{"ً":{"ٌ":8819,"ٍ":"العقل والنقل عند ابن رشد","َ":2,"ُ":1,"ِ":{"root":"الجوامع والمجلات ونحوها/مجلة الجامعة الإسلامية/011_001","files":["011_001_mgi.pdf"]},"ّ":"الكتاب: العقل والنقل عند ابن رشد (السنة الحادية عشرة - العدد الأول)\nالمؤلف: أبو أحمد محمد أمان بن علي جامي علي (ت ١٤١٥هـ)\nالناشر: الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة\nالطبعة: السنة الحادية عشرة - العدد الأول - غرة رمضان ١٣٩٨هـ/١٩٧٨م\nعدد الصفحات: ١٠٤\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"2.0","ٔ":69,"ٕ":1,"ٖ":1770153836,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"من هو ابن رشد","level":1,"page":1},{"title":"بين يدي البحث","level":1,"page":3},{"title":"العقل الصريح لا يخالف النقل الصحيح","level":1,"page":5},{"title":"تعريف العقل","level":1,"page":6},{"title":"تعريف النقل","level":1,"page":7},{"title":"العقل الصريح لا يخالف النقل الصحيح","level":1,"page":9},{"title":"فلسفة ابن رشد","level":1,"page":10},{"title":"وجود الله عند ابن رشد","level":1,"page":15},{"title":"الوحدانية عند ابن رشد","level":1,"page":17},{"title":"العلم عند ابن رشد","level":1,"page":19},{"title":"محاولة ابن رشد الحل الوسط في قضية قدم العالم","level":1,"page":20},{"title":"صفة الحياة والقدم والإرادة عند الفيلسوف ابن رشد","level":1,"page":22},{"title":"الكلام عند ابن رشد","level":1,"page":24},{"title":"مناقشة ابن رشد في رأيه","level":1,"page":27},{"title":"موقف ابن رشد من مثبتة الصفات","level":1,"page":29},{"title":"ابن رشد يثبت المعاد بالأدلة العقلية والنقلية","level":1,"page":32},{"title":"الخلاصة","level":1,"page":35},{"title":"القضاء والقدر عند ابن رشد","level":1,"page":36},{"title":"معنى القدر والقضاء وأيهما أسبق","level":1,"page":37},{"title":"ما ينتج من هذا القول","level":1,"page":39},{"title":"وجهة نظرهم","level":1,"page":41},{"title":"كسب الأشعري","level":1,"page":42},{"title":"خلاصة رأي ابن رشد","level":1,"page":44},{"title":"سر القدر","level":1,"page":47},{"title":"من ثمرات الإيمان القدر","level":1,"page":49},{"title":"الخاتمة","level":1,"page":50}],"ٛ":{"1,75":1,"1,76":2,"1,77":4,"1,78":8,"1,79":11,"1,80":12,"1,81":13,"1,82":14,"1,83":16,"1,84":17,"1,85":18,"1,86":19,"1,87":20,"1,88":21,"1,89":23,"1,90":25,"1,91":26,"1,92":28,"1,93":30,"1,94":31,"1,95":33,"1,96":34,"1,97":35,"1,98":38,"1,99":40,"1,100":43,"1,101":45,"1,102":46,"1,103":48,"1,104":51},"ٜ":{"1":[75,104]},"ٝ":["1,75","1,76","1,76","1,77","1,77","1,77","1,77","1,78","1,78","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,88","1,89","1,89","1,90","1,91","1,91","1,92","1,92","1,93","1,94","1,94","1,95","1,96","1,97","1,97","1,97","1,98","1,98","1,99","1,99","1,99","1,100","1,100","1,101","1,102","1,102","1,103","1,103","1,103","1,104"],"ٞ":{"1":[1],"3":[2],"5":[3],"6":[4],"7":[5],"9":[6],"10":[7],"15":[8],"17":[9],"19":[10],"20":[11],"22":[12],"24":[13],"27":[14],"29":[15],"32":[16],"35":[17],"36":[18],"37":[19],"39":[20],"41":[21],"42":[22],"44":[23],"47":[24],"49":[25],"50":[26]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"العقل والنقل عند ابن رشد\nبقلم فضيلة الشيخ محمد أمان بن علي الجامي\nعميد كلية الحديث الشريف والدراسات الإسلامية بالجامعة الإسلامية\nتمهيد\n<span data-type='title' id=toc-1>من هو ابن رشد</span>؟\nقبل أن نتحدث عن موقف ابن رشد من العقل والنقل يحسن بنا أن نقول شيئًا عن ابن رشد:\nعن حياته، عن فلسفته، لكي نعرف الظروف التي نشأ فيها حتى صار أحد أساطين الفلسفة، وما الذي عرضه لذلك الاضطهاد والعسف والتشريد، والاتهام بالإلحاد والزندقة أحيانًا؟!!\nولد أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن رشد في مدينة قرطبة سنة خمسمائة وعشرين من الهجرة الموافق عام ستة وعشرين بعد الألف ميلاديا، وترعرع في حب العلم وأهله في كنف والده الذي كان من كبار علماء قرطبة وقضاتها، وشغف في حداثة سنه بدراسة الطب والشريعة وتطلع إلى العلوم الماورائية، فظهر منه نبوغ عجيب لفت إليه النظار، والعجيب من أمر هذا الفيلسوف الكبير أنه لا يُدرى أين درس الفلسفة والعلوم الماورائية، ومن أستاذه في هذه العلوم؟\nيرى بعض الناس أنه اتخذها عن ابن ماجه - الفيلسوف المشهور - إلا أن الواقع التاريخي يأبى ذلك، لأن وفاة ابن ماجه كانت سنة ١١٣٨م وكان ابن رشد في هذا التاريخ في الثانية عشرة من عمره، فليس في الإمكان أن يدرس الفلسفة في هذا السن المبكر، بل كان يدرس مبادئ العلوم الشرعية في هذا التاريخ كالفقه وعلم الكلام على والده. ويرى البعض الآخر أنه تتلمذ على ابن طفيل، ولكن التاريخ يثبت أن ابن طفيل ما كان يعرف ابن رشد معرفة شخصية إلا في الوقت الذي ذاعت فيه شهرته وطار صيته في الآفاق، كفيلسوف وطبيب، هذا ما يستنتج من وصفه لحاله عندما دخل على السلطان يوسف","vol":"1","page":75},{"text":"بن يعقوب لأول مرة، وعنده ابن طفيل، يقول ابن رشد: \"لما دخلت على أمير المؤمنين ابن يعقوب وجدته هو وأبا بكر بن طفيل، فأخذ أبو بكر يثني عليّ ويذكر بيتي وسلفي، ويضم إلى ذلك بفضله أشياء لا يبلغها قدري..\" إلى آخر كلامه..\nوهذا يدل على أن ابن طفيل إنما عرف ابن رشد من صيته الطويل، ولا يعرفه قبل ذلك، فضلًا عن أن يتتلمذ عليه.\nهكذا يثبت بالواقع التاريخي أن ابن رشد لم يأخذ فلسفته عن ابن طفيل كما أثبت من قبل أنه لم يأخذها عن ابن ماجه، فيبقى أستاذه في الفلسفة غير معروف ولعله بدراسته لمبادئ العلوم الشرعية وعلم الكلام عكف على دراسة كتب أرسطو وتتلمذ عليه بواسطة كتبه، كما يظهر من تأثره البالغ بفلسفته، وعلى أي حال فهو فيلسوف كبير يكتنفه الغموض وتحيط به الاستفهامات من كل جانب، أهو فيلسوف متهور؟ كما يقول بعض الكتاب؟ أهو فيلسوف جامع بين الفلسفة والدين كما يظهر من بعض كتبه؟ أهو أشعري في عقيدته؟ أو واقفيٌ؟ أو مفوض؟ أو هو.. أو هو.. أهو باطنيٌ الخ. والذي جعل ابن رشد يقع تحت هذه الاستفهامات ويعيش هذا الغموض أنه كان كثير المداراة ويحاول أن يعيش مع الجمهور بظاهره، وأما في حقيقته فهو في عالم آخر.. عالم الخواص، الذي يزعم أنه يفهم من نصوص الشريعة فهمًا خاصًا لا يفهمه الجمهور ويعذر الجمهور في مفهومه السطحي - على زعمه - ولا يبيح للعلماء أو الخواص أن يقفوا عند مفهوم الجمهور، ولابن رشد اصطلاح خاص قد ينفرد في هذا المعنى، وهو أنه يثبت فريقًا ليسوا من العلماء، وهم فوق الجمهور، وهم علماء الكلام من المعتزلة والأشاعرة والماتريدية ومن يدور في فلكهم، يطلق عليهم (جدليون) ويتبعون ما تشابه من النصوص ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله.\nفابن رشد شخصية غريبة يحتار المرء في تحديده، فتراه فقيهًا واسع الاطلاع على أقوال الفقهاء وكثيرًا ما يحاول ترجيح قول على قول، أو تقديم رأي على رأي فيقارع الحجج بالحجج، وقد تراه يتحدث عن مذهب السلف حديث مطلع ومقتنع ويثني عليه خيراُ لأنه لا يأول النصوص بل يبقيها على ظاهرها على ما يليق بالله، ثم تراه وقد انزلق مع الفلاسفة المتهورين ويدعو إلى تحكيم البراهين، ويعتبرها هي الأصل في باب الإلهيات مع الاكتراث بالأدلة النقلية، ويقول بقدم العالم كما يبدو من بعض كتبه١.","vol":"1","page":76},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2>بين يدي البحث</span>\nقبل أن أشرع في البحث أحب أن أضع بين يدي القارئ النقاط التالية:\n١ – مما يجب الاتفاق عليه بين المسلمين (وحدة المصدر في معرفة العقيدة الإسلامية) واعتماد ذلك\n_________\n١ منهاج الأدلة.","vol":"1","page":76},{"text":"المصدر في بحث أي معنى من معاني العقيدة الإسلامية، وعدم إغفاله، وبذلك تسلم عقيدة المسلم من الزيف والإلحاد والضلال.\n٢ – لا يجوز تعطيل العقل في مجال العقيدة وغيرها؛ لأن العقل أساس التكليف ومناط الأهلية، إلا أنه لا يجوز أن يتجاوز العقل حدوده ويتجاهل وظيفته ويجمع في مجال الخيال الفاسد والأوهام الكاذبة، والخيالُ والأوهامُ لا يصلحان أساسًا للعقيدة والمعرفة الصحيحة حتمًا.\n٣ – دعوتنا إلى وحدة المصدر للعقيدة الإسلامية حقيقة دل عليها الشرع بالقواطع من الأدلة النقلية، والعقل السليم لا يعارضها، عل القاعدة التي تقول:","vol":"1","page":77},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3>(العقل الصريح لا يخالف النقل الصحيح)</span>\n٤ – إذا كان العقل هو الذي دلنا على معرفة الله ﷿ وعلى أن محمدًا رسول الله حقًا فأي معارضة تفرض بين العقل وبين ما جاء به الكتاب والسنة، أورد خبر الله وخبر رسوله بحجة مخالفتهما للعقل، يعتبر كل ذلك مناقصة صريحة لما دل عليه العقل نفسه.\n٥ – العقل نور جعله الله في قلبك ليكشف لك عن الأشياء الموجودة والحقائق الواقعة ولتفهم به عن الله ورسوله، هذه وظيفة العقل، فلو أردت منه أن يريك كل ما تحبه وتتخيله من المعدومات قلا يجد إلى ذلك سبيلًا، اللهم إلا إذا كان على سبيل الوهم والخيال، وسبق أن قلنا: إن الوهم والخيال لا يصلحان للمعرفة الصحيحة والعقيدة السليمة، والله هو الهادي إلى سواء السبيل.١","vol":"1","page":77},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4>تعريف العقل</span>\nيقال: عقل الشيء فهمه معقول أي مفهوم، العقل نور روحانيٌ تدرك به النفس الأمور الضرورية، والفطرية وابتداء وجوده عند اجتنان الولد في الرحم، ثم لا يزال ينمو إلى أن يكمل عند البلوغ٢.\nويقال للأدلة النظرية الأدلة العقلية: لأنها تدرك بالعقل، حيث عن الإنسان يستعمل العقل في ترتيبه وتكوينه وتنظيمه، وسمي العقل عقلًا لأنه يعقل صاحبه لئلا يقع فيما ينبغي من اعتقاد فاسد أو فعل قبيح، ومن ذلك \"اعقلها وتوكل على الله\" أي احبسها.","vol":"1","page":77},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5>تعريف النقل</span>\nيقال: نقل الشيء أي أخذة من مكان إلى مكان، ونَقَلَةُ الحديث هم الذي يدونون الأحاديث وينقلونها ويسندونها إلى مصادرها.\n_________\n١ من كتاب القضاء والقدر للدكتور عبد الكريم زيدان بتصرف.\n٢ قاموس المحيط..","vol":"1","page":77},{"text":"ويقال لأدلة الكتاب والسنة: الأدلة النقلية، ويقال لها السمعية ويقال لها: الخبرية والأدلة المأثورة، وكلها بمعنى واحد، وهي الأدلة المسموعة المنقولة عن كتاب الله العزيز والسنة المطهرة أو الأدلة التي نقلها إلينا نقلة الحديث والرواة.","vol":"1","page":78},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6>العقل الصريح لا يخالف النقل الصحيح</span>\nهذا العنوان يجب أن يكون المحور لبحثنا وقاعدة ننطلق منها في دراستنا لآراء أبي الوليد في الإلهيات ومناقشتها، لنتبين مذهبه على حقيقته إن استطعنا إلى ذلك سبيلا، وهو أمر عسير غير يسير.\nوذلك لأن العقل هو الذي دلنا على وجود الخالق، وصحة رسالة رسوله الذي أيده بالمعجزات تلك المعجزات التي تدل على صدق نبوة الأنبياء باستعمال الفكر والنظر، ويقول شيخ الإسلام بن تيمية: \"المعقول الصريح لا يخالف المنقول الصحيح\" وله كتاب خاص بهذا المعنى تحت عنوان: (موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول)، وقد يسايرنا أبو الوليد في هذا الخط فترة من الزمن غير طويلة إلا أنه لا يستطيع أن يواصل سيره معنا بل سرعان ما يتركنا في وسط الطريق، ليعود إلى غموضه متناقضًا ومُطْلقًا على ما نحن عليه مذهب الجمهور أو مذهب العوام. الواقع أن ابن رشد يساير أيضًا علماء الكلام بل يوافقهم في الحقيقة، ويتظاهر بمخالفتهم في الظاهر أو في طريق التطبيق، فتجده يعتب على علماء الكلام في تأويلهم لنصوص الكتاب والسنة، ويعلن أمام الرأي العام أن تأويلهم هو الذي غير الشريعة وبدل معالمها، وأفسد على الناس مفهومها، وإذا قلبت النظر في أمره فتجد أن عتابه لا ينصب على التأويل من حيث هو تأويل، ولكنه ينصب على التصريح به للجمهور، فهو يبيح من التأويل للعلماء ما لا يبيح للجمهور شريطة ألا يصرح العلماء للجمهور بذلك التأويل لأنهم حرفيون على حد تعبيره.\nهكذا عاش ابن رشد غير واضح في عقيدته وفلسفته ويسمى هذا الموقف: التوفيق بين الفلسفة والشريعة أو بين الحكمة والدين، وكان مقتنعًا بصحة هذا المذهب ولذا نراه يعتب على الإمام الغزالي وينقم منه تصريحه أمام الجمهور ما لا ينبغي أن يصرخ به إلا أمام الخواص في منهج القوم!!","vol":"1","page":78},{"text":"<span data-type='title' id=toc-7>فلسفة ابن رشد</span>\nمما لا يختلف فيه اثنان أن ابن رشد فيلسوف كبير وخطير، ومن الصعوبة بمكان أن يحدد المرء معالم فلسفته ومذهبه كما قلت آنفًا حيث اختار لنفسه الغموض في حياته، ولا أقول إن ابن رشد لا يملك الجرأة الكافية التي تمكنه من الإعلان عما يتفاعل في نفسه من آراء عرفانية ولكني أقول: عن ابن رشد لم يستخدم أو لم يرد أن يستخدم جرأته في الإعلان عن مذهبه، والثبات عليه بشكر واضح ودائم بل قد اضطر أحيانًا إلى مسايرة الناس في خلاف ما يعتقد، ْ وخصوصًا بعد أن نكب على يد السلطان المنصور ابن أبي يعقوب، سلطان الموحدين وأحرقت كتبه في الفلسفة، ورمي","vol":"1","page":78},{"text":"بالإلحاد، ومما يروى في سبب تلك النكبة أنه أنكر بحضرة والي قرطبة وجود قوم عاد الذين ورد ذكرهم في الكتاب العزيز، هكذا الرواية - والعهدة على الراوي - وعلى الرغم مما قيل فإن الدارس لآراء ابن رشد يشهد له بالعمق وأنه من أوسع الفلاسفة الإسلاميين في العلوم الماورائية، وله محاولة في ربط الفلسفة بالشريعة في حدود تصوره للشريعة.\nوقد قام ابن رشد بشرح عدة كتب من كتب الفلاسفة الإسلاميين وغيرهم، وانتقد بعض أولئك الفلاسفة وفند آراءهم ونظر في علم الكلام فوقف عنده كثيرًا ولم يستسغ آراءهم وتأويلهم فأخذ ينقد تأويل الأشاعرة والمعتزلة والماتريدية وحكم عليهم كلهم بأنهم خصمون يجادلون بالباطل حتى تخضع النصوص لآرائهم وعقلياتهم، فرأى أنه لا بد له أن يشق له طريقًا وحده ويطلق العنان لجواد فلسفته لينطلق كما يريد إلا أن جواده لم يسلم كبوة - لكل جواد كبوة - ومن كبوة جواده وهفوة ذهنه أنه يرى:\nإذا وجدت بعض الآيات في الكتاب العزيز تضاد الفلسفة يجب تفسيرها تفسيرًا شعبيًا باعتبار أن لكل آية معنيين: حرفي شعبي وروحي خاص، فالحرفي للشعب، والروحي للفلاسفة. بل يقول ما هو أدهى من هذا وأمر؛ إذا يقول: \"كما أن الأنبياء يتقبلون الوحي فيبلغونه للشعب، وكذلك الفلاسفة وهم أنبياء الطبقة العالمة\".\nلذلك يجب أن يوفق بين الدين والعلم، وعلى العلماء أن يجمعوا بين الحكمة والشريعة وأن يعلموا من الشريعة بما يوافق الحكمة حتى يكون علمهم في كل شيء موافقًا للحكمة. ومن أقواله المأثورة: \"الحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له\".\nهذه - كما ترى - كبوة خطيرة، بل انزلاقة قاتلة، وقولة منكرة في الإسلام، لا أعلم أنه سبق إليها؛ إذ هي سخرية ساخرة من مقام النبوة، والنبوة منزلة خاصة لا تنبغي إلا لأولئك المصطفين المختارين الذين اختارهم الله وجعلهم واسطة بينه وبين عباده في تبليغ الرسالة إليهم ونصحهم وهدايتهم، أولهم آدم وآخرهم خاتم النبيين محمد بن عبد الله العربي الهاشمي، وقد صرح الكتاب العزيز أنه خاتم النبيين حيث يقول الرب تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (الأحزاب: ٤٠) .\nوادعاء النبوة لأحد بعده مصادمة لهذه الآية والأحاديث الصحيحة التي جاءت في هذا المعنى كقوله ﵊: \"أنا خاتم النبيين لا نبي بعدي\"، وابن رشد قد قال قولًا شططًا بادعاء النبوة للفلاسفة، بل إنه يجعلهم نخبة ممتازة من الأنبياء ومرسلة إلى نخبة ممتازة من الناس - إذ يقول: \"وكذلك الفلاسفة","vol":"1","page":79},{"text":"وهم أنبياء السبقة العالمة\"، ولست أدري ما مفهوم النبوة عند ابن رشد؟ حتى تبيح له فلسفته مثل هذا الادعاء علمًا بأنه من الفلاسفة الذين يشملهم ادعاؤه فلاسفةُ اليونان من غير المسلمين مثل أستاذه أفلاطون ومثل أرسطو فهل تبيح فلسفة ابن رشد أن يكون أمثال هؤلاء من قدماء الفلاسفة وحدثائهم من المسلمين وغير المسلمين من أنبياء الله تعالى؟!! والله المستعان.\nنعود إلى قول ابن رشد: \"الحق لا يضاده الحق بل يوافقه ويشهد له\". وهو حق بقطع النظر عما أراد به أبو الوليد، وسبق أن نقلنا عن بعض المحققين قوله: \"العقل الصريح لا يخالف النقل الصحيح\"،١ وعندما يحصل الاختلاف بين العقل والنقل لا بد من أحد أمرين:\nأحدهما: أن النقل غير صحيح في نفسه أو أسيء فهمه وفسر تفسيرًا غير صحيح.\nثانيهما: المعقول الذي ادعى أن النقل يخالفه غير صريح وغير سليم، بل إنه أصيب بأدران الشبهة أو الهوى الذي غيّره حتى فقد العقل سلامته، بل هو إما مريض أو ملوث ولا محالة، ولو كان العقل يتمتع بعافيته وسلامته، والنقل يتمتع بصحته وقوته لا يكاد أن يختلفان.\nوهذه قاعدة عظيمة ونافعة بإذن الله، ومقبولة لدى العقلاء المنصفين، بل لا يكاد يتردد فيها كل من نظر في العقليات، وله اطلاع على النقليات، ورزق التجرد عن التعصب والهوى والتحيز.\nوقد أشار أبو الوليد بن رشد إلى هذه القاعدة في كتابه (منهاج الأدلة) في غير ما موضع في أثناء منقاشته لبعض علماء الكلام في تأويلهم البعيد عن روح الإسلام وفي رد شبههم التي عرضوها على الشريعة ليعارضوها بها، ومما قاله أبو الوليد في هذا الصدد قوله:\n\"وأشد ما عرض على الشريعة من هذا الصنف أنهم تأولوا كثيرًا مما ظنوه ليس على ظاهره، وقالوا إن التأويل ليس هو المقصود به، وإنما أتى الله به في صورة المتشابه ابتلاء لعباده، واختبارًا لهم\" ثم قال أبو الوليد: \"نعوذ بالله من هذا الظن بالله، بل نقول: إن كتاب الله العزيز إنما جاء معجزًا من جهة الوضوح والبيان\" إلى أن قال: \"وما أبعد عن مقصد الشرع من قال: فيما ليس بمتشابه أنه متشابه، ثم إنه أول ذلك المتشابه بزعمه وقال لجميع الناس: إن فرضكم هو اعتقاد هذا التأويل، مثل ما قالوه في آية الاستواء على العرش، وغير ذلك مما قالوا إن ظاهره متشابه\" يشير أبو الوليد إلى بعض آيات الصفات التي حرفها كثير من علماء الكلام، وتبعهم كثير من الناس في تحريفهم باسم التأويل كآية مجيء الرب يوم القيامة ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ (الفجر:٢٢)، وصفة المحبة ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَه﴾ (المائدة: ٥٤)، وصفة الرحمة التي دل عليها قوله ﵊: \"الراحمون يرحمهم الرحمن\"، و\"ارحموا من في الأرض\n_________\n١ موافقة صريحة المعقول لصحيح المنقول - لابن تيمية.","vol":"1","page":80},{"text":"يرحمكم من في السماء\"، وصفة الرضاء المأخوذة من قوله تعالى: ﴿رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (المائدة: ١١٩) وغير ما ذكر من نصوص الصفات التي جاءت في الكتاب العزيز والسنة المطهرة، والتي سلط عليها أهل الكلام وكثير من الفلاسفة صنوف التأويل البعيدة عن مراد المتكلم بها، والتي أبعدت كثيرًا من الناس عن المفهوم الصحيح لنصوص الصفات، ويضرب أبو الوليد مثالًا رائعًا لهذا الصنف من الناس فيقول: \"ومثال من أوّل شيئًا من الشرع وزعم أنّ ما أوله هو ما قصده الشرع، وصرح بذلك التأويل للجمهور - مثال من أتي إلى دواء قد ركبه طبيب ماهر ليحفظ صحة الناس أو الأكثر، فجاء رجل فلم يلائمه ذلك الدواء المركب الأعظم لرداءة مزاج كان به ليس يعرض إلا للأقل من الناس فزعم أن بعض تلك الأدوية التي صرح باسمه الطبيب الأول في ذلك الدواء العام المنفعة المركب لم يرد به ذلك الدواء الذي جرت العادة في اللسان أن يدل بذلك الاسم عليه، وإنما أريد بد دواء آخر مما يمكن أن يدل عليه بذلك الاسم باستعارة بعيدة، فأزال ذلك الدواء الأول عن دلك المركب الأعظم، وجعل بدله الدواء الذي ظن أنه الذي قصده الطبيب وقال للناس هذا هو الذي قصده الطبيب الأول، فاستعمل الناس ذلك الدواء المركب على الوجه الذي تأوله عليه هذا المتأول ففسدت به أمزجة كثير من الناس فجاء آخرون شعروا فساد أمزجة الناس عن ذلك الدواء المركب، فراموا إصلاحه، بأن بدلوا بعض أدويته بدواء غير الدواء الأول فعرض للناس من ذلك نوع من المرض غير النوع الأول، فجاء ثالث فتأول من أدوية ذلك المركب غير التأويل الأول والثاني فعرض للناس من ذلك نوع ثالث من المرض غير النوعين المتقدمين فجاء متأول رابع فتأول دواء آخر غير الأدوية المتقدمة، فلما طال الزمان بهذا المركب الأعظم وسلط الناس التأويل على أدويته وغيروها وبدلوها عرض للناس منه أمراض شتى، حتى فسدت المنفعة المقصودة بهذا الدواء المركب في حق أكثر الناس. وهذا هي حال الفرق الحادثة في هذه الطريقة مع الشريعة، وذلك أن كل فرقة منهم تأولت في الشريعة تأويلًا غير التأويل الذي تأولته الفرقة الأخرى، وزعمت أنه الذي قصده صاحب الشريعة حتى تمزق الشرع كل ممزق وبعد جدًا عن موضعه الأول.\nولما علم صاحب الشرع - ﵊ - أن مثل هذا يعرض ولا بد في شريعته قال: \"ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة\" يعني بالواحدة التي سلكت ظاهر الشرع ولم تأوله تأويلًا صرحت به للناس، وإذا تأملت ما في هذه الشريعة في هذا الوقت من الفساد العارض فيها من قبل التأويل تبينت أن هذا المثال صحيح، وأول من غير هذا الدواء الأعظم هم الخوارج، ثم المعتزلة بعدهم، ثم الأشعرية ثم الصوفية\". إلى آخر كلامه في هذا المعنى، حقًا إنه لمثال صحيح وسليم لو سلم من شيء واحد وهو ما جاء في تفسير أبي الوليد للحديث الذي استشهد به، إذ يقول: وهو يصف الفرقة التي تنجو من النار وتفوز بدخول الجنة وحدها \"يعني بالواحدة التي سلكت ظاهر الشرع ولم تأوله تأويلًا صرحت به للناس\" يفهم من هذا التفسير الغريب أن التأويل المذموم - في نظر ابن رشد، هو التأويل","vol":"1","page":81},{"text":"مع عدم التصريح به للجمهور وهم عامة الناس غير العلماء بل هو مفهوم خاص بالخاصة، ولا يجوز لهم البقاء مع ظاهر الشرع حين يخالف ظاهر الشرع الحكمة - في زعمهم - ويسمى ذلك عندهم التوفيق بين الشريعة والحكمة. المفهوم الثاني: مفهوم يخص الجمهور، وهم عوام الناس غير العلماء كما تقدم، وواجبهم التمسك بظاهر الشرع قبل أن يحيدوا عنه، ولا يجوز لهم التأويل بل يخبرون عنه. هذه هي فلسفة ابن رشد في هذه المسألة، وقد وقع فيما هو أقبح مما عابه على أهل الكلام حيث زعم أن للشريعة الإسلامية معنيين، معنى جمهوري أو شعبي ومعنى فلسفي خاص بالحكماء، وادعى أن كلا المعنيين صحيح، ومراد للشارع، وسبق أن صرح - فيما نقلنا عنه - أن مثل هذا الادعاء تغيير للشريعة وإفساد على الناس، ويعد ابن رشد علماء الشريعة من العوام أو الجمهور ولا يطلق لقب العلماء إلا على الفلاسفة الذين يسمونهم حكماء أحيانًا.\nولست أدري كيف غاب عن هذا الفيلسوف الكبير أن الحق لا يتعدد، بل هو واحد بلا نزاع، فماذا بعد الحق إلا الضلال؟!!.\nيذكرني موقف ابن رشد هذا قول الشاعر العربي:\nلا تنه عن خلق وتأتي مثله … عار عليك إذا فعلت عظيم\nبل ما فعله ابن رشد أقبح مما فعله علماء الكلام في هذا المقام بالذات، قبل أن نضيف سخريته من علماء الشريعة والاستخفاف بهم حيث يعدهم من العوام.","vol":"1","page":82},{"text":"<span data-type='title' id=toc-8>وجود الله عند ابن رشد</span>\nلم أعثر فيما قرأت لابن رشد على رأي صريح ينكر فيه وجود الله الخالق المصور المبدع بل على العكس من ذلك، نراه يرسم معالم الطريق لمعرفة الله تعالى، ويقيم الأدلة العقلية على وجود الله وينبه على الآيات الكونية الأفقية والنفسية بصورة واضحة ولكنه كما قسم الناس في مفهوم الشريعة - كما رأينا آنفًا - يقسمهم مرة أخرى في مجال الاستدلال بالآيات الكونية على وجود الله فيقول: \"إن الأدلة على وجود الله الصانع تنحصر في هذين الجنسين:\n_________\n١ العلماء في اصطلاح ابن رشد: الحكماء أي الفلاسفة.","vol":"1","page":82},{"text":"١ – دلالة العناية.\n٢ – دلالة الاختراع.\nيقوم دليل العناية على أن يفكر الإنسان جيدًا وينظر فيما يحيط به من حماية وعناية ربانية ونعم لا تعد ولا تحصى، وقد خلق الله من أجله أكثر الموجودات، بل جميع ما في السموات وما في الأرض، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ (الجاثية:١٣) .\nويقوم دليل الاختراع على النظر الدقيق في الموجودات والمصنوعات التي تدل لا على وجود الخالق فحسب، بل على قدرته وعظمته ووحدانيته، كأثر يدل على المؤثر، وصفة تدل على الصانع الحكيم، ويرى أبو الوليد أن لكل دلالة من الدلالتين جماعة من الناس تفهمها وتختص بفهمها وإدراكها، ويجعل دلالة العناية طريقة الجمهور لأنها حسية، كما يجعل دلالة الاختراع خاصة بالعلماء والخواص؛ لأنهم يزيدون على ما يدركه الحس ما يدركونه بالبرهان الذي يتم بالنظر واستعمال الفكر، وينظروا في ملكوت السموات والأرض، وإلى هذا الإشارة بقوله تعالى: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ، وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ، وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ، وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾، ليستدلوا على وجود الله وقدرته وحكمته بالنظر في أسرار هذه المخلوقات إذ كان ذلك في استطاعتهم دون الجمهور ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إلاّ وُسْعَهَا﴾ (البقرة: ٢٨٦) ولنستمع الآن إلى أبي الوليد وهم يتقدم إلى الجمهور بإرشاده كي يعرفوا الاستدلال على وجود الله تعالى: فيقول:\n\"الطريق التي نبه بها الكتاب العزيز عليها، ودعا الكل من بابها تنحصر في جنسين:\n١ – في العناية بالإنسان وخلق جميع الأشياء من أجله، ولنسم هذا دليل العناية.\n٢ – ثم ما يظهر من اختراع جواهر الأشياء مثل اختراع الحياة في الجماد والإدراكات الحسية والعقل، ولنسم هذا دليل اختراع\".\nويرى ابن رشد أن هذين الدليلين هما دليل الشرع، ثم يقول أبو الوليد: \"إن جميع الموجودات في هذا الكون مناسبة ومفيدة لوجود الإنسان، كوجود الشمس والقمر والنبات والحيوان والأمطار والبحار والهواء والنار، بل في أعضاء الإنسان ذاتها دليل على أن موجد هذا العالم قدير حكيم عليم لطيف بعباده\"، ثم يواصل تحليله البديع فيقول: \"لما كانت جميع هذه الموجودات مخترعة من العدم بعد أن لم تكن دل على أنه لا بد من وجود مبدع صانع لهذا الكون قادر على الاختراع لاستحالة تحولها من العدم إلى الوجود بنفسها، وذلك المبدع الخالق هو الله لا إله إلا هو ولا رب سواه\".","vol":"1","page":83},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9>الوحدانية عند ابن رشد</span>\nتبينا فيما سبق أن ابن رشد لا يثار الغبار حوله في باب إثبات وجود الله تعالى، لا أقول: إنه على يقين تام من وجود الله فحسب، بل هو على استعداد تام لإقناع غيره ممن يخالطه شك أو ليس على يقين من وجود الله تعالى بأدلة عقلية وآيات كونية بأسلوبه القوي الممتاز، كما رأينا فيما سبق من الأبواب، فلنستمع إليه وهو يسوق الأدلة النقلية والعقلية، ويحلل المسألة كعادته، إذ يثبت بأنه تعالى واحد فرد صمد اعتمادًا على الآيات القرآنية مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ، اللهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (الإخلاص:١-٤)، ويقول أبو الوليد: \"إن من نظر في كلمة (لا إله إلا الله) وصدق المعنيين الواردين فيها وهما الإقرار بوجود الباري ونفي الإلهية عما سواه، فهو المسلم الحقيقي\"، ويثبت ابن رشد من ناحية إدراكه الفلسفي بأن الله هو الصانع الخالق الأول، صنع كل ما في العالم لحكمة على نظام ترتيب وقانون، صدرت عنه جميع الموجودات المتغايرة صدورًا أوليًا أزليًا ودفعة واحدة، ويرى ابن رشد أن الفاعل الأول واحد، والوحدانية ذاتية إذ لا يمكن أن تكون الوحدانية زائدة على ذاته التي هي في الوقت نفسه وجوده.\nوهذا يعني أن الصفات قائمة بذات الله ومتحدة معها وليست زائدة عليها، وسيأتي لهذه المسألة مزيد إيضاح - إن شاء الله - ماذا يريد أبو الوليد بهذه (الرطانة الفلسفية)، بعد أن أثبت وجود الله ووحدانيته اعتمادًا على الآيات القرآنية، وبعد أو وفق في تفسير كلمة التوحيد تفسيرًا سلفيًا أثبت فيه الربوبية والألوهية معًا بطريقة رائعة ودقيقة، وصرح بأن المسلم الحقيقي ذلك الذي يقر بوحدانية الله في ربوبيته وألوهيته.\nبعد هذا كله أبت عليه فلسفته إلا أن يستعمل أسلوبًا مغلقًا ملتويًا بأن الفيلسوف قد اختلط عليه الأمر، ولعل هذا التخبط أثر من آثار فلسفة أرسطو وزملائه الذي تتلمذ على كتبهم وتأثر بهم. وهم يعتقدون بقدم العالم وأزليته ويثبتون تأثيرًا لغير الله في هذا العالم في الأفلاك وغيرها على سبيل الاستقلال، ويشبهون الله ﷿ بملك في مدينة ما يعطي الاستقلال في التصرف في المدينة لمن تحته لحاجته إليه في التعاون معه.. سبحان الله عن الشريك والوزير المساعد!! بل هو الواحد الأحد سبحانه. وهؤلاء الفلاسفة الذين تأثر ابن رشد بفلسفتهم يعتقدون بأن الله إنما خلق العقل الأول فقط، والعقل الأول خلق العقل الثاني، وهكذا إلى آخر، كلام ركيك ومليء بالإلحاد والقول على الله بغير علم، وليس فيه مسكة من تقدير الله حق قدرته، سبحانك ما أحلمك يا رب العالمين!!\nوقد تورط ابن رشد في هذا الاعتقاد في هذه المسألة كما ترى وكما سيتضح فيما سيأتي من كلامه. ثم أخذ ابن رشد يخوض في مسألة طالما خاض فيها علماء الكلام، وهي هل الصفات زائدة على الذات أم هي عين الذات، إذ يقرر أن ذات الله ووجوده ووحدانيته كلمات يختلف معناها، ولكن دلالتها","vol":"1","page":84},{"text":"فيما يتعلق بالله واحدة. فالله قديم لأن الواحد بما هو واحد سابق على كل مركب، وهذا الأول القديم بذاته باق مطلقاُ وصفات الله من الحكمة والقدرة والوحدانية وغيرها ليست زائدة على الذات.\nوتحقيق هذا المقام يتطلب نوعًا من التفصيل حتى يتضح الحق بإذن الله.\nفنقول: يمكن أن يقال: الصفة عين الذات ويصح هذا الحكم، بمعنى أن الصفات لا تنفك عن الذات إذ لا نستطيع أن نتصور علمًا بغير عالم، وقدرة قائمة وحدها بغير قادر، أو إرادة قائمة بنفسها دون مريد، وهكذا وبهذا الاعتبار نقول: الصفات عين الذات.\nكما أنه من الممكن أن نقول: الصفة غير الذات فيصح الحكم أيضًا باعتبار آخر، وهو أن للصفة معنى وللذات معنى مغاير لمعنى الصفة، وبهذا الاعتبار أن الصفة غير الذات قطعًا، وما قيل في هذه المسألة يقال في مسألة هل الاسم عين المسمى أن غير المسمى؟. وعلى هذا المعنى يخرج كلام أبي الوليد، إذ يقول: إن صفات الله ليست زائدة على الذات\" والله أعلم.\nومثل هذا البحث يعده أبو الوليد إذا صدر من غيره بدعة محدثة غير معروفة عند السلف، إذ لا يكادون يزيدون على ما دل عليه الكتاب والسنة، بل يؤمنون بأن الله موصوف بصفات الكمال كالعلم والقدرة والرحمة والاستواء، وغير ذلك من الصفات ذاتية أو فعلية، ولا يسألون هل هي عين الذات أو غير الذات.\nوهي الطريقة السليمة، وتدل على عمق علم السلف ودقتهم وبعدهم عن التكلف والقول على الله بغير علم، والمعروف عنهم أنهم لا يتجاوزون الكتاب العزيز والسنة المطهرة في المطالب الإلهية خشية القول على الله بغير علم، والخوض في حقائق ذاته وصفاته وأسمائه وتسليط الوهم والخيال عليها فأمر جد خطير، إذ لا يصف الله أعلم من الله، ولا يصفه من خلقه أعلم من رسوله ﵊ الذي أذن له أن يصفه وأمره أن يبلغ عنه ما نزل عليه، ومن جملة ما نزل عليه صفات الله ﷿، ومن بعدهم عن التكليف أنهم لا يتطلعون إلى إدراك حقائق الصفات والأسماء إيمانًا منهم بأن المخلوق لا يحيط بالخالق، علمًا مهما أوتي من علم وذكاء لأن علم المخلوق محدود ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلًا﴾ (الإسراء: ٨٥)، ولا يقاس بغيره بأي نوع من أنواع القياس، إذ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (الشورى: ١١)، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ (مريم: ٦٥)، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، والملاحظ أن ابن رشد قد يتسامح مع نفسه ما لا يتسامح مع غيره كما رأينا فيما سبق، فيطلق لنفسه حرية الخوض والتأويل بينما هو يعيب كل ذلك لو صدر من غيره، ويعده بدعة محدثة.\nومن الإنصاف - والإنصاف من الإيمان - أن يعد هذا التصرف بدعة في حق كل أحد حتى في حق أبي الوليد، وعلى العموم يلاحظ الدارس لكتب ابن رشد أنه يورد من الأدلة العقلية والنقلية في حواره ونقاشه في الإلهيات ما يدل على اطلاعه الواسع ومقدرته الرائعة وذكائه الخارق.","vol":"1","page":85},{"text":"<span data-type='title' id=toc-10>العلم عند ابن رشد</span>\nيقول أبو الوليد في بعض كتبه: \"أما الأوصاف التي صرح بها الكتاب العزيز التي وصف الصانع الموجد للعالم بها، فهي أوصاف الكمال الموجودة للإنسان، إلى أن قال: أما العلم فقد نبه الكتاب العزيز على وجه الدلالة عليه في قوله تعالى: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (الملك:١٤)، وهي أن المصنوعات تدل - من جهة الترتيب الذي في أجزائه، ومن جهة كونها صنع بعضها من أجل بعض آخر، ومن جهة موافقتها جميعها للمنفعة المقصودة بذلك المصنوع انه لم يحدث عن صانع هو (طبيعة) كما لم يحدث (صدفة) وإنما حدث عن صانع رتب ما قبل الغاية قبل الغاية فوجب أن يكون عالمًا به، مثال ذلك:\nإن الإنسان إذا نظر إلى البيت فأدرك أن الأساس إنما صنع من أجل الحائط، وأن الحائط إنما أقيم من أجل السقف، يتيقن أن البيت إنما وجد عن عالم بصناعة البناء.\nيقول أبو الوليد: \"إن من نظر في أجزاء الموجودات وفي ترتيبها وتنظيمها وارتباط أجزائها وحاجة بعض أجزائها إلى البعض الآخر، يدرك تمامًا أنّ هذا المصنوع إنما صنعه صانع عليم حكيم، هذا الدليل الذي ساقه ابن رشد والمثال الذي ذكره والأسلوب الذي استعمله يقطع مجموع ذلك دابر ذلك الزعم بأن العالم وجد (صدفة) أو أوجدته (الطبيعة) إذ يأبى العقل الصريح والفطرة السليمة صدور هذا المصنوع العجيب عن طبيعة ليست هي أكثر من الشيء نفسه، أو صفة من صفات الشيء، والشيء لا يوجد نفسه، وأما صفة الشيء فهي تابعة للشيء، لأنها عرض قائم بالشيء، كما هو معروف لدى العقلاء\"، ثم يواصل ابن رشد حديثه في صفة العلم فيقول:\n\"وهذه الصفة هي صفة قديمة، إذ كان لا يجوز عليه سبحانه ألا يتصف بها وقتًا ما، ولكن لا ينبغي أن يتعمق في هذا، فيقال: ما يقوله المتكلمون\"، ثم أخذ أبو الوليد يناقش أهل الكلام في بدعتهم التي أحدثوها في هذه الصفة كعادتهم: وهي قولهم: \"هل الله يعلم المحدث في وقت حدوثه بعلم قديم أو بعلم حديث؟!! \"، إلى آخر خوضهم الذي يدل على عدم تقديرهم الخالق حق قدره، فيقول أبو الوليد في تعليقه على هذا الخوض: \"وهذا شيء لم يصرح به الشرع، بل المصرح به خلافه، وهو أنه تعالى يعلم المحدثات حين حدوثها كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاّ يَعْلَمُهَا﴾ (الأنعام: ٥٩) .\nهكذا يقرر أبو الوليد شمول علم الله تعالى، وأنه يعلم الأشياء قبل أن تكون على أنها ستكون، وكيف تكون، وإذا كانت على أنها كانت، وهو بكل شيء عليم، كيف لا؟ وهو الخالق البارئ المصور، وهذا مفهوم علم الله عند المسلمين سلفًا وخلفًا، بعيدًا عن تكلف المتكلفين وتشبيه المشبهين، وتنطع أهل الكلام الذين يهرفون ما لا يعرفون، وقد ابتليت الأمة الإسلامية بهذه الطائفة أيما بلاء. والله المستعان.","vol":"1","page":86},{"text":"<span data-type='title' id=toc-11>محاولة ابن رشد الحل الوسط في قضية قدم العالم</span>\nناقش ابن رشد الخلاف القائم بين القائلين بأن العالم مخلوق محدث بعد أن لم يكن، وبين الفلاسفة القائلين بأن العالم قديم أزلي مع الاعتراف بأنه مخلوق. فيقول ابن رشد أن الخلاف في هذه المسألة يعود إلى اللفظ، أي خلاف لفظي غير جوهري، لأن في الوجود طرفين وواسطة لقد اتفق الجميع على الطرفين وهما:\nأولًا: هناك واحد بالعدد قديم - الأول الذي ليس قبله شيء.\nثانيًا: هناك على الطرف الآخر كائنات مكونة، وهي عند الجميع محدثة، ولكنهم اختلفوا في هذا العالم بجملته أقديم هو أم محدث؟ فيواصل الفيلسوف مناقشته قائلًا: \"إن العالم في الحقيقة ليس محدثًا حقيقيًا ولا قديمًا حقيقيًا لأن القول: إنه محدث حقيقي فاسد ضرورة لأن العالم ليس من طبيعته أن يفنى أي لا تنعدم مادته، والقدم الحقيقي ليس له علة والعالم له علة!!.\nإذًا العالم محدث إذا نظرنا إليه من أنه معلول من الله، والعالم قديم إذا اعتبرنا أنه وجد عن الله منذ الأزل من غير تراخ في زمن، الخلاصة أن العالم بالإضافة إلى الله محدث، وبالإضافة إلى أعيان الموجودات قديم\".\nهكذا ينهي الفيلسوف ابن رشد مناقشته لهذه القضية العويصة حقًا. وقد اضطرب فيها كثير من حذاق الفلاسفة وأساطين أهل الكلام، والخوض في مثل هذه المسألة يعد من فضول الكلام، كما قال غير واحد من المحققين المعتدلين، ويكفي المرء أن يقول جملتين اثنتين مع الفهم والفقه وهما:\n١ – الله خالق كل شيء وهو المبدىء المعيد.\n٢ – ما سوى الله مخلوق محدث بعد أن لم يكن. وكفى..\nوشبهة ابن رشد في تردده في هذه المسألة في أمرين اثنين هما:\n١ – أن الله لن يزل فعالًا وخلاقًا.\n٢ – أن مادة العالم باقية ولا تفنى.\nالجواب عن الشبهة الأولى أن يقال: إن الله تعالى له معنى الربوبية قبل أن يخلق المربوب، وله معنى الخالق قبل أن يخلق، وهو الرازق قبل أن يخلق الرزق والمرزوق، أي هو موصوف بجميع صفات الكمال أزلًا وأبدًا، ولم تتجدد له بإيجاد خلقه صفة لم تكن له ولا يجوز أن يعتقد بأنه تعالى تجددت له صفة لم يكن متصفًا بها من قبل؛ لأن صفاته تعالى صفات كمال وفقدها صفة نقص، ولا يجوز أن يعتقد أنه حصل له الكمال بعد أن لم يكن.","vol":"1","page":87},{"text":"وهذا واضح في الصفات الذاتية، وأما الصفات الفعلية كالخلق والتصوير والإحياء والإماتة والمجيء والنزول والاستواء والغضب والرضاء، وإن كانت هذه الأحوال والأفعال تتجدد وتحدث في وقت دون وقت كما في حديث الشفاعة، حيث يقول الرسول ﵊: \"إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله\" لأن هذا التجدد والحدوث بهذا الاعتبار غير ممتنع، ولا يطلق عليه أنه حدث بعد أن لم يكن، ألا ترى أن من١ تكلم اليوم وكان متكلمًا بالأمس لا يقال بأنه حدث له الكلام، بل في حال تكلمه يقال: إنه متكلم بالفعل، وفي حال سكوته يقال: إنه متكلم بالقوة، وكذلك من كان قادرًا على الكتابة يقال: كاتب بالفعل في حال كتابته وفي الحالة الأخرى يقال: كاتب بالقوة، فالله تعالى: خالق، رازق، محيي، مميت، معطي، قبل أن يخلق خلقه وعباده الذين يرزقهم ويعطيهم ويحييهم ويميتهم؛ لأنه قادر على ذلك كله أزلًا ولم يكن فاقدًا صفة من هذه الصفات أو عاجزًا عن فعل من هذه الأفعال، بل هو على كل شيء قدير، ولعل في هذا المقدار غنية لطالب الحق، ومحاولة الإحاطة بالله تعالى محاولة فاشلة لقصور علمنا وعجزنا الذاتي ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلًا﴾ (الإسراء: ٨٥)، ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ (طه: ١١٠)، ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاّ بِمَا شَاءَ﴾ (البقرة: ٢٥٥) . هكذا يتم الجواب على الشبهة الأولى من الشبهتين اللتين جعلتا ابن رشد يتردد في هل العالم محدث أو قديم، فلنجب الآن على الشبهة الثانية بمعونة الله وتوفيقه، وهي أن مادة العالم لا تفنى ولا تنعدم وذلك دليل قدم العالم، كأن ابن رشد يحاول أن يستنتج من بقاء شيء من أجزاء العالم وعدم فنائه، يستنتج من ذلك أن العالم قديم أزلي.\nالجواب: صحيح أن بعض المخلوقات لا تفنى بل تبقى بإبقاء الله إياها، ويجاب عن بقائها بجوابين:\nأولًا: لا يلزم من عدم فنائها أزليتها، إذ لا تلازم بين عدم فنائها وأزليتها.\nثانيًا: أن بقاء ما يبقى من المخلوقات ليس بقاؤه ذاتيًا، وإنما يبقى بإبقاء الله إياه كالجنة وأهلها والنار وسكانها، وعجب الذنب من ابن آدم، وأما الباقي الذي البقاء وصف ذاتي له فهو الله، لا يشاركه أحد في بقائه كما لم يشاركه أحد في سائر صفاته وان اتحدت الأسماء أحيانًا في بعض الصفات.\nفهو الأول الذي ليس قبله شيء، وهو الآخر الذي ليس بعده شيء، هذا والأمر في غاية الوضوح لطالب الحق، والحمد لله رب العالمين وله المنة وحده.","vol":"1","page":88},{"text":"<span data-type='title' id=toc-12>صفة الحياة والقدم والإرادة عند الفيلسوف ابن رشد</span>\nيثبت ابن رشد عددًا معينًا من صفات الله تعالى، على الطريقة الأشعرية على الرغم من الحملات العنيفة التي يشنها عليهم أحيانًا.\n_________\n١ من شرح الطحاوية بتصرف.","vol":"1","page":88},{"text":"ومن الصفات التي يثبتها: صفة الحياة والإرادة والقدم، يثبت هذه الصفات بدليل عقلي مؤيد بالأدلة النقلية، وإن كان الاعتماد عنده على الأدلة العقلية على طريقة أهل الكلام.\nبل يرى أن الاعتماد على الأدلة النقلية والوقوف عندها طريقة الجمهور، والجمهور في اصطلاح ابن رشد هم من ليسوا بالفلاسفة الذين يسميهم (الحكماء) .\nفيقول - في إثبات هذه الصفات بعد أن تحدث عن صفة العلم -: إنّ صفة الحياة والإرادة والقدرة، وجودها ظاهر في صفة العلم، وذلك يظهر في الشاهد أن من شرط العلم الحياة والإرادة والقدرة، والشرط عند المتكلمين يجب أن ينتقل فيه الحكم إلى الغائب، وما قالوه صواب، وهذا التصويب يعتبر إنصافًا من ابن رشد، وعلى الرغم من كثرة مناقشته الحادة للأشاعرة والمعتزلة يعترف لهم بالفضل فيما أصابوا فيه لأن الحق ضالة المؤمن أخذها أين وجدها ولو كانت عند المتكلمين.\nوبعد: فقد لاحظنا فيما سبق أن الفيلسوف بن رشد كثيرًا ما يناقض نفسه، إذ رأيناه غير مرة يقف مواقف كان يعيبها على أهل الكلام، من التأويل ودعوته المعنى الجمهوري، والمعنى الخاص لبعض النصوص، ولا عجب في ذلك لأن التناقض يكاد يكون وصفًا ذاتيًا للفلاسفة كلهم، إلا ما شذ أو من شذ وقليل ما هم.\nفليس أبو الوليد بدعًا من الفلاسفة، هذا ما يهون الأمر علينا، وقديمًا قيل: \"إذا عمت هانت\"","vol":"1","page":89},{"text":"<span data-type='title' id=toc-13>الكلام عند ابن رشد</span>\nيسلك ابن رشد في إثبات صفة الكلام، المسلك الذي سلكه في إثبات صفة الحياة والقدرة والإرادة، وهو الاستدلال بثبوت صفة العلم لأن الكلام في فلسفة ابن رشد ليس شيئًا أكثر من أن يفعل المتكلم فعلًا يدل به المخاطب على العلم الذي في نفسه أو الفعل الذي يصير المخاطب بحيث ينكشف له ذلك العلم الذي في نفسه، وذلك فعل جملة الأفعال وأغرب من هذا قوله: \"وقد يكون من كلام الله ما يلقيه الله إلى العلماء الذين هم ورثة الأنبياء بواسطة البراهين، وبهذه الحجة صح عند العلماء أن القرآن كلام الله\".\nوقد توسع ابن رشد في مفهوم الكلام إلى أن أدخل في مسمى كلام الله ما يتكلم به علماء الفلاسفة بدعوى أن الله ألقى إليهم الكلام بواسطة البراهين.\nيقف أبو الوليد في هذه المسألة موقفًا شاذًا خطيرًا، لم يسبق إليه - فيما نعلم - وذلك أنه خالف الأشعرية القائلة بالكلام النفسي واللفظي معًا على أن النفسي هو الكلام الحقيقي لله، واللفظي دال عليه","vol":"1","page":89},{"text":"أو ترجمة له، أو عبارة عنه، والقرآن عند الأشعرية ليس بكلام الله حقيقة، ولكنه دال على كلام الله الحقيقي الذي هو الكلام النفسي فلذا يجب احترامه إلى آخر الكلام المعروف عندهم.\nوأبو الوليد لم يلتزم هذا المذهب التزامًا كليًا ولم يرفضه رفضًا باتًا، وهو في الوقت نفسه يخالف المعتزلة التي لا تثبت كلامًا نفسيًا، بل تصرح بأن كلام الله مخلوق، ومعنى أن الله متكلم عندهم أنه خالق للكلام، فالقرآن مخلوق من مخلوقات الله عندهم وعند الأشعرية، ونقطة الخلاف بينهم التصريح بالقول بأنه مخلوق وعدم التصريح به، فالطائفتان متفقتان في العقيدة الداخلية - إن صح التعبير - ومختلفتان في السياسة الخارجية.\nإذ ترى المعتزلة أن يصرح بذلك لدى الجمهور، لأن القضية قضية العقيدة يستوي فيها العامة والخاصة، بينما ترى الأشاعرة عدم التصريح إلا في مقام التعليم، وكأنها عقيدة تخص الخاصة دون العامة، وهو موقف يشبه موقف ابن رشد من حيث التفريق بين العامة والخاصة في بعض الواجبات والاعتقادات - كما رأينا - إلا أنه يختار لنفسه طريقة أخرى من هذه المسألة كما أشرنا، وكما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله، هذا ما عنيناه بقولنا: إن موقفه شاذ وخطير. وما أهل السنة والجماعة الذين اكتفوا بما كان عليه سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين، الذي يتجاوزون الكتاب العزيز والسنة المطهرة فهم يعتقدون بأن الله يتكلم حقيقة كما يليق به بكيفية لا نعلمها، إذ لا نحيط به علمًا ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾، ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاّ بِمَا شَاءَ﴾، وهم لا يخوضون في كيفية تكلمه كما لم يخوضوا في كيفية جميع صفاته وكيفية ذاته تعالى، وإذا كان إيمانهم بالله إيمان تسليم لا إيمان تكييف فيجب أن يكون إيمانهم بصفاته كذلك إيمان تسليم بما في ذلك صفة الكلام، لأن الكلام في الصفات كالكلام في الذات، والكلام في بعض الصفات كالكلام في البعض الآخر يحذو حذوه فلا تكييف، ولا تمثيل، ولا تعطيل، أو تحريف.\nأما القرآن فمن جملة كلام الله غير مخلوق كسائر كلامه، وقد أخبرنا الله في الكتاب العزيز أن القرآن كلامه، حيث يقول: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ﴾ ١ وما من شك أن الكلام الذي سمعه ذلك المشرك المستأمن هو هذا القرآن الذي في المصحف، المحفوظ في الصدور، المكتوب في الألواح، ولذلك نستشهد به قائلين: \"قال الله تعالى: كذا وكذا\". وكلماته تعالى لا نفاد لها إذ يقول الرب جل من قائل: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ ٢.\nهذا هو اعتقاد أهل السنة في كلام الله وموقفهم من القرآن الكريم. وهم - كما لا يخفى على المنصف - خير هذه الأمة على الإطلاق بشهادة المصطفى الذي لا ينطق عن الهوى ﵊ فهو يقول\n_________\n١ سورة براءة. الآية: ٦.\n٢ سورة الكهف. الآية: ١٠٩.","vol":"1","page":90},{"text":"عنهم: \"خير الناس قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم\"، والخيرية تستلزم قطعًا صلاح العقيدة وصحتها ضرورة بحكم أنهم شاقوا صاحب الرسالة محمدًا ﵊ وأخذوا عنه دينهم وعقيدتهم.\nوإذا كنا نؤمن بأنه ﵊ بلّغ رسالة ربه كاملة قبل أن يكتم شيئًا منها في أصول الدين وفروعه، ونؤمن ثانيًا بأن الصحابة فهموا ما بلّغهم الرسول ﵊ فهمًا صحيحًا وشاملًا وتحمّلوا أمانة التبليغ لمن بعدهم فبلغوهم فعلًا قبل أن يكتموا شيئًا مما بُلِّغُوا، إذا كنا نؤمن إيمانًا كهذا يلزمنا أن نعتقد أن كل خير في اتباعهم فيما كانوا عليه لأنهم على هدى وعلى صراط مستقيم ومخالفتهم تعد إحداث بدعة في الدين مع ادعاء أن الدين لم يتم بعد بل هو في حاجة إلى زيادة أو تعديل أو تحسين، وكل ذلك تحدٍ سافر لشهادة الله تعالى لنبيه وأتباعه أنه أكمل لهم الدين وأتم عليهم نعمة الإسلام إذ يقول الله جل من قائل: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ، وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي، وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا﴾ (المائدة: ٣) وقد نزلت هذه الشهادة من السماء في آخر حياته ﵊، وكان نزولها في حجة الوداع على رؤوس الأشهاد في أعظم تجمع حصل في تاريخ الإسلام.\nوكل الذي أقصده بهذا الاستطراد، أن الصواب في هذه المسألة وغيرها من مسائل الدين بما في ذلك البحث الذي حول القرآن هو ما كان عليه سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وكل مل خالف ما كانوا عليه فهو باطل ضرورة (إن الحق واحد لا يتعدد) هذه هي الطوائف الثلاثة في هذه المسألة، ولا نعلم لها رابعة - فيما نعلم - ولكننا فوجئنا في أثناء دراستنا لكتب ابن رشد بقول غريب لم يسبق إليه، وذلك في تعريفه للكلام - وقد ذكرناه فيما تقدم - وقد انتهى كلامه إلى القول: \"بأن حروف القرآن التي في المصحف إنما هي من صنعنا نحن بإذن الله، وإنما وجب لها التعظيم لأنها دالة على المخلوق لله، وعلى المعنى الذي ليس بمخلوق\"١.","vol":"1","page":91},{"text":"<span data-type='title' id=toc-14>مناقشة ابن رشد في رأيه</span>\nيمكن أن نوجز فلسفة ابن رشد في هذه المسألة في نقطتين اثنتين:\n١ – تعريفه للكلام بأنه فعل يفعله المتكلم إلى آخر كلامه..\n٢ – الادعاء بأن الحروف التي في المصحف صنفان، صنف مصنوع لنا، وصنف مخلوق لله، وأن الصنف الذي من صنعنا يدل على اللفظ المخلوق وعلى المعنى غير المخلوق.\nتعليقي على النقطة الأولى: بأنه كلام لا معنى له، بل تأباه اللغة العربية ويأباه الواقع إذ لا يعرف","vol":"1","page":91},{"text":"في اللغة العربية: أن الكلام هو الفعل، فيقول النحاة عندما يعرفون الكلام: (هو اللفظ المركب المفيد بالوضع)، وذلك يعني أن الكلام هو ذلك الملفوظ المنطوق، وفي الواقع أن الناس يفرقون بين الكلام والفعل طبعًا، وأكتفي بهذا المقدار في هذه النقطة لوضوحها فيما أحسب.\nوأما النقطة الثانية: فادعاء ابن رشد صنفين من الحروف للقرآن فكلام خال وفارغ عن المعنى في نظرنا، وعلى أي حال فقد وقع ابن رشد في البدعة التي كان يشنعها على أهل الكلام، ولم يقف مع ظاهر الشرع كما يدعو إليه وكما هو المتحتم على كل مسلم وبعد:\nفكم كان جديرًا بابن رشد أن يطبق القاعدة التي يذكرها دائمًا في بحثه وهي: (لا يحق للباحث في مسائل الدين أن يطبق الاعتبارات الإنسانية على الأمور الإلهية)، ولكنه خالفها ولم يلتزم بها - وللأسف - والملاحظ أن ابن رشد قد خالف علماء الكلام في مواقفهم من صفات الله، وأنكر عليهم تأويلهم وشدد الإنكار عليهم، وكان يرى أن تبقى نصوص الصفات على ظاهرها - كما يليق بالله - ويدعو إلى ذلك بكل صراحة، وهي دعوى حق طبعًا، ولكنه قلب ظهر المجن - كما يقولون - لهذه الطريقة في صفة الكلام، وانحاز إلى الطريقة الأشعرية وهي القول بخلق القرآن مع إثبات الكلام النفسي بل زاد عليهم حيث ادعى أن للقرآن حرفين، حرف مخلوق لله وحرف مصنوع للعباد دال على الحرف المخلوق، وهو موقف - كما ترى - في غاية الغرابة، بل انزلاقة خطيرة يخشى منها على إيمان صاحبها، والله المستعان.","vol":"1","page":92},{"text":"<span data-type='title' id=toc-15>موقف ابن رشد من مثبتة الصفات</span>\nجرت عادة معطلة الصفات الذين تعودوا أن يسلطوا ألوانًا من التأويل على صفات الله تعالى، إذا خالفت المعقول وأوهمت التشبيه - في زعمهم - جرت عادة هؤلاء بأن يلقبوا مثبتة الصفات بالألقاب التالية:\nأ – المشبهة.\nب – المجسمة.\nجـ – الحشوية.\nوفي زعم هؤلاء أن الإثبات يستلزم التشبيه والتجسيم، وهو زعم فاسد لا يعتمد على قاعدة علمية ونظر سليم، وإنما هو زعم يتوارثه أهل الكلام بعضهم من بعض مبعثه إما الجهل، أو هوى في النفس، وإلا فإن التشبيه أو التجسيم أمر زائد على الإثبات فلا يلزم من إثبات العلم لله مثلًا - تشبيه الله بخلقه في علمه، ضرورة أن علم الخالق ليس كعلم المخلوق، لأن علم المخلوق يناسب حال المخلوق محدث مثله، محدود لا يحيط بالمعلومات، ومعرض للنسيان والغفلة والذهول، ثم إنه غير باق، ضرورة زوال الصفة بزوال الموصوف، وهذه الأعراض التي ذكرناها لعلم المخلوق ينزه","vol":"1","page":92},{"text":"عنها علم الخالق لأنه علم يليق به تعالى قديم قدم ذاته، محيط بكل شيء لا يلحقه نسيان أو ذهول، أو غفلة وهو باق بقاء الذات العلية، فإثبات صفات الله تعالى عند المثبتة على غرار قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (الشورى: ١١)، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (الإخلاص: ٤)، ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ (طه: ١١٠)، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ (مريم: ٦٥)، وما قيل في صفة العلم يقال في سائر الصفات الذاتية والفعلية، هكذا يثبت لدى المصنف أن الإثبات شيء والتشبيه شيء آخر والله ولي التوفيق.\nوقد استخدم أبو الوليد بعض تلك الألقاب التي تقدم ذكرها في حق المثبتة جريًا على عادة القوم، وكان المتوقع من أبي الوليد أن يقف موقف البصير المنصف فيضع الأمور في نصابها، ويلحق الألقاب بأهلها، فيقول لمن أثبت صفات الله كما يليق به أنه مثبت، ولمن أول وحرف أنه مؤول، ولمن شبه صفات الله بصفات خلقه أنه مشبه.\nوقد أثبتنا - فيما سبق - أن المثبتة ليسوا بمشبهين ولا مجسمين، بل طريقتهم وسط بين التشبيه والتعطيل، كما وضحنا آنفًا، وإذا كانت المشبهة قد غلت في إثبات صفات الله فأثبتوها معتقدين أنها صفات كصفات المخلوقين، بدعوى أنهم لا يعقلون من صفات الله إلا كما يعقلون صفات المخلوقين، فقدرة الله عندهم كقدرة المخلوقين، وإرادته كإرادتهم، واستواؤه كاستوائهم، كذلك محبته ورضاؤه، غلت المعطلة في التنزيه من الطرف الآخر فنفت وعطلت صفات الله تعالى أو بعضها، بدعوى التنزيه معتقدين أن إثبات الصفات يؤدي إلى التشبيه فأهل السنة والجماعة فقد هداهم الله إلى سواء السبيل ووفقهم فسلكوا مسلكًا وسطًا، فأثبتوا ونزهوا - أثبتوا لله ما أثبت لنفسه أو أثبته له رسوله من صفات الكمال - وجميع صفاته كمال - إثباتًا بلا تشبيه أو تمثيل في ضوء قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ .\nوقد أثنى أبو الوليد على هذه الطريقة في غير ما موضع في بعض كتبه١ ولكنه يراها أنها إنما تناسب الجمهور فقط دون العلماء فإنهم لا يقفون عندها، بل عليهم أن يغوصوا في بحار الفلسفة، فيكشفوا حقائق لا يدركها الجمهور، مع التكتم٢ الشديد وعدم التصريح بتلك الحقائق أمام الجمهور، فلو التزم أبو الوليد طريقة معينة في إصدار الأحكام على الناس لسهل علينا أن نصغي إلى أحكامه ثم ننقاشه، ولكنه صعب المنال وكثير التقلب، فبينما تراه يتحدث في باب الأسماء والصفات حديث سلفي مثبت الصفات واقف على ظاهر الشريعة فإذا هو يخطب على منصة أهل الكلام فيؤول وينفر عن الإثبات، ولو عرّجت على نادي الفلاسفة لوجدته في طليعة الحكماء الذين يعيشون في مخيم الغموض ويضربون في\n_________\n١ منهاج الأدلة لابن رشد.\n٢ وهي طريقة الباطنية.","vol":"1","page":93},{"text":"بيداء الأوهام والخيال، ولا تكاد تفقه كثيرًا مما يقولون، ولو مررت بمجموعة الفقهاء لرأيته في وسطهم يقارع الحجج بالحجج فيؤصل ويفرع، وربما دخل مجالس المحدثين ليتشبه بهم، على حد قول القائل:\nتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم … فإن التشبه بالرجال فلاح\nوالصفة البارزة في ابن رشد أنه يرى نفسه أنه محلق في سماء الفلسفة مع مجموعة الحكماء تاركًا الجمهور في سذاجتهم - فيما يظن -.","vol":"1","page":94},{"text":"<span data-type='title' id=toc-16>ابن رشد يثبت المعاد بالأدلة العقلية والنقلية</span>\nيقول أبو الوليد: \"والمعاد مما اتفقت على وجوده الشرائع، وقامت عليه البراهين عند العلماء، وإنما اختلفت الشرائع في صفة وجوده، ولم تختلف في الحقيقة في وجوده\" يشير ابن رشد إلى أن المعاد لم يكن محل نزاع بين الشرائع السماوية، أو لدى العقلاء والحكماء، بل كان محل اتفاق في المجالين الشرعي والفلسفي - إن صح التعبير - وإنما اختلفت الناس في أمرين في شأن المعاد:\n١ – أهو روحاني فقط، أو روحاني وجسماني معًا، ثم يسوق ابن رشد الدليل فيقول: \"والاتفاق على هذه المسألة مبني على اتفاق روحي في ذلك، واتفاق قيام البراهين الضرورية عند الجميع على ذلك\" هكذا يصرح ابن رشد بأن الأدلة النقلية المأخوذة من الشرائع السماوية، والبراهين العقلية اتفقت على أن للإنسان سعادتين اثنتين:\n١- دنيوية.\n٢- أخروية.\nويحلل ابن رشد المسألة قائلًا: \"وانبنى ذلك عند الجميع على أصول يعترف بها عند الكل منها:\nأ - أن الإنسان أشرف من كثير من الموجودات.\nب - إذا كان كل موجود يظهر من أمره انه لم يخلق عبثًا، وأنه إنما خلق لفعل مطلوب منه، وهو ثمرة وجوده، فالإنسان أحرى بذلك، وقد نبه الله تعالى على وجود هذا المعنى في جميع الموجودات في الكتاب العزيز فقال: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ (ص: ٢٧)، وقال جل من قائل وهو يثني على عباده الذين يدركون هذه الغاية المطلوبة من الوجود: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (آل عمران:١٩١) \".\nثم يقول أبو الوليد: \"ووجود الغاية في الإنسان أظهر منها في جميع الموجودات، وقد نبه الله تعالى عليها في غير مرة ما آية في كتابه العزيز فقال: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ (المؤمنون: ١١٥)، وقال: ﴿أَيَحْسَبُ","vol":"1","page":94},{"text":"الإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً﴾ (القيامة: ٣٦)، وقال: ﴿وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (يس: ٢٢)، وقال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذريات: ٥٦)، ثم يقول أبو الوليد - وهو يبين اتفاق الأدلة النقلية والعقلية على المعاد-: \"ولما كان الوحي فد أنذر في الشرائع كلها بأن النفس باقية، وقامت البراهين عند العلماء على ذلك، وكانت النفوس يلحقها بعد الموت أن تتعرى عن الشهوات الجسمانية فإن كانت زكية تضاعف زكاؤها بتعريتها عن الشهوات، وإن كانت خبيثة زادتها المفارقة خبثًا لأنها تتأذى بالرذائل التي كانت قد اكتسبت وتشتد حسرتها على ما فاتها من التزكية عند مفارقتها للبدن، لأنها لا يمكنها الاكتساب إلا مع هذا البدن، وإلى هذا المقام الإشارة بقوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ (الزمر: ٥٦)، هكذا يقرر أبو الوليد: أن المعاد مما جاءت به الشرائع ونادت به الأدلة النقلية والعقلية بيد أن الموضوع لم يسلم من الاختلاف فيه، بل اختلفوا، ويمكن أن توجز اختلافهم في الآتي:\n١ – هل ذلك الوجود الذي بعد الموت هو هذا الوجود بعينه، بمعنى أن ما في ذلك الوجود من النعيم واللذات متحد مع ما في هذا الوجود الذي قبل الموت، وإنما يختلفان في الانقطاع والدوام، أي أن ذلك دائم وهذا منقطع؟؟ !!.\n٢ – أن الوجود الجسماني الذي هناك مخالف لهذا الوجود، وإنما يتفقان في اسم الوجود الجسماني فقط، مع اختلاف الحقائق مستدلين بقول ابن عباس فيما روي عنه: \"ليس في الدنيا مما في الآخرة إلا الأسماء\". ويرى أبو الوليد أن هذا الرأي الثاني أليق بالخواص.\n٣ – ترى طائفة من الفلاسفة: أن المعاد روحاني فقط، وإنما مثل به لإرادة البيان، والعجيب من أمر ابن رشد أنه يرى أصحاب هذا الرأي لهم حجج كثيرة في الشريعة إلا أنه لم يذكر منها حجة واحدة مع دعوى الكثرة، وابن رشد يختلف مع الإمام الغزالي في هذه المسألة، إذ يرى الغزالي وجوب القول بمعاد الأجسام ويحكم بالكفر على من أنكر ذلك وقال بمعاد الأرواح فقط، وقد كفر الغزالي بعض الفلاسفة بهذا القول، كالكندي والفارابي وابن سينا إضافة إلى قولهم بأن الله يعلم الكليات فقط دون الجزئيات، وقولهم بقدم العالم وأزليته.\nهكذا يتبين أن ابن رشد متساهل، بل متناقض في هذا الباب على خطورته بل ولم يقف عند التساهل والتناقض، بل إنه يذهب بعيدًا إذ يعد هذه المسألة مسألة اجتهادية إذ يقول:\n\"والحق في هذه المسألة أن فرض كل إنسان فيها هو ما أدى إليه نظره فيها، بعد ألا يكون نظرًا يفضي إلى إبطال الأصل جملة، وهو إنكار الوجود جملة، فإن هذا النحو من الاعتقاد يوجب تكفير صاحبه لكون العلم بوجود هذه الحال للإنسان معلومًا للناس بالشرائع والعقول\".","vol":"1","page":95},{"text":"خلاصة رأي ابن رشد في هذه المسألة أن الواجب هو الإيمان بالبعث بعد الموت، وأن هناك معادًا، وأما كون المعاد يكون للأرواح أو للأجسام فليس بمهم عند ابن رشد بل لكل إنسان أن يعتقد ما أدى إليه نظره واجتهاده.\nوالحق أن هذه المسألة من المسائل التي لم يوفق فيها ابن رشد بل أخطأ في دعوى أن المقام مقام اجتهاد بل الصواب أن المقام مقام نص، ولا اجتهاد مع النص طبعًا، فنصوص الكتاب والسنة تصرخ دون خفاء وبأعلى صوت: بأن المعاد للأجسام والأرواح معًا، فلنستمع إلى الآيات التالية وهي تستنكر على الإنسان حين ينسى أو يتناسى بأن الله خلقه من نطفة ويستصعب متسائلًا من يحيي العظام وهي رميم!!؟\n﴿أَوَلَمْ يَرَ الإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ، وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ. قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ. الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ . ١ والآية التالية وهي تصف يوم القيامة ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾،٢ وإلى قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ (الروم: ٢٧) .\nوإذا انتقلنا إلى السنة نجدها تصرح بالمعاد الجسماني بما لا يترك مجالًا للشك أو الجدل، من ذلك قوله ﵊: \"تبعث أمتي يوم القيامة غرًا محجلين\"، وقوله: \"يبعث الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلًا بهمًا\".\nدلالة الحديث الأول على البعث الجسماني واضحة جدًا، لأن الوصف بالغرة والتحجيل إنما هو وصف للجسم والروح تابعة طبعًا!.\nوأما الحديث الثاني فلا تقل دلالته على المراد من الحديث الأول؛ لأن الأوصاف الأربعة كلها أوصاف لا تليق إلا بالجسم كما لا يخفى، والروح تدخل تبعًا، والله ولي التوفيق.\nوبعد:\nأعتقد أن الموضوع قد وضح، وليس بحاجة إلى تعداد أدلة أخرى غير ما تقدم من أدلة الكتاب والسنة، والعقل لا يستبعد ذلك طبعًا، لأنه لم يستبعد المبدأ، ولقد رأينا كيف ربطت بعض الآيات السابقة المعاد بالمبدأ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ .\n_________\n١ سورة يس.\n٢ سورة الأنبياء.","vol":"1","page":96},{"text":"<span data-type='title' id=toc-17>الخلاصة</span>\n١ – ثبت بالأدلة النقلية والعقلية أن المعاد جسماني.\n٢ – ثبت أن المقام مقام نص لا مقام اجتهاد.\n٣ – إنكار المعاد الجسماني تكذيب لنصوص الكتاب والسنة وخروج على مقتضى العقل وتكذيب نصوص الكتاب والسنة الصريحة كفر لا ريب فيه. والله المستعان..","vol":"1","page":97},{"text":"<span data-type='title' id=toc-18>القضاء والقدر عند ابن رشد</span>\nمما لا يختلف فيه اثنان أن الإيمان بالقضاء والقدر جانب مهم من جوانب العقيدة الإسلامية، ولهذا الإيمان أثره الواضح في سلوك المرء وتصرفاته وفي موقفه من الوقائع والأحداث التي تفاجئ الإنسان في هذه الحياة، ويجب أن يقوم هذا الإيمان على المعنى الصحيح للقضاء والقدر، ولا يوجد ذلك المعنى الصحيح إلا في الوحي الإلهي المتمثل في القرآن الكريم والسنة المطهرة ولا يجوز بوجه من الوجوه الاستعاضة عن هذا المصدر ولا إشراك غيره معه كمصدر أصيل.","vol":"1","page":97},{"text":"<span data-type='title' id=toc-19>معنى القدر والقضاء وأيهما أسبق</span>\nاختلف أهل العلم أيهما أسبق على الآخر، القضاء أو القدر..\nوالذي تطمئن إليه النفس وتؤيده الأدلة، هو قول أبي حاتم الرازي وغيره من بعض أهل العلم وخلاصته: أن القدر هو التقدير، وأن القضاء هو التفصيل، ومن الشواهد التي ذكرها أبو حاتم على ما ذهب إليه قوله تعالى:\n﴿قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَان﴾ ِ (يوسف: ٤١)، معناه: الفراغ، وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْض﴾ ِ (الجمعة: ١٠) أي فرغ منها، والقضاء والقدر بمنزلة الثوب الذي يقدره الخياط فهو قبل أن يفصله يقدرهو ويزيد وينقص، ويوسع ويضيق، وإذا فصله فقد قضاه وفاته، ولا يمكنه أن يزيد أو ينقص وذلك مثل القضاء والقدر، والله أعلم، وهناك تعريفات أخرى، وقد يعكس بعضهم فيقدم القضاء على القدر، والله أعلم.\nوسواء كان هذا أو ذاك فإن الله تعالى سبق علمه بكل مخلوق وكتب مقاديره وأوجده وفق ما قدره له، وشاء ما يصدر عنه بعد وجوده من خير أو شر، ولا يخرج عن ذلك شيء لا أفعال الإنسان ولا غيرها، وكذلك ما يصيب الإنسان من الحوادث والكوارث، والعبد بجملته مخلوق جسمه وروحه وصفاته وأفعاله وأحواله فهو مخلوق خلق نشأة وصفة يتمكن بها من إحداث إرادته وأفعاله","vol":"1","page":97},{"text":"بتلك النشأة، بمشيئة الله وقدرته وتكوينه، فهو الذي خلقه وكوّنه كذلك، فتقع حركته بقدرة العبد المخلوقة، وإرادته التي جعلها الله فيه، فالله سبحانه إذا أراد فعل العبد خلق له القدرة والداعي إلى فعله، فيضاف الفعل إلى قدرة العبد إضافة المسبب إلى سببه، ويضاف إلى الله إضافة المخلوق إلى الخالق، فالمقدور واقع بقدرة العبد الحادثة وقوع المسبب بسببه، والسبب والمسبب والفاعل والآلة أثر قدرة الله١ تعالى، فلا نعطل قدرة الله عن شمولها وكمالها وتناولها لكل ممكن، وليس في الوجود شيء مستقل بالتأثير سوى مشيئة الله وقدرته ولا نعطل قدرة العبد التي خلقها له وجعلها صالحة لمباشرة الأفعال.\nهذه طريقة أهل السنة والجماعة في هذا الباب، وهي التي كان عليها سلف هذه الأمة وهي وسط بين طريقة الجبرية والقدرية كما ترى، وكما سيتضح قريبًا إن شاء الله.\nوهذه المسألة من أعوص المسائل الشرعية، كما يقول أبو الوليد، لما يظهر من التعارض بين الأدلة، مما أدى إلى تفرق الناس إلى ثلاث فرق، طرفين ووسط:\nالطرف الأول: الجبرية.. وعلى رأسهم جهم بن صفوان، فقد ذهبت هذه الفرقة إلى أن العبد مجبور على عمله من خير وشر، وتنسب إليه الأعمال مجازًا كما تنسب إلى الجماد، والإنسان إنما يخالف الجماد في المظهر فقط، فكتب فلان (مثلا) وقرأ وقام وقعد، مجاز، كما يقال: ماج البحر وتحرك الجمل، وأثمرت الشجرة، والذي دفعهم إلى هذا فرارهم من الوقوع فيما وقعت فيه القدرية من القول: إن العبد يخلق أفعاله، كما سيأتي إن شاء الله.\nوالجبرية نظرت إلى العبد وهو منفعل فقالوا: إنه مجبور غير مختار، وفاتهم أنه منفعل وفاعل.","vol":"1","page":98},{"text":"<span data-type='title' id=toc-20>ما ينتج من هذا القول</span>\nيترتب على هذا المذهب إبطال التكليف والثواب والعقاب على الأعمال، كما ينتج منه أن إرسال الرسل وإنزال الكتب عبث، وهو مذهب باطل ومرفوض - كما ترى - عقلًا وشرعًا:\nأما عقلًا: فإنه لا يستساغ أن يعطى العامل أجر عمل لم يعمله باختياره حقيقة، وإنما ينسب إليه مجازًا، هذا من حيث الثواب.\nوأما العقاب فليس من العدل أن يعاقب العامل على خطيئة ارتكبها تحت الإجيار وبدون اختيار منه بل أتاه كمُكْرَهٍ، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فيصبح إنزال الترغيب والترهيب في الكتاب والسنة وإنذار الرسل كلامًا لا معنى له.","vol":"1","page":98},{"text":"هذا ما يترتب على قول الجبرية بإيجاز.\nالطرف الثاني: المعتزلة القدرية:\nهذه الفرقة ترى أن العبد يخلق أفعاله بقدرته مستقلًا عن قدرة الله، ويريد ويدبر بإرادته الحرة قبل أن تتدخل إرادة الله تعالى في إرادته أو مع إرادته.","vol":"1","page":99},{"text":"<span data-type='title' id=toc-21>وجهة نظرهم</span>\nوالذي حمل هؤلاء على هذا القول الخطير، لما رأوا أن العبد يفعل ويترك باختياره الحر، وأثبت له الشرع الثواب على الحسنات، والعقاب على السيئات ثم لا حظوا الفرق بين حركة اليد العادية، وحركة اليد المرتعشة، حيث تكون الأولى اختيارًا والثانية اضطرارية، وما ندركه من الفرق بين حركة الصاعد إلى المنارة والساقط منها إذ تكون الأولى بقدرة العبد واختياره بينما لا قدرة له ولا إرادة في الأخرى.\nلاحظ القوم هذه الملاحظات في أفعال وحركات العبد، ونظروا إليه فاعلًا، وغفلوا أنه فاعل ومنفعل فزعموا أن العبد هو الذي يخلق أفعاله بقدرته قبل أن تتدخل قدرة الله، تعالى الله عن شريك يشاركه في ربوبيته وخلقه، وفاتهم أن العبد بجسمه وروحه وإرادته وقدرته مخلوق لله، فالله تعالى هو الذي يخلق له القدرة على العمل وإرادة العمل، ويجعله فاعلًا يفعل بالإرادة المخلوقة المحدودة والقدرة المحدثة حتى ينسب إليه العمل، ويضاف إليه إضافة المسبب في الوقت الذي يضاف عمله إلى الله إضافة المخلوق إلى الخالق.\nما أبعد هذا الطرف عن ذلك الطرف حيث العبد مجبور هناك وخالق هنا، وكلا الفريقين ضل الطريق وضاع الصواب بينهما، وعثر عليه أهل السنة والجماعة بتوفيق الله تعالى وقد تقدم بيان مذهبهم.","vol":"1","page":99},{"text":"<span data-type='title' id=toc-22>كسب الأشعري</span>\nحاول أبو الحسن الأشعري أن يأتي بحل وسط بين الجبرية والقدرية إلا أنه لم يوفق حيث جعل مناط التكليف: الكسب، والكسب هو العمل - كما يتبادر- بل هو إرادة تحصل عند الفعل، وقعوا في هذا المضيق لئلا يقولوا: إن العبد هو الفاعل الحقيقي مستقلًا كما هو مذهب القدرية، أو يقولوا إنه مجبور وليست له إرادة كما تقول الجبرية، ولكنهم لم يأتوا بجديد بل طريقتهم هذه هي الجبر بعينها والخلاف بينهم وبين الجبرية خلاف لفظي وليس بجوهري - كما ترى -، بل طريقتهم أكثر غموضًا، بل قد عد كسب الأشعري من المحالات، ومحالات الكلام ثلاثة - كما يقولون -:","vol":"1","page":99},{"text":"١ – كسب الأشعري.\n٢ – أحوال أبي هاشم.\n٣ – طفرة النظام.\nأما كسب الأشعري فقد تحدثنا عنه، وملخصه: أن العبد ليس هو الفاعل حقيقة ولكن عند إرادته للفعل يخلق الله الفعل. نقدر أن نقول: إنها جبرية متطورة أو متسترة.\nأما أحوال أبي هاشم: المراد بها الصفات المعنوية التي انفرد بإثباتها أبو هاشم دون سائر المعتزلة من نفيه لصفات المعاني، أي أنه ينفي العلم والقدرة والإرادة إلى آخر الصفات ثم يثبت كونه عالمًا وقادرًا ومريدًا، وهذه (الكوكنة) هي الأحوال١.\nوأما طفرة النظام: فهي (انزلاقة) انفرد بها النظام المعتزلي دون سائر المعتزلة وهي القول بأن الله خلق هذه الموجودات دفعة واحدة على ما هي عليه الآن، من نبات وحيوان وجبال وبحار، ولم يتقدم خلق آدم على ذريته غير أن الله (أكمن) بعضها في بعض، فالتقدم والتأخر إنما يقع في ظهور هذه الموجودات في أماكنها دون حدوثها ووجودها.\nوقد زعم النظام ما زعم متأثرًا بأصحاب الكمون والظهور، من الفلاسفة وهي طفرة لم يسبقه إليها أحد قبله.","vol":"1","page":100},{"text":"<span data-type='title' id=toc-23>خلاصة رأي ابن رشد</span>\nيقول ابن رشد - وهو يلخص بحثه الطويل في مسألة القضاء والقدر -: \"ولما كان ترتيب الأسباب ونظامها هو الذي يقتضي وجود الشيء في وقت ما، في ذلك الوقت، وجب أن يكون العلم بأسباب شيء ما هو العلم بوجود ذلك الشيء أو عدمه في وقت ما، والعلم بالأسباب على الإطلاق هو العلم بما يوجد منها، أو ما يعدم في وقت من أوقات جميع الزمان، فسبحان الذي أحاط اختراعًا وعلمًا بجميع أسباب الموجودات وهذه هي مفاتح الغيب في قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاّ هُو﴾ - الآية. (الأنعام: ٥٩) .\nوإذا كان هذا كله كما وصفنا فقد تبين لك كيف لنا اكتساب، وكيف جميع مكتسباتنا بقضاء وقدر سابق، وهذا الجمع هو الذي قصده الشرع بتلك الآيات العامة والأحاديث التي يظن بها التعارض، وهي إذا خصصت عمومتها بهذا المعنى، انتفى عنها التعارض، وبهذا أيضًا تنحل جميع الشكوك التي قيلت في ذلك، أعني الحجج المتعارضة العقلية أعني أن كون الأشياء الموجودة عن إرادتنا يتم وجودها بالأمرين\n_________\n١ والتناقض واضح في هذا التصرف لأنه ليس بمعقول ولا مفهوم نفي الإرادة مثلًا مع إثبات كونه تعالى مريدًا.","vol":"1","page":100},{"text":"معًا، أعني بإرادتنا وبالأسباب التي من خارج، فإذا نسبت الأفعال إلى واحد من هذين على الإطلاق لحقت الشكوك المتقدمة.\nوابن رشد - كما ترى - يدندن حول مذهب أهل السنة والجماعة في هذا المسألة وهو معافى من داء الجبرية والقدرية ومن كسب الأشعري، بل هو يثبت للعبد قدرة وإرادة، وفي الوقت نفسه يقرر أن الأشياء توجد بقضاء وقدر سابق، بل يقرر أنه لا بد من اجتماع الأمرين معًا القضاء والقدر ويسميها (السبب الخارجي) وإرادة العبد وهي السبب الداخلي وتوجد الأشياء بإذن الله تعالى، بتوفر الأمرين معًا.\nوذلك يعني أن العبد يعمل بإرادته وقدرته واختياره، ولكنه هو وإرادته وقدرته والآلة التي استعملها بل وعقله كل ذلك مخلوق لله ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللهِ﴾ (فاطر: ٣)، فتضاف الأعمال إلى العبد حقيقة إضافة المسبب إلى السبب لأن العبد بإرادته وقدرته هو سبب وجود تلك الأعمال، وقد جعل الله لكل شيء سببًا، فهي تضاف إلى الله إضافة المخلوق إلى الخالق، هذه هي طريقة أهل السنة والجماعة كما تقدم، فليهنأ ابن رشد بهذا التوفيق في هذه المسألة العويصة كما وصفها هو نفسه في كتابه منهاج الأدلة في عقائد الملل.\nوبعد هذا الملخص والتعليق عليه يحسن بنا أن نسرد بعض الآيات القرآنية التي أشار إليها ابن رشد لنرى كيف تتفق ولا تختلف وبالتوفيق بينهما تزول جميع الشكوك إن شاء الله.\nالمجموعة الأولى من الآيات المشار إليها:\nأ – ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (الكهف: ٢٩)، ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ (التكوير: ٢٨)، ﴿ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾ (البقرة: ٢٨١)، ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ (البقرة: ٢٨٦)، ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ (آل عمران: ١٨٢) .\nهذه المجموعة وما في معناها من نصوص الكتاب والسنة تفيد أن أفعال الإنسان تقع بإرادته ومشيئته واختياره.\nومما يؤيد هذا المعنى أن المجنون لا يسأل عن أفعاله بإجماع؛ لأنها لم تقع منه بإرادته أو بإرادة معتبرة.\nب – المجموعة الثانية: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ (يس:٤٢)، ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ﴾ (النحل: ٨٠)، ﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ (الصافات: ٩٦) .\nتفيد هذه المجموعة وما شاكلها من نصوص الوحي أن الإنسان وإن كان فاعلًا لأفعاله حقيقة لا مجازًا وله إرادة ومشيئة ولكن إرادته ومشيئته مخلوقتان لله، وهما سببان فقط لإيجاد فعل الإنسان، والله خلق السبب والمسبب معًا، وكون الإنسان يفعل بإرادته، لا يخرج فعله من عموم مخلوقات الله فالسفينة يصنعها الإنسان بيده، ولكن الله خالقه وخالق يده وإرادته، وكذلك البيوت والجلود المذكورات في المجموعة الثانية والله ولي التوفيق.","vol":"1","page":101},{"text":"هكذا تتفق الآيات التي ظاهرها التعارض، ولا تعارض في واقع الأمر إذ دلت المجموعة الأولى أن للإنسان تدخلًا في أعماله بحيث يثاب على الحسنة ويعاقب على السيئة، فتضاف إليه أعمال حقيقة.\nودلت المجموعة الثانية أن الإنسان وأعماله مخلوقات لله تعالى وهو الخالق وحده سبحانه.","vol":"1","page":102},{"text":"<span data-type='title' id=toc-24>سر القدر</span>\nفطالما خضنا في هذا المبحث الخطير فلا بد أن نقول شيئًا في محاولة الإجابة على سؤال خطير يتردد في الأذهان، وربما ظهر على بعض الألسنة أحيانًا والسؤال يتكون من فقرتين، ونص السؤال هكذا:\nإذا شاء الله من الإنسان المعصية ولم يشأ منه الطاعة فلم يحاسبه على ما لم يشأ منه؟\nولم لم يشأ منه الطاعة كما شاءها من غيره؟\nالجواب على الفقرة الأولى من السؤال: سبق أن تحدثنا أن في الأصول القطعية عند أهل السنة أن الهداية والضلال، والطاعة والمعصية بمشيئة الله وأن الإنسان سبب في وقوعها، ومسئوليته عن أفعاله أصل قطعي آخر من هذه الزاوية، فالقاعدة التي يتفق عليها العقلاء أن القطعيات لا تتناقص في نفسها، وإن بدت لنا متناقضة لقصور إدراكنا.\nفحسبنا أن نقف عند هذه القطعيات ونؤمن بها جميعًا، ولا نرد منها شيئًا ولو لم نحط بها علمًا، لأن مسألة القضاء والقدر لها تعلق بصفات الله تعالى: كعلمه وحكمته وإرادته، وحيث أننا نعجز عن الإحاطة بصفات الله تعالى، فكذلك نعجز عن الإحاطة بسر القدر، وسر القدر هو أن الله تعالى أضل وهدى وأسعد وأشقى، وأمات وأحيا غير ذلك كل ذلك لحكمة يعلمها ولا نعلمها، ها هنا السر!!!\nوهو العليم الحكيم، فسبحان الذي أحاط كل شيء علمًا، وأحصى كل شيء عددًا.\nولا يضير المرء في إيمانه عجزه عن الإحاطة بسر القدر لأن ذلك ليس بمستطاع ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، ولكن الذي يضيره أن يبني على عجزه أحكامًا ويتصرف على غير هدى. من ذلك رد بعض الأصول القطعية في القدر، وضرب النصوص بعضها ببعض.\nوللجواب على الفقرة الثانية في السؤال نورد قول علي ﵁: \"القدر سر الله فلا نكشفه\" ومن سر القدر عجزنا عن جواب: (لم شاء الله الطاعة من زيد ووفقه، بينما لم يشأ من عمرو ولم يوفقه؟)، بل الجواب الذي ليس بعده جواب قوله تعالى: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ (الانبياء: ٢٣)، ومما لا نزاع فيه بين العقلاء أن المالك له أن يتصرف في ملكه كيف يشاء، ولا يلزم ليكون تصرفه سليمًا أن يدرك غيره الحكمة الباعثة، والعلة في تصرفاته، وليس لأحد حق الاعتراض عليه في تصرفه، إذا لم يعلم السر في أفعاله.","vol":"1","page":102},{"text":"فلو رأينا صاحب بستان يحتوي بستانه على أنواع من الأشجار لو رأيناه يقطع هذه الشجرة ويترك تلك ويهذب هذه وينظمها ويهمل تلك دون تهذيب أو إصلاح، فهل لأحد حق الاعتراض على هذه الأعمال المختلفة؟ فالجواب: لا، طبعا؛. لأننا لا ندري ما هو الباعث له على ما فعل أو ترك، هذا هو معنى قول علي ﵁: \"القدر سر الله فلا نكشفه\" أي فلا نحاول كشفه لندرك حقيقة ذلك السر المكتوم لأنه تكلف بلا نتيجة ومن حاول إدراك غير المستطاع نتيجة محاولته:\nكناطح صخرة يومًا ليوهنها … فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل","vol":"1","page":103},{"text":"<span data-type='title' id=toc-25>من ثمرات الإيمان القدر</span>\n…\nمن ثمرات الإيمان بالقدر\nصاحب الإيمان الصحيح بالقدر يباشر الأسباب المباحة بيده، ويبذل معه في الأخذ بالأسباب ولا يعجز ولا يتواكل ولكنه يعتمد على الله وحده في نجاح تلك الأسباب المبذولة لا على الأسباب ذاتها، ولقد كان كذلك سيد المرسلين وإمام المتوكلين محمد ﵊، فقد اختفى ﵊ في الغار يوم الهجرة، وهذا منه ﵊ يعتبر تعليمًا للأمة في الأخذ بالأسباب ومباشرتها، وقد فعل ذلك في سبيل التخلص من شر المشركين ولكنه لم يكن اعتماده في الخلاص على السبب نفسه، وإنما كان اعتماده على الله العلي القدير، قال تعالى: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا﴾ (التوبة: ٤٠)، وذلك يعني أن ثقته كانت في الله واطمئنانه وسكينته بسبب تلك المعية الخاصة، إلا أنه لم يهمل السبب بناء على الثقة والاعتماد الصادق على الله، وقد رأيناه ﵊ مرة أخرى في معركة (بدر) يباشر السبب، إذ رأيناه ينظم الجيش كسبب مادي لا بد من مباشرته، ثم يرجع إلى العريش الذي ضرب له في أرض المعركة فيدعو الله ويلح في الدعاء ويكثر فيطلب النصر من الله، وكان ﵊ يحث أصحابه على البيع والشراء، وكان من أصحابه المزارعون والتجار الذين يزاولون البيع والشراء.\nهذا هو المفهوم الصحيح للتوكل. وهو ثمرة من ثمرات الإيمان الصحيح بالقدر ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (يس: ٨٣) ..","vol":"1","page":103},{"text":"<span data-type='title' id=toc-26>الخاتمة</span>\n…\nخاتمة\nتم بتوفيق الله وعونه إعداد هذه العجالة التي تحدثنا فيها عن موقف الفيلسوف ابن رشد من العقل والنقل، ورأينا في هذا البحث معالجة ابن رشد التوفيق بين الشريعة والحكمة ومناقشته الحادة لعلماء الكلام في التأويل الذي يسلطه أهل الكلام على نصوص الصفات ليتبعوا ما تشابه من النصوص ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، وما يعلم تأويله إلا الله، ولقد بينا في هذه العجالة ضرورة توحيد المصدر للعقيدة الإسلامية","vol":"1","page":103},{"text":"وذلك المصدر هو الوحي الإلهي، فقط قبل أن يشاركه أي مصر آخر لا الفلسفة ولا علم الكلام ولا القياس بأنواعه.\nوبعد هذا كله من الحماقة بمكان أن يقال:\nبأن الشرع لم يفصل أمور العقيدة، فالرجوع إلى الفلسفة أمر ضروري لمعرفة التفصيل، وهو قول عار عن الحقيقة بل هو تمويه على السذج من الناس لأن أمور العقيدة كما أوضحنا في صلب البحث من أهم مطالب الذين بعثت بها الرسل وأنزلت من أجلها الكتب.\nومن المستحيل عقلًا أن يهمل الشارع بيان هذا المطلب الذي هو أهم المطالب على الإطلاق دون بيان شاف بالتفصيل اللازم فيحيل الناس على مصدر آخر في معرفته، في الوقت الذي بين فيه فروع الشريعة وأوضح سننها وآدابها، ولقد رأينا كيف بين الوضوء ونواقضه وكيفية التيمم وغير ذلك من الفروع.\nومن تتبع آيات القرآن وتدبرها واطلع على المقدار الكافي من أحاديث الرسول ﵊ مع دراستها ما كان يفهمه الرعيل الأول من النصوص، يدرك تمامًا ودون شك أن بيان العقيدة قد وقع بيانًا يغني أهله عن الحاجة إلى سفسطة أهل الكلام وخوض الفلاسفة.\nوالحمد لله رب العالمين..","vol":"1","page":104}]}