{"ً":{"ٌ":8874,"ٍ":"القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى","َ":1,"ُ":1,"ّ":"الكتاب: القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى\nالمؤلف: محمد بن صالح بن محمد العثيمين (ت ١٤٢١هـ)\nالناشر: الجامعة الإسلامية، المدينة المنورة\nالطبعة: الثالثة، ١٤٢١هـ/٢٠٠١م\nعدد الصفحات: ١٠٣\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":57,"ٕ":1,"ٖ":1770153781,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"القواعد المثلى في أسماء وصفات الله الحسنى","level":1,"page":1},{"title":"مقدمة","level":2,"page":1},{"title":"تمهيد","level":2,"page":3},{"title":"قواعد في أسماء الله تعالى","level":2,"page":5},{"title":"القاعدة الأولى: أسماء الله تعالى كلها حسنى","level":3,"page":5},{"title":"القاعدة الثانية: أسماء الله تعالى أعلام وأوصاف","level":3,"page":8},{"title":"القاعدة الثالثة: أسماء الله تعالى إن دلت على وصف متعد تضمنت ثلاثة أمور","level":3,"page":11},{"title":"القاعدة الرابعة: دلالة أسماء الله تعالى على ذاته وصفاته تكون بالمطابقة، وبالتضمن، وبالالتزام","level":3,"page":13},{"title":"القاعدة الخامسة: أسماء الله تعالى توقيفية لا مجال للعقل فيها","level":3,"page":16},{"title":"القاعدة السادسة: أسماء الله تعالى غير محصورة بعدد معين","level":3,"page":17},{"title":"القاعدة السابعة: الإلحاد في أسماء الله تعالى هو الميل بها عما يجب فيها","level":3,"page":21},{"title":"قواعد في صفات الله تعالى","level":2,"page":23},{"title":"القاعدة الأولى: صفات الله كلها صفات كمال لا نقص فيها","level":3,"page":23},{"title":"القاعدة الثانية: باب الصفات أوسع من باب الأسماء","level":3,"page":26},{"title":"القاعدة الثالثة: صفات الله تعالى تنقسم إلى قسمين: ثبوتية. وسلبية","level":3,"page":27},{"title":"القاعدة الرابعة: الصفات الثبوتية صفات مدح وكمال","level":3,"page":31},{"title":"القاعدة الخامسة: الصفات الثبوتية تنقسم إلى قسمين: ذاتية. وفعلية.","level":3,"page":32},{"title":"القاعدة السادسة: يلزم في إثبات الصفات التخلي عن محذورين عظيمين","level":3,"page":33},{"title":"القاعدة السابعة: صفات الله تعالى توقيفية لا مجال للعقل فيها","level":3,"page":37},{"title":"قواعد في أدلة الأسماء والصفات","level":2,"page":39},{"title":"القاعدة الأولى: الأدلة التي تثبت بها أسماء الله تعالى","level":3,"page":39},{"title":"القاعدة الثانية: الواجب في نصوص القرآن والسنة إجراؤها على ظاهرها دون تحريف","level":3,"page":44},{"title":"القاعدة الثالثة: ظواهر نصوص الصفات معلومة لنا باعتبار ومجهولة لنا باعتبار آخر","level":3,"page":45},{"title":"القاعدة الرابعة: ظاهر النصوص ما يتبادر منها إلى الذهن من المعاني","level":3,"page":48},{"title":"الخاتمة","level":3,"page":90},{"title":"نص الكلمة التي نشرناها في مجلة الدعوة","level":2,"page":105}],"ٛ":{"1,5":1,"1,6":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,7":6,"1,8":7,"1,9":9,"1,10":10,"1,11":12,"1,12":14,"1,13":15,"1,14":18,"1,15":19,"1,16":20,"1,17":22,"1,18":23,"1,19":24,"1,20":25,"1,21":26,"1,22":28,"1,23":29,"1,24":30,"1,25":32,"1,26":34,"1,27":35,"1,28":36,"1,29":38,"1,30":40,"1,31":41,"1,32":42,"1,33":43,"1,34":45,"1,35":46,"1,36":47,"1,37":49,"1,38":50,"1,39":51,"1,40":52,"1,41":53,"1,42":54,"1,43":55,"1,44":56,"1,45":57,"1,46":58,"1,47":59,"1,48":60,"1,49":61,"1,50":62,"1,51":63,"1,52":64,"1,53":65,"1,54":66,"1,55":67,"1,56":68,"1,57":69,"1,58":70,"1,59":71,"1,60":72,"1,61":73,"1,62":74,"1,63":75,"1,64":76,"1,65":77,"1,66":78,"1,67":79,"1,68":80,"1,69":81,"1,70":82,"1,71":83,"1,72":84,"1,73":85,"1,74":86,"1,75":87,"1,76":88,"1,77":89,"1,79":90,"1,80":91,"1,81":92,"1,82":93,"1,83":94,"1,84":95,"1,85":96,"1,86":97,"1,87":98,"1,88":99,"1,89":100,"1,90":101,"1,91":102,"1,92":103,"1,93":104,"1,94":105,"1,95":106,"1,96":107,"1,97":108,"1,98":109,"1,99":110,"1,100":111,"1,101":112,"1,102":113,"1,103":114},"ٜ":{"1":[5,103]},"ٝ":["1,5","1,6","1,3","1,4","1,6","1,7","1,8","1,8","1,9","1,10","1,10","1,11","1,11","1,12","1,13","1,13","1,13","1,14","1,15","1,16","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,21","1,22","1,23","1,24","1,24","1,25","1,25","1,26","1,27","1,28","1,28","1,29","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,33","1,34","1,35","1,36","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103"],"ٞ":{"1":[1,2],"3":[3],"5":[4,5],"8":[6],"11":[7],"13":[8],"16":[9],"17":[10],"21":[11],"23":[12,13],"26":[14],"27":[15],"31":[16],"32":[17],"33":[18],"37":[19],"39":[20,21],"44":[22],"45":[23],"48":[24],"90":[25],"105":[26]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>القواعد المثلى في أسماء وصفات الله الحسنى</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2>مقدمة</span>\n...\nبسم الله الرحمن الرحيم\nالحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادى له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. صلى الله وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليما.\nوبعد:\nفإن الإيمان بأسماء الله وصفاته أحد أركان الإيمان بالله تعالى وهى:\nالإيمان بوجود الله تعالى. والإيمان بربوبيته. والإيمان بألوهيته. والإيمان بأسمائه وصفاته.\nوتوحيد الله به أحد أقسام التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات. فمنزلته في الدين عالية، وأهميته عظيمة، ولا يمكن أحدًا أن يعبد الله على الوجه الأكمل حتى يكون على علم بأسماء الله تعالى وصفاته، ليعبده على بصيرة، قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾، وهذا يشمل دعاء المسألة ودعاء العبادة.","vol":"1","page":5},{"text":"فدعاء المسألة: أن تقدم بين يدي مطلوبك من أسماء الله تعالى ما يكون مناسبا، مثل أن تقول: يا غفور اغفر لي، ويا رحيم ارحمني، ويا حفيظ احفظني، ونحو ذلك.\nودعاء العبادة: أن تتعبد لله بمقتضى هذه الأسماء، فتقوم بالتوبة إليه لأنه التواب، وتذكره بلسانك لأنه السميع، وتتعبد له بجوارحك لأنه البصير، وتخشاه في السر لأنه اللطيف الخبير، وهكذا.\nومن أجل منزلته هذه، ومن أجل كلام الناس فيه بالحق تارة وبالباطل الناشئ عن الجهل أو التعصب تارة أخرى؛ أحببت أن أكتب فيه ما تيسر من القواعد، راجيا من الله تعالى أن يجعل عملي خالصا لوجهه موافقا لمرضاته نافعا لعباده. وسميته \"القواعد المثلي في صفات الله تعالى وأسمائه الحسنى\".","vol":"1","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>تمهيد</span>\n...\nالقواعد المثلي في صفات الله وأسمائه الحسنى\nبقلم: محمد بن صالح العثيمين\nتقريظ سماحة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن باز\nبسم الله الرحمن الرحيم\nالحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.\nأما بعد:\nفقد اطلعت على المؤلف القيم الذي كتبه صاحب الفضيلة العلامة أخونا الشيخ: محمد بن صالح العثيمين، في الأسماء والصفات، وسماه: \"القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى\"\nوسمعته من أوله إلى آخره، فألفيته كتابا جليلًا، قد اشتمل على بيان عقيدة السلف الصالح في أسماء الله وصفاته، كما اشتمل على قواعد عظيمة، وفوائد جمة في باب الأسماء والصفات، وأوضح معنى المعية الواردة.\nفي كتاب الله ﷿ الخاصة والعامة عند أهل السنة والجماعة، وأنها حق على حقيقتها، لا تقتضي امتزاجا واختلاطا بالمخلوقين، بل هو سبحانه فوق عرشه كما أخبر عن نفسه، وكما يليق بجلاله سبحانه، وإنما تقتضي علمه واطلاعه، وإحاطته بهم، وسماعه لأقوالهم وحركاتهم، وبصره بأحوالهم وضمائرهم، وحفظه وكلاءته لرسله وأوليائه المؤمنين، ونصره لهم وتوفيقه لهم، إلى غير ذلك مما تقتضيه المعية العامة والخاصة، من المعاني الجليلة والحقائق الثابتة لله سبحانه.","vol":"1","page":3},{"text":"وأهل الحلول والاتحاد.\nفجزاه الله خيرًا، وضاعف مثوبته، وزادنا وإياه علما وهدى وتوفيقا، ونفع بكتابه القراء وسائر المسلمين، إنه ولي ذلك والقادر عليه.\nقاله ممليه الفقير إلى الله تعالى: عبد العزيز بن عبد الله بن باز سامحه الله\nوصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.\n٥ / ١١ / ١٤٠٤ هـ\nالرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد","vol":"1","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>قواعد في أسماء الله تعالى</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>القاعدة الأولى: أسماء الله تعالى كلها حسنى</span>\nأي: بالغة في الحسن غايته، قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾، وذلك لأنها متضمنة لصفات كاملة لا نقص فيها بوجه من الوجوه، لا احتمالًا ولا تقديرًا.\nمثال ذلك: \"الحي\" اسم من أسماء الله تعالى، متضمن للحياة","vol":"1","page":6},{"text":"الكاملة التي لم تسبق بعدم ولا يلحقها زوال. الحياة المستلزمة لكمال الصفات من العلم والقدرة والسمع والبصر وغيرها.\nومثال آخر: \"العليم\" اسم من أسماء الله، متضمن للعلم الكامل الذي لم يسبق بجهل ولا يلحقه نسيان، قال الله تعالى: ﴿عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى﴾، العلم الواسع المحيط بكل شيء جملة وتفصيلا، سواء ما يتعلق بأفعاله أو أفعال خلقه، قال الله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلاّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ .\nومثال ثالث: \"الرحمن\" اسم من أسماء الله تعالى، متضمن للرحمة الكاملة التي قال عنها رسول الله ﷺ: \"لله أرحم بعباده من هذه بولدها\" يعني: أم صبي وجدته في السبي فأخذته وألصقته ببطنها وأرضعته. ومتضمن أيضا للرحمة الواسعة التي قال الله عنها: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾، وقال عن دعاء الملائكة للمؤمنين: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ .\nوالحُسْنُ في أسماء الله تعالى يكون باعتبار كل اسم على انفراده، ويكون باعتبار جمعه إلى غيره، فيحصل بجمع الاسم إلى الآخر كمال فوق كمال.","vol":"1","page":7},{"text":"مثال ذلك: \"العزيز الحكيم\" فإن الله تعالى يجمع بينهما في القرآن كثيرًا. فيكون كل منهما دالا على الكمال الخاص الذي يقتضيه، وهو العزة في العزيز، والحكم والحكمة في الحكيم. والجمع بينهما دال على كمال آخر، وهو أن عزته تعالى مقرونة بالحكمة، فعزته لا تقتضي ظلما وجورًا وسوء فعل، كما قد يكون من أعزاء المخلوقين، فإن العزيز منهم قد تأخذه العزة بالإثم فيظلم ويجور ويسئ التصرف. وكذلك حكمه تعالى وحكمته مقرونان بالعز الكامل، بخلاف حكم المخلوق وحكمته فإنهما يعتريهما الذل.","vol":"1","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>القاعدة الثانية:\nأسماء الله تعالى أعلام وأوصاف </span>أعلام باعتبار دلالتها على الذات، وأوصاف باعتبار ما دلت عليه من المعاني، وهى بالاعتبار الأول مترادفة لدلالتها على مسمى واحد، وهو الله ﷿، وبالاعتبار الثاني متباينة، لدلالة كل واحد منهما على معناه الخاص.\nف \"الحي، العليم، القدير، السميع، البصير، الرحمن، الرحيم، العزيز، الحكيم\" كلها أسماء لمسمى واحد وهو الله ﷾، لكن معنى الحي غير معنى العليم، ومعنى العليم غير معنى القدير، وهكذا.\nوإنما قلنا بأنها أعلام وأوصاف لدلالة القرآن عليها، كما في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾، وقوله: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾، فإن الآية الثانية دلت على أن الرحيم هو المتصف بالرحمة. ولإجماع أهل اللغة والعرف أنه لا يقال: عليم إلا لمن علم، ولا سميع إلا لمن سمع، ولا بصير إلا لمن له بصر. وهذا أمر أبين من أن يحتاج إلى دليل.","vol":"1","page":8},{"text":"وبهذا علم ضلال من سلبوا أسماء الله تعالى معانيها من أهل التعطيل، وقالوا: إن الله تعالى سميع بلا سمع، وبصير بلا بصر، وعزيز بلا عزة، وهكذا. وعللوا ذلك بأن ثبوت الصفات يستلزم تعدد القدماء. وهذه العلة عليلة، بل ميتة لدلالة السمع١ والعقل على بطلانها.\nأما السمع فلأن الله تعالى وصف نفسه بأوصاف كثيرة مع أنه الواحد الأحد. فقال تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ . وقال تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ ففي هذه الآيات الكريمة أوصاف كثيرة لموصوف واحد، ولم يلزم من ثبوتها تعدد القدماء.\nوأما العقل: فلأن الصفات ليست ذوات بائنة من الموصوف حتى يلزم من ثبوتها التعدد، وإنما هي من صفات من اتصف بها فهي قائمة به، وكل موجود فلا بد له من تعدد صفاته، ففيه صفة الوجود، وكونه واجب الوجود أو ممكن الوجود، وكونه عينا قائما بنفسه أو وصفا في غيره\nوبهذا أيضا علم أن \"الدهر\" ليس من أسماء الله تعالى، لأنه اسم جامد لا يتضمن معنى يلحقه بالأسماء الحسنى، ولأنه اسم للوقت والزمن، قال الله تعالى عن منكري البعث: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاّ الدَّهْرُ﴾ يريدون: مرور الليالي والأيام.\n_________\n١ السمع هو القرآن والسنة، وسيمر بك هذا التعبير كثيرًا فانتبه له.","vol":"1","page":9},{"text":"فأما قوله ﷺ: قال الله ﷿: \"يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب الليل والنهار\" فلا يدل على أن الدهر من أسماء الله تعالى، وذلك أن الذين يسبون الدهر إما يريدون الزمان الذي هو محل الحوادث، لا يريدون الله تعالى، فيكون معنى قوله: \"وأنا الدهر\" ما فسره بقوله: \"بيدي الأمر أقلب الليل والنهار\"، فهو سبحانه خالق الدهر وما فيه، وقد بين أنه يقلب الليل والنهار وهما الدهر، ولا يمكن أن يكون المقلِّب (بكسر اللام) هو المقلَّب (بفتحها)، وبهذا تبين أنه يمتنع أن يكون الدهر في هذا الحديث مرادًا به الله تعالى.","vol":"1","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>القاعدة الثالثة: أسماء الله تعالى إن دلت على وصف متعدٍّ تضمنت ثلاثة أمور:</span>\nأحدها: ثبوت ذلك الاسم لله ﷿.\nالثاني: ثبوت الصفة التي تضمنها لله ﷿.\nالثالث: ثبوت حكمها ومقتضاها.\nولهذا استدل أهل العلم على سقوط الحد عن قطاع الطريق بالتوبة، استدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿إِلاّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، لأن مقتضى هذين الاسمين أن يكون الله تعالى قد غفر لهم ذنوبهم، ورحمهم بإسقاط الحد عنهم.\nمثال ذلك: \"السميع\" يتضمن إثبات السميع اسما لله تعالى،","vol":"1","page":10},{"text":"وإثبات السمع صفة له، وإثبات حكم ذلك ومقتضاه، وهو أنه يسمع السر والنجوى، كما قال تعالى ﴿وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ .\nوإن دلت على وصف غير متعدٍّ تضمنت أمرين:\nأحدهما: ثبوت ذلك الاسم لله ﷿.\nالثاني: ثبوت الصفة التي تضمنها لله ﷿.\nمثال ذلك: \"الحي\" يتضمن إثبات الحي اسما لله ﷿ وإثبات الحياة صفة له.","vol":"1","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>القاعدة الرابعة: دلالة أسماء الله تعالى على ذاته وصفاته تكون بالمطابقة، وبالتضمن، وبالالتزام</span>.\nمثال ذلك: \"الخالق\" يدل على ذات الله، وعلى صفة الخلق بالمطابقة، ويدل على الذات وحدها وعلى صفة الخلق وحدها بالتضمن، ويدل على صفتي العلم والقدرة بالالتزام.\nولهذا لما ذكر الله خلق السماوات والأرض قال: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ .\nودلالة الالتزام مفيدة جدًا لطالب العلم إذا تدبر المعنى، ووفقه الله تعالى فهما للتلازم، فإنه بذلك يحصل من الدليل الواحد على مسائل كثيرة.\nواعلم أن اللازم من قول الله تعالى وقول رسوله ﷺ إذا صح أن يكون لازما فهو حق، وذلك لأن كلام الله ورسوله ﷺ حقٌ، ولازمُ","vol":"1","page":11},{"text":"الحق حق، ولأن الله تعالى عالم بما يكون لازما من كلامه وكلام رسوله ﷺ، فيكون مرادًا.\nوأما اللازم من قول أحد سوى قول الله ورسوله ﷺ فله ثلاث حالات:\nالأولى: أن يذكر للقائل ويلتزم به. مثل أن يقول: من ينفى الصفات الفعلية لمن يثبتها، يلزم من إثباتك الصفات الفعلية لله ﷿ أن يكون من أفعاله ما هو حادث. فيقول المثبت: نعم، وأنا ألتزم بذلك، فإن الله تعالى لم يزل ولا يزال فعالا لما يريد، ولا نفاد لأقواله وأفعاله كما قال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ .\nوحدوث آحاد فعله تعالى لا يستلزم نقصا في حقه.\nالحال الثانية: أن يذكر له ويمنع التلازم بينه وبين قوله. مثل أن يقول النافي للصفات لمن يثبتها: يلزم من إثباتك أن يكون الله تعالى مشابها للخلق في صفاته. فيقول المثبت: لا يلزم ذلك، لأن صفات الخالق مضافة إليه، لم تذكر مطلقة حتى يمكن ما ألزمت به، وعلى هذا فتكون مختصة به لائقة به، كما أنك أيها النافي للصفات تثبت لله تعالى ذاتا وتمنع أن يكون مشابها للخلق في ذاته، فأي فرق بين الذات والصفات؟.\nوحكم اللازم في هاتين الحالين ظاهر.\nالحال الثالثة: أن يكون اللازم مسكوتا عنه، فلا يذكر بالتزام ولا منع، فحكمه في هذه الحال أن لا ينسب إلى القائل، لأنه يحتمل لو ذكر له أن","vol":"1","page":12},{"text":"يلتزم به أو يمنع التلازم، ويحتمل لو ذكر له فتبين له لازمه وبطلانه أن يرجع عن قوله، لأن فساد اللازم يدل على فساد الملزوم.\nولورود هذين الاحتمالين لا يمكن الحكم بأن لازم القول قول. فإن قيل: إذا كان هذا اللازم لازما من قوله، لزم أن يكون قولا له لأن ذلك هو الأصل، لا سيما مع قرب التلازم. قلنا: هذا مدفوع بأن الإنسان بشر وله حالات نفسية وخارجية توجب الذهول عن اللازم، فقد يغفل أو يسهو، أو ينغلق فكره، أو يقول القول في مضايق المناظرات من غير تفكير في لوازمه ونحو ذلك.","vol":"1","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>القاعدة الخامسة: أسماء الله تعالى توقيفية لا مجال للعقل فيها</span>\nوعلى هذا فيجب الوقوف فيها على ما جاء به الكتاب والسنة، فلا يزاد فيها ولا ينقص، لأن العقل لا يمكنه إدراك ما يستحقه تعالى من الأسماء، فوجب الوقوف في ذلك على النص، لقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ وقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾، ولأن تسميته تعالى بما لم يُسَمِّ به نفسه أو إنكار ما سمى به نفسه جناية في حقه تعالى، فوجب سلوك الأدب في ذلك، والاقتصار على ما جاء به النص.","vol":"1","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>القاعدة السادسة:\nأسماء الله تعالى غير محصورة بعدد معين </span>لقوله ﷺ في الحديث المشهور: \" أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم","vol":"1","page":13},{"text":"الغيب عندك\" الحديث، رواه أحمد وابن حبان والحاكم، وهو صحيح.\nوما استأثر الله تعالى به في علم الغيب لا يمكن أحدًا حصره ولا الإحاطة به.\nفأما قوله ﷺ: \"إن لله تسعة وتسعين اسما، مائة إلا واحدًا، من أحصاها١ دخل الجنة\" فلا يدل على حصر الأسماء بهذا العدد، ولو كان المراد الحصر لكانت العبارة: إن أسماء الله تسعة وتسعون اسما، من أحصاها دخل الجنة، أو نحو ذلك.\nإذًا فمعنى الحديث: أن هذا العدد من شأنه أن من أحصاه دخل الجنة. وعلى هذا فيكون قوله: \"من أحصاها دخل الجنة\" جملة مكملة لما قبلها وليست مستقلة. ونظير هذا أن تقول: عندي مائة درهم أعددتها للصدقة، فإنه لا يمنع أن يكون عندك دراهم أخرى لم تعدها للصدقة.\nولم يصح عن النبي ﷺ تعيين هذه الأسماء، والحديث المروي عنه تعيينها ضعيف.\nقال شيخ الإسلام ابن تيميه في الفتاوى (ص ٣٨٢، ج ٦) من مجموع ابن قاسم: (تعيينها ليس من كلام النبي ﷺ باتفاق أهل المعرفة بحديثة) وقال قبل ذلك (ص ٣٧٩): (إن الوليد ذكرها عن بعض شيوخه الشاميين، كما جاء مفسرًا في بعض طرق حديثه) اهـ. وقال ابن حجر في\n_________\n١ إحصاؤها: حفظها لفظا، وفهمها معنىً، وتمامه: أن يتعبد لله تعالى بمقتضاها.","vol":"1","page":14},{"text":"\"فتح الباري\" (ص ٢١٥، ج ١١، ط السلفية): (ليست العلة عند الشيخين [البخاري ومسلم] تفرد الوليد فقط، بل الاختلاف فيه والاضطراب، وتدليسه، واحتمال الإدراج) اه.\nولما لم يصح تعيينها عن النبي ﷺ اختلف السلف فيه، ورُوِيَ عنهم في ذلك أنواع، وقد جمعتُ تسعة وتسعين اسما مما ظهر لي من كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ.\nفمن كتاب الله تعالى:\nالله ... الأحد ... الأعلى ... الأكرم ... الإله ... الأول\nالآخر ... الظاهر ... الباطن ... البارئ ... البر ... البصير\nالتواب ... الجبار ... الحافظ ... الحسيب ... الحفيظ ... الحفي\nالحق ... المبين ... الحكيم ... الحليم ... الحميد ... الحي\nالقيوم ... الخبير ... الخالق ... الخلاق ... الرؤوف ... الرحمن\nالرحيم ... الرزاق ... الرقيب ... السلام ... السميع ... الشاكر\nالشكور ... الشهيد ... الصمد ... العالم ... العزيز ... العظيم\nالعفو ... العليم ... العلي ... الغفار ... الغفور ... الغني\nالفتاح ... القادر ... القاهر ... القدوس ... القدير ... القريب\nالقوي ... القهار ... الكبير ... الكريم ... اللطيف ... المؤمن\nالمتعالي ... المتكبر ... المتين ... المجيب ... المجيد ... المحيط\nالمصور ... المقتدر ... المقيت ... الملك ... المليك ... المولى\nالمهيمن ... النصير ... الواحد ... الوارث ... الواسع ... الودود\nالوكيل ... الولي ... الوهاب ... ... ...","vol":"1","page":15},{"text":"ومن سنة رسول الله ﷺ:\nالجميل١ الجواد٢ الحكم٣ الحييُ٤ الرب٥ الرفيق٦ السُّبوح٧ السيد٨ الشافي٩ الطيب١٠ القابض١١ الباسط١٢ المقدم١٣ المؤخر١٤ المحسن١٥ المعطي١٦ المنان١٧ الوتر١٨.\nهذا ما اخترناه بالتتبع: واحد وثمانون اسما في كتاب الله تعالى، وثمانية عشر اسما في سنة رسول الله ﷺ، وإن كان عندنا تردد في إدخال (الحفي)، لأنه إنما ورد مقيدًا في قوله تعالى عن إبراهيم: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ وكذلك (المحسن) لأننا لم نطلع على رواته في الطبراني، وقد ذكره شيخ الإسلام من الأسماء.\nومن أسماء الله تعالى ما يكون مضافا مثل: مالك الملك، ذي الجلال والإكرام.\n_________\n١ مسلم.\n٢ أحمد والترمذي وحسنه والبيهقي في \"شعب الإيمان\".\n٣ أبو داود.\n٤ أحمد وأبو داود والترمذي.\n٥ أحمد والنسائي.\n٦ البخاري ومسلم.\n٧ مسلم.\n٨ أحمد وأبو داود.\n٩ البخاري.\n١٠ مسلم.\n١١ أبو داود.\n١٢ أبو داود.\n١٣ البخاري ومسلم.\n١٤ البخاري ومسلم.\n١٥ الطبراني في الأوسط، قال الهيثمي: رجاله ثقات.\n١٦ البخاري ومسلم.\n١٧ أبو داود والترمذي والنسائي.\n١٨ البخاري ومسلم.","vol":"1","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>القاعدة السابعة: الإلحاد في أسماء الله تعالى هو الميل بها عما يجب فيها</span>\nوهو أنواع:\nالأول: أن ينكر شيئا منها أو مما دلت عليه من الصفات والأحكام، كما فعل أهل التعطيل من الجهمية وغيرهم. وإنما كان ذلك إلحادا لوجوب الإيمان بها وبما دلت عليه من الأحكام والصفات اللائقة بالله، فإنكار شيء من ذلك ميل بها عما يجب فيها.","vol":"1","page":16},{"text":"الثاني: أن يجعلها دالة على صفات تشابه صفات المخلوقين، كما فعل أهل التشبيه، وذلك لأن التشبيه معنى باطل لا يمكن أن تدل عليه النصوص، بل هي دالة على بطلانه، فجعلها دالة عليه ميل بها عما يجب فيها.\nالثالث: أن يسمى الله تعالى بما لم يسم به نفسه، كتسمية النصارى له: (الأب)، وتسمية الفلاسفة إياه (العلة الفاعلة)، وذلك لأن أسماء الله تعالى توقيفية، فتسمية الله تعالى بما لم يسم به نفسه ميل بها عما يجب فيها، كما أن هذه الأسماء التي سموه بها نفسها باطلة، ينزه الله تعالى عنها.\nالرابع: أن يشتق من أسمائه أسماء للأصنام، كما فعل المشركون في اشتقاق العزى من العزيز، واشتقاق اللات من الإله على أحد القولين، فسموا بها أصنامهم، وذلك لأن أسماء الله تعالى مختصة به، لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾، وقوله: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ وقوله: ﴿لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ فكما اختص بالعبادة وبالألوهية الحقة، وبأنه يسبح له ما في السماوات والأرض، فهو مختص بالأسماء الحسنى، فتسمية غيره بها على الوجه الذي يختص بالله ﷿ ميل بها عما يجب فيها.\nوالإلحاد بجميع أنواعه محرم، لأن الله تعالى هَدَّدَ الملحدين بقوله: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ .\nومنه ما يكون شركا أو كفرًا حسبما تقتضيه الأدلة الشرعية.","vol":"1","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>قواعد في صفات الله تعالى</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>القاعدة الأولى: صفات الله كلها صفات كمال لا نقص فيها</span>\n...\nقواعد في صفات الله تعالى\nالقاعدة الأولى: صفات الله تعالى كلها صفات كمال لا نقص فيها بوجه من الوجوه كالحياة، والعلم، والقدرة، والسمع، والبصر، والرحمة، والعزة، والحكمة، والعلو، والعظمة، وغير ذلك. وقد دل على هذا: السمع والعقل والفطرة.\nأما السمع: فمنه قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ والمثل الأعلى: هو الوصف الأعلى.\nوأما العقل: فوجهه أن كل موجود حقيقة فلا بد أن تكون له صفة إما صفة كمال وإما صفة نقص، والثاني باطل بالنسبة إلى الرب الكامل المستحق للعبادة، ولهذا أظهر الله تعالى بطلان ألوهية الأصنام باتصافها بالنقص والعجز، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾، وقال عن إبراهيم وهو يحتج على أبيه: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾، وعلى قومه: ﴿أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ .\nثم إنه قد ثبت بالحس والمشاهدة: أن للمخلوق صفات كمال، وهى من الله تعالى، فمعطي الكمال أولى به.","vol":"1","page":18},{"text":"وأما الفطرة: فلأن النفوس السليمة مجبولة مفطورة على محبة الله وتعظيمه، وهل تُحِب وتُعَظِّم وتَعْبُد إلا من علمت أنه متصف بصفات الكمال اللائقة بربوبيته وألوهيته؟\nوإذا كانت الصفة نقصا لا كمال فيها فهي ممتنعة في حق الله تعالى، كالموت، والجهل، والنسيان، والعجز، والعمى، والصمم، ونحوها، لقوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾، وقوله عن موسى ﴿فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى﴾، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْض﴾، وقوله: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ . وقال النبي ﷺ في الدجال: \"إنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور\"، وقال: \"أيها الناس، اربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا\".\nوقد عاقب الله تعالى الواصفين له بالنقص، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾، وقوله: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ .\nونزّه نفسه عما يصفون به من النقائص، فقال سبحانه: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ .","vol":"1","page":19},{"text":"وإذا كانت الصفة كمالًا في حال، ونقصا في حال لم تكن جائزة في حق الله، ولا ممتنعة على سبيل الإطلاق، فلا تُثْبَت له إثباتا مطلقا، ولا تُنْفَى عنه نفيا مطلقا، بل لا بد من التفصيل، فتجوز في الحال التي تكون كمالًا، وتمتنع في الحال التي تكون نقصا، وذلك كالمكر، والكيد، والخداع، ونحوها، فهذه الصفات تكون كمالًا إذا كانت في مقابلة من يعاملون الفاعل بمثلها، لأنها حينئذٍ تدل على أن فاعلها قادر على مقابلة عدوه بمثل فعله، أو أشد، وتكون نقصا في غير هذه الحال، ولهذا لم يذكرها الله تعالى من صفاته على سبيل الإطلاق، وإنما ذكرها في مقابلة من يعاملونه ورسله بمثلها، كقوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ وقوله: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ وقوله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ وقوله: ﴿قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ .\nولهذا لم يذكر الله أنه خان من خانوه، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ فقال: فأمكن منهم، ولم يقل: فخانهم. لأن الخيانة خدعة في مقام الائتمان، وهى صفة ذم مطلقا.\nوبذا عرف أن قول بعض العوام: خان الله من يخون. منكر فاحش يجب النهي عنه","vol":"1","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>القاعدة الثانية: باب الصفات أوسع من باب الأسماء </span>وذلك: لأن كل اسم متضمن لصفة كما سبق في القاعدة الثالثة من قواعد الأسماء، ولأن من الصفات ما يتعلق بأفعال الله تعالى، وأفعاله لا منتهى لها، كما أن أقواله لا منتهى لها، قال الله تعالى ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ .\nومن أمثلة ذلك: أن من صفات الله تعالى: المجيء، والإتيان، والأخذ، والإمساك، والبطش، إلى غير ذلك من الصفات التي لا تحصى، كما قال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾، وقال: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾، وقال: ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾، وقال: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلاّ بِإِذْنِهِ﴾، وقال: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾، وقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ . وقال النبي ﷺ: \"ينزل ربنا إلى السماء الدنيا\".\nفنصف الله تعالى بهذه الصفات على الوجه الوارد، ولا نسميه بها، فلا نقول: إن من أسمائه الجائي، والآتي، والآخذ، والممسك، والباطش، والمريد، والنازل، ونحو ذلك، وإن كنا نخبر بذلك عنه ونصفه به.","vol":"1","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>القاعدة الثالثة: صفات الله تعالى تنقسم إلى قسمين: ثبوتية. وسلبية</span>.\nفالثبوتية: ما أثبت الله تعالى لنفسه في كتابه أو على لسان رسوله صلى","vol":"1","page":21},{"text":"الله عليه وسلم، وكلها صفات كمال لا نقص فيها بوجه من الوجوه، كالحياة، والعلم، والقدرة، والاستواء على العرش، والنزول إلى السماء الدنيا، والوجه، واليدين، ونحو ذلك.\nفيجب إثباتها لله تعالى حقيقة على الوجه اللائق به، بدليل السمع والعقل.\nأما السمع: فمنه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا﴾ فالإيمان بالله يتضمن: الإيمان بصفاته، والإيمان بالكتاب الذي نزل على رسوله ﷺ يتضمن: الإيمان بكل ما جاء فيه من صفات الله، وكون محمد ﷺ رسوله يتضمن: الإيمان بكل ما أخبر به عن مرسله، وهو الله ﷿.\nوأما العقل: فلأن الله تعالى أخبر بها عن نفسه، وهو أعلم بها من غيره، وأصدق قيلًا، وأحسن حديثا من غيره، فوجب إثباتها له كما أخبر بها من غير تردد، فإن التردد في الخبر إنما يتأتى حين يكون الخبر صادرًا ممن يجوز عليه الجهل أو الكذب أو العيّ، بحيث لا يفصح بما يريد، وكل هذه العيوب الثلاثة ممتنعة في حق الله ﷿، فوجب قبول خبره على ما أخبر به.\nوهكذا نقول فيما أخبر به النبي ﷺ عن الله تعالى، فإن النبي ﷺ أعلم الناس بربه، وأصدقهم خبرًا، وأنصحهم إرادة، وأفصحهم بيانا، فوجب قبول ما أخبر به على ما هو عليه","vol":"1","page":22},{"text":"والصفات السلبية: ما نفاها الله سبحانه عن نفسه في كتابه، أو على لسان رسوله ﷺ، وكلها صفات نقص في حقه، كالموت، والنوم، والجهل، والنسيان، والعجز، والتعب. فيجب نفيها عن الله تعالى لما سبق مع إثبات ضدها على الوجه الأكمل، وذلك لأن ما نفاه الله تعالى عن نفسه فالمراد به بيان انتفائه لثبوت كمال ضده لا لمجرد نفيه، لأن النفي ليس بكمال إلا أن يتضمن ما يدل على الكمال، وذلك لأن النفي عدم، والعدم ليس بشيء فضلًا عن أن يكون كمالًا، ولأن النفي قد يكون لعدم قابلية المحل له فلا يكون كمالًا، كما لو قلت: الجدار لا يظلم. وقد يكون للعجز عن القيام به فيكون نقصا، كما في قول الشاعر:\nقُبَيِّلَةٌ لا يغدرون بذمّة ... ولا يظلمون الناس حبة خردل\nوقول الآخر:\nلكن قومي وإن كانوا ذوي حسب ... ليسوا من الشر في شيء وإن هانا\nمثال ذلك: قوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾، فنفي الموت عنه يتضمن كمال حياته.\nمثال آخر قوله تعالى: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ نفي الظلم عنه يتضمن كمال عدله.","vol":"1","page":23},{"text":"مثال ثالث: قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْض﴾ فنفي العجز عنه يتضمن كمال علمه وقدرته، ولهذا قال بعده: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾، لأن العجز سببه: إما الجهل بأسباب الإيجاد، وإما قصور القدرة عنه، فلكمال علم الله تعالى وقدرته لم يكن ليعجزه شيء في السماوات ولا في الأرض.\nوبهذا المثال علمنا أن الصفة السلبية قد تتضمن أكثر من كمال.","vol":"1","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>القاعدة الرابعة: الصفات الثبوتية صفات مدح وكمال </span>فكلما كثرت وتنوعت دلالاتها ظهر من كمال الموصوف بها ما هو أكثر، ولهذا كانت الصفات الثبوتية التي أخبر الله بها عن نفسه أكثر بكثير من الصفات السلبية كما هو معلوم.\nأما الصفات السلبية فلم تذكر غالبا إلا في الأحوال التالية:\nالأولى: بيان عموم كماله، كما في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ .\nالثانية: نفي ما ادعاه في حقه الكاذبون، كما في قوله: ﴿أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ .\nالثالثة: دفع توهم نقص من كماله فيما يتعلق بهذا الأمر المعيّن، كما في قوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ﴾، وقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ .","vol":"1","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>القاعدة الخامسة: الصفات الثبوتية تنقسم إلى قسمين: ذاتية. وفعلية</span>.\nفالذاتية: هي التي لم يزل ولا يزال متصفا بها، كالعلم والقدرة والسمع والبصر والعزة والحكمة والعلو والعظمة. ومنها الصفات الخبرية: كالوجه واليدين والعينين.\nوالفعلية: هي التي تتعلق بمشيئته، إن شاء فعلها وإن شاء لم يفعلها، كالاستواء على العرش، والنزول إلى السماء الدنيا.\nوقد تكون الصفة ذاتية فعلية باعتبارين كالكلام، فإنه باعتبار أصله صفة ذاتية، لأن الله تعالى لم يزل ولا يزال متكلما، وباعتبار آحاد الكلام صفة فعلية، لأن الكلام يتعلق بمشيئته، يتكلم متى شاء بما شاء، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ . وكل صفة تعلقت بمشيئته تعالى فإنها تابعة لحكمته.\nوقد تكون الحكمة معلومة لنا، وقد نعجز عن إدراكها، ولكننا نعلم علم اليقين أنه سبحانه لا يشاء شيئا إلا وهو موافق للحكمة، كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ .","vol":"1","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>القاعدة السادسة: يلزم في إثبات الصفات التخلي عن محذورين عظيمين:</span>\nأحدهما: التمثيل\nوالثاني: التكييف.","vol":"1","page":25},{"text":"فأما التمثيل: فهو اعتقاد المثبت أن ما أثبته من صفات الله تعالى مماثل لصفات المخلوقين. وهذا اعتقاد باطل بدليل السمع والعقل.\nأما السمع: فمنه قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، وقوله: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾، وقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾، وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ .\nوأما العقل فمن وجوه:\nالأول: أنه قد علم بالضرورة أن بين الخالق والمخلوق تباينا في الذات، وهذا يستلزم أن يكون بينهما تباين في الصفات، لأن صفة كل موصوف تليق به، كما هو ظاهر في صفات المخلوقات المتباينة في الذوات، فقوة البعير مثلًا غير قوة الذرّة، فإذا ظهر التباين بين المخلوقات مع اشتراكها في الإمكان والحدوث فظهور التباين بينها وبين الخالق أجلى وأقوى\nالثاني: أن يقال: كيف يكون الرب الخالق الكامل من جميع الوجوه مشابها في صفاته للمخلوق المربوب الناقص المفتقر إلى من يُكَمِّله؟، وهل اعتقاد ذلك إلا تنقص لحق الخالق، فإن تشبيه الكامل بالناقص يجعله ناقصا.\nالثالث: أننا نشاهد في المخلوقات ما يتفق في الأسماء ويختلف في الحقيقة والكيفية، فنشاهد أن للإنسان يدًا ليست كيد الفيل، وله قوة ليست كقوة الجمل، مع الاتفاق في الاسم. فهذه يد وهذه يد، وهذه قوة وهذه قوة،","vol":"1","page":26},{"text":"وبينهما تباين في الكيفية والوصف، فعلم بذلك أن الاتفاق في الاسم لا يلزم منه الاتفاق في الحقيقة.\nوالتشبيه كالتمثيل، وقد يفرق بينهما بأن التمثيل التسوية في كل الصفات، والتشبيه التسوية في أكثر الصفات، لكن التعبير بنفي التمثيل أولى لموافقة القرآن: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ .\nوأما التكييف: فهو أن يعتقد المثبت أن كيفية صفات الله تعالى كذا وكذا، من غير أن يقيدها بمماثل. وهذا اعتقاد باطل بدليل السمع والعقل.\nأما السمع: فمنه قوله تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾، وقوله: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾، ومن المعلوم أنه لا علم لنا بكيفية صفات ربنا، لأنه تعالى أخبرنا عنها ولم يخبرنا عن كيفيتها، فيكون تكييفنا قفوًا لما ليس لنا به علم، وقولًا بما لا يمكننا الإحاطة به.\nوأما العقل: فلأن الشيء لا تعرف كيفية صفاته إلا بعد العلم بكيفية ذاته، أو العلم بنظيره المساوي له، أو بالخبر الصادق عنه. وكل هذه الطرق منتفية في كيفية صفات الله ﷿، فوجب بطلان تكييفها.\nوأيضا فإننا نقول: أيُّ كيفية تقدرها لصفات الله تعالى؟.\nإن أيَّ كيفية تقدرها في ذهنك فالله أعظم وأجل من ذلك.\nوأيَّ كيفية تقدرها لصفات الله تعالى فإنك ستكون كاذبا فيها، لأنه لا علم لك بذلك.","vol":"1","page":27},{"text":"وحينئذ يجب الكف عن التكييف تقديرًا بالجنان، أو تقريرًا باللسان وتحريرًا بالبنان.\nولهذا لما سئل مالك رحمه الله تعالى عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ كيف استوى؟، أطرق ﵀ برأسه حتى علاه الرحضاء (العرق) ثم قال: (الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعه)، ورُوِيَ عن شيخه ربيعة أيضا: (الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول) . وقد مشى أهل العلم بعدهما على هذا الميزان. وإذا كان الكيف غير معقول ولم يرد به الشرع، فقد انتفى عنه الدليلان العقلي والشرعي، فوجب الكف عنه.\nفالحذر الحذر من التكييف أو محاولته، فإنك إن فعلت وقعت في مفاوز لا تستطيع الخلاص منها، وإن ألقاه الشيطان في قلبك فاعلم أنه من نزغاته، فالجأ إلى ربك فإنه معاذك، وافعل ما أمرك به فإنه طبيبك، قال الله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ .","vol":"1","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>القاعدة السابعة: صفات الله تعالى توقيفية لا مجال للعقل فيها </span>فلا نثبت لله تعالى من الصفات إلا ما دل الكتاب والسنة على ثبوته، قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: (لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ، لا يتجاوز القرآن والحديث) . انظر: القاعدة الخامسة في الأسماء.\nولدلالة الكتاب والسنة على ثبوت الصفة ثلاثة أوجه:","vol":"1","page":28},{"text":"الأول: التصريح بالصفة، كالعزة والقوة والرحمة والبطش والوجه واليدين، ونحوها.\nالثاني: تضمن الاسم لها، مثل: الغفور متضمن للمغفرة، والسميع متضمن للسمع، ونحو ذلك. انظر: القاعدة الثالثة في الأسماء.\nالثالث: التصريح بفعل أو وصف دال عليها، كالاستواء على العرش، والنزول إلى السماء الدنيا، والمجيء للفصل بين العباد يوم القيامة، والانتقام من المجرمين، الدال عليها على الترتيب قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، وقول النبي ﷺ: \"ينزل ربنا إلى السماء الدنيا\" الحديث.\nوقول الله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾، وقوله: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ .","vol":"1","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>قواعد في أدلة الأسماء والصفات</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>القاعدة الأولى: الأدلة التي تثبت بها أسماء الله تعالى </span>وصفاته هي كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ، فلا تثبت أسماء الله وصفاته بغيرهما.\nوعلى هذا: فما ورد إثباته لله تعالى من ذلك في الكتاب والسنة وجب إثباته.","vol":"1","page":29},{"text":"وما ورد نفيه فيهما وجب نفيه مع إثبات كمال ضده.\nوما لم يرد إثباته ولا نفيه فيهما وجب التوقف في لفظه، فلا يثبت ولا ينفى، لعدم ورود الإثبات والنفي فيه.\nوأما معناه: فيفصل فيه؛ فإن أريد به حقٌ يليق بالله تعالى فهو مقبول، وإن أريد به معنىً لا يليق بالله ﷿ وجب ردّه.\nفمما ورد إثباته لله تعالى: كل صفة دل عليها اسم من أسماء الله تعالى دلالة مطابقة أو تضمن أو التزام.\nومنه كل صفة دل عليها فعل من أفعاله، كالاستواء على العرش، والنزول إلى السماء الدنيا، والمجيء للفصل بين عباده يوم القيامة، ونحو ذلك من أفعاله التي لا تحصى أنواعها، فضلًا عن أفرادها ﴿وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ .\nومنه: الوجه والعينان واليدان ونحوها.\nومنه: الكلام والمشيئة والإرادة بقسميها الكوني والشرعي.\nفالكونية: بمعنى المشيئة. والشرعية: بمعنى المحبة.\nومنه: الرضا والمحبة والغضب والكراهة ونحوها١\nومما ورد نفيه عن الله سبحانه لانتفائه وثبوت كمال ضده:\n_________\n١ أدلة هذه مذكورة في مواضعها من كتب العقائد.","vol":"1","page":30},{"text":"الموت والنوم والسنة والعجز والإعياء والظلم والغفلة عن أعمال العباد، وأن يكون له مثيل أوكفؤٌ، أو نحو ذلك١.\nومما لم يرد إثباته ولا نفيه لفظ: (الجهة)، فلو سأل سائل: هل نثبت لله تعالى جهة؟، قلنا له: لفظ الجهة لم يرد في الكتاب والسنة إثباتا ولا نفيا، ويُغني عنه ما ثبت فيهما من أن الله تعالى في السماء. وأما معناه فإما أن يراد به جهة سفل أو جهة علو تحيط بالله، أو جهة علو لا تحيط به.\nفالأول باطل، لمنافاته لعلو الله تعالى الثابت بالكتاب والسنة والعقل والفطرة والإجماع.\nوالثاني باطل أيضا، لأن الله تعالى أعظم من أن يحيط به شئ من مخلوقاته.\nوالثالث حق، لأن الله تعالى العلي فوق خلقه ولا يحيط به شئ من مخلوقاته.\nودليل هذه القاعدة السمع والعقل.\nفأما السمع: فمنه قوله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾، وقوله: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾، وقوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ\n_________\n١ أدلة هذه مذكورة في مواضعها من كتب العقائد.","vol":"1","page":31},{"text":"وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، وقوله: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾، وقوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾، وقوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ﴾\nإلى غير ذلك من النصوص الدالة على وجوب الإيمان بما جاء في القرآن والسنة.\nوكل نص يدل على وجوب الإيمان بما جاء في القرآن فهو دال على وجوب الإيمان بما جاء في السنة، لأن مما جاء في القرآن الأمر باتباع النبي ﷺ والرد إليه عند التنازع. والرد إليه يكون إليه نفسه في حياته والى سنته بعد وفاته.\nفأين الإيمان بالقرآن لمن استكبر عن اتباع الرسول ﷺ المأمور به في القرآن؟.\nوأين الإيمان بالقرآن لمن لم يرد النزاع إلى النبي ﷺ وقد أمر الله به في القرآن؟.\nوأين الإيمان بالرسول ﷺ الذي أمر به القرآن لمن لم يقبل ما جاء في سنته؟.\nولقد قال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ﴾، ومن المعلوم أن كثيرًا من أمور الشريعة العلمية والعملية جاء بيانها بالسنة فيكون بيانها بالسنة من تبيان القرآن.","vol":"1","page":32},{"text":"وأما العقل فنقول: إن تفصيل القول فيما يجب أو يمتنع أو يجوز في حق الله تعالى من أمور الغيب التي لا يمكن إدراكها بالعقل، فوجب الرجوع فيه إلى ما جاء في الكتاب والسنة","vol":"1","page":33},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>القاعدة الثانية: الواجب في نصوص القرآن والسنة إجراؤها على ظاهرها دون تحريف</span>، لا سيما نصوص الصفات، حيث لا مجال للرأي فيها.\nودليل ذلك: السمع والعقل.\nأما السمع: فقوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾، وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، وقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، وهذا يدل على وجوب فهمه على ما يقتضيه ظاهره باللسان العربي إلا أن يمنع منه دليل شرعي.\nوقد ذم الله تعالى اليهود على تحريفهم، وبين أنهم بتحريفهم من أبعد الناس عن الإيمان، فقال: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ الآية.\nوأما العقل فلأن المتكلم بهذه النصوص أعلم بمراده من غيره، وقد خاطبنا باللسان العربي المبين، فوجب قبوله على ظاهره، وإلا لاختلفت الآراء وتفرقت الأمة.","vol":"1","page":33},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>القاعدة الثالثة: ظواهر نصوص الصفات معلومة لنا باعتبار ومجهولة لنا باعتبار آخر</span>، فباعتبار المعنى هي معلومة. وباعتبار الكيفية التي هي عليها مجهولة.\nوقد دل على ذلك السمع والعقل.\nأما السمع: فمنه قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، وقوله جل ذكره: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ . والتدبر لا يكون إلا فيما يمكن الوصول إلى فهمه ليتذكر الإنسان بما فهمه منه.\nوكون القرآن عربيا ليعقله من يفهم العربية، يدل على أن معناه معلوم، وإلا لما كان فرق بين أن يكون باللغة العربية أو غيرها.\nوبيان النبي ﷺ القرآن للناس شامل لبيان لفظه وبيان معناه.\nوأما العقل: فلأن من المحال أن يُنَزِّل الله تعالى كتابا، أو يتكلم رسوله ﷺ بكلام (يقصد بهذا الكتاب وهذا الكلام أن يكون هداية للخلق)، ويبقى في أعظم الأمور وأشدها ضرورة مجهول المعني، بمنزلة الحروف الهجائية التي لا يفهم منها شيء، لأن ذلك من السفه الذي تأباه","vol":"1","page":34},{"text":"حكمة الله تعالى، وقد قال الله تعالى عن كتابه: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ .\nهذه دلالة السمع والعقل على علمنا بمعاني نصوص الصفات.\nوأما دلالتهما على جهلنا لها باعتبار الكيفية فقد سبقت في القاعدة السادسة من قواعد الصفات.\nوبهذا علم بطلان مذهب المفوضة الذين يفوضون علم معاني نصوص الصفات، ويَدَّعون أن هذا مذهب السلف. والسلف بريئون من هذا المذهب، وقد تواترت الأقوال عنهم بإثبات المعاني لهذه النصوص إجمالًا أحيانا، وتفصيلا أحيانا، وتفويضهم الكيفية إلى علم الله ﷿.\nقال شيخ الإسلام ابن تيميه في كتابه المعروف ب\"العقل والنقل\" (ص ١١٦، ج ١) المطبوع على هامش \"منهاج السنة\": \"وأما التفويض فمن المعلوم أن الله أمرنا بتدبر القرآن، وحضنا على عقله وفهمه، فكيف يجوز مع ذلك أن يراد منا الإعراض عن فهمه ومعرفته وعقله) إلى أن قال (ص ١١٨): (وحينئذ فيكون ما وصف الله به نفسه في القرآن، أو كثير مما وصف الله به نفسه لا يعلم الأنبياء معناه، بل يقولون كلاما لا يعقلون معناه\" قال: \"ومعلوم أن هذا قدح في القرآن والأنبياء، إذ كان الله أنزل القرآن وأخبر أنه جعله هدى وبيانا للناس، وأمر الرسول ﷺ أن يبلغ البلاغ المبين، وأن يبين للناس ما نُزِّل إليهم، وأمر بتدبر القرآن وعقله، ومع هذا فأشرف ما فيه وهو ما أخبر به الرب عن صفاته.. لا يعلم أحد معناه، فلا يعقل، ولا يتدبر، ولا يكون","vol":"1","page":35},{"text":"الرسول بَيَّنَ للناس ما نُزِّل إليهم، ولا بَلَّغ البلاغ المبين، وعلى هذا التقدير فيقول كل ملحد ومبتدع: الحق في نفس الأمر ما علمته برأيي وعقلي، وليس في النصوص ما يناقض ذلك، لأن تلك النصوص مشكلة متشابهة، ولا يعلم أحد معناها، وما لا يعلم أحد معناه لا يجوز أن يُسْتَدَل به، فيبقى هذا الكلام سدًا لباب الهدى والبيان من جهة الأنبياء، وفتحا لباب من يعارضهم، ويقول: إن الهدى والبيان في طريقنا لا في طريق الأنبياء، لأننا نحن نعلم ما نقول ونبينه بالأدلة العقلية، والأنبياء لم يعلموا ما يقولون فضلًا عن أن يبينوا مرادهم.\nفتبين أن قول أهل التفويض الذين يزعمون أنهم متبعون للسنة والسلف من شر أقوال أهل البدع والإلحاد\" اه كلام الشيخ، وهو كلام سديد من ذي رأي رشيد، وما عليه مزيد، رحمه الله تعالى رحمة واسعة، وجمعنا به في جنات النعيم.","vol":"1","page":36},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-24>القاعدة الرابعة: ظاهر النصوص ما يتبادر منها إلى الذهن من المعاني </span>وهو يختلف بحسب السياق، وما يضاف إليه الكلام، فالكلمة الواحدة يكون لها معنى في سياق ومعنى آخر في سياق، وتركيب الكلام يفيد معنى على وجه ومعنى آخر على وجه.\nفلفظ (القرية) مثلًا يراد به القوم تارة، ومساكن القوم تارة أخرى.\nفمن الأول قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلاّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا﴾ .","vol":"1","page":36},{"text":"ومن الثاني: قوله تعالى عن الملائكة ضيف إبراهيم: ﴿إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ .\nوتقول: صنعت هذا بيدي، فلا تكون اليد كاليد في قوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ﴾، لأن اليد في المثال أضيفت إلى المخلوق فتكون مناسبة له، وفي الآية أضيفت إلى الخالق فتكون لائقة به، فلا أحد سليم الفطرة صريح العقل يعتقد أن يد الخالق كيد المخلوق، أو بالعكس.\nوتقول: ما عندك إلا زيد، وما زيد إلا عندك. فتفيد الجملة الثانية معنى غير ما تفيده الأولى، مع اتحاد الكلمات، لكن اختلف التركيب فتغير المعنى به.\nإذا تقرر هذا فظاهر نصوص الصفات ما يتبادر منها إلى الذهن من المعاني.\nوقد انقسم الناس فيه إلى ثلاثة أقسام:\nالقسم الأول: من جعلوا الظاهر المتبادر منها معنى حقا يليق بالله ﷿، وأبقوا دلالتها على ذلك، وهؤلاء هم السلف الذين اجتمعوا على ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، والذين لا يَصْدُقُ لقب أهل السنة والجماعة إلا عليهم.\nوقد أجمعوا على ذلك، كما نقله ابن عبد البر فقال: \"أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة، والإيمان بها، وحملها على","vol":"1","page":37},{"text":"الحقيقة لا على المجاز، إلا أنهم لا يكيفون شيئا من ذلك، ولا يحدون فيه صفة محصورة\" اهـ.\nوقال القاضي أبو يعلى في كتاب \"إبطال التأويل\": \"لا يجوز رد هذه الأخبار، ولا التشاغل بتأويلها، والواجب حملها على ظاهرها، وأنها صفات الله لا تشبه صفات سائر الموصوفين بها من الخلق، ولا يعتقد التشبيه فيها، لكن على ما رُوِيَ عن الإمام أحمد وسائر الأئمة) اه نقل ذلك عن ابن عبد البر والقاضي شيخ الإسلام ابن تيميه في \"الفتوى الحموية\" (ص ٨٧ ٨٩، ج ٥\" من \"مجموع الفتاوى\" لابن القاسم.\nوهذا هو المذهب الصحيح والطريق القويم الحكيم، وذلك لوجهين:\nالأول: أنه تطبيق تام لما دل عليه الكتاب والسنة من وجوب الأخذ بما جاء فيهما من أسماء الله وصفاته، كما يعلم ذلك من تتبعه بعلم وإنصاف.\nالثاني: أن يقال: إن الحق إما أن يكون فيما قاله السلف، أو فيما قاله غيرهم. والثاني باطل، لأنه يلزم منه أن يكون السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان تكلموا بالباطل تصريحا أو ظاهرًا، ولم يتكلموا مرة واحدة لا تصريحا ولا ظاهرًا بالحق الذي يجب اعتقاده. وهذا يستلزم أن يكونوا إما جاهلين بالحق، وإما عالمين به لكن كتموه، وكلاهما باطل، وبطلان اللازم يدل على بطلان الملزوم، فتعين أن يكون الحق فيما قاله السلف دون غيرهم.\nالقسم الثاني: من جعلوا الظاهر المتبادر من نصوص الصفات معنى باطلًا لا يليق بالله، وهو التشبيه، وأبقوا دلالتها على ذلك. وهؤلاء هم المشبهة، ومذهبهم باطل، محرم من عدة أوجه:","vol":"1","page":38},{"text":"الأول: أنه جناية على النصوص، وتعطيل لها عن المراد بها، فكيف يكون المراد بها التشبيه وقد قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ .\nالثاني: أن العقل دل على مباينة الخالق للمخلوق في الذات والصفات، فكيف يحكم بدلالة النصوص على التشابه بينهما؟.\nالثالث: أن هذا المفهوم الذي فهمه المشبه من النصوص مخالف لما فهمه السلف منها، فيكون باطلًا.\nفإن قال المشبِّه: أنا لا أعقل من نزول الله ويده إلا مثل ما للمخلوق من ذلك، والله تعالى لم يخاطبنا إلا بما نعرفه ونعقله.\nفجوابه من ثلاثة أوجه:\nأحدها: أن الذي خاطبنا بذلك هو الذي قال عن نفسه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، ونهى عباده أن يضربوا له الأمثال، أو يجعلوا له أندادًا فقال: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ وقال: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ . وكلامه تعالى كله حق، يصدق بعضه بعضا ولا يتناقض.\nثانيها: أن يقال له: ألست تعقل لله ذاتا لا تشبه الذوات؟، فسيقول: بلى. فيقال له: فلتعقل له صفات لا تشبه الصفات، فإن القول في الصفات كالقول في الذات، ومن فرق بينهما فقد تناقض.\nثالثها: أن يقال: ألست تشاهد في المخلوقات ما يتفق في الأسماء ويختلف في الحقيقة والكيفية؟. فسيقول: بلى. فيقال له: إذا عقلت التباين بين المخلوقات","vol":"1","page":39},{"text":"في هذا، فلماذا لا تعقله بين الخالق والمخلوق، مع أن التباين بين الخالق والمخلوق أظهر وأعظم، بل التماثل مستحيل بين الخالق والمخلوق، كما سبق في القاعدة السادسة من قواعد الصفات.\nالقسم الثالث: من جعلوا المعنى المتبادر من نصوص الصفات معنى باطلًا لا يليق بالله، وهو التشبيه، ثم إنهم من أجل ذلك أنكروا ما دلت عليه من المعنى اللائق بالله. وهم أهل التعطيل، سواء كان تعطيلهم عاما في الأسماء والصفات، أم خاصا فيهما، أو في أحدهما. فهؤلاء صرفوا النصوص عن ظاهرها إلى معاني عينوها بعقولهم، واضطربوا في تعيينها اضطرابا كثيرًا، وسموا ذلك تأويلًا وهو في الحقيقة تحريف.\nومذهبهم باطل من وجوه:\nأحدها: أنه جناية على النصوص، حيث جعلوها دالة على معنى باطل غير لائق بالله ولا مراد له.\nالثاني: أنه صرف لكلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ عن ظاهره. والله تعالى خاطب الناس بلسان عربيٍ مبين ليعقلوا الكلام ويفهموه على ما يقتضيه هذا اللسان العربي، والنبي ﷺ خاطبهم بأفصح لسان البشر، فوجب حمل كلام الله ورسوله ﷺ على ظاهره المفهوم بذلك اللسان العربي، غير أنه يجب أن يصان عن التكييف والتمثيل في حق الله ﷿.\nالثالث: أن صرف كلام الله ورسوله ﷺ عن ظاهره إلى معنى يخالفه قول على الله بلا علم، وهو محرم لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا","vol":"1","page":40},{"text":"ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾، ولقوله سبحانه: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ .\nفالصارف لكلام الله تعالى ورسوله ﷺ عن ظاهره إلى معنى يخالفه قد قفا ما ليس له به علم، وقال على الله ما لا يعلم من وجهين:\nالأول: أنه زعم أنه ليس المراد بكلام الله تعالى ورسوله ﷺ كذا، مع أنه ظاهر الكلام.\nالثاني: أنه زعم أن المراد به كذا لمعنى آخر لا يدل عليه ظاهر الكلام. وإذا كان من المعلوم أن تعيين أحد المعنيين المتساويين في الاحتمال قولٌ بلا علم، فما ظنك بتعيين المعنى المرجوح المخالف لظاهر الكلام؟.\nمثال ذلك: قوله تعالى لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ﴾ فإذا صرف الكلام عن ظاهره وقال: لم يرد باليدين اليدين الحقيقيتين، وإنما أراد كذا وكذا. قلنا له: ما دليلك على ما نفيت؟، وما دليلك على ما أثبت؟. فإن أتى بدليل وأنّى له ذلك، وإلا كان قائلًا على الله بلا علم في نفيه وإثباته.\nالوجه الرابع في إبطال مذهب أهل التعطيل:\nأن صرف نصوص الصفات عن ظاهرها مخالف لما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه وسلف الأمة وأئمتها، فيكون باطلًا، لأن الحق بلا ريب فيما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه وسلف الأمة وأئمتها.","vol":"1","page":41},{"text":"الوجه الخامس: أن يقال للمعطل: هل أنت أعلم بالله من نفسه؟. فسيقول: لا.\nثم يقال له: هل ما أخبر الله ﷿ به عن نفسه صدق وحق؟. فسيقول: نعم.\nثم يقال له: هل تعلم كلاما أفصح وأبين من كلام الله تعالى؟. فسيقول: لا.\nثم يقال له: هل تظن أن الله ﷾ أراد أن يعمي الحق على الخلق في هذه النصوص ليستخرجوه بعقولهم؟. فسيقول: لا.\nهذا ما يقال له باعتبار ما جاء في القرآن.\nأما باعتبار ما جاء في السنة:\nفيقال له: هل أنت أعلم بالله من رسول الله ﷺ؟. فيقول: لا.\nثم يقال له: هل ما أخبر به رسول الله عن الله صدق وحق؟. فسيقول: نعم.\nثم يقال له: هل تعلم أن أحدًا من الناس أفصح كلاما وأبين من رسول الله ﷺ؟. فسيقول: لا.\nثم يقال له: هل تعلم أن أحدًا من الناس أنصح لعباد الله من رسول الله ﷺ؟. فسيقول: لا.\nفيقال له: إذا كنت تقر بذلك، فلماذا لا يكون عندك الإقدام والشجاعة في إثبات ما أثبته الله تعالى لنفسه، وأثبته له رسوله ﷺ على","vol":"1","page":42},{"text":"حقيقته وظاهره اللائق بالله؟، وكيف يكون عندك الإقدام والشجاعة في نفي حقيقته تلك وصرفه إلى معنى يخالف ظاهره بغير علم؟، وماذا يضيرك إذا أثبت لله تعالى ما أثبته لنفسه في كتابه أو سنة نبيه ﷺ، على الوجه اللائق به فأخذت بما جاء في الكتاب والسنة إثباتا ونفيا؟، أفليس هذا أسلم لك وأقوم لجوابك إذا سئلت يوم القيامة: ﴿مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾؟، أو ليس صرفك لهذه النصوص عن ظاهرها وتعيين معنى آخر مخاطرة منك، فلعل المراد يكون على تقدير جواز صرفها غير ما صرفتها إليه.\nالوجه السادس في إبطال مذهب أهل التعطيل:\nأنه يلزم عليه لوازم باطلة، وبطلان اللازم يدل على بطلان الملزوم.\nفمن هذه اللوازم:\nأولًا: أن أهل التعطيل لم يصرفوا نصوص الصفات عن ظاهرها إلا حيث اعتقدوا أنه مستلزم أو موهم لتشبيه الله تعالى بخلقه، وتشبيه الله تعالى بخلقه كفر، لأنه تكذيب لقوله تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ . قال نعيم ابن حماد الخزاعي أحد مشايخ البخاري رحمهما الله: (من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس ما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيها) اه.\nومن المعلوم: أن من أبطل الباطل أن يجعل ظاهر كلام الله تعالى وكلام رسول الله ﷺ تشبيها وكفرًا أو موهما لذلك.","vol":"1","page":43},{"text":"ثانيا: أن كتاب الله تعالى الذي أنزله تبيانا لكل شيء، وهدى للناس، وشفاء لما في الصدور، ونورًا مبينا، وفرقانا بين الحق والباطل، لم يبين الله تعالى فيه ما يجب على العباد اعتقاده في أسمائه وصفاته، وإنما جعل ذلك موكولًا إلى عقولهم، يثبتون لله ما يشاؤن، وينكرون ما لا يريدون. وهذا ظاهر البطلان.\nثالثا: أن النبي ﷺ وخلفاءه الراشدين وأصحابه وسلف الأمة وأئمتها كانوا قاصرين أو مقصرين في معرفة وتبيين ما يجب لله تعالى من الصفات، أو يمتنع عليه، أو يجوز. إذ لم يرد عنهم حرف واحد فيما ذهب إليه أهل التعطيل في صفات الله تعالى وسمّوه تأويلًا.\nوحينئذ إما أن يكون النبيصلى الله عليه وسلم وخلفاؤه الراشدون وسلف الأمة وأئمتها قاصرين لجهلهم بذلك، وعجزهم عن معرفته، أو مقصرين لعدم بيانهم للأمة. وكلا الأمرين باطل.\nرابعا: أن كلام الله ورسوله ﷺ ليس مرجعا للناس فيما يعتقدونه في ربهم وإلههم، الذي معرفتهم به من أهم ما جاءت به الشرائع، بل هو زبدة الرسالات. وإنما المرجع تلك العقول المضطربة المتناقضة، وما خالفها فسبيله التكذيب إن وجدوا إلى ذلك سبيلًا، أو التحريف الذي يسمونه تأويلًا إن لم يتمكنوا من تكذيبه.\nخامسا: أنه يلزم منه جواز نفي ما أثبته الله ورسوله ﷺ، فيقال في قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾: إنه لا يجيء. وفي قوله ﷺ: \"ينزل ربنا","vol":"1","page":44},{"text":"إلى السماء الدنيا\": إنه لا ينزل. لأن إسناد المجيء والنزول إلى الله مجاز عندهم. وأظهر علامات المجاز عند القائلين به صحة نفيه ونفي ما أثبته الله ورسوله ﷺ من أبطل الباطل، ولا يمكن الانفكاك عنه بتأويله إلى أمره، لأنه ليس في السياق ما يدل عليه.\nثم إن من أهل التعطيل من طرد قاعدته في جميع الصفات، أو تعدى إلى الأسماء أيضا. ومنهم من تناقض فأثبت بعض الصفات دون بعض، كالأشعرية والماتريدية، أثبتوا ما أثبتوه بحجة أن العقل يدل عليه، ونفوا ما نفوه بحجة أن العقل ينفيه أو لا يدل عليه.\nفنقول لهم: نفيكم لما نفيتموه بحجة أن العقل لا يدل عليه، يمكن إثباته بالطريق العقلي الذي أثبتم به ما أثبتموه، كما هو ثابت بالدليل السمعي.\nمثال ذلك: أنهم أثبتوا صفة الإرادة، ونفوا صفة الرحمة.\nأثبتوا صفة الإرادة لدلالة السمع والعقل عليها.\nأما السمع: فمنه قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ .\nوأما العقل: فإن اختلاف المخلوقات وتخصيص بعضها بما يختص به من ذات أو وصف دليل على الإرادة.\nونفوا الرحمة قالوا: لأنها تستلزم لين الراحم، ورقته للمرحوم، وهذا محال في حق الله تعالى.\nوأولوا الأدلة السمعية المثبتة للرحمة إلى الفعل، أو إرادة الفعل، ففسروا الرحيم بالمنعم، أو مريد الإنعام.","vol":"1","page":45},{"text":"فنقول لهم: الرحمة ثابتة لله تعالى بالأدلة السمعية، وأدلة ثبوتها أكثر عددًا وتنوعا من أدلة الإرادة. فقد وردت بالاسم مثل: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ والصفة مثل: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾، والفعل مثل: ﴿وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ﴾ .\nويمكن إثباتها بالعقل، فإن النعم التي تترى على العباد من كل وجه، والنقم التي تدفع عنهم في كل حين؛ دالة على ثبوت الرحمة لله ﷿، ودلالتها على ذلك أبين وأجلى من دلالة التخصيص على الإرادة، لظهور ذلك للخاصة والعامة، بخلاف دلالة التخصيص على الإرادة، فإنه لا يظهر إلا لأفراد من الناس.\nوأما نفيها بحجة أنها تستلزم اللين والرقة. فجوابه: أن هذه الحجة لو كانت مستقيمة لأمكن نفي الإرادة بمثلها، فيقال: الإرادة ميل المريد إلى ما يرجو به حصول منفعة أو دفع مضرة. وهذا يستلزم الحاجة، والله تعالى منزه عن ذلك.\nفإن أجيب: بأن هذه إرادة المخلوق. أمكن الجواب بمثله في الرحمة، بأن الرحمة المستلزمة للنقص هي رحمة المخلوق.\nوبهذا تبين بطلان مذهب أهل التعطيل، سواء كان تعطيلًا عاما أم خاصا.\nوبه علم أن طريق الأشاعرة والماتريدية في أسماء الله وصفاته وما احتجوا به لذلك لا تندفع به شبه المعتزلة والجهمية، وذلك من وجهين:","vol":"1","page":46},{"text":"أحدهما: أنه طريق مبتدع لم يكن عليه النبي ﷺ ولا سلف الأمة وأئمتها، والبدعة لا تدفع بالبدعة، وإنما تدفع بالسنة.\nالثاني: أن المعتزلة والجهمية يمكنهم أن يحتجوا لما نفوه على الأشاعرة والماتريدية بمثل ما احتج به الأشاعرة والماتريدية لما نفوه على أهل السنة، فيقولون: لقد أبحتم لأنفسكم نفي ما نفيتم من الصفات بما زعمتموه دليلًا عقليا، وأولتم دليله السمعي، فلماذا تحرمون علينا نفي ما نفيناه بما نراه دليلًا عقليا، ونؤول دليله السمعي؟، فلنا عقول كما أن لكم عقولًا، فإن كانت عقولنا خاطئة فكيف كانت عقولكم صائبة؟، وإن كانت عقولكم صائبة فكيف كانت عقولنا خاطئة؟، وليس لكم حجة في الإنكار علينا سوى مجرد التحكم واتباع الهوى.\nوهذه حجة دامغة، وإلزام صحيح من الجهمية والمعتزلة للأشعرية والماتريدية، ولا مدفع لذلك ولا محيص عنه، إلا بالرجوع لمذهب السلف الذين يطردون هذا الباب، ويثبون لله تعالى من الأسماء والصفات ما أثبته لنفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ إثباتا لا تمثيل فيه ولا تكييف، وتنزيها لا تعطيل فيه ولا تحريف، ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور.\nتنبيه\nعلم مما سبق أن كل معطل ممثل، وكل ممثل معطل.\nأما تعطيل المعطل فظاهر، وأما تمثيله: فلأنه إنما عطل لاعتقاده أن إثبات الصفات يستلزم التشبيه، فمثل أولًا، وعطل ثانيا، كما أنه بتعطيله مَثَّلَهُ بالناقص.","vol":"1","page":47},{"text":"وأما تمثيل الممثل فظاهر، وأما تعطيله فمن ثلاثة أوجه:\nالأول: أنه عطل نفس النص الذي أُثبتت به الصفة، حيث جعله دالًا على التمثيل، مع أنه لا دلالة فيه عليه، وإنما يدل على صفة تليق بالله ﷿.\nالثاني: أنه عطل كل نص يدل على نفي مماثلة الله لخلقه.\nالثالث: أنه عطل الله تعالى عن كماله الواجب، حيث مثله بالمخلوق الناقص.\nفصل\nاعلم أن بعض أهل التأويل أورد على أهل السنة شبهة في نصوص من الكتاب والسنة في الصفات، ادعى أن أهل السنة صرفوها عن ظاهرها، ليلزم أهل السنة بالموافقة على التأويل، أو المداهنة فيه. وقال: كيف تنكرون علينا تأويل ما أولناه مع ارتكابكم لمثله فيما أولتموه؟.\nونحن نجيب بعون الله تعالى عن هذه الشبهة بجوابين: مجمل ومفصل.\nأما المجمل فيتلخص في شيئين:\nأحدهما: أن لا نسلم أن تفسير السلف لها صرف عن ظاهرها، فإن ظاهر","vol":"1","page":48},{"text":"الكلام ما يتبادر منه من المعني، وهو يختلف بحسب السياق، وما يضاف إليه الكلام، فإن الكلمات يختلف معناها بحسب تركيب الكلام، والكلام مركب من كلمات وجمل، يظهر معناها ويتعين بضم بعضها إلى بعض.\nثانيهما: أننا لو سلمنا أن تفسيرهم صرف عن ظاهرها، فإن لهم في ذلك دليلًا من الكتاب والسنة، إما متصلًا، وإما منفصلًا، وليس لمجرد شبهات يزعمها الصارف براهين وقطعيات يتوصل بها إلى نفي ما أثبته الله لنفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ.\nوأما المفصل: فعلى كل نص ادعى أن السلف صرفوه عن ظاهره.\nولنمثل بالأمثلة التالية: فنبدأ بما حكاه أبو حامد الغزالى عن بعض الحنبلية أنه قال: \"إن أحمد لم يتأول إلا في ثلاثة أشياء: الحجر الأسود يمين الله في الأرض. وقلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن. وإني أجد نَفَسَ الرحمن من قبل اليمن\".\nنقله عنه شيخ الإسلام ابن تيميه (ص ٣٩٨، ج ٥) من \"مجموع الفتاوى\" وقال: (هذه الحكاية كذب على أحمد) .\nالمثال الأول: الحجر الأسود يمين الله في الأرض.\nوالجواب عنه: أنه حديث باطل، لا يثبت عن النبي ﷺ. قال ابن الجوزى في \"العلل المتناهية\": (هذا حديث لا يصح) . وقال ابن العربي: \"حديث باطل، فلا يلتفت إليه\". وقال شيخ الإسلام ابن تيميه: (روى عن النبي","vol":"1","page":49},{"text":"ﷺ بإسناد لا يثبت) اه. وعلى هذا: فلا حاجة للخوض في معناه.\nلكن قال شيخ الإسلام ابن تيميه: (والمشهور [يعني: في هذا الأثر] إنما هو عن ابن عباس، قال: الحجر الأسود يمين الله في الأرض، فمن صافحه وقبله فكأنما صافح الله وقبل يمينه. ومن تدبر اللفظ المنقول تبين له أنه لا إشكال فيه، فإنه قال: يمين الله في الأرض، ولم يطلق فيقول يمين الله، وحكم اللفظ المقيد يخالف حكم المطلق، ثم فمن صافحه وقبله فكأنما صافح الله وقبل يمينه، وهذا صريح في أن المصافح لم يصافح يمين الله أصلًا، ولكن شبه بمن يصافح الله. فأول الحديث وآخره يبين أن الحجر ليس من صفات الله تعالى، كما هو معلوم عند كل عاقل) اه (ص ٣٩٨، ج ٦): مجموع الفتاوى:.\nالمثال الثاني: \"قلوب العباد بين إصبعين١ من أصابع الرحمن\".\nوالجواب: أن هذا الحديث صحيح، رواه مسلم في الباب الثاني من كتاب القدر، عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه سمع النبي ﷺ يقول: \"إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن، كقلب واحد، يصرفه حيث يشاء\"، ثم قال رسول ﷺ: \"اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك \".\n_________\n١ أصبع مثلث الهمزة والباء، ففيه تسع لغات، والعاشرة أصبوع كما قيل:\nوهمز أنملة ثلث وثالثة التسع في أصبع واختم بأصبوع، أصبوع بضم الهمزة.","vol":"1","page":50},{"text":"وقد أخذ السلف أهل السنة بظاهر الحديث، وقالوا: إن لله تعالى أصابع حقيقة، نثبتها له كما أثبتها له رسوله ﷺ. ولا يلزم من كون قلوب بني آدم بين إصبعين منها أن تكون مماسة لها، حتى يقال: إن الحديث موهم للحلول فيجب صرفه عن ظاهره. فهذا السحاب مسخر بين السماء والأرض وهو لا يمس السماء ولا الأرض. ويقال: بدر بين مكة والمدينة، مع تباعد ما بينها وبينهما. فقلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن حقيقة، ولا يلزم من ذلك مماسة ولا حلول.\nالمثال الثالث: \"إني أجد نَفَسَ الرحمن من قبل اليمن \".\nوالجواب: أن هذا الحديث رواه الإمام أحمد في المسند من حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال النبي ﷺ: \"ألا إن الإيمان يمان، والحكمة يمانية، وأجد نَفَسَ ربكم من قبل اليمن\".\nقال في \"مجمع الزوائد\": (رجاله رجال الصحيح، غير شبيب وهو ثقة) . قلت وكذا قال في \"التقريب\" عن شبيب: (ثقة، من الثالثة، وقد روى البخاري نحوه في التاريخ الكبير) .\nوهذا الحديث على ظاهره، والنفَس فيه اسم مصدر ينفس تنفيسا، مثل فرّج يفرج تفريجا وفَرَجا. هكذا قال أهل اللغة، كما في \"النهاية\" و\"القاموس\" و\"مقاييس اللغة\"، قال في مقاييس اللغة: (النَّفس: كل شيء يفرج به عن مكروب) . فيكون معنى الحديث: أن تنفيس الله تعالى عن المؤمنين يكون من أهل اليمن. قال شيخ الإسلام ابن تيميه: \"وهؤلاء هم الذين قاتلوا أهل الردة،","vol":"1","page":51},{"text":"وفتحوا الأمصار، فبهم نَفَّسَ الرحمن عن المؤمنين الكربات\" اه (ص ٣٩٨، ج ٦) \"مجموع فتاوى شيخ الإسلام: لابن قاسم.\nالمثال الرابع: قوله: تعالى ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ .\nوالجواب: أن لأهل السنة في تفسيرها قولين:\nأحدهما: أنها بمعنى ارتفع إلى السماء. وهو الذي رجحه ابن جرير قال في تفسيره بعد أن ذكر الخلاف: (وأولى المعاني بقول الله جل ثناؤه: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ﴾: علا عليهن وارتفع، فدبرهن بقدرته، وخلقهن سبع سماوات) اه. وذكره البغوي في تفسيره قول ابن عباس وأكثر مفسري السلف، وذلك تمسكا بظاهر لفظ ﴿اسْتَوَى﴾، وتفويضا لعلم كيفية هذا الارتفاع إلى الله ﷿.\nالقول الثاني: أن الاستواء هنا بمعنى القصد التام. وإلى هذا القول ذهب ابن كثير في تفسير سورة البقرة، والبغوي في تفسير سورة فصلت، قال ابن كثير: (أي: قصد إلى السماء، والاستواء هاهنا ضُمِّنَ معنى القصد والإقبال، لأنه عدي بإلى) . وقال البغوى: (أي: عمد إلى خلق السماء) .\nوهذا القول ليس صرفا للكلام عن ظاهره، لأن الفعل ﴿اسْتَوَى﴾ اقترن بحرف يدل على الغاية والانتهاء، فانتقل إلى معنى يناسب الحرف المقترن به. ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ حيث كان معناها يَروَى بها عباد الله، لأن الفعل ﴿يَشْرَبُ﴾ اقترن بالباء فانتقل إلى معنى","vol":"1","page":52},{"text":"يناسبها وهو يروى، فالفعل يُضَمَّن معنى يناسب معنى الحرف المتعلق به ليلتئم الكلام.\nالمثال الخامس والسادس: قوله تعالى في سورة الحديد: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾، وقوله في سورة المجادلة: ﴿وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ .\nوالجواب: أن الكلام في هاتين الآيتين حق على حقيقته وظاهره. ولكن ما حقيقته وظاهره؟.\nهل يقال: إن ظاهره وحقيقته أن الله تعالى مع خلقه معية تقتضي أن يكون مختلطا بهم، أو حالًا في أمكنتهم؟\nأو يقال: أن ظاهره وحقيقته أن الله تعالى مع خلقه معية تقتضي أن يكون محيطا بهم علما وقدرةً وسمعا وبصرًا وتدبيرًا وسلطانا، وغير ذلك من معاني ربوبيته، مع علوه على عرشه فوق جميع خلقه؟.\nولا ريب أن القول الأول لا يقتضيه السياق، ولا يدل عليه بوجه من الوجوه، وذلك لأن المعية هنا أضيفت إلى الله ﷿، وهو أعظم وأجل من أن يحيط به شيء من مخلوقاته، ولأن المعية في اللغة العربية التي نزل بها القرآن لا تستلزم الاختلاط أو المصاحبة في المكان، وإنما تدل على مطلق المصاحبة، ثم تفسر في كل موضع بحسبه.\nوتفسير معية الله تعالى لخلقه بما يقتضي الحلول والاختلاط باطل من وجوه:","vol":"1","page":53},{"text":"الأول: أنه مخالف لإجماع السلف. فما فسرها أحد منهم بذلك، بل كانوا مجمعين على إنكاره.\nالثاني: أنه مناف لعلو الله تعالى الثابت بالكتاب، والسنة، والعقل، والفطرة، وإجماع السلف. وما كان منافيا لما ثبت بدليل كان باطلًا بما ثبت به ذلك المنافي. وعلى هذا فيكون تفسير معية الله لخلقه بالحلول والاختلاط باطلًا بالكتاب والسنة والعقل والفطرة وإجماع السلف.\nالثالث: أنه مستلزم للوازم باطلة لا تليق بالله سبحانه تعالى.\nولا يمكن لمن عرف الله تعالى وقدره حق قدره، وعرف مدلول المعية في اللغة العربية التي نزل بها القرآن، أن يقول: إن حقيقة معية الله لخلقه تقتضي أن يكون مختلطا بهم أو حالًا في أمكنتهم، فضلًا عن أن تستلزم ذلك. ولا يقول ذلك إلا جاهل باللغة، جاهل بعظمة الرب جل وعلا.\nفإذا تبين بطلان هذا القول تعين أن يكون الحق هو القول الثاني، وهو أن الله تعالى مع خلقه معية تقتضي أن يكون محيطا بهم علما وقدرة وسمعا وبصرًا وتدبيرًا وسلطانا، وغير ذلك مما تقتضيه ربوبيته مع علوه على عرشه فوق جميع خلقه.\nوهذا هو ظاهر الآيتين بلا ريب، لأنهما حق، ولا يكون ظاهر الحق إلا حقا، ولا يمكن أن يكون الباطل ظاهر القرآن أبدًا.\nقال شيخ الإسلام ابن تيميه في \"الفتوى الحموية\" (ص ١٠٣، ج ٥) من","vol":"1","page":54},{"text":"\"مجموع الفتاوى\" لابن القاسم: (ثم هذه المعية تختلف أحكامها بحسب الموارد، فلما قال: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ إلى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ دل ظاهر الخطاب على أن حكم هذه المعية ومقتضاها: أنه مطلع عليكم، شهيد عليكم، ومهيمن، عالم بكم، وهذا معنى قول السلف إنه معهم بعلمه (١)، وهذا ظاهر الخطاب وحقيقته. وكذلك في قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ الآية.\nولما قال النبي ﷺ لصاحبه في الغار: \"لا تحزن إن الله معنا\" كان هذا أيضا حقا على ظاهره، ودلت الحال على أن حكم هذه المعية هنا معية الإطلاع والنصر والتأييد) .\nثم قال: \"فلفظ المعية قد استعمل في الكتاب والسنة في مواضع يقتضي في كل موضع أمورًا لا يقتضيها في الموضع الآخر. فإما أن تختلف دلالتها بحسب المواضع، أو تدل على قدر مشترك بين جميع مواردها، وإن امتاز كل موضع بخاصية، فعلى التقديرين ليس مقتضاها أن تكون ذات الرب ﷿ مختلطة بالخلق، حتى يقال: قد صرفت عن ظاهرها\" اهـ.\nويدل على أنه ليس مقتضاها أن تكون ذات الرب ﷿ مختلطة بالخلق: أن الله تعالى ذكرها في آية المجادلة بين ذكر عموم علمه في أول الآية وآخرها، فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ\n_________\n١ كان هذا معنى قول السلف: إنه معهم بعلمه. لأنه إذا كان معلوما أن الله تعالى معنا مع علوه، لم يبق إلا أن يكون مقتضى هذه المعية أنه تعالى عالم بنا، مطلع شهيد، مهيمن، لا أنه معنا بذاته في الأرض.","vol":"1","page":55},{"text":"مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ .\nفيكون ظاهر الآية: أن مقتضى هذه المعية علمه بعباده، وأنه لا يخفى عليه شيء من أعمالهم، لا أنه سبحانه مختلط بهم، ولا أنه معهم في الأرض.\nأما في آية الحديد فقد ذكرها الله تعالى مسبوقة بذكر استوائه على عرشه، وعموم علمه متلوة ببيان أنه بصير بما يعمل العباد، فقال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ .\nفيكون ظاهر الآية: أن مقتضى المعية علمه بعباده وبصره بأعمالهم مع علوه عليهم واستوائه على عرشه، لا أنه سبحانه مختلط بهم، ولا أنه معهم في الأرض، وإلا لكان آخر الآية مناقضا لأولها، الدال على علوه واستوائه على عرشه.\nفإذا تبين ذلك أن مقتضى كونه تعالى مع عباده أنه يعلم أحوالهم، ويسمع أقوالهم، ويرى أفعالهم، ويدبر شؤونهم، فيحي ويميت، ويغني ويفقر، ويؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء،","vol":"1","page":56},{"text":"إلى غير ذلك مما تقتضيه ربوبيته وكمال سلطانه، لا يحجبه عن خلقه شيء. ومن كان هذا شأنه فهو مع خلقه حقيقة، ولو كان فوقهم على عرشه حقيقة١.\nقال شيخ الإسلام ابن تيميه في \"العقيدة الواسطية\" (ص ١٤٢، ج ٣) من \"مجموع الفتاوى\" لابن قاسم، في فصل الكلام على المعية، قال: \"وكل هذا الكلام الذي ذكره الله سبحانه من أنه فوق العرش، وأنه معنا، حق على حقيقته، لا يحتاج إلى تحريف، ولكن يصان عن الظنون الكاذبة\"اه.\nوقال في \"الفتوى الحموية\" (ص ١٠٢ ١٠٣، ج ٥) من المجموع المذكور: \"وجماع الأمر في ذلك: أن الكتاب والسنة يحصل منهما كمال الهدى والنور لمن تدبر كتاب الله وسنة نبيه، وقصد اتباع الحق، وأعرض عن تحريف الكلم عن مواضعه، والإلحاد في أسماء الله وآياته.\nولا يحسب الحاسب أن شيئا من ذلك يناقض بعضه بعضا البتة، مثل أن يقول القائل: ما في الكتاب والسنة من أن الله فوق العرش يخالفه الظاهر من قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾، وقوله ﷺ: \"إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الله قِبَلَ وجهه\" ونحو ذلك، فإن هذا غلط. وذلك: أن الله معنا حقيقة، وهو فوق العرش حقيقة، كما جمع الله بينهما في قوله سبحانه تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ .\n_________\n١ وقد سبق أن المعية في اللغة العربية لا تستلزم الاختلاط أو المصاحبة في المكان.","vol":"1","page":57},{"text":"فأخبر أنه فوق العرش يعلم كل شيء، وهو معنا أينما كنا، كما قال النب يصلى الله عليه وسلم في حديث الأوعال: \"والله فوق العرش، وهو يعلم ما أنتم عليه \" اهـ\nواعلم أن تفسير المعية بظاهرها على الحقيقة اللائقة بالله تعالى لا يناقض ما ثبت من علو الله تعالى لذاته على عرشه، وذلك من وجوه ثلاثة:\nالأول: أن الله تعالى جمع بينهما لنفسه في كتابه المبين المنزه عن التناقض، وما جمع الله بينهما في كتابه فلا تناقض بينهما.\nوكل شيء في القرآن تظن فيه التناقض فيما يبدو لك فتدبره حتى يتبين لك لقوله تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾، فإن لم يتبين لك فعليك بطريق الراسخين في العلم، الذين يقولون: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ . وكِلِ الأمر إلى مُنْزِلِه الذي يعلمه.\nواعلم أن القصور في علمك أو في فهمك وأن القرآن لا تناقض فيه.\nوإلى هذا الوجه أشار شيخ الإسلام في قوله فيما سبق: (كما جمع الله بينهما) .\nوكذلك ابن القيم كما في \"مختصر الصواعق\" لابن الموصلي (ص ٤١٠، ط الإمام) في سياق كلامه على المثال التاسع مما قيل إنه مجاز، قال: \"وقد أخبر الله أنه مع خلقه مع كونه مستويا على عرشه، وقرن بين الأمرين كما قال تعالى:\" وذكر آية سورة الحديد، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، ثم قال: \"فأخبر أنه خلق السماوات والأرض، وأنه استوى على عرشه، وأنه مع خلقه يبصر أعمالهم من فوق عرشه،","vol":"1","page":58},{"text":"كما في حديث الأوعال: \"والله فوق العرش يرى ما أنتم عليه\"، فعلوه لا يناقض معيته، ومعيته لا تبطل علوه، بل كلاهما حق\" اهـ.\nالوجه الثاني: أن حقيقة معنى المعية لا يناقض العلو، فالاجتماع بينهما ممكن في حق المخلوق، فإنه يقال: ما زلنا نسير والقمر معنا. ولا يعد ذلك تناقضا، ولا يفهم منه أحد أن القمر نزل في الأرض. فإذا كان هذا ممكنا في حق المخلوق، ففي حق الخالق المحيط بكل شيء مع علوه سبحانه من باب أولى، وذلك لأن حقيقة المعية لا تستلزم الاجتماع في المكان.\nوإلى هذا الوجه أشار شيخ الإسلام ابن تيميه في \"الفتوى الحموية\" (ص ١٠٣) المجلد الخامس من \"مجموع الفتاوى\" لابن القاسم، حيث قال: (وذلك أن كلمة (مع) في اللغة إذا أطلقت فليس ظاهرها في اللغة إلا المقارنة المطلقة، من غير وجوب مماسة أو محاذاة عن يمين أو شمال، فإذا قيدت بمعنى من المعاني دلت على المقارنة في ذلك المعنى، فإنه يقال: ما زلنا نسير والقمر معنا أو النجم معنا. ويقال: هذا المتاع معي، لمجامعته لك وإن كان فوق رأسك، فالله مع خلقه حقيقة، وهو فوق عرشه حقيقة) اه.\nوصدق رحمه الله تعالى، فإن من كان عالما بك، مطلعا عليك، مهيمنا عليك، يسمع ما تقول، ويرى ما تفعل، ويدبر جميع أمورك؛ فهو معك حقيقة، وإن كان فوق عرشه حقيقة، لأن المعية لا تستلزم الاجتماع في المكان.\nالوجه الثالث: أنه لو فرض امتناع اجتماع المعية والعلو في حق المخلوق، لم يلزم أن يكون ذلك ممتنعا في حق الخالق، الذي جمع لنفسه بينهما، لأن الله","vol":"1","page":59},{"text":"تعالى لا يماثله شيء من مخلوقاته، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ .\nوإلى هذا الوجه أشار شيخ الإسلام ابن تيميه في \"العقيدة الواسطية\" (ص ١٤٣، ج ٣) من \"مجموع الفتاوى\"، حيث قال: (وما ذكر في الكتاب والسنة من قربه ومعيته لا ينافي ما ذكر من علوه وفوقيته، فإنه سبحانه ليس كمثله شيء في جميع نعوته، وهو عليٌّ في دنوه، قريب في علوه) اه.\nتتمة\nانقسم الناس في معية الله تعالى لخلقه ثلاثة أقسام:\nالقسم الأول: يقولون: إن معية الله تعالى لخلقه مقتضاها العلم والإحاطة في المعية العامة، ومع النصر والتأييد في المعية الخاصة، مع ثبوت علوه بذاته، واستوائه على عرشه.\nوهؤلاء هم السلف. ومذهبهم هو الحق، كما سبق تقريره.\nالقسم الثاني: يقولون: إن معية الله لخلقه مقتضاها أن يكون معهم في الأرض، مع نفي علوه واستوائه على عرشه.\nوهؤلاء هم الحلولية من قدماء الجهمية وغيرهم. ومذهبهم باطل منكر، أجمع السلف على بطلانه وإنكاره، كما سبق.\nالقسم الثالث: يقولون: إن معية الله لخلقه مقتضاها أن يكون معهم في الأرض، مع ثبوت علوه فوق عرشه. ذكر هذا شيخ الإسلام ابن تيميه (ص ٢٢٩، ج ٥) من \"مجموع الفتاوى\".","vol":"1","page":60},{"text":"وقد زعم هؤلاء أنهم أخذوا بظاهر النصوص في المعية والعلو. وكذبوا في ذلك فضلوا، فإن نصوص المعية لا تقضي ما ادعوه من الحلول، لأنه باطل، ولا يمكن أن يكون ظاهر كلام الله ورسوله ﷺ باطلًا.\nتنبيه\nاعلم أن تفسير السلف لمعية الله تعالى لخلقه بأنه معهم بعلمه لا يقتضي الاقتصار على العلم، بل تقتضي أيضا إحاطته بهم سمعا وبصرًا وقدرةً وتدبيرًا، ونحو ذلك من معاني ربوبيته.\nتنبيه آخر\nأشرت فيما سبق إلى أن علو الله تعالى ثابت بالكتاب والسنة والعقل والفطرة والإجماع:\nأما الكتاب: فقد تنوعت دلالته على ذلك.\nفتارة بلفظ العلو والفوقية والاستواء على العرش، وكونه في السماء، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِه﴾ ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ﴾ .\nوتارة بلفظ صعود الأشياء وعروجها ورفعها إليه، كقوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ .\nوتارة بلفظ نزول الأشياء منه، ونحو ذلك، كقوله تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ﴾ ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ﴾ .\nوأما السنة: فقد دلت عليه بأنواعها القولية والفعلية والإقرارية في أحاديث كثيرة تبلغ حد التواتر، وعلى وجوه متنوعة، كقوله صلى الله عليه","vol":"1","page":61},{"text":"وسلم في سجوده: \"سبحان ربي الأعلى\". وقوله: \"إن الله لما قضى الخلق كتب عنده فوق عرشه: إن رحمتي سبقت غضبي\". وقوله: \"ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء؟ \". وثبت عنه أنه رفع يديه وهو على المنبر يوم الجمعة يقول: \"اللهم أغثنا\". وأنه رفع يده إلى السماء وهو يخطب الناس يوم عرفة حين قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت. فقال: \"اللهم اشهد\". وأنه قال للجارية: \"أين الله؟ \" قالت: في السماء. فأقرها، وقال لسيدها: \"أعتقها، فإنها مؤمنة \".\nوأما العقل: فقد دل على وجوب صفة الكمال لله تعالى وتنزيهه عن النقص. والعلو صفة كمال، والسفل نقص، فوجب لله تعالى صفة العلو، وتنزيهه عن ضده.\nوأما الفطرة: فقد دلت على علو الله تعالى دلالة ضرورية فطرية، فما من داع أو خائف فزع إلى ربه تعالى إلا وجد في قلبه ضرورة الاتجاه نحو العلو، لا يلتفت عن ذلك يمنة ولا يسرة.\nواسأل المصلين، يقول الواحد منهم في سجوده: \"سبحان ربي الأعلى\" أين تتجه قلوبهم حينذاك؟.\nوأما الإجماع: فقد أجمع الصحابة والتابعون والأئمة على أن الله تعالى فوق سماواته، مستوٍ على عرشه. وكلامهم مشهور في ذلك نصا وظاهرًا، قال الأوزاعي: (كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله تعالى ذكره فوق عرشه، ونؤمن بما جاءت به السنة من الصفات)، وقد نقل الإجماع على ذلك غير واحد","vol":"1","page":62},{"text":"من أهل العلم، ومحال أن يقع في مثل ذلك خلاف، وقد تطابقت عليه هذه الأدلة العظيمة، التي لا يخالفها إلا مكابر طمس على قلبه، واجتالته الشياطين عن فطرته. نسأل الله تعالى السلامة والعافية.\nفعلو الله تعالى بذاته وصفاته من أبين الأشياء وأظهرها دليلًا، وأحق الأشياء وأثبتها واقعا.\nتنبيه ثالث\nاعلم أيها القارئ الكريم أنه صدر مني كتابة لبعض الطلبة، تتضمن ما قلته في بعض المجالس في معية الله تعالى لخلقه، وذكرت فيها:\nأن عقيدتنا: أن لله تعالى معية حقيقية ذاتية تليق به، وتقتضي إحاطته بكل شيء علما وقدرةً وسمعا وبصرًا وسلطانا وتدبيرًا، وأنه سبحانه منزه أن يكون مختلطا بالخلق أو حالًا في أمكنتهم، بل هو العلي بذاته وصفاته، وعلوه من صفاته الذاتية التي لا ينفك عنها، وأنه مستوٍ على عرشه كما يليق بجلاله، وأن ذلك لا ينافي معيته، لأنه تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ .\nوأردت بقولي (ذاتية) توكيد حقيقة معيته تبارك تعالى.\nوما أردت أنه مع خلقه سبحانه في الأرض، كيف؟، وقد قلت في نفس هذه الكتابة كما ترى: أنه سبحانه منزه أن يكون مختلطا بالخلق أو حالًا في أمكنتهم، وأنه العلي بذاته وصفاته، وأن علوه من صفاته الذاتية التي لا ينفك عنها. وقلت فيها أيضا ما نصه بالحرف الواحد:\n\"ونرى أن من زعم أن الله بذاته في كل مكان فهو كافر أو ضال إن اعتقده، وكاذب إن نسبه إلى غيره من سلف الأمة أو أئمتها\"اهـ.","vol":"1","page":63},{"text":"ولا يمكن لعاقل عرف الله وقدره حق قدره أن يقول: إن الله مع خلقه في الأرض. ومازلت ولا أزال أنكر هذا القول في كل مجلس من مجالسي، جرى فيه ذكره. وأسأل الله تعالى أن يثبتني وإخواني المسلمين بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.\nهذا، وقد كتبت بعد ذلك مقالًا نشر في مجلة (الدعوة) التي تصدر في الرياض، نشر يوم الاثنين الرابع من شهر محرم، سنة ١٤٠٤ هـ أربع وأربعمائة وألف، برقم: ٩١١، قررت فيه ما قرره شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله تعالى: من أن معية الله تعالى لخلقه حق على حقيقتها، وأن ذلك لا يقتضي الحلول والاختلاط بالخلق، فضلًا عن أن يستلزمه. ورأيت من الواجب استبعاد كلمة (ذاتية) ١، وبينت أوجه الجمع بين علو الله تعالى وحقيقة المعية.\nواعلم أن كل كلمة تستلزم كون الله تعالى في الأرض، أو اختلاطه بمخلوقاته، أو نفي علوه، أو نفي استوائه على عرشه، أو غير ذلك مما لا يليق به تعالى؛ فإنها كلمة باطلة، يجب إنكارها على قائلها كائنا من كان، وبأي لفظ كانت.\nوكل كلام يوهم ولو عند بعض الناس ما لا يليق بالله تعالى فإن الواجب تجنبه، لئلا يظن بالله تعالى ظن السوء، لكن ما أثبته الله تعالى لنفسه في كتابه أو على لسان رسولهصلى الله عليه وسلم فالواجب إثباته، وبيان بطلان وهم من توهم فيه ما لا يليق بالله ﷿.\nالمثال السابع والثامن: قوله تعالى ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾\n_________\n١ انظر سبب ذلك في المقال المنشور.","vol":"1","page":64},{"text":"وقوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ﴾ حيث فسر القرب فيهما بقرب الملائكة.\nوالجواب: أن تفسير القرب فيهما بقرب الملائكة ليس صرفا للكلام عن ظاهره لمن تدبره.\nأما الآية الأولى: فإن القرب مقيد فيها بما يدل على ذلك، حيث قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾، ففي قوله: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى﴾ دليل على أن المراد به: قرب الملكين المتلقيين.\nوأما الآية الثانية: فإن القرب فيها مقيد بحال الاحتضار، والذي يحضر الميت عند موته هم الملائكة، لقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾، ثم إن في قوله: ﴿أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ دليلًا بينا على أنهم الملائكة، إذ يدل على أن هذا القريب في نفس المكان ولكن لا نبصره، وهذا يعين أن يكون المراد قرب الملائكة، لاستحالة ذلك في حق الله تعالى.\nبقى أن يقال: فلماذا أضاف الله القرب إليه، وهل جاء نحو هذا التعبير مرادًا به الملائكة؟.\nفالجواب: أضاف الله تعالى قرب ملائكته إليه لأن قربهم بأمره، وهم جنوده ورسله.\nوقد جاء نحو هذا التعبير مرادًا به الملائكة، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ","vol":"1","page":65},{"text":"فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾، فإن المراد به قراءة جبريل القرآن على رسول الله ﷺ، مع أن الله تعالى أضاف القراءة إليه، لكن لما كان جبريل يقرؤه على النبي ﷺ بأمر الله تعالى صحت إضافة القراءة إليه تعالى. وكذلك جاء في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾، وإبراهيم إنما كان يجادل الملائكة الذين هم رسل الله تعالى.\nالمثال التاسع والعاشر: قوله تعالى عن سفينة نوح: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾، وقوله لموسى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ .\nوالجواب: أن المعنى في هاتين الآيتين على ظاهر الكلام وحقيقته، لكن ما ظاهر الكلام وحقيقته هنا؟.\nهل يقال: إن ظاهره وحقيقته أن السفينة تجري في عين الله، أو أن موسى ﵊ يُرَبَّى فوق عين الله تعالى؟.\nأو يقال: إن ظاهره أن السفينة تجري وعين الله ترعاها وتكلؤها، وكذلك تربية موسى تكون على عين الله تعالى يرعاه ويكلؤه بها.\nولا ريب أن القول الأول باطل من وجهين:\nالأول: أنه لا يقتضيه الكلام بمقتضى الخطاب العربي، والقرآن إنما نزل بلغة العرب، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ","vol":"1","page":66},{"text":"مُبِينٍ﴾، ولا أحد يفهم من قول القائل: فلان يسير بعيني. أن المعني: أنه يسير داخل عينه. ولا من قول القائل: فلان تخرج على عيني. أن تخرجه كان وهو راكب على عينه. ولو ادعى مدع أن هذا ظاهر اللفظ في هذا الخطاب لضحك منه السفهاء فضلًا عن العقلاء.\nالثاني: أن هذا ممتنع غاية الامتناع، ولا يمكن لمن عرف الله وقدره حق قدره أن يفهمه في حق الله تعالى، لأن الله تعالى مستو على عرشه بائن من خلقه، لا يحل فيه شيء من مخلوقاته، ولا هو حال في شيء من مخلوقاته، ﷾ عن ذلك علوًا كبيرًا.\nفإذا تبين بطلان هذا من الناحية اللفظية والمعنوية، تعين أن يكون ظاهر الكلام هو القول الثاني: أن السفينة تجري وعين الله ترعاها وتكلؤها، وكذلك تربية موسى تكون على عين الله يرعاه ويكلؤه بها.\nوهذا معنى قول بعض السلف: (بمرأى منى)، فإن الله تعالى إذا كان يكلؤه بعينه لزم من ذلك أن يراه، ولازم المعنى الصحيح جزء منه، كما هو معلوم من دلالة اللفظ، حيث تكون بالمطابقة والتضمن والالتزام.\nالمثال الحادي عشر: قوله تعالى في الحديث القدسي: \"وما يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه\".","vol":"1","page":67},{"text":"والجواب: أن هذا الحديث صحيح، رواه البخاري في باب التواضع، الثامن والثلاثين من كتاب الرقاق.\nوقد أخذ السلف أهل السنة والجماعة بظاهر الحديث، وأجروه على حقيقته. ولكن ما ظاهر هذا الحديث؟.\nهل يقال: إن ظاهره أن الله تعالى يكون سَمْعَ الوَلِيّ وبصره ويده ورجله؟.\nأو يقال: إن ظاهره أن الله تعالى يسدد الولي في سمعه وبصره ويده ورجله، بحيث يكون إدراكه وعمله لله وبالله وفي الله؟.\nولا ريب أن القول الأول ليس ظاهر الكلام، بل ولا يقتضيه الكلام لمن تدبر الحديث، فإن في الحديث ما يمنعه من وجهين:\nالأول: أن الله تعالى قال: \" وما يزال عبدي يتقرب إلىّ بالنوافل حتى أحبه\"، وقال: \"لئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه \". فأثبت عبدًا ومعبودًا، ومتقربا ومتقربا إليه، ومحبا ومحبوبا، وسائلًا ومسئوولًا، ومعطيا ومعطى، ومستعيذًا ومستعاذًا به، ومعيذًا ومعاذًا. فسياق الحديث يدل على اثنين متباينين، كل واحد منهما غير الآخر. وهذا يمنع أن يكون أحدهما وصفا في الآخر أو جزءًا من أجزائه.\nالوجه الثاني: أن سمع الولي وبصره ويده ورجله كلها أوصاف أو","vol":"1","page":68},{"text":"أجزاء في مخلوق حادث بعد أن لم يكن، ولا يمكن لأي عاقل أن يفهم أن الخالق الأول الذي ليس قبله شيء يكون سمعا وبصرًا ويدًا ورجلًا لمخلوق، بل إن هذا المعنى تشمئز منه النفس أن تتصوره، ويحسر اللسان أن ينطق به ولو على سبيل الفرض والتقدير، فكيف يسوغ أن يقال إنه ظاهر الحديث القدسي، وأنه قد صرف عن هذا الظاهر؟. سبحانك اللهم وبحمدك، لا نحصى ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك.\nوإذا تبين بطلان القول الأول وامتناعه، تعين القول الثاني، وهو: أن الله تعالى يسدد هذا الولي في سمعه وبصره وعمله، بحيث يكون إدراكه بسمعه وبصره وعمله بيده ورجله كله لله تعالى إخلاصا، وبالله تعالى استعانةً، وفي الله تعالى شرعا واتباعا، فيتم له بذلك كمال الإخلاص والاستعانة والمتابعة، وهذا غاية التوفيق، وهذا ما فسره به السلف، وهو تفسير مطابق لظاهر اللفظ، موافق لحقيقته، متعين بسياقه، وليس فيه تأويل، ولا صرف للكلام عن ظاهره. ولله الحمد والمنة.\nالمثال الثاني عشر: قوله ﷺ فيما يرويه عن الله تعالى أنه قال: \"من تقرب مني شبرًا تقربت منه ذراعا، ومن تقرب مني ذراعا تقربت منه باعا، ومن أتاني يمشى أتيته هرولة\".\nوهذا الحديث صحيح، رواه مسلم في كتاب الذكر والدعاء، من حديث أبي ذر ﵁، وروى نحوه من حديث أبي هريرة أيضا. وكذلك روى البخاري نحوه من حديث أبي هريرة ﵁ في كتاب التوحيد، الباب الخامس عشر.","vol":"1","page":69},{"text":"وهذا الحديث كغيره من النصوص الدالة على قيام الأفعال الاختيارية بالله تعالى، وأن سبحانه فعال لما يريد، كما ثبت ذلك في الكتاب والسنة، مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾، وقوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾، وقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾، وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، وقوله ﷺ: \"ينزل ربنا إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر\"، وقوله ﷺ: \"ما تصدق أحد بصدقة من طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، إلا أخذها الرحمن بيمينه\"، إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث الدالة على قيام الأفعال الاختيارية به تعالى.\nفقوله في هذا الحديث: تقربت منه وأتيته هرولة؛ من هذا الباب.\nوالسلف أهل السنة والجماعة يجرون هذه النصوص على ظاهرها، وحقيقة معناها اللائق بالله ﷿، من غير تكييف ولا تمثيل. قال شيخ الإسلام ابن تيميه في شرح حديث النزول، (ص ٤٦٦، ج ٥) من \"مجموع الفتاوى\": \"وأما دنوه نفسه وتقربه من بعض عباده، فهذا يثبته من يثبت قيام الأفعال الاختيارية بنفسه، ومجيئه يوم القيامة، ونزوله، واستوائه على العرش. وهذا مذهب أئمة السلف، وأئمة الإسلام المشهورين، وأهل الحديث، والنقل عنهم بذلك متواتر\"اهـ.\nفأي مانع يمنع من القول بأنه يقرب من عبده كيف يشاء مع علوه؟، وأيّ مانع يمنع من إتيانه كيف يشاء بدون تكييف ولا تمثيل؟.","vol":"1","page":70},{"text":"وهل هذا إلا من كماله أن يكون فعالًا لما يريد، على الوجه الذي به يليق؟.\nوذهب بعض الناس إلى أن قوله تعالى في هذا الحديث القدسي: \"أتيته هرولة\" يراد به: سرعة قبول الله تعالى وإقباله على عبده المتقرب إليه، المتوجه بقلبه وجوارحه، وأن مجازاة الله للعامل له أكمل من عمل العامل. وعلل ما ذهب إليه بأن الله تعالى قال: \"ومن أتاني يمشي\" ومن المعلوم أن المتقرب إلى الله ﷿، الطالب للوصول إليه، لا يتقرب ويطلب الوصول إلى الله تعالى بالمشي فقط، بل تارة يكون بالمشي كالسير إلى المساجد، ومشاعر الحج، والجهاد في سبيل الله، ونحوها. وتارة بالركوع والسجود ونحوهما. وقد ثبت عن النبي ﷺ أن أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، بل قد يكون التقرب إلى الله تعالى وطلب الوصول إليه والعبد مضطجع على جنبه، كما قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾، وقال النبي ﷺ لعمران بن حصين: \"صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب\".\nقال: فإذا كان كذلك، صار المراد بالحديث بيان مجازاة الله تعالى العبد على عمله، وأن من صدق في الإقبال على ربه وإن كان بطيئا جازاه الله تعالى بأكمل من عمله وأفضل.\nوصار هذا هو ظاهر اللفظ بالقرينة الشرعية المفهومة من سياقه.\nوإذا كان هذا ظاهر اللفظ بالقرينة الشرعية، لم يكن تفسيره به خروجا به عن ظاهره، ولا تأويلًا كتأويل أهل التعطيل، فلا يكون حجة لهم على أهل السنة. ولله الحمد.","vol":"1","page":71},{"text":"وما ذهب إليه هذا القائل له حظ من النظر، لكن القول الأول أظهر وأسلم وأليق بمذهب السلف.\nويجاب عن من جعله قرينة من كون التقرب إلى الله تعالى، وطلب الوصول إليه لا يختص بالمشي: بأن الحديث خرج مخرج المثال لا الحصر، فيكون المعنى: من أتاني يمشي في عبادة تفتقر إلى المشي لتوقفها عليه، بكونه وسيلة لها كالمشي إلى المساجد للصلاة، أو من ماهيتها كالطواف والسعي. والله تعالى أعلم.\nالمثال الثالث عشر: قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾؟.\nوالجواب: أن يقال ما هو ظاهر هذه الآية وحقيقتها، حتى يقال: إنها صرفت عنه؟\nهل يقال: إن ظاهرها أن الله تعالى خلق الأنعام بيده، كما خلق آدم بيده؟.\nأو يقال: إن ظاهرها أن الله تعالى خلق الأنعام كما خلق غيرها، لم يخلقها بيده، لكن إضافة العمل إلى اليد والمراد صاحبها؛ معروف في اللغة العربية التي نزل بها القرآن.\nأما القول الأول فليس هو ظاهر اللفظ لوجهين:\nأحدهما: أن اللفظ لا يقتضيه بمقتضى اللسان العربي الذي نزل القرآن به، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾، وقوله: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ","vol":"1","page":72},{"text":"الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾، وقوله: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾، فإن المراد: ما كسبه الإنسان نفسه وما قدمه وإن عمله بغير يده، بخلاف ما إذا قال: عملته بيدي، كما في قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، فإنه يدل على مباشرة الشيء باليد.\nالثاني: أنه لو كان المراد أن الله تعالى خلق هذه الأنعام بيده، لكان لفظ الآية: خلقنا لهم بأيدينا أنعاما. كما قال الله تعالى في آدم: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ﴾، لأن القرآن نزل بالبيان لا بالتعمية، لقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ .\nوإذا ظهر بطلان القول الأول، تعين أن يكون الصواب هو القول الثاني، وهو: أن ظاهر اللفظ أن الله تعالى خلق الأنعام كما خلق غيرها، ولم يخلقها بيده، لكن إضافة العمل إلى اليد كإضافته إلى النفس بمقتضى اللغة العربية، بخلاف ما إذا أضيف إلى النفس وعدي بالباء إلى اليد، فتنبه للفرق، فإن التنبه للفروق بين المتشابهات من أجود أنواع العلم، وبه يزول كثير من الإشكالات.\nالمثال الرابع عشر: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ .\nوالجواب: أن يقال: هذه الآية تضمنت جملتين:\nالجملة الأولى: قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ .\nوقد أخذ السلف أهل السنة بظاهرها وحقيقتها. وهي صريحة في أن الصحابة","vol":"1","page":73},{"text":"﵃ كانوا يبايعون النبي ﷺ نفسه، كما في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ .\nولا يمكن لأحد أن يفهم من قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ أنهم يبايعون الله نفسه، ولا أن يدّعي أن ذلك ظاهر اللفظ؛ لمنافاته لأول الآية والواقع، واستحالته في حق الله تعالى.\nوإنما جعل الله تعالى مبايعة الرسول ﷺ مبايعة له لأنه رسوله، وقد بايع الصحابة على الجهاد في سبيل الله تعالى، ومبايعة الرسول على الجهاد في سبيل من أرسله مبايعة لمن أرسله، لأنه رسوله المبلغ عنه، كما أن طاعة الرسول طاعة لمن أرسله، لقوله تعالى ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ .\nوفي إضافة مبايعتهم الرسول ﷺ إلى الله تعالى من تشريف النبي ﷺ وتأييده، وتوكيد هذه المبايعة، وعظمها، ورفع شأن المبايعين؛ ما هو ظاهر لا يخفى على أحد.\nالجملة الثانية: قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾، وهذه أيضا على ظاهرها وحقيقتها، فإن يد الله تعالى فوق أيدي المبايعين، لأن يده من صفاته، وهو سبحانه فوقهم على عرشه، فكانت يده فوق أيديهم.\nوهذا ظاهر اللفظ وحقيقته، وهو لتوكيد كون مبايعة النبيصلى الله عليه وسلم مبايعة لله ﷿، ولا يلزم منها أن تكون يد الله جل وعلا مباشرة لأيديهم، ألا ترى أنه يقال: السماء فوقنا، مع أنها مباينة لنا بعيدة عنا. فيد الله ﷿ فوق أيدي","vol":"1","page":74},{"text":"المبايعين لرسوله ﷺ مع مباينته تعالى لخلقه، وعلوه عليهم.\nولا يمكن لأحد أن يفهم أن المراد بقوله: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ يد النبيصلى الله عليه وسلم، ولا أن يدعي أن ذلك ظاهر اللفظ، لأن الله تعالى أضاف اليد إلى نفسه، ووصفها بأنها فوق أيديهم. ويد النبي ﷺ عند مبايعة الصحابة لم تكن فوق أيديهم، بل كان يبسطها إليهم، فيمسك بأيديهم كالمصافح لهم، فيده مع أيديهم لا فوق أيديهم.\nالمثال الخامس عشر: قوله تعالى: في الحديث القدسي: \"يابن آدم، مرضت فلم تعدني\" الحديث.\nوهذا الحديث رواه مسلم في باب فضل عيادة المريض، من كتاب البر والصلة والآداب، رقم: ٤٣ (ص ١٩٩٠) ترتيب: محمد فؤاد عبد الباقي.\nرواه مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \" إن الله تعالى يقول يوم القيامة: يابن آدم، مرضت فلم تعدني. قال: يارب، كيف أعودك وأنت رب العالمين؟. قال: أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده، أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده؟. يابن آدم، استطعمتك فلم تطعمني. قال: يارب، وكيف أطعمك وأنت رب العالمين؟. قال: أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه، أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي؟. يابن آدم، استسقيتك فلم تسقني. قال: يارب، كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟. قال: استسقاك عبدي فلان فلم تسقه، أما إنك لو سقيته وجدت ذلك عندي\".","vol":"1","page":75},{"text":"والجواب: أن السلف أخذوا بهذا الحديث ولم يصرفوه عن ظاهره بتحريف يتخبطون فيه بأهوائهم، وإنما فسروه بما فسره به المتكلم به.\nفقوله تعالى: مرضت، واستطعمتك، واستسقيتك، بينه الله تعالى بنفسه، حيث قال: أما علمت أن عبدي فلانا مرض، وأنه استطعمك عبدي فلان، واستسقاك عبدي فلان. وهو صريح في أن المراد به مرض عبد من عباد الله، واستطعام عبد من عباد الله، واستسقاء عبد من عباد الله، والذي فسره بذلك هو الله المتكلم به، وهو أعلم بمراده، فإذا فسرنا المرض المضاف إلى الله، والاستطعام المضاف إليه، والاستسقاء المضاف إليه، بمرض العبد واستطعامه واستسقائه لم يكن في ذلك صرف للكلام عن ظاهره، لأن ذلك تفسير المتكلم به، فهو كما لو تكلم بهذا المعنى ابتداء، وإنما أضاف الله ذلك إلى نفسه أولًا للترغيب والحث، كقوله تعالى ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ .\nوهذا الحديث من أكبر الحجج الدامغة لأهل التأويل، الذين يحرفون نصوص الصفات عن ظاهرها بلا دليل من كتاب الله تعالى، ولا من سنة رسول الله ﷺ، وإنما يحرفونها بشبه باطلة، هم فيها متناقضون مضطربون.\nإذ لو كان المراد خلاف ظاهرها كما يقولون لبينه الله تعالى ورسوله ﷺ، ولو كان ظاهرها ممتنعا على الله كما زعموا لبينه الله ورسوله ﷺ كما في هذا الحديث. ولو كان ظاهرها اللائق بالله ممتنعا على الله لكان في الكتاب والسنة من وصف الله تعالى بما يمتنع عليه ما لا يحصى إلا بكلفة، وهذا من أكبر المحال.\nولنكتف بهذا القدر من الأمثلة لتكون نبراسا لغيرها، وإلا فالقاعدة عند","vol":"1","page":76},{"text":"أهل السنة والجماعة معروفة، وهي: إجراء آيات الصفات وأحاديثها على ظاهرها، من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل.\nوقد تقدم الكلام على هذا مستوفى في قواعد نصوص الصفات.\nوالحمد لله رب العالمين.","vol":"1","page":77},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-25>الخاتمة</span>\nإذا قال قائل: قد عرفنا بطلان مذهب أهل التأويل في باب الصفات، ومن المعلوم أن الأشاعرة من أهل التأويل لأكثر الصفات، فكيف يكون مذهبهم باطلًا، وقد قيل إنهم يمثلون اليوم خمسة وتسعين بالمائة من المسلمين؟.\nوكيف يكون باطلًا وقدوتهم في ذلك أبو الحسن الأشعري؟.\nوكيف يكون باطلًا وفيهم فلان وفلان من العلماء المعروفين بالنصيحة لله ولكتابه ولرسوله ﷺ ولأئمة المسلمين وعامتهم؟.\nقلنا: الجواب عن السؤال الأول: أننا لا نسلم أن تكون نسبة الأشاعرة بهذا القدر بالنسبة لسائر فرق المسلمين، فإن هذه دعوى تحتاج إلى إثبات عن طريق الإحصاء الدقيق.\nثم لو سلمنا أنهم بهذا القدر أو أكثر فإنه لا يقتضي عصمتهم من الخطأ، لأن العصمة في إجماع المسلمين لا في الأكثر.\nثم نقول: إن إجماع المسلمين قديما ثابت على خلاف ما كان عليه أهل التأويل، فإن السلف الصالح من صدر هذه الأمة، وهم الصحابة الذين هم خير القرون والتابعون لهم بإحسان وأئمة الهدى من بعدهم، كانوا مجمعين","vol":"1","page":79},{"text":"على إثبات ما أثبته الله لنفسه، أو أثبته له رسوله ﷺ من الأسماء والصفات، وإجراء النصوص على ظاهرها اللائق بالله تعالى، من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل.\nوهم خير القرون بنص الرسول ﷺ، وإجماعهم حجة ملزمة، لأنه مقتضى الكتاب والسنة، وقد سبق نقل الإجماع عنهم في القاعدة الرابعة من قواعد نصوص الصفات.\nوالجواب عن السؤال الثاني: أن أبا الحسن الأشعري وغيره من أئمة المسلمين لا يدعون لأنفسهم العصمة من الخطأ، بل لم ينالوا الإمامة في الدين إلا حين عرفوا قدر أنفسهم، ونزّلوها منزلتها، وكان في قلوبهم من تعظيم الكتاب والسنة ما استحقوا به أن يكونوا أئمة، قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾، وقال عن إبراهيم: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ شَاكِرًا لأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ .\nثم إن هؤلاء المتأخرين الذين ينتسبون إليه لم يقتدوا به الإقتداء الذي ينبغي أن يكونوا عليه، وذلك أن أبا الحسن كان له مراحل ثلاث في العقيدة:\nالمرحلة الأولى: مرحلة الاعتزال.\nاعتنق مذهب المعتزلة أربعين عاما، يقرره، ويناظر عليه، ثم رجع عنه، وصرح بتضليل المعتزلة، وبالغ في الرد عليهم١.\n_________\n١ مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية: (ص ٧٢، جـ ٤) .","vol":"1","page":80},{"text":"المرحلة الثانية: مرحلة بين الاعتزال المحض والسنة المحضة.\nسلك فيها طريق أبي محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب (١)، قال شيخ الإسلام ابن تيميه (ص ٤٧١) من المجلد السادس عشر من \"مجموع الفتاوى\" لابن قاسم: \"والأشعري وأمثاله برزخ بين السلف والجهمية، أخذوا من هؤلاء كلاما صحيحا، ومن هؤلاء أصولًا عقلية ظنوها صحيحة، وهي فاسدة\" اه.\nالمرحلة الثالثة: مرحلة اعتناق مذهب أهل السنة والحديث.\nمقتديا بالإمام أحمد بن حنبل ﵀، كما قرره في كتابه: \"الإبانة عن أصول الديانة\"، وهو من آخر كتبه أو آخرها.\nقال في مقدمته: \"جاءنا يعني النبي ﷺ بكتاب عزيز، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، جمع فيه علم الأولين، وأكمل به الفرائض والدين، فهو صراط الله المستقيم، وحبله المتين، من تمسك به نجا، ومن خالفه ضل وغوى، وفي الجهل تردى.\nوحث الله في كتابه على التمسك بسنة رسوله ﷺ، فقال ﷿: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ \" إلى أن قال: \"فأمرهم بطاعة رسوله ﷺ كما أمرهم بطاعته، ودعاهم إلى التمسك بسنة نبيه ﷺ كما أمرهم بالعمل بكتابه، فنبذ كثير ممن غلبت شقوته، واستحوذ عليهم الشيطان، سنن نبي الله ﷺ وراء ظهورهم، وعدلوا إلى\n_________\n١ مجموع الفتاوى: (ص ٥٥٦، جـ ٥) .","vol":"1","page":81},{"text":"أسلاف لهم قلدوهم بدينهم، ودانوا بديانتهم، وأبطلوا سنن رسول الله ﷺ، ورفضوها، وأنكروها وجحدوها افتراء منهم على الله، قد ضلوا وما كانوا مهتدين\"\nثم ذكر ﵀ أصولًا من أصول المبتدعة وأشار إلى بطلانها ثم قال:\nفان قال قائل: قد أنكرتم قول المعتزلة والجهمية والحرورية والرافضة والمرجئة، فعرفونا قولكم الذي به تقولون، وديانتكم التي بها تدينون.\nقيل له: قولنا الذي نقول به، وديانتنا التي ندين بها: التمسك بكتاب ربنا ﷿، وبسنة نبينا ﷺ، وما روى عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل نضر الله وجهه، ورفع درجته، وأجزل مثوبته قائلون، ولمن خالف قوله مجانبون، لأنه الإمام الفاضل، والرئيس الكامل) ثم أثنى عليه بما أظهر الله على يده من الحق، وذكر ثبوت الصفات، ومسائل في القدر والشفاعة، وبعض السمعيات، وقرر ذلك بالأدلة النقلية والعقلية.\nوالمتأخرون الذين ينتسبون إليه أخذوا بالمرحلة الثانية من مراحل عقيدته، والتزموا طريق التأويل في عامة الصفات، ولم يثبتوا إلا الصفات السبع المذكورة في هذا البيت:\nحي عليم قدير والكلام له ... إرادة وكذلك السمع والبصر\nعلى خلاف بينهم وبين أهل السنة في كيفية إثباتها.","vol":"1","page":82},{"text":"ولما ذكر شيخ الإسلام ابن تيميه ما قيل في شأن الأشعرية (ص ٣٥٩) من المجلد السادس من \"مجموع الفتاوى\" لابن قاسم قال: \"ومرادهم الأشعرية الذين ينفون الصفات الخبرية، وأما من قال منهم بكتاب \"الإبانة\" الذي صنفة الأشعري في آخر عمره، ولم يظهر مقالة تناقض ذلك، فهذا يعد من أهل السنة\". وقال قبل ذلك في (ص ٣١٠): \"وأما الأشعرية فعكس هؤلاء، وقولهم يستلزم التعطيل، وأنه لا داخل العالم ولا خارجه، وكلامه معنى واحد، ومعنى آيه الكرسي وآيه الدين والتوراة والإنجيل واحد، وهذا معلوم الفساد بالضرورة\" اهـ.\nوقال تلميذه ابن القيم في \"النونية\" (ص ٣١٢) من شرح الهراس، ط الإمام:\nواعلم بأن طريقهم عكس ال ... طريق المستقيم لمن له عينان\nإلى أن قال:\nفاعجب لعميان البصائر أبصروا ... كون المقلد صاحب البرهان\nورأوه بالتقليد أولى من سوا ... هـ بغير ما بصر ولا برهان\nوعموا عن الوحيين إذ لم يفهموا ...\nومعناهما عجبا لذي الحرمان","vol":"1","page":83},{"text":"وقال الشيخ محمد أمين الشنقيطي في تفسيره \"أضواء البيان\" (ص ٣١٩، ج ٢) على تفسير آية استواء الله تعالى على عرشه، التي في سورة الأعراف: (اعلم أنه غلط في هذا خلق لا يحصى كثرة من المتأخرين، فزعموا أن الظاهر المتبادر السابق إلى الفهم من معني الاستواء واليد مثلًا في الآيات القرآنية هو مشابهة صفات الحوادث. وقالوا: يجب علينا أن نصرفه عن ظاهره إجماعا) قال: \"ولا يخفي على أدنى عاقل أن حقيقة معني هذا القول: أن الله وصف نفسه في كتابه بما ظاهره المتبادر منه السابق إلى الفهم الكفر بالله تعالى، والقول فيه بما لا يليق به عز وعلا. والنبي ﷺ الذي قيل له: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ لم يبين حرفا واحدًا من ذلك، مع إجماع من يعتد به من العلماء على أنه ﷺ لا يجوز في حقه تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه، وأحرى في العقائد، لا سيما ما ظاهره المتبادر منه الكفر والضلال المبين، حتى جاء هؤلاء الجهلة من المتأخرين فزعموا أن الله أطلق على نفسه الوصف بما ظاهره المتبادر منه لا يليق، والنبي ﷺ كتم أن ذلك الظاهر المتبادر كفر وضلال يجب صرف اللفظ عنه. وكل هذا من تلقاء أنفسهم، من غير اعتماد على كتاب أو سنة. سبحانك هذا بهتان عظيم.\nولا يخفي أن هذا القول من أكبر الضلال، ومن أعظم الافتراء على الله ﷿ ورسوله ﷺ.\nوالحق الذي لا يشك فيه أدنى عاقل أن كل وصف وَصَف الله به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ، فالظاهر المتبادر منه السابق إلى فهم من في قلبه شيء من الإيمان، هو التنزيه التام عن مشابهة شيء من صفات الحوادث\" قال: \"وهل ينكر عاقل أن السابق إلى الفهم المتبادر لكل عاقل هو","vol":"1","page":84},{"text":"منافاة الخالق للمخلوق في ذاته وجميع صفاته؟. لا، والله لا ينكر ذلك إلا مكابر.\nوالجاهل المفتري الذي يزعم أن ظاهر آيات الصفات لا يليق بالله لأنه كفر وتشبيه، إنما جر إليه ذلك تنجيس قلبه بقذر التشبيه بين الخالق والمخلوق، فأداه شؤم التشبيه إلى نفي صفات الله جل وعلا، وعدم الإيمان بها، مع أنه جل وعلا هو الذي وصف بها نفسه، فكان هذا الجاهل مشبها أولًا، ومعطلًا ثانيا، فارتكب ما لا يليق بالله ابتداء وانتهاء، ولو كان قلبه عارفا بالله كما ينبغي، معظما لله كما ينبغي، طاهرًا من أقذار التشبيه، لكان المتبادر عنده السابق إلى فهمه أن وصف الله تعالى بالغ من الكمال والجلال، ما يقطع أوهام علائق المشابهة بينه وبين صفات المخلوقين، فيكون قلبه مستعدًا للإيمان بصفات الكمال والجلال، الثابتة لله في القرآن والسنة الصحيحة، مع التنزيه التام عن مشابهة صفات الخلق، على نحو قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ \" انتهى كلامه ﵀.\nوالأشعري أبو الحسن ﵀ كان في آخر عمره على مذهب أهل السنة والحديث، وهو إثبات ما أثبته الله تعالى لنفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ، من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل.\nومذهب الإنسان ما قاله أخيرًا إذا صرح بحصر قوله فيه، كما هي الحال في أبي الحسن، كما يعلم من كلامه في \"الإبانة\".\nوعلى هذا: فتمام تقليده اتباع ما كان عليه أخيرًا، وهو التزام مذهب أهل الحديث والسنة، لأنه المذهب الصحيح الواجب الاتباع، الذي التزم به أبو الحسن نفسه.","vol":"1","page":85},{"text":"والجواب عن السؤال الثالث من وجهين:\nالأول: أن الحق لا يوزن بالرجال، وإنما يوزن الرجال بالحق. هذا هو الميزان الصحيح، وإن كان لمقام الرجال ومراتبهم أثر في قبول أقوالهم، كما نقبل خبر العدل، ونتوقف في خبر الفاسق، لكن ليس هذا هو الميزان في كل حال، فإن الإنسان بشر، يفوته من كمال العلم وقوة الفهم ما يفوته، فقد يكون الرجل دينا وذا خلق، ولكن يكون ناقص العلم أو ضعيف الفهم، فيفوته من الصواب بقدر ما حصل له من النقص والضعف، أو يكون قد نشأ على طريق معين، أو مذهب معين، لا يكاد يعرف غيره، فيظن أن الصواب منحصر فيه، ونحو ذلك.\nالثاني: أننا إذا قابلنا الرجال الذين على طريق الأشاعرة بالرجال الذين هم على طريق السلف، وجدنا في هذه الطريق من هم أجل وأعظم وأهدى وأقوم من الذين على طريق الأشاعرة، فالأئمة الأربعة أصحاب المذهب المتبوعة ليسوا على طريق الأشاعرة.\nوإذا ارتقيت إلى من فوقهم من التابعين لم تجدهم على طريق الأشاعرة.\nوإذا علوت إلى عصر الصحابة والخلفاء الأربعة الراشدين لم تجد فيهم من حذا حذو الأشاعرة في أسماء الله تعالى وصفاته، وغيرهما مما خرج به الأشاعرة عن طريق السلف.\nونحن لا ننكر أن لبعض العلماء المنتسبين إلى الأشعري قدم صدق في الإسلام، والذب عنه، والعناية بكتاب الله تعالى وبسنة رسوله صلى الله عليه","vol":"1","page":86},{"text":"وسلم رواية ودراية، والحرص على نفع المسلمين وهدايتهم، ولكن هذا لا يستلزم عصمتهم من الخطأ فيما أخطئوا فيه، ولا قبول قولهم في كل ما قالوه، ولا يمنع من بيان خطئهم ورده، لما في ذلك من بيان الحق وهداية الخلق.\nولا ننكر أيضا أن لبعضهم قصدًا حسنا فيما ذهب إليه، وخفي عليه الحق فيه، ولكن لا يكفي لقبول القول حسن قصد قائله، بل لا بد أن يكون موافقا لشريعة الله ﷿، فإن كان مخالفا لها وجب رده على قائله كائنا من كان، لقول النبي ﷺ: \"من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد\".\nثم إن كان قائله معروفا بالنصيحة والصدق في طلب الحق، اعتذر عنه في هذه المخالفة، وإلا عومل بما يستحقه بسوء قصده ومخالفته.\nفإن قال قائل: هل تكفرون أهل التأويل أو تفسقونهم؟.\nقلنا: الحكم بالتفكير والتفسيق ليس إلينا، بل هو إلى الله تعالى ورسوله ﷺ، فهو من الأحكام الشرعية التي مردها إلى الكتاب والسنة، فيجب التثبت فيه غاية التثبت، فلا يكفر ولا يفسق إلا من دل الكتاب والسنة على كفره أو فسقه.\nوالأصل في المسلم الظاهر العدالة بقاء إسلامه وبقاء عدالته، حتى يتحقق زوال ذلك عنه بمقتضى الدليل الشرعي، ولا يجوز التساهل في تكفيره أو تفسيقه لأن في ذلك محذورين عظيمين:","vol":"1","page":87},{"text":"أحدهما: افتراء الكذب على الله تعالى في الحكم وعلى المحكوم عليه في الوصف الذي نبزه به.\nالثاني: الوقوع فيما نبز به أخاه إن كان سالما منه، ففي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: \"إذا كفر الرجل أخاه فقد باء بها أحدهما\"، وفي رواية: \"إن كان كما قال وإلا رجعت عليه\"، وفيه عن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ: \"ومن دعا رجلًا بالكفر، أو قال عدو الله، وليس كذلك إلا حار عليه\".\nوعلى هذا فيجب قبل الحكم على المسلم بكفر أو فسق أن ينظر في أمرين:\nأحدهما: دلالة الكتاب أو السنة على أن هذا القول أو الفعل موجب للكفر أو الفسق.\nالثاني: انطباق هذا الحكم على القائل المعين أو الفاعل المعين، بحيث تتم شروط التكفير أو التفسيق في حقه، وتنتفي الموانع.\nومن أهم الشروط: أن يكون عالما بمخالفته التي أوجبت أن يكون كافرا أو فاسقا، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ وقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ .","vol":"1","page":88},{"text":"ولهذا قال أهل العلم: لا يكفر جاحد الفرائض إذا كان حديث عهد بإسلام حتى يبين له.\nومن الموانع: أن يقع ما يوجب الكفر أو الفسق بغير إرادة منه ولذلك صور:\nمنها: أن يكره على ذلك، فيفعله لداعي الإكراه لا اطمئنانا به، فلا يكفر حينئذ، لقوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ .\nومنها: أن يغلق عليه فكره فلا يدري ما يقول لشدة فرح أو حزن أو خوف أو نحو ذلك.\nودليله ما ثبت في صحيح مسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لله أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم، كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها، قد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك. أخطأ من شدة الفرح\".\nقال شيخ الإسلام ابن تيميه ﵀ (ص ١٨٠، ج ١٢) \"مجموع الفتاوى\" لابن قاسم: \"وأما التكفير، فالصواب: أن من اجتهد من أمة محمد ﷺ وقصد الحق فأخطأ لم يكفر، بل يغفر له خطؤه، ومن تبين له ما جاء به الرسول ﷺ،","vol":"1","page":89},{"text":"فشاق الرسول من بعد ما تبين له الهدى، واتبع غير سبيل المؤمنين فهو كافر. ومن اتبع هواه، وقَصَّر في طلب الحق، وتكلم بلا علم، فهو عاصٍ مذنب. ثم قد يكون فاسقا، وقد يكون له حسنات تَرْجَحُ على سيئاته\" اهـ.\nوقال في (ص ٢٢٩، ج ٣) من المجموع المذكور في كلام له: \"هذا، مع أني دائما ومن جالسني يعلم ذلك مني، أني من أعظم الناس نهيا عن أن ينسب معين إلى تكفير وتفسيق ومعصية، إلا إذا علم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافرًا تارة، وفاسقا أخرى، وعاصيا أخرى، وأني أقرر: أن الله قد غفر لهذه الأمة خطأها، وذلك يعم الخطأ في المسائل الخبرية القولية، والمسائل العملية. ومازال السلف يتنازعون في كثير من هذه المسائل، ولم يشهد أحد منهم على أحد لا بكفر ولا بفسق ولا بمعصية\" وذكر أمثلة، ثم قال: \"وكنت أبين أن ما نقل عن السلف والأئمة من إطلاق القول بتكفير من يقول كذا وكذا، فهو أيضا حق، لكن يجب التفريق بين الإطلاق والتعيين\" إلى أن قال: \"والتكفير هو من الوعيد، فإنه وإن كان القول تكذيبا لما قاله الرسول ﷺ، لكن قد يكون الرجل حديث عهد بإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة، ومثل هذا لا يكفر بجحد ما يجحده حتى تقوم عليه الحجة، وقد يكون الرجل لم يسمع تلك النصوص، أو سمعها ولم تثبت عنده، أو عارضها عنده معارض آخر أوجب تأويلها، وإن كان مخطئا.","vol":"1","page":90},{"text":"وكنت دائما أذكر الحديث الذي في الصحيحين في الرجل الذي قال: إذا أنا مت فأحرقوني، ثم اسحقوني، ثم ذروني في اليم، فوالله لئن قدر الله علّي ليعذبني عذابا ما عذبه أحدًا من العالمين. ففعلوا به ذلك، فقال الله: ما حملك على ما فعلت؟. قال خشيتك. فغفر له.\nفهذا رجل شك في قدرة الله وفي إعادته إذا ذُرِّيَ، بل اعتقد أنه لا يعاد، وهذا كفر باتفاق المسلمين، لكن كان جاهلًا لا يعلم ذلك، وكان مؤمنا يخاف الله أن يعاقبه. فغفر له بذلك.\nوالمتأول من أهل الاجتهاد الحريص على متابعة الرسول ﷺ أولى بالمغفرة من مثل هذا\" اهـ.\nوبهذا علم الفرق بين القول والقائل، وبين الفعل والفاعل، فليس كل قول أو فعل يكون فسقا أوكفرًا يحكم على قائله أو فاعله بذلك، قال شيخ الإسلام ابن تيميه ﵀ (ص ١٦٥، ج ٣٥) \"مجموع الفتاوى\": \"وأصل ذلك: أن المقالة التي هي كفر بالكتاب والسنة والإجماع يقال هي كفر قولًا يطلق، كما دل على ذلك الدلائل الشرعية، فإن الإيمان من الأحكام المتلقاة عن الله ورسوله ﷺ، ليس ذلك مما يحكم فيه الناس بظنونهم وأهوائهم، ولا يجب أن يحكم في كل شخص قال ذلك بأنه كافر حتى يثبت في حقه شروط التكفير وتنتفي موانعه، مثل من قال: إن الخمر أو الربا حلال، لقرب عهده بالإسلام، أو لنشوئه في بادية بعيدة، أو سمع كلاما أنكره ولم يعتقد أنه من القرآن، ولا أنه من أحاديث رسول الله ﷺ، كما كان بعض السلف ينكر أشياء حتى يثبت عنده أن النبي ﷺ","vol":"1","page":91},{"text":"قالها) إلى أن قال: (فإن هؤلاء لا يكفرون حتى تقوم عليهم الحجة بالرسالة، كما قال الله تعالى: ﴿لِئَلاّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ وقد عفا الله لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان\" اه كلامه.\nوبهذا علم أن المقالة أو الفعلة قد تكون كفرًا أو فسقا، ولا يلزم من ذلك أن يكون القائم بها كافرًا أو فاسقا، إما لانتفاء شرط التكفير أو التفسيق أو وجود مانع شرعي يمنع منه.\nومن تبين له الحق فأصر على مخالفته تبعا لاعتقاد كان يعتقده، أو متبوع كان يعظمه، أو دنيا كان يؤثرها، فإنه يستحق ما تقتضيه تلك المخالفة من كفر أو فسوق.\nفعلى المؤمن أن يبني معتقده وعمله على كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ فيجعلهما إماما له، يستضيء بنورهما ويسير على منهاجهما، فإن ذلك هو الصراط المستقيم الذي أمر الله تعالى به، في قوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ .\nوليحذر ما يسلكه بعض الناس من كونه يبني معتقده أو عمله على مذهب معين، فإذا رأى نصوص الكتاب والسنة على خلافه حاول صرف هذه النصوص إلى ما يوافق ذلك المذهب على وجوه متعسفة، فيجعل الكتاب والسنة تابعين لا متبوعين، وما سواهما إماما لا تابعا، وهذه طريق من طرق أصحاب الهوى، لا أتباع الهدى، وقد ذم الله هذه الطريق في قوله: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ .","vol":"1","page":92},{"text":"والناظر في مسالك الناس في هذا الباب يرى العجب العجاب، ويعرف شدة افتقاره إلى اللجوء إلى ربه في سؤال الهداية والثبات على الحق، والاستعاذة من الضلال والانحراف.\nومن سأل الله تعالى بصدق وافتقار إليه، عالما بغنى ربه عنه وافتقاره هو إلى ربه فهو حري أن يستجيب الله تعالى سُؤْلَه، يقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ .\nفنسأل الله تعالى أن يجعلنا ممن رأى الحق حقا واتبعه، ورأى الباطل باطلًا واجتنبه، وأن يجعلنا هداة مهتدين، وصلحاء مصلحين، وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، ويهب لنا منه رحمة إنه هو الوهاب.\nوالحمد لله رب العالمين الذي بنعمته تتم الصالحات.\nوالصلاة والسلام على نبي الرحمة، وهادي الأمة إلى صراط العزيز الحميد بإذن ربهم، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.\nتم في اليوم الخامس عشر من شهر شوال سنة ١٤٠٤ هـ.\nبقلم مؤلفه الفقير إلى الله محمد بن صالح العثيمين","vol":"1","page":93},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-26>نص الكلمة التي نشرناها في مجلة الدعوة </span>في عدد: (٩١١)، الصادر يوم الاثنين، الموافق: ٤/١/١٤٠٤ هـ\nبسم الله الرحمن الرحيم\nالحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليما.\nأما بعد:\nفقد كنا تكلمنا في بعض مجالسنا على معنى معية الله تعالى لخلقه، ففهم بعض الناس من ذلك ما ليس بمقصود لنا ولا معتقد لنا، فكثر سؤال الناس وتساؤلهم ماذا يقال في معية الله لخلقه؟.\nوإننا:\nأ- لئلا يعتقد مخطئ أو خاطئ في معية الله ما لا يليق به.\nب- ولئلا يتقول علينا متقول ما لم نقله أو يتوهم واهم فيما نقوله ما لم نقصده.\nج- ولبيان معنى هذه الصفة العظيمة التي وصف الله بها نفسه في عدة","vol":"1","page":94},{"text":"آيات من القرآن ووصفه بها نبيه محمدصلى الله عليه وسلم.\nنقرر ما يأتي:\nأولًا: معية الله تعالى لخلقه ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع السلف، قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾، وقال تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾، وقال تعالى لموسى وهارون حين أرسلهما إلى فرعون: ﴿قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾، وقال عن رسوله محمد ﷺ: ﴿إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾، وقال النبي ﷺ: \"أفضل الإيمان أن تعلم أن الله معك حيثما كنت\" حسّنه شيخ الإسلام ابن تيميه في العقيدة الواسطية، وضعفه بعض أهل العلم، وسبق قريبا ما قاله الله تعالى عن نبيه ﷺ من إثبات المعية له.\nوقد أجمع السلف على إثبات معية الله تعالى لخلقه.\nثانيا: هذه المعية حق على حقيقتها، لكنها معية تليق بالله تعالى، ولا تشبه معية أي مخلوق لمخلوق، لقوله تعالى عن نفسه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، وقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾، وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ وكسائر صفاته الثابتة له حقيقة على وجه يليق به ولا تشبه صفات المخلوقين.\nقال ابن عبد البر: \"أهل السنة مجمعون على الصفات الواردة كلها في","vol":"1","page":95},{"text":"القرآن والسنة، والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلا أنهم لا يكيفون شيئا من ذلك، ولا يحدون فيه صفة محدودة\"اه. نقله عنه شيخ الإسلام ابن تيميه في \"الفتوى الحموية\" (ص ٨٧) من المجلد الخامس من مجموع الفتاوى لابن قاسم.\nوقال شيخ الإسلام في هذه الفتوى (ص ١٠٢) من المجلد المذكور:\n\"ولا يحسب الحاسب أن شيئا من ذلك يعني مما جاء في الكتاب والسنة يناقض بعضه بعضا البتة، مثل أن يقول القائل: ما في الكتاب والسنة من أن الله فوق العرش يخالفه الظاهر، من قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾، وقوله ﷺ: \"إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الله قبل وجهه\" ونحو ذلك، فإن هذا غلط، وذلك أن الله معنا حقيقة، وهو فوق العرش حقيقة، كما جمع الله بينهما في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فأخبر أنه فوق العرش، يعلم كل شيء وهو معنا أينما كنا، كما قال ﷺ في حديث الأوعال: \"والله فوق العرش، وهو يعلم ما أنتم عليه\".\nوذلك أن كلمة \"مع\" في اللغة إذا أطلقت فليس ظاهرها في اللغة إلا المقارنة المطلقة، من غير وجوب مماسة أو محاذاة عن يمين أو شمال، فإذا قيدت بمعنى من المعاني دلت على المقارنة في ذلك المعنى، فإنه يقال: ما زلنا والقمر معنا، أو والنجم معنا، ويقال: هذا المتاع معي لمجامعته لك، وإن كان","vol":"1","page":96},{"text":"فوق رأسك فالله مع خلقه حقيقة وهو فوق عرشه حقيقة\" اه كلامه.\nثالثا: هذه المعية تقتضي الإحاطة بالخلق علما وقدرةً وسمعا وبصرًا وسلطانا وتدبيرًا، وغير ذلك من معاني ربوبيته إن كانت المعية عامة لم تخص بشخص أو وصف، كقوله تعالى ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ وقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ .\nفإن خصت بشخص أو وصف اقتضت مع ذلك النصر والتأييد والتوفيق والتسديد.\nمثال المخصوصة بشخص: قوله تعالى لموسى وهارون: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾، وقوله عن النبي ﷺ: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾\nومثال المخصوصة بوصف: قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ وأمثالها في القرآن كثيرة.\nقال شيخ الإسلام ابن تيميه في الفتوى الحموية (ص ١٠٣) من المجلد الخامس من مجموع الفتاوى لابن قاسم قال: \"ثم هذه المعية تختلف أحكامها بحسب الموارد، فلما قال: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ إلى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ دل ظاهر الخطاب على أن حكم هذه المعية ومقتضاها أنه مطلع عليكم شهيد عليكم، ومهيمن عالم بكم. وهذا معنى","vol":"1","page":97},{"text":"ﷺ لصاحبه في الغار: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ كان هذا أيضا حقا على ظاهره، ودلت الحال على أن حكم هذه المعية هنا معية الإطلاع والنصر والتأييد، وكذلك قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾، وكذلك قوله لموسى وهارون: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾، هنا المعية على ظاهرها، وحكمها في هذه المواطن النصر والتأييد\".\nإلى أن قال: \"ففرق بين معنى المعية ومقتضاها، وربما صار مقتضاها من معناها فيختلف باختلاف المواضع\"اه.\nوقال محمد بن الموصلي في كتاب \"استعجال الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة\" لابن القيم في المثال التاسع (ص ٤٠٩) ط الإمام:\n\"وغاية ما تدل عليه \"مع\" المصاحبة والموافقة والمقارنة في أمر من الأمور، وهذا الاقتران في كل موضع بحسبه، ويلزمه لوازم بحسب متعلقه، فإذا قيل: الله مع خلقه بطريق العموم، كان من لوازم ذلك علمه بهم وتدبيره لهم وقدرته عليهم، وإذا كان ذلك خاصا كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ كان من لوازم ذلك معيته لهم بالنصرة والتأييد والمعونة.\nفمعية الله تعالى مع عبده نوعان: عامة وخاصة. وقد اشتمل القرآن على النوعين، وليس ذلك بطريق الاشتراك اللفظي، بل حقيقتها ما تقدم من الصحبة اللائقة\" اهـ.\nوذكر ذلك ابن رجب في شرح الحديث التاسع والعشرين من الأربعين","vol":"1","page":98},{"text":"النووية: \"أن المعية الخاصة تقتضي النصر والتأييد والحفظ والإعانة، وأن العامة تقتضي علمه وإطلاعه ومراقبته لأعمالهم\".\nوقال ابن كثير في تفسير آية المعية في سورة المجادلة:\"ولهذا حكى غير واحد الإجماع على أن المراد بهذه المعية معية علمه\" قال: \"ولا شك في إرادة ذلك، ولكن سمعه أيضا مع علمه بهم وبصره نافذ فيهم، فهو سبحانه مطلع على خلقه، لا يغيب عنه من أمورهم شيء\"اه.\nرابعا: هذه المعية لا تقتضي أن يكون الله تعالى مختلطا بالخلق أو حالًا في أمكنتهم، ولا تدل على ذلك بوجه من الوجوه، لأن هذا معنى باطل مستحيل على الله ﷿، ولا يمكن أن يكون معنى كلام الله ورسوله ﷺ شيئا مستحيلًا باطلًا.\nقال شيخ الإسلام ابن تيميه في العقيدة الواسطية (ص ١١٥) ط ثالثة، من شرح محمد خليل الهراس: (وليس معنى قوله ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ أنه مختلط بالخلق، فإن هذا لا توجبه اللغة، بل القمر آية من آيات الله تعالى من أصغر مخلوقاته، وهو موضوع في السماء، وهو مع المسافر وغير المسافر أينما كان\"اه.\nولم يذهب إلى هذا المعنى الباطل إلا الحلولية من قدماء الجهمية وغيرهم، الذين قالوا: إن الله بذاته في كل مكان. تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا، وكبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا.","vol":"1","page":99},{"text":"وقد أنكر قولهم هذا من أدركه من السلف والأئمة، لما يلزم عليه من اللوازم الباطلة، المتضمنة لوصفه بالنقائص، وإنكار علوه على خلقه.\nوكيف يمكن أن يقول قائل: إن الله تعالى بذاته في كل مكان، أو أنه مختلط بالخلق، وهو سبحانه قد ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾، ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾؟.\nخامسا: هذه المعية لا تناقض ما ثبت لله تعالى من علوه على خلقه واستوائه على عرشه، فإن الله تعالى قد ثبت له العلو المطلق: علو الذات وعلو الصفة، قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾، وقال تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾، وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ .\nوقد تضافرت الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة على علو الله تعالى\nأما أدلة الكتاب والسنة فلا تكاد تحصر، مثل قوله تعالى: ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾، وقوله: ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾، وقوله: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾، وقوله: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ﴾ . إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة.\nومثل قوله ﷺ: \"ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء\"،","vol":"1","page":100},{"text":"وقوله ﷺ: \"والعرش فوق الماء والله فوق العرش\"، وقوله: \"ولا يصعد إلى الله إلا الطيب\". ومثل إشارته إلى السماء يوم عرفه يقول: \"اللهم اشهد\" يعني: على الصحابة حين أقروا أنه بلّغ.\nومثل إقراره الجارية حين سألها: \"أين الله؟ \"، قالت: في السماء. قال: \"أعتقها فإنها مؤمنه\".\nإلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة.\nوأما الإجماع: فقد نقل إجماع السلف على علو الله تعالى غير واحد من أهل العلم.\nوأما دلالة العقل على علو الله تعالى: فلأن العلو صفة كمال، والسفول صفة نقص، والله تعالى موصوف بالكمال، منزه عن النقص.\nوأما دلالة الفطرة على علو الله تعالى: فإنه ما من داع يدعو ربه إلا وجد من قلبه ضرورة بالاتجاه إلى العلو، من غير دراسة كتاب ولا تعليم معلم.\nوهذا العلو الثابت لله تعالى بهذه الأدلة القطعية لا يناقض حقيقة المعية وذلك من وجوه:\nالأول: أن الله تعالى جمع بينهما لنفسه في كتابه المبين المنزه عن النتاقض، ولو كانا متناقضين لم يجمع القرآن بينهما.","vol":"1","page":101},{"text":"وكل شيء في كتاب الله تعالى تظن فيه التعارض فيما يبدو لك فأعد النظر فيه مرة بعد أخرى حتى يتبين لك. قال الله تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ .\nالثاني: أن اجتماع المعية والعلو ممكن في حق المخلوق، فإنه يقال: ما زلنا نسير والقمر معنا، ولا يعد ذلك تناقضا، ومن المعلوم أن السائرين في الأرض والقمر في السماء، فإذا كان هذا ممكنا في حق المخلوق فما بالك بالخالق المحيط بكل شيء.\nقال الشيخ محمد خليل الهراس (ص ١١٥) في شرح العقيدة الواسطية عند قول المؤلف: \"بل القمر آية من آيات الله تعالى من أصغر مخلوقاته، وهو مع المسافر وغير المسافر أينما كان\"قال: \"وضرب لذلك مثلا بالقمر الذي هو موضوع في السماء، وهو مع المسافر وغيره أينما كان\" قال: \"فإذا جاز هذا في القمر وهو من أصغر مخلوقات الله تعالى، أفلا يجوز بالنسبة إلى اللطيف الخبير الذي أحاط بعباده علما وقدرة، والذي هو شهيد مطلع عليهم، يسمعهم ويراهم، ويعلم سرهم ونجواهم، بل العالم كله سمواته وأرضه من العرش إلى الفرش بين يديه كأنه بندقة في يد أحدنا، أفلا يجوز لم هذا شأنه أن يقال: إنه مع خلقه مع كونه عاليا عليهم، بائنا منهم، فوق عرشه؟ \"اهـ.\nالوجه الثالث: أن اجتماع العلو والمعية لو فرض أنه ممتنع في حق المخلوق، لم يلزم أن يكون ممتنعا في حق الخالق، فإن الله لا يماثله شيء من خلقه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ .\nقال شيخ الإسلام ابن تيميه في العقيدة الواسطية (ص ١١٦) ط ثالثة، من شرح الهراس: \"وما ذكر في","vol":"1","page":102},{"text":"الكتاب والسنة من قربه ومعيته لا ينافي ما ذكر من علوه وفوقيته، فإنه سبحانه ليس كمثله شيء في جميع نعوته، وهو عليٌّ في دنوه، قريب في علوه\"اهـ.\nوخلاصة القول في هذا الموضوع كما يلي:\n١- أن معية الله تعالى لخلقه ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع السلف.\n٢- أنها حق على حقيقتها على ما يليق بالله تعالى، من غير أن تشبه معية المخلوق للمخلوق.\n٣- أنها تقتضي إحاطة الله تعالى بالخلق علما وقدرة وسمعا وبصرًا وسلطانا وتدبيرًا، وغير ذلك من معاني ربوبيته، إن كانت المعية عامة، وتقتضي مع ذلك نصرًا وتأييدًا وتوفيقا وتسديدًا إن كانت خاصة.\n٤- أنها لا تقتضي أن الله تعالى مختلطا بالخلق أو حالًا في أمكنتهم، ولا تدل على ذلك بوجه من الوجوه.\n٥- إذا تدبرنا ما سبق علمنا أنه لا منافاة بين كون الله تعالى مع خلقه حقيقة وكونه في السماء على عرشه حقيقة. سبحانه وبحمده لا نحصي ثناء عليه هو كما أثنى على نفسه.\nوصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.\nحرره الفقير إلى الله تعالى: محمد الصالح العثيمين في ٢٧/١١/١٤١٣ هـ","vol":"1","page":103}]}