{"ً":{"ٌ":8792,"ٍ":"البدهيات في القرآن الكريم","َ":2,"ُ":2,"ِ":{"root":"الجوامع والمجلات ونحوها/مجلة الجامعة الإسلامية/027_103-104","files":["027_103-104_mgi.pdf"]},"ّ":"الكتاب: البدهيات في القرآن الكريم\nالمؤلف: أ. د. فهد بن عبد الرحمن بن سليمان الرومي\nالناشر: الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة\nالطبعة: السنة ٢٧ العددان ١٠٣ و١٠٤ - ١٤١٦ / ١٤١٧هـ/١٩٨٦-١٩٨٧م\nعدد الصفحات: ٤٨\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":978,"ٕ":4,"ٖ":1770155382,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة","level":1,"page":1},{"title":"المراد بالبدهيات","level":1,"page":3},{"title":"صلة البدهيات بالبلاغة","level":1,"page":7},{"title":"مدخل","level":2,"page":7},{"title":"الإطناب","level":2,"page":9},{"title":"التأكيد","level":2,"page":16},{"title":"أنواع البدهيات","level":1,"page":20},{"title":"مدخل","level":2,"page":20},{"title":"أولا: البدهية الحسابية","level":2,"page":21},{"title":"ثانيا: البدهية اللغوية","level":2,"page":30},{"title":"ثالثا: البدهية العادية","level":2,"page":37}],"ٛ":{"1,11":1,"1,12":2,"1,13":3,"1,14":4,"1,15":5,"1,16":6,"1,17":7,"1,18":8,"1,19":10,"1,20":11,"1,21":12,"1,22":13,"1,23":14,"1,24":15,"1,25":17,"1,26":18,"1,27":19,"1,28":22,"1,29":23,"1,30":24,"1,31":25,"1,32":26,"1,33":27,"1,34":28,"1,35":29,"1,36":31,"1,37":32,"1,38":33,"1,39":34,"1,40":35,"1,41":36,"1,42":37,"1,43":38,"1,44":39,"1,45":40,"1,46":41,"1,47":42,"1,48":43},"ٜ":{"1":[11,48]},"ٝ":["1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,24","1,25","1,26","1,27","1,27","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48"],"ٞ":{"1":[1],"3":[2],"7":[3,4],"9":[5],"16":[6],"20":[7,8],"21":[9],"30":[10],"37":[11]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"لبدهيات في القرآن الكريم\nد. فهد بن عبد الرحمن بن سليمان الرومي أستاذ مشارك ورئيس قسم الدراسات القرآنية\nكلية المعلمين - الرياض -\nبسم الله الرحمن الرحيم\n<span data-type=\"title\" id=toc-1>مقدمة</span>\nالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.. أما بعد:\nفقد كان الناس في جهالة جهلاء وضلالة عمياء فأنزل الله تعالى هذا القرآن وأخرجهم به من الظلمات إلى النور وصاروا بعد أن كانوا في أدنى درجات الجاهلية خير أمة أخرجت للناس.\nآمنوا بالقرآن واتبعوه وساروا على نهجه وانقادوا لحكمه بعد أن أدركوا ساعتها إعجاز الذي لا يمكن أن يأتي بمثله بشر.\nواقتضت حكمة الله تعالى أن يكون هذا الكتاب خاتم الكتب فكان إعجازه مصاحبًا له عند كل أمة، ومع كل جيل وفي كل قرن.\nفنيت أُمَمٌ وذهبت أجيال، والقرآن هو هو مازال إعجازه متجددًا ومازال عطاؤه مستمرًا يعلن أنه صالح لكل زمان ومكان.\nوتعددت وجوه إعجازه وتنوعت يدرك منها الناس في كل عصر وجوها وتغيب عنهم وجوه.\nحتى ما كان يعتقد أنه قد استُوفي وأخذ حَقَّه من الدراسة والبحث وكاد أن يغلق بابه لا يلبث الناس أن يروا أنهم لازالوا في أول درجاته.\nخذوا مثلا الإِعجاز البلاغي في القرآن الكريم أدركه القوم الذين نزل فيهم وتذوقوه، وأولاه مَنْ بعدهم عناية أكبر بالدراسة ثم جاءت قرون تالية ظهر فيه أئمة البلاغة وأرباب الفصاحة وأَوْلَوا القرآن عنايتهم، كيف لا وهو مثلها الأعلى في البلاغة والفصاحة والبيان فدرسوا وبينوه ووقفوا عند صور البلاغة، وأساليب","vol":"1","page":11},{"text":"البيان، وقوف شحيحٍ ضاع في الترب خاتمه حتى ظننا أنه لم يبق شيء لها يدرسوه.\nوفي القرآن آيات قريبة المعنى ظاهرة الدلالة، بل إن وضوح معناها وظهوره كان لدرجة أنْ لا يخفى على أحد بل إن المتأمل ليقف متسائلا، عن الحكمة في ذكرها على هذه الدرجة من الوضوح، وآيات من هذا النوع تذكر قضية لا يختلف فيها اثنان بل هي أمرٌ بَدَهَيّ يدركه الإِنسان من فوره.\nفهذه آيات تذكر معلومةً لا تخفى أو أثرًا ظاهرًا لا يحتاج إلى تقرِير أو بيان، ونجزم أنه لابد لذلك من حكمة، ولابد له ومن فائدة، وإلا كان حشوا يتنزه عنه كلامُ البلغاء فضلًا عن كلام الرحمن القران الكريم.\nوقد تناول المفسرون وعلماء البلاغة آيات هذا النوع آحادا في كتبهم ولم يدرسوها مجتمعة إلا إشارات سريعة كأن يشير أحدهم إلى آيتين أو ثلاث تشبه الآية التي يدرسها وهو من النادر أيضا.\nوقد اجتمع لدي مجموعة من هذا النوع من الآيات التي رأيت أنّ دلالتها على المقصود أمرًا بدهيّا، فنظرت فيها وفي كلام أهل التفسير والبلاغة عنها، وحاولت تحديد أنواعها، وأقسامها، وضرب الأمثلة لكل نوع منها وذكر أقوال المفسرين في بيان الحكمة فيها ووجه بلاغتها وهي على كلٍ خطوة شي طريق طويل وجديد.\nطويل لدرجة أن تصلح بعض أجزائه رسائل للدراسات العليا، وجديد إذ أن أقوال العلماء فيه شذرات متفرقة.\nوهذا جهدي، ومبلغ طاقتي وأسأل الله أن يجعل عملي خالصا لوجهه إنه سميع مجيب، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.\nفهد بن عبد الرحمن الرومي\nصبيحة يوم السبت ٨/٧/١٤١٥هـ","vol":"1","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>المراد بالبدهيّات:</span>\nالبداهة أول كل شيء، وما يفجأ من الأمر، والبديهة: المعرفة يجدها الإِنسان في نفسه من غير إعمالٍ للفكر ولا علمٍ بسببها.\nوالبديهة قضية اعترفَ بها ولا يحتاج في تأييدها إلى قضايا أبسط منها مثل أنصاف الأشياء المتساوية متساوية ١.\nوقد عَدَّ ابن حزم رحمه الله تعالى من معارف النفس ما أدركت بحواسها الخمس ثم عَدَّ الإدراك السادس علمها بالبديهيات ومَثَّلَ لذلك بعلمها أن الجزء أَقل من الكُلَّ، وأنَ الضِّدين لا يجتمعان، وأنه لا يكون فعل إلا لفاعل، وغير ذلك، ثم وصفها بأنها أوائل العقل التي لا يختلف فيها عقل.. وليس يدري أحد كيف وقع العلمُ بها.. وأنها ضرورات أوقعها الله في النفس، ولا سبيل إلى الاستدلال البتة إلا من هذه المقدمات، ولا يصح شيء إلا بالرد إليها، فما شهدت له مقدمة من هذه المقدمات بالصحة فهو صحيح متيقن وما لم تشهد له بالصحة فهو باطل ساقط إلا أن الرجوع إليها قد يكون من قرب ومن بعد، فما كان من قرب فهو أظهر إلى كل نفس وأمكن للفهم، وكلما بعدت المقدمات المذكورة صعب العمل في الاستدلال حتى يقع في ذلك الغلط إلا للفَهِم القوي الفَهْم والتمييز٢.\n_________\n١ المعجم الوسيط ج١ ص ٤٤.\n٢ الفصل في الملل والأهواء والنحل: ابن حزم، ج١ ص (٥-٧) بتصرّف.\nولمزيد تفصيل في مذهب ابن حزم في ذلك انظر مقال (العقل والحقيقة) للأستاذ أبي عبد الرّحمن ابن عقيل، مجلّة الفيصل العدد ٢١٥ص ٤٨-٥٠.","vol":"1","page":13},{"text":"وقال الجرجاني: \"البديهي: هو الذي لا يتوقف حصوله على نظر وكسب، سواء احتاج إلى شيء آخر من حدسٍ أو تجربة أو غير ذلك أو لم يحتج، فيرادف الضروري. وقد يراد به ما لا يحتاج توجه العقل إلى شيء أصلًا فيكون أخص من الضروري كتصور الحرارة والبرودة، وكالتصديق بأن النفي والإثبات لا يجتمعان ولا يرتفعان \"١، وقيل البدهي هو الذي يفرض نفسه فرضًا على العقل ولا يترك له أدنى مجال للشك٢.\nوينبغي أن نُفَرِّقَ هنا بين البدهيات والمسَلَّمَات، فقد عَرَّفَ الجرجاني المُسَلَّمَات بأنها \" (قسم من المقدمات الظنية) وهي قضايا تُسَلَّمُ من الخصم ويبنى عليها الكلام لدفعه سواء كان مسلمة بين الخصمين أو بين أهل العلم كتسليم الفقهاء مسائل أصول الفقه \" ٣.\nويبدو أن العلاقة بين البدهيات والمُسَلَّمَات علاقة عموم وخصوص، فكل بدهية مُسَلَّمَة وليست كل مُسَلَّمَة بدهية فالبدهيات أخص من المُسَلَّمَات.\nومن أمثلة المُسَلَّمَات الاحتجاج على الخصم بما لا يجد بُدًَّا من التسليم به فحين احتج إبراهيم على المَلِك بأنَّ الربَّ هو الذي يُحيي ويُميت، كابَرَ وأَنكر التسليم بذلك فغالط وادعى أنه يُحيي ويُميت فَرَدَّ عليه إبراهيم ﵇ بقضية مُسَلَّمَة لا يستطيع معها المكابرة ﴿فَإِنَّ الله يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ ٤، فلم يستطع الملك إنكار هذه القَضية ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَر﴾ ٥.\n_________\n١ التعريفات للجرجاني: ص٥٣.\n٢ معجم المصطلحات والشواهد الفلسفية: جلال الدين سعيد، ص٧٥.\n٣ التعريفات: الجرجاني، ص ٢٤١.\n٤ سورة البقرة: من الآية ٢٥٨.\n٥ سورة البقرة: من الآية ٢٥٨.","vol":"1","page":14},{"text":"ومن أمثلة ذلك الاحتجاج بالمبدأ وهو مُسَلَّمٌ لإثبات المعاد على من ينكره ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ، قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ ١.\nومثل هذا المسائل والقضايا وإن كانت مُسَلَّمَة إلا أنها تحتاج إلى نَظَرٍ وكَسْبِ ولا يجدُها الإِنسان في نفسه من غير إعمالٍ للفكر ولا عِلْمٍ بسببها مما هو خاَص بالبدهيات.\nولعله يظهر بهذا النوعُ الذي نريد دراسته هنا من القضايا التي تناولها القرآن الكريم وهي القضايا التي يستغرب التالي للقرآن والمتدبرُ لمعانيه النَصَّ عليها في القرآن مع أنَّ حصولها لا يتوقف على نظر وكَسْب ولا يختلف فيها عقل، فقوله تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَة﴾ ٢. بعد قوله: ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾، قضية بدهية لا يحتاج إدراكُها بعد تَوجّه العقل إلى شيء أصلا.\nوكذا قوله تعالى: ﴿وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْه﴾ ٣، فإنَّ ذِكْرَ طيران الطير بجناحيه مما يدعو إلى السؤال عن السِّرِّ في النص على ذلك مع أنه من البَدَهيّ أنَّ الطير لا يطير إلا بجناحيه فيكفي في إدراك ذلك مجرد ذكره دون ذكر آلة طيرانه فهذا لا يحتاج إلى أكثر من توجه العقل.\nوالبدهيات – فيما أحسب - تنقسم من حيث مصدر البداهة إلى قسمين:\nأولهما: ما جاءت بداهته من حيث أنَّ النص الثاني نتيجة بدهية للنص الأول مثل: ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ ٤، حيث قال بعدها: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَة﴾ ٥، وهي نتيجة حسابية لا تحتاج إلى أكثر من\n_________\n١ سورة يس الآيتين ٧٨- ٧٩.\n٢ سورة البقرة: آية ١٩٦.\n٣ سورة الأنعام آية ٣٨.\n٤ سورة البقرة: آية ١٩٦.\n٥ سورة البقرة: آية ١٩٦","vol":"1","page":15},{"text":"تَوَجّه العقل ويستند إدراكها إلى النصر الأول مع التوجه العقلي الأولي لإدراكها.\nثانيهما: ما جاءت بداهته من التوجه العقلي الأَوَّلِيّ دون استناد إلى نصٍ سابقٍ كمقدمة له، مثل: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ (المؤمنون:١٥)، فإنَّ إدراك هذا الأمرَ البدهي معلوم لا يحتاج إلى أكثر من توجه العقل تَوَجّهًا أَوَلِيًَّا حتى ولو لم يسبقه نصر يقرره أو يؤدي إليه بالضرورة.\nونستطيع أن نذكر بعد هذا أنًا نريد بالبدهيات في القرآن الآيات التي يذكر فيها لازم ما سبقه من كلام أو آلته أو نتيجة حسابية لعددين لا يحتاج جمعُهما لغير توجه العقل توجها أوليًَّا.\nوقد يعتقد كثير من الناس أنَّ البدهيات بهذا المعنى لم ترد في القرآن إلا قليلًا والحق أنها وردت شي كثير من الآيات يمر عليها كثير من التالين للقرآن من غير أن يكون في إدراك معناها جسأة١ توقفهم- ولو هنية- للتأمل والتفكر فيمرون عليها سريعا وكأن قوة ظهور معناها عامل على سرعة تجاورها، وحصان حق هذه الآيات أن نقف عندها طويلا، لا لاستظهار معناها هذا قد كفيناه، وإنَّما للتدبر والتفكر في سِرِّ إظهار معناها هذا الظهور وحكمةِ ذلك.\nولكثير من المفسرين وقفات عند مثل هذه الآيات طويلة عند بعضهم، وقصيرة عند آخرين وهم حين يتناولونها فإنَّمَا يتناولونها آحادًا من غير مقارنة بينها أو دراسة لموضوعها، ونَجدُ أنَّ مثل هذه الوقفات تظهر عند المهتمين في تفاسيرهم بالبلاغة واللغة، ولهذا فإنه ينبغي أن نبين صلة البدهيات بعلم البلاغة.\n_________\n١ جسأ: جسئا وجسوءا وجسأة: يبس وصلب وخشن. (المعجم الوسيط ج١ ص ١٢٢) .\n١ مفتاح العلوم للسكاكي، ص ١٩٦.","vol":"1","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>صلة البدهيات بالبلاغة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>مدخل</span>\n...\nصلة البدهيات بالبلاغة\nنشأ علم البلاغة كغيره من علوم اللغة العربية لخدمة القرآن الكريم وإظهار معانيه وإبراز أساليبه ولذا كان أغلب الأمثلة والشواهد التي يستدل بها علماء البلاغة من القرآن الكريم، ولا عجب في ذلك إذ أنهم يريدون ضرب الأمثال الظاهرة، والشواهد الواضحة، والدلائل القاطعة، على ما يريدون إثباته من صور البلاغة، وفي القران الكريم ما يطلبون وفوق ما يطلبون.\nوقد عَرَّفَ السَّكَّاكي البلاغةَ بقوله: \"هي بلوغ المتكلم في تأدية المعاني حَدًّا له اختصاص بتوفيِة خواص التركيب حَقّها، وإيراد التشبيه والمجاز والكناية على وجهها\"١.\nوعرفها القزويني بقوله: \" وأما بلاغة الكلام فهي مطابقته لمقتضى الحال مع فصاحته \" ٢.\nونقل الجاحظ تعريفا لأحدهم فقال: \"وقال بعضهم: - وهو من أحسن ما اجتبيناه ودَوَّنَاه - لا يكون الكلام يستحق اسم البلاغة حتى يسابق معناه لفظَه، ولفظُه معناه، فلا يكون لفظه إلى سمعك أسبق من معناه إلى قلبك\"٣.\nوإذا كان هذا هو تعريف البلاغة فإنا نجد المسائل البدهية في الآيات القرآنية من أدعى الآيات لإِظفار وجه مطابقتها لمقتضى الحال إذ قد يبدو لبعض التالين أنَّ ما قَرَّرَتْهُ لا جديدَ فيه، بل هو بدهي لا ينْكَرُ، وظاهر لا يخفى، فأين هذا ومطابقته لمقتضى الحال، وحين يتصدى البلاغيّون لمثل\n_________\n١ الإيضاح العضدي، ص ٧\n٢ البيان والتبيين: الجاحظ، ج١ ص ٧٥.","vol":"1","page":17},{"text":"هذا فإنه يكشفون وجوها من أعلى درجات البلاغة، وأجل ما تقتضيه مراعاة حال المخاطب، وُيظهرون حِكْمةَ ورود الآية على هذا الوجه، وأنه ليس إلا ضرب من التفنن في الأساليب البلاغية، وأخذ بها من جميع أطرافها.\nثم نجد أن البدهيات تدخل في أبواب عديدة من مباحث البلاغة كالإِطناب، والتوكيد، والتكميل، والتتميم، وغيرها، وليس في وسعنا تتبع هذه المباحث هنا واستقصاؤها وإنما نشير إلى مبحثين منها من أهمها وأوسعها أعني مَبْحَثَيّ الإِطناب والتأكيد.","vol":"1","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>الإِطناب:</span>\nوالإِطناب مصدر أطنب في كلامه إطنابًا إذا بالغ فيه وطَوَّل ذيوله لإِفادة المعاني. واشتقاقه من قولهم: أطنب بالمكان إذا أطال مقامه فيه، وفرس مطنب إذا طال متنه، ومن أجل ذلك سُمِّي حبل الخيمة طنبًا لطوله، وهو نقيض الإيجاز في الكلام ١.\nوالعلاقة بين الإِطناب والبلاغة وثيقة بل عرفوا الإِطناب بأنه \"البلاغة في المنطق والوصف مدحًا كان أو ذمًا، وأطنب في الكلام: بالغ فيه\"٢.\nبل عرّفوا البلاغة بأنها: \" الإِيجاز والإِطناب\" ٣ وإنما جمعوا بينهما وهما نقيضان لاختلاف المقامات فما يصلح في مقام لا يصلح في الآخر، ولهذا قال العسكري: \"القول القصد أن الإِيجاز والإِطناب يُحتاج إليهما في جميع الكلام وكل نوع منه، ولكل واحد منهما موضع، فالحاجة إلى الإِيجاز في موضعه كالحاجة إلى الإطناب في مكانه، فمن أزال التدبير في ذلك عن جهته،\n_________\n١ الطراز: يحي بن حمزة العلوي، ج٢ ص ٢٣٠.\n٢ لسان العرب: ابن منظور: ج١ ص ٥٦٢ مادة (طنب) .\n٣ الإتقان: السيوطي، ج٢ ص ٥٣.","vol":"1","page":18},{"text":"واستعمل الإِطناب في موضع الإِيجاز، واستعمل الإِيجاز في موضع الإِطناب أخطأ.\nكما روي عن جعفر بن يحي أنه قال مع عجبه بالإِيجاز: \"متى كان الإِيجاز أبلغ كان الإِكثار عِيًّا، ومتى كانت الكناية في موضع الإِكثار كان الإِيجاز تقصيرًا\".\nوأمر يحي بن خالد بن برمك اثنين أن يكتبا في معنى واحد، فأطال أحدهما، واختصر الآخر فقال للمختصر- وقد نظر في كتابه -: \"ما أرى موضع مزيد\"، وقال للمطيل: \"ما أرى موضع نقصان\".\nوقال غيره: \"البلاغة الإيجاز في غير عجز، والإِطناب في غير خطل\"١.\nفإذا عرفت الإِطنابَ ومكانته من البلاغة فينبغي أن تعرف الفرق بينه وبين التطويل والتكرير والترادف، فقد عرّفوا الإِطناب بأنه \"زيادة اللفظ على المعنى لفائدة جديدة من غير ترديد\"٢ فقولنا:\"زيادة اللفظ على المعنى \" عام في الإِطناب والتطويل والتكرير والترادف.\nوقولنا: \" لفائدة\" يخرج عنه التطويل فإنه لغير فائدة وهذا هو الذي عليه الأكثر من علماء البلاغة، والإطناب صفة محمودة في البلاغة بخلاف التطويل فإنه صفة مذمومة في الكلام٣.\nوقولنا: (جديدة) تخرج عنه الألفاظ المترادفة فإنها زيادة في اللفظ على المعنى لفائدة لغوية ولكنها ليست جديدة، وقولنا: \"من غير ترديد\" يخرج عنه\n_________\n١ الصناعتين: لأبي هلال العسكري، صر ١٩٦.\n٢ الطراز: العلوي، ج٢ ص ٢٣٠.\n٣ الطراز العلوي،ج٢ ص ٢٣٢، والفوائد المشوق: ص ١٥٩.","vol":"1","page":19},{"text":"التكرير فإنه دلالة على المعنى مرددا\"١. وليس كل التكرار مذمومًا فقد فرَّق الخطابي بين المحمود منه والمذموم فقال:\n\"وأما ما عابوه من التكرار، فإن تكرار الكلام على ضربين:\nأحدهما: مذموم: وهو ما كان مُستغنىً عنه غير مستفاد به زيادة معنى لم يستفيدوه بالكلام الأول لأنه حينئذ يكون فضلا من القول ولغوًا، وليس في القرآن شيء من هذا النوع.\nوالضرب الآخر: ما كان بخلاف هذه الصفة ... وإنما يُحتاج إليه ويحسن استعماله في الأمور المهمة التي قد تعظم العناية بها، ويُخاف بتركه وقوعُ الغلط والنسيان فيها، والاستهانة بقدرها، وقد يقول الرجل لصاحبه في الحث والتحريض على العمل: \"عجل عجل، وإرم إرم\"، كما يكتب في الأمور المهمة على ظهور الكتب \"مهم مهم مهم\" ونحوها من الأمور\"٢.\nوإذا عرفنا الفرق بين الإِطناب والتطويل والتكرير والترادف، فإنه ينبغي أن نعرف أنَّ الإِطناب ينقسم إلى قسمين:\nالأول: ما يكون متعلقًا بالجملة الواحدة من الكلام وهو نوعان:\n١- ما يَرِدُ من الإطناب علىِ جهة الحقيقة بأن يكون معنى اللفظ الزائد هو معنى المذكور، ويكون مغايرا له.\nومن أمثلة هذا النوع قولنا: \"رأيته بعيني\"، \"وقبضته بيديَ\"، \"ووطئته بقدمي\"، \"وذقته بلساني\"، إلى غير ذلك من تعليق هذه الأفعال بما ذكر من الأدوات.\nوقد يظن ظان أن تعليق هذه الأفعال بهذه الآلات إنما هو لغو لا حاجة إليه فإن تلك الأفعال (الرؤية، القبض، الوطء، الذوق) لا تُفعل إلا بهذه الآلات\n_________\n١ الطراز: العلوي ج٢ ص ٢٣٠، والمثل السائر: ابن الأثير، ج٢ ص١٢٨.\n٢ بيان إعجاز القرآن: الخطابي ص٤٧-٤٨.","vol":"1","page":20},{"text":"(العين، اليد، القدم، اللسان) وليس الأمر كما يظن الظان، بل هذا إنما يقال في كل شيء يعظم مَنَالُه ويَعزُّ الوصولُ إليه أو يصعب تصديقه، أو يشتد إنكاره، فيؤتى بهذه الأدوات على جهة الإِطناب دلالة على نيله، أو لتأكيد وقوعه، كما لو أنكر المخاطب قولًا نسبته إليه فقلتَ: \"لقد قلته بلسانك وسمعته منك بأذني\"، مع أن القول لا يكون إلا باللسان وأن السماع لا يكون إلا بالأذن، فإن أحدًا لا يُنكر من قولك، بل يدرك أنك ذكرت ما ذكرت لعِلَّة مقبولة.\nوعلى هذا النحو ورد قولُه تعالى: ﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُم﴾ (الأحزاب: من الآية٤) ١، لأن هذه الآية إنما وردت في شأن جعل الزوجة الحلال بمنزلة الأم.\nالحرام في الظهار وفي جعل الأدعياء أبناء فأعظم الله الرَّدً والإِنكار في أن تكون الزوجة أمًّا والمملوك ابنًا وأنَ مثل هذا يكون محالا٢.\n٢- ما يرد من الإِطناب في الجملة الواحدة على جهة المجاز وهذا كقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (الحج: من الآية٤٦) ٣. إذ من المعلوم أنَّ القلوبَ لا تكون إلا في الصدور، إلا أنه لِمَا عُلِمَ وتحقق أنَّ العمى على جهة الحقيقة إنما يكون في البصر وأن استعماله في القلوب إنما يكون على جهة التجوز بالتشبيه، فلما أريد ما هو على خلاف المتعارض من نسبة العمى إلى القلوب ونفيه عن الأبصار لا جَرَمَ احتاج الأمر فيه إلى زيادة تصوير وتعريف ليتقرر أنَّ مكان العمى هو القلوب لا الأبصار٤.\nالثاني: الإطناب الذي يكون في الجمل المتعددة وهو أربعة أنواع هي:\n_________\n١ سورة الأحزاب: الآية ٤.\n٢ انظر الطِراز: العلوي، ج٢ ص ٢٣٥ - ٢٣٦.\n٣ سورة الحج: الآية ٤٦.\n٤ الطِراز: العلوي، ج٢ ص ٢٣٧.","vol":"1","page":21},{"text":"١- أن يذكر الشيء فيُؤتى فيه بمَعَانٍ مُتداخلة، إلا أن كل معنى يختص بخصيصة ليست للآخر كقول أبي تمام:\nمِنْ مِنَّةٍ مشهورةٍ وصنيعةٍ\nبكرٍ وإحسانٍ أَغَرَّ مُحَجَّل١\nفالمِنَّة والصنيعة والإِحسان أمور متقاربة وليس ذلك من قبيل التكرير لأنها إنما تكون تكريرًا لو اقتصر على ذكرها مُطلقة من غير صفة كأن يقول: \"منة وصنيعة وإحسان\" ولكنه وَصفَ كلَّ واحدة منها بصفة تخالف صفة الآخر فلا جرم أخرجها ذلك عن حكم التكرير.\n٢- النفي والإِثبات: \" وهو أن يُذكر الشيء على سبيل النفي، ثم يذكر على سبيل الإِثبات أو بالعكس من ذلك، ولابد من أن يكون في أحدهما زيادة فائدة ليست في الآخر يؤكد ذلك المعنى المقصود وإلا كان تكريرا وذلك كقوله تعالى: ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَالله عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ، إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ (التوبة:٤٤- ٤٥) ٢.\nفالآية الثانية كالآية الأولى إلا في النفي والإِثبات، فإن الأولى من جهة الإِثبات والثانية من جهة النفي، فلا مخالفة بينهما إلا فيما ذكرناه خلا أن الثانية اختصت بمزيد فائدة وهي قوله: ﴿وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ ... ولولا هذه الفائدة لكان ذلك تكريرًا ولم يكن من باب الإطناب.\n_________\n١ديوان أبي تمام: ص٢٠٦.\n٢ سورة التوبة: الآيتين ٤٤- ٥ ٤.","vol":"1","page":22},{"text":"٣- أن يذكر المعنى الواحد تمامًا لا يحتاج إلى زيادة ثم يُضرب له مثال من التشبيه كقول البحتري يصف امرأة: ١\nذات حسن لو استزادت من\nالحسن إليه لما أصابت مزيدا\nفهي كالشمس بهجة والقضيب\nالَّلْدن قدَّا والريم طرفا وجيد ا\nفالبيت الأول كان كافيا وتماما في إفادة المدح غير أنَّ في البيت الثاني تشبيها أفاد تَصَوُّرا وتخيلا لا يحصل من المدح المطلق وهذا الضرب له موقع بديع في الإِطناب.\n٤- الاستقصاء في ذِكْرِ أوصاف الشيء للمدح أو الذم ونحوهما كقول بعضهم:\nلأعلى الورى قدرا وأوفر هم حجى\nوأرشدهم رأيا وأسمحهم يدا ٢\nفهذه أقسام الإِطناب في الجملة الواحدة وفي الجمل المتعددة، وله أساليب متنوعة لا نطيل بتفصيلها ولا نقصر عن إيجازها فمنها:\n١) الإِطناب بالاعتراض.\n٢) الإِطناب بالإيضاح.\n٣) الإِطناب بالإِيغال.\n٤) الإِطناب بالبسط.\n٥) الإِطناب بالتتميم.\n٦) الإِطناب بالتذييل.\n_________\n١ ديوان البحتري: ج١ ص ٥٩١.\n٢ أقسام الإِطناب في الجمل المتعددة نقلتها عن كتاب الطراز: للعلوي، ج٢ ص ٢٣٨-٢٤٤. وانظر الفوائد المشوق: ص ١٥٧-١٥٩. ومعجم المصطلحات البلاغية وتطورها د. أحمد مطلوب، ج١ ص ٢٢٥-٢٢٦.","vol":"1","page":23},{"text":"٧) الإِطناب بالتكميل.\n٨) الإِطناب بالتكرير.\n٩) الإِطناب بالتوشيع.\n١٠) الإطناب بذكر الخاص.\n١١) الإِطناب بالزيادة.\nوبهذا ندرك منزلة الإِطناب في علم البلاغة ومكانته الكبيرة وأنه محيطها الأكبر الحائز على نصيب أكبر من مباحثها، وأن مباحث أخرى ليست إلا من فروعه وإن طالت، ولذا أطنبتُ في الحديث عنه وما أطلت وما ذاك إلا لأنه وثيق الصلة ببحثنا أو إن شئت فقل: إن بحثنا وثيق الصلة به، ذلكم أن المعاني البدهية كما أشرت في تعريفها هي لازم ما سبقها من كلام أو آلته التي لا يكون إلا بها فتبدوا لأول وهلة إن لم تكن تطويلا فهي إطنابا، ينبغي تعليل اختياره، وتوضيح حكمته، وبيان معناه.","vol":"1","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>التأكيد:</span>\nوهو تمكين الشيء في النفس وتقوية أمره.\nوفائدته: إزالةُ الشكوك وإماطة الشبهات عَمَّا أنت بصدده ١.\nوأنواعه كثيرة٢ ويهمنا منها التوكيد الصناعي وهو أربعة أقسام:\nأحدها: التوكيد المعنوي بالنفس والعين وكل وجميع وعَامَّة وكِلا وكِلتا٣.\nالثاني: التأكيد اللفظي وهو تكرار اللفظ الأول، إما بمرادفه كقوله تعالى:\n_________\n١ الطراز العلوي، ج٢ ص١٧٦.\n٢ ذكر الزركشي في البرهان ثمانية وعشرين قسما للتوكيد وفصل القول فيها من ص ٣٨٤ ج٢ إلى ص ١٠١ ج٣.\n٣ أوضح المسالك: ابن هشام، ج ٣ ص ٣٢٧ – ٣٢٨.","vol":"1","page":24},{"text":"﴿ضَيِّقًا حَرِجًا﴾ ١ على قراءة كسر الراء٢ و﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ ٣، وإما بلفظه، ويكون التكرار للاسم والفعل والحرف والجملة، فالاسم مثل: ﴿قَوَارِير قَوَارِير﴾ ٤، والفعل: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ ٥، واسم الفعل نحو: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ﴾ ٦، والحرف نحو: ﴿فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ ٧، والجملة نحو: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، َإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ ٨،٩.\nالثالث: تأكيد الفعل بمصدره وهو عِوَض من تكرار الفعل مرتين، وفائدته: رفعُ تَوَهُّم المجاز في الفعل بخلاف التوكيد السابق فإنه لرفع توهم المجاز في المسند إليه١٠.\nويكون تأكيد الفعل بمصدره نحو: ﴿وَكَلَّمَ الله مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ ١١ وتارة\n_________\n١ سورة الأنعام الآية ١٢٥.\n٢ وهي قراءة نافع وأبى بكر وقرأ الباقون بفتح الراء (التذكرة في القراءات: ابن غلبون، ج٢ ص ٤١٠ والكشف عن وجوه القراءات السبع لأبي مكي ابن أبي طالب، ج١ ص٤٥٠) .\n٣ سورة فاطر: الآية ٢٧.\n٤ سورة الإنسان الآيتين ١٥-١٦.\n٥ سورة الطارق الآية ١٧.\n٦ سورة المؤمنين الآية ٣٦.\n٧ سورة هود الآية ١٠٨.\n٨ سورة الانشراح الآية ٥-٦.\n٩ الإتقان: للسيوطي، ج٢ ص ٦٦.\n١٠ المرجع السابق.\n١١ سورة النساء الآية ١٦٤.","vol":"1","page":25},{"text":"يكون تأكيده بمصدر فعلٍ آخر نحو: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ ١ إذا المصدر تبتلا، والتبتيل مصدر بَتَّل٢، وتارة يكون التأكيد بمرادفه كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا﴾ ٣، فإن الجهار أَحَدُ نوعيّ الدعاء٤، ويحتمل أن يكون منه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ ٥. ومثل هذه الآية في التصريح بالمصدر مع ظهوره فيما قبله قوله تعالى: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَن﴾ ٦وقوله: ﴿فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ﴾ ٧ وقوله: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ﴾ ٨،٩.\nالرابع:١٠ الحال المُؤكِّدة لعاملِها وهي الآتية لتأكيد الفعل وسميت مُؤكِّدة لأنها تُعلم قبل ذكرها فيكون ذكرها توكيدًا، لأنها معلومة من ذكر صاحبها كقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ ١١ فالحياة معلومة من ذكر البعث، وكقوله تعالى: ﴿وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ١٢. فالإِفساد معلم من مجرد ذكر العثو وهو أشد الإِفساد١٣ وكقوله تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ ١٤ فعدم\n_________\n١ سورة المزّمّل: الآية ٨.\n٢ الإتقان السيوطي ج٢ ص٦٦.\n٣ سورة نوح: الآية ٨.\n٤ البرهان للزركشي ج٢ ص٣٩٤.\n٥ سورة البقرة: الآية ٢٨٢.\n٦ سورة آل عمران: الآية ٣٧.\n٧ سورة التوبة الآية ١١١.\n٨ سورة المعارج: الآية الأولى.\n٩ البرهان للزركشي ج٢ ص ٣٩٨- ٣٩٩.\n١٠ البرهان: للزركشي ج٢ ص ٤٠٢. والإتقان للسيوطي ج٢ ص ٦٦.\n١١ سورة مريم: الآية ٣٣.\n١٢ سورة العنكبوت: الآية ٧٦.\n١٣ المعجم الوسيط: ج٢ ص ٥٩٠ - مادة (عثا) .\n١٤ سورة ق: الآية ٣١.","vol":"1","page":26},{"text":"البعد معلوم من (أزلفت) إذ معنى زَلَفَ: دنا وتقدم ١.\nوبعد عرض- أحسبه سريعًا- للإِطناب والتأكيد تظهر لنا الصلة الوثيقة بالبدهيات ومن ثَمَّ صلةُ هذه الأخيرة بالبلاغة.\n_________\n١ المعجم الوسيط: ج١ ص ٣٩٩ مادة (زلف) .","vol":"1","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>أنواع البدهيات</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>مدخل</span>\n...\nأنواع البدهيات:\nأشرت في تعريف البدهيات إلى انقسامها من حيث المصدر إلى قسمين ونحن هنا لا نقصد هذا المعنى وإنما نقصد أنواعها من حِيثُ هي بَدَهِيَّة.\nولا أدعي أنَّ هذا التقسيم حاصرٌ إذ هو ليس إلا محض اجتهاد ممن قَصُرَ باعُه في قضية تحتاج إلى جلاء وبيان، وتمعنٍ وتفكرٍ، واستقصاءٍ وشمولٍ، فَلَعليِّ أذكر ما توصلتُ إليه وإن قَلَّ.\nبعد استقراء أو شبه استقراء أرى أنَّ البدهيات تنقسم إلى أنه ثلاثة:\nالأول: بدهية حسابية.\nالثاني: بدهية لغوية.\nالثالث: بدهية عادية.\nوسأتناول هذه الأنواع الثلاثة مُعَرِّفًا ومُمَثِّلًا لكل نوع بإذن الله تعالى.\n_________\n١ المعجم الوسيط: ج١ ص ٣٩٩ مادة (زلف) .","vol":"1","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>أولا: البدهية الحسابية:</span>\nوتنقسم إلى قسمين:\n- القسم الأول: فذلكة٢ عددين مذكورين تفصيلا يُدركُ العقلُ مجموعَهما من فوره ولا يحتاج إلى ذكرِ مجموعهما. وفي القرآن من هذا النوع آيتان:\n_________\n٢ فدْلَك الحِسَابَ: أنهاه وفرغ منه، وهي منحوته من قوله: - إذا أجمل حسابه - فذلك كذا وكذا (الفذلكة) مُجْمل ما فُصِّل وخلاصته. (المعجم الوسيط ج٢ ص ٦٨٥) .","vol":"1","page":27},{"text":"الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ ١، فقوله تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ جمع للثلاثة والسبعة وهي نتيجة يدركها العقل لأول وهلة من غير أن يحتاج إلى أن تجمع له ليُسْرِها وشُرْبِها إلى الذهن.\nوقد يُسأل عن الحِكْمَةِ في إظهارها مع ظهورها؟ وللعلماء في بيان هذه الحكمة أقوال كثيرة فاضت قرائحهم في جلائها وتنافسوا في إبرازها والمصيب فيهم وإنْ اختلفوا غيرُ واحد، بل قد يكون الصواب حليفهم جميعا فإن الآية الواحدة قد تجمع وجوهًا بلاغية مختلفة، لأن الأوجه البلاغية لا تتزاحم. ولن نستوعب الأقوال كلها فلنتقصر على أبرزها فمنها:\n١- جوابُ الزمخشري \"فإن قلت: فما فائدة الفذلكة؟ قلتُ: الواو قد تجيء للإِباحة نحو قولك \"جالس الحسنَ وابنَ سيرين\"، ألا ترى أنه لو جالسهما جميعا أو واحدًا منهما كان ممتثلا، ففُذلِكَت نفيًا لتوهم الإِباحة\" ٢.\nوتعقبه أبو حيان في تفسيره فقال: \"وفيه نظر؛ لأنه لا تتوهم الإِباحة هنا، لأن السياق إنما هو سياق إيجاب وهو ينافي الإِباحة ولا ينافي التخيير لأن التخيير قد يكون في الواجبات\" ٣.\n٢- ونقله أبو حيان في تفسيره عن أبي الحسن علي بن أحمد الباذش ووصفه بأنه أحسن الأقاويل فقال \" أتى بعشرة توطيةً للخبر بعدها لا أنها هي الخبر المستقل به فائدة الإِسناد فجيء بها للتوكيد كما تقول: \"زيد رجل\n_________\n١ سورة البقرة: الآية ١٢١.\n٢ الكشّاف: الزمخشري، ج١ ص ١٢١.\n٣ البحر المحيط: أبو حسان، ج٢ ص٨٠.","vol":"1","page":28},{"text":"صالح \"١ أي أنَّ إتيانك بلفظ (رجل) للتوصل بها إلى وصفه بالصالح وكذا جاءت كلمة (عشرة) توطئة لوصف الثلاثة والسبعة بالكمال.\n٣- ونقل الزمخشري٢ وأبو حيان٣ عن ابن عرفه قوله \"مذهب العرب إذا ذكروا عددين أن يجملوهما \"وحَسَّنَ الزمخشري هذا القول وقال: \"وفائدة الفذلكة في كل حساب أن يُعلَم العدد جملة كما علم تفصيلا ليُحاط به من جهتين فيتأكد العلم، وفي أمثال العرب: \"عِلْمَان خير من علم\"٤، قال أبو حيان: \"قال ابن عرفة: وإنما تفعل ذلك العرب لقلة معرفتهم بالحساب\" ثم استشهد أبو حيان لهذا بشواهد من أشعار العرب كقول الأعشى:\nثلاثة بالغداة فهي حسبي\nوسِتّ حين يد ركني العشاء\nفذلك تسعة في اليوم ريّيّ\nوشرب المرءِ فوق الريِّ داء\nوقال الفرزدق:\nثلاث واثنتان وهن خمس\nوسادسة تميل إلى شمام\nقلتُ: ولا يزال هذا هو السائد عند العرب وغيرهم في ذِكْر الأَعداد في الحساب فإنهم يذكرون الأرقام مفردة ثم يكتبونها مجموعة بالأَرقام ويُتْبعُون ذلكَ كتابةَ مجموعها بالحروف ثم يؤكدون الجمع بقولهم: (فقط) أو (لا غير) ويفعل هذا أَعرف الناس بالحساب، ولذا فلا وجه لقول ابن عرفة ﵀ الآنف الذكر أنَّ العرب تفعله لقلة معرفتهم بالحساب.\n_________\n١ المرجع السابق ج٢ ص ٧٩- ٨٠.\n٢ الكشّاف: الزمخشري، ج١ ص ١٢.\n٣ البحر المحيط: أبو حيان ج٢ ص ٧٩.\n٤ البحر المحيط: أبو حيان، ج٢ ص ٧٩- ٨٠.","vol":"1","page":29},{"text":"٤- قول الزجاج: \"جَمَعَ العددين لجواز أن يُظَنّ أنَّ عليه ثلاثة أو سبعة، لأن الواو قد تقوم مقام (أو) ومنه: ﴿مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ ١، فأزال احتمال التخيير\"، قال أبو حيان: \"وهو الذي لم يذكر ابن عطية إلا إياه وهو قولٌ جارٍ على مذهب أهل الكوفة لا على مذهب البصريين لأن الواو لا تكون بمعنى أو\"٢.\n٥- أنه ذكر العَشْرَة لئلا يتوهم أنَّ الثلاثة داخلة في السبعة فرفع ما قد يهجس في النفس من أن المتمتع إنَّما عليه صوم سبعة أيام لا أكثر، ثلاثة منها في الحج وُيكمل سبعا إذا رجع٣. وذلك كقوله تعالى: ﴿خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْن﴾ ٤. فإنها داخلة في الأربعة أيام بعدها ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ ٥.\n٦- وقيل هو تقديمٌ وتأخيرٌ تقديرُه: \"فتلك عشرة: ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجعتم\" عزا هذا القول إلى أبي العباس المبرد، قال أبو حيان٦: \"ولا يصح مثل هذا القول عنه، وننزه القرآن عن مثله\". وقال الزركشي: \"وهذا وإن كان خلاف الأصل لكن الإِشكال ألجأنا إليه\"٧.\nقلت: ولا يصح القول أنَّ الإِشكال يُلجؤنا إلى مثل هذا، إذ أن لذلك وجوها كثيرة أسلم منه وأصح فلا ضرورة للجوء إليه، ولا إشكال يُحوجنا إليه.\n٧- وقيل: ذكر العشرة لئلا يتوهّم أنَّ العدد سبعة لا يُراد بها العدد نفسه، بل الكثرة، فقد روى أبو عمرو بن العلاء وابن الأعرابي عن العرب: \"سَبَّع الله لك الأجرَ\" أي أكثر ذلك، يريدون التضعيف وقال الأزهري في قوله تعالى: ﴿إِن\n_________\nْ١سورة النساء: الآية ٣.\n٢ البحر المحيط: أبو حيان، ج٢ ص٨٠، وانظر المحرر الوجيز: أبو عطية، ج٢ ص ١٦١-١٦٢.\n٣ البرهان. الزركشي، ج٢ ص٤٨٠. والبحر المحيط: أبو حيان، ج٢ ص ٨٠.\n٤ سورة فصلت. الآيتين ٩- ١٠.\n٥ سورة فصلت. الآيتين ٩- ١٠.\n٦ البحر المحيط: ج٢ ص ٨٠.\n٧ البرهان: الزركشي، ج٢ ص ٤٨٠.","vol":"1","page":30},{"text":"تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ ١ هو جمع السبع الذي يستعمل للكثرة. وإذا كان ذلك كذلك فاحتمل أن يُتوهّم أنَّ المراد بالسبع ما هو أكثر من السبع، فيجب حينئذ رفعُ هذا الاحتمال بذكر الفذلكة، قال الزركشي: \"وللعرب مستند قوي في إطلاق السبع والسبعة وهي تريد الكثرة\".\nوهناك أقوال أخرى كثيرة لا أريد الإِطالة بذكرها ويكفي منها ما ذكرت، وقد ختم أبو حيان ما أورده من توجيهات بقوله: \"وبهذه الفوائد التي ذكرناها رَدٌّ على الملحدين في طعنهم بأن المعلوم بالضرورة أنَّ الثلاثةَ والسبعةَ: عشرةٌ فهو إيضاح للواضحات\"٢.\nالآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ ٣.\nفقوله تعالى: ﴿أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ فذلكة العددين: ثلاثين ليلة وعشر، وكل أحد يعلم أنَّ الثلاثين مع العشرة تكون أربعين٤. وللعلماء في توجيه ذلك عدةُ أقوال منها:\n١- قال أبو حيان في تفسيره: \"والذي يظهر أنَّ هذه الجملة تأكيد وإيضاح\"٥. وكذا قال أبو يحي زكريا الأنصاري: \" فائدته التوكيد\"٦. وقال الرازي: \" فيه فوائد إحداها التأكيد\" ٧.\n_________\n١ البحر المحيط: أبو حيان، ج٢ ص ٠٨٠ البرهان: الزركشي، ج٢ ص ٤٨١.\n٢ البحر المحيط: أبو حيان، ج٢ ص ٨٠.\n٣ سورة الأعراف الآية ١٤٢.\n٤ الروض الريان: شرف الدين بن ريان، ج١ ص٦٧. وتفسير الرازي: ج١٤ ص ٢٢٦.\n٥ البحر المحيط: ج٤ ص ٣٨١.\n٦ فتح الرحمن بكشف ما يلبس في القرآن: أبو يحي زكريا الأنصاري، ص ٢٠٧.\n٧ مسائل الرازي وأجوبتها: محمد ابن أبي بكر الرازي، ص ٩٩.","vol":"1","page":31},{"text":"٢- ومن فوائده \" إزالة التوهّم أن تكون العشر من نفس الثلاثين فلما ذكر الأربعين زال الإِيهام \"١ لأنه يحتمل أتممناها بعشر من الثلاثين كأنه كان عشرين ثم أتمه بعشر فصار ثلاثين فأزال هذا الإِيهام٢ بأن الإِتمام إلى الثلاثين وبين أنه إلى الأربعين.\n٣- ومن فوائده \"إزالة توهّم أن تكون عشر ساعات أي أتممناها بعشر ساعات\"٣.\n٤- ومن فوائده إزالة الَّلبْس في دخول العشر في المواعدة إذ أن النص في المواعدة على الثلاثين وأتت العشر بعدها فدخلها الاحتمال أن تكون من غير المواعدة فأعاد ذكر الأربعين نفيا لهذا الاحتمال وليعلم أن جميع العدد للمواعدة ٤.\nهذه بعض توجيهات العلماء لهذه البدهية وبه يظهر وجه من أوجه البلاغة القرآنية.\nالقسم الثاني: من البدهية الحسابية:\nونريد به: ذكر عددين منسوبين إلى بعضهما ثم ذكر عددين آخرين بنفس النسبة بحيث يغني ذكرُ الأولى عن الثانية وتكون الثانية بدهية للأولى.\nوظهر لي من هذا النوع في القرآن آيتان هما:\nالآية الأولى: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ\n_________\n١ الروض الريان: بن ريان، ج١ ص ٦٧.\n٢ تفسير الرازي ج١٤ ص ٢٢٦.والبحر المحيط: ج٤ ص ٣٨١. ومسائل الرازي وأجوبتها: ص٩٩. وفتح الرحمن: ص ٢٠٧.\n٣ البحر المحيط: ج٤ ص٣٨١ ومسائل الرازي ص ٩٩ فتح الرحمن ص ٢٠٧.\n٤ البرهان للزركشي: ج٧ ص ٤٧٨.","vol":"1","page":32},{"text":"إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ، الآن الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ ١.\nفقوله: ﴿وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا﴾ فُهِمَ مضمونه مما قبله، وكذا قوله بعد التخفيف: ﴿وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ﴾ مفهوم من قوله قبله: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ وقد أشار بعض المفسرين إلى حكمة ذلك:\n١- فقيل: إنه لزيادة التقرير المفيدة لزيادة الاطمئنان قال أبو السعود: \"وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا﴾ مع إنفهام مضمونه مما قبله لكون كل منهما عِدَة بتأييد الواحد على العشرة لزيادة التقرير المفيدة لزيادة الاطمئنان على أنه قد يجري بين الجمعين القليلين ما لا يجري بين الجمعين الكثيرين مع أن التفاوت فيما بين كل من الجمعين القليلين والكثيرين على نسبة واحدة فبَيِّن أنَّ ذلك لا يتفاوت في الصورتين\"٢.\n٢- وقريب من هذا المعنى ما ذهب إليه محمد بن أبي بكر الرازي والزمخشري وأبو يحي الأنصاري حيث قال الأول: \"فإن قيل: ما فائدة تكرار المعنى الواحد في مقاومة الجماعة لأكثر منها قبل التخفيف وبعده في قوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ قلنا: فائدته الدلالة على أن الحال مع القلة والكثرة واحدة لا تتفاوت، بل كما ينصر الله تعالى العشرين على المائتين ينصر المائة على\n_________\n١ سورة الأنفال: ٥ ٦- ٦٦.\n٢ إرشاد العقل السليم: أبو السعود العمادي، ج٤ ص ٣٤.","vol":"1","page":33},{"text":"الألف، وكما ينصر المائة على المائتين ينصر الألف على الألفين\"١. وقال نحو ذلك الزمخشري٢، وأبو يحي الأنصاري٣، والشوكاني ٤.\n٣- وقيل: إن التكرار لمطابقة الواقع في عدد السرية والغزوة في ابتداء الإِسلام وبعد اتساع نطاقه.\nوذهب إليه أبو حيان حيث قال: \"ومناسبة هذه الأعداد أن فرضية الثبات أو ندبيته كان أولًا في ابتداء الإِسلام فكان العشرون تمثيلا للسرية والمائة تمثيلًا للجيش فلما اتسع نطاق الإسلام وذلك بعد زمان كان المائة تمثيلا للسرايا والألف تمثيلا للجيش\" ٥.\nالآية الثانية: قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ ٦.\nفقوله ﴿وَلا خَمْسَةٍ إِلا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ معلوم من قوله سبحانه: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾، فهذا يغني عن ذاك وقد عَلَّلَ المفسرين ذلك:\n١- أن الآية نزلت في قومٍ من المنافقين اجتمعوا على التناجي مغايظة\n_________\n١ مسائل الرازي وأجوبتها: محمد بن أبي بكر الرازي، ص ١١٠.\n٢ الكشاف: الزمخشري، ج٢ ص ١٣٤.\n٣ فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن: أبو يحي زكريا الأنصاري، ص ٢٢٣.\n٤ فتح القدير: الشوكاني، ج٢ ص ٣٢٤.\n٥ البحر المحيط: أبو حيان، ج٤ ص ٥١٧.\n٦ سورة المجادلة: من الآية ٧.","vol":"1","page":34},{"text":"للمؤمنين وكانوا على هذين العددين (ثلاثة وخمسة) ١.\n٢- أنَّ العدد الفرد أشرف من الزوج لأن الله تعالى وتر يحب الوتر٢. وأقل عدد وتر يكون بينه مناجاة هو الثلاثة ثم الخمسة.\n٣- أنه قصد أنْ يذكر ما جرت عليه العادة من أعداد أهل النجوى المتخالين للشورى، والمندبون لذلك ليسوا بكل أحد، وإنما هم طائفة مجتباة من أًولي النُّهى والأحلام، ورهط من أهل الرأي والتجارب، وأول عددهم الاثنان، فصاعدا إلى خمسة إلى ستة إلى ما اقتضته الحال وحكم الاستصواب٣.\nوهناك أقواله أخرى٤ يغني عنها ما ذكرته.\n_________\n١ الكشاف: ج٤ ص ٧٤، والبحر المحيط: ح٨ ص٢٣٥، التحرير والتنوير: محمد الطاهر ابن عاشور، ج٢٨ ص ٢٦. مسائل الرازي: ص٣٣٩. الروض الريان: ج٢ ص ٤٧٧. فتح الرحمن: ص ٥٥٥.\n٢ الروض الريان ج٢ ص ٤٧٧، وفتح الرحمن: ص٥٥٥.\n٣ الكشاف: ج٤ ص ٧٤.\n٤ انظر الروض الريان ج٢ ص٤٧٧.","vol":"1","page":35},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>ثانيًا: البدهية اللغوية</span>\n...\nالنوع الثاني: البدهية اللغوية:\nوأقصد بها البدهيةَ الدَّالٌ على بدهيتها المدلولُ اللغوي لكلمةٍ أو جملةٍ سابقة والأمثلة على ذلك كثيرة، نذكر منها:\n١- قوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ ٥.\nقال في لسان العرب: \"الصَوْب: ُ نزول المطر، ثم قال: والصَيِّبُ: السحاب ذو الصوب\" وقال أبو إسحاق: \"الصيب هنا المطر\"٦ وقال أبو حيان: \"الصيب: المطر.. والسحاب أيضا \" ٧.\n_________\n٥ سورة البقرة: من الآية ١٩.\n٦ لسان العرب: مادة (صوب)، ج١ ص ٥٣٤.\n٧ البحر المحيِط: أبو حيان، ج١ ص ٨٣.","vol":"1","page":35},{"text":"(قلت) وسواء كان الصيِّبُ المطر أو السحاب فإنَّ من المعلوم أَنهما من السماء فما الفائدة من قوله ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ وهو معلوم من المدلول اللغوي لكلمة ﴿صَيِّبٍ﴾ وللعلماء في ذلك أقوال منها:\n١) قال الزمخشري: \" (فإن قلت) قوله ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ ما الفائدة في ذكره والصيب لا يكون إلا من السماء، (قلت) الفائدة فيه أنه جاء بالسماء مُعَرَّفَة فنفى أن يتصوب من سماء أي من أفُقٍ واحد من بين سائر الآفاق لأن كل أفق من آفاقها سماء كما أنَّ كل طبقة من الطباق سماء في قوله: ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ ١. والمعنى: إنه غمام مطبق آخذ بآفاق السماء\"٢.\nوقد ضَعَّفَه ابنُ عاشور في تفسيره واستبعده معللا ذلك بأنه لم يُعهد دخول لام الاستغراق إلا على اسمٍ كلي ذي أَفرادٍ دون اسم كلِّ ذي أجزاء فيُحتاج لتنزيل الأجزاء منزلةَ أَفراد الجنس ولا يُعرف له نظير في الاستعمال.٣\n٢) وهو ما ذهب إليه ابن عاشور بعد استبعاده للقول السابق حيث قال: \"فالذي يظهر لي إنْ جَعَلْنَا قولَه ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ قيدًا للصيِّب: أنَّ المرادَ من السماء أعلى الارتفاع، والمطر إذا كان من سَمْتٍ مقابل وكان عاليًا كان أَدْوَم بخلاف الذي يكون من جوانب الجو ويكون قريبًا من الأرض غير مرتفع\"٤.\n٣) وهو أيضا لابن عاشور حيث قال: \"والظاهر أن قوله ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ ليس بقيد للصيب وإنما هو وصف كاشف جيء به لزيادة استحضار صورة الصيب في هذا التمثيل إذ المقام مقام إطناب كقول امرئ القيس:\nكجلمود صخر حطه السيل من عَلِ\n_________\n١ سورة فصلت: الآية ١٢.\n٢ الكشاف: الزمخشري، ج١ ص ٤١. وانظر مسائل الرازي وأجوبتها: ص٤.\n٣ التحرير والتنوير: محمد الطاهر بن عاشور ج١ ص٣٠٤.\n٤ التحرير والتنوير: ابن عاشور ج١ ص٣٠٤.","vol":"1","page":36},{"text":"إذ قد عَلِمَ السامعُ أنَّ السيلَ لا يحط جلمودَ صخرٍ إلا من أعلى ولكنه أراد التصوير\"١.\n٤) وهو رأي للألوسي، فبعد أن ذكر ما أوردناه أولًا قال: \"وعندي أن الذكر (يعني ذكر السماء) يحتمل أن يكون أيضا للتهويل والإِشارة إلى أن ما يؤذيهم جاء من فوق رؤوسهم، وذلك أبلغ في الإِيذاء كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾ ٢. وكثيرًا ما نجد أنَ المرءَ يعتني بحفظ رأسه أكثر مما يعتني بحفظ سائر أطرافه حتى أن المستطيع من الناس يتخذ طيلسانا لذلك\" ٣.\n(قلتُ) ولا يمنع من اعتقاد صحة هذه الأقوال جميعًا، فذكر السماء بعد ذكر الصيب فيه إشارة إلى نزوله من آفاق السماء ومن ارتفاع، وهو وصف كاشف لزيادة استحضار الصورة، وبيان أن العذابَ جاء من فوق رؤوسهم فهي معاني لا تعارض بينهما. وبلاغةُ القرآن قد تدل عليها وعلى ما هو أكثر منها، وهكذا كلما كشفت طائفةُ وجهًا بلاغيًا انكشف لطائفة أخرى وجهٌ آخر يُعلن للناس أنَّ بلاغة القرآن متجددة وأن معينها لا ينضب.\n٢- قوله تعالى: ﴿وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ٤. وقوله ﴿مُفْسِدِينَ﴾ بدهية لغوية إذ يدل عليه المدلول اللغوي لقوله: ﴿وَلا تَعْثَوْا﴾، والعثو: أشد الفساد٥، فكأنه قال: (ولا تفسدوا في الأرض مفسدين) .\n_________\n١ التحرير والتنوير: محمد الطاهر بن عاشور ج١ ص٣٠٤.\n٢ سورة الحج: الآية ١٩.\n٣ روح المعاني. الآلوسي، ١ج ص١٧١.\n٤ سورة البقرة الآية٦٠.\n٥ الكشاف: الزمخشري ج١ ص ٧٢. تفسير البسيط: الواحدي، ج٣ ص٩٥٧.","vol":"1","page":37},{"text":"وقد أجاب الرازي في مسائله بأن معناه: \"ولا تعثوا في الأرض بالكفر وأنتم مفسدون بسائر المعاصي\"١.\nومنهم من تحاشى ذلك ففسر العثو بغير الفساد، فنقل أبو حيان عن ابن عباس وأبي العالية معناه: \"ولا تسعوا\" وقال قتادة: \"ولا تسيروا\" ... وقيل معناه:\" لا تخالطوا المفسدين\" وقيل معناه: \"لا تتمادوا في فسادكم\" وقيل: \"لا تطغوا\" ٢.\nوقد أشار ابن عاشور إلى علة أخرى لتفسير العثو بمعنى غير الفساد حيث قال: \"وفي الكشاف جعل معنى لا تعثوا: لا تتمادوا في فسادكم، فجعل المنهي عنه هو الدوام على الفعل، وكأنه يأبى صحة الحال المؤكدة للجملة الفعلية، فحاول المغايرة بين ﴿وَلا تَعْثَوْا﴾ وبين ﴿مُفْسِدِينَ﴾ تجنبًا للتأكيد، وذلك هو مذهب الجمهور، لكن كثيرا من المحققين خالف ذلك واختار ابنُ مالك التفصيلَ فإن كان معنى الحال هو معنى العامل جعلها شبيهة بالمؤكدة لصاحبها كما هنا. وخص المؤكدة لمضمون الجملة الواقعة بعد الاسمية نحو زيد أبوك عطوفا ٣. وقد اختار ابن عاشور نفسه أنَّ ﴿مُفْسِدِينَ﴾ حال مؤكدة لعاملها٤.\n٣- قوله تعالى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ ٥.\nوالبدهية هنا أن كلمة ﴿إِلَهَيْنِ﴾ مثنى وهو يدل على التثنية ومع هذا قال بعده ﴿اثْنَيْنِ﴾ وقد جَلا الزمخشريُّ في كشافه الوجه البلاغي لهذا الأسلوب فقال: \"فإن قُلْتَ: إنَّما جمعوا بين العدد والمعدود فيما وراء الواحد والاثنين فقالوا: \"عندي رجال ثلاثة، وأفراس أربعة\" لأن المعدود عارٍ عن الدلالة على العدد\n_________\n١ مسائل الرازي وأجوبتها: ص٥.\n٢ البحر المحيط: أبو حيان، ج١ ص ٢٣١.\n٣ التحرير والتنوير: ابن عاشور، ج١ ص ٤٩٨.\n٤ المصدر السابق ج١ ص٢٣١.\n٥ سورة النحل: الآية ٥١.","vol":"1","page":38},{"text":"الخاص، وأما رجل ورجلان، وفرس وفرسان، فمعدودان فيهما دلالة على العدد فلا حاجة إلى أن يقال: (رجل واحد ورجلان اثنان) فما وجه قوله: ﴿إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾؟ قلتُ: الاسم الحامل لمعنى الإِفراد والتثنية دال على شيئين: على الجنسية والعدد المخصوص، فإذا أًريدت الدلالة على أن المَعْنِيَّ به منهما والذي يُساق إليه الحديث هو العدد شُفعَ بما يُؤكده فدل به على القصد إليه والعناية به ألا ترى أنك لو قلت: (إنما هو إله) ولم تؤكده بواحد لم يحسن، وخيل إنك تثبت الإلهية لا الوحدانية\"١.\nوذكر الرازي وجوها مختلفة لذلك مال إلى أحدها فقال: \"الأقرب عندي أن الشيء إذا كان مستنكرًا مستقبحًا، فمن أراد المبالغة في التنفير عنه بعبارات كثيرة ليصير توالي تلك العبارات سببا لوقوف العقل على ما فيه من القبح\" ثم ذكر قولا آخر هو أنَّ قوله: ﴿إِلَهَيْنِ﴾ لفظ واحد يدل على أمرين: ثبوت الإله، وثبوت التعدد، فإذا قيل: لا تتخذوا إلهين، لم يعرف من هذا اللفظ أنَّ النهي وقع عن إثبات الإله أو عن إثبات التعدد أو مجموعهما فلما قال: ﴿لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ ثبت أن قوله: ﴿لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ﴾ نهي عن إثبات التعدد فقط\"٢. وذكر وجوها أخرى يكفي منها ما ذكرناه.\n٤- قوله تعالى: ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ ٣. ومن المعلوم أنَّ السقف لا يخر إلا من فوق، وأجاب الرازي على هذا القول: \"وجوابه من وجهين:\nالأول: أنْ يكون المقصود التأكيد.\nالثاني: ربما خَرَّ السقفُ ولا يكون تحته أحد فلما قال: ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ دلَّ هذا الكلام\n_________\n١ الكشاف: الزمخشري، ج٢ ص ٣٣١-٣٣٢.\n٢ التفسير الكبير: الرازي، ج٢٠ ص ٤٧-٤٨.\n٣ سورة النحل: الآية ٢٦.","vol":"1","page":39},{"text":"على أنهم كانوا تحته، وحينئذ يفيد هذا الكلام أنَّ الأبنية قد تهدمت وهم ماتوا تحتها\"١. وقال بهذا ابن حيان في تفسيره٢.\n٥- قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ ٣.\nوالإسراء من السُّرى كالهُدى وهو سير عامة الليل٤، وإذا كان الإسراء لا يكون إلا بالليل فما معنى ذكر الليل هنا.\nوقف كثير من المفسرين عند هذا المعنى وكأنهم اتفقوا على التعليل بأنه أراد بقوله ليلا بلفظ التنكير تقليلَ مدة الإِسراء، وأنه أُسري به في بعض الليل من مكة إلى الشام مسيرة أربعين ليلة٥.\nومال ابن عاشور في تحريره إلى أنه ذكر الليل للتوسل بذكره إلى تنكيره المفيد للتعظيم. فتنكير (ليلًا) للتعظيم بقرينة الاعتناء بذكره مع علمه من فعل \"أَسْرَى\"، وبقرينة عدم تعريفه، أي هو ليلٌ عظيم باعتبار جعله زمنا لذلك السّرى العظيم، فقام التنكير هنا مقام ما يدل على التعظيم، ألا ترىَ كيف احتيج إلى الدلالة على التعظيم بصيغه خاصة في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾ ٦، إذ وقعت ليلة القدر غير منكرة ٧.\n_________\n١ التفسير الكبير: الرازي ج٢٠ ص ٢٠.\n٢ البحر المحيط: أبو حيان، ج٥ ص ٤٨٥.\n٣ سورة الإسراء: من الآية الأولى.\n٤ القاموس المحيط: الفيروز آبادي، ص ١٦٦٩مادة السري.\n٥ الكشاف: ج٢ ص ٣٥٠. والتفسير الكبير: الفخر الرازي، ج٢٠ ص ١٤٦. ومسائل الرازي: محمد بن أبي بكر الرازي، ص ١٨٢. والبحر المحيط: ج٦ ص٥. والروض الريان: ج١ ص ٢٠٧.\n٦ سورة القدر: الآيتان ١-٢.\n٧ التحرير والتنوير: محمد الطاهر بن عاشور ج١٥ ص١١-١٢.","vol":"1","page":40},{"text":"ومنهم من قال إنَّ ذكر الليل على سبيل التأكيد١.\nوذكر الفيروز آبادي قولا لم أجد من قال به سواه، وهو أن المراد بأسرى بعبده سَيَّره٢ أي سَيَّره ليلًا.\nومع كثرة القائلين بالأول إلا أننا نجد أحمد بن المنير قد تعقب الزمخشري فيما ذهب إليه من أن ذكر الليل بلفظ التنكير لتقليل مدة الإسراء فقال: \"وقد قرن الإسراء بالليل في موضع لا يليق الجواب عنه بهذا كقوله: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ ٣، وكقوله تعالى: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا﴾ ٤. فالظاهر والله أعلم أنَّ الغرض من ذكر الليل، وإن كان الإسراء يفيده تصوير السير بصورته في ذهن السامع، وكأن الإسراء لما دل على أمرين: أحدهما السير، والآخر كونه ليلا أريد إفراد أحدهما بالذكر تثبيتا في نفس المخاطب وتنبيها على أنه مقصود بالذكر\" ٥.\nولعل فيما ذكرته من أمثلة- وهي قليل من كثير- ما يغني ويكفي في بيان هذا النوع من البدهيات.\nوإني لاعتقد أنه لو تصدى أحد لجمع البدهيات اللغوية في القرآن الكريم ودرسها دراسة بلاغية شاملة لجاءت في رسالة علمية عالية مفيدة.\n_________\n١ البحر المحيط. ج٦ ص٥. والقاموس المحيط: ص ١٦٦٩. والتحرير والتنوير: ج١٥ ص ١١. وقد علق على هذا بقوله: \"على أن الإفادة كما يقولون خير من الإعادة\" وفي هذا إيحاء إلى ترجيح القول الأول.\n٢ القاموس المحيط الفيروز آبادي ص١٦٦٩.\n٣ سورة هود: الآية ٨١. وسورة الحجر: الآية٦٥.\n٤ سورة الدخان: الآية ٢٣.\n٥ الانتصاف أحمد بن منير حاشية الكشاف للزمخشري ج٢ ص ٧٥٠.","vol":"1","page":41},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>ثالثًا: البدهية العادية</span>\n...\nالنوع الثالث: البدهية العادية:\nفقد تدل جُملة في آية قرآنية على أمر بدهي لا يختلف فيه اثنان، أو تكون الجملة الثانية معلومة قطعا من الجملة الأولى بحيث توجب العادة ذلك.\nوبهذا يظهر أن البداهة هنا قد تكون في جملة واحدة وقد تكون في جملتين.\nويظهر أيضا نوعٌ من التداخل في بعض البدهيات من هذا النوع مع البدهية اللغوية وذلك أن بدهيتها وإن كانت راجعة إلى العادة، فإن اللغة قد صبغتها بصبغتها فهي بدهية عادية لغوية فمثلا في قوله تعالى عن عيسى ﵇: ﴿مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ ١. فمن المعلوم لغة وعادة أنَّ كل أحد كان في المهد صبيا.\nوقد بذلتُ ما في وسعي لتصور تقسيم لهذا النوع من البدهيات فظهر لي ما أُدركُ أنَّه بحاجة إلى زيادة استيعاب واستقصاء وإعادة فكر، وتقليب نظر وما أرسمه على كل حال ليس إلا خطوة في طريق جديد وطويل. أما ما ظهر لي من الأقسام فهي:\n- القسم الأول: الجمع بين الشيء ولازمه.\n- القسم الثاني: الجمع بين الشيء وآلته.\n- القسم الثالث: إثبات الشيء ونفي نقيضه.\n- القسم الرابع: الأمر بالشيء والنهي عن نقيضه.\n- القسم الخامس: الجملة الخبرية القطعية الثبوت.\nوسأكتفي هنا بذكر مثال واحد لكل قسم منها:\n_________\n١ سورة مريم: آية ٢٩.","vol":"1","page":42},{"text":"* القسم الأول: الجمع بين الشيء ولازمه:\nومثاله قوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقّ﴾ ١.\nفمن المعلوم أنَّ قتل النبيين لا يكون بحق مطلقا لمن لازم يقتلون النبيين أن يكون بغير الحق، إذ لا يجوز أن يُقتل نبي بحقٍ أبدا ٢.\nفقيل: معناه بغير الحق في اعتقادهم، ولأن التصريح بصفة فعلهم القبيح أبلغ في ذمهم، وإن كانت تلك الصفة لازمة للفعل كما في عكسه كقوله: ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَق﴾ ٣ لزيادة معنى التصريح بالصفة، كذا قال الرازي في مسائله٤، وقال بنحوه الزمخشري٥، وأبو حيان٦، والآلوسي٧ وابن عاشور٨، وعلى هذا فاللام عندهم في (الحق) للعهد.\nوقيل إنها للجنس والمراد بغير حق أصلا لأن لام الجنس المبهم كالنكرة، ويؤيده ما في آل عمران ﴿بِغَيْرِ حَق﴾ (الآية٢١)، فيفيد أنه لم يكن حقا باعتقادهم أيضا، قال بهذا الآلوسي، وقال: \"إنه الأظهر\"٩. وقيل: قوله ﴿بِغَيْرِ حَق﴾ تأكيد؛ لأن قتل النبيين لا يكون إلا بغير حق، فهو كقوله: ﴿الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ ١٠، ﴿وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْه﴾ ١١. وأمثاله ١٢.\n_________\n١ سورة البقرة: الآية ٦١.\n٢ تفسير البسيط: الواحدي، ج٣ ص٩٧٧.\n٣ سورة الأنبياء: الآية ١١٢.\n٤ مسائل الرازي وأجوبتها: محمد أبي بكر الرازي ص٦.\n٥ الكشاف: ج١ ص ٧٢.\n٦ البحر المحيط: ج١ ص٢٣٧.\n٧ روح المعاني: الآلوسي، ج١ ص٢٧٦.\n٨ التحرير والتنوير: محمد الطاهر بن عاشور، ج١ ص٥٠٨.\n٩ روح المعاني: الآلوسي، ج١ ص ٢٧٦.\n١٠ سورة الحج: آية ٤٦.\n١١ سورة الأنعام: الآية ٣٨.\n١٢ تفسير البسيط: الواحدي، ج٣ ص ٩٧٧.","vol":"1","page":43},{"text":"*القسم الثاني: الجمع بين الشيء وآلته:\nكقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ ١.\nوكلِ طائر إنما يطير بجناحيه فهما آلة طيرانه التي لا يطير بدونهما فما الفائدة إذًا من ذكر الجناحين؟\nقال بعضهم: \"إن ذكر الجناحين للتأكيد كقَولهم: \"نعجة أنثى\"، وكما يقال: \"كلمته بفمي، ومشيت إليه برجلي\"٢.\nوقيل: فائدةُ ذلك نفي توهم المجاز فإنه يقال: \"طار فلان شي أمر كذا إذا أسرع فيه، وطار الفرس إذا أسرع الجريَ\".\nقال أبو حيان: \"ألا ترىَ إلى استعارة الطائر للعمل في قوله: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِه﴾ ٣. وقولهم: \"طار لفلان كذا في القسمة: أي سهمه، وطائر السعد والنحس)، وفيه تنبيه على تصور هيئته على حالة الطيران.\nواستحضار لمشاهدة هذا الفعل الغريب \"فجاء ذكر الجناحين ليتمحض هذا الكلام في الطير\"٤.\nومن فوائد ذكر الجناحين زيادةُ التعميم والإحاطة كأنه قال: جميع الطيور الطائرة ٥.\n_________\n١ سورة االأنعام: آية ٣٨.\n٢ البحر المحيط: ج٤ ص ١١٩. وتفسير الرازي: ج١٢ ص ٢١٢. ومسائل الرازي: ص٨٤. والروض الريان: ج١ ص٤٦.\n٣ سورة الإسراء: الآية ١٣.\n٤ البحر المحيط: ج٤ ص ١١٩. وانظر تفسير الرازي: ج١٢ ص ٢١٢. ومسائل الرازي: ص ٨٥. وفتح الرحمن بتفسير القرآن: العُليمي، ص ٧٦. وتلخيص تبصرة المتذكر: الكواشي، ج١ ص ٤٢.\n٥ مسائل الرازي وأجوبتها: ص ٨٥. والكشاف: ج٢ ص١٢– ١٣.","vol":"1","page":44},{"text":"* القسم الثالث: إثبات الشيء ونفي نقيضه:\nومثاله قوله تعالى: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ ١، فإن الموت والحياة متضادان لا يرتفعان معا ولا يلتقيان فنفيُ أحدهما إثبات للآخر، وعلي هذا يكفي وصفهم بأنهم أموات لنعلم أنهم غيرُ أحياء إلا أنه هنا نفى الحياة وهو معلوم من وصفهم أولًا بالموت.\nوفائدةُ ذلك بيان أنها أموات لا يعقب موتها حياة، احترازا عن أموات يعقب موتها حياة، كالنطف والبيض والأجساد الميتة، وذلك أبلغ في موتها كأنه قال: \"أموات في الحال غير أحياء في المآل\"٢، قال الفخر الرازي: \"الإِله هو الحي الذي لا يحصل عقيب حياته موت، وهذه الأصنام أموات لا يحصل عقيب موتها الحياة\" ٣.\nوقال الرازي: \"والوجه الثاني: أَنَّ هذا الكلام مع الكفار الذين يعبدون الأوثان وهم في نهاية الجهالة والضلالة، ومن تكلم مع الجاهل الغر الغبي فقد يحسن أن يُعَبِّرَ عن المعنى الواحد بالعبارات الكثيرة، وغرضه منه الإِعلام بكون ذلك المخاطب في غاية الغباوة، وإنه إنما يعيد تلك الكلمات لكون ذلك السامع في نهاية الجهالة، وأنه لا يفهم المعنى المقصود بالعبارة الواحدة\"٤.\nقلت: وفي هذا مبالغة لأن المخاطبين ليسوا على هذه الدرجة الموصوفة من الغباء وعدم الفهم بل كانوا يدركون ذلك ويفهمونه ويعلمون أنها لا تضر ولا تنفع، ولكنه التقليد الأعمى والعناد المستكبر، وقد بين الله ذلك في آيات كقوله سبحانه في سورة الشعراء على لسان إبراهيم ﵇ مخاطبا قومه\n_________\n١ سورة النحل: الآية ٢١.\n٢ مسائل الرازي: ص١٧٢. والبحر المحيط: ج٥ ص٤٨٢. وتفسير أبي السعود: ج٥ ص ١٠٦.\n٣ التفسير الكبير: الفخر الرازي، ج٢٠ ص١٥_ ١٦.\n٤ التفسير الكبير: الفخر الرازي، ج٢٠ ص ١٦.","vol":"1","page":45},{"text":"حين قالوا: ﴿قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ، قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ، أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾ . فلم يثبتوا ذلك أو يدعو بل بينوا إنه مجرد التقليد ﴿قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ ١، ولعل الأصوب أن يقال: إن في هذا الأسلوب تنزيلا لهم منزلة من لا يفهم باعتبار عدم استجابتهم لنداء الحق.\nومن الأجوبة على ذلك قولهم: إنه إنما قال: ﴿غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ ليعلم أنه أراد أمواتا في الحال لا أنها ستموت كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ ٢ ٣.\n* القسم الرابع: الأمر بالشيء والنهي عن نقيضه:\nوذلك كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ ٤.\nفالبيان يضاد الكتمان فلما أمر بالبيان كان الأمر به نهيًا عن الكتمان، فما الفائدة في ذكر النهي عن الكتمان بعد الأمر بالبيان؟\nذكر العلماء وجوهًا لهذا، منها:\n١- أن المراد من البيان: ذكر تلك الآيات الدالة على نبوة محمد ﷺ من التوراة والإنجيل، والمراد من النهي عن الكتمان أن لا يلقوا فيها التأويلات الفاسدة والشبهات المُعَطِّلة٥.\n_________\n١ سورهَ الشعراء: الآيات ٧١- ٧٤.\n٢ سورة الزمر: الآية ٣٠.\n٣ أسئلة الرازي وأجوبتها: ص ١٧٢.\n٤ سورة آل عمران: من الآية ١٨٧.\n٥ التفسير الكبير: الفخر الرازي ج٩ ص ١٣٠.","vol":"1","page":46},{"text":"٢- وقيل: معناه لتبيننه في الحال وتداومون على ذلك البيان ولا تكتمونه في المستقبل١.\n٣- وقيل: إن الضمير الأول للكتاب، والثاني لنعت النبي صلى الله عليه سلم وذكره فإنه قد سبق ذكر النبي ﷺ قبيل هذا ٢.\n٤- وقيل: فائدته التأكيد ٣.\n* القسم الخامس: الجملة الخبرية القطعية الثبوت:\nونريد بها الجملة التي تفيد معلومة لا يختلف فيها اثنان ولا تحتاج إلى تقرير وتبقى الحكمة في إيرادها.\nوذلك كقوله تعالى مخاطبا نبيه ﷺ ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ ٤. وذلك أنه من المعلوم قطعًا أنَّ الرسول ﷺ لم يكن حاضرا معهم فما فائدة هذا الإخبار؟\nقلنا: إنَّ معرفة الحوادث لا تكون إلا بطرق أربعة:\n١) القراءة.\n٢) الرواية.\n٣) المشاهدة.\n٤) الوحي.\nوقد كانوا يعلمون قطعًا أنَّ الرسول ﷺ لم يكن من أهل القراءة ولا من أهل الرواية إذ لم يخالط أهل الكتاب ولم يتلق عنهم علما، وهم ينكرون الوحي إليه ﷺ فلم يبق إلا المشاهدة وهي مستحيلة فنفاها تهكما بهم إذ أنكروا الوحي\n_________\n١ مسائل الرازي: ص ٣٩. وفتح الرحمن: ص ١٠٢.\n٢ مسائل الرازي: ص ٣٩.\n٣ المرجع السابق: وفتح الرحمن: ص ١٠٢.\n٤ سورة آل عمران: الآية ٤٤.","vol":"1","page":47},{"text":"إليه مع علمهم أنه لا قراءة له ولا رواية، والمقصود تحقيق كون الإخبار بهذه القصة وغيرها عن وحي على سبيل التهكم بمنكريه كأنه قيل: إن رسولنا أخبركم بما لا سبيل إلى معرفته بالعقل مع اعترافكم بأنه لم يسمعه ولم يقرأه في كتاب، وتنكرون أنه وحي فلم يبق مع هذا ما يحتاج إلى النفي سوى المشاهدة التي هي أظهر الأمور انتفاء لاستحالتها المعلومة عند جميع العقلاء ونظيره في قصة موسى ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيّ﴾ ١ ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّور﴾ ٢ وفي قصة يوسف ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ﴾ ٣ ٤.\nوبعد:\nفلعلك تلاحظ أن ما قدمتُه ليس إلا إشارات سريعة لبحر واسع، لعلم طريف، كل جزء منه يحتاج إلى وقفة طويلة، بل وقفات ننظر فيها، ونتفكر، ونتأمل ونتدبر، هذا البناء المتماسك، والصرح العظيم، الذي لا نرى فيه عوجا ولا أَمْتَا، ما أجمله، وما أبدعه، وما أعظمه، ذلكم أنه كلام العزيز الخبير الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.\nوإنها لدعوة أوجهها إلى من آتاه الله علما واسعا وفهما ثاقبا في البلاغة وأسرارها أن يخوض عباب هذا البحر فيستخرج لنا من كنوزه ويكشف لنا عن درر من درره ويكفي هذا البحث شرف هذه الدعوة والله المستعان.\n_________\n١ سورة القصص: الآية ٤٤.\n٢ سورة القصص: الآية ٤٦.\n٣ سورة يوسفْ: الآية ١٠٢.\n٤ روح المعاني. للآلوسي ج٣ ص ١٥٨. وانظر الكشاف: ج١ ص ١٨٩. والبحر المحيط: ج٢ ص ٤٥٨. ومسائل الرازي: ص ٣٢. وفتح الرحمن: ٨٨.","vol":"1","page":48}]}