{"ً":{"ٌ":864,"ٍ":"أثر عمل القلب على تلاوة القرآن وتدبره","َ":5,"ُ":3,"ّ":"الكتاب: أثر عمل القلب على تلاوة القرآن وتدبره\nالمؤلف: ابراهيم بن حسن الحضريتي\nعدد الصفحات: ٨٢\n[كتاب إلكتروني بترقيم الشاملة]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":491,"ٕ":23,"ٖ":1780758807,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"المقدمة","level":1,"page":2},{"title":"المحاور التي يدور عليها هذا البحث","level":2,"page":3},{"title":"التمهيد","level":1,"page":6},{"title":"المقدمة الأولى: القرآن الكريم دواء وشفاء ونور وهداية، لا ينتفع به العبد إلا إذا كان محله قابلا لذلك","level":2,"page":6},{"title":"المقدمة الثانية: قال تعالى: ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين﴾","level":2,"page":8},{"title":"المبحث الأول: ملخص في إثبات أثر عمل القلب، وأهميته، وفيه مطالب.","level":1,"page":9},{"title":"المطلب الأول: من أدلة الكتاب والسنة في إثبات أثر عمل القلب.","level":2,"page":9},{"title":"أولا: أمثلة على إثبات أثر عمل القلب على المؤمن مع ذكر شواهدها من القرآن العظيم.","level":3,"page":9},{"title":"ثانيا: أمثلة على إثبات أثر مرض القلب على صاحبه وردت في آيات الكتاب العزيز.","level":3,"page":10},{"title":"ثالثا: وقد ورد في السنة ما يبين مكانة عمل القلب وأثره على صاحبه، ودونك إشارة لذلك","level":3,"page":12},{"title":"المطلب الثاني: أهمية عمل القلب.","level":2,"page":14},{"title":"أولا: كثرة ذكرها في القرآن العظيم","level":3,"page":14},{"title":"ثانيا: ويكفي في الدلالة على عظيم مكانة عمل القلب في السنة ماورد في الحديثين الآتيين","level":3,"page":14},{"title":"ثالثا: تحدث ابن القيم عن أهمية عمل القلب","level":3,"page":14},{"title":"المطلب الثالث: الآثار العامة لعمل القلب على العبادات، ونجملها في الآتي","level":2,"page":15},{"title":"المبحث الثاني: القلب لا يتأثر بالقرآن وينتفع به ويظهر أثره على الجوارح إلا بتحقق المطالب الآتية","level":1,"page":17},{"title":"المطلب الأول: الإخلاص لله تعالى والحرص الشديد على سلامة المقصد.","level":2,"page":17},{"title":"المطلب الثاني: الحرص على إتباع الهدي النبوي في هذه العبادة.","level":2,"page":23},{"title":"المطلب الثالث: ملازمة التوبة النصوح، وكثرة الاستغفار الصادق.","level":2,"page":26},{"title":"المطلب الرابع: كثرة الدعاء والإلحاح فيه على الله أن يرزق العبد حلاوة تلاوة القرآن والتلذذ به، واجتماع القلب عليه، وحسن تدبره.","level":1,"page":32},{"title":"المطلب الخامس: شعور العبد في قلبه بعظمة أثر القرآن.","level":2,"page":34},{"title":"المطلب الخامس: شعور العبد في قلبه بعظمة أثر القرآن.","level":2,"page":34},{"title":"أولا: قال تعالى عنه وهو يبين عجز الإنس والجن عن الإتيان بمثله: ﴿قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا﴾ [الإسراء: ٨٨].","level":3,"page":38},{"title":"ثانيا: وقال تعالى في بيان أنه كتاب هداية","level":3,"page":39},{"title":"ثالثا: شفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين، فقال تعالى: ﴿ياأيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين﴾ [يونس: ٥٧].","level":3,"page":40},{"title":"رابعا: من اتبعه لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة، قال تعالى: ﴿فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى﴾ [طه: ١٢٣].","level":3,"page":41},{"title":"خامسا: لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه: ﴿وإنه لكتاب عزيز ٤١ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد﴾ [فصلت: ٤١ - ٤٢].","level":3,"page":41},{"title":"سادسا: تكفل الله بحفظه: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ [الحجر: ٩].","level":3,"page":42},{"title":"المطلب السادس: حرص العبد على تدبر القرآن العظيم.","level":2,"page":43},{"title":"المطلب السادس: حرص العبد على تدبر القرآن العظيم.","level":2,"page":43},{"title":"أولا: معنى التدبر وأنواعه.","level":3,"page":43},{"title":"ثانيا: أهمية التدبر والأدلة عليه.","level":3,"page":45},{"title":"ثالثا: ذم السنة لقوم اشتهروا بكثرة التلاوة بدون تدبر لمعانيه وفهمه على طريقة الصحابة.","level":3,"page":49},{"title":"رابعا: وسائل التدبر.","level":3,"page":50},{"title":"المبحث الثالث: مظاهر ودلائل أثر عمل القلب على انتفاع العبد بالقرآن العظيم، وفيه مطالب","level":1,"page":59},{"title":"المطلب الأول: زيادة خشوع الجوارح تبعا لزيادة خشوع القلب، والتأثر بالآيات الذي يؤدي إلى البكاء من خشية الله وتعظيمه وإجلاله، وإلى اقشعرار الجلد من خشيته، ومن ثم لين القلب والجلد لذكر الله.","level":2,"page":59},{"title":"المطلب الثاني: زيادة الإيمان في القلب الذي يظهر أثره على الجوارح بالشعور بعظمة الله وهيبته في القلوب والمسارعة والمسابقة إلى مرضات الله وجنته، ويثمر انشراح الصدر وطمأنينة القلب.","level":2,"page":63},{"title":"المطلب الثالث: تدبر القرآن ونزول أثره إلى القلب المؤدي إلى زيادة الاعتصام بما في الكتاب والسنة والحذر من الأهواء والابتداع.","level":2,"page":64},{"title":"المطلب الرابع: التخلق بخلق القرآن.","level":2,"page":65},{"title":"المبحث الرابع: موانع تأثر القلب بالقرآن العظيم، وفيه تمهيد ومطالب.","level":1,"page":68},{"title":"المطلب الأول: الخلل في النية والمقصد.","level":2,"page":70},{"title":"المطلب الثاني: الخلل في متابعة الهدي النبوي في تلاوة القرآن وتدبره.","level":2,"page":72},{"title":"المطلب الثالث: عدم طهارة القلب.","level":2,"page":72},{"title":"المطلب الرابع: عدم تقدير كلام الله حق قدره.","level":2,"page":73},{"title":"المطلب الخامس: تعلق القلب بغير الله.","level":2,"page":75},{"title":"المطلب السادس: الغفلة عن لقاء الله في الآخرة.","level":2,"page":75},{"title":"المطلب السابع: التقصير في أداء الفرائض، ومن ثم إهمال النوافل.","level":2,"page":77},{"title":"المطلب الثامن: مجالسة أهل الأهواء الذين يضربون القرآن بعضه ببعض، ويتبعون متشابه ويتركون محكمه.","level":2,"page":78},{"title":"المطلب التاسع: ذنوب الخلوات.","level":2,"page":81},{"title":"المطلب العاشر: التعلق بشهوات النفس المحرمة من سماع الحرام والنظر إليه وأكل الحرام.","level":2,"page":82}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,8":8,"1,9":9,"1,10":10,"1,11":11,"1,12":12,"1,13":13,"1,14":14,"1,15":15,"1,16":16,"1,17":17,"1,18":18,"1,19":19,"1,20":20,"1,21":21,"1,22":22,"1,23":23,"1,24":24,"1,25":25,"1,26":26,"1,27":27,"1,28":28,"1,29":29,"1,30":30,"1,31":31,"1,32":32,"1,33":33,"1,34":34,"1,35":35,"1,36":36,"1,37":37,"1,38":38,"1,39":39,"1,40":40,"1,41":41,"1,42":42,"1,43":43,"1,44":44,"1,45":45,"1,46":46,"1,47":47,"1,48":48,"1,49":49,"1,50":50,"1,51":51,"1,52":52,"1,53":53,"1,54":54,"1,55":55,"1,56":56,"1,57":57,"1,58":58,"1,59":59,"1,60":60,"1,61":61,"1,62":62,"1,63":63,"1,64":64,"1,65":65,"1,66":66,"1,67":67,"1,68":68,"1,69":69,"1,70":70,"1,71":71,"1,72":72,"1,73":73,"1,74":74,"1,75":75,"1,76":76,"1,77":77,"1,78":78,"1,79":79,"1,80":80,"1,81":81,"1,82":82},"ٜ":{"1":[1,82]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82"],"ٞ":{"2":[1],"3":[2],"6":[3,4],"8":[5],"9":[6,7,8],"10":[9],"12":[10],"14":[11,12,13,14],"15":[15],"17":[16,17],"23":[18],"26":[19],"32":[20],"34":[21,22],"38":[23],"39":[24],"40":[25],"41":[26,27],"42":[28],"43":[29,30,31],"45":[32],"49":[33],"50":[34],"59":[35,36],"63":[37],"64":[38],"65":[39],"68":[40],"70":[41],"72":[42,43],"73":[44],"75":[45,46],"77":[47],"78":[48],"81":[49],"82":[50]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"سلسلة أثر عمل القلب على العبادات (٤)\nبسم الله الرحمن الرحيم\nأثر عمل القلب على تلاوة القرآن وتدبره\nد. ابراهيم بن حسن الحضريتي","vol":"1","page":1},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type='title' id=toc-1>المقدمة</span>\nإن الحمدَ لله، نحمدُهُ، ونستعينُهُ، ونستغفرُهُ، ونعوذُ بالله من شرورِ أنفسِنا، ومن سيئاتِ أعمالِنا، من يهدهِ اللهُ فلا مضلَّ له، ومن يضْلِل فلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ لهُ، وأشهدُ أن محمدًا عبدُهُ ورسولُه.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢].\n﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١].\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١].\nأما بعد: فإن الاهتمام بذكر أثر عمل القلب على عبادة تلاوة القرآن وتدبره من أعظم ما ينبغي الاعتناء به، والحرص عليه؛ لأنه لا عزة ولا شرف للمسلم في الدنيا، ولا مكانة له عند الله إلا بالإقبال على هذا الكتاب تلاوة وتدبرًا وعملًا، والسنة كذلك مرتبطة به، قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠].\nوقال تعالى: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ٤٣ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ﴾ [الزخرف: ٤٣ - ٤٤].\nوهذا الكتاب الذي أعانني الله عليه، ووفقني لأن أكتبه هو الرابع في هذه السلسلة المباركة (أثر عمل القلب على العبادات).\nوأسأل الله العظيم بمنه وكرمه أن يرزقني الإخلاص فيه، وأن ينفعني به وكل من قرأه والحمد لله أولًا وآخرًا وظاهرًا وباطنًا، ولا حول ولا قوة إلا بالله.\n\nالدكتور: إبراهيم بن حسن الحضريتي\nإمام وخطيب جامع القناعة بشرائع المجاهدين بمكة المكرمة\nebrahim1407@gmail.com","vol":"1","page":2},{"text":"وهذه<span data-type='title' id=toc-2> المحاور التي يدور عليها هذا البحث:</span>\nالتمهيد، وفيه مقدمتان:\nالمقدمة الأولى: القرآن الكريم دواء وشفاء ونور وهداية، لا ينتفع به العبد إلا إذا كان محله قابلًا لذلك.\nالمقدمة الثانية: قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩].\nالمبحث الأول: ملخص في إثبات أثر عمل القلب، وأهميته، وفيه مطالب.\nالمطلب الأول: من أدلة الكتاب والسنة في إثبات أثر عمل القلب.\nالمطلب الثاني: أهمية عمل القلب.\nالمطلب الثالث: الآثار العامة لعمل القلب على العبادات.\nالمبحث الثاني: القلب لا يتأثر بالقرآن وينتفع به ويظهر أثره على الجوارح إلا بتحقق المطالب الآتية:\nالمطلب الأول: الإخلاص لله تعالى والحرص الشديد على سلامة المقصد.\nالمطلب الثاني: الحرص على إتباع الهدي النبوي في هذه العبادة.\nالمطلب الثالث: ملازمة التوبة النصوح، وكثرة الاستغفار الصادق.\nالمطلب الرابع: كثرة الدعاء والإلحاح فيه على الله أن يرزق العبد حلاوة تلاوة القرآن والتلذذ به، واجتماع القلب عليه، وحسن تدبره.\nالمطلب الخامس: شعور العبد في قلبه بعظمة أثر القرآن.\nالمطلب السادس: حرص العبد على تدبر القرآن العظيم، وله عدة عناصر.\nأولًا: معنى التدبر وأنواعه.\nثانيًا: أهمية التدبر والأدلة عليه.\nثالثًا: ذم السنة لقوم اشتهروا بكثرة التلاوة بدون تدبر لمعانيه وفهمه على طريقة الصحابة.\nرابعًا: وسائل التدبر.","vol":"1","page":3},{"text":"ولهذا التدبر عدة وسائل، منها:\n١ - الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم قبل التلاوة.\n٢ - تكرار الآية أو الآيات في الموضوع الواحد.\n٣ - أن يعيش بقلبه وأحاسيسه في معنى الآيات، ويسبح بفكره في معانيها، فيحرك قلبه بها، ويتصور مشاهدها كأنها رأي عين.\n٤ - أن يحاسب نفسه إذا لم يجد أثرًا للآيات في قلبه.\n٥ - أن يحاسب نفسه إذا لم يجد أثرًا للآيات في قلبه.\n٦ - ترتيل الآيات وتحسين الصوت بقدر الوسع بدون تكلف.\n٧ - أن يحرص على الخلوة مع ربه في ظلمة الليل عند تدبره للآيات.\n٨ - أن يفرغ نفسه مما يشوش عليه قلبه وفكره -من الشواغل- عند التلاوة أو الاستماع لها.\n٩ - أن يفرغ نفسه مما يشوش عليه قلبه وفكره -من الشواغل- عند التلاوة أو الاستماع لها، ويبحث عما هو أنفع لقلبه.\n١٠ - الاطلاع على أحوال السلف مع القرآن العظيم.\nالمبحث الثالث: مظاهر ودلائل أثر عمل القلب على انتفاع العبد بالقرآن العظيم:\nأولًا: زيادة خشوع الجوارح تبعًا لزيادة خشوع القلب، والتأثر بالآيات الذي يؤدي إلى البكاء من خشية الله وتعظيمه وإجلاله، وإلى اقشعرار الجلد من خشيته، ومن ثَمَّ لين القلب والجلد لذكر الله.\nثانيًا: زيادة الإيمان في القلب الذي يظهر أثره على الجوارح بالشعور بعظمة الله وهيبته في القلوب والمسارعة والمسابقة إلى مرضات الله وجنته، ويثمر انشراح الصدر وطمأنينة القلب.\nثالثًا: ممم\nرابعًا: التخلق بخلق القرآن.","vol":"1","page":4},{"text":"المبحث الرابع: موانع تأثر القلب بالقرآن العظيم، وفيه تمهيد ومطالب.\nالتمهيد:\nالمطلب الأول: الخلل في النية والمقصد.\nالمطلب الثاني: الخلل في متابعة الهدي النبوي في تلاوة القرآن وتدبره.\nالمطلب الثالث: عدم طهارة القلب.\nالمطلب الرابع: عدم تقدير كلام الله حق قدره.\nالمطلب الخامس: تعلق القلب بغير الله.\nالمطلب السادس: الغفلة عن لقاء الله في الآخرة.\nالمطلب السابع: التقصير في أداء الفرائض، ومن ثم إهمال النوافل.\nالمطلب الثامن: مجالسة أهل الأهواء الذين يضربون القرآن بعضه ببعض، ويتبعون متشابه ويتركون محكمه.\nالمطلب التاسع: ذنوب الخلوات.\nالمطلب العاشر: التعلق بشهوات النفس المحرمة من سماع الحرام والنظر إليه وأكل الحرام.","vol":"1","page":5},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3>التمهيد:</span> مقدمتان مهمتان:\n<span data-type='title' id=toc-4>المقدمة الأولى: القرآن الكريم دواء وشفاء ونور وهداية، لا ينتفع به العبد إلا إذا كان محله قابلًا لذلك</span>، وقال في الخلاصة: \"وهو القلب الحي؛ وذلك أن القلب إذا كان زكيًّا يَقِظًا أثمر ذلك فيه كل وصف ومعنى شريف؛ لأن «القلب إذا كان رقيقًا لينًا كان قبوله للعلم سهلًا يسيرًا، ورسخ العلم فيه وثبت وأَثَّر، وإن كان قاسيًا غليظًا كان قَبوله للعلم صعبًا عسيرًا.\nولا بد مع ذلك أن يكون زكيًّا صافيًا سليمًا؛ حتى يزكو فيه العلم ويثمر ثمرًا طيبًا، وإلا فلو قَبِل العلم، وكان فيه كَدَر وخبث، أفسد ذلك العلم، وكان كالدَّغَل في الزرع إن لم يمنع الحبَّ من أن ينبتَ منعه من أن يزكوَ ويطيب، وهذا بَيِّن لأُولي الأبصار» (^١).\nومن هنا كان الصحابة ﵃ يتعلمون الإيمان قبل القرآن.\nفعن جندب بن عبد الله - ﵁ - قال: «كنا مع النبي ﷺ ونحن فتيان حَزَاوِرَة (^٢)، فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيمانًا» (^٣).\nوعن عبد الله بن عمر ﵁ قال: «لقد عشنا بُرْهَة من دهرنا، وإن أحدنا يُؤتَى الإيمان قبل القرآن، وتنزل السورة على محمد -ﷺ-، فنتعلم حلالها وحرامها، وآمِرَها وزَاجِرها، وما ينبغي أن يقف عنده منها، كما تَعَلَّمُون أنتم اليوم القرآن، ثم لقد رأيت اليوم رجالًا يُؤتَى أحدهم القرآن قبل الإيمان، فيقرأ ما بين فَاتِحَتِه إلى خَاتِمَتِه ما يدري ما آمِرُه ولا زَاجِرُه، ولا ما ينبغي أن يقف عنده منه» (^٤).\nوعن حذيفة ﵁: «إنَّا قوم أُوتينا الإيمان قبل أن نُؤتَى القرآن، وإنكم قوم أُوتيتم القرآن\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٩/ ٣١٥).\n(^٢) هو جمع حَزْوَرٍ، وهو الذي قارب البلوغ. النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٣٨٠).\n(^٣) أخرجه ابن ماجه (١/ ٢٣) رقم (٦١)، والبيهقي في شعب الإيمان (١/ ١٥٢) رقم (٥٠)، والسنن الكبرى (٦/ ٧٨) رقم (٥٣٥٧)، وصححه الألباني في تحقيقه لسنن ابن ماجه رقم (٦١)، وقال شعيب الأرناؤوط في تحقيقه لسنن ابن ماجه (١/ ٤٢): «إسناده صحيح».\n(^٤) أخرجه الحاكم (١/ ٩١) رقم (١٠١) وصححه ووافقه الذهبي، والبيهقي في السنن الكبرى (٦/ ٧٨) رقم (٥٣٥٥).","vol":"1","page":6},{"text":"قبل أن تُؤتوا الإيمان» (^١).\nوقد جاء عن عثمان ﵁: «لو طهرت قلوبكم ما شبعتم من كلام الله ﷿» (^٢).\nوعلى قدر حياة القلب يكون تَأَثُّره وتَدَبُّره وتَذَكُّره، فتارة يقوى، وتارة يضعف، وقد ينعدم ويتلاشى، كما يدل على ذلك ما جاء في مواضع كثيرة من كتاب الله تعالى من الطبع على القلوب، والخَتْمِ عليها، وإزاغتها، فصاحب هذا القلب الأغلف أو المنكوس لا يحصل له شيء من التدبر والاعتبار والتفكر والانتفاع بما يقرأ أو يسمع من آيات الله تعالى.\nقال ابن عباس ﵄ عند قوله تعالى: ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧]: «كان المنافقون يجلسون عند رسول الله ﷺ ثم يخرجون، فيقولون: ماذا قال آنفًا؟! ليس معهم قلوب» (^٣)؛ يشير إلى قوله تعالى عن المنافقين: ﴿وَمِنْهُم مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٦] \" انتهى المقصود من كتاب الخلاصة في تدبر القرآن (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٦/ ٧٨) رقم (٥٣٥٦).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد في الزهد (ص ١٠٦) رقم (٦٨٠)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (٧/ ٣٠٠).\n(^٣) أخرجه في الدر المنثور (٧/ ٦٠٨) عن ابن مردويه عن ابن عباس ﵄.\n(^٤) الخلاصة في تدبر القرآن الكريم (ص ٤١ - ٤٢).","vol":"1","page":7},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5>المقدمة الثانية: قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾</span> [العنكبوت: ٦٩].\nوفي هذه الآية عدة أقوال، منها:\n١ - قيل: لنزيدنهم هدى كما قال: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم: ٧٦].\n٢ - وقيل: لنوفقنهم لإصابة الطريق المستقيمة، والطريق المستقيمة هي التي يوصل بها إلى رضا الله -﷿-.\n٣ - وقيل: المجاهدة هي الصبر على الطاعات.\n٤ - وقال الحسن: أفضل الجهاد مخالفة الهوى.\n٥ - وقال الفضيل بن عياض: والذين جاهدوا في طلب العلم لنهدينهم سبل العمل به.\n٦ - وقال سهل بن عبد الله: والذين جاهدوا في إقامة السنة لنهدينهم سبل الجنة.\n٧ - وروي عن ابن عباس: والذين جاهدوا في طاعتنا لنهدينهم سبل ثوابنا (^١).\nوقال تعالى: ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ٦].\nومن جاهد عدوه الكافر، ونفسه بالصبر على الطاعات، وجاهد هواه وشيطانه، فإنما تعود ثمرة تلك المجاهدة عليه (^٢).\nوعلى هذا فمن جاهد نفسه على تدبر القرآن والانتفاع بعظاته والعمل به، وفقه الله للحصول على ذلك والوصول إليه، وهداه لما يحبه ويرضاه، فإذا علم الله من العبد صدق النية والرغبة الصادقة في تدبر القرآن والانتفاع به، وبذل أسباب ذلك، وعلى رأسها الدعاء الذي يلح فيه العبد على ربه، فإن الله يفتح عليه ويهديه إلى أسباب النجاح في ذلك.\n_________\n(^١) ينظر: تفسير البغوي (٦/ ٢٥٦).\n(^٢) ينظر: تفسير البغوي (٦/ ٢٣٣)، تفسير ابن كثير (٦/ ٢٦٤)، تفسير السعدي (٦٢٦).","vol":"1","page":8},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6>المبحث الأول: ملخص في إثبات أثر عمل القلب، وأهميته، وفيه مطالب</span>.\n<span data-type='title' id=toc-7>المطلب الأول: من أدلة الكتاب والسنة في إثبات أثر عمل القلب</span>.\nلقد اعتنى القرآن العظيم والسنة الشريفة بمسألة عمل القلب وأثره اعتناء كبيرًا، فقد جاءت آيات كثيرة في إثبات أثر عمل القلب وتأثره بما يعمل صاحبه، فقد ذكر الله -﷾- أن قلوب المؤمنين يصيبها الوجل، وتطمئن بذكره، وأنها تخشع وتخضع لأمره، وغير ذلك كثير، وإذا تقرر هذا في حق المؤمنين، فإن القرآن الكريم قد ذكر في مقابل ذلك حال الكفار والمنافقين وتأثر قلوبهم بما يعملون، وذكر -﷾- كذلك أثر أمراض قلوبهم عليهم؛ من الختم والطبع، وما أصابها من مرض النفاق، والزيغ عن الحق، والقسوة … وقد جاءت آيات كثيرة في بيان ذلك. وكذلك جاءت أحاديث كثيرة تثبت أثر عمل القلب، ودونك ملخص لإثبات ذلك:\n\n<span data-type='title' id=toc-8>أولًا: أمثلة على إثبات أثر عمل القلب على المؤمن مع ذكر شواهدها من القرآن العظيم</span>.\n١ - وجل القلب وخوفه من الله، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ الآية [الأنفال: ٢]. وفيها إثبات أثر ذكر الله على القلب بحصول الوَجَل، ومعناه: الخوف من الله (^١)، ولا شك أن الذكر لا يحدث أثره في حصول وجل القلب من الله تعالى إلا إذا تواطأ القلب مع الحواس.\n٢ - طمأنينة القلب، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨]، دلت الآية على أثر ذكر الله على قلب المؤمن، فهو يأنس ويطيب ويسكن بذكر الله تعالى (^٢).\n_________\n(^١) ينظر: تفسير ابن كثير (٥/ ٤٢٥).\n(^٢) ينظر: تفسير الطبري (١٦/ ٤٣٢).","vol":"1","page":9},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9>ثانيًا: أمثلة على إثبات أثر مرض القلب على صاحبه وردت في آيات الكتاب العزيز</span>.\n١ - عقوبة الله لأصحاب القلوب التي كفرت بالله بالختم عليها، وزيغ القلوب عن الحق، فقال تعالى عنهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ٦، ٧].\nقال البغوي ﵀ في تفسيره لمعنى الختم على القلوب: \"فقال: ﴿خَتَمَ اللَّهُ﴾: طبع الله ﴿عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ فلا تعي خيرًا ولا تفهمه\" (^١).\nوهذا الختم على القلوب عقوبة لهم بسبب منهم، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف: ٥].\nومن آثار مرض النفاق على القلوب تقييدها عن الخير بما يحدث لها من التردد والتذبذب والشك والحيرة والكسل عن الطاعات وكرهها، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ [التوبة: ٤٥]. والريب هو الشك، وهو من أثر أمراض النفاق على القلوب، فيتولد منه أثره على القلب بالتردد والتذبذب والكسل عن الطاعة وكرهها، فقال تعالى في بيان أثر النفاق على القلب: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا\n_________\n(^١) تفسير البغوي (١/ ٦٤ - ٦٥).","vol":"1","page":10},{"text":"٣ - إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢، ١٤٣].\nوقال تعالى عن المنافقين: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [التوبة: ٥٤].\n٤ - وقال تعالى في بيان أثر مرض النفاق على القلب وأن الله -﷾- لا يمكِّن صاحبه من العمل، بل يقعده عنه عقوبةً له على ما في قلبه من مرض: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ [التوبة: ٤٦].\nوإذا وجد العبد أنه يثبَّط عن الطاعات، ويحال بينه وبينها، فليفتِّش عن مرض في قلبه.\n٥ - أثر الذنوب على القلب في تغطيته وحجبه عن رؤية الحق، كما في قول الله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطفِّفين: ١٤].\nأثبت الله تعالى أن الذنوب تغطي على القلوب، فتحجبها عن رؤية الحق فلا تقبله، كما في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «إِنَّ العَبْدَ إِذَا أَخْطَأَ خَطِيئَةً نُكِتَتْ (^١) فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، فَإِذَا هُوَ نَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ وَتَابَ سُقِلَ (^٢) قَلْبُهُ، وَإِنْ عَادَ زِيدَ فِيهَا حَتَّى تَعْلُوَ قَلْبَهُ، وَهُوَ\n_________\n(^١) أي نُقِطَ نقطة في قلبه.\nينظر: الصحاح (١/ ٢٦٩)، النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ١١٤) لابن الأثير، مادة (نكت).\n(^٢) وفي أكثر روايات الحديث: \"صُقِلَ\" بالصاد، والسقل والصقل بمعنى واحد، أي: جلاه ونظفه وصفاه وذهب عنه أثر الذنب.\nينظر: الصحاح (٥/ ١٧٤٤) مادة (صقل)، مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (٤/ ١٦٢٢)، تحفة الأحوذي (٩/ ١٧٨) للمباركفوري، دار الكتب العلمية بيروت.","vol":"1","page":11},{"text":"الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطفِّفين: ١٤]» (^١).\nفإذا غطت الذنوب القلب عمي عن رؤية الحق وانطمست بصيرته، كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦].\n\n<span data-type='title' id=toc-10>ثالثًا: وقد ورد في السنة ما يبين مكانة عمل القلب وأثره على صاحبه، ودونك إشارة لذلك:</span>\n١ - أثر عمل القلب على صلاح الجسد أو فساده، ويدل عليه ما رواه النعمان بن بشير -﵁- قال: قال -ﷺ-: «أَلَا وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً: إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ القَلْبُ».\nوفي الحديث إشارة -كما يقول ابن رجب ﵀-: \"إلى أن صلاح حركات العبد بجوارحه، واجتنابه المحرمات واتقاءه للشبهات بحسب صلاح حركة قلبه، فإذا كان قلبه سليمًا، ليس فيه إلا محبة الله ومحبة ما يحبه الله، وخشية الله وخشية الوقوع فيما يكرهه، صلحت حركات الجوارح كلها، ونشأ عن ذلك اجتناب المحرمات كلها، وتوقٍ للشبهات حذرًا من الوقوع في المحرمات.\nوإن كان القلب فاسدًا، قد استولى عليه اتباع هواه، وطلب ما يحبه، ولو كرهه الله، فسدت حركات الجوارح كلها، وانبعثت إلى كل المعاصي والمشتبهات بحسب اتباع هوى القلب\" (^٢).\n٢ - ارتباط التقوى بعمل القلب، يقول -ﷺ-: «التَّقْوَى هَاهُنَا» وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .. الحديث (^٣)\nوذكر النووي في شرحه للحديث أن التقوى إنما تحصل بما في القلب من الأعمال، فيقول ﵀: \"إن الأعمال الظاهرة لا يحصل بها التقوى، وإنما تحصل بما يقع في القلب من عظمة\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٣/ ٣٣٣) ح (٧٩٥٢)، والترمذي واللفظ له (٥/ ٤٣٤) ح (٣٣٣٤) وقال الترمذي: \"حديث حسن صحيح\"، وابن ماجه (٢/ ١٤١٨) ح (٤٢٤٤)، وابن حبان في صحيحه (٣/ ٢١٠) ح (٩٣٠)، الحاكم في مستدركه (٢/ ٥٦٢) ح (٣٩٠٨) وصححه ووافقه الذهبي، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢/ ٢٧١) ح (١٦٢٠)، وقال شعيب الأرناؤوط في تحقيق المسند (١٣/ ٣٣٤) ح (٧٩٥٢): \"إسناده قوي\".\n(^٢) جامع العلوم والحكم لابن رجب (١/ ٢١٠).\n(^٣) أخرجه مسلم (٤/ ١٩٨٦) ح (٢٥٦٤).","vol":"1","page":12},{"text":"الله تعالى وخشيته ومراقبته\" (^١).\n٣ - في بيان أثر مرض الكبر على القلب، فعن عبد الله بن مسعود -﵁-: قَالَ النَّبِيِّ -ﷺ-: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ»، قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً! قَالَ: «إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ: بَطَرُ الْحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ» (^٢).\nوفي الحديث دليل على أثر آفة الكبر على من تلبس بها، وهو من أخطر أمراض القلوب، ومن أعظم ما يصد القلوب عن الهدى.\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٦/ ١٢١).\n(^٢) أخرجه مسلم (١/ ٩٣) ح (٩١).","vol":"1","page":13},{"text":"<span data-type='title' id=toc-11>المطلب الثاني: أهمية عمل القلب</span>.\nوتتضح الدلالة على أهمية عمل القلب من خلال الأمور الآتية:\n\n<span data-type='title' id=toc-12>أولًا: كثرة ذكرها في القرآن العظيم</span>، وقد تقدمت إشارة إلى ذلك.\n<span data-type='title' id=toc-13>ثانيًا: ويكفي في الدلالة على عظيم مكانة عمل القلب في السنة ماورد في الحديثين الآتيين:</span>\n١ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ» (^١)، فالقلوب وأعمالها هي محل نظر الرب -﷾-،.\n٢ - وقال -ﷺ-: «أَلَا وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ القَلْبُ» (^٢)، فصلاح الجوارح مرتبط بصلاح القلب، وهذا له أثره الكبير على خشوع المؤمن في صلاته.\n\n<span data-type='title' id=toc-14>ثالثًا: تحدث ابن القيم عن أهمية عمل القلب</span>، فقال ﵀: \"فعمل القلب هو روح العبودية ولبها، فإذا خلا عمل الجوارح منه كان كالجسد الموات بلا روح … ومن تأمل الشريعة في مصادرها ومواردها علم ارتباط أعمال الجوارح بأعمال القلوب، وأنها لا تنفع بدونها، وأن أعمال القلوب أفرض على العبد من أعمال الجوارح، وهل يميز المؤمن عن المنافق إلا بما في قلب كل واحد منهما من الأعمال التي ميزت بينهما؟! وهل يمكن أحد الدخول في الإسلام إلا بعمل قلبه قبل جوارحه؟! وعبودية القلب أعظم من عبودية الجوارح وأكثر وأدوم، فهي واجبة في كل وقت؛ ولهذا كان الإيمان واجب القلب على الدوام، والإسلام واجب الجوارح في بعض الأحيان\" (^٣).\nوأعمال القلوب هي الأصل، وهي فرض على الأعيان باتفاق أهل الإيمان، من تركها بالكلية فهو إما كافر أو منافق، وأعمال الجوارح تابعة ومتممة لأعمال القلوب، فلا تتم إلا بها (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٤/ ١٩٨٧) ح (٢٥٦٤).\n(^٢) أخرجه البخاري (١/ ٢٠) ح (٥٢)، ومسلم (٣/ ١٢١٩) ح (١٥٩٩).\n(^٣) بدائع الفوائد (٣/ ١٩٢ - ١٩٣).\n(^٤) ينظر: مجموع الفتاوى (١٨/ ١٨٤ - ١٨٥)، بدائع الفوائد (٣/ ١٨٧ - ١٨٨).","vol":"1","page":14},{"text":"<span data-type='title' id=toc-15>المطلب الثالث: الآثار العامة لعمل القلب على العبادات، ونجملها في الآتي:</span>\n١ - قبول الله للعمل، وذلك يكون بشرطين:\nأ - مجاهدة النفس على الإخلاص لله تعالى، مما يثمر الحرص على سلامة المقاصد في العبادات من العجب والرياء والسمعة.\nب - مجاهدة النفس على اتباع الهدي النبوي في أداء العبادة والحرص على سلامتها من البدع.\n٢ - طهارة القلب من التعلق بغير الله يثمر حضور القلب في العبادة وعدم تشتته في أودية الدنيا، ولايؤدي إلى ضيقه بالعبادة وثقلها عليه؛ لأنه اذا تعلق القلب بالله وحده لا شريك له صفا له قلبه وطهر وصار همه الآخرة، وسلم من التشتت والفتنة التي تضرب بها القلوب المتعلقة بغير الله، فتثبطها عن طاعة الله، كما قال تعالى عن المنافقين: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ [التوبة: ٤٦]، وقال -ﷺ-: «مَنْ كَانَتِ الآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٤/ ٦٤٢) ح (٢٤٦٥)، وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١١/ ٢٦٦) ح (١١٦٩٠)، وذكره الألباني في السلسة الصحيحة (٢/ ٦٣٣) ح (٩٤٩)، وصححه في صحيح الجامع (٢/ ١١٠٩) ح (٦٥٠٥).\nوأخرجه ابن ماجه (٢/ ١٣٧٥) ح (٤١٠٥) بلفظ: «مَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ فَرَّقَ اللَّهُ عَلَيْهِ أَمْرَهُ، وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا كُتِبَ لَهُ، وَمَنْ كَانَتِ الْآخِرَةُ نِيَّتَهُ جَمَعَ اللَّهُ لَهُ أَمْرَهُ، وَجَعَلَ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ» من حديث زيد بن ثابت -﵁-، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢/ ٦٣٤) ح (٩٥٠)، وصححه شعيب الأرناؤوط في تحقيقه لسنن ابن ماجه (٥/ ٢٢٧) ح (٤١٠٥).","vol":"1","page":15},{"text":"٣ - الحرص على إتقان العبادة وإتمامها، والاجتهاد في الوصول إلى مقام الإحسان في العبادات، كما قال -ﷺ- عن مقام الإحسان: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» (^١).\nوهذه المرتبة العظيمة لا تحصل إلا إذا سلم القلب لله تعالى، واستحضر عظمة الله ومراقبته له وعلمه واطلاعه عليه، وجاهد العبد نفسه على إصلاح قلبه، وتنقيته من شوائب العجب والرياء والكبر والحسد، ومن بقية الآفات.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١/ ١٩) ح (٥٠)، ومسلم (١/ ٣٦) ح (٨).","vol":"1","page":16},{"text":"<span data-type='title' id=toc-16>المبحث الثاني: القلب لا يتأثر بالقرآن وينتفع به ويظهر أثره على الجوارح إلا بتحقق المطالب الآتية:</span>\n<span data-type='title' id=toc-17>المطلب الأول: الإخلاص لله تعالى والحرص الشديد على سلامة المقصد</span>.\nلأن تلاوة القرآن عبادة لله عظيمة لا تقبل إلا بإخلاص النية لله تعالى، ومجاهدة النفس على التخلص من المقاصد السيئة التي تكون لغير الله تعالى، ولهذا جاء التحذير من الخلل في النية وما يترتب عليه من خسارة عظيمة للعبد في الدنيا والآخرة، ومن ذلك ما ورد من حديث أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ -﵁- قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَ: أَرَأَيْتَ رَجُلًا غَزَا يَلْتَمِسُ الْأَجْرَ وَالذِّكْرَ مَا لَهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لَا شَيْءَ لَهُ»، فَأَعَادَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، يَقُولُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لَا شَيْءَ لَهُ»، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ مِنَ الْعَمَلِ إِلَّا مَا كَانَ لَهُ خَالِصًا، وَابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُهُ» (^١).\nومن أعظم ما يخيف المؤمن ما يحدث من خطر عظيم على من يقع في الرياء والعجب بعمله، وأن يحب أن يسمع ثناء الناس عليه عند تلاوته للقرآن في الدنيا، ما يحدث له من موقف مخيف تنخلع منه القلوب من شدة هوله، وتأمل معي في هذا الحديث العظيم الذي ينقل هذا المشهد من يوم القيامة، هذا المشهد الذي أبكى الصالحين بكاء عظيمًا وهم قد بلغوا في الصلاح مبلغًا عظيمًا من أصحاب النبي -ﷺ- بكى منه أبو هريرة ﵁ واغمي عليه، وبكى منه معاوية ﵁ بكاء شديدًا، فكيف بمن عداهم؟ دَخَلَ شُفيٌ الأصبحي المَدِينَةَ، فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ قَدْ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ النَّاسُ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: أَبُو هُرَيْرَةَ، فَدَنَوْتُ مِنْهُ حَتَّى قَعَدْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُوَ يُحَدِّثُ النَّاسَ، فَلَمَّا سَكَتَ وَخَلَا قُلْتُ لَهُ: أَسْأَلُكَ بِحَقٍّ وَبِحَقٍّ لَمَا حَدَّثْتَنِي حَدِيثًا سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَقَلْتَهُ وَعَلِمْتَهُ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَفْعَلُ، لَأُحَدِّثَنَّكَ حَدِيثًا\n_________\n(^١) أخرجه النسائي (٦/ ٢٥) ح (٣١٤٠)، وجوَّد إسناده ابن حجر في الفتح (٦/ ٢٨)، وحسنه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (١/ ١١٨) ح (٥٢)، وقال في صحيح سنن النسائي (٢/ ٣٨٣ - ٣٨٤) ح (٣١٤٠): \"حسن صحيح\".","vol":"1","page":17},{"text":"حَدَّثَنِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَقَلْتُهُ وَعَلِمْتُهُ، ثُمَّ نَشَغَ أَبُو هُرَيْرَةَ نَشْغَةً فَمَكَثْنَا قَلِيلًا ثُمَّ أَفَاقَ، فَقَالَ: لَأُحَدِّثَنَّكَ حَدِيثًا حَدَّثَنِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي هَذَا البَيْتِ مَا مَعَنَا أَحَدٌ غَيْرِي وَغَيْرُهُ، ثُمَّ نَشَغَ أَبُو هُرَيْرَةَ نَشْغَةً شَدِيدَةً، ثُمَّ أَفَاقَ فَمَسَحَ وَجْهَهُ فَقَالَ: أَفْعَلُ، لَأُحَدِّثَنَّكَ حَدِيثًا حَدَّثَنِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا وَهُوَ فِي هَذَا البَيْتِ مَا مَعَنَا أَحَدٌ غَيْرِي وَغَيْرُهُ، ثُمَّ نَشَغَ أَبُو هُرَيْرَةَ نَشْغَةً شَدِيدَةً، ثُمَّ مَالَ خَارًّا عَلَى وَجْهِهِ فَأَسْنَدْتُهُ عَلَيَّ طَوِيلًا، ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ: حَدَّثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \" أَنَّ اللَّهَ ﵎ إِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ يَنْزِلُ إِلَى العِبَادِ لِيَقْضِيَ بَيْنَهُمْ وَكُلُّ أُمَّةٍ جَاثِيَةٌ، فَأَوَّلُ مَنْ يَدْعُو بِهِ رَجُلٌ جَمَعَ القُرْآنَ، وَرَجُلٌ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَرَجُلٌ كَثِيرُ المَالِ، فَيَقُولُ اللَّهُ لِلْقَارِئِ: أَلَمْ أُعَلِّمْكَ مَا أَنْزَلْتُ عَلَى رَسُولِي؟ قَالَ: بَلَى يَا رَبِّ. قَالَ: فَمَاذَا عَمِلْتَ فِيمَا عُلِّمْتَ؟ قَالَ: كُنْتُ أَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ، فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: كَذَبْتَ، وَتَقُولُ لَهُ المَلَائِكَةُ: كَذَبْتَ، وَيَقُولُ اللَّهُ: بَلْ أَرَدْتَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ فُلَانًا قَارِئٌ فَقَدْ قِيلَ ذَاكَ، وَيُؤْتَى بِصَاحِبِ المَالِ فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: أَلَمْ أُوَسِّعْ عَلَيْكَ حَتَّى لَمْ أَدَعْكَ تَحْتَاجُ إِلَى أَحَدٍ؟ قَالَ: بَلَى يَا رَبِّ، قَالَ: فَمَاذَا عَمِلْتَ فِيمَا آتَيْتُكَ؟ قَالَ: كُنْتُ أَصِلُ الرَّحِمَ وَأَتَصَدَّقُ، فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: كَذَبْتَ، وَتَقُولُ لَهُ المَلَائِكَةُ: كَذَبْتَ، وَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: بَلْ أَرَدْتَ أَنْ يُقَالَ: فُلَانٌ جَوَادٌ فَقَدْ قِيلَ ذَاكَ، وَيُؤْتَى بِالَّذِي قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: فِي مَاذَا قُتِلْتَ؟ فَيَقُولُ: أُمِرْتُ بِالجِهَادِ فِي سَبِيلِكَ فَقَاتَلْتُ حَتَّى قُتِلْتُ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ: كَذَبْتَ، وَتَقُولُ لَهُ المَلَائِكَةُ: كَذَبْتَ، وَيَقُولُ اللَّهُ: بَلْ أَرَدْتَ أَنْ يُقَالَ: فُلَانٌ جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ ذَاكَ \"، ثُمَّ ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى رُكْبَتِي فَقَالَ: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، أُولَئِكَ الثَّلَاثَةُ أَوَّلُ خَلْقِ اللَّهِ تُسَعَّرُ بِهِمُ النَّارُ يَوْمَ القِيَامَةِ» وَقَالَ الوَلِيدُ أَبُو عُثْمَانَ: فَأَخْبَرَنِي عُقْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ «أَنَّ شُفَيًّا، هُوَ الَّذِي دَخَلَ عَلَى مُعَاوِيَةَ فَأَخْبَرَهُ بِهَذَا» قَالَ أَبُو عُثْمَانَ: وَحَدَّثَنِي العَلَاءُ بْنُ أَبِي حَكِيمٍ، أَنَّهُ كَانَ سَيَّافًا لِمُعَاوِيَةَ فَدَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ، فَأَخْبَرَهُ بِهَذَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: \" قَدْ فُعِلَ بِهَؤُلَاءِ هَذَا فَكَيْفَ بِمَنْ بَقِيَ مِنَ النَّاسِ؟ ثُمَّ بَكَى مُعَاوِيَةُ بُكَاءً شَدِيدًا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ هَالِكٌ، وَقُلْنَا قَدْ جَاءَنَا هَذَا الرَّجُلُ بِشَرٍّ، ثُمَّ أَفَاقَ مُعَاوِيَةُ وَمَسَحَ عَنْ","vol":"1","page":18},{"text":"وَجْهِهِ، وَقَالَ: صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٥ – ١٦] \" (^١).\nوعن أبي هريرة ﵁ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: \" إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ: جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ، وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ، وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ: عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ: هُوَ قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللهُ عَلَيْهِ، وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ: هُوَ جَوَادٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ، ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ\" (^٢).\nوإذا رسخ في القلب هذه العقوبات المخيفة المترتبة على الخلل في النية والمقصد، فإن ذلك يحدث في القلب خوفًا من الله تعالى وخشية أن تحصل له هذه العقوبات العظيمة المخيفة، فيكون قلبه في خوف عظيم من هذه الآفات التي تورده موارد الهلكة في دنياه وأخراه، فيجاهد نفسه على السلامة من الخلل في نيته ومقصده عند تلاوته للقرآن العظيم وغيره من الأعمال الصالحة،\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٤/ ٥٩١) ح (٢٣٨٢)، وقال الترمذي: \"هذا حديث حسن غريب\"، وابن حبان (٢/ ١٣٦) ح (٤٠٨)، والحاكم في المستدرك (١/ ٥٧٩) ح (١٥٢٧) وصححه وأقره الذهبي، وابن خزيمة (٢/ ١١٨٨) ح (٢٤٨٢)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١/ ١١٤) ح (٢٢)، وصحح إسناده شعيب الأرناؤوط في تحقيقه لصحيح ابن حبان (٢/ ١٣٧) ح (٤٠٨).\n(^٢) أخرجه مسلم (٣/ ١٥١٣) ح (١٩٠٥).","vol":"1","page":19},{"text":"ويكون دائم التفقد لنيته شديد المحاسبة لنفسه على إخلاص النية لله رب العالمين.\nوهنا أحب أن أختصر كلامًا لابن القيم ﵀ رائعًا نافعًا بإذن الله لمن عرف قدره وهو يتحدث عن فوائد محاسبة النفس، فيقول ﵀: \"وفى محاسبة النفس عدة مصالح:\nمنها: الاطلاع على عيوبها، ومن لم يطلع على عيب نفسه لم يمكنه إزالته، فإذا اطلع على عيبها مَقَتها في ذات الله.\nوقال مُطرِّفٌ في دعائه بعرفة: «اللهم لا تَرُدَّ الناس لأجلي» (^١).\nوقال أيوب السختياني: «إذا ذُكر الصالحون كنتُ عنهم بمعْزِل» (^٢).\nوقال يونس بن عبيد: «إني لأجد مئة خصلة من خصال الخير؛ ما أعلم أن في نفسي منها واحدةً» (^٣).\nوقال محمد بن واسع: «لو كان للذنوب ريح ما قَدَرَ أحد أن يجلس إليّ» (^٤).\nفالنفس داعية إلى المهالك، مُعينةٌ للأعداء، طامحة إلى كل قبيح، متَّبعة لكل سوء؛ فهي تجري بطبعها في ميدان المخالفة.\nفالنعمة التي لا خَطَر لها: الخروج منها، والتخلصُ من رِقِّها، فإنها أعظم حجاب بين العبد وبين الله، وأعرفُ الناس بها أشدُّهم إزراءً عليها، ومقتًا لها\nومَقْتُ النفس في ذات الله من صفات الصدِّيقين، ويدنو العبد به من الله سبحانه في لحظة واحدة أضعافَ أضعافِ ما يدنو بالعمل.\nذكر ابن أبي الدنيا عن مالك بن دينار، قال: «إن قومًا من بني إسرائيل كانوا في مسجد لهم في يوم عيد، فجاء شاب حتى قام على باب المسجد، فقال: ليس مثلي يدخل معكم، أنا صاحب كذا، أنا صاحب كذا؛ يزري على نفسه، فأوحى الله إلى نبيهم أنّ فلانًا صدِّيق» (^٥).\n_________\n(^١) محاسبة النفس لابن أبي الدنيا (ص ٧٢).\n(^٢) محاسبة النفس لابن أبي الدنيا (ص ٧٦).\n(^٣) محاسبة النفس لابن أبي الدنيا (ص ٨٠).\n(^٤) محاسبة النفس لابن أبي الدنيا (ص ٨٢).\n(^٥) محاسبة النفس لابن أبي الدنيا (ص ٧٧).","vol":"1","page":20},{"text":"وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن الحسن بن أَتَش، حدثنا منذر، عن وهب: «أن رجلًا سائحًا عبد الله ﷿ سبعين سنة، ثم خرج يومًا، فقلّل عمله، وشكا إلى الله منه، واعترف بذنبه، فأتاه آتٍ من الله فقال: إن مجلسك هذا أحب إليّ من عملك فيما مضى من عمرك» (^١).\nوفى كتاب «الزهد» للإمام أحمد: «أن رجلًا من بني إسرائيل تعبَّد ستين سنة في طلب حاجة، فلم يظفر بها، فقال في نفسه: والله لو كان فيكَ خير لظفرتَ بحاجتك، فأُتي في منامه، فقيل له: أرأيت إزراءك على نفسِك تلك الساعة؟ فإنه خير من عبادتك تلك السنين» (^٢).\nومن فوائد محاسبة النفس: أنه يعرف بذلك حق الله عليه. ومن لم يعرف حق الله عليه فإن عبادته لا تكاد تُجدي عليه، وهى قليلة المنفعة جدًّا\nفمِن أنفع ما للقلب: النظر في حق الله على العبد؛ فإن ذلك يُورِثه مقتَ نفسِه، والإزراء عليها، ويُخلِّصه من العُجب ورؤية العمل، ويفتح له باب الخضوع والذل والانكسار بين يدي ربه، واليأس من نفسه، وأن النجاة لا تحصل له إلا بعفو الله ومغفرته ورحمته؛ فإن من حقه أن يُطاع ولا يُعصى، وأن يُذكر فلا يُنسى، وأن يُشكر فلا يُكفر.\nفمَن نظر في هذا الحق الذي لربه عليه عَلِم عِلْمَ اليقين أنه غير مؤدٍّ له كما ينبغي، وأنه لا يسعه إلا العفو والمغفرة، وأنه إن أُحيل على عمله هلك.\nفهذا محل نظر أهل المعرفة بالله وبنفوسهم، وهذا الذي أيأسَهم من أنفسهم، وعلَّق رجاءهم كله بعفو الله ورحمته.\nوإذا تأمَّلت حال أكثر الناس وجدتهم بضد ذلك، ينظرون في حقهم على الله، ولا\n_________\n(^١) الزهد لأحمد بن حنبل (ص ٤٧).\n(^٢) الزهد لأحمد بن حنبل (ص ٣٠٣) لفظ الزهد فيه اختلاف وهذا لفظه: عَنِ ابْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: \" كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ تَعَبَّدَ زَمَانًا ثُمَّ طَلَبَ إِلَى اللَّهِ ﷿ حَاجَةً وَصَامَ سَبْعِينَ سَبْتًا يَأْكُلُ كُلَّ سَبْتٍ إِحْدَى عَشْرَةَ تَمْرَةً قَالَ: فَطَلَبَ إِلَى اللَّهِ حَاجَةً فَلَمْ يُعْطِهَا قَالَ: فَأَقْبَلَ عَلَى نَفْسِهِ فَقَالَ: أَيَّتُهَا النَّفْسُ مِنْ قِبَلِكِ أُتِيتُ، لَوْ كَانَ عِنْدَكَ خَيْرٌ لَأُعْطِيتَ حَاجَتَكَ وَلَكِنْ لَيْسَ عِنْدَكَ خَيْرٌ، فَنَزَلَ إِلَيْهِ سَاعَتَئِذٍ مَلَكٌ، فَقَالَ: يَا ابْنَ آدَمَ سَاعَتُكَ هَذِهِ الَّتِي أَزْرَيْتَ فِيهَا عَلَى نَفْسِكَ خَيْرٌ مِنْ عِبَادَتِكَ كُلِّهَا الَّتِي مَضَتْ وَقَدْ أَعْطَاكَ اللَّهُ حَاجَتَكَ الَّتِي سَأَلْتَ \".","vol":"1","page":21},{"text":"ينظرون في حق الله عليهم، ومن هاهنا انقطعوا عن الله، وحُجبت قلوبهم عن معرفته ومحبته، والشوق إلى لقائه، والتنعم بذكره، وهذا غاية جهل الإنسان بربه وبنفسه.\nفمحاسبة النفس هو نظر العبد في حق الله عليه أولًا، ثم نظره هل قام به كما ينبغي ثانيًا؟ وأفضل الفكر الفكرُ في ذلك؛ فإنه يسيِّر القلب إلى الله، ويطرحه بين يديه ذليلًا خاضعًا، منكسرًا كَسْرًا فيه جَبْرُهُ، ومفتقرًا فقرًا فيه غناه، وذليلًا ذلًّا فيه عِزُّه، ولو عمل من الأعمال ما عساه أن يعمل، فإذا فاته هذا فالذي فاته من البر أفضل من الذي أتى به\nومن فوائد نظر العبد في حق الله عليه: أنه لا يتركه ذلك يُدِلُّ بعمل أصلًا، كائنًا ما كان، ومَنْ أدلّ بعمله لم يصعد إلى الله، كما ذكر الإمام أحمد عن بعض أهل العلم بالله، أنه قال له رجل: إني لأقوم في صلاتي؛ فأبكي حتى يكاد ينبت البَقْل من دموعي، فقال له: إنك إن تضحك وأنت تعترف لله بخطيئتك، خيرٌ من أن تبكي وأنت تُدِلُّ بعملك؛ فإن صلاة المُدلِّ لا تصعد فوقه، فقال له: أوصني، قال: عليك بالزهد في الدنيا، وأن لا تنازعها أهلَها، وأن تكون كالنّحلة، إن أكلت أكلت طيِّبًا، وإن وضعت وضعت طيبًا، وإن وقعت على عود لم تضرَّه ولم تكسره، وأوصيك بالنصح لله ﷿ نُصْح الكلب لأهله؛ فإنهم يُجِيعونه ويطردونه؛ ويأبى إلا أن يحوطَهم وينصحهم» (^١).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا سيَّار، حدثنا جعفر، حدثنا الجريرى، قال: «بلغني أن رجلًا من بني إسرائيل كانت له إلى الله تعالى حاجة، فتعبد واجتهد، ثم طلب إلى الله حاجته، فلم ير نجاحًا، فبات ليلةً مُزريًا على نفسه، وقال: يا نفس! مالك لا تُقضَى حاجتك؟ فبات محزونًا قد أزرى على نفسه، وألزم الملامةَ نفسه، فقال: أما والله ما من قِبَل ربي أُتِيتُ، ولكن من قِبَل نفسي أُتيتُ، فبات ليلةً مزريًا على نفسه، وألزم الملامة نفسه، فقُضِيت حاجته» \" (^٢). انتهى ما اختصرته من كتاب إغاثة اللهفان (^٣).\n_________\n(^١) الزهد لأحمد بن حنبل (ص ٨١).\n(^٢) قال محقق إغاثة اللهفان: لم أقف عليه.\n(^٣) إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان (١/ ١٤٣ - ١٥٤ ط عطاءات العلم)","vol":"1","page":22},{"text":"<span data-type='title' id=toc-18>المطلب الثاني: الحرص على إتباع الهدي النبوي في هذه العبادة</span>.\nوقد تتبع ابن القيم ﵀ - في كتابه العظيم زاد المعاد- هديه ﷺ في هذه العبادة، فقد جمع في ذلك ما ورد من النصوص في هديه ﷺ في تعامله مع القرآن الكريم، وقد جمع ﵀ في ذلك كعادته علمًا جمًا وفيرًا، فجزاه الله خير الجزاء وتوسع في ذلك بما لا مزيد عليه، فأحببت أن أختصر منه الآتي (^١):\n- \"كان له ﷺ حزب يقرؤه لا يخل به وكانت قراءته ترتيلًا، لا هذًّا ولا عجلةً، بل قراءةً مفسَّرةً حرفًا حرفًا. وكان يقطع قراءته آيةً آيةً. وكان يمدُّ عند حروف المدِّ، فيمُدُّ (الرحمن)، ويمُدُّ (الرحيم).\n- وكان يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم في أول القراءة، فيقول: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم»، وربما كان يقول: «اللهمَّ إنِّي أعوذ بك من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه».\nوكان تعوُّذه قبل القراءة.\n- وكان يحبُّ أن يسمع القرآن من غيره. وأمرَ عبدَ الله بن مسعود، فقرأ عليه وهو يسمع، وخشع - ﷺ - لسماع القرآن منه حتى ذرفت عيناه.\n-وكان يقرأ القرآن قائمًا وقاعدًا ومضطجعًا، ومتوضِّئًا ومحدِثًا. ولم يكن يمنعه من قراءته إلا الجنابة.\n- وكان يتغنَّى به، ويرجِّع صوته به أحيانًا، كما رجَّع يوم الفتح في قراءته ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١]. وحكى عبد الله بن مغفَّل ترجيعه آآآ ثلاث مرات. ذكره البخاري.\nوإذا جمعت هذا الحديث إلى قوله: «زيِّنوا القرآن بأصواتكم»، وقوله: «ليس منَّا من لم يتغنَّ بالقرآن»، وقوله: «ما أذِن اللهُ لشيءٍ كأَذَنِه لنبيٍّ حسَنِ الصَّوت يتغنَّى بالقرآن» = علمتَ أنَّ هذا الترجيع منه - ﷺ - كان اختيارًا، لا اضطرارًا لهزِّ الناقة له. فإنَّ هذا لو كان لأجل هزِّ الناقة لما كان داخلًا تحت الاختيار، فلم يكن عبد الله بن مغفَّل يحكيه ويفعله\n_________\n(^١) زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم (١/ ٦١٣ - ٦٣٢) مع الاحتفاظ بكلامه بحروفه.","vol":"1","page":23},{"text":"اختيارًا لِيُتأسَّى، وهو يرى هزَّ الراحلة له حتى ينقطع صوته، ثم يقول: «كان يرجِّع في قراءته» فنسَب الترجيع إلى فعله. ولو كان من هزّ الراحلة لم يكن منه فعلٌ يسمّى ترجيعًا.\nوقد استمع ليلةً لقراءة أبي موسى الأشعري، فلما أخبره بذلك قال: «لو كنتُ أعلم أنَّك تستمع لحبَّرتُه لك تحبيرًا»، أي حسَّنتُه وزيَّنتُه بصوتي تزيينًا.\nوروى أبو داود في «سننه» عن عبد الجبار بن الورد قال: سمعت ابن أبي مليكة يقول: قال عبيد الله بن أبي يزيد: مرَّ بنا أبو لُبابة، فاتبعناه حتى دخل بيته، فإذا رجلٌ رثُّ الهيئة. فسمعته يقول: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «ليس منَّا من لم يتغنَّ بالقرآن». قال: فقلت لابن أبي مليكة: يا أبا محمد، أرأيت إذا لم يكن حسَن الصوت؟ قال: يحسِّنه ما استطاع.\n-وتوسع رحمه في نقل أقوال أهل العلم في مسألة التغني والتطريب في قراءة القرآن، ثم قال ﵀ في خاتمة هذه المسألة مرجحًا ومفصلًا للقول الراجح: \"وفصل النزاع أن يقال: التطريب والتغنِّي على وجهين:\nأحدهما: ما اقتضته الطبيعة وسمحت به، من غير تكلُّف ولا تمرين وتعليم، بل إذا خُلِّي وطبعَه واسترسلت طبيعته جاءت بذلك التطريب والتلحين، فهذا جائز، وإن أعان طبيعتَه فضلُ تزيين وتحسين كما قال أبو موسى للنبي - ﷺ -: «لو علمتُ أنَّك تستمع لحبَّرتُه لك تحبيرًا». والحزين ومن هاجه الطربُ والحبُّ والشوقُ لا يملك من نفسه دفعَ التحزين والتطريب في القراءة، ولكنَّ النفوس تقبله وتستحليه وتستملحه لموافقة الطبع وعدم التكلُّف والتصنُّع فيه، فهو مطبوع لا متطبِّع، وكلِفٌ لا متكلِّف. فهذا هو الذي كان السلف يفعلونه ويسمعونه، وهو التغنِّي الممدوح المحمود، وهو الذي يتأثَّر به التالي والسامع. وعلى هذا الوجه تُحمَل أدلَّةُ أرباب هذا القول كلُّها.\nالوجه الثاني: ما كان من ذلك صناعةً من الصنائع، ليس في الطبع السماحةُ به، بل لا يحصل إلا بتكلُّف وتصنُّع وتمرُّن، كما يتعلَّم أصوات الغناء بأنواع الألحان البسيطة والمركَّبة على إيقاعات مخصوصة وأوزان مخترعة لا تحصل إلا بالتعلُّم والتكلُّف. فهذه هي التي كرهها السلف وعابوها وذمُّوها، ومنعوا القراءة بها، وأنكروا على من قرأ بها. وأدلَّةُ أرباب هذا القول إنما تتناول هذا الوجه.","vol":"1","page":24},{"text":"وبهذا التفصيل يزول الاشتباه، ويتبيَّن الصواب من غيره. وكلُّ من له علم بأحوال السلف يعلم قطعًا أنهم برآء من القراءة بألحان الموسيقى المتكلَّفة التي هي على إيقاعات وحركات موزونة معدودة محدودة، وأنهم أتقى لله من أن يقرؤوا بها أو يسوِّغوها؛ ويعلمُ قطعًا أنهم كانوا يقرؤون بالتحزين والتطريب، ويحسِّنون أصواتهم بالقرآن، ويقرؤونه بشجًى تارةً، وبطرب تارةً، وبشوق تارةً. وهذا أمر في الطباع تقاضيه، ولم ينه عنه الشارعُ مع شدَّة تقاضي الطباع له، بل أرشد إليه، وندب إليه، وأخبر عن استماع الله لمن قرأ به، وقال: «ليس منَّا من لم يتغنَّ بالقرآن». وفيه وجهان، أحدهما: أنه إخبار بالواقع، أي كلُّنا نفعله. والثاني: أنه نفيٌ لهَدْيِ من لم يفعله عن هَدْيه وطريقته. والله أعلم\" انتهى المقصود من كلام ابن القيم ﵀.\nومن هديه -ﷺ-: عدم العجلة في ختمه في أقل من ثلاثة أيام؛ لأجل والله أعلم الحرص على تدبره وفهم المقصود منه والعمل به، فقال -ﷺ-: «لَا يَفْقَهُهُ مَنْ يَقْرَؤُهُ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١١/ ١٠٤) ح (٦٥٤٦) واللفظ له، وقال محقق المسند: «إسناده صحيح على شرط الشيخين»، ومسند الدرامي (٢/ ٩٣٦) ح (١٥٣٤) وقال محققه: \"إسناده صحيح\"، وأبو داود (٢/ ٥٤) ح (١٣٩٠)، وابن ماجه (١/ ٤٢٨) ح (١٣٤٧)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (١/ ٢٥٦) ح (١١٥٧).","vol":"1","page":25},{"text":"<span data-type='title' id=toc-19>المطلب الثالث: ملازمة التوبة النصوح، وكثرة الاستغفار الصادق</span>.\nإن الذنوب تعمي القلب فلا يبصر الحقائق، ويضيق من القرآن وينفر منه، ويعمى عن هداياته، فلا يرى النور الذي فيه، قال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦].\nوكما في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «إِنَّ العَبْدَ إِذَا أَخْطَأَ خَطِيئَةً نُكِتَتْ (^١) فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، فَإِذَا هُوَ نَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ وَتَابَ صُقِلَ (^٢) قَلْبُهُ، وَإِنْ عَادَ زِيدَ فِيهَا حَتَّى تَعْلُوَ قَلْبَهُ، وَهُوَ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطفِّفين: ١٤]» (^٣).\nوكذلك فتن الشبهات والشهوات إذا عرضت على القلب وتشربها فإنها تعميه عن الحق، وعن نور القرآن، فلا يقبل ما فيه من الهدى بل ينقلب قلبه فلا يقبل إلا الهوى، وينفر من الحق والهدى، كما في حديث حذيفة -﵁-، يَقُولُ -ﷺ-: «تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ: عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَالْآخَرُ أَسْوَدُ\n_________\n(^١) أي نُقِطَ نقطة في قلبه.\nينظر: الصحاح (١/ ٢٦٩)، النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ١١٤) مادة (نكت).\n(^٢) وفي بعض روايات الحديث: \"سُقِلَ\" بالسين، والسقل والصقل بمعنى واحد، أي: جلاه ونظفه وصفاه وذهب عنه أثر الذنب.\nينظر: الصحاح (٥/ ١٧٤٤) مادة (صقل)، مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (٤/ ١٦٢٢).\n(^٣) أخرجه أحمد (١٣/ ٣٣٣) ح (٧٩٥٢)، والترمذي واللفظ له (٥/ ٤٣٤) ح (٣٣٣٤) وقال الترمذي: \"حديث حسن صحيح\"، وابن ماجه في سننه (٢/ ١٤١٨) ح (٤٢٤٤)، وابن حبان في صحيحه (٣/ ٢١٠) ح (٩٣٠)، الحاكم في مستدركه (٢/ ٥٦٢) ح (٣٩٠٨) وصححه ووافقه الذهبي، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢/ ٢٧١) ح (١٦٢٠)، وقال شعيب الأرناؤوط في تحقيق المسند (١٣/ ٣٣٤) ح (٧٩٥٢): \"إسناده قوي\".","vol":"1","page":26},{"text":"مُرْبَادًّا (^١) كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا، لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا، وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا، إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ» (^٢).\nولا شك أن للذنوب والمعاصي أثرًا كبيرًا في إفساد القلب، وضررها عظيم عليه، \"وأن ضررها في القلوب كضرر السموم في الأبدان، على اختلاف درجاتها في الضرر. وهل في الدنيا والآخرة شر وداء إلا وسببه الذنوب والمعاصي؟! \" (^٣).\nوهذا الداء الخطير على القلوب الذي يفسدها ويبعدها عن كتاب ربها، قد جعل الله له علاجًا، وهو الاستغفار والتوبة.\nقال تعالى في بيان أثر الاستغفار: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح: ١٠ - ١٢].\nوقال -﷾- في بيان ثمرات الاستغفار والتوبة: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ [هود: ٣].\nوقال تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ [هود: ٥٢].\nوالذي يظهر من أقوال المفسرين في زيادة القوة أنها قوة حسية ومعنوية، يجدون أثرها في حياتهم (^٤).\n_________\n(^١) مربادًّا من الرُبدَةِ: لَوْنٌ يميل إلى الغُبْرَة، وهو لون يخالط سواده كدرة غير حسنة.\nينظر: الصحاح (٢/ ٤٧٢)، مقاييس اللغة (٢/ ٤٧٥) مادة (ربد).\n(^٢) أخرجه مسلم (١/ ١٢٨) ح (١٤٤).\n(^٣) الجواب الكافي (١/ ٩٨).\n(^٤) ينظر: تفسير الطبري (١٢/ ٤٤٥)، تفسير البغوي (٤/ ١٨٣)، تفسير ابن كثير (٤/ ٣٢٩)، فتح القدير للشوكاني (٢/ ٥٧٣)، تفسير السعدي (٣٨٣).","vol":"1","page":27},{"text":"ولا شك أن المسلم بحاجة ماسة لهذه القوة التي يعينه الله بها على الإقبال على القرآن وكثرة تلاوته.\nوجاء الأمر بالتوبة فقال تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١].\nوينظر المسلم إلى حال القدوة -ﷺ-، وهو الذي قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ومع هذا يبذل جهدًا عظيمًا في كثرة الاستغفار والتوبة، وذلك ما يجعله يسابق وينافس في هذا المضمار لينال ثمرة ذلك في حياته، فيفتح له في الإقبال على تلاوة الكتاب العزيز وتدبره، وسائر طاعته.\nيقول أَبُو هُرَيْرَةَ -﵁-: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «وَاللَّهِ، إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي اليَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً» (^١).\nويَقُولُ النَّبِيُّ -ﷺ-: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، تُوبُوا إِلَى اللهِ، وَاسْتَغْفِرُوهُ، فَإِنِّي أَتُوبُ إِلَى اللهِ، وَأَسْتَغْفِرُهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ مَرَّةٍ» (^٢).\nومن رحمة الله بعباده أن فتح لهم باب التوبة، فعَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: «إِنَّ اللهَ -﷿- يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا» (^٣).\nبل الأمر أعظم من ذلك، فالله يفرح بتوبة عبده فرحًا عظيمًا قرّبه النبي -ﷺ- بمثال؛ ليظهر منه عظيم فرحة الرب -﷾- بتوبة عبده.\nيَقُولُ -ﷺ-: «لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ مِنْ رَجُلٍ فِي أَرْضٍ دَوِّيَّةٍ مَهْلِكَةٍ، مَعَهُ رَاحِلَتُهُ، عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَنَامَ فَاسْتَيْقَظَ وَقَدْ ذَهَبَتْ، فَطَلَبَهَا حَتَّى أَدْرَكَهُ الْعَطَشُ، ثُمَّ قَالَ: أَرْجِعُ إِلَى\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٨/ ٦٧) ح (٦٣٠٧).\n(^٢) أخرجه أحمد في المسند (٣٠/ ٢٢٦) ح (١٨٢٩٤)، والسنن الكبرى للنسائي (٩/ ١٦٨) ح (١٠٢٠٥)، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٣/ ٤٣٥) ح (١٤٥٢)، وقال محقق المسند شعيب الأرناؤوط (٣٠/ ٢٢٦) ح (١٨٢٩٤): \"حديث صحيح\".\n(^٣) أخرجه مسلم (٤/ ٢١١٣) ح (٢٧٥٩).","vol":"1","page":28},{"text":"مَكَانِيَ الَّذِي كُنْتُ فِيهِ، فَأَنَامُ حَتَّى أَمُوتَ، فَوَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى سَاعِدِهِ لِيَمُوتَ، فَاسْتَيْقَظَ وَعِنْدَهُ رَاحِلَتُهُ وَعَلَيْهَا زَادُهُ وَطَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَاللهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ الْعَبْدِ الْمُؤْمِنِ مِنْ هَذَا بِرَاحِلَتِهِ وَزَادِهِ» (^١).\nوحتى يحصل من التوبة والاستغفار أثرهما على صلاح القلب وإقبال المسلم على تلاوة كتاب ربه وفهمه والتلذذ به، فلا بد من مراعاة أمور (^٢)، وهي:\n١ - الإخلاص لله تعالى في هذه التوبة، وأن يكون المقصد منها وجه الله تعالى.\nلأن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا لله وأريد به وجهه، وأن يكون موافقًا للسنة، فترد التوبة على صاحبها إذا أراد بها التقرب من أحد أو الحصول على مكسب من مكاسب الدنيا قال -ﷺ- في بيان ذلك: فعَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ -﵁- قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَ: أَرَأَيْتَ رَجُلًا غَزَا يَلْتَمِسُ الْأَجْرَ وَالذِّكْرَ مَا لَهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لَا شَيْءَ لَهُ»، فَأَعَادَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، يَقُولُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لَا شَيْءَ لَهُ»، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ مِنَ الْعَمَلِ إِلَّا مَا كَانَ لَهُ خَالِصًا، وَابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُهُ» (^٣).\nوقال -ﷺ-: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (^٤).\nوفي الرواية الأخرى في صحيح مسلم عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» (^٥).\n٢ - الندم على ما حصل من الذنب.\nعَنِ ابْنِ مَعْقِلٍ، قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ أَبِي عَلَى عَبْدِ اللَّهِ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «النَّدَمُ تَوْبَةٌ»، فَقَالَ لَهُ أَبِي: أَنْتَ سَمِعْتَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «النَّدَمُ تَوْبَةٌ»، قَالَ: نَعَمْ \" (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٤/ ٢١٠٣) ح (٢٧٤٤).\n(^٢) ينظر في شروط التوبة: رياض الصالحين (٣٣ - ٣٤)، التوبة إلى الله (ص ٢١ - ٢٥)\n(^٣) أخرجه (٦/ ٢٥) ح (٣١٤٠)، وجوَّد إسناده ابن حجر في الفتح (٦/ ٢٨)، وحسنه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (١/ ١١٨) ح (٥٢)، وقال في صحيح سنن النسائي (٢/ ٣٨٣ - ٣٨٤) ح (٣١٤٠): \"حسن صحيح\".\n(^٤) أخرجه مسلم (٣/ ١٣٤٣) ح (١٧١٨).\n(^٥) أخرجه مسلم (٣/ ١٣٤٣) ح (١٧١٨).\n(^٦) أخرجه أحمد (٦/ ٣٧) ح (٣٥٦٨)، وابن ماجه (٢/ ١٤٢٠) ح (٤٢٥٢)، والحاكم (٤/ ٢٧١) ح (٧٦١٢) وصححه ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٢/ ١١٥٠) ح (٦٨٠٢)، وصححه محقق المسند.","vol":"1","page":29},{"text":"وعكس الندم ما يحصل من المجاهرة بالذنوب التي عملها، وكأنها شيء يتمدح به في المجالس وهذه المجاهرة خطر عظيم على صاحبها قال -ﷺ-: «كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا الْمُجَاهِرِينَ، وَإِنَّ مِنَ الْمَجَانَةِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلًا ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ اللهُ، فَيَقُولَ: يَا فُلَانُ، عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ، وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللهِ عَنْهُ» (^١).\n٣ - الإقلاع عن الذنب مع العزم على عدم العودة للذنب.\nوقد ذكر الله في كتابه من صفات عباده المتقين أنهم لا يصرون على الذنب وإذا وقعوا فيه تذكر الله وتذكروا ما توعد به العاصين ووعد المتقين فبادروا إلى التوبة والاستغفار مع ندم وعزم على عدم العودة إلى الذنب ويسارعون إلى الإقلاع عنه ولا يستمرون ويصرون عليه وهم يعلمون أنه ذنب، فقال تعالى عنهم: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٥].\nوقد ورد عن ابن عباس ﵄ مرفوعًا: \" .. وَالْمُسْتَغْفِرُ مِنْ ذَنْبٍ وَهُوَ مُقِيمٌ عَلَيْهِ كَالْمُسْتَهْزِئِ بِرَبِّهِ\" (^٢).\n٤ - وإذا كان الذنب في حقوق الآدميين، فلا بد من إرجاعها لهم أو طلب السماح.\nلأن حقوق العباد من مال ونحوه لا يقبل توبة صاحبها حتى يرجعها إليه أو يستسمحه، لأن العبد يوم القيامة يأمره الله بأن يعيد الحقوق إلى إصحابها وذلك بدفع حسانته إلى أصحاب الحقوق حتى يستوفوا حقهم أو إذا لم يكن له حسنات أخذ من سيئاتهم ثم طرحت عليه ثم يطرح في النار كما حديث المفلس قال ﷺ: «أَتَدْرُونَ مَنِ الْمُفْلِسُ»؟ قَالُوا: المُفْلِسُ فِينَا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «المُفْلِسُ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَأْتِي يَوْمَ القِيَامَةِ بِصَلَاتِهِ وَصِيَامِهِ وَزَكَاتِهِ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٨/ ٢٠) ح (٦٠٦٩).\n(^٢) ولا يصح رفعه إلى النبي -ﷺ-، والراجح أنه موقوف على ابن عباس ﵄، كما رجح ذلك ابن حجر ﵀ في الفتح (١٣/ ٤٧١)، ورجح وقفه أيضًا غيره.","vol":"1","page":30},{"text":"هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا فَيَقْعُدُ فَيَقْتَصُّ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْتَصّ مَا عَلَيْهِ مِنَ الخَطَايَا أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ» (^١).\n٥ - حضور القلب عند التوبة والاستغفار، فتكون التوبة والاستغفار باللسان والقلب، فيحدث أثر التوبة في القلب، وهذا الأثر يحدث -والله أعلم- مع كثرة الاستغفار والتوبة؛ لأنه مع التكرار يحضر القلب ويحدث الأثر فيه، ولذا جاءت النصوص بالإكثار من التوبة والاستغفار، كما سبق في الأحاديث من فعل النبي -ﷺ- وحثه لأمته.\n٦ - البحث عن جلساء صالحين يعينونه على الخير، والاستمرار على التوبة، كما في حديث قاتل المائة، فقد حثه العالم على الذهاب إلى قرية الصالحين حتى يجد من يعينونه على توبته (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٤/ ١٩٩٧) ح (٢٥٨١)، وهذا لفظ الترمذي (٤/ ٦١٣).\n(^٢) وقد دل على هذا حديث أبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ نَبِيَّ اللهِ -ﷺ- قَالَ: «كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا، فَسَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ فَدُلَّ عَلَى رَاهِبٍ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا، فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: لَا، فَقَتَلَهُ، فَكَمَّلَ بِهِ مِائَةً، ثُمَّ سَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ عَالِمٍ، فَقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ مِائَةَ نَفْسٍ، فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ؟ انْطَلِقْ إِلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنَّ بِهَا أُنَاسًا يَعْبُدُونَ اللهَ فَاعْبُدِ اللهَ مَعَهُمْ، وَلَا تَرْجِعْ إِلَى أَرْضِكَ، فَإِنَّهَا أَرْضُ سَوْءٍ، فَانْطَلَقَ حَتَّى إِذَا نَصَفَ الطَّرِيقَ أَتَاهُ الْمَوْتُ، فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلَائِكَةُ الْعَذَابِ، فَقَالَتْ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ: جَاءَ تَائِبًا مُقْبِلًا بِقَلْبِهِ إِلَى اللهِ، وَقَالَتْ مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ: إِنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ، فَأَتَاهُمْ مَلَكٌ فِي صُورَةِ آدَمِيٍّ، فَجَعَلُوهُ بَيْنَهُمْ، فَقَالَ: قِيسُوا مَا بَيْنَ الْأَرْضَيْنِ، فَإِلَى أَيَّتِهِمَا كَانَ أَدْنَى فَهُوَ لَهُ، فَقَاسُوهُ فَوَجَدُوهُ أَدْنَى إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي أَرَادَ، فَقَبَضَتْهُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ».\nأخرجه مسلم (٤/ ٢١١٨) ح (٢٧٦٦).","vol":"1","page":31},{"text":"<span data-type='title' id=toc-20>المطلب الرابع: كثرة الدعاء والإلحاح فيه على الله أن يرزق العبد حلاوة تلاوة القرآن والتلذذ به، واجتماع القلب عليه، وحسن تدبره</span>.\nومما يدل على المكانة العظيمة للدعاء قول النبي -ﷺ-: «الدُّعَاءُ هُوَ العِبَادَةُ» (^١).\nوأفاد الملا على القاري ﵀ في شرحه لهذا الحديث بأن الدعاء: \"هو العبادة الحقيقية التي تستأهل أن تسمى عبادة لدلالته على الإقبال على الله، والإعراض عما سواه، بحيث لا يرجو ولا يخاف إلا إياه، قائمًا بوجوب العبودية، معترفًا بحق الربوبية، عالمًا بنعمة الإيجاد، طالبًا لمدد الإمداد على وفق المراد وتوفيق الإسعاد\" (^٢).\nقال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠].\nوقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦].\nوعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: «لَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَمَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنَ الدُّعَاءِ» (^٣).\nوهذا دعاء عظيم ينبغي أن يقبل القلب عليه، له ارتباط بالتلذذ بالقرآن والطلب من الله أن يذهب عن العبد الهم والحزن، ويكون ذلك بأثر القرآن على قلبه، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: \" مَا أَصَابَ أَحَدًا قَطُّ هَمٌّ وَلَا حَزَنٌ، فَقَالَ: اللهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ، ابْنُ\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في مسنده (٣٠/ ٣٤٠) ح (١٨٣٩١)، وأبو داود (٢/ ٧٦) ح (١٤٧٩)، والترمذي (٥/ ٣٧٥) ح (٣٢٤٧) وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\"، وابن ماجه (٢/ ١٢٥٨) ح (٣٨٢٨)، والحاكم (١/ ٦٦٧) ح (١٨٠٢) وصححه، وأقره الذهبي، وصححه الألباني في صحيح الجامع (١/ ٦٤١) ح (٣٤٠٧)، وقال محقق المسند (٣٠/ ٣٤٠) ح (١٨٣٩١): \"إسناده صحيح\".\n(^٢) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (٤/ ١٥٢٧).\n(^٣) أخرجه أحمد في المسند (١٤/ ٣٦٠) ح (٨٧٤٨)، والترمذي (٥/ ٤٥٥) ح (٣٣٧٠) وقال: «هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ القَطَّانِ .. \"، وابن ماجه (٢/ ١٢٥٨) ح (٣٨٢٩)، وحسن إسناده الألباني في صحيح الجامع (٢/ ٩٥١) ح (٥٣٩٢)، وكذلك شعيب الأرناؤوط في تحقيقه لسنن ابن ماجه (٥/ ٦) ح (٣٨٢٩).","vol":"1","page":32},{"text":"عَبْدِكَ، ابْنُ أَمَتِكَ نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ، أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ صَدْرِي، وَجِلَاءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي، إِلَّا أَذْهَبَ اللهُ هَمَّهُ وَحُزْنَهُ، وَأَبْدَلَهُ مَكَانَهُ فَرَحًا \"، قَالَ: فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا نَتَعَلَّمُهَا؟ فَقَالَ: \" بَلَى، يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَهَا أَنْ يَتَعَلَّمَهَا \" (^١).\nأما أثر الدعاء على صلاح القلب فأثره عظيم، وما يترتب على ذلك من المعاني العظيمة، ومنها:\n١ - الشعور بمعية الله له وقربه منه.\n٢ - قوة القلب وثباته وشجاعته.\n٣ - صلاح القلب وثباته على الحق.\nفإذا صدق العبد في الطلب والإلحاح على ربه أن يرزقه تدبر القرآن وفهمه على ما يحب ويرضى وأن يرزقه التلذذ به، فإن ثمرة ذلك شعور العبد برقة في قلبه يظهر أثرها على جوارحه خشوعًا وبكاء من خشية الله، عند تلاوة القرآن أو سماعه.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٦/ ٢٤٦ - ٢٤٧) ح (٣٧١٢)، والبزار (٥/ ٣٦٣) ح (١٩٩٤)، وأبو يعلى (٩/ ١٩٨) ح (٥٢٩٧)، وابن حبان (٣/ ٢٥٣) ح (٩٧٢)، وقال في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (١٠/ ١٣٦) ح (١٧١٢٩) \"ورجال أحمد وأبي يعلى رجال الصحيح غير أبي سلمة الجهني، وقد وثقه ابن حبان\"، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢/ ٣٦١) ح (١٨٢٢)، وصحح إسناده أحمد شاكر في تحقيقه للمسند ح (٤٣١٨) (٤/ ٢١٥).","vol":"1","page":33},{"text":"<span data-type='title' id=toc-21><span data-type='title' id=toc-22>المطلب الخامس: شعور العبد في قلبه بعظمة أثر القرآن </span></span>(^١).\nوصف الله القرآن بأنه عظيم في أكثر من آية، فمنها:\nقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧].\nوقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ ٦٧ أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ [ص: ٦٧ - ٦٨].\nوتتجلى عظمة القرآن في الأمور الآتية:\n١ - عظمة منزله -﷾-، وتدرك عظمة الله من خلال حديثه عن نفسه ﵎: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧].\nوقال تعالى: ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ الحج: ٧٤\nوقال تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤].\nوقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (٦٦)﴾ [هود: ٦٦].\nوقال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٨].\nوقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [فاطر: ٤١].\n_________\n(^١) ينظر في ذلك: عظمة القرآن الكريم للدكتور محمود الدوسري أصله رسالة ماجستير، موجودة على الشبكة، كتاب عظمة القرآن وتعظيمه وأثره في النفوس في ضوء الكتاب والسنة للدكتور. سعيد بن علي بن وهف القحطاني.","vol":"1","page":34},{"text":"وقال تعالى: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ (١٥) يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٥ – ١٦].\nوعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ: جَاءَ حَبْرٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَوْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ إِنَّ اللهَ تَعَالَى يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْجِبَالَ وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْمَاءَ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ، وَسَائِرَ الْخَلْقِ عَلَى إِصْبَعٍ، ثُمَّ يَهُزُّهُنَّ، فَيَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الْمَلِكُ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ تَعَجُّبًا مِمَّا قَالَ الْحَبْرُ، تَصْدِيقًا لَهُ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧] (^١).\nوقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: \" يَقْبِضُ اللهُ ﵎ الْأَرْضَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيَطْوِي السَّمَاءَ بِيَمِينِهِ ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ أَيْنَ مُلُوكُ الْأَرْضِ؟ \" (^٢).\nوَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: \" يَطْوِي اللهُ ﷿ السَّمَاوَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ بِيَدِهِ الْيُمْنَى، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ الْجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ. ثُمَّ يَطْوِي الْأَرَضِينَ بِشِمَالِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ أَيْنَ الْجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ؟ \" (^٣).\nوعَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ مِقْسَمٍ، أَنَّهُ نَظَرَ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ كَيْفَ يَحْكِي رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: \" يَأْخُذُ اللهُ ﷿ سَمَاوَاتِهِ وَأَرَضِيهِ بِيَدَيْهِ، فَيَقُولُ: أَنَا اللهُ - وَيَقْبِضُ أَصَابِعَهُ وَيَبْسُطُهَا - أَنَا الْمَلِكُ \" حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى الْمِنْبَرِ يَتَحَرَّكُ مِنْ أَسْفَلِ شَيْءٍ مِنْهُ، حَتَّى إِنِّي لَأَقُولُ: أَسَاقِطٌ هُوَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ؟ (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦/ ١٢٦) ح (٤٨١١)، ومسلم واللفظ له (٤/ ٢١٤٧) ح (٢٧٨٦).\n(^٢) أخرجه مسلم (٤/ ٢١٤٨) ح (٢٧٨٧).\n(^٣) أخرجه مسلم (٤/ ٢١٤٨) ح (٢٧٨٨).\n(^٤) أخرجه مسلم (٤/ ٢١٤٨) ح (٢٧٨٨).","vol":"1","page":35},{"text":"ومن الأدلة على عظمة الله، عظمة مخلوقاته، ومن ذلك قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٥٧].\nوقال تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٥ – ٧٦].\nوقال النَّبِيِّ ﷺ: «أُذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَةِ اللَّهِ مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ، إِنَّ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إِلَى عَاتِقِهِ مَسِيرَةُ سَبْعِ مِائَةِ عَامٍ» (^١).\nوقَالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: \"مَا السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ مَعَ الْكُرْسِيِّ إِلَّا كَحَلْقَةٍ مُلْقَاةٍ بِأَرْضٍ فَلَاةٍ، وَفَضْلُ الْعَرْشِ عَلَى الْكُرْسِيِّ كَفَضْلِ الْفَلَاةِ عَلَى الْحَلْقَةِ\" (^٢).\nوعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «مَا السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرَضُونَ السَّبْعُ فِي يَدِ اللَّهِ إِلَّا كَخَرْدَلَةٍ فِي يَدِ أَحَدِكُمْ» (^٣).\nقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: \" فالسموات السبع والأرضين السبع في كفه تعالى كخردلة في كف أحدكم، يعني: السموات السبع على عظمها والأرضين السبع مثلما لو وضع الإنسان في يده خردلة -وهي حبة الخردل التي بكبر حبة السمسم- وهذا أيضا تمثيل على سبيل التقريب، وإلا فالله تعالى أعظم وأجل، فكل المخلوقات بالنسبة له تعالى ليست بشيء\" (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٤/ ٢٣٢) ح (٤٧٢٧)، وقال ابن كثير في تفسيره (٨/ ٢١٢): \" وهذا إسناد جيد، رجاله ثقات\"، وقال الذهبي في العلو للعلي الغفار (٩٧) ح (٢٣٤): \"إسناده صحيح\"، وفي فتح الباري لابن حجر (٨/ ٦٦٥): \"إسناده على شرط الصحيح\"، وذكره الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (١/ ٢٨٢) ح (١٥١).\n(^٢) أخرجه محمد ابن أبي شيبة في العرش (٤٣٢) ح (٥٨)، وابن حبان في صحيحه (٢/ ٧٦) ح (٣٦١)، وابن بطة في الإبانة الكبرى (٧/ ١٨١) ح (١٣٦)، وفي فتح الباري لابن حجر (١٣/ ٤١١): \"وفي حديث أبي ذر الطويل الذي صححه بن حبان .. وله شاهد عن مجاهد أخرجه سعيد بن منصور في التفسير بسند صحيح عنه\"، وصححه الألباني بمجموع طرقه في سلسلة الأحاديث الصحيحة (١/ ٢٢٦) ح (١٠٩).\n(^٣) تفسير الطبري ط هجر (٢٠/ ٢٤٦).\n(^٤) تفسير العثيمين لسورة سبأ (١٧١).","vol":"1","page":36},{"text":"٢ - عظمة من نزل بالقرآن الكريم وهو جبريل -﵇- أمين الله على وحيه، قال الله تعالى عنه: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ ١٩٢ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ١٩٣ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٤].\nوقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ١٩ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ ٢٠ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير: ١٩ - ٢١].\nوقال تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ١٠٢].\nوقال تعالى في وصف جبريل -﵇-: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم: ٥].\n٣ - ومما يدل على عظمة القرآن شدة تأثيره على الجمادات، فقال تعالى عنه: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: ٢١].\nوقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾ [الرعد: ٣١].\nقال ابن كثير ﵀ في تفسيره لهذه الآية: \"يقول تعالى مادحًا للقرآن الذي أنزله على محمد ﷺ، ومفضلًا له على سائر الكتب المنزلة قبله: ﴿ولو أن قرآنا سيرت به الجبال﴾ أي: لو كان في الكتب الماضية كتاب تسير به الجبال عن أماكنها، أو تقطع به الأرض وتنشق، أو تكلم به الموتى في قبورها، لكان هذا القرآن هو المتصف بذلك دون غيره، أو بطريق الأولى أن يكون كذلك؛ لما فيه من الإعجاز الذي لا يستطيع الإنس والجن عن آخرهم إذا اجتمعوا أن يأتوا بمثله، ولا بسورة من مثله\" (^١).\n٤ - ومما يدل على عظمة القرآن إقسام الله به وعليه في آيات كثيرة منها:\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (٤/ ٤٦٠).","vol":"1","page":37},{"text":"قال تعالى: ﴿يس ١ وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس: ١ - ٢].\nوقال تعالى: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص: ١].\nوقال تعالى: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق: ١].\nوقال تعالى: ﴿حم ١ وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ ٢ إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف: ١ - ٣].\nوقال تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ ٧٥ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ٧٦﴾ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ٧٧ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ ٧٨ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ٧٩ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الواقعة: ٧٥ - ٨٠].\nوقال تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ ٣٨ وَمَا لَا تُبْصِرُونَ ٣٩ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ٤٠ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ ٤١ وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ ٤٢ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الحاقة: ٣٨ - ٤٣].\n٥ - ومما يدل على عظمة القرآن العظيم ما ذكره الله ﷿ له من صفات عظيمة، ومن ذلك:\n\n<span data-type='title' id=toc-23>أولًا: قال تعالى عنه وهو يبين عجز الإنس والجن عن الإتيان بمثله: ﴿قُل لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرا﴾ [الإسراء:</span> ٨٨].\nوقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ ٣٣ فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ [الطور: ٣٣ - ٣٤]\nثم نزل معهم في التحدي إلى عشر سور فقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [هود: ١٣]، فعجزوا، فتنزل معهم إلى سورة واحدة، فقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ","vol":"1","page":38},{"text":"قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس: ٣٨]، فعجزوا «وقد سمع هذا التحدِّي من سمع القرآن وعرفه الخاص والعام، ولم يتقدم أحد على أن يأتي بسورة مثله من حين بعث النبي - ﷺ - إلى هذا اليوم، وإلى قيام الساعة، والقرآن يشتمل على آلاف المعجزات؛ لأنه مائة وأربع عشرة سورة، وقد وقع التحدي بسورة واحدة، وأقصر سورة في القرآن سورة الكوثر، وهي ثلاث آيات قصار، والقرآن يزيد بالاتفاق على ستة آلاف آية ومائتي آية، ومقدار سورة الكوثر من آيات أو آية طويلة على ترتيب كلماتها له حكم السورة الواحدة، ويقع بذلك التحدي والإعجاز؛ ولهذا كان القرآن يُغني عن جميع المعجزات الحسِّية والمعنوية؛ لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، وإعجازه في وجوه كثيرة: الإعجاز البلاغي والبياني، والإخبار عن الغيوب بأنواعها، والإعجاز التشريعي، والإعجاز العلمي الحديث؛ ولهذا قال النبي - ﷺ -: «مَا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ نَبِيٌّ إِلَّا أُعْطِيَ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللهُ إِلَيَّ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (^١)» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-24>ثانيًا: وقال تعالى في بيان أنه كتاب هداية:</span>\n- هداية لما فيه سعادة العبد في كل شؤون الدنيا والآخرة: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرا﴾ [الإسراء: ٩].\nالقرآن تبيانٌ لكل شيء: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩].\n- وقال تعالى في بيان أنه هدى للمتقين: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦/ ١٨٢ ط السلطانية) ح (٤٩٨١)، ومسلم (١/ ١٣٤ ت عبد الباقي) ح (١٥٢).\n(^٢) عظمة القرآن وتعظيمه وأثره في النفوس في ضوء الكتاب والسنة (ص ٩).","vol":"1","page":39},{"text":"- هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢].\n«وأنه هدى لجميع مصالح الدارين، فهو مرشد للعباد في المسائل الأصولية والفروعية، ومبين للحق من الباطل، والصحيح من الضعيف، ومبين لهم كيف يسلكون الطرق النافعة لهم، في دنياهم وأخراهم» (^١).\n- وقد وصفه الله بأنه نور يهدي من استمسك به واعتصم إلى سعادة الدنيا والآخرة ويخرجهم به من ظلمات الشك والشبه والجهل والحيرة إلى نور الهداية والى الطريق المستقيم الموصل إلى جنة النعيم، فقال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ ١٥ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦].\nوقال تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا ١ يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدا﴾ [الجن: ١ - ٢].\nوقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا ١٧٤ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُّسْتَقِيما﴾ [النساء: ١٧٤ - ١٧٥].\n\n<span data-type='title' id=toc-25>ثالثًا: شفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس:</span> ٥٧].\n_________\n(^١) تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص ٤٠)","vol":"1","page":40},{"text":"وقال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارا﴾ [الإسراء: ٨٢].\n\n<span data-type='title' id=toc-26>رابعًا: من اتبعه لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة، قال تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ [طه:</span> ١٢٣].\nعن ابن عباس ﵁ الله عنهما، قال: \"تضمن الله لمن قرأ القرآن، واتبع ما فيه أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة، ثم تلا هذه الآية: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ \" (^١).\nوقال تعالى: ﴿طه ١ مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى ٢ إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى ٣ تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى﴾ [طه: ١ - ٤].\nوفي المقابل من أعرض عنه فقد توعده الله بالشقاء والضنك في الدنيا والآخرة ويعمى الله بصره حقيقة في الآخرة جزاء إعراضه عن آياته، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ١٢٤ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا ١٢٥ قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى ١٢٦ وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٢٤ - ١٢٧].\n\n<span data-type='title' id=toc-27>خامسًا: لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ ٤١ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:</span> ٤١ - ٤٢].\n_________\n(^١) تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (١٦/ ١٩١).","vol":"1","page":41},{"text":"<span data-type='title' id=toc-28>سادسًا: تكفَّل الله بحفظه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:</span> ٩].\n٦ - ومما يدل على عظمة القرآن وصية النبي ﷺ أمته بالتمسك به في أكثر من حديث للنجاة من الفتن والضلالات، ومن ذلك:\nيقول -ﷺ-: «وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ: كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ: «اللهُمَّ اشْهَدْ، اللهُمَّ اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ (^١).\nوعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» (^٢).\nوقال ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: «قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ ﷺ .. \" (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب حجة النبي -ﷺ- (٢/ ٨٩٠) ح (١٢١٨).\n(^٢) أخرجه البزار (١٥/ ٣٨٥) ح (٨٩٩٣)، والحاكم (١/ ١٧٢) ح (٣١٩)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (١/ ٥٦٦) ح (٢٩٣٧).\n(^٣) أخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ١٧١) ح (٣١٨) وصححه ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١/ ١٢٥) ح (٤٢).","vol":"1","page":42},{"text":"<span data-type='title' id=toc-29><span data-type='title' id=toc-30>المطلب السادس: حرص العبد على تدبر القرآن العظيم </span></span>(^١).\n<span data-type='title' id=toc-31>أولًا: معنى التدبر وأنواعه</span>.\nتدور عبارات المفسرين في معنى التدبر على إعمال الفكر والنظر مرة بعدة مرة، وذلك بالتأمل والتفهم في آي القرآن الكريم؛ للتوصل إلى معانيه ومقاصده والاتعاظ بها (^٢).\nوالتدبر نوعان:\nالأول: تدبر التلاوة: وهو أن يتدبر القارئ فيما يتلوه، فيحضر قلبه عند تلاوته، ويعمل ذهنه في فهم ما يتلوه مرة بعد مرة حتى يرسخ معنى الآية في قلبه، فيزيد الإيمان وتدمع العين من خشوع القلب وتأثره بكلام ربه سبحانه، كما سيأتي مزيد تفصيل في هذا الأمر.\nوالثاني: تدبر الاستماع: وهو أن يستمع للقران العظيم مع إنصات كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤].\nويقول ابن تيمية ﵀: \"ومن أصغى إلى كلام الله وكلام رسوله ﷺ بعقله، وتَدَبَّره بقلبه، وجد فيه من الفهم والحلاوة، والبركة والمنفعة ما لا يجده في شيء من الكلام، لا مَنظومِه ولا منثورِه\" (^٣)\nوقال السعدي ﵀ في تفسيره لقوله تعالى ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾: \"هذا الأمر عام في كل من سمع كتاب الله يتلى، فإنه مأمور بالاستماع له والإنصات، والفرق بين الاستماع والإنصات، أن الإنصات في\n_________\n(^١) ينظر في ذلك: الخلاصة في تدبر القرآن، القواعد والأصول وتطبيقات التدبر، كلاهما للدكتور: خالد السبت، وقد استفدت منهما كثيرًا في هذا الموضوع، وكتاب مفهوم التفسير والتأويل والاستنباط والتدبر والمفسر، للدكتور: مساعد الطيار.\n(^٢) ينظر: الخلاصة في تدبر القرآن الكريم (ص ١٤)، أضواء البيان (٣/ ٣٣٤).\n(^٣) اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٢٧٠).","vol":"1","page":43},{"text":"الظاهر بترك التحدث أو الاشتغال بما يشغل عن استماعه.\nوأما الاستماع له، فهو أن يلقي سمعه، ويحضر قلبه ويتدبر ما يستمع، فإن من لازم على هذين الأمرين حين يتلى كتاب الله، فإنه ينال خيرًا كثيرًا وعلمًا غزيرًا، وإيمانًا مستمرًا متجددًا، وهدى متزايدًا، وبصيرة في دينه، ولهذا رتب الله حصول الرحمة عليهما، فدل ذلك على أن من تُلِيَ عليه الكتاب، فلم يستمع له وينصت، أنه محروم الحظ من الرحمة، قد فاته خير كثير.\nومن أوكد ما يؤمر به مستمع القرآن، أن يستمع له وينصت في الصلاة الجهرية إذا قرأ إمامه، فإنه مأمور بالإنصات .. \" (^١).\nوقال القرطبي ﵀: \"روي عن وهب بن منبه أنه قال: من أدب الاستماع سكون الجوارح وغض البصر، والإصغاء بالسمع، وحضور العقل، والعزم على العمل، وذلك هو الاستماع كما يحب الله تعالى، وهو أن يكف العبد جوارحه، ولا يشغلها، فيشتغل قلبه عما يسمع، ويغض طرفه فلا يلهو قلبه بما يرى، ويحصر عقله فلا يحدث نفسه بشيء سوى ما يستمع إليه، ويعزم على أن يفهم فيعمل بما يفهم.\nوقال سفيان بن عيينة: أول العلم الاستماع، ثم الفهم، ثم الحفظ، ثم العمل ثم النشر (^٢)، فإذا استمع العبد إلى كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﵊ بنية صادقة على ما يحب الله أفهمه كما يحب، وجعل له في قلبه نورًا\" (^٣).\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص ٣١٤).\n(^٢) نقله عنه البيهقي في شعب الإيمان (٣/ ٢٨٤).\n(^٣) تفسير القرطبي (١١/ ١٧٦).","vol":"1","page":44},{"text":"<span data-type='title' id=toc-32>ثانيًا: أهمية التدبر والأدلة عليه</span>.\nتدبر كتاب الله له أهمية عظيمة وأثر كبير على حياة قلب المؤمن، ومن ذلك (^١):\n١ - اكتسب أهميته وشرفه لتعلقه بفهم كتاب الله فلذا صار من أشرف الأمور وأجلها وأفضلها.\n٢ - ولأن الله أمر به وأوجبه على عباده المؤمنين، فقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرا﴾ [النساء: ٨٢].\nوقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤].\nوهذا الخطاب وإن كان في أصله موجه إلى غير المسلمين، فلزوم التدبر ووجوبه على المسلم من باب أولى، ولهذا استنبط العلماء وجوب التدبر على المسلم من قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ﴾ فقال القرطبي ﵀: \"ودلت هذه الآية (^٢) وقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ على وجوب التدبر في القرآن ليعرف معناه\" (^٣).\nوقال الشنقيطي ﵀ بعد أن أورد آيات التدبر فختم الكلام عليها بقوله: \"وهذه الآيات المذكورة تدل على أن تدبر القرآن وتفهمه وتعلمه والعمل به، أمر لا بدَّ منه للمسلمين\" (^٤).\n٣ - إن الله جعل التدبر مقصودًا من إنزاله، فقال -﷾-: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩].\n_________\n(^١) ينظر في ذلك: الخلاصة في تدبر القرآن الكريم (ص ٢١)، وخطبة عن وجوب تدبر القرآن، د. محمود الدوسري على شبكة الألوكة.\n(^٢) يعني قوله تعالى في سورة النساء: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرا﴾.\n(^٣) تفسير القرطبي (٥/ ٢٩٠).\n(^٤) أضواء البيان (٧/ ٤٥٨).","vol":"1","page":45},{"text":"قال الشنقيطي ﵀ معلقًا على الآية السابقة: \" وأما كون تدبر آياته، من حِكَم إنزاله، فقد أشار إليه في بعض الآيات، بالتحضيض على تدبره، وتوبيخ من لم يتدبره، كقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرا﴾ [النساء: ٨٢]، .. وقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٦٨] (^١).\nوقال ﵀ (^٢) في موطن آخر معلقًا على قوله تعالى ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤]: \" وما تضمنته هذه الآية الكريمة من التوبيخ والإِنكار على من أعرض عن تدبر كتاب الله، جاء موضحًا في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرا﴾ [النساء: ٨٢]، .. وقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٦٨]، وقوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩].\nوقد ذم جل وعلا المعرض عن هذا القرآن العظيم في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا﴾ [الكهف: ٥٧] الآية، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا﴾ [السجدة: ٢٢].\nومعلوم أن كل من لم يشتغل بتدبر آيات القرآن العظيم، أي تصفحها وتفهمها، وإدراك معانيها، والعمل بها؛ فإنه معرض عنها، غير متدبر لها، فيستحق الإِنكار والتوبيخ المذكور في الآيات، إن كان الله أعطاه فهمًا يقدر به على التدبر، وقد\n_________\n(^١) أضواء البيان (٧/ ٣٤).\n(^٢) أي الإمام الشنقيطي.","vol":"1","page":46},{"text":"شكا النبي ﷺ إلى ربه من هجر قومه هذا القرآن، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورا﴾ [الفرقان: ٣٠].\nوهذه الآيات المذكورة تدل على أن تدبر القرآن وتفهمه وتعلمه والعمل به، أمر لا بدَّ منه للمسلمين.\nوقد بين النبي ﷺ أن المشتغلين بذلك هم خير الناس، كما ثبت عنه ﷺ في الصحيح (^١) من حديث عثمان بن عفان ﵁ أنه قال: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ»، وقال تعالى: ﴿وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩].\nفإعراض كثير من الأقطار عن النظر في كتاب الله وتفهمه والعمل به وبالسنة الثابتة المبينة له، من أعظم المناكر وأشنعها، وإن ظن فاعلوه أنهم على هدى .. \" انتهى المقصود من كلامه ﵀ (^٢).\n٤ - إنه الطريق إلى معرفة العبد لخالقه ﷻ معرفة صحيحة بأسمائه وصفاته وأفعاله، وهو الطريق إلى معرفة صراطه المستقيم الذي أمر العباد بسلوكه.\nقال الآجري ﵀: «ومن تدبر كلامه، عرف الربَّ ﷿، وعرف عظيم سلطانه وقدرته، وعرف عظيم تَفَضُّله على المؤمنين، وعرف ما عليه من فَرْضِ عبادته، فألزم نفسه الواجب، فحذر مما حذَّره مولاه الكريم، ورغب فيما رَغَّبه فيه، ومن كانت هذه صفته عند تلاوته للقرآن وعند استماعه من غيره، كان القرآن له شفاء، فاستغنى بلا مال، وَعَزَّ بلا عشيرة، وأَنِس بما يستوحش منه غيره، وكان هَمُّه عند التلاوة للسّورة إذا افتتحها: متى أتعظ بما أتلو؟! ولم يكن مراده: متى أختم\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦/ ١٩٢) ح (٥٠٢٧).\n(^٢) أضواء البيان (٧/ ٤٥٧ - ٤٥٨).","vol":"1","page":47},{"text":"السّورة؟! وإنما مراده: متى أعقل عن الله الخطاب؟! متى أزدجر؟! متى أعتبر؟! لأن تلاوته للقرآن عبادة، والعبادة لا تكون بغفلة» اهـ (^١) \" (^٢).\n٥ - قال ابن القيم ﵀: \"وبالجملة؛ فلا شيء أنفع للقلب من قراءة القرآن بالتدبر والتفكر؛ فإنه جامع لجميع منازل السائرين، وأحوال العاملين، ومقامات العارفين، وهو الذي يورث المحبة والشوق والخوف والرجاء والإنابة والتوكل والرضا والتفويض والشكر والصبر وسائر الأحوال التي بها حياة القلب وكماله، وكذلك يزجر عن جميع الصفات والأفعال المذمومة التي بها فساد القلب وهلاكه.\nفلو علم الناس ما في قراءة القرآن بالتدبر لاشتغلوا بها عن كل ما سواها، فإذا قرأه بتفكر حتى مر بآية هو محتاج إليها في شفاء قلبه كررها ولو مئة مرة، ولو ليلة؛ فقراءة آية بتفكر وتفهم خير من قراءة ختمة بغير تدبر وتفهم، وأنفع للقلب، وأدعى إلى حصول الإيمان وذوق حلاوة القرآن\" (^٣).\n_________\n(^١) أخلاق أهل القرآن (ص ٣٦ - ٣٧).\n(^٢) الخلاصة في تدبر القرآن الكريم (ص ٢٣ - ٢٤).\n(^٣) مفتاح دار السعادة (١/ ٥٣٥).","vol":"1","page":48},{"text":"<span data-type='title' id=toc-33>ثالثًا: ذم السنة لقوم اشتهروا بكثرة التلاوة بدون تدبر لمعانيه وفهمه على طريقة الصحابة</span>.\nلقد ذم النبي -ﷺ-: في أكثر حديث القوم الذين يقرأون القرآن ولا يجاوز حناجرهم، مع كثرة تلاوتهم للقرآن لدرجة أن الصحابة رضوان الله عليهم يحقرون قراءتهم أمام قراءة هؤلاء الذين ضلوا عن الحق واتبعوا الأهواء وفهموا كلام الله وفسروه على حسب أهوائهم وترك فهم الصحابة للقرآن واحتقروه لأن الشيطان لهم سوء عملهم فرأوه حسنًا، قال -ﷺ- عن الخوارج:\nعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «يَخْرُجُ فِيكُمْ قَوْمٌ تَحْقِرُونَ صَلَاتَكُمْ مَعَ صَلَاتِهِمْ، وَصِيَامَكُمْ مَعَ صِيَامِهِمْ، وَعَمَلَكُمْ مَعَ عَمَلِهِمْ، وَيَقْرَءُونَ القُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، يَنْظُرُ فِي النَّصْلِ فَلَا يَرَى شَيْئًا، وَيَنْظُرُ فِي القِدْحِ فَلَا يَرَى شَيْئًا، وَيَنْظُرُ فِي الرِّيشِ فَلَا يَرَى شَيْئًا، وَيَتَمَارَى فِي الفُوقِ» (^١).\nوعن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «سَيَكُونُ فِي أُمَّتِي اخْتِلَافٌ وَفُرْقَةٌ، قَوْمٌ يُحْسِنُونَ الْقِيلَ وَيُسِيئُونَ الْفِعْلَ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ، لَا يَرْجِعُونَ حَتَّى يَرْتَدَّ عَلَى فُوقِهِ، هُمْ شَرُّ الْخَلْقِ وَالْخَلِيقَةِ، طُوبَى لِمَنْ قَتَلَهُمْ وَقَتَلُوهُ، يَدْعُونَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَلَيْسُوا مِنْهُ فِي شَيْءٍ، مَنْ قَاتَلَهُمْ كَانَ أَوْلَى بِاللَّهِ مِنْهُمْ» الحديث (^٢).\nوفي الأحاديث إشارة عظيمة مهمة تتعلق بأمر القلب وهي قوله ﷺ: \" لَا يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ\"، \"يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ\" أي: لم يصل إلى قلوبهم، إذن ليست العبرة بكثرة تلاوة القرآن وكثرة الصلاة والصيام بدون فهم للقرآن كما فهمه الصحابة وسلف الأمة، بل حال هؤلاء الخوارج تدين ظاهري لم يصل إلى القلب لينتفع به، بل العبرة والمطلوب هو العمل وفهم القرآن على طريقة السلف الفهم الذي يجعل الآيات تنزل إلى القلب، فينتفع بها، كما قال ابن مسعود -﵁- لذلك الرجل الذي يقرأ المفصل في ركعة -وهو يبين الخطأ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦/ ١٩٧) ح (٥٠٥٨).\n(^٢) أخرجه أحمد في المسند (٢١/ ٥١) ح (١٣٣٣٨)، وأبو داود (٤/ ٢٤٣) ح (٤٧٦٥)، والحاكم (٢/ ١٦٠) ح (٢٦٤٨) وصححه، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في صحيح الجامع (١/ ٦٨٤) ح (٣٦٦٨).","vol":"1","page":49},{"text":"الذي وقع فيه-: \"هَذًّا كَهَذِّ الشِّعْرِ (^١)! إِنَّ أَقْوَامًا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، وَلَكِنْ إِذَا وَقَعَ فِي الْقَلْبِ فَرَسَخَ فِيهِ نَفَعَ\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-34>رابعًا: وسائل التدبر</span>.\nولهذا التدبر عدة وسائل، منها:\n١ - الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم قبل التلاوة.\nقال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨].\nوذكر ابن القيم رحمه عدة فوائد وثمرات للاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم قبل التلاوة واختصر منها الآتي:\n- \"ومنها، أن القرآن شفاء لما في الصدور، مُذهِبٌ لما يلقيه الشيطان فيها من الوساوس والشهوات والإرادات الفاسدة، فهو دواء لما أَثَّره فيها الشيطان، فأمر أن يطرُدَ مادة الداء، ويُخلِي منه القلب، ليصادف الدواء محلًّا خاليًا، فيتمكّن منه، ويؤثِّر فيه .. فيجيء هذا الدواء الشافي إلى القلب قد خلا من مزاحمٍ ومُضادٍّ له، فينجع فيه.\n- ومنها: أن القرآن مادة الهدى والعلم والخير في القلب، كما أن الماء مادة النبات، والشيطان نارٌ يحرق النبات أولًا فأولًا، فكلما أحسَّ بنبات الخير في القلب سعى في إفساده وإحراقه، فأُمر أن يستعيذ بالله منه؛ لئلا يُفسِد عليه ما يحصل له بالقرآن.\nوالفرق بين هذا الوجه والوجه الذي قبله: أن الاستعاذة في الوجه الأول لأجل حصول فائدة القرآن، وفى الوجه الثاني لأجل بقائها وحفظها وثباتها.\n- … ومنها: أن الله سبحانه أخبر أنه ما أرسل من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى\n_________\n(^١) الهذُّ: السرعة، والمراد به هنا: سرعة قراءة القرآن كما يسرع في قراءة الشعر.\nينظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ٢٥٥) مادة (هذذ).\n(^٢) أخرجه مسلم (١/ ٥٦٣) وسيأتي الأثر بتفصيل أكثر.","vol":"1","page":50},{"text":"- الشيطان في أُمنيته، والسلف كلهم على أن المعنى: إذا تلا ألقى الشيطان في تلاوته .. فإذا كان هذا فعله مع الرسل، فكيف بغيرهم؟\nولهذا يُغلِّط القارئ تارة، ويخلط عليه القراءة، ويشوِّشها عليه، فيخبط عليه لسانه، أو يُشوِّش عليه فهمه وقلبه، فإذا حضر عند القراءة لم يَعدمْ منه القارئ هذا أو هذا، وربما جمعهما له، فكان من أهم الأمور: استعاذة بالله منه عند القراءة.\n- ومنها: أن الشيطان أحرصُ ما يكون على الإنسان عندما يهُمُّ بالخير، أو يدخل فيه، فهو يشتد عليه حينئذٍ ليقطعه عنه .. فالشيطان بالرَّصدِ للإنسان على طريق كل خير .. فهو بالرَّصد، ولاسيما عند قراءة القرآن، فأمر سبحانه العبد أن يحارب عدُوَّه الذي يقطع عليه الطريق، ويستعيذ بالله منه أولًا، ثم يأخذ في السير\" (^١).\n٢ - أن يشعر بأن القرآن خطاب موجه له من الله تعالى (^٢).\nأَتَى رَجُلٌ إلى عَبْدِ اللَّهِ بن مسعودٍ ﵁، فَقَالَ: أَوْصِنِي، فَقَالَ: \"إِذَا سَمِعْتَ اللَّهَ ﷿ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الذين آمنوا﴾، فَأَصْغِ لَهَا سَمْعَكَ، فَإِنَّهُ خَيْرٌ تُؤْمَرُ بِهِ، أَوْ شَرٌّ تُصْرَفُ عنه\" (^٣).\nوقال الحسن البصري ﵀ عن القرآن: \" .. وإن من كان قبلكم رأوه رسائل إليهم من ربهم، فكانوا يتدبرونها بالليل، وينفذونها بالنهار\" (^٤).\nوقال محمد بن كعب القرظي ﵀: \" من بلغه القرآن، فكأنما رأى النبي -ﷺ- \" (^٥).\n_________\n(^١) إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان (١/ ١٥٨ - ١٦١).\n(^٢) ينظر: الخلاصة في تدبر القرآن الكريم (ص ٦٦ - ٦٧).\n(^٣) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١/ ٢١١) رقمه (٥٠).\n(^٤) تفسير ابن عطية (١/ ٣٩).\n(^٥) تفسير الطبري (٩/ ١٨٢).","vol":"1","page":51},{"text":"وقال سلم الخواص ﵀: \"قلت لنفسي: يا نفس، اقرئي القرآن كأنك سمعتيه من الله حين تكلم به، فجاءت الحلاوة\" (^١).\nوقال ابن القيم ﵀: \" إذا أردت الانتفاع بالقرآن فاجمع قلبك عند تلاوته وسماعه، وألق سمعك، واحضر حضور من يخاطبه به من تكلم به سبحانه منه إليه؛ فإنه خطاب منه لك على لسان رسوله\" (^٢).\nوقال أيضًا: \" وبالجملة فمن قرئ عليه القرآن فليقدر نفسه كأنما يسمعه من الله يخاطبه به، فإذا حصل له مع ذلك السماع به، وله، وفيه ازدحمت معاني المسموع ولطائفه وعجائبه على قلبه وازدلفت إليه بأيها يبدأ، فما شئت من علم وحكم، وتعرف وبصيرة، وهداية وعبرة\" (^٣).\nوقال والد محمد إقبال لابنه لما رأه يكثر من تلاوة القرآن، يا بني إذا أردت أن تفقه القرآن فأقرأه كأنه أنزل عليك (^٤).\nفقيل: إنه كان بعد ذلك إذا قرأ القرآن يبل ورقات المصحف بدموعه (^٥).\n٣ - تكرار الآية أو الآيات في الموضوع الواحد.\nفهذا التكرار له أثره العظيم على حضور القلب، وفهم ما يتلوه، وحسن تدبره له، وهو منهج نبوي، فقد ردد النبي ﷺ آية في صلاة الليل حتى أصبح، يَقُولُ أبو ذر ﵁: «قَامَ النَّبِيُّ ﷺ بِآيَةٍ حَتَّى أَصْبَحَ يُرَدِّدُهَا» وَالْآيَةُ: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨] (^٦).\n_________\n(^١) سير أعلام النبلاء (٨/ ١٨٠).\n(^٢) الفوائد (١/ ٣).\n(^٣) مدارج السالكين (٢/ ١٦٦).\n(^٤) ينظر: محمد إقبال سيرته وفلسفته وشعره (٢٤).\n(^٥) سمعته قديمًا ولا يحضرني من قاله.\n(^٦) أخرجه أحمد (٣٥/ ٣١٠) ح (٢١٣٨٨)، والنسائي (٢/ ١٧٧) ح (١٠١٠)، وابن ماجه (١/ ٤٢٩) ح (١٣٥٠)، والحاكم (١/ ٣٦٧) ح (٨٧٩) وصححه ووافقه الذهبي، وحسن إسناده محقق المسند، وحسنه كذلك الألباني في تحقيقه لسنن ابن ماجه (١/ ٤٢٩) ح (١٣٥٠).","vol":"1","page":52},{"text":"قال ابن القيم ﵀: \" فإذا قرأه بتفكر حتى مر بآية هو محتاج إليها في شفاء قلبه كررها ولو مئة مرة، ولو ليلة؛ فقراءة آية بتفكر وتفهم خير من قراءة ختمة بغير تدبر وتفهم، وأنفع للقلب، وأدعى إلى حصول الإيمان وذوق حلاوة القرآن.\nوهذه كانت عادة السلف، يردد أحدهم الآية إلى الصباح .. فقراءة القرآن بالتفكر هي أصل صلاح القلب.\nولهذا قال ابن مسعود: «لا تهذوا القرآن هذ الشعر، ولا تنثروه نثر الدقل، وقفوا عند عجائبه، وحركوا به القلوب».\nوقال ابن مسعود ــ أيضا ــ: «اقرؤوا القرآن، وحركوا به القلوب، لا يكن هم أحدكم آخر السورة».\nوروى أيوب، عن أبي جمرة، قال: قلت لابن عباس: إني سريع القراءة، إني أقرأ القرآن في ثلاث. قال: «لأن أقرأ سورة من القرآن في ليلة فأتدبرها وأرتلها أحب إلي من أن أقرأ القرآن كما تقرأ» \" (^١).\nوعن عباد بن حمزة قال: \"دخلت على أسماء وهي تقرأ: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٧]، قال: فوقفت عليها، فجعلت تستعيذ وتدعو، قال عباد: فذهبت إلى السوق فقضيت حاجتي ثم رجعت وهي فيها بعد تستعيذ وتدعو\" (^٢).\nوعَنْ مَسْرُوقٍ، أَنَّ تَمِيمًا الدَّارِيَّ رَدَّدَ هَذِهِ الْآيَةَ حَتَّى أَصْبَحَ: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: ٢١] (^٣).\nوعَنْ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيِّ، قَالَ: \" لَمَّا تُوُفِّيَ عَمْرُو بْنُ عُتْبَةَ بْنِ فَرْقَدٍ دَخَلَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ عَلَى أُخْتِهِ، فَقَالَ: أَخْبِرِينَا عَنْهُ. فَقَالَتْ: قَامَ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَاسْتَفْتَحَ سُورَةَ حم، فَلَمَّا أَتَى عَلَى\n_________\n(^١) مفتاح دار السعادة (١/ ٥٣٥ - ٥٣٦).\n(^٢) مصنف ابن أبي شيبة (٤/ ٣٠٩ ت الشثري) رقم (٦١٧٦).\n(^٣) الزهد لوكيع (ص ٣٨٨).","vol":"1","page":53},{"text":"هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾ [غافر: ١٨] فَمَا جَاوَزَهَا حَتَّى أَصْبَحَ \" (^١)\nوقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، يُرَدِّدُ هَذِهِ الْآيَةَ فِي الصَّلَاةِ بِضْعًا وَعِشْرِينَ مَرَّةً: ﴿وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٨١] (^٢).\nوردد ابن مسعود ﵁: ﴿رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] (^٣).\nوردد أيضًا: ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [الانفطار: ٦] (^٤).\nوكان الضحاك إذا تلا قوله تعالى: ﴿لَهُم مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر: ١٦] رددها إلى السحر (^٥).\n٤ - أن يعيش بقلبه وأحاسيسه في معنى الآيات، ويسبح بفكره في معانيها، فيحرك قلبه بها، ويتصور مشاهدها كأنها رأي عين.\nوهذا يحصل مع تكرار الآية أو الآيات في الموضوع الواحد، ولابد من صفاء النية ونقائها وإخلاصها لله، مع الدعاء الذي يلح فيه على ربه أن يرزقه تدبر الآيات كما يحب ويرضى الذي يؤدي إلى خشوع قلبه وتأثره بالآيات وزيادة إيمانه وخشوع جوارحه وبكاؤه من خشية الله ..\n٥ - أن يحاسب نفسه إذا لم يجد أثرًا للآيات في قلبه.\nولن تحصل المحاسبة للنفس إلا شعر في قلبه بأهمية تدبر القرآن، وشعر كذلك أنه ما قسى قلبه إلا بسبب ذنوبه وغفلته عن ربه فيسارع إلى الندم والاستغفار\n_________\n(^١) حلية الأولياء (٤/ ١٥٨).\n(^٢) فضائل القرآن - أبو عبيد (ص ١٤٨).\n(^٣) التبيان في آداب حملة القرآن (ص ٨٦).\n(^٤) التبيان في آداب حملة القرآن (ص ٨٦).\n(^٥) التبيان في آداب حملة القرآن (ص ٨٦).","vol":"1","page":54},{"text":"والتوبة الصادقة من قلبه، ثم يقوم بلوم نفسه لماذا يا نفس لا يأثر فيك القرآن الذي لو أنزل على جبل لرأيته كما قال الله تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: ٢١].\n٦ - … الرجوع لتفسير مختصر لفهم بعض الآيات التي يشكل على القارئ معناها.\nوهي قليلة لأن أكثر آيات القرآن من الآيات المحكمة التي يفهم العربي معناها، ومع ذلك إذا احتاج إلى فهم معنى آية رجع إلى مختصر التفسير حتى يتمكن من تدبرها والانتفاع بها، ويستحسن أن يكون معه مصحف بهامشه مختصر التفسير، حتى إذا أشكل عليه فهم آية رجع من قريب.\n٧ - ترتيل الآيات وتحسين الصوت بقدر الوسع بدون تكلف.\nوللصوت الحسن أثر في زيادة تدبر الآية أو الآيات التي يريد تدبرها مع تكراره لها يحاول أن يحسن صوته بها حتى يصل الخشوع والتأثر إلى قلبه، فينزل أثر الآيات إلى القلب ومن ثم إلى الجوارح فيقشعر الجسد وتدمع العين من التأثر الناتج عن تكرار الآية أو الآيات مع تحسين الصوت والقراءة بنبرة الحزن أكثر أثرًا من غيرها\n٨ - أن يحرص على الخلوة مع ربه في ظلمة الليل عند تدبره للآيات.\nبقدر ما يستطيع يحرص على الخلوة مع ربه عند تدبره للآيات، لأن ادعى لانقطاع الشواغل عنه وبعده عن العجب والرياء والسمعة الآفات الممرضة للقلب والقاطعة بينه وبين بركة التدبر، فهي أشد خطرًا على القلب من السموم على الجسد، وتلاوة القرآن وتدبره وترتيله وتحسين الصوت به، مما ينفذ من الشيطان إذا وجد في القلب مدخلًا من حب تلك الأمور المهلكة التي ربما لا يشعر بخطرها لضعف إيمان القلب فتردية في أودية الخسارة في الدنيا والآخرة والحرمان وقلة التوفيق، ولذا على من كان لا بد له أن يتصدى للظهور إما لإمامة الناس","vol":"1","page":55},{"text":"وتعليمهم أو يظهر على المواقع والقنوات ونحوها للتلاوة يلزم عليه أن يكون على حرص تام من تسرب شوائب العجب وحب السمعة والرياء إلى قلبه، دائم المحاسبة لنفسه حريصًا كل الحرص على سلامة مقاصده مجاهدًا لنفسه، ينظر لها بمنظار صاف، لا يجامل مع نفسه ولا يداهن معها، ومع ذلك يكون داعيًا ملحًا في الدعاء على ربه أن يرزقه الإخلاص لوجهه الكريم وأن يجيره من الرياء والسمعة والعجب بعمله.\nووقت الليل أكثر صفاء من وقت النهار، يقول ابن حجر ﵀ معلقًا على مدارسة جبريل -﵇- للنبي -ﷺ- القرآن في كل ليلة من رمضان: \"وأن المقصود من التلاوة الحضور والفهم، لأن الليل مظنة ذلك؛ لما في النهار من الشواغل والعوارض الدنيوية والدينية\" (^١).\nوقال النووي ﵀: «ينبغي للمرء أن يكون اعتناؤه بقراءة القرآن في الليل أكثر، وفي صلاة الليل أكثر .. والأحاديث والآثار في هذا كثيرة .. وإنما رُجِّحت صلاة الليل وقراءته؛ لكونها أجمع للقلب، وأبعد عن الشاغلات والمُلْهِيَات والتصرف في الحاجات، وأصون عن الرياء وغيره من المُحْبِطَات، مع ما جاء به الشرع من إيجاد الخيرات في الليل (^٢) ..» (^٣).\nوالخلوة مع الله في ظلمة الليل واقفًا بين يديه قائمًا راكعًا ساجدًا لتلاوة كتابه وتدبر آياته لها طعم وحلاوة ولذة لا مثيل لها.\nيقول من ذاق ذلك: \" أهل الليل في ليلهم ألذ من أهل اللهو في لهوهم ولولا الليل ما أحببت البقاء\" (^٤).\nعَنِ الْحَسَنِ قَالَ: «تَفَقَّدُوا الْحَلَاوَةَ فِي الصَّلَاةِ وَفِي الْقُرْآنِ وَفِي الذِّكْرِ فَإِنْ وَجَدْتُمُوهَا\n_________\n(^١) فتح الباري (٩/ ٤٥).\n(^٢) وذكر ﵀ لهذا أمثلة من الأسراء والمعراج، ونزول الله في ثلث الليل الآخر\n(^٣) التبيان في آداب حملة القرآن (٨٢ - ٨٤) ط المنهاج.\n(^٤) نقله في تاريخ دمشق لابن عساكر (٣٤/ ١٤٦) عن أبي سليمان الدارني.","vol":"1","page":56},{"text":"فَامْضُوا وَأَبْشِرُوا وَإِنْ لَمْ تَجِدُوهَا فَاعْلَمُوا أَنَّ الْبَابَ مُغْلَقٌ» (^١).\n٩ - أن يفرغ نفسه مما يشوش عليه قلبه وفكره -من الشواغل- عند التلاوة أو الاستماع لها، ويبحث عما هو أنفع لقلبه.\nوقد سبقت الإشارة إلى شيء من هذا فيما سبق ولكن هنا أنبه على بعض الأمور:\nالأول: أن يختار القارئ أو من يسمع الأنفع لقلبه، الذي يجده من خلال ما جربه مع نفسه، فبعضهم يخشع عند إسراره بالتلاوة، ومنهم من يخشع عند جهره، وبعضهم يجد خشوعًا وتدبرًا عند قراءة القرآن في الصلاة، وقد سبقت الإشارة لذلك، ومنهم من هو عكس ذلك يجد خشوعًا وتدبرًا عند تلاوته خارج الصلاة، وبعضهم يجد ذلك عند سماعه للآيات من قارئ يقرأ في الصلاة لأن قراءة الصلاة تختلف عن غيرها، وقد تجد عند سماعك لبعض القراء خشوعًا وتدبرًا ما لا تجده عند غيره، وقد تكون بعض التلاوات لبعض القراء ترتبط بزمن جميل مر على الشخص فإذا سمعها أحدثت له أثرًا في قلبه، فهو يختار الأصلح لقلبه، وأنفع ذلك ما كان في حال قيام الليل، يقول الشنقيطي ﵀: «لا يثبت القرآن في الصدر، ولا يُسَهِّل حفظه، ويُيَسِّر فهمه إلا القيام به في جوف الليل» اهـ (^٢).\nوهكذا القراءة إذا كانت في صلاة فهي أفضل، وفي ذلك يقول شيخ الإسلام - ﵀ -: «الصلاة أفضل من القراءة في غير الصلاة … ولكن من حصل له نشاط وفهم للقراءة دون الصلاة؛ فالأفضل في حقه ما كان أنفع له» (^٣).\n«كما أن من الناس من يجتمع قلبه في قراءة القرآن وفهمه وتدبره ما لا يجتمع في الصلاة، بل يكون في الصلاة بخلاف ذلك، وليس كل ما كان أفضل يشرع لكل\n_________\n(^١) حلية الأولياء (١٠/ ١٤٦).\n(^٢) ذكره عنه الشيخ عطية سالم ﵀. ينظر: مفاتيح تدبر القرآن (ص: ٥٠).\nالخلاصة في تدبر القرآن الكريم (ص ٥١).\n(^٣) مجموع الفتاوى (٢٣/ ٦٢).","vol":"1","page":57},{"text":"أحد، بل كل واحد يشرع له أن يفعل ما هو أفضل له» (^١) (^٢).\n١٠ - الاطلاع على أحوال السلف مع القرآن العظيم.\nإن الناظر إلى أحوال السلف -من الصحابة ومن بعدهم- مع القرآن ليرى ما يشحذ همته ويقوي عزيمته على الإقبال على تلاوة الكتاب العزيز وتدبر آياته كما يحب ويرضى، فكانوا كما وصفهم الله في كتابه:\nقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا ١٠٧ وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا ١٠٨ وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٧ - ١٠٩].\nوقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانا﴾ [الأنفال: ٢] الآية.\nوقال تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨].\nوقال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣].\nوقال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ١٦ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٦ - ١٧].\nوقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانا﴾ [الفرقان: ٧٣].\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢٣/ ٦٠).\n(^٢) ينظر: الخلاصة في تدبر القرآن الكريم (ص ٥١).","vol":"1","page":58},{"text":"١١ -\n\n<span data-type='title' id=toc-35>المبحث الثالث: مظاهر ودلائل أثر عمل القلب على انتفاع العبد بالقرآن العظيم، وفيه مطالب:</span>\n<span data-type='title' id=toc-36>المطلب الأول: زيادة خشوع الجوارح تبعًا لزيادة خشوع القلب، والتأثر بالآيات الذي يؤدي إلى البكاء من خشية الله وتعظيمه وإجلاله، وإلى اقشعرار الجلد من خشيته، ومن ثَمَّ لين القلب والجلد لذكر الله</span>.\nقال تعالى: ﴿وَقُرْءَانا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا ١٠٦ قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا ١٠٧ وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا ١٠٨ وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعا﴾ [الإسراء: ١٠٦ - ١٠٩].\nوقال الطبري رحمه في تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعا﴾: \"يقول تعالى ذكره: ويخر هؤلاء الذين أوتوا العلم من مؤمني أهل الكتابين من قبل نزول الفرقان، إذا يتلى عليهم القرآن لأذقانهم يبكون، ويزيدهم ما في القرآن من المواعظ والعبر خشوعًا، يعني خضوعا لأمر الله وطاعته، واستكانة له .. عن عبد الأعلى التيمي، أن من أوتي من العلم ما لم يبكه لخليق أن لا يكون أوتي علمًا ينفعه، لأن الله نعت العلماء فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا ١٠٧ وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا ١٠٨ وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعا﴾ \" (^١).\nوقال السعدي ﵀ في تفسيره للآيات: \" أي: وأنزلنا هذا القرآن مفرقًا، فارقًا\n_________\n(^١) تفسير الطبري (١٥/ ١٢٢).","vol":"1","page":59},{"text":"بين الهدى والضلال، والحق والباطل. ﴿لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ أي: على مهل، ليتدبروه ويتفكروا في معانيه، ويستخرجوا علومه.\n﴿وَنزلْنَاهُ تَنزيلا﴾ أي: شيئًا فشيئًا، مفرقًا في ثلاث وعشرين سنة.\n﴿ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا﴾ فإذا تبين أنه الحق، الذي لا شك فيه ولا ريب، بوجه من الوجوه فـ: ﴿قُلْ﴾ لمن كذب به وأعرض عنه: ﴿آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا﴾ فليس لله حاجة فيكم، ولستم بضاريه شيئًا، وإنما ضرر ذلك عليكم، فإن لله عبادًا غيركم، وهم الذين آتاهم الله العلم النافع: ﴿إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأذْقَانِ سُجَّدًا﴾ أي: يتأثرون به غاية التأثر، ويخضعون له.\n﴿وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا﴾ عما لا يليق بجلاله، مما نسبه إليه المشركون.\n﴿إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا﴾ بالبعث والجزاء بالأعمال ﴿لَمَفْعُولا﴾ لا خلف فيه ولا شك.\n﴿وَيَخِرُّونَ لِلأذْقَانِ﴾ أي: على وجوههم ﴿يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ﴾ القرآن ﴿خُشُوعًا﴾\nوهؤلاء كالذين من الله عليهم من مؤمني أهل الكتاب كعبد الله ابن سلام وغيره، ممن أمن في وقت النبي ﷺ وبعد ذلك\" (^١).\nوقال الزحيلي عند تفسيره لقوله تعالى ﴿وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾: \" أي يزيدهم القرآن تواضعًا لله تعالى، وهذه مبالغة في صفتهم، ومدح لهم، وحض لكل من توسم بالعلم، وحصّل منه شيئًا أن يصل إلى هذه الرتبة، وهي رتبة الخشوع والخضوع لله ﷿.\nوالواقع أن العبادة لله تعالى ينبغي أن تكون بقلب خاشع، ونفس خاضعة ذليلة لله ﷿، يظهر منها معنى العبودية الخالصة لرب العزة، ويتجلى بها استحضار عظمة الله وهيبته التي تملأ النفس محبة لله، وخوفًا منه، فيصير الإنسان صالح القول والعمل، بالعبادة المرضية لربه تعالى\" (^٢).\nوقال تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيّا﴾ [مريم: ٥٨].\nيقول القرطبي ﵀: \" في هذه الآية دلالة على أن لآيات الرحمن تأثيرًا في\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص ٤٦٨).\n(^٢) التفسير الوسيط (٢/ ١٣٩٧).","vol":"1","page":60},{"text":"القلوب\" (^١).\nيقول طنطاوي ﵀ في تفسيره لهذه الآية: \" .. وقوله تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيّا﴾ بيان لرقة مشاعرهم، وشدة تأثرهم عند سماع آيات الله تعالى.\nفالجملة الكريمة استئناف مسوق لبيان عظم خشيتهم من الله تعالى أو هي خبر لاسم الإشارة ﴿أُولئِكَ﴾ و﴿سُجَّدا وَبُكِيّا﴾ جمع ساجد وباك.\nأى: أولئك الذين أنعم الله تعالى عليهم، من صفاتهم أنهم إذا تتلى عليهم آيات الرحمن، المتضمنة لتمجيده وتعظيمه وحججه .. خروا على جباههم ساجدين وباكين. وسقطوا خاضعين خاشعين خوفا ورجاء، وتعظيما وتمجيدا لله رب العالمين.\nوجمع سبحانه بين السجود والبكاء بالنسبة لهم، للإشعار بأنهم مع تعظيمهم الشديد لمقام ربهم، فهم أصحاب قلوب رقيقة، وعواطف جياشة بالخوف من الله تعالى.\nوفي معنى هذه الجملة الكريمة وردت آيات كثيرة، منه قوله تعالى: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا ١٠٧ وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا ١٠٨ وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعا﴾ [الإسراء: ١٠٧ - ١٠٩].\nوقوله سبحانه: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة: ٨٣].\nفهذه الآيات الكريمة تدل على أن من صفات المؤمنين الصادقين، أنهم يتأثرون تأثرًا عظيمًا عند سماعهم لكلام الله تعالى تأثرًا يجعلهم يبكون ويسجدون وتقشعر\n_________\n(^١) تفسير القرطبي (١١/ ١٢٠).","vol":"1","page":61},{"text":"جلودهم، وتوجل قلوبهم، وتلين نفوسهم\" (^١).\nوقال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣].\n\"والاقشعرار تغير في جلد الإنسان عند الوجل والخوف\" (^٢).\nوقد وصف الله حال الذين يخشون ربهم مع القرآن العظيم بأنهم إذا ذكرت آيات العذاب اقشعرت جلودهم، وإذا ذكرت آيات الرحمة لانت وسكنت قلوبهم، فحقيقة حالهم أن قلوبهم تقشعر من خوفهم من الله وخشيته، وتلين عند الرجاء.\nعن عبد الله بن عروة بن الزبير قال: قلت لجدتي أسماء بنت أبي بكر: كيف كان أصحاب رسول الله ﷺ يفعلون إذا قرئ عليهم القرآن؟ قالت: \"كانوا كما نعتهم الله ﷿ تدمع أعينهم وتقشعر جلودهم\"، قال فقلت لها: إن ناسًا اليوم إذا قرئ عليهم القرآن خر أحدهم مغشيًا عليه، فقالت: \"أعوذ بالله من الشيطان الرجيم\".\nقال قتادة: \"هذا نعت أولياء الله نعتهم الله بأن تقشعر جلودهم وتطمئن قلوبهم بذكر الله، ولم ينعتهم بذهاب عقولهم والغشيان عليهم، إنما ذلك في أهل البدع، وهو من الشيطان\" (^٣).\n_________\n(^١) التفسير الوسيط لطنطاوي (٩/ ٥٠).\n(^٢) تفسير البغوي (٧/ ١١٥).\n(^٣) ينظر: تفسير البغوي (٧/ ١١٦).","vol":"1","page":62},{"text":"<span data-type='title' id=toc-37>المطلب الثاني: زيادة الإيمان في القلب الذي يظهر أثره على الجوارح بالشعور بعظمة الله وهيبته في القلوب والمسارعة والمسابقة إلى مرضات الله وجنته، ويثمر انشراح الصدر وطمأنينة القلب</span>.\n﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢]. الآيات.\nيقول الطبري ﵀ في معنى هذه الآية: \"يقول تعالى ذكره: ليس المؤمن بالذي يخالف الله ورسوله ويترك اتباع ما أنزله إليه في كتابه من حدوده وفرائضه، والانقياد لحكمه، ولكن المؤمن هو الذي إذا ذكر الله وجل قلبه وانقاد لأمره وخضع لذكره خوفًا منه وفرقًا من عقابه، وإذا قرئت عليه آيات كتابه صدق بها وأيقن أنها من عند الله، فازداد بتصديقه بذلك إلى تصديقه بما كان قد بلغه منه قبل ذلك تصديقًا، وذلك هو زيادة ما تلي عليهم من آيات الله إياهم إيمانًا \" (^١).\nوذكر القرطبي ﵀ من معاني قوله تعالى: ﴿إِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانا﴾ \"وقيل: هو زيادة انشراح الصدر بكثرة الآيات والأدلة\" (^٢).\nوقال السعدي ﵀ عند قوله تعالى: ﴿إِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانا﴾ \"ووجه ذلك أنهم يلقون له السمع ويحضرون قلوبهم لتدبره فعند ذلك يزيد إيمانهم؛ لأن التدبر من أعمال القلوب، ولأنه لا بد أن يبين لهم معنى كانوا يجهلونه، أو يتذكرون ما كانوا نسوه، أو يحدث في قلوبهم رغبة في الخير، واشتياقًا إلى كرامة ربهم، أو وجلًا من العقوبات، وازدجارًا عن المعاصي، وكل هذا مما يزداد به الإيمان\" (^٣).\n_________\n(^١) تفسير الطبري (١١/ ٢٧).\n(^٢) تفسير القرطبي (٧/ ٣٦٧).\n(^٣) تفسير السعدي (ص ٣١٥).","vol":"1","page":63},{"text":"<span data-type='title' id=toc-38>المطلب الثالث: تدبر القرآن ونزول أثره إلى القلب المؤدي إلى زيادة الاعتصام بما في الكتاب والسنة والحذر من الأهواء والابتداع</span>.\nوهذه ثمرة من أعظم ثمرات التدبر والفهم لكتاب الله ولسنة رسوله ﷺ على فهم السلف الصالح عليهم رضوان الله ورحمته، وما حصل من ضلال للفرق التي انحرفت عن منهج السلف ووقعت في البدع، فلعل من أسبابه الكبيرة هذا السبب، كما في أثر عبد الله بن مسعود ﵁ عَنْ أَبِي وَائِلٍ. قَالَ:\nجَاءَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ نَهِيكُ بْنُ سِنَانٍ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ! كَيْفَ تَقْرَأُ هَذَا الْحَرْفَ أَلِفًا تَجِدُهُ أَمْ يَاءً: ﴿مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ أو ﴿من ماء غير يا سن﴾؟ قَالَ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَكُلَّ الْقُرْآنِ قَدْ أَحْصَيْتَ غَيْرَ هَذَا؟ قَالَ: إِنِّي لَأَقْرَأُ الْمُفَصَّلَ فِي رَكْعَةٍ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: \"هَذًّا كَهَذِّا الشعر؟ إن أقواما يقرؤون الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ. وَلَكِنْ إِذَا وَقَعَ فِي الْقَلْبِ فَرَسَخَ فِيهِ، نَفَعَ\" (^١).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١/ ٥٦٣) ح (٧٢٢).","vol":"1","page":64},{"text":"<span data-type='title' id=toc-39>المطلب الرابع: التخلق بخلق القرآن</span>.\nوهذا دليل بيّن على الانتفاع بالقرآن ونزوله في القلب الذي يثمر ثماره المباركة على عبادة المؤمن، وعلى رأسها امتثال القرآن سلوكًا عمليًا في حسن الخلق.\nوسئلت عائشة ﵂ عن خلق رسول الله -ﷺ-، فقالت: \" كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ\" (^١).\nوللأخلاق الحسنة مكانة عظيمة في عبادة المسلم، ولذا اعتنى القرآن العظيم بتربية المسلم على حسن الخلق، ولأنه كتاب مبارك، ومن قرب منه نال من هذه البركة بقدر قربه منه، وهذه البركة مرتبطة بتدبر آياته وفهمها والعمل بها، قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩].\nوكلما ازداد قرب المسلم من كتاب ربه، وتمكن أثره من قلبه، ظهر ذلك عليه في سلوكه وأخلاقه وتعامله، وإنك لتميز صاحب القرآن المرتبط به، من سمته، وحسن تعامله، وبهاء الإيمان الذي تشرق أنواره على قسمات وجهه، وإن أهل القرآن كما قال -ﷺ-: \" إِنَّ لِلَّهِ أَهْلِينَ مِنَ النَّاسِ \" قَالَ: قِيلَ: مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: \" أَهْلُ الْقُرْآنِ هُمْ أَهْلُ اللهِ، وَخَاصَّتُهُ \" (^٢).\nومن كان من الله بهذا القرب لابد أن يظهر على سمته وأخلاقه وسائر أحواله أثر هذا القرب في صفاء القلب وطهارته وسلامته، فتحسن أخلاقه وتنبل أفعاله، وهذا الذي ينبغي أن يكون عليه صاحب القرآن، وقال عبد الله بن مسعود ﵁ الله عنه في وصف حامل القرآن: «ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله إذا الناس نائمون، وبنهاره إذا الناس يفطرون، وبحزنه إذا الناس يفرحون، وببكائه إذا الناس يضحكون، وبصمته إذا الناس يخلطون، وبخشوعه إذا الناس يختالون، وينبغي لحامل القرآن أن يكون باكيًا محزونًا حكيمًا حليمًا عليمًا سِكِّيتًا، وَلَا يَنْبَغِي لِحَامِلِ الْقُرْآنِ أَنْ يَكُونَ جَافِيًا، وَلَا غَافِلًا، وَلَا صَخَّابًا، وَلَا صَيَّاحًا، وَلَا حَدِيدًا» (^٣).\n_________\n(^١) أصله في صحيح مسلم مطولًا (١/ ٥١٢) ح (٧٤٦)، وهذا لفظ الإمام أحمد (٤٢/ ١٨٣) ح (٢٥٣٠٢).\n(^٢) أخرجه أحمد (١٩/ ٣٠٥) ح (١٢٢٩٢)، وابن ماجه (١/ ٧٨) ح (٢١٥)، والبزار (١٣/ ٥٢٠) ح (٧٣٦٩)، والحاكم (١/ ٧٤٣) ح (٢٠٤٦)، وحكم الألباني بصحته في تحقيقه لسنن ابن ماجه، وصححه كذلك في صحيح الترغيب والترهيب (٢/ ١٦٨) ح (١٤٣٢)، وحسن إسناده محقق المسند.\n(^٣) حلية الأولياء (١/ ١٣٠).","vol":"1","page":65},{"text":"وانظر رحمني الله وإياك إلى المكانة العالية لأهل الأخلاق الحسنة، فعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: «أَثْقَلُ شَيْءٍ فِي الْمِيزَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خُلُقٌ حَسَنٌ» (^١).\nوقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ﵄: قال -ﷺ-: «إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ أَحْسَنَكُمْ أَخْلَاقًا» (^٢).\nوفي رواية أخرى عن عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ﵄: قال النبي -ﷺ-: «إِنَّ خِيَارَكُمْ أَحَاسِنُكُمْ أَخْلَاقًا» (^٣).\nوعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ» (^٤).\nوعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ أَكْثَرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ الجَنَّةَ، فَقَالَ: «تَقْوَى اللَّهِ وَحُسْنُ الخُلُقِ»، وَسُئِلَ عَنْ أَكْثَرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ النَّارَ، فَقَالَ: «الفَمُ وَالفَرْجُ» (^٥).\nوعن عبد الله بن عمرو ﵄ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ -ﷺ- يَقُولُ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟»، فَسَكَتَ الْقَوْمُ، فَأَعَادَهَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، قَالَ الْقَوْمُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «أَحْسَنُكُمْ خُلُقًا» (^٦).\nومما يدل على مكانة حسن الخلق وأثره العظيم أنه سبب لدخول الجنة مع قلة النوافل، أو العقوبة بالنار لمن ساء خلقه مع كثرة نوافله، لكنها لا تنفعه، بسبب سوء خلقه، فعنْ أَبِي هُرَيْرَةَ\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند (٤٥/ ٥٣٧) ح (٢٧٥٥٥)، وابن حبان (٢/ ٢٣٠) ح (٤٨١)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (١/ ٨٩) ح (١٣٤)، وقال محقق المسند (٤٥/ ٥٣٧) ح (٢٧٥٥٥): \"حديث صحيح\".\n(^٢) أخرجه البخاري (٥/ ٢٨) ح (٣٧٥٩).\n(^٣) أخرجه البخاري وهذا لفظه (٨/ ١٤) ح (٦٠٣٥)، ومسلم (٤/ ١٨١٠) ح (٢٣٢١)\n(^٤) أخرجه أحمد في المسند (٤٢/ ٣٤٦) ح (٢٥٥٣٧)، وأبو داود (٤/ ٢٥٢) ح (٤٧٩٨)، وابن حبان (٢/ ٢٢٨) ح (٤٨٠)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣/ ٨) ح (٢٦٤٣)، وقال شعيب الأرناؤوط في تحقيقه للمسند (٤٢/ ٣٤٦) ح (٢٥٥٣٧): \"حديث صحيح لغيره\".\n(^٥) أخرجه أحمد في المسند (١٥/ ٤٧) ح (٩٠٩٦)، والترمذي (٤/ ٣٦٣) ح (٢٠٠٤) وقال: \"صحيح غريب\"، وابن ماجه (٢/ ١٤١٨) ح (٤٢٤٦)، وابن حبان (٢/ ٢٢٤) ح (٤٧٦)، والحاكم (٤/ ٣٦٠) ح (٧٩١٩) وصححه ووافقه الذهبي، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢/ ٣١٨) ح (١٧٢٣).\n(^٦) أخرجه أحمد في المسند (١١/ ٣٤٧) ح (٦٧٣٥)، وابن حبان (٢/ ٢٣٥) ح (٤٨٥)، وقال في مجمع الزوائد (٨/ ٢١) ح (١٢٦٦٦): \"رواه أحمد بإسناد جيد\"، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣/ ١٠) ح (٢٦٥٠).","vol":"1","page":66},{"text":"قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ فُلَانَةَ يُذْكَرُ مِنْ كَثْرَةِ صَلَاتِهَا وَصِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا، غَيْرَ أَنَّهَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا، قَالَ: «هِيَ فِي النَّارِ»، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَإِنَّ فُلَانَةَ يُذْكَرُ مِنْ قِلَّةِ صِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا وَصَلَاتِهَا، وَإِنَّهَا تَصَدَّقُ بِالْأَثْوَارِ مِنَ الْأَقِطِ، وَلَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا، قَالَ: «هِيَ فِي الْجَنَّةِ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند (٢٩/ ٣٣) ح (٩٦٧٤)، وابن حبان (١٣/ ٧٦) ح (٥٧٦٤)، والحاكم (٤/ ١٨٣) ح (٧٣٠٤) وصححه ووافقه الذهبي، ولفظه عند الحاكم: إنَّ فُلَانَةَ تُصَلِّي اللَّيْلَ وَتَصُومُ النَّهَارَ وَفِي لِسَانُهَا شَيْءٌ يُؤْذِي جِيرَانَهَا سَلِيطَةٌ، قَالَ: «لَا خَيْرَ فِيهَا هِيَ فِي النَّارِ» وَقِيلَ لَهُ: إِنَّ فُلَانَةَ تُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ وَتَصُومُ رَمَضَانَ وَتَتَصَدَّقُ بِالْأَثْوَارِ وَلَيْسَ لَهَا شَيْءٌ غَيْرُهُ وَلَا تُؤْذِي أَحَدًا، قَالَ: «هِيَ فِي الْجَنَّةِ»، وقال في مجمع الزوائد (٨/ ١٦٩): \"رواه أحمد والبزار، ورجاله ثقات\"، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢/ ٦٨٢) ح (٢٥٦٠).","vol":"1","page":67},{"text":"<span data-type='title' id=toc-40>المبحث الرابع: موانع تأثر القلب بالقرآن العظيم، وفيه تمهيد ومطالب</span>.\nالتمهيد:\nكما مر معنا في أكثر من موضع أن الرسول -ﷺ- ذم الذين يتلون القرآن بألسنتهم دون أن ينزل إلى قلوبهم وحذر أمته من مسلكهم، وكذلك اتباعه ﷺ من بعده حذروا من هذه المسالك، وعلى رأس هؤلاء الخوارج ومن سار على طريقهم من أهل الأهواء، واللافت في الأمر الاخبار بكثرة تلاوتهم لدرجة أن الصحابة يحقرون قراءتهم أمام قراءة هؤلاء، وإخباره ﷺ بسهولة حفظهم للقرآن كشرب اللبن والماء، فيقول -ﷺ-: «سَيَخْرُجُ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي يَشْرَبُونَ الْقُرْآنَ كَشُرْبِهِمُ اللَّبَنَ» (^١).\nوقال الفيض المناوي في شرحه للحديث: \" أي يسلقونه بألسنتهم من غير تدبر لمعانيه ولا تأمل في أحكامه، بل يمر على ألسنتهم كما يمر اللبن المشروب عليها بسرعة\" (^٢).\nوفي رواية الأخرى: «سَيَخْرُجُ أَقْوَامٌ مِنْ أُمَّتِي يَشْرَبُونَ الْقُرْآنَ كَشُرْبِهِمُ الْمَاءَ» (^٣).\nعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ الله عنه قَالَ: \" لَقَدْ أَتَى عَلَيْنَا حِينٌ وَزَمَانٌ، وَمَا نَرَى أَنَّ أَحَدًا يَتَعَلَّمُ الْقُرْآنَ يُرِيدُ بِهِ إِلَّا اللَّهَ ﷿، فَلَمَّا كَانَ هَاهُنَا بِأَخَرَةَ حَسِبْتُ، أَنَّ رِجَالًا يَتَعَلَّمُونَ يُرِيدُونَ النَّاسَ وَمَا عِنْدَهُمْ، فَأَرِيدُوا اللَّهَ بِقِرَاءَتِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ، فَإِنَّا كُنَّا نَعْرِفُكُمْ إِذْ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَإِذْ يَنْزِلُ إِلَيْنَا الْوَحْيُ، وَيُنَبِّئُنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ، فَأَمَّا الْيَوْمَ فَقَدْ مَضَى\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١٧/ ٢٩٧) ح (٨٢١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (٦/ ٢٢٩) ح (١٠٤١٢): \"رواه الطبراني، ورجاله ثقات\" وحسنه الألباني في صحيح الجامع (١/ ٦٨١) ح (٣٦٥٣).\n(^٢) فيض القدير (٤/ ١١٨).\n(^٣) أخرجها الفريابي في فضائل القرآن (ص ٢٠٤) ح (١٠٩)، وحسن إسنادها الألباني في السلسة الصحيحة (٤/ ٥٠٧) ح (١٨٨٦).","vol":"1","page":68},{"text":"رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَانْقَطَعَ الْوَحْيُ، وَإِنَّمَا أَعْرِفُكُمْ بِمَا أَقُولُ: مَنْ أَعْلَنَ لَنَا خَيْرًا أَحْبَبْنَاهُ عَلَيْهِ وَظَنَنَّا بِهِ خَيْرًا، وَمَنْ أَظْهَرَ لَنَا شَرًّا بَغِضْنَاهُ عَلَيْهِ وَظَنَنَّا بِهِ شَرًّا، سَرَائِرُكُمْ فِيمَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ رَبِّكُمْ \" (^١).\nعن أبي عبد الرحمن السلمي ﵀ قال: \" إنما أخذنا القرآن عن قوم أخبرونا أنهم كانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يجاوزوهن إلى العشر الأخر حتى يعلموا ما فيهن من العمل قال: فتعلمنا العلم والعمل جميعًا، وأنه سيرث القرآن بعدنا قوم يشربونه شرب الماء لا يجاوز هذا، وأشار بيده إلى حنكه\" (^٢).\nعن الحسن ﵀ قال: \"إن هذا لقرآن قد قرأه عبيد وصبيان لا علم لهم بتأويله، ولم يأتوا الأمر من قبل أوله قال الله ﷿: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩]. وما يتدبر آياته إلا اتّباعه بعلمه، والله يَعْلَمُه، أما والله ما هو بحفظ حروفه، وإضاعة حدوده، حتى أن أحدهم ليقول قد قرأت القرآن كله فما أسقط منه حرفًا، وقد أسقطه والله كله ما بدا له القرآن في خلق ولا عمل.\nحتى أن أحدهم ليقول: والله إني لأقرأ السورة، والله ما هؤلاء بالقراء، ولا العلماء، ولا الحكماء، ولا الورعة، ومتى كانت القراء تقول مثل هذا إلا أكثر الله في الناس مثل هذا \" (^٣).\nوبهذا يتبين لنا أمورًا تمنع من أثر القرآن على صاحبه، ودونك بعضها في المطالب الآتية:\n_________\n(^١) أخرجه الفريابي في فضائل القرآن (٢٤٣) برقم (١٧٣).\n(^٢) أخرجه الفريابي في فضائل القرآن (٢٤١) برقم (١٦٩).\n(^٣) أخرجه الفريابي في فضائل القرآن (٢٤٧) برقم (١٧٧).","vol":"1","page":69},{"text":"<span data-type='title' id=toc-41>المطلب الأول: الخلل في النية والمقصد</span>.\nوهذا المانع من أعظم موانع الانتفاع بالقرآن والتأثر به، ولذا كان لزامًا على من أراد القرب من القرآن والانتفاع به أن يحرص كل الحرص على سلامة نيته ومقصده، وأن يجاهد نفسه على ذلك، ويسأل الله دائمًا أن يرزقه الإخلاص وأن يعينه عليه، وأن يجيره من السمعة والرياء والعجب، وأن يكون دائم التذكير لنفسه بخطورة الخلل في نيته ومقصده في تعامله مع كتاب الله ويحاسبها على ذلك، ويكثر دائمًا من الاستغفار والتوبة، ويكثر من الدعاء الذي جاء النص عليه في إذهاب أثر هذه الأمراض على القلب، عن معقل بن يسار قال: انْطَلَقْتُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ -﵁- إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَ: «يَا أَبَا بَكْرٍ، لَلشِّرْكُ فِيكُمْ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ»، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَهَلِ الشِّرْكُ إِلَّا مَنْ جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ؟! فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَلشِّرْكُ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ، أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى شَيْءٍ إِذَا قُلْتَهُ ذَهَبَ عَنْكَ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ؟» قَالَ: «قُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أُشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ» (^١).\nوالخلل في النيات له خطره العظيم على صاحبه، وجاء التحذير الشديد من هذا الأمر في كثير من الأدلة، وبعضها قد سبق ذكره، ومنها، قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ ١٥ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٥ - ١٦].\nويقول تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (٣٧٧) ح (٧١٦) وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد (٢٦٥ - ٢٦٦) ح (٥٥٤)، وصححه أيضًا في صحيح الجامع (١/ ٦٩٤) ح (٣٧٣١)، وحسنه لغيره في صحيح الترغيب والترهيب (١/ ١٢١) ح (٣٦)، وقد قال العلامة ابن باز ﵀ في برنامج الفتاوى الشهير (نور على الدرب) عن هذا الحديث: \"لا أعلم به بأسًا سنده لا أعلم به علة\".\nينظر: الموقع الرسمي لسماحة الشيخ الإمام ابن باز على الرابط:\nttps:// binbaz.org.sa/ fatwas/ ١١٤٣٤/\nوبناء على ما قاله هذان العَلمان في الحكم على الحديث فهو حديث صحيح، والله أعلم.","vol":"1","page":70},{"text":"بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَ ا﴾ [الكهف: ١١٠].\nوقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: «مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ، وَمَنْ يُرَائِي يُرَائِي اللَّهُ بِهِ» (^١).\nوذكر الخطابي رحمة الله في معني الحديث: أن من عمل عملًا على غير إخلاص، وإنما يريد أن يراه الناس ويسمعوه، جزاه الله على ذلك بأن يشهره ويفضحه، ويظهر ما كان يبطنه (^٢).\nوأضاف ابن حجر إلى ما ذكره الخطابي، فقال: \"وقيل: من قصد بعمله الجاه والمنزلة عند الناس، ولم يرد به وجه الله، فإن الله يجعله حديثًا عند الناس الذين أراد نيل المنزلة عندهم، ولا ثواب له في الآخرة ومعنى «يرائي»: يطلعهم على أنه فعل ذلك لهم لا لوجهه\" (^٣).\nوعَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ؟ قَالَ: «الرِّيَاءُ؛ إِنَّ اللهَ يَقُولُ يَوْمَ تُجَازَى الْعِبَادُ بِأَعْمَالِهِمْ: اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاءُونَ بِأَعْمَالِكُمْ فِي الدُّنْيَا، فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً؟!» (^٤).\nوعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «قَالَ اللهُ ﵎: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» (^٥).\nوقد مر معنا حديث الذين أول من تسعر بهم النار، وذكر منهم قارئ القرآن الذي يريد مدح الناس له ويقوم بهذه العبادة من أجل الناس عياذًا بالله من حالهم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري واللفظ له عن جندب -﵁- (٨/ ١٠٤) ح (٦٤٩٩)، ومسلم عن ابن عباس ﵄ (٤/ ٢٢٨٩) ح (٢٩٨٦).\n(^٢) ينظر: أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري للخطابي (٣/ ٢٢٥٧).\n(^٣) فتح الباري (١١/ ٣٣٦).\n(^٤) أخرجه أحمد (٣٩/ ٤٣ - ٤٤) ح (٢٣٦٣٦)، وجوّد إسناده المنذري في الترغيب والترهيب (١/ ٣٤) ح (٥٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١٠٢) ح (٣٧٥): \"رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح\"، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١/ ١٢٠) ح (٣٢)، وقال شعيب الأرناؤوط في تحقيقه للمسند (٣٩/ ٤٤) ح (٢٣٦٣٦): \"إسناده حسن\".\n(^٥) أخرجه مسلم (٤/ ٢٢٨٩) ح (٢٩٨٥).","vol":"1","page":71},{"text":"<span data-type='title' id=toc-42>المطلب الثاني: الخلل في متابعة الهدي النبوي في تلاوة القرآن وتدبره</span>.\nوتلاوة القرآن وتدبره عبادة عظيمة لا تقبل إلا بالإخلاص لله تعالى، وموافقة الهدي النبوي، وسبق الحديث عن الإخلاص، والخلل في متابعة هدي النبي ﷺ في هذا العبادة يؤدي إلى عدم الانتفاع بهذا الكتاب العظيم، ويمنع أثره المبارك على صاحبه، ولهذا الخلل عدة مظاهر، منها:\n١ - ختمه في أقل من ثلاثة أيام، وقد ورد النهي عن ذلك، وسبق ذكره.\n٢ - السرعة في تلاوته ويكون هم القارئ آخر السورة، وهذا تؤدي إلى عدم فهمه وتدبره، والإخلال بأحكام التلاوة، وقال ابن مسعود ﵁: «اقرؤوا القرآن، وحركوا به القلوب، لا يكن هم أحدكم آخر السورة».\nوقد سبق الكلام عن ذلك.\n٣ - قراءته على لحون أهل الغناء مع التكلف وزيادة التمطيط في الحروف الخارج عن حدود الأداء الصحيح، ويرافق ذلك الكثير من اللغط ورفع الأصوات من قبل المستمعين، ويحصل ارتفاع للأصوات لا يحسن عند سماع كلام الله -﷿-، كهيشات الأسواق المنهي عنها، وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الأَحْلَامِ وَالنُّهَى. ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ (ثَلَاثًا) وَإِيَّاكُمْ وَهَيْشَاتِ الأسواق\" (^١).\nومن معنى \"هيشات الأسواق\": ارتفاع الأصوات والصياح واللغط (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-43>المطلب الثالث: عدم طهارة القلب</span>.\nالانتفاع بالقرآن والتأثر به مرتبط ارتباطًا وثيقًا بطهارة القلب وسلامته، وما يحصل من نفور وبعد عن تدبر القرآن والانتفاع به يرجع إلى عدم طهارة القلب، وهي عقوبة ناتجة عن الخلل في امتثال أمر الله، وفتنة سببها الاعتراض على حكم الله ومحاولة التلاعب به، وتحريف الدين طلبًا لرضا الناس، والتظاهر بأمور من الدين مع وجود البغض للحق في الباطن، وذلك يؤدي إلى فساد القلب وعدم طهارته ومن ثم عدم الانتفاع بكلام الله وقسوة القلب، وهذه\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١/ ٣٢٣) ح (٤٣٢).\n(^٢) ينظر: شرح النووي على مسلم (٤/ ١٥٦)، توفيق الرب المنعم بشرح صحيح الإمام مسلم (٢/ ٩٤).","vol":"1","page":72},{"text":"عقوبة يضرب الله بها تلك القلوب، قال تعالى عن حال أولئك اليهود ومن يشبههم: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٤١].\n\n<span data-type='title' id=toc-44>المطلب الرابع: عدم تقدير كلام الله حق قدره</span>.\nوهذا المانع ناتج عن السبب السابق لما تدنست القلوب ولم تكن طاهرة لم يكن لكلام الله تقدير عندهم فلا ينتفعون به ولا يرتفعون، بل لا يرون له مكانة ولا تقدير، فيهجرونه بكل أنواع الهجر، ويرون العزة في غيره من علوم الشرق والغرب، ولهذا يحرمون من بركة تدبره والانتفاع به، والله أخبر في كتابه أن عزة المسلم والأمة في الارتباط بالقرآن والتمسك به والاقبال عليه، قال تعالى: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ٤٣ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ﴾ [الزخرف: ٤٣ - ٤٤].\nقال أهل التفسير في معنى قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ﴾ [الزخرف: ٤٤].\nإنه لشرف لك ولقومك الذين اتبعوك بهذا القرآن، وإنه لفخر لكم ومنقبة جليلة، ونعمة لا يقدر قدرها إلا من عرف قيمتها (^١).\nوقال تعالى: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠].\nوإنه لشرف لمن اتبع هداه وعمل بما فيه (^٢).\n_________\n(^١) ينظر: تفسير الطبري (٢٠/ ٦٠٣)، تفسير السعدي (٧٦٦).\n(^٢) ينظر: تفسير الطبري (١٦/ ٢٣٢).","vol":"1","page":73},{"text":"ويقول ابن كثير ﵀: \" يقول تعالى منبهًا على شرف القرآن، ومحرضًا لهم على معرفة قدره: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ قال ابن عباس: شرفكم\" (^١).\nوقال السعدي في تفسيره لهذه الآية: \" لقد أنزلنا إليكم - أيها المرسل إليهم، محمد بن عبد الله بن عبد المطلب - كتابًا جليلًا وقرآنًا مبينًا ﴿فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ أي: شرفكم وفخركم وارتفاعكم، إن تذكرتم به ما فيه من الأخبار الصادقة فاعتقدتموها، وامتثلتم ما فيه من الأوامر، واجتنبتم ما فيه من النواهي، ارتفع قدركم، وعظم أمركم، ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ ما ينفعكم وما يضركم؟ كيف لا ترضون ولا تعملون على ما فيه ذكركم وشرفكم في الدنيا والآخرة، فلو كان لكم عقل، لسلكتم هذا السبيل، فلما لم تسلكوه، وسلكتم غيره من الطرق، التي فيها ضعتكم وخستكم في الدنيا والآخرة وشقاوتكم فيهما، علم أنه ليس لكم معقول صحيح، ولا رأي رجيح.\nوهذه الآية، مصداقها ما وقع، فإن المؤمنين بالرسول، الذين تذكروا بالقرآن، من الصحابة، فمن بعدهم، حصل لهم من الرفعة والعلو الباهر، والصيت العظيم، والشرف على الملوك، ما هو أمر معلوم لكل أحد، كما أنه معلوم ما حصل، لمن لم يرفع بهذا القرآن رأسا، ولم يهتد به ويتزك به، من المقت والضعة، والتدسية، والشقاوة، فلا سبيل إلى سعادة الدنيا والآخرة إلا بالتذكر بهذا الكتاب\" (^٢).\nوقال -ﷺ-: «إِنَّ اللَّهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الْكِتَابِ أَقْوَامًا، وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ» (^٣).\nوعلى هذا من لم يقدر القرآن حق قدره ويعمل بما فيه، فإن الله يحجبه عن بركة القرآن، ويصيبه الذل والهوان والخسارة في الدنيا والآخرة.\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (٥/ ٣٣٤).\n(^٢) تفسير السعدي (ص ٥١٩).\n(^٣) أخرجه مسلم (١/ ٧٩) ح (٢١٨).","vol":"1","page":74},{"text":"<span data-type='title' id=toc-45>المطلب الخامس: تعلق القلب بغير الله</span>.\nإن هذا القرآن عظيم كتاب عزيز قال الله تعالى عنه: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ ٤١ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤١ - ٤٢].\nفهو كتاب محفوظ بحفظ الله له محمي بحماية الله، ليس للباطل إليه سبيل لأنه منزل من الله رب العالمين، ذو مكانة منيعة جامع لأوصاف الكمال، منيع عن كل من أراد به تحريفًا أو سوءًا ﴿لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ لا تقربه شياطين والجن بتبديل أو تحريف من زيادة أو نقص، ولا بإدخال فيه ما ليس منه، فهو محفوظ في تنزيله، محفوظة ألفاظه ومعانيه، وقد تكفل الله بذلك، فقال سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩].\n﴿تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ﴾ في خلقه وأمره، وأقواله، يضع كل شيء موضعه، وينزله منزله. ﴿حَمِيدٍ﴾ على ما له من صفات الكمال، ونعوت الجلال، وعلى ما له من العدل والإفضال، فلهذا كان كتابه، مشتملًا على تمام الحكمة، وعلى تحصيل المصالح والمنافع، ودفع المفاسد والمضار، التي يحمد عليها، ومحمودة عواقبه وغاياته (^١).\nوهذه بعض صفات هذا الكتاب، فإذا تعلق القلب بغير الله، حرمه الله بفعله هذا المذموم، -ولا يظلم ربك أحدًا- من بركة الكتاب العزيز، ومنع من تأثيره عليه، لأن قلبه تعلق بغير منزله العظيم، وتدنس بحب غير الله من الشهوات المحرمة والشبهات، فكان جزاءًا وفاقًا أن يحال بينه وبين بركة تدبر القرآن. …\n\n<span data-type='title' id=toc-46>المطلب السادس: الغفلة عن لقاء الله في الآخرة</span>.\nومن الأسباب العظيمة التي تحجب القلب عن تدبر القرآن والانتفاع به، غفلته عن لقاء الله التي تؤدي ولا بد إلى غفلته عن الآخرة، فيحال بينه وبين بركات تدبر القرآن العظيم، فقال تعالى عن الغافلين حين تتلى عليهم آيات الله: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ\n_________\n(^١) ينظر: تفسير ابن كثير (٧/ ١٨٣)، تفسير السعدي (٧٤٩ - ٧٥٠).","vol":"1","page":75},{"text":"الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ﴾ [يونس: ١٥] الآية.\nوقال تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ ١ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ ٢ لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنبياء: ١ - ٣].\nوقال تعالى عن حال الغافلين في الدنيا والآخرة: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ١٢٤ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا ١٢٥ قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ [طه: ١٢٤ - ١٢٦].\nوقال تعالى عن حال الغافلين في الآخرة، وما يذكرهم الله به وهم في النار من أحوال الغفلة التي كانوا فيها في الدنيا، في مشهد مهيب تكاد تنخلع منه القلوب: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ ١٠٣ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ ١٠٤ أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ ١٠٥ قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ ١٠٦ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ ١٠٧ قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ ١٠٨ إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ ١٠٩ فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ ١١٠ إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ ١١١ قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ ١١٢ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ ١١٣ قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ١١٤ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ١١٥ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١٠٣ - ١١٦].","vol":"1","page":76},{"text":"<span data-type='title' id=toc-47>المطلب السابع: التقصير في أداء الفرائض، ومن ثم إهمال النوافل</span>.\nللقران العظيم آثار مباركة على الذين يحبهم الله بسبب محافظتهم على الفرائض، وكثرة تقربهم إلى الله بالنوافل، فيفتح الله قلوبهم لتدبر آياته كما يحب ويرضى، ويعلمهم الله ويفتح عليهم من كنوز القرآن الكريم، لأنه يحبهم قال -ﷺ-: «إن الله قال: وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ ..» الحديث (^١).\nوإذا تساهل العبد في الفرائض وفرط في النوافل أبعد عن الله وتسلط عليه الشيطان فأنساه ذكر الله، وعلى رأس ذكر الله تلاوة القرآن وتدبره، قال تعالى عن حال من تسلطت عليهم الشياطين: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ﴾ [المجادلة: ١٩].\nقال ابن كثير ﵀: \" أي: استحوذ على قلوبهم الشيطان حتى أنساهم أن يذكروا الله، ﷿، وكذلك يصنع بمن استحوذ عليه؛ ولهذا قال أبو داود .. عن أبي الدرداء: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"ما من ثلاثة في قرية ولا بدو، لا تقام فيهم الصلاة إلا قد استحوذ عليهم الشيطان، فعليك بالجماعة، فإنما يأكل الذئب القاصية\". قال زائدة: قال السائب: يعني الصلاة في الجماعة\" (^٢) \" (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٨/ ١٠٥) ح (٦٥٠٢).\n(^٢) وهو في سنن أبي داود (١/ ١٥٠) ح (٥٤٧) وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (٣/ ٥٨) ح (٥٥٦)، وحسن إسناده محقق المسند (٤٥/ ٥٠٧) ح (٢٧٥١٤).\n(^٣) تفسير ابن كثير (٨/ ٥٣).","vol":"1","page":77},{"text":"<span data-type='title' id=toc-48>المطلب الثامن: مجالسة أهل الأهواء الذين يضربون القرآن بعضه ببعض، ويتبعون متشابه ويتركون محكمه</span>.\nإن مجالسة أهل الاهواء تفسد القلب وتمرضه، فلا يجد لذة في تلاوة القرآن وتدبره، وتذهب منه حلاوة العبادة، وتجعله يفهم القرآن على منهج أهل البدع الذين يجالسهم، ولذا ينبغي الحذر من مجالستهم لمن أراد السلامة لقلبه، ولذا حذر النبي ﷺ من هؤلاء، فعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «تَلَا رَسُولُ اللهِ ﷺ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أُوْلُواْ الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧]، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: فَإِذَا رَأَيْتِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ، فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّى اللهُ، فَاحْذَرُوهُمْ» (^١).\nوعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -﵁-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: «إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي كُلُّ مُنَافِقٍ عَلِيمِ اللِّسَانِ» (^٢).\nكان من منهج السلف ﵏ الحذر من مجالسة أهل البدع والأهواء والتحذير من ذلك أشد التحذير؛ لأن القلوب ضعيفة، والشبه خطافة، من تعرض لها تعلقت بقلبه وأفسدته. وقبل ذكر أمثلة من حياة السلف تبين شدة تحرزهم من أهل والأهواء، أود أن أقدم بهذا التنبيه المهم.\nتنبيه مهم: وهذه المجالسة في زمننا لا يلزم منها حضور مجالسهم أو قراءة كتبهم؛ لأن مفهوم المجالسة تغير في زمننا بسبب ما يسمى بوسائل التواصل الاجتماعي، ومتابعة نتاجهم الفكري الموجود على شبكة الإنترنت، أو المتابعة التي تتم من خلال البث الفضائي.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري واللفظ له (٦/ ٣٤) ح (٤٥٤٧)، ومسلم (٤/ ٢٠٥٣) ح (٢٦٦٥).\n(^٢) أخرجه أحمد في المسند (١/ ٢٨٩) ح (١٤٣)، وابن حبان في صحيحه (١/ ٢٨١)، ح (٨٠)، وقال في مجمع الزوائد (١/ ١٨٧) ح (٨٨٦): \"رواه البزار وأحمد وأبو يعلى، ورجاله موثقون\"، وصححه الألباني في صحيح الجامع (١/ ١٠٧) ح (٢٣٩)، وقال محقق مسند أحمد (١/ ٢٨٩): \"سنده قوي\".","vol":"1","page":78},{"text":"فيستطيع الواحد في هذا الزمن أن يجالس أهل البدع والأهواء ويرى ويسمع دروسهم وخطبهم ومحاضرتهم ويقرأ كتبهم وهو في بيته، وبينه وبينهم المسافات الشاسعة، وأضف إلى هذا ضعف العلم الشرعي وضعف التمسك بالدين عند المتلقين، وقدرة أصحاب الباطل على المحاجة وتلبيس الحق بالباطل؛ ولذا كان الخطر عظيمًا والخطب جليلًا، وحينها نعرف لماذا يحذر السلف من مجالسة أهل الأهواء، ويحرصون على عدم سماع كلامهم مع قوتهم العلمية، وتمكن الدين من قلوبهم، وقدرتهم على المحاجة والمجادلة، إلا أن السلامة لا يعدلها شيء، والقلوب ضعيفة، والشبه خطافة، والشياطين حاضرة تمد أصحابها بزخرف القول الذي قال الله عنه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ١١٢].\nقال إبراهيم النخعي ﵀: \"لا تجالسوا أهل الأهواء؛ فإن مجالستهم تذهب بنور الإيمان من القلوب، وتسلب محاسن الوجوه، وتورث البِغْضَة في قلوب المؤمنين\" (^١).\nوذكر الذهبي ﵀: \"عن سفيان الثوري عليه رحمة الله: من أصغى بسمعه إلى صاحب بدعة، وهو يعلم، خرج من عصمة الله، ووكل إلى نفسه.\nوعنه: من سمع ببدعة فلا يحكها لجلسائه، لا يلقها في قلوبهم.\nقلت (^٢): أكثر أئمة السلف على هذا التحذير، يرون أن القلوب ضعيفة، والشبه خطافة\" (^٣).\nومعنى كلام الإمام الذهبي ﵀: أن السلف يحذرون من سماع كلام أهل البدع؛ لأن القلوب ضعيفة سريعة التأثر بما تسمع، والشبه تخطف القلوب، وتميل بها عن طريق الهدى، ويزينها الشيطان فتزل القدم بعد ثبوتها.\n_________\n(^١) الإبانة الكبرى (٢/ ٤٣٩).\nوالبِغْضَة أي: لا تحبه قلوب المؤمنين. ينظر: الصحاح (٣/ ١٠٦٦ - ١٠٦٧) مادة (بغض).\n(^٢) القائل الإمام الذهبي ﵀.\n(^٣) سير أعلام النبلاء (٧/ ٢٦١).","vol":"1","page":79},{"text":"وذكر العلماء ﵏ (^١) آثارًا عن السلف في التحذير من مجالسة أهل الأهواء لخطورتها على القلوب، ومن ذلك: \"قال أبو قلابة ﵀: لا تجالسوا أهل الأهواء -أو قال: أصحاب الخصومات-؛ فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم، ويلبسوا عليكم بعض ما تعرفون.\nودخل رجلان من أصحاب الأهواء على محمد بن سيرين، فقالا: يا أبا بكر، نحدثك بحديث؟ قال: لا، قالا: فنقرأ عليك آية؟ قال: لا، لتقومان عني، أو لأقومنَّهْ، فقاما. فقال بعض القوم: يا أبا بكر، وما عليك أن يقرأ عليك آية؟! … وقال: خشيت أن يقرآ آية فيحرفانها، فيقر ذلك في قلبي.\nوقال رجل من أهل البدع لأيوب: يا أبا بكر، أسألك عن كلمة؟ فولى، وهو يقول بيده: لا، ولا نصف كلمة.\nوكان الحسن يقول: شر داء خالط قلبًا -يعني: الأهواء-.\nوقال حذيفة: اتقوا الله، وخذوا طريق من كان قبلكم، والله لئن استقمتم لقد سبقتم سبقًا بعيدًا، ولئن تركتموه يمينًا وشمالًا لقد ضللتم ضلالًا بعيدًا -أو قال: مبينًا-\" (^٢).\nقال رجل لابن سيرين: \"إن فلانًا يريد أن يأتيك، ولا يتكلم بشيء، قال: قل لفلان: لا، ما يأتيني، فإن قلب ابن آدم ضعيف، وإني أخاف أن أسمع منه كلمة، فلا يرجع قلبي إلى ما كان\" (^٣).\nويروي الآجري بسنده عن مهدي بن ميمون قال: \"سمعت محمدًا -يعني ابن سيرين- وماراه (^٤) رجل في شيء، فقال محمد: إني أعلم ما تريد، وأنا أعلم بالمراء منك، ولكني لا أماريك\" (^٥).\nوانظر إلى هذا الإمام العظيم من أكابر أهل السنة علمًا وعملًا، ومع هذا العلم\n_________\n(^١) ينظر: الشريعة (١/ ٤٣٥ - ٤٤٠)، الإبانة الكبرى (٥/ ٢٥٤٤ - ٢٥٤٦)، شرح أصول اعتقاد أهل السنة (١/ ١٠١، ١٥٠ - ١٥١).\n(^٢) كل هذه الآثار عن السلف ذكرها الذهبي في سير أعلام النبلاء (١١/ ٢٨٥).\n(^٣) الإبانة الكبرى (٢/ ٤٤٦).\n(^٤) أي جادله.\n(^٥) الشريعة للآجري (١/ ٤٥٣).","vol":"1","page":80},{"text":"العظيم والقدرة على المجادلة خاف على قلبه من أن تنفذ إليه شبهة فلا يعود كما كان، وتذهب رقته وخشوعه وتلذذه بالعبادة بسبب سماع كلام أهل الباطل، فإنه يمرض القلوب ولو كانت صحيحة، ويفسدها ولو كانت سليمة فالحذر الحذر فإن سماع أو رؤية أهل الباطل تعد عقوبة عند أهل القلوب الحية، فقد دعت أم جريج الراهب على ابنها -لما بصلاة النافلة عنها- بأن يعاقبه الله برؤية وجوه العصاة من المومسات أي الزانيات، وقد عاقبه الله بذلك لأن رؤية الوجوه المظلمة يسري أثرها على القلب بشيء من الغبش في رؤية الحق، فمن سرح طرفه في تلك الوجوه وسمع لكلامها أصابت بقدر القرب ظلمة في قلبه ينعكس أثرها على نفوره من القرآن وأصحابه، وتؤثر كذلك على صفاء القلب، فتصيبه الكدورة التي تضعف فهمه للقرآن ويعجز عن تدبره، ويضيق الصدر بتلاوته، فلا يجد لذة في تدبره وفهمه، ولا ينتفع بمواعظه وزواجره ووعده ووعيده، وقد يصل الحال بقلبه أن يتلذذ بالشهوة الحرام من سماع المعازف ما لا يجده عند تلاوته أو سماعه، نسأل الله العافية والسلامة. …\n\n<span data-type='title' id=toc-49>المطلب التاسع: ذنوب الخلوات</span>.\nللذنوب أثر عظيم على عمى القلب فلا يرى حقائق القرآن، ولا يبصر نوره قال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]، ويأتي بسبب النوب غلاف على القلب يسمى الران الذي ذكرته الآية وكما في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «إِنَّ العَبْدَ إِذَا أَخْطَأَ خَطِيئَةً نُكِتَتْ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، فَإِذَا هُوَ نَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ وَتَابَ صُقِلَ قَلْبُهُ، وَإِنْ عَادَ زِيدَ فِيهَا حَتَّى تَعْلُوَ قَلْبَهُ، وَهُوَ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطفِّفين: ١٤]»، ومن أشد الذنوب خطرًا على القلب ذنوب الخلوات، فهي تفسد القلب وتهلك العمل الصالح في يوم القيامة، حتى يكون صاحبها من المفلسين، ودونك هذا الحديث العظيم الذي يبين خطورة الذنوب في حالة الخلوة مع الله وعدم الحياء، فقال -ﷺ-: «لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ -﷿- هَبَاءً مَنْثُورًا»، قَالَ ثَوْبَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صِفْهُمْ لَنَا، جَلِّهِمْ لَنَا؛ أَنْ لَا نَكُونَ","vol":"1","page":81},{"text":"مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ، قَالَ: «أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ، وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا» (^١).\nوبناء على هذا فإن القلوب التي أصيبت بمثل هذا الداء لا تنتفع بالقرآن وهي بمنأى عن التأثر به، وقد حيل بينها وبين تدبره والانتفاع به، فهي قلوب قاسية وقد ضربت الغفلة في أنحائها وأجلب عليها الشيطان بخيله ورجله، فانتهكت محارم في حال خلوتها وغفلت عن علم الله بها وسماعه ورؤيته لها، فأطلقت لنفسها العنان في الشهوات المحرمة، وهذا مثال على ذلك، فإذا خلى أحدهم بشاشة جهازه نظر حين لا يراه رقيب البشر، نظر إلى ما حرم الله مما يعرضه جهاز جواله أو حاسبوه أو القناة الفضائية متع ناظريه وسمع بأذنيه الحرام، ولو كان أحد من البشر يراقبه لما فعل ذلك خوفًا وحياء منهم، نسأل الله العافية والسلامة.\n\n<span data-type='title' id=toc-50>المطلب العاشر: التعلق بشهوات النفس المحرمة من سماع الحرام والنظر إليه وأكل الحرام</span>.\nوقد سبق الكلام عن الذنوب مرارًا، ولكني هنا أقصد نوعًا من الذنوب له أثره الكبير على نفور صاحبه من القرآن وعدم الانتفاع به، وعدم القدرة على تدبره كما يحب الله ويرضى، ومنها:\n١ - سماع المعازف.\n٢ - النظر بشهوة إلى ما حرم الله من النساء والمردان (^٢).\n٣ - أكل الحرام وشربه.\nوصلى الله وسلم على نبينا وإمامنا وقدوتنا محمد عبد الله ورسوله\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٢/ ١٤١٨) ح (٤٢٤٥)، وقال المنذري في الترغيب والترهيب (٣/ ١٧٠) ح (٣٥٣٤): \"رواه ابن ماجه ورواته ثقات\"، وقال البوصيري في زوائد ابن ماجه (٤/ ٢٤٦) ح (١٥٢٥): \"هذا إسناد صحيح رجاله ثقات\"، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢/ ٥٩١) ح (٢٣٤٦)، وحسن إسناده شعيب الأرناؤوط في تحقيقه لسنن ابن ماجه (٥/ ٣١٧) ح (٤٢٤٥).\n(^٢) المردان جمع أمرد، وهو الفتى الذي لم تنبت لحيته لصغره.\nينظر: مقاييس اللغة (٥/ ٣١٧) مادة (مرد).","vol":"1","page":82}]}