{"ً":{"ٌ":8905,"ٍ":"المباحث العقدية المتعلقة بالكبائر ومرتكبها في الدنيا","َ":2,"ُ":1,"ِ":{"root":"الجوامع والمجلات ونحوها/مجلة الجامعة الإسلامية/036_123","files":["036_123_mgi.pdf"]},"ّ":"الكتاب: المباحث العقدية المتعلقة بالكبائر ومرتكبها في الدنيا\nالمؤلف: سعود بن عبد العزيز الخلف\nالناشر: الجامعة الاسلامية بالمدينة المنورة\nالطبعة: السنة السادسة والثلاثون - العدد (١٢٣) ١٤٢٤هـ/٢٠٠٤م\nعدد الصفحات: ١٢٨\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":1060,"ٕ":1,"ٖ":1770155436,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة","level":1,"page":1},{"title":"باب: الفصل الأول: في الكبيرة","level":1,"page":3},{"title":"باب الفصل الثاني: المباحث العقدية المتعلقة بمرتكب الكبيرة في الدنيا","level":1,"page":3},{"title":"المبحث الأول: نقص إيمانه وضعفه","level":2,"page":3},{"title":"المبحث الثاني: مسمى مرتكب الكبائر","level":2,"page":6},{"title":"المبحث الثالث: في أقوال أهل العلم في بيان معنى النصوص التي تنفي الإيمان عن مرتكب الكبيرة","level":2,"page":13},{"title":"أولا: النصوص التي تنفي الإيمان عن مرتكب بعض الذنوب","level":3,"page":13},{"title":"ثانيا: النصوص التي ورد فيها وصف مرتكبي بعض الذنوب بالكفر","level":3,"page":19},{"title":"ثالثا: النصوص التي ورد فيها قوله ﵊ (ليس منا)","level":3,"page":25},{"title":"المبحث الرابع: لعن مرتكب الكبيرة","level":2,"page":29},{"title":"المبحث الخامس: هجر أهل المعاصي والفسق","level":2,"page":34},{"title":"المبحث السادس: حكم الخروج على الحاكم الفاسق","level":2,"page":41},{"title":"المبحث السابع: التوبة","level":2,"page":47},{"title":"أولا: معنى التوبة لغة واصطلاحا","level":3,"page":47},{"title":"ثانيا: حكم التوبة","level":3,"page":51},{"title":"ثالثا: شروط التوبة","level":3,"page":53},{"title":"رابعا: هل يجوز التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره","level":3,"page":57},{"title":"خامسا: هل يشترط في صحة التوبة أن لا يعود إلى الذنب أبدا","level":3,"page":59},{"title":"سادسا: مم يتوب المذنب","level":3,"page":61},{"title":"الخاتمة","level":3,"page":63}],"ٛ":{"1,55":1,"1,56":2,"1,73":3,"1,74":4,"1,75":5,"1,76":6,"1,77":7,"1,78":8,"1,79":9,"1,80":10,"1,81":11,"1,82":12,"1,83":13,"1,84":14,"1,85":15,"1,86":16,"1,87":17,"1,88":18,"1,89":20,"1,90":21,"1,91":22,"1,92":23,"1,93":24,"1,94":26,"1,95":27,"1,96":28,"1,97":29,"1,98":30,"1,99":31,"1,100":32,"1,101":33,"1,102":34,"1,103":35,"1,104":36,"1,105":37,"1,106":38,"1,107":39,"1,108":40,"1,109":41,"1,110":42,"1,111":43,"1,112":44,"1,113":45,"1,114":46,"1,115":47,"1,116":48,"1,117":49,"1,118":50,"1,119":52,"1,120":53,"1,121":54,"1,122":55,"1,123":56,"1,124":58,"1,125":60,"1,126":62,"1,127":63,"1,128":64},"ٜ":{"1":[55,128]},"ٝ":["1,55","1,56","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,123","1,124","1,124","1,125","1,125","1,126","1,127","1,128"],"ٞ":{"1":[1],"3":[2,3,4],"6":[5],"13":[6,7],"19":[8],"25":[9],"29":[10],"34":[11],"41":[12],"47":[13,14],"51":[15],"53":[16],"57":[17],"59":[18],"61":[19],"63":[20]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"ال<span data-type=\"title\" id=toc-1>مقدمة</span>\nإنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل الله، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وبعد.\nفإن الذنوب أشأم شيء على العبد في دنياه وأخراه، فهي سبب فيما يصيب العبد من البلاء والشر في أمور معاشه وحياته الدنيوية، وسبب في النقص الذي يصيبه في دينه بما ينفتح عليه من مداخل الشيطان، وينغلق من عون الرحمن ومدده ودفعه ﵎، كما أنها سبب في غضب الله ومقته وعقوبته الأخروية وهي أشد وأنكى.\nقال تعالى ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ الشورى٣٠، وقال تعالى ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ\nيُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ النور ٦٣، وقال تعالى ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ﴾ الروم ١٠، وقال ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ الإسراء ٣٨، وقال تعالى ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ النساء ١٢٣. وغير ذلك من الآيات والنصوص الكثيرة الواردة في هذه المعاني.\nوالذنوب يترتب عليها عند السلف أحكام عقدية، وغير عقدية في الدنيا والآخرة، فأحببت أن أجمع كلام أهل العلم في الأحكام العقدية المتعلقة بمرتكب الكبائر في الدنيا.\nوقد سميته (المباحث العقدية المتعلقة بالكبائر ومرتكبها في الدنيا عند أهل","vol":"1","page":55},{"text":"السنة) . وقسمته إلى مقدمة وفصلين وخاتمة على النحو التالي:\nالفصل الأول: في الكبيرة وفيه خمسة مباحث:\nالمبحث الأول: تعريف الكبيرة.\nالمبحث الثاني: تقسيم الذنوب.\nالمبحث الثالث: في ذكربعض النصوص في الكبائر.\nالمبحث الرابع: عدد الكبائر.\nالمبحث الخامس: بغض الله ﷿ للذنوب.\nالفصل الثاني: في مرتكب الكبيرة وفيه سبعة مباحث:\nالمبحث الأول: نقص إيمان مرتكب الذنوب.\nالمبحث الثاني: مسمى مرتكب الكبائر.\nالمبحث الثالث: في كلام أهل العلم في معنى النصوص التي تنفي الإيمان عن\nمرتكب الكبيرة أو تصفه بالكفر أو قال فيه: (ليس منا) ونحوها.\nالمبحث الرابع: لعن مرتكب الكبيرة.\nالمبحث الخامس: هجر أهل المعاصي.\nالمبحث السادس: حكم الخروج على الحاكم الفاسق.\nالمبحث السابع: في التوبة.\nالخاتمة: وفيها أهم النتائج\nوقد استخدمت بعض الرموز طلبا للإختصار وهي:\nخ، للبخاري. م، لمسلم ت، للترمذي. د، لأبي داود. جه، لابن ماجه. ن، للنسائي.\nحم، للمسند.\nهذا وأرجو من الله ﷿ التوفيق والقبول، وأن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه\nإنه جواد كريم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.","vol":"1","page":56},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>باب: الفصل الأول: في الكبيرة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>باب الفصل الثاني: المباحث العقدية المتعلقة بمرتكب الكبيرة في الدنيا</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>المبحث الأول: نقص إيمانه وضعفه</span>\n...\nالفصل الثاني: المباحث العقدية المتعلقة بمرتكب الكبيرة في الدنيا\nلمرتكب الكبيرة مسائل وأحكام تتعلق به، منها ما يكون في الدنيا ومنها ما يكون في الآخرة.\nوسنذكر في هذا الفصل ما يتعلق به من الأحكام العقدية الدنيوية عند أهل السنة دون غيرهم من أهل البدع والضلالة وهي:\nالمبحث الأول: نقص إيمانه وضعفه\nمما أجمع عليه السلف أن الإيمان قول واعتقاد وعمل، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.\nقال ابن عبد البر ﵀:“أجمع أهل الفقه والحديث على أن الإيمان قول وعمل، ولا عمل إلا بنية، والإيمان عندهم يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية،\nوالطاعات كلها إيمان إلا ما ذكر عن أبي حنيفة وأصحابه، فأنهم ذهبوا إلى أن الطاعات لا تسمى إيمانًا”١\nويستدل السلف لقولهم هذا بأدلة عديدة من القرآن والسنة منها قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ الأنفال ٢.\n٣وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ الفتح ٤.\nومن السنة حديث معاذ بن أنس الجهنى عن أبيه أن النبي ﷺ قال: ”من\n_________\n١ التمهيد لابن عبد البر (٩/٢٣٨) وانظر في دخول العمل في الأيمان وأدلته مسائل الإيمان للقاضي أبي يعلى ص ١٢٥ شرح الطحاوية ص ٣٧٢، الانتصار في الرد على القدرية (٣/٧٣٧) .","vol":"1","page":73},{"text":"أعطى لله ومنع لله وأبغض لله فقد استكمل إيمانه” ١\nوعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: “من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان” ٢\nوعن ابن عمر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال عن النساء: ”ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لب منكن، قالت امرأة: يا رسول الله: وما نقصان العقل والدين؟ قال: أما نقصان العقل فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل فهذا نقصان العقل، وتمكث الليالى ما تصلى وتفطر في رمضان فهذا نقصان الدين” ٣\nفتدل هذه النصوص على أن الإيمان يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، وعلى هذا وردت النصوص عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم من السلف.\nفعن عمير بن حبيب الخطمي ﵁ قال: “الإيمان يزيد وينقص قيل له: وما زيادته، وما نقصانه؟ قال: إذا ذكرنا الله وحمدناه وسبحناه فتلك زيادته، وإذا غفلنا وضيعنا ونسينا فذلك نقصانه” ٤\nوعن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كان يأخذ بيد الرجل والرجلين من أصحابه فيقول: “قم بنا نزداد إيمانًا”.\nوروى نحوه عن معاذ بن جبل، وعبد الله بن رواحه رضي الله عنه٥\nوعن أبي الدرداء ﵁ أنه قال: “إن من فقه العبد أن يعلم أيزداد هو أم منتقص، وإن من فقه الرجل أن يعلم نزغات الشيطان أنى تأتيه” ٦\n_________\n١ أخرجه. حم. (٣/٤٣٨)، ت. صفة القيامة (٤/٦٧٠) وقال: حديث حسن ٢ أخرجه م. (٢/٢١٢) .\n٣ أخرجه. م، الإيمان (١/٨٦) .\n٤ أخرجه الآجري في الشريعة (١/٢٦١) الإيمان لابن أبي شيبة ص٧.\n٥ أخرجه عنهم ابن أبي شيبة في الأيمان ص٣٥.\n٦ أخرجه ابن بطة في الإبانة (٢/٨٤٩)","vol":"1","page":74},{"text":"قال أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان رحمهما الله تعالى: ”أدركنا العلماء في جميع الأمصار حجازًا وعراقًا وشامًا ويمنًا فكان من مذهبهم: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص”. ١\nهذه النصوص تدل على اجماع السلف٢أن الإيمان يزيد وينقص، وزيادته تكون بعمل الصالحات والتقرب بالطاعات، أما نقصانه فيكون بالإخلال بالواجبات أو الوقوع في السيئات والمنكرات.\nوقد وردت نصوص في الشرع تبين تأثير الذنوب في إيمان العبد بالإنقاص والأضعاف مثل قوله ﵊: ”لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ... “.\nوقوله ﵊: ”والله لا يؤمن قيل: من يا رسول الله؟ قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه” ٣\nوهي أدلة صريحة في أن إيمان مرتكب الذنوب لا يتساوى مع إيمان من يتقي الله ويجتنب معاصيه.\n_________\n١ أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (١/١٧٦) .\n٢ يخالف في هذا الخوارج والمعتزلة وكذلك المرجئة من الجهمية والأشعرية والأحناف الذين يزعمون: أن الإيمان شئ واحد لا يزيد ولا ينقص وهو كل لا يتجزأ فإذا ذهب بعضه ذهب كله. فالخوارج والمعتزلة يقولون: الإيمان قول واعتقاد وعمل، ومن أخل بشيء من ذلك زال عنه اسم الإيمان، وهو عند الخوارج كافر، وعند المعتزلة: في منزلة بين المنْزلتين، وعند المرجئة: أن الإيمان هو التصديق أو المعرفة أو القول والتصديق أو القول فقط، وهو شيء واحد، فلو نقص لصار شكًا. والعاصي عندهم مؤمن كامل الإيمان، وهذا كله باطل وخلاف ما دل عليه الكتاب والسنة. انظر مجموع الفتاوى (٧/٥١٠- ٥٢٣) . مسائل الإيمان للقاضي أبي يعلى ص٣٨٢- ٣٨٤. العقيدة النظامية للجويني ص٩٠ تحفة المريد شرح جوهرة التوحيد ص٥١.\n٣ سيأتي تخريج هذه الروايات في المبحث الآتي.","vol":"1","page":75},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>المبحث الثاني: مسمى مرتكب الكبائر</span>\nعند السلف أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية ولا يخرج العبد بارتكابه لشيء من الكبائر من الإسلام، واختلفوا في مسمى مرتكب الكبيرة إلى قولين:\nالقول الأول: إن مرتكب الكبيرة لا يستحق اسم مؤمن بإطلاق؛ لأن الإيمان وصف مدح وعد الله عليه الجنة في مثل قوله تعالى ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ...﴾ التوبة ٧٢.\nومرتكب الكبيرة ليس من أهل هذا الوعد المطلق، وقد نفى عنه الرسول ﷺ الإيمان في أحاديث عديدة كقوله ﷺ: “لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن...” ١.\nفهذه الطائفة من السلف يسمونه مؤمنًا ناقص الإيمان أو مسلمًا ٢.\nوحكى المروزي عن الإمام أحمد أنه سئل عن قول النبي ﷺ “لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن...” فقال:“من أتى هذه الأربعة أو مثلهن أو فوقهن، فهو مسلم ولا أسميه مؤمنًا” ٣.\nوعند هذه الطائفة من السلف أن بين الإسلام والإيمان في إطلاق الشارع فرقًا، فالإسلام مرتبة دون مرتبة الإيمان، فالمسلم مرتبته دون مرتبة المؤمن، وأن المسلم يستحق وصف الإسلام بمجرد نطقه بالشهادتين، أما وصف مؤمن فهو يستحقه بالإتيان بالطاعات وترك المعاصي.\nوممن ورد عنه التفريق بين الإسلام والإيمان الزهري ﵀ حيث قال:\n_________\n١ سيأتي تخريجه ص ٨٣.\n٢ انظر: تعظيم قدر الصلاة للمروزي (٢/٥١٢-٥١٧) .\n٣ تعظيم قدر الصلاة (٢/٥٢٩) .","vol":"1","page":76},{"text":"“الإسلام الكلمة والإيمان العمل”١\nوورد عن حماد بن زيد أنه قال:“الإسلام عام، والإيمان خاص” ٢\nوورد عن الإمام أحمد التفريق بينهما، فقد ذكر عنه القاضي أبو يعلى روايات في ذلك منها: أنه قال في رواية حنبل:“الإيمان غير الإسلام” ٣\nوقال في رواية صالح:“قال ابن أبي ذئب الإسلام القول، والإيمان العمل، قيل: فما تقول أنت؟ قال: الإسلام غير الإيمان” ٤\n_________\n١أخرجه. د. في سننه (٢/٢٦٩)، وعبد الله في السنة (ص:٩١)، والمروزي في تعظيم قدر الصلاة (٢/٥٠٧) . والذي يظهر أن مراد الزهري ﵀ أن الإسلام الكلمة، بمعنى أنه يستحق الدخول في الإسلام ويسمى مسلمًا من أتى بالشهادتين، أما الإيمان فلا يستحق الوصف به إلا بالإتيان بالعمل أو يكون قصد بالكلمة\nالشهادتين وتوابعهما من الأعمال الظاهرة، انظر: مجموع الفتاوى (٧/٢٥٨)، فتح الباري (١/٧٦) .\n٢ أخرجه ابن منده في الإيمان (١/٣١١)، والمروزي في تعظيم قدر الصلاة (٢/٥١٢)، وفسره ابن منده بأن قوله: الإسلام عام أي من ناحية معرفته، فإن الخلق يطلعون عليه، أما الإيمان فهو خاص من ناحية أن معرفته خاصة بالله دون خلقه. والذي يظهر لي أن معنى كلام حماد أن الإسلام عام من ناحية أهله؛ لأن كل من أتى بالشهادتين دخل في الإسلام فيكون مسلمًا، أما الإيمان فهو خاص من ناحية أهله فلا يتحقق إلا بالعمل بالطاعات وترك المنهيات، والله أعلم.\n٣ السنة للخلال (٣/٦٠٢) .\n٤ السنة للخلال (٣/٦٠٤) وانظر مسائل الإيمان للقاضي أبي يعلى (ص: ٤٢١) .\nهذا ما ورد عن السلف ممن يرى الفرق بين مسمى الإسلام والإيمان، ومن العلماء من ذكر وجهًا آخر للتفريق بينهما، وهو أن الإسلام والإيمان بينهما تلازم فهما يجتمعان ويفترقان فحيث قرن بين الإسلام والإيمان في كلام الشارع فيفسر الإسلام بالأعمال الظاهرة والإيمان بالأعمال الباطنة كما في حديث جبريل ﵇، وإذا افترقا دخل كل واحد منهما في الآخر، وذلك كما ورد في حديث وفد عبد القيس، فقد فسر الإيمان بالأعمال الظاهرة، وكما في قوله تعالى ﴿إن الدّين عند الله الإسلام﴾ . آل عمران ١٩. وقد قال بهذا التفريق جمع من العلماء مثل الخطابي في معالم السنن انظره في (٧/٤٩)، والنووي في شرحه على مسلم (١/١٤٨)، والبغوي في شرح السنة (١/١٠)، وشيخ الإسلام في الفتاوى (٧/٣٥٧)، وابن رجب في جامع العلوم والحكم (ص: ٢٥) .","vol":"1","page":77},{"text":"وممن قال بهذا القول وهو التفريق بين الإسلام والإيمان ابن عباس ﵄، والحسن البصري، ومحمد بن سيرين، والزهري، وعبد الرحمن بن مهدي، وابن أبي ذئب، ومالك، وشريك، وحماد بن زيد، والإمام أحمد، وابن جرير، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن كثير، وغيرهم ١.\nفهؤلاء يتوجه على قولهم أن الفاسق لا يصح وصفه وتسميته بالإيمان المطلق؛ لأنه أخل بواجباته، واعتبر هؤلاء العلماء وصف الإيمان المطلق وصف مدح لا يستحقه من فسق بارتكابه للمحرمات؛ لهذا كانوا يتحاشون من هذا الوصف عمومًا ويرون الاستثناء فيه، فقد قال رجل عند ابن مسعود ﵁: أنا مؤمن، فقال ابن مسعود: أفأنت من أهل الجنة؟ فقال: أرجو، فقال ابن مسعود:“أفلا وكلت الأولى كما وكلت الأخرى؟ ” ٢.\nوفي رواية عنه أن رجلًا قال عنده: أنا مؤمن، فقال عبد الله: فقل:”إني في الجنة، ولكن آمنا بالله وملائكته وكتبه ورسله...” ٣.\n_________\n١ انظر: السنة للخلال (٣/٦٠٤-٦٠٥)، والسنة لعبد الله (١/٣١١)، وتفسير ابن جرير (٩/٢٦/٨٩)، اعتقاد أهل السنة للالكائي (٤/٨١٢)، الإبانة الصغرى لابن بطة (ص: ١٨٢)، الإيمان لابن منده (١/٣١١)، الفتاوى لشيخ الإسلام (٧/٣٥٩)، تفسير ابن كثير (٤/٤١٩) .\n٢ أخرجه أبو عبيد في الإيمان (ص: ٦٧) وهو منقطع بين الحسن وابن مسعود، كما ذكر ذلك الألباني في التعليق.\n٣ أخرجه أبو عبيد في الإيمان (ص: ٦٧) وهو على شرط الشيخين كما قال الألباني في التعليق.","vol":"1","page":78},{"text":"ونحو هذا ورد عن إبراهيم النخعي ومحمد بن سيرين وطاووس وغيرهم ١.\nالقول الثاني: إن مرتكب الكبيرة يسمى مسلمًا، ويسمى مؤمنًا، وإن كان ذلك ليس على الكمال، لأنه لا يخرج من هذا المسمى بسبب ارتكابه لشيء من الكبائر؛ لأن أصل الإيمان معه فهو بالتالي لا يخرج منه إلا بارتكابه لما يناقض أصل الإيمان، فمن دخل في الإيمان والإسلام استحق هذا المسمى وإن لم يستكمله.\nقال محمد بن نصر المروزي:“فمن صدق بالله فقد آمن به، ومن آمن بالله فقد خضع لله وقد أسلم لله، ومن صام، وصلى، وقام بفرائض الله، وانتهى عما نهى الله عنه، فقد استكمل الإيمان والإسلام المفترض عليه، ومن ترك من ذلك شيئًا فلن يزول عنه اسم الإيمان ولا الإسلام إلا أنه أنقص من غيره في الإسلام والإيمان من غير نقصان من الإقرار بأن الله وما قال حق لا باطل، وصدق لا كذب، ولكن ينقص من الإيمان الذي هو تعظيم للقدر، خضوع للهيبة والجلال، والطاعة للمصدق به وهو الله ﷿، فمن ذلك يكون النقصان، لا من إقرارهم بأن الله حق وما قاله صدق” ٢.\nوقال في موضع آخر:“إن شاربة الخمر والسارقة مؤمنة في الحكم والاسم، لا مؤمنة مستكملة الإيمان، ومستحقة ثواب المؤمنين” ٣.\nوقد عزا المروزي هذا القول إلى جمهور أهل السنة والجماعة وأصحاب الحديث ٤.\nوهذا القول الذي ذكره المروزي ﵀ ونصره من جواز تسمية\n_________\n١ انظر: الروايات عنهم في الإيمان لأبي عبيد (ص:٦٧)، والشريعة للآجري (ص:١٣٩) .\n٢تعظيم قدر الصلاة (٢/٥٤٣)\n٣تعظيم قدر الصلاة (٢/٥٤٢) .\n٤المصدر نفسه (٢/٥٢٩) .","vol":"1","page":79},{"text":"مرتكب الكبيرة مؤمنًا يلزم كل من لم ير فرقًا بين مسمى الإسلام والإيمان في الشرع، وإنما يرى أن الإسلام والإيمان شيء واحد.\nوعلى هذا القول البخاري صاحب الصحيح وعزاه في الفتح إلى المزني صاحب الشافعي، وإليه ذهب ابن عبد البر، وعزاه إلى جمهور أهل السنة والحديث١.\nفهذان القولان مأثوران عن أهل السنة في تسمية مرتكب الكبيرة، وأن منهم من لا يجيز تسميته مؤمنًا وإنما يسميه مسلمًا.\nومنهم من يرى أنه لا يجوز أن ننفي عنه اسم الإيمان؛ لأن الإسلام والإيمان سواء، بل يسمى مؤمنًا ومسلمًا.\nوالقولان متقاربان جدًا؛ لأن من لا يرى جواز إطلاق اسم الإيمان على الفاسق لا يخرجه من الدّين، بل يرى أن معه إيمان به تصح أعماله، وبه تصح نسبته إلى هذا الدّين، إلا أن إيمانه نقص نقصًا لا يستحق معه إطلاق هذا المسمى عليه، ويجوز عنده أن يقال عنه إنه مؤمن ناقص الإيمان أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته.\nومن يرى أنه يجوز إطلاق اسم الإيمان على مرتكب الكبيرة لا يعتقد أنه على إيمان كامل، بل يرى أنه ناقص الإيمان غير مستكمل له، لكن لا يجوز أن نقول إنه غير مؤمن بإطلاق، وإنما يجوز أن نقول هو غير كامل الإيمان.\nفمن هنا يتبين أن الخلاف بين القولين في المسمى؛ لأن كلًا منهما اعتبر أوجهًا شرعية رأى فيها ما يرى أنه الحق.\nفأصحاب القول الأول الذين يرون عدم جواز إطلاق اسم الإيمان على مرتكب الكبيرة لاحظوا أن الشرع اعتبر اسم الإيمان اسم تزكية ومدح وثناء، ومرتكب الكبيرة ليس من أهلها.\n_________\n١انظر: فتح الباري (١/١١٤)، التمهيد لابن عبد البر (٣/٢٢٦) .","vol":"1","page":80},{"text":"أما أصحاب القول الثاني فلاحظوا أن الشارع أثبت هذا المسمى لمن وقع في بعض الكبائر كما في قوله تعالى ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ...﴾ . فسماهم مؤمنين مع وقوع الاقتتال بينهم ١.\nوقد أجاب عن ذلك أصحاب القول الأول: بأن هذا الإطلاق إنما هو على اعتبار أنهم مؤمنون في الأحكام والمواريث وليس في الإطلاق العام، وهم يقولون إن مرتكب الكبيرة يسمى مؤمنًا على هذا الاعتبار.\nروى الآجري بسنده عن سفيان الثوري أنه قال: “ الناس عندنا مؤمنون في الأحكام والمواريث، ولا ندري كيف هم عند الله ﷿ ونرجو أن نكون كذلك” ٢.\nوذكر شيخ الإسلام أن الشالنجي قال: سألت الإمام أحمد عمن قال: أنا مؤمن عند نفسي من طريق الأحكام والمواريث، ولا أعلم ما أنا عند الله، قال: ليس بمرجئ.\nقال شيخ الإسلام: وبه قال أبو خيثمة وابن أبي شيبة ٣\nقال أبو عبيد معللًا وجه الاستثناء في الإيمان عند السلف: مخافة ما أعلمتكم في الباب الأول من التزكية والاستكمال عند الله، وأما على أحكام الدنيا فإنهم يسمون أهل الملة جميعًا مؤمنين؛ لأن ولايتهم وذبائحهم وشهادتهم ومناكحتهم وجميع سننهم إنما هي على الإيمان ٤.\nفمن هذا يتضح أن القولين متقاربان إلا أن القول الأول وهو من يرى عدم جواز إطلاق اسم (مؤمن) على مرتكب الكبيرة أكثر التصاقًا بالنصوص\n_________\n١ انظر: تعظيم قدر الصلاة (٢/٥٤٣) .\n٢ الآجري في الشريعة (ص:١٣٦) .\n٣ الفتاوى (٧/٢٥٣) .\n٤ الإيمان لأبي عبيد (ص:٦٨) .","vol":"1","page":81},{"text":"وإعمالًا لها، فإن الرسول ﷺ قد نفى الإيمان عن طائفة ممن عملوا السيئات وارتكبوا المحرمات كما في الحديث الصحيح “لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن” ١.\nوقوله “لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن عهد له” ٢ وقوله “والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه” ٣.\nفمن نفى الإيمان عن مرتكب الكبيرة إنما وافق هذه النصوص التي لا مدفع لها، ومن المعلوم أن نفي الإيمان عن أصحاب هذه الذنوب لا يعني إخراجهم من الإيمان ولا نفي التصديق الذي بقلوبهم، وإنما يعني نفي كماله الذي به يستحقون هذا الإطلاق وأما ما ورد من النصوص، وقد أطلق على أصحابها وصف الإيمان مع ارتكابهم للذنوب مثل قوله تعالى ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ...﴾ الحجرات ٤٩. ونحوها من النصوص.\nفوجه هذا أنه سماهم بهذا الاسم الذي يصح إطلاقه عليهم على الاعتبار السابق الذكر عن سفيان والإمام أحمد وغيرهم وهو من طريق الأحكام في الدنيا وأنهم مؤمنون من ناحية المواريث والأحكام لا من ناحية الإطلاق العام، والله أعلم.\n_________\n١انظر تخريجه ص ٨٣.\n٢انظر تخريجه ص ٨٣.\n٣انظر تخريجه ص ٨٣.","vol":"1","page":82},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>المبحث الثالث: في أقوال أهل العلم في بيان معنى النصوص التي تنفي الإيمان عن مرتكب الكبيرة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>أولًا: النصوص التي تنفي الإيمان عن مرتكب بعض الذنوب</span>\n...\nالمبحث الثالث: في أقوال أهل العلم في بيان معنى النصوص التي تنفي الإيمان عن مرتكب الكبيرة، أو تصفه بالكفر، أو قال فيه “ليس منا” ونحوها\nمما يجمع عليه السلف أن مرتكب الكبيرة لا يكفر بسبب ارتكابه لشيء من الكبائر، وقد وردت نصوص في الشرع قد يفهم منها غير المطلع على كلام أهل العلم خلاف ذلك، فنبين إن شاء الله كلام أهل العلم في معناها.\nأولًا: النصوص التي تنفي الإيمان عن مرتكب بعض الذنوب:\nوردت نصوص في الشرع نفي فيها الإيمان عن مرتكبي بعض الذنوب.\nوذلك مثل حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ”لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن” ١.\nوعن شريح الخزاعي ﵁ أن النبي ﷺ قال: ”والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قيل: من يا رسول الله؟ قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه” ٢.\nوعن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: “لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له” ٣.\n_________\n١ أخرجه خ. المظالم ب. النهي بغير إذن صاحبه (٢/٢٧٩)، م. في الإيمان ٠١/٧٦) .\n٢ أخرجه خ. الأدب. ب. أثم من لا يؤمن جاره بوائقه انظره مع الفتح (١٠/٤٥٧) . حم. (٢/٢٨٨) .\n٣ أخرجه حم. (٣/١٣٥، ١٥٤)، والبغوى في شرح السنة (١/٧٥) وحسنة، وابن أبي شيبة في الإيمان ص٥، وحسنة الألباني في التعليق على الإيمان لابن أبي شيبة، والمروزي في تعظيم قدر الصلاة (١/٤٩٥) ..","vol":"1","page":83},{"text":"وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: “إذا زنى العبد خرج منه الإيمان، فكان فوق رأسه كالظلة، فإذا خرج من ذلك العمل عاد إليه الإيمان” ١.\nوقد اختلف العلماء في معنى هذه الأحاديث إلى أقوال عدة، وذلك بعد أن أجمعوا على أن المعاصي لا يخرج صاحبها من الدين ولا يكون بها كافرًا خلافًا للخوارج والمعتزلة ٢.\nالقول الأول: أن المراد بذلك أن الإيمان يرتفع عنه حال المعصية، ثم إذا أقلع وتاب رجع إليه إيمانه، لحديث أبي هريرة ﵁ السابق.\nوممن قال بهذا ابن عباس. فقد روي عنه أنه كان يقول لغلمانه: ”من أراد منكم الباءة زوجناه لا يزني منكم زان إلا نزع منه نور الإيمان فإن شاء أن يرده عليه رده عليه، وإن شاء أن يمنعه منعه” ٣.\nوبه قال أبو هريرة أيضًا فقد روي عنه أنه قال: “الإيمان نزه فمن زنا فارقه الإيمان فإن لام نفسه وراجع رجع إليه الإيمان” ٤.\nوبه قال الإمام أحمد، فقد روي الخلال أن حنبل قال: “قلت لأبي عبد الله: إذا أصاب الرجل ذنبًا من زنا أو سرق يزايله إيمانه؟ قال: هو ناقص الإيمان فخلع منه الإيمان كما يخلع الرجل قميصه فإذا تاب وراجع عاد إليه إيمانه” ٥\n_________\n١ أخرجه. د. في السنة. ب. الإرجاء (٢/٢٧٠) والحاكم في المستدرك الإيمان (١/٢٢) وقال: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، وصحح الحديث السيوطي. انظر فيض القدير (١/٣٦٧)، وكذلك الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢/٢٢) .\n٢ سبقت الإشارة إلى قول الخوارج والمعتزلة في الهامش.\n٣ أخرجه الآجري في الشريعة ص١١٤، وابن أبي شيبة في الإيمان ص٣٢، وابن بطة في الكبير (٢/٧١٥)، والمروزي في تعظيم قدر الصلاة (١/٥٠٤) .\n٤ الآجري في الشريعة ص١١٥، السنة لعبد الله ص٩١.\n٥ السنة للخلال (٣/٦٠٧) وانظر مسائل الإيمان للقاضي أبي يعلى ص٣١٩.","vol":"1","page":84},{"text":"وبهذا قال عطاء وطاووس والحسن ﵏ ١.\nومن قال بهذا القول لا يعني أن إيمان العاصي زال عنه بالكلية بحيث خرج من الدين بالكلية فهذا ليس قولًا لأهل السنة، وإنما هو قول الخوارج والمعتزلة، وإنما المقصود زال عنه نوره الذي يدفعه للخير ويحجزه عن الشّرّ، وبقي له من الإيمان اسم لا يدفع عنه العقوبة يوم القيامة.\nقال شيخ الإسلام في حديث أبي هريرة: قوله “خرج منه الإيمان فكان فوق رأسه كالظلة” دليل على أن الإيمان لا يفارقه بالكلية، فإن الظلة تظل صاحبها وهي متعلقة ومرتبطة به نوع ارتباط - ثم بين ﵀، أن التصديق الذي يفرق بين المسلم والكافر، والذي يمنع الخلود في النار وترجى به الشفاعة والمغفرة ويستحق به المناكحة والموارثة لم ينعدم من مرتكب الكبيرة، إنما زال عنه الإيمان الذي ينال به النجاة من العذاب وتكفير السيئات وكرامة الله ومثوبته ويكون به محمودًا مرضيًا، وبين أيضًا، أن الزاني ونحوه لفرط شهوته، أو لغفلته عن التحريم، وعظمة الرب، غمر مقتضى إيمانه، ومنعه من التأثير وذلك مثل عقل السكران، فإن عقل السكران مستور بسبب سكره فلو قال قائل: السكران ليس بعاقل، فإذا صحا عاد عقله إليه كان صادقًا، مع العلم بأنه ليس بمنزلة البهيمة إذ أن عقل السكران مستور وعقل البهيمة معدوم، فكذلك معنى الحديث أصل إيمانه موجود، ولكن الإيمان الذي يمنع ارتكاب المنكرات ويبلغ أعلى الدرجات في الجنة معدوم٢.\nالقول الثاني: إنه بارتكابه للكبائر يخرج من الإيمان إلى الإسلام، وذلك أن الإيمان مرتبة عالية والإسلام دونها، فارتكابه للذنوب ووقوعه في القبائح يتنافى\n_________\n١ التمهيد لابن عبد البر (٩/٢٥٥) .\n٢ انظر مجموع الفتاوى (٧/ ٦٧٠-٦٧٦) وانظر تعظيم قدر الصلاة للمروزي (٢/٥٧٣) .","vol":"1","page":85},{"text":"مع الرتبة العالية في الدين، وهي الإيمان، فيخرج منها إلى المرتبة التي دونها وهي الإسلام، ولا يعني ذلك أنه لم يبق في قلبه شيء من الإيمان، وإنما معه إيمان ينجيه من الخلود في النار، وقد قال بهذا أبو جعفر الباقر وهو قول للإمام أحمد ١.\nالقول الثالث: أن المنفي في هذه الأحاديث هو الكمال الواجب الذي يعاقب تاركه، قال أبو عبيد القاسم بن السلام ﵀: “فكلما خالطت هذه المعاصي هذا الإيمان المنعوت تعبيرها ٢ قيل ليس هذا من الشرائط التي أخذها الله على المؤمنين، ولا الأمارات التي يعرف بها أنه الإيمان، فنفت عنهم حينئذ حقيقته ولم يزل عنهم اسمه”. فإن قال قائل كيف يجوز أن يقال: ليس بمؤمن، واسم الإيمان غير زائل عنه؟ قيل: هذا كلام العرب المستفيض عندنا غير المستنكر في إزالة العمل عن عامله إذا كان عمله على غير حقيقته، ألا ترى أنهم يقولون للصانع إذا كان ليس بمحكم لعمله: ما صنعت شيئًا ولا عملت عملًا، وإنما وقع معناها هاهنا على نفي التجويد لا على الصنعة نفسها، فهو عندهم عامل بالاسم وغير عامل في الإتقان ٣.\nوهو قول للإمام أحمد، وأخذ به القاضي أبو يعلى، ورجحه بقوة المروزي وقال به النووي، وابن عبد البر، وشيخ الإسلام ابن تيمية، والسفاريني ٤.\n_________\n١ انظر سنن الترمذي (٥/١٦)، المروزي في تعظيم قدر الصلاة (٢/٥٠٦)، الآجري في الشريعة ص١١٣، مسائل الإيمان للقاضي أبي يعلى (ص٣٢٠)، الفتاوى (٧/٢٤٤) .\n٢ يقصد بذلك الآيات التي وصفت المؤمنين بالصفات الكاملة مثل قوله تعالى ﴿قد أفلح المؤمنون...﴾، ﴿إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ...﴾ ونحوها.\n٣ الإيمان لأبي عبيد ص٩٠. وانظر نحوه عند المروزي في تعظيم قدر الصلاة (٢/٤٠٩- ٥١٦) .\n٤ مسائل الإيمان للقاضي أبي يعلى ص٣١٩، شرح النووي على مسلم (٢/٤١-٤٢) . مجموع الفتاوى (٧/٥٢٤)، الانتصار في الرد على المعتزلة (٣/٧٠١)، التمهيد لابن عبد البر (٩/٢٤٣)، لوامع الأنوار البهية (١/٤١٦)، تعظيم قدر الصلاة للمروزي (٢/٥٣٥) .","vol":"1","page":86},{"text":"القول الرابع: إن أحاديث الوعيد كلها تمر كما جاءت ولا تفسر، وأنها على التأكيد والتشديد.\nوممن روي عنه ذلك الزهري حيث سئل عن قول النبي ﷺ “ليس منا من لطم الخدود” وما أشبهه، فأطرق ساعة، ثم رفع رأسه فقال: “من الله ﷿ العلم وعلى الرسول البلاغ وعلينا التسليم”. ١\nوهو قول للإمام أحمد، وعزا شيخ الإسلام إلى عامة علماء السلف أنهم يقرون هذه الأحاديث ويمرونها كما جاءت، ويكرهون أن تتأول تأويلات تخرجها عن مقصود الرسول ﷺ، وكذلك عزا ابن حجر إلى كثير من السلف إطلاق لفظ الأخبار في الوعيد، وعدم التعرض لتأويله ليكون أبلغ في الزجر. ٢\nالقول الخامس: قول من يرى أن أحاديث الوعيد عمومًا خرجت مخرج التغليظ والمبالغة في الزجر عن المعاصي، وعزا هذا القول ابن حجر إلى الطيبي، وقد استنكر هذا القول أبو عبيد وقال عنه: أفظع ما تأول على رسول الله ﷺ وأصحابه، أن جعلوا الخبر عن الله وعن دينه وعيدًا لا حقيقة له، وهذا يؤول إلى إبطال العقاب، لأنه إن أمكن ذلك في واحد منها كان ممكنًا في العقوبات كلها٣.\nالقول السادس: إن الحديث ليس خبرًا، وإنما هو نهي فيكون معناه “لا يزني الزاني وهو مؤمن ... “، أي لا ينبغي للمؤمن أن يزني تنزيهًا للإيمان وتعظيمًا له، وقال بهذا الضحاك وكذلك الخطابي، وقد رده العلماء: بأن الحديث صريح\n_________\n١ السنة للخلال (٣/٥٧٩)، مجموع الفتاوى (٧/٦٧٤) .\n٢ انظر مسائل الإيمان للقاضي أبي يعلى ص٣١٧، مجموع الفتاوى (٧/٦٧٤)، فتح الباري (١٣/٢٤) .\n٣ الإيمان لأبي عبيد ص٨٨. الانتصار في الرد على القدرية (٣/٧٠١)، فتح الباري (١٢/٦٠) .","vol":"1","page":87},{"text":"في الخبر وليس النهي١.\nالقول السابع: إن المراد به مستحل الزنا وشرب الخمر، وأن المنفي في ذلك هو الإيمان بالكلية ٢.\nفهذه أشهر الأقوال في معنى هذه الأحاديث، وظاهر منها أن الأقوال الأربعة الأولى متقاربة، وهي تؤكد أن الكبيرة والذنب عمومًا يؤثر على الإيمان، إما بنفي كماله، أو نوره وما يكون به خضوع لهيبة الله وجلاله، أو بإخراجه من دائرة أهل الإيمان إلى مرتبة أدنى في الدين وهي الإسلام، وإما أن يترك اللفظ الشرعي كما ورد ولا يؤول ليكون أبلغ في الزجر، مع اعتقاد أن مرتكب الكبيرة لا يكفر بذلك. وهي فيما أرى أرجح الأقوال في معنى هذه الأحاديث والله أعلم.\nوبهذا يتبين أن الكبائر قد أزالت عن مرتكبها ذلك المسمى الذي هو الإيمان، وذلك الوصف الذي هو المؤمن، الذي وعد الله أهله بالنجاة من النيران والفوز بالجنان ورضى الرحمن في مثل قوله تعالى ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ التوبة٧٢. وتكون الكبائر جالبة للإنسان خسارة عظمى وبلية كبرى نسأل الله العافية.\n_________\n١ انظر تعظيم قدر الصلاة للمروزي (٢/٦٤١) ومعالم السنن للخطابي بهامش سنن أبي داود (٧/٥٤) .\n٢ تعظيم قدر الصلاة (٢/٦٤٤) .","vol":"1","page":88},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>ثانيًا: النصوص التي ورد فيها وصف مرتكبي بعض الذنوب بالكفر:</span>\nكما وردت أحاديث تنفي عن مرتكب الكبيرة الإيمان، فقد وردت أحاديث تصف مرتكبي بعض الذنوب بالكفر، فمن ذلك حديث ابن عمر ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ: ” أيما امرئ قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما ” ٣.\n_________\n٣ أخرجه م. الإيمان (١/٧٩) .","vol":"1","page":88},{"text":"وعن أبي هريرة ﵁ أنه سمع رسول لله ﷺ يقول: \" لا ترغبوا عن آبائكم فمن رغي عن أبيه فهو كافر\" ١.\nوعن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: ”سباب المسلم فسوق وقتاله كفر” ٢.\nوعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: “ اثنتان في الناس هما بهم كفر الطعن في النسب والنياحة على الميت” ٣.\nوعن منصور بن عبد الرحمن عن الشعبي عن جرير أنه سمعه يقول: ” أيما عبد أبق من مواليه فقد كفر حتى يرجع إليهم”. قال منصور: قد والله روى عن النبي ﷺ، ولكني أكره أن يروى عني هاهنا بالبصرة ٤.\nفهذه الأحاديث ونحوها عند أهل السنة لا تدل على أن مرتكب ما ذكر فيها من ذنوب يكون كافرًا خارجًا من الإسلام، وذلك أن الله ﵎ قد وصف بعض مرتكبي الذنوب بالإيمان، ولم يكفرهم، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ الحجرات٩. فسماهم مؤمنين مع وجود الاقتتال.\nوكذلك فإن الله تعالى قد أوجب الجلد على القاذف، والقطع على السارق، وجلد رسول الله ﷺ الزاني البكر وشارب الخمر وغير ذلك، فلو كان\n_________\n١ أخرجه خ. الفرائض ب- من ادعى إلى غير أبيه (١٢/٥٥)، م. الإيمان (١/٨٠) .\n٢ أخرجه خ. الإيمان ب -خوف المؤمن من أن يحبط عمله (١/ ١٣٥)، م. الإيمان (١/٨١)\n٣ م. الإيمان (١/٨١) .\n٤ أخرجه م. الإيمان (١/٨٣) د. الحدود. ب- الحكم فيمن ارتد رقم ٤٣٦٠. قال النووي: معنى قوله (قد والله روى عن النبي ﷺ ولكني أكره أن يروى ...) فإني أكره أن أصرح برفعه في لفظ روايتي فيشيع عني في البصرة، التي هي مملوءة من المعتزلة والخوارج، الذين يقولون بتخليد أهل المعاصي في النار، والخوارج يزيدون على التخليد، فيحكمون بكفره، ولهم شبهه في التخليد بظاهر هذا الحديث. شرح النووي على مسلم (٢/٢٤٧) .","vol":"1","page":89},{"text":"هؤلاء كفارًا بارتكابهم للكبائر لوجب قتلهم لقوله ﷺ “ لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة ” ١.\nوأجمع الصحابة على عدم كفر مرتكبي الذنوب، فقد روى أبو عبيد عن أبي سفيان أنه قال: “جاورت مع جابر بن عبد الله بمكة ستة أشهر فسأله رجل هل كنتم تسمون أحدًا من أهل القبلة كافرًا؟ فقال: معاذ الله! قال: فهل تسمونه مشركًا؟ قال: لا” ٢.\nفلهذا صرح أصحاب كتب العقائد بذلك في عقائدهم فقال الطحاوي ﵀: ”ولا نكفر أحدًا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله” ٣.\nوقال الحكمي ﵀:\nولا نكفر بالمعاصي مؤمنًا إلا مع استحلاله لما جنى٤.\nوقد أجاب العلماء عن معنى الكفر الوارد في الأحاديث السابقة وشبهها بعدة أجوبة:\nالجواب الأول: أن الفعل الوارد فيه لفظ الكفر إنما ذكر هكذا لأنه يؤول\n_________\n١ أخرجه م. القسامة (٣/١٣٠٢) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁.\n٢ الإيمان لأبي عبيد ص٩٨ قال الألباني في التعليق: إسناده صحيح على شرط مسلم وعزاه في مجمع الزوائد (١/١٠٧) إلى أبي يعلى والطبراني وقال: رجاله رجال الصحيح، وانظر التمهيد لابن عبد البر (٩/٢٥١) .\n٣ شرح العقيدة الطحاوية ص٣١٦. وقوله (بذنب ما لم يستحله) بين شارح الطحاوية ﵀ أن قول الطحاوي ﵀ ليس على إطلاقه، لأن من الذنوب ما يكون كفرًا، كالسجود للصنم، والاستهزاء بالله، والسحر، وترك الصلاة عند كثير من السلف. فالصواب أن يقال: ولا نكفر أحدًا من أهل القبلة بكل ذنب.\n٤ معارج القبول (٢/٣٠٠) .","vol":"1","page":90},{"text":"بفاعله إلى الكفر، وذلك لأن المعاصي كما قالوا: بريد الكفر، ويخشى على المكثر منها أن يكون عاقبة شؤمها المصير إلى الكفر.\nالجواب الثاني: أنه أطلق عليه ذلك من باب المبالغة في التحذير والزجر عن الفعل١.\nالجواب الثالث: أنه أطلق عليها ذلك لأنها من الأخلاق والسنن التي عليها الكفار والمشركين.\nالجواب الرابع: أنه محمول على المستحل لذلك.\nالجواب الخامس: أن المراد به الكفر إلا أنه ليس الكفر المخرج من الملة، وإنما هو كفر دون كفر وهو من الكفر العملي الذي لا يخرج صاحبه من الإسلام.\nوهذا الأخير أرجحها، لأن الأدلة قد دلت على أن لفظ الكفر ومثله الظلم والفسق والشرك قد وردت في الشرع على معنيين أكبر وأصغر، فمما ورد في الظلم ما روي عن ابن مسعود ﵁ أنه لما نزل قوله تعالى ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ الأنعام ٨٢. شق ذلك على أصحاب النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله أينا لا يظلم نفسه؟ فقال رسول الله ﷺ: ليس كما تظنون، إنما هو كما قال لقمان لابنه ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ٢.\nفهنا ذكر النبي ﷺ أن للظلم معنيان: ظلم أكبر: وهو الشرك، وظلم أصغر: وهو ظلم العبد لنفسه بالذنوب.\n_________\n١ وقد سبق بيان ما في هذا القول من الخطأ انظر ص ٨٧.\n٢ خ. الإيمان ب. ظلم دون ظلم، انظر فتح الباري (١/٨٧)، م. الإيمان. ب صدق الإيمان وإخلاصه (١/١١٥) .","vol":"1","page":91},{"text":"ومما ورد في الشرك ما روى محمود بن لبيد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: “إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، قالوا: يا رسول الله وما الشرك الأصغر؟ قال: الرياء” ١.\nفهنا بين النبي ﷺ أن من الشرك نوع هو أصغر، أما الشرك الأكبر فهو عبادة غير الله.\nومثل ذلك ورد في الكفر أيضًا فقد ورد في حديث ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال: “ أُريت النار، فإذا أكثر أهلها النساء يكفرن، قيل أيكفرن بالله، قال: يكفرن العشير ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى أحداهن قالت: ما رأيت منك خيرًا قط ” ٢.\nفهنا بين النبي ﷺ أن الكفر يرد شرعًا على غير الكفر بالله وهو دونه في الحكم.\nومثله ما ورد عن ابن عباس ﵁ في قول الله ﷿: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ المائدة (٤٤) .قال:“هي به كفر، وليس كفرًا بالله وملائكته وكتبه ورسله”.\nوفي رواية أنه قال:“كفر دون كفر”.\nومثله ورد عن عطاء وطاووس وغيره٣.\nفهذا يدل على أن الشارع أطلق الكفر على ما دون الكفر الأكبر وهو ما يسميه العلماء كفر دون كفر.\nفيكون المقصود بما ورد في الشرع إطلاق اسم الكفر عليه من المعاصي\n_________\n١ أخرجه. حم (٥/٤٢٨-٤٢٩)، وقال ابن حجر إسناده، حسن بلوغ المرام ص١٨٧.\n٢ خ. الإيمان ب. كفران العشير، وكفر دون كفر، انظر فتح الباري (١/٨٣) .\n٣ انظر تفسير ابن جرير (١٠/ ٣٥٤) تحقيق أحمد شاكر، التمهيد لابن عبد البر (٤/٢٣٧) السنة للخلال (٤/١٥٩-١٦١) .","vol":"1","page":92},{"text":"هو الكفر العملي، الذي لا يخرج من الملة١، أو كفرًا دون كفر. وهذا أرجح الأقوال في ذلك، وهو الذي عليه كثير من العلماء. ٢\n_________\n١ احترزنا بقولنا (الذي لا يخرج من الملة)، لأن من الكفر العملي ما يخرج من الملة، كبعض نواقض الإسلام، كالاستهزاء بالله، أو رسوله، أو دينه، وكذلك الصلاة عند كثير من السلف، وكذلك بعض مباني الإسلام الأخرى عند بعض العلماء.\nقال ابن القيم ﵀: «الكفر نوعان: كفر عمل، وكفر جحود وعناد، فكفر الجحود أن يكفر بما علم أن الرسول ﵊ جاء به من عند الله جحودًا أو عنادًا – من أسماء الرب وصفاته وأفعاله وأحكامه.\nوهذا الكفر يضاد الإيمان من كل وجه، وأما كفر العمل فينقسم إلى ما يضاد الإيمان وإلى ما لايضاده، فالسجود للصنم، والاستهانة بالمصحف، وقتل النبي وسبه يضاد الإيمان. وأما الحكم بغير ما أنزل الله وترك الصلاة فهو من الكفر العملي قطعًا، ولا يمكن أن ينفي عنه اسم الكفر بعد أن أطلقه الله ورسوله عليه، فالحاكم بغير ما أنزل الله كافر، وتارك الصلاة كافر بنص رسول الله ﷺ، ولكن هو كفر عمل لا كفر اعتقاد، ومن الممتنع أن يسمي الله سبحانه الحاكم بغير ما أنزل الله كافرًا، ويسمي رسول الله ﷺ تارك الصلاة كافرًا، ولا يطلق عليهما اسم الكفر» .كتاب الصلاة. ضمن مجموعة الحديث النجدية، ص٥١٥.\n٢ انظر: الإيمان لأبي عبيد ص٩٣، تعظيم قدر الصلاة للمروزي (٢/٥١٧-٥٢٩)، فتح الباري (١/٨٣)، مجموع الفتاوى (٧/٣٥٠-٣٥٥)، مدارج السالكين (١/٣٣٦)، التمهيد لابن عبد البر (٤/٢٣٦)، شرح الطحاوية ص٣٦٣.","vol":"1","page":93},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>ثالثًا: النصوص التي ورد فيها قوله ﵊ “ليس منا</span>”:\nوردت نصوص عن النبي ﷺ يصف فيها مرتكب بعض الذنوب: بأنه ليس منه، ومن هذه النصوص:\nحديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال، قال النبي ﷺ “ ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية ” ٣.\n_________\n٣ أخرجه. خ- الجنائز ب. ليس منا من شق الجيوب، انظر فتح الباري (٣/١٦٣)، م. الإيمان ب. تحريم ضرب الخدود (١/٩٩) .","vol":"1","page":93},{"text":"وحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ:”من حمل علينا السلام فليس منا، ومن غشنا فليس منا” ١.\nفهذه النصوص ونحوها للعلماء ﵏ أقوال في معناها.\nالقول الأول: قول من يرى أنها خرجت مخرج التغليظ ٢.\nالقول الثاني: أن المعنى: ليس مثلنا، واستنكر هذا عبد الرحمن بن مهدي والإمام أحمد وغيرهم، وقد قيل للإمام أحمد: إن قومًا قالوا: من غشنا فليس مثلنا، فأنكره وقال:“هذا تفسير مسعر، وعبد الكريم بن أبي أُمية، وكلام المرجئة، وقال: بلغ عبد الرحمن بن مهدي فأنكره، وقال: لو أن رجلًا عمل بكل حسنة أكان يكون مثل النبي ﷺ؟! ” ٣.\nواستنكر هذا القول أبو عبيد وقال:“فإني لا أراه، من أجل أنه إذا جعل من فعل ذلك ليس مثل النبي ﷺ لزمه أن يصير من يفعل ذلك مثل النبي ﷺ، وإلا فلا فرق بين الفاعل والتارك، وليس للنبي ﷺ عديل ولا مثل من فاعل ذلك ولا تاركه ٤.\nالقول الثالث: أنه ليس على ديننا الكامل، أي أنه خرج من فرع من فروع الدين، إن كان معه أصله، حكى هذا القول ابن العربي ٥.\nالقول الرابع: أن المراد من ذلك أن من فعل شيئًا من تلك الأفعال فقد تعرض لأن يهجر، ويعرض عنه فلا يختلط بجماعة السنة تأديبًا له على استصحابه حالة الجاهلية التي قبحها الإسلام، وهو قول ابن المنير حكاه ابن حجر ﵀.\n_________\n١ أخرجه م، الإيمان، ب قول النبي ﷺ \"من غشنا فليس منا\" (١/٩٩) .\n٢ حكى هذا القول أبو القاسم عبيد بن سلام في الإيمان ص٨٨، وذكره القاضي الباقلاني في التمهيد ص٤٢٢، وسبق بيان بطلان مثل هذا القول ص ٨٧.\n٣ السنة للخلال (٣/٥٧٦) .\n٤ الإيمان لأبي عبيد ض٩٣.\n٥ انظر فتح الباري (٣/١٦٤) .","vol":"1","page":94},{"text":"القول الخامس: معنى الحديث أن النبي ﷺ بريء من فاعل ذلك، فيكون كأنه توعده بأنه لا يدخل في شفاعته مثلًا، وهذا تفسير ابن حجر حملًا لحديث “ليس منا” على حديث “إن رسول الله ﷺ بريئ من الصالقة والحالقة والشاقة” ١.\nالقول السادس: أن المراد به المستحل للفعل من غير تأويل فإنه يكفر ٢.\nالقول السابع: أن معناه: ليس من أهل الإيمان المستحقين للثواب بلا عقاب، ولهم المولاة المطلقة والمحبة المطلقة وإنما هو بارتكابه لذلك الفعل نقص إيمانه وصار ممن يستحق العقوبة.\nقال شيخ الإسلام وهذا: كما يقول من استأجر قومًا ليعملوا عملًا، فعمل بعضهم بعض الوقت، فعند التوفية يصلح أن يقال: هذا ليس منا، فلا يستحق الأجر الكامل، وإن استحق بعضه ٣.\nالقول الثامن: أن هذا من أحاديث الوعيد التي يجب أن نؤمن بما ورد فيها وتمركما جاءت ولا يتكلم في تأويلها حتى يكون ذلك أبلغ في الزجر، وهذا مروي عن الزهري: قال سفيان قال رجل للزهري: يا أبا بكر حديث رسول الله ﷺ “ليس منا من لطم الخدود” وما أشبه من الحديث؟ قال سفيان فأطرق الزهري ساعة ثم رفع رأسه فقال:“من الله ﷿ العلم وعلى الرسول البلاغ وعلينا التسليم” ٤.\n_________\n١ أخرجه. خ. الجنائز. ب. ما ينهى عن الحلق عند المصيبة، انظر فتح الباري (٣/١٦٥) .\n٢ انظر شرح النووي على مسلم (٢/١٠٨) التمهيد للباقلاني ص٤٢٢، فتح الباري (٣/١٦٤) .\n٣ الفتاوى (١٩/٢٩٤)، وانظر (٧/٥٢٤) .\n٤ أخرجه الخلال في السنة (٣/٥٧٩) .","vol":"1","page":95},{"text":"وعلى هذا القول الإمام أحمد، فقد روى الخلال عنه أنه سئل عن قول النبي ﷺ “من غشنا فليس منا ...” قال:“على التأكيد والتشديد، ولا أكفر إلا بترك الصلاة” ١.\nقال ابن حجر: والأولى عند كثير من السلف إطلاق لفظ الخبر من غير تعرض لتأويله ليكون أبلغ في الزجر٢.\nالقول التاسع: أن معناها أنه ليس من المطيعين لنا، ولا من المقتدين بنا، ولا من المحافظين على شرائعنا. وقال بهذا أبو عبيد٣.\nوفسره عبد الرحمن بن مهدي كما عند الخلال بأن معنى “ليس منا” بأنه يكون مثل الجاهلية وعملهم لأن هذه الأعمال ليست من فعل أهل الإسلام إنما هي فعل الجاهلية ٤.\nفهذه الأقوال فيها تقارب في بيان معنى الحديث، والمستنكر فيها القول الأول والثاني، ما عداهما فإن معناه وفحواه متقارب جدًا، والواجب في ذلك إبطال المعنى الفاسد وهو التكفير، أو الخروج من الدين، ثم إثبات اللفظ أو ما يدل عليه والتشديد فيه، ليكون ذلك أبلغ في زجر الفاعل عن الفعل، ونهيه عنه، فإن من علم من المسلمين أن هذا الفعل على غير هديه ﷺ، وليس على سبيل طاعته، وأهل ولايته، بل هو على سبيل العصاة المنحرفين عن هديه وشريعته، تيقن أن الفعل محرم، وأن صاحبه معرض للعقوبة، التي يستحقها المخالف لرسول الله ﷺ، حيث حذر الله من معصية رسوله ومخالفة أمره، والله أعلم.\n_________\n١ السنة للخلال (٣/٥٧٩)، وانظر مسائل الإيمان للقاضي أبي يعلى ص٣١٧.\n٢ فتح الباري (١٣/٢٤) .\n٣ الإيمان لأبي عبيد ص٩٢.\n٤ السنة للخلال (٣/٥٧٨) .","vol":"1","page":96},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>المبحث الرابع: لعن مرتكب الكبيرة</span>\nاللعن في اللغة: الإبعاد والطرد من الخير، وقيل: الطرد والإبعاد من الله، ومن الخلق السب والدعاء ١.\nمما يتفق عليه أهل العلم جواز اللعن المطلق لمرتكبي بعض المحرمات التي ورد في الشرع لعن مرتكبيها ٢ مثل قوله ﷺ: “لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده” ٣.\nوقوله ﵊ “لعن الله من ذبح لغير الله، لعن الله من آوى محدثًا ولعن الله من لعن والديه، ولعن الله من غير منار الأرض” ٤.\nوقال جابر بن عبد الله ﵁ “لعن رسول الله ﷺ آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال: هم سواء” ٥. ونحو ذلك من الأحاديث.\nواختلفوا في المعين من مرتكبي الكبائر هل يجوز لعنه أم لا؟ إلى أربعة أقوال: القول الأول: جواز لعن العاصي المعين مطلقًا، وقال بهذا ابن الجوزي وطائفة من أصحاب الإمام أحمد ٦ والسراج البلقيني ٧.\n_________\n١ لسان العرب (٥/٤٠٤٤)، المعجم الوسيط (ص:٨٢٩) .\n٢ انظر: تفسير القرطبي (٢/١٩٠) .\n٣ أخرجه. خ.كتاب الحدود باب لعن السارق إذا لم يسم فتح الباري (٢١/٨١) .و. م.كتاب الحدود، انظره بشرح النووي (١١/١٨٦) من حديث أبي هرير ة ﵁.\n٤ أخرجه. م.كتاب الأضاحي. انظره: بشرح النووي (١٣/١٤٢) من حديث علي بن أبي طالب ﵁.\n٥ أخرجه. م.كتاب المساقاة، انظره بشرح النووي (١١/٢٨) .\n٦ منهاج السنة النبوية (٤/٥٦٩) .\n٧ فتح الباري (١٢/٨٦) .","vol":"1","page":97},{"text":"واحتج من أجاز ذلك بالأحاديث التي ورد فيها لعن النبي ﷺ من فعل بعض المحرمات بالأحاديث السابقة، وكذلك حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: “إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه، فأبت أن تجيء فبات غضبان لعنتها الملائكة حتى تصبح” ١.\nفقالوا: إن النبي ﷺ لعن وذكر كذلك لعن الملائكة لمن يستحق اللعن فيستوي فيه المعين وغيره ٢.\nالقول الثاني: أنه يجوز لعن المعين ما لم يقم عليه الحد، فإذا أقيم عليه الحد فلا يجوز لعنه، وقال بهذا ابن بطال ٣.\nوقد استدل من قال ذلك بحديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: إن رجلًا كان على عهد النبي ﷺ اسمه عبد الله وكان يلقب حمارًا، وكان يضحك رسول الله ﷺ وكان النبي ﷺ قد جلده في الشراب، فأتي به يومًا فأمر به فجلد، فقال رجل من القوم: اللهم العنه، ما أكثر ما يؤتى به، فقال النبي ﷺ: “ لا تلعنوه، فوالله ما علمت أنه يحب الله ورسوله ” ٤.\nقال الحافظ في الفتح: وفي رواية “فوالله ما علمت أنه ليحب الله ورسوله” وتكون ما زائدة ٥.\nفقالوا: إن النهي هنا إنما كان بعد إقامة الحد لا قبله.\nالقول الثالث: أن لعن المعين لا يجوز إلا أن يكون مجاهرًا، ذكر هذا القول\n_________\n١ أخرجه. خ.كتاب النكاح باب إذا باتت المرأة مهاجرة فراش زوجها، انظر فتح الباري (٩/٢٩٣) .\n٢ انظر: فتح الباري (١٢/٧٦) .\n٣ فتح الباري (١٢/٨١)، تفسير القرطبي (٢/١٨٩) .\n٤ أخرجه. خ. كتاب الحدود باب ما يكره من لعن شارب الخمر، انظر فتح الباري (١٢/٧٥) .\n٥ فتح الباري (١٢/٧٨) .","vol":"1","page":98},{"text":"الحافظ في الفتح ١.\nالقول الرابع: أن لعن المعين لا يجوز مطلقًا، وبه قال النخعي، فقد روى الخلال بسنده عنه أنه سئل: ما ترى في لعن الحجاج وضَرْبهِ من الناس؟ فقال: لا تسمع إلى قوله تعالى ﴿أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ ٢.\nوبه قال الإمام أحمد، فقد روى ابنه صالح أنه قال له: الرجل يذكر عنده الحجاج أو غيره فيلعنه، قال: لا يعجبني لو عبر، فقال: ﴿أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ .\nوبه قال الخلال وعزاه إلى الحسن وابن سيرين ٣، وعزاه شيخ الإسلام إلى أبي بكر عبد العزيز من أصحاب الإمام أحمد ٤.\nوبه قال البخاري حيث بوب (باب لعن السارق إذا لم يسم) ٥، وكذلك القاضي عياض، والنووي، وابن العربي، وحكى فيه الاتفاق ٦، وهو الذي رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية، وكذا الصنعاني، والشوكاني ٧.\nوقد استدل من قال بهذا بالحديث السابق وهو نهيه ﷺ عن لعن الذي حده في شرب الخمر وقال: “لا تلعنوه”، وفي رواية أنه قال ﵊: ”لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم” ٨، مع أنه عليه الصلاة\n_________\n١ فتح الباري (١٢/٧٦) .\n٢ السنة للخلال (٣/٥٢٣) .\n٣ المصدر السابق.\n٤ منهاج السنة النبوية (٤/٥٦٩) .\n٥ انظر: فتح الباري الحدود (١٢/٨١) .\n٦ انظر: تفسير القرطبي (٢/١٨٩) .\n٧ منهاج السنة النبوية (٤/٥٧٣)، سبل السلام (٣/١٤٤)، ونيل الأوطار (٦/٢٠٩) .\n٨ أخرجه. خ.كتاب الحدود، باب ما يكره من لعن شارب الخمر، انظره: مع الفتح (١٢/٧٥) .","vol":"1","page":99},{"text":"والسلام قد لعن شارب الخمر، فقد روى الإمام أحمد عن ابن عباس أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: “ أتاني جبريل فقال: يا محمد إن الله ﷿ لعن الخمر وعاصرها ومعتصرها وشاربها وحاملها والمحمولة إليه وبائعها ومبتاعها وساقيها ومستقيها ” ١.\nفقالوا: إن حديث عمر في نهيه عن لعن شرب الخمر يحمل على المعين، أما حديث ابن عباس فهو في لعن غير المعين ولعن الشارب عمومًا ٢.\nواستدلوا أيضًا بحديث “لعن المؤمن كقتله” ٣.\nقال النووي ﵀: أن اللعن من المعاصي الشديدة القبح...وقد قال ﷺ “لعن المؤمن كقتله”. واتفق العلماء على تحريم اللعن فإنه في اللغة: الإبعاد والطرد. وفي الشرع: الإبعاد من رحمة الله تعالى، فلا يجوز أن يبعد من رحمة الله من لا يعرف حاله وخاتمة أمره معرفة قطعية، فلهذا قالوا: لا يجوز لعن أحدٍ بعينه مسلمًا كان أو كافرًا أو دابة إلا من علمنا بنص شرعي أنه مات على الكفر أو يموت عليه كأبي جهل وإبليس ٤.\nوقد استدل بهذا الحديث الإمام أحمد في إنكاره للعن يزيد بن معاوية، فقد روى الخلال أن أبا طالب قال: سألت أبا عبد الله من قال لعن الله يزيد بن\n_________\n١ حم (١/٣١٦)، وأخرج نحوها. ت.عن أنس كتاب البيوع، باب النهي عن أن يتخذ الخمر خلًا (٣/٥٨٩)، جه. كتاب الأشربة، باب لعنت الخمر على عشرة أوجه (٢/١١٢١) عن أنس وابن عمر ﵄.\n٢ منهاج السنة النبوية (٤/٥٧٣) .\n٣ أخرجه. خ.كتاب الأدب، باب ما نهى عن السباب واللعن، انظره مع الفتح (١٠/٤٦٥) .وم. كتاب الإيمان باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه، انظره مع شرح النووي (٢/١١٩) من حديث أبي هريرة ﵁.\n٤ شرح النووي على مسلم (٢/٦٧) .","vol":"1","page":100},{"text":"معاوية؟ قال: لا أتكلم في هذا، قلت: ما تقول فإن الذي تكلم به رجل لا بأس به، وأنا صائر إلى قولك، فقال أبو عبد الله: قال النبي ﷺ: ”لعن المؤمن كقتله” فأرى الإمساك أحب إليَّ ١.\nوقد أجاب من منع لعن الفاسق المعين عن استدلال المجيزين لذلك بحديث أبي هريرة الذي ورد فيه لعن الملائكة للمرأة التي تأبى على زوجها، بأن ما ورد في الحديث هو الإخبار عن لعن الملائكة، وهو أمر موجه إليهم، وليس إلينا، كما أخبرنا أن الله لعن شارب الخمر إلا أنه لم يأمرنا بلعنه٢.\nفعليه فالراجح فيما أرى عدم جواز لعن الفاسق المعين، وإنما يلعن الوصف كأن يقال لعنة الله على شارب الخمر وآكل الربا والواصلة ونحو ذلك مما ورد في الأحاديث، وذلك لأن لعن المعين معناه طرده وإبعاده من رحمة الله فيكون بهذا من جنس القطع له بالنار والخلود فيها، وهذا خلاف عقيدة أهل السنة وخلاف الحق الذي دلت عليه النصوص، ثم إنا لا ندري ما يختم للإنسان، فلا نقطع بذلك على مسلم، مع ما ورد من الأحاديث من النهي عن اللعن عمومًا كما في حديث سمرة بن جندب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:“لا تلاعنوا بلعنة الله، ولا بغضبه، ولا بالنار”٣.\nوعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:“ليس المؤمن بالطعّان ولا باللعان ولا بالفاحش البذيء” ٤. والله أعلم.\n_________\n١ السنة للخلال (٣/٥٢١) .\n٢ انظر: سبل السلام للصنعاني (٤/١٤٤) .\n٣ أخرجه. ت.كتاب البر باب ما جاء في اللعنة، وقال: حديث حسن صحيح (٤/٣٥٠) .\n٤ أخرجه. ت.الموضع السابق، وقال: حسن غريب.","vol":"1","page":101},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>المبحث الخامس: هجر أهل المعاصي والفسق</span>\nاتفق السلف على أنه لا يجوز هجر المسلم فوق ثلاث لحظ من حظوظ النفس والهوى وذلك لقول الرسول ﷺ: “لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام” ١.\nكما اتفق السلف على جواز هجران أهل المعاصي والفسق واستدلوا لذلك بعدة أدلة:\nمنها قوله تعالى ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ هود:١١٣.\nقال القرطبي ﵀ في بيان المقصود بالذين ظلموا قيل: أهل الشرك، وقيل: عامة فيهم وفي العصاة نحو قوله تعالى ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا﴾ وهذا هو الصحيح في معنى الآية، وأنها دالة على هجران أهل الكفر والمعاصي من أهل البدع وغيرهم، فإن صحبتهم كفر أو معصية٢.\nومنها: قصة كعب ابن مالك ﵁ وصاحبيه الذين تخلفوا عن غزوة تبوك، وجاء فيها قول كعب ﵁ “ونهى رسول الله ﷺ المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة” ٣.\nقال النووي في بيان فوائد الحديث: استحباب هجران أهل البدع والمعاصي وترك السلام عليهم ومقاطعتهم تحقيرًا لهم وزجرًا ٤.\nقال ابن حجر: قال الطبري: قصة كعب بن مالك أصل في هجران أهل\n_________\n١ أخرجه. خ.كتاب الأدب باب الهجرة، انظر فتح الباري (١٠/٤٩٢) .\n٢ تفسير القرطبي (٩/١٠٨) .\n٣ أخرجه. خ.كتاب المغازي باب حديث كعب بن مالك. انظره مع الفتح (٨/١١٥)، و. م.كتاب التوبة باب حديث توبة كعب وصاحبيه، انظره مع شرح النووي (١٧/٩٢) .\n٤ شرح النووي على مسلم (١٧/١٠٠) .","vol":"1","page":102},{"text":"المعاصي١.\nقال ابن عبد البر: في شرحه لحديث “لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث” ٢ وهذا الحديث وإن كان ظاهره العموم، فهو -عندي- مخصوص بحديث كعب بن مالك، حيث أمر ﷺ أصحابه أن يهجروه ولا يكلموه هو وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع لتخلفهم عن غزوة تبوك، حتى أنزل الله ﷿ توبتهم وعذرهم، فأمر رسول ﷺ أصحابه أن يراجعوهم الكلام. وفي حديث كعب هذا دليل على أنه جائز أن يهجر المرء أخاه إذا بدت منه بدعة أو فاحشة يرجو أن يكون هجرانه تأديبًا له، وزجرًا عنها٣.\nومنها ما روى عن عائشة ﵂: \"أن صفية بنت حيي ﵂ اعتل جملها وكان عند زينب بنت جحش ﵂ فضل ظهر فقال لها النبي ﷺ: يا زينب افقري أختك صفية جملًا فقالت: أنا أفقر يهوديتك، وفي رواية: أنا أعطي تلك اليهودية فغضب النبي ﷺ حين سمع ذلك منها، فهجرها، فلم يكلمها حتى قدم مكة وأيام منى في سفره حتى رجع إلى المدينة والمحرم وصفر فلم يأتها ولم يقسم لها ويئست منه، فلما كان شهر ربيع الأول دخل عليها” ٤.\nومن الأدلة فعل الصحابة ﵃، فقد روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مغفل ﵁ أنه رأى رجلًا يخذف، فقال له: لا تخذف، فإن رسول الله ﷺ نهى عن الخذف ٥ أو كان يكره الخذف وقال: إنه لا يصاد به الصيد،\n_________\n١ فتح الباري (١٠/٤٩٧) .\n٢ سبق تخريجه ص٥٦.\n٣ التمهيد (٦/١١٧-١١٨) .\n٤ ذكرته هنا مختصرًا وهو بأطول من ذلك، وقد أخرجه حم (٦/٣٣٨) د. السنة. باب ترك السلام على أهل الأهواء (٤/١٩٩) .\n٥ الخذف كالضرب، رميك بحصاة أو نواة تأخذها بين سبابتيك فترمي بها، انظر القاموس المحيط (ص:١٠٣٧)، تاج العروس (٦/٨٠) .","vol":"1","page":103},{"text":"ولا يُنكأ به عدو، ولكنها قد تكسر السن وتفقأ العين، ثم رآه بعد ذلك يخذف فقال له:“أحدثك عن رسول الله ﷺ أنه نهى عن الخذف، أو كره الخذف، وأنت تخذف؟ لا أكلمك كذا وكذا”، وفي رواية مسلم “لا أكلمك أبدًا” ١.\nقال ابن حجر:“وفي الحديث جواز هجران من خالف، وترك كلامه”٢.\nوروى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه قال: قال رسول الله ﷺ:“لا يمنعن رجل أهله أن يأتوا المساجد” فقال ابن لعبد الله بن عمر: فإنا نمنعهن، فقال عبد الله: أحدثك عن رسول الله ﷺ وتقول هذا، قال: فما كلمه عبد الله حتى مات٣.\nفهذه أدلة صريحة تدل على هجر العاصي زجرًا له وتأديبًا، لعله يرتدع وينزجر عن فعله.\nقال القاضي أبو يعلى:“فأمروا بهجر العاصي تنفيرًا عنه وإذلالًا له وكسرًا لقلبه فربما ارتدع بذلك عن غيه ٤.\n_________\n١ أخرجه. خ.كتاب الذبائح باب الخذف والبندقة، انظره مع الفتح (٩/٦٠٧) .و. م.في الصيد (٣/١٥٤٨) .\n٢ فتح الباري (٩/٦٠٨) .\n٣ حم (٢/٣٦) .قال محقق المسند (٨/٥٢٧):\"إسناده صحيح. رجاله ثقات، وأخرجه الطيالسي (١٩٠٣)، وأبو عوانة (٢/٨د)، وقال الحافظ في الفتح (٢/٤٠٥):وإنما أنكر عليه ابن عمر لتصريحه بمخالفة الحديث، وإلا فلو قال مثلًا: إن الزمان قد تغير، وإن بعضهن ربما ظهر منه قصد المسجد وإضمار غيره، لكان يظهر أن لا منكر عليه.\nوقال: في قوله: (فما كلمه عبد الله حتى مات) .هذا إن كان محفوظًا يحتمل أن يكون أحدهما مات عقب هذه القصة بيسير.\n٤ انظر المسائل العقدية من كتاب الروايتين والوجهين (ص:١٢١) .","vol":"1","page":104},{"text":"أما ما ورد في هجر المبتدعة فهو أمر مشتهر عن السلف أنهم هجروا المبتدعة وأمروا بهجرهم ونهوا عن مجالستهم والسلام عليهم وحضور جنازتهم.\nأما الفساق فإن الأدلة السابقة صريحة في هجرهم ويخصص بها عموم النصوص الواردة في تحريم هجر المسلم لأخيه المسلم فوق ثلاثة أيام، فإن هذا الهجر المحرم هو فيما إذا كان الهجر لحظ النفس وهواها، أما إذا كان الهجر لله فإنه يجوز حتى يتوب المهجور ولو طال ذلك كما كان الأمر بالنسبة لكعب بن مالك ﵁ وصاحبيه، فقد هجرهم المسلمون بأمر النبي ﷺ خمسين ليلة، وهجر النبي ﷺ زوجه زينب ﵂ ثلاثة أشهر تقريبًا ومدة الهجر مرتبطة بأن يظهر العاصي توبة صحيحة لما ورد عن الإمام أحمد أنه قال في عاص: يهجر حتى يظهر توبة صحيحة ١.\nومما ينبغي التنبه له أن العاصي الذي يهجر هو من أظهر فسقه وجاهر بارتكابه للمحرم، أما المستتر بمعصيته فلا يهجر، وإنما ينصح سرًا إذا اطلع إنسان على حاله لعله يتوب، ولا يجوز فضحه.\nقال الخلال: أبو عبد الله هجر أهل المعاصي ومن قارف الأعمال الردية وكاشف بها، أما من سكر أو شرب أو فعل فعلًا من هذه الأشياء المحظورة ولم يكاشف بها فالكف عن أعراضهم ٢.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية:“من فعل شيئًا من المنكرات كالفواحش والخمر والعدوان وغير ذلك فإنه يجب الإنكار عليه بحسب القدرة، فإن كان الرجل مستترًا بذلك وليس معلنًا له أنكر عليه سرًا وستر عليه، إلا أن يتعدى ضرره، والمتعدي لا بد من كف عدوانه، وإذا نهاه المرء سرًا فلم ينته فعل ما\n_________\n١ انظر: المسائل العقدية من كتاب الروايتين والوجهين (ص:١٢٢) .\n٢ نقلها عنه القاضي أبو يعلى في كتاب الروايتين والوجهين، انظر المسائل العقدية منه (ص:١٢٤) .","vol":"1","page":105},{"text":"ينكف به من هجر وغيره إذا كان ذلك أنفع في الدين”.\nوقال أيضًا:“فإذا أظهر المنكر وجب الإنكار عليه بحسب القدرة ويهجر ويذم على ذلك، بخلاف من كان مستترًا بذنبه مستخفيًا فإن هذا يستر عليه لكن ينصح سرًا، ويهجره من عرف حاله حتى يتوب”١.\nوقال الذهبي:“فإذا كان الجار صاحب كبيرة فلا يخلو: إما أن يكون مستترًا بها يغلق بابه عليه، فليعرض عنه، ويتغافل عنه، وإن أمكن أن ينصحه في السر ويعظه فحسن. وإن كان متظاهرًا بفسقه، مثل مكاس أو مرابي فهجره هجرًا جميلًا، وكذا إن كان تاركًا للصلاة في كثير من الأوقات فمره بالمعروف وانهه عن المنكر مرة بعد أخرى، وإلا فاهجره في الله تعالى، لعله أن يرعوي ويحصل له انتفاع بالهجرة، من غير أن تقطع عنه كلامك وسلامك وهديتك، فإن رأيته متمردًا عاتيًا بعيدًا عن الخير فأعرض عنه” ٢.\nكما يحسن التنبيه على أمر آخر مهم في هذا: وهو أن الهجر من العقوبات الشرعية التي ثبتت بالشرع، وهي من الزواجر عن ارتكاب الذنوب، إلا أن هذا الزاجر وهذه العقوبة تستخدم حيث تنفع ويتحقق المقصود الشرعي منها، وهو تقليل الشر وتكثير الخير، أما إذا كانت تؤدي إلى خلاف ذلك من تكثير الشر وتقليل الخير فإن الأولى أن يسعى المسلم إلى الوصول إلى المطلب الشرعي بأوصل الطرق إليه.\nقال ابن عبد البر ﵀:“ولا هجرة إلا لمن ترجو تأديبه بها أو تخاف من شره في بدعة أو غيرها” ٣.\n_________\n١ مجموع الفتاوى (٢٨/٢١٧، ٢٢٠) مختصرًا.\n٢ حق الجار (ص:٤٦-٤٧) نقلًا عن الهجر من الكتاب والسنة (ص:١٨٨) .\n٣ التمهيد (٦/١١٩) .","vol":"1","page":106},{"text":"قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن الهجر:“فهذا من نوع العقوبات، فإذا كان يحصل بهذا الهجر حصول معروف أو اندفاع منكر فهي مشروعة، وإن كان يحصل بها من الفساد ما يزيد على فساد الذنب فليست مشروعة” ١.\nوقال أيضًا:“الهجر الشرعي نوعان: أحدهما: بمعنى ترك المنكرات، والثاني بمعنى العقوبة عليها - ثم قال عن الثاني - وهو: الهجر على وجه التأديب وهو هجر من يظهر المنكرات، يهجر حتى يتوب منها.\nوهذا الهجر يختلف باختلاف الهاجرين في قوتهم وضعفهم وقلتهم وكثرتهم، فإن المقصود به زجر المهجور وتأديبه ورجوع العامة عن مثل حاله، فإن كانت المصلحة في ذلك راجحة بحيث يفضي هجره إلى ضعف الشر وخفيته كان مشروعًا، وإن كان لا المهجور ولا غيره يرتدع بذلك، بل يزيد الشر، والهاجر ضعيف، بحيث يكون مفسدة ذلك راجحة على مصلحته، لم يشرع الهجر، بل يكون التأليف لبعض الناس أنفع من الهجر، والهجر لبعض الناس أنفع من التأليف، ولهذا كان النبي ﷺ يتألف قومًا ويهجر آخرين، كما أن الثلاثة الذين خلفوا كانوا خيرًا من أكثر المؤلفة قلوبهم، لما كانوا أولئك كانوا سادة مطاعين في عشائرهم، فكانت المصلحة الدينية في تأليف قلوبهم وهؤلاء كانوا مؤمنين، والمؤمنون سواهم كثير، فكان في هجرهم عز الدّين وتطهيرهم من الذنوب، وهذا كما أن المشروع في العدو القتال تارة، والمهادنة تارة، وأخذ الجزية تارة كل ذلك بحسب الأحوال والمصالح.\nوجواب الأئمة أحمد وغيره في هذا الباب مبني على هذا الأصل، ولهذا كان يفرق بين الأماكن التي كثرت فيها البدع، كما كثر القدر في البصرة\n_________\n١ مجموع الفتاوى (٢٨/٢١٧) .","vol":"1","page":107},{"text":"والتنجيم بخراسان والتشيع بالكوفة، وبين ما ليس كذلك، ويفرق بين الأئمة المطاعين وغيرهم، وإذا عرف مقصود الشريعة سلك في حصوله أوصل الطرق إليه”١.\nوبه يتبين أهمية أن يستخدم المسلم الحكمة في أمر الهجر، لأن المسلم قد يخالط من هو مرتكب للمنكرات، إلا أنه حاكمًا أو سيدًا مطاعًا في قومه، أو من يكون تعلقت به مصالح العبد، فإن هجره له لا يؤثر فيه بالارتداع والانزجار بل قد يتمادى تكبرًا وغطرسة، وقد يوصل إلى الهاجر الضرر، إما الجسدي، وإما المالي.\nوكذلك فإن من الأمور التي ابتلي بها أهل زماننا كثرة العصاة وتنوع عصيانهم، وظهور أنواع من المنكرات تواطأ الناس على فعلها فصارت من عادات بعض الناس، وأعرافهم التي لا يستنكرون فعلها كحلق اللحى وشرب الدخان ونحو ذلك، مما لو هجر المسلم بسببه لصرم الناس إلا قليلًا منهم، وفيهم أهله وأقرباؤه وذوي رحمه، وهؤلاء بهجره لهم لا يرتدعون ولا ينزجرون، فمن هنا أرى أن دعوتهم وتذكيرهم ووعظهم والإنكار عليهم بالرفق واللين واستعمال التأليف لهم بالهدية ونحوها مع القصد الصالح في دعوتهم ووعظهم، فلعل هذا يكون من الجنس الذي بين العلماء فيما نقلت عنهم كابن عبد البر، وشيخ الإسلام والذهبي أنه أنفع وأحرى في تحقق المقصود مع أنه في الحقيقة هو الأمر الممكن للإنسان في هذه الأزمان ولا حول ولا قوة إلا بالله، والله أعلم وأحكم.\n_________\n١ مجموع الفتاوى (١٨/٢٠٤-٢٠٨) .","vol":"1","page":108},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>المبحث السادس: حكم الخروج على الحاكم الفاسق</span>\nيشترط العلماء شروطًا عدة لا بد من توفرها في الحاكم أو الخليفة أو إمام المسلمين، منها العدالة وهي أن يكون مراعيًا لجانب الدّين قائمًا بأوامر الله متجنبًا لنواهيه؛ لأن من أعظم المصالح المقصود تحقيقها بالولاية والإمامة إقامة الدّين بين الناس بأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، ورد المظالم وردع الظالم ونحو ذلك من المصالح الدينية والدنيوية ١.\nوالفاسق كما يقول شارح الطحاوية ﵀:“وهو من أظهر بدعة وفجورًا لا يرتب إمامًا للمسلمين فإنه يستحق التعزير فإن أمكن هجره حتى يتوب كان حسنًا” ٢.\nفإذا كان فاقدًا للعدالة في نفسه، فلن يقيم العدالة والحق في غيره، فلا يجوز عقد الولاية للفاسق ابتداءً ٣.ولكن إذا تغلب على الحكم فاسق قد صارع في الأمر وقاتل حتى استطاع أن يغلب الناس ويتولى عليهم بالقوة ٤، أو كان مستورًا حاله ثم ظهر فسقه وبان عن الدّين انحرافه فهل تسقط طاعته ويجوز\n_________\n١ انظر: الأحكام السلطانية للماوردي (ص:٦)، القاضي أبو يعلى وكتابه الأحكام السلطانية (ص:٣٥٢)، لوامع الأنوار البهية (ص:٤٢٣) .\n٢ شرح الطحاوية (ص:٤٢٣) .\n٣ فتح الباري (١٣/٨)، شرح النووي على مسلم (١٢/٤٣٣) .\n٤ يرى العلماء صحة ولاية المتغلب وذلك دفعًا لشره، قال الإمام أحمد في رسالته إلى عبدوس (وأمير المؤمنين البر والفاجر من ولى الخلافة واجتمع الناس عليه ورضوا به، ومن خرج عليهم بالسيف حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين) .انظر طبقات الحنابلة (١/٢٤٤)، \"وقد اجمع الفقهاء على طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه\". وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ كما في الدرر السنية (٧/٢٣٩):الأئمة مجمعون من كل مذهب على أن من تغلب على بلد أو بلدان له حكم الإمام في جميع الأشياء\".","vol":"1","page":109},{"text":"الخروج عليه؟\nقد دلت الأدلة الشرعية على أنه تجب طاعته ويحرم الخروج عليه.\nفمن الأدلة التي توجب طاعة الإمام ما روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: “السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة” ١.\nوعن عبادة بن الصامت ﵁ قال: “بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في المنشط والمكره، وألا ننازع الأمر أهله وأن نقوم - أو نقول - بالحق حيثما كنا لا نخاف في الله لومة لائم - وفي رواية - إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان” ٢.\nوعن أبي هريرة ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ: “عليك السمع والطاعة في عسرك ويسرك، ومنشطك، ومكرهك، وأثرة عليك” ٣.\nفهذه أحاديث صريحة في وجوب السمع والطاعة لمن تولى أمر المسلمين ما لم يأمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة.\nولا يعني ذلك لا سمع ولا طاعة مطلقًا، وإنما يعني لا سمع ولا طاعة في معصية الله، فلا يطيع المسلم أحدًا من الخلق في معصية الله ﵎.\nومن المعلوم أن وجوب السمع والطاعة على المسلم لمن ولاه الله أمر المسلمين، يعني تحريم الخروج عليه، لأن الخروج عليه هو أعظم العصيان له.\n١ أخرجه. خ كتاب الأحكام باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية، انظر فتح الباري (١٣/١٢١) .و. م.كتاب الإمارة باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية (٣/١٤٦٩) .\n٢ أخرجه. خ.كتاب الأحكام باب كيف يبايع الإمام الناس، انظر فتح الباري (١٣/١٩٢) م. كتاب الإمارة باب وجوب طاعة الأمراء (٣/١٤٧٠) .\n٣ أخرجه. م.كتاب الإمارة باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية (٣/١٤٦٧) .","vol":"1","page":110},{"text":"ومع ذلك، فقد وردت أدلة خاصة، تبين تحريم الخروج على الحاكم إذا فسق وانحرف. منها:\nحديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: “من خرج من الطاعة، وفارق الجماعة، فمات ميتته جاهلية ١، ومن قاتل تحت راية عُمِّيَّة يغضب لعصبة أو يدعو إلى عصبة أو ينصر عصبة فقتل فقتله جاهلية، ومن خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها ولا يتحاش من مؤمنها ولا يفي لذي عهد عهده فليس مني ولست منه” ٢.\nوعن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: “من رأى من أميره شيئًا فليصبر فإنه من فارق الجماعة شبرًا ٣ فمات فميتته جاهلية” ٤.\nوعن نافع قال: جاء عبد الله بن عمر إلى عبد الله بن مطيع حين كان من أمر الحرة ما كان زمن يزيد بن معاوية فقال: اطرحوا لأبي عبد الرحمن وسادة فقال: إني لم آتك لأجلس، أتيتك لأحدثك حديثًا سمعت رسول الله ﷺ يقول: “من خلع يدًا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية” ٥.\n_________\n١ قوله (ميتته جاهلية) بكسر الميم يعني: أن حالة موته كموت أهل الجاهلية على ضلال وليس له إمام مطاع، لأنهم كانوا لا يعرفون ذلك فيموت بذلك الشخص عاصيًا، انظر فتح الباري (١٣/٧) .\n٢ أخرجه. م.كتاب الإمارة باب وجوب ملازمة الجماعة (٣/١٤٧٧) .\n٣ قوله (فارق الجماعة شبرًا) أي سعى في حل عقد البيعة التي حصلت لذلك الأمير ولو بأدنى شيء، فكنى عنها بمقدار الشبر، لأن الأخذ في ذلك يؤول إلى سفك الدماء بغير حق، انظر فتح الباري (١٣/٧) .\n٤ أخرجه. خ.كتاب الفتن باب قول النبي ﷺ سترون بعدي أمورًا تنكرونها، انظر فتح الباري (١٣/٥) .م. كتاب الإمارة باب وجوب لزوم الجماعة (٣/١٤٧٧) .\n٥ أخرجه. م.الموضع السابق.","vol":"1","page":111},{"text":"وعن عوف بن مالك الأشجعي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ”خيار أئمتكم الذي تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم، قالوا: قلنا يا رسول الله: أفلا ننابذهم عند ذلك قال: لا ما أقاموا فيكم الصلاة، لا ما أقاموا فيكم الصلاة، ألا من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئًا من معصية الله، فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا ينزعن يدًا من طاعة” ١.\nفهذه النصوص صريحة في تحريم الخروج على الإمام إذا فسق أو جار.\nوقد تكاثرت النصوص عن العلماء في ذلك، فمنها:\nقول الإمام أحمد: “والانقياد لمن ولاه الله ﷿ أمركم لا تنزع يدًا من طاعته، ولا تخرج عليه بسيفك يجعل الله لك فرجًا ومخرجًا، ولا تخرج على السلطان بل تسمع وتطيع، فإن أمرك السلطان بأمر هو لله ﷿ معصية، فليس لك أن تطيعه، وليس لك أن تخرج عليه، ولا تمنعه حقه، ولا تعن على فتنة بيد ولا لسان، بل كف يدك ولسانك وهواك، والله ﷿ المعين”٢.\nوقال أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان رحمهما الله في عقيدتهما التي حكياها عن علماء الأمصار وجاء فيها:\n“ولا نرى الخروج على الأئمة ولا القتال في الفتنة، ونسمع ونطيع لمن ولاه الله ﷿ أمرنا، ولا ننزع يدًا من طاعة، ونتبع السنة والجماعة، ونجتنب الشذوذ والخلاف والفرقة”٣.\nوقال ابن بطة ﵀: “وقد أجمعت العلماء من أهل الفقه والعلم\n_________\n١ أخرجه. م. كتاب الإمارة باب خيار الأئمة، انظره مع شرح النووي (١٢/٤٤٧) .\n٢ السنة للإمام أحمد، انظر شذرات البلاتين (ص: ٤٦) .\n٣ شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي (١/١٧٧) .","vol":"1","page":112},{"text":"والنساك والعباد والزهاد من أول هذه الأمة إلى وقتنا هذا: أن صلاة الجمعة والعيدين ومنى وعرفات والغزو مع كل أمير بر وفاجر...والسمع والطاعة لمن ولوه وإن كان عبدًا حبشيًا إلا في معصية الله تعالى، فليس لمخلوق فيها طاعة”١.\nوقال النووي ﵀: “وأما الخروج عليهم - يعني الولاة - وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين، وإن كانوا فسقة ظالمين، وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته، وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق، ثم قال: وسبب عدم انعزاله وتحريم الخروج عليه ما يترتب على ذلك من الفتن وإراقة الدماء وفساد ذات البين، فتكون المفسدة في عزله أكثر منها في بقائه”.\nونقل عن القاضي عياض قوله: “وقال جماهير أهل السنة من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين: لا ينعزل بالفسق والظلم وتعطيل الحقوق، ولا يخلع، ولا يجوز الخروج عليه بذلك، بل يجب وعظه وتخويفه للأحاديث الواردة في ذلك، وقد ادعى أبو بكر بن مجاهد في هذا الإجماع، وقد رد عليه بعضهم هذا، بقيام الحسين وابن الزبير وأهل المدينة على بني أمية وبقيام جماعة عظيمة من التابعين والصدر الأول على الحجاج مع ابن الأشعث.\nوحجة الجمهور أن قيامهم على الحجاج ليس بمجرد الفسق، بل لما غيرمن الشرع وظاهر من الكفر٢.\n_________\n١ الإبانة الصغرى (ص: ٢٧٩) .\n٢ ليس هناك ما يدل على كفر الحجاج بن يوسف، ومن خرج على الأئمة من السلف المتقدمين ليس معهم في خروجهم دليل يدل على صحة ذلك منهم، وإنما النصوص على خلاف فعلهم، وإنما كانت لديهم ﵃ ورحمهم شبه واجتهاد ظنوا به جواز ما فعلوا، ونتيجة تلك المعارك كمعركة الحرة، وكربلاء، وفتنة ابن الأشعث تدل دلالة أكيدة على عظيم حكمة الشارع ورحمته حين أمر بالصبر على ظلم الولاة، فما حدث من سفك الدماء وإزهاق الأرواح وذهاب الممتلكات وانتشار الخوف والبلايا الكثيرة، أعظم بكثير من المفاسد التي كانت متوقعة من أولئك الولاة، والصبر على الوالي الظالم كما أمر الرسول ﷺ أحمد عاقبة وأهدى سبيلًا.","vol":"1","page":113},{"text":"وقيل: إن هذا الخلاف كان أولًا ثم حصل الإجماع على منع الخروج١.\nوقال الطحاوي ﵀: “ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمرنا وإن جاروا، ولا ندعوا عليهم، ولا ننزع يدًا من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعة الله ﷿ فريضة، ما لم يأمروا بمعصية وندعوا لهم بالصلاح والمعافاة” ٢.\nفهذه نصوص العلماء صريحة في تحريم الخروج على الحاكم الظالم أو الفاسق وليس هذا إكرامًا له، أو رضا بفعله أو تخفيفًا من شأن معصيته؛ لأن العصيان والفسق هو العصيان والفسق من كل أحد، وإنما الشارع الحكيم لاحظ ما يتحقق للناس فيه الخير ويندفع عنهم به الشر، أو يقل فمنع من الخروج على الوالي الفاسق؛ لأن الخروج عليه فتح لباب الشر على مصراعيه، ولا يتحقق للناس من وراء الخروج عليه ما يريدون، وإذا تحقق لهم ما يريدون فإنه لا يتحقق إلا بأضعاف مضاعفة من الشر الذي كانوا فيه قبل قيامهم على الوالي، والله أعلم.\n_________\n١ شرح النووي (١٣/٤٣٢) .\n٢ انظر: شرح الطحاوية (ص:٤٢٨) .","vol":"1","page":114},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>المبحث السابع: التوبة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>أولاَ: معنى التوبة لغة واصطلاحًا</span>\n...\nالمبحث السابع: التوبة\nإن الذنوب والمعاصي لا يسلم أحد منها إلا أن يكون نبيًا يعصمه الله ﷿.\nإلا أن الله ﵎ كما جعل اللقاحات الواقية من الذنوب جعل أيضًا الأدوية الناجعة للشفاء من المرض لمن وقع فيه وهي التوبة، فمن أذنب وعصى فلا يعني ذلك هلاكه، بل عليه أن يعلم أن له ربًا كما يأخذ بالذنب ويعاقب به، فإنه يغفر الذنب ويقبل التوبة عن عباده ويتجاوز عن السيئات، بل من كرمه أنه يبدلها حسنات.\nقال تعالى ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ الفرقان: ٧٠.\nوقد فتح الله ﵎ بابًا للتوبة لا يغلق إلى أن تطلع الشمس من مغربها كما ورد عن النبي ﷺ. ١\nوقد كان سيد الخلق ﷺ وهو المعصوم يقول: “والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة”. ٢\nومن لم يتب إلى الله من ذنوبه فهو الظالم لنفسه كما قال تعالى ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ الحجرات٤٩. وهو معرض لسائر الشرور المترتبة على الذنوب.\nوالله ﷿ قد ربط الفلاح بالتوبة النصوح فقال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ التحريم: ٨.\n_________\n١ سيأتي ذكره ص ١١٩.\n٢ أخرجه. خ. في الدعوات، ب- استغفار النبي ﷺ في اليوم والليلة (١١/١٠٤) .","vol":"1","page":115},{"text":"وقال تعالى ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ النور: ٣١.\nوالتوبة وظيفة العمر بمعنى أن الإنسان يجب عليه عند كل معصية توبة، وعند كل تقصير توبة حتى يمحو الله عنه خطيئته، ويكفر عنه سيئته، ويضمن بذلك إن شاء الله رحمة الله ومن لم يلازم التوبة لازمه الذنب، ومن لازمه الذنب أهلكه، وذلك أن بني آدم كما روي “كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون”. ١\nوعلى المسلم أن يحذر من التسويف في التوبة بأن يقول سأتوب إذا كبرت “فإن سوف جند من جند إبليس”٢، يغرر به الإنسان ويؤمله مع أن الموت والأجل مغيبان عن الإنسان ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوت﴾ لقمان ٣٤.\nفعلى المسلم أن يتجنب الذنوب كلها صغيرها وكبيرها فإنها أشأم شيء عليه، وأشر أمر يبتلى به، ولا نجاة له من شرها وبلائها إلا أن يرجع إلى ربه بالتوبة الصادقة، ويسأله غفران ذنبه والتجاوز عن سيئاته، وربنا ﵎ كريم غفور رحيم، يغفر الذنب العظيم، قال تعالى ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ الزمر٣٩.\nوعلى المسلم أن يعلم أن للطاعة لذة وحلاوة، وللعودة إلى الله تعالى لذة وحلاوة لا تعادلها لذة المعصية ولا حلاوتها، مع ما فيها من الأجر العظيم، فإن كثيرًا من الناس يظن أنه يجد لذة وحلاوة في المعصية التي يفعلها، وحقيقة الحال\n_________\n١ رواه أنس ﵁ عن النبي ﵊. أخرجه. ت. القيامة (٤/٦٥٩)، وقال: حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث علي بن مسعدة، وأخرجه. جه. في الزهد (٢/١٤٢٠)، وحم (٣/١٩٨)، والحاكم (٤/٢٤٤)، وقال: صحيح الإسناد، وقال الذهبي: بل فيه لين.\n٢ رواه الخطيب عن أبي جلدة في اقتضاء العلم العمل ص٢٢٦.","vol":"1","page":116},{"text":"أنها لذة فيها تنغيص ونشوة كاذبة كنشوة السكران، ومتعاطي المخدرات، إن كان فيهما نشوة وهي عما قليل تنقشع ويعقبها في القلب حسرة، وفي الوجه ظلمة، وفي النفس ذلة ومهانة، هي كافية في بيان قبح المعصية ومن وراء ذلك بعد عن الرحمن، وتسلط للشيطان وعذاب أليم في الدنيا والآخرة إن لم يتب إلى الله ﷿، ويغفر الله له ذنبه.\nفعلى المسلم أن يعزم على توبة صادقة يبتدئها من ساعته، فكم من إنسان نام وما أصبح إلا في الآخرة وكم من إنسان أصبح ولم يأته الليل إلا وهو ملاقي ربه ومعاين جزاء ذنبه.\nوللمسلم العاقل عبرة في حوادث كثيرة يسمعها، وأمور كثيرة يعلمها وأناس كثيرين حيل بينهم وبين ما يشتهون يعرفهم اخترمهم هادم اللذات ومفرق الجماعات وأوقفهم من غير رأي منهم ولا مشورة على أعمالهم صغيرها وكبيرها، وعاينوا تفريطهم وتقصيرهم فعضوا لذلك أصابع الندم ولا ينفع الندم قال تعالى ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ . الكهف ٤٩.\nلهذا على المسلم أن يلازم التوبة والإنابة إلى الله ليسلم من شرور الذنوب وبلائها، وسنبين في النقاط التالية ما يتعلق بالتوبة من مسائل:\nأولًا: معنى التوبة لغة واصطلاحًا:\nالتوبة في اللغة: الرجوع عن المعصية ١.\nأما في الشرع: فالعلماء متفقون على أنها: الإنابة إلى الله والأوبة إلى طاعته مما يكره من معصيته.\n_________\n١ انظر: القاموس المحيط (ص:٧٩)، لسان العرب (١/٤٥٤)، المعجم الوسيط (ص:٩٠) .","vol":"1","page":117},{"text":"أو هي: الرجوع إلى الله بالتزام فعل ما يحبّ وترك ما يكره ١.\nوقد يضيف بعض العلماء الشروط الواجب توفرها في التوبة ومنهم من يقتصر على نحو ما ذكرت.\n_________\n١ انظر: تفسير الطبري (١/٢٤٦)، جامع الرسائل لشيخ الإسلام (١/٢/٢٢٨)، مدارج السالكين (١/٣٣٢)، ولوامع الأنوار البهية (١/٣٧١)، والكليات لأبي البقاء (ص:٣٠٨)، والمفردات للراغب (ص:٧٦) .","vol":"1","page":118},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>ثانيا: حكم التوبة:</span>\nالتوبة واجبة على كل مكلف٢. فالكافر يجب عليه أن يتوب من كفره والمسلم يتوب من سيئاته وتقصيره، والمحسن يتوب مما قد يكون من غفلة وتقصير.\nقال تعالى ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ هود:١-٣.\nوقال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ التحريم:٨.\nوقال تعالى ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ النور: ٣١.\nوعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: “يا أيها الناس توبوا إلى الله فإني أتوب إليه في اليوم مائة مرة” ٣.\nوعن الأغر المزني ﵁ وكان له صحبة قال: قال رسول الله ﷺ: “إنه ليُغَان ٤\n_________\n٢ جامع الرسائل (١/٢٢٧) .\n٣ أخرجه. م. الذكر والدعاء (٤/٢٠٧٦) .\n٤ قال في المعجم (ص:٦٦٩): «غين على الرجل ركب قلبه السهو والغفلة»، ونقل النووي في شرح مسلم (١٧/٢٣) عن القاضي قوله: قيل المراد الفترات والغفلات عن الذكر الذي كان شأنه الدوام عليه، فإذا فتر عنه أو غفل عدَّ ذلك ذنبًا واستغفر، وذكر أقوالًا أخرى غير ذلك هذا أقربها والله أعلم.","vol":"1","page":118},{"text":"على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة” ١.\nوعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: “من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه” ٢.\nوعن أبي أيوب ﵁ قال حين حضرته الوفاة: “كنت كتمت عنكم شيئًا سمعته من رسول الله ﷺ سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"لولا أنكم تذنبون لخلق الله خلقًا يذنبون يغفر لهم”.\nفي رواية أبي هريرة مرفوعًا: “والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون، فيستغفرون الله فيغفر لهم” ٣.\nوعن أبي موسى الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ قال: “إن الله ﷿ يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها” ٤.\nفهذه جملة من الأدلة تدل على وجوب التوبة على كل أحد من الناس، فأما الكافر فيتوب من كفره وأما المؤمن فيتوب من تقصيره وما يكون قد اقترف من السيئات، وكذلك الأنبياء ﵈ فإنهم يتوبون إلى الله ﷿، لأن التوبة إليه عبادة من العبادات يحبها الله ﷿ ويرضى بها عن عباده فهذا نبينا محمد ﷺ أفضل البشر، ومع ذلك فإنه يتوب إلى الله في اليوم مائة مرة، وإنما تكون توبته ﵊ مما يكون ألم بقلبه ﵊ من سهو أو غفلة عن دوام الذكر ونحو ذلك مما هو من طبيعة البشر.\n_________\n١ أخرجه. م. الذكر والدعاء (٤/٢٠٧٥) .\n٢ أخرجه. م. الذكر والدعاء (٤/٢٠٧٦) .\n٣ أخرجهما. م. التوبة (٤/٢١٠٦) .\n٤ أخرجه. م. التوبة (٤/٢١١٣)، وحم (٤/٣٩٥) .","vol":"1","page":119},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>ثالثا: شروط التوبة:</span>\nالتوبة الصحيحة هي التي يتوفر فيها ثلاثة شروط عامة ١.\nأولها: الندم:\nوهو الأسف على وقوع الفعل منه وكرهه بعدما فعله ٢.\nوحقيقته أن المذنب يدرك أن ما فعله، أو فرط فيه مما لا يجوز له أن يقع منه، فيتحسر على ذلك ويندم أن كان فعل ذلك، ويتمنى أنه لو لم يفعل ذلك، أما إذا لم يندم فذلك دليل على رضاه به وإصراره عليه وهذا ذنب آخر عليه أن يتوب منه، فإن الندم شرط لصحة التوبة، وقد ورد في الحديث عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: “الندم توبة” ٣.\nقال السفاريني: “ومعنى قول النبي ﷺ “الندم توبة”، يعني أن أعظم أركانها الندم ٤، وهو كقوله ﵊ “الحج عرفة”.\nقال في الزواجر: “ولا بد في الندم أن يكون من حيث المعصية وقبحها وخوف عقابها” ٥.\nوقال المناوي: “وإنما كان الندم أعظم أركانها، لأن الندم شيء متعلق بالقلب، والجوارح تبع له، فإذا ندم القلب، انقطع عن المعاصي، فرجعت برجوعه الجوارح.\n_________\n١ انظر: في شروط التوبة مدارج السالكين (١/٢٠٢) .\n٢ انظر: المعجم الوسيط (ص:٩١٢) .\n٣ أخرجه حم (١/٣٧٦)، جه، كتاب الزهد (٢/١٤٢٠)، والحاكم في المستدرك (٤/٢٤٣) وقال صحيح الإسناد ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في الجامع الصغير وزيادته (٢/١١٥٠) .\n٤ انظر: الذخائر لشرح منظومة الكبائر (٣/١١١٦) رسالة ماجستير.\n٥ الزواجر عن اقتراف الكبائر (٢/٣٩٠) .","vol":"1","page":120},{"text":"ونقل عن الغزالي قوله: أن الندم لتعظيم الله وخوف عقابه، مما يبعث على التوبة النصوح، فإذا ذكر مقدمات التوبة الثلاث، وهي قبح الذنوب وشدة عقوبة الله، وأليم غضبه، وضعف العبد، وقلة حيلته، يندم ويحمله الندم على ترك اختيار الذنب، وتبقى ندامته بقلبه في المستقبل، فتحمله على الابتهال والتضرع، ويجزم بعدم العودة إليه، وبذلك تتم شروط التوبة” ١.\nثانيها: الإقلاع عن الذنب:\nالإقلاع عن الذنب والتوقف عن إتيانه هو أظهر معاني التوبة ولا تتضح ولا تصح إلا بالإقلاع عن الذنب أما التوبة مع الإقامة على الذنب والاستمرار فيه فهي كما قال المنذري: هذه توبة الكذابين٢.\nومما يدل على وجوب الإقلاع عن الذنب، وأن عدم الإقلاع عن الذنب فيه خطورة عظيمة على دين المسلم ما روى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: “إن المؤمن إذا أذنب كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه وإن زاد زادت حتى يعلو قلبه ذاك الرين الذي ذكر الله ﷿ في القرآن ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ٣.\nفالمصر على الذنب والمقيم عليه إذا لم يكن له توبة صحيحة فيخشى عليه أن يطبع على قلبه فتتعسر عليه - نسأل الله العافية ـ، التوبة ويستمر في الانحراف والعصيان حتى يهلك على ذلك.\nثالثها: العزم على أن لا يعود:\nهذا من دلالة صحة التوبة وصدقها أن يعزم المذنب على ألا يعود في\n_________\n١ فيض القدير (٦/٢٩٨) .\n٢ نقل ذلك عنه الهيثمي في الزواجر (٢/٣٨٩) .\n٣ أخرجه حم (٢/٢٩٧) و. ت. في التفسير باب: سورة المطففين (٥/٤٣٤)، وقال حديث حسن صحيح.","vol":"1","page":121},{"text":"ذلك الذنب الذي أذنبه وتاب منه.\nرابعها: أن يؤدي الحق إلى أصحابه:\nإذا كان الذنب فيه مظلمة لآدمي فإن توبته منه أن يؤدي ذلك الحق لصاحبه أو يتحلله منه، كما قال ﵊: “من كانت له مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه”١.\nوكذلك حديث عبد الله بن أنيس ﵁ عن النبي ﷺ: “يحشر الناس يوم القيامة عراة غرلًا بهمًا، قال: قلنا وما بهما؟ قال: ليس معهم شيء، ثم يناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك أنا الديان، ولا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وله عند أحد من أهل الجنة حق حتى أقصه منه، ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة ولأحد من أهل النار عنده حق حتى أقصه منه حتى اللطمة، قال: قلنا: كيف وإنا إنما نأتي الله ﷿ عراة غرلًا بهما، قال: بالحسنات والسيآت” ٢.\nفتدل هذه الأدلة على أن من كان ذنبه فيه اعتداء على أحد من الناس فإن عليه أن يتحلله، فإذا كان مالًا أو نحوه رده إليه، وإن كان عرضًا فيتحلله منه ويطلب مسامحته في الدنيا، وإلا فإن القصاص باق في حقه، وذلك يدل على خطورة الذنوب المتعلقة بحقوق الآدميين.\nواختلف العلماء فيما لو كانت المظلمة قدحًا بغيبة أو نميمة هل يشترط في\n_________\n١ أخرجه. خ. في كتاب المظالم باب: من كانت له مظلمة عند الرجل، انظره مع الفتح (٥/١٢١)، حم (٢/٥٠٦) .\n٢ أخرجه حم (٣/٦٥)؛ والحاكم في المستدرك (٢/٤٣٨) وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.","vol":"1","page":122},{"text":"توبته إعلامه بذلك أو لا يشترط.\nالقول الأول: أنه يشترط إعلامه بذلك وتحلله منه وعزا ابن القيم هذا القول إلى أحمد في رواية عنه، وهو عند الشافعي وأبي حنيفة ومالك.\nوالقول الثاني: أنه لا يشترط الإعلام، بل يكفي توبته فيما بينه وبين الله، وأن يذكر المغتاب والمقذوف في مواضع غيبته وقذفه بضد ما ذكره به من الغيبة، فيبدل غيبته بمدحه والثناء عليه، وذكر محاسنه، ويبدل قذفه بذكر عفته وإحصانه، ويستغفر له بقدر ما اغتابه، وذلك لأن إعلامه فيه مفسدة ظاهرة من ناحية أنها تزيده حنقًا، وربما كانت سببًا في العداوة الدائمة بينهما، وينقلب الأمر إلى بغضاء وعداوة بدل أن يكون تآلف وتراحم، وذلك خلاف مقصود الشارع.\nواستدلوا بما أثر عن الحسن البصري أنه قال في الغيبة: “كفارة الغيبة أن تستغفر لمن اغتبته”.\nوهذا القول رواية عن أحمد وقال به شيخ الإسلام ورجحه ابن القيم رحمه الله١.\n_________\n١ مجموع الفتاوى (٣/٢٩١)، الفتاوى الكبرى (١/٣٣٩)، مدارج السالكين (١/٣١٦) الوابل الصيب (١/٢١٩) وانظر مختصر منهاج القاصدين (ص:٢٦١) .","vol":"1","page":123},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>رابعًا: هل يجوز التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره:</span>\nأكثر العلماء على أنه تجوز التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره.\nوعزا النووي هذا القول إلى أهل السنة٢.\nواستدلوا لذلك بأن التوبة فرض واجب من كل ذنب، فإذا تاب من ذنب فقد أدى واجبًا وبقي عليه التوبة من الذنب الآخر، كمن صام أيامًا من\n_________\n٢ شرح النووي على مسلم (١٧/٦٣)، وانظر التوبة من الذنوب للغزالي (ص:٥٣)، ومختصر المعتمد للقاضي أبي يعلى (ص:٢٠٣)، لوامع الأنوار البهية (١/٣٨٣) .","vol":"1","page":123},{"text":"رمضان وأفطر بعضًا منها فإن ما أفطره لا يفسد ولا يبطل ما صامه، أو كمن ترك الحج وأتى بالصلاة والصيام والزكاة.\nوروي عن الإمام أحمد ﵀: أنها لا تصح توبته، وذلك لأن التوبة رجوع إلى الله تعالى عن معصيته، فمن تاب من ذنب مع إصراره على غيره لم يرجع عن معصية الله.\nويرى ابن القيم ﵀ أن التوبة لا تصح من ذنب مع الإصرار على غيره من نوعه، كمن تاب من ربا الفضل مع الإصرار على ربا النسيئة أو تاب من الزنا بامرأة معينة مع الإصرار على الزنا بغيرها، أما التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره ليس من نوعه، كمن تاب من الربا ولم يتب من شرب الخمر، أو تاب من ترك الصلاة أو التهاون فيها ولم يتب عن الربا، فتوبته في الذي تاب عنه صحيحة١.\nوالقول الأخير قول له اعتبار واضح، وذلك أن الذنوب أنواع، وقد يجد الإنسان قوة في ترك بعضها، وتغلبه نفسه وشيطانه على بعضها الآخر، فلو اشترط لذلك التوبة من جميع الذنوب، لتعسرت التوبة على كثير من الناس.\nفأما إن تاب من ذنب، مع الإصرار على ذنب آخر من نوعه، فحقيقته لم يتب من الذنب، وإنما هو مصر عليه ولكن بطريقة أخرى. والله أعلم.\n_________\n١ مدارج السالكين (١/٢٩٨) .","vol":"1","page":124},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>خامسًا: هل يشترط في صحة التوبة أن لا يعود إلى الذنب أبدًا:</span>\nعزا النووي ﵀ إلى أهل السنة أن المذنب إذا تاب توبة صحيحة بشروطها ثم عاود ذلك الذنب كتب عليه ذلك الذنب الثاني ولم تبطل توبته٢.\n_________\n١ مدارج السالكين (١/٢٩٨) .\n٢ شرح النووي على مسلم (١٧/٦٤) .","vol":"1","page":124},{"text":"وقال الطحاوي عمن تاب عن ذنب ثم عاد فيه: فإذا قالوا ذلك - يقصد التوبة - بقلوبهم كانوا في ذلك مأجورين مثابين، فمن عاد منهم بعد ذلك في شيء من تلك الذنوب كان ذلك ذنبًا أصابه لم يحبط ذلك أجره المكتوب له بقوله الذي تقدم منه واعتقاده ما اعتقد١.\nوعزا ابن القيم هذا القول إلى الأكثرين من أهل العلم، وذكر قولًا آخر وهو أن بعض العلماء اشترط لصحة التوبة من الذنب عدم معاودة الذنب وقال: متى عاد إليه تيقنا أن التوبة كانت باطلة غير صحيحة.\nورجح ابن القيم ﵀ القول الأول لدلالة الأدلة عليه ٢.\nومنها حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ فيما يحكي عن ربه ﷿ قال: “أذنب عبد ذنبًا فقال: اللهم اغفر لي ذنبي فقال ﵎: أذنب عبدي ذنبًا، فعلم أن له ربًاّ يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب، فقال: أي رب اغفر لي ذنبي، فقال ﵎: عبدي أذنب ذنبًا فعلم أن له ربًا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب، فقال: أي رب اغفر لي ذنبي، فقال ﵎: أذنب عبدي ذنبًا فعلم أن له ربًا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، اعمل ما شئت فقد غفرت لك” ٣.\n_________\n١ شرح معاني الآثار (٤/٢٩٠) .\n٢ مدارج السالكين (١/٣٠١)، وانظر مختصر المعتمد في أصول الدين (ص: ٢٠٣) .\n٣ أخرجه. م. كتاب التوبة، انظره بشرح النووي (١٧/٧٨) .","vol":"1","page":125},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>سادسًا: مم يتوب المذنب:</span>\nاتفق العلماء على أن التوبة واجبة من جميع الذنوب كبيرها وصغيرها قال تعالى ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ الحجرات٤٩.وقال تعالى ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ","vol":"1","page":125},{"text":"جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ..﴾ النور ٢٤. ١\nوكما تكون التوبة من الذنوب كذلك تجب التوبة من ترك المأمور أو التقصير فيه قال شيخ الإسلام: “وليست التوبة من فعل السيآت فقط كما يظن كثير من الجهال، لا يتصورون التوبة إلا عما يفعله العبد من القبائح كالفواحش والمظالم، بل التوبة من ترك الحسنات المأمور بها أهم من التوبة من فعل السيآت المنهى عنها، فأكثر الخلق يتركون كثيرًا مما أمرهم الله به من أقوال القلوب وأعمالها وأقوال البدن وأعماله” ٢.\nوكلام شيخ الإسلام ظاهر في أن تقصير العباد في جناب الله وحقه ودينه، كترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله والدعوة إلى الحق ونصر المظلوم ونحوها، فكثير من هذه الأعمال الواجبة على من كان مقتدرًا عليها يغفل كثير من المسلمين عن أنها ترك لواجب يكون المسلم بذلك مقصرًا تقصيرًا يذم عليه فيجب عليه التوبة منه، نسأل الله أن يتجاوز عن سيآتنا وتقصيرنا ويغفر لنا جميع ذنوبنا.\n_________\n١ انظر مختصر المعتمد في أصول الدين للقاضي أبي يعلى (ص: ١٩٨)، لوامع الأنوار البهية (١/٣٨٠) .\n٢ جامع الرسائل (١/٢٢٨) .","vol":"1","page":126},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>الخاتمة</span>\nالحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات والصلاة والسلام على نبينا محمد الداعي إلى المكرمات، ورضي الله عن أصحابه أولي العزم على الطاعات، وبعد:\nفقد جمعت فيما سبق من كلام أهل العلم ما يتعلق بالكبيرة والمسائل المتعلقة بمرتكبيها في الدنيا مما يذكرونه ويدرجونه في أبواب الاعتقاد ويتلخص ما سبق في النقاط الآتية:\nأولًا: أن أهل العلم اختلفوا في التعبير عن تعريف الكبيرة مع اتفاق أكثرهم على المضمون وأن أرجح التعريفات، هو أن يقال: إنها كل ذنب ختمه الله أو رسوله بوعيد أو عذاب في الدنيا أو الآخرة أو لعن أو غضب ونحو ذلك.\nثانيًا: أن أهل العلم لم يتفقوا على عدد محدد للكبائر، والراجح في ذلك أن عددها غير محصور وإنما يمكن معرفتها وتمييزها بالوصف ومن التعريف السابق لها.\nثالثًا: أن السلف أجمعوا على أن مرتكب الكبيرة ينقص إيمانه على قدر ذنوبه.\nرابعًا: أن السلف اتفقوا على عدم تكفير مرتكب الكبيرة، وإن كانوا اختلفوا في مسماه فمنهم من يرى جواز تسميته مؤمنًا على اعتبار دخوله فيه ابتداءً وإن لم يكن استكمله.\nومنهم من يرى عدم جواز ذلك وإنما يسمى مسلمًا أو مؤمنًا ناقص الإيمان.\nخامسًا: اختلفوا في لعن مرتكب الكبيرة فأجازه بعضهم ومنع من ذلك الأكثر.\nسادسًا: اتفقوا على جواز هجر العاصي ولو طال الهجر إلى وفاة المهجور ما لم يتب.\nسابعًا: دلت الأدلة الصريحة وهو قول الجمهور الأكبر من أهل السنة على تحريم الخروج على الحاكم الفاسق، وأن الواجب في ذلك الصبر عليه حتى","vol":"1","page":127},{"text":"يقضي الله فيه أمره.\nثامنًا: أن التوبة واجبة من جميع الذنوب صغيرها وكبيرها وقد اشترط العلماء لصحة التوبة شروطًا، كما ذكروا أنه يجوز أن يتوب الإنسان من ذنب مع إصراره على غيره، كما لا يشترط لصحة التوبة أن لا يعود إلى الذنب أبدًا وأن من عاد إلى الذنب لم تبطل توبته السابقة إذا كان صادقًا فيها.\nكما بين العلماء أن التوبة تكون من ارتكاب المحظور ومن التقصير في المأمور.\nهذه أهم النتائج التي ظهرت لي في هذا البحث، وفي الختام أحمد الله أولًا وآخرًا على ما أعان ووفق وأصلي وأسلم على نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.","vol":"1","page":128}]}