المحبوب، وكمال التّنعّم بالخلوة، وكمال الاستيحاش من كلّ ما ينقض عليه الخلوة، ومتى غلب الحبّ والأنس صارت الخلوة والمناجاة قرّة عين تدفع جميع الهموم، بل يستغرق الحبّ والأنس قلبه\" (^٣).\nوقال ابن القيم ﵀: \"فإن المحب الصادق أحب شيء إليه الخبر عن محبوبه وذكره، كما قال عثمان بن عفان -﵁-: (لو طهرت قلوبنا لما شبعت من كلام الله) (^٤)، وقال بعض العارفين: كيف يشبعون من كلام محبوبهم وهو غاية مطلوبهم؟! \" (^٥).\n_________\n(^١) الجواب الكافي (١/ ٥٤٥ - ٥٤٦).\n(^٢) مدارج السالكين (٢/ ٣٣٩ - ٣٤٠).\n(^٣) مختصر منهاج القاصدين (٣٥١) ـ.\n(^٤) ينظر: حلية الأولياء (٧/ ٢٧٢، ٣٠٠).\n(^٥) مدارج السالكين (٣/ ٢٩١).","vol":"1","page":39},{"text":"<span data-type='title' id=toc-15>المطلب الخامس: الخوف والخشية</span>.\nالتعريف:\nعرفهما الراغب ﵀ بقوله: \"الخَوْف: توقّع مكروه عن أمارة مظنونة أو معلومة، كما أنّ الرّجاء والطمع توقّع محبوب عن أمارة مظنونة أو معلومة، ويضادّ الخوف الأمن، ويستعمل ذلك في الأمور الدنيوية والأخروية\" (^١). أما الخشية فقال عنها: \"الخَشْيَة: خوف يشوبه تعظيم، وأكثر ما يكون ذلك عن علم بما يخشى منه، ولذلك خصّ العلماء بها في قوله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] \" (^٢).\nوقال الجرجاني ﵀: \"الخوف: توقع حلول مكروه، أو فوات محبوب\" (^٣).\nويقول ابن القيم ﵀ عن معنى الخشية: \"والخشية أخص من الخوف، فإن الخشية للعلماء بالله، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، فهي خوف مقرون بمعرفة\" (^٤).\n_________\n(^١) المفردات (٣٠٣).\n(^٢) المفردات (٢٨٣).\n(^٣) التعريفات (١٠١).\n(^٤) مدارج السالكين (١/ ٥٠٨).","vol":"1","page":40},{"text":"من أدلة الكتاب والسنة على الخوف والخشية:\nتنوعت نصوص القرآن الكريم في ذكر الخوف والخشية، فمن ذلك:\n١ - أمر الله به، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥]،، وقال تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة: ٤٤].\n٢ - وتارة يجعل الله الخوف والخشية من صفات أوليائه وعباده المتقين، كما في قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٩) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (٢٠) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾ [الرعد: ١٩ - ٢١].\n٣ - ويذكر الله -﷾- أنه بسبب خوفهم منه أدخلهم الجنة كما في قوله تعالى: ﴿(٤٥) وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ [الرحمن: ٤٦]، وكما في قوله تعالى أيضًا: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤٠، ٤١].\n٤ - وتارة يذكر أن العاقبة في الدنيا لهم كما في قوله -﷾-: ﴿وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ [إبراهيم: ١٤].\nوعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ» وذكرهم، ومنهم: «رَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ إِلَى نَفْسِهَا، قَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري واللفظ له (١/ ١٣٣) ح (٦٦٠)، ومسلم (٢/ ٧١٥) ح (١٠٣١).","vol":"1","page":41},{"text":"ومن أعظم ما يحجز العبد عن المعصية خوفه من الله؛ لما يترتب على ذلك من العقوبة في الآخرة، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأنعام: ١٥].\nمن أقوال العلماء في الخوف والخشية:\nعن أبي بكر الصديق -﵁- أنه كان يمسك لسانه ويقول: \"هذا الذي أوردني الموارد\"، وقال: \"يا ليتني كنت شجرة تعضد ثم تؤكل\". وكذلك قال طلحة وأبو الدرداء وأبو ذر -﵃- (^١).\nوقال عمر -﵁-: \"لو نادى منادي من السماء: أيها الناس، إنكم داخلون الجنة كلكم إلا رجلًا واحدًا، لخفت أن أكون أنا هو\" (^٢).\nوقال عبد الله بن عامر بن ربيعة -﵁-: رأيت عمر بن الخطاب أخذ تبنة من الأرض فقال: \"يا ليتني هذه التبنة، ليتني لم أكن شيئًا، ليت أمي لم تلدني، ليتني كنت نسيًا منسيًّا\" (^٣).\nوقال ابن عمر ﵄: \"كان رأس عمر على فخذي في مرضه الذي مات فيه، فقال لي: ضع رأسي، قال: فوضعته على الأرض، فقال: ويلي وويل أمي إن لم يرحمني ربي\" (^٤).\n_________\n(^١) ينظر هذه الآثار في: حلية الأولياء (١/ ٣٣، ٢/ ٢٣٦)، إحياء علوم الدين (٣/ ١١١)، مختصر منهاج القاصدين (٣١٣)، البداية والنهاية (١/ ٩٥).\n(^٢) حلية الأولياء (١/ ٥٣).\n(^٣) شرح السنة (١٤/ ٣٧٣)، وينظر أيضًا: سير أعلام النبلاء (الخلفاء الراشدون/ ٨٣).\n(^٤) حلية الأولياء (١/ ٥٢)، شرح السنة (١٤/ ٣٧٣).","vol":"1","page":42},{"text":"وقال المسور بن مخرمة -﵁-: لما طعن عمر قال: \"لو أن لي طلاع الأرض (^١) ذهبًا، لافتديت به من عذاب الله قبل أن أراه\" (^٢).\nوبكى أبو هريرة -﵁- في مرضه، فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: \"أما إني لا أبكي على دنياكم هذه، ولكن أبكي على بُعدِ سفري وقلة زادي، وإني أمسيت في صعود على جنة أو نار، لا أدري إلى أيتهما يؤخذ بي\" (^٣).\nوقال عبد الله بن مسعود -﵁-: \"إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه في أصل جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب وقع على أنفه قال به هكذا فطار\" (^٤).\nوقال الحسن أيضًا: \"لقد مضى بين أيديكم أقوام لو أن أحدهم أنفق عدد هذا الحصى، لخشي أن لا ينجو من عظم ذلك اليوم\" (^٥).\nوقال أبو سليمان الداراني ﵀: \"ما فارق الخوف قلبًا إلا خرب\" (^٦).\nوقال ابن القيم ﵀: \"والخوف المحمود الصادق: ما حال بين صاحبه وبين محارم الله -﷿-، فإذا تجاوز ذلك خيف منه اليأس والقنوط\" (^٧).\nقال أبو عثمان ﵀: \"صِدقُ الخوف هو: الورع عن الآثام ظاهرًا وباطنًا\" (^٨).\n_________\n(^١) قال الأصمعي: \"طلاع الأرض: ملؤها\". نقله عنه الجوهري في الصحاح (٣/ ١٢٥٤).\n(^٢) حلية الأولياء (١/ ٥٢)، شرح السنة (١٤/ ٣٧٣).\n(^٣) حلية الأولياء (١/ ٣٨٣)، شرح السنة (١٤/ ٣٧٣).\n(^٤) البخاري (٨/ ٦٨)، والترمذي واللفظ له (٤/ ٦٥٨).\n(^٥) شرح السنة (١٤/ ٣٧٤).\n(^٦) إحياء علوم الدين (٤/ ١٦٢)، مدارج السالكين (١/ ٥٠٩).\n(^٧) مدارج السالكين (١/ ٥١٠).\n(^٨) مدارج السالكين (١/ ٥١٠).","vol":"1","page":43},{"text":"ويقول ابن القيم: وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: \"الخوف المحمود ما حجزك عن محارم الله\" (^١).\n_________\n(^١) مدارج السالكين (١/ ٥١١).","vol":"1","page":44},{"text":"<span data-type='title' id=toc-16>المطلب السادس: الرجاء</span>.\nتعريفه:\nعرفه ابن القيم ﵀ بقوله: \"هو النظر إلى سعة رحمة الله\" (^١).\nإذن، الرجاء الطمع في رحمة الله والنظر إلى سعتها.\nمن أدلة الكتاب والسنة على الرجاء:\n• أخبر -﷾- عن سعة رحمته فقال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦]، وقال تعالى: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧].\n• وقال -﷾- مخاطبًا من أسرف على نفسه بالمعاصي: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣].\nدلت الآيات على سعة رحمة الله تعالى، مما يفتح باب الرجاء للعبد، ويحدوه إلى التوبة من ذنوبه، وعليه أن يحذر من اليأس والقنوط من رحمة الله.\nوعن أَنَس بْنِ مَالِكٍ -﵁- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «قَالَ اللَّهُ ﵎: يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلَا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ، لَوْ بَلَغَتْ\n_________\n(^١) مدارج السالكين (٢/ ٣٧).","vol":"1","page":45},{"text":"ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلَا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ (^١) خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً» (^٢).\nوعنه -﵁- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ -أَوْ: وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ- لَوْ أَخْطَأْتُمْ حَتَّى تَمْلَأَ خَطَايَاكُمْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرْتُمُ اللهَ لَغَفَرَ لَكُمْ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ -أَوْ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ-، لَوْ لَمْ تُخْطِئُوا لَجَاءَ اللهُ بِقَوْمٍ يُخْطِئُونَ، ثُمَّ يَسْتَغْفِرُونَ اللهَ، فَيَغْفِرُ لَهُمْ» (^٣).\nدل الحديثان على رحمة الله الواسعة بعباده المذنبين إذا أقبلوا عليه تائبين مستغفرين.\nمن أقوال العلماء في الرجاء:\nقال الغزالي ﵀: \"الرجاء والخوف جناحان بهما يطير المقربون إلى كل مقام محمود، ومطيتان بهما يقطع من طرق الآخرة كل عقبة كؤود\" (^٤).\nوقال ابن القيم عليه رحمة الله: \"الرجاء حادٍ يحدو القلوب إلى بلاد المحبوب، وهو الله والدار الآخرة، ويطيب لها السير\" (^٥).\n_________\n(^١) \"أي: بما يقارب ملأها\" النهاية في غريب الحديث (٤/ ٣٤) مادة (قرب).\n(^٢) أخرجه أحمد (٣٥/ ٣٧٥) ح (٢١٤٧٢) عن أبي ذر -﵁-، والترمذي واللفظ له (٥/ ٥٤٨) ح (٣٥٤٠) من حديث أنس -﵁- وقال: \"هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه\"، والحاكم بلفظ مقارب عن أبي ذر -﵁- (٤/ ٢٦٩) ح (٧٦٠٥) وصححه ووافقه الذهبي، وحسنه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (١/ ٢٥٠) ح (١٢٧)، وحسنه محقق المسند (٣٥/ ٣٧٥) ح (٢١٤٧٢).\n(^٣) أخرجه أحمد في المسند (٢١/ ١٤٦) ح (١٣٤٩٣)، ومسند أبي يعلى (٧/ ٢٢٦) ح (٤٢٢٦)، وقال في مجمع الزوائد (١٠/ ٢١٥) ح (١٧٦٢٤): \"رواه أحمد، وأبو يعلى، ورجاله ثقات\"، وقال محقق المسند (٢١/ ١٤٦) ح (١٣٤٩٣): \"صحيح لغيره\".\n(^٤) إحياء علوم الدين (٤/ ١٤٢).\n(^٥) مدارج السالكين (٢/ ٣٦).","vol":"1","page":46},{"text":"\"وقيل: هو الاستبشار بجود وفضل الرب ﵎، والارتياح لمطالعة كرمه سبحانه\" (^١).\nوقال شاه الكرماني ﵀: \"علامة صحة الرجاء حسن الطاعة\" (^٢).\nوقال أبو علي الروذباري عليه رحمة الله: \"الخوف والرجاء كجناحي الطائر إذا استويا استوى الطير وتم طيرانه، وإذا نقص أحدهما وقع فيه النقص، وإذا ذهبا صار الطائر في حد الموت\" (^٣).\n_________\n(^١) مدارج السالكين (٢/ ٣٦).\n(^٢) مدارج السالكين (٢/ ٣٧).\n(^٣) مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (١٧/ ٨٩) مدارج السالكين (٢/ ٣٧).","vol":"1","page":47},{"text":"<span data-type='title' id=toc-17>المطلب السابع: أثر هذه الأعمال القلبية على عبادة الخشوع في الصلاة، وفيه عدة مسائل:</span>\n<span data-type='title' id=toc-18>المسألة الأولى: إذا أحب العبد ربه أحب أن يلتقي به في كل وقت، وقدر الموقف بين يديه فهاب أن ينصرف عنه بقلبه ووجهه</span>.\nفإذا أحب العبد ربه أحب لقاءه في كل وقت، وقدّر موقفه بين يديه في صلاته حق قدره، وأعد نفسه وهيئها لذلك الموقف العظيم.\nومن أعظم المواقف التي يقف فيها العبد بين يدي ربه في هذه الدنيا موقفه في الصلاة، ولذا فهو يحب ربه ويحب لقاءه، وهو أيضًا يهاب من أن ينصرف عنه في صلاته بوجهه وقلبه، فيزيد ذلك من خشوعه، فيقبل على الله في صلاته بقلبه ووجهه، ويجاهد نفسه في ذلك لينال تلك الجائزة العظيمة، ويفوز الفوز العظيم بجنة النعيم، يقول ﷺ: \" مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَوَضَّأُ، فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ مُقْبِلٌ عَلَيْهِمَا بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ إِلَّا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ\" (^١).\nلأنه إذا أحب العبد ربه أحب لقاءه في صلاته، واستشعر عظمة الموقف بين يديه في أعظم مقام يقفه في هذه الحياة الدنيا وهو موقفه في الصلاة، فعن أبي هريرة ﵁ قال: «الصَّلَاةُ قُرْبَانٌ، إِنَّمَا مَثَلُ الصَّلَاةِ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَرَادَ مِنْ إِمَامٍ حَاجَةً فَأَهْدَى لَهُ هَدِيَّةً، إِذَا قَامَ الرَّجُلُ إِلَى الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ فِي مَقَامٍ عَظِيمٍ، وَاقِفٌ فِيهِ عَلَى اللَّهِ يُنَاجِيهِ وَيَرْضَاهُ، قَائِمًا بَيْنَ يَدَيِ الرَّحْمَنِ، يَسْمَعُ لِقِيلِهِ، وَيَرَى عَمَلَهُ، وَيَعْلَمُ مَا يُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ، فَلْيُقْبِلْ عَلَى اللَّهِ بِقَلْبِهِ وَجَسَدِهِ، ثُمَّ لِيَرْمِ بِبَصَرِهِ قَصْدَ وَجْهِهِ خَاشِعًا، أَوْ لِيَخْفِضْهُ فَهُوَ أَقَلُّ لِسَهْوِهِ، وَلَا يَلْتَفِتْ وَلَا يُحَرِّكْ شَيْئًا بِيَدِهِ وَلَا بِرِجْلَيْهِ، وَلَا شَيْءٍ مِنْ جَوَارِحِهِ حَتَّى يَفْرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ، وَلْيُبْشِرْ مَنْ فَعَلَ هَذَا، وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ» (^٢).\nوعن مجاهد ﵀، قال في معنى قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]: \"فمن القنوت الركود والخشوع، وغض البصر، وخفض الجناح من رهبة الله ﷿،\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١/ ٢٠٩) ح (٢٣٤).\n(^٢) تعظيم قدر الصلاة لمحمد بن نصر المروزي (١/ ١٨٥).","vol":"1","page":48},{"text":"كان إذا قام أحدهم يصلي يهاب الرحمن أن يشذ بصره إلى شيء، أو يلتفت، أو يقلب الحصى، أو يعبث بشيء، أو يحدث نفسه من شأن الدنيا إلا ناسيًا، ما دام في صلاته \" (^١).\nونقل شيخ الإسلام عن مجاهد قوله أيضًا في معنى الآية: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢]: \"غض البصر وخفض الجناح، وكان الرجل من العلماء إذا قام إلى الصلاة يهاب الرحمن أن يشذ بصره، أو أن يحدّث نفسه بشيء من أمر الدنيا\" (^٢).\nولأجل هذا يقبل العبد على الله بقلبه ووجهه، فيهاب أن ينصرف عن ربه وهو واقف بين يديه في صلاته، لأنه يعبد الله كأنه يراه أمامه بعين رأسه، فان لم يكن يراه بعينه في هذه الدنيا، لكنه على يقين تام أن الله يراه، فيحضر قلبه في هذا الموقف العظيم، ويزيد خشوع قلبه الذي يظهر أثره على جوارحه في عبادة الصلاة، وذلك لأن القلب قد امتلأ بمحبة الله والخوف منه وخشيته فهاب أن ينصرف بقلبه ووجهه عن ربه وقد التقى بمن يحبه ويجله ويقدره في هذا الموقف العظيم.\n\n<span data-type='title' id=toc-19>المسألة الثانية: إذا حقق العبد في قلبه محبة الله أحب لقاءه كما سبق ويعد نفسه لذلك، ويترقى به الحال إلى أعلى من هذا إلى محبة القرب منه</span>.\nواستشعر بقلبه عظمة القرب من الله، لأن من أعظم مواقف القرب من الله في الدنيا، موقف العبد في الصلاة وبالأخص في السجود (^٣) قال تعالى:\n﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩]، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ الله أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ» (^٤).\nوإذا وقر في قلب العبد أنه في صلاته شديد القرب من الله، وفي سجوده أقرب ما يكون من ربه، فحينئذ يحضر القلب ويخشع، وتخشع الجوارح وتخضع، وإن العبد المحب الصادق في حبه لربه يسارع ويسابق إلى الصلاة أشد المسارعة والمسابقة، لأنه يلتذذ بقربه من ربه، ويأنس\n_________\n(^١) تعظيم قدر الصلاة لمحمد بن نصر المروزي (١/ ١٨٨).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٧/ ٢٨).\n(^٣) وسيأتي مزيد تفصيل لركن السجود.\n(^٤) أخرجه مسلم (١/ ٣٥٠) ح (٤٨٢).","vol":"1","page":49},{"text":"به فتقر عينه به في صلاته، فيجد لذة الصلاة وحلاوتها، ويجد جنة معجلة قبل جنة الآخرة، يسنتشق فيها عبير القرب من الله، ويستمتع بلذة المناجاة، فالصلاة سلوة قلب المؤمن، وملاذ آمن ذو ظلال وارفة يؤي إليه، ليتقي هجير الحياة الدنيا، ويتفيء تلك الظلال الوارفة، يمتّع نفسه في تلك الحدائق الغناء بين آية تتلى وذكر يردد، فيجد المؤمن قرة عينه وراحة نفسه بين يدي ربه قائمًا راكعًا ساجدًا، ويزداد القرب من الله والتلذذ به أكثر وأكثر في أعظم لحظة للقرب من الله في سجود العبد بين يدي ربه، إنه موقف القرب من الله الذي تعجز العبارات عن التعبير عنه.\n\n<span data-type='title' id=toc-20>المسألة الثالثة: إذا حقق العبد في قلبه محبة الله والخشية منه، وتيقن أنه يناجي ربه، أثمر ذلك حياؤه من الله أن ينصرف بوجهه وقلبه عنه في صلاته</span>.\nوإذا حقق العبد محبة الله في قلبه، وازدادت خشيته لله وتيقن أنه في مناجاة مع الله أثمر له ذلك الحياء من أن ينصرف عن ربه بقلبه أو بوجهه، وشعر بقرب الله منه في صلاته، فشعر بمعيته الخاصة له في صلاته فزاد خشوعه وإقباله على ربه بقلبه ووجهه، وشعر بلذة المناجاة لربه، وعظمة الموقف بين يديه فتأدب بأدب المناجاة لربه، فيشعر بقلبه عند تكبيرة الإحرام وفي بقية صلاته بأنه يناجي ربه، وأن الله قد نصب وجهه الكريم -﷾- لوجه المصلي، فلا ينبغي له أن يلتفت عن ربه بلقبه ووجهه، بل عليه أن يستحي من ربه أن ينصرف عنه وهو يناجيه.\nوبوّب ابن خزيمة فقال ﵀: \"باب الأمر بالخشوع في الصلاة، إذ المصلي يناجي ربه، والمناجي ربه يجب عليه أن يفرغ قلبه لمناجاة خالقه -﷿-، ولا يشغل قلبه التعلق بشيء من أمور الدنيا يشغله عن مناجاة خالقه\" (^١).\nومن الأحاديث في ذلك:\nعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- رَأَى نُخَامَةً فِي القِبْلَةِ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ حَتَّى رُئِيَ فِي وَجْهِهِ، فَقَامَ فَحَكَّهُ بِيَدِهِ، فَقَالَ: «إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ فِي صَلَاتِهِ فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ» الحديث (^٢).\n_________\n(^١) صحيح ابن خزيمة (١/ ٢٧٠).\n(^٢) أخرجه البخاري (١/ ٩٠) ح (٤٠٥)، ومسلم (١/ ٣٩٠) ح (٥٥١).","vol":"1","page":50},{"text":"وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الظُّهْرَ، فَلَمَّا سَلَّمَ نَادَى رَجُلًا كَانَ فِي آخِرِ الصُّفُوفِ، فَقَالَ: «يَا فُلَانُ، أَلَا تَتَّقِي اللَّهَ؟! أَلَا تَنْظُرُ كَيْفَ تُصَلِّي؟! إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ يُصَلِّي إِنَّمَا يَقُومُ يُنَاجِي رَبَّهُ، فَلْيَنْظُرْ كَيْفَ يُنَاجِيهِ، إِنَّكُمْ تَرَوْنَ أَنِّي لَا أَرَاكُمْ، إِنِّي وَاللَّهِ لَأَرَى مِنْ خَلْفِ ظَهْرِي كَمَا أَرَى مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ» (^١).\nوعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- رَأَى بُصَاقًا فِي جِدَارِ القِبْلَةِ، فَحَكَّهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: «إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي، فَلَا يَبْصُقُ قِبَلَ وَجْهِهِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهِهِ إِذَا صَلَّى» (^٢).\nومن حديث الحارث الأشعري -﵁- قال -ﷺ-: «فَإِذَا صَلَّيْتُمْ فَلَا تَلْتَفِتُوا؛ فَإِنَّ اللَّهَ يَنْصِبُ وَجْهَهُ لِوَجْهِ عَبْدِهِ فِي صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ» الحديث (^٣).\nقال ابن رجب: \"والالتفات نوعان:\nأحدهما: التفات القلب إلى غير الصلاة ومتعلقاتها، وهذا يخل بالخشوع فيها.\nوالثاني: التفات الوجه بالنظر إلى غير ما فيه مصلحة الصلاة\" (^٤).\nوكثير يقع الخلل من المصلين في النوع الأول من الالتفات وهو التفات القلب عن الله، وهو الذي يخل بالخشوع، أما النوع الثاني، وهو التفات الوجه فقليل ما يقع.\nوعلى هذا فلا بد من مجاهدة القلب على الحضور في الصلاة وعدم التفاته عن الله، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩].\n_________\n(^١) أخرجه ابن خزيمة في صحيحه (١/ ٢٧١) ح (٤٧٤)، والحاكم في المستدرك (١/ ٣٦١) ح (٨٦١) وصححه، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١/ ٣٥٣) ح (٥٤١).\n(^٢) أخرجه البخاري (١/ ٩٠) ح (٤٠٦)، ومسلم (١/ ٣٨٨) ح (٥٤٧).\n(^٣) أخرجه أحمد في المسند (٢٨/ ٤٠٥) ح (١٧١٧٠)، والترمذي واللفظ له (٥/ ١٤٨) ح (٢٨٦٣) وقال: \"حسن صحيح غريب\"، وابن خزيمة في صحيحه (٢/ ٩١٤) ح (١٨٩٥)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١/ ٣٥٨) ح (٥٥٢)، وقال محقق المسند شعيب الأرناؤوط (٢٨/ ٤٠٦) ح (٥٥٢) \"حديث صحيح\".\n(^٤) فتح الباري (٦/ ٤٤٧) لابن رجب.","vol":"1","page":51},{"text":"وقال (^١) أيضًا ﵀ معلقًا على هذه الأحاديث: \"وكأن مقصود النبي -ﷺ- بذكر هذا: أن يستشعر المصلي في صلاته قرب الله منه، وأنه بمرأى منه ومسمع، وأنه مناج له، وأنه يسمع كلامه ويرد عليه جواب مناجاته له، كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة، عن النبي -ﷺ-: «فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]، قَالَ اللهُ تَعَالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي» (^٢) وذكر رده عليه في آيات الفاتحة إلى آخرها.\nفمن استشعر هذا في صلاته أوجب له ذلك حضور قلبه بين يدي ربه، وخشوعه له، وتأدبه في وقوفه بين يديه، فلا يلتفت إلى غيره بقلبه ولا ببدنه، ولا يعبث وهو واقف بين يديه، ولا يبصق أمامه، فيصير في عبادته في مقام الإحسان، يعبد الله كأنه يراه\" (^٣).\nوأحب هنا أن أنقل كلامًا عظيمًا للإمام ابن القيم- فإني أنقله بطوله لأهميته- فيقول ﵀: \" الالتفات المنهي عنه في الصلاة قسمان:\n(أحدهما): التفات القلب عن الله ﷿ إلى غير الله تعالى.\n(الثاني): التفات البصر وكلاهما منهي عنه.\nولا يزال الله مقبلًا على عبده ما دام العبد مقبلًا على صلاته، فإذا التفت بقلبه أو بصره أعرض الله تعالى عنه.\nوقد سئل رسول الله ﷺ عن التفات الرجل في صلاته فقال: «هُوَ اخْتِلَاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلَاةِ العَبْدِ» (^٤) وفي أثر يقول الله تعالى: (إلى خير مني، إلى خير مني؟) (^٥) ومثل من يلتفت في صلاته ببصره أو بقلبه أو مثل رجل قد استدعاه السلطان فأوقفه بين يديه وأقبل يناديه ويخاطبه، وهو في خلال ذلك يلتفت عن السلطان يمينًا وشمالًا وقد انصرف قلبه عن السلطان فلا يفهم ما يخاطبه به، لأن قلبه ليس حاضرًا معه، فما ظن هذا الرجل أن يفعل\n_________\n(^١) ابن رجب.\n(^٢) أخرجه مسلم (١/ ٢٩٦) ح (٣٩٥).\n(^٣) فتح الباري لابن رجب (٣/ ١١٠ - ١١١).\n(^٤) أخرجه البخاري (١/ ١٥٠) ح (٧٥١).\n(^٥) وهذا الأثر لا يصح رفعه إلى النبي -ﷺ- ينظر: ضعيف الترغيب والترهيب (١/ ١٥٤) ح (٢٨٩).","vol":"1","page":52},{"text":"به السلطان؟ أفليس أقل المراتب في حقه أن ينصرف من بين يديه ممقوتًا مبعدًا قد سقط من عينيه؟\nفهذا المصلي لا يستوي والحاضر القلب المقبل على الله تعالى في صلاته الذي قد أشعر قلبه عظمة من هو واقف بين يديه فامتلأ قلبه من هيبته، وذلت عنقه له، واستحى من ربه تعالى أن يقبل على غيره أو يلتفت عنه.\nوبين صلاتيهما كما قال حسان عطية: إن الرجلين ليكونان في الصلاة الواحدة وأن ما بينهما في الفضل كما بين السماء والأرض، وذلك أن أحدهما مقبل على الله ﷿ والآخر ساه غافل.\nفإذا أقبل العبد على مخلوق مثله وبينه حجاب لم يكن إقبالا ولا تقريبا، فما الظن بالخالق ﷿؟ وإذا أقبل على الخالق ﷿ وبينه وبينه حجاب الشهوات والوساوس والنفس مشغوفة بها ملأى منها فكيف يكون ذلك إقبالًا وقد ألهته الوساوس والأفكار وذهبت به كل مذهب؟ والعبد إذا قام في الصلاة غار الشيطان منه، فإنه قد قام في أعظم مقام وأقربه وأغيظه للشيطان وأشده عليه، فهو يحرص ويجتهد أن لا يقيمه فيه، بل لا يزال به يعده ويمنيه وينسيه ويجلب عليه بخيله ورجله حتى يهون عليه شأن الصلاة فيتهاون بها فيتركها.\nفإن عجز عن ذلك منه وعصاه العبد وقام في ذلك المقام أقبل عدو الله تعالى حتى يخطر بينه وبين نفسه، ويحول بينه وبين قلبه، فيذكره في الصلاة ما لم يذكر قبل دخوله فيها، حتى ربما كان قد نسي شئ والحاجة وأيس منها فيذكره إياها في الصلاة ليشغل قلبه بها ويأخذه عن الله ﷿، فيقوم فيها بلا قلب، فلا ينال من إقبال الله تعالى وكرامته وقربه ما يناله المقبل على ربه ﷿ الحاضر بقلبه في صلاته، فينصرف من صلاته مثل ما دخل فيها بخطاياه وذنوبه وأثقاله لم تخف عنه بالصلاة، فإن الصلاة إنما تكفر سيئات من أدى حقها، وأكمل خشوعها، ووقف بين يدي الله تعالى بقلبه وقابله.\nفهذا إذا انصرف منها وجد خفة من نفسه، وأحس بأثقال قد وضعت عنه.\nفوجد نشاطًا وراحة وروحًا، حتى يتمنى أنه لم يكن خرج منها، لأنها قرة عينيه ونعيم روحه وجنة قلبه ومستراحه في الدنيا، فلا يزال كأنه في سجن وضيق حتى يدخل فيها فيستريح بها لا منها.","vol":"1","page":53},{"text":"فالمحبون يقولون: نصلي فنستريح بصلاتنا كما قال إمامهم وقدوتهم ونبيهم: \"يا بلال أرحنا بالصلاة\" ولم يقل أرحنا منها، وقال ﷺ «جعلت قرة عيني في الصلاة» فمن جعلت قرة عينه في الصلاة كيف تقر عينه ﷺ بدونها، وكيف يطيق الصبر عنها؟ فصلاة هذا الحاضر بقلبه الذي قرة عينه في الصلاة هي التي تصعد ولها نور وبرهان، حتى يستقبل بها الرحمن ﷿ فتقول حفظك الله تعالى كما حفظتني، وأما صلاة المفرط المضيع لحقوقها وحدودها وخشوعها، فإنها تلف كما يلف الثوب الخلق ويضرب بها وجه صاحبها وتقول ضيعك الله كما ضيعتني، وقد روي في حديث مرفوع رواه بكر بن بشر عن سعيد بن سنان عن أبي الزاهرية عن أبي شجرة عن عبد الله بن عمرو ﵄ يرفعه أنه قال «ما من مؤمن يتم الوضوء إلى أمكانه ثم يقوم إلى الصلاة في وقتها فيؤديها لله ﷿ لم ينقص من وقتها وركوعها وسجودها ومعالمها شيئا إلا رفعت له إلى الله ﷿ بيضاء مسفرة يستضيء بنورها ما بين الخافقين حتى ينتهي بها إلى الرحمن ﷿، ومن قام إلى الصلاة فلم يكمل وضوءها واخرها عن وقتها واسترق ركوعها وسجودها ومعالمها رفعت عنه سوداء مظلمة ثم لا تجاوز شعر رأسه تقول: ضيعك الله كما ضيعتني، ضيعك كما ضيعتني» (^١).\nفالصلاة المقبولة والعمل المقبول أن يصلي العبد صلاة تليق بربه ﷿.\nفإذا كانت صلاة تصلح لربه ﵎ وتليق به كانت مقبولة … \" (^٢).\n_________\n(^١) الحديث لا يصح. ينظر: ضعيف الترغيب والترهيب (١/ ١٢٢): ح (٢٢١).\n(^٢) الوابل الصيب من الكلم الطيب (٢٠ - ٢٢).","vol":"1","page":54},{"text":"ومن الأسباب التي تجعل القلب يقبل على الله في الصلاة ويخشع، أن يفرغه العبد في صلاته لله تعالى، كما في حديث عَمْرِو بْن عَبَسَةَ السُّلَمِيِّ في فضل الوضوء قال في آخره عن النبي -ﷺ-: «فَإِنْ هُوَ قَامَ فَصَلَّى، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَمَجَّدَهُ بِالَّذِي هُوَ لَهُ أَهْلٌ، وَفَرَّغَ قَلْبَهُ لِلَّهِ، إِلَّا انْصَرَفَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» (^١).\nوقوله -ﷺ-: «وفرغ قلبه لله» أي: جعله حاضرًا لله، وفرغه من الأشغال الدنيوية (^٢).\nوهذا هو الخشوع أي: حضور القلب بين يدي الله في الصلاة، فإذا فرغ قلبه لله في صلاته حصل على هذا المكسب العظيم: \"إِلَّا انْصَرَفَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ\".\nوتفريغ القلب لله في الصلاة ليس بالأمر الهين، وإنما يحتاج إلى جهد عظيم مستمر، ومجاهدة كبيرة لتفريغه من الأشغال الدنيوية التي تنشغل بها النفس ويشغلها بها الشيطان، فعن حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَنَّهُ رَأَى عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ دَعَا بِوَضُوءٍ،، ثم ذكر صفة وضوء النبي -ﷺ-، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- يَتَوَضَّأُ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، وَقَالَ: «مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (^٣).\nومن جاهد نفسه لله في صلاته على ألا يحدث نفسه بأمور الدنيا، وفرغ قلبه لله في صلاته، وشعر بعظمة المناجاة، وصبر على المجاهدة ظفر بالخشوع وحلاوة الصلاة، وقد وعد الله بالإعانة لمن يجاهدون أنفسهم لله ويصبرون على ذلك ويستمرون، فيعينهم الله ويرزقهم الخشوع، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩].\nوالآية عامة في كل من جاهد في طلب أمر من أمور الخير، فإن الله يهديه إليه، \"وروي عن ابن عباس: والذين جاهدوا في طاعتنا لنهدينهم سبل ثوابنا\" (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١/ ٥٧٠) ح (٨٣٢).\n(^٢) ينظر: مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (٣/ ٤٦١)، المفاتيح في شرح المصابيح (٢/ ٢١٢).\n(^٣) أخرجه البخاري (١/ ٤٤) ح (١٦٤)، ومسلم (١/ ٢٠٤) ح (٢٢٦).\n(^٤) تفسير البغوي (٦/ ٢٥٦).","vol":"1","page":55},{"text":"والذي جاهد نفسه لتفريغ قلبه لله في صلاته وصبر على ذلك واستمر دون كلل ولا ملل رزقه الله الخشوع والتلذذ بصلاته ولو بعد حين من الزمن، قال ثابت البناني ﵀: \"كابدت (^١) الصلاة عشرين سنة، وتنعمت بها عشرين سنة\" (^٢).\nوالذي يظهر لي أن العبد إذا أقبل على مناجاة ربه في صلاته واستشعر عظمة الموقف بين يدي ربه وخشع قلبه وأقبل على صلاته بقلبه ووجهه، وجاهد نفسه في تفريغ قلبه لله بقدر وسعه، فإنه سيجد من اللذة بقدر ذلك وفضل الله عظيم وواسع.\nأما أولئك القوم مثل ثابت البناني وغيره من السلف يريدون وجود اللذة الكاملة من أول الصلاة إلى آخرها وفي كل صلاة وهذه مرتبة عالية لا يصل إليها إلا من بذل جهدًا عظيمًا في حصول الخشوع، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-21>المسألة الرابعة: الشعور بمناجاته لله وأنه مطلع عليه عالم بسره وجهره يسمعه ويراه</span>.\nأولًا: اليقين بأن الله مطلع عليه عالم بسره ونجواه:\nإذا رسخ في قلب العبد اليقين بأن الله عالم بسره ونجواه، وأنه يناجي ربه في الصلاة، خاف من ربه وخشي أن يطلع على قلبه، فيراه منشغلًا عنه في أثناء صلاته بغيره، وهذا يجعله يستحي من ربه ويخشى من مقته إذا انصرف إلى غيره في صلاته، وكل ذلك لا شك مما يزيد خشوعه وحضور قلبه في صلاته وتفريغه لله، فهو يعلم يقينًا أن الله مطلع عليه عالم بالسر والنجوى، لا تخفى عليه خافية، ويشعر أنه في أعظم المواقف بين يدي ربه يناجيه في صلاته، وكما في الحديث الذي سبق، يقول -ﷺ-: \"إنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ يُصَلِّي إِنَّمَا يَقُومُ يُنَاجِي رَبَّهُ، فَلْيَنْظُرْ كَيْفَ يُنَاجِيهِ\".\nوهذه بعض الأدلة على إثبات سمعه وعلمه المحيط بكل شيء، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [المائدة: ٧٦]. وبقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ التوبة: ٧٨\n_________\n(^١) والمكابدة من كابد الأمر إذا قاساه بمشقة. ينظر: الصحاح (٢/ ٥٣٠)، مقاييس اللغة (٥/ ١٥٣)، لسان العرب (٣/ ٣٧٦) مادة (كبد). أي: بمعنى: جاهد نفسه على بذل أسباب الخشوع فيها.\n(^٢) حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (٢/ ٣٢١)، سير أعلام النبلاء (٥/ ٢٢٤).","vol":"1","page":56},{"text":"﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ البقرة: ٧٧\n﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ البقرة: ٢٣٥\n﴿ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ المائدة: ٩٧\n﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ المائدة: ٩٩\nوقال تعالى: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام: ١٣].\nوفي آيات كثيرة يقول -﷾- عن نفسه: ﴿السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾، ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾\n﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ الأنعام: ٣\n﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ التوبة: ٧٨\n﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ النحل: ١٩\n﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ طه: ٧\n﴿قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ الأنبياء: ٤","vol":"1","page":57},{"text":"﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ الحج: ٧٠\n﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ الأنعام: ٥٩\n﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ المجادلة: ٧\n﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ الحديد: ٤\nوإذا علم العبد يقينًا أن الله مطلع على قلبه يعلم مافيه، زاد خشوعه وحضور قلبه في صلاته، قال تعالى في آيات كثيرة: ﴿عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾.\nومنها قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ آل عمران: ١١٩\nوقال -﷾-: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ الملك: ١٣ - ١٤\n﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ القصص: ٦٩\n﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ﴾ الأنبياء: ١١٠","vol":"1","page":58},{"text":"﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا﴾ الأحزاب: ٥١\n﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ آل عمران: ٥.\nثانيًا: اليقين بأن الله يسمعه ويراه:\nوإذا رسخ في قلب العبد اليقين بأن الله يسمعه ويراه، زاد خشوعه وحضر قلبه في صلاته، لأنه يخشى الله ويستحي منه أن يرى قلبه قد انصرف عنه في صلاته، والتفت إلى غيره، ويستحي من ربه وهو يقرأ الفاتحة، ويردد أذكار الصلاة، ويقوم بأفعالها وقلبه بعيد عنه متعلق بالدنيا، وربه مطلع على مافي قلبه يسمع ما يقول، ويرى فعله في صلاته، وينظر إلى قلبه، إن هذه المعاني العظيمة إذا تذكرها العبد في صلاته، وحصل اليقين بها في قلبه، حينها يفرغ قلبه لله، ويحضر قلبه وعقله الذي يدرك به معاني ما يقوله وما يفعله في صلاته، وقد ذكر تعالى عن نفسه في إثبات أنه السميع البصير في أكثر من آية؛ لتثبت آثار الإيمان بسمع الله وبصره المحيط بكل شيء في القلب، فيشعر العبد بمراقبة الله له، فيخشى ويتقي ويستحي من ربه حق الحياء، ويقدره حق التقدير، ويظهر أثر ذلك عليه في كل أحواله وبالأخص في أعظم موقف يقفه في الدنيا بين يدي الله في صلاته: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [غافر: ٢٠].\nوفي آيات كثيرة يختم كلامه بقوله -﷾-: ﴿السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، ﴿سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾.\nوقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ».\nوكما سبق في الحديث قال -ﷺ-: «فَإِذَا صَلَّيْتُمْ فَلَا تَلْتَفِتُوا؛ فَإِنَّ اللَّهَ يَنْصِبُ وَجْهَهُ لِوَجْهِ عَبْدِهِ فِي صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ».","vol":"1","page":59},{"text":"وقَالَ أَبُو ذَرّ ٍرضي الله عنه: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا يَزَالُ اللَّهُ ﷿ مُقْبِلًا عَلَى الْعَبْدِ، وَهُوَ فِي صَلَاتِهِ، مَا لَمْ يَلْتَفِتْ، فَإِذَا الْتَفَتَ انْصَرَفَ عَنْهُ» (^١).\nوفي فتح الباري لابن رجب: \"وروى عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: سمعت أبا هريرة يقول: إذا صلى أحدكم فلا يلتفت؛ فإنه يناجي ربه، أن ربه أمامه، وإنه يناجيه.\nقال عطاء: وبلغنا أن الرب ﷿ يقول: «يا بن آدم إلى من تلتفت، أنا خير لك ممن تلتفت إليه» \" (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٣٥/ ٤٠٠) ح (٢١٥٠٨) بلفظ مقارب، وأبو داود (١/ ٢٣٩) ح (٩٠٩) وهذا لفظه، وصححه الحاكم (١/ ٣٦١) ح (٨٦٢) ووافقه الذهبي، وقال شعيب الأرناؤوط في تحقيقه لمسند أحمد ط الرسالة (٣٥/ ٤٠٠) ح (٢١٥٠٨) وسنن أبي داود (٢/ ١٧٧) ح (٩٠٩): \"صحيح لغيره، وهذا إسناد محتمل للتحسين\".\n(^٢) فتح الباري لابن رجب (٣/ ١١٠)، وقول عطاء روي عن أبي هريرة مرفوعًا إلى النبي -ﷺ- لكنه لا يصح رفعه، ينظر: مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (٢/ ٨٠).","vol":"1","page":60},{"text":"المبحث الثالث: من آثار عمل القلب على صلاة العبد، وفيه مطالب\nالمطلب الأول: وجود لذة عبادة الصلاة وحلاوتها، وطمأنينة القلب بها.\nالمطلب الثاني: أن يعلم بقلبه ما يقوله بلسانه، ويفهمه ويتدبره.\nالمطلب الثالث: أثر حضور القلب على تدبر سورة الفاتحة في الصلاة.\nالمطلب الرابع: تدبر القلب للآيات والسور التي تقرأ في الصلاة عقب الفاتحة.\nالمطلب الخامس: أثر عمل القلب على عبادة الركوع.\nالمطلب السادس: أثر عمل القلب على عبادة السجود.\nالمطلب السابع: عمل القلب وأثره على طمأنينة العبد في صلاته.\nالمطلب الثامن: أثر عمل القلب على التشهد وجلسته.\nالمطلب التاسع: حضور القلب عند التسليم من الصلاة، وأذكار ما بعد السلام.","vol":"1","page":61},{"text":"<span data-type='title' id=toc-22>المبحث الثالث: من آثار عمل القلب على صلاة العبد، وفيه مطالب</span>.\n<span data-type='title' id=toc-23>المطلب الأول: وجود لذة عبادة الصلاة وحلاوتها، وطمأنينة القلب بها:</span>\nقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨]، والصلاة يجتمع فيها كل أنواع ذكر الله.\nقال عنها -ﷺ-: «يَا بِلَالُ، أَقِمِ الصَّلَاةَ أَرِحْنَا بِهَا» (^١)، وقال -ﷺ-: «وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ» (^٢).\nوقال ابن حجر ﵀ عن الصلاة: \"ولا شيء أقر لعين العبد منها، ولهذا جاء في حديث أنس المرفوع: «وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ» أخرجه النسائي وغيره بسند صحيح، ومن كانت قرة عينه في شيء، فإنه يود أن لا يفارقه، ولا يخرج منه؛ لأن فيه نعيمَه، وبه تطيب حياته، وإنما يحصل ذلك للعابد بالمصابرة على النصب، فإن السالك غرضُ الآفات والفتور\" (^٣).\nوالمعنى والله أعلم: أنه لا تحصل قرة العين في الصلاة إلا بمجاهدة النفس على الخشوع فيها وحضور القلب وإقباله عليها، وذلك يحتاج إلى كبير مجاهدة مع الاستمرار وعدم الانقطاع، وبذلك يحصل المسلم على التلذذ بالصلاة، وأن تكون راحة وقرة عين له.\nوقال بعض السلف ﵀: \"كابدت (^٤) الصلاة عشرين سنة، وتنعمت بها عشرين سنة\" (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٤/ ٢٩٦) ح (٤٩٨٥)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٢/ ١٣٠٧) ح (٧٨٩٢)، وقال شعيب الأرناؤوط في تحقيقه لسنن أبي داود (٧/ ٣٣٨) ح (٤٩٨٥) \"إسناده صحيح\".\n(^٢) أخرجه أحمد (٢١/ ٤٣٣) ح (١٤٠٣٧)، والنسائي (٧/ ٦١) ح (٣٩٤٠)، والحاكم (٢/ ١٧٤) ح (٢٦٧٦) وصححه ووافقه الذهبي، وصحح إسناده ابن حجر في الفتح (١١/ ٣٤٥)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (١/ ٥٩٩) ح (٣١٢٤).\n(^٣) فتح الباري (١١/ ٣٤٥).\n(^٤) والمكابدة من كابد الأمر إذا قاساه بمشقة. ينظر: الصحاح (٢/ ٥٣٠)، مقاييس اللغة (٥/ ١٥٣)، لسان العرب (٣/ ٣٧٦) مادة (كبد). أي: بمعنى: جاهد نفسه على بذل أسباب الخشوع فيها.\n(^٥) ذكره في حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (٢/ ٣٢١)، وسير أعلام النبلاء (٥/ ٢٢٤) عن ثابت البناني ﵀.","vol":"1","page":62},{"text":"ولذة الصلاة وحلاوتها انما تحصل بقدر خشوع العبد فيها، وقد سبق الكلام عن التلذذ بالصلاة.\n\n<span data-type='title' id=toc-24>المطلب الثاني: أن يعلم بقلبه ما يقوله بلسانه، ويفهمه ويتدبره</span>.\nإذا رسخ في قلب العبد معاني ما يذكره في صلاته من أذكار، وكان يقولها بقلب حاضر يدرك معاني ما يقول أثمر ذلك خشوعه في صلاته، وحصوله على هذا الثواب العظيم الذي جاء في الحديث يقول: -ﷺ- «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَوَضَّأُ فَيُسْبِغُ (^١) الْوُضُوءَ، ثُمَّ يَقُومُ فِي صَلَاتِهِ فَيَعْلَمُ مَا يَقُولُ إِلَّا انْفَتَلَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ مِنَ الْخَطَايَا لَيْسَ عَلَيْهِ ذَنْبٌ» (^٢).\nفقوله ﷺ: \" ثُمَّ يَقُومُ فِي صَلَاتِهِ فَيَعْلَمُ مَا يَقُولُ \" أي: أنه والله أعلم يجاهد نفسه في حضور عقله في صلاته حتى يعلم بقلبه معنى ما يقوله لسانه.\nوإذا رسخ في قلب العبد اليقين بمعاني ما يذكره في صلاته من أذكار، وكان يقوله بقلب حاضر يدرك ويعلم معاني ما يقول، وجاهد نفسه على الاستمرار والصبر على حضور قلبه؛ ليعقل وليفهم ويعلم ما يقوله في صلاته، أثمر ذلك خشوعه في صلاته وحصوله على ذلك الأجر الثواب العظيم، ولنأخذ على ذلك مثلًا ذكر \" الله أكبر\"، وهو أكثر ذكر يقوله ويسمعه المؤمن فييومه وليلته، ويذكره في انتقاله بين أركان صلاته.\nوالسؤال المهم: ما أثر قولنا لهذا الذكر كثيرًا في صلاتنا على خشوع قلوبنا؟\nكم مرة قلت في صلاتك الله أكبر وقلبك حاضر يدرك معنى ما تقوله؟!\nونحن نكرر الليل والنهار (الله أكبر، والله أكبر، الله أكبر) سؤال نسال به أنفسنا متى أحدثت هذا الذكر أثرًا في قلوبنا؟ فشعرنا بأن الله أكبر من كل شيء، فزادت خشيتنا له،\n_________\n(^١) وإسباغ الوضوء: إتمامه وإكماله بغسل العضو الذي يغسل ثلاثًا، وقال ابن عبد البر ﵀ في معنى الإسباغ: \"الإكمال والإتمام من ذلك قول الله -﷿-: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ﴾ [لقمان: ٢٠]، يعني: أتمها عليكم وأكملها، وإسباغ الوضوء أن يأتي بالماء على كل عضو يلزمه غسله مع إمرار اليد، فإذا فعل ذلك مرة وأكمل فقد توضأ مرة\".\nالاستذكار (٢/ ٣٠٢) لابن عبد البر.\n(^٢) أخرجه مسلم بنحوه (١/ ٥٧٠) ح (٨٣٢)، والحاكم واللفظ له (٢/ ٤٣٢) ح (٣٥٠٨)، وصححه، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١/ ١٩٥) ح (١٩٠).","vol":"1","page":63},{"text":"وزادت هيبتنا منه، وزادت عظمته في قلوبنا فقدّرناه حق قدره وعظّمناه حق التعظيم، وخشعت قلوبنا من هيبته وجلاله وعظمته، إنه الله -ﷻ- مالك الملك مدبر الأمر مصرف الكون، بيده ملكوت كل شيء، وهو على كل شيء قدير، هو وحده الذي يرزق ويعطي من يشاء ويمنع من يشاء، يمسك السموات فلا تقع على الأرض إلا بإذنه، يرفع السماء بغير عمد نراها، قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ الزمر: ٦٧\n﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٧٤)﴾ الحج: ٧٤\n﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ الأنبياء: ١٠٤\n﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ هود: ٦٦\n﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢) يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ فاطر: ٢ - ٣\n﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ فاطر: ٤١\n﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ الأنعام: ١٨","vol":"1","page":64},{"text":"﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ غافر: ١٦\nومن أعظم أسباب الخشوع أن يعلم ما يقوله في صلاته، ولا يحصل هذا إلا بحضور القلب والفهم والتركيز على ما يقوله في صلاته، فيدرك ويعلم ما يقوله في صلاته من أذكار، فهو يقول عدة أذكار يلتزم بقولها في كل ركعة، ومنها:\nأ - قول: (الله أكبر)، وهو أكثر ذكر يردده في صلاته ويسمعه من إمامه إذا كان ممن تجب عليهم صلاة الجماعة.\nدعونا نردد هذه التسأولات:\nهذا الذكر نردده في صلاة الفريضة أكثر (٩٠) مرة ونسمعه كذلك من الإمام.\nما أثر هذا الذكر علينا في قلوبنا؟! وهل نحن نعلم معنى ما نقول؟!\nب - نقول في الركوع (سبحان ربي العظيم) على الأقل ثلاث مرات في كل ركعة.\nفنقوله في الفريضة (٥١) مرة فما أثره على قلوبنا؟ وهل ندرك معنى ما نقول؟!\nت - نقول في السجود (سبحان ربي الأعلى) على الأقل ثلاث مرات في كل سجدة.\nفنقوله في الفريضة (١٠٢) مرة ويتكرر نفس السؤال!!!\nث - يقول الإمام والمنفرد حين الرفع من الركوع (سمع الله لمن حمده) في كل ركعة، ويقول الجميع الإمام والمنفرد والمأموم (ربنا ولك الحمد) فهل نعلم ما نقول؟!!\nج - نقول في كل صلاة في الركعة الثانية التحيات كاملة في الثنائية ونقولها في التشهد الأوسط في الثلاثية والرباعية، ونقولها كاملة في التشهد الأخير، فهل نعلم ما نقوله في صلاتنا؟\nح - ثم نختم الصلاة بقول (السلام عليكم ورحمة الله) على اليمين والشمال، فهل نعلم ما نقوله؟\nخ - تكرار تلاوة سورة الفاتحة في كل ركعة وما يعقبها من سور وآيات، وهذا ما سيكون الحديث عنه فيما يأتي.","vol":"1","page":65},{"text":"<span data-type='title' id=toc-25>المطلب الثالث: أثر حضور القلب على تدبر سورة الفاتحة في الصلاة</span>.\nوإذا جاهد العبد نفسه في صلاته ليستحضر قلبه ما يتلوه من سورة الفاتحة ويعلم يقينًا أن الله يخاطبه كلما قرأ آية منها زاد خشوعه في صلاته، واستشعر عظمة خطاب الله له، فكيف يليق بالعبد أن ينصرف عن مناجاة ربه؟!\nعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: «مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ» ثَلَاثًا غَيْرُ تَمَامٍ. فَقِيلَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ: إِنَّا نَكُونُ وَرَاءَ الْإِمَامِ؟ فَقَالَ: اقْرَأْ بِهَا فِي نَفْسِكَ؛ فإنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ: «قَالَ اللهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]، قَالَ اللهُ تَعَالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٣]، قَالَ اللهُ تَعَالَى: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤]، قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي -وَقَالَ مَرَّةً: فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي-، فَإِذَا قَالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٦، ٧] قَالَ: هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ» (^١).\nوفوائد هذا الحديث المتعلقة بأمر الخشوع في الصلاة كثيرة نجمل أهمها في الآتي:\n١ - الحذر من حجب الغفلة بسبب الذنوب التي تعمي القلوب، فتحرمها من لذة المناجاة، وإلى الله المشتكى، ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]، ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤].\nوحجب الذنوب دواؤها في كثرة الاستغفار الصادق والتوبة الصادقة، الذي يتواطؤ فيه القلب مع اللسان: مع ندم من الذنب، وإقلاع عنه، وعزم على عدم العودة.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١/ ٢٩٦) ح (٣٩٥).","vol":"1","page":66},{"text":"وهنا حق لنا أن نسأل أنفسنا ونحن نتلوا سورة الفاتحة في كل ركعة من صلاتنا، فكم مرة يا عبد الله حضر قلبك فسمع خطاب الله له؟ وشعرت بعظمة الاصطفاء من ربك، وهو يخاطبك مع كل آية تقرؤها من سورة الفاتحة، فيقول لك: (حمدني عبدي، أثنى علي عبدي، مجدني عبدي، فوض إلي عبدي، هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل ..)!!!\nهل ندرك عظمة هذا الخطاب الموجه لنا من ربنا -﷾- (عبدي .. عبدي .. عبدي ..)؟!\nكم أنت محظوظ أيها المسلم المقبل على ربه في صلاته، وملك الملوك يصطفيك من بين خلقه؛ ليثني عليك بهذا الخطاب العظيم، ويدور بينك وبينه هذه المناجاة وهذا الحوار العظيم، لماذا غفلت القلوب عن هذا؟ لماذا نسيت هذا المقام العظيم، وهذا الاصطفاء الكبير من الله -ﷻ-؟\nلولا الحجب الكثيفة على قلوبنا من الذنوب لطارت فرحًا وشوقًا للتلذذ بهذا الخطاب الرباني العظيم، ولشعر المؤمن بخشوع عجيب في صلاته وهو يتلذذ بذلك، ولشعر بعظمة المناجاة بينه وبين الله العظيم.\n٢ - تكرار قراءة سورة الفاتحة في الصلاة وسماعها من الإمام في الصلاة الجهرية وقراءتها في كل ركعة من صلاة الفرض والنفل في كل يوم، وهذا التكرار يستلزم أن يكون له أثره على القلب في حضوره وتدبره لأعظم سورة في القرآن، وذلك يؤدي إلى شعور العبد بلذة قراءة الفاتحة ولذة المناجاة بها، وكلما أقبل قلب العبد على فهم معاني هذه السورة العظيمة، زاد خشوعه وإقباله بقلبه على ربه في صلاته.\n٣ - وهذه بعض الفوائد العظيمة حول الدعاء الذي ورد في آخر سورة الفاتحة:\nأ - إذا رسخ في قلب العبد أهمية هذا الدعاء وعظيم الحاجة إليه ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، وأنه من أعظم الأدعية وأهمها على الإطلاق، حينها يقبل القلب عليه مستشعرًا لفقره وحاجته لربه في أن يحقق له مطلبه ويجيب دعوته، والتي متى ما أجيبت نال سعادة الدارين، ولتكرار هذه الدعوة في كل ركعة من الصلاة سر عظيم، اسأل الله ان يوفقني للإشارة إليه في الفقرة الآتية.","vol":"1","page":67},{"text":"ب - فينبغي على المسلم أن يشعر بعظمة هذا الدعاء الذي يردده في كل يوم فقط في الفرائض سبع عشرة مرة ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، وهذا يشعر بعظيم أهميتة في حياة المسلم؛ بل هو من أعظم ما يدعو به في نهاره وليلته؛ لأن هذا الدعاء يتضمن سؤال الله الهداية إلى الصراط المستقيم، وكذلك سؤاله الثبات على الهداية إلى أن يلقى ربه، ويختم له بالحسنى.\nوالعبد المؤمن في هذه الدنيا على خطر عظيم، فالقلب كثير التقلب، وشياطين الأنس والجن متربصة به تنتظر زلته عن الصراط ليستثمروها، وفي المقابل نفس امّارة بالسوء، والصراط المستقيم على صعوبته، بجواره طرق مزينة مفروشة بالشهوات المحرمة المحببة للنفوس، فالخطر عظيم، وفتن الشبهات والشهوات تعرض على القلوب في كل وقت، فهنا يظهر أهمية وعظمة هذا الدعاء وجاجة الماسة إلى الدعاء به في كل ركعة، والله الموفق والمعين.\nقال تعالى عن خطر الشياطين وتعاونهم على إضلال بني آدم: ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ الأنعام: ١١٢ – ١١٣.\nوذكر الله في كتابه دعاء المؤمنين الراسخين في العلم فقال -﷾-: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ آل عمران: ٨.\nوهذا يدل على أن القلب كثير الزيغ إذا لم يثبته الله، وجاء إكثار النبي -ﷺ- من الدعاء بتثبيت القلوب على الدين؛ ليدل على كثرة تقلبها بسبب كثرة أمراضها، وهذا يجعل المؤمن مهتمًّا بالإكثار من هذا الدعاء متفهمًا لحاجته له؛ لخوفه على قلبه من التقلب، فعَنْ أَنَسٍ -﵁- قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: «يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ، ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ»، فَقُلْتُ:","vol":"1","page":68},{"text":"يَا رَسُولَ اللَّهِ، آمَنَّا بِكَ وَبِمَا جِئْتَ بِهِ، فَهَلْ تَخَافُ عَلَيْنَا؟! قَالَ: «نَعَمْ، إِنَّ القُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ، يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ» (^١).\nوقَالَ الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ: لَا أَقُولُ فِي رَجُلٍ خَيْرًا وَلَا شَرًّا حَتَّى أَنْظُرَ مَا يُخْتَمُ لَهُ، يَعْنِي بَعَدَ شَيْءٍ سَمِعْتُهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ قِيلَ: وَمَا سَمِعْتَ؟ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: \" لَقَلْبُ ابْنِ آدَمَ أَشَدُّ انْقِلَابًا مِنَ الْقِدْرِ إِذَا اجْتَمَعَتْ غَلْيًا \" (^٢).\nوكل ما سبق يدل دلالة قوية على عظيم أهمية هذا الدعاء ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ الذي نكرره في كل ركعة، ولكن حجب الذنوب الكثيفة على القلوب أفقدت القلب الشعور بحاجته الشديدة والماسة جدًا لتكرار هذا الدعاء في كل ركعة، وإلى الله المشتكى.\nت - وكذلك يحضر قلبه عند التأمين، فهو كلمة بمعنى: \"اللهم استجب\" أي: استجب هذا الدعاء، وليتذكر وهو يقول: \"آمين\" حديث النبي ﷺ: «إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (^٣).\nث - قال ابن كثير ﵀ في تفسيره عن هذا الدعاء العظيم: \" ولولا احتياجه ليلًا ونهارًا إلى سؤال الهداية لما أرشده الله إلى ذلك؛ فإن العبد مفتقر في كل ساعة وحالة إلى الله تعالى في تثبيته على الهداية، ورسوخه فيها، وتبصره، وازدياده منها، واستمراره عليها، فإن العبد لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا إلا ما شاء الله، فأرشده تعالى إلى أن يسأله في كل وقت أن يمده بالمعونة والثبات والتوفيق\" (^٤).\n_________\n(^١) مسند أحمد ط الرسالة (١٩/ ١٦٠) ح (١٢١٠٧)، سنن الترمذي (٤/ ٤٤٨) ح (٢١٤٠) وقال الترمذي: \"هذا حديث حسن\"، سنن ابن ماجه (٢/ ١٢٦٠) ح (٣٨٣٤)، حكم الألباني بصحته في مشكاة المصابيح (١/ ٣٧) ح (١٠٢)، قال محقق المسند (١٩/ ١٦٠): \"إسناده قوي على شرط مسلم\".\n(^٢) أخرجه أحمد (٣٩/ ٢٣٩) ح (٢٣٨١٦)، والحاكم (٢/ ٣١٧) ح (٣١٤٢) وصححه ووافقه الذهبي، وقال محقق المسند (٣٩/ ٢٣٩): \" حديث حسن\"، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٤/ ٣٧٤) ح (١٧٧٢).\n(^٣) صحيح البخاري (٨/ ٨٥) ح (٦٤٠٢)، وصحيح مسلم واللفظ له (١/ ٣٠٧) ح (٤١٠).\n(^٤) تفسير ابن كثير ت سلامة (١/ ١٣٩).","vol":"1","page":69},{"text":"ج - وقال السعدي ﵀: \"فهذا الدعاء من أجمع الأدعية وأنفعها للعبد ولهذا وجب على الإنسان أن يدعو الله به في كل ركعة من صلاته، لضرورته إلى ذلك\" (^١).\nح - ولهذا لا يحسن بالمسلم أن يغفل عن ذلك، بسبب تكرار هذا الدعاء، بل ينبغى أن يكون حاضر القلب، يجاهد نفسه على ذلك؛ ليتحقق أثر هذا الدعاء العظيم عليه ثباتًا على الحق إلى أن يلق الله، وصبرًا على ما يلقاه في طريقه إلى الله (^٢).\n_________\n(^١) تفسير السعدي (٣٩).\n(^٢) وأنقل هنا كلامًا مهمًا لابن رجب ﵀ في تعليقه على هذه الأحاديث التي سبق ذكرها في مسألة إثبات معية الله الخاصة لعبده في صلاته، كما قال بها السلف الصالح، وقد سبق نقل بعض كلامه، واعتذر من طول النقل لكنه مهم في بابه، فيقول ﵀: \" وكأن مقصود النبي - ﷺ - بذكر هذا: أن يستشعر المصلي في صلاته قرب الله منه، وأنه بمرأى منه ومسمع، وانه مناج له وانه يسمع كلامه ويرد عليه جواب مناجاته له.\nكما في «صحيح مسلم»، عن أبي هريرة، عن النبي -ﷺ-: «أن العبد إذا قال: الحمد لله رب العالمين، قال الله: حمدني عبدي» - وذكر رده عليه في آيات الفاتحة إلى آخرها.\nفمن استشعر هذا في صلاته أوجب له ذلك حضور قلبه بين يدي ربه، وخشوعه له، وتأدبه في وقوفه بين يديه، فلا يلتفت إلى غيره بقلبه ولا ببدنه، ولا يعبث وهو واقف بين يديه، ولا يبصق أمامه، فيصير في عبادته في مقام الإحسان، يعبد الله كأنه\nيراه، كما فسر النبي -ﷺ- الإحسان بذلك في سؤال جبريل ﵇ له ..\nوخرج النسائي من حديث ابن عمر، قال: أخذ النبي - ﷺ - ببعض جسدي، فقال: \" اعْبُدِ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ\" وقد كان ابن عمر قبل هذه الوصية وامتثلها، فكان يستحضر في جميع أعماله وعباداته قرب الله منه واطلاعه عليه.\nوكان عروة بن الزبير قد لقيه مرة في الطواف بالبيت فخطب إليه ابنته سودة، فسكت ابن عمر ولم يرد عليه شيئًا، ثم لقيه بعد ذلك بعدما تقدم المدينة، فاعتذر له عن سكوته عنه، بأنا كنا في الطواف نتخايل الله بين أعيننا.\nوقد أخبر الله تعالى بقربه ممن دعاه، وإجابته له، فقال: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ١٨٦] ..\nوقد خرج البخاري في «الدعوات» حديث أبي موسى، أنهم رفعوا أصواتهم بالتكبير، فقال لهم النبي - ﷺ -: \"إِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّكُمْ تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا\".\nوفي رواية: «أنه أقرب إليكم من أعناق رواحلكم».\nولم يكن أصحاب النبي -ﷺ- يفهمون من هذه النصوص غير المعنى الصحيح المراد بها، يستفيدون بذلك معرفة عظمة الله وجلاله، وإطلاعه على عباده وإحاطته بهم، وقربه من عابديه، وإجابته لدعائهم، فيزدادون به خشية لله وتعظيمًا وإجلالًا ومهابة ومراقبة واستحياء، ويعبدونه كأنهم يرونه.\nثم حدث بعدهم من قل ورعه، وساء فهمه وقصده، وضعفت عظمة الله وهيبته في صدره، وأراد أن يري الناس امتيازه عليهم بدقة الفهم وقوة النظر، فزعم أن هذه النصوص تدل على أن الله بذاته في كل مكان، كما يحكى ذلك عن طوائف من الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا، وهذا شيء ما خطر لمن كان قبلهم من الصحابة -﵃-.\nوهؤلاء ممن يتبع ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، وقد حذر النبي -ﷺ- أمته منهم في حديث عائشة الصحيح المتفق عليه.\nوتعلقوا أيضًا بما فهموه بفهمهم القاصر مع قصدهم الفاسد بآيات في كتاب الله، مثل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] وقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]، فقال من قال من علماء السلف حينئذ: إنما أراد أنه معهم بعلمه، وقصدوا بذلك إبطال ما قاله أولئك، مما لم يكن أحد قبلهم قاله ولا فهمه من القرآن.\nوممن قال: أن هذه المعية بالعلم مقاتل بن حيان، وروي عنه أنه رواه عن عكرمة، عن ابن عباس.\nوقاله الضحاك، قال: الله فوق عرشه، وعلمه بكل مكان.\nوروي نحوه عن مالك وعبد العزيز الماجشون والثوري وأحمد وإسحاق وغيرهم من أئمة السلف.\nوروى الإمام أحمد: ثنا عبد الله بن نافع، قال: قال مالك: الله في السماء، وعلمه بكل مكان.\nوروي هذا المعنى عن علي وابن مسعود أيضًا.\nوقال الحسن في قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠]، قال: علمه بالناس.\nوحكى ابن عبد البر وغيره إجماع العلماء من الصحابة والتابعين في تأويل قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] أن المراد علمه.\nوكل هذا قصدوا به رد قول من قال: أنه تعالى بذاته في كل مكان … \" أ. هـ. بطوله مع بعض الاختصار من شرح صحيح البخاري المسمى: فتح الباري لابن رجب (٣/ ١١٠ - ١١٤)، وتعليقه على هذه المسألة طويل، لكنه مهم فمن أراد أن يطلع عليه كاملًا فليرجع إلى المصدر المذكور.","vol":"1","page":70},{"text":"<span data-type='title' id=toc-26>المطلب الرابع: تدبر القلب للآيات والسور التي تقرأ في الصلاة عقب الفاتحة</span>.\nإن سماع السور والآيات وتلاوتها في الصلوات السرية، وتكرار ذلك يجعل العبد المؤمن يدرك عظمة القرآن وأثره على القلب والجوارح، وأنت أيها المؤمن في كل يوم تسمع القرآن في ثلاث صلوات جهرية، ويزيد الاستماع في صلاة الجمعة في كل أسبوع، وفي صلاة التراويح في رمضان، وتقرأه في الصلوات السرية، ولا شك أن لذلك تأثيره العظيم على قلب العبد المؤمن وجوارحه، وذلك كلما صفا القلب وتطهر من أوساخ الذنوب، قال تعالى في معرض بيان سبب عدم تدبر القرآن من بعض القلوب: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤].\nوفي تفسير الطبري: \"يقول تعالى ذكره: أفلا يتدبر هؤلاء المنافقون مواعظ الله التي يعظهم بها في آي القرآن الذي أنزله على نبيه ﵊، ويتفكرون في حججه التي بينها لهم في تنزيله فيعلموا بها خطأ ما هم عليه مقيمون ﴿أم على قلوب أقفالها﴾ [محمد: ٢٤] يقول: أم أقفل الله على قلوبهم فلا يعقلون ما أنزل الله في كتابه من المواعظ والعبر\" (^١).\nوقال تعالى في وصف القرآن الكريم: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٧٤].\nوقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢].\nولذا جاءت أكثر من آية تحث على تدبر القرآن الكريم؛ ليجد المؤمن أثره عليه، فقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢].\n_________\n(^١) تفسير الطبري (٢١/ ٢١٥).","vol":"1","page":71},{"text":"وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩].\nوتدبر القرآن الكريم الذي هو الحكمة من نزوله يعنى: التفكر في آياته، وفهمها والتأمل في معانيها (^١) بتكرار ذلك، وإقامة حروفه وحدوده بالعمل به (^٢)، واستحضار عظمة قائله، وتدبره هو الذي يثمر في القلب ثمرته، فينزل في القلب أثره، فينفع صاحبه، كما يقول ابن مسعود -﵁- (^٣).\nإنه الكتاب العظيم الكريم الذي قال الله عنه: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠].\n﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٣) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف: ٤٣، ٤٤].\nوقال تعالى في بيان آثاره العظيمة: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١) اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ١، ٢].\n_________\n(^١) ينظر: تفسير البغوي (٧/ ٨٨)، تفسير ابن كثير (١/ ٦)، تفسير السعدي (٧١٢).\n(^٢) ونقل ابن كثير في تفسيره (٧/ ٦٤) عن ابن أبي حاتم عن الحسن البصري قوله: \"والله، ما تَدَبَّره بحفظ حروفِهِ وإضاعةِ حدودهِ، حتى إن أحدهم ليقول: قرأت القرآن كله ما يُرى له القرآن في خُلُق ولا عمل\".\n(^٣) وكما في صحيح مسلم (١/ ٥٦٣) ح (٨٢٢) قال ابن مسعود -﵁- لذلك الرجل الذي يقرأ المفصل في ركعة في بيان الخطأ الذي وقع فيه: \"هَذًّا كَهَذِّ الشِّعْرِ! إِنَّ أَقْوَامًا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، وَلَكِنْ إِذَا وَقَعَ فِي الْقَلْبِ فَرَسَخَ فِيهِ نَفَعَ\"، والعبرة والمطلوب هو العمل والتدبر الذي يجعل الآيات تنزل إلى القلب، فينتفع بها.","vol":"1","page":72},{"text":"وقال تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: ٢١].\nوقال تعالى عن أثر القرآن على المؤمنين: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٥، ١٦].\nوقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٩].\nوقال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر: ٢٣].\nوقال تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (١٠٦) قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٦ - ١٠٩].","vol":"1","page":73},{"text":"وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨].\nوفي نهاية هذا المطلب أذكر نفسي وأخواني الأئمة الفضلاء وهم يصلون بالناس ويسمعونهم القرآن في كل يوم في الصلوات الجهرية، أن يحرصوا -في أنفسهم- على تدبر الآيات التي يتلونها على المأمومين، وأن يذكروا أنفسهم ومن خلفهم بالله من خلال آيات القرآن كما قال الله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ ق: ٤٥، وقال تعالى عنه: ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الأعراف: ٢\nوقال تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الذاريات: ٥٥، وعلى رأس الذكرى\nالقرآن العظيم، وقال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (٩) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى﴾ الأعلى: ٩ - ١٠\nوقال تعالى: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ يس: ١١","vol":"1","page":74},{"text":"<span data-type='title' id=toc-27>المطلب الخامس: أثر عمل القلب على عبادة الركوع، وفيه مسائل</span>.\n<span data-type='title' id=toc-28>المسألة الأولى: الركوع من أعظم أركان الصلاة:</span>\nوهو من أعظم المواقف في الصلاة بدليل أن الله يذكره ويريد به الصلاة كاملة لأهميته واعتباره من أعظم أركان الصلاة، قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وقال تعالى: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ [آل عمران: ٤٣]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات: ٤٨].\nوعبر عن الصلاة بجزء منها، وهو الركوع، باعتبار أن الركوع من أهم أركانها، فهو من باب التعبير بالجزء عن الكل (^١).\nقال ابن رجب ﵀: \"الركوع، وهو ذل بظاهر الجسد، ولهذا كانت العرب تأنف منه ولا تفعله، حتى بايع بعضهم النبي -ﷺ- على أن لا يخر إلا قائمًا يعني: أن يسجد من غير ركوع.\nكذا فسره الإمام أحمد رحمه الله تعالى والمحققون من العلماء.\nوقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾.\nوتمام الخضوع في الركوع: أن يخضع القلب لله ويذل له، فيتم بذلك خضوع العبد بباطنه وظاهره لله -﷿- \" (^٢).\n_________\n(^١) ينظر: التفسير الوسيط لطنطاوي (١٥/ ٢٤٢).\n(^٢) تفسير ابن رجب الحنبلي (٢/ ٢٣).","vol":"1","page":75},{"text":"<span data-type='title' id=toc-29>المسألة الثانية: تعظيم الرب في الركوع:</span>\nقال -ﷺ-: \" .. فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ ﷿ .. \" (^١)، ومعنى ذلك:\nوذلك بأن يقول في ركوعه سبحان العظيم، كما ذكر حذيفة عن -ﷺ-، فقال ﵁: ثُمَّ رَكَعَ، فَجَعَلَ يَقُولُ: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ» (^٢).\nويكرر في كل ركعة في صلاته (سبحان ربي العظيم) على الأقل ثلاث مرات، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُول إذَا رَكَعَ: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ (^٣).\nوقال الترمذي ﵀: \"والعمل على هذا عند أهل العلم: يستحبون أن لا ينقص الرجل في الركوع والسجود من ثلاث تسبيحات، وروي عن ابن المبارك أنه قال: «أستحب للإمام أن يسبح خمس تسبيحات لكي يدرك من خلفه ثلاث تسبيحات»، وهكذا قال إسحاق بن إبراهيم\" (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-30>المسألة الثالثة: من أذكار الركوع:</span>\nذكر الشيخ الألباني ﵀ في صفة صلاة النبي -ﷺ- أذكار الركوع ومنها:\n\" سبحان ربي العظيم (ثلاث مرات)\nوكان - أحيانًا - يكررها أكثر من ذلك\" (^٥).\n\" (مسلم وأبو عوانة) \" سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ، رَبُّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ\".\n(البخاري ومسلم) \"سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي\"، وكان يكثر منه في ركوعه وسجوده يَتَأَوَّلُ القُرْآنَ).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١/ ٣٤٨) ح (٤٧٩).\n(^٢) أخرجه مسلم (١/ ٥٣٦) ح (٧٧٢).\n(^٣) أخرجه ابن ماجه (١/ ٢٨٧) ح (٨٨٨) وصححه الألباني في تحقيقه لسنن ابن ماجه ح (٨٨٨).\n(^٤) سنن الترمذي (٢/ ٤٧).\n(^٥) صفة صلاة النبي -ﷺ- (١٣٢).","vol":"1","page":76},{"text":"(مسلم وأبو عوانة والطحاوي والدارقطني) «اللَّهُمَّ لَكَ رَكَعْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، أَنْتَ رَبِّي، خَشَعَ سَمْعِي وَبَصَرِي، وَدَمِي وَلَحْمِي، وَعَظْمِي وَعَصَبِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالِمِينَ».\n(أبو داود والنسائي بسند صحيح) «سُبْحَانَ ذِي الْجَبَرُوتِ وَالْمَلَكُوتِ وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ»، وهذا قاله في صلاة الليل\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-31>المسألة الرابعة: أثر عمل القلب على ما يقوله في الرفع من الركوع</span>.\nثم يرفع من الركوع إن كان إمامًا ومنفردًا قائلًا: (سمع الله لمن حمده)، ويقول الجميع بعد الرفع من الركوع: (ربنا ولك الحمد) وهذا هو الواجب فإن زاد كل منهم بعد ذلك فحسن: (حمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ) وإن زادوا فكذلك فقد ورد به النص (مِلْءُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَمِلْءُ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ، أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ، أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ، وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ، اللهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ).\nوقد جاءت بذلك النصوص:\nعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: \" إِذَا قَالَ الإِمَامُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ المَلَائِكَةِ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ\" (^٢).\nوعَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ الزُّرَقِيِّ، قَالَ: \" كُنَّا يَوْمًا نُصَلِّي وَرَاءَ النَّبِيِّ ﷺ، فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ \"، قَالَ رَجُلٌ وَرَاءَهُ: رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، قَالَ: «مَنِ المُتَكَلِّمُ» قَالَ: أَنَا، قَالَ: «رَأَيْتُ بِضْعَةً وَثَلَاثِينَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا أَيُّهُمْ يَكْتُبُهَا أَوَّلُ» (^٣).\nوعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَالَ: \" رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ مِلْءُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَمِلْءُ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ، أَهْلَ الثَّنَاءِ\n_________\n(^١) صفة صلاة النبي -ﷺ- (١٣٣).\n(^٢) أخرجه البخاري (١/ ١٥٨) ح (٧٩٦)، صحيح مسلم (١/ ٣٠٦) ح (٤٠٩).\n(^٣) أخرجه البخاري (١/ ١٥٩) ح (٧٩٩) بهذا اللفظ، ومسلم (١/ ٤١٩) ح (٦٠٠).","vol":"1","page":77},{"text":"وَالْمَجْدِ، أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ، وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ، اللهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ \" (^١).\nوهذه الأذكار إذا قالها المصلي بقلب حاضر متدبر يدرك معاني ما يقول أحدثت أثرها في قلبه تعظيمًا وإجلالًا لله تعالى، واستشعر بقلبه عظيم نعم الله المحيطة به، فهو يحمد الله على هذا النعم ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ النحل: ٥٣.\nوقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ النحل: ١٨.\nويتذكر قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ إبراهيم: ٧.\n\n<span data-type='title' id=toc-32>المسألة الخامسة: أثر عمل القلب في عبادة الركوع:</span>\nقال -ﷺ-: \" .. فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ ﷿ .. \"، فتعظيم الرب في الركوع عمل قلبي تشترك فيه الجوارح، فإذا نطق اللسان بقول: سبحان ربي العظيم، وركع المؤمن بجسده معظمًا لله، وحضر القلب، وعلم العبد معاني ما يقوله في ركوعه، وفرغ قلبه لله من الانشعال بغيره وهو في هذا الموقف العظيم، وكرر سبحان ربي العظيم وهو يدرك بقلبه، ويشعر بعظمة الله حاضرة في قلبه ونفسه، كأنه يراه فإن لم يكن يراه فهو يؤمن حقيقة أن الله يراه، كما في حديث الإحسان: «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنَّكَ إِنْ لَا تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»، فهو يقدر الله حق قدره ويعظمه حق تعظيمه بقلبه وجوارحه، يدرك معنى عظمة الله فهو يتدبر بقلب حاضر وإحساس صادق معنى (سبحان ربي العظيم) ويدرك عظمة الله من خلال حديثه عن نفسه ﵎: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ الزمر: ٦٧\nوقال تعالى: ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ الحج: ٧٤\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١/ ٣٤٧) ح (٤٧٧).","vol":"1","page":78},{"text":"وقال تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ الأنبياء: ١٠٤\nوقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (٦٦)﴾ هود: ٦٦\nوقال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ الأنعام: ١٨ وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ فاطر: ٤١\nوقال تعالى: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ (١٥) يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ غافر: ١٥ - ١٦\nوعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ: جَاءَ حَبْرٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَوْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ إِنَّ اللهَ تَعَالَى يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْجِبَالَ وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْمَاءَ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ، وَسَائِرَ الْخَلْقِ عَلَى إِصْبَعٍ، ثُمَّ يَهُزُّهُنَّ، فَيَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الْمَلِكُ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ تَعَجُّبًا مِمَّا قَالَ الْحَبْرُ، تَصْدِيقًا لَهُ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧] (^١).\nوقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: \" يَقْبِضُ اللهُ ﵎ الْأَرْضَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيَطْوِي السَّمَاءَ بِيَمِينِهِ ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ أَيْنَ مُلُوكُ الْأَرْضِ؟ \" (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦/ ١٢٦) ح (٤٨١١)، ومسلم واللفظ له (٤/ ٢١٤٧) ح (٢٧٨٦).\n(^٢) أخرجه مسلم (٤/ ٢١٤٨) ح (٢٧٨٧).","vol":"1","page":79},{"text":"وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: \" يَطْوِي اللهُ ﷿ السَّمَاوَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ بِيَدِهِ الْيُمْنَى، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ الْجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ. ثُمَّ يَطْوِي الْأَرَضِينَ بِشِمَالِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ أَيْنَ الْجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ؟ \" (^١).\nوعَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ مِقْسَمٍ، أَنَّهُ نَظَرَ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ كَيْفَ يَحْكِي رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: \" يَأْخُذُ اللهُ ﷿ سَمَاوَاتِهِ وَأَرَضِيهِ بِيَدَيْهِ، فَيَقُولُ: أَنَا اللهُ - وَيَقْبِضُ أَصَابِعَهُ وَيَبْسُطُهَا - أَنَا الْمَلِكُ \" حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى الْمِنْبَرِ يَتَحَرَّكُ مِنْ أَسْفَلِ شَيْءٍ مِنْهُ، حَتَّى إِنِّي لَأَقُولُ: أَسَاقِطٌ هُوَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ؟ (^٢).\nومن الأدلة على عظمة الله، عظمة مخلوقاته، ومن ذلك قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ غافر: ٥٧\nوقال تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ الواقعة: ٧٥ - ٧٦\nوقال النَّبِيِّ ﷺ: «أُذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَةِ اللَّهِ مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ، إِنَّ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إِلَى عَاتِقِهِ مَسِيرَةُ سَبْعِ مِائَةِ عَامٍ» (^٣).\nوقَالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: \"مَا السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ مَعَ الْكُرْسِيِّ إِلَّا كَحَلْقَةٍ مُلْقَاةٍ بِأَرْضٍ فَلَاةٍ، وَفَضْلُ الْعَرْشِ عَلَى الْكُرْسِيِّ كَفَضْلِ الْفَلَاةِ عَلَى الْحَلْقَةِ\" (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٤/ ٢١٤٨) ح (٢٧٨٨).\n(^٢) أخرجه مسلم (٤/ ٢١٤٨) ح (٢٧٨٨).\n(^٣) أخرجه أبو داود (٤/ ٢٣٢) ح (٤٧٢٧)، وقال ابن كثير في تفسيره (٨/ ٢١٢): \" وهذا إسناد جيد، رجاله ثقات\"، وقال الذهبي في العلو للعلي الغفار (٩٧) ح (٢٣٤): \"إسناده صحيح\"، وفي فتح الباري لابن حجر (٨/ ٦٦٥): \"إسناده على شرط الصحيح\"، وذكره الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (١/ ٢٨٢) ح (١٥١).\n(^٤) أخرجه محمد ابن أبي شيبة في العرش (٤٣٢) ح (٥٨)، وابن حبان في صحيحه (٢/ ٧٦) ح (٣٦١)، وابن بطة في الإبانة الكبرى (٧/ ١٨١) ح (١٣٦)، وفي فتح الباري لابن حجر (١٣/ ٤١١): \"وفي حديث أبي ذر الطويل الذي صححه بن حبان .. وله شاهد عن مجاهد أخرجه سعيد بن منصور في التفسير بسند صحيح عنه\"، وصححه الألباني بمجموع طرقه في سلسلة الأحاديث الصحيحة (١/ ٢٢٦) ح (١٠٩).","vol":"1","page":80},{"text":"وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «مَا السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرَضُونَ السَّبْعُ فِي يَدِ اللَّهِ إِلَّا كَخَرْدَلَةٍ فِي يَدِ أَحَدِكُمْ» (^١).\nقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: \" فالسموات السبع والأرضين السبع في كفه تعالى كخردلة في كف أحدكم، يعني: السموات السبع على عظمها والأرضين السبع مثلما لو وضع الإنسان في يده خردلة -وهي حبة الخردل التي بكبر حبة السمسم- وهذا أيضا تمثيل على سبيل التقريب، وإلا فالله تعالى أعظم وأجل، فكل المخلوقات بالنسبة له تعالى ليست بشيء\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-33>المطلب السادس: أثر عمل القلب على عبادة السجود، وفيه مسائل</span>.\n<span data-type='title' id=toc-34>المسألة الأولى: السجود أعظم موقف يقرب فيه العبد من ربه:</span>\nقال تعالى ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ العلق: ١٩، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ»، وقال -ﷺ-: «فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ -﷿-، وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ، فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ» (^٣).\nوالسجود أعظم ما يظهر فيه ذل العبد لربه ﷿، حيث يجعل أشرف ما فيه من الأعضاء وأعزها عليه وأعلاها حقيقة أوضع ما يمكنه، فيضعه في التراب متعفرًا، ويتبع ذلك انكسار القلب وتواضعه وخشوعه لله ﷿ (^٤).\n_________\n(^١) تفسير الطبري ط هجر (٢٠/ ٢٤٦).\n(^٢) تفسير العثيمين لسورة سبأ (١٧١).\n(^٣) أخرجه مسلم (١/ ٣٤٨) ح (٤٧٩).\n(^٤) ينظر: الذل والانكسار للعزيز الجبار، وهو ضمن مجموع رسائل ابن رجب (٣٠٤).","vol":"1","page":81},{"text":"<span data-type='title' id=toc-35>المسألة الثانية: من أذكار السجود:</span>\nويكرر في كل سجدة (سبحان ربي الأعلى) على الأقل ثلاث مرات\nوفي حديث حذيفة في صفة صلاة النبي -ﷺ- في صلاة الليل قال -﵁-: ثُمَّ سَجَدَ، فَقَالَ: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى».\nوعَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ إِذَا رَكَعَ: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَإِذَا سَجَدَ قَالَ «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.\nوفي صفة صلاة النبي -ﷺ- للشيخ الألباني ﵀: \" وكان ﷺ يقول في هذا الركن أنواعًا من الأذكار والأدعية تارة هذا وتارة هذا:\n- (أحمد وأبو داود وابن ماجه والدارقطني): (سبحان ربي الأعلى (ثلاث مرات).\nو(كان أحيانًا يكررها أكثر من ذلك).\nوبالغ في تكرارها مرة في صلاة الليل حتى كان سجوده قريبًا من قيامه وكان قرأ فيه ثلاثة سور من الطوال: البقرة والنساء وآل عمران يتخللها دعاء واستغفار ..\n- (مسلم وأبو عوانة): \" سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ، رَبُّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ\".\n- (البخاري ومسلم): \"سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي \"، وكان يكثر منه في ركوعه وسجوده يَتَأَوَّلُ القُرْآنَ.\n- (مسلم وأبو عوانة): «اللهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ [وأنت ربي]، سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ، وَصَوَّرَهُ [فأحسن صوره]، وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ، [ف] تَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ».\n- (مسلم وأبو عوانة): «اللهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي كُلَّهُ دِقَّهُ، وَجِلَّهُ، وَأَوَّلَهُ وَآخِرَهُ وَعَلَانِيَتَهُ وَسِرَّهُ».\n- (أبو داود والنسائي بسند صحيح): «سُبْحَانَ ذِي الْجَبَرُوتِ وَالْمَلَكُوتِ وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ»، وهذا وما بعده كان يقوله في صلاة الليل.\n- (ابن شيبة والنسائي وصححه الحاكم): «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ».","vol":"1","page":82},{"text":"- (مسلم وأبو عوانة): «اللهُمَّ اجْعَلْ لِي فِي قَلْبِي نُورًا، وَفِي لِسَانِي نُورًا، وَفِي سَمْعِي نُورًا، وَفِي بَصَرِي نُورًا، وَمِنْ فَوْقِي نُورًا، وَمِنْ تَحْتِي نُورًا، وَعَنْ يَمِينِي نُورًا، وَعَنْ شِمَالِي نُورًا، وَمِنْ بَيْنِ يَدَيَّ نُورًا، وَمِنْ خَلْفِي نُورًا، وَاجْعَلْ فِي نَفْسِي نُورًا، وَأَعْظِمْ لِي نُورًا».\n- (مسلم وأبو عوانة): «[اللهُمَّ] [إني] أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، [وَأَعُوذُ] بِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ» \" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-36>المسألة الثالثة: أثر عمل القلب في عبادة السجود:</span>\nقال -ﷺ-: «.. وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ، فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ».\nوالسجود ذل وخضوع لله في القلب يظهر أثره على الجوارح، \" فيضع أشرف شيء فيه وهو وجهه على التراب خشوعًا لربه واستكانة وخضوعًا لعظمته وذلا لعزته قد انكسر له قلبه وذل له جسمه وخشعت له جوارحه\" (^٢)، فحين يضع العبد وجهه على الأرض بين يدي ربه يذكره ويدعوه وهو قريب من القريب الذي قال عن نفسه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ البقرة: ١٨٦\nوقَالَ -ﷺ-: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ»، والسجود والدعاء من أعظم مواقف الذل والخضوع لله المؤدي إلى خشوع القلب الذي يظهر أثره على الجوارح.\nوإذا قال العبد المؤمن في سجوده (سبحان ربي الأعلى) وكررها وقلبه حاضر وهو يدرك معنى ما يقول، وفرغ قلبه لله، وتذكر قربه من ربه في هذا الموقف، وشهد بعين قلبه علو الله على جميع خلقه، وهو أقرب ما يكون إلى عبده في موقف السجود، شعر بذله بين يدي الله وخضوعه له، فناسب في هذا الحال من خضوع العبد لربه في حال سجوده أن يكرر سبحان ربي الأعلى، ليغرس في قلبه مع كثرة التكرار الشعور بعلو الله تعالى على جميع مخلوقاته علو\n_________\n(^١) ينظر: صفة صلاة النبي ﷺ - الألباني (١٤٥ - ١٤٦).\n(^٢) مفتاح دار السعادة (٢/ ٣).","vol":"1","page":83},{"text":"الذات وعلو القدر والشأن وعلو القهر، كما قال تعالى عن نفسه في آيات كثيرة تثبت علو الله سبحانه، ومنها قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ الأعلى: ١\nوقال تعالى: ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ الليل: ٢٠\nوقال تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ البقرة: ٢٥٥\nوقال تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ الحج: ٦٢\nوقال تعالى: ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ غافر: ١٢\nوقال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ الأنعام: ١٨\nوقال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ آل عمران: ٥٥\nوقال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ فاطر: ١٠\nوالآيات في إثبات علو الله أكثر من أن تحصر.\nوالأحاديث كثيرة جدًا منها حديث المعراج وفرضية الصلاة فوق السموات، وقد سبق.\nوكذلك من الآثار العظيمة للدعاء في هذا الموقف العظيم في حال سجود العبد وقربه من ربه القريب ممن دعاه، وهو أقرب ما يكون منه في سجوده بين يدي ربه كما سبق، فإذا حضرت في القلب هذه المعاني العظيمة تعلق بالله وأظهر فقره لله وشدة حاجته إليه وألح على الله في دعائه وحاجته وانكسر القلب وذل بين يدي ربه وأقبل على الله بحضور قلب، فإن هذه المعاني القلبية من أعظم أسباب استجابة الدعاء؛ لأن غفلة القلب عن الله في الدعاء تجعله لا","vol":"1","page":84},{"text":"يقبله، وقال -ﷺ-: «ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالإِجَابَةِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لَاهٍ» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-37>المطلب السابع: عمل القلب وأثره على طمأنينة العبد في صلاته، وفيه توطئة ومسائل</span>.\nتوطئة:\nالطمأنينة في الصلاة، وبالأخص في الركوع والسجود ركن عظيم من أركان الصلاة له أثره الكبير على صلاة العبد، فيجد لذتها وأثرها عليه في سلوكه وأخلاقه، كما قال الله تعالى:\n﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ العنكبوت: ٤٥\n\n<span data-type='title' id=toc-38>المسألة الأولى: معنى الطمأنينة:</span>\nومعنى الطمأنينة في اللغة بمعنى السكون والاستقرار والثبات (^٢)، والمعنى الشرعي قريب من المعنى اللغوي، فهو كما قال ابن القيم ﵀: \"وحقيقة الطمأنينة: السكون والاستقرار\" (^٣) والمقصود بها في الصلاة كما يقول الشيخ ابن عثيمين ﵀: \"والأصح: أن الطمأنينة بقدر القول الواجب في الركن، وهي مأخوذة من اطمأن إذا تمهل واستقر، فكيف يقال لشخص لما رفع من الركوع قال: سمع الله لمن حمده، ثم كبر للسجود، كيف يقال: هذا\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١١/ ٢٣٥) ح (٦٦٥٥)، والترمذي واللفظ له (٥/ ٥١٧) ح (٣٤٧٩) وقال: «هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه»، والحاكم (١/ ٦٧٠) ح (١٨١٧) وقال: \"هذا حديث مستقيم الإسناد تفرد به صالح المري، وهو أحد زهاد أهل البصرة، ولم يخرجاه \"، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٤٨) ح (١٧٢٠٣): \"رواه أحمد، وإسناده حسن\". والحديث حسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير (١/ ١٠٨) ح (٢٤٥) وذكره في السلسلة الصحيحة (٢/ ١٤١) ح (٥٩٤).\n(^٢) ينظر: المعجم الوسيط (٢/ ٥٦٦).\n(^٣) إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان (١/ ٧٦).","vol":"1","page":85},{"text":"مطمئن؟ كيف يقال لشخص لما رفع من السجود قال: الله أكبر، ثم سجد السجدة الثانية، يعني: سكن لحظة، هذا مطمئن؟ \" (^١)\n\n<span data-type='title' id=toc-39>المسألة الثانية: الحكمة من الطمأنينة:</span>\nوقال ﵀ (^٢): \"والحكمة من الطمأنينة: أن الصلاة عبادة، يناجي الإنسان فيها ربه، فإذا لم يطمئن فيها صارت كأنها لعب.\nفهل نحن متعبدون بأن نأتي بحركات مجردة؟ لا والله، ولو كانت الصلاة مجرد حركات وأقوال لخرجنا منها بمجرد إبراء الذمة فقط، أما أن تعطي القلب حياة ونورًا؛ فهذا لا يمكن أن يحصل بصلاة ليس فيها طمأنينة، والنبي ﵊ قال: «الصَّلَاةُ نُورٌ» (^٣) نور في القلب، والوجه، والقبر، فهي على اسمها، هي كلها نور، فهل نحن إذا انصرفنا من صلاتنا على هذا الوجه نجد نورًا في قلوبنا؟\nإذا لم نجد؛ فالصلاة فيها نقص بلا شك.\nولهذا يذكر عن بعض السلف (^٤) قال: «من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم تزده من الله إلا بعدًا»، لأنه لو صلى الصلاة الكاملة للزم أن تنهاه عن الفحشاء والمنكر، لأن الله يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] فهذا خبر من الله مؤكد بـ «إن».\nفإذا صليت صلاة لا تجد قلبك منتهيًا عن الفحشاء والمنكر، فاعلم أنك لم تصل إلا صلاة تبرأ بها الذمة فقط، وكم تشاهدون الإنسان يدخل في صلاته ويخرج منها كما هو لا يجد أثرًا؟ وإذا منّ الله عليه يومًا من الأيام، وصار قلبه حاضرًا واطمأن وتمهل وتدبر ما يقول\n_________\n(^١) الشرح الممتع (٣/ ٣٠٨)، ويدل كلام الشيخ ﵀ على أن هذا لم يطمئن، لأنه لم يأت بالذكر الواجب.\n(^٢) أي الشيخ ابن عثيمين.\n(^٣) أخرجه مسلم (١/ ٢٠٣) ح (٢٢٣)\n(^٤) أثر عن ابن مسعود -﵁-. ينظر: مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (٢/ ٢٥٨) ح (٣٥٥٨).","vol":"1","page":86},{"text":"ويفعل؛ خرج على خلاف ما دخل، ووجد أثرًا وطعمًا يتطعمه، ولو بعد حين، يتذكر تلك الصلاة التي كان فيها حاضر القلب مطمئنًا.\nالحاصل: أن الطمأنينة لا بد منها، فهي والخشوع روح الصلاة في الحقيقة\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-40>المسألة الثالثة: الأدلة على أن الطمأنينة ركن في جميع الصلاة، وخطورة التساهل فيها:</span>\nوالطمأنينة في جميع أركان الصلاة من أهم العلامات الدالة على خشوع العبد لربه، وشعوره بأن الله يراه، فهو يستحي من ربه ولذلك يحرص على الطمأنينة في جميع صلاته، ولهذا جاءت نصوص السنة ببيان أهميتها وخطر التساهل فيها، ومن ذلك:\nعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- دَخَلَ المَسْجِدَ، فَدَخَلَ رَجُلٌ، فَصَلَّى، ثُمَّ جَاءَ، فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، فَرَدَّ النَّبِيُّ -ﷺ﵇، فَقَالَ: «ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ»، فَصَلَّى، ثُمَّ جَاءَ، فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَ: «ارْجِعْ فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ» ثَلَاثًا، فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، فَمَا أُحْسِنُ غَيْرَهُ، فَعَلِّمْنِي، قَالَ: «إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا» (^٢).\nوأحب أن أنقل لكم الأحاديث التي وردت في كتاب صحيح الترغيب والترهيب للألباني (^٣) عن التحذير من عدم الطمأنينة في الركوع والسجود وحرصت على نقل أكثرها لأهميتها ولعظيم الحاجة لذلك (^٤)، تحت عنوان:\n_________\n(^١) الشرح الممتع على زاد المستقنع (٣/ ٣٠٨ - ٣٠٩).\n(^٢) أخرجه البخاري (١/ ١٥٨) ح (٧٩٣)، ومسلم (١/ ٢٩٨) ح (٣٩٧).\n(^٣) وأصل الكتاب الترغيب والترهيب للإمام المنذري رحمة الله على الجميع، وقد قمت بحذف التخريج وبعض الأحاديث اختصارًا، وأبقيت على حكم الشيخ على الحديث لأنه مقصود.\n(^٤) وهنا يحسن التنبيه أن التمعن في قراءة هذه الأحاديث والاطلاع عليها كاملة يجعل القاريء أو السامع يخرج بمعلومة كافية عن أهمية الطمأنينة في الصلاة.","vol":"1","page":87},{"text":"(الترهيب من عدم إتمام الركوع والسجود، إقامة الصُّلْب (^١) بينهما، وما جاء في الخشوع).\n-[صحيح] عن أبي مسعودٍ البدريّ قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"لا تُجزئ صلاةُ الرجلِ حتى يُقِيمَ ظَهرَه في الركوعِ والسجودِ\".\n-[صحيح لغيره] وعن أبي قتادة ﵁ قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"أسوأُ الناسِ سرقةً الذي يَسرقُ من صلاتِه\".\nقالوا: يا رسول اللهِ! كيف يَسرقُ من صلاته؟ قال: \"لا يتمُّ رُكوعَها ولا سجودهَا. أو قال: لا يقيمُ صُلبَه في الركوع والسجود\".\n-[صحيح] وعن علي بن شَيبان ﵁ قال: خرجنا حتى قَدِمنا على رسول الله -ﷺ-، فبايعناه، وصلَّينا خلفه، فَلَمَحَ بِمُؤَخّرِ عينه رجلًا لا يقيم صلاته يعني صُلبَه في الركوع، فلما قضى النبيُّ -ﷺ- صلاتَه قال: \"يا معشرَ المسلمين! لا صلاةَ لمن لا يقيمُ صُلبَه في الركوعِ والسجود\".\n-[حسن صحيح] وعن طَلْق بن عليّ الحَنَفيّ ﵁ قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"لا ينظر اللهُ إلى صلاة عبدٍ لا يُقيمُ فيها صُلبَه بين ركوعِها وسجودها\".\n-[حسن] وعن أبي عبد الله الأشعريّ: أنَّ رسول الله -ﷺ- رأى رجلًا لا يُتِمُّ ركوعَه، وَينْقُرُ في سجودِه، وهو يصلّي، فقال رسول الله -ﷺ-: \"لو مات هذا على حاله هذه؛ مات على غيرِ مِلَّةِ محمدٍ ﷺ \".\nثم قال رسول الله -ﷺ-: \"مثَل الذي لا يُتمُّ ركوعَه، ويَنْقرُ في سجودِهِ مثَلُ الجائع؛ يأْكُلُ التمرةَ والتمرتين؛ لا يُغنِيان عنه شيئًا\".\n_________\n(^١) الصلب: الظهر العمود الفقري.","vol":"1","page":88},{"text":"قال أبو صالح: \"قلت لأبي عبد الله: مَنْ حدَّثك بهذا عن رسول الله ﷺ؟ قال: أمراءُ الأجناد: عَمرُو بنُ العاصي، وخالدُ بنُ الوليد، وشُرَحْبيلُ بن حسَنة، سمعوه من رسول الله -ﷺ- \".\n-[حسن] وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي -ﷺ- قال: \"إن الرجلَ ليصلِّي سِتينَ سنةً وما تُقبلُ له صلاةٌ، لعلّه يُتمَّ الركوعَ، ولا يُتمُّ السجودَ، ويُتمُّ السجودَ ولا يُتمَّ الركوع\".\n-[صحيح لغيره] عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"لا ينظر اللهُ إلى عبدٍ لا يُقيم صُلْبَهُ بين ركوعِه وسجودِه\".\n-[صحيح] وعن رفاعةَ بن رافعٍ ﵁ قال: كنتُ جالسًا عندَ رسولِ الله -ﷺ-، إذْ جاءهُ رجلٌ فدخل المسجدَ فصلّى. فذكر الحديث .... ثم يكبِّر ويركع، فيضع كفيه على ركبتيه حتى تطمئن مفاصلُه وتسترخي، ثم يقول: سمع الله لمن حمدَه، ويستوي قائمًا حتى يأخذَ كلُّ عظمٍ مأْخذه، وُيقيمَ صُلبَه، ثم يكبِّر، فيسجدُ، وُيمكِّنُ جبهتَه من الأرضِ، حتى تطمئنَّ مفاصلُه وتسترخي، ثم يكبِّر فيرفع رأسَه، ويستوي قاعدًا على مَقْعدته، ويقيم صُلبه، فوصف الصلاة هكذا حتى فرغ ثم قال: لا تتم صلاةُ أحدِكُم حتى يفعلَ ذلك\" الحديث.\nوقال في آخره: \"فإذا فعلتَ ذلك؛ فقد تمّت صلاتُك، وإنِ انتقصتَ منها شيئًا؛ انتقصتَ من صلاتك\".\n-[حسن] وعن عمار بن ياسر ﵁ قال: سمعتُ رسول الله -ﷺ- يقول: \"إنَّ الرجلَ لينصرفُ وما كُتِبَ له إلا عُشرُ صلاتِه، تُسعُها، ثُمنها، سُبعها، سُدسها، خُمسها، رُبعها، ثُلْثها، نِصفها\".\n-[حسن صحيح] وعن أبي هريرةَ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"الصلاةُ ثلاثةُ أثلاثٍ، الطُّهورُ ثلثٌ، والركوع ثُلثٌ، والسجود ثلثٌ، فمَن أدّاها بحقِّها قُبلَتْ منه، وقُبل منه سائرُ عَمَلِه، ومَن رُدَّت عليه صلاتُه، رُدَّ عليه سائرُ عَمَلِه\".","vol":"1","page":89},{"text":"-[صحيح لغيره] وعن حُرَيْثِ بنِ قَبِيصةَ قال: قَدِمتُ المدينةَ وقلت: اللهم ارزقني جليسًا صالحًا، قال: فجلست إلى أبي هريرة، فقلت: إني سألتُ اللهَ أن يرزقني جليسًا صالحًا، فحدِّثْني بحديثٍ سمعتَه من رسول الله -ﷺ-، لعل الله أن ينفعني به، فقال: سمعتُ رسول الله -ﷺ- يقول: \"إنَّ أوَّل ما يحاسبُ به العبدُ يومَ القيامةِ من عملهِ صلاتُه، فإنْ صَلَحَتْ فقد أفلحَ وأنجحَ، وإن فسدتْ فقد خاب وخسر، وإنِ انتقصَ من فريضتِه قال الله تعالى: انظروا هل لعبدي من تطوعٍ يُكمَلُ به ما انتُقصَ من الفريضة؟ ثم يكون سائرُ عملِه على ذلك\".\n[حسن] رواه مسلم والنسائي، وابن خزيمة في \"صحيحه\"، ولفظه: قال: صلّى بنا رسول الله -ﷺ- الظهرَ، فلما سَلَّم، نادى رجلًا كان في آخرِ الصفوف، فقال: \"يا فلان ألا تَتَّقي اللهَ! ألا تَنْظر كيف تُصلِّي؟ إنَّ أحدَكم إذا قام يصلِّي إنَّما يقوم يناجي رَبَّهُ، فلينظرْ كيف يناجيه، إنكم ترون أني لا أَراكم، إنّي واللهِ لأرى مِنْ خَلفِ ظهري، كما أرى مِنْ بين يديّ\".\n_[حسن صحيح] وعن أبي الدرداءِ ﵁ عن النبي -ﷺ- قال: \"أولُ شيءٍ يُرفَع من هذه الأمةِ الخشوعُ، حتى لا ترى فيها خاشعًا\".\n-[صحيح] وعن مُطرَّفٍ عن أبيه ﵁ قال:\nرأيتُ رسولَ الله -ﷺ- يصلِّي، وفي صدرِه أزيزٌ كأَزيزِ الرُّحى (^١)، من البكاءِ.\nرواه أبو داود والنسائي، ولفظه:\nرأيتُ رسولَ اللهِ -ﷺ- يُصلِّي ولجوفه أزيزٌ كأزيزِ المِرْجَلِ (^٢). يعني يبكي.\nورواه ابن خزيمة وابن حبان في \"صحيحيهما\" نحو رواية النسائي، إلا أنّ ابن خزيمة قال: \"ولصدره\".\n_________\n(^١) (أزيز الرحى) هو صوت الرحي عند الطحن.\n(^٢) (المرجل) هو القِدْر، يعني أنَّ لجوفه حنينًا كصوت غليان القدر.","vol":"1","page":90},{"text":"-[صحيح] وعن عليَّ ﵁ قال: ما كان فينا فارسٌ يومَ بدرِ غيرَ المِقدادِ، ولقد رأيتُنا وما فينا إلا نائمٌ، إلا رسولَ اللهِ -ﷺ- تحت شجرةٍ، يُصلي ويبكي، حتى أصبح.\n-[صحيح] وعن عقبةَ بنِ عامرٍ ﵁ عن النبي -ﷺ- قال: \"ما من مسلم يتوضَّأُ فَيُسبغُ الوضوء، ثم يقومُ في صلاتِه، فيعلم ما يقول؛ إلا انْفَتَلَ وهو كيومَ ولَدَتْهُ أمُّه\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-41>المطلب الثامن: أثر عمل القلب على التشهد وجلسته، وفيه مسائل:</span>\n<span data-type='title' id=toc-42>المسألة الأولى: جلسة التشهد ولفظ التشهد الأول، والثاني</span>.\nفإذا جلس المؤمن للتشهد\"شرع له أن يجلس .. جلسة المتخشع المتذلل المستكين جاثيًا على ركبتيه\" (^٢) حاضر القلب يدرك معنى ما يقوله في صلاته، وقد جاهد نفسه على تفريغ قلبه لله في صلاته، فجلس للتشهد بأدب بين يدي ربه مقبلًا عليه بوجهه وقلبه، يعلم ما يقوله بلسانه من ألفاظ التشهد يتدبر المعنى بقلبه، فيقول: \"التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، فَإِذَا قَالَهَا أَصَابَتْ كُلَّ عَبْدٍ لِلَّهِ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ\" (^٣).\nوهذا التشهد الأول في الثلاثية والرباعية، وفي التشهد الآخر يضيف الصلاة الإبراهمية، ولها عدة صيغ من أشهرها: \"اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ \" (^٤).\n_________\n(^١) ينظر: صحيح الترغيب والترهيب (١/ ٣٤٥ ٣٥٥).\n(^٢) الصلاة وأحكام تاركها لابن القيم (١٥٠).\n(^٣) أخرجه البخاري (٨/ ٥١) ح (٦٢٣٠)، ومسلم (١/ ٣٠١) ح (٤٠٢).\n(^٤) أخرجه البخاري (٤/ ١٤٦) ح (٣٣٧٠).","vol":"1","page":91},{"text":"وقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: \" إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ مِنْ أَرْبَعٍ يَقُولُ: اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ \" (^١).\nقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: \" وفي التعوّذ من هذه الأربع قولان:\nالقول الأول: أنه واجب، وهو رواية عن الإمام أحمد، لما يلي:\n١ - لأمر النبي ﷺ بها.\n٢ - ولشدَّة خطرها وعظمها.\nوالقول الثاني: أنه سُنَّة، وبه قال جمهور العلماء.\nولا شَكَّ أنه لا ينبغي الإخلالُ بها، فإن أخلَّ بها فهو على خَطَرٍ من أمرين:\n١ - الإثم.\n٢ - ألا تصح صلاته، ولهذا كان بعضُ السَّلف (^٢) يأمر مَنْ لم يتعوَّذ منها بإعادة الصَّلاة\" (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-43>المسألة الثانية: أدعية ما قبل التسليم:</span>\nثم يدعو بما أحب قال -ﷺ-: \"ثُمَّ يَتَخَيَّرُ مِنَ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ، فَيَدْعُو \" (^٤).\nوقد ورد في السنة أدعية كثيرة تقال قبل السلام، وليست بواجبة، منها:\n١ - \" .. اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي إِنَّكَ أَنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ\" (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١/ ٤١٢) ح (٥٨٨)، وهذا لفظه، وفي لفظ صحيح عند ابن ماجه (١/ ٢٩٤) ح (٩٠٩) وغيره: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \" إِذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنَ التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ، فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ: مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ \".\n(^٢) أثر عن طاووس ﵀. ينظر: المحلى بالآثار (٢/ ٣٠٢)، المجموع شرح المهذب (٣/ ٤٧٠).\n(^٣) الشرح الممتع على زاد المستقنع (٣/ ١٩٩ - ٢٠٠).\n(^٤) صحيح البخاري (١/ ١٦٧) ح (٨٣٥).\n(^٥) أخرجه البخاري (١/ ١٦٦) ح (٨٣٤) ومسلم (٤/ ٢٠٧٨) ح (٢٧٠٥).","vol":"1","page":92},{"text":"٢ - «اللهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا أَسْرَفْتُ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ» (^١).\n٣ - … «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّ لَكَ الْحَمْدَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْمَنَّانُ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، إِنِّي أَسْأَلُكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: «تَدْرُونَ بِمَا دَعَا؟» قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ دَعَا اللَّهَ بِاسْمِهِ الْعَظِيمِ، الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى» (^٢).\n٤ - \"اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِاللهِ الْوَاحِدِ الْأَحَدِ الصَّمَدِ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، أَنْ تَغْفِرَ لِي ذُنُوبِي، إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ \"، قَالَ: فَقَالَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ: \" قَدْ غُفِرَ لَهُ، قَدْ غُفِرَ لَهُ، قَدْ غُفِرَ لَهُ \" ثَلَاثَ مِرَارٍ (^٣).\nوغير ذلك من الأدعية التي وردت في السنة، والموطن من مواطن الدعاء.\n\n<span data-type='title' id=toc-44>المسألة الثالثة: أثر عمل القلب في عبادة التشهد، ويتلخص ذلك في الأمور الآتية:</span>\nأولًا: ينبغي أن يستصحب المجاهدة لحضور القلب وفهمه لما يقوله المؤمن في صلاته، وعدم الغفلة عن ذلك مع الاستمرار وعدم الانقطاع:\nونتذكر أحاديث الحث على حضور القلب في الصلاة التي سبق ذكرها وأعيدها لأهمية التذكير بها، ويجاهد نفسه على تذكر هذه الأمور في سائر صلاته من أولها إلى آخرها، وإليك ما سبق ذكره من الأحاديث التي لا ينبغي أن تغيب عن ذهن المصلي، فإذا حصل شيء من\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١/ ٥٣٥) ح (٧٧١).\n(^٢) أخرجه أحمد (٢٠/ ٦١) ح (١٢٦١١)، والنسائي (٣/ ٥٢) ح (١٣٠٠)، وصححه الألباني في تخريجه لسنن النسائي ح (١٣٠٠)، وقال محقق المسند (٢٠/ ٦١): \"حديث صحيح، وهذا إسناد قوي\".\n(^٣) أخرجه أحمد (٣١/ ٣١٠) ح (١٨٩٧٤)، وأبو داود (٢/ ٢٢٩) ح (٩٨٥)، وصححه الحاكم (١/ ٤٠٠) ح (٩٨٥) ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في تحقيقه لسنن أبي داود ح (٩٨٥)، وقال شعيب الأرناؤوط في تحقيقه لسنن أبي داود (٢/ ٢٣٠) ح (٩٨٥): \" إسناده صحيح\".","vol":"1","page":93},{"text":"القصور أثناء صلاته وانصرف القلب بسبب طبيعة النفس البشرية، وسوسة الشيطان له، عاد سريعًا إلى التذكر والانتباه؛ لأنه في مجاهدة مع الشيطان الذي يريد يخرجه من صلاته بأقل المكاسب.\nقال -ﷺ-: \" مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَوَضَّأُ، فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ مُقْبِلٌ عَلَيْهِمَا بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ إِلَّا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ \".\nوقال -ﷺ-: «فَإِنْ هُوَ قَامَ فَصَلَّى، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَمَجَّدَهُ بِالَّذِي هُوَ لَهُ أَهْلٌ، وَفَرَّغَ قَلْبَهُ لِلَّهِ، إِلَّا انْصَرَفَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ».\nوقال -ﷺ-: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَوَضَّأُ فَيُسْبِغُ الْوُضُوءَ، ثُمَّ يَقُومُ فِي صَلَاتِهِ فَيَعْلَمُ مَا يَقُولُ إِلَّا انْفَتَلَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ مِنَ الْخَطَايَا لَيْسَ عَلَيْهِ ذَنْبٌ».\nوقال -ﷺ-: «لَا يَزَالُ اللَّهُ ﷿ مُقْبِلًا عَلَى الْعَبْدِ، وَهُوَ فِي صَلَاتِهِ، مَا لَمْ يَلْتَفِتْ، فَإِذَا الْتَفَتَ انْصَرَفَ عَنْهُ».\nوقال -ﷺ-: \"إنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ يُصَلِّي إِنَّمَا يَقُومُ يُنَاجِي رَبَّهُ، فَلْيَنْظُرْ كَيْفَ يُنَاجِيهِ\".\nوالتشهد دعاء وفي آخره موطن دعاء، فلا بد أن يتذكر العبد أهمية حضور القلب في دعائه، وكما سبق في الحديث يقول -ﷺ-: «ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالإِجَابَةِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لَاهٍ».\nثانيًا: أن يتدبر ويفهم ويفقه معنى التشهد، فيقوله بلسانه وقلبه يدرك معنى ما يقول.\nوإليك ملخصًا لمعاني التشهد مع بيان أثر عمل القلب على ذلك:\n١ - \" التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ \" يقوله بلسانه متدبرًا بقلبه معاني ما يقوله:\n- \"التحيات لله\": أي أنك بهذه التحيات تحيي الله وتعظمه تعظيمًا يليق بجلاله وعظمته، وتحضر قلبك وذهنك وتشعر بعظمة الموقف وأنت بين يديه -﷾- تناجيه وتوجه له هذه التحيات، وكم يفرح من الناس من إذا قابل عظيمًا من البشر فحياه وسلم عليه!","vol":"1","page":94},{"text":"- \"والصلوات\": لله خالصة وهو المستحق لها وحده لا شريك له، وذلك صلاة الفرض والنفل، ويدخل في ذلك الدعاء لأنه يقال للصلاة في اللغة دعاء.\n- \"والطيبات\": لله وتشمل ما يتعلق بالله وما يتعلق بفعل العبد، فالله طيب في ذاته وصفاته وأفعاله وأقواله لا يقبل من العبد إلا الطيب من القول والفعل، كما في الحديث يقول رَسُولُ اللهِ ﷺ: \" أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١)﴾ المؤمنون: ٥١، وَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ البقرة: ١٧٢، ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ، يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟ \" (^١).\nفالله طيب لا يليق به إلا الطيب من الأفعال والأقوال الصادرة من الخلق، فلا يرفع إلى الله من عمل العبد أو قوله إلا ما كان طيبًا قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ فاطر: ١٠\nواما ضد الطيب فهو الخبيث أو ما ليس بخبيث ولا طيب، وكل ذلك الله منزه عنه، لأنه سبحانه له الأوصاف العليا ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ الروم: ٢٧، فلا يمكن أن يكون في أوصافه أو أفعاله أو أقواله ما ليس بطيب ولا خبيث، بل كل أفعاله وأقواله وصفاته كلها طيبة.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢/ ٧٠٣) ح (١٠١٥).","vol":"1","page":95},{"text":"أما ما يصدر من الخلق؛ فمنه ما هو طيب، ومنه ما هو خبيث، ومنه ما ليس كذلك، والله لا يقبل إلا الطيب، وما ليس بطيب فهو إلى الأرض لا يصعد إلى السماء (^١).\n٢ - \" السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ \":\nوالمؤمن في صلاته يوجه هذا السلام إلى الرسول -ﷺ- كأنه أمامه يستحضر بقلبه نبيه وحبيبه وقرة عينه -ﷺ-، وإن كان -ﷺ- ليس حاضرًا عنده بل هو في الحقيقة حاضر في قلبه، كما يقول ابن تيمية ﵀: \" والمسلمون يقولون في صلاتهم: \" السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته \" وليس هو حاضرًا عندهم ولكنه حاضر في قلوبهم\" (^٢).\nوملخص معناه: دعاء من المصلي لنبيه ﷺ أن يسلمه الله ويرحمه وينزل عليه بركاته.\nوقال ابن رجب ﵀: \"وفي تفسير (السلام على فلان) قولان:\nأحدهما: أن المراد بالسلام اسم الله، يعني: فكأنه يقول: اسم الله عليك.\nوالثاني: أن المراد: سلّم الله عليك تسليمًا وسلامًا، ومن سلّم عليه الله فقد سلم من الآفات كلها ثم أقرهم أن يسلموا على النبي بخصوصه ابتداءً؛ فإنه أشرف المخلوقين وأفضلهم، وحقه على الأمة أوجب من سائر الخلق؛ لأن هدايتهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة كان بتعليمه وإرشاده ﷺ تسليمًا، وجزاه عنا أفضل ما جزى نبيًا عن أمته\" (^٣).\nوالمراد بالسلام: اسم الله -﷿- كما قال الله تعالى عن نفسه: ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ﴾ الحشر: ٢٣، ومعنى سلام الله على الرسول، أي بالحفظ، والكلاءة، والعناية،\n_________\n(^١) ينظر: الشرح الممتع على زاد المستقنع (٣/ ١٤٨).\n(^٢) منهاج السنة النبوية (٣/ ٣٦٨).\n(^٣) فتح الباري لابن رجب (٧/ ٣٢٨).","vol":"1","page":96},{"text":"فكأننا نقول: الله عليك، أي: رقيب حافظ معتنٍ بك، حافظ لك من الآفات، وما أشبه ذلك.\nوقيل: السلام بمعنى التسليم، أي: ندعو له بالسلامة والنجاة من كل آفة في الدنيا والآخرة، وهذا واضح في حال حياته -ﷺ-، لكن بعد مماته، كيف يناسب أن ندعو له بالسلامة؟ والجواب ليس الدعاء بالسلامة مقصورًا في حال الحياة، فهناك أهوال يوم القيامة؛ ولهذا كان دعاء الرسل أثناء عبور الناس الصراط: \"اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ\" (^١)، فالمرء لا ينتهي من المخاوف والآفات بمجرد موته.\nوقد يكون السلام بمعنى أعم؛ وهو السلام على شرعه وسنته وسلامتها من أن تنالها أيدي العابثين (^٢).\nويتذكر بقلبه حين يقول في تشهده: \" السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ \" أمورًا، منها:\nالأول: يتذكر فضله -ﷺ- العظيم عليه بعد فضل الله في دلالته له على طريق الجنة وتحذيره من طرق النار، فما من خير يسعدها في الدنيا والآخرة إلا وقد دل أمته عليه، ولا من شر يشقيها في الدنيا والآخرة إلا وحذرها منه، قال تعالى في وصفه وبيان حرصه -ﷺ- على أمته وشفقته ورحمته العظيمة بها: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨].\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١/ ١٦٠) ح (٨٠٦)، ومسلم (١/ ١٦٣) ح (١٨٢).\n(^٢) ينظر: الشرح الممتع على زاد المستقنع (٣/ ١٥٠ - ١٥٣)، والخشوع في الصلاة في ضوء الكتاب والسنة (٣١٤ - ٣١٥) مع بعض التصرف.","vol":"1","page":97},{"text":"وعن ابن مسعودٍ ﵁؛ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: \"ليسَ مِنْ عمَلٍ يُقرِّبُ مِنَ الجنَّةِ إلا قد أمْرتُكم به، ولا مِنْ عَملٍ يقرِّبُ إلى النارِ إلا وقد نهْيتُكُم عنه .. \" الحديث (^١).\nالثاني: يتذكر بقلبه حديث النبي -ﷺ-: «مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إِلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ ﵇» (^٢).\nوقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً سَيَّاحِينَ فِي الْأَرْضِ يُبَلِّغُونِي مِنْ أُمَّتِي السَّلَامَ» (^٣).\nالثالث: فضل السلام عليه: -ﷺ-\nامتثال قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ الأحزاب: ٥٦.\nوفي الحديث أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَاءَ ذَاتَ يَوْمٍ وَالْبُشْرَى فِي وَجْهِهِ، فَقُلْنَا: إِنَّا لَنَرَى الْبُشْرَى فِي وَجْهِكَ، فَقَالَ: \" إِنَّهُ أَتَانِي الْمَلَكُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ رَبَّكَ يَقُولُ: أَمَا\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم (٢/ ٥) ح (٢١٣٦)، وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢/ ٣١١) ح (١٧٠٠): \"صحيح لغيره\".\n(^٢) أخرجه أحمد (١٦/ ٤٧٧) ح (١٠٨١٥)، وأبو داود (٢/ ٢١٨) ح (٢٠٤١)، وقال في فتح الباري لابن حجر (٦/ ٤٨٨): \" ورواته ثقات\"، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢/ ٢٩٣) ح (١٦٦٦)، وقال محقق المسند: \" إسناده حسن\".\n(^٣) أخرجه أحمد (٦/ ١٨٣) ح (٣٦٦٦)، والنسائي (٣/ ٤٣) ح (١٢٨٢) وصححه الحاكم (٢/ ٤٥٦) ح (٣٥٧٦) ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢/ ٢٩٢) ح (١٦٦٤)، وقال محقق المسند: \" إسناده صحيح على شرط مسلم\".","vol":"1","page":98},{"text":"يُرْضِيكَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَيْكَ أَحَدٌ إِلَّا صَلَّيْتُ عَلَيْهِ عَشْرًا، وَلَا يُسَلِّمُ عَلَيْكَ أَحَدٌ، إِلَّا سَلَّمْتُ عَلَيْهِ عَشْرًا \" (^١).\n٣ - \" السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، فَإِذَا قَالَهَا أَصَابَتْ كُلَّ عَبْدٍ لِلَّهِ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ \"\nفهو يطلب بهذا الدعاء السلامة من كل شر له ولجميع عباد الله الصالحين من الأنس والجن والملائكة وعلى رأس هؤلاء الرسل والأنبياء، فإذا قال ذلك أصابت كل عبد لله صالح في السماء والأرض.\nفهو يبدأ بنفسه بالدعاء ويثنّي بعباد الله الصالحين، وفي هذا دلالة على الارتباط بين المؤمن وإخوانه من عباد الله الصالحين في السماء والأرض، وهذا مما يزيد المؤمن ثباتًا على الحق، وهو يتذكر بقلبه أن معه على الحق من عباد لله الصالحين كثير لا يحصون من كثرتهم في السموات والأرض، فهو يدعو لنفسه ولهم، كما أنهم يدعون لأنفسهم وله.\nوالمراد بالعبد الصالح كما يقول أهل العلم كما ذكر شيخ الإسلام: \"قال الزجاج وغيره: الصالح: \"القائم بحقوق الله وحقوق عباده\" (^٢)، ولفظ الصالح خلاف الفاسد؛ فإذا أطلق فهو الذي أصلح جميع أمره، فلم يكن فيه شيء من الفساد، فاستوت سريرته وعلانيته، وأقواله وأعماله على ما يرضى ربه\" (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢٦/ ٢٨٠ - ٢٨١) ح (١٦٣٦١)، والنسائي (٣/ ٤٤) ح (١٢٨٣)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (١/ ٧٥) ح (٧١) وحسنه فيه مرة أخرى (١/ ٤٣٨) ح (٢١٩٨)، وقال في صحيح الترغيب والترهيب (٢/ ٢٩١) ح (١٦٦١) عن رواية أحمد: \"حسن صحيح\"، وقال محقق المسند (٢٦/ ٢٨١): \"حسن لغيره\".\n(^٢) ذكره الزجاج في كتابه معاني القرآن وإعرابه (١/ ٤٠٧) بلفظ: \" الصالح الذي يؤَدي إِلى اللَّه ما عليه، ويؤَدي إلى\nالناس حقوقهم\".\n(^٣) الإيمان لابن تيمية (٥٠).","vol":"1","page":99},{"text":"٤ - \" أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ \":\nومعنى\"أشهد أن لا إله إلا الله\" أي: ينطق لساني ويقر قلبي، وأعلم يقينًا، أنه لا معبود بحق إلا الله وحده لا شريك له، والشاهدة هي الخبر القاطع، فهي أبلغ من مجرد الخبر؛ لأن الخبر قد يكون عن سماع، والشهادة تكون عن قطع، كأنما يشاهد الإنسان بعينيه ما شهد به.\nومعنى «لا إله إلا الله»: أي: لا معبود حق إلا الله،\nو«لا إله إلا الله» كلمة التوحيد التي بعث الله بها جميع الرسل كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ الأنبياء: ٢٥ (^١)، فهي الكلمة التي أرسل الله بها رسله وأنزل بها كتبه، ولأجلها خلقت الدنيا والآخرة والجنة والنار، وفي شأنها تكون الشقاوة والسعادة، وبها تؤخذ الكتب باليمين أو الشمال، ويقل الميزان أو يخف، وبها النجاة من النار بعد الورود، وبعدم إلتزامها البقاء في النار، وبها أخذ الله الميثاق، وعليها الجزاء والمحاسبة، وعنها السؤال يوم التلاق، وهي أعظم نعمة أنعم الله -﷿- بها على عباده أن هداهم إليها، وهي كلمة الشهادة ومفتاح دار السعادة، وهي أصل الدين وأساسه ورأس أمره وساق شجرته وعمود فسطاطه، وبقية أركان الدين وفرائضه متفرعة عنها، متشعبة منها، مكملات لها، مقيدة بالتزام معناها والعمل بمقتضاها، فهي العروة الوثقى، وهي الحسنى، وهي كلمة الحق، وهي كلمة التقوى، ولها فضائل كثيرة تجل عن الحصر، وقد ذكر العلامة حافظ حكمي طرفًا حسنًا منها مع أدلتها في كتابه معارج القبول (^٢).\n_________\n(^١) ينظر: الشرح الممتع لابن عثيمين (٣/ ١٥٦).\n(^٢) ينظر: معارج القبول (٢/ ٤١٠ - ٤١٤).","vol":"1","page":100},{"text":"٥ - \"وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ\"\nويشهد بلسانه مقرًا بقلبه وهو عالم بما يقوله بأن محمدًا -ﷺ- عبد الله ورسوله، فهو يشهد له بالعبودية لله تعالى وأنه مرسل من الله تعالى، وهذه الشهادة تقتضي أمورًا، منها:\n١ - الإقرار بعبودية النبي -ﷺ- لربه، فهو عبد لله بشر من البشر ليس له شراكة مع الله، وتميز بما أعطاه الله من الوحي، وبما جبله الله عليه من العبادة، والأخلاق العظيمة، قال تعالى عنه: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ الكهف: ١١٠\nوقال تعالى في الثناء على خُلُقِه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ القلم: ٤\nوأمره الله أن يقول: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ الأنعام: ٥٠\nوقال تعالى في آية أخرى عنه: ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا (٢١) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ الجن: ٢١ - ٢٢\n٢ - محبته -ﷺ- محبة تفوق محبة النفس والوالد والولد والمال، وجميع الناس.\n٣ - … طاعته فيما أمر.\n٤ - تصدقيه فيما أخبر.\n٥ - ألا يعبد الله إلا بما شرع.\n٦ - الحذر من الوقوع في الغلو فيه -ﷺ- وذلك برفعه فوق منزلة العبودية والرسالة، وجعل شيء له من خصائص الله تعالى، ولهذا حذر الله من ذلك كما سبق، وحذر -ﷺ- أمته","vol":"1","page":101},{"text":"٧ - فقال: «لَا تُطْرُونِي، كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ، فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ، وَرَسُولُهُ» (^١).\nثالثًا: أن يدرك معاني الصلاة الإبراهيمية:\n\"اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ \".\n١ - ومعنى\" اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ \":\nوهذا دعاء أن يصلي الله على رسوله محمد -ﷺ-، وصلاة الله على نبيه معناها: ثناء الله على رسوله في الملأ الأعلى (^٢).\n\"وعلى آل محمد\": وهم قرابته الذين لا تحل لهم الصدقة (^٣)، ويدخل فيهم زوجاته ﵅ (^٤).\n٢ - \" كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ \":\nأي صلي على نبيك محمد وآله كما تفضلت بالصلاة على إبراهيم وآله.\n٣ - \" اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ \":\nوهذا دعاء بأن ينزل الله البركة على محمد وآله كما تفضل بها على إبراهيم وآله، والبركة: كثرة الخير والكرامة مع الثبات والاستمرار (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤/ ١٦٧) ح (٣٤٤٥).\n(^٢) كما رواه البخاري (٦/ ١٢٠) عن أبي العالية معلقًا بصيغة الجزم ولفظه: \" صَلَاةُ اللَّهِ: ثَنَاؤُهُ عَلَيْهِ عِنْدَ المَلَائِكَةِ\".\n(^٣) ينظر: فتح الباري لابن حجر (١١/ ١٦٠).\n(^٤) مجموع الفتاوى (٢٢/ ٤٦١).\n(^٥) ينظر: شرح النووي على مسلم (٤/ ١٢٥)، الشرح الممتع على زاد المستقنع (٣/ ١٦٧).","vol":"1","page":102},{"text":"٤ - \" إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ \":\n\" «حميد»: فعيل بمعنى فاعل، وبمعنى مفعول، فهو حامد ومحمود، حامد لعباده وأوليائه الذين قاموا بأمره، ومحمود يُحمدُ ﷿ على ما له من صفات الكمال، وجزيل الإنعام.\nوأما «المجيد»: فهي فعيل بمعنى فاعل، أي: ذو المجد. والمجدُ هو: العظمة وكمالُ السُّلطان\" (^١).\nرابعًا: يتذكر بقلبه حين يقول في تشهده: الصلاة الإبراهيمية أمورًا، منها:\nالأول: امتثال قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ الأحزاب: ٥٦.\nالثاني: فضل الصلاة على النبي -ﷺ-، قال -ﷺ-: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ وَاحِدَةً صَلَّى الله عَلَيْهِ عَشْرًا» (^٢).\nوفي الحديث الآخر أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَاءَ ذَاتَ يَوْمٍ وَالْبُشْرَى فِي وَجْهِهِ، فَقُلْنَا: إِنَّا لَنَرَى الْبُشْرَى فِي وَجْهِكَ، فَقَالَ: \" إِنَّهُ أَتَانِي الْمَلَكُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ رَبَّكَ يَقُولُ: أَمَا يُرْضِيكَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَيْكَ أَحَدٌ إِلَّا صَلَّيْتُ عَلَيْهِ عَشْرًا، وَلَا يُسَلِّمُ عَلَيْكَ أَحَدٌ، إِلَّا سَلَّمْتُ عَلَيْهِ عَشْرًا \".\nوقال -ﷺ-: \" .. وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَصَلُّوا عَلَيَّ، فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي \" (^٣) الحديث.\nويبلّغه -ﷺ- صلاة أمته عليه وسلامهم الملائكة المخصصون بذلك كما سبق في الحديث: قال -ﷺ-: «إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً سَيَّاحِينَ فِي الْأَرْضِ يُبَلِّغُونِي مِنْ أُمَّتِي السَّلَامَ»، فتذكر هذا بقلبك أيها المصلي في صلاتك أو خارجها حين تصلي وتسلم عليه -ﷺ-.\n_________\n(^١) الشرح الممتع على زاد المستقنع (٣/ ١٦٨).\n(^٢) أخرجه مسلم (١/ ٣٠٦) ح (٤٠٨).\n(^٣) أخرجه أحمد (١٤/ ٤٠٣) ح (٨٨٠٤)، وأبو داود (٣/ ٣٨٥) ح (٢٠٤٢)، وصحح إسناده النووي في الأذكار (١١٥) ح (٣٣٣)، وصحح سنده ابن حجر في فتح الباري (٦/ ٤٨٨)، وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢/ ٢٩٣) ح (١٦٦٥): \"صحيح لغيره\"، وقال محقق سنن أبي داود (٣/ ٣٨٥) ح (٢٠٤٢): \"صحيح لغيره\".","vol":"1","page":103},{"text":"وللصلاة على النبي -ﷺ- فوائد عظيمة وثمرات مباركة ذكر منها الإمام ابن القيم ﵀ في كتابه القيم أكثر من ثلاثين فائدة، ومن أراد التوسع فليرجع للكتاب المذكور.\nخامسًا: أن يستحضر قلبه معاني الاستعاذة من هذه الأربع:\nقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \" إِذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنَ التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ، فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ: مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ \"، ويدرك أهمية الاستعاذة منها وكبير خطرها، وهذه بعض التنبيهات حول هذا الدعاء العظيم الذي ينبغي أن يذكر بلسان وقلب حاضر في التشهد الأخير من كل صلاة:\n١ - قرب الله من عبده الداعي، قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ البقرة: ١٨٦\n٢ - وقال -ﷺ-: «ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالإِجَابَةِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لَاهٍ».\n٣ - أهمية هذا الدعاء وعظيم الحاجة إليه، فقد جمع الاستعاذة بالله من أعظم الفتن وأشدها خطرًا على العبد في الدنيا والآخرة.\n٤ - ومعنى \"فتنة المحيا والممات\":\nأي: اختبار المرء في دينه في حياته، وفي مماته، وأصل الفتنة: الامتحان والاختبار، وفتنة المحيا ما يعرض للإنسان مدة حياته من الافتتان بالدنيا وشهواتها، والجهالات، أو الابتلاء مع زوال الصبر ونحو ذلك، وهي فتنة عظيمة وشديدة، وقلّ من يتخلَّص منها إلا من شاء الله، وهي تدور على شيئين: شبهات، وشهوات.\nأما الشبهات فسببها الجهل فتعرض للإنسان يلتبس عليه الحق بالباطل، فيرى الباطل حقًا، والحق باطلًا، وإذا رأى الحق باطلًا تجنبه، وإذا رأى الباطل حقًا فعله، وهذه فتنة عظيمة؛ فما أكثر الذين يرون الربا حقًا فينتهكونه، وما أكثر","vol":"1","page":104},{"text":"الذين يرون غش الناس في البيع والشراء شطارة وجودة، وما أكثر الذين يرون النظر إلى النساء تلذذًا وتمتعًا بالحرام.\nوأما الشهوات فمنشؤها الهوَى، فإن الإنسان يعرف الحق لكن لا يريده فله هوى مخالف لما جاء به النبي -ﷺ-، فأنت تسأل الله العافية من أمراض القلوب التي هي أمراض الشبهات، وأمراض الشهوات.\nوأما فتنة الممات فيراد بها ما يكون عند الموت في آخر الحياة، وما يكون بعد الموت مباشرة من سؤال الملكين للميت في قبره عن ربه، ودينه، ونبيِّه، والإنسان عند موته ووداع العمل صائر إمَّا إلى سعادة، وإمَّا إلى شقاوة، ضعيف النفس، ضعيف الإرادة، ضيق الصدر، فيأتيه الشيطان ليغويه؛ لأن هذا وقت المغنم للشيطان، حتى أنه - كما قال أهل العلم - فقد يعرض الشيطان لبعض الناس الأديان اليهودية والنصرانية، نسأل الله العافية والسلامة (^١)، وقال شيخ الإسلام ﵀: \"أما عرض الأديان على العبد وقت الموت فليس هو أمرًا عامًا لكل أحد، ولا هو أيضًا منتفيًا عن كل أحد، بل من الناس من تعرض عليه الأديان قبل موته؛ ومنهم من لا تعرض عليه، وقد وقع ذلك لأقوام.\nوهذا كله من فتنة المحيا والممات التي أمرنا أن نستعيذ منها في صلاتنا … ووقت الموت أحرص ما يكون الشيطان على إغواء بني آدم\" (^٢).\n٥ - وأما بقية الفتن، فمعناها واضح وخطرها بينّ عظيم شديد، وإن كان بعضها يندرج تحت فتنة المحيا والممات إلا أنها خصت بالاستعاذة (^٣)؛ لعظيم خطرها على العبد.\n_________\n(^١) ينظر: الخشوع في الصلاة في ضوء الكتاب والسنة (٣٢٥ - ٣٢٦)، الشرح الممتع (٣/ ١٨٥ - ١٨٩).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٤/ ٢٥٥) مع تصرف يسير.\n(^٣) فتنة الدجال، وعذاب القبر.","vol":"1","page":105},{"text":"سادسًا: أن يعي ويدرك بقلبه معاني الدعاء قبل السلام:\nيدعو بلسان وقلب حاضر يعلم ما يقوله وآخر الصلاة موطن دعاء، وقد سبق من الكلام على هذه المسألة ما يغني عن إعادته.\n\n<span data-type='title' id=toc-45>المطلب التاسع: حضور القلب عند التسليم من الصلاة، وأذكار ما بعد السلام، وفيه مسائل</span>.\n<span data-type='title' id=toc-46>المسألة الأولى: التسليم:</span>\nقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطُّهُورُ، وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» (^١).\nومعنى\" وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ\": قال ابن الأثير ﵀ في النهاية في غريب الحديث: \" أي صار المصلي بالتسليم يحل له ما حرم عليه فيها بالتكبير من الكلام والأفعال الخارجة عن كلام الصلاة وأفعالها، كما يحل للمحرم بالحج عند الفراغ منه ما كان حرامًا عليه\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-47>المسألة الثانية: أذكار ما بعد السلام مع ذكر أثر حضور القلب على ذلك:</span>\nخلاصة من الأذكار بعد السلام:\nأولًا: الاستغفار ثلاثًا عقب التسليم، ثم يقول: اللهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢/ ٣٢٢) ح (١٠٧٢)، وأبو داود (١/ ١٦) ح (٦١)، والترمذي (١/ ٨) ح (٣)، وابن ماجه (١/ ١٠١) ح (٢٧٥)، والحاكم (١/ ٢٢٣) ح (٤٥٧) وصححه ووافقه الذهبي، وصحح إسناده النووي في المجموع شرح المهذب (٣/ ٢٨٩)، وقال ابن حجر في فتح الباري (٢/ ٣٢٢): \" أخرجه أصحاب السنن بسند صحيح\".\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٤٢٩).\n(^٣) أخرجه مسلم (١/ ٤١٤) ح (٥٩١) ولفظه: عَنْ ثَوْبَانَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلَاتِهِ اسْتَغْفَرَ ثَلَاثًا وَقَالَ: «اللهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ» قَالَ الْوَلِيدُ: فَقُلْتُ لِلْأَوْزَاعِيِّ: \" كَيْفَ الْاسْتِغْفَارُ؟ قَالَ: تَقُولُ: أَسْتَغْفِرُ اللهَ، أَسْتَغْفِرُ اللهَ \".","vol":"1","page":106},{"text":"من آثار حضور القلب عند نطق اللسان بالاستغفار بعد الصلاة:\n١ - شعور العبد بالندم على تقصيره في صلاته.\n٢ - يذهب أثر العُجْب بالعمل، لأنه يشعر بتقصيره العظيم في صلاته.\n٣ - يقوي رغبة العبد في إصلاح الخلل في صلاته.\nثانيًا: التهليل دبر الصلوات بهذه التهليلات:\n- لَا إِلَهَ إِلَاّ الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَاّ بِاللهِ، لَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ، وَلَا نَعْبُدُ إِلَاّ إِيَّاهُ، لَهُ النِّعْمَةُ وَلَهُ الفَضْلُ وَلَهُ الثَّنَاءُ الحَسَنُ، لَا إِلَهَ إِلَاّ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ (^١).\n- لَا إِلَهَ إِلَاّ الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ (^٢).\nمن آثار حضور القلب عند التهليل دبر الصلوات، إدراك معاني هذا التهليل وأثره، وهو يردده بلسانه بعد كل صلاة؛ لترسخ تلك المعاني في القلب، ومنها:\nأ - \" لَا إِلَهَ إِلَاّ الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ \"، \" لَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ، وَلَا نَعْبُدُ إِلَاّ إِيَّاهُ \"، \" لَا إِلَهَ إِلَاّ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ\"\nربط القلب بتوحيد الله وإفراده بالعبادة وإخلاصها لله ولو كره الكافرون ذلك، لأن الكفار يحبون الشرك مع الله ويكرهون التوحيد وأهله العاملين به الذين يدعون إليه ويخلصون فيه لله رب العالمين.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١/ ٤١٥) ح (٥٩٤).\n(^٢) أخرجه البخاري (٨/ ٧٢) ح (٦٣٣٠)، ومسلم (١/ ٤١٤) ح (٥٩٣).","vol":"1","page":107},{"text":"ب - \" لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ \"، \" لَهُ النِّعْمَةُ وَلَهُ الفَضْلُ وَلَهُ الثَّنَاءُ الحَسَنُ\".\nالاعتراف بالقلب واللسان بأن الملك لله وله التدبير ومطلق التصرف في الدنيا والآخرة، وهو علي كل شيء قدير لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.\nت - \"اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ\".\nالاعتراف لله بالقلب واللسان بأنه لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع كما قال تعالى:\n﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ يونس: ١٠٧\nوقال تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ فاطر: ٢\nوقال تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ الأنعام: ١٧\nوفي الحديث يقول -ﷺ-: \" .. وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ\" (^١).\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٤/ ٦٦٧) ح (٢٥١٦) وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\"، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح (٣/ ١٤٥٩) ح (٥٣٠٢).","vol":"1","page":108},{"text":"ث - ومعنى\" لَا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ\": أي لا ينفع صاحب الغنى والحظ منك غناه، فالخلق كلهم مفتقرون إليك، ولا يستغني أحد منهم عن فضلك (^١).\nثالثًا: إدراك معاني بقية الأذكار ويستحضر آثارها وهو يرددها بلسانه، ولا يكون ذلك إلا بحضور القلب عند نطق اللسان:\n١ - يسبح الله ثلاثًا وثلاثين ويحمده مثل ذلك، ويكبره مثل ذلك، ويقول تمام المائة: لَا إِلَهَ إِلَاّ الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وذكر -ﷺ- فائدته بقوله: \" مَنْ سَبَّحَ اللهَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَحَمِدَ اللهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَكَبَّرَ اللهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، فَتْلِكَ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ، وَقَالَ: تَمَامَ الْمِائَةِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ غُفِرَتْ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ \" (^٢).\n٢ - ويقرأ آية الكرسي، وذكر -ﷺ- فائدة ذلك بقوله: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ قَرَأَ آيَةَ الْكُرْسِيِّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ إِلَّا أَنْ يَمُوتَ» (^٣).\n_________\n(^١) ينظر: أعلام الحديث (شرح صحيح البخاري) للخطابي (١/ ٥٥١)، شرح النووي على مسلم (٥/ ٩٠).\n(^٢) أخرجه مسلم (١/ ٤١٨) ح (٥٩٧).\n(^٣) أخرجه النسائي في السنن الكبرى (٩/ ٤٤) ح (٩٨٤٨)، والطبراني في كتاب الدعاء (٢١٤) ح (٦٧٥)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢/ ٢٥٨) ح (١٥٩٥).","vol":"1","page":109},{"text":"٣ - ويقرأ بعد كل صلاة المعوذات: قل هو الله أحد، وقل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس (^١) مرة واحدة، وسميت بالمعوذات تغليبًا (^٢).\n٤ - عشر مرات بعد الفجر وبعد المغرب: لا إِلهَ إِلَاّ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ بِيَدِهِ الْخَيْرُ يُحْيي وَيُمِيتُ وَهُوَ على كُلّ شَيْءٍ قَدِير ٌ، وذكر النبي -ﷺ- فائدة ذلك بقوله: \" مَنْ قَالَ قَبْلَ أَنْ يَنْصَرِفَ وَيَثْنِيَ رِجْلَهُ مِنْ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ، وَالصُّبْحِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، بِيَدِهِ الْخَيْرُ، يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ عَشْرَ مَرَّاتٍ، كُتِبَ لَهُ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ عَشْرُ سَيِّئَاتٍ، وَرُفِعَ لَهُ عَشْرُ دَرَجَاتٍ، وَكَانَتْ حِرْزًا مِنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ، وَحِرْزًا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، وَلَمْ يَحِلَّ لِذَنْبٍ يُدْرِكُهُ إِلَّا الشِّرْكَ، وَكَانَ مِنْ أَفْضَلِ النَّاسِ عَمَلًا، إِلَّا رَجُلًا يَفْضُلُهُ، يَقُولُ أَفْضَلَ مِمَّا قَالَ \" (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٢/ ٦٣١) ح (١٥٢٣)، والنسائي (٣/ ٦٨) ح (١٣٣٦) ولفظه: عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: «أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَقْرَأَ الْمُعَوِّذَاتِ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ»، وابن خزيمه في صحيحه (١/ ٣٩٣) ح (٧٥٥)، والحاكم (١/ ٣٨٣) ح (٩٢٩) وصححه ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في صحيح الجامع (١/ ٢٥٦) ح (١١٥٩).\n(^٢) ينظر: فتح الباري لابن حجر (٩/ ٦٢).\n(^٣) أخرجه أحمد (٢٩/ ٥١٢) ح (١٧٩٩٠)، وقال محقق المسند: \"حسن لغيره\"، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٠٨) ح (١٦٩٥٦): \"رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح غير شهر بن حوشب، وحديثه حسن\"، وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١/ ٣٢٣) ح (٤٧٧): \"حسن لغيره\".","vol":"1","page":110}]}