{"ً":{"ٌ":8795,"ٍ":"البركة في الرزق والأسباب الجالبة لها في ضوء الكتاب والسنة","َ":2,"ُ":1,"ّ":"الكتاب: البركة في الرزق والأسباب الجالبة لها في ضوء الكتاب والسنة\nالمؤلف: عبد الله مرحول السوالمة\nالناشر: الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة\nالطبعة: العدد ١٩٩ - السنة ٣٥ - ١٤٢٣هـ/٢٠٠٣م\nعدد الأجزاء: ١\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":2097,"ٕ":23,"ٖ":1770155803,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة","level":1,"page":1},{"title":"المبحث الأول","level":1,"page":6},{"title":"المطلب الأول: شرح بعض الألفاظ الواردة في عنوان البحث مع الإشارة إلى حدود البحث","level":2,"page":6},{"title":"المطلب الثاني: المنهج الذي سرت عليه في أثناء البحث","level":2,"page":11},{"title":"المبحث الثاني: الأسباب الجالبة للبركة في الرزق","level":1,"page":13},{"title":"المطلب الأول: تقوى الله - عزوجل - والتقرب إليه بالطاعات","level":2,"page":13},{"title":"المطلب الثاني: التوكل على الله - ﷾ - مع الأخذ بالأسباب","level":2,"page":32},{"title":"المطلب الثالث: التسمية في كل الأحوال","level":2,"page":38},{"title":"المطلب الرابع: الذكر والدعاء","level":2,"page":43},{"title":"المطلب الخامس: شكر الله تعالى وحمده","level":2,"page":47},{"title":"المطلب السادس: التوبة والاستغفار","level":2,"page":54},{"title":"المطلب السابع: السعي في الكسب أخذا بالأسباب","level":2,"page":60}],"ٛ":{"1,249":1,"1,250":2,"1,251":3,"1,252":4,"1,253":5,"1,254":6,"1,255":7,"1,256":8,"1,257":9,"1,258":10,"1,259":11,"1,260":12,"1,261":13,"1,262":14,"1,263":15,"1,264":16,"1,265":17,"1,266":18,"1,267":19,"1,268":20,"1,269":21,"1,270":22,"1,271":23,"1,272":24,"1,273":25,"1,274":26,"1,275":27,"1,276":28,"1,277":29,"1,278":30,"1,279":31,"1,280":32,"1,281":33,"1,282":34,"1,283":35,"1,284":36,"1,285":37,"1,286":39,"1,287":40,"1,288":41,"1,289":42,"1,290":44,"1,291":45,"1,292":46,"1,293":48,"1,294":49,"1,295":50,"1,296":51,"1,297":52,"1,298":53,"1,299":54,"1,300":55,"1,301":56,"1,302":57,"1,303":58,"1,304":59},"ٜ":{"1":[249,304]},"ٝ":["1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,289","1,290","1,291","1,292","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304",null],"ٞ":{"1":[1],"6":[2,3],"11":[4],"13":[5,6],"32":[7],"38":[8],"43":[9],"47":[10],"54":[11],"60":[12]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"ال<span data-type=\"title\" id=toc-1>مقدَّمة</span>\nالحمد لله خالق الخلق، وباسط الرزق، فتنة وابتلاءً منه لعباده ليميز الطائعين الشاكرين من العاصين الجاحدين. والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين.\nوبعد؛ فقد جعل الله ﷾ رزقه يسع كل حيٍّ من مخلوقاته فضلًا منه ورحمة، فقدَّر رزق الإنسان، وكتبه والإنسان في بطن أمه، كما جاء عند مسلم١: \"إنَّ أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه، ... ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله وعمله، وشقي أو سعيد ... \".\nوصح عنه ﷺ من حديث أبي الدرداء أنه قال: \"إن الرزق ليطلب العبد كما يطلبه أجله\". عند كل من ابن أبي عاصم٢ والدراج٣ والبزار٤ وابن حبان٥، والطبراني في الكبير٦، والبيهقي٧، بهذا اللفظ إلا أنه فيه عند الطبراني \"أكثر مما يطلبه أجله\" صححه البزار، وابن حبان، وقال الهيثمي رجاله ثقات٨، وقال المنذري عقبه: رواه الطبراني بإسناد جيد.\nوقال ﷺ: \"إن الله قَسَمَ بينكم أخلاقكم كما قَسَمَ بينكم أرزاقكم ... \"\n_________\n١ الصحيح، كتاب القدر، باب كيفية الخلق الآدمي في بطن أمه، وكتابة رزقه ... (٤/٢٠٣٧-٢٠٣٨) .\n٢ السنة (١/١١٧) .\n٣ جزء الدراج (مخطوط) حديث رقم (٨) .\n٤ كشف الأستار (٢/٨٢) .\n٥ الإحسان إلى تقريب صحيح ابن حبان (٥/٨) .\n٦ كما في الترغيب والترهيب (٤/١٢)، ومجمع الزوائد (٤/٧٢) ولعله في الجزء المفقود من المعجم، لأنني طلبته فيه فلم أجده.\n٧ شعب الإيمان (٢/٧١) .\n٨ مجمع الزوائد (٤/٧٢) .","vol":"1","page":249},{"text":"من حديث ابن مسعود رواه أحمد١ والحاكم٢، وهو مطول عندهما وهذا جزء منه. وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.\nوذكره الهيثمي في (مجمع الزوائد) في ثلاثة مواطن من حديث ابن مسعود فقال في مرة: رواه أحمد ورجال إسناده بعضهم مستور وأكثرهم ثقات٣، وقال في موطن: رواه الطبراني موقوفًا، ورجاله رجال الصحيح٤، وقال في الموطن الأخير٥: رواه أحمد ورجاله وثقوا وفي بعضهم خلاف.\nولحكمة أرادها الله - ﷾ - جعل هذا التقدير، والتقسيم للأرزاق خافيًا على العباد مغيبًا عنهم، ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ ٦.\nكما شاءت إرادته جل وعلا أن جعل المال محببًا إلى النفوس مرغوبًا فيه سجية وطبعًا فقال تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا...﴾ ٧، وقال: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ ٨.\nوما من شك في أن المال فيه خير للإنسان إن أحسن استعماله في محاله وقد سماه تعالى خيرًا إذ قال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ ٩.\n_________\n١ المسند (١/٣٨٧) .\n٢ المستدرك (٢/٤٤٧) .\n٣ المجمع (١/٥٣) .\n٤ المجمع (١٠/٩٠) .\n٥ المجمع (١٠/٢٢٨) .\n٦ سورة لقمان: آية ٣٤.\n٧ سورة الكهف: آية ٤٦.\n٨ سورة الفجر: آية ٢٠.\n٩ سورة البقرة: آية ١٨٠.","vol":"1","page":250},{"text":"وقال ﷺ: \"نعم المال الصالح للرجل الصالح\" طرف من حديث طويل لعمرو بن العاص - ﵁ - عند أحمد١، والطبراني٢، وأبي يعلى٣، هذا لفظ أحمد والطبراني، وعند أبي يعلى: \"يا عمرو نعمَّا بالمال الصالح للرجل الصالح\"، وقال الهيثمي٤: رجال أحمد وأبي يعلى رجال الصحيح، وقال العراقي: سنده جيد٥.\nفالمال خير، وهو محبوب وصالح لازم لقضاء مصالح الإنسان في معاشه ومعاده إذ هو وسيلة لأداء كثير من العبادات من حج وعمرة، وزكاة، وصدقات، وكفارات ونذور، وصلة أرحام، وطلب علم وغيرها من المصالح.\nوالرزق وإن كان مكتوبًا بقضاء الله ﷿ كما سلف إلا أنه - سبحانه - يقضي ما يشاء بأسباب جعلها موجبة لمسبباتها مقتضية لها؛ ولهذا جاء الحض والأمر بالسَّعي في طلب الرزق أخذًا بالأسباب للازدياد من الخير وحصول البركة في المال، لكي تستمر الحياة عى وجه الأرض، فيكف الإنسان وجهه عن سؤال الآخرين ويتجنب ذلَّ الحاجة والعوز في معيشته.\nوحتى يكون سعي الإنسان في طلب الرزق حسنًا مباركًا فيه رابحًا مشكورًا عليه، لا خسارة ووبالًا مردودًا عليه فقد أرشده الإسلام إلى دخول بيوت الرزق وحصول البركة والنماء فيه من أبوابها، وسلوك الأسباب الجالبة للخيرات والبركات دون غيرها.\n_________\n١ المسند (٤/١٩٧) .\n٢ المعجم الأوسط (٤/١٣٠)، (١٠/٨)، وعزاه الهيثمي (٤/٦٤) أيضًا للطبراني في الكبير، لكنه من الجزء المفقود، والله أعلم.\n٣ المسند (١٣/٣٢٠-٣٢٢) رقم (٧٣٣٦) .\n٤ مجمع الزوائد (٤/٦٤) .\n٥ المغني عن حمل الأسفار في الأسفار (هامش إحياء علوم الدين) (٤/٩٨) .","vol":"1","page":251},{"text":"ولما كان كثير من الناس - منذ زمن ليس بالقليل - قد ملك حب المال قلوبهم، واستولت شهوته تمامًا على نفوسهم، وكأنهم لأجل ذلك وحده خلقوا، فشمَّروا عن ساعد الجد، راكبين الصعب والذلول في الحصول على الأرزاق وتكثير الأموال، غير مكتفين في هذا الطلب والسعي بدخول بيوتات الرزق من أبوابها، بل مقتحمين من كل نافذة وطاقة بكل حرص وشراهة، غير متقيدين بالطرق المشروعة، ولا مبالين بالنتائج المقبوحة، وهم - مع هذا - أو أكثرهم يكثر الشكاية من القلة في الرزق، ومحق البركة من الرواتب والأموال، وعدم التوفيق في شؤون الحياة ومصالحها.\nلهذا فقد رأيت أن أسهم بتذكير نفسي أولًا ثم بتذكير إخواني ثانيًا بكتابة هذا البحث \"البركة في الرزق، والأسباب الجالبة لها\"، الذي أرجو أن يكون نافعًا في بابه، وسببًا من الأسباب التي يشاء الله - ﷿ - إجراءها وسوقها لنفع عباده، وتذكيرهم ببعض مالهم وما عليهم فيما يخصهم في أرزاقهم.\nوقد جعلت هذا البحث منتظمًا في مقدمة، ومبحثين، وخاتمة، وفهرسين، وذلك على النحو الآتي:\n١ – المقدمة:\nوفيها الإشارة إلى أهمية الموضوع، وسببه، وخطته.\n٢ - المبحث الأول:\nوفيه مطلبان. الأول: فيه شرح بعض الألفاظ الواردة في عنوان البحث، مع الإشارة إلى حدود البحث. الثاني: فيه المنهج الذي سرت عليه في أثناء البحث.\n٣ - المبحث الثاني:\nويشتمل على أهم الأسباب الجالبة للبركة، وفيه عشرة مطالب هي:\nالمطلب الأول: تقوى الله - ﷿ - والتقرب إليه بالطاعات: (الصلاة، الحج والعمرة، الزكاة وما يتبعها من صدقات، وصلة أرحام) .","vol":"1","page":252},{"text":"المطلب الثاني: التوكل على الله - ﷾ - مع الأخذ بالأسباب.\nالمطلب الثالث: التسمية في كل الأحوال.\nالمطلب الرابع: الذكر والدعاء.\nالمطلب الخامس: شكر الله تعالى وحمده.\nالمطلب السادس: التوبة والاستغفار.\nالمطلب السابع: السعي في الكسب وطلب الرزق أخذًا بالأسباب: (الكسب الحلال المباح، الصدق والأمانة في التعامل، البكور في طلب الرزق) .\nالمطلب الثامن: القناعة والعفاف والإجمال في الطلب.\nالمطلب التاسع: الاقتصاد في المعيشة: (حسن التدبير والاقتصاد في المعيشة، كيل الطعام) .\nالمطلب العاشر: اتباع السنة.\n٤ - الخاتمة:\nوفيها أهم النتائج.\n٥ – فهرس المصادر والمراجع.\nوختامًا أحمد الله - تعالى - وأشكره على أن وفقني لمثل هذا الموضوع، وأعانني على إتمامه، فإن وافقني في هذا العمل الرشد والصواب فذلك من فضل الله وتوفيقه وتمام إنعامه، وإن حصل فيه شئ من خطأ أو مجانبة للصواب، فذلك من تقصيري ومن الشيطان، وأستغفر الله منه، وعزائي أنني عملت ما بوسعي أن أعمله، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين لا شريك له.","vol":"1","page":253},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>المبحث الأول</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>المطلب الأول: شرح بعض الألفاظ الواردة في عنوان البحث مع الإشارة إلى حدود البحث</span>\n...\nالمبحث الأول\nوفيه مطلبان:\nالمطلب الأول:\nشرح بعض الألفاظ الواردة في\nعنوان البحث مع الإشارة إلى حدود البحث\n١- البركة: محركة، هي النماء والزيادة والسعادة١. وبنحو هذا اللفظ قال ابن منظور٢، وقال الزجاج: \" (تبارك): تفاعل من البركة، ومعنى البركة: الكثرة في كل ذي خير٣. وقال ابن كثير: تبارك، تفاعل من البركة المستقرة الثابتة الدائمة٤\".\nوقال ابن الأثير: قوله ﷺ: \"وبارك على محمد وعلى آل محمد\"٥، أي أثبت له وأدم ما أعطيته من التشريف والكرامة، وهو من (بَرَك البعير) إذا أناخ في موضع فلزمه. قال: وتطلق البركة - أيضًا - على الزيادة والأصل\n_________\n١ القاموس المحيط (ب ر ك) (٣/٢٩٣) .\n٢ لسان العرب (ب ر ك) (١٠/٣٩٥-٣٩٦)، وانظر أيضًا الجامع لأحكام القرآن (٤/١٤٧) .\n٣ الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٣/١) تفسير الآية الأولى من سورة الفرقان.\n٤ تفسير القرآن العظيم لابن كثير (٣/٤١١) .\n٥ يشير هنا إلى الحديث الذي رواه غير واحد من الصحابة ﵃ في سؤالهم النبي - ﷺ - كيف يصلون عليه؟ فقال: \"قولوا اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد ...\"، أخرجه البخاري، كتاب الأنبياء، باب ١٠ (٦/٤٠٧-٤٠٨) . وكتاب الدعوات، باب الصلاة على النبي – ﷺ - (١١/١٥٢) . ومسلم، كتاب الصلاة، باب الصلاة على النبي (١/٣٠٥-٣٠٦) .","vol":"1","page":254},{"text":"الأول١.\nوقال النووي: عند قوله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ ٢، قيل: معناه ثبت الخير عنده، وقيل: تعالى إلى، والبركة العلو والنماء ... وأصله من البروك وهو الثبوت. ومنه بِركة الماء، وبَرْكة البعير٣.\nوقد أكَّد الحافظ ابن حجر ما ذكره ابن الأثير والنووي فقال عند قوله \"وبارك على محمد\": المراد بالبركة هنا: الزيادة من الخير، والكرامة ... وقيل المراد: إثبات ذلك واستمراره من قولهم بركت الإبل أي ثبتت على الأرض، وبه سميت بركة الماء، بكسر أوله لإقامة الماء فيها، والحاصل أن المطلوب أن يعطوا من الخير أوفاه، وأن يثبت ذلك ويستمر دائمًا٤.\nمما سبق يتضح أن البركة هي النماء والزيادة من الخير، مع ثبوت هذا الخير واستقراره ودوامه واستمراره عند صاحبه، والله أعلم.\nومن الجدير بالذكر - هنا - أن البركة ليس بالضرورة أن تكون دائمًا مقصورة على الشيء الكثير فقط، بل قد تكون في الشيء القليل كما تكون في الشيء الكثير. وهذا ما أشار إليه الحافظ ابن حجر عند حديث حكيم بن حزام٥ الذي جاء فيه: \"ومن أخذه - يعني المال - بإشراف نفس لم يبارك فيه، كالذي يأكل ولا يشبع ... \".\nقال الحافظ: فيه ضرب المثل لما لا يعقله السامع من الأمثلة، لأن الغالب من الناس لا يعرف البركة إلا في الشيء الكثير فبين بالمثال المذكور أن البركة هي\n_________\n١ النهاية في غريب الحديث (١/١٢٠) .\n٢ سورة المؤمنون: من الآية رقم (١٤) .\n٣ تهذيب الأسماء واللغات، (القسم الثاني ص ٢٦) .\n٤ فتح الباري (١١/١٦٢-١٦٣) .\n٥ يأتي تخريجه.","vol":"1","page":255},{"text":"خلق من خلق الله تعالى، وضرب لهم المثل بما يعهدون١.\nومن المهم أن يعلم أيضًا أن البركة قد تكون جلية، وقد تكون خفية، كما قد تكون مثوبة أخروية. فالبركة الجلية: هو ما يشاهد كثيرًا بالعادة من كثرة الخير وسوق الرزق للإنسان، ونمائه عند صاحبه وما يرافق ذلك من توفيق، وتيسير في الحصول على الرزق، ونحوه.\nوالبركة الخفية: قد تكون بدفع المضرات والجوائح والآفات عن الرزق، وعدم تعرض الإنسان للحوادث المرورية مثلًا أو الأمراض الخطيرة، ونحوه مما يأتي على جانب كبير من رزقه، وقد ذكروا بأن الغنم أو الأنعام إذا أنتجت الإناث فهذا من البركة الخفية لأنها تنمو وتتضاعف، وإذا أنتجت الخراف أو الذكور فهذا من المحق الخفي. والله أعلم٢.\nوأما البركة الأخروية وهو النماء ومضاعفة الأجر في الأعمال الصالحة فهذا واضح ويلحظ ذلك في كثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. لكن مقصود البحث هو إظهار البركة بقسميها الجلي والخفي دون البركة الأخروية مما اقتضى ذكر التنبيه المثبت في آخر هذا البحث، في (ص٨٣) .\n٢ - الرزق: الرزق بالكسر، ما ينتفع به كالمرتَزق، والمطر، والجمع أرزاق، وبالفتح، المصدر الحقيقي٣.\nوقال ابن منظور: الرَّزق بفتح الراء هو المصدر الحقيقي، والرِّزق بالكسر هو الاسم، ويجوز أن يوضع موضع المصدر، قال: والرزق معروف، والأرزاق\n_________\n١ فتح الباري (٣/٣٣٧) .\n٢ قد ألمح لشيءمن هذا المعنى كل من النووي في (شرح مسلم) ١٦/١٤١، والمباركفوري في (تحفة الأحوذي) ٦/١٧٧، والمناوي في (فيض القدير) ٥/٥٠٣.\n٣ القاموس المحيط (ر ز ق) ٣/٢٣٥.","vol":"1","page":256},{"text":"نوعان: ظاهرة للأبدان كالأقوات، وباطنة للقلوب والنفوس كالمعارف والعلوم١.\nوقال الجرجاني: \"الرزق اسم لما يسوقه الله إلى الحيوان فيأكله، فيكون متناولًا للحلال والحرام. وعند المعتزلة: عبارة عن مملوك يأكله المالك، فعلى هذا لا يكون الحرام رزقًا٢ \".\nلكن قال القرطبي: \"الرزق، حقيقته ما يتغذى به الحي، ويكون فيه بقاء روحه ونماء جسده، ولا يجوز أن يكون الرزق بمعنى الملك، لأن البهائم ترزق وليست يصح وصفها بأنها مالكة لعلفها٣ \".\nوقال في موضع آخر - عند قوله تعالى -: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ ٤: رزقناهم: أي أعطيناهم، والرزق، العطاء، وهو - عند أهل السنة - ما صح الانتفاع به حلالًا كان أو حرامًا٥.\nقلت: والرِّزق المعنون به هذا البحث، والمستعمل في كل جزئياته إنما هو الرزق الحلال، إذ لا يمكن تصور حصول البركة في الرزق الحرام، هذا من جهة. ومن جهة أخرى فلئن كان الرزق يشمل - أيضًا - العطايا والمنافع الظاهرة والعطايا الباطنة كما مر، فإن المعوَّل عليه - هنا في هذا البحث - إنما هو الرزق الظاهر، وهو ما يكون بمعنى المال، إذ بين الرزق والمال عموم وخصوص من وجه فكل مال رزق، وليس كل رزق مالًا، لكن يستعمل أحدهما محل الآخر كثيرًا، ولا إشكال في ذلك، وباستقراء الأحاديث الواردة في هذا البحث وما\n_________\n١ لسان العرب (ر ز ق) ١٠/١١٥ بتصرف، وانظر أيضًا: النهاية في غريب الحديث (٢/٢١٩) .\n٢ التعريفات (ص ١٤٧) .\n٣ الجامع لأحكام القرآن (٩/١٠) .\n٤ سورة البقرة: من الآية رقم (٣) .\n٥ لجامع لأحكام القرآن (١/١٧٧) .","vol":"1","page":257},{"text":"جاء فيها من ذكر البركة، فهي تستعمل مقرونة باللفظين، بل هي مستعملة مقرونة بالرزق أكثر من غيرها، وغالبًا ما يكون الرزق هنا بمعنى المال، وهذا ما دفعني إلى ذكر الرزق في العنوان بدلًا من المال، وإن كان الأمران جائزين، وإذا كان ذلك كذلك فالمال هو: ما ملكته من جميع الأشياء، والجمع أموال، كما قال ابن منظور١.\nوقال ابن الأثير: \"المال في الأصل ما يملك من الذهب والفضة، ثم أطلق على كل ما يقتنى ويملك من الأعيان، وأكثر ما يطلق المال عند العرب على الإبل؛ لأنها كانت أكثر أموالهم، ثم قال: وقد تكرر ذكر المال على اختلاف مسمياته في الحديث ويفرق فيها بالقرائن٢ \".\nوقال عبد السلام العبادي: \"المال ما كان له قيمة مادية بين الناس وجاز شرعًا الانتفاع به في حال السعة والاختيار \"٣.\n٣ - في ضوء الكتاب والسنة: أي من خلال هدايتهما وما تضمنته نصوصهما من معانٍ يسترشد بها، وما تضفيه تلك النصوص من ظلال عامة، إذ ليس المقصود في هذا البحث استقصاء جميع النصوص المتعلقة بهذا الموضوع، كما أنه لم يكن بالإمكان حصر جميع الأسباب الجالبة للبركة في الرزق واستيعابها على وجه الدقة في مثل هذا البحث، وإن كنت قد أتيت على ذكر معظم الأحاديث التي ذكرت البركة وأسبابها، كما أنني قد حاولت التأصيل لمعظم الأسباب التي تستجلب بها البركة في الأرزاق، وذلك من خلال نصوص الأصلين الأصيلين: القرآن، والسنة، وهدايتها، والله الهادي إلى سواء السبيل.\n_________\n١ لسان العرب (م ول) ١١/٦٣٥.\n٢ لنهاية في غريب الحديث (٤/٣٧٣) .\n٣ الملكية في الشريعة الإسلامية - القسم الأول (ص ١٧٩) .","vol":"1","page":258},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>المطلب الثّاني:\nالمنهج الّذي سرت عليه في أثناء البحث</span>\nإن منهج أي بحث وإن لم يُبرز ويذكر صراحة إلا أنه ليس مثل هذا مما يخفى على أهل الاختصاص، الذين يقرؤون البحث ويعايشونه، بيد أنني سأشير هنا إلى بعض النقاط التي تبرز منهجي في هذا البحث، تاركًا الأمور الأخرى لمن يقرأ هذا البحث ويتتبع جزئياته، فمن الأمور التي سرت عليها في بحثي ما يلي:\n١- قمت بانتقاء الآيات الكريمة، والأحاديث والآثار التي تخدم البحث بشكل واضح ومباشر، وقد أتخطى- أحيانًا - إلى النصوص التي فيها نوع خدمة غير مباشرة لكنها تصلح لتعضيد ودعم ما قصدته من تأصيل بعض المسائل.\n٢- قمت في ضوء هذه النصوص بالتأصيل لمسائل البحث العامة وبيان الجزئيات المندرجة تحت كل منها.\n٣- وعلى الرغم من قبول الأحاديث الضعيفة القريبة الضعف في مثل هذه الموضوعات بشكل عام إلا أنني حاولت - جاهدًا - اختيار وانتقاء الأحاديث المقبولة من صحيحة وحسنة بقسمي كل منهما، محاولًا البحث عن أقوال العلماء في الحكم على الحديث وبيان درجته خاصة إذا لم يكن الحديث من أحاديث الصحيحين أو أحدهما.\n٤- قمت بعزو الآيات القرآنية وذلك ببيان موضع الآية من السورة.\n٥- كما قمت بتخريج الأحاديث وبيان مواضعها من كتب السنة الأصلية المعتمدة.\n٦- قمت بتتبع أقوال العلماء من مفسرين وشراح للحديث لاختيار ما أراه مناسبًا من أقوالهم لتوظيفها في فهم النصوص وتوجيهها، محاولًا توجيه هذه الأقوال، وبيان ما يستخلص أو يستنتج منها.","vol":"1","page":259},{"text":"٧- قمت بشرح الغريب بالرجوع إلى كتب اللغة أو كتب الغريب.\n٨- اكتفيت في أثناء العزو في الهامش بذكر اسم المرجع مختصرًا، وذلك لأنني ذكرت اسم الكتاب كاملًا في (فهرس المراجع) في آخره.\n٩- ذكرت الأحاديث الواردة في البحث في فهرس مرتبة على أحرف الهجاء ليسهل الوقوف عليها في البحث، وذلك لأنها أحاديث كثيرة ومختارة، هذا والله أعلم.","vol":"1","page":260},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>المبحث الثاني: الأسباب الجالبة للبركة في الرزق</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>المطلب الأول: تقوى الله - عزوجل - والتقرب إليه بالطاعات</span>\n...\nالمبحث الثّاني:\nالأسباب الجالبة للبركة في الرّزق\nوهو في عشرة مطالب:\nالمطلب الأوّل\nتقوى الله - ﷿ - والتّقرّب إليه بالطّاعات\nلقد أمر الله سبحانه عباده أن يتقوه حق التقوى، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ١، ثم بيَّن سبحانه في آية أخرى أن التقوى تكون بحسب الاستطاعة ومقدور الإنسان فقال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا﴾ ٢.\nكما تكفَّل - ﷾ - لمن يتقي الله فيما أمره واجتناب ما نهاه عنه بأن ينجيه من كل كرب مما ضاق على الناس، ويرزقه من حيث لا يرجو ولا يخطر بباله، ويقنعه بما رزقه، ويبارك له في رزقه، وتمثَّل هذا بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ ٣.\nوعن ابن عباس - ﵄ - أن النبي ﷺ كان يقول: \"لا يقدر رجل على حرام ثم يدعه ليس به إلا مخافة الله إلا أبدله الله في عاجل الدنيا قبل الآخرة ما هو خير له من ذلك\". علقه كل من ابن جرير٤، وابن أبي حاتم٥\n_________\n١ سورة آل عمران: الآية رقم (١٠٢) .\n٢ سورة التغابن: من الآية رقم (١٦) .\n٣ سورة الطلاق: من الآيتين رقم (٢-٣) .\n٤ جامع البيان عن تأويل القرآن (٩/٨٥) .\n٥ تفسير القرآن العظيم (٧/٢٣٣٠) .","vol":"1","page":261},{"text":"عن ابن عباس - ﵄ - وعزاه السيوطي١ إلى عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، ولم أقف على من وصله، لكن جاء عند أحمد في غير موضع وبأسانيد عن أبي قتادة وأبي الدهماء - ﵄ - قالا: أتينا على رجل من أهل البادية فقال البدوي: أخذ بيدي رسول الله ﷺ فجعل يعلمني مما علمه الله ﵎ وقال: \"إنك لن تدع شيئًا اتقاء الله جل وعز إلا أعطاك الله خيرًا منه\"٢، وقال الهيثمي: \"رواه أحمد بأسانيد ورجاله رجال الصحيح\"٣.\nقلت: والواقع العملي خير شاهد لمثل هذا، ومن هذا ما جاء في قصة يوسف - ﵇ - مع امرأة العزيز وامتناعه عن الوقوع في الحرام مع تهيئة جميع أسباب السلامة له، مخافة لله تعالى، وفي قصة الثلاثة الذين أووا إلى غار فانطبق عليهم، وأخذ كل واحد منهم يدعو الله بصالح عمله، وكان واحد منهم يحب ابنة عم له حبًا شديدًا ويراودها عن نفسها مرارًا فتمتنع، ثم ألجأتها الحاجة إلى إجابته فلما أمكنته من نفسها وقعد بين رجليها، قالت له: اتق الله ... فانصرف عنها وهي أحب الناس إليه ... مخافة لله، ولا يخفى ما آل إليه أمر يوسف - ﵇ - في الدنيا والآخرة من النعيم والكرامة والتمكين كما لا يخفى ما حصل لهذا المنصرف عن الفاحشة مع قدرته عليها مخافة لله تعالى من الفرج في الدنيا وانكشاف الشدة عنه وعن أصحابه الذين كانت لهم أعمال صالحة أيضًا٤، والله أعلم.\n_________\n١ الدر المنثور في التفسير بالمأثور (٤/١٨٢) .\n٢ المسند (٥/٧٨، ٧٩، ٣٦٣)، هذا اللفظ في الموضع الأول، ولفظه في بقية المواضع قريب منه.\n٣ مجمع الزوائد (١٠/٢٩٦) .\n٤ انظر قصة هؤلاء الثلاثة في صحيح البخاري، كتاب البيوع، باب إذا اشترى شيئًا لغيره (٤/٤٠٨)، وباب من استأجر أجيرًا (٤/٤٤٩)، وكتاب أحاديث الأنبياء، باب حديث الغار (٦/٥٠٥-٥٠٦) .","vol":"1","page":262},{"text":"كما جاء عند مسلم من حديث أنس بن مالك - ﵁ - يرفعه: \"إن الكافر إذا عمل حسنة أطعم بها طعمة من الدنيا، وأما المؤمن فإن الله يدَّخر حسناته في الآخرة، ويعقبه رزقًا في الدنيا على طاعته\"١.\nوقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالأِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ ٢.\nوقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ٣، وقال أيضًا: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ ٤.\nفي هذه الآيات الكريمات الإشارة بأن التقوى لله - ﷿ - واتباع كل ما جاء على ألسنة الأنبياء والمرسلين من عمل بالأوامر واجتناب للنواهي، ومنها الأمر لأهل الكتاب باتباع ما جاء به النبي ﷺ لأن كتبهم قاضية بذلك، آمرة به، كل ذلك سبب في نزول بركات السماء من الأمطار الغزيرة وإخراج بركات الأرض، وسعة الرزق والأكل المتواصل منه مع وجود البركات فيه٥.\nقال القرطبي: \"ونظير هذا ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ ٦.\n_________\n١ الصحيح، كتاب المنافقين، باب جزاء المؤمن بحسناته في الدنيا والآخرة (٤/٢١٦٢) .\n٢ سورة المائدة: الآية رقم (٦٦) .\n٣ سورة الأعراف: من الآية رقم (٩٦) .\n٤ سورة الجن: الآية رقم (١٦) .\n٥ جامع البيان عن تفسير القرآن (١٠/٤٦٢-٤٦٣)، تفسير القرآن العظيم لابن كثير (٢/١٠٥) .\n٦ الجامع لأحكام القرآن (٦/٢٢٩) .","vol":"1","page":263},{"text":"ولما كانت الفرائض التي فرضها الله - تعالى - على عباده هي أحب الأعمال إليه تعالى، فلذلك كان أداؤها أحب شئ إليه تعالى وأشد تقربًا منه، كما جاء في حديث أبي هريرة - ﵁ - عند البخاري١ وحديث عائشة - ﵂ - عند أحمد٢ من أن النبي ﷺ قال: \"وما تقرَّب إليَّ عبدي بشئ أحبَّ إليَّ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذ بي لأعيذنه\" الحديث. اللفظ للبخاري، ولفظ أحمد بنحوه، وقال الهيثمي بعد عزو الحديث لأحمد: فيه عبد الواحد بن قيس بن عروة، وثقه أبو زرعة والعجلي وابن معين في إحدى الروايتين، ... وبقية رجاله رجال الصحيح٣.\nومن أبرز الفرائض والعبادات التي تقرب العبد بعد إيمانه وتقواه إلى مولاه، ويستجلب بها خيري الدنيا والآخرة، البركة في الرزق والسعادة والحبور في الحياة وبعد الممات، على سبيل المثال: (الصلاة، الحج والعمرة، الزكاة، والصدقات، وصلة الأرحام) .\n١ - الصلاة:\nقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ ٤. وقال: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ\n_________\n١ الجامع الصحيح، كتاب الرقاق، باب التواضع (١١/٣٤٠-٣٤١) .\n٢ المسند (٦/٢٥٦) .\n٣ مجمع الزوائد (٢/٢٤٧) .\n٤ سورة البقرة: الآية رقم (١٥٣) .","vol":"1","page":264},{"text":"وَالْمُنْكَرِ﴾ ١.\nوقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون، مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ، إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ ٢. وقال تعالى أيضًا: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ ٣.\nقال الحافظ ابن كثير: \" قوله: ﴿لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ يعني إذا أقمت الصلاة أتاك الرزق من حيث لا تحتسب، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون﴾ ٥ \" أ؟.\nوكان ﷺ إذا حزبه٦ أمر صلَّى كما جاء عند أبي داود٧، وأحمد٨، ومن طريق أحمد رواه أبو نعيم٩ من حديث حذيفة - ﵁ - سكت عليه أبو داود. وقال المنذري١٠: وذكر بعضهم أنه مرسل. وقد ذكر المزي١١\n_________\n١ سورة العنكبوت: من الآية رقم (٤٥) .\n٢ سورة الذاريات: من الآيات رقم (٥٦-٥٨) .\n٣ سورة طه: الآية رقم (١٣٢) .\n٤ سورة الطلاق: من الآيتين رقم (٢-٣) .\n٥ سورة الذاريات: آية رقم ٥٦، وانظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير (٣/٢٣٠) .\n٦ حزبه أمر: أي نزل به مهم أو أصابه غم. النهاية في غريب الحديث (١/٣٧٧) .\n٧ السنن، كتاب الصلاة، باب أي الليل أفضل (٢/٣٥) .\n٨ المسند (٥/٣٨٨) .\n٩ معرفة الصحابة (٤/١٨٨١) .\n١٠ مختصر سنن أبي داود (٢/٩٤) .\n١١ تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف (٣/٥٠) .","vol":"1","page":265},{"text":"الروايات المسندة والروايات المرسلة ولم يرجح، لكن أفاد ابن حجر١ أن بعضهم ذكر عبد العزيز ابن أخي حذيفة في الصحابة على أنه أخو حذيفة بن اليمان فروى حديثه عن النبي ﷺ وصوب أبو نعيم وتبعه ابن حجر بأنه ابن أخي حذيفة كما جاء عند أحمد وأبي داود. وقد اكتفى ابن القيم بعزو الحديث إلى المسند فقط ساكتًا عليه٢.\nقلت: والحديث قابل للتحسين، وقد حسنه الألباني٣.\nوقد جاء عند الترمذي٤، وابن ماجه٥، وأحمد٦ في الحديث القدسي المرفوع: \"إن الله سبحانه يقول: يا ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنىً وأسدُّ فقرك، وإن لا تفعل ملأت يديك شغلًا ولم أسُدَّ فقرك\" وحسنه الترمذي، واللفظ له، وقريب منه لفظ أحمد وابن ماجه فجاء فيهما لفظ \"ملأت صدرك\" بدلًا من \"يديك\"، وقال الألباني: صحيح٧.\nوعند الترمذي٨ أيضًا من حديث أنس - ﵁ - مرفوعًا: \"من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه، وفرق عليه شمله، ولم يأته من\n_________\n١ الإصابة (٣/١٥٧) .\n٢ زاد المعاد (٤/١٩٩) .\n٣ صحيح سنن أبي داود (١/٢٤٥) .\n٤ الجامع، كتاب صفة القيامة، باب منه (٧/١٦٦) .\n٥ السنن، كتاب الزهد، باب الهم بالدنيا (٢/١٣٧٦) .\n٦ المسند (٢/٣٥٨) .\n٧ صحيح سنن ابن ماجه (٢/٣٩٣) .\n٨ الجامع، كتاب صفة القيامة، باب منه، (٧/١٦٥) .","vol":"1","page":266},{"text":"الدنيا إلاَّ ما قدر له\"، وقال الألباني صحيح١.\nوعند ابن ماجة٢ من حديث زيد بن ثابت - ﵁ - مرفوعًا بنحو حديث أنس السابق. وقال البوصيري٣: إسناده صحيح رجاله ثقات، وقال الألباني - أيضًا -: صحيح٤.\nوأحسن ابن قيم الجوزية إذ قال: \"الصلاة من أكبر العون على تحصيل مصالح الدنيا والآخرة، ودفع مفاسد الدنيا والآخرة، وهي منهاة عن الإثم، ودافعة لأدواء القلوب، ومطردة للداء عن الجسد، ومنوِّرة للقلب، ومبيِّضة للوجه، ومنشطة للجوارح والنفس، وجالبة للرزق، ودافعة للظلم، وناصرة للمظلوم، وقامعة لأخلاط الشهوات، وحافظة للنعمة، ودافعة للنقمة، ومنزلة للرحمة، وكاشفة للغمة\"٥ أ؟.\nوقال المناوي: \"الصلاة معينة على دفع جميع النوائب بإعانة الخالق الذي قصد بها الإقبال عليه والتقرب إليه فمن أقبل بها على مولاه حاطه وكفاه لإعراضه عن كل ما سواه، وذلك شأن كل كبير في حق من أقبل بكليته عليه\"٦.\n٢ - الحج والعمرة:\nوقد ثبت عنه ﷺ أن المتابعة بين الحج والعمرة يسبب الغنى، ويطرد\n_________\n١ صحيح سنن الترمذي (٢/٣٠٠) .\n٢ السنن، كتاب الزهد، باب الهم بالدنيا (٢/١٣٧٥) .\n٣ مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجة (٣/٢٧١) .\n٤ صحيح سنن ابن ماجه (٢/٣٩٣) .\n٥ زاد المعاد في هدي خير العباد (٤/٢٠٩) .\n٦ فيض القدير (٥/١٢٠) .","vol":"1","page":267},{"text":"الفقر، فقد جاء في حديث ابن مسعود - ﵁ - وغيره عند كل من الترمذي١، والنسائي٢ وابن ماجه٣ (لكن عند هذا الأخير من حديث عمر - ﵁ -)، وأحمد٤، أنه قال ﷺ: \"تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب، كما ينفي الكير خبث الحديد، والذهب والفضة وليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة\". وقال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب من حديث عبد الله بن مسعود، وفي الباب عن عمر وعامر بن ربيعة وأبي هريرة وعبد الله بن حبشي وأم سلمة، قلت: وهذا اللفظ للترمذي وأحمد في الموضع الأول، وعند النسائي قريبًا من هذا اللفظ، وعند ابن ماجه نحوه.\nقال المباركفوري قوله: \"ينفيان الفقر\" يحتمل الفقر الظاهر بحصول غنى اليد، والفقر الباطن بحصول غنى القلب٥.\n٣ - الزكاة وما يتبعها من صدقات وصلة أرحام:\nأما الزكاة فقد جعلها - ﷾ - طهرة للمال ولصاحبه وقيد النعمة بها على الأغنياء الموسرين فما زالت النعمة بالمال على من أدى زكاة ماله، فيحفظه الله عليه وينميه له، ويدفع عنه بها الآفات والمهلكات، ويجعلها سورًا عليه وحصنًا منيعًا وحارسًا أمينًا له.\nولهذا قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ\n_________\n١ الجامع، كتاب الحج، باب ما جاء في ثواب الحج (٣/٥٣٨) .\n٢ السنن، كتاب الحج، باب فضل المتابعة بين الحج والعمرة (٥/١١٥) .\n٣ السنن، كتاب المناسك، باب فضل الحج والعمرة (٢/٩٦٤) .\n٤ المسند (١/٣٨٧)، (٣/٤٤٦)، (٣/٤٤٧) .\n٥ تحفة الأحوذي (٣/٥٣٩) .","vol":"1","page":268},{"text":"صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ١. وفي حديث ابن عباس - ﵄ - المرفوع عند كل من أبي داود٢، والحاكم٣، والبيهقي٤: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ ٥، قال: كبر ذلك على المسلمين، وفيه أن الرسول ﷺ قال: \"إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب ما بقي من أموالكم، وإنما فرض المواريث لتكون لمن بعدكم\". هذا لفظ أبي داود، وهو عند الحاكم، والبيهقي بنحوه، وقال الحاكم عقبه: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.\nقلت: والحديث عند أبي داود بسند متصل، رجاله ثقات لا مطعن في واحد منهم، ما خلا جعفر بن إياس (أبو بِشْر) فإنه وإن وثقه ابن معين وأبو زرعة وأبو حاتم الرازيان، والعجلي، والنسائي، والبرديجي، وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به، وقد احتج به الجماعة، إلا أن شعبة قال حديثه عن مجاهد من صحيفة - يعني أنه لم يسمع منه - وحديثه هنا هو من روايته عن مجاهد عن ابن عباس٦، فالله أعلم.\nوقال تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ ٧.\nقال القرطبي: \"في معناه قولان: أحدهما: أنه تضاعف لهم الحسنات،\n_________\n١ سورة التوبة: الآية رقم (١٠٣) .\n٢ السنن، كتاب الزكاة، باب في حقوق المال (٢/١٢٦) .\n٣ المستدرك (١/٤٠٩) .\n٤ السنن الكبرى (٤/٨٣) .\n٥ سورة التوبة: الآية رقم (٣٤) .\n٦ تهذيب التهذيب (٢/٨٣-٨٤)، هدي الساري (ص ٣٩٥) .\n٧ سورة الروم: الآية رقم (٣٩) .","vol":"1","page":269},{"text":"والآخر: أنهم قد أضعف لهم الخير والنعيم أي هم أصحاب أضعاف\"١.\nوأما صدقات التطوع والإنفاق وصلة الأرحام: - وقد يدخل (أحيانًا) في مفهومها الصدقة الواجبة - فقد اهتم الإسلام بها اهتمامًا كبيرًا، وقد كان سيد البشر ﷺ أعظم الناس صدقة بما يملك، وكان يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، وكان سروره بما يعطيه أعظم من سرور من يأخذ منه بما أخذ، وكان يؤثر على نفسه، هذا كله مع تنويع أساليب العطاء بحسب الحالات، وظروف من يعطيهم، وهكذا علَّم أصحابه وبهذا أمرهم وكان يدعو للمتصدق منهم، فتحصل لهم البركة بما أنفقوا وبما أصابهم من بركات دعائه ﷺ.\nوالآيات والأحاديث التي تبين أن الصدقة والإنفاق سبب في جلب الرزق وحصول البركة ودوام النعمة كثيرة، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ ٢. قوله: ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾: أي ينميها في الدنيا بالبركة، ويكثر ثوابها بالتضعيف في الآخرة٣.\nوقال تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ ٤. أي أن الشيطان يعد الإنسان ويمنيه بالفقر وفقد الأموال، وذلك بتأدية الزكاة ويأمره بالمعاصي وترك الطاعات.\nبينما الله﷿- يعد المؤمنين بغفران ذنوبهم وسترها بتأدية الصدقة، كما يعدهم أن يخلف عليهم فيتفضل عليهم من عطاياه ويسبغ عليهم في أرزاقهم٥.\n_________\n١ الجامع لأحكام القرآن (١٤/٤١) .\n٢ سورة البقرة: الآية رقم (٢٧٦) .\n٣ الجامع لأحكام القرآن (٣/٣٦٢) .\n٤ سورة البقرة: الآية رقم (٢٦٨) .\n٥ جامع البيان عن تأويل القرآن (٥/٥٧١) بتصرف.","vol":"1","page":270},{"text":"وقال ابن عطية في معنى قوله: ﴿وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا﴾ المغفرة، هي الستر على عباده في الدنيا والآخرة، والفضل، هو الرزق في الدنيا والتوسعة فيه والنعيم في الآخرة١.\nوقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ ٢. قال القرطبي: \"هذه إشارة إلى أن الخلف في الدنيا بمثل المنفق فيها إذا كانت النفقة في طاعة الله، والله تعالى يرزق من خزائن لا تفنى ولا تتناهى\"٣.\nوقال ابن كثير: \"يخلفه عليكم بالبدل، وفي الآخرة بالجزاء والثواب٤. ومن الأحاديث التي بهذا المعنى ما جاء عند مسلم من حديث أبي هريرة - ﵁ - أن النبي ﷺ قال: \"قال الله ﵎: يا ابن آدم أنفق أُنفق عليك\" ٥، وفي الحديث الآخر، قال رسول الله ﷺ: \"إن الله قال لي: أنفق أُنفقُ عليك\" ٦.\nوروى البخاري٧، ومسلم٨، وأحمد٩ حديث أبي هريرة - ﵁ - أن النبي ﷺ قال: \"ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول\n_________\n١ المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (٢/٤٥٤) .\n٢ سورة سبأ: الآية رقم (٣٩) .\n٣ الجامع لأحكام القرآن (١٤/٢٩٥) .\n٤ تفسير القرآن العظيم (٣/٧١٥) .\n٥ الصحيح، كتاب الزكاة، باب الحث على النفقة وتبشير المنفق بالخلف (٢/٦٩٠-٦٩١) .\n٦ المصدر السابق.\n٧ الصحيح، كتاب الزكاة باب قول الله تعالى: (فأما من أعطى واتقى ...) (٣/٣٠٤) .\n٨ الصحيح، كتاب الزكاة، باب في المنفق والممسك (٢/٧٠٠) .\n٩ المسند (٢/٣٠٥-٣٠٦) .","vol":"1","page":271},{"text":"أحدهما: اللهم أعط منفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكًا تلفًا\"، هذا لفظ البخاري ومسلم، وهو عند أحمد بنحوه.\nذكر ابن حجر أن الحديث فيه الترغيب في الإنفاق في وجوه البر، وأن ذلك موعود عليه بالخلف في العاجل بالزيادة وفي الآجل بالثواب١.\nوقال النووي: \"الإنفاق الممدوح هنا ما كان في الطاعات وعلى العيال والضيفان والتطوعات\"٢.\nوقال القرطبي: \"وهو يعم الواجبات والمندوبات\"٣.\nوعن أبي هريرة - ﵁ - وغيره مرفوعًا، وفيه لفظ: \"أنفق بلال ولا تخش من ذي العرش إقلالًا\" عند كل من البزار٤، والطبراني٥، وأبي نعيم٦، والبيهقي في الشعب٧، وعند بعضهم من حديث بلال وابن مسعود بنحوه أيضا.\nوقال البزار عقب حديث أبي هريرة: لا نعلم أحدًا رواه عن يونس إلا مبارك، وقال عقب حديث بلال: مرسل. وقال الهيثمي: \"إسناد البزار\n_________\n١ فتح الباري (٣/٣٠٤-٣٠٥) بتصرف.\n٢ فتح الباري (٣/٣٠٥) .\n٣ فتح الباري (٣/٣٠٥) .\n٤ البحر الزخار، الأحاديث (١٣٦٦، ١٩٧٨)، وانظر كشف الأستار عن زوائد البزار (٤/٢٥٠-٢٥١) .\n٥ المعجم الكبير، الأحاديث (١٠٢٠، ١٠٢١، ١٠٢٥، ١٠٢٦) .\n٦ الحلية (١/١٤٩)، (٦/٢٧٤) .\n٧ شعب الإيمان (٢/١١٨) .","vol":"1","page":272},{"text":"والطبراني حسن\"١.\nوقد أطلق العراقي٢ أن الحديث ضعيف من جميع طرقه، لكن قال ابن حجر عقب حديث أبي هريرة: إسناده حسن٣.\nوحديث أسماء بنت أبي بكر ﵄ عند كل من البخاري٤، ومسلم٥، وأبي داود٦، والترمذي٧، والنسائي٨، وأحمد٩، وعبد الرزاق١٠، والبيهقي١١ أن رسول الله ﷺ قال لها: \"أنفقي ولا تحصي فيحصي الله عليك، ولا توعي فيوعي الله عليك\". هذا لفظ عند البخاري ومسلم وأحمد إلا أنه قال عند مسلم \"انفحي أو انضحي أو أنفقي ولا تحصي ... \" وعند هؤلاء - أيضًا - وعند الآخرين بنحوه، وقد اقتصر بعضهم على الشطر الأول فقط أو الشطر الثاني من الحديث.\nقال النووي: \"ولا تحصي ... \" معناه: يمنعك كما منعت ويقتر عليك كما قترت، ويمسك فضله عنك كما أمسكته، وقيل معنى لا تحصي: أي لا\n_________\n١ مجمع الزوائد (١٠/٢٤١) .\n٢ المغني عن حمل الأسفار حديث (٤٠٩٢)، وانظر: فيض القدير شرح الجامع الصغير (٣/٦١) .\n٣ مختصر زوائد مسند البزار على الكتب الستة ومسند أحمد (٢/٤٩٤) .\n٤ الصحيح كتاب الزكاة، باب التحريض على الصدقة (٣/٢٩٩-٣٠٠)، وباب الصدقة فيما استطاع (٣/٣٠١)، وكتاب الهبة، باب هبة المرأة لغير زوجها (٥/٢١٧) .\n٥ الصحيح، كتاب الزكاة، باب الحث على الإنفاق وكراهة الإحصاء (٢/٧١٣) .\n٦ السنن، كتاب الزكاة، باب في الشح (٢/١٣٤) .\n٧ الجامع، كتاب البر، باب ما جاء في السخاء (٦/٩٤) .\n٨ السنن، كتاب الزكاة، باب الإحصاء في الصدقة (٥/٧٤) .\n٩ المسند (٦/٣٤٤، ٣٤٥، ٣٤٦) .\n١٠ المصنف (١١/١٠٨) .\n١١ السنن الكبرى (٤/١٨٧) .","vol":"1","page":273},{"text":"تعديه فتستكثريه فيكون سببًا لانقطاع إنفاقك١.\nوقال ابن حجر: \"النهي عن منع الصدقة خشية النفاد، فإن ذلك أعظم الأسباب لقطع مادة البركة، لأن الله يثيب على العطاء بغير حساب، ومن لا يحاسب عند الجزاء لا يحسب عليه عند العطاء، ومن علم أن الله يرزقه من حيث لا يحتسب فحقه أن يعطي ولا يحسب، والإحصاء عد الشيء لأن يدخر ولا ينفق منه، وأحصاه الله قطع البركة عنه، أو حبس مادة الرزق أو المحاسبة عليه في الآخرة٢ \".\nوقال السندي: لا تمنعي ما في يدك فيشدد الله عليك أبواب الرزق، وفيه أن السخاء يفتح أبواب الرزق والبخل بخلافه٣.\nوقال المباركفوري: \"دل الحديث على أن الصدقة تنمي المال وتكون سببًا إلى البركة والزيادة فيه، وأن من شح ولم يتصدق فإن الله يوكي عليه ويمنعه من البركة في ماله والنماء فيه\"٤.\nوحديث أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا عند كل من مسلم٥، والترمذي٦، والدارمي٧، وأحمد٨ بلفظ: \"ما نقصت صدقة من مال، وما زاد\n_________\n١ شرح صحيح مسلم (٧/١١٩) .\n٢ فتح الباري (٣/٣٠١) .\n٣ حاشية السندي على سنن النسائي (٥/٧٤-٧٥) .\n٤ تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي (٦/٩٤) .\n٥ الصحيح، كتاب البر والصلة، باب استحباب العفو والتواضع (٤/٢٠٠١) .\n٦ الجامع، كتاب البر، باب ما جاء في التواضع (٦/١٧٧) .\n٧ السنن (١/٣٣٣) .\n٨ المسند (٢/٢٣٥) .","vol":"1","page":274},{"text":"الله عبدًا بعفو إلا عزًا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله\". قال الترمذي: حديث حسن صحيح.\nقلت: هذا لفظ مسلم، والترمذي والدارمي، ولفظ أحمد بنحوه.\nمعنى \"ما نقصت صدقة من مال\" أي ما نقصت صدقة مالًا، أو بعض مال، أو شيئًا من مال، بل تزيد أضعاف ما يعطي منه بأن ينجبر بالبركة الخفية وذلك بدفع المضرات، أو بالعطية الجلية، أو بالمثوبة العلية١.\nوحديث أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا عند كل من البخاري٢، ومسلم٣ وغيرهما: \"مثل البخيل والمنفق كمثل رجلين عليهما جُبتان، (وفي لفظ جُنتان) من حديد من ثُدَيِّهما إلى تراقيهما، فأما المنفق فلا ينفق إلا سبغت - أو وفرت - على جلده حتى تخفي بنانه، وتعفو أثره، وأما البخيل فلا يريد أن ينفق شيئًا إلا لزقت كل حلقه مكانها، فهو يوسِّعها ولا تتسع\". هذا لفظ البخاري، وهو عند مسلم بنحوه.\nفبين الحديث أن المنفق يستره الله تعالى بنفقته ويستر عوراته في الدنيا والآخرة، وينمي ماله بالصدقة والإنفاق، كستر هذه الجبة وضفائها على لابسها، وأما البخيل فهو كمن لبس جبة إلى ثدييه فقط فيبقى مكشوفًا بادي العورة مفتضحًا في الدنيا والآخرة وذلك بمحق ماله في الدنيا وحسناته في الآخرة٤.\n_________\n١ انظر: تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي (٦/١٧٧) .\n٢ الصحيح، كتاب الزكاة، باب مثل المتصدق والبخيل (٣/٣٠٥)، وكتاب الجهاد، باب ما قيل في درع النبي - ﷺ - (٦/٩٩)، وكتاب الطلاق، باب الإشارة في الطلاق (٩/٤٣٧)، وكتاب اللباس، باب جيب القميص (١٠/٢٦٧) .\n٣ الصحيح، كتاب الزكاة، باب مثل المنفق والبخيل (٢/٧٠٨-٧٠٩) .\n٤ شرح صحيح مسلم (٧/١٠٩) بتصرف.","vol":"1","page":275},{"text":"ومما تجدر الإشارة إليه هنا هو أن الدعاء للمتصدق وباذل المال له أهمية كبيرة في حصول النماء والبركة، فقد كان النبي ﷺ يدعو لمن يدفع الزكاة، أو الصدقات ويأمر عماله بأن يدعوا لمن يبذل المال كذلك، ولنا في رسول الله ﷺ أسوة حسنة.\nفقد قال عبد الله بن أبي أوفى ﵄ كان رسول الله ﷺ إذا أتاه قوم بصدقتهم، قال: \"اللهم صلِّ عليهم\". فأتاه أبي أبو أوفى بصدقته فقال: \"اللهم صلِّ على آل أبي أوفى\" ١. يريد هنا الدعاء له. ويقول أحيانًا: \"اللهم بارك فيه وفي إبله\" ٢ إذا كانت الصدقة إبلًا، وهكذا.\nوأما صلة الرحم: فقد أمر الله تعالى بصلة الأرحام وهي الإحسان إلى الأقارب في المقال والأفعال وبذل الأموال، وأكد على ذلك الرسول الكريم ﷺ، وبين أن في صلة الأرحام خيرات كثيرات، من زيادة في العمر، وفي الرزق، والذكر الجميل، والدرجات الرفيعة في الآخرة بفضل الله تعالى ومنِّه وكرمه. ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ، أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ ٣.\nوعن أبي هريرة - ﵁ - عند البخاري٤ ومسلم٥\n_________\n١ انظر: صحيح البخاري، كتاب الزكاة، باب صلاة الإمام ودعائه لصاحب الصدقة (٣/٢٨٦) . وصحيح مسلم، كتاب الزكاة، باب الدعاء لمن أتى بصدقته (٢/٧٥٦-٧٥٧) .\n٢ سنن النسائي، كتاب الزكاة، باب الجمع بين المتفرق (٥/٣٠) .\n٣ سورة محمد: الآيتان رقم (٢٢-٢٣) .\n٤ الصحيح، كتاب التفسير باب (وتقطعوا أرحامكم) (٨/٥٧٩)، وكتاب الأدب، باب من وصل وصله الله (١٠/٤١٧)، وكتاب التوحيد، باب قول الله تعالى (يريدون أن يبدلوا كلام الله) (١٣/٤٦٥) .\n٥ الصحيح، كتاب البر والصلة والآداب، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها (٤/١٩٨١) .","vol":"1","page":276},{"text":"وغيرهما مرفوعًا بطرق وألفاظ عديدة: \"خلق الله الخلق فلما فرغ منه، قامت الرحم فأخذت بحقو الرحمن، فقال له: مه، قالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال: ألا ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى يا رب، قال: فذاك\". قال أبو هريرة: فاقرأوا إن شئتم: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ، أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ . هذا لفظ البخاري، وعند مسلم بنحوه مختصر.\nوحديث أبي هريرة - ﵁ - عند البخاري١، وحديث عائشة ﵂ عند مسلم٢ مرفوعًا ولفظه: \"إن الرحم شجنة من الرحمن فقال الله: من وصلك وصلته ومن قطعك قطعته\". هذا لفظ البخاري، وعند مسلم بنحوه.\nوحديث عبد الرحمن بن عوف - ﵁ - عند الترمذي٣، مرفوعا قال الله ﵎: \"أنا الله وأنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها من اسمي، فمن وصلها وصلته ومن قطعها بتتُّه\". وقال الترمذي: حديث صحيح.\nوحديث عبد الله بن عمرو عند كل من البخاري٤ والترمذي٥، مرفوعًا بلفظ: \"ليس الواصل بالمكافئ ولكن الواصل الذي إذا قُطِعَتْ رحمُه وصلها\"، هذا لفظ البخاري، والترمذي مثله إلا أنه قال: \"انقطعت رحمه\" بدلًا من \"قطعت رحمه\". وقال الترمذي عقبه: حديث حسن صحيح، وفي الباب عن سلمان وعائشة.\n_________\n١ الصحيح، كتاب الأدب، باب من وصل وصله الله (١٠/٤١٧) .\n٢ الصحيح، كتاب البر والصلة والآداب، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها (٤/١٩٨١) .\n٣ الجامع، كتاب البر والصلة، باب ما جاء في قطيعة الرحم (٦/٣٣) .\n٤ الصحيح، كتاب الأدب، باب ليس الواصل بالمكافئ (١٠/٤٢٣) .\n٥ الجامع، كتاب البر والصلة، باب ما جاء في صلة الرحم (٦/٣٥) .","vol":"1","page":277},{"text":"ومن الأحاديث التي جاء فيها أن صلة الرحم من الأسباب الجالبة للرزق والبركة ما جاء في حديث أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: \"من سرَّه أن يبسط له في رزقه أو ينسأ له في أثره فليصل رحمه\". وفي لفظ: \"من أحب أن يبسط له في رزقه وأن ينسأ له في أثره فليصل رحمه\". عند كل من البخاري١، ومسلم٢، وهو عند أبي داود٣ بنحوه.\nوفي حديث أبي هريرة - ﵁ - المرفوع عند كل من الترمذي٤، وأحمد٥، والحاكم٦، وغيرهم وفيه: \"تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم، فإن صلة الرحم محبة في الأهل، مثراة في المال، منسأة في الأثر\". وقال الترمذي: غريب من هذا الوجه، وقال الحاكم: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وقد أخرجه الطبراني٧ بنحوه من حديث العلاء بن خارجة مرفوعًا. وقال الهيثمي٨ بعد أن عزاه للطبراني في الكبير: رجاله موثقون.\nمما سبق - ومن خلال إمعان النظر في أقوال العلماء شراح الأحاديث - يمكن الخروج بما يأتي:\n١ - تأكيد صلة الرحم وأن الله تعالى اشتق اسمها من اسمه ﷿\n_________\n١ الصحيح، كتاب البيوع، باب من أحب البسط في الرزق (٤/٣٠١)، وفي كتاب الأدب، باب من بسط له في الرزق بصلة الرحم (١٠/٤١٥) .\n٢ الصحيح، كتاب البر والصلة، باب صلة الرحم (٤/١٩٨٣) .\n٣ السنن، كتاب الزكاة، باب في صلة الرحم (٢/١٣٢-١٣٣) .\n٤ الجامع، كتاب البر والصلة، باب ما جاء في تعليم النسب (٦/١١٣) .\n٥ المسند (٢/٣٧٤) .\n٦ المستدرك (٤/١٦١) .\n٧ المعجم الكبير (١٨/٩٨) .\n٨ مجمع الزوائد (١/١٩٣)، و(٨/١٥٢) .","vol":"1","page":278},{"text":"وأنه أنزلها في جواره، وفي حمايته، وجار الله - ﷿ - غير مخذول.\n٢ - تحريم قطيعة الرحم، وأن القاطع لها مقطوع من رحمة الله سبحانه وعظيم إحسانه، مخذول دنيا وآخرة.\n٣ - الرحم التي أمر الله بوصلها رحم عامة وخاصة، فالعامة رحم الدين وتجب مواصلتها بالتوادد والتناصح والعدل والإنصاف والقيام بالحقوق الواجبة والمستحبة.\nوأما الرحم الخاصة فتزيد على الرحم العامة، النفقة على الأقرباء وتفقد أحوالهم، والتغافل عن زلاتهم، وقضاء حوائجهم، ودفع الضرر عنهم والبشاشة والدعاء لهم، إذا كانوا من أهل الاستقامة والصلاح، فإن كانوا عصاة فساقًا، فمقاطعتهم بعد بذل الوسع في نصحهم هو صلتهم، مع الدعاء لهم بالهداية بظهر الغيب.\n٤ - أما فائدة صلة الرحم وهذا هو بيت القصيد هنا، فهي أن الواصل، لا يزال موصولًا بالإحسان العظيم من الرحمن الرحيم، وبحصول الرزق ودفع الضر، وتوالي البركات، والتوفيق في الحياة، والسرور والحبور بعد الممات. وهذا يدرك كثيرًا بالحس والمشاهدة، ويتحدث الناس به ويعرفونه. وقد سبق حديث أبي هريرة وأنس ﵄ بأن الواصل، يبسط له في رزقه.\nقال النووي: \"بسط الرزق: توسيعه وكثرته، وقيل: البركة فيه١\". وقال الحافظ ابن حجر: قال العلماء: معنى البسط في الرزق البركة فيه، لأن صلة أقاربه صدقة، والصدقة تربي المال وتزيد فيه فينمو بها ويزكو٢.\nهذا فيما يتعلق بحصول البركة في الرزق وأما الفوائد الأخرى فهي كثيرة وليس هنا محل ذكرها.\n_________\n١ شرح صحيح مسلم (١٦/١١٤) .\n٢ فتح الباري (٤/٣٠٣) .","vol":"1","page":279},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>المطلب الثّاني:\nالتّوكُّل على الله - ﷾ - مع الأخذ بالأسباب</span>\nحقيقة التوكّل هو اعتماد القلب على الله تعالى في حصول ما ينفع العبد في دينه ودنياه، ودفع ما يضره في دينه ودنياه، ولابد - مع هذا الاعتماد واليقين - من مباشرة الأسباب التي نصبها الله مقتضيات لمسبباتها قدرًا وشرعًا، وتعطيل هذه الأسباب يعد قادحًا في نفس التوكل معطلًا للحكمة والشرع١.\nويأتي التوكل بعد حصول التقوى كأثر من آثارها ولازم من لوازمها، ولذا قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ ٣.\nفهكذا جعل الله تعالى - في هاتين الآيتين - التوكل بعد التقوى الذي هو قيام الأسباب المأمور بها، فحينئذ إن توكل على الله فهو حسبه وكافيه.\nقال القرطبي: \"التوكل هو: الثقة بالله والإيقان بأن قضاءه ماض واتباع سنة نبيه ﷺ في السعي فيما لا بد منه من الأسباب من مطعم ومشرب، وتحرز من عدو وإعداد ... \"٤ أ؟. وقال الإمام القشيري: \"اعلم أن التوكل محله القلب، وأما الحركة بالظاهر فلا تنافي التوكل بالقلب، بعدما يحقق العبد أن الرزق من قبل الله تعالى، فإن تعسر شيء فبتقديره، وإن تيسًّر شيء فبتيسيره\"٥.\nوقد ذكر الله تعالى موقف الرسول ﷺ وأصحابه عندما خوفهم بعض الناس -\n_________\n١ زاد المعاد (٤/١٥) بتصرف.\n٢ سورة المائدة: الآية رقم (١١) .\n٣ سورة الطلاق: الآيتان رقم (٢-٣) .\n٤ الجامع لأحكام القرآن (٤/٢٠٠) .\n٥ الجامع لأحكام القرآن (٧/٩) .","vol":"1","page":280},{"text":"كيدًا بهم - عدوَّهم قريشًا ومن معهم بأنهم قد جمعوا لهم إذ قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ ١. فهكذا خوفهم بعض الناس من عدوهم مشركي مكة ومن معهم فما كان من المؤمنين إلا أن قالوا: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾، توكلوا على الله بعد الأخذ بالأسباب فكفاهم الله ما أهمهم ورد عنهم بأس من أراد كيدهم من المشركين عقب أحُد فانقلبوا بنعمة السلامة، وزيادة من فضل الله مما شروا وتجروا من السوق فربحوا٢.\nوقد كان رسول الله ﷺ سيد المتوكلين على ربه، يأمر بالتوكل على الله والانقطاع إليه بعد الأخذ بالأسباب في كل الأحوال، وتصديق ذلك من سنته ﷺ ما جاء في حديث عمران بن الحصين - ﵁ - قال: قال رسول الله ﷺ: \"من انقطع إلى الله كفاه الله كل مؤونة، ورزقه من حيث لا يحتسب، ومن انقطع إلى الدنيا وكله الله إليها\". أخرجه الطبراني في الأوسط٣ والصغير٤ ومن طريقه أبو بكر الخطيب٥، وأخرجه أيضًا البيهقي٦، وابن أبي حاتم٧، بهذا اللفظ وقال الطبراني عقبه في الصغير: لم يروه عن هشام بن حسان إلا الفضيل بن عياض، تفرد به إبراهيم بن الأشعث الخراساني. وقال الهيثمي٨\n_________\n١ سورة آل عمران: الآيتان رقم (١٧٣-١٧٤) .\n٢ انظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير (١/٥٧٢) باختصار شديد.\n٣ المعجم الأوسط (٤/٢١٥-٢١٦) .\n٤ المعجم الصغير (١/١١٦) .\n٥ تاريخ بغداد (٧/١٩٦) .\n٦ شعب الإيمان (٢/٢٨، ١٢٠) .\n٧ تفسير القرآن العظيم لابن أبي حاتم (١٠/٣٦٦٠) .\n٨ مجمع الزوائد (١٠/٣٠٣-٣٠٤) .","vol":"1","page":281},{"text":"بعد أن عزاه للطبراني في الأوسط: فيه إبراهيم بن الأشعث صاحب الفضيل، وهو ضعيف، وقد ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: يُغرب ويخطئ ويخالف، وبقية رجاله ثقات.\nقلت: ويشهد لهذا الحديث ما ذكر بعده من أحاديث كما يشهد له ظاهر القرآن، والله أعلم.\nوحديث عبد الله بن مسعود - ﵁ - مرفوعًا عند كل من: أبي داود١، والترمذي٢، وأحمد٣، والطبراني٤، والحاكم٥ بلفظ: \"من نزلت به فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته ومن نزلت به فاقة فأنزلها بالله فيوشك الله له برزق عاجل أو آجل\"، وفي لفظ آخر: \"من نزل به حاجة فأنزلها بالناس كان قمنًا من أن لا تسهل حاجته، ومن أنزلها بالله آتاه الله برزق عاجل أو بموت آجل\". اللفظ الأول للترمذي، واللفظ الآخر لأحمد، والباقون بنحوه عندهما. وقال الترمذي بعده: \"حديث حسن صحيح غريب\". وقال الحاكم عقبه: \"حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه\" ووافقه الذهبي.\nفبين في هذا الحديث أن من حصل له حاجة شديدة من فقر أو ضيق معيشة فعرضها على الناس وأظهرها بطريق الشكاية لهم، وطلب إزالة فاقته منهم لم تسدَّ فاقته ولم تقض حاجته، وهكذا كلما سد حاجة أصابته أخرى أشد منها. لكن إذا أنزلها بالله واعتمد على مولاه فإن الله يعجل له ويسرع برزق عاجل أي يسار وغنى، أو بموت قريب له غني فيرثه٦.\n_________\n١ السنن، كتاب الزكاة، باب في الاستعفاف (٢/١٢٢) .\n٢ الجامع. كتاب الفتن،، باب ما جاء في هم الدنيا (٦/٦١٧-٦١٨) .\n٣ المسند (١/٣٨٩، ٤٤٢) .\n٤ المعجم الكبير (١٠/١٥) .\n٥ المستدرك (١/٤٠٨) .\n٦ انظر: تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي (٦/٦١٨-٦١٩) بتصرف.","vol":"1","page":282},{"text":"وقد قال ابن عباس - ﵄ -: \"كنت خلف النبي ﷺ يومًا، فقال: \"يا غلام إني أعلِّمك كلمات، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فأسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أنَّ الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفَّت الصحف\" أخرجه الترمذي١ وأحمد٢ وهذا اللفظ للترمذي، ولفظ أحمد قريب منه، وقال الترمذي بعده: حديث حسن صحيح.\nكما ذكر الترمذي بعده بنفس الباب حديث أنس - ﵁ -: أن رجلًا قال للنبي ﷺ: يا رسول الله أعقلها وأتوكل أو أطلقها وأتوكل؟ قال: \"اعقلها وتوكل\" يريد ناقته. وقال الترمذي عقبه: \"حديث غريب من حديث، أنس لا نعرفه إلا من هذا الوجه\".\nوعن حبة وسواء ابني خالد - ﵄ - قالا: دخلنا على النبي ﷺ وهو يعالج شيئا، فأعناه عليه، فقال: \"لا تيأسا من الرزق ما تهززت رؤوسكما، فإن الإنسان تلده أمه أحمر، ليس عليه قشر، ثم يرزقه الله ﷿\" عند كل من: إبن ماجه٣، وابن حبان٤، وأحمد٥، والطبراني٦، واللفظ عندهم\n_________\n١ الجامع، كتاب القيامة، باب منه (٧/٢١٩-٢٢٠) .\n٢ المسند (١/٢٩٣، ٣٠٧) .\n٣ السنن، كتاب الزهد، باب التوكل واليقين (٢/١٣٩٤) .\n٤ الصحيح (الإحسان) (٨/٣٤) رقم (٣٢٤٢) ولفظ ابن حبان: (لا تنافسا في الرزق ما هزت رؤوسكما ...) .\n٥ المسند (٣/٤٦٩) .\n٦ المعجم الكبير (٤/٧-٨) .","vol":"1","page":283},{"text":"إلا ابن حبان فهو عنده بنحوه. وقال البوصيري١: \"إسناد حديثهما صحيح رجاله ثقات\"، لكن قال ابن حجر٢: \"روى الحديث ابن ماجه بإسناد حسن\".\nقلت: والقلب إلى تحسينه أميل، وذلك لأن سلاَّم٣ بن شرحبيل أحد رواته مقبول عند الحافظ ابن حجر، ولم يوثقه سوى ابن حبان، لكنه من التابعين الذين لم يعرفوا بكبير رواية ولم يشتهروا فتقادم العهد بهم، وصعب الاطلاع على حالهم فأجاز العلماء روايتهم واحتملوها.\nوروى الترمذي٤، وابن ماجه٥، وأحمد٦، والحاكم٧ حديث عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: سمعت رسول الله يقول: \"لو أنكم توكلتم على الله حق توكله، لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو٨ خماصا٩، وتروح١٠ بطانا١١\". هذا لفظ ابن ماجه وأحمد في الموضع الثاني، وكذا الحاكم، وعند الترمذي وأحمد في الموضع الأول \"لو أنكم كنتم توكلون\"\n_________\n١ مصباح الزجاجة (٣/٢٨٤) .\n٢ الإصابة (١/٣٠٤) ترجمة حبة بن خالد.\n٣ انظر ترجمة سلام هذا في التهذيب (٤/٢٨٥)، تقريب التهذيب (ص ٢٦١) .\n٤ الجامع، كتاب الزهد، باب ما جاء في الزهادة في الدنيا (٧/٨) .\n٥ السنن، كتاب الزهد، باب التوكل واليقين (٢/١٣٩٤) .\n٦ المسند (١/٣٠، ٥٢) .\n٧ المستدرك (٤/٣١٨) .\n٨ الغدو: هو: السير أول النهار نقيض الرواح. النهاية في غريب الحديث (٣/٣٤٦) .\n٩ خماصًا: أي ضامرة البطون جياعًا. النهاية في غريب الحديث (٢/٨٠) .\n١٠ تروح: من الرواح آخر النهار. النهاية في غريب الحديث (٢/٢٧٢) بتصرف.\n١١ بطانًا: أي ممتلئة البطون. النهاية في غريب الحديث (١/١٣٦) .","vol":"1","page":284},{"text":"والباقي بنحوه. وقال الترمذي عقبه: \"هذا حديث حسن صحيح لا نعرفه إلا من هذا الوجه\"، وقال الحاكم: \"صحيح الإسناد ولم يخرجاه\" ولم يتعقبه الذهبي.\nوهكذا يتضح مما سبق أن التوكل والانقطاع إلى الله سبب في حصول الرزق والبركة فيه وقضاء الحاجات، ورفع الحرج والضيق بإذن الله تعالى.","vol":"1","page":285},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>المطلب الثّالث: التّسمية في كلّ الأحوال</span>\nالتسمية، والذكر والدعاء، والشكر، والتوبة، والاستغفار، وإن كانت هذه العبادات تبدو متداخلة من حيث الظاهر ويمكن أن تندرج جميعها تحت مسمَّى الذكر، إلا أنها في الحقيقة تجتمع وتفترق، وفي كلٍّ منها معنىً زائد على باقيها فيما يتعلق بموضوع البحث، لذا رأيت أن أفرد كل نوع منها على حدة.\nفأما التسمية: فقد ثبت أنه ﷺ كان يذكر اسم الله تعالى ويسمي في كثير من الأحيان، ويأمر أصحابه بذلك وذلك لما يحصل من ذكر اسم الله تعالى من البركة، وطرد الشيطان ومنع مشاركته الإنسان إلا فيما لم يذكر اسم الله تعالى عليه.\nقال تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا﴾ ١.\nفسَّر بعض العلماء المشاركة هنا بأشياء كثيرة: منها مشاركة الشيطان للمجامع زوجته إذا لم يذكر اسم الله تعالى فقد جاء عند البخاري٢ من حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: \"أما إن أحدكم إذا أتى أهله\n_________\n١ سورة الإسراء: الآية رقم (٦٤) .\n٢ الصحيح، كتاب بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده (٦/٣٣٥)، وانظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير (٣/٧٠-٧١) .","vol":"1","page":285},{"text":"وقال: باسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فرزقا ولدًا، لم يضره الشيطان\".\nوأصرح حديث بالأمر بالتسمية وبخاصة عند الطعام، هو ما جاء عند أبي داود١، والترمذي٢، والحاكم٣، وغيرهم من حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: \"إذا أكل أحدكم فليذكر اسم الله تعالى، فإن نسي أن يذكر اسم الله تعالى في أوله، فليقل: بسم الله أوله وآخره\". هذا لفظ أبي داود، وعند الترمذي والحاكم بنحوه. وقال الحاكم عقبه: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وصححه أيضًا ابن قيم الجوزية٤.\nوقد جاء عند البخاري٥، ومسلم٦ وغيرهما أيضًا حديث عمر بن أبي سلمة وفيه أن النبي ﷺ قال له: \"يا غلام سمِّ الله وكل بيمينك، وكل مما يليك ... \".\nوتظهر فائدة التسمية بشكل جلي من خلال الأحاديث التالية:\nعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"كلُّ أمر ذي بال لا يبدأ فيه باسم الله الرحمن الرحيم فهو أبتر\" وفي لفظ: \"كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أقطع\" وفي رواية: \"فهو أجذم\" أخرجه كل من ابن ماجه٧، وأبي داود٨،\n_________\n١ السنن، كتاب الأطعمة، باب التسمية على الطعام (٣/٣٤٧) .\n٢ الجامع، كتاب الأطعمة، باب ما جاء في التسمية على الطعام (٥/٥٩٤-٥٩٥) .\n٣ المستدرك (٤/١٠٨) .\n٤ زاد المعاد (٢/٣٩٧) .\n٥ الصحيح، كتاب الأطعمة، باب التسمية على الطعام، والأكل باليمين (٩/٥٢١) .\n٦ الصحيح، كتاب الأشربة، باب آداب الطعام والشراب، وأحكامهما (٣/١٥٩٩) .\n٧ السنن، كتاب النكاح، باب خطبة النكاح (١/٦١٠) .\n٨ السنن، كتاب الأدب، باب الهدي في الكلام (٤/٢٦١) .","vol":"1","page":286},{"text":"وابن حبان١، والدارقطني٢، والنسائي٣، واللفظ الثاني هو الأكثر، والأشهر، وقد ذكر طرقه السبكي وصححه٤، وقال النووي٥: \"هذا الحديث حسن ... روي موصولًا ومرسلًا، ورواية الموصول إسنادها جيد، ومعنى أقطع: قليل البركة، وكذلك أجذم\". أ؟.\nوقال المحشي على سنن ابن ماجه: قال السندي: \"الحديث حسنه ابن الصلاح والنووي\"٦.\nقال الحافظ ابن حجر عند الكلام على كتاب النبي ﷺ لهرقل: \"فإذا فيه بسم الله الرحمن الرحيم\": قال النووي: \"فيه استحباب تصدير الكتب ببسم الله الرحمن الرحيم ويحمل قوله في حديث أبي هريرة: \"كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أقطع\" أي بذكر الله كما جاء في رواية أخرى فإنه روي على أوجه بذكر الله، ببسم الله، بحمد الله، قال: وهذا الكتاب كان ذا بال من المهمات العظام ولم يبدأ فيه بلفظ الحمد بل بالبسملة\"٧.\nوعن جابر بن عبد الله ﵄ عند كل من مسلم٨، وأبي داود٩،\n_________\n١ الصحيح (الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان) (١/١٧٣-١٧٥) حديثا (١، ٢) .\n٢ السنن (١/٢٢٩) .\n٣ عمل اليوم والليلة (ص ٣٤٥-٣٤٦) .\n٤ طبقات الشافعية الكبرى (١/٥-٢١) .\n٥ شرح مسلم (١/٤٣) .\n٦ وانظر: شرح صحيح مسلم للنووي (١٣/١٨٥) .\n٧ فتح الباري (٨/٢٢٠) .\n٨ الصحيح، كتاب الأشربة، باب آداب الطعام والشراب (٣/١٥٩٨) .\n٩ السنن، كتاب الأطعمة، باب التسمية على الطعام (٣/٣٤٦-٣٤٧) .","vol":"1","page":287},{"text":"وابن ماجه١، وأحمد٢، أن النبي ﷺ قال: \"إذا دخل الرجل بيته فذكر الله عند دخوله وعند طعامه، قال الشيطان: لا مبيت لكم ولا عشاء، وإذا دخل فلم يذكر الله عند دخوله، قال الشيطان: أدركتم المبيت، وإذا لم يذكر الله عند طعامه قال: أدركتم المبيت والعشاء\"، هذا لفظ مسلم، والباقون بنحوه وعندهم في أوله زيادة.\nوعن عائشة ﵂ عند كل من الترمذي٣، وابن ماجه٤ قالت: \"كان رسول الله ﷺ يأكل طعامًا في ستة من أصحابه فجاء أعرابي فأكله بلقمتين فقال رسول الله ﷺ \"أما إنه لو سمَّى لكفاكم\". هذا لفظ الترمذي، ولفظ ابن ماجه بنحوه، وفيه عنده زيادة، وقال الترمذي عقبه: هذا حديث حسن صحيح، وصححه - أيضًا - الألباني٥.\nوقد ثبت عند البخاري٦ ومن حديث غير واحد من الصحابة ﵃ مرفوعًا: \"أن المؤمن يأكل في معىً واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء\".\nمما سبق، ومن خلال النظر في كتب شروح الحديث يتبين ما يلي:\n١ - أهمية التسمية على كل أمر ذي بال، وأنها جالبة للخير والبركة، طاردة للشيطان الملعون المطرود الذي يمحق البركة ويسر للمعصية. ومما يدل على أهمية التسمية أيضًا أن كثيرًا ممن خرج الأحاديث السابقة عقدوا تراجم أبوابهم بذكر التسمية كما هو ملاحظ.\n_________\n١ السنن، كتاب الدعاء، باب ما يدعو به إذا دخل بيته (٢/١٢٧٩) .\n٢ المسند (٣/٣٤٦، ٣٨٣) .\n٣ الجامع، كتاب الأطعمة، باب ما جاء في التسمية على الطعام (٥/٥٩٥) .\n٤ السنن، كتاب الأطعمة، باب التسمية عند الطعام (٢/١٠٨٦-١٠٨٧) .\n٥ صحح سنن ابن ماجه (٢/٢٢٤) .\n٦ الصحيح، كتاب الأطعمة، باب المؤمن يأكل في معىً واحد (٩/٥٣٦) .","vol":"1","page":288},{"text":"٢ - يستحب التسمية في أوَّل كل أمر ذي بال كالدخول، والخروج، والأكل، والشراب، والوزن، والكيل، وعدَّ النقود، واللباس، والجماع، ويلحق بها ما في معناها، وحمد الله تعالى في آخره. وقد نقل النووي الإجماع على استحباب التسمية وقال: فإن الشيطان يتمكن من أكل الطعام إذا شرع فيه إنسان بغير ذكر الله تعالى، وأكل الشيطان محمول على ظاهره وأنه يأكل حقيقة إذ العقل لا يحيله، والشرع لم ينكره، بل أثبته، فوجب قبوله واعتقاده١.\n٣ - وقد قيل: إن معنى ذلك هو استحسان الشيطان رفع البركة من ذلك الطعام إذا لم يذكر اسم الله عليه٢.\n٤ - أن الشيطان لم يسلَّط بإذن الله تعالى على من يسمي من أجل بركة التسمية، لأن في ذكر الله تعالى ودعائه اعتصامًا من الشيطان وأعوانه، فلا يشركهم الشيطان ولا يقربهم، وبذلك تحصل البركة٣.\n_________\n١ شرح صحيح مسلم (١٣/٨٨-٩٠) بتصرف، وانظر الأذكار للنووي (ص٣٠٥-٣٠٧) .\n٢ انظر: فتح الباري (٩/٥٢٢) .\n٣ فتح الباري (٩/٢٢٩) ببعض التصرف.\n٤ سورة العنكبوت: من الآية رقم (٤٥) .\n٥ الصحيح، كتاب الحيض باب تقضي الحائض المناسك كلها ... (١/٤٠٧) . وكتاب الأذان، باب هل يتبع المؤذن فاه ها هنا (٢/١١٤) وهو في الموضعين معلق.\n٦ الصحيح، كتاب الحيض، باب ذكر الله تعالى في حال الجنابة وغيرها (١/٢٨٢) .","vol":"1","page":289},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>المطلب الرّابع: الذّكر والدّعاء</span>\nيعد الذكر من أفضل الطاعات، إذ هو سِرُّها وروحها، وهو أكبر من كل شيء، وأفضل من كل شيء، ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَر﴾ ٤. ولذا فقد كان ﷺ: \"يذكر الله على كل أحيانه\" كما جاء عند البخاري٥، ومسلم٦، وغيرهما.\n_________\n١ شرح صحيح مسلم (١٣/٨٨-٩٠) بتصرف، وانظر الأذكار للنووي (ص٣٠٥-٣٠٧) .\n٢ انظر: فتح الباري (٩/٥٢٢) .\n٣ فتح الباري (٩/٢٢٩) ببعض التصرف.\n٤ سورة العنكبوت: من الآية رقم (٤٥) .\n٥ الصحيح، كتاب الحيض باب تقضي الحائض المناسك كلها ... (١/٤٠٧) . وكتاب الأذان، باب هل يتبع المؤذن فاه ها هنا (٢/١١٤) وهو في الموضعين معلق.\n٦ الصحيح، كتاب الحيض، باب ذكر الله تعالى في حال الجنابة وغيرها (١/٢٨٢) .","vol":"1","page":289},{"text":"وملازمة الذكر والدعاء فيه استجلاب كل خير وبركة، ودفع كل بلاء وضر، وقرب من الرحمن ونيل رضاه وبعدٌ عن الشيطان وطرد له ولأعوانه، وقد كان رسول الله ﷺ - أيضًا - يرشد إلى ملازمة الذكر والدعاء، كما أنه يذكر الله على كل أحيانه فإنه يدعو ربه في كل الأحيان بكل خير من خيري الدنيا والآخرة، ويدعو كذلك لأصحابه بما ينفعهم في دينهم ودنياهم وأخراهم.\nفقد جاء عن أبي هريرة - ﵁ - عند مسلم١ أنه ﷺ كان يقول: \"اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي..\" كما كان ﷺ يقول: \"اللهم اغفر لي ذنبي ووسِّع لي في داري، وبارك لي فيما رزقتني\" عند الترمذي٢، وأحمد٣، والنسائي٤، وابن السني٥، اللفظ للترمذي والباقون بنحوه. وقال الترمذي: غريب وصححه النووي٦.\nوقد جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ كما في حديث سعد بن أبي وقاص عند مسلم٧ فقال: علمني كلامًا أقوله، قال: \"قل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، سبحان الله رب العالمين، لا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم\". قال: فهؤلاء لربي، فما لي؟. قال: \"قل اللهم اغفر لي، وارحمني، واهدني، وارزقني\".\n_________\n١ الصحيح، كتاب الذكر والدعاء والتوبة، باب التعوذ من شر ما عمل (٤/٢٠٨٧) .\n٢ الجامع، كتاب الدعوات، باب منه،٨٢ (٩/٤٧٤) .\n٣ المسند (٤/٣٩٩) .\n٤ عمل اليوم والليلة (ص ١٧٢) .\n٥ عمل اليوم والليلة (ص ٢) .\n٦ الأذكار (ص ٢١) .\n٧ الصحيح، كتاب الذكر والدعاء، باب فضل التهليل والتسبيح والدعاء (٤/٢٠٧٢) .","vol":"1","page":290},{"text":"وجاء عند أحمد١ والترمذي٢ والحاكم٣ من حديث أبي وائل قال أتى عليًا - ﵁ - رجل فقال يا أمير المؤمنين إني عجزت عن مكاتبتي فأعني، فقال علي - ﵁ - ألا أعلمك كلمات علمنيهن رسول الله ﷺ لو كان عليك مثل جبل ثبير٤ دنانير لأدَّاه الله عنك، قلت: بلى، قال: \"قل اللهم اكفني بحلالك عن حرامك واغنني بفضلك عمن سواك\" اللفظ لأحمد، ولفظ الترمذي بنحوه، وحسنه الترمذي، وكذا الألباني٥ وقال الحاكم عقبه: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.\nوقد ثبت في الصحيح عند البخاري٦ من حديث أنس - ﵁ - أن النبي ﷺ دعا له فقال: \"اللهم أكثر ماله وولده، وبارك له فيما أعطيته\".\nوجاء عند الإمام أحمد٧ من حديث عبد الله بن عمرو - ﵄ - المرفوع وفيه ذكر وصية نوح - ﵇ - لابنيه عندما حضرته الوفاة ومما جاء فيه: \"آمركما بلا إله إلا الله.. وآمركما بسبحان الله، وبحمده، فإنها\n_________\n١ المسند (١/١٥٣) .\n٢ الجامع، كتاب الدعوات، أحاديث شتى من أبواب الدعوات (١٠/٨) .\n٣ المستدرك (١/٥٣٨) .\n٤ في معظم المصادر بما في ذلك تحفة الأحوذي (صير)، وما أثبته هو الصواب وهو المثبت في نسخة الترمذي تحقيق: أحمد شاكر (٥/٥٢٣)، وقد أخطأ المباركفوري إذ شرح اللفظة صير، قال: ويروى صبير. وعزا ذلك إلى النهاية. والذي في النهاية (١/٢٠٧) وفي معجم ما استعجم (١/٣٣٥) ثبير، بفتح أوله وكسر ثانيه بعده ياء وراء مهملة، جبل بمكة.\n٥ صحيح الجامع الصغير وزيادته (١/٥١٢) .\n٦ الصحيح، كتاب الدعوات، باب قول الله تعالى: وصلِّ عليهم (١١/٣٦)، وباب دعوة النبي - ﷺ - لخادمه بطول العمر وبكثرة المال (١١/١٤٤) .\n٧ المسند (٢/٢٢٥) .","vol":"1","page":291},{"text":"صلاة كل شيء وبها يرزق كل شيء\". قال العراقي: إسناده صحيح١، وقال الهيثمي: رجال أحمد ثقات٢.\nوهكذا يظهر جليًا ما للذكر والدعاء من أهمية بالغة في استجلاب الخير والبركة وطرد للمكروه والعوز وإبعاد للشيطان وإرغام له ولجنده. ولهذا لزم الإنسان ملازمة الذكر والدعاء للفوز بالسعادة الأخروية والدنيوية على حد سواء، والله أعلم.","vol":"1","page":292},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>المطلب الخامس: شكر الله تعالى وحمده</span>\nالشكر: هو استعمال نعم الله تعالى في محابه، كما قال الغزالي٣، وقال في موضع آخر: \"وجود الزيادة في المال نعمة وشكرها أن تصرف إلى الخيرات أو أن لا تستعمل في المعصية\"٤. وقال ابن القيم: \"الشكر، هو ظهور أثر نعمة الله على لسان عبده، ثناءً واعترافًا، وعلى قلبه شهودًا ومحبة، وعلى جوارحه انقيادًا وطاعة\"٥. وقال القرطبي نحو هذا٦.\nوقد فرق بعض العلماء جزئيًا بين الحمد والشكر، فجعلوا بينهما عمومًا وخصوصًا من وجه، لكن رجح أبو جعفر الطبري أن الحمد قد يُنطق به في موضع الشكر، وأن الشكر قد يوضع موضع الحمد، لأن ذلك لو لم يكن\n_________\n١ المغني عن حمل الأسفار في الأسفار (١/٦٤) حديث رقم ٩٥٢.\n٢ مجمع الزوائد (٤/٢٢٠) .\n٣ إحياء علوم الدين (٤/٨٥) .\n٤ إحياء علوم الدين (٤/١٣١) .\n٥ مدارج السالكين (٢/٢٥٤) .\n٦ الجامع لأحكام القرآن (١٤/٢٦٤)، وانظر - أيضًا - فتح الباري (٣/١٥) .","vol":"1","page":292},{"text":"كذلك لما جاز أن يقال: \"الحمد لله شكرًا\"١.\nولذا فسَّر الطبري ﴿الْحَمْدُ لِلَّه﴾ في سورة الفاتحة بالشكر الخالص لله تعالى بما أنعم على عباده من النعم التي لا يحصيها العدد، ولا يحيط بعددها غيره أحد٢.\nقلت: وهذه النعم الكثيرة التي لا تحصى ولا تستقصى ومن جملتها نعمة المال تستوجب الشكر من الخلق للخالق الرازق المتفضل، وهذا الشكر والحمد له سبحانه سبب من أسباب استجلاب الزيادة، وحصول البركة في المال، تفضلًا منه ﷾ ونعمة.\nقال ابن القيم: \"جعل الله الشكر سببًا للمزيد من فضله وحارسًا وحافظًا لنعمته، وموصلًا الشاكر إلى مشكوره بل يعيد الشاكر مشكورًا\"٣.\nومما تجدر الإشارة إليه هنا أنه يضيق معنى الشكر عند بعض الخلق فيظن أن غايته أن يقول بلسانه الحمد لله، أو الشكر لله، ونحوهما، مع عدم استعانته بالنعمة على المعصية، وإن لم يصرف هذه النعمة إلى الطاعة، وهذا مما لا شك فيه قصور في الفهم، وعن اتباع السلف الصالح.\nوالشكر- في حقيقة الأمر دائرته - أوسع من ذلك، ومجاله أرحب فالصلاة مثلًا شكر، والصيام شكر، وكل خير يعمله الإنسان لله تعالى شكر، واستحياء العبد من تتابع النعم عليه شكر، واعترافه بالتقصير على شكر المنعم عليه، واعتذاره عن تقصيره أيضا شكر، وتحدثه بنعمة الله شكر، واعترافه بأن النعمة موهبة من الله تعالى مع أنه لا يستحقها شكر، وتواضعه للنعم والتذلل فيها\n_________\n١ جامع البيان عن تأويل القرآن (١/١٣٨) .\n٢ جامع البيان عن تأويل القرآن (١/١٣٥) .\n٣ مدارج السالكين (٢/٢٥٢) بتصرف يسير.","vol":"1","page":293},{"text":"للمنعم شكر، وقلة اعتراضه وحسن أدبه مع المنعم، وتلقي النعمة بحسن القبول، وإن كانت بسيطة أو قليلة، واستعظامها وعدم احتقارها أو استصغارها شكر، والتيقن بأن الشكر بحد ذاته هو نعمة من الله تعالى وتوفيقه شكر، وأفضل الشكر هو حمد الله تعالى١.\nوقد أمر ﷾ عباده بالشكر، بل إنه قرن ﷾ الشكر بالذكر إذ قال: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ﴾ ٢. كما وعد بالجزاء على الشكر، بل قطع سبحانه بالمزيد مع الشكر فقال: ﴿وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾ ٣. وقال أيضًا: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ ٤. وقال أيضًا: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ ٥. وقال أيضًا: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ ٦.\nوأقوال العلماء المفسرين حول هذه الآيات تؤيد المعاني السابقة في شكر الله ﷾، وتؤكدها، فقد قال أبو جعفر الطبري عند قوله تعالى: ﴿وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ﴾ أي لا تجحدوا إحساني إليكم فأسلبكم نعمتي التي أنعمت عليكم، ولكن اشكروا لي عليها، وأزيدكم فأتمم نعمتي عليكم، وأهديكم لما هديت له من رضيت عنه من عبادي، فإني وعدت خلقي أن من شكر لي زدته، ومن كفرني حرمته، وسلبته ما أعطيته٧.\n_________\n١ أشار إلى بعض هذه المعاني ابن كثير في تفسير القرآن العظيم (٣/٦٩٨) .\n٢ سورة البقرة: الآية رقم (١٥٢) .\n٣ سورة آل عمران: الآية رقم (١٤٥) .\n٤ سورة إبراهيم: الآية رقم (٧) .\n٥ سورة الضحى: من الآية رقم (١١) .\n٦ سورة سبأ: من الآية رقم (١٣) .\n٧ جامع البيان عن تأويل آي القرآن (٣/٢١٢) .","vol":"1","page":294},{"text":"قلت: وقول أبي جعفر هنا \"ومن كفرني\" ليس بالضرورة أن يكون هو (الكافر) حقيقة وهو مقابل (المسلم)، ولكن يريد ما هو أعم من هذا، فيدخل فيه من جحد النعمة فلم يظهرها ويؤدي حقها وشكرها على المعاني السابقة، والله أعلم.\nوقال القرطبي معلقًا على الآية الأخرى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾ أي لئن شكرتم إنعامي عليكم لأزيدنكم من فضلي، والآية نص في أن الشكر سبب المزيد١.\nوقال أيضًا في تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ أي أنشر ما أنعم الله عليك بالشكر والثناء، والتحدث بنعم الله، والاعتراف بها شكر، والخطاب للنبي ﷺ، والحكم عام له ولغيره٢. وأما قوله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ فقد قال القرطبي في معناها: \"أي قليل من يفعل ذلك لأن الخير أقل من الشر، والطاعة أقل من المعصية\"٣.\nقلت: والظاهر - والله أعلم - أن نعم الله كثيرة لا حصر لها، وهي لا تزال متجددة متكاثرة على العباد بفضل الله ﷿، والشكر بأنواعه وأشكاله يحتاج إلى عزيمة ويقين، فيضعف كثير من الناس، ويقصِّرون في شكر المنعم وحمده حق شكره وحمده، ولذلك كان الشاكرون قليلين، وهم الخاصة، وفي مقدمة هؤلاء الشاكرين إمامهم سيد البشر محمد ﷺ، وذلك لأنه أتقى الخلق، وأعرفهم بحق خالقه وأشكرهم له، يظهر ذلك جليًا من خلال النظر في حاله وسيرته مع أصحابه رضوان الله عليهم، ويبرز ذلك بأمور منها:\n_________\n١ الجامع لأحكام القرآن (٩/٣٥٣) .\n٢ الجامع لأحكام القرآن (٢٠/١٠٢-١٠٣) .\n٣ الجامع لأحكام القرآن (١٤/٢٦٤-٢٦٥) .","vol":"1","page":295},{"text":"١- كان ﷺ يجتهد في العبادة بشتى أنواعها مع أنه مغفور له المتقدم والمتأخر من ذنبه، فلقد جاء عند البخاري١، ومسلم٢ من حديث المغيرة بن شعبة وحديث عائشة - ﵄ - أن نبي الله ﷺ كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فقالت عائشة: لم تصنع هذا يا رسول الله وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: \"أفلا أكون عبدًا شكورًا\". هذا لفظ حديث عائشة عند البخاري، وعندهما نحو هذا اللفظ أيضًا.\n٢- وقد كان من هديه ﷺ وهدي أصحابه سجود الشكر عند تجدد نعمة تسُرُّ، أو اندفاع نقمة، كما جاء عند كل من أبي داود٣، والترمذي٤، وابن ماجه٥، وأحمد٦، من حديث أبي بكرة - ﵁ - أن النبي ﷺ كان إذا أتاه أمر يسرُّه أو يُسَرُّ به خرَّ ساجدًا شكرًا لله ﵎. واللفظ لابن ماجه، والباقون بنحوه، وعند أحمد فيه قصة، وقال الترمذي في آخره: حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه، من حديث بكار بن عبد العزيز، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم، رأوا سجدة الشكر. وعن\n_________\n١ الصحيح، كتاب التهجد، باب قيام النبي - ﷺ - الليل (٣/١٤) وكتاب التفسير، باب ليغفر الله لك ... (٨/٥٨٤)، وكتاب الرقاق، باب الصبر على محارم الله (١١/٣٠٣) .\n٢ الصحيح، كتاب صفات المنافقين، باب إكثار الأعمال والاجتهاد في العبادة (٤/٢١٧١-٢١٧٢) .\n٣ السنن، كتاب الجهاد، باب سجود الشكر (٣/٨٩) .\n٤ الجامع، كتاب السير، باب ما جاء في سجدة الشكر (٥/٢٠٠) .\n٥ السنن، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في الصلاة والسجود عند الشكر (١/٤٤٦) .\n٦ المسند (٥/٤٥) .","vol":"1","page":296},{"text":"عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه قال: لما تاب الله عليه خرَّ ساجدًا. عند ابن ماجه١، وقال البوصيري٢: هذا إسناد صحيح رجاله ثقات، وهو موقوف، قال ابن حزم: لا مغمز في خبر كعب ألبتة، ثم روي عن أبي بكر الصديق \"في الأصل أبي الصديق\" وعلي بن أبي طالب نحوه. أ. هـ.\n٣- توجيهاته لأصحابه وأقواله في الشكر وبيان فضله. فقد قال ﷺ لمن رآه رثَّ الثياب: \"ألك مال\"؟، قال: نعم، قال: \"من أي المال\"؟، قال: قد آتاني الله من الإبل والغنم والخيل والرقيق، قال: \"فإذا أتاك الله مالًا فلير أثر نِعمة الله عليك وكرامته\" رواه أبو داود٣، والنسائي٤، والحاكم٥ هذا لفظ أبي داود والحاكم مثله إلا أنه عنده مطول، وعند النسائي بنحوه عند أبي داود، وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، وصححه- أيضًا- الألباني٦.\nوعند الترمذي٧، من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا: \"إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده\"، وقال الترمذي: حديث حسن، ثم قال: وفي الباب عن أبي الأحوص عن أبيه وعمران بن حصين وابن مسعود،\n_________\n١ السنن، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في الصلاة والسجدة عند الشكر (١/٤٤٦) .\n٢ مصباح الزجاجة (١/٤٤٩) .\n٣ السنن، كتاب اللباس، باب في غسل الثوب وفي الخلقان (٤/٥١) .\n٤ السنن، كتاب الزينة، باب الجلاجل (٨/١٨١) .\n٥ المستدرك (٤/١٨١) .\n٦غاية المرام في تخريج أحاديث الحلال والحرام (ص ٦٣)، وصحيح سنن أبي داود (٢/٧٦٧) .\n٧ الجامع، كتاب الأدب، باب ما جاء إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده (٨/١٠٦) .","vol":"1","page":297},{"text":"وحسنه - أيضا - الألباني١.\nوقال ﷺ: \"من قال حين يصبح: اللهم ما أصبح بي من نعمة فمنك وحدك، لا شريك لك، فلك الحمد، ولك الشكر، فقد أدَّى شكر يومه، ومن قال: مثل ذلك حين يمسي فقد أدى شكر ليلته\".\nرواه كل من أبي داود٢، وابن حبان٣، واللفظ لأبي داود، وهو عند ابن حبان بنحوه مع شيء من الاختصار، وقد حسَّنَه ابن القيم٤، والنووي٥، والحافظ ابن حجر٦.\nوفي حديث أنس - ﵁ - عند ابن ماجه٧ أنه ﷺ قال: \"ما أنعم الله على عبد نعمة فقال: الحمد لله، إلا كان الذي أعطاه أفضل مما أخذه\". يعني الذي أداه وفعله من الحمد، أفضل مما أخذ من النعمة، وحسنه البوصيري٨، وقال النووي: إسناده جيد٩. وفي الفتوحات الربانية على الأذكار النووية١٠: وفي الحرز، رواه أبو داود والنسائي عن عبد الله بن غنام، وابن حبان والنسائي عن ابن عباس، وقال الحافظ بعد تخريجه: \" ... حديث حسن\".\n_________\n١ صحيح الجامع الصغير وزيادته (٢/١٤٦) رقم (١٨٨٤) .\n٢ السنن، كتاب الأدب، باب ما يقول إذا أصبح (٤/٣١٨) .\n٣ الصحيح (الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان) (٣/١٤٢-١٤٣) رقم (٨٦١) .\n٤ زاد المعاد (٢/٣٧٣) .\n٥ الأذكار (ص ٧٤) .\n٦ انظر: التعليق على صحيح ابن حبان (٣/١٤٣) .\n٧ السنن، كتاب الأدب، باب فضل الحامدين (٢/١٢٥٠) .\n٨ مصباح الزجاجة (٣/١٩٢) .\n٩ الأذكار (ص ٧٤) .\n١٠ الفتوحات الربانية على الأذكار النووية (٣/١٠٧) .","vol":"1","page":298},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>المطلب السّادس: التّوبة والاستغفار</span>\nالتوبة: هي الرجوع إلى الله تعالى بالتزام فعل ما يجب، وترك ما يكره، أي هي: الرجوع لما يكرهه الله ظاهرًا وباطنا، إلى ما يحبه ظاهرًا وباطنا.\nوالاستغفار: هو محو الذنب، وإزالة أثره ووقاية شره، وستره. والاستغفار يتضمن التوبة، والتوبة تتضمنه، وكل منهما يدخل في مسمَّى الآخر، عند الإطلاق والإفراد، وأما عند الاقتران أي اقتران أحدهما بالآخر كقوله تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ ١، فيكون الاستغفار هنا طلب وقاية شر ما مضى، والتوبة الرجوع وطلب وقاية شر ما يخافه في المستقبل من سيئات أعماله٢.\nقلت: ومن المهم هنا أن يُعلم أن التوبة والاستغفار عبادة تَعَبَّدَنا الله تعالى بها باستمرار وعلى الدوام، سواء أوقعت ذنوب أو معاصي أم لم تقع، لكن إن حصلت - وما أكثرها! - إذ الإنسان خطاء، فيجب الإسراع إلى التوبة والندم وكثرة الاستغفار. وهذه العبادة لها أهمية بالغة يصعب استقصاء فضلها وفوائدها هنا لكن مما لا شك فيه، فيها رضى الرب ﷿ وقربٌ منه، وبعدٌ عن الشيطان، واستجلابٌ الخيرات وحصول البركات، ودفعٌ للشرور والمكروهات، ونصوص القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة ناطقة حافلة بهذا، ومن ذلك قول هود - ﵇ - لقومه: ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ ٣.\nذكر القرطبي: أن الاستغفار يستنزل به الرزق والأمطار، وأن عادًا كانوا\n_________\n١ سورة هود: من الآية رقم (٣) .\n٢ انظر: مدارج السالكين (١/٣٣٢-٣٣٥) بتصرف.\n٣ سورة هود: الآية رقم (٥٢) .","vol":"1","page":299},{"text":"أهل بساتين وزروع وعمارة فحبس عنهم المطر فقال لهم هود إن آمنتم وأكثرتم الاستغفار يحيي الله بلادكم ويرزقكم، الأموال والأولاد، ويزيدكم قوة إلى قوتكم١.\nوقال تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا، يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا، وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ ٢.\nواضح - في هذه الآيات - أن التوبة والطاعة وكثرة الاستغفار سبب في بسط الرزق وحصول المال والبركة فيه، وهكذا أرشد نوح - ﵇ - قومه إلى الطاعة وكثرة الاستغفار، أي إذا تبتم إلى الله واستغفرتموه، وأطعتموه، كثر الرزق عليكم، وأسقاكم من بركات السماء، وأنبت لكم من بركات الأرض، وأنبت لكم الزرع وأدرَّ لكم الضرع وأمدكم بأموال وبنين، وجعل لكم جنات فيها أنواع الثمار وخللها بالأنهار الجارية بينها٣.\nقال ابن كثير: \"يستحب قراءة هذه السورة في صلاة الاستسقاء لأجل هذه الآية: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ \"٤. وقال الشعبي: خرج عمر﵁ - يستسقي فلم يزد على الاستغفار حتى رجع فأمطروا. فقالوا: ما رأيناك استسقيت؟. فقال: لقد طلبت المطر بمجاديح السماء التي يستنزل بها المطر. ثم قرأ: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ أخرجه كل من عبد الرزاق٥،\n_________\n١ الجامع لأحكام القرآن (٩/٥٣-٥٤) بتصرف.\n٢ سورة نوح: الآيات رقم (١٠-١٢) .\n٣ الجامع لأحكام القرآن الكريم (١٨/٢٨٩)، تفسير القرآن العظيم لابن كثير (٤/٥٤٧) .\n٤ تفسير القرآن العظيم (٤/٥٤٦) .\n٥ المصنف لعبد الرزاق (٣/٨٧) رقم (٤٩٠٢)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن (١٨/٢٩٠) .","vol":"1","page":300},{"text":"وابن أبي شيبة١، وابن أبي حاتم٢، والبيهقي٣. والشعبي وإن أدرك جماعة من الصحابة وروى عنهم إلا أنه لم يسمع من عمر - ﵁ - كما ذكر غير واحد منهم ابن أبي حاتم٤، وقد قال العجلي: لا يكاد الشعبي يرسل إلا صحيحًا، وقال الآجري عن أبي داود: مرسل الشعبي أحب إليَّ من مرسل النخعي٥.\nوقد روى الأثر عن عمر غير واحد - أيضًا - منهم عطاء عند عبد الرزاق٦، وابن المسيب عند البيهقي٧، وأبو وجزة يزيد بن عبيد السعدي عن أبيه عند البيقهي٨ أيضًا، وفيه قال عبيد السعدي ألا يتكلَّم لما خرج له، ولا أعلم أن الاستسقاء هو الاستغفار فمطرنا.\nوقد جاء الأثر أيضًا مسندًا مختصرًا عند ابن أبي شيبة قال: ثنا وكيع عن عيسى بن حفص بن عاصم عن عطاء بن أبي مروان الأسلمي عن أبيه قال خرجنا مع عمر بن الخطاب - ﵁ - نستسقي فما زاد على الاستسقاء٩.\n_________\n١ المصنف (٢/٤٧٤) .\n٢ تفسير القرآن العظيم لابن أبي حاتم (٦/٢٠٤٥) .\n٣ السنن الكبرى (٣/٣٥١-٣٥٢)، ومعرفة السنن والآثار (٥/١٧٤) .\n٤ المراسيل (ص ١٦٠) .\n٥ تهذيب التهذيب (٥/٦٧-٦٨)، ولم أقف عليه في (سؤالات أبي عبيد الآجري لأبي داود)، فالله أعلم.\n٦ المصنف (٣/٨٦-٨٧) .\n٧ معرفة السنن والآثار (٥/١٧٣-١٧٤) .\n٨ السنن الكبرى (٣/٣٥١) .\n٩ المصنف (٢/٤٧٤) .","vol":"1","page":301},{"text":"قلت: وإسناده متصل ورجاله كلهم ثقات بلا استثناء. وبهذا يصح الأثر عن عمر - ﵁ - والله أعلم.\nوقد بين الرسول ﷺ سيِّد الاستغفار كما جاء عند البخاري١ فقال: \"سيد الاستغفار أن يقول: اللهم أنت ربي، لا إله إلا أنتن خلقتني وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء لك بذنبي فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ... \".\nوقد جاء عند البخاري٢ أنه ﷺ قال: \"والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة\". وعند مسلم٣ قال: قال ﷺ: \"إني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة\" وفي رواية \"يا أيها الناس توبوا إلى الله فإني أتوب إليه في اليوم مائة مرة\". كل هذا مع أنه ﷺ قد غفر له ما تقدم وما تأخر من ذنبه كما جاء في قوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًالِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّر﴾ ٤، وقد تقدم في الشكر أنه كان ﷺ يقوم حتى تتفطَّر قدماه. فلما سئل قال: أفلا أكون عبدًا شكورًا.\nوواضح مما سبق أن التوبة والاستغفار سبب لكل خير دنيوي وأخروي.\nومن جملة ذلك حصول الخير والبركة في المال، ودفع كل سوء ومكروه. وقد\n_________\n١ الصحيح، كتاب الدعوات، باب أفضل الاستغفار (١١/٩٧-٩٨) .\n٢ الصحيح، كتاب الدعوات، باب استغفار النبي - ﷺ - في اليوم والليلة (١١/١٠١) .\n٣ الصحيح، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب استحباب الاستغفار والاستكثار منه (٤/٢٠٧٥-٢٠٧٦) .\n٤ سورة الفتح: الآيتان رقم (١-٢) .","vol":"1","page":302},{"text":"وجد كذلك نصوص صريحة في هذا.\nمنها: ما رواه أبوداود١، وابن ماجه٢، والنسائي٣، وأحمد٤، والطبراني٥، والحاكم٦، والبيهقي٧ من حديث ابن عباس - رضي الله - عنهما أن رسول الله ﷺ قال: \"من لزم الاستغفار - وفي لفظ (أكثر) - جعل الله له من كل ضيق مخرجًا، ومن كل هم فرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب\". وصححه الحاكم، لكن تعقبه الذهبي قائلا: \"أحد رواته فيه جهالة\"، وقال المنذري: \"في إسناده الحَكَم بن مصعب، ولا يحتج به\"٨، كما ضعفه الألباني بسبب الحكم بن مصعب أيضًا٩.\nقلت: وقد رمز السيوطي له بالصحة١٠، وقال صاحب التاج: \"سنده صحيح\"١١، كما قال أحمد شاكر-أيضًا - إسناده صحيح، وقد ذكر الاختلاف في الحكم بن مصعب ورجح تعديله، كما رد على المنذري فقال: \"وهذا غلو\n_________\n١ السنن، كتاب الصلاة، باب في الاستغفار (٢/٨٥) .\n٢ السنن، كتاب الأدب، باب الاستغفار (٢/١٢٥٤) .\n٣ عمل اليوم والليلة، حديث رقم (٤٥٦) .\n٤ المسند (١/٢٨٤) .\n٥ المعجم الكبير (١٠/٣٤٢) حديث رقم (١٠٦٦٥) .\n٦ المستدرك (٤/٢٦٢) .\n٧ السنن الكبرى (٣/٣٥١) .\n٨ مختصر سنن أبي داود (٢/١٥٢) .\n٩ سلسلة الأحاديث الضعيفة رقم (٧٠٥) .\n١٠ الجامع الصغير (٢/١٦٦) .\n١١ التاج الجامع للأصول (٥/١٥٠) .","vol":"1","page":303},{"text":"منه شديد\"١.\nوقد روى الربيع بن صبيح أن رجلًا أتى الحسن فشكا إليه الجدوبة، فقال له الحسن: \"استغفر الله\"، فأتاه آخر فشكا إليه الفقر، فقال له: \"استغفر الله\"، وأتاه آخر فشكا إليه جفاف بساتينه، فقال له: \"استغفر الله\"، وأتاه آخر فقال له: \"ادع الله أن يرزقني ابنا\"، فقال له: \"استغفر الله\". فقلنا له: \"أتاك رجال يشكون إليك أبوابًا، ويسألونك أنواعًا، فأمرتهم كلهم بالاستغفار\"، فقال: \"ما قلت من ذات نفسي في ذلك شيئًا، إنما اعتبرت فيه قول الله تعالى إخبارًا من نبيه نوح - ﵇ - أنه قال لقومه: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا، وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ \"٢.\nوقد ذكر الحافظ ابن حجر٣ هذا الأثر عن الحسن البصري مع شيء من الاختلاف في الألفاظ، ثم قال: \"وكأنَّ المُصَنِّف - يريد البخاري - ألمح بذكر هذه الآية إلى أثر الحسن البصري\"أ؟.\nقلت: والربيع بن صبيح هذا سمع الحسن البصري، وثقه جماعة وضعفه آخرون، لكنه لم يتعمد الكذب، ولا يدلس وقد لخص الحافظ ابن حجر حاله قائلًا: \"صدوق سيء الحفظ، وكان عابدًا مجاهدًا، وقد روى له الترمذي وابن ماجه والبخاري تعليقًا\"٤.\n_________\n١ المسند، حديث رقم (٢٢٣٤) .\n٢ تفسير الحسن البصري (٥/١٩٩-٢٠٠) .\n٣ فتح الباري (١١/٩٨) .\n٤ تهذيب التهذيب (٣/٢٤٧-٢٤٨)، التقريب (ص ٢٠٦) .","vol":"1","page":304},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>المطلب السابع: السعي في الكسب أخذا بالأسباب</span>\n...\nNo pages","vol":"1","page":null}]}