{"ً":{"ٌ":8945,"ٍ":"المعجزات والغيبيات بين بصائر التنزيل ودياجير الإنكار والتأويل","َ":2,"ُ":1,"ِ":{"root":"الجوامع والمجلات ونحوها/مجلة الجامعة الإسلامية/012_047-048","files":["012_047-048_mgi.pdf"]},"ّ":"الكتاب: المعجزات والغيبيات بين بصائر التنزيل ودياجير الإنكار والتأويل\nالمؤلف: عبد الفتاح إبراهيم سلامة\nالناشر: الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة\nالطبعة: السنة الثانية عشرة، العدد السابع والأربعون والثامن والأربعون، رجب - ذو الحجة ١٤٠٠هـ/١٩٨٠م\nعدد الصفحات: ٢١٢\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":1599,"ٕ":3,"ٖ":1770155693,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مدخل","level":1,"page":1},{"title":"تأويل المعجزات والغيبيات","level":1,"page":4},{"title":"الإغارة على المعجزات والغيبيات","level":1,"page":8},{"title":"صور من تأويلات منكري المعجزات","level":1,"page":9},{"title":"تأويل حول غرقى الطوفان","level":1,"page":11},{"title":"تأويل ناقة صالح ﵇ بأنها رمز","level":1,"page":12},{"title":"تأويل الهدهد بأنه رجل وليس طائرا","level":1,"page":14},{"title":"تأويل النمل بأنهم قوم ضعاف","level":1,"page":15},{"title":"تأويل عقاب المسخ","level":1,"page":19},{"title":"أقدم محاولة لتأويل المسخ","level":1,"page":20},{"title":"رأي الطبري","level":1,"page":21},{"title":"رأي الزمخشري","level":1,"page":23},{"title":"رأي الجاحظ","level":1,"page":24},{"title":"رأي الفخر الرازي","level":1,"page":26},{"title":"رأي ابن كثير","level":1,"page":29},{"title":"رأي القاسمي","level":1,"page":30},{"title":"رأي الشيخ رشيد رضا","level":1,"page":31},{"title":"رأي الشيخ عبد الجليل عيسى","level":1,"page":33},{"title":"تفسير الوجه بمعناه الجسماني وهو وجه البدن","level":1,"page":35},{"title":"تأويل طمس الوجوه بردها عن الحق","level":1,"page":36},{"title":"تأويل الوجوه بالديار والمساكن","level":1,"page":37},{"title":"تأويل طمس الوجوه بإبطال المؤامرات","level":1,"page":38},{"title":"تأويل الوجوه بالرؤساء والوجهاء","level":1,"page":40},{"title":"تأويلات شتى حول \" مادة الحواريين \"","level":1,"page":42},{"title":"رأي ابن جرير الطبري","level":1,"page":44},{"title":"محتويات المائدة","level":1,"page":45},{"title":"المائدة في رواية \" انجيل متى \"","level":1,"page":46},{"title":"تأويل صاحب قصص الأنبياء لنزول المائدة","level":1,"page":48},{"title":"المأخذ على تأويله","level":1,"page":49},{"title":"نسج الخيال حول المائدة","level":1,"page":50},{"title":"تعقيب","level":1,"page":52},{"title":"اختلافات المفسرين حول قوله تعالى: ﴿هل يستطيع ربك﴾ .","level":1,"page":54},{"title":"اختيارنا في المسألة","level":1,"page":55},{"title":"رأي القاسمي","level":1,"page":56},{"title":"تأويل الفلاسفة لكيفية الوحي إلى رسول الله ﷺ","level":1,"page":58},{"title":"تأويل الفجر: بتفجر الماء","level":1,"page":60},{"title":"تأويل \" الأوتاد \" بالأهرامات:","level":1,"page":63},{"title":"الدابة التي تكلم الناس والتأويلات المتهافتة","level":1,"page":66},{"title":"خروج الدابة وظهور الأرواح","level":1,"page":67},{"title":"خروج الدابة وأبطولة \" الرجعة \".","level":1,"page":69},{"title":"رد الطبرسي على متأولي الرجعة من الشيعة:","level":1,"page":72},{"title":"زعم الشيعة أن الرسول ﷺ سمى عليا ﵁ \" دابة الأرض \".","level":1,"page":74},{"title":"رأي شيعي معاصر","level":1,"page":75},{"title":"تسرب الراوية الشيعية حول الدابة إلى بعض التفاسير السنية:","level":1,"page":77},{"title":"الدابة وعصا موسى ﵇","level":1,"page":78},{"title":"الدابة: بين الكلم والكلام","level":1,"page":79},{"title":"تأويل الدابة بدودة القطن","level":1,"page":81},{"title":"تأويل الدابة بالمذياع","level":1,"page":82},{"title":"تأويل الدابة بسفينة الفضاء","level":1,"page":83},{"title":"الدابة والإسرائيليات","level":1,"page":84},{"title":"تصورات متوهمة في شأن الدابة","level":1,"page":85},{"title":"هل الدابة داعية يبعث ليقيم الحجة على الكافرين","level":1,"page":87},{"title":"تنفيذ القرطبي لهذا التأويل","level":1,"page":88},{"title":"الرأي الذي نرتضيه حول الدابة","level":1,"page":90},{"title":"تأويلات حول أخبار جهنم","level":1,"page":91},{"title":"هل تتكلم جهنم؟","level":1,"page":92},{"title":"كيفية دعاء النار للكافرين","level":1,"page":96},{"title":"دفاع الشيخ المغربي عن المجاز في تفسير الآية","level":1,"page":98},{"title":"تعقيب على دعاوى الشيخ المغربي","level":1,"page":100},{"title":"هل ترى النار أصحابها حقيقة؟","level":1,"page":101},{"title":"رد ابن المنير على الزمخشري","level":1,"page":103},{"title":"كيفية اطلاع النار على الأفئدة","level":1,"page":104}],"ٛ":{"1,160":1,"1,161":2,"1,162":3,"1,163":5,"1,164":6,"1,165":7,"1,166":10,"1,167":13,"1,168":16,"1,169":17,"1,170":18,"1,171":22,"1,172":25,"1,173":27,"1,174":28,"1,175":29,"1,176":32,"1,177":34,"1,178":36,"1,179":39,"1,180":41,"1,181":43,"1,182":45,"1,183":47,"1,184":49,"1,185":50,"1,186":51,"1,187":53,"1,188":55,"1,189":57,"1,190":59,"1,191":61,"1,192":62,"1,193":64,"1,194":65,"1,195":68,"1,196":70,"1,197":71,"1,198":73,"1,199":76,"1,200":80,"1,201":82,"1,202":86,"1,203":89,"1,204":92,"1,205":93,"1,206":94,"1,207":95,"1,208":97,"1,209":99,"1,210":102,"1,211":104,"1,212":105},"ٜ":{"1":[160,212]},"ٝ":["1,160","1,161","1,162","1,162","1,163","1,164","1,165","1,165","1,165","1,166","1,166","1,166","1,167","1,167","1,167","1,168","1,169","1,170","1,170","1,170","1,170","1,171","1,171","1,171","1,172","1,172","1,173","1,174","1,175","1,175","1,175","1,176","1,176","1,177","1,177","1,178","1,178","1,178","1,179","1,179","1,180","1,180","1,181","1,181","1,182","1,182","1,183","1,183","1,184","1,185","1,186","1,186","1,187","1,187","1,188","1,188","1,189","1,189","1,190","1,190","1,191","1,192","1,192","1,193","1,194","1,194","1,194","1,195","1,195","1,196","1,197","1,197","1,198","1,198","1,198","1,199","1,199","1,199","1,199","1,200","1,200","1,201","1,201","1,201","1,201","1,202","1,202","1,202","1,203","1,203","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,207","1,208","1,208","1,209","1,209","1,209","1,210","1,210","1,211","1,212"],"ٞ":{"1":[1],"4":[2],"8":[3],"9":[4],"11":[5],"12":[6],"14":[7],"15":[8],"19":[9],"20":[10],"21":[11],"23":[12],"24":[13],"26":[14],"29":[15],"30":[16],"31":[17],"33":[18],"35":[19],"36":[20],"37":[21],"38":[22],"40":[23],"42":[24],"44":[25],"45":[26],"46":[27],"48":[28],"49":[29],"50":[30],"52":[31],"54":[32],"55":[33],"56":[34],"58":[35],"60":[36],"63":[37],"66":[38],"67":[39],"69":[40],"72":[41],"74":[42],"75":[43],"77":[44],"78":[45],"79":[46],"81":[47],"82":[48],"83":[49],"84":[50],"85":[51],"87":[52],"88":[53],"90":[54],"91":[55],"92":[56],"96":[57],"98":[58],"100":[59],"101":[60],"103":[61],"104":[62]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>مدخل</span>\n\nالمعجزات والغيبيات بين بصائر التنزيل ودياجير الإنكار والتأويل\nلفضيلة الدكتور عبد الفتاح إبراهيم سلامه\nالأستاذ المساعد بكلية الحديث النبوي الشريف والدراسات الإسلامية\nالحمد لله الذي له الخلق والأمر وقوله الفصل، وله الدين واصبا.. والصلاة والسلام على من تمت به النبوة، وختمت به الرسالة، وقامت بدعوته صروح الهداية، وعلى آله الأبرار المطهرين، وعلى صحبه الأخيار المكرمين، وعلى من اهتدى واقتفى، واقتدى واتقى. أما بعد:\nفإن للحق سبيلا واضحة المعالم، متلألئة المنائر، لا يزيغ سالكها، ولا يضل طالبها، وإن للباطل فجاجا هي المتاهات الشاردة، والعثرات الجائرة، من سلكها تلجلج في حيرة وشقاء، ومن طلبها ضل في غواية دهياء؛ ﴿وَمَنْ لمْ يَجْعَلِ اللهُ لهُ نُورًا فَمَا لهُ مِنْ نُورٍ﴾ (٤٠: النور) .\nولقد كان للناس من المعجزات والغيبيات مواقف:\n- فمنهم من اتخذ (الإنكار) سبيلا، فكان جحوده: مهيعا وبيلا، وجعل التكذيب له رزقا، وارتفق العناد دربا؛ فساء مرتفقا، وهؤلاء وأسلافهم وأخلافهم، هم من الذين قال فيهم أحكم القائلين: ﴿بَل كَذَّبُوا بِمَا لمْ يُحِيطُوا بِعِلمِهِ وَلمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ (٢٩: يونس) .\nوزعم أن إنكاره ينهض على دعامتين من العلم التجريبي، والعقل المادي، والحق الناصع: أنّ تكذيبه ينهض على ساقين كسيحتين من شطط الغرور، وخبل الأوهام، والعلم التجريبي شاهد عدل على كذب دعواه، والعقل البصير يجانبه ويجافيه.","vol":"1","page":160},{"text":"وفي كل يوم نرى من جديد البحث العلمي التجريبي: ما يقوم آية ناطقة وحجة شاهدة على عجائب الصنع الرباني، وبدائع الإعجاز الإلهي، وهذه الكشوف تفسير بليغ، وتوضيح فصيح، لقول رب العزة والجلال: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لهُمْ أَنَّهُ الحَقُّ أَوَلمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (٥٣: فصلت)، ولقوله سبحانه: ﴿وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلمُوقِنِينَ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ (٢٠، ٢١: الذاريات) .\n- وفريق وقف من (المعجزات والغيبيات) موقفا يتذبذب بين الإيمان والجحود، فهو يؤمن ببعضها، ويكذب ببعض، فاتبع في إيمانه غير سبيل المؤمنين وهو إلى المكذبين أقرب، ومن المنافقين أكثر دنوا، ومن هذا الفريق بعض أهل التفلسف، والذين زعموا أن في القرآن أخبارا لم تكن واقعا ملموسا في يوم من أيام هذه الدنيا، بل توقح منهم من زعم أن في القرآن (أساطير فنية)، وأنها لا تمس قدسيته، وإذا كان هؤلاء من عبيد الشهوة، فإن نقل هذيانهم إلى من لم يسمع بهم قد يبعث من (قبر الخمول) جيفا أحرى بها أن تظل في أجداثها مع البلى والدثور، وهؤلاء لا يؤمنون حتى يصدقوا موقنين بكل خبر جاء عن الله، أو صح عن إمام المرسلين صلوات الله عليه وعليهم أجمعين.\nفالفريق الأول يتمثل في الماديين الذين يعبدون أوهاما يسمونها بغير اسمها، ويصفونها بغير صفتها.\nوالفريق الثاني يتمثل في أفراخ (الاستشراق) وعبيد (الاستغراب) وصبيان (التضليل) الذي يسمونه (تبشيرا) .\n- وفريق ثالث وقف من المعجزات موقف التأويل، والتأويل أنواع وأشكال؛ فمنه ما يمت إلى الحقيقة بسبيل، ومنه ما ينتمي إلى التلبيس والتضليل.. ولأن هذا الفريق الثالث هو - إن شاء الله - من (أهل","vol":"1","page":161},{"text":"القبلة) انصرفت هذه الصفحات إلى نقاشه، نقاشا يعتمد على أمانة النقل عنه، وينهض على بيان الحجة من الكتاب الكريم والسنة المطهرة.\nوالمحظور عند كاتب هذه السطور هو القول على الله بغير علم، والاحتكام إلى أقوال الرجال، والمحذور هو المسارعة إلى تكفير الناس بغير سلطان، أو تفسيقهم بغير برهان، والحكم الفصل في الأمور كلها لله وحده، ومن الرسول ﵊ البلاغ والبيان، وعلينا حسن الاستماع، وتمام الانقياد لله، والاتباع لرسوله.\nوأما تزكية العباد فإلى الله وحده، ونعوذ بالله أن نكون ممن قال عنهم: ﴿أَلمْ تَرَ إِلى الذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ (٤٩: النساء) .\nنسأل الله أن يجعلنا ممن يشاء، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا.\nولنبدأ سويا السير على دروب الدرس المستأني، سائلين الله أن يجنبنا عثرة الرأي، وسوء القصد، إنه على ما يشاء قدير.","vol":"1","page":162},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>تأويل المعجزات والغيبيات:</span>\nقبل أن نتحدث عن وقائع التأويل في هذه القضية، نبدأ فنعرف بما تدل عليه ألفاظها:\nفالغيب لغة: كما قال ابن فارس١: \"الغين والياء والباء: أصل صحيح يدل على تستر الشيء عن العيون، ثم يقاس؛ من ذلك الغيب: ما غاب مما لا يعلمه إلا الله، ويقال: غابت الشمس تغيب غيبة وغيوبا وغيبا، وغاب الرجل عن بلده، وأغابت المرأة فهي مغيبة، إذا غاب بعلها، ووقعنا في غيبة وغيابة، أي هبطة من الأرض يغاب فيها، قال الله تعالى على لسان قائل من إخوة يوسف في قصة يوسف ﵇: ﴿وَأَلقُوهُ فِي غَيَابَتِ الجُبّ..﴾ (١٠: يوسف)، والغابة: الأجمة، والجمع: غابات وغاب، وسميت غابة لأنه يغاب فيها، والغيبة: الوقيعة في الناس من هذا؛ لأنها لا تقال إلا في غيبة.\n_________\n١ انظر معجم مقاييس اللغة لأحمد بن فارس ج ٤ ص ٤٠٣ ببعض تصرف.","vol":"1","page":162},{"text":"والغيب شرعا: هو ما سوى الشهادة، والخلق كله منقسم إلى عالمين، عالم غيبي مستور، وعالم مشهود محس.\nوالغيب منه ما هو مطلق، ومنه ما هو نسبي، ومنه ما مضى، ومنه ما لم يقع بعد، ولكنه سيقع في الدنيا، ومنه ما هو من أمر الآخرة، ولهذا وصف الله جل ذكره نفسه بأنه ﴿عَالِمُ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الكَبِيرُ المُتَعَالِ﴾ (٩: الرعد)؛ فالإيمان بالله: إيمان بالغيب، والإيمان بالملائكة بالنسبة لعامة الناس: إيمان بالغيب، وبالنسبة للأنبياء والمرسلين الذين شاهدوا جبريل ﵇، وشاهدوا غيره من الملائكة، إيمان بالشهادة، ويقاس على الأنبياء في هذا من ورد به النص: كمريم ﵍، حين رأت جبريل، وتمثل لها بشرا سويا، والإيمان بالمعجزات بالنسبة لمن شاهدوها: إيمان بشيء شاهدوه، وبالنسبة لغيرهم: إيمان بالغيب، والإيمان بالجن، والجنة، والنار، والميزان، والحور العين، والولدان المخلدين، وبالخَزَنة، والزبانية، وحملة العرش، وأنواع النعيم الأخروي، وصنوف العذاب في جهنم؛ كل هذا من الإيمان بالغيب.\nوأخبار الرسل مع أقوامهم هي لمن بعدهم من أحاديث الغيب، كما قال جل ذكره خطابا للنبي صلى الله عيه وسلم بعد ما قص عليه من أنباء نوح ﵇: ﴿تِلكَ مِنْ أَنْبَاءِ الغَيْبِ نُوحِيهَا إِليْكَ مَا كُنْتَ تَعْلمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ العَاقِبَةَ لِلمُتَّقِينَ﴾ (٤٩: هود)، وبعد ما قص عليه ربنا سبحانه من أنباء الكليم ﵇ قال له: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلى مُوسَى الأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ (٤٤: القصص)، وبعد ما قص عليه من أنباء الطاهرة مريم ﵍ قال له: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إِليْكَ وَمَا كُنْتَ لدَيْهِمْ إِذْ يُلقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ (٤٤: آل عمران)، فكل هذه الأحداث سماها القرآن غيبا؛ إذ هي كذلك بعد انقضاء الأعوام علة وقوعهان وزوال الأعيان.\nوالمعجزات لغة: مشتقة من الإعجاز تقول: أعجزت فلانا وعجَّزته وعاجزته إعجازا، أي: جعلته عاجزا، والإعجاز: الفوت والسبق.","vol":"1","page":163},{"text":"وعرفت اصطلاحا بأنها١: بأنها أمر خارق للعادة يؤيد الله بها أنبياءه لإظهار صدقهم، وتكون كما لو قال تعالى: \"صدق عبدي فيما بلغ عني\"، ولا يشترط أن تكون استجابة لتحدي المعاندين.\nوقد وردت مشتقات للكلمة في القرآن الكريم، نذكر منها بعض ما يقارب وجهتنا.\nفمن ذلك قوله تعالى على لسان الجن: ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لنْ نُعْجِزَ اللهَ فِي الأَرْضِ وَلنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾ (١٢: الجن)، والمعنى: أن مؤمني الجن استيقنوا أنهم لا يستطيعون الإفلات من قدرة الله وحسابه.\nومنها قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ (٤٤: فاطر) .\nومنها قوله عز من قائل: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ﴾ (٥٩: الأنفال) .\nوقوله سبحانه: ﴿وَالذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولئِكَ أَصْحَابُ الجَحِيمِ﴾ (٥١: الحج) .\nوقوله: ﴿وَالذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولئِكَ فِي العَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ (٣٨: سبأ) .\nوقوله ﷾ خطابا للمشركين متوعدا لهم: ﴿وَإِنْ تَوَليْتُمْ فَاعْلمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَبَشِّرِ الذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٣: التوبة) .\nفهذه الآيات يتضافر معناها لبيان حقيقة القدرة الإلهية، وعجز المحاولات البشرية.\nوأما لفظة (المعجزة) بمعنى الأمر الخارق للعادة: فلم ترد في كتاب الله، وإنما وردت لفظة (الآية) أو (الآيات) لتدل على هذا المعنى، كما في قوله جل ذكره: ﴿سَل بَنِي\n_________\n١ قارن وجوه الاشتباه والافتراق بين هذا التعريف وبين ما أورده علي بن محمد الجرجاني في التعريفات ص ١٩٥ ط: الحلبي القاهرة.","vol":"1","page":164},{"text":"إِسْرائيل كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾ (٢١١: البقرة)، وقوله تعالى: ﴿وَقَال الذِينَ لا يَعْلمُونَ لوْلا يُكَلِّمُنَا اللهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾ (١١٨: البقرة)، وقوله سبحانه: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِل بِالآياتِ إِلا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالآياتِ إِلا تَخْوِيفًا﴾ (٥٩: الإسراء) .\nفالمعجزة إذا: أمر خارق للعادة، يؤيد الله بها أنبياءه ورسله؛ ليقيموا بها الحجة الغالبة المعجزة لأقوامهم، وقد سبق تعريفها.","vol":"1","page":165},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>الإغارة على المعجزات والغيبيات:</span>\nولما كانت الغيبيات والمعجزات أمورا لا تقع غالبا تحت الحس، ولا تخضع لمألوف العقل البشري، ولا تجري على السنن المعتادة، أقدم نفر ممن جعلوا عقولهم آلهتهم على إنكارها، وحاول آخرون تأويلها، وهاكم شذرات من تفاصيلها:\nالرازي الطبيب وإنكار المعجزات:\nمن أقدم المحاولات التي وصلنا منكَر أخبارها في جحد المعجزات هذه المحاولة التي قام بها أبو بكر الرازي حوالي عام ٣٠٠؟؛ فألف كتابا سماه: (مخاريق الأنبياء)، وقد وصفه المطهر المقدسي١ بأنه: \"المفسد للقلب، المذهب للدين، الهادم للمروءة، المورث البغض للأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم\" ويفهم من عبارات المطهر أنه قرأ الكتاب، ولكنه لم يبح لنفسه أن ينقل شيئا من كفرياته وأكاذيبه.","vol":"1","page":165},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>صور من تأويلات منكري المعجزات:</span>\nقال٢ المطهر المقدسي وهو يؤرخ لظهور هذه التأويلات: \"وأنكر قوم العجائب رأسا، وصرفها إلى تأويل منحول\".\nومن هذه التأويلات ما يلي:\nأولا: تأويلات حول عمر سيدنا نوح وسفينته:\nهال الماديين القدامى - الذين يسمون أنفسهم بالعقليين - خبر القرآن عن عمر سيدنا نوح ﵇ في قوله تعالى: ﴿وَلقَدْ أَرْسَلنَا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ فَلبِثَ فِيهِمْ أَلفَ سَنَةٍ إِلا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ (العنكبوت: ١٤) .\n_________\n١ انظر كتاب البدء والتاريخ ج ٣ ص ١١٠ يقع في ستة أجزاء، ويحوي الكثير من أخبار الفرق وتاريخ الحياة العقلية في الإسلام، وقد انتفع به الدكتور أحمد أمين في كتابه (ظهر الإسلام) / وكان عمدة المستشرق آدم متز في كتابه (الحضارة الإسلامية)، وينسب بعض الباحثين هذا الكتاب إلى أبي زيد البلخي، لكن المحققون ينسبونه إلى المطهر بن طاهر المقدسي.\n٢ انظر البدء ج ٣ ص ١٧.","vol":"1","page":165},{"text":"فاستبعدوا أن يعيش واحد من خلق الله هذه السنين وأن يعمر قرونا، فتأولوا١ ذلك بأن لبثه ليس مدة حياته، وإنما هذا العمر هو عمر شريعته ومدة بقائها، وقالوا٢ عن السفينة إنها ليست فُلكا وإنما هي (رمز للدين الذي جاء به) .\nولو أنهم قالوا إن هذه السفينة كانت مركب النجاة للمؤمنين، لصدقوا، ولكن هذا التأويل السابق إهدار للغة، ومسخ لدلالات الألفاظ، وتكذيب لآيات أخرى من القرآن، ورد فيها النص الصريح عن هذه السفينة كقوله تعالى: ﴿وَحَمَلنَاهُ عَلى ذَاتِ أَلوَاحٍ وَدُسُر، تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ (١٣- ١٤، القمر)، ففي هذا النص الكريم ذكر الله المواد التي صنعت منها السفينة، كما ذكر سبحانه أمره العلوي لنوح ﵇ بصناعتها في قوله: ﴿وَاصْنَعِ الفُلكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الذِينَ ظَلمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ، وَيَصْنَعُ الفُلكَ وَكُلمَا مَرَّ عَليْهِ مَلأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَال إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ (٣٧، ٣٨: هود) .\nوهكذا ترى أن المؤول إن ركب متن الشطط في تأويل آية، أحاطت به آيات أخر، فلا يستطيع لها صرفا ولا تأويلا.","vol":"1","page":166},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>تأويل حول غرقى الطوفان</span>\n\nثانيا: تأويل غرقى الطوفان:\nوجمحت بأولئك الحسيين عقولهم؛ فتساءلوا كيف يهلك الله في الطوفان الأطفال، وهم غير مكلفين؟ وأدى بهم هذا الجموح إلى افتراض لا علم لهم به ولا برهان، وهذا الافتراض جعلوه خبرا كأنه قد وقع؛ فقالوا: \"إن الله قد عقم النساء خمسة عشر عاما قبل الطوفان فلم تلد منهن واحدة، وبذلك لم يهلك في الطوفان إلا بالغ مكلف، جاوز عمره خمسة عشر عاما\".\nوغاب عن هؤلاء ما ذكره رب العزة على لسان نوح ﵇: ﴿وَقَال نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأَرْضِ مِنَ الكَافِرِينَ دَيَّارا إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ (٢٦، ٢٧: نوح) .","vol":"1","page":166},{"text":"ثالثا:<span data-type=\"title\" id=toc-6> تأويل ناقة صالح ﵇ بأنها رمز:</span>\nوتأويل ما ورد في القرآن عن ناقة٣ صالح ﵇ كقوله سبحانه: ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللهِ لكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُل فِي أَرْضِ اللهِ وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾\n_________\n١ انظر البدء ج ٣ ص ٢٢.\n٢ نفس المصدر والصفحة.\n٣ انظر البدء والتاريخ ج ٣ ص ٤٢.","vol":"1","page":166},{"text":"(٧٣: الأعراف)، فقالوا: هي رمز لحجة دامغة وسلطان قاهر، أذعن له القوم، وتأولوا ما ورد في القرآن عن شربها١ في قوله تعالى: ﴿قَال هَذِهِ نَاقَةٌ لهَا شِرْبٌ وَلكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ٢ (١٥٥: الشعراء)، بأن معنى هذا الشرب هو أن هذه الحجة قد أبطلت جميع ما خالفها.\nوتغافلوا عن وصف القرآن لها بأنها ﴿تَأْكُل فِي أَرْضِ اللهِ﴾ (٧٣: الأعراف) وقوله: ﴿لهَا شِرْبٌ﴾ (١٥٥: الشعراء)، وأنهم عقروها ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾ (١٤: الشمس)، وكل هذا ينقض دعواهم.","vol":"1","page":167},{"text":"رابعا:<span data-type=\"title\" id=toc-7> تأويل الهدهد بأنه رجل وليس طائرا:</span>\nوقرأوا ما ذكره الله في كتابه عن هدهد سليمان في قوله سبحانه: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَال مَا لِيَ لا أَرَى الهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الغَائِبِينَ﴾ (٢٠: النمل)، واستبعدوا كيف يتكلم هذا الهدهد؟ وكيف يقول لسليمان ﵇ كما ذكر الله سبحانه: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَقِينٍ﴾ (٢٢: النمل) فقالوا: إن الهدهد رمز لرجل، أو أنه اسم لجندي من جنود سليمان ﵇، كانت مهمته أن يجمع له المعلومات.\nولو أن هؤلاء فهموا ما يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ﴾، وقوله تعالى: ﴿عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾ (١٦: النمل) وكانت لهم عقول يعلمون بها أن الهدهد طائر من هذا الطير لما قالوا بهذا، ولقد كان الطير جنودا لسليمان كما قال تعالى: ﴿وَحُشِرَ لِسُليْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الجِنِّ وَالأِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ (١٧: النمل)\nوقد ذكر الفخر الرازي ﵀ في تفسيره٣ مطاعن الملاحدة في قصة الهدهد فأطال في ذكرها، وأوجز في نقضها، ولست أرى ما يدعو إلى ذكرها.","vol":"1","page":167},{"text":"خامسا:<span data-type=\"title\" id=toc-8> تأويل النمل بأنهم قوم ضعاف:</span>\nوحامت في نفوسهم وساوس الريب حول قول الله جل ذكره: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلى وَادِ النَّمْلِ قَالتْ نَمْلةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُليْمَانُ\n_________\n١ الشرب بكسر الشين: النصيب من الشراب.\n٢ كانت الناقة آية من الله سبحانه، ومعجزة لصالح ﵇، والمعجزة أمر خارق للعادات لكن الفكر المتشيع للمادية لا يؤمن إلا بما عاينه ولامسه؛ لأن عيونهم كليلة، وفي القلوب أمراضها.\n٣ انظر مفاتح الغيب للفخر الرازي ح ٢٤ ص ١٩٠- ١٩١ ط دار المصحف.","vol":"1","page":167},{"text":"وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ (١٨: النمل)؛ إذ كيف تتكلم نملة؟ وكيف يبتسم سليمان ﵇ ضاحكا من قولها؟ فعمدوا إلى أوهام التأويل يفهمون النص الكريم من خلالها؛ فقالوا: إن النمل ليس هو الحشرة التي نعرفها، وإنما هم قوم ضعاف.\nوجاء مؤول١ آخر في القرن العشرين فقال: (إن المراد بوادي النمل: الوادي الكثير الناس، كأنهم النمل في كثرتهم) .\nوقد رد عليه الشيخ النجار٢ بقوله: \"وليس ما قاله بشيء؛ لأنه ينافيه قولها: ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾؛ إذ كيف لا يشعر جند سليمان بالناس وخاصة إذا كانوا كثيرين كالنمل\".\nونضيف نحن إلى قول الشيخ النجار فلنسلم بوجود مكان من الأرض اسمه وادي النمل؛ فهذا احتمال عقلي، ولكن ماذا نفعل في قوله تعالى: ﴿قَالتْ نَمْلةٌ﴾ وقولها: ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ﴾؟ فهل يمكن لغة أن يكون الناس هم النمل؟ وماذا يقول المؤول في قوله: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا﴾؟ والضمير عائد عليها.\nوقد عقد الأديب العربي المعتزلي أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ فصلا في كتابه (الحيوان) ٣ عن النمل ذكر فيه من طبائع هذه الحشرة ما يدل على أنها آية من آيات الله، فكان مما قال:\nوقد يبلغ من تفقدها وحسن خبرها، والنظر في عواقب أمورها، أنها تخاف على ما ادخرته من الحبوب في الصيف للشتاء أن تعفن أو تسوس؛ فتخرجها إلى ظهر الأرض لتيبسها، وتعيد إليها جفافها وليضربها النسيم وينفي عنها الفساد، وإن خافت أن تنبت، نقرت موضع القطمير من وسط الحبة، وتعلم أنها من ذلك الموضع تنبت.. وتفلق حب الكسبرة أرباعا لأن أنصافه تنبت.\nثم تحدَّث عن ما لها من الهمة والجراءة على نقل شيء يزيد وزنه أو حجمه على حجمها مائة مرة، وتحدث عن التعاون في مجتمع النمل، وكيف تدل النملة صويحباتها على مكان الطعام فيتبعنها كالرائد الذي لا يكذب أهله.\nثم قال: ومن العجب أن تفكر أنها توحي إلى أختها بشيء.\nوالقرآن قد نطق بما هو أكثر من ذلك أضعافا.. فقد أخبر القرآن بأنها قد عرفت سليمان، وأثبتت عينه٤، وأنه ﵇ علم\n_________\n١ صاحب هذا التأويل هو الأستاذ أحمد زكي صاحب الخزانة الزكية التي كانت تحوي الكثير من المخطوطات، وقد نشر هذا الرأي في جريدة الأهرام الصادرة في ١٦ أغسطس ١٩٣٣م.\n٢ انظر قصص الأنبياء للشيخ عبد الوهاب النجار ص ٣٣٦ ط: ٣.\n٣ انظر (الحيوان) للجاحظ ج٤ ص ٥- ٤ طبعة الكتاب العربي بيروت بتحقيق الأستاذ عبد السلام هارون.\n٤ أثبتت عينه: أي عرفت ذاته.","vol":"1","page":168},{"text":"منطقها، وأنها أمرت صويحباتها بما هو أحزم وأسلم، ثم أخبر أنها تعرف الجنود من غير الجنود، وقد قالت: ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾، ثم بين أن كلام النمل قول ومنطق، وأنها تفصل بين المعاني التي هي بسبيلها.\nإلى أن يقول: \"وإن من دخلت عليه الشبه من هذا المكان لناقص الروية رديُّ الفكرة\".\nونقل الجاحظ عن أبي إسحاق إبراهيم بن سيار النظام المعتزلي قوله عن وادي النمل: كان ذلك الوادي معروفا (بوادي النمل)؛ فكأنه كان حمى، وكيف تنكر أن يكون حمى، والنمل ربما أجلت قرية١ من سكانها.\nوهذا الذي ذكره الجاحظ نقلا عن (النظام) ٢ ليس خيالا ولا تاريخا يتسرب الشك إلى رواياته، وإنما هو واقع رآه بعضنا وسمع به قوم آخرون، فالصحف في مصر وغير مصر تنشر بين حين وآخر أخبار غزوات النمل البيض، وكيف تهلك غزواته الحرث والفرش.\nوالقرآن الكريم لم يذكر لنا حجم النملة المتكلمة ولا نوعها، وإنما نؤمن بأنها نملة من نوع النمل.\nوبعد أن ذكرنا ما قاله أحد العلماء المسلمين عن النمل ننقل ما كتبه أحد علماء التاريخ الطبيعي من الغربيين وهو (رويال ديكنسون) في كتابه (شخصية الحشرات) إذ قال٣: \"ولقد ظللت أدرس مدينة النمل حوالي عشرين عاما، في بقاع مختلفة من العالم؛ فوجدت أن كل شيء يحدث في هذه المدينة في دقة بالغة، وتعاون عجيب، ونظام لا يمكن أن نراه في مدن البشر، لقد راقبته وهو يرعى أبقاره، وما هذه الأبقار إلا خنافس صغيرة رباها النمل في جوف الأرض حتى فقدت في الظلام بصرها.\nلقد زرع النمل ١٥ مترا مربعا من الأرض بالأرز) .\nثم ذكر الكاتب أنه وجد جماعة من النمل تقوم بحرثها على أحسن ما يقضي به علم الزراعة، فبعضها زرع بالأرز، وجماعة أزالت الأعشاب، وغيرها قامت لحراسة الزراعة من الديدان.\nولما بلغت عيدان الأرز نموها، وكان يرى صفا من الشغالة تتسلق العيدان وتنزع الحب، وتعود به إلى مخازن تحت الأرض..\nوبعد الحصاد هطل المطر أياما، وما أن انقطع حتى قام النمل بإخراج الأرز من المخازن، وتعريضه للشمس؛ ليجف ثم عادوا به من جديد.\n_________\n١ النقل عن كتاب (الحيوان) كما سبقت الإشارة بإيجاز وتصرف، وقد أجاد وأفاد.. وله في غير هذا كبوات.. والحق هو الميزان.\n٢ خالف الجاحظ (النظام) في مسائل، وضلله فيها، وليس هنا مجال تفصيلها.\n٣ نقلا عن كتاب (الله والعلم الحديث) ص ١٠٠ ط: ٣ لعبد الرزاق نوفل.","vol":"1","page":169},{"text":"وكل هذا يدل على أن النمل عالم عجيب غريب، وهو من بعض آيات الله في خلقه.\nوإنما أطلنا القول في هذه المسألة لنبين لأصحاب التأويلات الجانحة أنهم ليسوا على شيء مما يدعون؛ فلا العلم بمؤيد لهم - وإن زعموا أنهم فيه متبحرون - ولا ظهير من الرشاد.","vol":"1","page":170},{"text":"سادسا:<span data-type=\"title\" id=toc-9> تأويل عقاب المسخ:</span>\nومن أمثلة التأويلات التي يتحكم فيها جموح العقل، فيغدو النص القرآني محكوما بضيق التصور، ويصبح مقيدا بقيود (الواقعية المادية المحدودة) و(العقلانية) المزعومة، من هذه الأمثلة تأويل المسخ الذي ضربه الله عقابا على المعتدين من بني إسرائيل تأويلا لا برهان لهم به.\nفقد ورد الحديث عن المسخ في أربعة مواضع من القرآن الكريم، هي قوله عز من قائل:\n١) ﴿وَلقَدْ عَلِمْتُمُ الذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلنَا لهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ فَجَعَلنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلمُتَّقِينَ﴾ (٦٥، ٦٦: البقرة) .\n٢) ﴿قُل يَا أَهْل الكِتَابِ هَل تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلا أَنْ آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنْزِل إِليْنَا وَمَا أُنْزِل مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ، قُل هَل أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللهِ مَنْ لعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَليْهِ وَجَعَل مِنْهُمُ القِرَدَةَ وَالخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ (٥٩، ٦٠: المائدة) .\n٣) ﴿فَلمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلنَا لهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ (١٦٦: الأعراف) .\n٤) ﴿وَلوْ نَشَاءُ لمَسَخْنَاهُمْ عَلى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ﴾ (٦٧:يس) .","vol":"1","page":170},{"text":"١-<span data-type=\"title\" id=toc-10>أقدم محاولة لتأويل المسخ:</span>\nوأقدم ما وصلنا من الآراء في تأويل المسخ، هذا الرأي الذي قال به المفسر التابعي مجاهد بن جبير وهو١: \"مسخت قلوبهم ولم يمسخوا قردة وغنما هو مثل ضربه الله لهم كما مثلوا بالحمار في قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ (٥: الجمعة) .","vol":"1","page":170},{"text":"٢-<span data-type=\"title\" id=toc-11> رأي الطبري:</span>\nنقل شيخ المفسرين أبو جعفر محمد بن جرير الطبري هذا الرأي في تفسيره٢\n_________\n١ انظر تفسير الطبري: جامع البيان ج ٢ ص ١٧٣ط: المعارف المحققة.\n٢ انظر تفسير الطبري جامع البيان ج ٢ ص ١٧٣ ط المعرف المحققة.","vol":"1","page":170},{"text":"لسورة البقرة معزوا إلى مجاهد، ووصفه بأنه \"قول لظاهر ما يدل عليه كتاب الله مخالف\".\nثم إن الطبري ﵀ كرّ على هذا الرأي بما ينقضه، وذكر عقوبات الله لهم فقال: \"وذلك أن الله أخبر في كتابه أنه جعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت، كما أخبر أنهم قالوا لنبيهم: ﴿أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً﴾ (١٥٣: النساء)، وأن الله - تعالى ذكره - صعقهم عند مسألتهم ذلك نبيهم، وأنهم عبدوا العجل فجعل توبتهم قتل أنفسهم، وأنهم أمروا بدخول الأرض المقدسة فقالوا لنبيهم: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ (٢٤: المائدة) فابتلاهم بالتيه، فسواء قائل قال: هم لم يمسخوا قردة، وقد أخبر جل ذكره أنه جعل منهم قردة وخنازير، وآخر قال: لم يكن شيء مما أخبر الله عن بني إسرائيل أنه كان منهم؛ من الخلاف على أنبيائهم، والنكال والعقوبات التي أحلها الله بهم، ومن أنكر من ذلك شيئا من ذلك وأقر بآخر منه، سئل البرهان عن قوله، وعورض - فيما أنكر من ذلك - بما أقر به، ثم يسأل الفرق من خبر مستفيض أو أثر صحيح.\nهذا مع خلاف قول مجاهد، قول جميع الحجة التي لا يجوز عليها الخطأ والكذب فيما نقلته مجمعة عليه، وكفى دليلا على فساد قول إجماعها على تخطئته١.ا؟.","vol":"1","page":171},{"text":"٢-<span data-type=\"title\" id=toc-12> رأي الزمخشري:</span>\nومع اعتزاليات الزمخشري وولعه بالتأويل؛ فإنه لم ينهج هذا المنهج مع عقوبة المسخ فقال٢: (﴿قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ أي كونوا جامعين بين القردية والخسوء، وهو الصَّغار والطرد، ﴿فَجَعَلنَاهَا﴾ يعني المسخة ﴿نَكَالًا﴾ عبرة تنكل من اعتبر بها: أي تمنعه، ومنه النِّكل: القيد، ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ لما قبلها، ﴿وَمَا خَلفَهَا﴾ وما بعدها من الأمم والقرون، لأن مسختهم ذكرت في كتب الأولين فاعتبروا بها٣، واعتبر بها من بلغتهم من الآخرين، أريدَ بما بين يديها ما بحضرتها من القرى والأمم٤، وقيل: ﴿نَكَالًا﴾ عقوبة منكلة لما بين يديها لأجل ما تقدمها من ذنوبهم، وما تأخر منها، ﴿وَمَوْعِظَةً لِلمُتَّقِينَ﴾ للذين نهوهم عن الاعتداء من صالحي قومهم أو لكل متق سمعها. ا؟.","vol":"1","page":171},{"text":"٤-<span data-type=\"title\" id=toc-13> رأي الجاحظ:</span>\nللجاحظ في موسوعته (الحيوان) استطرادات كثيرة، ولقد تعرض لموضوع المسخ، ومع\n_________\n١ انظر جامع البيان ج ٢ ص ١٧٣.\n٢ انظر الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل ج ١ ص ٢١٩ ط الحلبي.\n٣ هذا الوجه في تفسير ﴿لما بيد يديها﴾ بعيد، ولا دليل عليه.\n٤ وهذا وما بعده هو الأولى.","vol":"1","page":171},{"text":"نزعته الاعتزالية، ودراسته الكلامية؛ فقد كان من المثبتين للمسخ، المحتجين لوقوعه بحجج النقل والعقل، فتكلم عن بعض أسباب المسخ، ولماذا عاقب الله الممسوخين بأن جعلهم قردة وخنازير؟\nفقال عن الخنزير١: \"فأما قبح وجهه فلو أن القبح والغدر والكذب تجسدت ثم تصورت لما زادت على قبح الخنزير، وكل ذلك بعض الأسباب التي مسخ لها الإنسان خنزيرا، وإن القرد لسمج الوجه، قبيح كل شيء، وكفاك أنه للمثل المضروب.. \" يعني أن القرد قد ضرب مثلا للقبح.\nثم عاد٢ إلى ذكر مقابح الخنزير؛ فبين أن الخنزير ينزو ذكره على ذكره، وأن الله سبحانه سمى لحمه رجسا وإن كان غير ميتة ولو ذكر الذابح عليه اسم الله، ولوصفه بهذا الوصف (الرجس) يقول الجاحظ: \"ولا نعلم لهذا الوصف وجها إلا الذي خص الله به من ذكر المسخ، فأراد تعظيم شأن العقاب، ونزول الغضب، وكان ذلك القول ليس مما يضر الخنزير، وفيه الزجر عن محارمه، والتخويف من مواضع عذابه\".\nثم ذكر الجاحظ \"أن المسخ لا يتناسل ولا يبقى إلا بقدر ما يكون موعظة وعبرة\".\nثم تكلم عن إنكار الدهرية للمسخ؛ فقال٣: \"فمنهم من جحد المسخ، وأقر بالخسف والريح والطوفان، وجعل الخسف كالزلازل، وزعم أنه يقر من القذف بما كان من البَرَد الكبار، فأما الحجارة فإنها لا تجيء من جهة السماء.. إلى آخر أضاليل الدهرية..\".\nوهكذا رأينا قطبين من مدرسة الاعتزال - هما (الزمخشري والجاحظ) - يؤمنان بالمسخ على حقيقته، ولا يتأولانه على غير وجهه.","vol":"1","page":172},{"text":"٥-<span data-type=\"title\" id=toc-14> رأي الفخر الرازي:</span>\nوأما (الفخر الرازي) فهو وإن لم ينتصر لرأي مجاهد ويجنح إليه، إلا أنه لم يجد في قبوله غضاضة، ويجدر بنا أن نلم برأيه لما له من منهج خاص.\nفقد قال٤: \"..قوله ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ ليس بأمر لهم؛ لأنهم ما كانوا قادرين على أن يقلبوا أنفسهم على صورة القردة، بل المراد سرعة التكوين، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُول لهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٤٠: النحل)، وكقوله: ﴿قَالتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ (١١: فصلت)، والمعنى أنه تعالى لم يعجزه ما أراد إنزاله من العقوبة بهؤلاء، بل قال لهم،: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾، أي لما أراد ذلك بهم صاروا كما أراد.\n_________\n١ انظر كتاب الحيوان لأبي عثمان بن بحر الجاحظ ج ٤ ص ٥٠، وكتاب الحيوان موسوعة كبرى نشرها الأستاذ عبد السلام محمد هارون محققة في سبعة أجزاء كبيرة ط الحلبي القاهرة.\n٢ انظر الصفحات ٥١، ٥٦، ٦٠، ٦١، من الجزء الرابع من الحيوان، والنقل ببعض تصرف.\n٣ انظر الحيوان ج ٤ ص ٧٠.\n٤ انظر التفسير الكبير (مفاتح الغيب) للفخر الرازي ج ٣ ص ١١٠ وما بعدها ط دار الكتب العلمية طهران.","vol":"1","page":172},{"text":"والمروي عن مجاهد: أنه تعالى مسخ قلوبهم بمعنى الطبع والختم، لا أنه مسخ صورهم، وهو مثل قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ (٥: الجمعة)، ونظيره أن يقول الأستاذ للمتعلم البليد لا ينجح فيه تعليمه: كن حمارا، واحتج على امتناعه (أي المسخ) بأمرين:\nالأول: أن الإنسان هو هذا الهيكل المشاهد، والبنية المحسوسة؛ فإذا أبطلها، وخلق في تلك الأجسام تركيب القرد وشكله، كان ذلك إعداما للإنسان، وإيجادا للقرد؛ فيرجع حاصل المسخ على هذا القول إلى أنه تعالى أعدم الأعراض التي باعتبارها كانت تلك الأجسام إنسانا، وخلق فيها الأعراض التي باعتبارها كانت قردا١؛ فهذا يكون إعداما وإيجادا، لا أنه يكون مسخا.\nثم قال الرازي: وأجيب٢ بأن الإنسان ليس هو تمام هذا الهيكل، وذلك لأن هذا الإنسان قد يصير سمينا بعد أن كان هزيلا وبالعكس بالمسخ، ثم أثار إشكالات عليه ثم نقضها، ثم لم يجد محظورا البتة من الصيرورة إلى التأويل وقبول رأي مجاهد.\nويقول كاتبه: فأما عن الإشكال الأول فإن المسخ لغة هو٣: \"تحويل صورة إلى ما هو أقبح منها\"، وهذا التبديل أو التحويل لا دليل على استحالته من نقل أو عقل أو علم.\nفأما النقل فدلالته بينة - كما سنوضح بإذن الله -.\nوأما العقل والعلم فإن دراسة آيات الله في الأنفس والآفاق - بتعميق واستيعاب - تقرب إلى أذهاننا القاصرة وعلمنا المحدود هذا الذي يراه البعض بعيدا، وخاصة بعد تقدم علم الأحياء (البيولوجيا) في الكشف عن كثير من أسرار (الخلية) و(الغدد) و(الهرمونات)، وما قرأناه في الصحف منذ سنوات عما سمي (بالإنسان القرد)، وهو طفل نشأ في غابة بين القرود، فصار يطعم طعامهم ويسير على أربع، ونبت على جسمه شعر القردة.. وانقطعت صلته بالإنسانية.\nوفصل القول:\nأن المسألة عقاب \"أراده الله ببني إسرائيل لعدوانهم وظلمهم، وشاءت إرادته أن يكون العقاب خرقا للعادات ومجريات السنن، ليكون عبرة ونكالا، وليكون آية على تفرده وحده بالقدرة والقهر والجبروت، فهل يعجزه سبحانه شيء في الأرض أو السماء؟ تعالى علوا كبيرا، ﴿إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ (٤٤: فاطر) .\nوكما قال الرازي نفسه:\n_________\n١ هذا بالأصل ولو قال: (صارت قرودا) لكان هذا ما يدل عليه السياق، لكن لعله راعى المقابلة بين (إنسانا) و(قردا) .\n٢ ذكرنا الرد عقب الإشكال مخالفين ترتيب الرازي لأن هذا - في نظرنا - هو الأولى.\n٣ انظر المختار مادة مسخ ص ٦٢٤.","vol":"1","page":173},{"text":"\"فالأجزاء متبدلة.. وعلى جميع التقديرات فلا امتناع في بقاء ذلك الشيء مع تطرق التغيير إلى هذا الهيكل، وهذا هو المسخ، وبهذا التقدير يجوز في الملك الذي تكون جثته في غاية العظم أن يدخل حجرة الرسول ﵇\"١.\nثم قال الرازي:\nوالإشكال الثاني: إن جوزنا ذلك - أي المسخ - لما أمِنّا في كل ما نراه قردا وكلبا، أنه كان إنسانا عاقلا، وذلك يفضي إلى الشك في المشاهدات.\nوالجواب: أن الأمان يحصل بإجماع الأمة.\nولما ثبت بما قررناه جواز المسخ، أمكن إجراء الآية على ظاهرها، ولم يكن بنا حاجة إلى التأويل الذي ذكره مجاهد ﵀، وإن كان ما ذكره غير مستبعد جدا؛ لأن الإنسان إذا أصر على جهالته - بعد ظهور الآيات وجلاء البينات - فقد يقال في العرف الظاهر إنه حمار وقرد، وإذا كان هذا المجاز من المجازات الظاهرة المشهورة لم يكن في المصير إليه محذور البتة\" ا؟.\nفأنت ترى أن الرازي - ﵀ - أجاز القولين، ثم عاد إلى إثارة شبهة أخرى هي (أنه بعد أن يصير (اليهودي المعتدي) قردا، لا يبقى له فهم ولا عقل ولا علم، فلا يعلم ما نزل به من العذاب، ومجرد القردية غير مؤلم، لأن القرود حال سلامتها غير متألمة، فمن أين يحصل العذاب بسببه؟!\nوأجاب بقوله: \"ولم لا يجوز أن يقال إن الأمر الذي بسببه يكون الإنسان عاقلا فاهما ظل باقيا، إلا أنه لما تغيرت الخلقة والصورة، لا جرم أنها كانت تعرف ما نالها من تغير الخلقة بسبب شؤم المعصبة، وكانت في نهاية الخوف والخجالة.. ولا يلزم من عدم تألم القرود الأصلية بتلك الصورة عدم تألم الإنسان بتلك الصورة الغريبة القردية\" ا؟.\nونضيف إلى قول الفخر الرازي ﵀ قولنا: إن العقاب لا يتحقق ولا يتم المقصود منه إلا ببقاء الغرائز والمشاعر والأحاسيس التي بها يعاني هؤلاء الممسوخون آلام عذاب المسخ.\n_________\n١ يشير الرازي إلى ما ورد في وصف جبريل ﵇ في حديث بدء الوحي في الصحيحين بأنه (ساد عظم خلقه ما بين السماء والأرض..) ومع ذلك فقد يدخل حجرة الرسول ﷺ حال الوحي.. لكن مع التبدل من حالة إلى حالة، والتشبيه مع الفارق. وانظر في تفصيل أحوال الوحي والملك بحثنا (القرآن الكريم من قضايا الوحي والتنزيل) ص ٤٩.","vol":"1","page":174},{"text":"٦-<span data-type=\"title\" id=toc-15> رأي ابن كثير</span>١:\nذكر ابن كثير رأي مجاهد، ووصف إسناد هذا الرأي إلى مجاهد بأنه إسناد جيد، ثم وصف رأي مجاهد بأنه قول خلاف الظاهر من السياق في هذا المقام وفي غيره، واستشهد ببعض الآيات الأخرى الواردة في مسخ بني إسرائيل، ثم ذكر رأي (العوفي) في تفسيره من أن الشباب صاروا قردة، وأن الشيوخ صاروا خنازير، وذكر رأي قتادة من أن القوم قد صاروا قردة تتعاوى، ولها أذناب، وروى ابن كثير أن الذين نهوهم كانوا يدخلون عليهم فيقولون: يا فلان ألم ننهكم؟ فيقولون برؤوسهم: أي بلى، وذكر رواية الضحاك عن ابن عباس وهي: مسخهم الله قردة بمعصيتهم، ثم قال ابن عباس: (ولم يعش مسخ قط فوق ثلاثة أيام، ولم يأكل ولم يشرب، ولم ينسل\".\nوبعد ذكر العديد من الروايات المؤيدة للمسخ عن أئمة التفسير بين ابن كثير أن الغرض من ذكرها هو بيان خلاف ما ذهب إليه مجاهد ﵀ من أن المسخ كان معنويا لا صوريا، والصحيح أنه معنوي صوري والله أعلم. ا؟.","vol":"1","page":175},{"text":"٧-<span data-type=\"title\" id=toc-16> رأي القاسمي</span>٢:\nنقل القاسمي آراء سابقيه من المفسرين، ثم ارتضى هذا الرأي وهو: \"والمسخ بالحقيقة حق غير منكر في الدنيا والآخرة.. وردت به الآيات والأحاديث، وفي أثر: عدد المسوخ ثلاثة عشر، وبيَّن أعمالهم ومعاصيهم وموجبات مسخهم.\nوالحاصل أن من غلب عليه وصف من أوصاف الحيوانات، ورسخ فيه بحيث زاول استعداده وتمكن في طبعه، وصار صورة ذاتية له، صار طبعه طبع ذلك الحيوان ونفسه نفسه؛ فصارت صفته صورته) ا؟.","vol":"1","page":175},{"text":"٨-<span data-type=\"title\" id=toc-17> رأي الشيخ رشيد رضا:</span>\nانتهج الشيخ رشيد منهج أستاذه في إنكار مسخ الصورة والخلقة؛ فبعد ذكره في تفسيره لرأي مجاهد قال٣: \"والأمر للتكوين، أي فكانوا بحسب سنة الله في طبع الإنسان\n_________\n١ انظر تفسير ابن كثير ج ١ ص ١٠٥- ١٠٧.\n٢ انظر محاسن التأويل لمحمد جمال الدين القاسمي ج ٢ ص ١٥٠- ١٥١.\n٣ انظر تفسير المنار ج ١ ص ٣٤٤- ٣٤٥.","vol":"1","page":175},{"text":"وأخلاقه كالقردة المستبذلة المطرودة من حضرة الناس..\"،\nثم قال: وذهب الجمهور أيضا إلى أن معنى (كونوا قردة) أن صورهم مسخت فكانوا قردة حقيقيين، والآية ليست نصا فيه، ولم يبق إلا النقل، ولو صح لما كان في الآية عبرة ولا موعظة للعصاة؛ لأنهم يعلمون بالمشاهدة أن الله لا يمسخ كل عاص، فيخرجه عن نوع الإنسان، إذ ليس ذلك من سننه في خلقه، وإنما العبرة الكبرى في العلم بأن من سنن الله تعالى في الذين خلوا من قبل أن من يفسق عن أمر ربه، ويتنكب الصراط الذي شرعه له، ينزل عن رتبة الإنسان ويلتحق بعجماوات الحيوان، وسنة الله تعالى واحدة؛ فهو يعامل القرون الحاضرة بمثل ما عامل به القرون الخالية..\nثم يقول: \"وحديث المسخ والتحويل، وأن أولئك قد تحولوا من أناس إلى قردة وخنازير، إنما قصد به التهويل والإغراب، فاختيار ما قاله مجاهد هو الأوفق بالعبرة، والأجدر بتحريك الفكرة..\nثم يقول: \"إنه ليس في تفسير الآية حديث مرفوع إلى النبي ﷺ نص فيه على كون ما ذكر مسخا لصورهم وأجسادهم، وقد ذكر الحافظ ابن كثير في تفسيره قول مجاهد إن المسخ معنوي، وقول الآخرين إنه صوري، ثم قال: والصحيح أنه معنوي صوري، فما مراده بذلك؟! \" ا؟.\nوما كان ينبغي لمثل الشيخ رشيد أن يغيب عنه مراد الحافظ ابن كثير؛ فالمسخ المعنوي هم مسخ قلوبهم لزيغهم عن الحق، والمسخ الصوري هو مسخ صورهم وأبدانهم، ليتطابق ظاهرهم مع باطنهم.\nولما عاد إلى تناول الموضوع في سورة الأعراف١ذكر الخلاف في المسخ أهو مسخ خلق وبدن، أم مسخ خلق ونفس؟ ثم قال: \"فالأول قول الجمهور، والثاني قول مجاهد\".","vol":"1","page":176},{"text":"٩-<span data-type=\"title\" id=toc-18> رأي الشيخ عبد الجليل عيسى</span>٢:\nفي تفسير الآيتين ٦٥، ٦٦ من سورة البقرة حول (المسخ) اكتفى بذكر المعنى اللغوي لكلمة ﴿خَاسِئِينَ﴾ نقلا عن لسان العرب؛ فقال: الخاسئ من الكلاب والخنازير هو المبعد المطرود، يقال: خسأ فلان الكلب يخسؤه - بفتح السين - خسئا وخسوءا أيضا، أي: طرده مهينا ذليلا، وخسأ الكلب ابتعد ذليلا. ا؟\n_________\n١ انظر تفسير المنار ج ٩ ص ٣٧٩- ٣٨٠.\n٢ انظر المصحف الميسر في تفسير آيات البقرة والأعراف حول المسخ.","vol":"1","page":176},{"text":"ولكنه عند قوله تعالى: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ (١٦٦: الأعراف) صرح بالتأويل؛ فقال: والمراد أصبحوا كالقردة في الاحتقار.\nسابعا: تأويل (طمس الوجوه) بالرؤساء والمقاصد والأماكن:\nيقول الله جل ذكره: ﴿يَا أَيُّهَا الذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلعَنَهُمْ كَمَا لعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولًا﴾،\n(٤٧: النساء) .\nمن المفسرين من حمل الطمس في هذه الآية على ظاهره، ومنهم من سلك به أودية المجاز؛\nوبيان ذلك كما يلي١:","vol":"1","page":177},{"text":"١)<span data-type=\"title\" id=toc-19> تفسير الوجه بمعناه الجسماني وهو وجه البدن:</span>\nوقد استعملت الكلمة في القرآن الكريم بهذا المعنى في أكثر مواضع ورودها، كما في قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (٦: المائدة)، ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾ (٦: المائدة)، ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرَامِ﴾ (١٤٤: البقرة)، وهو بهذا المعنى المادي في ١٤٩، ١٥٠: البقرة أيضا، ومن هذا الاستعمال أيضا: ﴿فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ (٢٩ك الذاريات)، كل هذه الآيات وغيرها كثير، استعمل فيها الوجه بمعناه الحقيقي الجسماني.\nوعلى هذا المعنى فسر طمس الوجه بما يلي:\nأ – محو آثارها من العينين والحاجبين والأنف والفم حتى تصير كالأقفاء، فيصبح الوجه والقفا سواء في عدم الحواس والمعالم.\nب- أن المقصود بطمس الوجوه: تحويلها من جهة الأمام إلى القفا، فتصبح العينان في القفا فيمشون على أعقابهم القهقرى.\nج- أن المقصود بطمس الوجوه: طمس العين فتصير عمياء، كما استشهد الطبري لهذا المعنى بقوله: (ومن ذلك قيل للأعمى الذي تعفَّى غرُّ ما بين جفني عينيه فدثر: (أعمى مطموس، وطميس)، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَلوْ نَشَاءُ لطَمَسْنَا عَلى أَعْيُنِهِمْ﴾ (٦٦: يس) قال أبو جعفر: الغر ُّ (الشق الذي بين الجفنين) ا؟.\n_________\n١ رجعنا في تفسير الآية إلى تفسير الطبري ج ٨ ص ٤٤٠- ٤٤٨ ط المعارف المحققة، ابن كثير ج ١ ص ٥٠٧، ٥٠٨ ط الحلبي، والكشاف للزمخشري ج ١ ص ٤٠٦ ط الحلبي، ومحاسن التأويل للقاسمي ج ٥ ص ١٢٨٢ – ١٢٨٦، وتفسير المنار ج ٥ ص ١١٧- ١١٨، وإلى معاجم ألفاظ القرآن الكريم وبعض المعاجم اللغوية.","vol":"1","page":177},{"text":"٢)<span data-type=\"title\" id=toc-20> تأويل طمس الوجوه بردها عن الحق:</span>\nجاء استعمال الوجه في القرآن بغير مفهومه الحسي كما يلي:\nجاء الوجه بمعنى: أول الشيء وبدايته كقوله تعالى: ﴿آمِنُوا بِالذِي أُنْزِل عَلى الذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ﴾ (٧٢: آل عمران) .\nوفسر الوجه بحقيقة الشيء وكنهه كما في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلى وَجْهِهَا﴾ (١٠٨: المائدة) .\nومن هذا الوادي فسر بعضهم طمس الوجه بالتحول عن الصراط الحق.\nوقد عزا الطبري هذا الرأي إلى المفسر التابعي مجاهد بن جبر بعدد من الأسانيد، وعبارته: (﴿َنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ عن صراط الحق ﴿فنردها على أدبارها﴾ في الضلالة) .\nونسب الطبري هذا الرأي إلى الحسن كذلك، وأخبرنا أن الضحاك فسرها بقوله: \"أي أن نردهم عن الهدى والبصيرة، فقد ردهم على أدبارهم، فكفروا بمحمد ﷺ وما جاء به\".\nوكان للطبري رده الوجيز البليغ على هذا الرأي حين قال١: \"فبين فساد قول من قال ذلك، فما وجه رد من هو في الضلالة فيها؟! وإنما يرد في الشيء من كان خارجا منه، فأما من هو فيه فلا وجه لأن يقال: نرده فيه\".","vol":"1","page":178},{"text":"٣-<span data-type=\"title\" id=toc-21> تأويل الوجوه بالديار والمساكن:</span>\nوبعضهم فسر طمس الوجوه بقوله: \"من قبل أن نطمس وجوههم التي هم ٢فيها، فنردهم إلى الشام من مساكنهم بالحجاز\".\nوقد قال الطبري٣ عن هذا الرأي: إنه \"مما يدل عليه ظاهر التنزيل بعيد\".\nوذلك أن المعروف من (الوجوه) في كلام العرب التي هي خلاف (الأقفاء)، وكتاب الله يوجه تأويله إلى الأغلب٤ في كلام من نزل بلسانه، حتى يدل على أنه معني به غير ذلك من الوجوه.","vol":"1","page":178},{"text":"٤-<span data-type=\"title\" id=toc-22> تأويل طمس الوجوه بإبطال المؤامرات:</span>\nوقال بعضهم المقصود بطمس الوجوه إبطال مؤامراتهم.\nوبهذا التأويل قال الشيخ رشيد رضا، وعبارته: \"فظاهر معنى العبارة هنا: آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من\n_________\n١ انظر الطبري ج ٨ ص ٤٤٣.\n٢ والمقصود بالوجوه على هذا التأويل أماكن الإقامة.\n٣ انظر تفسير الطبري ج ٨ ص ٤٤٤.\n٤ هذه العبارة قاعدة جليلة لو اتبعها كثير ممن يصرفون النصوص عن حقائقها، لوفروا على هذه الأمة جهودا ضيعت وأوقاتا بددت، ولكفيت الأمة شر فتن كثيرة.","vol":"1","page":178},{"text":"قبل أن نطمس وجوه مقاصدكم التي توجهتم إليها في كيد الإسلام، ونردها خاسئة خاسرة إلى الوراء بإظهار الإسلام ونصره عليكم، وفضيحتكم فيما تأتونه باسم الدين والعلم الذي جاء به الأنبياء، وقد كان لهم عند نزول الآية شيء من المكانة والمعرفة والقوة، فهذا ما نفسرها به على جعل الطمس والرد على الأدبار معنويين، وبه قال مجاهد، ولكن أوجز\" ا؟.","vol":"1","page":179},{"text":"٥-<span data-type=\"title\" id=toc-23> تأويل الوجوه بالرؤساء والوجهاء:</span>\nوقيل إن المقصود بطمس الوجوه ما ذكره الزمخشري بقوله١: \"ووجه آخر وهو أن يراد بالطمس القلب والتغيير، كما طمس أموال القبط فقلبها حجارة، وبالوجوه رؤساؤهم ووجهاؤهم، أي من قبل أن نغير أحوال وجهائهم فنسلبهم إقبالهم ووجاهتهم، ونكسوهم صغارهم وإدبارهم\".\nمختار القول: وبعد استعراض الآراء في تفسير الآية استعراضا وافيا، وإن لم نبلغ به حد الاستقصاء، نرى أن أولى الآراء هو حمل الوجه على حقيقته، وأن الطمس على أصل معناه من المحو والإزالة والإخفاء.\nوهذا الترجيح هو الذي ارتضاه الطبري حين قال٢: \"وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب؛ لأن الله جل ثناؤه خاطب بهذه الآية اليهود الذين وصف صفتهم بقوله: ﴿أَلمْ تَرَ إِلى الذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالةَ..﴾ (٤٤: النساء)، ثم حذرهم جل ثناؤه بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلى أَدْبَارِهَا﴾ الآية.. بأسه٣ وسطوته وتعجيل عقابه لهم، إن هم لم يؤمنوا بما أمرهم بالإيمان به، ولاشك أنهم كانوا لما أمرهم بالإيمان به يومئذ كفارا\" ا؟.\nوآثر القاسمي حمل الآية على الحقيقة فقال٤: \"ولا يخفى أن جميع ما ذكر من التأويلات غير الأول، لا يساعده مقام تشديد الوعيد، وتعميم التهديد، فإن المتبادر من اللفظ الحقيقة، ولا يصار إلى المجاز إلا إذا تعذر إرادتها، ورد على القائلين بأن قرينة المجاز هي عدم وقوع المتوعد به، بأنه ليس في الآية ما يدل على تحتم وقوع الوعيد إن لم يؤمنوا، ولو فهم\n_________\n١ انظر الكشاف ج ١ ص ٤٠١.\n٢ الطبري ج ٨ ص ٤٤٣.\n٣ منصوبة بحذرهم في جملة (ثم حذرهم جل ثناؤه) .\n٤ انظر محاسن التأويل ج ٥ ص ١٢٨٤- ١٢٨٦ بإيجاز.","vol":"1","page":179},{"text":"منها هذا فهما أوليا، لكان إيمانهم بعدها إيمان إلجاء واضطرار، وهو ينافي التكليف الشرعي، وذهب إلى أن هذه الآية هي كقوله تعالى: ﴿وَلوْ نَشَاءُ لطَمَسْنَا عَلى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ، وَلوْ نَشَاءُ لمَسَخْنَاهُمْ عَلى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ﴾ (٣٦: يس) .\nثم قال القاسمي: \"فهذه عندي تفسير لتلك، والقرآن يفسر بعضه بعضا، وحول تعقيب الآية بقوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولًا﴾ أي ما يأمر به، ويريد وقوعه، وإذا كان الوعيد منوطا بأمره سبحانه، فله أن يمضيه على حقيقته، وله أن يصرفه لما هو أعلم به، إلا أن ورود نظم الآية بهذا الخطاب المتبادر في الوقوع غير المعلق، ليكون أدخل في الترهيب، ومزجرة عن مخالفة الأمر.. هكذا ظهر لنا الآن، وهو أقرب مما نحاه المفسرون هنا من أن العقاب منتظر، أو أنه مشروط بعدم الإيمان إلى غير ذلك\" ا؟.","vol":"1","page":180},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-24>تأويلات شتى حول \" مادة الحواريين </span>\"\n...\nثامنا: تأويلات شتى حول (مائدة الحواريين):\nقال الله ﵎: ﴿إِذْ قَال الحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَل يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّل عَليْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَال اتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُل مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَليْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ، قَال عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِل عَليْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ، قَال اللهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَليْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ العَالمِينَ﴾ (١١٢، ١١٥: المائدة) .\nاختلف أهل التأويل حول أمر هذه (المائدة) اختلافا عظيما؛ فمنهم من قال بنزولها وأسهب، ومنهم من جحد نزولها، ومنهم من تأول آيات القرآن ليفسرها بغير الثابت والصحيح من أسفار الإنجيل، ومنهم من فسرها بمائدة المعارف الروحية.\nوهاكم بعض التفاصيل:\n١- الذين جحدوا نزولها:\nحدثنا الطبري١ من أنبائهم، وحكى لنا اختلافهم في مقالة الإنكار، فذكر عن بعضهم أنهم قالوا: (إنما هذا مثل ضربه الله تعالى لخلقه، نهاهم به عن مسألة نبي الله الآيات، ولم ينزل شيء) .\nونسب هذا الرأي إلى مجاهد.\n_________\n١ انظر تفسير الطبري ج ١١ ص ٢٣٠- ٢٣١.","vol":"1","page":180},{"text":"وقال آخرون إن القوم لما قيل لهم: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ العَالمِينَ﴾ استعفوا منها فلم تنزل.\nوعزا الطبري هذا الرأي إلى الحسن.\nوقد تعرض ابن كثير١ لرأي المنكرين لنزولها؛ فقال عنه من حيث الإسناد: وهذه أسانيد صحيحة إلى مجاهد والحسن.\nثم ارتأى ابن كثير أن يعرض حجج المنكرين لنزولها والمثبتين؛ فقال محتجا لدعوى الإنكار: وقد يتقوى ذلك (يعني إنكار نزولها) بأن خبر المائدة لا يعرفه النصارى وليس هو في كتابهم٢، ولو كانت قد نزلت لكان ذلك مما تتوفر الدواعي على نقله، وكان يكون موجودا في كتابهم متواترا، ولا أقل من الآحاد والله أعلم.\nثم قال عن رأي المثبتين: \"إنه هو الذي عليه الجمهور، وهو الذي اختاره ابن جرير، ونقل حجة ابن جرير في الإثبات، ثم بين ابن كثير موقفه هو بقوله: وهذا القول - والله أعلم - الصواب، وكما دلت عليه الأخبار والآثار عن السلف\" ا؟.","vol":"1","page":181},{"text":"٢-<span data-type=\"title\" id=toc-25> رأي ابن جرير الطبري:</span>\nاستعرض ابن جرير رأي المثبتين لنزولها والمنكرين، ثم انتهى إلى تقرير موقفه٣ وهو: \"والصواب من القول عندنا في ذلك أن يقال: إن الله - تعالى ذكره - أنزل المائدة على الذين سألوا عيسى مسألته ذلك ربه؛ وإنما قلنا ذلك للخبر الذي روينا بذلك عن رسول الله ﷺ وأصحابه، وأهل التأويل من بعدهم، غير من انفرد بما ذكرنا عنه.\nوبعد؛ فإن الله - تعالى ذكره - لا يخلف وعده، ولا يقع في خبره الخلف، وقد قال - تعالى ذكره - مخبرا في كتابه عن إجابة نبيه عيسى ﷺ حين سأله ما سأله من ذلك: ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَليْكُمْ﴾، وغير جائز أن يقول تعالى ذكره: ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَليْكُمْ﴾ ثم لا ينزلها؛ لأن ذلك منه - تعالى ذكره - خبر، ولا يكون منه خلاف ما يخبر، ولو جاز أن يقول: ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَليْكُمْ﴾ ثم لا ينزلها عليهم جاز أن يقول: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ العَالمِينَ﴾، ثم يكفر منهم بعد ذلك فلا يعذبه، فلا يكون لوعده ولا لوعيده حقيقة ولا صحة، وغير جائز أن يوصف ربنا تعالى ذكره بذلك\" ا؟.\n_________\n١ انظر تفسير ابن كثير ج ٢ ص ١١٩ ط الحلبي.\n٢ ليس للنصارى الآن كتاب واحد بل هي أسفار شتى، كتبها آحاد بأيديهم ورواها عنهم آحاد، وصلتها بالوحي منقطعة.\n٣ انظر تفسير ابن جرير الطبري ج ١١ ص ٢٣١- ٢٣٢.","vol":"1","page":181},{"text":"٣-<span data-type=\"title\" id=toc-26> محتويات المائدة:</span>\nأسهب بعض المفسرين في ذكر محتويات المائدة من الأرغفة، ومشوي السمك الدسم، وما نضد حولها من كل البقول، وما وضع عليها من الزيتون، والرمان، والثمرات.\nومن هذا ما فعله القرطبي حين نقل عن غيره - وأنصف فذكر أسانيد نقوله - وكان مما قال عن حديث محتويات المائدة: (في هذا الحديث مقال ولا يصح من قبل إسناده)، وبعد مناقشة الأسانيد والكلام في رفعها أنهى مطافه بهذه العبارة الجامعة: \"والمقطوع به أنها أنزلت، وكان عليها طعام يؤكل والله أعلم بتعيينه\"١.\nولقد سبقه إلى هذا المنهج القويم شيخ المفسرين الطبري حين قال٢: \"وأما الصواب من القول فيما كان على المائدة فأن يقال: كان عليها مأكول، وجائز أن يكون سمكا وخبزا، وجائز أن يكون ثمر من ثمر الجنة، وغير نافع العلم به، ولا ضار الجهل به، إذا أقر تالي الآية بظاهر ما احتمله التنزيل\" ا؟.","vol":"1","page":182},{"text":"٤-<span data-type=\"title\" id=toc-27> المائدة في رواية (إنجيل متى) </span>٣:\nذكرنا منذ قليل رأي الحافظ ابن كثير الذي يقول فيه: \"إن خبر المائدة لا يعرفه النصارى وليس في كتابهم\"، ولقد حاول الشيخ عبد الوهاب النجار٤ أن يأخذ من كلام ابن كثير ما يوافق هواه، ثم ادعى أن الإشارة إلى المائدة قد وجدت في كتب النصارى؛ مستندا في ذلك إلى قصة وردت في (إنجيل متى) تتفق بعض الاتفاق مع بعض الروايات الواهية والمدخولة في كتب التفسير عن المائدة، وتختلف كل الاختلاف عن ما ذكره العلي الأعلى في القرآن الكريم عن المائدة.\nفما هي رواية (متى) في إنجيله؟\nابتدأ (متى) الإصحاح الرابع عشر بذكر قصة قتل يوحنا (يحيى ﵇) على يد الحاكم الروماني هيرودس، ثم انتقل إلى القصة التي توهم الشيخ النجار أنها هي قصة المائدة، ونص عبارات (متى) هو: \"ولما صار المساء تقدم إليه تلاميذه قائلين: الموضع خلاء،\n_________\n١ انظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج ٦ من ص ٣٦٤- ٣٧٤.\n٢ انظر تفسير الطبري ج ١١ ص ٢٣٢.\n٣ ينقسم العهد الجديد وهو الكتاب المقدس عند المسيحيين إلى سبعة وعشرين سفرا منها الأناجيل الأربعة وهي: إنجيل متى، وإنجيل مرقس، وإنجيل لوقا، وإنجيل يوحنا، ومن اليقين أنها جميعا ليست هي الإنجيل الذي أنزله الله تعالى على المسيح عيسى ﵇، بل هي أشبه بالتاريخ لحياة المسيح ﵇ مع ذكر بعض الوصايا التي تنسب إليه.\n٤ انظر كتاب (قصص الأنبياء) للشيخ عبد الوهاب النجار ص ٤١٢ ط الثالثة.","vol":"1","page":182},{"text":"والوقت قد مضى، اصرف الجموع لكي يمضوا إلى القرى، ويبتاعوا لهم طعاما، فقال لهم يسوع: لا حاجة لهم أن يمضوا، أعطوهم أنتم ليأكلوا، فقالوا له: ليس عندنا هاهنا إلا خمسة أرغفة وسمكتان، فقال: ائتوني بها إلى هنا، فأمر الجموع أن يتكئوا على العشب، ثم أخذ الأرغفة والسمكتين، ورفع نظره نحو السماء وبارك وكسر، وأعطى الأرغفة للتلاميذ.. والتلاميذ للجموع، فأكل الجميع وشبعوا، ثم رفعوا ما فضل من الكسر اثنتي عشرة قفة مملوءة، والآكلون كانوا خمسة آلاف رجل ما عدا النساء والأولاد\"١.","vol":"1","page":183},{"text":"٥- أ -<span data-type=\"title\" id=toc-28> تأويل صاحب قصص الأنبياء لنزول المائدة:</span>\nحينما أصدر الشيخ محمد عبد الوهاب النجار كتابه (قصص الأنبياء) قارن المنصفون كتابه بكتاب قصص الأنبياء للثعلبي المسمى (بعرائس المجالس)، وهو كتاب قمَّ فيه مؤلفه الكثير من الإسرائيليات والخرافات، فكانت عقبى المقارنة رجحان كتاب الشيخ النجار، لكن كتابه لم يخل من هفوات تعد عليه، ولا من مآخذ أمرها لم يكن هونا، وقد انتقدتها عليه لجنة من كبار العلماء حين صدور الكتاب.\nومن هذه المآخذ: تأويله لقصة نزول المائدة تأويلا عجيبا، يخضع فيه القرآن لأقاصيص العهد الجديد، وللخرافات الإسرائيلية، ونقل القصة التي نقلناها آنفا عن إنجيل متى، ثم قال: \"إن هذه المسألة هي مسألة المائدة السماوية، ومعنى كونها سماوية أن الله تعال بارك في الطعام بطريقة غير معروفة ولا مألوفة، وقد حكيت في القرآن\".\nوبعد ذكر الشيخ لآيات سورة المائدة، وآراء المفسرين في نزولها، أو عدم نزولها، عاد ليؤكد رأيه بقوله: \"وأنا أكرر القول: إن مسألة المائدة هي مسألة الأرغفة الخمسة والسمكتين، والمراد بإنزالها عليهم: أن يرزقهم الله الطعام الكثير من حيث لا يحتسبون\".\nثم عاود القول٢: \"إنه يمكن حمل إنزال المائدة من السماء على تيسير الطعام لهم بدون الأسباب العادية التي يعرفونها، وقد جرى العرف على تسمية الأشياء التي يعجز الناس عن تعليلها بأنها سماوية، وذكر ذلك في كتب الفقهاء كثيرا، وتكثير الطعام القليل إلى أن يعم الآلاف من الناس أمر يعجز البشر بمقتضى بشريتهم عن أن يأتوا بمثله\" ا؟.\n_________\n١ انظر الإنجيل من العهد الجديد وهو إنجيل متى الإصحاح الرابع عشر الفقرات من ١٥: ٢١.\n٢ انظر قصص الأنبياء ص ٤١٥.","vol":"1","page":183},{"text":"ب-<span data-type=\"title\" id=toc-29> المآخذ على تأويله:</span>\nالمأخذ الأول: تفسير القرآن بالأعراف، والعرف مختلف باختلاف الناس والزمان والمكان، وذلك كما ترى في قوله: \"وقد جرى العرف على تسمية الأشياء التي يعجز الناس عن تعليلها بأنها سماوية\".\nالمأخذ الثاني: صرف القرآن عن الظاهر المتبادر، وعن دلالة السياق، ليوافق رواية في الإنجيل لو سلمنا جدلا بصحتها فهي مختلفة عن مائدة الحواريين، ثم دعواه أنه يتحدى لجنة العلماء أن تأتي من ألفاظه ما يبين أنه قال بصحة إنجيل (متى)، ونقول له لا دليل عليك أقوى ولا أبلغ مما فعلت.\nالمأخذ الثالث: زعمه أن١ معجزة المائدة ليس فيها نص قطعي الثبوت والدلالة، وهو زعم ما كان لمثله أن ينزل نفسه هذا المنزل الوعر، فآيات سورة المائدة قطعية الثبوت إيمانا يقينا منا ومنه، ودلالتها أيضا كذلك.\nالمأخذ الرابع: اعترافه صراحة بأنه اتخذ التأويل سلما للإنكار، وذلك حين قال في خاتمة رده٢: \"هل يزيد ما قلته على أني أنكر نزول المائدة؟ وهل يعيبني عند ربي أن أنتظم في صف مجاهد والحسن؟ \".\nالمأخذ الخامس: مع أننا لا نأخذ في هذه المسألة برأي مجاهد والحسن رحمهما الله وغفر لهما، إلا أن تأويل الشيخ النجار يختلف تماما عن صنيعهما.\nالمأخذ السادس: نقله بعض المسطور في كتب التفسير، دون الإشارة إلى أن أصحاب هذه التفاسير ينقلون ما يوافقهم وما يخالفهم، وقد سبق أن نقلنا لقارئ هذه الأسطر عن الطبري وابن كثير ما يبين إيمانهما بنزول المائدة، ولكن الشيخ كان يوهم القارئ بترجيح المفسرين لما ليس براجح عندهم.\nالمأخذ السابع: قوله إن كلمة (الإنزال) في القرآن وردت لعديد من المعاني غير معناها الأول، وهو الإنزال من السماء إلى الأرض، ليكون هذا التلبيس عونا له على تأويله.\nالمأخذ الثامن: يظهر للمتمعن لآراء الشيخ أنه ينكر نزول المائدة؛ اتباعا لمذهب عقلي جامح يحاول أن يخضع الأخبار الغيبية في القرآن للمنطق المادي.\n_________\n١ هذه العبارات منقولة من قصص الأنبياء كما سبقت الإشارة، ورأينا تجنبا للتكرار إيراد مآخذنا مع عبارته المنتقدة.\n٢ هذه العبارات منقولة من قصص الأنبياء كما سبقت الإشارة، ورأينا تجنبا للتكرار إيراد مآخذنا مع عبارته المنتقدة.","vol":"1","page":184},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-30>نسج الخيال حول المائدة</span>\n...\n٦- نسيج الخيال حول المائدة:\nلم يقف خيال الروائيين عند محتويات المائدة كما سبق أن أسلفنا، بل امتد ليصور أن واحدا من الحواريين وهو (شمعون) سأل المسيح ﵇ عن طعامها أهو من طعام الدنيا أم من طعام الآخرة؟ وأن المسيح ﵇ أجاب: بأنه ليس منهما، وإنما اخترعه الله ﷾ بقدرته.\nونحن لا نحاكم هذه الرواية إلى العقل لو صحت، وإنما نحاكمها لأنها هجمة على الغيب بالخيال والهوى.\nوتصور رواية ثانية: أن الحواريين سألوا المسيح ﵇ أن يحدث لهم من آية المائدة آية أخرى، فنادى سمكة أن تحيا بإذن الله تعالى فاضطربت، ثم قال لها: عودي كما كنت، فعادت مشوية.\nوتصور رواية ثالثة: أن المائدة كانت تطير وترتفع، ثم تهبط إليهم، وهكذا استمر أمرها أربعين يوما.\nوتصور رواية رابعة: أنه لم يأكل منها فقير إلا ولازمه الغنى طيلة حياته، ولم يطعم منها مريض إلا فارقه المرض، وظل مهاجرا له مادام حيا.\nوهكذا سطرت الروايات، واختُلِقَت الأساطير، ومن عجب أن ننقل ما سبق من الروايات عن تفسير الزمخشري١ والبيضاوي، وهما من كتب التفسير بالرأي لا بالرواية، ولو جاءنا النقل الصحيح بهذه الأخبار ما ترددنا في قبولها لحظة نهار.","vol":"1","page":185},{"text":"وذهب القشيري يحمل آيات سورة المائدة أفكاره الصوفية؛ فقال١: \"طلب المائدة المسيح ﵇ لتسكن قلوبهم بما يشاهدونه من عظيم الآية وعجيب المعجزة؛ فعذروا وأجيبوا إليها، إذ كان مرادهم حصول اليقين وزيادة البصيرة.\nويقال كل يطلب سؤله على حسب ضرورته وحالته، فمنهم من كان سكونه في مائدة من الطعام يجدها، ومنهم من يكون سكونه في مائدة من الموارد يردها، وعزيز منهم من يجد الفناء٢ عن برهان يتأمله، أو بيان دليل يطلبه.\nوشتان بين أمة طلب لهم نبيهم سكونا بإنزال مائدة عليهم، وبين أمة بدأهم الله سبحانه بإنزال السكينة عليهم، من غير سؤال أحد قال الله تعالى: ﴿هُوَ الذِي أَنْزَل السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ (٤: الفتح)، وفرق بين مَن زيادة إيمانه بآياته التي تتلى عليهم، وبين مَن يكون سكونهم إلى كرامات وعطايا تباح لهم.\nفلما انتهى القشيري إلى قوله جل ذكره: ﴿قَال اللهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَليْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ العَالمِينَ﴾ (١١٥: المائدة): أجابه إلى سؤاله٣ لهم، ولكن توعدهم بأليم العقاب لو خالفوا بعده، ليعلم السالكون أن المراد إذا حصل، وأن الكرامة إذا تحققت، فالخطر أشد، والحال من الآفة أقرب، وكلما كانت الرتبة أعلى، كانت الآفة أخفى، ومحن الأكابر إذا حلت جلت\"٤ ا؟.","vol":"1","page":186},{"text":"٨-<span data-type=\"title\" id=toc-31> تعقيب:</span>\nتفقد الألفاظ اللغوية دلالتها الحقيقية في الفكر الصوفي، ويخرج بها إلى متاهات لا إلى مجازات؛ فالمائدة هي مائدة المعارف، والحقائق الدينية أسرار محجبة وعلوم (مضنون بها على غير أهلها)، وإذا انكشفت لذوي الرتب الأدنى ضلوا ضلالا بعيدا.\nوالمعلوم لكل مسلم أن الحقائق الدينية هي وحي الله إلى رسوله، وكلما ازداد المسلم علما، كان العلم سلما إلى اليقين لا إلى الشك، وكلما انكشف له حكم من أحكام\n١ انظر لطائف الإشارات ج ٢ ص ١٥٠- ١٥١ بتحقيق الدكتور إبراهيم بسيوني ط دار الكتاب العربي بالقاهرة واللطائف تفسير صوفي كامل للقرآن الكريم.\n٢ الفناء: مصطلح صوفي، ولعله يعني أن العزيز من فني في الله فكان فناؤه مغنيا له عن طلب الدليل والبرهان، وتعالى الله علوا كبيرا عن هذه الشطحات، وقد يتوهم قارئ أن الكلمة هي (الغناء) بالغين، وليس كذلك وربما قصد بقوله: (وعزيز منهم) أي قليل منهم..\n٣ أي أجاب الله سبحانه المسيح إلى طلبه المائدة للحواريين.\n٤ يعني إذا نزلت بهم المحنة أظهرت حقيقة معدنهم.","vol":"1","page":186},{"text":"الله واستمسك به، كان ذلك معبرا له إلى النجاة، لا (أن يضل ضلالا بعيدا) كما يذكر البيضاوي، أو تصبح (الآفة أخفى) كما قال القشيري، مع أنوار قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَليْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (٢: الأنفال)، وقفة متجردة لما قال ما قال، ومع هذا فقد أجاد القشيري حين قارن بين من كانت المائدة سكونا لهم، وبين من بدأهم الله بالسكينة.","vol":"1","page":187},{"text":"٩-<span data-type=\"title\" id=toc-32> اختلافات المفسرين حول قوله تعالى: ﴿هَل يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ </span>.\nكان المبادر إلى ذهن القارئ أن تكون هذه هي نقطة البدء، لكننا بدأنا بالحديث عن المائدة؛ إذ هي محور الموضوع، وعنايتنا في هذه المباحث هي بذكر التأويلات، ثم نكرُّ عليها بما يجلِّي الحقيقة.\nفأما قوله تعالى: ﴿إِذْ قَال الحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَل يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّل عَليْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ (١١٢: المائدة) فالأقوال في معنى هذه الآية كثيرة.\nفبينما نرى مفسرا كالزمخشري يرى أن هذا القول منهم دليل على أن إيمانهم كان دعوى لا حقيقة؛ وذلك إذ يقول متبعا طريقته في الفنقلة١: فإن قلت: كيف قالوا ﴿هَل يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ بعد إيمانهم وإخلاصهم، قلت: ما وصفهم الله بالإيمان والإخلاص، وإنما حكى ادعاءهم لهما، ثم أتبعه قوله: ﴿إِذْ قَال الحَوَارِيُّونَ﴾؛ فآذن أن دعواهم كانت باطلة، وأنهم كانوا شاكين، وقولهم: ﴿هَل يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ كلام لا يرد مثله عن مؤمنين معظمين لربهم..\nنقول بينما يقول الزمخشري بهذا نجد مفسرا آخر، بينه وبين الزمخشرري اختلافات في العصر والمنهج والمذهب، يقول بمثله، وهذا المفسر هو ابن جرير الطبري؛ فقد أفاض في مناقشة المسألة وانتهى إلى رأي٢ هو: \"وخبر الله - تعالى ذكره - عن القوم ينبئ بخلاف ذلك، - أي بخلاف أنهم كانوا في درجة اليقين -، وذلك أنهم قالوا لعيسى إذ قال لهم: ﴿اتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ .. ﴿قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُل مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾؛ فقد أنبأ هذا من قبلهم أنهم لم يكونوا يعلمون أن عيسى قد صدقهم، ولا اطمأنت قلوبهم إلى حقيقة نبوته؛ فلا بيان أبين من هذا الكلام، في أن القوم كانوا قد خالط قلوبهم حرض وشك في دينهم وتصديق رسولهم، وأنهم سألوا ما سألوا من ذلك اختبارا\" ا؟.\n_________\n١ انظر الكشاف للزمخشري ج ١ ص ٤٩٠- ٤٩١.\n٢ انظر تفسير الطبري ج ١١ ص ٢٢١ ط المعارف.","vol":"1","page":187},{"text":"١٠-<span data-type=\"title\" id=toc-33> اختيارنا في المسألة:</span>\nوالحق أن اختيارنا في المسألة لا يخالف في شيء ما اختاره شيخ المفسرين، واستدل له بصريح دلالة ألفاظ القرآن، وبما برهن عليه السياق١، ومع هذا فإن المنهج العلمي يقتضينا أن نذكر الرأي المخالف ليكون القارئ على بينة، وقد وجدنا عند القاسمي جلاء وبينا لهذا الرأي.","vol":"1","page":188},{"text":"١١-<span data-type=\"title\" id=toc-34> رأي القاسمي:</span>\nعرض القاسمي للقراءات في الآية ثم للإشكال فيها، فقال٢: \"وهاهنا قراءتان: الأولى: ﴿وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا رَبُّكَ﴾ بالياء على أنه فعل وفاعل و﴿أَنْ يُنَزِّل﴾ المفعول، والثانية بالتاء و﴿رَبُّكَ﴾ بالنصب أي سؤال ربك، فحذف المضاف، والمعنى: هل تسأله ذلك من غير صارف يصرفك عنه؟ وهي قراءة علي وعائشة وابن عباس ومعاذ ﵃، وسعيد بن جبير والكسائي.\nقال أكثر المفسرين٣: الاستفهام على القراءة الأولى محمول على المجاز؛ إذ لا يسوغ لأحد أن يتوهم على الحواريين أنهم شكوا في قدرة الله تعالى، لكنه كما يقول الرجل لصاحبه: هل تستطيع أن تقوم معي؟ مع علمه بأنه يقدر على القيام، مبالغة في التقاضي٤، وإنما قصد بقوله (هل تستطيع) هل يسهل عليك، وهل يخف عليك أن تقوم معي؟ فكذلك معنى الآية؛ لأن الحواريين كانوا مؤمنين عارفين بالله ﷿، ومعترفين بكمال قدرته، وسؤالهم ليس لإزاحة شك، بل ليحصل لهم مزيد الطمأنينة، كما قال إبراهيم ﵇: ﴿وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلبِي﴾، ولا شك أن مشاهدة هذه الآية العظيمة تورث مزيد الطمأنينة في القلب؛ ولهذا السبب قالوا: ﴿وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا﴾ .\nوحاصله أن ﴿هَل يَسْتَطِيعُ﴾ سؤال عن الفعل دون القدرة عليه، وهو تعبير عنه بلازمه، أو عن السبب بسببه، وقيل المعنى: هل يستطيع ربك؟ أي هل يستجيب دعوتك إذا دعوته؟ (فيستطيع) بمعنى (يطيع)، وهما بمعنى واحد والسين زائدة، كاستجاب وأجاب٥، واستجبْ وأجب، و(يطيع) بمعنى (يجيب) مجازا، لأن المجيب مطيع.\n_________\n١ لولا خشية الإطالة لنقلنا رأي الطبري كاملا فانظره إن شئت ج ١١ ص ٢٢٠ إلى ٢٢٢.\n٢ انظر كتاب (محاسن التأويل) ج ٦ ص ٢١١٢، ٢٢١٣.\n٣ قوله: (أكثر المفسرين) لا يخلو من مجانبة للدقة.\n٤ في الاستنهاض والمطالبة.\n٥ تتضمن استجاب معنى أجاب، وفي زيادة المبنى زيادة معنى، تأمل ﴿فاستجاب لهم ربهم﴾ (١٩٥ك آل عمران) ﴿ادعوني استجب لكم﴾ (٦٠: غافر) تجد فيها الإجابة والعطاء، وبالنسبة للبشر وما فيهم من قصور جاء على لسانهم قوله تعالى: ﴿نجب دعوتك ونتبع الرسل..﴾ (٤٤: إبراهيم) .","vol":"1","page":188},{"text":"وذكر أبو شامة: أن النبي ﷺ عاد أبا طالب في مرض، فقال له: يا بن أخي ادع ربك أن يعافيني، فقال: اللهم اشف عمي؛ فقام كأنما نشط من عقال، فقال: يا بن أخي إن ربك الذي تعبده ليطيعك، فقال: يا عم، وأنت لو أطعته لكان يطيعك، أي يجيبك لمقصودك، وحسنه في الحديث المشاكلة، فظهر أن العرب استعملته بهذا المعنى\". ا؟.","vol":"1","page":189},{"text":"تاسعا:<span data-type=\"title\" id=toc-35> تأويل الفلاسفة لكيفية الوحي إلى رسول الله ﷺ:</span>\nعند تفسير قول الله ﷾: ﴿سُبْحَانَ الذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ ليْلًا..﴾ (١: لإسراء) استطرد الفخر الرازي مفندا١ لشبهات منكري المعراج، فاستدل على وقوع المعراج بأن من يؤمن بنزول جبريل ﵇ - من الملأ الأعلى - بالوحي، يجب عليه أن يؤمن بصعود الرسول صلوات الله عليه بجسمه وروحه ليلة المعراج؛ لأن معراج الرسول بجسده كنزول الملك وهو جسم.\nثم ذكر تأويل الفلاسفة - الذين يسميهم بالحكماء - لكيفية الوحي وهو: \"زوال الحجب الجسمانية عن روح محمد ﷺ، حتى يظهر في روحه من المكاشفات والمشاهدات بعض ما كان حاضرا متجليا في ذات جبريل ﵇\".\nثم عقب الرازي على هذا التهافت الفلسفي بقوله: \"تفسير الوحي بهذا الوجه هو قول الحكماء، فأما جمهور المسلمين فهم مقرون بأن جبريل ﵊ جسم، وأن نزوله عبارة عن انتقاله من عالم الأفلاك إلى مكة\"٢.\nونحن نعقب: بأن رأي الفلاسفة هذا، اتباع للظن ومصادم لما جاء به القرآن في شأن جبريل ﵇، فالله سبحانه قد وصفه بأنه ﴿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى، وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلى﴾ (٦، ٧: النجم)، فاستواؤه بالأفق الأعلى كما رآه رسول الله في بدء الوحي \"سادا عظم خلقه ما بين السماء والأرض\" فرآه على صورته الحقيقية٣ التي خلقه الله عليها، وهذا يؤكد الجسمانية والحركة لجبريل ﵇ ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلى، فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ (٨، ٩: النجم)، فالدنو والتدلي والقرب هي حركات جسمانية من جبريل ﵇\n_________\n١ تلخيص لما ذكره الفخر الرازي في تفسيره الكبير ج ٢٠ ص ١٤٨.\n٢ في باب (كيف كان بدء الوحي) من صحيح البخاري ج ١ ص ٧ بحاشية السندي ط الحلبي، ورد قول الرسول صلوات الله وسلامه عليه: \"فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض\"، وفي تفسير سورة النجم في البخاري ج ٣ ص ١٣٨ وردت رواية ابن مسعود أن الرسول – ﷺ – (رأى جبريل له ستمائة جناح) .\n٣ في باب (كيف كان بدء الوحي) من صحيح البخاري ج ١ ص ٧ بحاشية السندي ط الحلبي، ورد قول الرسول صلوات الله وسلامه عليه: \"فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض\"، وفي تفسير سورة النجم في البخاري ج ٣ ص ١٣٨ وردت رواية ابن مسعود أن الرسول – ﷺ – (رأى جبريل له ستمائة جناح) .","vol":"1","page":189},{"text":"والقرآن صريح في نزول جبريل ﵇، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ (٦٤: مريم)، وقوله سبحانه: ﴿وَلقَدْ رَآهُ نَزْلةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهَى﴾ (١٣، ١٤: النجم) رأى رسول الله جبريل مرة ثانية على صورة الملائكة عند سدرة المنتهى.\nولقد رأى الرسول جبريل متشكلا في صورة بشرية لرجل من العرب هو دحية الكلبي، وفي حديث الصحيحين المروي عن أبي هريرة وعمر ﵄ قال عمر: \"بينما نحن جلوس عند رسول الله ذات مرة إذ دخل علينا رجل، شديد بياض الوجه، شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر..\" الخ الحديث، فهذه كلها صفات حسية.\nوفي حديث بدء الوحي في الصحيحين ضم جبريل رسول الله ﷺ إلى صدره \"..فأخذني فغطني١ - بالتاء أو بالطاء - حتى بلغ مني الجهد مبلغه ثم أرسلني..\"٢.\nكل هذا وغيره كثير يدحض دعاوى الفلاسفة في كيفية الوحي٣.\nعلى أن تصوير الوحي على أنه مكاشفات ومشاهدات على النحو المذكور، قول على الله بغير علم، وغض من قيمة الوحي، وتشكيك في كيفية تلقي القرآن، خاصة إذا علم القارئ أن هذه الألفاظ (المكاشفة والمشاهدة) انتقلت عند المتصوفة والفلاسفة عن وضعها اللغوي إلى وضع اصطلاحي، وعندهم أن المكاشفة تقع بزعمهم للولي فهي دون الوحي.. وإن زعم بعضهم أن مقام الولاية أعلى من مقام النبوة والرسالة، وعبر عن هذا التلبيس بقوله:\nمقام النبوة في برزخ ... فويق الرسول ودون الولي","vol":"1","page":190},{"text":"عاشرا:<span data-type=\"title\" id=toc-36> تأويل الفجر بتفجر الماء:</span>\nحول قول الله ﵎: ﴿وَالفَجْرِ وَليَالٍ عَشْرٍ﴾ (١، ٢: الفجر)، أورد المفسرون أقوالا حول معنى الفجر.\nوكان من أغرب هذه الآراء رأي أورده الفخر\n_________\n١ لم نجد في عدد من المعاجم ما يسد النهمة في معنى هذه الكلمة، حتى انتهينا إلى الزمخشري في كتابه الفائق في غريب الحديث والأثر ج ٢ ص ٢٠٧ ط الحلبي فوجدناه يقول: الغت، والغط، والغطس، واحد هو المقل (أي الغمس) في الماء، ولما كان من شأن من يغط صاحبه في الماء أن يدارك (يتابع) ذلك، وأن يضغط صاحبه، ويبلغ منه الجهد..جاء في الحديث (..فغتني..) والمعنى: فغتني: ضغطني) ا؟ بتصرف.\n٢ انظر صحيح البخاري ج ١ ص ٣ ط الشعب، ورواية البخاري: (غطني) بالطاء، وقال ابن فارس في المقاييس ج ٤ ص ٣٧٩: الغين والتاء ليس بشيء، إنما هو إبدال تاء من طاء تقول: غططته وغتته.\n٣ فصلنا القول في كيفية الوحي في بحث عنوانه (القرآن الكريم من قضايا الوحي والتنزيل) .","vol":"1","page":190},{"text":"الرازي في تفسيره١ وهو: \"..أو عنى بالفجر العيون التي تنفجر منها المياه وفيها حياة الخلق\"، وقد ذكر الرازي هذا التأويل بين جملة أقوال أخرى في تفسير الآية.\nوهذا التأويل يجد له عونا وظهيرا من بعض المعاني اللغوية للكلمة، فابن فارس في معجم المقاييس٢ يقول: \"الفاء والجيم والراء: أصل واحد وهو التفتح في الشيء، من ذلك الفجر: انفجار الظلمة من الصبح، ومنه انفجر الماء انفجارا: تفتح، والفجرة موضع تفتح الماء، ثم كثر هذا حتى صار الانبعاث والتفتح في المعاصي فجورا، ثم كثر هذا حتى سمي كل مائل عن الحق فاجرا.. ومن الباب: المفاجر: لانفجار الماء فيها.. ويوم الفجار: يوم للعرب استحلت فيه الحرمة\" ا؟..\nوإلى معنى الشق والتفجر أشار الراغب بقوله٣: (ومنه تفجير الأرض عيونا وأنهارا، ومنه قيل للصبح فجرا لكونه فجر الليل، والفجور شق في ستر الديانة) .\nومع ما ذكرناه من معاضدة بعض معاني الكلمة لما ذكره الرازي، فهل يعني هذا أن ذلكم التأويل لا يجافي الصواب؟.\nالحق أن المراجع التي رجعنا إليها من كتب التفسير ذكرت للفجر معاني هي:\n١- الفجر هو \"أول أوقات النهار، الذي هو أحد قسمي الزمان\"٤، وقريب منه تعريف من عرفه بأنه: انفجار الظلمة عن النهار من كل يوم، فيكون المقصود مطلق الفجر، وقد نسب هذا الرأي إلى علي، وابن الزبير وابن عباس رضي الله عنهم٥.\n٢- إن المقصود بالفجر النهار كله، وعبر عنه بالفجر لأنه أوله وعزي كذلك إلى ابن عباس.\n٣- فجر أول يوم من المحرم، منه تنفجر السنة، ونسب أيضا إلى ابن عباس وقتادة.\n٤- إن المقصود به صلاة الصبح.\n_________\n١ انظر تفسيره الكبير مفاتح الغيب سورة الفجر ج ٨ المطبعة البولاقية أو ج ٣٢ ط: عبد الرحمن محمد.\n٢ انظر معجم المقاييس ج ٤ ص ٤٧٥، ٤٧٦ بتصرف، وقريب منه ما ورد في معجم ألفاظ القرآن الكريم للأستاذ أمين الخولي ج ٤ ص ٣١٩.\n٣ انظر مادة فجر في مفردات الراغب الأصفهاني ص ٣٧٣ ط الحلبي بإيجاز وتصرف.\n٤ أحكام القرآن لأبي بكر بن العربي ق ٤ ص ١٩١٣. ويقصد بقسمي الزمان الليل والنهار.\n٥ انظر القرطبي ج ٢٠ ص ٣٨، وانظر كذلك الفتوحات الإلهية في تفسير الجلالين للجمل ج ٤ ص ٥٢٨.","vol":"1","page":191},{"text":"١- فجر يوم النحر.\n٢- فجر الأول من ذي الحجة؛ لأن (الليالي العشر) هي الليالي العشر من ذي الحجة.\nهذه مجموع الآراء التي أحصيناها من كتب التفسير التي رجعنا إليها.\nولم نجد شبيها - في الطرافة - بهذا التأويل الغريب الذي ذكره الرازي إلا إشارة ذكرها القاسمي١ في كتابه محاسن التأويل، وهي: \"والفجر أي الصبح كقوله تعالى ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ (١٨: التكوير)؛ أقسم تعالى بآيته، لما يحصل به انقضاء الليل، وظهور الضوء، وانتشار الناس وسائر الحيوانات، لطلب الأرزاق، وذلك مشاكل لنشور الموتى من قبورهم، وفيه عبرة لمن تأمل\" ا؟.\nوهذه الإشارة من القاسمي قد تكون محتملة.\nونعود إلى ذكر الرأي الذي نرجحه وهو أن المقصود بالفجر أول وقت النهار.\nوالذي يبين أن هذا الرأي هو الأرشد في فهم الآية الدلائل الآتية:\n١- إن قرينة السياق تعين عليه، فبعد ذكر الفجر، جاء ذكر الليالي العشر.\n٢- إن كلمة الفجر لم تستعمل في القرآن إلا في معنى أول ضوء النهار، كما قال تعالى: ﴿.. حَتَّى يَتَبَيَّنَ لكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ﴾ (١٨٧: البقرة)، ﴿إِنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ (٧٨: الإسراء)، ﴿.. مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ﴾ (٥٨: النور)، ﴿سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلعِ الفَجْرِ﴾ (٥: القدر) .\n٣- إن أقوال المفسرين قد أجمعت على أن المقصود بالفجر هو أول وقت النهار، وإن اختلفوا في جعل الفجر على إطلاقه، أو تحديد فجر يوم بعينه؛ فإن هذا الاختلاف هو من قبيل اختلاف التنوع.","vol":"1","page":192},{"text":"الحادي عشر:<span data-type=\"title\" id=toc-37> تأويل (الأوتاد) بالأهرامات:</span>\nعند قول الله ﵎: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ﴾ (١٠: الفجر) قال الشيخ محمد عبده٢: \"إن أظهر أقوال المفسرين فيها ملائمةً للحقيقة أنّ الأوتاد هي المباني العظيمة الثابتة.. وما أجمل التعبير عما ترك المصريون من الأبنية الباقية بالأوتاد، فإنها هي\n_________\n١ انظر محاسن التأويل ج ١٧ ص ٦١٤٤، وتفسير الفجر بالصبح إذا تنفس قاله أبو السعود العمادي المتوفى سنة ٩٥١؟ في تفسيره إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ج ٥ ص ٢٦٠ طبعة صبيح.\n٢ انظر تفسيره لسورة الفجر من جزء (عم يتساءلون) ط الشعب.","vol":"1","page":192},{"text":"الأهرام، ومنظرها في عين الرائي في منظر الوتد المغروز في الأرض، بل إن شكل هياكلهم العظيمة شكل الأوتاد المقلوبة.. وهذه هي الأوتاد التي يصح نسبتها إلى فرعون على أنها معهودة للمخاطبين\".\nهذا ما قاله الشيخ ﵀؛ فلننظر هل أصاب؟\n١- وصف الله فرعون بهذه الصفة في سورة الفجر، وفي قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الأَوْتَادِ﴾ (١٢: ص)، ووردت كلمة الأوتاد في وصف الجبال في قوله تعالى: ﴿أَلمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَادا وَالجِبَال أَوْتَادًا﴾ (٧: النبأ)، وإذا كان هذا هو استعمال الكلمة في القرآن فما معناها في اللغة؟\n٢- الوتد لغة١: \"قطعة من خشب أو حديد تثبت في الأرض أو الجدار؛ يشد بها حبل هو زمام لدابة أو طنب لخيمة.. ويقال: الجبال أوتاد الأرض على التشبيه، لأنها تثبت بها وتحفظها من الميدان والاضطراب\". وأما ابن فارس٢ فقال: \"الواو والتاء والدال: كلمة واحدة: هي الوتد يقال وتده ووتد الأذن الذي باطنها كأنه وتد\" وأضاف الفيروزأبادي٣ \"وأوتاد الأرض جبالها، ومن البلاد رؤساؤها، ومن الفم أسنانه، ووتد الوتد يتده وتدا: ثبته\"، وجاء من المجازي عند الزمخشري٤ \"وتد بالمكان وهو واتد: لا يبرح ثابت\".\n٣- وأما أقوال المفسرين في معنى الأوتاد فهي٥:\nأ - ذو الأوتاد: ذو البناء المحكم، كان كثير البنيان، والبنيان يسمى أوتادا.\nب - ذو الجنود الكثيرة، فسميت الجنود أوتادا، لأنهم يقوون أمره كما يقوي الوتد البيت، وقال ابن قتيبة: \"العرب تقول: هم في عز ثابت الأوتاد، يريدون دائما شديدا\"، وقريب من هذا الرأي من فسرها بأنه ذو القوة والبطش، أو لأن كثرة الجنود تقتضي كثرة الخيام والمضارب والأوتاد.\n_________\n١ انظر معجم ألفاظ القرآن الكريم إعداد مجمع اللغة العربية ص ٦٢١.\n٢ انظر معجم المقاييس ج ٦ ص ٨٣، والوتد: بفتح التاء وكسرها.\n٣ انظر القاموس المحيط ج ١ ص ٣٥٦.\n٤ انظر أساس البلاغة ص ١٠٠٤.\n٥ انظر في معاني الأوتاد تفسير القرطبي ج ١٥ ص ١٤٤، ١٤٥، ج ٢٠ ص ٤٨، والكشاف للزمخشري ج ٣ ص ٣٣٥، تفسير ابن كثير ج ٤ ص ٥٠٨، تفسير البيضاوي ص ٥٦٨.","vol":"1","page":193},{"text":"ج- إن المقصود بالأوتاد: أوتاد الحديد التي كان يشد إليها من يعذبهم، فقيل كان يربط الرجل كل قائمة من قوائمه في وتد، ثم يرسل عليه صخرة عظيمة.\n١- تأول الشيخ محمد عبده للأوتاد بالأهرامات علاوة على مناقضته لما تقدم؛ فإنه يقتضي قيام دليل تاريخي، على أن فرعون الذي أرسل إليه الكليم ﵇ بنى هرما من هذه الأهرامات، أو دفن في واحد منها حتى تصح نسبتها إليه، وهذا الدليل التاريخي غير قائم ولا ثابت.\n٢- يشم من وصف الشيخ للأهرامات بأنها هياكل عظيمة نزعة مفاخرة.. وهذه الأهرامات وإن كانت عظيمة بالمقياس المادي، فهي ليست كذلك في الميزان الإسلامي.","vol":"1","page":194},{"text":"الثاني عشر:<span data-type=\"title\" id=toc-38> الدابة التي تكلم الناس والتأويلات المتهافتة:</span>\nحول قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ القَوْلُ عَليْهِمْ أَخْرَجْنَا لهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآياتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾ (٨٢: النمل)، وجدنا لبعض المفسرين تعسفا في التفسير، ووجدنا عند غيرهم شططا في التأويل، وأخذ كل صاحب هوى يحمل الآية على هواه، أو يحمل ألفاظها مشتهاه، وهاك بسط القول:","vol":"1","page":194},{"text":"١-<span data-type=\"title\" id=toc-39> خروج الدابة وظهور الأرواح:</span>\nحاول الشيخ طنطاوي جوهر- جريا على مسلكه في التأويلات، واتباعا لنهجه في تحميل ألفاظ الآيات النظريات المحدثات- عقد الصلة بين خروج الدابة وبين خرافة ظهور الأرواح، فقال١: \"يقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ القَوْلُ عَليْهِمْ﴾ أي شارف الوقوع، وهو قرب قيام الساعة، وحقت كلمة العذاب على نوع الإنسان، فجهلوا بالمعنويات، وعكفوا على الماديات، وكذبوا الديانات، وشكوا في الآيات، وأصبحوا لا شرف لهم في حكوماتهم ولا أفرادهم، ومردوا على الكذب والنفاق، وازدادوا بالعلم عمى، وبالفلسفة ظلما، أخرج لهم من الأرض من يطرق الموائد ويحركها، ويمسك الأقلام في أيديهم، ويكتب لهم، ويتراءى لهم في أشكال وأزياء مختلفة، ووجوه نورية، فتراه أبصارهم، ويسمعون كلامه، وطورا يبصرون أشكالا، وتارة يقرؤون خطوطا، وآونة يسمعون صريرا وصوتا شديدا، كالرعد القاصف، وقد يحسون ببرودة تمر عليهم، ثم تتحرك الأيدي بالكتابة٢، فكان في عمله\n_________\n١ انظر (الجواهر في تفسير القرآن الكريم المشتمل على عجائب بدائع المكونات وغرائب الآيات الباهرات) للشيخ طنطاوي جوهري ج ١٣ ص ٢٥١، ٢٥٢ ط: ٣\n٢ كان الشيخ طنطاوي متعدد المعارف، متطلعا للجديد، وقد خدعته (الروحية الحديثة) الوافدة من الغرب، فكان ممن يشهدون جلساتها كما قرأنا عنه، والعبارات المذكورة تصف ما يخادع به دعاة الروحية من يشهدون جلساتهم، وهي مزاعم قريبة مما كانت تدعيه بعض الجمعيات الروحية، وهي دعاوى ليست من الحقيقة في شيء ونقول بذلك عن خبرة ومدارسة، لا عن تقليد ومشايعة.","vol":"1","page":194},{"text":"أشبه بمن يدب على الأرض من الإنسان في تعقله وعمله، وبما يجري فوقها من الدواب في حركاتها وأعمالها الأخرى، فهذا يشير له معنى قوله تعالى: ﴿أَخْرَجْنَا لهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ﴾، وهذه الدابة تبين للناس حقائق، وتدرس لهم حكمة وتريهم أنهم غافلون جاهلون ضالون، فيجلس أمامها أكبر الضالين، وأعظم الفاسقين وأشد الغافلين، ومن يدعي أنه ملك مقاليد العلم، وبرع في الحكمة الهادية، فيخر ساجدا لربه، خاضعا لخالقه، موقنا أن روحه ستبقى بعد موته، فهذا معنى تكلمهم.. الخ، وقرأ ابن مسعود: (تكلمهم بأن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون)، وهذا هو الحاصل الآن بعينه، وهذه معجزة القرآن، وحكمة ثابتة للفرقان، فإن الآلاف المؤلفة من البشر اليوم في أنحاء العالم يوقنون إذا تحققوا مذهب الأرواح، وليس الإيمان بكاف، بل اليقين هو أكمل الإيمان، فتعجب من الآية، وانظر كيف كان هذا مظهرها، وهي مسألة ظهور الأرواح والقرآن يشير إليها..\" ا؟\nولما أحسّ الشيخ أنه أبعد النجعة عن الحقيقة، وسلك التعسف سبيلا إلى فهم الآية، عاد يقول: \"إني لم أقل إن هذا هو المعنى، ولكن أقول: إنه رمز له١ وإشارة، فالآية باقية على ظاهر معناها ترمز إلى ما ذكرنا، فالدابة باقية على المعنى الأصلي، نكل علمها إلى الله تعالى٢، وتكون رمزا لهذا، فهذا قسم من أقسام الكناية في علم البيان٣، فاللفظ على حاله يشير لما اقترب منه كما وضحه الإمام الغزالي في قوله ﷺ: \"لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة\"؛ فقد جعلهما على حالهما، ورمز بهما إلى الشهوة والغضب٤، فافهم فإذا فهمت هذا قطعت جهيزة قول كل خطيب، وقطع لسان كل معترض بعدك، فقد سدت في وجهه أبواب الجدال ﴿وَكَفَى اللهُ المُؤْمِنِينَ القِتَال﴾ \"ا؟.","vol":"1","page":195},{"text":"٢- أ-<span data-type=\"title\" id=toc-40> خروج الدابة وأبطولة (الرجعة):</span>\nالرجعة من العقائد الأصيلة للشيعة كما هو معروف، ولقد كانت آية الدابة من بين الآيات التي يتخذون منها مستندا يدعمون به معتقدهم في الرجعة، وفي هذا المعنى قال\n_________\n١ سلك الشيخ في تفسيره هذا المسلك الرمزي، ولقد كانت (الرمزية) سلاحا من أخبث أسلحة (الباطنية) لحرب الإسلام وتعطيل أحكامه، والعبث بشرائعه، ولقد استعملت هذا السلاح الغادر (ربائب) الباطنية من الفرق الزائفة كالبهائية والقاديانية.\n٢ أن نكل علم الغيب إلى الله: قاعدة جليلة ليت الشيخ اتبعها ووقف عندها.\n٣ هذا لا يسلم له، فمن الذي قال إن الدابة يكنى بها عن الأرواح.\n٤ لست أدري كيف تدل كلمة (الكلب والصورة) على الشهوة والغضب، وإذا كان هناك من صريح نصوص القرآن والسنة المطهرة ما ينهيان عن رذيلتي الشهوة والغضب، فلماذا هذا الشطط في التأويلات، وعجيب أن يقول بهذه التأويلات من كتب (فضائح الباطنية) ليكشف عوارها، ويهتك أسرارها..ولكن هل قطعت حبال الود بين الباطنية والتصوف؟.","vol":"1","page":195},{"text":"الطبرسي١ المفسر الشيعي في قوله تعالى: ﴿أَخْرَجْنَا لهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ﴾ تخرج من بين الصفا والمروة فتخبر المؤمن بأنه مؤمن، والكافر بأنه كافر، وعند ذلك يرتفع التكليف، ولا تقبل التوبة وهو - يعني خروجها- علم٢ من أعلام الساعة، وقيل لا يبقى مؤمن إلا مسحته، ولا يبقى منافق إلا حطمته، تخرج ليلة جمع٣ والناس يسيرون إلى منى..\nثم روى الطبرسي عن محمد بن كعب القرظي أنه قال: \"سئل عليٌّ - صلوات الرحمن عليه - عن الدابة فقال: (أما والله ما لها ذنب، وأن لها لحية\".\nثم قال الطبرسي: \"وفي هذا إشارة إلى أنها من الإنس\".\nثم ذكر أن ابن عباس وحذيفة يقولان: \"إنها من دواب الأرض\".\nثم قال الطبرسي: وروي عن وهب أنه قال: وجهها وجه رجل، وسائر خلقها خلق الطير.\nثم عقب الطبرسي على هذه الرواية قائلا: \"ومثل هذا لا يعرف إلا من النبوة الإلهية، وقد روي عن علي ﵇ أنه قال: \"إنه صاحب العصا والميسم\"٤، وروى علي بن إبراهيم بن هاشم٥ في تفسيره عن أبي عبد الله٦ ﵇ قال: قال رجل لعمار بن ياسر: يا أبا اليقظان: \"آية في كتاب الله أفسدت قلبي\"٧ قال عمار: وأية آية هي؟ فذكر له الرجل الآية، وسأله عن دابة الأرض؟ فقال عمار: والله ما أجلس ولا آكل ولا أشرب حتى أريكها، فجاء عمار مع الرجل إلى أمير المؤمنين، وهو يأكل تمرا وزبدا، فقال: يا أبا اليقظان هلم، فجلس عمار يأكل معه، فتعجب الرجل منه، فلما قام عمار، قال الرجل: سبحان الله!! حلفت أنك لا تأكل ولا تشرب حتى ترينها، قال عمار: أريتكها إن كنت تعقل، وروى العياشي هذه القصة بعينها عن أبي ذر ﵀.\nثم ذكر الطبرسي الآية التالية لآية الدابة وهي قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ (٨٣: النمل)، ثم قال الطبرسي٨: \"واستدل بهذه الآية على صحة الرجعة، من ذهب إلى ذلك من الإمامية، بأن قال: إن دخول (من) في الكلام يوجب التبعيض، فدل على أن اليوم المشار إليه في الآية\n_________\n١ هو أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي انظر تفسيره (مجمع البيان في تفسير القرآن) ج ٢٠ ص ٢٤٨، ٢٥١ ط مكتبة الحياة بيروت ١٣٨٠؟.\n٢ بفتح العين واللام أي العلامة.\n٣ هي ليلة النحر سميت بذلك لاجتماع الحجيج فيها بعد الإفاضة من عرفات، ويوم جمع هو يوم عرفة.\n٤ إشارة إلى ما ورد في بعض الروايات من أن الدابة تحمل عصا وميسما، انظر ابن كثير ج ٣ ص ٣٧٥، ٣٧٦.\n٥ مفسر شيعي معروف بالغلو والتطرف.\n٦ يعني الحسين ﵇.\n٧ تنزه كتاب الله عن ذلك.\n٨ انظر تفسيره ج ٢٠ ص ٢٥١.","vol":"1","page":196},{"text":"يحشر فيه قوم١ دون قوم، وليس ذلك صفة يوم القيامة الذي يقول في سبحانه: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَد﴾ (٤٧: الكهف)، وقد تظاهرت الأخبار عن أئمة الهدى من آل محمد ﷺ في أن الله تعالى سيعيد عند قيام المهدي٢ قوما ممن تقدم موتهم من أوليائه وشيعته؛ ليفوزوا بثواب نصرته ومعونته، ويبتهجوا بظهور دولته، ويعيد أيضا قوما من أعدائه لينتقم منهم، وينالوا بعض ما يستحقونه من العذاب في القتل على أيدي شيعته، والذل والخزي بما يشاهدون من علو كلمته، ولا يشك عاقل في أن هذا مقدور لله تعالى ٣، غير مستحيل في نفسه، وقد فعل الله ذلك في الأمم الخالية، ونطق القرآن بذلك في عدة مواضع مثل قصة عزير وغيره، على ما فسرناه في موضعه\" ا؟.","vol":"1","page":197},{"text":"ب-<span data-type=\"title\" id=toc-41> رد الطبرسي على متأولي الرجعة من الشيعة:</span>\nأحس بعض عقلاء الشيعة أن القول بالرجعة لا سند له من الحق، فتأولوها على نحو لا يصادم المعقول، وندع الحديث عنهم للطبرسي إذ يقول: \"على أن جماعة من الإمامية تأولوا ما ورد من الأخبار في الرجعة على رجوع الدولة والأمر والنهي، دون رجوع الأشخاص وإحياء الأموات، وأولوا الأخبار الواردة في ذلك لما ظنوا أن الرجعة تنافي التكاليف، وليس كذلك؛ لأنه ليس فيها ما يلجئ إلى فعل الواجب، والامتناع عن القبيح، والتكليف يصح معها كما يصح مع ظهور المعجزات الباهرة والآيات القاهرة، كفلق البحر، وقلب العصا ثعبانا، وما أشبه ذلك، ولأن الرجعة لم تثبت بظواهر الأخبار المنقولة فيتطرق التأويل إليها، وإنما المعول في ذلك على إجماع الشيعة الإمامية، وإن كانت الأخبار تعضده وتؤيده\"٤.\nمناقشتنا للطبرسي:\nونحن نعجب لهذا التناقض من الطبرسي بين قوله: إن جماعة من الإمامية تأولوا الأخبار الواردة في الرجعة.. وقوله: إن الرجعة لم تثبت بظواهر الأخبار المنقولة، فلماذا يؤولون أخبارا لا يعول عليها.\nوالحلقة الثانية من حلقات التناقض: اعترافه بأن بعض الشيعة تأولوا (الرجعة)، ثم دعواه إجماع الشيعة على الرجعة، فأين الإجماع مع أن فريقا من الشيعة يؤولون.\n_________\n١ من أحسن فهم القرآن، وقرأ الآية في سياقها ولحاقها لا يقول بهذا الافتراء، و(من) في هذا الموضع لابتداء الغاية، كما ذكر الشوكاني.\n٢ المهدي: هو الإمام الثاني عشر عند الشيعة الإمامية، يزعمون أنه مختبئ في غيابه من الأرض وسيعود ليملأ الأرض عدلا بعد ما ملئت جورا، والكلام عن المهدي والأحاديث الواردة فيه، وبيان صحيحها من غيره كتبت فيه أبحاث..\n٣ قدرة الله الأعلى لا يشك فيها مؤمن، ولكن هذه التخيلات المريضة والأوهام الباطلة لا سند لها من نقل ولا من عقل.\n٤ انظر الميزان في تفسير القرآن لمحمد حسين الطباطبائي ج ١٥ ص ٤٠٥، ٤٠٦ ط الأعلمي ببيروت.","vol":"1","page":197},{"text":"والحلقة الثالثة: بأن الرجعة لم تثبت بظواهر الأخبار، ثم يدعي أن العبرة بإجماع الشيعة، والرجعة أمر غيب، والأمور الغيبية لا تثبت إلا بالنقل، لا بالإجماع؛ إذ كيف يجمع فريق من الناس على أن أمرا سيقع إلا إذا كان لهم برهان من كتاب من عند الله، أو خبر عن نبي مرسل، أو سولت لهم أنفسهم أنهم يعلمون الغيب!!.","vol":"1","page":198},{"text":"ج-<span data-type=\"title\" id=toc-42> زعم الشيعة أن الرسول ﷺ سمى عليا ﵁ (دابة الأرض):</span>\nولم يقتصر الشيعة في أمر الدابة على ما سبق ذكره، وإنما ينقل الطباطبائي١ عن القمي تفسير آية النمل المذكورة؛ أن رسول الله ﷺ مرّ بِعَليّ ﵁ وهو نائم بالمسجد، فحركه برجله ثم قال له: \"قم يا دابة الأرض\"؛ فقال رجل من أصحاب النبي يا رسول الله: أيسمى بعضنا بعضا بهذا الاسم؟ فقال: لا والله، ما هو إلا له خاصة، وهو (الدابة) الذي ذكره الله في كتابه..ثم قال: \"يا علي إذا كان آخر الزمان أخرجك الله في أحسن صورة، ومعك ميسم تسم به أعداءك\".\nثم روى الطباطبائي أن رجلا قال لأبي عبد الله ﵇: \"إن هذه الآية إنما هي (تكلمهم) فقال: كَلمَهم الله في نار جهنم، إنما هي تكلمهم من الكلام\".\nثم بين الطباطبائي أن الروايات في هذا المعنى من طرق الشيعة كثيرة.\nثم نقل عن القمي ما نقله قبله الطبرسي من أن \"قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾ إنما هي في الرجعة وليست في القيامة\" ا؟- بإيجاز.\nويذهب الطباطبائي٢: \"إلى أن المقصود بالدابة ما يدب على الأرض من إنسان أو حيوان، وأن المقصود بإخراجه: الإحياء والبعث بعد الموت.. وأن سكوت القرآن عن تفصيل القول في أخبار الدابة دليل القصد إلى الإبهام، ليكو الكلام مرموزا فيه..\".\nوما ساق الطباطبائي هذه المقدمات إلا ليستدل بها على الرجعة.","vol":"1","page":198},{"text":"د-<span data-type=\"title\" id=toc-43> رأي شيعي معاصر:</span>\nوتقتضينا الأمانة العلمية أن نذكر رأيا لأحد الشيعة المعاصرين حول موضوع الدابة، ونصه هو٣: \"أما الدابة فقد كثر الكلام فيها، والله سبحانه لم يبين ما هي، والحديث عن\n_________\n١ هو علي بن إبراهيم القمي الذي سبق ذكره، وكتابه في التفسير من المراجع الرئيسية عند الشيعة، وهو مصنع لتفريغ الغلو والخرافة.\n٢ الميزان ج ١٥ ص ٣٩٦.\n٣ انظر التفسير الكاشف ج ٢٠ ص ٤٠ للقاضي الشيعي اللبناني محمد جواد مغنية وتفسيره يقع في سبعة مجلدات.","vol":"1","page":198},{"text":"المعصوم في بيانها لم يثبت، حتى لو صح سنده لم نعمل به لأنه خبر واحد١، وهو حجة في الأحكام الفرعية، لا في السمعيات وأصول العقيدة، والقول بغير علم حرام، فلم يبق إلا الأخذ بظاهر الآية الذي يدل على أن الله سبحانه عندما يحشر الناس للحساب، يخرج من الأرض مخلوقا، يعلن أن الكافرين جحدوا الدلائل الواضحة والبراهين القاطعة على وجود الله ووحدانيته\".","vol":"1","page":199},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-44>تسرب الراوية الشيعية حول الدابة إلى بعض التفاسير السنية:</span>\n...\n- تسرب الرواية الشيعية حول الدابة إلى بعض التفاسير السنية:\nوجدنا الرواية الشيعية القائلة بأن الدابة هي علي ﵁ قد تسربت إلى بعض التفاسير السنية، ومثال ذلك ما أورده البغوي٢ ونصه: \"وروي عن علي أنه قال: ليست بدابة لها ذنب، ولكن لها لحية)، ثم عقب البغوي بقوله: كأنه يشير إلى أنها رجل، والأكثرون على أنها دابة\".\nوما أورده البغوي، أورده ابن كثير٣ وكذلك ذكره القرطبي ٤ وغيرهم.","vol":"1","page":199},{"text":"٣-<span data-type=\"title\" id=toc-45> الدابة وعصا موسى ﵇:</span>\nذكر الفيروزأبادي٥ في تفسير آية الدابة ما يلي: \" ﴿وَإِذَا وَقَعَ﴾ وجب ﴿القَوْلُ عَليْهِمْ﴾ بالسخط والعذاب، ﴿أَخْرَجْنَا لهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ﴾ بين الصفا والمروة، وهي عصا٦ موسى، ويقال معها عصا موسى، ﴿تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآياتِنَا﴾ بآيات ربنا بمحمد ﷺ وبالقرآن، ويقال بخروج الدابة ﴿لا يُوقِنُونَ﴾: لا يصدقون، وإن قرأت تَكلِمُهم: بنصب التاء: تضربهم وتجرحهم\".","vol":"1","page":199},{"text":"٤-<span data-type=\"title\" id=toc-46> الدابة بين الكَلم والكلام:</span>\nوردت لقوله تعالى (تكلمهم) من الآية قراءتان:\nالأولى: (تكلمهم) بضم التاء وتشديد اللام المكسورة، وقد قال القرطبي٧ عنها إنها قراءة العامة، أي جمهور القراء.\nواستدل لها بقراءة أبي (تنبئهم) .\nوالذي أرجحه أن\n_________\n١ نزعة اعتزالية تتجهم للحديث، والصحيح أن خبر الواحد يتلقى بالقبول إذا ثبتت صحته، والشيعة الذين يرفضون خبر الواحد يؤمنون بالموضوعات الدسيسة في الدين.\n٢ انظر معالم التنزيل للبغوي ج ٥ ص ١٣٠ بهامش الخازن.\n٣ انظر هذه الرواية عند ابن كثير في تفسيره ج ٣ ص ٣٧٦.\n٤ انظر تفسير القرطبي ج ١٣ ص ٢٣٦.\n٥ انظر تنوير المقباس من تفسير ابن عباس لوحيد بن يعقوب الفيروزأبادي ونسبة هذا التفسير لابن عباس غير صحيحة على التحقيق، والنص المنقول من ص ٣٨٧ ط التجارية ومن ص ٣٢١، ٣٢٢ ط / بيروت.\n٦ كذا بطبعتي الكتاب المذكورتين وفرق بين أن تكون العصا هي الدابة، وبين أن تكون الدابة معها العصا كما ذكرت ذلك روايات أخرى.\n٧ انظر تفسير القرطبي ج ١٣ ص ٢٣٦.","vol":"1","page":199},{"text":"قراءة أبي هذه ليست قراءة، وإنما هي من باب التفسير.\nوقالوا في تفسير القراءة إنها تكلمهم ببطلان الأديان سوى الإسلام، وقيل تكلمهم بما يسوءهم، وقيل تكلمهم بلسان ذلق يسمعه من قرب وبعد ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآياتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾، أي بخروجها لأن خروجها من الآيات.\nوبعض المفسرين حمل هذه القراءة على أنها تكثير وتضعيف١ من (تكلمهم) .\nوفي هذا قال الزمخشري٢: \"ويجوز أن يكون (تكلمهم) بضم التاء وتشديد اللام المكسورة من الكلم أيضا على معنى التكثير، يقال: فلان مكلم، أي مجرح، فهي عنده كقراءة (لنحرقنه) - بتشديد الراء - التي فسرت بقراءة علي ﵁ (لنحرقنه) بغير تشديد الراء\".\nوالثانية: هي (تكلمهم) بفتح التاء وسكون الكاف وكسر اللام، من الكلم وهو الجرح.\nوفسر بعضهم (كلمها) بما رواه أبو أمامة أن النبي ﷺ قال: \"تخرج الدابة فتسم الناس على خراطيمهم\".\nوبما روي عن ابن عباس ﵄ وعن علي أيضا من أنها تُكلِّم المؤمن٣ وتَكْلم الكافر، أي تجرحه٤.","vol":"1","page":200},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-47>تأويل الدابة بدودة القطن</span>\n...\n٥- تأويل الدابة ودودة القطن:\nوأما الذين إذا ذكر خبر من أخبار الغيب اشمأزت نفوسهم، وتجهمت وجوههم، فقد كبر عليهم أن يخرج الله دابة من الأرض تكلم الناس، فحاروا وداروا واستبانوا أنهم لا يستطيعون التكذيب، فبحثوا عن مخرج للتأويل، وأعانهم على بحثهم هذا أن أسعفتهم رواية ابن عباس التي يقرأ فيها (تكلمهم) ٥ بفتح التاء وبتخفيف اللام، من الكلم وهو الجرح، وأنه ﵁ لما سئل هل هي تكلِّمهم أو تكلمهم فقال: \"كل ذلك تفعل تكلِّم المؤمن، وتكلم الكافر\".\nفارتضى دعاة العقلانية هذه القراءة لأنها أقرب إلى التصورات المادية، ولقد سمعت منذ عشرين عاما محاضرا يقرأ هذه الآية الكريمة ويفسر دابة الأرض بأنها حشرات الزرع، وخص دودة القطن من بين هذه الحشرات؛ لأنها كلمت القوم وآذتهم بإتيانها على محصول القطن، وكانت مصر وقتها تمر بمحنة زراعية من جراء إتلاف هذه الدودة البغيضة للقطن، وما أظن هذا المحاضر بهذا التأويل إلا آثِرا له عن غيره، وليس آتيا به من عند نفسه، وغاب عنه أنها من أمارات الساعة، وأن القطن لا يزرع في كل بلدان العالم.\n_________\n١ نفسه ص ٢٣٨، وهو رأي المفسر ابن أبي حاتم، وانظر فتح القدير للشوكاني ج ٤ ص ١٥٢.\n٢ انظر الكشاف ج ٢ ص ٤٦٢.\n٣ من الكلام أي تخاطبه.\n٤ انظر القرطبي ج ١٣ ص ٢٣٨.\n٥ انظر في أسانيد هذه القراءة تفسير ابن كثير ج ٣ ص ٣٧٤، وتفسير الخازن ج ٥ ص ١٣٠.","vol":"1","page":200},{"text":"٦-<span data-type=\"title\" id=toc-48> تأويل الدابة بالمذياع:</span>\nوجاء مؤول آخر١ آمن بأن الدابة تكلم الناس، ولكن تفسيرها لكلامها كان تفسيرا هازلا كسابقه، فقد قال: إن الدابة هي المذياع، وإن كلامها هو هذه الأصوات التي تتردد عبر الأثير وأجهزة الاستقبال إلى آذان المستمعين.","vol":"1","page":201},{"text":"٧-<span data-type=\"title\" id=toc-49> تأويل الدابة بسفينة الفضاء:</span>\nوعندما أطلقت أول سفينة فضاء في الجو في خمسينيات هذا لبقرن سمعنا من يقول: إن سفينة الفضاء هذه هي الدابة التي حدثنا الله عنها في سورة النمل، وهو تأويل لا سند له من اللغة، ولا مسوغ له من السياق، وإنما هو تأويل متعسف وممجوج.","vol":"1","page":201},{"text":"٨-<span data-type=\"title\" id=toc-50> الدابة والإسرائيليات:</span>\nوكما كثرت هذه التأويلات الممجوجة حول الدابة، كذلك كثرت الروايات الإسرائيلية٢ حولها فجاءت روايات تصفها بأن رأسها رأس ثور، وعينها عين خنزير، وأذنها أذن فيل، وقرنها قرن أيل، وعنقها عنق نعامة، وصدرها صدر أسد، ولونها لون نمر، وخاصرتها خاصرة هر، وذنبها ذنب كبش، وقوائمها قوائم بعير.. إلى غير ذلك من الأوصاف المتناقضة المتضاربة المتنافرة، التي تضحك الثكالى.\nوجاءت روايات تصف مكان خروجها من تحت صخرة من صخور مكة.\nوجاءت روايات تحدثنا عن أفعالها مع المؤمن والكافر، وعن عصا موسى ﵇ التي تحملها.. إلى غير ذلك من الروايات.\nوأكثرها غير صحيح٣، وفي الصحيح غنية، وفي الزبد ما يغني عن المخيض.","vol":"1","page":201},{"text":"٩-<span data-type=\"title\" id=toc-51> تصورات متوهمة في شأن الدابة:</span>\nخبر الدابة من الأمور الغيبية التي يجب علينا أن نتلقاها مصدقين مؤمنين، إلا أن نفرا من المفسرين أورد في شأنها ما لا يقبل إلا إذا صحّ سنده عن سيد الأنبياء والمرسلين ﷺ.\nفمن هذه الروايات القول بأنها هي فصيل ناقة صالح.\nوهو قول يصفه القرطبي بأنه أصح الأقوال، ولم يذكر لنا دليله على هذه الدعوى٤.\nومن هذه الروايات أيضا القول بأن الدابة هي الثعبان المشرف على بناء الكعبة الذي اقتلعته العقاب حين أرادت قريش بناء\n_________\n١ أمسكنا عن ذكر أسماء بعض هؤلاء المؤولين، فلعلهم تابوا عنها ولاعتبارات أخرى.\n٢ انظر تفسير ابن كثير ج ٣ ص ٣٧٦ فقد ذكر هو وغيره بعض هذه الصفات التي لم ترد بها روايات صحيحة وإنما خصصناه لتحرزه عن كثير من الإسرائيليات ومع ذلك فالكمال لله وحده.\n٣ وقد وصف الشوكاني في تفسيره ج ٤ ص ١٥١ هذه الأقوال بأنه لا فائدة من التطويل بذكرها.\n٤ انظر تفسير القرطبي ج ١٣ ص ٢٣٥.","vol":"1","page":201},{"text":"الكعبة١.\nولا دليل أيضا على صحة هذه الرواية.\nوروى أبو داود الطيالسي في مسنده عن حذيفة قال٢: \"ذكر رسول الله ﷺ الدابة فقال: \"لها ثلاث خرجات من الدهر؛ فتخرج في أقصى البادية، ولا يدخل ذكرها القرية - يعني مكة -، ثم تكمن زمانا طويلا، ثم تخرج خرجة أخرى دون ذلك، فيفشو ذكرها في البادية، ويدخل ذكرها القرية - يعني مكة -\".. قال رسول الله ﷺ: \"بينما الناس في أعظم المساجد على الله حرمة، خيرها وأكرمها على الله المسجد الحرام؛ لم يرعهم إلا وهي ترغو بين الركن والمقام تنفض عن رأسها التراب، فارفض الناس عنها شتى٣ ومعا، وتثبت عصابة من المؤمنين وعرفوا أنهم لن يعجزوا الله؛ فبدأت بهم فجلت وجوههم، حتى جعلتها كأنها الكوكب الدري، وولت في الأرض لا يدركها طالب ولا ينجو منها هارب، حتى إن الرجل ليتعوذ منها بالصلاة فتأتيه من خلفه فتقول له: يا فلان آلآن تصلي؟! فتقبل عليه فتسمه في وجهه، ثم تنطلق ويشترك الناس في الأموال، ويصطلحون في الأمصار، يعرف المؤمن من الكافر، حتى إن المؤمن يقول: يا كافر اقض حقي\".","vol":"1","page":202},{"text":"١٠- أ-<span data-type=\"title\" id=toc-52> هل الدابة داعية يبعث ليقيم الحجة على الكافرين:</span>\nنقل القرطبي٤ في تفسيره الرواية المنسوبة لعلي ﵁، والقائلة بأن الدابة ما لها ذنب وإنما لها لحية، ثم نقل تعليق الماوردي على هذه الرواية وهو: \"وفي هذا القول إشارة منه إلى أنها من الإنس وإن لم يصرح به\".\nثم بين القرطبي الصلة بين هذه الرواية وبين تأويل من التأويلات الواردة في شأن الدابة وهو قوله: \"قال بعض المتأخرين من المفسرين: إن الأقرب أن تكون هذه الدابة إنسانا متكلما، يناظر أهل البدع والكفر، ويجادلهم لينقطعوا، فيهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حي عن بينة\" ا؟.","vol":"1","page":202},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-53>تنفيذ القرطبي لهذا التأويل</span>\n...\nب- تفنيد القرطبي لهذا التأويل:\nأخذ القرطبي بعد أن ذكر هذا التأويل، يبين رأيه ورأي العلماء فيه فقال: \"وعلى هذا فلا يكون في هذه الدابة آية خاصة خارقة للعادة، ولا تكون من أمارات الساعة؛ لأن وجود المناظرين والمحتجين على أهل البدع كثير، فلا تكون آية خاصة مقترنة بوقوع\n_________\n١ انظر أيضا القرطبي ج ١٣ ص ٢٣٦.\n٢ نقلا عن تفسير القرطبي ج ١٣ ص ٢٣٥.\n٣ انظر تفسير القرطبي ج ١٣ ص ٢٣٦.\n٤ انظر تفسيره ج ١٣ ص ٢٣٦ بتصرف.","vol":"1","page":202},{"text":"القول، ثم فيه العدول عن تسمية هذا الإنسان المناظر الفاضل العالم، الذي على أهل الأرض أن يسموه باسم الإنسان، أو بالعالم أو بالإمام، إلى أن يسمى بدابة؛ فهذا خروج عن عادة الفصحاء وعن تعظيم العلماء.. فالأولى ما قاله أهل التفسير، والله أعلم بحقائق الأمور\".","vol":"1","page":203},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-54>الرأي الذي نرتضيه حول الدابة:</span>\nبعد استعراض كل هذه الآراء السابقة١ في شأن الدابة، نرى أن المنهج الأرشد في هذه المسألة وما شابهها من المسائل الغيبية، أن نقف أمام ما جاءنا من كتاب الله ساجدين، وأمام ما ورد عن رسول الله مصدقين، وقد روى الإمام أحمد بسنده عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال: \"أشرف رسول الله ﷺ من غرفة ونحن نتذاكر أمر الساعة، فقال: \"لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات: طلوع الشمس من مغربها، والدخان، والدابة، وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج عيسى بن مريم ﵇، والدجال، وثلاث خسوف: خسف بالمغرب، وخسف بالمشرق، وخسف بجزيرة العرب، ونار تخرج من قعر عدن تسوق أو تحشر الناس؛ تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم٢ حيث قالوا\"٣.\nوإذا فخبر الدابة من أخبار الغيب، ومن علامات الساعة التي يجب أن نؤمن بها، والمنهج السديد حيالها هو كما عبر عنه الشيخ شلتوت ﵀ بقوله٤: \"وماذا علينا لو وقفنا في حديثنا عن الغيبيات عند القدر الذي أخبر به القرآن، ثم تركنا ما وراءه من التفصيل٥ إلى اليوم الذي يأتي فيه تأويله وبيانه، وليس الخبر متعلقا بعمل مطلوب من العباد، وإنما هو إنذار ووعيد وتهديد\".","vol":"1","page":203},{"text":"الثالث عشر:<span data-type=\"title\" id=toc-55> تأويلات حول أخبار جهنم:</span>\nوردت في القرآن الكريم آيات مجيدة، تصف جهنم بأنها تتكلم: ﴿وَتَقُولُ هَل مِنْ مَزِيدٍ﴾، وأنها ترى أصحابها: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾، وأنها ﴿التِي تَطَّلِعُ عَلى الأَفْئِدَة﴾، وأن لها ﴿تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ ..\nوكانت للمفسرين نظرات إلى هذه الآيات تختلف باختلاف مناهجهم.\nفلنصطحبهم في تطوافهم.\n_________\n١ وقد ذكرنا القليل وأعرضنا عن كثير.\n٢ من القيلولة والقائلة وقال قيلا نام وسط النهار.\n٣ قال ابن كثير معقبا على هذا الحديث وهكذا رواه مسلم أهل السنن من طرق مرفوعا ورواه مسلم أيضا موقوفا.. وقال الترمذي: حسن صحيح انظر ج ٣ ص ٣٧٥ من تفسير ابن كثير.\n٤ انظر كتابه إلى القرآن الكريم ص ١٤١ ط الهلال.\n٥ ليس في هذه العبارة دعوة لإهمال ما جاءت به السنة، وإنما هي دعوة إلى اطراح الظنون في أمور الغيب.","vol":"1","page":203},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-56>هل تتكلم جهنم:</span>\nقال رب العزة ﷻ: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَل مِنْ مَزِيدٍ﴾ (٣٠: ق) .\nأفاد ظاهر هذه الآية الكريمة أن جهنم خوطبت وسئلت، وأنها أجابت وقالت: هل من مزيد.\nفمن المفسرين من آمن بظاهر ما دلت عليه الآية، ووكل ما وراء ذلك إلى علام الغيوب، ومنهم من طوحت به طوائح التأويلات فهام معها..\nفأما أهل الإثبات فهذه آراؤهم:\n١- رأي ابن كثير:\nقال عند تفسيره لهذه الآية الكريمة١: \"يخبر تعالى أنه يقول لجهنم يوم القيامة هل امتلأت؟ وذلك لأنه ﵎ وعدها أن سيملؤها من الجنة والناس أجمعين، فهو ﷾ يأمر بمن يأمر به إليها، ويلقى٢ وهي تقول هل من مزيد: أي هل بقي شيء تزيدوني؟ هذا هو الظاهر من سياق الآية، وعليه تدل الأحاديث\".\nثم ذكر ابن كثير من صحاح الأحاديث ما يؤيد رأيه، ومنها: ما رواه البخاري٣ عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ أنه قال: \"يلقى في النار وتقول هل من مزيد؟ حتى يضع قدمه فيها فتقول قط قط\"، وما رواه الإمام أحمد عن قتادة عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول هل من مزيد؟ حتى يضع رب العزة قدمه فيها؛ فينزوي بعضها إلى بعض، وتقول قط قط، وعزتك وكرمك، ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشئ الله لها خلقا آخر فيسكنهم الله تعالى في فضول الجنة\"، ثم رواه مسلم من حديث قتادة بنحوه، وروى ابن كثير عن مجاهد أنه قال: \"لا يزال يقذف فيها حتى تقول قد امتلأت، وتقول هل من مزيد\"، وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم نحو هذا.\nفعند هؤلاء أن قوله تعالى: ﴿هَلِ امْتَلأْتِ﴾؟ إنما هو بعد ما يضع فيها قدمه فتنزوي، وتقول حينئذ هل بقي في مزيد يسع شيئا؟؛ قال العوفي عن ابن عباس ﵄: \"وذلك حين لا يبقى موضع يسع إبرة والله أعلم\" ا؟.\n٢- رأي القرطبي:\nوأما القرطبي فقد عرض لرأي المثبتين ولمقالة المؤولين، ثم كان للمثبتين ظهيرا.\nبيان ذلك أنه قال٤: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ﴾ لما سبق من وعده إياها أنه\n_________\n١ انظر تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج ٤ ص ٢٢٦، ٢٢٧.\n٢ أي ويلقى فيها.\n٣ انظر كتاب التفسير من البخاري ج ٣ ص ١٣٧ ط الحلبي وفي نفس الصفحة رواية ثانية وهي (.. فيضع الرب ﵎ قدمه) ورواية ثالثة (فلا تمتلئ حتى يضع رجاه) .\n٤ انظر تفسير القرطبي ج ١٧ ص ١٨، ١٩.","vol":"1","page":204},{"text":"يملؤها، وهذا الاستفهام على سبيل التصديق لخبره، والتحقيق لوعده، والتقريع لأعدائه، والتنبيه لجميع عباده، وتقول جهنم ﴿هَل مِنْ مَزِيدٍ﴾، أي ما بقي فيَّ موضع للزيادة، كقوله ﵇: \"هل ترك لنا عقيل من ربع أو منزل\" أي ما ترك، فمعنى الكلام الجحد، ويحتمل أن يكون استفهاما بمعنى الاستزادة، أي هل من مزيد فأزداد؟ وإنما صلح للوجهين؛ لأن في الاستفهام ضربا من الجحد، وقيل: ليس ثمَّ قول وإنما هو على طريق المثل، أي أنها فيما يظهر من حالها بمنزلة الناطقة بذلك، كما قال الشاعر:\nامتلأ الحوض وقال قطني ... مهلا رويدا قد ملأت بطني\nوهذا تفسير مجاهد١ وغيره، أي هل فيّ من مسلك، قد امتلأت، وقيل: ينطق الله النار حتى تقول هذا كما تنطق الجوارح، وهذا أصح على ما بيناه في سورة الفرقان.\nثم صنع القرطبي صنيع ابن كثير في الاستظهار لرأي المثبتين بالصحاح من الأحاديث التي ذكرنا بعضها من قبل، ومنها حديث وضع القدم، وإن كان له من المتأولين..٢.\n٢- رأي الشوكاني:\nوأما موقف الشوكاني فكان كما قال٣: \"..والأولى أنه على طريقة التحقيق ولا يمنع من ذلك عقل ولا شرع، قال الواحدي: قال المفسرون أراها الله تصديق قوله: (لأملأن جهنم) فلما امتلأت قال لها: ﴿هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَل مِنْ مَزِيدٍ﴾ ٤ أي قد امتلأت ولم يبق فيَّ موضع لم يمتلئ، وبهذا قال عطاء ومجاهد ومقاتل بن سليمان، وقيل إن هذا الاستفهام بمعنى الاستزادة، أي أنها تطلب الزيادة على من قد صار فيها، وقيل المعنى: أنها طلبت أن يزاد في سعتها لتضايقها بأهلها، والمزيد: إما مصدر كالمحيد، أو اسم مفعول كالمنيع، فالأول بمعنى هل من زيادة، والثاني بمعنى هل من شيء تزيدونيه..\" ا؟.\nونختار من المؤلين:\n_________\n١ قارن هذا بما سبق من تأويلات مجاهد ﵀، ليتضح لك منهجه.\n٢ قال القرطبي في تفسيره ج ١٧ ص ١٩: (قال علماؤنا ﵏: أما معنى القدم هنا فهم قوم يقدمهم إلى النار، وقد سبق في علمه أنهم من أهل النار، وكذلك الرجل وهو العدد الكثير من الناس وغيرهم، يقال رأيت رجلا من الناس ورجلا من جراد، وقال الشاعر:\nفما بنا رجل من الناس وانزوى إليهم من الحي اليمانيين أرجل\nواستشهد لصحة تأويل الرجل والقدم بالجمع من الناس بما ورد في تتمة الحديث \"ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشئ الله لها خلقا فيسكنهم فضول الجنة\".\nوليس هذا التأويل من القرطبي مسلما، فإن الحديث من أحاديث الصفات والخلاف حولها معروف بين المثبتين والنفاة.\n٣ انظر تفسيره فتح القدير ج ٥ ص ٧٧.\n٤ فيكون الاستفهام منها مقصودا به تقرير امتلائها، وعلى الثاني يكون على حقيقته الطلبية.","vol":"1","page":205},{"text":"٤- الزمخشري:\nقال الزمخشري١: \"..وسؤال جهنم وجوابها من باب التخييل الذي يقصد به تصوير المعنى في القلب وتثبيته، وفيه معنيان: أحدهما: أنها تمتلئ مع اتساعها وتباعد أطرافها، حتى لا يسعها شيء٢ ولا يزداد على امتلائها لقوله: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ﴾، والثاني: أنها من السعة بحيث يدخلهامن يدخلها وفيها موضع للمزيد..\".\n٥- رد ابن المنير٣ على الزمخشري:\nقال ابن المنير٤: \"قد تقدم إنكاري عليه إطلاق (التخييل) في غير موضع، والنكير ههنا أشد عليه، فإن إطلاق (التخييل) قد مضى له في قوله: ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ﴾ (٦٧: الزمر)، وفي مثل قوله: ﴿بَل يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ (٦٤: المائدة)، وإنما أراد به حمل الأيدي على نوع من المجاز، فمعنى كلامه صحيح، لأنا نعتقد فيهما المجاز، وندين الله بتقديمه عن المفهوم الحقيقي٥، فلا بأس عليه في معنى إطلاقه، غير أنا مخاطبون باجتناب الألفاظ الموهمة في حق جلال الله تعالى، وإن كانت معانيها صحيحة، وأيُّ إيهام أشد من إيهام لفظ التخييل؟ ألا ترى كيف استعمله الله فيما أخبر أنه سحر وباطل في قوله: ﴿يُخَيَّلُ إِليْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ (٦٦: طه)، فلا يشك في وجوب اجتنابه، ثم يعود بنا الكلام إلى إطلاقه هنا فنقول: هو منكر لفظا ومعنى، أما اللفظ فقد تقدم، وأما المعنى فلأنا نعتقد أن سؤال جهنم وجوابها حقيقة، وأن الله تعالى يخلق فيها الإدراك بذلك بشرطه، وكيف نفرض (التخييل) وقد وردت الأخبار وتظاهرت على ذلك، منها هذا، ومنها لجاج الجنة والنار، ومنها اشتكاءها إلى ربها فأذن لها في نفَسين، وهذه وإن لم تكن نصوصا فظواهر يجب حملها على حقائقها؛ لأنا متعبدون باعتقاد الظاهر، ما لم يمنع مانع، ولا مانع هاهنا، فإن القدرة صالحة، والعقل يجوز، والظواهر قاضية بوقوع ما صوره العقل، وقد وقع مثل هذا قطعا في الدنيا كتسليم الشجر وتسبيح الحصى في كف النبي صلى\n_________\n١ انظر تفسيره (الكشاف) ج ٣ ص ١٦٣ ط الحلبي.\n٢ مقصوده أنها لا تضيق عن كثرة العدد.\n٣ هو ناصر الدين بن أحمد بن المنير الإسكندري وكتابه مطبوع على هوامش الكشاف وعنوانه (الانتصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال) .\n٤ انظر الانتصاف بهامش الكشاف ج ٣ ص ١٦٣.\n٥ وقع ابن المنير فيما عابه على الزمخشري ولو قال: وندين الله بتقديسه عن مشابهة خلقه، لكان أمس بالحقيقة رحما، فإن السلف يثبتون بغير تمثيل ولا تكييف، وتأمل حين نفى (المفهوم الحقيقي) عن بعض آي القرآن. ومقصده معروف لأهل الاختصاص.. ولكن ما هكذا يا سعد تورد الإبل ... وغفر الله لنا وله ووفقنا لاتباع نهج الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه.","vol":"1","page":206},{"text":"الله عليه وسلم وفي يد أصحابه، ولو فتح باب المجاز والعدول عن الظاهر في تفاصيل المقالة١ لاتسع الخرق، وضل كثير من الخلق عن الحق، وليس هذا كالظواهر الواردة في الإلهيات مما لم يجوز العقل اعتقاد ظاهرها٢، فإن العدول فيها عن ظاهر الكلام بضرورة الانقياد إلى أدلة العقل المرشدة إلى الحق!! فاشدد يدك بما فصل في هذا الفصل مما أرشدتك به إلى منهج القرب والوصل، والله الموفق\" ا؟.\nتعليق وجيز:\nهذه العبارات الأخيرة تمثل ما تركه المعتزلة من قواعد في تفكير الأشاعرة.","vol":"1","page":207},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-57>كيفية دعاء النار للكافرين:</span>\nومما له عُلقة بما سبق من سؤال النار وجوابها، ما ورد في وصفها من قول الحق جل ذكره: ﴿تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلى وَجَمَعَ فَأَوْعَى﴾ (١٧، ١٨: المعارج) .\nوفي معنى (تدعو) كانت للمفسرين هذه التأويلات:\n١- الدعاء على ظاهره، بمعنى القول والنداء، فتقول: إليَّ يا مشرك، إليَّ يا منافق، أو بتعبير ابن كثير٣: \"تدعو النار إليها أبناءها الذين خلقهم الله لها وكانوا في الدار الدنيا يعملون عملها؛ فتدعوهم يوم القيامة بلسان طلق ذلق ... \".\nوهذا الرأي في تفسير الدعاء ذكره أكثر المفسرين حتى أولئك الذين ينهجون منهج القول بالتمثيل والتخييل، كالزمخشري٤ مثلا؛ فقد كان هذا الرأي من بين الآراء التي ذكرها، أما القرطبي٥ فقد قال عنه: \"إنه هو الحقيقة التي تدعمها آي القرآن وصحيح الأخبار، ودعاء (لظى) يكون بخلق الحياة فيها حين تدعو وخوارق العادة كثيرة\".\n٢- الدعاء بمعنى الإهلاك، تقول العرب: دعاك الله، أي أهلكك الله٦.\n٣- الدعاء ليس من جهنم وإنما هو من خزنتها، وأسند إليها من قبيل الإسناد المجازي.\nالدعاء: هو تمكنها من عذابهم، وقد نقل القرطبي٧ في هذا المعنى عن\n_________\n١ كذا بالأصل ومقصده تفاصيل الغيبيات.\n٢ ليتنا نتأسى بما قاله الإمام مالك ﵀: (الاستواء معلوم، والكيف مجهول..) .\n٣ انظر تفسير ابن كثير ج ٤ ص ٤٢١.\n٤ انظر تفسير الكشاف ج ٣ ص ٢٦٨.\n٥ انظر الجامع لأحكام القرآن ج ١٨ ص ٢٨٩ ببعض تصرف.\n٦ كان هذا الرأي من بين الآراء التي ذكرها القرطبي، والزمخشري، والشوكاني وقاله ثعلب، ونقله ابن سيده في المخصص ج ٢ ص ١٣٣ ونقله الشيخ المغربي في تفسير جزء تبارك مرتضيا له.\n٧ انظر القرطبي ج ١٨ ص ٢٨٩.","vol":"1","page":207},{"text":"١- الخليل قوله: \"إنه ليس كالدعاء (تعالوا)، ولكن دعوتها إياهم تمكنها من عذابهم\".\n٢- إن الدعاء هو من قبيل التمثيل قال الزمخشري١: ﴿تَدْعُو﴾ مجاز عن إحضارهم، كأنها تدعوهم فتحضرهم كقول ذي الرمة: \"تدعو أنفه الريب..\".\nوكان هذا الرأي من بين الآراء التي ذكرها القرطبي٢ أيضا؛ فقال: \"وقيل: هو ضرب مثل، أي أن مصير من أدبر وتولى إليها، فإنها الداعية لهم، ومثله قول الشاعر:\nولقد هبطنا الواديين فواديا ... يدعو الأنيس به العضيض الأبكم\nالعضيض الأبكم: الذباب، وهو لا يدعو وإنما طنينه نبه عليه، فدعا إليه\".","vol":"1","page":208},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-58>دفاع الشيخ المغربي عن المجاز في تفسير الآية:</span>\nانتهج الشيخ المغربي٣ في تفسير الآية نهج القائلين بالمجاز، وأسرف على نفسه حين أخذ في الرد على القائلين بالحقيقة، وهاك نص رأيه: \"..وقوله ﴿تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلى﴾ أي تنادي وتهتف بالذي أدبر وأعرض عن الإيمان، وقال (تدعو) لأن تهيؤ جهنم، وتبرجها للمعرضين عن الإيمان، وتفتح أبوابها لدخولهم كأنه في المعنى هتاف بهم، ودعاء لهم، وهو ما يسمونه (لسان الحال) كما أن الدعاء بالقول (لسان المقال)، وهذا الضرب من التعبير كثير الشيوع في كلام العرب وأشعارهم، لا سيما إذا أرادوا الحكاية عن شيء لا يعقل، ووصف أحواله ومنه قوله:\nيا جملي ليس إلي المشتكى ... شكا إلي جملي السري\nصبرا جميلا فكلانا مبتلى\nوالجمل لا يمكن أن يشكو بلسان مقاله، وإنما يشكو بلسان حاله، فإن آثار الأين٤ والكلال والحفاء البادية عليه، كأنها ألسنة تنطق بالشكوى إلى صاحبه.\nوقال أبو النجم - الرجاز المشهور - يصف روضته: \"نقول للرائد أَعْشَبت فانزل\" أي: أنها لاستجماعها ما يلزم للقوم المسافرين: من مرعى وماء وظل، إذا وصل إليها رائدهم يبتغي لهم مكانا للنزول، استوقفته تلك الروضة، بحيث لا يمكن تجاوزها دون النزول فيها بقومه، فهي كأنها تقول له: (أعشبت) أي أصبت عشبا (فانزل) على الرحب والسعة) ومثله قول الراجز الآخر:\n_________\n١ انظر الكشاف ج ٣ ص ٢٦٨.\n٢ انظر القرطبي ج ١٨ ص ٢٨٩.\n٣ انظر تفسيره لجزء تبارك ص ٤٩ ط الشعب بالقاهرة.\n٤ الأين: الإعياء، وانظر القاموس ج ٤ ص ٢٠٠.","vol":"1","page":208},{"text":"امتلأ الحوض وقال قطني ... مهلا رويدا قد ملأت بطني\nفهذا ما يسمونه (لسان الحال)، وله شواهد كثيرة جدا في القرآن والحديث، وقد غفل عنه الكثيرون فحملوه على الحقيقة، وجعلوه من الخطاب بلسان المقال، ولا حجة لهم، إلا أن الله تعالى قادر على كل شيء، ومن ذا الذي ينكر قدرته، ولكننا نرى أن حمل هذه الآية ونظائرها على التمثيل كما ذكرنا عن أهل السان في الحكاية عن ما لا يعقل أمثل وأبلغ من حملها على الحقيقة، ولا داعي عقلا أو شرعا للحمل عليها..\" ا؟.","vol":"1","page":209},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-59>تعقيب على دعاوى الشيخ المغربي:</span>\nقال الشيخ: \"إنه لا يرى داعية من العقل أو الشرع تدعوه إلى فهم (دعاء النار) على حقيقته\".\nولست أرى أي قرينة استظهر بها الشيخ ليصرف بها دلالة الدعاء من الحقيقة إلى المجاز، إلا قرينة استبعاد الوقوع، وما نشأ هذا الاستبعاد إلا من تحكيم العقل المتقوقع في آفاقه الضيقة، وجعل قوانين العالم المحسوس المشهود، حكما على أخبار مستكنة في أرحام الغيوب، ولو استشرفنا إلى آفاق أرحب لقلنا: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ (من ٧: آل عمران) .","vol":"1","page":209},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-60>هل ترى النار أصحابها حقيقة</span>؟\nقال الحق جل ذكره في وصف جهنم: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ (١٢: الفرقان) .\nوكانت اتجاهات المفسرين في فهم الآية كما يلي:\n١- حمل الرؤية على حقيقتها، وكذلك التغيّظ والزفير، وليس هناك ما يمنع من أن يجعل الله لها حسا وإدراكا، وقد وصف القرطبي ١ الحمل على الظاهر بأنه هو الأصح، مستدلا بما روي مرفوعا أن رسول الله ﷺ قال: \"من كذب علي متعمدا فليتبوأ بين عيني جهنم مقعدا\"، قيل يا رسول الله وهل لها عينان؟ قال: \"أما سمعتم الله ﷿ يقول\": ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ (١٢: الفرقان)، \"يخرج عنق من النار له عينان تبصران، ولسان ناطق، فيقال وكلت بكل من جعل مع الله إلها آخر، فلهو - أي العنق - أبصر بهم من الطير بحب السمسم فيلتقطه\"٢.\n_________\n١ انظر الجامع لأحكام القرآن ج ١٣ ص ٧، ٨.\n٢ قال القرطبي عن سند هذا الحديث: ذكره رزين في كتابه، وصححه ابن العربي في قبسه.. وخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة.. وقال هذا حديث حسن غريب صحيح، وانظر القرطبي ج ١٣ ص ٨، والسمسم: بالكسر هو الجلجلان.","vol":"1","page":209},{"text":"وقيل: ترى النار أصحابها من مسيرة مئة عام١، وقيل: خمسمئة عام٢، وهذا هو معنى ﴿مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ عند بعض المفسرين، وهذه الروايات غير مرفوعة إلى المعصوم ﷺ، فهي ليست إلا من باب الحشو والتزيد.\n١- فسرت الرؤية بمعنى: إذا رآهم خزنتها، سمع المعذبون تغيظا وزفيرا، وهذا من الآراء المذكورة في تفسير الآية٣، وجوزه الزمخشري بقوله٤: \"ويجوز أن يراد: إذا رأتهم زبانيتها نغيظوا وزفروا غضبا على الكفار، وشهوة للانتقام منهم\" ا؟.\n٢- حمل الرؤية على المجاز بمعنى: إذا ظهرت لهم فكانت بمرأى الناظر٥ أو بعبارة الزمخشري٦: \"..رأتهم.. من قولهم: \"دورهم تتراءى وتتناظر، ومن قوله ﷺ: \"لا تتراءى نارهما\"٧، كأن بعضها يرى بعضا على سبيل المجاز، والمعنى إذا كانت منهم بمرأى الناظر في البعد سمعوا صوت غليانها، وشبه ذلك بصوت المتغيظ والزافر\" ا؟.","vol":"1","page":210},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-61>رد ابن المنير على الزمخشري:</span>\nوجرى ابن المنير على محمود عادته في الرد على الزمخشري فقال٨: \"لا حاجة إلى حمله على المجاز، فإن رؤية جهنم جائزة، وقدرة الله تعالى صالحة٩، وقد تظافرت الظواهر على وقوع هذا الجائز، وعلى أن الله تعالى يخلق لها إدراكا حسيا وعقليا، ألا ترى إلى قوله: ﴿سَمِعُوا لهَا تَغَيُّظًا﴾؟ وإلى محاجتها مع الجنة، وإلى قولها: ﴿هَل مِنْ مَزِيدٍ﴾، وإلى اشتكائها إلى ربها فأذن لها في نفسي؟، إلى غير ذلك من الظواهر التي لا سبيل إلى تأويلها؛ إذ لا محوج إليه، ولو فتح باب التأويل والمجاز في أحوال المعاد، لتطوَّح الذي يسلك ذلك إلى وادي الضلالة والتحيز إلى فرق الفلاسفة١٠، فالحق أنا متعبدون بالظاهر ما لم يمنع مانع، والله أعلم\".\n_________\n١ ذكره ابن كثير في تفسيره ناقلا له عن السدي. انظر ج ٣ ص ٣١٠ وكتابة (مئة) بهذه الصورة الإملائية صحيحة.\n٢ ذكره القرطبي ج ١٣ ص ٧.\n٣ ذكره كثير من المفسرين كالقرطبي والشوكاني ولم يرتضياه.\n٤ انظر الكشاف ج ٢ ص ٤٠١.\n٥ انظر فتح القدير ج ٤ ص ٦٤ ولم يرجح الشوكاني هذا الرأي\n٦ انظر الكشاف ج ٢ ص ٤٠١.\n٧ الحديث النبوي في النهي عن تقارب منازل المسلمين والكافرين.\n٨ انظر الانتصاف بهامش الكشاف ج ٢ ص ٤٠١.\n٩ لو قال: وقدرة الله تعالى لا يؤودها شيء في السموات والأرض لكان أوفق.\n١٠ إشارة إلى الآراء الفاسدة التي أدخلتها الفلسفة في عقول بعض المسلمين.","vol":"1","page":210},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-62>كيفية اطلاع النار على الأفئدة:</span>\nومما هو متعلق بما سبق وموصول به قول الله جل ذكره: ﴿نَارُ اللهِ المُوقَدَةُ التِي تَطَّلِعُ عَلى الأَفْئِدَةِ﴾ (٦، ٧: الهمزة) .\nوحول (اطلاع النار على الأفئدة) كانت تأويلات المفسرين كما يلي:\n١- الاطلاع بمعنى البلوغ، قال الطبري١: \"أي التي يطلع ألمها ووهجها القلوب، والاطلاع والبلوغ قد يكونان بمعنى، حكى عن العرب سماعا: (متى طلعت أرضنا) و(طلعت أرضي) أي بلغتها\" ا؟. ومن هذا المعنى ما ذكره القرطبي٢: \"عن خالد بن أبي عمران عن النبي ﷺ: \"إن النار تأكل أهلها، حتى إذا طلعت على أفئدتهم انتهت، ثم إذا صدروا تعود، فذلك قوله تعالى\": ﴿نَارُ اللهِ المُوقَدَةُ التِي تَطَّلِعُ عَلى الأَفْئِدَةِ﴾ . وخص الأفئدة لأن الألم إذا صدر إلى الفؤاد مات صاحبه، أي أنهم في حال من يموت وهم لا يموتون، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى﴾ (١٣: الأعلى) فهم إذا أحياء في معنى الأموات\" ا؟.\n٢- ومما يقرب من سابقه تفسير الاطلاع بما قاله الألوسي٣: \"أي تعلو أوساط القلوب وتغشاها، وتخصيصها بالذكر، لما أن الفؤاد ألطف ما في الجسد وأشده تألما بأدنى أذى يمسه، فهو أنسب بما تقدم من جميع أجزاء الجسد\".\n٣- أن المقصود بالاطلاع: العلم، قال الزمخشري٤: \"ومعنى اطلاع النار عليها أنها تعلوها وتغلبها وتشتمل عليها أو تطالع على سبيل المجاز معادن موجبها\" ا؟.\nوقد بسط هذا الرأي الأخير للزمخشري الألوسي٥ حين قال: \"..أو أن يراد الاطلاع العلمي - والكلام على سبيل المجاز - وذلك أنه لما كان لكل من المعذبين، عذاب من النار على قدر ذنبه المتولد من صفات قلبه، قيل إنها تطالع الأفئدة التي هي معادن الذنوب، فتعلم ما فيها فتجازى كلا بحسب ما فيه من الصفة المقتضية للعذاب\".\n_________\n١ انظر تفسير الطبري ج ٣٠ ص ١٩٤ ط الحلبي الثالثة بتصرف قليل، ولم يذكر الطبري وهو المفسر الموسوعي غير هذا الوجه في المسألة.\n٢ انظر تفسير القرطبي ج ٢٠ ص ١٨٥.\n٣ انظر روح المعاني للألوسي ج ٣٠ ص ٢٣١، ٢٣٢ ط الدمشقي، القاهرة، وقد نقل الألوسي أكثر عباراته في هذه المسألة عن الزمخشري، انظر الكشاف ج ٣ ص ٣٥٨، وقريب من هذا ما فعله الشوكاني في فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير ج ٥ ص ٤٩٤.\n٤ انظر الكشاف ج ٣ ص ٣٥٨.\n٥ انظر روح المعاني ج ٣٠ ص ٢٣٢، وقد وجدنا أن الألوسي قد جمع في هذه المسألة آراء العلماء السابقين بما يشبه الاستيعاب بينما مرّ بهذه الآية بعض المفسرين في عجل لا يتوانى.","vol":"1","page":211},{"text":"١- وجمع الشيخ محمد عبده١ بين قولي الزمخشري آنفي الذكر فقال: \"ولا يخفى عليك أن الفؤاد إنما يطلق على القلب، إذا لوحظ أنه بمعنى موضع الوجدان والشعور، فكأنه قال: التي تعلو مشاعرهم، ومداركهم، ومواطن الوجدان من نفوسهم، أي أن سلطان هذه النار على قوى الوجدان والشعور التي هي مواطن النيات والمقاصد، ومساكن الفضائل والرذائل، وقد قيل: إن معنى الاطلاع هنا المعرفة والعلم، أي أن هذه النار تعرف ما في الأفئدة؛ فتأخذ من تعرفهم أهلا لها، من أهل الوجدان الخبيث.\nوالنار التي تعرف٢ من يستحق العذاب بها لا تكون من النيران المعروفة لنا في الدنيا، بالضرورة، وعلى كل لا يخلو الكلام - على هذا التأويل الثاني - من التمثيل والتجوز\".\n٢- وأما القائلون بالتفسير الإشاري٣ فكان رأيهم الذي ذكره عنهم الألوسي٤ هو \"إن ما ذكر إشارة إلى العذاب الروحاني الذي هو أشد العذاب\".\nولم يبين لنا أصحاب التفسير الإشاري الفرق بين العذاب الجسماني والعذاب الروحاني!! ولم يبينوا الصلة بين ألفاظ الآية الكريمة وبين هذا العذاب.. هذا مع إيماننا بأن الله سبحانه يجمع على المجرمين أنواعا من العذاب، كما هو مفصل في آي القرآن الكريم.\nوفي نهاية المطاف: يتبين للقارئ المسلم أن كثيرا من التأويلات كانت ضدا عن الحق الواضح المشرق، وصرفا عن الصراط المستقيم إلى متاهات من الظن، وإلى أودية من الخيال والوهم.. ثم هي هجمات على الغيب المستور بشطحات العقول، وتقول على الله بغير العلم.\nوالطريقة المثلى: هي أن ننقاد لنور القرآن، وأن نعرض عن شطحات الذين يتبعون أهواءهم، وأن نطلب الحق والميزان من سنة خير الأنام صلوات الله وسلامه عليه.\nآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.\n_________\n١ انظر تفسير جزء عم يتساءلون ص ١١٨ ط الشعب.\n٢ قيل إنها تعرف أصحابها بأمارات فيهم يعرفها الله بها.\n٣ سمى القشيري كتابه في التفسير بلطائف الإشارات، ولم نجد هذه الإشارة فيه عند هذه الآية انظر اللطائف ج ٦ ص ٣٣٥.\n٤ انظر روح المعاني ج ٣٠ ص ٢٣٢.","vol":"1","page":212}]}