{"ً":{"ٌ":8858,"ٍ":"القاضي عياض ومفهومه للإعجاز القرآني","َ":2,"ُ":2,"ِ":{"root":"الجوامع والمجلات ونحوها/مجلة الجامعة الإسلامية/010_002","files":["010_002_mgi.pdf"]},"ّ":"الكتاب: القاضي عياض ومفهومه للإعجاز القرآني\nالمؤلف: أحمد جمال العمري\nالناشر: الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة\nالطبعة: السنة العاشرة - العدد الثاني - ١٣٩٧هـ - ١٩٧٧ م\nعدد الصفحات: ٢٨\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":2143,"ٕ":4,"ٖ":1770155804,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مدخل","level":1,"page":1},{"title":"رحلاته العلمية","level":1,"page":2},{"title":"أساتذته","level":1,"page":3},{"title":"مصنفاته","level":1,"page":5},{"title":"الشفا بتعريف حقوق المصطفى","level":1,"page":7}],"ٛ":{"1,15":1,"1,16":4,"1,17":6,"1,18":8,"1,19":9,"1,20":10,"1,21":11,"1,22":12,"1,23":13,"1,24":14,"1,25":15,"1,26":16,"1,27":17,"1,28":18},"ٜ":{"1":[15,28]},"ٝ":["1,15","1,15","1,15","1,16","1,16","1,17","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28"],"ٞ":{"1":[1],"2":[2],"3":[3],"5":[4],"7":[5]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>مدخل</span>\n...\nالقاضي عياض ومفهومه للإعجاز القرآني\nلفضيلة الدكتور أحمد جمال العمري كلية الدعوة وأصول الدين\nهو عياض بن موسى بن عياض بن عمرون، أبو الفضل اليحصبيّ السبتي الغرناطي الأندلسي١ القاضي الإمام العلاّمة.\nولد بمدينة سبتة في شهر شعبان سنة ستّ وتسعين وأربعمائة ٤٩٦هـ؛ لذا فهو أندلسي الأصل، قال ابنه محمد: \" كان أجدادنا في القديم بالأندلس ثم انتقلوا إلى مدينة فاس، وكان لهم استقرار بالقيروان، لا أدري قبل حلولهم بالأندلس أو بعد ذلك، وانتقل عمرون إلى سبتة بعد سكنى فاس.\n_________\n١ اليحصبي - بفتح الياء وسكون الحاء وضمّ الصاد وفتحها وكسرها -: نسبة إلى يحصب بن مالك قبيلة من حمير. والسبتي: نسبة إلى مدينة سبتة. والغرناطي نسبة إلى غرناطة؛ المدينة الأندلسية المشهورة.","vol":"1","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>رحلاته العلمية:</span>\nفي سبيل العلم رحل عياض إلى الأندلس سنة تسع وخمسمائة ٥٠٩هـ طالبا للعلم، فأخذ بقرطبة عن مجموعة غير قليلة من العلماء، وأجاز له بعضهم، ثم انتقل إلى المشرق فأخذ عن مجموعة أخرى من العلماء؛ فهو بذلك جمع إلى جانب علم المغاربة علوم المشارقة حيث نهل من المنبع والمصبّ معا.","vol":"1","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>أساتذته:</span>\nتذكر المصادر القديمة عشرات الشيوخ والأساتذة الذين تلمذ لهم الرجل؛ ففي قرطبة أخذ عن القاضي أبي عبد الله محمد بن علي بن حمدين، كما أخذ عن أبي الحسين بن سراج وأبي محمد بن عناب وغيرهم، وأجاز له أبو علي الغساني.\nوفي المشرق: أخذ عن القاضي أبي علي حسين بن محمد الصدفي، وأخذ أيضا عن أبي عبد الله المازني، وأجاز له الشيخ أبو بكر الطرطوشي، وذكر ولده محمد مجموعة أخرى من الشيوخ منهم: أحمد بن بقي،","vol":"1","page":15},{"text":"وأحمد بن محمد بن محمد بن مكحول، وأبو الطاهر أحمد ابن محمد السلفي، والحسن بن محمد بن سكره وغيرهم، وقال صاحب الصلة البشكوالية - بعد أن ذكر بعض شيوخه -: وقد اجتمع له من الشيوخ بين من سمع منه وبين من أجاز له مائة شيخ.\nوكانت الحصيلة العلميّة التي استقاها من هؤلاء العلماء كبيرة جدّا؛ يقولون: إنه صار إمام وقته في الحديث وعلومه، والتفسير وعلومه، كما صار من أهل التفنن في العلم، واليقظة والفهم، حتى إنه بعد عودته من رحلاته العلمية أجلسه أهل سبتة للمناظرة في المدوّنة وهو ابن ثلاثين سنة أو ينيف عنها، ثم أُجلس للشورى، ثم ولي قضاء بلده مدة طويلة، حمدت سيرته فيها، ثم نقل إلى قضاء غرناطة في سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة ٥٣١هـ.\nولقد أشارت المصادر القديمة بمكانته العلميّة؛ فقالت إنه كان فقيها أصوليا، عالما بالنحو واللغة وكلام العرب وأيامهم وأنسابهم، بصيرا بالأحكام، عاقدا للشروط، بصيرا حافظا لمذهب مالك، ريّانا في علم الأدب، خطيبا بليغا.\nكما تحدثت عن كريم أخلاقه، فقالت إنه كان صبورا حليما، جميل العشرة، جوادا سمحا كثير الصدقة، دؤوبا على العمل، صلبا في الحقّ.\nونظرًا لمكانته الدينية والعلمية قرّبه الموّحدون، حكّام المغرب في عصره، حيث رحل إلى أميرهم بمدينة سلا؛ فأجزل له العطاء وأوجب برّه، وظلّ عياض في رحابهم إلى أن اضطربت أمور الموحّدين عام ثلاثة وأربعين وخمسمائة ٥٤٣هـ، حيث رحل إلى مراكش مشرّدا، بعيدا عن وطنه، فكانت بها وفاته في شهر جمادى الثانية، وقيل في شهر رمضان سنة أربع وأربعين وخمسمائة ٥٤٤هـ، ودفن في باب أيلان. ﵀.","vol":"1","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>مصنفاته:</span>\nصنّف القاضي عياض مجموعة ضخمة من المصنفات أهمها:\n١_ الإعلام بحدود قواعد الإسلام.\n٢_ الإلماع في ضبط الرواية وتقييد السماع.\n٣_ ترتيب المدارك وتقريب المسالك، لمعرفة أعلام مذهب مالك.\n٤_ الشفا بتعريف حقوق المصطفى.\n٥_ مشارق الأنوار في تفسير غريب حديث الموطأ والبخاري ومسلم.","vol":"1","page":16},{"text":"٦_ المعلم في شرح مسلم.","vol":"1","page":17},{"text":"وللأسف الشديد ضاع معظم مؤلفاته التي تقدر بعشرين مؤلفا، ولم يبق منها إلا النّزر اليسير، وأهمّ الكتب التي أفلتت من يد الزمن (كتاب الشفا) الذي يبرز عقليّة الرجل ومنهجه في الفهم وطريقته في التأليف، ومن هذا الكتاب نستطيع أن نعرف مفهوم الرجل للإعجاز القرآني.\nولم يخصص القاضي عياض للإعجاز القرآني كتابا مستقلا، ولكنه تناول هذا الموضوع بين ثنايا كتابه <span data-type=\"title\" id=toc-5>(الشفا بتعريف حقوق المصطفى</span>١) ﷺ، وأثناء حديثه عن معجزات الرسول؛ فقد خصّص فصلا صغيرا جعل عنوانه (فصل في إعجاز القرآن) ذكر فيه أوجه الإعجاز القرآني كما رآها هو.\nفهو يرى أن الإعجاز القرآني ينحصر في أربعة أوجه:\nأولها: حُسن تأليفه والتئام كلمه وفصاحته، ووجوه إيجازه وبلاغته الخارقة عادة العرب.\nوثانيها: صورة نظمه العجيب والأسلوب الغريب المخالف لأساليب كلام العرب، ومناهج نظمها ونثرها الذي جاء عليه، ووقفت مقاطع آيِه وانتهت فواصل كلماته إليه، ولم يوجد قبله ولا بعده نظير له.\nوثالثها: ما انطوى عليه من الإخبار بالمغيبات، وما لم يكن ولم يقع؛ فوُجد كما ورد على الوجه الذي أخبر.\nوالوجه الرابع: ما أنبأ به من أخبار القرون السالفة والأمم البائدة والشرائع الدائرة، مما كان لا يعلم منه القصة الواحدة إلا الفذّ من أحبار أهل الكتاب الذي قطع عمره في تعلم ذلك.\nويعلل القاضي عياض للأسباب التي جعلت من حسن تأليف القرآن التئام كلمه وجها من أوجه الإعجاز التي تميّز بها؛ فيقول: \"وذلك أنهم (أي العرب) كانوا أرباب هذا الشأن وفرسان الكلام؛ فقد خُصّوا من البلاغة والحكم بما لم يُخصّ به غيرهم من الأمم، وأوتوا من ذرابة اللسان٢ ما لم يُؤتَ إنسان،\n_________\n١طبع هذا الكتاب في دار الفكر بيروت، ولكنها طبعة غير محققة وبها بعض الأخطاء والتصحيفات. انظر: ص ٢٥٨ من الجزء الأول من هذه الطبعة.\n٢ ذرابة اللسان: حذقه.","vol":"1","page":17},{"text":"ومن فصل الخطاب ما يقيّد الألباب، وجعل الله لهم ذلك طبعا وخلقة، وفيهم غريزة وقوة يأتون منه على البديهة بالعجب، ويُدْلون به إلى كلّ سبب، فيخبُطون بَديهًا في المقامات وشديد الخَطْب، ويَرتَجِزون به بين الطَّعن والضَّرب، ويَمدَحون ويَقدَحون، ويَتوَسَّلون ويَتوصَّلون ويرفعون ويضعون؛ فيأتون من ذلك بالسِّحر الحلال، ويُطوِّقون من أوصافهم أجمل من سمط اللاَّل؛ فيَخدعون الألباب، ويذَلِّلون الصِّعاب، ويُذهِبون الإحَن١، ويُهيِّجون الدِّمن، ويُجرِّؤون الجَبان، ويَبسُطون يَد الجِعد٢ البنان، ويُصيِّرون الناقص كامِلا، ويتركون النّبيه خامِلا، منهم البدويّ ذو اللفظ الجَزْل، والقول الفصل، والكلام الفخم، والطبع الجوهري، والمنزع القويّ، ومنهم الحضريّ ذو البلاغة البارعة، والألفاظ الناصعة، والكلمات الجامعة، والطَّبع السَّهل، والتصرّف في القول القليل الكلفة، الكثير الرَّونق، الرَّقيق الحاشية ...\nولهم في البلاغة الحجّة البالغة، والقوّة الدامغة، والقدح الفالُج٣، والمهيع الناهج٤، لا يشُكُّون أن الكلام طوْع مرادهم، والبلاغة ملك قيادهم، قد حوَوْا فنونها واستنبطوا عيونها، ودخلوا من كل باب من أبوابها، وعَلَوْا صرحا لبلوغ أسبابها، فقالوا في الخطير والمهين، وتفنّنوا في الغثّ والسمين، وتقاولوا في القلّ والكُثر، وتساجلوا في النظم والنثر ...\nفما راعهم إلا رسول كريم بكتاب عزيز، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.. أُحكمت آياته، وفصِّلت كلماته، وبَهَرت بلاغته العقول، وظهرت فصاحته كل مقول، وتظافر إيجازه وإعجازه، وتظاهرت حقيقته ومجازه، وتبارت في الحسن مطالعه ومقاطعه،\n_________\n١ الإحن: جمع إحنة وهي الحقد.\n٢ الجعد: الكريم من الرجال، أما إذا قيل جعد اليدين، أو جعد الأنامل فهو البخيل، وربما لم يذكروا معه اليد.\n٣ القدح الفالج: السهم الفائز.\n٤ المهيع الناهج: الطريق السالك.","vol":"1","page":18},{"text":"وحوَت كل البيان مجامعه وبدائعه، واعتدل مع إيجازه حسن نظمه، وانطبق على كثرة فوائده مختار لفظه، وهم (أي العرب) أفسح ما كانوا في هذا الباب مجالا، وأشهر في الخطابة رجالا، وأكثر في السجع والشعر سجالا، وأوسع في الغريب واللغة مقالا، بلغتهم التي بها يتحاورون، ومنازعهم التي عنها يتناضلون، صارخا بهم في كل حينٍ، ومقرعا لهم بضعا وعشرين عاما على رؤوس الملأ أجمعين:\n﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ. فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ ١.\n﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ ٢.\n﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَات﴾ ٣.\nذلك أن المفترى أسهل، ووضع الباطل والمختلق على الاختيار أقرب، واللفظ إذا نبع المعنى الصحيح كان أصعب.\nفلم يزل يقرّعهم ﷺ أشدّ التقريع، ويوبّخهم غاية التوبيخ، ويسفّه أحلامهم، ويحطّ أعلامهم، ويشتّت نظامهم، ويذمّ آلهتهم وإياهم، ويستبيح أرضهم وديارهم وأموالهم، وهم في كل هذا ناكصون عن معارضته، يخادعون أنفسهم بالتشغيب بالتكذيب، والإغراء بالافتراء، والادّعاء مع العجز بقولهم: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾ وقد قال لهم الله: ﴿وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ فما فعلوا ولا قدروا ... \"\nهذا هو الوجه الأوّل من وجوه الإعجاز القرآنيّ كما يراه القاضي عياض.\nوعن الوجه الثاني: وهو صورة نظمه العجيب، والأسلوب الغريب\n_________\n١ سورة البقرة الآية ٢٤.\n٢ سورة هود الآية ١٣.\n٣ سورة الإسراء الآية ٨٨.","vol":"1","page":19},{"text":"المخالف لأساليب كلام العرب، يقول القاضي عياض: \"إنه لم يوجد قبله ولا بعده نظير له، ولا استطاع أحد مماثلة شيء منه، بل حارت فيه عقولهم، وتدلَّهت دُونَه أحلامهم، ولم يهتدوا إلى مثله في جنس كلامهم؛ من نثر أو نظم أو سجع أو رجز أو شعر.\nلما سمع كلامه - ﷺ - الوليد بن المغيرة وقرأ عليه القرآن رقّ، فجاءه أبو جهل منكرا عليه، قال: والله ما منكم أحد أعلم بالأشعار مني، والله ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا.\nوفي خبره الآخر حين جمع قريشا عند حضور الموسم، وقال: إن وفود العرب تَرِد فأجمعوا فيه رأيا لا يكذب بعضكم بعضا؛ فقالوا: نقول كاهن! قال: والله ما هو بكاهن؛ ما هو بزمزمته١ ولا سجعه، قالوا: مجنون! قال: ما هو بمجنون؛ ولا بخنقه ولا وسوسته، قالوا: فنقول شاعر! قال: ما هو بشاعر؛ قد عرفنا الشعر كله رجزه وهزجه، وقريضه ومبسوطه ومقبوضه، ما هو بشاعر، قالوا: فنقول ساحر! قال: ما هو بساحر؛ ولا نفثه ولا عقده، قالوا: فما نقول؟ قال: ما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا وأنا أعرف أنه باطل، وإنّ أقرب القول أنه ساحر؛ فإنه سِحر يفرّق بين المرء وابنه، والمرء وأخيه، والمرء وزوجه، والمرء وعشيرته، فتفرقوا وجلسوا على السُّبل يحذّرون الناس، فأنزل الله تعالى في الوليد: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا. وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا. وَبَنِينَ شُهُودًا. وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا. ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ. كَلاَّ إِنَّهُ كَانَ لآياتنَا عَنِيدًا. سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا. إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ. فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ. ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ. ثُمَّ نَظَرَ. ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ. ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ. فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ. إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ. سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ ٢.\nوالأخبار في هذا صحيحة كثيرة، والإعجاز بكل واحد من النوعين\n_________\n١ الزمزمة: صوت خفي لا يكاد يفهم (القاموس) .\n٢ سورة المدثر آية ١١-٢٦.","vol":"1","page":20},{"text":"الإيجاز والبلاغة بذاتها، والأسلوب الغريب بذاته، كل واحد منها نوع إعجاز على التحقيق، لم تقدر العرب على الإتيان بواحد منهما؛ إذ كلّ واحد خارج عن قدرتها، مباين لفصاحتها وكلامها، وإلى هذا ذهب غير واحد من أئمة المحققين\".\nأما الوجه الثالث - كما يراه القاضي عياض - فهو الوجه التاريخي الذي عبر عنه بقوله: \"ما انطوى عليه من الإخبار بالمغيبات، وما لم يكن ولم يقع؛ فوجد كما ورد على الوجه الذي أخبر، كقوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾، وقوله تعالى: ﴿آلم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾، ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾، ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ .\nفكان جميع هذا كما قال؛ فغلبت الروم فارس في بضع سنين، ودخل الناس في الإسلام أفواجا، فما مات ﷺ وفي بلاد العرب كلها موضع لم يدخله الإسلام، واستخلف الله المؤمنين في الأرض، ومكّن فيها دينهم، وملّكهم إيّاها من أقصى المشارق إلى أقصى المغارب، كما قال ﷺ: \"زويت لي الأرض؛ فأُريت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها\".\nوأما الوجه الرابع من وجوه إعجاز القرآن: فهو يتصل كسابقه بالجانب التاريخي، ولكنه لا يتناول الأمور المستقبلة، ولكنه يتحدّث عن أخبار القرون السالفة والأمم البائدة والشرائع الدائرة، مما كان لا يعلم منه القصة الواحدة إلا الفذّ من أحبار أهل الكتاب على نصِّه فيعترف العالم بذلك؛ فيورده النبي - ﷺ - على وجهه، ويأتي به على نصه، فيعترف العالم بذلك بصحته وصدقه\n_________\n١- سورة الفتح الآية ٢٧\n٢- سورة الروم الآيات ١- ٢\n٣-سورة التوبة الآية ٣٣\n٤- سورة النور الآية ٥٥","vol":"1","page":21},{"text":"وأن مثله لم ينله بتعليم، وقد علموا أنه - ﷺ - أمّي لا يقرأ ولا يكتب ولا اشتغل بمدارسة ولا مثافنة١، ولم يغب عنهم ولا جهل حاله أحد منهم \".\nويدلّل القاضي عياض على دقة هذا الوجه فيقول: \"وقد كان أهل الكتاب كثيرًا ما يسألونه - ﷺ - عن هذا فينزل عليه من القرآن ما يتلو عليهم منه ذكرا، كقصص الأنبياء مع قومهم، وخبر موسى والخضر، ويوسف وإخوته، وأصحاب الكهف، وذي القرنين، ولقمان وابنه، وأشباه ذلك من الأنباء، وبدء الخلق، وما في التوراة والإنجيل والزّبور وصحف إبراهيم وموسى مما صدّقه فيه العلماء بها، ولم يقدروا على تكذيب ما ذكر منها، بل أذعنوا لذلك ...\nفمن مُوفَّق آمَن بما سيق له من خبر، ومن شقي مُعاند حاسد، ومع هذا لم يحك عن واحد من النصارى واليهود على شدّة عداوتهم له، وحرصهم على تكذيبه، وطول احتجاجه عليهم بما في كتبهم وتقريعهم بما انطوت عليهم مصاحفهم، وكثرة سؤالهم له ﷺ، وتعنيتهم إياه عن أخبار أنبيائهم وأسرار علومهم، ومستودعات سيرهم، وإعلامه لهم بمكتوم شرائعهم ومُضمَّنات كتبهم، مثل سؤالهم عن الروح، وذي القرنين، وأصحاب الكهف، وعيسى، وحكم الرّجم، وما حرم إسرائيل على نفسه، وما حرِّم عليهم من الأنعام، ومن طيبات كانت أحلّت لهم فحرِّمت عليهم ببغيهم، وقوله: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ..﴾ وغير ذلك من أمورهم التي نزل فيها القرآن، فأجابهم وعرّفهم بما أوحي إليه من ذلك؛ أنه أنكر ذلك أو كذّبه، بل أكثرهم صرّح بصحة نبوّته وصدق مقالته، واعترف بعناده وحسده إياه، كأهل نجران وابن صوريا وبني أخطب وغيرهم.\nهذه هي الوجوه التي اعتمدها القاضي عياض دليلا على إعجاز القرآن، وخصّص لها في كتابه (الشفا) بابا من أربعة فصول.\nفإذا نظرنا إلى ما كتبه القاضي\n_________\n١ المثافنة: المجالسة، والمراد بها هنا مجالسة العلماء لتلقي العلم عنهم.","vol":"1","page":22},{"text":"وجدنا أن هذه الأوجه ليست جديدة على أذهاننا، أو بمعنى آخر: وجدنا أنه ليس أوّل من أشار إليها، إن هذه الوجوه ليست من كدّ فكره، ولا من إعمال عقله، ولكنها من جمعه وتحصيله، ونقله وتدوينه.\nفالقاضي عياض - شأنه شأن علماء عصره - جال جولات واسعة بين ثنايا مؤلفات السابقين وانتقى منها واختصر لبعضها؛ كي يجمع مادة علمية لهذا الباب الذي خصّصه للإعجاز؛ لذلك نستطيع أن نقول بوضوح إنه لم يأت بجديد في بحثه.\nإن عصره لم يكن عصر إبداع أو إختراع.. وإنما كان عصر تجميع وتهذيب، ثم انتخاب وسرد، إن العلماء السابقين - منذ القرن الثالث الهجري إلى حوالي منتصف القرن الخامس - قتلوا كل هذه الموضوعات بحثا وتدقيقا، وتحليلا وتمحيصا، وتعمّقوا إلى أن توصّلوا إلى آراء كثيرة طيبة وجديدة، أما من جاء بعدهم فكان مجهودهم متواضعا؛ لم يكن في مقدورهم أن يضيفوا شيئا جديدا، ولكنه - نتيجة لما اكتسبوه من ثقافة - استطاعوا أن يختصروا ويهذبوا، وينتقوا ويوفِّقوا.. وفي حقيقة الأمر لم يستطيعوا الإتيان بجديد يذكر في مجال البحث.\nمن هنا نستطيع أن نقول: إن القاضي عياض كان جمّاعا ناقلا، مختصرا مهذِّبا لآراء السابقين، والدليل على ذلك قوله أحيانا: \"وإلى هذا ذهب غير واحد من أئمة المحققين١\" وقوله: \"وقد اختلف أئمة أهل السنة٢\" وقوله: \"وقد عدّ جماعة من الأئمة ومقلدي الأمة٣\"، وهو وإن استطاع أن يلبس ما نقله واختصره ثوبا جديدا، إلا أنه لم يستطع أن يخفي حقيقة صاحبه، أو يحجب وجه مؤلفه؛ نستطيع أن نسمع صوت الجاحظ من خلال الوجه الأوّل حين قال عن العرب: \"ولهم الحجة البالغة والقوة الدامغة، القدح الناتج والمهيع الناهج..، لا يشكون أن الكلام طوع مرادهم، والبلاغة ملك قيادهم، قد حوَوْا فنونها واستنبطوا عيونها، ودخلوا من كل باب من أبوابها، وعَلَوْا صرحه لبلوغ أسبابها، فقالوا في الخطير والمهين،\n_________\n١ الشفا ج ١ ص ٢٦٦.\n٢ المصدر نفسه ١/٢٦٦.\n٣ المصدر نفسه ١/٢٧٣.","vol":"1","page":23},{"text":"وتفننوا في الغثّ والسمين، وتقاولوا في القُلّ والكُثر، وتساجلوا في النظم والنثر..١\".\nونستطيع أن نرى صورة الرماني من خلال آرائه البلاغية٢، ونستطيع أن نسمع صوت الخطّابي وهو يتحدث بعمق عن الوجه النفسي للإعجاز القرآني٣، كما نستطيع أن نقرأ ما كتبه الجرجاني والباقلاني عن نظم القرآن.. وهكذا.\nفالقاضي عياض وإن كان لم يُشِر إلى مصادره إلا أننا استطعنا بما لنا من خبرة في هذا الموضوع أن نُحدّد مصادره بدقّة، أضف إلى ذلك أن القاضي عياض قد كشف عن حقيقة نقله حين وجد أن هناك كثيرا من الآراء لم يسلكها بين أوجه الإعجاز التي حددها، وخشي أن يفوته ذكرها..؛ لذلك سمعناه يقول بعد الفصول التي اعتمدها للإعجاز: \"ومن الوجوه البيّنة في إعجازه من غير هذه الوجوه آيٌ وردت بتعجيز قوم في قضايا إعلامهم أنّهم لا يفعلونها؛ فما فعلوا ولا قدروا على ذلك.. كقوله لليهود: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً..﴾، وكذلك آية المباهلة من هذا المعنى، حيث وفد عليه أساقفة نجران، وأبوا الإسلام؛ فأنزل الله تعالى آية المباهلة بقوله: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ﴾ .\nومنها: الرّوعة التي تلحق قلوب سامعيه وأسماعهم عند سماعه.\nثم وجد القاضي عياض أنه رغم ذلك لم يستوف كل وجوه الإعجاز التي ذكرها العلماء السابقون؛ فعقد فصلًا جديدا بدأه بقوله: \"ومن وجوه إعجازه المعدودة.. كونه آية باقية لا تعدم ما بقيت الدنيا، مع تكفّل الله تعالى بحفظه، فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ .\nكذلك وجد القاضي عياض نفسه لم يستكمل كل جوانب موضوعه، وأن هناك آراء أخرى كثيرة ذكرها العلماء ولم يسجّلها؛ فلم يجد من ذلك بدّا من أن يجمعها معا ويفرد لها فصلًا\n_________\n١ انظر حجج النبوة للجاحظ ص ١٤٤ وما بعدها.\n٢ انظر رسالة الرماني (النكت في إعجاز القرآن) وقارن ما كتبه القاضي عياض في الوجهين الأول والثاني.\n٣ انظر رسالة الخطابي (بيان إعجاز القرآن) ص ٦٤ وما بعدها، وقارن ما كتبه القاضي في ج ١ ص ٢٧٣.","vol":"1","page":24},{"text":"أخيرا لم يحدّد له عنوانا، بل قال في مطلعه: \"وقد عدّ جماعة من الأئمة ومقلدّي الأمة في إعجازه وجوها كثيرة\".\nولعل هذا الفصل الأخير خير دليل على صحة ما ذهبنا إليه من أن القاضي عياض كان جمّاعا ناقلا، مختصِرا مهذِّبا؛ فقد أجمل في هذا الفصل الأخير معظم ما قيل من آراء ووجوه حول إعجاز القرآن، وهي وجوه متباينة ليس بينها رابط معيّن، إنما تندرج جميعا تحت باب الإعجاز.\nقال: \"ومنها أن قارئه لا يَملّه، وسامعه لا يمجّه....\nومنها: جمعه لعلوم ومعارف لم تعهد العرب عامة، ولا محمّد ﷺ قبل نبوته خاصة بمعرفتها، ولا القيام بها...\nومنها: جمعه فيه بين الدليل ومدلوله..\nومنها: أنْ جَعَله في حيّز المنظوم الذي لم يعهد...\nومنها: تيسيره تعالى حفظه لمتعليمه، وتقريبه من متحفظيه..\nومنها: مشاكلة بعض أجزائه بعضا، وحسن ائتلاف أنواعها، والتئام أقسامها.\nومنها: الجملة الكثيرة التي انطَوَت عليها الكلمات القليلة.\nوختم القاضي عياض هذا الفصل بقوله: \"وهذا كلّه كثير مما ذكرنا أنه ذكر في إعجاز القرآن إلى وجوه كثيرة ذكرها الأئمة لم نذكرها، أكثرها داخل في باب بلاغته\".\nوكأنّه وجد أن هذا السَّرد سيُخرجه عن نطاق البحث؛ فاستدرك قائلا: \"فلا نُحبّ أن يُعدّ فنًّا منفردًا في إعجازه إلا في باب تفصيل فنون البلاغة، وكذلك كثير مما قدّمنا ذكره عنهم يُعدّ في خواصّه وفضائله، لا في إعجازه.\nوحقيقة الإعجاز الوجوه الأربعة التي ذكرنا فليعتمد عليها، وما بعدها من خواصّ القرآن وعجائبه التي لا تنقضي...\".\nهكذا رأينا أن القاضي عياض - في بحثه عن الإعجاز القرآني - قد جَمع الوجوه جميعها، ونَقَل كل ما ذكره العلماء الراسخون في العلم، المبتكرون لأصوله، الذين كدّوا واجتهدوا؛ جَمَع جهودَهم وحصيلة أبحاثهم وخلاصة نتاجهم، ووَضَعها جَنبًا إلى جَنب، أردف ما قاله الثاني إلى ما قاله","vol":"1","page":25},{"text":"الأول.. وكان حصيلة جمعه خلاصة ما قيل عن الإعجاز القرآني من آراء، وما كتب من بحوث منذ القرن الثالث الهجري حتى عصره.\nوقلنا إن هذا العمل لا يرمي إلى مرتبة الإبداع، وإنما هو جمع وانتخاب وتلخيص وتهذيب؛ يظهر من خلاله كثرة قراءات الرَّجل، وسَعة اطّلاعه وصبره أيضا.\nفإذا درسنا ما سجّله القاضي عياض في كتابه نجد أن التوفيق وإن كان قد حالفه في عملية اللمّ والحصر، إلا أنه لم يحالفه في الفهم والتبويب؛ فهو لم يفطن إلى موضع كل وجه من هذه الأوجه من الآخر، ولم يدرك تحت أيّ الفصول يوضع أو يندرج؛ لذلك ظهر بحثه مفكَّكًا قلقًا غير مترابط؛ لتعدُّد المسارات وتشتّت العبارات، كما ظهر لنا أيضا - أنه هو نفسه متردّد حائر تائه بين مصنَّفات السابقين وآرائهم؛ تَنقصه ثقة العالِم وخبرة الأستاذ.\nفإذا نظرنا في وجوهه الأربعة التي اختارها وجدنا أن الوجه الثاني – وهو: (صورة نظم القرآن العجيب والأسلوب الغريب) - ما هو إلا تكرار للوجه الأول: (حسن تأليفه والتئام كلمه وفصاحته وبلاغته..)؛ فكلا الوجهين يندرجان تحت علوم البلاغة، بيد أنّه حين وضعهما على صورتهما هذه قد أضفى عليهما صفة التعميم..؛ فالوجهان الأول والثاني - في حقيقة أمرهما - وجه واحد يتصل ببلاغة القرآن.. هكذا قال الجرجاني.\nكذلك الوجه الثالث وهو: (ما انطوى عليه القرآن من الإخبار بالمغيبات) والوجه الرابع: (ما أنبأ به من أخبار القرون السابقة والأمم البائدة..) كلاهما يتدرج تحت الجانب التاريخي، فهما في واقع الأمر وجه واحد يصوّر إعجاز القرآن من حيث الزمن.. واتّصاله بحركة التاريخ في الماضي والمستقبل.\nومعروف أن القاضي عياض كان يهتدي بآراء أهل السُّنة.. ومع ذلك فقد ضلَّله عنصر النقل والاقتباس؛ فوقع في المحظور حين لم يفهم ما ذكره المعتزلة من القول (بالصَّرفة)؛ فنراه يذكر ما ذهب إليه أبو الحسن الرماني المعتزلي؛ من أن القرآن ممّا يمكن أن يدخل مثله تحت مقدور البشر، ويقدرهم عليه ولكنه لم يكن هذا.. فمنعهم الله هذا وعجّزهم عنه١\n_________\n١ الشفا ١/٢٦٧.","vol":"1","page":26},{"text":"وهو لا يدري أن هذا الرأي أنكره أهل السنة وحاربوه، وسفّهوا آراء القائلين به، هذا من حيث الشكل العام أو المظهر..\nفإذا ما درسنا أوجه الإعجاز الأربعة التي اختارها القاضي عياض وأمعنا النظر فيها وجدنا أنّ الوجه الأول في حقيقة أمره ليس من وجوه الإعجاز، وإنما هو في وضعه الدقيق شاهد من شواهد الإعجاز، ودليل من أدلّته القاطعة.\nأما الوجه الثاني: الذي يتعلّق بنظم القرآن وأسلوبه فهو ما توافَق عليه جلّ الباحثين والعلماء الذين بحثوا في إعجاز القرآن وحاولوا الكشف عن أسراره؛ لقد أجمعوا على أنّ هذا الأسلوب الذي انفرد به القرآن مخالف لأساليب كلام العرب ومناهج نظمها ونثرها.. وأن نظمه جاء على صورة لم تقع للعرب، وإن جمعت الطيِّب الحسن من كل أسلوب.\nوأما الوجه الثالث الذي اختاره القاضي عياض - وهو (الإخبار بالمغيبات) - فهو في حقيقته أمره ليس وجها من وجوه الإعجاز يمكن أن نقطع الخصم عن المعارضة ونمسك به عن العناد واللجاج؛ \"إذ كثير من الكهّان كانوا يرجمون بالغيب؛ فيصيبون ويخطئون، ولو كان القرآن حين تحدّى العرب قد أشار إلى هذا الوجه من التحدّي كما أقرّوا بالعجز عنه، ولما شهدت عليهم الحياة به، بل لكان لهم على هذا الوجه سبيل إلى المجادلة والمحاجّة والمعارضة، ولاستدعوا إليهم كهنتهم وأصحاب الرؤى عندهم، ولكان لهم قول إلى جانب هذا القول الذي جاء به القرآن.. وإن بعُد ما بين القولين في مقام الصِّدق واليقين، ولكن الخصم العنيد المتجبّر لا يستسلم حتى يرمي بآخر شيء في يده، ولو كان عودا من الحطب يقاوم به السيوف والرماح\"١.\nوأما الوجه الرابع - (ما أنبأ به من أخبار القرون السالفة والأمم البائدة..) - فهو كسابقه؛ لا يمكن أن يكون معجزة قائمة للتحدّي القاطع المفحم.. وإن كان هو وسابقه ممّا يضفي على إعجاز القرآن جلالًا وروعة، ومما يزيده إشراقا وألفا.\nإذن فالوجوه الأربعة التي اختارها القاضي.. في أغلبها أدلة أو شواهد على الإعجاز، أما الوجه الحقيقي فهو ذلك الوجه الذي ألحقه الرَّجل بهذه\n_________\n١ عبد الكريم الخطيب: إعجاز القرآن ص ٢٨٩.","vol":"1","page":27},{"text":"الوجوه الأربعة وكأنه يرى أنه نافلة وليس أصلا في باب الإعجاز، وهو: (الرّوعة التي تلحق قلوب سامعيه وأسماعهم عند سماعه)؛ فهذا الوجه - في رأينا - هو عمدة وجوه الإعجاز القرآني على الإطلاق إن لم يكن وحده وجه الإعجاز، وهو الوجه عينه الذي توصّل إليه الخطابي قبله بنحو قرنين من الزمان؛ فالروعة التي تعتريهم عند تلاوته - هي مناط الإعجاز الحقيقي، وهي المعجزة القائمة فيه أبد الدَّهر وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وإن كان القاضي عياض قد جعله حاشية في وجوه الإعجاز، من باب تحصيل الحاصل.\nد. أحمد جمال العمرى","vol":"1","page":28}]}