{"ً":{"ٌ":8788,"ٍ":"البدع وآثارها السيئة","َ":2,"ُ":1,"ِ":{"root":"الجوامع والمجلات ونحوها/مجلة الجامعة الإسلامية/017_065-066","files":["017_065-066_mgi.pdf"]},"ّ":"الكتاب: البدع وآثارها السيئة\nالمؤلف: عبد الكريم مراد\nالناشر: الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة\nالطبعة: السنة السابعه عشر - العددان (الخامس والستين، السادس والستين) - محرم -جماد الأخرة ١٤٠٥هـ\nعدد الصفحات: ١٠٩\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":2163,"ٕ":1,"ٖ":1770155808,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مدخل","level":1,"page":1},{"title":"معني البدعة","level":1,"page":2},{"title":"كل بدعة ضلالة","level":1,"page":5},{"title":"من أثار البدع السيئة","level":1,"page":11}],"ٛ":{"1,97":1,"1,98":3,"1,99":4,"1,100":6,"1,101":7,"1,102":8,"1,103":9,"1,104":10,"1,105":12,"1,106":13,"1,107":14,"1,108":15,"1,109":16},"ٜ":{"1":[97,109]},"ٝ":["1,97","1,97","1,98","1,99","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109"],"ٞ":{"1":[1],"2":[2],"5":[3],"11":[4]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>مدخل</span>\n...\nالبدع وآثَارُهَا السَّيِّئَة\nللشيخ عبد الكريم مراد\nأستاذ مشارك بكلية الشريعة بالجامعة.\nالحمد لله الذي أكمل لنا ديننا وأتم علينا نعمته ورضي لنا الإسلام دينا.\nوأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده المصطفى ورسوله المجتبى المبعوث رحمة للعالمين، فتح به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا، ترك أمته على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.\nوبعد فقد صدق النبي - ﷺ -: \"بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ\" فإن البدع قد فشت ومدت أعناقها حتى أصبحت سننا ثابتة وشرائع مقررة حسبها العامة والجمهور دينا لا يرون الحق غيره. والمتمسك بمحض السنة عندهم كالخارج عنها. ولقد صدق حذيفة ﵁: \"والله لتفشون البدع حتى إذا ترك شيء منها قالوا: تركت السنة\". والمؤمن المتبصر في أمر دينه لا يشك في أن اتباع البدع خروج عن الصراط المستقيم ورمى في عماية وضلالة. أعاذنا الله منها.\nوهذه كلمة موجزة منتخبة من كلام أئمة الإسلام مثل شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام أبي إسحاق الشاطبي وغيرهما ﵏ في معنى البدعة شرعا وذمها وسوء منقلب أهلها مع إلقاء الضوء على الاستحسان الفقهي والاستدلال المرسل المسمى بالمصلحة المرسلة حتى يتبين أن البدع ليست من هذين الأصليين الفقهيين في ورد ولا صدر ولا تبقى لأحد شبهة في أنه ليس في البدع مستحسن وفي أن كل بدعة ضلالة.","vol":"1","page":97},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>معنى البدعة:</span>\nأصل مادة (بدع) معناه الاختراع على غير مثالا سابق.\nومنه قوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ أي مخترعاهما لا عن مثال سابق متقدم. والبِدْع: الشيء الذي يكون أولًا، يقال: فلان بدع في هذا الأمر أي أولٌ لم يسبقه","vol":"1","page":97},{"text":"أحد. ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُل﴾ أي ما كنت أول رسول أرسل قد أرسل قبلي كثيرون١.\nومن هذا المعنى سميت البدعة بدعة، فإحداثها واستجراحها للسلوك عليها هو: الابتداع، وكيفيتها وهيئتها هي: البدعة.\nوقد يسمى العمل المعمول على هذا الوجه أيضا بدعة.\nتعريف البدعة:\nالبدعة شرعا: هي طريقة مخترعة في الدين تضاهي الطريقة الشرعية يقصد بالسلوك عليها التعبد لله تعالى.\nشرح التعريف: (طريقة) الطريقة والطريق والسبيل والصراط والسنة ألفاظٌ معناها واحد وهو: ما رسم للسلوك عليه.\n(مخترعة في الدين) محدثة فيه على غير مثال سابق من الشرع. خرج بهذا القيد كل ما يظهر لبادئ الرأي أنه مخترع مما له أصل في الشرع كجمع القرآن وتدوين السنن.\nوإنما قيدت بالدين لأن البدعة تحدث في الدين وإليه يضيفها صاحبها وهو المبتدع، فلو كانت مخترعة في الأمور الدنيوية على الخصوص لم تسم بدعة كالمخترعات الحديثة وسائر مالا عهد به فيما تقدم من الزمان.\n(تضاهي الطريقة الشرعية) أي تشابهها يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية وهو: التعبد لله تعالى وفي الحقيقة هي مخالفة لظاهر الشريعة من جهة ضرب الحدود وتعيين الكيفيات والتزام الهيئات الخاصة أو الأزمنة المعينة مع الدوام ونحو ذلك كالذكر بهيئة الاجتماع على صوت واحد ورفع الأيدي في الدعاء جماعيا بعد الصلوات الخمس على الدوام واتخاذ يوم ولادة النبي - ﷺ - عيدا مضاهاة للنصارى في عيد ميلاد عيسى ﵇، وقد أحدث عيد الميلاد هذا في الإسلام بعد المائة السادسة من الهجرة لم يفعله السلف مع قيام المقتضى له وعدم المانع منه ولو كان هذا خيرا محضا أو راجحا لسبق إليه السلف من الصحابة والتابعين ﵃ فإنهم كانوا أشد محبة لرسول الله - ﷺ - وتعظيمًا له منا وهم على الخير أحرص وإنما كمال محبته ﷺ وتعظيمه في متابعته وطاعته وهي طريقة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين تبعوهم بإحسان٢.\nوكذلك صوم يوم النصف من\n_________\n١ لسان العرب.\n٢ اقتضاء الصراط المستقيم ص٢٩٤.","vol":"1","page":98},{"text":"شعبان وقيام ليلته. والحديث الذي رواه ابن ماجه في ذلك ضعيف جدا.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"فضل ليلة النصف من شعبان مختلف فيه بين أهل العلم من السلف والخلف وأما صوم يوم النصف مفردا فلا أصل له وكذلك ما أحدث في ليلة النصف من الاجتماع العام للصلاة الألفية في المساجد الجامعة ومساجد الأحياء مكروه لم يشرع. والحديث الوارد في الصلاة الألفية موضوع باتفاق أهل العلم بالحديث. وسميت بالصلاة الألفية لقراءة سورة الإخلاص فيها ألف مرة.\nوكذلك صوم يوم أول خميس من رجب وقيام ليلة تلك الجمعة والصلاة فيها المعروفة عند الجهال بصلاة الرغائب المحدثة في الإسلام بعد المائة الرابعة من الهجرة. والحديث في ذلك أيضا موضوع.\nوالبدعة لو كانت لا تضاهي الأمور الشرعية ولا تشابهها لم تكن بدعة شرعا بل تصير من باب الأفعال العادية.\n(يقصد بالسلوك عليها التعبد لله تعالى) هذا إتمام لمعنى البدعة إذ هو المقصود بابتداعها.\nخرج بهذا القيد العادات، فكل ما أحدث مما لم يقصد به التعبد لا يسمى بدعة شرعًا. ومن سمى ذلك بدعة فهو إما ملبس على غيره أو جاهل بمواقع السنة والبدعة فلا يكون قوله معتدا به ولا معتمدا عليه.\nوالتعريف يشمل البدع التركية فإن من ترك شيئا من المطلوبات الشرعية تدينا فهو مبتدع قطعًا حيث تدين بضد ما شرعه الله تعالى.\nوأما الترك إذا كان لغير التدين من كسل أو لتضييع أو نحو ذلك من الدواعي النفسية فلا يكون بدعة بل هو عائد إلى المخالفة للأمر فيكون التارك عاصيًا لمخالفة ما أمر الله تعالى به.","vol":"1","page":99},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>كل بدعة ضلالة:</span>\nذم البدع والمحدثات في الدين عام لا يخص محدثةً دون محدثةٍ. والأدلة الشرعية تدل على العموم من وجوه:\nالأول: أنها جاءت مطلقة عامة على كثرتها لم يقع فيها استثناء البتة ولم يأت ما يقتضي أن من البدع ما هو هدى، فلو كان هنالك بدعة يقتضي النظر الشرعي فيها الاستحسان لأشير إلى ذلك في آية أو حديث لكنه لا يوجد.\nفدل ذلك على أن تلك الأدلة بأسرها على حقيقة ظاهرها من الكلية والعموم","vol":"1","page":99},{"text":"لا يتخلف عن مقتضاها فرد من أفراد البدعة.\nالثاني: أنه قد تقرر أن كل قاعدة كلية ودليل شرعي إذا تكررت في مواضع كثيرة ولم يقترن بها تقييد ولا تخصيص مع تكرارها فذلك دليل على بقاء تلك القاعدة على مقتضى ظاهر لفظها من العموم مثل قوله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ وقوله: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى﴾ وما أشبه ذلك.\nوما نحن بصدده من هذا القبيل إذ جاء في الأحاديث المتعددة والمتكررة في أوقات شتى وبحسب الأحوال المختلفة أن كل بدعة ضلالة وأن كل محدثة بدعة، ونحو ذلك من العبارات التي تدل على عموم ذم البدع والمحدثات في الدين ولم يأت في آية ولا حديث تقييد ولا تخصيص ولا ما يفهم منه خلاف ظاهر العموم والكلية فيها.\nفدل ذلك دلالة واضحة على أن تلك الأحاديث على ظاهرها من العموم والإطلاق.\nالثالث: إجماع السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان على ذم البدع بدون استثناء والهروب عنها وعن أصحابها.\nفهذا بحسب الاستقراء إجماع ثابت يدل على أن كل بدعة مذمومة.\nالرابع: أن معنى البدعة ومفهومها يقتضي عموم ذم البدع كلها بدون استثناء لأنه باب مضادة الشارع واطراد للشرع، وكل ما كان كذلك فممتنع أن ينقسم إلى: حَسن وقبيح وأن يكون منه ما يمدح ومنه ما يذم إذ لا يصح في معقول ولا منقول استحسان مشاقة الشارع ومخالفته١.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في اقتضاء الصراط المستقيم (٢٦٨) بعد الكلام على أعياد الكفار والمشركين: \"ومن المنكرات في هذا الباب سائر الأعياد والمواسم المبتدعة لما في ذلك من المشابهة للكفار ولأنها من البدع\".\nوهذه المواسم إنما نهى عنها لما حدث فيها من الدين الذي يتقرب به إلى الله تعالى. فما أحدث من المواسم والأعياد فهو منكر وإن لم يكن فيه مشابهة لأهل الكتاب والمشركين لأن ذلك داخل في مسمى البدع والمحدثات فيدخل في عموم قول النبي - ﷺ -: \"وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة\"، وفي رواية النسائي: \"وكل ضلالة في النار\"، وفي حديث العرباض ابن سارية الصحيح: \"وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة\". رواه أبو داود وغيره.\n_________\n١ الاعتصام للشاطبي.","vol":"1","page":100},{"text":"وقوله: \"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد\" متفق عليه ولمسلم: \"من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد\".\nواعلم أن هذه القاعدة وهي الاستدلال بكون الشيء بدعة على كراهته سواء بلغت الكراهة التحريم أولم تبلغه هي قاعدة عظيمة دل عليها السنة والإجماع مع ما في كتاب الله من الدلالة عليها أيضا.\nوأما ما ثبت حسنه بدليل شرعي فليس من البدع الشرعية فيبقى العموم محفوظًا لا خصوص فيه إذ البدعة شرعا: ما لم يدل عليه دليل شرعي.\nتقسيم البدعة إلى: حسنة وسيئة تقسيم محدث لا يدل عليه دليل شرعي:\nفإن قيل إن غير واحد من العلماء قسم البدعة إلى قسمين: بدعة حسنة وبدعة سيئة مثل النووي وملا علي القاري وغيرهما بدليل قول عمر بن الخطاب ﵁ في صلاة التراويح: \"نعمت البدعة هذه\"، وبدليل أشياء من الأقوال والأفعال أحدثت بعد عهد رسول الله - ﷺ - وهي ليست مكروهة بل حسنة للأدلة الدالة على ذلك من الإجماع أو القياس وقد بسط القول في ذلك أبو العباس شهاب القرافي من المالكية فقال: \"اعلم أن الأصحاب فيما رأيت متفقون على إنكار البدع نص على ذلك ابن أبى زيد وغيره والحق التفصيل وأنها خمسة أقسام:\nالأول: واجب وهو ما تناولته أدلة الوجوب وقواعده من الشرع كجمع القرآن وتدوين الشرائع إذ خيف عليها الضياع.\nالثاني: محرم وهو ما تناولته أدلة التحريم وقواعده من الشرع كالمكوس والمحدثات من المظالم.\nالثالث: مندوب وهو ما تناولته أدلة الندب وقواعده من الشرع كصلاة التراويح في المسجد جماعة.\nالرابع: مكروه وهو ما تناولته أدلة الكراهة وقواعدها من الشرع كتخصيص بعض الأيام أو الليالي بنوع من العبادات. والزيادة في المندوبات المحدودة من هذا الباب والزيادة في الواجب أو عليه أشد في المنع.\nالخامس: مباح وهو ما تناولته أدلة الإباحة وقواعدها من الشرع مثل اتخاذ المناخل للدقيق وغسل اليدين بالأشنان.","vol":"1","page":101},{"text":"قال: فالبدعة تعرض على قواعد الشرع وأدلته فأي شيء تناولها من الأدلة ألحقت به من إيجاب أو تحريم أو غيرهما\".\nوقد قسم البدعة قبل القرافي شيخه عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام إلى الأحكام الخمسة.\nوملخص الإيراد والمعارضة: ليست كل بدعة ضلالة.\nأقول: قد تقدم الجواب عن ذلك في كلام الشاطيي وأشير إليه في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمهما الله وأعيد الجواب موجزًا لمسيس الحاجة إلى ذلك.\nفأقول: إن هذا تقسيم محدث لا يدل عليه دليل شرعي بل هو تقسيم في نفسه متدافع منها ولا أساس له لأن البدعة الشرعية هي ما لم يدل عليه دليل شرعي فإذا دل دليل شرعي على وجوب أمر أو ندبه أو نحو ذلك لم يكن بدعة.\nفالجمع بين عد بعض الأشياء من البدع وبين كون الأدلة تدل عليها من وجوب أو تحريم أو غيرهما جمع بين المتنافيين١.\nقال في الدين الخالص: إن الله تعالى ورسوله - ﷺ - لا يرضيان بدعة أي بدعة كانت. فلو كانت بدعة حسنة لما قال النبي - ﷺ -: \"كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة\". يا لله العجب من أمثال هذه المقالة، ألم يعلموا أن في إشاعة البدع إماتة السنن وفي إماتتها إحياء الدين وعلومه.\nوالذي نفسي بيده إن دين الإسلام كامل تام غير ناقص لا يحتاج إلى شمس في إكماله وإتمامه. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"إن قول رسول الله - ﷺ -: \"فإن شر الأمور محدثاتها وإن كل محدثة بدعة وإن كل بدعة ضلالة\"، نص من رسول الله - ﷺ - فلا يحل لأحد أن يدفع في دلالته على ذم البدع، ومن نازع في دلالته فهو مراغم. وقال: لا يحل لأحد أن يقابل هذه الكلمة الجامعة من رسول الله - ﷺ - الكلية وهي: قوله: \"كل بدعة ضلالة\"، بسلب عمومها وهو أن يقال: ليست كل بدعة ضلالة. فإن هذا إلى مشاقة الرسول – ﷺ - أقرب منه إلى التأويل.\nوقال: وقصد التعميم المحيط ظاهر من نص رسول الله - ﷺ - بهذه الكلمة الجامعة فلا يعدل عن مقصوده بأبي هو وأمي - ﷺ -.\nوالمجادلة المحمودة إنما هي بإبداء المدارك وإظهار الحجج التي هي مستند الأقوال والأعمال من الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة والإجماع نصا أو استنباطًا. وأما إظهار\n_________\n١ الاعتصام للشاطبي.","vol":"1","page":102},{"text":"الاعتماد على ما ليس هو المعتمد في القول والعمل فليست هي طريقة أهل العلم بل هو نوع من النفاق في العلم والجدل والكلام والعمل.\nقال: وأما صلاة التراويح فليست بدعة بل سنة بقول رسول الله - ﷺ -: \"إن الله فرض عليكم صيام رمضان وسننت لكم قيامه\".\nوكذلك صلاتها جماعة في المسجد ليست بدعة بل سنة صلاها رسول الله - ﷺ - في أول الشهر ليلتين بل ثلاثا وصلاها في العشر الأواخر مرات ثم تركها وقال لهم في الليلة الثالثة أو الرابعة لما اجتمعوا: \"إنه لم يمنعني أن أخرج لكم إلا كراهة أن يفرض عليكم\"، فعلل الترك بخشية الافتراض على الأمة.\nوأما الجواب عن قول عمر ﵁ \"نعمت البدعة هذه\" ففي قول الصحابي الذي لم يخالف فيه، قولان لأهل العلم:\nأحدهما: حجة يقدم على القياس ويخص به العموم وهذا قول مالك والقديم للشافعي ورواية عن أحمد وقول بعض الحنفية.\nوالثاني: ليس بحجة لأن الصحابي لم تثبت عصمته يجوز عليه الخطأ والغلط.\nوهذا قول عامة المتكلمين والجديد للشافعي واختاره أبو الخطاب١. وعلى القولين لا تصلح ولا تصح معارضة الحديث بقول الصحابي. وهو ظاهر. نعم أكثر ما في هذا هي تسمية عمر تلك بدعة.\nوهذه تسمية لغوية لا شرعية وذلك أن البدعة في اللغة تعم كل ما فعل ابتداء من غير مثال سابق.\nفلما كانت صلاة التراويح في عهد عمر بهذه الهيئة وهي اجتماعهم في المسجد على قارئ واحد مع إسراج المسجد عملا محدثا لم يعهد من قبل سماه بدعة.\nفإذا دل نص رسول الله - ﷺ - على استحباب شيء أو إيجابه بعد موته أو دل على ذلك مطلقا ولم يعمل بذلك إلا بعد وفاته – ﷺ - صح أن يسمى بدعة في اللغة لأنه عمل مبتدأ كما أن نفس الدين الذي جاء به - ﷺ - يسمى بدعة ومحدثا في اللغة كما قالت رسل قريش للنجاشي عن المهاجرين إلى الحبشة من أصحاب النبي - ﷺ -: \"إن هؤلاء خرجوا من دين آبائهم ولم يدخلوا في دين الملك وجاءوا بدين محدث لا يعرف\"٢.\n_________\n١ الروضة لابن قدامة.\n٢ اقتضاء الصراط المستقيم.","vol":"1","page":103},{"text":"وقال الحافظ ابن رجب ﵀: \"البدعة ما أحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه، وأما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه فليس ببدعة شرعا وإن كان بدعة لغة فقوله –ﷺ -: \"كل بدعة ضلالة\"، من جوامع الكلم لا يخرج عنه شيء. وهو أصل عظيم من أصول الدين.\nوأما ما وقع في كلام السلف من استحسان بعض البدع فإنما ذلك في البدع اللغوية لا الشرعية فمن ذلك قول عمر ﵁ في التراويح: \"نعمت البدعة هذه\"، وروى عنه: \"إن كانت بدعة فنعمت البدعة\"١.\n_________\n١ جامع العلوم والحكم لابن رجب.","vol":"1","page":104},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>من آثار البدع السيئة:</span>\nمن شؤم البدعة وآثارها السيئة أنها لا يقبل معها عمل من صلاة ولا صيام ولا صدقة وغيرها من القربات، وهي مانعة من الورود على حوض النبي - ﷺ - ومانعة من شفاعته، وعلى المبتدع إثم من عمل ببدعته إلى يوم القيامة، وليس له توبة.\nوقد تبرأ منه النبي - ﷺ - والمؤمنون، يخاف عليه من سوء الخاتمة والعياذ بالله والبدعة لا يقبل معها عمل إما أن يراه بذلك عدم القبول مطلقا على أي وجه وقع عمل المبتدع وافق السنة أو خالفها أو أن يراد منه أنه لا يقبل ما ابتدع فيه من الأعمال خاصة دون ما لم يبتدع فأما الأول وهو أن المبتدع لا تقبل أعماله مطلقا سواء داخلتها بدعة أم لا، فيدل على ذلك أدلة:\nمنها ما صح عن عبد الله بن عمر ﵄ في القدرية وهو قوله: \"فو الذي يحلف به عبد الله بن عمر لو كان لأحدهم مثل أحد ذهبا فأنفقه ما تقبله الله حتى يؤمن بالقدر\" ثم استشهد بحديث جبريل الذي رواه مسلم.\nومنها ما في حديث الخوارج وهو قوله - صلى الله غليه وسلم -: \"يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية\"، بعد قوله: \"تحقرون صلاتكم مع صلاتهم وصيامكم مع صيامهم\" الحديث. ومنها حديث علي بن أبي طالب ﵁ المشهور بحديث الصحيفة المتفق عليه وفيه قوله: \"المدينة حرم ما بين عير وإلى ثور، من أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا\".","vol":"1","page":104},{"text":"والحديث عام يشمل كل حدث ينافي الشرع والبدع أقبح المحدثات وهو وإن كان خاصًا بمدينة الرسول - ﷺ - فغيرها داخل في المعنى، وهذا الحديث من أشد ما يكون على أهل البدع.\nوأما الاحتمال الثاني وهو أن يراد عدم قبول ما داخلت البدعة من الأعمال خاصة فذلك ظاهر جدا يدل عليه قول النبي - ﷺ -: \"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد\" متفق عليه ولمسلم: \"من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد\".\nوقوله: كل بدعة ضلالة.\nوالبدعة مانعة من الورود على حوض النبي - ﷺ - ومن شفاعته فذلك للحديث الصحيح: \"فليذاد رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال\" وفي رواية: \"أنا على الحوض أنتظر من يَرِد علىّ منكم فيؤخذ أناس دوني فأقول يا رب مني ومن أمتي فيقال: أما شعرت ما عملوا بعدك؟ وفي رواية: ما تدرى ما أحدثوا بعدك؟ فأقول: سحقا سحقا\".\nوالمبتدع عليه إثم من عمل ببدعته إلى يوم القيامة فذلك لقول الله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْم﴾ الآية وقوله - ﷺ -: \"من سن سنة سيئة فعمل بها بعده كان عليه وزرها ووزر من عمل بها\". فما من بدعة يبتدعها أحد فيعمل بها من بعده إلا كتب على مبتدعها إثم من عمل بها زيادة على إثم ابتداعه أولا ثم عمله ثانيا.\nوأيضًا فإذا كانت كل بدعة تستلزم رفع السنة التي تقابلها كان على المبتدع إثم ذلك زائدا على إثم الابتداع.\nوالتوبة محجوبة عن صاحب البدعة فيدل على ذلك حديث أنس ﵁ المرفوع: \"إن الله حجز أو قال حجب التوبة عن كل صاحب بدعة\". رواه ابن أبي عاصم في السنة وقال الألباني: \"صحيح بشواهده\".\nويدل عليه ما في حديث الخوارج وهو قوله: \"يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية ثم لا يعودون فيه\".\nويدل على ذلك قوله في حديث الفرق: \"وإنه سيخرج من أمتي أقوام تجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله\"، وعدم قبول التوبة من المبتدع يقتضي ظاهر الحديث عموم ذلك فهو محمول على العموم العادي لأن الغالب عادة في الواقع الإصرار من المبتدعة على البدع.","vol":"1","page":105},{"text":"وأما براءة النبي - ﷺ - والمؤمنين من أهل البدع فيدل على ذلك قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ الآية وقوله - ﷺ -: \"من رغب عن سنتي فليس مني\".\nوقول ابن عمر ﵄ في أول فرقة من أهل البدع في الإسلام وهم القدرية: \"إذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم وهم براء مني\".\nوالآثار عن السلف في التحذير عن أهل الأهواء والبدع والابتعاد عن مجالستهم كثيرة.\nوالمبتدع يخاف عليه من سوء الخاتمة وذلك أن سوء الخاتمة لا يكون لمن استقام ظاهره وصلح باطنه، والحمد لله على ذلك وإنما يكون سوء الخاتمة لمن له فساد في العقل أو إصرار على الكبائر أو يكون مستقيما في أول أمره ثم تغيرت حاله وأخذ في طريق غير طريق الاستقامة فيكون عمله ذلك سببا لسوء عاقبته وخاتمته والعياذ بالله.\nقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ الآية. وقال سبحانه: ﴿َفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ . والمكر جلب السوء من حيث لا يفطن له وسوء الخاتمة من مكر الله إذ يأتي الإنسان من حيث لا يشعر.\nاللهم إنا نسألك العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدنيا والآخرة.\nالفرق بين البدع وبين المصالح المرسلة والاستحسان\nلما كان هذا المقام مزلة قدم لأهل البدع ومشتبها عليهم حتى استدلوا على البدع من جهته كان لابد من بيان الفرق بين البدع وبين الاستدلال المرسل المسمى بالمصالح المرسلة والاستحسان الفقهي حتى يتبين أن البدع ليست من المصالح المرسلة ولا من الاستحسان\nفأقول أولا: إن المصالح المرسلة لابد فيها من اعتبار أمور:\nالأول: الملائمة لمقاصد الشرع بحيث لا تتنافى مع أصل من أصوله ولا دليل من أدلته.\nالثاني: أن النظر المصلحي إنما يكون فيما عقل معناه وجرى على المناسبات المعقولة التي إذا عرضت على العقول تلقتها بالقبول.\nفلا مدخل للمصالح المرسلة في الأمور التعبدية ولا ما جرى مجراها لأن العبادات","vol":"1","page":106},{"text":"لا يعقل لها معنى على وجه التفصيل مثل الوضوء والتيمم والصلاة والصوم والحج وسائر العبادات.\nألا ترى أن الطهارات على اختلاف أنواعها قد اختص كل نوع منها بتعبد مخالف جدا لما يظهر لبادئ الرأي فإن البول والبراز خارجان نجسان يجب فيهما تطهير أعضاء الوضوء دون الاكتفاء على تطهير المخرجين فقط.\nوالتطهير من ذلك واجب مع نظافة الأعضاء وغير واجب في قذارتها بالأدران والأوساخ إذا فرض عدم وجود الحدث.\nثم التراب من شأنه التلويث يقوم مقام الماء الذي من شأنه التنظيف.\nوأوقات الصلوات الخمس لا توجد فيها مناسبة تعقل لإقامة الصلوات فيها دون غيرها من الأوقات.\nوالصيام والحج نجد فيهما من التعبدات غير المعقولة شيئا كثيرا.\nوهكذا توجد سائر العبادات إلا قليلا منها ظهر فيه معنى مناسب فهم من الشارع فاعتبر به.\nلقد صدق على ﵁: \"لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه\".\nلذلك التزام الإمام مالك بن أنس ﵀ في العبادات عدم الالتفات إلى المعاني وإن ظهرت لبادئ الرأي وقوفا منه ﵀ مع ما فهم من مقصود الشارع في التعبدات من التسليم لها على ما هي عليه بخلاف العادات فهي جارية على المعاني المناسبة الظاهرة للعقول فإن مذهب مالك فيها الرجوع إلى المصالح المرسلة والاستحسان.\nالأمر الثالث: أن المصالح المرسلة ترجع إلى حفظ ضروري من الضروريات فهو من باب الوسائل ومالا يتم الواجب إلا به.\nأو ترجع إلى دفع جرح لازم فهو من باب التخفيف.\nفإذا تقرر ذلك علم أن البدع مخالفة للمصالح المرسلة لأن موضوع المصالح المرسلة: ما عقل معناه على التفصيل مثل الأمور العادية فلذا كانت مظنتها بخلاف العبادات فليس حكمها حكم العادات لاهتداء العقول لها في الجملة وعدم اهتدائها لوجوه التقربات إلى الله تعالى. فلذا لا يقدم على اختراع عبادة لا أصل لها في الشرع.","vol":"1","page":107},{"text":"قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"إن أعمال العباد تنقسم إلى: عبادات يتخذونها دينا ينتفعون بها في الآخرة أوفي الدنيا والآخرة، وإلى عادات ينتفعون بها في معاشهم.\nفالأصل في العبادات أن لا يشرع منها إلا ما شرعه الله تعالى.\nوالأصل في العادات أن لا يحظر منها إلا ما حظر الله تعالى\"١.\nونكرر ونقول: إن المصالح المرسلة مرجعها إما حفظ ضروري فهو من باب الوسائل لا من المقاصد. أو رفع جرح لازم فهو راجع إلى التخفيف لا إلى التشديد.\nفلا يمكن إذًا إحداث البدع من جهة المصالح المرسلة لأن البدع متعبد بها فليست وسائل بل هي من المقاصد عن أصحابها، ولأن البدع زيادة في التكليف فهي منافية للتخفيف، فلا حجة لأهل البدع في المصالح المرسلة أصلا.\nوبذلك كله يعلم من قصد الشارع أنه لم يكل شيئا من التعبدات إلى آراء العباد فلم يبق إلا الوقوف عند ما حده في العبادات والزيادة عليه بدعة كما أن النقصان منه بدعة.\nوثانيا أن الاستحسان أيضا مظنة شبهة لمن أراد أن يبتدع فقد يقول: \"إن استحسنت كذا وكذا ففلان من العلماء قد استحسن\".\nلذلك كان لزاما من بيان معنى الاستحسان عند من اعتبره في الأحكام من أهل العلم حتى لا يغتر به جاهل ولا يحتج به مبتدع.\nفنقول: قد اعتبر الاستحسان الإمامان: أبو حنيفة ومالك رحمهما الله والذي يُستقرى من مذهبهما أن مرجع الاستحسان هو العمل بأقوى الدليلين كما قال ابن العربي المالكي ويشعر به قول الكرخي من الحنفية حيث يقول: \"إن الاستحسان هو العدول عن الحكم في المسألة بحكم نظائرها إلى خلافه لوجه أقوى\".\nوعرفه ابن العربي فقال: \"إنه إيثار ترك مقتضى الدليل على طريق الاستثناء والترخص لمعارضته ما يعارض به في بعض مقتضياته\".\nوقسمه إلى عدة أقسام وذكر منها: ترك الدليل للعرف وتركه للمصلحة وتركه في اليسير لرفع المشقة ومثل لذلك.\n_________\n١ اقتضاء الصراط المستقيم ص ٢٦٩.","vol":"1","page":108},{"text":"وعرفه ابن رشد المالكي بقوله: \"الاستحسان طرح للقياس وعدول عنه في بعض المواضع لمعنى يؤثر في الحكم يختص ذلك الموضع\". والاستحسان على هذه التعريفات ليس بخارج عن الأدلة. والأدلة يقيد بعضها ويخصص بعضها بعضًا.\nفلا حجة في الاستحسان لمبتدع ولا يمكن أن يتمسك به من أراد أن يستحسن بغير دليل أصلا.\nوأما تعلق أهل البدع بالاستحسان على قول من عرفه بأنه: \"ما يستحسنه المجتهد بعقله ويميل إليه برأيه أو أنه: دليل ينقدح في نفس المجتهد ولا تساعده العبارة عنه ولا يقدر على إظهاره\".\nفلم يعرف التعبد بذلك لا بضرورة ولا بنظر ولا بدليل من الشرع قاطع ولا مظنون. والاستحسان بهذا المعنى مصداق قول الإمام الشافعي ﵀: \"من استحسن فقد شرع\".\nومعلوم أن الصحابة ﵃ قد حصروا نظرهم في الحوادث والوقائع التي لا نصوص فيها في الاستنباط والرد إلى ما فهموه من الأصول ولم يقل أحد منهم: \"إني حكمت في كذا لأن عقلي استحسنه أو طبعي مال إليه\".\nوختاما نستعصم اللهم من البدع وأهلها وأنت المسئول المرجو الاجابة أن تمتعنا بالإسلام والسنة والعافية بمنك وكرمك.\nوصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه.","vol":"1","page":109}]}