{"ً":{"ٌ":893,"ٍ":"الحديث الموضوعي المنهج والتأصيل والتمثيل","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"files":["https://archive.org/download/hdmwdoe/hdmwdoe.pdf"]},"ّ":"الكتاب: الحديث الموضوعي المنهج والتأصيل والتمثيل\nالمؤلف: لطيفة الراشد\nالناشر: دار طيبة الخضراء للطباعة والنشر - مكة المكرمة\nالطبعة: الأولى، ١٤٤٣ هـ - ٢٠٢١ م\nعدد الصفحات: ٢٦٤\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":759,"ٕ":10,"ٖ":1780758814,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"المقدمة","level":1,"page":1},{"title":"موضوع الكتاب","level":2,"page":6},{"title":"القسم الأول: التعريف بالحديث الموضوعي، وأهميته، ونشأته، وتطور الكتابة فيه","level":1,"page":7},{"title":"التعريف بمفهوم الحديث الموضوعي، وخصائصه والفرق بينه وبين الحديث التحليلي","level":2,"page":7},{"title":"تعريف الحديث الموضوعي","level":3,"page":7},{"title":"الحديث","level":4,"page":7},{"title":"الموضوعي","level":4,"page":7},{"title":"الحديث الموضوعي","level":4,"page":8},{"title":"الفرق بين الحديث الموضوعي والحديث التحليلي","level":4,"page":12},{"title":"نشأة الحديث الموضوعي، والفرق بينه وبين الجمع أو التقسيم الموضوعي","level":2,"page":14},{"title":"معنى الجمع -التقسيم- الموضوعي للسنة، وتاريخ وجوده","level":3,"page":14},{"title":"التصنيف الموضوعي المعاصر","level":3,"page":23},{"title":"الفرق بين الجمع الموضوعي والدراسة الموضوعية","level":3,"page":24},{"title":"أهمية دراسة الحديث الموضوعي","level":2,"page":26},{"title":"المحور الأول: فائدة البحث الموضوعي للسنة","level":3,"page":26},{"title":"المحور الثاني: أن هذا النوع من الدراسات يتفق مع روح العصر الحاضر","level":3,"page":28},{"title":"المحور الثالث: الدراسة الموضوعية للسنة النبوية المطهرة","level":3,"page":29},{"title":"المحور الرابع: أهمية الحديث الموضوعي للحياة والمجتمع","level":3,"page":30},{"title":"المحور الخامس: أهمية الحديث الموضوعي في الدراسات الأكاديمية","level":3,"page":30},{"title":"المحور السادس: الدفاع عن السنة ودفع الشبه عن الإرث النبوي","level":3,"page":33},{"title":"الحديث الموضوعي وفروع علوم السنة النبوية وعلوم الشريعة","level":2,"page":35},{"title":"الحديث الموضوعي وعلوم السنة","level":3,"page":35},{"title":"أما الحاجة لعلم الحديث رواية","level":3,"page":35},{"title":"علم الحديث دراية","level":3,"page":36},{"title":"علاقة الدراسة الموضوعية بالعلوم الشرعية واللغة والعلوم الأخرى.","level":3,"page":37},{"title":"القسم الثاني الدراسة الموضوعية وطريقة البحث فيها","level":1,"page":39},{"title":"مراحل الدراسة الموضوعية","level":2,"page":40},{"title":"المرحلة الأولى: اختيار موضوع الدراسة.","level":3,"page":40},{"title":"المرحلة الثانية: جمع المادة المتعلقة بالسنة.","level":3,"page":42},{"title":"المرحلة الثالثة: تحديد مشكلة البحث، وأهميته، والدراسات السابقة فيه.","level":3,"page":42},{"title":"المرحلة الرابعة: كتابة خطة البحث.","level":3,"page":42},{"title":"المرحلة الخامسة: الأدوات.","level":3,"page":43},{"title":"المرحلة السادسة: جمع المادة العلمية.","level":3,"page":46},{"title":"المرحلة السابعة: صياغة البحث مع إبراز رأي السنة فيه.","level":3,"page":48},{"title":"المرحلة الثامنة: الخاتمة.","level":3,"page":49},{"title":"مناهج البحث العلمي في أبحاث الحديث الموضوعي","level":2,"page":50},{"title":"أنواع مناهج البحث العلمي","level":3,"page":51},{"title":"البحث الكمي","level":4,"page":52},{"title":"البحث النوعي","level":4,"page":53},{"title":"(١) المنهج الوصفي","level":5,"page":56},{"title":"(٢) المنهج الاستنباطي","level":5,"page":57},{"title":"(٣) المنهج الاستقرائي","level":5,"page":59},{"title":"أنواع المنهج الاستقرائي","level":6,"page":60},{"title":"خطوات المنهج الاستقرائي","level":6,"page":61},{"title":"مثال الاستقراء","level":6,"page":64},{"title":"الصعوبات التي تواجه الباحثين عند استخدام الاستقراء","level":6,"page":64},{"title":"(٤) المنهج الاستنتاجي","level":5,"page":65},{"title":"أنواع من الاستنتاج","level":6,"page":65},{"title":"(٥) المنهج التاريخي والمنهج الاستردادي","level":5,"page":66},{"title":"خطوات إجراء المنهج التاريخي","level":6,"page":69},{"title":"مميزات وعيوب المنهج التاريخي","level":6,"page":70},{"title":"المنهج الاستردادي","level":6,"page":71},{"title":"(٦) المنهج التجريبي","level":5,"page":74},{"title":"خطوات المنهج التجريبي","level":6,"page":74},{"title":"(٧) المنهج الفلسفي","level":5,"page":75},{"title":"الأسلوب والصياغة البحثية في الحديث الموضوعي","level":2,"page":76},{"title":"الكتابة الإقناعية (الحجاجية)","level":3,"page":77},{"title":"الكتابة الإبداعية","level":3,"page":77},{"title":"توجيه للباحث في الحديث الموضوعي","level":2,"page":79},{"title":"مناهج دراسة الحديث الموضوعي","level":2,"page":81},{"title":"القسم الأول الأبحاث المستقلة","level":3,"page":82},{"title":"المنهج الأول","level":4,"page":82},{"title":"المنهج الثاني","level":4,"page":88},{"title":"المنهج الثالث المصطلح النبوي","level":4,"page":94},{"title":"طريقة البحث في المصطلح","level":5,"page":96},{"title":"المنهج الرابع: منهج الدراسة الموضوعية التي تعتمد على جمع روايات حديث واحد ودراسته دراسة موضوعيه","level":4,"page":97},{"title":"القسم الثاني الأبحاث البينية وبرامج الحاسوب","level":3,"page":102},{"title":"أولا: منهجية الأبحاث البينية ودور المتخصص في السنة فيها","level":4,"page":103},{"title":"اختيار الموضوع","level":5,"page":104},{"title":"معرفة موضوع البحث","level":5,"page":105},{"title":"اختيار الحديث أو الأحاديث","level":5,"page":106},{"title":"الحديث الموضوعي وبرامج الحاسوب","level":2,"page":109},{"title":"طريقة عرض الحديث عن طريق الحديث الموضوعي في المواقع الإلكترونية وتطبيقات المحمول","level":3,"page":112},{"title":"مراحل البحث الموضوعي في برامج الحاسوب","level":3,"page":113},{"title":"المرحلة الأولى: اختيار الموضوع","level":3,"page":114},{"title":"المرحلة الثانية: تحديد الهدف والفئة المستفيدة من الموقع","level":3,"page":114},{"title":"المرحلة الثالثة","level":3,"page":121},{"title":"المرحلة الرابعة","level":3,"page":122},{"title":"المرحلة الخامسة: وضع مخطط للعمل أو خطة للموقع أو التطبيق","level":3,"page":123},{"title":"مخطط المادة العلمية القائمة على السنة","level":4,"page":123},{"title":"المرحلة السادسة","level":3,"page":130},{"title":"عوامل نجاح الموقع والتطبيق","level":4,"page":131},{"title":"أولا: العمل على جعل الموقع أو التطبيق في قالب إلكتروني جاذب وسهل ومفيد، ويمكن ذلك بمراعاة ما يلي","level":5,"page":131},{"title":"(١) تسمية الموقع أو التطبيق","level":6,"page":131},{"title":"(٢) استخدم الكلمات المفتاحية","level":6,"page":132},{"title":"(٣) لغة التطبيق","level":6,"page":132},{"title":"(٤) التخفيف قدر المستطاع من شروط التسجيل أو السماح، والحرية في تصفح الموقع أو التطبيق","level":6,"page":132},{"title":"(٥) سهولة التنقل والبحث داخل الموقع أو التطبيق","level":6,"page":133},{"title":"(٦) وضع مميزات تزيد التفاعلية مع التطبيق","level":6,"page":133},{"title":"(٧) إمكانية التخصيص","level":6,"page":134},{"title":"(٨) الأداء والسرعة والبساطة والسهولة","level":6,"page":134},{"title":"(٩) إمكانية التصفح بدون إنترنت (أوفلاين)","level":6,"page":135},{"title":"(١٠) الترويج للتطبيق","level":6,"page":135},{"title":"(١١) التسجيل عن طريق المنصات الاجتماعية المشهورة","level":6,"page":136},{"title":"ثانيا: التقييم والتطوير المستمر","level":5,"page":137},{"title":"أولا: مؤشرات الاستحواذ","level":6,"page":137},{"title":"ثانيا: مؤشرات الاستخدام","level":6,"page":138},{"title":"ثالثا: مؤشرات الإعجاب","level":6,"page":139},{"title":"(١) التقييم (Reviews)","level":7,"page":140},{"title":"(٢) المشاركات (Shares)","level":7,"page":140},{"title":"رابعا: مؤشرات الإيرادات","level":6,"page":141},{"title":"(١) معدل الدخل الشهري للمستخدم (Average Revenue Per User)","level":7,"page":141},{"title":"(٢) تكلفة الاستحواذ على المستخدم (Cost Per cquisition)","level":7,"page":142},{"title":"(٣) قيمة عمر المستخدم على تطبيقك (User Lifetime Value)","level":7,"page":142},{"title":"(٤) معدل نقص المستخدمين (حذف التطبيق) (Churn Rate)","level":7,"page":143},{"title":"القسم الثالث نماذج من الدراسة الموضوعية","level":1,"page":144},{"title":"البحث الأول العبادة القلبية","level":2,"page":145},{"title":"تقديم","level":3,"page":146},{"title":"خطة البحث","level":4,"page":146},{"title":"مشكلة الدراسة","level":4,"page":147},{"title":"أهمية الدراسة","level":4,"page":147},{"title":"خطة البحث","level":4,"page":148},{"title":"المنهج البحثي المتبع في الدراسة ونوع الدراسة","level":4,"page":149},{"title":"والمنهج البحثي المتبع","level":4,"page":149},{"title":"(١) المنهج الوصفي","level":5,"page":149},{"title":"(٢) المنهج الاستنباطي","level":5,"page":149},{"title":"(٣) المنهج الاستقرائي","level":5,"page":151},{"title":"(٤) المنهج الاستنتاجي","level":5,"page":152},{"title":"(٥) المنهج التاريخي والاستردادي","level":5,"page":152},{"title":"الأحاديث","level":4,"page":153},{"title":"تمهيد","level":3,"page":158},{"title":"معنى العبادة","level":4,"page":159},{"title":"معنى القلب","level":4,"page":160},{"title":"القلب في الإسلام","level":4,"page":160},{"title":"أوعية مضغة القلب","level":4,"page":163},{"title":"العبادة القلبية","level":3,"page":168},{"title":"الأعمال التي ينبغي على المسلم عملها ليتسنى له الدخول في الأعمال القلبية إلى أن يصل إلى حلاوة الإيمان والتي بها صلاح القلوب","level":4,"page":172},{"title":"(١) علو الهمة وصدق العزيمة على تزكية النفس وإصلاح القلب، بفعل كل الأسباب المعينة على ذلك.","level":5,"page":172},{"title":"(٢) الدعاء تضرعا وخيفة بصلاح القلب وبشكل دائم","level":5,"page":173},{"title":"(٣) طلب العلم الشرعي","level":5,"page":174},{"title":"الحفظ مع الفهم","level":6,"page":177},{"title":"القراءة","level":6,"page":177},{"title":"حلق التدريس (الشيوخ)","level":6,"page":178},{"title":"تلقي العلوم الشرعية والتدرج في تلقيها","level":6,"page":178},{"title":"العلوم الأصلية","level":6,"page":179},{"title":"أولا: يبدأ طالب العلم بحفظ القرآن مع العلم بالتفسير بقدر ما يعينه على فهم القرآن والتدبر والخشوع.","level":7,"page":179},{"title":"ثانيا: العقيدة","level":7,"page":180},{"title":"ثالثا: الحديث","level":7,"page":181},{"title":"رابعا: الفقه","level":7,"page":181},{"title":"العلوم المساعدة","level":8,"page":182},{"title":"أولا: أصول الفقه","level":9,"page":182},{"title":"ثانيا: مصطلح الحديث","level":9,"page":182},{"title":"ثالثا: علوم العربية","level":9,"page":183},{"title":"مفسدات العبادة القلبية","level":4,"page":192},{"title":"(١) الجهل بالعلم الشرعي","level":5,"page":192},{"title":"(أ) الجهل بالشرع بالكلية","level":6,"page":193},{"title":"(ب) قلة الفهم","level":6,"page":193},{"title":"(ج) سوء القصد","level":6,"page":196},{"title":"(٢) التعلق بغير الله","level":5,"page":196},{"title":"(٣) الفضول من كل شيء","level":5,"page":197},{"title":"(٤) المعاصي تفسد القلب","level":5,"page":198},{"title":"(٦) الإكثار من الذهاب إلى أماكن اللهو","level":5,"page":198},{"title":"أثر العبادة القلبية على العبادات الأخرى وعلى النفس والروح","level":4,"page":198},{"title":"الأعمال القلبية لا تنفك عن عبادة الجوارح","level":4,"page":199},{"title":"والعبادات القلبية أعظم من عبادات الجوارح أجرا عند الله -﷿- ومثوبة","level":4,"page":200},{"title":"والعبادات القلبية محركة ودافعة للجوارح","level":4,"page":200},{"title":"والعبادات القلبية تعظم عبادات الجوارح","level":4,"page":201},{"title":"والعبادات القلبية قد تكون في بعض الأحيان معوضة للعبد عن عبادات الجوارح","level":4,"page":202},{"title":"والعبادات القلبية يستمر بعضها في أحوال تنقطع فيها عبادات الجوارح أو تقل","level":4,"page":204},{"title":"الخاتمة","level":3,"page":205},{"title":"بعض التوصيات","level":4,"page":205},{"title":"البحث الثاني خطوات النجاح من خلال حديث «لا تزول قدما امرئ حتى يسأل عن أربع","level":2,"page":208},{"title":"تقديم","level":3,"page":209},{"title":"خطة البحث","level":4,"page":209},{"title":"مشكلة البحث","level":4,"page":210},{"title":"إشكالية البحث","level":4,"page":210},{"title":"أهمية الموضوع","level":4,"page":211},{"title":"أسباب اختيار الموضوع","level":4,"page":211},{"title":"أهداف البحث","level":4,"page":212},{"title":"حدود البحث","level":4,"page":212},{"title":"الدراسات السابقة","level":4,"page":212},{"title":"خطة البحث","level":4,"page":212},{"title":"ملاحق البحث","level":4,"page":213},{"title":"منهج البحث واجراءاته","level":4,"page":213},{"title":"والمنهج البحثي المتبع","level":4,"page":214},{"title":"(١) المنهج الوصفي","level":5,"page":214},{"title":"(٢) المنهج الاستنباطي","level":5,"page":214},{"title":"(٣) المنهج الاستقرائي","level":5,"page":214},{"title":"(٤) المنهج الاستنتاجي","level":5,"page":215},{"title":"(٥) المنهج التاريخي والاستردادي","level":5,"page":216},{"title":"أسلوب البحث","level":4,"page":216},{"title":"الأحاديث","level":4,"page":217},{"title":"التمهيد","level":3,"page":221},{"title":"١ - الوقت «عن عمره في ما أفناه»","level":3,"page":225},{"title":"(١) الساعة الكونية","level":4,"page":225},{"title":"(٢) الساعة البيلوجية","level":4,"page":225},{"title":"٢ - العلم «وعن علمه في ما فعل»","level":3,"page":231},{"title":"٣ - المال «وعن ماله من أين اكتسبه، وفيما أنفقه»","level":3,"page":235},{"title":"٤ - الجسم «وعن جسمه فيما أبلاه»","level":3,"page":243},{"title":"العناية بالجانب الروحي","level":4,"page":244},{"title":"رعاية الجانب المادي من الجسد","level":4,"page":245},{"title":"الملاحق","level":1,"page":249},{"title":"الملحق رقم (١)","level":2,"page":249},{"title":"الملحق رقم (٢)","level":2,"page":251},{"title":"الملحق رقم (٣)","level":2,"page":252},{"title":"الخاتمة","level":1,"page":256}],"ٛ":{"1,5":1,"1,6":2,"1,7":3,"1,8":4,"1,9":5,"1,10":6,"1,11":7,"1,12":8,"1,13":9,"1,14":10,"1,15":11,"1,16":12,"1,17":13,"1,18":14,"1,19":15,"1,20":16,"1,21":17,"1,22":18,"1,23":19,"1,24":20,"1,25":21,"1,26":22,"1,27":23,"1,28":24,"1,29":25,"1,30":26,"1,31":27,"1,32":28,"1,33":29,"1,34":30,"1,35":31,"1,36":32,"1,37":33,"1,38":34,"1,39":35,"1,40":36,"1,41":37,"1,42":38,"1,43":39,"1,45":40,"1,46":41,"1,47":42,"1,48":43,"1,49":44,"1,50":45,"1,51":46,"1,52":47,"1,53":48,"1,54":49,"1,55":50,"1,56":51,"1,57":52,"1,58":53,"1,59":54,"1,60":55,"1,61":56,"1,62":57,"1,63":58,"1,64":59,"1,65":60,"1,66":61,"1,67":62,"1,68":63,"1,69":64,"1,70":65,"1,71":66,"1,72":67,"1,73":68,"1,74":69,"1,75":70,"1,76":71,"1,77":72,"1,78":73,"1,79":74,"1,80":75,"1,81":76,"1,82":77,"1,83":78,"1,84":79,"1,85":80,"1,86":81,"1,87":82,"1,88":83,"1,89":84,"1,90":85,"1,91":86,"1,92":87,"1,93":88,"1,94":89,"1,95":90,"1,96":91,"1,97":92,"1,98":93,"1,99":94,"1,100":95,"1,101":96,"1,102":97,"1,103":98,"1,104":99,"1,105":100,"1,106":101,"1,107":102,"1,108":103,"1,109":104,"1,110":105,"1,111":106,"1,112":107,"1,113":108,"1,114":109,"1,115":110,"1,116":111,"1,117":112,"1,118":113,"1,119":114,"1,120":115,"1,121":116,"1,122":117,"1,123":118,"1,124":119,"1,125":120,"1,126":121,"1,127":122,"1,128":123,"1,129":124,"1,130":125,"1,131":126,"1,132":127,"1,133":128,"1,134":129,"1,135":130,"1,136":131,"1,137":132,"1,138":133,"1,139":134,"1,140":135,"1,141":136,"1,142":137,"1,143":138,"1,144":139,"1,145":140,"1,146":141,"1,147":142,"1,148":143,"1,149":144,"1,151":145,"1,153":146,"1,154":147,"1,155":148,"1,156":149,"1,157":150,"1,158":151,"1,159":152,"1,160":153,"1,161":154,"1,162":155,"1,163":156,"1,164":157,"1,165":158,"1,166":159,"1,167":160,"1,168":161,"1,169":162,"1,170":163,"1,171":164,"1,172":165,"1,173":166,"1,174":167,"1,175":168,"1,176":169,"1,177":170,"1,178":171,"1,179":172,"1,180":173,"1,181":174,"1,182":175,"1,183":176,"1,184":177,"1,185":178,"1,186":179,"1,187":180,"1,188":181,"1,189":182,"1,190":183,"1,191":184,"1,192":185,"1,193":186,"1,194":187,"1,195":188,"1,196":189,"1,197":190,"1,198":191,"1,199":192,"1,200":193,"1,201":194,"1,202":195,"1,203":196,"1,204":197,"1,205":198,"1,206":199,"1,207":200,"1,208":201,"1,209":202,"1,210":203,"1,211":204,"1,212":205,"1,213":206,"1,214":207,"1,215":208,"1,217":209,"1,218":210,"1,219":211,"1,220":212,"1,221":213,"1,222":214,"1,223":215,"1,224":216,"1,225":217,"1,226":218,"1,227":219,"1,228":220,"1,229":221,"1,230":222,"1,231":223,"1,232":224,"1,233":225,"1,234":226,"1,235":227,"1,236":228,"1,237":229,"1,238":230,"1,239":231,"1,240":232,"1,241":233,"1,242":234,"1,243":235,"1,244":236,"1,245":237,"1,246":238,"1,247":239,"1,248":240,"1,249":241,"1,250":242,"1,251":243,"1,252":244,"1,253":245,"1,254":246,"1,255":247,"1,256":248,"1,257":249,"1,258":250,"1,259":251,"1,260":252,"1,261":253,"1,262":254,"1,263":255,"1,264":256},"ٜ":{"1":[5,264]},"ٝ":["1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,151","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264"],"ٞ":{"1":[1],"6":[2],"7":[3,4,5,6,7],"8":[8],"12":[9],"14":[10,11],"23":[12],"24":[13],"26":[14,15],"28":[16],"29":[17],"30":[18,19],"33":[20],"35":[21,22,23],"36":[24],"37":[25],"39":[26],"40":[27,28],"42":[29,30,31],"43":[32],"46":[33],"48":[34],"49":[35],"50":[36],"51":[37],"52":[38],"53":[39],"56":[40],"57":[41],"59":[42],"60":[43],"61":[44],"64":[45,46],"65":[47,48],"66":[49],"69":[50],"70":[51],"71":[52],"74":[53,54],"75":[55],"76":[56],"77":[57,58],"79":[59],"81":[60],"82":[61,62],"88":[63],"94":[64],"96":[65],"97":[66],"102":[67],"103":[68],"104":[69],"105":[70],"106":[71],"109":[72],"112":[73],"113":[74],"114":[75,76],"121":[77],"122":[78],"123":[79,80],"130":[81],"131":[82,83,84],"132":[85,86,87],"133":[88,89],"134":[90,91],"135":[92,93],"136":[94],"137":[95,96],"138":[97],"139":[98],"140":[99,100],"141":[101,102],"142":[103,104],"143":[105],"144":[106],"145":[107],"146":[108,109],"147":[110,111],"148":[112],"149":[113,114,115,116],"151":[117],"152":[118,119],"153":[120],"158":[121],"159":[122],"160":[123,124],"163":[125],"168":[126],"172":[127,128],"173":[129],"174":[130],"177":[131,132],"178":[133,134],"179":[135,136],"180":[137],"181":[138,139],"182":[140,141,142],"183":[143],"192":[144,145],"193":[146,147],"196":[148,149],"197":[150],"198":[151,152,153],"199":[154],"200":[155,156],"201":[157],"202":[158],"204":[159],"205":[160,161],"208":[162],"209":[163,164],"210":[165,166],"211":[167,168],"212":[169,170,171,172],"213":[173,174],"214":[175,176,177,178],"215":[179],"216":[180,181],"217":[182],"221":[183],"225":[184,185,186],"231":[187],"235":[188],"243":[189],"244":[190],"245":[191],"249":[192,193],"251":[194],"252":[195],"256":[196]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"<span data-type='title' id=toc-1>المقدمة</span>\nالدراسات حول السنة وتنوعها وكثرة فروعها بين الماضي والحاضر له علاقة قوية بتبليغ السنة، طلبًا للأجر والمثوبة، ذلك أنه وردت أحاديث في فضل تبليغ السنة؛ منها الحديث المتواتر عن النبي -ﷺ-: «نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها وحفظها وبلغها، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه» (^١).\nلقد وعى المسلمون فضل تبليغ السنة وأهميتها في الدين؛ لذا تنوعت الطرق في تبليغ السنة، واتخذت أشكالا مختلفة، فكانت طريقة التبليغ تبعًا للحاجة المُعتمدة على الحديث المروي. والمتتبع للدراسات حول السنة يلمس هذا التنوع من عصر إلى عصر، وكيف خَدمت هذه الدراسات العصر الذي وجدت فيه.\nففي عصر الصحابة والتابعين كان تبليغ الحديث بالوقوف على المتن؛ للحاجة الماسة للفتوى، والدليل عليها من القرآن أو السنة، والوقوف على ما في الحديث من فقه.\nومن نهاية القرن الثاني حتى نهاية القرن الرابع كان جمع الحديث بأسانيدها في المصنفات، وذلك صيانة للحديث، مع ما يتبع ذلك من مجالس الحديث للمذاكرة.\nومن القرن الخامس حتى عصر الحاسوب تنوعت الدراسات حول السنة تنوعًا عجيبًا بين شرح وتخريج ودراسات حول السند والمتن … إلخ، حتى بلغت\n_________\n(^١) الحديث متواتر، روي عن جماعة من الصحابة ﵃، انظر في ذلك إلى نظم المتناثر من الحديث المتواتر للكتاني (٣٣ ح ٣)، وقطف الأزهار المتناثرة في الأخبار المتناثرة للسيوطي (٢٨ ح ٢).","vol":"1","page":5},{"text":"اثنين وخمسين نوعًا عند الإمام أبي عبد الله الحاكم النيسابوري (المتوفى سنة ٤٠٥ هـ) في كتابه \"معرفة علوم الحديث\"، (^١) وبلغت خمسةً وستين نوعًا عند الإمام ابن الصلاح (المتوفى سنة ٦٤٣ هـ) في \"مقدِّمته\"، (^٢) ثم زادها الإمام السيوطي (المتوفى سنة ٩١١ هـ) إلى ثلاثة وتسعين نوعًا في \"تدريب الراوي\" (^٣).\nوالسبب في هذا التنوع في الدراسات المتعلقة بالحديث الحاجة في الإيضاح؛ لتبليغ السنة على الوجه الصحيح، ومنشأ ذلك طلب الأجر والمثوبة.\nأما في العصر الحاضر فإن هناك تحديات تواجه طلبة العلم في تبليغ السنة، إذ الحاجة ماسة لها ليس في العلوم الشرعية فحسب بل في كل العلوم؛ ذلك لشمولية السنة، فالسنة منهج حياة تشمل الفرد والمجتمع، يعلم ذلك من قرأ في السنة وتعلمها. إن التبليغ في العصر الحاضر يحتاج لطريقة عرض تجمع بين العمق في معرفة الحديث ودراسته دراسة دقيقة؛ وعرضه بطريقة علمية فنية، وفي موضعه، حتى يفهمها القارئ ويصل له معنى الحديث، وبذلك يسهل تطبيقه.\nويتجلى هذا المعنى عندما يكون البحث موجه لغير المتخصص في العلوم الشرعية، أو في الأبحاث البينية. وحتى في العلوم الشرعية؛ أصبح بعض طلبة العلم يفضل الحصول على المعلومة بشكل نهائي تطبيقي، وهذا ما لمسناه في مسيرتنا\n_________\n(^١) انظر: الحاكم، محمد بن عبد الله، معرفة علوم الحديث، بتحقيق أحمد السلوم، نشر دار ابن حزم، الطبعة الأولى، بيروت ١٤٢٤ هـ، حيث بدأ (ص ١١٢) بالنوع الأول من هذه العلوم وهو: معرفة عالي الإسناد وآخر ما ذكره: (ص ١٧٦) النوع الثاني والخمسون: معرفة من رخص في العرض على العالم (العرض والإجازة).\n(^٢) ابن الصلاح، معرفة أنواع علوم الحديث، بتحقيق نور الدين عتر، نشر دار الفكر المعاصر، بيروت، (ص ١١).\n(^٣) السيوطي، جلال الدين، تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي، بتحقيق أبو قتيبة الفاريابي، نشر مكتبة الكوثر، الطبعة الثانية، بيروت ١٤١٥ هـ، حيث ذكر النوع الثالث والتسعين وهو: معرفة الحفاظ (ص ٩٣٦).","vol":"1","page":6},{"text":"التعليمية في تدريس الحديث وعلومه التي دامت -ولله الحمد- سبع وثلاثون سنة، فقد لمسنا الفرق في التفكير وطريقة التلقي بين الطالبات قبل ثلاثين سنة والطالبات قبل عشر سنوات، ولا أقصد بذلك قصورًا في الهمة أو الفهم. وإنما فيما يردن فهمه من السنة، ناهيك عن الحاجة الماسة لعرض السنة في العلوم الأخرى، سواء كانت أبحاث بينية، أو مستقلة. أو عرض السنة كبرامج إلكترونية تتبع العلم الشرعي أو غيره، كبرنامج إلكتروني يعرض الطب النبوي أو الطب الوقائي أو الطب النفسي … إلخ، حتى تتاح الفائدة للجميع، المتخصص وغير المتخصص.\nوموضوع الكتاب يتمثل في محاولة إيجاد إطار نظري لبوادر علم جديد، والتأصيل فيه؛ قديم في وجوده، تزامنت الكتابة فيه مع التدوين الأول، حيث الحاجة ماسة لوضع أصول وقواعد يسير عليها الباحثون؛ للكتابة فيه، وقد بدأ المتخصصون حديثًا في الكتابة فيه بطرق مختلفة، إلا أنها تحتاج إلى اتفاق بين أهل التخصص في دراسة الحديث للتأصيل فيه. حتى يقتفي أثرهم الباحثون والدارسون ويكون دليلا في بحوثهم.\nإن الدراسات الموضوعية في الحديث الشريف، التي تتناول موضوعًا معينًا من السنة النبوية بالجمع والتأصيل بطريقة فنية تتناسب مع الموضوع المطروح ظهرت حديثًا. وعليه فقد تنشأ للناس حاجات وعلوم ومعارف، لم تكن معروفة أول الأمر، ثم بعد ذلك تُعرف وتنشر، ويكون فيها الخير الكثير.\nويلحظ أن الحديث الموضوعي منهج فتي وحديث، حيث إن العمل به لا زال في مراحله الأولى. رغم أن جذوره قديمة ترجع إلى عهد النبي -ﷺ- والصحابة والتابعين، فإن ما يمكن أن يعترضه لتأسيس منهجيته من مشاكل أمرٌ طبيعيٌ؛ بالنظر إلى أن كل الجهود المبذولة حتى الآن هي جهود للمؤسِّسين والمكوِّنين الأوائل له، وبالتالي فإن ما سنحدِّده من مناهج وطرق الكتابة فيه ليست كل شيء؛ لأنها نتاج استقراء غير تام، ولربما مع مرور الوقت، وبروز العديد من الدراسات القائمة على","vol":"1","page":7},{"text":"هذا المنهاج، يظهر المزيد من المناهج والطرق، وكذلك يظهر أسلوب الكتابة فيه.\nومن خلال الاطلاع على بعض الأبحاث التي كتب في عنوانها أنها من الحديث الموضوعي بشكل صريح أو ضمني في الدراسات الإسلامية وغيرها؛ نجد على بعضها بعض الملاحظات الخاصة بالسنة، أو طريقة العرض، ونتج عنها الخلل الذي قد يصل للخطأ.\nوإني لأدعو أن تتظافر الجهود لوضع منهج يسير عليه الباحثون في البحث الموضوعي عن طريق ورش عمل ومؤتمرات؛ يتم من خلالها وضع أسس البحث في الحديث الموضوعي، خصوصًا في الأبحاث الأكاديمية للأسباب التالية:\n• الخلط في البحث الموضوعي بينه وبين البحوث الأخرى المتعلقة بالسنة، كالتخريج والحديث التحليلي وفقه السنة، مع العلم أنه يجب الفصل بينها كما سيأتي لاحقا.\n• البحث في الحديث قديمًا وحديثًا يعلم كل من يشتغل بالسنة أنه يسبقه بحث طويل وشاق غير ظاهر في البحث، كما أن انتقاء الحديث المستشهد به يسبقه بحث مضنٍ وطويل للوقوف على الحديث الصالح، والأنسب والأتم للمعلومة، وكل ذلك لا يكتبه المؤلف، وإنما يلمسه القارئ ويعرفه المتخصص في عمل المؤلف. ولنا في علمائنا قدوة؛ فهذا البخاري يقول: (صنَّفتُ كتابي \"الصَّحيح\" لستَّ عشرة سنة، خرَّجتُه من ستِّمائة ألف حديثٍ، وجعلتُه حجَّةً فيما بيني وبين الله تعالى).\nوهذا مسلم جاء عنه أنه قال: (صنفت هذا المسند الصحيح من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة)، وقد مكث في تأليفه قرابة خمس عشرة سنة أو تزيد.\nأما أصحاب السنن فلهم طريقة في انتقاء الحديث بين درجات قبول الحديث والحديث الضعيف ضعفًا يسيرًا، وبين المردود، ثم الترجمة لها، والتعليق على المردود، وذكر من أخذ به من أهل العلم بعبارة مختصرة، يسبقها -قطعًا- بحث شاق وطويل، ولو فردنا عملهم لبلغ مجلدات، كل ذلك يفهمه المتبحر في علم","vol":"1","page":8},{"text":"الحديث وعلومه، لكنهم لا يذكرون هذا المجهود؛ بل البراعة في الاختصار.\nوالخلاصة: أن طبيعة البحث في الحديث هكذا؛ عمل طويل ودقيق يحتاج من الباحث التأني والصبر، والعلم والدقة، والقدرة على الاختصار. فلا يكتب منه إلا ما يفيد القارئ، وهذا ليس في الحديث الموضوعي فقط، بل كل البحوث في المتعلقة بالسنة.\n• البحث في الحديث الموضوعي: علم واسع جدًّا؛ لأنه علم تعرض عن طريقه السنة للأمة الإسلامية، بل ولغير المسلمين. إذ حان الوقت أن نبلغ سنة نبينا -ﷺ-، وأن تعرض بطريقة ميسرة، يفهمها من يقرأها، وبطريقة عملية تطبيقية ليسهل العمل بها. ولا بد أن تكون بطريقة علمية دقيقة حتى تظهر تلك الكنوز التي يحويها حديث النبي -ﷺ-.\n• وبعد الاطلاع على أبحاث ذكر في عنوانها أنها بحث موضوعي؛ فإنها أقرب للحديث التحليلي والتخريج، حيث يضيع الهدف من البحث وفكرته بين التخريج والتحليل، والمفروض تركيز الجهد لاستنطاق النصوص الكريمة عن طريقة دقة الاستنباط، وصياغة ذلك بأسلوب يشد انتباه القارئ.\nوعند الحاجة إلى تخريج للحديث أو بيان كلمة غريبة أو توجيه مفيد؛ يجعل ذلك تعليقًا في الحاشية من غير استطراد يخل بتسلسل الأفكار، وتعانق الفقرات، وسلاسة الأسلوب، وإشراقة البيان.\n• في أبحاث الدراسات العليا التي يفترض فيها تدريب الباحث على ما تعلمه من الدراسات حول الحديث، يرى بعض المشرفين أنه لا بد من إبراز عمل الطالب لتقييم العمل من قبل المناقشين، وهذا لا بأس به؛ ولكن لا بد أن يكون في فصول منفصلة أو ملاحق، إذ لا بد من تدريب الطالب أيضًا على طريقة العرض الموضوعي التي لا يذكر فيه هذا العمل إلا إشارة تفيد القارئ. لا عرض مجهوده فهذا ليس من طريقة علماؤنا رحمة الله عليهم.","vol":"1","page":9},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2>موضوع الكتاب:</span> طريقة البحث في الحديث الموضوعي، وبيان جذوره التاريخية، ومناهج طرق البحث فيه، وكيف يُستعمل الحديث الموضوعي في الأبحاث البينية بين السنة والعلوم الأخرى كالطب والفلك وغيرها، وكيف يستعمل الحديث الموضوعي في برامج الحاسوب، ثم عرض أبحاث في الحديث الموضوعي.\nوالكتاب ينقسم إلى أربعة أقسام؛ هي:\n• القسم الأول:\nالتعريف بالحديث الموضوعي، وأهميته، ونشأته، وتطور الكتابة فيه، والفرق بينه وبين الجمع الموضوعي، والفرق بين الحديث الموضوعي والحديث التحليلي، وبيان صلة الحديث الموضوعي بعلوم السنة النبوية وعلوم الشريعة وعلوم اللغة العربية والعلوم الأخرى.\n• القسم الثاني:\nطريقة البحث في الدراسة الموضوعية، وبيان مناهج البحث التي تساعد الباحث في إخراج الموضوع على الوجه المطلوب، والأسلوب والصياغة البحثية في الحديث الموضوعي، ثم مناهج دراسة الحديث الموضوعي، وتوجيه للباحث في الحديث الموضوعي.\n• القسم الثالث:\nالدراسة الموضوعية في الأبحاث البينية وبرامج الحاسوب، وطريقة البحث فيها.\n• القسم الرابع:\nموضوعات كأمثلة لطريقة البحث، وفي مقدمة كل بحث خطة البحث الخاصة به، وفيها طريقة البحث وكيفية الاستعانة بمناهج البحث المختلفة، مع بيان نوع البحث.","vol":"1","page":10},{"text":"التعريف بمفهوم الحديث الموضوعي، وخصائصه\nوالفرق بينه وبين الحديث التحليلي\n•<span data-type='title' id=toc-5> تعريف الحديث الموضوعي:</span>\nقبل بيان التعريف لا بد من بيان أجزاء مسمى هذا العلم حيث إنه مركب وصفي يحتاج لبيان جزأيه، ومنه نقف على تعريف له.\n\n<span data-type='title' id=toc-6>الحديث:</span>\nالرأي الراجح أن تعريف الحديث هو: كل ما أضيف إلى النبي -ﷺ- من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خُلُقية أو خَلقية. ويضاف إليه ما أضيف إلى الصحابي والتابعي وهذا التعريف قرره السيوطي وغيره من علماء الحديث بأن حديث الرسول يُلحق به أقوال السلف من الصحابة والتابعين (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-7>الموضوعي:</span>\n[المَوضُوعُ]: المادَّةُ التي يبني عليها المتكلمُ أو الكاتب كلامَه. كما يقال \"مَوْضُوعُ الدَّرْسِ\": مَادَّتُهُ ومَدَارُهُ ومَا يَتَعَلَّقُ بِهِ. ومثله \"مَوْضُوعُ الكِتَابِ\" و\"مَوْضُوعُ حَدِيثِهِ\" و\"تَحَدَّثَ فِي صُلْبِ الْمَوْضُوعِ\".\n_________\n(^١) تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي، تأليف: عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي (ت ٩١١ هـ)\nحققه: أبو قتيبة نظر محمد الفاريابي، الناشر: دار طيبة (١/ ٢٩).","vol":"1","page":11},{"text":"وفي الأبحاث؛ الموضوع: هو المادة التي بيني عليها الباحث بحثه، ويتوقع الباحث من القارئ أن يفهمها عند الانتهاء من قراءة البحث.\nولا يقصد -هنا- من لفظ (موضوع): المختلق والمكذوب على رسول الله -ﷺ- إطلاقًا.\n\n• الحديث الموضوعي:\n<span data-type='title' id=toc-8>الحديث الموضوعي </span>هو علم يبحث في موضوع معين من العلوم المختلفة التي بينتها السنة بمنهجية معينة، والاستعانة بعلوم السنة النبوية جميعها، وأقوال السلف الصالح المتعلقة بالموضوع، وعلوم الشريعة المختلفة؛ للوقوف على المقصد النبوي، من أجل تطبيقه في الواقع المعاصر.\nشرح التعريف:\n(١) علم معين من العلوم المختلفة: المراد منه كل علم؛ ويشمل ذلك علوم الشريعة وغيرها كعلوم الطب والفلك والتربية وكافة العلوم؛ فالسنة النبوية جامعة لكل علم.\n(٢) التي بينتها السنة: قيدٌ يُخْرج من التعريف الموضوع الذي لم يرد فيه حديث من السنة، فلا بد أن يكون الموضوع من العلوم التي تحدثت عنها السنة النبوية، وكان فيها توجيه لهذا العلم أو بيان له.\n(٣) بمنهجية معينة: ذلك أن البحث في الحديث الموضوعي له منهجية خاصة، فالحديث الموضوعي يختلف في منهجه عن الحديث التحليلي، وعن الجمع الموضوعي، كما سيأتي لاحقًا.","vol":"1","page":12},{"text":"(٤) الاستعانة بعلوم السنة النبوية جميعًا: لا بد في هذا النوع من الأبحاث من طرق علوم السنة المختلفة؛ كالتخريج للوقوف على الحديث المقبول واعتماده في البحث واستبعاد المردود، وكذلك الشرح التحليلي للوقوف على المعنى الصحيح للحديث وفقهه وطريقة العمل به، وغيرها من العلوم المختلفة التي تعين الباحث في بيان البحث كعلم مختلف الحديث، والتعارض، وغيرها من علوم السنة الأخرى.\n(٥) الاستعانة بأقوال السلف الصالح المتعلقة بالموضوع: فيه تأكيد على الاستعانة في فهم الحديث، وفهم موضوع البحث أيضا بأقوال السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن دونهم، مهما كان البحث طبّيًا أو في الفلك أو غيرها من العلوب البعيدة عن الشريعة؛ فإنهم هم من نقلوا الحديث وفهموه من الرسول -ﷺ-، وهم أفضل من يبين العمل بالحديث المروي.\n(٦) علوم الشريعة المختلفة: كالقرآن الكريم وعلومه من التفسير وغيره، وكذلك العقيدة، والفقه وأصوله، وكل علم شرعي فيه بيان للموضوع المراد بحثه، كل ذلك للوقوف على المقصد النبوي.\n(٧) للوقوف على المقصد النبوي من العلم: لأن الهدف من البحث الوقوف على توجيه الشرع لهذا العلم، أو بيان سبق السنة في اكتشاف علم معين وغيرها، مما قد يقف الباحث عليه، ويجد ضالته في السنة النبوية، وإظهار ذلك بما يبين المقصد النبوي لهذا العلم.\n(٨) من أجل تطبيقه في الواقع المعاصر: ذلك أن السنة فيها توجيه للإنسان بما يعود بالنفع له، وللبيئة المحيطة به، وفي اتباعها نجاة وصلاح وخير عظيم.","vol":"1","page":13},{"text":"لقد وضع عددٌ من العلماء المعاصرين المشتغِلين بعلم الحديث تعريفاتٍ مختلفةً للحديث الموضوعي؛ منها:\n(١) هو علم يتناول القضايا حسب المقاصد النبوية من خلال موضوع حديث نبوي شريف مقبول أو أكثر.\n(٢) هو جمع الروايات الحديثية المتفرقة في مصادر السّنّة الأصلية المتعلقة بموضوع واحد لفظًا أو حكمًا، وشرحها حسب المقاصد النبوية الشريفة.\n(٣) هو بيان موضوع ما في ضوء السّنة النبوية من خلال مصدر حديثي أو عدة مصادر.\n(٤) هو بيان ما يتعلق بموضوع من موضوعات الحياة الفكرية أو الاجتماعية أو الكونية من زاوية حديثية؛ للخروج بنظرية نبوية بصدده.\n(٥) هو قضية أو أمر متعلق بجانب من جوانب الحياة في العقيدة أو السلوك الاجتماعي أو مظاهر الكون، تعرضت له الأحاديث النبوية الشريفة.\n(٦) هو علم مختص بالأحاديث ذات الموضوع المشترك.\n(٧) هو علم يبحث في الموضوعات التي تناولتها السنة النبوية الشريفة، المتحدة في المعنى أو الغاية، من خلال جمع أحاديث الموضوع من مصدر حديثي أصلي، أو عدة مصادر، أو في ضوء السنة النبوية، بحيث يقوم الباحث بتحليل النصوص الحديثية المقبولة، ومقارنتها ونقدها، ثم محاولة ربطها للوصول إلى روح النص النبوي؛ من أجل تطبيقه في الواقع المعاصر.\nوفي ضوء هذه المحاولة للتعريف بالدراسات التي يصدق عليها في عصرنا الحاضر مسمى الدراسة الموضوعية لا بد من التنبيه على عدة مفاهيم","vol":"1","page":14},{"text":"وقواعد وخصائص؛ من أهمها ما يأتي:\n(١) أن هذا العلم علم اجتهادي يحتاج مناهج معيّنة لتأصيل قواعده، والسير عليها، تكون خاصة به، وتميزه عن غيره من فروع علم الحديث الشريف.\n(٢) يبحث هذا العلم في الموضوعات التي تناولتها السّنة النبوية الشريفة فقط دون غيرها؛ فيخرج من نطاق الدراسة الموضوعية أي موضوعات لا تتناولها الأحاديث الشريفة.\n(٣) يمكن للدراسة الموضوعية أن تبحث في موضوع حديث واحد، عن طريق جمع طرقه ومقارنة ألفاظه وتحليل نصه، حيث تبدأ الدراسة بموضوع الحديث، وتنتهي بربط موضوع الحديث في الواقع الحاضر لتحقيق هدف الدراسة الموضوعية.\n(٤) يمكن حصر الدراسة الموضوعية في مصادر محددة من مصادر السّنة الأصلية، مع أن الأصل فيها الاستقصاء إذا كان موضوع الدراسة يمكن بحثه، والوصول إلى النتائج المرجوة منه من عدد معين من الأحاديث، أو على سبيل التدريب لطلاب الدراسات العليا مثلًا.\n(٥) الأصل في الدراسات الموضوعية الاعتماد على الأحاديث المقبولة، ولا يقبل الضعيف الشديد الذي لا يحتج به.\n(٦) تخاطب هذه الدراسات أناسًا في زمن معين، وفئة معينة، ذات ثقافة معينة، وعليه يجب مخاطبة الناس على قدر عقولهم من حيث الفكرة والأسلوب؛ بل بالطريقة التي تجعلهم يطبقون السنة في أقرب ما يكون من الفهم النبوي الشريف.","vol":"1","page":15},{"text":"ومن الكتب التي ألفت في الحديث الموضوعي:\n• الحديث الموضوعي، دراسة تأصيلية تطبيقية، د/ خالد الشرمان. وهذا الكتاب في الأصل رسالة دكتوراة في الحديث الشريف في جامعة اليرموك في الأردن.\n• صفحات في معرفة الحديث الموضوعي، تأليف: علي محمد زينو.\n• الحديث الموضوعي، دراسة نظرية تطبيقية، تأليف: أ. د. فالح الصغير.\n• الشرح الموضوعي للحديث الشريف (دراسة موضوعية تطبيقية)، تأليف: هيفاء سلطاني الأشرفي.\n• مدخل لدراسة الحديث الموضوعي، تأليف: محمد عبد الله القناص.\n• الحديث الموضوعي، تأليف: نور الدين بن يربح.\n\n•<span data-type='title' id=toc-9> الفرق بين الحديث الموضوعي والحديث التحليلي:</span>\nالحديث الموضوعي يختلف عن الحديث التحليلي، فالآخر يتعامل مع حديثٍ واحد يتم فيه تحليل السند والمتن.\nوتحليل السند: يكون بتخريج الحديث بالرجوع إلى مصادره الأصلية من كتب الحديث، وبيان طرقه ورواياته للخروج بدرجة الحديث صحة وضعفًا، واستيعاب ألفاظه، وذلك بالاستعانة بكتب التخريج، وسبب وروده، ونبذة عن راوي الحديث (الصحابي) ورجال إسناده، وبيان تعدد روايات الحديث واختلاف ألفاظه، وذكر نكت الحديث ولطائفه الإسنادية، وبيان سبب ورود الحديث، وبيان أهمية الحديث وعظم شأنه.","vol":"1","page":16},{"text":"وتحليل المتن: يتضمن بيان غريب ألفاظ الحديث، مع ذكر النكت البلاغية والبيانية والإعرابية، وشرح الحديث شرحًا إجماليًّا، ثم ذكر الأحكام الشرعية المستنبطة من الحديث، وذكر الفوائد واللطائف المستخرجة من الحديث.\nأمّا الدراسة الموضوعية: فالدراسة التحليلية هي مقدمة للدراسة الموضوعية، حيث يستعين الباحث بها على فهم النص -الحديث-، وما يشتمل عليه من معاني تساعده على كتابة الموضوع، كما أن الدراسة الموضوعية للحديث أعم من الشرح التحليلي. والشرح التحليلي جزء من الدراسة الموضوعية، لكنه يعتمد عليه اعتمادًا كليًّا؛ إذ لا يمكن أن يكتب الباحث بحثه ويبني النظرية المراد البحث فيها إلا بعد الإلمام بكل ما يحتويه الحديث من معاني وفوائد استنبطها السلف من أهل العلم. وبذلك تعد الدراسة التحليلية من الأدوات التي تساعد الباحث في كتابة بحثه، وقد لا يكتب منها شيئًا.","vol":"1","page":17},{"text":"نشأة الحديث الموضوعي، والفرق بينه وبين الجمع\nأو التقسيم الموضوعي\nبدأت ظهور الدراسات الموضوعية بشكلها الحالي -حيث جمع النصوص الحديثية المقبولة المتعلقة بموضوع معين، وتحليلها ونقدها، وربطها بواقع المسلمين- في عصرنا الحاضر.\nإلا أن هذه الدراسات لا تنفصل عن جذورها الأولى من أول عصر تدوين السّنة النبوية وحتى عصرنا الحاضر؛ لأنها نتاج تطور في الدراسات الحديثية لتلبي حاجات المسلمين في كل عصر.\nالحديث الموضوعي علمٌ التأصيل فيه جديد، لكنه قديم في وجوده، تزامنت الكتابة فيه مع التدوين الأول، والذي يسمى الجمع الموضوعي. والجمع الموضوعي يختلف عن الحديث الموضوعي، أو ما يسمى الدراسة الموضوعية.\n\n•<span data-type='title' id=toc-11> معنى الجمع -التقسيم- الموضوعي للسنة، وتاريخ وجوده:</span>\nيعتمد مفهوم الجمع والتقسيم الموضوعي للأحاديث النبوية الشريفة قديمًا وحديثًا على ترتيب الأحاديث حسب الموضوعات التي يتناولها الحديث تحت عنوان رئيسي، تتفرع تحته عناوين موضوعات جزئية، تمثل فروعًا للعنوان والموضوع الرئيسي، الذي اعتمده واضع التقسيم كموضوع كلي تحته فروع، وهو ما يصطلح عليه (كتب وأبواب)؛ مثل: كتاب الطهارة، وأبواب متفرعة منه متعلقة بالطهارة.","vol":"1","page":18},{"text":"والمؤلفات في هذا المجال هي كتب جمع فيها المؤلف كل ما يصل إليه من حديث رسول الله -ﷺ-، في العقائد والعبادات والمعاملات والغزوات والتفسير والفضائل … إلخ، سواء التزم أصحابها بالصحة أم لم يلتزموا، وسواء كانت الكتب سننًا أو جوامع مرتبة الأحاديث، فيها في تقسيم معين (كتب وأبواب) ليسهل الوصول للحديث.\nهذه الكتب ليس فيها إلا الحديث، وما يدل على الوصول للحديث، من عناوين الكتب والأبواب ترشد الباحث لمكان الحديث.\nوقد وُضِعَ هذا التقسيم للحاجة لمصنفات حديثية بأسانيد إلى رسول الله -ﷺ- أو من دونه، مما يسهل على القُراء والباحثين الرجوع إلى الأحاديث المراد الاستشهاد بها، خاصة في الجانب الفقهي؛ لذا غَلَبَ على هذا التقسيم في البداية مصطلح \"التصنيف على الأبواب الفقهية\"، ثم دعت الحاجة إلى إفراد مصنفات بكاملها لموضوع معين، يجمع كل الأحاديث المتعلقة به، وغلب عليه مصطلح \"جزء حديثي\". ومن خلال استعراض جهود علماء الحديث الشريف القدامى نجد أن المصنفات التي قامت على أساس التقسيم الموضوعي للأحاديث؛ منها ما اهتم بجمع الأحاديث الشريفة وترتيبها حسب موضوعاتها الكلية تحت مسمى \"كتاب\"، ثم يفرع عنها أجزاء لكل كتاب سميت \"أبوابًا\"، حيث أطلق على هذه الطرق: التصنيف على أساس الأبواب الفقهية، في مقابل التصنيف على أساس طريقة المسانيد.\nومن الملاحظ أن مجموع هذه المصنفات تتفرع إلى عدة مناهج، حيث الكتب التي جمعت جميع الأحاديث ورتبتها على أبواب الدين سميت \"الجوامع\"، حيث ترى فيها أبواب: الإيمان، والطهارة، والعبادات، والمعاملات، والأنكحة، والسير، والمناقب والمثالب، والتفسير والتاريخ، والآداب، والرقائق، والفتن، وغير ذلك.","vol":"1","page":19},{"text":"وهناك قسم آخر من الكتب لا يشتمل على جميع أبواب الدين؛ وإنما يشتمل على أكثر الموضوعات، ولا سيما الموضوعات الفقهية، والغالب على ترتيبها أن ترتب على الأبواب الفقهية، فيبدأ بكتاب الطهارة، ثم الصلاة، ثم بقية العبادات، ثم المعاملات، وهكذا سائر الأبواب المتعلقة بالأحكام والفقه، وقد يذكر فيها ما يتعلق بغير ذلك؛ ككتاب الإيمان أو الآداب. وهذه الكتب قد تسمى \"سننًا\"، وهي الكتب المرتبة على الأبواب الفقهية، وتقتصر على الأحاديث المرفوعة فقط، لتكون مصدرًا للفقهاء في استنباط الأحكام.\nومنها ما يسمى \"مصنفات\"، وهي كتب لا تختلف عن \"السنن\" إلا في كونها تشتمل على الأحاديث الموقوفة والمقطوعة بالإضافة إلى المرفوع. ومنها ما يسمى \"موطآت\"، وهي كـ\"المصنفات\" وإن اختلفت التسمية. وهناك كتب اختصت بجمع أحاديث في موضوع معين.\nالجمع الموضوعي وجد قديمًا مع جمع السنة في القرون الأولى، وهي الطريقة التأليف التي استعملها أهل العلم في جمعهم للسنة.\nويمكن تتبع تاريخ الجمع الموضوعي من خلال التسلسل التاريخي التالي:\n(١) اعتبر العلماء بداية التدوين الرسمي للسّنة النبوية (الجمع الموضوعي) في عصر الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز -﵀-، وكان المنهج في هذه الفترة يقوم على وحدة الموضوع، بحيث يجمعون الأحاديث التي تتصل بموضوع واحد، فيجعلونها في مؤلف خاص، ثم جاء من بعدهم فجمع هذه الكتب في مصنفات.\nومن أوائل من صنف: الإمام محمد بن شهاب الزهري -﵀-، بحيث جعل لكل موضوع من موضوعات الدين قسمًا خاصًّا يجمع فيها أحاديث النبي -ﷺ- مع أقوال الصحابة وفتاوى التابعين. مع ملاحظة أن مجرد الجمع للأحاديث في صحف خاصة قد سبق الزهريَّ فيها جماعةٌ من الصحابة؛ مثل: عبد الله بن عمرو بن العاص،","vol":"1","page":20},{"text":"وجابر بن عبد الله -﵃-، والتابعين مثل: عروة بن الزبير بن العوام -﵄-، ثم توالت بعده الجهود المباركة لسلفنا الصالح في جمع الأحاديث تحت منهجين كبيرين، كان أحدهما منهج الكتب والأبواب الفقهية، الذي يعتمد على تصنيف الأحاديث حسب موضوعاتها في كتب فقهية، تتفرع عن كل موضوع تحت مسمى \"كتاب\"، وأفرع تسمى \"أبوابًا\"، والثاني أجزاء تختص بموضوع واحد كجزء في الحج …\n(٢) جهود الأئمة المجتهدين الأربعة، فالإمام أبو حنيفة -﵀- جمع المتأخرين بعده روايته مرتبة على الأبواب الفقهية في كتاب سموه \"المسند\". وهذا صاحبه أبو يوسف له كتاب خاص بعنوان: \"الذكر والدعاء\". والإمام مالك بن أنس له منهجه المميز في كتابه \"الموطأ\"، حيث ذكر الأحاديث عن رسول الله -ﷺ-، ثم أقوال الصحابي وفتاوى التابعين معقبًا برأيه في المسألة، بل أحيانًا يفرد بابًا لرأيه دون ذكر أحاديث، مما يعد أساسًا للمنهج الموضوعي في العصر الحديث. وهذا الإمام الشافعي يظهر في كتابه \"اختلاف الحديث\" نوعًا من الدراسة الموضوعية، حيث قام فيه الإمام بجمع مجموعة من الأحاديث المتعارضة في الظاهر، ثم دراستها والخروج بنتائج تزيل توهم التعارض، عن طريق الجمع الذي يؤدي إلى العمل بجمع الأحاديث التي ظاهرها التعارض، أو عن طريق الترجيح بأحد المرجحات التي تؤدي إلى العمل بأحد قسمي الأحاديث، وترك القسم الآخر. ومثال ذلك دراسة أحاديث صلاة المنفرد، أي: المنفرد خلف الصف في صلاة الجماعة. وأما الإمام أحمد -﵀- فله كتاب \"الزهد\"، وهذا يمثل الجمع الموضوعي المحدد في موضوع واحد.\nومن الأئمة المجتهدين كذلك الإمام سفيان الثوري -﵀- الذي له كتاب \"الجامع الصغير\"، الذي اختصره من كتابه \"الجامع الكبير\"، وله كتاب \"الفرائض\"، وهو يتكون من أبواب ذكر في كل باب آراء بعض أصحابه في تلك","vol":"1","page":21},{"text":"المسائل. والإمام عبد الله بن المبارك -﵀- الذي له كتب: \"الزهد\"، و\"الجهاد\"، و\"الرقائق\" وغيرها، مما يمثل في هذه الفترة من القرن الثاني الهجري اتجاهًا عريضًا لتصنيف كتب كاملة في موضوع واحد، وهذا كله يمثل الجمع الموضوعي.\nكما ظهرت في هذه الفترة كتب سميت بـ\"المصنفات\"، وهي مثل \"الموطآت\"، وإن اختلفت التسمية، حيث اختلط فيهما أحاديث النبي -ﷺ- مع غيره من آثار الصحابة وأخبار التابعين، ومن أشهر هذه المصنفات: \"مصنف عبد الرازق\"، و\"مصنف ابن أبي شيبة\"، وكلا الإمامين عبد الرزاق الصنعاني، وأبو بكر بن أبي شيبة من علماء نهاية القرن الثاني وبداية القرن الثالث الهجري ﵏ جميعًا.\n(٣) وجاء القرن الثالث الذي يمثل العصر الذهبي لتدوين السّنة النبوية، لتظهر أهم مصادر السّنّة الأصلية، حيث ظهر صحيحا الإمامين البخاري ومسلم، حيث اقتصر جمعها على الحديث الصحيح دون غيره على طريقة الأبواب الفقهية، إلا أنهما استوعبا جميع مواضيع الدين، فسميا بالجوامع، إلا أن الإمام البخاري له كتب خصص فيها موضوعًا معينًا دون غيره؛ وهي: \"الأدب المفرد\"، وجزء: \"رفع اليدين في الصلاة\"، و\"القراءة خلف الإمام\"، و\"خلق أفعال العباد\"، مما يشكل نقلة نوعية في الجمع الموضوعي المتخصص إلى جانب الجمع الموضوعي العام.\nومن الجدير ذكره أن تراجم الأبواب في صحيح البخاري وما فيها من استنباطات دقيقة تدل على سعة فقه الإمام ودقة ملاحظته، حتى إن بعض الأحاديث المذكورة تحت التراجم تكون من الخفاء بحيث لا يظهر علاقتها بالترجمة إلا بعد تفكير عميق، وهذا يمثل جانبًا مهمًّا من جوانب الدراسات الموضوعية الحالية، مما يبرز سبق أئمة أهل الحديث في وضع أصول هذا العلم.","vol":"1","page":22},{"text":"كما ظهر في هذا العصر التصنيف على طريقة السنن، التي اعتمد أصحابها على إفراد الأحاديث المرفوعة للرسول -ﷺ-، دون الموقوف والمقطوع، بالإضافة إلى قصد جمع أحاديث الأحكام لتكون زادًا للفقهاء في استنباط الأحكام، وقد تم ترتيبها أيضًا على أساس موضوعي من حيث طريقة الكتب والأبواب الفقهية. وأول من صنف على هذه الطريقة هو الإمام أبو داود السجستاني، ثم توالت جهود العلماء في هذا الميدان؛ مثل: الإمام الترمذي في كتابه السنن أو الجامع، الذي قد يمثل نوعًا من أنواع الدراسة الموضوعية، حيث يقول الإمام الترمذي: \"وفي الباب\"، يعني به: وفي هذا الموضوع. والإمام النسائي في سننه الكبرى والمجتبى أو الصغرى، والإمام ابن ماجه في سننه، وكذلك الإمام الدارمي في سننه أو مسنده ﵏ جميعًا.\nولا بد من ملاحظة أن كلًّا من منهجي الصحاح والسنن قد ظهر فيهما تحت تراجم الأبواب الفقهية تكرار للأحاديث، مما يمثل جمعًا للنصوص النبوية الشريفة في موضوع واحد على سبيل المقارنة في الأسانيد والمتون، مما يشكل أحد جوانب الدراسة الموضوعية بشكلها الحالي.\n(٤) ثم توالت جهود علماء القرن الرابع ومن بعدهم على تقليد جهود السابقين في مناهج الصحاح والسنن من جانب، والكتب التي تتناول موضوعًا واحدًا من جانب آخر، بالإضافة إلى التصنيف على طرق أخرى غير الطريقة الموضوعية. فمن الكتب التي تابعت منهج الصحاح: صحيح ابن خزيمة للإمام أبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة، وصحيح ابن حبان للإمام أبي حاتم محمد بن حبان البستي. ومن الكتب التي تابعت منهج كتب السنن: سنن الدارقطني، للإمام علي بن عمر الدارقطني. ومن الكتب التي تابعت منهج الجمع بين الأحاديث المتعارضة: \"تأويل مختلف الحديث\" للإمام ابن قتيبة، واقتفى فيه أثر الإمام الشافعي في كتابه \"اختلاف الحديث\"؛ ومن الموضوعات التي تناولها: الجمع بين الحديث الدال","vol":"1","page":23},{"text":"على أن صلة الرحم تزيد في العمر، وآية \"فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون\". ومن الكتب التي تناولت موضوعًا واحدًا كتب ابن أبي الدنيا؛ مثل \"كتاب الشكر\". وكتب أخرى على نفس الطريقة؛ مثل كتاب: \"أخلاق النبي -ﷺ- \" لأبي الشيخ الأصفهاني، وغيرهم.\n(٥) وبعد ذلك؛ بدأ عصر الجمع الموضوعي من مصنفات سابقة عن طريق تجريد الأسانيد اعتمادًا على توفير أصل الكتب التي يتم تجريدها بين أيدي الناس، مع الأخذ في الاعتبار على اختيار أجمع الألفاظ، ثم الإشارة إلى الفروق بين الروايات، تحت منهج التقسيم الموضوعي للأحاديث، ومن أمثلة هذه المصنفات: \"جامع الأصول من أحاديث الرسول -ﷺ- \" لابن الأثير الجزري، \"والترغيب والترهيب\" للمنذري، و\"رياض الصالحين\" للنووي، وغيرهم. مع أن منهج الجمع بالأسانيد ظلّ مستمرًا مثل: \"المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية\"، للإمام ابن حجر العسقلاني. ومنهج الجمع عن طريق الزوائد يعتمد على جمع الأحاديث الزائدة في بعض الكتب عن الأحاديث الموجودة في كتب أخرى، ومن أمثلتها: كتاب \"مجمع الزوائد ومنبع الفوائد\"، للهيثمي. كما ظهرت الكتب التي جمعت أحاديث الأحكام دون غيرها مثل: \"عمدة الأحكام عن سيد الأنام\" لعبد الغني المقدسي، ثم جاء بعده ابن دقيق العيد وابن تيمية الجد، وابن حجر العسقلاني وغيرهم.\n(٦) مما يساعد في الدراسات الموضوعية كتب أسباب ورود الحديث، حيث البحث في قصة الحديث عند روايته للاستفادة منها في فهم النص النبوي؛ مثل: \"أسباب ورود الحديث\" للحافظ السيوطي.\n(٧) ظهرت في العصر الحديث كتب جيدة في البحث عن الحديث، وتعد كالفهارس التي تساعد في الدراسات الموضوعية، حيث قام أصحابها بترتيب الموضوعات التفصيلية المتعلقة بالأحاديث النبوية على حروف المعجم؛ مثل:","vol":"1","page":24},{"text":"\"مفتاح كنوز السّنة\"، للمستشرق الهولندي أرندجان فنسنك، وقد ترجمه إلى العربية مع تصحيح أخطائه ومقابلة نصوصه؛ المرحوم الأستاذ: محمد فؤاد عبد الباقي.\nوكذلك \"المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي\" الذي قام بجمعه لفيف من المستشرقين، ونشره الدكتور أ. ي. ونسنك أستاذ العربية بجامعة ليدن، ففهرسوا في هذا الكتاب تسعة من أمهات كتب الحديث؛ وهي: صحيح البخاري، وصحيح مسلم، وسنن أبي داود، وسنن الترمذي، وسنن النسائي، وسنن ابن ماجه، وسنن الدارمي، وموطأ مالك، ومسند أحمد.\n(٨) ومما ساعد على الدراسات الموضوعية الجهود المباركة في العصر الحاضر للعاملين في مجال حوسبة الأحاديث في موسوعات إلكترونية، مما يساهم بشكل فاعل في عملية جمع الأحاديث في موضوع الدراسة في زمن قصير جدًّا، وهذا يوفر الوقت لجهود الدراسة الجادة عن طريق التحليل والنقد والربط، بدلًا من تضييع الوقت الطويل في الجمع. ومن الموسوعات التي ساهمت مساهمة فاعلة في هذا المجال: \"موسوعة الحديث الشريف\" و\"الموسوعة الذهبية في الحديث الشريف وعلومه\"، التي اشتملت على أكثر من أربعمائة مجلد، وفيها خدمة البحث الموضوعي من خلال البحث في موضوعات كتب الموسوعة، فضلًا عن خدمات البحث الصرفي، ومجموعات المعاجم والفهارس المتنوعة.\nثم ظهرت بعدهما \"الموسوعة الألفية للسّنة النبوية\"، التي اشتملت على أكثر من ألف وثلاثمائة مجلد، وفيها أيضًا خدمة البحث الموضوعي، والصرفي لكل مفردة أو جملة يحتاج الباحث إلى جمع أماكن استخدامها من جميع كتب الموسوعة، ليبدأ دراسته الموضوعية، وقد استقصى كل ما ورد عن موضوعه بيسر وسهولة، وفي سرعة فائقة توفر الوقت الكثير والتحليل والربط والنقد والمقارنة.","vol":"1","page":25},{"text":"ومن أحدث البرامج الإلكترونية برنامج (جامع خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز للسنة النبوية المطهرة) ولا نظير له في العالم من الناحية العلمية، حيث أعده ونفذه مجموعة من خيرة أساتذة الحديث في الجامعات السعودية، وعضو في هيئة كبار العلماء في جمهورية مصر العربية، جمعوا بين الاختصاص الأصيل بالسنة وعلومها، والخبرة الدقيقة في تقنية البرامج الحاسوبية.\nوأفاد القائمون على البرنامج أنه استخدم فيه [٥٠ أداة عمل إلكترونية حصلت على براءة اختراع]، ويحتوي على [٣٦٧٨٥٨] صفحة، تنقل [٢٦١٩٤٢] حديثًا نبويًّا من ضمنها [١٨٤٦٦٨] حديثًا موقوفًا، و[٣٤٦٨٦] حديثًا مقطوعًا، و[٥١٦٤] حديثًا له حكم الرفع. وسيكون هناك مرحلة لاحقة تضاف إلى البرنامج لتصل صفحاته إلى أكثر من [٤٥٠] ألف صفحة، وتم تطوير نسخة من البرنامج للعمل بكل خدماته على أجهزة الهواتف الذكية كالأندرويد والآيفون (^١).\nكل ما سبق ذكره يصب في (تدوين السنة وحفظها) حيث وصلت إلينا موسوعات حديثية ضخمة، ولم تكن غاية القائمين عليها وهدفهم الرئيسي \"التصنيف الموضوعي\".\nوالواجب اليوم: أن نستكمل جهود العلماء في الدراسات الموضوعية للسنة النبوية؛ حتى نقدم للأمة الإسلامية وللبشرية المنهج الرباني للإصلاح التربوي، والاقتصادي، والسياسي، والاجتماعي …، ونقدم المنهج الرباني في علاج قضايا الشباب والنساء والأطفال، وكافة شرائح المجتمع.\n(٩) وفي العصور المتأخرة ساهمت الجامعات -وخاصة الإسلامية منها- بدور رائد في تشجيع طلبة العلم الشرعي وغير الشرعي بمظلة الشرع على خوض الدراسة الموضوعية؛ مساهمة منها في دراسة موضوعات السّنّة النبوية من منظور\n_________\n(^١)  http:// majles.alukah.net/ t ١٢٨٨٥٥/","vol":"1","page":26},{"text":"عصري، يساهم في فهم السّنّة النبوية وتطبيقها، مما أتاح الفرصة لظهور مجموعة كبيرة من الدراسات الموضوعية الجادة، التي تمثل نضوج هذا الفرع من علوم السّنة النبوية. كما تسعى الجامعات إلى وضع منهجية لهذه الأبحاث لتخرج بصورة شرعية تطبيقية.\n\n•<span data-type='title' id=toc-12> التصنيف الموضوعي المعاصر:</span>\nما سبق استعراضه شيء يسير مما بذله المحدثون من جهود كبيرة في تصنيف الأحاديث على الموضوعات، فقد صنفوا مئات المصنفات التي اشتملت على الأحاديث النبوية، التي نظروا في متونها ومعانيها الظاهرة والخفية، واستنبطوا منها تراجم أبواب كتبهم، ونظموها في كتب حديثية جامعة لأمور الدين والدنيا، فكان جهدًا علميًّا كبيرًا، واجتهادًا عمليًّا مباركًا.\nوالجدير بالمعاصرين اليوم أن يكملوا هذا الجهد، فكان لزاما عرض الأحاديث بما يناسب زماننا، ويلبي احتياجنا، ويناسب عصرنا، ويراعي تطور الثقافة والعلوم في زماننا، وهذا مهم لأسباب؛ منها:\n(١) برزت علوم جديدة كثيرة ومصطلحات حديثة أصبحت سائدة بين المثقفين والمتخصصين والعامة في كافة مجالات الحياة، ومن الوفاء لسنة نبينا -ﷺ- أن نبرز سنته، وبيان إعجاز سنته، وبلاغة خطابه، وعظمة وغزارة معانيه التي تفيدنا في عصرنا اليوم.\n(٢) اتسعت أبواب المعرفة اليوم، والأحاديث اشتملت على جميع أبواب المعرفة، في الاقتصاد، والمال، وإدارة الأعمال، والحكم والسياسة، والزراعة والتجارة والصناعة، والصحة والبيئة، والأخلاق والآداب، والتربية والتعليم، وغير ذلك. والمطلوب فقط إعادة النظر في الأحاديث واعادة عرضها بمنهجية تبرز جواهرها وطريقة العمل بها.","vol":"1","page":27},{"text":"(٣) نحن بحاجة اليوم إلى دليل نبوي مبسط نقتدي به في حياتنا، حيث نستنبط من الأحاديث منهج حياة يتناسب مع عصرنا، فالنبي -ﷺ- كان نبيًّا ومبلغًا، ورسولًا هاديًا، وقائدًا، ورئيسًا حاكمًا، ومربيًا ومصلحًا …\n(٤) من الأمانة أن نبرز عالمية الإسلام من خلال رسالة النبي -ﷺ-: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، وشهودها الحضاري: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣].\n\n•<span data-type='title' id=toc-13> الفرق بين الجمع الموضوعي والدراسة الموضوعية:</span>\nسبق بيان مفهوم الدراسة الموضوعية، والتعريف المعاصر لها، وقد ظهرت بداياتها منذ عصور ماضية، إلا أن الدراسة الموضوعية المعاصرة تختلف عن التصنيف الموضوعي للحديث؛ وفق الفروق التالية:\n(١) أن علماء الحديث الشريف من أوائل عصر التصنيف في السنة النبوية الشريفة قد رتب عدد كبير منهم مصنفاتهم على الأبواب الفقهية، مما يجعل الجمع والتقسيم الموضوعي للأحاديث النبوية الشريفة قد بدأ مبكرًا جدًا، غير أن الدراسة الموضوعية في بداياتها جاءت متأخرة عن أنواع التصنيف.\n(٢) أن الجمع والتقسيم الموضوعي للأحاديث -في أغلبه- قد مال إلى الجمع الترتيبي للأحاديث المعتمد على فهم الحديث، بينما الدراسة الموضوعية تعتمد أساسًا على بيان روح النص المعتمد على التحليل والنقد والربط مع الواقع.\n(٣) أن الجمع والتقسيم الموضوعي للأحاديث هو الزاد الأول الذي تعتمد عليه الدراسة الموضوعية، لكنها تبدأ منه ثم تتعداه لاستكمال متطلبات الدراسة الموضوعية من أجل تحقيق أهدافها.\n(٤) أن الدراسة الموضوعية تخاطب عصرًا معينًا أو فئة معينة، فهي تميل إلى","vol":"1","page":28},{"text":"الوضوح وسهولة الأسلوب، بينما الجمع والتقسيم الموضوعي يخاطب الأمة على مر العصور، فهو ييسر طريق الوصول للأحاديث في أقصر وقت ممكن؛ لذا استخدم الحاسب الآلي فيه بشكل فاعل؛ حيث يختصر الكثير من الجهد والوقت.\n(٥) الجمع والتقسيم الموضوعي للأحاديث جاء في سياق الرواية، فهو يقوم على مجرد الرواية والحفظ والتدوين عن طريق الجمع الترتيبي للأحاديث، وتصنيفها على الكتب والأبواب، بينما الحديث الموضوعي يعتمد على إبراز الموضوع بدراسته دراسة شاملة، مستدلًا عليه بالأحاديث، وما تحتاجه الدراسة من علوم اللغة والشرع وغيرها من العلوم المتعلقة بموضوع الدراسة.\n(٦) الجمع والتقسيم الموضوعي جهد علمي يقوم على فهم الأحاديث واستنباط دلالاتها لترتيبها والترجمة لها بما يناسب فقط، بينما الحديث الموضوعي يقوم على فهم الأحاديث ومقاصدها، والتعرف على المفاهيم والتصورات التي جاء بها النبي -ﷺ-، وإبرازها من خلال دراسة موضوعية معاصرة.","vol":"1","page":29},{"text":"<span data-type='title' id=toc-14>أهمية دراسة الحديث الموضوعي</span>\nالبحث في الحديث الموضوعي له أهمية بالغة لعلوم السنة والعلوم الشرعية، بل له أهمية في توجيه البشرية لفهم السنة والاستفادة منها في جميع شؤون الحياة.\nكما أنها تكشِف لنا عن عَظمة السنة وشمولها وكفايتها مع القرآن الكريم؛ لصُنْع الحياة الفاضِلة في مختلَف المجالات. فالأحاديث الكثيرة في الموضوع الواحد، والتي قيلت في مناسبات متعدِّدة، وظروفٍ مُتنوِّعة، وأوقات مُتفاوِتة، ولأشخاص مختلفين، إذا ضُمَّ بعضُها إلى بعضٍ، كشَفت عن شمول رسالة الإسلام، وتمام وفائها بحاجة الموضوع.\nويمكن بيان أهمية الحديث الموضوعي من خلال المحاور الآتية:\n\n•<span data-type='title' id=toc-15> المحور الأول: فائدة البحث الموضوعي للسنة:</span>\nالدراسات حول السنة النبوية متفرعة إلى علوم عدة، وألف المتقدمون والمتأخرون في علومها المؤلفات الكثيرة، ويمكن القول إن إحصاءها من الأمور الشاقة لكثرتها، والمتخصص في السنة يعي ذلك؛ والبحث الموضوعي يوجب على الباحث طرق كل علم حول الحديث ليقف على النص النبوي المستدل به؛ للبحث في موضوعه على الوجه الصحيح، وهذا يجعل الباحث يقدم الفَهْم الصحيح للسُّنّة.\nويمكن عرض فوائد الدراسات في السنة التي يدرسها الباحث قبل أن يعرض الدليل عليها، وذلك كما يلي:\n• يَلْزم الباحث التخريج الكامل المعتمد على جَمْع روايات كل حديث مع تتبع","vol":"1","page":30},{"text":"اللفظ لكل حديث يستدل به، وهذا له فائدة في تقديم النص الأصح والأتم، فقد يَرِدُ الحديث في كتاب، وتمامُ الغرض منه في كتاب آخر أو رواية أخرى، أو تأتي رواية بحكم، وتمامُ المقصود في رواية أخرى، فلا بد عندئذٍ من جمْع طرق الحديث ورواياته؛ ليَسهُل فَهْمُه ويَصِحّ، وقد يَرِد في الموضوع عدة أحاديث، لا يمكن فَهْم أحدها إلا في ضوء الأحاديث الأخرى، وإلا حصَل الغَلَط وسوء الفَهْم.\n• البحث الموضوعي يُعين على إزالة ما قد يبدو من تعارُض بين بعض الأحاديث، فيتبيَّن المطلَق من المُقيَّد، والخاص من العام، والناسخ من المنسوخ، وكل ما يعين على الجمع بين ما يبدو من تعارض في الحديث، ويُنَزَّل كلُّ حديث منزلتَهُ اللائقةَ به، ويُفْهَم المقصود منه على الصواب.\n• جمْع أحاديث الموضوع، واستيفاء تخريجها قد يكشِف سببًا لورود الحديث مما يُساعد على حُسْن الفَهْم، وقد تبين ارتباط الحكم في بعض الأحاديث بعلَّة مُعيَّنة، وربما كان هذا السبب وهذه العِلَّة مُزيلًا لتعارُضٍ يظهَر بين أحاديث الباب.\n• من مجالات البحث الموضوعي؛ أبحاث في السنة، منها ما يبحث في علل الحديث -كما سيأتي لاحقًا-، وهذا النوع من البحث يُساعِد على كشْف ما قد يكون في بعض الأحاديث أو الطُّرق من عِلل؛ كالإرسال، أو التدليس، أو الشذوذ، أو الإدراج، أو غير ذلك مما يكون له أعظم الأثر في معرفة درجة الحديث، ومن ثَمَّ الاحتجاج أو عدم الاحتجاج به.\n• أن الدراسة الموضوعية تحقق مطلبًا عظيمًا، ألا وهو تكامل فقه الحديث، الذي هو الثمرة من دراسته، فالبيوع المحرمة مثلًا أنواع تكلمت عنها الأحاديث وعلى رأسها الربا، والبيوع المباحة أنواع أيضًا لها شروط وأركان لا بد من حصولها ليكون البيع مباحًا، والعقود المستجدة كثيرة، ولا بد من دراسة فقه الأحاديث الواردة فيها حتى تُقَيم تلك العقود على أكمل وجه، ولا يتسنى ذلك","vol":"1","page":31},{"text":"إلا بجمع الأحاديث المتعلقة بموضوع واحد من هذه الأنواع، فأحاديث الربا مثلًا: متفاوتة فيما تحمله من أحكام، فبعضها ينص على نوع منها ويقتصر على هذا النوع، وبعضها تذكر شيئًا آخر يبين حكمًا يتعلق بنقض هذا البيع من زاوية أخرى؛ كالبيوع المتعلقة بالنقد أو المتماثلة في النوع وهكذا … وكل ذلك تبينه الدراسة الموضوعية.\nما سبق ذكره بعضٌ من الفوائد لدارسي السنة، وللمسلمين عامة من توضيح ما قد يخفى من الدراسات حول الحديث.\n\n•<span data-type='title' id=toc-16> المحور الثاني: أن هذا النوع من الدراسات يتَّفِق مع روح العصر الحاضر </span>الذي تتجدَّد فيه حاجات المجتمعات، وتَبرُز فيه أفكار ونظريات جديدة مع التقدم العلمي والتقني، حيث تُعطي هذه الدراسات رؤىً وحلولًا شرعية صحيحة، وتُخْرِج للناس أحكامًا عامة تُغنيهم عن اللجوء إلى القوانين الوضعيَّة، فينشأ عن ذلك علوم في غاية الأهمية في العلم الشرعي والعلوم الأخرى، ويمكن توضيح ذلك كما يلي:\n• تأصيل العلوم الشرعية الجديدة التي نشأت حديثًا؛ لتلبية حاجات المسلمين العلميَّة في شتى مجالات المعرفة الإنسانية، والإعلام الإسلامي، والاقتِصاد الإسلامي، والطب النفسي، والطب النبوي، والتربية، وغيرها، ومن المهم بيان رأي الشرع فيها.\n• أن ذلك يُعين على الفَهْم الصحيح للسُّنّة للقضاة والمفتين، ويكون ذلك واضحًا في النوازل والعلوم المستجدة التي يحتاج لها الناس، ويريدون معرفة رأي الشرع فيها.\n• كما أن هذه الدراسات تُقدِّم الفوائد الجليلة لكلٍّ من الدعاة والباحثين، ولأفراد المجتمع المسلم كله، من إحاطة تامة بيسر وسهولة لكل ما يتعلَّق بموضوع الدراسة في مكان واحد.","vol":"1","page":32},{"text":"• إثراء المعلومات حول قضية معينة، فوقائع الحياة تتكاثر، وتتجدد باستمرار، وتتولد ميادين جديدة وقضايا ونوازل مستجدة على الساحة، وغالبًا ما يُطرح موضوع أو قضية أو مشكلة للبحث، ويبقى أيٌّ من ذلك محتاجًا إلى إشباع البحث ومزيد من الدراسة، ويتم تحقيق ذلك من خلال قواعد شرعية عامة، ورؤى مستفيضة، وتفتيق لشيء من أبعاد القضية المطروحة، فيخلصوا بحكم لهذه القضايا والنوازل.\n• إن تجدد حاجة البشرية، وبروز أفكار جديدة، وانفتاح ميادين للنظريات العلمية الحديثة، لا يمكن تغطيتها ولا رؤية الحلول لها إلا بالدراسة الموضوعية للسنّة، إذ عندما نُجَابه بنظرية جديدة أو علم مستحدث فإننا لا نقدر على تحديد الموقف من هذا العلم وتلك النظرية وحل المشكلة القائمة، وبيان بطلان مذهب إلا عن طريق تتبع نصوص الكتاب والسنة، وبذلك يتمكن الباحث من القيام بدور اجتهادي للتوصل إلى تنظير أصول هذا الموضوع. وعلى ضوء هدايات الكتاب والسنة نستطيع معالجة أي موضوع يجدّ في الساحة العلمية.\n\n•<span data-type='title' id=toc-17> المحور الثالث: الدراسة الموضوعيَّة للسنة النبويَّة المطهرة</span>، وبيان عالمية السنة، وأنها وقائلها رحمة للبشرية، ويمكن تلخيص ذلك فيما يلي:\n• تكشِف لنا الدراسات الموضوعية للحديث عن عَظمة السنة وشمولها وكفايتها مع القرآن الكريم؛ لصُنْع الحياة الفاضِلة في مختلَف المجالات.\n• أن هذه الدراسات تُساعِد في إبراز جوانِب متعدِّدة من الإعجاز في السُّنة النبوية الصحيحة، التي تؤكد بوضوح أن السّنة النبوية وحيٌ من عند الله تعالى، وإن كان بالمعنى دون اللفظ؛ لأن مِثلَ هذا الإعجاز لا يتسنَّى لبشرٍ معرفته قبل قرون إلا عن مصدر إلهي.","vol":"1","page":33},{"text":"• في الدراسات الموضوعية للأحاديث تبرز لنا مكانة النبي -ﷺ- وخصائصه، وما تميّز به من جوامع الكلم، وتتجلى أمامنا هذه الخصيصة والمزية بوضوح.\n• عند البحث في صفاته -ﷺ- وخُلقه في موضوعات خاصة بالنبي -ﷺ- أو في ثنايا أبحاث أخرى؛ تتبين لنا هذه الصفات بكل أبعادها وثمارها، وتعرض بطريقة حتى يقتدي بها المسلم فيسمو في نفسه ومجتمعه، وفي آخرته.\n\n•<span data-type='title' id=toc-18> المحور الرابع: أهمية الحديث الموضوعي للحياة والمجتمع:</span>\n• دارس الحديث الموضوعي لا يبدأ عمله من النص، بل من واقع الحياة فيركّز نظره على موضوع من موضوعات الحياة العقدية، أو الاجتماعية، أو الفقهية، أو التربوية … وغيرها، ويستوعب جميع ما أثير حول هذا الموضوع من إشكالات، ثم يطرح هذا الموضوع بين يدي النصوص الحديثية، فهو يبدأ عمله من الحياة والواقع، ليستنبط منه القضية، ثم ينتهي إلى الشريعة -من خلال نصوص الكتاب والسنة- في مقام التعرف على حكم هذا الواقع.\n• هذا اللون من الدراسات الحديثية نافع جدًا، وخاصة في عصرنا الذي أفلست فيه الحضارات المادية، والمذاهب البشرية في حلّ مشكلات البشر، وسد الفراغ الذي تعيشه معظم المجتمعات البشرية؛ لأنها ابتعدت عن هدي القرآن الكريم والسنة النبوية وعدالة الإسلام.\n\n•<span data-type='title' id=toc-19> المحور الخامس: أهمية الحديث الموضوعي في الدراسات الأكاديمية:</span>\nللحديث الموضوعي أهمية بالغة في تصحيح مسار الدراسات الدينية والعربية والعلمية القائمة على الحديث، وإصلاح مسارها وضبطها على معايير علمية جامعة.","vol":"1","page":34},{"text":"لذا عمدت الجامعات إلى وضع الحديث الموضوعي ضمن مناهجها في مرحلة البكالوريوس والدراسات العليا، وتسابقت الجامعات في وضع منهجية لدراسة الحديث الموضوعي، بل شجعت الباحثين على الخوض في مضمار هذه الأبحاث التأصيلية والتطبيقية، ويمكن توضيح أهمية الحديث الموضوعي في الدراسات الأكاديمية بما يلي:\n• ظهرت في العصر الحديث علوم تحتاج إلى تأصيل؛ وإلى ضبط مسارها؛ مثل الإعجاز العلمي في السنة، فقد كثر الكاتبون حوله إلا أنه بحاجة ماسة إلى ضبط قواعده وتصحيح مسار البحث فيه؛ بغرض الاعتدال في توجيه البحث فيه، بعد أن تعرّض لنوع إفراط عند إدخال أحاديث ذات العلاقة إلى مجالات العلوم التجريبية، التي لم تقعّد نظرياتها بعد، فكان هناك أخطاء وتجاوز على السنة من قبل بعض الباحثين غير المتخصصين في السنة، وكان لا بد من ضبط تلك الأبحاث، وهذا يتم عبر الدراسة الموضوعية للأحاديث.\n• هناك علوم ودراسات قائمة منذ القدم، لكن المسار الذي تنتهجه هذه العلوم يحتاج إلى تصحيح وتعديل، وإعادة تقويم؛ كعلم التاريخ الذي أخذ منهجًا في سرد الوقائع والأحداث من غير تعرض لسنن الله في الكون والمجتمع، وهذه السنن أبرزتها الأحاديث بشكل واضح دقيق. وكذلك الأحاديث الواردة في أشراط الساعة وما تحقق منها. وفي هذه الأزمان الحاجة ماسة لهذه الأبحاث مع قراءة التاريخ خصوصًا إذا كُتب التاريخ من أقلام غير مسلمة.\nوكذلك علوم اللغة العربية من البلاغة، والغريب، وقواعد النحو، التي تعتمد في تأصيل قواعدها في كثير من الأحيان على الحديث والبلاغة النبوية.\n• العلوم والمعارف التي بينت السنة المسار الصحيح فيها، فالسنة من خلال الحديث الموضوعي تؤهل هذه العلوم وتوضح مسارها لتسير مع السنة في","vol":"1","page":35},{"text":"اتجاه واحد، وتخدمها؛ فعلم أصول التربية في السنة، وأصول علم الاقتصاد الإسلامي، وأصول الإعلام وغيرها؛ فالسنة تؤهل هذه العلوم وتوضح مسارها لتسير مع الهدي النبوي في اتجاه واحد، وتخدم البشرية كافة أفرادًا ومجتمعات. كل هذه العلوم وغيرها، وما سوف\nيستحدث منها بحاجة إلى الكتابة فيها من خلال قراءة السنة قراءة علمية صحيحة وقراءة العصر، وليس لغير المنهج المتبع في الحديث الموضوعي القدرة على تلك القراءة؛ الأمر الذي سيؤدي إلى تأصيل هذه العلوم.\n• ضبط القواعد العلمية من خلال النظرة الكلية الجامعة، وهذا يُؤدي إلى تصحيح كثير من القواعد، والقوانين، والأحكام المختلفة في الدراسات الدينية واللغوية جميعًا، التي قال بها أصحاب الفنون العلمية المختلفة؛ ذلك أننا حين ننظر إلى كثير منها نجد أنها قائمة على غير استقراء كلي، أو إحصاء واستيعاب شامل، ولو رجع واضعوها إلى الحديث الموضوعي لصححوها بأنفسهم، ولحُسمت مادة الخلاف بين العلماء في كثير من القضايا.\nكما أن لهذه الأبحاث فوائد عديدة للباحثين؛ منها:\n• من هذه الدراسات أبحاث قصيرة مركزة تصلح لأن يستخدمها أساتذة الجامعات في مجال بحوث الترقيات والنشر في المجلات المحكمة، وهي مثالية لأوراق العمل في المؤتمرات والندوات والمحاضرات العلمية، ولا يغيب عن الذهن أن بعض هذه الدراسات قد تأخذ حيّزًا أكبر لعدة مئات من الصفحات، فيمكن حينئذ نشرها في مؤلفات مستقلة، وكتب خاصة بأصحابها.\n• كما تتميز هذه البحوث في الغالب بالرسم الدقيق لشجرة الإسناد الذي يجمع كافة متابعات الحديث محور الدراسة، بالإضافة إلى شواهده للوقوف على ألفاظ الحديث.","vol":"1","page":36},{"text":"• البحث الموضوعي مثالي في الأبحاث المشتركة والأبحاث البينية بين تخصص الحديث والفقه من جهة؛ وغيره من التخصصات المختلفة كالطب والفلك والتربية ونحوها من جهة أخرى. وهذا النوع من الأبحاث مطلوب في الدراسات الأكاديمية.\n\n•<span data-type='title' id=toc-20> المحور السادس: الدفاع عن السنة ودفع الشّبَه عن الإرث النبوي:</span>\n• هذا النوع من البحث يردّ على أعداء الإسلام قديمًا وحديثًا الذين يثيرون الطعون والشبهات للقدح في السنة النبوية، وأنها تراث قديم نزل منذ ألف وأربعمائة سنة على أعراب يعيشون في البادية، عملهم الوحيد رعي الغنم، فكيف يصلح هذا الدين لقوم يعيشون في القرن الحادي والعشرين وما بعده؟ كيف وقد صلوا إلى القمر وغزو الفضاء؟\nفحينئذٍ لا يمكن أن يُرَدّ عليهم ويُجاب على تساؤلاتهم إلا بطرح علمي موضوعي، عن طريق الحديث الموضوعي، الذي يُبَيِّنْ لنا كيف رسم النبي -ﷺ- جميع ما يتعلق بمنهجية الحياة والسعادة في الدنيا والآخرة، وأهم من ذلك كيف تجتمع قاعدة ونظرية في حديث واحد؛ مثل أحاديث المسكر وأحاديث الربا، فالسنة كفيلة ببيان الكليات والجزئيات من الدين، وكونه صالحًا لكل زمان ومكان (^١).\n• الإجابة على شبهات المشككين في السنة النبوية ومكانتها وحجيتها، حيث تُفَنَّد تلك الشبهات وتُرَدّ من خلال إبراز هذه الأحاديث في أي مجال من المجالات.\n• إبراز مكانة النبي -ﷺ- وخصائصه وما تميز به، بالنظر إلى عمق وسعة المعلومة في الأحاديث، وخصوصًا جوامع الكلم منها، والأمثلة على ذلك كثيرة.\n_________\n(^١) حول عالمية الإسلام وصلاحيته يمكن الرجوع إلى محاضرات (الحديث الموضوعي) الملقاة على طلبة الدراسات العليا بكلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية عام ١٤١٥ هـ.","vol":"1","page":37},{"text":"• تقديم السنة النبوية إلى الناس بأسلوب يناسب كل زمن ومستجداته، وتلبي حاجات الناس الثقافية والعلمية وغيرها، وتعطي صورة واضحة جلية عن ثراء السنة بالعلوم المختلفة التي برزت حديثًا، بطابع عصري جديد.\nوأخيرًا ليس هذا نهاية المطاف في بيان أهمية الحديث الموضوعي؛ ذلك أن معطيات الحديث الموضوعي ذات دلالة واضحة على شمول هذا الدين وسياسته الشرعية في مختلف مجالات الحياة وعلومها، وقد بين سعة الدين لذلك ابن القيم في كتابه \"إعلام الموقعين\" حيث قال: \"وَقَدْ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَمَا طَائِرٌ يُقَلِّبُ جَنَاحَيْهِ فِي السَّمَاءِ إلا ذَكَرَ لِلأُمَّةِ مِنْهُ عِلْمًا، وَعَلَّمَهُمْ كُلَّ شَيْءٍ، حَتَّى آدَابَ التَّخَلِّي، وَآدَابَ الْجِمَاعِ، وَالنَّوْمِ وَالْقِيَامِ وَالْقُعُودِ، وَالأَكْلِ وَالشُّرْبِ، وَالرُّكُوبِ وَالنُّزُولِ … \" إلى أن قال: \"وَبِالْجُمْلَةِ فَجَاءَهُمْ بِخَيْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ بِرُمَّتِهِ، وَلَمْ يُحْوِجْهُمْ اللَّهُ إلَى أَحَدٍ سِوَاهُ، فَكَيْفَ يُظَنُّ أَنَّ شَرِيعَتَهُ الْكَامِلَةَ الَّتِي مَا طَرَقَ الْعَالَمَ شَرِيعَةٌ أَكْمَلُ مِنْهَا نَاقِصَةٌ تَحْتَاجُ إلَى سِيَاسَةٍ خَارِجَةٍ عَنْهَا تُكَمِّلُهَا، أو إلَى قِيَاسٍ أو حَقِيقَةٍ أو مَعْقُولٍ خَارِجٍ عَنْهَا\" (^١).\n_________\n(^١) ابن القيم، إعلام الموقعين عن رب العالمين، تحقيق محمد إبراهيم، نشر دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى بيروت، ١٤١١ هـ، ٤/ ٤٨٥ - ٤٨٧.","vol":"1","page":38},{"text":"<span data-type='title' id=toc-21>الحديث الموضوعي وفروع علوم السنة النبوية وعلوم الشريعة</span>\n•<span data-type='title' id=toc-22> الحديث الموضوعي وعلوم السنة:</span>\nإن الدراسة الموضوعية بمفهومها المعاصر الذي يعتمد على الجمع الموضوعي للنصوص الحديثية، ثم دراستها دراسة تحليلية ناقدة مع ربطها بالواقع الحاضر، تستخدم شتى فروع علوم السنة النبوية من أجل الوصول إلى أهدافها، حيث نجدها تستخدم بالإجمال مجموعة العلوم المتعلقة بقسمي علوم الحديث رواية، ودراية؛ على النحو التالي:\n\n<span data-type='title' id=toc-23>أما الحاجة لعلم الحديث رواية:</span>\nحيث اختيار النص النبوي، والعناية والاهتمام باختيار ألفاظه الجامعة المناسبة لموضوع الدراسة من مصادرها الأصلية، والاحتراز في أثناء النقل من الخطأ أو التحريف وَضَبْطِهَا، وَتَحْرِيرِ ألفاظِها. ويمكن تحقيق ذلك من خلال ثلاث مراحل:\nأولًا: علوم المتن من حيث قائله، فيبدأ بالمرفوع، ويستنير بالموقوف الذي أضيف إلى الصحابة رضوان الله عليهم، والمقطوع وهو ما أضيف إلى التابعين، فمن شأنه إيضاح المتن مع العناية كما أسلفنا بدقة الرواية.","vol":"1","page":39},{"text":"ثانيًا: علوم شارحة للمتن:\nلا بد للباحث في الحديث الموضوعي من الوقوف على شرح كل حديث، من بيان غريب الحديث، أي ما يتعلق بما وقع في متون الأحاديث من الألفاظ الغامضة البعيدة عن الفهم، وأسباب ورود الحديث، وهو مهم لفهم الحديث، كأهمية معرفة المناسبة التي ذكر فيها الحديث. وعلم مشكل الحديث أو مختلف الحديث، وهو ما تعارض ظاهره مع القواعد فأوهم معنى باطلًا، أو تعارض مع نص شرعي آخر، وهو مفيد لإزالة كثير من الشّبَه التي يتعلق بها بعض الواهمين. وأخيرًا فقه الحديث؛ لتتضح له الصورة كاملة حول النص النبوي، فيتمكن من إعطاء فكرة واضحة للمقصد النبوي.\nثالثًا: علوم تنشأ من مقابلة المتن المروي بالروايات والأحاديث الأخرى (شواهد الحديث ومتابعاته) فيظهر للباحث النص الأصح أو الأوضح أو الأتم لموضوع بحثه، حيث تروى الأحاديث تارة مختصرة (يذكر موضع الشاهد فقط)، وتارة تامة، وتارة يذكر سبب ورود النص، وهذا كله يفيد الباحث قطعًا في فهم المقصد النبوي.\n\n<span data-type='title' id=toc-24>علم الحديث دراية:</span>\nوغايته وهدفه تمييز الصحيح من السقيم، سواء تعلق ذلك بالسند أو بالمتن أو بهما معًا، وهذا في حد ذاته فهم ودراية للحديث فلا يروي إلا ما كان صالحًا.\nوَعِلْمُ الْحَدِيثِ الْخَاصُّ بِالدِّرَايَةِ: عِلْمٌ يُعْرَفُ مِنْهُ حَقِيقَةُ الرِّوَايَةِ؛ وَشُرُوطُهَا، وَأَنْوَاعُهَا، وَأَحْكَامُهَا، وَحَالُ الرُّوَاةِ، وَشُرُوطُهُمْ، وَأَصْنَافُ الْمَرْوِيَّاتِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا (^١).\n_________\n(^١) \"تدريب الراوي\" (١/ ٢٥).","vol":"1","page":40},{"text":"ويمكن للباحث الاستعانة بكتب التخريج المهتمة بالحكم على الحديث، والتي عُرف عن مؤلفيها عدم التساهل في الرواية، سواء كانت الكتب متقدمة أو متأخرة.\nلذا يعتبر الحديث الموضوعي ثمرة لجميع الدراسات الحديثية؛ لأنه ذو صلة بشتى فروع علوم السّنة النبوية، يتجاذب معها الأدوار في خدمة سنة المصطفى -﵊-، فتارة يدافع عن أحد رجالها، وأخرى يدافع عن أحد مروياتها، وتارة يحل تعارضًا، وأخرى يوضح موضوعًا مبهمًا، وتارة يشرح فريضة، وأخرى يبين سنة، وهكذا.\n\n•<span data-type='title' id=toc-25> علاقة الدراسة الموضوعية بالعلوم الشرعية واللغة والعلوم الأخرى</span>.\nالشريعة الإسلامية شريعة متكاملة شاملة، حوت كل ما يحتاجه المسلم في حياته اليومية بما يحقق له السعادة والأمن، كما نظمت للمسلم ومجتمعه الحياة السياسية والاقتصادية والتربوية … إلخ، والمنبع الأساسي في كل هذا وغيره الوحي بشقيه القرآن والسنة.\nوللبحث في أي موضوع من مواضيع الحديث الموضوعي؛ لا بد من طرْق كل ما تحتاجه الدراسة الموضوعية من بيان، فينبغي للباحث الاستفادة من العلوم الشرعية الأخرى؛ بالرجوع إلى كتب الفقه وأصوله لمعرفة آراء الفقهاء في موضوع الحديث، أو العقيدة إذا احتاج البحث في كتب العقيدة، وغيرها من فروع الشريعة مما يحتاجه؛ لإيصال الفكرة بشكل صحيح، وحتى يكتمل فهم الموضوع في ضوء العلوم الشرعية، وليكون مضبوطًا بالقواعد والأصول الشرعية، بعيدًا عن التناقض أو التعارض معها.\nوكذلك التفسير وعلوم القرآن، ناهيك إن كان موضوع الدراسة في صلب هذه الفروع من الشريعة.","vol":"1","page":41},{"text":"والباعث وراء التنوع وطرْق فروع الشرع ومرتكز ذلك هو: تحصين المادة المعرفية التي يشتغل بها الباحث في هذا العلم.\nإن البحث في العلوم المعاصرة بعد بحثها في العلوم الشرعية التي تتبعها أدعى للوقوف على المقصد النبوي بوجه صحيح؛ كأن يكون الموضوع متعلقًا بالإعجاز الطبي، فلا بد من الرجوع إلى علماء الطب وكتبهم في هذا الشأن لفهم الموضوع المراد بحثه بوجه صحيح ودقيق، ثم البحث في السنة عن ذات الموضوع للوقوع على رأي السنة في ذات الموضوع، وأخيرًا عرضه على الأحكام الشرعية التي تتبعها، وبذلك نأمن السلامة من الخطأ المتعلق بالسنة والطب معًا.\nوإذا كان الموضوع متعلقًا بالتربية؛ فيمكن الاستفادة من كتب التربية والأخلاق والسلوكيات … وهكذا، وذلك لتعزيز الموضوع بالمعلومات والثقافة التي تضفي عليه مزيدًا من التوضيح والبيان، أو الاحتجاج، أو إبراز الإعجاز والتقدم في السنة، أو التوافق مع العلوم المعاصرة.\nوينطبق أيضًا نفس المنهج على العلوم التطبيقية؛ كالفلك والفيزياء والرياضيات وغيرها.\nأما اللغة بفروعها؛ كالبلاغة والنحو وبيان الغريب فإنها من أساسيات البحث الموضوعي، فهي تصب في فهم النص النبوي، وهذا يساعد كثيرًا في الغوص في النص النبوي، والتدبر في معانيه، واستخراج فوائده على الوجه الصحيح.\nبل إن البحث اللغوي يعد من الأساسيات التي تقف عليها بعض مناهج البحث الموضوعي؛ كالمصطلح النبوي، كما سيأتي لاحقًا.","vol":"1","page":42},{"text":"القسم الثاني\nالدراسة الموضوعية\nوطريقة البحث فيها","vol":"1","page":43},{"text":"<span data-type='title' id=toc-27>مراحل الدراسة الموضوعية</span>\nعلى الباحث في الدراسة الموضوعية المعرفة الدقيقة بمنهجية البحث فيها؛ ليكون الموضوع الذي يبحثه مندرجًا ضمن الحديث الموضوعي فعلًا.\nوالدراسة الموضوعية في كل مناهجها تشترك في مراحل، لا بد للباحث من مراعاتها، ولأهميتها فإن أنظمة الجامعات تنص على شيء منها؛ لذا لا بد من بيان هذه المراحل والتنبيه إليها، وهي على النحو التالي:\n\n•<span data-type='title' id=toc-28> المرحلة الأولى: اختيار موضوع الدراسة</span>.\nعلى الباحث أن يراعي عند اختياره للموضوع ما يلي:\n• لا بد من تحديد فكرة تستحق البحث، منشؤها السنة؛ لدراسة موضوعها كما وجهتها السنة، لا أن تكون خارجة عنها. وقد تكون الفكرة حول حكم شرعي يحتاج إلى أدلة مقبولة لإثباته، أو قضية علمية، أو خُلُقية، أو تربوية، أو مصطلح ديني، أو أكاديمي، وغير ذلك مما يشمل شتى مناحي الحياة للفرد والأسرة؛ بل وللمجتمع كله وللأمة بأسرها.\n• لا يقبل فيها المواضيع التقليدية، ولا المواضيع العامة والشاملة؛ كالبحث في السيرة النبوية مطلقًا، والسَّبب وراء ذلك أنَّ البحث الموضوعي ينطلق من إشكالية واقعية محددة ضمن اهتمامات العصر ومواضيعه الساخنة، فيدرس فيها الباحث جميع ما أثير عنها، ويستوعب كل ما قيل فيها، ثم يعرض ما","vol":"1","page":45},{"text":"تحصَّل لديه من أفكار على الأحاديث النبوية، وعليه فإن من سيكتب في حق الطفل في التعلم في السُّنة، أو من خلال السيرة النبوية، أو المواطنة في العهد النبوي؛ سيقرأ جميع الوثائق والتشريعات التي سَنتها الأنظمة الوضعية، ويطلع على النظريات والأفكار التي عالجتها، ويتمكّن من تفاصيلها، وجوانبها المضيئة والمظلمة؛ لتكون هذه الدراسة معينًا مهمًا عند عقد الموازنات، ثم يتوجه إلى الأحاديث النبوية، مفتشًا جامعًا لكل ما يتصل بموضوعه وفكرته، وهي المرحلة الثانية.\n• أفضل الموضوعات ما تقوم فكرتها على سد حاجة المجتمع المسلم المعاصر، وتلبي رغباته الفكرية، وتسهم في رفعته وتقدمه بين الأمم، فضلًا عن أهميته في التوجه للقرب من رضى الخالق رب العالمين.\n• أن يكون موضوع البحث أكثر دقة، ويبتعد عن الموضوعات الشاملة الواسعة؛ حتى لا يضيع الباحث في كثرة التفاصيل. ويلاحظ هنا أنه كُلَّما كان الموضوع دقيقًا محدّدًا فسيسهل التوسع فيه عموديًا في مصادر السنة المتنوعة. فالبحث في \"حقوق المرأة المالية في السنة\" مثلا أفضل من البحث في \"حقوق المرأة عمومًا\"، حيث ستكون نتائج البحث الأول أكثر عمقًا وتحديدًا.\n• لا بد في أثناء رحلة البحث عن الموضوع من جمع الأدلة من القرآن والسنة، التي تؤكد الأفكار المتعلقة بالموضوع.\nوفي الوقت الحاضر تطالب الجامعات طلابها وطالباتها في هذا التخصص -مع خطة البحث- بعددٍ من الأحاديث التي من الممكن الاستدلال بها في البحث، ولا تقبل خطة البحث إلا بإدراج الباحث لهذه الأحاديث مع خطة بحثه.","vol":"1","page":46},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-29> المرحلة الثانية: جمع المادة المتعلقة بالسنة</span>.\nوذلك من الأحاديث وما حولها من أقوال السلف؛ من خلال استقراء تام لمصادر السُّنة المعتمدة، والتوسُّع في ذلك مع التأني والصبر، والاعتماد على المطبوع والمخطوط، والاستفادة من البرمجيات الإلكترونية ومواقع الشبكة الإلكترونية، ومن سائر أدوات البحث العلمي الحديثة. وفي هذه المرحلة تبرز قدرات الباحثين في تتبع واستقراء الأحاديث المتعلِّقة بالموضوع، مهما خَفِيت أو دَقَّت درجة اتصالها، والصبر على ذلك.\n\n•<span data-type='title' id=toc-30> المرحلة الثالثة: تحديد مشكلة البحث، وأهميته، والدراسات السابقة فيه</span>.\nبعد الإلمام بموضوع الدراسة، وتحديد الفكرة المرتبطة بالسنة لا بد من الوقوف على مشكلة البحث، وذلك بطرح أسئلة يمكن للبحث أن يجيب عنها لتحقيق الهدف منه، والغاية التي يريد إثباتها.\nوكلما كانت المشكلة التي يناقشها البحث تجمع بين حاجة الناس، وأنها لم تُبحث من قبل، أو أنها بحثت بشكل غير مستوفٍ؛ أعطى ذلك للبحث قيمة أكبر.\nولهذا يُطْلَب من الباحثين في الدراسات العلمية والأكاديمية بخاصة أن يقوموا في خطة البحث بتحديد مشكلة البحث، والأسئلة التي يجيب عنها؛ حيث تتضح بها أهميته.\nثم بعد ذلك يركز الباحث عند بيان الدراسات السابقة في الموضوع على الموضوعات التي لم تبحث من قبل، في حين يشير إشارة فقط إلى ما بُحِث.\n\n•<span data-type='title' id=toc-31> المرحلة الرابعة: كتابة خطة البحث</span>.\nيعرض فيها الباحث مشكلة البحث التي سبق أن حدَّدها، والنتيجة المتوقعة، والأحاديث التي سيستعملها في بحثه، ويراعي في الخطة ما يلي:","vol":"1","page":47},{"text":"• أن يكون محورُ الدراسة منبثقًا من السنة والأحاديث التي سبق أن خرجها، غير خارج عنها في كل البحث؛ لأنه إذا لم تكن في السنة النبوية دلالة واضحة، وارتباط قوي بموضوع الدراسة الموضوعية، ولم يثبت دلالة السّنة النبوية إليه؛ فلا يعدّ هذا البحث دراسة موضوعية صالحة للبحث أساسًا، ولا يصنف البحث من ضمن الحديث الموضوعي.\n• ربط موضوع الحديث بالواقع المعاصر للمسلمين؛ وفيها بيان مقاصد الشريعة؛ لئلا يكون مجرد دراسة تحليلية للحديث.\n• ترتيب المادة العلمية، وتنظيمها في تقسيم معين.\n• تطالب الجامعات وأقسام الدراسات الإسلامية عددا من الأحاديث التي يستدل بها الباحث في أثناء كتابة البحث مع الخطة.\n• ألا يكون في مفردات الخطة الدراسة التحليلية للحديث، وإن كانت مطلوبٌ أن يستوعبها الباحث، لكن لا يكتب منها شيء لا في البحث ولا الخطة، إلا إن كان البحث لقياس الطالب وقدرته على البحث فمن الممكن أن تكون في ملاحق مستقلة عن البحث.\n\n•<span data-type='title' id=toc-32> المرحلة الخامسة: الأدوات</span>.\nوهي مرحلة مهمة جدًا، بل هي في الحقيقة القلب النابض للبحث، وهي في الغالب لا تكتب في البحث إلا كملاحق كما أشرت آنفًا، ويستعين بها الباحث في كتابة بحثه، وهي:\n• الدراسة التحليلية للأحاديث التي جمعها الباحث، والبحث في أسانيدها ورجالها من جهة، وفي متونها وألفاظها من جهة ثانية، من حيث الثُّبوتُ والدّلالةُ، ويمحّص الباحث النظر في الأحكام النقدية التي أطلقها رجال الجرح","vol":"1","page":48},{"text":"والتعديل والعلل على الأحاديث، ولا بأس أن يطيل الباحث هنا النَّفَس في قضايا الصحة والضعف والمتابعات، والرفع والوقف، وزيادات الثقات والشذوذ والإدراج، وإزالة الإشكال والتعارض الظاهري في دلالاتها، كل هذا ضمن حدود ما يخدم غاية بحثه، وهو متون ودلالات الأحاديث، بمعنى أن يلجأ الباحث إلى أدوات المحدثين وما تقتضيه أصول الصناعة الحديثية، بحيث يرجِّح من الأسانيد والألفاظ والدلالات بحسب تلك الأدوات، فيكون واضحًا أمامه \"القدر المشترك والمتفق\" من الروايات والألفاظ التي رجّحها الباحث، بعد أن دفع التعارض والإشكال، وربط الأحكام بعللها، فتكون النتيجةُ حفظَ الوحدة الموضوعية للحديث النبوي.\n• بناءُ النظرية الشاملة التي ينتظم عقدها جميع المعاني السالفة، واستنتاجُ الموقف النبوي العام الذي تقع تحته جميعُ التَّفاصيل، وفهم الرابط الذي يجمع المفردات التي استقرأها الباحث واعتمد عليها في المرحلة الثانية والثالثة، فهي المرحلة الختامية، والأهم في العمل الموضوعي، التي سيربِطُ فيها الباحثُ نتائجَ بحثه الحديثي الموضوعي، بمنطلقه الأول من النظريات النبوية والإشكاليَّات التي ابتدأ بحثه منها، وسيعرض نتائجه التي خلص إليها، ويوضِّح الإجابة الموضوعية المستمدة من الهدي النبوي عن تلك الإشكاليّات، ويعقد الموازنات فيما بينها، مستفيدًا من آراء من سبقه من الفقهاء والمحدثين والشُّراح، فتكتمِلُ بذلك عناصرُ البحث، وتصل الرحلة إلى محطتها النهائية.\nولعلَّ هذه المرحلة هي أمتع المراحل؛ لأنها مرحلة جني الثمار وحصاد الجهود، فيها يتنقل الباحث من النظر إلى التطبيق، ومن القواعد إلى النتائج، لذا فإن الحذر الشديد والتأني في إطلاق الأحكام مطلوب في هذه المرحلة، بأكثر مما هو مطلوب في سائر المراحل؛ لأن الخطأ في القواعد والأصول أخطر من الخطأ في","vol":"1","page":49},{"text":"التفاصيل والجزئيات، ويجب عليه التعمق في مطالعة أدلتهم ومسالك أقوالهم، والعودة إلى أهل العلم واستشارتهم، وقبلها الاتكال على الله، والنية السليمة في خدمة الحق والدين وأهله، فكم ترك الأول للآخر!\nكذلك فإن من محاذير العمل الموضوعي أن ينغمس الباحث في الدرس النبوي، بما قد يفقده السياحة في باقي مصادر التشريع الأصلية والتبعية، ويفقده بوصلة البحث العلمي المتزن، فيؤثر سلبًا في نتائج بحثه، ويحمله على التّسرع في قبول أو ورد أقوال من سلفه، فهذا مما يجب أن يتنبه عليه الباحث في مرحلة اختيار الموضوع، بأن يختار من المواضيع ما يتعلَّق بمواقف النّبي -ﷺ- التشريعية والبيانية، ويتصل بالسنة والسيرة النبوية اتصالًا عميقًا، فتتحقق بذلك الفائدة المرجوّة من البحث الموضوعي في السُّنة النبوية.\nأخيرًا لا بأس أن يصوغ الباحث بحثه بأسلوب يجمع بين طرفين، أسلوب يفهمُه المثقفون من غير المختصين من جهة، ويثير التَّفكر والتأمل لدى المختصين من جهة ثانية، وبذلك يحوز الحُسنيات كلها.\nومما يجب التنبيه إليه أن كثيرًا من المعلومات التي توصل لها الباحث في مرحلة الأدوات لا تُكتب في البحث؛ وإنما جمعها الباحث للوصول للفكرة والمعلومة الصحيحة في البحث فهي اليد الخفية للوصول للفكرة المدونة في البحث، لكنها لا تكتب. ويمكن تشبيه هذه المرحلة بالأدوات المستخدمة لإعداد وليمة الطعام من السكين والموقد وباقي الأدوات التي يستخدمها الطاهي في إعداد الوليمة، حيث لا يقدم شيئًا منها مع وليمة الطعام، كما أنه لا يمكن أن يتم إعداد الوليمة إلا بها. وكذلك النجار والخياط فكل منهم لا يُخرج من عمله إلا النتيجة النهائية من عمله.","vol":"1","page":50},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-33> المرحلة السادسة: جمع المادة العلمية</span>.\nتتفق الأبحاث في أهمية وضرورة جمع المادة العلمية فيما يخص الأحاديث، والقدر المستخدم منها في صلب البحث، أو الهامش، أو الأدوات المعينة على فهم الحديث، وتختلف في طريقة العرض تبعًا للموضوع المراد ربطه بالحديث.\nففي الأبحاث الطبية والعلمية مثلًا: قد تحتاج إلى التجربة على البشر، أو حيوانات التجارب أو غيرها، ولا يكفي فيها المادة النظرية فحسب.\nومثال ذلك: بحث جماعي كلفتُ به الطالبات في مادة الحديث، كان عنوانه: \"أثر آية الكرسي في علاج مرض الجاثوم\"، وموضوع البحث قائم على الحديث الذي أخرجه البخاري من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-، قَالَ: «وَكَّلَنِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ فَأَتَانِي آتٍ فَجَعَلَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ فَأَخَذْتُهُ، فَقُلْتُ لأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَذَكَرَ الحَدِيثَ- إلى أن قال: فَقَالَ أي الشيطان: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الكُرْسِيِّ، لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ، وَلَا يَقْرَبُكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ، ذَاكَ شَيْطَانٌ» (^١).\nوالبحث قائم على التجربة؛ حيث طلبتُ من كل طالبة أن تطبق قراءة آية الكرسي على خمس حالات أو أكثر تعاني من عارض الجاثوم، من ذويها وأقاربها، ممن يمكنُ مباشرة الحالة معهم، ومتابعتها بالإشراف عليها لمدة شهر، وكتابة تقرير أسبوعي عن كل حالة، ثم كتابة تقرير نهائي بذلك، وعمل ورشة عمل تعرض فيها النتائج، وتقيم.\n_________\n(^١) البخاري، صحيح البخاري، مع فتح الباري شرح صحيح البخاري، بتحقيق الشيخ ابن باز، نشر رئاسة الإفتاء بالرياض، ١٣٧٩ هـ، كتاب الوكالة، ٤/ ٤٨٧.","vol":"1","page":51},{"text":"فكانت النتائج مبهرة، وذات تأثير على الطالبات، وعلى الحالات،\nوكانت أهم نتائج البحث ما يلي:\n• انتشار المرض بشكل كبير؛ حيث لم يكن صعبًا على الطالبات إيجاد الحالات. ولوحظ انتشاره في المرحلة العمرية ما بين ١٢ سنة و٢٥ سنة، ويكاد لا يوجد فوق سن الأربعين، إلا في حالات قليلة يعاني منها المرضى من أمراض أخرى كالمرض الروحي، أو الاضطرابات النفسية.\n• لوحظ على ٧٠ % من الحالات أنه يختم يومه على رؤية أفلام أو مسلسلات، أو سماع موسيقى، ومعاصٍ أخرى.\n• كما لوحظ أن نسبة ٩٠% من الحالات تحسنت كثيرًا حيث انخفض الجاثوم من أربع مرات في الأسبوع وأكثر، إلى أن اختفى، أو بقي مرة واحدة في الأسبوع، بعد المداومة على قراءة آية الكرسي قبل النوم مباشرة.\n• وباقي الحالات؛ التي لم تعط النتائج المطلوبة؛ استخدم معها باقي الأذكار مع آية الكرسي، مما ورد في السنة كالمعوذات، وترك العادات السيئة التي كانت سببًا من أسباب المرض؛ كمشاهدة الأفلام والموسيقى ومعاصٍ أخرى.\nأما الأبحاث التي تمس الاقتصاد والمعاملات كالربا والبيوع المحرمة: فعلى الباحث الدقة التامة في دراسة المنتج المراد الوقوف على الحكم عليه، من خلال دراسة وافية للأحاديث الواردة حوله ليكوّن قاعدة يحكم من خلالها عليه، ثم التأصيل، وألا يستعجل في إصدار الحكم على المنتج، خصوصًا مع الغموض الذي يكتنف بعض التعاملات الاقتصادية، وبعض المنتجات التجارية، كالبطاقات الائتمانية، والتجارة بالعملة الإلكترونية (البت كوين) وغيرها مثلًا، حتى يعطي حكمًا صحيحًا فيها.","vol":"1","page":52},{"text":"وهكذا في باقي الأبحاث التربوية، وغيرها، بل وفيما يتعلق بالأبحاث الشرعية.\nكما أنه على الباحث الالتزام بالأحاديث التي هي موضوع الدراسة، وألا يخرج عن إطارها الموضوعي إلى موضوعات أخرى؛ لأن الهدف من الدراسة هو موضوع الحديث فحسب.\nولا بد من ربط موضوع الحديث بالواقع المعاصر للمسلمين بلغة مفهومة سلسة، وألا يتحول بالبحث إلى الشرح التحليلي، أو تغلب عليه اللغة العاطفية المتجردة من الانضباط العلمي.\nوأخيرًا عليه ترتيب المادة العلمية، وتنظيمها في تقسيم معين، حسب الخطة المعدة للبحث.\n\n•<span data-type='title' id=toc-34> المرحلة السابعة: صياغة البحث مع إبراز رأي السنة فيه</span>.\nوتعد هذه المرحلة بمثابة بناءِ النظريةِ الشاملةِ، التي تنتظم تحتها جميعُ المراحل السالفة، واستنتاجُ الموقف النبوي العام الذي تقع تحته جميعُ التَّفاصيل، وفهم الرابط الذي يجمع المفردات التي استقرأها الباحث، واعتمد عليها في المراحل السابقة.\nفهي المرحلة الختامية، وهي مرحلة مهمة في العمل الموضوعي؛ حيث سيربِطُ فيها الباحثُ نتائجَ بحثه الحديثي الموضوعي، بمنطلقة الأول من النظريات الحديثة والإشكاليَّات التي ابتدأ بحثه منها، وسيعرض نتائجه التي خلص إليها، ويوضِّح الإجابة الموضوعية المستمدة من الهدي النبوي عن تلك الإشكاليات، ويعقد الموازنات فيما بينها، مستفيدًا من آراء من سبقه من الفقهاء والمحدثين والشُّراح، فتكتمِلُ بذلك عناصر البحث، وتصل الرحلة إلى محطتها النهائية.","vol":"1","page":53},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-35> المرحلة الثامنة: الخاتمة</span>.\nحيث يعرض فيها الباحث النتائج التي توصل إليها في بحثه، والتوصيات لمن أراد أن يكمل ما بدأه في مجال بحثه إذا كانت الدراسة تحوي أكثر من موضوع، والتوصية بتوجيه الأبحاث الشرعية وغير الشرعية لهذا النوع من الدراسة.","vol":"1","page":54},{"text":"مناهج البحث العلمي\nفي أبحاث الحديث الموضوعي\nمنهج البحث العلمي: هو مجموعة الخطوات المعتبرة والمعتمدة علميًّا التي يتّبعها الباحث، ويلتزم بها، بتسلسل منطقي علمي منظم وواضح؛ لكي يتمكن من الوصول لنتيجة مُحكمة ومستندة على البرهان والمنطق، وقواعد وضوابط البحث العلمي المتعارف عليها في البحث العلمي.\nويمكن للباحث عن طريق منهج البحث العلمي والمهارات المتبعة فيه؛ حل مشكلة البحث، وإثباتها عن طريق مجموعة من المهارات العلمية ليصل إلى إثبات وتوثيق النتيجة التي يتوصل إليها الباحث في البحث. ولذلك يُعد من المتطلبات الأساسية في الدراسات العليا وغيرها من الأعمال، وهو أيضًا إحدى أهم وسائل التنمية النظرية والعملية للفرد والمجتمع.\nتلك الطرق والمهارات والأشكال والأساليب المختلفة التي يتبعها الباحث يجب أن تكون علميّةً؛ لتتحقق علمية البحث، ولذا كان على الباحث أن ينص في خطة البحث على الطريقة أو المنهجية المزمع اعتمادها في بحثه، بل تطالب الجامعات والمؤسسات العلمية النص عليها في خطة البحث، وهو ما يسمى بمنهج البحث.\nوفي العقدين الأخيرين تطور البحث العلمي، وتعددت طرقه ومناهجه بدرجة كبيرة، مما أتاح للباحثين مجالات عديدة يختارون منها ما يناسب أهدافهم","vol":"1","page":55},{"text":"ونوعية أبحاثهم.\nإلا أن هذه المهارات والمناهج ما زالت محط جدل في الأوساط العلمية. إذ التأصيل فيها مُخْتَلفٌ فيه بين أهل العلم والتخصصات العلمية، إذ كل علم تتبع أبحاثه منهجية معينة، وتختلف عن أبحاث العلم الآخر. فالأبحاث التجريبية يقوم البحث فيها على التجربة ولا ترى فيها الحاجة إلى الوصف الذي يعتمد عليه البحث النظري وهكذا.\nإن الأبحاث في منهجية البحث العلمي ما زالت في حاجة لمزيد من البحث؛ لوضع تأصيل يسير عليه طلبة العلم في أبحاثهم. وفي هذا الباب فإني أحاول بخبرتي المتواضعة في البحث العلمي والمسيرة التعليمية في تدريس الحديث وعلومه؛ أن ألقي الضوء على هذه المناهج بوجه عام مع التركيز وضرب المثال في أبحاث السنة وأبحاث الحديث الموضوعي. مع العلم أن أبحاث الحديث الموضوعي شاملة لكل العلوم، وتختلف طريقة البحث فيها باختلاف العلم المراد البحث فيه، لذا فإن البحث الموضوعي يأخذ طرقًا وأشكالًا وأساليبَ متعدّدةً في القالب النهائي له، باختلاف طبيعة البحث، وإن كانت تتفق في بعضها كما سيأتي لاحقا.\n\n•<span data-type='title' id=toc-37> أنواع مناهج البحث العلمي:</span>\nيمكن القول إن هناك توجهين أساسَيْن للبحث هما: البحوث الكمية، والبحوث النوعية، والأبحاث عادة تتوجه إلى أن تكون إما كمية في معظمها، أو نوعية في معظمها، وربما جمعت بين النوعين، حيث ظهر في العقد الأخير نوع من البحوث يجمع بين النوعين، وأصبح يطلق عليه البحوث المختلطة، حيث تُستخدَم في بحث واحد أساليبُ البحث الكمي والبحث النوعي.\nومما تجدر الإشارة إليه أن بعض الباحثين المبتدئين يقعون في حيرة في فهم مناهج البحث، وذلك يؤدي إلى إضعاف البحث؛ نتيجة ضعف الوعي في استخدام","vol":"1","page":56},{"text":"أفضل الطرق البحثية العلمية السليمة، وبالتالي تحدث أخطاء تضعف البحث، ومن ثمَّ رفضه من قبل المحكمين الذين يُعرَض عليهم البحث؛ وذلك لمخالفته المشهور من التوجهات العالمية في طرق البحث. وأغلب الدراسات التي تندرج تحت لواء الحديث الموضوعي تتَّبع طريقة البحوث النوعية، وقليل منها ينتهج الطريقة المختلطة، مثل أن يحوي البحث فصولًا أو مباحث أو مطالب فيها إحصاءات.\nلذا كان من المهم التعريف بالمناهج المتبعة في أبحاث الحديث الموضوعي، وكيفية الاستخدام الأفضل للطرق البحثية.\n\n• البحث الكمي:\n<span data-type='title' id=toc-38>البحث الكمي </span>هو البحث المنهجي الذي تقوم الدراسة فيه على الأساليب الإحصائية، أو الرياضية، أو الحسابية. والهدف منه تطوير وتوظيف النماذج الرياضية والنظريات والفرضيات المتعلقة بالظواهر في موضوع الدراسة لخدمة أهداف البحث، كما أن عملية القياس هي محور البحث الكمي؛ لأنها تشكل رابطًا فعّالًا بين الملاحظة التجريبية والتعبير الرياضي للعلاقات الكمية.\nوعلى هذا فالبحث الكمي يأخذ شكلًا رقميًّا مثل الإحصاءات والنسب المئوية، وما شابه ذلك.\nومجال البحث الكمي العلوم الرياضية؛ مثل: الرياضيات والفيزياء وعلوم الحاسب وبعض مجالات الاقتصاد كالتسويق وغيره، وعلى هذا فالبحث الكمي يتخذ من الأرقام والعمليات الإحصائية أساسًا له، وهو يهتم بالمتغيرات التي تتضمن قياس صفات الأشياء وخصائصها وتأثيرها من خلال الإحصاء.\nوهذه الأبحاث بعيدة عن البحث في الحديث الموضوعي، لكن قد يستعين بها الباحث أثناء الدراسة الموضوعية، ولا يمكن أن يقتصر عليها وحدها، وإلا لم يكن","vol":"1","page":57},{"text":"بحثًا موضوعيًّا. مثل بحث الجاثوم الذي أشرت له في مراحل الدراسة الموضوعية عند الحديث عن مرحلة جمع المادة العلمية الآنف الذكر. حيث أجرت الطالبات عمليات إحصائية لإحصاء انتشار المرض، ونسبة الشفاء منه … إلخ.\n\n• البحث النوعي:\n<span data-type='title' id=toc-39>البحث النوعي </span>هو ذلك النوع من البحوث التي يعتمد منهج البحث فيه على جمع المعلومات المعتمدة على المعاني والمفاهيم والتعريفات، وكل ما يتبع ذلك من بيان الخصائص والمصطلحات ووصف الأشياء. ويستعمل الباحث عادة فيه مجموعة من المناهج التابعة للمنهج النوعي كالوصف والمسح التاريخي والاستردادي واستقراء المعلومات أو الاستنباط … وغيرها من المناهج المعينة على الوصول إلى مشكلة البحث وحلها، وتحقيق الهدف المطلوب الوصول له.\nويمكن تحديد البحث النوعي في مجموعة من المزايا:\n(١) أنه عملية تفاعلية بين الباحث وطبيعة المشكلة أو البحث، كما أن الطريقة فيه تختلف باختلاف الموضوع، ولا توجد طريقة واحدة صالحة لدراسة جميع الموضوعات النوعية، كما سيأتي بيانه.\n(٢) المنهج النوعي هو الذي يتعلَّق بالأبحاث التي تعتمد على البيانات النوعية، ويُسمَّى كذلك المنهج الكيفي، والمنهج الوصفي، ويظهر ذلك في شكل مُشاهدات، وآراء مكتوبة، أو مسموعة، أو تعليقات، وتتطلَّب تلك النوعية من مناهج البحث العلمي أن يتوافر لدى الباحث القُدرة على الربط فيما بين جميع وجهات النظر؛ من أجل الخروج بالنتائج التي تساعد في الحصول على البيانات النوعية، كما يتعلق الأمر أيضًا بالتحليل، وبالدراسات الوصفية القائمة على الملاحظة الدقيقة، والمقالات المكتوبة.","vol":"1","page":58},{"text":"(٣) يُقدِّم الباحث في المنهج النوعي التفسير الشامل لموضوع أو مشكلة البحث العلمي، ولا يوجد مجال للنتائج الإحصائية أو الرقمية، بل إن النتائج تتمثَّل في الجُمل التوضيحية.\n(٤) يهتم المنهج النوعي بالتفاصيل الدقيقة والشروحات المُستفيضة في إيضاح مشكلة البحث وبيان وجهة النظر، ومن ثمَّ الوضوح والجلاء لكُلِّ معالم البحث.\n(٥) يقدم البحث النوعي كل ما هو جديد ولم يدرس من قبل، مما لا تتوافر عنه الكثير من المعلومات، لذا يأتي البحث النوعي بمعلومات حديثة وأصيلة، وقد تكون معلومات البحث في أصلها قديمة لكنها بطريقة عرض حديثة تناسب الفئة المقدم البحث لها. كما يُستخدَم في الحالات المطلوب التعمق فيها بغرض فحصها ودراستها دراسة وافية.\n(٦) يحكم على مصداقية البحث النوعي قناعة رأي القارئ في رأي الباحث، وليس من خلال العمليات الإحصائية والمعادلات المستخدمة في البحث الكمي.\n(٧) فهم المنهج النوعي يعتمد على رؤيته من خلال المحتوى الذي يبنى فيه مشكلة البحث، ويزداد الفهم بقدر التجربة والتطبيق، وبالتالي فالسياقات التي تكون موضوع البحث ليست مفتعلة، بل هي في سياقها الطبيعي، لذا على الباحث أن يغوص في أعماقها حتى يفهمها بصفةٍ كلية.\n(٨) المنهجان النوعي والكمي ليسا متعارضين أو متضادين، فيمكن استخدامهما معًا في نفس البحث، فيستخدم جانبٌ البحثَ النوعي، وجانب آخر يكمله المنهج الكمي، وبذا يحصل الباحث على مميزات المنهجين، من خلال خلط المنهجين وهو ما يسمى بالبحث المختلط.","vol":"1","page":59},{"text":"(٩) مجالات البحث النوعي: الدراسات الإسلامية، والعلوم الطبيّة، والنفسيّة، والاجتماعيّة، والإنسانية.\n(١٠) يستخدم في البحث النوعي الجمل الإنشائية والوصفية التي تعبر عن فكرة معيّنة، وقد يلجأ إلى المصطلحات العلمية المعقدة في بعض الأحيان، التي لا يتوافر سواها للتعبير عن حالة معينة، لكنه لا يتوجه إلى الاختبار الإحصائي والأرقام في سرد النتائج وتعزيز الأفكار.\n(١١) تعدّ الخطة في البحث النوعي قابلة للتغيير، فلا يتقيد الباحث بها أثناء سيره في بحثه؛ لزخم المعلومات، فكلّ يوم يمكن أن يحْصل الباحث على معلومات جديدة، وأفكار مختلفة عن الخطّة التي وضعها مبدئيًّا.\n(١٢) تظهر شخصية الباحث في البحث النوعي بشكل جلي، ويضع رأيه في أغلب الأفكار والمعلومات، لذا فإن قدرة الباحث على إقناع القارئ تحدد بشكل كبير الحكم على البحث بأنه جيد أو سيّئ، من خلال أسلوب الباحث في سرد المعلومات والآراء.\n(١٣) تحليل المعلومات في البحث النوعي يأخذ وقتًا طويلًا، ويحتاج لدقة ومهارة من الباحث، لذلك فإنّ البحث النوعي قد يمتدّ لعدّة سنوات لإنجازه.\n(١٤) البحث النوعي قد يستعين بطرق مختلفة ومهارات بحثية متنوعة كالوصف، والاستنباط، والاستقراء، والاستنتاج، والاسترداد، وأخيرًا المنهج التاريخي، وبعض الأبحاث تحتاج إلى المنهج الفلسفي لإثبات فكرة البحث. وقد يأخذ البحث أكثر من طريقة للوصول للمطلوب، لذا يطلب من الباحث بيان الطريقة المتبعة في بحثه في خطة البحث وفي المقدمة بالتفصيل.","vol":"1","page":60},{"text":"ومن الطرق والمناهج التي تصب في المنهج النوعي:\n\n(١)<span data-type='title' id=toc-40> المنهج الوصفي:</span>\nوهو أسلوب لوصف الموضوع المراد دراسته، عن طريق منهجية علمية صحيحة، للتوصل إلى نتائج تفسيرية بطريقة موضوعية، تنسجم مع المعطيات الصحيحة للبحث، ويقوم المنهج الوصفي على جمع الحقائق والمعلومات، ومقارنتها، وتحليلها، وتفسيرها للوصول إلى تعميمات مقبولة. أو هو دراسة، وتحليل، وتفسير معلومات البحث من خلال تحديد خصائصه، وأبعاده، ووصف العلاقات بين موضوعاته، بهدف الوصول إلى وصف علمي متكامل له (^١).\nوهذا المنهج تشترك فيه جميع الأبحاث في الدراسة الموضوعية؛ لأن الباحث لا يتم بحثه إلا بدراسة الأحاديث المستدل بها أثناء الدراسة بالتخريج والإلمام بشرح الحديث، ودراسة رأي أهل العلم في الحديث من فقه ومعاني لغوية؛ للوصول إلى النظرية المنبثقة من الحديث. وكذلك هو دراسة وافية، ووصف يتضمن تفسيرًا لموضوع البحث المراد عرضه على السنة بدقة وبطريقة علمية يتضح فيها الموضوع بكل أبعاده حتى يمكن تطبيق السنّة عليه.\nكل ما سبق يقدم في قالب وصفي تتضح فيه الفكرة بصورة مختصرة يظهر فيها جانب السنّة بوضوح.\nومن أمثلة ذلك وصف القلب في الإسلام؛ في بحث العبادة القلبية، حيث تم جمع الأحاديث التي ذكر فيها القلب، وجمع كل المعلومات المتعلقة بهذه\n_________\n(^١) انظر: ماثيو جدير، منهجية البحث، ترجمة: ملكة أبيض، تنسيق د/ محمد السيد غانم، ص ١٠٠، رابط الكتاب (http:// kenanaonline.com/ files/ ٠٠٨٨/ ٨٨٠٢٧).  وانظر: رجاء وحيد دويدري، البحث العلمي أساسياته النظرية وممارسته العملية، ص ١٨٣، بتصرف.","vol":"1","page":61},{"text":"الأحاديث؛ عن طريق دراسة وافية لشرح هذه الأحاديث بعد تخريجها وانتقاء المقبول منها، ثم تصنيف ما توصل له من الحقائق والمعلومات الطبية، ومقارنتها، وتحليلها، وتفسيرها للوصول إلى تعميمات مقبولة مقنعة عمادها الحديث المقبول، ثم عرضها على فروع الشريعة كالعقيدة والفقه وغيرهما، إلى أن يكتمل العمل في وصف علمي متكامل (^١).\n\n(٢)<span data-type='title' id=toc-41> المنهج الاستنباطي:</span>\nهو استدلال من العام إلى الخاص، أو من الكل إلى الجزء، ويبدأ من النظريات أو المسلمات، ويستنبط منه ما يصدق على الكل، وما ينطبق على الجزء المبحوث، ويصدق على الجزء، ويمر بثلاث خطوات؛ المقدمة المنطقية الكبرى، والمقدمة المنطقية الصغرى، والنتيجة.\nوالمنهج الاستنباطي منهج يربط بين العقل، والمقدمة، والموضوع وعلله، والنتائج، على أساس التأمل والمنطق.\nوهذا المنهج أيضًا تشترك فيه جميع الأبحاث في الدراسة الموضوعية؛ لأن قوام الدراسة الموضوعية قائم على استنباط النظريات التي يحويها الحديث، ثم دراستها وتطبيقها فيما يقف الباحث عليه من نظرية منبثقة من الحديث الذي يريد البحث فيه؛ لإثبات نظرية \"ما\".\nفالحديث أو الأحاديث التي يستنبط منها موضوع الدراسة هي المقدمة الكبرى، وموضوع الدراسة المستنبط من الحديث أو المشكلة التي يناقشها البحث من خلال الحديث أو مجموعة من الأحاديث، وما يفترض من أن هذا الحديث أو الأحاديث هي الحل أو البيان لها هي المقدمة الصغرى، وأخيرًا تأتي النتيجة التي\n_________\n(^١) انظر بحث العبادة القلبية المدرج في نهاية الكتاب.","vol":"1","page":62},{"text":"يصل لها الباحث من عملية الربط بين الحديث والمشكلة، والتي يقدم الباحث من خلالها حلًا للمشكلة وهي ثمرة البحث.\nالمنهج الاستنباطي يعد من الطرق المهمة التي لا بد منها في البحث الموضوعي، ولا يتم البحث إلا بها.\nإن التأمل في الحديث عامة والأحاديث الجوامع القائم على الاستقراء، وعمل مسح موسع للدراسات حول الحديث، وجمع أقوال العلماء حول الحديث؛ من شأنه الخروج بكنوز من الحلول لكثير مما يحتاجه المسلم في حياته من خلال البحث الموضوعي.\nمثال ذلك بحث خطوات النجاح من خلال حديث «لا تزول قدما امرئ حتى يسأل عن أربع ....»\nحديث «لا تزول قدما امرئ حتى يسأل عن أربع ....» هو المقدمة الكبرى، استنبط منه الأمور الأربعة وهي: العمر، أي الوقت، والعلم، ومن خلاله ما هو مطلوب من تطوير الذات وتنمية العقل، وتعلم كل ما يحقق الإيمان، ويسهل أمور الحياة، والمال، وطرق اكتسابه وصرفه وفق ما أمر به الدين، وأخيرًا الجسم، وطرق العناية به. هذه العملية هي المقدمة الصغرى لتكون النتيجة وهي أثر هذه الأمور على الإنسان ليحيا حياة سعيدة في الدنيا ويفوز بالجنة في الآخرة. وإثبات ذلك بدراسة كل من الوقت والعلم …، وذلك باستخدام طرق أخرى كالاستقراء والاستنتاج وغيرها.\nفالمقدمة الكبرى وهي محور المنهج الاستقرائي تنطلق من مشكلة يناقشها البحث، وفي الحديث الموضوعي تقوم الفكرة عادة أو تنطلق من حديث أو نص شرعي وهو المقدمة الكبرى؛ لينطلق الباحث مع الأحاديث يستنبط ما يوضح،","vol":"1","page":63},{"text":"ويحل ويفسر ما أُبهم في المقدمة الكبرى، فيقف من خلال البحث على حقائق مذهلة، ويلفت نظر القارئ لكثير ممن خفي فتكون النتيجة إيضاح وتفسير وترتيب للمعلومات، وتقديم الحل المناسب للمشكلة بطريقة عملية.\n\n(٣)<span data-type='title' id=toc-42> المنهج الاستقرائي:</span>\nهو عبارةٌ عن عمليةٍ دقيقةٍ تهدفُ إلى جمع البيانات، وملاحظة الظواهر المرتبطة بها من أجل الربط بينها بمجموعةٍ من العلاقات الكلية العامة، وأيضًا يُعرفُ المنهج الاستقرائي بأنه الأسلوبُ البحثيُّ الذي يستخدمهُ الباحث في تعميم دراسته الخاصة على الدراسة العامة المرتبطة بالموضوع الذي يبحثُ فيه، أي يربطُ بين الدّراسةِ التي عمل على تنفيذها بصفتها جُزءًا من كُل، مثل: الربط بين فرعٍ من الفروع الطبية مع علم الطب العام. ويعتمدُ المنهج الاستقرائي على استخدامِ مجموعة من الاستنتاجات القائمة على الملاحظات، والتقديرات، والتجارب.\nويهدف المنهج الاستقرائي إلى جمع البيانات والعلاقات المترابطة بطريقة دقيقة من أجل الربط بينها بمجموعة من العلاقات الكلية العامة.\nوفي الحديث الموضوعي: يقوم الباحث بتعميم الحديث وما يحويه من توجيه فقهي أو طبي أو تربوي أو ما يمس الاقتصاد … إلخ؛ على موضوع الدراسة.\nأو العكس حيث يقوم الباحث باستقراء الحلول والتوجيه الوارد في السنّة لحل مشكلة البحث بمجموعها للخروج بنتيجة شاملة وافية يُهتدى بها.\nومن خلال المنهج الاستقرائي يقوم الباحث بتعميم الدراسة الخاصة التي قام بها على الدراسة العامة المتعلقة بالموضوع حيث يقوم بتعميم التوجيه الذي استنبطه من الحديث أو مجموعة من الأحاديث على موضوع البحث أيًّا كان موضوعه وفي أي مجال من مجالات الحياة.","vol":"1","page":64},{"text":"ويتميز هذا المنهج بانتقال الباحث فيه من الجزء نحو الكل، أو من الخاص إلى العام، فيقوم الباحث في بداية الأمر بتعميم النتائج بعد أن يتأكد من صحتها على الكل.\nفالباحث في الحديث الموضوعي ينقل التوجيه النبوي الذي وقف عليه وأثبته بتطبيقه على الواقع الملموس؛ إلى العموم. ويعمل على وضع هذا التوجيه قيد الاستعمال، والاستفادة من الحديث على أعلى درجات استقصاء الفائدة، وأن تكون قيد التطبيق، ولا يقف العمل عند التنظير فقط.\nومثال ذلك علاج الجاثوم من خلال قراءة آية الكرسي وتطبيق حديث حديث أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-، قَالَ: «وَكَّلَنِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ فَأَتَانِي آتٍ فَجَعَلَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ فَأَخَذْتُهُ، فَقُلْتُ لأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَذَكَرَ الحَدِيثَ- إلى أن قال: فَقَالَ أي الشيطان: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الكُرْسِيِّ، لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ، وَلَا يَقْرَبُكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ ذَاكَ شَيْطَانٌ» (^١).\nفقد تم تطبيق قراءة آية الكرسي على المرضى الذين يعانون من هذا المرض، وكان الربط بين الحديث والمرض أنه جاء في الحديث أن قراءة آية الكرسي شأنها الحفظ حتى يصبح. وتم إثبات ذلك بالتجربة.\n\n•<span data-type='title' id=toc-43> أنواع المنهج الاستقرائي:</span>\n(أ) المنهج الاستقرائي الكامل يُطلق عليه أيضًا مُسمّى الاستقراء اليقيني؛ وهو الاستقراء الذي يعتمدُ على الملاحظة بشكلٍ مباشر؛ إذ يهتمُ الباحث بقراءةِ كافة\n_________\n(^١) البخاري، صحيح البخاري، مع فتح الباري شرح صحيح البخاري، بتحقيق الشيخ ابن باز، نشر رئاسة الإفتاء بالرياض ١٣٧٩ هـ، كتاب الوكالة، ٤/ ٤٨٧.","vol":"1","page":65},{"text":"المعلومات حول جزئيّة البحث قبل إصدار القرار العام حولها. وهو الاستقراء الذي يعتمدُ على دراسةِ بعض الملاحظات المُرتبطة بالموضوع العام للدراسة، وتعدّ هذه الملاحظات ظاهرةً، أي يمكن الحصولُ عليها بسهولة، واستقراؤُها وتحديد طبيعتها بشكل مباشر.\n(ب) المنهج الاستقرائي الناقص، ويسمّى الاستقراء غير اليقيني (أو الظني).\nحيث الملاحظة فيه لا تكون بشكلٍ مباشر، والملاحظات لا تنطبق تمامًا فيه وإنما تكون قريبة منها، ويمكن قياسها عليها.\nومن أمثلة الاستقراء اليقيني في الدراسة الموضوعية عندما ينطبق الحديث تمامًا على موضوع مشكلة البحث في حكم الأغاني، حيث يكون الاستقراء اليقيني على الأغاني التي يصاحبها المعازف لأن الدليل فيها منطبق تماما. وتتعمق الدراسة على أثر هذا النوع من الأغاني على الإنسان والمجتمع، وهذا وارد في السنّة بشكل صريح لا يقبل الشك أو التردد.\nأما الأغاني التي لا يصاحبها معازف فهي من الاستقراء الناقص غير اليقيني، ولهذا كان الخلاف بين أهل العلم فيها، ولأهل العلم تفصيل في المسألة لعدم التطابق التام عليها، والله أعلم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-44> خطوات المنهج الاستقرائي:</span>\nيعتمدُ تطبيق المنهج الاستقرائي على ثلاث خطواتٍ رئيسية، وهي:\n(أ) الملحوظات، أي جمع المعلومات والبيانات، وتحلّيلها، وتصنّيفها، ثم تلخيصها للمساهمةِ في إدراكِ المنهج الاستقرائي المتبع في تطبيق الدراسة، وتقسمُ الملاحظات إلى نوعين؛ هما: الملاحظة المقصودة، التي هي الاهتمامُ بنصٍ، أو معلومةٍ مُعيّنةٍ يرى الباحثُ أنها تُسهِم في توفير بيانات دقيقة تساعدُ على إضافةِ","vol":"1","page":66},{"text":"وصفٍ مناسبٍ لمنهجِ البحث، كجمع الأحاديث التي تبين رأي الشرع فيما يريد بحثه. والملاحظة البسيطة التي يستنتجها الباحث دون التفكير بها، أو التي يحصلُ عليها فجأةً أثناء بحثه عن شيءٍ آخر، أو عند قراءته لموضوعٍ جزئي مرتبطٍ بالموضوع الكلي، وقد تعدّ نوعًا من أنواع الاكتشافات، كالوقوف أثناء البحث في الحديث على لفظ حديث مهم، فيه حل لمشكلة معينة، أو وصف لحدث \"ما\"، كأشراط الساعة، أو وصف لحال وصفات شعب، أو أهل دين، أو مذهب وكيف التعامل معهم وغيرها، وهذا يعرض كثيرًا للباحثين حتى إن الباحث قد يضطر لإضافة فصل أو مبحث لبيان ما يعرض له من الحديث.\nمثال ذلك: أيضًا في بحث خطوات النجاح؛ جمع الملاحظات على فئات المجتمع والشباب بشكل خاص للخروج بالأخطاء التي يقع فيها الشباب في عدم مراعاة الوقت والعلم والمال والجسم، وحصر هذه الأخطاء ثم وضع الفرضيات المتعلقة بهذه الأخطاء لحلها.\n(ب) الفرضيات، هي مجموعة الأفكار التي يفرضها ويتوقعها الباحث، للوصولِ إلى تفسيرٍ معينٍ للمنهج الاستقرائي، هذه الفرضيات قد يصدّقها ويطابقها الواقع، وقد يخالفها ويرفضها؛ لذا يحسن أن يضع الباحث عدة فرضيات يسعى لإثباتها لتقوية بحثه. وفي الحديث الموضوعي إثبات الفرضيات عن طريق السنّة لإثبات هذه الفرضيات ووضع حلول لها عن طريق النص الشرعي، ومنه تتم تجربة الحل أو عرضها للقارئ.\n(ج) التجارب، وهي عبارةٌ عن اختبارٍ يُجريه الباحث ضمن المنهج الاستقرائي؛ لتحديدِ مدى نجاح تطبيق المنهج في النطاق المخصص له، وقد تكون هذه التجربة علميّةً مرتبطةً بالتفاعلات الكيميائية، أو تعتمدُ على تطبيقاتِ الرياضيات المرتبطة بالأرقام والمعادلات الخاصة بها، أو عملية إحصائية لمعرفة نتائج التجربة،","vol":"1","page":67},{"text":"أو مكتوبةً مخصّصةً بالتعرّف على مدى نجاح النص في توصيل الأفكار الخاصة به.\nوالاستقراء من المراحل المهمة بكل أشكاله في الدراسة الموضوعية، بل هذه المرحلة من صلب الدراسة الموضوعية، حيث لا بد للباحث من استقراء الأحاديث المرتبطة بالموضوع، للاستدلال بها على ما يريد بيانه من أفكار ومعلومات البحث المختلفة.\nومن المعلوم أن الباحث إذا تعمق في عملية البحث قد يخرج بأفكار تحويها الأحاديث، لم تكن في حسبانه عندما بدأ بحثه، وقد تكون مهمة جدًا.\nولذا تطالب الجامعات بالرجوع إلى عدد معين من الأحاديث مع خطة البحث؛ لأن هذا من شأنه أن يعُطي تصورًا أوسع لخطة البحث.\nالمنهج الاستقرائي: هو المنهج الذي يقابل المنهج الاستنباطي، حيث إن المنهج الاستقرائي يقوم بإنتاج تعليمات واسعة من مجموعة محددة من الملاحظات، بينما الأمر يكون على الضد في المنهج الاستنباطي.\nومن خلال المنهج الاستقرائي يقوم الباحث بتحويل العديد من الملاحظات إلى قواعد عامة، بينما في المنهج الاستنباطي يكون الأمر على الضد تمامًا حيث تتجزأ القاعدة الكلية إلى مجموعة من الملاحظات، واجتماع هذه الملاحظات مرة أخرى يؤدي إلى إعادة تشكيل القاعدة الكلية.\nوللمنهج الاستقرائي مكانة كبيرة لدى العلماء، ولدى المنهج العلمي، حيث إن العلماء يعتمدون عليه بشكل رئيسي من أجل أن يقوموا بتشكيل الفرضيات والنظريات، بينما يلجؤون إلى المنهج الاستنباطي من أجل أن يقوموا بتطبيق هذه النظريات والفرضيات، ويتأكدوا من صحتها، لكن على نظريات وحالات محددة فقط.","vol":"1","page":68},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-45> مثال الاستقراء:</span>\nيتضح ذلك بشكل واضح في بحث الجاثوم حيث تم استقراء ما يلي:\n• المشكلة في المجتمع، وتم تحديد الفئة العمرية التي تعاني منها والفئة التي ستتطبق عليها التجربة.\n• العلاج في السنّة من خلال مجموعة من الأحاديث مع التركيز على آية الكرسي لكون العلاج فيها بشكل مباشر.\n• التطبيق على المرضى مع المتابعة المباشرة وتقييد النتائج.\n• بناء النظرية اعتمادًا على ما سبق.\nوفي بحث خطوات النجاح؛ تم استقراء ما جاء في السنّة لكل من النقاط الأربعة التي تم استنباطها من الحديث (الوقت والعلم والمال والجسم) لكن من زاوية الأخطاء التي يقع فيها الشباب، والملموسة في المجتمع بشكل واضح.\n\n•<span data-type='title' id=toc-46> الصعوبات التي تواجه الباحثين عند استخدام الاستقراء:</span>\nولقد تم توجيه العديد من الإشكاليات للمنهج الاستقرائي، وكانت هذه الإشكاليات منطقية فلسفية، ونذكر من أبرز هذه الإشكاليات ما يلي:\n(أ) كيف يقوم الباحث بتعميم نتيجة بحثه على كافة أفراد مجتمع الدراسة في حين أنه لم يقم بالدراسة إلا لجزء محدد.\n(ب) كيف يقوم الباحث بتعميم نتائج دراسته على الزمن المستقبل مع أنه قام ببحث جزء منها في الوقت الحالي أو في وقت سابق.\nإلا أنه في الدراسة الموضوعية تكاد تتلاشى هذه الإشكاليات؛ لأنها باختصار توجيه نبوي جاء به النبي -ﷺ-، وذلك التوجيه الصالح لكل زمان ومكان، كإثبات أن السنّة هي قائدة الطب الوقائي، هذا النوع من الطب الذي لم يظهر إلا حديثًا، فيقوم","vol":"1","page":69},{"text":"الباحث بتوجيه دراسات الطب الوقائي إلى السنة.\n\n(٤)<span data-type='title' id=toc-47> المنهج الاستنتاجي:</span>\nالاستنتاج هو النشاط العقلي الاستدلالي الذي يبحث عن سبل للتعرف على الأسباب التي تقف وراء حدوث الأشياء، ويسعى لإيجاد تفسيرات علمية ومنطقية واضحة ومقنعة وتحاكي العقل البشري لكافة الظواهر المحيطة به، ليستخلص من خلالها نظرية قابلة للتصديق وتقنع العقل الإنساني حول قضية ما، وتتوافق مع قواعد المنطق.\nويأتي هذا الاستنتاج من خلال دراسة جزيئيات هذه القضية للوصول إلى النتيجة النهائية التي تتمثل في القاعدة العامة أو المسبب الرئيسي للحدث.\nالاستنتاج كان منذ القدم عمدة تقوم عليه العلوم الرياضية، كالهندسة والفلك والجبر والمثلثات وغيرها … ولكنه انتقل في العصور الحديثة وأخذ يغزو العلوم الطبيعية. بل لم يقف عند هذا الحد، بل تعداه إلى مجالات العلوم الحيوية والإنسانية، حينما تبنت هذه العلوم الدراسة الإحصائية منهجًا لها، وانتهت إلى التعبير عن حقائقها بعلاقات عددية.\nوفي الدراسات في الحديث الموضوعي يشكل الاستنتاج منهجًا قويّا تعتمد عليه كثير من الأبحاث؛ ذلك لأن الباحث يخرج في بحثه بنظرية قائمة في إثباتها على السنة كالأبحاث الطبية والنفسية والتربوية … وقد تمتد إلى أكثر الأبحاث.\n\n•<span data-type='title' id=toc-48> أنواع من الاستنتاج:</span>\nاستنتاج قياسي: يقوم على قياس الحديث وما فيه من وصف على موضوع بحثه ليخرج بنظرية قابلة للتنفيذ، والأخذ بالهدي النبوي فيها من خلال حديث أو أكثر؛ كالعلاج بأبوال الإبل وألبانها، والقيام باستنتاج هذا الدواء وإثباته.","vol":"1","page":70},{"text":"استنتاج استقرائي: حيث يقوم الباحث باستقراء السنة للخروج بنتيجة ويثبتها لتكون حلا لمشكلة البحث، مثل الأبحاث التي موضوعها تربوي ونفسي كعلاج الغضب والخلافات الأسرية … حيث يقوم الباحث بجمع الأحاديث التي وجه النبي -ﷺ- صحابته -﵃- فيها لعلاج الغضب، ودراستها وترتيبها حتى يسهل على القارئ التطبيق.\nاستنتاج استنباطي: وهي عملية لا بد منها عن طريق استنباط مشكلة البحث من السنة.\nومن المعلوم أنه من الممكن أن يستعمل الباحث في طريقه للاستنتاج الطرق الثلاثة؛ الاستنباط والاستقراء والقياس، أو بعض منها.\n\n(٥)<span data-type='title' id=toc-49> المنهج التاريخي والمنهج الاستردادي:</span>\nهو المنهج الذي يصف ويسجل الأحداث التي وقعت في الزمن الماضي، ويقوم بدراستها وتحليلها وفق مجموعة من الأسس المنهجية، وذلك من أجل فهم الواقع بناء على ضوء الماضي.\nفالأحداث التي حدثت في الزمن الماضي سوف تتكرر بطريقة مشابهة في عصرنا الحالي مع اختلاف الأدوات، وبالتالي فإن الماضي يعطينا صورة عن الأمور التي من الممكن أن تحدث في عصرنا الحالي أو في المستقبل.\nوللمنهج التاريخي أهمية كبيرة في البحث العلمي عامة وفي الحديث الموضوعي بشكل أكبر ويمكن تلخيص أهميته في نقاط منها:\n• السنن الكونية التي يسيِّر الله الكون عليها فهي لا تتغير ولا تتبدل من زمن إلى زمن، وعلى هذا يمكن للباحث أن يقوم بإسقاط الحوادث التي تحصل في الحاضر على الماضي، ومن خلالها وعليها سيكون قادرًا على استشراف المستقبل، وتوقع","vol":"1","page":71},{"text":"عدد من الأمور التي من الممكن أن تحدث، وفي القرآن والسنة إشارة لكثير منها.\n• يساهم المنهج التاريخي بالتأكيد على أهمية عدد ما من التفاعلات والقيم والأخلاق، بل سلوك البشر كعرق وديانة ومذهب. والتي ذكرتها النصوص، والتاريخ يثبتها، ومدى تأثيرها على الأحداث التاريخية، ومجرى التاريخ كالخيانة والنفاق والسلوك مثل التعامل مع الروافض واليهود والنصارى، وغيرهم.\nإن إهمال وتجاهل الدراسات التاريخية وتاريخ الأمم والحضارات وربطها بالدراسات الشرعية والسنن الكونية التي وضعها الله في الكون وبينتها النصوص الشرعية؛ يعد من الأسباب الأولى في الفوضى الكبرى، التي تغلب على أفراد الأمة في مجابهتهم للحياة ومصاعبها، وفي سعيهم لاستئناف الحياة الراشدة، ومحاولة العودة إلى ريادة الأمم، حيث تعاظم الارتجال وغاب التخطيط المبني على الشرع، وسادت عقلية تجاهل السنن الربانية، التي وضعها الله في الكون، حتى صار من المألوف مشاهدة الساعي لرفعة الأمة، يحاول العمل على ذلك دون وعي يبصِّره المعالم الهادية في خط سيره، ودون استرشاد يسدد خططه، وقد تراكم هذا الأمر عبر العقود الماضية، حتى صار الأصل الثابت في واقعنا.\nومما يجب التنبيه عليه أن الغاية القصوى لبناء الأمة تبدأ من بناء الإنسان، الذي يعد الأساس لأي أمة تريد البقاء والاستمرار والسيادة، وهو أمر جلل، وللأسف لم يلق الاهتمام المطلوب حيث إن كثيرًا من الدراسات الشرعية حول هذا الموضوع كتبت بشكل جيد، لكن لم تضع الحلول العملية للتنفيذ؛ لأجل هذا كله كان على المفكرين والمنظرين لإعادة مسيرة الأمة إلى مركز القيادة الحضارية للعالم مراعاة بعض الأمور:\nأولًا: التنبيه المستمر على خطورة إضاعة الجهود في خطط غير مدروسة، لا تراعي قوانين التاريخ، ولا تهتم بعوامل بناء وفناء الحضارات، وأسباب النهوض.","vol":"1","page":72},{"text":"ثانيًا: الإصرار على إيجاد العقل المسلم المنهجي في نظراته للأزمات المختلفة، والمنهجي في التعاطي مع رسم الحلول، والمنهجي في وقوفه مع فواعل النهضة، ذلك العقل المبني على الرؤية المؤسسة المتبصرة والبعيدة عن العشوائية.\nويمكن ضرب بعض الأمثلة التي تعد الدراسات التاريخية مع النصوص الشرعية وللأسف تعد سببًا في انحطاط الأمم:\n• التعاملُ بالربا وأثره على الاقتصاد؛ فالربا من كبائر الذنوب، وعقوبته عند الله محق ونزع البركة وفناء المال، وهو مال حرام ينبت السحت والعياذ بالله. والأدلة على ذلك كثيرة منها قوله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦]. ومعنى المحق الهلاك والاستئصال، وقيل: ذهاب البركة والاستمتاع، حتى لا ينتفع هو به ولا ولده بعده. ومن الأدلة على تأثير الربا الحديث الذي رواه ابن ماجه وصححه الألباني من حديث ابن مسعود «مَا أَحَدٌ أَكْثَرَ مِنَ الرِّبَا، إِلَّا كَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهِ إِلَى قِلَّةٍ» (^١) وفي رواية «الرِّبَا وَإِنْ كَثُرَ، فَإِنَّ عَاقِبَتَهُ تَصِيرُ إِلَى قُلٍّ». وقد اختصر الإمام السرخسي آفات الربا على الفرد بقوله: [وقد ذكر الله تعالى لآكل الربا خمسًا من العقوبات: أحدها: التخبطُ، قال الله تعالى: ﴿لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥] والثاني: المحقُ، قال الله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٦] والمراد: الهلاك والاستئصال، وقيل: ذهاب البركة والاستمتاع، حتى لا ينتفع هو به ولا ولده بعده. والثالث: الحربُ، قال الله تعالى: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩] والرابع: الكفرُ، قال الله تعالى: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨] وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ [البقرة: ٢٧٦] أي: كفَّارٌ باستحلال الربا أثيمٌ فاجرٌ بأكل الربا، والخامس: الخلود في النار، قال الله تعالى:\n_________\n(^١) ابن ماجه (٢/ ٧٦٥/ ح ٢٢٧٩).","vol":"1","page":73},{"text":"﴿وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] (^١).\nولا شك أن عاقبة المرابين تؤول إلى المحق والخسارة، وهذا واقعٌ مشاهدٌ ومتكررٌ مع المرابين، كما أن الربا من السنن الكونية التي يمكن الوقوف عليها بالدراسات التاريخية.\nومن الأبحاث الجديرة بالتتبع التاريخي لإثباتها ظهورُ الأمراضِ والابتلاءاتِ في الأُمَمِ، وهو نَوعٌ من العُقوبَةِ التي يَضرِبُ اللهُ -﷿- بها الناسَ إذا كَثُرَ فيهم الفسادُ والمعاصي التي تنتهي إلى انتشار الزنا. وأثره على صحة المجتمع، وقد بينتها السنة؛ ومنها الحديث «يا مَعْشَرَ المهاجرينَ! خِصالٌ خَمْسٌ إذا ابتُلِيتُمْ بهِنَّ، وأعوذُ باللهِ أن تُدْرِكُوهُنَّ: لم تَظْهَرِ الفاحشةُ في قومٍ قَطُّ؛ حتى يُعْلِنُوا بها؛ إلا فَشَا فيهِمُ الطاعونُ والأوجاعُ التي لم تَكُنْ مَضَتْ في أسلافِهِم الذين مَضَوْا …» (^٢) وغيرها من السنن الكونية التي بينتها السنة بشكل واضح.\n\n•<span data-type='title' id=toc-50> خطوات إجراء المنهج التاريخي:</span>\n• توضيح مشكلة البحث وأبعادها، وصياغتها بطريقة جيدة، على أن تعبر المشكلة عن علاقة بين متحولين أو أكثر، وتحديد البعد الزماني والمكاني لها.\n• جمع المادة التاريخية وهنا يجب على الباحث العودة إلى الكتب التاريخية التي تناولت مشكلة بحثه، وعليه البحث في المصادر والمراجع بشكل دقيق لجمع المعلومات المطلوبة حول بحثه. فيقوم الباحث بالرجوع إلى المصادر الأولية من أجل جمع المعلومات منها، كما يلجأ إلى المصادر الثانوية أيضًا التي ستمده بمجموعة من المعلومات حول الحادثة التي يبحث عنها.\n_________\n(^١) المبسوط ١٢/ ١٠٩ - ١١٠.\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٤٠١٩)، والطبراني في «المعجم الأوسط» (٤٦٧١)، والحاكم (٨٦٢٣) باختلاف يسير.","vol":"1","page":74},{"text":"• تدوين النتائج التي يصل إليها الباحث من بحثه، وفي هذه المرحلة يجب على الباحث عرض النتائج التي توصل إليها من خلال بحثه، ومن ثم يقوم بمناقشتها وتفسيرها.\nومثال ذلك:\nالوقت في بحث خطوات النجاح حيث تم تحديد المشكلة التي يقع فيها الشباب وهي فهم الساعة البيولوجية داخل الجسم، وعلاقتها بالساعة الكونية المرتبطة بالكون وتعاقب الليل والنهار.\nجمع النصوص الشرعية في ذلك وهي أن الليل وقت للراحة والنهار وقت للعمل ووقت القيلولة للراحة في النهار. وتتبع النصوص من القرآن والسنة وعمل السلف وطريقتهم في تربية أبنائهم على مراعاة هذه الساعة.\nمحاولة الربط بين المشكلة ووضع الحل من السنة، وعرض ذلك بأسلوب خفيف، عبارة عن رسائل قصيرة لنصل إلى الإقناع دون ملل.\n\n•<span data-type='title' id=toc-51> مميزات وعيوب المنهج التاريخي:</span>\nشأنه شأن أي منهج في البحث الع فإن له مجموعة من المميزات كما له مجموعة من العيوب، ومن خلال ما يلي سوف نتعرف على مميزات وعيوب المنهج التاريخي.\nوالمنهج التاريخي مهم في الأبحاث العلمية حيث إنه الأسلوب العلمي في نقده للمصادر والمراجع التي يستخدمها باعتماده على المصادر الأولية والثانوية والتي تشكل عنصر قوة في حال نقدها داخليًّا وخارجيًّا بشكل صحيح. والمطلوب من الباحث عدم استخدام أي نص إلا إذا فحص وتأكد من ثبوته وصحة مطابقته على المشكلة في الحديث النبوي أو من دونه.","vol":"1","page":75},{"text":"من أبرز عيوب المنهج التاريخي أنه لا يقدم صورة كاملة للظاهرة المراد دراستها، بالإضافة إلى احتمال تعرض المصادر التاريخية للتزوير والضياع، وعدم القدرة على إخضاع البيانات التاريخية للتجريب.\nومن صعوبات المنهج التاريخي عدم القدرة على تطبيق الأسلوب العلمي في الظاهرة التي يقوم الباحث بدراستها.\nومن خلال ما سبق نجد أن للمنهج التاريخي دورًا كبيرًا في الكشف عن الحوادث التاريخية والتأكد من صحتها، وبالتالي إمكانية إسقاط هذه الحوادث على أحداث الزمن الحاضر الذي نعيش ونحيا فيه.\n\n• المنهج الاستردادي:\n<span data-type='title' id=toc-52>المنهج الاستردادي </span>هو جزء من المنهج التاريخي العام، ويقصد به القيام بوظيفة معرفية أساسية، حيث يسترجع الباحث الأحداث التاريخية بطريقة علمية للكشف عن دقيقها وجليلها بغية التأكد من صحتها وفهم ملابساتها وفقه دلالاتها.\nواستعمالنا لمصطلح \"جزء\" في بداية التعريف للتوضيح على أن البحث الاستردادي ليس هو تمامًا معنى المنهج التاريخي كما هو متعارف عليه عند أهل الاختصاص، وإنما يمكن اعتباره مدخلا إلى المنهج التاريخي. وبهذا فإن مهمته تقتصر على الوصف العلمي الصرف لما جرت عليه الأحداث التاريخية، ومحاولة فهم حقيقة الأحداث التاريخية كما هي في زمانها ومكانها، سواء تعلق الأمر بالأشخاص أو الأفكار أو الحركات أو المدارس أو غير ذلك.\nأما ما يصاحب هذه العملية العلمية من تحليل وتفسير ونقد وتركيب فهذه وظيفة منهجية لاحقة تحتاج إلى مستوى معرفي آخر قادر على سبر أغوار المادة","vol":"1","page":76},{"text":"التاريخية رصدًا وتقويمًا وتعليلا. ولا يمكن لهذه العملية أن تقوم إلا بعد الانتهاء تمامًا من الوظيفة الاستردادية التي تعتبر لبنة الأساس، وغير هذا يعد ضربًا من التيه المعرفي، وهو ما أصاب مع الأسف كثيرًا من أحداث تاريخ أمتنا من الاختلاط وعدم وضوح الرؤية .. !\nولعل أحسن من عبر عن هذا التصور المنهجي الأستاذ رشدي فكار الذي قسم المنهج التاريخي إلى قسمين:\nأولا: \"المنهج التاريخي كطريقة بحث\" وهو الذي يعنى بالتأريخ للعلوم جميعها عبر التساؤلات الثلاثة: كيف نشأ؟ وكيف تطور؟ ثم كيف آل؟.\nثانيا: \"المنهج التاريخي كقدرة شرح\"، وهذا يخص الدراسات التاريخية، وقد ميز فيه بين ثلاثة مستويات:\n(أ) منهج المؤرخ: الذي يعتمد على كيفية الاحتفاظ بالتسلسل والاسترسال للأفعال والأفكار عبر التاريخ، فهو منهج رصدي.\n(ب) منهج عالم التاريخ: الذي يهدف إلى تصحيح التاريخ وغربلته مما علق به من غمط المؤرخين وتذوقاتهم وانتماءاتهم.\n(ج) فلسفة التاريخ: التي تعنى بتعليل الواقع والأحداث الصحيحة.\nوبصيغة الأستاذ رشدي فكار يمكن أن نقول إن البحث الاستردادي في حقل العلوم الإسلامية هو طريقة بحث تأريخية لما جاد به الفكر الإسلامي عبر الزمن، وهي وظيفة علمية في غاية الصعوبة، لأنها محاولة جادة لاستعادة حقيقة ما جرى من أحداث تاريخية.","vol":"1","page":77},{"text":"مكانة المنهج التاريخي والاستردادي في الأبحاث الشرعية عامة وفي الحديث الموضوعي خاصة:\nالمنهج التاريخي والاستردادي لا بد منهما في الدراسات الشرعية والحديث الموضوعي خاصة وذلك لما يلي:\n• التوثيق:\nفمصادر الأبحاث القرآن والسنة وما يتعلق من أقوال السلف من الصحابة والتابعين وعلماء الأمة، وكل هذه المصادر ما عدا القرآن تحتاج للمسح التاريخي لإثبات صحة الأقوال لأصحابها عن طريق التخريج بمعناه الواسع للخروج بمعلومات دقيقة صحيحة، وكما هو معلوم أنها تشكل القاعدة التي يبني الباحث عليها بحثه.\n• موضوع البحث:\nتعتمد كثير من الأبحاث في العلوم الشرعية، وفي الحديث الموضوعي خاصة؛ على المسح التاريخي، والبحث الاستردادي، للوقوف على تاريخ مفصل لموضوع البحث، والأمثلة على ذلك كثيرة؛ منها:\nفي الفقه قد يتغير الإفتاء في كثير من المسائل الفقهية تبعًا للحاجة بما يكون في محيط الشرع وتستوعبه النصوص، كرخص الحج وهي كثيرة وخرجت كتب للتفصيل في مسائل الحج، منها رسالة دكتوراه بعنوان (حلول الزحام في المناسك - دراسة فقهية لحلول نظرية وإدارية وفنية وسلوكية) من إعداد د/ خالد السياري.\nوفي العقيدة حيث يكون موضوع البحث أساسًا دراسة تاريخية شرعية، ومنها بحث بعنوان (عوامل التحول الزيدي في اليمن دراسة تحليلية) للدكتور عبد الحميد","vol":"1","page":78},{"text":"أحمد. وكذلك كتاب بعنوان (ظاهرة التحول العقدي عند زيدية اليمن - الأسباب، المظاهر، الآثار) لوليد أحمد قاسم راجح. وتعتمد في البحثين على المنهج التاريخي والاستردادي بكل أبعاده.\nوفي دراسة المصطلحات؛ في الحديث وعلومه أو الفقه وأصوله يحتاج الباحث للمنهج التاريخي، والمنهج الاستردادي، للوقوف على نشأة المصطلح وتطوره وكيف طبقه العلماء … كعلم الإسناد والحديث الحسن والشذوذ ..، وغيرها من المصطلحات في الحديث وعلومه.\nوالهدف العام من استعمال هذا المنهج هو رسم حقائق التراث كما كانت، خاصة في العلوم الشرعية، من أجل فهمها فهمًا سليمًا -أي كما وضعها أصحابها- \"سكونيًّا\" و\"تطوريًّا\". فالتأريخ للعلوم الشرعية -متى أمكن ذلك عمليًّا- خطوة ضرورية؛ لأن بها نفهم ذاتنا ونحفظها حقًّا، وبها نبني حاضرنا ونؤسس مستقبلنا.\n\n(٦)<span data-type='title' id=toc-53> المنهج التجريبي:</span>\nأسلوب يثبت المتغيرات المؤثرة في مشكلة البحث كافةً عن طريق التجربة، ويسمح هذا المنهج بالمشاهدة العلمية للظواهر التي تمكّن الباحث من جمع المعلومات لفهمها والتنبؤ بها.\n\n<span data-type='title' id=toc-54>خطوات المنهج التجريبي:</span>\nصياغة المشكلة، ثم تحديد أبعادها، ثم صياغة الفروض، وتحديد أدوات القياس، وإجراء الاختبارات الأولية، وتحديد مكان التجربة وموعدها، والتأكد من دقة النتائج عن طريق اختبار الدلالة لمدى الثقة، وإعداد التصميم التجريبي، وأخيرًا تحديد العوامل المستقلة التي ستخضع للتجربة. هذا المنهج مطلوب في الأبحاث الموضوعية المتعلقة بالطب، والطب النفسي حيث تقوم التجربة على الدواء النبوي لمرض \"ما\"، وإثبات نجاح الطب النبوي عن طريق عرض نتائج تلك","vol":"1","page":79},{"text":"التجارب، كما هو ظاهر من خلال بحث الطالبات عن \"مرض الجاثوم\" على النحو الذي سبق بيانه.\nوكذلك بعض الأبحاث التربوية والأبحاث المتعلقة بالكيمياء والفيزياء لإثبات الإعجاز النبوي عن طريق التجربة، ومن أمثلة ذلك الأبحاث على ماء زمزم والتمر والحبة السوداء وألبان الإبل وأبوالها والتلبينة والعصفر والرقية بكل أنواعها، وغيرها.\n\n(٧)<span data-type='title' id=toc-55> المنهج الفلسفي:</span>\nمنهج يستخدم التحليل التأملي العقلي، عن طريق استخدام طريقة التحليل والشك في كل موضوع، حتى يثبت صدقه.\nومجال هذا المنهج العقيدة، والمذاهب المعاصرة؛ للرد على من يخالف الدين من المنتسبين للإسلام، أو من أهل الكتاب أو الملحدين … إلخ.\nومن الطبيعي أن يجمع الباحث في البحث الموضوعي أكثر من منهج من هذه المناهج حسب ما يحتاجه البحث، لكن على الباحث دراسة هذه المناهج قبل البحث؛ فإن ذلك سيساعده كثيرًا في اختيار المنهج والطرق الأفضل في الدراسة المزمع القيام بها، بل إن ذلك سيختصر عليه الوقت، ويضفي جودة لبحثه","vol":"1","page":80},{"text":"<span data-type='title' id=toc-56>الأسلوب والصياغة البحثية في الحديث الموضوعي</span>\nتعد صياغة البحث من أهم المراحل في البحث؛ لأن الباحث قد يضطر إلى أن يخاطب في بحثه غير المتخصص في العلوم الشرعية، بل إن بعض الأبحاث تخاطب عامة الناس، وبعضها لغير المسلمين، فهي أبحاث متخصصة في السنة، إلا أنها موجهة للمتخصص، وغير المتخصص.\nلأجل ذلك فعلى الباحث مراعاة الفئة الموجه لها البحث من حيث الأسلوب، فالبحث الطبي الموجه للأطباء للوقوف على سبق طبي، يختلف تمامًا في الطرح عن البحث التربوي الموجه للآباء والأمهات، غير البحث الذي يُقَدّم منتجًا اقتصاديًّا للاقتصاديين، من حيث الاختصار، وسهولة العبارة، ووضوحها، وخصائصها، فلكل مجال خطابه ولغته التي يفهمها، والكتابة أداة اتصال لغوية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بنقل الفكرة، وعرضها من الكاتب إلى القارئ، كما أنها تساعد القارئ على فهم فكرة الكاتب والباحث.\nوالباحث في الحديث الموضوعي يحمل في بحثه أمانة تبليغ السنة للناس كافة، فعليه مراعاة عرض الموضوع بطريقة التبليغ النشط، بكل ما تحمله الكلمة من معنى.\nمن المفترض في أسلوب الكتابة في البحث الموضوعي أن يجمع الباحث فيه بين الكتابة الإقناعية الحجاجية والأسلوب الإبداعي، وعلى الباحث أن يبتعد عن عرض الغريب في الطرح، الذي يكون فيه من الغموض ما لا يفهمه القارئ؛ فالغرض الإبداع في الطرح والإقناع، لا جمال اللغة، لكن لا يغيب عن الذهن أن جمال اللغة إذا استعين به في سياقه الصحيح، وبضوابطه السليمة؛ فإنه يصبح أداة إبداع وإقناع بذاته.","vol":"1","page":81},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-57> الكتابة الإقناعية (الحجاجية):</span>\nوهي تلك التي يركز من خلالها على القراء، والاهتمام بهم؛ لتغيير آرائهم، أو اتجاهاتهم حول موقفهم الحالي، إلى ما يحمله البحث من أراء عن طريق التعبير من خلال الأسلوب المقنع الذي يقدم الحجج بعبارة قوية مختصرة تحمل في ثناياها الأدلة بعبارة مختصرة واضحة، وفي مقدمتها الأحاديث التي هي صلب الحجة والدليل والبحث.\nالأسلوب الإقناعي يحتاج إلى عرض الفكرة بشكل مباشر، وعرض الأدلة المقنعة بأسلوب يجمع بين الاختصار والإبداع في العرض، حتى لا تضيع الفكرة بين السطور، وإنما تبرز بشكل مباشر، لتجد طريقها إلى الأفهام بسلاسة.\nإن الأسلوب الإقناعي في العلوم الشرعية، وفي الحديث الموضوعي يحتاج إلى تدريب، والاستفادة من خطاب العلماء في كتبهم، وطريقتهم في الإقناع، كالألباني وابن تيمية وابن القيم ﵏، وغيرهم.\n\n• الكتابة الإبداعية:\nهي عبارات منسقة، وصياغة فنية منتقاة بعناية، تنقل القارئ إلى عالم البحث، وتعمل على التفاعل مع أحاسيسه وانفعالاته، بألفاظ وعبارات منسّقة، وأسلوب ابتكاري يجذب القارئ للتفاعل مع الكاتب، بما فيه من تشويق بعيد عن التجني أو المبالغة، دون الشعور بالملل.\n<span data-type='title' id=toc-58>الكتابة الإبداعية </span>تعبر بشكل أساسي عن تجارب الكاتب الذاتية، وما يعتري تلك التجارب من انفعالات، وما ينتج عنها من أحاسيس، لذا فإن هذا النوع من التأليف لا يكون إلا ممن يملك باعًا طويلًا في دراسة العلم الشرعي والحديث بشكل خاص.","vol":"1","page":82},{"text":"الكتابة الإبداعية في الحديث الموضوعي تسعى إلى الغوص في فكرة الموضوع والأحاديث الدالة على هذه الفكرة، مع نَفَس الباحث، وأحاسيسه، ومشاعره اتجاه تلك الفكرة، ومحاولة سبر أغوارها، ومن ثم ترجمة كل تلك المشاعر، وما يدور بداخله عبر كتابة مجموعة من الفقرات المترابطة معًا، ومتسلسلة بشكل قوي، ويجب أن تتمحور تلك الفقرات حول صلب موضوع البحث، ومحاولة كشفها من جميع جوانبه بشمول وإقناع.\nوعملية الكتابة الإبداعية تقوم على الإبداع والابتكار، وتختلف طرق التعبير من شخص إلى آخر، ويعتمد القيام بذلك النوع من الكتابة على الموهبة الأدبية، وحب القراءة، والتدريب بشكل مستمر، حتى يتم إتقانها بشكل كبير.\nوالكتابة الإبداعية ليست بالأمر الهين على الإطلاق، فلكي تتم على وجهها الأكمل يجب أن تكون هناك أجواء خاصة للمساعدة على توليد الأفكار والإبداع في تناول المعطيات الأدبية، التي تساعد على بيان الفكرة بشكل مشوق ومقنع.\nكما تحتاج إلى المَلَكة اللغوية والنحوية، ومهارات أدبية، ومزيدًا من الخبرة، وعمقًا علميًّا في دراسة السنة واللغة معًا، وهذه الملكة غالبًا تُولد فطرةً، ثم تتطوّر وتنمو بالتدريب، وسعة الاطلاع.\nوأخيرًا فالبحث في الحديث الموضوعي هو عملية تجمع بين العلم الذي يجعل الباحث على قناعة تامة بقدرة الشرع المتمثل بالسنة على حل جميع مشكلات الإنسان، والقدرة العقلية في التخطيط للبحث حتى لا يغفل عن أي أمر تحمله السنة، وأن يكون لديه الأسلوب الإقناعي الإبداعي، الذي تبرز فيه شخصيته وأسلوبه، حتى إنك قد تتعرف على الكاتب من أسلوبه في الطرح قبل قراءة اسمه؛ لأنها إبداع، وليست تقليدًا، فأسلوب الألباني يختلف عن الشيخ أحمد شاكر، والحافظ ابن حجر يختلف عن بدر الدين العيني، وعن الذهبي فكلٌ منهم مبدع، وكلٌ له أسلوبه الإبداعي الإقناعي.","vol":"1","page":83},{"text":"<span data-type='title' id=toc-59>توجيه للباحث في الحديث الموضوعي</span>\nالباحث في العلم الشرعي بعامة، وفي الحديث الموضوعي بخاصة لا بد أن يتحلى بصفات وآداب تناسب وظيفته العلمية والشرعية؛ ذلك أنه يقدم شرع الله بما يفهمه أكبر شريحة من المجتمع، ويمكن ذكرها باختصار كما يلي:\n(١) إخلاص النية لله واحتساب الأجر في عمله، وعلى قدر النية يكون نجاح البحث وانتشاره والاستفادة منه. وأن يجعل بين عينيه أنه مُبَلّغ لسنة النبي -ﷺ- وليتذكر عظم الأجر في ذلك.\n(٢) كثرة القراءة في كتب السنة، وحضور مجالس الحديث، حتى تتكون له حصيلة علمية بكتب السنة، تساعد في نشوء مَلَكة تعينه في اختيار الموضوع، والبحث فيه.\n(٣) الإلمام بعلوم اللغة العربية، والمفردات اللغوية، ودلالاتها ومعانيها.\n(٤) العمل على تحقيق منهج الإسلام في طلب العلوم عامة، وعلوم غير المسلمين وفق الضوابط التالية:\n(أ) الإيمان بأن الإسلام هو أصح طريق وأفضل دليل يسير عليه الإنسان، في كل شؤون حياته، وفي تعامله مع كل الموجودات من حوله؛ لأنه وحي ومعين نقي صافٍ صحيح، من الخالق الذي هو سبحانه الأعلم بما هو نافع لنا، أما المخلوق فقليل العلم ويرد منه الخطأ والصواب.\n(ب) الإيمان بعالمية الإسلام، وبقدرته على مواكبة كل تطور، مع اختلاف الأجناس، والأزمان، والأماكن، ولهذا كان باقيًا إلى يوم القيامة.","vol":"1","page":84},{"text":"(ج) أوامر الشرع ونواهيه إنما أمرنا بها الشارع؛ لأنها لصالح الإنسان ولمساعدته ليحيا حياة طيبة، بشكل مفيد لنفسه ولمن حوله، وأن مخالفتها سيعرض حياته للخطر، وكذلك النواهي التي يجب عليه اجتنابها؛ فإن فِعْله لها سيعرض نفسه ومن حوله، حتى البيئة للخطر.\n(د) لا بأس من طلب علوم غير المسلمين بعد أسلمتها وتأصيلها، أي عرضها على تعاليم الإسلام، والأخذ بما يصح منها ونقد وتصحيح وإضافة ما يحتاج إلى ذلك، حتى لا تخالف الشرع، وليس صحيحًا أبدًا تركها دون عرضها على الشرع، فإن ذلك من شأنه العمل بها بدون ضابط شرعي.\n(هـ) ألا يأتي إلى النص الشرعي بمقرر سابق وفكرة مسبقة؛ لأن هذا سيفضي إلى عسف وليّ نصوص الشرع عن طريق التأويل أو التعطيل أو نحو ذلك؛ لتتوافق مع هذا المقرر، والصحيح أن يأتي إلى النصوص الشرعية بتجرّدٌ تام، مؤمنًا بأن الطريق الصحيح ما جاء به الشرع.\n(٥) … مصادر الشريعة:\n(أ) القرآن الكريم.\n(ب) السنة الشريفة الثابتة عن الرسول -ﷺ- من قول أو فعل للرسول يصفه لنا أصحابه أو إقراره -ﷺ- لفعل أو قول من أصحابه كان في غير حضرته واستشير فيه.\n(ج) الحديث الضعيف ضعفًا غير شديد إذا لم يعارضه حديث أقوى منه.\n(د) ما نقل عن الصحابة والتابعين والسلف الصالح.\n(هـ) أراء علماء الأمة على مر الأزمان فإن تراثهم العلمي هو المشكاة التي تعين على فهم نصوص الشرع ولا ينبغي إغفال تراثهم.","vol":"1","page":85},{"text":"<span data-type='title' id=toc-60>مناهج دراسة الحديث الموضوعي</span>\nاختلفت أساليب الباحثين في الحديث الموضوعي، وتنوعت طرائقهم في الكتابة فيه، نظرًا لسعة البحث في الحديث الموضوعي، وما تحويه السنة من علوم شملت شتى العلوم. وتباينت طرق البحث في معالجة موضوعاته إلى طرق مختلفة كل طريقة ترتكز على موضوع البحث والهدف منه والفئة التي ستستفيد من البحث.\nويمكن تقسيم المناهج إلى قسمين عريضين:\n• القسم الأول: الأبحاث المستقلة وهي الأبحاث التي يستقل الباحث فيه ببحثه وهي في غالبها تتبع التخصص في الدراسات الإسلامية أو أن تكون الدراسة في السنة هي الغالبة على البحث. والباحث الرئيسي فيه يتبع تخصص السنة.\n• القسم الثاني: الأبحاث البينية وبرامج الحاسوب، والتي يقدم الباحث في السنة عمله كمساعد أو مشارك لباحث في علم آخر. حيث يقدم الباحث في السنة عمله من الحديث وكل ما يتعلق بدراسة الحديث من اختيار الحديث المناسب وكل ما يتعلق به من معاني تساعد الباحث في الشق الآخر من البحث على استعمال الحديث. ويكون الباحث المتخصص في السنة بعد اختيار الأحاديث مشرفا على استعمال الحديث في البحث كله. حتى لا يُحمّل النص النبوي ما لا يحتمله.\nوفي هذه العجالة سنلقي الضوء على هذين المنهجين وطرق البحث فيه.","vol":"1","page":86},{"text":"القسم الأول\nالأبحاث المستقلة\nوبعد استقراء جهود أهل التخصص في الحديث الشريف وعلومه وتتبعه من خلال دراساتهم المتعلقة بالدراسات الموضوعية يمكن الاجتهاد في تصنيف هذه الجهود المباركة في أربعة مناهج وطرق في البحث في الحديث الموضوعي. ومن المعلوم أنه يمكن ابتكار طرق أخرى غير ما سأذكره نظرا للأهمية البحث فيه وتشعبه.\n\n•<span data-type='title' id=toc-62> المنهج الأول:</span>\nيستوعب هذا المنهج؛ جمع الأحاديث الواردة في كتب السّنة النبوية عن موضوع الدراسة على سبيل الاستقصاء، أو مصادر حديثية معينة كالصحيحين، أو الكتب الستة، أو التسعة، مما قد يفي بالموضوع، بغرض شرح أبعاده، للوصول إلى نتائج تساهم في فهم ما تقدمه السّنة النبوية الشريفة من موضوعات، مما يساعد على تطبيقها في واقع حياة المسلمين. وهذا يتيح للباحث الفرصة لربط موضوعات السّنة النبوية بالواقع المعاصر لمعالجة قضايا المجتمع المسلم بطريقة شمولية عن طريق السنة، مع تبسيط عملية تطبيق السّنة بشكل علمي وبأسلوب معاصر.\nومن خلال استعراض الدراسات الموضوعية التي يعمد أصحابها على جمع كل الأحاديث الواردة في كتب السّنة النبوية أو أغلبها عن موضوع الدراسة يتضح أنها الأفضل من بين مناهج الدراسة الموضوعية، حيث يتم من خلال هذا المنهج استقصاء كل ما يتوفر من المصادر للسنة وغيرها عن موضوع الدراسة. حيث يمكن الوصول إلى نتائج أدق لكل أطراف الموضوع في ضوء السّنة النبوية الشريفة،","vol":"1","page":87},{"text":"للخروج بتصور شامل عن تناول السّنة النبوية للموضوع المراد دراسته، ثم الحديث عنه من خلال هذا التصور المستنبط.\nويمثل هذا النوع من الدراسة مجموعة من الأبحاث في الدراسات العليا في الجامعات التي يبحث طلابها في تخصص الحديث الشريف وعلومه بدراسة موضوعات متعلقة بالحديث الموضوعي تحت مسميات لعناوين الأبحاث، قد تختلف في ألفاظها إلا أنها تتفق على السير على خطى البحث في هذا العلم الجديد.\nومن هذه الدراسات ما يشير صراحة في العنوان إلى كونها دراسة موضوعية، أو يفهم ذلك بالإشارة إلى كون الدراسة ذات موضوع يتم بحثه في ضوء السّنة النبوية، أو من خلال مجموعة من مصادرها كالكتب الستة أو الصحيحين.\nوأهم ما يميز هذه الدراسات أنها تبدأ بعد تحديد فكرة البحث؛ إلى جمع المادة العلمية الحديثية باستقراء الأحاديث المتعلقة بموضوع الدراسة وتتبعها من مصادر السّنة الأصيلة ليتشكل البحث بعد ذلك من خلال التصور المستنبط من الأحاديث الشريفة المتعلقة بموضوع الدراسة المزمع عملها.\nوأما عن أهم المراحل التي تمر بها هذه الدراسات فتتمثل بصورة إجمالية فيما يلي:\n(١) تحديد فكرة تستحق البحث من خلال دراسة موضوعها حسب ما ورد فيها من أحاديث. وقد تكون الفكرة تدور حول حكم شرعي يحتاج إلى مستند حديثي لإثباته. أو قضية علمية؛ للسنة توجيه أو توضيح لها، أو أخلاقية بينتها السنة، أو تربوية … وغير ذلك مما يشمل شتى مناحي الحياة للفرد والأسرة؛ بل للمجتمع كله وللأمة بأسرها. وأفضل الموضوعات في هذا المنهج؛ ما تقوم فكرته على سد حاجة المجتمع المسلم المعاصر وتلبي رغباته الفكرية وتساهم في رفعته وتقدمه بين الأمم فضلًا عن أهميته في التوجه للقرب من رضى الخالق رب العالمين.","vol":"1","page":88},{"text":"(٢) جمع المادة الحديثية من مصادرها الأصيلة المتمثلة في كتب الحديث التي أورد أصحابها الأحاديث فيها بأسانيد لهم إلى النبي -ﷺ-، وتخريجها بكل طرق التخريج المعروفة.\n(٣) دراسة الأحاديث المجموعة سندًا ومتنًا للوقوف على الأحاديث المقبولة حسب مقاييس علماء الجرح والتعديل، ثم اختيار أجمع الألفاظ لتشكل المادة العلمية الأولى في البحث.\n(٤) صياغة مفردات البحث في ضوء الأحاديث المقبولة لتحديد عناصر خطته من جديد، لأن الموضوعات التي لم يثبت تناولها في السّنة النبوية لا يصلح الحديث عنها في هذا النوع من الدراسة.\n(٥) جمع المادة العلمية غير الحديثية من مظانها حسب موضوع البحث سواء الشرعية منها أو غير الشرعية، وذلك لتكتمل الفائدة من الدراسة وتصل لأعلى إمكانية علمية متاحة.\n(٦) ربط موضوع البحث بواقع المسلمين اليوم ليكتمل الهدف من الدراسة بمخاطبة أناس يعيشون في زمان محدد لإصلاح حياتهم وفق المنهج النبوي الشريف.\n(٧) صياغة مادة البحث وفق المادة العلمية المجموعة وفي ضوء قواعد مناهج البحث العلمي الأصيل، مع التركيز على إبراز الوجه المشرق للسّنة النبوية في الموضوع المتناول في الدراسة. ومن هذه الدراسات من يرقم الأحاديث حسب ورودها في صياغة البحث بأرقام مسلسلة، ومنها من جعل الأحاديث أثناء الصياغة في الموضوعات بدون أرقام.\nومن أمثلتها دراسة بعنوان: \"عناية الكتاب والسّنة بالبيئة؛ دراسة موضوعية\" قامت فيها الباحثة بجمع ما يتعلق بموضوع الدراسة من كتب السّنة النبوية دون","vol":"1","page":89},{"text":"تحديد لمصادر معينة، ثم تم تقسيم البحث إلى خمسة فصول هي: الإنسان والبيئة، والإنسان بين النظافة والتلوث، والمحافظة على الماء والهواء والمكان، والعناية بالأرض وحفظها، ورعاية الحياة البرية. وخلصت الدراسة إلى إثبات سبق الإسلام في الحفاظ على البيئة وحل مشكلات التلوث البيئي عن طريق تطبيق المنهج النبوي في التعامل مع عناصر البيئة.\nودراسة بعنوان: \"مختلف الحديث بين الفقهاء والمحدثين مع دراسة تطبيقية على مرويات حجة رسول الله -ﷺ- \"، قام فيها الباحث في قسم التطبيق باستقصاء للأحاديث المتعارضة في موضوع حجة الوداع في كتب السّنة النبوية دون تحديد لعدد معين من الكتب، حيث تم تحديد مراحل الحجة إلى: مرحلة الإعداد للحج ومقدمات الإحرام، مرحلة دخول البيت والطواف والسعي، مرحلة أفعاله -ﷺ- في عرفة ومزدلفة، مرحلة الهدي ورمي الجمار والشرب من زمزم، مرحلة الوداع، ثم خُتمت الدراسة بمحظورات الإحرام. وكان هدف الدراسة التطبيقية بيان أوجه دفع التعارض بين النصوص عن طريق الجمع أو النسخ أو الترجيح.\nودراسة بعنوان: \"أحاديث الشهادة والشهيد؛ جمع وتصنيف وتخريج ودراسة لما يتعلق بالشهيد\"، قام فيها الباحث بجمع الأحاديث المتعلقة بالشهادة والشهيد من كتب السّنة النبوية ثم قسم بحثه إلى أربعة فصول هي: الشهيد دراسة في ضوء الكتاب والسّنة، والأحاديث الواردة في الشهيد وفضله وأجره، والأحاديث الواردة في أحكام الشهيد، والأحاديث الواردة في آثار الشهادة.\nوكتاب بعنوان: \"نبوءات الرسول -ﷺ- ما تحقق منها وما لم يتحقق\"، حيث جمع المؤلف فيه النبوءات النبوية من شتى كتب الحديث والسير والمغازي على سبيل الاستقصاء مما وقع تحت يديه، ثم قسمها في ثلاثة أبواب تمثلت في: نبوءات تتعلق بالصحابة -﵃- أو بعصرهم، ونبوءات تتعلق بالتابعين ومن بعدهم، ونبوءات","vol":"1","page":90},{"text":"لم تتحقق لأنه لم يأت أوانها بعد. وقد بلغت عدد النبوءات التي شملها الكتاب مائة وثمان وثمانون نبوءة.\nومن هذا المنهج أيضا: الدراسة الموضوعية التي تعتمد على جمع أحاديث في موضوع الدراسة من مصادر محددة من كتب السّنة النبوية حيث يعمد أصحابها إلى أن يحددوا لأنفسهم مصادر حديثية معينة يتم جمع الأحاديث منها. وهذا النوع من الدراسة يمثل أكثر الأبحاث في الدراسات العليا في الجامعات التي يبحث طلابها في موضوعات متعلقة بالحديث الموضوعي. كما نجد أن أغلب هذه الأبحاث؛ يحدد أصحابها لأنفسهم الدراسة في الكتب التسعة، وبعضهم في الكتب الستة وقليل مما قصر دراسته في الصحيحين أو أحدهما، أو أحد كتب السّنة الأخرى.\nومن هذه الدراسات ما يشير صراحة في العنوان إلى هذا التحديد، ومنها ما يضع هذا التحديد في مقدمة البحث، إلا أن الكثير منهم يخرج عن تحديده هذا؛ إذا اقتضت الدراسة في بعض المواطن أن يخرج عن هذا القيد إلى باقي كتب السنة من أجل تمام الفائدة والخروج بنتائج أقرب إلى التعميم على السّنة النبوية كلها.\nوأما عن سبب اقتصار هذه الدراسات على عدد محدد من مصادر السّنة النبوية الأصلية فقد يكمن في تحديد إطار البحث من أجل الانتهاء منه في زمن محدد أو تفادي المساءلة عن أحاديث لم تدخل في دراساتهم.\nومن أمثلة هذا المنهج دراسة بعنوان: \"الطب النفسي في ضوء السّنة النبوية\"، حيث جمع فيها الباحث الأحاديث التي تتعلق بالمواقف العلاجية للأمراض النفسية التي وردت في الكتب التسعة والتي عالج فيها الرسول -ﷺ- بعض الأمراض النفسية مثل: الغضب، والهم والغم والحزن، والأرق والفزع والأحلام المزعجة، والوسوسة، والحسد، والصرع. كما اكتملت دراسة الموضوع ببيان طرق الوقاية من الأمراض النفسية في ضوء السّنة النبوية. ووصلت الدراسة إلى إثبات وجه من","vol":"1","page":91},{"text":"وجوه الإعجاز النبوي حيث سبق الإسلام لعلاج الأمراض النفسية، مع بيان خصوصية هذه العلاجات النبوية من حيث كونها إلهية موصى بها من رب العالمين، وكذلك قد تم تطبيقها عن قناعة في حياة المسلمين فأعطت أفضل النتائج.\nودراسة بعنوان: \"المعالم المدنية في العهد النبوي دراسة موضوعية تحليلية في ضوء السّنة النبوية\"، قام فيها الباحث بعد جمع النصوص الحديثية من الكتب التسعة بتقسيم الموضوع إلى خمسة أبواب تناول فيها: المعالم المدنية في العلوم والإدارة والمعارف والوسائل الاجتماعية والعسكرية، والمعالم المدنية في الحياة الصحية والأطعمة والعلاج، والمعالم المدنية في اللباس والزينة، والمعالم المدنية في العمران والطرق ووسائل النقل والبيوت والأثاث، والمعالم المدنية في الصناعة والتجارة والتسويق والصيد والرعي والزراعة. ووصل في دراسته إلى إثبات استخدام المسلمين لشتى أنواع الحياة المدنية في أرقى صورها مع تطويرها إلا أن هذه المدنية لم تتعارض مع ثوابت الشريعة الإسلامية.\nودراسة بعنوان: \"الإعجاز العلمي في ضوء السّنة النبوية\"، قام الباحث فيها بجمع الأحاديث النبوية الشريفة المتعلقة بموضوع البحث من الكتب التسعة، ثم وضع نماذج من الإعجاز العلمي في السّنة النبوية في ستة مباحث تمثلت في عوالم: الكون، والإنسان، والحيوان مع الحشرات، والنبات، والبحار مع المحيطات، والطب مع الصحة العامة. وأثبتت الدراسة أن في السّنة النبوية من الإعجاز العلمي ما يثبت صدق أنها موصى بها من عند الله تعالى، وأن الإسلام دين الحق إلى قيام الساعة.\nودراسة بعنوان: \"مستقبل الإسلام دراسة تحليلية موضوعية في ضوء الكتاب والسّنة\"، جمع فيه الباحث الآيات القرآنية والنصوص الحديثية من الكتب الستة ثم قسمها إلى أربعة فصول، تحدثت عن مستقبل القابضين على الجمر، ومستقبل الأمة الجهادي والأمني، ومستقبل الأمة السياسي والإداري، ومستقبل الأمة","vol":"1","page":92},{"text":"الاقتصادي والاجتماعي. وانتهت الدراسة إلى إثبات أن المستقبل كله بإذن الله لهذا الدين، ولأتباعه على الحق واليقين بالوعد لهم بالنصر والتمكين.\nودراسة بعنوان: \"عناية الإسلام بصحة الإنسان\"، قام فيها الباحث بجمع الأحاديث الواردة في الصحة من الكتب التسعة ثم تقسيمها إلى أربعة فصول تحدثت عن: نعمة الصحة وبنائها، والصحة الوقائية، والصحة العلاجية، ثم ختم بالتثقيف الصحي.\nوأثبتت الدراسة سبق الإسلام في الحفاظ على الصحة، وأن في اتباع السّنة النبوية وقاية من الوقوع في الأمراض.\n\n•<span data-type='title' id=toc-63> المنهج الثاني:</span>\nالدراسة الموضوعية التي تعتمد على جمع أحاديث لفظة تحمل معاني عدة، أو أحكام شرعية عدة، أو فعل عمل معين تكرر عن النبي -ﷺ- في عدة مواطن أو بطرق مختلفة؛ كل ذلك من مصادر محددة أو على سبيل الاستقصاء من كتب السّنة.\nومن أمثلة هذه الأبحاث بحث بعنوان: \"أحكام زراعة الشعر وإزالته\" للدكتور سعد بن تركي الخثلان، وهو بحث مقدم إلى ندوة العمليات التجميلية بين الشرع والطب، التي تقيمها إدارة التوعية الدينية بالمديرية العامة للشؤون الصحية بمنطقة الرياض.\nوالبحث في أربعة مباحث وخاتمة:\nالمبحث الأول: حقيقية وصل الشعر والحكمة من النهي عنه. والمبحث الثاني: حكم زراعة الشعر والفرق بينها وبين الوصل الحرام. والمبحث الثالث: حكم إزالة الشعر بالطرق التقليدية. والمبحث الرابع: حكم إزالة الشعر بالتقنيات الطبية الحديثة.","vol":"1","page":93},{"text":"وذكر في مقدمة البحث أنه يصور المسألة إن كانت تحتاج لذلك مبينًا الأدلة على الحكم فيها من الكتاب والسنة مع تخريج الأحاديث من مصادرها، فإن كان الحديث في الصحيحين اكتفى بالعزو إليه وإلا خرجه من كتب السنن والمسانيد مبينا آراء المحدثين في درجته. وإن كانت المسألة المراد بحثها طبية فيذكر حقيقتها الطبية مع التوثيق من كتب الطب قبل الدخول في حكم الشرع فيها.\nومن الأبحاث في هذا المنهج: الأحكام المتعلقة بعين الإنسان، رسالة مقدمة لنيل درجة الماجستير من إعداد: آسية بنت إبراهيم بن عبد االله الجنيدل.\nويشتمل البحث على مقدمة وتمهيد، وأربعة فصول، وخاتمة، وفهارس.\nالتمهيد في التعريف بالعين وإطلاقها، وفيه مبحثان:\n• المبحث الأول: التعريف بالعين. المبحث الثاني: إطلاقات العين.\nثم صلب البحث، وفيه أربعة فصول على النحو التالي:\nالفصل الأول: الأحكام المتعلقة بعين الإنسان في العبادات. وفيه خمسة مباحث:\n• المبحث الأول: الأحكام المتعلقة بالعين في الطهارة، وفيه سبعة مطالب:\nالمطلب الأول: إدخال الماء داخل العين في الوضوء والغسل.\nالمطلب الثاني: أثر زراعة العين الصناعية على الوضوء والغسل.\nالمطلب الثالث: أثر وضع العدسات اللاصقة على الوضوء والغسل.\nالمطلب الرابع: أثر مساحيق تجميل العين على الوضوء والغسل.\nالمطلب الخامس: رفع بصر العين إلى السماء بعد الفراغ من الوضوء.\nالمطلب السادس: كحل العين للرجل والمرأة.\nالمطلب السابع: المسح على غطاء العين.","vol":"1","page":94},{"text":"• المبحث الثاني: الأحكام المتعلقة بالعين في الصلاة، وفيه سبعة مطالب:\nالمطلب الأول: موضع تصويب بصر العين في الصلاة.\nالمطلب الثاني: رفع بصر العين إلى السماء حال الصلاة.\nالمطلب الثالث: رفع بصر العين عند الدعاء في الصلاة وخارجها.\nالمطلب الرابع: تغميض العين في الصلاة.\nالمطلب الخامس: الإيماء بالعين في الصلاة للعاجز.\nالمطلب السادس: ترك الركوع والسجود لمداواة العين.\nالمطلب السابع: قراءة القرآن من المصحف بالعين دون تحريك اللسان.\n• المبحث الثالث: الأحكام المتعلقة بالعين في الجنائز، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: تغميض عين الميت.\nالمطلب الثاني: نزع العين الصناعية بالموت.\n• المبحث الرابع: الأحكام المتعلقة بالعين في الصيام، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: اكتحال الصائم.\nالمطلب الثاني: قطرة العين للصائم.\n• المبحث الخامس: الأحكام المتعلقة بالعين في المناسك، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: اكتحال المحرم.\nالمطلب الثاني: أخذ المحرم من شعر عينه.\nالفصل الثاني: الأحكام المتعلقة بعين الإنسان في فقه الأسرة.\nوفيه أربعة مباحث:\n• المبحث الأول: الأحكام المتعلقة بالعين في النكاح، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: أثر عيوب العين في الفرقة في النكاح.","vol":"1","page":95},{"text":"المطلب الثاني: اشتراط أحد الزوجين على الآخر صفة في عينه.\n• المبحث الثاني: الأحكام المتعلقة بالعين في الطلاق والظهار، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: تطليق عين الزوجة وبصرها.\nالمطلب الثاني: المظاهرة من عين الزوجة وبصرها.\n• المبحث الثالث: وضع الزينة في العين للمحدة.\n• المبحث الرابع: وضع قطرة في العين من حليب المرأة المرضع.\nالفصل الثالث: الأحكام المتعلقة بعين الإنسان في العقوبات.\nوفيه تسعة مباحث:\n• المبحث الأول: الجناية على عين الصحيح، وفيه سبعة مطالب:\nالمطلب الأول: الجناية على عين الصحيح بقلعه.\nالمطلب الثاني: الجناية على عين الصحيح بإذهاب منفعتها.\nالمطلب الثالث: الجناية على العين بإذهاب بعض منفعتها.\nالمطلب الرابع: الجناية على عين الصحيح بإحداث عيب فيها.\nالمطلب الخامس: جناية الأعور على عين الصحيح.\nالمطلب السادس: جناية صاحب العين القائمة على عين الصحيح.\nالمطلب السابع: جناية صاحب العين الصناعية على عين الصحيح.\n• المبحث الثاني: الجناية على عين الأعور، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: جناية صحيح العين على عين الأعور.\nالمطلب الثاني: جناية الأعور على عين الأعور.\n• المبحث الثالث: الجناية على العين القائمة.","vol":"1","page":96},{"text":"• المبحث الرابع: الجناية على العين الصناعية.\n• المبحث الخامس: فقء عين الناظر إلى دار غيره.\n• المبحث السادس: سمل عين المحارب.\n• المبحث السابع: التعزير بإتلاف العين.\n• المبحث الثامن: إغلاق عين المتهم.\n• المبحث التاسع: أحكام الإصابة بالعين، وفيه خمسة مطالب:\nالمطلب الأول: معنى الإصابة بالعين.\nالمطلب الثاني: أقسام الإصابة بالعين.\nالمطلب الثالث: حكم الإصابة بالعين.\nالمطلب الرابع: عقوبة العائن.\nالمطلب الخامس: علاج الإصابة بالعين.\nالفصل الرابع: أحكام النوازل المعاصرة المتعلقة بعين الإنسان.\nوفيه ثمانية مباحث:\n• المبحث الأول: بصمة العين، وفيه ثلاثة مطالب:\nالمطلب الأول: معنى بصمة العين.\nالمطلب الثاني: مجالات استخدام بصمة العين.\nالمطلب الثالث: حجية بصمة العين في الإثبات.\n• المبحث الثاني: التصرف في قرنية العين، وفيه أربعة مطالب:\nالمطلب الأول: نقل القرنية من عين إلى أخرى من الشخص نفسه.\nالمطلب الثاني: تبرع الحي بنقل قرنية العين إلى آخر.","vol":"1","page":97},{"text":"المطلب الثالث: نقل قرنية العين من ميت.\nالمطلب الرابع: بيع قرنية العين.\n• المبحث الثالث: مداواة العين، وفيه أربعة مطالب:\nالمطلب الأول: مداوة العين بالنجس.\nالمطلب الثاني: مداواة العين بما يؤكل.\nالمطلب الثالث: مداواة المرأة عينها عند طبيب.\nالمطلب الرابع: ترك مداواة العين.\n• المبحث الرابع: العدسات اللاصقة، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: عدسات العين الشفافة.\nالمطلب الثاني: عدسات العين الملونة.\n• المبحث الخامس: زراعة العين الصناعية.\n• المبحث السادس: رموش العين، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: زراعة الرموش الطبيعية.\nالمطلب الثاني: تركيب الرموش الصناعية.\n• المبحث السابع: جراحة تجميل العين والليزر، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: جراحة تجميل العين.\nالمطلب الثاني: جراحات الليزر.\n• المبحث الثامن: النظر إلى الشمس بالعين المجردة حال الكسوف وغيره.\nثم الخاتمة: وفيها أهم النتائج والتوصيات التي توصلت إليها الباحثة.","vol":"1","page":98},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-64> المنهج الثالث المصطلح النبوي:</span>\nفي الدراسات الإسلامية على اختلافها وتنوعها -كالدراسات المتعلقة بالقرآن وعلومه أو الحديث وعلومه أو الفقه وأصوله أو العقيدة- مصطلحات خاصة بكل علم. ومصطلحات مشتركة بينها جميعًا أو بعضها أو خاصة بعلم من العلوم. وقد عمد المتخصصون في كل علم في الوقوف على المعنى الدقيق لهذا المصطلحات.\nإن دراسة المصطلح مهمة جدًّا. حتى إنه ما مِنْ مسلك يتوصل به إلى فتح أبواب العلم غير العلم بمصطلحاته؛ من هنا كانت (علمية) علم المصطلح تبدأ من كونه حُدِّد موضوعه في تلك المصطلحات المفاتيح، فكان بذلك (علم مفتاح العلم)، هكذا يبدو تصوُّر (علم المصطلح).\nومن هذا المنطلق كان اهتمام علماء الإسلام به، ولو من قبل تسميته.\nومن استيعاب العلوم إلى دراسة القضايا والظواهر؛ كلها مراحل تَستلزم الوقوف عند المصطلحات، وتبيُّنَ مفاهيمها، وسَبْرَ أغوارها، بما يمكِّن العالم والمتعلِّم معًا من ناحية العلم، ويُعبِّد الطريقَ للفهم العميق والتأريخ الدَّقيق للعلم، ويقف العالم الراسخ على عتبة استشراف مستقبل العلم.\nومما هو معلوم أن بعض المصطلحات مشتركة مع غيرها من فروع الشريعة كالفقه وأصوله والتفسير وغيرها، ومنها ما هو خاص بالسنة. وفي كل الأحوال فإن الدراسة الموضوعية للمصطلح مهتمة بالمصطلح من وجهة نظر السنة، حتى ولو كان هذا المصطلح في العلوم الأخرى. وإن كانت لا تغْفَل عن دراسات العلوم الأخرى كالفقه والتفسير التي فيها بيان أو ذكر أو استعمال لهذا المصطلح.\nوقد برزت مؤخرًا في ضمن مناهج الحديث الموضوعي دراسة المصطلح النبوي في منهجيَّة علمية دقيقة، مع العلم بالمصطلح والعلم به ليس بالعلم الجديد","vol":"1","page":99},{"text":"حيث بين كثيرًا منها؛ شراح الحديث وعلماء غريب الحديث، كبيان لمعنى اللفظ، حيث كان الغالب استعمالهم للفظ ضمن الحديث الواحد لا على أنه مصطلح يتتبع دارسه الأحاديث الواردة في بيانه على سبيل الاستقصاء. وما بينته الأحاديث مجتمعة للوقوف على معنى دقيق له. ومن المعلوم أنَّ الطريق الأسلم والنَّهج الأحكم إلى أيِّ علم من العلوم وكل مصطلح أن يؤتى ذلك العِلم من أبوابه، ناهيك إذا كان النبي -ﷺ- قد بين هذا العلم (المصطلح).\nوالمصطلحات التي نحن بصدد دراستها في السنة قسمان:\n(١) مصطلحات نبوية ورد بيانها بشكل مباشر أو غير مباشر في الأحاديث (كالإثم والتقوى والتوكل والبركة …) وغيرها من المصطلحات الواردة في السنة، التي بينت السنة في كثير من الأحيان معناها بحديث واحد أو جملة من الأحاديث.\n(٢) مصطلحات علوم الحديث الخادمة لمعرفة الحديث رواية ودراية، كسائر المصطلحات التي تُذكر في كتب مصطلح الحديث، كمصطلح \"الشذوذ\" في الحديث وضوابطه ومتى يسقط الحديث الشاذ ومتى يمكن العمل به. ومثله \"العلة\". وكذلك \"جهالة الراوي\" و\"المقل\" في رواية الحديث ومتى يسقط حديثه ومتى يُحتمل روايته. والسبب في إدراج هذه الدراسات ضمن الحديث الموضوعي، هي عملية تتبع الحديث ومسح شامل لهذه الأنواع في السنة ودراستها دراسة وافية للوقوف على قواعد للمصطلح يستنير بها من يستفيد من البحث؛ ذلك أن العلماء أشاروا في كتبهم إليها إلا أنها متناثرة في الكتب تحتاج إلى جمع وترتيب وتبويب.\nولكل قسم أبحاثه وطريقة للبحث فيه.","vol":"1","page":100},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-65> طريقة البحث في المصطلح:</span>\nيتلخص البحث في النوع الأول من المصطلحات النبوية التي ورد بيانها بشكل مباشر أو غير مباشر في الأحاديث في مراحل محددة:\n• المرحلة الأولى: إحصاء ورود المصطلح في السنة عن طريق تتبع النصوص التي ورد فيها المصطلح من خلال:\n• إحصاء المصطلح كيفما ورد شكلًا وحجمًا واشتقاقًا.\n• إحصاء القضايا العامة المندرجة تحت مفهومه.\n• المرحلة الثانية: تصنيف الإحصاء على حسب وروده في الحديث -حسب السياق-، وحسب المعنى.\n• المرحلة الثالثة: الدراسة المعجمية لهذا المصطلح لبيان أمرين اثنين:\n• الأول: أصول اللفظ في اللغة وضبط مداره، ومن ثم معرفة ما أضافته السنة على هذا اللفظ من مضامين ومعاني مشتقة من المعنى اللغوي أو خارجة عن المعنى اللغوي.\n• الثاني: بيان المعاني النبوية التي أضافتها السنة في بيان المعنى اللغوي للفظ والتي بينتها المعاجم اللغوية.\nوالغاية من هذه المرحلة ما يلي:\n• الوقوف على المعنى العام للجذور اللغوية للمصطلح.\n• الوقوف على المعاني الخاصة لمشتقات هذا الجذر وذلك بالاعتماد على أمهات المعاجم.","vol":"1","page":101},{"text":"• المرحلة الرابعة: الدراسة النصية للمصطلح:\nوهي المرحلة الحاسمة في البحث، تقوم على ضبط مفهوم المصطلح وذلك بعد تتبع دلالاته الجزئية في كل نص لنستخرج ما يلي:\nأولا: صفات المصطلح سواء كان واصفًا أو موصوفًا، واستخراج علاقات الائتلاف أو علاقة التعاطف، أو علاقة الاختلاف كالتضاد، أو علاقة التداخل والتكامل كالعموم والخصوص\nثانيًا: دراسة المشتقات لهذا المصطلح، ففي السنة استخدام لبعض الألفاظ بمشتقات خاصة.\nثالثًا: المعاني التي أضافتها السنة للمصطلح، سواء كان المعنى المضاف جديدًا في أصله أو ما أضافته السنة من معاني زائدة عن المعنى اللغوي.\nإن دراسة المصطلح النبوي من أهم المناهج، ودراستها مهمة جدًّا، والأبحاث فيها قليلة جدًّا، كما أن تأصيل البحث فيها في بداياته، ويحتاج من أهل العلم إلى وضع دليل يسير الباحث عليه لخدمة المصطلحات بشكل دقيق، حيث يحوي كثير منها أصول الدين، وفي فهمه وتدبره العمل به على الوجه الصحيح باللسان والقلب والجوارح، وتصحيح الأفهام الخاطئة حوله.\n\n•<span data-type='title' id=toc-66> المنهج الرابع: منهج الدراسة الموضوعية التي تعتمد على جمع روايات حديث واحد ودراسته دراسة موضوعيه:</span>\nخص الله نبيه -ﷺ- أنه أوتي جوامع الكلم وخواتمه وفواتحه، واختصر له الكلام اختصارًا، فجمع الله له المعاني الكثيرة في ألفاظ يسيرة، وجعل ذلك من أدلة نبوته، وأعلام رسالته، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة -﵁- قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «بعثت بجوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وبينا أنا نائم أُتيتُ","vol":"1","page":102},{"text":"بمفاتيح خزائن الأرض، فوضعت في يدي». وفي رواية للترمذي: «فُضِّلْتُ على الأنبياء بستٍّ، أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب … الحديث». قال الزهري: \"وبلغني أن جوامع الكلم أن الله يجمع الأمور الكثيرة التي كانت تكتب في الكتب قبله في الأمر الواحد والأمرين أو نحو ذلك\".\nوقد وردت عن الأئمة المتقدمين عدة أقوال في تحديد هذه الأنواع من الحديث، وهي في الحقيقة تعد أصول الدين، وأطلقوا عليها مصطلحات تدل عليها وردت عنهم، فمن ذلك ما جاء عن الإمام أحمد -﵀- أنه قال: \"أصول الإسلام على ثلاثة أحاديث؛ حديث: «إنما الأعمال بالنيات»، وحديث عائشة: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، وحديث النعمان بن بشير: «الحلال بيِّنٌ والحرام بيِّن» \".\nوقد اجتهد أهل العلم في جمع تلك الأحاديث الجوامع، وصنفوا في ذلك المصنفات، منهم الإمام النووي -﵀-، فجمع اثنين وأربعين حديثًا جامعًا عليها مدار الدين، وهي التي عرفت فيما بعد \"بالأربعين النووية\".\nفينبغي على المسلمين أن يعتنوا بهذه الأحاديث حفظًا وفهمًا ودراسة، ومن الدراسات الدراسة الموضوعية.\nومن الملاحظ على هذه الدراسات أمور:\n(١) اختيار حديث شريف يكون أصلًا في دراسة موضوع معين حيث يكون محور هذه الدراسة، ثم استقصاء روايات الحديث وطرقه من كافة مصادر السّنة النبوية من جهة، ومن جهة أخرى دراسة الموضوع الذي يتضمنه الحديث.\n(٢) أهم ما يميز هذه الدراسات أنها في الغالب قصيرة يستخدمها الباحثون في مجال الحديث الشريف لبحوث الترقيات والنشر في المجلات المحكمة،","vol":"1","page":103},{"text":"وهي مثالية لأوراق العمل في المؤتمرات والندوات والمحاضرات العلمية. مع أن من هذه الدراسات ما قد يطول حتى عدة مئات من الصفحات بحيث تُنشر في مؤلفات وكتب خاصة بأصحابها.\n(٣) كما تتميز هذه البحوث في الغالب بالرسم الدقيق لشجرة الإسناد الذي يجمع كافة متابعات الحديث محور الدراسة بالإضافة إلى شواهده.\n(٤) وكذلك تركز هذه البحوث على اختيار الأحاديث التي قد تتعرض للنقد أو الطعن أو الشُّبَه، وكذلك الأحاديث المختلف في ثبوتها بين أهل التخصص مما يثير الرغبة عند أهل الحديث لبسط الكلام حولها في بحوث خاصة.\n(٥) ومن الملاحظ أن هذا النوع من الدراسات أقرب ما يكون من الحديث التحليلي إن اقتصرت فيه الدراسة على تحليل النصوص ونقدها دون دراسة موضوعها وربطه بواقع المسلمين المعاصر، لذا على الباحثين في هذا المجال إعطاء الدراسة الموضوعية حقها لموضوع الحديث بجانب الدراسة التحليلية لسند الحديث ومتنه.\nوأما عن أهم المراحل المتبعة في منهج البحث في هذه الدراسات فيتمثل في:\n١. تحديد الحديث محور الدراسة.\n٢. جمع طرق الحديث من شتى مصادر السّنة النبوية.\n٣. دراسة أسانيد الروايات.\n٤. رسم شجرة الإسناد.\n٥. الحكم على الحديث بمجموع طرقه.\n٦. دراسة ألفاظ الحديث مع مقارنتها بين الروايات.","vol":"1","page":104},{"text":"٧. دراسة موضوع الحديث من جميع جوانبه عن طريق جمع المادة العلمية غير الحديثية.\n٨. ربط موضوع الحديث بالواقع المعاصر للمسلمين.\n٩. ترتيب المادة العلمية وتنظيمها في تقسيم معين.\n١٠. صياغة البحث مع إبراز موضوع الحديث إلى جانب تحليل النص ونقده.\nومن أمثلة هذا المنهج دراسة بعنوان: \"روايات صلاة التسابيح دراسة موضوعية\"، حيث جمع فيها الباحث روايات حديث العباس ﵁ في صلاة التسابيح من كافة مصادر السّنة النبوية، وحكم على الحديث بالحسن لغيره بمجموع طرقه، ودرس كيفية هذه الصلاة، ثم أشار إلى إمكانية تطبيق هذه الصلاة في وقتنا الحاضر، وخاصة في أيام الاعتكاف في المساجد دون الإكثار منها لعدم شهرة تطبيقها بين الصحابة، وإن عمل بها بعض التابعين.\nومن أمثلة الأبحاث في هذا المنهج دراسة بعنوان: \"أحاديث قراءة سورة الكهف يوم الجمعة جمعًا ودراسة\"، قام فيها الباحث باستقصاء كل ما ورد من أحاديث في كتب السّنة النبوية تتعلق بفضل قراءة سورة الكهف يوم الجمعة، ثم دراستها دراسة موضوعية وصلت إلى أن قراءة سورة الكهف يوم الجمعة أو ليلتها من السنن الواردة عن المصطفى -ﷺ-، وهي تعطي النور لقارئها طوال جمعته فيسير على بصيرة من الله تعالى، كما وصلت الدراسة إلى أن جميع الروايات التي وردت فيها فضائل لقراءة سورة أخرى مثل: آل عمران والرعد، لا ترتقي إلى مستوى الاحتجاج بها.\nودراسة لحديث الصحابي الجليل أبي هريرة -﵁- في وقوع الذباب في الشراب، جاءت بعنوان: \"الإعجاز العلمي في خلق الذباب في ضوء الكتاب والسّنة\"، قام فيها","vol":"1","page":105},{"text":"الباحث بجمع طرق الحديث ورواياته التي زادت عن خمس وثلاثين طريقًا، جاءت عن ثلاثة من الصحابة، وأثبت البحث أن هذا الحديث من قبيل الإعجاز العلمي لاشتماله على حقائق علمية لم تثبت إلا في العصر الحديث مع سبق السّنة النبوية لبيانها.\nوبحث حول حديث: «لتتبعن سنن من كان قبلكم»، حيث تناول فيه الباحث شرح الحديث سندًا ومتنًا، ودرس آراء العلماء في مشابهة الكفار، وبين أن موضوع التشبه منه ما هو سائغ شرعًا ومنه ما هو حرام.","vol":"1","page":106},{"text":"القسم الثاني\nالأبحاث البينية وبرامج الحاسوب\nتشترك الأبحاث البينية وبرامج الحاسوب في كون الباحث فيها يشاركه غيره من التخصصات الأخرى ولا يستقل بالبحث، إلا إن عمله بحق يعد أساس البحث كله، ولا يستقيم البحث إلا بعمله، حيث يعتبر الحديث النبوي محور البحث، وتقوم حل مشكلة البحث عليه.\nومن الملاحظ على كثير من الأبحاث الموجودة والمتداولة في هذا النوع أنه يستقل بها الباحث غير المتخصص في السنة، مما يجعل بعض هذه الأبحاث عرضة للخطأ من عدة أمور تتبع الاستدلال بالحديث، كاختيار الحديث الهالك أو تحميل النص النبوي ما لا يحتمله. وعند الخطأ ينسب الخطأ للسنة ككل؛ بينما الخطأ في فهم الحديث أو استعماله.\nوالعكس صحيح عندما يستقل الباحث المتخصص بالبحث في غير التخصص، ويدفعه الحماس أن يستعمل الحديث في غير موضعه.\nلهذا لا بد من الشراكة في هذا النوع من الأبحاث.\nومن أمثلة ذلك: الأبحاث الطبية وعلم الدواء، والطب النفسي، وعلم الفلك، وعلم الاجتماع … وغيرها.\nولا تعارض بينها على الإطلاق؛ إذ يكمل المتخصص عمل غير المتخصص.","vol":"1","page":107},{"text":"أما برامج الحاسوب فتحتاج إضافة لما سبق إلى متخصص في برامج الحاسوب ليضع التصميم المناسب للبرنامج حتى يسهل الوصول للمعلومة ثم التقييم المستمر والتطوير.\n\n•<span data-type='title' id=toc-68> أولا: منهجية الأبحاث البينية ودور المتخصص في السنة فيها</span>\nتعد الأبحاث البينية مرحلة من مراحل تطور التأليف في الحديث، تلت مراحل طويلة في التنوع في التأليف بين جمع وشرح وبيان غريب …، حيث هيمنت الدراسة التخصصية على فروع عديدة، وبرز أعلام في مختلف الحواضر قد جمعوا بين المعرفة بعلوم الحديث والعلوم الأخرى كالفلسفة والمنطق والعلوم اللغوية والأدبية والدينية والفلك والرياضيات والطب وعلوم الطبيعة وغيرها، وأنتجوا كتبًا وموسوعات علمية جيدة، وكانت شهرتهم في هذا المجال أو ذاك، وهذه الكتب يمكن النظر إليها من وجهين:\n(١) كتب مستقلة حيث طغت في هذه المؤلفات العلوم الأخرى على دراسة الحديث، ويستدل فيها إلى الدليل من القرآن والسنة. والأمثلة على ذلك كثيرة ككتب الرازي والخوارزمي وابن سينا وابن الهيثم والبيروني وابن طفيل وابن رشد. ويضاف إليها كتب كثير من المحدثين كابن القيم وكتبه في الطب النبوي وغيرها. وابن تيمية عند نهجه للفلسفة في مناقشته غير المسلمين، وإثبات قواعد الدين الإسلامي وغيرها. وابن الأثير والخليل ابن أحمد في اللغويات … وغير ذلك.\n(٢) كتب في أصلها مهتمة بالسنة وذكرت في ثنياها العلوم الأخرى لبيان الحديث وتوضيح معناه وبيان الفقه فيه؛ كشروح الحديث وكتب غريب الحديث، فقد حوت على علم غزير يعد بحق القاعدة التي تقوم عليها الأبحاث البينية.","vol":"1","page":108},{"text":"وفي العصر الحاضر برزت العديد من الأبحاث في هذه العلوم التي قام بدراستها إما متخصص بالسنة أو متخصص في العلوم الأخرى حيث تفتقد كثير منها المنهجية الصحيحة المتعلقة بالحديث أو البحث. كما برزت حديثًا الدعوة للأبحاث البينية تجنّبًا للخطأ في فهم الحديث النبوي وتحميل النص النبوي ما لا يحتمله. كما أن الدراسات العلمية أصبحت في العصر الحاضر تُبحث بطريقة علمية وتَتْبع منهجًا علميًّا دقيقًا في العلم الذي يتبع له البحث، ولا يقبل إلا بهذه الطريقة؛ كالتجربة والتحليل والإحصاء … وغيرها مما يثبت الحقيقة.\nويمكن تقسيم الأبحاث البينية إلى منهجين:\nالمنهج الأول: أن يكون دور تخصص الحديث رئيسيًّا في البحث، ويشكل عمله في البحث دورًا رئيسيًّا، أما عمل المشارك له في البحث من التخصص الآخر فيكون ثانويًّا.\nالمنهج الثاني: أن يكور دور تخصص الحديث ثانويًّا، ويغلب على موضوع البحث التخصص الآخر، فعمله تقديم الحديث بكل أبعاده، ويكون مشرفًا على تطبيق الحديث وإثبات ما فيه من حقائق ليشتركا في إثباتها.\nوفي كلا المنهجين عمل دور تخصص الحديث ما يلي:\n\n•<span data-type='title' id=toc-69> اختيار الموضوع:</span>\nيشترط في موضوعات الأبحاث البينية أن تعتمد على الحديث إما في كل البحث أو فصول منه، فقد يكون موضوع البحث كله يعتمد على حديث واحد أو أكثر مثل إثبات مفعول أبوال الإبل وألبانها في علاج سرطان الكبد، فالبحث كله يعتمد على حديث واحد.","vol":"1","page":109},{"text":"وقد يعتمد البحث على أكثر من حديث كالطب الوقائي في السنة، حيث يمكن الاستدلال بأكثر من حديث؛ ذكرتها السنة كوقاية من الأمراض.\nوفي كل الأحوال فالأبحاث تحتاج إلى متخصص للحديث يقدم الحديث في قالب علمي دقيق بأسلوب واضح يفهمه الباحث الآخر حتى يبني عمله على الحديث وما يلحق به من الدراسة حول الحديث.\n\n•<span data-type='title' id=toc-70> معرفة موضوع البحث:</span>\nعلى الباحث المتخصص في الحديث فهم موضوع البحث بكل أبعاده، والاطلاع على خطة البحث وما تحويها من مشكلة البحث، أو المشاركة في وضع الخطة، وذلك بالشرح المفصل من الباحث الآخر للبحث وما يريده من أدلة من السنة تثبت النظرية التي يريد إثباتها.\nمثل فضل ماء زمزم، فقد يكون البحث كيميائيًّا بتحليل الماء وما تحويه من عناصر تجعله متميزًا عن غيره من الماء.\nوقد يكون البحث طبّيًّا بتأثيره على جسد الإنسان، وقد يكون الاثنين معا، وقد يكون أكثر من ذلك؛ فإن كان طبيا لعلاج مرض ما فلا بد من بيان طريقة النبي -ﷺ- قولا وفعلا في شربه، بل من فعل ذلك من السلف من الصحابة ومن دونهم من علماء الأمة، وسياق تجربتهم في ذلك كابن القيم وغيره، وهذا قد يفتح أفاقًا للباحث الآخر في تجربته على الماء.\nإذا لا بد من فهم الموضوع بكل أبعاده، بل لا بد أن يشترك الباحثان في تحديد أبعاد البحث وحدوده وأهدافه وأن يشتركا في وضع خطة البحث.\nإن ما سبق ذكره يساعد كثيرًا الباحث المتخصص في الحديث على تقديم ما يفيد البحث من السنة.","vol":"1","page":110},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-71> اختيار الحديث أو الأحاديث:</span>\nيعتمد اختيار الحديث على فهم الموضوع بكل أبعاده، وعلى الباحث المتخصص بالسنة عمل ما يلي:\n• معرفة المادة اللغوية لموضوع البحث، وذلك بدراسة مرادفاتها ومشتقاتها فقد ترد في السنة بالمرادف لا الكلمة المتعارف عليها عند الباحث. وكذلك قد تكون في الأحاديث المذكورة في السنة بلفظ غير المتعارف عليه في مجتمعه، مثل الحبة السوداء وهي نوع من النبات من فصيلة الحوذانية، تنتج ثماره البذور المعروفة بحبة البركة، وقد وردت بلفظ (الشونيز)، أو الكمون الأسود، وهناك نبات آخر قريب منه يسمى السانوج معروف في المغرب العربي، يرى بعض أهل المغرب أنه الحبة السوداء.\nفالباحث في الحديث عليه دراسة نوع النبات ومرادفاته ليقف عليها في الحديث.\nومثله تمور العجوة، وكذلك الربا، والإجارة في علم الاقتصاد الإسلامي … وغير ذلك.\n• يبحث عن الحديث والأحاديث عن طريق محركات البحث المختلفة بناءً على ما وقف عليه من مرادفات حتى يتمكن من جمع الأحاديث المطلوبة.\n• تخريج الأحاديث ولا يكتفي في التخريج بذكر موضعها في كتب الحديث والحكم عليها؛ بل عليه تدوين ألفاظها وبيان سبب الزيادة في الألفاظ بالتفصيل بعد استبعاد الضعيف منها.\n• بيان معانيها وشرحها شرحًا تحليليًّا مبسطًا بما يخدم موضوع البحث بكل التفاصيل. فربما يخدم شيء مما ذكر في شرح العلماء الباحث الآخر، ويحقق المراد من البحث.","vol":"1","page":111},{"text":"• البحث فيمن استعمل الأحاديث التي جمعها، في غير كتب شرح الحديث ككتب ابن القيم وابن تيمية وابن سينا …، التي من شأنها استعمال الحديث وتطبيقه.\n• ترتيب ما وقف عليه من معلومات وتنسيقها في قوالب حتى يستوعبها الباحث غير المتخصص.\n• عمل ورشة عمل تجمعه بالباحث غير المتخصص، وعرض العمل عليه حتى يتمكن من بناء بحثه أو فصول من بحثه على ما وقف عليه من معلومات متعلقة بالحديث. والاتفاق على ما يدون منها، ذلك أنه لا يكتب في القالب النهائي كل ما جمعه وإنما ما يخدم البحث.\n• عند الانتهاء من البحث؛ على كلٍّ من الباحثين مراجعة البحث لضمان صحة المعلومات.\nإن إهمال دراسة الحديث والمراحل السابق ذكرها من شأنه الخطأ في فهم الحديث، وأن يُحمّل الحديث ما لا يحتمله فيكون الخطأ في التطبيق. ومثال ذلك حديث ألبان الإبل:\nأخرج أحمد في المسند من حديث أنس -﵁-: «أَنَّ رَهْطًا مِنْ عُرَيْنَةَ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالُوا: إِنَّا قَدِ اجْتَوَيْنَا الْمَدِينَةَ، فَعَظُمَتْ بُطُونُنَا، وَانْتَهَشَتْ أَعْضَادُنَا، فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يَلْحَقُوا بِرَاعِي الْإِبِلِ، فَيَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا، وَأَبْوَالِهَا، قَالَ: فَلَحِقُوا بِرَاعِي الْإِبِلِ، فَشَرِبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا، وَأَبْوَالِهَا حَتَّى صَلُحَتْ بُطُونُهُمْ، وَأَلْوَانُهُمْ، ثُمَّ قَتَلُوا الرَّاعِي، وَاسْتَاقُوا الْإِبِلَ … الحديث» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد، المسند، ٢١/ ٤٦٤ ح ١٤٠٨٦. والحديث بمعناه في الصحيحين.","vol":"1","page":112},{"text":"فالمرض المذكور في الحديث عظم البطن وانتفاخه وانتهاش العضد، ومعنى العضد الْمَنْهُوشُ: المَهْزول المَجْهُود (^١).\nوالسبب أنهم اجتووا المدينة. ومعنى اجتووا: أَيْ أَصَابَهُمُ الجَوَى وهُو المَرض ودَاء الجَوْف إِذَا تَطاولَ، وَذَلِكَ إِذَا لَمْ يُوَافِقْهم هَواؤها واسْتَوْخَمُوها. وَيُقَالُ: اجْتَوَيْت البَلَدَ إِذَا كَرِهْتَ المُقام فِيهِ وَإِنْ كُنْت فِي نعْمَة (^٢).\nأما طريقة العلاج المذكورة في الحديث شرب ألبان الإبل وأبوالها، مع السكن في الفلاة وفي المرعى، وشرب اللبن والبول طازجًا فور تحصيله من الناقة، ثم الهواء النقي، وأشعة الشمس.\nلا بد من إيضاح ذلك كله للباحث الآخر ليجعل ذلك في التجربة.\nوإهمال شيء منها قد يؤثر على فاعلية الدواء، والله أعلم.\n_________\n(^١) ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث والأثر، بتحقيق محمود الطناحي، نشر المكتبة الإسلامية، مادة (نهش) ٥/ ١٣٧.\n(^٢) ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث والأثر، مادة (جوا) ١/ ٣١٨.","vol":"1","page":113},{"text":"<span data-type='title' id=toc-72>الحديث الموضوعي وبرامج الحاسوب</span>\nتمكنت تقنية الحاسب الآلي من اجتياح حياة البشر بشكلٍ كبيرٍ، فأصبحت من الأمور التي لا غنى عنها، وأصبح الانسان يعتمد عليها اعتمادًا كبيرًا لتسهيل كافة أمور حياته، ولهذا صار جهاز الحاسب الآلي هو عصب الحياة.\nومن المعلوم أننا نعيش في هذا القرن فيما يسمى بعصر المعلومات، ويرجع الفضل -بعد الله- في نشر هذه المعلومات بمنتهى السهولة إلى تقنية الحاسب الآلي.\nإن المعرفة عامة والعلوم الإسلامية والسنة تنقلت بين وسائل نشر المعلومة؛ من الكتاب إلى الجريدة والمجلات العامة لسهولة وصول السنة وما يدور حول الحديث النبوي لأكبر شريحة من الناس، ومن ذلك سلسة الأحاديث الضعيفة للشيخ الألباني؛ الذي هو في أصله سلسلة مقالات متتابعة تحت عنوان: \"الأحاديث الضعيفة والموضوعة، وأثرها السيئ في الأمة\" في مجلة \"التمدن الِإسلامي\" (^١) ومنذ اختراع جهاز الحاسب الآلي؛ والمهتمون بنشر السنة يسعون إلى استخدام الإمكانيات التي يقدمها هذا الجهاز، فتنقلت دواوين السنة بين وسائل تخزين المعلومات على الحاسب الآلي حيث يقوم الحاسوب بمعالجة البيانات رقميًّا. ومن الوسائل التي استخدمت في نشر السنة إلكترونيا؛ الذاكرة (memory)  وأقراص التخزين (disks)  وهي الأماكن التي تخزن بها البيانات لتتم معالجتها.\n_________\n(^١) سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة (١/ ٤٠)","vol":"1","page":114},{"text":"ثم أصبح شائعًا في العصر الحديث استعمال المواقع الإلكترونية من خلال شبكة المعلومات العالمية (الإنترنت). تلك المعلومات التي في هذه المواقع تحمل في طياتها موسوعات ضخمة جدا تحوي مئات الكتب من مصادر السنة، بصفتها وسيلة نشر مشابهة للجرائد والمجلات في سعة الانتشار؛ بل تكاد تكون بديلا عن الكتب المطبوعة. كل ذلك من أجل تيسير سبل الوصول إلى خبر النبي -ﷺ- لجميع أمة الإسلام في أصقاع الأرض كلها، فتوافرت مواقع موسوعية تتناول الحديث رواية ودراية، وتتناول علم الرجال وجمع المصنفات المتعلقة بالحديث في برامج تيسر سبل الوقوف على الحديث النبوي، وكل ما يدور حوله.\nوفي الوقت الحاضر انتقلت شبكة الإنترنت مع استعمالاتها الضخمة وإمكانيتها من جهاز الحاسب الآلي إلى الهاتف النقال عن طريق تطبيقات الهاتف. وتطبيق الهاتف: هو عبارة عن برمجية يتم عملها بنفس شكل وخصائص مواقع الإنترنت، ويتم وضعه في سوق التطبيقات بحيث يتمكن أي مستخدم من تحميله على جواله، ويظهر هذا التطبيق كأيقونة على الجوال بمجرد الضغط على التطبيق يتم فتحه والاطلاع على محتويات الموقع بكل سلاسة وسهولة، لذا كان له أهمية كبيرة، حتى توجه له كل من استعان بالإنترنت على الكمبيوتر؛ للوصول لأكبر شريحة من المستفيدين.\nإن عصر السرعة الذي نعيش فيه اليوم يستدعي من الأمة الإسلامية وطلبة العلم منهم؛ العمل على ما يجعل المعلومة بين يدي الباحث عنها، بل وبين يدي العالم أجمع -أعني المعلومات عن الإسلام خاصة-؛ لأن مسؤولية الأمة في البلاغ عظيمة، وإن التقنية المعاصرة تخدم ذلك بأيسر السبل وأقل التكاليف، ويبقى الجهد البشري من الأمة والهمة العالية من العلماء وطلبة العلم والبذل السخي من الحكومات والمؤسسات العلمية والبحثية والخيرية، وهي مسؤوليتنا جميعًا نحو","vol":"1","page":115},{"text":"تبليغ الدين.\nوبهذه التقنية يستطيع المسلم الواعي إيصال نور الله تعالى للعالمين بسرعة مذهلة، وإلى جميع أقطار الأرض، حيث لا يمكن الوصول لها بالطرق التقليدية، كل ذلك دون تعقيد وبجهد يسير لا يقارن مطلقًا بما كان قبل عصر الكمبيوتر، وأيضًا وفّرت التقنية الحصول على المعلومة بسرعة وشمولية، وتبقى حاجة الأمة إلى الوعي بأهمية هذه التقنية، وكيفية تسخيرها، والاستفادة منها، والعلم بأهميتها وأثرها.\nإن الحاجة ماسة جدا لعرض المعلومات عن الإسلام وسنة النبي -ﷺ- وكل ما ينفع المسلم بطريقة ميسرة وبدون تعقيد ولا إطالة، وإنما المعلومة مباشرة وبدون مقدمات ليسهل على الباحث عنها الوصول إليها مباشرة عن طريق محركات البحث التي تنطبق بدقة على المعلومة المراد عرضها.\nإن من الوسائل التي تعرض عن طريقها السنة والاستفادة من الحديث وفقهه في هذه التطبيقات؛ الحديث الموضوعي عن طريق المنهجية العامة المتبعة فيه، والتي من شأنها أن تساعد في إنشاء مواقع إلكترونية وتطبيقات على المحمول تسهل الوقوف على الحديث في موضع الاستشهاد به بيسر وسهولة، ومن ذلك: مشروع بحث ما زلت أعمل عليه أنا وبعض من طالباتي؛ وهو تطبيق على المحمول بعنوان (دور الحديث النبوي في إصلاح الأسرة) والفئة المستهدفة والموجه لها التطبيق -بعد أفراد الأسرة-: مكاتب الاستشارات الأسرية العامة والخاصة التابعة لجهات معينة كالقضاء وما يتبعه من الإصلاح والتعليم والسجون كالأحداث وغيرها … عن طريق جمع الأحاديث والآثار وأقوال السلف المتعلقة بالأسرة في تبويب خاص يسَهّل الوصول للنص، وذلك بالاستعانة بعدد من المستشارين في شؤون الأسرة كما سيأتي لاحقا.","vol":"1","page":116},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-73> طريقة عرض الحديث عن طريق الحديث الموضوعي في المواقع الإلكترونية وتطبيقات المحمول:</span>\nيمكن إيجاز ذلك بأنه:\nعرض للحديث تحت تبويب مجمل لا يزيد عن عدة كلمات تنطبق على الحديث بدقة، ويكون الحديث بمثابة حل للإشكالية المطروحة في التبويب، وعرض ما يلحق بالحديث تحت أيقونات -اختصارات- تحت الحديث يتم عرضها عند الحاجة لها بالضغط عليها من المستفيد.\nشرح التعريف:\n• عرض للحديث:\nويشمل ذلك الحديث المرفوع والموقوف والمقطوع، وأقوال السلف.\n• تحت تبويب مجمل ينطبق على الحديث بدقة:\nوذلك كعنوان للحديث حيث يكون هذا العنوان هو الذي يهتدي به زائر الموقع إلى الحديث عند فتح الموقع أو التطبيق أو حتى عند البحث في منصات البحث العالمية المختلفة التي يستعملها الباحث عن المعلومة؛ مثل محرك البحث العالمي العملاق جوجل أو بينج والمعروف بـ \"  Bing\"  أو ياهو \"  Yahoo\"،  هذا التبويب يتبع تقسيما في الموقع متفرع من عنوان كبير تندرج تحته عناوين أصغر منها إلى أن نصل للحديث. ويمكن تشبيه هذه العملية بتقسيم أصحاب كتب الحديث لكتبهم كالكتب الستة وغيرهم؛ حيث قسمت هذه الكتب كتبًا وأبوابًا، ككتاب الطهارة والصلاة، وكل كتاب تحته أبواب، وهذه التراجم استفاد منها طلبة العلم في فهم فقه الحديث.","vol":"1","page":117},{"text":"• عرض ما يلحق بالحديث بأيقونات -اختصارات- تحت الحديث يتم عرضها عند الحاجة لها بالضغط عليها من المستفيد.\nأقصد بذلك المعلومات المتعلقة بالحديث وكل ما يلحق بالحديث من التخريج، وبيان ما يحتاج إلى بيان من مفردات غريبة في الحديث، أو تعليق لأهل العلم حول مسألة في الحديث، ولها علاقة بعنوان الحديث …، تحت أيقونات تحت الحديث يتم عرضها عند الحاجة لها بالضغط عليها من المستفيد.\nوتكون هذه الأيقونات على شكل رسم أو كلمة تدل على ما ينطوي تحتها من معلومات.\n\n•<span data-type='title' id=toc-74> مراحل البحث الموضوعي في برامج الحاسوب:</span>\nيطمح من ينشئ موقعًا أو تطبيقًا إلى إنشاء محتوى قيم وشيق للزوار المستهدفين لإبقائهم أطول مدة ممكنة في الموقع، والحرص على عودتهم إلى الموقع بشكل مستمر.\nوانشاء هذا الموقع يكون غالبًا بغرض استعماله وسيلة للربح عن طريق الإنترنت عن طريق زيادة الزائرين للموقع، وبالتالي الحصول على فرصة وضع إعلانات بمبالغ أكبر لشركات ومواقع أخرى على الموقع.\nولكن؛ تختلف المواقع في الدراسات الإسلامية عنها في غيرها وإن كانت تلتقي معها في الجوهر، حيث الهدف منها نشر السنة لبلوغ الأجر العظيم، وتكون في الغالب بأجر رمزي أو مجاني. ومع هذا فإنها تسعى جاهدة للوصول إلى أكبر شريحة من المستفيدين وعودتهم إلى الموقع بزيارات متتالية.\nمن أجل ذلك فإن الأبحاث في هذا المجال تمر بمراحل دقيقة يعتمد عليها نجاح الموقع والتطبيق، وهي كما يلي:","vol":"1","page":118},{"text":"<span data-type='title' id=toc-75>المرحلة الأولى: اختيار الموضوع:</span>\nيشترط في الموضوع أن يعتمد اعتمادًا كليًّا على السنة من اسم الموقع أو التطبيق، إلى آخر مرحلة فيه، ويفضل أن يخدم شريحة كبيرة من المجتمع، وأن تكون الحاجة ماسة للتعريف بتوجيه الشرع إليه، مع البعد والجهل لرأي الشرع فيه لدى العامة. ومثال ذلك ونحن بحاجة ماسة لتوجيه الشرع فيه: الأنظمة الغذائية، والطب البديل، والرياضة البدنية، ونظام الحمية. إذا جمعت في تطبيق واحد يشترك فيه باحث من السنة والطب البديل وطبيب متخصص في التغذية والطب الفيزيائي. فالحاجة ماسة جدًّا إلى توجيه الشرع لها، مع أنواع الحمية التي لا تتناسب مع كل الأجساد، وبعضها حثت السنة عليها كالصوم، ومثلها الرياضة البدنية اليومية، وفي حالة بعض الأمراض … وغير ذلك.\nفهذا التطبيق إذا صيغ بطريقة احترافية استفاد منه الأفراد والأطباء عند توجيه النصح لمرضاهم، وفي ذلك نفع عظيم وتوجيه للسنة، ونشر لها، وبيان للمعجزة التي جاء بها نبينا -ﷺ-.\n\n<span data-type='title' id=toc-76>المرحلة الثانية: تحديد الهدف والفئة المستفيدة من الموقع:</span>\nإن تحديد الهدف وتحديد الفئة المستفيدة من الموقع أو التطبيق جزء لا يتجزأ من تحقيق النجاح المرجو منه، ويتأكد ذلك في الأبحاث التي يُتوقع منها الانتشار كهذه الأبحاث التي تحويها هذه المواقع.\nتمثل الأهداف جانبًا من الأهمية لا يقل عن المشكلة ذاتها بل هي تساعد على تحديدها، حيث توضح الأهداف للقارئ ما يسعى إليه الباحث من بحثه، كما أن الأهداف التي يسعى إليها الباحث هي التي تحدد إجراءات بحثه التي يتّبعها بشكل منظم لتحقيق تلك الأهداف.","vol":"1","page":119},{"text":"والأهداف هي التي تحدد مدى الإضافة إلى ما هو معلوم، وتقديم حلول علمية مبرهنة من السنة للمشكلة المراد البحث فيها. ويمكن عادة في الأبحاث تحديد أهداف البحث بشكل واضح عن طريق طرح أسئلة والإجابة عنها من السنة، وبذلك يكون الهدف هو حل مشكلة البحث عن طريق السنة؛ فكثرة الطلاق هو مشكلة البحث مثلا؛ والهدف حل المشكلة عن طريق تقديم حلول بينتها السنة.\nإن تحديد الأهداف في البداية ضروري جدًا. ويمكن تحديد الأهداف بالتنبؤ، والفهم، ثم الوصف والشرح.\nيهدف البحث إلى تحديد المشكلة ثم التنبؤ بعد الفهم الدقيق للمشكلة بكل أبعادها للوصول إلى حلها مع وصف الحل. وأخيرًا الشرح للوصول للفهم المطلوب.\nفعندما تكون المشكلة هي الطلاق؛ لا بد من التنبؤ بالأسباب لهذه المشكلة، والأسباب لزيادة حالات الطلاق، ومن خلال الوقوف على الأسباب وأبعادها لا بد من التنبؤ للحل المناسب، ثم وصف الحلول عن طريق السنة من خلال الحديث النبوي والعنونة له بطريقة احترافية قائمة على الاختصار والدقة في اختيار العبارات.\nأما تحديد الفئة المستفيدة من البحث:\nفيمكننا تعريفها على أنها مجموعة من الناس توجه لهم ما تقوم بعرضه، باعتبار أنهم يجدون علاقة بينهم وبين ما تقوم بعرضه من خدمة مترجمة بمعلومات منتقاة من السنة بعناية، ومعروضة باحتراف تتناسب معهم في الحصول على المعلومة الدقيقة بكل يسر وسهولة ووضوح؛ للاستفادة من المعلومات المعروضة والتي بدورها ستساعدهم كثيرًا في توجيه حياتهم إلى الطريق الصحيح وستساعدهم في اتخاذ القرار السليم.","vol":"1","page":120},{"text":"ما الهدف من تحديد الفئة المستهدفة؟\nيفترض في الموقع الإلكتروني أو التطبيق أنه يساعد المستفيدين بما يقدمه من حلول على توجيهم التوجيه الإسلامي الصحيح، لذا لا بد من معرفتهم، وفي هذه الخطوة الوقوف على كل ما يفيد ويساعد في تقديم الخدمة لهم، وفي تحديدهم يمكن الوقوف على معلومات حول طريقة تفكيرهم، وهذا حتمًا سيساعد الباحث في عرض معلوماته بطريقة جاذبة يسهل الاستفادة منها. ومن ذلك:\n• تحديد أولويات الفئات المستهدفة.\n• تحديد الفئات المستهدفة الأكثر تأثيرًا.\n• وصف كل فئة من الفئات المستهدفة.\nكيف تحدد الفئة المستهدفة؟\nمن الضروري تحديد نوع الفئة المستهدفة، وهم المهتمون بما أقدمه والتي أرغب في الوصول إليهم مبدئيًّا. لذا فأنت بحاجة لتحديدهم، ويكون ذلك في أسماء محددة، تعبر عن الفئة التي تستهدفها من خلال منتجك أو خدمتك، كما أن هذه العملية تسهل عليك دراستهم بدقة وتعمّق شديد، ويجعلك فعلا تعرف كل شيء عن تلك الفئة، وطريقة تفكيرهم، وتتعرف على ما تواجهه هذه الفئة من مشكلات، أو تطمح إليه من أحلام، بما تقدمه لهم من خدمة يساعد ما تقدمه لهم في تحقيقها.\nفعليك جمع أكبر قدر ممكن من المعلومات عنهم، وعادة يكون ذلك كما يلي:\n• العمر: هل من تخاطبهم من الشباب أو المراهقين أم أنك توجه منتجك للكبار فوق الأربعين؟ أو الجميع وهكذا.\n• الجنس: هل منتجك موجه للرجال فقط أم للسيدات أم أنه منتج عام موجه للجنسين معًا؟","vol":"1","page":121},{"text":"• الموقع الجغرافي: هل أنت تخاطب أهل بلد معين، أم مدينة داخل الدولة، أم أن منتجك مفيد فقط لأهالي الضواحي والريف؟ أو أنه عام للجميع.\n• المستوى التعليمي والوظيفي: هل تخاطب متخصصًا في العلم الشرعي أو بعيدًا عن التخصص الشرعي ومتعمقًا في علوم أخرى لها صلة بالمنتج المقدم، أو ذا مستوى تعليمي متواضع …\n• معدلات الدخل ومصادره: هذا سيمنحك رؤية واضحة عندما تضع سياسات التسعير الخاصة بك كأن يكون التطبيق مجانيًّا أو بسعر رمزي.\nالنقاط السابقة هي النقاط الرئيسية التي تحتاجها لبناء نموذج لمعرفة عميلك المستهدف، والتي يمكن أن تحتاجها جميعًا ويمكن أن تستعين ببعضها فقط، وفي بعض المجالات تحتاج لدراسة العملاء بتعمق أكثر من ذلك لتستطيع توفير ما يحتاجه عملاؤك في الوقت والشكل المناسب لهم.\nإن هذه العملية ستحدد لك المعلومات التي تقدمها وطريقة عرضها، بحيث يستفيد منها كل من قمت بتحديدهم.\n• والآن يأتي السؤال: من أين لي بكل تلك البيانات عن العملاء المستهدفين؟\nهناك عدة مصادر يمكنك من خلالها جمع كل البيانات التي تحتاجها لبناء نماذج الفئة المستهدفة من العملاء لمنتجك أو خدمتك، من أقواها وأكثرها نفعًا:\n• الاستبانة: وضع استبانة عن الموضوع لتبدأ بفهم جمهورك بشكل أفضل من خلال أسئلة عن تفضيلات الأشخاص؛ إذا كانت لديك مشكلة … أو تنوي استشارة عن … أو كيف تريد معرفة رأي السنة في موضوع بحثك؛ إن استعنت في قناة رقمية. ويمكنك البدء في الاستبيان بالمعلومات الأساسية دومًا؛ كالعمر (الفئة العمرية)، الإقليم/ المنطقة، الجنس، ومستوى التعليم. فهذا الأمر سيقربك من الفئة المستهدفة وكيفية التعامل معهم.","vol":"1","page":122},{"text":"كما يمكنك نشر الاستبانة عن طريق التطبيقات الأوسع انتشارًا كالفيسبوك وتطبيقاته كالواتس أب وغيره، ثم تحليلها بالطرق المعتادة للوصول للمراد.\n• المقابلات الشخصية: يمكن أخذ المعلومات عن طريق المقابلات المباشرة لمن يرى الباحث أنهم فاعلين في مجال البحث؛ كالمستشار الأسري في مجال أبحاث الأسرة. والطبيب النفسي في أبحاث الطب النفسي. والطبيب والصيدلي في الطب النبوي. وهكذا … فإن هذه المقابلات ستعطي حتمًا تصوّرًا عن الفئة المستفيدة، وكيفية الوصول إليهم لتتحقق الفائدة.\n• ترتيب الفئات المستهدفة وتصنيفها إلى مجموعات صغيرة بحيث تحتوي كل مجموعة على القواسم المشتركة بين كل فئة وأخرى.\n• عند تحديد الشخصيات المؤثرة في كل مجموعة؛ ستبرز عدة شخصيات في الفئة المستهدفة الواحدة، يرى الباحث من هذه الشخصيات الشخصية المؤثرة على مكونات وأفراد ذات الفئة، لذا يجب تحديد المؤثرين للاستفادة منهم في وصول المعلومة النبوية لهم أكثر من غيرهم، والعمل على ذلك قدر المستطاع.\n• بعد تحديد المؤثرين، يتم تحليل شخصياتهم، وانطباعاتهم، وطرق التواصل معهم، وطريقة تأثيرهم على بقية مكونات الفئات المستهدفة، حتى يسهل تصنيف المؤثرين وفقًا لقوة كل منهم.\n• تشكيل الملف المعلوماتي: بعد جمع المعلومات حيث تكونت لدينا العديد من المعلومات عن الفئات المستهدفة، وأصبح لدينا ملفٌ معلوماتي كامل لكل فئة من تلك الفئات وطريقة الوصول إليها، أو التأثير عليها، ولا بد من ترتبيها وفق الأهم والأدنى حتى يمكننا الرجوع إليها عند ترتيب المعلومات النبوية، وتصنيفها. وهذا ما يجعل الباحث يشعر أن المستهدف من المعلومة أمامه، محاولًا جذبه بما يملكه من معلومات، وإقناعه بما تقدمه السنة له من حلول بطرقٍ يفهمها ويستوعبها دون","vol":"1","page":123},{"text":"ملل. ولا بد من العلم أن الفضاء الإلكتروني مزدحم بكم هائل من المعلومات، وكأنك في سوق كبير وفضاء واسع، فيه تنافس شديد، فلا بد من الجودة والدقة لنجاح الموقع أو التطبيق.\nمثال: علينا عند البحث في مشكلة الطلاق النظر في أسبابه، ومن ثم دراسة الأسباب، ثم تصنف وتقسم إلى محاور، وهذا التقسيم يعتمد على الفئات المستهدفة، وهي كلها تصب في حل المشكلة -الطلاق- بطريق مباشر أو غير مباشر، ويمكن تصنيف المشكلة كما يلي:\nضعف المعلومات لدى أطراف المشكلة أو أحدهم من الهدف من تكوين الأسرة، وهي أكبر من الناحية العاطفية والجنسية وتتعداها إلى نواحي أخرى مع تقادم الزمن؛ وهي في الحقيقة أعظم من الجمال أو المال وما ينظر إليه كثير من المقبلين على الزواج؛ كالسكن النفسي بين الزوجين والمادي والعقل وبعد النظر … وغيرها من المعاني التي تقوم عليها الأسرة.\nويمكن حل المشكلة تحت أكثر من عنوان، كل عنوان يخاطب الفئة المستهدفة مباشرة أو غير مباشرة، وسأعرض الأحاديث وكيف توجه للفئة المؤثرة مباشرة:\n(١) حديث أَبِي مُوسَى -﵁- أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: «لَا تُطَلَّقُ النِّسَاءُ إِلَّا مِنْ رِيبَة إِنَّ اللَّهَ -﵎- لَا يُحِبُّ الذَّوَّاقِينَ وَلَا الذَّوَّاقَاتِ» (^١) (٢) حديث: «أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة» (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه البزار في مسنده (٨/ ٧٠ ح ٣٠٦٦) وله شواهد كلها فيها مقال، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٣٣٥) وقال: رواه البزار والطبراني في الكبير والأوسط عن أبي موسى وأحد أسانيد البزار فيه عمران القطان، وثقه أحمد وابن حبان، وضعفه يحيى بن سعيد.\n(^٢) أخرجه أبو داود (٢٢٢٦) والترمذي (١/ ٢٢٣) والدارمي (٢/ ١٦٢) وابن ماجه (٢٠٥٥) وصححه الألباني في إرواء الغليل (٧/ ١٠٠).","vol":"1","page":124},{"text":"(٣) حديث: «أبغض الحلال إلى الله الطلاق» (^١) هذه الأحاديث موجهه بالدرجة الأولى وبشكل مباشر للزوجين. وللمستشار الأسري بالدرجة الثانية حتى يعمل عليها في توجيه للزوجين. وللقاضي والمكاتب الإصلاح التابعة للقضاء … وهكذا، لذا يمكن أن تدرج هذه الحديث تحت عنوان (الهدف من الزواج) هذا العنوان جاذب لأركان الأسرة وهم الزوجان بشكل مباشر. وللمستشار والمرشد بشكل غير مباشر.\n(٤) عن أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ خَبَّبَ امْرَأَةً عَلَى زَوْجِهَا، أو عَبْدًا عَلَى سَيِّدِهِ» (^٢) (٥) عن أبي الدَّرداء -﵁- قال: قال رسولُ الله -ﷺ-: «ألا أخبِرُكُم بأفضَلَ من درجةِ الصِّيامِ والصَّلاةِ والصَّدَقَة؟» قالوا: بَلَى يا رسولَ الله، قال: «إصلاحُ ذاتِ البَينِ، وفسادُ ذات البين الحالِقَة».\nفالحديثان الرابع والخامس موجهة للمرشد الأسري والقضاة ومكاتب الإصلاح؛ وفيه توجيه الاستشارة للإصلاح قدر المستطاع، والبعد عن الطلاق قدر المستطاع، وأن ذلك هو التوجيه النبوي، وفيه النهي عن التخبيب؛ بل تهدئة النفوس للإصلاح، وفيه بيان أجر من سعى للإصلاح.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٢١٧٨) وهو مرسل وروي بوجه ضعيف متصلا. والحديث ضعفه جماعة كالألباني، ومن صححه ابن باز حيث قال: هذا الحديث اختلف العلماء في وصله وإرساله منهم من ضعفه لإرساله، والصواب أنه لا بأس به، وأنه متصل، ومعناه: أن الطلاق ينبغي تركه إلا من حاجة، هو حلال ليس بحرام، ولكنه أبغض الحلال؛ لما فيه من التفرقة بين الرجل وأهله.\n(^٢) أخرجه أبو داود في السنن (٢/ ٢٥٤ ح ٢١٧٥) والنسائي في الكبرى (٩١٧٠) والحاكم في المستدرك (٢/ ٢١٤ ح ٢٦٩٥) وصححه الألباني.","vol":"1","page":125},{"text":"فالأحاديث الرابع والخامس موجهة لمن يقدم الاستشارة بالدرجة الأولى، وللزوجين بالدرجة الثانية، للنظر في حياتهما فقد يكون سببَ الخلاف طرفٌ ثالث يخبب أحدهما على الآخر كما ورد في معنى الحديث.\nفهذه الأربع الأحاديث وغيرها تساعد في حل المشكلة، وهي موجهة لمن يكون الحديث نافع له.\n\n<span data-type='title' id=toc-77>المرحلة الثالثة:</span>\nإذا كنت غير تقني، فإنه سيكون عليك تحديد الشريك المُناسب لتصميم التطبيق؛ أو الموقع حيث إن معظم المؤسسين غير التقنيين يقومون بالاستعانة بمن يساعدهم على التصميم المناسب. الذي يتواكب مع المادة العلمية التي يقدمها للمستفيدين بطريقة سهلة ومرنة. وهذا يساعد في التسويق للموقع، ومن العوامل الأولى لنجاحه. فالتطبيق الجيد هو الذي يكون لديه القدرة على إيجاد المعلومات والتنقل في التطبيق بطريقة سهلة وواضحة، كما أن التصميم السيئ سيبعد المستفيدين عن التطبيق مهما بذلت من جهد في جمع المعلومات أو التسويق له.\nنعلم جميعًا أن حجم التسارع المعرفي الرهيب قد جعل فكرة أن يقوم رجل واحد بكل شيء أمرًا مستحيلًا، لذلك ينبغي عليك قبل الشروع في تنفيذ موقعك الإليكتروني أن تفكر: هل يحتاج موقعك إلى التطوير والتحديث المستمر؟ هل تستطيع مواكبة التحديات الجديدة والتحديثات المتعاقبة لمحركات البحث حتى تظهر وتظل في الصفحة الأولى من محرك بحث مثل جوجل؟\nبالطبع سيكون الأمر مرهقًا للغاية، لذلك يجب عليك أن تفكر، هل ستقوم بتوظيف موظفين للقيام بهذه المهمة؟ أم ستعهد بذلك إلى إحدى شركات الحلول الرقمية والتسويق الإليكتروني المتخصصة؟ وينبغي عليك في كل الأحوال أن تعهد إلى المتخصصين الذين يوفرون لك أفضل النتائج في أسرع وقت ممكن حتى تظل","vol":"1","page":126},{"text":"مواكبًا للتطور الحادث في المجال التقني.\nكما أن صيانة الموقع الإلكترونيّ قبل إدراجه إلكترونيا مهم، حيث يجب فحص الموقع الإلكترونيّ قبل نشره، وفحصه بعد نشره بشكل مستمرّ؛ لضمان بقاء عمله بالشكل المطلوب، كما يمكن تحديثه ليواكب آخر المُستجدّات، مثل: دعم الأجهزة الحديثة، بالإضافة إلى متصفّحات الويب المختلفة، وهذا يساعد أيضًا في إضافة المزيد من المحتوى المستجد إلى الموقع باستمرار بما يتناسب مع جمهور المستفيدين.\nملاحظة:\nهذه الأبحاث مثالية للأبحاث المشتركة بين الباحث من السنة والباحث من قسم الحاسب وقد يحتاج إلى تخصصات أخرى كالطب أو الكيمياء … وغيرها.\n\n<span data-type='title' id=toc-78>المرحلة الرابعة:</span>\nبعد تحديد مشكلة البحث ووضوح الهدف منه والفئة المستهدفة يبدأ الباحث بجمع المادة العلمية بناءً على ما وقف عليه من معلومات عن المستفيدين وطريقة تفكيرهم، ووضع إطار عام للموقع وتقسيمات له، فيبدأ في جمع المادة العلمية المتعلقة بالسنة من الأحاديث وما حولها من أقوال السلف؛ من خلال استقراء عام لمصادر السُّنة المعتمدة، والتوسُّع في ذلك مع التأني والصبر، والاعتماد على المطبوع والمخطوط، والاستفادة من البرمجيات الإلكترونية ومواقع الشبكة الإلكترونية، ومن سائر أدوات البحث العلمي الحديثة.\nوفي أثناء جمع المادة العلمية؛ يضع أمام عينية الفئة المستفيدة من عمله، وكأنه يقنعهم بالتوجيه النبوي. إن ذلك سيجعل الباحث يغوص في كتب السنة والبحث والصبر للوصول إلى المعلومة التي سيستفيد منها من يستعمل الموقع.","vol":"1","page":127},{"text":"<span data-type='title' id=toc-79>المرحلة الخامسة: وضع مخطط للعمل أو خطة للموقع أو التطبيق:</span>\nبعد جمع المادة العلمية لا بد من وضعها في تقسيم دقيق يسهل الوصول إلى هذه المعلومات بكل سهولة؛ لأن فئة كبيرة ممن يستخدم الموقع أو التطبيق لا يتصفح التطبيق أو الموقع؛ وإنما يستعمل محركات البحث التي تقوده لعملك، وهذا يستدعي أن تراعي ذلك في انتقاء العبارات الأكثر شيوعًا؛ فهذا سيساعد في وصول العميل للمعلومة.\nإن التخطيط للموقع الإلكترونيّ أو التطبيق قبل البدء بتصميمه، يساعد كثيرًا في سير العمل ونجاحه أيضًا، ومن الأمور التي يجب مراعاتها قبل وضع المخطط تحديد نوعه الذي يؤثِّر بدوره لاحقًا في عمليّة التصميم، كما يتمّ تحديد كيفيّة تنقُّل الزائر داخل الموقع عن طريق إنشاء خريطة للموقع، توضِّح بنية الموقع وصفحاته بالإضافة إلى الوصلات التي يتضمّنها، كما يتم أيضًا في مرحلة تخطيط الموقع الإلكترونيّ تحديد محتوى الموقع من نصوص وما يتبعها من وصف كالتخريج وبيان للمعاني والفقه … أو صور -إن احتيج للصور- كصور لبعض الأعشاب أو أعضاء الجسم الوارد ذكرها في الأحاديث أو كتب الفقه (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-80> مخطط المادة العلمية القائمة على السنة:</span>\n(١) مقدمة يتم فيها التعريف بالموقع وعادة يعنون له بأيقونة (من نحن) يتم فيها التعريف بكل ما يتعلق بالموقع أو التطبيق، وتتضمن عادة:\n• موضوع الموقع باختصار.\n• تقسيمات الموقع.\n_________\n(^١) يفترض فيمن يستعمل التطبيق أن حصيلته في اللغة العربية ضعيفة فوضع صورة لما ورد في الحديث من كلمات غامضة أقرب لوصول المعلومة.","vol":"1","page":128},{"text":"• الخدمات التي يقدمها الموقع.\n• الهدف من الموقع.\n• الفئة المستفيدة من الموقع.\n• الجهة التي يتبع لها الموقع، والتعريف بالقائمين عليه.\n• وضع وسيلة للتواصل والاقتراحات.\n(٢) المادة العلمية وتقسيمها داخل الموقع أو التطبيق:\nيقسم الموقع إلى أقسام كبيرة كعنوان يندرج تحت كل قسم منها أقسام تتفرع منها، وتحت كل منها الحديث، ثم يوضع تحت الحديث أيقونات يشار بها بعلامة معينة دالة على ما بداخلها كالتخريج، وبيان للفقه، وأيقونة المشاركة … وغير ذلك مما هو لازم إيضاحه من معلومات. ويراعى في هذه التقسيمات أمور منها:\n• الدقة في اختيار عبارات العنوان؛ لأنها باختصار هي التي ستقود الباحث عن الحديث إلى مراده والوقوف على فقهه مختصرًا من خلال العنوان الدال عليه، لذا لا بد من الدقة المتناهية في اختيار العبارات السهلة المفهومة والدارجة على ألسنة الناس المستقاة من الحديث، والبعد عن العبارات غير المعروفة؛ ليسهل الوصول إليها من كافة المستفيدين.\n• العنوان (الترجمة) هي رسالة الباحث للمستفيد ولا بد أن تنطبق على الحديث بشكل مباشر، وفي حال خفيت الصلة بين العنوان والحديث -وهذا أمر يعرفه أهل الحديث-؛ فإنه لا بد من البيان تحت الحديث بعبارة مختصرة وإن احتيج للتتمة والإيضاح فيكون في أيقونة فقه الحديث.\n• لا بد من ألا يزيد العنوان عن سطر، وتكون عبارته بين الفكرة التي تريد إيصالها للمستفيد وفقه الحديث. إن عملية الانتقاء هذه تدل على مدى قدرة الباحث","vol":"1","page":129},{"text":"على الاستنباط وسعة علمه، وهي أشبه ما تكون بتراجم الكتب والأبواب عند المحدثين، التي لها مكانة عند أهل العلم.\n• كن دقيقًا في انتقاء الكلمات، وأن تكون مؤثرة، فربما عباراتك تنتشر في الأفاق عن طريق مشاركة العميل عباراتك في وسائل التواصل عن طريق أيقونة المشاركة التي تسمح للعميل بنشر معلومات التطبيق، فيبلغك بإذن الله أجر تبليغ السنة، وهو المطلوب.\n• لا مانع من تكرار الحديث في أكثر من قسم وتحت أكثر من عنوان، فالنبي -ﷺ- أوتي جوامع الكلم، والحديث يستدل به على مسائل عدة وفي أبواب عدة في الفقه، وهذا معروف عند أهل العلم.\nمثال للتقسيم:\nفي بحث (دور الحديث النبوي في إصلاح الأسرة)\nقسم إلى أقسام كبيرة تتفرع من كل قسم أقسام أصغر، والأقسام الكبيرة هي:\n١. أخلاق المهنة لمن يمتهن الاستشارات الأسرية والإصلاح وتوجيه المقبلين على الزواج.\n٢. العلاقات التي تقوم عليها الأسرة.\n٣. الهدف من تكوين الأسرة.\n٤. حق الزوجة.\n٥. حق الزوج.\n٦. حق الأبناء.\n٧. حق الوالدين على الأبناء.\n٨. حق الجد والجدة.","vol":"1","page":130},{"text":"٩. حق الأخت والأخ.\n١٠. حق الخال والخالة.\n١١. حق العم والعمة.\n١٢. صلة الرحم.\nوكل قسم تحته أقسام متفرعة منه، ولنأخذ القسم الثاني: العلاقات التي تقوم عليها الأسرة:\nتقوم الأسرة على كم كبير من العلاقات والعواطف والمشاعر المعقدة بين أفرادها؛ من الزوج والزوجة … حتى تصل إلى أبعد عنصر فيها، وهي مجموعة من العواطف والمشاعر والحقوق؛ التي بينتها الشريعة وقد تتفرد الشريعة ببعضها فلا نجدها إلا عند الدين الإسلامي، بل تقوم على بعضها الحقوق التي يحاسب المكلف عليها، وفي تعلمها وأدراكها صلاح للأسرة، وهي تتفرع لأقسام:\n• الحب.\n• الكراهية.\n• الحنان.\n• العطف.\n• اللين.\n• الشدة.\n• التجاوز.\n• التغافل.\n• العشرة.\n• النفقة.\n• التقوى.","vol":"1","page":131},{"text":"• التراحم.\nولنأخذ تفصيل الفرع الأول:\n• الحب: وهو فروع:\n• ما ذا يعني الحب.\n• حب الزوجة.\n• حب الزوج.\n• حب الوالد لولده.\n• حب الأم لولدها.\n• حب البنات من الذرية.\n• حب الأولاد من الذرية.\n• حب البنت لأبيها.\n• حب البنت لأمها.\n• حب الولد لأمه.\n• حب الولد لأبيه.\n• محبة الأخت.\n• محبة الأخ.\n• محبة الجدة والجد.\n• محبة من لهم صلة الرحم.\n• محبة الصديق.\n• المحبة في الله.","vol":"1","page":132},{"text":"كل قسم تحته حديث أو أحاديث فيها توجيه نبوي يدل عليه، وقد يحتاج إلى تعريف قبل ذكر الحديث، وهي مشاعر قد تكون مجهولة عند البعض وفي تعلمها خير عظيم.\nثم أيقونات تدل على التخريج والفقه …\n• ولزيادة الإيضاح سأذكر طريقة العمل في الفقرة الأولى (ما ذا يعني الحب):\nالحب بالمعنى العام المشترك هو: المشاعر والعواطف والأحاسيس التي تنشأ بين شخصين يوجد بينهم ترابط قوي وإخلاص وأمانة في العلاقة، ينشأ عنه الشعور بالارتياح، وتتولد عنه بعض الانفعالات؛ كالفرح والحزن والبكاء والشوق واللهفة والابتسامة والغضب واللوم والمعاتبة والأمل والتضحية.\nالإرشاد النبوي في التحكم في هذه المشاعر:\nعن أبي هريرة وعبد الله بن عمرو بن العاص وابن عمر وعلي بن أبي طالب -﵃- مرفوعًا: «أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ بَغِيضَكَ يَوْمًا مَا، وَأَبْغِضْ بَغِيضَكَ هَوْنًا مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ حَبِيبَكَ يَوْمًا مَا» (^١)\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في السنن (٣/ ٣٢٨ ح ١٩٩٧) والطبراني في «الأوسط» (٣٣٩٥) من طرق عن أبي هريرة وصححه الألباني وقال: في كتاب غاية المرام في تخريج أحاديث الحلال والحرام (ص: ٢٧١): وخلاصته أن الحديث من طريق ابن سيرين -عن أبي هريرة- صحيح مرفوعًا بلا ريب، والله أعلم.\nوأخرجه البخاري في الأدب المفرد (ص: ٤٤٨ ح ١٣٢٢) والبيهقي في شعب الإيمان (٨/ ٥١٨ ح ٦١٣٧ وح ٦١٧٤) والبغوي في شرح السنة (١٣/ ٦٥ ح ٣٤٨١) من حديث علي بن أبي طالب مرفوعًا وهو ضعيف والصحيح وقفه على عليٍّ كما قاله الألباني في كتاب غاية المرام في تخريج أحاديث الحلال والحرام.\nوأخرجه الطبراني في «الأوسط» (٥١١٩) من حديث ابن عمر، وفي (٥١٢٠) من حديث ابن عمرو بن العاص بطرق لا بأس بها، والله أعلم.","vol":"1","page":133},{"text":"وعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -﵁- قَالَ: (لَا يَكُنْ حُبُّكَ كَلَفًا، وَلَا بُغْضُكَ تَلَفًا، فَقُلْتُ: كَيْفَ ذَاكَ؟ قَالَ: إِذَا أَحْبَبْتَ كَلِفْتَ كَلَفَ الصَّبِيِّ، وَإِذَا أَبْغَضْتَ أَحْبَبْتَ لِصَاحِبِكَ التَّلَفَ) وفي رواية: (فَلَا تَبْغَضْ بُغْضًا تُحِبُّ أَنْ تُتْلِفَ صَاحِبَكَ أو تُهْلِكَ) (^١) وَقَالَ الْحَسَن: \"أَحِبُّوا هَوْنًا، وَأَبْغِضُوا هَوْنًا، فَقَدْ أَفْرَطَ أَقْوَامٌ فِي حُبِّ أَقْوَامٍ، فَهَلَكُوا، وَأَفْرَطَ أَقْوَامٌ فِي بُغْضِ أَقْوَامٍ فَهَلَكُوا\" (^٢)، وَهذه الصفة من صفات عثمان -﵁- كما وصفه بها عمر -﵁- حيث قَالَ: (وَكَيْفَ لِي بِعُثْمَانَ؟ فَهُوَ رَجُلٌ كَلِفٌ بِأَقَارِبِهِ؟) (^٣) أَيْ شَدِيدُ الحُبِّ لَهُمْ. والكَلَف: الوُلُوع بِالشَّيْءِ، مَعَ شُغْل قَلبٍ ومَشَقَّة (^٤).\nبعد العنوان والحديث أيقونات: التخريج والفقه …:\nتخريج الحديث:\nيراعى في التخريج موضع الحديث من كتب السنة والحكم عليها باختصار، كما في الهامش.\nفقه الحديث:\nيذكر من الفقه ما يفيد العنوان فقط وما يقنع الزائر بالمعلومة ويوضحها باختصار، ومثاله:\nأرشد الحديث والآثار على ضبط المحبة المطلقة، والتي تربط البشر بعضهم ببعض، وذلك بالنهي عن المبالغة والإفراط الشديد في الحب، وما يترتب على هذا الحب من مشاعر وانفعالات وأفعال، وكذلك النقيض بالبغض حيث لا بد من التوازن فيها. دون اندفاع في العواطف حبًا وبغضًا. فإنها إذا جاوز المرء الحد ففعله\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (ص: ٤٤٨ ح ١٣٢٢) والبيهقي في شعب الإيمان (٨/ ٥١٨ ح ٦١٣٧) وصححه الألباني.\n(^٢) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٨/ ٥١٨ ح ٦١٧٤)، والبغوي في شرح السنة (١٣/ ٦٥ ح ٣٤٨١).\n(^٣) أخرجه ابن شبة في تاريخ المدينة (٣/ ٨٨٣).\n(^٤) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ١٩٧).","vol":"1","page":134},{"text":"مذموم، ولا شك أن القصد والاعتدال في الأمور مما يوافق الشرع، ومن أسباب طمأنينة النفس وانشراح الصدر وإخلاص المحبة وصفاء الود لهم، وليس المراد أن يكون المرء منقبضًا حذرًا من أخيه سيء الظن به، بل الأصل في المسلم سلامة الصدر وإحسان الظن بإخوانه المسلمين.\nواعلم أن القلب إذا امتلأ بمحبة الله ورسوله، -وهذا إرشاد شرعي يقوم عليه الإيمان بالله- فإنه حتما ستكون محبة من سواهما في وضعها الطبيعي دون تجاوز قدرها، وصارت تابعة لمحبة الله ورسوله، وهذا هو القلب السليم الذي يعيش صاحبه في جنة الدنيا والآخرة.\nوهذا لا يعني جفاف المشاعر، فالابتسامة وطيب الكلام وحسن العشرة مطلوب إبداؤه مع من تحب، وهذا يؤدي إلى زيادة المحبة.\nومن الإرشاد النبوي للمحبين أن تُعْلِم أخاك بمحبتك له، فعَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ -﵁- قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- «إِذَا أَحَبَّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُعْلِمْهُ إِيَّاهُ» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-81>المرحلة السادسة:</span>\nبعد الانتهاء من جمع المادة العلمية ووضعها في القوالب المناسبة لها، لا بد من العمل على بعض الأمور الواجب مراعاتها في الموقع والتطبيق لضمان جودة العمل وبقاء المستخدمين أكبر وقت ممكن.\nأثبتت الدراسات أن المستخدم يقضي في المواقع العامة والتطبيقات على وجه الخصوص؛ ما يقارب ٣٠ ساعة في الشهر، بين استخدام المواقع الإلكترونية وتطبيقات الهواتف الذكية، ومن أجل هذا لا بد من بناء موقع أو تطبيق لعملك يحقق أهدافك في تبليغ السنة.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في \"الأدب المفرد\" (٧٩) وأبو داود (٢/ ٣٣٣) والترمذي (٢/ ٦٣) وابن حبان (٢٥١٤) والحاكم (٤/ ١٧١) وأحمد (٤/ ١٣٠) وصححه الألباني.","vol":"1","page":135},{"text":"يعتمد عدد تنزيلات الموقع أو التطبيق على الجوال على الكثير من العوامل، وقطعًا في عالم الفضاء الإلكتروني لا تكفي المادة العلمية، فمما لا شك فيه أن جودة المادة العلمية أمر لا يمكن أن يقوم العمل إلا به، إلا أنه لا بد من العناية ببعض الأمور التي تجعل موقعك أو تطبيقك أكثر شعبية، وأن تزيد من عدد التنزيلات بشكل مستمر، فماذا تصنع من أجل زيادة عدد تحميلات تطبيقك؟\nما تستطيع عمله للعناية بذلك يمكن حصره في أمرين:\n١. العمل على جذب أكبر عدد من الزائرين، وبقاؤهم على اتصال بالموقع أو التطبيق أكبر وقت ممكن، والعمل على أن يستغني الزائر بموقعك أو التطبيق الخاص بك عن كثير من وسائل المعلومات الأخرى والبرامج الأخرى.\n٢. العمل على التطوير المستمر للموقع أو التطبيق حتى لا يقل عدد زائريه؛ حيث إن السوق الإلكتروني مليء بالمنافسة الشرسة، بل من الممكن أن تؤخذ فكرتك وعملك من مُنْشِئ آخر يعمل على التطوير والتحسين مما يجذب الزائر له بقوة، ويميت موقعك.\n\n•<span data-type='title' id=toc-82> عوامل نجاح الموقع والتطبيق:</span>\n<span data-type='title' id=toc-83>أولا: العمل على جعل الموقع أو التطبيق في قالب إلكتروني جاذب وسهل ومفيد، ويمكن ذلك بمراعاة ما يلي:</span>\n(١)<span data-type='title' id=toc-84> تسمية الموقع أو التطبيق:</span>\nاكتب اسمًا فيه وصف دقيق لتطبيقك، وفي التعريف بالموقع صف الموقع أو التطبيق وصفًا تتضح فيه وظيفة التطبيق وفكرته وأهم المميزات التي يحتويها، هذا الوصف سيساعد المستخدمين على التعرف على تطبيقك، وسيزيد من ترتيب التطبيق، وهذا سينتج عنه زيادة عدد التحميل.","vol":"1","page":136},{"text":"(٢)<span data-type='title' id=toc-85> استخدم الكلمات المفتاحية:</span>\nمن الأمور التي تزيد من عدد زيارة موقعك وتحميل تطبيقك؛ استخدام أهم الكلمات المفتاحية في الوصف وداخل ملفات التطبيق، بطريقة طبيعية بدون تكلف، على سبيل المثال، إذا كان تطبيقك هو عن الطب النبوي والأعشاب، فمن الجيد استخدام عبارات: صحي، مريح، منعش …؛ لأن هذه الكلمات من الدارج أن يستعملها من يبحث عن هذه الأعشاب.\nكذلك حاول أن تستخدم الكلمات الأكثر بحثًا من المستخدمين، والأكثر شيوعًا في مخطط الكلمات الرئيسية لإعلانات المشغل لموقعك \"  AdsKeyword Planner\"  مع تجربة بعض مدخلات البحث وملاحظة المقترحات التي يقترحها المشغل، ومحاولة تحسين محركات البحث لصالحك (^١).\n\n(٣)<span data-type='title' id=toc-86> لغة التطبيق:</span>\nتحديد لغة التطبيق؛ من القرارات الأولية التي يجب أن تكون قد حددتها في مرحلة التطوير، وحسب الفئة التي تستهدف بها التطبيق. ومن الجيد أن تتوفر أكثر من لغة يستطيع المستخدم الوصول بها للمعلومات، فمثلًا إذا كنت تستهدف غير المتحدثين بالعربية، فيجب أن يوفر التطبيق لغة هذه الفئة مع العربية.\n\n(٤)<span data-type='title' id=toc-87> التخفيف قدر المستطاع من شروط التسجيل أو السماح، والحرية في تصفح الموقع أو التطبيق:</span>\nمن الأمور التي قد تجعل بعض المستخدمين لا يقوم بتنزيل التطبيق هي وضع شروط للاستخدام، حيث قد يشك البعض في بعض الأذون لماذا قد يحتاجها\n_________\n(^١) هذه خدمة تقدمها جميع الشركات كجوجل والشركات التابعة لها، وأبل وجميع أدوات التشغيل التابعة لها، وفيسبك والبرامج التابعة لها … حيث تقدم هذه الشركات خدمة للمستفيد، وهي أن يضع المستفيد مخطط للكلمات التي تساعد الباحث عن المعلومة للوصول لموقعك أو التطبيق الخاص بك.","vol":"1","page":137},{"text":"تطبيقك؟، وهي في ظاهر الأمر لا علاقة لها بوظيفة التطبيق.\nإن السهولة والبساطة في التنقل داخل الموقع وعدم وضع قيود على ذلك من شأنه انتشار الموقع وكثرة الزائرين، وهذا هو بلا شك مبتغى القائمين على المواقع الإسلامية للوصول لأجر تبليغ الدين.\n\n(٥)<span data-type='title' id=toc-88> سهولة التنقل والبحث داخل الموقع أو التطبيق:</span>\nمن مميزات الموقع أو التطبيق الناجح التي يمكنك توفيرها هي: أن تُضيف شريط تنقل بسيط يربط بين الصفحات المهمة في تطبيقك، ويسهل على المستخدمين التنقل في التطبيق خصوصًا. من أجل هذا؛ ضع في الحسبان تقسيم صفحات تطبيقك وتصنيفها بشكل سهل وواضح في شريط تنقل بسيط. بالإضافة إلى ميزة شريط التنقل. كما يعد خيار البحث ميزة قوية لإضافتها، وعلى الرغم من بساطتها إلا أن التطبيق الناجح بحاجة إلى خيار البحث حتى يسهل للمستخدمين الوصول بيسر للمحتوى.\n\n(٦)<span data-type='title' id=toc-89> وضع مميزات تزيد التفاعلية مع التطبيق:</span>\nالتطبيق الناجح يحفز المستخدم على التفاعل معه بشتى الطرق، وذلك بإضافة تصميم أو محتوى تفاعلي يمكن أن يساعد على تحقيق هذا الهدف، ولا يوجد طريق مختصر لإدمان المستخدمين لتطبيقك أفضل من استخدام مبادئ إنزال المعلومات إلى أرض الواقع ووضع التطبيق عن طريق حلول يطبقها المستفيد بطرق مختلفة، تؤدي في النهاية إلى أن يكون الهدي النبوي في حيز التنفيذ، والتي تزيد من ارتباط المستخدم بالتطبيق أكثر فأكثر، مع وضع خطة تحفيز للمستفيد عن طريق توفير ملف شخصي لكل مستخدم يقوم فيه بجمع النقاط كلما تفاعل أكثر مع التطبيق، وتوفير صفحة تقارن نقاطه بنقاط المستخدمين الآخرين.","vol":"1","page":138},{"text":"ومن الأفكار الأخرى أيضًا تقديم التطبيق على أنه رحلة حياتية قصيرة يحوز فيها المستخدم على ألقاب ومميزات كلما استطاع أن ينتقل من مرحلة إلى الأخرى. الأمر يبدو كالإنجاز وما يترتب عليه من تغيير إلى الأفضل، وهذا المقصود والمبتغى، كما تعد الإشعارات والتنبيهات \"  Notifications\"  من مميزات التطبيق الناجح التي تشجع المستخدمين على التفاعل، وتذكرهم بخصوص مهمة أو خطوة عليهم إنهاؤها في وقت محدد (كأذكار الصباح والمساء) أو إعطاء ملخص أو تقرير عن استخدام التطبيق وغيره.\nمثال ذلك: أثر الذكر في طمأنينة النفس وزوال الاكتئاب بعد ذكر التوجيه الوارد في الآيات والأحاديث الواردة في الذكر وأثره على النفس، يأتي الإرشاد في كيفية التطبيق بوضعها في جدولة يومية وأسبوعية مع إرسال تنبيه فيه تذكير للمستخدم بموعد الذكر، ومتابعة المستفيد بأن يرسل إنجازه وشعورة، ثم التشجيع … وهكذا.\n\n(٧)<span data-type='title' id=toc-90> إمكانية التخصيص:</span>\nمن مميزات التطبيق الناجح التي يحبها المستخدمون كثيرًا هي إمكانية التخصيص، كتغيير الألوان والخطوط؛ لهذا يمكنك توفير إمكانية التخصيص بخيار الضبط لملائمة قطاع عريض من الجمهور، كما أن الأكثر أهمية فيما يخص التخصيص هو خيارات الخصوصية التي يهتم بها الكثير من المستخدمين، فلا تدع المستخدم يختار أمرًا عند تنصيب التطبيق ثم يكتشف أنه لا يستطيع تغييره؛ حينها سيقرر المستخدم حذف التطبيق من الهاتف.\n\n(٨)<span data-type='title' id=toc-91> الأداء والسرعة والبساطة والسهولة:</span>\nكلما كان الموقع أو التطبيق سهلا في الدخول إليه والتنقل بين صفحاته، سِمَته اليسر بعيدًا عن التعقيد؛ أقبل عليه المستفيدون، بل المكوث معه مدة أطول والاستفادة منه إلى أقصى حد ممكن وهو المرجو والمبتغى.","vol":"1","page":139},{"text":"فإذا كنت ستقوم بتوظيف مطور تطبيقات؛ فمن الجدير بالذكر أن المطور المحترف ليس هو من يقوم بأداء المهمة فقط، بل من يجعل التطبيق الناجح يعمل بأحسن حالاته مستفيدًا من إمكانيات الهاتف بعناية، وذلك لأن أداء التطبيق من العوامل الرئيسية لإعجاب المستخدم بالتطبيق، وعندما يضغط المستخدم على زر فهو يتوقع أن يستجيب في جزء أقل من الثانية، وإذا كان التطبيق يقوم بأي مهام في الخلفية فأعلِم المستخدم بطريقة لطيفة أنه يمكنه الانتظار بضع ثوان.\nقد يتجه الكثير من المشغلين إلى تضمين التطبيق خصائص رائعة لكنها أكثر من اللازم، وذلك يضع المستخدم في حيرة كبيرة وتشتت، لذا حدد مميزات تطبيقك الرئيسية ثم وفرها للمستخدم بكل بساطة واختصار بعيدًا عن التكلف، فالتطبيق الذي يقوم بوظيفته بهذا الشكل هو التطبيق الناجح الأمثل لاختياره من قبل المستخدمين باستمرار.\n\n(٩)<span data-type='title' id=toc-92> إمكانية التصفح بدون إنترنت (أوفلاين):</span>\nإذا كان تطبيقك يحتاج اتصالا بالإنترنت فبإمكانك الاستفادة من توفير هذه الخدمات أو المحتوى بدون الإنترنت (أوفلاين)، وهذه الخاصية ستزيد من تفاعل وارتباط المستخدم بالتطبيق، فإذا كان التطبيق خاصًّا بالمحتوى يمكنك مثلًا توفير خاصية حفظ ما يحتوي من معلومات لقراءتها فيما بعد، أو حفظ المحتوى على الهاتف وتحديثه كلما توفر الأمر.\nالتطبيق الجيد هو ما يحافظ على علاقته مع المستخدم مهما كانت الظروف، وقد تساعدك التطبيقات الهجينة في توفير هذه الميزة بشكل جيد.\n\n(١٠)<span data-type='title' id=toc-93> الترويج للتطبيق:</span>\nيسمح لك جوجل بلاي أو أبل ستور بإرفاق فيديو ترويجي للتطبيق يتم فيه شرح فكرة التطبيق ومميزاته بطريقة سهلة وبسيطة وسريعة، وفي خلال دقيقة","vol":"1","page":140},{"text":"أو دقيقتين سيفهم المستخدم ماهيّة تطبيقك، كذلك لا تنس أنه ربما تحتاج لترجمة مكتوبة للفيديو إذا كنت تستهدف أكثر من لغة في تطبيقك، ويمكنك استخدام نفس الفيديو لترويجه في الشبكات الاجتماعية، أو الحملات الإعلانية التي تستعين بها لتسويق التطبيق.\n\n(١١)<span data-type='title' id=toc-94> التسجيل عن طريق المنصات الاجتماعية المشهورة:</span>\nهذه الميزة قد تساهم في زيادة عدد التحميلات بشكل غير متوقع وذلك لأنها الأسرع، حيث يمكن للمستخدم الدخول على التطبيق من أي هاتف أو تابلت بدون الحاجة لإدخال البريد وكلمة السر في كل مرة. إن توفير التسجيل بالحسابات الاجتماعية المشهورة من مميزات التطبيق الناجح التي يجب أن تؤكد على المطور بتضمينها داخل التطبيق. ومن المنصات التي ينصح بها الفيسبوك وجوجل بلس وتويتر حيث تعد الشبكات الأشهر التي يمكنك توفير التسجيل من خلالها ليقوم المستخدم التسجيل بواسطتها.\nختامًا؛ بناء التطبيق والموقع الناجح هو قرار مهم، ومفيد جدًّا، ومن أجله عليك بناء تطبيق بسيط يتفاعل معه المستخدمون بأداء سريع، ويوفر لهم خاصية التقييم والتنقل بين الصفحات بسهولة، والتسجيل من خلال الحسابات الاجتماعية وغيرها، والكثير من مميزات التطبيق الناجح التي سيساعدك في بنائها واختبارها توظيف أحد مطوري التطبيقات على منصة مستقل.\nوالآن كيف أحافظ على ما أنجزته أكبر وقت ممكن؟\nهذا لا يمكن إلا بالمتابعة المستمرة والتقييم المستمر، مع التطوير. وهو الأمر الثاني الواجب متابعته لنجاح العمل.","vol":"1","page":141},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-95> ثانيًا: التقييم والتطوير المستمر:</span>\nيجب أن تعلم أنه ما لا يمكن قياسه لا يمكن إدارته أو تطويره.\nويمكن تشبيه إهمال القياس بمن يقوم بأداء تمارين رياضية شاقة لخسارة بعض الوزن دون معرفة أو قياس وزنه!! كيف يمكنك تحديد مدى التقدم الذي تحرزه أو مدى فعالية تلك التمارين إذا لم تقس معدل خسارة الوزن؟\nعند تطبيق هذا المبدأ على مجال التصميم والبرمجة والمعلومات التي يقدمها الموقع أو التطبيق؛ فلا شك أن مؤشرات قياس الأداء من أهم الأدوات الأساسية لضمان نجاح العمل الخاص بمشروعك؛ حيث تكمن أهمية وجود مؤشرات قياس علمية في كونها تقدم صورة واقعية ودقيقة لمعدلات الأداء في صورة أرقام وبيانات، ومن ثم يمكنك استخدام تلك البيانات في إجراء بعض التعديلات والاصلاحات اللازمة لتحسين أداء الموقع أو التطبيق.\nهناك أربعة أنواع من المؤشرات عليك متابعتها باستمرار، وقد قُسّمَت تلك المؤشرات حسب الفريق المختص والمسؤول عن تحليل وتحسين تلك المعدلات إلى ما يلي:\n\n<span data-type='title' id=toc-96>أولًا: مؤشرات الاستحواذ:</span>\nترتبط مؤشرات الاستحواذ بشكل مباشر بعدد المستخدمين وعدد التنزيلات، وكذلك نسبة المستخدمين النشطين بشكل يومي أو أسبوعي أو شهري، ويعتقد الكثير أن عدد التنزيلات هو المعيار الأهم لتقييم أداء التطبيق، وهذا اعتقاد خاطئ تمامًا؛ فقد يكون مجموع التنزيلات لتطبيق ما مليون تنزيل؛ ولكن عدد المستخدمين الفعليين للتطبيق ٢٠٠ ألف مستخدم فقط، مما يعني أن هناك ٨٠٠ ألف مستخدم قاموا بحذف التطبيق، أو لم يسجلوا دخولهم من الأساس، وهذا بسبب","vol":"1","page":142},{"text":"عيب في التطبيق.\nلذا لا بد من تحليل مؤشرات الاستحواذ والمتابعة. ووضع الاستراتيجية المناسبة لتحسين معدل التنزيلات وزيادة عدد المستخدمين النشطين.\n(١) التنزيلات (Downloads)\nمن خلال هذا المؤشر يمكنك حساب عدد تنزيلات التطبيق يوميًّا وأسبوعيًا وشهريًّا، ويمكنك أيضا معرفة إذا كان عدد التنزيلات في تزايد أم تناقص، وتقييم مدى تفاعلهم مع التطبيق أو الموقع.\n(٢) نسبة المستخدمين النشطين شهريًّا (Monthly Active Users Rate)\nيقوم هذه المؤشر بقياس عدد المستخدمين النشطين الذين قاموا بتفعيل حساباتهم على التطبيق، واستخدامه بشكل دوري، فمن خلال متابعتك لأعداد المستخدمين يوميًّا أو أسبوعيًّا أو شهريًّا يمكنك تقييم أداء تجربة المستخدم على التطبيق، وبالتالي تقوم بالتعديلات المناسبة لتحسين تجربة المستخدم التي بدورها تعمل على زيادة عدد المستخدمين.\n\n<span data-type='title' id=toc-97>ثانيا: مؤشرات الاستخدام:</span>\nتعتمد هذه المؤشرات على قياس مدى تعلق المستخدمين وولائهم لعملك، فالحفاظ على ولاء المستخدمين في ظل هذا الكم الهائل من المواقع والتطبيقات والمنافسة الشرسة للحصول على المستخدم أمر في غاية الصعوبة، لهذا عليك بالتركيز على إبراز نقاط القوة ومميزات تطبيقك بشكل جاذب من خلال تصميم تجربة مميزة للمستخدم في كل مرة يقوم باستخدام التطبيق.\nيختص فريق إدارة وتطوير التطبيق دون غيره في متابعة ورصد تلك المعدلات بانتظام حتى يتمكنوا من معرفة تحسين أداء التطبيق عن طريق تحسين تجربة","vol":"1","page":143},{"text":"المستخدم إذا كانت هذه المؤشرات منخفضة، أو تحديد أهم مميزات التطبيق التي تعمل على زيادة معدلات الاستخدام وتقديمها للمستخدم، ويمكن قياسها بأمور منها:\n(١) عدد ومدة الجلسات (Session Length):\nلا شك أن قياس مدة بقاء المستخدم على التطبيق وعدد مرات الاستخدام؛ له أهمية كبيرة في معرفة مدى رضى المستخدم عن تجربته على التطبيق، فإذا كانت مدة بقائه قصيرة فهذا يعني أنه لم يجد على التطبيق ما يجعله مهتمًّا للاستمرار، وهنا يأتي دور المطور وصاحب المعلومة المفيدة في التطبيق على تهيئة وتحسين تجربة المستخدم لتصبح أكثر إمتاعًا، وبالتالي تزيد المدة التي يقضيها على التطبيق.\n(٢) متوسط عدد الشاشات والصفحات التي تمت زيارتها واستخدامها:\nربما تعتقد أن هذا المؤشر غير هام أو أنه يقيس معلومات تفصيلية أكثر من اللازم، ولكن في الواقع مثل هذه التفاصيل هي التي تصنع الفارق بين تطبيق وآخر، فعند قياس عدد الشاشات والصفحات التي مر بها وتوقف عندها المستخدم تستطيع الحكم على أداء تجربته على التطبيق بشكل دقيق، فإذا قام بتصفح عدد كبير من الشاشات وقام بزيارة العديد من الصفحات فهذا يعني أنه مهتم لمعرفة المزيد عن مميزات وخواص تطبيقك، أما إذا كانت تلك المعدلات منخفضة فهذا يعني أن المستخدم قد ملّ سريعًا من استخدام التطبيق.\n\n<span data-type='title' id=toc-98>ثالثا: مؤشرات الإعجاب:</span>\nتقوم هذه المؤشرات بقياس مدى إعجاب وسعادة المستخدم لتطبيقك .. إن مؤشرات الإعجاب لا تقل أهمية عن المؤشرات الأخرى، حيث إنها أحد أهم العوامل لزيادة عدد المستخدمين وأقلها تكلفة، فإذا كانت معدلات الإعجاب","vol":"1","page":144},{"text":"و<span data-type='title' id=toc-99>التقييم </span>الجيد مرتفعة فهذا يعني أن المستخدمين سعداء بتجربتهم على التطبيق أو الموقع. مستخدمون سعداء أو بمعنى آخر \"عملاء راضون\" يعني المزيد من التفاعل و<span data-type='title' id=toc-100>المشاركات</span>، والذي يؤدي في النهاية للمزيد من انتشار الموقع أو التطبيق.\nيقوم فريق إدارة التطبيق برصد تلك المؤشرات وتحليلها والعمل على تحسينها من خلال تحديث التطبيق وإدخال المزيد من التحسينات على تجربة المستخدم وطبيعة الخدمات التي يقدمها التطبيق للعميل، وذلك من خلال ما يلي:\n\n(١) التقييم (Reviews):\nيعتبر أحد أهم المؤشرات التي توضح مدى تقبل ورضى المستخدمين عن التطبيق وكذلك حجم تفاعلهم معه، ومن خلال هذا المؤشر يمكنك معرفة عدد مرات تقييم تطبيقك على متاجر التطبيقات (جوجل بلاي وآب ستور) بالإضافة لمعرفة طبيعة التقييم والتعليقات أو الشكاوى والمقترحات المقدمة من قبل المستخدمين، كل هذا سيساعدك على تحسين الخدمة المقدمة عبر التطبيق أو تحسين تجربة المستخدم من خلال التحديثات التي تقدمها لتطبيقك باستمرار.\n\n(٢) المشاركات (Shares):\nيرتبط هذا المؤشر بمشاركات المستخدمين الموقع أو التطبيق عن طريق نشره على مواقع التواصل الاجتماعي أو من خلال رسائل إلكترونية أو إرسال دعوات لأصدقائهم أو أي وسائل إلكترونية أخرى.\nإن العمل على زيادة عدد المشاركات من شأنه زيادة عدد المستخدمين للتطبيق دون الحاجة للقيام بإعلانات مدفوعة. مما يعني زيادة الأرباح من المستخدمين بأقل التكاليف.","vol":"1","page":145},{"text":"<span data-type='title' id=toc-101>رابعا: مؤشرات الإيرادات:</span>\nترتبط مؤشرات الإيرادات بالعائد المادي ومعدلات الأرباح التي يحققها الموقع أو التطبيق. بمعنى آخر هي مؤشرات قياس ما إذا كنت تحقق أرباحًا ودخلا كبيرًا من وراء تطبيقك أم أنك تخسر أموالك المستثمرة في التطبيق.\nتتلخص أهمية هذه المؤشرات في كونها أداة لتقييم الوضع المادي للتطبيق، فإذا ارتفعت نسب الدخل من المستخدمين ومدة بقائهم وحجم تفاعلهم مع التطبيق فسوف ترتفع قيمة الإعلانات المدفوعة على تطبيقك، وبالتالي تزيد حجم أرباحك، ومن المعلوم أن كثيرًا من المواقع والتطبيقات لا تبتغي الربحية منذ إنشائها بل أغلبها خيرية، إلا أنها بحاجة للمال لتنفقه على عملية التحسين والتطوير.\nتقع مسؤولية متابعة وتحليل مؤشرات الإيرادات ضمن مهام فريق تطوير الأعمال، حيث يقوم مطورو الأعمال وكذلك مسؤولو المبيعات بوضع الخطط والحلول الفعالة لزيادة الإيرادات والأرباح من خلال الموقع أو التطبيق.\nوسواءٌ كان الموقع والتطبيق ربحيًّا أو غير ذلك فإنه يمكن قياسه بما يلي:\n\n(١)<span data-type='title' id=toc-102> معدل الدخل الشهري للمستخدم </span>(Average Revenue Per User):\nهو متوسط الدخل الشهري للمستخدم على تطبيقات الجوال، يوضح هذا المؤشر نسبة الربح التي تحصل عليها من خلال التطبيق سواء كان من خلال إعلانات مدفوعة أو عن طريق تحميل التطبيق بشكل مدفوع، ويتم حساب متوسط الربح من المستخدم عن طريق قسمة مجموع الدخل الشهري على عدد المستخدمين، فإذا كان لديك مليون مستخدم للتطبيق وكان مجموع الأرباح الشهرية ١٠٠ ألف ريال، فإن متوسط الدخل الشهري للمستخدم يكون ١٠ هللات.","vol":"1","page":146},{"text":"(٢)<span data-type='title' id=toc-103> تكلفة الاستحواذ على المستخدم </span>(Cost Per cquisition):\nحساب تكلفة المستخدم ضرورية للغاية، وتكمن أهمية هذا المؤشر في إعطاء تقدير دقيق للتكلفة التي تتحملها كصاحب تطبيق أو موقع من أجل الحصول على مستخدم، فبعد معرفة تكلفة الحصول على المستخدم يمكنك تحديد الميزانية المطلوب صرفها من أجل الحصول على العدد المستهدف من المستخدمين. ولقياس تكلفة الحصول على المستخدم قم بقسمة مجموع المبالغ المصروفة في بداية العمل وجمع المعلومات إلى التصميم والبرمجة، بالإضافة إلى مصاريف الإعلانات والتسويق وغيرها من فعاليات؛ قم بقسمة هذه المصروفات على عدد المستخدمين الحاليين.\nفإذا كان عدد المُستخدمين ٦٠ ألف وتكلفة عملية التطوير والتصميم والتسويق للتطبيق مجموعها ٢٠ ألف ريال، تصبح تكلفة المُستخدم الواحد ٣ ريال، وكلما زاد عدد المُستخدمين زاد الربح من تطبيقات الجوال.\n\n(٣)<span data-type='title' id=toc-104> قيمة عمر المستخدم على تطبيقك </span>(User Lifetime Value):\nيعد هذا المؤشر من أهم المؤشرات التي يجب متابعتها إذا كنت ترغب في زيادة أرباحك أو ضمان أن ينفق الموقع والتطبيق على نفسه، فمن خلال قياس قيمة عمر المستخدم على تطبيقك يمكنك إعادة بناء خطتك التسويقية للحصول على المزيد من المستخدمين على تطبيقك، وبالتالي تحقيق المزيد من الأرباح، ويمكن قياس هذا المعدل عن طريق حساب متوسط الدخل الشهري للمستخدم مضروبا في عمر المستخدم.","vol":"1","page":147},{"text":"(٤)<span data-type='title' id=toc-105> معدل نقص المستخدمين (حذف التطبيق)</span> (Churn Rate)\nقد يبدو الأمر مستغربًا، ولكن في الحقيقة قياس معدل نقص المستخدمين له أهمية كبيرة بنفس قدر أهمية حساب عدد التنزيلات، وعن طريق تحليل هذا المقياس ستتمكن من وضع يدك على بعض الأسباب التي تؤثر بالسلب على تجربة المستخدم، وبالتالي يقوم بحذف التطبيق. فعند حساب هذا المعدل ووضع الحلول والاستراتيجية المناسبة لمعالجة تلك الأسباب تستطيع تقليل معدل نقص المستخدمين إلى أقل معدلاته.\nحتى تتمكن من قياس هذا المعدل قم بحساب العدد الإجمالي لعدد المستخدمين الجدد خلال شهر مطروحًا منه عدد المستخدمين الذين حذفوا التطبيق.","vol":"1","page":148},{"text":"نماذج من الدراسة الموضوعية","vol":"1","page":149},{"text":"البحث الأول\nالعبادة القلبية","vol":"1","page":151},{"text":"<span data-type='title' id=toc-108>تقديم</span>\n•<span data-type='title' id=toc-109> خطة البحث:</span>\nالحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وتابعيهم إلى يوم الدين، وبعد:\nفإن رسالة الرسل لأقوامهم هي تصحيح الانحراف في عبادة االله تعالى. وعبادة االله سبحانه مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالإيمان وتوحيد الله عزوجل؛ فلا عبادة مقبولة إلا بالتوحيد. والعلاقة بين عبادة االله وتوحيده تلازمية، لا يمكن الفصل بينهما. والتوحيد هو الركن الأساسي في قبول الإيمان، وقبول العمل.\nإن مفهوم العبادة واسع وليس مقصورًا على عمل الجوارح؛ بل على ما ينبع من القلب لهذه الأعمال، ولمن تُصرف. وهي مرتبطة بالتوحيد والإيمان، بل هي أساسه ومنبعه، وهي المهيمنة على كل العبادات، فلا تقبل إلا ممن صرفها خالصة لله وحده، لا يخالجها شيء آخر.\nوالانحراف في عبادة االله موجود في كل عصر، ويزداد الانحراف كلما نقص العلم بالشرع، وكلما اختلط الإيمان بما يشوبه ويعكر صفوه.\nوفي العصر الحاضر -ومع العولمة، وضعف العلم الشرعي- بات من الضروري إيضاح العبادة القلبية التي هي أساس الإيمان. ولبيان أهمية هذه العبادة لا بد من بيان أصلها وجذرها ومنبتها، ثم أثرها على العبادات المختلفة، وعلى النفس والسلوك؛ ليستشعر المسلم هذه العبادة، ومن ثم الأمراض والأخطاء التي تتسبب في إعاقة هذه العبادة، وهذا هو موضوع البحث.","vol":"1","page":153},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-110> مشكلة الدراسة:</span>\nتجيب هذه الدراسة عن الأسئلة الآتية:\n١. ما تعريف القلب؟ وما أهميته في الإسلام من خلال النصوص الشرعية؟\n٢. ما العبادة؟\n٣. ما العبادة القلبية؟ وهل مكانها في القلب كله؟ ومتى تودع في القلب؟ وهل التوحيد عند كل مولود؟\n٤. ما الأعمال التي ينبغي على المسلم عملها ليتسنى له الدخول في الأعمال القلبية، إلى أن يصل إلى حلاوة الإيمان؛ التي بها صلاح القلوب؟\n٥. ما مفسدات العبادة القلبية؟\n٦. ما أثر العبادة القلبية على عبادة الجوارح؟ وما الفرق بينها وبين عبادة الجوارح؟ والمفاضلة بينها؟\n٧. ما طرق العناية بهذه العبادة المهمة؟\n\n•<span data-type='title' id=toc-111> أهمية الدراسة:</span>\nتتلخص أهمية هذه الدراسة فيما يأتي:\n١. الربط المنهجي بين القيام بالعبادات الشعائرية، والاعتقاد النابع من توحيد االله تعالى وإفراده بالعبودية.\n٢. استشعار أهمية القلب، وتوجيه القارئ للعناية بهذا العضو المهم في الإسلام؛ حتى يستشعر ذلك عند أداء العبادات المختلفة، بما فيها الدعاء لإصلاحه.\n٣. محاولة توجيه النظر إلى المفاسد التي قد تترتب على الفصل بين العبادة والتوحيد، من خلال إبراز النقيض، أي أداء العبادات وأعمال القلوب دون أن","vol":"1","page":154},{"text":"تصرف تمامًا لله؛ كالمحبة، والخشية، والتوكل، وكذلك أعمال الجوارح كالصلاة والصدقة.\n٤. النظر في العلاقة بين أساسين من أسس الإسلام، التي لا يقوم الإيمان إلا بهما؛ وهما: التوحيد والعبادة.\n\n•<span data-type='title' id=toc-112> خطة البحث:</span>\nالمقدمة: بيان أهمية الموضوع.\nالمبحث الأول: معنى العبادة والقلب في الإسلام؛ ويشمل:\n١. العبادة ومعناها في الإسلام.\n٢. القلب وأهميته في الإسلام.\n٣. المضغة التي في القلب، وأهميتها.\n٤. أعمال القلوب التي لا يعلمها إلا الله، وعلاقتها بالعبادة القلبية.\nالمبحث الثاني: العبادة القلبية، وعلاقتها بالأمانة والفطرة.\nالمبحث الثالث: الأعمال التي ينبغي على المسلم عملها ليتسنى له الدخول في الأعمال القلبية، إلى أن يصل إلى حلاوة الإيمان؛ التي بها صلاح القلوب.\nالمبحث الرابع: مفسدات العبادة القلبية.\nالمبحث الخامس: تأثير العبادة القلبية وأعمال القلوب على المسلم وعبادته، بما فيها علاقته بمن حوله؛ ويشمل:\n• أثر العبادة القلبية على العبادات الأخرى، وعلى النفس والروح.\n• الأعمال القلبية لا تنفك عن عبادة الجوارح.\n• تأثير الأعمال القلبية بعلاقة المرء بمن حوله؛ مثل: التواضع.","vol":"1","page":155},{"text":"• العبادة القلبية أعظم من عبادات الجوارح أجرًا عند الله -﷿- ومثوبة.\n• العبادات القلبية هي الأصل، وأعمال الجوارح فرع عنها.\n• أثر العبادات القلبية على الأمة.\nالخاتمة: خلاصة البحث، وتوجيه مختصر للقارئ لإصلاح القلب.\n\n•<span data-type='title' id=toc-113> المنهج البحثي المتبع في الدراسة ونوع الدراسة:</span>\nتتبع الدراسة المنهج الأول الذي يستوعب جمع الأحاديث الواردة في كتب السّنة النبوية عن العبادة القلبية، على سبيل استقصاء كتب السنة، للوصول إلى أبعاد ونتائج تساهم في فهم العبادة القلبية، وموقعها من الجسد، وموقعها وأهميتها في حياة الإنسان في الدنيا والآخرة، ثم ذكر العوامل المعينة على إصلاح القلب، وطريقة الوصول لها؛ مما يساعد على تطبيقها في واقع حياة المسلمين، والبحث فيه لربط موضوعات السّنّة النبوية بالواقع المعاصر؛ لمعالجة قضية مهمة عصفت بالمسلمين وأبعدتهم عن دينهم وعن الإيمان الصحيح؛ ألا وهي إصلاح القلوب.\n\n•<span data-type='title' id=toc-114> والمنهج البحثي المتبع:</span>\nيتبع البحث المنهج البحثي النوعي بكل فروعه، وذلك كما يلي:\n\n(١)<span data-type='title' id=toc-115> المنهج الوصفي:</span> عن طريق وصف فكرة البحث وبيان أهميته، بعد جمع الحقائق والمعلومات التي تحويها الأحاديث التي ذكر فيها القلب، مستعينة على فهمها والوصول إلى الجوهر بأقوال السلف، ومقارنتها، وتحليلها؛ للوصول إلى تعميمات وحقائق مقبولة مقنعة يقبلها العقل، والهدف هو وصف علمي متكامل يصل إلى عقل القارئ ووجدانه.\n(٢)<span data-type='title' id=toc-116> المنهج الاستنباطي:</span> حيث استنبطت مشكلة البحث، وهي: العبادة القلبية","vol":"1","page":156},{"text":"وأهميتها للعبد في قبول عمله وصلاح أمره، وأهمية ما أودع الله في القلب من عبادات يقوم بها، وأهمية ذلك للجسد؛ هذا الأمر هو المقدمة الكبرى ومعْتَمد ذلك الحديث المتفق عليه من حديث النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ -﵁-، قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «أَلَا وَإِنَّ أَلَا وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً: إِذَا صَلحتْ صَلحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ القَلْبُ».\nومنه تنطلق عملية الاستنباط للوقوف على حقائق مذهلة قوامها الأحاديث، وهي المقدمة الصغرى، ومنها:\n• الدور الأساسي للقلب، وهو أنه المتحكم بالجسد كله بما فيه العقل، لا العكس.\n• أودعت العبادة القلبية في القلب؛ وبيان الترابط بين الدور الأساسي للعبادة القلبية وهيمنتها على الإنسان وعباداته، حتى إن قبول العمل معتمد على سلامة العبادة القلبية؛ كمثل أهمية القلب للجسد، وأن صلاح الجسد بصلاح القلب.\n• إثبات أن ذلك حقيقة، ولا ينبغي حمله على المجاز.\n• إثبات أن القلب هو المسؤول عن كثير من الوظائف المتحكمة في حياة الإنسان في دنياه وآخرته؛ كالإرادة والشعور.\n• المسؤول عن كل ما سبق ذكره جزء من القلب -لا القلب كله- بقدر المضغة.\n• علاقة العبادة القلبية بالأمانة، وعلاقة ذلك بالفطرة، وغير ذلك من الأمور التي أثبتت في البحث؛ ليقف البحث على النتيجة التي توصل لها البحث والهدف منه؛ وهي الحث على الاهتمام بالقلب والعبادة القلبية بكل الوسائل المشروعة، وهي ثمرة البحث.","vol":"1","page":157},{"text":"(٣)<span data-type='title' id=toc-117> المنهج الاستقرائي:</span> الاستقراء كان واضحًا ومجديًا في البحث عن الأعمال التي يصح بها الإيمان، وتصح بها العبادة؛ فكان البحث في الأعمال التي ينبغي على المسلم عملها ليتسنى له الدخول في الأعمال القلبية، إلى أن يصل إلى حلاوة الإيمان، والتي بها صلاح القلوب. فالأعمال التي تعين على إصلاح القلب ووردت في السنة كثيرة؛ منها ما هو مباشر، ومنها ما هو غير مباشر. فالمباشر هو الاستقراء اليقيني، وقد دلت عليه النصوص من القرآن والسنة، وأثبتتها كتب الفقه، ويؤيده العقل، ولا يمكن صلاح القلب إلا به، وهي كما جاء في البحث:\n• علو الهمة وصدق العزيمة على تزكية النفس وإصلاح القلب. والقصد هو الشعور بأهمية هذه العبادة، وهي لب الإيمان وأصله.\n• الدعاء، وذلك ثابت بالنص من القرآن والسنة.\n• طلب العلم الشرعي، وذلك أنه شرط لقبول العمل مع الإخلاص، ويحصل به كمال الاقتداء.\nفهذه الأمور الثلاثة من الاستقراء اليقيني التي لا يمكن صلاح القلب إلا بها مجتمعة.\nأما الأمور الأخرى التي جاءت تحت عنوان: \"مما يصلح القلب\" فلا يشترط أن تكون مجتمعة؛ بل بما يفتح الله للعبد منها، فهي من الاستقراء الظني.\nلقد تم عمل تمييز الأعمال وتقسيمها بعد تطبيق خطوات المنهج، وهي الملاحظة القائمة على القراءة المستفيضة للأحاديث والكتب التي موضوعها إصلاح القلوب؛ للخروج بالأعمال المفترض أنها تصلح القلب بطريق مباشر أو غير مباشر، وهي الخطوة الثانية من المنهج الاستقرائي، ثم عمل عرض عن كل عمل تم استقراؤه، ومحاولة دراسته من خلال النص النبوي والدراسات حول الحديث قديمًا وحديثًا؛","vol":"1","page":158},{"text":"للوقوف على أنه ينطبق تمامًا على ما يراد إثباته لصلاح القلب.\n\n(٤)<span data-type='title' id=toc-118> المنهج الاستنتاجي:</span> الاستنتاج نتيجة حتمية مع كل المناهج السابقة؛ لأنه عن طريق هذا المنهج يقف البحث على حقائق قابلة للتصديق، وتقنع العقل الإنساني، وتتوافق مع قواعد المنطق. قوامها الدليل الشرعي، وتتم خلالها إيجاد تفسيرات علمية ومنطقية واضحة ومقنعة، وتحاكي العقل البشري لكافة الظواهر المحيطة به.\nوقد استخدم في البحث أنواع من الاستنتاج؛ منها: القياسي؛ وهو إثبات أن العبادة القلبية كما أنها لا تقوم صحة العمل إلا بها؛ فكذلك القلب إن صح صح معه البدن.\nومنها الاستنتاج الاستقرائي؛ حيث استقراء نتائج مهمة؛ منها على سبيل المثال: المراكز التي يحملها القلب؛ كالشعور والإرادة والعاطفة … إلخ، وكذلك أدوات إصلاح القلب، كل ذلك باستقراء القرآن والسنة للخروج بنتيجة أثبتها البحث لتكون حلا لمشكلة البحث حيث جمعت الأحاديث عن طريق الاستقراء، ودراستها وترتيبها حتى يسهل على القارئ التطبيق.\nومثله الاستنتاج الاستنباطي: عن طريق استنباط مشكلة البحث ومعالجتها من النص الشرعي.\n\n(٥)<span data-type='title' id=toc-119> المنهج التاريخي والاستردادي:</span> وتم ذلك من خلال نصوص السنة، وتتبعها، ودراسة ما حولها من إثبات صحة الحديث من جهة؛ والدراسات حول شرح الحديث، والوقوف على كل ما ذكر في معناه للوقوف على فهم النص والاستدلال به في الموضع الصحيح، من جهة أخرى.\nوأيضًا: الدراسات حول القلب قديمًا وحديثًا طبيًّا وروحيًّا.","vol":"1","page":159},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-120> الأحاديث:</span>\n(١) عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود -﵁- قال: حدثنا رسول الله -ﷺ- وهو الصادق المصدوق: \"إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه المَلَك، فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات؛ بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أم سعيد. فو الله الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها. وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها\" متفق عليه.\n(٢) عن حُذَيْفَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حَدِيثَيْنِ، رَأَيْتُ أَحَدَهُمَا وَأَنَا أَنْتَظِرُ الآخَرَ: حَدَّثَنَا: «أَنَّ الأَمَانَةَ نَزَلَتْ فِي جَذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ، ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ القُرْآنِ، ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ» أخرجه البخاري.\n(٣) عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -﵁- أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- أَتَاهُ جِبْرِيلُ -ﷺ- وَهُوَ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ، فَأَخَذَهُ فَصَرَعَهُ، فَشَقَّ عَنْ قَلْبِهِ، فَاسْتَخْرَجَ الْقَلْبَ، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ عَلَقَةً، فَقَالَ: هَذَا حَظُّ الشَّيْطَانِ مِنْكَ، ثُمَّ غَسَلَهُ فِي طَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ لَأَمَهُ، ثُمَّ أَعَادَهُ فِي مَكَانِهِ، وَجَاءَ الْغِلْمَانُ يَسْعَوْنَ إِلَى أُمِّهِ -يَعْنِي ظِئْرَهُ- فَقَالُوا: إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ، فَاسْتَقْبَلُوهُ وَهُوَ مُنْتَقِعُ اللَّوْنِ، قَالَ أَنَسٌ: «وَقَدْ كُنْتُ أَرَى أَثَرَ ذَلِكَ الْمِخْيَطِ فِي صَدْرِهِ». أخرجه مسلم.\n(٤) عن عمر بن الخطاب -﵁- قال: سمعت النبي -ﷺ- يقول: «إِنَّما الأعْمَالُ بالنِّيات، وإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوَى: فَمَنْ كانتْ هِجْرَتُه إِلى دُنْيَا يُصِيبُها، أَوْ إِلى امْرَأَةٍ يَنْكِحُها، فَهِجْرَتُه إِلى ما هاجَرَ إِلَيه» أخرجه البخاري.","vol":"1","page":160},{"text":"(٥) عن أبي هريرة -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: «لَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ. وَكُونُوا عِبَادَ اللّهِ إِخْوَانًا. الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ؛ لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ. التَّقْوَى ها هُنَا» وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: «بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِم. كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ؛ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ» أخرجه مسلم في صحيحه.\n(٦) عن عِيَاضِ بنِ حِمَارٍ أَنَّهُ قال: قال رَسُولُ الله -ﷺ-: «إِنَّ الله أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لا يَبْغِي أَحَدٌ على أَحَدٍ وَلا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ» رواه مسلم، وأبو داود.\n(٧) عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ -﵁-، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ» أخرجه مسلم.\n(٨) حديث أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ -﵁- فِي قَوْلِهِ -﷿-: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] إِلَى قَوْلِهِ ﴿أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٣]، قَالَ: «جَمَعَهُمْ لَهُ يَوْمَئِذٍ جَمِيعًا مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ جَعَلَهُمْ أَزْوَاجًا، ثُمَّ صَوَّرَهُمْ وَاسْتَنْطَقَهُمْ، فَتَكَلَّمُوا، وَأَخَذَ عَلَيْهِمُ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ» ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٣] قَالَ: \"فَإِنِّي أُشْهِدُ عَلَيْكُمُ السَّمَوَاتِ السَّبْعَ وَالْأَرَضِيَنَ السَّبْعَ، وَأُشْهِدُ عَلَيْكُمْ أَبَاكُمْ آدَمَ أَنْ تَقُولُوا إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ، فَلَا تُشْرِكُوا بِي شَيْئًا، فَإِنِّي أُرْسِلُ إِلَيْكُمْ رُسُلِي يُذَكِّرُونَكُمْ عَهْدِي وَمِيثَاقِي، وَأُنْزِلُ عَلَيْكُمْ كُتُبِي. فَقَالُوا: شَهِدْنَا أَنَّكَ رَبُّنَا وَإِلَهُنَا، لَا رَبَّ لَنَا غَيْرُكَ، وَلَا إِلَهَ لَنَا غَيْرُكَ، وَرُفِعَ لَهُمْ أَبُوهُمْ آدَمُ، فَنَظَرَ إِلَيْهِم … \" الحديث. أخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ٣٥٣ رقم ٣٢٥٥).","vol":"1","page":161},{"text":"(٩) … «مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ \"لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ\" دَخَلَ الْجَنَّةَ». أخرجه أحمد (٢/ ٣٦٩ - ح ٣١١٦)، وأبو داود (٣/ ١٩٠ - ح ٣١١٦)، وصححه الألباني.\n(١٠) … «إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَا يَقُولُهَا عَبْدٌ عِنْدَ الْمَوْتِ إِلَّا وَجَدَتْ رُوحُهُ لَهَا رَوْحًا» ابن ماجه (ح ٣٠٧٧)، وصححه الألباني.\n(١١) وعن ابن عباس -﵄- أنه قال: \"حسبي الله ونعم الوكيل\" قالها إبراهيم حين ألقي في النار، وقالها محمد حين قالوا: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] صحيح البخاري.\n(١٢) … «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنْ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» صحيح مسلم.\n(١٣) … «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ» صحيح مسلم.\n(١٤) … «مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلَّا شَرِكُوكُمْ فِي الْأَجْرِ» رواه مسلم.\n(١٥) … «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ» أخرجه مسلم.\n(١٦) … «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ؛ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا» أخرجه البخاري.\n(١٧) … «مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ بَلَّغَهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ، وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ» أخرجه مسلم.\n(١٨) … «إنَّ الإيمانَ لَيَخْلَقُ في جَوْفِ أحدِكُمْ كَما يَخلَقُ الثّوبُ، فاسْألُوا اللهَ تعالَى: أنْ يُجَدِّدَ الإيمانَ في قُلوبِكمْ» أخرجه الحاكم وصححه، وحسنه الألباني.\n(١٩) … «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ».\n(٢٠) … «عَلَيْكُم بِسُنَّتِي، وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ المَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيهَا بِالنَّوَاجِذِ».","vol":"1","page":162},{"text":"(٢١) «من تعلم علمًا يبتغي به وجه الله -﷿-، لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضًا من الدنيا؛ لم يجد عرف الجنة يوم القيامة».\n(٢٢) … «أَلَا إِنَّ الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ، مَلْعُونٌ مَا فِيهَا؛ إِلاَّ ذِكْرُ اللهِ وَمَا وَالَاهُ، وَعَالِمٌ أَوْ مُتَعَلِّمٌ».\n(٢٣) «إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا، وإن أبغضكم إلى وأبعدكم مني يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون». قالوا يا رسول الله قد علمنا الثرثارون والمتشدقون فما المتفيهقون؟ قال: (المتكبرون».\n(٢٤) … «إِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْه، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا. وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ. وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ المُؤْمِنِ؛ يَكْرَهُ المَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ».\n(٢٥) … «إِنَّ لِلَّهِ أَهْلِينَ مِنَ النَّاسِ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ هُمْ؟ قَالَ: «هُمْ أَهْلُ الْقُرْآنِ، أَهْلُ اللَّهِ وَخَاصَّتُه».\n(٢٦) … «لَا حَسَدَ إِلَّا عَلَى اثْنَتَيْنِ؛ رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ هَذَا الْكِتَابَ، فَقَامَ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ، وَآنَاءَ النَّهَارِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالًا، فَتَصَدَّقَ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ، وَآنَاءَ النَّهَارِ».\n(٢٧) … «أحب الناس إلى الله تعالى أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله -﷿- سرور يدخله على مسلم، أو يكشف عنه كربة، أو يقضي عنه دينًا، أو تطرد عنه جوعًا. ولأن أمشي مع أخ في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في هذا المسجد، (يعني مسجد المدينة) شهرًا، ومن كف غضبه ستر الله عورته، ومن كظم غيظه ولو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه رجاء يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى تتهيأ له أثبت الله قدمه يوم تزول الأقدام، وإن سوء الخلق يفسد العمل كما يفسد الخل العسل».","vol":"1","page":163},{"text":"(٢٨) عن عَائِشَةَ، زَوْجَ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠] قَالَتْ عَائِشَةُ: أَهُمُ الَّذِينَ يَشْرَبُونَ الخَمْرَ وَيَسْرِقُونَ؟ قَالَ: «لَا يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ، وَلَكِنَّهُمُ الَّذِينَ يَصُومُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَتَصَدَّقُونَ، وَهُمْ يَخَافُونَ أَنْ لَا تُقْبَلَ مِنْهُمْ ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٦١]».\n(٢٩) كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُعَلِّمُنَا الِاسْتِخَارَةَ فِي الأُمُورِ كُلِّهَا، كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ القُرْآنِ؛ يَقُولُ: «إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الفَرِيضَةِ، ثُمَّ لِيَقُلْ: \"اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ العَظِيمِ، فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلَّامُ الغُيُوبِ. اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي -أَوْ قَالَ: عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ\n- فَاقْدُرْهُ لِي، وَيَسِّرْهُ لِي، ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ. وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي -أَوْ قَالَ فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ- فَاصْرِفْهُ عَنِّي، وَاصْرِفْنِي عَنْهُ، وَاقْدُرْ لِي الخَيْرَ حَيْثُ كَانَ، ثُمَّ أَرْضِنِي به\"، قَالَ: \"وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ\"».\n(٣٠) … «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنْ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ».\n(٣١) أتى رجال للنبي -ﷺ- ليحملهم، فقال لهم: «لا أجد ما أحملكم عليه»؛ تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنًا ألا يجدوا ما ينفقون، فهؤلاء كما قال النبي -ﷺ-: «مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلَّا شَرِكُوكُمْ فِي الْأَجْرِ».\n(٣٢) … «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ».\n(٣٣) «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ؛ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا».\n(٣٤) «مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ بَلَّغَهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ».","vol":"1","page":164},{"text":"<span data-type='title' id=toc-121>تمهيد</span>\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.\nأما بعد: فإن أصدق الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد -ﷺ-، فهذان النوران بها اهتدى أول هذه الأمة، وهما سبيل نجاتها في كل زمان ومكان، فمن تمسك بهما رشد، ومن ضل عنهما غوى، وما نرى اليوم في واقع حياة أمتنا من بؤس، وذلة وتبعية، ما هو إلا لبعدها عن هذين النورين. ولا خلاص لها من هذا الواقع إلا بما صلح به أولها، ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: ٧]، فصلاحها بالعودة إلى هذا المعين الصافي.\nوفي هذه البحث نتناول أمرًا مهمًّا يهيمن على حياة كل مسلم، وهو السبيل النجاة لكل أمر، وفيه صلاح لأمور الدنيا والآخرة، وهذا الأمر لا بد فيه من الرجوع إلى النصوص الشرعية لتأصيل قواعده، ثم السير على ما أمرتنا الشريعة به لنحيا حياة طيبة، ملؤها السكينة والطمأنينة؛ إنه العبادة القلبية، أصلها، وجذرها، ومنبتها، ثم أثرها على العبادات المختلفة، وعلى النفس والسلوك، وما الأمراض والأخطاء التي تتسبب في إعاقة هذه العبادة؟","vol":"1","page":165},{"text":"وقبل البدء في الموضوع لا بد من معرفة شقي الموضوع؛<span data-type='title' id=toc-122> معنى العبادة</span>، ومعنى القلب في الإسلام.\n\n• معنى العبادة:\nقال ابن تيمية في تعريف العبادة: \"اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة\" (^١).\nفمفهوم العبادة في الإسلام مفهوم واسع شامل، يشمل العبادات ويتعداها إلى كل ما يصدر من المسلم ما دام يعملها لله.\nوالعبادة وظيفة الإنسان في هذه الحياة، كما أنها الغاية من خلقه سبحانه للإنسان ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦].\nوحياة المسلم كلها عبادة لله -﷿-، في جميع جوانبها الخاصة والعامة والاعتقادية والعملية … إلخ. فهو عبد لله في كل تحرك وسكون ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٧٣]. كما أنه لا يتصور أي نشاط إنساني إلا وينطبق عليه معنى العبادة، لكنه مرتبط بإرادة الإنسان من هذا العمل، أي الخضوع الإرادي لله -﷿-، وهذا عنوان العبادة الحقيقية. ومعناه أن أي تصرف يعمله الإنسان من التصرفات الاختيارية، أو الاضطرارية، لِيصبح هذا التصرف عبادة لله -﷿-؛ إذا ابتغى به وجهه سبحانه وجاء في رضاه متّبعًا فيه سنة نبيه -ﷺ-.\n_________\n(^١) العبودية، المؤلف: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: ٧٢٨ هـ) المحقق: محمد زهير الشاويش، الناشر: المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة: السابعة المجددة، ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٥ م (هذه الرسالة مطبوعة أيضًا ضمن \"مجموع الفتاوى\" ١٠/ ١٤٩، وفي \"الفتاوى الكبرى\" ٥/ ١٥٥) ص (٤٤).","vol":"1","page":166},{"text":"ومن هنا كان بإمكان المسلم أن يجعل حياته كلها عبادة حتى عاداته وغرائزه من طعام وشراب ولباس وسكن ومتعة في هذه الحياة.\n\n•<span data-type='title' id=toc-123> معنى القلب:</span>\nالقلب هو ذلك العضو العضلي الذي يضخ الدم في جسم الإنسان مع كل دقة، حيث يدفع الدم المحمل بالأكسجين والغذاء لكل خلايا الجسم.\nتبدأ دقات القلب ذات الإيقاع المنتظم بعد (٢١) يومًا من الحمل، أي قبل ثمانية أشهر من ميلاد الطفل، وهذا ما جاء في الحديث المتفق عليه من رواية عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود -﵁- قال: حدثنا رسول الله -ﷺ- وهو الصادق المصدوق: \"إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه المَلَك، فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات؛ بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أم سعيد. فو الله الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها. وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها\" (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-124> القلب في الإسلام:</span>\nتؤكد المعطيات التجريبية والعلمية على أن القلب ليس مجرد عضلة تضخ الدم، بل هو أكثر من ذلك بكثير، ومن هنا ندرك سر ورود القلب في ستين سورة من سور القرآن، أي أكثر من نصف السور، فهذا السبق القرآني\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤/ ١١١/ ح ٣٢٠٨)، ومسلم (٤/ ٣٠٢٦/ ح ٢٦٤٣).","vol":"1","page":167},{"text":"يعني تكرار ذكر القلب وصفاته حوالي (١٤٠) مرة؛ كالقلب السليم، والمنيب، والمخبت، والوجل، والتقي، والمهدي، والحي، والمريض، والأعمى، واللاهي، والآثم، والمتكبر، والغليظ، والمختوم، والقاسي، والغافل، والأغلف، والمغطى، والزائغ، والمريب، وغيرها. وهذا إعجاز فريد في أسرار القلب.\nوقد اعترف العديد من الأطباء الغربيين بأن الطب لا يزال لم يعرف القلب كما يجب، بل الطب في هذا المجال متأخر تمامًا؛ لأنهم يعجزون عن إدراك ما يحدث في الدماغ. إنهم لا يعرفون كيف يستذكر الناس معلوماتهم. لماذا ينام الإنسان؟ لماذا ينبض النبض في الشرايين؟ ما سبب ضربات القلب؟\nفهم يستدلون على نظرياتهم على النتائج العلمية، ولكنهم غير مطلعين في شؤون كثيرة.\nإننا بصفتنا مسلمين عندنا حقائق قطعية في هذا المجال، فقد أخبرنا القرآن الكريم قبل أكثر من أربعة عشر قرنا بأن القلب مركز للعاطفة والفكر والعقل والذاكرة … إلخ، في حين لا تتعدى هذه المعلومات في الغرب أكثر من ثلاثين عامًا.\nعلى الرغم من أن العلماء يعتقدون بأن الدماغ هو الذي ينظم ضربات القلب، ولكنهم وجدوا أن القلب الجديد بمجرد زرعه في الصدر يبدأ نبضه على الفور دون انتظار الأوامر من الدماغ. وهذا يدل على استقلال القلب عن الدماغ، وهذا الأمر حمل البعض من الباحثين ليعتقد أن القلب يأمر الدماغ لا العكس؛ لأن نشاط القلب بعد موت الدماغ لا مبرر له بأي حال من الأحوال، ولأنه شوهد أشخاص دخلوا في الغيبوبة لمدد قد تصل إلى","vol":"1","page":168},{"text":"سنين طوال، في حين تمت الموافقة على وفاة أدمغتهم؛ فكيف نبض القلب دون تلقي الأوامر من الدماغ!؟\nإن تفسير ذلك ذكره الرسول -ﷺ- من الحديث المتفق عليه من حديث النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ -﵁-، قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «الحَلَالُ بَيِّنٌ، وَالحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى المُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ: كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ، أَلَا وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً: إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ القَلْبُ» (^١).\nفي هذا دليل واضح على الدور الأساسي للقلب، وأنه المتحكم بالجسد كله بما فيه العقل لا العكس، وأن ذلك حقيقة ولا ينبغي حمله على المجاز، أي أن ذلك الأمر محسوس كما سنبين ذلك إن شاء الله، والله أعلم.\n• هل القلب كله يحمل هذه الوظائف التي تحدث عنها الشرع؟\nورد في أكثر من حديث أن المسؤول عن هذه الوظائف من العقل والإرادة والشعور … إلخ؛ جزء من القلب -لا القلب كله- بقدر المضغة، كما ورد في حديث النعمان بن بشير -﵁- الآنف الذكر، وهذه المضغة تقع في جذر القلب، كما ورد في حديث الأمانة الذي رواه البخاري عن حُذَيْفَةُ -﵁-، قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حَدِيثَيْنِ، رَأَيْتُ أَحَدَهُمَا وَأَنَا أَنْتَظِرُ الآخَرَ؛ حَدَّثَنَا «أَنَّ الأَمَانَةَ نَزَلَتْ فِي جَذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ، ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ القُرْآنِ، ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ» (^٢).\nومعنى (جذر) الأصل من كل شيء.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١/ ٢٠ رقم الحديث ٥٢)، ومسلم (٣/ ١٢١٩ رقم ١٥٩٩).\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه (٨/ ١٠٤ رقم الحديث ٦٤٩٧).","vol":"1","page":169},{"text":"ومما يؤكد ذلك أيضًا الحديث الذي رواه مسلم من حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -﵁-: \"أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- أَتَاهُ جِبْرِيلُ -ﷺ- وَهُوَ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ، فَأَخَذَهُ فَصَرَعَهُ، فَشَقَّ عَنْ قَلْبِهِ، فَاسْتَخْرَجَ الْقَلْبَ، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ عَلَقَةً، فَقَالَ: هَذَا حَظُّ الشَّيْطَانِ مِنْكَ، ثُمَّ غَسَلَهُ فِي طَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ لَأَمَهُ، ثُمَّ أَعَادَهُ فِي مَكَانِهِ، وَجَاءَ الْغِلْمَانُ يَسْعَوْنَ إِلَى أُمِّهِ -يَعْنِي ظِئْرَهُ- فَقَالُوا: إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ، فَاسْتَقْبَلُوهُ وَهُوَ مُنْتَقِعُ اللَّوْنِ\"، قَالَ أَنَسٌ: «وَقَدْ كُنْتُ أَرَى أَثَرَ ذَلِكَ الْمِخْيَطِ فِي صَدْرِهِ» (^١).\nومعنى (ثُمَّ لَأَمَهُ): جمعه وضم بعضه إلى بعض.\n(ظئره): هي المرضعة، ويقال أيضًا لزوج المرضعة: ظئر.\n(منتقع اللون): أي متغير اللون، قال أهل اللغة: \"امتقع لونه\" فهو ممتقع وانتقع فهو منتقع وابتقع فهو مبتقع فيه ثلاث لغات، والقاف مفتوحة فيهن، ومعناه: تغير من حزن أو فزع.\nيتبين من الأحاديث: أن مكان هذه الوظائف ليس القلب كله، بل جزء منه بحجم المضغة، ومعنى المضغة في حجم ما يمكن مضغه.\nأي أن المسؤول عن وظائف العبادة القلبية جزء من القلب لا القلب كله، وهذا الجزء بحجم لا يتعدى طوله من سنتمتر واحد إلى سنتمتر ونصف، أو أقل تقريبًا.\n\n•<span data-type='title' id=toc-125> أوعية مضغة القلب:</span>\nتحوي هذه المضغة على وظائف عدة تحدثت عنها النصوص الشرعية، وكلها تصب في النهاية في العبادة القلبية التي هي:\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في صحيحه (١/ ١٤٧ رقم الحديث ٢٦١).","vol":"1","page":170},{"text":"وعاء الإيمان أو الكفر؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ [الحجرات: ٧]، وقوله تعالى: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٥٥].\nوالقلب هو وعاء الإخلاص أو النفاق والرياء؛ للحديث الذي رواه البخاري بسنده عن عمر بن الخطاب -﵁-، قال: سمعت النبي -ﷺ- يقول: «إِنَّما الأعْمَالُ بالنِّيات، وإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوَى: فَمَنْ كانتْ هِجْرَتُه إِلى دُنْيَا يُصِيبُها، أَوْ إِلى امْرَأَةٍ يَنْكِحُها، فَهِجْرَتُه إِلى ما هاجَرَ إِلَيه» (^١). والمعروف قطعًا أن النية والإخلاص من أعمال القلوب، كما أن النفاق والرياء من أعمال القلوب، لقوله تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: ٧٧].\nوالقلب هو وعاء ذكر الله أو الغفلة؛ لقوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الحج: ٣٤ - ٣٥]، ولقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨].\nوالقلب هو وعاء السعادة أو الشقاء؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥].\nوالقلب هو وعاء التقوى أو الجرأة على حرمات الله؛ لما رواه مسلم بسنده عن أبي هريرة -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: «لَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ. وَكُونُوا عِبَادَ اللّهِ إِخْوَانًا. الْمُسْلِمُ أَخُو\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه (١/ ٦ رقم ١).","vol":"1","page":171},{"text":"الْمُسْلِمِ؛ لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ. التَّقْوَى ها هُنَا» وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: «بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِم. كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ؛ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ» (^١).\nوالقلب وعاء الرحمة أو القسوة والغلظة؛ لقوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩].\nوالقلب وعاء العلم أو الجهل؛ لقوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت: ٤٩]، ولقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٥٩]، ولما رواه البخاري بسنده عن حذيفة بن اليمان -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: «إنَّ الأمانة نزلتْ من السماء في جَذْرِ قلوبِ الرجال، ونزلَ القرآنُ فقَرَأوا القرآنَ وَعَلموا منَ السُّنَّة» (^٢).\nوالقلب هو وعاء الشجاعة أو الجبن؛ لقوله تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال: ١٢].\nويقول الشاعر أحمد شوقي:\nإن الشجاعة في القلوب كثيرة … ورأيت شجعان العقول قليلا\nوالقلب هو وعاء الحب والبغض؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٣].\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في صحيحه (٤/ ١٩٨٦ رقم ٢٥٦٤).\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه (٨/ ١٠٤ رقم الحديث ٦٤٩٧).","vol":"1","page":172},{"text":"والقلب هو وعاء التواضع أو الكبر؛ لما رواه مسلم وأبو داود بسنده عن عِيَاضِ بنِ حِمَارٍ -﵁- أَنَّهُ قال: قال رَسُولُ الله -ﷺ-: «إِنَّ الله أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا، حَتَّى لا يَبْغِي أَحَدٌ إِلَى أَحَدٍ، وَلا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ» (^١).\nكما أن الكِبْر في القلب؛ لقوله تعالى: ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ [غافر: ٥٦]، ولما رواه مسلم بسنده عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ -﵁-، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ» (^٢).\nوالقلب هو وعاء الاطمئنان أو القلق والاضطراب؛ لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨].\nوالقلب هو وعاء الفلاح أو الخسران؛ لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨ - ٨٩]، ولما رواه البخاري ومسلم بسندهما عن النعمان بن بشير -﵁- قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول -وأهوى النعمان بإصبعيه إلى أذنيه-: «ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله؛ ألا وهي القلب» (^٣).\nوفي الحقيقة لو استرسلنا وراء النصوص المحكمة قرآنًا وسنة حول أهمية القلب فربما احتاج منا بحثًا مستقلا، وإنني أدعو من يريد السير إلى الله ممتطيًا سفينة قلبه أن يختم القرآن مرة باحثًا عن أهمية القلب، وأنواعه في القرآن الكريم؛ فسيجد فيوضات ربانية، ودقائق إيمانية، تحمله على أن يسعى بجد نحو إصلاح قلبه.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في السنن (٤/ ٢٧٤ رقم ٤٨٩٥)، والبخاري في الأدب المفرد (٣١٩ رقم ٤٢٨)، وصححه الألباني.\n(^٢) أخرجه مسلم في صحيحه (١/ ٩٣ رقم ١٧٤).\n(^٣) أخرجه البخاري (١/ ٢٠ رقم الحديث ٥٢)، ومسلم (٣/ ١٢١٩ رقم ١٥٩٩).","vol":"1","page":173},{"text":"بعد الحديث عن القلب يأتي الحديث عن العبادة القلبية؛ ما هي؟ وكيف تنمى وتزاد؟ وما أثرها على العبادات الأخرى. وعلى النفس والروح؟ وما الأمور التي تؤثر عليها بشكل سلبي؟","vol":"1","page":174},{"text":"<span data-type='title' id=toc-126>العبادة القلبية</span>\nهي كل ما يحقق معنى التوحيد بكل شروطه، إنها شهادة أن لا إله إلا الله، بكل ما قرره أهل العلم من بيان معناها وشروطها، ومتى تحققت عند العبد.\nكما أنها فطرة الله التي فطر الناس عليها، وهي الميثاق الذي أخذه الله تعالى من ذرية آدم -﵇- قبل أن يخرجوا إلى الدنيا يوم استخرجهم من ظهر آدم فخاطبهم: «ألست بربكم قالوا: بلى» فأقروا جميعًا له سبحانه بالربوبية، وهي دعوة الرسل.\nإنها شهادة أن لا إله إلا الله بكل شروطها، فكلمة لا إله إلا الله هي الشهادة لله -﷾- بالوحدانية أي أن يكون الله تعالى هو وحده المعبود، دون سواه من المعبودات والآلهة، هذا هو ما جاءت به جميع الرسل، ودعت إليه أقوامها. انظر إلى حديث أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ -﵁- فِي قَوْلِهِ -﷿-: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٣]، قَالَ: «جَمَعَهُمْ لَهُ يَوْمَئِذٍ جَمِيعًا مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ جَعَلَهُمْ أَزْوَاجًا، ثُمَّ صَوَّرَهُمْ وَاسْتَنْطَقَهُمْ، فَتَكَلَّمُوا وَأَخَذَ عَلَيْهِمُ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ» ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٢ - ١٧٣] قَالَ: «فَإِنِّي أُشْهِدُ عَلَيْكُمُ السَّمَوَاتِ السَّبْعَ وَالْأَرَضِيَنَ السَّبْعَ، وَأُشْهِدُ عَلَيْكُمْ أَبَاكُمْ آدَمَ أَنْ تَقُولُوا إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ، فَلَا تُشْرِكُوا بِي شَيْئًا، فَإِنِّي أُرْسِلُ إِلَيْكُمْ رُسُلِي يُذَكِّرُونَكُمْ عَهْدِي وَمِيثَاقِي، وَأُنْزِلُ عَلَيْكُمْ كُتُبِي، فَقَالُوا: شَهِدْنَا أَنَّكَ رَبُّنَا وَإِلَهُنَا،","vol":"1","page":175},{"text":"لَا رَبَّ لَنَا غَيْرُكَ، وَلَا إِلَهَ لَنَا غَيْرُكَ، وَرُفِعَ لَهُمْ أَبُوهُمْ آدَمُ، فَنَظَرَ إِلَيْهِم …» الحديث (^١).\nالعبادة القلبية: هي الأمانة التي أنزلها الله -﷿- في جذر القلوب في الدنيا كما جاء ذلك في الحديث الآنف الذكر؛ «أَنَّ الأَمَانَةَ نَزَلَتْ فِي جَذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ، ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ القُرْآنِ، ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ».\nوعلى هذا فجميع قلوب بني آدم مولودة على الفطرة، وهي التوحيد؛ لكن هذه البذرة تحتاج إلى ما يوقظها وينبتها ثم يرعاها، ويتعاهدها بالعناية حتى الممات، وذلك عن طريق اتباع الوحي كما جاء في حديث أبي بن كعب الآنف الذكر؛ «فَإِنِّي أُرْسِلُ إِلَيْكُمْ رُسُلِي يُذَكِّرُونَكُمْ عَهْدِي وَمِيثَاقِي، وَأُنْزِلُ عَلَيْكُمْ كُتُبِي».\nكما أن القلوب والأروح متفاوتة ومختلفة في اليقظة وقبول الحق؛ فمنها سريع الانقياد فهو قلب رقيق، ومنها دون ذلك، إلى القلب القاسي الذي لا يقبل -والعياذ بالله- الحق. انظر إلى قول الله تعالى في وصف نشوء العبادة القلبية، وتقبل القلوب للحق، وأثر الشهوات والشبهات على القلوب في قوله تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ [الرعد: ١٧].\nقال الشيخ السعدي في تفسير الآية (^٢): شبّه تعالى الهدى الذي أنزله على رسوله لحياة القلوب والأرواح بالماء الذي أنزله لحياة الأشباح، وشبّه ما في الهدى من النفع العام الكثير الذي يضطر إليه العباد بما في المطر من النفع العام الضروري،\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ٣٥٣ رقم ٣٢٥٥)، وقال هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخْرِجَاهُ، ووافقه الذهبي، والبيهقي في القضاء والقدر (١/ ١٤١ رقم ٦٦).\n(^٢) تيسير الكريم المنان في تفسير كلام المنان (٤١٥).","vol":"1","page":176},{"text":"وشبه القلوب الحاملة للهدى وتفاوتها بالأودية التي تسيل فيها السيول؛ فواد كبير يسع ماء كثيرًا كقلب كبير يسع علمًا كثيرًا، وواد صغير يأخذ ماء قليلا كقلب صغير يسع علمًا قليلا، وهكذا.\nوشبّه ما يكون في القلوب من الشهوات والشبهات عند وصول الحق إليها بالزبد الذي يعلو الماء، ويعلو ما يوقد عليه النار من الحلية التي يراد تخليصها وسبكها، وأنها لا تزال فوق الماء طافية مكدرة له حتى تذهب وتضمحل، ويبقى ما ينفع الناس من الماء الصافي والحلية الخالصة.\nكذلك الشبهات والشهوات لا يزال القلب يكرهها، ويجاهدها بالبراهين الصادقة، والإرادات الجازمة، حتى تذهب وتضمحل، ويبقى القلب خالصًا صافيًا ليس فيه إلا ما ينفع الناس من العلم بالحق وإيثاره، والرغبة فيه، فالباطل يذهب ويمحقه الحق ﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١] وقال هنا: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ [الرعد: ١٧] ليتضح الحق من الباطل والهدى والضلال.\nويتضح من الآية أن أعمال القلوب من المحبة، وصفاء النية لله، والخشوع، والتوكل، والاستعانة … إلخ؛ تلك الأعمال التي لا يطلع عليها إلا الله، وتكون مهيمنة على العمل ليكون صافيًا خالصًا لله لا تأتي ابتداءً؛ وإنما تحتاج إلى عمل الجوارح المسبوقة بنية الدخول فيها.\nوقد بين ابن القيم أهمية العبادة القلبية القائمة على توحيد الله؛ وتأثيرها على العبادة؛ فقال: \"وَرُوحُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ وَسِرُّهَا: إِفْرَادُ الرَّبِّ -جَلَّ ثَنَاؤُهُ، وَتَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ، وَتَبَارَكَ اسْمُهُ، وَتَعَالَى جَدُّهُ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُهُ- بِالْمَحَبَّةِ وَالْإِجْلَالِ وَالتَّعْظِيمِ وَالْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ، وَتَوَابِعِ ذَلِكَ: مِنَ التَّوَكُّلِ وَالْإِنَابَةِ وَالرَّغْبَةِ وَالرَّهْبَةِ؛ فَلَا يُحَبُّ سِوَاهُ، وَكُلُّ مَا كَانَ يُحَبُّ غَيْرَهُ فَإِنَّمَا يُحَبُّ تَبَعًا لِمَحَبَّتِهِ، وَكَوْنِهِ وَسِيلَةً إِلَى زِيَادَةِ مَحَبَّتِهِ، وَلَا يُخَافُ سِوَاهُ، وَلَا يُرْجَى سِوَاهُ، وَلَا يُتَوَكَّلُ إِلَّا عَلَيْهِ، وَلَا يُرْغَبُ إِلَّا إِلَيْهِ،","vol":"1","page":177},{"text":"وَلَا يُرْهَبُ إِلَّا مِنْهُ، وَلَا يُحْلَفُ إِلَّا بِاسْمِهِ، وَلَا يُنْظَرُ إِلَّا لَهُ، وَلَا يُتَابُ إِلَّا إِلَيْهِ، وَلَا يُطَاعُ إِلَّا أَمْرُهُ، وَلَا يُتَحَسَّبُ إِلَّا بِهِ، وَلَا يُسْتَغَاثُ فِي الشَّدَائِدِ إِلَّا بِهِ، وَلَا يُلْتَجَأُ إِلَّا إِلَيْهِ، وَلَا يُسْجَدُ إِلَّا لَهُ، وَلَا يُذْبَحُ إِلَّا لَهُ وَبِاسْمِهِ، وَيَجْتَمِعُ ذَلِكَ فِي حَرْفٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ: أَنْ لَا يُعْبَدَ إِلَّا إِيَّاهُ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ، فَهَذَا هُوَ تَحْقِيقُ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَلِهَذَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَى النَّارِ مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ حَقِيقَةَ الشَّهَادَةِ، وَمُحَالٌ أَنْ يَدْخُلَ النَّارَ مَنْ تَحَقَّقَ بِحَقِيقَةِ هَذِهِ الشَّهَادَةِ وَقَامَ بِهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ﴾ [المعارج: ٣٣] \" (^١).\nإن العبادة درجات ومنازل في قبولها عند الله؛ بل هي مرتبطة بالشعور النفسي المنبثق من الإيمان على ما يتحقق في القلب من تحقيق التوحيد، واستشعاره، وإيقاظه في القلب صباحًا ومساءً.\nقال ابن القيم: فَإِنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ تَكُونُ شَهَادَتُهُ مَيِّتَةً، وَمِنْهُمْ مَنْ تَكُونُ نَائِمَةً، إِذَا نُبِّهَتِ انْتَبَهَتْ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَكُونُ مُضْطَجِعَةً، وَمِنْهُمْ مَنْ تَكُونُ إِلَى الْقِيَامِ أَقْرَبَ، وَهِيَ فِي الْقَلْبِ بِمَنْزِلَةِ الرُّوحِ فِي الْبَدَنِ، فَرُوحٌ مَيِّتَةٌ، وَرُوحٌ مَرِيضَةٌ إِلَى الْمَوْتِ أَقْرَبُ، وَرُوحٌ إِلَى الْحَيَاةِ أَقْرَبُ، وَرُوحٌ صَحِيحَةٌ قَائِمَةٌ بِمَصَالِحِ الْبَدَنِ.\nوَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْهُ -ﷺ-: «إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَا يَقُولُهَا عَبْدٌ عِنْدَ الْمَوْتِ إِلَّا وَجَدَتْ رُوحُهُ لَهَا رَوْحًا» (^٢).\nفَحَيَاةُ هَذِهِ الرُّوحِ بِحَيَاةِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ فِيهَا، فَكَمَا أَنَّ حَيَاةَ الْبَدَنِ بِوُجُودِ الرُّوحِ فِيهِ، وَكَمَا أَنَّ مَنْ مَاتَ عَلَى هَذِهِ الْكَلِمَةِ فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ يَتَقَلَّبُ فِيهَا، فَمَنْ عَاشَ عَلَى تَحْقِيقِهَا وَالْقِيَامِ بِهَا فَرُوحُهُ تَتَقَلَّبُ فِي جَنَّةِ الْمَأْوَى، وَعَيْشُهُ وَأَطْيَبُ عَيْشٍ، قَالَ تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ\n_________\n(^١) انظر: الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي (الداء والدواء)، (ص: ١٩٦).\n(^٢) ابن ماجه (ح ٣٠٧٧)، وصححه الألباني.","vol":"1","page":178},{"text":"خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النَّازِعَات: ٤٠ - ٤١] (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-127> الأعمال التي ينبغي على المسلم عملها ليتسنى له الدخول في الأعمال القلبية إلى أن يصل إلى حلاوة الإيمان والتي بها صلاح القلوب:</span>\nالآن وبعد أن عرفت أيها المسلم أهمية العبادة القلبية وعلاقتها بحياة الإنسان؛ فمن المناسب الإشارة إلى نبذة من أسباب صلاح القلب؛ لتكون نبراسًا لنا لإصلاح قلوبنا وتعاهدها بالعناية، وغذاء لأرواحنا للسير في الطريق المستقيم الذي سطره لنا ربنا -﷾-؛ للوصول إلى حلاوة الإيمان، والنفس المطمئنة، الراضية المرضي عنها في الدنيا، والفائزة بجنات عدن في الآخرة.\nوقبل ذكر شيء منها لا بد من الإشارة إلى أمور واجبة للوصول للأعمال المعينة على العبادة القلبية؛ ومنها:\n\n(١)<span data-type='title' id=toc-128> علو الهمة وصدق العزيمة على تزكية النفس وإصلاح القلب، بفعل كل الأسباب المعينة على ذلك</span>.\nومِن صدْق العزيمة وعلو الهمة لإصلاح القلب توطين النفس على الخروج عن العوائد الصادة عن سبيل الهدي، فإذا كان الإنسان قد اعتاد في يومه وليلته على أعمال ومخالطات وقضاء أوقات فيما لا ينفع، أو فيما يصد عما هو أنفع، حتى وإن كان ألفها. وحتمًا أن هذا الأمر من أشق الأمور على النفس، ويحتاج إلى بذل الجهد، يقول ابن القيم بعد أن ذكر أسباب الفلاح: (لا يغتر العبد بأن مجرد علمه بما ذكر كاف في حصول المقصود؛ بل لا بد أن يضيف إليه بذل الجهد في العمل، واستفراغ الوسع والطاقة في ذلك، وملاك ذلك الخروج عن العوائد؛ فإنها أعداء الكمال والفلاح،\n_________\n(^١) الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي (الداء والدواء) (ص ١٩٧).","vol":"1","page":179},{"text":"ويستعين على ذلك بالهروب من مظان الفتنة، والبعد عنها ما أمكنه) (^١).\n\n(٢)<span data-type='title' id=toc-129> الدعاء تضرعًا وخيفة بصلاح القلب وبشكل دائم</span>، ولا يخفى فضل الدعاء وعظيم أثره، لكن كثيرًا من الناس يغفلون عن هذه العبادة العظيمة التي بها تصلح القلوب. وكثيرون يغفلون عن قصد التقرب إلى الله بالدعاء، ويكون قصدهم منصرفًا إلى حصول مطلوبهم من أمورهم دون الدعاء بصلاح قلوبهم، فيفوتهم خير عظيم.\nيقول ابن القيم في كتابه الفوائد: (العجب ممن تعرض له حاجة فيصرف رغبته وهمته فيها إلى الله ليقضيها له، ولا يتصدى للسؤال لحياة قلبه من موت الجهل والإعراض، وشفائه من داء الشهوات والشبهات، ولكن إذا مات القلب لم يشعر بمعصيته) (^٢).\nفمن لجأ إلى الله، وانطرح بين يديه سائلا صلاح قلبه، داعيًا بحضور قلبه، متحرّيًا أوقات الإجابة، فما أقرب أن يجاب له، وقد قال -ﷺ-: «إنَّ الإيمانَ لَيَخْلَقُ في جَوْفِ أحدِكُمْ كَما يَخلَقُ الثّوبُ، فاسْألُوا اللهَ تعالَى أنْ يُجَدِّدَ الإيمانَ في قُلوبِكمْ» (^٣).\nومعنى: «إنَّ الإيمانَ لَيَخْلَقُ في جَوْفِ أحدِكم» أي: يَبْلَى ويَضْعُفُ في قَلْبِ المُسْلِمِ، وعلامة ضعف الإيمان الفُتور في العِبادةِ، أو ارتكابِ المعاصي، وانغِماسِ النَّفسِ في بَعصِ شَهواتِها.\n«كما يَخْلَقُ الثَّوبُ»، أي: مِثْلَ الثَّوْبِ الجَديدِ الذي يَبْلى بطُولِ استخدامِهِ.\n_________\n(^١) عدة الصابرين لابن القيم. (ص ٦٢ - ٦٣)\n(^٢) الفوائد لابن القيم (ص ١٢٢)\n(^٣) أخرجه الحاكم في المستدرك، وقال: رواته مصريون ثقات. ووافقه الذهبي. وقال الألباني في السلسلة الصحيحة (١٥٨٥): إسناده حسن.","vol":"1","page":180},{"text":"ويُفهم من الحديث أن الدعاء بصلاح القلب وتزكية النفس مطلوب في كل وقت حتى الممات؛ كي لا يضعف الإيمان، ولضمان قوة الإيمان في القلب.\n\n(٣)<span data-type='title' id=toc-130> طلب العلم الشرعي</span>، والجد في طلب كل ما يحقق الإيمان؛ إذ إن العمل لا يُقبل ولا ينال العبد الأجر عليه إلا إذا كان موافقًا لما شرعه الله في كتابه، أو بسنة نبَيَّنَهُ -ﷺ-، ففي الصحيحين من حديث عائشة -﵂- أن النبي -ﷺ- قال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (^١)؛ أي: مردود غير مقبول، وكذلك الحديث الذي رواه أبو داود والترمذي في سننهما من حديث العرباض بن سارية -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: «عَلَيْكُم بِسُنَّتِي، وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ المَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا، وَعَضُّوا عَلَيهَا بِالنَّوَاجِذِ» (^٢).\nوقال أهل العلم: إن العلم قبل القول والعمل. قال البخاري -﵀- تعالى: (باب: العلم قبلَ القولِ والعملِ؛ والدليل قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد: ١٩]، فبدأ بالعلم [قبل القول والعمل]) إذ لا عبرة بالقول والعمل إذا كان خطأ. وينشأ الخطأ إذا أخذ العلم من غير مصدره. والعلم المقصود هنا هو: معرفة الله، ومعرفة نبيه، ومعرفة دين الإسلام بالأدلة من الكتاب والسنة، ثم ما يتوجب عليه من العبادات المختلفة.\nإن طلب العلم الشرعي لا يتأتى لطالبه إلا بالإخلاص فيه لله، بأن ينوي الإنسان في طلب العلم وجه الله، لا لعرض من الدنيا، فقد قال رسول الله -ﷺ-: «من تعلم علمًا يبتغي به وجه الله -﷿- لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضًا من الدنيا؛ لم يجد\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٢٦٩٧)، وصحيح مسلم (١٧١٨).\n(^٢) سنن أبي داود (٤٦٠٧)، والترمذي برقم (٢٦٧٦)، وقال حديث حسن صحيح. والحديث صححه الألباني.","vol":"1","page":181},{"text":"عرف الجنة يوم القيامة» (^١)، -يعني ريحها- وهذا وعيد شديد، والعياذ بالله.\nوقال -ﷺ-: «أَلَا إِنَّ الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ، مَلْعُونٌ مَا فِيهَا، إِلاَّ ذِكْرُ اللهِ وَمَا وَالَاهُ، وَعَالِمٌ أَوْ مُتَعَلِّمٌ» (^٢).\nوالنية باب واسع يمكن تحديد ما ينفع طالبها بأمور نذكر بعضها؛ ليضع طالب العلم أمام عينيه كيف يحقق النية، ويطبقها في كل علم يناله:\nالأمر الأول: امتثال أمر الله بالعلم؛ لقوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد: ١٩] فأمر بالعلم، فإذا تعلمت فإنك ممتثل لأمر الله -﷿-.\nالأمر الثاني: أن ينوي بطلبه للعلم الشرعي رفع الجهل عن نفسه وعن غيره من أهله وذويه ومن له صلة به؛ لأن الأصل في الإنسان أنه جاهل، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨]. والواقع يشهد بذلك. فتنوي بطلب العلم رفع الجهل عن نفسك، وكلما زاد العلم زادت معه الخشية من الله ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] والواقع يقول إن ذلك ينطبق على العلم الشرعي وغير الشرعي.\nالأمر الثالث: تحصين نفسه ودينه بكل ما يدفع عنه الشك والريبة، وذلك بأن ينوي بطلب العلم الدفاع عن الشريعة في نفسه؛ وأن يكون له من العلم ما يقيه من الشبهات؛ حتى لا يتسلل الشك إلى قلبه فيفسد قلبه وتفسد عباداته والعياذ بالله. كما يحمي مَنْ حوله مِنْ أهله وذويه بملكة الرد على كل شبهة تطعن في الشريعة\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند (٢/ ٣٣٨)، وأبو داود، كتاب العلم، باب: طلب العلم لغير الله تعالى. وابن ماجه، المقدمة، باب: الانتفاع بالعلم والعمل به. والحاكم في المستدرك (١/ ١٦٠)، وقال: حديث صحيح سنده ثقات.\n(^٢) أخرجه الترمذي في السنن (٤/ ١٣٩ ح ٢٣٢٢)، وابن ماجه (٢/ ١٣٧٧ ح ٤١١٢)، وحسنه الألباني.","vol":"1","page":182},{"text":"أو مصادرها أو قدواتها.\nكما أن الدفاع عن الشريعة مثل السلاح الذي يستعمله من يدافع عن عرضه وماله. لذا لا بد أن يكون متسلحًا دائمًا بما يدفع عن الشريعة في نفسه ما يطعن فيها.\nوقد اختصر الإمام أحمد ما سبق ذكره في شأن العلم حينما سأله مهنا قال: قُلْتُ لِأَحْمَدَ: حَدِّثْنَا مَا أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ قَالَ: \"طَلَبُ الْعِلْمِ\". قُلْتُ: لِمَنْ، قَالَ: \"لِمَنْ صَحَّتْ نِيَّتُهُ\". قُلْتُ: وَأَيُّ شَيْءٍ يُصَحِّحُ النِّيَّةَ؟ قَالَ: \"يَنْوِي يَتَوَاضَعُ فِيهِ، وَيَنْفِي عَنْهُ الْجَهْلَ\".\nوَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ ثَوَّابٍ: قَالَ لِي أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: \"مَا أَعْلَمُ النَّاسَ فِي زَمَانٍ أَحْوَجُ مِنْهُمْ إلَى طَلَبِ الْحَدِيثِ مِنْ هَذَا الزَّمَانِ\" قُلْتُ: وَلِمَ؟ قَالَ: \"ظَهَرَتْ بِدَعٌ فَمَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ حَدِيثٌ وَقَعَ فِيهَا\".\nومن المعلوم عند أهل العلم أن من جد في طلب العلم الشرعي؛ تصح نيته في طلب العلم، وهذا يلمسه من طرق هذا الباب بشغف وجد ومحبة.\nفقَدْ رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: \"طَلَبْنَا هَذَا الْعِلْمَ وَمَا لَنَا فِيهِ كَبِيرُ نِيَّةٍ، ثُمَّ رَزَقَ اللَّهُ النِّيَّةَ بَعْدُ\". وَرُوِيَ هَذَا الْمَعْنَى عَنْ جَمَاعَةٍ؛ مِنْهُمْ: حَبِيبٌ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، وَسِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ.\nوَقَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ: \"طَلَبنَا الْعِلْمَ لِغَيْرِ اللَّهِ فَأَبَى أَنْ يَرُدَّنَا إلَّا إلَى اللَّهِ\".\nوَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ إنَّ مَعْمَرًا قَالَ: \"كَانَ يُقَالُ إنَّ الرَّجُلَ لَيَطْلُبُ الْعِلْمَ لِغَيْرِ اللَّهِ فَيَأْبَى عَلَيْهِ الْعِلْمُ حَتَّى يَكُونَ لِلَّهِ.\nوَرَوَى الْخَلَّالُ أَخْبَرَنِي حَرْبٌ ثَنَا عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ ثَنَا يَحْيَى بْنُ يَمَانٍ قَالَ: \"قَالُوا لِسُفْيَانَ إنَّ أَصْحَابَ الْحَدِيث يَطْلُبُونَ الْحَدِيثَ بِغَيْرِ نِيَّةٍ، قَالَ طَلَبُهُمْ لَهُ نِيَّةٌ\" (^١).\n_________\n(^١) الآداب الشرعية والمنح المرعية لابن مفلح (٢/ ٣٧).","vol":"1","page":183},{"text":"الأمر الرابع: الحكمة في طلب العلم.\nوالحكيم هو: الذي ينزل الأشياء منازلها؛ لأن الحكيم مأخوذ من الإحكام وهو الإتقان، وإتقان الشيء أن ينزله منزلته، فينبغي بل يجب على طالب العلم أن يكون متحليًا بالحكمة في طلبه للعلم ووسائل العلم ممن يأخذ عنهم العلم؛ من البشر، أو الكتاب الورقي، أو المحرك الإلكتروني.\nإن الحكمة في طلب العلم تقتضي أن يكون حليمًا متأنيًا مجيدًا لوسائل إتقان العلم، وأن يتبع المنهجية الصحيحة في طلب العلم الشرعي، وألا يقدم مرحلة على مرحلة، بل يتأنى في ذلك، وأن يتبع الطرق الصحيحة في تحصيل العلم؛ وهي:\n\n•<span data-type='title' id=toc-131> الحفظ مع الفهم:</span> يعتمد العلم الشرعي على الحفظ مع الفهم، وملكة الحفظ يمكن الوصول إليها مع إخلاص النية، وحسن المقصد، والرغبة في الوصول للعلم الشرعي. ومن الإخلاص: البعد عن المعاصي والآثام، ثم تعويد النفس على الحفظ. وحفظ القرآن يساعد كثيرًا على الحصول على هذه الملكة، وهذا معروف عند من حفظ القرآن. ومما يساعد على الحفظ: المذاكرة، وهي تسميع المحفوظ على شخص متقن للعلم، وكذلك تكرار المحفوظ، واختيار الزمان والمكان المناسبين.\n•<span data-type='title' id=toc-132> القراءة:</span> وهي ملكة أيضًا تحتاج لمهارة لتتحقق الفائدة منها؛ ومن هذه المهارات: اختيار الكتاب المناسب والوقت المناسب، فإذا وقفت على فوائد مهمة لك؛ فعلق عليها على طرة الكتاب بتعليق تراه ينفعك، وقد تحتاج إليه فيما بعد. كما أنه قبل البدء بقراءة الكتاب لا بد من الإلمام ببعض معلومات الكتاب المقروء من حيث: (موضوعه، مصطلحاته، وما يعين على فهم مقصد المؤلف ويكون ذلك عادة في مقدمة الكتاب …).","vol":"1","page":184},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-133> حلق التدريس (الشيوخ):</span> العلم الشرعي علم نقلي، يحتاج لإتقانه تلقيه من شيخ متقن، وطريقة التلقي من الشيخ المتقن تختصر الطريق لك في الحصول على المعلومة، كما أنه يفتح الطريق أمامك للسير في الطريق الصحيح، فكن دقيقًا في اختيار شيخك الذي ستستفيد منه وتسمع له؛ لأن العالم قد أمضى الوقت الطويل في تلقي العلم بكل فروعه، وسيختصر لك معرفة المعلومة القائمة على البحث النهائي لها، وأقوال أهل العلم فيها، وكذلك سيرشدك لمصادر العلم ومؤلفيها، وطرائقهم في التصنيف، وعرض المسائل وتحقيقها، فلا تبخل على نفسك بالسؤال فهو جوهر العلم. قيل لابن عباس -﵄-: بم أدركت العلم؟ قال: \"بلسان العلماء، وقلب عقول، وبدن غير ملول\". فكانت النتيجة كما قال مسروق: كنت إذا رأيت ابن عباس قلت: أجمل الناس! وإذا تكلَّم قلت: أفصح الناس! وإذا تحدَّث قلت: أعلم الناس! وكان يُسمى البحر لغزارة علمه، والحبر لاتساع حفظه ونفوذ فهمه، وكان عمر -﵁- يقربه ويدنيه لجودة فهمه وَضُوءًا، وحسن تأتِّيه، وجملة ما روى عن رسول الله -ﷺ- - ألف حديث وستمائة وستين، أخرج له في الصحيحين مائتان وأربعة وثلاثون حديثًا (^١).\n•<span data-type='title' id=toc-134> تلقي العلوم الشرعية والتدرج في تلقيها:</span> تنقسم العلوم إلى قسمين:\n(١) علوم أصلية وهي: [التفسير والحديث والفقه والعقيدة].\n(٢) علوم مساعدة (الآلة)؛ ما كان وسيلة إلى الوصول للعلوم الأصلية، وهي: أصول الفقه، وأصول الحديث (مصطلح الحديث)، وعلوم العربية؛ كالنحو والبلاغة والصرف.\n_________\n(^١) الكتاب: الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم، تأليف: محمد الأمين بن عبد الله الأُرَمي العَلَوي الهَرَري الشافعي (٢٤/ ٤١)، وقول ابن عباس -﵄- أخرجه الحاكم (٣/ ٥٣٩)، والطبراني في \"الكبير\" (١٠/ ٢٦٥)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (١/ ٣١٨)، وعبد الرزاق في المصنف (٨١٢٣).","vol":"1","page":185},{"text":"ولا بد لطالب العلم من منهجية يسير عليها في تلقي هذه العلوم فإن التدرج معراج التخرج.\n\n•<span data-type='title' id=toc-135> العلوم الأصلية:</span>\n<span data-type='title' id=toc-136>أولًا: يبدأ طالب العلم بحفظ القرآن مع العلم بالتفسير بقدر ما يعينه على فهم القرآن والتدبر والخشوع</span>.\nوكتب التفسير تتدرج بين مختصرات إلى الكتب الطوال الموسعة في تفسير الآيات التي تجمع بين المأثور والرأي، وبعضها مهتم بآيات الأحكام.\nوينصح أهل العلم الطالب المُبتدِئ أن يبدأ مع حفظ القرآن بالمختصرات، وهي على قسمين؛ كتب مختصرة جدًّا فيها بيان لما يصعب فهمه من الآية دون تفصيل، مثل: «المختصر في التفسير»، إشراف مركز تفسير للدراسات القرآنية، ويتميز هذا الكتاب بوضوح العبارة وسهولتها، واقتصر من جمعه على تفسير الآيات وبيان معانيها، دون دخول في مسائل القراءات والإعراب والفقه ونحو ذلك. وفيه شرح المفردات القرآنية أثناء التفسير، وتلوين الشرح بلون مختلف؛ ليسهل الوقوف عليه لمن أراده. كما أن فيه تحرّي المعنى الأرجح عند الاختلاف، مع مراعاة ضوابط التفسير، وقواعد الترجيح.\nوفيه سياق جملة من هدايات الآيات وفوائدها بما يعين على تدبرها وتمام الانتفاع بها تحت عنوان مستقل؛ هو: \"من فوائد الآيات\". والتقديم عند بداية كل سورة ببيان مقصدها ومحورها العام الذي تدور حوله.\nوالكتاب مطبوع على حاشية المصحف الشريف؛ ليكون عونًا لقارئ القرآن على فهم كلام الله تعالى بأيسر طريق، دون حاجة للرجوع إلى كتاب آخر.","vol":"1","page":186},{"text":"وفي المكتبة الإسلامية الورقية والإلكترونية الموجودة مع المصحف المطبوع على الورق أو الإلكتروني الكثير من التفاسير المختصرة. فليختر طالب العلم من كتب التفسير ما يجده مناسب لفهمه.\n\n<span data-type='title' id=toc-137>ثانيًا: العقيدة:</span> وتنقسم دراسة العقيدة إلى قسمين:\n(١) ما يتعلق بتوحيد العبادة (الألوهية).\n(٢) ما يتعلق بمباحث الاعتقاد بشكل عام.\nأما القسم الأول فيبدأ فيه بالكتب التالية:\n• القواعد الأربع ونواقض الإسلام.\n• الأصول الثلاثة، وله شروح، ومن أجملها حاشية ابن قاسم.\n• كتاب التوحيد، مع شرحه: فتح المجيد.\n• ويفضل حفظ هذه المتون ودراستها على أيدي المشايخ، والاطلاع على شروحها، وضبط مسائلها.\n• بقية كتب الاعتقاد، كالدرر السنية، والرسائل النجدية.\nوأما القسم الثاني: العقيدة العامة، التي تدرس مباحث الاعتقاد:\n• فأول ما يبدأ به في هذا الباب كتاب لمعة الاعتقاد لابن قدامه، وقد شرحه فضيلة الشيخ ابن عثيمين -﵀-.\n• ثم العقيدة الواسطية لابن تيمية، ويهتم بها، ويحفظها، ويقرأ شروحها، ومن أنفعها شرح الشيخ عبد العزيز بن رشيد (التنبيهات السنيه على العقيدة الواسطية).\n• ثم كتاب الحموية.","vol":"1","page":187},{"text":"• ثم كتاب التدمرية.\n• ثم كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم.\n• ولا بد من قراءة هذه الكتب على المشايخ والعلماء لتوضيح ما يشكل فهمه.\n\n<span data-type='title' id=toc-138>ثالثًا: الحديث:</span>\n• وأول كتاب يبدأ به الأربعون النووية، وينصح بحفظها وتكرارها، ويقرأ شروحها، ويدرسها على يد شيخ، ومن شروحها (جامع العلوم والحكم) لابن رجب الحنبلي.\n• عمدة الأحكام، وله شروح، ومن أيسرها: شرح الشيخ البسام.\n• وبعد ذلك ينظر الطالب فإذا كانت وجهته إلى الأحكام؛ فيقرأ كتاب: بلوغ المرام.\n• أما إذا كانت وجهته لحفظ السنة؛ فيتجه إلى اللؤلؤ والمرجان.\n• وبعده مفردات البخاري.\n• ثم مفردات مسلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-139>رابعًا: الفقه:</span>\nوقبل أن تدرس الفقه لا بد أن تتمذهب بمذهب إما حنبلي، أو شافعي، أو مالكي، أو حنفي.\n• وعليه أن يضبط مسائل المتن ويتصورها، ويستدل لها، ويقرأها على شيخ.\n• ثم ينظر في شروحها، ويضبط هذه الشروح.","vol":"1","page":188},{"text":"• وحيث إن المذهب السائد في بلدنا مذهب الحنابلة فيبدأ الطالب:\n• بعمدة الفقه.\n• ثم زاد المستقنع، وعبارته شديدة، وليس فيه أدلة، وله شروح، ومن أحسنها شرح الشيخ صالح البليهي -﵀-: (السلسبيل في معرفة الدليل).\n• وعليه أن يحرص على اختيارات الشيخين ابن تيمية وابن القيم، ومن تبعهما من المحققين كابن سعدي وابن باز وابن عثيمين ﵏.\n• ثم إذا تأهل فليتحرر من التقليد وليختر لنفسه بالدليل ما تطمئن إليه.\n\n•<span data-type='title' id=toc-140> العلوم المساعدة:</span>\n<span data-type='title' id=toc-141>أولًا: أصول الفقه:</span>\n• وألفت فيه رسائل؛ منها (رسالة لطيفة في أصول الفقه) للشيخ عبد الرحمن السعدي.\n• ثم الورقات للإمام الجويني، وليقرأ معه شرحه للشيخ عبد الله الفوزان.\n• ثم كتاب (قواعد الأصول) لعبد المؤمن الحنبلي.\n• وعليه أن يقرأ هذه المتون على المشايخ وطلاب العلم، ويضبط مباحثها، وإن تيسر الحفظ فهو أولى.\n\n<span data-type='title' id=toc-142>ثانيًا: مصطلح الحديث:</span>\nوأول ما يطلب فيه نخبة الفكر للحافظ ابن حجر، وهو يغني عن غيره، ولا يغني غيره عنه، وله شروح؛ منها: نزهة النظر للمؤلف.","vol":"1","page":189},{"text":"<span data-type='title' id=toc-143>ثالثًا: علوم العربية:</span>\nقال ابن الوردي:\nجمّل المنطق بالنحو فمن … يحرم الإعراب بالنحو اختبل\n• ولا يمكن لطالب العلم أن يكون طالب علم بحق إلا بهذا العلم، وأول ما يبدأ به في هذا الباب:\n• الآجرّوميّة، ويفضل حفظها، ويقرأ شرحها لمحي الدين عبد الحميد.\n• قطر الندى وبل الصدى لابن هشام، مع شرح الشيخ عبد الله الفوزان.\n• ثم ألفية ابن مالك، وعليه أن يهتم بحفظها، ولينظر في شرحها دليل السالك للفوزان.\nوبعد فعلى طالب العلم أن يكون متعبدًا الله تعالى بما علمه من الشرع، لا يزيد ولا ينقص في العبادات، كذلك لا بد أن يكون عاملا بعمله في الأخلاق والمعاملة، واعلم أن حسن الخلق هو ما يقرب إلى الله -﷿-. وأولى الناس برسول الله -ﷺ- وأدناهم منه منزلة أحاسنهم أخلاقًا، كما قال -ﷺ-: «إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا، وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون». قالوا يا رسول الله! قد علمنا الثرثارون والمتشدقون فما المتفيهقون؟ قال: «المتكبرون» (^١).\nالعلم لا يكتمل إلا بالعمل، فكن ممتثلا لعلمك مطبقًا له، فإذا منَّ الله عليك بنعمة العمل بما تعلمته فلا تبخل على أهلك وذويك بهذه النعمة التي منّ الله بها عليك، مع الحمد والشكر لله عليها. فإن ثقل عليك شيء من العلم أو تطبيقه فعليك\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في السنن (٣/ ٤٢٨ ح ٢٠١٨).","vol":"1","page":190},{"text":"بالصبر وعلو الهمة، فالعلم طويل وشاق، ومعالي الأمور لا تنال إلا على جسر من التعب. واحذر أخي طالب العلم من المزالق التي تهوي بصاحبها إلى الإثم\n-والعياذ بالله-؛ كالكبر والعجب والجرأة على الفتوى بغير علم.\nأسأل الله أن ينفعني وإياك، وأن يرزقنا لذة العلم وحلاوته في الدنيا، والرفعة به في الآخرة، إنه سميع قريب.\nوبعد أن يسعى المؤمن الذي يشرع في تعاهد قلبه بما سبق ذكره ستتضح الصورة لديه فيما يتوجب عليه عمله من الأعمال وهي كثيرة جدًا، وسيفتح الله عليه بابًا من أبواب رحمته وبركته، وسينظر لحياته بمنظور إيماني ملؤه الطمأنينة والسكينة، وسيجد قوة وحماسًا في عبادة الله.\nونذكر هنا طرفًا من الأعمال التي بها صلاح القلب لأنها كثيرة؛ فمن أعظم الأمور التي تصلح القلب:\n(١) الأعمال الصالحة بجميع أنواعها، من ذكر وصلاة وصوم … إلخ، والجد والاجتهاد بالإحسان فيها، وذلك بأدائها على ما وردت عن النبي -ﷺ- بأركانها وواجباتها وسننها.\nوالعبادة منها ما هو فرض، حكم من تركها؛ كافر. وأهمها الأركان الخمسة.\nوالفرائض أحب الأعمال إلى الله؛ للحديث الذي رواه أَبِو هُرَيْرَةَ -﵁-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْه وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ","vol":"1","page":191},{"text":"عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ المُؤْمِنِ، يَكْرَهُ المَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ» (^١).\nوكما هو واضح من الحديث أن النوافل والأخذ بها سبب في محبة الله، وهي غاية العبادة القلبية وذروة سنامها. والنوافل قسمان؛ قسم داخلٌ في الفرض ومحسّنٌ له، وقسم مستقل. وتفصيل ذلك في كتب الفقه، وعلى المسلم تعلمه ليرقى بعبادته، ويصل إلى رضى ربه ومحبته.\nومن العبادات الذكر؛ من التسبيح والتهليل والحمدلة والحسبلة والحوقلة، والذكر إذا رُبط بالتدبر والتفكر في خلق الله، واتبع العابد الوقت المسنون فيه حتى يكون وردًا في يومه، وليلته، وفي الأسبوع، وفي العيدين، وغيرها؛ فإنه إن فعل ذلك كان أعمق في التأثير على القلب. وكلما كان القلب عامرًا بذكر الله كان أقرب منه سبحانه، وكانت الفرائض والنوافل أحب إليه مما حُبّب إليه من متاع الدنيا. لذا فليفزع إليها إذا شعر المسلم تكاسل وتثاقل في العبادة.\nأما قراءة القرآن فلا تسأل عن عمار القلب بالارتباط بقراءة القرآن والعناية به والعمل به؛ ذلك أن التوحيد مستقر في الفطرة التي محلها القلب كما أسلفنا، وسماع القرآن وقراءته والعناية به يثير كامن التوحيد في فطرة الإنسان، ولذلك كان أهل القرآن هم أهل الله وخاصته؛ لأن توحيد الله متيقظ في قلوبهم؛ قال -ﷺ-: «إِنَّ لِلَّهِ أَهْلِينَ مِنَ النَّاسِ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ هُمْ؟ قَالَ: «هُمْ أَهْلُ الْقُرْآنِ، أَهْلُ اللَّهِ وَخَاصَّتُه» (^٢).\nو«أَهْل الْقُرْآنِ هُمْ أَهْل اللَّهِ وخاصَّتُه» أَيْ حَفَظة الْقُرْآنِ الْعَامِلُونَ بِهِ. هُمْ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ والمختَصُّون بِهِ اختصاصَ أهلِ الْإِنْسَانِ بِهِ (^٣).\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٨/ ١٠٥ - ح ٦٥٠٢).\n(^٢) أحمد (٩/ ٢٩٦ - ح ١٢٢٧٨)، وابن ماجه (١/ ٧٨ - ح ٢١٥)، والحديث صححه الألباني.\n(^٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٨٣).","vol":"1","page":192},{"text":"قال ابن القيم: أهل القرآن هم العالمون به العاملون بما فيه وإن لم يحفظوه عن ظهر قلب، وأما من حفظه ولم يفهمه ولم يعمل بما فيه، فليس من أهله، وإن أقام حروفه إقامة السهم (^١).\nوالتدبر يقوم على أمرين؛ الفهم، والاتعاظ، وطريق الفهم في معرفة اللسان العربي ومراجعة كتب التفسير فيما يشْكل، وطريق الاتعاظ إزالة الحجب والأقفال التي تمنع تفاعل القلب مع مواعظ القرآن، وتخير أوقات الصفاء والفراغ من مشاغل الدنيا، ولذا كان في التلاوة ليلًا ميزة، قال تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل: ٦].\nوأفضل القرآن ما كان في الصلاة وفي قيام الليل أخص؛ لقوله -ﷺ-: «لَا حَسَدَ إِلَّا عَلَى اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ هَذَا الْكِتَابَ، فَقَامَ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ، وَآنَاءَ النَّهَارِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالًا، فَتَصَدَّقَ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ، وَآنَاءَ النَّهَارِ» (^٢).\nوالمقصود بالحسد في الحديث: الغبطة، حيث أفضل الأماني لدى المؤمن التي يغبطه عليها أقرانه من المؤمنين قيام الليل بالإطالة فيه بالقرآن.\nولا بد من إتقان تلاوته حتى يحظى بطبقة السفرة الكرام البررة لحديث عَائِشَةَ -﵂-، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «الْمَاهِرُ بِالْقُرْآنِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ، وَالَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَتَتَعْتَعُ فِيهِ، وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ، لَهُ أَجْرَانِ» (^٣).\n_________\n(^١) زاد المعاد (١/ ٣٣٨).\n(^٢) صحيح مسلم (١/ ٥٥٩ ح ٨١٥).\n(^٣) صحيح مسلم (١/ ٥٤٩ ح ٧٩٨)، والبخاري بنحوه (٦/ ١٦٦ ح ٤٩٣٧).","vol":"1","page":193},{"text":"السفرة الكرام البررة:\nقال القاضي في إكمال المعلم: يحتمل -والله أعلم- أَنَّ له في الآخرة منازل يكون فيها رفيقًا للملائكة السفرة، لاتصافه بوصفهم بحمل كتاب الله، ويحتمل أن يكون المراد: أنه عامل بعملِ السفرة وسالك مسلكهم، كما يقال: فلان مع بني فلان، إذا كان يرى رأيهم ويذهب مذهبهم، كما قال لوط -﵇-: ﴿وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١١٨]، وقد جاء في بعض الأخبار أن من تعلَّمه من صغره وعمل به خلطه الله بلحمه ودمه، وكتبه عنده من السفرة الكرام البررة (^١).\nفمن تعاهد نفسه بالأعمال الصالحة وأدّاها بإحسان، ويومه مملوء بالأذكار وقراءة القرآن حتمًا سيكون قلبه مليئًا بنور ربه. لقد علم الصحابة رضوان الله عليهم ذلك ووعوه جيدًا فكانوا يسمون الأذكار بالإيمان، فقد كان معاذ بن جبل -﵁- يقول لرجل: (اجلس بنا نؤمن ساعة) (^٢)، وروى ابن أبي شيبة عن عبد الله بن رواحة -﵁- أنه يأخذ بيد النفر من أصحابه، فيقول: (تعالوا نؤمن ساعة، تعالوا فلنذكر الله ونزداد إيمانًا، تعالوا نذكره بطاعته لعله يذكرنا بمغفرته) (^٣). وفي رواية عن أبي الدَّرْدَاءِ رضي الله تعالى قَالَ: كَانَ ابن رَوَاحَةَ يَأْخُذُ بِيَدِي وَيَقُولُ: «تَعَالَ نُؤْمِنْ سَاعَةً، إِنَّ الْقَلْبَ أَسْرَعُ تَقَلُّبًا مِنَ الْقِدْرِ إِذَا اسْتَجْمَعَتْ غَلَيَانًا» (^٤).\nقال أهل العلم في معنى (نؤمن ساعة): نذكر الله (^٥).\n_________\n(^١) إكمال المعلم (٣/ ١٦٦).\n(^٢) هذا الأثر علقه البخاري -﵀- في الصحيح في باب قول النبي -ﷺ- «بني الإسلام على خمس) ١/ ١٠، وابن أبي شيبة (٣٠٣٦٣).\n(^٣) المصنف لابن أبي شيبة (٣٠٤٢٦).\n(^٤) الزهد والرقاق لابن المبارك (١٣٩٥).\n(^٥) الإيمان ومعالمه وسننه واستكماله ودرجاته، تأليف أبي عبيد القاسم بن سلام (١/ ٢٤ - ح ٢٠).","vol":"1","page":194},{"text":"إن للعبادات -بما فيها الأذكار- عظيم الأثر على صحة الأبدان، وسعة الرزق، وتيسير الأمور؛ فليفزع لها عند الضيق. قال ابن عباس -﵄-: \"إن للحسنة نورًا في القلب، وضياء في الوجه، وقوة في البدن، وزيادة في الرزق، ومحبة في قلوب الخلق. وإن للسيئة سوادًا في الوجه، وظلمة في القلب، ووهنا في البدن، ونقصًا في الرزق وبغضًا في قلوب الخلق\" (^١).\nوقال سليمان الخواص -﵀-: \"الذكر للقلب بمنزلة الغذاء للجسم، فكما لا يجد الجسد لذة الطعام مع السقم فكذلك القلب لا يجد حلاوة الذكر مع حب الدنيا\".\nقال الشاعر:\nدواء قلبك خمس عند قسوته … فاذهب عليها تفز بالخير والظفر\nخلاء بطن وقرآن تدبره … كذا تضرع باك ساعة السحر\nثم التهجد جنح الليل أوسطه … وأن تجالس أهل الخير والخبر\nفكان الصحابة -﵃- ولنا فيهم قدوة حسنة- يجلسون للذكر، والهدف تقوية الإيمان في قلوبهم.\n(٢) ومما يحيي القلب: مجالسة الصالحين، انظر إلى قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨].\nإن مجالسة الصالحين تعين على علو الهمة وإعلاء القدوة، ذلك أن في صحبة أهل القلوب الربانية، وحضور مجالسهم، إعانة على صلاح القلوب وتوجيه النفس للطريق الصحيح. وأفضل هؤلاء الصالحين هم أهل العلم.\n_________\n(^١) ابن القيم في روضة المحبين (ص ٤٤١) لأنس، وابن عباس ﵃.","vol":"1","page":195},{"text":"ومن أجمل ما قيل في الصحبة ما ذكره القرطبي بسنده إلى عَوْنَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ: أَنَّهُ كَانَ يُقَالُ: «إِنِ اسْتَطَعْتَ فَكُنْ عَالِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَكُنْ مُتَعَلِّمًا، وَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَأَحِبَّهُمْ، وَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَلَا تَبْغَضْهُمْ» فَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: «لَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ -﷿- لَهُ مَخْرَجًا إِنْ قَبِلَ» (^١).\nفإن عز وجودهم، فليصحبهم في كتب السير، ففي سيرة نبينا محمد -ﷺ- وأصحابه وسلف الأمة وصالحيها عبرة لكل مدكر، ومنارًا لكل طالب أسوة.\nومن مجالسة الصالحين في هذا الزمن وسائل الاتصال الحديثة كالتويتر واليوتيوب والفيس بك، وكذلك القنوات الفضائية، وغيرها، فإن أثرها عظيم في تغيير الفكر. والقلب تبعٌ للفكر.\n(٣) ألا يغيب عن الذهن أن مصير كل حي الموت، ويذكّر نفسه بشكل مستمر بما بعد الموت من حياة البرزخ والحشر والحساب والجنة والنار، وأن الدنيا دار عمل لما بعد الموت، وأن يحاسب نفسه قبل أن يحاسب. إن من آمن بهذه الحقيقة، وذكّر نفسه بشكل مستمر حتمًا سيصلح قلبه؛ لأنه سيعيش بين الرجاء والخوف. طمعًا فيما أعده الله للمؤمن الذي يعمل لآخرته من النعيم المقيم من أول الاحتضار وصعود روحه، إلى القبر، وما أعده الله من نعيم في حياة البرزخ، إلى أن ينتهي بالجنة. والخوف مما أعده الله للمفرط في دينه، من أول الفتن المتلاحقة التي يصطدم بها تباعًا، وأشدها أن يقبض على كفر أو شرك -نسأل الله السلامة-، ثم تتلاحق عليه الأهوال تباعًا والعياذ بالله.\nإن ذكر الموت والحياة الآخرة يتأتى لمن يقرأ في ذلك. والمكتبة الإسلامية زاخرة بما يحيي القلوب من ذكر الحياة الآخرة. وأفضل من ذلك قراءة القرآن مع\n_________\n(^١) جامع بيان العلم وفضله للقرطبي (١/ ١٤٢ ح ١٤٣).","vol":"1","page":196},{"text":"التفسير وبخشوع وتدبر.\nومن ذكر الموت زيارة القبور للرجال، ورؤية المحتضرين، وغسل الموتى، كل ذلك يحيي القلب، ويلين ما فيه من القسوة.\nوالسلف الصالح يعي ذلك جيدًا، وقصصهم في ذلك كثيرة؛ قال سعيد بن جبير -﵀-: \"لو فارق ذكر الموت قلبي لخشيت أن يفسد علي\" أي قلبه. معنى ذلك أن الموت ملازم لقلبه، يذكره في كل أحواله. وكان صفوان بن سليم يأتي البقيع، فيمر بمحمد بن صالح التمار، فتبعه في ذات يوم، فقال محمد: فقلت في نفسي سأنظر ما يصنع، فجاء صفوان على قبر من القبور في البقيع، فلم يزل يبكي حتى رحمته من كثرة البكاء، وظننت أنه قبر بعض أهله، فهو يأتي لزيارته، ويتذكر هذا القريب الحبيب فيبكي ويرق لذلك، يقول: ومر به مرة أخرى فتتبعته ففعل مثل ذلك فذكرت ذلك لمحمد بن المنكدر فقال: \"كلهم أهله وإخوته إنما هو رجل يحرك قلبه بذكر الأموات كلما عرضت له قسوة\".\n(٤) مجاهدة النفس بشكل مستمر، فإن النفس أمارة بالسوء، وزجرها عن الوقوع في الزلل ووسوسة الشيطان، عن طريق تربية القلب على الإخبات والخوف والمحبة والخشية، والمجاهدة والصبر واليقين، وما إلى ذلك من المعاني. وعلى المسلم ألا يثق بالنفس، وأن يبعد عن الشعارات المنادية بالثقة بالنفس، وأن يستبدلها بالثقة بالله الرحمن الذي بيده مقاليد السموات والأرض، كما أن مكابدة النفس هي من الجهاد.\nيقول ابن المنكدر -﵀- وهو من علماء التابعين-: \"كابدت نفسي أربعين سنة حتى استقامت لي\". ويقول أبو حفص النيسابوري -﵀-: \"حرست قلبي عشرين سنة، ثم حرسني عشرين سنة\".","vol":"1","page":197},{"text":"(٥) أن يكون تعلقه بربه ومعبوده وخالقه ﷻ، لا بالمخلوق أيًّا كان هذا المخلوق سواء كان رجلًا، أو امرأة، أو ولد، أو سيارة، أو عقارات، أو مالًا، أو غير ذلك فإن من تعلق بغير الله عُذّب به. فعلى المسلم صرف أعمال القلب لله وحده لا شريك له، والحزم في ذلك، وزجر نفسه إن حادت عن ذلك، فإن استعان استعان بالله، وإن أحب أحب الله وأحب في الله، وإن توكل توكل على الله، وهكذا. وهذه العبادات تأتي تباعًا مع ما سبق ذكره من وسائل إصلاح القلب.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: \"كلما ازداد القلب لله حبًا؛ ازداد له عبودية، وكلما ازداد له عبودية؛ ازداد له حبًا وحرية عمن سواه\" (^١).\nويكون القلب عبدًا أسيرًا للمخلوق من وجهين: من جهة العبادة، ومن جهة الاستعانة والتوكل. فالقلب لا يصلح، ولا يفلح، ولا يسر ولا يطيب، ولا يطمئن ولا يسكن إلا بعبادة ربه وحبه والإنابة إليه، ولو حصل له كل ما يلتذ به من المخلوقات لم يطمئن ولم يسكن؛ إذ فيه فقر ذاتي إلى ربه من حيث هو معبوده ومحبوبة ومطلوبة.\nولهذا كان ابن القيم -﵀- يقول: \"إن في القلب وحشة لا يذهبها إلا الأنس بالله، وفيه حزن لا يذهبه إلا السرور بمعرفته، وفيه فاقة لا يذهبها إلا صدق اللجوء إليه، ولو أعطي الدنيا وما فيها لم تذهب تلك الفاقة أبدًا.\n(٦) قضاء حوائج المسلمين وايصال النفع لهم، فإنَّ السعي في قضاء حوائج الناس مِنْ صور الإحسان العظيمة؛ لأن المسلم المحسن يسعى إلى خدمة الآخرين؛ حبًّا في الله تعالى، وشفقةً على خَلْق الله تعالى، كما أن هذا العمل من أعظم أبواب الخير، ولها مكانة عالية جدًا في الإسلام الذي جاءت عقائده وشرائعه لإصلاح\n_________\n(^١) العبودية لابن تيمية (ص ٩٧)","vol":"1","page":198},{"text":"العلاقة بين العبد وربه، وبين العباد أنفسهم، وهو من أعظم الأعمال التي تجعل القلب مستقرًّا مطمئنًّا لأنها سبب في محبة الله ومحبة الناس، انظر للحديث العظيم الذي يصف هذا العمل وفضله بعبارات تلامس القلب، فيها بيان أثر هذا العمل على المحسن والمحسن إليه، وفضله عند الله، وسوء نقيضة من سوء الخلق.\nقال -ﷺ-: «أحب الناس إلى الله تعالى أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله -﷿- سرور يدخله على مسلم، أو يكشف عنه كربة، أو يقضي عنه دينًا، أو تطرد عنه جوعًا. ولأن أمشي مع أخ في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في هذا المسجد، (يعني مسجد المدينة) شهرًا، ومن كف غضبه ستر الله عورته، ومن كظم غيظه ولو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه رجاء يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى تتهيأ له أثبت الله قدمه يوم تزول الأقدام، وإن سوء الخلق يفسد العمل كما يفسد الخل العسل» (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-144> مفسدات العبادة القلبية:</span>\nمفسدات القلوب: وهي أيضًا كثيرة، ولو أنك عكست الأشياء السابقة؛ لظهر لك من هذا المعنى شيء كثير، ومن أعظم ما يفسد القلب:\n\n(١)<span data-type='title' id=toc-145> الجهل بالعلم الشرعي:</span>\nالجهل بالشرع سبب في الوقوع في الشبهات والشك. إن الشك هو السبب الرئيس في فساد العبادة القلبية، كما أن الجهل عند الناس على درجات؛ يمكن ذكرها فيما يلي:\n_________\n(^١) \"قضاء الحوائج\" لابن أبي الدنيا (ص ٨٠ رقم ٣٦)، وأبو إسحاق المزكي في \"الفوائد المنتخبة\" (١/ ١٤٧/ ٢) ببعضه، وابن عساكر (١١/ ٤٤٤/ ١)، وحسنه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢/ ٥٧٤ رقم ٩٠٦). ورواه الطبراني في الكبير (١٢/ ٤٥٣ رقم ١٣٦٤٦) بإسناد ضعيف.","vol":"1","page":199},{"text":"<span data-type='title' id=toc-146>(أ) الجهل بالشرع بالكلية</span>، فلا يكاد المسلم أن يعرف من دينه ما تقوم به عبادته والعياذ بالله. أو أن يعرف الشيء اليسير من العبادات، فلو سألته ما أركان الصلاة وما واجباتها وما سننها وما الفرق بينها؟ لما استطاع أن يجيبك، ناهيك عن أمور العقيدة؛ كمعرفة حق الله عليه، ومعرفة نبيه -ﷺ-، ومنزلة السنة من الشرع؛ وهذا ما يقع فيه كثير من الشباب الجهل في أصول دينهم؛ وهو السبب الرئيس في إنكار بعضهم للسنه، ليدفع عن نفسه الحرج من الوقوع فيما ثبت تحريمه بالسنة، وما علم أنه لو فعل المحرم دون إنكار السنة لكان أهون في الذنب. فتارك السنة كافر. ومرتكب المعصية على مرتبة معصيته، فتجده ينكر السنة لأجل سماع الأغاني، أو اقتناء الكلاب في البيوت، وغيرها من المعاصي التي لم تصل إلى حد الكبائر. ولو علم عظم ما وقع فيه من الإثم ما قال ذلك.\nكما أن قلة العلم توجب الاشتباه؛ وواسع العلم يعرف من العلم ما يجعل إيمانه ثابت لا تتسلل له الشبهات.\n\n<span data-type='title' id=toc-147>(ب) قلة الفهم:</span> أي ضعف الفهم، وذلك بأن يكون صاحب علمٍ واسعٍ كثير، ولكنه لا يفهم، فهذا تشتبه عليه الأمور.\nإن حسن الفهم يقوم على قاعدتين؛ دين متين، وعقل رزين؛ فصاحب الدين المتين ينشد الحق الموافق لكتاب الله وسنة رسوله أينما كان، ولا يجعل شهواته ورغباته حائلًا عن الأخذ بذلك الحق.\nوصاحب العقل الرزين يرشح ما يسمع، فلا يقبل كل ما يسمع أو يقرأ حتى يعرضه على كتاب الله وسنة رسوله -ﷺ- إن كان له بهما علم، فإن وافقهما قبله، وإن خالفهما تركه، فليس عظم مصدر الكلمة، ولا الدرجة العلمية، ولا المكانة السامية في النفس لقائل ما تجعل الإنسان يسلّم بكل ما يقول ذلك، فالحق أحق أن يتبع، وإن لم يكن قائله في تلك المراتب.","vol":"1","page":200},{"text":"قال تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ١٧ - ١٨].\nلذا وجب على المسلم أن يحرص على الفهم الصحيح في أمر دينه أكثر من حرصه على طعامه وشرابه، وأن يحذر كل الحذر من أن تتسلل إليه طلائع سوء الفهم فتصيبه في مقتل، فيصير الحق أو بعض مفرداته في ذهنه باطلًا، أو يصبح الباطل أو بعض مظاهره لديه حقًا وصوابًا.\nومما يساعد على الفهم الصحيح العدل والإنصاف، الذي يجعل صاحبه يضع الأمور في مواضعها، والأوصاف على موصوفيها، والأسماء على مسمياتها حقًّا؛ لا كما سمع أو قرأ، ولا انتصارًا لنفسه أو لحزبه أو جماعته أو من ينتمي إليهم.\nفصحة الفهم والتروي في الحكم على الأمور تورث صاحبها سلامة المعتقد والفكر، فيبني عقيدته وأفكاره على ما وافق الوحي، دون أن يتشرب عقله وقلبه الانحرافات والتأويلات والتشكيكات والتمويهات التي يبثها ذوو الفهم العقيم.\nومن أعظم الفهم: فهم فقه الواقع وهو الفهم للحياة والأحياء، وفهم ما ينفع الإنسان وما يضره في عاجل أمره وآجله، وتمييز الخير من الشر، والصديق من العدو، والحق من الباطل. فيكون عند الإنسان بعد ذلك تصور صحيح العاقبة لا يهدده شك ولا تراجع، ولا حيرة ولا اضطراب، وحتى يصبح فهمه كنور الصباح الذي يشرق على الحياة فيُري الناظرين الأشياء التي أخفاها عنهم ظلام الليل الدامس. وإن خفي الحق ولم يترجح الصواب من الخطأ فالصمت أولى.\nقال ابن عباس -﵄- في معنى: ﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨] قال: «هو الرجل يسمع الحسن والقبيح فيتحدث بالحسن، وينكف عن القبيح، فلا يتحدث به» (^١).\n_________\n(^١) أضواء البيان (٦/ ٣٥٨).","vol":"1","page":201},{"text":"ومما لا شك فيه أن العالم الإسلامي اليوم تُشن عليه وأهله حرب فكرية؛ قائمة على ضرب الفهم الصحيح للإسلام، حيث ظهر فيه أهل سوء الفهم، وآل إليهم زمام الكلمة والإعلام المتنوع، فراحوا يبثون سمومهم في العقول والتصورات، فألبسوا على الناس دينهم، وأبعدوا كثيرًا منهم عن مصالح دنياهم وآخرتهم، وأصبح يضرب بعضهم بعضًا دون أن يعلموا.\nوأخيرًا فالفهم الصحيح يتحقق مع صدق العبودية لله؛ فإن كان طالب العلم محبًّا لله صادقًا في عبوديته فسيبني فهمه على الحقائق الثابتة والتصورات التي لا يخالطها غبش ولا حيرة.\nفعن عَائِشَةَ -﵂-، زَوْجَ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠] قَالَتْ عَائِشَةُ: أَهُمُ الَّذِينَ يَشْرَبُونَ الخَمْرَ وَيَسْرِقُونَ؟ قَالَ: \"لَا يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ؛ وَلَكِنَّهُمُ الَّذِينَ يَصُومُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَتَصَدَّقُونَ، وَهُمْ يَخَافُونَ أَنْ لَا تُقْبَلَ مِنْهُمْ ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٦١] \" (^١).\nومن ثمرات صحة الفهم أن يكون صاحبه عادلًا في أحكامه على الناس، فلا يحيد عن الحق في شعوره من حب أو بغض، ولا في أقواله من مدح أو ذم، بل يضع شعوره وأقواله وأوصافه في مواضعها اللائقة بها، كما أنها تقوده إلى النجاة في الدنيا والآخرة، فمن سلم فهمه عمل في دنياه ما يرضي الله، وما يعينه على الحياة حتى يلقى ربه. ومن سلم فهمه سعى سعيًا حثيثًا للعمل للآخرة، فأقبل على الطاعات واجبها ومستحبها فعملها، وعلى المعاصي فتركها وأبعد نفسه عنها؛ من غير غلو ولا تقصير، ولا ابتداع ولا خروج عن منهج الحق الذي جاء به محمد -ﷺ-.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٥/ ١٨٠ - ح ٣١٧٥) وصححه الألباني.","vol":"1","page":202},{"text":"<span data-type='title' id=toc-148>(ج) سوء القصد:</span> وهو أعظمها؛ بأن لا يقصد الإنسان من طلب العلم إلا نصرة قوله، بصرف النظر عن كونه صوابًا أو خطأ، فمن كانت هذه نيته فإنه يُحرم الوصول إلى العلم، نسأل الله العافية؛ لأنه يقصد من العلم اتباع الهوى.\nوالاشتباه لا يكون على جميع الناس بدليلين؛ أحدهما من النص وهو قوله -ﷺ-: «لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ» (^١)، يعني: وكثيرٌ يعلمهن. والثاني من المعنى، فلو كانت النصوص مشتبهة على جميع الناس، لم يكن القرآن بيانًا ولبقي شيء من الشريعة مجهول، وهذا متعذر وممتنع.\n\n(٢)<span data-type='title' id=toc-149> التعلق بغير الله:</span>\nالتعلق المذموم الذي يعكر صفو العبادة القلبية له صور عدة؛ منها ما هو ظاهر كتعلق المرء بالمال والولد، ومنها ما هو خفي يقع المسلم فيه دون أن يشعر. ومن أشكاله تعلق بعض الناس بالأسباب، فيلقي إليها بكل اعتماده، ويعلق عليها كلَّ آماله، حتى أدى بالبعض إلى نسيان رب الأسباب، وترك تعليق قلبه بمسبب الأسباب، فالله الذي هيأ الأسباب، ولولاه -سبحانه- ما كان لها أثر. وهذا منعطف خطير في العقيدة قد يفضي إلى الشرك.\nكما أن ترك الأسباب نقص في العقل، والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع، والسبيل هو التوكل، والرجاء مع بذل الأسباب.\nولذلك شرعت لنا عبادات فيها تسخير للسبب كالدعاء، ومن الدعاء الذي يتجلى فيه تسخير السبب صلاة الاستخارة، والدعاء الوارد فيها، كما جاء في حديث\n_________\n(^١) من حديث النعمان بن بشير ﵁ الذي أخرجه مسلم في صحيحه (٣/ ١٢١٩) «إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ، وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ، وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللهِ مَحَارِمُهُ».","vol":"1","page":203},{"text":"جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ -﵄-، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُعَلِّمُنَا الِاسْتِخَارَةَ فِي الأُمُورِ كُلِّهَا، كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ القُرْآنِ يَقُولُ: «إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الفَرِيضَةِ، ثُمَّ لِيَقُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ العَظِيمِ، فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلَّامُ الغُيُوبِ، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي -أَوْ قَالَ: عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ- فَاقْدُرْهُ لِي، وَيَسِّرْهُ لِي، ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ، وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي -أَوْ قَالَ فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ- فَاصْرِفْهُ عَنِّي، وَاصْرِفْنِي عَنْهُ، وَاقْدُرْ لِي الخَيْرَ حَيْثُ كَانَ، ثُمَّ أَرْضِنِي به»، قَالَ: «وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ» (^١).\nوالحِكْمَةُ من مَشْرُوعِيَّةِ الاسْتِخَارَةِ، هِيَ التَّسْلِيمُ لأَمْرِ اللَّهِ، وَالْخُرُوجُ مِنْ الْحَوْلِ وَالطَّوْلِ، وَالالْتِجَاءُ إلَيْهِ سُبْحَانَهُ؛ لِلْجَمْعِ بَيْنَ خَيْرَيْ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ. وَيَحْتَاجُ فِي هَذَا إلَى قَرْعِ بَابِ الْمَلِكِ -﷾-، وَلا شَيْءَ أَنْجَعُ لِذَلِكَ مِنْ الصَّلاةِ وَالدُّعَاءِ؛ لِمَا فِيهَا مِنْ تَعْظِيمِ اللَّهِ، وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، وَالافْتِقَارِ إلَيْهِ قَالا وَحَالا، ثم بعد الاستخارة يقوم إلى ما ينشرح له صدره (^٢).\n\n(٣)<span data-type='title' id=toc-150> الفضول من كل شيء</span>، كالأكل والشرب، والنوم، وكثرة الكلام، والمخالطة والمجالسة، والضحك، واللهو، فكل أمر فيه زيادة من هذه الأمور لها أثر على القلب سلبًا؛ فالذي يأكل كثيرًا؛ يقسو قلبه، والذي ينام كثيرًا؛ يتبلد قلبه، وتحصل له الغفلة، والذي يضحك كثيرًا؛ لا تسأل عن لهوه وغفلة قلبه، والذي ينظر كثيرًا فيما يحل، وما لا يحل؛ لا تسأل عن شرود قلبه ومعاناته، وهكذا في كثرة المخالطة؛ لأن المخالطة كما قال ابن\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١١٦٢، ٦٣٨٢، ٧٣٩٠).\n(^٢) انظر شرح ذلك في فتح الباري شرح صحيح البخاري للحافظ ابن حجر (١١/ ١٨٦)، وانظر فيض الباري على صحيح البخاري (٢/ ٥٧٩).","vol":"1","page":204},{"text":"القيم: لقاح وإنما يحتاج إليها لشحذ النفس، وتجديد العزيمة، ودفع السآمة، والتقاط أطايب الكلام، وأما الإكثار من ذلك؛ فإنه يضر ولا ينفع، فكل شيء من هذه الأشياء إذا أكثرت منه ضرك إلا العبادة، فكلما أكثرت منها؛ زاد ذلك صلاحًا في القلب.\nيقول الفضيل بن عياض -﵀-: \"خصلتان تقسيان القلب: كثرة الكلام وكثرة الأكل\". ويقول أبو سليمان الداراني: \"لكل شيء صدأ، وصدأ القلب الشبع\".\n\n(٤)<span data-type='title' id=toc-151> المعاصي تفسد القلب</span>، وفعل ما حرم الله -﷿- من نظر، أو سماع، أو أكل، أو بأي لون؛ كآفات اللسان من اللغو في المجالس والغيبة والنميمة؛ كل ذلك يفسد القلب.\n(٥) الحسد والبغض والشحناء كلها داء قلبي، وعلة من علل القلوب تفسد القلب، وتذْهِب صفاءه، فالإنسان الحسود يتمنى أن تزول النعمة عن إخوانه، ولا يحب لإخوانه ما يحب لنفسه، وهذا يدل على اختلال في العمل القلبي الواجب من محبة الخير للمسلمين كما يحب لنفسه، وهي عبادة قلبية، كما أن الحسد يذهب الحسنات.\n\n(٦)<span data-type='title' id=toc-152> الإكثار من الذهاب إلى أماكن اللهو</span>، كأن يكون الإنسان من أول نهاره إلى آخره في أماكن اللهو، فإن ذلك يؤثر على قلبه.\n•<span data-type='title' id=toc-153> أثر العبادة القلبية على العبادات الأخرى وعلى النفس والروح</span>\nمن المعلوم أن المسلم إذا تعاهد نفسه وقلبه بما سبق ذكره؛ كان أثره واضحًا على قلبه وقوله وجوارحه، بل جميع الأعمال التي محلها القلب، وترتبط به، وأعظمها الإيمان بالله -﷿-، الذي يكون في القلب محله، ويكون بالتصديق التام بوجود الله ووحدانيته سبحانه، وبحقيقة اليوم الآخر، وبالجنة والنار، والإقرار","vol":"1","page":205},{"text":"بذلك، ويتبع ذلك الانقياد لله بالطاعات وترك المحرمات. هذا بالإضافة إلى المحبة التي تقع في قلب العبد لربه ومعبوده، والخوف والرجاء، والإنابة والتوكل، والصبر واليقين، والإخبات والإشفاق والخشوع، وما إلى ذلك.\nإن العبادات القلبية أشق من عبادات الجوارح، لكنها أجمل أثرًا من عبادات الجوارح، بل هي مُجَمِّلَةٌ لعبادات الجوارح؛ فعبادات الجوارح على غاية الأهمية، وهذا أمر لا يُنَازع فيه، لكن عبادات القلب أوقع وأجمل أثرًا، وهذا ما يجده الإنسان في نفسه -إن كان قلبه موصولًا بالله -﷿-، كان بعض السلف يقول: مساكين أهل الدنيا خرجوا من الدنيا وما ذاقوا أطيب ما فيها، قالوا: وما أطيب ما فيها؟ قال: محبة الله والأنس به، والشوق إلى لقائه، والإقبال عليه، والإعراض عما سواه.\n\n•<span data-type='title' id=toc-154> الأعمال القلبية لا تنفك عن عبادة الجوارح </span>وهي:\nكالإخلاص: وهو عمل قلبي، فإذا زال الإخلاص من قلب العبد، وقع في الشرك، أو النفاق الأكبر؛ واضمحل إيمانه شيئًا فشيئًا، وإذا وقع في الرياء؛ فإن إيمانه يختل، وذلك العمل الذي خالطه الرياء يكون باطلًا؛ فالله طيب لا يقبل إلا طيّبًا، كما قَالَ اللَّهُ -﵎- في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنْ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» (^١).\nفالله لا يقبل هذه الأعمال التي يخالطها الإشراك: سواء كان ذلك في أول العمل، أو في أثنائه واسترسل العبد معه، فإن ذلك يبطل العمل في هاتين الصورتين، فصارت عبادة العبد الظاهرة: كالصلاة والركوع، والسجود، أو الصيام، أو الزكاة وغير ذلك صار له منها التعب، ثم يعاقب عليها؛ لأنه صرفها لغير الله -﷿-.\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٤/ ٢٢٨٩ رقم ٢٩٨٥).","vol":"1","page":206},{"text":"ومن الأعمال القلبية ما هو مرتبط بالآخرين ومن حوله، مثل التواضع: وهو عمل قلبي يظهر أثره على الجوارح، ويبطله ويفسده الكبر، والكبر هو تعاظم في القلب يظهر أثره على الجوارح، وهذا يدل على اختلال عبادة التواضع -وهي عبادة قلبية- لداء الكبر، ومعلوم أن الكبر مانع من دخول الجنة (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-155> والعبادات القلبية أعظم من عبادات الجوارح أجرًا عند الله -﷿- ومثوبة:</span>\nوقد كان كثير من السلف يفضلون عبادات القلب على الإكثار من عبادة الجوارح، مع عدم إهمالهم لعبادات الجوارح، كان أبو الدرداء -﵁- يقول: \"تفكر ساعة خير من قيام ليلة\"، (^٢) وقيل لأم الدرداء -﵂-: أي عبادة أبي الدرداء أكثر؟ قالت: \"التفكر والاعتبار\" (^٣).\nووصف لسعيد بن المسيب -﵀- عبادة قوم أنهم يصلون بعد الظهر إلى العصر قال: \"إنما العبادة التفكر في أمر الله، والكف عن محارم الله\"، (^٤) وهو لا يقصد أن يزهّد في صلاة النافلة، وإنما أراد أن يلفت أنظارهم إلى عبادة يغفلون كثيرًا عنها وهي: التفكر.\n\n•<span data-type='title' id=toc-156> والعبادات القلبية محركة ودافعة للجوارح:</span>\nفكلما عظم الإيمان، والتوحيد، ومحبة الله في القلب؛ كان ذلك دافعًا للجوارح للعبادة، يقول عتبة: \"من عرف الله أحبه، ومن أحبه أطاعه\". فإذا وُجِد الإقبال والمحبة في قلب العبد؛ أقبلت جوارح العبد، وهان عليها التعب في الطاعة والعبادة.\n_________\n(^١) «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ» أخرجه مسلم في صحيحه (١/ ٩٣ رقم ١٤٧).\n(^٢) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (١/ ٢٦١ رقم ١١٧)، وروي عن ابن عباس -﵄- والحسن البصري نحوه.\n(^٣) الحلية (٧/ ٣٠٠)، والزهد لابن المبارك (٢٨٦).\n(^٤) سير أعلام النبلاء (٤/ ٢٤١).","vol":"1","page":207},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-157> والعبادات القلبية تعظم عبادات الجوارح:</span>\nومعلوم أن العبد قد يعمل عملًا من الأعمال، ويعمله آخر كما عمله هذا -من حيث الظاهر- فهذا تصدق بمائة، وهذا تصدق بمائة، وبينهما كما بين السماء والأرض. فقد يتصدق الإنسان وهو يعد هذه الصدقة مغرمًا، ولربما أخرجها كارهًا محرجًا، وآخر: أخرجها رغبة، لكن في نفسه أنه يمنّ بصدقته، وثالث: أخرجها وفي قلبه الحياء من الله والخوف منه، والإشفاق ألا تقبل، وأن هذا قليل من كثير مما أعطاه الله -﷿-، وأن الله هو الذي وفقه وهداه وسدده إلى هذه الصدقة والعمل الصالح، وأنه بحاجة للمزيد من العبودية؛ ليشكر الله على هذا الإنعام أولًا وآخرًا؛ فكل منهم له جزاء مختلف عن الآخر!.\nالنية في طلب العلم؛ قد يطلب الإنسان العلم لدنيا، وقد يطلبه ليعرف ربه ومعبوده، ويقترب إليه، فتكون له نية صحيحة، فكم بينهما من الفرق، والمجلس واحد، فهما في مجلس واحد، في مكان واحد، ومع ذلك كم من الفرق بين هذا وهذا؛ إنما كان الفرق بينهم لاختلاف النية، يقول ابن المبارك -﵀-: \"رُبَّ عمل صغير تكثره النية، ورُبَّ عمل كثير تصغره النية\" (^١).\nوهذا كما يقال في الطاعات يقال في المعاصي؛ قد يعمل رجلان معصية واحدة لكن هذا عملها وهو مستهتر، مستخف، متبجح، يتباهى بعملها، ويجاهر في ذلك، وكأن معصيته ذباب جاء على وجهه فقال به هكذا. وآخر يعمل معصية وهو خائف من الله، مُسْتَحٍ منه، يستشعر أن الله يراه ويراقبه، لكنه غُلِب بفترة ضعفت نفسه فيها، ثم لا يلبث أن يراجع؛\n_________\n(^١) سير أعلام النبلاء (٨/ ٤٠٠).","vol":"1","page":208},{"text":"فشتان بين هذا وهذا.\nفعمل الأول نظير لعمل الثاني من حيث الظاهر إلا أن الأول يهوي به عمله في الدركات -إن لم يتداركه الله -﷿- بلطفه ورحمته-، والآخر معصيته تصغر وتتضاءل بسبب ما قام في قلبه من الخوف والحياء من الله تعالى، ولا يمكن أن يُطلع أحدًا على ذلك، فهو في غاية الوجل، وإذا تذكرها خاف وأشفق منها، فكم من الفرق بين هذا وهذا!.\n\n•<span data-type='title' id=toc-158> والعبادات القلبية قد تكون في بعض الأحيان معوضة للعبد عن عبادات الجوارح:</span>\nمثال ذلك الجهاد في سبيل الله؛ عندما أتى رجال للنبي -ﷺ- ليحملهم فقال لهم: \"لا أجد ما أحملكم عليه\" تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنًا ألا يجدوا ما ينفقون، فهؤلاء كما قال النبي -ﷺ-: «مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلَّا شَرِكُوكُمْ فِي الْأَجْرِ» (^١).\nوالسبب أن العذر قد حبسهم، فالإنسان قد لا يستطيع أن يعمل بعض الأعمال، ولكنه يبلغ مبلغ العاملين لها بنيته، ولهذا يقول النبي -ﷺ-: «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ» (^٢).\nفدل على أن الإنسان إن لم يقم بالغزو ببدنه وجوارحه؛ فعليه أن يستحضر النية، ولهذا قال -﵊-: «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا» (^٣). فالنية لربما تكون معوضة عن عمل قد يعجز عنه الإنسان، وقد قال النبي -ﷺ-: «مَنْ سَأَلَ اللَّهَ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب من حبسه العذر عن الغزو (٣/ ١٠٤٤)، رقم: (٢٦٨٤). وأخرجه مسلم، كتاب الإمارة، باب ثواب من حبسه عن الغزو مرض أو عذر آخر (٣/ ١٥١٨)، رقم: (١٩١١).\n(^٢) أخرجه مسلم (٣/ ١٥١٧ رقم ١٩١٠).\n(^٣) أخرجه البخاري (٤/ ١٥ رقم ٢٧٨٣)، ومسلم (٣/ ١٤٨٨ رقم ١٨٦٤).","vol":"1","page":209},{"text":"الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ بَلَّغَهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ» (^١).\nومثلها ما ورد في الحديث الذي أخرجه البخاري في صحيحه بسنده عن أبي بُرْدَةَ أنه قال: سَمِعْتُ أبَا مُوسَى مِرَارًا يقولُ: قالَ رَسولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إذَا مَرِضَ العَبْدُ، أوْ سَافَرَ، كُتِبَ له مِثْلُ ما كانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا» (^٢).\nفمن حبس عن العمل الصالح الذي اعتاده وتعلق قلبه به فإن الله يعوضه بمثل ما كان يعمل.\nوأعمال الجوارح كما ذكر ابن القيم -﵀- في مدارج السالكين: لها حد معلوم وأما أعمال القلوب لا حد لها بل تضاعف أضعافًا: وذلك لأن أعمال الجوارح مهما كثرت وعظمت لها وقت معلوم؛ الصلاة لها وقت، والصيام له وقت، والحج له وقت وله حد محدود، أما العبادات إذا كانت متعلقة بالقلب -العبادات القلبية- فإنها تكون حالًا ملازمة للعبد في صحوه ونومه، وصحته ومرضه، وصفائه وكدره، وفي جميع أموره.\nمثال ذلك: محبة الله -﷿-، لا تفارق العبد ولا تفارق قلبه في كل أحواله، قائم، أو قاعد، أو ماشٍ، أو مسافر، أو مقيم، يأكل، أو يتعبد أو غير ذلك، فهي ملازمة له.\nالتعظيم والإخلاص والشوق إلى لقاء الله -﷿-، وإذا تمكنت هذه الأمور من قلب العبد، واستحكمت؛ فإنها تكون حالًا ملازمة لهذا العبد، فلا تفارقه. وهذا يدل على شرف الأعمال القلبية على أعمال الجوارح فهي تنقطع وتنقضي.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في صحيحه (١/ ١٥١٧ رقم ١٩٠٩).\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه الرقم: ٢٩٩٦.","vol":"1","page":210},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-159> والعبادات القلبية يستمر بعضها في أحوال تنقطع فيها عبادات الجوارح أو تقل:</span>\nفمثلًا: إذا مات الإنسان انقطع عمله الذي يباشره بنفسه هو، ويبقى ما ورّثه من الولد الصالح … إلخ. أما الأعمال القلبية كالتوحيد؛ يسأله الملكان فيجيب، فيسألانه عن الإيمان، فإن كان قلبه متعلق بمولاه في الدنيا أجاب فكان من أهل الجنة.\nكما أن أهل الجنة يحبون الله، ويعظمونه، ويجلونه، ويقدسونه، وهذا عمل قلبي، ولكنهم لا يصلون في الجنة، ولا يصومون في الجنة؛ فليست الجنة محلًا لهذه التكاليف، أما الأمور القلبية فهي تستمر، أو يستمر كثير منها، أما التسبيح والتحميد فإن أهل الجنة يلهمونه إلهامًا كما يلهمون النفس فلا يرد على هذا (^١).\nوالعبادات القلبية هي الأصل وأعمال الجوارح فرع عنها: ومعلوم من أصول أهل السنة والجماعة: أن الإيمان قول وعمل؛ قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح، فالقلب يصدق، واللسان يشهد.\nأثر العبادات القلبية على أمة عم فيها طمأنينة القلوب فهي أمة تجتمع فيها الكلمة التي تنتج قوة المسلمين؛ لأنهم يدينون بدين واحد وعقيدة واحدة فيها الأمن والطمأنينة والصفاء الذهني، ومن ثم لا محالة تكون لها السيادة والاستخلاف في الأرض، والسمو والرفعة.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٤/ ٢١٨٠ ح ٢٨٣٥).","vol":"1","page":211},{"text":"<span data-type='title' id=toc-160>الخاتمة</span>\nوفي نهاية المطاف على المسلم إخلاص العبادة لله وحده، والإيمان برسوله -ﷺ-، وتحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمد رسول الله. فهي العبادة القلبية التي لا يكون المسلم مسلمًا إلا بها، كما أنها الدواء لكل داء، حيث عالج بها نبينا -ﷺ- الجاهلية الأولى، وبها يكون علاج كل مرض وداء يصيب المجتمعات المسلمة، فلنبدأ بتصحيح سوء الفهم لمعنى لا إله إلا الله. والواقع الأليم الذي تعيشه المجتمعات المسلمة سببه سوء تحقيق عبادة (لا إله إلا الله).\n\n<span data-type='title' id=toc-161>بعض التوصيات:</span>\n(١) دور أهل العلم من العلماء والدعاة والمصلحين والمعلمين والتربويين في بيان أهمية التوحيد، ومنزلته، وملازمته للعبادات، فإن تخلل التوحيد أي نوع من الشرك فهذا نذير لبطلان العمل كله ومصيره إلى النار والعياذ بالله.\n(٢) نصيحة للوالدين في تربية الأبناء، وذلك بما يلي:\n• السعي لإصلاح أنفسهم ومراقبة قلبيهما؛ ليكونا قدوة لأبنائهم. فهذا نصف التربية.","vol":"1","page":212},{"text":"• والوالدان اللذان ينتظران مولودًا عليهما الاجتهاد في الدعاء والتضرع لله في صلاح المولود المنتظر، من وقت معرفة الأم بالحمل، وقبل نفخ الروح في الجنين، فإن ذلك آكد في الإجابة، والدعاء بصلاح قلب الابن فإن صلح قلبه جاء ما يرجو الوالدين في ابنهما تباعًا.\n• التربية الصالحة، وزرع معرفة الله ومحبته ومحبة عبادته في قلب الابن من السنوات الأولى. وفي السنة عن النبي -ﷺ- الكثير من التوجيه في ذلك.\n• اتباع السنة في طريقة التعامل مع الولد الضال ورده للطريق المستقيم.\n• وليعلم الوالدين أن صلاح الابن يعود بالنفع العظيم على الوالدين في الدنيا والآخرة.\n(٣) العمل على تحكيم الشرع في كل أمور المؤسسات الحكومية، وعلى من ولي أمرًا من أمور المسلمين أن يؤمن بذلك، ويفزع لحكم الله في كافة أمور ما وليه، ولا يحيد عنه؛ بل يقدم ما أمر به محتسبًا في ذلك، فإن في ذلك بركة وخيرًا عظيمًا، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [المائدة: ٦٦].\nإن البركات والخيرات إنما تتنزل على المؤمنين حينما يحققون عبوديتهم لله وحده لا شريك له، فيكون شعارهم الصدع بهذه الكلمة، والإيمان بها، والاعتصام بها، والثبات عليها، والتزام أحكامها وشريعتها.","vol":"1","page":213},{"text":"إننا حينما نلتزم الشريعة ونطبقها، ونحكم بين الناس بالكتاب والسنة؛ تتنزل علينا خيرات وبركات، وعدالة وأمن واطمئنان، وتظهر الأرض خيراتها، وفي ذلك خير عظيم، وله آثر كبيرة جدًا في صلاح الأفراد والمجتمعات.\nد/ لطيفة بنت ناصر الراشد\nلنتواصل:  Lnr ١١١@hotmail.com","vol":"1","page":214},{"text":"البحث الثاني\nخطوات النجاح من خلال حديث\n«لا تزول قدما امرئ حتى يسأل عن أربع …»","vol":"1","page":215},{"text":"<span data-type='title' id=toc-163>تقديم</span>\n•<span data-type='title' id=toc-164> خطة البحث:</span>\nإنّ الحمد لله، نحمده ونستعين ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آلة وصحبه. أما بعد ..\nيتقاعس كثير من الناس في شتى أرجاء العالم ويتأخرون عن أقرانهم بعد مضي الثلث الأول من حياتهم - سن الثلاثون- أو النصف - سن الخمسون-. كما يتفهم معظمنا هذا الشعور عندما يمر الوقت دون إنجاز، من الشعور بالإحباط والكآبة. حيث يتوقع منه أن يكون قد حقق شيئا من أمور حياته يساعده على المرحلة التالية من عمره.\nإن هذا التقاعس يفضي إلى مشكلات كبيرة تمس الفرد والأمة، إلا أن هذه المشكلة يمكن حلها مهما بلغ العمر وفات الكثير منه، عن طريق علاج أسباب هذا التقاعس.\nولأهمية هذا الموضوع فقد تشعبت الأبحاث في حل هذه المشكلة بين التربويين [¬*] وعلماء النفس وعلم الاجتماع والمهتمين بتطوير الذات وكل منها فيه خير.\n_________\n[¬*] تعليق الشاملة: في المطبوع «التربويون»!","vol":"1","page":217},{"text":"وموضوع البحث؛ نعرض فيه كيف عالجت السنة هذا الموضوع من خلال حديث واحد من جوامع الكلم، تلك الأحاديث التي تعد معجزة من المعجزات التي جاء بها النبي -ﷺ-.\nكما أن التوجيه الوارد في الحديث عام لكل إنسان حيث أنه يعد من السنن الكونية المنطبقة على كل زمان ومكان.\nالحديث: أخرجه الترمذي وصححه الألباني من حديث أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلاهُ»\n\n•<span data-type='title' id=toc-165> مشكلة البحث:</span>\nالخطوات المُهمة لتحقيق النجاح في الحياة هي الموازنة بين الوقت والعلم والمال والجسم مجتمعة وعدم التركيز على بعض منها، فالموازنة بينها مجتمعة تؤدي إلى حياة سعيدة وناجحة بل ممتعة، وهي المذكورة في الحديث. والبحث يناقش كيف وضحت السنة طريقة العناية بكل منها. وابراز الضرر من إهمال أي منها. مع بيان الأحكام الشرعية في ضبط هذه الأمور. والتركيز على الأخطاء التي يقع فيها أفراد المجتمع المعاصر في هذه الأمور أو بعض منها. وضرورة معالجتها. بلغة بسيطة يفهمها القارئ.\n\n•<span data-type='title' id=toc-166> إشكالية البحث:</span>\nالبحث يخاطب الشباب، كما يخاطب المربين، من الآباء والأمهات والمعلمين، ولا شك أن التحديات التي تواجه الأمة الإسلامية بعامة، وفئة الشباب على وجه الخصوص اليوم في دينها وثقافتها لها انعكاس سلبي على هذه الفئة بالذات، وعلى الأمة جميعا، ولا يمكن لأحدنا أن ينكر مدى التأثر الذي أصاب","vol":"1","page":218},{"text":"بعض أبناء الأمة - قليلًا كان أو كثيرًا - من التشتت الذهني الذي أصابهم، وذلك بسبب الجهل بحقيقة الإسلام وتراثه الزاخر وحضارته الغنية، وعدم الرجوع إلى تعاليم الشريعة السمحة، والتي يناقش هذا البحث جوانب مهمة منها، حيث يجيب على الأسئلة التالية:\n• هل الحسنة والسيئة للآخرة فقط؟ أم أن أثرها في الدنيا أيضا؟\n• ما الوقت؟ وما علاقته بالمخلوق؟ وما قيمة الوقت في الشرع؟ وما أهميته؟ وكيف رتب الإسلام للمسلم وقته؟\n• ما العلم؟ وما القدر الواجب تعلمه؟ وهل يختص الأمر الواجب تعلمه في العلوم الشرعية؟ وهل الأجر خاصٌ بالعلم الشرعي؟ أم في كافة العلوم المتعلقة بحياة المسلم؟\n• ما أثر المال على الإنسان؟ وكيف صان الإسلام مال المسلم؟\n• ما علاقة الجسد بالروح؟ وكيف عُنِىَ الإسلام بهما؟\n\n•<span data-type='title' id=toc-167> أهمية الموضوع:</span>\nكل إنسان ينشد النجاح ويسعى لبلوغ العلا، ويخطئ كثير من الناس الدرب لتحصيل الأسباب، وتحقيق ذلك النجاح، بصورة شاملة، وهناك كثير من الأبحاث في هذا المجال، لكنها تنشد شيئًا من الأسباب، وتغفل عن غيرها، وأهمية موضوع هذا البحث أنه يجمع أربعة أسباب مجتمعة، في جماعها النجاح الكامل.\n\n•<span data-type='title' id=toc-168> أسباب اختيار الموضوع:</span>\nالسبب الرئيس للبحث في هذا الموضوع هو الرغبة في التعريف بأهمية الموازنة في الاهتمام بين الوقت والعلم والمال والجسم فإن ذلك حتما سيؤدي إلى قاعدة متينة يؤسس عليها أي نجاح.","vol":"1","page":219},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-169> أهداف البحث:</span>\nيظن بعض المسلمين أن الأجور في الأمر والنهي، ويتعداها إلى التقوى والإحسان؛ إنما هو في الآخرة فقط، وهذا غير صحيح، بل إنه شامل للدنيا أيضا، والبحث يوضح ذلك.\n\n•<span data-type='title' id=toc-170> حدود البحث:</span>\nبيان أهمية الأمور الأربعة المذكورة في الحديث، مفصلة، وعدم اهمال أي منها في بناء وأسس النجاح المطلوب.\nدراسة النجاح من خلال حديث «لا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلاهُ» دراسة موضوعية، عن طريق استقراء السنة حول الأمور المذكورة في الحديث.\n\n•<span data-type='title' id=toc-171> الدراسات السابقة:</span>\nلم أقف على دراسة موضوعية للحديث، والموجود شرح تحليلي للحديث.\n\n•<span data-type='title' id=toc-172> خطة البحث</span>\nالبحث عبارة عن تمهيد، وأربعة مباحث، و٣ ملاحق، وخاتمة.\nالتمهيد:\n• الحسنة والسيئة، وأثرهما في حياة الإنسان، الدنيا قبل الآخرة.\n• الحديث موضوع الدراسة تخريجه، وأفضل طرقه لتقوم عليه الدراسة.\n• علاقة الحديث بأثر الحسنة والسيئة في الدنيا، وعلاقة الحديث بالنجاح.","vol":"1","page":220},{"text":"المبحث الأول: الوقت «عن عمره فيما أفناه».\nالمبحث الثاني: العلم «وعن علمه فيما فعل».\nالمبحث الثالث: - المال «وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه».\nالمبحث الرابع: الجسم «وعن جسمه فيما أبلاه».\n\n•<span data-type='title' id=toc-173> ملاحق البحث:</span>\n١. كيف أخطط لحياتي؟\n٢. كيف أقوّم عبادتي؟\n٣. كيف أخطط لأمنياتي؟\nالخاتمة.\n\n•<span data-type='title' id=toc-174> منهج البحث واجراءاته:</span>\nتتبع الدراسة المنهج الرابع: منهج الدراسة الموضوعية التي تعتمد على جمع روايات حديث واحد ودراسته دراسة موضوعيه؛ لحديث «لا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلاهُ»، وذلك بجمع الأحاديث الواردة في كتب السّنة النبوية عن الأمور الواردة في الحديث، على سبيل الاستقصاء، للوصول إلى أبعاد ونتائج تساهم في الوصول للنجاح، ومعالجة الأخطاء التي يقع فيها كثير من الناس ومعالجتها وبيان الوضع الصحيح في كل منها. ثم ذكر العوامل المعينة على إصلاح التعامل مع كل من الوقت والعلم والمال والجسد، ومناقشة ذلك بواقعية مما يساعد على تطبيقها في واقع الحياة.","vol":"1","page":221},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-175> والمنهج البحثي المتبع:</span>\nيتبع البحث المنهج البحثي النوعي بكل فروعه، وذلك كما يلي:\n\n(١)<span data-type='title' id=toc-176> المنهج الوصفي:</span>\nعن طريق وصف فكرة البحث وبيان أهميته، بعد جمع الحقائق والمعلومات التي تحويها الأحاديث التي ذكر فيها خطوات النجاح من خلال الاهتمام بالوقت والعلم والمال والجسد، مستعينة على فهم الأحاديث بأقوال السلف، ومقارنتها، وتحليلها؛ للوصول إلى تعميمات وحقائق مقبولة مقنعة يقبلها العقل، والهدف هو وصف علمي متكامل يصل إلى عقل القارئ ووجدانه.\n\n(٢)<span data-type='title' id=toc-177> المنهج الاستنباطي:</span>\nاستنبطت مشكلة البحث، وهي خطوات النجاح والتي يطمح لها كل إنسان من الحديث «لا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلاهُ»\nوهي المقدمة الكبرى. ومن الحديث تنطلق عملية البحث المزدوج بين ما ورد في الحديث من الأربع أمور وما يعاني منه كثير من الناس من عوائق النجاح والبحث في النصوص الشرعية في تنظيم هذه الأمور، للوقوف على حقائق مذهلة قوامها الأحاديث، تلمس حاجة البشر. وهي المقدمة الصغرى.\n\n(٣)<span data-type='title' id=toc-178> المنهج الاستقرائي:</span>\nالاستقراء اليقيني والظني كان واضحًا ومجديًا في البحث، وفي كل مباحثه وتحديد ذلك بناء على الفئة المستفيدة من البحث حيث أن كل مبحث من مباحه يحتاج الكتابة فيه إلى مجلدات ولكن تم التركيز على أجزاء منها للتنبيه عليها فمن ذلك:","vol":"1","page":222},{"text":"• في التمهيد: جزاء الحسنة في الدنيا وكذلك السيئة.\n• تنظيم الوقت من خلال مراعات الساعة البيلوجية والساعة الكونية.\n• الاهتمام بالعلوم الشرعية وعلوم المهنة.\n• الاهتمام بالمال والنظرة التعبدية في كسبه وانفاقه والإبداع في استثماره.\n• أما الجسد فالنظر في العناية به من خلال النظر له كجسد وروح لا ينفصلان فإن كل منهما ذا تأثير على الآخر.\nوما تم تحديده بين اليقيني والظني هو أن البحث فيه مبني على حاجة المستفيد من البحث لوجود مشكلة عند الكثير في تطبيقه وكذلك ضعف البحث فيه أو البحث فيه متناثر بين الكتب ذات التخصصات المختلفة.\n\n(٤)<span data-type='title' id=toc-179> المنهج الاستنتاجي:</span>\nيرتبط الاستنتاج مع كل المناهج السابقة؛ فهو نتيجة حتمية لها. لأنه عن طريق هذا المنهج يقف البحث على حقائق قابلة للتصديق، وتقنع العقل الإنساني، وتتوافق مع قواعد المنطق. وقوام ذلك في هذا كله الدليل الشرعي، كما يتم من خلالها إيجاد حلول لمشكلات البحث بطريقة علمية ومنطقية وواضحة ومقنعة.\nوقد استخدم في البحث أنواع من الاستنتاج؛ منها: القياسي؛ وهو إثبات؛ أنه على الإنسان النظر في هذه الأمور بشكل متساوي دون إغفال شيء منها. كما أن من أهتم بهذه الأمور مجتمعة من شأنه البلوع للعيش الهني وبلوغ النجاح. هذا الاستنتاج المبني على القياس قوامه أن هذه الأمور على قدر مراعاة الله فيها والإحسان فيها يكون النجاة في الآخرة.\nوأما الاستنتاج الاستقرائي؛ حيث من خلاله تم استقراء المشكلات التي تعيق","vol":"1","page":223},{"text":"النجاح؛ وتتبعها ومنها:\n• عدم التنظيم في الوقت ومراعات حاجة الأجسام في ذلك.\n• القصور في التطوير المهني وطلب العلم في ذلك مع سهول الحصول على المعلومة.\n• النظرة الشرعية للمال وأسباب تكثيره والنظر في الاستثمار فيه وتحريكه.\n• النظرة المزدوجة للجسد والروح وتأثير كل منهما على الآخر.\nومثله الاستنتاج الاستنباطي: عن طريق استنباط مشكلة البحث ومعالجتها من النص الشرعي.\n\n(٥)<span data-type='title' id=toc-180> المنهج التاريخي والاستردادي:</span>\nوتم ذلك من خلال نصوص السنة، وتتبعها، ودراسة ما حولها من إثبات صحة الحديث من جهة؛ والدراسات حول شرح الحديث، والوقوف على كل ما ذكر في معناه للوقوف على فهم النص والاستدلال به في الموضع الصحيح، من جهة أخرى.\nوأيضًا: أقوال السلف وعلماء الأمه حول موضوعات البحث ومشكلاته.\n\n•<span data-type='title' id=toc-181> أسلوب البحث:</span>\nالبحث موجه للعامة، والشباب على وجه الخصوص، وهو بحث تربوي، لذا فإنه يتخذ الأسلوب الإقناعي، بعبارات مختصرة موجزة، تعطي رسائل سريعة مقنعة، حتى لا يتسلل الملل للقارئ.\nوفي الملاحق خاطبت الشباب بعبارات قصيرة جدًا، حتى يحتفظ الشاب بهذه الورقة في مكان في متناول يده، ليقرأها باستمرار، ففيها رسائل إيمانيه، وتحفيز للهمم. والله الهادي إلى سواء السبيل.","vol":"1","page":224},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-182> الأحاديث:</span>\n(١) حديث ابن عباس -﵄- قال: \"إن للحسنة: ضياءً في الوجه، ونورًا في القلب، وقوة في البدن، وسعة في الرزق، ومحبة في قلوب الخلق، وإن للسيئة: سوادًا في الوجه، وظلمة في القلب، ووهنًا في البدن، ونقصًا في الرزق، وبغضًا في قلوب الخلق\"\n(٢) حديث صَخْرٍ الْغَامِدِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا، وَكَانَ صَلَّى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا بَعَثَ سَرِيَّةً أَوْ جَيْشًا بَعَثَهُمْ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ» وَكَانَ صَخْرٌ رَجُلا تَاجِرًا، وَكَانَ يَبْعَثُ تِجَارَتَهُ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ، فَأَثْرَى وَكَثُرَ مَالُهُ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: \"هُوَ صَخْرُ بْنُ وَدَاعَةَ\".\n(٣) عَنْ خَوَّاتِ بْنِ جُبَيْر موقوفًا عليه قَالَ: \"نَوْمُ أَوَّلِ النَّهَارِ خُرْقٌ، وَأَوْسَطُهُ خُلُقٌ، وَآخِرُهُ حُمْقٌ\".\n(٤) حديث أنس قال: قال رسول الله -ﷺ-: «قيلوا فإن الشياطين لا تقيل».\n(٥) حديث عَبْدُ اللهِ بْنُ الْعَبَّاسِ فال: للْفَضْلِ ابْنِهِ وَهُوَ نَائِمٌ نَوْمَةَ الضُّحَى: \"قُمْ؛ إِنَّكَ لَنَائِمُ السَّاعَةِ الَّتِي يُقَسِّمُ اللهُ فِيهَا الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ، أَمَا سَمِعْتَ مَا قَالَتِ الْعَرَبُ فِيهَا؟ قَالَ: وَمَا قَالَتِ الْعَرَبُ فِيهَا يَا أَبَتِ؟ قَالَ: زَعَمَتْ أَنَّهَا مُكْسِلَةٌ مُهْرِمَةٌ مُنْسِئَةٌ لِلْحَاجَةِ، ثُمَّ قَالَ: يَا بُنَيَّ! نَوْمُ النَّهَارِ عَلَى ثَلاثَةٍ؛ نَوْمُ حُمْقٍ؛ وَهِيَ نَوْمَةُ الضُّحَى، وَنَوْمَةُ الْخُلُقِ؛ وَهِيَ الَّتِي رُوِيَ: «قِيلُوا فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لا تَقِيلُ»، وَنَوْمَةُ الْخُرْقِ؛ وَهِيَ نَوْمَةٌ بَعْدَ الْعَصْرِ لا يَنَامُهَا إِلا سَكْرَانُ أَوْ مَجْنُونٌ\".\n(٦) حديث ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: \"بَيْنَا أَنَا أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ-، فِي خَرِبِ الْمَدِينَةِ، وَهُوَ يَتَوكَّأُ عَلَى عَسِيبٍ مَعَهُ فَمَرَّ بِنَفَرٍ مِنَ الْيَهُودِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تَسْأَلُوهُ، لَا يَجِيءُ فِيهِ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَنَسْأَلَنَّهُ، فَقَامَ","vol":"1","page":225},{"text":"رَجُلٌ مِنْهُمْ فَقَالَ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ مَا الرُّوحُ؟ فَسكَتَ، فَقُلْتُ: إِنَّهُ يُوحى إِلَيْهِ، فَقُمْتُ فَلَمَّا انْجَلَى عَنْهُ، فَقَالَ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥].\n(٧) حديث عبد الرحمن بن عوف -﵁- أنه كان يقول: \"حبذا المال أصون به عرضي، وأقرضه ربي، فيضاعفه لي\".\n(٨) حديث ابن عباس -﵄- في قوله ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ [هود: ٥٢]. أي مالًا إلى مالكم،، وكان -﵁- يقول: \"قد يشرف الوضيع بالمال\".\n(٩) حديث المِقْدَامِ -﵁-، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، قَالَ: «مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ، خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ -﵇-، كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ».\n(١٠) حديث أَبو هُرَيْرَةَ -﵁-، قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لأَنْ يَحْتَطِبَ أَحَدُكُمْ حُزْمَةً عَلَى ظَهْرِهِ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ أَحَدًا فَيُعْطِيَهُ أَوْ يَمْنَعَهُ».\n(١١) حديث عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلْتُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ، وَإِنَّ أَوْلادَكُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ».\n(١٢) حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَرَفَعَ الْحَدِيثَ، أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ اللهَ -﷿- قَدْ وَكَّلَ بِالرَّحِمِ مَلَكًا، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ نُطْفَةٌ، أَيْ رَبِّ عَلَقَةٌ، أَيْ رَبِّ مُضْغَةٌ، فَإِذَا أَرَادَ اللهُ أَنْ يَقْضِيَ خَلْقًا قَالَ: قَالَ الْمَلَكُ: أَيْ رَبِّ ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى؟ شَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ؟ فَمَا الرِّزْقُ؟ فَمَا الأَجَلُ؟ فَيُكْتَبُ كَذَلِكَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ».\n(١٣) حدبث «إن الرزق ليطلب العبد كما يطلبه أجله».\n(١٤) وحديث جابر مرفوعا قال -ﷺ-: «لا تستبطئوا الرزق؛ فإنه لم يكن عبد يموت حتى يبلغه آخر الرزق، فأجملوا في الطلب».","vol":"1","page":226},{"text":"(١٥) حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «إِنْ قَامَتْ عَلَى أَحَدِكُمُ الْقِيَامَةُ، وَفِي يَدِهِ فَسِيلَةٌ فَلْيَغْرِسْهَا».\n(١٦) حديث ابن عباس -﵄- قَالَ: «كَانَ عُمَرُ يُدْخِلُنِي مَعَ أَشْيَاخِ بَدْرٍ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لِمَ تُدْخِلُ هَذَا الفَتَى مَعَنَا وَلَنَا أَبْنَاءٌ مِثْلُهُ؟ فَقَالَ: إِنَّهُ مِمَّنْ قَدْ عَلِمْتُمْ قَالَ: فَدَعَاهُمْ ذَاتَ يَوْمٍ وَدَعَانِي مَعَهُمْ قَالَ: وَمَا رُئِيتُهُ دَعَانِي يَوْمَئِذٍ إِلا لِيُرِيَهُمْ مِنِّي، فَقَالَ: مَا تَقُولُونَ فِي: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ [النصر: ١ - ٢] حَتَّى خَتَمَ السُّورَةَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أُمِرْنَا أَنْ نَحْمَدَ اللَّهَ وَنَسْتَغْفِرَهُ إِذَا نُصِرْنَا وَفُتِحَ عَلَيْنَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا نَدْرِي، أَوْ لَمْ يَقُلْ بَعْضُهُمْ شَيْئًا، فَقَالَ لِي: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، أَكَذَاكَ تَقُولُ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَمَا تَقُولُ؟ قُلْتُ: هُوَ أَجَلُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَعْلَمَهُ اللَّهُ لَهُ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١] فَتْحُ مَكَّةَ، فَذَاكَ عَلَامَةُ أَجَلِكَ: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: ٣]. قَالَ عُمَرُ: مَا أَعْلَمُ مِنْهَا إِلا مَا تَعْلَمُ».\n(١٧) حديث «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، وَالدِّرْهَمِ، وَالقَطِيفَةِ، وَالخَمِيصَةِ، إنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ».\n(١٨) حديث «مَا نَقَصَ مَالُ عَبْدٍ مِنْ صَدَقَةٍ».\n(١٩) حديث «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ».\n(٢٠) حديث ابن عمر مرفوعًا: «الَّذِي تَفُوتُهُ صَلَاةُ العَصْرِ، كَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالِه» قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: \"يَتِرَكُمْ\" \"وَتَرْتُ الرَّجُلَ إِذَا قَتَلْتَ لَهُ قَتِيلا أَوْ أَخَذْتَ لَهُ مَالًا\".\n(٢١) حديث «إِنَّ اللَّهَ يُحِبَّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ».\n(٢٢) حديث زُهَيْرِ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ الضَّبْعِيِّ قَالَ: «أَتَى النَّبِيَّ -ﷺ- رَجُلٌ سَيِّئُ الْهَيْئَةِ فَقَالَ: أَلَكَ مَالٌ؟» قَالَ: نَعَمْ مِنْ كُلِّ أَنْوَاعِ الْمَالِ. قَالَ: «فَلْيُرَ عَلَيْكَ، فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يَرَى أَثَرَهُ عَلَى عَبْدِهِ حَسَنًا، وَلا يُحِبُّ الْبُؤْسَ وَلا التَّبَؤُّسَ».","vol":"1","page":227},{"text":"(٢٣) حديث «مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا، إِلا كَلْبَ صَيْدٍ، أَوْ مَاشِيَةٍ، نَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ».\n(٢٤) حديث أَبِي هُرَيْرَةَ مرفوعًا: «الفِطْرَةُ خَمْسٌ، أَوْ خَمْسٌ مِنَ الفِطْرَةِ: الخِتَانُ، وَالاسْتِحْدَادُ، وَنَتْفُ الإِبْطِ، وَتَقْلِيمُ الأَظْفَارِ، وَقَصُّ الشَّارِبِ».\n(٢٥) حديث أنس: «وُقِّتَ لَنَا فِي قَصِّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمِ الأَظْفَارِ، وَنَتْفِ الإِبِطِ، وَحَلْقِ الْعَانَةِ، أَنْ لا نَتْرُكَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً».\n(٢٦) حديث عائشة -﵂-، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ: قَصُّ الشَّارِبِ، وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ، وَالسِّوَاكُ، وَاسْتِنْشَاقُ الْمَاءِ، وَقَصُّ الأَظْفَارِ، وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ، وَنَتْفُ الإِبِطِ، وَحَلْقُ الْعَانَةِ، وَانْتِقَاصُ الْمَاءِ» قَالَ زَكَرِيَّا: قَالَ مُصْعَبٌ: وَنَسِيتُ الْعَاشِرَةَ إِلا أَنْ تَكُونَ الْمَضْمَضَةَ زَادَ قُتَيْبَةُ، قَالَ وَكِيعٌ: \"انْتِقَاصُ الْمَاءِ: يَعْنِي الاسْتِنْجَاءَ\".\n(٢٧) حديث أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ، قَالَ «قَالَتِ الأَعْرَابُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلا نَتَدَاوَى؟ قَالَ: نَعَمْ، يَا عِبَادَ اللَّهِ تَدَاوَوْا، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلا وَضَعَ لَهُ شِفَاءً، أَوْ قَالَ: دَوَاءً إِلا دَاءً وَاحِدًا \" قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا هُوَ؟ قَالَ: الهَرَمُ».\n(٢٨) حديث أبي هريرة مرفوعًا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «كُلُّ سُلَامَى مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ، كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ، يَعْدِلُ بَيْنَ الاثْنَيْنِ صَدَقَةٌ، وَيُعِينُ الرَّجُلَ عَلَى دَابَّتِهِ فَيَحْمِلُ عَلَيْهَا، أَوْ يَرْفَعُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ، وَالكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا إِلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ، وَيُمِيطُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ». متفق عليه.\n(٢٩) حديث «إذا تمنى أحدكم فلينظر ما يتمنى فإنه لا يدري ما يكتب له من أمنيته».","vol":"1","page":228},{"text":"<span data-type='title' id=toc-183>التمهيد</span>\nخطوات النجاح من خلال حديث «لا تزول قدما امرئ حتى يسأل عن أربع …».\nإن المؤمنين المتبعين لشرع الله، الراجين لرحمة الله -﷿-؛ تكمن سعادتهم في الدنيا والآخرة، وهو ما ورد في جزاء الحسنات؛ تقيدًا بأوامر الشرع، وعقاب السيئات؛ جزاءً لمخالفة أوامره.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: \"إن الله حمد أفعالًا هي الحسنات، ووعد عليها -أي الوعد في الآخرة- وذم أفعالًا هي السيئات وأوعد عليها- أي الوعيد في الآخرة - وقيَّد الأمور بالقدرة والاستطاعة والوسع والطاقة، فقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وقال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦] \" (^١).\nوقال: \" فعل الحسنات له آثار محمودة في النفس وفي الخارج، وكذلك السيئات، والله تعالى جعل الحسنات سببًا لهذا، والسيئات سببًا لهذا، كما جعل السم سببًا للمرض والموت. وأسباب الشر لها أسباب تُدفع بمقتضاها، فالتوبة والأعمال الصالحة يمحى بها السيئات، والمصائب في الدنيا تكفر بها السيئات\" (^٢).\nوقال ابن عباس -﵄-: \"إن للحسنة: ضياءً في الوجه، ونورًا في القلب، وقوة في\n_________\n(^١) ابن تيمية، مجموع الفتاوى، نشر مجمع الملك فهد بالمدينة، ١٤١٦ هـ، أصول الفقه، ٢٠/ ٤٨.\n(^٢) ابن تيمية، منهاج السنة النبوية، تحقيق محمد رشاد سالم، الطبعة الثالثة ١٤٠٦ هـ، ٣/ ٢٨. وانظر: السلمان، عبدالعزيز، مفتاح الأفكار للتأهب لدار القرار، ٢/ ٣٦١.","vol":"1","page":229},{"text":"البدن، وسعة في الرزق، ومحبة في قلوب الخلق، وإن للسيئة: سوادًا في الوجه، وظلمة في القلب، ووهنًا في البدن، ونقصًا في الرزق، وبغضًا في قلوب الخلق\" (^١).\nإذا كان الأمر كذلك فلماذا يرتكب الناس السيئات؟\nيجيب شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- على هذا السؤال فيقول: \" السيئات منشؤها الجهل والظلم، فإن أحدًا لا يفعل سيئة قبيحة إلا لعدم علمه بكونها سيئة قبيحة، أو لهواه وميل نفسه إليها، والإنسان لا يترك حسنة واجبة إلا لعدم علمه بوجوبها، أو لبغض نفسه لها (^٢).\nإذن: السيئات كلها ترجع للجهل، لكن لابد أن يُعلم أيضًا بأن الغفلة والشهوة أصل الشر، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨]، فالهوى وحده لا يستقل بفعل السيئات إلا مع الجهل.\nيقول شيخ الإسلام -﵀-: \" فصاحب الهوى إذا علم قطعًا أن ذلك يضره ضررًا راجحًا انصرفت نفسه عنه بالطبع؛ فان الله تعالى جبل في النفس حبًا لما ينفعها وبغضًا لما يضرها، فلا تفعل ما تجزم بأنه يضرها ضررًا راجحًا، بل متى فعلته كان لضعف العقل\" (^٣).\nفأصل ما يُوقِع الناس في السيئات الجهل، وقد قال بعض الصحابة: \"كل من عصى الله فهو جاهل\" (^٤).\nإذا كان الأمر كذلك وهو أن وقوع الناس في السيئات له علاقة قوية بالجهل،\n_________\n(^١) ابن القيم، روضة المحبين ونزهة المشتاقين، ٤٤١.\n(^٢) ابن تيمية، مجموع الفتاوى، نشر مجمع الملك فهد بالمدينة، ١٤١٦ هـ، التفسير، ١٤/ ٢٨٧. وانظر: ابن تيمية، الحسنة والسيئة، تقديم محمد جميل غازي، ص ٥٩.\n(^٣) ابن تيمية، الحسنة والسيئة، تقديم محمد جميل غازي، ص ٦١.\n(^٤) ابن تيمية، الحسنة والسيئة، تقديم محمد جميل غازي، ص ٦٢.","vol":"1","page":230},{"text":"فان المسئولية التي تنتظرني وتنتظرك أنت أيها القارئ، بل وتنتظر كل الدعاة وطلبة العلم هي رفع الجهل عن الناس، تفقيههم بأمور دينهم ودنياهم.\nإن أوامر الشارع ونواهيه إنما فرضها الشارع علينا؛ أنه لا يمكن الحياة إلا باتباع هديه، الذي سطره لنا سبحانه عن طريق الوحي؛ ليكون دليلًا ونبراسًا، نسير عليه فنغنم السلامة والسعادة في الدنيا والآخرة.\nانظر الأمور الخطيرة الواردة في الحديث الذي رواه الترمذي وصححه الألباني من حديث أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلاهُ». قال الترمذي: \"هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُرَيْجٍ هُوَ بَصْرِيٌّ، وَهُوَ مَوْلَى أَبِي بَرْزَةَ، وَأَبُو بَرْزَةَ اسْمُهُ: نضْلَةُ بْنُ عُبَيْدٍ\" (^١).\nوورد الحديث من طريق آخر حسنه الألباني، أخرجه الترمذي في سننه، من طريق ابن مسعود أن النَّبِيِّ -ﷺ- قال: «لا تَزُولُ قَدَمُ ابْنِ آدَمَ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ خَمْسٍ، عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ، وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَ أَبْلاهُ، وَمَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَمَاذَا عَمِلَ فِيمَا عَلِمَ». قال الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- إِلا مِنْ حَدِيثِ الحُسَيْنِ بْنِ قَيْسٍ، وَحُسَيْنُ بْنُ قَيْسٍ يُضَعَّفُ فِي الحَدِيثِ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ، وَفِي البَاب عَنْ أَبِي بَرْزَةَ، وَأَبِي سَعِيدٍ (^٢).\nوالأولى حديث أبي برزة من حيث المتن والسند.\nفمتن حديث أبي برزة أتم من حيث المعنى، حيث لم يرد في حديث ابن مسعود «جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلاهُ» وجاء فيه «وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَ أَبْلاهُ».\n_________\n(^١) الدارمي، سنن الدارمي، ١/ ٤٥٢ ح ٥٥٤، ومن طريقه أخرجه الترمذي ٤/ ٦١٤ ح ٢٤١٧.\n(^٢) الترمذي، سنن الترمذي، ٤/ ٦١٤ ح ٢٤١٦.","vol":"1","page":231},{"text":"أما السند ففي حديث ابن مسعود: الحُسَيْنِ بْنِ قَيْسٍ وهو الرحبي أبوعبدالله الواسطي، قال عنه الترمذي بعد أن ساق الحديث من طريقه يضعف من قبل حفظه، وقال الحافظ ابن حجر في التقريب متروك (^١).\nوبالجمع بين الطريقين يتضح أن الحديث أشار إلى أربعة أمور مهمة، وأنها من الخطورة بحيث جعلها الله سبحانه جسر الوصول إلى الجنة.\nومن المعلوم أن الشارع شدد على هذه الأمور لأنه لا يمكن الوصول للحياة في الدنيا بسعادة تامة، والبعد عن الأخطار إلا بمراعاة هذه الأمور، وعلى هذا فيجب العلم بها، ومراعاة أوامر الشرع في كل جانب منها.\nإن هذا الحديث يجعلك تحدد ما يتوجب عليك العناية به، وترتيب حياتك، من خلال هذه الأربعة أمور، وهي: العمر، أي الوقت، والعلم، ومن خلاله مطلوب منك تطوير الذات وتنمية العقل، وتعلم كل ما يحقق الإيمان، ويسهل أمور الحياة، والمال، وطرق اكتسابه وصرفه وفق ما أمر به الدين، وأخيرًا الجسم، وطرق العناية به.\nهذه الأمور الأربعة لا يجوز ولا يمكن فصل بعضها عن بعض، فكل منها مرتبط بالآخر، ولا يكون إلا به؛ لذا حدد الشارع أنه لا ينتهي الحساب إلا بالسؤال عنها جميعًا، لا عن أحدها وترك الآخر.\nوفي هذه العجالة حديث عنها جميعًا، وعن مدى ارتباط بعضها ببعض، وأهمية كل منها مع الآخر، وأثرها في عملية تطوير الذات، وتحقيق النجاح.\n_________\n(^١) ابن حجر، تقريب التهذيب، ص ١٦٢ ت ١٣٤٢.","vol":"1","page":232},{"text":"١ -<span data-type='title' id=toc-184> الوقت «عن عمره في ما أفناه»</span>\nحظي الوقت بنصيب وافر من عناية الشارع الحكيم -﷾-، وأرشدت النصوص القرآنية والنبوية إلى العناية به، والتدبر في دلالاته، فقد أقسم الله بالوقت في أكثر من موضع فقال سبحانه ﴿وَالْعَصْرِ﴾ [العصر: ١].\nبل إنه -﷾- جعل العباداتِ مربوطةً بالوقت، الذي يجب أن تؤدَّى فيه، كي نتدبر فيه، وتمرينًا لنا على أنه ينبغي النظر في الأوقات، فقال تعالى عن الصلاة ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣].\nوعند الحديث عن الوقت فإنه ينظر إليه من وجهين، وجَّهتنا النصوص الشرعية إلىهما، وهما:\n\n(١)<span data-type='title' id=toc-185> الساعة الكونية:</span> أي الوقت من حولنا، حيث يسير الكون بمقاييس، وأشكال متعددة، وثابتة، لا تتغير؛ للتدبر في تأثيرها على ضبط وقت اليوم، والشهر، والسنة، بناء على حركة الشمس، والأرض، والقمر، ثم تعاقب فصول السنة، من صيف، وشتاء، وما بينهما.\n(٢)<span data-type='title' id=toc-186> الساعة البيلوجية:</span> التي بداخل أجسامنا، بل داخل كل كائن حي؛ من إنسان، وحيوان، ونبات، هذه الساعة تعمل دون انقطاع، مركزها في الإنسان، والحيوان داخل الدماغ، في غدة، تحت المهاد وهو قلب هذه الساعة، أما عقاربها فهي موجودة في كل جزء من الجسم، بل في كل خلية.","vol":"1","page":233},{"text":"عمل هذه الساعة: تنظيم أجهزة الجسم الحيوية، فهي التي تنظم النوم واليقظة، والأيض، وإفراز الهرمونات، وإعادة بناء الخلايا، وتوجيه النشاط الموجي للدماغ، أي أنها هي المسئولة عن حيوية الإنسان، وفعاليته، بل إنها تتحكم في أمور عدة، كالنشاط العقلي، والنفسي، والحيوي.\nإن إهمال هذه الساعة ومخالفتها تجعل الكائن الحي ممزقًا بين عقاربها البيلوجية، في داخل أجسامنا، إضافة إلى ارتباطها بالكون، ويظهر هذا واضحًا عند التنقل من قارة، إلى قارة بعيدة، فتجد أن حركة النهار في جسمك ترفض هذا التغيّر.\nإن هذه الساعة مؤثرة في ما يحدث في أجسامنا من عمليات حيوية، كإفراز الهرمونات، التي تحفز على النمو - يؤخذ في الاعتبار تأثيرها على نمو الأطفال والمراهقين - وتؤثر في عمليات بناء الخلايا وهدمها، ونشاط الدماغ وحيويته، وغيرها كثير مما توصل العلم الحديث أو لم يصل إليه، وهي في الحقيقة عمليات موقوتة مرتبطة بتعاقب الليل والنهار.\nلذا جاءت النصوص بمراقبة هذه الساعة، وأخذها بالاعتبار، بل الأمر والترغيب في مراعاة ذلك، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ [النبأ: ١٠ - ١١]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ [المزمل: ٧]، وقوله تعالى ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [غافر: ٦١].\nفي ضوء ما سبق من أدلةٍ نصل إلى أنه لابد من النظر للوقت من عدة زوايا، منها:\n(١) إن مخالفة الساعة الكونية وارتباطها بالساعة البيلوجية الموجودة داخل أجسامنا له ضرر واضح علينا، وهذا ما يعاني منه الإنسان في الوقت الحاضر، من أمراض نفسية، وخلل في الهرمونات، بشكل واضح، عند الصغار والكبار، على حد","vol":"1","page":234},{"text":"سواء، وأمراض عصبية كثيرة يشتكي منها النساء والرجال، بل حتى الأطفال والكبار، كالصداع، والقولون العصبي، وآلام العضلات، وقد يمتد إلى المفاصل، ثم ما يلبث أن ينتهي إلى الأمراض الشائعة، كالخلل في ضغط الدم بين ارتفاع وانخفاض، ومرض السكر، وغير ذلك.\nوربما كان سببه راجعًا إلى عدة ظروف معيشية، لكن يظل من أهمها - والله أعلم - عدم تفعيل الساعة البيلوجية، أي السهر ليلًا.\n(٢) يشتكي كثير من الناس من ضيق الوقت وعدم بركته، ومنشؤه - والله أعلم - من العمل في وقت يكون العقل والجسم غير مستعد لذلك، كأن يبدأ الطالب بالاستذكار في الساعة التاسعة ليلًا، مع أن العقل والجسم غير مهيأ تمامًا لذلك، بل هو وقت راحته واسترخائه المفترض، وهذا أمر مهم لابد من أخذه بالحسبان.\nكما أن هذا واضح من سيرة النبي صلى الله عليه والسلف الصالح من بعده، ومن ذلك الحديث الذي رواه أحمد في المسند وأبو داود والترمذي والنسائي وصححه الألباني لتعدد طرقه، من حديث صَخْرٍ الْغَامِدِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا، وَكَانَ صَلَّى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا بَعَثَ سَرِيَّةً أَوْ جَيْشًا بَعَثَهُمْ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ» وَكَانَ صَخْرٌ رَجُلا تَاجِرًا، وَكَانَ يَبْعَثُ تِجَارَتَهُ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ، فَأَثْرَى وَكَثُرَ مَالُهُ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: هُوَ صَخْرُ بْنُ وَدَاعَةَ \" (^١).\n(٣) يشتكي كثير من الناس عدم قدرته على مزاولة التمارين الرياضية، وأنها ثقيلة على أجسامهم، أو أنهم يزاولونها لكنهم لا يستفيدون منها في الشفاء من الأمراض كالكلوسترول، أو في تخفيف الوزن، وربما كان السبب هو مزاولتها والجسم غير\n_________\n(^١) أبو داود، سنن أبي داود، ٣/ ٣٥ ح ٢٦٠٦، و:، الترمذي، سنن الترمذي، ٢/ ٥٠٩ ح ١٢١٢، و: النسائي، السنن الكبرى ٨/ ١٢٠ ح ٨٧٨٢، و: ابن ماجة، سنن ابن ماجة، ٢/ ٧٥٢ ح ٢٢٣٦، و: الدارمي، سنن الدارمي، ٢/ ١٥٨١ ح ٢٤٧٩.","vol":"1","page":235},{"text":"مهيأ تمامًا لذلك، حيث أثبتت التجارب التي أجراها علماء التربية البدنية أن الوظائف الجسمية تزداد قوتها وتنقص بين وقت وآخر خلال اليوم، حيث تظهر الكفاءة العضلية في الزيادة تدريجيًا عند الرابعة صباحًا، وتبلغ مداها الأقصى عند السابعة صباحًا، وتستمر حتى الحادية عشر ظهرًا، حيث تبدأ بالانخفاض التدريجي لغاية الثالثة عصرًا - هذا الوقت هو وقت القيلولة، الذي كان النبي وأصحابه يرتاحون فيه، إما قبل الظهر أو بعد الظهر إلى قبيل صلاة العصر- ثم يزداد النشاط تدريجيًا حتى السادسة مساء، ثم يعود بالانخفاض مجددًا عند التاسعة ليلًا، ويبلغ مداه حتى الثالثة صباحًا وهكذا.\nلقد فَقِه السلف الصالح تقسيم النهار بين اليقظة والعمل، والخلو للراحة والقيلولة، ومن ذلك ما أخرجه البخاري في الأدب المفرد وصححه الألباني عَنْ خَوَّاتِ بْنِ جُبَيْرٍ (^١) موقوفًا عليه قَالَ: \" نَوْمُ أَوَّلِ النَّهَارِ خُرْقٌ، وَأَوْسَطُهُ خُلُقٌ، وَآخِرُهُ حُمْقٌ\" (^٢).\nومعنى \"خرق\": أي جهل.\nومعنى \" خُلْقٌ \": المراد أن النوم في أوسط النهار خلق ممدوح.\nوكذلك الحديث الذي أخرجه أبو نعيم في\" الطب \" وفي\" أخبار أصبهان \" من حديث أنس قال: قال رسول الله -ﷺ-: «قيلوا فإن الشياطين لا تقيل» (^٣).\n_________\n(^١) خوات بن جبير الأنصاريّ، أبو عبد اللَّه وأبو صالح. ذكره موسى بن عقبة، وابن إسحاق، وغيرهما في البدريين، وذكره الواقديّ وغيره ممن شهد أحدا والمشاهد بعدها، مات سنة أربعين، انظر ترجمته: ابن الأثير، الإصابة في تمييز الصحابة، ٣/ ٢٩٣.\n(^٢) البخاري، الأدب المفرد، ١/ ٤٢٥، باب النوم آخر النهار، و: انظرتخريج الحديث والحكم عليه في: الألباني، سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها، ٤/ ٢٠٢ ح ١٦٤٧.\n(^٣) أبو نعيم، الطب النبوي، ١/ ٢٦١ ح ١٥١، و: أبو نعيم، تاريخ أصبهان ١/ ٤١٧ ح ٧٨٨.","vol":"1","page":236},{"text":"ومن ذلك ما قاله عَبْدُ اللهِ بْنُ الْعَبَّاسِ للْفَضْلِ ابْنِهِ وَهُوَ نَائِمٌ نَوْمَةَ الضُّحَى: \" قُمْ؛ إِنَّكَ لَنَائِمُ السَّاعَةِ الَّتِي يُقَسِّمُ اللهُ فِيهَا الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ، أَمَا سَمِعْتَ مَا قَالَتِ الْعَرَبُ فِيهَا؟ قَالَ: وَمَا قَالَتِ الْعَرَبُ فِيهَا يَا أَبَتِ؟ قَالَ: زَعَمَتْ أَنَّهَا مُكْسِلَةٌ مُهْرِمَةٌ مُنْسِئَةٌ لِلْحَاجَةِ، ثُمَّ قَالَ: يَا بُنَيَّ! نَوْمُ النَّهَارِ عَلَى ثَلاثَةٍ؛ نَوْمُ حُمْقٍ؛ وَهِيَ نَوْمَةُ الضُّحَى، وَنَوْمَةُ الْخُلُقِ؛ وَهِيَ الَّتِي رُوِيَ: «قِيلُوا فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لا تَقِيلُ»، وَنَوْمَةُ الْخُرْقِ؛ وَهِيَ نَوْمَةٌ بَعْدَ الْعَصْرِ لا يَنَامُهَا إِلا سَكْرَانُ أَوْ مَجْنُونٌ\" (^١).\nوفي ضوء هذه النصوص فإن أفضل وقت لمزاولة الرياضة، إما الصباح باكرًا، أو بعد صلاة العصر، وهذا ما كان عليه السلف في مجالس العلم وطلب الرزق؛ مراعاةً لطبيعة وخصائص هذه الأوقات.\nإن إغفال هذه الأمور يجعل الإنسان غير منتج، وعالة على غيره، وعبئًا على مجتمعه، فكيف وقد أصبحت هذه ظاهرة تشتكي منها قطاعات المجتمع كافة، من الأسرة والمدرسة والعمل؟ فالأباء يشتكون من أبنائهم، والأبناء يشتكون من الأباء، وأرباب العمل تكثر شكواهم من عدم إنتاجية موظفيهم، بل الزوجات تكثر شكواهن من هروب أزواجهن ليلًا إلى مناطق اللهو أو حتى الاستجمام، بعيدًا عن بيوتهم، فنتج عن ذلك أمراض كثيرة مادية وإجتماعية ونفسية، في المجتمع، إن لم تعالج؛ تثقيفًا وعلمًا، بجهودٍ رسمية، وغير رسمية؛ فإن الخطر عظيم.\nلابد من تنظيم الوقت ومراعاة ما أمر الشرع به، فإن الشارع أعلم وأحكم وأقدر من ينظم ذلك، انظر إلى الصلوات الخمس التي قال عنها الله -﷾-: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]، فأوقاتها تتبع هذا البندول، وتتفاعل مع الضوء والظلمة، فيها مراعاة العمليات التي تحدث في أجسامنا، فأوقات الصلاة\n_________\n(^١) الدينوري، المجالسة وجواهر العلم، ٥/ ٢٢١ ح ٢٠٤٧.","vol":"1","page":237},{"text":"أعمق بكثير مما نظن ونعلم، وفي كل وقت من هذه الأوقات فائدة تعود بالنفع على الإنسان جسميًا وعقليًا ونفسيًا، لذا علينا أن ننظم حياتنا عبر الصلاة الموقوتة؛ فهي مرتبطة بحركة الكون.\nكذلك نجد في أحكام الصيام: الحث على تأخير السحور، وتقديم الفطور؛ فإن في ذلك حكمة تتعلق بالوقت، وصيام النوافل كأيام البيض في اليوم الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر له علاقته بالدورة الدموية.\nالعبادات والأعياد قسمت السنة عند المسلم إلى مواسم يمكن أن يغتنم ويغترف منها ما أمكنه ذلك، حيث من الممكن وضع الخطط تبعًا لأوقاتها، مثل: شهر رمضان، وعيد الفطر وعشر ذي الحجة، وعيد الأضحى، وصيام عاشوراء بداية السنة الهجرية، فكلها محطات من الممكن استغلال توقيتها للتخطيط والتقويم.","vol":"1","page":238},{"text":"٢ -<span data-type='title' id=toc-187> العلم «وعن علمه في ما فعل»</span>\nالعلم التام الكامل صفة من صفات الله -﷿-، ولا تكون بمجموعها إلا له -﷾-؛ لأن العلم واسع غير محدود، ولا يمكن أن يُعطَى بمَجْمُوعِه لمخلوق، بل هو صفة لله وحده، قال تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥].\nووهب الله الإنسان جزءًا من هذه القوى العلمية للجنس الآدمي كله، فكلٌ ينهل من هذا العلم بما آتاه الله من الوسائل والقدرات، فالإنسان ناهل وكاسب منه، أوتي في أصل خلقه من المواهب والقدرات العقلية ما يجعله قادرًا على كسب شيء من هذا العلم، وكلما أوتي نصيبًا منه ظهر له المزيد.\nالإنسان بهذه القوى العلمية غير محدود الرغائب، ولا محدود العلم، ولا محدود العمل، يولد ضعيفًا جاهلًا، لا يدفع عن نفسه شيئًا، ثم ما يلبث أن يتعلَّم، بما وهبه الله من الإلهام والعلم، شيئًا فشيئًا، حتى تكتمل قواه، فيكون له سلطانٌ بهذا العلم، وما يكتسبه من المهارات على كل الكائنات حوله، فيسخرها الله له بهذا العلم، ويذللها حتى تكون طوعًا له.\nثم الناس درجات مختلفة في طلبه، كل بما سخر عقله له من العلوم المختلفة، فمنهم من كان ذا همة عالية، ومنهم دون ذلك، والعلم دروبه كثيره، ونواياه كثيرة؛ فهو في الخير والشر على حد سواء؛ لذا يحاسب الإنسان عنه يوم القيامة، ولا تزول قدمه حتى يسأل عنه، وإنما ذلك لخطورة استعمال العلم في مجالات الهدم والشر.","vol":"1","page":239},{"text":"العلم غير محدود، وهو موجود لكل من يطلبه، وشامل لكل ما في الكون، وما على الأرض، حتى في الإنسان نفسه، وكل ما ازداد نهلًا منه شعر بالجهل والحاجة إلى طلب المزيد، وكل ما تعمق فيه قاده علمه إلى الإيمان بوحدة وعظمة خالقه وحقارة وصغر نفسه، لذا كان العلماء أكثر الناس تواضعًا، وإيمانًا وخشية من الله -﷿-: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨].\nالعلم منه ما يعتمد على العقل، ويترجم عنه بالحواس، عن طريق البحث والاستدلال والتجارب، ومنه مالا يدرك إلا بالنقل، ويكون الضلال والزيغ عاقبة البحث عنه بمجرد العقل، حيث لا يمكن معرفته إلا عن طريق الوحي، دون أن يكون للعقل فيه أي سبيل، كالغيبيات من الذات الإلهية، والبعث، والجنة والنار، والروح، ونحو ذلك مما هو معلوم عند أهل الكتب السماوية.\nفمن ذلك الحديث المتفق عليه عن ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: \"بَيْنَا أَنَا أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ-، فِي خَرِبِ الْمَدِينَةِ، وَهُوَ يَتَوكَّأُ عَلَى عَسِيبٍ مَعَهُ فَمَرَّ بِنَفَرٍ مِنَ الْيَهُودِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تَسْأَلُوهُ، لَا يَجِيءُ فِيهِ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَنَسْأَلَنَّهُ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَقَالَ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ مَا الرُّوحُ؟ فَسكَتَ، فَقُلْتُ: إِنَّهُ يُوحى إِلَيْهِ، فَقُمْتُ فَلَمَّا انْجَلَى عَنْهُ، فَقَالَ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] \" (^١).\nفإذا كان العلم بهذه السَّعة، وبهذه الأهمية؛ فما القدر الواجب تعلمه، حتى يحظى الإنسان بالسعادة في الدنيا والآخرة؟\n_________\n(^١) البخاري، صحيح البخاري، مع فتح الباري شرح صحيح البخاري، بتحقيق الشيخ ابن باز، نشر رئاسة الإفتاء بالرياض ١٣٧٩ هـ، كتاب العلم، ١/ ٢٢٣، و: مسلم، صحيح مسلم بشرح النووي، نشر دار عالم الكتب ١٤٢٤ هـ، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، ١٧/ ١٤٠.","vol":"1","page":240},{"text":"ويمكن الإجابة على هذا السؤال باختصار:\n(١) علوم الدين، والقدر الواجب على المسلم معرفته منها اختصره العلماء بقولهم \" كل ما هو معلوم بالضرورة\" كمعرفة علاقة الإنسان بربه، وحفظ سور من القرآن تقوم بها عبادته لربه، ثم تعلم ما عليه من حقوق لله -﷿- من العبادات المختلفة، وترك المنهيات، واتباع الأوامر الشرعية التي تجعل نفسه مطمئنة قريبة من الله.\n(٢) تعلم كل ما يحقق تطوير الذات، وتنمية العقل، وما يسهل أمور الحياة، فكل إنسان عليه تطوير ذاته، وتعلم كل ما يحقق له العيش الهنيء، في محيطه الذي يعيش فيه، فالزوجة عليها تعلم كل ما يحقق لها السعادة الزوجية، من معرفة حقوقها وواجباتها، وكيفية التعامل مع الزوج والأبناء، وطريقة الحديث مع الرجل والتودد له، وكذلك حل المشاكل الزوجية، وإدارة المنزل وتجميله، والمطبخ وكيفية جعله نقطةً يتميز بها منزلها. ولباسها وزينتها، ونحو ذلك، والوسائل لتحصيل هذا العلم كثيرة، سواء بالقراءة من الكتب، أو الإنترنت، أو البرامج التي تباع في الأسواق، أو عن طريق الدورات التدريبية، وغير ذلك، فإن هذا من العلم الذي تؤجر عليه الزوجة في الآخرة، وتسعد به في الدنيا.\n(٣) وكذلك الزوج عليه تعلم ماتصح به عبادته، وحقوقه وواجباته الشرعية، وحقوق الأبناء، وكيفية التعامل مع الزوجة والأبناء، بالوسائل المتاحة له، وهكذا يظل كل فرد في المجتمع في حالة تطوير لذاته، بالنهل من العلم حتى يحظى بعيشة هنيئة.\n(٤) تعلم مهنة يكسب بها قوت يومه، ويحسن بها معيشته، فعلى المسلم أن يتعلم المزيد في مهنته، ولا يقف عند حد معين، فالمعلم عليه تعلم المزيد وكل","vol":"1","page":241},{"text":"جديد في هذه المهنة، التي عن طريقها يكسب المال، فمن الإخلاص في العمل تعلم المزيد منه، وكذلك الطبيب، والمهندس، حتى ربة المنزل، كل عليه أن ينهل من العلم ما يجعله يبدع في مهنته.\nكل ما سبق ذكره هو أقل ما يجب على المسلم تعلمه، وكل إنسان محاسب عليه يوم القيامة، فمن أراد أن ينجو فعليه أن يتزود من العلم بما يحقق له النجاة.","vol":"1","page":242},{"text":"٣ -<span data-type='title' id=toc-188> المال «وعن ماله من أين اكتسبه، وفيما أنفقه»</span>\nحب المال غريزة جعلها الله في النفس الإنسانية؛ لحكمة إعمار الأرض، ولأسباب أخرى، والحقيقة الملموسة، أنهم مهما امتدحوا الفقر، وتغنى به من تغنى، إلا أن الحقيقة التي لا يمكن إنكارها أنه لا يمكن لأحد أن يحيا حياة حقيقية وناجحة لا ينقصها شيء إلا إذا كان ذا مال، بل إن الرغبة في حياة أكثر رخاء هي رغبة جميع العقلاء؛ لأن المال سبب للطموح والنهوض، للأفراد والمؤسسات، بل والدول، حيث تقوم عليه اقتصادياتها، التي هي مصدر قوتها وثباتها.\nوامتدح الشارع -سبحانه- المال في القرآن وسماه خيرًا، بقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠]، وبقوله سبحانه: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨]. أي المال.\nوروي عن عبد الرحمن بن عوف -﵁- أنه كان يقول: \"حبذا المال أصون به عرضي، وأقرضه ربي، فيضاعفه لي\".\nوروى السدي عن ابن عباس -﵄- في قوله ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ [هود: ٥٢]. أي مالًا إلى مالكم،، وكان -﵁- يقول: \"قد يشرف الوضيع بالمال\".\nالمال حق مشروع لكل إنسان، رجلًا أو امرأة، فمن حق الجميع الحصول عليه، وحق الملكية مكفول شرعًا لكل أحد، كما أنه من حقنا أن نعيش في رخاء ورفاهية","vol":"1","page":243},{"text":"وبالطريقة التي نريد، لكن في محيط الشرع، والحكمة تقول: \"إن حق الإنسان في الحياة يعني حقه في الاستخدام الحر والمطلق لجميع الأشياء التي يتطلبها نموه العقلي والروحي والجسمي\" وبعبارة أخرى \" من حقه أن يكون ثريًا\".\nثم أن الحياة في أيامنا هذه أصبحت أكثر تعقيدًا، مما ييزيد مسؤولية الإنسان العادي للحصول على قدر من الثروة؛ لكي ينعم بحياة تقترب من الكمال، ومما لا شك فيه أن كل إنسان بطبيعته يريد أن يحقق كل ما يمكن تحقيقه، وهذه الرغبة في الاستفادة من كل الإمكانات من حولنا هي في الحقيقة متأصلة في الطبيعة البشرية.\nإن تحقيق الرخاء بذاتك وبعملك وإبداعك وأفكارك، من دون أن تكون عالة على غيرك؛ يجعل منك إنسانًا واثقًا، وهذا من الهدي النبوي، فقد روى البخاري في صحيحه عَنِ المِقْدَامِ -﵁-، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، قَالَ: «مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ، خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ -﵇-، كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ» (^١).\nوعَنْ أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ -﵁-، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لأَنْ يَحْتَطِبَ أَحَدُكُمْ حُزْمَةً عَلَى ظَهْرِهِ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ أَحَدًا فَيُعْطِيَهُ أَوْ يَمْنَعَهُ» (^٢).\nوكذلك الحديث الذي أخرجه الترمذي وصححه الألباني من حديث عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلْتُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ، وَإِنَّ أَوْلادَكُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ» (^٣).\n_________\n(^١) البخاري، صحيح البخاري، مع فتح الباري شرح صحيح البخاري، بتحقيق الشيخ ابن باز، نشر رئاسة الإفتاء بالرياض ١٣٧٩ هـ، كتاب البيوع، ٤/ ٣٠٣.\n(^٢) البخاري، صحيح البخاري، مع فتح الباري شرح صحيح البخاري، بتحقيق الشيخ ابن باز، نشر رئاسة الإفتاء بالرياض ١٣٧٩ هـ، كتاب المساقاة، ٥/ ٤٦.\n(^٣) الترمذي، سنن الترمذي، ٣/ ٦٢١ ح ١٢٥٨.","vol":"1","page":244},{"text":"إن امتلاك المال الوفير -الثراء- متاحٌ للجميع، لا تحده بيئة معينة، ولا مدينة محددة، ما دام الإنسان في مجتمع ومع الناس، كما لا يُقصَر على جنس، فهو للذكر كما أنه للأنثى، ولا هو مربوط بالقدرة العقلية؛ فالموهوبون وغير الموهوبين يمكن أن يكونوا أثرياء، ما داموا يملكون القدر من العقل الذي يؤهلهم لذلك \"أي الأهلية الشرعية\" بل إنه لا يرتبط بمهنة بعينها، فالناس يحققون الثراء في مختلف الوظائف، والأعمال والمهن، كما أنه غير مرتبط بوقت معين أو عمر معين.\nكما أن على المسلم أن يؤمن أن الرزق توفيق من الله، وليس من ذات نفسه، وبذلك يرضى وتطمئن نفسه، والحقيقة النبوية تقول: إن الرزق مكتوب لابن آدم وهو في بطن أمه، وأن رزقه مثل أجله، له وقت معلوم، وعملك يا ابن أدام سببٌ يسره الله لك، حتى تصل لرزقك الذي كتبه الله لك، فإن تيسر لك ذلك فعليك شكر الله ونسبة الفضل لله، لا لذاتك.\nوالدليل على ذلك ما رواه مسلم في صحيحه عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَرَفَعَ الْحَدِيثَ، أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ اللهَ -﷿- قَدْ وَكَّلَ بِالرَّحِمِ مَلَكًا، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ نُطْفَةٌ، أَيْ رَبِّ عَلَقَةٌ، أَيْ رَبِّ مُضْغَةٌ، فَإِذَا أَرَادَ اللهُ أَنْ يَقْضِيَ خَلْقًا قَالَ: قَالَ الْمَلَكُ: أَيْ رَبِّ ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى؟ شَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ؟ فَمَا الرِّزْقُ؟ فَمَا الأَجَلُ؟ فَيُكْتَبُ كَذَلِكَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ» (^١).\nوقوله -ﷺ-: «إن الرزق ليطلب العبد كما يطلبه أجله» (^٢)، وحديث جابر مرفوعا\n_________\n(^١) مسلم، صحيح مسلم بشرح النووي، إشراف حسن قطب، كتاب القدر، نشر دارعالم الكتب بالرياض، الطبعة الأولى ١٤٢٤ هـ، ١٦/ ١٩٧.\n(^٢) ابن أبي عاصم، السنة، ١/ ١١٧ ح ٢٦٤. و: البزار، البحر الزخار، ١٠/ ٣٧ ح ٤٠٩٩، وقال: \"وَهَذَا الْحَدِيثُ لا نَعْلَمُهُ يُرْوَى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إلاَّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، ولَا نَعْلَمُ لَهُ طَرِيقًا غَيْرَ هَذَا الطَّرِيقِ، ولَا نَعْلَمُ رَوَاهُ عَنِ الْوَلِيدِ إلاَّ هِشَامُ بْنُ خَالِدٍ وَلَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ إلاَّ أَنَّهُ لَمْ يُتَابَعْ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ، وَقَدِ احْتَمَلَهُ عَنْهُ أَهْلُ الْعِلْمِ وَذَكَرُوهُ عَنْهُ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ إلاَّ مَا ذَكَرُوا مِنْ تَفَرُّدِ هِشَامِ بْنِ خَالِدٍ بِهِ، ولَا نَعْلَمُ له علة\" و: ابن حبان، صحيح ابن حبان، ٨/ ٣١ ح ٣٢٣٨. و: أبو نعيم، الحلية، ٦/ ٨٦، و: البيهقي، القضاء والقدر، ١/ ٢١٠ ح ٢٣٩، وصححه الألباني.","vol":"1","page":245},{"text":"قال -ﷺ-: «لا تستبطئوا الرزق؛ فإنه لم يكن عبد يموت حتى يبلغه آخر الرزق، فأجملوا في الطلب» (^١).\nوعلى هذا مهما كنت فقيرًا، فإنه متى شرعت في القيام بأشياء مما يسره الله لك، وفق جدولة مرتبة، فإن ذلك طريقك للثراء، ورأس المال يدعو بعضه بعضًا، فيكون أسهل في تحصيل المزيد، بقدرة الله وتوفيقه.\nالمال غير محدود بكمية معينة، ولا يقف عند حد، فكلما زادت حاجة الناس إلى المزيد من الغذاء، والكساء، والمأوى، ووسائل الترفيه، والسياحة، والجمال، والمعرفة، والسعادة؛ فسييسر الله لهم وسائل وفرة المال، والسعي إلى كسبه.\nويخضع كل كائن حي إلى ضرورة التقدم المستمر، إلى طلب المزيد، فإن توقف الزيادة في الحياة يكون تمامًا؛ بمثابة إيذان بالمرض، ثم الموت والفناء، والناس بطبيعتهم يدركون ذلك تمامًا، ولهذا يسعون دائما إلى المزيد من الحياة، بل الشرع يؤكد هذه النظرية، ومنها الحديث الذي رواه أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «إِنْ قَامَتْ عَلَى أَحَدِكُمُ الْقِيَامَةُ، وَفِي يَدِهِ فَسِيلَةٌ فَلْيَغْرِسْهَا» (^٢).\nوأوضح منه دلالة ما فهمه ابن عباس -﵄- من أن توقف الزيادة دليل على حلول الأجل، قَالَ: كَانَ عُمَرُ يُدْخِلُنِي مَعَ أَشْيَاخِ بَدْرٍ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لِمَ تُدْخِلُ هَذَا الفَتَى مَعَنَا وَلَنَا أَبْنَاءٌ مِثْلُهُ؟ فَقَالَ: إِنَّهُ مِمَّنْ قَدْ عَلِمْتُمْ قَالَ: فَدَعَاهُمْ ذَاتَ يَوْمٍ وَدَعَانِي مَعَهُمْ قَالَ: وَمَا رُئِيتُهُ دَعَانِي يَوْمَئِذٍ إِلا لِيُرِيَهُمْ مِنِّي، فَقَالَ: مَا تَقُولُونَ فِي: ﴿إِذَا جَاءَ\n_________\n(^١) ابن ماجة، السنن، ٢/ ٧٥٢ ح ٢١٤٤، و: ابن حبان، صحيح ابن حبان، ٨/ ٣٣/ ح ٣٢٤١، و: البيهقي، شعب الإيمان، ٢/ ٤٠٦ ح ١١٤٢.\n(^٢) أحمد، المسند، ٢٠/ ٢٥١ ح ١٢٩٠، ورجاله رجال مسلم.","vol":"1","page":246},{"text":"نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ [النصر: ١ - ٢] حَتَّى خَتَمَ السُّورَةَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أُمِرْنَا أَنْ نَحْمَدَ اللَّهَ وَنَسْتَغْفِرَهُ إِذَا نُصِرْنَا وَفُتِحَ عَلَيْنَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا نَدْرِي، أَوْ لَمْ يَقُلْ بَعْضُهُمْ شَيْئًا، فَقَالَ لِي: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، أَكَذَاكَ تَقُولُ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَمَا تَقُولُ؟ قُلْتُ: هُوَ أَجَلُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَعْلَمَهُ اللَّهُ لَهُ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١] فَتْحُ مَكَّةَ، فَذَاكَ عَلَامَةُ أَجَلِكَ: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: ٣]. قَالَ عُمَرُ: مَا أَعْلَمُ مِنْهَا إِلا مَا تَعْلَمُ \" (^١).\nلكن ما علاقة ذلك كله بالحساب يوم القيامة؟\nالمال سلاح ذو حدين، فهو عظيم في القوة والخير، لكنه سيء جدًا إذا استخدم في الشر، في كسبه، أو انفاقه؛ لذا فإنه لا تزول قدما العبد، حتى يسأل عن كل ما يتعلق به، لأن الشرع ينظر إليه على النحو التالي:\n• يجب أن تكون النظرة للمال على أنه وسيله، لا غاية، فهو وسيلة لتحقيق ما سبق ذكره من أمور الحياة، لا أنه هدف تُطَوع الحياة لكسبه، ويكون مالكه عبدًا له؛ لأن ضرر ذلك عظيم في نفس الإنسان ودينه، قال -ﷺ-: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، وَالدِّرْهَمِ، وَالقَطِيفَةِ، وَالخَمِيصَةِ، إنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ» (^٢).\n• اليقين من أن المال وسيلة لتحقيق ما تريد، لكن ليس بالضرورة أن يجلب السعادة، فهو كما وصفه القرآن قد يكون زينة، وفتنة، وسبب عذاب ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥]. ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٤٦].\n_________\n(^١) البخاري، صحيح البخاري، مع فتح الباري شرح صحيح البخاري، بتحقيق الشيخ ابن باز، نشر رئاسة الإفتاء بالرياض ١٣٧٩ هـ، كتاب التفسير، ٨/ ٧٣٤.\n(^٢) البخاري، صحيح البخاري، مع فتح الباري شرح صحيح البخاري، بتحقيق الشيخ ابن باز، نشر رئاسة الإفتاء بالرياض ١٣٧٩ هـ، كتاب الجهاد، ٦/ ٨١.","vol":"1","page":247},{"text":"• أن هنالك قواعد لاكتسابه، ولا يجوز أبدًا مخالفة هذه القواعد؛ فإن عقابها من الله عسير، يصل إلى الحرب عليك، وهذا أمر عظيم، كما هي الحال في الربا، وأبوابه، والغش، والسرقة، والطرق غير المشروعة لاكتسابه، لذا من أراد أن يسلك طريق المال عليه تعلم حقوق هذا المال.\n• إذا أنعم الله عليك بالمال، فلابد من إعطاء حقه من الزكاة والصدقة باستمرار، وفق ما أوجبه الشرع، فإن في ذلك نماء وزيادة له.\n• لابد من الايمان بالحقيقة الواردة في الحديث، الآمرة بالنفقة، في قوله -ﷺ-: «مَا نَقَصَ مَالُ عَبْدٍ مِنْ صَدَقَةٍ» (^١)، وقوله -ﷺ-: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ» (^٢).\n• النهي البتة وتمامًا عن كنز المال، فهو أقرب طريق للفشل في تكثيره، يدل عليه ما سبق ذكره من الأحاديث، والنهي الكثير في القرآن والسنة عن كنزه.\n• لابد من الإيمان بالقاعدة الاقتصادية الاسلامية أن الوسيلة المشروعة في نماء المال وتكثيره؛ هي في تحريكه وتقليبه بالوجه المشروع، في مجالات الاقتصاد المختلفة، لا عن طريق الإقراض، واستخدام الربا، وأشباه الربا، التي لا تعود بالفائدة على الناس واقتصاد المجتمع.\n• مهما كنت معدمًا أو فقيرًا فإن الله هو الرازق، والمال مال الله، بيده وحده توزيعه على خلقه، وأن من اتبع الطرق الشرعية التي أرشد لها الشارع لجلب هذه النعمة؛ فإنه لابد أن يصل إلى ما يريد، ومن تلك الطرق: الاهتمام بصلاة العصر؛\n_________\n(^١) الترمذي، سنن الترمذي، ٤/ ٥٦٢ ح ٢٣٢٥، و: الطبراني، المعجم الكبير، ٢٢/ ٣٤١/ ح ٨٥٥، وصححه الألباني.\n(^٢) مسلم، صحيح مسلم بشرح النووي، إشراف حسن قطب، كتاب البر والصلة، نشر دارعالم الكتب بالرياض، الطبعة الأولى ١٤٢٤ هـ، ١٦/ ١٤٣.","vol":"1","page":248},{"text":"للحديث المتفق عليه، من حديث ابن عمر مرفوعًا: «الَّذِي تَفُوتُهُ صَلَاةُ العَصْرِ، كَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالِه» قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: \"يَتِرَكُمْ\" \"وَتَرْتُ الرَّجُلَ إِذَا قَتَلْتَ لَهُ قَتِيلا أَوْ أَخَذْتَ لَهُ مَالًا\" (^١)، وكذا الاستغفار بنية التوفيق فيه، قال تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ ئج ئح ئم يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح: ١٠ - ١٢] أما كيفية الاستغفار فهو باللسان مع صدق الإخلاص والإقلاع عن الذنب، والعزم على عدم العودة له، وإلا كان استغفارًا يحتاج إلى استغفار كما يراه أهل العلم، وهذا هو الأصل في إجابة المغفرة (^٢).\nومن تلك الطرق كذلك: بذل النفقة الواجبة، كالنفقة على الزوجة والأولاد والتوسيع عليهم فإنه مجلبة للرزق، والزكاة، والصدقة؛ لأن ذلك يورث الشعور بالرضى والقناعة.\n(١) ثمة عوامل تساعد على الحصول على المال، كدقة الرؤية، ووضوحها: \"ماذا أريد أن أكون لأحصل على المال\"، ثم ثبات العزيمة، والإصرار، وقوة الإيمان بأن الله سيتفضل به عليه، ثم الشكر والعرفان لله بهذا الفضل، المترجم بالنفقة على النفس وعلى المقربين منه؛ لقول النبي -ﷺ- «إِنَّ اللَّهَ يُحِبَّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ» (^٣)، وكذلك الحديث المروي عن زُهَيْرِ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ\n_________\n(^١) البخاري، صحيح البخاري، مع فتح الباري شرح صحيح البخاري، بتحقيق الشيخ ابن باز، نشر رئاسة الإفتاء بالرياض ١٣٧٩ هـ، كتاب الصلاة، ٢/ ٣٠، و: مسلم، صحيح مسلم بشرح النووي، إشراف حسن قطب، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، نشر دارعالم الكتب بالرياض، الطبعة الأولى ١٤٢٤ هـ، ٥/ ١٢٨.\n(^٢) القرطبي، تفسير القرطبي، ١٨/ ٣٠٣.\n(^٣) الترمذي، سنن الترمذي، ٥/ ١٢٣، ح ٢٨١٩، وقال: هذا حديث حسن، وقال الألباني: حسن صحيح. انظر تخريج الحديث والحكم عليه: الألباني، سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها، ٢/ ٢١٠ - ٢١١، ح ١٣٢٠.","vol":"1","page":249},{"text":"الضَّبْعِيِّ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ -ﷺ- رَجُلٌ سَيِّئُ الْهَيْئَةِ فَقَالَ: «أَلَكَ مَالٌ؟» قَالَ: نَعَمْ مِنْ كُلِّ أَنْوَاعِ الْمَالِ. قَالَ: «فَلْيُرَ عَلَيْكَ، فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يَرَى أَثَرَهُ عَلَى عَبْدِهِ حَسَنًا، وَلا يُحِبُّ الْبُؤْسَ وَلا التَّبَؤُّسَ» (^١).\n(٢) البعد عن التفكير التنافسي، إلى التفكير الإبداعي، أي أن لا يفكر الإنسان عند جمعه المال أن يكون مسيطرًا على الآخرين، والمحيطين به، فالمال ليس هدفًا في ذاته، وإنما وسيلة للسعادة لمالكه، لذا علينا أن نبتعد عن الفكر التنافسي، إلى الإبداع القائم على النظرة إلى المستهلك أن أُحِبَّ له ما أحب لنفسي، ثم القناعة بالربح القليل، والرضى من غير استعجال؛ فإن من يبدأ صغيرًا، بقاعدة قوية متينة؛ أفضل مِنْ مَنْ يبدأ كبيرًا بقاعدة هشة معرضة للسقوط مع أي هزة.\n_________\n(^١) أبو نعيم، حلية الأولياء، ٧/ ١١٧، و: الطبراني، المعجم الكبير، ٥/ ٢٧٣، ح ٥٣٠٨، و: الهيثمي، مجمع الزوائد، ٥/ ١٣٢، ح ٨٥٨٢، وقال: رجاله ثقات. وصححه: الألباني، سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها، ٢/ ٢١٠/ ح ١٣٢٠.","vol":"1","page":250},{"text":"٤ -<span data-type='title' id=toc-189> الجسم «وعن جسمه فيما أبلاه»</span>\nالإنسان روح وجسد، ولا يمكن فصل أحدهما عن الآخر، أما الجسد فمخلوق من عناصر الأرض، والتحليل العلمي يثبت ذلك، موافقًا لما جاء به القرآن قال الله تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٥٥].\nوالجسد مادي أمرنا بالتدبر فيه ودراسته، وما زال الإنسان يكتشف قوانينه على مر العصور عن طريق العلم، أما الروح فهي سر إلهي لا يعلمها إلا الله، فَقِه ذلك من كان قبلنا، من اليهود، وتحدث القرآن والسنة عنه،، ولذلك فمن العبث البحث في كنه الروح، إلا ما جاء به الوحي من القرآن والسنة، ولا شيء غيره، أي أن الروح ستظل سرًا من أسرار الله تعالى إلى يوم القيامة.\nفالإنسان في الإسلام ليس ماديًا فقط، ولا روحانيًا فقط، فهو ليس بحيوان، ولا بمَلَك. وسميت الروح روحًا لحصول الحياة بها (^١).\nوالروح ذات تأثير مباشر على الجسد، من الحركة، والحس، والإرادة، ولهذا جاء اللفظ في الحديث: «وعن جسمه فيما أبلاه»؛ لأن الجسد أداة يتحكم بها نفس الإنسان، وروحه تُسَيِّر الجسد كيف يشاء في الخير والشر، ولذا كان الحساب عليه.\nإن من أعظم عطايا الرحمن للإنسان الإرادة، وهي الصفة التي من أجلها\n_________\n(^١) ابن القيم، الروح في الكلام على أرواح الأموات والأحياء بالدلائل من الكتاب والسنة، ص ٢١٨.","vol":"1","page":251},{"text":"سيحاسب؛ لأنه يختار بعقله بين البدائل المطروحة أمامه في الحياة، التي تفضي به إلى الخير أو الشر، ثم إلى الجنة أو النار.\nوعند الحديث عن العناية بالجسد يبرز جانبان مهمان، هما:\n• الجانب الروحي.\n• الجانب المادي.\nوقد عُنِيَ بهما الإسلام أشد عناية على التفصيل التالي:\n\n•<span data-type='title' id=toc-190> العناية بالجانب الروحي:</span>\nاهتم الشارع بتربية الروح والنصوص الواردة في ذلك كثيرة جدًا، وهي مرتبطة بالأعمال أحيانًا، ومفردة أحيانًا أخرى، كما تأتي في سياق وصف الشعور بالروح في حالة العصيان والإيمان وبينهما، في ضوء المعطيات التالية:\n(١) الإسلام والإيمان في أصلهما أمران معنويان، وهما مرتكز التوجيه في الإنسان؛ فالإسلام قناعة فكرية يعتقدها المسلم ومحلها العقل، أما الإيمان فهو حلاوة قلبية وشعور جميل سعيد يتمتع به المؤمن ومحله القلب، وكلاهما يلقي بضلاله على أعضاء الجسد المادي، وله الأثر المباشر على صحة أعضائه، وقد ثبت ذلك علميًا، إضافة إلى القصص التاريخية التي تصف حال المؤمنين عميقي الإيمان، مما جعل ذلك صحةً في أجسادهم.\n(٢) زرع الشعور بالإيمان والاستسلام، وأن الحياة كلها لله، وأن قدره سبحانه ماضٍ، ولا يمكن معاسرته مهما كان، وانظر إلى الآية العظيمة التي تحدد شعور المؤمن ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢]. فإن هدف المسلم واضح جلي، لا لبس فيه، ولا غموض، وهو إرضاء الله","vol":"1","page":252},{"text":"تعالى، نسأل المولى أن نبلغه. وعندما يصل المسلم إلى هذه القناعة فإنه حتمًا سيشعر بلذة الإيمان، التي ستنعكس على سلامة الجسد من الأمراض النفسية المؤثرة على أجهزة الجسم، كالقلق، والحزن، والاكتئاب، الخ.\n(٣) النفس المطمئنة تلك النفس التي تحسن الظن بخالقها، المتفائلة، الراضية بما قسمه الله لها، المؤمنة بأن الحياة مجموعة من الامتحانات والابتلاءات، المستعدة لذلك، المؤمنة بعدل الله -﷿- المطلق، وبشكل مختصر ذات التفكير الإيجابي، والتي لا تدع مجالًا للسلبيات.\n(٤) الإسلام دين الاجتماع، ودين العطاء، ويزرع دائمًا في نفس المسلم أن يحب للآخرين ما يحب لنفسه، ويحث على التكافل الاجتماعي، وقد ثبت علميًا أن من تكون هذه صفاته يكون راضيًا عن نفسه، ويحظى بمحبة من حوله، ولذلك فائدة في الحصول على صحة الجسد أيضًا.\nوبشكل مختصر فإن الإيمان بالله يزرع الشعور بالإيجابية، ولا يمكن أن يجتمع في قلب مؤمن السلبية والاستسلام والبلادة المؤثرة على صحة الأجساد.\n\n•<span data-type='title' id=toc-191> رعاية الجانب المادي من الجسد:</span>\nالجسد أمانة فهو ليس ملكًا لصاحبه، يفعل به ما يشاء، بل هو مستخلف فيه، ومسؤول عنه، ويحاسب عن كل ضرر يُلْحِقُهُ به، ولذا علينا مراعاة الله -﷿- في أجسادنا، ولهذه المراعاة صور، ومنها:\n(١) اتباع الشرع الحنيف في كل ما نهى عنه من المأكل والمشرب.\n(٢) عدم العبث بهذا الجسد، أو إلحاق الضرر به، بالدفع به إلى ما يهلكه، أو يضره، قال تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥].","vol":"1","page":253},{"text":"(٣) عدم اقتناء الحيوانات المحرم اقتناؤها في البيوت كالكلاب؛ فإنها ما حرمت إلا لضررها على الصحة؛ للحديث المتفق عليه «مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا، إِلا كَلْبَ صَيْدٍ، أَوْ مَاشِيَةٍ، نَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ» (^١).\n(٤) العناية بالنظافة المتمثلة بالطهارة الواجبة، ثم اتباع سنن الفطرة الواردة في الحديث المتفق عليه من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ مرفوعًا: «الفِطْرَةُ خَمْسٌ، أَوْ خَمْسٌ مِنَ الفِطْرَةِ: الخِتَانُ، وَالاسْتِحْدَادُ، وَنَتْفُ الإِبْطِ، وَتَقْلِيمُ الأَظْفَارِ، وَقَصُّ الشَّارِبِ» (^٢).\nوعلى المسلم أن يضع جدولًا لهذه العملية، فقد ورد في حديث أنس -﵁- مرفوعًا قَالَ أَنَسٌ: «وُقِّتَ لَنَا فِي قَصِّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمِ الأَظْفَارِ، وَنَتْفِ الإِبِطِ، وَحَلْقِ الْعَانَةِ، أَنْ لا نَتْرُكَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً» (^٣).\nووردت زيادات إلى عشر من الفطرة، في الحديث الذي أخرجه مسلم أيضًا، من حديث عائشة -﵂-، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ: قَصُّ الشَّارِبِ، وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ، وَالسِّوَاكُ، وَاسْتِنْشَاقُ الْمَاءِ، وَقَصُّ الأَظْفَارِ، وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ، وَنَتْفُ الإِبِطِ، وَحَلْقُ الْعَانَةِ، وَانْتِقَاصُ الْمَاءِ» قَالَ زَكَرِيَّا: قَالَ مُصْعَبٌ: وَنَسِيتُ الْعَاشِرَةَ إِلا أَنْ تَكُونَ الْمَضْمَضَةَ زَادَ قُتَيْبَةُ، قَالَ وَكِيعٌ: \" انْتِقَاصُ الْمَاءِ: يَعْنِي الاسْتِنْجَاءَ) (^٤).\n_________\n(^١) البخاري، صحيح البخاري، مع فتح الباري شرح صحيح البخاري، بتحقيق الشيخ ابن باز، نشر رئاسة الإفتاء بالرياض ١٣٧٩ هـ، كتاب الذبائح والصيد، ٩/ ٦٠٨، و: مسلم، صحيح مسلم بشرح النووي، نشر دار عالم الكتب ١٤٢٤ هـ، كتاب المساقاة، ١٠/ ٢٣٦، واللفظ لمسلم.\n(^٢) البخاري، صحيح البخاري، مع فتح الباري شرح صحيح البخاري، بتحقيق الشيخ ابن باز، نشر رئاسة الإفتاء بالرياض ١٣٧٩ هـ، كتاب اللباس، ١٠/ ٣٣٤، و: مسلم، صحيح مسلم بشرح النووي، نشر دار عالم الكتب ١٤٢٤ هـ، كتاب الطهارة، ٣/ ١٤٦.\n(^٣) مسلم، صحيح مسلم بشرح النووي، نشر دار عالم الكتب ١٤٢٤ هـ، كتاب الطهارة، ٣/ ١٤٧.\n(^٤) مسلم، صحيح مسلم بشرح النووي، نشر دار عالم الكتب ١٤٢٤ هـ، كتاب الطهارة، ٣/ ١٤٨.","vol":"1","page":254},{"text":"ومعنى الفطرة: هي السُّنَّةُ القديمة، التي اختارها الأنبياء، واتفقت عليها الشرائع، وكأنها أمر جبلي فطروا عليها.\nوالاستحداد: استعمال الحديدة \"الموس\" لحلق العانة، وقال العلماء إن إزالة شعر العانة بغير الحديدة لا يكون على وجه السنة، أي لا تنتف.\nوالبراجم: هي العقد التي على ظهر مفاصل الأصابع.\nأما النساء فمن الممكن أن يحددن فعل هذه الأمور بعد الانتهاء من الدورة الشهرية، ففي ذلك اتباع للسنة.\n(٥) التداوي وطلب الشفاء إذا ألم بالجسم مرض؛ للحديث الذي رواه أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ، قَالَ: قَالَتِ الأَعْرَابُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلا نَتَدَاوَى؟ قَالَ: «نَعَمْ، يَا عِبَادَ اللَّهِ تَدَاوَوْا، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلا وَضَعَ لَهُ شِفَاءً، أَوْ قَالَ: دَوَاءً إِلا دَاءً وَاحِدًا» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا هُوَ؟ قَالَ: «الهَرَمُ» (^١). والهرم: الموت.\n(٦) تعاهد الجسم بالحِمْيات الصحية، التي تعيد له حيويته، خصوصًا في الأعياد والمناسبات، تلك الحميات التي من شأنها طرد السموم عن الجسد؛ فإن لها فائدة في جمال الجسد وصحته.\n(٧) عمل التمارين الرياضية، وأن يكون ذلك مجدولًا ضمن أعمال الأسبوع.\n(٨) شكر الله -﷿- على ما تفضل به علينا، بكمال نعمة الجسد، وما فيه من مزايا من المفاصل والعظام، مما يعيننا على عبادته سبحانه، ويكون ذلك كما ورد في حديث أبي هريرة مرفوعًا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «كُلُّ سُلَامَى مِنَ النَّاسِ\n_________\n(^١) أبو داود، سنن أبي داود، ٣/ ٤، ح ٣٨٥٥، و: الترمذي، سنن الترمذي، ٤/ ٣٨٣، ح ٢٠٣٨، و: البخاري، الأدب المفرد، ١/ ١٥١، ح ٢٩١، وصححه الألباني.","vol":"1","page":255},{"text":"عَلَيْهِ صَدَقَةٌ، كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ، يَعْدِلُ بَيْنَ الاثْنَيْنِ صَدَقَةٌ، وَيُعِينُ الرَّجُلَ عَلَى دَابَّتِهِ فَيَحْمِلُ عَلَيْهَا، أَوْ يَرْفَعُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ، وَالكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا إِلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ، وَيُمِيطُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ» (^١). متفق عليه.\nمما سبق يتضح أن من أراد أن يحيا حياة كريمة ملؤها الإيمان، متوهجة بالحب والعزم والأمل، مليئة بالمشاعر والعواطف الإنسانية النبيلة، عامرة بالإيجابية والمبادرة، وتحمّل المسئولية؛ فعليه أولًا مراعاة هذه الأمور الأربعة الواردة في الحديث.\nثم إن ما سبق ذكره من توجيهات هو أقل ما يمكن فعله، وهو بداية المشوار في طريق النور والهداية، مادام المسلم مستعينًا بالله -﷿-، وهذا هو طريق الهداية إلى توجيه النفس الى الثقة بالله -﷿-، فإذا وصل إلى تلك القناعة بدأ بشكل جدي في التخطيط لجميع شؤون حياته تخطيطًا إيجابيًا مثمرًا.\n_________\n(^١) البخاري، صحيح البخاري، مع فتح الباري شرح صحيح البخاري، بتحقيق الشيخ ابن باز، نشر رئاسة الإفتاء بالرياض ١٣٧٩ هـ، كتاب الصلح، ٥/ ٣٠٩، و: مسلم، صحيح مسلم بشرح النووي، نشر دار عالم الكتب ١٤٢٤ هـ، كتاب الزكاة، ٧/ ١٠٢.","vol":"1","page":256},{"text":"<span data-type='title' id=toc-192>الملاحق</span>\n•<span data-type='title' id=toc-193> الملحق رقم </span>(١):\nكيف أخطط لحياتي؟\n(١) اقتلع الخوف من تفكيرك، فسوف تحصل على ما تريد، فالخوف يُحْبِطُ ثقتك بربك.\n(٢) اعلم أن التطوير والتخطيط، ليس له سن معين ولا وقت محدد، فنحن مهما بلغنا من العلم والمعرفة بحاجة مستمرة إلى العلم والتطوير.\n(٣) أنت أيها الطالب؛ في هذه السن الصغيرة والخبرة القليلة ليس مطلوبًا منك إلا تطوير ذاتك من العلوم المختلفة، فاستفيد مما تقدمه لكِ كليتك من العلوم المختلفة، وطور نفسك بالعلوم النافعة، ولا تستعجل العطاء قبل استكمال أدواته؛ فإن \"فاقد الشيء لا يعطيه\".\n(٤) اعلم أن أفضل هدية تقدمها لنفسك أن تستغني عن الناس، باستقلالكِ مادياَ ومعنوياَ غير محتاج لمن حولك، وبه ستشعر بالأمان والسلام الداخلي، وسترى أن الغضب والخوف يزولان من نفسك؛ لأنه لن يستطيع أحد أن يرهبك بغضبه، فأنت لست بحاجة إلى الخوف منه، كما أنك إذا اقتلعت الخوف من تفكيرك فستحصل على ما تطمح إليه.\n(٥) اكتب لائحة؛ بمواهبك التي ترغب في إبرازها، وتطويرها، والتي فيها فائدة لكِ وللآخرين.","vol":"1","page":257},{"text":"(٦) اعلم أن كل عسر يحمل في طياته اليسر والفرصة.\n(٧) تأكد؛ أن الله قريب منك بشكل لا تتصوره، وفي كل وقت، فإن كنت في ترقب وانتباه، ووعي لمشاعرك وأحاسيسك السعيدة، فسيساعدك ذلك في حل مشكلاتك اليومية مهما كانت، بالاستعانة بربك، الذي هو أرحم بك من أكثر الناس محبة لك.\n(٨) كلما كان تفكيرك واضحًا ومركزًا كانت رؤية الفكرة في عالم الواقع أقرب تحقيقًا.\n(٩) اعلم أن من يَهُن يسهل الهوان عليه، فاطلب الأعلى والأجود، فالله يعطيك أكثر مما تتصور متى ما وثقت بربك، والقاعدة تقول (لا تعش بأقل مما تستحق فالله يعطيك ما تستحق)\n(١٠) تعرف على ذاتك بالنظر إلى ما تحب، كأحب مادة تدرسها وتتفاعل معها.\n(١١) اتبعي الخطوات التالية لنقل أفكارك وامنياتك إلى واقع ملموس:\n(أ) ابدأ بشكر الله -﷿-، وانظر إلى ما من الله عليك من النعم، وركز في ذلك الجانب، وابتعد عن كل ما يعكره.\n(ب) اعمل بالمعادلة التالية: الفكرة +دعاء وتفكير +ثقة بالله متولد عنها ثقة بنفسك لتحقيق هذه الفكرة = حقيقة واقعية.\n(ج) ركز باستمرار على فكرتك وبكل تفاصيلها، ثم ناج ربك بها في جوف الليل، فإنك إن فعلت، فحتمًا سترى ما تريدين بل أفضل منه.\n(د) تحدث عن أفكارك دائمًا، حتى تنتقل من كونها فكرة إلى واقع محسوس.","vol":"1","page":258},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-194> الملحق رقم </span>(٢):\nكيف أقوّم عبادتي؟\nالعبادة … أفعلها دائماَ … افعلها أحياناَ … مهملة فيها\nأؤدي فروض الصلاة في وقتها دون تأخير؟\nأحسن الوضوء فهو نصف الإيمان.\nلا أكرر السورة في أكثر من صلاة فإن ذلك يساعد على الخشوع.\nاستشعر وقت الصلاة فهو مفيد لي.\nأقرأ سور طويلة في صلاة الفجر.\nأهتم بصلاة العصر ففيها صلاح حياتي.\nأصلي السنن الرواتب.\nأحب الوتر وأؤديه آخر الليل.\nأحب الوتر وأؤديه قبل النوم.\nأحب سماع الأذان واتبع السنة فيه وخصوصاَ آذان الفجر.\nأقوم الليل ولو بركعتين قبل النوم.\nأصلي قبل النوم نافلة وأنام على وضوء.\nأردد أذكار الصلاة.\nأردد أذكار الصباح والمساء.\nأذكر الله (١٠) مرات صباحًا و(١٠) مرات مساءًا.\nاستغفر الله (٧) مرات صباحًا و(٧) مساءً.\nأبادر بالاستغفار إذا وقعت في أي خطأ.\nأبر بوالدي.\nأحقق قاعدة شكر الله.","vol":"1","page":259},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-195> الملحق رقم </span>(٣):\nكيف أخطط لأمنياتي؟\n• انظر وتأمل في أمنياتك، وحدّدها، لكن احرص على أنْ لا تحدّك إمكاناتك.\n• لتكن أمنياتك راقية وعملية، مثل حفظ كتاب الله، أو الحصول على وظيفة بعد التخرج مباشرة تضمن لي احترامي، وبمرتب جيد، كأستاذ جامعي مثلَا، أو الزواج بشريك محب يفهمني، ويكون صديقًا لي، وأكون سكناَ له، وأن يرزقني الله أطفالًا أصحاء، وعلى قدر من الجمال والذكاء.\n• إن كنت متزوج فلتكن أمنيتك أن أملك منزلًا جميلًا واسعًا، فيه حديقة جميلة، وأن يكون لي قوام رشيق، جميل، قوي، وأن يكون وزني كذا، وأن تكون بشرتي سليمة جميله ناعمة، وأن أتقن اللغة الإنجليزية واستخدم كل تقنيات الحاسب بمهارة، الخ.\n• ثم ابحث عن صور لكل أمنية من هذه الأماني، واكتب خلف كل صورة مسمى الأمنية، بعبارات دقيقة تحدد ماذا تريد بالضبط؛ فإن ذلك سيساعدك كثيراَ في رسم أمنياتك؛ فإن كتابة الأماني يساعد كثيراَ في تحديدها، وجمع الصور عنها يساعد في تخيلها وتصورها، وتذكر حديث الرسول -ﷺ-: «إذا تمنى أحدكم فلينظر ما يتمنى فإنه لا يدري ما يكتب له من أمنيته» (^١).\n_________\n(^١) أحمد، المسند، تحقيق أحمد شاكر، نشر دار الحديث، القاهرة ١٤١٦ هـ ٨/ ٣٨٩، ح ٨٦٧٤، وصححه أحمد شاكر، و: البخارى، الأدب المفرد، ١/ ٢٧٧، ح ٧٩٤، و: الترمذي، سنن الترمذي، ٥/ ٤٨٠، ح ٣٦٠٤، وحسنه،\nو: أبو يعلى، مسندأبي يعلى، ١٠/ ٣١٣، ح ٥٩٠٧، و: البيهقى، شعب الإيمان، ٥/ ٤٥٧، ح ٧٢٧٤.\nو: الطيالسى، مسند الطيالسي، بتحقيق د. محمد التركي، نشردارهجر، ١٤٢٠ هـ ٤/ ١٠١، ح ٢٤٦٢.\nوعلة الحديث: عمر بن أبي سلمه مختلف فيه بين أهل الحديث، والصحيح، والله أعلم أنه كما قال فيه ابن عدى بعد أن ساق الحديث، ٥/ ٣٩، الترجمة ١٢٠٩: عمر بن أبى سلمة، متماسك الحديث لا بأس به، وقال الحافظ ابن حجر في التقريب، ٤٩١٠: صدوق يخطئ، وقال الهيثمى، ١٠/ ١٥١: رواه أحمد وأبو يعلى وإسناد أحمد رجاله رجال الصحيح. وقال محقق مسند الطيالسي في الحاشية: عمر بن أبي سلمة، الحق فيه أنه صدوق حسن الحديث وقد تكلم فيه غير واحد من أهل العلم وردّوا حديثه لخطئه ومخالفته، لكن عبارة البخاري: يخالف في بعض حديثه، وعبارة أبي حاتم: يخالف في بعض الشيء؛ تدل على قلة ذلك منه، وقد وثَّقه أحمد وحسَّن القول فيه ابن معين، والبخاري،، وأبو حاتم، والعجلي، وابن عدي، وقال الحافظ ابن حجر- فتح الباري شرح صحيح البخاري، نشر رئاسة الإفتاء، ١٣/ ٣٢٧ -: حديثه حسن.\nقلت معنى الحديث صحيح؛ فإن البخاري جعل للتمني كتابًا في صحيحه، وبوّب تحته أبوابًا أول باب منها باب ما جاء في التمني ومن تمنى الشهادة، وهذا يدل على صحة معنى الحديث عنده.","vol":"1","page":260},{"text":"• ضع أمنياتك التي قمت بجمعها وتنسيقها في صندوق، وابعد هذا الصندوق عنك.\n• كل أمنية قمت بكتابتها تحتاج منك أن تهيئ نفسك لها وهذا ما يجب التخطيط له.\n• قسم السنة إلى أربعة أقسام الإجازة الصيفية - بداية العام الدراسي - الإجازة بين الفصلين - الفصل الدراسي الثاني، أو ما تراه مناسبًا لك.\n• احضر سبورة صغيرة أطوالها (٦٠ × ٣٠) أو ما تراه مناسبًا لك، وضعها في مكان قريب منكِ كغرفة نومك، وليكن المكان بارزًا، حتى يمكن رؤيتها باستمرار، واكتب عليها ما يتوجب عليك عمله في الإجازة الصيفية مثل:\n• حفظ أو مراجعة سورة البقرة.\n• دورة في اللغة الإنجليزية (محادثة وقراءة).\n• دورة في تسريح الشعر والمكياج.\n• برنامج العناية بالجسم.\n• عمل برنامج غذائي صحي، وتخفيف (٥) كيلو من وزني.","vol":"1","page":261},{"text":"• اقتلاع عادة سيئة ذات تأثير نفسي سيء علي وتعيق تقدمي (وحدّدها).\n• ابدأ بالعمل فوراَ بعد الانتهاء من الامتحانات بالسؤال عن أفضل الدور والمراكز المتخصصة، فيما تريد تعلمه، مراعيا في الاختيار جودة المركز وسهولة المواصلات، مستعينا بمواقع الانترنت، وسجل ما تحصل عليه من معلومات في نوته خاصة، واحتفظ بها.\n• انظر إلى ما تملك من المال وتذكر؛ أن أولى الناس بمالك هو أنت، فإن في صرفه عليك بركة، وسعادة، وتذكر أن إنفاقه في هذه الدورات هو من إنفاق المال في طريق مشروع.\n• المبادرة بعمل الأمور التي كتبتها على اللوح، ولا تتأخر عن تنفيذ أي منها، فالتأخير من شأنه أن يدفع بك إلى اليأس، وهذا ما لا يفيد على الإطلاق.\n• استخدم أسلوب المكافأة، فكلما أنجزت أيًا من الأمور التي وضعتها ضمن خطوات تحقيق أمنياتك، كتحديد المركز، أو عملية التسجيل في دورة، اطلب من المقربين منك أن يكافئونك، ولو بأمر بسيط، وبادر دائمًا وأبدًا بشكر الله، بقواعد الشكر الثلاث.\n• بعد الانتهاء من الإجازة انظر إلى إنجازاتك، وقيم نفسك، واعمل ملفًا خاصًا، اجعل عنوانه: \"السيرة الذاتية\"، ثم اجمع فيه كل الشهادات، وخطابات الشكر ونحوها، التي تحصل عليها، مهما كانت أهميتها، فقد تحتاج إليها في يوم ما.\n• عبر بالشكر والامتنان إلى كل من مد يد المساعدة لك، بأي شيء سواء أكان ماديًا أو معنويًا، اجعل لسانك رطبًا بذلك، بل انتق العبارات الرقيقة، النابعة من عمق المشاعر؛ فإن ذلك سيريحك نفسيًا ويشجع الآخرين على استمرار المساعدة، وهو قبل ذلك من شكر الله، فاحتسب.","vol":"1","page":262},{"text":"• بعد خمس سنوات من الآن افتح الصندوق، الذي كتبت فيه ما تمنيت تحقيقه خلال خمس سنوات؛ فستجد أنك حصلت على أكثر مما تمنيت، عندها لا تنسى من كتب هذه العبارات من دعوة خالصة.","vol":"1","page":263},{"text":"<span data-type='title' id=toc-196>الخاتمة</span>\nالحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:\nوفي الختام:\nفهذا البحث تطبيق للمنهج في البحث الموضوعي وطريقة الكتابة فيه إذا انطلق البحث من حديث واحد يحوي محاور البحث. ومنه وعن طريق تتبع السنة يتم جمع التوجيه النبوي لكل مشكلة في البحث تلك المشكلات التي تم جمعها من الملاحظة في حال الأمة أفرادا وجماعات. وفيه محاولة توجيه لمن ينشد النجاح من خلال الأربعة الأمور، المذكورة في الحديث الشريف مجتمعة، مع تتبع للسنة حول كل منها، ويمكن أن يوصف بأنه بحث تربوي عُنِيَ بتتبّع السنَّة في موضوعه، بما يؤمل منه تقديم الحديث الموضوعي لجوامع الكلم بين النظرية والتطبيق.\nوأرجو من الله التوفيق والسداد والقبول.","vol":"1","page":264}]}